######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000381 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الفقه الحنبلي :: كتب الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 35 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مجموع الفتاوى #META# 030.LibURI :: JK_000381 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة ابن تيمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 1 ( كتاب توحيد الألوهية ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 8 < قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ! 8 < # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون العالم بما كان وما هو كائن وما سيكون الذي إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون الذي يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ~~سبحان الله وتعالى عما يشركون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون الذي دل على وحدانيته في الهيته أجناس ~~الآيات وأبان علمة لخليقته ما فيها من إحكام المخلوقات وأظهر قدرته على ~~بريته ما أبدعه من أصناف المحدثات وأرشد إلى فعله بسنته تنوع الأحوال ~~المختلفات وأهدى برحمته لعباده نعمه التي لا يحصيها الا رب السماوات وأعلم ~~بحكمته البالغة دلائل حمده وثنائه الذي يستحقه من جميع الحالات لا يحصى ~~العباد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه لما له من الأسماء والصفات وهو ~~المنعوت بنعوت الكمال وصفات الجلال التي لا يماثله فيها شيء من الموجودات ~~وهو القدوس السلام المتنزه أن يماثله شيء في نعوت الكمال أويلحقه شيء من ~~الآفات فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا الذي خلق PageV01P001 ~~السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا # أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان ~~الله عزيزا حكيما مبشرين لمن أطاعهم بغاية المراد من كل ما تحبه النفوس ~~وتراه نعيما ومنذرين لمن عصاهم باللعن والإبعاد وأن يعذبوا عذابا أليما ~~وأمرهم بدعاء الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له مخلصين له الدين ولو كره ~~المشركون كما قال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون @QE@ وجعل ~~لكل منهم شرعة ومنهاجا ليستقيموا إليه ولا يبغوا عنه اعوجاجا # وختمهم بمحمد افضل الأولين والآخرين وصفوة رب ms0001 العالمين الشاهد البشير ~~النذير الهادي السراج المنير الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور ~~وهداهم إلى صراط العزيز الحميد @QB@ الله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد @QE@ بعثه بأفضل المناهج والشرع وأحبط به ~~أصناف الكفر والبدع وأنزل عليه أفضل الكتب والأنباء وجعله مهيمنا على ما ~~بين يديه من كتب السماء # وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون ~~بالله يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله هو شهيد عليهم وهم شهداء ~~على الناس في الدنيا والآخرة بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة والظاهرة ~~وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة إذ لم يبق بعده نبي يبين ما بدل من الرسالة ~~وأكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمه ورضى لهم الاسلام دينا وأظهره على ~~PageV01P002 الدين كله إظهارا بالنصرة والتمكين وإظهارا بالحجة والتبيين ~~وجعل فيهم علماءهم ورثة الأنبياء يقومون مقامهم في تبليغ ما أنزل من الكتاب ~~وطائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ~~إلى حين الحساب # وحفظ لهم الذكر الذي أنزله من الكتاب المكنون كما قال تعالى @QB@ إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ فلا يقع في كتابهم من التحريف والتبديل ~~كما وقع من أصحاب التوراة والإنجيل # وخصهم بالرواية والإسناد الذي يميز به بين الصدق والكذب الجهابذة النقاد ~~وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدو له أهل العلم والدين ينفون عنه تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين لتدوم بهم النعمة على الأمة ~~ويظهر بهم النور من الظلمة ويحيى بهم دين الله الذي بعث به رسوله وبين الله ~~بهم للناس سبيله فأفضل الخلق أتبعهم لهذا النبي الكريم المنعوت في قوله ~~تعالى @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ # وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له رب العالمين وإله المرسلين ~~وملك يوم الدين # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى الناس أجمعين أرسله والناس من ~~الكفر والجهل ms0002 والضلال في أقبح خيبة وأسوأ حال فلم يزل يجتهد في تبليغ الدين ~~وهدي العالمين وجهاد الكفار والمنافقين حتى طلعت شمس الإيمان وأدبر ليل ~~البهتان وعز جند الرحمن وذل حزب الشيطان وظهر نور الفرقان واشتهرت تلاوة ~~القرآن وأعلن بدعوة الأذان PageV01P003 واستنار بنور الله أهل البوادي ~~والبلدان وقامت حجة الله على الانس والجان لما قام المستجيب من معد بن ~~عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان صلاة يرضى بها ~~الملك الديان وسلم تسليما مقرونا بالرضوان # أما بعد فإنه لا سعادة للعباد ولا نجاة في المعاد الا باتباع رسوله ومن ~~يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ~~العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب ~~مهين فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التي عليه تدور ومستقر النجاة الذي عنه ~~لا تحور # فإن الله خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون @QE@ وإنما تعبدهم بطاعته وطاعة رسوله فلا عبادة الا ما هو واجب أو ~~مستحب في دين الله وما سوى ذلك فضلال عن سبيله ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أخرجاه في الصحيحين وقال صلى الله ~~عليه وسلم في حديث العرباض بن ساريه الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي أنه ~~من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ~~فإن كل بدعة ضلالة وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره أنه كان يقول في ~~خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل ~~بدعة ضلالة # وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو من أربعين موضعا من القرآن ~~كقوله تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقوله تعالى ~~PageV01P004 @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما ms0003 فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وقوله تعالى @QB@ قل أطيعوا الله ~~والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ فجعل محبة ~~العبد لربه موجبة لاتباع الرسول وجعل متابعة الرسول سببا لمحبة الله عبده ~~وقد قال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ فما أوحاه ~~الله إليه يهدى الله به من يشاء من عباده كما أنه بذلك هداه الله تعالى كما ~~قال تعالى @QB@ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ~~ربي @QE@ وقال تعالى @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من ~~اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم @QE@ # فبمحمد صلى الله عليه وسلم تبين الكفر من الايمان والربح من الخسران ~~والهدي من الضلال والنجاة من الوبال والغي من الرشاد والزيغ من السداد وأهل ~~الجنة من أهل النار والمتقون من الفجار وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من سبيل المغضوب عليهم والضالين # فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب فإن ~~هذا إذا فات حصل الموت في الدنيا وذاك إذا فات حصل العذاب # فحق على كل أحد بذل جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته إذ ~~PageV01P005 هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة في دار النعيم ~~والطريق إلى ذلك الرواية والنقل إذ لا يكفي من ذلك مجرد العقل بل كما أن ~~نور العين لا يرى الا مع ظهور نور قدامه فكذلك نور العقل لا يهتدي الا إذا ~~طلعت عليه شمس الرسالة فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الاسلام وكان ~~معرفة ما أمر الله به رسوله واجبا على جميع الأنام # والله سبحانه بعث محمدا بالكتاب ms0004 والسنة وبهما أتم على أمته المنة قال ~~تعالى @QB@ ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ~~يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون @QE@ وقال تعالى @QB@ لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة @QE@ وقال تعالى @QB@ واذكروا نعمة الله عليكم وما ~~أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به @QE@ وقال تعالى @QB@ هو الذي بعث ~~في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~@QE@ وقال تعالى عن الخليل ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم وقال تعالى @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من آيات الله والحكمة @QE@ وقد قال غير واحد من العلماء منهم يحيى بن أبي ~~كثير وقتادة والشافعي وغيرهم الحكمة هي السنة لأن الله أمر أزواج نبيه أن ~~يذكرن ما يتلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة والكتاب القرآن وما سوى ذلك مما ~~كان الرسول يتلوه هو السنة وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة ~~أوجه من حديث أبي رافع PageV01P006 وأبي ثعلبة وغيرهما أنه قال لا ألفين ~~أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول ~~بيننا وبينكم القرآن فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من ~~حرام حرمناه ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه وفي رواية ألا وإنه مثل ~~الكتاب # ولما كان القرآن متميزا بنفسه لما خصه الله به من الإعجاز الذي باين به ~~كلام الناس كما قال تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ وكان منقولا ~~بالتواتر لم يطمع أحد في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه ولكن طمع الشيطان أن ~~يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل وطمع أن يدخل في ~~الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد # فأقام الله تعالى الجهابذة النقاد أهل الهدي ms0005 والسداد فدحروا حزب الشيطان ~~وفرقوا بين الحق من البهتان وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة ~~في ذلك والنقصان # وقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى المسلمين مقام أهل الفقه ~~الذين فقهوا معاني القرآن والحديث بدفع ما وقع في ذلك من الخطأ في القديم ~~والحديث وكان من ذلك الظاهر الجلي الذي لا يسوغ عنه العدول ومنه الخفى الذي ~~يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول # وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والاسناد فسافروا في ذلك إلى ~~البلاد وهجروا فيه لذيذ الرقاد وفارقوا الأموال والأولاد وأنفقوا فيه ~~الطارف والتلاد وصبروا فيه على النوائب وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب ~~PageV01P007 ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة والقصص المأثورة ما هو عند ~~أهله معلوم ولمن طلب معرفته معروف مرسوم بتوسد أحدهم التراب وتركهم لذيذ ~~الطعام والشراب وترك معاشرة الأهل والأصحاب والتصبر على مرارة الإغتراب ~~ومقاساة الأهوال الصعاب أمر حببه الله إليهم وحلاه ليحفظ بذلك دين الله كما ~~جعل البيت مثابة للناس وأمنا يقصدونه من كل فج عميق ويتحملون فيه أمورا ~~مؤلمة تحصل في الطريق وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال حكمة ~~من الله يحفظ بها الدين ليهدي المهتدين ويظهر به الهدي ودين الحق الذي بعث ~~به رسوله ولو كره المشركون # فمن كان مخلصا في أعمال الدين يعملها لله كان من أولياء الله المتقين أهل ~~النعيم المقيم كما قال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم @QE@ # وقد فسر النبي البشرى في الدنيا بنوعين # أحدهما ثناء المثنين عليه # الثاني الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له فقيل يا رسول الله ~~الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن وقال ~~البراء بن عازب سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا فقال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له ms0006 # والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله الربان الحافظون له من ~~الزيادة والنقصان هم من أعظم أولياء الله المتقين وحزبه PageV01P008 ~~المفلحين بل لهم مزية على غيرهم من أهل الايمان والأعمال الصالحات كما قال ~~تعالى @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات @QE@ قال ~~بن عباس يرفع الله # وعلم الاسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد وجعله سلما إلى الدراية ~~فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات وهكذا المبتدعون من هذه ~~الأمة أهل الضلالات وإنما الاسناد لمن أعظم الله عليه المنة أهل الاسلام ~~والسنة يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم # وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد ~~وعليها من دينهم الإعتماد وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل ولا الحالي من ~~العاطل # وأما هذه الأمة المرحومة وأصحاب هذه الأمة المعصومة فإن أهل العلم منهم ~~والدين هم من أمرهم على يقين فظهر لهم الصدق من المين كما يظهر الصبح لذي ~~عينين عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله معقول أو منقول وأمرهم إذا ~~تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول كما قال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا @QE@ # فإذا اجتمع أهل الفقه على القول بحكم لم يكن إلا حقا وإذا اجتمع أهل ~~PageV01P009 الحديث على تصحيح حديث لم يكن الا صدقا ولكل من الطائفتين من ~~الاستدلال على مطلوبهم بالجلي والخفي ما يعرف به من هو بهذا الأمر حفي ~~والله تعالى يلهمهم الصواب في هذه القضية كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية ~~وكما عرف ذلك بالتجربة الوجودية فإن الله كتب في قلوبهم الايمان وايدهم ~~بروح منه لما صدقوا في موالاة الله ورسوله ومعاداة من عدل عنه قال تعالى ~~@QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ms0007 أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ # وأهل العلم المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الناس قياما بهذه ~~الأصول لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم بل ~~يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه ويتكلم في أحب الناس إليه عملا بقوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير ~~بما تعملون @QE@ # ولهم من التعديل والتجريح والتضعيف والتصحيح من السعي المشكور والعمل ~~المبرور ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته عن إحداث المفترين وهم في ذلك ~~على درجات منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية ومنهم أهل المعرفة بالحديث ~~والدراية ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه PageV01P010 وقد أمر النبي ~~الأمة أن يبلغ عنه من شهد لمن غاب ودعا للمبلغين بالدعاء المستجاب فقال في ~~الحديث الصحيح بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج ومن كذب ~~علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وقال أيضا في خطبته في حجة الوداع الا ~~ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع # وقال أيضا نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل ~~فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم ~~اخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط ~~من ورائهم وفي هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيها ودعاء لمن بلغه ~~وإن كان المستمع أفقه من المبلغ لما أعطى المبلغون من النضرة ولهذا قال ~~سفيان بن عيينة لا تجد أحدا من أهل الحديث الا وفي وجهه نضرة لدعوة النبي ms0008 ~~يقال نضر ونضر والفتح أفصح # ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظمون نقلة الحديث حتى قال الشافعي ~~رضي الله عنه إذا رأيت رجلا من أهل الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإنما قال الشافعي هذا لأنهم في مقام الصحابة من تبليغ ~~حديث النبي وقال الشافعي أيضا أهل الحديث حفظوا فلهم علينا الفضل لأنهم ~~حفظوا لنا أه PageV01P011 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ### || ( قاعدة في الجماعة والفرقة ( وسبب ذلك ونتيجته # قال الله تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ # أخبر سبحانه أنه شرع لنا ما وصى به نوحا والذى أوحاه إلى محمد وما وصى به ~~الثلاثة المذكورين # وهؤلاء هم أولوا العزم المأخوذ عليهم الميثاق في قوله @QB@ وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم @QE@ وقوله ~~@QB@ ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به @QE@ فجاء في حق محمد ~~باسم الذى وبلفظ الإيحاء وفى سائر الرسل بلفظ [ الوصيه ] # ثم قال @QB@ أن أقيموا الدين @QE@ وهذا تفسير الوصية و ( أن المفسرة التى ~~تأتى بعد فعل من معنى القول لا من لفظه كما في قوله @QB@ ثم أوحينا إليك أن ~~اتبع @QE@ @QB@ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا ~~الله @QE@ والمعنى قلنا لهم اتقوا الله فكذلك قوله @QB@ أن أقيموا الدين ~~@QE@ في معنى قال لكم من الدين ما وصى به رسلا قلنا أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه فالمشروع لنا هو الموصى به والموحى وهو @QB@ أقيموا الدين @QE@ ~~فأقيموا الدين مفسر PageV01P012 للمشروع لنا الموصى به الرسل والموحى إلى ~~محمد فقد يقال الضمير في أقيموا عائد الينا ويقال هو عائد إلى المرسل ويقال ~~هو عائد إلى الجميع وهذا أحسن ونظيره أمرتك بما أمرت به زيدا أن أطع الله ~~ووصيتكم بما وصيت بنى فلان أن افعلوا فعلى الأول يكون بدلا من ( ما ) أى ~~شرع لكم @QB@ أن أقيموا @QE@ وعلى الثانى ms0009 شرع ( ما ) خاطبهم @QB@ أقيموا ~~@QE@ فهو بدل أيضا وذكر ما قيل للأولين وعلى الثالث شرع الموصى به @QB@ ~~أقيموا @QE@ فلما خاطب بهذه الجماعة بعد الإخبار بأنها مقولة لنا ومقولة ~~لهم علم أن الضمير عائد إلى الطائفتين جميعا وهذا أصح إن شاء الله والمعنى ~~على التقديرين الأولين يرجع إلى هذا فإن الذى شرع لنا هو الذى وصى به الرسل ~~وهو الآمر بإقامة الدين والنهى عن التفرق فيه ولكن التردد في أن الضمير ~~تناولهم لفظه وقد علم أنه قيل لنا مثله أو بالعكس أو تناولنا جميعا # وإذا كان الله قد أمر الأولين والآخرين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه ~~وقد أخبر أنه شرع لنا ما وصى به نوحا والذى أوحاه إلى محمد فيحتمل # شيئين أحدهما أن يكون ما أوحاه إلى محمد يدخل فيه شريعته التى تختص بنا ~~فإن جميع ما بعث به محمد قد أوحاه إليه من الأصول والفروع بخلاف نوح وغيره ~~من الرسل فإنما شرع لنا من الدين ما وصوا به من إقامة الدين وترك التفرق ~~فيه والدين الذى اتفقوا عليه هو الأصول فتضمن الكلام أشياء PageV01P013 # أحدها أنه شرع لنا الدين المشترك وهو الإسلام والإيمان العام والدين ~~المختص بنا وهو الإسلام والإيمان الخاص # الثانى أنه أمرنا بإقامة هذا الدين كله المشترك والمختص ونهانا عن التفرق ~~فيه # الثالث أنه أمر المرسلين بإقامة الدين المشترك ونهاهم عن التفرق فيه # الرابع أنه لما فصل بقوله @QB@ والذي أوحينا إليك @QE@ بين قوله @QB@ ما ~~وصى به نوحا @QE@ وقوله @QB@ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى @QE@ أفاد ~~ذلك # ثم قال بعد ذلك @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم @QE@ فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجيء العلم الذى بين ~~لهم ما يتقون فإن الله ما كان ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون # وأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغيا والبغى مجاوزة الحد كما قال إبن عمر الكبر ~~والحسد وهذا بخلاف التفرق عن إجتهاد ليس فيه علم ولا قصد به البغى كتنازع ~~العلماء ms0010 السائغ والبغى إما تضييع للحق وإما تعد للحد فهو إما ترك واجب وإما ~~فعل محرم فعلم أن موجب التفرق هو ذلك # وهذا كما قال عن أهل الكتاب @QB@ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة @QE@ فأخبر أن نسيانهم حظا مما ذكروا به وهو ترك العمل ببعض ما ~~أمروا به كان سببا لإغراء العداوة والبغضاء بينهم وهكذا هو الواقع في أهل ~~ملتنا مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها وكثير من فروعه من ~~أهل PageV01P014 الأصول والفروع ومثلما نجده بين العلماء وبين العباد ممن ~~يغلب عليه الموسوية أو العيسوية حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين اللتين قالت ~~كل واحدة ليست الأخرى على شيء # كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة والمتصوف المتمسك منه ~~بأعمال باطنة كل منهما ينفى طريقة الآخر ويدعى أنه ليس من أهل الدين أو ~~يعرض عنه إعراض من لا يعده من الدين فتقع بينهما العداوة والبغضاء وذلك أن ~~الله أمر بطهارة القلب وأمر بطهارة البدن وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر ~~الله به وأوجبه قال تعالى @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم @QE@ وقال @QB@ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ~~يحب المطهرين @QE@ وقال @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ ~~وقال @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها @QE@ وقال @QB@ أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم @QE@ وقال @QB@ إنما المشركون نجس @QE@ ~~وقال @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ # فنجد كثيرا من المتفقهة والمتعبدة إنما همته طهارة البدن فقط ويزيد فيها ~~على المشروع اهتماما وعملا ويترك من طهارة القلب ما أمر به إيجابا أو ~~استحبابا ولا يفهم من الطهارة الا ذلك ونجد كثيرا من المتصوفة والمتفقرة ~~إنما همته طهارة القلب فقط حتى يزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا ويترك ~~من طهارة البدن ما أمر به إيجابا أو استحبابا # فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء وتنجيس ms0011 ما ليس ~~بنجس واجتناب ما لا يشرع اجتنابه مع اشتمال قلوبهم على أنواع من ~~PageV01P015 الحسد والكبر والغل لإخوانهم وفي ذلك مشابهة بينة لليهود # والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة فيبالغون في سلامة الباطن حتى ~~يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر الذي يجب اتقاؤه من سلامة الباطن ولا ~~يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهى عنه وبين سلامة القلب من ~~معرفة الشر المعرفة المأمور بها ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون ~~النجاسات ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى # وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به والبغى الذي هو ~~مجاوزة الحد إما تفريطا وتضييعا للحق وإما عدوانا وفعلا للظلم والبغى تارة ~~يكون من بعضهم على بعض وتارة يكون في حقوق الله وهما متلازمان ولهذا قال ~~بغيا بينهم فإن كل طائفة بغت على الآخرى فلم تعرف حقها الذي بأيديها ولم ~~تكف عن العدوان عليها # وقال تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة @QE@ وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة @QE@ الآية وقال ~~تعالى في موسى بن عمران مثل ذلك وقال @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات @QE@ وقال @QB@ إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ وقال @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ~~من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ PageV01P016 ~~لأن المشركين كل منهم يعبد إلها يهواه كما قال في الآية الأولى @QB@ كبر ~~على المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ وقال @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم ms0012 أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ فظهر أن سبب ~~الإجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله وهوعبادة الله وحده لا شريك له ~~كما أمر به باطنا وظاهرا # وسبب الفرقة ترك حظ مما أمر العبد به والبغى بينهم # ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض ~~الوجوه # ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم وهذا ~~أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة فإنهم اذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله ~~بذلك مرحومين فلا تكون طاعة لله ورحمته بفعل لم يأمر الله به من إعتقاد أو ~~قول أو عمل فلو كان القول أو العمل الذى إجتمعوا عليه لم يأمر الله به لم ~~يكن ذلك طاعة لله ولا سببا لرحمته وقد إحتج بذلك أبو بكر عبد العزيز في أول ~~( التنبيه ( نبه على هذه النكتة PageV01P017 ### |PARATEXT| # وقال ### ||| فصل # قال في الحديث المشهور في السنن من رواية فقيهى الصحابة عبد الله بن ~~مسعود وزيد بن ثابت ( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ~~ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم وفى حديث أبى ~~هريرة المحفوظ ( إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ( # فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث إخلاص العمل لله ومناصحة أولى ~~الأمر ولزوم جماعة المسلمين وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده وتجمع ~~الحقوق التى لله ولعباده وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة # وبيان ذلك أن الحقوق قسمان حق لله وحق لعباده فحق الله أن نعبده ولا نشرك ~~به شيئا كما جاء لفظه في أحد الحديثين وهذا معنى إخلاص العمل لله كما جاء ~~في الحديث الآخر وحقوق العباد قسمان خاص وعام أما الخاص فمثل بر كل إنسان ~~والديه وحق زوجته وجاره فهذه من فروع الدين لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها ~~عليه ولأن مصلحتها خاصة فردية # وأما الحقوق العامة فالناس ms0013 نوعان رعاة ورعية فحقوق الرعاة مناصحتهم وحقوق ~~الرعية لزوم جماعتهم فإن مصلحتهم لا تتم إلا بإجتماعهم وهم لا يجتمعون ~~PageV01P018 على ضلالة بل مصلحة دينهم ودنياهم في إجتماعهم وإعتصامهم بحبل ~~الله جميعا فهذه الخصال تجمع أصول الدين # وقد جاءت مفسرة في الحديث الذى رواه مسلم عن تميم الدارى قال قال رسول ~~الله ( الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة ( قالوا لمن يا رسول ~~الله قال ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ( # فالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل في حق الله وعبادته وحده لا شريك له ~~والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم فإن ~~لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة وأما النصيحة الخاصة لكل واحد واحد منهم ~~بعينه فهذه يمكن بعضها ويتعذر إستيعابها على سبيل التعيين PageV01P019 ### || 1 ( قاعدة فى توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له ) 1 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد ~~لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله تسليما # وبعد فهذه قاعدة جليلة في توحيد الله وإخلاص الوجه ~~والعمل له عبادة وإستعانة قال الله تعالى @QB@ قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء @QE@ الآية ~~وقال تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك ~~بخير فهو على كل شيء قدير @QE@ # وقال تعالى في الآية الأخرى @QB@ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ~~وإن يردك بخير فلا راد لفضله @QE@ وقال تعالى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ # وقال تعالى @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ # وقال تعالى @QB@ يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير @QE@ # وقال تعالى @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ # وقال تعالى @QB@ قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ms0014 أرادني الله بضر هل ~~هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته @QE@ الآية PageV01P020 ~~وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك ~~إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون @QE@ # وقال تعالى @QB@ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب ~~عباده خبيرا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما @QE@ الآية # وقال تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة @QE@ الآية ونظائر هذا في القرآن كثير وكذلك ~~في الأحاديث وكذلك في إجماع الأمة لا سيما أهل العلم والإيمان منهم فإن هذا ~~عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع # ونبين هذا بوجوه نقدم قبلها مقدمة وذلك أن العبد بل كل حى بل وكل مخلوق ~~سوى الله هو فقير محتاج إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره والمنفعة للحى هي من ~~جنس النعيم واللذة والمضرة هي من جنس الألم والعذاب فلابد له من أمرين # أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذى ينتفع ويلتذ به # والثانى هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع من دفع المكروه ~~وهذان هما الشيئان المنفصلان الفاعل والغاية فهنا أربعة أشياء # أحدها أمر هو محبوب مطلوب الوجود PageV01P021 # والثانى أمر مكروه مبغض مطلوب العدم # والثالث الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب # والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه فهذه الأربعة الأمور ضرورية للعبد بل ~~ولكل حى لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها وأما ما ليس بحى فالكلام فيه على وجه ~~آخر # إذا تبين ذلك فبيان ما ذكرته من وجوه # أحدها أن الله ms0015 تعالى هو الذى يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب وهو ~~المعين على المطلوب وما سواه هو المكروه وهو المعين على دفع المكروه فهو ~~سبحانه الجامع للأمور الأربعه دون ما سواه وهذا معنى قوله @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب لكن على أكمل الوجوه ~~والمستعان هو الذى يستعان به على المطلوب فالأول من معنى الألوهية # والثانى من معنى الربوبية إذ الاله هو الذى يؤله فيعبد محبة وإنابة ~~وإجلالا وإكراما والرب هو الذى يربى عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع ~~أحواله من العبادة وغيرها وكذلك قوله تعالى @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب ~~@QE@ وقوله @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقوله @QB@ عليك توكلنا وإليك ~~أنبنا وإليك المصير @QE@ وقوله تعالى @QB@ وتوكل على الحي الذي لا يموت ~~وسبح بحمده @QE@ وقوله تعالى @QB@ عليه توكلت وإليه متاب @QE@ وقوله @QB@ ~~وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ فهذه ~~سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين PageV01P022 # الوجه الثانى ان الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ~~ومحبته والإخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم ولا ~~شيء يعطيهم في الآخرة أحب اليهم من النظر إليه ولا شيء يعطيهم في الدنيا ~~أعظم من الإيمان به # وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم ~~وربوبيته إياهم فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم وبذلك يصيرون عاملين ~~متحركين ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال بل من أعرض ~~عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى # ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولهذا كانت ~~لا إله إلا الله أحسن الحسنات وكان التوحيد بقول لا إله إلا الله رأس الأمر # فأما توحيد الربوبية الذى أقر به الخلق وقرره أهل الكلام فلا يكفى وحده ~~بل هو من الحجة عليهم وهذا معنى ما يروى ( يا إبن آدم خلقت كل شيء لك ~~وخلقتك لى فبحقى عليك أن لا تشتغل بما خلقته ms0016 لك عما خلقتك له وإعلم أن هذا ~~حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا كما في الحديث الصحيح الذى ~~رواه معاذ عن النبى أنه قال ( أتدرى ما حق الله على عباده قال قلت الله ~~ورسوله أعلم قال حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدرى ما ~~حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قال قلت الله ورسوله أعلم قال حقهم أن لا ~~يعذبهم PageV01P023 # وهو يحب ذلك ويرضى به ويرضى عن أهله ويفرح بتوبة من عاد إليه كما أن في ~~ذلك لذة العبد وسعادته ونعيمه وقد بينت بعض معنى محبة الله لذلك وفرحه به ~~في غير هذا الموضع # فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ويتنعم بالتوجه إليه الا ~~الله سبحانه ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ~~ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم ~~@QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ~~@QE@ فإن قوامهما بأن تأله الاله الحق فلو كان فيهما آلهة غير الله لم يكن ~~إلها حقا إذ الله لا سمى له ولا مثل له فكانت تفسد لإنتفاء ما به صلاحها ~~هذا من جهة الإلهية # وأما من جهة الربوبية فشيء آخر كما نقرره في موضعه # واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئا ليس له نظير ~~فيقاس به لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب وبينهما ~~فروق كثيرة # فإن حقيقة العبد قلبه وروحه وهى لا صلاح لها إلا بالهها الله الذى لا إله ~~إلا هو فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهى كادحة إليه كدحا فملاقيته ولابد ~~لها من لقائه ولا صلاح لها إلا بلقائه # ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك بل ينتقل من نوع إلى ~~نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في وقت وفى بعض الأحوال وتارة أخرى يكون ms0017 ~~ذلك الذى يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له بل قد PageV01P024 يؤذيه ~~إتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك # وأما الهه فلابد له منه في كل حال وكل وقت وأينما كان فهو معه ولهذا قال ~~امامنا ( إبراهيم ) الخليل صلى الله عليه وسلم ( لا أحب الآفلين ) وكان ~~أعظم آية في القرآن الكريم @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ وقد ~~بسطت الكلام في معنى القيوم في موضع آخر وبينا أنه الدائم الباقى الذى لا ~~يزول ولا يعدم ولا يفنى بوجه من الوجوه # واعلم أن هذا الوجه مبنى على أصلين # أحدهما على أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان ~~وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان وكما دل عليه القرآن لا كما يقول ~~من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم إن عبادته تكليف ومشقة وخلاف مقصود القلب ~~لمجرد الإمتحان والإختبار أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزله ~~وغيرهم فإنه وإن كان في الأعمال الصالحه ما هو على خلاف هوى النفس والله ~~سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة كما قال تعالى @QB@ ~~ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب @QE@ الآيه وقال صلى الله عليه وسلم ~~لعائشة أجرك على قدر نصبك فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعى وإنما ~~وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها وهذا يفسر في موضعه # ولهذا لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان ~~والعمل الصالح أنه تكليف كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة وإنما ~~جاء ذكر التكليف في موضع النفى كقوله @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~@QE@ PageV01P025 لا تكلف إلا نفسك @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~@QE@ أي وإن وقع في الأمر تكليف فلا يكلف إلا قدر الوسع لا أنه يسمى جميع ~~الشريعة تكليفا مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب ولذات الأرواح وكمال ~~النعيم وذلك لإرادة وجه الله والإنابة إليه وذكره وتوجه الوجه إليه فهو ~~إلإله الحق الذى تطمئن إليه القلوب ولا يقوم غيره مقامه في ذلك ms0018 أبدا قال ~~الله تعالى @QB@ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا @QE@ فهذا أصل # ( الأصل الثانى ) النعيم في الدار الآخرة أيضا مثل النظر إليه لا كما ~~يزعم طائفة من أهل الكلام ونحوهم أنه لا نعيم ولا لذة إلا بالمخلوق من ~~المأكول والمشروب والمنكوح ونحو ذلك بل اللذة والنعيم التام في حظهم من ~~الخالق سبحانه وتعالى كما في الدعاء المأثور ( اللهم إنى أسألك لذة النظر ~~إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة رواه النسائى ~~وغيره وفى صحيح ( مسلم ( وغيره عن ( صهيب ( عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال اذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنه إن لكم عند الله موعدا ~~يريد ان ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من ~~النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه سبحانه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم من ~~النظر إليه وهو الزيادة # فبين النبى أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم الله في الجنة لم يعطهم شيئا ~~أحب اليهم من النظر إليه وإنما يكون أحب اليهم لأن تنعمهم وتلذذهم به أعظم ~~من التنعم والتلذذ بغيره فإن اللذة تتبع الشعور بالمحبوب فكلما كان الشيء ~~أحب إلى الإنسان كان حصوله ألذ له وتنعمه به أعظم PageV01P026 وروى أن يوم ~~الجمعة يوم المزيد وهو يوم الجمعة من أيام الآخرة وفى الأحاديث والآثار ما ~~يصدق هذا قال الله تعالى في حق الكفار @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم @QE@ فعذاب الحجاب أعظم أنواع العذاب ولذة ~~النظر إلى وجهه أعلى اللذات ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم ~~منه تعالى # وهذان الاصلان ثابتان في الكتاب والسنة وعليهما أهل العلم والإيمان ~~ويتكلم فيهما مشايخ الصوفية العارفون وعليهما أهل السنة والجماعة وعوام ~~الأمة وذلك من فطرة الله التى فطر الناس عليها # وقد يحتجون على من ينكرها بالنصوص والآثار تارة وبالذوق والوجد أخرى إذا ~~أنكر اللذة فإن ذوقها ووجدها ينفى إنكارها وقد يحتجون بالقياس في الأمثال ~~تارة وهى الأقيسة العقلية # الوجه الثالث ms0019 أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر ولا عطاء ولا منع ~~ولا هدى ولا ضلال ولا نصر ولا خذلان ولا خفض ولا رفع ولا عز ولا ذل بل ربه ~~هو الذى خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمه فإذا مسه الله بضر فلا ~~يكشفه عنه غيره وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه وأما العبد فلا ينفعه ~~ولا يضره إلا بإذن الله وهذا الوجه أظهر للعامة من الأول ولهذا خوطبوا به ~~في القرآن أكثر من الأول لكن إذا تدبر اللبيب طريقة القرآن وجد أن الله ~~يدعو عبادة بهذا الوجه إلى الأول # فهذا الوجه يقتضى التوكل على الله والإستعانة به ودعاءه ومسألته دون ما ~~سواه ويقتضى أيضا محبة الله وعبادته لاحسانه إلى عبده وإسباغ PageV01P027 ~~نعمه عليه وحاجة العبد إليه في هذه النعم ولكن إذا عبدوه وأحبوه وتوكلوا ~~عليه من هذا الوجه دخلوا في الوجه الأول ونظيره في الدنيا من نزل به بلاء ~~عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى فتح له من ~~لذة مناجاته ما كان أحب إليه من تلك الحاجة التى قصدها أولا ولكنه لم يكن ~~يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى ~~الله دون ما سواه ومن ذكر نعمائه عليهم ومن ذكر ما وعدهم في الآخرة من صنوف ~~النعيم واللذات وليس عند المخلوق شيء من هذا فهذا الوجه يحقق التوكل على ~~الله والشكر له ومحبته على إحسانه # الوجه الرابع أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه اذا أخذ منه ~~القدرالزائد على حاجته في عبادة الله فانه ان نال من الطعام والشراب فوق ~~حاجته ضره وأهلكه وكذلك من النكاح واللباس وان أحب شيئا حبا تاما بحيث ~~يخالله فلابد أن يسأمه أو يفارقه وفى الاثر المأثور أحبب ما شئت فانك ~~مفارقه واعمل ما شئت فانك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان # واعلم أن كل من أحب شيئا لغير الله فلا بد ان يضره محبوبه ويكون ms0020 ذلك سببا ~~لعذابه ولهذا كان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~يمثل لأحدهم كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ بلهزمته يقول انا كنزك انا ~~مالك # وكذلك نظائر هذا في الحديث يقول الله يوم القيامة ( يا بن آدم أليس عدلا ~~منى أن أولى كل رجل منكم ما كان يتولاه في الدنيا ( وأصل التولى ~~PageV01P028 الحب فكل من أحب شيئا دون الله ولاه الله يوم القيامة ما تولاه ~~وأصلاه جهنم وساءت مصيرا فمن أحب شيئا لغير الله فالضرر حاصل له ان وجد أو ~~فقد فإن فقد عذب بالفراق وتألم وان وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما ~~يحصل له من اللذة وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء وكل من احب شيئا دون ~~الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته فصارت المخلوقات وبالا عليه الا ~~ما كان لله وفى الله فإنه كمال وجمال للعبد وهذا معنى ما يروى عن النبى ( ) ~~أنه قال ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه ( رواه ~~الترمذى وغيره # الوجه الخامس إن إعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب الضرر من جهته ~~فإنه يخذل من تلك الجهة وهو أيضا معلوم بالإعتبار والإستقراء ما علق العبد ~~رجاءه وتوكله بغير الله الا خاب من تلك الجهة ولا إستنصر بغير الله إلا خذل ~~وقد قال الله تعالى @QB@ واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا @QE@ # وهذان الوجهان في المخلوقات نظير العبادة والإستعانة في المخلوق فلما قال ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ كان صلاح العبد في عبادة الله وإستعانته ~~وكان في عبادة ما سواه والإستعانة بما سواه مضرته وهلاكه وفساده # الوجه السادس إن الله سبحانه غنى حميد كريم واجد رحيم فهو سبحانه محسن ~~إلى عبده مع غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة إليه من ~~العبد ولا لدفع مضرة بل رحمة وإحسانا والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا ~~لحظوظهم فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه ويجلبوا PageV01P029 له ~~منفعة ويدفعوا ms0021 عنه مضرة ما وإن كان ذلك أيضا من تيسير الله تعالى فإنهم لا ~~يفعلون ذلك الا لحظوظهم من العبد اذا لم يكن العمل لله فإنهم إذا أحبوه ~~طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر فإذا ~~أحبوا الأنبياء والأولياء طلبوا لقاءهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع ~~كلامهم ونحو ذلك # وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه فهو يجب أن ينال ~~حظه من تلك المحبة ولولا التذاذه بها لما أحبه وإن جلبوا له منفعة كخدمة أو ~~مال أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو ولو بالدعاء أو الثناء فهم يطلبون العوض ~~إذا لم يكن العمل لله فاجناد الملوك وعبيد المالك وأجراء الصانع وأعوان ~~الرئيس كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة ~~المخدوم إلا أن يكون قد علم وأدب من جهة أخرى فيدخل ذلك في الجهة الدينية ~~أو يكون فيها طبع عدل وإحسان من باب المكأفاة والرحمة والا فالمقصود بالقصد ~~الأول هو منفعة نفسه وهذا من حكمة الله التى أقام بها مصالح خلقه وقسم ~~بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا # إذا تبين هذا ظهر أن المخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول بل إنما يقصد ~~منفعته بك وإن كان ذلك قد يكون عليك فيه ضرر اذا لم يراع العدل فإذا دعوته ~~فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه # والرب سبحانه يريد لك ولمنفعتك بك لا لينتفع بك وذلك منفعة عليك بلا مضرة ~~فتدبر هذا فملاحظة هذا الوجه يمنعك أن ترجو المخلوق أو PageV01P030 تطلب ~~منه منفعة لك فإنه لا يريد ذلك بالقصد الأول كما أنه لا يقدر عليه ولا ~~يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان اليهم وإحتمال الأذى منهم بل أحسن ~~اليهم لله لا لرجائهم وكما لا تخفهم فلا ترجهم وخف الله في الناس ولا تخف ~~الناس في الله وارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله وكن ممن قال الله ms0022 ~~فيه @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى ~~إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى @QE@ وقال فيه @QB@ إنما نطعمكم لوجه الله لا ~~نريد منكم جزاء ولا شكورا @QE@ # الوجه السابع أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك وإن كان ذلك ضررا ~~عليك فإن صاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا قضاءها # الوجه الثامن انه إذا أصابك مضرة كالخوف والجوع والمرض فإن الخلق لا ~~يقدرون على دفعها إلا بإذن الله ولا يقصدون دفعها إلا لغرض لهم في ذلك # الوجه التاسع إن الخلق لو إجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه ~~الله لك ولو إجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك فهم لا ~~ينفعونك إلا بإذن الله ولا يضرونك إلا بإذن الله فلا تعلق بهم رجاءك # قال الله تعالى @QB@ أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن ~~الكافرون إلا في غرور أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ~~ونفور @QE@ والنصر يتضمن دفع الضرر والرزق يتضمن حصول المنفعة PageV01P031 ~~قال الله تعالى @QB@ فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف @QE@ وقال تعالى @QB@ أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء ~~رزقا من لدنا @QE@ وقال الخليل عليه السلام @QB@ رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~وارزق أهله من الثمرات @QE@ الآية وقال النبى ( هل ترزقون وتنصرون إلا ~~بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم PageV01P032 ### ||| فصل # جماع هذا إنك أنت إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها ~~كما ينبغى فغيرك من الناس أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك ولا قادرا عليها ~~ولا مريدا لها والله سبحانه هو الذى يعلم ولا تعلم ويقدر ولا تقدر ويعطيك ~~من فضله العظيم كما في حديث الإستخارة ( اللهم إنى أستخيرك بعلمك وأستقدرك ~~بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام ~~الغيوب PageV01P033 ### ||| فصل # وهو مثل المقدمة لهذا الذى أمامه وهو أن كل إنسان فهو همام حارث ms0023 حساس ~~متحرك بالإرادة بل كل حى فهو كذلك له علم وعمل بإرادته والإرادة هي المشيئة ~~والإختيار ولا بد في العمل الإرادى الإختيارى من مراد وهو المطلوب ولا يحصل ~~المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله فإن حصل بفعل العبد فلا بد من قدرة وقوة ~~وإن كان من خارج فلا بد من فاعل غيره وإن كان منه ومن الخارج فلا بد من ~~الأسباب كالآلات ونحو ذلك فلابد لكل حى من إرادة ولا بد لكل مريد من عون ~~يحصل به مراده # فصار العبد مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده ويستعين بشيء ويعتمد عليه في ~~تحصيل مراده هذا أمر حتم لازم ضرورى في حق كل إنسان يجده في نفسه لكن ~~المراد والمستعان على قسمين # منه ما يراد لغيره ومنه ما يراد لنفسه والمستعان منه ما هو المستعان ~~لنفسه ومنه ما هو تبع للمستعان وآلة له فمن المراد ما يكون هو الغاية ~~المطلوب فهو الذى يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المقصود ومنه ما يراد ~~لغيره وهو بحيث يكون المراد هو ذلك الغير فهذا مراد بالعرض ومن المستعان ما ~~يكون هو الغاية التى يعتمد عليه العبد ويتوكل عليه ويعتضد به ليس عنده فوقه ~~غاية في الإستعانة ومنه ما يكون تبعا لغيره بمنزلة الأعضاء مع القلب والمال ~~مع المالك والآلات مع الصانع PageV01P034 فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال ~~جميع الناس وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين لابد للنفس من شيء تطمئن إليه ~~وتنتهى إليه محبتها وهو الهها ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل ~~مطلوبها هو مستعانها سواء كان ذلك هو الله أو غيره وإذا فقد يكون عاما وهو ~~الكفر كمن عبد غير الله مطلقا وسأل غير الله مطلقا مثل عباد الشمس والقمر ~~وغير ذلك الذين يطلبون منهم الحاجات ويفزعون اليهم في النوائب # وقد يكون خاصا في المسلمين مثل من غلب عليه حب المال أو حب شخص أو حب ~~الرياسة حتى صار عبد ذلك كما قال ( تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس ms0024 عبد ~~الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطى رضى وإن منع سخط تعس وإنتكس وإذا شيك فلا ~~إنتقش ( وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله بحيث يكون عنده مخدومه من ~~الرؤساء ونحوهم أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم أو أصدقائه أو أمواله ~~هي التى تجلب المنفعة الفلانية وتدفع المضرة الفلانية فهو معتمد عليها ~~ومستعين بها والمستعان هو مدعو ومسئول # وما أكثر ما تستلزم العبادة الإستعانة فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ~~ونصره ونفعه وضره خضع له وذل وانقاد وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته ~~لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته وينسى مقصوده منه كما يصيب كثيرا ~~ممن يحب المال أو يحب من يحصل له به العز والسلطان # وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا ~~إستشعر قدرته على تحصيل مطلوبه كإستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله ~~PageV01P035 فإذا إستشعر قدرته على تحصيل مطلوبه إستعانه والا فلا فالاقسام ~~ثلاثة فقد يكون محبوبا غير مستعان وقد يكون مستعانا غير محبوب وقد يجتمع ~~فيه الأمران فإذا علم أن العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو ~~الهه ومنتهى يطلب منه هو مستعانه وذلك هو صمده الذى يصمد إليه في إستعانته ~~وعبادته تبين أن قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ كلام جامع محيط ~~أولا وآخرا لا يخرج عنه شيء فصارت الأقسام أربعة إما أن يعبد غير الله ~~ويستعينه وإن كان مسلما فالشرك في هذه الأمة اخفى من دبيب النمل وإما أن ~~يعبده ويستعين غيره مثل كثير من أهل الدين يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته ~~وحده لا شريك له وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ورزقهم وهدايتهم من جهته ~~من الملوك والاغنياء والمشايخ # وإما أن يستعينه وإن عبد غيره مثل كثير من ذوى الأحوال وذوى القدرة وذوى ~~السلطان الباطن أو الظاهر وأهل الكشف والتأثير الذين يستعينونه ويعتمدون ~~عليه ويسألونه ويلجأون إليه لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله وغير ~~إتباع دينه وشريعته التى بعث الله ms0025 بها رسوله # والقسم الرابع الذين لا يعبدون إلا إياه ولا يستعينون إلا به وهذا القسم ~~الرباعى قد ذكر فيما بعد أيضا لكنه تارة يكون بحسب العبادة والإستعانة ~~وتارة يكون بحسب المستعان فهنا هو بحسب المعبود والمستعان لبيان أنه لابد ~~لكل عبد من معبود مستعان وفيما بعد بحسب عبادة الله وإستعانته فإن الناس ~~فيها على أربعة أقسام PageV01P036 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل # في وجوب إختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه فلا يعمل إلا له ولا يرجى ~~إلا هو هو سبحانه الذى ابتدأك بخلقك والانعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ~~ورحمته من غير سبب منك أصلا وما فعل بك لا يقدر عليه غيره ثم إذا احتجت ~~إليه في جلب رزق أو دفع ضرر فهو الذى يأتى بالرزق لا يأتى به غيره وهو الذى ~~يدفع الضرر لا يدفعه غيره كما قال تعالى @QB@ أم من هذا الذي هو جند لكم ~~ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور أم من هذا الذي يرزقكم إن ~~أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور @QE@ # وهو سبحانه ينعم عليك ويحسن اليك بنفسه فإن ذلك موجب ما تسمى به ووصف به ~~نفسه إذ هو الرحمن الرحيم الودود المجيد وهو قادر بنفسه وقدرته من لوازم ~~ذاته وكذلك رحمته وعلمه وحكمته لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه بل هو ~~الغنى عن العالمين @QB@ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ~~@QE@ @QB@ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ~~@QE@ وقال موسى ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغنى حميد ) # وفى الحديث الصحيح الإلهى ( يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~PageV01P037 وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى ~~شيئا ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا ولو ~~قاموا في صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندى ~~شيئا ( إلى آخر الحديث # فالرب سبحانه غنى بنفسه وما ms0026 يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه واجب له ~~من لوازم نفسه لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره بل أفعاله من كماله كمل ~~ففعل وإحسانه وجوده من كماله لا يفعل شيئا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه ~~بل كلما يريده فعله فإنه فعال لما يريد وهو سبحانه بالغ أمره فكلما يطلب ~~فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد ولا يعوقه أحد لا يحتاج في ~~شيء من أموره إلى معين وما له من المخلوقين ظهير وليس له ولى من الذل ~~PageV01P038 ### ||| فصل # والعبد كلما كان أذل لله وأعظم إفتقارا إليه وخضوعا له كان أقرب إليه ~~وأعز له وأعظم لقدره فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله وأما المخلوق فكما قيل ~~إحتج إلى من شئت تكن أسيره وإستغن عمن شئت تكن نظيره وأحسن إلى من شئت تكن ~~أميره ولقد صدق القائل # بين التذلل والتدلل نقطه %~% في رفعها تتحير الأفهام # ذاك التذلل شرك %~% فافهم يا فتى بالخلف # فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج اليهم بوجه من ~~الوجوه فإن أحسنت اليهم مع الإستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم ومتى ~~إحتجت اليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك اليهم وهذا من حكمة ~~الله ورحمته ليكون الدين كله لله ولا يشرك به شيء # ولهذا قال حاتم الأصم لما سئل فيم السلامة من الناس قال أن يكون شيئك لهم ~~مبذولا وتكون من شيئهم آيسا لكن إن كنت معوضا لهم عن ذلك وكانوا محتاجين ~~فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر وإن ~~كانوا اليك أحوج خضعوا لك # فالرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه وأفقر ما تكون ~~PageV01P039 إليه والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون اليهم لأنهم كلهم ~~محتاجون في أنفسهم فهم لا يعلمون حوائجك ولا يهتدون إلى مصلحتك بل هم جهلة ~~بمصالح أنفسهم فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم فإنهم لا يقدرون عليها ولا ~~يريدون من جهة أنفسهم فلا علم ولا ms0027 قدرة ولا إرادة والرب تعالى يعلم مصالحك ~~ويقدر عليها ويريدها رحمة منه وفضلا وذلك صفته من جهة نفسه لا شيء آخر جعله ~~مريدا راحما بل رحمته من لوازم نفسه فإنه كتب على نفسه الرحمة ورحمته وسعت ~~كل شيء والخلق كلهم محتاجون لا يفعلون شيئا إلا لحاجتهم ومصلحتهم وهذا هو ~~الواجب عليهم والحكمة ولا ينبغى لهم إلا ذلك لكن السعيد منهم الذى يعمل ~~لمصلحته التى هي مصلحة لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك فهم ثلاثة أصناف # ظالم وعادل ومحسن # فالظالم الذى يأخذ منك مالا أو نفعا ولا يعطيك عوضه أو ينفع نفسه بضررك # والعادل المكافئ كالبايع لا لك ولا عليك كل به يقوم الوجود وكل منهما ~~محتاج إلى صاحبه كالزوجين والمتبايعين والشريكين # والمحسن الذى يحسن لا لعوض يناله منك فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته وهو ~~إنتفاعه بالإحسان وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه من الأجر أو طلب مدح ~~الخلق وتعظيمهم أو التقرب اليك إلى غير ذلك # وبكل حال ما أحسن اليك الا لما يرجو من الإنتفاع وسائر الخلق إنما ~~يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم اليك وإنتفاعهم بك إما PageV01P040 بطريق ~~المعاوضة لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج إلى الآخر ~~والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون إليه والملوك محتاجون إلى الجند ~~والجند محتاجون اليهم وعلى هذا بنى أمر العالم وأما بطريق الإحسان منك ~~اليهم فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك فهم إنما يحبونك ويكرمونك ~~لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة فلو قد وليت ولوا عنك وتركوك فهم في الحقيقة ~~إنما يحبون أنفسهم وأغراضهم فهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم تجد أحدهم ~~سيدا مطاعا وهو في الحقيقة عبد مطيع وإذا أوذى أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه ~~تغير الأمر بحسب الأحوال ومتى كنت محتاجا اليهم نقص الحب والاكرام والتعظيم ~~بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك # والرب تعالى يمتنع أن يكون المخلوق مكافيا له أو متفضلا عليه ولهذا كان ~~النبى يقول إذا رفعت مائدته ( الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير ~~مكفى ولا ms0028 مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ( رواه البخارى من حديث أبى ~~أمامة بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له في ~~ذلك بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى ~~الله واحتياجه إليه وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه أى بموجب علمه ~~ذلك فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم مثل أن يذهب ماله ولا يعلم بل يظنه ~~باقيا فإذا علم بذهابه صار له حال آخر فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله لكن ~~أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به ~~والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره وهؤلاءهم عباد الله PageV01P041 # فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات وفقره من لوازم ذاته يمتنع أن ~~يكون إلا فقيرا إلى خالقه وليس أحد غنيا بنفسه إلا الله وحده فهو الصمد ~~الغنى عما سواه وكلما سواه فقير إليه فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته ~~ومن جهة الهيته كما قد بسط هذا في مواضع # والإنسان يذنب دائما فهو فقير مذنب وربه تعالى يرحمه ويغفر له وهو الغفور ~~الرحيم فلولا رحمته وإحسانه لما وجد خير أصلا لا في الدنيا ولا في الآخرة ~~ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه وهو محتاج دائما إلى حصول النعمة ودفع ~~الضر والشر ولا تحصل النعمة إلا برحمته ولا يندفع الشر إلا بمغفرته فإنه لا ~~سبب للشر إلا ذنوب العباد كما قال تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ والمراد بالسيئات ما يسوء العبد من ~~المصائب وبالحسنات ما يسره من النعم كما قال @QB@ وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات @QE@ فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلا وجودا من غير أن ~~يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق وإن كان تعالى عليه حق لعباده فذلك الحق هو ~~أحقه على نفسه وليس ذلك من جهة المخلوق بل من جهة الله كما قد بسط هذا في ~~مواضع # والمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم كما ms0029 قال @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ # والنعم وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها فهو سبحانه المنعم ~~بالعبد وبطاعته وثوابه عليها فإنه سبحانه هو الذى خلق العبد وجعله مسلما ~~طائعا كما قال الخليل ( الذى خلقنى فهو يهدين ) وقال ( واجعلنا مسلمين ~~PageV01P042 لك ) وقال ( إجعلني مقيم الصلاة ) وقال ( وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) فسأل ربه أن يجعله مسلما ~~وأن يجعله مقيم الصلاة وقال @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم @QE@ الآية قال في آخرها @QB@ فضلا من الله ونعمة @QE@ وفى صحيح أبى ~~داود وبن حبان ( إهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور واجعلنا ~~شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا ( وفى الفاتحة ( اهدنا ~~الصراط المستقيم ( وفى الدعاء الذى رواه الطبرانى عن بن عباس قال مما دعا ~~به رسول الله عشية عرفة ( اللهم إنك تسمع كلامى وترى مكانى وتعلم سرى ~~وعلانيتى ولا يخفى عليك شيء من أمرى أنا البائس الفقير المستغيث المستجير ~~الوجل المشفق المقر بذنبه أسألك مسألة المسكين وأبتهل اليك إبتهال المذنب ~~الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته وذل لك جسده ورغم لك ~~أنفه اللهم لا تجعلنى بدعائك رب شقيا وكن بى رءوفا رحيما يا خير المسئولين ~~ويا خير المعطين ( # ولفظ العبد في القرآن يتناول من عبد الله فأما عبد لا يعبده فلا يطلق ~~عليه لفظ عبده كما قال @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ وأما قوله ~~@QB@ إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ فالاستثناء فيه منقطع كما قاله أكثر ~~المفسرين والعلماء وقوله @QB@ عينا يشرب بها عباد الله @QE@ @QB@ وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا @QE@ @QB@ واذكر عبدنا داود @QE@ @QB@ ~~نعم العبد إنه أواب @QE@ @QB@ واذكر عبدنا أيوب @QE@ @QB@ واذكر عبادنا ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب @QE@ @QB@ فوجدا عبدا من عبادنا @QE@ @QB@ سبحان ~~الذي أسرى بعبده @QE@ PageV01P043 @QB@ إنه كان عبدا شكورا @QE@ @QB@ وإن ~~كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا @QE@ @QB@ فأوحى إلى عبده ما أوحى @QE@ ~~@QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه @QE@ @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده @QE@ ونحو ms0030 هذا كثير وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها كقوله @QB@ ~~إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم @QE@ @QB@ أفحسب الذين كفروا أن ~~يتخذوا عبادي من دوني أولياء @QE@ قد يقال في هذا أن المراد به الملائكة ~~والأنبياء إذا كان قد نهى عن اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى فقد قال ~~@QB@ إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا @QE@ # وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم في الدجال فيوحى الله إلى المسيح أن لى ~~عبادا لا يدان لأحد بقتالهم وهذا كقوله @QB@ بعثنا عليكم عبادا لنا @QE@ ~~فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله لكنهم معبدون مذللون مقهورون يجرى عليهم قدره # وقد يكون كونهم عبيدا هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارا ~~كقوله @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ وقوله @QB@ إلا آتي ~~الرحمن عبدا @QE@ أي ذليلا خاضعا ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة الا ~~كذلك وإنما الإستكبار عن عبادة الله كان في الدنيا ثم قال @QB@ لقد أحصاهم ~~وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا @QE@ فذكر بعدها أنه يأتى منفردا ~~كقوله @QB@ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة @QE@ وقال @QB@ وله ~~أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ @QB@ ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها @QE@ الآية وقال @QB@ بل له ما في السماوات والأرض كل له ~~قانتون @QE@ فليس المراد بذلك مجرد كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين تحت ~~المشيئة والقدرة فإن هذا PageV01P044 لا يقال طوعا وكرها فإن الطوع والكره ~~إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعا وكرها فأما ما لا فعل له فيه فلا يقال له ~~ساجد أو قانت بل ولا مسلم بل الجميع مقرون بالصانع بفطرتهم وهم خاضعون ~~مستسلمون قانتون مضطرون من وجوه # منها علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه ومنها دعاؤهم إياه عند الإضطرار ومنها ~~خضوعهم واستسلامهم لما يجرى عليهم من أقداره ومشيئته ومنها انقيادهم لكثير ~~مما أمر به في كل شيء فإن سائر البشر لا يمكنون العبد من مراده بل يقهرونه ~~ويلزمونه بالعدل الذى يكرهه وهو مما أمر الله به وعصيانهم له في بعض ما أمر ~~به وإن ms0031 كان هو التوحيد لا يمنع كونهم قانتين خاضعين مستسلمين كرها كالعصاة ~~من أهل القبلة وأهل الذمة وغيرهم فإنهم خاضعون للدين الذى بعث به رسله وإن ~~كانوا يعصونه في أمور والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعا وكذلك لما يقدره من ~~المصائب فإنه يفعل عندها ما أمر به من الصبر وغيره طوعا فهو مسلم لله طوعا ~~خاضع له طوعا والسجود مقصوده الخضوع وسجود كل شيء بحسبه سجودا يناسبها ~~ويتضمن الخضوع للرب وأما فقر المخلوقات إلى الله بمعنى حاجتها كلها إليه ~~وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به فهذا أول درجات ~~الإفتقار وهو إفتقارها إلى ربوبيته لها وخلقه وإتقانه وبهذا الإعتبار كانت ~~مملوكة له وله سبحانه الملك والحمد وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله ~~الإيمان الواجب فالحدوث PageV01P045 دليل إفتقار الأشياء إلى محدثها وكذلك ~~حاجاتها إلى محدثها بعد احداثه لها دليل إفتقارها فإن الحاجة إلى الرزق ~~دليل إفتقار المرزوق إلى الخالق الرازق والصواب أن الأشياء مفتقرة إلى ~~الخالق لذواتها لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه بل فقرها لازم لها لا يمكن ~~أن تكون غير مفتقرة إليه كما أن غناء الرب وصف لازم له لا يمكن أن يكون غير ~~غنى فهو غنى بنفسه لا بوصف جعله غنيا وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها وهى ~~معدومة وهى موجودة فاذا كانت معدومة فقيل عن مطر ينتظر نزوله وهو مفتقر إلى ~~الخالق كان معناه أنه لا يوجد الا بالخالق هذا قول الجمهور من نظار ~~المسلمين وغيرهم وهذا الافتقار أمر معلوم بالعقل وما أثبته القرآن من ~~استسلام المخلوقات وسجودها وتسبيحها وقنوتها أمر زائد على هذا عند عامة ~~المسلمين من السلف وجمهور الخلف ولكن طائفة تدعى أن افتقارها وخضوعها ~~وخلقها وجريان المشيئة عليها هو تسبيحها وقنوتها وان كان ذلك بلسان الحال ~~ولكونها دلالة شاهدة للخالق جل جلاله وقل للأرض من فجر أنهارها وغرس ~~أشجارها وأخرج نباتها وثمارها فان لم تجبك حوارا والا أجابتك اعتبارا وهذا ~~يقوله الغزالى وغيره وهو أحد الوجوه التى ذكرها أبو بكر ms0032 بن الأنبارى في ~~قوله @QB@ كل له قانتون @QE@ قال كل مخلوق قانت له باشر صنعته فيه وأجرى ~~أحكامه عليه فذلك دليل على ذله لربه وهو الذى ذكره الزجاج في قوله @QB@ وله ~~أسلم من في السماوات والأرض @QE@ قال اسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في ~~جبلهم لا يقدر أحد يمتنع من جبلة جبله الله عليها وهذا المعنى صحيح لكن ~~الصواب PageV01P046 الذى عليه جمهور علماء السلف والخلف أن القنوت ~~والاستلام والتسبيح أمر زائد على ذلك وهذا كقول بعضهم ان سجود الكاره وذله ~~وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر وكما قال بعضهم في ~~قوله @QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده @QE@ قال تسبيحه دلالته على صانعه ~~فتوجب بذلك تسبيحا من غيره والصواب أن لها تسبيحا وسجودا بحسبها # والمقصود أن فقر المخلوقات إلى الخالق ودلالتها عليه وشهادتها له أمر ~~فطرى فطر الله عليه عباده كما أنه فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات ~~كما قد بسط الكلام على هذا في مواضع وبين الفرق بين دلالة الآيات ودلالة ~~القياس الشمولى والتمثيلى فإن القياس البرهانى العقلى سواء صيغ بلفظ الشمول ~~كالأشكال المنطقية أو صيغ بلفظ التمثيل وبين أن الجامع هو علة الحكم ويلزم ~~ثبوت الحكم أينما وجد وقد بسطنا الكلام على صورة القياسين في غير هذا ~~الموضع # والتحقيق أن العلم بأن المحدث لابد له من محدث هو علم فطرى ضرورى في ~~المعينات الجزئية وأبلغ مما هو في القضية الكلية فإن الكليات إنما تصير ~~كليات في العقل بعد استقرار جزئياتها في الوجود وكذلك عامة القضايا الكلية ~~التى يجعلها كثير من النظار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم كقولهم الكل ~~أعظم من الجزء أو النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان والأشياء المساوية لشيء ~~واحد متساوية ونحو ذلك فإنه أى كلى تصوره الإنسان علم أنه أعظم من جزئيه ~~وإن لم تخطر له القضية الكلية كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه أكثر من بعض ~~وأن الدرهم أكبر من بعضه وأن المدينة أكثر من بعضها PageV01P047 # وأن الجبل أكبر من بعضه وكذلك النقيضان وهما ms0033 الوجود والعدم فإن العبد إذا ~~تصور وجود أى شيء كان وعدمه علم أن ذلك الشيء لا يكون موجودا معدوما في ~~حالة واحدة وأنه لا يخلو من الوجود والعدم وهو يقضى بالجزئيات المعينة وإن ~~لم يستحضر القضية الكلية وهكذا أمثال ذلك # ولما كان القياس الكلى فائدته أمر مطلق لا معين كان إثبات الصانع بطريق ~~الآيات هو الواجب كما نزل به القرآن وفطر الله عليه عباده وإن كانت الطريقة ~~القياسية صحيحة لكن فائدتها ناقصة والقرآن إذا استعمل في الآيات الإلهيات ~~استعمل قياس الأولى لا القياس الذى يدل على المشترك فإنه ما وجب تنزيه ~~مخلوق عنه من النقائص والعيوب التى لا كمال فيها فالبارى تعالى أولى ~~بتنزيهه عن ذلك وما ثبت للمخلوق من الكمال الذى لا نقص فيه كالحياة والعلم ~~والقدرة فالخالق أولى بذلك منه فالمخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين ~~الآية وبين القياس أن الآية تدل على عين المطلوب الذى هي آية وعلامة عليه ~~فكل مخلوق فهو دليل وآية على الخالق نفسه كما قد بسطناه في مواضع # ثم الفطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات فإنها قد فطرت على ذلك ولو لم تكن ~~تعرفه بدون هذه الآيات لم تعلم ان هذه الآية له فإن كونها آية له ودلالة ~~عليه مثل كون الإسم يدل على المسمى فلابد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك ~~وعرف أن هذا إسم له فكذلك كون هذا دليلا على هذا يقتضى تصور المدلول عليه ~~وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له فلابد في ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول ~~فلو لم يكن المدلول متصورا لم يعلم أنه دليل عليه PageV01P048 فمعرفة ~~الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف إليه لكن قد لا يكون الإنسان عالما ~~بالإضافة ولا كونه دليلا فإذا تصوره عرف المدلول إذا عرف أنه مستلزم له ~~والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق فلابد أن يكونوا ~~يعرفونه حتى يعلمون أن هذه دلائل مستلزمة له # والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية هي التى جاء بها القرآن واتفق ~~العقل والشرع وتلازم ms0034 الرأى والسمع والمتفلسفة كابن سينا الرازي ومن اتبعهما ~~قالوا إن طريق إثباته الإستدلال عليه بالممكنات وإن الممكن لابد له من واجب ~~قالوا والوجود إما واجب وإما ممكن والممكن لابد له من واجب فيلزم ثبوت ~~الواجب على التقديرين وهذه المقالة أحدثها بن سينا وركبها من كلام ~~المتكلمين وكلام سلفه فإن المتكلمين قسموا الوجود إلى قديم ومحدث وقسمه هو ~~إلى واجب وممكن وذلك أن الفلك عنده ليس محدثا بل زعم أنه ممكن وهذا التقسيم ~~لم يسبقه إليه أحد من الفلاسفة بل حذاقهم عرفوا أنه خطأ وأنه خالف سلفه ~~وجمهور العقلاء وغيرهم وقد بينا في مواضع أن القدم ووجوب الوجود متلازمان ~~عند عامة العقلاء الأولين والآخرين ولم يعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك إلا ~~ما أحدثه هؤلاء فإنا نشهد حدوث موجودات كثيرة حدثت بعد أن لم تكن ونشهد ~~عدمها بعد أن كانت وما كان معدوما أو سيكون معدوما لا يكون واجب الوجود ولا ~~قديما أزليا # ثم أن هؤلاء إذا قدر أنهم أثبتوا واجب الوجود فليس في دليلهم أنه مغاير ~~للسموات والأفلاك وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالى وغيره لكن PageV01P049 ~~عمدتهم أن الجسم لا يكون واجبا لأنه مركب والواجب لا يكون مركبا هذا عمدتهم # وقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة وما زال النظار يبينون فساد هذا القول ~~كل بحسبه كما بين الغزالى فساده بحسبه # وذلك أن لفظ الواجب صار فيه اشتراك بين عدة معان فيقال للموجود بنفسه ~~الذى لا يقبل العدم فتكون الذات واجبة والصفات واجبة ويقال للموجود بنفسه ~~والقائم بنفسه فتكون الذات واجبة دون الصفات ويقال لمبدع الممكنات وهى ~~المخلوقات والمبدع لها هو الخالق فيكون الواجب هو الذات المتصفة بتلك ~~الصفات والذات مجردة عن الصفات لم تخلق والصفات مجردة عن الذات لم تخلق ~~ولهذا صار من سار خلفهم ممن يدعى التحقيق والعرفان إلى أن جعل الواجب هو ~~الوجود المطلق كما قد بسط القول عليه في مواضع # والمقصود هنا الكلام أولا في أن سعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه ~~واحتياجه إليه ms0035 أى في أن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجب ذلك من الذل ~~والخضوع والخشوع والا فالخلق كلهم محتاجون لكن يظن أحدهم نوع استغناء فيطغى ~~كما قال تعالى @QB@ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى @QE@ وقال @QB@ ~~وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ~~@QE@ 6 وفى الآية الأخرى @QB@ كان يؤوسا @QE@ PageV01P050 ### ||| فصل # والسعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في ~~الله وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله وتحسن اليهم رجاء ثواب الله لا ~~لمكافأتهم وتكف عن ظلمهم خوفا من الله لا منهم كما جاء في الأثر ( أرج الله ~~في الناس ولا ترج الناس في الله وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله ( ~~أى لا تفعل شيئا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم لا رجاء مدحهم ولا خوفا ~~من ذمهم بل إرج الله ولا تخفهم في الله فيما تأتى وما تذر بل إفعل ما أمرت ~~به وإن كرهوه وفى الحديث ( إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله أو ~~تذمهم على ما لم يؤتك الله ( فإن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله ~~وما وعد الله أهل طاعته ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره فإذا ~~أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا لا بوعده ولا برزقه فإنه إنما يحمل الإنسان ~~على ذلك إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا فيترك القيام فيهم بأمر الله ~~لما يرجوه منهم وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد ~~والثواب في الدنيا والآخرة فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم ~~فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم ورجاء لهم وذلك من ضعف اليقين # وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم ~~PageV01P051 فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فإذا ذممتهم على ما لم يقدر ~~كان ذلك من ضعف يقينك فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك لكن ~~من حمده ms0036 الله ورسوله فهو المحمود ومن ذمه الله ورسوله فهو المذموم # ولما قال بعض وفد بنى تميم يا محمد أعطنى فإن حمدى زين وإن ذمى شين قال ~~رسول الله ( ذاك الله عز وجل ( # وكتبت عائشة إلى معاوية وروى أنها رفعته إلى النبى ( من أرضى الله بسخط ~~الناس كفاه مؤنة الناس ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا ~~( هذا لفظ المرفوع ولفظ الموقوف ( من أرضى الله بسخط الناس رضى الله عنه ~~وأرضى عنه الناس ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاما ( ~~هذا لفظ المأثور عنها وهذا من أعظم الفقه في الدين والمرفوع أحق وأصدق فإن ~~من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه وكان عبده الصالح والله يتولى الصالحين ~~وهو كاف عبده ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) فالله ~~يكفيه مؤنة الناس بلا ريب وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك ~~لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة ومن أرضى الناس ~~بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا كالظالم الذى يعض على يده يقول ( ~~ياليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا ) وأما ~~كون حامده ينقلب ذاما فهذا يقع كثيرا ويحصل في العاقبة فإن العاقبة للتقوى ~~لا يحصل ابتداء عند أهوائهم وهو سبحانه أعلم # فالتوحيد ضد الشرك فإذا قام العبد بالتوحيد الذى هو حق الله فعبده ~~PageV01P052 لا يشرك به شيئا كان موحدا ومن توحيد الله وعبادته التوكل عليه ~~والرجاء له والخوف منه فهذا يخلص به العبد من الشرك وإعطاء الناس حقوقهم ~~وترك العدوان عليهم يخلص به العبد من ظلمهم ومن الشرك بهم وبطاعة ربه ~~واجتناب معصيته يخلص العبد من ظلم نفسه وقد قال تعالى في الحديث القدسى ( ~~قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ( فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد وكما ~~في الحديث الذى رواه الطبرانى في الدعاء ( يا عبادى إنما هي أربع واحدة لى ~~وواحدة لك وواحدة بينى وبينك ms0037 وواحدة بينك وبين خلقى فالتى لى تعبدنى لا ~~تشرك بى شيئا والتى لك عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه والتى بينى وبينك ~~فمنك الدعاء وعلى الإجابة والتى بينك وبين خلقى فأت اليهم ما تحب أن يؤتوه ~~اليك ( والله يحب النصفين # ويحب أن يعبدوه وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله ~~وإحسانه وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب وهو إنما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته ~~والعبد يطلب ما يحتاج أولا وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة والى الهداية ~~إلى الصراط المستقيم وبذلك يصل إلى العبادة فهو يطلب ما يحتاج إليه أولا ~~ليتوسل به إلى محبوب الرب الذى فيه سعادته وكذلك قوله ( عملك أجزيك به أحوج ~~ما تكون إليه ) فإنه يحب الثواب الذى هو جزاء العمل فالعبد إنما يعمل لنفسه ~~( لها ما كسبت وعليها ما إكتسبت ( ثم إذا طلب العبادة فإنما يطلبها من حيث ~~هي نافعة له محصلة لسعادته محصنة له من عذاب ربه فلا يطلب العبد قط إلا ما ~~فيه حظ له وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له فمن عبد الله ~~لا يشرك به شيئا أحبه وأثابه فيحصل PageV01P053 للعبد ما يحبه من النعم ~~تبعا لمحبوب الرب وهذا كالبائع والمشترى البائع يريد من المشترى أولا الثمن ~~ومن لوازم ذلك إرادة تسليم المبيع والمشترى يريد السلعة ومن لوازم ذلك ~~إرادة إعطاء الثمن # فالرب يحب أن يحب ومن لوازم ذلك أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به والعبد ~~يحب ما يحتاج إليه وينتفع به ومن لوازم ذلك محبته لعبادة الله فمن عبد الله ~~وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله في إخلاص الدين له ومن ~~طلب من العباد العوض ثناء أو دعاء أوغير ذلك لم يكن محسنا اليهم لله ومن ~~خاف الله فيهم ولم يخفهم في الله كان محسنا إلى الخلق والى نفسه فإن خوف ~~الله يحمله على أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم ومن خافهم ولم يخف الله فهذا ~~ظالم ms0038 لنفسه ولهم حيث خاف غير الله ورجاه لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن ~~يدفع شرهم عنه بكل وجه إما بمداهنتهم ومراءاتهم وإما بمقابلتهم بشيء أعظم ~~من شرهم أو مثله وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله وهو إذا لم يخف الله فهو ~~مختار للعدوان عليهم فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلمها ~~فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق كثير الظلم إذا قدر مهينا ذليلا إذا ~~قهر فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك وهذا مما يوقع الفتن بين الناس # وكذلك إذا رجاهم فهم لا يعطونه ما يرجوه منهم فلابد أن يبغضهم فيظلمهم ~~إذا لم يكن خائفا من الله عز وجل وهذا موجود كثير في الناس تجدهم يخاف ~~بعضهم بعضا ويرجوا بعضهم بعضا وكل من هؤلاء يتظلم من الآخر ويطلب ظلمه فهم ~~ظالمون بعضهم لبعض ظالمون في حق الله حيث خافوا غيره ورجوا غيره ظالمون ~~لأنفسهم فإن هذا من الذنوب التى تعذب النفس بها وعليها وهو يجر إلى فعل ~~المعاصى المختصة كالشرك والزنا فإن الإنسان إذا لم يخف PageV01P054 من الله ~~إتبع هواه ولا سيما إذا كان طالبا ما لم يحصل له فإن نفسه تبقى طالبة لما ~~تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما ~~تستريح إليه وبه فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول ~~الزور وذكر ما جريات النفس والهزل واللعب ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك ولا ~~يستغنى القلب إلا بعبادة الله تعالى # فإن الإنسان خلق محتاجا إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ونفسه مريدة دائما ~~ولابد لها من مراد يكون غاية مطلوبها لتسكن إليه وتطمئن به وليس ذلك إلا ~~لله وحده فلا تطمئن القلوب إلا به ولا تسكن النفوس إلا إليه و @QB@ لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ فكل مألوه سواه يحصل به الفساد ولا يحصل ~~صلاح القلوب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له # فإذا لم تكن القلوب مخلصة لله الدين عبدت غيره ms0039 من الآلهة التى يعبدها ~~أكثر الناس مما رضوه لأنفسهم فأشركت بالله بعبادة غيره واستعانته فتعبد ~~غيره وتستعين به لجهلها بسعادتها التى تنالها بعبادة خالقها والإستعانة به ~~فبالعبادة له تستغنى عن معبود آخر وبالإستعانة به تستغنى عن الإستعانة ~~بالخلق وإذا لم يكن العبد كذلك كان مذنبا محتاجا وإنما غناه في طاعة ربه ~~وهذا حال الإنسان فإنه فقير محتاج وهو مع ذلك مذنب خطاء فلابد له من ربه ~~فإنه الذى يسدى مغافره ولابد له من الإستغفار من ذنوبه قال تعالى @QB@ ~~فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك @QE@ فبالتوحيد يقوى العبد ~~ويستغنى ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله وبالإستغفار يغفر له ~~ويدفع عنه عذابه ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ( فلا يزول فقر العبد ~~وفاقته PageV01P055 إلا بالتوحيد فإنه لابد له منه وإذا لم يحصل له لم يزل ~~فقيرا محتاجا معذبا في طلب ما لم يحصل له والله تعالى @QB@ لا يغفر أن يشرك ~~به @QE@ وإذا حصل مع التوحيد الإستغفار حصل له غناه وسعادته وزال عنه ما ~~يعذبه ولا حول ولا قوة إلا بالله # والعبد مفتقر دائما إلى التوكل على الله والإستعانة به كما هو مفتقر إلى ~~عبادته فلابد أن يشهد دائما فقره إلى الله وحاجته في أن يكون معبودا له وأن ~~يكون معينا له فلا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ من الله إلا إليه قال ~~تعالى @QB@ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه @QE@ أي يخوفكم بأوليائه هذا هو ~~الصواب الذى عليه الجمهور كابن عباس وغيره وأهل اللغة كالفراء وغيره قال بن ~~الانبارى والذى نختاره في الآية يخوفكم أولياءه تقول العرب أعطيت الأموال ~~أى أعطيت القوم الأموال فيحذفون المفعول الأول # قلت وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفا مطلقا ليس له في تخويف ~~ناس بناس ضرورة فحذف الأول لأنه ليس مقصودا وقال بعض المفسرين يخوف أولياءه ~~المنافقين والأول أظهر لأنها نزلت بسبب تخويفهم من الكفار في إنما نزلت ~~فيمن خوف المؤمنين من الناس وقد قال ( يخوف أولياءه فلا تخافوهم ( الضمير ~~عائد ms0040 إلى أولياء الشيطان الذين قال فيهم ( فاخشوهم ( قبلها والذى قال ~~الثانى فسرها من جهة المعنى وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه لأن سلطانه ~~عليهم فهو يدخل عليهم المخاوف دائما وإن كانوا ذوى عدد وعدد وأما المؤمنون ~~فهم متوكلون على الله لا يخوفهم الكفار أو أنهم أرادوا المفعول الأول أى ~~يخوف PageV01P056 المنافقين أولياءه وهو يخوف الكفار كما يخوف المنافقين ~~ولو أريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه وهو قوله ( ~~فلا تخافوهم ( وأيضا فإنه يعد أولياءه ويمنيهم ولكن الكفار يلقى الله في ~~قلوبهم الرعب من المؤمنين والشيطان لا يختار ذلك قال تعالى @QB@ لأنتم أشد ~~رهبة في صدورهم من الله @QE@ وقال @QB@ سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~@QE@ ولكن الذين [ قالوا ] ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين ~~أظهروا الإسلام وهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين وإنما يخاف من الكفار ~~المنافقون بتخويف الشيطان لهم كما قال تعالى @QB@ ولكنهم قوم يفرقون @QE@ ~~وقال @QB@ فإذا جاء الخوف @QE@ الآية فكلا القولين صحيح من حيث المعنى لكن ~~لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين كما دل عليه السياق ~~وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم # فدلت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين ويجعل ناسا خائفين منهم # ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان ولا يخاف ~~الناس كما قال ( فلا تخشوا الناس واخشون ) فخوف الله أمر به وخوف أولياء ~~الشيطان نهى عنه قال تعالى @QB@ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ~~منهم فلا تخشوهم واخشوني @QE@ فنهى عن خشية الظالم وأمر بخشيته وقال @QB@ ~~الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله @QE@ وقال @QB@ ~~فإياي فارهبون @QE@ وبعض الناس يقول يارب إنى أخافك وأخاف من لا يخافك فهذا ~~PageV01P057 كلام ساقط لا يجوز بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف ~~أحدا فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان ~~فالخوف منه قد نهى الله عنه وإذا قيل قد ms0041 يؤذينى قيل ( إنما يؤذيك بتسليط ~~الله له وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه فالأمر لله وإنما يسلط على العبد ~~بذنوبه وأنت إذا خفت الله فإتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر ولم يسلطه ~~عليك فإنه قال @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ وتسليطه يكون بسبب ~~ذنوبك وخوفك منه فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك كما ~~قال @QB@ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون @QE@ # وفى الآثار ( يقول الله أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك قلوب الملوك ~~ونواصيها بيدي فمن أطاعنى جعلت قلوب الملوك عليه رحمة ومن عصانى جعلتهم ~~عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلى وأطيعون أعطفهم ~~عليكم ) # ولما سلط الله العدو على الصحابه يوم أحد قال @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة ~~@QE@ الآية وقال @QB@ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير @QE@ الآيات ~~والأكثرون يقرؤون قاتل والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف هم ~~الجماعات الكثيرة قال بن مسعود وبن عباس في رواية عنه والفراء ألوف كثيرة ~~وقال بن عباس في أخرى ومجاهد وقتادة جماعات كثيرة وقرئ بالحركات الثلاث في ~~الراء فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه الذين ما وهنوا وما ~~ضعفوا وأما على قراءة أبى عمرو وغيره ففيها وجهان # أحدهما يوافق الأول أى الربيون يقتلون فما وهنوا أي ما وهن من بقى منهم ~~PageV01P058 لقتل كثير منهم أى ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا ~~لعدوهم بل قاموا بأمر الله في القتال حتى أدالهم الله عليهم وصارت كلمة ~~الله هي العليا # والثانى أن النبى قتل معه ربيون كثير فما وهن من بقى منهم لقتل النبى ~~وهذا يناسب صرخ الشيطان أن محمدا قد قتل لكن هذا لا يناسب لفظ الآية ~~فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا ولو أريد أن النبى قتل ومعه ناس لم ~~يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم بل تقليلهم هو المناسب لها فإذا كثروا لم يكن ~~في مدحهم بذلك عبرة # وأيضا لم يكن فيه حجة على الصحابة فإنهم يوم أحد قليلون ms0042 والعدو أضعافهم ~~فيقولون ولم يهنوا لأنهم ألوف ونحن قليلون # وأيضا فقوله @QB@ وكأين من نبي @QE@ يقتضى كثرة ذلك وهذا لا يعرف أن ~~أنبياء كثيرين قتلوا في الجهاد # وأيضا فيقتضى أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير وهذا لم يوجد فإن ~~من قبل موسى من الأنبياء لم يكونوا يقاتلون وموسى وأنبياء بنى إسرائيل لم ~~يقتلوا في الغزو بل ولا يعرف نبى قتل في جهاد فكيف يكون هذا كثيرا ويكون ~~جيشه كثيرا # والله سبحانه أنكر على من ينقلب سواء كان النبى مقتولا أو ميتا فلم يذمهم ~~إذا مات أو قتل على الخوف بل على الإنقلاب على الأعقاب ولهذا تلاها الصديق ~~رضى الله عنه بعد موته صلى الله عليه وسلم فكأن لم يسمعوها قبل ذلك # ثم ذكر بعدها معنى آخر وهو أن من كان قبلكم كانوا يقاتلون فيقتل منهم ~~PageV01P059 خلق كثير وهم لا يهنون فيكون ذكر الكثرة مناسبا لأن من قتل مع ~~الأنبياء كثير وقتل الكثير من الجنس يقتضى الوهن فما وهنوا وإن كانوا ~~كثيرين ولو وهنوا دل على ضعف إيمانهم ولم يقل هنا ولم ينقلبوا على أعقابهم ~~فلو كان المراد أن نبيهم قتل لقال فإنقلبوا على أعقابهم لأنه هو الذى أنكره ~~إذا مات النبى أو قتل فأنكر سبحانه شيئين الإرتداد إذا مات أو قتل والوهن ~~والضعف والإستكانة لما أصابهم في سبيل الله من إستيلاء العدو ولهذا قال ( ~~فما وهنوا لما أصابهم ) الخ ولم يقل فما وهنوا لقتل النبى ولو قتل وهم ~~أحياء لذكر ما يناسب ذلك ولم يقل ( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ) ~~ومعلوم إنما يصيب في سبيل الله في عامة الغزوات لا يكون قتل نبى # وأيضا فكون النبى قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير لا يستلزم أن يكون ~~النبى معهم في الغزاة بل كل من اتبع النبى وقاتل على دينه فقد قاتل معه ~~وكذلك كل من قتل على دينه فقد قتل معه وهذا الذى فهم الصحابة فإن أعظم ~~قتالهم كان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم حتى فتحوا ms0043 البلاد شاما ومصرا ~~وعراقا ويمنا وعربا وعجما وروما ومغربا ومشرقا وحينئذ فظهر كثرة من قتل معه ~~فإن الذين قاتلوا وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون ويكون في هذه الآية ~~عبرة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة فإنهم كلهم يقاتلون مع النبى صلى الله ~~عليه وسلم على دينه وإن كان قد مات والصحابة الذين يغزون في السرايا والنبى ~~ليس معهم كانوا معه يقاتلون وهم داخلون في قوله @QB@ محمد رسول الله والذين ~~معه @QE@ الآية وفى قوله @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم ~~@QE@ PageV01P060 الآية ليس من شرط من يكون مع المطاع أن يكون مشاهدا ~~للمطاع ناظرا إليه # وقد قيل في ( ربيون ) هنا أنهم العلماء فلما جعل هؤلاء هذا كلفظ الربانى ~~وعن إبن زيد هم الأتباع كأنه جعلهم المربوبين والأول أصح من وجوه # أحدها أن الربانيين عين الأحبار وهم الذين يربون الناس وهم أئمتهم في ~~دينهم ولا يكون هؤلاء إلا قليلا # الثانى أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم وأصحاب الأنبياء لم يكونوا ~~كلهم ربانيين وإن كانوا قد أعطوا علما ومعهم الخوف من الله عز وجل # الثالث أن إستعمال لفظ الربانى في هذا ليس معروفا في اللغة # الرابع أن إستعمال لفظ الربى في هذا ليس معروفا في اللغة بل المعروف فيها ~~هو الأول والذين قالوه قالوا هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهورة ( ربى ~~) بالكسر وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء وقد قرئ بالضم فعلم ~~أنها لغات # الخامس أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد سواء كان ~~من الربانيين أو لم يكن # السادس أنه لا مناسبة في تخصيص هؤلاء بالذكر وإنما المناسب ذكرهم في مثل ~~قوله @QB@ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار @QE@ الآية وفى قوله @QB@ ولكن ~~كونوا ربانيين @QE@ فهناك ذكرهم به مناسب # السابع قيل إن الربانى منسوب إلى الرب فزيادة الألف والنون كاللحيانى ~~وقيل إلى تربيته الناس وقيل إلى ربان السفينة وهذا أصح فإن PageV01P061 ~~الأصل عدم الزيادة في النسبة لأنهم منسوبون إلى التربية وهذه تختص بهم وأما ~~نسبتهم إلى الرب ms0044 فلا إختصاص لهم بذلك بل كل عبد له فهو منسوب إليه إما نسبة ~~عموم أو خصوص ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين ولا سمى به رسله ~~وأنبياءه فإن الربانى من يرب الناس كما يرب الربانى السفينة ولهذا كان ~~الربانيون يذمون تارة ويمدحون أخرى ولو كانوا منسوبين إلى الرب لم يذموا قط ~~وهذا هو الوجه الثامن # أنها إن جعلت مدحا فقد ذموا في مواضع وإن لم تكن مدحا لم يكن لهم خاصة ~~يمتازون بها من جهة المدح وإذا كان منسوبا إلى ربانى السفينة بطل قول من ~~يجعل الربانى منسوبا إلى الرب فنسبة الربيون إلى الرب أولى بالبطلان # التاسع أنه إذا قدر أنهم منسوبون إلى الرب فلا تدل النسبة على أنهم علماء ~~نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله وهذا يعم جميع المؤمنين فكل من عبد الله ~~وحده لا يشرك به شيئا فهو متأله عارف بالله والصحابة كلهم كذلك ولم يسموا ~~ربانيين ولا ربيون وإنما جاء أن بن الحنفية قال لما مات بن عباس اليوم مات ~~ربانى هذه الأمة وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم والخلفاء أفضل ~~منهم ولم يسموا ربانيين وإن كانوا هم الربانيين وقال إبراهيم كان علقمة من ~~الربانيين ولهذا قال مجاهد هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره فهم ~~أهل الأمر والنهى والأحبار يدخل فيه من أخبر بالعلم ورواه عن غيره وحدث به ~~وإن لم يأمر أو ينه وذلك هو المنقول عن السلف في الربانى نقل عن على قال ( ~~هم الذين يغذون الناس بالحكمة PageV01P062 ويربونهم عليها ( وعن بن عباس ~~قال ( هم الفقهاء المعلمون ( # قلت أهل الأمر والنهى هم الفقهاء المعلمون وقال قتادة وعطاء هم الفقهاء ~~العلماء الحكماء قال إبن قتيبة واحدهم ربانى وهم العلماء المعلمون قال أبو ~~عبيد أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب لا ~~تعرف الربانيين # قلت اللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة الذى ينزلها ويقوم لمصلحتها ~~ولكن العرب في جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون لأنهم لم يكونوا على شريعة ms0045 ~~منزلة من الله عز وجل وقال شيخ الإسلام رحمه الله # PageV01P063 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم ) 1 ### ||| ! 8 < فصل # قال الله تعالى @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ # وقد صح عن النبى أنه قال ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( # وكتاب الله يدل على ذلك في مواضع مثل قوله تعالى @QB@ قل هل أنبئكم بشر ~~من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه @QE@ وقوله @QB@ فباؤوا بغضب ~~على غضب @QE@ وقوله @QB@ وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة @QE@ ~~وقال في النصارى قل @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ ~~وقال @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ~~إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون @QE@ PageV01P064 ) وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~@QE@ # ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ~~ينحرف إلى هذين ms0046 الطريقين وقد وقع ذلك كما أخبر به النبى حيث قال ( لتسلكن ~~سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ( قالوا ~~يا رسول الله اليهود والنصارى قال ( فمن ( وهو حديث صحيح # وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من ~~اليهود ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى كما يرى في أحوال منحرفة ~~أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه وقسوة القلوب والبخل بالعلم والكبر ~~وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم وغير ذلك وكما يرى في منحرفة أهل العبادة ~~والأحوال من الغلو في الأنبياء والصالحين والإبتداع في العبادات من ~~الرهبانية والصور والأصوات ولهذا قال النبى ( لا تطرونى كما أطرت النصارى ~~PageV01P065 # عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ( ولهذا حقق الله له ~~نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فأوحى إلى عبده ما أوحى @QE@ وقال تعالى @QB@ وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا @QE@ ولهذا يشرع في التشهد ~~وفى سائر الخطب المشروعة كخطب الجمع والأعياد وخطب الحاجات عند النكاح ~~وغيره أن نقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله # وكان رسول الله يحقق عبوديته لئلا تقع الأمة فيما وقعت فيه النصارى في ~~المسيح من دعوى الألوهية حتى قال له رجل ما شاء الله وشئت فقال ( أجعلتنى ~~لله ندا بل ما شاء الله وحده ( وقال أيضا لأصحابه ( لا تقولوا ما شاء الله ~~وشاء محمد بل قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ( وقال ( لا تتخذوا قبرى عيدا ~~وصلوا على حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى وقال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا ~~يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وقال ( إن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم ~~عن ذلك ( # والغلو في الأمة وقع في طائفتين طائفة من ضلال الشيعة الذين يعتقدون في ~~الأنبياء والأئمة من أهل البيت ms0047 الألوهية وطائفة من جهال المتصوفة يعتقدون ~~نحو ذلك في الأنبياء والصالحين فمن توهم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئا ~~من الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به ~~الكتاب والسنة عنهم قال تعالى في خطابه لبنى إسرائيل ( وآمنتم برسلى ~~وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم ~~PageV01P066 جنات تجرى من تحتها الأنهار ( والتعزير النصر والتوقير ~~والتأييد # وقال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه وتوقروه @QE@ فهذا في حق الرسول ثم قال في حق الله تعالى ( @QB@ ~~وتسبحوه بكرة وأصيلا @QE@ وقال تعالى @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ~~للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم @QE@ @QB@ قل ~~أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا @QE@ # وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن وقال @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وقال تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما كان ~~قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ms0048 ~~الفائزون @QE@ PageV01P067 ) فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى ~~لله وحده كما قال @QB@ فإياي فارهبون @QE@ وقال @QB@ وإياي فاتقون @QE@ ~~وقال @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ وقال @QB@ إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله يد الله فوق أيديهم @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ # وقال تعالى @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم @QE@ ~~وقال ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) ~~وقال له عمر ( والله يارسول الله لأنت أحب إلى من كل أحد إلا من نفسى فقال ~~( لا يا عمر حتى أكون أحب اليك من نفسك ( فقال فأنت أحب إلى من نفسى قال ( ~~الآن يا عمر ( فقد بين الله في كتابه حقوق الرسول من الطاعة له ومحبته ~~وتعزيره وتوقيره ونصره وتحكيمه والرضى بحكمه والتسليم له وإتباعه والصلاة ~~والتسليم عليه وتقديمه على النفس والأهل والمال ورد ما يتنازع فيه إليه ~~وغير ذلك من الحقوق # وأخبر أن طاعته طاعته فقال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ومبايعته ~~مبايعته فقال ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) وقرن بين إسمه وإسمه ~~في المحبة فقال ( أحب اليكم من الله ورسوله ) وفى الأذى فقال ( إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله ) وفى الطاعة والمعصية فقال ( ومن يطع الله ورسوله ) ( ~~ومن يعص الله ورسوله ) وفى الرضا فقال ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) فهذا ~~ونحوه هو الذى يستحقه رسول الله بأبى هو وأمى PageV01P068 فأما العبادة ~~والإستعانة فلله وحده لا شريك له كما قال @QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا @QE@ @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء @QE@ وقد جمع بينهما في مواضع كقوله @QB@ ~~فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقوله @QB@ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ~~@QE@ وقوله @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ # وكذلك التوكل كما قال ( @QB@ وعلى الله فليتوكل المتوكلون @QE@ وقال @QB@ ~~قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون @QE@ ~~وقال @QB@ الذين قال لهم ms0049 الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ # والدعاء لله وحده سواء كان دعاء العبادة أو دعاء المسألة والإستعانة كما ~~قال تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد ~~الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون @QE@ وقال ~~@QB@ فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين @QE@ وقال @QB@ ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه @QE@ # وذم الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم فقال @QB@ قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا @QE@ روى عن بن مسعود أن قوما كانوا يدعون الملائكة PageV01P069 ~~والمسيح وعزيرا فقال الله هؤلاء الذين تدعونهم يخافون الله ويرجونه ~~ويتقربون إليه كما تخافونه أنتم وترجونه وتتقربون إليه وقال تعالى @QB@ ~~وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ وقال @QB@ أم من يجيب ~~المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله @QE@ وقال ~~@QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون @QE@ # وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته وإستعانته في القرآن كثير جدا بل ~~هو قلب الإيمان وأول الإسلام وآخره كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ( ~~وقال ( إنى لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد روحه لها روحا ( ~~وقال ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة ( وهو قلب الدين ~~والإيمان وسائر الأعمال كالجوارح له وقول النبى ( إنما الأعمال بالنيات ~~وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ~~ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إمرأة يتزوجها فهجرته إلى ms0050 ما ~~هاجر إليه ( فبين بهذا أن النية عمل القلب وهى أصل العمل وإخلاص الدين لله ~~وعبادة الله وحده ومتابعة الرسول فيما جاء به هو شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله # ولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى الصرصرى ما يقوله في قصائده في مدح الرسول ~~من الإستغاثة به مثل قوله بك أستغيث وأستعين وأستنجد ونحو ذلك PageV01P070 ~~وكذلك ما يفعله كثير من الناس من استنجاد الصالحين والمتشبهين بهم ~~والإستعانة بهم أحياء وأمواتا فإنى أنكرت ذلك في مجالس عامة وخاصة وبينت ~~للناس التوحيد ونفع الله بذلك ما شاء الله من الخاصة والعامة # وهو دين الإسلام العام الذى بعث الله به جميع الرسل كما قال تعالى @QB@ ~~ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال ~~@QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~@QE@ وقال @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون @QE@ وقال @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون @QE@ وقال ~~@QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه @QE@ وقال @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ # وقال النبى لمعاذ بن جبل يا معاذ أتدرى ما حق الله على عباده قلت الله ~~ورسوله أعلم قال ( حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدرى ما حق ~~العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم ( وقال لابن عباس ( إذا سألت ~~فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ) # ويدخل في العبادة الخشية والإنابة والإسلام والتوبة كما قال تعالى @QB@ ~~الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله @QE@ وقال @QB@ ~~فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ وقال @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله @QE@ وقال الخليل ~~( ولا أخاف ms0051 ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شيء علما أفلا ~~PageV01P071 تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) وقال ( ألا ~~تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) إلى قوله ( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن ~~كنتم مؤمنين ) ( وإياى فاتقون ) وقال ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه ) وقال نوح ( أن اعبدوا الله وإتقوه وأطيعون ) فجعل العبادة والتقوى ~~لله وجعل له أن يطاع كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله @QE@ وكذلك قالت الرسل مثل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم @QB@ ~~فاتقوا الله وأطيعون @QE@ فجعلوا التقوى لله وجعلوا لهم أن يطاعوا وكذلك في ~~مواضع كثيرة جدا من القرآن @QB@ اتقوا الله @QE@ @QB@ اتقوا الله @QE@ @QB@ ~~ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله @QE@ # وكذلك # وقال @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ وقال @QB@ وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له @QE@ وقال عن إبراهيم ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين ) وقالت بلقيس ( إنى أسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) وقال ( ~~ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ) وقال ~~( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ) وقال ( وتوبوا إلى ~~الله جميعا ) ( ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ) وقال ( ~~فتوبوا إلى بارئكم ( توبوا إلى الله توبة نصوحا ) والإستغفار ( إستغفروا ~~ربكم إنه كان غفارا PageV01P072 ( وأن إستغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) ~~والإسترزاق والإستنصار كما في صلاة الإستسقاء والقنوت على الأعداء قال ( ~~فابتغوا عند الله الرزق وإعبدوه وإشكروا له ) وقال ( إن ينصركم الله فلا ~~غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون ) والإستغاثة كما قال ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ) ~~والإستجارة كما قال ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون سيقولون لله قل ms0052 أفلا تتقون ) والإستعاذة كما قال ( قل أعوذ برب ~~الفلق ) و ( قل أعوذ برب الناس ) وقال ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ~~وأعوذ بك رب أن يحضرون ) وقال ( فإذا قرأت القرآن ) الآية وتفويض الأمر كما ~~قال مؤمن آل فرعون ( وأفوض أمرى إلى الله إن الله بصير بالعباد ) # وفى الحديث المتفق عليه في الدعاء الذى علمه النبى أن يقال عند المنام ( ~~اللهم إنى أسلمت نفسى اليك ووجهت وجهى اليك وفوضت أمرى اليك وألجأت ظهرى ~~اليك ( # وقال ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع ) وقال ( الله الذى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~ثم إستوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع ) فالولى الذى يتولى ~~أمرك كله والشفيع الذى يكون شافعا فيه أى عونا فليس للعبد دون الله من ولى ~~يستقل ولا ظهير معين وقال ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وأن ~~يردك بخير فلا راد لفضله ) وقال ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) وقال ( أم إتخذوا من PageV01P073 دون الله ~~شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السماوات والأرض ) وقال ( قل أدعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) وقال ( من ذا الذى يشفع عنده ~~إلا بإذنه ) وقال ( وكم من ملك في السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا الا من ~~بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) # فالعبادة والإستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والإستغاثة والخشية ~~والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والإستغفار كل هذا لله وحده لا شريك له ~~فالعبادة متعلقة بألوهيته والإستعانة متعلقة بربوبيته والله رب العالمين لا ~~إله إلا هو ولا رب لنا غيره لا ملك ولا نبى ولا غيره بل أكبر ms0053 الكبائر ~~الإشراك بالله وأن تجعل له ندا وهو خلقك والشرك أن تجعل لغيره شركا أي ~~نصيبا في عبادتك وتوكلك وإستعانتك كما قال من قال ( ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى ) وكما قال تعالى @QB@ وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركاء @QE@ وكما قال @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون @QE@ وكما قال @QB@ ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع @QE@ # وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة وكذلك أجزاؤها التى هي عبادة ~~بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا ~~لله وحده # ولا يجوز أن يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده لا لشمس ولا لقمر ~~PageV01P074 ولا لملك ولا لنبى ولا صالح ولا لقبر نبى ولا صالح هذا في جميع ~~ملل الأنبياء وقد ذكر ذلك في شريعتنا حتى نهى أن يتنفل على وجه التحية ~~والإكرام للمخلوقات ولهذا نهى النبى معاذا أن يسجد له وقال ( لو كنت آمرا ~~أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ( ونهى عن ~~الإنحناء في التحية ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد # وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة لا يتصدق إلا لله كما قال ~~تعالى @QB@ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى @QE@ ~~وقال @QB@ إنما نطعمكم لوجه الله @QE@ وقال @QB@ ومثل الذين ينفقون أموالهم ~~ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم @QE@ وقال @QB@ وما آتيتم من زكاة ~~تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون @QE@ فلا يجوز فعل ذلك على طريق الدين ~~لا لملك ولا لشمس ولا لقمر ولا لنبى ولا لصالح كما يفعل بعض السوال ~~والمعظمين كرامة لفلان وفلان يقسمون بأشياء إما من الأنبياء وإما من ~~الصحابة وإما من الصالحين كما يقال بكر وعلى ونور الدين أرسلان والشيخ عدى ~~والشيخ جاليد # وكذلك الحج لا يحج إلا إلى بيت الله فلا يطاف إلا به ولا يحلق الرأس إلا ~~به ولا يوقف إلا بفنائه لا يفعل ذلك بنبى ولا صالح ولا ms0054 بقبر نبى ولا صالح ~~ولا بوثن وكذلك الصيام لا يصام عبادة إلا لله فلا يصام لأجل الكواكب والشمس ~~والقمر ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك PageV01P075 وهذا كله تفصيل ~~الشهادتين اللتين هما أصل الدين شهادة أن لا اله إلا الله وشهادة أن محمدا ~~عبده ورسوله والإله من يستحق أن يؤلهه العباد ويدخل فيه حبه وخوفه فما كان ~~من توابع الألوهية فهو حق محض لله وما كان من أمور الرسالة فهو حق الرسول # ولما كان أصل الدين الشهادتين كانت هذه الأمة الشهداء ولها وصف الشهادة ~~والقسيسون لهم العبادة بلا شهادة ولهذا قالوا ( ربنا آمنا بما أنزلت ~~واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) ولهذا كان المحققون على أن الشهادتين ~~أول واجبات الدين كما عليه خلص أهل السنة وذكره منصور السمعانى والشيخ عبد ~~القادر وغيرهما وجعله أصل الشرك وغيروا بذلك ملة التوحيد التى هي أصل الدين ~~كما فعله قدماء المتفلسفة الذين شرعوا من الدين مالم يأذن به الله # ومن أسباب ذلك الخروج عن الشريعة الخاصة التى بعث الله بها محمدا إلى ~~القدر المشترك الذى فيه مشابهة الصابئين أو النصارى أو اليهود وهو القياس ~~الفاسد المشابه لقياس الذين قالوا ( إنما البيع مثل الربا ( فيريدون أن ~~يجعلوا السماع جنسا واحدا والملة جنسا واحدا ولا يميزون بين مشروعه ومبتدعه ~~ولا بين المأمور به والمنهى عنه فالسماع الشرعى الدينى سماع كتاب الله ~~وتزيين الصوت به وتحبيره كما قال ( زينوا القرآن بأصواتكم ( وقال أبو موسى ~~لوعلمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا والصور والأزواج والسرارى التى أباحها ~~الله تعالى PageV01P076 والعبادة عبادة الله وحده لا شريك له ( في بيوت أذن ~~الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ( # وهذا المعنى يقرر قاعدة إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ~~وينهى أن يشبه الأمر الدينى الشرعى بالطبيعى البدعى لما بينهما من القدر ~~المشترك كالصوت الحسن ليس هو وحده مشروعا حتى ينضم إليه القدر المميز كحروف ~~القرآن فيصير المجموع من المشترك والمميز هو الدين النافع PageV01P077 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### ||| فصل في ms0055 أن لا يسأل العبد إلا الله # قال الله تعالى ( فإذا فرغت فإنصب والى ربك فإرغب ) قال النبى لابن عباس ~~( إذا سألت فإسأل الله وإذا إستعنت فاستعن بالله ( وفى الترمذى ( ليسأل ~~أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا إنقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر ( ~~وفى الصحيح أنه قال لعدى بن مالك والرهط الذين بايعهم معه ( لا تسألوا ~~الناس شيئا ( فكان سوط أحدهم يسقط من يده فلا يقول لأحد ناولنى إياه وفى ~~الصحيح في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ( هم الذين لا ~~يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون ( والإسترقاء طلب الرقية وهو نوع من السؤال # وأحاديث النهى عن مسألة الناس الأموال كثيرة كقوله ( لا تحل المسألة إلا ~~لثلاثة ) وقوله ( لأن يأخذ أحدكم حبله ( الحديث وقوله ( لاتزال المسألة ~~بأحدهم ( وقوله ( من سأل الناس وله ما يغنيه ( وأمثال ذلك وقوله ( من نزلت ~~به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ( الحديث # فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب لأن المخبر ~~PageV01P078 لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب والسائل محتاج إلى ~~ذلك قال صلى الله عليه وسلم ( هلا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العى السؤال ~~( ولكن من المسائل ما ينهى عنه كما قال تعالى @QB@ لا تسألوا عن أشياء @QE@ ~~الآية وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك # وأما سؤاله لغيره أن يدعو له فقد قال النبى لعمر ( لا تنسنا من دعائك ( ~~وقال ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على ~~مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ~~تنبغى الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى ~~الوسيلة حلت له شفاعتى يوم القيامة ( وقد يقال في هذا هو طلب من الأمة ~~الدعاء له لأنهم إذا دعوا له حصل لهم من الأجر أكثر مما لو كان الدعاء ~~لأنفسهم كما قال للذى قال أجعل صلاتى كلها عليك فقال ( إذا يكفيك ms0056 الله ما ~~أهمك من أمر دنياك وآخرتك ( فطلبه منهم الدعاء له لمصلحتهم كسائر أمره ~~إياهم بما أمر به وذلك لما في ذلك من المصلحة لهم فإنه قد صح عنه أنه قال ( ~~ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كل ما دعا ~~دعوة قال الملك الموكل به آمين ولك مثله ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # العبادات مبناها على الشرع والإتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام ~~مبنى على أصلين # أحدهما أن نعبد الله وحده لا شريك له # والثانى أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله لا نعبده بالأهواء والبدع قال ~~الله تعالى @QB@ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا @QE@ الآية وقال تعالى ~~@QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ # فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ~~ومستحب لا يعبده بالأمور المبتدعة كما ثبت في السنن من حديث ( العرباض بن ~~سارية ) قال ( الترمذى ( حديث حسن صحيح وفى ( مسلم أنه كان يقول في خطبته ( ~~خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ~~ضلالة ) # وليس لأحد أن يعبد إلا الله وحده فلا يصلى إلا لله ولا يصوم إلا لله ~~PageV01P080 ولا يحج إلا بيت الله ولا يتوكل إلا على الله ولا يخاف إلا ~~الله ولا ينذر إلا لله ولا يحلف إلا بالله وفى الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا ~~فليحلف بالله أو ليصمت ( وفى السنن ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( وعن بن ~~مسعود ( لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا ) لأن الحلف ~~بغير الله شرك والحلف بالله توحيد وتوحيد معه كذب خير من شرك معه صدق ولهذا ~~كان غاية الكذب أن يعدل بالشرك كما قال النبى ( عدلت شهادة الزور ms0057 الإشراك ~~بالله مرتين أو ثلاثا ( وقرأ قوله تعالى ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ) وإذا كان الحالف بغير ~~الله قد أشرك فكيف الناذر لغير الله # والنذر أعظم من الحلف ولهذا لو نذر لغير الله فلا يجب الوفاء به بإتفاق ~~المسلمين مثل أن ينذر لغير الله صلاة أو صوما أو حجا أو عمرة أو صدقه # ولو حلف ليفعلن شيئا لم يجب عليه أن يفعله قيل يجوز له أن يكفر عن اليمين ~~ولا يفعل المحلوف عليه كما قال النبى ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم إنه نهى عن النذر وقال ( إنه لا يأتى بخير وإنما يستخرج به ~~من البخيل ) فإذا كان النذر لا يأتى بخير فكيف بالنذر للمخلوق ولكن النذر ~~لله يجب الوفاء به إذا كان في طاعة وإذا كان معصية لم يجز الوفاء بإتفاق ~~العلماء وإنما تنازعوا PageV01P081 هل فيه بدل أو كفارة يمين أم لا لما ~~رواه البخارى في صحيحه عن النبى انه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن ~~نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( # فمن ظن أن النذر للمخلوقين يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة فهو من ~~الضالين كالذين يظنون أن عبادة المخلوقين تجلب لهم منفعة أو تدفع عنهم مضرة # وهؤلاء المشركون قد تتمثل لهم الشياطين وقد تخاطبهم بكلام وقد تحمل أحدهم ~~في الهواء وقد تخبره ببعض الأمور الغائبة وقد تأتيه بنفقة أو طعام أو كسوة ~~أو غير ذلك كما جرى مثل ذلك لعباد الأصنام من العرب وغير العرب وهذا كثير ~~موجود في هذا الزمان وغير هذا الزمان للضالين المبتدعين المخالفين للكتاب ~~والسنة إما بعبادة غير الله وإما بعبادة لم يشرعها الله # وهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئا خارقا للعادة لم يخرج عن أن يكون حالا ~~شيطانيا أو حالا بهتانيا فخواصهم تقترن بهم الشياطين كما يقع لبعض العقلاء ~~منهم ms0058 وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع من ~~البدعة إما كفر وإما فسق وإما جهل بالشرع فإن الشيطان قصده إغواء بحسب ~~قدرته فإن قدر على أن يجعلهم كفارا جعلهم كفارا وإن لم يقدر إلا على جعلهم ~~فساقا أو عصاة وإن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم ببدعة يرتكبونها ~~يخالفون بها الشريعة التى بعث الله بها رسوله فينتفع منهم بذلك PageV01P082 ~~ولهذا قال الأئمة لو رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشى على الماء فلا ~~تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهى ولهذا يوجد كثير من الناس ~~يطير في الهواء وتكون الشياطين هي التى تحمله لا يكون من كرامات أولياء ~~الله المتقين # ومن هؤلاء من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس ثم يحمله فيرده إلى ~~مدينته تلك الليلة ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله ولا يعرف أنه يجب ~~عليه أن يتوب من هذا وإن إعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه فإنه يستتاب فإن تاب ~~والا قتل لأن الحج الذى أمر الله به ورسوله لا بد فيه من الإحرام والوقوف ~~بعرفة ولابد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة فإنه ركن لايتم الحج الا ~~به بل عليه أن يقف بمزدلفة ويرمى الجمار ويطوف للوداع وعليه إجتناب ~~المحظورات والإحرام من الميقات إلى غير ذلك من واجبات الحج وهؤلاء الضالون ~~الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء يحمل أحدهم بثيابه فيقف بعرفة ويرجع ~~من تلك الليلة حتى يرى في اليوم الواحد ببلده ويرى بعرفة # ومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة فيراه من يعرفه واقفا فيظن أنه ~~ذلك الرجل وقف بعرفة فإذا قال له ذلك الشيخ أنا لم أذهب العام إلى عرفة ظن ~~أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ وإنما هو شيطان تمثل على صورته ومثل هذا ~~وأمثاله يقع كثيرا وهى أحوال شيطانية قال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين @QE@ وذكر الرحمن هو الذكر الذى أنزله على ms0059 نبيه ~~صلى الله عليه وسلم قال تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~@QE@ PageV01P083 # وقال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى @QE@ إلى قوله @QB@ ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ ونسيانها هو ترك الإيمان ~~والعمل بها وإن حفظ حروفها قال إبن عباس ( تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل ~~بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ( وقرأ هذه الآية فمن إتبع ~~ما بعث الله به رسوله محمدا من الكتاب والحكمة هداه الله وأسعده ومن أعرض ~~عن ذلك ضل وشقى وأضله الشيطان وأشقاه # فالأحوال الرحمانية وكرامات أوليائه المتقين يكون سببه الإيمان فإن هذه ~~حال أوليائه قال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ وتكون نعمة الله على عبده المؤمن في دينه ~~ودنياه فتكون الحجة في الدين والحاجة في الدنيا للمؤمنين مثل ما كانت ~~معجزات نبينا محمد كانت الحجة في الدين والحاجة للمسلمين مثل البركة التى ~~تحصل في الطعام والشراب كنبع الماء من بين أصابعه ومثل نزول المطر ~~بالإستسقاء ومثل قهر الكفار وشفاء المريض بالدعاء ومثل الأخبار الصادقة ~~والنافعة بما غاب عن الحاضرين وإخبار الأنبياء لا تكذب قط # وأما أصحاب الأحوال الشيطانية فهم من جنس الكهان يكذبون تارة ويصدقون ~~أخرى ولابد في أعمالهم من مخالفة للأمر قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ الآيتين # ولهذا يوجد الواحد من هؤلاء ملابسا الخبائث من النجاسات والأقذار ~~PageV01P084 التى تحبها الشياطين ومرتكبا للفواحش أو ظالما للناس في أنفسهم ~~وأموالهم وغير ذلك والله تعالى قد حرم ( الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والأثم والبغى بغير الحق وإن تشركوا بالله ) الآية # وأولياء الله هم الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور وترك المحظور والصبر على ~~المقدور وهذه جملة لها بسط طويل لا يتسع له هذا المكان والله أعلم ~~PageV01P085 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل جامع # قد كتبت فيما تقدم في مواضع قبل بعض القواعد واخر مسودة الفقه أن جماع ~~الحسنات العدل وجماع السيئات الظلم وهذا ms0060 أصل جامع عظيم وتفصيل ذلك أن الله ~~خلق الخلق لعبادته فهذا هو المقصود المطلوب لجميع الحسنات وهو إخلاص الدين ~~كله لله وما لم يحصل فيه هذا المقصود فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله ~~في الآخرة وإن كان حسنة من بعض الوجوه له ثواب في الدنيا وكل ما نهى عنه ~~فهو زيغ وإنحراف عن الإستقامة ووضع للشيء في غير موضعه فهو ظلم # ولهذا جمع بينهما سبحانه في قوله ( قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند ~~كل مسجد وإدعوه مخلصين له الدين ) فهذه الآية في سورة الأعراف المشتملة على ~~أصول الدين والإعتصام بالكتاب وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ~~كالشرك وتحريم الطيبات أو خالفوا ما شرعه الله من أمور دينهم كإبليس ~~ومخالفى الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون والذين بدلوا الكتاب من أهل الكتاب ~~فإشتملت السورة على ذم من أتى بدين باطل ككفار العرب ومن خالف الدين الحق ~~كله كالكفار بالأنبياء أو بعضه ككفار أهل الكتاب # وقد جمع سبحانه في هذه السورة وفى الأنعام وفى غيرهما ذنوب المشركين في ~~نوعين PageV01P086 أحدهما أمر بما لم يأمر الله به كالشرك ونهى عما لم ينه ~~الله عنه كتحريم الطيبات # فالأول شرع من الدين ما لم يأذن به الله # والثانى تحريم لما لم يحرمه الله وكذلك في الحديث الصحيح حديث عياض بن ~~حمار عن النبى عن الله تعالى ( إنى خلقت عبادى حنفاء فاجتالتهم الشياطين ~~فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا ) ~~ولهذا كان إبتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه هو الغالب على النصارى ~~ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة وإبتداع التحريمات الباطلة هو ~~الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة بل أصول دين اليهود فيه ~~آصار وأغلال من التحريمات ولهذا قال لهم المسيح ( ولأحل لكم بعض الذى حرم ~~عليكم ) وأصل دين النصارى فيه تأله بألفاظ متشابهة وأفعال مجملة فالذين في ~~قلوبهم زيغ اتبعوا ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله وما قررته في ms0061 ~~غير هذا الموضع بأن توحيد الله الذى هو إخلاص الدين له والعدل الذى نفعله ~~نحن هو جماع الدين يرجع إلى ذلك فإن إخلاص الدين لله أصل العدل كما أن ~~الشرك بالله ظلم عظيم PageV01P087 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام ### ||| # إعلم رحمك الله أن الشرك بالله أعظم ذنب عصى الله به # قال الله تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وفى الصحيحين أنه سئل أى الذنب ~~أعظم قال ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك والند المثل قال تعالى ( فلا تجعلوا ~~لله أندادا وأنتم تعلمون ) وقال تعالى @QB@ وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله ~~قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار @QE@ فمن جعل لله ندا من خلقه فيما ~~يستحقه عز وجل من الألهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة # فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته لأنه المألوه المعبود الذى ~~تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد وما سواه فهو مفتقر مقهور ~~بالعبودية فكيف يصلح أن يكون إلها قال الله تعالى @QB@ وجعلوا له من عباده ~~جزءا إن الإنسان لكفور مبين @QE@ وقال تعالى @QB@ إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا @QE@ وقال الله تعالى @QB@ لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تجعلوا مع ~~الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين @QE@ PageV01P088 # فالله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته قال تعالى @QB@ الحمد لله رب ~~العالمين @QE@ فذكر ( الحمد ) بالألف واللام التى تقتضى الإستغراق لجميع ~~المحامد فدل على أن الحمد كله لله ثم حصره في قوله ( إياك نعبد وإياك ~~نستعين ) فهذا تفصيل لقوله @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ فهذا يدل على ~~أنه لامعبود إلا الله وأنه لايستحق أن يعبد أحد سواه فقوله ( إياك نعبد ) ~~إشارة إلى عبادته بما إقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر ~~والنهى ( وإياك نستعين ) إشارة إلى ما إقتضته الربوبية من التوكل والتفويض ~~والتسليم لأن الرب سبحانه وتعالى هو المالك ms0062 وفيه أيضا معنى الربوبية ~~والإصلاح والمالك الذى يتصرف في ملكه كما يشاء # فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى قال ~~تعالى @QB@ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير @QE@ فلا يرى نفعا ~~ولا ضرا ولا حركة ولا سكونا ولا قبضا ولا بسطا ولا خفضا ولا رفعا إلا والله ~~سبحانه وتعالى فاعله وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وخافضه فهذا الشهود هو سر ~~الكلمات الكونيات وهو علم صفة الربوبية والأول هو علم صفة الإلهية وهو كشف ~~سر الكلمات التكليفيات # فالتحقيق بالأمر والنهى والمحبة والخوف والرجاء يكون عن كشف علم الإلهية # والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون بعد كشف علم الربوبية ~~PageV01P089 وهو علم التدبير السارى في الأكوان كما قال عز وجل ( إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) فإذا تحقق العبد لهذا المشهد ~~ووفقه لذلك بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه في ~~عبوديته فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف ~~والكرم والجمال داخلة في مشهد الربوبية # ولهذا قيل أن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن ( إياك نعبد وإياك نستعين ~~) لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهى والمحبة والخوف والرجاء كما ذكرنا ~~وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم وترك الاختيار وجميع العبوديات ~~داخلة في ذلك # ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد الأول ورأى قيام الله عز وجل على جميع ~~الأشياء وهو القيام على كل نفس بما كسبت وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى ~~الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ عن ~~التمييز والفرق وعطل الأمر والنهى والنبوات ومرق من الإسلام مروق السهم من ~~الرمية # وإن كان ذلك المشهد قد أدهشه وغيب عقله لقوة سلطانه الوارد وضعف قوة ~~البصيرة أن يجمع بين المشهدين فهذا معذور منقوص الا من جمع بين المشهدين ~~الأمر الشرعى ومشهد الأمر الكونى الإرادى وقد زلت في هذا المشهد أقدام ~~كثيرة من السالكين لقلة معرفتهم بما بعث الله به المرسلين وذلك لأنهم عبدوا ms0063 ~~الله على مرادهم منه ففنوا بمرادهم عن مراد الحق عز وجل منهم لأن الحق يغنى ~~بمراده ومحبوبه ولو عبدوا الله على PageV01P090 مراده منهم لم ينلهم شيء من ~~ذلك لأن العبد إذا شهد عبوديته ولم يكن مستيقظا لأمر سيده لا يغيب بعبادته ~~عن معبوده ولا بمعبوده عن عبادته بل يكون له عينان ينظر بأحدهما إلى ~~المعبود كأنه يراه كما قال صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإحسان ( أن ~~تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) والأخرى ينظر بها إلى أمر ~~سيده ليوقعه على الأمر الشرعى الذى يحبه مولاه ويرضاه # فإذا تقرر هذا فالشرك أن كان شركا يكفر به صاحبه وهو نوعان # شرك في الإلهية وشرك في الربوبية # فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله ندا أى مثلا في عبادته أو محبته ~~أو خوفه أو رجائه أو إنابته فهذا هو الشرك الذى لا يغفره الله الا بالتوبة ~~منه قال تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف @QE@ وهذا ~~هو الذى قاتل عليه رسول الله مشركى العرب لأنهم أشركوا في الإلهية قال الله ~~تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله @QE@ الآية وقالوا @QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى @QE@ الآية وقالوا @QB@ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد @QE@ إلى قوله @QB@ الذي جعل ~~مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد @QE@ # وقال النبى لحصين ( كم تعبد ( قال ستة في الأرض وواحدا في السماء قال ( ~~فمن الذى تعد لرغبتك ورهبتك ( قال الذى في السماء قال ( ألا تسلم فأعلمك ~~كلمات ( فأسلم فقال النبى ( قل اللهم ألهمنى رشدى وقنى شر نفسى ( وأما ~~الربوبية فكانوا مقرين بها قال الله تعالى ( ولئن سألتهم من خلق ~~PageV01P091 السماوات والأرض ليقولن الله ( وقال ( قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله ) إلى قوله ( فأنى تسحرون ) وما اعتقد أحد منهم ~~قط أن الأصنام هي ms0064 التى تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره وإنما كان شركهم كما ~~ذكرنا اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وهذا المعنى يدل على أن ~~من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك وهذا كقوله ( قالوا ~~وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ) ~~وكذا من خاف أحدا كما يخاف الله أو رجاه كما يرجو الله وما أشبه ذلك # وأما النوع الثانى فالشرك في الربوبية فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر ~~المعطى المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل فمن شهد أن المعطى ~~أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته # ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك فلينظر إلى المعطى الأول مثلا فيشكره ~~على ما أولاه من النعم وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه لقوله ~~عليه السلام ( من أسدى اليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه ~~فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ( لأن النعم كلها لله تعالى كما قال ~~تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ كلا نمد هؤلاء ~~وهؤلاء من عطاء ربك @QE@ فالله سبحانه هو المعطى على الحقيقة فإنه هو الذى ~~خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده فالمعطى هو الذى أعطاه ~~وحرك قلبه لعطاء غيره فهو الأول والآخر PageV01P092 ومما يقوى هذا المعنى ~~قوله لابن عباس رضى الله عنهما ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك ~~لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو إجتمعوا على أن يضروك لم يضروك الا ~~بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ( قال الترمذى هذا حديث ~~صحيح فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة الا الله ولا يضر غيره وكذا جميع ~~ما ذكرنا في مقتضى الربوبية # فمن سلك هذا المسلك العظيم إستراح من عبودية الخلق ونظره اليهم وأراح ~~الناس من لومه وذمه اياهم وتجرد التوحيد في قلبه فقوى إيمانه وإنشرح صدره ~~وتنور قلبه ومن توكل ms0065 على الله فهو حسبه ولهذا قال الفضيل بن عياض رحمه الله ~~من عرف الناس استراح يريد والله أعلم أنهم لا ينفعون ولا يضرون # وأما الشرك الخفى فهو الذى لا يكاد أحد أن يسلم منه مثل أن يحب مع الله ~~غيره # فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين والأعمال الصالحة فليست من ~~هذا الباب لأن هذه تدل على حقيقة المحبة لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب ~~وما أحبه ويكره ما يكرهه ومن صحت محبته إمتنعت مخالفته لأن المخالفة انما ~~تقع لنقص المتابعة ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى # ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) الآية ~~فليس الكلام في هذا PageV01P093 إنما الكلام في محبة تتعلق بالنفوس لغير ~~الله تعالى فهذا لا شك أنه نقص في توحيد المحبة لله وهو دليل على نقص محبة ~~الله تعالى إذ لو كملت محبته لم يحب سواه # ولا يرد علينا الباب الأول لأن ذلك داخل في محبته وهذا ميزان لم يجر عليك ~~كلما قويت محبة العبد لمولاه صغرت عنده المحبوبات وقلت وكلما ضعفت كثرت ~~محبوباته وإنتشرت # وكذا الخوف والرجاء وما أشبه ذلك فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئا ~~سواه قال الله تعالى ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا ~~الا الله ) وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون ~~الخوف كما ذكرنا في المحبة وكذا الرجاء وغيره فهذا هو الشرك الخفى الذى لا ~~يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمة الله تعالى وقد روى أن الشرك في هذه ~~الأمة أخفى من دبيب النمل # وطريق التخلص من هذه الآفات كلها الإخلاص لله عز وجل قال الله تعالى ( ~~فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ولا ~~يحصل الإخلاص الا بعد الزهد ولا زهد الا بتقوى والتقوى متابعة الأمر والنهى ~~PageV01P094 ### ||| فصل # ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل فتعتصم به فتقل ~~آفاتها أو ms0066 تذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته # فنقول إعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة المحبة والخوف ~~والرجاء وأقواها المحبة وهى مقصودة تراد لذاتها لأنها تراد في الدنيا ~~والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة قال الله تعالى ( ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) والخوف المقصود منه الزجر والمنع من ~~الخروج عن الطريق فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه وعلى قدر ضعفها ~~وقوتها يكون سيره إليه والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب والرجاء يقوده ~~فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له فإنه لا تحصل له العبودية بدونه ~~وكل أحد يجب أن يكون عبدا لله لا لغيره # فإن قيل فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب ~~محبوبه فأى شيء يحرك القلوب قلنا يحركها شيئان # أحدهما كثرة الذكر للمحبوب لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به ولهذا أمر الله ~~عز وجل بالذكر الكثير فقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ) الآية # والثانى مطالعة آلائه ونعمائه قال الله تعالى @QB@ فاذكروا آلاء الله ~~لعلكم تفلحون @QE@ PageV01P095 # وقال تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها @QE@ # فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض وما فيها من ~~الأشجار والحيوان وما أسبغ عليه من النعم الباطنة من الإيمان وغيره فلابد ~~أن يثير ذلك عنده باعثا وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر ~~والعرض والحساب ونحوه وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو وما ~~ورد في الرجاء والكلام في التوحيد # واسع وإنما الغرض مبلغ التنبيه على تضمنه الإستغناء بأدنى إشارة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم PageV01P096 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين ~~الظالمين ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ms0067 ما لم ينزل ~~به عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) # وفى الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن النبى فسر الظلم بالشرك وقال ~~ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ( إن الشرك لظلم عظيم ) فأنكر أن نخاف ما ~~أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العلويات والسفليات وعدم خوفهم من إشراكهم ~~بالله شريكا لم ينزل الله به سلطانا وبين أن القسم الذى لم يشرك هو الآمن ~~المهتدى # وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن الحنيف في مواضع فإن الإشراك في هذه الأمة ~~أخفى من دبيب النمل دع جليله وهو شرك في العبادة والتأله وشرك في الطاعة ~~والانقياد وشرك في الإيمان والقبول # فالغالية من النصارى والرافضة وضلال الصوفية والفقراء والعامة يشركون ~~بدعاء غير الله تارة وبنوع من عبادته أخرى وبهما جميعا تارة ومن أشرك هذا ~~الشرك أشرك في الطاعة PageV01P097 وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك وأتباع ~~القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة وقد قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم لعدى بن حاتم لما قرأ ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح بن مريم ( فقال يارسول الله ما عبدوهم فقال ( ما عبدوهم ولكن ~~أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم ( # فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه والحرام ما حرمه والحلال ~~ما حلله والدين ما شرعه إما دينا وإما دنيا وإما دنيا ودينا ثم يخوف من ~~إمتنع من هذا الشرك وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا في طاعته بغير سلطان من ~~الله وبهذا يخرج من أوجب الله طاعته من رسول وأمير وعالم ووالد وشيخ وغير ~~ذلك # وأما الشرك الثالث فكثير من أتباع المتكلمة والمتفلسفة بل وبعض المتفقهة ~~والمتصوفة بل وبعض أتباع الملوك والقضاة يقبل قول متبوعه فيما يخبر به من ~~الإعتقادات الخبرية ومن تصحيح بعض المقالآت وإفساد بعضها ومدح بعضها وبعض ~~القائلين وذم بعض بلا سلطان من الله ويخاف ما أشركه في الإيمان والقبول ولا ~~يخاف إشراكه بالله ms0068 شخصا في الإيمان به وقبول قوله بغير سلطان من الله # وبهذا يخرج من شرع الله تصديقه من المرسلين والعلماء المبلغين والشهداء ~~الصادقين وغير ذلك فباب الطاعة والتصديق ينقسم إلى مشروع في حق البشر وغير ~~مشروع # وأما العبادة والإستعانة والتأله فلا حق فيها للبشر بحال فإنه كما قال ~~القائل ما وضعت يدى في قصعة أحد إلا ذللت له ولا ريب أن من نصرك ورزقك ~~PageV01P098 كان له سلطان عليك فالمؤمن يريد أن ألا يكون عليه سلطان إلا ~~لله ولرسوله ولمن أطاع الله ورسوله # وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر ~~عن نفسه كان حسنا محمودا يصح له دينه بذلك وإن قصد الترفع عليهم والترؤس ~~والمراءاة بالحال الأولى كان مذموما وقد يقصد بترك الأخذ غنا نفسه عنهم ~~ويترك أموالهم لهم # فهذه أربع مقاصد صالحة غنى نفسه وعزتها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل ~~لهم وسلامة ما لهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم فلا يذهبها عنهم ~~ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه ففى ذلك منفعة له ~~أن لا يذل ولا يفتقر إليهم ومنفعة لهم أن يبقى لهم مالهم ودينهم وقد يكون ~~في ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم لهم حتى يقبلوا منه ويتألفون ~~بالعطاء لهم فكذلك في إبقاء أموالهم لهم وقد يكون في ذلك أيضا حفظ دينهم ~~فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم أيضا في أنواع من المعاصى ويتركون ~~أنواعا من الطاعات فلا يقبلون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفى ذلك ~~منافع ومقاصد أخر صالحة # وأما إذا كان الأخذ يفضى إلى طمع فيه حتى يستعان به في معصية أو يمنع من ~~طاعة فتلك مفاسد أخر وهي كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم فإنهم لا يتمكنون من ~~منعه من طاعة الا إذا كان ذليلا أو فقيرا إليهم ولا يتمكنون هم من إستعماله ~~في المعصية إلا مع ذله أو فقره فإن العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة فإذا لم ~~تحصل مكافأة ms0069 دنيوية من مال أو نفع لم يبق إلا ما ينتظر من المنفعة الصادرة ~~منه اليهم PageV01P099 وللرد وجوه مكروهة مذمومة منها الرد مراءاة بالتشبه ~~بمن يريد غنى وعزة ورحمة للناس في دينهم ودنياهم ومنها التكبر عليهم ~~والإستعلاء حتى يستعبدهم ويستعلى عليهم بذلك فهذا مذموم أيضا ومنها البخل ~~عليهم فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم ويقضى حوائجهم فقد يترك الأخذ ~~بخلا عليهم بالمنافع ومنها الكسل عن الإحسان اليهم فهذه أربع مقاصد فاسدة ~~في الرد للعطاء الكبر والرياء والبخل والكسل # فالحاصل أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه أو لدفع المضرة عنها ~~أو لجلب المنفعة للناس أو دفع المضرة عنهم فإن في ترك أخذه غنى نفسه وعزها ~~وهو منفعة لها وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع المفاسد ~~وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم لهم ودفع الضرر المتولد عليهم إذا ~~بذلوا بذلا قد يضرهم وقد يتركه لمضرة الناس أو لترك منفعتهم فهذا مذموم كما ~~تقدم وقد يكون في الترك أيضا مضرة نفسه أو ترك منفعتها إما بأن يكون محتاجا ~~إليه فيضره تركه أو يكون في أخذه وصرفه منفعة له في الدين والدنيا فيتركها ~~من غير معارض مقاوم فلهذا فصلنا هذه المسألة فإنها مسألة عظيمة وبإزائها ~~مسألة القبول أيضا وفيها التفصيل لكن الأغلب أن ترك الأخذ كان أجود من ~~القبول ولهذا يعظم الناس هذا الجنس أكثر وإذا صح الأخذ كان أفضل أعنى الأخذ ~~والصرف إلى الناس PageV01P100 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عمن قال يجوز الاستغاثة بالنبى صلى الله عليه وسلم ~~في كل ما يستغاث الله تعالى فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى في ~~طلب الغوث وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث الله ~~تعالى فيه # وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به سواء كان ~~ذلك بلفظ الإستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما هو في معناهما وقول القائل ~~أتوسل اليك يا إلهى برسولك أو أستغيث برسولك عندك ان تغفر لى استغاثة ms0070 ~~بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم # قال ولم يزل الناس يفهمون معنى الإستغاثة بالشخص قديما وحديثا وأنه يصح ~~إسنادها للمخلوقين وأنه يستغاث بهم على سبيل التوسل وأنها مطلقة على كل من ~~سأل تفريج الكربة بواسطة التوسل به وإن ذلك صحيح في أمر الأنبياء والصالحين # قال وفيما رواه الطبرانى عن النبى أن بعض الصحابة رضى الله عنهم قال ~~استغيثوا برسول الله من هذا المنافق فقال النبى ( أنه لا يستغاث بى وإنما ~~يستغاث بالله PageV01P101 أن النبى لو نفى عن نفسه أنه يستغاث به ونحو ذلك ~~يشير به إلى التوحيد وإفراد البارى بالقدرة لم يكن لنا نحن أن ننفى ذلك ~~ونجوز أن نطلق أن النبى والصالح يستغاث به يعنى في كل ما يستغاث فيه بالله ~~تعالى ولا يحتاج أن يقول على سبيل أنه وسيلة وواسطة وأن القائل لا يستغاث ~~به منتقصا له وأنه كافر بذلك لكنه يعذر إذا كان جاهلا فإذا عرف معنى ~~الإستغاثة ثم أصر على قوله بعد ذلك صار كافرا # والتوسل به استغاثة به كما تقدم فهل يعرف أنه قال أحد من علماء المسلمين ~~أنه يجوز أن يستغاث بالنبى والصالح في كل ما يستغاث به الله تعالى وهل يجوز ~~اطلاق ذلك كما قال القائل # وهل التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم أو الصالح أو غيرهما إلى الله ~~تعالى في كل شيء استغاثة بذلك المتوسل به كما نقله هذا القائل عن جميع ~~اللغات وسواء كان التوسل بالنبى أو الصالح استغاثة به أو لم يكن فهل يعرف ~~أن أحدا من العلماء قال إنه يجوز التوسل إلى الله بكل نبى وصالح فقد أفتى ~~الشيخ عز الدين بن عبد السلام في فتاوية المشهورة أنه لا يجوز التوسل إلى ~~الله تعالى الا بالنبى إن صح الحديث فيه فهل قال أحد خلاف ما أفتى به الشيخ ~~المذكور # وبتقدير أن يكون في المسألة خلاف فمن قال لا يتوسل بسائر الأنبياء ~~والصالحين كما أفتى الشيخ عز الدين هل يكفر كما كفره هذا القائل ويكون ما ~~أفتى به الشيخ ms0071 كفرا بل نفس التوسل به لو قال قائل لا يتوسل به PageV01P102 ~~ولا يستغاث به الا في حياته وحضوره لا في موته ومغيبه هل يكون ذلك كفرا أو ~~يكون تنقصا # ولو قال ما لا يقدر عليه الا الله تعالى لا يستغاث فيه الا بالله أى لا ~~يطلب الا من الله تعالى هل يكون كفرا أو يكون حقا وإذا نفى الرسول عن نفسه ~~أمرا من الأمور لكونه من خصائص الربوبية هل يحرم عليه أن ينفيه عنه أم يجب ~~أم يجوز نفيه أفتونا رحمكم الله بجواب شاف كاف موفقين مثابين إنشاء الله ~~تعالى # الجواب الحمد لله رب العالمين لم يقل أحد من علماء المسلمين أنه يستغاث ~~بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى لا بنبى ولا بملك ولا ~~بصالح ولا غير ذلك بل هذا مما يعلم بالإضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز ~~إطلاقه # ولم يقل أحد أن التوسل بنبى هو استغاثة به بل العامة الذين يتوسلون في ~~أدعيتهم بأمور كقول أحدهم أتوسل اليك بحق الشيخ فلان أو بحرمته أو أتوسل ~~اليك باللوح والقلم أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون ~~أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور فإن المستغيث بالنبى طالب منه وسائل له ~~والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يسأل وإنما يطلب به وكل أحد يفرق بين ~~المدعو والمدعو به # والإستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالإستنصار طلب النصر والاستعانة ~~طلب العون والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه PageV01P103 منها ~~كما قال تعالى @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ وكما قال ~~@QB@ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه @QE@ وكما قال تعالى @QB@ ~~وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ # وأما مالا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله ولهذا كان المسلمون ~~لا يستغيثون بالنبى صلى الله عليه وسلم ويستسقون به ويتوسلون به كما في ~~صحيح البخارى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه استسقى بالعباس وقال اللهم إنا ~~كنا إذا أجدبنا نتوسل اليك بنبينا ms0072 فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا ~~فاسقنا فيسقون # وفى سنن أبى داود أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم إنا نستشفع بالله ~~عليك ونستشفع بك على الله فقال ( شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به ~~على أحد من خلقه ( فأقره على قوله نستشفع بك على الله وأنكر عليه قوله ~~نستشفع بالله عليك # وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة وأن الخلق يطلبون منه ~~الشفاعة لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر وأما عند الوعيدية ~~فإنما يشفع في زيادة الثواب # وقول القائل أن من توسل إلى الله بنبى فقال أتوسل اليك برسولك فقد استغاث ~~برسوله حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم قد كذب عليهم فما يعرف هذا في لغة ~~أحد من بنى آدم بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسؤول به مدعو ويفرقون بين ~~المسئول والمسئول به سواء استغاث بالخالق PageV01P104 أو بالمخلوق فإنه ~~يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه والنبى أفضل مخلوق يستغاث ~~به في مثل ذلك # ولو قال قائل لمن يستغيث به أسألك بفلان أو بحق فلان لم يقل أحد إنه ~~استغاث بما توسل به بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله ولهذا قال المصنفون في ~~شرح أسماء الله الحسنى إن المغيث بمعنى المجيب لكن الإغاثة أخص بالأفعال ~~والإجابة أخص بالأقوال # والتوسل إلى الله بغير نبينا سواء سمى استغاثة أو لم يسم لا نعلم أحدا من ~~السلف فعله ولا روى فيه أثرا ولا نعلم فيه الا ما أفتى به الشيخ من المنع ~~وأما التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم ففيه حديث في السنن رواه النسائى ~~والترمذى وغيرهما أن أعرابيا أتى النبى فقال يا رسول الله إنى أصبت في بصرى ~~فادع الله لى فقال له النبى ( توضأ وصل ركعتين ثم قل اللهم أسألك وأتوجه ~~إليك بنبيك محمد يا محمد أنى أتشفع بك في رد بصرى اللهم شفع نبيك في ( وقال ~~( فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك ( فرد الله بصره فلأجل هذا الحديث استثنى ms0073 ~~الشيخ التوسل به # وللناس في معنى هذا قولان # أحدهما أن هذا التوسل هو الذى ذكر ( عمر بن الخطاب ( رضى الله عنه لما ~~قال كنا اذا أجدبنا نتوسل بنبينا اليك فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا ~~فاسقنا فقد ذكر عمر رضى الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في ~~الإستسقاء ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته وتوسلهم PageV01P105 به هو ~~استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه فيكون هو وسيلتهم إلى الله وهذا لم ~~يفعله الصحابه بعد موته ولا في مغيبه والنبى كان في مثل هذا شافعا لهم ~~داعيا لهم ولهذا قال في حديث الأعمى اللهم فشفعه في فعلم أن النبى شفع له ~~فسأل الله أن يشفعه فيه # والثانى أن التوسل يكون في حياته وبعد موته وفى مغيبه وحضرته ولم يقل أحد ~~أن من قال بالقول الأول فقد كفر ولا وجه لتكفيره فإن هذه مسألة خفية ليست ~~أدلتها جلية ظاهرة والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة أو ~~بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك واختلاف الناس فيما يشرع ~~من الدعاء ومالا يشرع كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح وليس هو من ~~مسائل السب عند أحد من المسلمين # وأما من قال أن من نفى التوسل الذى سماه استغاثة بغيره كفر وتكفير من قال ~~بقول الشيخ عز الدين وأمثاله فأظهر من أن يحتاج إلى جواب بل المكفر بمثل ~~هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين ~~على الدين لا سيما مع قول النبى ( من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما ( # وأما من قال ما لا يقدر عليه الا الله لا يستغاث فيه الا به فقد قال الحق ~~بل لو قال كما قال أبو يزيد استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق ~~بالغريق وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشى استغاثة المخلوق بالمخلوق ~~كاستغاثة المسجون بالمسجون لكان قد أحسن فإن مطلق هذا الكلام يفهم ~~الإستغاثة PageV01P106 المطلقة كما قال النبى لابن عباس ( إذا سألت فإسأل ~~الله وإذا استعنت فاستعن ms0074 بالله ( # وإذا نفى الرسول عن نفسه أمرا كان هو الصادق المصدوق في ذلك كما هو ~~الصادق المصدوق في كل ما يخبر به من نفى وإثبات وعلينا أن نصدقه في كل ما ~~أخبر به من نفى وإثبات ومن رد خبره تعظيما له أشبه النصارى الذين كذبوا ~~المسيح في إخباره عن نفسه بالعبودية تعظيما له ويجوز لنا أن ننفى ما نفاه ~~وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك البتة والله أعلم PageV01P107 ### |||| وسئل شيخ الإسلام ( تقى الدين بن تيمية رضى الله عنه ( # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وفقهم الله لطاعته فيمن يقول لا ~~يستغاث برسول الله هل يحرم عليه هذا القول وهل هو كفر أم لا وإن استدل ~~بآيات من كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم هل ينفعه دليله أم لا ~~وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ذلك أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله قد ثبت بالسنة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة أن ~~نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة ~~وأن الناس يستشفعون به يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم وأنه يشفع لهم ثم ~~إتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في النار من ~~أهل التوحيد أحد # وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر ولم ينكروا شفاعته ~~للمؤمنين وهؤلاء مبتدعة ضلال وفى تكفيرهم نزاع وتفصيل PageV01P108 # وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة وسواء ~~سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه # وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به ~~والاستشفاع به كما رواه البخارى في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا ~~قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال اللهم إنا كنا نتوسل اليك بنبينا ~~فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وفى سنن أبى داود وغيره ~~أن أعرابيا قال للنبى جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا ~~فإنا نستشفع بك ms0075 على الله ونستشفع بالله عليك فسبح رسول الله حتى عرف ذلك في ~~وجوه أصحابه وقال ( ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله ~~أعظم من ذلك ( وذكر تمام الحديث فأنكر قوله نستشفع بالله عليك ولم ينكر ~~قوله نستشفع بك على الله بل أقره عليه فعلم جوازه فمن أنكر هذا فهو ضال ~~مخطئ مبتدع وفى تكفيره نزاع وتفصيل # وأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ~~ذلك ولكن قال لا يدعى إلا الله وأن الأمور التى لا يقدر عليها إلا الله لا ~~تطلب إلا منه مثل غفران الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ~~ونحو ذلك فهذا مصيب في ذلك بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضا كما ~~قال الله تعالى @QB@ ومن يغفر الذنوب إلا الله @QE@ وقال @QB@ إنك لا تهدي ~~من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ وكما قال تعالى @QB@ يا أيها الناس ~~اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض @QE@ ~~PageV01P109 وكما قال تعالى @QB@ وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن ~~قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله @QE@ وقال @QB@ إلا تنصروه فقد نصره ~~الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا @QE@ # فالمعانى الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها والمعانى المنفية بالكتاب ~~والسنة يجب نفيها والعبارة الدالة على المعانى نفيا وإثباتا إن وجدت في ~~كلام الله ورسوله وجب إقرارها وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب ~~عليه حكمه والا رجع فيه إليه # وقد يكون في كلا م الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس يفهم ~~من تلك غير مراد الله ورسوله فهذا يرد عليه فهمه كما روى الطبرانى في معجمه ~~الكبير أنه كان في زمن النبى منافق يؤذى المؤمنين فقال أبو بكر الصديق ~~قوموا بنا لنستغيث برسول الله من هذا المنافق فقال النبى ( إنه لا يستغاث ~~بى وإنما يستغاث بالله ms0076 ( فهذا إنما أراد به النبى المعنى الثانى وهو أن ~~يطلب منه مالا يقدر عليه إلا الله وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ~~ويستسقون به كما في صحيح البخارى عن بن عمر قال ربما ذكرت قول الشاعر وأنا ~~أنظر إلى وجه النبى صلى الله عليه وسلم يستسقى فما ينزل حتى يجيش له ميزاب # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه %~% ثمال اليتامى عصمة للأرامل # وهو قول أبى طالب ولهذا قال العلماء المصنفون في أسماء الله تعالى يجب ~~على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله وإن كل ~~PageV01P110 غوث فمن عنده وإن كان جعل ذلك على يدى غيره فالحقيقة له سبحانه ~~وتعالى ولغيره مجاز # قالوا من أسمائه تعالى المغيث والغياث وجاء ذكر المغيث في حديث أبى هريرة ~~قالوا واجتمعت الأمة على ذلك # وقال أبو عبد الله الحليمى الغياث هو المغيث وأكثر ما يقال غياث ~~المستغيثين ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم وفى ~~خبر الإستسقاء في الصحيحين ( اللهم أغثنا اللهم أغثنا ( يقال أغاثة إغاثة ~~وغياثا وغوثا وهذا الإسم في معنى المجيب والمستجيب قال تعالى @QB@ إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم @QE@ إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال والإستجابة ~~أحق بالأقوال وقد يقع كل منهما موقع الآخر # قالوا الفرق بين المستغيث والداعى أن المستغيث ينادى بالغوث والداعى ~~ينادى بالمدعو والمغيث وهذا فيه نظر فإن من صيغة الإستغاثة يالله للمسلمين # وقد روى عن معروف الكرخى أنه كان يكثر أن يقول واغوثاه ويقول انى سمعت ~~الله يقول ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ( وفى الدعاء المأثور يا حى يا ~~قيوم لا إله الا أنت برحمتك أستغيث أصلح لى شأنى كله ولا تكلنى إلى نفسى ~~طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك ( # والإستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة كما أن الإستعاذة بصفاته ~~استعاذة به في الحقيقة وكما أن القسم بصفاته قسم به في الحقيقة ففى الحديث ~~( أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق ( وفيه ( أعوذ برضاك من سخطك ~~وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا ms0077 أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ~~PageV01P111 ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق ~~بقوله ( أعوذ بكلمات الله التامة ) قالوا والإستعاذة لا تصلح بالمخلوق # وكذلك القسم قد ثبت في الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( من ~~كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وفى لفظ ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( ~~رواه الترمذى وصححه ثم قد ثبت في الصحيح الحلف ( بعزة الله ( و ( لعمر الله ~~( ونحو ذلك مما إتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذى نهى عنه ~~والإستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها ~~مسلم ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به وإما مخطئ ~~ضال # وأما بالمعنى الذى نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أيضا مما يجب ~~نفيها ومن أثبت لغير الله مالا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا قامت عليه ~~الحجة التى يكفر تاركها # ومن هذا الباب قول أبى يزيد البسطامى استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة ~~الغريق بالغريق وقول الشيخ أبى عبد الله القرشى المشهور بالديار المصرية ~~استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون # وفى دعاء موسى عليه السلام ( اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ~~وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ( ولما كان هذا المعنى ~~هو المفهوم منها عند الإطلاق وكان مختصا بالله صح إطلاق نفيه عما سواه ~~ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الإستغاثة بغير الله ~~ولا أنكر على من نفى مطلق الإستغاثة عن غير الله PageV01P112 وكذلك ~~الإستغاثة أيضا فيها ما لا يصلح إلا لله وهى المشار اليها بقوله ( إياك ~~نعبد وإياك نستعين ) فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة الا الله ~~وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الإستنصار قال الله تعالى ( وإن ~~إستنصروكم في الدين فعليكم النصر ( والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب العدو ~~ولا يقدر عليه إلا الله # ومن خالف ما ثبت ms0078 بالكتاب والسنة فإنه يكون إما كافرا وإما فاسقا وإما ~~عاصيا إلا أن يكون مؤمنا مجتهدا مخطئا فيثاب على إجتهاده ويغفر له خطؤه ~~وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذى تقوم عليه به الحجة فإن الله يقول ( وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب ~~والسنة فخالفها فإنه يعاقب بحسب ذلك إما بالقتل وإما بدونه والله أعلم ~~PageV01P113 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل # سمى الله آلهتهم التى عبدوها من دونه شفعاء كما سماها شركاء في غير موضع ~~فقال في يونس ( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون ( # وقال ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون قل لله الشفاعة جميعا ( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ولم يكن لهم ~~من شركائهم شفعاء ( # وجمع بين الشرك والشفاعة في قوله ( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ( فهذه الأربعة هي التى ~~يمكن أن يكون لهم بها تعلق الأول ملك شيء ولو قل الثانى شركهم في شيء من ~~الملك فلا ملك ولا شركة ولا معاونة يصير بها ندا فإذا انتفت الثلاثة بقيت ~~الشفاعة فعلقها بالمشيئة PageV01P114 # وقال ( وكم من ملك في السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا ( وقال ( قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ( الآيتين وقال ~~في اتخاذهم قربانا ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( وقال ( فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما ~~كانوا يفترون PageV01P115 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # في الشفاعة المنفية في القرآن كقوله تعالى ( واتقوا يوما لا تجزى نفس عن ~~نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ ms0079 منها عدل ( وقوله تعالى ( ولا يقبل ~~منها عدل ولا تنفعها شفاعة ( وقوله ( من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا ~~خلة ولا شفاعة ( وقوله ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ( وقوله ( ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ( وقوله ( يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه ~~من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل ~~غير الذى كنا نعمل ( وأمثال ذلك # واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر إذ ~~منعوا أن يشفع لمن يستحق العذاب أو أن يخرج من النار من يدخلها ولم ينفوا ~~الشفاعة لأهل الثواب في زيادة الثواب # ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل ~~الكبائر والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان # وأيضا فالأحاديث المستفيضة عن النبى في الشفاعة فيها استشفاع أهل الموقف ~~ليقضى بينهم وفيهم المؤمن والكافر وهذا فيه PageV01P116 نوع شفاعة للكفار ~~وأيضا ففى الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال يا رسول الله هل نفعت ~~أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال ( نعم هو في ضحضاح من نار ولولا ~~أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ( وعن عبد الله بن الحارث قال سمعت ~~العباس يقول قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك ~~قال نعم وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح # وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله ذكر عنده عمه أبو طالب ~~فقال ( لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه ~~يغلى منه دماغه ( # فهذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب بل في أن ~~يجعل أهون أهل النار عذابا كما في الصحيح أيضا عن بن عباس أن رسول الله قال ~~( أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه ( # وعن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه ms0080 وسلم قال ( إن أدنى أهل ~~النار عذابا منتعل بنعلين من نار يغلى دماغه من حرارة نعليه ( وعن النعمان ~~بن بشير قال سمعت رسول الله يقول ( إن أهون أهل النارعذابا يوم القيامة ~~لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه ( وعنه قال قال رسول الله ~~( إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلى منهما دماغه ~~كما يغلى المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا ~~PageV01P117 # وهذا السؤال الثانى يضعف جواب من تأول نفى الشفاعة على الشفاعة للكفار ~~وإن الظالمين هم الكافرون # فيقال الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق وهى أن ~~يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع ~~لم يكن مستقلا بالشفاعة بل يكون مطيعا له أى تابعا له في الشفاعة وتكون ~~شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسئول # وقد ثبت بنص القرآن في غير آيه أن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه كما قال ~~تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقال @QB@ ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ ~~وأمثال ذلك والذى يبين أن هذه هي الشفاعة المنفية أنه قال @QB@ وأنذر به ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ فأخبر أنه ~~ليس لهم من دون الله ولى ولا شفيع # وأما نفى الشفاعة بدون إذنه فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من دونه ~~كما أن الولاية التى بإذنه ليست من دونه كما قال تعالى @QB@ إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ~~ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ # وأيضا فقد قال @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ms0081 ~~شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض @QE@ ~~PageV01P118 فذم الذين اتخذوا من دون الله شفعاء وأخبر أن لله الشفاعة ~~جميعا فعلم أن الشفاعة منتفية عن غيره إذ لا يشفع أحد الا بإذنه وتلك فهي ~~له # وقد قال ( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون ومما ) # يوضح ذلك أنه نفى يؤمئذ الخلة بقوله ( من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا ~~خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) ومعلوم أنه إنما نفى الخلة المعروفة ~~ونفعها المعروف كما ينفع الصديق الصديق في الدنيا كما قال ( وما أدراك ما ~~يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يؤمئذ لله ( وقال ( لتنذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم ~~شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) # لم ينف أن يكون في الآخرة خلة نافعة بإذنه فإنه قد قال ( الإخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو الا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ) ~~الآيات وقد قال النبى يقول الله تعالى ( حقت محبتى للمتحابين في ( ويقول ~~الله تعالى ( أين المتحابون بجلالى اليوم أظلهم في ظلى يوم لا ظل إلا ظلى ( # فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد وأنه لا ينفع أحد ولا يضر الا ~~بإذن الله وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله ولا يستعان به من دون الله ~~وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله ويتبرأ كل مدع من ~~PageV01P119 دعواه الباطلة فلا يبقى من يدعى لنفسه معه شركا في ربوبيته أو ~~الهيته ولا من يدعى ذلك لغيره بخلاف الدنيا فإنه وإن لم يكن رب ولا اله الا ~~هو فقد اتخذ غيره ربا والها وادعى ذلك مدعون وفى الدنيا يشفع الشافع عند ~~غيره وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له في الشفاعة ويكون خليله فيعينه ms0082 ~~ويفتدى نفسه من الشر فقد ينتفع بالنفوس والأموال في الدنيا النفوس ينتفع ~~بها تارة بالإستقلال وتارة بالإعانة وهى الشفاعة والأموال بالفداء فنفى ~~الله هذه الأقسام الثلاثة قال تعالى @QB@ لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل ~~منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل @QE@ وقال @QB@ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ~~@QE@ كما قال @QB@ لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ~~@QE@ فهذا هذا والله أعلم # وعاد ما نفاه الله من الشفاعة إلى تحقيق أصلى الإيمان وهى الإيمان بالله ~~وباليوم الآخر التوحيد والمعاد كما قرن بينهما في مواضع كثيرة كقوله ( ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ) وقوله ( الذين إذا أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) وقوله ( ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس ~~واحدة ) وقوله ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ~~) وأمثال ذلك PageV01P120 ### || 1 ( الواسطة بين الخلق والحق ) 1 ### ||| ! 8 < سئل شيخ الإسلام قدس الله ! 8 < روحه # عن رجلين تناظرا فقال أحدهما ~~لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك ### |||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله ~~فهذا حق فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما نهى عنه ~~وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه ولا يعرفون ما ~~يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التى تعجز العقول عن ~~معرفتها وأمثال ذلك الا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده # فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع ~~درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون وهم ~~عن ربهم ضالون محجوبون قال تعالى @QB@ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين ~~كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن ms0083 اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ ~~PageV01P121 قال بن عباس ( تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا ~~يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة # وقال تعالى عن أهل النار @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا ~~في ضلال كبير @QE@ وقال تعالى @QB@ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا ~~جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ~~ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين @QE@ وقال تعالى @QB@ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ~~آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ~~بما كانوا يفسقون @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك ~~من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ # ومثل هذا في القرآن كثير # وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى فإنهم ~~يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله ~~PageV01P122 أمره وخبره قال تعالى @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس @QE@ ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل # والسور التى أنزلها الله بمكة مثل الأنعام والأعراف وذوات ( الر ) و ( حم ~~) و ( طس ) ونحو ذلك هي متضمنة لأصول الدين كالإيمان بالله ورسله واليوم ~~الآخر # وقد قص الله قصص الكفار الذين كذبوا الرسل وكيف أهلكهم ونصر رسله والذين ~~آمنوا قال تعالى @QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم ms0084 الغالبون @QE@ وقال @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ # فهذه الوسائط تطاع وتتبع ويقتدى بها كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~@QE@ وقال @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~أولئك هم المفلحون @QE@ وقال تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا @QE@ # وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن ~~يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه فهذا ~~من أعظم الشرك الذى كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء ~~وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار # لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حتى قال @QB@ الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع أفلا تتذكرون @QE@ PageV01P123 # وقال تعالى @QB@ وأنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع @QE@ وقال @QB@ قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ وقال @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ~~لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ # وقالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فبين ~~الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا وأنهم ~~يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه # وقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين ms0085 بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ # فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر # فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب ~~المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج ~~الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين # وقد قال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين @QE@ PageV01P124 # وقال تعالى @QB@ لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ~~أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا @QE@ وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقال @QB@ وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له ~~من بعده @QE@ وقال تعالى @QB@ قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون @QE@ # ومثل هذا كثير في القرآن # ومن سوى ms0086 الأنبياء من مشايخ العلم والدين فمن أثبتهم وسائط بين ~~PageV01P125 الرسول وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد ~~أصاب في ذلك # وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة لا يجتمعون على ضلالة وإن تنازعوا ~~في شيء ردوه إلى الله والرسول إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق بل كل ~~أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك الا رسول الله وقد قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( العلماء ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا ~~درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر ( # وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث ~~يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فالله إنما يهدى عباده ويرزقهم ~~بتوسطهم فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون ~~الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا ~~سؤال الملك أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم ~~أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر ~~مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق ~~بالخالق وجعلوا لله أندادا وفى القرآن من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه ~~الفتوى # فإن الوسائط التى بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة # إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه PageV01P126 # ومن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة أو ~~الأنبياء أو غيرهم فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه ~~خافية في الأرض ولا في السماء ( وهو السميع البصير ( يسمع ضجيج الأصوات ~~بإختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ~~ولا يتبرم بإلحاح الملحين # الوجه الثانى أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان ~~يعينونه فلا بد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه # والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولى من الذل قال تعالى @QB@ قل ادعوا ms0087 الذين ~~زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير @QE@ وقال تعالى @QB@ وقل الحمد لله الذي ~~لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره ~~تكبيرا @QE@ # وكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه فهو الغنى عن كل ما ~~سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في ~~الحقيقة شركاؤهم في الملك # والله تعالى ليس له شريك في الملك بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # والوجه الثالث أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته والإحسان اليهم ~~ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظمه أو من ~~يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك PageV01P127 وهمته في ~~قضاء حوائج رعيته إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير وإما ~~لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه # والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل ~~الأشياء إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو إذا أجرى نفع ~~العباد بعضهم على بعض فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك ~~فهو الذى خلق ذلك كله وهو الذى خلق في قلب هذا المحسن الداعى الشافع إرادة ~~الإحسان والدعاء والشفاعة ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف ~~مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلم أو من يرجوه الرب ويخافه # ولهذا قال النبى ( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لى ان شئت اللهم إرحمنى إن ~~شئت ولكن ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ( # والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون الا بإذنه كما قال ( من ذا الذى ~~يشفع عنده الا بإذنه ) وقال تعالى @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قل ادعوا الذين ms0088 زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ # فبين أن كل من دعى من دونه ليس له ملك ولا شرك في الملك ولا هو ظهير وأن ~~شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له # وهذا بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك وقد يكون شريكا لهم ~~في الملك وقد يكون مظاهرا لهم معاونا لهم على ملكهم وهؤلاء PageV01P128 ~~يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك هم وغيرهم والملك يقبل شفاعتهم تارة ~~بحاجته اليهم وتارة لخوفه منهم وتارة لجزاء إحسانهم إليه ومكافأتهم ~~ولإنعامهم عليه حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة ~~والى الولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ويقبل شفاعة مملوكه ~~فإذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه أو أن يسعى في ضرره وشفاعة العباد ~~بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد الا لرغبة أو رهبة # والله تعالى لا يرجو أحدا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغنى قال ~~تعالى @QB@ ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون ~~من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون @QE@ إلى قوله ~~@QB@ قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض ~~@QE@ # والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة قال تعالى @QB@ ~~ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون @QE@ ( # وأخبر عن المشركين إنهم قالوا ( @QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد ms0089 إذ أنتم مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا @QE@ PageV01P129 ) # فأخبر أن ما يدعى من دونه لا يملك كشف ضر ولا تحويله وأنهم يرجون رحمته ~~ويخافون عذابه ويتقربون إليه فهو سبحانه قد نفى ما من الملائكة والأنبياء ~~الا من الشفاعة بإذنه والشفاعة هي الدعاء # ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع والله قد أمر بذلك لكن الداعى ~~الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له في ذلك فلا يشفع شفاعة نهى ~~عنها كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة قال تعالى @QB@ ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم ~~أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ~~فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه @QE@ وقال تعالى في حق المنافقين @QB@ ~~سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم @QE@ # وقد ثبت في الصحيح أن الله نهى نبيه عن الإستغفار للمشركين والمنافقين ~~وأخبر أنه لا يغفر لهم كما في قوله @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وقوله @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون @QE@ وقد قال ~~تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ في الدعاء ومن ~~الإعتداء في الدعاء أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله مثل أن يسأله ~~منازل الأنبياء وليس منهم أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك أو يسأله ما فيه ~~معصية الله كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان PageV01P130 # فالشفيع الذى أذن الله له في الشفاعة شفاعته في الدعاء الذى ليس فيه ~~عدوان ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه فإنهم معصومون أن يقروا ~~على ذلك كما قال نوح ( إن ابنى من أهلى ms0090 وان وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ( ~~قال تعالى @QB@ يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس ~~لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ~~ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ # وكل داع شافع دعا الله سبحانه وتعالى وشفع فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا ~~بقضاء الله وقدره ومشيئته وهو الذى يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة فهو الذى خلق ~~السبب والمسبب والدعاء من جملة الأسباب التى قدرها الله سبحانه وتعالى # وإذا كان كذلك فالإلتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن ~~تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع بل ~~العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله سبحانه وتعالى ~~والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء # والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى فطلب الشفاعة ~~والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبى في الإستسقاء ~~ويطلبون منه الدعاء بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه والناس ~~يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء PageV01P131 ومحمد وهو سيد الشفعاء ~~وله شفاعات يختص بها ومع هذا فقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه قال ( إذا ~~سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله ~~عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغى الا لعبد ~~من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتى يوم القيامة ( وقد قال لعمر لما أراد أن يعتمر وودعه ( يا أخى لا ~~تنسنى من دعائك ( # فالنبى قد طلب من أمته أن يدعوا له ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم بل أمره ~~بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التى يثابون عليها مع أنه له مثل أجورهم ~~في كل ما يعملونه فإنه قد صح عنه أنه قال ( من دعا إلى هدى كان ms0091 له من الأجر ~~مثل أجور من إتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان ~~عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ( وهو ~~داعى الأمة إلى كل هدى فله مثل أجورهم في كل ما اتبعوه فيه # وكذلك إذا صلوا عليه فإن الله يصلى على أحدهم عشرا وله مثل أجورهم مع ما ~~يستجيبه من دعائهم له فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه وصار ما حصل ~~له به من النفع نعمة من الله عليه وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( ما من ~~رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه ~~بدعوة قال الملك الموكل به آمين ولك مثل ذلك ( وفى حديث آخر ( أسرع الدعاء ~~دعوة غائب لغائب PageV01P132 # فالدعاء للغير ينتفع به الداعى والمدعو له وإن كان الداعى دون المدعو له ~~فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعى والمدعو له فمن قال لغيره ادع لى وقصد ~~انتفاعهما جميعا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى فهو نبه ~~المسئول وأشار عليه بما ينفعهما والمسئول فعل ما ينفعهما بمنزلة من يأمر ~~غيره ببر وتقوى فيثاب المأمور على فعله والآمر أيضا يثاب مثل ثوابه لكونه ~~دعا إليه لا سيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد كما قال تعالى @QB@ ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ فأمره بالإستغفار ثم قال @QB@ ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما @QE@ # فذكر سبحانه إستغفارهم وإستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به الرسول حيث ~~أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ولم يأمر الله مخلوقا أن يسأل مخلوقا ~~شيئا لم يأمر الله المخلوق به بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب ~~ففعله هو عباده لله وطاعة وقربة إلى الله وصلاح لفاعله وحسنة فيه وإذا فعل ~~ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه وإنعامه عليه بل أجل نعمة أنعم الله بها على ~~عباده أن هداهم للإيمان # والإيمان قول وعمل ms0092 يزيد بالطاعة والحسنات وكلما ازداد العبد عملا للخير ~~إزداد إيمانه هذا هو الإنعام الحقيقى المذكور في قوله ( صراط الذين أنعمت ~~عليهم ( وفى قوله ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~) بل نعم الدنيا بدون الدين هل هي من نعمة أم لا فيه قولان مشهوران للعلماء ~~من أصحابنا وغيرهم PageV01P133 والتحقيق أنها نعمة من وجه وإن لم تكن نعمة ~~تامة من وجه وأما الإنعام بالدين الذى ينبغى طلبه فهو ما أمر الله به من ~~واجب ومستحب فهو الخير الذى ينبغى طلبه بإتفاق المسلمين وهو النعمة ~~الحقيقية عند أهل السنة إذ عندهم أن الله هو الذى أنعم بفعل الخير والقدرية ~~عندهم إنما أنعم بالقدرة عليه الصالحة للضدين فقط # والمقصود هنا أن الله لم يأمر مخلوقا أن يسأل مخلوقا الا ما كان مصلحة ~~لذلك المخلوق إما واجب أو مستحب فإنه سبحانه لا يطلب من العبد الا ذلك فكيف ~~يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك بل قد حرم على العبد أن يسأل العبد ماله الا ~~عند الضرورة # وإن كان قصده مصلحة المأمور أو مصلحته ومصلحة المأمور فهذا يثاب على ذلك ~~وان كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه لإنتفاع المأمور فهذا من نفسه أتى ~~ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط بل قد نهى عنه إذ هذا سؤال محض للمخلوق ~~من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته والله يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه ويأمرنا ~~أن نحسن إلى عباده وهذا لم يقصد لا هذا ولا هذا فلم يقصد الرغبة إلى الله ~~ودعائه وهو الصلاة ولا قصد الإحسان إلى المخلوق الذى هو الزكاة وان كان ~~العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال لكن فرق ما بين ما يؤمر به العبد وما ~~يؤذن له فيه ألا ترى أنه قال في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير ~~حساب أنهم لا يسترقون وان كان الإسترقاء جائزا وهذا قد بسطناه في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط ms0093 التى ~~PageV01P134 تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين المشركين عباد ~~الأوثان كانوا يقولون انها تماثيل الأنبياء والصالحين وأنها وسائل يتقربون ~~بها إلى الله وهو من الشرك الذى أنكره الله على النصارى حيث قال ( اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا الا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله الا هو سبحانه عما يشركون ) وقال تعالى @QB@ ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون @QE@ أي فليستجيبوا لى إذا دعوتهم بالأمر والنهى ~~وليؤمنوا بى أن أجيب دعاءهم لى بالمسألة والتضرع # وقال تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ وقال تعالى @QB@ أم من ~~يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن @QE@ # وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه وحسم مواد الإشراك به حتى لا يخاف أحد ~~غير الله ولا يرجو سواه ولا يتوكل الا عليه وقال تعالى @QB@ فلا تخشوا ~~الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا @QE@ @QB@ إنما ذلكم الشيطان ~~يخوف أولياءه @QE@ أى يخوفكم أولياءه @QB@ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله @QE@ ~~PageV01P135 # وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك ~~هم الفائزون @QE@ # فبين أن الطاعة لله ورسوله وأما الخشية فلله وحده # وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله @QE@ ونظيره قوله تعالى @QB@ الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل @QE@ # وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يحقق هذا ms0094 التوحيد لأمته ويحسم عنهم ~~مواد الشرك إذ هذا تحقيق قولنا لا إله الا الله فإن الإله هو الذى تألهه ~~القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف حتى قال ~~لهم ( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ~~( وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال ( أجعلتنى لله ندا بل ما شاء الله ~~وحده ( وقال ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وقال ( من حلف بغير ~~الله فقد أشرك ( وقال لابن عباس ( إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن ~~بالله جف القلم بما أنت لاق فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا ~~بشيء كتبه الله لك ولو جهدت أن تضرك لم تضرك الا بشيء كتبه الله عليك ( ~~وقال أيضا ( لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وإنما أنا عبد فقولوا ~~عبد الله ورسوله ( وقال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( وقال ( لا تتخذوا ~~قبرى عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث ما كنتم ( وقال في مرضه ( لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور PageV01P136 أنبيائهم مساجد ( يحذر ما ~~صنعوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وهذا باب ~~واسع # ومع علم المؤمن أن الله رب كل شيء ومليكه فإنه لا ينكر ما خلقه الله من ~~الأسباب كما جعل المطر سببا لإنبات النبات قال الله تعالى ( وما أنزل الله ~~من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ) وكما جعل ~~الشمس والقمر سببا لما يخلقه بهما وكما جعل الشفاعة والدعاء سببا لما يقضيه ~~بذلك مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت فإن ذلك من الأسباب التى يرحمه ~~الله بها ويثيب عليها المصلين عليه لكن ينبغى أن يعرف في الأسباب ثلاثة ~~أمور # أحدها أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لابد معه من أسباب أخر ومع ~~هذا فلها موانع فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود ~~وهو سبحانه ما شاء كان وإن لم ms0095 يشأ الناس وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء ~~الله # الثانى أن لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم فمن أثبت شيئا سببا ~~بلا علم أو يخالف الشرع كان مبطلا مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء ~~وحصول النعماء # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه نهى عن النذر وقال ( إنه لا يأتى بخير ~~وإنما يستخرج به من البخيل ( # الثالث أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سببا الا أن تكون ~~مشروعة فإن العبادات مبناها على التوقيف فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله ~~فيدعو غيره وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه PageV01P137 وكذلك لا ~~يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة وإن ظن ذلك فإن الشياطين قد تعين ~~الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض ~~أغراض الإنسان فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة ~~الحاصلة به إذ الرسول بعث بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ~~فما أمر الله به فمصلحته راجحة وما نهى عنه فمفسدته راجحة وهذه الجمل لها ~~بسط لا تحتمله هذه الورقة والله أعلم PageV01P138 ### ||| وسئل رحمه الله # قال السائل إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد فإنه الوسيلة والواسطة ### |||| فأجاب # الحمد لله إن أراد بذلك أن الإيمان بمحمد وطاعته والصلاة والسلام ~~عليه وسيلة للعبد في قبول دعائه وثواب دعائه فهو صادق وإن أراد أن الله لا ~~يجيب دعاء أحد حتى يرفعه إلى مخلوق أو يقسم عليه به أو أن نفس الأنبياء ~~بدون الإيمان بهم وطاعتهم وبدون شفاعتهم وسيلة في إجابة الدعاء فقد كذب في ~~ذلك والله أعلم PageV01P139 ### ||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى # هل يجوز التوسل بالنبى أم لا ### |||| فأجاب # الحمد لله أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام ~~عليه وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها ~~في حقه فهو مشروع بإتفاق المسلمين وكان الصحابة رضى الله عنهم يتوسلون به ~~في حياته وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه ms0096 كما كانوا يتوسلون به # وأما قول القائل اللهم إنى أتوسل اليك به فللعلماء فيه قولان كما لهم في ~~الحلف به قولان وجمهور الأئمة كمالك والشافعى وأبى حنيفة على أنه لا يسوغ ~~الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة ولا تنعقد اليمين بذلك بإتفاق العلماء ~~وهذا إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون ~~غيره ولذلك قال أحمد في منسكه الذى كتبه للمروذى صاحبه إنه يتوسل بالنبى في ~~دعائه ولكن غير أحمد قال إن هذا إقسام على الله به ولا يقسم على الله ~~بمخلوق وأحمد في إحدى الروايتين قد جوز القسم به فلذلك جوز التوسل به # ولكن الرواية الأخرى عنه هي قول جمهور العلماء أنه لا يقسم به ~~PageV01P140 فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة والأنبياء فإنا لا نعلم ~~أحدا من السلف والأئمة قال إنه يقسم به على الله كما لم يقولوا إنه يقسم ~~بهم مطلقا ولهذا أفتى أبو محمد بن عبد السلام أنه لا يقسم على الله بأحد من ~~الملائكة والأنبياء وغيرهم لكن ذكر له أنه روى عن النبى حديث في الاقسام به ~~فقال ان صح الحديث كان خاصا به والحديث المذكورلا يدل على الاقسام به وقد ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من كان حالفا فليحلف بالله وإلا فليصمت ( ~~وقال ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( والدعاء عبادة والعبادة مبناها على ~~التوقيف والإتباع لا على الهوى والإبتداع والله أعلم PageV01P141 ### || 1 ( التوسل والوسيلة ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ! 8 < # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا # أرسله بين يدى الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ~~فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى وأرشد به من الغى ms0097 وفتح به أعينا عميا ~~وآذانا صما وقلوبا غلفا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في ~~الله حق جهاده وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما # ففرق بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغى وطريق أهل الجنة ~~وطريق أهل النار وبين أوليائه وأعدائه فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ~~ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله # وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء ~~به ويتبعه في باطنه وظاهرة والإيمان به ومتابعته هو سبيل الله وهو دين الله ~~PageV01P142 وهو عبادة الله وهو طاعة الله وهو طريق أولياء الله وهو ~~الوسيلة التى أمر الله بها عباده في قوله تعالى ( 35 5 ) ( يا أيها الذين ~~آمنوا إتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) فإبتغاء الوسيلة إلى الله انما ~~يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد وأتباعه # وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد باطنا وظاهرا في حياة ~~رسول الله وبعد موته في مشهده ومغيبه لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته ~~عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه ولا بعذر من ~~الأعذار ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه الا ~~التوسل بالإيمان به وبطاعته # وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذى يغبطه به ~~الأولون والآخرون فهو أعظم الشفعاء قدرا وأعلاهم جاها عند الله وقد قال ~~تعالى عن موسى @QB@ وكان عند الله وجيها @QE@ وقال عن المسيح ( وجيها في ~~الدنيا والآخرة ( ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاها من جميع الأنبياء ~~والمرسلين لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له فمن ~~دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه ~~يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ~~تبارك وتعالى بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما # ولفظ ( التوسل ) في عرف الصحابة كانوا ms0098 يستعملونه في هذا المعنى والتوسل ~~بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به وأما بدون الإيمان به فالكفار ~~والمنافقون لا تغنى عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة PageV01P143 ولهذا نهى ~~عن الإستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار ونهى عن الإستغفار للمنافقين ~~وقيل له @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ~~@QE@ ولكن الكفار يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان قال ~~تعالى @QB@ إنما النسيء زيادة في الكفر @QE@ # فإذا كان في الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته فإنه تنفعه شفاعته في ~~تخفيف العذاب عنه لا في إسقاط العذاب بالكلية كما في صحيح مسلم عن العباس ~~بن عبد المطلب أنه قال قلت يا رسول الله فهل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان ~~يحوطك ويغضب لك قال ( نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك ~~الأسفل من النار ( وفى لفظ إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ~~ذلك قال ( نعم وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح ( وفيه عن أبى سعيد ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال ( لعله تنفعه ~~شفاعتى يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منهما دماغه ( ~~وقال ( إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلى ~~منهما دماغه ( # وكذلك ينفع دعاؤه لهم بأن لا يعجل عليهم العذاب في الدنيا كما كان يحكى ~~نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول ( اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون ( ~~وروى أنه دعا بذلك أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب في الدنيا قال تعالى ~~@QB@ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى @QE@ PageV01P144 # وأيضا فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه كما ~~دعا لأم أبى هريرة حتى هداها الله وكما دعا لدوس فقال ( اللهم اهد دوسا ~~وائت بهم ( فهداهم الله وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض ms0099 المشركين لما ~~طلبوا منه أن يستسقى لهم فاستسقى لهم وكان ذلك إحسانا منه اليهم يتألف به ~~قلوبهم كما كان يتألفهم بغير ذلك # وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاها عند الله ~~لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه ولا شفاعة أعظم من شفاعته لكن دعاء ~~الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم فإن الإيمان بهم وطاعتهم ~~يوجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقا وعاما فكل من مات مؤمنا بالله ~~ورسوله مطيعا لله ورسوله كان من أهل السعادة قطعا ومن مات كافرا بما جاء به ~~الرسول كان من أهل النار قطعا # وأما الشفاعة والدعاء فإنتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع ~~فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والإستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا ~~تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاها فلا شفيع أعظم من محمد ثم الخليل ~~إبراهيم وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه @QB@ ~~ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ وقد كان أراد أن ~~يستغفر لأبى طالب اقتداء بإبراهيم وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض ~~أقاربه فأنزل الله تعالى ( ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم PageV01P145 # ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه الا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ~~وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) وثبت في صحيح ~~البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يلقى إبراهيم ~~أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك ~~لا تعصنى فيقول له أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب أنت وعدتنى أن ~~لا تخزنى يوم يبعثون وأى خزى أخزى من أبى الأبعد فيقول الله عز وجل انى ~~حرمت الجنة على الكافرين ثم ms0100 يقال أنظر ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذيخ ~~متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار ( فهذا لما مات مشركا لم ينفعه إستغفار ~~إبراهيم مع عظم جاهه وقدره وقد قال تعالى للمؤمنين @QB@ قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ~~ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم @QE@ # فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه الا في قول ~~إبراهيم لأبيه ( لأستغفرن لك ( فإن الله لا يغفر أن يشرك به # وكذلك سيد الشفعاء محمد ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة أن النبى قال ( ~~استأذنت ربى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لى واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لى ( ~~وفى رواية أن النبى PageV01P146 زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال ( ~~استأذنت ربى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لى واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن ~~لى فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ( وثبت عن أنس في الصحيح أن رجلا قال ( ~~يا رسول الله أين أبى قال في النار فلما قفى دعاه فقال ( ان أبى وأباك في ~~النار ( وثبت أيضا في الصحيح عن أبى هريرة لما أنزلت هذه الآية ( وأنذر ~~عشيرتك الأقربين ) دعا رسول الله قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال ( يابنى كعب ~~بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار ~~يابنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى عبد مناف أنقذوا # أنفسكم من النار يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة ~~أنقذى نفسك من النار فإنى لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ~~ببلالها ( وفى رواية عنه ( يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله فإنى لا ~~أغنى عنكم ms0101 من الله شيئا يا بنى عبد المطلب لا أغنى عنكم من الله شيئا يا ~~عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا ~~أغنى عنك من الله شيئا ( يا فاطمة بنت رسول الله سلينى من مالى ما شئت لا ~~أغنى عنك من الله شيئا ( وعن عائشة لما نزلت ( وأنذر عشيرتك الأقربين ( قام ~~رسول الله فقال ( يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب لا أملك لكم من ~~الله شيئا سلونى من مالى ما شئتم ( # وعن أبى هريرة قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا ذات يوم ~~فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال ( لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على ~~رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك شيئا ~~PageV01P147 قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له ~~حمحمة فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين ~~أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء فيقول يا رسول الله أغثنى ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على ~~رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ~~لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثنى ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ( أخرجاه في الصحيحين وزاد مسلم ( لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله ~~أغثنى فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ( وفى البخارى عنه أن النبى قال ( ~~ولا يأتى أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار فيقول يا محمد ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ولا يأتى أحدكم ببعير يحمله على رقبته له ~~رغاء فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ( وقوله هنا لا أملك لك ~~من الله شيئا كقول إبراهيم ms0102 لأبيه ( لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ~~( # وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهي نافعة في الدنيا والدين باتفاق المسلمين ~~وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق ~~عليها بين المسلمين وقد قيل إن بعض أهل البدعة ينكرها # وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم وأنكرها كثير من أهل البدع من ~~الخوارج والمعتزلة والزيدية وقال هؤلاء من يدخل النار لا يخرج منها ~~PageV01P148 لا بشفاعة ولا غيرها وعند هؤلاء ما ثم إلا من يدخل الجنة فلا ~~يدخل النار ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ~~ثواب وعقاب وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة ~~وغيرهم فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبى أن الله يخرج من ~~النار قوما بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم يخرجهم بشفاعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ويخرج آخرين بشفاعة غيره ويخرج قوما بلا شفاعة # واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى ( واتقوا يوما لا تجزى نفس عن ~~نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ) وبقوله ( ولا يقبل منها ~~عدل ولا تنفعها شفاعة ) وبقوله ( من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ~~ولا شفاعة ) وبقوله ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ( وبقوله ( فما ~~تنفعهم شفاعة الشافعين ( # وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان # أحدهما أنها لا تنفع المشركين كما قال تعالى في نعتهم @QB@ ما سلككم في ~~سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين ~~وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين @QE@ ~~فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارا # والثانى أنه يراد بذلك نفى الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من ~~أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر ~~أن يشفعوا عنده بغير إذنه كما يشفع الناس بعضهم عند ms0103 بعض فيقبل PageV01P149 ~~المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة وكما يعامل المخلوق ~~المخلوق بالمعاوضة # فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء ~~والصالحين ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون هؤلاء خواص الله فنحن ~~نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم ~~لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك وقد ~~يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة # فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~@QE@ وقال @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ وقال عن الملائكة @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون @QE@ ~~وقال @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما ~~لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما ~~لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع لعلهم يتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ الله الذي خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون @QE@ PageV01P150 # وقال تعالى @QB@ ولا يملك الذين يدعون من ~~دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى ~~معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون ms0104 الله شفعاء قل أولو كانوا لا ~~يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم ~~إليه ترجعون وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون @QE@ وقال تعالى @QB@ وخشعت الأصوات ~~للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي ~~له قولا @QE@ وقال صاحب يس ( وما لى لا أعبد الذى فطرنى واليه ترجعون # أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون # إنى إذا لفى ضلال مبين # إنى آمنت بربكم فاسمعون ( # فهذه الشفاعة التى أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين حتى ~~صوروا تماثيلهم وقالوا استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم وكذلك قصدوا قبورهم ~~وقالوا نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى الله وصوروا تماثيلهم ~~فعبدوهم كذلك وهذه الشفاعة أبطلها الله ورسوله وذم المشركين عليها وكفرهم ~~بها قال الله تعالى عن قوم نوح ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا # وقد أضلوا كثيرا ) قال بن عباس وغيره هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم وهذا مشهور في كتب ~~التفسير والحديث PageV01P151 وغيرها كالبخارى وغيره وهذه أبطلها النبى وحسم ~~مادتها وسد ذريعتها حتى لعن من إتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى ~~فيها وإن كان المصلى فيها لا يستشفع بهم ونهى عن الصلاة إلى القبور وأرسل ~~على بن أبى طالب فأمره أن لا يدع قبرا مشرفا الا سواه ولا تمثالا إلا طمسه ~~ومحاه ولعن المصورين وعن أبى الهياج الأسدى قال لى على بن أبى طالب ( ~~لأبعثك على ما بعثنى رسول الله ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا ~~إلا سويته ( وفى لفظ ( ولا صورة إلا طمستها ( أخرجه مسلم PageV01P152 ### ||| فصل # ولفظ ( التوسل ( قد يراد به ثلاثة أمور يراد به أمران متفق عليهما بين ~~المسلمين # أحدهما هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته # والثانى دعاؤه وشفاعته ms0105 وهذا أيضا نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه ~~باتفاق المسلمين ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد ~~يستتاب فإن تاب والا قتل مرتدا ولكن التوسل بالإيمان به وبطاعته هو أصل ~~الدين وهذا معلوم بالإضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة فمن أنكر هذا ~~المعنى فكفره ظاهر للخاصة والعامة # وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضا كافر لكن ~~هذا أخفى من الأول فمن أنكره عن جهل عرف ذلك فإن أصر على إنكاره فهو مرتد # أما دعاؤه وشفاعته في الدنيا فلم ينكره أحد من أهل القبلة # وأما الشفاعة يوم القيامة فمذهب أهل السنة والجماعة وهم الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم أن له شفاعات يوم ~~القيامة خاصة وعامة وأنه يشفع فيمن يأذن الله له أن يشفع فيه من أمته من ~~أهل الكبائر ولا ينتفع بشفاعته الا أهل التوحيد المؤمنون دون أهل ~~PageV01P153 الشرك ولو كان المشرك محبا له معظما له لم تنقذه شفاعته من ~~النار وإنما ينجيه من النار التوحيد والإيمان به ولهذا لما كان أبو طالب ~~وغيره يحبونه ولم يقروا بالتوحيد الذى جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار ~~بشفاعته ولا بغيرها # وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة أنه قال قلت يا رسول الله أى الناس أسعد ~~بشفاعتك يو م القيامة فقال ( أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال لا إله ~~إلا الله خالصا من قلبه ( وعنه في صحيح مسلم قال ( قال رسول الله ( لكل نبى ~~دعوة مستجابة فتعجل كل نبى دعوته وإنى اختبأت دعوتى شفاعة يوم القيامة فهي ~~نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئا ( وفى السنن عن ~~عوف بن مالك قال قال رسول الله ( أتانى آت من عند ربى فخيرنى بين أن يدخل ~~نصف أمتى الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهى لمن مات لا يشرك بالله ~~شيئا ( وفى لفظ قال ( ومن لقى الله لا يشرك به شيئا فهو في شفاعتى ( # وهذا الأصل وهو ms0106 التوحيد هو أصل الدين الذى لا يقبل الله من الأولين ~~والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى @QB@ ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة @QE@ ~~وقد ذكر الله عز وجل عن كل من الرسل أنه افتتح دعوته بأن قال لقومه @QB@ ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ PageV01P154 # وفى المسند عن بن عمر عن النبى أنه قال ( بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى ~~يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعل الذل والصغار على من ~~خالف أمرى ومن تشبه بقوم فهو منهم ( # والمشركون من قريش وغيرهم الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل النبى دماءهم ~~وأموالهم وسبى حريمهم وأوجب لهم النار كانوا مقرين بأن الله وحده خلق ~~السماوات والأرض كما قال ( @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون @QE@ ( وقال ( @QB@ ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون @QE@ ) ~~وقال ( @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون @QE@ # @QB@ قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ما اتخذ الله ~~من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ~~سبحان الله عما يصفون @QE@ ) # وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة ولكنهم ~~كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه كما قال تعالى @QB@ ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ms0107 قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون @QE@ PageV01P155 # وقال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله ~~الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو ~~كاذب كفار @QE@ # وكانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك # وقال تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل ~~الله وما لهم من ناصرين فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ # بين سبحانه بالمثل الذى ضربه لهم أنه لا ينبغى أن يجعل مملوكه شريكه فقال ~~( هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء ) يخاف ~~أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضا فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكة ~~شريكه فكيف ترضونه لأنفسكم # وهذا كما كانوا يقولون له بنات فقال تعالى @QB@ ويجعلون لله ما يكرهون ~~وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون @QE@ ~~وقد قال تعالى @QB@ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى ~~من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز ~~الحكيم @QE@ PageV01P156 # والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان # قوم نوح وقوم إبراهيم فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور ms0108 الصالحين ~~ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم # وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر # وكل من هؤلاء يعبدون الجن فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على أشياء وقد ~~يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن فإن ~~الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم قال تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم ~~يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ~~بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون @QE@ # والملائكة لا تعينهم على الشرك لا في المحيا ولا في الممات ولا يرضون ~~بذلك ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصور لهم في صور الآدميين فيرونهم بأعينهم ~~ويقول أحدهم أنا إبراهيم أنا المسيح أنا محمد أنا الخضر أنا أبو بكر أنا ~~عمر أنا عثمان أنا على أنا الشيخ فلان وقد يقول بعضهم عن بعض هذا هو النبى ~~فلان أو هذا هو الخضر ويكون أولئك كلهم جنا يشهد بعضهم لبعض والجن كالإنس ~~فمنهم الكافر ومنهم الفاسق ومنهم العاصى وفيهم العابد الجاهل فمنهم من يحب ~~شيخا فيتزيا في صورته ويقول أنا فلان ويكون ذلك في برية ومكان قفر فيطعم ~~ذلك الشخص طعاما ويسقيه شرابا أو يدله على الطريق أو يخبره ببعض الأمور ~~الواقعة الغائبة فيظن ذلك PageV01P157 الرجل أن نفس الشيخ الميت أو الحى ~~فعل ذلك وقد يقول هذا سر الشيخ وهذه رقيقته وهذه حقيقته أو هذا ملك جاء على ~~صورته وإنما يكون ذلك جنيا فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك والإثم ~~والعدوان # وقد قال الله تعالى ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ) قال طائفة من السلف كان أقوام ~~يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح فبين الله تعالى أن الملائكة ~~والأنبياء عباد الله كما أن الذين يعبدونهم عباد الله وبين أنهم يرجون ~~رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين # والمشركون من هؤلاء قد يقولون إنا نستشفع ms0109 بهم أى نطلب من الملائكة ~~والأنبياء أن يشفعوا فإذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا فإذا ~~صورنا تمثاله والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى في ~~كنائسهم قالوا فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم ونحن نخاطب هذه ~~التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله فيقول أحدهم يا سيدى ~~فلان أو يا سيدى جرجس أو بطرس أو ياستى الحنونة مريم أو يا سيدى الخليل أو ~~موسى بن عمران أو غير ذلك اشفع لى إلى ربك # وقد يخاطبون الميت عند قبره سل لى ربك أو يخاطبون الحى وهو غائب كما ~~يخاطبونه لو كان حاضرا حيا وينشدون قصائد يقول أحدهم فيها يا سيدى فلان أنا ~~في حسبك أنا في جوارك اشفع لى إلى الله سل الله لنا أن ينصرنا PageV01P158 ~~على عدونا سل الله أن يكشف عنا هذه الشدة أشكو إليك كذا وكذا فسل الله أن ~~يكشف هذه الكربة أو يقول أحدهم سل الله أن يغفر لى # ومنهم من يتأول قوله تعالى ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا ~~الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) ويقولون إذا طلبنا منه ~~الإستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الإستغفار من الصحابة ويخالفون ~~بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحدا منهم لم ~~يطلب من النبى بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة ~~المسلمين في كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخرى الفقهاء وحكوا حكاية ~~مكذوبة على مالك رضى الله عنه سيأتى ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله ~~تعالى # فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم ~~وفى مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من ~~غير أهل الكتاب وفى مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك ~~والعبادات مالم يأذن به الله تعالى قال الله تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا ~~لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) # فإن دعاء الملائكة ms0110 والأنبياء بعد موتهم وفى مغيبهم وسؤالهم والإستغاثة ~~بهم والإستشفاع بهم في هذه الحال ونصب تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم هو ~~من الدين الذى لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولا ولا أنزل به كتابا وليس هو ~~واجبا ولا مستحبا باتفاق المسلمين ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين وإن كان ذلك مما يفعله كثير ~~PageV01P159 من الناس ممن له عبادة وزهد ويذكرون فيه حكايات ومنامات فهذا ~~كله من الشيطان # وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والإستشفاع به والإستغاثة أو يذكر ~~ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين فهذا كله ليس بمشروع ولا واجب ولا ~~مستحب باتفاق أئمة المسلمين ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو ~~يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة ~~الدين فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب # وكثير من الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح ويحتجون ~~عليها بحجج من جهة الرأى أو الذوق أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك # وجواب هؤلاء من طريقين # أحدهما الإحتجاج بالنص والإجماع # والثانى القياس والذوق والإعتبار ببيان ما في ذلك من الفساد فإن فساد ذلك ~~راجح على ما يظن فيه من المصلحة # أما الأول فيقال قد علم بالإضطرار والتواتر من دين الإسلام وبإجماع سلف ~~الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب # وعلم أنه لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم بل ولا أحد من الأنبياء قبله ~~شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ولا يستشفعوا بهم لا ~~بعد مماتهم ولا في مغيبهم فلا يقول أحد يا ملائكة الله اشفعوا لى عند الله ~~سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا PageV01P160 # وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين يا نبى الله يا رسول الله ~~ادع الله لى سل الله لى استغفر الله لى سل الله لى أن يغفر لى أو يهدينى أو ~~ينصرنى أو يعافينى ولا يقول أشكو ms0111 اليك ذنوبى أو نقص رزقى أو تسلط العدو على ~~أو أشكو إليك فلانا الذي ظلمنى ولا يقول أنا نزيلك أنا ضيفك أنا جارك أو ~~أنت تجير من يستجير أو أنت خير معاذ يستعاذ به # ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور ولا يكتب أحد محضرا أنه استجار ~~بفلان ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع ~~من أهل الكتاب والمسلمين كما يفعله النصارى في كنائسهم وكما يفعله ~~المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم فهذا مما ~~علم بالإضطرار من دين الإسلام وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم لم يشرع هذا لأمته # وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئا من ذلك بل أهل الكتاب ليس عندهم عن ~~الأنبياء نقل بذلك كما أن المسلمين ليس عندهم عن نبيهم نقل بذلك ولا فعل ~~هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان ولا استحب ذلك أحد من أئمة ~~المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك ~~الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبى عند قبره أن يشفع له أو يدعو ~~لأمته أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين # وكان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته فتارة بالجدب وتارة بنقص ~~الرزق وتارة بالخوف وقوة العدو وتارة بالذنوب والمعاصى PageV01P161 ولم يكن ~~أحد منهم يأتى إلى قبر الرسول ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء ~~فيقول نشكو اليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب ولا يقول سل الله ~~لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم بل هذا وما يشبهه من البدع ~~المحدثة التى لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين فليست واجبة ولا مستحبة ~~باتفاق أئمة المسلمين # وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وهى ضلالة باتفاق المسلمين ~~ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعى أنها ~~مستحبة فأما ما ليس ms0112 بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين أنها من ~~الحسنات التى يتقرب بها إلى الله # ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر ايجاب ولا استحباب ~~فهو ضال متبع للشيطان وسبيله من سبيل الشيطان كما قال عبد الله بن مسعود خط ~~لنا رسول الله خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال ( هذا سبيل الله وهذه ~~سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ( ثم قرأ ( وأن هذا صراطى مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) # فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه ولا يخالف السنة ~~المعلومة وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان باتباع من خالف السنة والإجماع القديم لا سيما وليس معه في بدعته ~~إمام من أئمة المسلمين ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين ولا من ~~PageV01P162 يعتبر قوله في مسائل الإجماع والنزاع فلا ينخرم الإجماع ~~بمخالفته ولا يتوقف الإجماع على موافقته # ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم مجتهد لكان مخصوما بما عليه السنة ~~المتواترة وباتفاق الأئمة قبله فكيف إذا كان المنازع ليس من المجتهدين ولا ~~معه دليل شرعى وإنما اتبع من تكلم في الدين بلا علم ويجادل في الله بغير ~~علم ولا هدى ولا كتاب منير # بل إن النبى مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجبا ولا مستحبا فإنه قد حرم ~~ذلك وحرم ما يفضى إليه كما حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد # ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله أن النبى قال قبل أن يموت بخمس ( إن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى ~~أنهاكم عن ذلك ( وفى الصحيحين عن عائشة أن النبى قال قبل موته ( لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما فعلوا قالت عائشة ~~ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا # واتخاذ المكان مسجدا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد ~~لذلك والمكان المتخذ مسجدا ms0113 إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء ~~المخلوقين # فحرم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد وإن كان ~~القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده لأن ذلك PageV01P163 ذريعة إلا أن ~~يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده فنهى رسول ~~الله عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك ~~بالله # والفعل إذا كان يفضى إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه كما نهى عن ~~الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة وهو التشبه ~~بالمشركين الذى يفضى إلى الشرك وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة ~~راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات # ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات ~~وهو أظهر قولى العلماء لأن النهى إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة ~~وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت ~~مصلحتها فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة بخلاف مالا سبب له فإنه يمكن ~~فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهى عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب ~~النهى عنه # فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لئلا يفضى ذلك ~~إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر ~~والكواكب الذين يدعونها ويسألونها كان معلوما أن دعوة الشمس والسجود لها هو ~~محرم في نفسه أعظم تحريما من الصلاة التى نهى عنها لئلا يفضى إلى دعاء ~~الكواكب # كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد فنهى عن ~~PageV01P164 قصدها للصلاة عندها لئلا يفضى ذلك إلى دعائهم والسجود لهم كان ~~دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد # ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين # زيارة شرعية وزيارة بدعية # فالزيارة الشرعية أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت كما يقصد بالصلاة ~~على جنازته الدعاء له فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه قال الله تعالى ~~في المنافقين ( ولا تصل على ms0114 أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ( فنهى ~~نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا ~~وهم كافرون فلما نهى عن هذا وهذا لأجل هذه العلة وهى الكفر دل ذلك على ~~انتفاء هذا النهى عند انتفاء هذه العلة # ودل تخصيصهم بالنهى على أن غيرهم يصلى عليه ويقام على قبره إذ لو كان هذا ~~غير مشروع في حق أحد لم يخصوا بالنهى ولم يعلل ذلك بكفرهم ولهذا كانت ~~الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة فكان ~~النبى صلى الله عليه وسلم يصلى على موتى المسلمين وشرع ذلك لأمته وكان إذا ~~دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول ( سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ) ~~رواه أبو داود وغيره # وكان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور ~~أن يقول أحدهم ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن ~~شاء الله تعالى بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ~~نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ( وفى ~~صحيح PageV01P165 مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله خرج إلى ~~المقبرة فقال ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ( ~~والأحاديث في ذلك صحيحة معروفة فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء ~~لهم # وهذه غير الزيارة المشتركة التى تجوز في قبور الكفار كما ثبت في صحيح ~~مسلم وأبى داود والنسائى وبن ماجه عن أبى هريرة أنه قال أتى رسول الله قبر ~~أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال ( استأذنت ربى في أن أستغفر لها فلم يأذن لى ~~فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لى فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ( فهذه ~~الزيارة التى تنفع في تذكير الموت تشرع ولو كان المقبور كافرا بخلاف ~~الزيارة التى يقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تشرع إلا في حق المؤمنين # وأما الزيارة البدعية فهي التى يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج أو ~~يطلب منه الدعاء والشفاعة ms0115 أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب ~~للدعاء فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبى ولا فعلها ~~الصحابة لا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره وهى من جنس ~~الشرك وأسباب الشرك # ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم ~~والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك محرما منهيا عنه ولكان ~~صاحبه متعرضا لغضب الله ولعنته كما قال النبى ( اشتد غضب الله على قوم ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وقال ( قاتل الله اليهود والنصارى إتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما صنعوا وقال ( ان من كان قبلكم كانوا ~~PageV01P166 يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم ~~عن ذلك ( # فإذا كان هذا محرما وهو سبب لسخط الرب ولعنته فكيف بمن يقصد دعاء الميت ~~والدعاء عنده وبه واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء ~~الحاجات وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في الناس قال ~~بن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم ظهر الشرك بسبب ~~تعظيم قبور صالحيهم # وقد استفاض عن بن عباس وغيره في صحيح البخارى وفى كتب التفسير وقصص ~~الأنبياء في قوله تعالى ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا # ولا يغوث ويعوق ونسرا ) ان هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم قال بن عباس ثم صارت هذه ~~الأوثان في قبائل العرب # وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئا آخر ذكروه في زيارة ~~القبور كما ذكر ذلك بن سينا ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره ~~ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم فإنهم لا يقرون بأن الله خلق السماوات والأرض ~~في ستة أيام ولا أنه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم # فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها ~~دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه ms0116 كما أن ما يكون من إنزال ~~المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم # بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات ~~PageV01P167 الفلكية أو القوى الطبيعية فيقولون ان الإنسان إذا أحب رجلا ~~صالحا قد مات لا سيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت ~~فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية ~~يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك بل ~~وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة ~~فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض ~~عليها من تلك المرآة وان قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك ~~المرآة فهكذا الشفاعة عندهم وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم وفى هذا ~~القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره # ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من ~~أسباب ضلال بنى آدم وجعل القبور أوثانا هو أول الشرك ولهذا يحصل عند القبور ~~لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت وقد ~~يكون من الجن والشياطين مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه ~~وعانقه وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم وإنما هو شيطان فإن الشيطان ~~يتصور بصور الإنس ويدعى أحدهم أنه النبى فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبا في ~~ذلك # وفى هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهى كثيرة جدا ~~والجاهل يظن أن ذلك الذى رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو ~~النبى أو الصالح وغيرهما والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان ويتبين ذلك بأمور ~~PageV01P168 # ( أحدها ) أن يقرأ آية الكرسى بصدق فإذا قرأها تغيب ذلك الشخص أو ساخ في ~~الأرض أو احتجب ولو كان رجلا صالحا أو ملكا أو جنيا مؤمنا لم تضره آية ~~الكرسى وإنما ms0117 تضر الشياطين كما ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة لما قال له ~~الجنى اقرأ آية الكرسى إذا أويت إلى فراشك فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ~~ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبى ( صدقك وهو كذوب ( # و ( منها ) أن يستعيذ بالله من الشياطين # و ( منها ) أن يستعيذ بالعوذ الشرعية فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء في ~~حياتهم وتريد أن تؤذيهم وتفسد عبادتهم كما جاءت الجن إلى النبى بشعلة من ~~النار تريد أن تحرقه فأتاه جبريل بالعوذة المعروفة التى تضمنها الحديث ~~المروى عن أبى التياح أنه قال سأل رجل عبد الرحمن بن حبيش وكان شيخا كبيرا ~~قد أدرك النبى صلى الله عليه وسلم كيف صنع رسول الله حين كادته الشياطين ~~قال تحدرت عليه من الشعاب والأودية وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن ~~يحرق بها رسول الله قال فرعب رسول الله فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا ~~محمد ( قل ( قال ( ما أقول ( قال قل ( أعوذ بكلمات الله التامات التى لا ~~يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن ~~شر ما يعرج فيها ومن شر ما يخرج من الأرض ومن شر ما ينزل فيها ومن شر فتن ~~الليل والنهار ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ( قال ~~فطفئت نارهم وهزمهم الله عز وجل PageV01P169 # وثبت في الصحيحين عن أبى هريرة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ان عفريتا من الجن جاء يفتك بى البارحة ليقطع على صلاتى فأمكننى الله عز ~~وجل منه فذعته فأردت أن آخذه فأربطه إلى سارية من المسجد حتى تصبحوا ~~فتنظروا إليه ثم ذكرت قول سليمان عليه السلام ( رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ~~ينبغى لأحد من بعدى ) فرده الله تعالى خاسئا # وعن عائشة أن النبى كان يصلى فأتاه الشيطان فأخذه فصرعه فخنقه قال رسول ~~الله ( حتى وجدت برد لسانه على يدى ولولا دعوة سليمان لأصبح موثقا حتى يراه ~~الناس ( أخرجه ms0118 النسائى واسناده على شرط البخارى كما ذكر ذلك أبو عبد الله ~~المقدسى في مختاره الذى هو خير من صحيح الحاكم وعن أبى سعيد الخدرى أن رسول ~~الله كان يصلى صلاة الصبح وهو خلفه فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته ~~قال ( لو رأيتمونى وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه ~~بين إصبعى هاتين الإبهام والتى تليها ولولا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطا ~~بسارية من سوارى المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع أن لا يحول ~~بينه وبين القبلة أحد فليفعل ( رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في ~~سننه # وفى صحيح مسلم عن أبى الدرداء أنه قال قام رسول الله يصلى فسمعناه يقول ( ~~أعوذ بالله منك ( ثم قال ( ألعنك بلعنة الله ثلاثا ( وبسط يده كأنه يتناول ~~شيئا فلما فرغ من صلاته قلنا يا رسول الله سمعناك تقول شيئا في الصلاة لم ~~نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال ( ان عدو الله PageV01P170 إبليس ~~جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهى فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ~~ألعنك بلعنة الله التامة فاستأخر ثم أردت أن آخذه ولولا دعوة أخينا سليمان ~~لأصبح موثقا يلعب به ولدان المدينة ( # فإذا كانت الشياطين تأتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لتؤذيهم وتفسد ~~عبادتهم فيدفعهم الله تعالى بما يؤيد به الأنبياء من الدعاء والذكر ~~والعبادة ومن الجهاد باليد فكيف من هو دون الأنبياء # فالنبى قمع شياطين الإنس والجن بما أيده الله تعالى من أنواع العلوم ~~والأعمال ومن أعظمها الصلاة والجهاد وأكثر أحاديث النبى في الصلاة والجهاد ~~فمن كان متبعا للأنبياء نصره الله سبحانه بما نصر به الأنبياء # وأما من ابتدع دينا لم يشرعوه فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا ~~شريك له واتباع نبيه فيما شرعه لأمته وابتدع الغلو في الأنبياء والصالحين ~~والشرك بهم فإن هذا تتلعب به الشياطين قال تعالى @QB@ إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون @QE@ ) وقال ms0119 تعالى ( @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين @QE@ # و ( منها ) أن يدعو الرائى بذلك ربه تبارك وتعالى ليبين له الحال # و ( منها ) أن يقول لذلك الشخص أأنت فلان ويقسم عليه بالاقسام المعظمة ~~ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ذلك من الأسباب التى تضر الشياطين # وهذا كما أن كثيرا من العباد يرى الكعبة تطوف به ويرى عرشا عظيما ~~PageV01P171 وعليه صورة عظيمة ويرى أشخاصا تصعد وتنزل فيظنها الملائكة ويظن ~~أن تلك الصورة هي الله تعالى وتقدس ويكون ذلك شيطانا # وقد جرت هذه القصة لغير واحد من الناس فمنهم من عصمه الله وعرف أنه ~~الشيطان كالشيخ عبدالقادر في حكايته المشهورة حيث قال كنت مرة في العبادة ~~فرأيت عرشا عظيما وعليه نور فقال لى يا عبدالقادر أنا ربك وقد حللت لك ما ~~حرمت على غيرك قال فقلت له أنت الله الذى لا إله إلا هو اخسأ يا عدو الله ~~قال فتمزق ذلك النور وصار ظلمة وقال يا عبد القادر نجوت منى بفقهك في دينك ~~وعلمك وبمنازلاتك في أحوالك لقد فتنت بهذه القصة سبعين رجلا فقيل له كيف ~~علمت أنه الشيطان قال بقوله لى ( حللت لك ما حرمت على غيرك ( وقد علمت أن ~~شريعة محمد لا تنسخ ولا تبدل ولأنه قال أنا ربك ولم يقدر أن يقول أنا الله ~~الذى لا إله إلا أنا # ومن هؤلاء من اعتقد أن المرئى هو الله وصار هو وأصحابه يعتقدون أنهم يرون ~~الله تعالى في اليقظة ومستندهم ما شاهدوه وهم صادقون فيما يخبرون به ولكن ~~لم يعلموا أن ذلك هو الشيطان # وهذا قد وقع كثيرا لطوائف من جهال العباد يظن أحدهم أنه يرى الله تعالى ~~بعينه في الدنيا لأن كثيرا منهم رأى ما ظن أنه الله وانما هو شيطان # وكثير منهم رأى من ظن أنه نبى أو رجل صالح أو الخضر وكان شيطانا # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من رآنى في PageV01P172 المنام فقد ~~رآنى حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتى ( فهذا ms0120 في رؤية المنام لأن الرؤية ~~في المنام تكون حقا وتكون من الشيطان فمنعه الله أن يتمثل به في المنام ~~وأما في اليقظة فلا يراه أحد بعينه في الدنيا # فمن ظن أن المرئى هو الميت فإنما أتى من جهله ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد ~~من الصحابة والتابعين لهم بإحسان # وبعض من رأى هذا أو صدق من قال أنه رآه اعتقد أن الشخص الواحد يكون ~~بمكانين في حالة واحدة فخالف صريح المعقول # ومنهم من يقول هذه رقيقة ذلك المرئى أو هذه روحانيته أو هذا معناه تشكل ~~ولا يعرفون أنه جنى تصور بصورته # ومنهم من يظن أنه ملك والملك يتميز عن الجنى بأمور كثيرة والجن فيهم ~~الكفار والفساق والجهال وفيهم المؤمنون المتبعون لمحمد تسليما فكثير ممن لم ~~يعرف أن هؤلاء جن وشياطين يعتقدهم ملائكة # وكذلك الذين يدعون الكواكب وغيرها من الأوثان تتنزل على أحدهم روح يقول ~~هي روحانية الكواكب ويظن بعضهم أنه من الملائكة وإنما هو من الجن والشياطين ~~يغوون المشركين # والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان # فتارة يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها # وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل وتمريض ونحو ذلك PageV01P173 # وتارة يجلبون له من يريده من الإنس # وتارة يسرقون له ما يسرقونه من أموال الناس من نقد وطعام وثياب وغير ذلك ~~فيعتقد أنه من كرامات الأولياء وإنما يكون مسروقا # وتارة يحملونه في الهواء فيذهبون به إلى مكان بعيد فمنهم من يذهبون به ~~إلى مكة عشية عرفة ويعودون به فيعتقد هذا كرامة مع أنه لم يحج حج المسلمين ~~لا أحرم ولا لبى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ومعلوم أن هذا من ~~أعظم الضلال # ومنهم من يذهب إلى مكة ليطوف بالبيت من غير عمرة شرعية فلا يحرم إذا حاذى ~~الميقات ومعلوم أن من أراد نسكا بمكة لم يكن له أن يجاوز الميقات إلا محرما ~~ولو قصدها لتجارة أو لزيارة قريب له أو طلب علم كان مأمورا أيضا بالإحرام ~~من الميقات وهل ذلك واجب أو مستحب ms0121 فيه قولان مشهوران للعلماء وهذا باب واسع # ومنه السحر والكهانة وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى ومبتدعة هذه الأمة في ~~ذلك من الحكايات ما يطول وصفه فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والإستغاثة ~~به نبيا كان أو غير نبى إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلاله كما أن ~~الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون في صورتهم أو يظنون ~~أنه في صورتهم ويقول أنا فلان ويكلمهم ويقضى بعض حوائجهم فإنهم يظنون أن ~~الميت المستغاث به هو الذى كلمهم وقضى مطلوبهم وإنما هو من الجن والشياطين ~~PageV01P174 ومنهم من يقول هو ملك من الملائكة والملائكة لا تعين المشركين ~~وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله # وفى مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التى يعرفها من هنالك ومن وقعت له ~~ما يطول وصفه # وأهل الجاهلية فيها نوعان # نوع يكذب بذلك كله # ونوع يعتقد ذلك كرامات لأولياء الله # فالأول يقول إنما هذا خيال في أنفسهم لا حقيقة له في الخارج فإذا قالوا ~~ذلك لجماعة بعد جماعة فمن رأى ذلك وعاينه موجودا أو تواتر عنده ذلك عمن رآه ~~موجودا في الخارج وأخبره به من لا يرتاب في صدقه كان هذا من أعظم أسباب ~~ثبات هؤلاء المشركين المبتدعين المشاهدين لذلك والعارفين به بالاخبار ~~الصادقة # ثم هؤلاء المكذبون لذلك متى عاينوا بعض ذلك خضعوا لمن حصل له ذلك ~~وانقادوا له واعتقدوا أنه من أولياء الله مع كونهم يعلمون أنه لا يؤدى ~~فرائض الله حتى ولا الصلوات الخمس ولا يجتنب محارم الله لا الفواحش ولا ~~الظلم بل يكون من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى التى وصف الله بها أولياءه ~~في قوله تعالى ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون # الذين آمنوا وكانوا يتقون ) # فيرون من هو من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى له من المكاشفات ~~PageV01P175 والتصرفات الخارقات ما يعتقدون أنه من كرامات أولياء الله ~~المتقين # فمنهم من يرتد عن ms0122 الإسلام وينقلب على عقبيه ويعتقد فيمن لا يصلى بل ولا ~~يؤمن بالرسل بل يسب الرسل ويتنقص بهم أنه من أعظم أولياء الله المتقين ~~ومنهم من يبقى حائرا مترددا شاكا مرتابا يقدم إلى الكفر رجلا والى الإسلام ~~أخرى وربما كان إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان # وسبب ذلك أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها فإن الكفار ~~والمشركين والسحرة والكهان معهم من الشياطين من يفعل بهم أضعاف أضعاف ذلك ~~قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ # وهؤلاء لا بد أن يكون فيهم كذب وفيهم مخالفة للشرع ففيهم من الإثم والإفك ~~بحسب ما فارقوا أمر الله ونهيه الذى بعث به نبيه وتلك الأحوال الشيطانية ~~نتيجة ضلالهم وشركهم وبدعتهم وجهلهم وكفرهم وهى دلالة وعلامة على ذلك # والجاهل الضال يظن أنها نتيجة إيمانهم وولايتهم لله تعالى وأنها علامة ~~ودلالة على إيمانهم وولايتهم لله سبحانه وذلك أنه لم يكن عنده فرقان بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما قد تكلمنا على ذلك في مسألة ( الفرق بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) ولم يعلم أن هذه الأحوال التى جعلها دليلا ~~على الولاية تكون للكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم مما تكون للمنتسبين ~~إلى الإسلام والدليل مستلزم للمدلول مختص به لا يوجد بدون مدلوله فإذا ~~PageV01P176 وجدت للكفار والمشركين وأهل الكتاب لم تكن مستلزمة للإيمان ~~فضلا عن الولاية ولا كانت مختصة بذلك فامتنع أن تكون دليلا عليه # وأولياء الله هم المؤمنون المتقون وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم لا ~~ثمرة الشرك والبدعة والفسق # وأكابر الأولياء انما يستعملون هذه الكرامات بحجة للدين أو لحاجة ~~للمسلمين # والمقتصدون قد يستعملونها في المباحات # وأما من استعان بها في المعاصى فهو ظالم لنفسه متعد حد ربه وإن كان سببها ~~الإيمان والتقوى فمن جاهد العدو فغنم غنيمة فأنفقها في طاعة الشيطان فهذا ~~المال وان ناله بسبب عمل صالح فإذا أنفقه في طاعة الشيطان كان وبالا عليه ~~فكيف إذا كان سبب الخوارق الكفر والفسوق والعصيان وهى تدعو إلى كفر آخر ~~وفسوق وعصيان ms0123 # ولهذا كان أئمة هؤلاء معترفين بأن أكثرهم يموتون على غير الإسلام ولبسط ~~هذه الأمور موضع آخر # والمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند ~~الأوثان كإخبار عن غائب أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك فإذا شاهد أحدهم ~~القبر انشق وخرج منه شيخ بهى عانقه أو كلمه ظن أن ذلك هو النبى المقبور أو ~~الشيخ المقبور والقبر لم ينشق وإنما الشيطان مثل له ذلك PageV01P177 كما ~~يمثل لأحدهم أن الحائط انشق وأنه خرج منه صورة إنسان ويكون هو الشيطان تمثل ~~له في صورة إنسان وأراه أنه خرج من الحائط # ومن هؤلاء من يقول لذلك الشخص الذى رآه قد خرج من القبر نحن لا نبقى في ~~قبورنا بل من حين يقبر أحدنا يخرج من قبره ويمشى بين الناس # ومنهم من يرى ذلك الميت في الجنازة يمشى ويأخذ بيده إلى أنواع أخرى ~~معروفة عند من يعرفها # وأهل الضلال اما ان يكذبوا بها واما أن يظنوها من كرامات أولياء الله ~~ويظنون أن ذلك الشخص هو نفس النبى أو الرجل الصالح أو ملك على صورته وربما ~~قالوا هذه روحانيته أو رقيقته أو سره أو مثاله أو روحه تجسدت حتى قد يكون ~~من يرى ذلك الشخص في مكانين فيظن أن الجسم الواحد يكون في الساعة الواحدة ~~في مكانين ولا يعلم أن ذلك حين تصور بصورته ليس هو ذلك الإنسى # وهذا ونحوه مما يبين أن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند ~~قبورهم وغير قبورهم هم من المشركين الذين يدعون غير الله كالذين يدعون ~~الكواكب والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابا قال تعالى @QB@ ما كان ~~لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون ms0124 إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ PageV01P178 # وقال ~~تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ # ومثل هذا كثير في القرآن ينهى أن يدعى غير الله لا من الملائكة ولا ~~الأنبياء ولا غيرهم فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك بخلاف ما يطلب من أحدهم ~~في حياته من الدعاء والشفاعة فإنه لا يفضى إلى ذلك فإن أحدا من الأنبياء ~~والصالحين لم يعبد في حياته بحضرته فإنه ينهى من يفعل ذلك بخلاف دعائهم بعد ~~موتهم فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وكذلك دعاؤهم في مغيبهم هو ذريعة إلى ~~الشرك # فمن رأى نبيا أو ملكا من الملائكة وقال له ( ادع لى ( لم يفض ذلك إلى ~~الشرك به بخلاف من دعاه في مغيبه فإن ذلك يفضى إلى الشرك به كما قد وقع فإن ~~الغائب والميت لا ينهى من يشرك بل إذا تعلقت القلوب بدعائه وشفاعته أفضى ~~ذلك إلى الشرك به فدعا وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غير ذلك كما قد وقع فيه ~~المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين # ومعلوم أن الملائكة تدعوا للمؤمنين وتستغفر لهم كما قال تعالى ( الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون PageV01P179 ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم انك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ( وقال تعالى @QB@ تكاد السماوات ~~يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما ~~أنت عليهم بوكيل @QE@ # فالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد وكذلك ما ms0125 روى أن النبى ~~أو غيره من الأنبياء والصالحين يدعو ويشفع للأخيار من أمته هو من هذا الجنس ~~هم يفعلون ما أذن الله لهم فيه بدون سؤال أحد # وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين ~~ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة وإن كانوا يدعون ويشفعون لوجهين # أحدهما أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وان لم يطلب منهم وما لم ~~يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم فلا فائدة في الطلب منهم # الثانى أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضى إلى الشرك بهم ~~ففيه هذه المفسدة فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة فكيف ولا ~~مصلحة فيه بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة PageV01P180 ~~فيه فإنهم ينهون عن الشرك بهم بل فيه منفعة وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما ~~يفعلونه حينئذ من نفع الخلق كلهم فإنهم في دار العمل والتكليف وشفاعتهم في ~~الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة # وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التى لا يجب عليهم فعلها ليس واجبا على ~~السائل ولا مستحبا بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل ~~عليه وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة وتركه توكلا على الله ~~أفضل قال تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ ) أى ارغب إلى ~~الله لا إلى غيره وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ ~~فجعل الإيتاء لله والرسول لقوله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا @QE@ فأمرهم بإرضاء الله ورسوله # وأما في الحسب فأمرهم أن يقولوا ( حسبنا الله ) لا يقولوا حسبنا الله ~~ورسوله ويقولوا ( إنا إلى الله راغبون ) لم يأمرهم أن يقولوا إنا لله ~~ورسوله راغبون فالرغبة إلى الله وحده كما قال تعالى في الآية الأخرى @QB@ ~~ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فجعل الطاعة ~~لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله ms0126 وحده # وقد قال النبى لابن عباس ( يا غلام إنى معلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ ~~الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل ~~الله وإذا استعنت فإستعن بالله جف القلم بما PageV01P181 أنت لاق فلو جهدت ~~الخليقة على أن يضروك لم يضروك الا بشيء كتبه الله عليك فإن استطعت أن تعمل ~~لله بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فان في الصبر على ما تكره خيرا ~~كثيرا ( وهذا الحديث معروف مشهور ولكن قد يروى مختصرا # وقوله ( إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ( هو من أصح ما ~~روى عنه وفى المسند لأحمد أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا ~~يقول لأحد ناولنى إياه ويقول إن خليلى أمرنى أن لا أسأل الناس شيئا # وفى صحيح مسلم عن عوف بن مالك أن النبى بايع طائفة من أصحابه وأسر اليهم ~~كلمة خفية أن لا تسألوا الناس شيئا قال عوف فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط ~~السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنى إياه # وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفا بغير ~~حساب ( وقال ( هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم ~~يتوكلون ( فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون أى لا يطلبون من أحد أن يرقيهم ~~والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك # وقد روى فيه ( ولا يرقون ( وهو غلط فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة وكان ~~النبى يرقى نفسه وغيره ولم يكن يسترقى فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء ~~لنفسه ولغيره وهذا مأمور به فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر ~~الله ذلك في قصة آدم وابراهيم وموسى وغيرهم PageV01P182 # وما يروى أن الخليل لما ألقى في المنجنيق قال له جبريل سل قال ( حسبى من ~~سؤالى علمه بحالى ( ليس له اسناد معروف وهو باطل بل الذى ثبت في الصحيح عن ~~بن عباس أنه قال ( حسبى الله ونعم الوكيل ( قال بن عباس قالها إبراهيم حين ~~ألقى في ms0127 النار وقالها محمد حين ( قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم ) وقد روى أن جبريل قال هل لك من حاجة قال ( أما اليك فلا ( وقد ~~ذكر هذا الإمام أحمد وغيره # وأما سؤال الخليل لربه عز وجل فهذا مذكور في القرآن في غير موضع فكيف ~~يقول حسبى من سؤالى علمه بحالى والله بكل شيء عليم وقد أمر العباد بأن ~~يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابا لما يرتبه ~~عليها من إثابة العابدين وإجابة السائلين وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما ~~هي عليه فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافى أن يأمر هذا بالتوبة ~~والإستغفار ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التى تقضى بها حاجته كما ~~يأمر هذا بالعبادة والطاعة التى بها ينال كرامته # ولكن العبد قد يكون مأمورا في بعض الأوقات بما هو أفضل من الدعاء كما روى ~~في الحديث ( من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ( وفى ~~الترمذى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من شغله قراءة القرآن عن ~~ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ( قال الترمذى حديث حسن غريب # وأفضل العبادات البدنية الصلاة وفيها القراءة والذكر والدعاء وكل ~~PageV01P183 واحد في موطنه مأمور به ففى القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن ~~وفى الركوع والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالتسبيح والذكر وفى آخرها ~~يؤمر بالدعاء كما كان النبى يدعو في آخر الصلاة ويأمر بذلك والدعاء في ~~السجود حسن مأمور به ويجوز الدعاء في القيام أيضا وفى الركوع وإن كان جنس ~~القراءة والذكر أفضل فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال المشروع حسن مأمور ~~به # وقد سأل الخليل وغيره قال تعالى عنه @QB@ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد ~~غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي ~~إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما ~~يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء الحمد لله الذي وهب ms0128 لي على ~~الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ~~ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك ~~أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم @QE@ # وكذلك دعاء المسلم لأخيه حسن مأمور به وقد ثبت في الصحيح عن أبى الدرداء ~~عن النبى أنه قال ( ما من رجل يدعو PageV01P184 لأخيه بظهر الغيب الا وكل ~~الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به آمين ولك بمثله ( ~~أى بمثل ما دعوت لأخيك به # وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضى حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به ~~بخلاف سؤال العلم فإن الله أمر بسؤال العلم كما في قوله تعالى @QB@ فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وهذا ~~لأن العلم يجب بذله فمن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار ~~يوم القيامة وهو يزكو على التعليم لا ينقص بالتعليم كما تنقص الأموال ~~بالبذل ولهذا يشبه بالمصباح # وكذلك من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات مثل الوديعة والمضاربة ~~لصاحبها أن يسألها ممن هي عنده وكذلك مال الفيء وغيره من الأموال المشتركة ~~التى يتولى قسمتها ولى الأمر للرجل أن يطلب حقه منه كما يطلب حقه من الوقف ~~والميراث والوصية لأن المستولى يجب عليه أداء الحق إلى مستحقه ومن هذا ~~الباب سؤال النفقة لمن تجب عليه وسؤال المسافر الضيافة لمن تجب عليه كما ~~استطعم موسى والخضر أهل القرية وكذلك الغريم له أن يطلب دينه ممن هو عليه ~~وكل واحد ms0129 من المتعاقدين له أن يسأل الآخر أداء حقه إليه PageV01P185 ~~فالبائع يسأل الثمن والمشترى يسأل المبيع ومن هذا الباب قوله تعالى ( ~~واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام ( # ومن السؤال ما لا يكون مأمورا به والمسئول مأمور بإجابة السائل قال تعالى ~~@QB@ وأما السائل فلا تنهر @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين في أموالهم حق ~~معلوم للسائل والمحروم @QE@ وقال تعالى @QB@ فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر @QE@ ومنه الحديث ( ان أحدكم ليسألنى المسألة فيخرج بها يتأبطها ~~نارا ( وقوله ( اقطعوا عنى لسان هذا ( # وقد يكون السؤال منهيا عنه نهى تحريم أو تنزيه وإن كان المسئول مأمورا ~~بإجابة سؤاله فالنبى كان من كماله أن يعطى السائل وهذا في حقه من فضائله ~~ومناقبه وهو واجب أو مستحب وإن كان نفس سؤال السائل منهيا عنه ولهذا لم ~~يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئا من ذلك ولا سألوه أن ~~يدعو لهم وإن كانوا يطلبون منه أن يدعو للمسلمين كما أشار عليه عمر في بعض ~~مغازيه لما استأذنوه في نحر بعض ظهرهم فقال عمر يا رسول الله كيف بنا إذا ~~لقينا العدو غدا رجالا جياعا ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم ~~فتجمعها ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا في دعوتك وفى رواية فإن ~~الله سيغيثنا بدعائك وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما سأله الأعمى أن ~~يدعو الله له ليرد عليه بصره وكما سألته أم سليم أن يدعو الله لخادمه أنس ~~وكما سأله أبو هريرة أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين ونحو ~~ذلك # وأما الصديق فقد قال الله فيه وفى مثله ( وسيجنبها الأتقى الذى يؤتى ماله ~~PageV01P186 يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى الا ابتغاء وجه ربه الأعلى ~~ولسوف يرضى ) وقد ثبت في الصحاح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم ( ان أمن ~~الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا ( فلم يكن في الصحابة أعظم منه من الصديق في نفسه ~~وماله ms0130 # وكان أبو بكر يعمل هذا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من مخلوق فقال ~~تعالى @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى @QE@ فلم يكن لأحد عند الصديق ~~نعمة تجزى فإنه كان مستغنيا بكسبه وماله عن كل أحد والنبى كان له على ~~الصديق وغيره نعمة الإيمان والعلم وتلك النعمة لا تجزى فإن أجر الرسول فيها ~~على الله كما قال تعالى @QB@ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين @QE@ # وأما على وزيد وغيرهما فإن النبى كان له عندهم نعمة تجزى فإن زيدا كان ~~مولاه فاعتقه قال تعالى @QB@ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ~~أمسك عليك زوجك @QE@ وعلى كان في عيال النبى لجدب أصاب أهل مكة فأراد النبى ~~والعباس التخفيف عن أبى طالب من عياله فأخذ النبى عليا إلى عياله وأخذ ~~العباس جعفرا إلى عياله وهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أن الصديق كان أمن الناس في صحبته وذات يده لأفضل ~~PageV01P187 الخلق رسول الله لكونه كان ينفق ماله في سبيل الله كاشترائه ~~المعذبين ولم يكن النبى محتاجا في خاصة نفسه لا إلى أبى بكر ولا غيره بل ~~لما قال له في سفر الهجرة ان عندى راحلتين فخذ احداهما فقال النبى ( بالثمن ~~( فهو أفضل صديق لأفضل نبى وكان من كماله أنه لا يعمل ما يعمله الا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من أحد من الخلق لا الملائكة ولا الأنبياء ولا ~~غيرهم # ومن الجزاء أن يطلب الدعاء قال تعالى عمن أثنى عليهم @QB@ إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا @QE@ والدعاء جزاء كما في الحديث ( ~~من أسدى اليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى ~~تعلموا أن قد كافأتموه ( وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول ~~اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله # وقال بعض السلف إذا ms0131 قال لك السائل بارك الله فيك فقل وفيك بارك الله فمن ~~عمل خيرا مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبيا أو رجلا صالحا أو ملكا من ~~الملوك أو غنيا من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصا ~~لله يبتغى به وجه الله لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره لا من ~~نبى ولا رجل صالح ولا من الملائكة فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه ~~مخلصين له الدين وهذا هو دين الإسلام الذى بعث الله به الأولين والآخرين من ~~الرسل PageV01P188 # فلا يقبل من أحد دينا غيره قال تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ وكان نوح وابراهيم وموسى والمسيح ~~وسائر أتباع الأنبياء عليهم السلام على الإسلام قال نوح ( وأمرت أن أكون من ~~المسلمين ) وقال عن إبراهيم ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ~~ولقد أصطفيناه في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى أن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ( وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ( وقالت السحرة ( ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين ( وقال يوسف ( توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين ( وقال تعالى ~~@QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~للذين هادوا @QE@ وقال عن الحواريين ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولى قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ( # ودين الإسلام مبنى على أصلين أن نعبد الله وحده لا شريك له وأن نعبده بما ~~شرعه من الدين وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب فيعبد في كل ~~زمان بما أمر به في ذلك الزمان فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون ~~بها مسلمين وكذلك شريعة الإنجيل # وكذلك في أول الإسلام لما كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى إلى بيت ~~المقدس كانت صلاته إليه من الإسلام ولما ms0132 أمر بالتوجه إلى الكعبة كانت ~~الصلاة اليها من الإسلام والعدول عنها إلى الصخرة خروجا عن دين PageV01P189 ~~الإسلام فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد بما شرعه الله من واجب ومستحب ~~فليس بمسلم # ولا بد في جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله رب العالمين كما ~~قال تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ~~وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ وقال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله ~~الدين الخالص @QE@ # فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله ورسوله ~~والعبادات البدنية والمالية ومحبة الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله ~~بالنفع والمال هو مأمور بأن يفعله خالصا لله رب العالمين لا يطلب من مخلوق ~~عليه جزاء لا دعاء ولا غير دعاء فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا ~~دعاء ولا غيره # وأما سؤال المخلوق غير هذا فلا يجب بل ولا يستحب إلا في بعض المواضع ~~ويكون المسئول مأمورا بالإعطاء قبل السؤال وإذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين ~~بسؤال المخلوقين فالرسول أولى بذلك فإنه أجل قدرا وأغنى بالله عن غيره فإن ~~سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد # مفسدة الإفتقار إلى غير الله وهى من نوع الشرك # ومفسدة إيذاء المسئول وهى من نوع ظلم الخلق PageV01P190 وفيه ذل لغير ~~الله وهو ظلم للنفس فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة وقد نزه الله رسوله ~~عن ذلك كله # وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذاك من باب أمرهم بها ينتفعون به كما يأمرهم ~~بسائر الواجبات والمستحبات وإن كان هو ينتفع بدعائهم له فهو أيضا ينتفع بما ~~يأمرهم به من العبادات والأعمال الصالحة فإنه ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( ~~من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيء ( ومحمد هو الداعى إلى ما تفعله أمته من الخيرات فما ms0133 يفعلونه له ~~فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء # ولهذا لم تجر عادة السلف بأن يهدوا إليه ثواب الأعمال لأن له مثل ثواب ~~أعمالهم بدون الإهداء من غير أن ينقص من ثوابهم شيء وليس كذلك الأبوان فإنه ~~ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره وإنما ينتفع الوالد بدعاء ~~الولد ونحوه مما يعود نفعه إلى الأب كما قال في الحديث الصحيح ( إذا مات بن ~~آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له ( # فالنبى فيما يطلبه من أمته من الدعاء طلبه طلب أمر وترغيب ليس بطلب سؤال ~~فمن ذلك أمره لنا بالصلاة والسلام عليه فهذا أمر الله به في القرآن بقوله ( ~~صلوا عليه وسلموا تسليما ( # والأحاديث عنه في الصلاة والسلام معروفة PageV01P191 # ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود كما ثبت في صحيح ~~مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا سمعتم ~~المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه ~~عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغى إلا لعبد من ~~عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتى يوم القيامة ( وفى صحيح البخارى عن جابر عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( من قال حين سمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا ~~الذى وعدته إنك لا تخلف الميعاد حلت له شفاعتي يوم القيامة ( فقد رغب ~~المسلمين في أن يسألوا الله له الوسيلة وبين أن من سألها له حلت له شفاعته ~~يوم القيامة كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا فإن الجزاء من جنس ~~العمل # ومن هذا الباب الحديث الذى رواه أحمد وأبو داود والترمذى وصححه وبن ماجه ~~أن عمر بن الخطاب استأذن النبى في العمرة ms0134 فأذن له ثم قال ( لا تنسنا يا أخى ~~من دعائك ( فطلب النبى من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلى عليه ويسلم عليه ~~وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات ~~فمقصوده نفع المطلوب منه والإحسان إليه وهو صلى الله عليه وسلم أيضا ينتفع ~~بتعليمهم الخير وأمرهم به وينتفع أيضا بالخير الذى يفعلونه من الأعمال ~~الصالحة ومن دعائهم له PageV01P192 ومن هذا الباب قول القائل إنى أكثر ~~الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتى قال ( ما شئت ( قال الربع قال ( ما شئت ~~وإن زدت فهو خير لك ( قال النصف قال ( ما شئت وإن زدت فهو خير لك ( قال ~~الثلثين قال ( ما شئت وإن زدت فهو خير لك ( قال أجعل لك صلاتى كلها قال ( ~~إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك ( رواه أحمد في مسنده والترمذى وغيرهما # وقد بسط الكلام عليه في ( جواب المسائل البغدادية ( فإن هذا كان له دعاء ~~يدعو به فإذا جعل مكان دعائه الصلاة على النبى كفاه الله ما أهمه من أمر ~~دنياه وآخرته فإنه كلما صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا وهو لو دعا لآحاد ~~المؤمنين لقالت الملائكة ( آمين ولك بمثله ( فدعاؤه للنبى أولى بذلك # ومن قال لغيره من الناس ادع لى أو لنا وقصده أن ينتفع ذلك المأمور ~~بالدعاء وينتفع هو أيضا بأمره ويفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل ~~الخير فهو مقتد بالنبى مؤتم به ليس هذا من السؤال المرجوح # وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه فهذا ~~ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك بل هذا هو من السؤال المرجوح ~~الذى تركه إلى الرغبة إلى الله ورسوله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله ~~وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع PageV01P193 # وأما سؤال الميت فليس بمشروع لا واجب ولا مستحب بل ولا مباح ولم يفعل هذا ~~قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة ~~لأن ms0135 ذلك فيه مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة والشريعة إنما تأمر بالمصالح ~~الخالصة أو الراجحة وهذا ليس فيه مصلحة راجحة بل اما أن يكون مفسدة محضة أو ~~مفسدة راجحة وكلاهما غير مشروع # فقد تبين أن ما فعله النبى من طلب الدعاء من غيره هو من باب الإحسان إلى ~~الناس الذى هو واجب أو مستحب # وكذلك ما أمر به من الصلاة على الجنائز ومن زيارة قبور المؤمنين والسلام ~~عليهم والدعاء لهم هو من باب الإحسان إلى الموتى الذى هو واجب أو مستحب فإن ~~الله تعالى أمر المسلمين بالصلاة والزكاة فالصلاة حق الحق في الدنيا ~~والآخرة والزكاة حق الخلق فالرسول أمر الناس بالقيام بحقوق الله وحقوق ~~عباده بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا # ومن عبادته الإحسان إلى الناس حيث أمرهم الله سبحانه به كالصلاة على ~~الجنائز وكزيارة قبور المؤمنين فاستحوذ الشيطان على أتباعه فجعل قصدهم بذلك ~~الشرك بالخالق وإيذاء المخلوق فإنهم إذا كانوا إنما يقصدون بزيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين سؤالهم أو السؤال عندهم أو أنهم لا يقصدون السلام عليهم ~~ولا الدعاء لهم كما يقصد بالصلاة على الجنائز كانوا بذلك مشركين مؤذين ~~ظالمين لمن يسألونه وكانوا ظالمين لأنفسهم فجمعوا بين أنواع الظلم الثلاثة ~~PageV01P194 # فالذى شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش ~~والمعاد وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم ~~وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد # فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى ~~@QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى @QE@ ~~وهذا أمر بمعالى الأخلاق وهو سبحانه يحب معالى الأخلاق ويكره سفسافها # وقد روى عنه أنه قال ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ( رواه الحاكم في ~~صحيحه وقد ثبت عنه في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال اليد العليا خير ~~من اليد السفلى ( وقال ( اليد العليا هي المعطية واليد السفلى السائلة ( ~~وهذا ثابت عنه في الصحيح فأين الإحسان إلى عباد الله من إيذائهم بالسؤال ~~والشحاذة لهم وأين التوحيد ms0136 للخالق بالرغبة إليه والرجاء له والتوكل عليه ~~والحب له من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن ~~يحب كما يحب الله وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار إليه ~~من فساده في عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه # فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة ~~التى تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة ونهى عن الأنواع الثلاثة التى ~~تفسد أمور أصحابها PageV01P195 ولكن الشيطان يأمر بخلاف ما يأمر به الرسول ~~قال تعالى @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم ~~تكونوا تعقلون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن ~~يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ~~ويحسبون أنهم مهتدون @QE@ # وذكر الرحمن هو الذكر الذى أنزل الله على رسوله الذى قال فيه ( إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( وقال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ وقد قال تعالى @QB@ المص كتاب أنزل إليك فلا ~~يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ~~ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون @QE@ وقد قال تعالى @QB@ كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز ~~الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب ~~شديد @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ms0137 كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى ~~الله تصير الأمور @QE@ PageV01P196 ( # فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بفعل ~~ما أمر وترك ما حظر وتصديقه فيما أخبر ولا طريق إلى الله إلا ذلك وهذا سبيل ~~أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين # وكل ما خالف ذلك فهو من طرق أهل الغى والضلال وقد نزه الله تعالى نبيه عن ~~هذا وهذا فقال تعالى @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول في صلاتنا ~~@QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ # وقد روى الترمذى وغيره عن عدى بن حاتم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( قال الترمذى حديث صحيح وقال ~~سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد ~~من عبادنا ففيه شبه من النصارى # وكان غير واحد من السلف يقول احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل ~~فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون # فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم ( أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون PageV01P197 ومن ~~عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم ( يا ~~أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من ~~قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ( # فالأول من الغاوين والثانى من الضالين # فإن الغى اتباع الهوى والضلال عدم الهدى قال تعالى @QB@ واتل عليهم نبأ ~~الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا ~~لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل ~~عليه يلهث أو ms0138 تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص ~~لعلهم يتفكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه ~~سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا ~~عنها غافلين @QE@ # ومن جمع الضلال والغى ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء نسأل الله أن يهدينا ~~وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا PageV01P198 ### ||| فصل # إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ ( الوسيلة ) و ( التوسل ) فيه اجمال واشتباه ~~يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذى حق حقه # فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه # وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك # ويعرف ما احدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه # فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الاجمال ~~والاشتراك في الالفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل ~~الخطاب # فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وابتغوا إليه الوسيلة ) وفى قوله تعالى ( قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا # اولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم اقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا ) # فالوسيلة التى امر الله ان تبتغى إليه واخبر عن ملائكته وانبيائه انهم ~~يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات فهذه الوسيلة التى ~~PageV01P199 امر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب وما ليس ~~بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا # فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به امر ايجاب أو استحباب وأصل ~~ذلك الايمان بما جاء به الرسول فجماع الوسيلة التى أمر الله الخلق ~~بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول لا وسيلة لأحد إلى الله ~~الا ذلك # والثانى لفظ ( الوسيلة ) في الاحاديث الصحيحة كقوله ms0139 ( سلوا الله لى ~~الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغى الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة ) ~~وقوله ( من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته انك لا ~~تخلف الميعاد حلت له الشفاعة ) # فهذه الوسيلة للنبى خاصة وقد امرنا ان نسأل الله له هذه الوسيلة وأخبر ~~انها لا تكون الا لعبد من عباد الله وهو يرجو ان يكون ذلك العبد وهذه ~~الوسيلة امرنا ان نسألها للرسول وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت ~~عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل فلما دعوا للنبى استحقوا ~~ان يدعو هو لهم فان الشفاعة نوع من الدعاء كما قال انه من صلى عليه مرة صلى ~~الله عليه بها عشرا PageV01P200 # وأما التوسل بالنبى والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه ~~وشفاعته # والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما ~~يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح # وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد به ~~معنى ثالث لم ترد به سنة فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء # فأحدهما هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته # والثانى دعاؤه وشفاعته كما تقدم # فهذان جائزان بإجماع المسلمين ومن هذا قول عمر بن الخطاب ( اللهم إنا كنا ~~إذا أجدبنا توسلنا اليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا ( ~~أى بدعائه وشفاعته وقوله تعالى ( وابتغوا إليه الوسيلة ( أى القربة إليه ~~بطاعته وطاعة رسوله طاعته قال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ # فهذا التوسل الأول هو أصل الدين وهذا لا ينكره أحد من المسلمين # وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر فإنه توسل بدعائه لا بذاته ولهذا ~~عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان ~~هذا أولى ms0140 من التوسل بالعباس فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل ~~PageV01P201 بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته بخلاف التوسل ~~الذى هو الإيمان به والطاعة له فانه مشروع دائما # فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان ( احدها ) التوسل بطاعته فهذا فرض لا يتم ~~الإيمان إلا به # و ( الثانى ) التوسل بدعائه وشفاعته وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة ~~يتوسلون بشفاعته # و ( الثالث ) التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا ~~هو الذى لم تكن الصحابة يفعلونه في الإستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد ~~مماته لا عند قبره ولا غير قبره ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة ~~بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس ~~قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى # وهذا هو الذى قال أبو حنيفة وأصحابه انه لا يجوز ونهوا عنه حيث قالوا لا ~~يسأل بمخلوق ولا يقول أحد أسألك بحق أنبيائك قال أبو الحسين القدورى في ~~كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخى في باب الكراهة وقد ذكر هذا غير ~~واحد من أصحاب ابى حنيفة # قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة لا ينبغى لأحد أن يدعو ~~الله إلا به وأكره أن يقول ( بمعاقد العز من عرشك ( أو ( بحق PageV01P202 ~~خلقك ( وهو قول أبى يوسف قال أبو يوسف بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره ~~هذا وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام ~~والمشعر الحرام # قال القدورى المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز ~~وفاقا وهذا الذى قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له ~~معنيان # أحدهما هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق فإنه ~~إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق ~~أولى وأحرى # وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته كالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ~~والشمس ms0141 وضحاها والنازعات غرقا والصافات صفا فان اقسامه بمخلوقاته يتضمن من ~~ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه بخلاف ~~المخلوق فان إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن عن النبى أنه قال ~~( من حلف بغير الله فقد أشرك ( وقد صححه الترمذى وغيره وفى لفظ ( فقد كفر ( ~~وقد صححه الحاكم وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال ( من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت ( وقال ( لا تحلفوا بآبائكم فان الله ينهاكم أن تحلفوا ~~بآبائكم ( وفى الصحيحين عنه أنه قال ( من حلف باللات والعزى فليقل لا اله ~~إلا الله PageV01P203 وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات ~~المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش والكرسى والكعبة والمسجد الحرام ~~والمسجد الأقصى ومسجد النبى والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين ~~وترب الأنبياء والصالحين وأيمان البندق وسراويل الفتوة وغير ذلك لا ينعقد ~~يمينه ولا كفارة في الحلف بذلك # والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبى حنيفة وأحد القولين في ~~مذهب الشافعى وأحمد وقد حكى اجماع الصحابة على ذلك وقيل هي مكروهة كراهة ~~تنزيه والأول أصح حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله ~~بن عمر لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى [ من ] أن أحلف بغير الله صادقا وذلك ~~لأن الحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب # وإنما نعرف النزاع في الحلف بالأنبياء فعن أحمد في الحلف بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم روايتان # احداهما لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور مالك وأبى حنيفة والشافعى # والثانية ينعقد اليمين به واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضى وأتباعه ~~وبن المنذر وافق هؤلاء وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبى خاصة وعدى ~~بن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء وإيجاب الكفارة بالحلف بمخلوق وان كان ~~نبيا قول ضعيف في الغاية مخالف للأصول والنصوص PageV01P204 فالإقسام به على ~~الله والسؤال به بمعنى الإقسام هو من هذا الجنس # وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم وبينهما فرق ~~فإن النبى أمر ms0142 بإبرار القسم وثبت عنه في الصحيحين أنه قال ( إن من عباد ~~الله من لو أقسم على الله لأبره ( قال ذلك لما قال أنس بن النضر أتكسر ثنية ~~الربيع قال لا والذى بعثك بالحق لا تكسر سنها فقال ( يا أنس كتاب الله ~~القصاص ( فرضى القوم وعفوا فقال ( ان من عباد الله من لو أقسم على الله ~~لأبره ( وقال ( رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره رواه ~~مسلم وغيره وقال ( ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله ~~لأبره ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر ( وهذا في الصحيحين # وكذلك حديث أنس بن النضر والآخر من أفراد مسلم وقد روى في قوله ( إن من ~~عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ( أنه قال ( منهم البراء بن مالك ( ~~وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون يا براء أقسم على ~~ربك فيقسم على الله فتنهزم الكفار فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا يا ~~براء أقسم على ربك فقال يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم وجعلتنى أول ~~شهيد فأبر الله قسمه فانهزم العدو واستشهد البراء بن مالك يومئذ وهذا هو ~~أخو أنس بن مالك قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك في دمه وحمل يوم مسيلمة ~~على ترس ورمى به إلى الحديقة حتى فتح الباب PageV01P205 # والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا فإن حنثه ولم ~~يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء كما لو ~~حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئا ولم يفعله فالكفارة على الحالف ~~الحانث # وأما قوله ( سألتك بالله أن تفعل كذا ( فهذا سؤال وليس بقسم وفى الحديث ( ~~من سألكم بالله فأعطوه ( ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله والخلق كلهم ~~يسألون الله مؤمنهم وكافرهم وقد يجيب الله دعاء الكفار فإن الكفار يسألون ~~الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه ~~فلما نجاهم إلى ms0143 البر أعرضوا وكان الإنسان كفورا # وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون # فالسؤال كقول السائل لله أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع ~~السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد ~~الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأسألك بكل اسم هو لك سميت به ~~نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب ~~عندك # فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته وليس ذلك إقساما عليه فإن أفعاله هي ~~مقتضى أسمائه وصفاته فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم وعفوه من ~~مقتضى اسمه العفو ولهذا لما قالت عائشة للنبى PageV01P206 إن وافقت ليلة ~~القدر ماذا أقول قال ( قولى اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى ( # وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادى وفى الأثر المنقول عن أحمد بن حنبل ~~أنه أمر رجلا أن يقول يا دليل الحيارى دلنى على طريق الصادقين واجعلنى من ~~عبادك الصالحين # وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب ولهذا يقال في ~~الدعاء يا رب يا رب كما قال آدم ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( وقال نوح ( رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس ~~لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين ( وقال إبراهيم ( ربنا إنى ~~أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع ( وكذلك سائر الأنبياء وقد كره مالك وبن ~~أبى عمران من أصحاب أبى حنيفة وغيرهما أن يقول الداعى يا سيدى يا سيدى ~~وقالوا قل كما قالت الأنبياء رب رب واسمه الحى القيوم يجمع أصل معانى ~~الأسماء والصفات كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع ولهذا كان النبى يقوله ~~إذا اجتهد في الدعاء # فإذا سئل المسئول بشيء والباء للسبب سئل بسبب يقتضى وجود المسئول # فإذا قال أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السماوات والأرض كان ~~كونه محمودا منانا بديع السماوات والأرض يقتضى أن يمن على عبده ms0144 السائل ~~PageV01P207 وكونه محمودا هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه وحمد العبد له سبب ~~إجابة دعائه ولهذا أمر المصلى أن يقول ( سمع الله لمن حمده ( أى استجاب ~~الله دعاء من حمده فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول كقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء ~~لا يسمع ( أى لا يستجاب # ومنه قول الخليل في آخر دعائه ( إن ربى لسميع الدعاء ( ومنه قوله تعالى ( ~~وفيكم سماعون لهم ( وقوله ( ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك ( أى يقبلون الكذب ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك ولهذا أمر ~~المصلى أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله سبحانه # وقال النبى لمن رآه يصلى ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل على نبيه فقال ( عجل ~~هذا ( ثم دعاه فقال ( إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه وليصل ~~على النبى وليدع بعد بما شاء ( أخرجه أبو داود والترمذى وصححه # وقال عبد الله بن مسعود كنت أصلى والنبى وأبو بكر وعمر معه فلما جلست ~~بدأت بالثناء على الله ثم بالصلاة على نبيه ثم دعوت لنفسى فقال النبى ( سل ~~تعطه ( رواه الترمذى وحسنه # فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت ويراد به معرفة المعنى مع ذلك ~~PageV01P208 ويراد به القبول والإستجابة مع الفهم قال تعالى @QB@ ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم @QE@ ثم قال @QB@ ولو أسمعهم @QE@ على هذه الحال ~~التى هم عليها لم يقبلوا الحق ثم ( لتولوا وهم معرضون ( فذمهم بأنهم لا ~~يفهمون القرآن ولو فهموه لم يعملوا به # وإذا قال السائل لغيره أسأل بالله فإنما سأله بإيمانه بالله وذلك سبب ~~لإعطاء من سأله به فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق لا سيما إن كان ~~المطلوب كف الظلم فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم وأمره أعظم الأسباب في ~~حض الفاعل فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيا لمسببه من أمر الله تعالى # وقد جاء في حديث رواه أحمد في مسنده وبن ماجه ms0145 عن عطية العوفى عن أبى سعيد ~~الخدرى عن النبى أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه ( وأسألك بحق ~~السائلين عليك وبحق ممشاى هذا فإنى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا ~~سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وإبتغاء مرضاتك ( # فإن كان هذا صحيحا فحق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين له أن ~~يثيبهم وهو حق أوجبه على نفسه لهم كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذى ~~جعله سببا لإجابة الدعاء كما في قوله تعالى ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله ( وكما يسأل بوعده لأن وعده يقتضى إنجاز ما وعده ~~ومنه قول المؤمنين PageV01P209 ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ~~آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار ( وقوله ( إنه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى ( # ويشبه هذا مناشدة النبى يوم بدر حيث يقول ( اللهم أنجز لى ما وعدتنى ( ~~وكذلك ما في التوراة أن الله تعالى غضب على بنى إسرائيل فجعل موسى يسأل ربه ~~ويذكر ما وعد به إبراهيم فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم # ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار فسأل كل ~~واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه محبة ~~تقتضى إجابة صاحبه هذا سأل ببره لوالديه وهذا سأل بعفته التامة وهذا سأل ~~بأمانته وإحسانه # وكذلك كان بن مسعود يقول وقت السحر ( اللهم أمرتنى فأطعتك ودعوتنى فأجبتك ~~وهذا سحر فاغفر لى ( ومنه حديث بن عمر إنه كان يقول على الصفا ( اللهم إنك ~~قلت وقولك الحق ( ادعونى أستجب لكم ( وإنك لا تخلف الميعاد ( ثم ذكر الدعاء ~~المعروف عن بن عمر أنه كان يقوله على الصفا فقد تبين أن قول القائل ( أسألك ~~بكذا ( نوعان فإن الباء قد تكون PageV01P210 # للقسم وقد تكون للسبب فقد تكون قسما به على الله وقد تكون سؤالا بسببه # فأما الأول فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على ms0146 الخالق # وأما الثانى وهو السؤال بالمعظم كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع وقد ~~تقدم عن أبى حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز ذلك ومن الناس من يجوز ذلك فنقول ~~قول السائل لله تعالى ( أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة والأنبياء ~~والصالحين وغيرهم أو بجاه فلان أو بحرمة فلان ( يقتضى أن هؤلاء لهم عند ~~الله جاه وهذا صحيح # فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة يقتضى أن يرفع الله درجاتهم ~~ويعظم أقدارهم ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا مع أنه سبحانه قال ( من ذا الذى ~~يشفع عنده إلا بإذنه ( # ويقتضى أيضا أن من اتبعهم واقتدى بهم فيما سن له الاقتداء بهم فيه كان ~~سعيدا ومن أطاع أمرهم الذى بلغوه عن الله كان سعيدا ولكن ليس نفس مجرد ~~قدرهم وجاههم مما يقتضى إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك ~~بل جاههم ينفعه أيضا إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن الله أو تأسى بهم ~~فيما سنوه للمؤمنين وينفعه أيضا إذا دعوا له وشفعوا فيه # فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة ولا منه سبب يقتضى الإجابة لم يكن ~~متشفعا بجاههم ولم يكن سؤاله بجاههم نافعا له عند الله بل يكون قد سأل ~~PageV01P211 بأمر أجنبى عنه ليس سببا لنفعه ولو قال الرجل لمطاع كبير ( ~~أسألك بطاعة فلان لك وبحبك له على طاعتك وبجاهه عندك الذى أوجبته طاعته لك ~~لكان قد سأله بأمر أجنبى لا تعلق له به فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء ~~المقربين ومحبته لهم وتعظيمه لأقدارهم مع عبادتهم له وطاعتهم إياه ليس في ~~ذلك ما يوجب إجابة دعاء من يسأل بهم وإنما يوجب إجابة دعائه بسبب منه ~~لطاعته لهم أو سبب منهم لشفاعتهم له فإذا انتفى هذا وهذا فلا سبب # نعم لو سأل الله بإيمانه بمحمد ومحبته له وطاعته له واتباعه لكان قد سأله ~~بسبب عظيم يقتضى إجابة الدعاء بل هذا أعظم الأسباب والوسائل والنبى بين أن ~~شفاعته في الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك وهى مستحقة لمن دعا ms0147 له ~~بالوسيلة كما في الصحيح أنه قال ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم ~~صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة ~~فإنها درجة في الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ~~ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة ) وفى ~~الصحيح أن أبا هريرة قال له أى الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال ( من ~~قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ) # فبين أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيدا وإخلاصا لأن ~~التوحيد جماع الدين والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فإذا شفع محمد صلى الله عليه وسلم ~~حد له ربه حدا فيدخلهم الجنة وذلك بحسب PageV01P212 ما يقوم بقلوبهم من ~~التوحيد والإيمان وذكر صلى الله عليه وسلم أنه من سأل الله له الوسيلة حلت ~~عليه شفاعته يوم القيامة فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من ~~التوحيد والإيمان وبالدعاء الذى سن لنا أن ندعو له به # وأما السؤال بحق فلان فهو مبنى على أصلين # أحدهما ما له من الحق عند الله والثانى هل نسأل الله بذلك كما نسأل ~~بالجاه والحرمة # أما الأول فمن الناس من يقول للمخلوق على الخالق حق يعلم بالعقل وقاس ~~المخلوق على الخالق كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم # ومن الناس من يقول لا حق للمخلوق على الخالق بحال لكن يعلم ما يفعله بحكم ~~وعده وخبره كما يقول ذلك من يقوله من أتباع جهم والأشعري وغيرهما ممن ينتسب ~~إلى السنة # ومنهم من يقول بل كتب الله على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه حقا لعباده ~~المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه لم يوجب ذلك مخلوق عليه ولا يقاس ~~بمخلوقاته بل هو بحكم رحمته وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة وحرم على ~~نفسه الظلم كما قال في الحديث الصحيح ms0148 الإلهى ( يا عبادى إنى حرمت الظلم على ~~نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( وقال تعالى @QB@ كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة @QE@ وقال تعالى @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ وفى ~~الصحيحين عن معاذ عن النبى أنه قال ( يا معاذ أتدرى ما حق الله على ~~PageV01P213 عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا يا معاذ أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت ~~الله ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا يعذبهم ( فعلى هذا القول لأنبيائه ~~وعباده الصالحين عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره وعلى الثانى ~~يستحقون ما أخبر بوقوعه وإن لم يكن ثم سبب يقتضيه # فمن قال ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به كما روى أن الله تعالى قال ~~لداود وأى حق لأبائك على فهو صحيح إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق ~~بالقياس والإعتبار على خلقه كما يجب للمخلوق على المخلوق وهذا كما يظنه ~~جهال العباد من أن لهم على الله سبحانه حقا بعبادتهم # وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على ~~الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم ~~فيجلبون لهم منفعة ويدفعون عنهم مضرة ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة ~~على ذلك ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه ألم أفعل كذا يمن عليه بما ~~يفعله معه وإن لم يقله بلسانه كان ذلك في نفسه # وتخيل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه ولهذا بين سبحانه ~~أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه وأن الله غنى عن الخلق كما في قوله تعالى ~~@QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ وقوله تعالى ( من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ( وقوله تعالى ( إن ~~تكفروا PageV01P214 فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا ~~يرضه لكم ( وقوله تعالى ( ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى ~~كريم ( وقال تعالى في قصة موسى ms0149 عليه السلام @QB@ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن ~~الله لغني حميد @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ~~إنهم لن يضروا الله شيئا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين @QE@ # وقد بين سبحانه إنه المان بالعمل فقال تعالى @QB@ يمنون عليك أن أسلموا ~~قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم ~~صادقين @QE@ وقال تعالى @QB@ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير ~~من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم ~~حكيم @QE@ # وفى الحديث الصحيح الإلهى ( يا عبادى إنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى ولن ~~تبلغوا نفعى فتنفعونى يا عبادى إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر ~~الذنوب جميعا ولا أبالى فاستغفرونى أغفر لكم يا عبادى لو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا يا ~~عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ~~ما زاد ذلك في ملكى شيئا يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا ~~في صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم PageV01P215 مسألته ما نقص ذلك ~~مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ( # وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة # ( منها ) أن الرب تعالى غنى بنفسه عما سواه ويمتنع أن يكون مفتقرا إلى ~~غيره بوجه من الوجوه والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية # و ( منها ) أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة ~~التائبين فهو الذى يخلق ذلك وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ~~ومشيئته وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقرون بأن الله هو ~~المنعم على ms0150 عباده بالإيمان بخلاف القدرية والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل ~~غيره # و ( منها ) أن الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم كما ~~قال قتادة إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته اليهم ولا ينهاهم ~~عما نهاهم عنه بخلا عليهم بل أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم بخلاف ~~المخلوق الذى يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه بخلا عليه وهذا ~~أيضا ظاهر على مذهب السلف وأهل السنة الذين يثبتون حكمته ورحمته ويقولون ~~إنه لم يأمر العباد إلا بخير ينفعهم ولم ينههم إلا عن شر يضرهم بخلاف ~~المجبرة الذين يقولون إنه قد يأمرهم بما يضرهم وينهاهم عما ينفعهم # و ( منها ( أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وهو المنعم ~~بالقدرة والحواس وغير ذلك مما به يحصل العلم والعمل الصالح وهو الهادى ~~لعباده فلا حول ولا قوة إلا به ولهذا قال أهل الجنة ( الحمد لله الذى هدانا ~~PageV01P216 لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق ( وليس يقدر المخلوق على شيء من ذلك # و ( منها ( أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى فلو قدر أن العبادة جزاء ~~النعمة لم تقم العبادة بشكر قليل منها فكيف والعبادة من نعمته أيضا # و ( منها ) أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته فلن ~~يدخل أحد الجنة بعمله وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة الله ~~لها ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ( وقوله ( ~~لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ( لا يناقض قوله تعالى ( جزاء بما كانوا ~~يعملون ( # فإن المنفى نفى بباء المقابلة والمعاوضة كما يقال بعت هذا بهذا وما أثبت ~~أثبت بباء السبب فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سببا للجزاء ولهذا من ظن ~~أنه قام بما يجب عليه وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال ~~كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا ms0151 ~~أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل ( وروى ( ~~بمغفرته ( ومن هذا أيضا الحديث الذى في السنن عن النبى أنه قال ( إن الله ~~لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت ~~رحمته لهم خيرا من أعمالهم ( الحديث # ومن قال بل للمخلوق على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذى أخبر ~~PageV01P217 الله بوقوعه فإن الله صادق لا يخلف الميعاد وهو الذى أوجبه على ~~نفسه بحكمته وفضله ورحمته وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله تعالى به ~~يسأل الله تعالى إنجاز وعده أو يسأله بالأسباب التى علق الله بها المسببات ~~كالأعمال الصالحة فهذا مناسب وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك ~~الشخص فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص وذلك سؤال بأمر أجنبى عن هذا السائل ~~لم يسأله بسبب يناسب إجابة دعائه # وأما سؤال الله بأسمائه وصفاته التى تقتضى ما يفعله بالعباد من الهدى ~~والرزق والنصر فهذا أعظم ما يسأل الله تعالى به فقول المنازع لا يسأل بحق ~~الأنبياء فإنه لا حق للمخلوق على الخالق ممنوع فإنه قد ثبت في الصحيحين ~~حديث معاذ الذى تقدم إيراده وقال تعالى @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ ~~47 30 ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ( # فيقال للمنازع الكلام في هذا في مقامين # أحدهما في حق العباد على الله # والثانى في سؤاله بذلك الحق # أما الأول فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم ووعد السائلين ~~بأن يجيبهم وهو الصادق الذى لا يخلف الميعاد قال الله تعالى ( وعد الله حقا ~~ومن أصدق من الله قيلا ( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ( فهذا مما يجب وقوعه PageV01P218 ~~بحكم الوعد باتفاق المسلمين وتنازعوا هل عليه واجب بدون ذلك على ثلاثة ~~أقوال كما تقدم # قيل لا يجب لأحد عليه حق بدون ذلك # وقيل بل يجب عليه واجبات ويحرم عليه محرمات بالقياس على عباده # وقيل ms0152 هو أوجب على نفسه وحرم على نفسه فيجب عليه ما أوجبه على نفسه ويحرم ~~عليه ما حرمه على نفسه كما ثبت في الصحيح من حديث أبى ذر كما تقدم # والظلم ممتنع منه بإتفاق المسلمين لكن تنازعوا في الظلم الذى لا يقع فقيل ~~هو الممتنع وكل ممكن يمكن أن يفعله لا يكون ظلما لأن الظلم إما التصرف في ~~ملك الغير وإما مخالفة الأمر الذى يجب عليه طاعته وكلاهما ممتنع منه # وقيل بل ما كان ظلما من العباد فهو ظلم منه # وقيل الظلم وضع الشيء في غير موضعه فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئا قال ~~تعالى @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما @QE@ قال ~~المفسرون هو أن يحمل عليه سيئات غيره ويعاقب بغير ذنبه والهضم أن يهضم من ~~حسناته وقال تعالى @QB@ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما @QE@ @QB@ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم @QE@ # وأما المقام الثانى فإنه يقال ما بين الله ورسوله أنه حق للعباد على الله ~~فهو PageV01P219 حق لكن الكلام في السؤال بذلك فيقال إن كان الحق الذى سأل ~~به سببا لإجابة السؤال حسن السؤال به كالحق الذى يجب لعابديه وسائليه # وأما إذا قال السائل بحق فلان وفلان فأولئك إذا كان لهم عند الله حق أن ~~لا يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه ~~فليس في استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله ما يكون سببا لمطلوب هذا ~~السائل فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة وهذا ~~لا يستحق ما إستحقه ذلك فليس في إكرام الله لذلك سبب يقتضى إجابة هذا # وإن قال السبب هو شفاعته ودعاؤه فهذا حق إذا كان قد شفع له ودعا له وإن ~~لم يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب # وإن قال السبب هو محبتى له وإيمانى به وموالاتى له فهذا سبب شرعى وهو ~~سؤال الله وتوسل إليه بإيمان هذا السائل ومحبته ms0153 لله ورسوله وطاعته لله ~~ورسوله لكن يجب الفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله فمن أحب مخلوقا كما ~~يحب الخالق فقد جعله ندا لله وهذه المحبة تضره ولا تنفعه وأما من كان الله ~~تعالى أحب إليه مما سواه وأحب أنبياءه وعباده الصالحين له فحبه لله تعالى ~~هو أنفع الأشياء والفرق بين هذين من أعظم الأمور # فإن قيل إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين تارة يتوسل ~~بذلك إلى ثوابه وجنته ( وهذا أعظم الوسائل ( وتارة يتوسل بذلك PageV01P220 ~~في الدعاء كما ذكرتم نظائره فيحمل قول القائل أسألك بنبيك محمد على أنه ~~أراد إنى أسألك بإيمانى به وبمحبته وأتوسل اليك بإيمانى به ومحبته ونحو ذلك ~~وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع قيل من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك ~~بلا نزاع واذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبى بعد مماته من السلف ~~كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره كان هذا حسنا ~~وحينئذ فلا يكون في المسألة نزاع # ولكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى فهؤلاء ~~الذين أنكر عليهم من أنكر # وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائة وشفاعته وهذا ~~جائز بلا نزاع ثم إن أكثر الناس في زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ # فإن قيل فقد يقول الرجل لغيره بحق الرحم قيل الرحم توجب على صاحبها حقا ~~لذى الرحم كما قال الله تعالى ( واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام ) ~~وقال النبى ( الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ~~) وقال ( لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوى الرحمن وقالت هذا مقام العائذ بك ~~من القطيعة فقال ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قد رضيت ~~) وقال صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تعالى أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت ~~لها إسما من اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته PageV01P221 وقد روى عن ~~على أنه كان إذا سأله بن أخيه ms0154 بحق جعفر أبيه أعطاه لحق جعفر على على وحق ذى ~~الرحم باق بعد موته كما في الحديث أن رجلا قال يا رسول الله هل بقى من بر ~~أبوى شيء أبرهما به بعد موتهما قال ( نعم الدعاء لهما والإستغفار لهما ~~وإنفاذ وعدهما من بعدهما وصلة رحمك التى لا رحم لك إلا من قبلهما ) وفى ~~الحديث الآخر حديث بن عمر ( من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن ~~يولى ) فصلة أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره # والذى قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء من أنه لا يجوز أن يسأل ~~الله تعالى بمخلوق لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك يتضمن شيئين كما تقدم # ( أحدهما ) الإقسام على الله سبحانه وتعالى به وهذا منهى عنه عند جماهير ~~العلماء كما تقدم كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر بإتفاق ~~العلماء # و ( الثانى ) السؤال به فهذا يجوزه طائفة من الناس ونقل في ذلك آثار عن ~~بعض السلف وهو موجود في دعاء كثير من الناس لكن ما روى عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه ~~حجة إلا حديث الأعمى الذى علمه أن يقول ( أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى ~~الرحمة ) وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء ~~النبى وشفاعته وهو PageV01P222 طلب من النبى الدعاء وقد أمره النبى صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول ( اللهم شفعه في ( ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا ~~له النبى وكان ذلك مما يعد من آيات النبى ولو توسل غيره من العميان الذين ~~لم يدع لهم النبى بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله # ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الإستسقاء المشهور بين المهاجرين ~~والأنصار وقوله ( اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وانا ~~نتوسل اليك بعم نبينا ( يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه ~~وشفاعته لا السؤال بذاته إذ لو ms0155 كان هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون ~~والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس # وشاع النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم لأن بين ~~السؤال والإقسام فرقا فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة ~~والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم والمقسم لا يقسم الا على ~~من يرى أنه يبر قسمه فإبرار القسم خاص ببعض العباد # وأما إجابة السائلين فعام فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن ~~كان كافرا وفى الصحيح عن النبى أنه قال ( ما من داع يدعو الله بدعوة ليس ~~فيها اثم ولا قطيعة رحم الا أعطاه الله بها احدى خصال ثلاث إما أن يعجل له ~~دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها PageV01P223 وإما أن يصرف عنه من ~~الشر مثلها ( قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال ( الله أكثر ( # وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم وهو الذى قال أبو حنيفة وأصحابه ~~وغيرهم أنه لا يجوز ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك فضلا أن يجعل ~~هذا من مسائل السب فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوز التوسل به بمعنى الإقسام ~~به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلا عن أن يقول مالك ~~أن هذا سب للرسول أو تنقص له بل المعروف عن مالك أنه كره للداعى أن يقول يا ~~سيدى سيدي وقال قل كما قالت الأنبياء يا رب يارب يا كريم وكره أيضا أن يقول ~~يا حنان يا منان فإنه ليس بمأثور عنه # فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعا عنده فكيف يجوز عنده ~~أن يسأل الله بمخلوق نبيا كان أو غيره وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام ~~الرمادة لم يسألوا الله بمخلوق لا نبى ولا غيره بل قال عمر اللهم إنا كنا ~~إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا ~~فيسقون # وكذلك ثبت في صحيح مسلم عن بن عمر وأنس وغيرهما أنهم كانوا إذا أجدبوا ms0156 ~~انما يتوسلون بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم واستسقائه لم ينقل عن أحد ~~منهم أنه كان في حياته سأل الله تعالى بمخلوق PageV01P224 لا به ولا بغيره ~~لا في الإستسقاء ولا غيره وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى فلو ~~كان السؤال به معروفا عند الصحابة لقالوا لعمر ان السؤال والتوسل به أولى ~~من السؤال والتوسل بالعباس فلم نعدل عن الأمر المشروع الذى كنا نفعله في ~~حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض أقاربه وفى ذلك ترك السنة ~~المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله تعالى بأضعف السببين مع القدرة على ~~أعلاهما ونحن مضطرون غاية الإضطرار في عام الرمادة الذى يضرب به المثل في ~~الجدب # والذى فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين ~~فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجرشى كما توسل عمر بالعباس وكذلك ذكر الفقهاء من ~~أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في الإستسقاء بدعاء أهل الخير ~~والصلاح قالوا وإن كانوا من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل ~~اقتداء بعمر ولم يقل أحد من أهل العلم إنه يسأل الله تعالى في ذلك لا بنبى ~~ولا بغير نبى # وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك ~~عن إمام من أئمة المسلمين غير مالك كالشافعى وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم ~~ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك ولو ~~كانت صحيحة لم يكن التوسل الذى فيها هو هذا بل هو التوسل بشفاعته يوم ~~القيامة ولكن من الناس من يحرف نقلها وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء الله ~~تعالى PageV01P225 # والقاضى عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة قبره بل ذكر هناك ما هو ~~المعروف عن مالك وأصحابه وإنما ذكرها في سياق أن حرمة النبى صلى الله عليه ~~وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته وكذلك عند ذكره وذكر ~~حديثه وسنته وسماع اسمه وذكر عن مالك أنه سئل عن ms0157 أيوب السختيانى فقال ما ~~حدثتكم عن أحد الا وأيوب أفضل منه قال وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه ~~غير أنه كان إذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه فلما رأيت منه ~~ما رأيت واجلاله للنبى صلى الله عليه وسلم كتبت عنه # وقال مصعب بن عبد الله كان مالك إذا ذكر النبى يتغير لونه وينحنى حتى ~~يصعب ذلك على جلسائه فقيل له يوما في ذلك فقال لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم ~~على ما ترون لقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن ~~حديث أبدا الا يبكى حتى نرحمه # ولقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسم فإذا ذكر عنده ~~النبى اصفر لونه وما رأيته يحدث عن رسول الله الا على طهارة ولقد اختلفت ~~إليه زمانا فما كنت أراه الا على ثلاث خصال اما مصليا واما صامتا واما يقرأ ~~القرآن ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله ~~PageV01P226 # ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبى فينظر إلى لونه كأنه نزف منه ~~الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله # ولقد كنت آتى عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبى بكى حتى لا ~~يبقى في عينيه دموع # ولقد رأيت الزهري وكان لمن أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبى صلى ~~الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته # ولقد كنت آتى صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبى ~~صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكى حتى يقوم الناس عنه ويتركوه # فهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة ثم ذكر حكاية ~~بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة قالوا حدثنا أبو العباس أحمد بن ~~عمر بن دلهات قال حدثنا أبو الحسن على بن فهر حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ~~بن الفرح حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبى ms0158 ~~إسرائيل حدثنا بن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول ~~الله فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله ~~أدب قوما فقال ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ( الآية ومدح قوما فقال ( ~~إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ( الآية وذم قوما فقال ( ان الذين ~~ينادونك PageV01P227 من وراء الحجرات ( الآية وإن حرمته ميتا كحرمته حيا ~~فإستكان لها أبو جعفر فقال يا أبا عبد الله استقبل القبلة وأدعو أم أستقبل ~~رسول الله فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام ~~إلى الله يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله قال الله تعالى ( ~~ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فإستغفروا الله وإستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما ( # قلت وهذه الحكاية منقطعة فإن محمد بن حميد الرازى لم يدرك مالكا لا سيما ~~في زمن ابى جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفى بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة ~~وتوفى مالك سنة تسع وسبعين ومائة وتوفى محمد بن حميد الرازى سنة ثمان ~~وأربعين ومائتين ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع ~~أبيه وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث كذبه أبو زرعة وبن وارة وقال ~~صالح بن محمد الآسدى ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه وقال ~~يعقوب بن شبيبة كثير المناكير وقال النسائى ليس بثقة وقال بن حبان ينفرد عن ~~الثقات بالمقلوبات وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب وتوفى سنة ~~اثنتين وأربعين ومائتين وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ~~بن إسماعيل السهمى توفى سنة تسع وخمسين ومائتين وفى الإسناد أيضا من لا ~~تعرف حاله # وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه ~~PageV01P228 ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل ~~حكاية لا تعرف إلا من جهته هذا إن ثبت عنه وأصحاب مالك متفقون على ms0159 أنه بمثل ~~هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه بل إذا روى عنه ~~الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطرى ضعفوا رواية هؤلاء وإنما ~~يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه ~~من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث # مع أن قوله ( وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم ~~القيامة ( إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة وهذا هو التوسل ~~بشفاعته يوم القيامة وهذا حق كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين تأتى الناس ~~يوم القيامة آدم ليشفع لهم فيردهم آدم إلى نوح ثم يردهم نوح إلى إبراهيم ~~وابراهيم إلى موسى وموسى إلى عيسى ويردهم عيسى إلى محمد فإنه كما قال ( أنا ~~سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر آدم فمن دونه تحت لوائى يوم القيامة ولا ~~فخر ( ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه # ( أحدها ) قوله ( أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله وأدعو ( فقال ~~( ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ( فان المعروف عن مالك ~~وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعى إذا سلم على ~~النبى ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده ولا يستقبل ~~القبر ويدعو لنفسه بل إنما يستقبل PageV01P229 القبر عند السلام على النبى ~~والدعاء له هذا قول أكثر العلماء كمالك في احدى الروايتين والشافعى وأحمد ~~وغيرهم # وعند اصحاب أبى حنيفة لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضا # ثم منهم من قال يجعل الحجرة على يساره وقد رواه بن وهب عن مالك ويسلم ~~عليه # ومنهم من قال بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه وهذا هو المشهور عندهم ومع هذا ~~فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر لذلك قال القاضي عياض في المبسوط عن ~~مالك قال ( لا أرى أن يقف عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم يدعو لكن يسلم ~~ويمضى ( قال وقال نافع كان بن عمر يسلم على القبر ms0160 رأيته مائة مرة أو أكثر ~~يجيء إلى القبر فيقول السلام على النبى السلام على أبى بكر السلام على أبى ~~ثم ينصرف ورئي واضعا يده على مقعد النبى صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم ~~وضعها على وجهه قال وعن بن أبى قسيط والقعنبى كان أصحاب النبى إذا خلا ~~المسجد جسوا برمانة المنبر التي تلقاء القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة ~~يدعون قال وفى الموطأ من رواية يحيى بن الليثى أنه كان يعنى بن عمر يقف على ~~قبر النبى فيصلى على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى أبى بكر وعمر وعند بن ~~القاسم للمروذي ويدعو لأبى بكر وعمر قال مالك في رواية بن وهب يقول السلام ~~عليك ايها النبى ورحمة الله وبركاته وقال في المبسوط ويسلم على أبى بكر ~~وعمر PageV01P230 # قال أبو الوليد الباجى وعندى أن يدعو للنبى بلفظ الصلاة ولأبى بكر وعمر [ ~~بلفظ السلام ] لما في حديث بن عمر من الخلاف وهذا الدعاء يفسر الدعاء ~~المذكور في رواية بن وهب قال مالك في رواية بن وهب إذا سلم على النبى ودعا ~~يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر فهذا هو ~~السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه كما تقدم تفسيره # وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر بن حبيب في الواضحة وغيره قال وقال ~~مالك في المبسوط وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف ~~بالقبر وإنما ذلك للغرباء وقال فيه أيضا ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى ~~سفر أن يقف على قبر النبى فيصلى عليه ويدعو له ولأبى بكر وعمر قيل له فان ~~ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة ~~أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر ~~فيسلمون ويدعون ساعة فقال مالك لم يبلغنى هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه ~~واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغنى عن أول هذه ~~الأمة ms0161 وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره الا لمن جاء من سفر أو أراده # قال بن القاسم ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر ~~فسلموا قال ولذلك رأى PageV01P231 # قال أبو الوليد الباجى ففرق بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا ~~لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم # قال وقال رسول الله ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( اشتد غضب الله على ~~قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( قال وقال النبى ( لا تجعلوا قبرى عيدا ( ~~قال ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف ~~عنده طويلا وفى ( العتبية ) يعنى عن مالك يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد ~~النبى وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبى حيث العمود المخلق وأما في الفريضة ~~فالتقدم إلى الصفوف قال والتنفل فيه للغرباء أحب إلى من التنفل في البيوت # فهذا قول مالك وأصحابه وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يقصدوا القبر ~~إلا للسلام على النبى والدعاء له وقد كره مالك إطالة القيام لذلك وكره ان ~~يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه وإنما يفعل ذلك الغرباء ~~ومن قدم من سفر أو خرج له فإنه تحية للنبى # فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ~~ذكروا ذلك عن أصحاب النبى ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند ~~القبر بل ولا اطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبى فكيف بدعائه لنفسه ~~PageV01P232 # وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته ~~فهذا لم يفعله أحد من السلف ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعا ~~لفعله الصحابة والتابعون وكذلك السؤال به فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته # فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله ( استقبله واستشفع به ( ~~كذب على مالك مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التى يفعلها ~~مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء ~~لنفسه ms0162 فضلا عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له يا رسول الله اشفع لى أو ادع ~~لى أو يشتكى إليه مصائب الدين والدنيا أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من ~~الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له أو يشتكى ~~اليهم المصائب فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم ~~من مبتدعة هذه الأمة ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين وإن ~~كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويبلغ سلام البعيد # وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذى رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد من ~~حديث حيوة بن شريح المصرى حدثنا أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن أبى هريرة رضى ~~الله عنه عن رسول الله أنه قال ( ما من أحد يسلم على إلا رد الله على روحى ~~حتى أرد عليه السلام ( وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة في السلام عليه عند ~~قبره صلوات الله PageV01P233 وسلامه عليه # فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في الدين ولهذا ~~لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئا منها وإنما يرويها من يروى الضعاف كالدار ~~قطنى والبزار وغيرهما # وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر العمرى وهو ضعيف والكذب ظاهر ~~عليه مثل قوله ( من زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى في حياتى ( فإن هذا كذبه ~~ظاهر مخالف لدين المسلمين ( فإن من زاره في حياته وكان مؤمنا به كان من ~~أصحابه لا سيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه وقد ثبت عنه أنه ~~قال ( لا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه ( أخرجاه في الصحيحين # والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة ~~كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق ~~المسلمين بل ولا شرع السفر إليه بل هو منهى عنه ms0163 # وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه ~~فهو مستحب والسفر إلى الكعبة للحج فواجب فلو سافر أحد السفر الواجب ~~والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته فكيف ~~بالسفر المنهى عنه وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات ~~الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه ~~PageV01P234 أن يوفى بنذره بل ينهى عن ذلك ولو نذر السفر إلى مسجده أو ~~المسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعى # أظهرهما عنه يجب ذلك وهو مذهب مالك وأحمد # والثانى لا يجب وهو مذهب أبى حنيفة لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ~~ما كان واجبا بالشرع وإتيان هذين المسجدين ليس واجبا بالشرع فلا يجب بالنذر ~~عنده # وأما الأكثرون فيقولون هو طاعة لله وقد ثبت في صحيح البخارى عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله ~~فلا يعصه ( # وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فلا يجب بالنذر عند أحد ~~منهم لأنه ليس بطاعة فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه وهذا مالك كره ~~أن يقول الرجل زرت قبر رسول الله واستعظمه وقد قيل إن ذلك ككراهية زيارة ~~القبور وقيل لأن الزائر أفضل من المزور وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك # والصحيح أن ذلك لأن لفظ زيارة القبر مجمل يدخل فيها الزيارة البدعية التى ~~هي من جنس الشرك فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما ~~تقدم ذكره PageV01P235 # زيارة شرعية وزيارة بدعية # فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم كما يقصد الصلاة على ~~أحدهم إذا مات فيصلى عليه صلاة الجنازة فهذه الزيارة الشرعية # والثانى أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات ~~منهم أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد ~~والبيوت أو أن الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضى ~~إجابة الدعاء فمثل ms0164 هذه الزيارة بدعة منهى عنها فإذا كان لفظ ( الزيارة ( ~~مجملا يحتمل حقا وباطلا عدل عنه إلى لفظ لا لبس فيه كلفظ ( السلام ( عليه ~~ولم يكن لأحد أن يحتج على مالك بما روى في زيارة قبره أو زيارته بعد موته ~~فإن هذه كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة لا يحتج بشيء منها في أحكام الشريعة # والثابت عنه أنه قال ( ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة ( هذا هو ~~الثابت في الصحيح ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال قبرى وهو حين قال هذا القول ~~لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه عليه ولهذا لم يحتج بهذا أحد من ~~الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه ولو كان هذا عندهم لكان نصا في محل ~~النزاع ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذى مات فيه بأبى هو وأمى صلوات ~~الله عليه وسلامه # ( # ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك وكان نائبه على المدينة ~~PageV01P236 عمر بن عبد العزيز أمره أن يشترى الحجر ويزيدها في المسجد ~~وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة في ~~المسجد من حينئذ وبنوا الحائط البرانى مسنما محرفا فإنه ثبت في صحيح مسلم ~~من حديث أبى مرثد الغنوى أنه قال صلى الله عليه وسلم ( لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا اليها ( لأن ذلك يشبه السجود لها وإن كان المصلى إنما ~~يقصد الصلاة لله تعالى وكما نهى عن اتخاذها مساجد ونهى عن قصد الصلاة عندها ~~وان كان المصلى إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له فمن قصد قبور ~~الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المحرم الذى سد ~~الله ورسوله ذريعته وهذا بخلاف السلام المشروع حسبما تقدم # وقد روى سفيان الثورى عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن ~~مسعود قال قال رسول الله ( إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغونى عن أمتى ~~السلام ( رواه النسائى وأبو حاتم في صحيحه وروى نحوه عن أبى هريرة فهذا فيه ~~أن سلام البعيد ms0165 تبلغه الملائكة # وفى الحديث المشهور الذى رواه أبو الأشعث الصنعانى عن أوس بن أوس قال قال ~~رسول الله ( أكثروا على من الصلاة في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتى تعرض على ~~يومئذ فمن كان أكثرهم على صلاة كان أقربهم منى منزلة ( # وفى مسند الإمام أحمد حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن نافع عن بن ~~PageV01P237 أبى ذئب عن المقبرى عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( لا تتخذوا قبرى عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا على حيثما ~~كنتم فان صلاتكم تبلغنى ( ورواه أبو داود قال القاضي عياض وروى أبو بكر بن ~~أبى شيبة عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صلى على ~~عند قبرى سمعته ومن صلى على نائيا أبلغته ( وهذا قد رواه محمد بن مروان ~~السدى عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وهذا هو السدى الصغير وليس بثقة ~~وليس هذا من حديث الأعمش # وروى أبو يعلى الموصلى في مسنده عن موسى بن محمد بن حبان عن أبى بكر ~~الحنفى حدثنا عبد الله بن نافع حدثنا العلاء بن عبد الرحمن سمعت الحسن بن ~~على قال قال رسول الله ( صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ولا تتخذوا بيتى ~~عيدا صلوا على وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغنى ( # وروى سعيد بن منصور في سننه أن عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى ~~طالب رأى رجلا يكثر الاختلاف إلى قبر النبى قال له يا هذا إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم ~~تبلغنى ( فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء # وروى هذا المعنى عن على بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن على بن أبى ~~طالب ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى الحافظ في مختاره الذى ~~PageV01P238 هو أصح من صحيح الحاكم وذكر القاضي عياض عن الحسن بن على قال ~~إذا دخلت فسلم على النبى فان رسول الله ms0166 صلى الله عليه وسلم قال ( لا تتخذوا ~~بيتى عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا على حيث كنتم فان صلاتكم تبلغنى ~~حيث كنتم ( # ومما يوهن هذه الحكاية أنه قال فيها ( ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ~~ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة ( إنما يدل على أنه يوم القيامة ~~تتوسل الناس بشفاعته وهذا حق كما تواترت به الأحاديث لكن إذا كان الناس ~~يتوسلون بدعائه وشفاعته يوم القيامة كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته ~~في حياته فإنما ذاك طلب لدعائه وشفاعته فنظير هذا لو كانت الحكاية صحيحة أن ~~يطلب منه الدعاء والشفاعة في الدنيا عند قبره # ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبى صلى الله عليه وسلم ولا سنه لأمته ولا ~~فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ~~لا مالك ولا غيره من الأئمة فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام ~~الذى لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة ~~أدلتها الشرعية مع علو قدر مالك وعظم فضيلته وإمامته وتمام رغبته في إتباع ~~السنة وذم البدع وأهلها وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع فلو لم يكن عن ~~مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقول مثل هذا # ثم قال في الحكاية ( استقبله واستشفع به فيشفعك الله ( والاستشفاع به ~~PageV01P239 معناه في اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم ~~القيامة وكما كان أصحابه يستشفعون به ومنه الحديث الذى في السنن أن أعرابيا ~~قال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا فانا ~~نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله فسبح رسول الله حتى عرف ذلك في وجوه ~~أصحابه وقال ( ويحك أتدرى ما تقول شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به ~~على أحد من خلقه ( وذكر تمام الحديث # فأنكر قوله ( نستشفع بالله عليك ( ومعلوم أنه لا ينكر أن يسأل المخلوق ~~بالله أو يقسم عليه بالله وإنما أنكر أن يكون الله شافعا إلى المخلوق ولهذا ms0167 ~~لم ينكر قوله ( نستشفع بك على الله ( فانه هو الشافع المشفع # وهم لو كانت الحكاية صحيحة انما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته ولهذا قال ~~في تمام الحكاية ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ) الآية وهؤلاء إذا شرع ~~لهم أن يطلبوا منه الشفاعة والإستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر ~~لهم وإستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم # وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته فإنما يقال في ذلك ( استشفع به فيشفعه ~~الله فيك ( لا يقال فيشفعك الله فيه وهذا معروف الكلام ولغة النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه وسائر العلماء يقال شفع فلان في فلان فشفع فيه فالمشفع ~~الذى يشفعه المشفوع إليه هو الشفيع المستشفع به PageV01P240 لا السائل ~~الطالب من غيره أن يشفع له فان هذا ليس هو الذى شفع فمحمد صلى الله عليه ~~وسلم هو الشفيع المشفع ليس المشفع الذى يستشفع به ولهذا يقول في دعائه يارب ~~شفعنى فيشفعه الله فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع طالبى شفاعته ~~فكيف يقول واستشفع به فيشفعك الله # وأيضا فان طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعا ~~عند أحد من أئمة المسلمين ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم ~~القدماء وانما ذكر هذا بعض المتأخرين ذكروا حكاية عن العتبى أنه رأى ~~أعرابيا أتى قبره وقرأ هذه الآية وأنه رأى في المنام ان الله غفر له وهذا ~~لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين الذين يفتى الناس ~~بأقوالهم ومن ذكرها لم يذكر عليها دليلا شرعيا # ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعا لكان ~~الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم ولكان أئمة ~~المسلمين يذكرون ذلك وما أحسن ما قال مالك ( لا يصلح آخر هذه الأمة الا ما ~~اصلح أولها ( قال ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ~~ذلك # فمثل هذا الإمام كيف يشرع دينا لم ينقل عن أحد السلف ويأمر الأمة أن ~~يطلبوا الدعاء ms0168 والشفاعة والإستغفار بعد موت الأنبياء والصالحين منهم عند ~~قبورهم وهو أمر لم يفعله أحد من سلف الأمة PageV01P241 ولكن هذا اللفظ الذى ~~في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى ~~التوسل فيقول أحدهم اللهم إنا نستشفع إليك بفلان وفلان أى نتوسل به ويقولون ~~لمن توسل في دعائه بنبى أو غيره ( قد تشفع به ( من غير أن يكون المستشفع به ~~شفع له ولا دعا له بل وقد يكون غائبا لم يسمع كلامه ولا شفع له وهذا ليس هو ~~لغة النبى وأصحابه وعلماء الأمة بل ولا هو لغة العرب فإن الإستشفاع طلب ~~الشفاعة والشافع هو الذى يشفع السائل فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو ~~المشفوع إليه وأما الإستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا ~~يعلم بسؤاله فليس هذا إستشفاعا لا في اللغة ولا في كلام من يدرى ما يقول ~~نعم هذا سؤال به ودعاؤه ليس هو استشفاعا به ولكن هؤلاء لما غيروا اللغة كما ~~غيروا الشريعة وسموا هذا استشفاعا أى سؤالا بالشافع صاروا يقولون ( إستشفع ~~به فيشفعك ) أى يجيب سؤالك به وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل ~~بالشرع واللغة وليس لفظها من ألفاظ مالك # نعم قد يكون أصلها صحيحا ويكون مالك قد نهى عن رفع الصوت في مسجد الرسول ~~اتباعا للسنة كما كان عمر ينهى عن رفع الصوت في مسجده ويكون مالك أمر بما ~~أمر الله به من تعزيره وتوقيره ونحو ذلك مما يليق بمالك أن يأمر به ~~PageV01P242 # ومن لم يعرف لغة الصحابة التى كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبى ~~وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه فإن كثيرا من الناس ينشأ على ~~اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله ~~أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده ~~بذلك أهل عادته وإصطلاحه ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك # وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل ms0169 الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم ~~وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معانى أخر مخالفة لمعانيهم ~~ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم ويقولون إنا موافقون ~~للأنبياء وهذا موجود في كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ~~ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة مثل من وضع ( المحدث ) و ( المخلوق ) ~~و ( المصنوع ) على ما هو معلول وإن كان عنده قديما أزليا ويسمى ذلك ( ~~الحدوث الذاتى ) ثم يقول نحن نقول إن العالم محدث وهو مراده ومعلوم أن لفظ ~~المحدث بهذا الإعتبار ليس لغة أحد من الأمم وإنما المحدث عندهم ما كان بعد ~~أن لم يكن وكذلك يضعون لفظ ( الملائكة ) على ما يثبتونه من العقول والنفوس ~~وقوى النفس ولفظ ( الجن ) و ( الشياطين ) على بعض قوى النفس ثم يقولون نحن ~~نثبت ما أخبرت به الأنبياء وأقر به جمهور الناس من الملائكة والجن ~~والشياطين PageV01P243 ومن عرف مراد الأنبياء ومرادهم علم بالإضطرار أن هذا ~~ليس هو ذاك مثل أن يعلم مرادهم بالعقل الأول وأنه مقارن عندهم لرب العالمين ~~أزلا وأبدا وأنه مبدع لكل ما سواه أو بتوسطه حصل كل ما سواه والعقل الفعال ~~عندهم عنه يصدر كل ما تحت فلك القمر ويعلم بالإضطرار من دين الأنبياء أنه ~~ليس من الملائكة عندهم من هو رب كل ما سوى الله ولا رب كل ما تحت فلك القمر ~~ولا من هو قديم أزلى أبدى لم يزل ولا يزال # ويعلم أن الحديث الذى يروى ( أول ما خلق الله العقل ) حديث باطل عن النبى ~~مع أنه لو كان حقا لكان حجة عليهم فإن لفظه ( أول ما خلق الله العقل ) بنصب ~~الأول على الظرفية ( فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتى ~~ما خلقت خلقا أكرم على منك فبك آخذ وبك أعطى وبك الثواب وبك العقاب ) وروى ~~( لما خلق الله العقل ) فالحديث لو كان ثابتا كان معناه أنه خاطب العقل في ~~أول أوقات خلقه وأنه خلق قبل غيره وأنه تحصل به هذه الأمور الأربعة لا كل ~~المصنوعات # و ms0170 ( العقل ) في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا يراد به القوة التى بها ~~يعقل وعلوم وأعمال تحصل بذلك لا يراد بها قط في لغة جوهر قائم بنفسه فلا ~~يمكن أن يراد هذا المعنى بلفظ العقل مع أنا قد بينا في مواضع أخر فساد ما ~~ذكروه من جهة العقل الصريح وأن ما ذكروه من المجردات والمفارقات ينتهى ~~أمرهم فيه إلى إثبات النفس التى تفارق البدن بالموت والى إثبات ما تجرده ~~النفس من المعقولات القائمة بها فهذا منتهى ما يثبتونه من الحق في هذا ~~الباب PageV01P244 # والمقصود هنا أن كثيرا من كلام الله ورسوله يتكلم به من يسلك مسلكهم ~~ويريد مرادهم لا مراد الله ورسوله كما يوجد في كلام صاحب ( الكتب المضنون ~~بها ) وغيره مثل ما ذكره في ( اللوح المحفوظ ( حيث جعله النفس الفلكية ولفظ ~~( القلم ( حيث جعله العقل الأول ولفظ ( الملكوت ( و ( الجبروت ( و ( الملك ~~( حيث جعل ذلك عبارة عن النفس والعقل ولفظ ( الشفاعة ( حيث جعل ذلك فيضا ~~يفيض من الشفيع على المستشفع وإن كان الشفيع قد لا يدرى وسلك في هذه الأمور ~~ونحوها مسالك بن سينا كما قد بسط في موضع آخر # والمقصود هنا ذكر من يقع ذلك منه من غير تدبر منه للغة الرسول كلفظ ~~القديم فإنه في لغة الرسول التى جاء بها القرآن خلاف الحديث وإن كان مسبوقا ~~بغيره كقوله تعالى @QB@ حتى عاد كالعرجون القديم @QE@ وقال تعالى عن إخوة ~~يوسف @QB@ تالله إنك لفي ضلالك القديم @QE@ وقوله تعالى @QB@ أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون @QE@ # وهو عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل أو عما لم يسبقه وجود غيره إن لم ~~يكن مسبوقا بعدم نفسه ويجعلونه إذا أريد به هذا من باب المجاز ولفظ ( ~~المحدث ( في لغة القرآن يقابل للفظ ( القديم ( في القرآن # وكذلك لفظ ( الكلمة ( في القرآن والحديث وسائر لغة العرب إنما يراد به ~~الجملة التامة كقوله ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن PageV01P245 خفيفتان على ~~اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقوله ( ~~إن أصدق كلمة قالها الشاعر ms0171 كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) ومنه ~~قوله تعالى ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ( وقوله تعالى ~~( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ( الآية وقوله تعالى ~~( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ( وأمثال ذلك ولا ~~يوجد لفظ الكلام في لغة العرب الا بهذا المعنى والنحاة اصطلحوا على أن ~~يسموا ( الاسم ( وحده ( والفعل ) ( والحرف ( كلمة ثم يقول بعضهم وقد يراد ~~بالكلمة الكلام فيظن من إعتاد هذا أن هذا هو لغة العرب وكذلك لفظ ( ذوى ~~الأرحام ( في الكتاب والسنة يراد به الأقارب من جهة الأبوين فيدخل فيهم ~~العصبة وذوو الفروض وان شمل ذلك من لا يرث بفرض ولا تعصيب ثم صار ذلك في ~~إصطلاح الفقهاء اسما لهؤلاء دون غيرهم فيظن من لا يعرف إلا ذلك أن هذا هو ~~المراد بهذا اللفظ في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة ونظائر هذا كثيرة # ولفظ ( التوسل ( و ( الإستشفاع ( ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول ~~وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم # والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق # والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته ~~كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية ~~PageV01P246 # ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلى على النبى ونسلم ~~عليه في كل مكان فهذا مما اتفق عليه المسلمون وكذلك رغبنا وحضنا في الحديث ~~الصحيح على أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه مقاما محمودا الذى ~~وعده # فهذه الوسيلة التى شرع لنا أن نسألها الله تعالى كما شرع لنا أن نصلى ~~عليه ونسلم عليه هي حق له كما أن الصلاة عليه والسلام حق له # والوسيلة التى أمرنا الله أن نبتغيها إليه هي التقرب إلى الله بطاعته ~~وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله # وهذه الوسيلة لا طريق لنا اليها الا باتباع النبى صلى الله عليه وسلم ~~بالإيمان به وطاعته وهذا التوسل به ms0172 فرض على كل أحد # وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع لهم ~~وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره مثل توسل الأعمى ~~بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته فهذا نوع ثالث هو من باب قبول ~~الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه فمن شفع له الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولم يشفع له # ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون ~~به فظن هذا مشروعا مطلقا لكل أحد في حياته ومماته وظنوا PageV01P247 أن هذا ~~مشروع في حق الأنبياء والملائكة بل وفى الصالحين وفيمن يظن فيهم الصلاح وإن ~~لم يكن صالحا في نفس الأمر # وليس في الأحاديث المرفوعة في ذلك حديث في شيء من دواوين المسلمين التى ~~يعتمد عليها في الأحاديث لا في الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد ~~المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره وإنما يوجد في الكتب التى عرف أن فيها ~~كثيرا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التى يختلقها الكذابون بخلاف من قد ~~يغلط في الحديث ولا يتعمد الكذب فإن هؤلاء توجد الرواية عنهم في السنن ~~ومسند الإمام أحمد ونحوه بخلاف من يتعمد الكذب فان أحمد لم يرو في مسنده عن ~~أحد من هؤلاء # ولهذا تنازع الحافظ أبو العلاء الهمدانى والشيخ أبو الفرج بن الجوزى هل ~~في المسند حديث موضوع فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون في المسند حديث ~~موضوع وأثبت ذلك أبو الفرج وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة ولا ~~منافاة بين القولين # فإن الموضوع في اصطلاح أبى الفرج هو الذى قام دليل على أنه باطل وإن كان ~~المحدث به لم يتعمد الكذب بل غلط فيه ولهذا روى في كتابه في الموضوعات ~~أحاديث كثيرة من هذا النوع وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره ~~وقالوا إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل بل بينوا ثبوت بعض ذلك لكن ~~الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل ms0173 باتفاق العلماء PageV01P248 وأما ~~الحافظ أبو العلاء وأمثاله فانما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع الذى ~~تعمد صاحبه الكذب والكذب كان قليلا في السلف # أما الصحابة فلم يعرف فيهم ولله الحمد من تعمد الكذب على النبى كما لم ~~يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة والقدرية ~~والمرجئة فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق # ولا كان فيهم من قال إنه أتاه الخضر فإن خضر موسى مات كما بين هذا في غير ~~هذا الموضع والخضر الذى يأتى كثيرا من الناس إنما هو جنى تصور بصورة إنسى ~~أو إنسى كذاب ولا يجوز أن يكون ملكا مع قوله أنا الخضر فإن الملك لا يكذب ~~وإنما يكذب الجنى والإنسى وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنيا مما يطول ~~ذكره في هذا الموضع وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس # وكذلك لم يكن فيهم من حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها ~~كما فعلت ذلك بكثير من الجهال والعباد وغيرهم ولا كان فيهم من تسرق الجن ~~أموال الناس وطعامهم وتأتيه به فيظن أن هذا من باب الكرامات كما قد بسط ~~الكلام على ذلك في مواضع # وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب في التابعين من أهل مكة والمدينة ~~والشام والبصرة بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم وقد عرف الكذب بعد هؤلاء ~~في طوائف PageV01P249 وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس بل في الصحابة من ~~قد يغلط أحيانا وفيمن بعدهم # ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط وإن كان جمهور متون ~~الصحيحين مما يعلم أنه حق # فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط والإمام أحمد نفسه قد بين ذلك وبين أنه ~~رواها لتعرف بخلاف ما تعمد صاحبه الكذب ولهذا نزه أحمد مسنده عن أحاديث ~~جماعة يروى عنهم أهل السنن كأبى داود والترمذى مثل مشيخة كثير بن عبد الله ~~بن عمرو بن عوف المزنى عن أبيه عن جده وان كان أبو داود يروى في سننه منها ~~فشرط أحمد في مسنده ms0174 أجود من شرط أبى داود في سننه # والمقصود أن هذه الأحاديث التى تروى في ذلك من جنس أمثالها من الأحاديث ~~الغريبة المنكرة بل الموضوعة التى يرويها من يجمع في الفضائل والمناقب الغث ~~والسمين كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف في فضائل الأوقات وفضائل العبادات ~~وفضائل الأنبياء والصحابة وفضائل البقاع ونحو ذلك فإن هذه الأبواب فيها ~~أحاديث صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة وأحاديث كذب موضوعة ولا يجوز أن ~~يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التى ليست صحيحة ولا حسنة لكن أحمد ~~بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ~~ثابت إذا لم يعلم أنه كذب PageV01P250 # وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعى وروى في فضله حديث لا يعلم ~~أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل ~~الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف ومن قال هذا فقد خالف الإجماع # وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعى لكن إذا علم تحريمه ~~وروى حديث في وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه فيجوز أن يروى ~~في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو ~~رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله # وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب ~~والترهيب فيما علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا فأما ~~أن يثبت شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات التى لم تثبت فهذا لا يقوله عالم ولا ~~كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في ~~الشريعة # ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذى ليس بصحيح ولا حسن فقد ~~غلط عليه ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ~~ينقسم إلى نوعين صحيح وضعيف والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به ms0175 ~~وإلى ضعيف حسن كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع ~~من رأس المال والى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك PageV01P251 # وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى ~~الترمذى في جامعه والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس ~~بشاذ فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفا ويحتج به ولهذا مثل أحمد الحديث ~~الضعيف الذى يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجرى ونحوهما وهذا ~~مبسوط في موضعه # والأحاديث التى تروى في هذا الباب وهو السؤال بنفس المخلوقين هي من ~~الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج ~~بها ولا اعتمد عليها مثل الحديث الذى يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة ~~عن أبيه عن جده أن أبا بكر الصديق أتى النبى فقال انى أتعلم القرآن ويتفلت ~~منى فقال له رسول الله ( قل اللهم إنى أسألك بمحمد نبيك وبإبراهيم خليلك ~~وبموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان ~~محمد وبكل وحى أوحيته وقضاء قضيته ( وذكر تمام الحديث # وهذا الحديث ذكره رزين بن معاوية العبدرى في جامعه ونقله بن الأثير في ~~جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين لكنه قد ~~رواه من صنف في عمل ( اليوم والليلة ) كابن السنى وأبى نعيم وفى مثل هذه ~~الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الأعتماد عليها في الشريعة باتفاق ~~العلماء # وقد رواه أبو الشيخ الأصبهانى في كتاب فضائل الأعمال وفى هذا PageV01P252 ~~الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة ورواه أبو موسى المدينى من حديث زيد بن ~~الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة وقال هذا حديث حسن مع أنه ليس ~~بالمتصل قال أبو موسى ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك عن أبيه عن جده عن ~~الصديق رضى الله عنه وعبد الملك ليس بذاك القوى وكان بالرى وأبوه وجده ~~ثقتان # قلت عبد الملك بن هارون بن عنترة من ms0176 المعروفين بالكذب قال يحيى بن معين ~~هو كذاب وقال السعدى دجال كذاب وقال أبو حاتم بن حبان يضع الحديث وقال ~~النسائى متروك وقال البخارى منكر الحديث وقال أحمد بن حنبل ضعيف وقال بن ~~عدى له أحاديث لا يتابعه عليها أحد وقال الدارقطنى هو وأبوه ضعيفان وقال ~~الحاكم في ( كتاب المدخل ) عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيبانى روى عن ~~أبيه أحاديث موضوعة وأخرجه أبو الفرج بن الجوزى في كتاب ( الموضوعات ) وقول ~~الحافظ أبى موسى ( هو منقطع ( يريد أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده منقطع # وقد روى عبد الملك هذه الأحاديث الأخر المناسبة لهذا في استفتاح أهل ~~الكتاب به كما سيأتى ذكره وخالف فيه عامة ما نقله المفسرون وأهل السير وما ~~دل عليه القرآن وهذا يدل على ما قاله العلماء فيه من أنه متروك إما لتعمده ~~الكذب وإما لسوء حفظه وتبين أنه لا حجة لا في هذا ولا في ذاك # ومثل ذلك الحديث الذى رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ~~PageV01P253 عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعا وموقوفا عليه ( انه لما اقترف ~~آدم الخطيئة قال يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لى قال وكيف عرفت محمدا قال ~~لأنك لما خلقتنى بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش ~~مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى إسمك إلا أحب ~~الخلق اليك قال صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك ( وهذا الحديث رواه الحاكم ~~في مستدركه من حديث عبد الله بن مسلم الفهرى عن إسماعيل بن سلمة عنه قال ~~الحاكم وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن في هذا الكتاب وقال الحاكم هو صحيح # ورواه الشيخ أبو بكر الآجرى في كتاب الشريعة موقوفا على عمر من حديث عبد ~~الله بن إسماعيل بن أبى مريم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم موقوفا ورواه ~~الآجرى أيضا من طريق آخر من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه موقوفا ~~عليه وقال حدثنا ms0177 هارون بن يوسف التاجر حدثنا أبو مروان العثمانى حدثنى أبو ~~عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه أنه قال ( من الكلمات ~~التى تاب الله بها على آدم قال اللهم إنى أسألك بحق محمد عليك قال الله ~~تعالى وما يدريك ما محمد قال يا رب رفعت رأسى فرأيت مكتوبا على عرشك لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه أكرم خلقك ( # قلت ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه فإنه نفسه قد قال في ( كتاب ~~المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم ) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ~~PageV01P254 روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل ~~الصنعة أن الحمل فيها عليه # قلت وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرا ضعفه أحمد بن ~~حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائى والدارقطنى وغيرهم وقال أبو حاتم بن ~~حبان كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل ~~وإسناد الموقوف فاستحق الترك # وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة ~~العلم بالحديث وقالوا ان الحاكم يصحح أحاديث وهى موضوعة مكذوبة عند أهل ~~المعرفة بالحديث كما صحح حديث زريب بن برثملى الذى فيه ذكر وصى المسيح وهو ~~كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقى وبن الجوزى وغيرهما وكذلك ~~أحاديث كثيرة في مستدركه يصححها وهى عند أئمة أهل العلم بالحديث موضوعة ~~ومنها ما يكون موقوفا يرفعه # ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم وإن كان ~~غالب ما يصححه فهو صحيح لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذى يكثر غلطه ~~وإن كان الصواب أغلب عليه وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه بخلاف أبى ~~حاتم بن حبان البستى فان تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدرا وكذلك تصحيح ~~الترمذى والدارقطنى وبن خزيمة وبن مندة وأمثالهم فيمن يصحح الحديث ~~PageV01P255 فإن هؤلاء وإن كان في بعض ما ينقلونه نزاع فهم أتقن في هذا ~~الباب من الحاكم ms0178 ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم ولا يبلغ ~~تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخارى بل كتاب البخارى أجل ما صنف في هذا الباب ~~والبخارى من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه وقد ذكر الترمذى أنه ~~لم ير أحدا أعلم بالعلل منه ولهذا كان من عادة البخارى إذا روى حديثا اختلف ~~في إسناده أو في بعض ألفاظه أن يذكر الإختلاف في ذلك لئلا يغتر بذكره له ~~بأنه إنما ذكره مقرونا بالإختلاف فيه # ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخارى مما صححه يكون قوله فيه راجحا على ~~قول من نازعه بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها وكان ~~الصواب فيها مع من نازعه كما روى في حديث الكسوف أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روى أنه صلى بركوعين # والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم ~~مات إبراهيم وقد بين ذلك الشافعى وهو قول البخارى وأحمد بن حنبل في إحدى ~~الروايتين عنه والأحاديث التى فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات ~~إبراهيم ومعلوم أنه لم يمت في يومى كسوف ولا كان له ابراهيمان ومن نقل أنه ~~مات عاشر الشهر فقد كذب وكذلك روى مسلم ( خلق الله التربة يوم السبت ( ~~ونازعه فيه من هو أعلم منه كيحيى بن معين والبخارى وغيرهما فبينوا أن هذا ~~غلط ليس هذا من كلام النبى PageV01P256 والحجة مع هؤلاء فإنه قد ثبت ~~بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وأن آخر ما خلقه هو آدم وكان خلقه يوم الجمعة وهذا الحديث المختلف فيه ~~يقتضى أنه خلق ذلك في الأيام السبعة وقد روى اسناد أصح من هذا أن أول الخلق ~~كان يوم الأحد وكذلك روى أن أبا سفيان لما أسلم طلب من النبى أن يتزوج بأم ~~حبيبة وأن يتخذ معاوية كاتبا وغلطه في ذلك طائفة من الحفاظ # ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين ms0179 أئمة الحديث تلقوها بالقبول ~~وأجمعوا عليها وهم يعلمون علما قطعيا أن النبى قالها وبسط الكلام في هذا له ~~موضع آخر # وهذا الحديث المذكور في آدم يذكره طائفة من المصنفين بغير اسناد وما هو ~~من جنسه مع زيادات أخر كما ذكر القاضي عياض قال وحكى أبو محمد المكى وأبو ~~الليث السمرقندى وغيرهما ( أن آدم عند معصيته قال اللهم بحق محمد اغفر لى ~~خطيئتى قال ويروى تقبل توبتى فقال الله له من أين عرفت محمدا قال رأيت في ~~كل موضع من الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله ) قال ويروى ( ~~محمد عبدى ورسولى فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب عليه وغفر له ( # ومثل هذا لا يجوز أن تبنى عليه الشريعة ولا يحتج به في الدين بإتفاق ~~المسلمين فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التى لا تعلم صحتها الا بنقل ~~PageV01P257 ثابت عن النبى وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه ~~وأمثالهما ممن ينقل أخبار ( المبتدأ وقصص المتقدمين ) عن أهل الكتاب لم يجز ~~أن يحتج بها في دين المسلمين باتفاق المسلمين فكيف إذا نقلها من لا ينقلها ~~لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين بل انما ينقلها عمن هو عند ~~المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه واضطرب عليه فيها اضطرابا يعرف به أنه ~~لم يحفظ ذلك # ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يعتمد على ~~نقلهم وانما هي من جنس ما ينقله إسحاق بن بشر وأمثاله في ( كتب المبتدأ ) ~~وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعا لهم وحينئذ فكان الإحتجاج بها ~~مبنيا على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا والنزاع في ذلك مشهور لكن ~~الذى عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه وهذا ~~انما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقل ثابت عن نبينا أو بما تواتر ~~عنهم لا بما يروى على هذا الوجه فإن هذا لا يجوز أن يحتج به ms0180 في شرع ~~المسلمين أحد من المسلمين # ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعانى صاحب التفسير ~~باسناده عن بن عباس مرفوعا أنه قال ( من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ ~~أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحف قوارير بعسل وزعفران ~~وماء مطر وليشربه على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن افطاره عليه ويدعو به ~~في ادبار صلواته اللهم انى أسألك بأنك مسؤول لم يسأل PageV01P258 مثلك ولا ~~يسأل وأسألك بحق محمد نبيك وابراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك ~~ووجيهك وذكر تمام الدعاء # وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين قال أبو أحمد بن عدى فيه منكر ~~الحديث وقال أبو حاتم بن حبان دجال يضع الحديث وضع على بن جريج عن عطاء عن ~~بن عباس كتابا في التفسير جمعه من كلام الكلبى ومقاتل ويروى نحو هذا دون ~~الصوم عن بن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم المروزى حدثنا وكيع عن عبيدة عن ~~شقيق عن بن مسعود وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحيى بن معين كذاب وقال ~~الدارقطنى متروك وقال بن حبان كان مغفلا يلقن فيتلقن فاستحق الترك ويروى ~~هذا عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن بن مسعود بطريق أضعف من الأول # ورواه أبو الشيخ الأصبهانى من حديث أحمد بن إسحاق الجوهرى حدثنا أبو ~~الأشعث حدثنا زهير بن العلاء العتبى حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري ورفع ~~الحديث قال ( من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن إفطاره في آخر الأيام ~~السبعة على هؤلاء الكلمات ( قلت وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء # وقد رواه أبو موسى المدينى في أماليه وأبو عبد الله المقدسى على عادة ~~أمثالهم في رواية ما يروى في الباب سواء كان صحيحا أو ضعيفا كما اعتاده ~~أكثر المتأخرين من المحدثين أنهم يروون ما روى به الفضائل # ويجعلون العهدة PageV01P259 في ذلك على الناقل كما هي عادة المصنفين في ~~فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات # كما يرويه أبو الشيخ الأصبهانى ms0181 في فضائل الأعمال وغيره حيث يجمع أحاديث ~~كثيرة لكثرة روايته وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة وأحاديث كثيرة ~~ضعيفة موضوعة وواهية # وكذلك ما يرويه خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة وما يرويه أبو نعيم ~~الأصبهانى في ( فضائل الخلفاء ) في كتاب مفرد وفي أول ( حلية الأولياء ) ~~وما يرويه أبو الليث السمرقندى وعبد العزيز الكنانى وأبو على بن البناء ~~وأمثالهم من الشيوخ وما يرويه أبو بكر الخطيب وأبو الفضل بن ناصر وأبو موسى ~~المدينى وأبو القاسم بن عساكر والحافظ عبد الغنى وأمثالهم ممن لهم معرفة ~~بالحديث فانهم كثيرا ما يروون في تصانيفهم ما روى مطلقا على عادتهم الجارية ~~ليعرف ما روى في ذلك الباب لا ليحتج بكل ما روى وقد يتكلم أحدهم على الحديث ~~ويقول غريب ومنكر وضعيف وقد لا يتكلم # وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ويبنون عليه دينهم مثل مالك بن ~~أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى وسفيان بن ~~عيينة وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والشافعى وأحمد بن حنبل واسحاق ~~بن راهويه وعلى بن المدينى والبخارى وأبى زرعة وأبى حاتم وأبى داود ومحمد ~~بن نصر المروزى وبن خزيمة وبن المنذر وداود بن على ومحمد بن جرير الطبرى ~~وغير هؤلاء فإن هؤلاء الذين PageV01P260 يبنون الأحكام على الأحاديث ~~يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها وتمييز رجالها # وكذلك الذين تكلموا في الحديث والرجال ليميزوا بين هذا وهذا لأجل معرفة ~~الحديث كما يفعل أبو أحمد بن عدى وأبو حاتم البستى وأبو الحسن الدارقطنى ~~وأبو بكر الإسماعيلى وكما قد يفعل ذلك أبو بكر البيهقى وأبو إسماعيل ~~الأنصارى وأبو القاسم الزنجانى وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم ~~وأمثال هؤلاء فان بسط هذه الأمور له موضع آخر ولم نذكر من لا يروى باسناد ~~مثل كتاب ( وسيلة المتعبدين ) لعمر الملا الموصلى وكتاب ( الفردوس ) ~~لشهريار الديلمى وأمثال ذلك فان هؤلاء دون هؤلاء الطبقات وفيما يذكرونه من ~~الأكاذيب أمر كبير # والمقصود هنا أنه ليس في هذا الباب ms0182 حديث واحد مرفوع إلى النبى يعتمد عليه ~~في مسألة شرعية باتفاق أهل المعرفة بحديثه بل المروى في ذلك إنما يعرف أهل ~~المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات إما تعمدا من واضعه وإما غلطا منه # وفى الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة # فمنها حديث الاربعة الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا وهم عبد الله ومصعب ~~ابنا الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان وذكره بن ابى الدنيا في ~~كتاب ( مجابى الدعاء ) ورواه من طريق إسماعيل بن أبان الغنوى PageV01P261 ~~عن سفيان الثورى عن طارق بن عبد العزيز عن الشعبى أنه قال ( لقد رأيت عجبا ~~كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب بن ~~الزبير وعبد الملك بن مروان فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم ليقم كل رجل ~~منكم فليأخذ بالركن اليمانى وليسأل الله حاجته فإنه يعطى من سعة ثم قالوا ~~قم يا عبد الله بن الزبير فإنك أول مولود في الإسلام بعد الهجرة فقام فأخذ ~~بالركن اليمانى ثم قال اللهم انك عظيم ترجى لكل عظيم أسألك بحرمة وجهك ~~وحرمة عرشك وحرمة نبيك أن لا تميتنى من الدنيا حتى تولينى الحجاز ويسلم على ~~بالخلافة ثم جاء فجلس # ثم قام مصعب فأخذ بالركن اليمانى ثم قال اللهم انك رب كل شيء واليك يصير ~~كل شيء أسألك بقدرتك على كل شيء ألا تميتنى من الدنيا حتى تولينى العراق ~~وتزوجنى بسكينة بنت الحسين ثم قام عبد الملك بن مروان فأخذ بالركن اليمانى ~~ثم قال اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض ذات النبت بعد القفر أسألك بما ~~سألك به عبادك المطيعون لأمرك وأسألك بحقك على خلقك وبحق الطائفين حول عرشك ~~إلى آخره # قلت واسماعيل بن ابان الذى روى هذا عن سفيان الثورى كذاب قال أحمد بن ~~حنبل كتبت عنه ثم حدث بأحاديث موضوعة فتركناه وقال يحيى بن معين وضع حديثا ~~على السابع من ولد العباس يلبس الخضرة يعنى المأمون PageV01P262 # وقال البخارى ومسلم وأبو زرعة والدارقطنى متروك وقال الجوزجانى ظهر منه على ms0183 ~~الكذب وقال أبو حاتم كذاب وقال بن حبان يضع على الثقات وطارق بن عبد العزيز ~~الذى ذكر أن الثورى روى عنه لا يعرف من هو قال فان طارق بن عبد العزيز ~~المعروف الذى روى عنه بن عجلان ليس من هذه الطبقة # وقد خولف فيها فرواها أبو نعيم عن الطبرانى حدثنا أحمد بن زيد بن الجريش ~~حدثنا أبو حاتم السجستانى حدثنا الأصمعى قال حدثنا عبد الرحمن بن أبى ~~الزناد عن أبيه قال ( اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله أبناء الزبير ~~وعبد الله بن عمر فقالوا تمنوا فقال عبد الله بن الزبير اما أنا فأتمنى ~~الخلافة وقال عروة أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عنى العلم وقال مصعب أما أنا ~~فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وقال عبد ~~الله بن عمر أما أنا فأتمنى المغفرة قال فنال كلهم ما تمنوا ولعل بن عمر قد ~~غفر له ( # قلت وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم وليس فيه سؤال ~~بالمخلوقات # وفى الباب حكايات عن بعض الناس أنه رأى مناما قيل له فيه ادع بكذا وكذا ~~ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلا باتفاق العلماء وقد ذكر بعض هذه الحكايات ~~من جمع الأدعية وروى في ذلك أثر عن بعض السلف مثل ما رواه PageV01P263 بن ~~أبى الدنيا في كتاب ( مجابى الدعاء ) قال حدثنا أبو هاشم سمعت كثير بن محمد ~~بن كثير بن رفاعة يقول جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر فجس بطنه ~~فقال بك داء لا يبرأ قال ما هو قال الدبيلة قال فتحول الرجل فقال الله الله ~~الله ربى لا أشرك به شيئا اللهم إنى أتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة ~~تسليما يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربك وربى يرحمنى مما بى قال فجس بطنه فقال ~~قد برئت ما بك علة # قلت فهذا الدعاء ونحوه قد روى أنه دعا به السلف ونقل عن أحمد بن حنبل في ~~منسك المروذى التوسل بالنبى في الدعاء ونهى ms0184 عنه آخرون فان كان مقصود ~~المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته فلا نزاع بين ~~الطائفتين وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع وما تنازعوا فيه ~~يرد إلى الله والرسول # وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة فإن ~~كثيرا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من ~~غرضهم وبعض الناس يقصدون الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك ويدعو ~~التماثيل التى في الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضه وبعض الناس يدعو بأدعية ~~محرمة بإتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضهم # فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته وإن كان الغرض مباحا ~~PageV01P264 فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته والشريعة ~~جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فجميع المحرمات ~~من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد ~~لكن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها كما أن كثيرا ~~من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة لكن لما كانت ~~مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع # فهذا أصل يجب اعتباره ولا يجوز أن يكون الشيء واجبا أو مستحبا إلا بدليل ~~شرعى يقتضى إيجابه أو استحبابه والعبادات لا تكون الا واجبة أو مستحبة فما ~~ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة والدعاء لله تعالى عبادة ان كان المطلوب ~~به أمرا مباحا # وفى الجملة فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به بخلاف دعاء الموتى ~~والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والإستغاثة بهم والشكوى اليهم ~~فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا رخص ~~فيه أحد من أئمة المسلمين # وحديث الأعمى الذى رواه الترمذى والنسائى هو من القسم الثانى من التوسل ~~بدعائه فإن الأعمى قد طلب من النبى أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره فقال ~~له ( ان شئت صبرت وان شئت دعوت لك ( فقال بل إدعه فأمره أن يتوضأ ويصلى ~~ركعتين ويقول ( اللهم إنى ms0185 أسألك PageV01P265 بنبيك نبى الرحمة يا محمد يا ~~رسول الله انى أتوجه بك إلى ربى في حاجتى هذه ليقضيها اللهم فشفعه في ( ~~فهذا توسل بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم وشفاعته ودعا له النبى ولهذا قال ~~( وشفعه في ( فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه # وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبى ودعائه المستجاب وما أظهر الله ~~ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه ببركة دعائه لهذا الأعمى ~~أعاد الله عليه بصره # وهذا الحديث حديث الأعمى قد رواه المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقى ~~وغيره رواه البيهقى من حديث عثمان بن عمر عن شعبة عن أبى جعفر الخطمى قال ~~سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى ~~النبى فقال ادع الله أن يعافينى فقال له ( إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك وإن ~~شئت دعوت ( قال فادعه ( فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلى ركعتين ويدعو ~~بهذا الدعاء اللهم إنى أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد ~~أنى أتوجه بك إلى ربى في حاجتى هذه فيقضيها لى اللهم فشفعه في وشفعنى فيه ( ~~قال فقام وقد أبصر ومن هذا الطريق رواه الترمذى من حديث عثمان بن عمر # ومنها ما رواه النسائى وبن ماجه أيضا وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح ~~غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه من حديث أبى جعفر وهو غير الخطمى هكذا وقع ~~في الترمذى وسائر العلماء قالوا هو أبو جعفر الخطمى وهو الصواب PageV01P266 ~~وأيضا فالترمذى ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء بل رووه ~~إلى قوله ( اللهم شفعه في ( # قال الترمذى حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبى ~~جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى ~~النبى فقال ادع الله أن يعافينى قال ( ان شئت صبرت فهو خير لك ( قال فادعه ~~قال ( فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء اللهم انى أسألك ms0186 ~~وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد انى توجهت بك إلى ربى في حاجتى ~~هذه لتقضى اللهم شفعه في ( قال البيهقى رويناه في ( كتاب الدعوات ( بإسناد ~~صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة قال ففعل الرجل فبرأ قال وكذلك رواه حماد بن ~~سلمة عن أبى جعفر الخطمى # قلت ورواه الإمام أحمد في مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقى قال ~~أحمد حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن أبى جعفر المدينى سمعت عمارة بن ~~خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبى فقال يا نبى ~~الله ادع الله أن يعافينى قال ( إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك وان شئت ~~دعوت لك ( قال لا بل ادع الله لى ( فأمره أن يتوضأ وأن يصلى ركعتين وأن ~~يدعو بهذا الدعاء اللهم انى أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا ~~محمد إنى أتوجه بك إلى الله في حاجتى هذه فتقضى لى وتشفعنى فيه وتشفعه في ( ~~قال ففعل الرجل فبرئ PageV01P267 رواه البيهقى أيضا من حديث شبيب بن سعيد ~~الحبطى عن روح بن القاسم عن أبى جعفر المدينى وهو الخطمى عن أبى أمامة سهل ~~بن حنيف عن عثمان بن حنيف قال سمعت رسول الله وجاءه رجل ضرير يشتكى إليه ~~ذهاب بصره فقال يا رسول الله ليس لى قائد وقد شق على فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إنى أسألك ~~وأتوجه إليك بنبيك نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربى فيجلى عن بصرى ~~اللهم فشفعه في وشفعنى في نفسى ( قال عثمان بن حنيف والله ما تفرقنا ولا ~~طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط # فرواية شبيب عن روح عن أبى جعفر الخطمى خالفت رواية شعبة وحماد بن سلمة ~~في الإسناد والمتن فإن في تلك أنه رواه أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة وفى هذه ~~أنه رواه عن أبى أمامة سهل وفى ms0187 تلك الرواية أنه قال فشفعه في وشفعنى فيه ~~وفى هذه وشفعنى في نفسى لكن هذا الإسناد له شاهد آخر من رواية هشام ~~الدستوائى عن أبى جعفر # ورواه البيهقى من هذا الطريق وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد موته ~~إن كانت صحيحة رواه من حديث إسماعيل بن شبيب بن سعيد الحبطى عن شبيب بن ~~سعيد عن روح بن القاسم عن أبى جعفر المدينى عن أبى أمامة سهل بن حنيف أن ~~رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ~~ينظر في حاجته فلقى الرجل عثمان بن حنيف PageV01P268 فشكا إليه ذلك فقال له ~~عثمان بن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل اللهم إنى ~~أسألك وأتوجه اليك بنبينا محمد نبى الرحمة يا محمد إنى اتوجه بك إلى ربى ~~فيقضى لى حاجتى ثم اذكر حاجتك ثم رح حتى أروح معك قال فإنطلق الرجل فصنع ~~ذلك ثم أتى بعد عثمان بن عفان فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان ~~فأجلسه معه على الطنفسة وقال انظر ما كانت لك من حاجة فذكر حاجته فقضاها له ~~ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما كان ~~ينظر في حاجتى ولا يلتفت إلى حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف ما كلمته ~~ولكن سمعت رسول الله يقول وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم أوتصبر ( فقال له يا رسول الله ليس لى قائد وقد شق على ~~فقال ( ائت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين ثم قل اللهم انى اسألك وأتوجه اليك ~~بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد انى أتوجه إلى ربى فيجلى لى عن بصرى اللهم ~~فشفعه في وشفعنى في نفسى ( قال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا وما طال بنا ~~الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط # قال البيهقى ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه ms0188 بطوله وساقه من رواية ~~يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب بن سعيد قال ورواه أيضا هشام الدستوائى عن ~~أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل عن عمه وهو عثمان بن حنيف ولم يذكر إسناد هذه ~~الطرق PageV01P269 قلت وقد رواه النسائى في كتاب ( عمل اليوم والليلة ) من ~~هذه الطريق من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل ~~بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف ورواه أيضا من حديث شعبة وحماد بن سلمة ~~كلاهما عن أبى جعفر عن عمارة بن خزيمة ولم يروه أحد من هؤلاء لا الترمذى ~~ولا النسائى ولا بن ماجه من تلك الطريق الغريبة التى فيها الزيادة طريق ~~شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم # لكن رواه الحاكم في مستدركه من الطريقين فرواه من حديث عثمان بن عمر ~~حدثنا شعبة عن أبى جعفر المدنى سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان بن حنيف ~~أن رجلا ضريرا أتى النبى فقال ادع الله أن يعافينى فقال ( إن شئت أخرت ذلك ~~فهو خير لك وإن شئت دعوت ( قال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلى ~~ركعتين ويدعو بهذا الدعاء ( اللهم إنى اسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى ~~الرحمة يا محمد إنى توجهت بك إلى ربى في حاجتى هذه اللهم فشفعه في وشفعنى ~~فيه ( قال الحاكم على شرطهما # ثم رواه من طريق شبيب بن سعيد الحبطى وعون بن عمارة عن روح بن القاسم عن ~~أبى جعفر الخطمى المدنى عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف ~~أنه سمع النبى وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره وقال يارسول الله ليس لى ~~قائد وقد شق على فقال ( ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إنى ~~أسألك وأتوجه اليك بنبيك PageV01P270 محمد نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجه بك ~~إلى ربى فيجلى لى عن بصرى اللهم فشفعه في وشفعنى في نفسى ( قال عثمان ~~فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل ms0189 وكأن لم يكن به ضر قط ~~قال الحاكم على شرط البخارى # وشبيب هذا صدوق روى له البخارى ولكنه قد روى له عن روح بن الفرج أحاديث ~~مناكير رواها بن وهب وقد ظن أنه غلط عليه ولكن قد يقال مثل هذا إذا انفرد ~~عن الثقات الذين هم أحفظ منه مثل شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائى ~~بزيادة كان ذلك عليه في الحديث لا سيما وفى هذه الرواية أنه قال ( فشفعه في ~~وشفعنى في نفسى ) وأولئك قالوا ( فشفعه في وشفعنى فيه ) ومعنى قوله ( ~~وشفعنى فيه ) أى في دعائه وسؤاله لى فيطابق قوله ( وشفعه في ) # قال أبو أحمد بن عدى في كتابه المسمى ( بالكامل في أسماء الرجال ) ولم ~~يصنف في فنه مثله شبيب بن سعيد الحبطى أبو سعيد البصرى التميمى حدث عنه بن ~~وهب بالمناكير وحدث عن يونس عن الزهري بنسخة الزهري أحاديث مستقيمة وذكر عن ~~على بن المدينى أنه قال هو بصرى ثقة كان من أصحاب يونس كان يختلف في تجارة ~~إلى مصر وجاء بكتاب صحيح قال وقد كتبها عنه ابنه أحمد بن شبيب وروى عن عدى ~~حديثين عن بن وهب عن شبيب هذا عن روح بن الفرج # أحدهما عن بن عقيل عن سابق بن ناجية عن بن سلام قال مر بنا رجل فقالوا إن ~~هذا قد خدم النبى PageV01P271 والثانى عنه عن روح بن الفرج عن عبد الله بن ~~الحسين عن أمه فاطمة حديث دخول المسجد قال بن عدى كذا قيل في الحديث عن عبد ~~الله بن الحسين عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله قال بن عدى ~~ولشبيب بن سعيد نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري وهى أحاديث مستقيمة ~~وحدث عنه بن وهب بأحاديث مناكير # وحدثنى روح بن الفرج اللذين أمليتهما يرويهما بن وهب عن شبيب وكان شبيب ~~بن سعيد إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة الزهري ليس هو شبيب بن سعيد ~~الذى يحدث عنه بن وهب بالمناكير التى يرويها عنه ولعل شبيبا بمصر في ms0190 تجارته ~~اليها كتب عنه بن وهب من حفظه فيغلط ويهم وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب # قلت هذان الحديثان اللذان أنكرهما بن عدى عليه رواهما عن روح بن القاسم ~~وكذلك هذا الحديث حديث الأعمى رواه عن روح بن القاسم وهذا الحديث مما رواه ~~عنه بن وهب أيضا كما رواه عنه ابناه لكنه لم يتقن لفظه كما أتقنه ابناه ~~وهذا يصحح ما ذكره بن عدى فعلم أنه محفوظ عنه وإبن عدى أحال الغلط عليه لا ~~على إبن وهب وهذا صحيح إن كان قد غلط وإذا كان قد غلط على روح بن القاسم في ~~ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه في هذا الحديث وروح بن القاسم ثقة ~~مشهور روى له الجماعة فلهذا لم يحيلوا الغلط عليه PageV01P272 والرجل قد ~~يكون حافظا لما يرويه عن شيخ غير حافظ لما يرويه عن آخر مثل إسماعيل بن ~~عياش فيما يرويه عن الحجازيين فإنه يغلط فيه بخلاف ما يرويه عن الشاميين ~~ومثل سفيان بن حسين فيما يرويه عن الزهري ومثل هذا كثير فيحتمل أن يكون هذا ~~يغلط فيما يرويه عن روح بن القاسم إن كان الأمر كما قاله بن عدى وهذا محل ~~نظر # وقد روى الطبرانى هذا الحديث في المعجم من حديث بن وهب عن شبيب بن سعيد ~~ورواه من حديث اصبغ بن الفرج حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكى ~~عن روح بن القاسم عن أبى جعفر الخطمى المدنى عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف ~~عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فلقى ~~عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم ~~ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم نبى الرحمة يامحمد إنى أتوجه بك إلى ربك عز وجل فيقضى ~~لى حاجتى وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك فإنطلق الرجل فصنع ما قال له ms0191 ثم أتى ~~باب عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ~~ثم قال له ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة وقال ما كانت لك من حاجة ~~فائتنا # ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما ~~كان ينظر في حاجتى ولا يلتفت إلى حتى كلمته في فقال له عثمان بن حنيف ~~PageV01P273 والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب ~~بصره فقال له النبى أفتصبر فقال يا رسول الله إنه ليس لى قائد وقد شق على ~~فقال له رسول الله ( ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات ( ~~فقال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا ~~الرجل كأنه لم يكن به ضر قط # قال الطبرانى روى هذا الحديث شعبة عن أبى جعفر واسمه عمر بن يزيد وهو ثقة ~~تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة قال أبو عبد الله المقدسى والحديث صحيح # قلت والطبرانى ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن ~~شعبة وذلك إسناد صحيح يبين أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر وطريق بن وهب هذه ~~تؤيد ما ذكره بن عدى فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه بل ذكر فيها ~~أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف وليس كذلك بل في حديث الأعمى أنه ~~قال ( اللهم فشفعه في وشفعنى فيه أو قال في نفسى ) # وهذه لم يذكرها بن وهب في روايته فيشبه أن يكون حدث بن وهب من حفظه كما ~~قال بن عدى فلم يتقن الرواية وقد روى أبو بكر بن أبى خيثمة في تاريخه حديث ~~حماد بن سلمة فقال حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة أنا أبو جعفر ~~الخطمى عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف أن PageV01P274 رجلا أعمى أتى ~~النبى فقال إنى أصبت في بصرى فادع الله لى قال ( إذهب فتوضأ وصل ms0192 ركعتين ثم ~~قل اللهم إنى أسألك وأتوجه اليك بنبيي محمد نبى الرحمة يامحمد أستشفع بك ~~على ربى في رد بصرى اللهم فشفعنى في نفسى وشفع نبيي في رد بصرى وإن كانت ~~حاجة فافعل مثل ذلك ) فرد الله عليه بصره قال بن أبى خيثمة وأبو جعفر هذا ~~الذى حدث عنه حماد بن سلمة إسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذى يروى عنه ~~شعبة ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة قلت وهذه الطريق فيها ( ~~فشفعنى في نفسى ) مثل طريق روح بن القاسم وفيها زيادة أخرى وهى قوله ( وإن ~~كانت حاجة فأفعل مثل ذلك أو قال فعل مثل ذلك ) # وهذه قد يقال إنها توافق قول عثمان بن حنيف لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ ~~من حماد بن سلمة وإختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون ~~بالمعنى وقوله ( وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك ) قد يكون مدرجا من كلام عثمان ~~لا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل ( وإن كانت لك حاجة فعلت ~~مثل ذلك ) بل قال ( وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك ) وبالجملة فهذه الزيادة لو ~~كانت ثابتة لم يكن فيها حجة وإنما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن ~~الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فإنه لم يأمره بالدعاء المشروع بل ببعضه وظن أن ~~هذا مشروع بعد موته ولفظ الحديث يناقض ذلك فإن في الحديث أن الأعمى سأل ~~النبى PageV01P275 أن يدعو له وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن ~~يقول ( اللهم فشفعه في ) وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبى داعيا شافعا ~~له بخلاف من لم يكن كذلك فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في ~~الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم # وفيه أيضا أنه قال ( وشفعنى فيه ) وليس المراد أنه يشفع للنبى في حاجة ~~للنبى وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه وأمرنا أن نسأل الله له ~~الوسيلة ففى صحيح البخارى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ms0193 قال ( من قال ~~إذا سمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا ~~الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته حلت له شفاعتى يوم ~~القيامة ) # وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإن من صلى على صلاة ~~صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغى ~~إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى ~~الوسيلة حلت عليه الشفاعة ) # وسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له وهو معنى الشفاعة ولهذا كان الجزاء من ~~جنس العمل فمن صلى عليه صلى عليه الله ومن سأل الله له الوسيلة المتضمنة ~~PageV01P276 لشفاعته شفع له كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة فأمره أن يدعو ~~الله بقبول هذه الشفاعة وهو كالشفاعة في الشفاعة فلهذا قال اللهم فشفعه في ~~وشفعنى فيه # وذلك أن قبول دعاء النبى صلى الله عليه وسلم في مثل هذا هو من كرامة ~~الرسول على ربه ولهذا عد هذا من آياته ودلائل نبوته فهو كشفاعته يوم ~~القيامة في الخلق ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول ( فشفعه في وشفعنى فيه ) ~~بخلاف قوله ( وشفعنى في نفسى ) فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من هذا ~~الطريق الغريب # وقوله ( وشفعنى فيه ) رواه عن شعبة رجلان جليلان عثمان بن عمر وروح بن ~~عبادة وشعبة أجل من روى هذا الحديث ومن طريق عثمان بن عمر عن شعبة رواه ~~الثلاثة الترمذى والنسائى وبن ماجه رواه الترمذى عن محمود بن غيلان عن ~~عثمان بن عمر عن شعبة # ورواه بن ماجه عن أحمد بن سيار عن عثمان بن عمر وقد رواه أحمد في المسند ~~عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث مع أن قوله ( وشفعنى ~~في نفسى ) إن كان محفوظا مثل ما ذكرناه وهو أنه طلب أن يكون شفيعا لنفسه مع ~~دعاء النبى ولو لم يدع ms0194 له النبى صلى الله عليه وسلم كان سائلا مجردا كسائر ~~السائلين ولا يسمى مثل هذا شفاعة وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان ~~PageV01P277 # يطلبان أمرا فيكون أحدهما شفيعا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذى لم يشفع ~~غيره # فهذه الزيادة فيها عدة علل إنفراد هذا بها عن من هو أكبر وأحفظ منه ~~وإعراض أهل السنن عنها وإضطراب لفظها وأن راويها عرف له عن روح هذا أحاديث ~~منكرة # ومثل هذا يقتضى حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجة فيها إذ ~~الإعتبار بما رواه الصحابى لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذى رواه لا يدل على ~~ما فهمه بل على خلافه # ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال اللهم فشفعه في وشفعنى فيه مع أن ~~النبى لم يدع له كان هذا كلاما باطلا مع أن عثمان إبن حنيف لم يأمره أن ~~يسأل النبى صلى الله عليه وسلم شيئا ولا أن يقول فشفعه في ولم يأمره ~~بالدعاء المأثور على وجهه وإنما أمره ببعضه وليس هناك من النبى شفاعة ولا ~~ما يظن أنه شفاعة فلو قال بعد موته ( فشفعه في ) لكان كلاما لا معنى له ~~ولهذا لم يأمر به عثمان # والدعاء المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمر به والذى أمر به ~~ليس مأثورا عن النبى صلى الله عليه وسلم # ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس ~~العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من ~~PageV01P278 الصحابة عليه وكان ما يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم يخالفه ~~لا يوافقه لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين إتباعها بل غايته أن يكون ذلك ~~مما يسوغ فيه الإجتهاد ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول # ولهذا نظائر كثيرة مثل ما كان إبن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء ~~ويأخذ لأذنيه ماء جديدا وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ~~ويقول من استطاع أن يطيل غرته فليفعل وروى عنه أنه ms0195 كان يمسح عنقه ويقول هو ~~موضع الغل فإن هذا وإن إستحبه طائفة من العلماء إتباعا لهما فقد خالفهم في ~~ذلك آخرون وقالوا سائر الصحابة لم يكونوا يتوضؤون هكذا والوضوء الثابت عنه ~~الذى في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين ولا غسل ~~ما زاد على المرفقين والكعبين ولا مسح العنق ولا قال النبى من إستطاع أن ~~يطيل غرته فليفعل بل هذا من كلام أبى هريرة جاء مدرجا في بعض الأحاديث ~~وإنما قال النبى ( إنكم تأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ) ~~وكان يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق قال أبو هريرة من إستطاع أن يطيل غرته ~~فليفعل وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة وهذا لا معنى له فإن الغرة ~~في الوجه لا في اليد والرجل وإنما في اليد والرجل الحجلة والغرة لا يمكن ~~إطالتها فإن الوجه PageV01P279 يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة في الرأس ~~والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة # وكذلك إبن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبى صلى الله عليه وسلم ~~وينزل مواضع منزله ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه على شجرة ~~صب عليها ونحو ذلك مما إستحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبا ولم يستحب ذلك ~~جمهور العلماء كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبى بكر وعمر وعثمان ~~وعلى وإبن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم لم يفعلوا مثل ما فعل إبن عمر ولو ~~رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والإقتداء به # وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذى فعل فإذا فعل فعلا ~~على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة وإذا قصد تخصيص مكان أو ~~زمان بالعبادة خصصناه بذلك كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة وأن يستلم ~~الحجر الأسود وأن يصلى خلف المقام وكان يتحرى الصلاة عند إسطوانة مسجد ~~المدينة وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك وكذلك عرفة ~~ومزدلفة وغيرهما # وأما ما فعله بحكم ms0196 الأتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه ~~نزله لا قصدا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان ~~بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين بل هذا من البدع التى PageV01P280 كان ~~ينهى عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان ~~التيمي عن المعروف بن سويد قال كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم ~~أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون صلى فيه النبى فقال عمر إنما هلك ~~أهل الكتاب أنهم إتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا فمن عرضت له ~~الصلاة فليصل وإلا فليمض # فلما كان النبى صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى ~~فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في ~~قصده ليس متابعة بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التى هلكوا ~~بها ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك ففاعل ذلك متشبه بالنبى في الصورة ~~ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذى هو عمل القلب # وهذا هو الأصل فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل ~~ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الإستراحة هل فعلها استحبابا أو ~~لحاجة عارضة تنازعوا فيها وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه ~~هل فعله لأنه كان اسمح لخروجه أو لكونه سنة تنازعوا في ذلك # ومن هذا وضع بن عمر يده على مقعد النبى وتعريف إبن عباس بالبصرة وعمرو بن ~~حريث بالكوفة فإن هذا لما لم يكن PageV01P281 مما يفعله سائر الصحابة ولم ~~يكن النبى شرعه لأمته لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة بل غايته أن يقال هذا ~~مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه ~~الإجتهاد لا لأنه سنة مستحبة سنها النبى لأمته أو يقال في التعريف إنه لا ~~بأس به أحيانا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة # وهكذا يقول أئمة العلم في هذا ms0197 وأمثاله تارة يكرهونه وتارة يسوغون فيه ~~الإجتهاد وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة ولا يقول عالم بالسنة إن هذه ~~سنة مشروعة للمسلمين # فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع ~~وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه ولا يكون في الدين ~~واجبا إلا ما أوجبه ولا حراما إلا ما حرمه ولا مستحبا إلا ما استحبه ولا ~~مكروها إلاما كرهه ولا مباحا إلا ما أباحه # وهكذا في الإباحات كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم واستباح حذيفة ~~السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع ~~وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك فوجب الرد إلى الكتاب والسنة # وكذلك الكراهة والتحريم مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت ~~وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع أو التمتع مطلقا PageV01P282 ~~أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده وأنه لا يقصر بدون ذلك أو رأى أنه ليس ~~للمسافر أن يصوم في السفر # ومن ذلك قول سلمان إن الريق نجس وقول بن عمر إن الكتابية لا يجوز نكاحها ~~وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر ومنع عمر وبن مسعود للجنب أن يتيمم ~~وقول على وزيد وبن عمر في المفوضة إنه لا مهر لها إذا مات الزوج وقول على ~~وبن عباس في المتوفى عنها الحامل إنها تعتد أبعد الأجلين وقول بن عمر وغيره ~~إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما يفعل بالحلال # وقول بن عمر وغيره لا يجوز الإشتراط في الحج وقول إبن عباس وغيره في ~~المتوفى عنها ليس عليها لزوم المنزل وقول عمر وإبن مسعود إن المبتوتة لها ~~السكنى والنفقة وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة فإنه يجب فيه الرد إلى ~~الله والرسول ونظائر هذا كثيرة فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله # ومن قال من العلماء ( إن قول الصحابى حجة ) فإنما قاله إذا لم يخالفه ~~غيره من الصحابة ولا عرف نص ms0198 يخالفه ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارا على ~~القول فقد يقال ( هذا إجماع إقرارى ) إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد ~~منهم وهم لا يقرون على باطل # وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال ( هو حجة ~~PageV01P283 وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالإتفاق وأما إذا لم يعرف ~~هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما ومتى كانت السنة تدل على خلافه ~~كانت الحجة في سنة رسول الله لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم وإذا ~~كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع ~~المستحب أن يتوسل بالنبى بعد موته من غير أن يكون النبى داعيا له ولا شافعا ~~فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعا بعد مماته كما كان ~~يشرع في حياته بل كانوا في الإستسقاء في حياته يتوسلون به فلما مات لم ~~يتوسلوا به # بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت بإتفاق أهل العلم بمحضر من ~~المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما إشتد بهم الجدب حتى حلف عمر ~~لا يأكل سمنا حتى يخصب الناس ثم لما إستسقى بالعباس قال ( اللهم إنا كنا ~~إذا أجدبنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا فأسقنا ) ~~فيسقون وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة ولم ينكره أحد مع شهرته وهو من ~~أظهر الإجماعات الإقرارية # ودعا بمثله معاوية بن أبى سفيان في خلافته لما استسقى بالناس # فلو كان توسلهم بالنبى صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم به في حياته ~~لقالوا كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما ونعدل عن التوسل ~~بالنبى صلى الله عليه وسلم الذى هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل ~~PageV01P284 وأعظمها عند الله فلما لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم في ~~حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة ~~غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته # وحديث ms0199 الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فإنه إنما ~~أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبى ودعائه لا بذاته وقال له في ~~الدعاء ( قل اللهم فشفعه في ) # وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر ~~بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته كان ما فعله ~~عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله وكان المخالف لعمر محجوجا بسنة ~~رسول الله وكان الحديث الذى رواه عن النبى حجة عليه لا له والله أعلم # وأما القسم الثالث مما يسمى ( توسلا ) فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبى ~~شيئا يحتج به أهل العلم كما تقدم بسط الكلام على ذلك وهو الإقسام على الله ~~عز وجل بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم فإنه لا يقدر أحد أن ينقل ~~فيه عن النبى صلى الله عليه وسلم شيئا ثابتا لا في الإقسام أو السؤال به ~~ولا في الإقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين # وإن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى ~~PageV01P285 عنه فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه فيرد ما تنازعوا فيه إلى ~~الله ورسوله ويبدى كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع وليس هذا من ~~مسائل العقوبات بإجماع المسلمين بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم فإن ~~القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء والمنكر عليه ليس معه نقل يجب إتباعه ~~لا عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة وقد ثبت أنه لا يجوز القسم ~~بغير الله لا بالأنبياء ولا بغيرهم كما سبق بسط الكلام في تقرير ذلك وقد ~~إتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله لا لنبى ولا لغير نبى ~~وأن هذا النذر شرك لا يوفى به # وكذلك الحلف بالمخلوقات لا تنعقد به اليمين ولا كفارة فيه حتى لو حلف ~~بالنبى لم تنعقد يمينه كما تقدم ذكره ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء ~~كمالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد ms0200 في إحدى الروايتين بل نهى عن الحلف بهذه ~~اليمين فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم ~~بها على الخالق جل جلاله # وأما السؤال به من غير إقسام به فهذا أيضا مما منع منه غير واحد من ~~العلماء والسنن الصحيحة عن النبى وخلفائه الراشدين تدل على ذلك فإن هذا ~~إنما يفعله على أنه قربة وطاعة وأنه مما يستجاب به الدعاء # وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجبا وإما أن يكون مستحبا ~~PageV01P286 وكل ما كان واجبا أو مستحبا في العبادات والأدعية فلا بد أن ~~يشرعه النبى صلى الله عليه وسلم لأمته فإذا لم يشرع هذا لأمته لم يكن واجبا ~~ولا مستحبا ولا يكون قربة وطاعة ولا سببا لإجابة الدعاء وقد تقدم بسط ~~الكلام على هذا كله # فمن إعتقد ذلك في هذا أو في هذا فهو ضال وكانت بدعته من البدع السيئة وقد ~~تبين بالأحاديث الصحيحة وما استقرئ من أحوال النبى وخلفائه الراشدين أن هذا ~~لم يكن مشروعا عندهم # وأيضا فقد تبين أنه سؤال لله تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء وأنه ~~كالسؤال بالكعبة والطور والكرسى والمساجد وغير ذلك من المخلوقات ومعلوم أن ~~سؤال الله بالمخلوقات ليس هو مشروعا كما أن الإقسام بها ليس مشروعا بل هو ~~منهى عنه # فكما أنه لا يسوغ لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق ولا ~~يسأله بنفس مخلوق وإنما يسأل بالأسباب التى تناسب إجابة الدعاء كما تقدم ~~تفصيله # لكن قد روى في جواز ذلك آثار وأقوال عن بعض أهل العلم ولكن ليس في ~~المنقول عن النبى شيء ثابت بل كلها موضوعة # وأما النقل عمن ليس قوله حجة فبعضه ثابت وبعضه ليس بثابت والحديث الذى ~~رواه أحمد وبن ماجه وفيه ( بحق السائلين عليك وبحق PageV01P287 ممشاى هذا ( ~~رواه أحمد عن وكيع عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبى سعيد الخدرى عن النبى ~~قال ( من قال إذا خرج إلى الصلاة اللهم انى أسألك بحق السائلين عليك وبحق ~~ممشاى ms0201 هذا فانى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك ~~وإبتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذنى من النار وأن تدخلنى الجنة وأن تغفر لى ~~ذنوبى انه لا يغفر الذنوب إلا أنت خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له واقبل ~~الله عليه بوجهه حتى يقضى صلاته ( # وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفى عن أبى سعيد وهو ضعيف بإجماع أهل ~~العلم وقد روى من طريق آخر وهو ضعيف أيضا ولفظه لا حجة فيه فان حق السائلين ~~عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه ~~الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم وبايجابه على نفسه في أحد أقوالهم ~~وقد تقدم بسط الكلام على ذلك # وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم فانه سأله هذا ببره ~~العظيم لوالديه وسأله هذا بعفته العظيمة عن الفاحشة وسأله هذا بأدائه ~~العظيم للأمانة لأن هذه الأعمال أمر الله بها ووعد الجزاء لأصحابها فصار ~~هذا كما حكاه عن المؤمنين بقوله ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ~~آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار ) وقال تعالى @QB@ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر ~~لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين @QE@ وقال تعالى @QB@ قل أؤنبئكم بخير من ~~ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج ~~مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار @QE@ PageV01P288 وكان بن مسعود يقول في ~~السحر اللهم دعوتنى فأجبت وأمرتنى فأطعت وهذا سحر فاغفر لى # وأصل هذا الباب أن يقال الإقسام على الله بشيء من المخلوقات أو السؤال له ~~به إما أن يكون مأمورا به إيجابا أو إستحبابا أو منهيا عنه نهى تحريم أو ~~كراهة أو مباحا لا مأمورا به ولا منهيا عنه # وإذا قيل إن ذلك مأمور به أو مباح فإما أن يفرق بين مخلوق ومخلوق أو يقال ~~بل يشرع بالمخلوقات المعظمة أو ببعضها فمن ms0202 قال أن هذا مأمور به أو مباح في ~~المخلوقات جميعها لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجن فهذا لا ~~يقوله مسلم # فإن قال بل يسأل بالمخلوقات المعظمة كالمخلوقات التى أقسم بها في كتابه ~~لزم من هذا أن يسأل بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ~~والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها ~~والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها ويسأل الله تعالى ويقسم ~~عليه بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ويسأل بالذاريات ~~ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا ويسأل بالطور وكتاب ~~مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع PageV01P289 والبحر ~~المسجور ويسأل ويقسم عليه بالصافات صفا وسائر ما أقسم الله به في كتابه # فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها أياته ومخلوقاته فهي دليل ~~على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته ~~وعزته فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه # ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع بل ذكر غير واحد ~~الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات وذكروا إجماع الصحابة على ذلك ~~بل ذلك شرك منهى عنه # ومن سأل الله بها لزمه أن يسأله بكل ذكر وأنثى وبكل نفس ألهمها فجورها ~~وتقواها ويسأله بالرياح والسحاب والكواكب والشمس والقمر والليل والنهار ~~والتين والزيتون وطور سينين ويسأله بالبلد الأمين مكة ويسأله حينئذ بالبيت ~~والصفا والمروة وعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك من المخلوقات ويلزم أن يسأله ~~بالمخلوقات التى عبدت من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والملائكة ~~والمسيح والعزير وغير ذلك مما عبد من دون الله ومما لم يعبد من دونه # ومعلوم أن السؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع ~~المنكرة في دين الإسلام ومما يظهر قبحه للخاص والعام # ويلزم من ذلك أن يقسم على الله تعالى بالإقسام والعزائم التى تكتب في ~~PageV01P290 الحروز والهياكل التى تكتبها الطرقية والمعزمون بل ويقال إذا ~~جاز السؤال والإقسام على الله بها ms0203 فعلى المخلوقات أولى فحينئذ تكون العزائم ~~والإقسام التى يقسم بها على الجن مشروعة في دين الإسلام وهذا الكلام يستلزم ~~الكفر والخروج من دين الإسلام بل ومن دين الأنبياء أجمعين # وإن قال قائل بل أنا أساله أو أقسم عليه بمعظم دون معظم من المخلوقات إما ~~الأنبياء دون غيرهم أو نبى دون غيره كما جوز بعضهم الحلف بذلك أو بالأنبياء ~~والصالحين دون غيرهم # قيل له بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض فكلها مشتركة في أنه لا يجعل ~~شيء منها ندا لله تعالى فلا يعبد ولا يتوكل عليه ولا يخشى ولا يتقى ولا ~~يصام له ولا يسجد له ولا يرغب إليه ولا يقسم بمخلوق كما ثبت في الصحيح عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) ~~وقال ( لا تحلفوا الا بالله ) وفى السنن عنه أنه قال ( من حلف بغير الله ~~فقد أشرك ) # فقد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه لا ~~يجوز الحلف بشيء من المخلوقات لا فرق في ذلك بين الملائكة والانبياء ~~والصالحين وغيرهم ولا فرق بين نبى ونبى # وهذا كما قد سوى الله تعالى بين جميع المخلوقات في ذم الشرك بها وان كانت ~~معظمة قال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ PageV01P291 # وقال تعالى @QB@ قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # قالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فقال ~~تعالى هؤلاء الذين تدعونهم عبادى يرجون رحمتى كما ترجون رحمتى ويخافون ~~عذابى كما تخافون عذابى ويتقربون إلى كما تتقربون إلى # وقد قال تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش ms0204 الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون @QE@ فبين أن الطاعة لله والرسول فإنه من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله وبين أن الخشية والتقوى لله وحده فلم يأمر أن يخشى مخلوق ولا يتقى ~~مخلوق # وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ # فبين سبحانه وتعالى أنه كان ينبغى لهؤلاء أن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله ~~ويقولوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون فذكر ~~PageV01P292 الرضا بما آتاه الله ورسوله لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين ~~الله في تبليغ أمره ونهيه وتحليله وتحريمه ووعده ووعيده # فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه ~~الله ورسوله ولهذا قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ فليس لأحد أن يأخذ من الأموال إلا ما أحله الله ورسوله ~~والأموال المشتركة له كمال الفيء والغنيمة والصدقات عليه أن يرضى بما آتاه ~~الله ورسوله منها وهو مقدار حقه لا يطلب زيادة على ذلك # ثم قال تعالى @QB@ وقالوا حسبنا الله @QE@ ولم يقل ( ورسوله ( فإن الحسب ~~هو الكافى والله وحده كاف عباده المؤمنين كما قال تعالى @QB@ يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ أى هو وحده حسبك وحسب من اتبعك من ~~المؤمنين هذا هو القول الصواب الذي قاله جمهور السلف والخلف كما بين في ~~موضع آخر # والمراد أن الله كاف للرسول ولمن إتبعه فكل من إتبع الرسول فالله كافيه ~~وهاديه وناصره ورازقه ثم قال تعالى @QB@ سيؤتينا الله من فضله ورسوله @QE@ ~~فذكر الإيتاء لله ورسوله لكن وسطه بذكر الفضل فإن الفضل لله وحده بقوله ( ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) ثم قال تعالى ( إنا إلى الله راغبون ) فجعل ~~الرغبة إلى الله وحده دون الرسول وغيره من المخلوقات # فقد تبين أن الله سوى بين المخلوقات في هذه الأحكام لم يجعل لأحد من ~~PageV01P293 المخلوقين سواء كان نبيا أو ملكا أن يقسم ms0205 به ولا يتوكل عليه ~~ولا يرغب إليه ولا يخشى ولا يتقى # وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ فقد تهدد سبحانه من دعا شيئا من دون ~~الله وبين أنهم لا ملك لهم مع الله ولا شركا في ملكه وأنه ليس له عون ولا ~~ظهير من المخلوقين فقطع تعلق القلوب بالمخلوقات رغبة ورهبة وعبادة وإستعانة ~~ولم يبق إلا الشفاعة وهى حق لكن قال الله تعالى ( ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له ) وهكذا دلت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة يوم القيامة إذا ~~اتى الناس آدم وأولى العزم نوحا وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم فيردهم كل ~~واحد إلى الذى بعده إلى أن يأتوا المسيح فيقول لهم اذهبوا إلى محمد عبد غفر ~~الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال صلى الله عليه وسلم ( فيأتونى فأذهب ~~إلى ربى فإذا رأيته خررت ساجدا وأحمد ربى بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن ~~فيقال لى أى محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع قال فيحد لى حدا ~~فأدخلهم الجنة ( وذكر تمام الخبر # فبين المسيح أن محمدا هو الشافع المشفع لأنه عبد غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر وبين محمد عبد الله ورسوله أفضل الخلق وأوجه الشفعاء ~~PageV01P294 وأكرمهم على الله تعالى أنه يأتى فيسجد ويحمد لا يبدأ بالشفاعة ~~حتى يؤذن له فيقال له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع وذكر أن ربه يحد له ~~حدا فيدخلهم الجنة # وهذا كله يبين أن الأمر كله لله هو الذى يكرم الشفيع بالإذن له في ~~الشفاعة والشفيع لا يشفع إلا فيمن يأذن الله له ثم يحد للشفيع حدا فيدخلهم ~~الجنة فالأمر بمشيئته وقدرته واختياره وأوجه الشفعاء وأفضلهم هو عنده الذى ~~فضله على غيره واختاره واصطفاه بكمال عبوديته وطاعته وإنابته وموافقته لربه ~~فيما يحبه ويرضاه # وإذا كان ms0206 الإقسام بغير الله والرغبة إليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من ~~الأحكام التى اشتركت المخلوقات فيها فليس لمخلوق أن يقسم به ولا يتقى ولا ~~يتوكل عليه وإن كان أفضل المخلوقات ولا يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين ~~فضلا عن غيرهم من المشايخ والصالحين # فسؤال الله تعالى بالمخلوقات إن كان بما أقسم به وعظمه من المخلوقات ~~فيسوغ السؤال بذلك كله وإن لم يكن سائغا لم يجز أن يسأل بشيء من ذلك ~~والتفريق في ذلك بين معظم ومعظم كتفريق من فرق ( فزعم أنه ) يجوز الحلف ~~ببعض المخلوقات دون بعض وكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر # ولو فرق مفرق بين ما يؤمن به وبين ما لا يؤمن به قيل له فيجب الإيمان ~~بالملائكة والنبيين ويؤمن بكل ما أخبر به الرسول مثل منكر ونكير والحور ~~PageV01P295 العين والولدان وغير ذلك أفيجوز أن يقسم بهذه المخلوقات لكونه ~~يجب الإيمان بها أم يجوز السؤال بها كذلك # فتبين أن السؤال بالأسباب إذا لم يكن المسئول به سببا لإجابة الدعاء فلا ~~فرق بين السؤال بمخلوق ومخلوق كما لا فرق بين القسم بمخلوق ومخلوق وكل ذلك ~~غير جائز فتبين أنه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء والله أعلم # وأما قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) فكانت ~~اليهود تقول للمشركين سوف يبعث هذا النبى ونقاتلكم معه فنقتلكم لم يكونوا ~~يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به أو يقولون اللهم ابعث هذا النبى الأمى ~~لنتبعه ونقتل هؤلاء معه # هذا هو النقل الثابت عند اهل التفسير وعليه يدل القرآن فإنه قال تعالى ~~@QB@ وكانوا من قبل يستفتحون @QE@ والإستفتاح الاستنصار وهو طلب الفتح ~~والنصر فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلونهم معه فبهذا ينصرون ليس ~~هو بإقسامهم به وسؤالهم به إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به ~~نصروا ولم يكن الأمر كذلك بل لما بعث الله محمدا نصر الله من آمن به وجاهد ~~معه على من خالفه # وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا ms0207 يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ ~~مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له # وقد ذكرنا طرفا من ذلك في ( دلائل النبوة ) وفى كتاب ( الإستغاثة ~~PageV01P296 الكبير ) و ( كتب السير ) و ( دلائل النبوة ) و ( التفسير ) ~~مشحونة بذلك قال أبو العالية وغيره كان اليهود إذا استنصروا بمحمد على ~~مشركى العرب يقولون اللهم ابعث هذا النبى الذى نجده مكتوبا عندنا حتى نغلب ~~المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمدا ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا ~~للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله فأنزل الله تعالى هذه الايات ( فلما جاءهم ~~ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ( # وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصارى عن رجال من قومه ~~قالوا مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ما كنا نسمع من رجال يهود ~~وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا وكانت لا ~~تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا قد تقارب ~~زمان نبى يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم كثيرا ما كنا نسمع ذلك منهم ~~فلما بعث الله محمدا رسولا من عند الله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ~~ما كانوا يتوعدونا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزل ~~هؤلاء الآيات التى في البقرة ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ~~وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين ) # ولم يذكر بن أبى حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسرى السلف إلا هذا وهذا لم ~~يذكر فيه السؤال به عن أحد من السلف بل ذكروا الإخبار به أو سؤال الله أن ~~يبعثه فروى بن أبى حاتم عن أبي رزين عن الضحاك PageV01P297 عن بن عباس في ~~قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) قال يستظهرون ~~يقولون نحن نعين محمدا عليهم وليسوا كذلك يكذبون # وروى عن معمر عن قتادة في قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون ms0208 على الذين ~~كفروا ) قال كانوا يقولون إنه سيأتى نبى ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) # وروى بإسناده عن بن إسحاق حدثنا محمد بن أبى محمد قال أخبرنى عكرمة أو ~~سعيد بن جبير عن بن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول ~~الله قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون ~~فيه فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود بن سلمة يا معشر ~~يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك ~~وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته فقال سلام بن مشكم أخو بنى النضير ما ~~جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذى كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى في ذلك ( ~~ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) # وروى بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبى العالية قال كانت اليهود تستنصر ~~بمحمد على مشركى العرب يقولون اللهم ابعث هذا النبى الذى نجده مكتوبا عندنا ~~حتى نعذب المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمدا PageV01P298 ورأوا أنه من ~~غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله فقال الله ( فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) # وأما الحديث الذى يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد ~~بن جبير عن بن عباس قال كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود ~~فعاذت بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق محمد النبى الأمى الذى وعدتنا أن ~~تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا ~~غطفان فلما بعث النبى كفروا به فأنزل الله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون ~~على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) وهذا الحديث رواه الحاكم ~~في مستدركه وقال أدت الضرورة إلا إخراجه وهذا مما أنكره عليه العلماء فان ~~عبد الملك بن هارون من أضعف الناس وهو ms0209 عند أهل العلم بالرجال متروك بل كذاب ~~وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين وغيره من الأئمة في حقه # قلت وهذا الحديث من جملتها وكذلك الحديث الآخر يرويه عن أبى بكر كما تقدم ~~ومما يبين ذلك أن قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) ~~إنما نزلت بإتفاق أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين للمدينة أولا ~~كبنى قينقاع وقريظة والنضير وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج وهم ~~الذين عاهدهم النبى لما قدم المدينة ثم لما نقضوا العهد حاربهم PageV01P299 ~~فحارب أولا بنى قينقاع ثم النضير وفيهم نزلت سورة الحشر ثم قريظة عام ~~الخندق فكيف يقال نزلت في يهود خيبر كالبيهقي فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن ~~كيف يكذب ومما يبين ذلك أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا ~~الدعاء وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ولو كان هذا مما وقع لكان مما ~~تتوفر دواعى الصادقين على نقله # ومما ينبغى أن يعلم أن مثل هذا اللفظ لو كان مما يقتضى السؤال به ~~والإقسام به على الله تعالى لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه في ~~الأحكام لأنه أولا لم يثبت وليس في الآية ما يدل عليه ولو ثبت لم يلزم أن ~~يكون هذا شرعا لنا فان الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه وأخبر ~~عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا ( لنتخذن عليهم مسجدا ( ونحن قد ~~نهينا عن بناء المساجد على القبور ولفظ الآية إنما فيه أنهم كانوا يستفتحون ~~على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به # وهذا كقوله تعالى ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ( والإستفتاح طلب الفتح ~~وهو النصر ومنه الحديث المأثور أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يستفتح ~~بصعاليك المهاجرين أى يستنصر بهم أى بدعائهم كما قال ( وهل ترزقون وتنصرون ~~إلا بضعفائكم بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم ( # وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبى المبعوث في آخر ~~الزمان بأن يعجل بعث ذلك النبى إليهم ms0210 لينتصروا به عليهم لا لأنهم أقسموا ~~على الله وسألوا به ولهذا قال تعالى @QB@ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين @QE@ PageV01P300 # فلو لم ترد الآثار التى تدل على أن هذا معنى الآية لم يجز لأحد أن يحمل ~~الآية على ذلك المعنى المتنازع فيه بلا دليل لأنه لا دلالة فيها عليه فكيف ~~وقد جاءت الآثار بذلك # وأما ما تقدم ذكره عن اليهود من أنهم كانوا ينصرون فقد بينا أنه شاذ وليس ~~هو من الآثار المعروفة في هذا الباب فان اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب بل ~~كانوا مغلوبين معهم وكانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقا كما كانت ~~قريظة حلفاء الأوس وكانت النضير حلفاء الخزرج # وأما كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف بل المعروف خلافه ~~والله تعالى قد أخبر بما يدل على ذلك فقال تعالى @QB@ ضربت عليهم الذلة أين ~~ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون @QE@ # فاليهود من حين ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس لم يكونوا بمجردهم ينتصرون لا على العرب ولا غيرهم وإنما كانوا ~~يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح عليه ~~السلام فكذبوه قال تعالى @QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من ~~الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين @QE@ ~~PageV01P301 وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام قال تعالى ( وضربت عليهم المسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون ms0211 ) # فإذا لم يكن الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره في حياته صلى الله عليه وسلم ~~وبعد موته يقسمون بذاته بل إنما كانوا يتوسلون بطاعته أو بشفاعته فكيف يقال ~~في دعاء المخلوقين الغائبين والموتى وسؤالهم من الأنبياء والملائكة وغيرهم ~~وقد قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # قالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والانبياء كالمسيح وعزير ~~وغيرهما فنهى الله عن ذلك وأخبر تعالى أن هؤلاء يرجون رحمة الله ويخافون ~~عذابه ويتقربون إليه وانهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله عنهم ~~وقد قال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ PageV01P302 ولهذا نهى النبى أن ~~يتخذ قبره مسجدا وأن يتخذ عيدا وقال في مرض موته ( لعنة الله على اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما صنعوا أخرجاه في الصحيحين ~~وقال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ( رواه مالك في موطئه وقال ( لا تطرونى كما أطرت النصارى ~~عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ( متفق عليه # وقال ( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله ثم شاء محمد ( ~~وقال له بعض الأعراب ما شاء الله وشئت فقال ( أجعلتنى لله ندا بل ما شاء ~~الله وحده ( وقد قال الله تعالى له ( قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء ( وقال ~~تعالى @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا @QE@ وقال تعالى @QB@ إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ وقال تعالى ms0212 @QB@ ليس لك من ~~الأمر شيء @QE@ وهذا تحقيق التوحيد مع أنه أكرم الخلق على الله وأعلاهم ~~منزلة عند الله # وقد روى الطبرانى في معجمه الكبير أن منافقا كان يؤذى المؤمنين فقال أبو ~~بكر قوموا نستغيث برسول الله من هذا المنافق فقال له النبى ( إنه لا يستغاث ~~بى وانما يستغاث بالله ( وفى صحيح مسلم في آخره أنه قال قبل أن يموت بخمس ( ~~إن من كان PageV01P303 قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وفى صحيح مسلم أيضا وغيره أنه قال ( لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها ( # وفى الصحيحين من حديث أبى سعيد وأبى هريرة وله طرق متعددة عن غيرهما أنه ~~قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدى هذا والمسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى ( وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتى قبر النبى فقال مالك ان كان أراد ~~القبر فلا يأته وان أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث ( لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد ( ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه # ولو حلف حالف بحق المخلوقين لم تنعقد يمينه ولا فرق في ذلك بين الأنبياء ~~والملائكة وغيرهم ولله تبارك وتعالى حق لا يشركه فيه أحد لا الأنبياء ولا ~~غيرهم وللأنبياء حق وللمؤمنين حق ولبعضهم على بعض حق فحقه تبارك وتعالى أن ~~يعبدوه لا يشركوا به كما تقدم في حديث معاذ ومن عبادته تعالى أن يخلصوا له ~~الدين ويتوكلوا عليه ويرغبوا إليه ولا يجعلوا لله ندا لا في محبته ولا ~~خشيته ولا دعائه ولا الإستعانة به كما في الصحيحين أنه قال ( من مات وهو ~~يدعو ندا من دون الله دخل النار ( وسئل أى الذنب أعظم قال ( أن تجعل لله ~~ندا وهو خلقك ( وقيل له ما شاء الله وشئت فقال أجعلتنى لله ندا بل ما شاء ~~الله وحده PageV01P304 وقد قال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون @QE@ @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ms0213 إنما هو إله واحد ~~فإياي فارهبون @QE@ @QB@ فإياي فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا فرغت ~~فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ وقال تعالى في فاتحة الكتاب التى هي أم القرآن ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين يبلغون ~~رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله @QE@ # ولهذا لما كان المشركون يخوفون إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ~~قال تعالى @QB@ وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف ~~أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ~~فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ # وفى الصحيحين عن بن مسعود قال لما نزلت هذه الاية ( الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا ايمانهم بظلم ( شق ذلك على أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا ~~أينا لم يظلم نفسه فقال لهم النبى ( انما ذاك الشرك كما قال العبد الصالح ( ~~يا بنى لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم ) # وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ~~@QE@ فجعل الطاعة لله والرسول فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله وجعل ~~الخشية والتقوى لله وحده فلا يخشى الا الله ولا يتقى إلا الله وقال تعالى ~~@QB@ فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا @QE@ ~~PageV01P305 # وقال تعالى @QB@ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين @QE@ # وقال تعالى ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ( فجعل سبحانه الإيتاء ~~لله والرسول في أول الكلام وآخره كقوله تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا ( مع جعله الفضل لله وحده والرغبة إلى الله وحده # وهو تعالى وحده حسبهم لا شريك له في ذلك وروى البخارى ms0214 عن بن عباس في قوله ~~( حسبنا الله ونعم الوكيل ) قال قالها إبراهيم حين ألقى في النار وقالها ~~محمد حين ( قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ( وقال تعالى @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ~~ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ # ومعنى ذلك عند جماهير السلف والخلف أن الله وحده حسبك وحسب من اتبعك من ~~المؤمنين كما بسط ذلك بالأدلة وذلك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم ~~الوسائط بيننا وبين الله في أمره ونهيه ووعده ووعيده فالحلال ما أحله الله ~~ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ~~PageV01P306 فعلينا أن نحب الله ورسوله ونطيع الله ورسوله ونرضى الله ~~ورسوله قال تعالى @QB@ والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ وقال تعالى @QB@ من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره @QE@ # وفى الصحيحين عن أنس قال قال رسول الله ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة ~~الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه ~~الا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقى في النار ( وقد قال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا @QE@ فالإيمان ~~بالله والرسول والتعزير والتوقير للرسول وتعزيره نصره ومنعه والتسبيح بكرة ~~وأصيلا لله وحده فإن ذلك من العبادة لله والعبادة هي لله وحده فلا يصلى الا ~~لله ولا يصام الا لله ولا يحج الا إلى بيت الله ولا تشد الرحال الا إلى ~~المساجد الثلاثة لكون هذه المساجد بناها أنبياء الله بإذن الله ولا ينذر ~~الا لله ولا يحلف إلا بالله ولا يدعى إلا الله ولا يستغاث الا بالله # وأما ما خلقه الله سبحانه ms0215 من الحيوان والنبات والمطر والسحاب وسائر ~~PageV01P307 المخلوقات فلم يجعل غيره من العباد واسطة في ذلك الخلق كما جعل ~~الرسل واسطة في التبليغ بل يخلق ما يشاء بما يشاء من الأسباب وليس في ~~المخلوقات شيء يستقل بإبداع شيء بل لابد للسبب من أسباب أخر تعاونه ولابد ~~من دفع المعارض عنه وذلك لا يقدر عليه إلا الله وحده فما شاء الله كان وما ~~لم يشأ لم يكن بخلاف الرسالة فإن الرسول وحده كان واسطة في تبليغ رسالته ~~إلى عباده # وأما جعل الهدى في قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول كما قال ~~الله تعالى @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل @QE@ ( وكذلك دعاء ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع إذا جعل ~~الله تعالى المحل قابلا له وإلا فلو استغفر النبى للكفار والمنافقين لم ~~يغفر لهم قال الله تعالى ( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم ) # وأما الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله عز وجل في أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده وخبره فعلينا أن نصدقهم في كل ما أخبروا به ونطيعهم ~~فيما أوجبوا وأمروا وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله عز وجل لا نفرق بين ~~أحد منهم ومن سب واحدا منهم كان كافرا مرتدا مباح الدم # وإذا تكلمنا فيما يستحقه الله تبارك وتعالى من التوحيد بينا أن الأنبياء ~~وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله تبارك وتعالى من خصائص فلا ~~يشرك بهم ولا يتوكل عليهم ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله ولا يقسم ~~PageV01P308 على الله بهم ولا يتوسل بذواتهم وإنما يتوسل بالإيمان بهم ~~وبمحبتهم وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم ومعاداة من عاداهم وطاعتهم ~~فيما أمروا وتصديقهم فيما أخبروا وتحليل ما حللوه وتحريم ما حرموه # والتوسل بذلك على وجهين # ( أحدهما ) أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء واعطاء السؤال كحديث الثلاثة ~~الذين أووا إلى الغار فإنهم توسلوا بأعمالهم ms0216 الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج ~~كربتهم وقد تقدم بيان ذلك # ( والثانى ) التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه فإن الأعمال ~~الصالحة التى أمر بها الرسول هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة ~~ومثل هذا كقول المؤمنين ( ربنا اننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا ~~بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ( ~~فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن ~~المؤمنين في قوله تعالى ( انه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر ~~لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ( وأمثال ذلك كثير # وكذلك التوسل بدعاء النبى وشفاعته فإنه يكون على وجهين # ( أحدهما ) أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما كان يطلب منه في ~~حياته وكما يطلب منه يوم القيامة حين يأتون آدم ونوحا ثم الخليل ثم ~~PageV01P309 موسى الكليم ثم عيسى ثم يأتون محمدا صلوات الله وسلامه عليه ~~وعليهم فيطلبون منه الشفاعة # ( والوجه الثانى ) أن يكون التوسل مع ذلك بأن يسأل الله تعالى بشفاعته ~~ودعائه كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره فإنه طلب منه الدعاء ~~والشفاعة فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول ( اللهم انى ~~أسألك وأتوجه اليك به اللهم فشفعه في ( فأمره أن يسأل الله تعالى قبول ~~شفاعته بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول والرسول لم يدع له ولم ~~يشفع فيه فهذا توسل بما لم يوجد وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع ~~فيه # ومن هذا الباب قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقت الإستسقاء كما تقدم ~~فإن عمر والمسلمين توسلوا بدعاء العباس وسألوا الله تعالى مع دعاء العباس ~~فإنهم استشفعوا جميعا ولم يكن العباس وحده هو الذى دعا لهم فصار التوسل ~~بطاعته والتوسل بشفاعته كل منهما يكون مع دعاء المتوسل وسؤاله ولا يكون ~~بدون ذلك # فهذه أربعة أنواع كلها مشروعة لا ينازع في واحد منها أحد من أهل العلم ~~والإيمان # ودين الإسلام مبنى على أصلين وهما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن ms0217 ~~محمدا رسول الله وأول ذلك أن لا تجعل مع الله الها آخر فلا تحب مخلوقا كما ~~تحب الله ولا ترجوه كما ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله ومن سوى ~~PageV01P310 بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عدل بالله وهو من الذين ~~بربهم يعدلون وقد جعل مع الله الها آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده ~~خلق السماوات والأرض # فإن مشركى العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السماوات والأرض كما قال ~~تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ وكانوا مع ~~ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى قال تعالى @QB@ أئنكم لتشهدون أن مع ~~الله آلهة أخرى قل لا أشهد @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ فصاروا مشركين ~~لأنهم أحبوهم كحبه لا أنهم قالوا ان آلهتهم خلقوا كخلقه كما قال تعالى @QB@ ~~أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم @QE@ # وهذا استفهام إنكار بمعنى النفى أى ما جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فإنهم ~~مقرون أن آلهتهم لم يخلقوا كخلقه وإنما كانوا يجعلونهم شفعاء ووسائط قال ~~تعالى ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله قل اتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه ~~وتعالى عما يشركون ) وقال صاحب يس ( ومالى لا أعبد الذى فطرنى واليه ترجعون # أأتخذ من دونه آلهة أن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون # انى اذا لفى ضلال مبين # انى آمنت بربكم فاسمعون ) # ( الأصل الثانى ) أن نعبده بما شرع على ألسن رسله لا نعبده إلا بواجب أو ~~مستحب والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك PageV01P311 # والدعاء من جملة العبادات فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث ~~بهم مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب كان ~~مبتدعا في الدين مشركا برب العالمين متبعا غير سبيل المؤمنين ومن سأل الله ~~تعالى ms0218 بالمخلوقين أو أقسم عليه بالمخلوقين كان مبتدعا بدعة ما أنزل الله ~~بها من سلطان فإن ذم من خالفه وسعى في عقوبته كان ظالما جاهلا معتديا # وإن حكم بذلك فقد حكم بغير ما أنزل الله وكان حكمه منقوضا بإجماع ~~المسلمين وكان إلى أن يستتاب من هذا الحكم ويعاقب عليه أحوج منه إلى أن ~~ينفذ له هذا الحكم ويعان عليه وهذا كله مجمع عليه بين المسلمين ليس فيه ~~خلاف لا بين الأئمة الأربعة ولا غيرهم # وقد بسط الكلام على هذه الأمور في مجلدات من جملتها مصنف ذكرنا فيه قواعد ~~تتعلق بحكم الحكام وما يجوز لهم الحكم فيه وما لا يجوز وهو مؤلف مفرد يتعلق ~~بأحكام هذا الباب لا يحسن إيراد شيء من فصوله ها هنا لإفراد الكلام في هذا ~~الموضع على قواعد التوحيد ومتعلقاته وسيأتى إيراد ما اختصر منه وحررت فصوله ~~في ضمن أوراق مفردة يقف عليها المتأمل لمزيد الفائدة ومسيس الحاجة إلى ~~معرفة هذا الأمر المهم وبالله التوفيق # وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة إحدى عشر وسبعمائة قد إستفتيت عن ~~PageV01P312 التوسل بالنبى فكتبت في ذلك جوابا مبسوطا وقد أحببت إيراده هنا ~~لما في ذلك من مزيد الفائدة فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد وحسم ~~مادة الشرك والغلو كلما تنوع بيانها ووضحت عباراتها كان ذلك نورا على نور ~~والله المستعان # وصورة السؤال # المسئول من السادة العلماء أئمة الدين أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من ~~الإستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين # وصورة الجواب # الحمد لله رب العالمين أجمع المسلمون على أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في ~~الشفاعة ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما إتفق عليه الصحابة رضوان ~~الله عليهم أجمعين واستفاضت به السنن من أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته ~~ويشفع أيضا لعموم الخلق # فله شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد وشفاعات يشركه فيها غيره من ~~الأنبياء والصالحين لكن ما له فيها أفضل مما لغيره ms0219 فإنه أفضل الخلق وأكرمهم ~~على ربه عز وجل وله من الفضائل التى ميزه الله بها على سائر النبيين ما ~~يضيق هذا الموضع عن بسطه ومن ذلك ( المقام PageV01P313 المحمود ) الذى ~~يغبطه به الأولون والآخرون وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة منها في الصحيحين ~~أحاديث متعددة وفى السنن والمساند مما يكثر عدده # وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين ~~خاصة في رفع بعض الدرجات وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقا # وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته ~~بحضرته كما ثبت في صحيح البخارى عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا ~~قحطوا إستسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال ( اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل ~~اليك بنبينا فتسقينا # وأنا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا ( فيسقون # وفى البخارى أيضا عن إبن عمر أنه قال ربما ذكرت قول الشاعر # وأنا أنظر إلى وجه النبى يستسقى فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه %~% ثمال اليتامى عصمة للأرامل # والتوسل بالنبى الذى ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسرا في سائر أحاديث ~~الإستسقاء وهو من جنس الإستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب ~~من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته ونحن نقدمه بين أيدينا شافعا وسائلا لنا ~~بأبى هو وأمى صلى الله عليه وسلم # وكذلك معاوية بن أبى سفيان لما أجدب الناس بالشام استسقى بيزيد بن الأسود ~~الجرشى فقال ( اللهم إنا نستشفع ونتوسل بخيارنا يا يزيد إرفع يديك ) فرفع ~~يديه ودعا ودعا الناس حتى سقوا PageV01P314 # ولهذا قال العلماء يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح وإذا كانوا من أهل ~~بيت رسول الله فهو أحسن # وهذا الإستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه فإنه كان يدعو للمتوسل به ~~المستشفع به والناس يدعون معه كما أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبى ~~دخل عليه أعرابى فقال يارسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله ~~يغثنا فرفع النبى يديه وقال ( اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا ) وما ~~في السماء قزعة فنشأت سحابة ms0220 من جهة البحر فمطروا أسبوعا لا يرون فيه الشمس ~~حتى دخل عليهم الأعرابى أو غيره فقال يارسول الله انقطعت السبل وتهدم ~~البنيان فادع الله يكشفها عنا فرفع يديه وقال ( اللهم حوالينا ولا علينا ~~اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية ) فانجابت عن المدينة ~~كما ينجاب الثوب والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما وفى حديث آخر في سنن ~~أبى داود وغيره أن رجلا قال له إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك ~~فسبح رسول الله حتى رئي ذلك في وجوه أصحابه وقال ( ويحك أتدرى ما الله إن ~~الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ) # وهذا يبين أن معنى الإستشفاع بالشخص في كلام النبى وأصحابه هو إستشفاع ~~بدعائه وشفاعته ليس هو السؤال بذاته فإنه لو كان هذا PageV01P315 السؤال ~~بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق ولكن لما كان ~~معناه هو الأول أنكر النبى قوله ( نستشفع بالله عليك ) ولم ينكر قوله ~~نستشفع بك على الله لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضى حاجة الطالب ~~والله تعالى لا يسأل أحدا من عباده أن يقضى حوائج خلقه وإن كان بعض الشعراء ~~ذكر استشفاعه بالله تعالى في مثل قوله # شفيعى اليك الله لا رب غيره %~% وليس إلى رد الشفيع سبيل # فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم # وكذلك بعض الإتحادية ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبى وكلاهما خطأ ~~وضلال بل هو سبحانه المسئول المدعو الذى يسأله كل من في السماوات والأرض ~~ولكن هو تبارك وتعالى يأمر عباده فيطيعونه وكل من وجبت طاعته من المخلوقين ~~فإنما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى فالرسل يبلغون عن الله أمره فمن أطاعهم ~~فقد أطاع الله ومن بايعهم فقد بايع الله قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله @QE@ # وأولو الأمر من أهل العلم وأهل الإمارة إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة ~~الله ورسوله قال في الحديث الصحيح ms0221 ( على المرء المسلم السمع والطاعة في ~~عسره ويسره ومنشطه ومكرهه ما لم يؤمر بمعصية الله فإذا أمر بمعصية الله فلا ~~سمع ولا طاعة ) وقال ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق PageV01P316 ) # وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته في الشفاعة وان كان عظيما وفى الحديث ~~الصحيح أن النبى سأل بريرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه لما أعتقت وخيرها ~~النبى فاختارت فراقه وكان زوجها يحبها فجعل يبكى فسألها النبى أن تمسكه ~~فقالت أتأمرنى فقال ( لا انما أنا شافع ( وإنما قالت ( أتأمرنى ( وقال ( ~~انما أنا شافع ( لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته ~~فإنه لا يجب قبول شفاعته ولهذا لم يلمها النبى صلى الله عليه وسلم على ترك ~~قبول شفاعته فشفاعة غيره من الخلق أولى أن لا يجب قبولها # والخالق جل جلاله أمره أعلى وأجل من أن يكون شافعا إلى مخلوق بل هو ~~سبحانه أعلى شأنا من أن يشفع أحد عنده الا بإذنه قال تعالى ( وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون # ومن يقل منهم إنى اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين ) # ودل الحديث المتقدم على أن الرسول يستشفع به إلى الله عز وجل أى يطلب منه ~~أن يسأل ربه الشفاعة في الدنيا والآخرة فأما في الآخرة فيطلب منه الخلق ~~الشفاعة في أن يقضى الله بينهم وفى أن يدخلوا الجنة ويشفع في أهل الكبائر ~~من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها ويشفع في بعض من دخلها ~~أن يخرج منها PageV01P317 ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل ~~الطاعة المستحقين للثواب # ولكن كثيرا من أهل البدع والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعته لأهل الكبائر ~~فقالوا لا يشفع لأهل الكبائر بناء على أن أهل الكبائر عندهم لا يغفر الله ~~لهم ولا يخرجهم من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا غيرها ومذهب الصحابة ~~والتابعين ms0222 وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل ~~الكبائر وأنه لا يخلد في النار من أهل الإيمان أحد بل يخرج من النار من في ~~قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان لكن هذا الإستسقاء ~~والإستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون في حياته بمعنى أنهم يطلبون منه ~~الدعاء فيدعو لهم فكان توسلهم بدعائه والإستشفاع به طلب شفاعته والشفاعة ~~دعاء # فأما التوسل بذاته في حضوره أو مغيبه أو بعد موته مثل الإقسام بذاته أو ~~بغيره من الأنبياء أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم فليس هذا مشهورا عند ~~الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبى سفيان ومن بحضرتهما من ~~أصحاب رسول الله والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا ~~واستشفعوا بمن كان حيا كالعباس وكيزيد بن الأسود ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ~~ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبى لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى ~~البدل كالعباس PageV01P318 وكيزيد بل كانوا يصلون عليه في دعائهم وقد قال ~~عمر اللهم انا كنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا ~~فاسقنا فجعلوا هذا بدلا عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع ~~الذى كانوا يفعلونه وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ~~ويقولوا في دعائهم في الصحراء بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التى تتضمن القسم ~~بمخلوق على الله عز وجل أو السؤال به فيقولون نسألك أو نقسم عليك بنبيك أو ~~بجاه نبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس # وروى بعض الجهال عن النبى أنه قال إذا سألتم الله فاسألوه بجاهى فإن جاهى ~~عند الله عظيم وهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التى يعتمد ~~عليها أهل الحديث ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث مع أن جاهه عند الله ~~تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين وقد أخبرنا سبحانه عن موسى ~~وعيسى عليهما السلام أنهما وجيهان عند الله فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ms0223 فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله ~~وجيها @QE@ وقال تعالى @QB@ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة ~~منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين @QE@ # فاذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله عز وجل فكيف بسيد ولد آدم صاحب ~~المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون وصاحب الكوثر PageV01P319 ~~والحوض المورود الذى آنيته عدد نجوم السماء وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى ~~من العسل ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا # وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة حين يتأخر عنها آدم وأولو العزم نوح ~~وابراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ويتقدم هو اليها وهو ~~صاحب اللواء آدم ومن دونه تحت لوائه وهو سيد ولد آدم وأكرمهم على ربه عز ~~وجل وهو امام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا ذو الجاه العظيم وعلى ~~آله # ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فانه لا ~~يشفع عنده أحد الا بإذنه ( ان كل من في السماوات والأرض الا آتى الرحمن ~~عبدا # لقد أحصاهم وعدهم عدا ) وقال تعالى @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ~~جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ~~وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا @QE@ # والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير اذنه فهو شريك له في حصول المطلوب والله ~~تعالى لا شريك له كما قال سبحانه @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ PageV01P320 # وقد استفاضت الأحاديث عن النبى أنه نهى عن إتخاذ القبور مساجد ولعن من ~~يفعل ذلك ونهى عن اتخاذ قبره عيدا وذلك لأن أول ما حدث الشرك في بنى آدم ~~كان في قوم # نوح قال بن عباس كان بين ms0224 آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام وثبت ذلك ~~في الصحيحين عن النبى أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض وقد قال ~~الله تعالى عن قومه انهم قالوا ( لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ~~ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ) # قال غير واحد من السلف هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا ~~عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم وقد ذكر البخارى في صحيحه ~~هذا عن بن عباس وذكر أن هذه الآلهة صارت إلى العرب وسمى قبائل العرب الذين ~~كانت فيهم هذه الأصنام # فلما علمت الصحابة رضوان الله عليهم أن النبى حسم مادة الشرك بالنهى عن ~~اتخاذ القبور مساجد وان كان المصلى يصلى لله عز وجل كما نهى عن الصلاة وقت ~~طلوع الشمس لئلا يشابه المصلين للشمس وان كان المصلى انما يصلى لله تعالى ~~وكان الذى يقصد الدعاء بالميت أو عند قبره أقرب إلى الشرك من الذى لا يقصد ~~الا الصلاة لله عز وجل لم يكونوا يفعلون ذلك وكذلك علم الصحابة أن التوسل ~~به انما هو التوسل بالإيمان به وطاعته PageV01P321 # ومحبته وموالاته أو التوسل بدعائه وشفاعته فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته ~~مجردة عن هذا وهذا فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئا من ذلك ولا ~~دعوا بمثل هذه الأدعية وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله وأعلم بما ~~أمر الله به رسوله من الأدعية وما هو أقرب إلى الإجابة منا بل توسلوا ~~بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبى صلى الله عليه وسلم دل عدولهم عن التوسل ~~بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنا # وقد قال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ( رواه مالك في موطئه ورواه غيره وفى سنن أبى داود عن ~~النبى أنه قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيثما كنتم فان صلاتكم ~~تبلغنى ( وفى الصحيحين أنه قال في مرض موته ( لعن الله اليهود والنصارى ms0225 ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز ~~قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا # وفى صحيح مسلم عن جندب أن النبى قال قبل أن يموت بخمس ( إنى ابرأ إلى ~~الله أن يكون لى منكم خليل ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا فان الله قد اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا إن من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فانى أنهاكم عن ذلك ~~( # وفي الصحيح عن النبى أنه PageV01P322 قال ( لا تطرونى كما أطرت النصارى ~~عيسى بن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ( # وقد روى الترمذى حديثا صحيحا عن النبى أنه علم رجلا أن يدعو فيقول ( ~~اللهم إنى أسألك وأتوسل اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد يارسول الله ~~إنى أتوسل بك إلى ربى في حاجتى ليقضيها لى اللهم شفعه في ( وروى النسائى ~~نحو هذا الدعاء # وفى الترمذى وبن ماجه عن عثمان بن حنيف ان رجلا ضريرا أتى النبى صلى الله ~~عليه وسلم فقال ادع الله أن يعافينى فقال إن شئت دعوت وان شئت صبرت فهو خير ~~لك فقال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء ( اللهم إنى ~~أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا رسول الله يا محمد إنى توجهت ~~بك إلى ربى في حاجتى هذه لتقضى اللهم فشفعه في ( قال الترمذى هذا حديث حسن ~~صحيح # ورواه النسائى عن عثمان بن حنيف ولفظه أن رجلا أعمى قال يارسول الله ادع ~~الله أن يكشف لى عن بصرى قال ( فإنطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إنى ~~أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد انى أتوجه بك إلى ربى أن ~~يكشف عن بصرى اللهم فشفعه في ( قال فرجع وقد كشف الله عن بصره وقال الإمام ~~أحمد في مسنده حدثنا روح حدثنا شعبة عن عمير بن يزيد PageV01P323 الخطمى ~~المدينى قال سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ms0226 ~~ضريرا أتى النبى فقال يا نبى الله ادع الله أن يعافينى فقال ( إن شئت أخرت ~~ذلك فهو خير لآخرتك وان شئت دعوت لك ( قال لا بل ادع الله لى فأمره أن ~~يتوضأ وأن يصلى ركعتين وان يدعو بهذا الدعاء ( اللهم انى أسألك وأتوجه اليك ~~بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربى في حاجتى هذه فتقضى ~~اللهم فشفعنى فيه وشفعه في ( قال ففعل الرجل فبرأ # فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء # فمن الناس من يقول هذا يقتضى جواز التوسل به مطلقا حيا وميتا وهذا يحتج ~~به من يتوسل بذاته بعد موته وفى مغيبه ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة ~~في حياته كان بمعنى الإقسام به على الله أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته أن ~~يقضى حوائجهم ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعو هو لهم ولا إلى أن ~~يطيعوه فسواء عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع الجميع عندهم توسل به ~~وسواء أطاعوه أو لم يطيعوه ويظنون أن الله تعالى يقضى حاجة هذا الذى توسل ~~به بزعمهم ولم يدع له الرسول كما يقضى حاجة هذا الذى توسل بدعائه ودعا له ~~الرسول اذ كلاهما متوسل به عندهم ويظنون أن كل من سأل الله تعالى بالنبى ~~فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى وان ما أمر به الأعمى مشروع لهم وقول ~~هؤلاء باطل شرعا وقدرا فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما يقولونه مطابق لخلق ~~الله PageV01P324 ومن الناس من يقولون هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها ~~التى تشبهها في مناط الحكم لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل ~~لها والفرق ثابت شرعا وقدرا بين من دعا له النبى صلى الله عليه وسلم وبين ~~من لم يدع له ولا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر # وهذا الأعمى شفع له النبى فلهذا قال في دعائه ( اللهم فشفعه في ( فعلم ~~أنه شفيع فيه ولفظه ( ان شئت صبرت وإن شئت دعوت لك ( فقال ms0227 ادع لى فهو طلب ~~من النبى ان يدعو له فأمره النبى أن يصلى ويدعو هو أيضا لنفسه ويقول في ~~دعائه ( اللهم فشفعه في ( فدل ذلك على أن معنى قوله ( أسألك وأتوجه اليك ~~بنبيك محمد ( أى بدعائه وشفاعته كما قال عمر ( اللهم انا كنا إذا أجدبنا ~~توسلنا اليك بنبينا فتسقينا ( فالحديثان معناهما واحد فهو علم رجلا أن ~~يتوسل به في حياته كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به اذا أجدبوا ثم انهم ~~بعد موته انما كانوا يتوسلون بغيره بدلا عنه # فلو كان التوسل به حيا وميتا سواء والمتوسل به الذى دعا له الرسول كمن لم ~~يدع له الرسول لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ~~وأقربهم إليه وسيلة إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله PageV01P325 # وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان ~~عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى فعدولهم عن هذا إلى هذا ~~مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فإنهم ~~أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم ~~يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون ~~تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن دليل على أن ~~المشروع ما سلكوه دون ما تركوه # ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الإستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه وذلك أن ~~التوسل به حيا هو الطلب لدعائه وشفاعته وهو من جنس مسألته أن يدعو لهم وهذا ~~مشروع فما زال المسلمون يسألون رسول الله في حياته أن يدعو لهم # وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء لا عند قبره ولا عند ~~غير قبره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين يسأل أحدهم الميت ~~حاجته أو يقسم على الله به ونحو ذلك # وإن كان قد روى في ذلك حكايات عن بعض المتأخرين بل طلب الدعاء مشروع من ~~كل مؤمن لكل مؤمن حتى قال ms0228 رسول الله لعمر لما استأذنه في العمرة ( لا تنسنا ~~يا أخى من دعائك ( إن صح PageV01P326 الحديث وحتى أمر النبى صلى الله عليه ~~وسلم أن يطلب من أويس القرنى أن يستغفر للطالب وإن كان الطالب أفضل من أويس ~~بكثير # وقد قال النبى في الحديث الصحيح ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ~~ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى ~~الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة ( مع ~~أن طلبه من أمته الدعاء ليس هو طلب حاجة من المخلوق بل هو تعليم لأمته ما ~~ينتفعون به في دينهم وبسبب ذلك التعليم والعمل بما علمهم يعظم الله أجره # فإنا إذا صلينا عليه مرة صلى الله علينا عشرا وإذا سألنا الله له الوسيلة ~~حلت علينا شفاعته يوم القيامة وكل ثواب يحصل لنا على أعمالنا فله مثل أجرنا ~~من غير أن ينقص من أجرنا شيء فإنه قال ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر ~~مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا ( وهو الذى دعا أمته ~~إلى كل خير وكل خير تعمله أمته له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء ~~ولهذا لم يكن الصحابة والسلف يهدون إليه ثواب أعمالهم ولا يحجون عنه ~~PageV01P327 ولا يتصدقون ولا يقرؤون القرآن ويهدون له لأن كل ما يعمله ~~المسلمون من صلاة وصيام وحج وصدقة وقراءة له مثل أجورهم من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيء بخلاف الوالدين فليس كل ما عمله المسلم من الخير يكون لوالديه ~~مثل أجره ولهذا يهدى الثواب لوالديه وغيرهما # ومعلوم أن الرسول مطيع لربه عز وجل في قوله تعالى ( فإذا فرغت فانصب والى ~~ربك فارغب ) فهو لا يرغب إلى غير الله وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( ~~يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفا بغير حساب هم الذين ms0229 لا يسترقون ولا يكتوون ~~ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ( # فهؤلاء من أمته وقد مدحهم بأنهم لا يسترقون والإسترقاء أن يطلب من غيره ~~أن يرقيه والرقية من نوع الدعاء وكان هو يرقى نفسه وغيره ولا يطلب من أحد ~~أن يرقيه ورواية من روى في هذا ( لا يرقون ( ضعيفة غلط فهذا مما يبين حقيقة ~~أمره لأمته بالدعاء أنه ليس من باب سؤال المخلوق للمخلوق الذى غيره أفضل ~~منه فإن من لا يسأل الناس بل لا يسأل إلا الله أفضل ممن يسأل الناس ومحمد ~~سيد ولد آدم # ودعاء الغائب للغائب أعظم إجابة من دعاء الحاضر لأنه أكمل إخلاصا وأبعد ~~عن الشرك فكيف يشبه دعاء من يدعو لغيره بلا سؤال منه إلى دعاء PageV01P328 ~~من يدعو الله بسؤاله وهو حاضر وفى الحديث ( أعظم الدعاء إجابة دعاء غائب ~~لغائب ( وفى صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب ~~بدعوة الا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به آمين ~~ولك بمثله ( # وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه والمخلوق قادر على ~~دعاء الله ومسألته فلهذا كان طلب الدعاء جائزا كما يطلب منه الإعانة بما ~~يقدر عليه والأفعال التى يقدر عليها # فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله ~~سبحانه لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم ولا يجوز ~~أن يقال لغير الله اغفر لى واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين أو اهد ~~قلوبنا ونحو ذلك ولهذا روى الطبرانى في معجمه أنه كان في زمن النبى منافق ~~يؤذى المؤمنين فقال الصديق قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق ~~فجاؤوا إليه فقال ( إنه لا يستغاث بى وإنما يستغاث بالله ( وهذا في ~~الاستعانة مثل ذلك # فأما ما يقدر عليه البشر فليس من هذا الباب وقد قال سبحانه PageV01P329 ( ~~إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ( وفى دعاء موسى عليه السلام ( اللهم لك ~~الحمد واليك المشتكى واليك المستعان ms0230 وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ~~ولا قوة إلا بك ( وقال أبو يزيد البسطامى إستغاثة المخلوق بالمخلوق ~~كإستغاثة الغريق بالغريق # وقال أبو عبد الله القرشى إستغاثة المخلوق بالمخلوق كإستغاثة المسجون ~~بالمسجون وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فقال الله تعالى ~~هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادى كما أنتم عبادى يرجون رحمتى كما ترجون رحمتى ~~ويخافون عذابى كما تخافون عذابى ويتقربون إلى كما تتقربون إلى فنهى سبحانه ~~عن دعاء الملائكة والأنبياء مع اخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون ~~ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم # وكذلك الأنبياء والصالحون وان كانوا أحياء في قبورهم وان قدر انهم يدعون ~~للأحياء وان وردت به آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ولم يفعل ذلك أحد من ~~السلف لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى بخلاف الطلب ~~من أحدهم في حياته فانه لا يفضى إلى الشرك ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله ~~الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالامر الكونى PageV01P330 فلا يؤثر فيه ~~سؤال السائلين بخلاف سؤال أحدهم في حياته فانه يشرع اجابة السائل وبعد ~~الموت انقطع التكليف عنهم # وقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ # فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر وقال تعالى ( ~~قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) وقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا ms0231 بإذنه @QE@ وقال تعالى @QB@ ما من شفيع إلا من بعد إذنه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ وقال تعالى @QB@ ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون @QE@ وقال تعالى عن صاحب يس @QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ~~ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال تعالى @QB@ يومئذ لا تنفع ~~الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون @QE@ PageV01P331 فالشفاعة نوعان # أحدهما الشفاعة التى نفاها الله تعالى كالتى أثبتها المشركون ومن ضاهاهم ~~من جهال هذه الأمة وضلالهم وهى شرك # والثانى أن يشفع الشفيع بإذن الله وهذه التى أثبتها الله تعالى لعباده ~~الصالحين ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة ~~يأتى ويسجد قال ( فأحمد ربى بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن فيقال أى ~~محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع ( فاذا أذن له في الشفاعة شفع ~~لمن أراد الله أن يشفع فيه # قال أهل هذا القول ولا يلزم من جواز التوسل والإستشفاع به بمعنى أن يكون ~~هو داعيا للمتوسل به أن يشرع ذلك في مغيبه وبعد موته مع أنه هو لم يدع ~~للمتوسل به بل المتوسل به أقسم به أو سأل بذاته مع كون الصحابة فرقوا بين ~~الأمرين وذلك لأنه في حياته يدعو هو لمن توسل به ودعاؤه هو لله سبحانه أفضل ~~دعاء الخلق فهو أفضل الخلق وأكرمهم على الله فدعاؤه لمن دعا له وشفاعته له ~~أفضل دعاء مخلوق لمخلوق فكيف يقاس هذا بمن لم يدع له الرسول ولم يشفع له ~~ومن سوى بين من دعا له الرسول وبين من لم ms0232 يدع له الرسول وجعل هذا التوسل ~~كهذا التوسل فهو من أضل الناس # وأيضا فانه ليس في طلب الدعاء منه ودعائه هو والتوسل بدعائه ضرر ~~PageV01P332 بل هو خير بلا شر وليس في ذلك محذور ولا مفسدة فان أحدا من ~~الأنبياء عليهم السلام لم يعبد في حياته بحضوره فانه ينهى من يعبده ويشرك ~~به ولو كان شركا أصغر كما نهى النبى من سجد له عن السجود له وكما قال ( لا ~~تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ( وأمثال ~~ذلك # وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزير ~~وغيرهما عند قبورهم ولهذا قال النبى ( لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن ~~مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ( أخرجاه في الصحيحين وقال ( ~~اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( وقال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما فعلوا # وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان أحدهما أن لا نعبد إلا الله والثانى أن لا ~~نعبده إلا بما شرع لا نعبده بعبادة مبتدعة # وهذان الأصلان هما تحقيق ( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~( كما قال تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ # قال الفضيل بن عياض أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا على ما أخلصه وأصوبه قال ~~ان العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون لله والصواب أن يكون ~~على السنة وذلك تحقيق قوله تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا PageV01P333 # وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول في دعائه اللهم اجعل عملى كله ~~صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا وقال تعالى @QB@ أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ # وفى الصحيحين عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أحدث في ~~أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ms0233 ( وفى لفظ في الصحيح ( من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد ( وفى الصحيح وغيره أيضا يقول الله تعالى ( أنا أغنى الشركاء ~~عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيرى فأنا منه بريء وهو كله للذى أشرك ( # ولهذا قال الفقهاء العبادات مبناها على التوقيف كما في الصحيحين عن عمر ~~بن الخطاب أنه قبل الحجر الاسود وقال ( والله انى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا ~~تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك ) والله سبحانه امرنا ~~باتباع الرسول وطاعته وموالاته ومحبته وأن يكون الله ورسوله أحب الينا مما ~~سواهما وضمن لنا بطاعته ومحبته محبة الله وكرامته فقال تعالى @QB@ قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإن تطيعوه تهتدوا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم @QE@ وأمثال ذلك ~~في القرآن كثير ولا ينبغى لأحد أن يخرج في هذا عما مضت به السنة وجاءت به ~~الشريعة PageV01P334 ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الامة وما علمه ~~قال به وما لم يعلمه امسك عنه ولا يقفو ما ليس له به علم ولا يقول على الله ~~ما لم يعلم فان الله تعالى قد حرم ذلك كله # وقد جاء في الاحاديث النبوية ذكر ما سأل الله تعالى به كقوله ( اللهم انى ~~أسألك بأن لك الحمد لا اله الا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا ~~الجلال والاكرام يا حى يا قيوم ) رواه أبو داود وغيره وفى لفظ ( اللهم انى ~~أسالك بأنى أشهد أنك أنت الله لا اله الا أنت الأحد الصمد الذى لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد ) رواه أبو داود والنسائى وبن ماجه # وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وهو الحلف ~~بالمخلوقات فلو حلف بالكعبة أو بالملائكة أو بالانبياء أو بأحد من الشيوخ ~~أو بالملوك لم تنعقد يمينه ولا يشرع له ذلك بل ينهى عنه اما نهى تحريم واما ~~نهى ms0234 تنزيه فان للعلماء في ذلك قولين والصحيح أنه نهى تحريم ففى الصحيح عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) ~~وفى الترمذى عنه أنه قال ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) ولم يقل أحد من ~~العلماء المتقدمين أنه تنعقد اليمين بأحد من الانبياء الا في نبينا فان عن ~~أحمد روايتين في أنه تنعقد اليمين به وقد طرد بعض أصحابه كابن عقيل الخلاف ~~في سائر الانبياء وهذا ضعيف وأصل القول بانعقاد اليمين بالنبى ضعيف شاذ ولم ~~يقل به أحد من العلماء PageV01P335 فيما نعلم والذى عليه الجمهور كمالك ~~والشافعى وأبى حنيفة أنه لا تنعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا ~~هو الصحيح # وكذلك الاستعاذة بالمخلوقات بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته ~~ولهذا احتج السلف كأحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق فيما احتجوا به ~~بقول النبى ( أعوذ بكلمات الله التامات ( قالوا فقد استعاذ بها ولا يستعاذ ~~بمخلوق # وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا بأس بالرقى ما لم تكن ~~شركا ( فنهى عن الرقى التى فيها شرك كالتى فيها استعاذة بالجن كما قال ~~تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ ~~ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والإقسام التى يستعملها بعض الناس في حق ~~المصروع وغيره التى تتضمن الشرك بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك ~~خشية أن يكون فيه شرك بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فإنه جائز فإذا لا ~~يجوز أن يقسم لا قسما مطلقا ولا قسما على غيره إلا بالله عز وجل ولا يستعيذ ~~إلا بالله عز وجل # والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسما عليه واما أن يكون طالبا بذلك ~~السبب كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم وكما يتوسل بدعاء الأنبياء ~~والصالحين PageV01P336 # فإن كان إقساما على الله بغيره فهذا لا يجوز # وإن كان سؤالا بسبب يقتضى المطلوب كالسؤال بالأعمال التى فيها طاعة الله ~~ورسوله مثل السؤال بالإيمان بالرسول ومحبته ms0235 وموالاته ونحو ذلك فهذا جائز # وإن كان سؤالا بمجرد ذات الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع وقد نهى عنه ~~غير واحد من العلماء وقالوا إنه لا يجوز ورخص فيه بعضهم والأول أرجح كما ~~تقدم وهو سؤال بسبب لا يقتضى حصول المطلوب بخلاف من كان طالبا بالسبب ~~المقتضى لحصول المطلوب كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة ~~فهذا جائز لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذى دعوا به وكذلك الأعمال ~~الصالحة سبب لثواب الله لنا وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا كنا متوسلين إليه ~~تعالى بوسيلة كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة @QE@ والوسيلة هي الأعمال الصالحة وقال تعالى @QB@ أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ # وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا ولكن توسلنا بنفس ~~ذواتهم لم يكن نفس ذواتهم سببا يقتضى إجابة دعائنا فكنا متوسلين بغير وسيلة ~~ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبى صلى الله عليه وسلم نقلا صحيحا ولا ~~مشهورا عن السلف # وقد نقل في ( منسك المروذى ) عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبى وهذا قد يخرج ~~على احدى الروايتين عنه في جواز القسم به PageV01P337 وأكثر العلماء على ~~النهى في الأمرين ولا ريب أن لهم عند الله الجاه العظيم كما قال تعالى في ~~حق موسى وعيسى عليهما السلام وقد تقدم ذكر ذلك لكن ما لهم عند الله من ~~المنازل والدرجات أمر يعود نفعه اليهم ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم ~~ومحبتنا لهم فإذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا بنبيه ومحبته وموالاته ~~وإتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل ~~بالإيمان به وطاعته فلا يجوز أن يكون وسيلة فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل ~~بالإيمان بالمتوسل به ولا بطاعته فبأى شيء يتوسل # والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له ~~عند ذلك مثل أن يقال لأبى الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه اشفع لنا عنده ~~وهذا جائز # وإما أن يقسم عليه كما يقول بحياة ولدك ms0236 فلان وبتربة أبيك فلان وبحرمة ~~شيخك فلان ونحو ذلك والإقسام على الله تعالى بالمخلوقين لا يجوز ولا يجوز ~~الإقسام على مخلوق بمخلوق # وإما أن يسأل بسبب يقتضى المطلوب كما قال الله تعالى ( واتقوا الله الذى ~~تساءلون به والأرحام ) وسيأتى بيان ذلك # وقد تبين أن الإقسام على الله سبحانه بغيره لا يجوز ولا يجوز أن يقسم ~~بمخلوق أصلا وأما التوسل إليه بشفاعة المأذون لهم في الشفاعة فجائز والاعمى ~~كان قد طلب من النبى أن يدعو له كما طلب الصحابة منه PageV01P338 الإستسقاء ~~وقوله ( أتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة ( أى بدعائه وشفاعته لى ولهذا ~~تمام الحديث ( اللهم فشفعة في ( فالذى في الحديث متفق على جوازه وليس هو ~~مما نحن فيه # وقد قال تعالى @QB@ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام @QE@ # فعلى قراءة الجمهور بالنصب إنما يسألون بالله وحده لا بالرحم وتساؤلهم ~~بالله تعالى يتضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله # وأما على قراءة الخفض فقد قال طائفة من السلف هو قولهم أسألك بالله ~~وبالرحم وهذا إخبار عن سؤالهم وقد يقال انه ليس بدليل على جوازه فان كان ~~دليلا على جوازه فمعنى قوله أسألك بالرحم ليس إقساما بالرحم والقسم هنا لا ~~يسوغ لكن بسبب الرحم أى لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقا كسؤال ~~الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة وكسؤالنا بدعاء النبى وشفاعته # ومن هذا الباب ما روى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أن بن أخيه عبد ~~الله بن جعفر كان إذا سأله بحق جعفر أعطاه وليس هذا من باب الإقسام فإن ~~الإقسام بغير جعفر أعظم بل من باب حق الرحم لأن حق الله إنما وجب بسبب جعفر ~~وجعفر حقه على على # ومن هذا الباب الحديث الذى رواه بن ماجه عن أبى سعيد عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة ( اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك ~~وبحق ممشاى هذا فانى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة PageV01P339 ~~ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك ms0237 أن تنقذنى من النار وأن تغفر لى ~~ذنوبى فإنه لا يغفر الذنوب الا أنت ( وهذا الحديث في إسناده عطية العوفى ~~وفيه ضعف فإن كان من كلام النبى صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباب ~~لوجهين # ( أحدهما ( لأن فيه السؤال لله تعالى بحق السائلين وبحق الماشين في طاعته ~~وحق السائلين أن يجيبهم وحق الماشين أن يثيبهم وهذا حق أوجبه الله تعالى ~~وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق تعالى شيئا ومنه قوله تعالى ( كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة ( وقوله تعالى ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ( وقوله ~~تعالى ( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ~~( # وفى الصحيح في حديث معاذ ( حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم ( # وفى الصحيح عن ابى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه ~~تبارك وتعالى أنه قال ( يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم ~~محرما فلا تظالموا ( # وإذا كان حق السائلين والعابدين له هو الإجابة والإثابة بذلك فذاك سؤال ~~لله بأفعاله كالإستعاذة بنحو ذلك في قوله ( أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك ~~من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك PageV01P340 أنت كما أثنيت على ~~نفسك ( فالإستعاذة بمعافاته التى هي فعله كالسؤال بإثابته التى هي فعله ~~وروى الطبرانى في ( كتاب الدعاء ( عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله ~~يقول ( يا عبدى إنما هي أربع واحدة لى وواحدة لك وواحدة بينى وبينك وواحدة ~~بينك وبين خلقى فالتى لى أن تعبدنى لا تشرك بى شيئا والتى هي لك أجزيك بها ~~أحوج ما تكون إليه والتى بينى وبينك منك الدعاء ومنى الإجابة والتى بينك ~~وبين خلقى فأت إلى الناس ما تحب أن يأتوه اليك ( # وتقسيمه في الحديث إلى قوله واحدة لى وواحدة لك وهو مثل تقسيمه في حديث ~~الفاتحة حيث يقول الله تعالى ( قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين نصفها لى ~~ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل ms0238 والعبد يعود عليه نفع النصفين والله تعالى يحب ~~النصفين لكن هو سبحانه يحب أن يعبد وما يعطيه العبد من الإعانة والهداية هو ~~وسيلة إلى ذلك فانما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته والعبد يطلب ما يحتاج ~~إليه أولا وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة والهداية إلى الصراط المستقيم ~~وبذلك يصل إلى العبادة إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيما يتعلق بذلك وليس ~~هذا موضعه وان كنا خرجنا عن المراد # ( الوجه الثانى ( أن الدعاء له سبحانه وتعالى والعمل له سبب لحصول مقصود ~~العبد فهو كالتوسل بدعاء النبى والصالحين من أمته وقد تقدم أن الدعاء ~~بالنبى والصالح اما أن يكون اقساما به PageV01P341 أو سببا به فان كان قوله ~~( بحق السائلين عليك ) اقساما فلا يقسم على الله الا به وان كان سببا فهو ~~سبب بما جعله هو سبحانه سببا وهو دعاؤه وعبادته فهذا كله يشبه بعضه بعضا ~~وليس في شيء من ذلك دعاء له بمخلوق من غير دعاء منه ولا عمل صالح منا # وإذا قال السائل أسألك بحق الملائكة أو بحق الانبياء وحق الصالحين ولا ~~يقول لغيره أقسمت عليك بحق هؤلاء فاذا لم يجز له أن يحلف به ولا يقسم على ~~مخلوق به فكيف يقسم على الخالق به وإن كان لا يقسم به وانما يتسبب به فليس ~~في مجرد ذوات هؤلاء سبب يوجب تحصيل مقصوده ولكن لابد من سبب منه كالايمان ~~بالملائكة والانبياء أو منهم كدعائهم ولكن كثيرا من الناس تعودوا ذلك كما ~~تعودوا الحلف بهم حتى يقول أحدهم وحقك على الله وحق هذه الشيبة على الله # وإذا قال القائل أسألك بحق فلان أو بجاهه أى أسألك بايمانى به ومحبتى له ~~وهذا من أعظم الوسائل قيل من قصد هذا المعنى فهو معنى صحيح لكن ليس هذا ~~مقصود عامة هؤلاء فمن قال أسألك بايمانى بك وبرسولك ونحو ذلك أو بايمانى ~~برسولك ومحبتى له ونحو ذلك فقد أحسن في ذلك كما قال تعالى في دعاء المؤمنين ~~@QB@ ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ms0239 ربنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين @QE@ PageV01P342 # وقال تعالى @QB@ ربنا آمنا بما أنزلت ~~واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين @QE@ # وكان بن مسعود يقول اللهم أمرتنى فأطعت ودعوتنى فأجبت وهذا سحر فاغفر لى ~~ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا إلى الغار وانطبقت ~~عليهم الصخرة ثم دعوا الله سبحانه بأعمالهم الصالحة ففرج عنهم وهو ما ثبت ~~في الصحيحين # وقال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا خالد بن خراش العجلانى واسماعيل بن ~~إبراهيم قالا حدثنا صالح المرى عن ثابت عن أنس قال دخلنا على رجل من ~~الانصار وهو مريض ثقيل فلم نبرح حتى قبض فبسطنا عليه ثوبه وله أم عجوز ~~كبيرة عند رأسه فالتفت اليها بعضنا وقال يا هذه احتسبى مصيبتك عند الله ~~قالت وما ذاك مات ابنى قلنا نعم قالت أحق ما تقولون قلنا نعم فمدت يديها ~~إلى الله فقالت اللهم انك تعلم أنى اسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعقبنى ~~عند كل شدة فرجا فلا تحمل على هذه المصيبة اليوم قال فكشفت الثوب عن وجهه ~~فما برحنا حتى طعمنا معه # وروى في كتاب الحلية لأبى نعيم أن داود قال بحق آبائى عليك إبراهيم ~~واسحاق ويعقوب فأوحى الله تعالى إليه يا داود وأى حق لآبائك على وهذا وإن ~~لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يعتضد بها ولا يعتمد عليها ~~PageV01P343 وقد مضت السنة أن الحى يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما ~~يقدر عليه # وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء يحقق هذا الأمر أن التوسل ~~به والتوجه به لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الإصطلاح فمعناه في لغة الصحابة ~~أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته ~~ودعاؤه وشفاعته من أعظم الوسائل عند الله عز وجل # وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل ms0240 الله تعالى ويقسم عليه بذاته ~~والله تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات بل لا يقسم بها بحال فلا يقال ~~أقسمت عليك يارب بملائكتك ولا بكعبتك ولا بعبادك الصالحين كما لا يجوز أن ~~يقسم الرجل بهذه الأشياء بل إنما يقسم بالله تعالى بأسمائه وصفاته ولهذا ~~كان السنة أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته فيقول ( اسألك بأن لك الحمد ~~لا اله الا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حى ~~يا قيوم وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد وأسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك ( الحديث كما جاءت به السنة ~~وأما أن يسأل الله ويقسم عليه بمخلوقاته فهذا لا أصل له في دين الإسلام ~~وكذلك قوله ( اللهم إنى أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك ~~وبإسمك الأعظم وجدك الأعلى وبكلماتك التامات PageV01P344 # مع أن هذا الدعاء الثالث في جواز الدعاء به قولان للعلماء قال الشيخ أبو ~~الحسن القدورى في كتابه المسمى بشرح الكرخى قال بشر بن الوليد سمعت أبا ~~يوسف قال قال أبو حنيفة لا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول ( ~~بمعاقد العز من عرشك ( أو ( بحق خلقك ( وهو قول أبى يوسف قال أبو يوسف ( ~~معقد العز من عرشه ( هو الله فلا أكره هذا وأكره أن يقول ( بحق أنبيائك ~~ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام ( قال القدورى المسألة بخلقه لا تجوز لأنه ~~لا حق للمخلوق على الخالق فلا يجوز يعنى وفاقا وهذا من أبى حنيفة وأبى يوسف ~~وغيرهما يقتضى المنع أن يسأل الله بغيره # فإن قيل الرب سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته وليس لنا أن نقسم ~~عليه إلا به فهلا قيل يجوز أن يقسم عليه بمخلوقاته وأن لا يقسم على مخلوق ~~الا بالخالق تعالى قيل لأن اقسامه بمخلوقاته من باب مدحه والثناء عليه وذكر ~~آياته واقسامنا نحن بذلك شرك إذا أقسمنا به لحض غيرنا أو لمنعه أو تصديق ~~خبر أو تكذيبه ms0241 # ومن قال لغيره أسألك بكذا فاما أن يكون مقسما فهذا لا يجوز بغير الله ~~تعالى والكفارة في هذا على المقسم لا على المقسم عليه كما صرح بذلك أئمة ~~الفقهاء وإن لم يكن مقسما فهو من باب السؤال فهذا لا كفارة فيه على واحد ~~منهما # فتبين أن السائل لله بخلقه إما أن يكون حالفا بمخلوق وذلك لا يجوز وإما ~~أن يكون سائلا به وقد تقدم تفصيل ذلك وإذا قال ( بالله افعل كذا ~~PageV01P345 فلا كفارة فيه على واحد منهما وإذا قال ( أقسمت عليك بالله ~~لتفعلن ( أو ( والله لتفعلن ( فلم يبر قسمه لزمت الكفارة الحالف # والذى يدعو بصيغة السؤال فهو من باب السؤال به وأما إذا أقسم على الله ~~تعالى مثل أن يقول أقسمت عليك يارب لتفعلن كذا كما كان يفعل البراء بن مالك ~~وغيره من السلف فقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~رب أشعث أغبر ذى طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ( وفى الصحيح ~~انه قال لما قال أنس بن النضر والذى بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع فقال ~~النبى ( يا أنس كتاب الله القصاص ( فعفا القوم فقال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ( وهذا من باب الحلف ~~بالله لتفعلن هذا الأمر فهو إقسام عليه تعالى به وليس إقساما عليه بمخلوق # وينبغى للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التى جاء بها الكتاب والسنة فان ~~ذلك لا ريب في فضله وحسنه وأنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # وقد تقدم أن ما يذكره بعض العامة من قوله ( إذا كانت لكم حاجة فاسألوا ~~الله بجاهى ( حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب ~~الحديث وانما المشروع الصلاة عليه في كل دعاء # ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء في الإستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه لم ~~يذكروا فيما شرع للمسلمين في هذه الحال التوسل به كما ms0242 لم يذكر أحد من ~~العلماء PageV01P346 دعاء غير الله والإستعانة المطلقة بغيره في حال من ~~الأحوال وان كان بينهما فرق فان دعاء غير الله كفر ولهذا لم ينقل دعاء أحد ~~من الموتى والغائبين لا الأنبياء ولا غيرهم عن أحد من السلف وأئمة العلم ~~وانما ذكره بعض المتأخرين ممن ليس من أئمة العلم المجتهدين بخلاف قولهم ~~أسألك بجاه نبينا أو بحقه فان هذا مما نقل عن بعض المتقدمين فعله ولم يكن ~~مشهورا بينهم ولا فيه سنة عن النبى بل السنة تدل على النهى عنه كما نقل ذلك ~~عن أبى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما # ورأيت في فتاوى الفقيه أبى محمد بن عبد السلام قال لا يجوز أن يتوسل إلى ~~الله بأحد من خلقه إلا برسول الله إن صح حديث الأعمى فلم يعرف صحته ثم رأيت ~~عن ابى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما من العلماء أنهم قالوا لا يجوز الإقسام على ~~الله بأحد من الأنبياء ورأيت في كلام الإمام أحمد أنه في النبى صلى الله ~~عليه وسلم لكن قد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز الحلف به وقد تقدم ~~أن هذا الحديث لا يدل الا على التوسل بدعائه ليس من باب الإقسام بالمخلوق ~~على الله تعالى ولا من باب السؤال بذات الرسول كما تقدم والذين يتوسلون ~~بذاته لقبول الدعاء عدلوا عما أمروا به وشرع لهم وهو من أنفع الأمور لهم ~~إلى ما ليس كذلك فإن الصلاة عليه من أعظم الوسائل التى بها يستجاب الدعاء ~~وقد أمر الله بها # والصلاة عليه في الدعاء هو الذى دل عليه الكتاب والسنة والإجماع قال الله ~~تعالى ( إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما PageV01P347 وفى الصحيح عنه أنه قال ( من صلى على مرة صلى ~~الله عليه عشرا ( وعن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله قال سمع رسول الله رجلا ~~يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبى صلى الله عليه وسلم فقال صلى ~~الله عليه وسلم ( عجل هذا ( ثم دعاه ms0243 فقال له أو لغيره ( إذا صلى أحدكم ~~فليبدأ بحمد ربه ثم يصلى على النبى ثم يدعو بعده بما شاء ( رواه أحمد وأبو ~~داود وهذا لفظه والترمذى والنسائى وقال الترمذى حديث صحيح # وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبى يقول ( إذا ~~سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على صلاة صلى ~~الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغى إلا ~~لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه ~~الشفاعة ( # وفى سنن أبى داود والنسائى عنه أن رجلا قال يارسول الله إن المؤذنين ~~يفضلوننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قل كما يقولون فإذا انتهيت ~~سل تعطه ( وفى المسند عن جابر بن عبد الله قال ( من قال حين ينادى المنادى ~~اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عنه رضاء لا ~~سخط بعده استجاب الله له دعوته ( # وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله ( الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة ~~( رواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وقال الترمذى حديث حسن ~~PageV01P348 # وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله ( ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء قلما ~~ترد على داع دعوته عند حصول النداء والصف في سبيل الله ( رواه أبو داود # وفى المسند والترمذى وغيرهما عن الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال ( يا أيها الناس ~~اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه ( # قال أبى قلت يا رسول الله إنى أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتى قال ~~( ما شئت ( قلت الربع قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك ( قلت النصف قال ( ما ~~شئت ( وان زدت فهو خير لك ( قلت الثلثين قال ( ما شئت وان زدت فهو خير لك ( ~~قلت أجعل لك صلاتى كلها قال ( إذا ms0244 يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك ~~( وفى لفظ ( إذا تكفى همك ويغفر ذنبك ( # وقول السائل أجعل لك من صلاتى يعنى من دعائى فإن الصلاة في اللغة هي ~~الدعاء قال تعالى @QB@ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@ # وقال النبى ( اللهم صل على آل أبى أوفى ( وقالت إمرأة صل على يارسول الله ~~وعلى زوجى فقال ( صلى الله عليك وعلى زوجك ( # فيكون مقصود السائل أى يارسول الله ان لى دعاء أدعو به أستجلب به ~~PageV01P349 الخير وأستدفع به الشر فكم أجعل لك من الدعاء قال ( ما شئت ( ~~فلما انتهى إلى قوله اجعل لك صلاتى كلها قال ( اذا تكفى همك ويغفر ذنبك ( ~~وفى الرواية الأخرى ( اذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك ( وهذا ~~غاية ما يدعو به الإنسان من جلب الخيرات ودفع المضرات فإن الدعاء فيه تحصيل ~~المطلوب واندفاع المرهوب كما بسط ذلك في مواضعه # ( # وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية وأعرضوا عن الأدعية ~~البدعية فينبغى اتباع ذلك والمراتب في هذا الباب ثلاث # ( إحداها ( أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء ~~والصالحين أو غيرهم فيقول يا سيدى فلان أغثنى أو أنا أستجير بك أو أستغيث ~~بك أو انصرنى على عدوى ونحو ذلك فهذا هو الشرك بالله والمستغيث بالمخلوقات ~~قد يقضى الشيطان حاجته أو بعضها وقد يتمثل له في صورة الذى استغاث به فيظن ~~أن ذلك كرامة لمن استغاث به وانما هو شيطان دخله وأغواه لما اشرك بالله كما ~~يتكلم الشيطان في الأصنام وفى المصروع وغير ذلك ومثل هذا واقع كثيرا في ~~زماننا وغيره وأعرف من ذلك ما يطول وصفه في قوم استغاثوا بى أو بغيرى ~~وذكروا أنه أتى شخص على صورتى أو صورة غيرى وقضى حوائجهم فظنوا أن ذلك من ~~بركة الاستغاثة ( بى ( أو بغيرى وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم وهذا هو أصل ~~عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء مع الله تعالى في الصدر الأول من القرون ~~الماضية كما ثبت ذلك فهذا أشرك بالله نعوذ بالله ms0245 من ذلك PageV01P350 وأعظم ~~من ذلك أن يقول اغفر لى وتب على كما يفعله طائفة من الجهال المشركين # وأعظم من ذلك أن يسجد لقبره ويصلى إليه ويرى الصلاة أفضل من استقبال ~~القبلة حتى يقول بعضهم هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام # وأعظم من ذلك أن يرى السفر إليه من جنس الحج حتى يقول إن السفر إليه مرات ~~يعدل حجة وغلاتهم يقولون الزيارة إليه مرة أفضل من حج البيت مرات متعددة ~~ونحو ذلك فهذا شرك بهم وان كان يقع كثير من الناس في بعضه # ( الثانية ( أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين ادع الله لى ~~أو ادع لنا ربك أو إسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها فهذا أيضا ~~لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التى لم يفعلها أحد من سلف ~~الأمة وان كان السلام على أهل القبور جائزا ومخاطبتهم جائزة كما كان النبى ~~يعلم أصحابه اذا زاروا القبور أن يقول قائلهم ( السلام عليكم أهل الديار من ~~المؤمنين والمسلمين وانا ان شاء الله بكم لاحقون يغفر الله لنا ولكم نسأل ~~الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ~~ولهم ( # وروى أبو عمر بن عبد البر عن النبى أنه قال ( ما من رجل يمر بقبر الرجل ~~كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه الا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ~~PageV01P351 # وفى سنن أبى داود عن النبى أنه قال ( ما من مسلم يسلم على إلا رد الله ~~على روحى حتى أرد عليه السلام ( لكن ليس من المشروع أن يطلب من الأموات لا ~~دعاء ولا غيره وفى موطأ مالك أن بن عمر كان يقول ( السلام عليك يا رسول ~~الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ( ثم ينصرف وعن عبد الله ~~بن دينار قال رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبى فيصلى على النبى ~~ويدعو لأبى بكر وعمر وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم كانوا يسلمون ~~على النبى ms0246 صلى الله عليه وسلم فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون ~~الله تعالى لا يدعون مستقبلى الحجرة وإن كان قد وقع في بعض ذلك طوائف من ~~الفقهاء والصوفية والعامة من لا اعتبار بهم فلم يذهب إلى ذلك امام متبع في ~~قوله ولا من له في الأمة لسان صدق عام ومذهب الأئمة الأربعة مالك وأبى ~~حنيفة والشافعى وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبى ~~وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة واختلفوا في وقت السلام عليه فقال ~~الثلاثة مالك والشافعى وأحمد يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه وقال ~~أبو حنيفة لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء ~~بإتفاقهم ثم في مذهبه قولان PageV01P352 قيل يستدبر الحجرة وقيل يجعلها عن ~~يساره # فهذا نزاعهم في وقت السلام وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما ~~يستقبل القبلة لا الحجرة # والحكاية التى تذكر عن مالك أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة ~~فأمره بذلك وقال ( هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ( كذب على مالك ليس لها إسناد ~~معروف وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره ~~إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره مثل ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون ~~القيام مستقبلى الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك وذكر أنه من البدع ~~التى لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان وقال لا يصلح آخر هذه الأمة ~~إلا ما أصلح أولها # ولا ريب أن الأمر كما قاله مالك فإن الآثار المتواترة عن الصحابة ~~والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم ولو كان استقبال الحجرة عند ~~الدعاء مشروعا لكانوا هم أعلم بذلك وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم والداعى ~~يدعو الله وحده وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى كما نهى عن ~~استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبى ~~مرثد PageV01P353 الغنوى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا اليها ( # فلا ms0247 يجوز أن يصلى إلى شيء من القبور لا قبور الأنبياء ولا غيرهم لهذا ~~الحديث الصحيح # ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر بل هذا من ~~البدع المحدثة وكذلك قصد شيء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين ~~عند الدعاء فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت ~~نفسه أولى أن لا يجوز كما أنه لا يجوز أن يصلى مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة ~~له بطريق الأولى # فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئا لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا ~~غير ذلك ولا يجوز أن يشكى إليه شيء من مصائب الدنيا والدين ولو جاز أن يشكى ~~إليه ذلك في حياته فإن ذلك في حياته لا يفضى إلى الشرك وهذا يفضى إلى الشرك ~~لأنه في حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له في ذلك من الأجر والثواب ~~وبعد الموت ليس مكلفا بل ما يفعله من ذكر لله تعالى ودعاء ونحو ذلك كما أن ~~موسى يصلى في قبره وكما صلى الأنبياء خلف النبى ليلة المعراج ببيت المقدس ~~وتسبيح أهل الجنة والملائكة فهم يمتعون بذلك وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره ~~الله لهم ويقدره لهم ليس هو من باب التكليف الذى يمتحن به العباد # وحينئذ فسؤال السائل للميت لا يؤثر في ذلك شيئا بل ما جعله الله فاعلا له ~~هو يفعله وإن لم يسأله العبد كما يفعل الملائكة ما يؤمرون به وهم انما ~~PageV01P354 يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق كما قال سبحانه وتعالى ( ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) فهم لا يعملون إلا بأمره سبحانه ~~وتعالى # ولا يلزم من جواز الشيء في حياته جوازه بعد موته فإن بيته كانت الصلاة ~~فيه مشروعة وكان يجوز أن يجعل مسجدا ولما دفن فيه حرم ان يتخذ مسجدا كما في ~~الصحيحين عنه أنه قال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد ( يحذر ما فعلوا ولولا ms0248 ذلك لابرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا # وفى صحيح مسلم وغيره عنه أنه قال ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ( وقد كان في حياته ~~يصلى خلفه وذلك من أفضل الأعمال ولا يجوز بعد موته أن يصلى الرجل خلف قبره ~~وكذلك في حياته يطلب منه أن يأمر وأن يفتى وأن يقضى ولا يجوز أن يطلب ذلك ~~منه بعد موته وأمثال ذلك كثير # وقد كره مالك وغيره أن يقول الرجل زرت قبر رسول الله لأن هذا اللفظ لم ~~يرد والأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة بل كذب وهذا اللفظ صار ~~مشتركا في عرف المتأخرين يراد به ( الزيارة البدعية ) التى في معنى الشرك ~~كالذى يزور القبر ليسأله أو يسأل الله به أو يسأل الله عنده PageV01P355 و ~~( الزيارة الشرعية ( هي أن يزوره لله تعالى للدعاء له والسلام عليه كما ~~يصلى على جنازته # فهذا الثانى هو المشروع ولكن كثير من الناس لا يقصد بالزيارة إلا المعنى ~~الأول فكره مالك أن يقول زرت قبره لما فيه من إيهام المعنى الفاسد الذى ~~يقصده أهل البدع والشرك # ( الثالثة ( أن يقال أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذى تقدم ~~عن أبى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما أنه منهى عنه # وتقدم أيضا أن هذا ليس بمشهور عن الصحابة بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء ~~العباس وغيره # وقد تبين ما في لفظ ( التوسل ( من الإشتراك بين ما كانت الصحابة تفعله ~~وبين مالم يكونوا يفعلونه فان لفظ التوسل والتوجه في عرف الصحابة ولغتهم هو ~~التوسل والتوجه بدعائه وشفاعته # ولهذا يجوز أن يتوسل ويتوجه بدعاء كل مؤمن وان كان بعض الناس من المشايخ ~~المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبى أنه قال ( إذا اعيتكم الأمور فعليكم ~~بأهل القبور ( أو فاستعينوا بأهل القبور ( فهذا الحديث كذب مفترى على النبى ~~بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك ولا يوجد في شيء من ~~كتب الحديث المعتمدة PageV01P356 وقد قال تعالى @QB@ وتوكل على ms0249 الحي الذي ~~لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا @QE@ وهذا مما يعلم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أنه غير مشروع وقد نهى النبى عما هو أقرب من ذلك ~~عن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك ولعن أهله تحذيرا من التشبه بهم فان ذلك ~~أصل عبادة الأوثان كما قال تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ فإن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم ~~نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم ~~كما تقدم ذكر ذلك عن بن عباس وغيره من علماء السلف فمن فهم معنى قوله ( ~~إياك نعبد واياك نستعين ) عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة الا ~~الله وحده وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الاستغاثة لا تكون ~~الا بالله والتوكل لا يكون الا عليه ( وما النصر إلا من عند الله ( فالنصر ~~المطلق وهو خلق ما يغلب به العدو لا يقدر عليه إلا الله وفى هذا القدر ~~كفاية لمن هداه الله والله أعلم # وهذا الذى نهى عنه النبى من هذا الشرك هو كذلك في شرائع غيره من الأنبياء ~~ففى التوراة أن موسى عليه السلام نهى بنى اسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك ~~من الشرك وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله وذلك أن دين الأنبياء ~~عليهم السلام واحد وإن تنوعت شرائعهم # كما في الصحيح عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( إنا معشر الأنبياء ديننا ~~واحد PageV01P357 وقد قال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون @QE@ وقال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق ms0250 الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ وهذا هو دين الإسلام الذى ~~لا يقبل الله دينا غيره من الأولين والآخرين كما قد بسط الكلام عليه في غير ~~هذا الموضع PageV01P358 ### ||| فصل # وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله وما نهى الله عنه ورسوله في حق أشرف ~~الخلق وأكرمهم على الله عز وجل وسيد ولد آدم وخاتم الرسل والنبيين وأفضل ~~الأولين والآخرين وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاها عند الله تبارك وتعالى ~~تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بأن لا يشرك به ولا يتخذ قبره ~~وثنا يعبد ولا يدعى من دون الله لا في حياته ولا في مماته # ولا يجوز لأحد أن يستغيث باحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن ~~يقول يا سيدى فلانا أغثنى وانصرنى وادفع عنى أو أنا في حسبك ونحو ذلك بل كل ~~هذا من الشرك الذى حرم الله ورسوله وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين ~~الإسلام وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم لما ~~كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأوثان ~~ويغويهم فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل ~~المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان وبعض ذلك صدق لكن لابد أن يكون في ذلك ~~ما هو كذب بل الكذب أغلب عليه من الصدق PageV01P359 وقد تقضى الشياطين بعض ~~حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذى جاء من ~~الغيب حتى فعل ذلك أو يظن أن الله تعالى صور ملكا على صورته فعل ذلك ويقول ~~أحدهم هذا سر الشيخ وحاله وانما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به ~~المستغيث به كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضى بعض حوائجهم ~~كما كان ذلك في أصنام مشركى العرب وهو اليوم موجود في المشركين من الترك ~~والهند وغيرهم وأعرف من ذلك وقائع كثيرة ms0251 في أقوام استغاثوا بى وبغيرى في ~~حال غيبتنا عنهم فرأونى أو ذاك الآخر الذى استغاثوا به قد جئنا في الهواء ~~ودفعنا عنهم ولما حدثونى بذلك بينت لهم أن ذلك انما هو شيطان تصور بصورتى ~~وصورة غيرى من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى ~~عزائمهم في الإستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين وهذا من أكبر الأسباب التى ~~بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان # وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلامس يرون أيضا من ~~يأتى على صورة ذلك الشيخ النصرانى الذى استغاثوا به فيقضى بعض حوائجهم # وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت ~~النبى غاية أحدهم أن يجرى له بعض هذه الأمور أو يحكى لهم بعض هذه الأمور ~~فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل ومن هؤلاء من يأتى إلى قبر ~~الشيخ PageV01P360 الذى يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو ~~نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه وإنما ذلك كله من ~~الشياطين وهذا من أعظم الأسباب التى عبدت بها الأوثان # وقد قال الخليل عليه السلام ( واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام # رب انهن أضللن كثيرا من الناس ( كما قال نوح عليه السلام ومعلوم أن الحجر ~~لا يضل كثيرا من الناس إلا بسبب اقتضى ضلالهم ولم يكن أحد من عباد الأصنام ~~يعتقد أنها خلقت السماوات والأرض بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط ~~لأسباب # منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين # ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر # ومنهم من جعلها لأجل الجن # ومنهم من جعلها لأجل الملائكة فالمعبود لهم في قصدهم انما هو الملائكة ~~والأنبياء والصالحون أو الشمس أو القمر وهم في نفس الأمر يعبدون الشياطين ~~فهي التى تقصد من الإنس أن يعبدوها وتظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك كما قال ~~تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~@QE@ # وإذا كان العابد ms0252 ممن لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه أنه إنما يدعو ~~PageV01P361 الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به ~~وأما إن كان ممن لا يحرم عبادة الجن عرفوه أنهم الجن # وقد يطلب الشيطان المتمثل له في صورة الإنسان أن يسجد له أو أن يفعل به ~~الفاحشة أو أن يأكل الميتة ويشرب الخمر أو أن يقرب لهم الميتة وأكثرهم لا ~~يعرفون ذلك بل يظنون أن من يخاطبهم إما ملائكة واما رجال من الجن يسمونهم ~~رجال الغيب ويظنون أن رجال الغيب أولياء الله غائبون عن أبصار الناس وأولئك ~~جن تمثلت بصور الإنس أو رئيت في غير صور الإنس وقال تعالى @QB@ وأنه كان ~~رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ كان الإنس إذا نزل ~~أحدهم بواد يخاف أهله قال أعوذ بعظيم هذا الوادى من سفهائه وكانت الإنس ~~تستعيذ بالجن فصار ذلك سببا لطغيان الجن وقالت الإنس تستعيذ بنا # وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية هي تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون ~~ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض ~~الأمور وهذا من جنس السحر والشرك قال تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ~~على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما ~~أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين ~~به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن ~~اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ~~@QE@ PageV01P362 # وكثير من هؤلاء يطير في الهواء وتكون الشياطين قد حملته وتذهب به إلى مكة ~~وغيرها ويكون مع ذلك زنديقا يجحد الصلاة وغيرها مما فرض الله ورسوله ويستحل ~~المحارم التى حرمها الله ورسوله وانما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من ~~الكفر والفسوق والعصيان حتى إذا آمن بالله ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ~~ورسوله فارقته تلك الشياطين وذهبت تلك الأحوال ms0253 الشيطانية من الإخبارات ~~والتأثيرات وأنا أعرف من هؤلاء عددا كثيرا بالشام ومصر والحجاز واليمن وأما ~~الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها ~~وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم # وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان ~~بحسب ظهور أسبابها فحيث قوى الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإيمان وظهرت ~~آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية وحيث ظهر الكفر والفسوق ~~والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية والشخص الواحد الذى يجتمع فيه هذا ~~وهذا الذى تكون فيه مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق يكون فيه من هذا ~~الحال وهذا الحال # والمشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام مثل البخشية والطونية والبدى ~~PageV01P363 ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من ~~الترك والهند والخطأ وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر ويصعد أحدهم ~~في الهواء ويحدثهم بأمور غائبة ويبقى الدف الذى يغنى لهم به يمشى في الهواء ~~ويضرب رأس أحدهم اذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحدا يضرب له ويطوف الإناء ~~الذى يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله ويكون أحدهم في مكان فمن نزل منهم ~~عنده ضيفه طعاما يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة وذلك من الشياطين تأتيه من ~~تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتى به وهذه الأمور كثيرة عند ~~من يكون مشركا أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم وعند التتار من هذا أنواع ~~كثيرة # وأما الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول بل دعوا ~~الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما ~~فيهم مما يرضى الشيطان ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل يحمل ~~أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت ولا يبيت ~~بمزدلفة ولا يطوف طواف الإفاضة ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة ~~من كرامات الأولياء ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به # فإن مثل هذا الحج ليس مشروعا ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين ومن ظن أن ~~هذا ms0254 عبادة وكرامة لأولياء الله فهو ضال جاهل # ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم مثل هذا فإنهم أجل ~~PageV01P364 قدرا من ذلك وقد جرت هذه القضية لبعض من حمل هو وطائفة معه من ~~الإسكندرية إلى عرفة فرأى ملائكة تنزل وتكتب أسماء الحجاج فقال هل كتبتمونى ~~قالوا أنت لم تحج كما حج الناس أنت لم تتعب ولم تحرم ولم يحصل لك من الحج ~~الذى يثاب الناس عليه ما حصل للحجاج وكان بعض الشيوخ قد طلب منه بعض هؤلاء ~~أن يحج معهم في الهواء فقال لهم هذا الحج لا يسقط به الفرض عنكم لأنكم لم ~~تحجوا كما أمر الله ورسوله # ودين الإسلام مبنى على أصلين على أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيء وعلى ~~أن يعبد بما شرعه على لسان نبيه وهذان هما حقيقة قولنا ( أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ( فالإله هو الذى تألهه القلوب عبادة ~~وإستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء واجلالا واكراما والله عز وجل له حق لا ~~يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف الا الله ولا ~~يطاع إلا الله # والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله ~~وتحريمه فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه والرسول صلى الله ~~عليه وسلم واسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده ~~وتحليله وتحريمه وسائر ما بلغه من كلامه وأما في إجابة الدعاء وكشف البلاء ~~والهداية والإغناء فالله تعالى هو الذى يسمع كلامهم ويرى مكانهم ويعلم سرهم ~~ونجواهم وهو سبحانه قادر على PageV01P365 إنزال النعم وإزالة الضر والسقم ~~من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده أو يعينه على قضاء حوائجهم ~~والأسباب التى بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها فهو مسبب الأسباب وهو الأحد ~~الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( يسأله من في السماوات ~~والأرض كل يوم هو في شأن ( فأهل السماوات يسألونه ms0255 وأهل الأرض يسألونه وهو ~~سبحانه لا يشغله سمع كلام هذا عن سمع كلام هذا ولا يغلطه اختلاف أصواتهم ~~ولغاتهم بل يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ولا يبرمه ~~إلحاح الملحين بل يحب الإلحاح في الدعاء # وقد كان الصحابه رضوان الله عليهم إذا سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن ~~الأحكام أمر رسول الله بإجابتهم كما قال تعالى @QB@ يسألونك عن الأهلة قل ~~هي مواقيت للناس والحج @QE@ @QB@ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو @QE@ @QB@ ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير @QE@ إلى غير ذلك من ~~مسائلهم # فلما سألوه عنه سبحانه وتعالى قال @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ فلم يقل سبحانه ( فقل ( بل قال تعالى @QB@ ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع @QE@ # فهو قريب من عباده كما قال النبى في الحديث لما كانوا يرفعون أصواتهم ~~بالذكر والدعاء فقال ( أيها الناس اربعوا على أنفسكم PageV01P366 فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا ان الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم ~~من عنق راحلته ( # وقال النبى ( إذا قام أحدكم إلى صلاته فلا يبصقن قبل وجهه فان الله قبل ~~وجهه ولا عن يمينه فان عن يمينه ملكا ولكن عن يساره أو تحت قدمه ( وهذا ~~الحديث في الصحيح من غير وجه # وهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ~~ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وهو سبحانه غنى عن العرش وعن سائر ~~المخلوقات لا يفتقر إلى شيء من مخلوقاته بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة ~~العرش # وقد جعل تعالى العالم طبقات ولم يجعل أعلاه مفتقرا إلى أسفله فالسماء لا ~~تفتقر إلى الهواء والهواء لا يفتقر إلى الأرض فالعلى الأعلى رب السماوات ~~والأرض وما بينهما الذى وصف نفسه بقوله تعالى ( وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون ( أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شيء بحمل أو غير حمل بل هو ~~الأحد الصمد ms0256 الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد الذى كل ما سواه ~~مفتقر إليه وهو مستغن عن كل ما سواه # وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع قد بين فيه التوحيد الذى بعث الله ~~به رسوله قولا وعملا فالتوحيد القولى مثل سورة الإخلاص ( قل هو الله أحد ) ~~والتوحيد العملى ( قل يا أيها الكافرون ( ولهذا كان النبى PageV01P367 صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين في ركعتى الفجر وركعتى الطواف وغير ~~ذلك و # قد كان أيضا يقرأ في ركعتى الفجر وركعتى الطواف ( قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا ( الآية وفى الركعة الثانية بقوله تعالى ( قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) # فإن هاتين الآيتين فيهما دين الإسلام وفيهما الإيمان القولى والعملى ~~فقوله تعالى ( آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط ) إلى آخرها يتضمن الإيمان القولى والإسلام وقوله ( ~~قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ( الآية إلى آخرها ~~يتضمن الإسلام والإيمان العملى فأعظم نعمة أنعمها الله على عباده الإسلام ~~والإيمان وهما في هاتين الآيتين والله سبحانه وتعالى أعلم # فهذا آخر السؤال والجواب الذى أحببت ايراده هنا بألفاظه لما اشتمل عليه ~~من المقاصد المهمة والقواعد النافعة في هذا الباب مع الإختصار فإن التوحيد ~~هو سر القرآن ولب الإيمان وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور ~~وأنفعها للعباد في مصالح المعاش والمعاد والله أعلم PageV01P368 # قال شيخ الإسلام في قول القائل أسألك بحق السائلين عليك وما في معناه ~~الجواب # أما قول القائل أسألك بحق السائلين عليك فإنه قد روى في حديث عن النبى ~~رواه بن ماجه لكن لا يقوم بإسناده حجة وان صح هذا عن النبى كان معناه أن حق ~~السائلين على الله أن يجيبهم وحق العابدين له أن يثيبهم وهو كتب ذلك على ~~نفسه كما قال ( وإذا سألك عبادى ms0257 عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) ~~فهذا سؤال الله بما أوجبه على نفسه كقول القائلين ( ربنا وآتنا ما وعدتنا ~~على رسلك ( وكدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم ~~الصالحة التى وعدهم أن يثيبهم عليها PageV01P369 # ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد ~~فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار وما هم على الذى كان عليه إبراهيم ~~والمسيح # فقالوا له نحن نعمل مثل ما تعملون أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول ~~بالسيدة مريم وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن ~~نفيسة وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك فقال لهم وأى من فعل ~~ذلك ففيه شبه منكم وهذا ما هو دين إبراهيم الذى كان عليه فإن الدين الذى ~~كان عليه إبراهيم عليه السلام أن لا نعبد الا الله وحده لا شريك له ولا ند ~~له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا نشرك معه ملكا ولا شمسا ولا قمرا ولا كوكبا ~~ولا نشرك معه نبيا من الأنبياء ولا صالحا ( ان كل من في السماوات والأرض ~~الا آت الرحمن عبدا ) # وأن الأمور التى لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل انزال المطر ~~وانبات النبات وتفريج الكربات والهدى من الضلالات وغفران الذنوب فإنه لا ~~يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر عليه إلا # الله والأنبياء عليهم الصلاة والسلام نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ~~PageV01P370 ونصدقهم في جميع ما جاؤوا به ونطيعهم كما قال نوح وصالح وهود ~~وشعيب ( أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ( فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده ~~والطاعة لهم فإن طاعتهم من طاعة الله فلو كفر أحد بنبى من الأنبياء وآمن ~~بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبى وكذلك لو آمن بجميع الكتب ~~وكفر بكتاب كان كافرا حتى يؤمن بذلك الكتاب وكذلك الملائكة واليوم الآخر ~~فلما سمعوا ذلك منه قالوا الدين الذى ذكرته خير من الدين الذى نحن وهؤلاء ~~عليه ثم إنصرفوا من عنده PageV01P371 ### |||| سئل ms0258 رحمه الله # عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم وعمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مكره كذلك ### ||||| فأجاب # أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام ~~بعض الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز بل لا يجوز الإنحناء كالركوع أيضا كما ~~قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم الرجل منا يلقى أخاه أينحنى له قال ( لا ( ~~ولما رجع معاذ من الشام سجد للنبى فقال ( ما هذا يا معاذ ( قال يا رسول ~~الله رأيتهم في الشام يسجدون لاساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال ( ~~كذبوا عليهم لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها من ~~أجل حقه عليها يا معاذ أنه لا ينبغى السجود إلا لله ( وأما فعل ذلك تدينا ~~وتقربا فهذا من أعظم المنكرات ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينا فهو ضال مفتر ~~بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا ~~قتل # وأما اذا أكره الرجل على ذلك بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه ~~PageV01P372 أو حبسه أو أخذ ماله أو قطع رزقه الذى يستحقه من بيت المال ~~ونحو ذلك من الضرر فإنه يجوز عند أكثرالعلماء فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح ~~الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه وهو المشهور عن أحمد وغيره ولكن عليه مع ذلك ~~أن يكرهه بقلبه ويحرص على الإمتناع منه بحسب الإمكان ومن علم الله منه ~~الصدق أعانه الله تعالى وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك وذهب طائفة إلى ~~أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال ويروى ذلك عن إبن عباس ونحوه قالوا ~~إنما التقية باللسان وهو الرواية الآخرى عن أحمد # وأما فعل ذلك لاجل فضول الرياسة والمال فلا وإذا أكره على مثل ذلك ونوى ~~بقلبه أن هذا الخضوع لله تعالى كان حسنا مثل أن يكره كلمة الكفر وينوى معنى ~~جائزا والله أعلم PageV01P373 ### |||| وسئل الإمام العالم العامل الرباني والحبر النوراني أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى # عن النهوض والقيام الذي يعتاده ms0259 الناس من الاكرام عند قدوم شخص معين معتبر ~~هل يجوز أم لا وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو ~~يتآذى باطنا وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت وأيضا المصادفات في المحافل ~~وغيرها وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض هل يجوز ذلك أم يحرم فإن فعل ~~ذلك الرجل عادة وطبعا ليس فيه له قصد هل يحرم عليه أم لا يجوز ذلك في حق ~~الأشراف والعلماء وفيمن يرى مطمئنا بذلك دائما هل يأثم على ذلك أم لا وإذا ~~قال سجدت لله هل يصح ذلك أو لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام كما ~~يفعله كثير من الناس بل قد قال أنس بن مالك لم يكن شخص أحب إليهم من النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته ~~PageV01P374 لذلك ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيا له كما روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لعكرمة وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ ~~قوموا إلى سيدكم وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه # والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد ~~رسول الله فإنهم خير القرون وخير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى ~~الله عليه وسلم فلا يعدل أحد عن هدى خير الورى وهدى خير القرون إلى ما هو ~~دونه وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه بحيث إذا رأوه لم يقوموا له ~~إلا في اللقاء المعتاد # وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيا له فحسن # وإذا كان من عادة الناس اكرام الجائي بالقيام ولو ترك لا أعتقد أن ذلك ~~لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له ~~لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء وأما من عرف ms0260 عادة القوم ~~الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له وليس هذا القيام المذكور في قوله ~~من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار فإن ذلك أن يقوموا ~~له وهو قاعد ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء ولهذا فرقوا بين أن يقال قمت ~~إليه وقمت له والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد # وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي لما صلى بهم قاعدا PageV01P375 في مرضه ~~صلوا قياما أمرهم بالقعود وقال لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا وقد ~~نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون ~~لعظمائهم وهم قعود # وجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم والاجتهاد عليه بحسب ~~الامكان فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة وكان في ترك معاملته بما ~~اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام ~~أدناهما كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما PageV01P376 ### ||| فصل # وأما الإنحناء عند التحية فينهي عنه كما في الترمذي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحنى له قال لا ولأن الركوع ~~والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل وإن كان هذا على وجه التحية في غير ~~شريعتنا كما في قصة يوسف وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ~~وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله ~~الأعاجم بعضها لبعض فكيف بالركوع والسجود وكذلك ما هو ركوع ناقص يدخل في ~~النهي عنه PageV01P377 # وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل # كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله فيسمون بعضهم عبد الكعبة ~~كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة واسم ~~عبد شمس بن عبد مناف وبعضهم عبد اللات وبعضهم عبد العزى وبعضهم عبد مناة ~~وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر أو غير ~~ذلك مما قد ms0261 يشرك بالله # ونظير تسمية النصارى عبد المسيح فغير النبي ذلك وعبدهم لله وحده فسمى ~~جماعات من أصحابه عبد الله وعبد الرحمن كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا ~~وكما سمى أبا معاوية وكان اسمه عبد العزى فسماه عبد الرحمن وكان اسم مولاه ~~قيوم فسماه عبد القيوم # ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابهيهم الغالين ~~في المشايخ فيقال هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس أو غلام بن ~~PageV01P378 الرفاعي أو الحريري ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله كما ~~قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح وفي نفوس المشركين من آلهتهم رجاء وخشية ~~وقد يتوبون لهم كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة والنصارى للمسيح أو ~~لبعض القديسين وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده تعبيد الخلق ~~لربهم كما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغير الأسماء الشركية إلى ~~الأسماء الإسلامية والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية وعامة ما سمى به ~~النبي عبد الله وعبد الرحمن كما قال تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى فإن هذين الإسمين هما أصل بقية أسماء الله ~~تعالى # وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى وكذلك ~~أهل بيتنا غلب على أسمائهم التعبيد لله كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الغني ~~والسلام والقاهر واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم والمحسن والأحد والواحد ~~والقادر والكريم والملك والحق وقد ثبت في صحيح مسلم عن نافع عن عبد الله بن ~~عمر أن النبي قال أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث ~~وهمام وأقبحها حرب ومرة وكان من شعار أصحاب رسول الله معه في الحروب يا بني ~~عبد الرحمن يا بني عبد الله يا بني PageV01P379 عبيد الله كما قالوا ذلك ~~يوم بدر وحنين والفتح والطائف فكان شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن وشعار ~~الخزرج يا بني عبد الله وشعار الأوس يا بني عبيد الله PageV01P380 ### |PARATEXT| # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده ms0262 والصلاة والسلام على من لا نبى بعده ### | 1 ( كتاب توحيد الربوبية ) ### || 1 ( رسالة في أصل العلم الإلهي ) 1 # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه ( ( وعلى آله وسلم تسليما ### ||| ! 8 < قاعدة أولية ! 8 < # أن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا هو الإيمان ~~بالله ورسوله وعند الرسول هو وحى الله إليه كما قال PageV02P001 خاتم ~~الأنبياء أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله إلا الله وان محمدا ~~رسول الله فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم واموالهم الا بحقها ( وقال الله ~~تعالى له @QB@ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ~~@QE@ وقال @QB@ ووجدك ضالا فهدى @QE@ وقال @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص ~~بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين @QE@ PageV02P002 # فأخبر انه كان قبله من الغافلين وقال @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء ~~من عبادنا @QE@ وفى صحيح البخارى في خطبة عمر لما توفى النبى كلام معناه أن ~~الله هدى نبيكم بهذا القرآن فاستمسكوا به فإنكم # وتقرير الحجة في القرآن بالرسل كثير كقوله @QB@ لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل @QE@ وقوله @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وقوله ~~@QB@ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك @QE@ إلى قوله @QB@ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا @QE@ الاية وقوله @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير @QE@ وقوله @QB@ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم @QE@ PageV02P003 الآية وقوله ~~@QB@ يا معشر الجن والإنس @QE@ الآية # ولهذا كان طائفة من أئمة المصنفين للسنن على الأبواب اذا جمعوا فيها ~~أصناف العلم ابتدءوها بأصل العلم والإيمان ms0263 كما ابتدأ ( البخارى صحيحه ( ~~ببدىء الوحى ونزوله فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول أولا ثم ~~اتبعه بكتاب الإيمان الذى هو الإقرار بما جاء به ثم بكتاب العلم الذى هو ~~معرفة ماجاء به فرتبه الترتيب الحقيقى وكذلك الإمام أبو محمد الدارمى صاحب ~~( المسند ) ابتدأ كتابه بدلائل النبوة وذكر في ذلك طرفا صالحا وهذان ~~الرجلان أفضل بكثير من مسلم والترمذى ونحوهما ولهذا كان أحمد بن حنبل يعظم ~~هذين ونحوهما لأنهم فقهاء في الحديث أصولا وفروعا # ولما كان أصل العلم والهدى هو الإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب والحكمة ~~كان ذكره طريق الهداية بالرسالة التى هي القرآن وما جاءت به الرسل كثيرا ~~جدا كقوله @QB@ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين @QE@ وقوله @QB@ هذا ~~بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين @QE@ وقوله @QB@ إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي أقوم @QE@ وقوله @QB@ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس @QE@ ~~وقوله @QB@ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ~~@QE@ وقوله @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ وقوله @QB@ ~~وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله @QE@ PageV02P004 # وقال تعالى @QB@ ~~وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله @QE@ # فيعلم أن آيات الله والرسول تمنع ( الكفر ) وهذا كثير # وكذلك ذكره حصول الهداية والفلاح للمؤمنين دون غيرهم ملء القرآن كقوله ~~@QB@ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب @QE@ الآية ثم ذم الذين كفروا والذين ~~نافقوا وقوله @QB@ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات @QE@ وقوله ( ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ) # فحكم على النوع كله والأمة الإنسانية جميعها بالخسارة والسفول إلى الغاية ~~إلا المؤمنين الصالحين # وكذلك جعل أهل الجنة هم أهل الإيمان وأهل النار هم أهل الكفر فيما شاء ~~الله من الآيات حتى صار ذلك معلوما علما شائعا متواترا اضطراريا من دين ~~الرسول عند كل من بلغته رسالته # وربط السعادة مع إصلاح العمل به في مثل قوله @QB@ يعملون من عمل صالحا من ms0264 ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة @QE@ وقوله @QB@ ومن أراد الآخرة ~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا @QE@ # وأحبط الأعمال الصالحة بزواله في مثل قوله @QB@ والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة @QE@ وقوله @QB@ الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد @QE@ وقوله ~~@QB@ مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ~~@QE@ PageV02P005 الآية وقوله @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا @QE@ ونحو ذلك كثير # وذكر حال جميع الأمم المهتدية أنهم كذلك في قوله @QB@ إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~@QE@ الآية # ولهذا أمر أهل العقل بتدبره وأهل السمع بسمعه فدعا فيه إلى التدبر ~~والتفكير والتذكر والعقل والفهم والى الإستماع والإبصار والإصغاء والتأثر ~~بالوجل والبكاء وغير ذلك وهذا باب واسع # ولما كان الإقرار بالصانع فطريا كما قال صلى الله عليه وسلم ( كل مولود ~~يولد على الفطرة ( الحديث فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله والإنابة إليه ~~وهو معنى لا إله إلا الله فإن الإله هو الذى يعرف ويعبد وقد بسطت هذا ~~المعنى في غير هذا الموضع # وكان المقصود بالدعوة وصول العباد إلى ما خلقوا له من عبادة ربهم وحده ~~لاشريك له والعبادة أصلها عبادة القلب المستتبع للجوارح فإن القلب هو الملك ~~والأعضاء جنوده وهو المضغة الذى اذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد ~~لها سائر الجسد وانما ذلك بعلمه وحاله كان هذا الأصل الذى هو عبادة الله ~~بمعرفته ومحبته هو أصل الدعوة في القرآن فقال تعالى @QB@ وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون @QE@ PageV02P006 # وقال في صدر البقرة بعد أن صنف الخلق ثلاثة أصناف مؤمن وكافر ومنافق فقال ~~بعد ذلك @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون @QE@ وذكر آلاءه التى تتضمن نعمته وقدرته ثم اتبع ذلك بتقريره النبوة ~~بقوله @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا @QE@ والمتكلم يستحسن مثل ~~هذا التأليف ويستعظمه حيث قررت الربوبية ثم الرسالة ويظن أن هذا موافق ~~لطريقته الكلامية في نظره في ms0265 القضايا العقليات أولا من تقرير الربوبية ثم ~~تقرير النبوة ثم تلقى السمعيات من النبوة كما هي الطريقة المشهورة الكلامية ~~للمعتزلة والكرامية والكلابية والأشعرية ومن سلك هذه الطريق في إثبات ~~الصانع أولا بناء على حدوث العالم ثم اثبات صفاته نفيا واثباتا بالقياس ~~العقلى على ما بينهم فيه من اتفاق واختلاف إما في المسائل واما في الدلائل ~~ثم بعد ذلك يتكلمون في السمعيات من المعاد والثواب والعقاب والخلافة ~~والتفضيل والإيمان بطريق مجمل # وانما عمدة الكلام عندهم ومعظمه هو تلك القضايا التى يسمونها العقليات ~~وهى أصول دينهم وقد بنوها على مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة ~~فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس التى بنوا عليها ومن جهة ردهم لما جاءت به ~~السنة # وهم قسمان # قسم بنوا على هذه العقليات القياسية الأصول العلمية دون العملية ~~كالأشعرية PageV02P007 وقسم بنوا عليها الأصول العلمية والعملية كالمعتزلة ~~حتى أن هؤلاء يأخذون القدر المشترك في الأفعال بين الله وبين عباده فما حسن ~~من الله حسن من العبد وما قبح من العبد قبح من الله ولهذا سماهم الناس ~~مشبهة الأفعال ولاشك أن هؤلاء هم المتكلمة المذمومون عند السلف لكثرة ~~بنائهم الدين على القياس الفاسد الكلامى وردهم لما جاء به الكتاب والسنة # والآخرون لما شاركوهم في بعض ذلك لحقهم من الذم والعيب بقدر ما وافقوهم ~~فيه وهو موافقتهم في كثير من دلائلهم التى يزعمون أنهم يقررون بها أصول ~~الدين والإيمان وفى طائفة من مسائلهم التى يخالفون بها السنن والآثار وما ~~عليه أهل العقل والدين # وليس الغرض هنا تفصيل أحوالهم فإنا قد كتبنا فيه أشياء في غير هذا الموضع # وإنما الغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت في أصول الدين وفروعه في الدلائل ~~والمسائل بأكمل المناهج # والمتكلم يظن أنه بطريقته التى انفرد بها قد وافق طريقة القرآن تارة في ~~إثبات الربوبية وتارة في إثبات الوحدانية وتارة في إثبات النبوة وتارة في ~~إثبات المعاد وهو مخطئ في كثير من ذلك أو أكثره مثل هذا الموضع # فإنه قد أخطأ المتكلم في ظنه أن ms0266 طريقة القرآن توافق طريقته من وجوه ~~PageV02P008 # منها أن إثبات الصانع في القرآن بنفس آياته التى يستلزم العلم بها العلم ~~به كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس من غير احتياج إلى قياس كلى يقال ~~فيه وكل محدث فلابد له من محدث أو كل ممكن فلابد له من مرجح أوكل حركة ~~فلابد لها من علة غائية أو فاعلية ومن غير احتياج إلى أن يقال سبب الإفتقار ~~إلى الصانع هل هو الحدوث فقط كما تقوله المعتزلة أو الامكان كما يقوله ~~الجمهور حتى يرتبون عليه أن الثانى حال باقية مفتقر إلى الصانع على القول ~~الثانى الصحيح دون الأول فإنى قد بسطت هذا الموضع في غير هذا المكان وبينت ~~ما هو الحق من أن نفس الذوات المخلوقة مفتقرة إلى الصانع وأن فقرها وحاجتها ~~إليه وصف ذاتى لهذه الموجودات المخلوقة كما أن الغنى وصف ذاتى للرب الخالق ~~وأنه لاعلة لهذا الافتقار غير نفس الماهية وعين الإنية كما أنه لاعلة لغناه ~~غير نفس ذاته # فلك أن تقول لاعلة لفقرها وغناه إذ ليس لكل أمر علة فكما لا علة لوجوده ~~وغناه لاعلة لعدمها إذا لم يشأكونها ولا لفقرها إليه اذا شاء كونها وان شئت ~~أن تقول علة هذا الفقر وهذا الغنى نفس الذات وعين الحقيقة # ويدل على ذلك أن الإنسان يعلم فقر نفسه وحاجتها إلى خالقه من غير أن يخطر ~~بباله أنها ممكنة والممكن الذى يقبل الوجود والعدم أو أنها محدثة والمحدث ~~المسبوق بالعدم بل قد يشك في قدمها أو يعتقده وهو يعلم فقرها وحاجتها إلى ~~بارئها فلو لم يكن للفقر إلى الصانع علة إلا الإمكان أو PageV02P009 الحدوث ~~لما جاز العلم بالفقر إليه حتى تعلم هذه العلة اذ لادليل عندهم على الحاجة ~~إلى المؤثر إلا هذا # وحينئذ فالعلم بنفس الذوات المفتقرة والإينات المضطرة توجب العلم بحاجتها ~~إلى بارئها وفقرها إليه ولهذا سماها الله آيات فهذان مقامان # أحدهما أنها مفتقرة إلى المؤثر الموجب أو المحدث لهاتين العلتين # الثانى أن كل مفتقر إلى المؤثر الموجب أو المحدث فلابد له منه وهو ms0267 كلام ~~صحيح في نفسه لكن ليس الطريق مفتقرا إليه وفيه طول وعقبات تبعد المقصود # أما المقام الأول فالعلم بفقرها غير مفتقر إلى دليل على ذلك من امكان أو ~~حدوث # وأما الثانى فإن كونها مفتقرة إليه غير مفتقر إلى أن يستدل عليه بقياس ~~كلى من أن كل ممكن فلابد له من موجب وكل محدث فلابد له من محدث لأنها آية ~~له يمتنع أن تكون دونه أو أن تكون غير آية له # والقلب بفطرته يعلم ذلك وإن لم يخطر بقلبه وصف الإمكان والحدوث # والنكتة أن وصف الإمكان والحدوث لايجب أن يعتبره القلب لا في فقر ذواتها ~~ولا في أنها آية لباريها وإن كانا وصفين ثابتين وهما أيضا دليل صحيح لكن ~~أعيان الممكنات آية لعين خالقها الذى ليس كمثله شئ بحيث لايمكن أن يقع شركة ~~فيه PageV02P010 وأما قولنا كل ممكن فله مرجح وكل محدث فله محدث فإنما يدل ~~على محدث ومرجح وهو وصف كلى يقبل الشركة ولهذا القياس العقلى لايدل على ~~تعيين وانما يدل على الكلى المطلق فلابد اذا من التعيين فالقياس دليل على ~~وصفية مطلقة كلية # وأيضا فإذا استدل على الصانع بوصف إمكانها أو حدوثها أو هما جميعا لم ~~يفتقر ذلك إلى قياس كلى بأن يقال وكل محدث فلابد له من محدث أو كل ممكن ~~فلابد له من مرجح فضلا عن تقرير هاتين المقدمتين بل علم القلب بافتقار هذا ~~الممكن وهذا المحدث كعلمه بافتقار هذا الممكن وهذا المحدث فليس العلم بحكم ~~المعينات مستفادا من العلم الكلى الشامل لها بل قد يكون العلم بحكم المعين ~~في العقل قبل العلم بالحكم الكلى العام كما أن العلم بأن العشرة ضعف الخمسة ~~ليس موقوفا على العلم بأن كل عدد له نصفية فهو ضعف نصفيه وعلى هذا جاء قوله ~~@QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون @QE@ قال جبير بن مطعم لما سمعتها ~~أحسست بفؤادى قد تصدع وهو استفهام إنكار يقول أؤجدوا من غير مبدع فهم ~~يعلمون أنهم لم يكونوا من غير مكون ويعلمون أنهم لم يكونوا ms0268 نفوسهم وعلمهم ~~بحكم أنفسهم معلوم بالفطرة بنفسه لايحتاج أن يستدل عليه بأن كل كائن محدث ~~أو كل ممكن لايوجد بنفسه ولا يوجد من غير موجد وان كانت هذه القضية العامة ~~النوعية صادقة لكن العلم بتلك المعينة الخاصة إن لم يكن سابقا لها فليس ~~متأخرا عنها ولا دونها في الجلاء PageV02P011 # وقد بسطت هذا المعنى في غير هذا الموضع وذكرت دعوة الأنبياء عليهم السلام ~~أنه جاء بالطريق الفطرية كقولهم @QB@ أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ~~@QE@ وقول موسى @QB@ رب السماوات والأرض @QE@ وقوله في القرآن @QB@ اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا ~~@QE@ بين أن نفس هذه الذوات آية لله كما أشرنا إليه أولا من غير حاجة إلى ~~ذينك المقامين ولما وبخهم بين حاجتهم إلى الخالق بنفوسهم من غير أن تحتاج ~~إلى مقدمة كلية هم فيها وسائر أفرادها سواء بل هم أوضح وهذا المعنى قررته ~~مبسوطا في غير هذا # الوجه الثانى في مفارقة الطريقة القرآنية الكلامية ان الله أمر بعبادته ~~التى هي كمال النفوس وصلاحها وغايتها ونهايتها لم يقتصر على مجرد الإقرار ~~به كما هو غاية الطريقة الكلامية فلا وافقوا لا في الوسائل ولا في المقاصد ~~فإن الوسيلة القرآنية قد أشرنا إلى أنها فطرية قريبة موصلة إلى عين المقصود ~~وتلك قياسية بعيدة ولا توصل الا إلى نوع المقصود لا إلى عينه # وأما المقاصد فالقرآن أخبر بالعلم به والعمل له فجمع بين قوتى الإنسان ~~العلمية والعملية الحسية والحركية الإرادية الإدراكية والإعتمادية القولية ~~والعملية حيث قال @QB@ اعبدوا ربكم @QE@ فالعبادة لابد فيها من معرفته ~~والإنابة إليه والتذلل له والإفتقار إليه وهذا هو المقصود والطريقة ~~الكلامية إنما تفيد مجرد الإقرار والإعتراف بوجوده PageV02P012 # وهذا اذا حصل من غير عبادة وانابة كان وبالا على صاحبه وشقاء له كما جاء ~~في الحديث ( أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه كإبليس ~~اللعين فإنه معترف بربه مقر بوجوده لكن لما لم يعبده كان رأس الأشقياء وكل ~~من شقى فباتباعه له كما قال @QB@ لأملأن جهنم ms0269 منك وممن تبعك منهم أجمعين ~~@QE@ # فلا بد أن يملأ جهنم منه ومن أتباعه مع أنه معترف بالرب مقر بوجوده وانما ~~أبى واستكبر عن الطاعة والعبادة والقوة العلمية مع العملية بمنزلة الفاعل ~~والغاية ولهذا قيل العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر والمراد بالعمل هنا عمل ~~القلب الذى هو انابته إلى الله وخشيته له حتى يكون عابدا له # فالرسل والكتب المنزلة أمرت بهذا وأوجبته بل هو رأس الدعوة ومقصودها ~~وأصلها والطريقة السماعية العملية الصوتية المنحرفة توافق على المقصود ~~العملى لكن لابعلم بل بصوت مجرد أو بشعر مهيج أو بوصف حب مجمل فكما أن ~~الطريقة الكلامية فيها علم ناقص بلا عمل فهذه الطريقة فيها عمل ناقص بلا ~~علم والطريقة النبوية القرآنية السنية الجماعية فيها العلم والعمل كاملين # ففاتحة دعوة الرسل الأمر بالعبادة قال تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم @QE@ وقال ( أمرت أن أقاتل PageV02P013 ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وذلك يتضمن ~~الإقرار به وعبادته وحده فإن الإله هو المعبود ولم يقل حتى يشهدوا أن لارب ~~إلا الله فإن اسم الله أدل على مقصود العبادة له التى لها خلق الخلق وبها ~~أمروا # وكذلك قوله لمعاذ ( إنك تأتى قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم ~~إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ( وقال نوح عليه السلام ~~@QB@ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون @QE@ وكذلك الرسل في سورة الأعراف ~~وغيرها # وقال @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~@QE@ وقال للرسل جميعا @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت ~~الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف @QE@ وقال @QB@ إنما أمرت أن أعبد رب هذه ~~البلدة الذي حرمها وله كل شيء @QE@ وقال @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ~~ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد @QE@ وقال ms0270 في الفاتحة @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ وقال @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقال @QB@ فاعبده ~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا @QE@ وقال @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء @QE@ PageV02P014 ### || 1 ( رسالة في الفرق بين المنهاج النبوي والمنهاج الفلسفي ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ! 8 < ### ||| فصل في تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل # وذلك ببيان وتحرير أصل العلم والإيمان كما قد كتبته أولا في بيان أصل ~~العلم الإلهى والذى أكتبه هنا بيان الفرق بين المنهاج النبوى الإيمانى ~~العلمى الصلاحى والمنهاج الصابئ الفلسفى وما تشعب عنه من المنهاج الكلامى ~~والعبادى المخالف لسبيل الأنبياء وسنتهم # وذلك أن الأنبياء عليهم السلام دعوا الناس إلى عبادة الله أولا بالقلب ~~واللسان وعبادته متضمنة لمعرفته وذكره # فأصل علمهم وعملهم هو العلم بالله والعمل لله وذلك فطرى كما قد قررته في ~~غير هذا الموضع في موضعين أو ثلاثة وبينت أن أصل العلم الإلهي فطرى ضرورى ~~وأنه أشد رسوخا في النفوس من مبدإ العلم الرياضى كقولنا ان الواحد نصف ~~الاثنين ومبدأ العلم الطبيعى كقولنا ان الجسم PageV02P015 لايكون في مكانين ~~لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر وأما العلم الإلهي فما ~~يتصور أن تعرض عنه فطرة وبسط هذا له موضع غير هذا وانما الغرض هنا أن الله ~~سبحانه لما كان هو الأول الذى خلق الكائنات والآخر الذى إليه تصير الحادثات ~~فهو الأصل الجامع فالعلم به أصل كل علم وجامعه وذكره أصل كل كلام وجامعه ~~والعمل له أصل كل عمل وجامعه وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته ~~وإذا حصل لهم ذلك فما سواه إما فضل نافع واما فضول غير نافعة واما أمر مضر # ثم من العلم به تتشعب أنواع العلوم ومن عبادته وقصده تتشعب وجوه المقاصد ~~الصالحة والقلب بعبادته والإستعانة به معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق ~~واعتصم بالدليل الهادى والبرهان الوثيق فلا يزال إما في زيادة العلم ~~والإيمان وإما في السلامة عن الجهل والكفر وبهذا جاءت النصوص الإلهية في ~~أنه بالإيمان يخرج ms0271 الناس من الظلمات إلى النور وضرب مثل المؤمن وهو المقر ~~بربه علما وعملا بالحى والبصير والسميع والنور والظل وضرب مثل الكافر ~~بالميت والأعمى والأصم والظلمة والحرور وقالوا في الوسواس الخناس هو الذى ~~اذا ذكر الله خنس واذا غفل عن ذكر الله وسوس PageV02P016 # فتبين بذلك أن ذكر الله أصل لدفع الوسواس الذى هو مبدأ كل كفر وجهل وفسق ~~وظلم وقال الله تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ وقال @QB@ إنه ~~ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون @QE@ وقال @QB@ ومن يعتصم ~~بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم @QE@ ونحو ذلك من النصوص # وفى الدعاء الذى علمه الإمام أحمد لبعض أصحابه يا دليل الحيارى دلنى على ~~طريق الصادقين واجعلنى من عبادك الصالحين ولهذا كان عامة أهل السنة من ~~أصحابنا وغيرهم على أن الله يسمى دليلا ومنع بن عقيل وكثير من أصحاب ~~الأشعري أن يسمى دليلا لاعتقادهم أن الدليل هو ما يستدل به وأن الله هو ~~الدال وهذا الذى قالوه بحسب ماغلب في عرف استعمالهم من الفرق بين الدال ~~والدليل وجوابه من وجهين # أحدهما أن الدليل معدول عن الدال وهو ما يؤكد فيه صفة الدلالة فكل دليل ~~دال وليس كل دال دليلا وليس هو من أسماء الآلات التى يفعل بها فإن فعيل ليس ~~من أبنية الآلات كمفعل ومفعال وانما سمى ما يستدل به من الأقوال والأفعال ~~والأجسام أدلة باعتبار أنها تدل من يستدل بها كما يخبر عنها بأنها تهدى ~~وترشد وتعرف وتعلم وتقول وتجيب وتحكم وتفتى وتقص وتشهد وان لم يكن لها في ~~ذلك قصد وارادة ولا حس وادراك كما هو مشهور في الكلام العربى وغيره فما ~~ذكروه من الفرق والتخصيص لا أصل له في كلام العرب PageV02P017 # الثانى أنه لو كان الدليل من أسماء الآلات التى يفعل بها فقد قال الله ~~تعالى فيما روى عنه نبيه في عبده المحبوب ( فبى يسمع وبى يبصر وبى يعقل وبى ~~ينطق وبى يبطش وبى يسعى ( والمسلم يقول استعنت بالله واعتصمت به # وإذا كان ما سوى الله من ms0272 الموجودات الأعيان والصفات يستدل بها سواء كانت ~~حية أو لم تكن بل ويستدل بالمعدوم فلأن يستدل بالحى القيوم أولى وأحرى على ~~أن الذى في الدعاء المأثور ( يادليل الحيارى دلنى على طريق الصادقين ~~واجعلنى من عبادك الصالحين ( يقتضى أن تسميته دليلا باعتبار أنه دال لعباده ~~لابمجرد أنه يستدل به كما قد يستدل بمالا يقصد الدلالة والهداية من الأعيان ~~والأقوال والأفعال # ومن أسمائه الهادى وقد جاء أيضا البرهان ولهذا يذكر عن بعضهم أنه قال ~~عرفت الأشياء بربى ولم أعرف ربى بالأشياء وقال بعضهم هو الدليل لى على كل ~~شئ وان كان كل شئ لئلا يعذبنى عليه دليلا وقيل لابن عباس بماذا عرفت ربك ~~فقال من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس خارجا عن المنهاج ظاعنا في ~~الإعوجاج عرفته بما عرف به نفسه ووصفته بما وصف به نفسه فأخبر أن معرفة ~~القلب حصلت بتعريف الله وهو نور الإيمان وأن وصف اللسان حصل بكلام الله وهو ~~نور القرآن PageV02P018 # وقال آخر للشيخ # قالوا ائتنا ببراهين فقلت لهم %~% أنى يقوم على البرهان برهان # وقال الشيخ العارف للمتكلم اليقين عندنا واردات ترد على النفوس تعجز ~~النفوس عن ردها فأجابه بأنه ضرورى # وقال الشيخ إسماعيل الكورانى للشيخ المتكلم أنتم تقولون ان الله يعرف ~~بالدليل ونحن نقول انه تعرف الينا فعرفناه يعنى أنه تعرف بنفسه وبفضله مع ~~أن كلام هذين الشيخين فيه اشارة إلى الطريقة العبادية وقد تكلمت عليها في ~~غير هذا الموضع # فإذا كان الحق الحى القيوم الذى هو رب كل شئ ومليكه ومؤصل كل أصل ومسبب ~~كل سبب وعلة هو الدليل والبرهان والأول والأصل الذى يستدل به العبد ويفزع ~~إليه ويرد جميع الأواخر إليه في العلم كان ذلك سبيل الهدى وطريقه كما أن ~~الأعمال والحركات لما كان الله مصدرها واليه مرجعها كان المتوكل عليه في ~~عمله القائل أنه لاحول ولا قوة الا بالله مؤيدا منصورا # فجماع الأمر أن الله هو الهادى وهو النصير @QB@ وكفى بربك هاديا ونصيرا ~~@QE@ وكل علم فلابد له من هداية وكل عمل ms0273 فلابد له من قوة فالواجب ~~PageV02P019 أن يكون هو أصل كل هداية وعلم وأصل كل نصرة وقوة ولايستهدى ~~العبد إلا إياه ولا يستنصر إلا إياه # والعبد لما كان مخلوقا مربوبا مفطورا مصنوعا عاد في علمه وعمله إلى خالقه ~~وفاطره وربه وصانعه فصار ذلك ترتيبا مطابقا للحق وتأليفا موافقا للحقيقة إذ ~~بناء الفرع على الأصل وتقديم الأصل على الفرع هو الحق فهذه الطريقة الصحيحة ~~الموافقة لفطرة الله وخلقته ولكتابه وسنته # وقد ثبت في صحيح مسلم عن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~قام إلى صلاة الليل يقول ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر ~~السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه ~~يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء إلى صراط ~~مستقيم ( # وأما الطريقة الفلسفية الكلامية فإنهم ابتدءوا بنفوسهم فجعلوها هي الأصل ~~الذى يفرعون عليه والأساس الذى يبنون عليه فتكلموا في ادراكهم للعلم أنه ~~تارة يكون بالحس وتارة بالعقل وتارة بهما # وجعلوا العلوم الحسية والبديهية ونحوها هي الأصل الذى لايحصل علم الا بها ~~ثم زعموا أنهم انما يدركون بذلك الأمور القريبة منهم من الأمور الطبيعية ~~والحسابية والأخلاق فجعلوا هذه الثلاثة هي الاصول PageV02P020 التى يبنون ~~عليها سائر العلوم ولهذا يمثلون ذلك في أصول العلم والكلام بأن الواحد نصف ~~الإثنين وان الجسم لايكون في مكانين وان الضدين كالسواد والبياض لايجتمعان ~~فهذان الفنان متفق عليهما وأما الأخلاق مثل استحسان العلم والعدل والعفة ~~والشجاعة فجمهور الفلاسفة والمتكلمين يجعلونها من الأصول لكنها من الأصول ~~العامة ومنهم من لا يجعلها من الأصول بل يجعلها من الفروع التى تفتقر إلى ~~دليل وهو قول غالب المتكلمة المنتصرين للسنة في تأويل القدر فكان الذي ~~أصلوه واتفقوا عليه من المعارف أمر قليل الفائدة نزر الجدوى وهو الأمور ~~السفلية # ثم اذا صعدوا من هذه المقدمات والدلائل إلى الامور العلوية فلهم طريقان # أما المتكلمة المتبعون للنبوات فغرضهم في الغالب انما هو اثبات صانع ~~العالم والصفات التى بها تثبت النبوة على طريقهم ثم ms0274 إذا أثبتوا النبوة ~~تلقوا منها السمعيات وهى الكتاب والسنة والاجماع وفروع ذلك # وأما المتفلسفة فهم في الغالب يتوسعون في الأمور الطبيعية ولوازمها ثم ~~يصعدون إلى الافلاك وأحوالها ثم المتألهون منهم يصعدون إلى واجب ~~PageV02P021 الوجود والى العقول والنفوس ومنهم من يثبت واجب الوجود ابتداء ~~من جهة أن الوجود لابد فيه من واجب وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة ~~الوسائل والمقاصد أما المقاصد فان حاصلها بعد التعب الكثير والسلامة خير ~~قليل فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ثم انه ~~يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط هنا # وأما الوسائل فان هذه الطرق كثيرة المقدمات ينقطع السالكون فيها كثيرا ~~قبل الوصول ومقدماتها في الغالب إما مشتبهة يقع النزاع فيها وإما خفية لا ~~يدركها الا الأذكياء # ولهذا لا يتفق منهم اثنان رئيسان على جميع مقدمات دليل الا نادرا فكل ~~رئيس من رؤساء الفلاسفة والمتكلمين له طريقة في الإستدلال تخالف طريقة ~~الرئيس الآخر بحيث يقدح كل من أتباع أحدهما في طريقة الآخر ويعتقد كل منهما ~~أن الله لا يعرف إلا بطريقته وان كان جمهور أهل الملة بل عامة السلف ~~يخالفونه فيها # مثال ذلك أن غالب المتكلمين يعتقدون أن الله لا يعرف الا بإثبات حدوث ~~العالم ثم الاستدلال بذلك على محدثه ثم لهم في إثبات حدوثه طرق فأكثرهم ~~يستدلون بحدوث الاعراض وهى صفات الاجسام ثم القدرية من المعتزلة وغيرهم ~~يعتقدون أن اثبات الصانع والنبوة لا يمكن الا بعد اعتقاد PageV02P022 أن ~~العبد هو المحدث لافعاله والا انتقض الدليل ونحو ذلك من الاصول التى ~~يخالفهم فيها جمهور المسلمين # وجمهور هؤلاء المتكلمين المستدلين على حدوث الاجسام بحدوث الحركات يجعلون ~~هذا هو الدليل على نفى ما دل عليه ظاهر السمعيات من أن الله يجيء وينزل ~~ونحو ذلك والمعتزلة وغيرهم يجعلون هذا هو الدليل على ان الله ليس له صفة لا ~~علم ولا قدرة ولا عزة ولا رحمة ولا غير ذلك لان ذلك بزعمهم أعراض تدل على ~~حدوث الموصوف # وأكثر ms0275 المصنفين في الفلسفة كابن سينا يبتدئ بالمنطق ثم الطبيعى والرياضى ~~أو لا يذكره ثم ينتقل إلى ما عنده من الإلهي وتجد المصنفين في الكلام ~~يبتدئون بمقدماته في الكلام في النظر والعلم والدليل وهو من جنس المنطق ثم ~~ينتقلون إلى حدوث العالم واثبات محدثه # ومنهم من ينتقل إلى تقسيم المعلومات إلى الموجود والمعدوم وينظر في ~~الوجود وأقسامه كما قد يفعله الفيلسوف في أول العلم الإلهى # فأما الانبياء فأول دعوتهم شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~PageV02P023 # وقد اعترف الغزالى بأن طريق الصوفية هو الغاية لانهم يطهرون قلوبهم مما ~~سوى الله ويملئونها بذكر الله وهذا مبدأ دعوة الرسول لكن الصوفى الذى ليس ~~معه الأثارة النبوية مفصلة يستفيد بها ايمانا مجملا بخلاف صاحب الاثارة ~~النبوية فان المعرفة عنده مفصلة فتدبر طرق العلم والعمل ليتميز لك طريق أهل ~~السنة والايمان من طريق أهل البدعة والنفاق وطريق العلم والعرفان من طريق ~~الجهل والنكران PageV02P024 ### || 1 ( رسالة في قيام الممكنات والمحدثات بالواجب القديم ) 1 # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ### ||| ! 8 < فصل ! 8 < # قد تكلم طائفة من المتكلمة والمتفلسفة والمتصوفة في قيام الممكنات ~~والمحدثات بالواجب القديم وهذا المعنى حق فان الله رب كل شيء ومليكه لكن ~~يستشهدون على ذلك بقوله ( كل شيء هالك الا وجهه ) ويقولون ان معنى الآية أن ~~كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك أو هو عدم محض ونفى صرف وانما له الوجود من ~~جهة ربه فهو هالك باعتبار ذاته موجود بوجه ربه أى من جهته هو موجود # ثم منهم من قد يخرج منها إلى مذهب الجهمية الإتحادية والحلولية فيقول إن ~~ذلك الوجه هو وجود الكائنات ووجه الله هو وجوده فيكون وجوده وجود الكائنات ~~لا يميز بين الوجود الواجب والوجود الممكن كما هو قول بن عربى وبن سبعين ~~ونحوهما وهو لازم لمن جعل وجوده وجودا مطلقا لا يتميز بحقيقة تخصه سواء ~~جعله وجودا مطلقا بشرط الإطلاق كما يزعم بن سينا ونحوه من المتفلسفة أو ~~جعله وجودا مطلقا لا بشرط ms0276 كما يقوله الإتحادية PageV02P025 # وهم يسلمون من القواعد العقلية مما هو يعلم بضرورة العقل ما يوجب أن يكون ~~الموجود بشرط الاطلاق إنما وجوده في الاذهان لا في الاعيان كالحيوان المطلق ~~بشرط الاطلاق والانسان المطلق بشرط الاطلاق ونحو ذلك وأن المطلق لا بشرط ~~ليس له حقيقة غير الوجود العينى والذهنى ليس في الاعيان الموجودة وجود مطلق ~~سوى أعيانها كما ليس في هذا الانسان وهذا الانسان انسان مطلق وراء هذا ~~الانسان فيكون وجود الرب على الاول ذهنى وعلى الثانى نفس وجود المخلوقات ~~وقول الجهمية من المتقدمين والمتأخرين لا يخرج عن هذين القولين وهو حقيقة ~~التعطيل لكن هم يثبتونه أيضا فيجمعون بين النفى والاثبات فيبقون في الحيرة ~~ولهذا يجعلون الحيرة منتهى المعرفة ويروون عن النبى حديثا مكذوبا عليه ( ~~أعلمكم بالله أشدكم حيرة ( وأنه قال ( اللهم زدنى فيك تحيرا ( ويجمعون بين ~~النقيضين ملتزمين لذلك # وهذا قول القرامطة الباطنية والاتحادية وهو لازم لقول الفلاسفة والمعتزلة ~~وان لم يصرح هؤلاء بالتزامه بخلاف الباطنية والاتحادية من المتصوفة فانهم ~~يصرحون بالتزامه ويذكرون ذلك عن الحلاج والمقصود هنا ان يقال أما كون وجود ~~الخالق هو وجود المخلوق فهذا كفر صريح باتفاق أهل الايمان وهو من أبطل ~~الباطل في بديهة عقل كل انسان وان كان منتحلوه يزعمون انه غاية التحقيق ~~والعرفان وهذا مبسوط في غير هذا الموضع PageV02P026 # وأما كون المخلوق لا وجود له الا من الخالق سبحانه فهذا حق ثم جميع ~~الكائنات هو خالقها وربها ومليكها لا يكون شيء الا بقدرته ومشيئته وخلقه هو ~~خالق كل شيء سبحانه وتعالى # لكن الكلام هنا في تفسير الآية بهذا فإن المعانى تنقسم إلى حق وباطل # فالباطل لا يجوز ان يفسر به كلام الله # والحق ان كان هو الذى دل عليه القرآن فسر به والا فليس كل معنى صحيح يفسر ~~به اللفظ لمجرد مناسبة كالمناسبة التى ( بين ) الرؤيا والتعبير وان كانت ~~خارجة عن وجوه دلالة اللفظ كما تفعله القرامطة والباطنية اذ دلالة اللفظ ~~على المعنى سمعية فلابد ان يكون اللفظ مستعملا في ذلك المعنى بحيث ms0277 قد دل ~~على المعنى به لا يكتفي في ذلك بمجرد أن يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى اذ ~~الالفاظ التى يصلح وضعها للمعانى ولم توضع لها لا يحصى عددها الا الله وهذا ~~عند من يعتبر المناسبة بين اللفظ والمعنى كقول طائفة من أهل الكلام والبيان ~~واما عند من لا يعتبر المناسبة فكل لفظ يصلح وضعه لكل معنى لا سيما اذا علم ~~أن اللفظ موضوع لمعنى هو مستعمل فيه فحمله على غير ذلك لمجرد المناسبة كذب ~~على الله # ثم ان كان مخالفا لما علم من الشريعة فهو دأب القرامطة وان لم يكن مخالفا ~~فهو حال كثير من جهال الوعاظ والمتصوفة الذين يقولون باشارات لا يدل اللفظ ~~PageV02P027 عليها نصا ولا قياسا وأما أرباب الاشارات الذين يثبتون ما دل ~~اللفظ عليه ويجعلون المعنى المشار إليه مفهوما من جهة القياس والاعتبار ~~فحالهم كحال الفقهاء العالمين بالقياس والاعتبار وهذا حق اذا كان قياسا ~~صحيحا لا فاسدا واعتبارا مستقيما لا منحرفا # وإذا كان المقصود هنا الكلام في تفسير الآية فنقول تفسير الآية بما هو ~~مأثور ومنقول عن من قاله من السلف والمفسرين من أن المعنى كل شيء هالك الا ~~ما أريد به وجهه هو أحسن من ذلك التفسير المحدث بل لا يجوز تفسير الآية ~~بذلك التفسير المحدث وهذا يبين بوجوه بعضها يشير إلى الرجحان وبعضها يشير ~~إلى البطلان # الأول أنه لم يقل كل شيء هالك الا من جهته الا من وجهه ولكن قال الا وجهه ~~وهذا يقتضى ان ثم اشياء تهلك الا وجهه فان اريد بوجهه وجوده اقتضى ان كل ما ~~سوى وجوده هالك فيقتضى ان تكون المخلوقات هالكة وليس الأمر كذلك وهو ايضا ~~على قول الاتحادية فانه عندهم ما ثم الا وجود واحد فلا يصح أن يقال كلما ~~سوى وجوده هالك اذ ما ثم شيء يخبر عنه بانه سوى وجوده اذ أصل مذهبهم نفى ~~السوى والغير في نفس الامر # وهذا يتم بالوجه الثانى وهو انه اذا قيل المراد بالهالك الممكن الذى لا ~~وجود له من جهته ms0278 فيكون المعنى كل شيء ليس وجوده من نفسه الا هو # قيل استعمال لفظ الهالك في الشيء الموجود المخلوق لأجل ان وجوده من ربه ~~لا من نفسه لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازا PageV02P028 # والقرآن قد فرق في اسم الهلاك بين شيء وشىء فقال تعالى ( ان امرؤ هلك ليس ~~له ولد ) وقال تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وقال تعالى ( وهم ~~ينهون عنه وينؤن عنه وان يهلكون الا أنفسهم وما يشعرون ) وقال تعالى ( ~~وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا الا الدهر ) وقال ~~تعالى ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ) وقال ~~تعالى ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) وقال ( وان من قرية الا نحن مهلكوها قبل ~~يوم القيامة ) وقال ( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ~~قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ) ~~وقال ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ) وقالت الملائكة ( انا مهلكوا اهل ~~هذه القرية ) وقال ( ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين ) # فهذه الآيات تقتضى ان الهلاك استحالة وفساد في الشيء الموجود كما سنبينه ~~لا أنه يعنى انه ليس وجوده من نفسه اذ جميع المخلوقات تشترك في هذا # الوجه الثالث أن يقال على هذا التقدير يكون المعنى أن كل ما سواه ممكن ~~قابل للعدم ليس وجوده من نفسه وهذا المعنى ليس هو الذى يقصدونه وإنما ~~مقصودهم أن كلما سواه فوجوده منه وبين المعنيين فرق واضح فان الخبر عن ~~الشيء بأنه ممكن قابل العدم ليس وجوده من نفسه غير الخبر عنه بانه موجود ~~وإن وجوده من الله PageV02P029 # الوجه الرابع أن يقال إذا كان المراد أن كلما سواه ممكن والضمير عائد إلى ~~واجب الوجود إلى الله الذى خلق الكائنات كان هذا من باب إيضاح الواضح فإنه ~~من المعلوم أن كلما سوى واجب الوجود فهو ممكن وأن كلما هو مخلوق له فهو ~~ممكن # الوجه الخامس أن يقال اسم الوجه في الكتاب والسنة إنما يذكر في سياق ms0279 ~~العبادة له والعمل له والتوجه إليه فهو مذكور في تقرير ألوهيته وعبادته ~~وطاعته لا في تقرير وحدانية كونه خالقا وربا وذلك المعنى هو العلة الغائية ~~وهذا هو العلة الفاعلية والعلة الغائية هي المقصودة التى هي أعلى وأشرف بل ~~هي علة فاعلية للعلة الفاعلية ولهذا قدمت في مثل قوله ( إياك نعبد وإياك ~~نستعين ( وفى مثل قوله ( فاعبده وتوكل عليه ( وقال تعالى ( وما لأحد عنده ~~من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ( وقال تعالى ( ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم ~~جزاء ولا شكورا وقال تعالى ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى ~~يريدون وجهه ( # وإذا كان كذلك كان حمل اسم الوجه في هذه الآية على ما يدل عليه في سائر ~~الآيات أولى من حمله على ما يدل عليه لفظ الوجه في شيء من الكتاب والسنة بل ~~هذا هو الواجب دون ذاك لأن هذا استعمال للفظ فيما لم يرد به الكتاب والكتاب ~~قد ورد بغيره حيث ذكر # الوجه السادس أن اسم الهلاك يراد به الفساد وخروجه عما يقصد به ~~PageV02P030 ويراد وهذا مناسب لما لا يكون لله فإنه فاسد لا ينتفع به في ~~الحقيقة بل هو خارج عما يجب قصده وإرادته قال تعالى ( وهم ينهون عنه وينأون ~~عنه وان يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ( أخبر أنهم يهلكون أنفسهم بنهيهم عن ~~الرسول ونأيهم عنه ومعلوم أن من نأى عن اتباع الرسول ونهى غيره عنه وهو ~~الكافر فإن هلاكه بكفره هو حصول العذاب المكروه له دون النعيم المقصود وقال ~~تعالى ( إن امرؤ هلك ( وقال PageV02P031 ### |PARATEXT| # وقال قدس الله روحه ### ||| فصل # ثم يقال هذا أيضا يقتضى أن كلا منهما ليس واجبا بنفسه غنيا قيوما بل ~~مفتقرا إلى غيره في ذاته وصفاته كما كان مفتقرا إليه في مفعولاته وذلك أنه ~~إذا كان كل منهما مفتقرا إلى الآخر في مفعولاته عاجزا عن الإنفراد بها إذ ~~الإشتراك مستلزم لذلك كما تقدم فإما أن يكون قابلا للقدرة على الإستقلال ~~بحيث ms0280 يمكن ذلك فيه أو لا يمكن # والثانى ممتنع لأنه لو امتنع أن يكون الشيء مقدورا ممكنا لواحد لامتنع أن ~~يكون مقدورا ممكنا لاثنين فإن حال الشيء في كونه مقدورا ممكنا لا يختلف ~~بتعدد القادر عليه وتوحده فإذا امتنع أن يكون مفعولا مقدورا لواحد امتنع أن ~~يكون مفعولا مقدورا لاثنين وإذا جاز أن يكون مفعولا مقدورا عليه لاثنين وهو ~~ممكن جاز أن يكون أيضا لواحد وهذا بين إذا كان الإمكان والامتناع لمعنى في ~~الممكن المفعول المقدور عليه إذ صفات ذاته لا تختلف في الحال # وكذلك إذا كان لمعنى في القادر فإن القدرة القائمة باثنين لا تمتنع أن ~~تقوم PageV02P032 بواحد بل إمكان ذلك معلوم ببديهة العقل بل من المعلوم ~~ببديهة العقل أن الصفات بأسرها من القدرة وغيرها كلما كان محلها متحدا ~~مجتمعا كان أكمل لها من أن يكون متعددا متفرقا # ولهذا كان الاجتماع والاشتراك في الخلق بأن يوجب لها من القوة والقدرة ما ~~لا يحصل لها اذا تفرقت وانفردت وان كانت احداها باقية بل الأشخاص والأعضاء ~~وغيرها من الاجسام المتفرقة قد قام بكل منها قدرة فاذا قدر اتحادها ~~واجتماعها كانت تلك القدرة أقوى وأكمل لانه حصل لها من الاتحاد والاجتماع ~~بحسب الإمكان ما لم يكن حين الافتراق والتعداد # وهذا يبين أن القدرة القائمة باثنين اذا قدر أن ذينك الإثنين كانا شيئا ~~واحدا تكون القدرة أكمل فكيف لا تكون مساوية للقدرة القائمة بمحلين واذا ~~كان من المعلوم أن المحلين المتباينين اللذين قام بهما قدرتان اذا قدر ~~أنهما محل واحد وأن القدرتين قامتا به لم تنقص القدرة بذلك بل تزيد علم أن ~~المفعول الممكن المقدور عليه لقادرين منفصلين اذا قدر أنهما بعينهما قادر ~~واحد قد قام به ما قام بهما لم ينقص بذلك بل يزيد فعلم أنه يمكن أن يكون كل ~~منهما قابلا للقدرة على الإستقلال وأن ذلك ممكن فيه فتبين أنه من الممكن في ~~المشتركين على المفعول الواحد أن يكون كل منهما قادرا عليه بل من الممكن أن ~~يكونا شيئا واحدا قادرا عليه ms0281 فتبين أن كلا منهما يمكن أن يكون أكمل مما هو ~~عليه وأن يكون بصفة أخرى PageV02P033 # اذا كان يمكن في كل منهما أن تتغير ذاته وصفاته ومعلوم أنه هو لا يمكن أن ~~يكمل نفسه وحده ويغيرها اذ التقدير أنه عاجز عن الانفراد بمفعول منفصل عنه ~~فأن يكون عاجزا عن تكميل نفسه وتغييرها أولى # واذا كان هذا يمكن أن يتغير ويكمل وهو لا يمكنه ذلك بنفسه لم يكن واجب ~~الوجود بنفسه بل يكون فيه امكان وافتقار إلى غيره والتقدير أنه واجب الوجود ~~بنفسه ( غير واجب الوجود بنفسه ) فيكون واجبا ممكنا # وهذا تناقض اذ ما كان واجب الوجود بنفسه تكون نفسه كافية في حقيقة ذاته ~~وصفاته لا يكون في شيء من ذاته وصفاته مفتقرا إلى غيره إذ ذلك كله داخل في ~~مسمى ذاته بل ويجب أن لا يكون مفتقرا إلى غيره في شيء من أفعاله ومفعولاته # فإن أفعاله القائمة به داخلة في مسمى نفسه وافتقاره إلى غيره في بعض ~~المفعولات يوجب افتقاره في فعله وصفته القائمة به إذ مفعوله صدر عن ذلك فلو ~~كانت ذاته كاملة غنية لم تفتقر إلى غيره في فعلها فافتقاره إلى غيره بوجه ~~من الوجوه دليل عدم غناه وعلى حاجته إلى الغير وذلك هو الإمكان المناقض ~~لكونه واجب الوجود بنفسه # ولهذا لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين والغنى عن الغير من ~~خصائص رب العالمين كان الاستقلال بالفعل من خصائص PageV02P034 رب العالمين ~~وكان التنزه عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين فليس في ~~المخلوقات ما هو مستقل بشئ من المفعولات وليس فيها ما هو وحده علة قائمة ~~وليس فيها ما هو مستغنيا عن الشريك في شيء من المفعولات بل لا يكون في ~~العالم شيء موجود عن بعض الأسباب إلا بمشاركة سبب آخر له # فيكون وإن سمى علة علة مقتضية سببية لا علة تامة ويكون كل منهما شرطا ~~للآخر كما أنه ليس في العالم سبب إلا وله مانع يمنعه من الفعل فكل ما في ~~المخلوق مما يسمى ms0282 علة أو سببا أو قادرا أو فاعلا أو مدبرا فله شريك هو له ~~كالشرط وله معارض هو له مانع وضد وقد قال سبحانه ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ~~( والزوج يراد به النظير المماثل والضد المخالف وهو الند # فما من مخلوق الا له شريك وند # والرب سبحانه وحده هو الذى لا شريك له ولا ند بل ما شاء كان وما لم يشاء ~~لم يكن # ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقا ولا ربا مطلقا ونحو ذلك لأن ذلك يقتضى ~~الإستقلال والانفراد بالمفعول المصنوع وليس ذلك الا لله وحده ولهذا وان ~~نازع بعض الناس في كون العلة تكون ذات أوصاف وادعى أن العلة لا تكون الا ~~ذات وصف واحد فإن أكثر الناس خالفوا في ذلك وقالوا يجوز أن تكون ذات أوصاف ~~بل قيل لا تكون في المخلوق PageV02P035 علة ذات وصف واحد أو ليس في المخلوق ~~ما يكون وحده علة ولا يكون في المخلوق علة الا ماكان مركبا من أمرين فصاعدا # فليس في المخلوق واحد يصدر عنه شيء فضلا عن أن يقال الواحد لا يصدر عنه ~~إلا واحد بل لا يصدر من المخلوق شيء الا عن اثنين فصاعدا وأما الواحد الذى ~~يفعل وحده فليس الا الله # فكما أن الوحدانية واجبة له لازمة له فالمشاركة واجبة للمخلوق لازمة له ~~والوحدانية مستلزمة للكمال والكمال مستلزم لها والاشتراك مستلزم للنقصان ~~والنقصان مستلزم له # وكذلك الوحدانية مستلزمة للغنى عن الغير والقيام بنفسه ووجوبه بنفسه وهذه ~~الأمور من الغنى والوجوب بالنفس والقيام بالنفس مستلزمة للوحدانية ~~والمشاركة مستلزمة للفقر إلى الغير والإمكان بالنفس وعدم القيام بالنفس # وكذلك الفقر والإمكان وعدم القيام بالنفس مستلزم للإشتراك وهذه وأمثالها ~~من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها وهى من دلائل إمكان المخلوقات المشهودات ~~وفقرها وأنها من بدئه فهي من أدلة إثبات الصانع لأن ما فيها من الإفتراق ~~والتعداد والإشتراك يوجب افتقارها وامكانها والممكن المفتقر لابد له من ~~واجب غنى بنفسه وإلا لم يوجد # ولو فرض تسلسل الممكنات المفتقرات فهي بمجموعها ممكنة والممكن قد علم ~~PageV02P036 بالاضطرار ms0283 أنه يفتقر في وجوده إلى غيره فكل ما يعلم أنه ممكن ~~فقير فانه يعلم أنه فقير أيضا في وجوده إلى غيره فلا بد ( من ) غنى بنفسه ~~واجب الوجود بنفسه والا لم يوجد ما هو فقير ممكن بحال # وهذه المعانى تدل على توحيد الربوبية وعلى توحيد الالهية وهوالتوحيد ~~الواجب الكامل الذى جاء به القرآن لوجوه # قد ذكرنا منها ما ذكرنا في غير هذا الموضع مثل أن المتحركات لا بد لها من ~~حركة ارادية ولابد للإرادة من مراد لنفسه وذلك هو الآله والمخلوق يمتنع أن ~~يكون مرادا لنفسه كما يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه فاذا امتنع أن يكون فاعلان ~~بأنفسهما امتنع أن يكون مرادان بأنفسهما # وأيضا فالآله الذى هو المراد لنفسه إن لم يكن ربا امتنع أن يكون معبودا ~~لنفسه ومن لا يكون ربا خالقا لايكون مدعوا مطلوبا منه مرادا لغيره فلأن ~~لايكون معبودا مرادا لنفسه ( من باب الأولى ) فاثبات الالهية يوجب اثبات ~~الربوبية ونفى الربوبية يوجب نفى الالهية إذ الإلهية هي الغاية وهى مستلزمة ~~للبداية كاستلزام العلة الغائية للفاعلية وكل واحد من وحدانية الربوبية ~~والالهية وإن كان معلوما بالفطرة الضرورية البديهية وبالشريعة النبوية ~~الالهية فهو أيضا معلوم بالأمثال الضرورية التى هي المقاييس العقلية لكن ~~المتكلمون إنما انتصبوا لإقامة المقاييس العقلية على توحيد الربوبية ~~PageV02P037 # وهذا مما لم ينازع في أصله أحد من بنى آدم وانما نازعوا في بعض تفاصيله ~~كنزاع المجوس والثنوية والطبيعية والقدرية وأمثالهم من ضلال المتفلسفة ~~والمعتزلة ومن يدخل فيهم وأما توحيد الالهية فهو الشرك العام الغالب الذى ~~دخل من أقر أنه لا خالق الا الله ولا رب غيره من أصناف المشركين كما قال ~~تعالى ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ( كما قد بسطنا هذا في غير ~~هذا الموضع PageV02P038 # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ### ||| فصل ### |||| قاعدة # قد كتبت ما يتعلق بها في الكراس الذى قبل هذا # أصل الإثبات والنفى والحب والبغض هو شعور النفس بالوجود والعدم والملائمة ~~والمنافرة فإذا شعرت بثبوت ذات شيء أو صفاته اعتقدت ms0284 ثبوته وصدقت بذلك ثم إن ~~كانت صفات كمال اعتقدت اجلاله واكرامه صدقت ومدحته وأثنت عليه # وإذا شعرت بانتفائه أو انتفاء صفات الكمال عنه اعتقدت انتفاء ذلك # وإن لم تشعر لا بثبوت ولا انتفاء لم تعتقد واحدا منهما ولم تصدق ولم تكذب ~~وربما اعتقدت الإنتفاء اذا لم تشعر بالثبوت وان لم تشعر أيضا بالعدم وبين ~~الشعور بالعدم وعدم الشعور بالوجود فرق بين وهى منزلة الجهل الذى يؤتى منها ~~أكثر الناس الذين يكذبون بما لم يحيطوا بعلمه والذى من جهل شيئا عاداه ~~PageV02P039 # ثم اذا اعتقدت الإنتفاء كذبت بالثبوت وذمته وطعنت فيه هذا اذا كان ما ~~استشعرت وجوده أو عدمه محمودا وأما أن كان مذموما كان الأمر بالعكس وكذلك ~~إذا شعرت بما يلائمها أحبته وأرادته وان شعرت بما ينافيها أبغضته وكرهته ~~وان لم تشعر بواحد منهما أو شعرت بما ليس بملائم ولا مناف فلا محبة ولا ~~بغضة وربما أبغضت مالم يكن منافيا اذ لم يكن ملائما # وبين الشعور بالمنافى وعدم الشعور بالملائم فرق بين لكن هذا محمود فإن ما ~~لم يلائم الإنسان فلا فائدة له فيه ولا منفعة فيكون الميل إليه من باب ~~العبث والمضرة # فينبغى الإعراض عنه لأنه لا فائدة فيه ومالا فائدة ( فيه ) فالميل إليه ~~مضرة ثم يتبع الحب للشخص أو العمل الصلاة عليه والثناء عليه كما يتبع البغض ~~اللعنة له والطعن عليه وما لم يكن محبوبا ولامبغضا لا يتبعه ثناء ولا دعاء ~~ولا طعن ( ولا لعن ) # ولما كان في نفس الأمر وجود محبوب مألوه كان أصل السعادة الإيمان بذلك ~~وأصل الإيمان قول القلب الذى هو التصديق وعمل القلب الذى هوالمحبة على سبيل ~~الخضوع إذ لا ملائمة لأرواح العباد أتم من ملائمة إلهها الذى هو الله الذى ~~لا اله الا هو # ولما كان الإيمان جامعا لهذين المعنيين وكان تعبير من عبر عنه بمجرد ~~PageV02P040 التصديق ناقصا قاصرا انقسم الأمة إلى ثلاث فرق # فالجامعون حققوا كلا معنييه من القول التصديقى والعمل الإرادي وفريقان ~~فقدوا أحد المعنيين # فالكلاميون غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء ms0285 والوجود والعدم ~~والقضايا التصديقية فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر # والصوفيون غالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة والإرادة والكراهة ~~والحركات العملية فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة # وأما أهل العلم والإيمان فجامعون بين الأمرين بين التصديق العلمى والعمل ~~الحبى ثم ان تصديقهم عن علم وعملهم وحبهم عن علم فسلموا من آفتى منحرفة ~~المتكلمة والمتصوفة وحصلوا ما فات كل واحدة منهما من النقص فإن كلا من ~~المنحرفين له مفسدتان # أحداهما القول بلا علم ان كان متكلما والعمل بلا علم إن كان متصوفا وهو ~~ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة # والثانى فوت المتكلم العمل وفوت المتصوف القول والكلام # وأهل السنة الباطنة والظاهرة كان كلامهم وعملهم باطنا وظاهرا بعلم وكان ~~كل واحد من قولهم وعملهم مقرونا بالآخر وهؤلاء هم المسلمون حقا PageV02P041 ~~الباقون على الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين # فإن منحرفة أهل الكلام فيهم شبه اليهود ومنحرفة أهل التصوف فيهم شبه ~~النصارى ولهذا غلب على الأولين جانب الحروف وما يدل عليه من العلم ~~والإعتقاد وعلى الآخرين جانب الأصوات وما يثيره من الوجد والحركة ومن تمام ~~ذلك أن الله أمر نبيه أن يدعوإلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ~~ويجادلهم بالتى هي أحسن # وهذه الطرق الثلاثة هي النافعة في العلم والعمل وتشبه مايذكره أهل المنطق ~~من البرهان والخطابة والجدل بقى الشعر والسفسطة التى هي الكذب المموه فنفى ~~الله ذلك بقوله ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ~~يلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون ( إلى آخر السورة فذكر ~~الأفاكين وهم المسفسطون وذكر الشعراء # وكذلك أبو بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب لما قال له يا خليفة رسول الله ~~تألف الناس فأخذ بلحيته وقال يا بن الخطاب أجبارا في الجاهلية خوارا في ~~الاسلام علام أتألفهم أعلى حديث مفترى أم على شعر مفتعل فذكر الحديث ~~المفترى والشعر المفتعل كما ذكرالله الأفاكين والشعراء وكان الإفك في القوة ~~الخبرية والشعر في القوة العملية الطلبية فتلك ضلال وهذه غواية ms0286 PageV02P042 # ولهذا يقترن أحدهما بالآخر كثيرا في مثل المليين من الرهبان وفاسدى ~~الفقراء وغيرهم ثم لما كان الشعر مستفادا من الشعور فهو يفيد إشعار النفس ~~بما يحركها وإن لم يكن صدقا بل يورث محبة أو نفرة أو رغبة أو رهبة لما فيه ~~من التخييل وهذا خاصة الشعر فلذلك وصفهم بأنهم يتبعهم الغاوون # والغى اتباع الشهوات لأنه يحرك الناس حركة الشهوة والنفرة والفرح والحزن ~~بلا علم وهذا هو الغى بخلاف الإفك فإن فيه إضلالا في العلم بحيث يوجب ~~اعتقاد الشيء على خلاف ماهو به وإذا كانت النفس تتحرك تارة عن تصديق وإيمان ~~وتارة عن شعر والثانى مذموم إلا ما استثنى منه قال تعالى ( وما علمناه ~~الشعر وما ينبغى له ان هو الا ذكر وقرآن مبين ( فالذكر خلاف الشعر فإنه حق ~~وعلم يذكره القلب وذاك شعر يحرك النفس فقط # ولهذا غلب على منحرفة المتصوفة الإعتياض بسماع القصائد والأشعار عن سماع ~~القرآن والذكر فإنه يعطيهم مجرد حركة حب أو غيره من غير أن يكون ذلك تابعا ~~لعلم وتصديق ولهذا يؤثره من يؤثره على سماع القرآن ويعتل بأن القرآن حق نزل ~~من حق والنفوس تحب الباطل وذلك لأن القول الصدق والحق يعطى علما واعتقادا ~~بجملة القلب والنفوس المبطلة لا تحب الحق ولهذا أثره باطل يتفشى من النفس ~~فإنه فرع لا أصل له ولكن له تأثير في النفس من جهة التحريك والإزعاج ~~والتأثير لا من جهة التصديق والعلم PageV02P043 والمعرفة ولهذا يسمون القول ~~حاديا لأنه يحدو النفوس أى يبعثها ويسوقها كما يحدو حادى العيس # وأما الحكمة والموعظة الحسنة والجدل الاحسن فإنه يعطى التصديق والعمل فهو ~~نافع منفعة عظيمة # وانما قلت إن هذه الثلاثة تشبه من بعض الوجوه الاقيسة الثلاثة التى هي ~~البرهانية والخطابية والجدلية وليست هي بل أكمل من وجوه كثيرة لوجوه # أحدها أن التى في القرآن تجمع نوعى العلم والعمل الخبر والطلب على أكمل ~~الوجوه بخلاف الاقيسة المنطقية # وذلك أن القياس العقلى المنطقى انما فائدته مجرد التصديق في القضايا ~~الخبرية سواء تبع ذلك عمل أو لم ms0287 يتبعه فإن كانت مواد القياس يقينية كان ~~برهانا سواء كانت مشهورة أو مسلمة أو لم تكن وهو يفيد اليقين وان كانت ~~مشهورة أو مقبولة سمى خطابة سواء كانت أو لم تكن وذلك يفيد الإعتقاد ~~والتصديق الذى هو بين اليقين والظن ليس أنه يفيد الظن دون اليقين اذ ليس في ~~كونها مشهورة ما يمنع أن تكون يقينية مفيدة لليقين وفرق بين مالايجب أن ~~يفيد اليقين وما يمنع افادة اليقين فالمشهورة من حيث هي مشهورة تفيد ~~التصديق والإقناع والاعتقاد ثم ان عرف أنها PageV02P044 يقينية أفادت ~~اليقين أيضا وإن عرف أنها غير يقينية لم تفد إلا الظن وإن لم تشعر النفس ~~بواحد منهما بقى اعتقادا مجردا لا يثبت له اليقين ولا ينفى عنه وأما الحكمة ~~في القرآن فهي معرفة الحق وقوله والعمل به كما كتبت تفسيرها في غير هذا ~~الموضع والموعظة الحسنة تجمع التصديق بالخبر والطاعة للأمر ولهذا يجيء ~~الوعظ في القرآن مرادا به الأمر والنهى بترغيب وترهيب كقوله ( ولو أنهم ~~فعلوا ما يوعظون به ( وقوله ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله ( وقوله ( ~~فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة ( أى يتعظون بها فينتبهون ~~وينزجرون # وكذلك الجدل الأحسن يجمع الجدل للتصديق وللطاعة # الوجه الثانى ويمكن أن يقسم هذا إلى وجه آخر بأن يقال الناس ثلاثة أقسام ~~إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة وإما أن يعترف به لكن لا يعمل ~~به فهذا يوعظ حتى يعمل واما أن لا يعترف به فهذا يجادل بالتى هي أحسن لأن ~~الجدال في مظنة الإغضاب فإذا كان بالتى هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان ~~كدفع الصائل # الوجه الثالث أن كلام الله لا يشتمل الا على حق يقين لا يشتمل على ما ~~تمتاز به الخطابة والجدل عن البرهان بكون المقدمة مشهورة أو مسلمة غير ~~PageV02P045 يقينية بل اذا ضرب الله مثلا مشتملا على مقدمة مشهورة أو مسلمة ~~فلا بد وأن تكون يقينية فأما الاكتفاء بمجرد تسليم المنازع من غير أن تكون ~~المقدمة صادقة أو بمجرد كونها مشهورة وان لم ms0288 تكن صادقة فمثل هذه المقدمة لا ~~يشتمل عليها كلام الله الذى كله حق وصدق وهو أصدق الكلام وأحسن الحديث # فصاحب الحكمة يدعى بالمقدمات الصادقة سواء كانت مشهورة أو مسلمة أو لم ~~تكن لما فيه من ادراك الدق واتباع الحق # وصاحب الموعظة يدعى من المقدمات الصادقة بالمشهورة لأنه قد لا يفهم ~~الخفية من الحق ولا ينازع في المشهورة # وصاحب الجدل يدعى بما يسلمه من المقدمات الصادقة مشهورة كانت أو لم تكن ~~اذ قد لا ينقاد إلى ما لا يسلمه # سواء كان جليا أو خفيا وينقاد لما يسلمه سواء كان جليا أو خفيا فهذا هذا # وليس الأمر كما يتوهمه الجهال الضلال من الكفار المتفلسفة وبعض المتكلمة ~~من كون القرآن جاء بالطريقة الخطابية وعرى عن البرهانية أو اشتمل على قليل ~~منها بل جميع ما اشتمل عليه القرآن هو الطريقة البرهانية وتكون تارة خطابية ~~وتارة جدلية مع كونها برهانية # والأقيسة العقلية التى اشتمل عليها القرآن هي الغاية في دعوة الخلق إلى ~~الله كما قال ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ( في أول سبحان ~~وآخرها وسورة الكهف والمثل هو القياس ولهذا اشتمل القرآن PageV02P046 على ~~خلاصة الطرق الصحيحة التى توجد في كلام جميع العقلاء من المتكلمة ~~والمتفلسفة وغيرهم ونزه الله عما يوجد في كلامهم من الطرق الفاسدة ويوجد ~~فيه من الطرق الصحيحة ما لا يوجد في كلام البشر بحال # الوجه الرابع أن هنا نكتة ينبغى التفطن لها فإنها نافعة وذلك أن المقدمة ~~المذكورة في القياس الذى هو مثل لها وصف ذاتى ووصف إضافى # فالوصف الذاتى لها أن تكون مطابقة فتكون صدقا أولا تكون مطابقة فتكون ~~كذبا وجميع المقدمات المذكورة في أمثال القرآن هي صدق والحمد لله رب ~~العالمين # وأما الوصف الإضافى فكونها معلومة عند زيد أو مظنونة أو مسلمة أو غير ~~مسلمة فهذا أمر لا ينضبط فرب مقدمة هي يقينية عند شخص قد علمها وهى مجهولة ~~فضلا عن أن تكون مظنونة عند من لم يعلمها فكون المقدمة يقينية أو غير ~~يقينية أو مشهورة ms0289 أو غير مشهورة أو مسلمة أو غير مسلمة أمور نسبية واضافية ~~لها تعرض بحسب شعور الانسان بها # ولهذا تنقلب المظنونة بل المجهولة في حقه يقينية معلومة والممنوعة مسلمة ~~بل والمسلمة ممنوعة والقرآن كلام الله الذى أنذر به جميع الخلق لم يخاطب به ~~واحدا بعينه حتى يخاطب بما هو عنده يقينى من المقدمات أو مشهور أو مسلم ~~فمقدمات الأمثال فيه اعتبر فيها الصفة الذاتية وهى كونها صدقا وحقا ~~PageV02P047 يجب قبوله وأما جهة التصديق فتتعدد وتتنوع اذ قد يكون لهذا من ~~طرق التصديق بتلك المقدمة ما ليس لعمرو مثل أن يكون هذا يعلمها بالإحساس ~~والروية وهذا يعلمها بالسماع والتواتر كآيات الرسول وقصة أهل الفيل وغير ~~ذلك # فما كان جهة تصديقه عاما للناس أمكن ذكره جهة التصديق به كآيات الربوبية ~~المعلومة بالإحساس دائما وما كان جهة تصديقه متنوعا أحيل كل قوم على الطريق ~~التى يصدقون بها # وقد يقال في مثل هذا ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتى هي أحسن ( فإن مخاطبة المعين قد يعلم بها ما هو عنده يقينى أو مشهور ~~من اليقين أو مسلم منه # وبهذا يتبين لك أن تقسيم المنطقيين لمقدمات القياس إلى المستيقن والمشهور ~~والمسلم ليس ذلك وصفا لازما للقضية بل هو بحسب ما اتفق للمصدق بها وربما ~~انقلب الأمر عنده ويظهر لك من هذا أنما يشهدون عليه أنه ليس بيقينى أو ليس ~~مشهورا وليس بمسلم ليست الشهادة صحيحة إذ سلب ذلك انما يصح في حق قوم ~~معينين لا في حق جميع البشر # وكذلك الشهادة عليه بأنه يقينى أو مشهور أو مسلم انما هو في حق من ثبت له ~~هذا الوصف # وأيضا القياس حق ثابت لا يتبدل وما يقوله هؤلاء يتغير ويتبدل PageV02P048 ~~ولا يستمر اللهم إلا في الأمور التى قضت سنة الله باشتراك الناس فيها من ~~الحسابيات والطبيعيات # وهذان الفنان ليسا مقصود الدعوة النبوية ولا معرفتهما شرطا في السعادة ~~ولا محصلا لها وإنما المقصود الفن الإلهي ومقدمات القياس فيه هي من القسم ~~الأول الذى تختلف فيه أحكام ms0290 المقدمات بالنسب والاضافة فتدبر هذا فإنه خالص ~~نافع عظيم القدر يوضح هذا الفصل أن القرآن وإن كان كلام الله فإن الله ~~أضافه إلى الرسول المبلغ له من الملك والبشر فأضافه إلى الملك في قوله ( ~~فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس ( إلى قوله ( إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ~~ذى العرش مكين مطاع ثم أمين ( فهذا جبرائيل فإن هذه صفاته لا صفات محمد ثم ~~قال ( وما صاحبكم بمجنون ( أضافه إلينا إمتنانا علينا بأنه صاحبنا كما قال ~~( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ( ولقد رآه بالأفق المبين وما هو ~~على الغيب بضنين ( فهو محمد أى بمتهم وعلى القراءة الأخرى ببخيل # وزعم بعض المتفلسفة أنه جبرائيل أيضا وهو العقل الفاعل الفائض وهومن ~~تحريف الكلم عن مواضعه فإن صفات جبرائيل تقدمت وإنما هذا وصف محمد ثم قال ( ~~وما هو بقول شيطان رجيم ( لما أثبت أنه قول PageV02P049 الملك نفى أن يكون ~~قول الشيطان كما قال في الشعراء ( نزل به الروح الأمين على قلبك ( إلى قوله ~~( وما تنزلت به الشياطين وما ينبغى لهم وما يستطيعون ( إلى قوله ( هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم ~~كاذبون ( # وأضافه إلى الرسول البشرى في قوله ( فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ~~إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ~~ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ( فنفى عنه أن يكون قول شاعر أو كاهن وهما ~~من البشر كما ذكر في آخر الشعراء أن الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ~~كالكهنة الذين يلقون إليهم السمع وأن الشعراء يتبعهم الغاوون # فهذان الصنفان اللذان قد يشتبهان بالرسول من البشر لما نفاهما علم أن ~~الرسول الكريم هو المصطفى من البشر فإن الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن ~~الناس كما أنه في سورة التكوير لما كان الشيطان قد يشبه بالملك فنفى أن ~~يكون قول شيطان رجيم علم أن الرسول المذكور هوالمصطفى من الملائكة # وفى إضافته إلى هذا الرسول تارة ms0291 والى هذا تارة دليل على أنه اضافة بلاغ ~~وأداء لا اضافة احداث لشيء منه أو انشاء كما يقوله بعض المبتدعة الأشعرية ~~من أن حروفه ابتداء جبرائيل أو محمد مضاهاة منهم في نصف قولهم لمن قال انه ~~قول البشر من مشركى العرب ممن يزعم أنه أنشأه PageV02P050 بفضله وقوة نفسه ~~ومن المتفلسفة الذين يزعمون أن المعانى والحروف تأليفه لكنها فاضت عليه كما ~~يفيض العلم على غيره من العلماء # فالكاهن مستمد من الشياطين ( والشعراء يتبعهم الغاوون ( وكلاهما في لفظه ~~وزن هذا سجع وهذا نظم وكلاهما له معان من وحى الشياطين كما قال النبى أعوذ ~~بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه وقال همزه ~~المؤتة ونفثة الشعر ونفخة الكبر وقوله تعالى ( وما هو بقول شيطان رجيم ( ~~ينفى الأمرين كما أنه في السورة الأخرى قال ( وما هو بقول شاعر ( ولا بقول ~~كاهن ( وكذلك قال في الشعراء ( وما تنزلت به الشياطين ( مطلقا # ثم ذكر علامة من تنزل عليه الشياطين بأنه أفاك أثيم وأن الشعراء يتبعهم ~~الغاوون فظاهر القرآن ليس فيه أن الشعراء تتنزل عليهم الشياطين الا اذا كان ~~أحدهم كذابا أثيما فالكذاب في قوله وخبره والأثيم في فعله وأمره # وذاك والله أعلم لأن الشعر يكون من الشيطان تارة ويكون من النفس أخرى كما ~~أنه إذا كان حقا يكون من روح القدس كما قال النبى لما دعا لحسان بن ثابت ( ~~اللهم أيده بروح القدس ( وقال ( إهجهم وهاجهم وجبرائيل معك ( فلما نفى قسم ~~الشيطان نفى قسم النفس ولهذا قال ( يتبعهم الغاوون ( والغى اتباع الشهوات ~~التى هي هوى النفوس PageV02P051 # ولهذا قال أبو ( حيان ( ما كان من نفسك فأحبته نفسك لنفسك فهو من نفسك ~~فانهها عنه وما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك فهو من الشيطان فاستعذ بالله ~~منه فهذا والله أعلم سبب ذلك وأما التقسيم إلى الكاهن والشاعر من جهة ~~المعنى فهو والله اعلم لأن الكلام نوعان خبر وانشاء والكاهن يخبر بالغيوب ~~مخلطا فيه الصدق بالكذب لا يأتون بالحق محضا واذا ألقى الشيطان في أمنية ~~أحدهم ms0292 شيئا في القلب لم ينسخ منه بل أكثرهم كاذبون كما قال تعالى وكما بينه ~~النبى في حديث الكهان لما قال ( إنهم يزيدون في الكلمة مائة كذبة ( بخلاف ~~الرسول والنبى والمحدث كما في قراءة بن عباس وغيره ( فإن الله ينسخ ما يلقى ~~الشيطان ( # والقراءة العامة ليس فيها المحدث إذ يجوز أن يقر على بعض الخطأ ويدخل ~~الشيطان في أمنيته بعض ما يلقيه فلا ينسخ بخلاف الرسول والنبى فإنه لا بد ~~من نسخ ما يلقى الشيطان وأن يحكم الله آياته لأنه ( حق ) والمحدث مأمور بأن ~~يعرض ما يحدثه على ما جاء به الرسول # ولهذا ألقى الشيطان لعمر وهو محدث في قصة الحديبية وقصة موت النبى وقصة ~~اختلافه وحكيم بن حزام في سورة الفرقان فأزاله عنه نور النبوة PageV02P052 # وأما الشاعر فشأنه التحريك للنفوس فهو من باب الأمر الخاص المرغب فلهذا ~~قيل فيهم ( يتبعهم الغاوون ( فضررهم في الأعمال لا في الاعتقادات وأولئك ~~ضررهم في الاعتقادات ويتبعها الأعمال ولهذا قال ( أفاك أثيم ( # ومعنى الكهانة والشعر موجود في كثير من المتفلسفة والمتصوفة والمتكلمة ~~والمتفقهة والعامة والمتفقرة الخارجين عن الشريعة الذين يتكلمون بالغيوب عن ~~كهانة ويحركون النفوس بالشعر ونحوه وهم من أتباع المتنبئين الكذابين لهم ~~مادة من الشياطين كما قد رأيناه كثيرا في أنواع من هذه الطوائف وغيرها لمن ~~نور الله صدره وقذف في قلبه من نوره PageV02P053 ### || 1 ( رسالة في طرق العلم الإلهي ) 1 # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### ||| ! 8 < فصل ! 8 < # ثم إن المنحرفين المشابهين للصابئة إما مجردة وإما منحرفة إلى يهودية أو ~~نصرانية من أهل المنطق والقياس الطالبين للعلم والكلام ومن أهل العمل ~~والوجد الطالبين للمعرفة والحال أهل الحروف وأهل الأصوات سلكوا في أصل ~~العلم الإلهي طريقين كل منهم سلك طريقا وقد يسلك بعضهم هذا في وقت وهذا في ~~وقت وربما جمع بعضهم بين الطريقين # واكثرهم لا يعلمون أن الله إليه طريق إلا أحد هذين كما يذكره جماعات مثل ~~بن الخطيب ومن نحا نحوه بل مثل أبى حامد لما حصر الطرق في الكلام والفلسفة ms0293 ~~الذى هو النظر والقياس أو في التصوف والعبادة الذى هو العمل والوجد ولم ~~يذكر غير هؤلاء الأصناف الثلاثة بل أبو حامد لما ذكر في المنقذ من الضلال ~~والمفصح بالأحوال أحواله في طرق العلم وأحوال العالم وذكر أن أول ما عرض له ~~ما يعترض طريقهم وهو السفسطة بشبهها المعروفة وذكر أنه أعضل به هذا الداء ~~قريبا من شهرين هو فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق ~~والمقال حتى شفى PageV02P054 الله عنه ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة ~~والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن وتبين ولم ~~يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه الله في الصدر وذلك النور هو ~~مفتاح أكبر المعارف قال فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة فقد ضيق ~~رحمة الله الواسعة ثم قال انحصرت طرق الطالبين عندى في أربع فرق # المتكلمون وهم يدعون أنهم أهل الرأى والنظر # والباطنية وهم يدعون أنهم أصحاب التعلم والمخصصون بالإقتباس من الإمام ~~المعصوم # والفلاسفة وهم يدعون أنهم أصحاب المنطق والبرهان والصوفية ويدعون أنهم ~~خواص الحضرة وأهل المكاشفة والمشاهدة فقلت في نفسى الحق لا يعدو هذه ~~الاصناف الاربعة فهؤلاء هم السالكون سبل طريق الحق فإن سد الحق عنهم فلا ~~يبقى في درك الحق مطمع ثم ذكر أن مقصود الكلام وفائدته الذب عن السنة ~~بالجدل لا تحقيق الحقائق وأن ما عليه الباطنية باطل وأن الفلسفة بعضها حق ~~وبعضها كفر والحق منها لا يفى بالمقصود # ثم ذكر أنه أقبل بهمته على طريق الصوفية وعلم أنها لا تحصل إلا بعلم ~~PageV02P055 وعمل فابتدأ بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبى ~~طالب المكى وكتب الحارث المحاسبى والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلى ~~وأبى يزيد حتى طلع على كنة مقاصدهم العلمية ثم إنه علم يقينا أنهم أصحاب ~~أحوال لا أصحاب أقوال وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصله ولم يبق إلا ~~مالا سبيل إليه بالتعلم والسماع بل بالذوق والسلوك # قال وكان قد حصل معى من العلوم التى مارستها والمسالك التى ms0294 سلكتها في ~~التفتيش عن صنفى العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقينى بالله وبالنبوة ~~وباليوم الآخر وهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسى بالله ~~لا بدليل معين مجرد بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها ~~وكان قد ظهر عندى أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى وذكر أنه تخلى ~~عشر سنين إلى أن قال انكشف لى في أثناء هذه الخلوات أمور لايمكن إحصاؤها ~~واستقصاؤها والقدر الذى أذكره لينتفع به أنى علمت يقينا أن الصوفية هم ~~السالكون لطريق الله خاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق ~~وأخلاقهم أزكى الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين ~~على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما ~~هوخير منه لم يجدوا إليه سبيلا PageV02P056 # فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من مشكاة نور النبوة ~~وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به # وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريق طهارتها وهى أول شروطها تطهير ~~القلب بالكلية عما سوى الله ومفتاحها إستغراق القلب بذكر الله قلت يستفاد ~~من كلامه ان أساس الطريق هي شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~كما قررته غير مرة وهذا أول الإسلام الذى جعله هو النهاية وبينت الفرق بين ~~طريق الأنبياء وطريق الفلاسفة والمتكلمين لكن هو لم يعرف طريقة أهل السنة ~~والحديث من العارفين فلهذا لم يذكرها وهى الطريقة المحمدية المحضة الشاهدة ~~على جميع الطرق والسهروردى الحلبى المقتول سلك النظر والتأله جميعا لكن هذا ~~صابئى محض فيلسوف لا يأخذ من النبوة إلا ما وافق فلسفته بخلاف ذينك ~~وأمثالهما # ثم منهم من لا يعرف إلا طريقة النظر والقياس ابتداء كجمهور المتكلمين من ~~الجهمية والمعتزلة والأشعرية وبعض الحنبلية # ومنهم من لا يعرف ابتداء إلا طريقة الرياضة والتجرد والتصوف ككثير من ~~الصوفية والفقراء الذين وقعوا في الاتحاد والتأله المطلق مثل عبد الله ~~الفارسى والعفيف التلمسانى ونحوهما ومنهم من قد يجمع كالصدر القونوى ونحوه ~~PageV02P057 # والغالب عليهم عالم التوهم ms0295 فتارة يتوهمون ماله حقيقة وتارة يتوهمون مالا ~~حقيقة له كتوهم إلهية البشر وتوهم النصارى وتوهم المنتظر وتوهم الغوث ~~المقيم بمكة أنه بواسطته يدبر أمرالسماء والأرض ولهذا يقول التلمسانى ثبت ~~عندنا بطريق الكشف ما يناقض صريح العقل # ولهذا ( أصيب ) صاحب الخلوة بثلاث توهمات # أحدها أن يعتقد في نفسه أنه أكمل الناس استعدادا # والثانى ( أن ) يتوهم ( في ) شيخه أنه أكمل من على وجه الأرض # والثالث أنه يتوهم أنه يصل إلى مطلوبه بدون سبب وأكثر ( اعتماده ) على ~~القوة الوهمية فقد تعمل الاوهام أعمالا لكنها باطلة كالمشيخة الذين لم ~~يسلكوا الطرق الشرعية النبوية نظرا أو عملا بل سلكوا الصابئية # ويشبه هؤلاء من بعض الوجوه أكثر الاحمدية واليونسية والحريرية وكثير من ~~العدوية وأصحاب الاوحد الكرمانى وخلق كثير من المتصوفة والمتفقرة بأرض ~~المشرق ولهذا تغلب عليهم الإباحة فلا يؤمنون بواجبات الشريعة ومحرماتها وهم ~~إذا تألهوا في تأله مطلق لا يعرفون من هو الههم بالمعرفة القلبية وإن حققه ~~عارفوهم الزنادقة جعلوه الوجود المطلق # ومنهم من يتأله الصالحين من البشر وقبورهم ونحو ذلك فتارة يضاهئون ~~المشركين وتارة يضاهئون PageV02P058 النصارى وتارة يضاهؤن الصابئين وتارة ~~يضاهؤن المعطلة الفرعونية ونحوهم من الدهرية وهم من الصابئين لكن كفار في ~~الاصل # والخالص منهم يعبد الله وحده لكن أكثر ما يعبده بغير الشريعة القرآنية ~~المحمدية فهم منحرفون إما عن شهادة أن لا إله الا الله واما عن شهادة أن ~~محمدا رسول الله وقد كتبته في غير هذا # وكل واحد من طريقى النظر والتجرد طريق فيه منفعة عظيمة وفائدة جسيمة بل ~~كل منهما واجب لا بد منه ولا تتم السعادة الا به والقرآن كله يدعو إلى ~~النظر والاعتبار والتفكر والى التزكية والزهد والعبادة وقد ذكر القرآن صلاح ~~القوة النظرية العلمية والقوة الإرادية العملية في غير موضع كقوله ( هو ~~الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ( فالهدى كمال ~~العلم ودين الحق كمال العمل كقوله ( أولى الأيدى والأبصار ( وقوله ( كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ( وقوله ( آمنوا وعملوا الصالحات ( وقوله ( ~~إليه يصعد الكلم ms0296 الطيب والعمل الصالح ( وفى خطبة النبى ( ان خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدى هدى محمد ( لكن النظر النافع أن يكون في دليل فإن ~~النظر في غير دليل لا يفيد العلم بالمدلول عليه والدليل هو الموصل إلى ~~المطلوب والمرشد إلى المقصود والدليل التام هو الرسالة والصنائع # وكذلك العبادة التامة فعل ما أمر به العبد وما جاءت به الرسل وقد وقع ~~PageV02P059 الخطأ في الطريقين من حيث أخذ كل منهما أو مجموعهما مجردا في ~~الإبتداء عن الإيمان بالله وبرسوله # بل إقتصر فيهما على مجرد ما يحصله نظر القلب وذوقه الموافق لما جاءت به ~~الرسل تارة والمخالف لما جاءت به أخرى في مجرد النظر العقلى ومجرد العبادات ~~العقلية أو الصعود عن ذلك إلى النظر الملى والعبادات الملية والواجب أنه ~~لابد في كل واحد من النظر والعمل من ( أن ) يوجد فيه العقلى والملى والشرعى ~~فلما قصروا وقع كل من الفريقين إما في الضلال وإما في الغواية وإما فيهما # وحاصلهم إما الجهل البسيط أو الكفر البسيط أو الجهل المركب أو الكفر ~~المركب مع الجهل والظلم # وذلك أن طريقة أهل النظر والقياس مدارها على مقدمة لابد منها في كل قياس ~~يسلكه الآدميون وهى مقدمة كلية جامعة تتناول المطلوب وتتناول غيره بمعنى ~~أنها لاتمنع غيره من الدخول وإن لم يكن له وجود في الخارج فهي لا تتناول ~~المطلوب لخاصيته بل بالقدر المشترك بينه وبين غيره والمطلوب بها هوالله ~~تعالى فلم يصلوا إليه الا بجامع ما يشترك فيه هو وغيره من القضا [ يا ] ~~الإيجابية والسلبية # والمشترك بينه وبين غيره لا يعرف بخصوصه اصلا فلم يعرفوا الله ~~PageV02P060 بل لما اعتقدوا فيه القدر المشترك صاروا مشركين به وحكموا على ~~القدر المشترك بأحكام سلبية أو ايجابية فإنها تصح في الجملة لأن ما انتفى ~~عن المعنى العام المشترك انتفى عن الخاص المميز وليس ما انتفى عن الخاص ~~المميز انتفى عن العام فما نفيته عن الحيوان أو عن النبى انتفى عن الإنسان ~~والرسول وليس ما نفيته عن الإنسان أو الرسول انتفى عن الحيوان أو ms0297 النبى # ولهذا كان قوله لا نبى بعدى ينفى الرسول وكذلك ما ثبت للمعنى المشترك ~~بصفة العموم ثبت للخاص وما ثبت له بصفة الإطلاق لم يجب أن يثبت للخاص فإذا ~~ثبت حكم لكل نبى دخل فيه الرسول وأما اذا ثبت للنبى مطلقا لم يجب أن يثبت ~~للرسول وقد تتألف من مجموع القضايا السلبية والإيجابية أمور لا تصدق الا ~~عليه ولا يصح أن يوصف بها غيره كما اذا وصف نبى بمجموع صفات لا توجد في ~~غيره # لكن هذا القدر يعرف انتفاء غيره أن يكون اياه وأما عينه فلا يعرف بمجموع ~~تلك القضايا الكلية فلا يحصل للعقل من القياس في الرب الا العلم بالسلب ~~والعدم إذا كان القياس صحيحا ولهذا جاءت الأمثال المضروبة في القرآن وهى ~~المقاييس العقلية دالة على النفى في مثل قوله ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل ~~لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم ( الآية ومثل قوله ( ضرب الله ~~مثلا رجلين ( الآيات وقوله ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله ( الآية وقوله ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون ( الآية ~~وقوله ( ما اتخذ الله PageV02P061 من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل ~~إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ( وأمثال ذلك من الأمثال وهى القياسات ~~التى مضمونها نفى الملزوم لانتفاء لازمه أو نحو ذلك # ولهذا كان الغالب على أهل القياس من أهل الفلسفة والكلام في جانب ~~الربوبية إنما هي المعارف السلبية ثم لم يقتصروا على مقدار ما يعلمه العقل ~~من القياس بل تعدوا ذلك فنفوا أشياء مشبهة القياس الفاسد مثل نفى الصفات ~~النبوية الخبرية بل ونفى الفلاسفة والمعتزلة للصفات التى يثبتها متكلموا ~~أهل الإثبات ويسمونها الصفات العقلية لإثباتهم إياها بالقياس العقلى ومعلوم ~~أن العقل لاينفى بالقياس إلا القدر المشترك الذى هو مدلول القضية الكلية ~~التى لابد منها في القياس مثل أن ينفى الإرادة أو الرحمة أو العلم المشترك ~~بين مسميات هذا الإسم والقدر المشترك في المخلوقين تلحقه صفات لا تثبت لله ms0298 ~~تعالى فينفون المعنى المشترك المطلق على صفات الحق وصفات الخلق تبعا ~~لانتفاء ما يختص به الخلق فيعطلون كما أن أهل التمثيل يثبتون مايختص به ~~الخلق تبعا للقدر المشترك وكلاهما قياس خطأ # ففى هذه الصفات بل وفى الذوات ثلاث اعتبارات # أحدها ما تختص به ذات الرب وصفاته # والثانى ما يختص به المخلوق وصفاته PageV02P062 # والثالث المعنى المطلق الجامع فاستعمال القياس الجامع في نفى الأول خطأ ~~وكذلك استعماله في إثبات الثانى وأما استعماله في إثبات الثالث فيحتاج إلى ~~ادراك العقل لثبوت المعنى الجامع الكلى وهذا أصل القياس والدليل فإن لم ~~يعرف العقل بنفسه أو بواسطة قياس آخر ثبوت هذا وإلا لم يستقم القياس # وكذلك في معارفهم الثبوتية لا يأتون إلا بمعانى مطلقة مجملة مثل ثبوت ~~الوجود ووجوب الوجود أو كونه ربا أو صانعا أو أولا أو مبدأ أو قديما ونحو ~~ذلك من المعانى الكلية التى لا يعلم بها خصوص الرب تعالى اذ القياس لا يدل ~~على الخصوص فإنه اذا استدل بأن كل ممكن فلا بد له من موجب وبأن كل محدث فلا ~~بد له من محدث كان مدلول هذا القياس أمرا عاما وقد بسطت هذا في غير هذا ~~الموضع # وكذلك أصحاب الرياضة والتجرد فإن صفوتهم الذين يشتغلون بذكر بسيط مثل لا ~~اله الا الله إن لم يغلوا فيقتصروا على مجرد الله الله ويعتقدون أن ذلك ~~أفضل وأكمل كما فعله كثير منهم وربما اقتصر بعضهم على هو هو أو على قوله لا ~~هو الا هو لأن هذا الذكر المبتدع الذى هو لا يفيد بنفسه إلا أنه مطلقا ليس ~~فيه بنفسه ذكر لله إلا بقصد المتكلم # فقد ينضم إلى ذلك اعتقاد صاحبه أنه [ لا ] وجود إلا هو كما يصرح به بعضهم ~~ويقول لا هو الاهو أو لا موجود الا هو وهذا عند الاتحادية PageV02P063 أجود ~~من قول لا اله الا الله لأنه مصرح بحقيقة مذهبهم الفرعونى القرمطى حتى يقول ~~بعضهم لا اله الا الله ذكر العابدين والله الله ذكر العارفين و ( هو ) ذكر ~~المحققين ويجعل ذكره ms0299 يا من لا هو الا هو واذا قال الله الله انما يفيد مجرد ~~ثبوته فقد ينضم إلى ذلك نفى غيره لا نفى الهية غيره فيقع صاحبه في [ وحدة ~~الوجود ] وربما انتفى شهود القلب للسوى اذا كان في مقام الفناء فهذا قريب ~~أما اعتقاد أن وجود الكائنات هي هو فهذا هو الضلال # ويضمون إلى ذلك نوعا من التصفية مثل ترك الشهوات البدنية من الطعام ~~والشراب والرياسة والخلوة وغير ذلك من أنواع الزهادة المطلقة والعبادة ~~المطلقة فيصلون أيضا إلى تأله مطلق ومعرفة مطلقة بثبوت الرب ووجوده ونحو ~~ذلك من نحو ما يصل إليه أرباب القياس # ثم قد تتوارى هذه المعرفة والعلم بملابسة الأمور الطبيعية من الطعام ~~والاجتماع بالناس فإن سببها انما هو ذلك التجرد فإذا زال زال ولهذا قيل كل ~~حال أعطاكه الجوع فإنه يذهب بالشبع كما قد تتوارى معرفة الأولى المطلقة ~~بغفلة القلب عن تلك المقاييس النظرية ولا ريب أن القياس يفضى إلى معرفة ~~بحسب مقتضاه وأن الرياضة والتأله يفضى إلى معرفة بحسب مقتضاه لكن معرفة ~~مطلقة بسبب قد يثبت وقد يزول وكثيرا ما يفضى إلى الاتحاد والحلول والإباحة ~~وذلك لأنهم يجردون التأله عما لابد منه من صالح البشر فإذا احتاجوا اليها ~~أعرضوا عن التأله # فهم إما آلهة عند نفوسهم واما زنادقة أو فساق ولهذا حدثنى الشيخ ~~PageV02P064 الصالح يوسف من أصحابنا أنه رآنى في المنام وأنا أخاطبهم # والمعرفة الحاصلة بذلك هي المعرفة التى تصلح حال العبد وتجب عليه لكن قد ~~يحصل مع صدق الطلب بواسطة القياس أو بواسطة الوجد وصول إلى الرسالة فيتلقى ~~حينئذ من الرسالة ما يصلح حاله ويعرفه المعرفة التامة والعلم النافع الواجب ~~عليه وهى الطريق الشرعية النبوية التى ذكرناها أولا وقد لايحصل ذلك فيقع ~~كثير منهم في الاستغناء عن النبوة اعتقادا أو حالا بالإعراض عما جاءت به ~~فيفوته من الإيمان والعلم والمعرفة التى جاء بها الرسول ما يضل بفواته في ~~الدنيا عن الهدى ويشقى به الشقاء الأكبر كحال الكافرين بالرسول وان آمنوا ~~بوجود الرب من اليهود والنصارى والصابئين ms0300 فإن في المسلمين من ينافق في ~~الرسول كما كفر هؤلاء به ظاهرا وهذا النفاق كثير جدا قديما وحديثا # وقد تنعقد في قلبه مقاييس فاسدة ومواجيد فاسدة يحكم بمقتضاها في الربوبية ~~أحكاما فاسدة مثل أحكام المنحرفة إلى صابئية أو يهودية أو نصرانية من ~~الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة الذين انحرفوا إما إلى تعطيل للصفات وتكذيب ~~بها # واما إلى تمثيل لها وتشبيه # واما إلى اعتقاد أن الرب هو الوجود المطلق الذى لايتميز وأن عين ~~PageV02P065 الوجود هو عين الخالق وأنه ليس وراء السماوات والأرض شئ آخر ~~وانما هذه الأشياء كلها مراتب للصفات وأن الربوبية والإلهية مراتب ذهنية ( ~~شكوكية ) وأما في الحقيقة فليس إلا عين ذاته فالمحجوبون يرون المراتب ~~والمكاشف ما ترى الا عين الحق ويحسبون ويحسب كثير بسببهم أن هذا التوحيد هو ~~توحيد الصديقين الذين عرفوا الله وقالوا ألا كل شئ ماخلا الله باطل # كما يحسب المتكلم الزائغ أن توحيده الذى هو نفى الصفات هو توحيد الأنبياء ~~والصديقين الذين عرفوا الله ولهذا يقع في هؤلاء الشرك كثيرا حتى يسجد بعضهم ~~لبعض كما يقع في القسم الآخر تحريم الحلال من العقود والعبادات المباحة # فاقتسم الفريقان ماذم الله به المشركين من الشرك وتحريم الحلال وهكذا ~~يوجد كثيرا في هؤلاء المشبهة للنصارى وظهر في الآخرين من الآصار والأغلال ~~وجحود الحق وقسوة القلوب ما يوجد كثيرا في هؤلاء المشبهة لليهود # هذا في غير الغالية منهم وأما الغالية من الصنفين فعندهم أن معرفتهم ~~وحالهم فوق معرفة الأنبياء وحالهم كما يقول التلمسانى القرآن يوصل إلى ~~الجنة وكلامنا يوصل إلى الله PageV02P066 وكما يزعم الفارابى أن الفيلسوف ~~أكمل من النبى وإنما خاصة النبى جودة التخييل للحقائق إلى أنواع من الزندقة ~~والكفر يلتحقون فيها بالاسماعيلية والنصيرية والقرامطة والباطنية ويتبعون ~~فرعون والنمرود وأمثالهما من الكافرين بالنبوات أو النبوة والربوبية # وهذا كثير جدا في هؤلاء وهؤلاء وسبب ذلك عدم أصل في قلوبهم وهو الإيمان ~~بالله والرسول فإن هذا الأصل ان لم يصحب الناظر والمريد والطالب في كل مقام ~~وإلا خسر خسرانا مبينا وحاجته إليه كحاجة البدن ms0301 إلى الغذاء أو الحياة إلى ~~الروح # فالإنسان بدون الحياة والغذاء لايتقوم أبدا ولا يمكنه أن يعلم ولا أن ~~يعلم # كذلك الإنسان بدون الإيمان بالله ورسوله لايمكنه أن ينال معرفة الله ولا ~~الهداية إليه وبدون اهتدائه إلى ربه لايكون إلا شقيا معذبا وهو حال ~~الكافرين بالله ورسوله ومع الإيمان بالله ورسوله إذا نظر واستدل كان نظره ~~في دليل وبرهان وهو ثبوت الربوبية والنبوة وإذا تجرد وتصفى كان معه من ~~الإيمان ما يذوقه بذلك ويجده # ثم هذا النظر وهذا الذوق يجتلب له ماوراء ذلك من أنواع المعالم الربانية ~~والمواجيد الإلهية والعلم والوجد متلازمان # وذلك أن الأنبياء والمرسلين عرفوا الله بالوحى المعرفة التى هي معرفة ~~وعبدوه العبادة التى هي حق له بحسب ما منحهم الله تعالى # وهم درجات في ذلك لكن عرفوا من خصوص الربوبية مالا يقوم به PageV02P067 ~~مجرد القياس النظرى ولا يناله مجرد الذوق الإرادى ثم أخبروا عن ذلك # ولا بد في الوصف والإخبار من أن يذكر المسمى الموصوف بالأسماء والأوصاف ~~المتواطئة التى فيها اشتراك وتمييز عن المخلوقات بما يقطع الشركة لأن القصد ~~بالإخبار والوصف تعريف المخاطبين والمخاطبون لايعرفون الخصوصيات التى هي ~~خصوص ذات الله وصفاته # فلو أخبروا بذلك وحده مجردا لم يعرفوا شيئا بل ربما أنكروا ذلك فاذا ~~خوطبوا بالمعانى المشتركة وأزيل مفسدة الإشتراك بما يقطع التماثل كقوله ( ~~ليس كمثله شئ ) ( ولم يكن له كفوا أحد ) ونحو ذلك كانوا أحد رجلين # اما رجل مؤمن آمن بمعانى تلك الصفات على الوجه المطلق الجملى وأثبتها لله ~~على وجه يليق به ويختص به لايشركه فيه مخلوق فهذا غاية الممكن في حال هؤلاء # واما رجل قذف الله في قلبه من نوره وهدايته الخاصة ما أشهده شيئا من ~~الخصوصيات التى هي أعيان تلك الأسماء والصفات فيعلم ذلك لابمجرد القياس ولا ~~بمجرد الوجد بل بشهود علمى مطابق لما أخبرت ( به ) الرسل وتدله على صحة ~~شهوده موافقته لما أنبأت به الرسل ويحصل له نصيب من النبوة فإن النبوة ~~انقطعت بكمالها وأما وجود بعض أجزائها فلم ينقطع ولا بد ms0302 أن يكون في بعض ~~الأمور محجوبا عن أن يشهد ما شهده النبى فيصدقه فيه لشهوده بعض ما أخبر به ~~النبى ويبقى ما شهده محققا عنده لثبوت مالم يشهده وهذه حال الصديقين مع ~~الأنبياء PageV02P068 وذلك نظير من وصف له ملك مدينة بأنواع من الصفات فقدم ~~حتى رأى بعض شؤونه التى دلته على صدق المخبر فيما لم يشهد ولست أجعل مجرد ~~هذه الشهادة مصدقة # فإن المخبر قد يصدق في بعض ويخطئ في بعض وإنما ذلك بواسطة إخبار المخبر ~~أى رسول الله وشهوده منه ما يوجب له إمتناع الكذب عليه كما يذكر في غير هذا ~~الموضع # فإن قلت فمن أين له ابتداء صحة الإيمان بالله ورسوله حتى يصير ذلك أصلا ~~يبنى عليه وينتقل معه إلى مابعده فأهل القياس والوجد إنما تعبوا التعب ~~الطويل في تقريرهذا الأصل في نفوسهم ولهذا يسمى المتكلمون كلما يقرر ~~الربوبية والنبوة العقليات والنظريات ويسميها أولئك الذوقيات والوجديات ~~ورأوا أن مالا يتم معرفة الله ورسوله إلا به فمعرفته متقدمة على ذلك وإلا ~~لزم الدور فسموا تلك عقليات والعقليات لاتنال إلا بالقياس العقلى المنطقى ~~قلت جواب هذا من وجوه # أحدها المعارضة بالمثل فإن سالك سبيل النظر القياسى أو الإرادة الذوقية ~~من أين له ابتداء أن سلوك هذا الطريق يحصل له علما ومعرفة ليس معه ابتداء ~~إلا مجرد إخبار مخبر بأنه سلك هذا الطريق فوصل أوخاطر يقع في قلبه سلوك هذا ~~الطريق إما مجوزا للوصول أو متحريا أو غير ذلك أو سلوكا ابتداء بلا انتهاء ~~وليس ذلك مختصا بالعلم الإلهى بل كل العلوم لابد للسالك فيها ابتداء من ~~مصادرات يأخذها مسلمة إلى أن تتبرهن فيما بعد PageV02P069 إذا لو كان كل ~~طالب العلم حين يطلبه قد نال ذلك العلم لم يكن طالبا له والطريق التى ~~يسلكها قد يعلم أنها تفضى به إلى العلم # لكن الكلام في أول الأوائل ودليل الأدلة وأصل الأصول فانه لوكان حين ينظر ~~فيه يعلم أنه دليل مفض لم يمكن ذلك حتى يعلم ارتباطه بالمدلول فإن الدليل ~~ان لم يستلزم ms0303 المدلول لم يكن دليلا # والعلم بالاستلزام موقوف على العلم بالملزوم واللازم فلا يعلم أنه دليل ~~على المدلول المعين حتى يعلم ثبوت المدلول المعين ويعلم أنه ملزوم له واذا ~~علم ذلك استغنى عن الاستدلال به على ثبوته وانما يفيده التذكير به لا ~~ابتداء العلم به وانما يقع الاشتباه هنا لأنه كثيرا ما يعرف الانسان ثبوت ~~شيء ثم يطلب الطريق إلى معرفة صفاته ومشاهدة ذاته إما بالحس واما بالقلب ~~فيسلك طريقا يعلم أنها موصلة إلى ذلك المطلوب لأنه قد علم أن تلك الطريق ~~مستلزم لذلك المطلوب الذى علم ثبوته قبل ذلك # كمن طلب أن يحج إلى الكعبة التى قد علم وجودها فيسلك الطريق التى يعلم ~~أنها تفضى إلى الكعبة لاخبار الناس له بذلك أو يستدل بمن يعلم أنه عارف ~~بتلك الطريق فسلوكه للطريق بنفسه بعد علمه أنها طريق المقصود بإخبار ~~الواصلين أوسلوكه بدليل خريت يهديه في كل منزلة لا يكون الا بعد العلم ~~بثبوت المطلوب وثبوت أن هذا طريق ودليل # وهكذا حال الطالبين لمعرفة الله والمريدين له والسائرين إليه قد عرفوا ~~وجوده أولا PageV02P070 وهم يطلبون معرفة صفاته أو مشاهدة قلوبهم له في ~~الدنيا فيسلكون الطريق الموصلة إلى ذلك بالايمان والقرآن # فالايمان نظير سلوك الرجل الطريق التى وصفها له السالكون فإنهم متفقون ~~على ذلك # والقرآن تصديق الرسل فيما تخبر به وهو نظير اتباع الدليل منزلة منزلة ~~ولابد في طريق الله منهما # وأما الشيء الذى لم يعلم العقل ثبوته أولا اذا سلك طريقا يفضى إلى العلم ~~به فلا يسلكها ابتداء الا بطريق التقليد والمصادرة كسائر مبادئ العلوم فإذا ~~كان لا بد في الطريقة القياسية والعملية من تقليد في الأول في سلوكه فيما ~~لم يعلم أنه طريق وأنه مفض إلى المطلوب أو أن المطلوب موجود فالطريقة ~~الايمانية اذا فرض أنها كذلك لم يقدح ذلك فيها بل تكون هي أحق لوجوه كثيرة ~~ونذكر بعضها إن شاء الله # بل لا طريق إلا هي أو ما يفضى إليها أو يقترن بها فهي شرط قطعا في درك ~~المطلوب وما ms0304 سواها ليس بشرط بل يحصل المطلوب دونه وقد يضر بحصول المطلوب ~~فلا يحصل أو يحصل نقيضه وهو الشقاء الأعظم على التقديرين فتلك الطريق مفضية ~~قطعا ولا فساد فيها وما سواها يعتريه الفساد كثيرا وهو لا يوصل وحده بل لا ~~بد من الطريقة الإيمانية PageV02P071 # الوجه الثانى في الجواب أن الطريقة القياسية والرياضية إذا سلكها الرجل ~~وأفضت به إلى المعرفة ان أفضت علم حينئذ أنه سلك طريقا صحيحا وأن مطلوبه قد ~~حصل وأما قبل ذلك فهو لا يعرف فأدنى أحوال الإيمانية ولا دناءة فيها أن ~~تكون كذلك فإنه إذا أخذ الإيمان بالله ورسله مسلما ونظر في موجبه وعمل ~~بمقتضاه حصل له بأدنى سعى مطلوبه من معرفة الله وأن الطريق التى سلكها ~~صحيحة فإن نفس تصديق الرسول فيما أخبر به عن ربه وطاعته يقرر عنده علما ~~يقينيا بصحة ذلك أبلغ بكثير مما ذكر أولا # الوجه الثالث أن الاقرار بالله قسمان فطرى وإيمانى فالفطرى وهو الاعتراف ~~بوجود الصانع ثابت في الفطرة كما قرره الله في كتابه في مواضع وقد بسطت ~~القول فيه في غير هذا الموضع فلا يحتاج هذا إلى دليل بل هو أرسخ المعارف ~~وأثبت العلوم وأصل الاصول # وأما الإقرار بالرسول فبأدنى نظر فيما جاء به أو في حالة أو في آياته أو ~~نحو ذلك من شؤونه يحصل العلم بالنبوة أقوى بكثير مما يحصل المطالب القياسية ~~والوجدية في الأمور الإلهية ثم اذا قوى النظر في أحواله حصل من اليقين ~~الضرورى الذى لا يمكن دفعه ما يكون أصلا راسخا وبسط هذا مذكور في غير هذا ~~الموضع إذ المقصود هنا بيان خطأ من مسلك طريق القياس أو الرياضة دون ~~الإيمان ابتداء وأما تقرير طريقة الإيمان فشأنه عظيم أعظم مما كتبته هنا # الوجه الرابع انا نخاطب المسلمين المتسمين بالإيمان الذين غرض أحدهم ~~PageV02P072 معرفة الله الخاصة التى يمتاز بها العلماء والعارفون عن العامة ~~فيسلك بعضهم طريقة أهل القياس المبتدع والفلاسفة والمتكلمين وبعضهم طريقة ~~أهل الرياضة والإرادة المبتدعة من المتفلسفة والمتصوفة معرضا عما جاء به ~~الرسول في تفاصيل ms0305 هذه الأمور فإن هؤلاء إذا كانوا عالمين بصدق الرسول ~~المبلغ عن ربه الهادى إليه الداعى إليه الذى أكمل له الدين وأنزل عليه ~~الكتاب تبيانا لكل شيء كيف يدعون الإستدلال بما جاء به والإقتداء به إلى ما ~~ذكر من الطريقين # الوجه الخامس أن أكثر من سلك الطريقين المنحرفين لم يعتقد أن هناك طريقا ~~ثالثا كما يذكره رجال من فضلاء العالم الغالطين في القواعد الكبار فهم ~~ينتقلون من مادة فلسفية صابئية إلى مادة إرادية نصرانية إلى مادة كلامية ~~يهودية # وأهل فلسفتهم يوما مع ذوى ارادتهم ويوما مع ذ [ و ] ى كلامهم وهم متهوكون ~~في هذه المجارات # والطريقة الإيمانية النبوية المحمدية الدينية السنية الأثرية لا يهتدون ~~اليها ولا يعرفونها ولايظنون انها طريقة إلى مطلوبهم ولا تفضى إلى مقصودهم ~~وذلك لعدم وجود من يسلكها في اعتقادهم أو كبتوا نفوسهم عنها ظلما فلضلالهم ~~عنها أو غوايتهم وجهلهم بها أو ظلمهم أنفسهم أعرضوا عنها # فإن قلت فالقرآن يأمر بالنظر في الآيات PageV02P073 # قلت النظر لا ريب في صحته في الجملة وأنه اذا كان في دليل أفضى إلى العلم ~~بالمدلول واذا كان في آيات الله أفضى إلى الإيمان به الذى هو رأس العبادة ~~كما أن العبادة والإرادة لا ريب في صحتها في الجملة وأنها اذا كانت على ~~منهاج الأنبياء أفضت إلى رضوان الله لكن عليك أن تفرق بين الآيات وبين ~~القياس كما قد بيناه في غير هذا الموضع # فإن الآية هي العلامة وهى ما تستلزم بنفسها لما هي آية عليه من غير توسط ~~حد أوسط ينتظم به قياس مشتمل على مقدمة كلية كالشعاع فإنه آية الشمس وكذلك ~~النبات للمطر في الأرض القفر والدخان للنار وإن لم ينعقد في النفس قياس بل ~~العقل يعلم تلازمهما بنفسه فيعلم من ثبوت الآية ثبوت لازمها والعلم ~~بالتلازم قد يكون فطريا وقد لا يكون الوجه السادس أن تينك الطريقين ليستا ~~باطلا محضا بل يفضى كل منهما إلى حق ما لكن ليس هو الحق الواجب وكثيرا ما ~~يقترن معه الباطل فلا يحصل بكل منهما ms0306 بمجرده أداء الواجب ولا اجتناب المحرم ~~ولا تحصلان المقصود الذى فيه سعادة العبد من نجاته ونعيمه بعد مبعث الرسول # أما الطريقة النظرية القياسية فإنه لا بد فيها من الاستدلال بالممكن على ~~الواجب أو المحدث على المحدث أو بالحركة على المحرك وذلك يعطى فاعلا عظيما ~~من حيث الجملة وكذلك الطريقة الرياضية الذوقية تعطى إنقياد القلب وخضوعه ~~إلى الصانع PageV02P074 المطلق وكل منهما لابد فيها من علم اضطرارى يضطر ~~القلب إليه إذ القلب لايحصل له علم إلا من جنس الاضطرارى ابتداء بتوسط ~~الضرورى فإن النظر يبنى على مقدمات تنتهى إلى ما هو من جنس الضرورى إما ~~بتوسط الحس أو مجردا عن الحس # فالطريق القياسية تفيد العلم بتوسط مقدمات ضرورية مثل أن يقال الوجود ~~المعلوم إما ممكن وإما واجب والممكن لا يوجد الا بواجب فثبت وجود الواجب ~~على التقديرين # ومثل أن يقال العالم محدث أو كثير منه محدث والثانى ضرورى والأول يستدل ~~عليه ثم يقال وكل محدث فله محدث # أو يقال لا شك أن [ ثم ] وجودا وهو إما قديم وإما محدث والمحدث لا بد له ~~من قديم فثبت وجود القديم على التقديرين # كما يقال لاريب أن ثم وجودا وهو اما واجب واما ممكن والممكن لا بد له من ~~واجب فثبت وجود الواجب على التقديرين # وقد يقال أيضا لا ريب أن ثم وجودا وهو اما مصنوع أو غير مصنوع أو مخلوق ~~أو غير مخلوق أو مفطور أو غير مفطور والمصنوع أو المخلوق أو المفطور لا بد ~~له من صانع وخالق وفاطر فثبت وجود ما ليس بمصنوع ولا مفطور ولا مخلوق على ~~التقديرين PageV02P075 # فهذه الوجوه وما يشبهها تدل على وجود واجب قديم ليس بمصنوع لكن الشأن في ~~تعيينه فإن عامة الدهرية يقولون هذا هو العالم أو شيء قائم به ثم ان افتقار ~~الممكن إلى الواجب والمحدث إلى القديم والمصنوع إلى الصانع مقدمة ضرورية ~~وان كان طائفة من النظار يستدلون على هذه المقدمة وعلى أن الممكن لا يترجح ~~أحد طرفيه على الآخر الا بمرجح والجمهور على الاكتفاء ms0307 بالضرورة فيهما # والطريق العبادية تفيد العلم بتوسط الرياضة وصفاء النفس فإنه حينئذ يحصل ~~للقلب علم ضرورى كما قال الشيخ إسماعيل الكورانى لعز الدين بن عبد السلام ~~لما جاء إليه يطلب علم المعرفة وقد سلك الطريقة الكلامية فقال أنتم تقولون ~~ان الله يعرف بالدليل ونحن نقول عرفنا نفسه فعرفناه وكما قال نجم الدين [ ~~الكبرى ] لابن الخطيب ورفيقه المعتزلى وقد سألاه عن علم اليقين فقال هو ~~واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فأجابهما بأن علم اليقين عندنا ~~هو موجود بالضرورة لا بالنظر وهو جواب حسن # فإن العلم الضرورى هو الذى يلزم نفس العبد لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه ~~فالقائس ان لم يحصل له العلم الضرورى ابتداء والا فلا بد أن يبنى نظره ~~وقياسه على مقدمات ضرورية ثم حينئذ يحصل له العلم ولهذا قال طائفة منهم أبو ~~المعالى الجوينى أن جميع العلوم ضرورية PageV02P076 باعتباراتها بعد وجود ~~النظر الصحيح في الدليل تحصل العلم ضرورة لكن منها ما هو ضرورى عند تصور ~~طرفى القضية ومنها ما هو ضرورى بعد تأمل ونظر ومنها ما هو ضرورى بعد النظر ~~في دليل ذى مقدمتين أو مقدمات # فقال الشيخ العارف نحن نجد العلم وجدا ضروريا بالطريق التى نسلكها من ~~تزكية النفس واصلاح القلب الذى هو حامل العلم وداعيه فكل منهما يفيض الله ~~العلم على قلبه وينزله على فؤاده ولكن أحدهما بتحصيل العلم المقارن للعلم ~~المطلوب الذى هو المقدمات والآخر بإصلاح طالب العلم الذى يريد أن يكون ~~عالما وهو القلب بمنزلة من يخطب امرأة فتارة تجمل لها وتعرض حتى رأته فرغبت ~~فيه وخطبته وتارة بأن أرسل اليها من تأنس إليه وتطيعه فخطبها له فأجابت ~~فكان سعى الأول وعمله في اصلاح نفسه وتعرضه لها حتى ترغب وكان سعى الثانى ~~في تحصيل الرسول المطاع حتى تجيب وبمنزلة من يصيد صيدا # لكن مجرد النظر والعمل مجتمعين ومنفردين لا يحصلان إلا أمرا مجملا كما هو ~~الواقع وذلك صحيح فإن ثبوت الأمر المجمل حق فإن ضما إلى ذلك ما يعلم بنور ~~الرسالة من ms0308 الأمر المفصل حصل الإيمان النافع وزال ما يخاف من سوء عاقبة ~~ذينك الطريقين وهذه حال من تحيز من أهل النظر الكلامى والعمل العبادى إلى ~~اتباع الرسول والإيمان به فقبل منه وأخذ عنه PageV02P077 # وإن لم يضم أحدهما إلى ذلك ما جاء به الرسول فإما أن يضم ضده أو لا يضم ~~شيئا فإن ضم إلى ذلك ضد ما جاء به الرسول وقع في التكذيب وهو الكفر المركب ~~وإن لم يضم إليه شيء بقى في الكفر البسيط سواء كان في ريب أو في إعراض ~~وغفلة فإن حال الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أولا # فإن لم يتصورها فهو في غفلة عنها وعدم إيمان بها كما قال ( ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ( وقال ( فانتقمنا منهم ~~فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ( لكن الغفلة ~~المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة والكفر المعذب علية لا يكون الا ~~بعد بلوغ الرسالة # فلهذا قرن التكذيب بالغفلة وإن تصور ما جاء به الرسول وانصرف فهو معرض ~~عنه كما قال تعالى ( فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ~~ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ( وكما قال ( رأيت المنافقين يصدون عنك ~~صدودا ( وكما قال ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آبائنا ( وان كان مع ذلك لا حظ له لا مصدق ولا مكذب ولا محب ~~ولا مبغض فهو في ريب منه كما أخبر بذلك عن حال كثير من الكفار منافق وغيره ~~كما قال ( انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم ~~فهم في ريبهم يترددون ( وكما قال موسى ( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم ~~نوح PageV02P078 وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم الا الله جاءتهم ~~رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به ~~وانا لفى شك مما تدعونا إليه مريب قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السماوات ~~والأرض يدعوكم ms0309 ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا ان أنتم الا ~~بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت ~~لهم رسلهم ان نحن الا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما ~~كان لنا أن نأتيكم بسلطان الا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون # فأخبر سبحانه عن مناظرة الكفار للرسل في الربوبية أولا فإنهم في شك من ~~الله الذى يدعونهم إليه وفى النبوة ثانيا بقولهم ( ان أنتم الا بشر مثلنا ( ~~وهذا بحث كفار الفلاسفة بعينه وان كان مكذبا له فهو التكذيب والتكذيب أخص ~~من الكفر فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر وليس كل كافر مكذبا بل قد ~~يكون مرتابا ان كان ناظرا فيه أو معرضا عنه بعد أن لم يكن ناظرا فيه وقد ~~يكون غافلا عنه لم يتصوره بحال لكن عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه # وكل واحد من الأمرين في أن يضم إلى المعرفة المجملة اما تكذيب واما كفر ~~بلا تكذيب واقع كثيرا في سالكى الطريقين النظر في القياس المجرد والعمل ~~بالعبادة المجردة # مثال ذلك أن كثيرا من النظار أثبت واجب الوجود أو صانع العالم وذهبوا في ~~تعيينه وصفاته مذاهب يضيق هذا الموضع عن تفصيلها معروفة PageV02P079 في كتب ~~المقالات من أهل ملتنا وغير أهل ملتنا مقالات الإسلاميين المصلين ومقالات ~~غيرهم وكثير من العباد المتأخرين أثبت أيضا ذلك إثباتا مجملا وتوهموا فيه ~~أنواعا من التوهمات الكفرية الذى يصفها عارفوهم # فمنهم من توهمه الوجود المطلق المشترك بين الموجودات كالإنسان المطلق مع ~~أعيانه وأفراده فإذا تعين الوجود لم يكن اياه اذ المطلق ليس هو المعين كما ~~يقوله الصدر القونوى # ومنهم من توهم أن وجود الممكنات هو عين وجوده الفائض عليها كما يذكره ~~صاحب الفصوص # ومنهم يتوهمه جملة الوجود وكل معين فهو جزء منه كالبحر مع أمواجه وأعضاء ~~الإنسان مع الإنسان فليس هو ما يختص بكل معين لكنه مجموع الكائنات كالعفيف ~~التلمسانى وعبد الله الفارسى البليانى ويقولون ان كل موجود فهو ms0310 مرتبة من ~~مراتب الوجود أو مظهر من مظاهره بمنزلة أمواج البحر معه وأعضاء الإنسان معه ~~وأجزاء الهوى مع الهواء أو بمنزلة هذا الإنسان وهذا الحيوان مع الحيوان ~~المطلق والإنسان المطلق # ويقول شاعرهم بن اسرائيل # وما أنت غير الكون بل أنت عينه %~% ويفهم هذا السر من هو ذائق # وقال # وتلتذ إن مرت على جسدى يدى %~% لأنى في التحقيق لست سواكم PageV02P080 # ولهذا ليس عندهم للإنسان غاية وراء نفسه وانما غايته أن ينكشف الغطاء عن ~~نفسه فيرى أن نفسه هي الحق وكان قبل ذلك محجوبا عنها فلما شاهد الحقيقة رأى ~~أنه هو كما قال بن اسرائيل # ما بال عيسك لا يقر قرارها %~% الا في ضللك لا تنى منتقلا # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن %~% الا اليك اذا بلغت المنزلا # وكما يقول بعضهم # وفى كل شيء له آية %~% تدل على أنه [ عينه الأشياء ] # والله يقول ( ان إلى ربك الرجعى ( ويقول ( يا أيها الانسان انك كادح إلى ~~ربك كدحا ( ويقول ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ( ويقول ( انا لله وانا ~~إليه راجعون ( ونحو ذلك # وقال التلمسانى وكان راسخ القدم في هذه الزندقة التى أسموا بها التوحيد ~~والحقيقة # توهمت قدما أن ليلى تبرقعت %~% وأن حجابا دونها يمنع اللثما # فلاحت فلا والله ما كان حجبها %~% سوى أن طرفى كان عن حبها أعمى # وله شعر كثير في هذا الفن # هي الجوهر الصرف القديم وان بدا %~% لها خبث أتيت به فهو حادث PageV02P081 # حلفت لهم ما كان منها غير ذاتها %~% فقالوا اتئد فيها فإنك حانث # وله # وقل لحبيبك مت وجدا وذب طربا %~% فيها وقل لزوال العقل لا تزل # واصمت إلى ان تراها فيك ناطقة %~% فإن وجدت لسانا قائلا فقل # ولهذا يصلون إلى مقام لا يعتقدون فيه إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات ~~وإنما يرون الإيجاب والتحريم للمحجوبين عندهم الذين لم يشهدوا أنه هو حقيقة ~~الكون فمن العابد ومن المعبود ومن الآمر ومن المأمور كما قال صاحب الفتوحات ~~في أولها # الرب حق والعبد حق %~% ياليت شعرى من المكلف # إن قلت عبد فذاك ميت %~% أو ms0311 قلت رب أنى يكلف # وعندهم أن التكليف هو في مرتبة من مراتب الأسماء والصفات وهو مرتبة ~~المتمحن # قال بعضهم # ما الأمر إلا نسق واحد %~% ما فيه من مدح ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت %~% والطبع والشارع بالحكم PageV02P082 # ومنشاء هذين عن الصابئة كما يبين ~~ذلك عند التأمل فان الصابئة الخارجين عن التوحيد لله وحده لا شريك له ~~كالمشركين والمجوس مثل فرعون موسى ونمرود إبراهيم وغيرهم من البشر معترفون ~~بالوجود المطلق # ولهذا كان أفضل علوم الفلاسفة هو علم ما بعد الطبيعة أعنى بهم الفلاسفة ~~المشائين الذين يتبعون أرسطو فانه عندهم المعلم الأول الذى صنف في أنواع ~~التعاليم من أجزاء المنطق والعلم الطبيعى كالحيوان والمكان والسماء والعالم ~~والآثار العلوية وصنف فيما بعد الطبيعة وهو عندهم غاية حكمتهم ونهاية ~~فلسفتهم وهو العلم الذى يسميه متأخروا الفلاسفة كابن سينا ( العلم الإلهى ( # وموضوع هذا العلم عند أصحابه هو الوجود المطلق ولواحقه مثل الكلام في ~~الموجود والمعدوم ثم في تقسيم الموجود إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وعلة ~~ومعلول وجوهر وعرض ونحو ذلك # ثم الكلام في أنواع هذه الأقسام وأحكامها مثل تقسيم العلل إلى الأنواع ~~الأربعة وهى الفاعل والغاية اللذان هما سببان لوجود الشيء والمادة والصورة ~~اللذان هما سببان لحقيقة المركب وتقسيم الأعراض إلى الأجناس المقالية ~~التسعة وهى الكيف والكم والوضع والأين ومتى والإضافة والملك وأن يفعل وأن ~~ينفعل أو جعلها خمسة على ما بينهم من الإختلاف PageV02P083 # وفى آخر علم ما بعد الطبيعة حرف اللام كأنه هو العلة الغائية الذى إليه ~~الحركة كما أثبت المعلم الأول وجوده بطريق الاستدلال بالحركة الذى تكلم فيه ~~المعلم الأول على واجب الوجود لذاته بكلام مختصر ذكر فيه قدرا يسيرا من ~~أحكامه وهو الذى كان يقول فيه بن سينا فهذا ما عند المعلم الأول من معرفة ~~الله وأما النبوات والرسل فليس لهؤلاء فيها كلام معروف لا نفيا ولا اثباتا ~~وأما المتأخرون فهم لما ظهرت الملة الحنيفية الإبراهيمية التوحيدية تارة ~~بنبوة عيسى لما ظهرت النصارى على مملكة الصابئين بأرض الشام ومصر والروم ~~وغيرها ثم ms0312 بنبوة خاتم المرسلين وأظهر الله من نور النبوة شمسا طمست ضوء ~~الكواكب وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم خفى بعض نور النبوة فعرب بعض كتب ~~الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند في أثناء الدولة العباسية # ثم طلبت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم فعربت ودرسها الناس وظهر ~~بسبب ذلك من البدع ما ظهر وكان أكثر ما ظهر من علومهم الرياضية كالحساب ~~والهيئة أو الطبيعة كالطب أو المنطقية فاما الإلهية فكلامهم فيها نزر وهو ~~مع نزارته ليس غالبه عندهم يقينا وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة ~~عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نورا وهدى PageV02P084 بل متكلموهم الذين ~~ينسبون إلى البدع عندهم من العلم الإلهى بمقاييسهم المستخرجة أضعاف أضعاف ~~أضعاف ما عند حذاق المتفلسفة ثم بعد ذلك لما صار فيهم من يتحذق على طريقتهم ~~في علم ما بعد الطبيعة كالفارابى وبن سينا ونحوهم وصنف بن سينا كتبا زاد ~~فيها بمقتضى الأصول المشتركة أشياء لم يذكرها المتقدمون وسمى ذلك العلم ~~الإلهى وتكلم في النبوات والكرامات ومقامات العارفين بكلام فيه شرف ورفعة ~~بالنسبة إلى كلام المتقدمين # وان كان عند العلوم الإلهية النبوية فيه من القصور والتقصير والنفاق ~~والجهل والضلال والكفر ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة بالعلم والإيمان ~~وإنما راج على من سلك طريق المتفلسفة لأنه قرب اليهم معرفة الله والنبوات ~~والمعجزات والولاية بحسب أصول الصابئة الفلاسفة لا بحسب الحق في نفسه بما ~~أشرق على جهالاتهم من نور الرسالة وبرهان النبوة # كما فعله نسطور النصرانى الذى كان في زمن المأمون الذى تنسب إليه ~~النسطورية في التثليث والإتحاد لكنه بما أضاء عليه من نور المسلمين أزال ~~كثيرا من فساد عقيدة النصرانى وبقى عليه منها بقايا عظيمة وكذلك يحيى بن ~~عدى النصرانى لما تفلسف قرب مذهب النصارى في التثليث إلى أصول الفلاسفة في ~~العقل والعاقل والمعقول PageV02P085 # ولهذا الفلاسفة المحضة الباقون على محض كلام المشائين يرون أن بن سينا ~~صانع المليين لما رأوا من تقريبه وجهلوا فيما قالوا وكذبوا لم يصانع ولكن ~~قال بموجب ms0313 الحق وبموافقة أصولهم العقلية ما قاله من الحق الذى أقربه كما أن ~~الفلاسفة الإلهيين المشائين وغيرهم متفقون على الإقرار بواجب الوجود وببقاء ~~الروح بعد الموت وبأن الأعمال الصالحة تنفع بعد الموت ويخالفهم في ذلك ~~فلاسفة كثيرون من الطبيعيين وغيرهم بل وبين الإلهيين من الفلاسفة خلاف في ~~بعض ذلك حتى الفارابى وهو عندهم المعلم الثانى يقال انه اختلف كلامه في ذلك ~~فقال تارة ببقاء الأنفس كلها وتارة ببقاء النفوس العالمة دون الجاهلة كما ~~قاله في آراء المدينة الفاضلة وتارة كذب بالامرين وزعم الضال الكافر أن ~~النبوة خاصتها جودة تخييل الحقائق الروحانية وكلامهم المضطرب في هذا الباب ~~كثير ليس الغرض هنا ذكره # وإنما الغرض أن العلم الاعلى عندهم والفلسفة الاولى علم ما بعد الطبيعة ~~وهو الوجود المطلق ولواحقه حتى أن من له مادة فلسفية من متكلمة المسلمين ~~كابن الخطيب وغيره يتكلمون في أصول الفقه الذى هو علم إسلامى محض فيبنونه ~~على تلك الاصول الفلسفية # كقول بن الخطيب وغيره في أول أصول الفقه موافقة لابن سينا ومن قبله ~~العلوم الجزئية لا تقرر مبادئها فيها لئلا يلزم الدور فإن مبدأ العلم أصوله ~~PageV02P086 وهو لا يعرف إلا بعدها فلو عرفت أصوله بمسائله المتوقفة على ~~أصوله للزم الدور بل توجد أصوله مسلمة ويقدر في علم أعلى منه حتى ينتهى إلى ~~العلم الاعلى الناظر في الوجود ولواحقه وهذا قالوه في مثل الطب والحساب إن ~~الطبيب انما هو طبيب ينظر في بدن الحيوان وأخلاطه وأعضائه ليحفظه صحته إن ~~كانت موجودة ويعيدها إليه إن كانت مفقودة وبدن الحيوان جزء من المولدات في ~~الأرض وكذلك أخلاطه # فأعم منه النظر في المولدات من الأركان الأربعة الماء والهواء والنار ~~والأرض # وأعم من ذلك النظر في الجسم المستحيل ثم في الجسم المطلق فما من علم ~~يتعلق بموضوع ببعض الموجودات العينية أو العلمية إلا وأعم منه ما يشترك هو ~~وغيره فيه فأما إدخال العلم بالله الذى هو أعلى العلوم وأشرفها في هذا ~~وجعله جزءا من أجزاء العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولواحقه وكذلك ms0314 ما ~~يتبع ذلك من العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فهذا منشأ الضلال ~~القياسى # ويتبين ذلك من وجوه أحدها أن الله سبحانه هو الأعلى وهو الأكبر ولهذا كان ~~شعار أكمل الملل هو الله أكبر في صلواتهم وأذانهم وأعيادهم كما قال النبى ~~لعدى بن حاتم يا عدى ما يفرك أيفرك أن يقال لا اله الا الله PageV02P087 يا ~~عدى فهل تعلم من إله الا الله يا عدى ما يفرك أيفرك أن يقال الله أكبر فهل ~~تعلم شيئا أكبر من الله وبهذا تبين صواب من قال من الفقهاء انه لا يجوز ~~ابدال هذه الكلمة بقولنا الله الكبير مع أن كشف هذا له موضع آخر وقال ( سبح ~~اسم ربك الأعلى ( فقال النبى اجعلوها في سجودكم فالله هو الأعلى وهو الأكبر ~~والعلم مطابق للمعلوم فيجب أن تكون معرفته وعلمه أكبر العلوم وأعلاها # الثانى أن الله سبحانه هو الحق الموجود بنفسه وسائر ما سواه خلق من خلقه ~~مربوب مقهور تحت قدرته وهو خالق الأشياء مسبب أسبابها فالعلم به أصل للعلم ~~بما سواه وسبب كما أن ذاته كذلك والعلم بالسبب يفيد العلم بالمسبب # الثالث معرفة أن الوجود المطلق هو المعرفة بالقدر المشترك بينه وبين ما ~~سواه وهو علم بالحد الأوسط في قياسه على خليقته ومعلوم أن ذلك ليس فيه علم ~~بحقيقته ولا بحقيقة ما سواه وانما هو علم بوصف مشترك بينهما فكيف يكون ~~العلم بوصف مشترك أعلا من العلم بحقيقة كل منهما وسائر ما يختص به عن غيره ~~من الانواع والاعيان # وكذلك معرفة الذات المطلقة وما هو كل من الامور المشتركة هو من هذا الباب ~~PageV02P088 # الرابع أن الوجود المطلق والذات المطلقة ونحو ذلك إما أن يراد به الاطلاق ~~الخاص وهو الذى لا يدخل فيه المقيد كما يقال الماء المطلق فهذا لا وجود له ~~في الخارج عن العقل والذهن كما أن الوجود الكلى العام والذات الكلية العامة ~~لا وجود لها في الخارج وانما يعرض للحقائق هذا العموم وهذا الإطلاق من حيث ~~هي معقولة في الاذهان لا من حيث ms0315 هي ثابتة في الاعيان # فكيف يكون أعلا العلوم وأشرفها معلومه هو المثل الذهنية لا الحقائق ~~الوجودية والمثل انما هي تابعة لتلك والا لكانت جهلا لا علما وإما أن يراد ~~به الإطلاق العام وهو ما لا يمنع شيئا من الدخول فيه وهو المطلق من كل قيد ~~حتى عن الاطلاق فالمطلق بهذا الاعتبار له وجود في الخارج على القول الصحيح # لكن لا يوجد مطلقا لا يوجد إلا معينا فاما موجود مطلق بشرط الاطلاق فلا ~~وجود له وهو المطلق الخاص فالمطلق العام لما كان يدخل فيه المقيد صح أن ~~يوجد في الخارج فإذا كان الوجود المطلق ولواحقه ليس بموجود في الخارج مطلقا ~~ولا يوجد في الخارج إلا معين امتنع أن يكون أعلا العلوم انما وجود معلومه ~~في الأذهان لا في الاعيان # ولو جاز ترجيح العلم بالمثل الذهنية على الحقائق الخارجية لجاز ترجيح ~~المثل على الحقائق ولكان العلم بالرب والملائكة والنبيين أفضل من ذات الرب ~~والملائكة والنبيين وهذا لا يقوله عاقل PageV02P089 # الخامس أن القوم إنما أتوا من جهة أنهم بنوا أمرهم في علومهم جميعا على ~~القياس ولا بد في القياس من قضية كلية وحد أوسط يكون أعم من الموصوف ~~المحكوم عليه المبتدأ الموضوع # وما من حد وقضية إلا وثم ما هو أعم منه مثل أن يقول الإنسان فأعم منه ~~الحيوان فأعم منه الجسم النامى فأعم منه الجسم السفلى فأعم منه الجسم فأعم ~~منه الجوهر فأعم منه الموجود سواء كان جنسا ذاتيا كما يقوله بعضهم أو وصفا ~~عرضيا كما يقوله الحذاق # فلو قيل أعلا العلوم القياسية العلوم بالموجود ولواحقه لكون معلومه أعم ~~الموضوعات لكان له مساغ ولعل هذا مرادهم # لكن العلم القياسى لا يفيد بنفسه معرفة حقيقة شيء من الأشياء الموجودة ~~الا اذا كان له نظير مماثل فيعرف أحد المثلين بنفسه والآخر بقياسه على ~~نظيره وهذا القدر منتف في العلم بالله لا [ يوجد ] مثله ونظيره ثم قد ~~عارضهم المتكلمون بما هو أعلا من الوجود وهو المعلوم والمذكور فقالوا أعلا ~~المعلوم وأعم الأسماء والحدود المعلوم والمذكور ms0316 لانه يدخل فيه الموجود ~~والمعدوم بنوعى الوجود واجبه وممكنه ونوعى المعدوم ممكنه وممتنعه فكان يجب ~~أن يقال العلم الأعلى الناظر في المعلوم ولواحقه وهذا أعم وأوسع # وكون الشيء معلوما أمر يعرض له لا صفة ذاتية وكذلك كونه موجودا اذ هو في ~~الحقيقة كونه بحيث يجده الواجد هذا مقتضى الاسم PageV02P090 وان عنى به ~~بعضهم كونه حقا في نفسه فهذا ليس هو حقيقته التى هي هو كما قد قرر هذا في ~~غير هذا الموضع # وان من قال من المتفلسفة أو المتكلمة ان حقيقة الرب هي وجوده أو وجوب ~~وجوده أو أنهم علموا حقيقته فقد أخطأ في ذلك خطأ قبيحا وأن هذا بمنزلة من ~~قال حقيقة سائر الكائنات كونها ممكنة وهؤلاء بعداء عن الله محجوبون عن ~~معرفته لم يعرفوا منه الا صفة كلية من صفاته فظنوا أنهم عرفوا حقيقته # وبهذا يتبين لك أن من قال العلم الأعلى هو علم ما بعد الطبيعة وهو الناظر ~~في الوجود ولواحقه فإنما حقيقة ذلك أنه أعلا في ذهن الطالب لمعرفة الله ~~بالقياس على خلقه لا أنه أعلا في نفسه ولا أن معلومه أعلا ولا أعلا عند من ~~عرف حقائق الموجودات ولا أعلا عند من عرف الله بالفطرة فضلا عمن عرفه ~~بالشرعة فضلا عمن عرفه بالولاية فضلا عمن عرفه بالوحى والنبوة فضلا عمن ~~عرفه بالرسالة فضلا عمن عرفه بالكلام فضلا عمن عرفه بالروية # فلما كان منتهى الفلاسفة الصابئية وأعلى علمهم هو الوجود المطلق وكان أصل ~~التجهم وتعطيل صفات الرب إنما هو مأخوذ عن الصابئة وكان هؤلاء الاتحادية في ~~الأصل جهمية وأنه بما فيهم من النصرانية المشاركة للصابئة صار بينهم وبين ~~الصابئة نسب صار معبودهم والههم هو PageV02P091 الوجود المطلق وزعموا أن ~~ذلك هو الله مضاهاة لما عليه خلق من قدماء الفلاسفة من تعطيل الصانع وإثبات ~~الوجود المطلق حتى يصح قول فرعون ( وما رب العالمين ( # وان كان الفلاسفة المسلمون لا يوافقون على ذلك بل يقرون بالرب الذى صدر ~~عنه العالم لكنهم بتعظيمهم للوجود المطلق صاروا متفقين متقاربين ومن تأمل ~~كلام ms0317 النصير الطوسى الصابئ الفيلسوف وكلام الصدر القونوى النصرانى الإتحادى ~~الفيلسوف وكلام الإسماعيلية في البلاغ الأكبر والناموس الأعظم الذى يقول ~~فيه أقرب الناس إلينا الفلاسفة ليس بيننا وبينهم خلاف الا في واجب الوجود ~~فانهم يقرون به ونحن ننكره عرف ما بين هؤلاء من المناسبة # وكذلك المراسلة التى بين الصدر والنصير في إثبات النصير لواجب الوجود على ~~طريقة الصابئة الفلاسفة وجعل الصدر ذلك هو الوجود المطلق لا المعين وأنه هو ~~الله علم حقيقة ما قلته وعلم وجه اتفاقهم على الضلال والكفر وأن النصير ~~أقرب من حيث اعترافه بالرب الصانع المتميز عن الخلق لكنه أكفر من جهة بعده ~~عن النبوة والشرائع والعبادات وأن الصدر أقرب من جهة تعظيمه للعبادات ~~والنبوات والتأله على طريقة النصارى لكنه أكفر من حيث أن معبوده لاحقيقة له ~~وإنما يعبد الوجود المطلق الذى لا حقيقة له في الخارج PageV02P092 # ولهذا كان الصدر أكفر قولا وأقل كفرا في عمله والنصير أكفر عملا وأقل ~~كفرا في قوله وكلاهما كافر في قوله وعمله ولهذا يظهر للعقلاء من عموم ~~المسلمين من كلام الصدر أنه إفك وزور وغرور مخالف لما جاء به الرسول كما ~~يظهر لهم من أفعال النصير أنه مروق وإعراض عما جاء به الرسول ولهذا كان ~~النصير أقرب إلى العلماء لأن في كلامه ما هو حق كما أن الصدر أقرب إلى ~~العباد لأن في فعاله ما هو عبادة PageV02P093 # وقال ### ||| فصل # وقد تفرق الناس في هذا المقام الذى هو غاية مطالب العباد فطائفة من ~~الفلاسفة ونحوهم يظنون أن كمال النفس في مجرد العلم ويجعلون العلم الذى به ~~تكمل ما يعرفونه هم من علم ما بعد الطبيعة ويجعلون العبادات رياضة لأخلاق ~~النفس حتى تستعد للعلم فتصير النفس عالما معتزلا موازيا للعالم الموجود # وهؤلاء ضالون بل كافرون من وجوه # منها أنهم اعتقدوا الكمال من مجرد العلم كما اعتقد جهم والصالحى والأشعرى ~~في المشهور من قوليه وأكثر أتباعه أن الإيمان مجرد العلم لكن المتفلسفة ~~أسوأ حالا من الجهمية فان الجهمية يجعلون الايمان هو العلم بالله وأولئك ~~يجعلون ms0318 كمال النفس في أن تعلم الوجود المطلق من حيث هو وجود والمطلق بشرط ~~الاطلاق انما يكون في الأذهان لا في الأعيان والمطلق لا بشرط لا يوجد أيضا ~~في الخاج الا معينا وان علموا الوجود الكلى المنقسم إلى واجب وممكن فليس ~~لمعلوم علمهم PageV02P094 وجود في الخارج وهكذا من تصوف وتأله على طريقتهم ~~كابن عربى وبن سبعين ونحوهما # وأيضا فإن الجهمية يقرون بالرسل وبما جاؤوا به ( فهم في ) الجملة يقرون ~~بأن الله خلق السماوات والأرض وغير ذلك مما جاءت به الرسل بخلاف المتفلسفة # وبالجملة فكمال النفس ليس في مجرد العلم بل لابد مع العلم بالله من محبته ~~وعبادته والإنابة إليه فهذا عمل النفس وإرادتها ودال علمها ومعرفتها # الوجه الثانى أنهم ظنوا أن العلم الذى تكمل به النفس هو علمهم وكثير منه ~~جهل لا علم # الثالث أنهم لم يعرفوا العلم الإلهى الذى جاءت به الرسل وهو العلم الأعلى ~~الذى تكمل به النفس مع العمل بموجبه # الرابع أنهم يرون أنه إذا حصل لهم ذاك العلم سقطت عنهم واجبات الشرع ~~وأبيحت لهم محرماته وهذه طريقة الباطنية من الاسماعيلية وغيرهم مثل أبى ~~يعقوب السجستانى صاحب الأقاليد الملكوتية وأتباعه وطريقة من وافقهم من ~~ملاحدة الصوفية الذين يتأولون قوله ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) انك ~~تعمل حتى يحصل لك العلم فاذا حصل العلم سقط عنك العمل وقد قيل للجنيد إن ~~قوما يقولون انهم يصلون من طريق البر إلى أن تسقط عنهم الفرائض وتباح لهم ~~المحارم أو نحو هذا الكلام فقال الزنى والسرقة وشرب الخمر خير من هذا ~~PageV02P095 # ومن هؤلاء من يكون طلبه للمكاشفة ونحوها من العلم أعظم من طلبه لما فرض ~~الله عليه ويقول في دعائه اللهم أسألك العصمة في الحركات والسكنات والخطوات ~~والإرادات والكلمات من الشكوك والظنون والارادة والأوهام الساترة للقلوب عن ~~مطالعة الغيوب وأصل المسألة أن ( المكنة ) التى هي الكمال عندهم من [ ~~المكنة ] # وطائفة أخرى عندهم أن الكمال في القدرة والسلطان والتصرف في الوجود نفاذ ~~الأمر والنهى اما بالملك والولاية الظاهرة واما بالباطن وتكون عبادتهم ~~ومجاهدتهم ms0319 لذلك وكثير من هؤلاء يدخل في الشرك والسحر فيعبد الكواكب ~~والاصنام لتعينه الشياطين على مقاصده وهؤلاء أضل وأجهل من الذين قبلهم ~~وغاية من يعبد الله يطلب خوارق العادات يكون له نصيب من هذا ولهذا كان منهم ~~من يرى طائرا ومنهم يرى ماشيا ومنهم وفيهم جهال ضلال # وطائفة تجعل الكمال في مجموع الامرين فيدخلون في أقوال وأعمال من الشرك ~~والسحر ليستعينوا بالشياطين على ما يطلبونه من الاخبار بالامور الغائبة ~~وعلى ما ينفذ به تصرفهم في العالم # والحق المبين أن كمال الانسان ان يعبد الله علما وعملا كما امره ربه ~~PageV02P096 وهؤلاء هم عباد الله وهم المؤمنون والمسلمون وهم اولياء الله ~~المتقون وحزب الله المفلحون وجند الله الغالبون وهم اهل العلم النافع ~~والعمل الصالح وهم الذين زكوا نفوسهم وكملوها كملوا القوة النظرية العلمية ~~والقوة الارادية العملية كما قال تعالى ( واذكر عبادنا إبراهيم واسحاق ~~ويعقوب اولى الايدى والابصار ) وقال تعالى ( والنجم اذا هوى ما ضل صاحبكم ~~وما غوى # وما ينطق عن الهوى # ان هو الا وحى يوحى ) وقال تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم # صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) وقال تعالى ( ~~فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ) وقال تعالى ( أولئك ~~على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) وقال تعالى إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه ) وقال تعالى ( الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر PageV02P097 # وقال أيضا ### ||| فصل # حقيقة مذهب الإتحادية كصاحب الفصوص ونحوه الذى يؤول إليه كلامهم ويصرحون ~~به في مواضع أن الحقائق تتبع العقائد وهذا أحد أقوال السوفسطائية فكل من ~~قال شيئا أو اعتقده فهو حق في نفس هذا القائل المعتقد ولذا يجعلون الكذب ~~حقا ويقولون العارف لايكذب أحدا فان الكذب هو أيضا امر موجود وهو حق في نفس ~~الكاذب فإن اعتقده كان حقا في اعتقاده وكلامه ولو قال ما لم يعتقده [ كان ] ~~حقا في كلامه فقط # ولهذا يأمر المحقق أن تعتقد كلما يعتقده الخلائق كما قال # عقد الخلائق في الإله عقائدا %~% وأنا ms0320 اعتقدت جميع ما اعتقدوه # ومعلوم أن الاعتقادات المتناقضة لاتكون معتقداتها في الخارج لكن في نفس ~~المعتقد ولهذا يأمرون بالتصديق بين النقيضين والضدين ويجعلون هذا من أصول ~~طريقهم وتحقيقهم ومعلوم أن النقيضين لايجتمعان في الخارج لكن يمكن اعتقاد ~~اجتماعهما فيكون ذلك حقا في نفس المعتقد وهم يدعون أن ذلك يحصل كشفا فكشفهم ~~متناقض فخاطبت بذلك بعضهم فقال كلاهما PageV02P098 حق كالذى كشف له أن ~~الزهرة فوق عطارد والذى كشف له انها تحت عطارد فقال هي من كشف هذا فوق ~~عطارد وفى كشف هذا تحت عطارد وأمثال ذلك فجعلوا الحقائق الثابتة تتبع الكشف ~~والاعتقاد والقول # ولهذا يقولون سر حيث شئت فإن الله ثم وقل ماشئت فيه فإن الواسع الله # ومضمون هذا الأصل أن كل إنسان يقول ما شاء ويعتقد ما شاء من غير تمييز ~~بين حق وباطل وصادق وكاذب وأنه لاينكر في الوجود شئ وهكذا يقولون هذا من ~~جهة الخبر والعلم وأما من جهة الأمر والعمل فإن محققهم يقول ماعندنا حرام ~~ولكن هؤلاء المحجبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم فما عندهم أمر ولا نهى ~~كما قال القاضي الذى هو تلميذ صاحب الفصوص فيما أنشدنيه الشاهد بن ( عمد ~~الملقب بعرعيه ) # ما الأمر إلا نسق واحد %~% ما فيه من حمد ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت %~% والطبع والشارع بالحكم # وحينئذ فما يبقى للأقوال والأفعال إلا مجرد القدرة ولهذا هم يمشون مع ~~الكون دائما فأى شئ وجد وكان كان عندهم حقا فالحلال ما وجدته وحل بيدك ~~والحرام ما حرمته والحق ما قلته كائنا ما كان والباطل مالم يقله أحد وهؤلاء ~~شر من المباحية الملاحدة الذين يجرون مع محض القدر # فإن أولئك يعطلون الأمر والنهى والثواب والعقاب وهؤلاء PageV02P099 عطلوا ~~أيضا الصانع والرسالة والحقائق كلها وجعلوا الحقائق بحسب ما يكشف للإنسان ~~ولم يجعلوا للحقائق في أنفسها حقائق تتحقق به يكون ثابتا وبنقيضه منتفيا بل ~~هذا عندهم يفيده الإطلاق ألا تقف مع معتقد بل تعتقد جميع ما اعتقده الناس ~~فإن كانت أقوالا متناقضة فإن الوجود يسع هذا كله ووحدة ms0321 الوجود تسع هذا كله # ومعلوم أن الوجود إنما يسع وجود هذه الإعتقادات لايسع تحقق المعتقدات في ~~أنفسها وهذا مما لا نزاع فيه بين العقلاء فإن الإعتقاد الباطل والقول ~~الكاذب هو موجود داخل في الوجود لكن هذا لايقتضى أن يكون حقا وصدقا فإن ~~الحق والصدق إذا أطلق على الأقوال الخبرية لا يراد به مجرد وجودها فإن هذا ~~أمر معلوم بالحس وعلى هذا التقدير فكلها حق وصدق # ومن المعلوم ان السائل عن حقها وصدقها هي عنده منقسمة إلى حق وباطل وصدق ~~وكذب والمراد بكونها حقا وصدقا كونها مطابقة للخبر أوغير مطابقة ثم قد تكون ~~مطابقة في اعتقاد القائل دون الخارج وهذا هو الخطأ وقد يسمى كذبا وقد لا ~~يطلق عليه ذلك # فالأول كقول النبى ( كذب أبو السنابل ) وقوله ( كذب من قالها إن له ~~لأجرين اثنين إنه لجاهد مجاهد وقول عبادة كذب أبوكم وقول بن عباس كذب نوف ~~PageV02P100 # والثانى كقوله ( لم أنس ولم تقصر ( فقال له ذو اليدين بلى قد نسيت وكأن ~~الفرق والله أعلم أن من أخبر مع تفريطه في الطريق الذى يعلم به صوابه ~~وخطاؤه فأخطأ سمى كاذبا بخلاف من لم يفرط ( لأنه ) تكلم بلا حجة ولا دليل ~~مجازفة فأخطأ بخلاف من أخبر غير مفرط وهذا الفرق يصلح أن يفرق به فيمن حلف ~~على شئ يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه انه إن حلف مجازفا بلا أصل يرجع ~~إليه مثل من حلف أن هذا غراب أو ليس بغراب بلا مستند أصلا فبان خطأ فإن هذا ~~يحنث وذلك يحنث مثل هذا و ( إن ) لم يعلم خطؤه وان أصاب وهى مسألة حلفه أنه ~~في الجنة وهذا كما تقول المفتى اذا أفتى بغير علم أنه أثم وإن أصاب وكذلك ~~المصلى إلى القبلة بغير اجتهاد وكذلك المفسر للقرآن برأيه # ولهذا تجد هؤلاء في أخبارهم من أكثر الناس كذبا بل الكذب كالصدق عندهم ~~فيستعملونه بحسب الحاجة ولا يبالون إذا أخبروا عن الشئ الواحد بخبرين ~~متناقضين وتجدهم في أعمالهم بحسب أهوائهم فيعملون العملين المتناقضين أيضا ~~إذا وافق ms0322 هذا هو اهم في وقت وهذا هو اهم في وقت # وهم دائما مع المطاع سواء كان مؤمنا أو كافرا أوبرا أو فاجرا أو صديقا ~~أوزنديقا والتتار قبل إسلامهم وإن شركوهم في هذا فهم ( أحسن منهم ) في ~~الخبريات إذ التتار لا يخبرون عن الامور الإلهية بالخبرين المتناقضين بل ~~أحدهم إما أن يعتقد الشئ علما أو تقليدا أولا يعتقد شيئا فأما أن يجمع ~~PageV02P101 بين النقيضين فلا فهؤلاء شر حالا من مثل التتار ولهذا ليس لهم ~~عاقبة فإنهم ليسوا متقين يميزون بين مأمور ومحظور وصدق وكذب والعاقبة إنما ~~هي للمتقين وإنما قيام أحدهم بقدر ما يكون قادرا # ومعلوم أن قدرة أحدهم لا تدوم بل يعمل بها من الأعمال ما يكون سبب الوبال ~~ولا ريب أن هؤلاء مندرجون في قوله تعالى ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~أضل أعمالهم ) وفى قوله ( ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ) وقوله ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) وفى قوله ( والذين كفروا اعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لايقدرون مما كسبوا على شئ ) وفى قوله ( صم بكم ~~عمى فهم لايعقلون ) وفى قوله ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لايبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل ) # ولا ريب أن الحق نوعان حق موجود وبه يتعلق الخبر الصادق وحق مقصود وبه ~~يتعلق الأمر الحكيم والعمل الصالح وضد الحق الباطل ومن الباطل الثانى قول ~~النبى ( كل لهو يلهو الرجل به فهو باطل إلارميه بقوسه وتأديبه فرسه ~~وملاعبته امرأته فانهن من الحق ( والحق الموجود إذا أخبر عنه بخلافه كان ~~كذبا وهؤلاء لا يميزون بين الحق والباطل بين الحق الموجود الذى ينبغى ~~اعتقاده والباطل المعدوم الذى ينبغى نفيه في الخبر PageV02P102 عنهما ولا ~~بين الحق المقصود الذى ينبغى اعتماده والباطل الذى ينبغى إجتنابه بل يقصدون ~~ما هووه وأمكنهم منهما # وأصدق الحق الموجود ما أخبر الله بوجوده والخبر ms0323 الحق المقصود ما أمر الله ~~به وإن شئت قلت أصدق خبر عن الحق الموجود خبر الله وخير أمر بالحق المقصود ~~أمر الله والإيمان يجمع هذين الأصلين تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ~~وإذا قرن بينهما قيل ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) والعمل خير من ~~القول كما قال الحسن البصرى ( ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتحلى ولكن ما وقر ~~في القلب وصدقه العمل PageV02P103 ### |||| سئل الشيخ # عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد وتعلق كل منهم بسبب ومنهم من ~~قال ان يونس القتات يخلص أتباعه ومريديه من سوء الحساب وأليم العقاب # ومنهم من يزعم أن عليا الحريرى كان قد أعطى من الحال ما إنه إذا خلا ~~بالنساء والمردان يصير فرجه فرج امرأة # ومنهم من يدعى النبوة ويدعى أنه لابد له من الظهور في وقت فيعلو دينه ~~وشريعته وان من شريعته السوداء تحريم النساء وتحليل الفاحشة اللوطية وتحريم ~~شئ من الأطعمة وغيرها كالتين واللوز والليمون وتبعه طائفة منهم من كان يصلى ~~فترك الصلاة ويجتمع به نفر مخصوصون في كثير من الأيام الخ ### ||||| فأجاب # أما قول القائل إن يونس القتاتى يخلص أتباعه ومريديه من سوء الحساب وأليم ~~العذاب يوم القيامة PageV02P104 فيقال جوابا عاما من ادعى أن شيخا من ~~المشايخ يخلص مريديه يوم القيامة من العذاب فقد ادعى أن شيخه أفضل من محمد ~~بن عبد الله ومن قال هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل # فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبى قال ( يافاطمة بنت محمد لا أغنى ~~عنك من الله شيئا ياصفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا ياعباس عم ~~رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا سلونى ما شئتم من مالى وثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال ( لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء ~~فيقول يارسول الله أغثنى فأقول لا أغنى عنك من الله شيئا قد بلغتك ( الحديث ~~بتمامه وذكر مثل ذلك في غير ذلك من الأقوال # فإذا كان رسول الله يقول مثل هذا ms0324 لاهل بيته وأصحابه الذين آمنوا به ~~وعزروه ونصروه من المهاجرين والانصار يقول إنه ليس يغنى عنهم من الله شيئا ~~فكيف يقال في شيخ غايته أن يكون من التابعين لهم باحسان وقد قال تعالى ( ~~وما أدراك مايوم الدين ثم ما أدراك مايوم الدين يوم لاتملك نفس لنفس شيئا ~~والامر يومئذ لله ) وقال ( اتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ) وأمثال ~~ذلك من نصوص القرآن والسنة # وقد علم أنه ليس للأنبياء وغيرهم يوم القيامة الا الشفاعة وقد ثبت في ~~الصحيح أن الناس يأتون آدم ليشفع فيقول نفسى نفسى وكذلك يقول نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى وهؤلاء هم أولوا العزم من الرسل PageV02P105 وهم أفضل الخلق ~~ويقول لهم عيسى اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ~~فإذا رأيت ربى خررت له ساجدا فيقول أى محمد ارفع رأسك وقل يسمع واسئل تعط ~~واشفع تشفع فيحد لى حدا فأدخلهم الجنة وذكر مثل ذلك في المرة الثانية # فهذا خير الخلق وأكرمهم على الله اذا رأى ربه لايشفع حتى يسجد له ويحمده ~~ثم يأذن له في الشفاعة فيحد له حدا يدخلهم الجنة وهذا تصديق قوله تعالى ( ~~من ذا الذى يشفع عنده الا بإذنه ) إلى غير ذلك من الآيات # وقد جاء في الحديث الصحيح أنه تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون لكن ~~بإذنه في أمور محدودة ليس الامر إلى اختيار الشافع فهذا فيمن علم أنه يشفع ~~فلو قال قائل ان محمدا يخلص كل مريديه من النار لكان كاذبا بل في أمته خلق ~~يدخلون النار ثم يشفع فيهم وأما الشيوخ فليس لهم شفاعة كشفاعته والرجل ~~الصالح قد يشفعه الله فيمن يشاء ولا شفاعة إلا في أهل الإيمان # وأما المنتسبون إلى الشيخ يونس فكثير منهم كافر بالله ورسوله لايقرون ~~بوجوب الصلاة الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله بل لهم من الكلام في سب الله ورسوله والقرآن والإسلام مايعرفه ~~من عرفهم PageV02P106 # وأما من كان فيهم من عامتهم لايعرف أسرارهم وحقائقهم فهذا ms0325 يكون معه إسلام ~~عامة المسلمين الذى استفاده من سائر المسلمين لامنهم فإن خواصهم مثل الشيخ ~~سلول وجهلان والصهبانى وغيرهم فهؤلاء لم يكونوا يوجبون الصلاة بل ولا ~~يشهدون للنبى صلى الله عليه وسلم بالرسالة # وفى أشعارهم كشعر الكوجلى وغيره من سب النبى صلى الله عليه وسلم وسب ~~القرآن والإسلام مالا يرضى به لا اليهود ولا النصارى ثم منهم من يقول هذا ~~الشعر ليونس ومنهم من يقول هو مكذوب على يونس لكن من المعلوم المشاهد أنهم ~~ينشدون الكفر ويتواجدون عليه ويبول أحدهم في الطعام ويقول يشرح كبدى يونس ~~أوماء ورد يونس ويستحلون الطعام الذى فيه البول ويرون ذلك بركة # وأما كفرياتهم مثل قولهم وأنا حميت الحمى وأنا سكنت فيه وأنا تركت ~~الخلائق في مجارى التيه موسى على الطور لما خر لى ناجا وصاحب أقرب انا ~~جنبوه حتى جاء يوم القيامة يرى الخلائق أفواجا إلى ( نبيه ) عيسى يقضى لهم ~~حاجا # ويقولون تعالوا نخرب الجامع ونجعل منه جمارة ونكسر خشب المنبر ونعمل منه ~~زنارة ونحرق ورق ونعمل منه طنبارة ننتف لحية القاضي ونعمل منه أوتاره أنا ~~حملت على العرش حتى صج وأنا صرخت في محمد حتى هج وأن البحار السبعة من ~~هيبتى ترتج PageV02P107 # وأمور أخر أعظم من هذا وأعظم من أن تذكر لما فيها من الكفر الذى هو أعظم ~~من قول الذين قالوا إن لله ولدا # وأما قول القائل إن من الشيوخ من كان يتحول فرجه فرج امرأة فكذب مختلق بل ~~في طريقة من المنكرات المخالفة لدين الإسلام ما يعرفه من يعرف دين الإسلام ~~وأصحابه ينقلون عنه كفريات سطروها عنه كقوله لو قتلت سبعين نبيا ما كنت ~~مخطئا ومعلوم أن قتل نبى واحد من أعظم الكفر وفى الحديث المرفوع عن النبى ~~أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبى # وإذا قيل هذا قاله مشاهدة للحقيقة القدرية الكونية ان الله خالق أفعال ~~العباد كان العذر أقبح من الذنب فإنه لو كان القدر حجة لم يكن على إبليس ~~وفرعون وسائر الكفار ملام لا ms0326 في الدنيا ولا في الآخرة وهذا المحتج بالقدر ~~لو تعدى عليه أحد لقاتله وغضب عليه فإن كان القدر حجة فهو حجة يفعل به ما ~~يريد وان لم يكن حجة لم يؤذ آدميا فكيف يكون حجة لمن يكفر بالله ورسوله # وآدم عليه السلام إنما حج موسى لأن موسى لامه لما أصابه من المصيبة لم ~~يلمه لحق الله تعالى في الذنب فإن آدم تاب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ~~بل قال له بماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة قال تلومنى على أمر قدره الله على ~~قبل أن أخلق بأربعين سنة فحج آدم موسى PageV02P108 # وكذا يؤمر كل من أصابه مصيبة من جهة أبيه وغيره أن يسلم لقدر الله كما ~~قال تعالى ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه ( قال علقمة هو الرجل تصيبه المصيبة ~~فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم وأما الذنوب فعلى العبد أن لا يفعلها ~~فإن فعلها فعليه أن يتوب منها فمن تاب وندم أشبه أباه آدم ومن أصر واحتج ~~أشبه عدوه إبليس قال الله تعالى ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ( ~~فالمؤمن مأمور أن يصبر على المصائب ويستغفر من الذنوب والمعائب PageV02P109 ### ||| فصل # وأما الذى يدعى النبوة وأنه يبيح الفاحشة اللوطية ويحرم النكاح وما ذكر ~~من ذلك فهذا أمر أظهر من أن يقال عنه فإنه من الكافرين وأخبث المرتدين وقتل ~~هذا ومن اتبعه واجب بإجماع المسلمين والواحد من هؤلاء إما أن يخاطب بالحجة ~~لعل الله أن يتوب عليه ويهديه واما أن يقام عليه الحد فيقتل فمن كان قادرا ~~على أحد الأمرين لزمه ذلك ومن عجز عن هذا وهذا فلا يكلف الله نفسا الا ~~وسعها لكن عليه أن يعرف المعروف ويحبه وينكر المنكر ويبغضه ويفعل ما يقدر ~~عليه من الأمرين من الأمر والنهى كما قال النبى في الحديث الصحيح ( من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس ~~وراء ذلك من الإيمان مثقال ذرة ( والله سبحانه وتعالى أعلم PageV02P110 ### |||| المسئول من إحسان شيخ الاسلام مفتى الانام ms0327 ( تقى الدين ( أثابه الله الجنة # أن يفتينا في رجلين تشاجرا في هذين البيتين المذكورين وهما قول القائل # الرب حق والعبد حق %~% يا ليت شعرى من المكلف # إن قلت عبد فذاك ميت %~% أو قلت رب أنى يكلف # فقال أحد الرجلين هذا القول كفر فإن القائل جعل الرب والعبد حقا واحدا ~~ليس بينهما فرق وأبطل التكليف فقال له الرجل الثانى ما فهمت المعنى ورميت ~~القائل بما لم يعتقده ويقصده فإن القائل قال الرب حق والعبد حق أى الرب حق ~~في ربوبيته والعبد حق في عبوديته فلا الرب عبدا ولا العبد ربا كما زعمت # ثم قال # يا ليت شعرى من المكلف %~% مع علمه ان التكليف حق # فحار لمن ينسبه في القيام به فقال ان قلت عبد فذاك ميت والميت ليس له من ~~نفسه حركة بل من غيره يقلبه كما يشاء وكذلك العبد وإن كان PageV02P111 حيا ~~فإنه مع ربه كالميت مع الغاسل ليس له من نفسه فعل بغير الله لأنه سبحانه لو ~~لم يقو العبد على القيام بالتكليف لما قدر على ذلك فالفعل لله حقيقة وللعبد ~~مجازا ودليل ذلك قول لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم أى لا حول عن ~~المعصية ولا قوة على الطاعة الا بالله # وقد علم أن الرب ليس عليه تكليف لأنه لا مكلف له والعبد ليس يقوم بما كلف ~~به الا بالله والتكليف حق # فتعجب القائل عند شهوده لهذه الحال وحار في ذلك مع الاقرار به وانه على ~~العبد حق فما ينبغى لعاقل أن يقع فيمن لا يفهم كلامه بل التقصير من الفهم ~~القصير فمع أيهما الحق ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه فقال # الحمد لله كلام هذا الثانى كلام باطل وخوض فيما لم يحط بعلمه ولم يعرف ~~حقيقته ولا هو عارف بحقيقة قول بن عربى وأصله الذى تفرع منه هذا الشعر ~~وغيره ولا هو أخذ بمقتضى هذا اللفظ ومدلوله # فأما أصل بن عربى فهو أن الوجود واحد وأن الوجود الواجب هو عين الوجود ms0328 ~~الممكن والقول بأن المعدوم شيء وأعيان المعدومات ثابتة في العدم ووجود الحق ~~فاض عليها فوجود كل شيء عين وجود الحق عنده وهذا مبسوط في غير هذا الموضع ~~PageV02P112 # ولهذا قال ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت وأنه الخليفة بالسيف ~~وان جار في العرف الناموسى لذلك قال ( أنا ربكم الأعلى ( أى وان كان الكل ~~أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم ولما ~~علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه وأقروا له بذلك فقالوا له اقض ما أنت ~~قاض انما تقضى هذه الحياة الدنيا والدولة لك فصح قول فرعون ( أنا ربكم ~~الأعلى ( وان كان عين الحق # قال ومن أسمائه الحسنى العلى على من وما ثم إلا هو وعن ماذا وما هو الا ~~هو إلى قوله ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين اثباتها علم أن ~~الحق المنزه هو الخلق المشبه فالآمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق هو ~~الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة # وقال ألا ترى أن الحق يظهر بصفات الخلق فكل صفات الحق حق له كما أن صفات ~~المحدثات حق للخالق ونحو ذلك مما يكثر في كلامه وهذا الرجل له ترتيب في ~~سلوكه من جنس ترتيب الملاحدة القرامطة فأول ما يظهر اعتقاد معتزلة الكلابية ~~الذين ينفون الصفات الخبرية ويثبتون الصفات السبعة أو الثمانية ثم بعد ذلك ~~اعتقاد الفلاسفة الذين ينفون الصفات ويثبتون وجودا واجبا مجردا صدرت عنه ~~الممكنات PageV02P113 # ثم بعد هذا يجعل هذا الوجود هو وجود كل موجود فليس عنده وجودان أحدهما ~~واجب والآخر ممكن ولا أحدهما خالق والآخر مخلوق بل عين الوجود الواجب هو ~~عين الوجود الممكن مع تعدد المراتب والمراتب عنده هي الأعيان الثابتة في ~~العدم على زعم من يقول إن المعدوم شيء ولا ريب أن من جعل المعدوم شيئا ~~ثابتا في الخارج عن الذهن فقوله باطل # لكن أولئك يقولون إن الخالق جعل لهذه الأعيان وجودا مخلوقا وبن عربى يقول ~~بل نفس وجوده فاض عليها فهي ms0329 مفتقرة إليه في وجوده وهو مفتقر إلى ثبوتها ~~ولهذا قال فيعبدنى وأعبده ويحمدنى وأحمده ولهذا امتنع التكليف عنده فإن ~~التكليف يكون من مكلف لمكلف أحدهما آمرا والآخر مأمورا فامتنع التكليف # ولهذا مثل ما يوجد من الكلام والسمع بقول النبى ( إن الله تجاوز لأمتى ~~عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به ( فلما كان المحدث هنا هو ~~المحدث جعل هذا مثلا لوجود الرب فعنده كل كلام في الوجود كلامه وهو المتكلم ~~عنده وهو المستمع # ولهذا يقول # إن قلت عبد فذاك ميت # وفى موضع آخر رأيته بخطه PageV02P114 # إن قلت عبد فذاك نفى # لان العبد ليس له عنده وجود مخلوق بل وجوده هو الوجود الواجب القديم عنده ~~وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # فإن كلام الرجل يفسر بعضه بعضا وهذا الاصل وهو القول بوحدة الوجود قوله ~~وقول بن سبعين وصاحبه الششترى والتلمسانى والصدر القونوى وسعيد الفرغانى ~~وعبد الله البليانى وبن الفارض صاحب نظم السلوك وغير هؤلاء من أهل الإلحاد ~~القائلين بالوحدة والحلول والإتحاد # وأما مدلول هذا الشعر فإن قوله # يا ليت شعرى من المكلف ؟ %~% # استفهام انكار للمكلف %~% # ثم قال * إن قلت عبد فذاك ميت * # وفى موضع آخر قال فذاك نفى وكلاهما باطل فإن العبد موجود وثابت ليس ~~بمعدوم منتف ولكن الله هو الذى جعله موجودا ثابتا وهذا هو دين المسلمين أن ~~كل ما سوى الله مخلوق لله موجود بجعل الله له وجودا فليس لشيء من الاشياء ~~وجود إلا بإيجاد الله له وهو باعتبار نفسه لا يستحق الا العدم موجودا حيا ~~ناطقا فاعلا مريدا قادرا بل هذا كله لا يمنع ثبوت ذواتها وصفاتها وأفعالها ~~PageV02P115 # فهو سبحانه هو الذى جعل الحى حيا بل هو الذى جعل المسلم مسلما والمصلى ~~مصليا كما قال الخليل ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ( وقال ( رب اجعلنى مقيم ~~الصلاة ومن ذريتى ( وهذه مسألة خلق أفعال العبيد وهى مذهب أهل السنة ~~والجماعة مع اتفاقهم على أن العبد مأمور منهى مثاب معاقب موعود متوعد وهو ~~سبحانه الذى جعل الابيض أبيضا والاسود ms0330 أسودا والطويل طويلا والقصير قصيرا ~~والمتحرك متحركا والساكن ساكنا والرطب رطبا واليابس يابسا والذكر ذكرا ~~والانثى انثى والحلو حلوا والمر مرا # ومع هذا فالاعيان تتصف بهذه الصفات والله تعالى خالق الذوات وصفاتها فأى ~~عجب من اتصاف الذات المخلوقة بصفاتها ومن أين يكون الله خالق ذلك كله بالحق ~~فإذا قال القائل الرب حق والعبد حق فإن أراد به أن هذا الحق هو عين هذا ~~فهذا هو الإتحاد والإلحاد وهذا هو الذى ينافى التكليف وإن أراد أن العبد حق ~~مخلوق خلقه الخالق فهذا مذهب المسلمين وذلك لاينافى أن يكون الخالق ممكنا ~~للمخلوق كما أنه خالق له # وقوله إن قلت عبد فذاك ميت كذب فإن العبد ليس بميت بل هو حى أحياه الله ~~تعالى كما قال تعالى ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ( والله لا ~~يكلف الميت وإنما يكلف الحى وإذا قيل إنه أراد بقوله ميت أنه باعتبار نفسه ~~لا حياة له قيل تفسير مراده بهذا فاسد لفظا ومعنى أما اللفظ فلأن كلامه لا ~~يقتضى ذلك وأما المعنى فلأنه اذا فسر ذلك لم يناف التكليف PageV02P116 # فإذا كان ميتا لولا إحياء الله وقد أحياه الله فقد صار حيا بإحياء الله ~~له وحينئذ فالله إنما كلف حيا لم يكلف ميتا وأما أقوال إخوان الملاحدة ~~والمحامين عنهم أنه قال ليت شعرى من المكلف مع علمه بأن التكليف حق فحار ~~لمن ينسبه في القيام به فقال إن قلت عبد فذاك ميت والميت ليس له من نفسه ~~حركة بل من غيره يقلبه كما يشاء # وكذلك العبد وإن كان حيا فإنه مع ربه كالميت مع الغاسل ليس له من نفسه ~~فعل بغير الله فيقال لهم هذا العذر باطل من وجوه # أحدها لأنه لا حيرة هنا بل المكلف هو العبد بلا امتراء ولا حيرة فإن الله ~~يمتنع أن يكون هو المكلف بالصيام والطواف ورمى الجمار بل هو الآمر بذلك ~~والعبد هو المأمور بذلك ومن حار هل المأمور بذلك الله أو العبد فهو إما ~~يكون فاسد العقل مجنونا وإما فاسد الدين ms0331 ملحدا زنديقا # وكون الله خالقا للعبد ولفعله لا يمنع أن يكون العبد هوالمأمور المنهى ~~فإنه لم يقل أحد قط إن الله هو الذى يركع ويسجد ويطوف ويرمى الجمار ويصوم ~~شهر رمضان بل جميع الأمة متفقون على أن العبد هو الراكع الساجد الصائم ~~العابد لا نزاع في ذلك بين أهل السنة والقدرية # الثانى أن قوله إن العبد وإن كان حيا فإنه مع ربه كالميت مع الغاسل ليس ~~بصحيح فإن الميت ليس له إحساس ولا إرادة لما يقوم PageV02P117 به من الحركة ~~ولا قدرة على ذلك ولا يوصف بأنه يحب الفعل أو يبغضه أو يريده أو يكرهه ولا ~~أنه يركع ويسجد ويصوم ويحج ويجاهد العدو # وقول من قال بهذا لا يحمد الميت على فعل الغاسل ولا يذم ولا يثاب ولا ~~يعاقب وأما العبد فإن الله جعله حيا مريدا قادرا فاعلا وهو يصوم ويصلى ويحج ~~ويقتل ويزنى باختياره ومشيئته والله خالق ذاته وصفاته وأفعاله فله مشيئة ~~والله خالق مشيئته كما قال تعالى ( لمن شاء منكم أن يستقيم # وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ( # وله قدرة والله خالق قدرته وهو مصل صائم حاج معتمر والله خالقه وخالق ~~أفعاله فتمثيله بالميت تمثيل باطل # الثالث أن يقال إن كان كالميت مع الغاسل فيكون الغاسل هو المكلف فيكون ~~الله هو المكلف فيلزم أن يكون الرب هو المكلف # الرابع أن عقلاء بنى آدم متفقون على ما فطرهم الله عليه من أن العبد الحى ~~يؤمر وينهى ويحمد ويذم على أفعاله الإختيارية متفقون على أن من احتج بالقدر ~~على ظلمه وفواحشه لم يقبل ذلك منه فلو ظلم ظالم لغيره لم يقبل أحد منه أن ~~يدفع عن نفسه الملام بالقدر وأما الميت فليس في العقلاء من يذمه ولا يأمره ~~ولا ينهاه فكيف يقاس هذا بهذا وأما قول القائل فإن الله لو لم يقو العبد ~~على التكليف لما قدر على ذلك PageV02P118 فكلام صحيح لكن ليس فيه ما ينافى ~~أن يكون مكلفا مأمورا منهيا مصليا صائما قاتلا زانيا # وأما قوله فالفعل لله ms0332 حقيقة وللعبد مجاز فهذا كلام باطل بل العبد هو ~~المصلى الصائم الحاج المعتمر المؤمن وهو الكافر الفاجر القاتل الزانى ~~السارق حقيقة والله تعالى لا يوصف بشيء من هذه الصفات بل هو منزه عن ذلك ~~لكنه هو الذى جعل العبد فاعلا لهذه الأفعال فهذه مخلوقاته ومفعولاته حقيقة ~~وهى فعل العبد أيضا حقيقة # ولكن طائفة من أهل الكلام المثبتين للقدر ظنوا أن الفعل هو المفعول ~~والخلق هو المخلوق فلما اعتقدوا أن أفعال العباد مخلوقة مفعولة لله قالوا ~~فهي فعله فقيل لهم مع ذلك أهى فعل العبد فاضطربوا فمنهم من قال هي كسبه لا ~~فعله ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق ومنهم من قال بل هي فعل بين ~~فاعلين ومنهم من قال بل الرب فعل ذات الفعل والعبد فعل صفاته # والتحقيق ما عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول ~~والخلق والمخلوق فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله ~~كما أن نفس العبد وسائرصفاته مخلوقة مفعولة لله وليس ذلك نفس خلقه وفعله بل ~~هي مخلوقة ومفعولة وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به ليست قائمة بالله ~~ولا يتصف بها فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته PageV02P119 وإنما يتصف ~~بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته والعبد فاعل لهذه الأفعال وهو ~~المتصف بها وله عليها قدرة وهو فاعلها باختياره ومشيئته وذلك كله مخلوق لله ~~فهي فعل العبد وهى مفعولة للرب # لكن هذه الصفات لم يخلقها الله بتوسط قدرة العبد ومشيئته بخلاف أفعاله ~~الاختيارية فإنه خلقها بتوسط خلقه لمشيئة العبد وقدرته كما خلق غير ذلك من ~~المسببات بواسطة أسباب أخر وهذا مبسوط في غير هذا الموضع ولكن هذا قدر ما ~~وسعته هذه الورقة والله أعلم PageV02P120 ### || 1 ( تعليقة على كتاب فصوص الحكم ) 1 ### ||| ! 8 < ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين ! 8 < # في كتاب بين أظهر الناس زعم مصنفة أنه وضعه وأخرجه للناس بإذن النبى ( ( ~~في منام زعم أنه رآه وأكثر كتابه ضد لما أنزله الله من كتبه المنزلة وعكس ~~وضد ms0333 عن أقوال أنبيائه المرسلة فمما قال فيه ان آدم عليه السلام إنما سمى ~~انسانا لانه للحق تعالى بمنزلة انسان العين من العين الذى يكون به النظر # وقال في موضع آخر إن الحق المنزه هو الخلق المشبه وقال في قوم نوح عليه ~~السلام انهم لو تركوا عبادتهم لود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا لجهلوا من الحق ~~بقدر ما تركوا من هؤلاء ثم قال فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ~~ويجهله من جهله فالعالم يعلم من عبد وفى أى صورة ظهر حتى ( عبد ) وان ~~التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة # ثم قال في قوم هود عليه السلام بأنهم حصلوا في عين القرب فزال البعد فزال ~~مسمى جهنم في حقهم ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق مما أعطاهم هذا ~~المقام الذوقى اللذيذ من جهة المنة فإنما أخذوه بما استحقته حقائقهم من ~~أعمالهم التى كانوا عليها وكانوا على صراط الرب المستقيم PageV02P121 # ثم انه أنكر فيه حكم الوعيد في حق كل من حقت ( عليه ) كلمة العذاب من ~~سائر العبيد فهل يكفر من يصدقه في ذلك أم لا أو يرضى به منه أم لا وهل يأثم ~~سامعه اذا كان عاقلا بالغا ولم ينكره بلسانه أو بقلبه أم لا أفتونا بالوضوح ~~والبيان كما أخذ الميثاق للتبيان فقد أضر الإهمال بالضعفاء والجهال والله ~~المستعان وعليه الإتكال أن يعجل بالملحدين النكال لصلاح الحال وحسم مادة ~~الضلال ### |||| فأجاب # الحمد لله هذه الكلمات المذكورة المنكورة كل كلمة منها هي من الكفر الذى ~~لا نزاع فيه بين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى فضلا عن كونه كفرا ~~في شريعة الإسلام # فإن قول القائل ان آدم للحق تعالى بمنزلة انسان العين من العين الذى يكون ~~به النظر يقتضى أن آدم جزء من الحق تعالى وتقدس وبعض منه وأنه أفضل أجزائه ~~وأبعاضه وهذا هو حقيقة مذهب هؤلاء القوم وهو معروف من أقوالهم # الكلمة الثانية توافق ذلك وهو قوله ان الحق المنزه هو الخلق المشبه # ولهذا قال في تمام ذلك فالأمر الخالق المخلوق ms0334 والأمر المخلوق الخالق كل ~~ذلك من عين واحدة لابل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة ( فانظر ماذا ~~ترى ) ( يا أبت افعل ما تؤمر ) والولد عين أبيه فما رأى يذبح PageV02P122 ~~سوى نفسه ففديناه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة انسان وظهر بصورة ~~لابحكم ولد من هو عين الوالد ( وخلق منها زوجها ) فما نكح سوى نفسه # وقال في موضع وهو الباطن عن كل فهم الا عن فهم من قال ان العالم صورته ~~وهويته # وقال ومن أسمائه الحسنى العلى على من وما ثم الا هو وعن ماذا وماهو الا ~~هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات # فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست الا هو إلى أن قال فهو عين ما ظهر ~~وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من ينطق عنه سواه ~~فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء ~~المحدثات # إلى أن قال فالعلى لنفسه هو الذى يكون له الكمال الذى يستغرق به جميع ~~الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو ~~مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك الا لمسمى الله خاصة # وقال ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص ~~والذم ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق فهي من أولها إلى آخرها صفات له كما ~~هي صفات المحدثات حق للحق وأمثال هذا الكلام # فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذى هو ( فصوص الحكم ) وأمثاله PageV02P123 ~~مثل صاحبه القونوى والتلمسانى وبن سبعين والششترى وبن الفارض وأتباعهم ~~مذهبهم الذى هم عليه أن الوجود واحد ويسمون أهل وحدة الوجود ويدعون التحقيق ~~والعرفان وهم يجعلون وجود الخالق عين وجود المخلوقات فكلما يتصف به ~~المخلوقات من حسن وقبيح ومدح وذم انما المتصف به عندهم عين الخالق وليس ~~للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها أصلا بل عندهم مأثم ~~غير أصلا للخالق ولا سواه # ومن كلماتهم ليس الا الله فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره ms0335 عندهم لأنه ما ~~عندهم له غير ولهذا جعلوا قوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه ) ~~بمعنى قدر ربك أن لاتعبدوا إلا إياه اذ ليس عندهم غير له تتصور عبادته فكل ~~عابد صنم انما عبد الله # ولهذا جعل صاحب هذا الكتاب عباد العجل مصيبين وذكر أن موسى أنكر على ~~هارون إنكاره عليهم عبادة العجل وقال كان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه ~~علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبدوا الا اياه وما ~~حكم الله بشئ الا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره ~~وعدم اتباعه فإن العارف من يرى الحق في كل شئ بل يراه عين كل شئ # ولهذا يجعلون فرعون من كبار العارفين المحققين وأنه كان مصيبا في دعواه ~~الربوبية كما قال في هذا الكتاب ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت ~~وأنه جار في العرف الناموسى لذلك قال ( أنا ربكم الأعلى PageV02P124 أى وان ~~كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم ~~فيهم # ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه بل أقروا له بذلك وقالوا ~~له ( فاقض ما أنت قاض ) فالدولة لك فصح قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) وأنه ~~كان عين الحق # ويكفيك معرفة بكفرهم أن من أخف أقوالهم أن فرعون مات مؤمنا بريا من ~~الذنوب كما قال وكان موسى قرة عين لفرعون بالإيمان الذى أعطاه الله عند ~~الغرق فقبضه طاهرا مطهرا ليس فيه شئ من الخبث لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن ~~يكتسب شيئا من الآثام والإسلام يجب ما قبله # وقد علم بالاضطرار من دين أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى أن فرعون ~~من أكفر الخلق بالله بل لم يقص الله في القرآن قصة كافر باسمه الخاص أعظم ~~من قصة فرعون ولا ذكر عن أحد من الكفار من كفره وطغيانه وعلوه أعظم مما ذكر ~~عن فرعون # وأخبر عنه وعن قومه أنهم يدخلون أشد العذاب فإن لفظ آل فرعون كلفظ آل ms0336 ~~إبراهيم وآل لوط وآل داود وآل أبى أوفى يدخل فيها المضاف باتفاق الناس فإذا ~~جاؤوا إلى أعظم عدو لله من الإنس أو من هو من أعظم أعدائه فجعلوه مصيبا ~~محقا فيما كفره به الله علم أن ما قالوه أعظم من كفر اليهود والنصارى فكيف ~~بسائر مقالاتهم PageV02P125 # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته ليس في ~~ذاته شئ من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شئ من ذاته # والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا انه في كل مكان وكان مما أنكروه ~~عليهم أنه كيف يكون في البطون والحشوش والأخلية تعالى الله عن ذلك فكيف بمن ~~يجعله نفس وجود البطون والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار # واتفق سلف الأمة وأئمتها أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ~~ولا في أفعاله وقال من قال من الأئمة من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما ~~وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها # وأين المشبهة المجسمة من هؤلاء فإن هؤلاء غاية كفرهم أن يجعلوه مثل ~~المخلوقات # لكن يقولون هو قديم وهى محدثة وهؤلاء جعلوه عين المخلوقات وجعلوه نفس ~~الأجسام المصنوعات ووصفوه بجميع النقائص والآفات التى يوصف بهما كل كافر ~~وكل فاجر وكل شيطان وكل سبع وكل حية من الحيات فتعالى الله عن إفكهم ~~وضلالهم وسبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا # والله تعالى ينتقم لنفسه ولدينه ولكتابه ولرسوله ولعباده المؤمنين منهم ~~PageV02P126 # وهؤلاء يقولون ان النصارى إنما كفروا لتخصيصهم حيث قالوا ( إن الله هو ~~المسيح ) فكلما قالته النصارى في المسيح يقولونه في الله وكفر النصارى جزء ~~من كفر هؤلاء # ولما قرؤوا هذا الكتاب المذكور على أفضل متأخريهم قال له قائل هذا الكتاب ~~يخالف القرآن فقال القرآن كله شرك وانما التوحيد في كلامنا هذا يعنى أن ~~القرآن يفرق بين الرب والعبد وحقيقة التوحيد عندهم أن الرب هو العبد فقال ~~له القائل فأى فرق بين زوجتى وبنتى إذا قال لافرق لكن هؤلاء المحجوبون ~~قالوا حرام ms0337 فقلنا حرام عليكم وهؤلاء إذا قيل في مقالتهم انها كفر لم يفهم ~~هذا اللفظ حالها فإن الكفر جنس تحته أنواع متفاوتة بل كفر كل كافر جزء من ~~كفرهم ولهذا قيل لرئيسهم أنت نصيرى فقال نصير جزء منى وكان عبد الله بن ~~المبارك يقول انا لنحكى كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع ان نحكى كلام ~~الجهمية وهؤلاء شر من اولئك الجهمية فان أولئك كان غايتهم القول بأن الله ~~في كل مكان وهؤلاء قولهم انه وجود كل مكان ما عندهم موجودان احدهما حال ~~والآخر محل # ولهذا قالوا ان آدم من الله بمنزلة انسان العين من العين وقد علم ~~المسلمون واليهود والنصارى بالاضطرار من دين المرسلين أن من قال عن أحد من ~~البشر إنه جزء من الله فإنه كافر في جميع الملل اذ النصارى لم تقل هذا ~~PageV02P127 وان كان قولها من أعظم الكفر لم يقل أحد ان عين المخلوقات هي ~~جزء الخالق ولا ان الخالق هو المخلوق ولا الحق المنزه هو الخلق المشبه # وكذلك قوله إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام لجهلوا من الحق بقدر ما ~~تركوا منها هو من الكفر المعلوم بالاضطرار من جميع الملل فإن أهل الملل ~~متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الأصنام وكفروا من يفعل ذلك وأن ~~المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام وكل معبود سوى الله كما ~~قال الله تعالى ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ( # وقال الخليل ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو ~~لى إلا رب العالمين ( وقال الخليل ( لأبيه وقومه إننى براء مما تعبدون إلا ~~الذى فطرنى فإنه سيهدين ( وقال الخليل وهو إمام الحنفاء الذى جعل الله في ~~ذريته النبوة والكتاب واتفق أهل الملل على تعظيمه لقوله ( يا قوم إنى برئ ~~مما تشركون إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا ms0338 من ~~المشركين ( # وهذا أكثر وأظهر عند أهل الملل من اليهود والنصارى فضلا عن المسلمين من ~~أن يحتاج أن يستشهد عليه بنص خاص فمن قال ان عباد الاصنام لو تركوهم لجهلوا ~~من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء فهو أكفر من PageV02P128 اليهود والنصارى ~~ومن لم يكفرهم فهو أكفر من اليهود والنصارى فإن اليهود والنصارى يكفرون ~~عباد الاصنام فكيف من يجعل تارك عبادة الاصنام جاهلا من الحق بقدر ما ترك ~~منها مع قوله فإن العالم يعلم من عبد وفى أى صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق ~~والكثرة كالاعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية ~~فما عبد غير الله في كل معبود بل هو أعظم من كفر عباد الأصنام فإن أولئك ~~اتخذوهم شفعاء ووسائط كما قالوا ( ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى ( ~~وقال الله تعالى ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون ( # وكانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض وخالق الأصنام كما قال تعالى ~~( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ( وقال تعالى ( وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ( # قال بن عباس تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله ثم يعبدون غيره ~~وكانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ~~ولهذا قال تعالى ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من ~~شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ( # وهؤلاء أعظم كفرا من جهة أن هؤلاء جعلوا عابد الأصنام عابدا لله لا عابدا ~~لغيره وأن الأصنام من الله بمنزلة أعضاء الإنسان من الإنسان PageV02P129 ~~وبمنزلة قوى النفس من النفس وعباد الأصنام اعترفوا بأنها غيره وأنها مخلوقة ~~ومن جهة أن عباد الأصنام من العرب كانوا مقرين بأن للسموات والأرض ربا ~~غيرهما خلقهما وهؤلاء ليس عندهم للسموات والأرض وسائر المخلوقات رب مغاير ~~للسموات والأرض وسائر المخلوقات بل المخلوق هو الخالق ولهذا جعل قوم عاد ~~وغيرهم من الكفار على صراط مستقيم وجعلهم في عين ms0339 القرب وجعل أهل النار ~~يتمتعون في النار كما يتمتع أهل الجنة في الجنة وقد علم بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن قوم عاد وثمود وفرعون وقومه وسائر من قص الله قصته من الكفار ~~أعداء الله وأنهم معذبون في الآخرة وأن الله لعنهم وغضب عليهم فمن أثنى ~~عليهم وجعلهم من المقربين ومن أهل النعيم فهو أكفر من اليهود والنصارى من ~~هذا الوجه # وهذه الفتوى لا تحتمل بسط كلام هؤلاء وبيان كفرهم والحادهم فإنهم من جنس ~~القرامطة الباطنية والإسماعيلية الذين كانوا أكفر من اليهود والنصارى وأن ~~قولهم يتضمن الكفر بجميع الكتب والرسل كما قال الشيخ إبراهيم الجعبرى لما ~~اجتمع بابن عربى صاحب هذا الكتاب فقال رأيته شيخا نجسا يكذب بكل كتاب أنزله ~~الله وبكل نبى أرسله الله PageV02P130 # وقال الفقيه أبو محمد بن عبد السلام ~~لما قدم القاهرة وسألوه عنه قال هو شيخ سوء كذاب مقبوح يقول بقدم العالم ~~ولا يحرم فرجا فقوله يقول بقدم العالم لان هذا قوله وهذا كفر معروف فكفره ~~الفقيه أبو محمد بذلك ولم يكن بعد ظهر من قوله إن العالم هو الله وإن ~~العالم صورة الله وهوية الله فإن هذا أعظم من كفر القائلين بقدم العالم ~~الذين يثبتون واجب الوجود ويقولون إنه صدر عنه الوجود الممكن # وقال عنه من عاينه من الشيوخ إنه كان كذابا مفتريا وفى كتبه مثل الفتوحات ~~المكية وأمثالها من الاكاذيب مالا يخفى على لبيب هذا وهو أقرب إلى الإسلام ~~من بن سبعين ومن القونوى والتلمسانى وأمثاله من أتباعه فإذا كان الاقرب ~~بهذا الكفر الذى هو أعظم من كفر اليهود والنصارى فكيف بالذين هم أبعد عن ~~الإسلام ولم أصف عشر ما يذكرونه من الكفر ولكن هؤلاء التبس أمرهم على من لم ~~يعرف حالهم كما التبس أمر القرامطة الباطنية لما ادعوا أنهم فاطميون ~~وانتسبوا إلى التشيع فصار المتبعون مائلين اليهم غير عالمين بباطن كفرهم # ولهذا كان من مال اليهم أحد رجلين اما زنديقا منافقا واما جاهلا ضالا # وهكذا هؤلاء الاتحادية فرؤسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم ولا ms0340 تقبل توبة ~~PageV02P131 أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة فإنه من أعظم الزنادقة الذين ~~يظهرون الإسلام ويبطنون أعظم الكفر وهم الذين يفهمون قولهم ومخالفتهم لدين ~~المسلمين ويجب عقوبة كل من انتسب اليهم أو ذب عنهم أو أثنى عليهم أوعظم ~~كتبهم أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ يعتذر لهم بأن ~~هذا الكلام لا يدرى ما هو أو من قال انه صنف هذا الكتاب وأمثال هذه ~~المعاذير التى لايقولها الا جاهل أو منافق بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ~~ولم يعاون على القيام عليهم فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنهم ~~أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء وهم ~~يسعون في الأرض فسادا ويصدون عن سبيل الله # فضررهم في الدين أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ويترك دينهم ~~كقطاع الطريق وكالتتار الذين يأخذون منهم الأموال ويبقون لهم دينهم ولا ~~يستهين بهم من لم يعرفهم فضلا لهم واضلالهم أعظم من أن يوصف وهم أشبه الناس ~~بالقرامطة الباطنية # ولهذا هم يريدون دولة التتار ويختارون انتصارهم على المسلمين الا من كان ~~عاميا من شيعهم وأتباعهم فإنه لايكون عارفا بحقيقة أمرهم # ولهذا يقرون اليهود والنصارى على ماهم عليه ويجعلونهم على حق كما يجعلون ~~عباد الأصنام على حق وكل واحدة من هذه من أعظم الكفر ومن PageV02P132 كان ~~محسنا للظن بهم وادعى أنه لم يعرف حالهم عرف حالهم فإن لم يباينهم ويظهر ~~لهم الإنكار والا ألحق بهم وجعل منهم # وأما من قال لكلامهم تأويل يوافق الشريعة فإنه من رؤسهم وأئمتهم فإنه ان ~~كان ذكيا فإنه يعرف كذب نفسه فيما قاله وان كان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا ~~فهو أكفر من النصارى فمن لم يكفر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلا كان عن تكفير ~~النصارى بالتثليث والإتحاد أبعد والله أعلم PageV02P133 ### || 1 ( حقيقة مذهب الإتحاديين ووحدة الوجود ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام ! 8 < # أحمد بن تيمية قدس الله روحه # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين # الرحمن الرحيم # مالك يوم الدين # وأشهد ms0341 أن لا اله إلا الله الأحد الحق المبين # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين تسليما كثيرا وعلى سائر اخوانه ~~المرسلين # أما بعد فقد وصل كتابك تلتمس فيه بيان مذهب هؤلاء الاتحادية وبيان بطلانه ~~وانك كنت قد سمعت منى بعض البيان لفساد قولهم وضاق الوقت بك عن استتمام ~~بقية البيان وأعجلك السفر حتى رأيت عندكم بعض من ينصر قولهم ممن ينتسب إلى ~~الطريقة والحقيقة وصادف منى كتابك موقعا ووجدت محلا قابلا # وقد كتبت بما أرجوا أن ينفع الله به المؤمنين ويدفع به بأس هؤلاء ~~PageV02P134 الملاحدة المنافقين الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ~~المخلوقات والمنزلات في كتابه المبين ويبين الفرق بين ما عليه أهل التحقيق ~~واليقين من أهل العلم والمعرفة المهتدين وبين ما عليه هؤلاء الزنادقة ~~المتشبهين بالعارفين كما تشبه بالانبياء من تشبه من المتنبئين كما شبهوا ~~بكلام الله ما شبهوه به من الشعر المفتعل وأحاديث المفترين ليتبين أن هؤلاء ~~من جنس الكفار المنافقين المرتدين أتباع فرعون والقرامطة الباطنيين وأصحاب ~~مسيلمة والعنسى ونحوهما من المفترين وأن أهل العلم والايمان من الصديقين ~~والشهداء والصالحين سواء كانوا من المقربين السابقين أو من المقتصدين أصحاب ~~اليمين هم من اتباع إبراهيم الخليل وموسى الكليم ومحمد المبعوث إلى الناس ~~أجمعين # قد فرق الله في كتابه المبين الذى جعله حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~من الحق بين الحق والباطل والهدى والضلال والمؤمنين والكافرين وقال تعالى ( ~~أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) وقال ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) وقال ( افنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون # وقد بين حال من تشبه بالانبياء وبأهل العلم والايمان من أهل الكذب ~~والفجور الملبوس عليهم اللابسين وأخبر أن لهم تنزلا ووحيا ولكن من الشياطين ~~فقال ( وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن اطعتموهم ~~PageV02P135 إنكم لمشركون ) وقال تعالى ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~تنزل على كل أفاك أثيم ) وأخبر أن كل من ms0342 ارتد عن دين الله فلابد أن يأتى ~~الله بدله بمن يقيم دينه المبين فقال ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم ) # وذلك أن مذهب هؤلاء الملاحدة فيما يقولونه من الكلام وينظمونه من الشعر ~~بين حديث مفترى وشعر مفتعل واليهما أشار أبو بكر الصديق رضى الله عنه لما ~~قال له عمر بن الخطاب في بعض ما يخاطبه به يا خليفة رسول الله تألف الناس ~~فأخذ بلحيته وقال يا بن الخطاب أجبارا في الجاهلية خوارا في الاسلام علام ~~أتألفهم أعلى حديث مفترى أم شعر مفتعل يقول انى لست أدعوهم إلى حديث مفترى ~~كقرآن مسيلمة ولا شعر مفتعل كشعر طليحة الاسدي # وهذان النوعان هما اللذان يعارض بهما القرآن أهل الفجور والافك المبين ~~قال تعالى ( فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون انه لقول رسول كريم وما هو ~~بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون PageV02P136 ~~تنزيل من رب العالمين ) وقال تعالى ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين ) إلى قوله ( وما تنزلت به الشياطين ) إلى آخر السورة # فذكر في هذه السورة علامة الكهان الكاذبين والشعراء الغاوين ونزهه عن ~~هذين الصنفين كما في سورة الحاقة وقال تعالى ( انه لقول رسول كريم ذى قوة ~~عند ذى العرش مكين ) إلى آخر السورة فالرسول هنا جبريل وفى الآية الأولى ~~محمد ولهذا نزه محمدا هناك عن ان يكون شاعرا أو كاهنا ونزه هنا الرسول إليه ~~أن يكون من الشياطين PageV02P137 ### ||| فصل # إعلم هداك الله وأرشدك ان تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده لا يحتاج مع ~~حسن التصور إلى دليل آخر وانما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة ~~قولهم وقصدهم لما فيه من الالفاظ المجملة والمشتركة بل وهم أيضا لا يفهمون ~~حقيقة ما يقصدونه ويقولونه ولهذا يتناقضون كثيرا في قولهم وانما ينتحلون ms0343 ~~شيئا ويقولونه أو يتبعونه # ولهذا قد افترقوا بينهم على فرق ولا يهتدون إلى التمييز بين فرقهم مع ~~استشعارهم انهم مفترقون # ولهذا لما بينت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم وسر مذهبهم صاروا ~~يعظمون ذلك ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلونى من أئمتهم وبذلوا لى ~~من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف كما تبذله النصارى لرؤسائهم ~~والاسماعيلية لكبرائهم وكما بذل آل فرعون لفرعون # وكل من يقبل قول هؤلاء فهو أحد رجلين اما جاهل بحقيقة أمرهم واما ظالم ~~يريد علوا في الأرض وفسادا أو جامع بين الوصفين وهذه حال PageV02P138 اتباع ~~فرعون الذين قال الله فيهم ( فاستخف قومه فأطاعوه ) # وحال القرامطة مع رؤسائهم # وحال الكفار والمنافقين في أئمتهم الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون ( ان الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا ) إلى قوله ( والعنهم لعنا ~~كبيرا ) وقال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ) إلى قوله ( ~~وما هم بخارجين من النار PageV02P139 ### ||| فصل # حقيقة قول هؤلاء أن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس وجودها ~~غيره ولا شيء سواه ألبتة ولهذا من سماهم حلولية أو قال هم قائلون بالحلول ~~رأوه محجوبا عن معرفة قولهم خارجا عن الدخول إلى باطن أمرهم لان من قال إن ~~الله يحل في المخلوقات فقد قال بأن المحل غير الحال وهذا تثنية عندهم ~~وإثبات لوجودين # أحدهما وجود الحق الحال # والثانى وجود المخلوق المحل وهم لا يقرون بإثبات وجودين البتة ولا ريب أن ~~هذا القول أقل كفرا من قولهم وهو قول كثير من الجهمية الذين كان السلف ~~يردون قولهم وهم الذين يزعمون أن الله بذاته في كل مكان وقد ذكره جماعات من ~~الأئمة والسلف عن الجهمية وكفروهم به بل جعلهم خلق من الائمة كابن المبارك ~~ويوسف بن اسباط وطائفة من أهل العلم والحديث من أصحاب أحمد وغيره خارجين ~~بذلك عن الثنتين والسبعين فرقة وهو قول بعض متكلمة الجهمية وكثير من ~~متعبديهم ولا ريب ان إلحاد هؤلاء المتأخرين وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل ~~لإلحاد هذه ms0344 الجهمية الأولى وتجهمها وزندقتها PageV02P140 # وأما وجه تسميتهم اتحادية ففيه طريقان ( احدهما ) لا يرضونه لأن الاتحاد ~~على وزن الاقتران والاقتران يقتضى شيئين اتحد أحدهما بالآخر وهم لا يقرون ~~بوجودين أبدا ( والطريق الثانى ) صحة ذلك بناء على أن الكثرة صارت وحدة كما ~~سأبينه من اضطرابهم # وهذه الطريقة اما على مذهب بن عربى فانه يجعل الوجود غير الثبوت ويقول ان ~~وجود الحق قاض على ثبوت الممكنات فيصح الاتحاد بين الوجود والثبوت وأما على ~~قول من لا يفرق فيقول ان الكثرة الخيالية صارت وحدة بعد الكشف أو الكثرة ~~العينية صارت وحدة اطلاقية PageV02P141 ### ||| فصل # ولما كان أصلهم الذى بنوا عليه أن وجود المخلوقات والمصنوعات حتى وجود ~~الجن والشياطين والكافرين والفاسقين والكلاب والخنازير والنجاسات والكفر ~~والفسوق والعصيان عين وجود الرب لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته وان كان ~~مخلوقا له مربوبا مصنوعا له قائما به وهم يشهدون أن في الكائنات تفرقا ~~وكثرة ظاهرة بالحس والعقل فاحتاجوا إلى جمع يزيل الكثرة ووحدة ترفع التفرق ~~مع ثبوتها فاضطربوا على ثلاث مقالات # أنا أبينها لك وان كانوا هم لا يبين بعضهم مقالة نفسه ومقالة غيره لعدم ~~كمال شهود الحق وتصوره PageV02P142 ### || ( المقالة الاولى مقالة بن عربى صاحب فصوص الحكم ) # وهى مع كونها كفرا فهو أقربهم إلى الاسلام لما يوجد في كلامه من الكلام ~~الجيد كثيرا ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره بل هو كثير الاضطراب فيه ~~وانما هو قائم مع خياله الواسع الذى يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى ~~والله أعلم بما مات عليه فان مقالته مبنية على أصلين # أحدهما أن المعدوم شيء ثابت في العدم موافقة لمن قال ذلك من المعتزلة ~~والرافضة وأول من ابتدع هذه المقالة في الاسلام أبو عثمان الشحام شيخ أبى ~~على الجبائى وتبعه عليها طوائف من القدرية المبتدعة من المعتزلة والرافضة ~~وهؤلاء يقولون ان كل معدوم يمكن وجوده فان حقيقته وماهيته وعينه ثابتة في ~~العدم لانه لولا ثبوتها لما تميز عن المعلوم المخبر عنه من غير المعلوم ~~المخبر عنه ولما صح قصد ما ms0345 يراد ايجاده لان القصد يستدعى التمييز والتمييز ~~لا يكون إلا في شيء ثابت # لكن هؤلاء وان ابتدعوا هذه المقالة التى هي باطلة في نفسها وقد كفرهم ~~PageV02P143 بها طوائف من متكلمة السنة فهم يعترفون بأن الله خلق وجودها ~~ولا يقولون ان عين وجودها عين وجود الحق # وأما صاحب الفصوص واتباعه فيقولون عين وجودها عين وجود الحق فهي متميزة ~~بذواتها الثابتة في العدم متحدة بوجود الحق القائم بها وعامة كلامه ينبنى ~~على هذا لمن تدبره وفهمه # وبن عربى اذا جعل الاعيان ثابتة لزمه وجود كل ممكن وليس هذا قول المعتزلة ~~فهذا فرق ثالث # وهؤلاء القائلون بأن المعدوم شيء ثابت في العدم سواء قالوا بأن وجودها ~~خلق لله أو هو الله يقولون ان الماهيات والاعيان غير مجعولة ولا مخلوقة وإن ~~وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته وقد يقولون الوجود صفة للموجود # وهذا القول وان كان فيه شبه بقول القائلين بقدم العالم أو القائلين بقدم ~~مادة العالم وهيولاه المتميزة عن صورته فليس هو اياه وان كان بينهما قدر ~~مشترك فإن هذه الصورة المحدثة من الحيوانات والنبات والمعادن ليست قديمة ~~باتفاق جميع العقلاء بل هي كائنة بعد ان لم تكن وكذلك الصفات والأعراض ~~القائمة بأجسام السماوات والإستحالات القائمة بالعناصر من حركات الكواكب ~~والشمس والقمر والسحاب PageV02P144 والمطر والرعد والبرق وغير ذلك كل هذا ~~حادث غير قديم عند كل ذى حس سليم فإنه يرى ذلك بعينه # والذين يقولون بأن عين المعدوم ثابتة في القدم أو بأن مادته قديمة يقولون ~~بأن أعيان جميع هذه الأشياء ثابتة في القدم ويقولون ان مواد جميع العالم ~~قديمة دون صوره # واعلم أن المذهب إذا كان باطلا في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على ~~وجه يتصور تصورا حقيقيا فإن هذا لا يكون الا للحق فأما القول الباطل فإذا ~~بين فبيانه يظهر فساده حتى يقال كيف اشتبه هذا على أحد ويتعجب من اعتقادهم ~~اياه ولا ينبغى للإنسان أن يعجب فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل الا وقد ~~ذهب إليه فريق ms0346 من الناس ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات وأنهم ( صم ~~بكم عمى ( وأنهم ( لا يفقهون ( وأنهم ( لا يعقلون ( وأنهم ( في قول مختلف ~~يؤفك عنه من أفك ( وأنهم ( في ريبهم يترددون ( وأنهم ( يعمهون ( # وإنما نشأ والله أعلم الاشتباه على هؤلاء من حيث رأوا أن الله سبحانه ~~يعلم ما لم يكن قبل كونه أو ( انما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~( فرأوا أن المعدوم الذى يخلقه يتميز في علمه وارادته وقدرته فظنوا ذلك ~~لتميز ذات له ثابتة وليس الامر كذلك # وانما هو متميز في علم الله وكتابه والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم ~~PageV02P145 الممكن والمعدوم المستحيل ويعلم ما كان كآدم والأنبياء ويعلم ~~ما يكون كالقيامة والحساب ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون كما يعلم ما ~~أخبر الله به عن أهل النار ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ( وأنهم ( لو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ( وأنه ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( ~~وأنه ( لو كان فيهما آلهة كما يقولون إذا لا ابتغوا إلى ذى العرش سبيلا ( ~~وأنهم لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ( وأنه ( لولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ( ونحو ذلك من الجمل الشرطية التى يعلم ~~فيها انتفاء الشرط أو ثبوته # فهذه الأمور التى نعلمها نحن ونتصورها إما نافين لها أو مثبتين لها في ~~الخارج أو مترددين ليس بمجرد تصورنا لها يكون لأعيانها ثبوت في الخارج عن ~~علمنا وأذهاننا كما نتصور جبل ياقوت وبحر زئبق وإنسانا من ذهب وفرسا من حجر ~~فثبوت الشئ في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج بل العالم يعلم ~~الشيء ويتكلم به ويكتبه وليس لذاته في الخارج ثبوت ولا وجود أصلا # وهذا هو تقدير الله السابق لخلقه كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ~~عن النبى قال ( ان الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بخمسين ألف سنة ( # وفى سنن أبى داود عن عبادة بن الصامت عن النبى صلى ms0347 الله عليه وسلم قال ( ~~أول ما خلق الله القلم فقال اكتب قال رب وما أكتب قال اكتب PageV02P146 ما ~~هو كائن إلى يوم القيامة ( وقال بن عباس ( ان الله خلق الخلق وعلم ما هم ~~عاملون ثم قال لعلمه ( كن كتابا ( فكان كتابا ثم أنزل تصديق ذلك في كتابه ~~فقال ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض ان ذلك في كتاب ( # وهذا هو معنى الحديث الذى رواه أحمد في مسنده عن ميسرة الفجر قال قلت يا ~~رسول الله متى كنت نبيا وفى رواية متى كتبت نبيا قال ( وآدم بين الروح ~~والجسد ( هكذا لفظ الحديث الصحيح # وأما ما يرويه هؤلاء الجهال كابن عربى في الفصوص وغيره من جهال العامة ( ~~كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ( كنت نبيا وآدم لا ماء ولا طين ( فهذا لا ~~أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم الصادقين ولا هو في شيء من كتب العلم ~~المعتمدة بهذا اللفظ بل هو باطل فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط فإن ~~الله خلقه من تراب وخلط التراب بالماء حتى صار طينا وأيبس الطين حتى صار ~~صلصالا كالفخار فلم يكن له حال بين الماء والطين مركب من الماء والطين ولو ~~قيل بين الماء والتراب لكان أبعد عن المحال مع أن هذه الحال لا اختصاص لها ~~وانما قال ( بين الروح والجسد ( وقال ( وإن آدم لمنجدل في طينته ( لأن جسد ~~آدم بقى أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه كما قال تعالى ( هل أتى على الإنسان ~~حين من الدهر ( الآية وقال تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من ~~صلصال ( الآيتين وقال تعالى الذى أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ~~( الآيتين وقال تعالى ( إذ قال ربك PageV02P147 للملائكة انى خالق بشرا من ~~طين ( الآية والاحاديث في خلق آدم ونفخ الروح فيه مشهورة في كتب الحديث ~~والتفسير وغيرهما ( فأخبر أنه كان نبيا أى كتب نبيا وآدم بين الروح والجسد ~~وهذا والله أعلم لأن هذه الحالة فيها يقدر التقدير الذى ms0348 يكون بأيدى ملائكة ~~الخلق فيقدر لهم ويظهر لهم ويكتب ما يكون من المخلوق قبل نفخ الروح فيه كما ~~أخرج الشيخان في الصحيحين وفى سائر الكتب الأمهات حديث الصادق المصدوق وهو ~~من الأحاديث المستفيضة التى تلقاها أهل العلم بالقبول وأجمعوا على تصديقها ~~وهو حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله ~~وهو الصادق المصدوق ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم ~~يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله الملك فيؤمر بأربع ~~كلمات فيقال اكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح وقال ~~فوالذى نفسى بيده ان أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ~~الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وان أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة ( # فلما أخبر الصادق المصدوق أن الملك يكتب رزقه وعمله وأجله وشقى أو سعيد ~~بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح وآدم هو أبو البشر كان أيضا من المناسب لهذا ~~أن يكتب بعد خلق جسده وقبل نفخ الروح فيه ما يكون PageV02P148 منه ومحمد ~~سيد ولد آدم فهو أعظم الذرية قدرا وأرفعهم ذكرا # فأخبر أنه كتب نبيا حينئذ وكتابة نبوته هو معنى كون نبوته فإنه كون في ~~التقدير الكتابى ليس كونا في الوجود العينى إذ نبوته لم يكن وجودها حتى ~~نبأه الله تعالى على رأس أربعين سنة من عمره كما قال تعالى له ( وكذلك ~~أوحينا اليك روحا من أمرنا ( الآية وقال ( ألم يجدك يتيما فآوى ( الآية ~~وقال ( نحن نقص عليك أحسن القصص ( الآية # ولذلك جاء هذا المعنى مفسرا في حديث العرباض بن سارية عن رسول الله أنه ~~قال ( انى عبد الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم ~~بأول أمرى دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمى التى رأت حين وضعتنى وقد خرج ~~لها نور ms0349 أضاءت لها منه قصور الشام ( هذا لفظ الحديث من رواية بن وهب # حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمى عن ~~العرباض رواه البغوى في شرح السنة هكذا ورواه الليث بن سعد عنه نحوه ورواه ~~الإمام أحمد في المسند عن بن مهدى حدثنا معاوية بن صالح بالإسناد عن ~~العرباض قال قال رسول الله ( انى عبد الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في ~~طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبى إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمى التى رأت ~~وكذلك أمهات النبيين يرين ( وقوله PageV02P149 ( لمنجدل في طينته ( أى ملتف ~~ومطروح على وجه الأرض صورة من طين لم تجر فيه الروح بعد # وقد روى أن الله كتب اسمه على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب ~~والأوراق وروى في ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث الثابتة التى تبين ~~التنويه باسمه وإعلاء ذكره حينئذ # وقد تقدم لفظ الحديث الذى في المسند عن ميسرة الفجر لما قيل له متى كنت ~~نبيا قال ( وآدم بين الروح والجسد ( وقد رواه أبو الحسين بن بشران من طريق ~~الشيخ أبى الفرج بن الجوزى في ( الوفا بفضائل المصطفى ( حدثنا أبو جعفر ~~محمد بن عمرو حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح ثنا محمد بن صالح ثنا محمد بن ~~سنان العوفى ثنا إبراهيم بن طهمان عن يزيد بن ميسرة عن عبد الله بن سفيان ~~عن ميسرة قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا قال ( لما خلق الله الأرض ~~واستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد ~~رسول الله خاتم الأنبياء وخلق الله الجنة التى أسكنها آدم وحواء فكتب اسمى ~~على الأبواب والأوراق والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد فلما أحياه ~~الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمى فأخبره الله انه سيد ولدك فلما غرهما ~~الشيطان تابا واستشفعا باسمى إليه ( # وروى أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة ومن طريق الشيخ أبى الفرج ~~حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن رشدين ثنا ms0350 أحمد بن سعيد الفهرى ~~PageV02P150 ثنا عبد الله بن إسماعيل المدنى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ~~عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ( لما أصاب آدم الخطيئة رفع ~~رأسه فقال يا رب بحق محمد إلا غفرت لى فأوحى إليه وما محمد ومن محمد فقال ~~يا رب إنك لما أتممت خلقى رفعت رأسى إلى عرشك فإذا عليه مكتوب لا إله الا ~~الله محمد رسول الله فعلمت أنه أكرم خلقك عليك إذ قرنت اسمه مع اسمك فقال ~~نعم قد غفرت لك وهو آخر الأنبياء من ذريتك ولولاه ما خلقتك ( فهذا الحديث ~~يؤيد الذى قبله وهما كالتفسير للأحاديث الصحيحة # وفى الصحيحين عن عائشة قالت ( أول ما بدئ به رسول الله من الوحى الرؤيا ~~الصادقة وكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان ~~يأتى غار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى ~~أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق وهو بحراء ~~فأتاه الملك فقال له اقرأ قال لست بقارئ قال فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى ~~الجهد ثم أرسلنى فقال اقرأ فقلت لست بقارئ قال فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى ~~الجهد ثم أرسلنى فقال اقرأ فقلت لست بقارئ ثم أخذنى فغطنى حتى بلغ منى ~~الجهد ثم أرسلنى فقال ( اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق ( فرجع ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره الحديث بطوله # فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح أنه لم يكن قارئا وهذه السورة أول ما أنزل ~~الله عليه وبها صار نبيا ثم أنزل عليه سورة المدثر وبها صار PageV02P151 ~~رسولا لقوله ( قم فأنذر ( ولهذا ذكر سبحانه في هذه السورة الوجود العينى ~~والوجود العلمى وهذا أمر بين يعقله الإنسان بقلبه لا يحتاج فيه إلى سمع فإن ~~الشئ لا يكون قبل كونه # وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها فهذا حق لا ريب فيه وكذلك كونها ~~مكتوبة عنده أو عند ms0351 ملائكته كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار # وهذا العلم والكتاب هو القدر الذى ينكره غالية القدرية ويزعمون أن الله ~~لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار كفرهم الأئمة كالشافعى وأحمد ~~وغيرهما # وقد بين الكتاب والسنة هذا القدر وأجاب النبى عن السؤال الوارد عليه وهو ~~ترك العمل لأجله فأجاب عن ذلك ففى الصحيحين عن على بن أبى طالب قال كنا في ~~جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس ~~فجعل ينكت بمخصرته ثم قال ( ما منكم من أحد أو قال ما من نفس منفوسة الا قد ~~كتب الله مكانها من الجنة والنار والا قد كتبت شقية أو سعيدة ( قال فقال ~~رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ~~فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل ~~الشقاوة فقال ( اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة PageV02P152 فييسرون لعمل ~~أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ ( فأما من ~~أعطى واتقى ( إلى آخر الآيات ( وفى رواية كان رسول الله ذات يوم جالسا وفى ~~يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال ( ما منكم من نفس الا وقد علم منزلها ~~من الجنة والنار ( قالوا يا رسول الله ففيم العمل أفلا نتكل قال لا اعملوا ~~فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ ( فأما من أعطى ( الآية # وفى الصحيحين أيضا عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة ~~من أهل النار قال ( نعم ( قال فقيل ففيم يعمل العاملون فقال ( كل ميسر لما ~~خلق له ( وفى رواية أن رجلين من مزينة أتيا رسول الله فقالا يا رسول الله ~~أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشئ قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد ~~سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبت الحجة عليهم فقال لا بل ~~شئ قضى عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله ms0352 ( ونفس وما سواها فألهمها ~~فجورها وتقواها ( # وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال يا ~~رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم أفيما جفت به ~~الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل قال لا بل فيما جفت به الأقلام ~~وجرت به المقادير قال ففيم العمل قال اعملوا فكل ميسر PageV02P153 # وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله يقول ( كتب الله ~~مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال وعرشه على ~~الماء ( # وفى سنن أبى داود عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه يا بنى انك لن تجد ~~طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ~~ليصيبك سمعت رسول الله يقول ان أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال رب ~~ما اكتب قال اكتب مقادير كل شئ حتى تقوم الساعة يا بنى سمعت رسول الله يقول ~~من مات على غير هذا فليس منى ورواه الترمذى من وجه آخر عن الوليد بن عبادة ~~أنه قال دعانى يعنى أباه عند الموت فقال يا بنى اتق الله واعلم أنك إن تتق ~~الله تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره وإن مت على غير هذا دخلت النار ~~انى سمعت رسول الله يقول ( ان أول ما خلق الله القلم فقال اكتب قال ما أكتب ~~قال اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد # وفي الترمذى أيضا عن أبى حراثة عن أبيه أن رجلا أتى النبى فقال أرأيت رقى ~~نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله تعالى شيئا قال ~~هي من قدر الله # لكن إنما ثبتت في التقدير المعدوم الممكن الذى سيكون فأما المعدوم ~~PageV02P154 الممكن الذى لايكون فمثل إدخال المؤمنين النار وإقامة القيامة ~~قبل وقتها وقلب الجبال يواقيت ونحو ذلك فهذا المعدوم ممكن وهو شيء ثابت في ~~العدم عند من يقول المعدوم شئ ومع ms0353 هذا فليس بمقدر كونه والله يعلمه على ما ~~هو عليه يعلم أنه ممكن وأنه لا يكون # وكذلك الممتنعات مثل شريك البارى وولده فإن الله يعلم أنه لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد ويعلم أنه ليس له شريك في الملك ولا ولى من الذل ~~ويعلم أنه حى قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ويعلم أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض # وهذه المعدومات الممتنعة ليست شيئا باتفاق العقلاء مع ثبوتها في العلم ~~فظهر أنه قد ثبت في العلم ما لا يوجد وما يمتنع أن يوجد إذ العلم واسع فإذا ~~توسع المتوسع وقال المعدوم شئ في العلم أو موجود في العلم أو ثابت في العلم ~~فهذا صحيح أما أنه في نفسه شئ فهذا باطل وبهذا تزول الشبهة الحاصلة في هذه ~~المسألة # والذى عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بنى آدم من جميع الاصناف أن ~~المعدوم ليس في نفسه شيئا وأن ثبوته ووجوده وحصوله شئ واحد وقد دل على ذلك ~~الكتاب والسنة والإجماع القديم قال الله تعالى لزكريا ( وقد خلقتك من قبل ~~ولم تك شيئا ( فأخبر أنه لم يك شيئا وقال تعالى ( أو لا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا ( وقال تعالى ( أم خلقوا من غير شئ أم هم ~~الخالقون PageV02P155 # فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شئ خلقهم أم خلقوا هم أنفسهم ~~ولهذا قال جبير بن مطعم لما سمعت رسول الله قرأ هذه السورة أحسست بفؤادى قد ~~انصدع ولو كان المعدوم شيئا لم يتم الإنكار إذا جاز أن يقال ما خلقوا إلا ~~من شيء لكن هو معدوم فيكون الخالق لهم شيئا معدوما وقال تعالى ( فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ( ولو كان المعدوم شيئا لكان التقدير لا ~~يظلمون موجودا ولا معدوما والمعدوم لا يتصور أن يظلموه فإنه ليس لهم # وأما قوله ( إن زلزلة الساعة شئ عظيم ( فهو إخبار عن الزلزلة الواقعة ~~أنها شئ عظيم ليس إخبارا عن الزلزلة في هذه الحال ms0354 ولهذا قال ( يوم ترونها ~~تذهل كل مرضعة عما أرضعت ( ولو أريد به الساعة لكان المراد به أنها شئ عظيم ~~في العلم والتقدير # وقوله تعالى ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ( قد ~~استدل به من قال المعدوم شئ وهو حجة عليه لانه أخبر أنه يريد الشيء وأنه ~~يكونه وعندهم أنه ثابت في العدم وإنما يراد وجوده لا عينه ونفسه والقرآن قد ~~أخبر أن نفسه تراد وتكون وهذا من فروع هذه المسألة # فإن الذى عليه أهل السنة والجماعة وعامة العقلاء ان الماهيات مجعولة وأن ~~ماهية كل شيء عين وجوده وأنه ليس وجود الشيء قدرا زائدا على ماهيته بل ليس ~~في الخارج الا الشيء الذى هو الشيء وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته وليس ~~وجوده وثبوته في الخارج زائدا على ذلك PageV02P156 # وأولئك يقولون الوجود قدر زائد على الماهية ويقولون الماهيات غير مجعولة ~~ويقولون وجود كل شيء زائد على ماهيته ومن المتفلسفة من يفرق بين الوجود ~~والواجب والممكن فيقول الوجود الواجب عين الماهية وأما الوجود الممكن فهو ~~زائد على الماهية وشبهة هؤلاء ما تقدم من أن الإنسان قد يعلم ماهية الشئ ~~ولا يعلم وجوده وأن الوجود مشترك بين الموجودات وماهية كل شيء مختصة به # ومن تدبر تبين له حقيقة الامر فانا قد بينا الفرق بين الوجود العلمى ~~والعينى وهذا الفرق ثابت في الوجود والعين والثبوت والماهية وغير ذلك فثبوت ~~هذه الأمور في العلم والكتاب والكلام ليس هو ثبوتها في الخارج عن ذلك وهو ~~ثبوت حقيقتها وماهيتها التى هي هى فالإنسان إذا تصور ماهية فقد علم وجودها ~~الذهنى ولا يلزم من ذلك الوجود الحقيقى الخارجى فقول القائل قد تصورت حقيقة ~~الشيء وعينه ونفسه وماهيته وما علمت وجوده أو حصل وجوده العلمى وما حصل ~~وجوده العينى الحقيقى ولم يعلم ماهيته الحقيقية ولا عينه الحقيقية ولا نفسه ~~الحقيقية الخارجية فلا فرق بين لفظ وجوده ولفظ ماهيته الا أن أحد اللفظين ~~قد يعبر به عن الذهنى والآخر عن الخارجى فجاء الفرق من جهة المحل لا ms0355 من جهة ~~الماهية والوجود # وأما قولهم إن الوجود مشترك والحقيقة لا اشتراك فيها فالقول فيه كذلك فان ~~الوجود المعين الموجود في الخارج لا اشتراك فيه كما أن الحقيقة المعينة ~~الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها وإنما العلم يدرك الموجود المشترك ~~PageV02P157 كما يدرك الماهية المشتركة فالمشترك ثبوته في الذهن لا في ~~الخارج وما في الخارج ليس فيه اشتراك ألبته والذهن إن أدرك الماهية المعينة ~~الموجودة في الخارج لم يكن فيها اشتراك وإنما الاشتراك فيما يدركه من ~~الامور المطلقة العامة وليس في الخارج شيء مطلق عام بوصف الإطلاق والعموم ~~وإنما فيه المطلق لا بشرط الإطلاق وذلك لا يوجد في الخارج إلا معينا # فينبغى للعاقل أن يفرق بين ثبوت الشئ ووجوده في نفسه وبين ثبوته ووجوده ~~في العلم فإن ذاك هو الوجود العينى الخارجى الحقيقى وأما هذا فيقال له ~~الوجود الذهنى والعلمى وما من شيء إلا له هذان الثبوتان فالعلم يعبر عنه ~~باللفظ ويكتب اللفظ بالخط فيصير لكل شئ أربع مراتب وجود في الأعيان ووجود ~~في الاذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عينى وعلمى ولفظى ورسمى # ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه سورة ( اقرأ باسم ربك الذى خلق ( ~~ذكر فيها النوعين فقال ( اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق ( فذكر ~~جميع المخلوقات بوجودها العينى عموما ثم خصوصا فخص الإنسان بالخلق بعد ما ~~عم غيره ثم قال ( اقرأ وربك الأكرم # الذى علم بالقلم # علم الإنسان ما لم يعلم ( فخص التعليم للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم ~~وذكر القلم لأن التعليم بالقلم هو الخط وهو مستلزم لتعليم اللفظ فإن الخط ~~يطابقه وتعليم اللفظ هو البيان وهو مستلزم لتعليم العلم لأن العبارة تطابق ~~المعنى PageV02P158 فصار تعليمه بالقلم مستلزما للمراتب الثلاث اللفظى ~~والعلمى والرسمى بخلاف ما لو اطلق التعليم أو ذكر تعليم العلم فقط لم يكن ~~ذلك مستوعبا للمراتب # فذكر في هذه السورة الوجود العينى والعلمى وأن الله سبحانه هو معطيهما ~~فهو خالق الخلق وخالق الإنسان وهو المعلم بالقلم ومعلم الإنسان # فأما ms0356 اثبات وجود الشيء في الخارج قبل وجوده فهذا أمر معلوم الفساد بالعقل ~~والسمع وهو مخالف للكتاب والسنة والاجماع PageV02P159 ### ||| فصل # فهذا أحد أصلى بن عربى وأما الأصل الآخر فقولهم ان وجود الاعيان نفس وجود ~~الحق وعينه وهذا انفردوا به عن جميع مثبتة الصانع من المسلمين واليهود ~~والنصارى والمجوس والمشركين وانما هو حقيقة قول فرعون والقرامطة المنكرين ~~لوجود الصانع كما سنبينه ان شاء الله # فمن فهم هذا فهم جميع كلام بن عربى نظمه ونثره وما يدعيه من أن الحق ~~يغتذى بالخلق لأن وجود الأعيان مغتذ بالأعيان الثابتة في العدم ولهذا يقول ~~بالجمع من حيث الوجود وبالفرق من حيث الماهية والاعيان ويزعم أن هذا هو سر ~~القدر لان الماهيات لا تقبل الا ما هو ثابت لها في العدم في انفسها فهي ~~التى احسنت واساءت وحمدت وذمت والحق لم يعطها شيئا الا ما كانت عليه في حال ~~العدم # فتدبر كلامه كيف انتظم شيئين انكار وجود الحق وانكار خلقه لمخلوقاته فهو ~~منكر للرب الذى خلق فلا يقر برب ولا بخلق ومنكر لرب العالمين فلا رب ولا ~~عالمون مربوبون إذ ليس الا اعيان ثابتة ووجود قائم بها فلا الاعيان مربوبة ~~ولا الوجود مربوب ولا الأعيان مخلوقة ولا الوجود مخلوق # وهذا يفرق بين المظاهر والظاهر والمجلى والمتجلى لأن المظاهر عنده هي ~~الاعيان الثابتة في العدم وأما الظاهر فهو وجود الخلق PageV02P160 ### ||| فصل # وأما صاحبه الصدر الفخر الرومى فإنه لا يقول إن الوجود زائد على الماهية ~~فإنه كان أدخل في النظر والكلام من شيخه لكنه أكفر وأقل علما وإيمانا وأقل ~~معرفة بالإسلام وكلام المشايخ ولما كان مذهبهم كفرا كان كل من حذق فيه كان ~~اكفر فلما رأى أن التفريق بين وجود الأشياء وأعيانها لا يستقيم وعنده أن ~~الله هو الوجود ولا بد من فرق بين هذا وهذا فرق بين المطلق والمعين فعنده ~~أن الله هو الوجود المطلق الذى لا يتعين ولا يتميز وأنه إذا تعين وتميز فهو ~~الخلق سواء تعين في مرتبة الإلهية أو غيرها # وهذا القول قد صرح ms0357 فيه بالكفر أكثر من الأول وهو حقيقة مذهب فرعون ~~والقرامطة وإن كان الأول أفسد من جهة تفرقته بين وجود الأشياء وثبوتها وذلك ~~أنه على القول الأول يمكن ان يجعل للحق وجودا خارجا عن أعيان الممكنات وأنه ~~فاض عليها فيكون فيه اعتراف بوجود الرب القائم بنفسه الغنى عن خلقه وإن كان ~~فيه كفر من جهة انه جعل المخلوق هو الخالق والمربوب هو الرب بل لم يثبت ~~خلقا أصلا ومع هذا فما رأيته صرح بوجود الرب متميزا عن الوجود القائم ~~بأعيان الممكنات PageV02P161 # وأما هذا فقد صرح بأنه مأثم سوى الوجود المطلق السارى في الموجودات ~~المعينة والمطلق ليس له وجود مطلق فما في الخارج جسم مطلق بشرط الإطلاق ولا ~~إنسان مطلق ولا حيوان مطلق بشرط الإطلاق بل لا يوجد الا في شئ معين # والحقائق لها ثلاث اعتبارات اعتبار العموم والخصوص والإطلاق فإذا قلنا ~~حيوان عام أو إنسان عام أو جسم عام أو وجود عام فهذا لا يكون إلا في العلم ~~واللسان وأما الخارج عن ذلك فما ثم شئ موجود في الخارج يعم شيئين ولهذا كان ~~العموم من عوارض صفات الحى فيقال علم عام وإ رادة عامة وغضب عام وخبر عام ~~وأمر عام # ويوصف صاحب الصفة بالعموم أيضا كما في الحديث الذى في سنن أبى داود أن ~~النبى مر بعلى وهو يدعو فقال ( يا على عم فإن فضل العموم على الخصوص كفضل ~~السماء على الأرض ( وفى الحديث أنه لما نزل قوله ( وأنذر عشيرتك الأقربين ( ~~عم وخص رواه مسلم من حديث موسى بن طلحة عن أبى هريرة # وتوصف الصفة بالعموم كما في حديث التشهد ( السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين فإذا قلتم ذلك فقد أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض ( # وأما إطلاق من أطلق ان العموم من عوارض الألفاظ فقط فليس كذلك إذ معانى ~~الألفاظ القائمة بالقلب أحق بالعموم من الألفاظ وسائر الصفات PageV02P162 ~~كالإرادة والحب والبغض والغضب والرضا يعرض لها من العموم والخصوص ما يعرض ~~للقول وانما المعانى الخارجة عن الذهن هي الموجودة ms0358 في الخارج كقولهم مطر ~~عام وخصب عام هذه التى تنازع الناس هل وصفها بالعموم حقيقة أو مجازا على ~~قولين # ( أحدهما ) مجاز لأن كل جزء من أجزاء المطر والخصب لا يقع إلا حيث يقع ~~الآخر فليس هناك عموم وقيل بل حقيقة لأن المطر المطلق قد عم # وأما الخصوص فيعرض لها اذا كانت موجودة في الخارج فإن كل شئ له ذات وعين ~~تختص به ويمتاز بها عن غيره أعنى الحقيقة العينية الشخصية التى لا اشتراك ~~فيها مثل هذا الرجل وهذه الحبة وهذا الدرهم وما عرض لها في الخارج فإنه ~~يعرض لها في الذهن فإن تصور الذهنية أوسع من الحقائق الخارجية فإنها تشمل ~~الموجود والمعدوم والممتنع والمقدرات # وأما الإطلاق فيعرض لها اذا كانت في الذهن بلا ريب فإن العقل يتصور ~~إنسانا مطلقا ووجودا مطلقا # وأما في الخارج فهل يتصور شئ مطلق هذا فيه قولان قيل المطلق له وجود في ~~الخارج فانه جزء من المعين وقيل لا وجود له في الخارج اذ ليس في الخارج الا ~~معين مقيد والمطلق الذى يشترك فيه العدد لا يكون جزءا من المعين الذى لا ~~يشركه فيه # والتحقيق أن المطلق بلا شرط أصلا يدخل فيه المقيد المعين واما المطلق ~~PageV02P163 بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المعين المقيد وهذا كما يقول ~~الفقهاء الماء المطلق فإنه بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المضاف وأما المطلق ~~لا بشرط فيدخل فيه المضاف # فإذا قلنا الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام طهور وطاهر ونجس فالثلاثة أقسام ~~الماء الطهور هو الماء المطلق الذى لا يدخل فيه ما ليس بطهور كالعصارات ~~والمياه النجسة فالماء المقسوم هو المطلق لا بشرط والماء الذى هو قسيم ~~للمائين هو المطلق بشرط الإطلاق # لكن هذا الإطلاق والتقييد الذى قاله الفقهاء في اسم الماء انما هو في ~~الإطلاق والتقييد اللفظى وهو ما دخل في اللفظ المطلق كلفظ ماء أو في اللفظ ~~المقيد كلفظ ماء نجس أو ماء ورد وأما ما كان كلامنا فيه أولا فإنه الإطلاق ~~والتقييد في معانى اللفظ ففرق بين النوعين فإن الناس ms0359 يغلطون لعدم التفريق ~~بين هذين غلطا كثيرا جدا وذلك ان كل اسم فإما أن يكون مسماه معينا لا يقبل ~~الشركة كأنا وهذا وزيد ويقال له المعين والجزء واما أن يقبل الشركة فهذا ~~الذى يقبل الشركة هو المعنى الكلى المطلق وله ثلاث اعتبارات كما تقدم وأما ~~اللفظ المطلق والمقيد فمثال تحرير رقبة ولم تجدوا ماء وذلك أن المعنى قد ~~يدخل في مطلق اللفظ ولا يدخل في اللفظ المطلق أى يدخل في اللفظ لا بشرط ~~الإطلاق ولا يدخل في اللفظ بشرط الإطلاق كما قلنا PageV02P164 في لفظ الماء ~~فإن الماء يطلق على المنى وغيره كما قال ( من ماء دافق ( ويقال ماء الورد ~~لكن هذا لا يدخل في الماء عند الاطلاق لكن عند التقييد فاذا أخذ القدر ~~المشترك بين لفظ الماء المطلق ولفظ الماء المقيد فهو المطلق بلا شرط ~~الإطلاق فيقال الماء ينقسم إلى مطلق ومضاف ومورد التقسيم ليس له اسم مطلق ~~لكن بالقرينة يقتضى الشمول والعموم وهو قولنا الماء ثلاثة أقسام فهنا أيضا ~~ثلاثة أشياء مورد التقسيم وهو الماء العام وهو المطلق بلا شرط لكن ليس له ~~لفظ مفرد الا لفظ مؤلف والقسم المطلق وهو اللفظ بشرط اطلاقه والثانى اللفظ ~~المقيد وهو اللفظ بشرط تقييده # وانما كان كذلك لان المتكلم باللفظ إما أن يطلقه أو يقيده ليس له حال ~~ثالثة فاذا أطلقه كان له مفهوم واذا قيده كان له مفهوم ثم اذا قيده إما أن ~~يقيده بقيد العموم أو بقيد الخصوص فقيد العموم كقوله الماء ثلاثة أقسام ~~وقيد الخصوص كقوله ماء الورد # واذا عرف الفرق بين تقييد اللفظ واطلاقه وبين تقييد المعنى واطلاقه عرف ~~ان المعنى له ثلاثة أحوال إما أن يكون أيضا مطلقا أو مقيدا بقيد العموم أو ~~مقيدا بقيد الخصوص والمطلق من المعانى نوعان # مطلق بشرط الاطلاق ومطلق لا بشرط # وكذلك الالفاظ المطلق منها قد يكون مطلقا بشرط الإطلاق كقولنا الماء ~~المطلق PageV02P165 والرقبة المطلقة وقد يكون مطلقا لا بشرط الاطلاق كقولنا ~~انسان # فالمطلق المقيد بالاطلاق لا يدخل فيه المقيد بما ينافى ms0360 الاطلاق فلا يدخل ~~ماء الورد في الماء المطلق وأما المطلق لا بقيد فيدخل فيه المقيد كما يدخل ~~الانسان الناقص في اسم الانسان # فقد تبين أن المطلق بشرط الإطلاق من المعانى ليس له وجود في الخارج فليس ~~في الخارج انسان مطلق بل لابد أن يتعين بهذا أو ذاك وليس فيه حيوان مطلق ~~وليس فيه مطر مطلق بشرط الاطلاق # وأما المطلق بشرط الاطلاق من الالفاظ كالماء المطلق فمسماه موجود في ~~الخارج لأن شرط الاطلاق هنا في اللفظ فلا يمنع أن يكون معناه معينا وبشرط ~~الاطلاق هناك في المعنى والمسمى المطلق بشرط الاطلاق لا يتصور إذ لكل موجود ~~حقيقة يتميز بها وما لا حقيقة له يتميز بها ليس بشئ واذا كان له حقيقة ~~يتميز بها فتمييزه يمنع أن يكون مطلقا من كل وجه فان المطلق من كل وجه لا ~~تمييز له فليس لنا موجود هو مطلق بشرط الإطلاق ولكن العدم المحض قد يقال هو ~~مطلق بشرط الإطلاق إذ ليس هناك حقيقة تتميز ولا ذات تتحقق حتى يقال تلك ~~الحقيقة تمنع غيرها بحدها أن تكون إياها PageV02P166 # وأما المطلق من المعانى لا بشرط فهذا إذا قيل بوجوده في الخارج فانما ~~يوجد معينا متميزا مخصوصا والمعين المخصوص يدخل في المطلق لا بشرط ولا يدخل ~~في المطلق بشرط الاطلاق إذ المطلق لا بشرط أعم ولا يلزم اذا كان المطلق بلا ~~شرط موجودا في الخارج أن يكون المطلق المشروط بالإطلاق موجودا في الخارج ~~لأن هذا أخص منه # فإذا قلنا حيوان أو انسان أو جسم أو وجود مطلق فان عنينا به المطلق بشرط ~~الاطلاق فلا وجود له في الخارج وإن عنينا المطلق لا بشرط فلا يوجد إلا ~~معينا مخصوصا فليس في الخارج شئ إلا معين متميز منفصل عما سواه بحده ~~وحقيقته # فمن قال ان وجود الحق هو الوجود المطلق دون المعين فحقيقة قوله أنه ليس ~~للحق وجود أصلا ولا ثبوت إلا نفس الاشياء المعينة المتميزة والأشياء ~~المعينة ليست إياه فليس شيئا أصلا # وتلخيص النكتة أنه لو عنى به المطلق ms0361 بشرط الإطلاق فلا وجود له في الخارج ~~فلا يكون للحق وجود أصلا وإن عنى به المطلق بلا شرط فإن قيل بعدم وجوده في ~~الخارج فلا كلام وإن قيل بوجوده فلا يوجد الامعينا فلا يكون للحق وجود الا ~~وجود الاعيان فيلزم محذوران # ( احدهما ) انه ليس للحق وجود سوى وجود المخلوقات # ( والثانى ) التناقض وهو قوله انه الوجود المطلق دون المعين PageV02P167 # فتدبر قول هذا فإنه يجعل الحق في الكائنات بمنزلة الكلى في جزئياته ~~وبمنزلة الجنس والنوع والخاصة والفصل في سائر أعيانه الموجودة الثابتة في ~~العدم # وصاحب هذا القول يجعل المظاهر والمراتب في المتعينات كما جعلها الأول في ~~الاعيان الثابتة في العدم PageV02P168 ### ||| فصل # وأما التلمسانى ونحوه فلا يفرق بين ماهية ووجود ولا بين مطلق ومعين بل ~~عنده ما ثم سوى ولا غير بوجه من الوجوه وانما الكائنات أجزاء منه وابعاض له ~~بمنزلة أمواج البحر في البحر وأجزاء البيت من البيت فمن شعرهم # البحر لا ~~شك عندى في توحده %~% وإن تعدد بالأمواج والزبد # فلا يغرنك ما شاهدت من صور %~% فالواحد الرب سارى العين في العدد # ومنه # فما البحر إلا الموج لا شئ غيره %~% وإن فرقته كثرة المتعدد # ولا ريب أن هذا القول هو أحذق في الكفر والزندقة فان التمييز بين الوجود ~~والماهية وجعل المعدوم شيئا أو التمييز في الخارج بين المطلق والمعين وجعل ~~المطلق شيئا وراء المعينات في الذهن قولان ضعيفان باطلان # وقد عرف من حدد النظر أن من جعل في هذه الأمور الموجودة في الخارج شيئين # ( أحدهما ) وجودها PageV02P169 # ( والثانى ) ذواتها أو جعل لها حقيقة مطلقة موجودة زائدة على عينها ~~الموجودة فقد غلط غلطا قويا واشتبه عليه ما يأخذه من العقل من المعانى ~~المجردة المطلقة عن التعيين ومن الماهيات المجردة عن الوجود الخارجى بما هو ~~موجود في الخارج من ذلك ولم يدر أن متصورات العقل ومقدراته أوسع مما هو ~~موجود حاصل بذاته كما يتصور المعدومات والممتنعات والمشروطات ويقدر مالا ~~وجود له ألبتة مما يمكن أو لا يمكن ويأخذ من المعينات صفات مطلقة فيه ومن ~~الموجودات ms0362 ذوات متصورة فيه # لكن هذا القول أشد جهلا وكفرا بالله تعالى فإن صاحبه لا يفرق بين المظاهر ~~والظاهر ولا يجعل الكثرة والتفرقة إلا في ذهن الإنسان لما كان محجوبا عن ~~شهود الحقيقة فلما انكشف غطاؤه عاين أنه لم يكن غير وان الرائى عين المرئى ~~والشاهد عين المشهود PageV02P170 ### ||| فصل # واعلم ان هذه المقالات لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه ~~ولكن رأيت في بعض كتب الفلسفة المنقولة عن أرسطو أنه حكى عن بعض الفلاسفة ~~قوله ان الوجود واحد ورد ذلك وحسبك بمذهب لا يرضاه متكلمة الصابئين # وإنما حدثت هذه المقالات بحدوث دولة التتار وإنما كان الكفر الحلول العام ~~أو الاتحاد أو الحلول الخاص وذلك أن القسمة رباعية لأن من جعل الرب هو ~~العبد حقيقة فإما أن يقول بحلوله فيه أو اتحاده به وعلى التقديرين فإما أن ~~يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق كالمسيح أو يجعله عاما لجميع الخلق فهذه أربعة ~~أقسام # ( الاول ) هو الحلول الخاص وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول ~~إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحول الماء في الاناء وهؤلاء حققوا كفر ~~النصارى بسبب مخالطتهم للمسلمين وكان أولهم في زمن المأمون وهذا قول من ~~وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الامة كغالية الرافضة الذين يقولون إنه حل ~~بعلى بن أبى طالب وأئمة أهل بيته وغالية النساك PageV02P171 الذين يقولون ~~بالحلول في الاولياء ومن يعتقدون فيه الولاية أو في بعضهم كالحلاج ويونس ~~والحاكم ونحو هؤلاء # ( والثانى ) هو الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولا وهم ~~السودان والقبط يقولون إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن ~~بالماء وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الاسلام # ( والثالث ) هو الحلول العام وهو القول الذى ذكره أئمة أهل السنة والحديث ~~عن طائفة من الجهمية المتقدمين وهو قول غالب متعبدة الجهمية الذين يقولون ~~إن الله بذاته في كل مكان ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله ( وهو الله في ~~السماوات وفى الأرض ) وقوله ( وهو معكم ) والرد على هؤلاء كثير ms0363 مشهور في ~~كلام أئمة السنة وأهل المعرفة وعلماء الحديث # ( الرابع ) الاتحاد العام وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين ~~وجود الكائنات وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين # من جهة أن أولئك قالوا إن الرب يتحد بعبده الذى قربه واصطفاه بعد أن لم ~~يكونا متحدين وهؤلاء يقولون مازال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو ~~غيره ( والثانى من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء ~~PageV02P172 جعلوا ذلك ساريا في الكلاب والخنازير والاقذار والاوساخ واذا ~~كان الله تعالى قد قال ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ) ~~الآية فكيف بمن قال ان الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين ~~والأنجاس والانتان وكل شيء # واذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا ( نحن أبناء الله ~~وأحباؤه ) وقال لهم ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ) الآية ~~فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ~~ولا سواه ولا يتصور أن يعذب الله الا نفسه وأن كل ناطق في الكون فهو عين ~~السامع كما في قوله ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ( وأن الناكح ~~عين المنكوح حتى قال شاعرهم # وتلتذان مرت على جسدى يدى %~% لأنى في التحقيق لست سواكم # واعلم أن هؤلاء لما كان كفرهم في قولهم ان الله هو مخلوقاته كلها أعظم من ~~كفر النصارى بقولهم ( إن الله هو المسيح بن مريم ) وكان النصارى ضلال ~~أكثرهم لا يعقلون مذهبهم في التوحيد اذ هو شيء متخيل لا يعلم ولا يعقل حيث ~~يجعلون الرب جوهرا واحدا ثم يجعلونه ثلاثة جواهر ويتأولون ذلك بتعدد الخواص ~~والاشخاص التى هي الاقانيم والخواص عندهم ليست جواهر فيتناقضون مع كفرهم # كذلك هؤلاء الملاحدة الاتحادية ضلال أكثرهم لا يعقلون قول PageV02P173 ~~رؤسهم ولا يفقهونه وهم في ذلك كالنصارى كلما كان الشيخ أحمق واجهل كان ~~بالله أعرف وعندهم أعظم # ولهم حظ من عبادة الرب الذى كفروا به كما للنصارى هذا ما دام أحدهم في ~~الحجاب فاذا ms0364 ارتفع الحجاب عن قلبه وعرف أنه هو فهو بالخيار بين أن يسقط عن ~~نفسه الأمر والنهى ويبقى سدى يفعل ما أحب وبين أن يقوم بمرتبة الأمر والنهى ~~لحفظ المراتب وليقتدى به الناس المحجوبون وهم غالب الخلق ويزعمون أن ~~الأنبياء كانوا كذلك اذ عدوهم كاملين PageV02P174 ### ||| فصل # مذهب هؤلاء الاتحادية كابن عربى وبن سبعين والقونوى والتلمسانى مركب من ~~ثلاثة مواد سلب الجهمية وتعطيلهم # ومجملات الصوفية وهو ما يوجد في كلام بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة ~~كما ضلت النصارى بمثل ذلك فيما يروونه عن المسيح فيتبعون المتشابه ويتركون ~~المحكم وأيضا كلمات المغلوبين على عقلهم الذين تكلموا في حال سكر # ومن الزندقة الفلسفية التى هي أصل التجهم وكلامهم في الوجود المطلق ~~والعقول والنفوس والوحى والنبوة والوجوب والإمكان وما في ذلك من حق وباطل # فهذه المادة أغلب على بن سبعين والقونوى والثانية أغلب على بن عربى ولهذا ~~هو أقربهم إلى الإسلام والكل مشتركون في التجهم والتلمسانى أعظمهم تحقيقا ~~لهذه الزندقة والاتحاد التى انفردوا بها وأكفرهم بالله وكتبه ورسله وشرائعه ~~واليوم الآخر PageV02P175 # وبيان ذلك أنه قال هو في كان متجل بوحدته الذاتية عالما بنفسه وبما يصدر ~~عنه وأن المعلومات بأسرها كانت منكشفة في حقيقة العلم شاهدا لها # فيقال له قد أثبت علمه بما يصدر منه وبمعلومات يشهدها غير نفسه ثم ذكرت ~~أنه عرض نفسه على هذه الحقائق الكونية المشهودة المعدومة فعند ذلك عبر بأنا ~~وظهرت حقيقة النبوة التى ظهر فيها الحق واضحا وانعكس فيها الوجود المطلق ~~وأنه هو المسمى باسم الرحمن كما أن الأول هو المسمى باسم الله # وسقت الكلام إلى أن قلت وهو الآن على ما عليه كان فهذا الذى علم أنه يصدر ~~عنه وكان مشهودا له معدوما في نفسه هو الحق أو غيره فإن كان الحق فقد لزم ~~أن يكون الرب كان معدوما وأن يكون صادرا عن نفسه ثم أنه تناقض وان كان غيره ~~فقد جعلت ذلك الغير هو مرآة لانعكاس الوجود المطلق وهو الرحمن فيكون الخلق ~~هو الرحمن # فأنت حائر بين أن تجعله ms0365 قد علم معدوما صدر عنه فيكون له غير وليس هو ~~الرحمن وبين أن تجعل هذا الظاهر الواصف هواياه وهو الرحمن فلا يكون معدوما ~~ولا صادرا عنه واما أن تصف الشيء بخصائص الحق الخالق تارة وبخصائص العبد ~~المخلوق تارة فهذا مع تناقضه كفر من أغلظ الكفر وهو نظير قول النصارى ~~اللاهوت الناسوت لكن هذا أكفر من وجوه متعددة PageV02P176 ### ||| فصل # ( الوجه الأول ) أن هذه الحقائق الكونية التى ذكرت أنها كانت معدومة في ~~نفسها مشهودة أعيانها في علمه في تجليه المطلق الذى كان فيه متحدا بنفسه ~~بوحدته الذاتية هل خلقها وبرأها وجعلها موجودة بعد عدمها أم لم تزل معدومة ~~فإن كانت لم تزل معدومة فيجب أن لا يكون شئ من الكونيات موجودا وهذا مكابرة ~~للحس والعقل والشرع ولا يقوله عاقل ولم يقله عاقل وإن كانت صارت موجودة بعد ~~عدمها امتنع أن تكون هي إياه لأن الله لم يكن معدوما فيوجد # وهذا يبطل الاتحاد ووجب حينئذ أن يكون موجودا ليس هو الله بل هو خلقه ~~ومماليكه وعبيده وهذا يبطل قولك وهو الآن لا شئ معه على ما عليه كان # ( الثانى ) أن قولك تركبت الخلقة الإلهية من كان إلى سر شأنه أو قولك ظهر ~~الحق فيه أو نحو ذلك من الألفاظ التى يطلقها هؤلاء الإتحادية في هذا الموضع ~~مثل قولهم ظهر الحق وتجلى وهذه مظاهر الحق ومجاليه وهذا مظهر إلهى ومجلى ~~الهى ونحو ذلك أتعنى به أن عين ذاته حصلت هناك PageV02P177 أو تعنى به أنه ~~صار ظاهرا متجليا لها بحيث تعلمه أو تعنى به أنه ظهر لخلقه بها وتجلى بها ~~وأنه ماثم قسم رابع # فإن عنيت الأول وهو قول الإتحادية فقد صرحت بأن عين المخلوقات حتى الكلاب ~~والخنازير والنجاسات والشياطين والكفار هي ذات الله أو هي وذات الله ~~متحدتان أو ذات الله حالة فيها وهذا الكفر أعظم من كفر الذين قالوا ( ان ~~الله هو المسيح بن مريم ( و ( ان الله ثالث ثلاثة ( وان الله يلد ويولد وان ~~له بنين وبنات وإذا صرحت بهذا عرف المسلمون ms0366 قولك فألحقوك ببنى جنسك فلا ~~حاجة إلى ألفاظ مجملة يحسبها الظمآن ماء ويا ليته إذا جاءها لم يجدها شيئا ~~بل يجدها سما ناقعا # وإن عنيت أنه صار ظاهرا متجليا لها فهذا حقيقة أنه صار معلوما لها ولا ~~ريب أن الله يصير معروفا لعبده لكن كلامك في هذا باطل من وجهين # من جهة أنك جعلته معلوما للمعدومات التى لا وجود لها لكونه قد علمها ~~واعتقدت أنها إذا كانت معلومة يجوز أن تصير عالمة وهذا عين الباطل من جهة ~~أنه اذا علم أن الشئ سيكون لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالما قادرا فاعلا # ومن جهة أن هذا ليس حكم جميع الكائنات المعلومة بل بعضها هو الذى يصح منه ~~العلم PageV02P178 # وأما إن قلت ان الله يعلم بها لكونها آيات دالة عليه فهذا حق وهو دين ~~المسلمين وشهود العارفين لكنك لم تقل هذا لوجهين # ( أحدهما ( أنها لا تصير آيات الا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة لا في ~~حال كونها معدومة معلومة وأنت لم تثبت انه خلقها ولا جعلها موجودة ولا أنه ~~أعطى شيئا خلقه بل جعلت نفسه هو المتجلى لها ( # الوجه الثانى ( أنك قد صرحت بانه تجلى لها وظهر لها لا انه دل بها خلقه ~~وجعلها آيات تكون تبصره وذكرى لكل عبد منيب والله قد أخبر في كتابه انه ~~يجعل في هذه المصنوعات آيات والآية مثل العلامة والدلالة كما قال ( والهكم ~~إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ( إلى قوله ( لآيات لقوم يعقلون ( ~~وتارة يسميها نفسها آية كما قال تعالى ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ( ~~وهذا الذى ذكره الله في كتابه هو الحق # فإذا قيل في نظير ذلك تجلى بها وظهر بها كما يقال علم وعرف بها كان ~~المعنى صحيحا لكن لفظ التجلى والظهور في مثل هذا الموضع غير مأثور وفيه ~~ايهام واجمال فإن الظهور والتجلى يفهم منه الظهور والتجلى للعين لا سيما ~~لفظ التجلى فان استعماله في التجلى للعين هو الغالب وهذا مذهب الاتحادية ~~صرح به بن عربى وقال فلا ms0367 تقع العين الا عليه # واذا كان عندهم أن المرئى بالعين هو الله فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين ~~بل قد ثبت في صحيح مسلم ان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( واعلموا ان أحدا ~~PageV02P179 منكم لن يرى ربه حتى يموت ( ولا سيما اذا قيل ظهر فيها وتجلى ~~فان اللفظ يصير مشتركا بين ان تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة ~~المرآة التى يظهر فيها مثال المرئى وكلاهما باطل فان ذات الله ليست في ~~المخلوقات ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئى في المرآة ولكن ~~ظهورها دلالتها عليه وشهادتها له وانها آيات له على نفسه وصفاته سبحانه ~~وبحمده كما نطق بذلك كتاب الله # ( الوجه الثالث ( ان مقارنة الالف والنون المعبر عنها بأنا واللفظة التى ~~هي حقيقة النبوة والروح الاضافى هذه الاشياء داخلة في مسمى أسماء الله بحيث ~~تكون مما يدخل في مسمى اسمائه الظاهرة والمضمرة أم ليست داخلة في مسمى ~~اسمائه فان كان الأول فتكون جميع المخلوقات داخلة في مسمى اسماء الله وتكون ~~المخلوقات جزءا من الله وصفة له وان كان الثانى فهذه الأشياء معدومة ليس ~~لها وجود في أنفسها فكيف يتصور أن تكون موجودة لا موجودة ثابتة لا ثابتة ~~منتفية لا منتفية وهذا تقسيم بين وهو أحد ما يكشف حقيقة هذا التلبيس # فإن هذه الأمور التى كانت معلومة له معدومة عند نزول الخلية ظهرت هذه ~~الأمور التى ذكرها فهذه الأمور الظاهرة المعلومة بعد هذا النزول قد صارت ~~أنا وحقيقة نبوة وروحا إضافيا وفعل ذات ومفعول ذات ومعنى وسائط فان كان ~~جميع ذلك في الله ففيه كفران عظيمان # كون جميع المخلوقات جزءا من الله PageV02P180 وكونه متغيرا هذه التغيرات ~~التى هي من نقص إلى كمال ومن كمال إلى نقص وان كانت خارجة عن ذاته فهذه ~~الأشياء كانت معدومة ولم يخلقها عندهم خارجة عنه فكيف يكون الحال # ( الوجه الرابع ( أن عقدة حقيقة النبوة وما معها إما أن يكون شيئا قائما ~~بنفسه أو صفة له أو لغيره فان كان قائما بنفسه فاما ms0368 أن يكون هو الله أو ~~غيره فان كان ذلك هو الله فيكون الله هو النقطة الظاهرة وهو حقيقة النبوة ~~وهو الروح الاضافى # وقد قال بعد هذا إنه جعل الروح الاضافى في صورة فعل ذاته وانه أعطى محمدا ~~عقدة نبوته فيكون قد جعل نفسه صورة فعله وأعطى محمدا ذاته وهذا مع انه من ~~أبين الكفر وأقبحه فهو متناقض فمن المعطى ومن المعطى إذا كان أعطى ذاته ~~لغيره وإن كانت هذه الاشياء أعيانا قائمة بنفسها وهى غير الله فسواء كانت ~~ملائكة أو غيرها من كل ما سوى الله من الاعيان فهو خلق من خلق الله مصنوع ~~مربوب والله خالق كل شئ فهو قد جعل ظهور الحق واصفا وانه المسمى باسم ~~الرحمن فيكون المسمى باسم الرحمن الواصف لنفسه مخلوقا وهذا كفر صريح وهو ~~أعظم من إلحاد الذين ( قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ( ومن إلحاد ~~الذين قيل فيهم ( وهم يكفرون بالرحمن ( فان اولئك كفروا باسمه وصفته مع ~~اقرارهم برب العالمين وهؤلاء أقروا بالإسم وجعلوا المسمى مخلوقا من ~~مخلوقاته # واما ان كان المراد بهذه الحقيقة وما معها صفة فاما أن تكون صفة لله ~~PageV02P181 أو لغيره فان كانت صفة لله لم يجز أن تكون هي المسمى باسم ~~الرحمن فان ذلك اسم لنفس الله لا لصفاته والسجود لله لا لصفاته والدعاء لله ~~لا لصفاته وإن كانت صفة لغيره فهذا الإلزام أعظم وأعظم # وهذا تقسيم لا محيص عنه فإن هذا الملحد في اسماء الله جعل هذه العقدة ~~التى سماها ( عقدة حقيقة النبوة ( وجعلها صورة علم الحق بنفسه وجعلها مرآة ~~لانعكاس الوجود المطلق محلا لتميز صفاته القديمة وان الحق ظهر فيه بصورته ~~وصفته واصفا يصف نفسه ويحيط به وهو المسمى باسم الرحمن ثم ذكر انه أعطى ~~محمدا هذه العقدة ومعلوم أن المسمى باسم الرحمن هو المسمى باسم الله كما ~~قال تعالى ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى ~~( فيكون هو سبحانه هذه العقدة التى أعطاها لمحمد وان كانت صفة له أو غيره ~~فتكون ms0369 هي الرحمن فهذا الملحد دائر بين أن يكون الرحمن هو خلق من خلق الله ~~أو صفة من صفاته وبين أن يكون الرحمن قد وهبه الله لمحمد وكل من القسمين من ~~أسمج الكفر وأبشعه ( الوجه الخامس ( أن قوله لهذه الحقيقة طرفان طرف إلى ~~الحق المواجه اليها الذى ظهر فيه الوجود الأعلى واصفا وطرف إلى ظهور العالم ~~منه وهو المسمى بالروح الاضافى فذكر في هذا الكلام ظهور الوجود وظهور ~~العالم وقد تقدم أن الحق كان ولم يكن معه شئ وهو متجلى بنفسه بوحدته ~~الذاتية وأنه لما نزلت الخلية PageV02P182 الإلهية ظهرت عقدة حقيقة النبوة ~~فصارت مرآة لانعكاس الوجود فظهر الحق فيه بصورة وصفة واصفا # وقد ذكر في هذا الكلام الحق المواجه اليها والوجود الأعلى الذى ظهر في ~~هذا الحق والطرف الذى لها إلى الحق فقد ذكر هنا ثلاثة أشياء الحق والوجود ~~والطرف وقد جعل فيما تقدم الحق هو الوجود المطلق الذى انعكس وهو الحق الذى ~~ظهر فيه واصفا فتارة يجعل الحق هو الوجود المطلق وتارة يجعل الوجود المطلق ~~قد ظهر في هذا الحق وهذا تناقض # ثم يقال له هذان عندك عبارة عن الرب تعالى فقد جعلته ظاهرا وجعلته مظهرا ~~فان عنيت بالظهور الوجود فيكون الرب قد وجد مرة بعد مرة وهذا كفر شنيع فكيف ~~يتصور تكرر وجوده وكيف يتصور أن يكون قد وجد في نفسه بعد أن لم يكن موجودا ~~في نفسه وان عنيت به الوضوح والتجلى فليس هناك مخلوق يظهر له ويتجلى إذ ~~العالم بعد لم يخلق وأنت قلت ظهر الحق فيه واصفا وسميته الرحمن ولم تجعل ~~ظهوره معلوما ولا مشهودا فكيف يتصور أن يكون متجليا لنفسه بعد أن لم يكن ~~متجليا فان هذا وصف له بأنه لم يكن يعلم نفسه حتى علمها # وأيضا فقد قلت انه كان متجليا لنفسه بوحدته فهذا كفر وتناقض # ( الوجه السادس ( أن هذا التحير والتناقض مثل تحير النصارى وتناقضهم في ~~الأقانيم PageV02P183 # فإنهم يقولون الأب والابن وروح القدس ثلاثة آلهة وهى إله واحد والمتدرع ~~بناسوت المسيح هو الابن ms0370 ويقولون هي الوجود والعلم والحياة والقدرة # فيقال لهم إن كانت هذه صفات فليست آلهة ولا يتصور أن يكون المتدرع ~~بالمسيح إلها الا أن يكون هو الآب وان كانت جواهر وجب أن لا تكون إلها ~~واحدا لأن الجواهر الثلاثة لا تكون جوهرا واحدا وقد يمثلون ذلك بقولنا زيد ~~العالم القادر الحى فهو بكونه عالما ليس هو بكونه قادرا # فإذا قيل لهم هذا كله لا يمنع أن يكون ذاتا واحدة لها صفات متعددة وأنتم ~~لا تقولون ذلك # وأيضا فالمتحد بالمسيح اذا كان الها امتنع أن يكون صفة وانما يكون هو ~~الموصوف وأنتم لا تقولون بذاك فما هو الحق لا تقولونه وما تقولونه ليس بحق ~~وقد قال تعالى ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق ( # فالنصارى حيارى متناقضون إن جعلوا الأقنوم صفة امتنع أن يكون المسيح إلها ~~وان جعلوه جوهرا امتنع أن يكون الإله واحدا وهم يريدون أن يجعلوا المسيح ~~الله ويجعلوه بن الله ويجعلوا الآب والابن وروح القدس PageV02P184 الها ~~واحدا ولهذا وصفهم الله في القرآن بالشرك تارة وجعلهم قسما غير المشركين ~~تارة لأنهم يقولون الأمرين وان كانوا متناقضين وهكذا حال هؤلاء فإنهم ~~يريدون أن يقولوا بالاتحاد وأنه ما ثم غير ويريدون أن يثبتوا وجود العالم ~~فجعلوا ثبوت العالم في علمه وهو شاهد له وجعلوه متجليا لذلك المشهود له ~~فإذا تجلى فيه كان هو المتجلى لا غيره وكانت تلك الأعيان المشهودة هي ~~العالم # وهذا الرجل وبن عربى يشتركان في هذا ولكن يفترقان من وجه آخر # فإن بن عربى يقول وجود الحق ظهر في الاعيان الثابتة في نفسها فإن شئت قلت ~~هو الحق وإن شئت قلت هو الخلق وان شئت قلت هو الحق والخلق وان شئت قلت لا ~~حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك # وأما هذا فإنه يقول تجلى الأعيان المشهودة له فقد قالا في جميع الخلق ما ~~يشبه قول ملكية النصارى في المسيح حيث قالوا بأن اللاهوت والناسوت ms0371 صارا ~~جوهرا واحدا له اقنومان # وأما التلمسانى فإنه لا يثبت تعددا بحال فهو مثل يعاقبه النصارى وهم ~~أكفرهم والنصارى قالوا بذلك في شخص واحد وقالوا ان اللاهوت يتدرع بالناسوت ~~بعد أن لم يكن متدرعا به PageV02P185 # وهؤلاء قالوا إنه في جميع العالم وانه لم يزل فقالوا بعموم ذلك ولزومه ~~والنصارى قالوا بخصوصه وحدوثه حتى قال قائلهم النصارى إنما كفروا لأنهم ~~خصصوا # وهذا المعنى قد ذكره بن عربى في غير موضع من الفصوص وذكر أن إنكار ~~الأنبياء على عباد الأصنام إنما كان لاجل التخصيص وإلا فالعارف المكمل من ~~عبده في كل مظهر وهو العابد والمعبود وأن عباد الاصنام لوتركوا عبادتهم ~~لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منها وأن موسى إنما أنكر على هارون لكون ~~هارون نهاهم عن عبادة العجل لضيق هارون وعلم موسى بأنهم ما عبدوا الا الله ~~وأن هارون انما لم يسلط على العجل ليعبدوا الله في كل صورة وإن أعظم مظهر ~~عبد فيه هو الهوى فما عبد أعظم من الهوى لكن بن عربى يثبت أعيانا ثابتة في ~~العدم # وهذا بن حموية انما أثبتها مشهودة في العلم فقط وهذا القول هو الصحيح لكن ~~لا يتم معه ما طلبه من الاتحاد ولهذا كان هو أبعدهم عن تحقيق الاتحاد وأقرب ~~إلى الإسلام وان كان أكثرهم تناقضا وهذيانا فكثرة الهذيان خير من كثرة ~~الكفر # ومقتضى كلامه هذا أنه جعل وجوده مشروطا بوجود العالم وان كان له وجود ما ~~غير العالم كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان وان كان قائما بالحدقة ~~فعلى هذا يكون الله مفتقرا إلى العالم محتاجا إليه كاحتياج نور العين ~~PageV02P186 إلى الجفنين وقد قال الله تعالى ( لقد سمع الله قول الذين ~~قالوا ان الله فقير ونحن أغنياء ( إلى آخر الآية # فإذا كان هذا قوله فيمن وصفه بأنه فقير إلى أموالهم ليعطيها الفقراء فكيف ~~قوله فيمن جعل ذاته مفتقرة إلى مخلوقاته بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت ذاته ~~وتفرقت وعدمت كما ينتشر نور العين ويتفرق ويعدم إذا عدم الجفن # وقد قال في كتابه ( إن ms0372 الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا ( ~~الآية فمن يمسك السماوات والأرض وقال في كتابه ( ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره ( الآية وقال ( رفع السماوات بغير عمد ترونها ( وقال ( وسع ~~كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلى العظيم ( لا يؤده لا ~~يثقله ولا يكرثه # وقد جاء في الحديث حديث أبى داود ( ما السماوات والأرض وما بينهما في ~~الكرسى إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة والكرسى في العرش كتلك الحلقة في الفلاة ~~( وقد قال في كتابه ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة ( الآية # وقد ثبت في الصحاح من حديث أبى هريرة وبن عمر وبن مسعود ( إن الله يمسك ~~السماوات والأرض بيده ( فمن يكون في قبضته السماوات والأرض وكرسيه قد وسع ~~السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما PageV02P187 وبأمره تقوم السماء والأرض ~~وهو الذى يمسكهما ان تزولا أيكون محتاجا اليهما مفتقرا اليهما إذا زالا ~~تفرق وانتشر # وإذا كان المسلمون يكفرون من يقول ان السماوات تقله أو تظله لما في ذلك ~~من احتياجه إلى مخلوقاته فمن قال انه في استوائه على العرش محتاج إلى العرش ~~كاحتياج المحمول إلى حامله فانه كافر لأن الله غنى عن العالمين حى قيوم هو ~~الغنى المطلق وما سواه فقير إليه مع أن أصل الاستواء على العرش ثابت ~~بالكتاب والسنة واتفاق سلف الامة وأئمة السنة بل هو ثابت في كل كتاب أنزل ~~على كل نبى أرسل فكيف بمن يقول أنه مفتقر إلى السماوات والأرض وأنه إذا ~~ارتفعت السماوات والأرض تفرق وانتشر وعدم فأين حاجته في الحمل إلى العرش من ~~حاجة ذاته إلى ما هو دون العرش # ثم يقال لهؤلاء إن كنتم تقولون بقدم السماوات والأرض ودوامها فهذا كفر ~~وهو قول بقدم العالم وانكار انفطار السماوات والأرض وانشقاقهما وان كنتم ~~تقولون بحدوثهما فكيف كان قبل خلقهما هل كان منتشرا متفرقا معدوما ثم لما ~~خلقهما صار موجودا مجتمعا هل يقول هذا عاقل # فأنتم دائرون بين نوعين من الكفر مع غاية الجهل والضلال فاختاروا أيهما ~~شئتم ان صور ms0373 العالم لا تزال تفنى ويحدث في العالم بدلها مثل الحيوان ~~والنبات والمعادن ومثل ما يحدثه الله في الجو من السحاب والرعد والبرق ~~والمطر وغير ذلك فكلما عدم شئ من ذلك ينتقص من نور الحق ويتفرق PageV02P188 ~~ويعدم بقدر ما عدم من ذلك وكلما زاد شيء من ذلك زاد نوره واجتمع ووجد # وأما إن عنى أن نور الله باق بعد زوال السماوات والأرض لكن لا يظهر فيه ~~شئ فما الشئ الذى يظهر بعد عدم هذه الأشياء وأى تأثير للسموات والأرض في ~~حفظ نور الله # وقد ثبت في الصحيح عن أبى موسى الاشعرى عن النبى أنه قال ( ان الله لا ~~ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل ~~النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت ~~سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ( وقال عبد الله بن مسعود ( ان ربكم ليس ~~عنده ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه ( # فقد أخبر الصادق المصدوق أن الله لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه ما ~~أدركه بصره من السماوات والأرض وغيرهما فمن يكون سبحات وجهه تحرق السماوات ~~والأرض وانما حجابه هو الذى يمنع هذا الاحراق أيكون نوره انما يحفظ ~~بالسموات والأرض # ( الوجه السابع ( قوله فالعلويات جفنها الفوقانى والسفليات جفنها ~~التحتانى والتفرقة البشرية في السفليات أهداب الجفن الفوقانى والنفس الكلية ~~سوادها والروح الاعظم بياضها يقال له فاذا كان العالم هو هذه PageV02P189 ~~العين فالعين الاخرى أى شئ هي وبقية الاعضاء أين هي هذا لازم قولك إن عنيت ~~بالعين المتعين وان عنيت الذات والنفس وهو ما تعين فيه فقد جعلت نفس ~~السماوات والأرض والحيوان والملائكة أبعاضا من الله وأجزاءا منه وهذا قول ~~هؤلاء الزنادقة الفرعونية الاتحادية الذين أتبعهم الله في الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة هم من المقبوحين # فيقال له فعلى هذا لم يخلق الله شيئا ولا هو رب العالمين لانه إما أن ~~يخلق نفسه أو غيره فخلقه لنفسه محال وهذا معلوم بالبديهة أن الشيء لا يخلق ms0374 ~~نفسه ولهذا قال تعالى ( أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون ( يقول أخلقوا ~~من غير خالق أم هم خلقوا أنفسهم ولهذا قال جبير بن مطعم لما سمعت النبى ~~يقرأ هذه الآية أحسست بفؤادى قد انصدع فقد علموا أن الخالق لا يكون هو ~~المخلوق بالبديهة وخلقه لغيره ممتنع على أصلهم لأن هذه الأشياء هي أجزاء ~~منه ليست غيرا له # ( الوجه الثامن ( أنه جعل البشر اهداب جفن حقيقة الله وهم دائما يزيدون ~~وينقصون ويموتون ويحيون وفيهم الكافر والمؤمن والفاجر والبر فتكون أهداب ~~جفن حقيقة الله لا تزال مفرقة كاشرة فاسدة ويكون المشركون واليهود والنصارى ~~أجفان حقيقته وقد لعن من جعلهم أبناءه على سبيل الإصطفاء فكيف بمن جعلهم من ~~نفسه PageV02P190 # ( الوجه التاسع ( أنه متناقض من حيث جعل الروح بياضها والنفس الكلية ~~سوادها والسموات الجفن الأعلى والارضون الجفن الأسفل # ومعلوم أن جفنى عين الانسان محيطان بالسواد والبياض والروح والنفس عنده ~~هي فوق السماوات والأرض ليست بين السماء والأرض كما أن سواد العين وبياضها ~~بين الجفنين فهذا التمثيل مع أنه من أقبح الكفر ففيه من الجهالة والتناقض ~~ما تراه # ( الوجه العاشر ( أن النفس الكلية اسم تلقاه عن الصابئة الفلاسفة وأما ~~الروح فإن مقصوده بها هو الذى يسمونه العقل وهو أول الصادرات وسماه هو روحا ~~وهذا بناه على مذهب الصابئة وليس هذا من دين الحنفاء وقد بينا فساد ذلك في ~~غير هذا الموضع # لكن الصابئة الفلاسفة خير من هؤلاء فانهم يقرون بواجب الوجود الذى صدرت ~~عنه العقول والنفوس والافلاك والأرض لا يجعلونها إياه وهؤلاء يجعلونها إياه ~~فقولهم انما ينطبق على المعطلة مثل فرعون وحزبه الذى قال ( وما رب العالمين ~~( وقال ( ما علمت لكم من إله غيرى ( وقال ( يا هامان بن لى صرحا لعلى أبلغ ~~الأسباب # أسباب السماوات ( الآية # فإن فرعون يقر بوجود هذا العالم ويقول ما فوقه رب ولا له خالق غيره ~~PageV02P191 فهؤلاء اذا قالوا إنه عين السماوات والأرض فقد جحدوا ما جحده ~~فرعون واقروا بما أقر به فرعون إلا أن فرعون لم يسمه إلها ms0375 ولم يقل هو الله # وهؤلاء قالوا هذا هو الله فهم مقرون بالصانع لكن جعلوه هو الصنعة فهم في ~~الحقيقة معطلون وفى اعتقادهم مقرون # وفرعون بالعكس كان منكرا للصانع في الظاهر وكان في الباطن مقرى به فهو ~~اكفر منهم وهم اضل منه واجهل ولهذا يعظمونه جدا # ( الوجه الحادى عشر ( قول القائل بل هذا هو الحق الصريح المتبع لا ما يرى ~~المنحرف عن مناهج الإسلام ودينه المتحير في بيداء ضلالته وجهله # فيقال من الذى قال هذا الحق من الأولين والآخرين وهذا كتاب الله من أوله ~~إلى آخره الذى هو كلام الله ووحيه وتنزيله ليس فيه شئ من هذا ولا في حديث ~~واحد عن النبى ولا عن أحد من أئمة الإسلام ومشايخه الا عن هؤلاء المفترين ~~على الله الذين هم في مشايخ الدين نظير جنكسخان في أمر الحرب فديانتهم تشبه ~~دولته ولعل إقراره بالصانع خير من اقرارهم لكن بعضهم قد يوجب الإسلام فيكون ~~خيرا من التتار من هذا الوجه # وأما محققوهم وجمهورهم فيجوز عندهم التهود والتنصر والإسلام PageV02P192 ~~والاشراك لا يحرمون شيئا من ذلك بل المحقق عندهم لا يحرم عليه شئ ولا يجب ~~عليه شئ ومعلوم أن التتار الكفار خير من هؤلاء فإن هؤلاء مرتدون عن الإسلام ~~من أقبح أهل الردة والمرتد شر من الكافر الأصلى من وجوه كثيرة وإذا كان أبو ~~بكر الصديق قاتل المرتدين بمنعهم الزكاة فقتال هؤلاء أولى # وأما ما حكاه عن الذى سماه الشيخ المحقق العالم الرباني الغوث السابع ( ~~في الشمعة ( من أنه قال اعلم أن العالم بمجموعه حدقة عين الله التى لا تنام ~~الخ فالكلام عليه من وجوه # ( أحدها ( أن تسمية قائل مثل هذا المقال محققا وعالما وربانيا عين ~~الضلالة والغواية بل هذا كلام لا تقوله لا اليهود ولا النصارى ولا عباد ~~الأوثان # فإن كان الذى قاله مسلوب العقل كان حكمه حكم غيره في أن الله رفع عنه ~~القلم وإن كان عاقلا فجرأة على الله الذى يقول ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا # لقد جئتم شيئا إدا # تكاد السماوات يتفطرن منه ms0376 ( إلى آخر الآيات وقال ( وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون # لا يسبقونه بالقول ( إلى قوله ( الظالمين ( وقال ( لقد كفر الذين قالوا ~~ان الله هو المسيح بن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح بن مريم ( إلى قوله ( وإليه المصير PageV02P193 # فإذا كان هذا قوله فيمن يقول إنهم أبناؤه وأحباؤه فكيف قوله فيمن يقول ~~إنهم أهداب جفنه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا # ( الوجه الثانى ( أن هذا الشيخ الضال الذى قال هذا الكفر والضلال قد نقض ~~آخر كلامه بأوله فإن لفظ العين مشترك بين نفس الشئ وبين العضو المبصر وبين ~~مسميات أخر واذا قال بعين الشئ فهو من العين التى بمعنى النفس أى تميز ~~بنفسه عن غيره فإذا قال ان العالم بمجموعة حدقة عين الله التى لا تنام ~~فالعين هنا بمعنى البصر # ثم قال في آخر كلامه ونعنى بعين الله ما يتعين الله فيه فهذا من العين ~~بمعنى النفس وهذه العين ليس لها حدقة ولا أجفان وانما هذا بمنزلة من قال ~~نبعت العين وفاضت وشربنا منها واغتسلنا ووزنتها في الميزان فوجدتها عشرة ~~مثاقيل وذهبها خالص # وسبب هذا أنه كان كثيرا ما كان يتصرف في حروف بلا معان # ( الوجه الثالث ( أنه تناقض من وجه آخر فإنه اذا كان العالم هو حدقة ~~العين فينبغى أن يكون قد بقى من الله بقية الأعضاء غير العين فإذا قال في ~~آخر كلامه والله هو نور العين كان الله جزءا من العين أو صفة له فقد جعل في ~~أول كلامه العالم جزءا من الله وفى آخر كلامه جعل الله جزءا من العالم وكل ~~من القولين كفر بل هذا أعظم من كفر الذين ذكرهم الله بقوله ( وجعلوا له من ~~عباده جزءا ان الإنسان لكفور مبين # أم اتخذ مما يخلق بنات PageV02P194 وأصفاكم بالبنين ( فإذا كان الله كفر ~~من جعل له من عباده جزءا فكيف من جعل عباده تارة جزءا منه وتارة جعله هو ~~جزءا منهم # فلعن الله أرباب هذه المقالات وانتصر لنفسه ms0377 ولكتابه ولرسوله ولعباده ~~المؤمنين منهم # ( الوجه الرابع ( أنه تناقض من جهة أخرى فإنه اذا قال العين ما يتعين ~~الله فيه والعالم كله حدقة عينه التى لا تنام فقد جعله متعينا في جميع ~~العالم فإذا قال بعدها وهو نور العين بقيت سائر أجزاء العين من الأجفان ~~والأهداب والسواد والبياض لم يتعين فيها فقد جعله متعينا فيها غير متعين ~~فيها # ( الوجه الخامس ( أن نور العين مفتقر إلى العين محتاج اليها لقيامه بها ~~فإذا كان الله في العالم كالنور في العين وجب أن يكون محتاجا إلى العالم ~~واعلم ان هذا القول يشبه قول الحلولية الذين يقولون هو في العالم كالماء في ~~الصوفة وكالحياة في الجسم ونحو ذلك ويقولون هو بذاته في كل مكان وهذا قول ~~قدماء الجهمية الذين كفرهم أئمة الإسلام وحكى عن الجهم أنه كان يقول هو مثل ~~هذا الهواء أو قال هو هذا الهواء وقوله أولا هو حدقة عين الله يشبه قول ~~الاتحادية فإن الإتحادية يقولون هو مثل الشمعة التى تتصور في صور مختلفة ~~وهى واحدة فهو عندهم الوجود واختلاف أحواله كاختلاف أحوال الشمعة ~~PageV02P195 # ولهذا كان صاحب هذه المقالات متخبطا لا يستقر عند المسلمين الموحدين ~~المخلصين ولا هو عند هؤلاء الملاحدة الاتحادية من محققيهم العارفين فإن ~~هؤلاء كلهم من جنس النصيرية والإسماعيلية مقالات هؤلاء في الرب من جنس ~~مقالات أولئك وأولئك فيهم المتمسك بالشريعة وفيهم المتخلى عنها وهؤلاء كذلك ~~لكن أولئك أحذق في الزندقة وهم يعلمون انهم معطلون مثل فرعون وهؤلاء جهال ~~يحسبون انهم يحسنون صنعا # ( الوجه السادس ( قوله ان العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله ~~تعالى بحيث لا يظهر فيه شئ أصلا وهذا كلام مجمل ولا ريب ان قائل هذه ~~المقالة من المذبذبين بين الكافرين والمؤمنين لا هو من المؤمنين ولا من ~~الاتحادية المحضة لكنه قد لبس الحق بالباطل وذلك أن الاتحادية يقولون ان ~~عين السماوات والأرض لو زالت لعدم الله وهذا اللفظ يصرح به بعضهم وأما ~~غالبهم فيشيرون إليه اشارة وعوامهم لا يفهمون هذا من مذهب الباقين فان ms0378 ~~هؤلاء من جنس القرامطة والباطنية وأولئك انما يصلون إلى البلاغ الاكبر الذى ~~هو آخر مراتب خواصهم # ولهذا حدثنى بعض أكابر هؤلاء الإتحادية عن صاحب هذه المقالة أنه كان يقول ~~ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف فقلت له هذا من أبطل الباطل بل ليس ~~بين مذهبين من الفرق أعظم مما بين التوحيد والإلحاد وهذا قاله بناء على هذا ~~الخلط واللبس الذى خلطه مثل PageV02P196 قوله ان العلويات والسفليات لو ~~ارتفعت لانبسط نور الله بحيث لا يظهر فيه شئ # فيقال له اذا ارتفعت العلويات والسفليات فما تعنى بانبساطه اتعنى تفرقه ~~وعدمه كما يتفرق نور العين عند عدم الاجفان أم تعنى أنه ينبسط شئ موجود وما ~~الذى ينبسط حينئذ أهو نفس الله أم صفة من صفاته وعلى أى شئ ينبسط وما الذى ~~يظهر فيه أو لا يظهر # فإن عنيت الاول وهو مقتضى أول كلامك لأنك قلت وإنما قلنا ان العلويات ~~والسفليات أجفان عين الله لانهما يحافظان على ظهور النور فلو قطعت أجفان ~~عين الإنسان لتفرق نور عينه وانتشر بحيث لا يرى شيئا أصلا فكذلك العلويات ~~والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله بحيث لا يظهر فيه شئ أصلا # وقد قلت ان الله هو نور العين والروح الاعظم بياضها والنفس الكلية سوادها # ومعلوم أن نور العين على ما ذكرته بشرط وجوده هو الاجفان فإذا ارتفع ~~الشرط ارتفع المشروط فيكون العالم عندك شرطا في وجود الله فإذا ارتفع ~~العالم ارتفعت حقيقة الله لانتفاء شرطه وان أثبت له ذاتا غير العالم فهذا ~~أحد قولى الإتحادية # فإنهم تارة يجعلون وجود الحق هو عين وجود المخلوقات ليس غيرها ~~PageV02P197 وعلى هذا فلا يتصور وجوده مع عدم المخلوقات وهذا تعطيل محض ~~للصانع وهو قول القونوى والتلمسانى وهو قول صاحب الفصوص في كثير من كلامه ~~وتارة يجعلون له وجودا قائما بنفسه ثم يجعلون نفس ذلك الوجود هو أيضا وجود ~~المخلوقات بمعنى أنه فاض عليها وهذا أقل كفرا من الأول وان كان كلاهما من ~~أغلظ الكفر وأقبحه # وفى كلام صاحب الفصوص وغيره في ms0379 بعض المواضع ما يوافق هذا القول وكذلك ~~كلام هذا فإنه قد يشير إلى هذا المعنى # ثم مع ذلك هل يجعلون وجوده مشروطا بوجود العالم فيكون محتاجا إلى العالم ~~أو لا يجعلون قد يقولون هذا وقد يقولون هذا # ( السابع ( انهم يمدحون الضلال والحيرة والظلم والخطأ والعذاب الذى عذب ~~الله به الامم ويقلبون كلام الله وكلام رسوله قلبا يعلم فساده بضرورات ~~العقول مثل قول صاحب الفصوص لو ان نوحا ما جمع لقومه بين الدعوتين لاجابوه ~~فدعاهم جهارا ثم دعاهم إسرارا إلى أن قال وذكر عن قومه أنهم تصاموا عن ~~دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من اجابة دعوته فعلم العلماء بالله ما أشار ~~إليه نوح في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم وعلم انهم انما لم يجيبوا ~~دعوته لما فيها من الفرقان والأمر قرآن لا فرقان ومن أقيم في القرآن لا ~~يصغى إلى الفرقان وان كان فيه # فيمدحون ويحمدون ما ذمه الله ولعنه ونهى عنه ويأتون من الإفك PageV02P198 ~~والفرية على الله والإلحاد في اسماء الله وآياته بما ( تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ( كقول صاحب الفصوص في فص نوح ( ~~مما خطيئاتهم أغرقوا ( فهي التى خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهو ~~الحيرة # ( فأدخلوا نارا ) في عين الماء في المحمدتين ( وإذا البحار سجرت ) سجرت ~~التنور اذا أوقدته ( فلم يجدوا لهم من دون الله انصارا ) فكان الله عين ~~انصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد فلو اخرجتهم إلى السيف سيف الطبيعة لنزلوا عن ~~هذه الدرجة الرفيعة وان كان الكل لله وبالله بل هو الله # ( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ) الذين استغشوا ثيابهم ~~وجعلوا أصابعهم في آذانهم طلبا للستر لانه دعاهم ليغفر لهم والغفر الستر ( ~~ديارا ) أحدا حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة ( إنك إن تذرهم ) أى تدعهم ~~وتتركهم ( يضلوا عبادك ) أى يحيروهم ويخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من ~~أسرار الربوبية فينظروا أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيدا فهم ~~العبيد الارباب ( ولا يلدوا ) أى ما ينتجون ms0380 ولا يظهرون ( إلا فاجرا ) أى ~~مظهرا ما ستر ( كفارا ) أى ساترا ما ظهر بعد ظهوره فيظهرون ما ستر ثم ~~يسترونه بعد ظهوره فيحار الناظر ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره ولا الكافر ~~في كفره والشخص واحد ( رب اغفر لى ) أى استرنى واستر مراحلى فيجهل مقامى ~~وقدرى كما جهل قدرك في قولك PageV02P199 ( وما قدروا الله حق قدره ) ( ~~ولوالدى ) أى من كنت نتيجة عنهما وهما العقل والطبيعة ( ولمن دخل بيتى ) أى ~~قلبى ( مؤمنا ) مصدقا بما يكون فيه من الاخبار الإلهية وهو ما حدثت به ~~أنفسها ( وللمؤمنين ) من العقول ( والمؤمنات ) من النفوس ( ولا تزد ~~الظالمين ) من الظلمات أهل الغيب المكتنفين داخل الحجب الظلمانية ( إلا ~~تبارا ) أى هلاكا فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحق دونهم # وهذا كله من أقبح تبديل كلام الله وتحريفه ولقد ذم الله أهل الكتاب في ~~القرآن على ما هو دون هذا فانه ذمهم على أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه وأنهم ~~( يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) # وهؤلاء قد حرفوا كلام الله عن مواضعه أقبح تحريف وكتبوا كتب النفاق ~~والالحاد بأيديهم وزعموا أنها من عند الله # تارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الملك الذى يوحى به إلى النبى ~~فيكونون فوق النبى بدرجة # وتارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الله فيكون أحدهم في علمه بنفسه ~~بمنزلة علم الله به لان الأخذ من معدن واحد # وتارة يزعم أحدهم أن النبى أعطاه في منامه هذا النفاق PageV02P200 العظيم ~~والالحاد البليغ وامره أن يخرج به إلى أمته وانه أبرزه كما حده له رسول ~~الله من غير زيادة ولا نقصان وكان جماعة من الفضلاء حتى بعض من خاطبنى فيه ~~وانتصر له يرى أنه كان يستحل الكذب ويختارون أن يقال كان يتعمد الكذب وأن ~~ذلك هو أهون من الكفر ثم صرحوا بأن مقالته كفر وكان ممن يشهد عليه بتعمد ~~الكذب غير واحد من عقلاء الناس وفضلائهم من المشايخ والعلماء # ومعلوم أن هذا ms0381 من أبلغ الكذب على الله ورسوله وانه من أحق الناس بقوله ( ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شيء ) ~~وكثير من المتنبئين الكذابين كالمختار بن أبى عبيد وأمثاله لم يبلغ كذبهم ~~وافتراؤهم إلى هذا الحد # بل مسيلمة الكذاب لم يبلغ كذبه وافتراؤه إلى هذا الحد وهؤلاء كلهم كان ~~يعظم النبى صلى الله عليه وسلم ويقر له بالرسالة لكن كان يدعى أنه رسول آخر ~~ولا ينكر وجود الرب ولا ينكر القرآن في الظاهر وهؤلاء جحدوا الرب وأشركوا ~~به كل شيء وافتروا هذه الكتب التى قد يزعمون أنها أعظم من القرآن ويفضلون ~~نفوسهم على النبى من بعض الوجوه كما قد صرح به صاحب الفصوص عن خاتم ~~الاولياء # وحدثنى الثقة عن الفاجر التلمسانى أنه كان يقول القرآن كله شرك ليس فيه ~~توحيد وانما التوحيد في كلامنا PageV02P201 # وأما الضلال والحيرة فما مدح الله ذلك قط ولا قال النبى ( زدنى فيك تحيرا ~~( ولم يرو هذا الحديث أحد من أهل العلم بالحديث ولا هو في شئ من كتب الحديث ~~ولا في شئ من كتب من يعلم الحديث بل ولا من يعرف الله ورسوله وكذلك احتجاجه ~~بقوله ( كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا أظلم عليهم قاموا ( # وانما هذا حال المنافقين المرتدين فإن الضلال والحيرة مما ذمه الله في ~~القرآن قال الله تعالى في القرآن ( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا ~~يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذى استهوته الشياطين في الأرض ~~حيران ( الآية # وهكذا يريد هؤلاء الضالون المتحيرون أن يفعلوا بالمؤمنين يريدون أن يدعوا ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم وهى المخلوقات والأوثان والأصنام وكل ~~ما عبد من دون الله ويريدون أن يردوا المؤمنين على أعقابهم يردونهم عن ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ويصيروا حائرين ضالين ~~كالذى استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا ~~وقال تعالى ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ( إلى قوله ( يعمهون ( أى يحارون وقال ~~تعالى ms0382 ( وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ( وقال تعالى ( اهدنا الصراط ~~المستقيم # صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( فأمر بأن ~~PageV02P202 نسأله هداية الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم المغايرين ~~للمغضوب عليهم وللضالين # وهؤلاء يذمون الصراط المستقيم ويمدحون طريق أهل الضلال والحيرة مخالفة ~~لكتب الله ورسله ولما فطر الله عليه عباده من العقول والألباب PageV02P203 ### ||| فصل # في ذكر بعض ألفاظ بن عربى التى تبين ما ذكرنا من مذهبه فإن أكثر الناس قد ~~لا يفهمونه # قال في فص يوسف بعد أن جعل العالم بالنسبة إلى الله كظل الشخص وتناقض في ~~التشبيه فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات فمن حيث هوية الحق ~~هو وجوده ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات فكما لا يزول عنه ~~باختلاف الصور اسم الظل كذلك لا يزول عنه باختلاف الصور اسم العالم أو اسم ~~سوى الحق فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق لانه الواحد الأحد ومن حيث كثرة ~~الصور هو العالم فتفطن وتحقق ما أوضحناه لك # وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهم ماله وجود حقيقى وهذا معنى ~~الخيال أى خيل لك انه أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الوجود الحق وليس كذلك ~~في نفس الأمر ألا تراه في الحس متصلا بالشخص الذى امتد عنه يستحيل عليه ~~الإنفكاك عن ذلك الاتصال لأنه يستحيل على الشئ الإنفكاك عن ذاته فاعرف عينك ~~ومن أنت وما هويتك وما نسبتك إلى الحق وبما أنت حق وبما أنت عالم وسوى وغير ~~وما شاكل هذه الالفاظ PageV02P204 # وقال في أول الفصوص بعد ( فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ( وفص حكمة نفسية ~~في كلمة شيثية ( وقد قسم العطاء بأمر الله وانما يكون عن سؤال وعن غير سؤال ~~وذكر القسم الذى لا يسأل لان شيئا هو هبة الله إلى أن قال # ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ~~ثبوت عينه قبل وجودها ويعلم ان الحق لا يعطيه إلا ما ms0383 أعطاه عينه من العلم ~~به وهو ما كان عليه في حال ثبوته فيعلم علم الله به من أين حصل وما ثم صنف ~~من أهل الله أعلا وأكشف من هذا الصنف فهم الواقفون على سر القدر وهم على ~~قسمين منهم من يعلم ذلك مجملا ومنهم من يعلم ذلك مفصلا # والذى يعلمه مفصلا أعلا وأتم من الذى يعلمه مجملا فانه يعلم ما تعين في ~~علم الله فيه إما باعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به وإما بأن ~~يكشف له عن عينه الثابتة وعن انتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى وهو ~~أعلا فانه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد ~~الا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها ~~صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك أى على أحوال عينه فانه ليس في وسع ~~المخلوق اذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التى تقع صورة الوجود عليها ~~أن يطلع في هذه الحال على إطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها ~~لانها نسب ذاتية لا صورة لها PageV02P205 # فبهذا القدر نقول إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في ~~إفادتها العلم ومن هنا يقول الله ( حتى نعلم ( وهى كلمة محققة المعنى ما هي ~~كما يتوهم من ليس له هذا المشرب وغاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم ~~للتعلق وهو أعلا وجه يكون للمتكلم يعقله في هذه المسألة لولا أنه أثبت ~~العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات وبهذا انفصل عن المحقق من ~~أهل الله صاحب الكشف والشهود # ثم نرجع إلى الاعطيات فنقول إن الاعطيات إما ذاتية أو أسمائية فأما المنح ~~والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجلى إلهى والتجلى من الذات ~~لا يكون أبدا إلا لصورة استعداد العبد المتجلى له وغير ذلك لا يكون فاذن ~~المتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق وما رأى الحق ولا يمكن أن ms0384 يراه ~~مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة في الشاهد اذا رأيت الصور فيها ~~لا تراها مع علمك انك ما رأيت الصور أو صورتك الا فيها # فابرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتى ليعلم المتجلى له أنه ما رآه ~~وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلى من هذا واجهد في نفسك عند ما ~~ترى الصورة في المرآة ان ترى جرم المرآة لا تراه أبدا ألبتة حتى أن بعض من ~~أدرك مثل هذا في صورة المرئى ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائى ~~وبين المرآة هذا أعظم ما قدر عليه من العلم والأمر كما قلناه وذهبنا إليه # وقد بينا هذا في الفتوحات المكية واذا ذقت هذا ذقت الغاية التى ليس ~~PageV02P206 فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى ~~أعلا من هذا الدرج فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم المحض فهو مرآتك في ~~رؤيتك نفسك وأنت مرآته في رؤيته اسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه ~~فاختلط الأمر وانبهم فمنا من جهل في علمه فقال والعجز عن درك الإدراك إدراك # ومنا من علم فلم يقل مثل هذا القول وهو أعلا القول بل أعطاه العلم السكوت ~~ما أعطاه العجز وهذا هو أعلا عالم بالله # وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء ~~والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم ولا يراه أحد من الأولياء الا من مشكاة ~~الولى الخاتم حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه الا من مشكاة خاتم الأولياء ~~فان الرسالة والنبوة أعنى نبوة التشريع ورسالته ينقطعان والولاية لا تنقطع ~~أبدا # فالمرسلون من حيث كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه الا من مشكاة خاتم ~~الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء وان كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم ~~لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ~~ذهبنا إليه فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلا # وقد ظهر ms0385 في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر ~~بالحكم فيهم وفى تأبير النخل فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل ~~PageV02P207 شيء وفى كل مرتبة وانما نظر الرجال إلى التقدم في مرتبة العلم ~~بالله هنالك مطلبهم وأما حوادث الاكوان فلا تعلق لخواطرهم بها فتحقق ما ~~ذكرناه # ولما مثل النبى صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى ~~موضع لبنة فكان النبى تلك اللبنة غير أنه لا يراها الا كما قال لبنة واحدة # وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية فيرى ما مثل به رسول الله ~~فيرى في الحائط موضع لبنتين واللبن من ذهب وفضة فيرى اللبنتين اللتين ينقص ~~الحائط عنهما ويكمل بهما لبنة ذهب ولبنه فضة فلا بد من أن يرى نفسه تنطبع ~~في موضع تينك اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين فيكمل الحائط # والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو ~~موضع اللبنة الفضة وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله ~~تعالى في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه لأنه رأى الأمر على ما هو ~~عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه آخذ من ~~المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى به إلى الرسول # فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع فكل نبى من لدن آدم إلى آخر ~~نبى ما منهم أحد يأخذ الا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته ~~PageV02P208 فإنه بحقيقته موجود وهو قوله كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ~~وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث # وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ~~ما كان وليا إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية والإتصاف بها ~~من أجل كون الله يسمى بالولى الحميد # فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم للولاية مثل نسبة الأنبياء ~~والرسل ms0386 معه فإنه الولى الرسول النبى وخاتم الأولياء الولى الوارث الآخذ عن ~~الأصل المشاهد للمراتب وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد مقدم الجماعة ~~وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة فعين بشفاعته حالا خاصا ما عمم وفى هذه ~~الحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في ~~أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين ففاز محمد بالسيادة في هذا المقام الخاص # فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام ا ه # فهذا الفصل قد ذكر فيه حقيقة مذهبه التى يبنى عليها سائر كلامه فتدبر ما ~~فيه من الكفر الذى ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ~~( وما فيه من جحد خلق الله وأمره وجحود ربوبيته وألوهيته وشتمه وسبه وما ~~فيه من الإزراء برسله وصديقيه والتقدم عليهم PageV02P209 بالدعاوى الكاذبة ~~التى ليس عليها حجة بل هي معلومة الفساد بأدنى عقل وإيمان وأيسر ما يسمع من ~~كتاب وقرآن وجعل الكفار والمنافقين والفراعنة هم أهل الله وخاصته أهل ~~الكشوف وذلك باطل من وجوه # ( أحدها ( أنه أثبت له عينا ثابتة قبل وجوده ولسائر الموجودات وإن ذلك ~~ثابت له ولسائر أحواله وكل ما كان موجودا من الأعيان والصفات والجواهر ~~والاعراض فعينه ثابتة قبل وجوده وهذا ضلال قد سبق إليه كما تقدم # ( الثانى ( أنه جعل علم الله بالعبد انما حصل له من علمه بتلك العين ~~الثابتة في العدم التى هي حقيقة العبد لا من نفسه المقدسة وأن علمه ~~بالأعيان الثابتة في العدم وأحوالها تمنعه أن يفعل غير ذلك وأن هذا هو سر ~~القدر # فتضمن هذا وصف الله تعالى بالفقر إلى الأعيان وغناها عنه ونفى ما استحقه ~~بنفسه من كمال علمه وقدرته ولزوم التجهيل والتعجيز وبعض ما في هذا الكلام ~~المضاهاة لما ذكره الله عمن قال فيه ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنياء ( الآية فإنه جعل حقائق الأعيان الثابتة في العدم ~~غنية عن الله في حقائقها وأعيانها وجعل الرب مفتقرا اليها في علمه بها فما ms0387 ~~استفاد علمه بها إلا منها كما يستفيد العبد العلم بالمحسوسات من ادراكه لها ~~مع غنى تلك المدركات عن المدرك PageV02P210 # والمسلمون يعلمون أن الله عالم بالأشياء قبل كونها بعلمه القديم الأزلى ~~الذى هو من لوازم نفسه المقدسة لم يستفد علمه بها منها ( ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير ( فقد دلت هذه الآية على وجوب علمه بالاشياء من وجوه ~~انتظمت البراهين المذكورة لأهل النظر والاستدلال القياسى العقلى من أهل ~~الكلام والفلسفة وغيرهم # ( أحدها ( انه خالق لها والخلق هو الابداع بتقدير وذلك يتضمن تقديرها في ~~العلم قبل تكونها في الخارج # ( الثانى ( أن ذلك مستلزم للإرادة والمشيئة والإرادة مستلزمة لتصور ~~المراد والشعور به وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام ( الثالث ( ~~انها صادرة عنه وهو سببها التام والعلم باصل الامر وسببه يوجب العلم بالفرع ~~المسبب فعلمه بنفسه مستلزم العلم بكل ما يصدر عنه # ( الرابع ( انه في نفسه لطيف يدرك الدقيق خبير يدرك الخفى وهذا هو مقتضى ~~العلم بالاشياء فيجب وجود المقتضى لوجود السبب التام فهو في علمه بالأشياء ~~مستغن بنفسه عنها كما هو غنى بنفسه في جميع صفاته ثم اذا رأى الاشياء بعد ~~وجودها وسمع كلام عباده ونحو ذلك فانما يدرك ما أبدع وما خلق وما هو مفتقر ~~إليه ومحتاج من جميع وجوهه لم يحتج في علمه وادراكه إلى غيره ألبتة فلا ~~يجوز القول بأن علمه بالأشياء استفاده من نفس الاشياء الثابتة الغنية في ~~ثبوتها عنه PageV02P211 وأما جحود قدرته فلأنه جعل الرب لا يقدر الا على ~~تجليه في تلك الاعيان الثابتة في العدم الغنية عنه فقدرته محدودة بها ~~مقصورة عليها مع غناها عنه وثبوت حقائقها بدونه وهذا عنده هو السر الذى ~~اعجز الله أن يقدر على غير ما خلق فلا يقدر عنده على أن يزيد في العالم ذرة ~~ولا ينقص منه ذرة ولا يزيد في المطر قطرة ولا ينقص منه قطرة ولا يزيد في ~~طول الانسان ولا ينقص منه ولا يغير شيئا من صفاته ولا حركاته ولا سكناته ~~ولا ينقل حجرا عن مقره ms0388 ولا يحول ماء عن ممره ولا يهدى ضالا ولا يضل مهتديا ~~ولا يحرك ساكنا ولا يسكن متحركا ففى الجملة لا يقدر إلا على ما وجد لأن ما ~~وجد فعينه ثابتة في العدم ولا يقدر على أكثر من ظهوره في تلك الأعيان # وهذا التجهيل والتعجيز الذى ذكره وزعم انه هو سر القدر وإن كان قد تضمن ~~بعض ما قاله غيره من الضلال ففيه من الكفر ما لا يرضاه غيره من الضالين # فإن القائلين بأن المعدوم شيء يقولون ذلك في كل ممكن كان أو لم يكن ولا ~~يجعلون علمه بالأشياء مستفادا من الأشياء قبل أن يكون وجودها ولا أن خلقه ~~وقدرته مقصورة على ما علمه منها فانه يعلم أنواعا من الممكنات لم يخلقها ~~فمعلومه من الممكنات أوسع مما خلقه ولا يجعلون المانع من أن يخلق غير ما ~~خلق هو كون الاعيان الثابتة في العدم لا تقبل سوى هذا الوجود بل يمكن عندهم ~~وجودها على صفة أخرى هي أيضا من الممكن الثابت في العدم # فلا يفضى قولهم لا إلى تجهيل ولا إلى تعجيز من هذا الوجه وإنما قد يقولون ~~PageV02P212 المانع من ذلك إن هذا هو أكمل الوجوه وأصلحها فعلمه بأنه لا ~~أكمل من هذا يمنعه أن يريد ما ليس أكمل بحكمته فيجعلون المانع أمرا يعود ~~إلى نفسه المقدسة حتى لا يجعلونه ممنوعا من غيره # فأين من لا يجعل له مانعا من غيره ولا راد لقضائه ممن يجعله ممنوعا ~~مصدودا وأين من يجعله عالما بنفسه ممن يجعله مستفيدا للعلم من غيره وممن هو ~~غنى عنه هذا مع أن أكثر الناس انكروا على من قال ليس في الإمكان أبدع من ~~هذا العالم # ( الثالث ( أنه زعم أن من الصنف الذى جعله أعلا أهل الله من يكون في علمه ~~بمنزلة علم الله لأن الأخذ من معدن واحد اذا كشف له عن أحوال الاعيان ~~الثابتة في العدم فيعلمها من حيث علمها الله إلا أنه من جهة العبد عناية من ~~الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها ms0389 صاحب هذا الكشف اذا أطلعه الله ~~على ذلك فجعل علمه وعلم الله من معدن واحد # ( الرابع ( أنه جعل الله عالما بها بعد ان لم يكن عالما واتبع المتشابه ~~الذى هو قوله ( حتى نعلم ( وزعم أنها كلمة محققة المعنى بناء على أصله ~~الفاسد أن وجود العبد هو عين وجود الرب فكل مخلوق علم مالم يكن علمه فهو ~~الله علم مالم يكن علمه # وهذا الكفر ما سبقه إليه كافر فان غاية المكذب بقدر الله ان يقول ان الله ~~علم مالم يكن عالما أما انه يجعل كل ما تجدد لمخلوق من العلم فانما تجدد ~~PageV02P213 لله وأن الله لم يكن عالما بما علمه كل مخلوق حتى علمه ذلك ~~المخلوق فهذا لم يفتره غيره # ( الخامس ( أنه زعم أن التجلى الذاتى بصورة استعداد المتجلى والمتجلى له ~~ما رأى سوى صورته في مرآة الحق وأنه لا يمكن أن يرى الحق مع علمه بأنه ما ~~رأى صورته إلا فيه وضرب المثل بالمرآة فجعل الحق هو المرآة والصورة في ~~المرآة هي صورته # وهذا تحقيق ما ذكرته من مذهبه أن وجود الأعيان عنده وجود الحق والأعيان ~~كانت ثابتة في العدم فظهر فيها وجود الحق فالمتجلى له وهو العبد لا يرى ~~الوجود مجردا عن الذوات ما يرى إلا الذوات التى ظهر فيها الوجود فلا سبيل ~~له إلى رؤية الوجود أبدا وهذا عنده هو الغاية التى ليس فوقها غاية في حق ~~المخلوق وما بعده إلا العدم المحض فهو مرآتك في رؤيتك نفسك وأنت مرآته في ~~رؤيته أسماءه وظهور أحكامها # وذلك لأن العبد لا يرى نفسه التى هي عينه إلا في وجود الحق الذى هو وجوده ~~والعبد مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها لأن أسماء الحق عنده هي النسب ~~والاضافات التى بين الأعيان وبين وجود الحق وأحكام الاسماء هي الاعيان ~~الثابتة في العدم وظهور هذه الاحكام بتجلى الحق في الاعيان # والأعيان التى هي حقيقة العيان هي مرآة الحق التى بها يرى اسماءه ~~PageV02P214 وظهور أحكامها فإنه إذا ظهر في الاعيان حصلت النسبة التى بين ms0390 ~~الوجود والاعيان وهى الاسماء وظهرت أحكامها وهى الاعيان ووجود هذه الاعيان ~~هو الحق فلهذا قال وليست سوى عينه فاختلط الأمر وانبهم # فتدبر هذا من كلامه وما يناسبه لتعلم ما يعتقده من ذات الحق واسمائه وان ~~ذات الحق عنده هي نفس وجود المخلوقات واسماءه هي النسب التى بين الوجود ~~والاعيان وأحكامها هي الاعيان لتعلم كيف اشتمل كلامه على الجحود لله ~~ولاسمائه ولصفاته وخلقه وأمره وعلى الالحاد في أسماء الله وآياته فان هذا ~~الذى ذكره غاية الالحاد في أسماء الله وآياته الآيات المخلوقة والآيات ~~المتلوة فإنه لم يثبت له اسما ولا آية إذ ليس إلا وجودا واحدا وذاك ليس هو ~~اسما ولا آية والاعيان الثابتة ليست هي اسماءه ولا آياته ولما اثبت شيئين ~~فرق بينهما بالوجود والثبوت وليس بينهما فرق اختلط الامر عليه وانبهم وهذا ~~حقيقة قوله وسر مذهبه الذى يدعى أنه به أعلم العالم بالله وأنه تقدم بذلك ~~على الصديق الذى جهل فقال العجز عن درك الإدراك إدراك وتقدم به على ~~المرسلين الذين ما علموا ذلك إلا من مشكاته وفيه من أنواع الكفر والضلال ما ~~يطول عدها # منها الكفر بذات الله إذ ليس عنده إلا وجود المخلوق PageV02P215 # ( ومنها ( الكفر باسماء الله فإنها ليست عنده إلا أمور عدمية فإذا قلنا ( ~~الحمد لله رب العالمين # الرحمن الرحيم ( فليس الرب عنده إلا نسبة إلى الثبوت # ( السادس ( أنه قال فاختلط الامر وانبهم أو هو على أصله الفاسد مختلط ~~منبهم وعلى أصل الهدى والإيمان متميز متبين قد بين الله بكتابه الحق من ~~الباطل والهدى من الضلال # قال فمنا من جهل في علمه فقال العجز عن درك الادراك إدراك وهذا الكلام ~~مشهور عندهم نسبته إلى أبى بكر الصديق فجعله جاهلا وإن كان هذا اللفظ لم ~~يحفظ عن أبى بكر ولا هو مأثور عنه في شئ من النقول المعتمدة وانما ذكر بن ~~ابى الدنيا في كتاب الشكر نحوا من ذلك عن بعض التابعين غير مسمى وإنما يرسل ~~عنه إرسالا من جهة من يكثر الخطأ في مراسيلهم # كما يحكون ms0391 عن عمر أنه قال كان النبى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إذا ~~تخاطبا كنت كالزنجى بينهما ( وهذا أيضا كذب باتفاق أهل المعرفة وإنما الذى ~~في الصحيح عن أبى سعيد الخدرى قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر فقال ان عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد ما عند ~~الله فبكى أبو بكر فقال بل نفديك بانفسنا وأموالنا أو كما قال # فجعل الناس يقولون عجبا لهذا الشيخ يبكى ان ذكر رسول الله صلى الله ~~PageV02P216 عليه وسلم عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فكان رسول الله ~~هو المخير وكان أبو بكر هو أعلمنا به فكان أبو بكر هو أعلمهم بمراد رسول ~~الله ومقاصده في كلامه وإن كانوا كلهم مشتركين في فهمه # وهذا كما في الصحيح أنه قيل لعلى رضى الله عنه هل ترك عندكم رسول الله ~~شيئا وفى لفظ هل عهد إليكم رسول الله شيئا لم يعهده إلى الناس فقال لا ~~والذى فلق الحبة وبرأ النسمة الا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه ~~الصحيفة وفيها العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر # وبهذا الحديث ونحوه من الاحاديث الصحيحة استدل العلماء على أن كل ما يذكر ~~عن على وأهل البيت من أنهم اختصوا بعلم خصهم به النبى دون غيرهم كذب عليهم ~~مثل ما يذكر منه الجفر والبطاقة والجدول وغير ذلك وما يأثره القرامطة ~~الباطنية عنهم فإنه قد كذب على جعفر الصادق رضى الله عنه ما لم يكذب على ~~غيره وكذلك كذب على على رضى الله عنه وغيره من أئمة أهل البيت رضى الله ~~عنهم كما قد بين هذا وبسط في غير هذا الموضع # وهكذا يكذب قوم من النساك ومدعى الحقائق على أبى بكر وغيره وأن النبى كان ~~يخاطبه بحقائق لا يفهمها عمر مع حضوره ثم قد يدعون أنهم عرفوها وتكون ~~حقيقتها زندقة وإلحادا PageV02P217 # وكثير من هؤلاء الزنادقة والجهال قد يحتج على ذلك بحديث أبى هريرة حفظت ~~عن رسول الله جرابين اما أحدهما فبثثته ms0392 فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم ~~هذا الحلقوم وهذا الحديث صحيح لكن الجراب الآخر لم يكن فيه شئ من علم الدين ~~ومعرفة الله وتوحيده الذى يختص به أولياؤه # ولم يكن أبو هريرة من أكابر الصحابة الذين يخصون بمثل ذلك لو كان هذا مما ~~يخص به بل كان في ذلك الجراب أحاديث الفتن التى تكون بين المسلمين فإن ~~النبى أخبرهم بما سيكون من الفتن التى تكون بين المسلمين ومن الملاحم التى ~~تكون بينهم وبين الكفار ولهذا لما كان مقتل عثمان وفتنة بن الزبير ونحو ذلك ~~قال بن عمر لو أخبركم أبو هريرة انكم تقتلون خليفتكم وتهدمون البيت وغير ~~ذلك لقلتم كذب أبو هريرة فكان أبو هريرة يمتنع من التحديث بأحاديث الفتن ~~قبل وقوعها لأن ذلك مما لا يحتمله رؤس الناس وعوامهم # وكذلك قد يحتجون بحديث حذيفة بن اليمان وأنه صاحب السر الذى لا يعلمه ~~غيره وحديث حذيفة معروف لكن السر الذى لا يعلمه غيره هو معرفته بأعيان ~~المنافقين الذين كانوا في غزوة تبوك ويقال انهم كانوا هموا بالفتك بالنبى ( ~~( فأوحى الله إلى النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أمرهم فأخبر حذيفة بأعيانهم ~~ولهذا كان عمر لا يصلى الا على من صلى عليه حذيفة لأن الصلاة على المنافقين ~~منهى عنها وقد ثبت في الصحيح عن حذيفة أنه لما ذكر الفتن وأنه أعلم الناس ~~بها PageV02P218 بين أن النبى لم يخصه بحديثها ولكن حدث الناس كلهم قال ~~وكان أعلمنا أحفظنا # ومما يبين هذا أن في السنن أن النبى كان عام الفتح قد أهدر دم جماعة منهم ~~عبد الله بن أبى سرح فجاء به عثمان إلى النبى ليبايعه فتوقف عنه النبى ساعة ~~ثم بايعه وقال ( أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إلى وقد أمسكت عن هذا فيضرب ~~عنقه ( فقال رجل من الانصار يا رسول الله هلا أومأت إلى فقال ( ما ينبغى ~~لنبى أن تكون له خائنة الاعين ( فهذا ونحوه مما يبين أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم يستوي ظاهره وباطنه لا يظهر للناس خلاف ما يبطنه ms0393 كما تدعيه ~~الزنادقة من المتفلسفة والقرامطة وضلال المتنسكة ونحوهم # ( السابع ( أنه قال ( ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول بل ~~أعطاه العلم والسكوت ما أعطاه العجز وهذا هو أعلى عالم بالله وليس هذا ~~العلم الا لخاتم الرسل وخاتم الاولياء وما يراه أحد من الاولياء والرسل إلا ~~من مشكاة الرسول الخاتم ولا يراه أحد من الاولياء الا من مشكاة الولى ~~الخاتم حتى ان الرسل لا يرونه متى رأوه الا من مشكاة خاتم الاولياء # فإن الرسالة والنبوة أعنى نبوة التشريع ورسالته ينقطعان والولاية لا ~~تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه الا من مشكاة خاتم ~~الاولياء فكيف من دونهم من الاولياء وان كان خاتم الاولياء تابعا ~~PageV02P219 في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في ~~مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون ~~أعلى إلى قوله ولما مثل النبى النبوة بالحائط من اللبن # ففى هذا الكلام من أنواع الإلحاد والكفر وتنقيص الأنبياء والرسل مالا ~~تقوله لا اليهود ولا النصارى وما أشبهه في هذا الكلام بما ذكر في قول ~~القائل فخر عليهم السقف من تحتهم ان هذا لا عقل ولا قرآن # وكذلك ما ذكره هنا من أن الأنبياء والرسل تستفيد من خاتم الأولياء الذى ~~بعدهم هو مخالف للعقل فإن المتقدم لا يستفيد من المتأخر ومخالف للشرع فإنه ~~معلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الانبياء والرسل أفضل من الاولياء الذين ~~ليسوا أنبياء ولا رسلا # وقد يزعم أن هذا العلم الذى هو عنده أعلى العلم ( وهو القول بوحدة الوجود ~~( وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق وحقيقة تعطيل الصانع وجحده وهو القول ~~الذى يظهره فرعون فلم يكفه زعمه ان هذا حق حتى زعم أنه أعلا العلم ولم يكفه ~~ذلك حتى زعم أن الرسل إنما يرونه من مشكاة خاتم الأولياء فجعل خاتم ~~الأولياء أعلم بالله من جميع الانبياء والرسل وجعلهم يرون العلم بالله من ~~مشكاته # ثم أخذ يبين ذلك ms0394 فقال فإن الرسالة والنبوة أعنى نبوة التشريع ورسالته ~~PageV02P220 ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا ~~يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف بالاولياء الذين ليسوا ~~أنبياء ولا رسلا وذلك أنه لم يمكنهم أن يجعلوا بعد النبى صلى الله عليه ~~وسلم نبيا ورسولا فإن هذا كفر ظاهر فزعموا أنه انما تنقطع نبوة التشريع ~~ورسالته يعنى وأما نبوة التحقيق ورسالة التحقيق وهى الولاية عندهم فلم ~~تنقطع وهذه الولاية عندهم هي أفضل من النبوة والرسالة ولهذا قال بن عربى في ~~بعض كلامه # مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولى # وقال في الفصوص في ( كلمة عزيرية ( فإذا سمعت أحدا من أهل الله تعالى ~~يقول أو ينقل إليك عنه أنه قال الولاية أعلى من النبوة فليس يريد ذلك ~~القائل إلا ما ذكرناه # أو يقول ان الولى فوق النبى والرسول فإنه يعنى بذلك في شخص واحد وهو أن ~~الرسول عليه السلام من حيث هو ولى أتم منه من حيث هو نبى ورسول لا أن الولى ~~التابع له أعلا منه فإن التابع لا يدرك المتبوع أبدا فيما هو تابع له فيه ~~إذ لو أدركه لم يكن تابعا له # وإذا حوققوا على ذلك قالوا إن ولاية النبى فوق نبوته وان نبوته فوق ~~رسالته لأنه يأخذ بولايته عن الله ثم يجعلون مثل ولايته ثابتة لهم ويجعلون ~~ولاية خاتم الأولياء أعظم من ولايته وأن ولاية الرسول تابعة لولاية خاتم ~~الأولياء الذى ادعوه PageV02P221 # وفى هذا الكلام أنواع قد بيناها في غير هذا الموضع # ( منها ( أن دعوى المدعى وجود خاتم الأولياء على ما ادعوه باطل لا أصل له # ولم يذكر هذا أحد من المعروفين قبل هؤلاء الا أبو عبد الله محمد بن على ~~الترمذى الحكيم في كتاب ( ختم الولاية ( وقد ذكر في هذا الكتاب ما هو خطأ ~~وغلط مخالف للكتاب والسنة والإجماع # وهو رحمه الله تعالى وإن كان فيه فضل ومعرفة وله من الكلام الحسن المقبول ~~والحقائق النافعة أشياء محمودة ففى كلامه من الخطأ ما يجب ms0395 رده ومن أشنعها ~~ما ذكره في كتاب ( ختم الولاية ( مثل دعواه فيه أنه يكون في المتأخرين من ~~درجته عند الله أعظم من درجة أبى بكر وعمر وغيرهما # ثم إنه تناقض في موضع آخر لما حكى عن بعض الناس أن الولى يكون منفردا عن ~~الناس فابطل ذلك واحتج بابى بكر وعمر وقال يلزم هذا أن يكون أفضل من أبى ~~بكر وعمر وأبطل ذلك # ( ومنها ( أنه ذكر في كتابه ما يشعر أن ترك الأعمال الظاهرة ولو أنها ~~التطوعات المشروعة أفضل في حق الكامل ذى الأعمال القلبية وهذا أيضا خطأ عند ~~أئمة الطريق فان أكمل الخلق رسول الله وخير الهدى هدى محمد وما زال محافظا ~~على ما يمكنه من الاوراد والتطوعات البدنية إلى مماته PageV02P222 # ( ومنها ( ما ادعاه من خاتم الأولياء الذى يكون في آخر الزمان وتفضيله ~~وتقديمه على من تقدم من الأولياء وأنه يكون معهم كخاتم الأنبياء مع ~~الأنبياء وهذا ضلال واضح فإن أفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلى وأمثالهم من السابقين الأولين من المهاجرين والانصار كما ثبت ~~ذلك بالنصوص المشهورة # وخير القرون قرنه كما في الحديث الصحيح خير القرون قرنى الذين بعثت فيهم ~~ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وفى الترمذى وغيره أنه قال في أبى بكر ~~وعمر ( هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين الا النبيين ~~والمرسلين ( قال الترمذى حديث حسن وفى صحيح البخارى عن على رضى الله عنه ~~انه قال له ابنه يا أبت من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال ( يا بنى أبو بكر ( قال ثم من قال ( ثم عمر ( وروى بضع وثمانون نفسا ~~عنه انه قال ( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ( # وهذا باب واسع وقد قال تعالى ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ( وهذه الاربعة هي مراتب العباد ~~أفضلهم الانبياء ثم الصديقون ثم الشهداء ثم الصالحون # وقد نهى النبى أن يفضل أحد منا نفسه على يونس بن متى مع ms0396 قوله ( ولا تكن ~~كصاحب الحوت ( وقوله ( وهو مليم ( تنبيها على أن غيره أولى أن لا يفضل أحد ~~نفسه عليه ففى صحيح البخارى عن بن PageV02P223 مسعود عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال ( لا يقولن أحدكم انى خير من يونس بن متى ( وفى صحيح البخارى ~~أيضا عنه قال قال رسول الله ( ما ينبغى لعبد أن يكون خيرا من يونس بن متى ( ~~وفى لفظ ( أن يقول أنا خير من يونس بن متى ( وفى البخارى أيضا عن أبى هريرة ~~عن النبى قال ( من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب ( وفى الصحيحين عن ~~أبى هريرة عن النبى انه قال يعنى رسول الله ( لا ينبغى لعبد أن يقول أنا ~~خير من يونس بن متى ( وفى الصحيحين عن بن عباس عن النبى وفى لفظ فيما يرويه ~~عن ربه ( لا ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ( وهذا فيه نهى عام # وأما ما يرويه بعض الناس أنه قال ( لا تفضلونى على يونس بن متى ( ويفسره ~~باستواء حال صاحب المعراج وحال صاحب الحوت فنقل باطل وتفسير باطل وقد قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( اثبت أحد فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد ( ~~وأبو بكر أفضل الصديقين # ولفظ خاتم الأولياء لا يوجد في كلام أحد من سلف الامة ولا أئمتها ولا له ~~ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله وموجب هذا اللفظ أنه آخر مؤمن تقى فان الله ~~يقول ( ألا ان اولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون ( الآية فكل من كان ~~مؤمنا تقيا كان لله وليا وهم على درجتين السابقون المقربون وأصحاب اليمين ~~المقتصدون كما قسمهم الله تعالى في سورة فاطر وسورة الواقعة والانسان ~~والمطففين PageV02P224 # وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى أنه قال يقول الله تعالى من عادى ~~لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ~~ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع ~~به وبصره ms0397 الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها وما ترددت ~~عن شئ أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا ~~بد له منه # فالمتقربون إلى الله بالفرائض هم الأبرار المقتصدون أصحاب اليمين ~~والمتقربون إليه بالنوافل التى يحبها بعد الفرائض هم السابقون المقربون ~~وإنما تكون النوافل بعد الفرائض وقد قال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر بن ~~الخطاب اعلم أن لله عليك حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا ~~يقبله بالليل وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة # والاتحادية يزعمون أن قرب النوافل يوجب أن يكون عين الحق عين أعضائه وأن ~~قرب الفرائض يوجب أن يكون الحق عين وجوده كله وهذا فاسد من وجوه كثيرة بل ~~كفر صريح كما بيناه في غير هذا الموضع # وإذا كان خاتم الأولياء آخر مؤمن تقى في الدنيا فليس ذلك الرجل أفضل ~~الأولياء ولا أكملهم بل أفضلهم وأكملهم سابقوهم الذين هم أخص بأفضل الرسل ~~من غيرهم فإنه كلما كان الولى أعظم اختصاصا بالرسول وأخذا عنه وموافقة له ~~كان أفضل إذ الولى لا يكون وليا لله إلا بمتابعة الرسول باطنا وظاهرا فعلى ~~قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية لله PageV02P225 # والأولياء وان كان فيهم محدثون كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( انه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد ~~فعمر ( فهذا الحديث يدل على أن أول المحدثين من هذه الأمة عمر وأبو بكر ~~أفضل منه إذ هو الصديق فالمحدث وان كان يلهم ويحدث من جهة الله تعالى فعليه ~~أن يعرض ذلك على الكتاب والسنة فإنه ليس بمعصوم كما قال أبو الحسن الشاذلى ~~قد ضمنت لنا العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة ولم تضمن لنا العصمة في ~~الكشوف والإلهام # ولهذا كان عمر بن الخطاب وقافا عند كتاب الله وكان أبو بكر الصديق يبين ~~له أشياء تخالف ما يقع له كما بين له يوم الحديبية ويوم موت النبى ويوم ~~قتال مانعى ms0398 الزكاة وغير ذلك وكان عمر بن الخطاب يشاور الصحابة فتارة يرجع ~~اليهم وتارة يرجعون إليه وربما قال القول فترد عليه امرأة من المسلمين قوله ~~وتبين له الحق فيرجع اليها ويدع قوله كما قدر الصداق وربما يرى رأيا فيذكر ~~له حديث عن النبى فيعمل به ويدع رأيه وكان يأخذ بعض السنة عمن هو دونه في ~~قضايا متعددة وكان يقول القول فيقال له أصبت فيقول والله ما يدرى عمر أصاب ~~الحق أم أخطأه # فإذا كان هذا امام المحدثين فكل ذى قلب يحدثه قلبه عن ربه إلى يوم ~~القيامة هو دون عمر فليس فيهم معصوم بل الخطأ يجوز عليهم كلهم وان ~~PageV02P226 كان طائفة تدعى أن الولى محفوظ وهو نظير ما يثبت للأنبياء من ~~العصمة والحكيم الترمذى قد أشار إلى هذا فهذا باطل مخالف للسنة والاجماع # ولهذا اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وان كانوا متفاضلين في الهدى والنور والإصابة ~~ولهذا كان الصديق أفضل من المحدث لأن الصديق يأخذ من مشكاة النبوة فلا يأخذ ~~إلا شيئا معصوما محفوظا # وأما المحدث فيقع له صواب وخطأ والكتاب والسنة تميز صوابه من خطئه وبهذا ~~صار جميع الأولياء مفتقرين إلى الكتاب والسنة لا بد لهم أن يزنوا جميع ~~أمورهم بآثار الرسول فما وافق آثار الرسول فهو الحق وما خالف ذلك فهو باطل ~~وان كانوا مجتهدين فيه والله تعالى يثيبهم على اجتهادهم ويغفر لهم خطأهم # ومعلوم أن السابقين الأولين أعظم اهتداء واتباعا للآثار النبوية فهم أعظم ~~إيمانا وتقوى وأما آخر الأولياء فلا يحصل له مثل ما حصل لهم # والحديث الذى يروى ( مثل أمتى كمثل الغيث لا يدرى أوله خير أم آخره ( قد ~~تكلم في اسناده وبتقدير صحته انما معناه يكون في آخر الامة من يقارب أولها ~~حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير كما يشتبه على بعض الناس طرفا الثوب مع ~~القطع بأن الاول خير من الآخر ولهذا قال ( لا يدرى ( ومعلوم أن هذا السلب ~~ليس ms0399 عاما لها فإنه لابد أن يكون معلوما أيهما أفضل PageV02P227 # ثم ان هذا خاتم الأولياء صار مرتبة موهومة لا حقيقة له وصار يدعيها لنفسه ~~أو لشيخه طوائف وقد ادعاها غير واحد ولم يدعها الا من في كلامه من الباطل ~~ما لم تقله اليهود ولا النصارى كما ادعاها صاحب الفصوص وتابعه صاحب الكلام ~~في الحروف وشيخ من اتباعهم كان بدمشق وآخر كان يزعم أنه المهدى الذى يزوج ~~بنته بعيسى بن مريم وأنه خاتم الاولياء ويدعى هؤلاء وأمثالهم من الامور ما ~~لا يصلح الا لله وحده كما قد يدعى المدعى منهم لنفسه أو لشيخه ما ادعته ~~النصارى في المسيح ثم صاحب الفصوص وأمثاله بنوا الامر على أن الولى يأخذ عن ~~الله بلا واسطة والنبى يأخذ بواسطة الملك فلهذا صار خاتم الاولياء أفضل ~~عندهم من هذه الجهة وهذا باطل وكذب فإن الولى لا يأخذ عن الله الا بواسطة ~~الرسول إليه واذا كان محدثا قد ألقى إليه شئ وجب عليه أن يزنه بما جاء به ~~الرسول من الكتاب والسنة # وتكليم الله لعباده على ثلاثة أوجه # من وراء حجاب كما كلم موسى وبارسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الانبياء ~~وبالايحاء وهذا فيه للولى نصيب وأما المرتبتان الأوليان فإنهما للأنبياء ~~خاصة فالاولياء الذين قامت عليهم الحجة بالرسل لا يأخذون علم الدين الا ~~بتوسط رسل الله اليهم ولو لم يكن الا عرضه على ما جاء به الرسول ~~PageV02P228 ولن يصلوا في أخذهم عن الله إلى مرتبة نبى أو رسول فكيف يكونون ~~آخذين عن الله بلا واسطة ويكون هذا الأخذ أعلى وهم لا يصلون إلى مقام تكليم ~~موسى ولا إلى مقام نزول الملائكة عليهم كما نزلت على الأنبياء وهذا دين ~~المسلمين واليهود والنصارى وأما هؤلاء الجهمية الإتحادية فبنوا على اصلهم ~~الفاسد أن الله هو الوجود المطلق الثابت لكل موجود وصار ما يقع في قلوبهم ~~من الخواطر وان كانت من وساوس الشيطان يزعمون انهم أخذوا ذلك عن الله بلا ~~واسطة وانهم يكلمون كما كلم موسى بن عمران وفيهم من يزعمون أن ms0400 حالهم أفضل ~~من حال موسى بن عمران لأن موسى سمع الخطاب من الشجرة وهم على زعمهم يسمعون ~~الخطاب من حى ناطق كما يذكر عن صاحب الفصوص أنه قال # وكل كلام في الوجود كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # وأعانهم على ذلك ما اعتقدوه من مذاهب الجهمية وأتباعهم الذين يزعمون أن ~~تكليم الله لموسى انما كان من جنس الإلهام وان العبد قد يرى الله في الدنيا ~~اذا زال عن عينه المانع إذ لا حجاب عندهم للرؤية منفصل عن العبد وانما ~~الحجاب متصل به فاذا ارتفع شاهد الحق # وهم لا يشاهدون الا ما يتمثلونه من الوجود المطلق الذى لا حقيقة له الا ~~في أذهانهم أو من الوجود المخلوق فيكون الرب المشهود عندهم الذى ~~PageV02P229 يخاطبهم في زعمهم لا وجود له الا في أذهانهم أو لا وجود له الا ~~وجود المخلوقات وهذا هو التعطيل للرب تعالى ولكتبه ولرسله والبدع دهليز ~~الكفر والنفاق كما أن التشيع دهليز الرفض والرفض دهليز القرمطة والتعطيل ~~فالكلام الذى فيه تجهم هو دهليز التجهم والتجهم دهليز الزندقة والتعطيل # وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( واعلموا أن ~~أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت ( ولهذا اتفق سلف الامة وأئمتها على أن الله ~~يرى في الآخرة وأنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه # وفى رؤية النبى ربه كلام معروف لعائشة وبن عباس فعائشة أنكرت الرؤية وبن ~~عباس ثبت عنه في صحيح مسلم انه قال رأى محمد ربه بفؤاده مرتين وكذلك ذكر ~~أحمد عن أبى ذر وغيره انه أثبت رؤيته بفؤاده وهذا المنصوص عن بن عباس وأبى ~~ذر وغيرهما هو المنصوص عن أحمد وغيره من أئمة السنة ولم يثبت عن أحد منهم ~~إثبات الرؤية بالعين في الدنيا كما لم يثبت عن أحد منهم انكار الرؤية في ~~الآخرة # ولكن كلا القولين تقول به طوائف من الجهمية فالنفى يقول به متكلمة ~~الجهمية والإثبات يقول به بعض متصوفة الجهمية كالإتحاية وطائفة من غيرهم ~~وهؤلاء الإتحادية يجمعون بين النفى والإثبات كما ms0401 يقول بن سبعين عين ما ترى ~~ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى ونحوذلك لأن مذهبهم PageV02P230 مستلزم ~~الجمع بين النقيضين فهم يقولون في عموم الكائنات ما قالته النصارى في ~~المسيح ولهذا تنوعوا في ذلك تنوع النصارى في المسيح # ومن الأنواع التى في دعواهم أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من ~~بعض الوجوه فان هذا لم يقله أبو عبد الله الحكيم الترمذى ولا غيره من ~~المشايخ المعروفين بل الرجل أجل قدرا وأعظم إيمانا من أن يفترى هذا الكفر ~~الصريح ولكن اخطأ شبرا ففرعوا على خطئه ما صار كفرا # وأعظم من ذلك زعمهم أن الأولياء والرسل من حيث ولا يتهم تابعون لخاتم ~~الأولياء وآخذون من مشكاته فهذا باطل بالعقل والدين فان المتقدم لا يأخذ من ~~المتأخر والرسل لا يأخذون من غيرهم # وأعظم من ذلك أنه جعلهم تابعين له في العلم بالله الذى هو أشرف علومهم ~~وأظهر من ذلك أنه جعل العلم بالله هو مذهب أهل وحدة الوجود القائلين بأن ~~وجود المخلوق هو عين وجود الخالق # فليتدبر المؤمن هذا الكفر القبيح درجة بعد درجة واستشهاده على تفضيل غير ~~النبى عليه بقصة عمر وتأبير النخل فهل يقول مسلم إن عمر كان أفضل من النبى ~~برأيه في الأسرى أو أن الفلاحين الذين يحسنون صناعة التأبير أفضل من ~~الأنبياء في ذلك ثم ما قنع بذلك حتى قال فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم ~~في كل علم وكل مرتبة وانما نظر الرجال إلى التقدم في مرتبة العلم بالله ~~هنالك مطلبهم PageV02P231 # فقد زعم أنه أعلم بالله من خاتم الأنبياء وأن تقدمه عليه بالعلم بالله ~~وتقدم خاتم الانبياء عليه بالتشريع فقط وهذا من أعظم الكفر الذى يقع فيه ~~غالية المتفلسفة وغالية المتصوفة وغالية المتكلمة الذين يزعمون أنهم في ~~الأمور العلمية أكمل من الرسل كالعلم بالله ونحو ذلك وأن الرسل انما تقدموا ~~عليهم بالتشريع العام الذى جعل لصلاح الناس في دنياهم # وقد يقولون إن الشرائع قوانين عدلية وضعت لمصلحة الدنيا فأما المعارف ~~والحقائق والدرجات العالية في ms0402 الدنيا والآخرة فيفضلون فيها أنفسهم وطرقهم ~~على الأنبياء وطرق الأنبياء # وقد علم بالاضطرار من دين المسلمين أن هذا من أعظم الكفر والضلال وكان ~~ذلك من سبب جحد حقائق ما أخبرت به الرسل من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ~~وزعمهم أن ما يقوله هؤلاء في هذا الباب هو الحق # وصاروا في أخبار الرسل تارة يكذبونها وتارة يحرفونها وتارة يفوضونها ~~وتارة يزعمون أن الرسل كذبوا لمصلحة العموم # ثم عامة الذين يقولون هذه المقالات يفضلون الأنبياء والرسل على أنفسهم ~~إلا الغالية منهم كما تقدم فهؤلاء من شر الناس قولا واعتقادا # وقد كان عندنا شيخ من أجهل الناس كان يعظمه طائفة من الأعاجم ويقال انه ~~خاتم الاولياء يزعم أنه يفسر العلم بوجهين وأن النبى انما فسره بوجه واحد ~~وأنه هو أكمل من النبى PageV02P232 وهذا تلقاه من صاحب الفصوص وأمثال هذا ~~في هذه الاوقات كثيرون وسبب ضلال المتفلسفة وأهل التصوف والكلام الموافقة ~~لضلالهم وليس هذا موضع الاطناب في بيان ضلال هذا وانما الغرض التنبيه على ~~أن صاحب الفصوص وأمثاله قالوا قول هؤلاء # فأما كفر من يفضل نفسه على النبى صلى الله عليه وسلم كما ذكر صاحب الفصوص ~~فظاهر ولكن من هؤلاء من لا يرى ذلك ولكن يرى أن له طريقا إلى الله غير ~~اتباع الرسول ويسوغ لنفسه اتباع تلك الطريق وان خالف شرع الرسول ويحتجون ~~بقصة موسى والخضر # ولا حجة فيها لوجهين ( أحدهما ( أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا كان ~~يجب على الخضر اتباع موسى فإن موسى كان مبعوثا إلى بنى إسرائيل ولهذا جاء ~~في الحديث الصحيح ( أن موسى لما سلم على الخضر قال وأنى بأرضك السلام قال ~~أنا موسى قال موسى بنى إسرائيل قال نعم قال انك على علم من علم الله علمكه ~~الله لا أعلمه وأنا على علم من الله علمنيه لا تعلمه ( # ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم ( فضلنا على الناس بخمس جعلت صفوفنا ~~كصفوف الملائكة وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فأى رجل أدركته الصلاة فعنده ~~مسجده وطهوره وأحلت ms0403 لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى وأعطيت الشفاعة وكان ~~النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى PageV02P233 الناس عامة ( # وقال ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى ~~الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى وأعطيت الشفاعة ~~وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ( وقد قال تعالى ( وما ~~أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ( وقال تعالى ( قل يا أيها الناس انى ~~رسول الله اليكم جميعا ( الآية # فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم عربهم ~~وعجمهم ملوكهم وزهادهم الاولياء منهم وغير الاولياء فليس لأحد الخروج عن ~~متابعتة باطنا وظاهرا ولا عن متابعة ما جاء به من الكتاب والسنة في دقيق ~~ولا جليل لا في العلوم ولا الاعمال وليس لأحد أن يقول له كما قال الخضر ~~لموسى وأما موسى فلم يكن مبعوثا إلى الخضر # ( الثانى ( أن قصة الخضر ليس فيها مخالفة للشريعة بل الامور التى فعلها ~~تباح في الشريعة إذا علم العبد أسبابها كما علمها الخضر ولهذا لما بين ~~أسبابها لموسى وافقه على ذلك ولو كان مخالفا لشريعته لم يوافقه بحال # وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع فإن خرق السفينة مضمونه أن المال ~~المعصوم يجوز للإنسان أن يحفظه لصاحبه بإتلاف بعضه فإن ذلك خير من ذهابه ~~بالكلية كما جاز للراعى على عهد النبى أن يذبح الشاة التى خاف عليها الموت ~~وقصة الغلام مضمونها جواز قتل الصبى الصائل ولهذا قال بن عباس لنجدة وأما ~~الغلمان فإن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر PageV02P234 من ذلك الغلام ~~فاقتلهم وإلا فلا تقتلهم وأما إقامة الجدار ففيها فعل المعروف بلا أجرة مع ~~الحاجة إذا كان لذرية قوم صالحين # ( الوجه الثامن ( أنه قال ولما مثل النبى النبوة بالحائط إلى آخر كلامه ~~وهو متضمن ان العلم نوعان # ( أحدهما ( علم الشريعة وهو يأخذ عن الله كما يأخذ النبى فإنه قال والسبب ~~الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع ~~اللبنة ms0404 الفضية وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله في ~~السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد ~~أن يراه هكذا # وهذا الذى زعمه من أن الولى يأخذ عن الله في السر ما يتبع فيه الرسل ~~كأئمة العلماء مع أتباعهم فيه من الإلحاد ما لا يخفى على من يؤمن بالله ~~ورسله فإن هذا يدعى أنه أوتى مثل ما أوتى رسل الله ويقول إنه أوحى إلى ولم ~~يوح إليه شئ ويجعل الرسل بمنزلة معلمى الطب والحساب والنحو وغير ذلك إذا ~~عرف المتعلم الدليل الذى قال به معلمه فينبغى موافقته له لمشاركته له في ~~العلم لا لأنه رسول وواسطة من الله إليه في تبليغ الامر والنهى # وهذا الكفر يشبه كفر مسيلمة الكذاب ونحوه ممن يدعى أنه مشارك للرسول في ~~الرسالة وكان يقول مؤذنه أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله PageV02P235 # ( والنوع الثانى ( علم الحقيقة وهو فيه فوق الرسول كما قال هو موضع ~~اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى ~~يوحى به إلى الرسول فقد ادعى ان هذا العلم الذي هو موضع اللبنة الذهبية وهو ~~علم الباطن والحقيقة هو فيه فوق الرسول لانه يأخذه من حيث يأخذ الملك العلم ~~الذى يوحى به إلى الرسول والرسول يأخذه من الملك وهو يأخذه من فوق الملك من ~~حيث يأخذه الملك وهذا فوق دعوى مسيلمة الكذاب فان مسيلمة لم يدع أنه أعلى ~~من الرسول في علم من العلوم الإلهية وهذا ادعى أنه فوقه في العلم بالله # ثم قال فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع ومعلوم ان هذا الكفر ~~فوق كفر اليهود والنصارى فإن اليهود والنصارى لا ترضى أن تجعل أحدا من ~~المؤمنين فوق موسى وعيسى وهذا يزعم أنه هو وأمثاله ممن يدعى أنه خاتم ~~الاولياء أنه فوق جميع الرسل وأعلم بالله من جميع الرسل وعقلاء الفلاسفة لا ~~يرضون بهذا وانما يقول مثل هذا غلاتهم وأهل الحق ms0405 منهم الذين هم من أبعد ~~الناس عن العقل والدين # ( التاسع ( قوله فكل نبى من لدن آدم إلى آخر الفصل تضمن أن جميع الانبياء ~~والرسل لا يأخذون إلا من مشكاة خاتم النبيين ليوطن لنفسه بذلك أن جميع ~~الانبياء لا يأخذون إلا من مشكاة خاتم الاولياء PageV02P236 وكلاهما ضلال ~~فان الرسل ليس منهم أحد يأخذ من آخر الا من كان مأمورا باتباع شريعته ~~كأنبياء بنى اسرائيل والرسل الذين بعثوا فيهم الذين أمروا باتباع التوراة ~~كما قال تعالى ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ( الآية # وأما إبراهيم فلم يأخذ عن موسى وعيسى ونوح لم يأخذ عن إبراهيم ونوح ~~وابراهيم وموسى وعيسى لم يأخذوا عن محمد وان بشروا به وآمنوا به كما قال ~~تعالى ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ( الآية قال ~~بن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد وأخذ العهد على ~~قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه # ( العاشر ( قوله فانه بحقيقته موجود وهو قوله ( كنت نبيا وآدم بين الماء ~~والطين ( بخلاف غيره من الانبياء وكذلك خاتم الاولياء كان وليا وآدم بين ~~الماء والطين كذب واضح مخالف لإجماع أئمة الدين وإن كان هذا يقوله طائفة من ~~أهل الضلال والإلحاد # فإن الله علم الاشياء وقدرها قبل أن يكونها ولا تكون موجودة بحقائقها إلا ~~حين توجد ولا فرق في ذلك بين الانبياء وغيرهم ولم تكن حقيقته موجودة قبل أن ~~يخلق الا كما كانت حقيقة غيره بمعنى أن الله علمها وقدرها # لكن كان ظهور خبره واسمه مشهورا أعظم من غيره فانه كان مكتوبا ~~PageV02P237 في التوراة والإنجيل وقبل ذلك كما روى الإمام أحمد في مسنده عن ~~العرباض بن سارية عن النبى قال ( إنى لعبد الله مكتوب خاتم النبيين وان آدم ~~لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمى ~~رأت حين ولدتنى كأنه خرج منها نورا أضاءت له قصور الشام # وحديث ميسرة الفجر قلت يا رسول الله متى كنت نبيا وفى لفظ متى ms0406 كتبت نبيا ~~قال ( وآدم بين الروح والجسد ( وهذا لفظ الحديث وأما قوله ( كنت نبيا وآدم ~~بين الماء والطين ( فلا أصل له لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث بهذا ~~اللفظ وهو باطل فإنه لم يكن بين الماء والطين إذ الطين ماء وتراب ولكن لما ~~خلق الله جسد آدم قبل نفخ الروح فيه كتب نبوة محمد وقدرها كما ثبت في ~~الصحيحين عن بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق ( إن خلق أحدكم يجعل في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ~~ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال اكتب ~~رزقه وعمله وأجله وشقيا أو سعيدا ثم ينفخ فيه الروح ( وروى انه كتب اسمه ~~على ساق العرش ومصاريع الجنة فأين الكتاب والتقدير من وجود الحقيقة # وما يروى في هذا الباب من الأحاديث هو من هذا الجنس مثل كونه كان نورا ~~يسبح حول العرش أو كوكبا يطلع في السماء ونحو ذلك كما ذكره PageV02P238 بن ~~حمويه صاحب بن عربى وذكر بعضه عمر الملا في وسيلة المتعبدين وبن سبعين ~~وأمثالهم ممن يروى الموضوعات المكذوبات باتفاق أهل المعرفة بالحديث # فإن هذا المعنى رووا فيه أحاديث كلها كذب حتى انه اجتمع بى قديما شيخ ~~معظم من أصحاب بن حمويه يسميه أصحابه سلطان الأقطاب وتفاوضنا في كتاب ~~الفصوص وكان معظما له ولصاحبه حتى أبديت له بعض ما فيه فهاله ذلك وأخذ يذكر ~~مثل هذه الاحاديث فبينت له أن هذا كله كذب # ( الحادى عشر ( قوله وخاتم الاولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين إلى ~~قوله فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم للولاية كنسبة الاولياء ~~والرسل معه إلى آخر الكلام ذكر فيه ما تقدم من كون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع هذا الختم المدعى كسائر الانبياء والرسل معه يأخذ من مشكاته العلم ~~بالله الذى هو أعلى العلم وهو وحدة الوجود انه مقدم الجماعة وسيد ولد آدم ~~في فتح باب الشفاعة فعين ms0407 حالا خاصا ما عمم إلى قوله ففاز محمد بالسيادة في ~~هذا المقام الخاص # فكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله انه قال أنا سيد ولد آدم ~~في الشفاعة خاصة وألحد وافترى من حيث زعم أنه سيد في الشفاعة فقط لا في ~~بقية المراتب بخلاف الختم المفترى فانه سيد في العلم بالله وغير ذلك من ~~المقامات PageV02P239 ولقد كنت أقول لو كان المخاطب لنا من يفضل إبراهيم أو ~~موسى أو عيسى على محمد لكانت مصيبة عظيمة لا يحتملها المسلمون فكيف بمن ~~يفضل رجلا من أمة محمد على محمد وعلى جميع الأنبياء والرسل في أفضل العلوم ~~ويدعى أنهم يأخذون ذلك من مشكاته وهذا العلم هو غاية الإلحاد والزندقة # وهذا المفضل من أضل بنى آدم وأبعدهم عن الصراط المستقيم وإن كان له كلام ~~كثير ومصنفات متعددة وله معرفة بأشياء كثيرة وله استحواذ على قلوب طوائف من ~~أصناف المتفلسفة والمتصوفة والمتكلمة والمتفقهة والعامة فإن هذا الكلام من ~~أعظم الكلام ضلالا عند أهل العلم والإيمان والله أعلم # وقد تبين أن في هذا الكلام من الكفر والتنقيص بالرسل والاستخفاف بهم ~~والغض منهم بل والكفر بهم وبما جاؤا به مالا يخفى على مؤمن وقد حدثنى أحد ~~أعيان الفضلاء أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبرى رحمة الله عليه يقول رأيت بن ~~عربى وهو شيخ نجس يكذب بكل كتاب أنزله الله وبكل نبى أرسله الله ولقد صدق ~~فيما قال ولكن هذا بعض الانواع التى ذكرها من الكفر وكذلك قول أبى محمد بن ~~عبد السلام هو شيخ سوء مقبوح كذاب PageV02P240 يقول بقدم العالم ولا يحرم ~~فرجا هو حق عنه لكنه بعض أنواع ما ذكره من الكفر فإن قوله لم يكن قد تبين ~~له حاله وتحقق وإلا فليس عنده رب وعالم كما تقوله الفلاسفة الإلهيون الذين ~~يقولون بواجب الوجود وبالعالم الممكن بل عنده وجود العالم هو وجود الله ~~وهذا يطابق قول الدهرية الطبائعية الذين ينكرون وجود الصانع مطلقا ولا ~~يقرون بوجود واجب غير العالم # كما ذكر الله عن فرعون وذويه ms0408 وقوله مطابق لقول فرعون لكن فرعون لم يكن ~~مقرى بالله وهؤلاء يقرون بالله ولكن يفسرونه بالوجود الذى أقر به فرعون فهم ~~أجهل من فرعون وأضل وفرعون أكفر منهم إذ في كفره من العناد والاستكبار ما ~~ليس في كفرهم كما قال تعالى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ( ~~وقال له موسى ( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ( # وجماع أمر صاحب الفصوص وذويه هدم أصول الإيمان الثلاثة فإن أصول الإيمان ~~الإيمان بالله والإيمان برسله والإيمان باليوم الآخر # فأما الإيمان بالله فزعموا أن وجوده وجود العالم ليس للعالم صانع غير ~~العالم # وأما الرسول فزعموا أنهم أعلم بالله منه ومن جميع الرسل ومنهم من ~~PageV02P241 يأخذ العلم بالله الذى هو التعطيل ووحدة الوجود من مشكاته ~~وأنهم يساوونه في أخذ العلم بالشريعة عن الله # وأما الإيمان باليوم الآخر فقد قال # فلم يبق إلا صادق الوعد وحده %~% وبالوعيد الحق عين تعاين # وان دخلوا دار الشقاء فإنهم %~% على لذة فيها نعيم يباين # وهذا يذكر عن بعض أهل الضلال قبله أنه قال ان النار تصير لأهلها طبيعة ~~نارية يتمتعون بها وحينئذ فلا خوف ولا محذور ولا عذاب لأنه أمر مستعذب ثم ~~انه في الامر والنهى عنده الأمر والناهى والمأمور والمنهى واحد ولهذا كان ~~أول ما قاله في الفتوحات المكية التى هي أكبر كتبه # الرب حق والعبد حق %~% يا ليت شعرى من المكلف # إن قلت عبد فذاك رب %~% أو قلت رب أنى يكلف # وفى موضع آخر ( فذاك ميت ( رأيته بخطه # وهذا مبنى على أصله فإن عنده ما ثم عبد ولا وجود إلا وجود الرب فمن ~~المكلف وعلى أصله هو المكلف والمكلف كما يقولون أرسل من نفسه إلى نفسه ~~رسولا PageV02P242 # وكما قال بن الفارض في قصيدته التى نظمها على مذهبهم وسماها نظم السلوك # إلى رسولا كنت منى مرسلا %~% وذاتى بآياتى على استدلت # ومضمونها هو القول بوحدة الوجود وهو مذهب بن عربى وبن سبعين وأمثالهم كما قال # لها صلاتى بالمقام أقيمها %~% وأشهد فيها أنها لى صلت # كلانا مصل ms0409 عابد ساجد إلى %~% حقيقة الجمع في كل سجدة # وما كان لى صلى سواى فلم تكن %~% صلاتى لغيرى في أداء كل ركعة # إلى قوله # وما زلت إياها واياى لم تزل %~%ولا فرق بل ذاتى لذاتى أحبت # ومثل هذا كثير والله أعلم # وحدثنى صاحبنا الفقيه الصوفى أبو الحسن على بن قرباص أنه دخل على الشيخ ~~قطب الدين بن القسطلانى فوجده يصنف كتابا فقال ما هذا فقال هذا في الرد على ~~بن سبعين وبن الفارض وابى الحسن الجزلى والعفيف التلمسانى # وحدثنى عن جمال الدين بن واصل وشمس الدين الأصبهانى أنهما كانا ~~PageV02P243 ينكران كلام بن عربى ويبطلانه ويردان عليه وأن الاصبهانى رأى ~~معه كتابا من كتبه فقال له ان اقتنيت شيئا من كتبه فلا تجئ إلى أو ما هذا ~~معناه وان بن واصل لما ذكر كلامه في التفاحة التى انقلبت عن [ حوراء ] ~~فتكلم معها أو جامعها فقال والله الذى لا إله إلا هو يكذب ولقد بر في يمينه # وحدثنى صاحبنا العالم الفاضل أبو بكر بن سالار عن الشيخ تقى الدين بن ~~دقيق العيد شيخ وقته عن الامام ابى محمد بن عبد السلام أنهم سألوه عن بن ~~عربى لما دخل مصر فقال شيخ سوء كذاب مقبوح يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا ~~وكان تقى الدين يقول هو صاحب خيال واسع حدثنى بذلك غير واحد من الفقهاء ~~المصريين ممن سمع كلام بن دقيق العيد # وحدثنى بن بحير عن رشيد الدين سعيد وغيره أنه قال كان يستحل الكذب هذا ~~أحسن أحواله # وحدثنى الشيخ العالم العارف كمال الدين المراغى شيخ زمانه انه لما قدم ~~وبلغه كلام هؤلاء في التوحيد قال قرأت على العفيف التلمسانى من كلامهم شيئا ~~فرأيته مخالفا للكتاب والسنة فلما ذكرت ذلك له قال القرآن ليس فيه توحيد بل ~~القرآن كله شرك ومن اتبع القرآن لم يصل إلى التوحيد قال فقلت له ما الفرق ~~عندكم بين الزوجة والأجنبية والاخت الكل واحد قال PageV02P244 لا فرق بين ~~ذلك عندنا وانما هؤلاء المحجوبون اعتقدوه حراما فقلنا هو حرام عليهم ms0410 عندهم ~~وأما عندنا فما ثم حرام # وحدثنى كمال الدين المراغى أنه لما تحدث مع التلمسانى في هذا المذهب قال ~~وكنت أقرأ عليه في ذلك فانهم كانوا قد عظموه عندنا ونحن مشتاقون إلى معرفة ~~( فصوص الحكم ( فلما صار يشرحه لى أقول هذا خلاف القرآن والاحاديث فقال ارم ~~هذا كله خلف الباب واحضر بقلب صاف حتى تتلقى هذا التوحيد أو كما قال ثم خاف ~~أن اشيع ذلك عنه فجاء إلى باكيا وقال استرعنى ما سمعته منى # وحدثنى أيضا كمال الدين أنه اجتمع بالشيخ ابى العباس الشاذلى تلميذ الشيخ ~~ابى الحسن فقال عن التلمسانى هؤلاء كفار هؤلاء يعتقدون ان الصنعة هي الصانع # قال وكنت قد عزمت على ان ادخل الخلوة على يده فقلت أنا لا آخذ عنه هذا ~~وانما اتعلم منه أدب الخلوة فقال لى مثلك مثل من يريد أن يتقرب إلى السلطان ~~على يد صاحب الاتون والزبال فاذا كان الزبال هو الذى يقربه إلى السلطان كيف ~~يكون حاله عند السلطان # وحدثنا أيضا قال قال لى قاضى القضاة تقى الدين بن دقيق العيد انما استولت ~~التتار على بلاد المشرق لظهور الفلسفة فيهم وضعف PageV02P245 الشريعة فقلت ~~له ففى بلادكم مذهب هؤلاء الذين يقولون بالاتحاد وهو شر من مذهب الفلاسفة ~~فقال قول هؤلاء لا يقوله عاقل بل كل عاقل يعلم فساد قول هؤلاء يعنى ان ~~فساده ظاهر فلا يذكر هذا فيما يشتبه على العقلاء بخلاف مقالة الفلاسفة فان ~~فيها شيئا من المعقول وان كانت فاسدة # وحدثنى تاج الدين الانبارى الفقيه المصرى الفاضل أنه سمع الشيخ إبراهيم ~~الجعبرى يقول رأيت بن عربى شيخا مخضوب اللحية وهو شيخ نجس يكفر بكل كتاب ~~انزله الله وكل نبى ارسله الله # وحدثنى الشيخ رشيد الدين بن المعلم أنه قال كنت وأنا شاب بدمشق اسمع ~~الناس يقولون عن بن عربى والخسر وشاهى ان كلاهما زنديق أو كلاما هذا معناه ~~وحدثنى عن الشيخ إبراهيم الجعبرى أنه حضر بن الفارض عند الموت وهو ينشد # ان ~~كان منزلتى في الحب عندكم %~% ما قد لقيت ms0411 فقد ضيعت أيامى # أمنية ظفرت نفسى بها زمنا %~% واليوم احسبها اضغاث أحلام # وحدثنى الفقيه الفاضل تاج الدين الزنبارى أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبرى ~~يقول رأيت في منامى بن عربى وبن الفارض وهما شيخان أعميان يمشيان ويتعثران ~~ويقولان كيف الطريق أين الطريق PageV02P246 # وحدثنى شهاب الدين المزى عن شرف الدين بن الشيخ نجم الدين بن الحكيم عن ~~أبيه أنه قال قدمت دمشق فصادفت موت بن عربى فرأيت جنازته كأنما ذر عليها ~~الرماد فرأيتها لا تشبه جنائز الأولياء أو قال فعلمت ان هذه أو نحو هذا وعن ~~أبيه عن الشيخ إسماعيل الكورانى أنه كان يقول بن عربى شيطان وعنه أنه كان ~~يقول عن الحريرى انه شيطان # وحدثنى شهاب الدين عن القاضي شرف الدين البازيلى ان اباه كان ينهاه عن ~~كلام بن عربى وبن الفارض وبن سبعين PageV02P247 ### ||| فصل # في بعض ما يظهر به كفرهم وفساد قولهم وذلك من وجوه # ( أحدها ( ان حقيقة قولهم ان الله لم يخلق شيئا ولا ابتدعه ولا برأه ولا ~~صوره لأنه إذا لم يكن وجود إلا وجوده فمن الممتنع أن يكون خالقا لوجود نفسه ~~أو بارئا لذاته فان العلم بذلك من أبين العلوم وأبدهها للعقول ان الشئ لا ~~يخلق نفسه # ولهذا قال سبحانه ( أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون ( فانهم يعلمون ~~أنهم لم يكونوا مخلوقين من غير خالق ويعلمون أن الشئ لا يخلق نفسه فتعين ان ~~لهم خالقا # وعند هؤلاء الكفار الملاحدة الفرعونية أنه ما ثم شئ يكون الرب قد خلقه أو ~~برأه أو أبدعه إلا نفسه المقدسة ونفسه المقدسة لا تكون إلا مخلوقة مربوبة ~~مصنوعة مبروءة لامتناع ذلك في بدائه العقول وذلك من أظهر الكفر عند جميع ~~أهل الملل والآراء # وأما على رأى صاحب الفصوص فما ثم إلا وجوده والذوات الثابتة في العدم ~~الغنية عنه ووجوده لا يكون مخلوقا والذوات غنية عنه فلم يخلق الله شيئا ~~PageV02P248 # ( الثانى ) أن عندهم أن الله ليس رب العالمين ولا مالك الملك إذ ليس الا ~~وجوده وهو لا يكون رب نفسه ولا ms0412 يكون الملك المملوك هو الملك المالك وقد ~~صرحوا بهذا الكفر مع تناقضه وقالوا انه هو ملك الملك بناء على أن وجوده ~~مفتقر إلى ذوات الأشياء وذوات الاشياء مفتقرة إلى وجوده فالأشياء مالكة ~~لوجوده فهو ملك الملك # ( الثالث ) أن عندهم أن الله لم يرزق أحدا شيئا ولا أعطى أحدا شيئا ولا ~~رحم أحدا ولا أحسن إلى أحد ولا هدى أحدا ولا أنعم على أحد نعمة ولا علم ~~أحدا علما ولا علم أحدا البيان وعندهم في الجملة لم يصل منه إلى أحد لا خير ~~ولا شر ولا نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع ولا هدى ولا اضلال أصلا وان هذه ~~الاشياء جميعها عين نفسه ومحض وجوده فليس هناك غير يصل إليه ولا أحد سواه ~~ينتفع بها ولا عبد يكون مرزوقا أو منصورا أو مهديا # ثم على رأى صاحب الفصوص ان هذه الذوات ثابتة في العدم والذوات هي أحسنت ~~واساءت ونفعت وضرت وهذا عنده سر القدر # وعلى رأى الباقين ما ثم ذات ثابتة غيره أصلا بل هو ذام نفسه بنفسه ولا عن ~~نفسه بنفسه وقاتل نفسه بنفسه وهو المرزوق المضروب المشتوم وهو الناكح ~~والمنكوح والآكل والمأكول وقد صرحوا بذلك تصريحا بينا # ( الرابع ( أن عندهم أن الله هو الذى يركع ويسجد ويخضع ويعبد PageV02P249 ~~ويصوم ويجوع ويقوم وينام وتصيبه الأمراض والأسقام وتبتليه الاعداء ويصيبه ~~البلاء وتشتد به اللأواء وقد صرحوا بذلك وصرحوا بأن كل كرب يصيب النفوس ~~فانه هو الذى يصيبه الكرب وأنه إذا نفس الكرب فانما يتنفس عنه ولهذا كره ~~بعض هؤلاء الذين هم من اكفر خلق الله وأعظمهم نفاقا وإلحادا وعتوا على الله ~~وعنادا أن يصبر الإنسان على البلاء لأن عندهم أنه هو المصاب المبتلى # وقد صرحوا بأنه موصوف بكل نقص وعيب فإنه ما ثم من يتصف بالنقائص والعيوب ~~غيره فكل عيب ونقص وكفر وفسوق في العالم فإنه هو المتصف به لا متصف به غيره ~~كلهم متفقون على هذا في الوجود # ثم صاحب الفصوص يقول إن ذلك ثابت في العدم وغيره يقول ms0413 ما ثم سوى وجود ~~الحق الذى هو متصف بهذه المعايب والمثالب # ( الخامس ( أن عندهم أن الذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى ~~والذين عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا والذين عبدوا الشعرى والنجم ~~والشمس والقمر والذين عبدوا المسيح وعزيرا والملائكة وسائر من عبد الأوثان ~~والأصنام من قوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وبنى اسرائيل وسائر المشركين من ~~العرب ما عبدوا إلا الله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله وقد صرحوا بذلك في ~~مواضع كثيرة مثل قول صاحب الفصوص في فص الكلمة النوحية PageV02P250 ( ~~ومكروا مكرا كبارا ( لان الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم من ~~البداية فيدعى إلى الغاية ( ادعوا إلى الله ( فهذا عين المكر ( على بصيرة ( ~~ففيه أن الأمر له كله فأجابوه مكرا كما دعاهم إلى أن قال فقالوا في مكرهم ( ~~لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ( # فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في ~~كل معبود وجها خاصا يعرفه من عرفه ويجهله من جهله في المحمديين ( وقضى ربك ~~أن لا تعبدوا إلا إياه ( أى حكم فالعالم يعلم من عبد وفى أى صورة ظهر حتى ~~عبد وأن التفريق والكثرة كالاعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في ~~الصورة الروحانية # فما عبد غير الله في كل معبود فالأدنى من تخيل فيه الألوهية فلولا هذا ~~التخيل ما عبد الحجر ولا غيره ولهذا قال تعالى ( قل سموهم ( فلو سموهم ~~لسموهم حجرا وشجرا وكوكبا ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلها واحدا ما كانوا ~~يقولون الله ولا الإله الا على ما تخيل بل قال هذا مجلى الهى ينبغى تعظيمه ~~فلا يقتصر فالأدنى صاحب التخيل يقول ( ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله ~~زلفى ( والأعلى العالم يقول ( انما الهكم اله واحد فله اسلموا ( حيث ظهر ( ~~وبشر المخبتين الذين ( خبت نار طبيعتهم فقالوا الها ولم يقولوا طبيعة وقال ~~أيضا في فص الهارونية ثم قال هارون لموسى ( إنى خشيت أن PageV02P251 تقول ~~فرقت بين بنى اسرائيل ms0414 ( فتجعلنى سببا في تفريقهم فان عبادة العجل فرقت ~~بينهم فكان فيهم عبده اتباعا للسامرى وتقليدا له ومنهم من توقف عن عبادته ~~حتى يرجع موسى اليهم فيسألونه في ذلك فخشى هارون أن ينسب ذلك التفريق بينهم ~~إليه فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه ~~بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشئ إلا وقع فكان عتب ~~موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في انكاره وعدم اتساعه فان العارف من يرى ~~الحق في كل شئ بل يراه عين كل شئ فكان موسى يربى هارون تربية علم وإن كان ~~أصغر منه في السن # ولذلك لما قال له هارون ما قال رجع إلى السامرى فقال له ( فما خطبك يا ~~سامرى ( يعنى فيما صنعت من عدو لك إلى صورة العجل على الإختصاص وساق الكلام ~~إلى أن قال فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل ~~بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه حكمة من الله ظاهرة في الوجود ليعبد ~~في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت الا بعد ما تلبست عند ~~عابدها بالألوهية # ولهذا ما بقى نوع من الأنواع الا وعبد اما عبادة تأله واما عبادة تسخير ~~ولا بد من ذلك لمن عقل وما عبد شئ من العالم الا بعد التلبس بالرفعة عند ~~العابد والظهور بالدرجة في قلبه PageV02P252 # ولذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات ولم يقل رفيع الدرجة فكثر الدرجات في ~~عين واحدة فانه قضى أن لا يعبد الا اياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل ~~درجة مجلى الهيا عبد فيها وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه الهوى كما قال ( ~~أفرأيت من اتخذ الهه هواه ( فهو أعظم معبود فانه لا يعبد شئ الا به ولا ~~يعبد هوالا بذاته وفيه أقول # وحق الهوى ان الهوى سبب الهوى %~% ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى # ألا ترى علم الله بالاشياء ما أكمله كيف تمم في حق من عبد هواه واتخذه ms0415 ~~الها فقال ( وأضله الله على علم ( والضلالة الحيرة وذلك أنه لما رأى هذا ~~العابد ما عبد إلا هواه بانقياده لطاعته فيما يأمره به من عبادة من عبده من ~~الاشخاص حتى ان عبادة الله كانت عن هوى أيضا فإنه لو لم يقع له في ذلك ~~الجناب المقدس هوى وهو الإرادة بمحبة ما عبد الله ولا آثره على غيره # وكذلك كل من عبد صورة ما من صور العالم واتخذها إلها ما اتخذها الا ~~بالهوى فالعابد لا يزال تحت سلطان هواه ثم رأى المعبودات تتنوع في العابدين ~~فكل عابد أمرا ما يكفر من يعبد سواه والذى عنده أدنى تنبه يحار لاتحاد ~~الهوى بل لأحديه الهوى كما ذكر فإنه عين واحدة في كل عابد ( فأضله الله ( ~~أى حيره الله على علم بأن كل عابد ما عبد الا هواه ولا استعبده الا هواه ~~سواء PageV02P253 صادف الأمر المشروع أو لم يصادف والعارف المكمل من رأى كل ~~معبود مجلى للحق يعبد فيه # ولذلك سموه كلهم الها مع اسمه الخاص شجر أوحجر أوحيوان أو إنسان أوكوكب ~~أوملك هذا اسم الشخصية فيه والالوهية مرتبة تخيل العابد له أنها مرتبة ~~معبوده وهى على الحقيقة مجلى الحق لبصر هذا العابد المعتكف على هذا المعبود ~~في هذا المجلى المختص بحجر # ولهذا قال بعض من لم يعرف مقاله جهالة ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى ( مع تسميتهم إياهم آلهة كما قالوا ( أجعل الآلهة الها واحدا إن هذا ~~لشئ عجاب ( فما أنكروه بل تعجبوا من ذلك فإنهم وقفوا مع كثرة الصورة ونسبة ~~الالوهية لها فجاء الرسول ودعاهم إلى اله واحد يعرف ولا يشهد بشهادتهم أنهم ~~أثبتوه عندهم واعتقدوه في قولهم ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( ~~لعلمهم بأن تلك الصور حجارة # ولذلك قامت الحجة عليهم بقوله ( قل سموهم ( فما يسمونهم الا بما يعلمون ~~أن تلك الاسماء لهم حقيقة كحجر وخشب وكوكب وأمثالها # وأما العارفون بالأمر على ما هو عليه فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من ~~الصور لأن مرتبتهم في العلم تعطيهم أن ms0416 يكونوا بحكم الوقت لحكم الرسول الذى ~~آمنوا به عليهم الذى به سموا مؤمنين فهم عباد الوقت مع علمهم بأنهم ما ~~عبدوا من تلك الصور أعيانها وانما عبدوا الله فيها بحكم سلطان التجلى ~~PageV02P254 الذى عرفوه منهم وجهله المنكر الذى لا علم له بما يتجلى وستره ~~العارف المكمل من نبى أو رسول أو وارث عنهم # فأمرهم بالإنتزاح عن تلك الصور لما انتزح عنها رسول الوقت اتباعا للرسول ~~طمعا في محبة الله اياهم بقوله ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم ~~الله ( فدعا إلى اله يصمد إليه ويعلم من حيث الجملة ولا يشهد ولا تدركه ~~الابصار بل بل هو يدرك الأبصار للطفه وسريانه في أعيان الأشياء فلا تدركه ~~الابصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة أشباحها وصورها الظاهرة فهو ~~اللطيف الخبير والخبرة ذوق والذوق تجلى والتجلى في الصور فلابد منها ولابد ~~منه فلابد أن يعبده من رآه بهواه ان فهمت هذا اه # فتدبر حقيقة ما عليه هؤلاء فإنهم أجمعوا على كل شرك في العالم وعدلوا ~~بالله كل مخلوق وجوزوا أن يعبد كل شئ ومع كونهم يعبدون كل شئ فيقولون ما ~~عبدنا الا الله # فاجتمع في قولهم أمران كل شرك وكل جحود وتعطيل مع ظنهم أنهم ما عبدوا إلا ~~الله ومعلوم أن هذا خلاف دين المرسلين كلهم وخلاف دين أهل الكتاب كلهم ~~والملل كلها بل وخلاف دين المشركين أيضا وخلاف ما فطر الله عليه عباده مما ~~يعقلونه بقلوبهم ويجدونه في نفوسهم وهو في غاية الفساد والتناقض والسفسطة ~~والجحود لرب العالمين # وذلك أنه علم بالاضطرار أن الرسل كانوا يجعلون ما عبده المشركون ~~PageV02P255 غير الله ويجعلون عابده عابدا لغير الله مشركا بالله عادلا به ~~جاعلا له ندا فانهم دعوا الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له وهذا هو دين ~~الله الذى أنزل به كتبه وأرسل به رسله وهو الاسلام العام الذى لا يقبل الله ~~من الاولين والآخرين غيره ولا يغفر لمن تركه بعد بلاغ الرسالة كما قال ( ان ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ms0417 ما دون ذلك لمن يشاء ) وهو الفارق بين أهل ~~الجنة وأهل النار والسعداء والأشقياء كما قال النبى ( من كان آخر كلامه لا ~~إله إلا الله وجبت له الجنة ( وقال ( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله ~~وجبت له الجنة ( وقال إنى لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجد روحه ~~لها روحا وهى رأس الدين ( وكما قال ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا ~~إله الا الله وأنى رسول الله فإذا قالوها عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله ( وفضائل هذه الكلمة وحقائقها وموقعها من الدين فوق ~~ما يصفه الواصفون ويعرفه العارفون وهى حقيقة الأمر كله كما قال تعالى ( وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحى إليه أنه لا اله الا أنا فاعبدون ) فأخبر ~~سبحانه أنه يوحى إلى كل رسول بنفى الالوهية عما سواه وإثباتها له وحده # وزعم هؤلاء الملاحدة المشركون أن كل شيء يستحق الألوهية كاستحقاق الله ~~لها وقال تعالى ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~PageV02P256 الرحمن آلهة يعبدون ) وزعم هؤلاء الملاحدة أن كل شيء فإنه إله ~~معبود فأخبر سبحانه أنه لم يجعل من دون الرحمن آلهة وقال تعالى ( ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) فأمر الله سبحانه ~~بعبادته واجتناب الطاغوت # وعند هؤلاء أن الطواغيت جميعها فيها الله أوهى الله ومن عبدها فما عبد ~~إلا الله وقال تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من ~~قبلكم ( الآيتين فأمر سبحانه بعبادة الرب الخالق لهذه الآيات وعند هؤلاء ~~الملاحدة الملاعين هو عين هذه الآيات ونهى سبحانه أن يجعل الناس له أندادا ~~وعندهم هذا لا يتصور فإن الأنداد هي عينه فكيف يكون ندا لنفسه والذين عبدوا ~~الأنداد فما عبدوا سواه ثم ان هؤلاء الملاحدة احتجوا بتسمية المشركين لما ~~عبدوه إلها كما قالوا ( أجعل الآلهة إلها واحدا ( واعتقدوا أنهم لما سموهم ~~آلهة كانت تسمية المشركين دليلا على أن الالهية ثابتة لهم # وهذه الحجة قد ردها ms0418 الله على المشركين في غير موضع كقوله سبحانه عن هود ~~في مخاطبته للمشركين من قومه ( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~( الآية هذا رد لقولهم ( أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ( ~~فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسميتهم اياها آلهة PageV02P257 ~~ومعبودين تسمية ابتدعوها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من حجة ولا سلطان ~~والحكم ليس الا لله وحده # وقد أمر هو سبحانه أن لا يعبد إلا اياه فكيف يحتج بقول مشركين لا حجة لهم ~~وقد أبطل الله قولهم وأمر الخلق أن لا يعبدوا الا اياه دون هذه الاوثان ~~التى سماها المشركون آلهة وعند الملاحدة عابدوا الأوثان ما عبدوا إلا الله # ثم ان المشركين أنكروا على الرسول حيث جاءهم ليعبدوا الله وحده ويذروا ما ~~كان يعبد آباؤهم فإذا كانوا هم ما زالوا يعبدون الله وحده كما تزعمه ~~الملاحدة فلم يدعو إلى ترك ما يعبده آباؤهم بل جاءهم ليعبد كل شئ كان يعبده ~~آباؤهم هو وغيره من الأنبياء # وكذلك قال سبحانه في سورة يوسف عنه ( يا صاحبى السجن أأرباب متفرقون خير ~~أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان ( إلى قوله ( ولكن أكثرالناس لا يعلمون ( وقال ~~سبحانه ( أفرأيتم اللات والعزى # ومناة الثالثة الأخرى ( إلى قوله ( ولقد جاءهم من ربهم الهدى ( # وهذه الثلاثة المذكورة في هذه السورة هي الأوثان العظام الكبار التى كان ~~المشركون ينتابونها من أمصارهم فاللات كانت حذو قديد بالساحل PageV02P258 ~~لأهل المدينة والعزى كانت قريبة من عرفات لأهل مكة ومناة كانت بالطائف ~~لثقيف وهذه الثلاث هي أمصار أرض الحجاز # أخبر سبحانه أن الأسماء التى سماها المشركون أسماء ابتدعوها لا حقيقة لها ~~فهم إنما يعبدون أسماء لا مسميات لها لأنه ليس في المسمى من الالوهية ~~ولاالعزة ولا التقدير شيء ولم ينزل الله سلطانا بهذه الاسماء ان يتبع ~~المشركون الا ظنا لا يغنى من الحق شيئا في انها آلهة تنفع وتضر ويتبعوا ~~أهواء أنفسهم # وعند الملاحدة أنهم ms0419 إذا عبدوا أهواءهم فقد عبدوا الله وقد قال سبحانه عن ~~إمام الأئمة وخليل الرحمن وخير البرية بعد محمد أنه قال لأبيه ( يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا # يا أبت انى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك إلى قوله فتكون للشيطان وليا ( ~~فنهاه وأنكر عليه أن يعبد الأوثان التى لا تسمع ولا تبصر ولا تغنى عنه شيئا # وعلى زعم هؤلاء الملحدين فما عبدوا غير الله في كل معبود فيكون الله هو ~~الذى لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنه شيئا وهو الذى نهاه عن عبادته وهو الذى ~~أمره بعبادته وهكذا قال احذق طواغيتهم الفاجر التلمسانى في قصيدة له # يا عاذلى أنت تنهانى وتأمرنى %~% والوجد اصدق نهاء وأمار PageV02P259 # فإن اطعك وأعص الوجد عدت عمى %~% عن العيان إلى أوهام أخبار # وعين ما أنت تدعونى إليه اذا %~% حققته تره المنهى يا جارى # وقد قال أيضا إبراهيم لأبيه ( يا أبت لا تعبد الشيطان ان الشيطان كان ~~للرحمن عصيا ( وعندهم ان الشيطان مجلى إلهى ينبغى تعظيمه ومن عبده فما عبد ~~غير الله وليس الشيطان غير الرحمن حتى نعصيه وقد قال سبحانه ( ألم أعهد ~~اليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين # وان اعبدونى هذا صراط مستقيم ( إلى قوله ( تعقلون ( فنهاهم عن عبادة ~~الشيطان وأمرهم بعبادة الله سبحانه وحده وعندهم عبادة الشيطان هي عبادته ~~أيضا فينبغى أن يعبد الشيطان وجميع الموجودات فانها عينه # وقال تعالى أيضا عن امام الخلائق خليل الرحمن أنه لما ( رأى كوكبا قال ~~هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الآفلين # فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن ~~من القوم الضالين # فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إنى برئ ~~مما تشركون # انى وجهت وجهى إلى قوله وهم مهتدون ( وقال أيضا ( قد كانت لكم أسوة حسنة ~~في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ( إلى قوله ms0420 ( حتى ~~تؤمنوا بالله وحده ( وقال تعالى ( واذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إننى براء ~~مما تعبدون إلا الذى فطرنى ( الآية وقال تعالى ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون # أنتم وآباؤكم الاقدمون إلى قوله اذ نسويكم برب العالمين PageV02P260 # وقال ~~تعالى ( اذ قال لابيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ( ~~إلى قوله ( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين ( # فهذا الخليل الذى جعله الله امام الأئمة الذين يهتدون بأمره من الانبياء ~~والمرسلين بعده وسائر المؤمنين قال ( انى بريء مما تشركون انى وجهت وجهى ~~للذى فطر السماوات والأرض حنيفا ( # وعند الملاحدة الذى أشركوه هو عين الحق ليس غيره فكيف يتبرأ من الله الذى ~~وجه وجهه إليه وأحد الأمرين لازم على أصلهم اما أن يعبده في كل شيء من ~~المظاهر بدون تقييد ولا اختصاص وهوحال المكمل عندهم فلا يتبرأ من شيء واما ~~أن يعبده في بعض المظاهر كفعل الناقصين عندهم # وأما التبرىء من بعض الموجودات فقد قال ان قوم نوح لو تركوهم لتركوا من ~~الحق بقدر ما تركوا من تلك الأوثان والرسل قد تبرأت من الاوثان فقد تركت ~~الرسل من الحق شيئا كثيرا وتبرؤا من الله الذى دعوا الخلق إليه والمشركون ~~على زعمهم أحسن حالا من المرسلين لأن المشركين عبدوه في بعض المظاهر ولم ~~يتبرؤا من سائرها والرسل تبرؤا منه في عامة المظاهر # ثم قول إبراهيم ( وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض ( باطل على أصلهم ~~فانه لم يفطرها اذ هي ليست غيره فما أجدرهم بقوله ( ألم تر إلى الذين اوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت PageV02P261 الآية ثم قول الخليل ( ~~وكيف أخاف ما اشركتم ولا تخافون انكم اشركتم بالله ( الآية وهذه حجة الله ~~التى آتاها إبراهيم على قومه بقوله كيف أخاف ما عبدتموه من دون الله وهى ~~المخلوقات المعبودة من دونه وعندهم ليست معبودة من دونه ومن لم يخفها فلم ~~يخف الله فالرسل لم يخافوا الله # وقول الخليل ( انكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا ( لم يصح عندهم ~~فانهم لم يشركوا بالله شيئا ms0421 اذ ليس ثم غيره حتى يشركوه به بل المعبود الذى ~~عبدوه هو الله وأكثر ما فعلوه انهم عبدوه في بعض المظاهر وليس في هذا انهم ~~جعلوا غيره شريكا له في العبادة # وقوله ( الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الأمن وهم مهتدون ~~( وورد في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت هذه الآية شق ذلك ~~على أصحاب النبى وقالوا أينا لم يظلم نفسه فقال النبى ألم تسمعوا إلى قول ~~العبد الصالح ( لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ( فقد أخبر الله ورسوله ~~ان الشرك ظلم عظيم وأن الامن هو لمن آمن بالله ولم يخلط ايمانه بشرك وعلى ~~زعم هؤلاء الملاحدة فايمان الذين خلطوا ايمانهم بشرك هو الايمان الكامل ~~التام وهو ايمان المحقق العارف عندهم لان من آمن بالله في جميع مظاهره ~~وعبده في كل موجود هو أكمل ممن لم يؤمن به حيث لم يظهر ولم يعبده الا من ~~حيث لا يشهد ولا يعرف وعندهم لا يتصور أن يوجد الا في المخلوقات فمن لم ~~يعبده في شيء PageV02P262 من المخلوقات أصلا فما عبده في الحقيقة أصلا واذا ~~أطلقوا أنه عبده فهو لفظ لا معنى له أى اذا فسروه بالتخصيص فيكون بالتخصيص ~~بمعنى أنه خصص بعض المظاهر بالعبادة وهذا عندهم نقص لامن جهة ما أشركه ~~وعبده وانما هو من جهة ما تركه فليس عندهم في الشرك ظلم ولا نقص الا من جهة ~~قلته والا فاذا كان الشرك عاما كان أكمل وأفضل وكذلك أيضا قول الخليل لقومه ~~( انا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله ( تبرأ عندهم من الحق الذى ظهر ~~فيهم وفى آلهتهم وكذلك كفره به ومعاداته لهم كفر بالحق عندهم ومعاداة له # ثم قوله ( حتى تؤمنوا بالله وحده ( كلام لا معنى له عندهم فانهم كانوا ~~مؤمنين بالله وحده اذ لا يتصور عندهم غيره وانما غايتهم أنهم عبدوه في بعض ~~المظاهر وتركوا بعضها من غير كفر به فيها # وكذلك سائر ما قصه عن إبراهيم من معاداته لما عبده أولئك هو ms0422 عندهم معاداة ~~لله لأنه ما عبد غير الله كما زعم الملحدون محتجين بقوله ( وقضى ربك أن لا ~~تعبدوا إلا إياه ( قالوا وما قضى الله شيئا الا وقع # وهذا هو الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه والكذب على الله ~~فان ( قضى ( هنا ليست بمعنى القدر والتكوين باجماع المسلمين بل وبإجماع ~~العقلاء حتى يقال ما قدر الله شيئا الا وقع وانما هي بمعنى أمر وما أمر ~~الله به فقد يكون وقد لا يكون فتدبر هذا التحريف PageV02P263 # وكذلك قوله ما حكم الله بشئ الا وقع كلام مجمل فان الحكم يكون بمعنى ~~الأمر الدينى وهو الأحكام الشرعية كقوله ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود أحلت لكم بهيمة الانعام ( الآية وقوله ( ومن أحسن من الله حكما ( ~~وقوله ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم ( ويكون الحكم حكما بالحق والتكوين ~~والفعل كقوله ( لن أبرح الأرض حتى يأذن لى أبى أو يحكم الله لى ( وقوله ( ~~قال رب احكم بالحق ( # ولهذا كان بعض السلف يقرؤون ( ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا اياه ( ذكره ~~ثعلب عن بن عباس وذكروا انها كذلك في بعض المصاحف ولهذا قال في سياق الكلام ~~( وبالوالدين احسانا ( الآية وساق أمره ووصاياه إلى أن قال ( ذلك مما أوحى ~~اليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله الها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ~~( # فختم الكلام بمثل ما فتحه به من أمره بالتوحيد ونهيه عن الشرك ليس هو ~~إخبارا انه ما عبد أحد الا الله وان الله قدر ذلك وكونه وكيف وقد قال ( ولا ~~تجعل مع الله الها آخر ( وعندهم ليس في الوجود شئ يجعل الها آخر فأى شئ عبد ~~فهو نفس الإله ليس آخر غيره # ومثل معاداة إبراهيم والمؤمنين لله على زعمهم حيث عادى العابدين ~~والمعبودين وما عبد غير الله وما عبد الله غير الله فهوعين كل عابد وعين كل ~~معبود فكذلك قوله تعالى ( لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء PageV02P264 تلقون ~~اليهم بالمودة ( وعلى زعمهم ما لله عدو أصلا وأنه ما ثم غير ولا سوى بحيث ~~يتصور ms0423 أن يكون عدو نفسه أوعدو الذوات التى لا يظهر الا بها ( السادس ( أن ~~عندهم أن دعوة العباد إلى الله مكر بهم كما صرح به حيث قال إن الدعوة إلى ~~الله مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية وقال أيضا صاحب ~~الفصوص ( وبشر المخبتين ( الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا الها ولم يقولوا ~~طبيعة ( وقد أضلوا كثيرا ( أى حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب ( ولا ~~تزد الظالمين ( لانفسهم المصطفين الذين أورثوا الكتاب فهم أول الثلاثة ~~فقدمه على المقتصد والسابق ( الا ضلالا ( أى الاحيرة وفى المحمدى زدنى فيك ~~تحيرا ( كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا أظلم عليهم قاموا ( له فالمحير له ~~الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه وصاحب الطريق المستطيل مائل ~~خارج عن المقصود طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته فله من وإلى وما ~~بينهما وصاحب الحركة الدورية لا بدء له فيلزمه من ولا غاية فتحكم عليه إلى ~~فله الوجود الاتم وهو المؤتى جوامع الكلم PageV02P265 # وقال بعض شعرائهم # ما بال عيسك لا يقر قرارها %~% والا م ضلك لا ينى متنقلا # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن %~% الا اليك اذا بلغت المنزلا # فعندهم الإنسان هو غاية نفسه وهومعبود نفسه وليس وراءه شئ يعبده أو يقصده ~~أو يدعوه أو يستجيب له ولهذا كان قولهم حقيقة قول فرعون # وكنت أقول لمن أخاطبه ان قولهم هو حقيقة قول فرعون حتى حدثنى بعض من ~~خاطبته في ذلك من الثقات العارفين ان بعض كبرائهم لما دعا هذا المحدث إلى ~~مذهبهم وكشف له حقيقة سرهم قال فقلت له هذا قول فرعون قال نعم ونحن على قول ~~فرعون فقلت له الحمد لله الذى اعترفوا بهذا فإنه مع اقرار الخصم لا يحتاج ~~إلى بينة # وقد جعل صاحب الطريق المستطيل صاحب خيال ومدح الحركة المستديرة الحائرة ~~والقرآن يأمر بالصراط المستقيم ويمدحه ويثنى على أهله لا على المستدير ففى ~~أم الكتاب ( اهدنا الصراط المستقيم ( وقال ( وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل ( وقال ( ولو أنهم فعلوا ms0424 ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا ( الآيتين وقال تعالى في موسى وهارون ( وآتيناهما الكتاب المستبين # وهديناهما PageV02P266 الصراط المستقيم ( وقال تعالى ( وهذا صراط ربك ~~مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون ( وقال عن إبليس ( فبما أغويتنى ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم ( الآية وقال تعالى ( ولقد صدق عليهم ~~ابليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين ( # وهؤلاء الملحدون من أكابر متبعيه فإنه قعد لهم على صراط الله المستقيم ~~فصدهم عنه حتى كفروا بربهم وآمنوا أن نفوسهم هي معبودهم وإلههم # وقال تعالى في حق خاتم الرسل ( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم # صراط الله ( الآية وأيضا فإن الله يقول ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ( ~~وقال تعالى ( ان الينا ايابهم ثم ان علينا حسابهم ( وقال تعالى ( إلى الله ~~مرجعكم جميعا ( الآية وقال تعالى ( يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه ( وهؤلاء عندهم ما ثم الا أنت وأنت إلى الآن مردود إلى الله وما ~~زلت مردودا إليه وليس هو شئ غيرك حتى ترد إليه أو ترجع إليه أو تكدح إليه ~~أو تلاقيه ولهذا حدثونا أن بن الفارض لما احتضر أنشد بيتين # ان كان منزلتى في الحب عندكم %~% ما قد لقيت فقد ضيعت أيامى # أمنية ظفرت نفسى بها زمنا %~% واليوم أحسبها أضغاث أحلام PageV02P267 # وذلك أنه كان يتوهم أنه هو الله وأنه ما ثم مرد إليه ومرجع إليه غير ما ~~كان هو عليه فلما جاءته ملائكة الله تنزع روحه من جسمه وبدا له من الله ما ~~لم يكن يحتسب تبين له أن ما كان عليه أضغاث أحلام من الشيطان # وكذلك حدثنى بعض أصحابنا عن بعض من أعرفه وله اتصال بهؤلاء عن الفاجر ~~التلمسانى أنه وقت الموت تغير واضطرب قال دخلت عليه وقت الموت فوجدته يتأوه ~~فقلت له مم تتأوه فقال من خوف الفوت فقلت سبحان الله ومثلك يخاف الفوت وأنت ~~تدخل الفقير إلى الخلوة فتوصله إلى الله في ثلاثة أيام فقال ما معناه زال ~~ذلك كله وما وجدت لذلك حقيقة # ( الثامن ( ان عندهم من يدعى ms0425 الإلهية من البشر كفرعون والدجال المنتظر أو ~~ادعيت فيه وهومن أولياء الله نبيا كالمسيح أو غير نبى كعلى أو ليس من ~~أولياء الله كالحاكم بمصر وغيرهم فإنه عند هؤلاء الملاحدة المنافقين يصحح ~~هذه الدعوى # وقد صرح صاحب الفصوص بتصحيح هذه الدعوى كدعوى فرعون وهم كثيرا ما يعظمون ~~فرعون فإنه لم يتقدم لهم رأس في الكفر مثله ولا يأتى متأخر لهم مثل الدجال ~~الأعور الكذاب واذا نافقوا المؤمنين وأظهروا الإيمان قالوا انه مات مؤمنا ~~وانه لا يدخل النار وقالوا ليس في القرآن ما يدل على دخوله النار ~~PageV02P268 # وأما في حقيقة أمرهم فما زال عندهم عارفا بالله بل هو الله وليس عندهم ~~نار فيها ألم أصلا كما سنذكره ان شاء الله عنهم ولكن يتفطن بهذا لكون البدع ~~مظان النفاق كما أن السنن شعائر الإيمان # قال صاحب الفصوص في فص الحكمة التى في الكلمة الموسوية لما تكلم على قوله ~~( وما رب العالمين ( قال وهنا سر كبير فإنه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحد ~~الذاتى فجعل الحد الذاتى عين اضافته إلى ما ظهر به من صور العالم أو ما ظهر ~~فيه من صور العالم فكأنه قال له في جواب قوله ( وما رب العالمين ( قال الذى ~~يظهر فيه صور العالمين من علو وهو السماء وسفل وهو الأرض ( إن كنتم موقنين ~~( أو يظهر هو بها # فلما قال فرعون لأصحابه انه لمجنون كما قلنا في معنى كونه مجنونا أى ~~لمستور عنه علم ما سألته عنه إذ لا يتصور أن يعلمه أصلا زاد موسى في البيان ~~ليعلم فرعون رتبته في العلم الإلهى لعلمه بأن فرعون يعلم ذلك فقال ( رب ~~المشرق والمغرب ( فجاء بما يظهر ويستر وهو الظاهر والباطن ( وما بينهما ( ~~وهو قوله ( وهو بكل شئ عليم ( ان كنتم تعقلون ( أى ان كنتم أصحاب تقييد فإن ~~العقل للتقييد # والجواب الأول جواب الموقنين وهم أهل الكشف والوجود فقال له ( ان كنتم ~~موقنين ( أى أهل كشف ووجود فقد أعلمتكم بما تيقنتوه في كشفكم ووجودكم ~~PageV02P269 # فإن لم تكونوا من هذا الصنف فقد ms0426 أجبتكم بالجواب الثانى ان كنتم أهل عقل ~~وتقييد وحصرتم الحق فيما تعطيه أدلة عقولكم فظهر موسى بالوجهين ليعلم فرعون ~~فضله وصدقه وعلم موسى ان فرعون علم ذلك أو يعلم ذلك لكونه سأل عن الماهية ~~فعلم أن سؤاله ليس على اصطلاح القدماء في السؤال فلذلك أجاب فلو علم منه ~~غير ذلك لخطأه في السؤال # فلما جعل موسى المسئول عنه عين العالم خاطبه فرعون بهذا اللسان والقوم لا ~~يشعرن فقال له ( لئن اتخذت إلها غيرى لأجعلنك من المسجونين ( والسين في ~~السجن من حروف الزوائد أى لأسترنك فانك أجبت بما أيدتنى به أن أقول مثل هذا ~~القول فان قلت لى بلسان الاشارة فقد جهلت يا فرعون بوعيدك اياى والعين ~~واحدة فكيف فرقت فيقول فرعون انما فرقت المراتب العين ما تفرقت العين ولا ~~انقسمت في ذاتها ومرتبتى الآن التحكم فيك يا موسى بالفعل وأنا أنت بالعين ~~وأنا غيرك بالرتبة # وساق الكلام إلى ان قال ولما كان فرعون في منصب الحكم صاحب الوقت وأنه ~~الخليفة بالسيف وأنه جار في العرف الناموسى لذلك قال ( أنا ربكم الأعلا ( ~~أى وان كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الاعلا منهم بما اعطيته في الظاهر من ~~التحكم فيكم # ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لهم لم ينكروه وأقروا له بذلك وقالوا له ~~( فاقض ما انت قاض انما تقضى هذه الحياة الدنيا ( فالدولة لك PageV02P270 ~~فصح قوله ( أنا ربكم الأعلا ( وان كان عين الحق فالصورة لفرعون فقطع الأيدى ~~والأرجل وصلب بعين حق في صورة باطل لنيل مراتب لا تنال الا بذلك الفعل فان ~~الاسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان الثابتة اقتضتها فلا تظهر في ~~الوجود الا بصورة ما هي عليه في الثبوت إذ لا تبديل لكلمات الله وليست كلمة ~~الله سوى أعيان الموجودات ( PageV02P271 ### ||| فصل # ومن أعظم الاصول التى يعتمدها هؤلاء الاتحادية الملاحدة المدعون للتحقيق ~~والعرفان ما يأثرونه عن النبى قال ( كان الله ولا شئ معه وهو الآن على ما ~~عليه كان ( وهذه الزيادة وهو قوله ( وهو الآن على ما عليه كان ms0427 ( كذب مفترى ~~على رسول الله اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوع مختلق وليس هو في شئ ~~من دواوين الحديث لا كبارها ولا صغارها ولا رواه أحد من أهل العلم باسناد ~~لا صحيح ولا ضعيف ولا باسناد مجهول وانما تكلم بهذه الكلمة بعض متأخرى ~~متكلمة الجهمية فتلقاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهم وهو التعطيل ~~والالحاد # ولكن أولئك قد يقولون كان الله ولا مكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه ~~كان فقال هؤلاء كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان وقد اعترف ~~بأن هذا ليس من كلام النبى أعلم هؤلاء بالاسلام بن عربى فقال في كتاب ( ما ~~لابد للمريد منه ( وكذلك جاء في السنة ( كان الله ولا شئ معه ( قال وزاد ~~العلماء وهو الآن على ما عليه كان فلم يرجع إليه PageV02P272 من خلقه ~~العالم وصف لم يكن عليه ولا عالم موجود فاعتقد فيه من التنزيه مع وجود ~~العالم ما تعتقده فيه ولا عالم ولا شئ سواه وهذا الذى قاله هو قول كثير من ~~متكلمى أهل القبلة ولو ثبت على هذا لكان قوله من جنس قول غيره لكنه متناقض ~~ولهذا كان مقدم الاتحادية الفاجر التلمسانى يرد عليه في مواضع يقرب فيها ~~إلى المسلمين كما يرد عليه المسلمون المواضع التى خرج فيها إلى الاتحاد # وانما الحديث المأثور عن النبى ما أخرجه البخارى عن عمران بن حصين عن ~~النبى أنه قال كان الله ولم يكن شئ قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر ~~كل شئ ثم خلق السماوات والأرض # وهذه الزيادة الإلحادية وهو قولهم وهو الآن على ما عليه كان قصد بها ~~المتكلمة المتجهمة نفى الصفات التى وصف بها نفسه من استوائه على العرش ~~ونزوله إلى السماء الدنيا وغير ذلك فقالوا كان في الأزل ليس مستويا على ~~العرش وهو الآن على ما عليه كان فلا يكون على العرش لما يقتضى ذلك من ~~التحول والتغير # ويجيبهم أهل السنة والاثبات بجوابين معروفين # ( أحدهما ( أن المتجدد نسبة وإضافة بينه ms0428 وبين العرش بمنزلة المعية ~~PageV02P273 ويسميها بن عقيل الاحوال وتجدد النسب والإضافات متفق عليه بين ~~جميع أهل الأرض من المسلمين وغيرهم إذ لا يقتضى ذلك تغيرا ولا استحالة # ( والثانى ( ان ذلك وان اقتضى تحولا من حال إلى حال ومن شأن إلى شأن فهو ~~مثل مجيئه واتيانه ونزوله وتكليمه لموسى واتيانه يوم القيامة في صورة ونحو ~~ذلك مما دلت عليه النصوص وقال به أكثر أهل السنة والحديث وكثير من أهل ~~الكلام وهو لازم لسائر الفرق # وقد ذكرنا نزاع الناس في ذلك في قاعدة الفرق بين الصفات والمخلوقات ~~والصفات الفعلية # وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية فقالوا وهو الآن على ما عليه كان ليس معه ~~غيره كما كان في الأزل ولا شئ معه قالوا إذ الكائنات ليست غيره ولا سواه ~~فليس إلا هو فليس معه شئ آخر لا أزلا ولا أبدا بل هو عين الموجودات ونفس ~~الكائنات وجعلوا المخلوقات المصنوعات هي نفس الخالق البارئ المصور # وهم دائما يهذون بهذه الكلمة ( وهو الآن على ما عليه كان ( وهى أجل عندهم ~~من ( قل هو الله أحد ( ومن آية الكرسى لما فيها من الدلالة على الاتحاد ~~الذى هو الحادهم وهم يعتقدون أنها ثابتة عن النبى وأنها من كلامه ومن أسرار ~~معرفته وقد بينا أنها كذب مختلق على النبى لم يقلها ولم يروها أحد من أهل ~~العلم ولا هي في شئ من دواوين الحديث PageV02P274 بل اتفق العارفون بالحديث ~~على انها موضوعة ولا تنقل هذه الزيادة عن امام مشهور في الأمة بالامامة ~~وانما مخرجها ممن يعرف بنوع من التجهم وتعطيل بعض الصفات ولفظ الحديث ~~المعروف عند علماء الحديث الذى أخرجه أصحاب الصحيح ( كان الله ولا شئ معه ~~وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ ( وهذا انما ينفى وجود المخلوقات ~~من السماوات والأرض وما فيهما من الملائكة والانس والجن لا ينفى وجود العرش # ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إلى أن العرش متقدم على القلم واللوح ~~مستدلين بهذا الحديث وحملوا قوله ( أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب ms0429 ~~فقال وما اكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ( على هذا الخلق ~~المذكور في قوله ( وهو الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ( # وهذا نظير حديث أبى رزين العقيلى المشهور في كتب المسانيد والسنن انه سأل ~~النبى فقال يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه فقال ( كان في عماء ~~ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء ( فالخلق المذكور في هذا ~~الحديث لم يدخل فيه العماء وذكر بعضهم أن هذا هو السحاب المذكور في قوله ( ~~هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ( وفى ذلك آثار معروفة ~~PageV02P275 # والدليل على أن هذا الكلام وهو قولهم وهو الآن على ما عليه كان كلام باطل ~~مخالف للكتاب والسنة والاجماع والاعتبار وجوه # ( أحدها ( أن الله قد أخبر بأنه مع عباده في غير موضع من الكتاب عموما ~~وخصوصا مثل قوله ( وهو الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش ( إلى قوله ( وهو معكم أينما كنتم ( وقوله ( ما يكون من نجوى ثلاثة ~~الا هو رابعهم ( إلى قوله ( اينما كانوا ( وقوله ( ان الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون ( وقال ( والله مع الصابرين ( في موضعين وقوله ( اننى ~~معكما أسمع وأرى ( لا تحزن ان الله معنا ( وقال الله انى معكم ( ان معى ربى ~~سيهدين ( # وكان النبى اذا سافر يقول ( اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الاهل ~~اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا ( فلو كان الخلق عموما وخصوصا ~~ليسوا غيره ولا هم معه بل ما معه شئ آخر امتنع أن يكون هو مع نفسه وذاته ~~فان المعية توجب شيئين كون أحدهما مع الآخر فلما أخبر الله أنه مع هؤلاء ~~علم بطلان قولهم ( هو الآن على ما عليه كان ( لا شئ معه بل هو عين ~~المخلوقات وأيضا فإن المعية لا تكون الا من الطرفين فان معناها المقارنة ~~والمصاحبة فإذا كان أحد الشيئين مع الآخر امتنع ألا يكون الآخر معه فمن ~~الممتنع ms0430 أن يكون الله مع خلقه ولا يكون لهم وجود معه ولا حقيقة أصلا بل هم ~~هو PageV02P276 # الوجه الثانى ( أن الله قال في كتابه ( ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى ~~في جهنم ملوما مدحورا ( وقال تعالى ( فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين ( وقال ( ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا ~~وجهه ( فنهاه أن يجعل أو يدعو معه إلها آخر ولم ينهه أن يثبت معه مخلوقا أو ~~يقول ان معه عبدا مملوكا أو مربوبا فقيرا أو معه شيئا موجودا خلقه كما قال ~~( لا إله إلا هو ( ولم يقل لا موجود إلا هو أو لا هو إلا هو أو لا شئ معه ~~إلا هو بمعنى أنه نفس الموجودات وعينها # وهذا كما قال ( والهكم إله واحد ( فأثبت وحدانيته في الألوهية ولم يقل إن ~~الموجودات واحد فهذا التوحيد الذى في كتاب الله هو توحيد الألوهية وهو أن ~~لا تجعل معه ولا تدعو معه إلها غيره فأين هذا من أن يجعل نفس الوجود هو ~~اياه # وأيضا فنهيه أن يجعل معه أو يدعو معه الها آخر دليل على أن ذلك ممكن كما ~~فعله المشركون الذين دعوا مع الله آلهة أخرى فلو كانت تلك الآلهة هي اياه ~~ولا شيء معه أصلا امتنع أن يدعى معه آلهة أخرى # فهذه النصوص تدل على أن معه أشياء ليست بآلهة ولا يجوز أن تجعل آلهة ولا ~~تدعى آلهة وأيضا فعند الملحدين يجوز أن يعبد كل شئ ويدعى كل شئ اذ لا يتصور ~~أن يعبد غيره فإنه هو الأشياء PageV02P277 # فيجوز للإنسان حينئذ أن يدعو كل شئ من الآلهة المعبودة من دون الله وهو ~~عند الملاحدة ما دعا معه الها آخر فجعل نفس ما حرمه الله وجعله شركا جعله ~~توحيدا والشرك عنده لا يتصور بحال # ( الوجه الثالث ( أن الله لما كان ولا شئ معه لم يكن معه سماء ولا أرض ~~ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا انس ولا دواب ولا شجر ولا ms0431 جنة ولا نار ولا جبال ~~ولا بحار فان كان الآن على ما عليه كان فيجب أن لا يكون معه شئ من هذه ~~الأعيان وهذا مكابرة للعيان وكفر بالقرآن والإيمان # ( الوجه الرابع ( أن الله كان ولا شئ معه ثم كتب في الذكر كل شئ كما جاء ~~في الحديث الصحيح فإن كان لا شئ معه فيما بعد فما الفرق بين حال الكتابة ~~وقبلها وهو عين الكتابة واللوح عند الفراعنة الملاحدة PageV02P278 ### ||| فصل # وزعمت طائفة من هؤلاء الإتحادية الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته أن ~~فرعون كان مؤمنا وأنه لا يدخل النار وزعموا أنه ليس في القرآن ما يدل على ~~عذابه بل فيه ما ينفيه كقوله ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ( قالوا فإنما ~~أدخل آله دونه وقوله ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ( قالوا انما ~~أوردهم ولم يدخلها قالوا ولأنه قد آمن أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنوا ~~إسرائيل ووضع جبريل الطين في فمه لا يرد إيمان قلبه # وهذا القول كفر معلوم فساده بالإضطرار من دين الإسلام لم يسبق بن عربى ~~إليه فيما أعلم أحد من أهل القبلة بل ولا من اليهود ولا من النصارى بل جميع ~~أهل الملل مطبقون على كفر فرعون # فهذا عند الخاصة والعامة أبين من أن يستدل عليه بدليل فإنه لم يكفر أحد ~~بالله ويدعى لنفسه الربوبية والإلهية مثل فرعون # ولهذا ثنى الله قصته في القرآن في مواضع فإن القصص إنما هي أمثال ~~PageV02P279 مضروبة للدلالة على الإيمان وليس في الكفار أعظم من كفره ~~والقرآن قد دل على كفره وعذابه في الآخرة في مواضع ( أحدها ( قوله تعالى في ~~القصص ( فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين ( ~~إلى قوله ( وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ( # فأخبر سبحانه أنه أرسله إلى فرعون وقومه وأخبر أنهم كانوا قوما فاسقين ~~وأخبر أنهم ( قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ( وأخبر أن فرعون ( قال ما علمت ~~لكم من إله غيرى ( وأنه أمر باتخاذ الصرح ليطلع إلى إله ms0432 موسى وأنه يظنه ~~كاذبا وأخبر أنه استكبر فرعون وجنوده وظنوا أنهم لا يرجعون إلى الله وأنه ~~أخذ فرعون وجنوده فنبذهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وأنه جعلهم ~~أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأنه أتبعهم في الدنيا لعنة ~~ويوم القيامة هم من المقبوحين فهذا نص في ان فرعون من الفاسقين المكذبين ~~لموسى الظالمين الداعين إلى النار الملعونين في الدنيا بعد غرقهم المقبوحين ~~في الدار الآخرة # وهذا نص في أن فرعون بعد غرقه ملعون وهو في الآخرة مقبوح غير منصور وهذا ~~إخبار عن غاية العذاب وهو موافق للموضع الثانى في سورة المؤمن وهو قوله ( ~~وحاق بآل فرعون سوء العذاب # النار PageV02P280 يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب ( وهذا إخبار عن فرعون وقومه أنه حاق بهم سوء العذاب في ~~البرزخ وأنهم في القيامة يدخلون أشد العذاب وهذه الآية إحدى ما استدل به ~~العلماء على عذاب البرزخ # وإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجهال لما سمعوا آل فرعون فظنوا أن فرعون ~~خارج منهم وهذا تحريف للكلم عن مواضعه بل فرعون داخل في آل فرعون بلا نزاع ~~بين أهل العلم بالقرآن واللغة يتبين ذلك بوجوه # ( أحدها ( أن لفظ آل فلان في الكتاب والسنة يدخل فيها ذلك الشخص مثل قوله ~~في الملائكة الذين ضافوا إبراهيم ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين # الا آل لوط انا لمنجوهم أجمعين # الا امرأته ( ثم قال ( فلما جاء آل لوط المرسلون قال ( يعنى لوطا ( انكم ~~قوم منكرون ( وكذلك قوله ( انا أرسلنا عليهم حاصبا الا آل لوط نجيناهم بسحر ~~( ثم قال بعد ذلك ( ولقد جاء آل فرعون النذر # كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ( ومعلوم أن لوطا داخل في آل ~~لوط في هذه المواضع وكذلك فرعون داخل في آل فرعون المكذبين المأخوذين ومنه ~~قول النبى ( قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل ابراهيم ~~PageV02P281 وكذلك قوله ( كما باركت على آل إبراهيم ( فإبراهيم داخل في ذلك ~~وكذلك قوله للحسن ( ان ms0433 الصدقة لا تحل لآل محمد ( # وفى الصحيح عن عبد الله بن أبى أوفى قال كان القوم إذا أتوا رسول الله ~~بصدقة يصلى عليهم فأتى أبى بصدقة فقال ( اللهم صل على آل أبى أوفى ( وأبو ~~أوفى هو صاحب الصدقة # ونظير هذا الاسم أهل البيت فإن الرجل يدخل في أهل بيته كقول الملائكة ( ~~رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ( وقول النبى ( سلمان منا أهل البيت ( ~~وقوله تعالى ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ( وذلك لأن آل ~~الرجل من يؤول إليه ونفسه ممن يؤول إليه وأهل بيته هم من يأهله وهو ممن ~~يأهل أهل بيته # فقد تبين أن الآية التى ظنوا أنها حجة لهم هي حجة عليهم في تعذيب فرعون ~~مع سائر آل فرعون في البرزخ وفى يوم القيامة ويبين ذلك أن الخطاب في القصة ~~كلها إخبار عن فرعون وقومه قال تعالى ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين # إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب ( إلى قوله ( قال فرعون ما ~~أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد ( إلى قوله ( وقال فرعون يا ~~هامان بن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب # أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى ( إلى قوله ( وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب # النار PageV02P282 يعرضون عليها غدوا وعشيا ( إلى قوله ( قال الذين ~~استكبروا انا كل فيها ان الله قد حكم بين العباد ( # فأخبر عقب قوله ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ( عن محاجتهم في النار وقول ~~الضعفاء للذين استكبروا وقول المستكبرين للضعفاء ( انا كل فيها ( ومعلوم أن ~~فرعون هو رأس المستكبرين وهو الذى استخف قومه فأطاعوه ولم يستكبر أحد ~~استكبار فرعون فهو أحق بهذا النعت والحكم من جميع قومه # ( الموضع الثانى ( وهو حجة عليهم لا لهم قوله تعالى ( فاتبعوا أمر فرعون ~~وما أمر فرعون برشيد # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود ) إلى قوله ( ~~بئس الرفد المرفود ) فأخبر أنه يقدم قومه ولم يقل يسوقهم وأنه أوردهم النار ~~ومعلوم أن المتقدم اذا أورد المتأخرين النار كان هو أول من يردها ms0434 والا لم ~~يكن قادما بل كان سائقا يوضح ذلك أنه قال ( وأتبعوا في هذه لعنة ويوم ~~القيامة ) فعلم أنه وهم يردون النار وأنهم جميعا ملعونون في الدنيا والآخرة # وما أخلق المحاج عن فرعون أن يكون بهذه المثابة فإن المرء مع من أحب ( ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) وايضا فقد قال الله تعالى ( فلولا كانت ~~قرية آمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما آمنوا ) يقول هلا آمن قوم ~~فنفعهم ايمانهم الا قوم يونس PageV02P283 # وقال تعالى ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض ) إلى قوله ( سنة الله التى قد ~~خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) فأخبر عن الأمم المكذبين للرسل انهم ~~آمنوا عند رؤية البأس وانه لم يك ينفعهم ايمانهم حينئذ وأن هذه سنة الله ~~الخالية في عباده # وهذا مطابق لما ذكره الله في قوله لفرعون ( آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين ) فإن هذا الخطاب هو استفهام انكار أى الآن تؤمن وقد عصيت قبل ~~فأنكر أن يكون هذا الإيمان نافعا أو مقبولا فمن قال انه نافع مقبول فقد ~~خالف نص القرآن وخالف سنة الله التى قد خلت في عباده # يبين ذلك أنه لو كان ايمانه حينئذ مقبولا لدفع عنه العذاب كما دفع عن قوم ~~يونس فإنهم لما قبل ايمانهم متعوا إلى حين فإن الاغراق هو عذاب على كفره ~~فإذا لم يكن كافرا لم يستحق عذابا # وقوله بعد هذا ( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) يوجب أن يعتبر ~~من خلفه ولو كان انما مات مؤمنا لم يكن المؤمن مما يعتبر بإهلاكه واغراقه ~~وأيضا فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما أخبره بن مسعود بقتل أبى جهل قال ( ~~هذا فرعون هذه الأمة ) فضرب النبى المثل في رأس الكفار المكذبين له برأس ~~الكفار المكذبين لموسى PageV02P284 # فهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر فكيف يكون قد مات مؤمنا ومعلوم أن من ~~مات مؤمنا لا يجوز أن يوسم بالكفر ولا يوصف لأن الإسلام ms0435 يهدم ما كان قبله ~~وفى مسند أحمد واسحاق وصحيح أبى حاتم عن عوف بن مالك عن عبد الله بن عمرو ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة ( يأتى مع قارون وفرعون وهامان ~~وأبى بن خلف PageV02P285 ### || 1 ( الحجج النقلية والعقلية فيما ينافي الإسلام من بدع ) 1 ### ||| سئل الشيخ الإمام الربانى شيخ الاسلام بحر العلوم إمام الأئمة ناصر السنة علامة الورى وارث الأنبياء ! 8 < أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ! 8 < # عن كلمات وجدت بخط من يوثق به ذكرها عنه جماعة من الناس فيهم من انتسب ~~إلى الدين # فمن ذلك قال بعض السلف ان الله لطف ذاته فسماها حقا وكشفها فسماها خلقا # وقال الشيخ نجم الدين بن اسرائيل ان الله ظهر في الأشياء حقيقة واحتجب ~~بها مجازا فمن كان من أهل الحق والجمع شهدها مظاهر ومجالى ومن كان من أهل ~~المجاز والفرق شهدها ستورا وحجبا قال وقال في قصيدة له # لقد حق لى رفض الوجود وأهله %~% وقد علقت كفاى جمعا بموجدى PageV02P286 # ثم بعد مدة غير البيت بقوله * لقد حق لى عشق الوجود وأهله * # فسألته عن ذلك فقال مقام البداية أن يرى الأكوان حجبا فيرفضها ثم يراها ~~مظاهر ومجالى فيحق له العشق لها كما قال بعضهم # أقبل أرضا سار فيها جمالها %~% فكيف بدار دار فيها جمالها # قال وقال بن عربى عقيب انشاد بيتى أبى نواس # رق الزجاج وراقت الخمر %~% وتشاكلا فتشابه الأمر # فكأنما خمر ولا قدح %~% وكأنما قدح ولا خمر # لبس صورة العالم فظاهره خلقه وباطنه حقه # وقال بعض السلف عين ما ترى ذات لا ترى وذات لاترى عين ما ترى الله فقط ~~والكثرة وهم # قال الشيخ قطب الدين بن سبعين رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك الله فقط ~~والكثرة وهم # وقال الشيخ محيى الدين بن عربى # يا صورة أنس سرها معنائى %~% ما خلقك للأمر ترى لولائى # شئناك فأنشأناك خلقا بشرا %~% لتشهدنا في أكمل الاشياء PageV02P287 # وفيه طلب بعض أولاد المشايخ من والده الحج فقال له الشيخ يا بنى طف ms0436 ببيت ~~ما فارقه الله طرفة عين # قال وقيل عن رابعة العدوية انها حجت فقالت هذا الصنم المعبود في الأرض ~~والله ماولجه الله ولا خلا منه # وفيه للحلاج # سبحان من أظهر ناسوته %~% سر سنا لاهوته الثاقب # ثم بدا مستترا ظاهرا %~% في صورة الآكل والشارب # قال وله # عقد الخلائق في الاله عقائدا %~% وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه # وله أيضا # بيني وبينك إنى تزاحمنى %~% فارفع بحقك إنيي من البين # قال وقال الشيخ شهاب الدين السهروردى الحلبى المقتول وبهذه الإنية التى ~~طلب الحلاج رفعها تصرفت الاغيار في دمه ولذلك قال السلف الحلاج نصف رجل ~~وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى فرفعت له صورة # وفيه لمحيى الدين بن عربى # # والله ما هي إلا حيرة ظهرت %~% وبى حلفت وإن المقسم الله # وقال فيه ~~المنقول عن عيسى عليه السلام أنه قال ( ان الله تبارك PageV02P288 وتعالى ~~اشتاق بأن يرى ذاته المقدسة فخلق من نوره آدم عليه السلام وجعله كالمرآة ~~ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وإنى أنا ذلك النور وآدم المرآة قال بن الفارض ~~في قصيدته السلوك: # وشاهد إذا إستجليت نفسك من ترى %~% بغير مراء في المرآة الصقيلة # أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر %~% إليك بها عند انعكاس الأشعة # قال وقال إبن اسرائيل الأمر أمران أمر بواسطة وأمر بغير واسطة فالأمر ~~الذى بالوسائط رده من شاء الله وقبله من شاء الله والأمر الذى بغير واسطة ~~لا يمكن رده وهو قوله تعالى ( إنما قولنا لشيء اذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون ( # فقال له فقير إن الله قال لآدم بلا واسطة لا تقرب الشجرة فقرب وأكل فقال ~~صدقت وذلك أن آدم انسان كامل ولذلك قال شيخنا على الحريرى آدم صفى الله ~~تعالى كان توحيده ظاهرا وباطنا فكان قوله لآدم ( لاتقرب الشجرة ( ظاهرا ~~وكان أمره ( كل ( باطنا فأكل فكذلك قوله تعالى وابليس كان توحيده ظاهرا ~~فأمر بالسجود لآدم فرآه غيرا فلم يسجد فغير الله عليه وقال ( اخرج منها ( # وقال شخص لسيدى يا سيدى حسن اذا كان الله يقول لنبيه ( ليس ms0437 لك من الامر ~~شئ ( ايش نكون نحن فقال سيدى له ليس الامر كما تقول أو تظن فقوله له ( ليس ~~لك من الامر شيء ( عين الاثبات للنبى صلى الله PageV02P289 عليه وسلم كقوله ~~تعالى ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ( ان الذين يبايعونك انما يبايعون ~~الله يد الله فوق أيديهم ( # وفيه لأوحد الدين الكرمانى # ما غبت عن القلب ولا عن عينى %~% ما بينكم وبيننا من بين # وقال غيره # لا تحسب بالصلاة والصوم تنال %~% قربا ودنوا من جمال وجلال # فارق ظلم الطبع وكن متحدا %~% بالله والاكل دعواك محال # وغيره للحلاج # اذا بلغ الصب الكمال من الهوى %~% وغاب عن المذكور في سطوة الذكر # يشاهد حقا حين يشهده الهوى %~% بأن صلاة العارفين من الكفر # وللشيخ نجم الدين بن اسرائيل # الكون يناديك ألا تسمعنى %~% من ألف أشتاتى ومن فرقنى # أنظر لترانى منظرا معتبرا %~% ما في سوى وجود من أوجدنى # وله أيضا # ذرات وجود الكون للحق شهود %~% أن ليس لموجود سوى الحق وجود # والكون وإن تكثرت عدته %~% منه والى علاه يبدو ويعود PageV02P290 # وله أيضا # برئت اليك من قولى وفعلى %~% ومن ذاتى براءة مستقيل # وما أنا في طراز الكون شيء %~% لانى مثل ظل مستحيل # وللعفيف التلمسانى # أحن إليه وهو قلبى وهل يرى %~% سواى أخو وجد يحن لقلبه # ويحجب طرفى عنه إذ هو ناظرى %~% وما بعده إلا لافراط قربه # وقال بعض السلف التوحيد لا لسان له والالسنة كلها لسانه # ومن ذلك أيضا التوحيد لا يعرفه إلا الواحد ولا تصح العبارة عن الواحد ~~وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغيره ومن أثبت غيرا فلا توحيد له # قال وسمعت الشيخ محمد بن بشر النواوى يقول ورد سيدنا الشيخ على الحريرى ~~إلى جامع نوى قال الشيخ محمد فجئت إليه فقبلت الأرض بين يديه وجلست فقال يا ~~بنى وقفت مع المحبة مدة فوجدتها غير المقصود لأن المحبة لا تكون إلا من غير ~~لغير وغير ما ثم ثم وقفت مع التوحيد مدة فوجدته كذلك لأن التوحيد لا يكون ~~إلا من عبد لرب ولو ms0438 أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا وفيه سمعت من الشيخ ~~نجم الدين بن اسرائيل مما أسر إلى أنه سمع من PageV02P291 شيخنا الشيخ على ~~الحريرى في العام الذى توفى فيه قال يا نجم رأيت لهاتى الفوقانية فوق ~~السماوات وحنكى تحت الارضين ونطق لسانى بلفظة لو سمعت منى ما وصل إلى الأرض ~~من دمى قطرة # فلما كان بعد ذلك بمدة قال شخص في حضرة سيدى الشيخ حسن بن على الحريرى يا ~~سيدى حسن ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه اله مثل فرعون ونمروذ ~~وأمثالهما فقال ان هذه المقالة لا يقولها الا أجهل خلق الله أو أعرف خلق ~~الله فقلت له صدقت وذلك أنه قد سمعت جدك يقول رأيت كذا وكذا فذكر ما ذكره ~~الشيخ نجم الدين عن الشيخ # وفيه قال بعض السلف من كان عين الحجاب على نفسه فلا حجاب ولا محجوب ### ||| فالمطلوب من السادة العلماء # أن يبينوا هذه الاقوال وهل هي حق أو باطل وما يعرف به معناها وما يبين ~~أنها حق أو باطل وهل الواجب انكارها أو اقرارها أو التسليم لمن قالها وهل ~~لها وجه سائغ وما الحكم فيمن اعتقد معناها اما مع المعرفة بحقيقتها واما مع ~~التسليم المجمل لمن قالها PageV02P292 # والمتكلمون بها هل أرادوا معنى صحيحا يوافق العقل والنقل وهل يمكن تأويل ~~ما يشكل منها وحمله على ذلك المعنى وهل الواجب بيان معناها وكشف مغزاها اذا ~~كان هناك ناس يؤمنون بها ولا يعرفون حقيقتها أم ينبغى السكوت عن ذلك وترك ~~الناس يعظمونها ويؤمنون بها مع عدم العلم بمعناها بينوا ذلك مأجورين ~~PageV02P293 ### |||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله رب العالمين # هذه الأقوال المذكورة تشتمل على أصلين باطلين مخالفين لدين المسلمين ~~واليهود والنصارى مع مخالفتهما للمنقول والمعقول # أحدهما الحلول والإتحاد وما يقارب ذلك كالقول بوحدة الوجود كالذين يقولون ~~أن الوجود واحد فالوجود الواجب للخالق هو الوجود الممكن للمخلوق كما يقول ~~ذلك أهل الوحدة كابن عربى وصاحبه القونوى وبن سبعين وبن الفارض صاحب ~~القصيدة التائية نظم السلوك وعامر البصرى ms0439 السيواسى الذى له قصيدة تناظر ~~قصيدة بن الفارض والتلمسانى الذى شرح ( مواقف النفرى ( وله شرح الأسماء ~~الحسنى على طريقة هؤلاء وسعيد الفرغانى الذى شرح قصيدة بن الفارض والششترى ~~صاحب الأزجال الذى هو تلميذ بن سبعين وعبد الله البليانى وبن أبى المنصور ~~المتصوف المصرى صاحب ( فك الأزرار عن أعناق الأسرار ( وأمثالهم # ثم من هؤلاء من يفرق بين الوجود والثبوت كما يقوله بن عربى ويزعم ~~PageV02P294 أن الأعيان ثابتة في العدم غنية عن الله في أنفسها ووجود الحق ~~هو وجودها والخالق مفتقر إلى الاعيان في ظهور وجوده بها وهى مفتقرة إليه في ~~حصول وجودها الذى هو نفس وجوده وقوله مركب من قول من قال المعدوم شئ وقول ~~من يقول وجود الخالق هو وجود المخلوق ويقول فالوجود المخلوق هو الوجود ~~الخالق والوجود الخالق هو الوجود المخلوق كما هو مبسوط في موضع آخر # ومنهم من يفرق بين الاطلاق والتعيين كما يقول القونوى ونحوه فيقولون ان ~~الواجب هو الوجود المطلق لا بشرط وهذا لا يوجد مطلقا إلا في الاذهان لا في ~~الاعيان فما هو كلى في الاذهان لا يكون في الاعيان إلا معينا وان قيل إن ~~المطلق جزء من المعين لزم أن يكون وجود الخالق جزءا من وجود المخلوق والجزء ~~لا يبدع الجميع ويخلقه فلا يكون الخالق موجودا # ومنهم من قال إن البارى هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق كما يقول بن سينا ~~وأتباعه فقوله أشد فسادا فان المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الاذهان ~~لا في الأعيان فقول هؤلاء بموافقة من هؤلاء الذين يلزمهم التعطيل شر من قول ~~الذين يشبهون أهل الحلول والاتحاد # وآخرون يجعلون الوجود الواجب والوجود الممكن بمنزلة المادة PageV02P295 ~~والصورة التى تقولها المتفلسفة أو قريب من ذلك كما يقوله بن سبعين وأمثاله # وهؤلاء أقوالهم فيها تناقض وفساد وهى لا تخرج عن وحدة الوجود والحلول أو ~~الاتحاد وهم يقولون بالحلول المطلق والوحدة المطلقة والاتحاد المطلق بخلاف ~~من يقول بالمعين كالنصارى والغالية ( من الشيعة ( الذين يقولون بإلهية على ~~أو الحاكم أو الحلاج أو يونس القنينى ms0440 أو غير هؤلاء ممن ادعيت فيه الإلهية ~~فإن هؤلاء قد يقولون بالحلول المقيد الخاص وأولئك يقولون بالإطلاق والتعميم ~~ولهذا يقولون إن النصارى إنما كان خطؤهم في التخصيص وكذلك يقولون في ~~المشركين عباد الأصنام إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر دون ~~بعض وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقا على وجه الاطلاق والعموم # ولا ريب أن في قول هؤلاء من الكفر والضلال ما هو أعظم من كفر اليهود ~~والنصارى # وهذا المذهب شائع في كثير من المتأخرين وكان طوائف من الجهمية يقولون به ~~وكلام بن عربى في فصوص الحكم وغيره وكلام بن سبعين PageV02P296 وصاحبه ~~الششترى وقصيدة بن الفارض ( نظم السلوك ( وقصيدة عامر البصرى وكلام العفيف ~~التلمسانى وعبد الله البليانى والصدر القونوى وكثير من شعر بن اسرائيل وما ~~ينقل من ذلك عن شيخه الحريرى وكذلك نحو منه يوجد في كلام كثير من الناس غير ~~هؤلاء هو مبنى على هذا المذهب مذهب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود # وكثير من أهل السلوك الذين لا يعتقدون هذا المذهب يسمعون شعر بن الفارض ~~وغيره فلا يعرفون أن مقصوده هذا المذهب فإن هذا الباب وقع فيه من الإشتباه ~~والضلال ما حير كثيرا من الرجال # وأصل ضلال هؤلاء أنهم لم يعرفوا مباينة الله لمخلوقاته وعلوه عليها ~~وعلموا أنه موجود فظنوا أن وجوده لا يخرج عن وجودها بمنزلة من رأى شعاع ~~الشمس فظن أنه الشمس نفسها # ولما ظهرت الجهمية المنكرة لمباينة الله وعلوه على خلقه افترق الناس في ~~هذا الباب على أربعة أقوال # فالسلف والأئمة يقولون إن الله فوق سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه ~~كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وكما علم المباينة والعلو ~~بالمعقول الصريح الموافق للمنقول الصحيح وكما فطر الله على ذلك خلقه من ~~إقرارهم به وقصدهم إياه سبحانه وتعالى PageV02P297 # ( والقول الثانى ( قول معطلة الجهمية ونفاتهم وهم الذين يقولون لا هو ~~داخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا محايث له فينفون الوصفين ~~المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما كما يقول ذلك ms0441 أكثر المعتزلة ومن ~~وافقهم من غيرهم # ( والقول الثالث ( قول حلولية الجهمية الذين يقولون انه بذاته في كل مكان ~~كما يقول ذلك النجارية أتباع حسين النجار وغيرهم من الجهمية وهؤلاء ~~القائلون بالحلول والاتحاد من جنس هؤلاء فإن الحلول أغلب على عباد الجهمية ~~وصوفيتهم وعامتهم والنفى والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم كما قيل ~~متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شئ وذلك لأن ~~العبادة تتضمن الطلب والقصد والإرادة والمحبة وهذا لا يتعلق بمعدوم فإن ~~القلب يطلب موجودا فإذا لم يطلب ما فوق العالم طلب ما هو فيه وأما الكلام ~~والعلم والنظر فيتعلق بموجود ومعدوم فإذا كان أهل الكلام والنظر يصفون الرب ~~بصفات السلب والنفى التى لا يوصف بها الا المعدوم لم يكن مجرد العلم ~~والكلام ينافى عدم المعبود المذكور بخلاف القصد والإرادة والعبادة فإنه ~~ينافى عدم المعبود # ولهذا تجد الواحد من هؤلاء عند نظره وبحثه يميل إلى النفى وعند عبادته ~~وتصوفه يميل إلى الحلول وإذا قيل له هذا ينافى ذلك قال هذا مقتضى ~~PageV02P298 عقلى ونظرى وذاك مقتضى ذوقى ومعرفتى ومعلوم أن الذوق والوجد إن ~~لم يكن موافقا للعقل والنظر وإلا لزم فسادهما أو فساد أحدهما # والقول الرابع قول من يقول ان الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كل ~~مكان وهذا قول طوائف من أهل الكلام والتصوف كأبى معاذ وأمثاله وقد ذكر ~~الأشعرى في المقالات هذا عن طوائف ويوجد في كلام السالمية كأبى طالب المكى ~~وأتباعه كأبى الحكم بن برجان وأمثاله ما يشير إلى نحو من هذا كما يوجد في ~~كلامهم ما يناقض هذا # وفى الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه وقع فيه كثير من متأخرى الصوفية ~~ولهذا كان أئمة القوم يحذرون منه كما في قول الجنيد لما سئل عن التوحيد ~~فقال التوحيد إفراد الحدوث عن القدم فبين أن التوحيد أن يميز بين القديم ~~والمحدث # وقد أنكر ذلك عليه بن عربى صاحب الفصوص وادعى أن الجنيد وأمثاله ماتوا ~~وما عرفوا التوحيد لما أثبتوا الفرق بين الرب والعبد بناء على دعواه ms0442 أن ~~التوحيد ليس فيه فرق بين الرب والعبد وزعم أنه لا يميز بين القديم والمحدث ~~إلا من ليس بقديم ولا محدث وهذا جهل فإن المعرفة بأن هذا ليس ذاك والتمييز ~~بين هذا وذاك لا يفتقر إلى أن يكون العارف المميز بين االشيئين ليس هو أحد ~~الشيئين بل الإنسان يعلم أنه ليس هو ذلك الإنسان الآخر مع أنه أحدهما فكيف ~~لا يعلم أنه غير ربه وان كان هو أحدهما PageV02P299 ( الاصل الثانى ( ~~الإحتجاج بالقدر على المعاصى وعلى ترك المأمور وفعل المحظور فإن القدر يجب ~~الإيمان به ولا يجوز الإحتجاج به على مخالفة أمر الله ونهيه ووعده ووعيده # والناس الذين ضلوا في القدر على ثلاثة أصناف # قوم آمنوا بالأمر والنهى والوعد والوعيد وكذبوا بالقدر وزعموا أن من ~~الحوادث مالا يخلقه الله كالمعتزلة ونحوهم # وقوم آمنوا بالقضاء والقدر ووافقوا أهل السنة والجماعة على أنه ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه لكن عارضوا هذا ~~بالأمر والنهى وسموا هذا حقيقة وجعلوا ذلك معارضا للشريعة # وفيهم من يقول إن مشاهدة القدر تنفى الملام والعقاب وإن العارف يستوى ~~عنده هذا وهذا # وهم في ذلك متناقضون مخالفون للشرع والعقل والذوق والوجد فإنهم لا يسوون ~~بين من أحسن إليهم وبين من ظلمهم ولا يسوون بين العالم والجاهل والقادر ~~والعاجز ولا بين الطيب والخبيث ولا بين العادل والظالم بل يفرقون بينهما ~~ويفرقون أيضا بموجب أهوائهم وأغراضهم لا بموجب الأمر والنهى ولا يقفون لا ~~مع القدر ولا مع الأمر بل كما PageV02P300 قال بعض العلماء أنت عند الطاعة ~~قدرى وعند المعصية جبرى أى مذهب يوافق هواك تمذهبت به # ولا يوجد أحد يحتج بالقدر في ترك الواجب وفعل المحرم إلا وهو متناقض لا ~~يجعله حجة في مخالفة هواه بل يعادى من آذاه وان كان محقا ويحب من وافقه على ~~غرضه وان كان عدوا لله فيكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته بحسب هواه وغرضه ~~وذوق نفسه ووجده لا بحسب أمر الله ونهيه ومحبته وبغضه وولايته وعداوته # إذ ms0443 لا يمكنه أن يجعل القدر حجة لكل أحد فإن هذا مستلزم للفساد الذى لا ~~صلاح معه والشر الذى لا خير فيه اذ لو جاز أن يحتج كل أحد بالقدر لما عوقب ~~معتد ولا اقتص من ظالم باغ ولا أخذ لمظلوم حقه من ظالمه ولفعل كل أحد ما ~~يشتهيه من غير معارض يعارضه فيه وهذا فيه من الفساد ما لا يعلمه الا رب ~~العباد # فمن المعلوم بالضرورة أن الأفعال تنقسم إلى ما ينفع العباد والى ما يضرهم ~~والله قد بعث رسوله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤمنين بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فمن لم يتبع شرع الله ودينه ~~تبع ضده من الأهواء والبدع وكان احتجاجه بالقدر من الجدل بالباطل ليدحض به ~~الحق لا من باب الاعتماد عليه ولزمه أن يجعل كل من جرت عليه المقادير من ~~أهل المعاذير PageV02P301 # وان قال أنا أعذر بالقدر من شهده وعلم أن الله خالق فعله ومحركه لا من ~~غاب عن هذا الشهود أو كان من أهل الجحود قيل له فيقال لك وشهود هذا وجحود ~~هذا من القدر فالقدر متناول لشهود هذا وجحود هذا فإن كان هذا موجبا للفرق ~~مع شمول القدر لهما فقد جعلت بعض الناس محمودا وبعضهم مذموما مع شمول القدر ~~لهما وهذا رجوع إلى الفرق واعتصام بالأمر والنهى وحينئذ فقد نقضت أصلك ~~وتناقضت فيه وهذا لازم لكل من دخل معك فيه # ثم مع فساد هذا الاصل وتناقضه فهو قول باطل وبدعة مضلة فمن جعل الإيمان ~~بالقدر وشهوده عذرا في ترك الواجبات وفعل المحظورات بل الإيمان بالقدر حسنة ~~من الحسنات وهذه لا تنهض بدفع جميع السيئات فلو أشرك مشرك بالله وكذب رسوله ~~ناظرا إلى أن ذلك مقدر عليه لم يكن ذلك غافرا لتكذيبه ولا مانعا من تعذيبه ~~فان الله لا يغفر أن يشرك به سواء كان المشرك مقرى بالقدر وناظرا إليه أو ~~مكذبا به أو غافلا عنه فقد قال ابليس ( فبما اغويتنى لا زينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين ( فاصر ms0444 واحتج بالقدر فكان ذلك زيادة في كفره وسببا لمزيد ~~عذابه # وأما آدم عليه السلام فانه قال ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( قال تعالى ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب ~~عليه إنه PageV02P302 هو التواب الرحيم ( فمن استغفر وتاب كان آدميا سعيدا ~~ومن أصر واحتج بالقدر كان ابليسيا شقيا وقد قال تعالى لإبليس ( لأملأن جهنم ~~منك وممن تبعك منهم أجمعين ( # وهذا الموضع ضل فيه كثير من الخائضين في الحقائق فانهم يسلكون أنواعا من ~~الحقائق التى يجدونها ويذوقونها ويحتجون بالقدر فيما خالفوا فيه الأمر ~~فيضاهؤن المشركين الذين كانوا يبتدعون دينا لم يشرعه الله ويحتجون بالقدر ~~على مخالفة أمر الله # ( والصنف الثالث ( من الضالين في القدر من خاصم الرب في جمعه بين القضاء ~~والقدر والأمر والنهى كما يذكرون ذلك على لسان ابليس وهؤلاء خصماء الله ~~وأعداؤه # وأما أهل الايمان فيؤمنون بالقضاء والقدر والأمر والنهى ويفعلون المأمور ~~ويتركون المحظور ويصبرون على المقدور كما قال تعالى ( انه من يتق ويصبر فان ~~الله لا يضيع أجر المحسنين ( فالتقوى تتناول فعل المأمور وترك المحظور ~~والصبر يتضمن الصبر على المقدور # وهؤلاء إذا أصابتهم مصيبة في الأرض أو في أنفسهم علموا أن ذلك في كتاب ~~وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم فسلموا الأمر لله ~~وصبروا على ما ابتلاهم به # وأما إذا جاء أمر الله فانهم يسارعون في الخيرات ويسابقون إلى ~~PageV02P303 الطاعات ويدعون ربهم رغبا ورهبا ويجتنبون محارمه ويحفظون حدوده ~~ويستغفرون الله ويتوبون إليه من تقصيرهم فيما أمر وتعديهم لحدوده علما منهم ~~بأن التوبة فرض على العباد دائما واقتداء بنبيهم حيث يقول في الحديث الصحيح ~~( أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذى نفسى بيده انى لاستغفر الله وأتوب إليه ~~في اليوم مائة مرة ( وفى رواية ( أكثر من سبعين مرة ( وآخر سورة نزلت عليه ~~( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( # وإذا عرف هذان الاصلان فعليهما ينبنى جواب ما في ms0445 هذا السؤال من الكلمات ~~ويعرف ما دخل في هذه الأمور من الضلالات # فقول القائل إن الله لطف ذاته فسماها حقا وكثفها فسماها خلقا هو من أقوال ~~أهل الوحدة والحلول والاتحاد وهو باطل فان اللطيف ان كان هو الكثيف فالحق ~~هو الخلق ولا تلطيف ولا تكثيف وان كان اللطيف غير الكثيف فقد ثبت الفرق بين ~~الحق والخلق وهذا هو الحق وحينئذ فالحق لا يكون خلقا فلا يتصور أن ذات الحق ~~تكون خلقا بوجه من الوجوه كما أن ذات المخلوق لا تكون ذات الخالق بوجه من ~~الوجوه # وكذلك قول الآخر ( ظهر فيها حقيقة واحتجب عنها مجازا ( فانه ان كان ~~الظاهر غير المظاهر فقد ثبت الفرق بين الرب والعبد وان لم يكن أحدهما غير ~~الآخر فلا يتصور ظهور ولا احتجاب PageV02P304 # ثم قوله ( فمن كان من أهل الحق شهدها مظاهر ومجالى ومن كان من أهل الفرق ~~شهدها ستورا وحجبا ( كلام ينقض بعضه بعضا فانه إن كان الوجود واحدا لم يكن ~~أحد الشاهدين غير الآخر ولم يكن الشاهد غير المشهود ولهذا قال بعض شيوخ ~~هؤلاء من قال إن في الكون سوى الله فقد كذب فقال له آخر فمن الذى كذب ~~فأفحمه وهذا لأنه اذا لم يكن موجود سوى الواجب بنفسه كان هو الذى يكذب ~~ويظلم ويأكل ويشرب وهذا يصرح به أئمة هؤلاء كما يقول صاحب الفصوص وغيره إنه ~~موصوف بجميع صفات الذم وأنه هو الذى يمرض ويضرب وتصيبه الآفات ويوصف ~~بالمعايب والنقائص كما انه هو الذى يوصف بنعوت المدح والذم # قال فالعلى بنفسه هو الذى يكون له جميع الصفات الثبوتية والسلبية سواء ~~كانت محمودة عقلا وشرعا وعرفا أو مذمومة عقلا وشرعا وعرفا وليس ذلك إلا ~~لمسمى الله خاصة # وقال ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وقد أخبر بذلك عن نفسه وبصفات ~~النقص وبصفات الذم ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق وكلها حق له كما أن ~~صفات المخلوق حق للخالق # وقول القائل * لقد حق لى عشق الوجود وأهله * # يقتضى أنه يعشق ابليس وفرعون وهامان وكل كافر ms0446 ويعشق الكلاب PageV02P305 ~~والخنازير والبول والعذرة وكل خبيث مع أنه باطل عقلا وشرعا فهو كاذب في ذلك ~~متناقض فيه فانه لو آذاه مؤذ وآلمه ألما شديدا لأبغضه وعاداه بل اعتدى في ~~أذاه فعشق الرجل لكل موجود محال عقلا محرم شرعا # وما ذكر عن بعضهم من قوله ( عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ~~ترى ( هو من كلام بن سبعين وهو من أكابر أهل الشرك والإلحاد والسحر ~~والاتحاد وكان من أفاضلهم وأذكيائهم وأخبرهم بالفلسفة وتصوف المتفلسفة # وقول بن عربى ( ظاهره خلقه وباطنه حقه ( هو قول أهل الحلول وهو متناقض في ~~ذلك فانه يقول بالوحدة فلا يكون هناك موجودان أحدهما باطن والآخر ظاهر ~~والتفريق بين الوجود والعين تفريق لا حقيقة له بل هو من أقوال أهل الكذب ~~والمين # وقول بن سبعين ( رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك الله فقط والكثرة وهم ( هو ~~موافق لاصله الفاسد في أن وجود المخلوق وجود الخالق ولهذا قال وأنتم ذلك ~~فانه جعل العبد هالكا أى لا وجود له فلم يبق إلا وجود الرب فقال وأنتم ذلك ~~وكذلك قال الله فقط والكثرة وهم فانه على قوله لا موجود إلا الله # ولهذا كان يقول هو وأصحابه في ذكرهم ليس إلا الله بدل قول المسلمين لا ~~إله إلا الله PageV02P306 وكان الشيخ قطب الدين بن القسطلانى يسميهم ( ~~الليسية ( ويقول احذروا هؤلاء الليسية ولهذا قال والكثرة ( وهم ( وهذا ~~تناقض فان قوله ( وهم ( يقتضى متوهما فان كان المتوهم هو الوهم فيكون الله ~~هو الوهم وان كان المتوهم هو غير الوهم فقد تعدد الوجود وكذلك إن كان ~~المتوهم هو الله فقد وصف الله بالوهم الباطل وهذا مع انه كفر فهو يناقض ~~قوله الوجود واحد وان كان المتوهم غيره فقد أثبت غير الله وهذا يناقض أصله ~~ثم متى أثبت غيرا لزمت الكثرة فلا تكون الكثرة وهما بل تكون حقا # والبيتان المذكوران عن بن عربي مع تناقضهما مبنيان على هذا الاصل # فان قوله * يا صورة أنس سرها معنائى * # خطاب على لسان الحق يقول ms0447 لصورة الانسان يا صورة انس سرها معنائى أى هي ~~الصورة وأنا معناها وهذا يقتضى أن المعنى غير الصورة وهو يقتضى التعدد ~~والتفريق بين المعنى والصورة فان كان وجود المعنى هو وجود الصورة كما يصرح ~~به فلا تعدد وان كان وجود هذا غير وجود هذا فهو متناقض في قوله. # وقوله * ما خلقك للأمر ترى لولائى * PageV02P307 # كلام مجمل يمكن ان يريد به معنى صحيحا أى لولا الخالق لما وجد المكلفون ~~ولا خلق لأمر الله لكن قد عرف أنه لا يقول بهذا وأن مراده الوحدة والحلول ~~والاتحاد ولهذا قال # شئناك فأنشأناك خلقا بشرا %~% كى تشهدنا في أكمل الأشياء # فبين أن العبيد يشهدونه في أكمل الاشياء وهى الصورة الإنسانية وهذا يشير ~~إلى الحلول وهو حلول الحق في الخلق لكنه متناقض في كلامه فانه لا يرضى ~~بالحلول ولا يثبت موجودين حل أحدهما في الاخر بل عنده وجود الحال هو عين ~~وجود المحل لكنه يقول بالحلول بين الثبوت والوجود فوجود الحق حل في ثبوت ~~الممكنات وثبوتها حل في وجوده وهذا الكلام لا حقيقة له في نفس الامر فإنه ~~لا فرق بين هذا وهذا لكنه هو مذهبه المتناقض في نفسه # وأما الرجل الذى طلب من والده الحج فأمره أن يطوف بنفس الاب فقال طف ببيت ~~ما فارقه الله طرفة عين قط فهذا كفر بإجماع المسلمين فان الطواف بالبيت ~~العتيق مما أمر الله به ورسوله وأما الطواف بالانبياء والصالحين فحرام ~~باجماع المسلمين ومن اعتقد ذلك دينا فهو كافر سواء طاف ببدنه أو بقبره # وقوله ( ما فارقه الله طرفة عين قط ( أن أراد به الحلول المطلق العام فهو ~~مع بطلانه متناقض فانه لا فرق حينئذ بين الطائف والمطوف به فلم يكن طواف ~~PageV02P308 هذا بهذا أولى من العكس بل هذا يستلزم أنه يطاف بالكلاب ~~والخنازير والكفار والنجاسات والاقذار وكل خبيث وكل ملعون لأن الحلول ~~والاتحاد العام يتناول هذا كله # وقد قال مرة شيخهم الشيرازى لشيخه التلمسانى وقد مر بكلب أجرب ميت هذا ~~أيضا من ذات الله فقال وثم خارج عنه ms0448 ومر التلمسانى ومعه شخص بكلب فركضه ~~الآخر برجله فقال لا تركضه فانه منه وهذا مع أنه من أعظم الكفر والكذب ~~الباطل في العقل والدين فانه متناقض فان الراكض والمركوض واحد وكذلك الناهى ~~والمنهى فليس شيء من ذلك بأولى بالامر والنهى من شيء ولا يعقل مع الوحدة ~~تعدد واذا قيل مظاهر ومجالى قيل ان كان لها وجود غير وجود الظاهر والمتجلى ~~فقد ثبت التعدد وبطلت الوحدة وان كان وجود هذا هو وجود هذا لم يبق بين ~~الظاهر والمظهر والمتجلى فيه فرق # وان أراد بقوله ما فارقه الله طرفة عين الحلول الخاص كما تقوله النصارى ~~في المسيح لزم أن يكون هذا الحلول ثابتا له من حين خلق كما تقوله النصارى ~~في المسيح فلا يكون ذلك حاصلا له بمعرفته وعبادته وتحقيقه وعرفانه # وحينئذ فلا يكون فرق بينه وبين غيره من الآدميين فلماذا يكون الحلول ~~ثابتا له دون غيره وهذا شر من قول النصارى فان النصارى ادعوا ذلك في المسيح ~~لكونه خلق من غير أب وهؤلاء الشيوخ لم يفضلوا في نفس التخليق وانما فضلوا ~~بالعبادة والمعرفة والتحقيق والتوحيد PageV02P309 # وهذا أمر حصل لهم بعد أن لم يكن لهم فاذا كان هذا هو سبب الحلول وجب أن ~~يكون الحلول فيهم حادثا لا مقارنا لخلقهم وحينئذ فقولهم إن الرب ما فارق ~~أبدانهم أو قلوبهم طرفة عين قط كلام باطل كيفما قدر # *** # وأما ما ذكر عن رابعة العدوية من قولها عن البيت إنه الصنم المعبود في ~~الأرض فهو كذب على رابعة ولو قال هذا من قاله لكان كافرا يستتاب فان تاب ~~وإلا قتل وهو كذب فان البيت لا يعبده المسلمون ولكن يعبدون رب البيت ~~بالطواف به والصلاة إليه وكذلك ما نقل من قولها والله ما ولجه الله ولا خلا ~~منه كلام باطل عليها # وعلى مذهب الحلولية لا فرق بين ذاك البيت وغيره في هذا المعنى فلأى مزية ~~يطاف به ويصلى إليه ويحج دون غيره من البيوت # وقول القائل ما ولج الله فيه كلام صحيح # وأما قوله ما خلا ms0449 منه فان أراد أن ذاته حالة فيه أو ما يشبه هذا المعنى ~~فهو باطل وهو مناقض لقوله ما ولج فيه وان أراد به أن الاتحاد ملازم له لم ~~يتجدد له ولوج ولم يزل غير حال فيه فهذا مع انه كفر وباطل يوجب أن لا يكون ~~للبيت مزية على غيره من البيوت إذ الموجودات كلها عندهم كذلك # *** PageV02P310 # وأما البيتان المنسوبان إلى الحلاج # سبحان من أظهر ناسوته %~% سر سنا لاهوته الثاقب # حتى بدا في خلقه ظاهرا %~% في صورة الآكل والشارب # فهذه قد بين بها الحلول الخاص كما تقول النصارى في المسيح وكان أبو عبد ~~الله بن خفيف الشيرازى قبل أن يطلع على حقيقة أمر الحلاج يذب عنه فلما أنشد ~~هذين البيتين قال لعن الله من قال هذا # وقوله وله # عقد الخلائق في الإله عقائدا %~% وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه # فهذا البيت يعرف لابن عربى فان كان قد سبقه إليه الحلاج وقد تمثل هو به ~~فاضافته إلى الحلاج صحيحة وهو كلام متناقض باطل # فإن الجمع بين النقيضين في الإعتقاد في غاية الفساد والقضيتان ~~المتناقضتان بالسلب والايجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب الاخرى لا ~~يمكن الجمع بينهما # وهؤلاء يزعمون أنه يثبت عندهم في الكشف ما يناقض صريح العقل وانهم يقولون ~~بالجمع بين النقيضين وبين الضدين وأن من سلك طريقهم يقول بمخالفة المعقول ~~والمنقول ولا ريب أن هذا من أفسد ما ذهب إليه أهل السفسطة PageV02P311 # ومعلوم أن الانبياء عليهم السلام أعظم من الاولياء والانبياء جاؤوا بما ~~تعجز العقول عن معرفته ولم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه فهم يخبرون ~~بمحارات العقول لا بمحالات العقول وهؤلاء الملاحدة يدعون أن محالات العقول ~~صحيحة وان الجمع بين النقيضين صحيح وأن ما خالف صريح المعقول وصحيح المنقول ~~صحيح ولا ريب أنهم أصحاب خيال وأوهام يتخيلون في نفوسهم امورا يتخيلونها ~~ويتوهمونها فيظنونها ثابتة في الخارج وانما هي من خيالاتهم والخيال الباطل ~~يتصور فيه ما لا حقيقة له ولهذا يقولون أرض الحقيقة هي أرض الخيال كما يقول ~~ذلك بن عربى ms0450 وغيره ولهذا يحكون حكاية ذكرها سعيد الفرغانى شارح قصيدة بن ~~الفارض وكان من شيوخهم # *** # وأما قوله # بينى وبينك إنى تزاحمنى %~% فارفع بحقك إنى من البين # فإن هذا الكلام يفسر بمعانى ثلاثة يقوله الملحد ويقوله الزنديق ويقوله ~~الصديق # فالأول مراده به طلب رفع ثبوت إنيته حتى يقال إن وجوده هو وجود الحق ~~وإنيته هي إنية الحق فلا يقال انه غير الله ولا سواه PageV02P312 ولهذا قال ~~سلف هؤلاء الملاحدة إن الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى ~~فرفعت له صورة يقولون انه لما لم ترفع إنيته في الثبوت في حقيقة شهوده رفعت ~~صورة فقتل وهذا القول مع ما فيه من الكفر والإلحاد فهو متناقض ينقض بعضه ~~بعضا فإن قوله * بينى وبينك انى تزاحمنى * خطاب لغيره وإثبات إنية بينه ~~وبين ربه وهذا إثبات أمور ثلاثة ولذلك يقول * فارفع بحقك إني من البين * ~~طلب من غيره أن يرفع انيته وهذا إثبات لأمور ثلاثة وهذا المعنى الباطل هو ~~الفناء الفاسد وهو الفناء عن وجود السوى فإن هذا فيه طلب رفع الإنية وهو ~~طلب الفناء والفناء ثلاثة أقسام # فناء عن وجود السوى وفناء عن شهود السوى وفناء عن عبادة السوى # فالأول هو فناء أهل الوحدة الملاحدة كما فسروا به كلام الحلاج وهو أن ~~يجعل الوجود وجودا واحدا # وأما الثانى وهو الفناء عن شهود السوى فهذا هو الذى يعرض لكثير من ~~السالكين كما يحكى عن أبى يزيد وأمثاله وهو مقام الاصطلام وهو أن يغيب ~~بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره ~~فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وهذا كما يحكى أن PageV02P313 رجلا كان ~~يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في الماء فألقى المحب نفسه خلفه فقال أنا وقعت ~~فلم وقعت أنت فقال غبت بك عنى فظننت أنك أنى # فهذا حال من عجز عن شهود شيء من المخلوقات اذا شهد قلبه وجود الخالق وهو ~~أمر يعرض لطائفة من السالكين # ومن الناس من يجعل هذا من السلوك ومنهم من يجعله ms0451 غاية السلوك حتى يجعلوا ~~الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية فلا يفرقون بين المأمور والمحظور ~~والمحبوب والمكروه # وهذا غلط عظيم غلطوا فيه بشهود القدر وأحكام الربوبية عن شهود الشرع ~~والأمر والنهى وعبادة الله وحده وطاعة رسوله فمن طلب رفع إنيته بهذا ~~الاعتبار لم يكن محمودا على هذا ولكن قد يكون معذورا # وأما النوع الثالث وهو الفناء عن عبادة السوى فهذا حال النبيين وأتباعهم ~~وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه وبخشيته عن ~~خشية ما سواه وطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه ~~فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له وهو الحنيفية ملة إبراهيم # ويدخل في هذا أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله فلا يحب الا لله ولا يبغض ~~الا لله ولا يعطى الا لله ولا يمنع الا لله فهذا هو الفناء الدينى الشرعى ~~الذى بعث الله به رسله وأنزل به كتبه PageV02P314 # ومن قال فارفع بحقك إني من البين # بمعنى أن يرفع هو نفسه فلا يتبع هواه ولا يتوكل على نفسه وحوله وقوته بل ~~يكون عمله لله لا لهواه وعمله بالله وبقوته لا بحوله وقوته كما قال تعالى ( ~~إياك نعبد واياك نستعين ( فهذا حق محمود # وهذا كما يحكى عن أبى يزيد أنه قال رأيت رب العزة في المنام فقلت خدايى ~~كيف الطريق إليك قال اترك نفسك وتعال أي اترك اتباع هواك والاعتماد على ~~نفسك فيكون عملك لله واستعانتك بالله كما قال تعالى ( فاعبده وتوكل عليه ( # والقول المحكى عن بن عربى # وبى حلفت وان المقسم الله %~% # هو أيضا من إلحادهم وإفكهم جعل نفسه حالفة بنفسه وجعل الحالف هو الله فهو ~~الحالف والمحلوف به كما يقولون أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا بنفسه فهو ~~المرسل والمرسل إليه والرسول وكما قال بن الفارض في قصيدته نظم السلوك # # لها صلواتى بالمقام أقيمها %~% وأشهد فيها أنها لى صلت # كلانا مصل واحد ساجد إلى %~% حقيقته بالجمع في كل سجدة PageV02P315 # وما كان بى صلى ms0452 سواى ولم تكن %~% صلاتى لغيرى في أداء كل ركعة # إلى أن قال # وما زلت إياها وإياى لم تزل %~% ولا فرق بل ذاتى لذاتى أحبت # وقد رفعت تاء المخاطب بيننا %~% وفى رفعها عن فرقة الفرق رفعتى # فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن %~% منادى أجابت من دعانى ولبت # إلى رسولا كنت منى مرسلا %~% وذاتى بآياتى على استدلت # *** # وأما المنقول عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه فهو كذب عليه وهو كلام ~~ملحد كاذب وضعه على المسيح وهذا لم ينقله عنه مسلم ولا نصرانى فانه لا ~~يوافق قول النصارى فان قوله ان الله اشتاق أن يرى ذاته المقدسة فخلق من ~~نوره آدم وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وانى أنا ذلك النور ~~وآدم المرآة فهذا الكلام مع ما فيه من الكفر والالحاد متناقض وذلك أن الله ~~سبحانه يرى نفسه كما يسمع كلام نفسه وهذا رسول الله وهو عبد مخلوق لله قال ~~لأصحابه ( إنى أراكم من وراء ظهرى كما أراكم من بين يدى ( فاذا كان المخلوق ~~قد يرى ما خلفه وهو أبلغ من رؤية نفسه فالخالق تعالى كيف لا يرى نفسه وأيضا ~~فان شوقه إلى رؤية نفسه حتى خلق آدم يقتضى أنه لم يكن في الأزل يرى نفسه ~~حتى خلق آدم PageV02P316 # ثم ذلك الشوق إن كان قديما كان ينبغى أن يفعل ذلك في الأزل وان كان محدثا ~~فلا بد من سبب يقتضى حدوثه مع أنه قد يقال الشوق أيضا صفة نقص ولهذا لم ~~يثبت ذلك في حق الله تعالى وقد روى ( طال شوق الابرار إلى لقائى وأنا إلى ~~لقائهم أشوق ( وهو حديث ضعيف # وقوله فخلق من نوره آدم وجعله كالمرآة وأنا ذلك النور وآدم هو المرآة ~~يقتضى أن يكون آدم مخلوقا من المسيح وهذا نقيض الواقع فان آدم خلق قبل ~~المسيح والمسيح خلق من مريم ومريم من ذرية آدم فكيف يكون آدم مخلوقا من ~~ذريته # وان قيل المسيح هو نور الله فهذا القول وان كان من جنس قول النصارى فهو ~~شر من قول ms0453 النصارى فإن النصارى يقولون إن المسيح هو الناسوت واللاهوت الذى ~~هو الكلمة هي جوهر الابن وهم يقولون إتحاد اللاهوت والناسوت متجدد حين خلق ~~بدن المسيح لا يقولون إن آدم خلق من المسيح إذ المسيح عندهم اسم اللاهوت ~~والناسوت جميعا وذلك يمتنع أن يخلق منه آدم وأيضا فهم لا يقولون إن آدم خلق ~~من لاهوت المسيح # وأيضا فقول القائل إن آدم خلق من نور الله الذى هو المسيح ان أراد به ~~نوره الذى هو صفة لله فذاك ليس هو المسيح الذى هو قائم بنفسه إذ يمتنع أن ~~يكون القائم بنفسه صفة لغيره وأن أراد بنوره ما هو نور منفصل عنه فمعلوم أن ~~المسيح لم يكن شيئا موجودا منفصلا قبل خلق آدم فامتنع على كل تقدير أن يكون ~~آدم مخلوقا من نور الله الذى هو المسيح PageV02P317 # وأيضا فاذا كان آدم كالمرآة وهو ينظر إلى ذاته المقدسة فيها لزم أن يكون ~~الظاهر في آدم هو مثال ذاته لا أن آدم هو ذاته ولا مثال ذاته ولا كذاته # وحينئذ فان كان المراد بذلك أن آدم يعرف الله تعالى فيرى مثال ذاته ~~العلمى في آدم فالرب تعالى يعرف نفسه فكان المثال العلمى اذا أمكن رؤيته ~~كانت رؤيته للعلم المطابق له القائم بذاته أولى من رؤيته للعلم القائم بآدم ~~وان كان المراد ان آدم نفسه مثال لله فلا يكون آدم هو المرآة بل يكون هو ~~كالمثال الذى في المرآة # وأيضا فتخصيص المسيح بكونه ذلك النور هو قول النصارى الذين يخصونه بأنه ~~الله أو بن الله وهؤلاء الاتحادية ضموا إلى قول النصارى قولهم بعموم ~~الاتحاد حيث جعلوا في غير المسيح من جنس ما تقوله النصارى في المسيح # وأما قول بن الفارض # وشاهد اذا استجليت ذاتك من ترى %~% بغير مراء في المرآة الصقيلة # أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر %~% اليك بها عند انعكاس الأشعة # فهذا تمثيل فاسد وذلك أن الناظر في المرآة يرى مثال نفسه فيرى نفسه ~~بواسطة المرآة لا يرى نفسه بلا واسطة فقولهم بوحدة الوجود باطل ms0454 وبتقدير ~~صحته ليس هذا مطابقا له PageV02P318 # وأيضا فهؤلاء يقولون بعموم الوحدة والاتحاد والحلول في كل شيء فتخصيصهم ~~بعد هذا آدم أو نحو المسيح يناقض قولهم بالعموم وانما يخص المسيح ونحوه من ~~يقول بالاتحاد الخاص كالنصارى والغالية من الشيعة وجهال النساك ونحوهم # وأيضا فلو قدر أن الانسان يرى نفسه في المرآة فالمرآة خارجة عن نفسه فيرى ~~نفسه أو مثال نفسه في غيره والكون عندهم ليس فيه غير ولا سوى فليس هناك ~~مظهر مغاير للظاهر ولا مرآة مغايرة للرائى # وهم يقولون إن الكون مظاهر الحق فان قالوا المظاهر غير الظاهر لزم التعدد ~~وبطلت الوحدة وإن قالوا المظاهر هي الظاهر لم يكن قد ظهر شيء في شيء ولا ~~تجلى شئ في شيء ولا ظهر شيء لشيء ولا تجلى شئ لشئ وكان قوله # وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى... %~% # كلاما متناقضا لان هنا مخاطبا ومخاطبا ومرآة تستجلى فيها الذات فهذه ~~ثلاثة أعيان فان كان الوجود واحدا بالعين بطل هذا الكلام وكل كلمة يقولونها ~~تنقض أصلهم PageV02P319 ### ||| فصل # وأما ما ذكره من قول بن اسرائيل الامر أمران أمر بواسطة وأمر بغير واسطة ~~إلى آخره فمضمونه ان الأمر الذى بواسطة هو الأمر الشرعى الدينى والذى بلا ~~واسطة هو الامر القدرى الكونى وجعله أحد الامرين بواسطة والآخر بغير واسطة ~~كلام باطل فان الامر الدينى يكون بواسطة وبغير واسطة فان الله كلم موسى ~~وأمره بلا واسطة وكذلك كلم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمره ليلة المعراج ~~وكذلك كلم آدم وأمره بلا واسطة وهى أوامر دينية شرعية # وأما الأمر الكونى فقول القائل إنه بلا واسطة خطأ بل الله تعالى خلق ~~الاشياء بعضها ببعض وأمر التكوين ليس هو خطابا يسمعه المكون المخلوق فان ~~هذا ممتنع ولهذا قيل إن كان هذا خطابا له بعد وجوده لم يكن قد كون بكن بل ~~كان قد كون قبل الخطاب وان كان خطابا له قبل وجوده فخطاب المعدوم ممتنع وقد ~~قيل في جواب هذا إنه خطاب لمعلوم لحضوره في العلم وان كان معدوما في العين # وأما ms0455 ما ذكره الفقير فهو سؤال وارد بلا ريب PageV02P320 # وأما ما ذكره عن شيخه من أن آدم كان توحيده ظاهرا وباطنا فكان قوله ( لا ~~تقرب ( ظاهرا وكان أمره ( بكل ( باطنا # فيقال إن أريد بكونه قال ( كل ( باطنا أنه أمره بذلك في الباطن أمر تشريع ~~ودين فهذا كذب وكفر وان كان أراد أنه خلق ذلك وقدره وكونه فهذا قدر مشترك ~~بين آدم وبين سائر المخلوقات فإنما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # وان قيل ان آدم شهد الأمر الكونى القدرى وكان مطيعا لله بامتثاله له كما ~~يقول هؤلاء ان العارف الشاهد للقدر يسقط عنه الملام فهذا مع أنه معلوم ~~بطلانه بالضرورة من دين الإسلام فهو كفر باتفاق المسلمين # فيقال الأمر الكونى يكون موجودا قبل وجود المكون لا يسمعه العبد وليس ~~امتثاله مقدورا له بل الرب هو الذى يخلق ما كونه بمشيئته وقدرته والله ~~تعالى ليس له شريك في الخلق والتكوين # والعبد وإن كان فاعلا بمشيئته وقدرته والله خالق كل ذلك فتكوين الله ~~للعبد ليس هو أمرا لعبد موجود في الخارج يمكنه الامتثال وكذلك ما خلقه من ~~أحواله وأعماله خلقه بمشيئته وقدرته و ( إنما أمره اذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون ( فكل ما كان من المكونات فهو داخل في هذا الامر PageV02P321 # وأكل آدم من الشجرة وغير ذلك من الحوادث داخل تحت هذا كدخول آدم فنفس أكل ~~آدم هو الداخل تحت هذا الأمر كما دخل آدم # فقول القائل انه قال لآدم في الباطن ( كل ( مثل قوله انه قال للكافر اكفر ~~وللفاسق افسق والله لا يأمر بالفحشاء ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ~~ولا يوجد منه خطاب باطن ولا ظاهر للكفار والفساق والعصاة بفعل الكفر ~~والفسوق والعصيان وان كان ذلك واقعا بمشيئته وقدرته وخلقه وأمره الكونى ~~فالأمر الكونى ليس هو أمرا للعبد أن يفعل ذلك الأمر بل هو أمر تكوين لذلك ~~الفعل في العبد أو أمر تكوين لكون العبد على ذلك الحال # فهو سبحانه الذى خلق الإنسان هلوعا ( اذا ms0456 مسه الشر جزوعا # واذا مسه الخير منوعا ( وهو الذى جعل المسلمين مسلمين كما قال الخليل ( ~~ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ( فهو سبحانه جعل العباد ~~على الأحوال التى خلقهم عليها وأمره لهم بذلك أمر تكوين بمعنى أنه قال لهم ~~كونوا كذلك فيكونون كذلك كما قال للجماد كن فيكون # فأمر التكوين لا فرق فيه بين الجماد والحيوان وهو لا يفتقر إلى علم ~~المأمور ولا إرادته ولا قدرته لكن العبد قد يعلم ما جرى به القدر في أحواله ~~كما يعلم ما جرى به القدر في أحوال غيره وليس في ذلك علم منه بأن الله أمره ~~في الباطن بخلاف ما أمره في الظاهر بل أمره بالطاعة باطنا PageV02P322 ~~وظاهرا ونهاه عن المعصية باطنا وظاهرا وقدر ما يكون فيه من طاعة ومعصية ~~باطنا وظاهرا وخلق العبد وجميع أعماله باطنا وظاهرا وكون ذلك بقوله ( كن ( ~~باطنا وظاهرا # وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر بل القدر يؤمن به ولا يحتج به ~~والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين متناقض فإن القدر ان كان حجة وعذرا لزم ~~أن لا يلام أحد ولا يعاقب ولا يقتص منه وحينئذ فهذا المحتج بالقدر يلزمه ~~اذا ظلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته أن لا ينتصر من الظالم ولا يغضب عليه ~~ولا يذمه وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن أحد أن يفعله فهو ممتنع طبعا ~~محرم شرعا # ولو كان القدر حجة وعذرا لم يكن ابليس ملوما ولا معاقبا ولا فرعون وقوم ~~نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار ولا كان جهاد الكفار جائزا ولا اقامة ~~الحدود جائزا ولا قطع السارق ولا جلد الزانى ولا رجمه ولا قتل القاتل ولا ~~عقوبة معتد بوجه من الوجوه # ولما كان الإحتجاج بالقدر باطلا في فطر الخلق وعقولهم لم تذهب إليه أمة ~~من الأمم ولا هو مذهب أحد من العقلاء الذين يطردون قولهم فإنه لا يستقيم ~~عليه مصلحة أحد لا في دنياه ولا آخرته ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة ~~واحدة إن لم يكن أحدهما ms0457 ملتزما مع الآخر نوعا من الشرع فالشرع نور الله في ~~أرضه وعدله بين عباده PageV02P323 # لكن الشرائع تتنوع فتارة تكون منزلة من عند الله كما جاءت به الرسل وتارة ~~لا تكون كذلك ثم المنزلة تارة تبدل وتغير كما غير أهل الكتاب شرائعهم وتارة ~~لا تغير ولا تبدل وتارة يدخل النسخ في بعضها وتارة لا يدخل # وأما القدر فانه لا يحتج به أحد إلا عند اتباع هواه فاذا فعل فعلا محرما ~~بمجرد هواه وذوقه ووجده من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند ~~إلى القدر كما قال المشركون ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ~~من شيء ) قال الله تعالى ( كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون الا الظن وان أنتم الا تخرصون # قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ) فبين أنهم ليس عندهم علم ~~بما كانوا عليه من الدين وانما يتبعون الظن # والقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل أحد الإحتجاج بالقدر فانه لو خرب أحد ~~الكعبة أو شتم إبراهيم الخليل أو طعن في دينهم لعادوه وآذوه كيف وقد عادوا ~~النبى صلى الله عليه وسلم على ما جاء به من الدين وما فعله هو أيضا من ~~المقدور # فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة لكان للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فان ~~كان كل ما يحدث في الوجود فهو مقدر فالمحق والمبطل يشتركان في الاحتجاج ~~بالقدر إن كان الاحتجاج به صحيحا ولكن كانوا يتعمدون على PageV02P324 ما ~~يعتقدونه من جنس دينهم وهم في ذلك يتبعون الظن ليس لهم به علم بل هم يخرصون # وموسى لما قال لآدم ( لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ( فقال آدم عليه ~~السلام فيما قال لموسى لم تلومنى على أمر قدره الله على قبل أن أخلق ~~بأربعين عاما فحج آدم موسى ( لم يكن آدم عليه السلام محتجا على فعل ما نهى ~~عنه بالقدر ولا كان موسى ممن يحتج عليه بذلك فيقبله بل آحاد المؤمنين لا ~~يفعلون مثل ms0458 هذا فكيف آدم وموسى # وآدم قد تاب مما فعل واجتباه ربه وهدى وموسى أعلم بالله من أن يلوم من هو ~~دون نبى على فعل تاب منه فكيف بنبى من الأنبياء وآدم يعلم أنه لو كان القدر ~~حجة لم يحتج إلى التوبة ولم يجر ما جرى من خروجه من الجنة وغير ذلك ولو كان ~~القدر حجة لكان لابليس وغيره وكذلك موسى يعلم انه لو كان القدر حجة لم ~~يعاقب فرعون بالغرق ولا بنوا اسرائيل بالصعقة وغيرها كيف وقد قال موسى ( رب ~~انى ظلمت نفسى فاغفرلى ) وقال ( أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وانت خير ~~الغافرين ) وهذا باب واسع # وانما كان لوم موسى لآدم من أجل المصيبة التى لحقتهم بآدم من أكل الشجرة ~~ولهذا قال لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة واللوم لأجل المصيبة التى لحقت ~~الانسان نوع واللوم لأجل الذنب الذى هو حق الله نوع آخر PageV02P325 فإن ~~الأب لو فعل فعلا افتقر به حتى تضرر بنوه فأخذوا يلومونه لاجل ما لحقهم من ~~الفقر لم يكن هذا كلومه لاجل كونه أذنب # والعبد مأمور ان يصبر على المقدور ويطيع المأمور واذا أذنب استغفر كما ~~قال تعالى ( فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك ) وقال تعالى ( ما أصاب من ~~مصيبة الا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) قال طائفة من السلف هو ~~الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم # فمن احتج بالقدر على ترك المأمور وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور فقد ~~عكس الايمان والدين وصار من حزب الملحدين المنافقين وهذا حال المحتجين ~~بالقدر # فإن أحدهم اذا أصابته مصيبة عظم جزعه وقل صبره فلا ينظر إلى القدر ولا ~~يسلم له واذا أذنب ذنبا أخذ يحتج بالقدر فلا يفعل المأمور ولا يترك المحظور ~~ولا يصبر على المقدور ويدعى مع هذا أنه من كبار أولياء الله المتقين وأئمة ~~المحققين الموحدين وانما هو من أعداء الله الملحدين وحزب الشيطان اللعين # وهذا الطريق انما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين والايمان تجد أحدهم ~~أجبر الناس ms0459 اذا قدر وأعظمهم ظلما وعدوانا وأذل الناس اذا قهر وأعظمهم جزعا ~~ووهنا كما جربه الناس من الاحزاب البعيدين عن الايمان بالكتاب والمقاتلة من ~~أصناف الناس PageV02P326 # والمؤمن ان قدر عدل وأحسن وان قهر وغلب صبر واحتسب كما قال كعب بن زهير ~~في قصيدته التى أنشدها للنبى صلى الله عليه وسلم التى أولها بانت سعاد الخ ~~في صفة المؤمنين # ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم %~% يوما وليسوا مجازيعا اذا نيلوا # وسئل بعض العرب عن شيء من أمر النبى فقال رأيته يغلب فلا يبطر ويغلب فلا ~~يضجر # وقد قال تعالى ( قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله ~~علينا انه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين ) وقال تعالى ( وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ) وقال تعالى ( بلى إن تصبروا وتتقوا ~~ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) وقال ~~تعالى ( وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور ) فذكر الصبر والتقوى في ~~هذه المواضع الاربعة فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور والتقوى يدخل فيها ~~فعل المأمور وترك المحظور # فمن رزق هذا وهذا فقد جمع له الخير بخلاف من عكس فلا يتقى الله بل يترك ~~طاعته متبعا لهواه ويحتج بالقدر ولا يصبر اذا ابتلى ولا ينظر حينئذ إلى ~~القدر فان هذا حال الاشقياء كما قال بعض العلماء أنت عند الطاعة قدرى وعند ~~المعصية جبرى أى مذهب وافق هواك تمذهبت به PageV02P327 # يقول أنت اذا أطعت جعلت نفسك خالقا لطاعتك فتنسى نعمة الله عليك أن جعلك ~~مطيعا له واذا عصيت لم تعترف بانك فعلت الذنب بل تجعل نفسك بمنزلة المجبور ~~عليه بخلاف مراده أو المحرك الذى لا إرادة له ولا قدرة ولا علم وكلاهما خطأ # وقد ذكر أبو طالب المكى عن سهل بن عبد الله التسترى أنه قال إذا عمل ~~العبد حسنة فقال أى ربى أنا فعلت هذه الحسنة قال له ربه أنا يسرتك لها وأنا ~~أعنتك عليها فان قال أى ربى أنت أعنتني عليها ويسرتنى ms0460 لها قال له ربه أنت ~~عملتها وأجرها لك واذا فعل سيئة فقال أى ربى أنت قدرت على هذه السيئة قال ~~له ربه أنت اكتسبتها وعليك وزرها فان قال أى ربى انى أذنبت هذا الذنب وأنا ~~أتوب منه قال له ربه أنا قدرته عليك وأنا أغفره لك وهذا باب مبسوط في غير ~~هذا الموضع # وقد كثر في كثير من المنتسبين إلى المشيخة والتصوف شهود القدر فقط من غير ~~شهود الأمر والنهى والاستناد إليه في ترك المأمور وفعل المحظور وهذا أعظم ~~الضلال # ومن طرد هذا القول والتزم لوازمه كان أكفر من اليهود والنصارى والمشركين ~~لكن أكثر من يدخل في ذلك يتناقض ولا يطرد قوله # وقول هذا القائل هو من هذا الباب فقوله آدم كان أمره بكل باطنا فأكل ~~وابليس كان توحيده ظاهرا فأمر بالسجود لآدم فرآه غيرا فلم يسجد PageV02P328 ~~فغير الله عليه وقال ( اخرج منها ) الآية فان هذا مع ما فيه من الالحاد كذب ~~على آدم وابليس فإن آدم اعترف بانه هو الفاعل للخطيئة وانه هو الظالم لنفسه ~~وتاب من ذلك ولم يقل إن الله ظلمنى ولا أن الله أمرنى في الباطن بالأكل قال ~~تعالى ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الر حيم ) وقال ~~تعالى ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين ) وابليس أصر واحتج بالقدر فقال ( رب بما أغويتنى لأزينن لهم في ~~الأرض ولأغوينهم أجمعين ) # وأما قوله رآه غيرا فلم يسجد فهذا شر من الإحتجاج بالقدر فان هذا قول أهل ~~الوحدة الملحدين وهو كذب على ابليس فان ابليس لم يمتنع من السجود لكونه ~~غيرا بل قال ( أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين ) ولم تؤمر ~~الملائكة بالسجود لكون آدم ليس غيرا بل المغايرة بين الملائكة وآدم ثابتة ~~معروفة والله تعالى ( علم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئونى باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا ~~انك أنت العليم الحكيم ) # وكانت الملائكة وآدم معترفين ms0461 بأن الله مباين لهم وهم مغايرون له ولهذا ~~دعوه دعاء العبد ربه فآدم يقول ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) والملائكة تقول ( ~~لاعلم لنا إلا ما علمتنا ) وتقول ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) الآية وقد قال تعالى ( أفغير الله ~~تأمرونى أعبد أيها الجاهلون ) وقال تعالى ( أغير الله أتخذ وليا ~~PageV02P329 فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم وقال ) ( أفغير الله ~~أبتغى حكما وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا ) # فلو لم يكن هناك غيره لم يكن المشركون أمروه بعبادة غير الله ولا اتخاذ ~~غير الله وليا ولا حكما فلم يكونوا يستحقون الإنكار فلما أنكر عليهم ذلك دل ~~على ثبوت غير يمكن عبادته واتخاذه وليا وحكما وأنه من فعل ذلك فهو مشرك ~~بالله كما قال تعالى ( ولا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ) وقال ~~( لاتجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ) وأمثال ذلك # وأما قول القائل ان قوله ( ليس لك من الأمر شيء ) عين الاثبات للنبى ~~كقوله ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ( ان الذين يبايعونك انما ~~يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) فهذا بناء على قول أهل الوحدة والاتحاد ~~وجعل معنى قوله ( ليس لك من الأمر شيء ) أن فعلك هو فعل الله لعدم المغايرة ~~وهذا ضلال عظيم من وجوه # ( أحدها ) أن قوله ( ليس لك من الامر شئ ) نزل في سياق قوله ( ليقطع طرفا ~~من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون PageV02P330 # وقد ثبت في الصحيح أن النبى كان يدعو على قوم من الكفار أو يلعنهم في ~~القنوت فلما أنزل الله هذه الآية ترك ذلك فعلم أن معناها إفراد الرب تعالى ~~بالأمر وأنه ليس لغيره أمر بل ان شاء الله تعالى قطع طرفا من الكفار وان ~~شاء كبتهم فانقلبوا بالخسارة وان شاء تاب عليهم وان شاء عذبهم # وهذا كما قال في الآية الأخرى ( قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ماشاء ms0462 ~~الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء ) ونحو ذلك قوله ~~تعالى ( يقولون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ها هنا ) ( قل ان الأمر ~~كله لله ) # ( الوجه الثانى ) أن قوله ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) لم يرد به ~~أن فعل العبد هو فعل الله تعالى كما تظنه طائفة من الغالطين فإن ذلك لو كان ~~صحيحا لكان ينبغى أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشى ما مشيت إذ مشيت ولكن ~~الله مشى ويقال للراكب وما ركبت اذ ركبت ولكن الله ركب ويقال للمتكلم ما ~~تكلمت اذ تكلمت ولكن الله تكلم ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم ~~والمصلى ونحو ذلك # وطرد ذلك يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت اذ كفرت ولكن الله كفر ويقال ~~للكاذب ما كذبت اذ كذبت ولكن الله كذب ومن قال مثل هذا فهو كافر ملحد خارج ~~عن العقل والدين PageV02P331 # ولكن معنى الآية أن النبى يوم بدر رماهم ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمى ~~إلى جميعهم فإنه اذ رماهم بالتراب وقال ( شاهت الوجوه ( لم يكن في قدرته أن ~~يوصل ذلك اليهم كلهم فالله تعالى أوصل ذلك الرمى اليهم كلهم بقدرته يقول ~~وما أوصلت اذ حذفت ولكن الله أوصل فالرمى الذى أثبته له ليس هو الرمى الذى ~~نفاه عنه فإن هذا مستلزم للجمع بين النقيضين بل نفى عنه الإيصال والتبليغ ~~وأثبت له الحذف والإلقاء وكذلك اذا رمى سهما فأوصله الله إلى العدو ايصالا ~~خارقا للعادة كان الله هو الذى أوصله بقدرته # ( الوجه الثالث ) انه لو فرض ان المراد بهذه الآية أن الله خالق أفعال ~~العباد فهذا المعنى حق وقد قال الخليل ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) فالله هو ~~الذى جعل المسلم مسلما وقال تعالى ( ان الإنسان خلق هلوعا اذا مسه الشر ~~جزوعا واذا مسه الخير منوعا ) فالله هو الذى خلقه هلوعا لكن ليس في هذا أن ~~الله هو العبد ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق ولا أن الله حال في ~~العبد # فالقول ms0463 بأن الله خالق أفعال العباد حق والقول بأن الخالق حال في المخلوق ~~أو وجوده وجود المخلوق باطل # وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والإتحاد ~~وهذا عين الضلال والإلحاد PageV02P332 # ( الوجه الرابع ) أن قوله تعالى ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) ~~لم يرد به انك أنت الله وانما أراد انك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه فمن ~~بايعك فقد بايع الله كما أن من أطاعك فقد أطاع الله ولم يرد بذلك أن الرسول ~~هو الله ولكن الرسول أمر بما أمر الله به # فمن أطاعه فقد أطاع الله كما قال النبى ( من أطاعنى فقد أطاع الله ومن ~~أطاع أميرى فقد أطاعنى ومن عصانى فقد عصى الله ومن عصى أميرى فقد عصانى ( ~~ومعلوم أن أميره ليس هو إياه # ومن ظن في قوله ( ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) أن المراد به أن ~~فعلك هو فعل الله أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو مع جهله وضلاله ~~بل كفره وإلحاده قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره وذلك أنه لو كان ~~المراد به كون الله فاعلا لفعلك لكان هذا قدرا مشتركا بينه وبين سائر الخلق ~~وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله ومن بايع مسيلمة الكذاب فقد بايع الله ~~ومن بايع قادة الاحزاب فقد بايع الله وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله ~~أيضا فيكون الله قد بايع الله إذ الله خالق لهذا ولهذا وكذلك اذا قيل بمذهب ~~أهل الحلول والوحدة والاتحاد فانه عام عندهم في هذا وهذا فيكون الله قد ~~بايع الله # وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية حتى إن أحدهم إذا أمر ~~بقتال العدو يقول أقاتل الله ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا PageV02P333 ~~الكلام الذى سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة # وأما الحلول الخاص فليس هو قول هؤلاء بل هو قول النصارى ومن وافقهم من ~~الغالية وهو باطل أيضا فان الله سبحانه قال له ( ليس لك من الامر شيء ) ~~وقال ( وأنه ms0464 لما قام عبد الله يدعوه ) وقال ( سبحان الذى أسرى بعبده ليلا ) ~~وقال ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) وقال ( لقد رضى الله عن ~~المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا # ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما ) # فقوله ( لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة ) بين قوله ( ~~ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله ) ولهذا قال ( يد الله فوق أيديهم ) ~~ومعلوم أن يد النبى كانت مع أيديهم كانوا يصافحونه ويصفقون على يده في ~~البيعة فعلم أن يد الله فوق أيديهم ليست هي يد النبى ولكن الرسول عبد الله ~~ورسوله فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله فالذين بايعوه بايعوا الله ~~الذى أرسله وأمره ببيعتهم # الا ترى أن كل من وكل شخصا يعقد مع الوكيل كان ذلك عقدا مع الموكل ومن ~~وكل نائبا له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبة كانوا معاهدين لمستنيبه ومن ~~وكل رجلا في انكاح أو تزويج كان الموكل هو الزوج الذى وقع له العقد وقد قال ~~تعالى ( ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن PageV02P334 لهم ~~الجنة ) الآية ولهذا قال في تمام الآية ( ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما ) # فتبين أن قول ذلك الفقير هو القول الصحيح وان الله اذا كان قد قال لنبيه ~~( ليس لك من الأمر شيء ) فايش نكون نحن وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( لا ~~تطرونى كما أطرت النصارى المسيح بن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ~~ورسوله ( # وأما قول القائل # ما غبت عن القلب ولا عن عينى %~% ما بينكم وبيننا من بين # فهذا قول مبنى على قول هؤلاء وهو باطل متناقض فان مبناه على أنه يرى الله ~~بعينه وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( واعلموا أن ~~أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت ( وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدا من ~~المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا ms0465 الا في النبى خاصة مع ~~أن جماهير الائمة على انه لم يره بعينه في الدنيا وعلى هذا دلت الآثار ~~الصحيحة الثابتة عن النبى والصحابة وأئمة المسلمين # ولم يثبت عن بن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا إن محمدا ~~رأى ربه بعينه بل الثابت عنهم اما اطلاق الرؤية واما تقييدها بالفؤاد ~~PageV02P335 وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه وقوله ( ~~أتانى البارحة ربى في أحسن صورة ( الحديث الذى رواه الترمذى وغيره انما كان ~~بالمدينة في المنام هكذا جاء مفسرا وكذلك حديث أم الطفيل وحديث بن عباس ~~وغيرهما مما فيه رؤية ربه انما كان بالمدينة كما جاء مفسرا في الأحاديث ~~والمعراج كان بمكة كما قال تعالى ( سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى ) وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # وقد ثبت بنص القرآن أن موسى قيل له ( لن ترانى ) وأن رؤية الله أعظم من ~~إنزال كتاب من السماء كما قال تعالى ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) فمن ~~قال ان أحدا من الناس يراه فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران ودعواه أعظم ~~من دعوى من ادعى أن الله أنزل عليه كتابا من السماء # والناس في رؤية الله على ثلاثة أقوال # فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار ~~عيانا وأن أحدا لا يراه في الدنيا بعينه لكن يرى في المنام ويحصل للقلوب من ~~المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها # ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه PageV02P336 ~~وهو غالط ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ومعرفته في صورة مثالية ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع # ( والقول الثانى ) قول نفاة الجهمية انه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة # ( والثالث ) قول من يزعم أنه يرى في الدنيا والآخرة # وحلولية الجهمية يجمعون بين النفى والاثبات فيقولون أنه لا يرى في الدنيا ms0466 ~~ولا في الآخرة وأنه يرى في الدنيا والآخرة وهذا قول بن عربى صاحب الفصوص ~~وأمثاله لأن الوجود المطلق السارى في الكائنات لا يرى وهو وجود الحق عندهم # ثم من أثبت الذات قال يرى متجليا فيها ومن فرق بين المطلق والمعين قال لا ~~يرى إلا مقيدا بصورة # وهؤلاء قولهم دائر بين أمرين انكار رؤية الله واثبات رؤية المخلوقات ~~ويجعلون المخلوق هو الخالق أو يجعلون الخالق حالا في المخلوق والا فتفريقهم ~~بين الأعيان الثابتة في الخارج وبين وجودها هو قول من يقول بأن المعدوم شيء ~~في الخارج وهو قول باطل وقد ضموا إليه أنهم جعلوا نفس وجود المخلوق هو وجود ~~الخالق # وأما التفريق بين المطلق والمعين مع أن المطلق لا يكون هو في الخارج ~~مطلقا فيقتضى أن يكون الرب معدوما وهذا هو جحود الرب وتعطيله PageV02P337 ~~وإن جعلوه ثابتا في الخارج جعلوه جزءا من الموجودات فيكون الخالق جزءا من ~~المخلوق أو عرضا قائما بالمخلوق وكل هذا مما يعلم فساده بالضرورة وقد بسط ~~هذا في غير هذا الموضع وأما تناقضه فقوله # ما غبت عن القلب ولا عن عينى %~% ما بينكم وبيننا من بين # يقتضى المغايرة وأن المخاطب غير المخاطب وأن المخاطب له عين وقلب لا يغيب ~~عنهما المخاطب بل يشهده القلب والعين والشاهد غير المشهود # وقوله # ما بينكم وبيننا من بين %~% فيه اثبات ضمير المتكلم وضمير # المخاطب وهذا اثبات لاثنين وان قالوا هذه مظاهر ومجالى قيل فان كانت المظاهر ~~والمجالى غير الظاهر والمتجلى فقد ثبتت التثنية وبطلت الوحدة وان كان هو ~~اياها فقد بطل التعدد فالجمع بينهما تناقض # وقول القائل # فارق ظلم الطبع وكن متحدا %~% بالله وإلا فكل دعواك محال # ان أراد الاتحاد المطلق فالمفارق هو المفارق وهو الطبع وظلم الطبع وهو ~~المخاطب بقوله ( وكن متحدا بالله ( وهو المخاطب بقوله ( كل دعواك محال ( ~~وهو القائل هذا القول وفى ذلك من التناقض ما لا يخفى PageV02P338 وان أراد ~~الاتحاد المقيد فهو ممتنع لأن الخالق والمخلوق اذا اتحدا فإن كانا بعد ~~الاتحاد اثنين كما كانا قبل الاتحاد ms0467 فذلك تعدد وليس باتحاد # وإن كانا استحالا إلى شئ ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد ونحو ~~ذلك مما يثبته النصارى بقولهم في الاتحاد لزم من ذلك أن يكون الخالق قد ~~استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لابد أن يستحيل # وهذا ممتنع على الله تعالى ينزه عنه لأن الإستحالة تقتضى عدم ما كان ~~موجودا والرب تعالى واجب الوجود بذاته وصفاته اللازمة له يمتنع العدم على ~~شئ من ذلك ولأن صفات الرب اللازمة له صفات كمال فعدم شئ منها نقص يتعالى ~~الله عنه ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضى أن العبد متصف بالصفات القديمة ~~اللازمة لذات الرب وذلك ممتنع على العبد المحدث المخلوق فإن العبد يلزمه ~~الحدوث والافتقار والذل # والرب تعالى يلازمه القدم والغنى والعزة وهو سبحانه قديم غنى عزيز بنفسه ~~يستحيل عليه نقيض ذلك فاتحاد أحدهما بالآخر يقتضى أن يكون الرب متصفا بنقيض ~~صفاته من الحدوث والفقر والذل والعبد متصفا بنقيض صفاته من القدم والغنى ~~الذاتى والعز الذاتى وكل ذلك ممتنع وبسط هذا يطول PageV02P339 ولهذا سئل ~~الجنيد عن التوحيد فقال التوحيد إفراد الحدوث عن القدم فبين أنه لابد من ~~تمييز المحدث عن القديم # ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن عن مخلوقاته ليس في ~~مخلوقاته شئ من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل الرب رب والعبد عبد ( ~~إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا ~~وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) # وإن كان المتكلم بهذا البيت أراد الاتحاد الوصفى وهو أن يحب العبد مايحبه ~~الله ويبغض ما يبغضه الله ويرضى بما يرضى الله ويغضب لما يغضب الله ويأمر ~~بما يأمر الله به وينهى عما ينهى الله عنه ويوالى من يواليه الله ويعادى من ~~يعاديه الله ويحب لله ويبغض لله ويعطى لله ويمنع لله بحيث يكون موافقا لربه ~~تعالى # فهذا المعنى حق وهو حقيقة الإيمان وكماله كما في الحديث الذى رواه ~~البخارى عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( يقول الله ms0468 تعالى من عادى لى وليا ~~فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره ~~الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر ~~وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن ~~PageV02P340 شيء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره ~~مساءته ولابد له منه ( # وهذا الحديث يحتج به أهل الوحدة وهو حجة عليهم من وجوه كثيرة ( # منها ) أنه قال ( من عادى لى وليا فقد با رزني بالمحاربة ( فأثبت نفسه ~~ووليه ومعادى وليه وهؤلاء ثلاثة ثم قال ( وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما ~~افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ( فأثبت عبدا يتقرب ~~إليه بالفرائض ثم بالنوافل وأنه لايزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه فاذا أحبه ~~كان العبد يسمع به ويبصر به ويبطش به ويمشى به # وهؤلاء هو عندهم قبل أن يتقرب بالنوافل وبعده هو عين العبد وعين غيره من ~~المخلوقات فهو بطنه وفخذه لايخصون ذلك بالاعضاء الأربعة المذكورة في الحديث ~~فالحديث مخصوص بحال مقيد وهم يقولون بالاطلاق والتعميم فأين هذا من هذا # وكذلك قد يحتجون بما في الحديث الصحيح ( ان الله يتجلى لهم يوم القيامة ~~ثم يأتيهم في صورة غير الصورة التى رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم ~~فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فاذا جاء ربنا عرفناه ~~ثم يأتيهم في الصورة التى رأوه فيها في أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ~~ربنا ( فيجعلون هذا حجة لقولهم أنه يرى في الدنيا في كل صورة بل هو كل صورة ~~PageV02P341 # وهذا الحديث حجة عليهم في هذا أيضا فإنه لافرق عندهم بين الدنيا والآخرة ~~وهو عندهم في الآخرة المنكرون الذين قالوا نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى ~~يأتينا ربنا # وهؤلاء الملاحدة يقولون ان العارف يعرفه في كل صورة فان الذين أنكروه يوم ms0469 ~~القيامة في بعض الصور كان لقصور معرفتهم وهذا جهل منهم فإن الذين انكروه ~~يوم القيامة ثم عرفوه لما تجلى لهم في الصورة التى رأوه فيها أول مرة هم ~~الأنبياء والمؤمنون وكان انكارهم مما حمدهم سبحانه وتعالى عليه فانه ~~امتحنهم بذلك حتى لا يتبعوا غير الرب الذى عبدوه فلهذا قال في الحديث ( وهو ~~يسألهم ويثبتهم وقد نادى المنادى ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون ( # ثم يقال لهؤلاء الملاحدة اذا كان عندكم هو الظاهر في كل صورة فهو المنكر ~~وهو المنكر كما قال بعض هؤلاء لآخر من قال لك ان في الكون سوى الله فقد كذب ~~وقال له الآخر فمن هو الذى كذب # وذكر بن عربى أنه دخل على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال ما ~~أبصر غيره أبول عليه فقال له شيخه فالذى يخرج من بطنك من أين هو قال فرجت ~~عنى # ومر شيخان منهم التلمسانى هذا والشيرازى على كلب أجرب ميت فقال الشيرازى ~~للتلمسانى هذا أيضا من ذاته فقال التلمسانى هل ثم شئ خارج عنها PageV02P342 # وكان التلمسانى قد أضل شيخا زاهدا عابدا ببيت المقدس يقال له أبو يعقوب ~~المغربى المبتلى حتى كان يقول الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى ~~الله ويقول نطق الكتاب والسنة بثنويه الوجود والوجود واحد لاثنوية فيه ~~ويجعل هذا الكلام له تسبيحا يتلوه كما يتلو التسبيح # وأما قول الشاعر # إذا بلغ الصب الكمال من الهوى %~% وغاب عن المذكور في سطوة الذكر # فشاهد حقا حين يشهده الهوى %~% بأن صلاة العارفين من الكفر # فهذا الكلام مع أنه كفر هو كلام جاهل لايتصور ما يقول فإن الفناء والغيب ~~هو أن يغيب بالمذكور عن الذكر وبالمعروف عن المعرفة وبالمعبود عن العبادة ~~حتى يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وهذا مقام الفناء الذى يعرض لكثير من ~~السالكين لعجزهم عن كمال الشهود المطابق للحقيقة بخلاف الفناء الشرعى ~~فمضمونه الفناء بعبادته عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ماسواه وبخشيته عن ~~خشية ماسواه وبطاعته عن طاعة ماسواه ms0470 فان هذا تحقيق التوحيد والإيمان # ( وأما النوع الثالث ) من الفناء وهو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن ~~وجود الخالق هو وجود المخلوق فهذا هو قول هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة ~~PageV02P343 # والمقصود هنا أن قوله يغيب عن المذكور كلام جاهل فان هذا لايحمد أصلا بل ~~المحمود أن يغيب بالمذكور عن الذكر لايغيب عن المذكور في سطوات الذكر اللهم ~~الا أن يريد أنه غاب عن المذكور فشهد المخلوق وشهد انه الخالق ولم يشهد ~~الوجود إلا واحدا ونحو ذلك من المشاهد الفاسدة فهذا شهود أهل الإلحاد ~~لاشهود الموحدين ولعمرى إن من شهد هذا الشهود الالحادى فانه يرى صلاة ~~العارفين من الكفر وأما قول القائل # الكون يناديك اما تسمعنى %~% من ألف أشتاتى ومن فرقنى # أنظر لترانى منظرا معتبرا %~% مافى سوى وجود من أوجدنى # فهو من أقوال هؤلاء الملاحدة وأقوالهم كفر متناقض باطل في العقل والدين ~~فإنه إذا لم يكن فيه الا وجود من أوجده كان ذلك الوجود هو الكون المنادى ~~وهو المخاطب المنادى وهو الاشتات المؤلفة المفرقة وهو المخاطب الذى قيل له ~~أنظر # وحينئذ يكون الوجود الواجب القديم الازلي قد أوجد نفسه وفرقها وألفها ~~فهذا جمع بين النقضين فإن الواجب بنفسه لايكون مفعولا مصنوعا والشى الواحد ~~لايكون خالقا مخلوقا قديما محدثا واجبا بنفسه واجبا بغيره فان هذا جمع بين ~~النقيضين PageV02P344 # فالواجب هو الذى لا تقبل ذاته العدم والممكن هو الذى تقبل ذاته العدم ~~فيمتنع أن يكون الشئ الواحد قابلا للعدم غير قابل للعدم والقديم هو الذى لا ~~أول لوجوده والمحدث هو الذى له أول فيمتنع كون الشئ الواحد قديما محدثا # ولولا أنه قد علم مرادهم بهذا القول لأمكن أن يراد بذلك ما في سوى الوجود ~~الذى خلقه من أوجدنى وتكون إضافة الوجود إلى الله إضافة الملك لكن قد علم ~~انه لم يرد هذا ولأن هذه العبارة لا تستعمل في هذا المعنى وانما يراد بوجود ~~الله وجود ذاته لا وجود مخلوقاته وهكذا قول القائل # ذات وجود ال %~% كون للخلق شهود # أن ليس لموجود %~% سوى الحق ms0471 وجود # مراده به أن وجود الكون هو نفس وجود الحق وهذا هو قول أهل الوحدة والا ~~فلو أراد أن وجود كل موجود من المخلوقات هو من الحق تعالى فليس لشئ وجود من ~~نفسه وانما وجوده من ربه والأشياء باعتبار أنفسها لا تستحق سوى العدم وانما ~~حصل لها الوجود من خالقها وبارئها فهي دائمة الافتقار إليه لا تستغنى عنه ~~لحظة لا في الدنيا ولا في الآخرة لكان قد أراد معنى صحيحا وهو الذى عليه ~~أهل العقل والدين من الأولين والآخرين # وهؤلاء القائلون بالوحدة قولهم متناقض ولهذا يقولون PageV02P345 الشيء ~~ونقيضه والا فقوله منه والا علاه يبدى ويعيد يناقض الوحدة فمن هو البادى ~~والعائد منه واليه اذا لم يكن الا واحدا وقوله # وما أنا في طراز الكون شيء %~% لانى مثل ظل مستحيل # يناقض الوحدة لان الظل مغاير لصاحب الظل فاذا شبه المخلوق بالظل لزم ~~اثبات اثنين كما اذا شبهه بالشعاع فان شعاع الشمس ليس هو نفس قرص الشمس ~~وكذلك اذا شبهه بضوء السراج وغيره والنصارى تشبه الحلول والإتحاد بهذا # ( وقلت ( لمن حضرنى منهم وتكلم بشئ من هذا فاذا كنتم تشبهون المخلوق ~~بالشعاع الذى للشمس والنار والخالق بالنار والشمس فلا فرق في هذا بين ~~المسيح وغيره فان كل ما سوى الله على هذا هو بمنزلة الشعاع والضوء فما ~~الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات ~~على هذا # وجعلت أردد عليه هذا الكلام وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهما جيدا ~~وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له وان ما أثبتوه للمسيح إما ~~ممتنع في حق كل أحد وإما مشترك بين المسيح وغيره وعلى التقديرين فتخصيص ~~المسيح بذلك باطل # ( وذكرت له ( أنه ما من آية جاء بها المسيح الا وقد جاء موسى باعظم منها ~~PageV02P346 فإن المسيح وان كان جاء باحياء الموتى فالموتى الذين أحياهم ~~الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~فأخذتكم الصاعقة ( ثم بعثهم الله بعد موتهم كما قال ms0472 ( ثم بعثناكم من بعد ~~موتكم ( وكالذى ضرب ببعض البقرة وغير ذلك # وقد جاء باحياء الموتى غير واحد من الأنبياء والنصارى يصدقون بذلك # وأما جعل العصا حية فهذا أعظم من أحياء الميت فان الميت كانت فيه حياة ~~فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة وأما جعل خشبة يابسة حيوانا تبتلع ~~العصى والحبال فهذا أبلغ في القدرة واندر فان الله يحي الموتى ولا يجعل ~~الخشب حيات # وأما انزال المائدة من السماء فقد كان ينزل على قوم موسى كل يوم من المن ~~والسلوى وينبع لهم من الحجر من الماء ما هو أعظم من ذلك فان الحلوى أو ~~اللحم دائما هو أجل في نوعه وأعظم في قدرة مما كان على المائدة من الزيتون ~~والسمك وغيرهما # وذكرت له نحوا من ذلك مما يبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية ~~ليس له وجه وان سائر ما يذكر فيه إما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من ~~المخلوقات وإما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل مع أن ~~بعض الرسل كابراهيم وموسى قد يكون أكمل في ذلك منه وأما PageV02P347 خلقه ~~من امرأة بلا رجل فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك فانه خلق من بطن ~~امرأة وهذا معتاد بخلاف الخلق من ضلع رجل فان هذا ليس بمعتاد # فما من أمر يذكر في المسيح الا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من ~~بنى آدم فعلم قطعا أن تخصيص المسيح باطل وأن ما يدعونه له إن كان ممكنا فلا ~~اختصاص له به وان كان ممتنعا فلا وجود له فيه ولا في غيره # ولهذا قال هؤلاء الاتحادية أن النصارى إنما كفروا بالتخصيص وهذا أيضا ~~باطل فان في الاتحاد عموما وخصوصا # والمقصود هنا أن تشبيه الإتحادية أحدهم بالظل المستحيل يناقض قولهم ~~بالوحدة وكذلك قول الآخر # أحن إليه وهو قلبى وهل يرى %~% سواى أخو وجد يحن لقلبه # ويحجب طرفى عنه إذ هو ناظرى %~% وما بعده الا لافراط قربه # هو مع ما قصده به من الكفر ms0473 والاتحاد كلام متناقض فان حنين الشيء إلى ذاته ~~متناقض ولهذا قال وهل يرى سواى أخو وجد يحن لقلبه # وقوله وما بعده الا لإفراط قربه متناقض فانه لا قرب ولا بعد عند ~~PageV02P348 أهل الوحدة فانها تقتضى اثنين يقرب أحدهما من الآخر والواحد لا ~~يقرب من ذاته ولا يبعد من ذاته # وأما قول القائل التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه فهذا أيضا من ~~قول أهل الوحدة وهو مع كفره قول متناقض فانه قد علم بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن لسان الشرك لا يكون له لسان التوحيد وأن أقوال المشركين الذين ~~قالوا ( لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) ~~والذين قالوا ( ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى ) والذين قالوا ( وما ~~نحن بتاركى آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين # ان نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) والذين قالوا ( حرقوه وانصروا ~~آلهتكم ) ونحو هؤلاء ليس هذا هو لسان التوحيد # وأما تناقض هذا القول على أصلهم فإن الوجود ان كان واحدا كان اثبات ~~التعدد تناقضا فاذا قال القائل الوجود واحد وقال الآخر ليس بواحد بل متعدد ~~كان هذان القولان متناقضين فيمتنع أن يكون أحدهما هو الآخر # واذا قال قائل الالسنة كلها لسانه فقد صرح بالتعدد في قوله الالسنة كلها ~~وذلك يقتضى أن لا يكون هذا اللسان هو هذا اللسان فثبت التعدد وبطلت الوحدة ~~PageV02P349 # وكل كلام لهؤلاء ولغيرهم فانه ينقض أصلهم فانهم مضطرون إلى اثبات التعدد # فإن قالوا الوجود واحد بمعنى أن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود فهذا ~~صحيح لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا عين وجود ~~هذا بل هذا اشتراك في الاسم العام الكلى كالاشتراك في الاسماء التى يسميها ~~النحاة اسم الجنس ويقسمها المنطقيون إلى جنس ونوع وفصل وخاصة وعرض عام # فالإشتراك في هذه الاسماء هو مستلزم لتباين الاعيان وكون أحد المشتركين ~~ليس هو الآخر وهذا مما يعلم به أن وجود الحق مباين لوجود المخلوقات فانه ~~أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود فاذا ms0474 كان وجود الفلك مباينا ~~مخالفا لوجود الذرة والبعوضة فوجود الحق تعالى أعظم مباينة لوجود كل مخلوق ~~من مباينة وجود ذلك المخلوق لوجود مخلوق آخر # وهذا وغيره مما يبين بطلان قول ذلك الشيخ حيث قال لا يعرف التوحيد الا ~~الواحد ولا تصح العبارة عن التوحيد وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغير ومن أثبت ~~غيرا فلا توحيد له # فإن هذا الكلام مع كفره متناقض فان قوله لا يعرف التوحيد الا واحد يقتضى ~~أن هناك واحدا يعرفه وأن غيره لا يعرفه هذا تفريق بين من يعرفه ومن لا ~~يعرفه واثبات اثنين أحدهما يعرفه والآخر لا يعرفه PageV02P350 واثبات ~~للمغايرة بين من يعرفه ومن لا يعرفه فقوله بعد هذا ومن أثبت غيرا فلا توحيد ~~له يناقض هذا # وقوله إنه لا تصح العبارة عن التوحيد كفر بإجماع المسلمين فإن الله قد ~~عبر عن توحيده ورسوله عبر عن توحيده والقرآن مملوء من ذكر التوحيد بل إنما ~~أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد # وقد قال تعالى ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون ) وقال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه ~~لا اله إلا أنا فاعبدون ) ولو لم يكن يصح عنه عبارة لما نطق به أحد # وأفضل ما نطق به الناطقون هو التوحيد كما قال النبى ( أفضل الذكر لا اله ~~الا الله وأفضل الدعاء الحمد لله ( وقال ( من كان آخر كلامه لا اله الا ~~الله دخل الجنة ( # لكن التوحيد الذى يشير إليه هؤلاء الملاحدة وهو وحدة الوجود أمر ممتنع في ~~نفسه لا يتصور تحققه في الخارج فان الوحدة العينية الشخصية تمتنع في ~~الشيئين المتعددين ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى أن اسم الموجود ~~اسم عام يتناول كل أحد كما أن إسم الجسم والانسان ونحوهما يتناول كل جسم ~~وكل انسان وهذا الجسم ليس هو ذاك وهذا الانسان ليس هو ذاك وكذلك هذا الوجود ~~ليس هو ذاك PageV02P351 # وقوله لا يعبر عنه الا بغير يقال له ( أولا ) التعبير عن ms0475 التوحيد يكون ~~بالكلام والله يعبر عن توحيده بكلامه فكلام الله وعلمه وقدرته وغير ذلك من ~~صفاته لا يطلق عليه عند السلف والأئمة القول بأنه الله ولا يطلق عليه بأنه ~~غير الله لان لفظ الغير قد يراد به ما يباين غيره وصفات الله لا تباينه ~~ويراد به ما لم يكن إياه وصفة الله ليست اياه ففى إحد الاصطلاحين يقال انه ~~غيره وفى الاصطلاح الآخر لا يقال انه غير # فلهذا لا يطلق أحدهما الا مقرونا ببيان المراد لئلا يقول المبتدع اذا ~~كانت صفة الله غيره فكل ما كان غير الله فهو مخلوق فيتوسل بذلك إلى أن يجعل ~~علم الله وقدرته وكلامه ليس هو صفة قائمة به بل مخلوقة في غيره فإن هذا فيه ~~من تعطيل صفات الخالق وجحد كماله ما هو من أعظم الإلحاد وهو قول الجهمية ~~الذين كفرهم السلف والأئمة تكفيرا مطلقا وان كان الواحد المعين لا يكفر الا ~~بعد قيام الحجة التى يكفر تاركها # وأيضا فيقال لهؤلاء الملاحدة ان لم يكن في الوجود غيره بوجه من الوجوه ~~لزم أن يكون كلام الخلق وأكلهم وشربهم ونكاحهم وزناهم وكفرهم وشركهم وكل ما ~~يفعلونه من القبائح هو نفس وجود الله # ومعلوم أن من جعل هذا صفة لله كان من أعظم الناس كفرا وضلالا فمن قال إنه ~~عين وجود الله كان أكفر وأضل فإن الصفات والأعراض لا تكون عين الموجود ~~القائم بنفسه وأئمة هؤلاء الملاحدة كابن عربى يقول PageV02P352 # وكل كلام في الوجود كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # فيجعلون كلام المخلوقين من الكفر والكذب وغير ذلك كلاما لله وأما هذا ~~الملحد فزاد على هؤلاء فجعل كلام الخلق وعبادتهم نفس وجوده لم يجعل ذلك ~~كلاما له بل نفى أن يكون هذا كلاما له لئلا يثبت غيرا له # وقد علم بالكتاب والسنة والاجماع وبالعلوم العقلية الضرورية إثبات غير ~~الله تعالى وأن كل ما سواه من المخلوقات فإنه غير الله تعالى ليس هو الله ~~ولا صفة من صفات الله # ولهذا أنكر الله على من عبد غيره ولو لم ms0476 يكن هناك غير لما صح الانكار قال ~~تعالى ( قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون ) وقال تعالى ( قل أغير ~~الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ) وقال تعالى ( هل من خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض ) وقال تعالى ( أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى ~~أنزل اليكم الكتاب مفصلا ) # وكذلك قول القائل وجدت المحبة غير المقصود لانها لا تكون الا من غير لغير ~~وغير ما ثم ووجدت التوحيد غير المقصود لأن التوحيد ما يكون الا من عبد لرب ~~ولو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا هو كلام فيه من الكفر والإلحاد ~~والتناقض مالا يخفى PageV02P353 فإن الكتاب والسنة واجماع المسلمين أثبتت ~~محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له كقوله تعالى ( والذين آمنوا أشد حبا ~~لله ) وقوله ( يحبهم ويحبونه ) وقوله ( أحب اليكم من الله ورسوله ) وقوله ( ~~ان الله يحب المتقين ) ( يحب المحسنين ) ( يحب التوابين ويحب المتطهرين ) ~~يحب المقسطين ) # وقال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( ثلاث من كن فيه وجد ~~بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب ~~المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله ~~منه كما يكره أن يلقى في النار ( # وقد أجمع سلف الامة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ~~ومحبتهم له وهذا أصل دين الخليل امام الحنفاء عليه السلام # وأول من أظهر ذلك في الاسلام الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله ~~القسرى يوم الأضحى بواسط وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح ~~بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى ~~تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه # وقوله المحبة ما تكون الا من غير لغير وغير ما ثم كلام باطل من كل وجه ~~فإن قوله لا تكون الا من غير ليس بصحيح فإن الانسان يحب نفسه وليس غيرا ~~لنفسه والله يحب نفسه وقوله ما ثم غير ms0477 باطل فان المخلوق PageV02P354 غير ~~الخالق والمؤمنون غير الله وهم يحبونه فالدعوى باطلة فكل واحدة من مقدمتى ~~الحجة باطلة قوله لا تكون إلا من غير لغير وقوله غير مأثم فان الغير موجود ~~والمحبة تكون من المحب لنفسه ولهذا كثير من الاتحادية يناقضه في هذا القول ~~ويقول كما قال بن الفارض # وكذلك قوله التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب ولو أنصف الناس ما رأوا عابدا ~~ولا معبودا كلا المقدمتين باطل فان التوحيد يكون من الله لنفسه فانه يوحد ~~نفسه بنفسه كما قال تعالى ( شهد الله أنه لا اله الا هو ) والقرآن مملوء من ~~توحيد الله لنفسه فقد وحد نفسه بنفسه كقوله ( وإلهكم إله واحد ) وقوله ( ~~وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين انما هو إله واحد ) وقوله ( فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله ) وأمثال ذلك # وأما المقدمة الثانية فقوله إن الناس لو أنصفوا مارأوا عابدا ولا معبودا ~~مع انه غاية في الكفر والالحاد كلام متناقض فانه اذا لم يكن ثم عابد ولا ~~معبود بل الكل واحد فمن هم الذين لا ينصفون ان كانوا هم الله فيكون الله هو ~~الذى لا ينصف وإن كانوا غير الله فقد ثبت الغير ثم إذا فسروه على كفرهم ~~وقالوا إن الله هو الذى لا ينصف وهو الذى يأكل ويشرب ويكفر كما يقول ذلك ~~كثير منهم مثل ما قال بعضهم لشيخه الفقير إذا صح أكل بالله فقال له الآخر ~~الفقير اذا صح أكل الله # وقد صرح بن عربى وغيره من شيوخهم بانه هو الذى يجوع ويعطش PageV02P355 ~~ويمرض ويبول وينكح وينكح وأنه موصوف بكل نقص وعيب لأن ذلك هو الكمال عندهم # كما قال في ( الفصوص ( فالعلى بنفسه هو الذى يكون له الكمال الذى يستقصى ~~به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا ~~أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة وقال إلا ترى ~~الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص والذم الا ترى ~~المخلوق يظهر بصفات الخالق فهي كلها ms0478 من أولها إلى آخرها صفات للعبد كما أن ~~صفات العبد من أولها إلى آخرها صفات الله تعالى # وهذا المتكلم بمثل هذا الكلام يتناقض فيه فانه يقال له فانت الكامل في ~~نفسك الذى لا ترى عابدا ولا معبودا نعاملك بموجب مذهبك فتضرب وتوجع وتهان ~~وتصفع واذا تظلم ممن فعل به ذلك واشتكى وصاح منه وبكى قيل له ما ثم غير ولا ~~عابد ولا معبود فلم يفعل بك هذا غيرك بل الضارب هو المضروب والشاتم هو ~~المشتوم والعابد هو المعبود فان قال تظلم من نفسه واشتكى من نفسه قيل له ~~أيضا فقل عبد نفسه فاذا أثبت ظالما ومظلوما وهما واحد قيل له فأثبت عابدا ~~ومعبودا وهما واحد # ثم يقال له هذا الذى يضحك ويضرب هو نفس الذى يبكى ويصيح وهذا الذى شبع ~~وروى هو نفس هذا الذى جاع وعطش فان اعترف بأنه PageV02P356 غيره أثبت ~~المغايرة واذا أثبت المغايرة بين هذا وهذا فبين العابد والمعبود أولى واحرى # وان قال بل هو هو عومل معاملة السوفسطائية فان هذا القول من أقبح السفسطة ~~فيقال فاذا كان هو هو فنحن نضربك ونقتلك والشيء قتل نفسه وأهلك نفسه # والإنسان قد يظلم نفسه بالذنوب فيقول ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) لكون نفسه ~~أمرته بالسوء والنفس أمارة بالسوء لكن جهة أمرها ليست جهة فعلها بل لابد من ~~نوع تعدد اما في الذات واما في الصفات وكل أحد يعلم بالحس والاضطرار ان هذا ~~الرجل الذى ظلم ذاك ليس هو اياه وليس هو بمنزلة الرجل الذى ظلم نفسه واذا ~~كان هذا في المخلوقين فالخالق أعظم مباينة للمخلوقين من هذا لهذا سبحانه ~~وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا وهم عند كثير من الناس ~~سادات الأنام ومشايخ الاسلام وأهل التوحيد والتحقيق وأفضل أهل الطريق حتى ~~فضلوهم على الأنبياء والمرسلين وأكابر مشايخ الدين لم يكن بنا حاجة إلى ~~بيان فساد هذه الأقوال وايضاح هذا الضلال ولكن يعلم أن الضلال لاحد له وان ~~العقول اذا فسدت لم يبق لضلالها ms0479 حد معقول فسبحان من فرق بين نوع الانسان ~~فجعل منه من هو افضل العالمين وجعل منه من هو شر من الشياطين ولكن تشبيه ~~هؤلاء بالأنبياء PageV02P357 والأولياء كتشبيه مسيلمة الكذاب بسيد أولى ~~الألباب هو الذى يوجب جهاد هؤلاء الملحدين الذين يفسدون الدنيا والدين # والمقصود هنا رد هذه الأقوال وبيان الهدى من الضلال # وأما توبة من قالها وموته على الاسلام فهذا يرجع إلى الملك العلام فان ~~الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ومن الممكنات انه قد تاب على ~~أصحاب هذه المقالات والله تعالى غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب والذنب ~~وإن عظم والكفر وإن غلظ وجسم فإن التوبة تمحو ذلك كله والله سبحانه لا ~~يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى ~~( قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله ~~يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم ) وهذه الآية عامة مطلقة لأنها ~~للتائبين # وأما قوله ( ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ~~فإنها مقيدة خاصة لأنها في حق غير التائبين لا يغفر لهم الشرك وما دون ~~الشرك معلق بمشيئة الله تعالى # وأما الحكاية المذكورة عن الذى قال انه التقم العالم كله وأراد أن يقول ~~أنا الحق ( واختها ) التى قيل فيها إن الالهية لا يدعيها الا أجهل خلق الله ~~أو أعرف خلق الله هو من هذا الباب PageV02P358 # والفقير الذى قال ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله مثل فرعون ~~ونمرود وأمثالهما هو الذى أصاب ونطق بالصواب وسدد في الخطاب # ولكن هؤلاء الملاحدة يعظمون فرعون وأمثاله ويدعون انهم خير من موسى ~~وأمثاله حتى أنه حدثنى بهاء الدين عبد السيد الذى كان قاضى اليهود وأسلم ~~وحسن اسلامه رحمه الله وكان قد اجتمع بالشيرازى أحد شيوخ هؤلاء ودعاه إلى ~~هذا القول وزينه له فحدثنى بذلك فبينت له ضلال هؤلاء وكفرهم وان قولهم من ~~جنس قول فرعون فقال لى انه لما دعاه حسن الشيرازى إلى ms0480 هذا القول قال له ~~قولكم هذا يشبه قول فرعون فقال نعم ونحن على قول فرعون وكان عبد السيد إذ ~~ذاك لم يسلم بعد فقال أنا لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون قال له ولم قال لان ~~موسى أغرق فرعون فانقطع فاحتج عليه بالنصر القدرى الذى نصر الله به موسى لا ~~بكونه كان رسولا صادقا قلت لعبد السيد واقر لك انه على قول فرعون قال نعم ~~قلت فمع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة أنا كنت أريد أن أبين لك أن قولهم ~~هو قول فرعون فاذا كان قد أقر بهذا فقد حصل المقصود # فهذه المقالات وأمثالها من أعظم الباطل وقد نبهنا على بعض ما به يعرف ~~معناها وأنه باطل والواجب إنكارها فان إنكار هذا المنكر السارى في كثير من ~~المسلمين أولى من انكار دين اليهود والنصارى الذى لا يضل به المسلمون لا ~~سيما وأقوال هؤلاء شر من أقوال اليهود والنصارى وفرعون ومن عرف PageV02P359 ~~معناها واعتقدها كان من المنافقين الذين أمر الله بجهادهم بقوله تعالى ( ~~جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) والنفاق إذا عظم كان صاحبه شرا من ~~كفار أهل الكتاب وكان في الدرك الاسفل من النار # وليس لهذه المقالات وجه سائغ ولو قدر أن بعضها يحتمل في اللغة معنى صحيحا ~~فانما يحمل عليها اذا لم يعرف مقصود صاحبها وهؤلاء قد عرف مقصودهم كما عرف ~~دين اليهود والنصارى والرافضة ولهم في ذلك كتب مصنفة وأشعار مؤلفة وكلام ~~يفسر بعضه بعضا # وقد علم مقصودهم بالضرورة فلا ينازع في ذلك إلا جاهل لا يلفت إليه ويجب ~~بيان معناها وكشف مغزاها لمن أحسن الظن بها وخيف عليه أن يحسن الظن بها أو ~~أن يضل فان ضررها على المسلمين أعظم من ضرر السموم التى يأكلونها ولا ~~يعرفون انها سموم وأعظم من ضرر السراق والخونة الذين لا يعرفون انهم سراق ~~وخونة فإن هؤلاء غاية ضررهم موت الانسان أو ذهاب ماله وهذه مصيبة في دنياه ~~قد تكون سببا لرحمته في الآخرة وأما هؤلاء فيسقون الناس شراب الكفر ~~والالحاد في ms0481 آنية أنبياء الله وأوليائه ويلبسون ثياب المجاهدين في سبيل ~~الله وهم في الباطن من المحاربين لله ورسوله ويظهرون كلام الكفار ~~والمنافقين في قوالب ألفاظ أولياء الله المحققين فيدخل الرجل معهم على أن ~~يصير مؤمنا وليا لله فيصير منافقا عدوا لله PageV02P360 ولقد ضربت لهم مرة ~~مثلا بقوم أخذوا طائفة من الحجاج ليحجوا بهم فذهبوا بهم إلى قبرص لينصروهم ~~فقال لى بعض من كان قد انكشف له ضلالهم من اتباعهم لو كانوا يذهبون بنا إلى ~~قبرص لكانوا يجعلوننا نصارى وهؤلاء كانوا يجعلوننا شرا من النصارى والأمر ~~كما قاله هذا القائل وقد رأيت وسمعت عمن ظن هؤلاء من أولياء الله وأن ~~كلامهم كلام العارفين المحققين من هو من أهل الخير والدين مالا أحصيهم ~~فمنهم من دخل في الحادهم وفهمه وصار منهم ومنهم من كان يؤمن بما لا يعلم ~~ويعظم ما لا يفهم ويصدق بالمجهولات # وهؤلاء هم أصلح الطوائف الضالين وهم بمنزلة من يعظم أعداء الله ورسوله ~~ولا يعلم أنهم أعداء الله ورسوله ويوالى المشركين وأهل الكتاب ظانا أنهم من ~~أهل الإيمان وأولى الالباب وقد دخل بسبب هؤلاء الجهال المعظمين لهم من الشر ~~على المسلمين مالا يحصيه إلا رب العالمين وهذا الجواب لم يتسع لأكثر من هذا ~~الخطاب والله أعلم بالصواب PageV02P361 ### || 1 ( الرد الأقوم على ما في فصوص الحكم ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل ! 8 < # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين رضى الله عنهم أجمعين ~~في الكلام الذى تضمنه كتاب ( فصوص الحكم ( وما شاكله من الكلام الظاهر في ~~اعتقاد قائله أن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق وأن ما ثم غير كمن ~~قال في شعره # أنا وهو واحد ما معنا شيء %~% # ومثل أنا من أهوى ومن أهوى أنا # ومثل إذا كنت ليلى وليلى أنا # وكقول من قال لو عرف الناس الحق ما رأوا عابدا ولا معبودا # وحقيقة هذه الأقوال لم تكن في كتاب الله عز وجل ولا في السنة ولا في كلام ~~الخلفاء الراشدين والسلف الصالحين # ويدعى القائل لذلك أنه يحب الله سبحانه ms0482 وتعالى والله تعالى يقول ( قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) والله سبحانه وتعالى ذكر خير ~~PageV02P362 خلقه بالعبودية في غير موضع فقال تعالى عن خاتم رسله ( فأوحى ~~إلى عبده ما أوحى ) وكذلك قال في حق عيسى عليه السلام ( إن هو الا عبد ~~أنعمنا عليه ) وقال تعالى ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون ) الآية # فالنصارى كفار بقولهم مثل هذا القول في عيسى بمفرده فكيف بمن يعتقد هذا ~~الإعتقاد تارة في نفسه وتارة في الصور الحسنة من النسوان والمردان # ويقولون ان هذا الإعتقاد له سر خفى وباطن حق وانه من الحقائق التى لا ~~يطلع عليها الا خواص خواص الخلق # فهل في هذه الأقوال سر خفى يجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر وكتبه ~~ورسله أن يجتهد على التمسك بها والوصول إلى حقائقها كما زعم هؤلاء أم ~~باطنها كظاهرها وهذا الإعتقاد المذكور هو حقيقة الإيمان بالله ورسوله وبما ~~جاء به أم هو الكفر بعينه # وهل يجب على المسلم أن يتبع في ذلك قول علماء المسلمين ورثة الأنبياء ~~والمرسلين أم يقف مع قول هؤلاء الضالين المضلين وإن ترك ما أجمع عليه أئمة ~~المسلمين ووافق هؤلاء المذكورين فماذا يكون من أمر الله له يوم الدين ~~أفتونا مأجورين أثابكم الله الكريم PageV02P363 ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام ( تقى الدين ) أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين # ما تضمنه كتاب ( فصوص الحكم ( وما شاكله من الكلام فإنه كفر باطنا وظاهرا ~~وباطنه أقبح من ظاهره وهذا يسمى مذهب أهل الوحدة وأهل الحلول وأهل الاتحاد ~~وهم يسمون أنفسهم المحققين # وهؤلاء نوعان # نوع يقول بذلك مطلقا كما هو مذهب صاحب الفصوص بن عربى وأمثاله مثل بن ~~سبعين وبن الفارض والقونوى والششترى والتلمسانى وأمثالهم ممن يقول إن ~~الوجود واحد ويقولون ان وجود المخلوق هو وجود الخالق لا يثبتون موجودين خلق ~~أحدهما الآخر بل يقولون الخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق PageV02P364 # ويقولون إن وجود الأصنام هو ms0483 وجود الله وإن عباد الأصنام ما عبدوا شيئا ~~إلا الله # ويقولون ان الحق يوصف بجميع ما يوصف به المخلوق من صفات النقص والذم # ويقولون ان عباد العجل ما عبدوا إلا الله وان موسى أنكر على هارون لكون ~~هارون أنكر عليهم عبادة العجل وان موسى كان بزعمهم من العارفين الذين يرون ~~الحق في كل شيء بل يرونه عين كل شئ وأن فرعون كان صادقا في قوله ( أنا ربكم ~~الأعلى ( بل هو عين الحق ونحو ذلك مما يقوله صاحب الفصوص # ويقول أعظم محققيهم ان القرآن كله شرك لأنه فرق بين الرب والعبد وليس ~~التوحيد الا في كلامنا # فقيل له فإذا كان الوجود واحدا فلم كانت الزوجة حلالا والأم حراما فقال ~~الكل عندنا واحد ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم # وكذلك ما في شعر بن الفارض في قصيدته التى سماها نظم السلوك كقوله # لها ~~صلواتى بالمقام أقيمها %~% وأشهد فيها أنها لى صلت # كلانا مصل واحد ساجدإلى %~% حقيقته بالجمع في كل سجدة PageV02P365 # وما كان لى صلى سواى ولم تكن %~% صلاتى لغيرى في أداء كل سجدة # وقوله # وما زلت اياها واياى لم تزل %~% ولا فرق بل ذاتى لذاتى أحبت # وقوله # إلى رسولا كنت منى مرسلا %~% وذاتى بآياتى على استدلت # فأقوال هؤلاء ونحوها باطنها أعظم كفرا وإلحادا من ظاهرها فإنه قد يظن أن ~~ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين أهل التحقيق والتوحيد وأما باطنها فإنه ~~أعظم كفرا وكذبا وجهلا من كلام اليهود والنصارى وعباد الأصنام # ولهذا فان كل من كان منهم أعرف بباطن المذهب وحقيقته كان أعظم كفرا وفسقا ~~كالتلمسانى فإنه كان من أعرف هؤلاء بهذا المذهب وأخبرهم بحقيقته فأخرجه ذلك ~~إلى الفعل فكان يعظم اليهود والنصارى والمشركين ويستحل المحرمات ويصنف ~~للنصيرية كتبا على مذهبهم يقرهم فيها على عقيدتهم الشركية # وكذلك بن سبعين كان من أئمة هؤلاء وكان له من الكفر والسحر PageV02P366 ~~الذى يسمى السيمياء والموافقة للنصارى والقرامطة والرافضة ما يناسب أصوله # فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفرا ms0484 وإلحادا # وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه ويعتقدون أنه من ~~جنس كلام المشايخ العارفين الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من ~~الناس فهؤلاء تجد فيهم إسلاما وإيمانا ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم ~~التقليدى وتجد فيهم إقرارا لهؤلاء وإحسانا للظن بهم وتسليما لهم بحسب جهلهم ~~وضلالهم ولا يتصور أن يثنى على هؤلاء الا كافر ملحد أو جاهل ضال وهؤلاء من ~~جنس الجهمية الذين يقولون ان الله بذاته حال في كل مكان ولكن أهل وحدة ~~الوجود حققوا هذا المذهب أعظم من تحقيق غيرهم من الجهمية # وأما ( النوع الثانى ( فهو قول من يقول بالحلول والاتحاد في معين ~~كالنصارى الذين قالوا PageV02P367 بذلك في المسيح عيسى والغالية الذين ~~يقولون بذلك في على بن ابى طالب وطائفة من أهل بيته والحاكمية الذين يقولون ~~بذلك في الحاكم والحلاجية الذين يقولون بذلك في الحلاج واليونسية الذين ~~يقولون بذلك في يونس وأمثال هؤلاء ممن يقول بإلهية بعض البشر وبالحلول ~~والاتحاد فيه ولا يجعل ذلك مطلقا في كل شيء # ومن هؤلاء من يقول بذلك في بعض النسوان والمردان أو بعض الملوك أو غيرهم ~~فهؤلاء كفرهم شر من كفر النصارى الذين قالوا ان الله هو المسيح بن مريم # وأما الأولون فيقولون بالإطلاق ويقولون النصارى انما كفروا بالتخصيص # وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال ~~النصارى ولهذا يقولون بالحلول تارة وبالإتحاد أخرى وبالوحدة تارة فإنه مذهب ~~متناقض في نفسه ولهذا يلبسون على من لم يفهمه فهذا كله كفر باطنا وظاهرا ~~بإجماع كل مسلم ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام ~~فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين # ولكن هؤلاء يشبهون بشئ آخر وهو ما يعرض لبعض العارفين في مقام الفناء ~~والجمع والاصطلام والسكر فإنه قد يعرض لأحدهم لقوة استيلاء الوجد والذكر ~~عليه من الحال ما يغيب فيه عن نفسه وغيره فيغيب بمعبوده عن عبادته وبمعروفه ~~عن معرفته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده PageV02P368 # ومثل هذا ms0485 قد يعرض لبعض المحبين لبعض المخلوقين كما يذكرون أن رجلا كان ~~يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال له أنا ~~وقعت فما الذى أوقعك فقال غبت بك عنى فظننت أنك أنى وينشدون # رق الزجاج ~~وراقت الخمر %~% وتشاكلا فتشابه الأمر # فكأنما خمر ولا قدح %~% وكأنما قدح ولا خمر # وهذه الحال تعرض لكثير من السالكين وليست حالا لازمة لكل سالك ولا هي ~~أيضا غاية محمودة بل ثبوت العقل والفهم والعلم مع التوحيد باطنا وظاهرا ~~كحال نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكمل من هذا وأتم # والمعنى الذى يسمونه الفناء ينقسم ثلاثة أقسام فناء عن عبادة السوى وفناء ~~عن شهود السوى وفناء عن وجود السوى # فالأول أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه ~~وبرجائه عن رجاء ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه وبمحبته عن ~~محبة ما سواه وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذى أرسل الله به رسله وأنزل ~~به كتبه وهو تحقيق لا إله إلا الله فإنه يفنى من قلبه كل تأله لغير الله ~~ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله وكل من كان أكمل في هذا التوحيد كان أفضل ~~عند الله PageV02P369 والثانى أن يفنى عن شهود ما سوى الله وهذا الذى يسميه ~~كثير من الصوفية حال الإصطلام والفناء والجمع ونحو ذلك # وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله وفيه نقص من جهة عدم شهوده ~~للأمر على ما هو عليه فانه اذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وأنه ~~المعبود لا إله الا هو الذى أرسل الرسل وأنزل الكتب وأمر بطاعته وطاعة رسله ~~ونهى عن معصيته ومعصية رسله فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقا وأمرا ~~كان أتم معرفة وشهودا وإيمانا وتحقيقا من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى ~~آخر وشهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة وهو الشهود الصحيح المطابق ~~لكن اذا كان قد ورد على الانسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا ms0486 كان معذورا ~~للعجز لا محمودا على النقص والجهل # والثالث الفناء عن وجود السوى وهو قول الملاحدة أهل الوحدة كصاحب الفصوص ~~وأتباعه الذين يقولون وجود الخالق هو وجود المخلوق وماثم غير ولا سوى في ~~نفس الأمر # فهؤلاء قولهم أعظم كفرا من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام # وأيضا فإن ولاية الله هي موافقته بالمحبة لما يحب والبغض لما يبغض والرضا ~~بما يرضى والسخط بما يسخط والامر بما يأمر به والنهى عما ينهى عنه ~~والموالاة لأوليائه والمعاداة لأعدائه كما في صحيح البخارى PageV02P370 عن ~~أبى هريرة عن النبى أنه قال ( يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى ~~بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب ~~إلى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر ~~به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى ~~يسعى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه ( فهذا ~~أصح حديث روى في الأولياء # فالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم لقوله ( كنت سمعه وبصره ويده ~~ورجله والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة # منها قوله ( من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة ( فأ ثبت معاديا ~~محاربا ووليا غير المعادى وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا # ومنها قوله ( وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ( فأثبت عبدا ~~متقربا إلى ربه وربا افترض عليه فرائض # ومنها قوله ( ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ( فأثبت متقربا ~~ومتقربا إليه ومحبا ومحبوبا غيره وهذا كله ينقض قولهم الوجود واحد # ومنها قوله ( فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ~~PageV02P371 إلى آخره فانه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور وهو عندهم قبل ~~المحبة وبعدها واحد وهو عندهم هذه الاعضاء بطنه وفرجه وشعره وكل شيء لا ~~تعدد عندهم ولا كثرة في الوجود ولكن يثبتون مراتب ms0487 ومجالى ومظاهر فان جعلوها ~~موجودة نقضوا قولهم # وان جعلوها ثابتة في العدم كما يقوله بن عربى أو جعلوها المعينات والمطلق ~~هو الحق كانوا قد بنوا ذلك على قول من يقول المعدوم شيء وقول من جعل ~~الكليات ثابتة في الخارج زائدة على المعينات # والأول قول طائفة من المعتزلة وهو قول بن عربى # والثانى قول طائفة من الفلاسفة وهو قول القونوى صاحب بن عربى وكلا ~~القولين باطلان عند العقلاء ولهذا كان التلمسانى أحذق منهما فلم يثبت شيئا ~~وراء الوجود # كما قيل # وما البحر الا الموج لا شيء غيره %~% وإن فرقته كثرة المتعدد # لكن هؤلاء الضلال من الفلاسفة والمعتزلة ما قالوا وجود المخلوق هو وجود ~~الخالق وهؤلاء الملاحدة قالوا هذا هو هذا ولهذا صاروا يقولون بالحلول من ~~وجه لكون الوجود في كل الذوات أو بالعكس وبالاتحاد من وجه لاتحادهما وحقيقة ~~قولهم هي وحدة الوجود PageV02P372 # وفى الحديث وجوه أخرى تدل على فساد قولهم # والحديث حق كما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم فان ولى الله لكمال ~~محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله وعمله لله وبالله فما يسمعه ~~مما يحبه الحق أحبه وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه وما يراه مما يحبه الحق ~~أحبه وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز ~~به بين الحق والباطل كما قال النبى في الحديث المتفق على صحته ( اللهم اجعل ~~في قلبى نورا وفى بصرى نورا وفى سمعى نورا وعن يمينى نورا وعن يسارى نورا ~~وفوقى نورا وتحتى نورا وأمامى نورا وخلفى نورا واجعل لى نورا ( # فولى الله فيه من الموافقة لله ما يتحد به المحبوب والمكروه والمأمور ~~والمنهى ونحو ذلك فيبقى محبوب الحق محبوبه ومكروه الحق مكروهه ومأمور الحق ~~مأموره وولى الحق وليه وعدو الحق عدوه بل المخلوق إذا أحب المخلوق محبة ~~تامة حصل بينهما نحو من هذا حتى قد يتألم أحدهما بتألم الأخر ويلتذ بلذته # ولهذا قال ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ~~اذا اشتكى ms0488 منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ( ولهذا كان المؤمن ~~يسره ما يسر المؤمنين ويسوءه ما يسوؤهم ومن لم يكن كذلك لم يكن منهم ~~PageV02P373 # فهذا الاتحاد الذى بين المؤمنين ليس هو أن ذات أحدهما هي بعينها ذات ~~الآخر ولا حلت فيه بل هو توافقهما واتحادهما في الإيمان بالله ورسوله وشعب ~~ذلك مثل محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله # فإذا كان هذا معقولا بين المؤمنين فالعبد إذا كان موافقا لربه تعالى فيما ~~يحبه ويبغضه ويأمر به وينهى عنه ونحو ذلك مما يحبه الرب من عبده كيف تكون ~~ذات أحدهما هي الأخرى أو حالة فيها # فإذا عرفت هذه الأصول من الحلول والاتحاد المطلق والمعين الذى هو باطل ~~ومما هو من أحوال أهل الايمان ومن ولاية الله تعالى وموافقته فيما يحبه ~~ويرضاه وتوابع ذلك تبين لك جواب مسائل السائل # وهؤلاء قد يجدون من كلام بعض المشايخ كلمات مشتبهة مجملة فيحملونها على ~~المعانى الفاسدة كما فعلت النصارى فيما نقل لهم عن الانبياء فيدعون المحكم ~~ويتبعون المتشابهة # فقول القائل إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق كفر صريح لاسيما اذا ~~دخل في ذلك كل عبد مخلوق وأما اذا أراد بذلك عباد الله المؤمنين وأولياءه ~~المتقين فهؤلاء يحبهم ويحبونه ويوافقونه فيما يحبه ويرضاه ويأمر به فقد رضى ~~الله عنهم ورضوا عنه ولما رضوا ما يرضى وسخطوا ما يسخط كان الحق يرضى ~~لرضاهم ويغضب لغضبهم اذ ذلك متلازم من الطرفين PageV02P374 # ولا يقال في أفضل هؤلاء إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق لكن يقال ~~لأفضل الخلق كما قال الله تعالى ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم ) وقال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وقال ( والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه ) وقال ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة ) وأمثال ذلك # وأما سائر العباد فان الله خالقهم ومالكهم وربهم وخالق قدرتهم وأفعالهم ~~ثم ما كان من أفعالهم موافقا لمحبته ورضاه كان محبا لاهله مكرما لهم وما ~~كان ms0489 منها مما يسخطه ويكرهه كان مبغضا لاهله مهينا لهم # وأفعال العباد مفعولة مخلوقة لله ليست صفة له ولا فعلا قائما بذاته # وقوله تعالى ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) فمعناه وما أوصلت إذ ~~حذفت ولكن الله أوصل المرمى فان النبى كان قد رمى المشركين بقبضة من تراب ~~وقال ( شاهت الوجوه ( فأوصلها الله إلى وجوه المشركين وعيونهم وكانت قدرة ~~النبى صلى الله عليه وسلم عاجزة عن إيصالها إليهم والرمى له مبدأ وهو الحذف ~~ومنتهى وهو الوصول فأثبت الله لنبيه المبدأ بقوله ( إذ رميت ( ونفى عنه ~~المنتهى وأثبته لنفسه بقوله ( ولكن الله رمى ( والا فلا يجوز أن يكون ~~المثبت عين المنفى فان هذا تناقض PageV02P375 # والله تعالى مع أنه هو خالق أفعال العباد فانه لا يصف نفسه بصفة من قامت ~~به تلك الأفعال فلا يسمى نفسه مصليا ولا صائما ولا آكلا ولا شاربا سبحانه ~~وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # وقول القائل ( ما ثم غير ( اذا أراد به ما يريده أهل الوحدة أى ما ثم غير ~~موجود سوى الله فهذا كفر صريح ولو لم يكن ثم غير لم يقل ( افغير الله أتخذ ~~وليا ( ولم يقل ( افغير الله تامرونى أعبد ايها الجاهلون ( فانهم كانوا ~~يأمرونه بعبادة الاوثان فلو لم يكن غير الله لم يصح قوله ( أفغير الله ~~تأمرونى أعبد أيها الجاهلون ) ولم يقل ( أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى ~~أنزل اليكم الكتاب مفصلا ) ولم يقل الخليل ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لى الا رب العالمين ) ولم يقل ( إننى براء مما ~~تعبدون الا الذى فطرنى فانه سيهدين ) فإن إبراهيم لم يعاد ربه ولم يتبرأ من ~~ربه فإن لم تكن تلك الآلهة التى كانوا يعبدونها هم وآباؤهم الاقدمون غير ~~الله لكان إبراهيم قد تبرأ من الله وعادى الله وحاشا إبراهيم من ذلك # وهؤلاء الملاحدة في أول أمرهم ينفون الصفات ويقولون القرآن هو الله أو ~~غير الله فاذا قيل لهم غير الله قالوا فغير الله مخلوق # وفى آخر أمرهم يقولون ما ثم ms0490 موجود غير الله أو يقولون العالم لا هو الله ~~ولا هو غيره ويقولون PageV02P376 # وكل كلام في الوجود كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # فينكرون على أهل السنة اذا أثبتوا الصفات ولم يطلقوا عليها اسم الغير وهم ~~لا يطلقون على المخلوقات اسم الغير وقد سمعت هذا التناقض من مشايخهم فانهم ~~في ضلال مبين # وأما قول الشاعر في شعره # أنا من أهوى ومن أهوى أنا %~% وقوله إذا كنت ليلى وليلى أنا # فهذا انما أراد به هذا الشاعر الاتحاد الوضعى كاتحاد أحد المتحابين ~~بالآخر الذى يحب أحدهما ما يحب الآخر ويبغض ما يبغض ويقول مثل ما يقول ~~ويفعل مثل ما يفعل وهو تشابه وتماثل لا اتحاد العين بالعين اذ كان قد ~~استغرق في محبوبه حتى فنى به عن رؤية نفسه كقول الآخر # غبت بك عنى %~% فظننت أنك أنى # فأما ان يكون غالطا مستغرقا بالفناء أو يكون عنى التماثل والتشابه واتحاد ~~المطلوب والمرهوب لا الاتحاد الذاتى فان أراد الاتحاد الذاتى مع عقله لما ~~يقول فهو كاذب مفتر مستحق لعقوبة المفترين # وأما قول القائل لو رأى الناس الحق لما رأوا عابدا ولا معبودا فهذا من ~~جنس قول الملاحدة الاتحادية الذين لا يفرقون بين الرب والعبد PageV02P377 # وقد تقدم بيان قول هؤلاء وهؤلاء يجمعون بين الضلال والغى بين شهوات الغى ~~في بطونهم وفروجهم وبين مضلات الفتن # وفى الحديث عن النبى أنه قال ( إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغى في ~~بطونكم وفروجكم ( حتى يبلغ الامر باحدهم إلى أن يهوى المردان ويزعم أن الرب ~~تعالى تجلى في أحدهم ويقولون هو الراهب في الصومعة وهذه مظاهر الجمال ويقبل ~~أحدهم الأمرد ويقول أنت الله # ويذكر عن بعضهم انه كان ياتى ابنه ويدعى انه الله رب العالمين أو انه خلق ~~السماوات والأرض ويقول أحدهم لجليسه أنت خلقت هذا وانت هو وأمثال ذلك # فقبح الله طائفة يكون الهها الذى تعبده هو موطؤها الذى تفترشه وعليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا # ومن قال ان لقول هؤلاء سرا ms0491 خفيا وباطن حق وأنه من الحقائق التى لا يطلع ~~عليها الا خواص خواص الخلق فهو أحد رجلين إما ان يكون من كبار الزنادقة أهل ~~الالحاد والمحال واما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال فالزنديق يجب قتله ~~والجاهل يعرف حقيقة الامر فإن أصر على هذا الإعتقاد الباطل بعد قيام الحجة ~~عليه وجب قتله PageV02P378 # ولكن لقولهم سر خفى وحقيقة باطنة لا يعرفها الا خواص الخلق وهذا السر هو ~~أشد كفرا والحادا من ظاهره فان مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء قد لا يفهمه ~~كثير من الناس # ولهذا تجد كثيرا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة بن الفارض ~~ويتواجد عليها ويعظمها ظانا انها من كلام أهل التوحيد والمعرفة وهو لا ~~يفهمها ولا يفهم مراد قائلها وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين ~~بالعلم والدين فلا يفهمون حقيقته فإما أن يتوقفوا عنه أو يعبروا عن مذهبهم ~~بعبارة من لم يفهم حقيقته واما ان ينكروه انكارا مجملا من غير معرفة ~~بحقيقته ونحو ذلك وهذا حال أكثر الخلق معهم # وأئمتهم اذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه وقالوا هذا من علماء ~~الرسوم وأهل الظاهر وأهل القشر وقالوا علمنا هذا لا يعرف الا بالكشف ~~والمشاهدة وهذا يحتاج إلى شروط وقالوا ليس هذا عشك فادرج عنه ونحو ذلك مما ~~فيه تعظيم له وتشويق إليه وتجهيل لمن لم يصل إليه # وان رأوه عارفا بقولهم نسبوه إلى انه منهم وقالوا هو من كبار العارفين ~~PageV02P379 واذا اظهر الإنكار عليهم والتكفير قالوا هذا قام بوصف الإنكار ~~لتكميل المراتب والمجالى وهكذا يقولون في الأنبياء ونهيهم عن عبادة الأصنام # وهذا كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم # فضلالهم عظيم وافكهم كبير وتلبيسهم شديد والله تعالى يظهر ما أرسل به ~~رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا والله ~~أعلم PageV02P380 ### ||| فصل # فيما عليه أهل العلم والايمان من الاولين والآخرين مما يشبه الاتحاد ~~والحلول الباطل وهو حق وان سمى حلولا أو اتحادا وهو ما عليه أهل الإسلام ~~وأهل السنة ms0492 والجماعة واهل المعرفة واليقين من جميع الطوائف بدلالة الكتاب ~~والسنة # أما الحلول فلا ريب أن من علم شيئا فلابد أن يبقى في قلبه منه أثر ونعت ~~وليس حاله بعد العلم به كحاله قبل العلم به حتى يكون العلم نسبة محضة ~~بمنزلة العلو والسفول فان المستعلى اذا نزل زال علوه والسافل اذا اعتلى زال ~~سفوله والعلم لا يزول بل يبقى أثره بكل حال فإذا كان مع العلم به يحبه أو ~~يرجوه أو يخافه كان لهذه الأحوال أثر ونعت آخر وراء العلم والشعور وإن كانا ~~قد يتلازمان # فإذا ذكره بلسانه كانت هذه الآثار أعظم وإذا خضع له بسائر جوارحه كان ذلك ~~أعظم وأعظم # وهذه المعانى هي في الأصل مشتركة في كل مدرك ومدرك ومحب ومحبوب وذاكر ~~ومذكور وسواء كان على وجه العبادة كعبادة الله PageV02P381 وحده لاشريك له ~~أو عبادة الأنداد من الذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله أو ~~على غير وجه العبادة كمحب الإخوان والولدان والنسوان والأوطان وغير ذلك من ~~الأكوان # فالمؤمن الذى آمن بالله بقلبه وجوارحه ايمانه يجمع بين علم قلبه وحال ~~قلبه تصديق القلب وخضوع القلب ويجمع قول لسانه وعمل جوارحه وان كان أصل ~~الإيمان هو ما في القلب أو ما في القلب واللسان فلا بد أن يكون في قلبه ~~التصديق بالله والإسلام له هذا قول قلبه وهذا عمل قلبه وهو الإقرار بالله # والعلم قبل العمل والإدراك قبل الحركة والتصديق قبل الإسلام والمعرفة قبل ~~المحبة وان كانا يتلازمان لكن علم القلب موجب لعمله مالم يوجد معارض راجح ~~وعمله يستلزم تصديقه اذ لا تكون حركة ارادية ولا محبة الا عن شعور لكن قد ~~تكون الحركة والمحبة فيها فساد اذا لم يكن الشعور والادراك صحيحا # قال عمر بن عبد العزيز ( من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ~~فأما العمل الصالح بالباطن والظاهر فلا يكون إلا عن علم ولهذا أمر الله ~~ورسوله بعبادة الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له ونحو ذلك فإن هذه ~~الأسماء تنتظم العلم ms0493 والعمل جميعا علم القلب وحاله وإن دخل في ذلك قول ~~اللسان وعمل الجوارح أيضا فإن وجود الفروع الصحيحة مستلزم لوجود الأصول ~~وهذا ظاهر ليس الغرض هنا بسطه وإنما الغرض PageV02P382 ### ||| ( فصل ( # وهو أن المؤمن لا بد أن يقوم بقلبه من معرفة الله والمحبة له ما ~~يوجب أن يكون للمعروف المحبوب في قلبه من الآثار ما يشبه الحلول من بعض ~~الوجوه لا أنه حلول ذات المعروف المحبوب لكن هو الإيمان به ومعرفة أسمائه ~~وصفاته # قال الله تعالى ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ( الآية قال ~~أبي بن كعب مثل نوره في قلب المؤمن فهذه هي الأنوار التى تحصل في قلوب ~~المؤمنين # وقد قيل في قوله تعالى ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ( إنه الكفر ~~بذلك فإن من كفر بالإقرار الذى هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والإسلام له المتضمن للاعتقاد والإنقياد لإيجاب الواجبات وتحريم المحرمات ~~وإباحة المباحات فهو كافر إذ المقصود لنا من انزال الكتب وإرسال الرسل هو ~~حصول الإيمان لنا فمن كفر بهذا فهو كافر بذاك وهذا قد يسمى المثل والمثال ~~لأنه قد يقال إن العلم مثال المعلوم في العالم وكذلك الحب يكون فيه تمثيل ~~المحبوب في المحب # ثم من الناس من يدعى أن كل علم وكل حب ففيه هذا المثال كما يقوله قوم من ~~المتفلسفة ومنهم من ينكر حصول شئ من هذا المثال في شئ من العلم والحب # والتحقيق أنه قد يحصل تمثل وتخيل لبعض العالمين والمحبين حتى PageV02P383 ~~يتخيل صورة المحبوب وقد لا يحصل تخيل حسى وليس هذا المثل من جنس الحقيقة ~~أصلا وإنما لما كان العلم مطابقا للمعلوم وموافقا له غير مخالف له كان بين ~~المطابق والمطابق والموافق والموافق نوع تناسب وتشابه ونوع ما من أنواع ~~التمثيل فإن المثل يضرب للشيء لمشاركته إياه من بعض الوجوه وهنا قطعا ~~اشتراك ما واشتباه ما # وقد قيل في قوله تعالى ( ليس كمثله شئ ( وقوله ( وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض ( أنه هذا وفى حديث مأثور ( ما وسعنى أرضى ولا سمائى ~~ووسعنى ms0494 قلب عبدى المؤمن النقى التقى الوداع اللين ( ويقال القلب بيت الرب ~~وهذا هو نصيب العباد من ربهم وحظهم من الإيمان به كما جاء عن بعض السلف أنه ~~قال إذا أحب أحدكم أن يعلم كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله من ~~قلبه فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه # وروى مرفوعا من حديث أيوب بن عبد الله بن خالد بن صفوان عن جابر بن عبد ~~الله رواه أبو يعلى الموصلى وبن أبى الدنيا في كتاب الذكر ولهذا قال أبناء ~~يعقوب ( نعبد الهك واله آبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب ( فإن ألوهية الله ~~متفاوتة في قلوبهم على درجات عظيمة تزيد وتنقص ويتفاوتون فيها تفاوتا لا ~~ينضبط طرفاه حتى قد ثبت في الصحيح عن النبى في حق شخصين ( هذا خير من ملء ~~الأرض من مثل هذا ( فصار واحد PageV02P384 من الآدميين خيرا من ملء الأرض ~~من بنى جنسه وهذا تباين عظيم لا يحصل مثله في سائر الحيوان # والى هذا المعنى أشار من قال ما سبقكم أبو بكر بفضل صلاة ولا صيام ولكن ~~بشئ وقر في قلبه وهو اليقين والإيمان ومنه قوله وزنت بالأمة فرجحت ثم وزن ~~أبو بكر بالأمة فرجح ثم وزن عمر بالأمة فرجح ثم رفع الميزان وقال فيما رواه ~~عنه الصديق أيها الناس سلوا الله اليقين والعافية فلم يعط أحد بعد اليقين ~~خيرا من العافية رواه الترمذى والنسائى في اليوم والليلة وبن ماجه وقال ~~رقبة بن مصقلة للشعبى رزقك الله اليقين الذى لا تسكن النفوس إلا إليه ولا ~~يعتمد في الدين الا عليه # وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قال قال موسى يا رب أين أجدك قال يا موسى ~~عند المنكسرة قلوبهم من أجلى أقترب اليها كل يوم شبرا ولولا ذلك لاحترقت ~~قلوبهم وقد يتوسع في العبارة عن هذا المعنى حتى يقال ما في قلبى إلا الله ~~ما عندى الا الله كما قال النبى في الحديث الصحيح عن الله عز وجل أما علمت ~~أن عبدى فلانا مرض فلو ms0495 عدته لوجدتنى عنده ويقال # ساكن في القلب يعمره %~% لست أنساه فأذكره # ويقال PageV02P385 # مثالك في عينى وذكراك في فمى %~% ومثواك في قلبى فأين تغيب # وهذا القدر يقوى قوة عظيمة حتى يعبر عنه بالتجلى والكشف ونحو ذلك باتفاق ~~العقلاء ويحصل معه القرب منه كما قال النبى أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد وقال الله تعالى في الحديث القدسى من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا # لكن هل في تقرب العبد إلى الله حركة إلى الله أو إلى بعض الأماكن اتفقوا ~~على أنه قد تحصل حركة بدن العبد إلى بعض الأمكنة المشرفة التى يظهر فيها ~~الإيمان بالله من معرفته وذكره وعبادته كالحج إلى بيته والقصد إلى مساجده ~~ومنه قول إبراهيم ( انى ذاهب إلى ربى سيهدين ( # وأما حركة روحه إلى مثل السماوات وغيرها من الأمكنة فأقر به جمهور أهل ~~الإسلام وأنكره الصابئة الفلاسفة المشاءون ومن وافقهم وحركة روحه أو بدنه ~~إلى الله أقر بها أهل الفطرة وأهل السنة والجماعة وأنكرها كثير من أهل ~~الكلام # وأما القرب من الله إلى عبده هل هو تابع لتقرب العبد وتقريبه الذى هو ~~علمه أو عمله أو هناك قرب آخر من الرب # هذا فيه كلام ليس هذا موضعه PageV02P386 # ومن لم يثبت الا الأول فهم في قرب الرب على قولين أحدهما أنه تجليه ~~وظهوره له # والثاني أنه مع ذلك دنو العبد منه واقترابه الذى هو بعمله وحركته وللقرب ~~معنى آخر وهو التقارب بمعنى المناسبة كما يقال هذا يقارب هذا وليس هذا ~~موضعه ### ||| فصل # وأما ما يشبه الإتحاد فإن الذاتين المتميزتين لا تتحد عين إحداهما بعين ~~الأخرى ولا عين صفتها بعين صفتها الا اذا استحالتا بعد الاتحاد إلى ذات ~~ثالثة كاتحاد الماء واللبن فإنهما بعد الاتحاد شئ ثالث وليس ماء محضا ولا ~~لبنا محضا # وأما اتحادهما وبقاؤهما بعد الاتحاد على ما كانا عليه فمحال ومن هنا يعلم ~~أن الله لا يمكن أن يتحد بخلقه فإن استحالته محال وانما تتحد الأسباب ~~والأحكام في العين وتتحد الأسماء والصفات في النوع مثل ms0496 المتحابين المتخالين ~~الذين صار أحدهما يحب عين ما يحبه الآخر ويبغض ما يبغضه ويتنعم بما يتنعم ~~به ويتألم بما يتألم به وهذا فيه مراتب ودرجات لا تنضبط فأسماؤهما وصفاتهما ~~صارتا من نوع واحد PageV02P387 # وعين الأحكام والأسباب المتعلقة بهما التى هي مثلا المحبوب والمكروه هو ~~واحد بالعين كالرسول الذى يحبه كل المؤمنين فهم متحدون في محبته بمعنى أن ~~محبوبهم واحد ومحبة هذا من نوع محبته هذا لا انها عينها # فهذا في اتحاد الناس بعضهم ببعض وهى الأخوة والخلة الإيمانية التى قال ~~فيها النبى مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ~~إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر أخرجاه في الصحيحين ~~فجعل المؤمن مع المؤمن بمنزلة العضو مع العضو اللذين تجمعهما نفس واحدة # ولهذا سمى الله الأخ المؤمن نفسا لأخيه في غير موضع من الكتاب والسنة قال ~~تعالى ( فلا تزكوا أنفسكم ( وقال ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ( وقال ( لقد ~~من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ( وقال فسلموا على ~~أنفسكم ( وقال ( فاقتلوا أنفسكم ( # فالعبد المؤمن إذا أناب إلى ربه وعبده ووافقه حتى صار يحب ما يحب ربه ~~ويكره ما يكره ربه ويأمر بما يأمر به ربه وينهى عما ينهى عنه ربه ويرضى بما ~~يرضى ربه ويغضب لما يغضب له ربه ويعطى من أعطاه ربه ويمنع من منع ربه فهو ~~العبد الذى قال فيه النبى فيما رواه أبو داود من حديث القاسم عن أبى أمامة ~~من أحب لله وأبغض PageV02P388 لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ~~وصار هذا العبد دينه كله لله وأتى بما خلق له من العبادة # فقد اتحدت أحكام هذه الصفات التى له وأسبابها بأحكام صفات الرب وأسبابها # وهم في ذلك على درجات فان كان نبيا كان له من الموافقة لله ما ليس لغيره ~~والمرسلون فوق ذلك وأولو العزم أعظم ونبينا محمد له الوسيلة العظمى في كل ~~مقام فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ سواء كان واجبا أو مستحبا وفى مثل ~~هذا جاءت ms0497 نصوص الكتاب والسنة قال الله تعالى ( ان الذين يبايعونك انما ~~يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) وقال ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) ~~وقال تعالى ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وقال تعالى ( ان الذين يؤذون ~~الله ورسوله ) وقال تعالى ( أحب اليكم من الله ورسوله ) وقال تعالى ( قل ~~الانفال لله والرسول # ومن هذا الباب قول المسيح ان ثبت هذا اللفظ عنه ( انا وأبى واحد من رآنى ~~فقد رأى أبى ( ونحو ذلك فانه مثل قوله تعالى ( ان الذين يبايعونك انما ~~يبايعون الله ) وقوله ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ونحو ذلك من اللفظ ~~الذى فيه تشابه PageV02P389 ### ||| فصل # وجاء في ( أولياء الله ( الذين هم المتقون نوع من هذا فروى البخارى في ~~صحيحه عن أبى هريرة عن النبى ( يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى ~~بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب ~~إلى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر ~~به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ولئن سألنى لأعطينه ولئن ~~استعاذنى لاعيذنه وما ترددت عن شئ أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن ~~يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه # فأول ما في الحديث قوله ( من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة ( فجعل ~~معاداة عبده الولى معاداة له فعين عدوه عين عدو عبده وعين معاداة وليه عين ~~معاداته ليسا هما شيئين متميزين ولكن ليس الله هو عين عبده ولا جهة عداوة ~~عبده عين جهة عداوة نفسه وانما اتفقا في النوع # ثم قال ( فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله ( وفى رواية في غير ~~الصحيح ( فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ( فقوله PageV02P390 بى يسمع ~~وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ( بين معنى قوله ( كنت سمعه وبصره ويده ورجله ( ~~لا أنه يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم وإنما يبقى هو المقصود بهذه ~~الاعضاء والقوى وهو بمنزلتها في ذلك فإن العبد بحسب أعضائه وقواه يكون ~~ادراكه ms0498 وحركته فإذا كان ادراكه وحركته بالحق ليس بمعنى خلق الإدراك والحركة ~~فإن هذا قدر مشترك فيمن يحبه وفيمن لايحبه وانما للمحبوب الحق من الحق من ~~هذه الإعانة بقدر ماله من المعية والربوبية والإلهية فإن كل واحدة من هذه ~~الامور عامة وخاصة # وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى ( يقول الله تعالى عبدى مرضت فلم ~~تعدنى فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدى فلانا ~~مرض فلو عدته لوجدتنى عنده عبدى جعت فلم تطعمنى فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب ~~العالمين فيقول أما علمت أن عبدى فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندى ( ~~ففى هذا الحديث ذكر المعنيين الحقين ونفى المعنيين الباطلين وفسرهما # فقوله ( جعت ومرضت ( لفظ اتحاد يثبت الحق # وقوله ( لوجدتنى عنده ووجدت ذلك عندى ( نفى للاتحاد العينى بنفى الباطل ~~واثبات لتمييز الرب عن العبد PageV02P391 # وقوله ( لوجدتنى عنده ( لفظ ظرف وبكل يثبت المعنى الحق من الحلول الحق ~~الذى هو بالإيمان لا بالذات # ويفسر قوله ( مرضت فلم تعدنى ) فلو كان الرب عين المريض والجائع لكان اذا ~~عاده واذا أطعمه يكون قد وجده اياه وقد وجده قد أكله # وفي قوله في المريض ( وجدتنى عنده ( وفى الجائع ( لوجدت ذلك عندى ( فرقان ~~حسن فان المريض الذى تستحب عيادته ويجد الله عنده هو المؤمن بربه الموافق ~~لإلهه الذى هو وليه وأما الطاعم فقد يكون فيه عموم لكل جائع يستحب اطعامه ~~فان الله يقول ( من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) ~~فمن تصدق بصدقة واجبة أو مستحبة فقد أقرض الله سبحانه بما أعطاه لعبده # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا ~~يقبل الله الا الطيب فان الله يأخذها بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم فلوه ~~أو فصيله حتى تكون مثل الجبل العظيم ( وقال ( ان الصدقة لتقع بيد الحق قبل ~~أن تقع بيد السائل ( # لكن الأشبه أن هذا العبد المذكور في الجوع هو المذكور في المرض وهو العبد ~~الولى الذى ms0499 فيه نوع اتحاد وان كان الله يثيب على طعام الفاسق والذمى # ونظير القرض النصر في مثل قوله تعالى ( ولينصرن الله من ينصره ~~PageV02P392 ورسله بالغيب ) وقوله ( ان تنصروا الله ينصركم ) ونحو ذلك لكن ~~النصر فيه معنى لكن لا يقال في مثله جعت # فقد ذكر الله في القرآن القرض والنصر وجعله له هذا في الرزق وهذا في ~~النصر وجاء في الحديث العيادة وهذه الثلاثة هي المذكورة في قوله تعالى ( ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) وقوله ( مستهم البأساء والضراء ~~وزلزلوا ) وانما في الحديث أمر البأساء والضراء فقط لأن ذلك ينفرد به ~~الواحد المخاطب بقوله ( عبدى مرضت وجعت ( فلذلك عاتبه # وأما النصر فيحتاج في العادة إلى عدد فلا يعتب فيه على أحد معين غالبا أو ~~المقصود بالحديث التنبيه وفى القرآن النصر والرزق وليس فيه العيادة لأن ~~النصر والقرض فيه عموم لا يختص بشخص دون شخص وأما العيادة فانما تكون لمن ~~يجد الحق عنده PageV02P393 ### ||| فصل # فهذان المعنيان صحيحان ثابتان بل هما حقيقة الدين واليقين والإيمان # أما الأول وهو كون الله في قلبه بالمعرفة والمحبة ( فهذا فرض على كل أحد ~~ولابد لكل مؤمن منه فان أدى واجبه فهو مقتصد وإن ترك بعض واجبه فهو ظالم ~~لنفسه وان تركه كله فهو كافر بربه # وأما الثانى وهو موافقة ربه فيما يحبه ويكرهه ويرضاه ويسخطه فهذا على ~~الإطلاق انما هو للسابقين المقربين الذين تقربوا إلى الله بالنوافل التى ~~يحبها ولم يفرضها بعد الفرائض التى يحبها ويفرضها ويعذب تاركها # ولهذا كان هؤلاء لما أتوا بمحبوب الحق من الأقوال والأعمال الباطنة ~~والظاهرة المنتظمة للمعارف والاحوال والاعمال أحبهم الله تعالى فقال ( ولا ~~يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ( فعلوا محبوبه فأحبهم فان الجزاء ~~من جنس العمل مناسب له مناسبة المعلول لعلته # ولا يتوهم أن المراد بذلك أن يأتى العبد بعين كل حركة يحبها الله فان هذا ~~ممتنع وانما المقصود أن يأتى بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة والظاهرة ~~PageV02P394 والباطنة يمكنه أن يأتى منها بأكثر مما يأتى به من الظاهرة كما ms0500 ~~قال بعض السلف ( قوة المؤمن في قلبه وضعفه في جسمه وقوة المنافق في جسمه ~~وضعفه في قلبه ( ولهذا قال ( المرء مع من أحب ( وقال إن بالمدينة لرجالا ما ~~سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم حبسهم العذر ( وقال ( فهما في ~~الأجر سواء ( في حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه الذى قال ( لو أن لى ~~مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل ( فإنهما لما استويا في عمل القلب وكان ~~أحدهما معذور الجسم استويا في الجزاء كما قال النبى ( اذا مرض العبد أو ~~سافر كتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم PageV02P395 ### ||| فصل # وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد فان الاتحاد ~~فيه حق وباطل لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه ولم ~~يكن ذلك بذنب منه كان معذورا غير معاقب عليه ما دام غير عاقل فان القلم رفع ~~عن المجنون حتى يفيق وان كان مخطئا في ذلك كان داخلا في قوله ( ربنا لا ~~تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ) وقال ( ولا جناح عليكم فيما أخطأتم به ) # وهذا كما يحكى أن رجلين كان أحدهما يحب الآخر فوقع المحبوب في اليم فألقى ~~الآخر نفسه خلفه فقال أنا وقعت فما الذى أوقعك فقال غبت بك عنى فظننت أنك ~~أنى # فهذه الحال تعترى كثيرا من أهل المحبة والارادة في جانب الحق وفى غير ~~جانبه وان كان فيها نقص وخطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه وبمذكوره ~~عن ذكره وبمعروفه عن عرفانه وبمشهوده عن شهوده وبموجوده عن وجوده فلا يشعر ~~حينئذ بالتمييز ولا بوجوده فقد يقول في هذه الحال أنا الحق أو سبحانى أو ما ~~في الجبة الا الله ونحو ذلك وهو سكران بوجد المحبة الذى هو لذة وسرور بلا ~~تمييز PageV02P396 وذلك السكران يطوى ولا يروى اذا لم يكن سكره بسبب محظور ~~فأما اذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا # وأما أهل الحلول فمنهم من يغلب عليه شهود القلب ms0501 وتجليه حتى يتوهم أنه رأى ~~الله بعينى رأسه # ولهذا ذكر ذلك طائفة من العباد الأصحاء غلطا منهم # وقد ثبت في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان ( أن النبى لما ذكر الدجال ~~ودعواه الربوبية قال واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت ( وروى هذا ~~المعنى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه أخرى متعددة حسنة في حديث ~~الدجال فإنه لما ادعى الربوبية ذكر النبى فرقانين ظاهرين لكل أحد # أحدهما أنه أعور والله ليس بأعور # الثاني أن أحدا منا لن يرى ربه حتى يموت وهذا انما ذكره في الدجال مع ~~كونه كافرا لأنه يظهر عليه من الخوارق التى تقوى الشبهة في قلوب العامة ~~PageV02P397 ### ||| فصل # فإذا عرف الاتحاد المعين مما يشبه الحلول أو الاتحاد الذى فيه نوع حق ~~تبين أيضا ما في المطلق من ذلك # فنقول لا ريب أن الله رب العالمين رب السماوات والأرضين وما بينهما ورب ~~العرش العظيم رب المشرق والمغرب لا اله الا هو فاتخذه وكيلا ربكم ورب ~~آبائكم الأولين رب الناس ملك الناس اله الناس وهو خالق كل شيء وهو على كل ~~شيء وكيل خلق الزوجين الذكر والانثى من نطفة اذا تمنى # وهو رب كل شيء ومليكه وهو مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن ~~يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير له ما في ~~السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى الرحمن على العرش استوى له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ( ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ~~ربى على صراط مستقيم ) # قلوب العباد ونواصيهم بيده وما من قلب الا وهو بين اصبعين من أصابع ~~الرحمن ان شاء أن يقيمه أقامه وان شاء أن يزيغه أزاغه وهو الذى PageV02P398 ~~أضحك وأبكى وأغنى وأقنى وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته وينزل من ~~السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها ويبث فيها من كل دابة # وهو الذى خلق السماوات والأرض وجعل ms0502 الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون ( فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون ) وهو الله لا اله الا هو له الحمد في الاولى والآخرة وله الحكم ~~واليه ترجعون وهو الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم وهو القائم بالقسط ~~القائم على كل نفس بما كسبت الخالق البارئ المصور وما من دابة في الأرض الا ~~على الله رزقها وما شاء الله لا قوة الا بالله فما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن ولا حول ولا قوة الا بالله ولا ملجأ منه الا إليه # فهذه المعانى وما أشبهها من معانى ربوبيته وملكه وخلقه ورزقه وهدايته ~~ونصره واحسانه وبره وتدبيره وصنعه ثم ما يتصل بذلك من أنه بكل شيء عليم ~~وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ~~ولا يتبرم بالحاح الملحين يبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على ~~الصخرة الصماء # فهذا كله حق وهو محض توحيد الربوبية وهو مع هذا قد أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى وأحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الانسان من طين PageV02P399 # وهذا صنع الله الذى أتقن كل شيء والخير كله بيديه وهو أرحم الراحمين وهو ~~ارحم بعباده من الوالدة بولدها كما اقسم على ذلك النبى فقال ( والله لله ~~أرحم بعباده من هذه الوالدة بولدها ( إلى نحو هذه المعانى التى تقتضى شمول ~~حكمته واتقانه واحسانه خلق كل شيء وسعة رحمته وعظمتها وانها سبقت غضبه كل ~~هذا حق # فهذان الأصلان عموم خلقه وربوبيته وعموم إحسانه وحكمته أصلان عظيمان وإن ~~كان من الناس من يكفر ببعض الأول كالقدرية الذين يخرجون أفعال العباد عن ~~خلقه ويضيفونها إلى محض فعل ذى الاختيار أو الطبيعة الذين يقطعون إضافة ~~الفعل إلى الله سبحانه ويضيفونه اما إلى الطبع أو إلى جسم فيه طبع أو إلى ~~فلك أو إلى نفس أو غير ذلك ms0503 مما هو من مخلوقاته العاجزة عن اقامة نفسها فهي ~~عن اقامة غيرها أعجز # ومن الناس من يجحد بعض الثانى أو يعرض عنه متوهما خلو شيء من مخلوقاته عن ~~احسان خلقه واتقانه وعن حكمته ويظن قصور رحمته وعجزها من القدرية الإبليسية ~~أو المجوسية وغيرهم واذا كان كذلك فجميع الكائنات آيات له شاهدة دالة مظهرة ~~لما هو مستحق له من الأسماء الحسنى والصفات العلى وعن مقتضى أسمائه وصفاته ~~خلق الكائنات # فإن الرحم شجنة من الرحمن خلق الرحم وشق لها من اسمه وهو الرازق ~~PageV02P400 ذو القوة المتين يرزق من يشاء بغير حساب وهو الهادى النصير ~~يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم وينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد وهو الحكيم العليم الرحيم الذى أظهر من آثار علمه وحكمته ~~ورحمته ما لا يحصيه الا هو # فهو رب العالمين والعالمون ممتلؤن بما فيهم من آثار أسمائه وصفاته وكل ~~شيء يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم من الناس من يدرك ما فيها من الدلالة ~~والشهادة بالعلم والمعرفة ومن خرق الله سمعه سمع تأويب الجبال والطير وعلم ~~منطق الطير # فإذا فسر ظهوره وتجليه بهذا المعنى فهذا صحيح ولكن لفظ الظهور والتجلى ~~فيه إجمال كما سنبينه ان شاء الله تعالى # وإذا قال القائل ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله لأنه ربه والرب متقدم ~~على العبد أو رأيت الله بعده لأنه آيته ودليله وشاهده والعلم بالمدلول بعد ~~الدليل أو رأيت الله فيه بمعنى ظهور آثار الصانع في صنعته فهذا صحيح بل ~~القرآن كله يبين هذا ويدل عليه وهو دين المرسلين وسبيل الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهو اعتقاد المسلمين أهل ~~السنة والجماعة ومن يدخل فيهم من أهل العلم والإيمان ذوى المعرفة واليقين ~~أولياء الله المتقين PageV02P401 ### ||| فصل في الغلط في ذلك # ثم إن كثيرا من أهل التوجه إلى الله اذا أقبلوا على ذكره وعبادته ~~والإنابة إليه شهدوا بقلوبهم هذه الربوبية الجامعة وهذه الإحاطة العامة ~~فإنه بكل شئ محيط وهو سبحانه الحق الذى خلق ms0504 السماوات والأرض ومن آياته أن ~~تقوم السماء والأرض بأمره والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق ~~والأمر ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وهو سبحانه نور ~~السماوات والأرض ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) ~~الآية # وهو سبحانه ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه هكذا قال عبد ~~الله بن مسعود لا ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه ~~عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور أو النار ~~لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه هكذا قال النبى في ~~الحديث المتفق عليه عن أبى موسى PageV02P402 فقد يشهد العبد القدر المشترك ~~بين المصنوعات وهو الحق الموجود فيها الذى هو شامل لها فيظن أنه الخالق ~~لمطابقته له في نوع من العموم وإنما هو صنعه وخلقه ثم قد يرتقى إلى حجاب من ~~حجبه النورية أو النارية فيظن أنه هو ثم يرتقى إلى نوره وما يظهر من أثر ~~صفاته فقد يقع بعض هؤلاء في نحو من مذهب أهل الإتحاد المطلق العام فان ~~تداركهم الله برحمته فاعتصموا بحبل الله واتبعوا هدى الله علموا أن هذا كله ~~مخلوق لله وأن الخالق ليس هو المخلوق وأن جميعهم عباد لله وربما قد يقع هذا ~~في نوع من الفناء أوالسكر فيكون مخطئا غالطا وأن كان ذلك مغفورا له إذا كان ~~بسبب غير محظور كما ذكرنا نظيره في الاتحاد المعين PageV02P403 ### ||| فصل # وهو كما يشهد ربوبيته وتدبيره العالم المحيط وحكمته ورحمته فكذلك يشهد ~~إلهيته العامة فانه الذى في السماء إله وفى الأرض إله إله في السماء وإله ~~في الأرض ( يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ) وكذلك قوله ( ~~وهو الله في السماوات وفى الأرض الآية ) على أحد القولين على وقف من يقف ~~عند قوله ( وفى الأرض ) فان المعنى هو في السماوات الله وفى الأرض الله ليس ~~فيهما من هو الله غيره # وهذا وان كان مشابها لقوله ( وهو الذى ms0505 في السماء إله وفى الأرض إله ) فهو ~~أبلغ منه ونظيره قوله ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) وقد قال ( وله ~~المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) وقال تعالى # ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وان من شيء الا يسبح بحمده ~~ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) وقال ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها واليه يرجعون ) وقوله تعالى ( ولله يسجد من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو PageV02P404 والآصال ) وقوله ( ~~ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ) وقوله تعالى ( وله من في السماوات ~~والأرض كل له قانتون وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض ) وقوله ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ~~وهو العزيز الحكيم ) ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس ~~العزيز الحكيم ) ونحو ذلك من معانى ألوهيته وخضوع الكائنات واسلامها له ~~وافتقارها إليه وسؤالها اياه ودعاء الخلق اياه اما دعاء عبادة واما دعاء ~~مسألة واما دعاؤهما جميعا # ومن أعرض عنه وقت الاختيار ( فإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون الا ~~إياة ) ( أمن يجيب المضطر اذا دعاه ) ونشهد أن كل معبود سواه من لدن عرشه ~~إلى قرار أرضه فإنه باطل الا وجهه الكريم كما نشهد أنها كلها مفتقرة إليه ~~في مبدئها نشهد أنها مفتقرة إليه في منتهاها والا كانت باطلة # فهذه المعانى التى فيها تأله الكائنات اياه وتعلقها به والمعانى الاول ~~التى فيها ربوبيته اياهم وخلقه لهم يوجب أن يعلم أنه رب الناس ملك الناس ~~إله الناس وأنه رب العالمين لا اله الا هو والكائنات ليس لها من نفسها شيء ~~بل هي عدم محض ونفى صرف وما بها من وجود فمنه وبه PageV02P405 # ثم انه إليه مصيرها ومرجعها وهو معبودها والهها لا يصلح أن يعبد الا هو ~~كما لم يخلقها الا هو لما هو مستحقه بنفسه ms0506 ومتفرد به من نعوت الإلهية التى ~~لا شريك له فيها ولا سمى له وليس كمثله شيء # فهو الاول الذى ليس قبله شيء وهو الآخر الذى ليس بعده شيء وهو الظاهر ~~الذى ليس فوقه شيء وهو الباطن الذى ليس دونه شيء وهو معنا أينما كنا ونعلم ~~أن معيته مع عباده على أنواع وهم فيها درجات # وكذلك ربوبيته لهم وعبوديتهم التى هم بها معبدون له وكذلك ألوهيتهم اياه ~~وألوهيته لهم وعبادتهم التى هم بها عابدون وكذلك قربه منهم وقربهم منه ~~PageV02P406 ### ||| فصل # فهذا فيما يشبه الاتحاد أو الحلول في معين كنبى أو رجل صالح ونحو ذلك قد ~~بينا ما فيه من الحق المحض وما فيه من الحق الملبوس بباطل وسنبين إن شاء ~~الله ما فيه من الباطل المحض # وهذا القسم إنما يقع فيمن يعبد الله سبحانه ويتولاه أو يظن به ذلك فإنه ~~بذلك تظهر إلوهية الله في عبده وتظهر إنابة العبد إلى ربه وموافقته له في ~~محبته ورضاه وأمره ونهيه وقد يشتبه بهذا قسم آخر وهو ما يظهره الرب من آثار ~~ربوبيته في بعض عباده وإن كان ذلك ليس مأمورا به ولا هو عبادة له مثل ما ~~يعطيه من ملكه وسلطانه بعض الملوك المسلطين ممن قد يكون مسلما وقد لا يكون ~~كفرعون وجنكسخان ونحوهما وما يهبه من الرزق والمال لبعض عباده وما يقسمه من ~~الجمال لبعض عباده من الرجال والنساء # وكذلك ما يهبه من العلوم والمعارف أو يهبه من الأحوال أو يعطيه ~~PageV02P407 من خوارق العادات من أنواع المكاشفات والتأثيرات سواء كان ~~هؤلاء مؤمنين أو كفارا مثل الأعور الدجال ونحوه # فإنه في هذا القسم يقوم في العبد المعين من آثار الربوبية وأحكام القدرة ~~أكثر مما يقوم بغيره كما يقوم بالقسم الأول من آثار الألوهية وأحكام الشرع ~~أكثر مما يقوم بغيره وقد يجتمع القسمان في عبد كما يجتمع في الملائكة ~~والأنبياء والأولياء مثل نبينا صلى الله عليه وسلم والمسيح بن مريم وغيرهما # فهذا القسم وحده كاف في أحكام الكلمات الكونية كالقسم الأول في أحكام ~~الكلمات ms0507 الدينية فإن الحوادث انما تكون بمشيئة الله وقدرته وقد كان النبى ~~يستعيذ ويعوذ ويأمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات التى لا يجاوزها بر ولا ~~فاجر # فالكلمات التى بها كون الله الكائنات لا يخرج عنها بر ولا فاجر فما من ~~ملك ولا سلطان ولا مال ولا جمال ولا علم ولا حال ولا كشف ولا تصرف إلا وهو ~~بمشيئته وقدرته وكلماته التامات ولكن من ذلك ما هو محبوب لله مأمور به ومنه ~~ما هو مكروه لله منهى عنه بل مباح أو عفو واذا كان واقعا بمشيئة الله ~~وقدرته وكلمته ولا يقدر على ذلك غيره وهو مضاف إلى الله من جهة ربوبيته ~~وملكه فبينه وبين القسم الأول من الإشتراك والمشابهة ما أوجب أن أقواما ~~غلطوا في أمر الله فجعلوه في القسمين واحدا PageV02P408 # بل غلطوا أيضا في نفس الرب فألحقوا بعض العباد المعبدين من القسم الثانى ~~ببعض العباد العابدين من القسم الاول ودخلوا في الاتحاد والحلول من هذا ~~الوجه حتى عبد من عبد فرعون والدجال وعبد آخرون الصور الجميلة ونحو ذلك ~~ويزعمون أن هذا مظاهر الجمال وكفر هؤلاء بالعبادات والإيمان تارة وبالمعبود ~~أخرى # ولما كان المقصود هنا بيان الحق من ذلك أو ما فيه حق ذكرنا هذا # أما الأول فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الدينى ~~وخلقه الكونى فإن الله سبحانه خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه سواء في ذلك ~~الذوات وصفاتها وأفعالها وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا يخرج عن ~~مشيئته شيء ولا يكون شيء الا بمشيئته # وقد كذب ببعض ذلك القدرية المجوسية من هذه الامة وغيرها وهم الذين يزعمون ~~أن الله لم يخلق أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس والبهائم ولا يقدر ~~على أن يفعل بعباده من الخير أكثر مما فعله بهم بل ولا على أفعالهم فليس ~~هوعلى كل شيء قدير أو أن ما كان من السيئات فهو واقع على خلاف مشيئته ~~وإرادته وهم ضلال مبتدعة مخالفون للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ولما عرف ~~بالعقل ms0508 والذوق # ثم انه قابلهم قوم شر منهم وهم القدرية المشركية الذين رأوا الأفعال ~~PageV02P409 واقعة بمشيئته وقدرته فقالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) ولو كره الله شيئا لأزالة وما في العالم إلا ما ~~يحبه الله ويرضاه وما ثم عاص وأنا كافر برب يعصى وإن كان هذا قد عصى الامر ~~فقد أطاع الإرادة وربما استدلوا بالجبر وجعلوا العبد مجبورا والمجبور معذور ~~والفعل لله فيه لا له فلا لوم عليه # فهؤلاء كافرون بكتب الله ورسله وبأمر الله ونهيه وثوابه وعقابه ووعده ~~ووعيده ودينه وشرعه كفرا لا ريب فيه وهم أكفر من اليهود والنصارى بل أكفر ~~من الصابئة والبراهمة الذين يقولون بالسياسات العقلية # فإن هؤلاء كافرون بالديانات والشرائع الإلهية وبالآيات والسياسات العقلية # وأما الأولون ففى تكفيرهم تفصيل ليس هذا موضعه # وهؤلاء أعداء الله وأعداء جميع رسله بل أعداء جميع عقلاء بنى آدم بل ~~أعداء أنفسهم فإن هذا القول لا يمكن أحدا أن يطرده ولا يعمل به ساعة من ~~زمان إذ لازمه أن لا يدفع ظلم ظالم ولا يعاقب معتد ولا يعاقب مسىء لا بمثل ~~إساءته ولا بأكثر منها # وأكثر هؤلاء إنما يشيرون إلى ذلك عند أهواء أنفسهم لرفع الملام عنهم وإلا ~~فاذا كان لهم هذا مع أحد قابلوه وقاتلوه واعتدوا عليه أيضا ولا يقفون ~~PageV02P410 عند حد ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة بل هم كما قال الله ( ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) ظلمة جهال مثل السبع العادى يفعلون ~~بحكم الأهواء المحضة ويدفعون عن أنفسهم الملام والعذل أو ما يجب عليهم من ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالجبر الباطل وبملاحظة القدر النافذ ~~معرضين عن الأمر والنهى ولا يفعلون مثل ذلك بمن اعتدى عليهم وظلمهم وآذاهم ~~بل ولا بمن قصر في حقوقهم بل ولا بمن أطاع الله فأمر بما أمر الله به ونهى ~~عما نهى الله عنه وقد بسطت الكلام في هؤلاء القدرية والقسم الأول وذكرت ~~القدرية الإبليسية في غير هذا الموضع وإنما الغرض هنا التنبيه على معاقد ms0509 ~~الأقوال # وقد فرق الله في كتابه بين القسمين بين من قام بكلماته الكونيات وبين من ~~اتبع كلماته الدينيات وذلك في أمره وإرادته وقضائه وحكمه وإذنه وبعثه ~~وارساله فقال في الأمر الدينى الشرعى ( ان الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وايتاء ذى القربى ) ( ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) ( ان ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة # وقال في الأمر الكونى القدرى ( انما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون ) ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) وكذلك قوله ( وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ) على أحد الأقوال وقال في الإرادة الدينية ~~الشرعية ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر PageV02P411 ( يريد الله ~~ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ) ( ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ) # وقال في الإرادة الكونية القدرية ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) ( ولا ينفعكم نصحى ان أردت ~~أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم ) ( أولئك الذين لم يرد الله أن ~~يطهر قلوبهم ) # وبهذا الجمع والتفريق تزول الشبهة في مسألة الأمر الشرعى هل هو مستلزم ~~للإرادة الكونية أم لا فان التحقيق أنه غير مستلزم للإرادة الكونية القدرية ~~وإن كان مستلزما للإرادة الدينية الشرعية # وقال في الإذن الدينى ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله ) # وقال في الإذن الكونى ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) # وقال في القضاء الدينى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) أى أمر ربك بذلك # وقال في القضاء الكونى ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) # وقال في الحكم الدينى ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت ~~PageV02P412 لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم ~~إن الله يحكم ما يريد ) وقال ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم ) # وقال ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) وقال ~~في الحكم الكونى ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لى أبى أو ms0510 يحكم الله لى وهو خير ~~الحاكمين ) # وقد يجمع الحكمين مثل ما في قوله ( إن الحكم إلا لله ) وكذلك فعله ( ~~والله يقضى بالحق ) وقال في البعثين والإرسالين ( هو الذى بعث في الأميين ~~رسولا منهم ) ( بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد ) وقوله ( إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا ) ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) وقد قال ( إنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) وقال ( وأرسلنا الرياح لواقح ~~PageV02P413 ### ||| فصل # وأما كفرهم بالمعبود فإذا كان لهم في بعض المخلوقات هوى فقد يعبدونه ~~بشبهة الحلول أو الإتحاد الفاسد مثل من يعبد الصور الجميلة ويقول هذا مظهر ~~الجمال أو الملك المطاع الجبار ويقول هو مظهر الجلال أو مظهر ربانى ونحو ~~ذلك وليس في هذه المخلوقات نوع من الاتحاد أو الحلول الحق لكن يشبه ما فيه ~~الحق من جهة اذ كلاهما بالله ومن الله وانه لله ولهذا يسوى بينهما أهل ~~الحلول والاتحاد المطلق كما سنبينه ان شاء الله # فهؤلاء الاتحادية والحلولية الذين يخصونه ببعض المصنوعات التى ليس فيها ~~عبادة واثابة هم فرع على أولئك ليس معهم من الحق شيء ولا شبهة حق كما مع ~~أولئك ألفاظ متشابهة عن بعض الانبياء والصالحين ولكن مع هؤلاء قول فرعون ( ~~أنا ربكم الاعلى ) و ( ما علمت لكم من إله غيرى ) وقول الدجال ( أنا ربكم ( ~~ونحو ذلك # فهذه الالفاظ التى معهم من ألفاظ الكفار والمنافقين ومعهم تشبيه الكونيات ~~بالدينيات والكونيات عامة لا اختصاص فيها فلهذا كان هؤلاء أدخل في الاتحاد ~~والحلول المطلق منهم في المعين اعتقادا وقولا وان كانوا من PageV02P414 جهة ~~الحال والهوى يخصون بعض الأعيان كما هو الواقع لشبهة اختصاصه ببعض الأحكام ~~الكونية وسنتكلم عليهم إن شاء الله في الحلول الفاسد # وإنما ذكرتهم هنا لما أردت أن أذكر كل ما فيه شوب اتحاد أو حلول بحق ~~فنبهت على ذلك ليفطن لموضع ضلالهم فاذا علم حقيقة هذه الامور علم حقيقة قول ~~النبى ( أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد * ألا كل شيء ما خلا الله باطل * # فإن الباطل ضد الحق والله هو الحق المبين # والحق ms0511 له معنيان أحدهما الوجود الثابت والثانى المقصود النافع كقول النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( الوتر حق ( # والباطل نوعان أيضا أحدهما المعدوم واذا كان معدوما كان اعتقاد وجوده ~~والخبر عن وجوده باطلا لأن الإعتقاد والخبر تابع للمعتقد المخبر عنه يصح ~~بصحته ويبطل ببطلانه فإذا كان المعتقد المخبر عنه باطلا كان الإعتقاد ~~والخبر كذلك وهو الكذب # الثانى ما ليس بنافع ولا مفيد كقوله تعالى ( وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ) وكقول النبى ( كل لهو يلهو PageV02P415 به الرجل فهو باطل ~~إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق ( وقوله عن عمر ~~( ان هذا رجل لا يحب الباطل ( ومالا منفعة فيه فالأمر به باطل وقصده وعمله ~~باطل اذ العمل به والقصد إليه والامر به باطل # ومن هذا قول العلماء العبادات والعقود تنقسم إلى صحيح وباطل # فالصحيح ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده # والباطل ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به مقصوده ولهذا كانت أعمال ~~الكفار باطلا # فإن الكافر من جهة كونه كافرا يعتقد مالا وجود له ويخبر عنه فيكون ذلك ~~باطلا ويعبد مالا تنفعه عبادته ويعمل له ويأمر به فيكون ذلك أيضا باطلا # ولكن لما كان لهم أعمال وأقوال صاروا يشبهون أهل الحق فلذلك قال تعالى ( ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) وقال تعالى ( الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا ~~بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن ~~الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين PageV02P416 آمنوا اتبعوا الحق من ~~ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) إلى قوله ( ولا تبطلوا أعمالكم ) وقال ~~( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) وقال تعالى ( لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون ~~على شيء ms0512 مما كسبوا ) فبين أن المن والأذى يبطل الصدقة فيجعلها باطلا لا حقا ~~كما يبطل الرياء وعدم الإيمان الإنفاق أيضا وقد عمم بقوله ( ولا تبطلوا ~~أعمالكم ) أى لا تجعلوها باطلة لا منفعة فيها ولا ثواب ولا فائدة # وقد غلط طائفة من الناس من الاتحادية وغيرهم كابن عربى فرأوا أن الحق هو ~~الموجود فكل موجود حق فقالوا ما في العالم باطل اذ ليس في العالم عدم # قالوا والكفر إنما هو عدم وجود الشريك مثلا # وإنما أتوا من جهة اللفظ المجمل # فإن الشيء له مرتبتان # مرتبة باعتبار ذاته فهو إما موجود فيكون حقا وإما معدوم فيكون باطلا # ومرتبة باعتبار وجوده في الأذهان واللسان والبنان وهو العلم والقول ~~PageV02P417 والكتاب فالاعتقاد والخبر والكتابة أمور تابعة للشىء فإن كانت ~~مطابقة موافقة كانت حقا وإلا كانت باطلا فاذا أخبرنا عن الحق الموجود أنه ~~حق موجود وعن الباطل المعدوم أنه باطل معدوم كان الخبر والاعتقاد حقا وان ~~كان بالعكس كان باطلا وإن كان الخبر والاعتقاد أمرا موجودا فكونه حقا أو ~~باطلا باعتبار حقيقته المخبر عنها لا باعتبار نفسه # ولا يجوز إطلاق القول بأنه حق لمجرد كونه موجودا إلا بقرينة تبين المراد # وهكذا العمل والقصد والأمر إنما هو حق باعتبار حقيقته المقصودة فان حصلت ~~وكانت نافعة كان حقا وان لم تحصل أو حصل مالا منفعة فيه كان باطلا # وبهذين الإعتبارين يصير في الوجود ما هو من الباطل كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة والاجماع مع ما يوافق ذلك من عقل وذوق وكشف خلاف زعم هذه الطائفة ~~الضالة المضلة # قال الله تعالى ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل ~~زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك ~~يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال PageV02P418 # شبه ما ينزل من السماء على القلوب من الإيمان والقرآن فيختلط بالشبهات ~~والأهواء المغوية بالمطر الذى يحتمل سيله الزبد وبالذهب والفضة والحديد ~~ونحوه اذا أذيب بالنار ms0513 فاحتمل الزبد فقذفه بعيدا عن القلب وجعل ذلك الزبد ~~هو مثل ذلك الباطل الذى لا منفعة فيه وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن ~~فهو مثل الحق النافع فيستقر ويبقى في القلب # وقد تقدم قوله تعالى ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ) إلى ~~قوله ( ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ~~ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) # فأخبر سبحانه أن سبب اضلال أعمال هؤلاء الذين كفروا حتى لم تنفعهم وان ~~أعمال هؤلاء الذين آمنوا نفعتهم فكفرت سيئاتهم وأصلح الله بالهم أن هؤلاء ~~اتبعوا الباطل قولا وعملا اعتقادا واقتصادا خبرا وأمرا وهؤلاء اتبعوا الحق ~~من ربهم ولم يتبعوا ما هو من غير ربهم وان كان حقا من وجه # وهذا تحقيق ما قلناه فإن الخبر والعمل تابع للمخبر عنه وللمقصود بالعمل ~~فإذا كان ذلك باطلا لا حقيقة له كان التابع كذلك وان كان موجودا # وكذلك ما تقدم من قوله ( لا تبطلوا صدقاتكم ) وقوله ( ولا تبطلوا أعمالكم ~~) ونحو ذلك من ابطال ما قد مضى ووجد إنما هو عدم لعدم فائدته لا عدم ذاته ~~فإن ذاته انقضت كما انقضى ما لم يبطل من الأعمال فكيف PageV02P419 يقال لا ~~باطل في الوجود ثم يجعل هذا ذريعة إلى أن ذلك الموجود الذى فيه الحق ~~والباطل هو عين الله لأنه هو الحق ولا يميز بين الحق الخالق والحق المخلوق # فتدبر كيف اشتمل مثل هذا الكلام على هاتين المقدمتين الباطلتين وكيف ~~استزلوا عقول الضعفاء بهذه الشبهة # وقالوا قوله ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) والباطل هو المعدوم فكل ~~ما سوى الله معدوم والموجود ليس بمعدوم فالموجود ليس فيه سوى وانما السوى ~~هو العدم # فإن هذا مبنى على المقدمتين الباطلتين # احداهما قولهم ان الباطل هو المعدوم فانه ليس كذلك بل المعدوم باطل وليس ~~كل موجود باطلا بل في الموجود ما هو حق وفيه ما هو باطل كما تقدم وهو ~~الأعمال التى لا تنفع والأخبار التى ليست بصدق وما يندرج في هذين من ms0514 ~~المقاصد والعقائد # الثانية لو كان لا باطل الا المعدوم لكان الموجود حقا وكل موجود فقد يسمى ~~حقا مع القرينة المفسرة باعتبار وجوده وان كان باطلا لانتفاء حقيقته التى ~~بها جاز اطلاق الحق عليه لكن الحق حقان حق خالق وحق مخلوق PageV02P420 # وقد كان النبى في الحديث المتفق عليه الذى رواه بن عباس يقول اذا قام من ~~الليل ( اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور ~~السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن أنت ~~الحق وقولك الحق ووعدك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق اللهم ~~لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت ( # وإذا ظهر أن في الوجود ما هو باطل في الحقيقة ومنه ما هو حق من مخلوقات ~~الله ليس هو الله ظهر تمويههم بقولهم إن الباطل هو السوى وهو العدم وأما ~~الموجود فهو هو # وأيضا فنفس الحديث حجة عليهم فإن قوله ( ألا كل شئ ماخلا الله باطل ( لفظ ~~عام يدخل فيه كل موجود سوى الله فإن لفظ ( الشئ ( يعم كل الموجود بالاتفاق ~~ويدخل فيه ماله وجود ذهنى أو لفظى أو رسمى كتابى وإن لم يكن له وجود حقيقى ~~من المعدومات والممتنعات فهذا نص في أن كثيرا من الموجودات باطل ولا يجوز ~~أن يراد به كل معدوم ماخلا الله فهو باطل لثلاثة أوجه # أحدها أنه قد استثنى الله تعالى وهو الحق المبين من لفظ إثبات ومثل هذا ~~الاستثناء يدل على التناول بخلاف الإستثناء من غير موجب PageV02P421 كقوله ~~( مالهم به من علم إلا اتباع الظن ) فإن ذلك لايدل على التناول فلو كان ~~التقدير كل معدوم ما خلا الله باطل للزم أن يكون الحق تعالى معدوما وهذا ~~أبطل الباطل # الثانى أن ( كل شئ ( نص في الوجود لايجوز قصرها على المعدومات بالإتفاق # الثالث أن المعدوم لايدخل في لفظ ( كل شئ ( عند أهل السنة وعامة العقلاء ~~فضلا عن كونه يختص به # الرابع أنه لو كان المعنى كل معدوم ms0515 فهو باطل لكان هذا من باب تحصيل ~~الحاصل بل لفظ ( العدم ( أدل على النفى من لفظ الباطل فكيف يبين الجلى ~~بالخفى # الخامس أنه لو أراد هذا لقال ( كل ماسوى الله باطل ( فإن هذه العبارة ~~أقرب إلى احتمال مراد هؤلاء الملاحدة من هذا اللفظ وان كانت تلك العبارة ~~لاتدل أيضا على مرادهم # وإذا لم يكن معنى الحديث ما ادعوه فقد عرف أن كل ماسوى الله فهو باطل ~~بوجهى الباطل اللذين تقدم تفسيرهما # أحدهما وهو المقصود النافع والباطل ما لا منفعة في قصده وكل شئ ماخلا ~~الله إذا كان له القصد والعمل كان ذلك باطلا والأمر به PageV02P422 باطل ~~وهذا يشبه حال المشركين الذين كانوا يعبدون غير الله أو يعبدون الله بغير ~~أمر الله ولا شرعه # فإن قيل فالباطل هو نفس القصد والعمل لانفس العين المقصودة # قلت بل نفس العين المقصودة باطل بالاعتبار الذى قصدت له كما جاء في ~~الحديث ( أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك الكريم ~~( # وذلك أنه اذا كان الباطل في الأصل هو العدم والعدم هو المنفى فالشئ ينفى ~~لانتفاء وجوده في الجملة كقوله تعالى ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد ) و ( ليس كمثله شيء ) وقوله ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~) وقوله ( لااله الا الله ) وقول النبى صلى الله عليه وسلم ( لانبى بعدى ( # وقد ينفى لانتفاء فائدته ومقصوده وخاصته التى هو بها هو كما ذكرناه فإن ~~مالا فائدة فيه فهو باطل والباطل معدوم وهذا كقوله لما سئل عن الكهان ( ~~ليسوا بشئ ( ومنه قوله تعالى ( يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا ~~التوراة والإنجيل وما أنزل اليكم من ربكم ) # وقد ينفى الشيء لانتفاء كماله وتمامه إما مطلقا واما بالنسبة إلى غيره ~~كقول النبى صلى الله عليه وسلم ( ليس المسكين بهذا الطواف الذى ترده اللقمة ~~واللقمتان والتمرة والتمرتان وانما المسكين الذى لايجد غنى يغنيه ~~PageV02P423 ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولايسأل الناس إلحافا ( ونحو ذلك ~~قوله في المفلس ms0516 والرقوب ونظائر كل من هذه الاقسام الثلاثة كثيرة # فالشيء المقصود لامر هو باطل منتف اذا انتفت فائدته ومقصوده فكل ماسوى ~~الله لايجوز أن يكون معبودا ولا مستعانا فقد انتفى مما سوى الله هذا المعنى ~~المقصود فهو باطل وكل ماسوى الله لايجوز أن يكون صمدا مقصودا ولامعبودا ولا ~~فائدة في قصده ولا منفعة في عبادته واستعانته فهو باطل وهذا واضح وهذا عموم ~~محفوظ لايستثنى منه شيء # وبيان ذلك أن كل ماسوى الله فاما أن يقصد لنفسه واما أن يقصد لغيره # فالمقصود لغيره مثل ما يقصد الخبز للأكل والثوب للبس والسلاح للدفع ونحو ~~ذلك وهو ما خلقه الله لنفع بنى آدم من الاعيان فإن هذه انما تقصد لغيرها لا ~~لذاتها وكذلك المال الذى يقصد به جلب منفعة أو دفع مضرة انما يقصد لغيره لا ~~لنفسه وكل ما قصد لغيره فانما المقصود في الحقيقة ذلك الغير # وهذا مراد له بحيث ان حصل ذلك الغير المقصود لنفسه والا كان هذا مما ~~لافائدة فيه ولا منفعة فيكون من باب الباطل الذى ينفى ويقال فيه ليس بشئ ~~وهو باطل ويلحق بالمعدوم PageV02P424 # فثبت أنه إن لم يحصل في كل قصد مقصود لنفسه وإلا كان باطلا والمقصود ~~لنفسه إن لم يكن هو الله كان باطلا فإن المقصود لنفسه هو المعبود ومن عبد ~~غير الله كان باطلا وعبادته باطلة لأنه لامنفعة فيه ولا في عبادته بل ذلك ~~ضرر محض قال الله تعالى ( يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ) وهذا عام في كل ~~معبود وهذا حقيقة الدين # فإن الله إنما خلق الخلق لعبادته وحده لاشريك له وسخر لهم مافى السماوات ~~وما في الأرض ليستعينوا به على عبادته فمن لم يستعن بهذه الأشياء على ~~عبادته فعمله كله وقصده باطل ولا منفعة فيه بل فيه الضرر # فثبت أن كل قصد ومقصود سوى الله باطل سواء كان مقصودا لنفسه أو لغيره سوى ~~الله وإنما الحق أن يقصد الله أو يقصد ما يستعان به على قصد الله وهذا ~~تحقيق قوله ( ألا كل شئ ما ms0517 خلا الله باطل بأحد وجهى الحق والباطل وهو كونه ~~مقصودا ومطلوبا وهو أظهر وجهيه # الثانى أن كل ماخلا الله فهو معدوم بنفسه ليس له من نفسه وجود ولا حركة ~~ولا عمل ولا نفع لغيره منه إذ ذلك جميعه خلق الله وإبداعه وبرءه وتصويره ~~فكل الأشياء إذا تخلى عنها الله فهي باطل يكفى في عدمها وبطلانها نفس تخليه ~~عنها وأن لايقيمها هو بخلقه ورزقه وإذا كانت باطلة في أنفسها والحق إنما هو ~~لله وبالله ومن الله صدق قول القائل ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ( ~~باعتبارين PageV02P425 أحدهما أن صنعه على هذا التقدير ليس مستغنيا عنه ولا ~~قائما بسواه ولا خارجا عنه فأدخل في اسمه على سبيل التبع لالأنه جزء من ~~المسمى وكثيرا ما يدخل في الإسم الجامع والأسماء العامة أشياء على سبيل ~~التبع لا لأنها جزء من المسمى كما لو قال بعتك هذا الفرس دخل فيه نعله ولو ~~قال القائل دخل زيد إلى دارى كانت ثيابه داخلة في حكم اسمه وكذلك اذا قيل ~~حملت زيدا وركب زيد على الدابة واذا قيل بنو هاشم دخل فيهم مواليهم لقوله ( ~~مولى القوم منهم ( وقد يدخل فيهم الحليف وبن الأخت وهذا مشهور في كلام ~~العرب وأهل المغازى # الإعتبار الثانى أن القائل اذا قال جاء القوم ما خلا زيدا فإن ( خلا ( ~~هنا فعل ناقص من أخوات ( كان ( وزيدا منصوب به وفيه ضمير مرفوع وذلك الضمير ~~عائد على ( ما ( أخت الذى وهى الموصولة وهذه الجملة صلة ( ما ( وكان تقدير ~~الكلام قام القوم الذين هم خلا زيدا لكن ( ما ( يحتمل الواحد والإثنين ~~والجميع والضمير يعود إلى لفظها أكثر من معناها فقوله رأيت ما رأيته من ~~الرجال أحسن من قولك ما رأيتهم من الرجال وباب ( ومنهم من يستمع اليك ) ~~أكثر وأفصح من قوله ( من يستمعون ( ولهذا قوى فصار ما خلا زيدا يقوم مقام ~~الذى خلا والذين خلوا واللاتى خلون ونحو ذلك تقول قامت النسوة ما خلا هندا # ولفظ ما اما أن يكون له موضع من الاعراب وهو الوصف ms0518 PageV02P426 لما قبله ~~أو النصب على الحال أو لا موضع له واذا كان التقدير كل شئ في حال خلوه عن ~~الله باطل أو كل شئ خلا الله فهو باطل أو كل الأشياء حال كونها خلت الله أو ~~التى خلت الله باطل فخلوها الله قد يتضمن معنى خلوها منه # ومعلوم أنها متى خلته أى خلت منه كانت باطلا وإنما قيامها بأن لا تتخلى ~~منه بل تتقوم به وهذا في الأصل دون غيره من أدوات الإستثناء # وأصل هذا المعنى مقصود من هذا في قول النبى # وهذا التوحيد وتفسيره المذكور في قوله ألا كل شئ ما خلا الله باطل هو نحو ~~مما ذكر في قوله تعالى ( كل شئ هالك الا وجهه ) بعد قوله ( فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد اذ أنزلت اليك وادع إلى ربك ولا تكونن ~~من المشركين ولا تدع مع الله الها آخر لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه ~~له الحكم واليه ترجعون ( فإن ذكره ذلك بعد نهيه عن الاشراك وأن يدعو معه ~~الها آخر وقوله لا اله الا هو يقتضى أظهر الوجهين وهو أن كل شئ هالك الا ما ~~كان لوجهه من الأعيان والاعمال وغيرهما # روى عن أبى العالية قال ( الا ما أريد به وجهه ( وعن جعفر الصادق ( الا ~~دينه ( ومعناهما واحد PageV02P427 # وقد روى عن عبادة بن الصامت قال ( يجاء بالدنيا يوم القيامة فيقال ميزوا ~~ما كان لله منها قال فيماز ما كان لله منها ثم يؤمر بسائرها فيلقى في النار ~~( وقد روى عن على ما يعم ففى تفسير الثعلبى عن صالح بن محمد عن سليمان بن ~~عمرو عن سالم الافطس عن الحسن وسعيد بن جبير عن على بن أبى طالب ( أن رجلا ~~سأله فلم يعطه شيئا فقال أسألك بوجه الله فقال له على كذبت ليس بوجه الله ~~سألتنى انما وجه الله الحق ألا ترى إلى قوله ( كل شيء هالك الا وجهه ) يعنى ~~الحق ولكن سألتنى بوجهك الخلق ( وعن مجاهد ( الا هو ( وعن الضحاك ms0519 ( كل شيء ~~هالك الا الله والجنة والنار والعرش ( وعن بن كيسان ( الا ملكه ( # وذلك أن لفظ ( الوجه ( يشبه أن يكون في الاصل مثل الجهة كالوعد والعدة ~~والوزن والزنة والوصل والصلة والوسم والسمة لكن فعله حذفت فاؤها وهى أخص من ~~الفعل كالاكل والإكلة فيكون مصدرا بمعنى التوجه والقصد كما قال الشاعر # أستغفر الله ذنبا لست محصيه %~% رب العباد إليه الوجه والعمل # ثم أنه يسمى به المفعول وهو المقصود المتوجه إليه كما في اسم الخلق ودرهم ~~ضرب الأمير ونظائره ويسمى به الفاعل المتوجه كوجه الحيوان يقال أردت هذا ~~الوجه أى هذه الجهة والناحية ومنه قوله ( ولله المشرق PageV02P428 والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله ( أى قبلة الله ووجهة الله هكذا قال جمهور السلف ~~وان عدها بعضهم في الصفات وقد يدل على الصفة بوجه فيه نظر وذلك أن معنى ~~قوله ( فأينما تولوا ( أى تتولوا أى تتوجهوا وتستقبلوا يتعدى إلى مفعول ~~واحد بمعنى يتولاها ونظير ولى وتولى قدم وتقدم وبين وتبين كما قال ( لا ~~تقدموا بين يدى الله ورسوله ( وقال ( بفاحشة مبينة ( وهو الوجه الذى لله ~~والذى أمر الله أن نستقبل فان قوله ( ولله المشرق والمغرب ( يدل على أن وجه ~~الله هناك من المشرق والمغرب الذى هو لله كما في آية القبلة ( سيقول ~~السفهاء من الناس ما ولا هم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق ~~والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ( # فلما سألوا عن سبب التولى عن القبلة أخبر أن له المشرق والمغرب # وأما لفظ ( وجهة ( مثل قوله ( ولكل وجهة هو موليها ( فقد يظن أيضا أنه ~~مصدر كالوجه كالوعدة مع الوعد وانها تركت صحيحة فلم تحذف فاؤها وليس كذلك # لأنه لو كان مصدرا لحذفت واوه وهو الجهة وكان يقال ولكل جهة أو وجه وإنما ~~الفعلة هنا بمعنى المفعول كالقبلة والبدعة والذبحة ونحو ذلك فالقبلة ما ~~استقبل والوجهة ما توجه إليه والبدعة ما ابتدع والذبحة ما ذبح ولهذا صح ولم ~~تحذف فاؤه لأن الحذف إنما هو من المصدر لا من PageV02P429 بقية الأسماء ~~كالصفات ms0520 وما يشبهها مثل أسماء الأمكنة والأزمنة والآلات والمفاعيل وغير ذلك # وأما قول بعض الفقهاء ان الوجه مشتق من المواجهة فلا دليل عليه بل قد ~~عارضه من قال هو مشتق من الوجاهة وكلاهما ضعيف وإنما المواجهة مشتق من ~~الوجه كما أن المشافهة مشتق من الشفة والمناظرة بمعنى المقابلة مشتقة من ~~النظر والمعاينة من العين # وأما اشتقاق الوجه الذى هو المتوجه من الوجه الذى هو التوجه فهذا اشبه ~~لأن توجهه هو فعله المختص به الذى لا يفتقر فيه إلى غيره بخلاف المواجهة ~~فإنها تستدعى اثنين والانسان هو حارث همام وهمه هو توجهه وإنما يتوجه بهذا ~~العضو إلى أى شيء أراده وتوجه إليه # ومن هذا الباب قوله تعالى ( بلى من أسلم وجهة لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه ( وقوله تعالى ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا ( وقول الخليل ونبينا والمؤمنين في الصلاة ( وجهت وجهى للذى ~~فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ( وقوله تعالى ( قل أمر ربى ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم ~~تعودون ( الآية وقوله ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس ~~عليها ( وقوله ( فأقم وجهك للدين القيم ( وقوله ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا ~~ولا تكونن من المشركين ( وقول النبى PageV02P430 للذي علمه دعاء النوم ( ~~اللهم أسلمت نفسى اليك ووجهت وجهى اليك ( وقال زيد بن عمرو بن نفيل # أسلمت وجهى لمن أسلمت %~% له المزن تحمل عذبا زلالا # فهذه ثلاثة ألفاظ أسلم وجهه ووجه وجهه وأقام وجهه # قال قدماء المفسرين في قوله تعالى ( أسلم وجهه ( أى أخلص في دينه وعمله ~~لله وقال بعضهم فوض امره إلى الله وقد قيل خضع وتواضع لله # وهذا الثالث يليق بالإسلام اللازم فان وجهه هو قصده وتوجهه الذى هو أصل ~~عمله وهو عمل قلبه الذى هو ملك بدنه فاذا توجه قلبه تبعه أيضا توجه وجهه ~~فاستتبع القصد الذى هو الأصل من القلب الذى هو الاصل للعمل الذى هو تبع من ~~الوجه وسائر ms0521 البدن الذى هو تبع فيكون قد أسلم عمله الباطن والظاهر وأعضاءه ~~الباطنة والظاهرة لله أى سلمه له وأخلصه لله كما في الاسلام اللازم وهو ~~قوله ( أسلمت لرب العالمين ( وقوله عن بلقيس ( انى ظلمت نفسى واسلمت مع ~~سليمان لله رب العالمين ( وقوله عن إبراهيم واسماعيل ( ربنا واجعلنا مسلمين ~~لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ( أى منقادة مخلصة # وكذلك توجيه الوجه للذى فطر السماوات والأرض توجيه قصده وارادته وعبادته ~~وذلك يستتبع الوجه وغيره والا فمجرد توجيه العضو من غير عمل القلب لا يفيد ~~شيئا PageV02P431 # قال الزجاج في قوله ( وجهت وجهى ( أى جعلت قصدى بعبادتى وتوحيدى لله رب ~~العالمين وكذلك قوله ( وأقيموا وجوهكم ( فان الوجوه التى هي المقاصد ~~والنيات التى هي عمل القلب وهى أصل الدين تارة تقام وتارة تزاغ كما قال ~~النبى ( ( ما من قلب من قلوب العباد الا وهو بين اصبعين من أصابع الرحمن ان ~~شاء أن يقيمه أقامه وان شاء أن يزيغه أزاغه ( فإقامة الوجه ضد ازاغته ~~وامالته وهو الصراط المستقيم # فإذا قوم قصده وسدده ولم ينحرف يمينا ولا شمالا كان قصده لله رب العالمين ~~كما قال ( لا شرقية ولا غربية ( وكذلك قال الربيع بن أنس ( اجعلوا سجودكم ~~خالصا لله ( فلا تسجدوا الا لله # وروى عن الضحاك وبن قتيبة ( اذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ~~ولا يقولن أحدكم أصلى في مسجدى ( كأنه أراد صلوا لله عند كل مسجد لا تخصوا ~~مسجدا دون مسجد وعلى هذين القولين يتوجه ما ذكرناه # وروى عن مجاهد والسدى وبن زيد ( توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة # وعلى هذا فإقامة الوجه استقبال الكعبة وهذا فيه نظر فإن هذه الآية مكية ~~والكعبة انما فرضت في المدينة الا أن يراد بإقامة الوجه الاستقبال المأمور ~~به PageV02P432 # وانما وقع النزاع هنا لقوله تعالى ( عند كل مسجد ( بخلاف قوله تعالى ( ~~فأقم وجهك للدين حنيفا ( # فقوله ( كل شيء هالك الا وجهه ( أى دينه وارادته وعبادته والمصدر يضاف ~~إلى الفاعل تارة والى المفعول أخرى وهو قولهم ما أريد به وجهه ms0522 وهو نظير ~~قوله ( لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ( فكل معبود دون الله باطل وكل ~~ما لا يكون لوجهه فهو هالك فاسد باطل وسياق الآية يدل عليه وفيه المعنى ~~الآخر # فإن الالهية تستلزم الربوبية ولهذا قال ( له الحكم واليه ترجعون ( وفى ~~هذا قول آخر يقوله كثير من أهل العلم أن الوجه في مثل قوله ( أسلم وجهه ( و ~~( أقم وجهك ( ووجهت وجهى ( هو الوجه الظاهر كما أنه كذلك بالاتفاق في قوله ~~( قد نرى تقلب وجهك في السماء ( وفى قوله ( فولوا وجوهكم شطره ( وفى قوله ( ~~فاغسلوا وجوهكم ( # وقد جاء الوجه في صفات الله في مواضع من الكتاب والسنة ليس هذا موضعها ~~قالوا لكن الوجه اذا وجه تبعه سائر الإنسان واذا أسلم فقد أسلم سائر ~~الإنسان واذا أقيم فقد أقيم سائره لأنه هو المتوجه أولا من الأعضاء الظاهرة ~~للقاصد الطالب ولهذا يذكر كثيرا على وجه الإستلزام لسائر صاحبه PageV02P433 ~~ويعبر به عنه لكن هل هذا من باب الحقيقة العرفية التى تقلب الاسم من الخصوص ~~إلى العموم أو الحقيقة اللغوية باقية وهو من باب الدلالة اللزومية فيه ~~قولان # وكذلك في سائر الأعضاء حتى لو قال لعبده يدك أو رجلك حر أو قال لزوجته ~~يدك أو رجلك طالق ان أعطيتنى ألفا ثم قطع العضو قبل الإعطاء فمن قال ان ~~اللفظ عبارة عن الجميع أوقع الطلاق والعتق ومن قال أن الإسم للعضو فقط لم ~~يسر العتق عنده إلى سائر الجملة لعدم تبعيضه وقال أنه لا يقع شيء في هذه ~~الصورة # والى هذا الأصل يعود معنى قول من قال كل شيء هالك الا وجهه كما قد قيل في ~~قوله ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( فإن بقاء وجهه ~~المذوى بالجلال والإكرام هو بقاء ذاته PageV02P434 ### ||| فصل # وأما اتحاد ذات العبد بذات الرب بل اتحاد ذات عبد بذات عبد أو حلول حقيقة ~~في حقيقة كحلول الماء في الوعاء فهذا باطل قطعا بل ذلك باطل في العبد مع ~~العبد فانه لا تتحد ذاته بذاته ولا تحل ms0523 ذات أحدهما في ذات الآخر # وهذا هو الذى وقعت فيه الاتحادية والحلولية من النصارى وغيرهم من غالية ~~هذه الأمة وغيرها وهو اتحاد متجدد بين ذاتين كانتا متميزتين فصارتا متحدتين ~~أو حلول احداهما في الأخرى فهذا بين البطلان # وأبطل منه قول من يقول ما زال واحدا وما ثم تعدد أصلا وانما التعدد في ~~الحجاب فلما انكشف الأمر رأيت أنى أنا وكل شيء هو الله سواء قال بالوحدة ~~مطلقا أو بوحدة الوجود المطلق دون المعين أو بوحدة الوجود دون الأعيان ~~الثابتة في العدم # فهذه وما قبلها مذاهب أهل الكفر والضلال كما أن الأولى مذهب أهل الإيمان ~~والعلم والهدى # ومن كفر بالحق من ذلك أو آمن بالباطل PageV02P435 فهما في طرفى نقيض ~~كاليهود والنصارى # وأما المؤمنون فيؤمنون بحق ذلك دون باطله وكتاب الله وسنة رسوله فيهما ~~الهدى والنور وفيهما بيان الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين # فأما اثبات الحق من ذلك وهو ما يحصل لأنبياء الله وأوليائه الذين هم ~~المتقون من السابقين والمقتصدين وما قد يحصل من ذلك لكل مؤمن مثل محبتهم ~~لله تعالى ومحبته لهم ورضوانهم عنه ورضوانه عنهم فقد قال الله تعالى ( فسوف ~~يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ( وقال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ( وقال تعالى ( ~~وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا ان الله يحب ~~المحسنين ( وقال تعالى ( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ( ~~وقال تعالى ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب المتقين ( وقال ( ~~فأتموا اليهم عهدهم إلى مدتهم ان الله يحب المتقين ( وقال ( فأتوهن من حيث ~~أمركم الله ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ( وقال ( فيه رجال يحبون ~~أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( وقال ( فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ان ~~الله يحب المقسطين ( وقال ( ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ms0524 صفا كأنهم ~~بنيان مرصوص ( وقال ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ( وقال ( ~~قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم PageV02P436 إلى قوله ( أحب اليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله ( وقال ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ( وقال ( ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله ~~عنهم ورضوا عنه ( وقال ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وايدهم بروح منه ~~ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه ( ~~وقال ( أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ( # وقال النبى ( ان الله يحب العبد التقى الغنى الخفى ( ان الله جميل يحب ~~الجمال ( ( ان الله نظيف يحب النظافة ( ان الله وتر يحب الوتر ( ان الله ~~يحب معالى الاخلاق ويكره سفسافها ( وقال ( ان الله يرضى لكم ثلاثا أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن ~~تناصحوا من ولاه الله أموركم ( # وفى القرآن من ذكر الأصطفاء والإجتباء والتقريب والمناجاة والمناداة ~~والخلة ونحو ذلك ما هو كثير وكذلك في السنة # وهذا مما اتفق عليه قدماء أهل السنة والجماعة وأهل المعرفة والعبادة ~~والعلم والإيمان # وخالف في حقيقته قوم من الملحدة المنافقين المضارعين للصابئين ومن وافقهم ~~والمضارعين لليهود والنصارى من الجهمية أو من فيه تجهم وان كان الغالب عليه ~~السنة PageV02P437 # فتارة ينكرون ان الله يخالل أحدا أو يحب أحدا أو يواد احدا أو يكلم أحدا ~~أو يتكلم ويحرفون الكلم عن مواضعه فيفسرون ذلك تارة بإحسانه إلى عباده ~~وتارة بإرادته الإحسان اليهم وتارة ينكرون أن الله يحب أو يخالل ويحرفون ~~الكلم عن مواضعه في محبة العبد له بأنه ارادة طاعته أو محبته على إحسانه # وأما انكار الباطل فقد نزه الله نفسه عن الوالد والولد وكفر من جعل له ~~ولدا أو والدا أو شريكا فقال تعالى في السورة التى تعدل ثلث القرآن التى هي ~~صفة الرحمن ولم يصح عن النبى ( ( في فضل سورة من القرآن ما صح في ms0525 فضلها حتى ~~أفرد الحفاظ مصنفات في فضلها كالدارقطنى وأبى نعيم وأبى محمد الخلال وأخرج ~~أصحاب الصحيح فيها أحاديث متعددة قال فيها ( قل هو الله أحد الله الصمد لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( وعلى هذه السورة اعتماد الأئمة في ~~التوحيد كالإمام أحمد والفضيل بن عياض وغيرهما من الأئمة قبلهم وبعدهم # فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء وهى جماع ما ينسب إليه المخلوق من ~~الآدميين والبهائم والملائكة والجن بل والنبات ونحو ذلك فإنه PageV02P438 ~~ما من شيء من المخلوقات الا ولابد أن يكون له شيء يناسبه اما أصل واما فرع ~~واما نظير أو اثنان من ذلك أو ثلاثة # وهذا في الآدميين والجن والبهائم ظاهر # وأما الملائكة فانهم وان لم يتوالدوا بالتناسل فلهم الامثال والاشباه ~~ولهذا قال سبحانه ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله ( ~~قال بعض السلف لعلكم تتذكرون فتعلمون أن خالق الازواج واحد # ولهذا كان في هذه السورة الرد على من كفر من اليهود والنصارى والصابئين ~~والمجوس والمشركين # فإن قوله ( لم يلد ( رد لقول من يقول ان له بنين وبنات من الملائكة أو ~~البشر مثل من يقول الملائكة بنات الله أو يقول المسيح أو عزير بن الله كما ~~قال تعالى عنهم ( وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم ( وقال تعالى ( فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة ~~اناثا وهم شاهدون ألا انهم من افكهم ليقولون ولد الله وأنهم لكاذبون اصطفى ~~البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فائتوا ~~بكتابكم ان كنتم صادقين وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة انهم ~~لمحضرون ( وقال تعالى ( وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن ~~الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله انى ~~يؤفكون اتخذوا PageV02P439 أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن ~~مريم ( وقد أخبر أن هذا مضاهاة لقول الذين كفروا من قبل # وقد قيل انهم قدماؤهم وقيل مشركوا العرب ms0526 وفيهما نظر فان مشركى العرب ~~الذين قالوا هذا ليسوا قبل اليهود والنصارى وقدمائهم منهم فلعله الصابئون ~~المشركون الذين كانوا قبل موسى والمسيح بأرض الشام ومصر وغيرها الذين ~~يجعلون الملائكة أولادا له كما سنبينه # وقال تعالى ( ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ( ~~وهو قول من قال من العرب ان الملائكة بنات الله # وقال تعالى ( ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما ~~كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون واذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه ~~على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ( وقال تعالى ( وجعلوا له من ~~عباده جزءا ان الانسان لكفور مبين أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ~~واذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في ~~الحلية وهو في الخصام غير مبين وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا ~~أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسالون PageV02P440 # وهذا القدر الذى عابه الله على من جعل الملائكة بناته من العرب مع ~~كراهتهم أن يكون لهم بنات فنظيره في النصارى فانهم يجعلون لله ولدا وينزهون ~~اكابر أهل دينهم عن أن يكون لأحدهم صاحبة أو ولدا فيجعلون لله ما يكرهونه ~~لأكابر دينهم # وقال تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغى ~~للرحمن أن يتخذ ولدا ان كل من في السماوات والأرض الا آتى الرحمن عبدا لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ( # وقال تعالى ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا ~~الحق انما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم انما الله اله واحد ~~سبحانه ms0527 أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فاما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم ~~عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا # فنهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين وعن أن يقولوا على الله إلا الحق ~~PageV02P441 وذكر القول الحق في المسيح ثم قال لهم ( آمنوا بالله ورسله ( ~~لأنهم كفروا بالله بتثليثهم وكفروا برسله بالاتحاد والحلول فكفروا بأصلى ~~الاسلام العام التى هي الشهادة لله بالوحدانية في الألوهية والشهادة للرسل ~~بالرسالة وذكر أن المسيح والملائكة لا يستنكفون عن عبادته لأن من الناس من ~~جعل الملائكة أولاده كالمسيح وعبدوا الملائكة والمسيح # ولهذا قال ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد اذ أنتم مسلمون ( فذكر الملائكة والنبيين جميعا # وقد نفى في كتابه عن نفسه الولادة ونفى اتخاذ الولد جميعا فقال ( وقل ~~الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من ~~الذل ( وقال تعالى ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله ( الآية وقال ~~( الذى له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ( ~~وقال ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنا ان كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو ~~زاهق ولكم الويل مما تصفون وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون ~~عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون أم اتخذوا آلهة ~~PageV02P442 من الأرض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون ms0528 ( وقال ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ( # ومعلوم أن الذين خرقوا له بنين وبنات بغير علم والذين قالوا ولد الله ~~وإنهم لكاذبون والذين قالوا المسيح بن الله وعزير بن الله لم يرد عقلاؤهم ~~ولادة حسية من جنس ولادة الحيوان بانفصال جزء من ذكره في أنثاه يكون منه ~~الولد فإن النصارى والصابئين متفقون على نفى ذلك وكذلك مشركوا العرب ما أظن ~~عقلاؤهم كانوا يعتقدون ذلك وإنما وصفوا الولادة العقلية الروحانية مثل ما ~~يقوله النصارى إن الجوهر الذى هو الله من وجه وهو الكلمة من وجه تدرعت ~~بإنسان مخلوق من مريم فيقولون تدرع اللاهوت بالناسوت فظاهره وهو الدرع ~~والقميص بشر وباطنه وهوالمتدرع لاهوت هو الابن الذى هو الكلمة لتولد هذا من ~~الأب الذى هو جوهرالوجود فهذه البنوة مركبة عندهم من أصلين # أحدهما أن الجوهر الذى هوالكلمة تولد من الجوهر الذى هو الأب كتولد العلم ~~والقول من العالم القائل PageV02P443 # والثانى أن هذا الجوهر اتحد بالمسيح وتدرع به وذلك الجوهر هو الأب من وجه ~~وهو الإبن من وجه فلهذا حكى الله عنهم تارة أنهم يقولون المسيح بن الله ~~وتارة أنهم يقولون إن الله هو المسيح بن مريم # وأما حكايته عنهم أنهم قالوا ( إن الله ثالث ثلاثة ( فالمفسرون يقولون ~~الله والمسيح وأمه كما قال ( يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى ~~إلهين من دون الله ( ولهذا قال في سياق الكلام ( ما المسيح بن مريم الا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ( أى غاية المسيح الرسالة وغاية أمه ~~الصديقية لا يبلغان إلى اللاهوتية فهذا حجة هذا وهو ظاهر # ومن الناس من يزعم أن المراد بذلك الأقانيم الثلاثة وهي الأب والإبن وروح ~~القدس وهذا فيه نظر # فأما قوله ( وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ms0529 ولم تكن له ~~صاحبة وخلق كل شئ وهو بكل شيء عليم ( فإن قوله ( بديع السماوات والأرض ( أى ~~مبدعهما كما ذكر مثل ذلك في البقرة وليس المراد أنهما بديعة سماواته وأرضه ~~كما تحتمله العربية لولا السياق لأن المقصود نفى ما زعموه من خرق البنين ~~والبنات له ومن كونه إتخذ ولدا PageV02P444 # وهذا ينتفى بضده كونه أبدع السماوات ثم قال ( أنى يكون له ولد ( وذكر ~~ثلاثة أدلة على نفى ذلك # أحدها كونه ليس له صاحبة فهذا نفى الولادة المعهودة وقوله ( وخلق كل شيء ~~( نفى للولادة العقلية وهى التولد لأن خلق كل شيء ينافى تولدها عنه وقوله ( ~~وهو بكل شيء عليم ( يشبه والله أعلم أن يكون لما ادعت النصارى أن المتحد به ~~هو الكلمة التى يفسرونها بالعلم والصابئة القائلون بالتولد والعلة لا ~~يجعلونه عالما بكل شيء ذكر أنه بكل شيء عليم لاثبات هذه الصفة له ردا على ~~الصابئة ونفيها عن غيره ردا على النصارى # واذا كان كذلك فقول من قال بتولد العقول والنفوس التى يزعمون أنها ~~الملائكة أظهر في كونهم يقولون أنه ولد الملائكة وأنهم بنوه وبناته فالعقول ~~بنوه والنفوس بناته من قول النصارى # ودخل في هذا من تفلسف من المنتسبة إلى الاسلام حتى انى أعرف كبيرا لهم ~~سئل عن العقل والنفس فقال بمنزلة الذكر والأنثى فقد جعلهم كالإبن والبنت ~~وهم يجعلونهم متولدين عنه تولد المعلول عن العلة فلا يمكنه أن يفك ذاته عن ~~معلوله ولا معلوله عنه كما لا يمكنه أن يفصل نفسه عن نفسه بمنزلة شعاع ~~الشمس مع الشمس وأبلغ PageV02P445 # وهؤلاء يقولون إن هذه الأرواح التى ولدها متصلة بالأفلاك الشمس والقمر ~~والكواكب كاتصال اللاهوت بجسد المسيح فيعبدونها كما عبدت النصارى المسيح ~~إلا أنهم أكفر من وجوه كثيرة وهم أحق بالشرك من النصارى فإنهم يعبدون ما ~~يعلمون أنه منفصل عن الله وليس هو إياه ولا صفة من صفاته والنصارى يزعمون ~~أنهم ما يعبدون الا ما اتحد بالله لا لما ولده من المعلولات # ثم من عبد الملائكة والكواكب وأرواح البشر وأجسادهم اتخذ الأصنام على ms0530 ~~صورهم وطبائعهم فكان ذلك أعظم أسباب عبادة الأصنام # ولهذا كان الخليل امام الحنفاء مخاطبا لهؤلاء الذين عبدوا الكواكب والشمس ~~والقمر والذين عبدوا الأصنام مع إشراكهم واعترافهم بأصل الجميع # وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير موضع وأولئك هم الصابئون المشركون ~~الذين ملكهم نمروذ وعلماؤهم الفلاسفة من اليونانيين وغيرهم الذين كانوا ~~بأرض الشام والجزيرة والعراق وغيرها وجزائر البحر قبل النصارى وكانوا بهذه ~~البلاد في أيام بنى اسرائيل وهم الذين كانوا يقاتلون بنى اسرائيل فيغلبون ~~تارة ويغلبون تارة وسنحاريب وبخت نصر ونحوهما هم ملوك الصابئة بعد الخليل ~~والنمروذ الذى كان في زمانه PageV02P446 # فتبين بذلك ما في القرآن من الرد لمقالات المتقدمين قبل هذه الأمة ~~والكفار والمنافقين فيها من اثبات الولادة لله وان كان كثير من الناس لا ~~يفهم دلالة القرآن على هذه المقالات لأن ذلك يحتاج إلى شيئين إلى تصور ~~مقالتهم بالمعنى لا بمجرد اللفظ والى تصور معنى القرآن والجمع بينهما فتجد ~~المعنى الذى عنوه قد دل القرآن على ذكره وابطاله # وأما اتحاد الولد فيفسر بعين الولادة وهو من باب الأفعال لا من باب ~~الصفات كما يقوله طائفة من النصارى في المسيح PageV02P447 ### ||| فصل # فهذا نفى كونه سبحانه والدا لشيء أو متخذا لشيء ولدا بأى وجه من وجوه ~~الولادة أو اتخاذ الولد أيا كان وأما نفى كونه مولودا فيتضمن نفى كونه ~~متولدا بأى نوع من التوالد من أحد من البشر وسائر ما تولد من غيره فهو رد ~~على من قال المسيح هو الله ورد على الدجال الذى يقول انه الله ورد على من ~~قال في بشر أنه الله من غالية هذه الأمة في على وبعض أهل البيت أو بعض ~~المشايخ كما قال قوم ذلك في على وطائفة من أهل البيت وقالوه في الانبياء ~~أيضا وقاله قوم في الحلاج وقوم في الحاكم بمصر وقوم في الشيخ عدى وقوم في ~~يونس العنينى وقوم يعمونه في المشايخ ويصوبون هذا كله # فقوله سبحانه ( ولم يولد ( نفى لهذا كله فان هؤلاء كلهم مولودون والله لم ~~يولد ولهذا ms0531 لما ذكر الله المسيح في القرآن قال ( بن مريم ( بخلاف سائر ~~الأنبياء كقوله ( لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ( وقوله ( ما ~~المسيح بن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل ( وقوله PageV02P448 ( اذ ~~قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك ( وقوله ( يا عيسى ~~بن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى الهين من دون الله ( وقوله ( وجعلنا ~~بن مريم وأمه آية ( وقوله ( وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول ~~الله ( # وفي ذلك فائدتان # إحداهما بيان أنه مولود والله لم يولد # والثانية نسبته إلى مريم بأنه ابنها ليس هو بن الله # وأما قوله ( لن يستنكف المسيح ( الآية وقوله ( وقالت اليهود عزير بن الله ~~وقالت النصارى المسيح بن الله ( فإنه حكى قولهم الذى قالوه وهم قد نسبوه ~~إلى الله أنه ابنه فلم يضمنوا ذلك قولهم المسيح بن مريم # وقوله ( ولم يكن له كفوا أحد ( نفى للشركاء والأنداد يدخل فيه كل من جعل ~~شيئا كفوا لله في شيء من خواص الربوبية مثل خلق الخلق والالهية كالعبادة له ~~ودعائه ونحو ذلك # فهذه نكت تبين اشتمال كتاب الله على ابطال قول من يعتقد في أحد من البشر ~~الإلهية باتحاد أو حلول أو غير ذلك PageV02P449 ### ||| فصل # وأما هؤلاء الملاحدة فإنهم لا يقتصرون في كفرهم على أنه ولد شيئا أو اتخذ ~~ولدا أو أنه بشر مولود لاتحاد الرب به # فإن هذا جميعه يقتضى إثبات شيئين متميزين اتحد أحدهما بالآخر أو حل فيه ~~وهذا انما يقوله من يقول بالاتحاد الخاص المقيد أو الحلول الخاص المقيد ~~وهؤلاء عندهم ما ثم غيره ولا سواه ولم يخلق شيئا ولا هو رب شيء ولا مالك ~~شيء ولا له عبد ولا عابد ولا داع يدعوه فيجيبه ولا مضطر يضطر إليه فيجيبه ~~ولا سائل يسأله فيجيبه وانما يشهد العبد هذه المعانى اذا كان محجوبا عن ~~شهود الوحدة المطلقة في خياله فإذا انكشف حجاب قلبه عندهم رأى ما ثم اثنين ~~بوجه من الوجوه حتى يكون أحدهما خالقا والآخر مخلوقا ms0532 أو أحدهما عابدا ~~والآخر ربا أو أحدهما والدا والآخر مولودا أو أحدهما شريكا للآخر أو شفيعا ~~عنده حتى يتقرب بعبادته إليه PageV02P450 # وهذا قول الحذاق منهم كالتلمسانى وبن الفارض والتلمسانى أعرف بحقائق ~~قولهم # وأما بن عربى فيقول هذا كله في الذوات الثابتة في العدم لا في شيء موجود ~~فأما الوجود فلا يتصور أن يكون فيه رب وعبد وخالق ومخلوق وداع ومجيب وانما ~~الوجود لما فاض على الأعيان فظهر فيها حصل التفرق من جهة الأعيان كتفرق ~~النور في الزجاج لاختلاف الوانه # فهؤلاء يرد عليهم القرآن في مواضع لا تحصى وقصص الله التى قصها عن فرعون ~~الذى هو رئيسهم يتضمن الرد عليهم فان فرعون أنكر رب العالمين وأن يكون ~~لموسى اله يطلع إليه ولم ينكر هذا الوجود الذى هو العالم # وكذلك هؤلاء انما يقرون بهذا الوجود الذى هو هذا العالم فما ثم غيره ~~عندهم ويقولون هو الله وهو الإنسان الكبير PageV02P451 ### || 1 ( رسالة إلى الشيخ نصر المنبجى‏ ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ! 8 < # بسم الله الرحمن الرحيم # من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك ( أبى الفتح نصر ~~( فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه ونصره على شياطين ~~الإنس والجن في جهره واخفائه ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته ~~وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته وارادته ومحبته حتى يظهر ~~للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية وبين المؤمنين الصادقين ~~الصالحين ومن تشبه بهم من المنافقين كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته # ( أما بعد ( فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ وأنعم به نعمة باطنة ~~وظاهرة في الدين والدنيا وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علوا ~~في الأرض ولا فسادا منزلة علية ومودة الهية لما منحه PageV02P452 الله ~~تعالى به من حسن المعرفة والقصد فإن العلم والإرادة أصل لطريق الهدى ~~والعبادة # وقد بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بأكمل محبة في أكمل معرفة ~~فاخرج بمحبة الله ورسوله التى هي أصل ms0533 الأعمال المحبة التى فيها اشراك ~~واجمال كما قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا اشد حبا لله ( وقال تعالى ( قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم ~~واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله ~~بأمره ( # ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق الإيمانى والوجد الدينى ~~كما في الصحيحين عن أنس قال قال رسول الله ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الايمان في قلبه من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء ~~لا يحبه الا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما ~~يكره أن يلقى في النار ( فجعل صلى الله تعالى عليه وسلم وجود حلاوة الايمان ~~معلقا بمحبة الله ورسوله الفاضلة وبالمحبة فيه في الله وبكراهة ضد الايمان # وفى صحيح مسلم عن العباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ( ~~ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا PageV02P453 ~~فجعل ذوق طعم الايمان معلقا بالرضى بهذه الاصول كما جعل الوجد معلقا ~~بالمحبة ليفرق صلى الله تعالى عليه وسلم بين الذوق والوجد الذى هو أصل ~~الأعمال الظاهرة وثمرة الاعمال الباطنة وبين ما امر الله به ورسوله وبين ~~غيره كما قال سهل بن عبد الله التسترى كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو ~~باطل اذ كان كل من أحب شيئا فله ذوق بحسب محبته # ولهذا طالب الله تعالى مدعى محبته بقوله ( ان كنتم تحبون الله فاتبعونى ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ( قال الحسن البصرى ادعى قوم على عهد رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم انهم يحبون الله فطالبهم بهذه الآية فجعل ~~محبة العبد لله موجبة لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب ~~عبده # وقد ذكر نعت المحبين في قوله ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة ~~على المؤمنين أعزة على الكافرين # يجاهدون في سبيل الله ms0534 ولا يخافون لومة لائم ( فنعت المحبين المحبوبين ~~بوصف الكمال الذى نعت الله به رسوله الجامع بين معنى الجلال والجمال المفرق ~~في الملتين قبلنا وهو الشدة والعزة على أعداء الله والذلة والرحمة لأولياء ~~الله ورسوله ولهذا يوجد كثير ممن له وجد وحب مجمل مطلق كما قال فيه كبير من ~~كبرائهم # مشرد عن الوطن %~% # مبعد عن السكن %~% PageV02P454 # يبكى الطول والدمن %~% # يهوى ولا يدرى لمن %~% # فالشيخ أحسن الله إليه قد جعل الله فيه من النور والمعرفة الذى هو أصل ~~المحبة والإرادة ما تتميز به المحبة الإيمانية المحمدية المفصلة عن المجملة ~~المشتركة وكما يقع هذا الإجمال في المحبة يقع أيضا في التوحيد قال الله ~~تعالى في أم الكتاب التى هي مفروضة على العبد وواجبة في كل صلاة أن يقول ( ~~إياك نعبد # وإياك نستعين ( # وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول ( قسمت الصلاة بينى وبين عبدى ~~نصفين نصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل فإذا قال العبد ( الحمد لله رب ~~العالمين ( قال الله حمدنى عبدى واذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال الله أثنى ~~على عبدى واذا قال ( مالك يوم الدين ( قال مجدنى عبدى أو قال فوض إلى عبدى ~~واذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ( قال فهذه الآية بينى وبين عبدى نصفين ~~ولعبدى ما سأل فاذا قال ( اهدنا الصراط المستقيم # صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( قال فهؤلاء ~~لعبدى ولعبدى ما سأل ( # ولهذا روى أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في القرآن ~~ومعانى القرآن في المفصل ومعانى المفصل في أم الكتاب ومعانى PageV02P455 أم ~~الكتاب في هاتين الكلمتين ( إياك نعبد وإياك نستعين ( وهذا المعنى قد ثناه ~~الله في مثل قوله ( فاعبده وتوكل عليه ( وفى مثل قوله ( عليه توكلت واليه ~~أنيب ( وقوله ( عليه توكلت وإليه متاب ( # وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في نسكه ( اللهم هذا منك ولك ( # فهو سبحانه مستحق التوحيد الذى هو دعاؤه واخلاص الدين له دعاء العبادة ~~بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من ms0535 ~~معانى تألهه وعبادته ودعاء المسألة والإستعانة بالتوكل عليه والإلتجاء إليه ~~والسؤال له ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته وهو سبحانه الاول ~~والآخر والباطن والظاهر # ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله وفى السؤال بإسم الرب ~~فيقول المصلى والذاكر الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله ~~وكلمات الأذان الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك # وفى السؤال ( ربنا ظلمنا أنفسنا ( رب اغفر لى ولوالدى ( رب بما أنعمت على ~~فلن أكون ظهيرا للمجرمين ( رب ظلمت نفسى فاغفر لى ( ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا ( رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ( ونحو ~~ذلك PageV02P456 # وكثير من المتوجهين السالكين يشهد في سلوكه الربوبية والقيومية الكاملة ~~الشاملة لكل مخلوق من الأعيان والصفات # وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية التى كان النبى صلى الله تعالى ~~عليه وسلم يستعيذ بها فيقول ( أعوذ بكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ~~ولا فاجر من شر ما خلق وذر أ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ~~ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل ~~طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ( # فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الربانى عما هو مأمور به أيضا ومطلوب منه ~~وهومحبوب الحق ومرضيه من التوحيد الالهى الذى هو عبادته وحده لا شريك له ~~وطاعته وطاعة رسوله والأمر بما أمر به والنهى عما نهى عنه والحب فيه والبغض ~~فيه ومن أعرض عن هذا التوحيد وأخذ بالأول فهو يشبه القدرية المشركية الذين ~~قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ( # ومن أخذ بالثاني دون الأول فهو من القدرية المجوسية الذين يزعمون أن الله ~~لم يخلق أفعال العباد ولا شاء جميع الكائنات كما تقول المعتزلة والرافضة ~~ويقع في ( كلام ( كثير من المتكلمة والمتفقهة # والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الاوامر والنواهى وانما ~~يستعملون ذلك عند أهوائهم والا فهو لا يستمر وهو كثير في المتألهة ~~PageV02P457 الخارجين عن الشريعة ms0536 خفو العدو وغيرهم فان لهم زهادات وعبادات ~~فيها ما هوغير مأمور به فيفيدهم أحوالا فيها ماهو فاسد يشبهون من بعض ~~الوجوه الرهبان وعباد البدود # ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كثير من الرجال اذا دخلوا إلى ~~القضاء والقدر امسكوا وأنا انفتحت لى فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق ~~للحق والولى من يكون منازعا للقدر لامن يكون موافقا له # وهذا الذى قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية أى أن المسلم مأمور أن ~~يفعل ما أمر الله به ويدفع ما نهى الله عنه وان كانت أسبابه قد قدرت فيدفع ~~قدر الله بقدر الله كما جاء في الحديث الذى رواه الطبرانى في كتاب الدعاء ~~عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ( إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين ~~السماء والأرض ( وفى الترمذى قيل يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى ~~نسترقى بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هن من قدر الله # وإلى هذين المعنيين أشار الحديث الذى رواه الطبرانى أيضا عن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وسلم انه قال ( يقول الله يا بن آدم انما هي أربع واحدة لى ~~وواحدة لك وواحدة بينى وبينك وواحدة بينك وبين خلقى فأما PageV02P458 التى ~~لى فتعبدنى لاتشرك بى شيئا وأما التى لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه ~~وأما التى هي بينى وبينك فمنك الدعاء وعلى الإجابة وأما التى بينك وبين ~~خلقى فأت إلى الناس بما تحب أن يأتوه اليك ( # ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الالوهية والربوبية أو توحيد أحدهما للعبد ~~فيه ثلاث مقامات # ( أحدها ( مقام الفرق والكثرة بانعامه من كثرة المخلوقات والمأمورات ( # والثانى ( مقام الجمع والفناء بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده وبمعبوده عن ~~عبادته وبموحده عن توحيده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه فهذا فناء عن ~~ادراك السوى وهو فناء القاصرين # وأما الفناء الكامل المحمدى فهو الفناء عن عبادة السوى والإستعانة بالسوى ~~وارادة وجه السوى وهذا في الدرجة الثالثة وهو شهود التفرقة في الجمع ~~والكثرة في الوحدة فيشهد قيام ms0537 الكائنات مع تفرقها باقامة الله تعالى وحده ~~وربوبيته # ويرى أنه ما من دابة إلا ربى آخذ بناصيتها وأنه على كل شئ وكيل وانه رب ~~العالمين وان قلوب العباد ونواصيهم بيده لا خالق غيره ولا نافع ولا ضار ولا ~~معطى ولا مانع ولا حافظ ولا معز ولا مذل سواه ويشهد أيضا PageV02P459 فعل ~~المأمورات مع كثرتها وترك الشبهات مع كثرتها لله وحده لا شريك له # وهذا هوالدين الجامع العام الذى اشترك فيه جميع الأنبياء والإسلام العام ~~والإيمان العام وبه انزلت السور المكية وإليه الاشارة بقوله تعالى شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ( وبقوله ( واسأل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ( وبقوله تعالى ( ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( ولهذا ترجم البخارى عليه ~~باب ما جاء أن دين الانبياء واحد # وقد قال تعالى ( ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ( فجمع في الملل الاربع ( من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ( ~~وذلك قبل النسخ والتبديل # وخص في أول الآية المؤمنين وهوالإيمان الخاص الشرعى الذى قال فيه ( لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ( والشرعة هي الشريعة والمنهاج هو الطريقة والدين ~~الجامع هوالحقيقة الدينية وتوحيد الربوبية هو الحقيقة الكونية فالحقيقة ~~المقصودة الدينية الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين ~~PageV02P460 # فأما الشرعة والمنهاج الإسلاميان فهو لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ~~( خير أمة أخرجت للناس ( وبها أنزلت السور المدنية إذ في المدينة النبوية ~~شرعت الشرائع وسنت السنن ونزلت الأحكام والفرائض والحدود # فهذا التوحيد هو الذى جاءت به الرسل ونزلت به الكتب واليه تشير مشايخ ~~الطريقة وعلماء الدين لكن بعض ذوى الأحوال قد يحصل له في حال الفناء القاصر ~~سكر وغيبة عن السوى والسكر وجد بلا تمييز # فقد يقول في تلك الحال ms0538 سبحانى أو ما في الجبة إلا الله أو نحو ذلك من ~~الكلمات التى تؤثر عن أبى يزيد البسطامى أو غيره من الاصحاء وكلمات السكران ~~تطوى ولا تروى ولا تؤدى إذا لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة أو وجه منهى ~~عنه فاما اذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا لا فرق في ذاك بين ~~السكر الجسمانى والروحانى فسكر الاجسام بالطعام والشراب وسكر النفوس بالصور ~~وسكر الارواح بالاصوات # وفى مثل هذا الحال غلط من غلط بدعوى الإتحاد والحلول العينى في مثل دعوى ~~النصارى في المسيح ودعوى الغالية في على وأهل البيت ودعوى قوم من الجهال ~~الغالية في مثل الحلاج أو الحاكم بمصر أو غيرهما وربما اشتبه عليهم الاتحاد ~~النوعى الحكمى بالاتحاد العينى الذاتى PageV02P461 # فالأول كما رواه مسلم في صحيحه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله تعالى ~~عليه وسلم قال يقول الله عبدى مرضت فلم تعدنى فيقول كيف أعودك وأنت رب ~~العالمين فيقول أما علمت أنه مرض عبدى فلان فلو عدته لوجدتنى عنده عبدى جعت ~~فلم تطعمنى فيقول ربى كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدى ~~فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندى # ففسر ما تكلم به في هذا الحديث أنه جوع عبده ومحبوبه لقوله لوجدت ذلك ~~عندى ولم يقل لوجدتنى قد أكلته ولقوله لوجدتنى عنده ولم يقل لوجدتنى اياه ~~وذلك لأن المحب يتفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر ويأمر ~~بما يأمر به ويبغض ما يبغضه ويكره ما يكرهه وينهى عما ينهى عنه # وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم والكامل المطلق في هؤلاء ~~محمد صلى الله تعالى عليه وسلم # ولهذا قال تعالى فيه ( ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله ( وقال ( ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه ( وقال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ( # وقد جاء في الانجيل الذى بأيدى النصارى كلمات مجملة ان صح أن المسيح ~~قالها فهذا معناها كقوله أنا وأبى واحد من رآنى فقد رأى أبى ونحو ذلك ~~PageV02P462 وبها ضلت النصارى ms0539 حيث اتبعوا المتشابه كما ذكر الله عنهم في ~~القرآن لما قدم وفد نجران على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وناظروه في ~~المسيح # وقد جاء في الحديث الصحيح الذى رواه البخارى عن أبى هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما ~~تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل ~~حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى ~~يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى فأخبر ~~في هذا الحديث أن الحق سبحانه اذا تقرب إليه العبد بالنوافل المستحبة التى ~~يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على هذا الوجه # وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل وأن قرب الفرائض أن يكون هو إياه فان ~~الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة فهذا القرب يجمع الفرائض والنوافل ~~فهذه المعانى وما يشبهها هي أصول مذهب أهل الطريقة الإسلامية اتباع ~~الانبياء والمرسلين # وقد بلغنى أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الإتحادية وكنت قد ~~كتبت إلى خدمتكم كتابا اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه اشارة لطيفة إلى ~~حال هؤلاء ولم يكن القصد به والله واحدا بعينه وانما الشيخ هومجمع المؤمنين ~~فعلينا أن نعينه في الدين والدنيا بما هو اللائق به وأما هؤلاء الاتحادية ~~فقد أرسل إلى الداعى من طلب كشف حقيقة أمرهم PageV02P463 وقد كتبت في ذلك ~~كتابا ربما يرسل إلى الشيخ وقد كتب سيدنا الشيخ عماد الدين في ذلك رسائل ~~والله تعالى يعلم وكفى به عليما لولا أنى أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق ~~الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات وهو شبيه بدفع التتار عن ~~المؤمنين لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكشف أسرار الطريق ~~وتهتك أستارها ولكن الشيخ أحسن الله تعالى إليه يعلم أن مقصود الدعوة ~~النبوية بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وارسال الرسل ms0540 أن يكون الدين ~~كله لله وهو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى ( انا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا # وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ( وقال سبحانه ( قل هذه سبيلي أدعو ~~إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى ( وقال تعالى ( وانك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم # صراط الله الذى له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ~~( # وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد الذى أنزل الله تعالى به الكتب وبعث ~~به الرسل بالإتحاد الذى سموه توحيدا وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق # وإنما كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربى ويعظمه لما رأيت في كتبه من ~~الفوائد مثل كلامه في كثير من الفتوحات والكنة والمحكم المربوط والدرة ~~الفاخرة ومطالع النجوم ونحو ذلك ولم نكن بعد اطلعنا على PageV02P464 حقيقة ~~مقصوده ولم نطالع الفصوص ونحوه وكنا نجتمع مع اخواننا في الله نطلب الحق ~~ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا # فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية ~~والدين الإسلامى وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان وكذلك كتب الينا من أطراف ~~الشام رجال سالكون أهل صدق وطلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم # والشيخ أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحقق قصده من نصحه للإسلام ~~وأهله ولإخوانه السالكين يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله سبحانه ومغفرته ~~في الدنيا والآخرة # وهؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة ~~التتار والا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين وذلك أن القسمة رباعية ~~فإن كل واحد من الإتحاد والحلول اما معين في شخص واما مطلق # أما الاتحاد والحلول المعين كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة ~~وفى المشايخ من جهال الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معين اما ~~بالإتحاد كاتحاد الماء واللبن وهو قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة ~~والقبط واما بالحلول وهو قول النسطورية واما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو ~~قول الملكانية PageV02P465 ( وأما الحلول المطلق ) وهو أن الله ms0541 تعالى بذاته ~~حال في كل شئ فهذا تحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا ~~يكفرونهم بذلك وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام فما علمت أحدا سبقهم ~~إليه إلا من أنكر وجود الصانع مثل فرعون والقرامطة وذلك أن حقيقة أمرهم ~~أنهم يرون أن عين وجود الحق هو عين وجود الخلق وان وجود ذات الله خالق ~~السماوات والأرض هي نفس وجود المخلوقات فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى ~~خلق غيره ولا أنه رب العالمين ولا أنه غنى وما سواه فقير # لكن تفرقوا على ثلاثة طرق وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة امرهم ~~لأنه أمر مبهم # ( الأول ) أن يقولوا إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية ~~أزلية حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات وان وجود الحق ~~فاض على تلك الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست ذوات الحق ويفرقون بين ~~الوجود والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك # ويقولون ان الله سبحانه لم يعط احدا شيئا ولا أغنى أحدا ولا أسعده ولا ~~أشقاه وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد الا نفسك ولا تذم إلا نفسك ~~PageV02P466 # ويقولون ان هذا هو سرالقدر وأن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته ~~لها ثابتة في العدم خارجا عن نفسه المقدسة # ويقولون ان الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم وانهم قد يعلمون ~~الأشياء من حيث علمها الله سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن ~~واحد وأنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم يأخذون من ~~المعدن الذى أخذ منه الملك الذى يوحى به الرسل # ويقولون انهم لم يعبدوا غيرالله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى وإن ~~عباد الأصنام ما عبدوا الا الله سبحانه وأن قوله تعالى ( وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه ) معنى حكم لا معنى أمر فما عبد غير الله في كل معبود فإن ~~الله تعالى ما قضى بشئ الا وقع # ويقولون ان الدعوة إلى الله تعالى ms0542 مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية ~~فيدعى إلى الغاية وان قوم نوح قالوا ( لاتذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ) لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم لأن للحق في كل ~~معبود وجها يعرفه من عرفه وينكره من أنكره وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في ~~الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية وأن العارف منهم ~~يعرف من عبد وفى أى صورة ظهر حتى عبد # فإن الجاهل يقول هذا حجر وشجر والعارف يقول هذا مجلى إلهى ينبغى تعظيمه ~~فلا يقتصر فإن النصارى انما كفروا لأنهم خصصوا PageV02P467 وإن عباد ~~الأصنام ما أخطأوا الا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر والعارف يعبد ~~كل شئ والله يعبد أيضا كل شئ لان الاشياء غذاؤه بالاسماء والاحكام وهو ~~غذاؤها بالوجود وهو فقير اليها وهى فقيرة إليه وهو خليل كل شئ بهذا المعنى ~~ويجعلون أسماء الله الحسنى هي مجرد نسبة واضافة بين الوجود والثبوت وليست ~~أمورا عدمية # ويقولون ( من أسمائه الحسنى العلى عن ماذا وما ثم إلا هو وعلى ماذا وما ~~ثم غيره فالمسمى محدثات وهى العلية لذاتها وليست إلا هو وما نكح سوى نفسه ~~وما ذبح سوى نفسه والمتكلم هو عين المستمع ( # وان موسى انما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيقه وعدم اتساعه ~~وان موسى كان أوسع في العلم فعلم انهم لم يعبدوا إلا الله وان أعلى ما عبد ~~الهوى وان كل من اتخذ الهه هواه فما عبد إلا الله وفرعون كان عندهم من أعظم ~~العارفين وقد صدقه السحرة في قوله ( انا ربكم الأعلى ) وفى قوله ( ماعلمت ~~لكم من إله غيرى # وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين وأقول إن حقيقة أمرهم هو ~~حقيقة قول فرعون المنكر لوجود الخالق الصانع حتى حدثنى بعض عن كثير من ~~كبرائهم انهم يعترفون ويقولون نحن على قول فرعون PageV02P468 # وهذه المعانى كلها هي قول صاحب الفصوص والله تعالى أعلم بما مات الرجل ~~عليه والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الاحياء ~~منهم والأموات ( ربنا ms0543 اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل ~~في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رءوف رحيم ( # والمقصود أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص المضاف إلى النبى صلى الله تعالى ~~عليه وسلم أنه جاء به وهو ما اذا فهمه المسلم ( علم ( بالاضطرار ان جميع ~~الانبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل الملل من ~~اليهود والنصارى والصابئين يبرؤن إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه ~~كله # ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع ~~الخالق البارىء المصور الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ربهم ~~ورب آبائهم الاولين رب المشرق والمغرب ولا يقول أحد منهم أنه عين المخلوقات ~~ولا نفس المصنوعات كما يقوله هؤلاء حتى أنهم يقولون لو زالت السماوات ~~والأرض زالت حقيقة الله وهذا مركب من أصلين # ( أحدهما ) أن المعدوم شيء ثابت في العدم كما يقوله كثير من المعتزلة ~~والرافضة وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع وكثير من ~~متكلمة أهل الإثبات كالقاضى أبى بكر كفر من يقول بهذا PageV02P469 # وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وأنها ~~مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن علم ~~الله تعالى فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة ان الله سبحانه وتعالى ~~كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل ان يخلقها فيفرقون بين الوجود ~~العلمى وبين الوجود العينى الخارجى # ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة ( ~~أقرا بإسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذى علم ~~بالقلم علم الإنسان مالم يعلم ) فذكر المراتب الأربع وهى الوجود العينى ~~الذى خلقه والوجود الرسمى المطابق للفظى الدال على العلمى وبين ان الله ~~تعالى علمه ولهذا ذكر التعليم بالقلم فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة # وهذا القول أعنى قول من يقول إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم ~~الله تعالى وإن كان باطلا ودلالته واضحة لكنه قد إبتدع ms0544 في الإسلام من نحو ~~أربعمائة سنة وإبن عربى وافق أصحابه وهو أحد أصلى مذهبه الذى في الفصوص # ( والأصل الثاني ) أن وجود المحدثات المخلوقات هو عين وجود الخالق ليس ~~غيره ولا سواه وهذا هو الذى إبتدعه وإنفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ ~~والعلماء وهو قول بقية الإتحادية لكن إبن عربى أقربهم إلى الإسلام وأحسن ~~كلاما في مواضع كثيرة فإنه يفرق بين الظاهر والمظاهر PageV02P470 فيقر ~~الأمر والنهى والشرائع على ماهى عليه ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به ~~المشايخ من الأخلاق والعبادات ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه سلوكهم ~~فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين ~~قوله # ( وأما ( صاحبه الصدر الرومى فانه كان متفلسفا فهو أبعد عن الشريعة ~~والاسلام ولهذا كان الفاجر التلمسانى الملقب بالعفيف يقول كان شيخى القديم ~~متروحنا متفلسفا والآخر فيلسوفا متروحنا يعنى الصدر الرومى فانه كان قد أخذ ~~عنه ولم يدرك بن عربى في كتاب مفتاح غيب الجمع والوجود وغيره يقول ان الله ~~تعالى هو الوجود المطلق والمعين كما يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان ~~المعين والجسم المطلق والجسم المعين والمطلق لا يوجد الا في الخارج مطلقا ~~لا يوجد المطلق الا في الاعيان الخارجة # فحقيقة قوله انه ليس لله سبحانه وجود أصلا ولا حقيقة ولا ثبوت الا نفس ~~الوجود القائم بالمخلوقات ولهذا يقول هو وشيخه ان الله تعالى لا يرى أصلا ~~وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا صفة ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير والبول ~~والعذرة عين وجوده تعالى الله عما يقولون # ( وأما ( الفاجر التلمسانى فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر فانه لا يفرق ~~بين الوجود والثبوت كما يفرق بن عربى ولا يفرق بين المطلق والمعين ~~PageV02P471 كما يفرق الرومى ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه ~~وان العبد انما يشهد السوى ما دام محجوبا فاذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم ~~غير يبين له الأمر # ولهذا كان يستحل جميع المحرمات حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول البنت ~~والام ms0545 والاجنبية شيء واحد ليس في ذلك حرام علينا وانما هؤلاء المحجوبون ~~قالوا حرام فقلنا حرام عليكم # وكان يقول القرآن كله شرك ليس فيه توحيد وانما التوحيد في كلامنا # وكان يقول أنا ما أمسك شريعة واحدة واذا أحسن القول يقول القرآن يوصل إلى ~~الجنة وكلامنا يوصل إلى الله تعالى وشرح الاسماء الحسنى على هذا الاصل الذى ~~له # وله ديوان شعر قد صنع فيه أشياء وشعره في صناعة الشعر جيد ولكنه كما قيل ~~( لحم خنزير في طبق صينى ) وصنف للنصيرية عقيدة وحقيقة أمرهم ان الحق ~~بمنزلة البحر وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه # ( وأما ) بن سبعين فانه في البدو والإحاطة يقول أيضا بوحدة الوجود وانه ~~ما ثم غير وكذلك بن الفارض في آخر نظم السلوك لكن لم يصرح هل يقول بمثل قول ~~التلمسانى أو قول الرومى أو قول بن عربى وهو إلى كلام التلمسانى أقرب لكن ~~ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذى PageV02P472 ما كفره أحد قط مثل ~~التلمسانى وآخر يقال له البليانى من مشايخ شيراز ومن شعره # وفى كل شى له آية %~% تدل على أنه عينه # وأيضا # وما أنت غيرالكون بل أنت عينه %~% ويفهم هذا السر من هو ذائقه # وأيضا # وتلتذ إن مرت على جسدى يدى %~% لانى في التحقيق لست سواكم # وأيضا # ما بال عيسك لا يقر قرارها %~% وإلام ظلك لا ينى متنقلا # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن %~% إلا اليك اذا بلغت المنزلا # وأيضا # ما الامر الا نسق واحد %~% ما فيه من حمد ولاذم # وانما العادة قد خصصت %~% والطبع والشارع في الحكم # وأيضا # يا عاذلى أنت تنهانى وتامرنى %~% والوجد أصدق نهاء وأمار # فإن أطعك وأعص الوجد عدت عمى %~% عن العيان إلى أوهام أخبار PageV02P473 # فعين ما أنت تدعونى إليه %~% اذا حققته تره المنهى يا جارى # وأيضا # وما البحر الا الموج لا شيء غيره %~% وإن فرقته كثرة المتعدد # إلى أمثال هذه الاشعار وفى النثر مالا يحصى ويوهمون الجهال أنهم مشايخ ~~الاسلام وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق في الأمة مثل ms0546 سعيد ~~بن المسيب والحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والاوزاعى ~~وابراهيم بن أدهم وسفيان الثورى والفضيل بن عياض ومعروف الكرخى والشافعى ~~وابى سليمان واحمد بن حنبل وبشر الحافى وعبد الله بن المبارك وشقيق البلخى ~~ومن لا يحصى كثرة # إلى مثل المتأخرين مثل الجنيد بن محمد القواريرى وسهل بن عبد الله ~~التسترى وعمر بن عثمان المكى ومن بعدهم إلى أبى طالب المكى إلى مثل الشيخ ~~عبد القادر الكيلانى والشيخ عدى والشيخ أبى البيان والشيخ أبى مدين والشيخ ~~عقيل والشيخ أبى الوفاء والشيخ رسلان والشيخ عبد الرحيم والشيخ عبد الله ~~اليونينى والشيخ القرشى وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام ~~والعراق ومصر والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين # كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم وان الله سبحانه ~~PageV02P474 ليس هو خلقه ولا جزءا من خلقه ولا صفة لخلقه بل هو سبحانه ~~وتعالى متميز بنفسه المقدسة بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته وبذلك جاءت ~~الكتب الأربعة الإلهية من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وعليه فطر الله ~~تعالى عباده وعلى ذلك دلت العقول # وكثيرا ما كنت أظن ان ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار واندراس ~~شريعة الاسلام وان هؤلاء مقدمة الدجال الآعور الكذاب الذى يزعم أنه هو الله ~~فإن هؤلاء عندهم كل شيء هو الله ولكن بعض الاشياء أكبر من بعض واعظم # وأما على رأى صاحب الفصوص فإن بعض المظاهر والمستجليات يكون أعظم لعظم ~~ذاته الثابتة في العدم وأما على راى الرومى فإن بعض المتعينات يكون أكبر ~~فإن بعض جزئيات الكلى أكبر من بعض وأما على البقية فالكل أجزاء منه وبعض ~~الجزء أكبر من بعض # فالدجال عند هؤلاء مثل فرعون من كبار العارفين وأكبر من الرسل بعد نبينا ~~محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فموسى ~~قاتل فرعون الذى يدعى الربوبية ويسلط الله تعالى مسيح الهدى الذى قيل فيه ~~إنه الله تعالى وهو بريء من ذلك على مسيح الضلالة الذى قال انه الله ~~PageV02P475 # ولهذا كان بعض ms0547 الناس يعجب من كون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال ( ~~إنه أعور ( وكونه قال ( واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت ( وبن ~~الخطيب أنكر أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال هذا لآن ظهور ~~دلائل الحدوث والنقص على الدجال أبين من أن يستدل عليه بأنه أعور # فلما رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى ~~والحلولية ظهر سبب دلالة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأمته بهذه ~~العلامة فإنه بعث رحمة للعالمين فإذا كان كثير من الخلق يجوز ظهور الرب في ~~البشر أو يقول إنه هو البشر كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلا على انتفاء ~~الإلهية عنه # وقد خاطبنى قديما شخص من خيار أصحابنا كان يميل إلى الاتحاد ثم تاب منه ~~وذكر هذا الحديث فبينت له وجهه # وجاء إلينا شخص كان يقول إنه خاتم الأولياء فزعم أن الحلاج لما قال أنا ~~الحق كان الله تعالى هو المتكلم على لسانه كما يتكلم الجنى على لسان ~~المصروع وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من النبى صلى الله تعالى ~~عليه وسلم كان من هذا الباب فبينت له فساد هذا وإنه لو كان كذلك كان ~~الصحابة بمنزلة موسى بن عمران وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى لأن موسى ~~سمع الكلام الإلهى من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق PageV02P476 # وهذا يقوله قوم من الاتحادية لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الاتحاد ~~العام المطلق الذى يذهب إليه الفاجر التلمسانى وذووه وبين الاتحاد المعين ~~الذى يذهب إليه النصارى والغالية # وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود ~~كما قال عبد الله بن المبارك والبخارى وغيرهما وانما كانوا يلوحون تلويحا ~~وقل ان كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان # وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية ولكن السلف ~~والأئمة أعلم بالاسلام وبحقائقه فإن كثيرا من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ~~ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى فلما أطلع السلف على سر ms0548 القول ~~نفروا منه وهذا كما قال بعض الناس متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتعبدة ~~الجهمية يعبدون كل شيء وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد فهو يصف ~~ربه بصفات العدم والموات # وأما المتعبد ففى قلبه تأله وتعبد والقلب لا يقصد الا موجودا لا معدوما ~~فيحتاج أن يعبد المخلوقات اما الوجود المطلق واما بعض المظاهر كالشمس ~~والقمر والبشر والأوثان وغير ذلك فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم ~~وهم لا يوحدون الله سبحانه وتعالى وانما يوحدون القدر المشترك بينه وبين ~~المخلوقات فهم بربهم يعدلون PageV02P477 # ولهذا حدثنى الثقة أن بن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند وقال إن أرض ~~الاسلام لا تسعه لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان # وهذا حقيقة قول الإتحادية واعرف ناسا لهم اشتغال بالفلسفة والكلام وقد ~~تألهوا على طريق هؤلاء الاتحادية فاذا أخذوا يصفون الرب سبحانه بالكلام ~~قالوا ليس بكذا ليس بكذا ووصفوه بأنه ليس هو رب المخلوقات كما يقوله ~~المسلمون لكن يجحدون صفات الخالق التى جاءت بها الرسل عليهم السلام # وإذا صار لاحدهم ذوق ووجد تأله وسلك طريق الاتحادية وقال انه هو ~~الموجودات كلها فاذا قيل له اين ذلك النفى من هذا الاثبات قال ذلك وجدى ~~وهذا ذوقى فيقال لهذا الضال كل ذوق ووجد لا يطابق الإعتقاد فأحدهما أو ~~كلاهما باطل وانما الاذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات فان علم ~~القلب وحاله متلازمان فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد والمحبة والحال # ولو سلك هؤلاء طريق الانبياء والمرسلين عليهم السلام الذين أمروا بعبادة ~~الله تعالى وحده لا شريك له ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله ~~واتبعوا طريق السابقين الاولين لسلكوا طريق الهدى ووجدوا برد اليقين وقرة ~~العين فإن الامر كما قال بعض الناس ان الرسل PageV02P478 جاؤوا باثبات مفصل ~~ونفى مجمل والصابئة المعطلة جاؤوا بنفى مفصل واثبات مجمل فالقرآن مملوء من ~~قوله تعالى في الإثبات ( ان الله بكل شيء عليم ( وعلى كل شيء قدير ( وأنه ~~سميع بصير ( وسع كل شيء رحمة وعلما ms0549 ( وفى النفى ( ليس كمثله شيء ( ولم يكن ~~له كفوا أحد ( هل تعلم له سميا ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين # وهذا الكتاب مع انى قد أطلت فيه الكلام على الشيخ أيده الله تعالى به ~~الاسلام ونفع المسلمين ببركة أنفاسه وحسن مقاصده ونور قلبه فان ما فيه نكت ~~مختصرة فلا يمكن شرح هذه الاشياء في كتاب ولكن ذكرت للشيخ أحسن الله تعالى ~~إليه ما اقتضى الحال ان اذكره وحامل الكتاب مستوفز عجلان وأنا أسأل الله ~~العظيم أن يصلح أمر المسلمين عامتهم وخاصتهم ويهديهم إلى ما يقربهم وأن ~~يجعل الشيخ من دعاة الخير الذين قال الله سبحانه فيهم ( ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~PageV02P479 ### || 1 ( رسالة في الحلاج ) 1 ### ||| ! 8 < سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه ! 8 < # ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج وفيمن قال أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج ~~ماذا يجب عليه ويقول إنه قتل ظلما كما قتل بعض الأنبياء ويقول الحلاج من ~~أولياء الله فماذا يجب عليه بهذا الكلام وهل قتل بسيف الشريعة ### |||| ! 8 < فأجاب ! 8 < # الحمد لله من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التى قتل الحلاج عليها ~~فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول ~~والإتحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد كقوله أنا الله وقوله ~~إله في السماء وإله في الأرض # وقد علم بالإضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله وأن الله خالق كل ~~شئ وكل ما سواه مخلوق و ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا ~~( وقال تعالى ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق ( الآيات وقال تعالى ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هوالمسيح بن مريم ~~( الآيتين # فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله واتفق المسلمون على كفرهم بالله ~~PageV02P480 ورسوله كان من أعظم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح بن مريم ~~فمن قال بالحلول والاتحاد في غير المسيح كما تقوله الغالية في على ms0550 وكما ~~تقوله الحلاجية في الحلاج والحاكمية في الحاكم وأمثال هؤلاء فقولهم شر من ~~قول النصارى لأن المسيح بن مريم أفضل من هؤلاء كلهم # وهؤلاء من جنس أتباع الدجال الذى يدعى الإلهية ليتبع مع أن الدجال يقول ~~للسماء أمطرى فتمطر وللأرض أنبتى فتنبت وللخربة أخرجى كنوزك فتخرج معه كنوز ~~الذهب والفضة ويقتل رجلا مؤمنا ثم يأمر به فيقوم ومع هذا فهو الأعور الكذاب ~~الدجال فمن ادعى الالهية بدون هذه الخوارق كان دون هذا الدجال # والحلاج كانت له مخاريق وأنواع من السحر وله كتب منسوبة إليه في السحر # وبالجملة فلا خلاف بين الامة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به ~~وإن البشر يكون إلها وهذا من الآلهة فهو كافر مباح الدم وعلى هذا قتل ~~الحلاج # ومن قال إن الله نطق على لسان الحلاج وإن الكلام المسموع من الحلاج كان ~~كلام الله وكان الله هو القائل على لسانه أنا الله فهو كافر باتفاق ~~المسلمين فإن الله لا يحل في البشر ولا تكلم على لسان بشر ولكن يرسل الرسل ~~بكلامه فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم ~~PageV02P481 بقوله كما قال النبى أما إن الله قال على لسان نبيه سمع الله ~~لمن حمده # فإن كل واحد من المرسل والرسول قد يقال إنه يقول على لسان الآخر كما قال ~~الإمام أحمد بن حنبل للمروذى قل على لسانى ما شئت وكما يقال هذا يقول على ~~لسان السلطان كيت وكيت فمثل هذا معناه مفهوم # وأما ان الله هوالمتكلم على البشر كما يتكلم الجنى على لسان المصروع فهذا ~~كفر صريح وأما إذا ظهر مثل هذا القول عن غائب العقل قد رفع عنه القلم لكونه ~~مصطلما في حال من أحوال الفنا والسكر فهذا تكلم به في حال رفع عنه فيهما ~~القلم فالقول وإن كان باطلا لكن القائل غير مؤاخذ # ومثل هذا يعرض لمن استولى [ عليه ] سلطان الحب مع ضعف العقل كما يقال إن ~~محبوبا ألقى نفسه في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال أنا ms0551 وقعت فلم وقعت ~~خلفى قال غبت بك عنى فظننت أنك أنى # وقد ينتهى بعض الناس إلى مقام يغيب فيه بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ~~ذكره وبمعروفه عن معرفته فإذا ذهب تمييز هذا وصار غائب العقل بحيث يرفع عنه ~~القلم لم يكن معاقبا على ما تكلم به في هذه الحال مع العلم بأنه خطأ وضلال ~~وأنه حال ناقص لا يكون لأولياء الله PageV02P482 # وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله مثل كتابة دمه على الأرض ~~الله الله وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك فكله كذب فقد جمع المسلمون أخبار ~~الحلاج في مواضع كثيرة كما ذكر ثابت بن سنان في أخبار الخلفاء وقد شهد ~~مقتله وكما ذكر إسماعيل بن على الحطفى في تاريخ بغداد وقد شهد قتله وكما ~~ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه وكما ذكر القاضي أبو يعلى في المعتمد ~~وكما ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب وأبومحمد بن حزم وغيرهم وكما ذكر أبو ~~يوسف القزوينى وأبو الفرج بن الجوزى فيما جمعا من أخباره # وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى في طبقات الصوفية أن أكثر المشايخ ~~أخرجوه عن الطريق ولم يذكره أبو القاسم القشيرى في رسالته من المشايخ الذين ~~عدهم من مشايخ الطريق وما نعلم أحدا من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير لا ~~من العلماء ولا من المشايخ ولكن بعض الناس يقف فيه لأنه لم يعرف أمره وأبلغ ~~من يحسن به الظن يقول انه وجب قتله في الظاهر فالقاتل مجاهد والمقتول شهيد ~~وهذا أيضا خطأ # وقول القائل إنه قتل ظلما قول باطل فإن وجوب قتله على ما أظهره من ~~الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد ~~إلى أصحابه صار زنديقا فلما أخذ وحبس أظهر التوبة والفقهاء متنازعون في ~~قبول توبة الزنديق فأكثرهم لا يقبلها وهو مذهب مالك وأهل PageV02P483 ~~المدينة ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه وهو أحد القولين في مذهب أبى ~~حنيفة ووجه في مذهب الشافعى والقول الآخر تقبل توبته # وقد اتفقوا ms0552 على أنه إذا قتل مثل هذا لا يقال قتل ظلما # وأما قول القائل إن الحلاج من أولياء الله فالمتكلم بهذا جاهل قطعا متكلم ~~بما لا يعلم لولم يظهر من الحلاج أقوال أهل الإلحاد فإن ولى الله من مات ~~على ولاية الله يحبه ويرضى عنه والشهادة بهذا لغير من شهد له النبى بالجنة ~~لا تجوز عند كثير من العلماء أو أكثرهم وذهبت طائفة من السلف كابن الحنفية ~~وعلى بن المدينى إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النبى وقال بعضهم بل من استفاض ~~في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك لأن النبى مر عليه بجنازة فأثنوا خيرا ~~فقال وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنواعليها شرا فقال وجبت وجبت قال هذه ~~الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها ~~شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض # فإذا جوز أن يشهد لبعض الناس أنه ولى الله في الباطن إما بنص وإما بشهادة ~~الأمة فالحلاج ليس من هؤلاء فجمهور الأمة يطعن عليه ويجعله من PageV02P484 ~~أهل الإلحاد إن قدر على أنه يطلع على بعض الناس أنه ولى الله ونحو ذلك مما ~~يختص به بعض أهل الصلاح # فهذا الذى أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده ضال من وجوه # أحدها أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أنه قتل ظلما وكان ~~وليا لله فقد قتل الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدرى ومحمد بن ~~سعيد المصلوب وبشار بن برد الأعمى والسهروردى وأمثال هؤلاء كثير ولم يقل ~~أهل العلم والدين في هؤلاء إنهم قتلوا ظلما وإنهم كانوا من أولياء الله فما ~~بال الحلاج تفرد عن هؤلاء # وأما الأنبياء فقتلهم الكفار وكذلك الصحابة الذين استشهدوا قتلهم الكفار ~~وعثمان وعلى والحسين ونحوهم قتلهم الخوارج البغاة لم يقتلوا بحكم الشرع على ~~مذاهب فقهاء أئمة الدين كمالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد وغيرهم فإن الأئمة ~~متفقون على تحريم دماء هؤلاء وهم متفقون على دم الحلاج وأمثاله # الوجه الثانى أن الاطلاع على أولياء الله لا ms0553 يكون إلا ممن يعرف طريق ~~الولاية وهو الإيمان والتقوى # ومن أعظم الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد كأهل الحلول ~~والاتحاد فمن وافق الحلاج على مثل هذه المقالة لم يكن عارفا بالإيمان ~~PageV02P485 والتقوى فلا يكون عارفا بطريق أولياء الله فلا يجوز أن يميز ~~بين أولياء الله وغيرهم # الثالث أن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته فيكون من جنسه ~~فشهادته له بالولاية شهادة لنفسه كشهادة اليهود والنصارى والرافضة لأنفسهم ~~على أنهم على الحق وشهادة المرء لنفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا صدقة ~~مردودة فكيف يكون لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم ~~أهل ضلال # الرابع أن يقال أما كون الحلاج عند الموت تاب فيما بينه وبين الله أو لم ~~يتب فهذا غيب يعلمه الله منه وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الإصطلام ~~فليس كذلك بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان # وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذرا في رفع القلم وكذلك الشبهة التى ترفع ~~معها قيام الحجة قد تكون عذرا في الظاهر # فهذا لو فرض لم يجز أن يقال قتل ظلما ولا يقال إنه موافق له على اعتقاده ~~ولا يشهد بما لا يعلم فكيف اذا كان الأمر بخلاف ذلك وغاية المسلم المؤمن ~~إذا عذر الحلاج أن يدعى فيه الإصطلام والشبهة وأما أن يوافقه على ما قتل ~~عليه فهذا حال أهل الزندقة والالحاد وكذلك من لم يجوز قتل مثله فهو مارق من ~~دين الاسلام PageV02P486 # ونحن انما علينا أن نعرف التوحيد الذى أمرنا به ونعرف طريق الله الذى ~~أمرنا به وقد علمنا بكليهما أن ما قاله الحلاج باطل وأنه يجب قتل مثله وأما ~~نفس الشخص المعين هل كان في الباطن له أمر يغفر الله له به من توبة أو ~~غيرها فهذا أمر إلى الله ولا حاجة لأحد إلى العلم بحقيقة ذلك والله أعلم ~~PageV02P487 ### ||| سئل شيخ الاسلام وحجة الانام أبو العباس بن تيمية رضى الله عنه # عمن يقول ان ما ثم إلا الله فقال شخص كل من ms0554 قال هذا الكلام فقد كفر ### |||| فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله قول القائل ما ثم إلا الله لفظ مجمل يحتمل معنى صحيحا ومعنى ~~باطلا فإن أراد ما ثم خالق إلا الله ولا رب إلا الله ولا يجيب المضطرين ~~ويرزق العباد إلا الله فهو الذى يعطى ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل وهو الذى ~~يستحق أن يستعان به ويتوكل عليه ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه فإنه لا ~~مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد كما قال تعالى ~~في فاتحة الكتاب ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وقال تعالى ( فاعبده وتوكل ~~عليه ) وقال ( قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت واليه متاب ) # فهذه المعانى كلها صحيحة وهى من صريح التوحيد وبها جاء القرآن ~~PageV02P488 فالعباد لا ينبغى لهم أن يخافوا إلا الله كما قال تعالى ( فلا ~~تخشوا الناس واخشون ) وقال تعالى ( الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة ~~من الله وفضل لم يمسسهم سوء ) إلى قوله ( انما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ~~فلا تخافوهم وخافون ) # وكذلك لا ينبغى أن يرجى الا الله قال الله تعالى ( ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ) وقال ~~تعالى ( قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ان أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ~~ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ~~) # ولا ينبغى لهم أن يتوكلوا الا على الله كما قال تعالى ( وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون ) # ولا ينبغى لهم أن يعبدوا الا الله كما قال تعالى ( وما أمروا الا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ~~) # ولا يدعوا الا الله كما قال تعالى ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا ) وقال تعالى ( ولا تدع مع الله الها آخر فتكون من المعذبين ) سواء ~~كان دعاء عبادة أو دعاء ms0555 مسألة PageV02P489 # وأما ان أراد القائل ( ما ثم الا الله ( ما يقوله أهل الاتحاد من أنه ما ~~ثم موجود الا الله ويقولون ليس الا الله أى ليس موجود الا الله ويقولون ان ~~وجود المخلوقات هو وجود الخالق والخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق ~~والعبد هو الرب والرب هو العبد ونحو ذلك من معانى الاتحادية الذين لا ~~يفرقون بين الخالق والمخلوق ولا يثبتون المباينة بين الرب والعبد ونحو ذلك ~~من المعانى التى توجد في كلام بن عربى الطائى وبن سبعين وبن الفارض ~~والتلمسانى ونحوهم من الاتحادية # وكذلك من يقول بالحلول كما يقوله الجهمية الذين يقولون ان الله بذاته في ~~كل مكان ويجعلونه مختلطا بالمخلوقات حتى ان هؤلاء يجعلونه في الكلاب ~~والخنازير والنجاسات أو يجعلون وجود ذلك وجوده فمن أراد هذه المعانى فهو ~~ملحد ضال يجب أن يستتاب فإن تاب والا قتل والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV02P490 ### ||| سئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى # عن قوله صلى الله عليه وسلم ( لاتسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ( فهل هذا ~~موافق لما يقوله الإتحادية بينوا لنا ذلك ### |||| فأجاب # الحمد لله قوله لاتسبوا الدهر فإن الله هو الدهر مروى بألفاظ أخر كقوله ( ~~يقول الله يؤذينى بن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الامر أقلب الليل ~~والنهار ( وفى لفظ ( لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر يقلب الليل والنهار ~~( وفى لفظ ( يقول بن آدم يا خيبه الدهر وأنا الدهر ( # فقوله في الحديث ( بيدي الامر أقلب الليل والنهار ( يبين أنه ليس المراد ~~به أنه الزمان فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار والزمان هو الليل ~~والنهار فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه كما دل عليه قوله ~~تعالى ( ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق ~~يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار يقلب الله الليل والنهار إن ~~في ذلك لعبرة لأولى الابصار ) وإزجاء السحاب ms0556 سوقه والودق المطر PageV02P491 # فقد بين سبحانه خلقه للمطر وانزاله على الأرض فإنه سبب الحياة في الأرض ~~فانه سبحانه جعل من الماء كل شيء حى ثم قال ( يقلب الله الليل والنهار ( إذ ~~تقليبه الليل والنهار تحويل أحوال العالم بإنزال المطر الذى هو سبب خلق ~~النبات والحيوان والمعدن وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال المتضمن رفع ~~قوم وخفض آخرين # وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع كقوله ( وجعل الظلمات والنور ) ~~وقوله ( وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ) ~~وقوله ( وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) ~~وقوله ( ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولى ~~الالباب ) وغير ذلك من النصوص التى تبين أنه خالق الزمان # ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان فإن الزمان مقدار الحركة والحركة ~~مقدارها من باب الاعراض والصفات القائمة بغيرها كالحركة والسكون والسواد ~~والبياض # ولا يقول عاقل ان خالق العالم هو من باب الاعراض والصفات المفتقرة إلى ~~الجواهر والأعيان فإن الأعراض لاتقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به ~~والمفتقرالى ما يغايره لايوجد بنفسه بل بذلك الغير فهو محتاج إلى ما به في ~~نفسه من غيره فكيف يكون هو الخالق # ثم أن يستغنى بنفسه وأن يحتاج إليه ماسواه وهذه صفة الخالق سبحانه فكيف ~~يتوهم أنه من النوع الاول PageV02P492 # واهل الإلحاد القائلون بالوحدة أو الحلول أو الإتحاد لايقولون انه هو ~~الزمان ولا انه من جنس الاعراض والصفات بل يقولون هو مجموع العالم أو حال ~~في مجموع العالم # فليس في الحديث شبهة لهم لو لم يكن قد بين فيه أنه سبحانه مقلب الليل ~~والنهار فكيف وفى نفس الحديث أنه بيده الامر يقلب الليل والنهار # اذا تبين هذا فللناس في الحديث قولان معروفان لاصحاب أحمد وغيرهم # أحدهما وهو قول أبى عبيد وأكثر العلماء ان هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ~~ما يقوله أهل الجاهلية ومن اشبههم فإنهم اذا أصابتهم مصيبة أو منعوا ~~أغراضهم أخذوا يسبون ms0557 الدهر والزمان يقول أحدهم قبح الله الدهر الذى شتت ~~شملنا ولعن الله الزمان الذى جرى فيه كذا وكذا # وكثيرا ماجرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا كقولهم يادهر فعلت كذا ~~وهم يقصدون سب من فعل تلك الامور ويضيفونها إلى الدهر فيقع السب على الله ~~تعالى لانه هو الذى فعل تلك الامور وأحدثها والدهر مخلوق له وهو الذى يقلبه ~~ويصرفه # والتقدير أن بن آدم يسب من فعل هذه الامور وأنا فعلتها فإذا سب ~~الدهرفمقصوده سب الفاعل وان أضاف الفعل إلى الدهر فالدهر لا فعل له وإنما ~~الفاعل هو الله وحده PageV02P493 # وهذا كرجل قضى عليه قاض بحق أو أفتاه مفت بحق فجعل يقول لعن الله من قضى ~~بهذا أو أفتى بهذا ويكون ذلك من قضاء النبى صلى الله عليه وسلم وفتياه فيقع ~~السب عليه وان كان الساب لجهله أضاف الامر إلى المبلغ في الحقيقة والمبلغ ~~له فعل من التبليغ بخلاف الزمان فإن الله يقلبه ويصرفه # والقول الثانى قول نعيم بن حماد وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية ان ~~الدهرمن أسماء الله تعالى ومعناه القديم الأزلى # ورووا في بعض الأدعية يا دهر يا ديهور يا ديهار وهذا المعنى صحيح لأن ~~الله سبحانه هو الأول ليس قبله شئ وهو الآخر ليس بعده شئ فهذا المعنى صحيح ~~انما النزاع في كونه يسمى دهرا بكل حال # فقد أجمع المسلمون وهو مما علم بالعقل الصريح أن الله سبحانه وتعالى ليس ~~هو الدهرالذى هو الزمان أو ما يجرى مجرى الزمان فإن الناس متفقون على أن ~~الزمان الذى هو الليل والنهار # وكذلك ما يجرى مجرى ذلك في الجنة كما قال تعالى ( ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا ) قالوا على مقدار البكرة والعشى في الدنيا و ( في الآخرة يوم الجمعة ~~يوم المزيد والجنة ليس فيها شمس ولا قمر ولكن تعرف الاوقات بأنوار اخر قد ~~روى أنها تظهر من تحت العرش فالزمان هنالك مقدارالحركة التى بها تظهر تلك ~~الانوار PageV02P494 # وهل وراء ذلك جوهر قائم بنفسه سيال هو الدهر هذا مما تنازع فيه ms0558 الناس ~~فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون كما أثبتوا الكليات المجردة في ~~الخارج التى تسمى المثل الإفلاطونية والمثل المطلقة وأثبتوا الهيولى التى ~~هي مادة مجردة عن الصور وأثبتوا الخلاء جوهرا قائما بنفسه # وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له ~~في الخارج وإنما هي أمور يقدرها الذهن ويفرضها فيظن الغالطون أن هذا الثابت ~~في الأذهان هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان كما ظنوا مثل ذلك في الوجود ~~المطلق مع علمهم أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الذهن وليس في الخارج إلا ~~شيء معين وهي الإعيان وما يقوم بها من الصفات فلا مكان إلا الجسم أو ما ~~يقوم به ولا زمان إلا مقدار الحركة ولا مادة مجردة عن الصور بل ولا مادة ~~مقترنة بها غير الجسم الذي يقوم به الإعراض ولا صورة إلا ما هو عرض قائم ~~بالجسم أو ما هو جسم يقوم به العرض وهذا وأمثاله مبسوط في غير هذا الموضع # وانما المقصود التنبيه على ما يتعلق بذلك على وجه الاختصار والله أعلم تم ~~الموجود الآن من كتاب توحيد الربوبية ويليه كتاب مجمل اعتقاد السلف ~~PageV02P495 ### || 1 ( الرسالة التدمرية ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده قال الشيخ الامام العالم العلامة شيخ الاسلام تقى الدين أبو العباس ~~أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى رضى الله عنه وارضاه ~~الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد ان لا اله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وصحبه وسلم أما بعد # فقد سألنى من تعينت إجابتهم أن اكتب لهم مضمون ما سمعوه منى في بعض ~~المجالس من الكلام ( في التوحيد ) ( والصفات ) وفى ( الشرع ) ( والقدر ) ~~لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الاصلين وكثرة الاضطراب PageV03P001 فيهما ~~فانهما مع حاجة كل أحد ms0559 اليهما ومع ان اهل النظر والعلم والإرادة والعباد لا ~~بد ان يخطر لهم في ذلك من الخواطر والاقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى ~~من الضلال لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة وبالباطل تارات وما ~~يعترى القلوب في ذلك من الشبه التى توقعها في أنواع الضلالات # فالكلام في باب ( التوحيد ) ( والصفات ) هو من باب الخبر الدائر بين ~~النفى والإثبات # والكلام في ( الشرع والقدر ) هو من باب الطلب والإرادة الدائر بين ~~الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض نفيا وإثباتا # والانسان يجد في نفسه الفرق بين النفى والإثبات والتصديق والتكذيب وبين ~~الحب والبغض والحض والمنع حتى ان الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر ~~معروف عند العامة والخاصة ومعروف عند أصناف المتكلمين في العلم كما ذكر ذلك ~~الفقهاء في كتاب الأيمان وكما ذكره المقسمون للكلام من اهل النظر والنحو ~~والبيان فذكروا أن الكلام نوعان خبر وانشاء والخبر دائر بين النفى والاثبات ~~والأنشاء أمر أو نهى أو اباحة # وإذا كان كذلك فلا بد للعبد أن يثبت لله ما يجب اثباته له من صفات الكمال ~~وينفى عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال ولا بد له في أحكامه ~~PageV03P002 من ان يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته وعموم ~~مشيئته ويثبت امره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل ويؤمن ~~بشرعه وقدره إيمانا خاليا من الزلل # وهذا يتضمن ( التوحيد في عبادته ) وحده لا شريك له وهو التوحيد في القصد ~~والإرادة والعمل والأول يتضمن ( التوحيد في العلم والقول ) كما دل على ذلك ~~سورة @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ودل على الآخر سورة @QB@ قل يا أيها ~~الكافرون @QE@ وهما سورتا الإخلاص وبهما كان النبى يقرأ بعد الفاتحة في ~~ركعتى الفجر وركعتى الطواف وغير ذلك # فأما الأول وهو ( التوحيد في الصفات ) فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله ~~بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتا فيثبت لله ما اثبته لنفسه ~~وينفى عنه ما نفاه عن نفسه # وقد علم ان طريقة ms0560 سلف الامة وأئمتها إثبات ما اثبته من الصفات من غير ~~تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل # وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع اثبات ما اثبته من الصفات من غير ~~الحاد لا في أسمائه ولا في آياته فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه ~~وآياته كما قال تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين ~~يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا ~~يوم القيامة اعملوا ما شئتم @QE@ PageV03P003 الآية # فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفى مماثلة المخلوقات اثباتا ~~بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير @QE@ # ففى قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ رد للتشبيه والتمثيل وقوله @QB@ وهو ~~السميع البصير @QE@ رد للإلحاد والتعطيل # والله سبحانه بعث رسله ( باثبات مفصل ونفى مجمل ) فأثبتوا لله الصفات على ~~وجه التفصيل ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل كما قال تعالى ~~@QB@ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا @QE@ # قال اهل اللغة هل تعلم له سميا أى نظيرا يستحق مثل اسمه ويقال مساميا ~~يساميه وهذا معنى ما يروى عن بن عباس ( هل تعلم له سميا ) مثيلا أو شبيها # وقال تعالى @QB@ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات ~~بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ~~ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم @QE@ PageV03P004 # وقال تعالى @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ~~الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة ~~إناثا ms0561 وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى ~~البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا ~~بكتابكم إن كنتم صادقين وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم ~~لمحضرون سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين @QE@ ) إلى قوله @QB@ ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ~~@QE@ # فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه ~~من الإفك والشرك وحمد نفسه اذ هو سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء ~~والصفات وبديع المخلوقات # واما ( الإثبات المفصل ) فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم ~~آياته كقوله @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ الآية بكمالها وقوله ~~@QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ السورة وقوله @QB@ وهو العليم الحكيم ~~@QE@ @QB@ وهو العليم القدير @QE@ @QB@ وهو السميع البصير @QE@ @QB@ وهو ~~العزيز الحكيم @QE@ @QB@ وهو الغفور الرحيم @QE@ PageV03P005 @QB@ وهو ~~الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد @QE@ @QB@ هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير @QE@ # وقوله @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ~~@QE@ وقوله @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين @QE@ الآية وقوله @QB@ رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ~~ربه @QE@ وقوله @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب ~~الله عليه ولعنه @QE@ وقوله @QB@ إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من ~~مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون @QE@ وقوله @QB@ هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة @QE@ وقوله @QB@ ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ~~@QE@ # وقوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ وقوله @QB@ وناديناه من جانب ~~الطور الأيمن وقربناه نجيا @QE@ وقوله ms0562 @QB@ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ~~الذين كنتم تزعمون @QE@ وقوله @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون @QE@ وقوله @QB@ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو ~~الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق ~~البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم @QE@ PageV03P006 # إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي في أسماء الرب تعالى ~~وصفاته فإن في ذلك من اثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل وإثبات وحدانيته ~~بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل فهذه طريقة الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم اجمعين # وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن ~~دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم ~~فإنهم على ضد ذلك يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون الا ~~وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وانما يرجع إلى وجود في الاذهان يمتنع ~~تحققه في الاعيان # فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات ~~والمعدومات والجمادات ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفى الذات # فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون لا موجود ولا معدوم ولا حى ولا ميت ~~ولا عالم ولا جاهل لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالاثبات شبهوه بالموجودات ~~واذا وصفوه بالنفى شبهوه بالمعدومات PageV03P007 فسلبوا النقيضين وهذا ~~ممتنع في بداهة العقول وحرفوا ما انزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ~~فوقعوا في شر مما فروا منه فإنهم شبهوه بالممتنعات اذ سلب النقيضين كجمع ~~النقيضين كلاهما من الممتنعات # وقد علم بالاضطرار ان الوجود لابد له من موجد واجب بذاته غنى عما سواه ~~قديم أزلى لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلا عن ~~الوجوب أو الوجود أو القدم # وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات ~~الاثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الاطلاق وقد علم بصريح ms0563 العقل أن هذا ~~لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجودات وجعلوا الصفة هي ~~الموصوف فجعلوا العلم عين العالم مكابرة للقضايا البديهات وجعلوا هذه الصفة ~~هي الاخرى فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدا للعلوم الضروريات # وقاربهم طائفة ثالثة من اهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم فأثبتوا لله ~~الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع ~~والبصير كالأعلام المحضة المترادفات ومنهم من قال عليم بلا علم قدير بلا ~~قدرة سميع بصير بلا سمع ولا بصر فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات ~~PageV03P008 # والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح ~~المنقول مذكور في غير هذه الكلمات # وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفى شر منه مع ما يلزمهم من ~~التحريف والتعطيل ولو امعنوا النظر لسووا بين المتماثلات وفرقوا بين ~~المختلفات كما تقتضيه المعقولات ولكانوا من الذين آوتوا العلم الذين يرون ~~أنما انزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدى إلى صراط العزيز الحميد # ولكنهم من اهل المجهولات المشبهة بالمعقولات يسفسطون في العقليات ~~ويقرمطون في السمعيات # وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غنى عما سواه اذ ~~نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات والحادث ممكن ليس بواجب ~~ولا ممتنع وقد علم بالاضطرار أن المحدث لا بد له من محدث والممكن لابد له ~~من موجد كما قال تعالى @QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون @QE@ فاذا ~~لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا ~~خلقهم # واذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو ~~محدث ممكن يقبل الوجود والعدم فمعلوم أن هذا موجود وهذا PageV03P009 موجود ~~ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا بل ~~وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه واتفاقهما في اسم عام لا يقتضى تماثلهما في ~~مسمى ذلك الاسم عند الاضافة والتخصيص والتقييد ms0564 ولا في غيره # فلا يقول عاقل اذا قيل ان العرش شيء موجود وان البعوض شيء موجود أن هذا ~~مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود لأنه ليس في الخارج شيء موجود ~~غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا هو مسمى الاسم المطلق ~~واذا قيل هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع ~~أن الاسم حقيقة في كل منهما # ولهذا سمى الله نفسه باسماء وسمى صفاته بأسماء وكانت تلك الاسماء مختصة ~~به اذا اضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأ سماء مختصة بهم ~~مضافة اليهم توافق تلك الاسماء اذا قطعت عن الاضافة والتخصيص ولم يلزم من ~~اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الاطلاق والتجريد عن الاضافة ~~والتخصيص اتفاقهما ولا تماثل المسمى عند الاضافة والتخصيص فضلا عن ان يتحد ~~مسماهما عند الاضافة والتخصيص # فقد سمى الله نفسه حيا فقال @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ ~~وسمى بعض عباده حيا فقال @QB@ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي @QE@ ~~وليس هذا الحي مثل هذا الحي لأن قوله الحي إسم لله مختص به وقوله ~~PageV03P010 @QB@ يخرج الحي من الميت @QE@ اسم للحى المخلوق مختص به وإنما ~~يتفقان اذا اطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ~~ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين وعند الاختصاص يقيد ~~ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق # ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته يفهم منها ما دل عليه الاسم ~~بالمواطأة والإتفاق وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة ~~المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى # وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال @QB@ فبشرناه ~~بغلام حليم @QE@ # يعنى إسحاق وسمى آخر حليما فقال @QB@ فبشرناه بغلام حليم @QE@ يعنى ~~إسماعيل وليس العليم كالعليم ولا الحليم كالحليم # وسمى نفسه سميعا بصيرا فقال @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ms0565 إن الله نعما يعظكم به إن ~~الله كان سميعا بصيرا @QE@ وسمى بعض عباده سميعا بصيرا فقال @QB@ إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا @QE@ وليس السميع ~~كالسميع ولا البصير كالبصير # وسمى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال @QB@ إن الله بالناس لرؤوف رحيم @QE@ وسمى ~~بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ ) وليس الرؤوف كالرؤوف ولا ~~الرحيم كالرحيم # وسمى نفسه بالملك فقال @QB@ الملك القدوس @QE@ PageV03P011 وسمى بعض ~~عباده بالملك فقال @QB@ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا @QE@ @QB@ وقال ~~الملك ائتوني به @QE@ وليس الملك كالملك # وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال @QB@ أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون @QE@ ) وليس المؤمن كالمؤمن # وسمى نفسه بالعزيز فقال @QB@ العزيز الجبار المتكبر @QE@ وسمى بعض عباده ~~بالعزيز فقال @QB@ قالت امرأة العزيز @QE@ وليس العزيز كالعزيز # وسمى نفسه الجبار المتكبر وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال @QB@ كذلك ~~يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ وليس الجبار كالجبار ولا المتكبر ~~كالمتكبر ونظائر هذا متعددة # وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال @QB@ ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ @QB@ أنزله بعلمه @QE@ وقال @QB@ إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين @QE@ وقال @QB@ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو ~~أشد منهم قوة @QE@ وسمى صفة المخلوق علما وقوة فقال @QB@ وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا @QE@ وقال @QB@ وفوق كل ذي علم عليم @QE@ وقال @QB@ فرحوا ~~بما عندهم من العلم @QE@ ) وقال @QB@ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ~~ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة @QE@ PageV03P012 # وقال @QB@ ويزدكم ~~قوة إلى قوتكم @QE@ وقال @QB@ والسماء بنيناها بأيد @QE@ أي بقوة وقال @QB@ ~~واذكر عبدنا داود ذا الأيد @QE@ ) أى ذا القوة وليس العلم كالعلم ولا القوة ~~كالقوة # ووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم ~~وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين @QE@ وقال @QB@ إن هذه تذكرة فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن ms0566 يشاء الله إن الله كان عليما ~~حكيما @QE@ # وكذلك وصف نفسه بالإرادة وعبده بالإرادة فقال @QB@ تريدون عرض الدنيا ~~والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم @QE@ # ووصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال @QB@ فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه @QE@ وقال @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~@QE@ # ووصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا فقال @QB@ رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~@QE@ ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد ولا إرادته مثل إرادته ولا ~~محبته مثل محبته ولا رضاه مثل رضاه # وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار ووصفهم بالمقت فقال @QB@ إن الذين كفروا ~~ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون @QE@ ~~وليس المقت مثل المقت PageV03P013 # وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد كما وصف عبده بذلك فقال @QB@ ويمكرون ويمكر ~~الله @QE@ وقال @QB@ إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا @QE@ وليس المكر كالمكر ~~ولا الكيد كالكيد # ووصف نفسه بالعمل فقال @QB@ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما فهم لها مالكون @QE@ ووصف عبده بالعمل فقال @QB@ تجزون ما كنتم ~~تعملون @QE@ وليس العمل كالعمل # ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة فقال @QB@ وناديناه من جانب الطور الأيمن ~~وقربناه نجيا @QE@ وقال @QB@ ويوم يناديهم @QE@ وقال @QB@ وناداهما ربهما ~~@QE@ ووصف عباده بالمناداة والمناجاة فقال @QB@ إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات أكثرهم لا يعقلون @QE@ وقال @QB@ إذا ناجيتم الرسول @QE@ وقال @QB@ ~~إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان @QE@ وليس المناداة ولا المناجاة ~~كالمناجاة والمناداة # ووصف نفسه بالتكليم في قوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ وقوله @QB@ ~~ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه @QE@ وقوله @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم ~~على بعض منهم من كلم الله @QE@ ) ووصف عبده بالتكليم في قوله @QB@ وقال ~~الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ~~@QE@ وليس التكليم كالتكليم ووصف نفسه بالتنبئة ووصف بعض الخلق بالتنبئة ~~فقال @QB@ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله ~~عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني ~~العليم الخبير @QE@ وليس الأنباء كالأنباء PageV03P014 # ووصف نفسه بالتعليم ووصف ms0567 عبده بالتعليم فقال @QB@ الرحمن علم القرآن خلق ~~الإنسان علمه البيان @QE@ وقال @QB@ تعلمونهن مما علمكم الله @QE@ وقال ~~@QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة @QE@ وليس التعليم كالتعليم # وهكذا وصف نفسه بالغضب فقال @QB@ وغضب الله عليهم ولعنهم @QE@ ووصف عبده ~~بالغضب في قوله @QB@ ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا @QE@ وليس الغضب ~~كالغضب # ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه فذكر ذلك في سبع مواضع من كتابه أنه استوى ~~على العرش ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله @QB@ لتستووا على ~~ظهوره @QE@ وقوله @QB@ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك @QE@ وقوله @QB@ ~~واستوت على الجودي @QE@ وليس الاستواء كالإستواء # ووصف نفسه ببسط اليدين فقال @QB@ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ~~ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء @QE@ # ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله @QB@ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا ~~تبسطها كل البسط @QE@ ) وليس اليد كاليد ولا البسط كالبسط واذا كان المراد ~~بالبسط الاعطاء والجود فليس اعطاء الله كاعطاء خلقه ولا جوده كجودهم ونظائر ~~هذا كثيرة PageV03P015 فلا بد من اثبات ما اثبته الله لنفسه ونفى مماثلته ~~بخلقه فمن قال ليس لله علم ولا قوة ولا رحمة ولا كلام ولا يحب ولا يرضى ولا ~~نادى ولا ناجى ولا استوى كان معطلا جاحدا ممثلا لله بالمعدومات والجمادات # ومن قال له علم كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضاء كرضائي أو يدان ~~كيداي أو استواء كاستوائي كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات بل لا بد من ~~إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل ويتبين هذا ( بأصلين ) شريفين ( ومثلين ) ~~مضروبين ولله المثل الاعلى وبخاتمة جامعة PageV03P016 ### ||| فصل # فأما الاصلان فأحدهما أن يقال ( القول في بعض الصفات كالقول في بعض ) فإن ~~كان المخاطب ممن يقول بأن الله حى بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع بسمع ~~بصير ببصر متكلم بكلام مريد بإرادة ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ~~ورضاه وغضبه وكراهته فيجعل ذلك مجازا ويفسره إما ms0568 بالإرادة وإما ببعض ~~المخلوقات من النعم والعقوبات # فيقال له لافرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في ~~الآخر فان قلت إن ارادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا ~~هو التمثيل # وإن قلت إن له إرادة تليق به كما ان للمخلوق إرادة تليق به قيل لك وكذلك ~~له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به وله رضا وغضب يليق به وللمخلوق رضا ~~وغضب يليق به # وان قلت الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال له والإرادة ~~PageV03P017 ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة فان قلت هذه إرادة ~~المخلوق قيل لك وهذا غضب المخلوق # وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته ان نفى عنه الغضب ~~والمحبة والرضا ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين فهذا منتف عن السمع ~~والبصر والكلام وجميع الصفات # وإن قال أنه لا حقيقة لهذا الا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه قيل له ~~وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة # فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه ~~فيما أثبته # فإذا قال المعتزلى ليس له إرادة ولا كلام قائم به لأن هذه الصفات لا تقوم ~~إلا بالمخلوقات فانه يبين للمعتزلى أن هذه الصفات يتصف بها القديم ولا تكون ~~كصفات المحدثات فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ~~ذلك # فإن قال تلك الصفات أثبتها بالعقل لأن الفعل الحادث دل على القدرة ~~والتخصيص دل على الإرادة والاحكام دل على العلم وهذه الصفات مستلزمة للحياة ~~والحى لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك PageV03P018 # قال له سائر أهل الاثبات لك جوابان # أحدهما أن يقال عدم الدليل المعين لايستلزم عدم المدلول المعين فهب أن ما ~~سلكت من الدليل العقلى لا يثبت ذلك فانه لا ينفيه # وليس لك أن تنفيه بغير دليل لأن النافى عليه الدليل كما على المثبت ~~والسمع قد دل عليه ولم يعارض ذلك معارض عقلى ولا سمعى فيجب اثبات ما أثبته ms0569 ~~الدليل السالم عن المعارض المقاوم # الثانى أن يقال يمكن اثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات # فيقال نفع العباد بالاحسان اليهم يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على ~~المشيئة وإكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الكافرين يدل على بغضهم كما ~~قد ثبت بالشهادة والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه والغايات المحمودة ~~في مفعولاته ومأموراته وهى ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب ~~الحميده تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى لقوة ~~العلة الغائية ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم ~~والحكم اعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة ~~PageV03P019 # وان كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالاسماء كالمعتزلى الذى يقول انه ~~حى عليم قدير وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة # قيل له لا فرق بين اثبات الاسماء وإثبات الصفات فإنك ان قلت إثبات الحياة ~~والعلم والقدرة يقتضى تشبيها أو تجسيما لأنا لا نجد في الشاهد متصفا ~~بالصفات الا ما هو جسم قيل لك ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى حى عليم قدير ~~الا ما هو جسم فان نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد الا للجسم # فانف الأسماء بل وكل شيء لأنك لا تجده في الشاهد الا للجسم # فكل ما يحتج به من نفى الصفات يحتج به نافى الأسماء الحسنى فما كان جوابا ~~لذلك كان جوابا لمثبتى الصفات # وإن كان المخاطب من الغلاة نفاة الأسماء والصفات وقال لا أقول هو موجود ~~ولا حى ولا عليم ولا قدير بل هذه الأسماء لمخلوقاته إذ هي مجاز لأن اثبات ~~ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحى العليم # قيل له وكذلك إذا قلت ليس بموجود ولا حى ولا عليم ولا قدير كان ذلك ~~تشبيها بالمعدومات وذلك اقبح من التشبيه بالموجودات # فإن قال أنا أنفى النفى والإثبات قيل له فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه ~~النقيضان من الممتنعات فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودا معدوما PageV03P020 ~~أولا موجودا ولا معدوما ويمتنع أن ms0570 يكون يوصف ذلك باجتماع الوجود والعدم أو ~~الحياة والموت أو العلم والجهل أو يوصف بنفى الوجود والعدم ونفى الحياة ~~والموت ونفى العلم والجهل # فإن قلت انما يمتنع نفى النقيضين عما يكون قابلا لهما وهذان يتقابلان ~~تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب فإن الجدار لا يقال له أعمى ~~ولا بصير ولا حى ولا ميت إذ ليس بقابل لهما # قيل لك أولا هذا لايصح في الوجود والعدم فانهما متقابلان تقابل السلب ~~والإيجاب باتفاق العقلاء فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر # وأما ما ذكرته من الحياة والموت والعلم والجهل فهذا اصطلاح إصطلحت عليه ~~المتفلسفة المشاءون والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفى الحقائق ~~العقلية وقد قال الله تعالى @QB@ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون @QE@ فسمى الجماد ميتا ~~وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم # وقيل لك ثانيا فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر ونحو ~~ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك فالأعمى الذى يقبل الاتصاف بالبصر ~~أكمل من الجماد الذى لا يقبل واحدا منهما فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات ~~القابلة لصفات الكمال ووصفته بصفات الجامدات التى لا تقبل ذلك PageV03P021 # وأيضا فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعا من القابل للوجود والعدم ~~بل ومن اجتماع الوجود والعدم ونفيهما جميعا فما نفيت عنه قبول الوجود ~~والعدم كان أعظم امتناعا مما نفيت عنه الوجود والعدم واذا كان هذا ممتنعا ~~في صرائح العقول فذاك أعظم امتناعا فجعلت الوجود الواجب الذى لا يقبل العدم ~~هو أعظم الممتنعات وهذا غاية التناقض والفساد # وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين الوجود والعدم ورفعهما ~~كجمعهما ومن يقول لا أثبت واحدا منهما فامتناعه عن اثبات احدهما في نفس ~~الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر وانما هو كجهل الجاهل وسكوت ~~الساكت الذى لا يعبر عن الحقائق واذا كان ما لا يقبل الوجود ولاالعدم أعظم ~~امتناعا مما يقدر قبوله لهما مع نفيهما عنه فما يقدر لايقبل الحياة ولا ~~الموت ms0571 ولا العلم ولا الجهل ولا القدرة ولا العجز ولا الكلام ولا الخرس ولا ~~العمى ولا البصر ولا السمع ولا الصمم أقرب إلى المعدوم الممتنع مما يقدر ~~قابلا لهما مع نفيهما عنه وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلا لهما أقرب إلى ~~الوجود والممكن وما جاز لواجب الوجود قابلا وجب له لعدم توقف صفاته على ~~غيره فإذا جاز القبول وجب واذا جاز وجود القبول وجب وقد بسط هذا في موضع ~~آخر وبين وجوب اتصافه بصفات الكمال التى لا نقص فيها بوجه من الوجوه # وقيل له أيضا اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو PageV03P022 ~~التشبيه والتمثيل الذى نفته الأدلة السمعيات والعقليات وانما نفت ما يستلزم ~~اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه فلا ~~يجوز أن يشركه فيه مخلوق ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى # وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل وتسميتك ذلك تشبيها وتجسيما تمويه ~~على الجهال الذين يظنون أن كل معنى سماه مسم بهذا الاسم يجب نفيه ولو ساغ ~~هذا لكان كل مبطل يسمى الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس ليكذب الناس بالحق ~~المعلوم بالسمع والعقل وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس عقلهم ~~ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغى والضلالة # وإن قال نفاة الصفات اثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد الصفات ~~وهذا تركيب ممتنع قيل وإذا قلتم هو موجود واجب وعقل وعاقل ومعقول وعاشق ~~ومعشوق ولذيذ وملتذ ولذة أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا فهذه معان ~~متعدده متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدا # فإن قالوا هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبا ممتنعا قيل لهم واتصاف ~~الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبا ممتنعا ~~PageV03P023 # وذلك أنه من المعلوم في صريح العقول أنه ليس معنى كون الشيء عالما هو ~~معنى كونه قادرا ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالما قادرا فمن جوز أن تكون هذه ~~الصفة هي الموصوف فهو من أعظم ms0572 الناس سفسطة ثم إنه متناقض فانه ان جوز ذلك ~~جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا فيكون الوجود واحدا بالعين لا بالنوع ~~وحينئذ فاذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود كل مخلوق يعدم بعدم ~~وجوده ويوجد بعد عدمه هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقى الذى لا يقبل ~~العدم واذا قدر هذا كان الوجود الواجب موصوفا بكل تشبيه وتجسيم وكل نقص وكل ~~عيب كما يصرح بذلك ( أهل وحدة الوجود ) الذين طردوا هذا الأصل الفاسد ~~وحينئذ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير # وهذا باب مطرد فان كل واحد من النفاه لما أخبر به الرسول من الصفات لا ~~ينفى شيئا فرارا مما هو محذور إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه ~~فلابد في آخر الأمر من أن يثبت موجودا واجبا قديما متصفا بصفات تميزه عن ~~غيره ولا يكون فيها مماثلا لخلقه # فيقال له هكذا القول في جميع الصفات وكل ما تثبته من الأسماء والصفات ~~فلابد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات ولولا ذلك لما فهم الخطاب ولكن ~~نعلم أن ما اختص الله به وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في ~~الخيال PageV03P024 وهذا يتبين ( بالأصل الثانى ) # وهو أن يقال ( القول في الصفات كالقول في الذات ) فان الله ليس كمثله شيء ~~لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فاذا كان له ذات حقيقة لا تماثل ~~الذوات فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات # فاذا قال السائل كيف استوى على العرش قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ~~رضى الله عنهما الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عن ~~الكيفية بدعة لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الاجابة عنه # وكذلك إذا قال كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا قيل له كيف هو فإذا قال ~~لا أعلم كيفيته قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله اذ العلم بكيفية الصفة ~~يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له ms0573 فكيف تطالبنى بالعلم ~~بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته # وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابته في نفس الأمر مستوجبه لصفات الكمال ~~PageV03P025 لا يماثلها شيء فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في ~~نفس الأمر وهو متصف بصفات الكمال التى لايشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم ~~وكلامهم ونزولهم واستواؤهم # وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفى تأويل السمعيات فان من أثبت شيئا ~~ونفى شيئا بالعقل اذا ألزم فيما نفاه من الصفات التى جاء بها الكتاب والسنة ~~نظير ما يلزمه فيما أثبته ولو طولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد ~~بينهما فرقا # ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض الذين يوجبون فيما نفوه اما ~~التفويض واما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ قانون مستقيم فإذا قيل لهم لم ~~تأولتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد لم يكن لهم جواب صحيح فهذا ~~تناقضهم في النفى # وكذا تناقضهم في الإثبات فان من تأول النصوص على معنى من المعانى التى ~~يثبتها # فانهم اذا صرفوا النص عن المعنى الذى هو مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم في ~~المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه فاذا قال قائل ~~تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو ارادته للثواب والعقاب كان ما يلزمه في ~~الارادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط PageV03P026 ولو فسر ~~ذلك بمفعولاته وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب فانه يلزمه في ذلك نظير ما ~~فر منه فان الفعل لابد أن يقوم اولا بالفاعل والثواب والعقاب المفعول انما ~~يكون على فعل ما يحبه ويرضاه ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب فهم إن أثبتوا ~~الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا وإن أثبتوه على خلاف ~~ذلك فكذلك الصفات PageV03P027 ### ||| فصل # وأما ( المثلان المضروبان ) فإن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عما في الجنة ~~من المخلوقات من أصناف المطاعم والملابس والمناكح والمساكن فأخبرنا أن فيها ~~لبنا وعسلا وخمرا وماء ولحما وحريرا وذهبا وفضة وفاكهة وحورا وقصورا # وقد قال بن عباس رضى الله عنهما ليس ms0574 في الدنيا شيء مما في الجنة إلا ~~الأسماء # وإذا كانت تلك الحقائق التى اخبر الله عنها هي موافقة في الاسماء للحقائق ~~الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها بل بينهما من التباين ما لا يعلمه الا ~~الله تعالى فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق ~~للمخلوق ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا إذ ~~المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق وهذا ~~بين واضح PageV03P028 ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق # فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما اخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر ~~مع علمهم بالمباينة التى بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة وأن مباينة ~~الله لخلقه أعظم # والفريق الثانى الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب ~~والعقاب ونفوا كثيرا مما أخبر به من الصفات مثل طوائف من أهل الكلام # والفريق الثالث نفوا هذا وهذا كالقرامطة والباطنية والفلاسفة أتباع ~~المشائين ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما اخبر الله به عن نفسه ~~وعن اليوم الآخر # ثم إن كثيرا منهم يجعلون الأمر والنهى من هذا الباب فيجعلون الشرائع ~~المأمور بها والمحظورات المنهى عنها لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه ~~المسلمون منها كما يتأولون من الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت ~~فيقولون إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم وان صيام رمضان كتمان أسرارهم وإن ~~حج البيت السفر إلى شيوخهم ونحو ذلك من التأويلات التى يعلم بالإضطرار أنها ~~كذب وافتراء على الرسل صلوات الله عليهم وتحريف لكلام الله ورسوله عن ~~مواضعه والحاد في آيات الله # وقد يقولون الشرائع تلزم العامة دون الخاصة فاذا صار الرجل PageV03P029 ~~من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات وأباحوا له المحظورات وقد ~~يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب # وهؤلاء الباطنية هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على انهم أكفر من ~~اليهود والنصارى وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والاثبات يحتج به كل ~~من كان من اهل الايمان والاثبات ms0575 على من يشرك هؤلاء في بعض إلحادهم فاذا ~~اثبت لله تعالى الصفات ونفى عنه مماثلة المخلوقات كما دل على ذلك الآيات ~~البينات كان ذلك هو الحق الذى يوافق المعقول والمنقول ويهدم أساس الإلحاد ~~والضلالات # والله سبحانه لا تضرب له الامثال التى فيها مماثلة لخلقه فان الله لا ~~مثيل له بل له @QB@ المثل الأعلى @QE@ فلا يجوز أن يشرك هو والمخلوقات في ~~قياس تمثيل ولا في قياس شمول تستوى أفراده ولكن يستعمل في حقه المثل الاعلى ~~وهو ان كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به وكل ما ينزه عنه ~~المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه فاذا كان المخلوق منزها عن ~~مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم فالخالق اولى أن ينزه عن مماثلة ~~المخلوق وان حصلت موافقة في الاسم # وهكذا القول في ( المثل الثانى PageV03P030 # وهو ان الروح التى فينا فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية وقد اخبرت ~~النصوص انها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء وانها تقبض من البدن وتسل منه كما ~~تسل الشعرة من العجينة # والناس مضطربون فيها فمنهم طوائف من اهل الكلام يجعلونها جزءا من البدن ~~أوصفة من صفاته كقول بعضهم انها النفس أو الريح التى تردد في البدن وقول ~~بعضهم إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن # ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم وهى ~~امور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود فيقولون لا هي داخلة في البدن ولا خارجة ~~ولا مباينة له ولا مداخلة له ولا متحركة ولا ساكنة ولا تصعد ولا تهبط ولا ~~هي جسم ولا عرض # وقد يقولون أنها لا تدرك الامور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج ~~وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة # وقد يقولون أنها لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينة له ولا مداخلة ~~وربما قالوا ليست داخلة في اجسام العالم ولا خارجة عنها مع تفسيرهم للجسم ~~بما لا يقبل الإشارة الحسية فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة اليها ونحو ذلك ~~من الصفات السلبية التى تلحقها بالمعدوم والممتنع ms0576 PageV03P031 # وإذا قيل لهم إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل قالوا بل هذا ممكن ~~بدليل ان الكليات ممكنة موجودة وهى غير مشار اليها وقد غفلوا عن كون ~~الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان فيعتمدون فيما يقولونه ~~في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذى لا يخفى فساده على غالب الجهال # واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير وسبب ذلك ان الروح التى تسمى ~~بالنفس الناطقة عند الفلاسفة ليست هي من جنس هذا البدن ولا من جنس العناصر ~~والمولدات منها بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس فصار هؤلاء لا ~~يعرفونها إلا بالسلوب التى توجب مخالفتها للأجسام المشهودة وأولئك يجعلونها ~~من جنس الأجسام المشهودة وكلا القولين خطأ # وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل # فإن لفظ الجسم للناس فيه اقوال متعددة إصطلاحية غير معناه اللغوى # فإن اهل اللغة يقولون الجسم هو الجسد والبدن وبهذا الإعتبار فالروح ليست ~~جسما ولهذا يقولون الروح والجسم كما قال تعالى @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم @QE@ وقال تعالى @QB@ وزاده بسطة في العلم ~~والجسم @QE@ PageV03P032 # وأما اهل الكلام فمنهم من يقول الجسم هو الموجود ومنهم من يقول هو القائم ~~بنفسه ومنهم من يقول هو المركب من الجواهر المفردة ومنهم من يقول هو المركب ~~من المادة والصورة وكل هؤلاء يقولون أنه مشار إليه إشارة حسية ومنهم من ~~يقول ليس مركبا من هذا ولا من هذا بل هو مما يشار إليه ويقال أنه هنا أو ~~هناك فعلى هذا ان كانت الروح مما يشار اليها ويتبعها بصر الميت كما قال ( ~~ان الروح اذا خرجت تبعها البصر ) ( وانها تقبض ويعرج بها إلى السماء ) كانت ~~الروح جسما بهذا الإصطلاح # والمقصود أن الروح اذا كانت موجودة حية عالمة قادرة سميعة بصيرة تصعد ~~وتنزل وتذهب وتجيء ونحو ذلك من الصفات والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها ~~لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرا والشيء انما تدرك حقيقته بمشاهدته أو مشاهدة ~~نظيره # فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع ms0577 عدم مماثلتها لما يشاهد من ~~المخلوقات # فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته ~~وأهل العقول هم اعجز عن ان يحدوه أو يكيفوه منهم عن ان يحدوا الروح أو ~~يكيفوها PageV03P033 # فإذا كان من نفى صفات الروح جاحدا معطلا لها ومن مثلها بما يشاهده من ~~المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها وهى مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات ~~مستحقة لما لها من الصفات فالخالق سبحانه وتعالى أولى أن يكون من نفى صفاته ~~جاحدا معطلا ومن قاسه بخلقه جاهلا به ممثلا وهو سبحانه وتعالى ثابت بحقيقة ~~الإثبات مستحق لما له من الاسماء والصفات PageV03P034 ### ||| فصل ( وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة ) ### || القاعدة الأولى # أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفى # فالإثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير ~~ونحو ذلك # والنفى كقوله لا تأخذه سنة ولا نوم # وينبغى أن يعلم أن النفى ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتا وإلا ~~فمجرد النفى ليس فيه مدح ولا كمال لأن النفى المحض عدم محض والعدم المحض ~~ليس بشيء وما ليس بشيء فهو كما قيل ليس بشيء فضلا عن أن يكون مدحا أو كمالا ~~ولأن النفى المحض يوصف به المعدوم والممتنع والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ~~ولا كمال PageV03P035 # فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفى متضمنا لإثبات مدح كقوله ~~@QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ إلى قوله ~~@QB@ ولا يؤوده حفظهما @QE@ فنفى السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام ~~فهو مبين لكمال أنه الحى القيوم وكذلك قوله ( ولا يؤوده حفظهما ) أى لا ~~يكرثه ولا يثقله وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها بخلاف المخلوق القادر اذا ~~كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته # وكذلك قوله @QB@ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض @QE@ ~~فان نفى العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض # وكذلك قوله @QB@ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ms0578 أيام وما ~~مسنا من لغوب @QE@ فان نفى مس اللغوب الذى هو التعب والإعياء دل على كمال ~~القدرة ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذى يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه # وكذلك قوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ انما نفى الادراك الذى هو الإحاطة ~~كما قاله أكثر العلماء ولم ينف مجرد الرؤية لأن المعدوم لا يرى وليس في ~~كونه لا يرى مدح إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحا وإنما المدح في كونه ~~لا يحاط به وإن رؤى كما انه لا يحاط به وان علم فكما انه اذا علم لا يحاط ~~به علما فكذلك اذا رؤى لا يحاط به رؤية PageV03P036 # فكان في نفى الادراك من اثبات عظمته ما يكون مدحا وصفة كمال وكان ذلك ~~دليلا على اثبات الرؤية لا على نفيها لكنه دليل على اثبات الرؤية مع عدم ~~الإحاطة وهذا هو الحق الذى اتفق عليه سلف الامة وأئمتها # وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفى لا يستلزم ثبوتا هو مما لم يصف الله به نفسه ~~فالذين لا يصفونه الا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة الها محمودا بل ولا ~~موجودا وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا لا يتكلم أو لا يرى أو ليس ~~فوق العالم أو لم يستو على العرش # ويقولون ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولا محايث له إذ ~~هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت # ولهذا ( قال محمود بن سبكتكين ) لمن ادعى ذلك في الخالق ميز لنا بين هذا ~~الرب الذى تثبته وبين المعدوم وكذلك كونه لا يتكلم أو لا ينزل ليس في ذلك ~~صفة مدح ولا كمال بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات # فهذه الصفات منها ما لا يتصف به الا المعدوم ومنها ما لا يتصف به الا ~~الجمادات والناقص # فمن قال لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم فهو بمنزلة من قال لا هو ~~قائم بنفسه ولا بغيره ولا قديم ولا محدث ولا متقدم على العالم ولا مقارن له ms0579 ~~PageV03P037 # ومن قال أنه ليس بحى ولا ميت ولا سميع ولا بصير ولا متكلم لزمه ان يكون ~~ميتا اصم أعمى ابكم فان # قال العمى عدم البصر عما من شأنه ان يقبل البصر وما لم يقبل البصر ~~كالحائط لا يقال له أعمى ولا بصير # قيل له هذا اصطلاح اصطلحتموه وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر ~~والكلام يمكن وصفه بالموت والعمى والخرس والعجمة # وأيضا فكل موجود يقبل الإتصاف بهذه الأمور ونقائضها فان الله قادر على ~~جعل الجماد حيا كما جعل عصى موسى حية ابتلعت الحبال والعصى وأيضا فالذى لا ~~يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصا ممن لا يقبل الاتصاف بها مع اتصافه ~~بنقائضها # فالجماد الذى لا يوصف بالبصر ولا العمى ولا الكلام ولا الخرس أعظم نقصا ~~من الحى الاعمى الأخرس # فاذا قيل إن البارى لا يمكن اتصافه بذلك كان في ذلك من وصفه بالنقص اعظم ~~مما اذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك مع انه إذا جعل غير قابل لها ~~كان تشبيها له بالجماد الذى لا يقبل الإتصاف بواحد منها وهذا تشبيه ~~بالجمادات لا بالحيوانات فكيف من قال ذلك على غيره مما يزعم انه تشبيه ~~بالحى PageV03P038 # وأيضا فنفس نفى هذه الصفات نقص كما ان اثباتها كمال فالحياة من حيث هي هى ~~مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها صفة كمال وكذلك العلم والقدرة والسمع ~~والبصر والكلام والفعل ونحو ذلك وما كان صفة كمال فهو سبحانه أحق ان يتصف ~~به من المخلوقات فلو لم يتصف به مع إتصاف المخلوق به لكان المخلوق اكمل منه # وأعلم ان الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصافه ~~بالنقيضين حتى يقولون ليس بموجود ولا ليس بموجود ولا حى ولا ليس بحى ومعلوم ~~ان الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول كالجمع بين النقيضين # وآخرون وصفوه بالنفى فقط فقالوا ليس بحى ولا سميع ولا بصير وهؤلاء أعظم ~~كفرا من أولئك من وجه وأولئك أعظم كفرا من هؤلاء من وجه فاذا قيل لهؤلاء ~~هذا مستلزم وصفه بنقيض ذلك ms0580 كالموت والصمم والبكم قالوا انما يلزم ذلك لو ~~كان قابلا لذلك وهذا الإعتذار يزيد قولهم فسادا # وكذلك من ضاهى هؤلاء وهم الذين يقولون ليس بداخل العالم ولا خارجه اذا ~~قيل هذا ممتنع في ضرورة العقل كما اذا قيل ليس بقديم ولا محدث ولا واجب ولا ~~ممكن ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره قالوا هذا إنما يكون اذا كان قابلا ~~لذلك والقبول انما يكون من المتحيز فاذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين ~~المتناقضين PageV03P039 # فيقال لهم علم الخلق بإمتناع الخلو من هذين النقيضين هو علم مطلق لا ~~يستثنى منه موجود والتحيز المذكور إن أريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به ~~فهذا هو الداخل في العالم وان أريد به أنه منحاز عن المخلوقات أى مباين لها ~~متميز عنها فهذا هو الخروج فالمتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم وتارة ~~ما هو خارج العالم فإذا قيل ليس بمتحيز كان معناه ليس بداخل العالم ولا ~~خارجه # فهم غيروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر وهو ~~المعنى الذى علم فساده بضرورة العقل كما فعل أولئك بقولهم ليس بحى ولا ميت ~~ولا موجود ولا معدوم ولا عالم ولا جاهل PageV03P040 ### || القاعدة الثانية # أن ما أخبر به الرسول عن ربه فانه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم ~~نعرف لأنه الصادق المصدوق فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن ~~الإيمان به وإن لم يفهم معناه # وكذلك ماثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها مع ان هذا الباب يوجد عامته منصوصا ~~في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة # وما تنازع فيه المتأخرون نفيا وإثباتا فليس على أحد بل ولا له ان يوافق ~~أحدا على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده فإن أراد حقا قبل وإن أراد ~~باطلا رد وان اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا ولم يرد جميع معناه ~~بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك # فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود ms0581 غير الله فيكون مخلوقا كما اذا أريد ~~بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله ~~تعالى كما اذا أريد بالجهة ما فوق العالم # ومعلوم أنه ليس في النص اثبات لفظ الجهه ولا نفيه كما فيه إثبات العلو ~~والإستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك وقد علم أن ما ثم موجود ~~PageV03P041 إلا الخالق والمخلوق والخالق مباين للمخلوق سبحانه # وتعالى ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته فيقال ~~لمن نفى الجهة أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق فالله ليس داخلا في ~~المخلوقات أم تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب ان الله فوق العالم مباين ~~للمخلوقات # وكذلك يقال لمن قال الله في جهة أتريد بذلك ان الله فوق العالم أو تريد ~~به أن الله داخل في شيء من المخلوقات فان اردت الأول فهو حق وان اردت ~~الثانى فهو باطل # وكذلك لفظ التحيز ان اراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر ~~بل قد وسع كرسيه السماوات والأرض وقد قال الله تعالى @QB@ وما قدروا الله ~~حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ # وقد ثبت في الصحاح عن النبى أنه قال ( يقبض الله الأرض ويطوى السماوات ~~بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) وفى حديث آخر ( وإنه ليدحوها ~~كما يدحو الصبيان بالكرة ) وفى حديث إبن عباس ( ما السماوات السبع والأرضون ~~السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم ) وإن أراد به انه ~~منحاز عن المخلوقات أى مباين لها منفصل عنها ليس حالا فيها فهو سبحانه كما ~~قال أئمة السنة فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه PageV03P042 ### || القاعدة الثالثة # إذا قال القائل ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد # فإنه يقال لفظ الظاهر فيه إجمال وإشتراك فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها ~~التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد ولكن ~~السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها ولا يرتضون أن ms0582 يكون ظاهرالقرآن ~~والحديث كفرا وباطلا والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من ان يكون كلامه الذى ~~وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال والذين يجعلون ظاهرها ذلك ~~يغلطون من وجهين # تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجا إلى تأويل يخالف ~~الظاهر ولا يكون كذلك # وتارة يردون المعنى الحق الذى هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل # ( فالأول ) كما قالوا في قوله ( عبدى جعت فلم تطعمنى ) الحديث وفى الأثر ~~الآخر ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحع أو قبله فكأنما صافحه ~~أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ) وقوله ( قلوب العباد بين أصبعين من ~~أصابع الرحمن ) فقالوا قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق PageV03P043 # فيقال لهم لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على ~~حق أما ( الواحد ) فقوله ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه ~~وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ) صريح في ان الحجر الأسود ليس هو صفة ~~لله ولا هو نفس يمينه لأنه قال ( يمين الله في الأرض ) وقال ( فمن قبله ~~وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه ) ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به ~~ففى نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحا لله وأنه ليس هو نفس يمينه فكيف ~~يجعل ظاهره كفرا لأنه محتاج إلى التأويل مع ان هذا الحديث إنما يعرف عن بن ~~عباس # وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسرا ( يقول الله عبدى جعت فلم تطعمنى ~~) فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدى فلانا جاع ~~فلو أطعمته لوجدت ذلك عندى عبدى مرضت فلم تعدنى فيقول رب كيف أعودك وأنت رب ~~العالمين فيقول أما علمت أن عبدى فلانا مرض فلو عدته لوجدتنى عنده ) # وهذا صريح في ان الله سبحانه لم يمرض ولم يجع ولكن مرض عبده وجاع عبده ~~فجعل جوعه جوعه ومرضه مرضه مفسرا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى ولو ~~عدته لوجدتنى عنده فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج ms0583 إلى تأويل PageV03P044 # وأما قوله قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن فإنه ليس في ظاهره أن ~~القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها ولا أنها في جوفه ولا في قول القائل هذا ~~بين يدى ما يقتضى مباشرته ليديه وإذا قيل السحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لم يقتض أن يكون مماسا للسماء والأرض ونظائر هذا كثيرة # ومما يشبه هذا القول أن يجعل اللفظ نظيرا لما ليس مثله كما قيل في قوله ~~@QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ فقيل هو مثل قوله @QB@ أو لم يروا ~~أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما @QE@ فهذا ليس مثل هذا لأنه هنا أضاف ~~الفعل إلى الأيدى فصار شبيها بقوله @QB@ فبما كسبت أيديكم @QE@ وهنا اضاف ~~الفعل إليه فقال ( @QB@ لما خلقت @QE@ ثم قال ( بيدي ) # وأيضا فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد وفى اليدين ذكر لفظ ~~التثنية كما في قوله @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ وهناك أضاف الأيدى إلى ~~صيغة الجمع فصار كقوله @QB@ تجري بأعيننا @QE@ # وهذا في ( الجمع ) نظير قوله ( بيده الملك ) ( وبيده الخير ) في ( المفرد ~~) فالله سبحانه وتعالى يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهرا أو مضمرا وتارة ~~بصيغة الجمع كقوله @QB@ إنا فتحنا لك فتحا مبينا @QE@ وأمثال ذلك # ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط لأن صيغة الجمع تقتضى التعظيم الذى ~~يستحقه وربما تدل على معانى أسمائه PageV03P045 # وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك فلو قال ( ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) لما كان كقوله ( مما عملت أيدينا ) وهو نظير ~~قوله ( بيده الملك وبيده الخير ) ولو قال ( خلقت ) بصيغة الإفراد لكان ~~مفارقا له فكيف اذا قال خلقت بيدي بصيغة التثنية # هذا مع دلالات الأحاديث المستفيضة بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما ~~دل عليه القرآن كما هو مبسوط في موضعه مثل قوله ( المقسطون عند الله على ~~منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم ~~وأهليهم وما ولوا ) وأمثال ذلك # وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ms0584 ظاهر ~~النصوص المتفق على معناها والظاهر هو المراد في الجميع فإن الله لما أخبر ~~انه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير واتفق اهل السنة وأئمة المسلمين على ~~أن هذا على ظاهره وان ظاهر ذلك مراد كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا ~~الظاهر ان يكون علمه كعلمنا وقدرته كقدرتنا # وكذلك لما اتفقوا على انه حى حقيقة عالم حقيقة قادر حقيقة لم يكن مرادهم ~~أنه مثل المخلوق الذى هو حى عليم قدير فكذلك اذا قالوا في قوله تعالى @QB@ ~~يحبهم ويحبونه @QE@ @QB@ رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ وقوله @QB@ ثم استوى ~~على العرش @QE@ انه على ظاهره لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره إستواءا كاستواء ~~المخلوق ولا حبا كحبه ولا رضا كرضاه PageV03P046 # فان كان المستمع يظن ان ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه ان لا ~~يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا وان كان يعتقد ان ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص ~~به لم يكن له نفى هذا الظاهر ونفى ان يكون مرادا إلا بدليل يدل على النفى ~~وليس في العقل ولا السمع ما ينفى هذا إلا من جنس ما ينفى به سائر الصفات ~~فيكون الكلام في الجميع واحدا # وبيان هذا ان صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام وهى أبعاض لنا كالوجه واليد ~~ومنها ما هو معان وأعراض وهى قائمة بنا كالسمع والبصر والكلام والعلم ~~والقدرة # ثم ان من المعلوم ان الرب لما وصف نفسه بأنه حى عليم قدير لم يقل ~~المسلمون إن ظاهر هذا غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا ~~فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد ~~لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا بل صفة الموصوف تناسبه # فاذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين فصفاته كذاته ليست كصفات ~~المخلوقين ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه وليس المنسوب ~~كالمنسوب ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه كما قال ( ترون ربكم كما ترون ~~الشمس والقمر ) فشبه الرؤية بالرؤية ولم ms0585 يشبه المرئى بالمرئى PageV03P047 ~~وهذا يتبين ب ### || القاعدة الرابعة # وهو ان كثيرا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو ~~كلها أنها تماثل صفات المخلوقين ثم يريد أن ينفى ذلك الذى فهمه فيقع في ( ~~أربعة أنواع ) من المحاذير # ( أحدها ) كونه مثل ما ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين وظن أن مدلول ~~النصوص هو التمثيل # ( الثانى ) أنه اذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت ~~عليه من اثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جنايته على النصوص وظنه السيئ ~~الذى ظنه بالله ورسوله حيث ظن ان الذى يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل ~~قد عطل ما اودع الله ورسوله في كلامهما من اثبات الصفات لله والمعانى ~~الالهية اللائقة بجلال الله تعالى # ( الثالث ) أنه ينفى تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم فيكون معطلا لما ~~يستحقه الرب PageV03P048 ( الرابع ) أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات ~~الاموات والجمادات أو صفات المعدومات فيكون قد عطل به صفات الكمال التى ~~يستحقها الرب ومثله بالمنقوصات والمعدومات وعطل النصوص عما دلت عليه من ~~الصفات وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات فيجمع في كلام الله وفى الله ~~بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحدا في أسماء الله وآياته # ( مثال ) ذلك ان النصوص كلها دلت على وصف الإله بالعلو والفوقية على ~~المخلوقات واستوائه على العرش فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل ~~الموافق للسمع واما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع وليس في ~~الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينه ولا مداخله # فيظن المتوهم أنه اذا وصف بالإستواء على العرش كان استواؤه كاستواء ~~الإنسان على ظهور الفلك والأنعام كقوله @QB@ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون لتستووا على ظهوره @QE@ # فيتخيل له أنه اذا كان مستويا على العرش كان محتاجا إليه كحاجة المستوى ~~على الفلك والأنعام فلو غرقت السفينة لسقط المستوى عليها ولو عثرت الدابة ~~لخر المستوي عليها فقياس هذا انه لو عدم العرش لسقط الرب سبحانه وتعالى # ثم يريد ms0586 بزعمه ان ينفى هذا فيقول ليس استواؤه بقعود ولا إستقرار ~~PageV03P049 ولا يعلم ان مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى ~~الاستواء فان كانت الحاجة داخلة في ذلك فلا فرق بين الاستواء والقعود ~~والاستقرار وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقرا ولا قاعدا وإن لم يدخل ~~في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الإستواء فاثبات أحدهما ونفى الآخر تحكم # وقد علم أن بين مسمى الإستواء والاستقرار والقعود فروقا معروفة ولكن ~~المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفى الشيء مع اثبات نظيره وكأن هذا الخطأ من ~~خطئه في مفهوم إستوائه على العرش حيث ظن انه مثل استواء الإنسان على ظهور ~~الأنعام والفلك وليس في هذا اللفظ ما يدل على ذلك لأنه أضاف الإستواء إلى ~~نفسه الكريمة كما اضاف إليه سائر أفعاله وصفاته # فذكر انه خلق ثم استوى كما ذكر انه قدر فهدى وانه بنى السماء بأيد وكما ~~ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى وأمثال ذلك # فلم يذكر إستواء مطلقا يصلح للمخلوق ولا عاما يتناول المخلوق كما لم يذكر ~~مثل ذلك في سائر صفاته وإنما ذكر إستواء أضافه إلى نفسه الكريمة # فلو قدر على وجه الفرض الممتنع انه هو مثل خلقه تعالى عن ذلك لكان ~~استواؤه مثل استواء خلقه أما اذا كان هو ليس مماثلا لخلقه بل قد علم انه ~~الغنى عن الخلق وأنه الخالق للعرش ولغيره وان كل ما سواه مفتقر إليه ~~PageV03P050 وهو الغنى عن كل ما سواه وهو لم يذكر الا استواءا يخصه لم يذكر ~~استواءا يتناول غيره ولا يصلح له كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه ~~وخلقه إلا ما يختص به فكيف يجوز ان يتوهم أنه اذا كان مستويا على العرش كان ~~محتاجا إليه وانه لو سقط العرش لخر من عليه سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون والجاحدون علوا كبيرا # هل هذا الا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك وتوهمه أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله ~~أو جوز ذلك على رب العالمين الغنى عن الخلق # بل ms0587 لو قدر أن جاهلا فهم مثل هذا وتوهمه لبين له ان هذا لا يجوز وأنه لم ~~يدل اللفظ عليه أصلا كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه # فلما قال سبحانه وتعالى @QB@ والسماء بنيناها بأيد @QE@ فهل يتوهم متوهم ~~ان بناءه مثل بناء الآدمى المحتاج الذى يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن ~~وجبل طين وأعوان # ثم قد علم ان الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض ولم يجعل عاليه مفتقرا ~~إلى سافله فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرا إلى ان تحمله الأرض والسحاب أيضا ~~فوق الأرض وليس مفتقرا إلى ان تحمله والسموات فوق الأرض وليست مفتقرة إلى ~~حمل الأرض لها فالعلى الأعلى رب كل شيء PageV03P051 ومليكه إذا كان فوق ~~جميع خلقه كيف يجب ان يكون محتاجا إلى خلقه أو عرشه أو كيف يستلزم علوه على ~~خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات وقد علم أن ما ثبت لمخلوق ~~من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه وتعالى أحق به وأولى # وكذلك قوله @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ~~@QE@ من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السماوات فهو جاهل ~~ضال بالإتفاق وإن كنا إذا قلنا إن الشمس والقمر في السماء يقتضى ذلك فان ~~حرف ( في ) متعلق بما قبله وبما بعده فهو بحسب المضاف إليه # ولهذا يفرق بين كون الشيء في المكان وكون الجسم في الحيز وكون العرض في ~~الجسم وكون الوجه في المرآة وكون الكلام في الورق فان لكل نوع من هذه ~~الانواع خاصة يتميز بها عن غيره وان كان حرف ( في ) مستعملا في ذلك # فلو قال قائل العرش في السماء أو في الأرض لقيل في السماء ولو قيل الجنة ~~في السماء أم في الأرض لقيل الجنة في السماء ولا يلزم من ذلك ان يكون العرش ~~داخل السماوات بل ولا الجنة # فقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( إذا سألتم الله ~~الجنة فاسألوه الفردوس فانه أعلى ms0588 الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن ) ~~فهذه الجنة سقفها الذى هو العرش فوق الافلاك مع ان الجنة في PageV03P052 ~~السماء يراد به العلو سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها قال تعالى @QB@ فليمدد ~~بسبب إلى السماء @QE@ وقال تعالى @QB@ وأنزلنا من السماء ماء طهورا @QE@ # ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلى الأعلى وأنه فوق ~~كل شيء كان المفهوم من قوله إنه في السماء أنه في العلو وأنه فوق كل شيء # وكذلك الجارية لما قال لها أين الله قالت في السماء إنما أرادت العلو مع ~~عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها واذا قيل العلو فانه يتناول ما ~~فوق المخلوقات كلها فما فوقها كلها هو في السماء ولا يقتضى هذا ان يكون ~~هناك ظرف وجودى يحيط به اذ ليس فوق العالم شيء موجود الا الله # كما لو قيل العرش في السماء فإنه لا يقتضى أن يكون العرش في شيء آخر ~~موجود مخلوق وان قدر ان السماء المراد بها الافلاك كان المراد انه عليها ~~كما قال @QB@ ولأصلبنكم في جذوع النخل @QE@ وكما قال ( فسيروا في الأرض ) ~~وكما قال ( فسيحوا في الأرض ) ويقال فلان في الجبل وفى السطح وإن كان على ~~أعلى شيء فيه PageV03P053 ### || القاعدة الخامسة # أنا نعلم لما أخبرنا به من وجه دون وجه # فإن الله قال @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا @QE@ وقال @QB@ أفلم يدبروا القول @QE@ وقال @QB@ كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب @QE@ وقال @QB@ ~~أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ # فأمر بتدبر الكتاب كله # وقد قال تعالى @QB@ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب @QE@ # وجمهور سلف الأمة وخلفها على ان الوقف على قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا ~~الله @QE@ وهذا هو المأثور عن ms0589 أبي بن كعب وإبن مسعود إبن عباس وغيرهم ~~PageV03P054 # وروى عن إبن عباس انه قال التفسير على أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من ~~كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه ~~إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب # وقد روى عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله وقد قال ~~مجاهد عرضت المصحف على إبن عباس من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية ~~وأسأله عن تفسيرها ولا منافاة بين القولين عند التحقيق # فإن لفظ ( التأويل ) قد صار بتعدد الإصطلاحات مستعملا في ثلاثة معان # ( أحدها ) وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله أن ~~( التأويل ) هو صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح لدليل ~~يقترن به وهذا هو الذى عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص ~~الصفات وترك تأويلها وهل ذلك محمود أو مذموم أو حق أو باطل # ( الثانى ) أن التأويل بمعنى التفسير وهذا هو الغالب على إصطلاح المفسرين ~~للقرآن كما يقول إبن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير واختلف علماء ~~التأويل ومجاهد إمام المفسرين قال الثورى اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك ~~به وعلى تفسيره يعتمد الشافعى وأحمد والبخارى وغيرهما فاذا ذكر انه يعلم ~~تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره PageV03P055 # ( الثالث ) من معانى التأويل هو الحقيقة التى يؤول اليها الكلام كما قال ~~الله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق @QE@ # فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما اخبر الله به فيه مما يكون من ~~القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك كما قال الله تعالى في قصة ~~يوسف لما سجد أبواه وإخوته قال @QB@ يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ ~~فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا # الثانى هو تفسير الكلام وهو الكلام الذى يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه أو ~~تعرف علته أو دليله # وهذا ( التأويل الثالث هو عين ما هو موجود في الخارج ms0590 ومنه قول عائشة ( ~~كان النبى يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لى ) ~~يتأول القرآن يعنى قوله @QB@ فسبح بحمد ربك واستغفره @QE@ # وقول سفيان بن عيينة السنة هي تأويل الامر والنهى فإن نفس الفعل المأمور ~~به هو تأويل الامر به ونفس الموجود المخبر عنه هو تأويل الخبر والكلام خبر ~~وأمر # ولهذا يقول أبو عبيد وغيره الفقهاء أعلم بالتأويل من اهل اللغة كما ~~PageV03P056 ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما ~~أمر به ونهى عنه لعلمهم بمقاصد الرسول كما يعلم أتباع بقراط وسيبويه ~~ونحوهما من مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة ولكن تأويل الأمر والنهى لا بد ~~من معرفته بخلاف تأويل الخبر # إذا عرف ذلك فتأويل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه المقدسة المتصفة بما ~~لها من حقائق الاسماء والصفات هو حقيقة لنفسه المقدسة المتصفة بما لها من ~~حقائق الصفات وتأويل ما أخبر الله به تعالى من الوعد والوعيد هو نفس ما ~~يكون من الوعد والوعيد # ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمة ونؤمن بمتشابهه لأن ما اخبر الله به ~~عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة يشبه معانيها ما نعلمه في ~~الدنيا كما اخبر أن في الجنة لحما ولبنا وعسلا وخمرا ونحو ذلك وهذا يشبه ما ~~في الدنيا لفظا ومعنى ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته # فأسماء الله تعالى وصفاته أولى وإن كان بينهما وبين أسماء العباد وصفاتهم ~~تشابه أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق ولا حقيقته كحقيقته والاخبار ~~عن الغائب لا يفهم ان لم يعبر عنه بالاسماء المعلومة معانيها في الشاهد ~~ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد مع العلم بالفارق ~~المميز وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد وفى الغائب ~~PageV03P057 ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فنحن اذا ~~اخبرنا الله بالغيب الذى اختص به من الجنة والنار علمنا معنى ذلك وفهمنا ما ~~أريد منا فهمه بذلك ms0591 الخطاب وفسرنا ذلك # وأما نفس الحقيقة المخبر عنها مثل التى لم تكن بعد وإنما تكون يوم ~~القيامة فذلك من التأويل الذى لا يعلمه الا الله # ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش ~~استوى @QE@ قالوا الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال ~~عنه بدعة وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله الإستواء معلوم والكيف مجهول ومن ~~الله البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا الايمان # فبين ان الاستواء معلوم وان كيفية ذلك مجهول ومثل هذا يوجد كثيرا في كلام ~~السلف والأئمة ينفون علم العباد بكيفية صفات الله وأنه لا يعلم كيف الله ~~إلا الله فلا يعلم ما هو إلا هو وقد قال النبى ( لا أحصى ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك ) وهذا في صحيح مسلم وغيره وقال في الحديث الآخر ( اللهم ~~انى أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من ~~خلقك أو إستأثرت به في علم الغيب عندك ) وهذا الحديث في المسند وصحيح أبى ~~حاتم وقد اخبر فيه ان لله من الاسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده ~~PageV03P058 # فمعانى هذه الاسماء التى إستأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره # والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير سميع بصير غفور رحيم إلى غير ذلك من ~~اسمائه وصفاته فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم والقدرة وبين الرحمة ~~والسمع والبصر ونعلم ان الاسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله مع ~~تنوع معانيها فهي متفقة متواطئة من حيث الذات متباينة من جهة الصفات # وكذلك أسماء النبى مثل محمد وأحمد والماحى والحاشر والعاقب وكذلك أسماء ~~القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والنور والتنزيل والشفاء وغير ذلك # ومثل هذه الاسماء تنازع الناس فيها هل هي من قبيل المترادفة لإتحاد الذات ~~أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات كما اذا قيل السيف والصارم والمهند وقصد ~~بالصارم معنى الصرم وفى المهند النسبة إلى الهند والتحقيق أنها مترادفة في ~~الذات متباينة في الصفات # ومما يوضح ms0592 هذا ان الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه وفى موضع ~~آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه فينبغى أن يعرف الإحكام والتشابه ~~الذى يعمه والإحكام والتشابه الذى يخص بعضه قال PageV03P059 الله تعالى ~~@QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ فأخبر أنه أحكم آياته كلها وقال ~~تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني @QE@ فأخبر انه كله ~~متشابه # والحكم هو الفصل بين الشيئين فالحاكم يفصل بين الخصمين والحكم فصل بين ~~المتشابهات علما وعملا اذا ميز بين الحق والباطل والصدق والكذب والنافع ~~والضار وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار فيقال حكمت السفيه وأحكمته اذا ~~أخذت على يديه وحكمت الدابة وأحكمتها اذا جعلت لها حكمة وهو ما أحاط بالحنك ~~من اللجام واحكام الشيء اتقانه # فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره وتمييز الرشد من ~~الغى في أوامره والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان فقد سماه الله حكيما بقوله ~~@QB@ الر تلك آيات الكتاب الحكيم @QE@ فالحكيم بمعنى الحاكم كما جعله يقص ~~بقوله @QB@ إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ~~@QE@ وجعله مفتيا في قوله @QB@ قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب @QE@ أى ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن وجعله هاديا ومبشرا في قوله @QB@ ~~إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ~~@QE@ # وأما التشابه الذى يعمه فهو ضد الإختلاف المنفى عنه في قوله @QB@ ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ PageV03P060 ) وهو الاختلاف ~~المذكور في قوله @QB@ إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك @QE@ # فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضا فاذا أمر بأمر ~~لم يأمر بنقيضه في موضع آخر بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته واذا نهى عن ~~شيء لم يأمر به في موضع آخر بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته إذا لم ~~يكن هناك نسخ # وكذلك إذا اخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك بل يخبر بثبوته أو بثبوت ~~ملزوماته واذا ms0593 اخبر بنفى شيء لم يثبته بل ينفيه أو ينفى لوازمه بخلاف القول ~~المختلف الذى ينقض بعضه بعضا فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى أو يأمر به ~~وينهى عنه في وقت واحد ويفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر # فالأقوال المختلفة هنا هي المتضادة والمتشابهة هي المتوافقة # وهذا التشابه يكون في المعانى وان اختلفت الألفاظ فاذا كانت المعانى ~~يوافق بعضها بعضا ويعضد بعضها بعضا ويناسب بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض ~~ويقتضى بعضها بعضا كان الكلام متشابها بخلاف الكلام المتناقض الذى يضاد ~~بعضه بعضا # فهذا التشابه العام لا ينافى الإحكام العام بل هو مصدق له فإن الكلام ~~PageV03P061 المحكم المتقن يصدق بعضه بعضا لا يناقض بعضه بعضا بخلاف ~~الإحكام الخاص فإنه ضد التشابه الخاص والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره ~~من وجه مع مخالفته له من وجه آخر بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو ~~مثله وليس كذلك # والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر وهذا التشابه إنما ~~يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما # ثم من الناس من لا يهتدى للفصل بينهما فيكون مشتبها عليه ومنهم من يهتدى ~~إلى ذلك فالتشابه الذى لا يتميز معه قد يكون من الامور النسبية الإضافية ~~بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل ~~عنهم هذا الإشتباه كما اذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما ~~يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله فعلم العلماء أنه ليس مثله وان كان مشبها ~~له من بعض الوجوه # ومن هذا الباب الشبه التى يضل بها بعض الناس وهى ما يشتبه فيها الحق ~~والباطل حتى تشتبه على بعض الناس ومن أوتى العلم بالفصل بين هذا وهذا لم ~~يشتبه عليه الحق بالباطل والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات لأنه تشبيه ~~للشىء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه # فمن عرف الفصل بين الشيئين إهتدى للفرق الذى يزول به الإشتباه ~~PageV03P062 والقياس الفاسد وما من شيئين إلا ويجتمعان في ms0594 شيء ويفترقان في ~~شيء فبينهما اشتباه من وجه وإفتراق من وجه فلهذا كان ضلال بنى آدم من قبل ~~التشابه والقياس الفاسد لا ينضبط كما قال الإمام أحمد أكثر ما يخطئ الناس ~~من جهة التأويل والقياس فالتأويل في الأدلة السمعية والقياس في الأدلة ~~العقلية وهو كما قال والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة ~~والقياس الخطأ إنما يكون في المعانى المتشابهة # وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات حتى آل ~~الأمر إلى من يدعى التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن إشتبه عليهم وجود ~~الرب بوجود كل موجود فظنوا انه هو فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق ~~مع انه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء وأن يكون إياه أو متحدا به أو حالا فيه ~~من الخالق مع المخلوق # فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها حتى ظنوا وجودها وجوده ~~فهم اعظم الناس ضلالا من جهة الإشتباه # وذلك ان الموجودات تشترك في مسمى الوجود فرأوا الوجود واحدا ولم يفرقوا ~~بين الواحد بالعين والواحد بالنوع # وآخرون توهموا أنه إذا قيل الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم ~~PageV03P063 التشبيه والتركيب فقالوا لفظ الوجود مقول بالإشتراك اللفظى ~~فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف اصنافهم من ان الوجود ينقسم إلى ~~قديم ومحدث ونحو ذلك من أقسام الموجودات # وطائفة ظنت انه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون في ~~الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات ~~مطلقة مثل وجود مطلق وحيوان مطلق وجسم مطلق ونحو ذلك فخالفوا الحس والعقل ~~والشرع وجعلوا ما في الأذهان ثابتا في الاعيان وهذا كله من نوع الإشتباه # ومن هداه الله فرق بين الأمور وإن إشتركت من بعض الوجوه وعلم ما بينهما ~~من الجمع والفرق والتشابه والإختلاف وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام ~~لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذى يبين ما بينهما من الفصل ~~والإفتراق وهذا كما ان لفظ ( إنا ) و ( نحن ) وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم ms0595 ~~بها الواحد له شركاء في الفعل ويتكلم بها الواحد العظيم الذى له صفات تقوم ~~كل صفة مقام واحد وله أعوان تابعون له لا شركاء له فإذا تمسك النصرانى ~~بقوله تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر @QE@ ونحوه على تعدد الآلهة كان ~~المحكم كقوله تعالى @QB@ وإلهكم إله واحد @QE@ ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا ~~معنى واحدا يزيل ما هناك من PageV03P064 الإشتباه وكان ما ذكره من صيغة ~~الجمع مبينا لما يستحقه من العظمة والاسماء والصفات وطاعة المخلوقات من ~~الملائكة # وغيرهم وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الاسماء والصفات وماله من ~~الجنود الذين يستعملهم في أفعاله فلا يعلمهم إلا هو @QB@ وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو @QE@ وهذا من تأويل المتشابه الذى لا يعلمه إلا الله بخلاف الملك من ~~البشر إذا قال قد أمرنا لك بعطاء فقد علم أنه هو وأعوانه مثل كاتبه وحاجبه ~~وخادمه ونحو ذلك أمروا به وقد يعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من إعتقاداته ~~وإراداته ونحو ذلك والله سبحانه وتعالى لا يعلم عباده الحقائق التى اخبر ~~عنها من صفاته وصفات اليوم الآخر ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من ~~الحكمة ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة # وبهذا يتبين ان التشابه يكون في الالفاظ المتواطئة كما يكون في الالفاظ ~~المشتركة التى ليست بمتواطئة وان زال الإشتباه بما يميز أحد النوعين من ~~اضافة أو تعريف كما اذا قيل فيها انهار من ماء فهناك قد خص هذا الماء ~~بالجنة فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا # لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا وهو مع ما أعده الله ~~لعباده الصالحين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من ~~التأويل الذى لا يعلمه إلا الله PageV03P065 وكذلك مدلول أسمائه وصفاته ~~الذى يختص بها التى هي حقيقة لا يعلمها إلا هو ولهذا كان الأئمة كالإمام ~~أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ~~تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله ms0596 كما قال أحمد في كتابه الذى ~~صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته ~~على غير تأويله # وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم ~~معناه وان كان لا يشتبه على غيرهم وذمهم على انهم تأولوه على غير تأويله ~~ولم ينف مطلق لفظ التأويل كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير ~~المبين لمراد الله به فذلك لا يعاب بل يحمد ويراد بالتأويل الحقيقة التى ~~إستأثر الله بعلمها فذاك لا يعلمه الا هو وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع # ومن لم يعرف هذا إضطربت أقواله مثل طائفة يقولون إن التأويل باطل وأنه ~~يجب إجراء اللفظ على ظاهره ويحتجون بقوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا ~~الله @QE@ ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل وهذا تناقض منهم لأن هذه ~~الآية تقتضى ان هناك تأويلا لا يعلمه إلا الله وهم ينفون التأويل مطلقا # وجهة الغلط ان التأويل الذى استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التى لا يعلمها ~~إلا هو PageV03P066 # وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع الذين ~~يتأولونه على غير تأويله ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير ~~دليل يوجب ذلك ويدعون ان في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور اللازم ~~فيما اثبتوه بالعقل ويصرفونه إلى معان هي نظير المعانى التى نفوها عنه ~~فيكون ما نفوه من جنس ما اثبتوه فان كان الثابت حقا ممكنا كان المنفى مثله ~~وان كان المنفى باطلا ممتنعا كان الثابت مثله # وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقا ويحتجون بقوله تعالى @QB@ وما يعلم ~~تأويله إلا الله @QE@ قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد أو ~~بمالا معنى له أو بما لا يفهم منه شيء # وهذا مع أنه باطل فهو متناقض لانا إذا لم نفهم منه شيئا لم يجز لنا ان ~~نقول له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه لا مكان أن يكون له معنى صحيح وذلك ~~المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا فانه ms0597 لا ظاهر له على قولهم فلا ~~تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا # ولا يجوز نفى دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير # فان تلك المعانى التى دل عليها قد لا نكون عارفين بها ولأنا اذا لم نفهم ~~اللفظ ومدلوله فلأن لا نعرف المعانى التى لم يدل عليها اللفظ أولى لأن ~~إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من اشعاره بما لا يراد به فاذا كان اللفظ لا ~~اشعار له بمعنى PageV03P067 من المعانى ولا يفهم منه معنى أصلا لم يكن ~~مشعرا بما اريد به فلأن لا يكون مشعرا بما لم يرد به اولى # فلا يجوز ان يقال إن هذا اللفظ متأول بمعنى انه مصروف عن الإحتمال الراجح ~~إلى الاحتمال المرجوح فضلا عن أن يقال إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله ~~اللهم إلا ان يراد بالتأويل ما يخالف ظاهره المختص بالخلق # فلا ريب ان من أراد بالظاهر هذا لا بد وان يكون له تأويل يخالف ظاهره لكن ~~اذا قال هؤلاء إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر أو انها تجرى على المعانى ~~الظاهرة منها كانوا متناقضين # وان ارادوا بالظاهر هنا معنى وهناك معنى في سياق واحد من غير بيان كان ~~تلبيسا # وان ارادوا بالظاهر مجرد اللفظ أى تجرى على مجرد اللفظ الذى يظهر من غير ~~فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضا لأن من أثبت تأويلا أو ~~نفاه فقد فهم معنى من المعانى # وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا ~~الباب PageV03P068 ### || القاعدة السادسة # أنه لقائل ان يقول لا بد في هذا الباب من ضابط يعرف به ما يجوز على الله ~~مما لا يجوز في النفى والاثبات اذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفى ~~التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد وذلك انه ما من شيئين إلا ~~بينهما قدر مشترك وقدر مميز # فالنافى إن إعتمد فيما ينفيه على ان هذا تشبيه قيل له إن أردت أنه مماثل ms0598 ~~له من كل وجه فهذا باطل وان أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له ~~في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال ~~التشبيه والتماثل الذى فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ~~ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجب له ما يجب له # ومعلوم ان إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول ~~فانه يعلم بضرورة العقل إمتناعه ولا يلزم من نفى هذا نفى التشابه من بعض ~~الوجوه كما في الاسماء والصفات المتواطئة ولكن من الناس من يجعل التشبيه ~~مفسرا بمعنى من المعانى ثم ان كل من اثبت ذلك المعنى قالوا أنه مشبه ~~ومنازعهم يقول ذلك المعنى ليس من التشبيه PageV03P069 # وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل # وذلك ان المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون كل من اثبت لله صفة قديمة ~~فهو مشبه ممثل فمن قال ان لله علما قديما أو قدرة قديمة كان عندهم مشبها ~~ممثلا لأن القديم عند جمهورهم هو اخص وصف الإله فمن اثبت له صفة قديمة فقد ~~أثبت لله مثلا قديما ويسمونه ممثلا بهذا الإعتبار ومثبتة الصفات لا ~~يوافقونهم على هذا بل يقولون أخص وصفه ما لا يتصف به غيره مثل كونه رب ~~العالمين وأنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير وأنه اله واحد ونحو ذلك ~~والصفة لا توصف بشيء من ذلك # ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات أنها قديمة بل يقول الرب ~~بصفاته قديم # ومنهم من يقول هو قديم وصفته قديمة ولا يقول هو وصفاته قديمان # ومنهم من يقول هو وصفاته قديمان ولكن يقول ذلك لا يقتضى مشاركة الصفة له ~~في شيء من خصائصه فان القدم ليس من خصائص الذات المجردة بل من خصائص الذات ~~الموصوفة بصفات وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم فضلا عن ان تختص ~~بالقدم # وقد يقولون الذات متصفة بالقدم والصفات متصفة بالقدم وليست الصفات الها ~~ولا ربا كما ان النبى محدث وصفاته ms0599 محدثة وليست صفاته نبيا PageV03P070 # فهؤلاء اذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل كان هذا بحسب ~~إعتقادهم الذى ينازعهم فيه أولئك ثم تقول لهم أولئك هب ان هذا المعنى قد ~~يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيها فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع وإنما ~~الواجب نفى ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية و # القرآن قد نفى مسمى المثل والكفء والند ونحو ذلك # ولكن يقولون الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفؤه ولا نده فلا ~~يدخل في النص # وأما العقل فلم ينف مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة # وكذلك أيضا يقولون إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز والأجسام متماثلة ~~فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام وهذا هو التشبيه # وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على ~~العرش وقيام الافعال الإختيارية به ونحو ذلك ويقولون الصفات قد تقوم بما ~~ليس بجسم وأما العلو على العالم فلا يصح إلا اذا كان جسما فلو أثبتنا علوه ~~للزم أن يكون جسما وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه # فلهذا تجد هؤلاء يسمون من اثبت العلو ونحوه مشبها ولا يسمون من اثبت ~~السمع والبصر والكلام ونحوه مشبها كما يقول صاحب الارشاد PageV03P071 ~~وأمثاله وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله ~~من مثبتة الصفات والعلو لكن هؤلاء يجعلون العلو صفة خبرية كما هو أول قولى ~~القاضي أبى يعلى فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه # وقد يقولون ان ما يثبتونه لا ينافى الجسم كما يقولونه في سائر الصفات # والعاقل اذ تأمل وجد الامر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق # وأصل كلام هؤلاء كلهم على ان اثبات الصفات مستلزم للتجسيم والاجسام ~~متماثلة # والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى وتارة بمنع المقدمة ~~الثانية وتارة بمنع كل من المقدمتين وتارة بالاستفصال # ولا ريب ان قولهم بتماثل الاجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار ~~إليه أو بالقائم بنفسه أو بالموجود أو بالمركب من الهيولى والصورة ونحو ذلك ~~فأما اذا فسروه ms0600 بالمركب من الجواهر المفردة وعلى انها متماثلة فهذا يبنى ~~على صحة ذلك وعلى اثبات الجوهر الفرد وعلى انه متماثل وجمهور العقلاء ~~يخالفونهم في ذلك # ( والمقصود ) هنا انهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيما بناء على ~~تماثل الأجسام والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم كإطلاق الرافضة النصب على ~~PageV03P072 من تولى أبا بكر وعمر رضى الله عنهما بناء على ان من أحبهما ~~فقد أبغض عليا رضى الله عنه ومن أبغضه فهو ناصبى # وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى ولهذا يقول هؤلاء ان الشيئين لا ~~يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه وأكثر العقلاء على خلاف ذلك وقد بسطنا ~~الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام ~~وحجج من نفى ذلك وبينا فساد قول من يقول بتماثلها # وأيضا فالإعتماد بهذا الطريق على نفى التشبيه إعتماد باطل وذلك انه إذا ~~اثبت تماثل الاجسام فهم لا ينفون ذلك الا بالحجة التى ينفون بها الجسم # واذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم وثبت امتناع الجسم كان هذا وحده كافيا في ~~نفى ذلك لا يحتاج نفى ذلك إلى نفى مسمى التشبيه لكن نفى التجسيم يكون مبنيا ~~على نفى هذا التشبيه بأن يقال لو ثبت له كذا وكذا لكان جسما ثم يقال ~~والاجسام متماثلة فيجب إشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع وهذا ممتنع عليه # لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدا في نفى التشبيه على نفى التجسيم ~~فيكون اصل نفيه نفى الجسم وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه ان شاء الله ~~PageV03P073 وإنما المقصود هنا أن مجرد الإعتماد في نفى ما ينفى على مجرد ~~نفى التشبية لا يفيد إذ ما من شيئين إلا يشتبهان من وجه ويفترقان من وجه ~~بخلاف الإعتماد على نفى النقص والعيب ونحو ذلك مما هو سبحانه مقدس عنه فإن ~~هذه طريقة صحيحة # وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفى مماثلة غيره له فيها فإن هذا نفى ~~المماثلة فيما هو مستحق له وهذا حقيقة التوحيد وهو أن لا يشركه شيء من ~~الأشياء فيما هو من ms0601 خصائصه وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا ~~يماثله فيه أحد ولهذا كان مذهب سلف الأمه وأئمتها اثبات ما وصف به نفسه من ~~الصفات ونفى مماثلته بشيء من المخلوقات # ( فإن قيل ) إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك ~~الوجه ووجب له ما وجب له وامتنع عليه ما امتنع عليه # ( قيل ) هب ان الأمر كذلك ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم ~~اثبات ما يمتنع على الرب سبحانه ولا نفى ما يستحقه لم يكن ممتنعا كما اذا ~~قيل انه موجود حى عليم سميع بصير وقد سمى بعض المخلوقات حيا سميعا عليما ~~بصيرا فإذا قيل يلزم أنه يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجودا حيا ~~عليما سميعا بصيرا قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا على الرب تعالى ~~فإن ذلك لا يقتضى حدوثا ولا امكانا ولا نقصا ولا شيئا مما ينافى صفات ~~الربوبية PageV03P074 # وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود أو الحياة أو الحى أو ~~العلم أو العليم أو السمع أو البصر أو السميع أو البصير أو القدرة أو ~~القدير والقدر المشترك مطلق كلى لا يختص بأحدهما دون الآخر فلم يقع بينهما ~~إشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث ولا فيما يختص بالواجب القديم فإن ما ~~يختص به أحدهما يمتنع إشتراكهما فيه # فإذا كان القدر المشترك الذى إشتركا فيه صفة كمال كالوجود والحياة والعلم ~~والقدرة ولم يكن في ذلك شيء مما يدل على خصائص المخلوقين كما لا يدل على ~~شيء من خصائص الخالق لم يكن في إثبات هذا محذور أصلا بل إثبات هذا من لوازم ~~الوجود فكل موجودين لا بد بينهما من مثل هذا ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود ~~كل موجود # ولهذا لما أطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة وكان ~~جهم ينكر أن يسمى الله شيئا وربما قالت الجهمية هو شيء لا كالأشياء فاذا ~~نفى القدر المشترك مطلقا لزم التعطيل العام ms0602 # والمعانى التى يوصف بها الرب تعالى كالحياة والعلم والقدرة بل الوجود ~~والثبوت والحقيقة ونحو ذلك تجب لوازمها فإن ثبوت الملزوم يقتضى ثبوت اللازم ~~وخصائص المخلوق التى يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا بل تلك من ~~لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك PageV03P075 # والله سبحانه منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم # وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له ~~غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام وقد بسط هذا في مواضع كثيرة # وبين فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا وأن ~~معنى إشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه وأن ذلك ~~المعنى العام يطلق على هذا وهذا لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدهما ~~الآخر في شيء موجود فيه بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله # ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس متناقضا في هذا المقام فتارة يظن ~~أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل فيجعل ذلك له حجة فيما يظن ~~نفيه من الصفات حذرا من ملزومات التشبيه وتارة يتفطن أنه لا بد من إثبات ~~هذا على تقدير فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة # ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ~~ماهيته أو زائد على ماهيته وهل لفظ الوجود مقول بالإشتراك اللفظي أو ~~التواطؤ أو التشكيك كما وقع الإشتباه في إثبات الأحوال ونفيها PageV03P076 ~~وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها ~~أم لا # وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات فتارة يقول ~~أحدهم القولين المتناقضين ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها وتارة يبقى في ~~الشك والتحير # وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات وما وقع من الإشتباه والغلط والحيرة ~~فيها لأئمة الكلام والفلسفة ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة # وبينا أن الصواب هو ms0603 أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في ~~الخارج بخلاف الماهية التي في الذهن فإنها مغايرة للموجود في الخارج وأن ~~لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك فهذه الألفاظ كلها متواطئة # فإذا قيل إنها مشككة لتفاضل معانيها فالمشكك نوع من المتواطئ العام الذي ~~يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك سواء كان المعنى متفاضلا في ~~موارده أو متماثلا # وبينا أن المعدوم شيء أيضا في العلم والذهن لا في الخارج فلا فرق بين ~~الثبوت والوجود لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني مع أن ما في ~~العلم ليس هو الحقيقة الموجودة ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به # وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف لها وجود في ~~PageV03P077 الأذهان وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة ~~بها المعينة فتتشابه بذلك وتختلف به # وأما هذه الجملة المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة ~~من فهمها علم قدر نفعها وانفتح له باب الهدى وإمكان إغلاق باب الضلال ثم ~~بسطها وشرحها له مقام آخر إذ لكل مقام مقال # والمقصود هنا أن الإعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب وينزه عنه ~~كما يفعله كثير من المصنفين خطأ لمن تدبر ذلك وهذا من طرق النفي الباطلة ~~PageV03P078 ### ||| فصل # وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما ~~يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن ~~والبكاء ونحو ذلك ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون أنه بكى على ~~الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة والذين يقولون بإلهية بعض البشر وأنه الله # فإن كثيرا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك ~~ويقولون لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسما أو متحيزا وذلك ممتنع ~~وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم هؤلاء الملاحدة نفاة الأسماء والصفات ~~فإن هذه الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه أحدها أن وصف الله تعالى بهذه ~~النقائص والآفات أظهر فسادا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم ms0604 فإن ~~هذا فيه من الإشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك وكفر صاحب ذلك معلوم ~~بالضرورة من دين الإسلام والدليل معرف للمدلول ومبين له فلا يجوز أن يستدل ~~على الأظهر الأبين بالأخفى كما لا يفعل مثل ذلك في الحدود PageV03P079 # الوجه الثاني أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات يمكنهم أن يقولوا نحن لا ~~نقول بالتجسيم والتحيز كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم فيصير ~~نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلام وصفات الكمال فيصير كلام من وصف الله بصفات ~~الكمال وصفات النقص واحدا ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد وهذا ~~في غاية الفساد # الثالث أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة واتصافه بصفات ~~الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع فيكون ذلك دليلا على فساد هذه الطريقة # الرابع أن سالكي هذه الطريقة متناقضون فكل من أثبت شيئا منهم ألزمه الآخر ~~بما يوافقه فيه من الإثبات كما أن كل من نفى شيئا منهم ألزمه الآخر بما ~~يوافقه فيه من النفي # فمثبته الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر إذا قالت ~~لهم النفاة كالمعتزله هذا تجسيم لأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا ~~بالجسم أو لأنا لا نعرف موصوفا بالصفات إلا جسما # قالت لهم المثبتة وأنتم قد قلتم انه حي عليم قدير وقلتم ليس بجسم وأنتم ~~لا تعلمون موجودا حيا عالما قادرا الا جسما فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم ~~فكذلك نحن وقالوا لهم أنتم اثبتم حيا عالما قادرا بلا حياة ولا علم ولا ~~قدرة وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل PageV03P080 # ثم هؤلاء المثبتون إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض أو من ~~وصفه بالاستواء والنزول والاتيان والمجيء أو بالوجه واليد ونحو ذلك إذا ~~قالوا هذا يقتضي التجسيم لانا لا نعرف ما يوصف بذلك الا ما هو جسم # قالت لهم المثبتة فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ~~والكلام وهذا هكذا فإذا كان هذا لا يوصف به الا الجسم فالآخر كذلك وان أمكن ~~أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك فالتفريق ms0605 بينهما تفريق بين ~~المتماثلين # ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقا ~~فاسدا لم يسلكه أحد من السلف والأئمة فلم ينطق أحد منهم في حق الله بالجسم ~~لا نفيا ولا اثباتا ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك لانها عبارات مجملة لا ~~تحق حقا ولا تبطل باطلا # ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ~~ماهو من هذا النوع بل هذا هو من الكلام المبتدع الذى أنكره السلف والأئمة ~~PageV03P081 ### ||| فصل # وأما في طرق الإثبات فمعلوم ايضا أن المثبت لا يكفى في اثباته مجرد نفى ~~التشبيه إذ لو كفى في اثباته مجرد نفى التشبيه لجاز ان يوصف سبحانه من ~~الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفى التشبيه وأن ~~يوصف بالنقائص التى لا تجوز عليه مع نفى التشبيه # كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفى التشبيه وكما ~~لو قال المفترى يأكل لا كأكل العباد ويشرب لا كشربهم ويبكى ويحزن لا ~~كبكائهم ولا حزنهم كما يقال يضحك لا كضحكهم ويفرح لا كفرحهم ويتكلم لا ~~ككلامهم ولجاز أن يقال له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم كما قيل له وجه لا ~~كوجوههم ويدان لا كأيديهم حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر وغير ذلك مما ~~يتعالى الله عز وجل عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات ما ~~الفرق بين هذا وما أثبته إذا نفيت التشبيه وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيا في ~~الإثبات فلا بد من اثبات فرق في نفس الأمر PageV03P082 فان قال العمدة في ~~الفرق هو السمع فما جاء به السمع أثبته دون ما لم يجئ به السمع # قيل له أولا السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه فما أخبر به ~~الصادق فهو حق من نفي أو إثبات والخبر دليل على المخبر عنه والدليل لا ~~ينعكس فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه فما لم ms0606 يرد به السمع يجوز أن يكون ~~ثابتا في نفس الأمر وإن لم يرد به السمع إذا لم يكن نفاه # ومعلوم أن السمع لم ينف هذه الأمور بأسمائها الخاصة فلا بد من ذكر ما ~~ينفيها من السمع وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها كما لا يجوز إثباتها # وأيضا فلا بد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفي فإن الأمور ~~المتماثلة في الجواز والوجوب والإمتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض في ~~الجواز والوجوب والإمتناع فلا بد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه ~~بالنفي ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت # وقد يعبر عن ذلك بأن يقال لا بد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله كما ~~أنه لا بد من أمر يثبت له ما هو ثابت وان كان السمع كافيا كان مخبرا عما هو ~~الأمر عليه في نفسه فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا # فيقال كلما نفى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه فإن ثبوت أحد ~~PageV03P083 الضدين يستلزم نفي الآخر فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه ~~وأنه قديم واجب القدم علم امتناع العدم والحدوث عليه وعلم أنه غني عما سواه # فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه لنفسه ليس هو موجودا بنفسه بل ~~بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه فلا يوجد إلا به # وهو سبحانه غني عن كل ما سواه فكل ما نافي غناه فهو منزه عنه وهو سبحانه ~~قدير قوي فكل ما نافي قدرته وقوته فهو منزه عنه وهو سبحانه حى قيوم فكل ما ~~نافي حياته وقيوميته فهو منزه عنه # وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد ~~فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه كما ينفي عنه المثل والكفؤ فأن اثبات الشيء ~~نفي لضده ولما يستلزم ضده والعقل يعرف نفي ذلك كما يعرف اثبات ضده فاثبات ~~أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه # فطرق العلم بنفي ما ينزه عنه الرب ms0607 متسعة لا يحتاج فيها إلى الإقتصار على ~~مجرد نفي التشبيه والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير الذين تناقضوا في ~~ذلك وفرقوا بين المتماثلين حتى ان كل من أثبت شيئا احتج عليه من نفاه بأنه ~~يستلزم التشبيه # وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي فقالوا ~~PageV03P084 # لا يقال لا موجود ولا ليس بموجود ولا حى ولاليس بحى لأن ذلك تشبيه ~~بالموجود أو المعدوم فلزم نفي النقيضين وهو أظهر الاشياء امتناعا # ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم مما ~~فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه ~~عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا # وقد تقدم أن ما ينفى عنه سبحانه النفي المتضمن للإثبات إذ مجرد النفي لا ~~مدح فيه ولا كمال فإن المعدوم يوصف بالنفي والمعدوم لا يشبه الموجودات وليس ~~هذا مدحا له لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلقا كما أن مماثلة ~~المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عنه الرب تبارك وتعالى # والنقص ضد الكمال وذلك مثل أنه قد علم أنه حى والموت ضد ذلك فهو منزه عنه ~~وكذلك النوم والسنة ضد كمال الحياة فإن النوم أخو الموت وكذلك اللغوب نقص ~~في القدرة والقوة والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود ~~غيره كما أن الإستعانة بالغير والإعتضاد به ونحو ذلك تتضمن الإفتقار إليه ~~والإحتياج إليه # وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته وأفعاله فهو مفتقر ~~إليه PageV03P085 # ليس مستغنيا عنه بنفسه فكيف من يأكل ويشرب والآكل والشارب أجوف والمصمت ~~الصمد أكمل من الآكل والشارب # ولهذا كانت الملائكة صمدا لا تأكل ولا تشرب وقد تقدم أن كل كمال ثبت ~~لمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ~~ذلك والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله تعالى @QB@ الله الصمد @QE@ ~~والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب وهذه السورة هي نسب الرحمن أوهى ~~الأصل في هذا الباب # وقال ms0608 في حق المسيح وأمه @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام @QE@ فجعل ذلك دليلا على نفى الألوهية ~~فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى # والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب فالغنى المنزه عن ذلك ~~منزه عن آلات ذلك بخلاف اليد فأنها للعمل والفعل وهو سبحانه موصوف بالعمل ~~والفعل إذ ذاك من صفات الكمال فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل # وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه وكذلك البكاء ~~والحزن هو مستلزم الضعف والعجز الذي ينزه عنه سبحانه بخلاف الفرح والغضب ~~فإنه من صفات الكمال فكما يوصف بالقدرة دون PageV03P086 العجز وبالعلم دون ~~الجهل وبالحياة دون الموت وبالسمع دون الصمم وبالبصر دون العمى وبالكلام ~~دون البكم فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن وبالضحك دون البكاء ونحو ذلك # وأيضا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه لا كفؤ له ولا سمى له ~~وليس كمثله شيء فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات ولا حقيقة ~~شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات فيعلم قطعا أنه ليس من جنس ~~المخلوقات لا الملائكة ولا السماوات ولا الكواكب ولا الهواء ولا الماء ولا ~~الأرض ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم ولا غير ذلك بل يعلم أن حقيقته ~~عن مماثلات شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق وأن مماثلته لشيء منها ~~أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر # فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى ووجب لها ~~ما وجب لها فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على ~~المحدث المخلوق من العدم والحاجة وأن يثبت لهذا ما يثبت لذلك من الوجوب ~~والفناء فيكون الشيء الواحد واجبا بنفسه غير واجب بنفسه موجودا معدوما وذلك ~~جمع بين النقيضين # وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون بصر كبصري أو يد كيدي ~~ونحو ذلك تعالى ms0609 الله عن قولهم علوا كبيرا PageV03P087 وليس المقصود هنا ~~استيفاء ما يثبت له ولا ما ينزه عنه واستيفاء طرق ذلك لان هذا مبسوط في غير ~~هذا الموضع # وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه # وما سكت عنه السمع نفيا واثباتا ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه ~~سكتنا عنه فلا نثبته ولا ننفيه # فنثبت ما علمنا ثبوته وننفي ما علمنا نفيه ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا ~~إثباته والله أعلم الصفحة 88 أعلم PageV03P088 ### ||| فصل # وأما الاصل الثانى وهو التوحيد في العبادات المتضمن للإيمان بالشرع ~~والقدر جميعا # فنقول لا بد من الإيمان بخلق الله وأمره فيجب الإيمان بأن الله خالق كل ~~شيء وربه ومليكه وأنه على كل شيء قدير وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله # وقد علم ما سيكون قبل أن يكون وقدر المقادير وكتبها حيث شاء كما قال ~~تعالى ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك ~~على الله يسير # وفى الصحيح عن النبى أنه قال إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء # ويجب الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له كما خلق الجن والإنس ~~لعبادته وبذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وعبادته تتضمن PageV03P089 كمال الذل ~~والحب له وذلك يتضمن كمال طاعته من يطع الرسول فقد أطاع الله # وقد قال تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) وقال تعالى ( ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم وقال تعالى ( ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) ( ~~وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) # وقال تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا اليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه ms0610 ) وقال تعالى ( ياأيها الرسل كلوا من الطيبات ~~وأعملوا صالحا انى بما تعملون عليم وان هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون ) فأمر الرسل بإقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه # ولهذا قال النبى في الحديث الصحيح انا معاشر الأنبياء ديننا واحد ~~والأنبياء أخوة لعلات وان أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بينى وبينه ~~نبى # وهذا الدين هو دين الإسلام الذى لا يقبل الله دينا غيره لا من الأولين ~~ولا من الآخرين فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام قال الله تعالى عن نوح ( ~~واتل عليهم نبأ نوح اذ قال لقومه يا قوم ان كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى ~~PageV03P090 بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) إلى قوله ~~( وأمرت أن اكون من المسلمين ) # وقال عن إبراهيم ومن يرغب عن ملة إبراهيم الا من سفه نفسه ) إلى قوله ( ~~اذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين إلى قوله ( فلا تموتن الا وأنتم ~~مسلمون # وقال عن موسى ( وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين ) وقال في خبر المسيح ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى ~~وبرسولى قالوا أمنا وأشهد بأننا مسلمون ) # وقال فيمن تقدم من الأنبياء يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) ~~وقال عن بلقيس أنها قالت ( رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين # فالإسلام يتضمن الإستسلام لله وحده فمن إستسلم له ولغيره كان مشركا ومن ~~لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر ~~والإستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده # فهذا دين الإسلام الذى لا يقبل الله غيره وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل ~~وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت فاذا أمر في أول الأمر بإستقبال ~~PageV03P091 الصخرة ثم أمرنا ثانيا باستقبال الكعبة كان كل من الفعلين حين ~~امر به داخلا في الإسلام # فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو ~~وجه المصلى فكذلك الرسل دينهم واحد وإن تنوعت ms0611 الشرعة والمنهاج والوجه ~~والمنسك فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا كما لم يمنع ذلك في شريعة ~~الرسول الواحد # والله تعالى جعل من دين الرسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به وآخرهم يصدق ~~بأولهم ويؤمن به قال الله تعالى ( واذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين # قال بن عباس لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حى ~~ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمتة لئن بعث محمد وهم أحياء ~~ليؤمنن به ولينصرنه وقال تعالى ( وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # وجعل الإيمان متلازما وكفر من قال أنه أمن ببعض وكفر ببعض PageV03P092 ~~قال الله تعالى إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك ~~هم الكافرون حقا ) وقال تعالى ( افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما ~~جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى ~~أشد العذاب ) إلى قوله ( تعملون ) # وقد قال لنا ( قولوا أمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن أمنوا بمثل ما آمنتم به فقد ~~إهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) # فأمرنا ان نقول أمنا بهذا كله ونحن له مسلمون فمن بلغته رسالة محمد فلم ~~يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا بل يكون كافرا وإن زعم أنه مسلم أو ~~مؤمن # كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام ms0612 دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الاخرة من الخاسرين ) قالت اليهود والنصارى فنحن مسلمون فأنزل ~~الله ( ولله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا فقالوا لا نحج فقال ~~تعالى ( ومن كفر فان الله غنى عن العالمين ) # فإن الإستسلام لله لا يتم إلا بالإقرار بماله على عباده من حج البيت كما ~~PageV03P093 قال صلى الله عليه وسلم ( بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج ~~البيت ) ولهذا لما وقف النبى بعرفة أنزل الله تعالى ( اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا # وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا ( وهو ~~نزاع لفظى ) فإن الإسلام الخاص الذى بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ~~المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم والإسلام ~~اليوم عند الإطلاق يتناول هذا وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث ~~الله بها نبيا فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبى من الأنبياء # ورأس الإسلام مطلقا شهادة أن لا إله إلا الله وبها بعث جميع الرسل كما ~~قال تعالى ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ~~وقال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون ) وقال عن الخليل ( واذ قال إبراهيم لأبيه وقومه اننى براء مما ~~تعبدون إلا الذى فطرنى فانه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبة لعلهم يرجعون ~~) وقال تعالى عنه ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم ~~عدو لى إلا رب العالمين ) وقال تعالى ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا ~~بكم وبدا بيننا وبينكم PageV03P094 العدواة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~) وقال ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون ) # وذكر عن رسله كنوح وهود وصالح ms0613 وغيرهم انهم قالوا لقومهم ( اعبدوا الله ما ~~لكم من اله غيره ) وقال عن أهل الكهف ( أنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~وربطنا على قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من ~~دونه الها لقد قلنا اذا شططا ) إلى قوله ( فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا ) # وقد قال سبحانه ( ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~) ذكر ذلك في موضعين من كتابه # وقد بين في كتابه الشرك بالملائكة والشرك بالأنبياء والشرك بالكواكب ~~والشرك بالأصنام وأصل الشرك الشرك بالشيطان فقال عن النصارى ( اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما امروا الا ~~ليعبدوا الها واحدا لا اله الا هو سبحانه عما يشركون ) وقال تعالى ( واذ ~~قال الله ياعيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وامى الهين من دون الله ~~قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ~~ما في نفسى ولا أعلم ما في نفسك انك أنت علام الغيوب ما قلت لهم الا ما ~~أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم ) وقال تعالى ( وما كان لبشر ان يؤتيه ~~PageV03P095 الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من ~~دون الله ) إلى قوله ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد اذ أنتم مسلمون ) فبين ان اتخاذ الملائكة والنبيين ~~أربابا كفر # ومعلوم أن أحدا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والاحبار والرهبان والمسيح ~~بن مريم شاركوا الله في خلق السماوات والأرض # بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات # والأفعال # بل ولا أثبت أحد من بنى آدم الها مساويا لله في جميع صفاته بل عامة ~~المشركين بالله مقرون بأنه ليس شريكه مثله بل عامتهم يقرون ان الشريك مملوك ~~له سواء كان ملكا أو نبيا أو كوكبا أو صنما كما كان مشركوا العرب يقولون في ~~تلبيتهم ( لبيك لا شريك لك الا شريكا هو لك ms0614 تملكه وما ملك ) فأهل رسول الله ~~بالتوحيد وقال ( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك ~~والملك لا شريك لك ) # وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل ~~والنحل والآراء والديانات فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق ~~جميع المخلوقات ولا مماثل له في جميع الصفات بل من أعظم PageV03P096 ما ~~نقلوا في ذلك قول الثنوية الذين يقولون بالأصلين ( النور ) و ( الظلمة ) ~~وان النور خلق الخير والظلمة خلقت الشر # ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين # أحدهما أنها محدثة فتكون من جملة المخلوقات له # والثانى أنها قديمة لكنها لم تفعل إلا الشر فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ~~ومفعولاتها عن النور # وقد أخبر سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بينه ~~في كتابه فقال ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولون الله قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله أن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ) وقال ~~تعالى ( قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون ~~قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ) إلى ~~قوله ( فأنى تسحرون ) إلى قوله ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ) وقال ~~( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى التوحيد فإن عامة PageV03P097 ~~المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا ~~التوحيد ( ثلاثة أنواع ) # فيقولون هو واحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في ~~أفعاله لا شريك له # وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو ( توحيد الافعال ) وهو أن ~~خالق العالم واحد وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها ~~ويظنون ان هذا ms0615 هو التوحيد المطلوب وان هذا هو معنى قولنا لا اله الا الله ~~حتى قد يجعلوا معنى الإلهية القدرة على الإختراع # ومعلوم ان المشركين من العرب الذين بعث اليهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~أولا لم يكونوا يخالفونه في هذا بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى ~~أنهم كانوا يقرون بالقدر أيضا وهم مع هذا مشركون # فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك ولكن غاية ما يقال ~~إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله كالقدرية وغيرهم لكن ~~هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم وإن قالوا أنهم خلقوا ~~أفعالهم # وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون أن بعض المخلوقات مبدعة ~~لبعض الأمور هم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة PageV03P098 ~~مخلوقة لا يقولون انها غنية عن الخالق مشاركة له في الخلق فأما من أنكر ~~الصانع فذاك جاحد معطل للصانع كالقول الذى أظهر فرعون # والكلام الآن مع المشركين بالله المقرين بوجوده فإن هذا التوحيد الذى ~~قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون بل يقرون به مع انهم مشركون كما ثبت ~~بالكتاب والسنة والإجماع وكما علم بالإضطرار من دين الإسلام # وكذلك ( النوع الثانى ) وهو قولهم لا شبيه له في صفاته فإنه ليس في الامم ~~من أثبت قديما مماثلا له في ذاته سواء قال أنه يشاركه أو قال أنه لا فعل له ~~بل من شبه به شيئا من مخلوقاته فإنما يشبهه به في بعض الأمور # وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو ~~يجوز أو يمتنع عليه فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم # وعلم أيضا بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلابد بينهما من قدر ~~مشترك كإتفاقهما في مسمى الوجود والقيام بالنفس والذات ونحو ذلك فإن نفى ~~ذلك يقتضى التعطيل المحض وانه لا بد من إثبات خصائص الربوبية وقد تقدم ~~الكلام على ذلك # ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفى الصفات في مسمى التوحيد ~~فصار ms0616 من قال ان لله علما أو قدرة أو أنه يرى في الآخرة أو أن القرآن كلام ~~الله منزل غير مخلوق يقولون أنه مشبه ليس بموحد PageV03P099 # وزاد عليهم غلاة الفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى وقالوا من قال ~~إن الله عليم قدير عزيز حكيم فهو مشبه ليس بموحد وزاد عليهم غلاة الغلاة ~~وقالوا لا يوصف بالنفى ولا الإثبات لأن في كل منهما تشبيها له وهؤلاء كلهم ~~وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه فإنهم شبهوه بالممتنعات ~~والمعدومات والجمادات فرارا من تشبيههم بزعمهم له بالأحياء ومعلوم ان هذه ~~الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلا وهو سبحانه ~~وتعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فلا فرق بين ~~إثبات الذات وإثبات الصفات فإذا لم يكن في إثبات الذات إثبات مماثلة للذوات ~~لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك فصار هؤلاء الجهمية المعطلة ~~يجعلون هذا توحيدا ويجعلون مقابل ذلك التشبيه ويسمون نفوسهم الموحدين # وكذلك ( النوع الثالث ) وهو قولهم هو واحد لا قسيم له في ذاته أو لا جزء ~~له أو لا بعض له لفظ مجمل فان الله سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد فيمتنع عليه ان يتفرق أو يتجزأ أو يكون قد ركب من أجزاء لكنهم ~~يدرجون في هذا اللفظ نفى علوه على عرشه ومباينته لخلقه وامتيازه عنهم ونحو ~~ذلك من المعانى المستلزمة لنفيه وتعطيله ويجعلون ذلك من التوحيد ~~PageV03P100 # فقد تبين أن ما يسمونه توحيدا فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل ولو كان ~~جميعه حقا فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذى وصفهم ~~به في القرآن وقاتلهم عليه الرسول بل لا بد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله # وليس المراد ( بالاله ) هو القادر على الإختراع كما ظنه من ظنه من أئمة ~~المتكلين حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون غيره وأن من أقر ms0617 ~~بأن الله هو القادر على الإختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا هو # فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه بل الإله الحق ~~هو الذى يستحق بأن يعبد فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله والتوحيد أن ~~يعبد الله وحده لا شريك له والإشراك أن يجعل مع الله إلها آخر # وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار أهل الإثبات للقدر المنتسبون ~~إلى السنة إنما هو توحيد الربوبية وأن الله رب كل شيء ومع هذا فالمشركون ~~كانوا مقرين بذلك مع انهم مشركون # وكذلك طوائف من اهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد ~~غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد وأن يشهد أن الله رب كل شيء ~~ومليكه وخالقه لا سيما اذا غاب العارف بموجوده عن PageV03P101 وجوده ~~وبمشهوده عن شهوده وبمعروفه عن معرفته ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث ~~يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل فهذا عندهم هو الغاية التى لا غاية وراءها # ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد ولا يصير الرجل ~~بمجرد هذا التوحيد مسلما فضلا عن أن يكون وليا لله أو من سادات الأولياء # وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقررون هذا التوحيد مع إثبات الصفات ~~فيفنون في توحيد الربوبية مع اثبات الخالق للعالم المباين لمخلوقاته وآخرون ~~يضمون هذا إلى نفى الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا وهذا شر من حال كثير ~~من المشركين # وكان جهم ينفى الصفات ويقول بالجبر فهذا تحقيق قول جهم لكنه اذا اثبت ~~الأمر والنهى والثواب والعقاب فارق المشركين من هذا الوجه لكن جهما ومن ~~اتبعه يقول بالإرجاء فيضعف الأمر والنهى والثواب والعقاب عنده # والنجارية والضرارية وغيرهم يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان مع ~~مقاربتهم له أيضا في نفى الصفات PageV03P102 # والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات فإنهم يثبتون لله الصفات ~~العقلية وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة كما فصلت أقوالهم في غير ~~هذا الموضع # وأما في باب القدر ms0618 ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة # والكلابية هم أتباع أبى محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب الذى سلك الأشعرى ~~خطته # وأصحاب بن كلاب كالحارث المحاسبى وأبى العباس القلانسى ونحوهما خير من ~~الأشعرية في هذا وهذا فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله ~~أعلى وأفضل # والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد حيث جعلوا ~~الإيمان قول اللسان وان كان مع عدم تصديق القلب فيجعلون المنافق مؤمنا لكنه ~~يخلد في النار فخالفوا الجماعة في الإسم دون الحكم وأما في الصفات والقدر ~~والوعيد فهم اشبه من اكثر طوائف الكلام التى في أقوالها مخالفة للسنة # وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات ويقاربون قول جهم لكنهم PageV03P103 ~~ينفون القدر فهم وإن عظموا الأمر والنهى والوعد والوعيد وغلو فيه فهم ~~يكذبون بالقدر ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب والإقرار بالأمر والنهى ~~والوعد والوعيد مع إنكار القدر خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر ~~والنهى والوعد والوعيد # ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفى الأمر والنهى والوعد ~~والوعيد وكان قد نبغ فيهم القدرية كما نبغ فيهم الخوارج الحرورية وإنما ~~يظهر من البدع أولا ما كان أخفى وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة # فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع اعراضهم عن الأمر ~~والنهى شر من القدرية المعتزلة ونحوهم أولئك يشبهون المجوس وهؤلاء يشبهون ~~المشركين الذين قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~) والمشركون شر من المجوس # فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه فإنه أصل الإسلام الذى يتميز به أهل ~~الإيمان من أهل الكفر وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة شهادة ان لا اله الا ~~الله وان محمدا رسول الله # وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما مع ظنه ~~أنه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة PageV03P104 # فإقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله ~~ان لم يقترن به اقراره بأنه لا اله الا الله فلا ms0619 يستحق العبادة أحد الا هو ~~وأن محمدا رسول الله فيجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر فلا بد من ~~الكلام في هذين الأصلين # الأصل الأول ( توحيد الإلهية ) فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم ~~بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون اذن الله ~~قال تعالى ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبؤون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون ) فاخبر ان هؤلاء الذين أتخذوا هؤلاء شفعاء ~~مشركون # وقال تعالى عن مؤمن يس ( ومالى لا اعبد الذى فطرنى واليه ترجعون أأتخذ من ~~دونه آلهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون انى اذا ~~لفى ضلال مبين انى آمنت بربكم فاسمعون ) وقال تعالى ( ولقد جئتمونا فرادى ~~كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) ~~فأخبر سبحانه عن شفعائهم انهم زعموا انهم فيهم شركاء وقال تعالى ( أم ~~اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله ~~الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ) وقال تعالى ( ما ~~لكم من PageV03P105 دونه من ولى ولا شفيع ) وقال تعالى ( وأنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع ) وقال تعالى ( من ~~ذا الذى يشفع عنده الا بإذنه ) وقال تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون # يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون ) وقال تعالى ( وكم من ملك في السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا الا من ~~بعد ان يأذن الله لمن شاء ويرضى ) وقال تعالى ( قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من ~~شرك وما له ms0620 منهم من ظهير # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن اذن له ) وقال تعالى ( قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا ) # قال طائفة من السلف كان قوم يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل الله ~~هذه الآية يبين فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه # ومن تحقيق التوحيد ان يعلم أن الله تعالى أثبت له حقا لا يشركه فيه مخلوق ~~كالعبادة والتوكل والخوف والخشية والتقوى كما قال تعالى ( لا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ) وقال تعالى ( انا أنزلنا PageV03P106 اليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ) وقال تعالى ( قل انى امرت ان ~~اعبد الله مخلصا له الدين ) وقال تعالى ( قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها ~~الجاهلون ) إلى قوله ( الشاكرين وكل من الرسل يقول لقومه ( اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره ) # وقد قال تعالى في التوكل ( وعلى الله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين ) ( وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون ) وقال ( قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ) وقال ~~تعالى ( ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ) # فقال في الإتيان ( ما آتاهم الله ورسوله ) وقال في التوكل ( وقالوا حسبنا ~~الله ) ولم يقل ورسوله لأن الإتيان هو الإعطاء الشرعى وذلك يتضمن الإباحة ~~والإحلال الذى بلغه الرسول فإن الحلال ما أحله والحرام ما حرمه والدين ما ~~شرعه قال تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) # وأما الحسب فهو الكافى والله وحده كاف عبده كما قال تعالى ( الذين قال ~~لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل ) فهو وحده حسبهم كلهم وقال تعالى ( يا أيها النبى حسبك الله ~~ومن اتبعك من المؤمنين ) أى حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله فهو ~~كافيكم كلكم PageV03P107 # وليس المراد ان الله والمؤمنين ms0621 حسبك كما يظنه بعض الغالطين اذ هو وحده ~~كاف نبيه وهو حسبه ليس معه من يكون هو واياه حسبا للرسول وهذا في اللغة ~~كقول الشاعر % # فحسبك والضحاك سيف مهند # % # وتقول العرب حسبك وزيدا درهم أى يكفيك وزيدا جميعا درهم # وقال في الخوف والخشية والتقوى ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون ) فأثبت الطاعة لله والرسول وأثبت الخشية والتقوى لله ~~وحده كما قال نوح عليه السلام ( انى لكم نذير مبين ان اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون ) فجعل العبادة والتقوى لله وحده وجعل الطاعة للرسول فإنه من يطع ~~الرسول فقد اطاع الله # وقد قال تعالى ( فلا تخشوا الناس واخشون ) وقال تعالى ( فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين ) وقال الخليل عليه السلام ( وكيف اخاف ما أشركتم ~~ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق ~~بالأمن ان كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون ) # وفى الصحيحين عن بن مسعود أنه قال لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب ~~رسول الله وقالوا وأينا لم يظلم نفسه PageV03P108 فقال النبى ( إنما هو ~~الشرك أو لم تسمعوا إلى قول العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم وقال تعالى ( ~~فإياى فارهبون وإياى فاتقون ) # ومن هذا الباب أن النبى كان يقول في خطبته ( من يطع الله ورسوله فقد رشد ~~ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا ) # وقال ( ولا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء ~~محمد ) # ففى الطاعة قرن اسم الرسول باسمه بحرف الواو وفى المشيئة أمر أن يجعل ذلك ~~بحرف ثم وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله ~~وطاعة الله طاعة الرسول بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله ~~ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد بل ما شاء الله كان وان لم يشأ الناس ~~وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله ### || الأصل الثانى حق الرسول صلى ms0622 الله عليه وسلم # فعلينا ان نؤمن به ونطيعه ونتبعه ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه وأمثال ~~PageV03P109 ذلك قال تعالى ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وقال تعالى ( ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه ) وقال تعالى ( قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله ~~بأمره ) وقال تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) وقال تعالى ( قل ان كنتم ~~تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) وأمثال ذلك PageV03P110 ### ||| فصل # واذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه يجب الايمان بخلق الله وأمره بقضائه وشرعه # وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق مجوسية ومشركية ~~وابليسية # فالمجوسية الذين كذبوا بقدر الله وان آمنوا بأمره ونهيه فغلاتهم أنكروا ~~العلم والكتاب ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته وهؤلاء هم ~~المعتزلة ومن وافقهم # والفرقة الثانية المشركية الذين أقروا بالقضاء والقدر وأنكروا الامر ~~والنهى قال تعالى ( وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء ) فمن احتج على تعطيل الامر والنهى بالقدر فهو من هؤلاء ~~وهذا قد كثر فيمن يدعى الحقيقة من المتصوفة # والفرقة الثالثة وهم الابليسية الذين أقروا بالامرين لكن جعلوا هذا ~~متناقضا من الرب سبحانه وتعالى وطعنوا في حكمته وعدله كما يذكر ذلك عن ~~ابليس مقدمهم كما نقله أهل المقالات ونقل عن أهل الكتاب PageV03P111 # والمقصود أن هذا مما تقوله أهل الضلال واما أهل الهدى والفلاح فيؤمنون ~~بهذا وهذا ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير وأحاط بكل شىءعلما وكل شيء أحصاه في امام ~~مبين # ويتضمن هذا الأصل من اثبات علم الله وقدرته ومشيئته ووحدانيته وربوبيته ~~وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه ما هو من أصول الايمان # ومع هذا فلا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب التى يخلق بها المسببات كما ms0623 ~~قال تعالى ( حتى اذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء ~~فأخرجنا به من كل الثمرات ) وقال تعالى ( يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام ) وقال تعالى ( يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا ) فأخبر أنه يفعل ~~بالاسباب # ومن قال إنه يفعل عندها لا بها فقد خالف ما جاء به القرآن وأنكر ما خلقه ~~الله من القوى والطبائع وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التى في ~~الحيوان التى يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد كما أن من جعلها هي المبدعة ~~لذلك فقد أشرك بالله وأضاف فعله إلى غيره # وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه ~~ولابد من مانع يمنع مقتضاه اذا لم يدفعه الله عنه فليس في PageV03P112 ~~الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء اذا شاء الا الله وحده قال تعالى ( ومن كل ~~شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) أى فتعلمون أن خالق الازواج واحد # ولهذا من قال ان الله لا يصدر عنه الا واحد لأن الواحد لا يصدر عنه الا ~~واحد كان جاهلا فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء لا واحد ولا ~~اثنان الا الله الذى خلق الازواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ~~يعلمون # فالنار التى خلق الله فيها حرارة لا يحصل الاحراق الا بها وبمحل يقبل ~~الاحتراق فاذا وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما وقد يطلى ~~الجسم بما يمنع احراقه # والشمس التى يكون عنها الشعاع لابد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه فاذا ~~حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته وقد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا أنه لابد من الايمان بالقدر فإن الايمان بالقدر من تمام ~~التوحيد كما قال بن عباس هو نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم ~~توحيده ومن وحد الله وكذب بالقدر نقض توحيده # ولابد من الايمان بالشرع وهو الايمان بالأمر والنهى والوعد والوعيد كما ~~بعث الله بذلك رسله وأنزل ms0624 كتبه PageV03P113 # والانسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا فإنه لابد له من حركة يجلب بها ~~منفعته وحركة يدفع بها مضرته والشرع هو الذى يميز بين الأفعال التى تنفعه ~~والأفعال التى تضره وهو عدل الله في خلقه ونوره بين عباده فلا يمكن ~~للآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه ويتركونه # وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم بل الانسان ~~المنفرد لابد له من فعل وترك فإن الانسان همام حارث كما قال النبى ( أصدق ~~الأسماء حارث وهمام ) وهو معنى قولهم متحرك بالارادات فإذا كان له إرادة ~~فهو متحرك بها ولابد أن يعرف ما يريده هل هو نافع له أو ضار وهل يصلحه أو ~~يفسده # وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب وكما ~~يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم وبعضهم يعرفونه بالإستدلال ~~الذى يهتدون به بعقولهم وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم ~~وهدايتهم لهم # وفى هذا المقام تكلم الناس في أن الأفعال هل يعرف حسنها وقبيحها بالعقل ~~أم ليس لها حسن ولا قبيح يعرف بالعقل كما قد بسط في غير هذا الموضع وبينا ~~ما وقع في هذا الموضع من الاشتباه # فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل وهو ~~PageV03P114 أن يكون الفعل سببا لما يحبه الفاعل ويلتذ به وسببا لما يبغضه ~~ويؤذيه وهذا القدر يعلم بالعقل تارة وبالشرع أخرى وبهما جميعا أخرى لكن ~~معرفة ذلك على وجه التفصيل ومعرفة الغاية التى تكون عاقبة الأفعال من ~~السعادة والشقاوة في الدار الآخرة لا تعرف الا بالشرع # فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا ~~يعلمه الناس بعقولهم كما أن ما أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء الله وصفاته ~~لا يعلمه الناس بعقولهم وان كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك # وهذا التفصيل الذى يحصل به الايمان وجاء به الكتاب هو ما دل عليه قوله ~~تعالى ( وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ms0625 ما الكتاب ولا ~~الايمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ) وقوله تعالى ( قل ان ~~ضللت فإنما أضل على نفسى وان أهتديت فبما يوحى إلى ربى انه سميع قريب ) ~~وقوله تعالى ( قل انما أنذركم بالوحى ) # ولكن توهمت طائفة ان للحسن والقبح معنى غير هذا وأنه يعلم بالعقل ~~وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا ~~فكلا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين وأخرجتاه ~~عن هذا القسم غلطت PageV03P115 # ثم إن كلتى الطائفتين لما كانتا تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا والسخط ~~والفرح ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية ودلت عليه الشواهد العقلية ~~تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح هل ذلك ممتنع ~~لذاته وأنه لايتصور قدرته على ما هو قبيح وأنه سبحانه منزه عن ذلك لا يفعله ~~لمجرد القبح العقلى الذى أثبتوه على قولين # والقولان في الانحراف من جنس القولين المتقدمين أولئك لم يفرقوا في خلقه ~~وأمره بين الهدى والضلال والطاعة والمعصية والأبرار والفجار وأهل الجنه ~~وأهل النار والرحمة والعذاب فلا جعلوه محمودا على ما فعله من العدل أو ما ~~تركه من الظلم ولا ما فعله من الاحسان والنعمة وما تركه من التعذيب والنقمة # والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلى الذى أثبتوه ولا حقيقة له وسووه ~~بخلقه فيما يحسن ويقبح وشبهوه بعباده فيما يأمر به وينهى عنه # فمن نظر إلى القدر فقط وعظم الفناء في توحيد الربوبية ووقف عند الحقيقة ~~الكونية لم يميز بين العلم والجهل والصدق والكذب والبر والفجور والعدل ~~والظلم والطاعة والمعصية والهدى والضلال والرشاد والغى وأولياء الله ~~وأعدائه وأهل الجنة وأهل النار # وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله ودينه وشرائعه فهم ~~PageV03P116 مخالفون أيضا لضرورة الحس والذوق وضرورة العقل والقياس فان ~~أحدهم لابد أن يلتذ بشيء ويتألم بشيء فيميز بين ما يأكل ويشرب ومالا يأكل ~~ولا يشرب وبين ما يؤذيه من الحر والبرد وما ليس كذلك وهذا التمييز بين ما ~~ينفعه ms0626 ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية # ومن ظن أن البشر ينتهى إلى حد يستوى عنده الأمران دائما فقد افترى وخالف ~~ضرورة الحس ولكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ~~ذلك مما يشغل عن الاحساس ببعض الأمور فأما أن يسقط احساسه بالكلية مع وجود ~~الحياة فيه فهذا ممتنع فإن النائم لم يفقد إحساس نفسه بل يرى في منامه ما ~~يسوؤه تارة وما يسره أخرى # فالأحوال التى يعبر عنها بالإصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك إنما تتضمن ~~عدم الاحساس ببعض الأشياء دون بعض فهي مع نقص صاحبها لضعف تمييزه لا تنتهى ~~إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقا ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقا وعظم ~~هذا المقام فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرا وشرعا وغلط في خلق ~~الله وفى أمره حيث ظن أن وجود هذا لا وجود له وحيث ظن أنه ممدوح ولا مدح في ~~عدم التمييز العقل والمعرفة # وإذا سمعت بعض الشيوخ يقول أريد أن لا أريد أو أن العارف لا حظ له وأنه ~~يصير كالميت بين يدى الغاسل ونحو ذلك فهذا إنما يمدح PageV03P117 منه سقوط ~~إرادته التى يؤمر بها وعدم حظه الذى لم يؤمر بطلبه وانه كالميت في طلب ما ~~لم يؤمر بطلبه وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه # ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية وأنه لا يحس باللذة والألم ~~والنافع والضار فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل # ومن مدح هذا فهو مخالف لضرورة الدين والعقل # والفناء يراد به ثلاثة أمور # أحدها هو الفناء الدينى الشرعى الذى جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب وهو ~~أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به فيفنى عن عبادة غيره ~~بعبادته وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله وعن التوكل على غيره بالتوكل ~~عليه وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله وعن خوف غيره بخوفه بحيث لا يتبع ~~العبد هواه بغير هدى من الله وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ~~كما قال تعالى ( قل إن كان آباؤكم ms0627 وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب اليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره ) فهذا كله هو مما أمر ~~الله به ورسوله # وأما ( الفناء الثانى ) وهو الذى يذكره بعض الصوفية وهو أن يفنى عن شهود ~~ما سوى الله تعالى فيفنى بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره PageV03P118 ~~وبمعروفه عن معرفته بحيث قد يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى فهذا حال ~~ناقص قد يعرض لبعض السالكين وليس هو من لوازم طريق الله # ولهذا لم يعرف مثل هذا للنبى وللسابقين الأولين ومن جعل هذا نهاية ~~السالكين فهو ضال ضلالا مبينا وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطئ ~~بل هو من عوارض طريق الله التى تعرض لبعض الناس دون بعض ليس هو من اللوازم ~~التى تحصل لكل سالك # وأما الثالث فهو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين ~~وجود الخالق وأن الوجود واحد بالعين فهو قول أهل الالحاد والإتحاد الذين هم ~~من أضل العباد # وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس فان الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن ~~يطرد قوله فإنه اذا كان مشاهدا للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور ~~فعومل بموجب ذلك مثل أن يضرب ويجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع فإن ~~لام من فعل ذلك به وعابه فقد نقض قوله وخرج عن أصل مذهبه وقيل له هذا الذى ~~فعله مقضى مقدور فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله وهو يعمكما فإن كان ~~القدر حجة لك فهو حجة لهذا والا فليس بحجة لا لك ولا له فقد تبين بضرورة ~~العقل فساد قول من ينظر إلى القدر ويعرض PageV03P119 عن الأمر والنهى ~~والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على المقدور كما قال ~~تعالى ( وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ) # وقال في قصة يوسف ( انه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين ~~فالتقوى فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه ولهذا قال ms0628 الله تعالى ( ~~فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار ) # فأمره مع الاستغفار بالصبر فإن العباد لابد لهم من الاستغفار أولهم ~~وآخرهم قال النبى في الحديث الصحيح ( يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذى ~~نفسى بيده إنى لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) وقال ~~( انه ليغان على قلبى وإنى لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة ) # وكان يقول ( اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى واسرافى في أمرى وما أنت أعلم به ~~منى اللهم اغفر لى خطئى وعمدى وهزلى وجدى وكل ذلك عندى اللهم اغفر لى ما ~~قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به منى أنت المقدم وأنت ~~المؤخر ) # وقد ذكر عن آدم أبى البشر انه استغفر ربه وتاب إليه فاجتباه ربه فتاب ~~عليه وهداه وعن ابليس أبى الجن لعنه الله أنه أصر متعلقا بالقدر فلعنه ~~وأقصاه فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه ومن أشبه أباه فما ظلم ~~PageV03P120 قال الله تعالى ( وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب ~~الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما ) # ولهذا قرن الله سبحانه بين التوحيد والإستغفار في غير آية كما قال تعالى ~~( فاعلم أنه لا اله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) وقال ~~تعالى ( فاستقيموا إليه واستغفروه ) وقال تعالى ( الر كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله اننى لكم منه نذير وبشير وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ) # وفى الحديث الذى رواه بن أبى عاصم وغيره ( يقول الشيطان أهلكت الناس ~~بالذنوب وأهلكونى بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك بثثت فيهم ~~الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون انهم يحسنون صنعا # وقد ذكر سبحانه عن ذى النون انه نادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إنى كنت من الظالمين قال تعالى ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ~~ننجى المؤمنين ) قال ms0629 النبى ( دعوة أخى ذى النون ما دعا بها مكروب الا فرج ~~الله كربه ) # وجماع ذلك انه لابد له في الأمر من أصلين ولابد له في القدر من أصلين ~~PageV03P121 ففى ( الأمر ) عليه الإجتهاد في الإمتثال علما وعملا فلا تزال ~~تجتهد في العلم بما أمر الله به والعمل بذلك # ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعديه الحدود # ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع الاعمال بالإستغفار فكان النبى اذا ~~انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقد قال الله تعالى ( والمستغفرين بالاسحار ) ~~فقاموا بالليل وختموه بالإستغفار وآخر سورة نزلت قول الله تعالى ( اذا جاء ~~نصر الله والفتح # ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا # فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا ) وفى الصحيح انه كان يكثر أن يقول ~~في ركوعه وسجوده ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لى ) يتأول القرآن # وأما في ( القدر ( فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به ويتوكل عليه ~~ويدعوه ويرغب إليه ويستعيذ به ويكون مفتقرا إليه في طلب الخير وترك الشر # وعليه أن يصبر على المقدور ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم ~~يكن ليصيبه واذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدر عليه # ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى لما قال يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله ~~بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته لماذا أخرجتنا PageV03P122 ونفسك ~~من الجنة فقال له آدم أنت موسى الذى أصطفاك الله بكلامه فبكم وجدت مكتوبا ~~على من قبل أن أخلق ( وعصى آدم ربه فغوى ) قال بكذا وكذا فحج آدم موسى # وذلك أن موسى لم يكن عتبه لآدم لآجل الذنب فان آدم قد كان تاب منه ~~والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولكن لأجل المصيبة التى لحقتهم من ذلك # وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب وأن يستغفروا من المعائب كما ~~قال تعالى ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ) # فمن راعى الأمر والقدر كما ذكر كان عابدا لله مطيعا له مستعينا به ms0630 متوكلا ~~عليه من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا # وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع كقوله ( إياك نعبد # وإياك نستعين ) وقوله ( فاعبده وتوكل عليه ) وقوله ( عليه توكلت واليه ~~أنيب ) وقوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ) ~~فالعبادة لله والاستعانة به وكان النبى يقول عند الأضحية PageV03P123 ( ~~اللهم منك ولك ( فما لم يكن بالله لا يكون فانه لا حول ولا قوة إلا بالله ~~وما لم يكن لله فلا ينفع ولا يدوم # ولابد في عبادته من أصلين # ( أحدهما ) اخلاص الدين له # ( والثانى ) موافقة أمره الذى بعث به رسله ولهذا كان عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه يقول في دعائه اللهم اجعل عملى كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا ~~تجعل لأحد فيه شيئا وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى ( ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا ) قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا على ما أخلصه وأصوبه قال إذا كان ~~العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ~~حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة # ولهذا ذم الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين ~~ما لم يأذن به الله من عبادة غيره وفعل ما لم يشرعه من الدين كما قال تعالى ~~( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) كما ذمهم على أنهم ~~حرموا ما لم يحرمه الله # والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه # ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام PageV03P124 # فالمؤمنون المتقون هم له وبه يعبدونه ويستعينونه وطائفة تعبده من غير ~~استعانة ولا صبر فتجد عند أحدهم تحريا للطاعة والورع ولزوم السنة لكن ليس ~~لهم توكل واستعانة وصبر بل فيهم عجز وجزع # وطائفة فيهم ms0631 استعانة وتوكل وصبر من غير استقامة على الأمر ولا متابعة ~~للسنة فقد يمكن أحدهم ويكون له نوع من الحال باطنا وظاهرا ويعطى من ~~المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول ولكن لا عاقبة له فإنه ليس من ~~المتقين والعاقبة للتقوى فالأولون لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باق إن لم ~~يفسده صاحبه بالجزع والعجز وهؤلاء لأحدهم حال وقوة ولكن لا يبقى له إلا ما ~~وافق فيه الأمر واتبع فيه السنة # وشر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه فهو لا يشهد أن علمه لله ولا أنه ~~بالله # فالمعتزلة ونحوهم من القدرية الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الامر ~~والنهى والوعد والوعيد خير من هؤلاء الجبرية القدرية الذين يعرضون عن الشرع ~~والامر والنهى # والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خير من المعتزلة ولكن فيهم ~~من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهى والوعد والوعيد PageV03P125 ~~حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك ويصيرون أيضا ~~معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم فهم معتزلة من هذا الوجه # وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرا من بدعة أولئك المعتزلة وكلتا ~~الطائفتين نشأت من البصرة # وإنما دين الله ما بعث به رسله وأنزل به كتبه وهو الصراط المستقيم وهو ~~طريقة أصحاب رسول الله خير القرون وأفضل الأمة وأكرم الخلق على الله تعالى ~~بعد النبيين قال تعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه ) فرضى عن السابقين الأولين رضا ~~مطلقا ورضى عن التابعين لهم بإحسان # وقد قال النبى في الأحاديث الصحيحة ( خير القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) # وكان عبد الله بن مسعود رضى الله عنه يقول من كان منكم مستنا فليستن بمن ~~قد مات فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب رسول الله أبر هذه الأمة ~~قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ~~فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ~~PageV03P126 # وقال حذيفة بن ms0632 اليمان رضى الله عنهما يا معشر القراء استقيموا ~~وخذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن ~~أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا # وقد قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه خط لنا رسول الله خطا وخط حوله ~~خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال ( هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها ~~شيطان يدعو إليه ثم قرأ ( وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ) وقد أمرنا سبحانه أن نقول في صلاتنا ( اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) # وقال النبى ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ) وذلك أن اليهود عرفوا ~~الحق ولم يتبعوه والنصارى عبدوا الله بغير علم # ولهذا كان يقال تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فان ~~فتنتهما فتنة لكل مفتون وقال تعالى ( فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى ~~فلا يضل ولا يشقى ومن اعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ) قال بن عباس رضى ~~الله عنهما تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا ~~يشقى في الآخرة وقرأ هذه الآية PageV03P127 وكذلك قوله تعالى ( الم ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون # والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) فأخبر أن هؤلاء مهتدون ~~مفلحون وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين # فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر اخواننا صراطه المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV03P128 ### || 1 ( العقيدة الواسطية ) 1 ### ||| ! 8 < سئل شيخ الاسلام رحمه الله # أحد قضاة واسط أن يكتب له عقيدة تكون ~~عمدة له وأهل بيته ! 8 < ### |||| ! 8 < فأجابه ! 8 < # ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم ! 8 < # الحمد ms0633 لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما ~~مزيدا # أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة ~~والجماعة وهو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ~~والايمان بالقدر خيره وشره # ومن الايمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه ~~PageV03P129 به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن ~~غير تكييف ولا تمثيل بل يؤمنون بأن الله سبحانه ( ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير ) # فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون في ~~أسماء الله وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لا ~~سمى له ولا كفو له ولا ند له ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى فانه سبحانه ~~أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه # ثم رسله صادقون مصدوقون بخلاف الذين يقولون عليه مالا يعلمون ولهذا قال ~~سبحانه وتعالى ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون # وسلام على المرسلين # والحمد لله رب العالمين ) فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم ~~على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب # وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفى والإثبات فلا عدول ~~لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم صراط الذين ~~انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقد دخل في هذه ~~الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التى تعدل PageV03P130 ثلث القرآن ~~حيث يقول ( قل هو الله أحد # الله الصمد # لم يلد ولم يولد # ولم يكن له كفوا أحد ) # وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول ( الله لا إله إلا هو ~~الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ms0634 ذا ~~الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما أي لا يكرثه ~~ولا يثقله وهو العلى العظيم ) ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل ~~عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح وقوله سبحانه ( وتوكل على الحى ~~الذى لا يموت ) # وقوله سبحانه ( هوالأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) وقوله ~~( وهو العليم الخبير ) ( يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها ) ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في ~~البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين ) وقوله ( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) ~~وقوله ( لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وان الله قد أحاط بكل شيء علما ~~PageV03P131 # وقوله ( ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) وقوله ( ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ) وقوله ( أن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) # وقوله ( ولولا اذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله ) وقوله ( ~~ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن ~~اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ~~ما يريد ) وقوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى ~~الصيد وأنتم حرم ان الله يحكم ما يريد ) وقوله ( فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء ) وقوله ( وأحسنوا ان الله يحب المحسنين ) ( واقسطوا ان الله يحب ~~المقسطين ) ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب المتقين ) ( ان ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) وقوله ( قل ان كنتم تحبون الله ~~فاتبعونى يحببكم الله ) وقوله ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ) وقوله ms0635 ~~( ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) وقوله ( وهو ~~الغفور الودود ) # وقوله ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) ( ~~وكان بالمؤمنين رحيما ) ( ورحمتى وسعت كل شيء ) ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~) ( إن الله غفور رحيم ) ( فالله خير حافظا وهو ارحم الراحمين PageV03P132 # وقوله ( رضى الله عنهم ورضوا عنه ) وقوله ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ) وقوله ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه ) وقوله ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) وقوله ( ولكن كره ~~الله انبعاثهم فثبطهم ) وقوله ( كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون ~~) # وقوله ( هل ينظرون الا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى ~~الامر ) وقوله ( هل ينظرون الا ان تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو يأتى بعض ~~آيات ربك يوم يأتى بعض آيات ربك ) ( كلا اذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك ~~والملك صفا صفا ) ( ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ) # وقوله ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ) ( كل شيء هالك الا وجهه ) ~~وقوله ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ~~غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) # وقوله ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) ( وحملناه على ذات ألواح ودسر # تجرى بأعيننا جزاء لمن كان كفر ) ( والقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى ~~) # وقوله ( قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها وتشتكى إلى الله والله ~~يسمع تحاوركما ان الله سميع بصير ) ( لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله ~~فقير PageV03P133 ونحن أغنياء ) ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون ) # وقوله ( إننى معكما أسمع وأرى ) وقوله ( ألم يعلم بأن الله يرى ) ( الذى ~~يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين انه هو السميع العليم ) ( وقل أعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) # وقوله ( وهو شديد المحال ) وقوله ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ~~) وقوله ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) وقوله ( انهم ms0636 يكيدون ~~كيدا وأكيد كيدا ) # وقوله ( ان تبدو خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فان الله كان عفوا قديرا ~~) ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) # وقوله ( ولله العزة ولرسوله ) وقوله عن إبليس ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) ~~وقوله ( تبارك اسم ربك ذى الجلال والاكرام ) # وقوله ( فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ) ( ولم يكن له كفوا أحد ~~) ( فلا تجعلوا لله اندادا وأنتم تعلمون ) ( ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ) ( وقل الحمد لله الذى ~~لم يتخذ PageV03P134 ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل ~~وكبره تكبيرا ) ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير ) ( تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ~~نذيرا # الذى له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون # عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ) ( فلا تضربوا لله الامثال إن ~~الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ( قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون ) # وقوله ( الرحمن على العرش استوى ) ( ثم استوى على العرش ) في ستة مواضع ~~في سورة الأعراف قوله ( ان ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش ) وقال في سورة يونس عليه السلام ( ان ربكم الله الذى ~~خلق السماوات والأرض في ستة ايام ثم استوى على العرش ) وقال في سورة الرعد ~~( الله الذى رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ) وقال في ~~سورة طه ( الرحمن على العرش استوى ) وقال في سورة الفرقان ( ثم استوى على ~~العرش الرحمن ) وقال ms0637 في سورة آلم السجدة ( الله الذى خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما PageV03P135 في ستة أيام ثم استوى على العرش ) وقال في سورة ~~الحديد ( هو الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ) # وقوله ( يا عيسى انى متوفيك ورافعك إلى ) ( بل رفعه الله إليه ) ( إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ( ياهامان بن لى صرحا لعلى أبلغ ~~الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى اله موسى وانى لأظنه كاذبا ) ( أأمنتم من ~~في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل ~~عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ) # وقوله ( هو الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو ~~معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) ( ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو ~~رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر الا هو معهم أينما ~~كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ان الله بكل شيء عليم ) # وقوله ( لا تحزن ان الله معنا ) ( اننى معكما أسمع وأرى ) ( ان الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون ) ( واصبروا ان الله مع الصابرين ) ( كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) # وقوله ( ومن أصدق من الله حديثا ) ( ومن أصدق من الله قيلا ) ( واذ قال ~~الله ياعيسى بن مريم ) ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) ( وكلم الله ~~PageV03P136 موسى تكليما ) ( منهم من كلم الله ) ( ولما جاء موسى لميقاتنا ~~وكلمه ربه ) ( وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا ) ( واذ نادى ~~ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة ) ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون ) ( ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ) ( وان أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله ) ( وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) ( يريدون أن يبدلوا كلام الله قل ms0638 لن تتبعونا ~~كذلكم قال الله من قبل ) ( واتل ما اوحى اليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ~~) ( ان هذا القرآن يقص على بنى اسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون ) # ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله ) ( واذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ~~ينزل قالوا انما انت مفتر بل اكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ولقد نعلم انهم يقولون انما ~~يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه اعجمى وهذا لسان عربى مبين ) # وقوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) ( على الأرائك ينظرون ) ( ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) ( لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ) وهذا ~~الباب في كتاب الله تعالى كثير من تدبر القرآن طالبا للهدى منه تبين له ~~طريق الحق PageV03P137 ### ||| فصل في سنة رسول الله # فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه وما وصف الرسول به ربه عز ~~وجل من الأحاديث الصحاح التى تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها ~~كذلك # مثل قوله ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ~~فيقول من يدعونى فأستجب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له متفق ~~عليه # وقوله ( لله اشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته ) الحديث متفق عليه # وقوله ( يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة ) متفق ~~عليه PageV03P138 وقوله ( عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر اليكم ~~أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب ) حديث حسن # وقوله ( لا تزال جهنم يلقى فيها وهى تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة ~~فيها رجله وفى رواية عليها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط ) متفق ~~عليه # وقوله صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك وسعديك ~~فينادى بصوت ان الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار ) متفق عليه ~~وقوله ( ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه ليس بينه ms0639 وبينه ترجمان # وقوله صلى الله عليه وسلم في رقية المريض ( ربنا الله الذى في السماء ~~تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض ~~اغفر لنا حوبنا وخطايانا انت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك ~~على هذا الوجع فيبرأ ) حديث حسن رواه أبو داود وغيره # وقوله ( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ) حديث صحيح وقوله ( والعرش ~~فوق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه ) حديث حسن رواه أبو داود ~~وغيره وقوله للجارية ( أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت انت رسول ~~الله قال أعتقها فإنها مؤمنة رواه مسلم PageV03P139 وقوله ( أفضل الإيمان ~~ان تعلم ان الله معك حيثما كنت ) حديث حسن # وقوله ( اذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه فإن ~~الله قبل وجهه ولكن عن يساره أو تحت قدمه ) متفق عليه # وقوله ( اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق ~~الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر نفسى ومن شر كل ~~دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء ~~وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء أقض عنى الدين وأغننى ~~من الفقر ) رواه مسلم وقوله لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكر ( أيها الناس ~~اربعوا على انفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن ~~الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ) متفق عليه # وقوله ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ~~فإن إستطعتم ان لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ~~فافعلوا ) متفق عليه # إلى أمثال هذه الأحاديث التى يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ربه بما يخبر به PageV03P140 # فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما اخبر ~~الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير ms0640 تكييف ولا تمثيل ~~بل هم الوسط في فرق الأمة كما ان الأمة هي الوسط في الامم # فهم وسط في ( باب صفات الله ) سبحانه وتعالى بين اهل التعطيل الجهمية ~~وأهل التمثيل المشبهة # وهم وسط في ( باب افعال الله تعالى ) بين القدرية والجبرية # وفى باب ( وعيد الله ) بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم وفى ( ~~باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية # ( وفى أصحاب رسول الله ) بين الروافض والخوارج PageV03P141 ### ||| فصل # وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه ~~وتواتر عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه ~~فوق سمواته على عرشه على على خلقه وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم ~~عاملون كما جمع بين ذلك في قوله ( هو الذى خلق السماوات والأرض في ستة ايام ~~ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) # وليس معنى قوله ( وهو معكم ) أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة ~~وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الامة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق بل القمر ~~آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته هو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير ~~المسافر اينما كان وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع ~~اليهم إلى غير ذلك من معانى ربوبيته # وكل هذا الكلام الذى ذكره الله سبحانه من انه فوق العرش وأنه معنا حق على ~~حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون PageV03P142 الكاذبة مثل ان ~~يظن ان ظاهر قوله ( في السماء ) أن السماء تقله أو تظله وهذا باطل بإجماع ~~أهل العلم والإيمان فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض وهو الذى يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ( ومن ~~آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) ### ||| فصل # وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من ms0641 خلقه مجيب كما جمع بين ذلك في قوله ~~( واذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان ) الآية # وقوله صلى الله عليه وسلم للصحابة لما رفعوا أصواتهم بالذكر ( أيها الناس ~~أربعوا على انفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذى تدعونه أقرب إلى ~~أحدكم من عنق راحلته ) وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافى ~~ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته وهو على ~~في دنوه قريب في علوه PageV03P143 ### ||| فصل # ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ~~منه بدأ وإليه يعود وأن الله تعالى تكلم به حقيقة وان هذا القرآن الذى ~~أنزله على محمد هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره ولا يجوز إطلاق القول بأنه ~~حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه بل اذا قرأه الناس أوكتبوه بذلك في ~~المصاحف لم يخرج بذلك عن ان يكون كلام الله تعالى حقيقة فإن الكلام إنما ~~يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا # وهو كلام الله حروفه ومعانيه ليس كلام الله الحروف دون المعانى ولا ~~المعانى دون الحروف ### ||| فصل # وقد دخل أيضا فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبرسله الإيمان بأن ~~المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانا بأبصارهم كما يرون الشمس صحوا ليس دونها ~~سحاب وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته يرونه سبحانه وهم في ~~عرصات القيامة ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله سبحانه وتعالى ~~PageV03P144 ### ||| فصل # ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبى صلى الله عليه ~~وسلم مما يكون بعد الموت فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر وبنعيمه فأما ~~الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل ( من ربك وما دينك ومن نبيك ~~فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة فيقول ~~المؤمن الله ربى والإسلام دينى ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي وأما المرتاب ~~فيقول هاه هاه لا أدري سمعت الناس ms0642 يقولون شيئا فقلته فيضرب بمرزبة من حديد ~~فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق # ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى ان تقوم القيامة الكبرى فتعاد ~~الارواح إلى الاجساد وتقوم القيامة التى أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان ~~رسوله وأجمع عليها المسلمون فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة ~~غرلا وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق # وتنصب الموازين فتوزن فيها اعمال العباد ( فمن ثقلت موازينه فأولئك ~~PageV03P145 هم المفلحون # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ) # وتنشر الدواوين وهى صحائف الاعمال فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله ~~أو من وراء ظهره كما قال سبحانه وتعالى ( وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه ~~ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا ) # ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في ~~الكتاب والسنة # وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فإنه لا حسنات ~~لهم ولكن تعد أعمالهم وتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها # وفى عرصة القيامة الحوض المورود لمحمد ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من ~~العسل آنيته عدد نجوم السماء طوله شهر وعرضه شهر من يشرب منه شربة لم يظمأ ~~بعدها أبدا # والصراط منصوب على متن جهنم وهو الجسر الذى بين الجنة والنار يمر الناس ~~عليه على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالبرق الخاطف ~~ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد PageV03P146 ومنهم من يمر ~~كركاب الإبل ومنهم من يعدو عدوا ومنهم من يمشى مشيا ومنهم من يزحف زحفا ~~ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم ~~فمن مر على الصراط دخل الجنة # فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض ~~فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة # وأول من يستفتح باب الجنة محمد وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته وله في ~~القيامة ms0643 ثلاث شفاعات أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى ~~بينهم بعد ان تتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ~~الشفاعة حتى تنتهى إليه # وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة وهاتان ~~الشفاعتان خاصتان له # وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن إستحق النار وهذه الشفاعة له ولسائر ~~النبيين والصديقين وغيرهم فيشفع فيمن إستحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن ~~دخلها أن يخرج منها ويخرج الله تعالى من النار أقواما بغير PageV03P147 ~~شفاعة بل بفضله ورحمته ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ ~~الله لها أقواما فيدخلهم الجنة # وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار ~~وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء والآثار من العلم المأثورة ~~عن الأنبياء وفى العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفى ~~ويكفى فمن ابتغاه وجده # وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ( بالقدر ) خيره وشره والإيمان ~~بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله ~~تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذى هو موصوف به أزلا وعلم جميع ~~أحوالهم من الطاعات والمعاصى والأرزاق والآجال # ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق ( فأول ما خلق الله القلم قال ~~له أكتب قال ما أكتب قال أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ) فما أصاب ~~الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف ~~كما قال سبحانه وتعالى ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك ~~في كتاب ان ذلك على الله يسير ) وقال ( ما أصاب من PageV03P148 مصيبة في ~~الأرض ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها إن ذلك على الله يسير ) # وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا فقد كتب في ~~اللوح المحفوظ ما شاء واذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا ~~فيؤمر بأربع كلمات فيقال له أكتب رزقه وأجله ms0644 وعمله وشقى أو سعيد ونحو ذلك ~~فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديما ومنكره اليوم قليل # وأما الدرجة الثانية فهو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان ~~بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السماوات والأرض من حركة ~~ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه سبحانه ~~وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات # فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ~~ولا رب سواه # ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته # وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ~~ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد PageV03P149 والعباد فاعلون حقيقة ~~والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلى ~~والصائم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم ~~وإرادتهم كما قال تعالى ( لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن إلا أن يشاء ~~الله رب العالمين ) # وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبى مجوس هذه ~~الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته وإختياره ~~ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها PageV03P150 ### ||| فصل # ومن أصول أهل السنة ان الدين والأيمان قول وعمل قول القلب واللسان وعمل ~~القلب واللسان والجوارح وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية # وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصى والكبائر كما يفعله ~~الخوارج بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصى كما قال سبحانه وتعالى في ~~آية القصاص ( فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ) وقال ( وان طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا ~~التى تبغى حتى تفيء إلى امر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ~~إن الله يحب المقسطين # إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم ) # ولا يسلبون الفاسق الملى اسم الإيمان ms0645 بالكلية ولا يخلدونه في النار كما ~~تقوله المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الايمان في مثل قوله تعالى ( فتحرير ~~رقبة مؤمنة ) # وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى ( إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) ~~وقوله صلى الله PageV03P151 عليه وسلم ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ~~ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ~~ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ) # ويقولون هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى ~~الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم ### ||| فصل # ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله كما ~~وصفهم الله به في قوله تعالى ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~انك رؤوف رحيم ) # وطاعة النبى في قوله ( لا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بيده لو ان أحدكم ~~أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) # ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والاجماع من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون ~~من انفق من قبل الفتح وهو صلح الحديبية وقاتل على من انفق من بعده وقاتل ~~ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن الله قال لأهل PageV03P152 بدر ~~وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) وبأنه لا يدخل ~~النار أحد بايع تحت الشجرة كما اخبر به النبى بل قد رضى الله عنهم ورضوا ~~عنه وكانوا اكثر من ألف وأربعمائة # ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله بالجنة كالعشرة وكثابت إبن قيس بن ~~شماس وغيرهم من الصحابة # ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن ابى طالب رضى الله ~~عنه وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ~~ويربعون بعلى رضى الله عنهم كما دلت عليه الآثار وكما أجمع الصحابة رضى ~~الله ms0646 عنهم على تقديم عثمان في البيعة مع ان بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا ~~في عثمان وعلى رضى الله عنهما بعد اتفاقهم على تقديم أبى بكر وعمر أيهما ~~افضل فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بعلى وقدم قوم عليا وقوم توقفوا لكن ~~استقر امر أهل السنة على تقديم عثمان وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان ~~وعلى ليست من الأصول التى يضلل المخالف فيها عند جمهور اهل السنة لكن ~~المسألة التى يضلل المخالف فيها هي ( مسألة الخلافة ) # وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم ~~على ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله ~~PageV03P153 # ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم ~~وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غدير خم ( أذكركم الله في ~~أهل بيتى أذكركم الله في أهل بيتى ) وقال أيضا للعباس عمه وقد اشتكى إليه ~~ان بعض قريش يجفو بنى هاشم فقال ( والذى نفسى بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم ~~لله ولقرابتى ) وقال ( ان الله اصطفى بنى إسماعيل واصطفى من بنى إسماعيل ~~كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم ~~) # ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين ويؤمنون ~~بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصا خديجة رضى الله عنها أم أكثر أولاده وأول من ~~آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية والصديقة بنت الصديق ~~رضى الله عنهما التى قال فيها النبى ( فضل عائشة على النساء كفضل الثريد ~~على سائر الطعام # ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم # ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ويمسكون عما شجر ~~بين الصحابة PageV03P154 ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما ~~هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون ~~إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون # وهم مع ذلك لا يعتقدون ان ms0647 كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم ~~وصغائره بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب ~~مغفرة ما يصدر منهم ان صدر حتى انه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن ~~بعدهم لأن لهم من الحسنات التى تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم وقد ثبت بقول ~~رسول الله ( أنهم خير القرون ) وان المد من أحدهم اذا تصدق به كان أفضل من ~~جبل أحد ذهبا ممن بعدهم # ثم اذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو ~~غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذى هم احق الناس ~~بشفاعته أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه فإذا كان هذا في الذنوب ~~المحققة فكيف بالامور التى كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وان ~~اخطأوا فلهم اجر واحد والخطأ مغفور لهم # ثم القدر الذى ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ~~ومحاسنهم من الايمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم ~~النافع والعمل الصالح PageV03P155 # ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله به عليهم من الفضائل علم ~~يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم هم الصفوة ~~من قرون هذه الامة التى هي خير الامم وأكرمها على الله تعالى # ومن أصول اهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الاولياء وما يجرى الله على ~~أيديهم من خوارق العادات في انواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة ~~والتأثيرات كالمأثور عن سالف الامم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة ~~من الصحابة والتابعين وسائر قرون الامة وهى موجودة فيها إلى يوم القيامة ~~PageV03P156 ### ||| فصل # ثم من طريقة أهل السنة والجماعة إتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~باطنا وظاهرا وإتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والانصار واتباع ~~وصية رسول الله حيث قال ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من ~~بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الامور فإن ms0648 كل محدثة ~~بدعة وكل بدعة ضلالة # ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه ~~وسلم ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس ويقدمون هدى ~~محمد على هدى كل أحد وبهذا سموا اهل الكتاب والسنة # وسموا اهل الجماعة لأن الجماعة هي الإجتماع وضدها الفرقة وإن كان لفظ ~~الجماعة قد صار إسما لنفس القوم المجتمعين ( والاجماع ) هو الاصل الثالث ~~الذى يعتمد عليه في العلم والدين # وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة ~~أو ظاهرة مما له تعلق بالدين والإجماع الذى ينضبط هو ما كان عليه السلف ~~الصالح إذ بعدهم كثر الإختلاف وانتشرت الامة PageV03P157 ### ||| فصل # ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه ~~الشريعة ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا ~~أو فجارا ويحافظون على الجماعات # ويدينون بالنصيحة للأمة ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن ~~للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) وشبك بين أصابعه وقوله ( مثل المؤمنين في ~~توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر ) # ويأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء ويدعون ~~إلى مكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال ويعتقدون معنى قوله ( أكمل المؤمنين ~~إيمانا أحسنهم خلقا ) # ويندبون إلى ان تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك ويأمرون ببر ~~الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار والإحسان إلى اليتامى والمساكين وبن ~~السبيل والرفق بالمملوك وينهون عن الفخر PageV03P158 والخيلاء والبغى ~~والإستطالة على الخلق بحق أو بغير حق ويأمرون بمعالى الاخلاق وينهون عن ~~سفسافها # وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب ~~والسنة # ( وطريقتهم ) هي دين الإسلام الذى بعث الله به محمدا لكن لما اخبر النبى ~~( أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة وهى ~~الجماعة ) وفى حديث عنه أنه قال ( هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم ~~وأصحابى ) صار ms0649 المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة ~~والجماعة وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون ومنهم أعلام الهدى ومصابيح ~~الدجى أولوا المناقب المأثورة والفضائل المذكورة وفيهم الابدال الائمة ~~الذين اجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم # وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبى ( لا تزال طائفة من أمتى على ~~الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة ) # فنسأل الله العظيم ان يجعلنا منهم وان لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ويهب ~~لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب والله اعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا PageV03P159 ### || 1 ( المناظرة في العقيدة الواسطية ) 1 # ! 8 < قال رحمه الله تعالى ! 8 < ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم ! 8 < # الحمد لله رب العالمين # الرحمن الرحيم # مالك يوم الدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير له ~~ولا معين # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى أرسله إلى الخلق أجمعين صلى الله عليه ~~وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وعلى سائر عباد الله الصالحين # أما بعد فقد سئلت غير مرة ان اكتب ما حضرنى ذكره مما جرى في المجالس ~~الثلاثة المعقودة للمناظرة في امر الإعتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان ~~من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد لما سعى إليه قوم من الجهمية ~~والإتحادية والرافضة وغيرهم من ذوى الأحقاد # فأمر الأمير بجمع القضاة الاربعة قضاة المذاهب الاربعة وغيرهم من نوابهم ~~والمفتين والمشائخ ممن له حرمة وبه إعتداد وهم لا يدرون PageV03P160 ما قصد ~~بجمعهم في هذا الميعاد وذلك يوم الإثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة # فقال لى هذا المجلس عقد لك فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن إعتقادك ~~وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التى تدعو بها الناس إلى ~~الإعتقاد وأظنه قال وان اجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك # فقلت أما الإعتقاد فلا يؤخذ عنى ولا عمن هو اكبر منى بل يؤخذ عن الله ~~ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة فما كان في القرآن ms0650 وجب إعتقاده وكذلك ما ~~ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخارى ومسلم # وأما الكتب فما كتبت إلى أحد كتابا إبتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك ولكنى ~~كتبت أجوبة أجبت بها من يسألنى من اهل الديار المصرية وغيرهم وكان قد بلغنى ~~أنه زور على كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير استاذ دار السلطان يتضمن ~~ذكر عقيدة محرفة ولم أعلم بحقيقته لكن علمت أنه مكذوب # وكان يرد على من مصر وغيرها من يسألنى عن مسائل في الإعتقاد وغيره فأجيبه ~~بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة PageV03P161 # فقال نريد ان تكتب لنا عقيدتك فقلت اكتبوا فأمر الشيخ كمال الدين أن يكتب ~~فكتب له جمل الإعتقاد في ابواب الصفات والقدر ومسائل الإيمان والوعيد ~~والإمامة والتفضيل # وهو ان اعتقاد اهل السنة والجماعة الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما ~~وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وأن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق منه بدأ واليه يعود # والإيمان بأن الله خالق كل شيء من افعال العباد وغيرها وأنه ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن وأنه أمر بالطاعة وأحبها ورضيها ونهى عن المعصية ~~وكرهها والعبد فاعل حقيقة والله خالق فعله وان الإيمان والدين قول وعمل ~~يزيد وينقص وان لا نكفر أحدا من اهل القبلة بالذنوب ولا نخلد في النار من ~~اهل الإيمان احدا وأن الخلفاء بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم ~~على وان مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة ومن قدم عليا على عثمان فقد ~~ازرى بالمهاجرين والأنصار وذكرت هذا أو نحوه فإنى الآن قد بعد عهدى ولم ~~احفظ لفظ ما أمليته لكنه كتب إذ ذاك # ثم قلت للأمير والحاضرين أنا اعلم أن أقواما يكذبون على كما قد كذبوا على ~~غير مرة وإن أمليت الإعتقاد من حفظى ربما يقولون كتم بعضه PageV03P162 أو ~~داهن ودارى فأنا أحضر عقيدة مكتوبة من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى ~~الشام # وقلت قبل حضورها كلاما قد بعد عهدى ms0651 به وغضبت غضبا شديدا لكنى اذكر أنى ~~قلت أنا اعلم أن أقواما كذبوا على وقالوا للسلطان أشياء وتكلمت بكلام إحتجت ~~إليه مثل أن قلت من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيرى ومن الذى أوضح دلائله ~~وبينه وجاهد أعداءه وأقامه لما مال حين تخلى عنه كل أحد ولا أحد ينطق بحجته ~~ولا أحد يجاهد عنه وقمت مظهرا لحجته مجاهدا عنه مرغبا فيه # فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام في فكيف يصنعون بغيرى ولو ان يهوديا طلب ~~من السلطان الإنصاف لوجب عليه أن ينصفه وأنا قد اعفو عن حقى وقد لا اعفو بل ~~قد اطلب الإنصاف منه وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون ليوافقوا على افترائهم ~~وقلت كلاما أطول من هذا الجنس لكن بعد عهدى به فأشار الامير إلى كاتب الدرج ~~محيى الدين بأن يكتب ذلك # وقلت أيضا كل من خالفنى في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه وما ادرى ~~هل قلت هذا قبل حضورها أو بعده لكننى قلت ايضا بعد حضورها وقرائتها ما ذكرت ~~فيها فصلا إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة وكل جملة فيها خلاف ~~لطائفة من الطوائف ثم PageV03P163 أرسلت من احضرها ومعها كراريس بخطى من ~~المنزل فحضرت ( العقيدة الواسطية ) # وقلت لهم هذه كان سبب كتابتها أنه قدم على من أرض واسط بعض قضاة نواحيها ~~شيخ يقال له ( رضى الدين الواسطى ) من أصحاب الشافعى قدم علينا حاجا وكان ~~من أهل الخير والدين وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفى دولة التتر من غلبة ~~الجهل والظلم ودروس الدين والعلم وسألنى أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ~~ولاهل بيته فاستعفيت من ذلك وقلت قد كتب الناس عقائد متعددة فخذ بعض عقائد ~~أئمة السنة فألح في السؤال وقال ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت فكتبت له هذه ~~العقيدة وأنا قاعد بعد العصر وقد انتشرت بها نسخ كثيرة في مصر والعراق ~~وغيرهما # فأشار الامير بأن لا أقرأها أنا لرفع الريبة وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال ~~الدين فقرأها على الحاضرين حرفا حرفا والجماعة الحاضرون يسمعونها ms0652 ويورد ~~المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء والامير أيضا يسأل عن مواضع فيها وقد ~~علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى ما قد علم ~~الناس بعضه وبعضه بسبب الإعتقاد وبعضه بغير ذلك # ولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات في هذه المجالس فإنه ~~PageV03P164 كثير لا ينضبط لكن أكتب ملخص ما حضرنى من ذلك مع بعد العهد ~~بذلك ومع أنه كان يجرى رفع أصوات ولغط لا ينضبط # فكان مما اعترض على بعضهم لما ذكر في أولها ومن الإيمان بالله الإيمان ~~بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا ~~تمثيل فقال ما المراد بالتحريف والتعطيل ومقصوده أن هذا ينفى التأويل الذى ~~أثبته أهل التأويل الذى هو صرف اللفظ عن ظاهره إما وجوبا وإما جوازا # فقلت تحريف الكلم عن مواضعه كما ذمه الله تعالى في كتابه وهو إزالة اللفظ ~~عما دل عليه من المعنى مثل تأويل بعض الجهمية لقوله تعالى ( وكلم الله موسى ~~تكليما ) أى جرحه بأظافير الحكمة تجريحا ومثل تأويلات القرامطة والباطنية ~~وغيرهم من الجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم فسكت وفى نفسه ما فيها # وذكرت في غير هذا المجلس أنى عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف لأن ~~التحريف إسم جاءالقرآن بذمه وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة ~~فنفيت ما ذمه الله من التحريف ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفى ولا اثبات ~~لأنه لفظ له عدة معان كما بينته في موضعه من القواعد PageV03P165 # فإن معنى لفظ ( التأويل ) في كتاب الله غير معنى لفظ التأويل في اصطلاح ~~المتأخرين من أهل الاصول والفقه وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من ~~أهل التفسير والسلف لان من المعانى التى قد تسمى تأويلا ما هو صحيح منقول ~~عن بعض السلف فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته فإذا ما قامت الحجة على صحته ~~وهو منقول عن السلف فليس من التحريف # وقلت له ايضا ذكرت في النفى التمثيل ولم أذكر التشبيه لان ms0653 التمثيل نفاه ~~الله بنص كتابه حيث قال ( ليس كمثله شيء ) وقال ( هل تعلم له سميا ) وكان ~~أحب إلى من لفظ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله وان كان قد يعنى بنفيه ~~معنى صحيح كما قد يعنى به معنى فاسد # ولما ذكرت انهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ولا يلحدون في أسماء الله وآياته جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك لاستشعاره ~~ما في ذلك من الرد الظاهر عليه ولكن لم يتوجه له ما يقوله وأراد أن يدور ~~بالأسئلة التى أعلمها فلم يتمكن لعلمه بالجواب # ولما ذكرت آية الكرسى أظنه سأل الأمير عن قولنا لا يقربه شيطان حتى يصبح ~~فذكرت حديث ابى هريرة في الذى كان يسرق صدقة الفطر وذكرت أن البخارى رواه ~~في صحيحه وأخذوا يذكرون نفى التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا ويعرضون لما ~~ينسبه بعض الناس الينا من ذلك PageV03P166 # فقلت قولى من غير تكييف ولا تمثيل ينفى كل باطل وانما اخترت هذين الإسمين ~~لان التكييف مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة ومالك وبن عيينة وغيرهم ~~المقالة التى تلقاها العلماء بالقبول الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان ~~به واجب والسؤال عنه بدعة ( فاتفق هؤلاء السلف على أن التكييف غير معلوم ~~لنا فنفيت ذلك اتباعا لسلف الامة # وهو أيضا منفى بالنص فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف ~~وحقيقة صفاته وهذا من التأويل الذى لا يعلمه الا الله كما قد قررت ذلك في ~~قاعدة مفردة ذكرتها في التأويل والمعنى والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين ~~علمنا بتأويله # وكذلك التمثيل منفى بالنص والاجماع القديم مع دلالة العقل على نفيه ونفى ~~التكييف اذ كنه البارى غير معلوم للبشر وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابى الذى ~~نقل أنه مذهب السلف وهو إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع ~~نفى الكيفية والتشبيه عنها اذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ~~يحتذى فيه حذوة ويتبع فيه مثاله فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا ms0654 اثبات ~~تكييف فكذلك اثبات الصفات اثبات وجود لا اثبات تكييف PageV03P167 فقال أحد ~~كبار المخالفين فحينئذ يجوز أن يقال هو جسم لا كالأجسام فقلت له أنا وبعض ~~الفضلاء الحاضرين انما قيل أنه يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به ~~رسوله وليس في الكتاب والسنة ان الله جسم حتى يلزم هذا السؤال # وأخذ بعض القضاة الحاضرين والمعروفين بالديانة يريد اظهار أن ينفى عنا ما ~~يقول وينسبه البعض الينا فجعل يزيد في المبالغة في نفى التشبيه والتجسيم ~~فقلت ذكرت فيها في غير موضع من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل وقلت في صدرها ومن الإيمان بالله الايمان بما وصف به نفسه في كتابه ~~وبما وصفه به رسوله محمد من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل # ثم قلت وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التى تلقاها أهل ~~المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك إلى ان قلت إلى أمثال هذه الأحاديث ~~الصحاح التى يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يخبر به فإن ~~الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله ~~في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل هم وسط في فرق ~~الأمة كما أن الامة هي الوسط في الامم PageV03P168 فهم وسط في باب صفات ~~الله بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل التمثيل المشبهة # ولما رأى هذا الحاكم العدل ممالاتهم وتعصبهم ورأى قلة العارف الناصر ~~وخافهم قال أنت صنفت اعتقاد الامام أحمد فتقول هذا اعتقاد أحمد يعنى والرجل ~~يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه فإن هذا مذهب متبوع وغرضه بذلك قطع مخاصمة ~~الخصوم # فقلت ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للامام أحمد اختصاص بهذا ~~والامام أحمد انما هو مبلغ العلم الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم ولو ~~قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله وهذه عقيدة محمد # وقلت مرات قد أمهلت كل من خالفنى ms0655 في شيء منها ثلاث سنين فان جاء بحرف ~~واحد عن أحد من القرون الثلاثة التى أثنى عليها النبى حيث قال ( خير القرون ~~القرن الذى بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) يخالف ما ذكرته ~~فأنا أرجع عن ذلك وعلى أن آتى بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة توافق ~~ماذكرته من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث ~~والصوفية وغيرهم PageV03P169 # وقلت ايضا في غير هذا المجلس الامام أحمد رحمه الله لما انتهى إليه من ~~السنة ونصوص رسول الله أكثر مما انتهى إلى غيره وابتلى بالمحنة والرد على ~~أهل البدع أكثر من غيره كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره فصار ~~إماما في السنة اظهر من غيره وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة ~~العلماء الصلحاء قال المذهب لمالك والشافعى والظهور لأحمد بن حنبل يعنى أن ~~الذى كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام وإن كان لبعضهم من زيادة العلم ~~والبيان وإظهار الحق ودفع الباطل ما ليس لبعض # ولما جاء فيها وما وصف به النبى صلى الله عليه وسلم ربه في الأحاديث ~~الصحاح التى تلقاها اهل العلم بالقبول ولما جاء حديث أبى سعيد المتفق عليه ~~في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ( يقول الله يوم القيامة يا آدم ~~فيقول لبيك وسعديك فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تبعث بعثا إلى النار ) ~~الحديث سألهم الأمير هل هذا الحديث صحيح فقلت نعم هو في الصحيحين ولم يخالف ~~في ذلك أحد واحتاج المنازع إلى الاقرار به ووافق الجماعة على ذلك وطلب ~~الأمير الكلام في مسألة الحرف والصوت لان ذلك طلب منه # فقلت هذا الذى يحكيه كثير من الناس عن الامام أحمد وأصحابه أن صوت ~~القارئين ومداد المصاحف قديم أزلى كما نقله مجد الدين بن الخطيب ~~PageV03P170 وغيره كذب مفترى لم يقل ذلك أحمد ولا أحد من علماء المسلمين لا ~~من أصحاب أحمد ولا غيرهم # وأخرجت كراسا قد أحضرته مع العقيدة فيه ألفاظ أحمد مما ذكره الشيخ أبو ~~بكر الخلال في كتاب السنة ms0656 عن الامام أحمد وما جمعه صاحبه أبو بكر المروذى ~~من كلام الإمام أحمد وكلام أئمة زمانه وسائر أصحابه أن من قال لفظى بالقرآن ~~مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع # قلت وهذا هو الذى نقله الأشعرى في كتاب المقالات عن أهل السنة وأصحاب ~~الحديث وقال إنه يقول به قلت فكيف بمن يقول لفظى قديم فكيف بمن يقول صوتى ~~غير مخلوق فكيف بمن يقول صوتى قديم # ونصوص الإمام أحمد في الفرق بين تكلم الله بصوت وبين صوت العبد كما نقله ~~البخارى صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد وغيره من ائمة السنة # وأحضرت جواب مسألة كنت سئلت عنها قديما فيمن حلف بالطلاق في مسألة ( ~~الحرف والصوت ) ومسألة الظاهر في العرش فذكرت من الجواب القديم في هذه ~~المسألة وتفصيل القول فيها وأن إطلاق القول أن PageV03P171 القرآن هو الحرف ~~والصوت أو ليس بحرف ولا صوت كلاهما بدعة حدثت بعد المائة الثالثة وقلت هذا ~~جوابى # وكانت هذه المسألة قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان ~~بعضهم حاضرا في المجلس فلما وصل اليهم الجواب أسكتهم وكانوا قد ظنوا أنى إن ~~أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله حصل مقصودهم من الشناعة وإن أجبت بما ~~يقولونه هم حصل مقصودهم من الموافقة فلما أجيبوا بالفرقان الذى عليه أهل ~~السنة وليس هو ما يقولونه هم ولا ما ينقلونه عن أهل السنة إذ قد يقوله بعض ~~الجهال بهتوا لذلك وفيه أن القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه ليس القرآن ~~اسما لمجرد الحروف ولا لمجرد المعانى # وقلت في ضمن الكلام لصدر الدين بن الوكيل لبيان كثرة تناقضه وأنه لا ~~يستقر على مقالة واحدة وإنما يسعى في الفتن والتفريق بين المسلمين عندى ~~عقيدة للشيخ ابى البيان فيها أن من قال إن حرفا من القرآن مخلوق فقد كفر # وقد كتبت عليها بخطك أن هذا مذهب الشافعى وأئمة أصحابه وانك تدين الله ~~بها فاعترف بذلك فانكر عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكانى ذلك # فقال بن الوكيل هذا نص ms0657 الشافعى وراجعه في ذلك مرارا فلما إجتمعنا في ~~المجلس الثانى ذكر لابن الوكيل أن بن درباس نقل في كتاب PageV03P172 ~~الانتصار عن الشافعى مثل ما نقلت فلما كان في المجلس الثالث أعاد بن الوكيل ~~الكلام في ذلك # فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين بن الوكيل قد قلت في ذلك المجلس للشيخ ~~تقى الدين أنه من قال إن حرفا من القرآن مخلوق فهو كافر فأعاده مرارا فغضب ~~هنا الشيخ كمال الدين غضبا شديدا ورفع صوته وقال هذا يكفر اصحابنا ~~المتكلمين الأشعرية الذين يقولون ان حروف القرآن مخلوقة مثل امام الحرمين ~~وغيره وما نصبر على تكفير أصحابنا # فأنكر بن الوكيل انه قال ذلك وقال ما قلت ذلك وانما قلت أن من أنكر حرفا ~~من القرآن فقد كفر فرد ذلك عليه الحاضرون وقالوا ما قلت الا كذا وكذا ~~وقالوا ما ينبغى لك أن تقول قولا وترجع عنه وقال بعضهم ما قال هذا فلما ~~حرفوا قال ما سمعناه قال هذا حتى قال نائب السلطان واحد يكذب وآخر يشهد ~~والشيخ كمال الدين مغضب فالتفت إلى قاض القضاة نجم الدين الشافعى يستصرخه ~~للإنتصار على بن الوكيل حيث كفر أصحابه فقال القاضي نجم الدين ما سمعت هذا ~~فغضب الشيخ كمال الدين وقال كلاما لم أضبط لفظه الا أن معناه أن هذا غضاضة ~~على الشافعى وعار عليهم أن أئمتهم يكفرون ولا ينتصر لهم # ولم أسمع من الشيخ كمال الدين ما قال في حق القاضي نجم الدين واستثبت ~~غيرى ممن حضر هل سمع منه في حقه شيئا فقالوا لا لكن القاضي اعتقد ~~PageV03P173 أن التعيير لأجله ولكونه قاضى المذهب ولم ينتصر لأصحابه وأن ~~الشيخ كمال الدين قصده بذلك فغضب قاضى القضاة نجم الدين وقال اشهدوا على ~~أنى عزلت نفسى وأخذ يذكر ما يستحق به التقديم والإستحقاق وعفته عن التكلم ~~في أعراض الجماعة ويستشهد بنائب السلطان في ذلك وقلت له كلاما مضمونه ~~تعظيمه واستحقاقه لدوام المباشرة في هذه الحال # ولما جاءت مسألة القرآن ومن الإيمان به الإيمان بأن القرآن كلام الله غير ms0658 ~~مخلوق منه بدأ واليه يعود نازع بعضهم في كونه منه بدأ واليه يعود وطلبوا ~~تفسير ذلك # فقلت أما هذا القول فهو المأثور الثابت عن السلف مثل ما نقله عمرو بن ~~دينار قال أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون الله الخالق وما سواه مخلوق ~~إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ واليه يعود # وقد جمع غير واحد ما في ذلك من الآثار عن النبى والصحابة والتابعين ~~كالحافظ أبى الفضل بن ناصر والحافظ أبى عبد الله المقدسى وأما معناه فإن ~~قولهم منه بدأ أى هو المتكلم به وهو الذى أنزله من لدنه ليس هو كما تقول ~~الجهمية أنه خلق في الهوى أو غيره أو بدأ من عند غيره # وأما إليه يعود فإنه يسرى به في آخر الزمان من المصاحف والصدور فلا ~~PageV03P174 يبقى في الصدور منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف ووافق على ذلك ~~غالب الحاضرين وسكت المنازعون # وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس بأن أريته العقيدة التى جمعها الامام ~~القادرى التى فيها أن القرآن كلام الله خرج منه فتوقف في هذا اللفظ فقلت ~~هكذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج ~~منه ( يعنى القرآن وقال خباب بن الأرت يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت ~~فلن يتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه # وقال أبو بكر الصديق لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب إن هذا الكلام لم يخرج ~~من إل يعنى رب # وجاء فيها ومن الإيمان به الايمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ~~منه بدأ واليه يعود وأن الله تكلم به حقيقة وأن هذا القرآن الذى أنزله الله ~~على محمد هو كلام ا لله حقيقة لا كلام غيره ولا يجوز اطلاق القول بأنه ~~حكاية عن كلام الله أو عبارة بل اذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم ~~يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله فإن الكلام انما يضاف حقيقة إلى من قاله ~~مبتدأ لاالى من قاله مبلغا مؤديا فتمعض ms0659 بعضهم من اثبات كونه كلام الله ~~حقيقة بعد تسليمه أن الله تعالى تكلم به حقيقة PageV03P175 ثم انه سلم ذلك ~~لما بين له أن المجاز يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه ولما بين له أن أقوال ~~المتقدمين المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف اليهم هو كلامهم حقيقة فلا ~~يكون نسبة القرآن إلى الله بأقل من ذلك # فوافق الجماعة كلهم على ما ذكر في مسألة القرآن وأن الله تكلم حقيقة وأن ~~القرآن كلام الله حقيقة لا كلام غيره # ولما ذكر فيها أن الكلام انما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من ~~قاله مبلغا مؤديا استحسنوا هذا الكلام وعظموه وأخذ أكبر الخصوم يظهر تعظيم ~~هذا الكلام كابن الوكيل وغيره وأظهر الفرح بهذا التلخيص وقال انك قد أزلت ~~عنا هذه الشبهة وشفيت الصدور ويذكر أشياء من هذا النمط # ولما جاء ما ذكر من الايمان باليوم الآخر وتفصيله ونظمه استحسنوا ذلك ~~وعظموه # وكذلك لما جاء ذكر الايمان بالقدر وأنه على درجتين إلى غير ذلك مما فيها ~~من القواعد الجليلة # وكذا لما جاء ذكر الكلام في الفاسق الملى وفى الايمان لكن اعترضه ذلك بما ~~سأذكره PageV03P176 # وكان مجموع ما اعترض به المنازعون المعاندون بعد انقضاء قراءة جميعها ~~والبحث فيها عن أربعة أسئلة # الأول قولنا ومن أصول الفرقة الناجية أن الإيمان والدين قول وعمل يزيد ~~وينقص قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح # قالوا فإذا قيل إن هذا من أصول الفرقة الناجية خرج عن الفرقة الناجية من ~~لم يقل بذلك مثل أصحابنا المتكلمين الذين يقولون ان الايمان هو التصديق ومن ~~يقول الايمان هو التصديق والإقرار واذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا ~~هالكين # وأما الأسئلة الثلاثة وهي التى كانت عمدتهم فأوردوها على قولنا وقد دخل ~~فيما ذكرناه من الايمان بالله الايمان بما أخبر الله في كتابه وتواتر عن ~~رسول الله وأجمع عليه سلف الامة من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه علي على ~~خلقه وهومعهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون كما جمع بين ذلك في ms0660 قوله تعالى ~~( هو الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج ~~في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما ~~كنتم والله بما تعملون بصير ) وليس معنى قوله ( وهو معكم ) أنه مختلط ~~بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما ~~فطر الله عليه الخلق PageV03P177 بل القمر آية من آيات الله من أصغر ~~مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان وغير المسافر وهو ~~سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع اليهم إلى غير ذلك من ~~معانى ربوبيته وكل هذا الكلام الذى ذكره الله تعالى من أنه فوق العرش وأنه ~~معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان على الظنون الكاذبة # السؤال الثانى قال بعضهم نقر باللفظ الوارد مثل حديث العباس حديث الأوعال ~~والله فوق العرش ولا نقول فوق السماوات ولا نقول على العرش وقالوا أيضا ~~نقول ( الرحمن على العرش استوى ) ولا نقول الله على العرش استوى ولا نقول ~~مستو وأعادوا هذا المعنى مرارا أى أن اللفظ الذى ورد يقال اللفظ بعينه ولا ~~يبدل بلفظ يرادفه ولايفهم له معنى أصلا ولايقال انه يدل على صفة لله أصلا ~~ونبسط الكلام في هذا في المجلس الثانى كما سنذكره إنشاء الله تعالى # السؤال الثالث قالوا التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء بكون ~~القمر في السماء # السؤال الرابع قالوا قولك حق على حقيقته الحقيقة هي المعنى اللغوى ~~ولايفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها ولم تضع العرب ذلك ~~الا لها فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم ونفى التجسيم مع هذا تناقض أو ~~مصانعة PageV03P178 # فأجبتهم عن الأسئلة بأن قولى اعتقاد الفرقة الناجية هي الفرقة التى وصفها ~~النبى بالنجاه حيث قال ( تفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في ~~النار وواحدة في الجنة وهى من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابى ) # فهذا الإعتقاد هو المأثور عن النبى ms0661 وأصحابه رضى الله عنهم وهم ومن اتبعهم ~~الفرقة الناجية فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال الايمان يزيد ~~وينقص وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ~~ومعناه واذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك # ثم قلت لهم وليس كل من خالف في شيء من هذا الإعتقاد يجب أن يكون هالكا ~~فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك ~~من العلم ما تقوم به عليه الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به ~~سيئاته واذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لايجب أن يدخل فيها المتأول ~~والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى بل موجب هذا ~~الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الإعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا ~~وقد لا يكون ناجيا كما يقال من صمت نجا # وأما السؤال الثانى فأجبتهم أولا بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن النبى مثل ~~لفظ فوق السماوات ولفظ على العرش وفوق PageV03P179 العرش وقلت اكتبوا ~~الجواب فأخذ الكاتب في كتابته ثم قال بعض الجماعة قد طال المجلس اليوم ~~فيؤخر هذا إلى مجلس آخر وتكتبون أنتم الجواب وتحضرونه في ذلك المجلس # فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب لئلا تنتشر أسئلتهم ~~واعتراضهم وكان الخصوم لهم غرض في تأخير كتابة الجواب ليستعدوا لأنفسهم ~~ويطالعوا ويحضروا من غاب من أصحابهم ويتأملوا العقيدة فيما بينهم ليتمكنوا ~~من الطعن والاعتراض فحصل الاتفاق على أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة وقمنا ~~على ذلك # وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة ما أعز الله به السنة والجماعة ~~وأرغم به أهل البدعة والضلالة وفى نفوس كثير من الناس أمور لما يحدث في ~~المجلس الثانى وأخذوا في تلك الايام يتأملونها ويتأملون ما أجبت به في ~~مسائل تتعلق بالإعتقاد مثل المسألة الحموية في الإستواء والصفات الخبرية ~~وغيرها PageV03P180 ### ||| فصل # فلما كان المجلس الثانى يوم الجمعة في اثنى عشر رجب وقد أحضروا ms0662 أكثر ~~شيوخهم ممن لم يكن حاضرا ذلك المجلس وأحضروا معهم زيادة ( صفى الدين الهندى ~~) وقالوا هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام وبحثوا فيما بينهم واتفقوا ~~وتواطئوا وحضروا بقوة واستعداد غير ما كانوا عليه لأن المجلس الاول أتاهم ~~بغتة وإن كان أيضا بغتة للمخاطب الذى هو المسؤول والمجيب والمناظر # فلما اجتمعنا وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة الذى ~~طلبوا تأخيره إلى اليوم حمدت الله بخطبة الحاجة خطبة بن مسعود رضى الله عنه ~~ثم قلت إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والإئتلاف ونهانا عن الفرقة والإختلاف # وقال لنا في القرآن @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ وقال ~~إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء وقال @QB@ ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات @QE@ PageV03P181 # وربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد وأصول الدين لا تحتمل التفرق ~~والإختلاف وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف ~~فإن وافق الجماعة فالحمد لله وإلا فمن خالفنى بعد ذلك كشفت له الأسرار ~~وهتكت الأستار وبينت المذاهب الفاسدة التى أفسدت الملل والدول وأنا اذهب ~~إلى سلطان الوقت على البريد وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس ~~فإن للسلم كلاما وللحرب كلاما # وقلت لا شك أن الناس يتنازعون يقول هذا انا حنبلى ويقول هذا أنا أشعرى ~~ويجرى بينهم تفرق وفتن وإختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها # وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته وأحضرت ( كتاب تبيين كذب ~~المفترى فيما ينسب إلى الشيخ أبى الحسن الأشعرى رحمه الله ) تأليف الحافظ ~~أبى القاسم أبن عساكر رحمه الله # وقلت لم يصنف في أخبار الأشعرى المحمودة كتاب مثل هذا وقد ذكر فيه لفظه ~~الذى ذكره في كتابه ( الإبانة ) # فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة سأل الأمير عن معنى المعتزلة فقلت كان ~~الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملى وهو أول إختلاف حدث في ~~الملة هل هو كافر أو مؤمن فقالت الخوارج إنه كافر وقالت الجماعة ~~PageV03P182 إنه مؤمن ms0663 وقالت طائفة نقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر ننزله ~~منزلة بين المنزلتين وخلدوه في النار وإعتزلوا حلقة الحسن البصرى وأصحابه ~~رحمه الله تعالى فسموا معتزلة # وقال الشيخ الكبير بجبته وردائه ليس كما قلت ولكن أول مسألة إختلف فيها ~~المسلمون مسألة الكلام وسمى المتكلمون متكلمين لأجل تكلمهم في ذلك وكان اول ~~من قالها عمرو بن عبيد ثم خلفه بعد موته عطاء بن واصل هكذا قال وذكر نحوا ~~من هذا # فغضبت عليه وقلت أخطأت وهذا كذب مخالف للإجماع وقلت له لا أدب ولا فضيلة ~~لا تأدبت معى في الخطاب ولا أصبت في الجواب # ثم قلت الناس اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون وبعدها في أواخر ~~المائة الثانية وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير في زمن عمرو بن عبيد ~~بعد موت الحسن البصرى في أوائل المائة الثانية ولم يكن أولئك قد تكلموا في ~~مسألة الكلام ولا تنازعوا فيها وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل الأسماء ~~والأحكام والوعيد # فقال هذا ذكره الشهرستانى في كتاب الملل والنحل فقلت الشهرستانى ذكر ذلك ~~في اسم المتكلمين لم سموا متكلمين لم يذكره في اسم المعتزلة PageV03P183 ~~والأمير انما سأل عن اسم المعتزلة وانكر الحاضرون عليه وقالوا غلطت وقلت في ~~ضمن كلامى أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام وأول من ابتدعها وما كان سبب ~~إبتداعها وأيضا فما ذكره الشهرستانى ليس بصحيح في اسم المتكلمين فإن ~~المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة الكلام وكانوا ~~يقولون عن واصل بن عطاء أنه متكلم ويصفونه بالكلام ولم يكن الناس اختلفوا ~~في مسألة الكلام # وقلت أنا وغيرى إنما هو واصل بن عطاء أى لا عطاء بن واصل كما ذكره ~~المعترض قلت وواصل لم يكن بعد موت عمرو بن عبيد وإنما كان قرينه # وقد روى أن واصلا تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد لو بعث نبى ما كان ~~يتكلم بأحسن من هذا وفصاحته مشهورة حتى قيل انه كان ألثغ وكان يحترز عن ~~الراء حتى قيل له أمر الأمير ms0664 أن يحفر بئر فقال أوعز القائد أن يقلب قليب في ~~الجادة # ولما انتهى الكلام إلى ما قاله الاشعرى قال الشيخ المقدم فيهم لا ريب أن ~~الإمام أحمد إمام عظيم القدر ومن أكبر أئمة الإسلام لكن قد انتسب إليه أناس ~~إبتدعوا أشياء PageV03P184 # فقلت أما هذا فحق وليس هذا من خصائص أحمد بل ما من إمام إلا وقد انتسب ~~إليه أقوام هو منهم بريء قد انتسب إلى مالك أناس مالك بريء منهم وانتسب إلى ~~الشافعى أناس هو بريء منهم وانتسب إلى ابى حنيفة أناس هو بريء منهم وقد ~~انتسب إلى موسى عليه السلام أناس هو منهم بريء وانتسب إلى عيسى عليه السلام ~~أناس هو منهم بريء وقد انتسب إلى على بن ابى طالب أناس هو بريء منهم ونبينا ~~قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملاحدة والمنافقين ~~من هو بريء منهم # وذكر في كلامه أنه انتسب إلى أحمد ناس من الحشوية والمشبهة ونحو هذا ~~الكلام # فقلت المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم هؤلاء ~~أصناف الأكراد كلهم شافعية وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف ~~آخر وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية قلت وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ~~ذلك ما في غيرهم # وكان من تمام الجواب ان الكرامية المجسمة كلهم حنفية وتكلمت على لفظ ~~الحشوية ما ادرى جوابا عن سؤال الأمير أو غيره أو عن غير جواب فقلت هذا ~~اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة فإنهم يسمون الجماعة PageV03P185 والسواد ~~الأعظم الحشو كما تسميهم الرافضة الجمهور وحشو الناس هم عموم الناس ~~وجمهورهم وهم غير الأعيان المتميزين يقولون هذا من حشو الناس كما يقال هذا ~~من جمهورهم # وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد وقال كان عبد الله بن عمر رضى الله عنه ~~حشويا فالمعتزلة سموا الجماعة حشوا كما تسميهم الرافضة الجمهور # وقلت لا أدري في المجلس الأول أو الثانى أول من قال ان الله جسم هشام بن ~~الحكم الرافضى # وقلت لهذا الشيخ من في أصحاب الإمام أحمد ms0665 رحمه الله حشوى بالمعنى الذى ~~تريده الأثرم أبو داود المروذى الخلال أبو بكر عبد العزيز أبو الحسن ~~التميمى بن حامد القاضي أبو يعلى أبو الخطاب إبن عقيل ورفعت صوتى وقلت سمهم ~~قل لى منهم من هم # أبكذب إبن الخطيب وإفترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس ~~معالم الدين كما نقل هو وغيره عنهم انهم يقولون إن القرآن القديم هو أصوات ~~القارئين ومداد الكاتبين وأن الصوت والمداد قديم أزلى من قال هذا وفى أي ~~كتاب وجد هذا عنهم قل لى # وكما نقل عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذى ادعاه والمقدمة ~~التى نقلها عنهم وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ من أنه كبير الجماعة ~~PageV03P186 وشيخهم وان فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه ~~وأمرت بقراءة العقيدة جميعها عليه فإنه لم يكن حاضرا في المجلس الاول وإنما ~~أحضروه في الثانى إنتصارا به # وحدثنى الثقة عنه بعد خروجه من المجلس أنه إجتمع به وقال له أخبرنى عن ~~هذا المجلس فقال ما لفلان ذنب ولا لى فإن الأمير سأل عن شيء فأجابه عنه ~~فظننته سأل عن شيء آخر # وقال قلت لهم أنتم ما لكم على الرجل إعتراض فإنه نصر ترك التأويل وأنتم ~~تنصرون قول التأويل وهما قولان للأشعرى # وقال أنا أختار قول ترك التأويل وأخرج وصيته التى أوصى بها وفيها قول ترك ~~التأويل # قال الحاكى لى فقلت له بلغنى عنك أنك قلت في آخر المجلس لما أشهد الجماعة ~~على انفسهم بالموافقة لا تكتبوا عنى نفيا ولا إثباتا فلم ذاك فقال لوجهين # أحدهما أنى لم أحضر قراءة جميع العقيدة في المجلس الأول # والثانى لأن أصحابى طلبونى لينتصروا بى فما كان يليق أن أظهر مخالفتهم ~~فسكت عن الطائفتين PageV03P187 # وأمرت غير مرة أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ فرأى بعض ~~الجماعة ان ذلك تطويل وأنه لا يقرأ عليه إلا الموضع الذى لهم عليه سؤال ~~وأعظمه لفظ الحقيقة فقرءوه عليه فذكر هو بحثا حسنا يتعلق بدلالة اللفظ ~~فحسنته ومدحته عليه وقلت ms0666 لا ريب ان الله حى حقيقة عليم حقيقة سميع حقيقة ~~بصير حقيقة وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف ولو ~~نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك فلا ريب ان الله موجود والمخلوق موجود ولفظ ~~الوجود سواء كان مقولا عليهما بطريق الإشتراك اللفظى فقط أو بطريق التواطىء ~~المتضمن للإشتراك لفظا ومعنى أو بالتشكيك الذى هو نوع من التواطىء # فعلى كل قول فالله موجود حقيقة والمخلوق موجود حقيقة ولا يلزم من إطلاق ~~الإسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور ولم أرجح في ذلك المقام ~~قولا من هذه الثلاثة على الآخر لأن غرضى تحصل على كل مقصودى # وكان مقصودى تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف وأن أبين إتفاق السلف ~~ومن تبعهم على ما ذكرت وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعرى وأكابر أصحابه ~~على ما ذكرته فإنه قبل المجلس الثانى إجتمع بى من أكابر علماء الشافعية ~~والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية وغيرهم ممن عظم خوفهم من هذا المجلس ~~وخافوا انتصار الخصوم فيه وخافوا على نفوسهم أيضا PageV03P188 من تفرق ~~الكلمة فلو أظهرت الحجة التى ينتصر بها ما ذكرته أو لم يكن من أئمة أصحابهم ~~من يوافقها لصارت فرقة ولصعب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن ~~أقوال طوائفهم بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم # فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك وقامت عليه الحجة وبان أنه مذهب ~~السلف أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق حتى قال ~~لى بعض الأكابر من الحنفية وقد إجتمع بى لو قلت هذا مذهب أحمد وثبت على ذلك ~~لانقطع النزاع # ومقصوده أنه يحصل دفع الخصوم عنك بأنه مذهب متبوع ويستريح المنتصر ~~والمنازع من إظهار الموافقة # فقلت لا والله ليس لأحمد بن حنبل في هذا إختصاص وإنما هذا إعتقاد سلف ~~الأمة وأئمة أهل الحديث وقلت أيضا هذا إعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثا أو إجماعا سلفيا وأذكر من ينقل ms0667 ~~الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الاربعة والمتكلمين وأهل ~~الحديث والصوفية # وقلت لمن خاطبنى من أكابر الشافعية لأبين ان ما ذكرته هو قول السلف وقول ~~أئمة أصحاب الشافعى وأذكر قول الأشعرى وأئمة أصحابه التى ترد على هؤلاء ~~الخصوم ولينتصرن كل شافعى وكل من قال بقول الأشعرى PageV03P189 الموافق ~~لمذهب السلف وأبين أن القول المحكى عنه في تأويل الصفات الخبرية قول لا أصل ~~له في كلامه وإنما هو قول طائفة من أصحابه فللأشعرية قولان ليس للاشعرى ~~قولان # فلما ذكرت في المجلس أن جميع أسماء الله التى سمى بها المخلوق كلفظ ~~الوجود الذى هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن على الأقوال الثلاثة ~~تنازع كبيران هل هو مقول بالإشتراك أو بالتواطىء # فقال أحدهما هو متواطئ وقال الآخر هو مشترك لئلا يلزم التركيب # وقال هذا قد ذكر فخر الدين ان هذا النزاع مبنى على ان وجوده هل هو عين ~~ماهيته أم لا فمن قال ان وجود كل شيء عين ماهيته قال إنه مقول بالإشتراك ~~ومن قال ان وجوده قدر زائد على ماهيته قال أنه مقول بالتواطىء # فأخذ الأول يرجح قول من يقول أن الوجود زائد على الماهية لينصر انه مقول ~~بالتواطىء # فقال الثانى ليس مذهب الأشعرى وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته فأنكر ~~الأول ذلك # فقلت أما متكلموا أهل السنة فعندهم ان وجود كل شيء عين ماهيته ~~PageV03P190 وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة أن وجود كل شيء قدر زائد ~~على ماهيته وكل منهما اصاب من وجه فإن الصواب ان هذه الأسماء مقولة ~~بالتواطىء كما قد قررته في غير هذا الموضع وأجبت عن شبهة التركيب بالجوابين ~~المعروفين # وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عينه فهو من الغلط ~~المضاف إلى بن الخطيب فإنا وإن قلنا أن وجود الشيء عين ماهيته لا يجب ان ~~يكون الإسم مقولا عليه وعلى نظيره بالإشتراك اللفظى فقط كما في جميع أسماء ~~الأجناس # فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطىء وليس عين هذا ms0668 ~~السواد هو عين هذا السواد إذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما وهو ~~المطلق الكلى لكنه لا يوجد مطلقا بشرط الإطلاق إلا في الذهن ولا يلزم من ~~ذلك نفى القدر المشترك بين الاعيان الموجودة في الخارج فإنه على ذلك تنتفى ~~الأسماء المتواطئة وهى جمهور الأسماء الموجودة في الغالب ( وهى اسماء ~~الاجناس اللغوية ) وهو الاسم المطلق على الشيء وعلى كل ما اشبهه سواء كان ~~اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا وسواء كان جنسا منطقيا أو فقهيا أو لم ~~يكن بل اسم الجنس في اللغة يدخل فيه الأجناس والأصناف والانواع ونحو ذلك ~~وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة # وطلب بعضهم إعادة قراءة الاحاديث المذكورة في العقيدة ليطعن في ~~PageV03P191 بعضها فعرفت مقصوده فقلت كأنك قد استعددت للطعن في حديث ~~الأوعال حديث العباس بن عبد المطلب وكانوا قد تعنتوا حتى ظفروا بما تكلم به ~~زكى الدين عبد العظيم من قول البخارى في تأريخه عبد الله بن عميرة لا يعرف ~~له سماع من الأحنف فقلت هذا الحديث مع انه رواه اهل السنن كأبى داود وبن ~~ماجه والترمذى وغيرهم فهو مروى من طريقين مشهورين فالقدح في أحدهما لا يقدح ~~في الآخر # فقال أليس مداره على بن عميرة وقد قال البخارى لا يعرف له سماع من الأحنف # فقلت قد رواه إمام الأئمة إبن خزيمة في كتاب التوحيد الذى اشترط فيه انه ~~لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولا إلى النبى قلت والإثبات ~~مقدم على النفى والبخارى انما نفى معرفة سماعه من الاحنف لم ينف معرفة ~~الناس بهذا فإذا عرف غيره كإمام الأئمة إبن خزيمة ما ثبت به الإسناد كانت ~~معرفته وإثباته مقدما على نفى غيره وعدم معرفته # ووافق الجماعة على ذلك وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق أن ~~أحكيه وأخذوا يناظرون في اشياء لم تكن في العقيدة ولكن لها تعلق بما اجبت ~~به في مسائل ولها تعلق بما قد يفهمونه من PageV03P192 العقيدة فأحضر بعض ~~أكابرهم ( كتاب الاسماء ms0669 والصفات ) للبيهقى رحمه الله تعالى فقال هذا فيه ~~تأويل الوجه عن السلف فقلت لعلك تعنى قوله تعالى ( ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله ) فقال نعم قد قال مجاهد والشافعى يعنى قبلة ~~الله فقلت نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعى وغيرهما وهذا حق وليست هذه الآية ~~من آيات الصفات # ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة فإن سياق الكلام يدل على ~~المراد حيث قال ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) والمشرق ~~والمغرب الجهات # والوجه هو الجهة يقال أى وجه تريده أى أى جهة وأنا أريد هذا الوجه أى هذه ~~الجهة كما قال تعالى ( ولكل وجهة هو موليها ) ولهذا قال ( فأينما تولوا فثم ~~وجه الله ) أى تستقبلوا وتتوجهوا والله اعلم وصلى الله على محمد ~~PageV03P193 ### || 1 ( حكاية الشيخ علم الدين للمناظرة في العقيدة الواسطية ) 1 # ! 8 < نقل الشيخ علم الدين ! 8 < ! 8 < أن الشيخ قدس الله روحه ! 8 < # قال في مجلس نائب السلطنة الأفرم لما سأله عن اعتقاده وكان الشيخ أحضر ~~عقيدته الواسطية قال هذه كتبتها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتار إلى الشام ~~فقرئت في المجلس # ثم نقل علم الدين عن الشيخ أنه قال كان سبب كتابتها أن بعض قضاة واسط من ~~أهل الخير والدين شكى ما الناس فيه ببلادهم في دولة التتر من غلبة الجهل ~~والظلم ودروس الدين والعلم وسألنى أن أكتب له عقيدة فقلت له قد كتب الناس ~~عقائد أئمة السنة فألح في السؤال وقال ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت # فكتبت له هذه العقيدة وانا قاعد بعد العصر فأشار الأمير لكاتبه فقرأها ~~على الحاضرين حرفا حرفا فاعترض بعضهم على قولى فيها ومن الإيمان بالله ~~الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ~~ولا تمثيل ومقصوده أن هذا ينفى التأويل الذى هو صرف اللفظ عن ظاهره إما ~~وجوبا وإما جوازا PageV03P194 فقلت انى عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ ~~التحريف لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه وانا ms0670 تحريت في هذه العقيدة اتباع ~~الكتاب والسنة فنفيت ما ذمه الله من التحريف ولم أذكر فيها لفظ التأويل ~~لأنه لفظ له عدة معان كما بينته في موضعه من القواعد # فإن معنى لفظ التأويل في كتاب الله غير لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين ~~من أهل الاصول والفقه وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير ~~والسلف # وقلت لهم ذكرت في النفى التمثيل ولم أذكر التشبيه لأن التمثيل نفاه الله ~~بنص كتابه حيث قال ( ليس كمثله شيء ) # وأخذوا يذكرون نفى التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا ويعرضون بما ينسبه ~~بعض الناس الينا من ذلك # فقلت قولى من غير تكييف ولا تمثيل ينفى كل باطل وانما اخترت هذين الإسمين ~~لان التكييف ما ثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة ومالك وبن عيينة وغيرهم ~~المقالة التى تلقاها العلماء بالقبول الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان ~~به واجب والسؤال عنه بدعة فاتفق هؤلاء السلف على أن الكيف غير معلوم لنا ~~فنفيت ذلك اتباعا لسلف الامة # وهو أيضا منفى بالنص فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة PageV03P195 ~~الموصوف وحقيقة صفاته غير معلومة وهذا من التاويل الذى لا يعلمه إلا الله ~~كما قررت ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في ( التأويل والمعنى ( والفرق بين ~~علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله # وكذلك التمثيل منفى بالنص والإجماع القديم مع دلالة العقل على نفيه ونفى ~~التكييف إذ كنه البارى غير معلوم للبشر # وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابى الذى نقل أنه مذهب السلف وهو ( إجراء آيات ~~الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفى الكيفية والتشبيه عنها إذ الكلام في ~~الصفات فرع الكلام في الذات يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله فإذا كان إثبات ~~الذات إثبات وجود لا اثبات تكييف فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا اثبات ~~تكييف ( # فقال أحد كبراء المخالفين فحينئذ يجوز أن يقال هو جسم لا كالأجسام فقلت ~~له أنا وبعض الفضلاء إنما قيل انه يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به ~~رسوله وليس في الكتاب والسنة أن الله ms0671 جسم حتى يلزم هذا وأول من قال إن الله ~~جسم هشام بن الحكم الرافضى # واما قولنا فهم الوسط في فرق الامة كما أن الأمة هي الوسط في الامم فهم ~~وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة فقيل ~~لى أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد وأرادوا قطع النزاع لكونه مذهبا متبوعا ~~PageV03P196 فقلت ما خرجت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للإمام أحمد ~~اختصاص بهذا وقلت قد أمهلت من خالفنى في شيء منها ثلاث سنين فإن جاء بحرف ~~واحد عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك وعلى أن آتى بنقول ~~جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته من الحنفية والمالكية ~~والشافعية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث وغيرهم # ثم طلب المنازع الكلام في ( مسألة الحرف والصوت ) فقلت هذا الذى يحكى عن ~~أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلى كذب مفترى لم يقل ~~ذلك أحمد ولا أحد من علماء المسلمين # وأخرجت كراسا وفيه ما ذكره أبو بكر الخلال في ( كتاب السنة ) عن الإمام ~~أحمد وما جمعه صاحبه أبو بكر المروذى من كلام أحمد وكلام أئمة زمانه في أن ~~من قال لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع قلت فكيف ~~بمن يقول لفظى أزلى فكيف بمن يقول صوتى قديم # فقال المنازع انه انتسب إلى أحمد أناس من الحشوية والمشبهة ونحو هذا ~~الكلام فقلت المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم ~~فهؤلاء أصناف الاكراد كلهم شافعية وفيهم من التشبيه والتجسيم مالا يوجد في ~~صنف آخر واهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ~~ذلك ما في غيرهم والكرامية المجسمة كلهم حنفية PageV03P197 # وقلت له من في أصحابنا حشوى بالمعنى الذى تريده الاثرم أبو داود المروذي ~~الخلال أبو بكر عبد العزيز أبو الحسن التميمى بن حامد القاضي أبو يعلى أبو ~~الخطاب بن عقيل ورفعت صوتى وقلت سمهم قل لى من منهم # أبكذب بن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم ms0672 تبطل الشريعة وتندرس ~~معالم الدين كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون القرآن القديم هو أصوات ~~القارئين ومداد الكاتبين وأن الصوت والمداد قديم أزلى من قال هذا وفى أي ~~كتاب وجد عنهم هذا قل لى وكما نقل عنهم ان الله لا يرى في الآخرة باللزوم ~~الذى ادعاه والمقدمة التى نقلها عنهم # ولما جاءت ( مسألة القرآن ) وأنه كلام الله غير مخلوق منه بدء واليه يعود ~~نازع بعضهم في كونه منه بدا واليه يعود وطلبوا تفسير ذلك فقلت أما هذا ~~القول فهو المأثور والثابت عن السلف مثل ما نقله عمرو بن دينار قال أدركت ~~الناس منذ سبعين سنة يقولون الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه ~~كلام الله غير مخلوق منه بدا واليه يعود ومعنى منه بدا أى هو المتكلم به ~~وهو الذى أنزله من لدنه ليس هو كما تقوله الجهمية انه خلق في الهواء أو ~~غيره وبدأ من غيره # وأما إليه يعود فإنه يسرى به في آخر الزمان من المصاحف والصدور ~~PageV03P198 فلا يبقى في الصدور منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف ووافق على ~~ذلك غالب الحاضرين فقلت هكذا قال النبى ( ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما ~~خرج منه ) يعنى القرآن وقال خباب بن الارت يا هنتاه تقرب إلى الله بما ~~أستطعت فلن يتقرب إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه # وقلت وأن الله تكلم به حقيقة وان هذا القرآن الذى أنزله الله على محمد هو ~~كلام الله حقيقة لا كلام غيره ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام ~~الله أو عبارة بل اذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك ~~عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله ~~مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا # فأمتعض بعضهم من اثبات كونه كلام الله حقيقة بعد تسليمه أن الله تكلم به ~~حقيقة ثم انه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه وان ms0673 ~~أقوال المتقدمين المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف اليهم هو كلامهم حقيقة # ولما ذكرت فيها أن الكلام انما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من ~~قاله مبلغا استحسنوا هذا الكلام وعظموه # وذكرت ما أجمع عليه سلف الامة من أنه سبحانه فوق العرش وأنه معنا حق على ~~حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة PageV03P199 وليس ~~معنى قوله ( وهو معكم أينما كنتم ) انه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه ~~اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الامة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق بل ~~القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع ~~المسافر أينما كان # ولما ذكرت أن جميع أسماء الله التى يسمى بها المخلوق كلفظ ( الوجود ( ~~الذى هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن تنازع كبيران هل هو مقول ~~بالإشتراك أو بالتواطىء فقال أحدهما هو متواطىء وقال آخر هو مشترك لئلا ~~يلزم التركيب # وقال هذا قد ذكر فخر الدين أن هذا النزاع مبنى على ان وجوده هل هو عين ~~ماهيته أم لا فمن قال إن وجود كل شيء عين ماهيته قال أنه مقول بالاشتراك ~~ومن قال ان وجوده قدر زائد على ماهيته قال انه مقول بالتواطىء فأخذ الأول ~~يرجح قول من يقول ان الوجود زائد على الماهية لينصر انه مقول بالتواطىء ~~فقال الثانى مذهب الأشعرى وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته فأنكر الاول ذلك # فقلت أما متكلموا أهل السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته وأما القول ~~الآخر فهو قول المعتزلة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته وكل منهما أصاب ~~من وجه فإن الصواب ان هذه الأسماء مقولة بالتواطىء كما قد قررته في غير هذا ~~الموضع PageV03P200 # وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس [ عين وجود ماهيته ] ~~فهو من الغلط المضاف إلى بن الخطيب فإنا وإن قلنا إن وجود الشيء عين ماهيته ~~لا يجب أن يكون الإسم مقولا عليه وعلى غيره بالإشتراك اللفظى فقط كما في ms0674 ~~جميع أسماء الاجناس فإن إسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد ~~بالتواطىء وليس عين هذا السواد هو عين هذا السواد اذ الإسم دال على القدر ~~المشترك بينهما وهو المطلق الكلى لكنه لا يوجد مطلقا بشرط الإطلاق إلا في ~~الذهن # ولا يلزم من ذلك نفى القدر المشترك بين الاعيان الموجودة في الخارج فإنه ~~على ذلك تنتفى ( الاسماء المتواطئة ( وهى جمهور الاسماء الموجودة في اللغات ~~وهى ( أسماء الاجناس اللغوية ( وهو الإسم المعلق على الشيء وما أشبهه سواء ~~كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا وسواء كان جنسا منطقيا أو فقهيا أو ~~لم يكن # بل اسم الجنس في اللغة تدخل فيه الاجناس والأصناف والانواع ونحو ذلك ~~وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة قال الذهبى ثم وقع ~~الإتفاق على أن هذا معتقد سلفى جيد PageV03P201 ### || 1 ( رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين ) 1 # ! 8 < وكتب عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين ! 8 < ! 8 < بسم الله ~~الرحمن الرحيم ! 8 < من أخيه ( عبد الله بن تيمية ) إلى الشيخ الإمام ~~العالم الفاضل الصدر الكبير ( زين الدين ) زينه الله تعالى بحلية أوليائه ~~وأكرمه في الدنيا والآخرة بكرامة أصفيائه وجعل له البشرى بالنصر الأكبر على ~~أعدائه وأوزعه شكر النعماء خصوصا أفضل نعمائه بما من الله به سبحانه من ~~النصر العزيز للإسلام وللسنة واهلها على حزب الشيطان وأوليائه # أما بعد فإنى أحمد اليك الله الذى لا اله إلا هو وهو للحمد أهل وأصلى على ~~نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام # وأعرفه بما من الله سبحانه علينا وعلى المسلمين أجمعين بالنصر الأكبر ~~والفتح المبين وهو وإن كانت العقول تعجز عن دركه على التفضيل والألسن عن ~~وصفه عن التكميل لكن نذكر منه ما يسر الله سبحانه ملخصا خاليا عن التطويل ~~PageV03P202 # وهو أنه لما كان يوم الإثنين الثامن من رجب جمع نائب السلطان القضاة ~~الأربعة ونوابهم والمفتين والمشايخ نجم الدين وشمس الدين وتقى الدين وجمال ~~الدين وجلال الدين نائب نجم الدين وشمس الدين بن العز نائب ms0675 شمس الدين وعز ~~الدين نائب تقى الدين ونجم الدين نائب جمال الدين والشيخ كمال الدين بن ~~الزملكانى والشيخ كمال الدين بن الشرشى وبن الوكيل من الشافعية والشيخ ~~برهان الدين بن عبدالحق من الحنفية والشيخ شمس الدين الحريرى من المالكية ~~والشيخ شهاب الدين المجد من الشافعية والشيخ محمد بن قوام والشيخ محمد بن ~~إبراهيم الأرموى # ثم سأل نائب السلطان عن الإعتقاد فقال ليس الإعتقاد لى ولا لمن هو أكبر ~~منى بل الإعتقاد يؤخذ عن الله سبحانه وتعالى ورسوله وما أجمع عليه سلف ~~الأمة يؤخذ من كتاب الله تعالى ومن أحاديث البخارى ومسلم وغيرهما من ~~الأحاديث المعروفة وما ثبت عن سلف الأمة # فقال الأمير نريد أن تكتب لنا صورة الإعتقاد فقال الشيخ اذا قلت الساعة ~~شيئا من حفظى قد يقول الكذابون قد كتم بعضه أو داهن بل أنا أحضر ما كتبته ~~قبل هذا المجلس بسنين متعددة قبل مجيء التتار فأحضرت الواسطية وسبب تسميتها ~~بذلك أن الذى طلبها من الشيخ رجل من قضاة واسط من أصحاب الشافعى قدم حاجا ~~من نحو عشر سنين وكان فيه صلاح كبير وديانة كبيرة فالتمس من الشيخ ان يكتب ~~له عقيدة فقال له PageV03P203 الشيخ الناس قد كتبوا في هذا الباب شيئا ~~كثيرا فخذ بعض عقائد أهل السنة فقال أحب أن تكتب لى أنت فكتب له وهو قاعد ~~في مجلسه بعد العصر هذه ( العقيدة # ذكر الشيخ للأمير معنى هذا الكلام ثم قرئت على الحاضرين من أولها إلى ~~آخرها كلمه كلمة وبحث في مواضع منها وفيهم من في قلبه من الشيخ ما لا يعلمه ~~الا الله وكان ظنهم أنهم اذا تكلموا معه في هذا الكتاب أظهروا أنه يخالف ما ~~عليه أهل السنة والجماعة # وأوردوا ثلاثة أسئلة في ثلاث مواضع وهى تسميتها باعتقاد أهل الفرقة ~~الناجية وقول ( استوى حقيقة ( وقول ( فوق السماوات ( فقال الشيخ للكاتب ~~الذى أقعده نائب السلطان وهو الشيخ كمال الدين بن الزملكانى اكتب جوابها ~~وكان المجلس قد طال من الضحى إلى قريب العصر فأشاروا بتأخير ذلك إلى مجلس ms0676 ~~ثان وهو يوم الجمعة ثانى عشر رجب فاجتمعوا هم وحضر معهم الصفى الهندى وحضرت ~~أنا المجلس الثانى وما علمت بالمجلس الأول حين حضروا وقد كانوا بحثوا في ~~تلك الآيام بالفصوص وطالعوه واتفقوا على انهم لا يبقوا ممكنا # فلما حضرت بعد صلاة الجمعة واستقر المجلس أثنى الناس على الصفى الهندى ~~وقال جماعة منهم هو شيخ الجماعة وكبيرهم في هذا وعليه اشتغل الناس في هذا ~~الفن واتفقوا على أنه يتكلم مع الشيخ وحده فإذا فرغ تكلم واحد بعد واحد ~~PageV03P204 # فخطب الشيخ فحمد الله وأثنى عليه بخطبة بن مسعود رضى الله عنه ثم قال إن ~~الله تعالى أمرنا بالجماعة والإئتلاف ونهى عن الفرقة والإختلاف وربنا واحد ~~ورسولنا واحد وكتابنا واحد وديننا واحد وأصول الدين ليس بين السلف وأئمة ~~الإسلام فيها خلاف ولا يحل فيها الإفتراق لأن الله تعالى يقول ( واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ويقول ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء ) # وهذا الباب قد تنازع الناس فيه ويقول هذا أنا حنبلى ويقول هذا أنا أشعرى ~~وقد أحضرت كتب الأشعرى وكتب أكابر أصحابه مثل كتب أبى بكر بن الباقلانى ~~وأحضرت ايضا من نقل مذاهب السلف من المالكية والشافعية والحنبلية وأهل ~~الحديث وشيوخ الصوفية وأنهم كلهم متفقون على اعتقاد واحد # وكذلك أحضر نقل شيوخ أصحاب أبى حنيفة مثل محمد بن الحسن والطحاوى وما ~~ذكروه من الصفات وغيرها في أصول الدين وقرأ ( فصل ) مما ذكره الحافظ بن ~~عساكر في كتابه ( الإبانة ) وأنه يقول بقول الإمام أحمد وأحضر ( كتاب ~~التمهيد ) للقاضى أبى بكر بن الباقلانى وأحضر ( النقول ) عن مالك وأكابر ~~أصحابه مثل بن أبى زيد والقاضى عبد الوهاب وغيرهما من كبار أصحاب مالك ~~بتصريحهم أن الله مستو بذاته على العرش # وقال أما الذى أذكره فهو مذهب السلف وأحضر ألفاظهم وألفاظ من PageV03P205 ~~نقل مذاهبهم من الطوائف الأربعة وأهل الحديث والمتكلمين والصوفية وأذكر ~~موافقة ذلك من الكتاب والسنة وأنه ليس في ذلك ما ينفيه العقل # وان كان الله تعالى يجمع قلوب الجماعة على ذلك ms0677 فالحمد لله رب العالمين ~~وان خالف مخالف لذلك كان في كلام الآخر [ ما ] أقوله وأكشف الاسرار وأهتك ~~الاستار وأبين ما يحتاج إليه بيانه واجتمع بالسلطان وأقول له كلاما آخر # وكان يوما عظيما مشهودا بين فيه للحاضرين من البحث والنقل أمر عظيم وبحث ~~عن أشياء خارجة عن ( العقيدة الواسطية ) لما أحضر لهم جوابه في مسألة ~~القرآن ومسألة الإستواء لما سئل عنها قديما من نحو اثنى عشر سنة وقرأ عليهم ~~من ذلك الجواب وسألوه عن ألفاظ في المسألة ( الحموية ) وأوردوا عليه جميع ~~ما في أنفسهم من الأجوبة وقالوا هذا سؤالنا وما بقى في أنفسنا شيء # فلما أجاب الشيخ عن أسئلتهم وافقوه وانفصل المجلس على ذلك وكان قال لهم ~~كل من خالف شيئا مما قلته فاليكتب بخطه خلافه والينقل فيما خالف في ذلك عن ~~السلف أو يكتب كل شخص عقيدة وتعرض هذه العقائد على ولاة الأمور ويعرف أيها ~~الموافق للكتاب والسنة وقال أيضا من جاء بحرف واحد عن السلف بخلاف ما ذكرت ~~فأنا أصير إليه وأنا أحضر نقل جميع الطوائف أنهم ذكروا مذهب السلف كما ~~وضعته وأنا موافق السلف PageV03P206 ومناظر على ذلك وجميع أئمة الطوائف من ~~الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث والصوفية ~~موافقون ما أقوله # وسألوه عن الظاهر هل هو موافق أم لا فقال هذا ليس في ( العقيدة ) وأنا ~~أتبرع بالجواب عن أكثر من حكى مذهب السلف كالخطابى وأبى بكر الخطيب والبغوى ~~وأبى بكر وأبى القاسم التميمى وأبى الحسن الأشعرى وبن الباقلانى وابى عثمان ~~الصابونى وأبى عمر بن عبد البر والقاضى أبى يعلى والسيف الآمدى وغيرهم في ~~نفى الكيفية والتشبيه عنها وأن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ~~يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لإثبات ~~كيفية فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية # وقد نقل طائفة أن مذهب السلف ان الظاهر غير مراد قال والجمع بين النقلين ~~أن الظاهر لفظ مشترك فالظاهر الذى لا يليق إلا بالمخلوق غير مراد وأما ~~الظاهر اللائق ms0678 بجلال الله تعالى وعظمته فهو مراد أنه هو المراد في أسماء ~~الله تعالى وصفاته مثل الحى والعليم والقدير والسميع والبصير وجرت بحوث ~~دقيقة لا يفهمها الا قليل من الناس # وبين أن الله تعالى فوق عرشه على الوجه الذى يليق بجلاله ولا أقول ~~PageV03P207 فوقه كالمخلوق على المخلوق كما تقوله المشبهة ولا يقال انه لا ~~فوق السماوات ولا على العرش رب كما تقوله المعطلة الجهمية بل يقال انه فوق ~~سمواته على عرشه بائن من خلقه # وتكلم على لفظ الجهة وأنه معنى مشترك وعلى لفظ الحقيقة # وسئل عن مسألة القرآن والصوت فأجاب بالتفصيل وكان أجاب به قديما فقال من ~~قال ان صوت العبد بالقرآن ومداد المصحف قديم فهو مخطئ ضال ولم يقل بهذا أحد ~~من علماء أصحاب الإمام أحمد ولا غيرهم # وما نقل عنهم أنهم يقولون ليس القرآن الا الصوت المسموع من القارئ ~~والمداد الذى في المصحف وهو مع ذلك قديم فهذا كذب مفترى ما قاله أحمد وأحضر ~~نصوص الإمام أحمد وأصحابه وأصحاب مالك والشافعى والأشعرى وغيرهم أن من قال ~~لفظى بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع فكيف بمن يقول صوتى به غير مخلوق أو يقول ~~صوتى به قديم وحرر الكلام فيها وان اطلاق القول بنفى الحرف بدعة لم يتكلم ~~به الإمام أحمد ولا غيره من الأئمة المتبوعين # بل مذهب السلف ان القرآن كلام الله حروفه ومعانيه والكلام يضاف حقيقة إلى ~~من قاله مبتدءا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا وأن الله تكلم بصوت وذكر حديث ~~أبى سعيد رضى الله عنه الذى في الصحيحين فأخذ نائب PageV03P208 المالكى ~~يقول أنت تقول إن الله ينادى بصوت فقال له الشيخ هكذا قال نبيك إن كنت ~~مؤمنا به وهكذا قال محمد بن عبد الله إن كان رسولا عندك # وجعل نائب السلطان كلما ذكر حديثا وعزاه إلى الصحيحين يقول لهم هكذا قاله ~~النبى يقولون نعم فيقول فمن قال بقول النبى أى شيء يقال له وقال له كل شيء ~~قلته من عندك قلته فقال بل أنقله جميعا عن نبى الأمة ms0679 صلى الله عليه وسلم ~~وأبين أن طوائف الإسلام تنقله عن السلف كما نقلته وأن أئمة الإسلام عليه ~~وأنا أناظر عليه واعلم كل من يخالفنى بمذهبه # وانزعج الشيخ انزعاجا عظيما على نائب المالكى والصفى الهندى وأسكتهما ~~سكوتا لم يتكلما بعده بما يذكر وجزئيات الأمور لا يتسع لها هذا الورق # وبعد المجلس حمل بعض الشافعية النقل من تفسير القرطبى بان السلف لم ينكر ~~أحد منهم أن الله تعالى استوى على العرش حقيقة وأنهم لا يقولون بنفى الجهة ~~ولا ينطقون إلا بما أخبرت به رسله وخص العرش بذلك لأنه أعظم المخلوقات ~~وإنما جهلوا كيفية الاستواء وأنه لا تعلم حقيقته كما قال مالك رحمه الله ~~الإستواء معلوم يعنى في اللغة والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه ~~بدعة فقال المالكى ما كنا نعرف هذا PageV03P209 وبعد المجلس حصل من بن ~~الوكيل وغيره من الكذب والإختلاق والتناقض بما عليه [ الحال ] ما لا يوصف # فجميع ما يرد اليك مما يناقض ما ذكرت من الأكاذيب والإختلاقات فتعلم ذلك # ولم ندر إلى الآن كيف وقع الامر في مصر إلا ما في كتاب السلطان أنه بلغنا ~~أن الشيخ فلانا كتب عقيدة يدعو اليها وأن بعض الناس أنكرها فليعقد له مجلس ~~لذلك ولتطالع ما يقع وتكشف أنت ذلك كشفا شافيا وتعرفنا به # والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى الشيخ الإمام الكبير العالم الفاضل ~~قرة العين عز الدين أفضل السلام وكذلك كل فرد من الأهل والأصحاب والمعارف ~~والسلام PageV03P210 ### || 1 ( جواب ورقة أرسلت إليه في السجن ) 1 # ! 8 < قال الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية في ( جواب ( ! 8 < # ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان سنة ست وسبعمائة # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا اله الا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وآله وسلم تسليما ms0680 # أما بعد قد وصلت ( الورقة ( التى فيها رسالة الشيخين الجليلين العالمين ~~الناسكين القدوتين أيدهما الله وسائر الإخوان بروح منه وكتب في قلوبهم ~~الايمان وأدخلهم مدخل صدق وأخرجهم مخرج صدق وجعلهم ممن ينصر به السلطان ~~سلطان العلم والحجة والبيان والبرهان وسلطان القدرة والنصر بالسنان ~~والاعوان وجعلهم من أوليائه المتقين وجنده الغالبين لمن ناواهم من الاقران ~~ومن أئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر PageV03P211 والإيقان والله محقق ~~ذلك ومنجز وعده في السر والاعلان ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن # لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته من الابتلاء والامتحان الذى يخلص الله ~~( به ( أهل الصدق والايمان من أهل النفاق والبهتان اذ قد دل كتابه على أنه ~~لابد من الفتنة لكل من الداعى إلى الايمان والعقوبة لذوى السيئات والطغيان ~~قال الله تعالى ( الم أحسب الناس أن يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم ~~حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ) # فأنكر سبحانه على من يظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب وأن مدعى الايمان ~~يتركون بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب وأخبر في كتابه أن الصدق في ~~الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله فقال تعالى ( قالت الأعراب آمنا قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ( إلى قوله ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون ) # وأخبر في كتابه بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة الذى يعبد الله فيها ~~على حرف وهو الجانب والطرف الذى لا يستقر من هو عليه بل لا يثبت الايمان ~~الا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا قال تعالى ( ومن الناس من يعبد الله ~~PageV03P212 على حرف ) الآية وقال تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) وقال تعالى ( ولنبلونكم حتى ~~نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) # وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين فلا بد من وجود المحبين المحبوبين ~~المجاهدين فقال ( من ms0681 يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~) الآية # وهؤلاء هم الشاكرون لنعمة الإيمان الصابرون على الإمتحان كما قال تعالى ( ~~وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين # وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ~~ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم الا أن قالوا ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين # فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ) # فإذا أنعم الله على الإنسان بالصبر والشكر كان جميع ما يقضى الله له من ~~القضاء خيرا له كما قال النبى ( لا يقضى الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا ~~له إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء PageV03P213 فصبر كان ~~خيرا له ( والصابر الشكور هو المؤمن الذى ذكره الله في غير موضع من كتابه # ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشر حال وكل واحد من السراء ~~والضراء في حقه يفضى إلى قبيح المآل فكيف اذا كان ذلك في الأمور العظيمة ~~التى هي من محن الأنبياء والصديقين وفيها تثبيت أصول الدين وحفظ الإيمان ~~والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان # فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغى ~~لكرم وجهه وعز جلاله # والله هو المسئول أن يثبتكم وسائر المؤمنين بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفى الآخرة ويتم عليكم نعمه الباطنة والظاهرة وينصر دينه وكتابه ~~وعباده المؤمنين على الكافرين والمنافقين الذى أمرنا بجهادهم والإغلاظ ~~عليهم في كتابه المبين # وأنتم فابشروا من أنواع الخير والسرور بما لم يخطر في الصدور وشأن هذه ( ~~القضية ) وما يتعلق بها أكبر مما يظنه من لا يراعى إلا جزئيات الأمور ولهذا ~~كان فيما خاطبت به أمين الرسول علاء الدين الطيبرسى ان قلت هذه ( القضية ) ~~ليس الحق فيها لى بل لله ms0682 ولرسوله وللمؤمنين من شرق الأرض إلى مغربها وأنا ~~لا يمكننى أن أبدل الدين ولا انكس راية المسلمين ولا أرتد عن دين الإسلام ~~لأجل فلان وفلان PageV03P214 نعم يمكننى أن لا أنتصر لنفسى ولا أجازى من ~~أساء إلى وافترى على ولا أطلب حظى ولا أقصد إيذاء أحد بحقى وهذا كله مبذول ~~منى ولله الحمد ونفسى طيبة بذلك وكنت قد قلت له الضرر في هذه ( القضية ) ~~ليس على بل عليكم فإن الذين أثاروها من أعداء الإسلام الذين يبغضونه ~~ويبغضون أولياءه والمجاهدين عنه ويختارون انتصار أعدائه من التتار ونحوهم # وهم دبروا عليكم حيلة يفسدون بها ملتكم ودولتكم وقد ذهب بعضهم إلى بلدان ~~التتار وبعضهم مقيم بالشام وغيره ولهذه القضية أسرار لا يمكننى أن أذكرها ~~ولا أسمى من دخل في ذلك حتى تشاوروا نائب السلطان فإن أذن في ذلك ذكرت لك ~~ذلك وإلا فلا يقال ذلك له وما أقوله فاكشفوه أنتم فاستعجب من ذلك وقال يا ~~مولانا ألا تسمى لى أنت أحدا فقلت وأنا لا أفعل ذلك فإن هذا لا يصلح # لكن تعرفون من حيث الجملة أنهم قصدوا فساد دينكم ودنياكم وجعلونى إماما ~~تسترا لعلمهم بأنى أواليكم وأسعى في صلاح دينكم ودنياكم وسوف إنشاء الله ~~ينكشف الامر # قلت له وإلا فأنا على أى شيء أخاف إن قتلت كنت من أفضل الشهداء وكان على ~~الرحمة والرضوان إلى يوم القيامة وكان على من قتلنى اللعنة الدائمة في ~~الدنيا والعذاب في الآخرة ليعلم كل من يؤمن بالله ورسوله انى ان قتلت ~~PageV03P215 لاجل دين الله وان حبست فالحبس في حقى من أعظم نعم الله على ~~ووالله ما أطيق أن أشكر نعمة الله على في هذا الحبس وليس لى ما أخاف الناس ~~عليه لا اقطاعى ولا مدرستى ولا مالى ولا رياستى وجاهى # وإنما الخوف عليكم اذا ذهب ما أنتم فيه من الرياسة والمال وفسد دينكم ~~الذى تنالون به سعادة الدنيا والآخرة وهذا كان مقصود العدو الذى أثار هذه ~~الفتنة # وقلت هؤلاء الذين بمصر من الامراء والقضاة والمشائخ اخوانى وأصحابى أنا ms0683 ~~ما أسأت إلى أحد منهم قط وما زلت محسنا اليهم فأى شيء بينى وبينهم ولكن لبس ~~عليهم المنافقون أعداء الاسلام وأنا أقول لكم لكن لم يتفق انى قلت هذا له ~~إن في المؤمنين من يسمع كلام المنافقين ويطيعهم وإن لم يكن منافقا كما قال ~~تعالى ( وفيكم سماعون لهم ) وقد قال الله لنبيه ( ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين ودع أذاهم ) # والنفاق له شعب ودعائم كما أن للإيمان شعبا ودعائم ففى الصحيحين عن النبى ~~أنه قال ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ) ~~وفيهما أيضا أنه قال ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة ~~منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها اذا حدث كذب واذا عاهد غدر واذا ~~خاصم فجر واذا اؤتمن خان PageV03P216 # وقلت له هذه القضية أكبر مما في نفوسكم فإن طائفة من هؤلاء الأعداء ذهبوا ~~إلى بلاد التتر فقال إلى بلاد التتر فقلت نعم هم من أحرص الناس على تحريك ~~الشر عليكم إلى أمور أخرى لا يصلح أن أذكرها لك # وكان قد قال لى فأنت تخالف المذاهب الاربعة وذكر حكم القضاة الاربعة فقلت ~~له بل الذى قلته عليه الأئمة الاربعة المذاهب وقد أحضرت في الشام أكثر من ~~خمسين كتابا من كتب الحنفية والمالكية والشافعية وأهل الحديث والمتكلمين ~~والصوفية كلها توافق ما قلته بألفاظه وفى ذلك نصوص سلف الامة وأئمتها # ولم يستطع المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما ~~يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه وكان لما أعطانى الدرج فتأملته ~~فقلت له هذا كله كذب إلا كلمة واحدة وهى انه استوى على العرش حقيقة لكن بلا ~~تكييف ولا تشبيه قلت وهذا هو في العقيدة بهذا اللفظ بلا تكييف ولا تمثيل ~~ولا تحريف ولا تعطيل فقال فاكتب خطك بهذا قلت هذا مكتوب قبل ذلك في ( ~~العقيدة ) ولم أقل بما يناقضه فأى فائدة في تجديد الخط # وقلت هذا اللفظ قد حكى إجماع أهل السنة والجماعة عليه غير واحد من ms0684 ~~العلماء المالكية والشافعية وأهل الحديث وغيرهم وما في علماء الإسلام من ~~ينكر ذلك إلا هؤلاء الخصوم PageV03P217 قلت فإن هؤلاء يقولون ما فوق العرش ~~رب يدعى ولا فوق السماء اله يعبد وما هناك إلا العدم المحض والنفى الصرف ~~وأن الرسول لم يعرج به إلى الله تعالى ولكن صعد إلى السماء ونزل وأن الداعى ~~لا يرفع يديه إلى الله ومنهم من يقول ان الله هو هذا الوجود وأنا الله وأنت ~~الله والكلب والخنزير والعذرة ويقول ان الله حال في ذلك # فاستعظم ذلك وهاله أن أحدا يقول هذا فقال ( هؤلاء ) يعنى بن مخلوف وذويه ~~فقلت هؤلاء ما سمعت كلامهم ولا خاطبونى بشيء فما يحل لى أن أقول عنهم ما لم ~~أعلمه ولكن هذا قول الذين نازعونى بالشام وناظرونى وصرحوا لى بذلك وصرح ~~أحدهم بأنه لا يقبل من الرسول ما يقوله في هذا الباب مما يخالفهم # وجعل الرجل في أثناء الكلام يصغى لما أقوله ويعيه لما رأى غضبى ولهذا ~~بلغنى من غير وجه أنه خرج فرحا مسرورا بما سمعه منى وقال هذا على الحق ~~وهؤلاء قد ضيعوا الله والا فأين هو الله وهكذا يقول كل ذى فطرة سليمة كما ~~قاله جمال الدين الأخرم للملك الكامل لما خاطبه الملك الكامل في أمر هؤلاء ~~فقال له الأخرم هؤلاء قد ضيعوا الهك فاطلب لك الها تعبده # ومن المعلوم باتفاق المسلمين ان الله حى حقيقة عليم حقيقة قدير حقيقة ~~سميع حقيقة بصير حقيقة إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته وانما ينكر ذلك ~~PageV03P218 الفلاسفة الباطنية فيقولون نطلق عليه هذه الاسماء ولا نقول ~~انها حقيقة وغرضهم بذلك جواز نفيها فانهم يقولون لا حى حقيقة ولا ميت حقيقة ~~ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا سميع ولا أصم # فاذا قالوا ان هذه الأسماء مجاز أمكنهم نفى ذلك لأن علامة المجاز صحة ~~نفيه فكل من أنكر أن يكون اللفظ حقيقة لزمه جواز اطلاق نفيه فمن أنكر أن ~~يكون استوى على العرش حقيقة فانه يقول ليس الرحمن على العرش استوى كما ms0685 أن ~~من قال إن لفظ الأسد للرجل الشجاع والحمار للبليد ليس بحقيقة فانه يلزمه ~~صحة نفيه فيقول هذا ليس بإسد ولا بحمار ولكنه آدمى # وهؤلاء يقولون لهم لا يستوى الله على العرش كقول اخوانهم ليس هو بسميع ~~ولا بصير ولا متكلم لأن هذه الألفاظ عندهم مجاز فيأتون إلى محض ما أخبرت به ~~الرسل عن الله سبحانه يقابلونه بالنفى والرد كما يقابله المشركون بالتكذيب ~~لكن هؤلاء لا ينفون اللفظ مطلقا # وقال الطلمنكى أحد أئمة المالكية قبل بن عبد البر والباجى وطبقتهما في ~~كتاب الوصول إلى معرفة الأصول أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى ( ~~وهو معكم أينما كنتم ) ونحو ذلك من القرآن ان ذلك علمه وأن الله فوق ~~السماوات بذاته مستو على العرش كيف شاء # وقال أيضا قال أهل السنة في قول الله تعالى ( الرحمن على العرش ~~PageV03P219 استوى ) ان الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا ~~على المجاز وقال بن عبد البر في ( التمهيد ( شرح الموطأ وهو أشرف كتاب صنف ~~في فنه لما تكلم على حديث النزول قال هذا حديث ثابت لا يختلف أهل الحديث في ~~صحته وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما ~~قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم انه في كل مكان وليس على ~~العرش # قال والدليل على صحة ما قاله أهل الحق قول الله تعالى ( الرحمن على العرش ~~استوى ) وقال ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وقال ( تعرج ~~الملائكة والروح إليه ) وقال ( يا عيسى انى متوفيك ورافعك إلى ) وذكر آيات # إلى أن قال وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته ~~لانه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا خالفهم فيه مسلم # وهذا مثل ما ذكر محمد بن طاهر عن ابى جعفر الهمدانى أنه حضر مجلس بعض ~~المتكلمين فقال ( كان الله ولا عرش ( فقال يا أستاذ دعنا من ذكر العرش ~~أخبرنا عن هذه الضرورات التى نجدها في قلوبنا ما قال عارف ms0686 قط يا الله الا ~~وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة فضرب بيده على رأسه ~~وقال حيرنى الهمدانى حيرنى الهمدانى أراد الشيخ أن إقرار PageV03P220 الفطر ~~بأن معبودها ومدعوها فوق هو أمر ضرورى عقلى فطرى لم تستفده من مجرد السمع ~~بخلاف الاستواء على العرش بعد خلق السماوات والأرض في ستة أيام فان هذا علم ~~من جهة السمع # ولهذا لا تعرف أيام الاسبوع الا من جهة المقرين بالنبوات فاما من لا يعرف ~~ذلك كالترك المشركين فليس في لغتهم أسماء أيام الاسبوع وهذا من حكمة اجتماع ~~أهل كل ملة في يوم واحد في الأسبوع كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~اليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى ( وبسط بن عبد البر الكلام في ذلك # إلى ان قال وأما احتجاجهم بقوله تعالى ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ) فلا حجة فيه لهم لأن علماء الصحابة ~~والتابعين قالوا في تأويل هذه الآية هو على العرش وعلمه في كل مكان وما ~~خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله # قال أبو عمر أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في ~~القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز الا انهم لا ~~يكيفون شيئا ولا يحدون فيه صفه محصورة وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة ~~والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر ~~بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود والحق ما نطق به كتاب الله وسنة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وهم أئمة الجماعة PageV03P221 # وقال أيضا الذى عليه ~~أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة وما أشبهها الإيمان بما جاء ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم والتصديق بذلك وترك التحديد والكيفية في شيء ~~منه # وقال السجزى في ( الإبانة ) وأئمتنا كالثورى ومالك وبن عيينة وحماد بن ~~سلمة وحماد بن زيد وبن المبارك والفضيل وأحمد واسحاق متفقون على أن الله ~~سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان ms0687 وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار ~~فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وانه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن ~~خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه برءاء # وقال الشيخ عبد القادر في ( الغنية ) أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات ~~على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد صمد إلى أن قال وهو ~~بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء قال ولا يجوز ~~وصفه بأنه في كل مكان بل يقال إنه في السماء على العرش إلى ان قال وينبغى ~~اطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وانه استواء الذات على العرش قال وكونه ~~على العرش في كل كتاب أنزل على كل نبى أرسل بلا تكييف # وذكر الشيخ ( نصر المقدسى ) في ( كتاب الحجة ) عن بن أبى حاتم قال سألت ~~أبى وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة فقالا أدركنا العلماء في جميع ~~PageV03P222 الأمصار حجازا وعراقا ومصر وشاما ويمنا فكان من مذاهبهم أن ~~الايمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق بجميع جهاته ~~إلى أن قال وان الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى ~~لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف أحاط بكل شيء علما # وقال الشيخ نصر في أثناء الكتاب ان قال قائل قد ذكرت ما يجب على أهل ~~الإسلام من اتباع كتاب الله وسنة رسول الله وما أجمع عليه الأئمة والعلماء ~~فاذكر مذهبهم وما أجمعوا عليه # فالجواب أن الذى أدركنا عليه أهل العلم ومن بلغنى قوله من غيرهم فذكر ~~مجمل ( اعتقاد أهل السنة ) وفيه وأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه كما ~~قال في كتابه # وقال أبو الحسن الكجى الشافعى في ( قصيدته المشهورة في السنة ) # عقيدتهم أن الإله بذاته %~% على عرشه مع علمه بالغوائب # وقال القرطبى صاحب التفسير الكبير في قوله تعالى ثم استوى على العرش ~~الرحمن ) قال هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام فذكر قول المتكلمين ثم ~~قال كان السلف الأول لا يقولون بنفى ms0688 الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم ~~والكافة بإثباتها لله كما نطق به كتابه وأخبرت PageV03P223 به رسله قال ولم ~~ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية ~~الإستواء فإنه لا تعلم حقيقته # ثم قال بعد أن حكى أربعة عشر قولا وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآى ~~والأخبار والفضلاء الأخيار ان الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان ~~نبيه بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقله الثقات ~~عنهم # ولما اجتمعنا بدمشق وأحضر فيمن أحضر كتب أبى الحسن الأشعرى مثل ( ~~المقالات ) و ( الابانة ) وأئمة أصحابه كالقاضى أبى بكر وبن فورك والبيهقى ~~وغيرهم واحضر كتاب الابانة وما ذكر بن عساكر في كتاب تبيين كذب المفترى ~~فيما نسب إلى الأشعرى وقد نقله بخطه أبو زكريا النووى # وقال فيه فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية ~~والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذى به تقولون # قيل له قولنا التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وما روى عن الصحابة والتابعين ~~وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ~~ورفع درجته واجزل مثوبته قائلون ولما خالف قوله مجانبون لأنه الامام الفاضل ~~الذى أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع ~~المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين PageV03P224 وذكر الإعتقاد الذى ذكره ~~في المقالات ) عن أهل السنة ثم احتج على أبواب الأصول مثل ( مسألة القرآن ) ~~( والرؤية ) ( والصفات ) ثم قال ### ||| 2 باب ذكر الإستواء 2 # فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل بأن الله مستو على عرشه كما قال ~~سبحانه ( الرحمن على العرش استوى ) وقال ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه ) وقال سبحانه ( بل رفعه الله إليه ) وقال فرعون ( يا هامان ~~بن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى اله موسى وانى ~~لأظنه كاذبا ) كذب موسى في قوله إن الله فوق السماوات # وقال ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) والسموات فوقها العرش ms0689 ~~وإنما أراد العرش الذى هو على السماوات ألا ترى أن الله ذكر السماوات فقال ~~( وجعل القمر فيهن نورا ) لم يرد أن القمر يملأهن جميعا وأنه فيهن جميعا ~~ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم اذا دعوا نحو العرش قال وقد قال ~~قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قوله ( الرحمن على العرش ~~استوى ) أى استولى وملك وقهر والله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على ~~عرشه كما قاله أهل الحق قال ولو كان كما قالوا كان لافرق بين العرش وبين ~~الأرض السابعة السفلى لأن الله قادر على كل شيء وقدر ذلك PageV03P225 # وساق الكلام إلى أن قال ومما يؤكد لكم أن الله مستو على عرشه دون الاشياء ~~كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله من قوله ينزل الله إلى سماء الدنيا ~~كل ليلة فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فاغفر له حتى يطلع الفجر ثم ~~ذكر الاحاديث # وقال تعالى ( ياعيسى انى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا قال ~~وأجمعت الامة على أن الله رفع عيسى إلى السماء وذكر دلائل إلى أن قال كل ~~ذلك يدل على أن الله ليس في خلقه ولا خلقه فيه وانه عز وجل مستو على عرشه ~~جل وعز وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا جل عما يقول الذين لم يثبتوا ~~له في وصفهم له حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم ~~يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم على النفى في التأويل يريدون بذلك فيما ~~زعموا التنزيه ونفى التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفى والتعطيل # وهذا باب واسع لا يحصر فيه كلام العلماء من جميع الطوائف وما في ذلك من ~~الدلائل العقلية والنقلية وما يعارض ذلك أيضا من حجج النفاة والجواب عنها # وقد كتبت في هذا ما يجيء عدة مجلدات وذكرت فيها مقالات الطوائف جميعها ~~وحججها الشرعية والعقلية واستوعبت ما ذكره الرازى في كتاب ( تأسيس التقديس ~~) ( ونهاية العقول ) وغير ذلك حتى أتيت على مذاهب PageV03P226 الفلاسفة ~~المشائين أصحاب أرسطو وغير المشائين متقدميهم ومتأخريهم ms0690 كأفضل متأخريهم ( ~~بن سينا ) وأوحدهم في زمانه أبى البركات ) وذكرت حججهم فإنى أعلم أن هذا ~~الباب قد كثر فيه الإضطراب وحار فيه طوائف من الفضلاء الاذكياء لتعارض ~~الأدلة عندهم وقررت الأدلة اللفظية الصحيحة وميزت بينها وبين الشبهات ~~الفاسدة مع ما يجيء في ضمن ذلك من أصول عظيمة وقواعد جسيمة # من أولها وهو من أجل الأمور عند كثير من الناس من تقرير استدارة الأفلاك ~~فإنى قررت ذلك وذكرت كلام من ذكر إجماع المسلمين على ذلك مثل بن المنادى ~~وبن حزم وبن الجوزى وما يتعلق بذلك من الأمور الحسابية السمعية من الكتاب ~~والسنة إلى امثال ذلك مما يطول وصفه وأيضا لما كنت في البرج ذكر لى أن بعض ~~الناس علق مؤاخذة على الفتيا ( الحموية ) وأرسلت إلى وقد كتبت فيما بلغ ~~مجلدات ولا حول ولا قوة إلا بالله # والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة وأنا كنت من ~~أعظم الناس تأليفا لقلوب المسلمين وطلبا لاتفاق كلمتهم واتباعا لما أمرنا ~~به من الاعتصام بحبل الله وازلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة وبينت لهم ~~أن الأشعرى كان من أجل المتكلمين المنتسبين PageV03P227 إلى الإمام أحمد ~~رحمه الله ونحوه المنتصرين لطريقه كما يذكر الأشعرى ذلك في كتبه # وكما قال أبو إسحاق الشيرازى انما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى ~~الحنابلة وكان أئمة الحنابلة المتقدمين كأبى بكر عبد العزيز وأبى الحسن ~~التميمى ونحوهما يذكرون كلامه في كتبهم بل كان عند متقدميهم كابن عقيل عند ~~المتأخرين لكن بن عقيل له اختصاص بمعرفة الفقة وأصوله وأما الأشعرى فهو ~~أقرب إلى أصول أحمد من بن عقيل واتبع لها فإنه كلما كان عهد الانسان بالسلف ~~أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول # وكنت أقرر هذا للحنبلية وأبين أن الأشعرى وان كان من تلامذة المعتزلة ثم ~~تاب فإنه كان تلميذ الجبائى ومال إلى طريقة بن كلاب وأخذ عن زكريا الساجى ~~أصول الحديث بالبصرة ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورا أخرى وذلك ~~آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في ms0691 كتبهم # وكذلك بن عقيل كان تلميذ بن الوليد وبن التبان المعتزليين ثم تاب من ذلك ~~وتوبته مشهورة بحضرة الشريف ابى جعفر وكما أن في أصحاب أحمد من يبغض إبن ~~عقيل ويذمه فالذين يذمون الأشعرى ليسوا مختصين بأصحاب أحمد بل في جميع ~~الطوائف من هو كذلك # ولما أظهرت كلام الأشعرى ورآه الحنبلية قالوا هذا خير من PageV03P228 # كلام الشيخ الموفق وفرح المسلمون باتفاق الكلمة وأظهرت ما ذكره بن عساكر ~~في مناقبه أنه لم تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إلى زمن القشيرى فإنه لما ~~جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة ومعلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ~~ومستقيم # مع أنى في عمرى إلى ساعتى هذه لم أدع أحدا قط في أصول الدين إلى مذهب ~~حنبلى وغير حنبلى ولا انتصرت لذلك ولا أذكره في كلامى ولا أذكر إلا ما اتفق ~~عليه سلف الأمة وأئمتها وقد قلت لهم غير مرة أنا أمهل من يخالفنى ثلاث سنين ~~ان جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلته فأنا أقر ~~بذلك وأما ما أذكره فأذكره عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم وبألفاظ من نقل ~~إجماعهم من عامة الطوائف # هذا مع أنى دائما ومن جالسنى يعلم ذلك منى انى من أعظم الناس نهيا عن أن ~~ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا اذا علم أنه قد قامت عليه الحجة ~~الرسالية التى من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى وانى أقرر ~~أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية ~~القولية والمسائل العملية # وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على ~~أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية كما أنكر شريح قراءة من قرأ ( بل عجبت ~~ويسخرون ) وقال ان الله لا يعجب فبلغ ذلك إبراهيم النخعى PageV03P229 فقال ~~انما شريح شاعر يعجبه علمه كان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ ( بل عجبت ) ~~وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة في رؤية محمد ربه وقالت من زعم أن ms0692 ~~محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه ~~من المنازعين لها إنه مفتر على الله وكما نازعت في سماع الميت كلام الحى ~~وفى تعذيب الميت ببكاء أهله وغير ذلك # وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين ~~جميعا مؤمنتان وان الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم لأن المقاتل وان ~~كان باغيا فهو متأول والتأويل يمنع الفسوق # وكنت أبين لهم أنما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من ~~يقول كذا وكذا فهو ايضا حق لكن يجب التفريق بين الاطلاق والتعيين وهذه أول ~~مسألة تنازعت فيها الامة من مسائل الأصول الكبار وهى مسألة ( الوعيد ) فان ~~نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) ~~الآية وكذلك سائر ما ورد من فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة # وهى بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا فهو كذا ثم الشخص المعين ~~يلتغى حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أوشفاعة مقبولة ~~PageV03P230 والتكفير هو من الوعيد فانه وان كان القول تكذيبا لما قاله ~~الرسول لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا ~~يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص ~~أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان ~~مخطئا # وكنت دائما أذكر الحديث الذى في الصحيحين في الرجل الذى قال ( إذا أنا مت ~~فأحرقونى ثم اسحقونى ثم ذرونى في اليم فوالله لئن قدر الله على ليعذبنى ~~عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ففعلوا به ذلك فقال الله له ما حملك على ما ~~فعلت قال خشيتك فغفر له ) # فهذا رجل شك في قدرة الله وفى اعادته اذا ذرى بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا ~~كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن ~~يعاقبه فغفر له ms0693 بذلك # والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل ~~هذا PageV03P231 ### ||| فصل # ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبة بالتى هي أحسن فأنتم تعلمون أنى من ~~أكثر الناس استعمالا لهذا لكن كل شيء في موضعه حسن وحيث أمر الله ورسوله ~~بالاغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة فنحن مأمورون ~~بمقابلته لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتى هي أحسن ومن المعلوم أن الله ~~تعالى يقول ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين فمن كان ~~مؤمنا فإنه الأعلى بنص القرآن # وقال ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) وقال ( إن الذين يحادون الله ~~ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلى ) والله محقق وعده لمن ~~هو كذلك كائنا من كان # ومما يجب أن يعلم أنه لا يسوغ في العقل ولا الدين طلب رضى المخلوقين ~~لوجهين # ( أحدهما ( أن هذا غير ممكن كما قال الشافعى رضى الله عنه الناس غاية لا ~~تدرك فعليك بالامر الذى يصلحك فالزمه ودع ما سواه ولا تعانه ( # والثانى ( أنا مأمورون بأن نتحرى رضى الله ورسوله كما قال تعالى ~~PageV03P232 ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) وعلينا أن نخاف الله فلا نخاف ~~أحدا إلا الله كما قال تعالى ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) وقال ( ~~فلا تخشوا الناس واخشون ) وقال ( فاياى فارهبون ) ( واياى فاتقون ) فعلينا ~~أن نخاف الله ونتقيه في الناس فلا نظلمهم بقلوبنا ولا جوارحنا ونؤدى اليهم ~~حقوقهم بقلوبنا وجوارحنا ولا نخافهم في الله فنترك ما أمر الله به ورسوله ~~خيفة منهم # ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له كما كتبت عائشة إلى معاوية ( أما ~~بعد فإنه من التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ~~وعاد حامده من الناس ذاما ومن التمس رضى الله بسخط الناس رضى الله عنه ~~وأرضى عنه الناس ( فالمؤمن لا تكون فكرته وقصده إلا رضى ربه وإجتناب سخطه ~~والعاقبة له ولا حول ولا قوة إلا بالله # هذا مع أن المرسل فرح بهذه الأمور جوانيه في الباطن وكلما يظهره فانه ~~مراءاة ms0694 لقرينه والا فهما في الباطن متباينان وثم أمور تعرفها خاصتهم ويكفيك ~~الطيبرسى قد تواتر عنه الفرح والإستبشار بما جرى مع أنه المخاصم المغلظ ~~عليه # وهذا سواء كان أو لم يكن الأصل الذى يجب اتباعه هو الاول وقول النبى ( لا ~~تبدؤهم بقتال وان أكثبوكم فأرموهم بالنبل على الرأس والعين ولم نرم الا بعد ~~أن قصدوا شرنا وبعد أن أكثبونا ولهذا نفع الله بذلك PageV03P233 ### ||| فصل # ( ذكرتم من أنى أطلب تفويض الحكم إلى شخص معين ) فهذا لا يصلح بل فيه ضرر ~~على ذلك الشخص وعلى وفساد عام وذلك أنكم تعلمون أن القاضي ( بدر الدين ) ~~انى كنت من أعظم الناس موالاة له ومناصرة ومعاونة له ومدافعة لأعدائه عنه ~~في أمور متعددة بل ما أعلم أحدا أكثر في مخالصة له ومعاونة وذلك لله وحده ~~لا لرغبة ولا لرهبة منى # وقطعة قوية مما حصل لى من الأذى بدمشق وبمصر أيضا إنما هو بسبب انتصارى ~~له ولنوابه مثل الزرعى والتبريزى وغيرهما من حاشيته وتنويهى بمحاسنه في مصر ~~أيضا قد عرفت بذلك فإنه حزب الردى وغيره يعاودنى على ذلك # والله يعلم ان منزلته عندى ومكانته من قلبى ليست قريبة من منزلة غيره ~~فضلا عن ان تكون مثلها وحاشا لله ان يشبه بدر الدين بمن فرق الله بينه ~~وبينه من وجوه كثيرة زائدة وفى سنن أبى داود عن عائشة قالت أمرنا رسول الله ~~( أن ننزل الناس منازلهم PageV03P234 وعندى من أظلم الناس من يقرن بينه ~~وبين غيره في مرتبة واحدة بالشام أو بمصر وما زال بدر الدين مظلوما بمثل ~~هذا من الاقران وأنا أعتقد من أعظم ما أتقرب به إلى الله نصره وموالاته ~~ومعاونته أنتم تعرفون في هذا خصوصا بهذه الديار فإنه ينبغى ان تكون معاونة ~~له ومناصرة له اكثر مما كانت بالشام لأن في كثير من هؤلاء من النفرة عنه ~~والكذب والفجور ما ليس في غيرهم # فأنا أحب وأختار كلما فيه علو قدره في الدنيا والدين ولا أحب أن أجعله ~~غرضا لسهام الاعداء بل ما عملت معه ومع غيره ms0695 وما أعمل معهم فأجرى فيه على ~~الله الذى يقول ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~) # ولهذا لما ذكر الطيبرسي القضاة وأجملهم قلت له إنما دخل في هذه القضية ( ~~بن مخلوف ) وذاك رجل كذاب فاجر قليل العلم والدين فجعل يتبسم لما جعلت أقول ~~هذا كأنه يعرفه وكأنه مشهور بقبح السيرة # وقلت ما لابن مخلوف والدخول في هذا هل ادعى أحد على دعوى مما يحكم به أم ~~هذا الذى تكلمت فيه هو من أمر العلم العام مثل تفسير القرآن ومعانى ~~الأحاديث والكلام في الفقه وأصول الدين وهذه المرجع فيها PageV03P235 إلى ~~من كان من أهل العلم بها والتقوى لله فيها وان كان السلطان والحاكم من أهل ~~ذلك تكلم فيها من هذه الجهة وإذ عزل الحاكم لم ينعزل ما يستحقه من ذلك ~~كالإفتاء ونحوه ولم يقيد الكلام في ذلك بالولاية # وإن كان السلطان والحاكم ليس من أهل العلم بذلك ولا التقوى فيه لم يحل له ~~الكلام فيه فضلا عن ان يكون حاكما وبن مخلوف ليس من أهل العلم بذلك ولا ~~التقوى فيه # قلت فأما القاضي بدر الدين فحاشا لله ذاك فيه من الفضيلة والديانة ما ~~يمنعه أن يدخل في هذا الحكم المخالف لإجماع المسلمين من بضعة وعشرين وجها # قلت ومن أصر على أن هذا الحكم الذى حكم به بن مخلوف هو حكم شرع محمد فهو ~~بعد قيام الحجة عليه كافر فإن صبيان المسلمين يعلمون بالإضطرار من دين ~~الإسلام ان هذا الحكم لا يرضى به اليهود ولا النصارى فضلا عن المسلمين # وذكرت له بعض الوجوه الذى يعلم بها فساد هذا الحكم وهى مكتوبة مع ( الشرف ~~محمد ) وكذلك نزهت القاضي ( شمس الدين السروجى ) عن الدخول في مثل هذا ~~الحكم # وقلت له أنتم ما كان مقصودكم الحكم الشرعى وإنما كان مقصودكم دفع ~~PageV03P236 ما سمعتموه من تهمة الملك ولما علمت الحكام أن في القضية أمر ~~الملك احجموا وخافوا من الكلام خوفا يعذرهم الله فيه أو لا يعذرهم لكن لولا ~~هذا لتكلموا بأشياء ms0696 ولو كان هذا الحكم شاذا أو فيه غرض لذى سيف لكان عجائب # فقالوا يا مولانا من يتكلم في أمر الملك نحن ما نتكلم دعنا من الكلام في ~~الملك فقلت أيها النائم أخليكم من الملك وهذه الفتنة التى قد ملأتم بها ~~الدنيا هل أثارها إلا ذلك ونحن قد سمعنا هذا بدمشق لكن ما اعتقدنا أن عاقلا ~~يصدق بذلك # وهؤلاء القوم بعد أن خرج من أنفسهم تهمة الملك اذا ذكر لهم بعض ما يقوله ~~المنازعون لى يستعظمونه جدا ويرون مقابلة قائلها بأعظم العقوبة فإن الله ~~سبحانه يقول ( هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا ) فيعلم أنى لو أطلب هذا ذهبت الطيور بى وببدر الدين كل ~~مذهب وقيل ان بيننا في الباطن إتفاقات فأنا أعمل معه ما ارجو جزاءه من الله ~~وهو يعمل بموجب دينه # وأيضا ( فبدر الدين ) لا يحتمل من كلام الناس وأذاهم ما يفعله مثل هؤلاء ~~رجل له منصب وله أعداء وأنا ولا حول ولا قوة الا بالله فقد فعلوا غاية ما ~~قدروا عليه وما بقى الا نصر الله الذى وعد به رسوله والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد PageV03P237 وأيضا فيعلم أن هذا إما ان يتعلق ~~بالحاكم أولا فإن تعلق به لم يكن للخصم المدعى عليه أن يختار حكم حاكم معين ~~بل يجب إلى من يحكم بالعلم والعدل وان لم يتعلق بالحاكم فذاك ابعد # وأيضا فأنا لم يدع على دعوى يختص بها الحاكم من الحدود والحقوق مثل قتل ~~أو قذف أو مال ونحوه بل في مسائل العلم الكلية مثل التفسير والحديث والفقه ~~وغير ذلك وهذا فيه ما اتفقت عليه الأمة وفيه ما تنازعت فيه والامة اذا ~~تنازعت في معنى آية أو حديث أو حكم خبرى أو طلبى لم يكن صحة أحد القولين ~~وفساد الآخر ثابتا بمجرد حكم حاكم فإنه إنما ينفذ حكمه في الامور المعينة ~~دون العامة # ولو جاز هذا لجاز أن يحكم حاكم بأن قوله تعالى ( يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء ) هو ms0697 الحيض والإطهار ويكون هذا حكما يلزم جميع الناس قوله أو يحكم بأن ~~اللمس في قوله تعالى ( أولامستم النساء ) هو الوطىء والمباشرة فيما دونه أو ~~بأن الذى بيده عقدة النكاح هو الزوج أو الأب والسيد وهذا لا يقوله أحد # وكذلك الناس اذا تنازعوا في قوله ( الرحمن على العرش استوى ) فقال هو ~~استواؤه بنفسه وذاته فوق العرش ومعنى الإستواء معلوم ولكن كيفيته مجهولة ~~وقال قوم ليس فوق العرش رب ولا هناك شيء أصلا ولكن PageV03P238 معنى الآية ~~أنه قدر على العرش ونحو ذلك لم يكن حكم الحاكم لصحة أحد القولين وفساد ~~الآخر مما فيه فائدة # ولو كان كذلك لكان من ينصر القول الآخر يحكم بصحته إذ يقول وكذلك باب ~~العبادات مثل كون مس الذكر ينقض أولا وكون العصر يستحب تعجيلها أو تأخيرها ~~والفجر يقنت فيه دائما أولا أو يقنت عند النوازل ونحو ذلك # والذى على السلطان في مسائل النزاع بين الامة أحد أمرين إما ان يحملهم ~~كلهم على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الامة لقوله تعالى ( فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) وإذا تنازعوا فهم كلامهم ان كان ~~ممن يمكنه فهم الحق فإذا تبين له ما جاء به الكتاب والسنة دعى الناس إليه ~~وان يقر الناس على ما هم عليه كما يقرهم على مذاهبهم العملية # فأما إذا كانت البدعة ظاهرة تعرف العامة أنها مخالفة للشريعة كبدعة ~~الخوارج والروافض والقدرية والجهمية فهذه على السلطان إنكارها لأن علمها ~~عام كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش والخمر وترك الصلاة ونحو ذلك # ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الأهواء في بعض الامكنة والأزمنة حتى ~~PageV03P239 يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئا عند الجهال لكلام أهل العلم ~~والسنة حتى يشتبه الامر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقوم ~~بإظهار حجة الله وتبيينها حتى تكون العقوبة بعد الحجة # وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا ) ولهذا قال الفقهاء في البغاة إن الامام يراسلهم فإن ذكروا ms0698 ~~شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها كما أرسل على بن عباس إلى الخوارج ~~فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية ~~والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق وأقروا به ثم بعد موته نقض غيلان القدرى ~~التوبة فصلب # وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة من الكتاب ~~والسنة فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول ~~في مثل ذلك إلا اذا كان معه حجة يجب الرجوع اليها فيكون كلامه قبل الولاية ~~وبعدها [ سواءا ] وهذا بمنزلة الكتب التى يصنفها في العلم # نعم الولاية قد تمكنه من قول حق ونشر علم قد كان يعجز عنه بدونها وباب ~~القدرة والعجز غير باب الاستحقاق وعدمه نعم للحاكم إثبات ما قاله زيد أو ~~عمرو ثم بعد ذلك ان كان ذلك القول مختصا به كان مما يحكم فيه الحكام ~~PageV03P240 وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس فأما كون ~~هذا القول ثابت عند زيد ببينة أو اقرار أو خط فهذا يتعلق بالحكام ولا ريب ~~أن مثل ( بدر الدين ) من أعدل الناس وأحبهم في أهل الصدق والعدل ومن أشد ~~الناس بغضا لشهود الزور ولو كان متمكنا منهم لعمل أشياء فهذا لو احتيج فيه ~~إلى مثل ( بدر الدين ) لكان هو الحاكم # الذى ينبغى أن يتولاه دون من هو مشهور بالفجور # لكن هذه المحاضر التى عندهم ما تساوى مدادها وهم يعرفون كذبها وبطلانها ~~وأنا لا أكره المحاقه عليها عنده ليثبت عنده الحق دون الباطل فإن كان يجيب ~~إلى ذلك فيا حبذا لكنى أخاف أن يحصل له أذى في بالقدح في بعض الناس فهو ~~يستخير الله فيما يفعله والله يخير له في جميع الأمور # بل أختار أنا وغيرى المحاقة على ذلك عند بعض نوابه كالقاضى ( جمال الدين ~~الزرعى ) فإنه من عدول القضاة وإلا ( فبدر الدين ) أجل قدرا من أن يكلف ذلك ~~لو كنت محتاجا إلى ذلك فأما والأمر ظهر عند الخاصة والعامة فلا يحتاج إليه ms0699 ~~كما قلت ( للطيبرسى ) الكتاب من السلطان الذى كتب على لسان السلطان وأخبر ~~عن ذلك بجميع ما أخبر من الكذب ومخالفة الشريعة أمور عظيمة بنحو عشرة أوجه ~~والكتاب الذى كتب على لسان ( غازان ) كان أقرب إلى الشريعة من هذا الكتاب ~~الذى كتب على لسان السلطان وسواء PageV03P241 بأن فعل ذلك أو لم يفعله فإنى ~~أعتقد وأدين الله بأن نصره ومعاونته على البر والتقوى وعلى نفوذ صدقه وعدله ~~دون كذب الغير وظلمه وعلى رفع قدره على الغير من أعظم الواجبات ولا حول ولا ~~قوة الا بالله # وقد أرسل إلى الشيخ ( نصر ) يعرض على ان كنت أختار احضار المحاضر لأتمكن ~~من القدح فيها # فقلت له في الجواب هي أحقر وأقل من أن يحتاج دفعها إلى حضورها فإنى قد ~~بينت بضعة وعشرين وجها أن هذا الحاكم خارج عن شريعة الإسلام بإجماع ~~المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم PageV03P242 ### ||| فصل # ومما ينبغى أن تعلمه أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية بن مخلوف ~~وغيره وقد أداروا الرأى بينهم وعلموا أنهم عند المحاقة مقهورون متهوكون # والطيبرسي طلب منى غير مرة ترك المحاقة فقلت له أنا ما بغيت على أحد ولا ~~قلت لأحد وافقنى على اعتقادى وإلا فعلت بك ولا أكرهت أحدا بقول ولا عمل بل ~~ما كتبت في ذلك شيئا قط إلا أن يكون جواب استفتاء بعد الحاح السائل ~~واحتراقه وكثرة مراجعته ولا عادتى مخاطبة الناس في هذا ابتداء # وهؤلاء هم الذين دعوا الناس إلى ما دعوهم إليه وأكرهوهم عليه فيبينون ~~للناس ما الذى أمروهم به وما الذى نهوهم عنه فإن كانوا أمروهم بما أمرهم ~~الله به ورسوله فالسمع والطاعة لله ولرسوله ولمن أمر بما أمر الله به ~~ورسوله وان كانوا أمروا بحق وباطل ونهوا عن حق وباطل وأمروا ونهوا عن أمور ~~لا يعرفون حقيقتها كانوا بذلك من الجاهلين الظالمين وكان الحاكم بذلك من ~~القاضيين الذين في النار ولم تجز طاعتهم في ذلك بل تحرم PageV03P243 # وانا لو شئت المحاقة كانت أمور عظيمة لكن من أنكر شيئا مما قلته فاليقل ms0700 ~~انى أنكر كذا وكذا ويكتب خطه بما أنكره ويوجه إنكاره له وأنا أكتب خطى ~~بالجواب ويعرض الكلامان على جميع علماء المسلمين شرقا وغربا وأنا قائل ذلك ~~وقد قلت قبل ذلك بدمشق هذه الانكارات المجملة لا تفيد شيئا بل من أنكر شيئا ~~فليكتب خطه بما انكره وبحجته وأنا أكتب خطى بجواب ذلك ويرى أهل العلم ~~والايمان الكلامين فهذا هو الطريق في الأمور العامة # وأما الألفاظ التى لا تكتب فيكثر فيها التخليط والزيادة والنقصان كما قد ~~وقع وقد قلت فيما قلته للطيبرسى هذا الأمر الذى عملتموه فساد في ملتكم ~~ودولتكم وشريعتكم والكتاب ( السلطانى ) الذى كتب على لسان السلطان فيه من ~~الكذب عليكم ومخالفة الشريعة أمور كثيرة تزيد على عشرة أوجه # وكتاب ( غازان ) الذى قرئ على منبر الشام أقرب إلى شريعة الاسلام من هذا ~~الذى كتب على لسان سلطان المسلمين وقرئ على منابر الاسلام فإذا كان بحضورهم ~~يكتب على الكذب عليكم وعلى القضاة ويبدل دين الاسلام فكيف فيما سوى ذلك مما ~~غاب عنكم وكذلك أرسلت مع الفتاح إلى نائب السلطان أقول هذا الإعتقاد عندكم ~~وهو الذى بحثه علماء الشام فمن كان منكرا منه شيئا فليبينه PageV03P244 ~~ومما يجب أن يعلم أن الذي يريد أن ينكر على الناس ليس له أن ينكر إلا بحجة ~~وبيان إذ ليس لأحد أن يلزم أحدا بشيء ولا يحظر على أحد شيئا بلا حجة خاصة ~~إلا رسول الله المبلغ عن الله الذي أوجب على الخلق طاعته فيما أدركته ~~عقولهم وما لم تدركه وخبره مصدق فيما علمناه وما لم نعلمه وأما غيره إذا ~~قال هذا صواب أو خطأ فإن لم يبين ذلك بما يجب به اتباعه فأول درجات الإنكار ~~أن يكون المنكر عالما بما ينكره وما يقدر الناس عليه فليس لأحد من خلق الله ~~كائنا من كان أن يبطل قولا أو يحرم فعلا إلا بسلطان الحجة وإلا كان ممن قال ~~الله فيه @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ وقال فيه @QB@ الذين ms0701 يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار @QE@ # هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير أو ~~تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية فأنا لاأتعدى حدود الله فيه بل أضبط ما ~~أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل وأجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله ~~وجعله هدى للناس حاكما فيما اختلفوا فيه قال الله تعالى @QB@ كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ وقال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول @QE@ PageV03P245 الآية وقال تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط @QE@ # وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه @QB@ الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط @QE@ # وإن أرادوا أن ينكروا بما شاؤا من حجج عقلية أو سمعية فأنا أجيبهم إلى ~~ذلك كله وأبينه بيانا يفهمه الخاص والعام أن الذي أقوله هو الموافق لضرورة ~~العقل والفطرة وأنه الموافق للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأن المخالف ~~لذلك هو المخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول فلو كنت أنا المبتدئ بالإنكار ~~والتحديث بمثل هذا لكانت الحجة متوجهة عليهم فكيف إذا كان الغير هو المبتدئ ~~بالإنكار @QB@ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل @QE@ الآيتين ~~@QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغالبون @QE@ @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم ~~يقوم الأشهاد @QE@ # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى سائر الجماعة وتخص بدر الدين ~~بأكرم تحية وسلام وتوقفه على هذه الأوراق إن شئت فإنه كان يقول في بعض ~~الأمور ما عن المحبوب سر محجوب وبشر بكل PageV03P246 ما يسر الله به عباده ~~المؤمنين وينتقم به من الكافرين والمنافقين فإني أعرف جملا مما يتجرعه هو ~~وذووه من أهل الترؤس ms0702 بالباطل من ذوي الكذب والمحال # والله ناصر دينه وناصر عباده المؤمنين على مناويهم بالباطل لكن ليس هذا ~~موضع الأخبار بتفاصيل سارة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم PageV03P247 ### || 1 ( رسالة لشيخ الإسلام من سجنه ) 1 # ! 8 < قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ~~نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد ~~الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله تسليما # أما بعد فقد وصلت ورقتك التي ذكرت فيها أخبارك الشيخ باجتماع الرسول بي ~~وما أخبرته من الكلام وأن الشيخ قال اعلم أني والله قد عظم عندي كيف وقعت ~~الصورة على هذا إلى آخره # وأنه قال تجتمع بالشيخ وتتفق معه على ما يراه هو ويختاره إن يكن كما قلت ~~أو غيره فتسلم عليه وتقول له أما هذه القضية ليس لي فيها غرض معين أصلا ~~ولست فيها إلا واحدا من المسلمين لي ما لهم وعلي ما عليهم PageV03P248 وليس ~~لي ولله الحمد حاجة إلى شيء معين يطلب من المخلوق ولا في ضرر يطلب زواله من ~~المخلوق بل أنا في نعمة من الله سابغة ورحمة عظيمة أعجز عن شكرها # ولكن علي أن أطيع الله ورسوله وأطيع أولي الأمر إذا أمروني بطاعة الله ~~فإذا أمروني بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق هكذا دل عليه ~~الكتاب والسنة واتفق عليه أئمة الأمة قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا @QE@ # وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال لا طاعة لمخلوق في معصية الله إنما ~~الطاعة في المعروف وأن أصبر على جور الأئمة وأن لا أخرج عليهم في فتنة لما ~~في الصحيح عن بن عباس قال قال رسول الله من رأى من أميره شيئا يكرهه ms0703 فليصبر ~~عليه فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية # ومأمور أيضا مع ذلك أن أقول أو أقوم بالحق حيث ما كنت لا أخاف في الله ~~لومة لائم كما أخرجا في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله ~~على السمع والطاعة في يسرنا وعسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ~~ننازع الأمر أهله وأن PageV03P249 نقول أو نقوم بالحق حيث ما كنا لا نخاف ~~في الله لومة لائم فبايعهم على هذه الأصول الثلاثة الجامعة وهي الطاعة في ~~طاعة الله وإن كان الآمر ظالما وترك منازعة الأمر أهله والقيام بالحق بلا ~~مخافة من الخلق # والله سبحانه قد أمر في كتابه عند تنازع الأمة بالرد إلى الله ورسوله لم ~~يأمر عند التنازع إلى شيء معين أصلا وقد قال الأئمة إن أولي الأمر صنفان ~~العلماء والأمراء وهذا يدخل فيه مشايخ الدين وملوك المسلمين كل منهم يطاع ~~فيما إليه من الأمر كما يطاع هؤلاء بما يؤمرون به من العبادات ويرجع إليهم ~~في معاني القرآن والحديث والإخبار عن الله وكما يطاع هؤلاء في الجهاد ~~وإقامة الحد وغير ذلك مما يباشرونه من الأفعال التي أمرهم الله بها # وإذا اتفق هؤلاء على أمر فإجماعهم حجة قاطعة فإن أمة محمد لا تجتمع على ~~ضلالة وإن تنازعوا فالمرد إلى الكتاب والسنة # وهذه القضية قد جرى فيها ما جرى مما ليس هذا موضع ذكره وكنت تبلغني ~~بخطابك وكتابك عن الشيخ ما تبلغني وقد رأيت وسمعت موافقتي على كل ما فيه ~~طاعة الله ورسوله وعدم التفاتي إلى المطالبة بحظوظي أو مقابلة من يؤذيني ~~وتيقنت هذا مني فما الذي يطلب من المسلم فوق هذا وأشرت بترك المخافة ولين ~~الجانب وأنا مجيب إلى هذا كله # فجاء الفتاح أولا فقال يسلم عليك النائب وقال إلى متى يكون المقام ~~PageV03P250 في الحبس أما تخرج هل أنت مقيم على تلك الكلمة أم لا وعلمت أن ~~الفتاح ليس في استقلاله بالرسالة مصلحة لأمور لا تخفى فقلت له سلم على ~~النائب وقل له أنا ما أدري ما ms0704 هذه الكلمة وإلى الساعة لم أدر على أي شيء ~~حبست ولا علمت ذنبي وأن جواب هذه الرسالة لا يكون مع خدمتك بل يرسل من ~~ثقاته الذين يفهمون ويصدقون أربعة أمراء ليكون الكلام معهم مضبوطا عن ~~الزيادة والنقصان فأنا قد علمت ما وقع في هذه القصة من الأكاذيب # فجاء بعد ذلك الفتاح ومعه شخص ما عرفته لكن ذكر لي أنه يقال له علاء ~~الدين الطيبرسي ورأيت الذين عرفوه أثنوا عليه بعد ذلك خيرا وذكروه بالحسنى ~~لكنه لم يقل ابتداء من الكلام ما يحتمل الجواب بالحسنى فلم يقل الكلمة التي ~~أنكرت كيت وكيت ولا أستفهم هل أنت مجيب إلى كيت وكيت # ولو قال ما قال من الكذب علي والكفر والمجادلة على الوجه الذي يقتضي ~~الجواب بالحسنى لفعلت ذلك فإن الناس يعلمون أني من أطول الناس روحا وصبرا ~~على مر الكلام وأعظم الناس عدلا في المخاطبة لأقل الناس دع لولاة الأمور # لكنه جاء مجيء المكره على أن أوافق إلى ما دعا إليه وأخرج درجا فيه ~~PageV03P251 من الكذب والظلم والدعاء إلى معصية الله والنهي عن طاعته ما ~~الله به عليم وجعلت كلما أردت أن أجيبه وأحمله رسالة يبلغها لا يريد أن ~~يسمع شيئا من ذلك ويبلغه بل لا يريد إلا ما مضمونه الإقرار بما ذكر والتزام ~~عدم العود إليه والله تعالى يقول @QB@ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن إلا الذين ظلموا منهم @QE@ فمتى ظلم المخاطب لم نكن مأمورين أن نجيبه ~~بالتي هي أحسن بل قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لعروة بن مسعود بحضرة ~~النبي لما قال إني لأرى أوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك امصص بضر ~~اللات أنحن نفر عنه وندعه # ومعلوم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من كانوا وقد قال تعالى @QB@ ولا ~~تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ فمن كان مؤمنا فهو ~~الأعلى كائنا من كان ومن حاد الله ورسوله فقد قال تعالى @QB@ إن الذين ~~يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين @QE@ # وأنا أو غيري من أي ms0705 القسمين كنت فإن الله يعاملني وغيري بما وعده فإن ~~قوله الحق @QB@ وعد الله لا يخلف الله وعده @QE@ فقلت له في ضمن الكلام ~~الحق في هذه القصة ليس لي ولكن لله ولرسوله ولسائر المؤمنين من شرق الأرض ~~إلى غربها وأنا لا أعني تبديل الدين وتغييره وليس لأجلك أو أجل غيرك أرتد ~~عن دين الإسلام وأقر بالكفر والكذب والبهتان راجعا عنه أو موافقا عليه ~~PageV03P252 ولما رأيته يلح في الأمر بذلك أغلظت عليه في الكلام وقلت دع ~~هذا الفشار وقم رح في شغلك فأنا ما طلبت منكم أن تخرجوني وكانوا قد أغلقوا ~~الباب القائم الذي يدخل منه إلى الباب المطبق فقلت أنا افتحوا لى الباب حتى ~~أنزل يعني فرغ الكلام # وجعل غير مرة يقول لي أتخالف المذاهب الأربعة فقلت أنا ما قلت إلا ما ~~يوافق المذاهب الأربعة ولم يحكم على أحد من الحكام إلا بن مخلوف وأنت كنت ~~ذلك اليوم حاضرا # وقلت له أنت وحدك تحكم أو أنت وهؤلاء فقال بل أنا وحدي فقلت له أنت خصمي ~~فكيف تحكم علي فقال كذا ومد صوته وانزوى إلى الزاوية وقال قم قم فأقاموني ~~وأمروا بي إلى الحبس ثم جعلت أقول أنا وإخوتي غير مرة أنا أرجع وأجيب وإن ~~كنت أنت الحاكم وحدك فلم يقبل ذلك مني # فلما ذهبوا بي إلى الحبس حكم بما حكم به وأثبت ما أثبت وأمر في الكتاب ~~السلطاني بما أمر به فهل يقول أحد من اليهود أو النصارى دع المسلمين أن هذا ~~حبس بالشرع فضلا عن أن يقال شرع محمد بن عبد الله وهذا مما يعلم الصبيان ~~الصغار بالإضطرار من دين الإسلام أنه مخالف لشرع محمد بن عبد الله # وهذا الحاكم هو وذووه دائما يقولون فعلنا ما فعلنا بشرع محمد بن عبد الله ~~PageV03P253 وهذا الحكم مخالفا لشرع الله الذي أجمع المسلمون عليه من أكثر ~~من عشرين وجها # ثم النصارى في حبس حسن يشركون فيه بالله ويتخذون فيه الكنائس فياليت ~~حبسنا كان من جنس حبس النصارى ويا ليتنا سوينا بالمشركين وعباد الأوثان ms0706 بل ~~لأولئك الكرامة ولنا الهوان فهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر إن رسول ~~الله أمر بهذا # وبأي ذنب حبس إخوتي في دين الإسلام غير الكذب والبهتان ومن قال إن ذلك ~~فعل بالشرع فقد كفر بإجماع المسلمين # وقلت له في ضمن الكلام أنت لو ادعى عليك رجل بعشرة دراهم وأنت حاضر في ~~البلد غير ممتنع من حضور مجلس الحاكم لم يكن للحاكم أن يحكم عليك في غيبتك ~~هذا في الحقوق فكيف بالعقوبات التي يحرم فيها ذلك بإجماع المسلمين # ثم هذا الرجل قد ظهر كذبه غير مرة ذلك اليوم كذب علي في أكثر ما قاله ~~وهذه الورقة التي أمر بكتابتها أكثرها كذب والكتاب السلطاني الذي كتب بأمره ~~مخالف للشريعة من نحو عشرة أوجه وفيه من الكذب على المجلس الذي عقد أمور ~~عظيمة قد علمها الخاص والعام فإذا كان الكتاب PageV03P254 الذي كتب على ~~لسان السلطان وقرئ على منابر الإسلام أخبر فيه عن أهل المجلس من الأمراء ~~والقضاة بما هو من أظهر الكذب والبهتان فكيف فيما غاب عنهم # قلت وهو دائما يقول عني أني أقول إن الله في زاوية ولد ولدا وهذا كله كذب ~~وشهرته بالكذب والفجور يعلمه الخاص والعام فهل يصلح مثل هذا أن يحكم في ~~أصول الدين ومعاني الكتاب والسنة وهو لا يعرف ذلك ورأيته هنا يتبسم تبسم ~~العارف بصحة ما قلته فكأن سيرة هذا الحاكم مشهورة بالشر بين المسلمين # وأخذ يقول لي هذه المحاضر ووجدوا بخطك فقلت أنت كنت حاضرا ذلك اليوم هل ~~أراني أحد ذلك اليوم خطأ أو محضرا أو قيل لي شهد عليك بكذا أو سمع لي كلام ~~بل حين شرعت أحمد الله وأثنى عليه لقول النبي كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بالحمد لله فهو أجذم منعوني من حمد الله وقالوا لا تحمد الله بل أجب # فقلت لابن مخلوف ألك أجيب أو لهذا المدعي وكان كل منهما قد ذكر كلاما ~~أكثره كذب فقال أجب المدعي فقلت فأنت وحدك تحكم أو أنت وهؤلاء القضاة فقال ~~بل أنا ms0707 وحدى فقلت فأنت خصمي فكيف يصح حكمك علي فلم تطلب مني الإستفسار عن ~~وجه المخاصمة فإن هذا كان PageV03P255 خصما من وجوه متعددة معروفة عند جميع ~~المسلمين ثم قلت أما ما كان بخطي فأنا مقيم عليه # وأما المحاضر فالشهود فيها فيهم من الأمور القادحة في شهادتهم وجوه ~~متعددة تمنع قبول شهادتهم بإجماع المسلمين والذي شهدوا به فقد علم المسلمون ~~خاصتهم وعامتهم بالشام وغيره ضد ما شهدوا به # وهذا القاضي شرف الدين بن المقدسي قد سمع منه الناس العدول أنه كان يقول ~~أنا على عقيدة فلان حتى قبل موته بثلاث دخلت عليه فيما يرى مع طائفة فقال ~~قدامهم أنا أموت على عقيدتك يا فلان لست على عقيدة هؤلاء يعني الخصوم وكذلك ~~القاضي شهاب الدين الخولي غير مرة يقول في قفاك أنا على عقيدته # والقاضي إمام الدين قد شهد على العدول أنه قال ما ظهر في كلامه شيء ومن ~~تكلم فيه عزرته وقال لي في أثناء كلامه فقد قال بعض القضاة إنهم أنزلوك عن ~~الكرسي فقلت هذا من أظهر الكذب الذي يعلمه جميع الناس ما أنزلت من الكرسي ~~قط ولا استنابني أحد قط عن شيء ولا استرجعني # وقلت قد وصل إليكم المحضر الذي فيه خطوط مشايخ الشام وسادات الإسلام ~~والكتاب الذي فيه كلام الحكام الذين هم خصومي كجمال الدين المالكي وجلال ~~الدين الحنفي وما ذكروا فيه مما يناقض PageV03P256 هذه المحاضر وقول ~~المالكي ما بلغني قط أنه استنيب ولا منع من فتيا ولا أنزل ولا كذا ولا كذا ~~ولا ثبت عليه عندي قط شيء يقدح في دينه وكذلك قول سائر العلماء والحكام في ~~غيبتي # وأما الشهادات ففيها أمور عظيمة فتدبروها فكيف وشهود المحضر فيهم من ~~موانع الشهادة أمور تقال عند الحاجة PageV03P257 ### ||| فصل معترض # ذكرت في ورقتك أنك قلت للشيخ في نفسي أن تطلب لي المحاضر حتى ينظر هو ~~فيها فإن كان له دافع وإلا فالجماعة كلهم معذورون وهذا مما لا حاجة إليه ~~أصلا وهذه المحاضر أقل وأحقر من أن يحتاج الرد عليها إلى حضرتها ms0708 فإني قد ~~بينت ببضع وعشرين وجها أن هذا الحكم خارج عن شريعة الإسلام بإجماع المسلمين ~~المذاهب الأربعة وسائر أئمة الدين # وقلت للرسول ما لابن مخلوف ونحوه في أن يتعرض إلى علم الدين الذي غيره ~~أعلم به منه مثل تفسير القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ومقالات ~~السلف وأصول الدين التي لا يعرفها وهذه الأمور إنما يرجع فيها إلى من ~~يعرفها فإن كان السلطان أو نائبه الحاكم يعرفها كان في ذلك كسائر العارفين ~~بها وإلا فلا أمر لهم فيها كما لا يراجع في الإستفتاء إلا من يحسن الفتيا # وقلت له أنا لم يصدر مني قط إلا جواب مسائل وإفتاء مستفت ما كاتبت أحدا ~~أبدا ولا خاطبته في شيء من هذا بل يجيئني الرجل المسترشد المستفتي بما أنزل ~~الله على رسوله فيسألني مع بعده وهو محترق على طلب الهدى PageV03P258 ~~أفيسعني في ديني أن أكتمه العلم وقد قال النبي من سئل عن علم يعلمه فكتمه ~~ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار # وقد قال الله تعالى @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من ~~بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون @QE@ ~~أفعلى أمرك أمتنع عن جواب المسترشد لأكون كذلك وهل يأمرني بهذا السلطان أو ~~غيره من المسلمين # ولكن أنتم ما كان مقصودكم إلا دفع أمر الملك لما بلغكم من الأكاذيب فقال ~~يا مولانا دع أمر الملك أحد ما يتكلم في الملك فقلت إيه الساعة ما بقي أحد ~~يتكلم في الملك وهل قامت هذه الفتنة إلا لأجل ذلك ونحن سمعنا بهذا ونحن ~~بالشام أن المثير لها تهمة الملك لكن ما اعتقدنا أن أحدا يصدق هذا # وذكرت له أن هذه القصة ليس ضررها علي فإني أنا من أي شيء أخاف إن قتلت ~~كنت من أفضل الشهداء وكان ذلك سعادة في حقي يترضى بها علي إلى يوم القيامة ~~ويلعن الساعي في ذلك إلى يوم القيامة فإن جميع أمة محمد يعلموني أني أقتل ~~على الحق الذي بعث الله به رسوله وإن ms0709 حبست فوالله إن حبسي لمن أعظم نعم ~~الله علي وليس لي ما أخاف الناس عليه لا مدرسة ولا أقطاع ولا مال ولا رئاسة ~~ولا شيء من الأشياء PageV03P259 ولكن هذه القصة ضررها يعود عليكم فإن الذين ~~سعوا فيها من الشام أنا أعلم أن قصدهم فيها كيدكم وفساد ملتكم ودولتكم وقد ~~ذهب بعضهم إلى بلاد التتر وبعضهم مقيم هناك فهم الذين فصدوا فساد دينكم ~~ودنياكم وجعلوني إماما بالتستر لعلمهم بأني أواليكم وأنصح لكم وأريد لكم ~~خير الدنيا والآخرة والقضية لها أسرار كلما جاءت تنكشف وإلا فأنا لم يكن ~~بيني وبين أحد بمصر عداوة ولا بغضا وما زلت محبا لهم مواليا لهم أمرائهم ~~ومشائخهم وقضاتهم # فقال لي فما الذي أقوله لنائب السلطان فقلت سلم عليه وبلغه كلما سمعت ~~فقال هذا كثير # فقلت ملخصه أن الذي في هذا الدرج أكثره كذب وأما هذه الكلمة استوى حقيقة ~~فهذه قد ذكر غير واحد من علماء الطوائف المالكية وغير المالكية أنه أجمع ~~عليها أهل السنة والجماعة وما أنكر ذلك أحد من سلف الأمة ولا أئمتها بل ما ~~علمت عالما أنكر ذلك فكيف أترك ما أجمع عليه أهل السنة ولم ينكره أحد من ~~العلماء # وأشرت بذلك إلى أمور منها ما ذكره الإمام أبو عمر الطلمنكي وهو أحد أئمة ~~المالكية قبل الباجي وبن عبدالبر وهذه الطبقة قال وأجمع المسلمون من أهل ~~السنة أن معنى @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ ونحو ذلك من القرآن أن ذلك ~~علمه وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء وقال PageV03P260 ~~أيضا قال أهل السنة في قول الله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ إن ~~الإستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز # وقال أبو عبد الله القرطبي صاحب التفسير المشهور في قوله تعالى @QB@ ثم ~~استوى على العرش @QE@ قال هذه مسألة الاستواء للعلماء فيها كلام وأجزاء وقد ~~بينا أقوال العلماء فيها في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وذكرنا ~~فيها أربعة عشر قولا إلى أن قال وقد كان السلف الأول رضي ms0710 الله عنهم لا ~~يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى ~~كما نطق به كتابه وأخبرت رسله قال ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى ~~على عرشه حقيقة وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية ~~الإستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال مالك الإستواء معلوم يعني في اللغة ~~والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها # وقال هذا الشيخ المشهور بمصر وغيرها في كتاب شرح الأسماء قال وذكر الإمام ~~أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني الذي له الرسالة التي سماها ~~برسالة الإسماء إلى مسألة الإستواء لما ذكر اختلاف المتأخرين في الإستواء ~~قول الطبري يعني أبا جعفر صاحب التفسير الكبير وأبي محمد بن أبي زيد ~~والقاضي عبد الوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه # قال وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر وأبي الحسن يعني PageV03P261 ~~الأشعري وحكاه عنه يعني القاضي أبا بكر القاضي عبد الوهاب أيضا وهو أنه ~~سبحانه مستو على العرش بذاته وأطلقوا في بعض الأماكن فوق عرشه قال الإمام ~~أبو بكر وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكن في مكان ولا كون ~~فيه ولا مماسة # قال الشيخ أبو عبد الله هذا قول القاضي أبي بكر في كتاب تمهيد الأوائل له ~~وقاله الأستاذ أبو بكر بن فورك في شرح أوائل الأدلة له وهو قول أبي عمر بن ~~عبدالبر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين وقول الخطابي في شعار الدين ثم ~~قال بعد أن حكى أربعة عشر قولا وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار ~~والفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا ~~كيف بائن من جميع خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقله عنهم الثقات هذا ~~كله لفظه # وقال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له وأئمتنا كسفيان الثوري ~~ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن ~~المبارك وفضيل بن عياض وأحمد ms0711 بن حنبل وإسحاق بن راهوية متفقون على أن الله ~~سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار ~~فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن ~~خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء PageV03P262 # وقال أبو عمر بن ~~عبدالبر في كتاب التمهيد في شرح الموطأ وهو أجل ما صنف في فنه لما تكلم على ~~حديث النزول قال هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل ~~الحديث في صحته وهو حديث منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي # وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت ~~الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن الله بكل مكان وليس على ~~العرش قال في الدليل على صحة ما قاله أهل الحق قول الله @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ وقال @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ وقال @QB@ تعرج ~~الملائكة والروح إليه @QE@ وقال لعيسى @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ ~~وذكر آيات # إلى أن قال وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته ~~لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا خالفهم فيه مسلم وبسط الكلام في ذلك # إلى أن قال وأما احتجاجهم بقوله تعالى @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا @QE@ فلا حجة لهم في ظاهر الآية لأن علماء الصحابة والتابعين ~~الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل هذه الآية هو على العرش وعلمه في كل ~~مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله PageV03P263 # وذكر عن الضحاك بن مزاحم أنه قال في قوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة ~~@QE@ قال هو على عرشه وعلمه معهم أينما كانوا وعن سفيان الثوري مثل ذلك وعن ~~بن مسعود قال الله فوق العرش ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم # قال أبو عمر بن عبدالبر أهل السنة مجمعون ms0712 على الإقرار بالصفات الواردة ~~كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا ~~أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع ~~الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على ~~الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود ~~والحق فيها ما قال القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة ~~الجماعة # وقال أبو عمر الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة وما ~~أشبهها الإيمان بما جاء عن النبي فيها والتصديق بذلك وترك التحديد والكيفية ~~في شيء منه # وقال الشيخ العارف أبو محمد عبدالقادر بن أبي صالح الكيلاني في كتاب ~~الغنية له أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الإختصار فهو أن ~~يعرف ويتيقن أن الله واحد واحد إلى أن قال وهو بجهة العلو مستو على العرش ~~محتو على الملك محيط علمه بالأشياء قال ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان بل ~~يقال إنه في السماء على العرش كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~وذكر الآيات والأحاديث إلى أن قال وينبغي اطلاق صفة الاستواء PageV03P264 ~~من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش قال وكونه على العرش مذكور في كل ~~كتاب أنزل على نبي أرسل بلا كيف وذكر كلاما طويلا # وقال الإمام أبو الحسن الكرخي الشافعي في مقدمته المشهورة في اعتقاد أهل ~~السنة وهي منقولة من خط الشيخ أبي عمرو بن الصلاح # عقيدتهم أن الإله بذاته %~% على عرشه مع علمه بالغوائب # وهذه الآثار لم أذكرها كلها للرسول لكن هي مما أشرت إليه بقولي إني لم ~~أقل شيئا من نفسي وإنما قلت ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وهذا الموضع ~~يضيق بما في ذلك من كلام الأمة فقال لي نعم هو مستو على العرش حقيقة بذاته ~~بلا تكييف ولا تشبيه قلت نعم وهذا هو في العقيدة فقال فاكتب هذه الساعة أو ~~قال اكتب هذا أو نحو هذا فقلت هذا هو ms0713 مكتوب بهذا اللفظ في العقيدة التي ~~عندكم التي بحثت بدمشق واتفق عليها المسلمون فأي شيء هو الذي أريده # وقلت له أنا قد أحضرت أكثر من خمسين كتابا من كتب أهل الحديث والتصوف ~~والمتكلمين والفقهاء الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية توافق ~~ما قلت وقلت أنا امهل من خالفني ثلاث سنين أن يجيء بحرف واحد عن أئمة ~~الإسلام يخالف ما قلته فما الذي أصنعه # فلما خرج الطيبرسي والفتاح عاد الفتاح بعد ساعة فقال يسلم عليك ~~PageV03P265 نائب السلطان وقال فاكتب لنا الآن عقيدة بخطك فقلت سلم على ~~نائب السلطان وقل له لو كتبت الساعة شيئا لقال القائل قد زاد ونقص أو غير ~~الإعتقاد وهكذا بدمشق لما طلبوا الإعتقاد لم اتهم إلا بشيء قد كتب متقدما # قلت وهذا الإعتقاد هو الذي قرئ بالشام في المجالس الثلاثة وقد أرسله ~~إليكم نائبكم مع البريد والجميع عندكم ثم أرسل لكم مع العمري ثانيا لما جاء ~~الكتاب الثاني ما قاله القضاة والعلماء والمحضر وكتاب البخاري الذي قرأه ~~المزي والاعتقاد ليس هو شيئا ابتدئه من عندي حتى يكون كل يوم لي اعتقاد وهو ~~ذلك الإعتقاد بعينه والنسخة بعينها فانظروا فيها فراح # ثم عاد وطلب أن أكتب بخطي أي شيء كان فقلت فما الذي أكتبه قال مثل العفو ~~وألا تتعرض لأحد فقلت نعم هذا أنا مجيب إليه ليس غرضي في إيذاء أحد ولا ~~الانتقام منه ولا مؤاخذته وأنا عاف عمن ظلمني وأردت أن أكتب هذا ثم قلت مثل ~~هذا ما جرت العادة بكتابته فإن عفو الإنسان عن حقه لا يحتاج إلى هذا # وتعلم أن الأمر لما جرى على هذا الوجه كاد بعض القلوب يتغير على الشيخ ~~وظنوا أن هذا الدرج قد أقر به وأن ذلك يناقض ما كان يقوله ويرسل به فجعلت ~~أنا وأخي ندفع ذلك ونقول هذا من فعل بن مخلوف وقد تحققت أنا أن ذلك من عمل ~~بن مخلوف # ويعرف الشيخ أن مثل هذه القضية التي قد اشتهرت وانتشرت لا تندفع ~~PageV03P266 على هذا الوجه فأنا أبذل غاية ما ms0714 وسعني من الإحسان وترك ~~الإنتقام وتأليف القلوب لكن هو يعرف خلقا كثيرا ممن بالديار المصرية وأن ~~الإنسان لا ينجو من شرهم وظلمهم إلا بأخذ طريقين أحدهما مستقر والآخر متقلب # الأول أن يكون له من الله تأييد وسلطان والتجاء إليه واستعانة به وتوكل ~~عليه واستغفار له وطاعة له يدفع به عنه شر شياطين الإنس والجن وهذه الطريقة ~~هي الثابتة الباقية # والطريق الثاني إن جاء من ذي جاه فإنهم يراعون ذا الجاه ما دام جاهه ~~قائما فإذا انقلب جاهه كانوا من أعظم الناس قياما عليه هم بأعيانهم حتى ~~أنهم قد يضربون القاضي بالمقارع ونحو ذلك مما لا يكاد يعرف لغيرهم أعداءه ~~ومبغضون كثيرون وقد دخل في إثباتات وأملاك وغير ذلك متعلقة بالدولة وغير ~~الدولة # فلو حصل من ذوي الجاه من له غرض في نقض أحكامه ونقل الأملاك كان ذلك من ~~أيسر الأمور عليه إما أن يكتب ردته وأحكام المرتد لا تنفذ لأنه قد علم منه ~~الخاص والعام أنه جعل ما فعل في هذه القضية شرع محمد بن عبد الله والإنسان ~~متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع ~~عليه كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا PageV03P267 نزل قوله على ~~أحد القولين @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ أي هو ~~المستحل للحكم بغير ما أنزل الله # ولفظ الشرع يقال في عرف الناس على ثلاثة معان # الشرع المنزل وهو ما جاء به الرسول وهذا يجب اتباعه ومن خالفه وجبت ~~عقوبته # والثاني الشرع المؤول وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه ~~فهذا يسوغ اتباعه ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به ولا ~~يمنع عموم الناس منه # والثالث الشرع المبدل وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات ~~الزور ونحوها والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع ~~كمن قال إن الدم والميتة حلال ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك # فلو كان الذي حكم به ms0715 بن مخلوف هو مذهب مالك أو الأشعري لم يكن له أن يلزم ~~جميع الناس به ويعاقب من لم يوافقه عليه باتفاق الأمة فكيف والقول الذي ~~يقوله ويلزم به هو خلاف نص مالك وأئمة أصحابه وخلاف نص الأشعري وأئمة ~~أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي الحسن الطبري PageV03P268 وأبي بكر بن فورك ~~وأبي القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء كلهم مصرحون بمثل ما ~~قلناه وبنقيض ما قاله # ولهذا اصطلحت الحنبلية والأشعرية واتفق الناس كلهم ولما رأى الحنبلية ~~كلام أبي الحسن الأشعري قالوا هذا خير من كلام الشيخ الموفق وزال ما كان في ~~القلوب من الأضغان وصار الفقهاء من الشافعية وغيرهم يقولون الحمد لله على ~~اتفاق كلمة المسلمين # ثم لو فرض أن هذاالذي حكم فيه مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يكن له أن ينقض ~~حكم غيره فكيف إذا نقض حكم حكام الشام جميعهم بلا شبهة بل بما يخالف دين ~~المسلمين بإجماع المسلمين ولو زعم زاعم أن حكام الشام مكرهون ففيهم من يصرح ~~بعدم الإكراه غير واحد وهؤلاء بمصر كانوا أظهر إكراها لما اشتهر عند الناس ~~أنه فعل ذلك لأجل غرض الدولة المتعلق بالملك وأنه لولا ذلك لتكلم الحكام ~~بأشياء وهذا ثابت عن حكام مصر # فكيف وهذا الحكم الذي حكم به مخالف لشريعة الإسلام من بضعة وعشرين وجها ~~وعامتها بإجماع المسلمين والوجوه مكتوبة مع الشرف محمد فينبغي أن يعرف ~~الشيخ نصر بحقيقة الأمر وباطن القضية ليطبها بتدبيره # فأنا ليس مرادي إلا في طاعة الله ورسوله وما يخاف على المصريين إلا من ~~بعضهم في بعض كما جرت به العادة وقد سمعتم ما جرى بدمشق مع أن PageV03P269 ~~أولئك أقرب إلى الإتفاق من تجديد القاضي المذكور إسلامه عند القاضي الآخر ~~وأنا لما كنت هناك كان هذا الآذن يحيى الحنفي فذهب إلى القاضي تقي الدين ~~الحنبلي وجدد إسلامه وحكم بحقن دمه لما قام عليه بعض أصحابهم في أشياء # وكان من مدة لما كان القاضي حسام الدين الحنفي مباشرا لقضاء الشام أراد ~~أن يحلق لحية هذا الأذرعي وأحضر الموسى ms0716 والحمار ليركبه ويطوف به فجاء أخوه ~~عرفني ذلك فقمت إليه ولم أزل به حتى كف عن ذلك وجرت أمور لم أزل فيها محسنا ~~إليهم # وهذه الأمور ليست من فعلي ولا فعل أمثالي نحن إنما ندخل فيما يحبه الله ~~ورسوله والمؤمنون ليس لنا غرض مع أحد بل نجزي بالسيئة الحسنة ونعفو ونغفر ~~وهذه القضية قد انتشرت وظهر ما فعل فيها وعلمه الخاص والعام # فلو تغيرت الأحوال حتى جاء أمير أو وزير له في نقل ملك قد أثبته أو حكم ~~به لكان هذا عند المصريين من أسهل ما يكون فيثبتون ردته والمرتد أحكامه ~~مردودة بإتفاق العلماء ويعود ضرره على الذين أعانوه ونصروه بالباطل من أهل ~~الدولة وغيرهم وهذا أمر كبير لا ينبغي إهماله فالشيخ خبير يعرف عواقب ~~الأمور PageV03P270 وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها ~~وفي غيرها وإقامة كل خير وبن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير ~~إلا وأعمله معه ولا أعين عليه عدوه قط ولا حول ولا قوة إلا بالله هذه نيتي ~~وعزمي مع علمي بجميع الأمور فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن ~~أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين ولو كنت خارجا لكنت أعلم بماذا ~~أعاونه لكن هذه مسألة قد فعلوها زورا والله يختار للمسلمين جميعهم ما فيه ~~الخيرة في دينهم ودنياهم ولن ينقطع الدور وتزول الحيرة إلا بالإنابة إلى ~~الله والإستغفار والتوبة وصدق الإلتجاء فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله # وأما ما ذكرت عن الشيخ نصر أنه قال كنت أوثر أن لا يحسوا به إلا وقد خرج ~~خشية أن يعلم فلان وفلان فيطلعوا ويتكلموا فتكثر الغوغاء والكلام فعرفه أن ~~كل من قال حقا فأنا أحق من سمع الحق والتزمه وقبله سواء كان حلوا أو مرا ~~وأنا أحق أن يتوب من ذنوبه التي صدرت منه بل وأحق بالعقوبة إذا كنت أضل ~~المسلمين عن دينهم # وقد قلت فيما مضى ما ينبغي لأحد أن يحمله تحننه ms0717 لشخص وموالاته له على أن ~~يتعصب معه بالباطل أو يعطل لأجله حدود الله تعالى بل قد قال PageV03P271 ~~النبي من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره وهذا الذي ~~يخافه من قيام العدو ونحوه في المحضر الذي قدم به من الشام إلى بن مخلوف ~~فيما يتعلق بالإستغاثة بالنبي إن أظهروه كان وباله عليهم ودل على أنهم ~~مشركون لا يفرقون بين دين المسلمين ودين النصارى # فإن المسلمين متفقون على ما علموه بالإضطرار من دين الإسلام أن العبد لا ~~يجوز له أن يعبد ولا يدعو ولا يستغيث ولا يتوكل إلا على الله وأن من عبد ~~ملكا مقربا أو نبيا مرسلا أو دعاه أو استغاث به فهو مشرك فلا يجوز عند أحد ~~من المسلمين أن يقول القائل يا جبرائيل أو يا ميكائيل أو يا إبراهيم أو يا ~~موسى أو يا رسول الله اغفر لي أو ارحمني أو ارزقني أو انصرني أو أغثني أو ~~أجرني من عدوي أو نحو ذلك بل هذا كله من خصائص الإلهية # وهذه مسائل شريفة معروفة قد بينها العلماء وذكروا الفرق بين حقوق الله ~~التي يختص بها الرسل والحقوق التي له ولرسله كما يميز سبحانه بين ذلك في ~~مثل قوله @QB@ وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا @QE@ فالتعزير والتوقير ~~للرسول والتسبيح بكرة وأصيلا لله PageV03P272 # وكما قال @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ~~@QE@ فالطاعة لله ولرسوله والخشية والتقوى لله وحده وكما يقول المرسلون ~~@QB@ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون @QE@ فيجعلون العبادة والتقوى لله وحده ~~ويجعلون لهم الطاعة قال تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ~~وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعو ربي ولا ~~أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله ~~أحد ولن أجد من دونه ملتحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تدع مع الله إلها آخر ~~فتكون من المعذبين @QE@ # وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ms0718 يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ PageV03P273 فمن اتخذ الملائكة ~~والنبيين أربابا فقد كفر بعد إسلامه باتفاق المسلمين # ولأجل هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور وعن ~~أن يجعل لله ندا في خصائص الربوبية ففي الصحيحين عنه أنه قال لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وفي الصحيح عنه ~~أنه قال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك وفي السنن عنه أنه قال لا تتخذوا قبري عيدا # وروى عنه أنه قال اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وقال له رجل ما شاء الله ~~وشئت فقال أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده # ولهذا قال العلماء من زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يستلمه ~~ولا يقبله ولا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق الذي يستلم ويقبل منه الركن ~~الأسود ويستلم الركن اليماني ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يشرع تقبيل شيء ~~من الأحجار ولا استلامه إلا الركنان اليمانيان حتى مقام إبراهيم الذي بمكة ~~لا يقبل ولا يتمسح به فكيف بما ms0719 سواه من المقامات والمشاهد PageV03P274 # وأنت لما ذكرت في ذلك اليوم هذا قلت لك هذا من أصول الإسلام فإذا كان ~~القاضي لا يفرق بين دين الإسلام ودين النصارى الذين يدعون المسيح وأمه فكيف ~~أصنع أنا # ولكن من يتخذ نفيسة ربا ويقول أنها تجبر الخائف وتغيث الملهوف وأنا في ~~حسبها ويسجد لها ويتضرع في دعائها مثل ما يتضرع في دعاء رب الأرض والسموات ~~ويتوكل على حي قد مات ولا يتوكل على الحق الذي لا يموت فلا ريب أن إشراكه ~~بمن هو أفضل منها يكون أقوى قال تعالى @QB@ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو ~~يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QE@ # وحديث معاذ لما رجع من الشام فسجد للنبي فقال ما هذا يا معاذ فقال رأيتهم ~~في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال يا معاذ أرأيت لو ~~مررت بقبري أكنت ساجدا له قال لا قال فلا تسجد لي فلو كنت آمرا أحدا أن ~~يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها فمن لا ينهى الضالين عن مثل هذا ~~الشرك المحرم بإجماع المسلمين كيف ينهى عما هو أقل منه ومن دعى رجلا أو ~~امرأة من دون الله فهو مضاه لمن اتخذ المسيح وأمه الهين من دون الله وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV03P275 أنه قال لا تطروني كما ~~أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله بل من سوغ ~~أن يدعى المخلوق ومنع من دعاء الخالق الذي فيه تحقيق صمديته وإلهيته فقد ~~ناقض الإسلام في النفي والإثبات وهو شهادة أن لا إله إلا الله # وأما حقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي مثل تقديم محبته ~~على النفس والأهل والمال وتعزيره وتوقيره وإجلاله وطاعته واتباع سنته وغير ~~ذلك فعظيمة جدا # وكذلك مما يشرع التوسل به في الدعاء كما في الحديث الذي رواه الترمذي ~~وصححه أن النبي علم شخصا أن يقول اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد ~~نبي الرحمة ms0720 يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها ~~اللهم فشفعه في فهذا التوسل به حسن # وأما دعاؤه والإستغاثة به فحرام والفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين ~~المتوسل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل ~~استحضاره لا على سبيل الطلب منه وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل ~~المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه والله هو رب العالمين PageV03P276 ~~ومالك الملك وخالق كل شيء وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه وهو القريب الذي ~~يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا # وأنا قد صنفت كتابا كبيرا سميته الصارم المسلول على شاتم الرسول وذكرت في ~~هذه المسألة ما لم أعرف احدا سبق إليه وكذلك هذه القواعد الإيمانية قد كتبت ~~فيها فصولا هي من أنفع الأشياء في أمر الدين # ومما ينبغي أن يعرف به الشيخ أني أخاف أن القضية تخرج عن أمره بالكلية ~~ويكون فيها ما فيه ضرر عليه وعلى بن مخلوف ونحوهما فإنه قد طلب مني ما يجعل ~~سببا لذلك ولم أجب إليه فإني إنما أنا لون واحد والله ما غششتهما قط ولو ~~غششتهما كتمت ذلك وأنا مساعد لهما على كل بر وتقوى # ولا ريب أن الأصل الذي تصلح عليه الأمور رجوع كل شخص إلى الله وتوبته ~~إليه في هذا العشر المبارك فإذا حسنت السرائر أصلح الله الظواهر فإن الله ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وهذه قضية كبيرة كلما كانت تزداد ظهورا ~~تزداد انتشارا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله وحده وصلى الله ~~على محمد وآله وسلم تسليما PageV03P277 ### || 1 ( قاعدة أهل السنة والجماعة ) 1 # ! 8 < قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله بسم الله ~~الرحمن الرحيم قال الله تعالى وتقدس @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ms0721 ~~إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه @QE@ قال بن ~~عباس وغيره تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة ~~@QB@ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون @QE@ ~~PageV03P278 # وفي الترمذي عن أبي أمامة الباهلي عن النبي في الخوارج أنهم كلاب أهل ~~النار وقرأ هذه الآية @QB@ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه @QE@ قال الإمام أحمد ~~بن حنبل صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وقد خرجها مسلم في صحيحه وخرج ~~البخاري طائفة منها قال النبي يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية وفي رواية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان # والخوارج هم أول من كفر المسلمين يكفرون بالذنوب ويكفرون من خالفهم في ~~بدعتهم ويستحلون دمه وما له وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من ~~خالفهم فيها وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة ويطيعون الله ورسوله ~~فيتبعون الحق ويرحمون الخلق # وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة حدثتا في أثناء خلافة ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فعاقب الطائفتين أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم ~~وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه وأمر ~~بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر وروى عنه من وجوه كثيرة أنه قال خير هذه ~~الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ورواه عنه البخاري في صحيحه PageV03P279 ### ||| فصل # ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات لا ~~يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم فإن كان الإمام ~~مستورا لم يظهر منه بدعة ولا فجور ms0722 صلى خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين ولم يقل أحد من الأئمة إنه لا تجوز الصلاة ~~إلا خلف من علم باطن أمره بل مازال المسلمون من بعد نبيهم يصلون خلف المسلم ~~المستور ولكن إذا ظهر من المصلى بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه ~~مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره فأكثر أهل العلم يصححون صلاة ~~المأموم وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد ~~وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها ~~مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة ~~أهل السنة والجماعة وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من ~~أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم # وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب أن لا يصلي إلا خلف من يعرفه على ~~سبيل الإستحباب كما نقل ذلك عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله ولم يقل أحمد إنه ~~لا تصح إلا خلف من أعرف حاله PageV03P280 ولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق ~~إلى ديار مصر وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع وكانوا باطنية ~~ملاحدة وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع وظهرت بالديار المصرية أمر أصحابه أن ~~لا يصلوا إلا خلف من يعرفونه لأجل ذلك ثم بعد موته فتحها ملوك السنة مثل ~~صلاح الدين وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة ثم صار العلم والسنة ~~يكثر بها ويظهر # فالصلاة خلف المستور جائزة باتفاق علماء المسلمين ومن قال أن الصلاة ~~محرمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة وقد ~~كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره كما صلى عبد الله ~~بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان قد يشرب ~~الخمر وصلى مرة الصبح أربعا وجلده عثمان بن عفان على ذلك # وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن ms0723 يوسف وكان ~~الصحابة والتابعون يصلون خلف بن أبي عبيد وكان متهما بالإلحاد وداعيا إلى ~~الضلال PageV03P281 ### ||| فصل # ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع ~~فيها أهل القبلة فإن الله تعالى قال @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير @QE@ وقد ثبت في الصحيح أن ~~الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم # والخوارج المارقون الذين أمر النبي بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما ~~من الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم ~~الحرام وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم ~~كفار ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم # وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ~~ورسوله بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين أشتبه عليهم الحق في مسائل ~~غلط فيها من هو أعلم منهم فلا يحل لأحد من هذه PageV03P282 الطوائف أن تكفر ~~الأخرى ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة فكيف إذا كانت ~~المكفرة لها مبتدعة أيضا وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ والغالب أنهم جميعا جهال ~~بحقائق ما يختلفون فيه # والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا ~~تحل إلا بإذن الله ورسوله قال النبي صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في حجة ~~الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم ~~هذا في شهركم هذا وقال صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه ~~وماله وعرضه وقال من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ~~ذمة الله ورسوله وقال إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال ms0724 المقتول قال أنه أراد قتل صاحبه ~~وقال لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وقال إذا قال المسلم لأخيه ~~يا كافر فقد باء بها أحدهما وهذه الأحاديث كلها في الصحاح # وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر ~~بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد شهد بدرا وما يدريك أن الله قد اطلع ~~PageV03P283 على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وهذا في ~~الصحيحين وفيهما أيضا من حديث الإفك أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة ~~أنك منافق تجادل عن المنافقين واختصم الفريقان فأصلح النبي صلى الله عليه ~~وسلم بينهم فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم إنك منافق ولم يكفر ~~النبي لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة # وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلا بعد ما قال لا إله ~~إلا الله وعظم النبي ذلك لما أخبره وقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله ~~إلا الله وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ~~ومع هذا لم يوجب عليه قودا ولا دية ولا كفارة لأنه كان متأولا ظن جواز قتل ~~ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذا # فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضا من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون ~~مؤمنون كما قال تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن ~~فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين @QE@ فقد بين ~~الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون وأمر بالإصلاح ~~بينهم بالعدل PageV03P284 ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا ~~موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار فيقبل بعضهم شهادة بعض ويأخذ بعضهم ~~العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض ~~مع ما ms0725 كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك # وقد ثبت في الصحيح أن النبي سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأعطاه ~~ذلك وسأله أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل ~~بأسهم بينهم فلم يعط ذلك وأخبر أن الله لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يغلبهم ~~كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي بعضا # وثبت في الصحيحين لما نزل قوله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم @QE@ قال أعوذ بوجهك @QB@ أو من تحت أرجلكم @QE@ قال ~~أعوذ بوجهك @QB@ أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ قال هاتان أهون # هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف ونهى عن البدعة والاختلاف وقال ~~@QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ وقال النبي ~~عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة وقال الشيطان PageV03P285 مع ~~الواحد وهو من الإثنين أبعد وقال الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم والذئب ~~إنما يأخذ القاصية والنائية من الغنم فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة ~~من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا ~~يعاديهم وإن رأى بعضهم ضالا أو غاويا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك وإلا ~~فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها وإذا كان قادرا على أن يولي في إمامة ~~المسلمين الأفضل ولاه وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه وإن لم ~~يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق إلى طاعة ~~الله ورسوله أفضل كما قال النبي في الحديث الصحيح يؤم القوم أقرأهم لكتاب ~~الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء ~~فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا وإن كان في هجره لمظهر ~~البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره كما هجر النبي الثلاثة الذين خلفوا حتى ~~تاب الله عليهم وأما إذا ولى غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة ~~شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلا وضلالا وكان قد ms0726 رد بدعة ببدعة # حتى أن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها ~~أكثرهم حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس من أعادها فهو مبتدع وهذا أظهر ~~القولين لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف PageV03P286 أهل ~~الفجور والبدع ولم يأمر الله تعالى قط أحدا إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته ~~أن يعيد الصلاة ولهذا كان أصح قولي العلماء آن من صلى بحسب استطاعته أن لا ~~يعيد حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله ~~والمحبوس وذووا الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة لا يجب على ~~أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته # وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة ~~عقدها ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة بل أبلغ من ذلك أن من ~~كان يترك الصلاة جهلا بوجوبها لم يأمره بالقضاء فعمرو وعمار لما أجنبا ~~وعمرو لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء وأبو ذر لما ~~كان يجنب ولا يصلي لم يأمره بالقضاء والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة ~~منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء # والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم ~~يأمرهم بالقضاء وكانوا قد غلطوا في معنى الآية فظنوا أن قوله تعالى @QB@ ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر @QE@ هو الحبل فقال ~~النبي إنما هو سواد الليل وبياض النهار ولم يأمرهم بالقضاء والمسيء في ~~صلاته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة ~~والحبشة وغيرهما بعد أن نسخت بالأمر بالصلاة إلى الكعبة وصاروا يصلون إلى ~~الصخرة حتى بلغهم PageV03P287 النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا وإن كان ~~هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ # وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل ~~البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره قيل يثبت وقيل لا يثبت وقيل ~~يثبت ms0727 المبتدأ دون الناسخ والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى @QB@ وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وقوله @QB@ لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل @QE@ وفي الصحيحين عن النبي ما أحد أحب إليه العذر من الله من ~~أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين # فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا PageV03P288 ### ||| فصل # أجمع المسلمون على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ذلك ~~حق يجزم به المسلمون ويقطعون به ولا يرتابون وكل ما علمه المسلم وجزم به ~~فهو يقطع به وإن كان الله قادرا على تغييره فالمسلم يقطع بما يراه ويسمعه ~~ويقطع بأن الله قادر على ما يشاء وإذا قال المسلم أنا أقطع بذلك فليس مراده ~~إن الله لا يقدر على تغييره بل من قال إن الله لا يقدر على مثل إماتة الخلق ~~وإحيائهم من قبورهم وعلى تسيير الجبال وتبديل الأرض غير الأرض فإنه يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل # والذين يكرهون لفظ القطع من أصحاب أبي عمرو بن مرزوق هم قوم أحدثوا ذلك ~~من عندهم ولم يكن هذا الشيخ ينكر هذا ولكن أصل هذا أنهم كانوا يستثنون في ~~الإيمان كما نقل ذلك عن السلف فيقول أحدهم أنا مؤمن إن شاء الله ويستثنون ~~في أعمال البر فيقول أحدهم صليت إن شاء الله ومراد السلف من ذلك الإستثناء ~~إما لكونه لا يقطع بأنه فعل الواجب كما أمر الله ورسوله فيشك في قبول الله ~~لذلك فاستثنى ذلك أو للشك في العاقبة أو يستثنى لأن الأمور جميعها إنما ~~تكون بمشيئة الله كقوله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله @QE@ ~~PageV03P289 مع أن الله علم بأنهم يدخلون لا شك في ذلك أو لئلا يزكي أحدهم ~~نفسه # وكان أولئك يمتنعون عن القطع في مثل هذه الأمور ثم جاء بعدهم قوم جهال ~~فكرهوا لفظ القطع في كل شيء ورووا في ذلك أحاديث مكذوبة وكل من روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه أو ms0728 واحد من علماء المسلمين أنه كره ~~لفظ القطع في الأمور المجزوم بها فقد كذب عليه وصار الواحد من هؤلاء يظن ~~أنه إذا أقر بهذه الكلمة فقد أقر بأمر عظيم في الدين وهذا جهل وضلال من ~~هؤلاء الجهال لم يسبقهم إلى هذا أحد من طوائف المسلمين ولا كان شيخهم أبو ~~عمرو بن مرزوق ولا أصحابه في حياته ولا خيار أصحابه بعد موته يمتنعون من ~~هذا اللفظ مطلقا بل إنما فعل هذا طائفة من جهالهم # كما أن طائفة أخرى زعموا أن من سب الصحابة لا يقبل الله توبته وإن تاب ~~ورووا عن النبي أنه قال سب أصحابي ذنب لا يغفر وهذا الحديث كذب على رسول ~~الله لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة وهو ~~مخالف للقرآن لأن الله قال @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء @QE@ هذا في حق من لم يتب وقال في حق التائبين @QB@ قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم @QE@ PageV03P290 فثبت بكتاب الله وسنة رسوله ~~إن كل من تاب تاب الله عليه # ومعلوم أن من سب الرسول من الكفار المحاربين وقال هو ساحر أو شاعر أو ~~مجنون أو معلم أو مفتر وتاب تاب الله عليه وقد كان طائفة يسبون النبي من ~~أهل الحرب ثم أسلموا وحسن إسلامهم وقبل النبي منهم منهم أبو سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب بن عم النبي وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قد ~~ارتد وكان يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول أنا كنت أعلمه القرآن ~~ثم تاب وأسلم وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك # وإذا قيل سب الصحابة حق لآدمي قيل المستحل لسبهم كالرافضي يعتقد ذلك دينا ~~كما يعتقد الكافر سب النبي صلى الله عليه وسلم دينا فإذا تاب وصار يحبهم ~~ويثني عليهم ويدعو لهم محا الله سيئاته بالحسنات ومن ظلم ms0729 إنسانا فقذفه أو ~~اغتابه أو شتمه ثم تاب قبل الله توبته لكن إن عرف المظلوم مكنه من أخذ حقه ~~وإن قذفه أو اغتابه ولم يبلغه ففيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد ~~أصحهما أنه لا يعلمه أني اغتبتك وقد قيل بل يحسن إليه في غيبته كما أساء ~~إليه في غيبته كما قال الحسن البصري كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته ~~فإذا كان الرجل قد سب الصحابة أو غير الصحابة وتاب فإنه يحسن إليهم بالدعاء ~~لهم والثناء عليهم بقدر PageV03P291 ما أساء إليهم والحسنات يذهبن السيئات ~~كما أن الكافر الذي كان يسب النبي ويقول أنه كذاب إذا تاب وشهد أن محمدا ~~رسول الله الصادق المصدوق وصار يحبه ويثني عليه ويصلي عليه كانت حسناته ~~ماحية لسيئاته والله تعالى @QB@ يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ~~ويعلم ما تفعلون @QE@ وقد قال تعالى @QB@ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه ~~المصير @QE@ وصلى الله على محمد وصحبه وسلم PageV03P292 ### || 1 ( رسالة في أصول الدين ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه ~~من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد فيها كلام أم لا فإن قيل ~~بالجواز فما وجهه وقد فهمنا منه عليه السلام النهي عن الكلام في بعض ~~المسائل # وإذا قيل بالجواز فهل يجب ذلك وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه ~~وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول إلى ~~القطع وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو يكون مكلفا به ~~وهل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا # وإذا قيل بالوجوب فما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من ~~الوقوع في المهالك وقد كان عليه السلام حريصا على هدى أمته والله أعلم ~~PageV03P293 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما المسألة الأولى فقول ms0730 السائل هل يجوز ~~الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد ~~فيها كلام أم لا سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة # فإن المسائل التي هي من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين أعني ~~الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه لا يجوز أن يقال لم ينقل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها ~~من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين وأنها مما يحتاج إليه الدين ~~ثم نفى نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين # إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها أو ~~أنه بينها فلم تنقلها الأمة وكلا هذين باطل قطعا وهو من أعظم مطاعن ~~المنافقين في الدين وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به ~~الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعا # فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه ~~وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو PageV03P294 ~~وأشكاله عقليات وإنما هي جهليات وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ~~ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة وأن يظن عدم بيان الرسول لما ~~ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلا عن ~~عامتهم # وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولا أو قولا وعملا ~~كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد أو دلائل هذه المسائل # أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من ~~هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر إذ هذا من أعظم ~~ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس وهو من اعظم ما أقام الله به ~~الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقل ~~الصحابة ثم التابعون عن ms0731 الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هي سنة رسول الله ~~التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب ~~والمستحب # والحمد لله الذي بعث إلينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ~~ويعلمنا الكتاب والحكمة الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضى لنا ~~الإسلام دينا الذي أنزل الكتاب تفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~PageV03P295 للمسلمين @QB@ ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب ~~والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصا في عقله وسمعه ومن له نصيب من قول أهل ~~النار الذين قالوا @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ ~~وإن كان ذلك كثيرا في كثير من المتفلسفة والمتكلمة وجهال أهل الحديث ~~والمتفقهة والمتصوفة # وأما القسم الثاني وهو دلائل هذه المسائل الأصولية فإنه وإن كان يظن ~~طوائف من المتكلمين والمتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق ~~فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر ويجعلون ما يبنى عليه صدق المخبر ~~معقولات محضة فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن ~~دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد بل الأمر ما عليه سلف ~~الأمة وأئمتها أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة ~~العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره # ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه وذلك كالأمثال ~~المضروبة التي يذكرها الله تعالى في كتابه التي قال فيها @QB@ ولقد ضربنا ~~للناس في هذا القرآن من كل مثل @QE@ فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة ~~العقلية سواء كانت قياس شمول أو قياس تمثيل ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين ~~وهو PageV03P296 القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية وإن كان لفظ ~~البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمى الله آيتي موسى برهانين # ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيل يستوي ~~فيه الأصل ms0732 والفرع ولا بقياس شمولي تستوي أفراده فإن الله سبحانه وتعالى ليس ~~كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية ~~تستوي أفرادها ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة ~~في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى يقين بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم بعد ~~التناهي الحيرة والاضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها # ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى ~~@QB@ ولله المثل الأعلى @QE@ مثل أن نعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث ~~لا نقص فيه بوجه من الوجوه وهو ما كان كمالا للموجود غير مستلزم للعدم ~~فالواجب القديم أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه ~~للمخلوق المربوب المعلول المدبر فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره فهو ~~أحق به منه وأن كل نقص وعيب في نفسه وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب ~~نفيه عن شيء ما من أنواع المخلوقات والمحدثات والممكنات فإنه يجب نفيه عن ~~الرب تبارك وتعالى بطريق الأولى وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود ~~وأما الأمور العدمية فالممكن بها أحق ونحو ذلك PageV03P297 ومثل هذه الطرق ~~هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب كما استعمل نحوها ~~الإمام أحمد ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام وبمثل ذلك جاء القرآن في ~~تقرير أصول الدين من مسائل التوحيد والصفات والمعاد ونحو ذلك # ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد والعلم به تابع للعلم بإمكانه فإن ~~الممتنع لا يجوز أن يكون بين سبحانه إمكانه أتم بيان ولم يسلك في ذلك ما ~~يسلكه طوائف من أهل الكلام حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان ~~الذهني فيقولون هذا ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال ~~فإن الشأن في هذه المقدمة فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير وجوده محال ~~والمحال هنا أعم من المحال لذاته أو لغيره والإمكان الذهني حقيقته عدم ~~العلم ms0733 بالامتناع وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي بل ~~يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع ولا معلوم الإمكان الخارجي وهذا هو ~~الإمكان الذهني # فالله سبحانه وتعالى لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا إذ يمكن أن يكون ~~الشيء ممتنعا ولو لغيره وإن لم يعلم الذهن امتناعه بخلاف الإمكان الخارجي ~~فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعا والإنسان يعلم الإمكان الخارجي تارة بعلمه ~~بوجود الشيء وتارة بعلمه بوجود نظيره وتارة بعلمه بوجود ما هو أبلغ منه فإن ~~وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه PageV03P298 ثم إنه ~~إذا بين كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه وإلا فمجرد العلم ~~بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم تعلم قدرة الرب على ذلك # فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله @QB@ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا ~~كفورا @QE@ وقوله @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم بلى وهو الخلاق العليم @QE@ وقوله @QB@ أو لم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل ~~شيء قدير @QE@ وقوله @QB@ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس @QE@ ~~فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال ~~بني آدم والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك # وكذلك استدلالة على ذلك بالنشأة الأولى في مثل قوله @QB@ وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه @QE@ ولهذا قال بعد ذلك @QB@ وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض @QE@ وقال @QB@ إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب @QE@ الآية # وكذلك ما ذكره في قوله @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة @QE@ الآيات فإن قوله تعالى @QB@ ~~من يحيي العظام وهي رميم @QE@ قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها والأخرى ~~سالبة ms0734 كلية قرن معها دليلها وهو المثل المضروب الذي ذكره بقوله PageV03P299 ~~@QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم @QE@ وهذا ~~استفهام إنكار متضمن للنفي أي لا أحد يحيي العظام وهي رميم فإن كونها رميما ~~يمنع عنده إحياءها لمصيرها إلى حال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي ~~مبناها على الحرارة والرطوبة ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها ولنحو ذلك من ~~الشبهات والتقدير هذه العظام رميم ولا أحد يحيي العظام وهي رميم فلا أحد ~~يحييها ولكن هذه السالبة كاذبة ومضمونها امتناع الأحياء # وبين سبحانه إمكانه من وجوه ببيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه ~~فقال @QB@ يحييها الذي أنشأها أول مرة @QE@ وقد أنشأها من التراب ثم قال ~~@QB@ وهو بكل خلق عليم @QE@ ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء واستحال # ثم قال @QB@ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا @QE@ فبين أنه أخرج النار ~~الحارة اليابسة من البارد الرطب وذلك أبلغ في المنافاة لأن اجتماع الحرارة ~~والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة واليبوسة فالرطوبة تقبل من الانفعال مالا ~~تقبله اليبوسة # ثم قال @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~@QE@ وهذه مقدمة معلومة بالبديهة ولهذا جاء فيها باستفهام التقرير الدال ~~على أن ذلك مستقر معلوم عند المخاطب كما قال سبحانه @QB@ ولا يأتونك بمثل ~~إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ ثم بين قدرته العامة بقوله @QB@ إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ PageV03P300 وفي هذا الموضع ~~وغيره من القرآن من الأسرار وبيان الأدلة القطعية على المطالب الدينية ما ~~ليس هذاموضعه وإنما الغرض التنبيه # وكذلك ما استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة ~~سواء سموها حسية أو عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة التي جعلوها ~~جوهر الابن منه وكما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة ~~والنفوس الفلكية التسعة التي هم مضطربون فيها هل هي جواهر أو أعراض وقد ~~يجعلون العقول بمنزلة الذكور والنفوس بمنزلة الإناث ويجعلون ذلك آباءهم ~~وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم القريبة وعلمهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة ~~الدورية الدالة ms0735 على الحركة الإرادية الدالة على النفس المحركة لكن أكثرهم ~~يجعلون النفس الفلكية عرضا لا جوهرا قائما بنفسه وذلك شبيه بقول مشركي ~~العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات قال تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء ~~الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون @QE@ ~~وكانوا يقولون الملائكة بنات الله كما يزعم هؤلاء أن العقول أو العقول ~~والنفوس هي الملائكة وهي متولدة عن الله فقال الله تعالى @QB@ ويجعلون لله ~~البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ~~ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ~~وهو العزيز الحكيم @QE@ PageV03P301 إلى قوله @QB@ ويجعلون لله ما يكرهون ~~وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ~~ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في ~~الخصام غير مبين وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ~~ستكتب شهادتهم ويسألون @QE@ وقال تعالى @QB@ أفرأيتم اللات والعزى @QE@ إلى ~~قوله @QB@ ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى @QE@ أي جائرة وغير ذلك ~~في القرآن # فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف ~~تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم وتستخفون من إضافته إليكم مع أنه واقع لا ~~محالة ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات ~~منكم # وكذلك قوله في التوحيد @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ~~@QE@ أي كخيفة بعضكم بعضا كما في قوله @QB@ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ~~@QE@ وفي قوله @QB@ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ~~@QE@ وفي قوله @QB@ ولا ms0736 تلمزوا أنفسكم @QE@ وفي قوله @QB@ فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم @QE@ وفي قوله @QB@ ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ~~@QE@ إلى قوله @QB@ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم @QE@ فإن المراد في هذا ~~كله من نوع واحد فبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه فيما له حتى ~~يخاف مملوكه كما يخاف نظيره PageV03P302 بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم ~~نظيرا فكيف ترضون لي أن تجعلوا ما هو مخلوقي ومملوكي شريكا لي يدعى ويعبد ~~كما أدعى وأعبد كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو ~~لك تملكه وما ملك وهذا باب واسع عظيم جدا ليس هذا موضعه # وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين ~~من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين # وأماما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين ~~وإن أدخله فيه مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفي الصفات والقدر ونحو ~~ذلك من المسائل # ومثل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الإعراض التي هي صفات الأجسام ~~القائمة بها إما الأكوان وإما غيرها وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا ~~الدليل من إثبات الأعراض التي هي الصفات أولا أو إثبات بعضها كالأكوان التي ~~هي الحركة والسكون والإجتماع والافتراق وإثبات حدوثها ثانيا بإبطال ظهورها ~~بعد الكمون وإبطال انتقالها من محل إلى محل ثم إثبات امتناع خلو الجسم ~~ثالثا إما عن كل جنس من أجناس الأعراض بإثبات أن الجسم قابل لها وإن القابل ~~للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وإما عن الأكوان وإثبات امتناع حوادث لا أول لها ~~رابعا وهو مبني على مقدمتين PageV03P303 # إحداهما إن الجسم لا يخلو عن الأعراض التي هي الصفات والثانية أن ما لا ~~يخلو عن الصفات التي هي الأعراض فهو محدث لأن الصفات التي هي الأعراض لا ~~تكون إلا محدثة وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض كالأكوان وما ~~لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى # فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمد صلى الله ms0737 عليه وسلم لم يدع ~~الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه ولهذا قد اعترف حذاق أهل ~~الكلام كالأشعري وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم ولا سلف الأمة ~~وأئمتها وذكروا أنها محرمة عندهم بل المحققون على أنها طريقة باطلة وأن ~~مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعي بها مطلقا ولهذا تجد من اعتمد ~~عليها في أصول دينه فأحد الأمرين له لازم إما أن يطلع على ضعفها ويقابل ~~بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة أو يرجح هذا ~~تارة وهذا تارة كما هو حال طوائف منهم # وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل كما التزم جهم ~~لأجلها فناء الجنة والنار والتزم أبو الهذيل لأجلها انقطاع حركات أهل الجنة ~~والتزم قوم لاجلها كالأشعري وغيره أن الماء والهواء والنار له طعم ولون ~~وريح ونحو ذلك والتزم قوم لأجلها وأجل غيرها أن جميع الأعراض كالطعم واللون ~~وغيرهما لا يجوز بقاؤها بحال لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض PageV03P304 ~~الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله مع الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها ~~فقالوا صفات الأجسام أعراض أي أنها تعرض وتزول فلا تبقى بحال بخلاف صفات ~~الله فإنها باقية وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا هذه مخالفة للمعلوم ~~بالحس # والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفى صفات الرب ~~مطلقا أو نفى بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات ~~بها والدليل يجب طرده والتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو أيضا في ~~غاية الفساد والضلال ولهذا التزموا القول بخلق القرآن وإنكار رؤية الله في ~~الآخرة وعلوه على عرشه إلى أمثال ذلك من اللوازم التي التزمها من طرد ~~مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم فهذه داخلة ~~فيما سماه هؤلاء أصول الدين ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه ~~الله لعباده # وأما الدين الذي قال الله فيه @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما ~~لم يأذن به الله @QE@ فذاك له أصول وفروع بحسبه ms0738 # وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الإسم فيه إجمال ~~وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات تبين أن الذي هو عند ~~الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن PageV03P305 الرسول ~~وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن ~~تكون منقولة عن النبي إذ هو باطل وملزوم الباطل باطل كما أن لازم الحق حق # وهذا التقسيم ينبه أيضا على مراد السلف والأئمة بذم الكلام وأهله إذ ذلك ~~يتناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة أو استدل على المقالات الباطلة فأما من ~~قال الحق الذي أذن الله فيه حكما ودليلا فهو من أهل العلم والإيمان والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل # وأما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك ~~وكانت المعاني صحيحة كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم ~~فإن هذا جائز حسن للحاجة # وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه ولهذا قال النبي لأم خالد بنت خالد ~~بن سعيد بن العاص وكانت صغيرة ولدت بأرض الحبشة لأن أباها كان من المهاجرين ~~إليها فقال لها يا أم خالد هذا سنا والسنا بلسان الحبشة الحسن لأنها كانت ~~من أهل هذه اللغة وكذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهيمه إياه ~~بالترجمة وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم ~~ويترجمها بالعربية كما أمر النبي زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ ~~له ويكتب له ذلك حيث لم يأمن من اليهود عليه PageV03P306 فالسلف والأئمة لم ~~يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر والعرض ~~والجسم وغير ذلك بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من ~~الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ ~~على معاني مجملة في النفي والإثبات كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع ~~فقال هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب ~~يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويلبسون على جهال ms0739 الناس بما يتكلمون به من ~~المتشابه # فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات ووزنت بالكتاب ~~والسنة بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة وينفي الباطل الذي نفاه ~~الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه ~~الألفاظ نفيا وإثباتا في الوسائل والمسائل من غير بيان التفصيل والتقسيم ~~الذي هو الصراط المستقيم وهذا من مثارات الشبهة # فإنه لا يوجد في كلام النبي ولا أحد من الصحابة والتابعين ولا أحد من ~~الأئمة المتبوعين أنه علق بمسمى لفظ الجوهر والجسم والتحيز والعرض ونحو ذلك ~~شيئا من أصول الدين لا الدلائل ولا المسائل والمتكلمون بهذه العبارات يختلف ~~مرادهم بها تارة لاختلاف الوضع وتارة لاختلافهم في المعنى الذي هو مدلول ~~اللفظ كمن يقول الجسم هو المؤلف ثم يتنازعون هل هو الجوهر الواحد بشرط ~~تأليفه PageV03P307 أو الجوهران فصاعدا أو الستة أو الثمانية أو غير ذلك ~~ومن يقول هو الذي يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه وأنه مركب من المادة ~~والصورة ومن يقول هو الموجود أو الموجود القائم بنفسه وأن الموجود لا يكون ~~إلا كذلك # والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن ~~كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين ~~في دلائله وفي مسائله نفيا وإثباتا # فأما إذا عرف المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم ~~بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه فهذا عظيم ~~المنفعة وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى ~~@QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ وهو مثل الحكم بين ~~سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم ~~وعرفهم وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة ومعرفة معاني هؤلاء ~~بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف # وأما قول السائل فإن قيل بالجواز فما وجهه وقد فهمنا منه عليه السلام ms0740 ~~النهي عن الكلام في بعض المسائل فيقال قد تقدم الاستفسار والتفصيل في جواب ~~السؤال وأن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث الله به رسوله ~~PageV03P308 فلا يجوز أن ينهى عنها بحال بخلاف ما سمى أصول الدين وليس هو ~~أصولا في الحقيقة لا دلائل ولا مسائل أو هو أصول لدين لم يشرعه الله بل ~~شرعه من شرع من الدين ما لم يأذن به الله # وأما ما ذكره السائل من نهيه فالذي جاء به الكتاب والسنة النهي عن أمور ~~منها القول على الله بلا علم كقوله @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ وقوله @QB@ ولا تقف ما ليس ~~لك به علم @QE@ # ومنها أن يقال عليه غير الحق كقوله @QB@ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن ~~لا يقولوا على الله إلا الحق @QE@ وقوله @QB@ لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق @QE@ ومنها الجدل بغير علم كقوله @QB@ ها أنتم هؤلاء ~~حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم @QE@ ومنها الجدل ~~في الحق بعد ظهوره كقوله @QB@ يجادلونك في الحق بعد ما تبين @QE@ ومنها ~~الجدل بالباطل كقوله @QB@ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق @QE@ ومنها ~~الجدل في آياته كقوله @QB@ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا @QE@ ~~وقوله @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا @QE@ وقوله @QB@ إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ ~~وقوله @QB@ ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص @QE@ ونحو ذلك ~~قوله @QB@ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم ~~@QE@ PageV03P309 وقوله @QB@ وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال @QE@ ~~وقوله @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~@QE@ # ومن الأمور التي نهى الله عنها في كتابه التفرق والاختلاف كقوله @QB@ ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ إلى قوله @QB@ ولا ms0741 تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه @QE@ قال بن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه ~~أهل البدعة والفرقة وقال تعالى @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ إلى قوله @QB@ ولا تكونوا من ~~المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا @QE@ # وقد ذم أهل التفرق والاختلاف في مثل قوله @QB@ وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ وفي مثل قوله @QB@ ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم @QE@ وفي مثل قوله @QB@ وإن ~~الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ # وكذلك سنة رسول الله توافق كتاب الله كالحديث المشهور عنه الذي روى مسلم ~~بعضه عن عبد الله بن عمرو وسائره معروف في مسند أحمد وغيره من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أن رسول PageV03P310 الله خرج على أصحابه وهم يتناظرون ~~في القدر ورجل يقول ألم يقل الله كذا ورجل يقول ألم يقل الله كذا فكأنما ~~فقئ في وجهه حب الرمان فقال أبهذا أمرتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا ~~كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضا لا ليكذب بعضه ~~بعضا انظروا ما أمرتم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه هذا الحديث أو ~~نحوه # وكذلك قوله المرآء في القرآن كفر وكذلك ما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة ~~أن النبي قرأ قوله @QB@ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله @QE@ فقال النبي إذا رأيتم الذين يتبعون ما ~~تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم # وأما أن يكون الكتاب أو السنة نهي عن معرفة المسائل التي يدخل فيما يستحق ~~أن يكون من أصول دين الله فهذا لا يكون اللهم إلا أن ننهى عن ms0742 بعض ذلك في ~~بعض الأحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عنه فهمه فيضل كقول عبد الله بن مسعود ~~ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وكقول علي ~~رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ~~ورسوله أو مثل قول حق يستلزم فسادا PageV03P311 أعظم من تركه فيدخل في قوله ~~من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك أضعف الإيمان رواه مسلم # وأما قول السائل إذا قيل بالجواز فهل يجب وهل نقل عنه عليه السلام ما ~~يقتضي وجوبه # فيقال لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما ~~مجملا ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ~~ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه ~~وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة ~~الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهو ~~واجب على الكفاية منهم # وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم ومعرفتهم وحاجتهم وما ~~أمر به أعيانهم فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما ~~يجب على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما ~~لا يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب على ~~من ليس كذلك # وأما قوله هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد ~~PageV03P312 من الوصول إلى القطع فيقال الصواب في ذلك التفصيل فإنه وإن كان ~~طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية التي قد يسمونها مسائل ~~الأصول يجب القطع فيها جميعها ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد ~~اليقين وقد يوجبون القطع فيها كلها على كل أحد فهذا الذي قالوه على إطلاقه ~~وعمومه خطأ مخالف للكتاب ms0743 والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها # ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنهم كثيرا ما يحتجون فيها ~~بالأدلة التي يزعمونها قطعيات وتكون في الحقيقة من الأغلوطات فضلا عن أن ~~تكون من الظنيات حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرا ما يقطع بصحة حجة في موضع ~~ويقطع ببطلانها في موضع آخر بل منهم من غاية كلامه كذلك وحتى قد يدعى كل من ~~المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر # وأما التفصيل فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ~~ذلك كقوله @QB@ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم @QE@ وقوله ~~@QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك @QE@ وكذلك يجب الإيمان بما ~~أوجب الله الإيمان به # وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله @QB@ فاتقوا ~~الله ما استطعتم @QE@ وقوله إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أخرجاه ~~في الصحيحين PageV03P313 فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه ~~المسائل الدقيقة قد يكون عند كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل ~~يفيده اليقين لا شرعي ولا غيره لم يجب علي مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه ~~وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه لعجزه عن تمام ~~اليقين بل ذلك هو الذي يقدر عليه لا سيما إذا كان مطابقا للحق فالاعتقاد ~~المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر ~~منه # لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق ~~فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والاستدلال الموصل ~~إلى معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا كما قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ قال بن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن ~~وعمل بما فيه أن لا يضل في ms0744 الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية # وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ستكون فتن قلت فما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله ~~فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه ~~من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين ~~وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا ~~تلتبس به PageV03P314 الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا ~~تشبع منه العلماء وفي رواية ولا تختلف به الآراء وهو الذي لم تنته الجن إذ ~~سمعته أن قالوا @QB@ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد @QE@ من قال به ~~صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم قال ~~تعالى @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله @QE@ وقال تعالى @QB@ المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~@QE@ إلى قوله @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء @QE@ وقال تعالى @QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ~~ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد ~~جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ~~سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون @QE@ # فذكر سبحانه أنه سيجزي الصادف عن آياته مطلقا سواء كان مكذبا أو لم يكن ~~سوء العذاب بما كانوا يصدفون يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول ~~فهو كافر سواء اعتقد كذبه أو استكبر عن الإيمان به أو أعرض عنه اتباعا لما ~~يهواه أو ارتاب فيما جاء به فكل مكذب بما جاء به فهو كافر وقد يكون كافرا ~~من لا يكذبه ms0745 إذا لم يؤمن به # ولهذا أخبر الله في غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك اتباع ما ~~أنزله وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك وجعل ~~PageV03P315 ذلك من نعوت الكفار والمنافقين قال تعالى @QB@ وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله @QE@ والسلطان هو ~~الحجة المنزلة من عند الله كما قال تعالى @QB@ أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو ~~يتكلم بما كانوا به يشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ أم لكم سلطان مبين فأتوا ~~بكتابكم إن كنتم صادقين @QE@ وقال تعالى @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان @QE@ # وقد طالب سبحانه من اتخذ دينا بقوله @QB@ ائتوني بكتاب من قبل هذا أو ~~أثارة من علم @QE@ فالكتاب الكتاب والأثارة كما قال من قال من السلف هي ~~الرواية والإسناد وقالوا هي الخط أيضا إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط وذلك ~~لأن الأثارة من الأثر فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد ويقيد ~~بالخط فيكون كل ذلك من آثاره PageV03P316 # وقال تعالى في نعت المنافقين @QB@ ~~ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ~~ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم ms0746 ~~جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما ~~في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا @QE@ # وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير ~~الكتاب والسنة وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية ~~وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين ~~وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار # فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو ~~لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها أو لاتباع هواه بغير هدى من ~~الله فهوالظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله ~~باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له ~~خطؤه كما قال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ إلى قوله @QB@ لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا @QE@ PageV03P317 وقد ثبت في صحيح مسلم أن الله قال قد ~~فعلت وكذلك ثبت فيه من حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ ~~بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطى ذلك # فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين وأن الله لا يؤاخذهم إن ~~نسوا أو أخطؤا # وأما قول السائل هل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحال هذه فيقال هذه ~~العبارة وإن كثر تنازع الناس فيها نفيا وإثباتا فينبغي أن يعرف أن الخلاف ~~المحقق فيها نوعان # أحدهما ما اتفق الناس على جوازه ووقوعه وإنما تنازعوا في إطلاق القول ~~عليه بأنه لا يطاق # والثاني ما اتفقوا على أنه لا يطاق لكن تنازعوا في جواز الأمر به ولم ~~يتنازعوا في عدم وقوعه فأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والإيمان على أنه ~~لا يطاق وتنازعوا في وقوع الأمر به ms0747 فليس كذلك # فالنوع الأول كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في استطاعة العبد ~~وهي قدرته وطاقته هل يجب أن تكون مع الفعل لا قبله أو يجب أن تكون متقدمة ~~على الفعل أو يجب أن تكون معه وإن كانت متقدمة عليه فمن قال بالأول لزمه أن ~~يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف ما لا يطيقه PageV03P318 إذا لم يكن ~~عنده قدرة إلا مع الفعل ولهذا كان الصواب الذي عليه محققوا المتكلمين وأهل ~~الفقه والحديث والتصوف وغيرهم ما دل عليه القرآن وهو أن الاستطاعة التي هي ~~مناط الأمر والنهي وهي المصححة للفعل لا يجب أن تقارن الفعل وأما الإستطاعة ~~التي يجب معها وجود الفعل فهي مقارنة له # فالأولى كقوله @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا @QE@ ~~وقول النبي لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى ~~جنب # ومعلوم أن الحج والصلاة تجب على المستطيع سواء فعل أو لم يفعل فعلم أن ~~هذه الاستطاعة لا تجب أن تكون مع الفعل # والثانية كقوله تعالى @QB@ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم ~~في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا @QE@ على قول من يفسر الاستطاعة ~~بهذه وأما على تفسير السلف والجمهور فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم ~~وصعوبته على نفوسهم فنفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو ~~أرادوه وهذه حال من صده هواه ورأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة ~~واتباعها فقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك وهذه الاستطاعة هي المقارنة للفعل ~~الموجبة له PageV03P319 وأما الأولى فلولا وجودها لم يثبت التكليف بقوله ~~@QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وقوله تعالى @QB@ والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ وأمثال ذلك فهؤلاء المفرطون ~~والمعتدون في أصول الدين إذا لم يستطيعوا سمع ما أنزل إلى الرسول فهم من ~~هذا القسم # وكذلك أيضا تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر مع ms0748 ~~ذلك أنه لا يكون فمن الناس من يقول أن هذا غير مقدور عليه # كما أن غالية القدرية يمنعون أن يتقدم علم الله وخبره وكتابه بأنه لا ~~يكون وذلك لاتفاق الفريقين على أن خلاف المعلوم لا يكون ممكنا ولا مقدورا ~~عليه وقد خالفهم في ذلك جمهور الناس وقالوا هذا منقوض عليهم بقدرة الله ~~تعالى وقالوا أن الله يعلمه على ما هو عليه فيعلمه ممكنا مقدورا للعبد غير ~~واقع ولا كائن لعدم إرادة العبد له أو لبغضه إياه ونحو ذلك لا لعجزه عنه ~~وهذا النزاع يزول بتنويع القدرة عليه كما تقدم فإنه غير مقدور القدرة ~~المقارنة للفعل وإن كان مقدورا القدرة المصححة للفعل التي هي مناط الأمر ~~والنهي # وأما النوع الثاني فكاتفاقهم على أن العاجز عن الفعل لا يطيقه كما لا ~~يطيق الأعمى والأقطع والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران فمثل هذا النوع قد ~~اتفقوا على أنه غير واقع في الشريعة PageV03P320 وإنما تنازعوا في جواز ~~الأمر به عقلا حتى نازع بعضهم في الممتنع لذاته كالجمع بين الضدين ~~والنقيضين هل يجوز الأمر به من جهة العقل مع أن ذلك لم يرد في الشريعة ومن ~~غلا فزعم وقوع هذا الضرب في الشريعة كمن يزعم أن أبا لهب كلف بأن يؤمن بأنه ~~لا يؤمن فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من جميع الطوائف بل إذا قدر ~~أنه أخبر بصليه النار المستلزم لموته على الكفر وأنه أسمع هذا الخطاب ففي ~~هذا الحال انقطع تكليفه ولم ينفعه الإيمان حينئذ كإيمان من يؤمن بعد معاينة ~~العذاب قال تعالى @QB@ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين @QE@ # والمقصود هنا التنبيه على أن النزاع في هذا الأصل يتنوع تارة إلى الفعل ~~المأمور به وتارة إلى جواز الأمر ومن هنا شبه من شبه من المتكلمين على ~~الناس حيث جعل القسمين قسما واحدا وادعى تكليف ما لا يطاق مطلقا لوقوع بعض ~~الأقسام التي لا يجعلها عامة المسلمين من باب ما لا يطاق والنزاع ms0749 فيها لا ~~يتعلق بمسائل الأمر والنهي وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر # ثم إنه جعل جواز هذا القسم مستلزما لجواز القسم الذي اتفق المسلمون على ~~أنه غير مقدور عليه وقاس أحد النوعين بالآخر وذلك من الأقيسة التي اتفق ~~المسلمون بل وسائر أهل الملل بل وسائر العقلاء على بطلانها فإن من قاس ~~الصحيح المأمور بالأفعال كقوله إن القدرة مع الفعل أو أن الله PageV03P321 ~~علم أنه لا يفعل على العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه فقد جمع بين ~~ما يعلم الفرق بينهما بالاضطرار عقلا ودينا وذلك من مثارات الأهواء بين ~~القدرية وإخوانهم الجبرية وإذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من ~~البدع الحادثة في الإسلام كإطلاق القول بأن الناس مجبورون على أفعالهم وقد ~~اتفق سلف الأمة وأئمتها على إنكار ذلك وذم من يطلقه وإن قصد به الرد على ~~القدرية الذين لا يقرون بأن الله خالق أفعال العباد ولا بأنه شاء الكائنات ~~وقالوا هذا رد بدعة ببدعة وقابل الفاسد بالفاسد والباطل بالباطل ولولا أن ~~هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ما يبين ردهم لذلك # وأما إذا فصل مقصود القائل وبين بالعبارة التي لا يشتبه فيها الحق ~~بالباطل ما هو الحق وميز بين الحق والباطل كان هذا من الفرقان وخرج المبين ~~حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفتهم الأئمة بأنهم مختلفون في كتاب ~~الله مخالفون لكتاب الله متفقون على ترك كتاب الله وأنهم يتكلمون بالمتشابه ~~من الكلام ويحرفون الكلم عن مواضعه ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم # ولهذا كان يدخل عندهم المجبرة في مسمى القدرية المذمومين لخوضهم في القدر ~~بالباطل إذ هذا جماع المعنى الذي ذمت به القدرية ولهذا ترجم الإمام أبو بكر ~~الخلال في كتاب السنة فقال الرد على القدرية وقولهم أن الله PageV03P322 ~~أجبر العباد على المعاصي ثم روى عن عمرو بن عثمان عن بقية بن الوليد قال ~~سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر فقال الزبيدي أمر الله أعظم وقدرته أعظم ~~من أن يجبر أو ms0750 يعضل ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب وقال ~~الأوزاعي ما أعرف للجبر أصلا في القرآن ولا في السنة فأهاب أن أقول ذلك ~~ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول ~~الله وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل تابعي من أهل الجماعة والتصديق # فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من ~~أحسن الأجوبة # أما الزبيدي فمحمد بن الوليد صاحب الزهري فإنه قال أمر الله اعظم وقدرته ~~أعظم من أن يجبر أو يعضل فنفى الجبر وذلك لأن الجبر المعروف في اللغة هو ~~إلزام الإنسان بخلاف رضاه كما تقول الفقهاء في باب النكاح هل تجبر المرأة ~~على النكاح أو لا تجبر وإذا عضلها الولي ماذا تصنع فيعنون بجبرها إنكاحها ~~بدون رضاها واختيارها ويعنون بعضلها منعها مما ترضاه وتختاره فقال الله ~~أعظم من أن يجبر أو يعضل لأن الله سبحانه قادر على أن يجعل العبد محبا ~~راضيا لما يفعله ومبغضا وكارها لما يتركه كما هو الواقع فلا يكون العبد ~~مجبورا على ما يختاره ويرضاه ويريده وهي أفعاله PageV03P323 الاختيارية ولا ~~يكون معضولا عما يتركه فيبغضه ويكرهه ولا يريده وهي تروكه الاختيارية # وأما الأوزاعي فإنه منع من اطلاق هذا اللفظ وإن عنى به هذا المعنى حيث لم ~~يكن له أصل في الكتاب والسنة فيفضي إلى إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة ~~الباطل وذلك لا يسوغ وإن قيل أنه أريد به معنى صحيح # قال الخلال أنبأنا المروذي قال سمعت بعض المشيخة يقول سمعت عبد الرحمن بن ~~مهدي يقول أنكر سفيان الثوري الجبر وقال الله تعالى جبل العباد قال المروذي ~~أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس يعني قوله الذي في ~~صحيح مسلم إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما ~~أم خلقين جبلت عليهما فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال الحمد لله الذي جبلني ~~على خلقين يحبهما الله تعالى ولهذا احتج البخاري وغيره على خلق الأفعال ~~بقوله تعالى @QB@ إن ms0751 الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا @QE@ فأخبر تعالى أنه خلق الإنسان على هذه الصفة # وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي لأن الزبيدي نفى الجبر والاوزاعي ~~منع إطلاقه إذ هذا اللفظ يحتمل معنى صحيحا فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل ~~كما ذكر الخلال ما ذكره عبد الله بن أحمد في كتاب السنة فقال ثنا ~~PageV03P324 محمد بن بكار ثنا أبو معشر حدثنا يعلى عن محمد بن كعب أنه قال ~~إنما سمى الجبار لأنه يجبر الخلق على ما أراد فإذا امتنع من إطلاق اللفظ ~~المجمل المحتمل المشتبه زال المحذور وكان أحسن من نفيه وإن كان ظاهرا في ~~المحتمل المعنى الفاسد خشية أن يظن أنه ينفي المعنيين جميعا # وهكذا يقال في نفي الطاقة على المأمور فإن إثبات الجبر في المحظور نظير ~~سلب الطاقة في المأمور وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة قال ~~الخلال أنبأنا الميموني قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يناظر ~~خالد بن خداش يعني في القدر فذكروا رجلا فقال أبو عبد الله إنما أكره من ~~هذا أن يقول أجبر الله وقال أنبأنا المروذي قلت لأبي عبد الله رجل يقول إن ~~الله أجبر العباد فقال هكذا لا تقل وأنكر هذا وقال يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء # وقال أنبأنا المروذي قال كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري ~~وقال إنه تنزه عن ميراث أبيه فقال رجل قدري إن الله لم يجبر العباد على ~~المعاصي فرد عليه أحمد بن رجاء فقال إن الله جبر العباد على ما أراد أراد ~~بذلك إثبات القدر فوضع أحمد بن علي كتابا يحتج فيه فأدخلته على أبي عبد ~~الله فأخبرته بالقصة فقال ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا علي بن رجاء حين ~~قال جبر العباد وعلي القدري الذي قال لم يجبر وأنكر على أحمد بن علي في ~~وضعه الكتاب واحتجاجه وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب وقال PageV03P325 لي يجب ~~على بن رجاء أن يستغفر ربه لما قال جبر ms0752 العباد فقلت لأبي عبد الله فما ~~الجواب في هذه المسألة قال يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء قال المروذي في ~~هذه المسألة إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال لم يجبر وعلى من ~~رد عليه جبر فقال أبو عبد الله كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها وقال ~~يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثه وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام إذا ~~لم يكن له فيها إمام مقدم قال المروذي فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي ~~من عكبر ومعه مشيخة وكتاب من أهل عكبر فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبد الله ~~فقال يا أبا عبد الله هو ذا الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه وأنا أقوم ~~على منبر عكبر وأستغفر الله عز وجل فقال أبو عبد الله لي ينبغي أن تقبلوا ~~منه فرجعوا إليه # وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع وتكلمنا على الأصل ~~الفاسد الذي ظنه المتفرقون من أن إثبات المعنى الحق الذي يسمونه جبرا ينافي ~~الأمر والنهي حتى جعله القدرية منافيا للأمر والنهي مطلقا # وجعله طائفة من الجبرية منافيا لحسن الفعل وقبحه وجعلوا ذلك مما اعتمدوه ~~في نفي حسن الفعل وقبحه القائم به المعلوم بالعقل ومن المعلوم انه لا ينافي ~~ذلك إلا كما ينافيه بمعنى كون الفعل ملائما للفاعل ونافعا له وكونه منافيا ~~للفاعل وضارا له PageV03P326 ### |||| سئل شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى # ما الذي يجب على ~~المكلف اعتقاده وما الذي يجب عليه علمه وما هو العلم المرغب فيه وما هو ~~اليقين وكيف يحصل وما العلم بالله ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما قوله ما الذي يجب على المكلف اعتقاده ~~فهذا فيه إجمال وتفصيل # أما الإجمال فإنه يجب على المكلف أن يؤمن بالله ورسوله ويقر بجميع ما جاء ~~به الرسول من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما أمر ~~به الرسول ونهى بحيث يقر بجميع ما أخبر به وما أمر ms0753 به فلا بد من تصديقه ~~فيما أخبر والإنقياد له فيما أمر # وأما التفصيل فعلى كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده من أن الرسول أخبر به ~~وأمر به وأما ما أخبر به الرسول ولم يبلغه أنه أخبر به ولم يمكنه العلم ~~بذلك فهو لا يعاقب على ترك الإقرار به مفصلا وهو داخل في إقراره ~~PageV03P327 بالمجمل العام ثم إن قال خلاف ذلك متأولا كان مخطئا يغفر له ~~خطأه إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان ولهذا يجب على العلماء من الإعتقاد ~~ما لا يجب على آحاد العامة ويجب على من نشأ بدار علم وإيمان من ذلك ما لا ~~يجب على من نشأ بدار جهل وأما ما علم ثبوته بمجرد القياس العقلي دون ~~الرسالة فهذا لا يعاقب إن لم يعتقده # وأما قول طائفة من أهل الكلام إن الصفات الثابتة بالعقل هي التي يجب ~~الإقرار بها ويكفر تاركها بخلاف ما ثبت بالسمع فإنهم تارة ينفونه وتارة ~~يتأولونه أو يفوضون معناه وتارة يثبتونه لكن يجعلون الإيمان والكفر متعلقا ~~بالصفات العقلية فهذا لا أصل له عن سلف الأمة وأئمتها إذ الإيمان والكفر ~~هما من الأحكام التي ثبتت بالرسالة وبالأدلة الشرعية يميز بين المؤمن ~~والكافر لا بمجرد الأدلة العقلية # وأما قوله ما الذي يجب عليه علمه فهذا أيضا يتنوع فإنه يجب على كل مكلف ~~أن يعلم ما أمر الله به فيعلم ما أمر بالإيمان به وما أمر بعلمه بحيث لو ~~كان له ما تجب فيه الزكاة لوجب عليه تعلم علم الزكاة ولو كان له ما يحج به ~~لوجب عليه تعلم علم الحج وكذلك أمثال ذلك ويجب على عموم الأمة علم جميع ما ~~جاء به الرسول بحيث لا يضيع من العلم الذي بلغه النبي أمته شيء وهو ما دل ~~PageV03P328 عليه الكتاب والسنة لكن القدر الزائد على ما يحتاج إليه المعين ~~فرض على الكفاية إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين # وأما العلم المرغب فيه جملة فهو العلم الذي علمه النبي أمته لكن يرغب كل ~~شخص في العلم ms0754 الذي هو إليه أحوج وهو له أنفع وهذا يتنوع فرغبة عموم الناس ~~في معرفة الواجبات والمستحبات من الأعمال والوعد والوعيد أنفع لهم وكل شخص ~~منهم يرغب في كل ما يحتاج إليه من ذلك ومن وقعت في قلبه شبهة فقد تكون ~~رغبته في عمل ينافيها أنفع من غير ذلك # وأما اليقين فهو طمأنينة القلب واستقرار العلم فيه وهو معنى ما يقولون ~~ماء يقن إذا استقر عن الحركة وضد اليقين الريب وهو نوع من الحركة والإضطراب ~~يقال رابني يريبني ومنه في الحديث أن النبي مر بظبي حاقف فقال لا يريبه أحد # ثم اليقين ينتظم منه أمران علم القلب وعمل القلب فإن العبد قد يعلم علما ~~جازما بأمر ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك ~~العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره وأنه ما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا ~~يصحبه العمل بذلك إما لغفلة القلب عن هذا العلم والغفلة هي ضد العلم التام ~~وإن لم يكن ضدا لأصل العلم وأما للخواطر التي تسنح في القلب من الإلتفات ~~إلى الأسباب وإما لغير ذلك PageV03P329 # وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو بكر عن النبي أنه قال سلوا الله اليقين ~~والعافية فما أعطى أحد بعد اليقين شيئا خيرا من العافية فسلوهما الله فأهل ~~اليقين إذا ابتلوا ثبتوا بخلاف غيرهم فإن الإبتلاء قد يذهب إيمانه أو ينقصه ~~قال تعالى @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون @QE@ ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ فهذه ~~حال هؤلاء # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا @QE@ ~~إلى قوله @QB@ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ms0755 ورسوله إلا غرورا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب @QE@ الآيتين # وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء أحدها تدبر القرآن والثاني تدبر ~~الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق PageV03P330 # والثالث العمل بموجب العلم قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ ~~والضمير عائد على القرآن كما قال تعالى @QB@ قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ الآية # وأما قول طائفة من المتفلسفة ومن تبعهم من المتكلمة والمتصوفة أن الضمير ~~عائد إلى الله وأن المراد ذكر طريق من معرفته بالإستدلال بالعقل فتفسير ~~الآية بذلك خطأ من وجوه كثيرة وهو مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها # فبين سبحانه أنه يرى الآيات المشهودة ليبين صدق الآيات المسموعة مع أن ~~شهادته بالآيات المسموعة كافية لأنه سبحانه لم يدل عباده بالقرآن بمجرد ~~الخبر كما يظنه طوائف من أهل الكلام يظنون أن دلالة القرآن إنما هو بطريق ~~الخبر والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر الذي هو الرسول والعلم بصدقه ~~موقوف على إثبات الصانع والعلم بما يجب ويجوز ويمتنع عليه والعلم بجواز ~~بعثه الرسل والعلم بالآيات الدالة على صدقهم ويسمون هذه الأصول العقليات ~~لأن السمع عندهم موقوف عليها وهذا غلط عظيم وهو من اعظم ضلال طوائف من أهل ~~الكلام والبدع # فإن الله سبحانه بين في كتابه كلما يحتاج إليه في أصول الدين قرر فيه ~~PageV03P331 التوحيد والنبوة والمعاد بالبراهين التي لا ينتهي إلى تحقيقها ~~نظر خلاف المتكلمين من المسلمين والفلاسفة وأتباعهم واحتج فيه بالأمثال ~~الصمدية التي هي المقاييس العقلية المفيدة لليقين وقد بسطنا الكلام في غير ~~هذا الموضع # وأما الآيات المشهودة فإن ما يشهد وما يعلم بالتواتر من عقوبات مكذبي ~~الرسل ومن عصاهم ومن نصر الرسل واتباعهم على ms0756 الوجه الذي وقع وما علم من ~~إكرام الله تعالى لأهل طاعته وجعل العاقبة له وانتقامه من أهل معصيته وجعل ~~الدائرة عليهم فيه عبرة تبين أمره ونهيه ووعده ووعيده وغير ذلك مما يوافق ~~القرآن # ولهذا قال تعالى @QB@ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا @QE@ إلى قوله @QB@ فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار @QE@ # فهذا بين الإعتبار في أصول الدين وإن كان قد تناول الإعتبار في فروعه ~~وكذلك قوله @QB@ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ~~وأخرى كافرة @QE@ إلى قوله @QB@ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار @QE@ وأما ~~العمل فإن العمل بموجب العلم يثبته ويقرره ومخالفته تضعفه بل قد تذهبه قال ~~الله تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو أنهم ~~فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا @QE@ PageV03P332 الآيات ~~وقال @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه ~~سبل السلام @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ~~@QE@ الآية # وأما العلم فيراد به في الأصل نوعان أحدهما العلم به نفسه وبما هو متصف ~~به من نعوت الجلال والإكرام وما دلت عليه أسماؤه الحسنى وهذا العلم إذا رسخ ~~في القلب أوجب خشية الله لا محالة فإنه لا بد أن يعلم أن الله يثيب على ~~طاعته ويعاقب على معصيته كما شهد به القرآن والعيان وهذا معنى قول أبي حبان ~~التيمي أحد أتباع التابعين العلماء ثلاثة # عالم بالله ليس عالما بأمر الله وعالم بأمر الله ليس عالما بالله وعالم ~~بالله وبأمر الله فالعالم بالله الذي يخشى الله والعالم بأمر الله الذي ~~يعرف الحلال والحرام # وقال رجل للشعبي أيها العالم فقال إنما العالم من يخشى الله وقال عبد ~~الله بن مسعود كفى بخشية الله علما وكفى بالإغترار بالله جهلا # والنوع الثاني يراد بالعلم ms0757 بالله العلم بالأحكام الشرعية كما في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترخص في شيء فبلغه أن أقواما تنزهوا عنه ~~PageV03P333 فقال ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها والله إني ~~لأعلمكم بالله وأخشاكم له وفي رواية والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده ~~فجعل العلم به هو العلم بحدوده # وقريب من ذلك قول بعض التابعين في صفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه حيث قال إن كان الله في صدري لعظيما وإن كنت بذات الله لعليما ~~أراد بذلك أحكام الله # فإن لفظ الذات في لغتهم لم يكن كلفظ الذات في اصطلاح المتأخرين بل يراد ~~به ما يضاف إلى الله كما قال خبيب رضي الله عنه # وذلك في ذات الإله وإن يشأ %~% يبارك على أوصال شلو ممزع # ومنه الحديث لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله ومنه قوله ~~تعالى @QB@ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم @QE@ @QB@ وهو عليم بذات الصدور ~~@QE@ ونحو ذلك فإن ذات تأنيث ذو وهو يستعمل مضافا يتوصل به إلى الوصف ~~بالأجناس فإذا كان الموصوف مذكرا قيل ذو كذا وإن كان مؤنثا قيل ذات كذا كما ~~يقال ذات سوار فإن قيل أصيب فلان في ذات الله فالمعنى في جهته ووجهته أي ~~فيما أمر به وأحبه ولأجله # ثم إن الصفات لما كانت مضافة إلى النفس فيقال في النفس أيضا إنها ذات علم ~~وقدرة وكلام ونحو ذلك حذفوا الإضافة وعرفوها فقالوا الذات الموصوفة ~~PageV03P334 أي النفس الموصوفة فإذا قال هؤلاء المؤكدون الذات فإنما يعنون ~~به النفس الحقيقية التي لها وصف ولها صفات # والصفة والوصف تارة يراد به الكلام الذي يوصف به الموصوف كقول الصحابي في ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ أحبها لأنها صفة الرحمن وتارة يراد به المعاني ~~التي دل عليها الكلام كالعلم والقدرة والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذه ~~وتقول إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف والكلابية ومن ~~اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الصفة والوصف فيجعلون الوصف هو القول ~~والصفة المعنى القائم بالموصوف ms0758 # وأما جماهير الناس فيعلمون أن كل واحد من لفظ الصفة والوصف مصدر في الأصل ~~كالوعد والعدة والوزن والزنة وأنه يراد به تارة هذا وتارة هذا # ولما كان أولئك الجهمية ينفون أن يكون الله وصف قائم به علم أو قدرة أو ~~إرادة أو كلام وقد أثبتها المسلمون صاروا يقولون هؤلاء أثبتوا صفات زائدة ~~على الذات وقد صار طائفة من مناظريهم الصفاتية يوافقونهم على هذا الإطلاق ~~ويقولون الصفات زائدة على الذات التي وصفوا لها صفات ووصف فيشعرون الناس أن ~~هناك ذاتا متميزة عن الصفات وأن لها صفات متميزة عن الذات ويشنع نفاة ~~الصفات بشناعات ليس هذا موضعها وقد بينا فسادها في غير هذا الموضع ~~PageV03P335 # والتحقيق أن الذات الموصوفة لا تنفك عن الصفات أصلا ولا يمكن وجود ذات ~~خالية عن الصفات فدعوى المدعي وجود حي عليم قدير بصير بلا حياة ولا علم ولا ~~قدرة كدعوى قدرة وعلم وحياة لا يكون الموصوف بها حيا عليما قديرا بل دعوى ~~شيء موجود قائم بنفسه قديم أو محدث عرى عن جميع الصفات ممتنع في صريح العقل # ولكن الجهمية المعتزلة وغيرهم لما أثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات صار ~~مناظرهم يقول أنا أثبت الصفات زائدة على ما أثبتموه من الذات أي لا أقتصر ~~على مجرد إثبات ذات بلا صفات ولم يعن بذلك أنه في الخارج ذات ثابتة بنفسها ~~ولا مع ذلك صفات هي زائدة على هذه الذات متميزة عن الذات ولهذا كان من ~~الناس من يقول الصفات غير الذات كما يقوله المعتزلة والكرامية ثم المعتزلة ~~تنفيها والكرامية تثبتها # ومنهم من يقول الصفة لا هي الموصوف ولا هي غيره كما يقوله طوائف من ~~الصفاتية كأبي الحسن الأشعري وغيره # ومنهم من يقول كما قالت الأئمة لا نقول الصفة هي الموصوف ولا نقول هي ~~غيره لأنا لا نقول لا هي هو ولا هي غيره فإن لفظ الغير فيه إجمال قد يراد ~~به المباين للشيء أو ما قارن أحدهما الآخر وما قاربه بوجود أو زمان أو مكان ~~ويراد بالغيران ما جاز العلم بأحدهما ms0759 مع عدم العلم بالآخر PageV03P336 # وعلى الأول فليست الصفة غير الموصوف ولا بعض الجملة غيرها # وعلى الثاني فالصفة غير الموصوف وبعض الجملة غيرها # فامتنع السلف والأئمة من إطلاق لفظ الغير على الصفة نفيا أو إثباتا لما ~~في ذلك من الإجمال والتلبيس حيث صار الجهمي يقول القرآن هو الله أو غير ~~الله فتارة يعارضونه بعلمه فيقولون علم الله هو الله أو غيره إن كان ممن ~~يثبت العلم أو لا يمكنه نفيه # وتارة يحلون الشبهة ويثبتون خطأ الإطلاقين النفي والإثبات لما فيه من ~~التلبيس بل يستفصل السائل فيقال له إن أردت بالغير ما يباين الموصوف فالصفة ~~لا تباينه فليست غيره وإن أردت بالغير ما يمكن فهم الموصوف على سبيل ~~الإجمال وإن لم يكن هو فهو غير بهذا الإعتبار والله تعالى أعلم وصلى الله ~~على محمد PageV03P337 ### ||| فصل # ولما أعرض كثير من أرباب الكلام والحروف وأرباب العمل والصوت عن القرآن ~~والإيمان تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة يجعلون العقل وحده أصل ~~علمهم ويفردونه ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له # والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية المستغنية بنفسها عن الإيمان ~~والقرآن # وكثير من المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه ويرون أن الأحوال العالية ~~والمقامات الرفيعة لا تحصل إلا مع عدمه ويقرون من الأمور بما يكذب به صريح ~~العقل # ويمدحون السكر والجنون والوله أمورا من المعارف والأحوال التي لا تكون ~~إلا مع زوال العقل والتمييز كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها ~~ممن لم يعلم صدقه وكلا الطرفين مذموم # بل العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الاعمال وبه يكمل العلم ~~PageV03P338 والعمل لكنه ليس مستقلا بذلك لكنه غريزة في النفس وقوة فيها ~~بمنزلة قوة البصر التي في العين فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور ~~العين إذا اتصل به نور الشمس والنار # وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها وإن عزل بالكلية ~~كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورا حيوانية قد يكون فيها محبة ووجد وذوق ~~كما قد يحصل للبهيمة # فالأحوال الحاصلة مع عدم ms0760 العقل ناقصة والأقوال المخالفة للعقل باطلة # والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه لكن ~~المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم ~~اعتقدوها حقا وهي باطل وعارضوا بها النبوات وما جاءت به والمعرضون عنه ~~صدقوا بأشياء باطلة ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة وخرجوا عن التمييز الذي ~~فضل الله به بني آدم على غيرهم # وقد يقترب من كل من الطائفتين بعض أهل الحديث تارة بعزل العقل عن محل ~~ولايته وتارة بمعارضة السنن به # فهذا الانحراف الذي بين الحرفية والصوتية في العقل التمييزي بمنزلة ~~الانحراف الذي بينهم في الوجد القلبي فإن الصوتية صدقوا وعظموه وأسرفوا ~~PageV03P339 فيه حتى جعلوه هو الميزان وهو الغاية كما يفعل أولئك في العقل ~~والحرفية أعرضت عن ذلك وطعنت فيه ولم تعده من صفات الكمال # وسبب ذلك أن أهل الحرف لما كان مطلوبهم العلم وبابه هو العقل وأهل الصوت ~~لما كان مطلوبهم العمل وبابه الحب صار كل فريق يعظم ما يتعلق به ويذم الآخر ~~مع أنه لا بد من علم وعمل عقل علمي وعمل ذهني وحب تمييز وحركة قال وحال حرف ~~وصوت وكلاهما إذا كان موزونا بالكتاب والسنة كان هو الصراط المستقيم والحمد ~~لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم PageV03P340 # قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين وفرعه وسائر دعائمه وشعبه داخلة فيهما ~~فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله كما قال تعالى @QB@ ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين @QE@ وقال في الآية المشروعة في خطبة الحاجة @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن ~~يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما @QE@ # وفي الخطبة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ~~ولا يضر الله شيئا وقال @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك ~~هم الفائزون @QE@ وقال @QB@ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ms0761 تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ~~يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين @QE@ # وكذلك علق الأمور بمحبة الله ورسوله كقوله @QB@ أحب إليكم من الله ورسوله ~~@QE@ PageV03P341 وبرضا الله ورسوله كقوله @QB@ والله ورسوله أحق أن يرضوه ~~@QE@ وتحكيم الله ورسوله كقوله @QB@ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~@QE@ وقوله @QB@ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول @QE@ ~~وأمر عند التنازع بالرد إلى الله والرسول فقال @QB@ وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ وجعل المغانم ~~لله والرسول فقال @QB@ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول @QE@ ~~ونظائر هذا متعددة # فتعليق الأمور من المحبة والبغضة والموالات والمعادات والنصرة والخذلان ~~والموافقة والمخالفة والرضا والغضب والعطاء والمنع بما يخالف هذه الأصول ~~المنزلة من عند الله مما هو أخص منها أو أعم منها أو أعم من وجه وأخص من ~~وجه # فالأعم ما عليه المتفلسفة ومن اتبعهم من ضلال المتكلمة والمتصوفة ~~والممالك المؤسسة على ذلك كملك الترك وغيرهم في تسويغ التدين بغير ما جاء ~~به محمد رسول الله وإن عظم محمدا وجعل دينه أفضل الأديان وكذلك من سوغ ~~النجاة والسعادة بعد مبعثه بغير شريعته # والأعم من وجه الأخص من وجه مثل الانساب والقبائل والأجناس العربية ~~والفارسية والرومية والتركية أو الأمصار والبلاد PageV03P342 والأخص مطلقا ~~الانتساب إلى جنس معين من أجناس بعض شرائع الدين كالتجند للمجاهدين والفقه ~~للعلماء والفقر والتصوف للعباد أو الانتساب إلى بعض فرق هذه الطوائف كإمام ~~معين أو شيخ أو ملك أو متكلم من رؤوس المتكلمين أو مقالة أو فعل تتميز به ~~طائفة أو شعار هذه الفرق من اللباس من عمائم أو غيرها كما يتعصب قوم للخرقة ~~أو اللبسه يعنون الخرقة الشاملة للفقهاء والفقراء أو المختصة بأحد هذين أو ~~بعض طوائف أحد هؤلاء أو لباس التجند أو نحو ذلك كل ذلك من أمور الجاهلية ~~المفرقة بين الأمة وأهلها خارجون عن السنة والجماعة داخلون في البدع ~~والفرقة بل دين الله تعالى أن يكون ms0762 رسوله محمد هو المطاع أمره ونهيه ~~المتبوع في محبته ومعصيته ورضاه وسخطه وعطائه ومنعه وموالاته ومعاداته ~~ونصره وخذلانه # ويعطي كل شخص أو نوع من أنواع العالم من الحقوق ما أعطاهم إياه الرسول ~~فالمقرب من قربه والمقصي من أقصاه والمتوسط من وسطه ويحب من هذه الأمور ~~أعيانها وصفاتها ما يحبه الله ورسوله منها ويكره منها ما كرهه الله ورسوله ~~منها ويترك منها لا محبوبا ولا مكروها ما تركه الله ورسوله كذلك لا محبوبا ~~ولا مكروها # ويؤمر منها بما أمر الله به ورسوله وينهى عما نها الله عنه ورسوله ~~PageV03P343 ويباح منها ما أباحه الله ورسوله ويعفي عما عفا الله عنه ~~ورسوله ويفضل منها ما فضله الله ورسوله ويقدم ما قدمه الله ورسوله ويؤخر ما ~~أخره الله ورسوله ويرد ما تنوزع منها إلى الله ورسوله فما وضح اتبع وما ~~اشتبه بين فيه # وما كان منها من الاجتهاديات المتنازع فيها التي أقرها الله ورسوله ~~كاجتهاد الصحابة في تأخير العصر عن وقتها يوم قريظة أو فعلها في وقتها فلم ~~يعنف النبي واحدة من الطائفتين وكما قطع بعضهم نخل بني النضير وبعضهم لم ~~يقطع فأقر الله الأمرين وكما ذكر الله عن داود وسليمان أنهما حكما في الحرث ~~ففهم الحكومة أحدهما وأثنى على كل منهما بالعلم والحكم به وكما قال إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر # فما وسعه الله ورسوله وسع وما عفى الله عنه ورسوله عفى عنه وما اتفق عليه ~~المسلمون من إيجاب أو تحريم أو استحباب أو إباحة أو عفو بعضهم لبعض عما ~~اخطأ فيه وإقرار بعضهم لبعض فيما اجتهدوا به فهو مما أمر الله به ورسوله ~~فإن الله ورسوله أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة # ودل على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة على ما هو مسطور في مواضعه ~~PageV03P344 ### || 1 ( شرح حديث تفترق أمتي على ثلاث ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه # عن قوله صلى الله ~~عليه وسلم تفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة ما الفرق ms0763 وما معتقد كل فرقة من هذه ~~الصنوف ### ||||| فأجاب # الحمد لله الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند كسنن أبي داود والترمذي ~~والنسائي وغيرهم ولفظه افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار ~~إلا واحدة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ~~وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وفي لفظ ~~على ثلاث وسبعين ملة وفي رواية قالوا يا رسول الله من الفرقة الناجية قال ~~من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي وفي رواية قال هي الجماعة يد ~~الله على الجماعة # ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة وهم الجمهور الأكبر ~~والسواد الأعظم PageV03P345 # وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء ولا تبلغ ~~الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية فضلا عن أن تكون بقدرها بل ~~قد تكون الفرقة منها في غاية القلة وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة ~~والإجماع فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة # وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كتب المقالات ~~لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لا بد له من ~~دليل فإن الله حرم القول بلا علم عموما وحرم القول عليه بلا علم خصوصا فقال ~~تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا ~~طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء ~~والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تقف ~~ما ليس لك به علم @QE@ وأيضا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن ~~والهوى فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة ~~والجماعة ويجعل من خالفها أهل البدع وهذا ضلال مبين فإن أهل الحق والسنة لا ~~يكون ms0764 متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر ~~وليست PageV03P346 هذه المنزلة لغيره من الأئمة بل كل أحد من الناس يؤخذ من ~~قوله ويترك إلا رسول الله فمن جعل شخصا من الأشخاص غير رسول الله من أحبه ~~ووافقه كان من أهل السنة والجماعة ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة كما ~~يوجد ذلك في الطوائف من اتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك كان من أهل ~~البدع والضلال والتفرق # وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة ~~الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله وهم أعلم الناس بأقواله ~~وأحواله وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها وأئمتهم فقهاء فيها وأهل معرفة ~~بمعانيها واتباعا لها تصديقا وعملا وحبا وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن ~~عاداها الذين يروون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة فلا ~~ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما ~~جاء به الرسول بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي ~~يعتقدونه ويعتمدونه # وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله ويفسرون ~~الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف فما كان من معانيها ~~موافقا للكتاب والسنة أثبتوه وما كان منها مخالفا للكتاب والسنة ~~PageV03P347 أبطلوه ولا يتبعون الظن وما تهوى الانفس فإن اتباع الظن جهل ~~واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم # وجماع الشر الجهل والظلم قال الله تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا @QE@ إلى آخر السورة وذكر التوبة لعلمه سبحانه وتعالى أنه لا ~~بد لكل إنسان من أن يكون فيه جهل وظلم ثم يتوب الله على من يشاء فلا يزال ~~العبد المؤمن دائما يتبين له من الحق ما كان جاهلا به ويرجع عن عمل ms0765 كان ~~ظالما فيه # وأدناه ظلمه لنفسه كما قال تعالى @QB@ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور @QE@ وقال تعالى @QB@ هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور @QE@ وقال تعالى @QB@ الر كتاب أنزلناه إليك ~~لتخرج الناس من الظلمات إلى النور @QE@ # ومما ينبغي أيضا أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين ~~والكلام على درجات منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة ومنهم من يكون ~~إنما خالف السنة في أمور دقيقة # ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه فيكون ~~محمودا فيما رده من الباطل وقاله من الحق لكن يكون قد جاوز العدل في رده ~~بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها ~~ورد بالباطل باطلا بباطل أخف منه وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى ~~السنة والجماعة PageV03P348 # ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين ~~يوالون عليه ويعادون كان من نوع الخطأ والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين ~~خطأهم في مثل ذلك # ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها لهم مقالات قالوها ~~باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة بخلاف من والى موافقه وعادى ~~مخالفه وفرق بين جماعة المسلمين وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل ~~الآراء والإجتهادات واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل التفرق ~~والإختلافات # ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون وقد ~~صح الحديث في الخوارج عن النبي من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه وخرج ~~البخاري منها غير وجه # وقد قاتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب فلم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفين إذ ~~كانوا في ذلك ثلاثة أصناف صنف قاتلوا مع هؤلاء وصنف قاتلوا مع هؤلاء وصنف ~~أمسكوا عن القتال وقعدوا وجاءت النصوص بترجيح هذه الحال # فالخوارج لما ms0766 فارقوا جماعة المسلمين وكفروهم واستحلوا قتالهم جاءت السنة ~~PageV03P349 بما جاء فيهم كقول النبي يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع ~~صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم ~~أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة # وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله فلما رأى قسمة النبي قال يا محمد ~~إعدل فإنك لم تعدل فقال له النبي لقد خبت وخسرت إن لم أعدل فقال له بعض ~~أصحابه دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال إنه يخرج من ضئضىء هذا ~~أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ~~الحديث # فكان مبدأ البدع هوالطعن في السنة بالظن والهوى كما طعن إبليس في أمر ربه ~~برأيه وهواه # وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن ~~أسباط ثم عبد الله بن المبارك وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين ~~قالا أصول البدع أربعة الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة فقيل لابن ~~المبارك والجهمية فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد وكان يقول إنا لنحكي ~~كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية وهذا الذي قاله ~~اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم قالوا PageV03P350 إن ~~الجهمية كفار فلا يدخلون في الإثنتين والسبعين فرقة كما لا يدخل فيهم ~~المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة # وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم بل الجهمية داخلون في الإثنتين والسبعين ~~فرقة وجعلوا أصول البدع خمسة فعلى قول هؤلاء يكون كل طائفة من المبتدعة ~~الخمسة اثنا عشر فرقة وعلى قول الأولين يكون كل طائفة من المبتدعة الأربعة ~~ثمانية عشر فرقة # وهذا يبني على أصل آخر وهو تكفير أهل البدع فمن أخرج الجهمية منهم لم ~~يكفرهم فإنه لايكفر سائر أهل البدع بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق ~~والعصاة ويجعل قوله هم في النار مثل ما جاء في سائر الذنوب مثل أكل مال ms0767 ~~اليتيم وغيره كما قال تعالى @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا @QE@ # ومن أدخلهم فيهم فهم على قولين # منهم من يكفرهم كلهم وهذا إنما قاله بعض المستأخرين المنتسبين إلى الأئمة ~~أو المتكلمين # وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة ~~ونحو ذلك ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء وإن كان من أصحابه من ~~حكى في تكفير جميع أهل البدع من هؤلاء وغيرهم خلافا PageV03P351 عنه أو في ~~مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة # ومنهم من لم يكفر أحدا من هؤلاء إلحاقا لأهل البدع بأهل المعاصي قالوا ~~فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدا بذنب فكذلك لا ~~يكفرون أحدا ببدعة # والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية المحضة الذين ~~ينكرون الصفات وحقيقة قولهم أن الله لا يتكلم ولا يرى ولا يباين الخلق ولا ~~له علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة بل القرآن مخلوق وأهل الجنة لا ~~يرونه كما لا يراه أهل النار وأمثال هذه المقالات # وأما الخوارج والروافض ففي تكفيرهم نزاع وتردد عن أحمد وغيره # وأما القدرية الذين ينفون الكتابة والعلم فكفروهم ولم يكفروا من أثبت ~~العلم ولم يثبت خلق الأفعال # وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين أحدهما أن يعلم أن الكافر في نفس ~~الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقا فإن الله منذ بعث محمدا وأنزل عليه ~~القرآن وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف مؤمن به وكافر به مظهر ~~الكفر PageV03P352 ومنافق مستخف بالكفر ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة ~~في أول سورة البقرة ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتين في الكفار وبضع ~~عشر آية في المنافقين # وقد ذكر الله الكفار والمنافقين في غير موضع من القرآن كقوله @QB@ ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين @QE@ وقوله @QB@ إن الله جامع المنافقين والكافرين ~~في جهنم جميعا @QE@ وقوله @QB@ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا @QE@ وعطفهم على ms0768 الكفار ليميزهم عنهم بإظهار الإسلام وإلا فهم في ~~الباطن شر من الكفار كما قال تعالى @QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار @QE@ وكما قال @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ~~إنهم كفروا بالله ورسوله @QE@ وكما قال @QB@ قل أنفقوا طوعا أو كرها لن ~~يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم ~~كارهون @QE@ # وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر ويكثر مثل هذا ~~في الرافضة والجهمية فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة وأول من ابتدع الرفض ~~كان منافقا وكذلك التجهم فإن أصله زندقة ونفاق ولهذا كان الزنادقة ~~المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة ~~والجهمية لقربهم منهم # ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنا وظاهرا لكن فيه جهل وظلم ~~PageV03P353 حتى أخطأ ما أخطأ من السنة فهذا ليس بكافر ولا منافق ثم قد ~~يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقا أو عاصيا وقد يكون مخطئا متأولا مغفورا ~~له خطأه وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله ~~بقدر إيمانه وتقواه فهذا أحد الأصلين # والأصل الثاني أن المقالة تكون كفرا كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام ~~والحج وتحليل الزنى والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم ثم القائل بها قد ~~يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام ~~أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيء ~~مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول ومقالات الجهمية هي ~~من هذا النوع فإنها جحد لما هو الرب تعالى عليه ولما أنزل الله على رسوله # وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه # أحدها أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جدا ~~مشهوره وإنما يردونها بالتحريف # الثاني أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم ms0769 ~~مستلزم تعطيل الصانع فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله فأصل الكفر الإنكار ~~لله PageV03P354 الثالث أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر ~~السليمة كلها لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان ~~حتى يظن أن الحق معهم لما يوردونه من الشبهات ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين ~~بالله ورسوله باطنا وظاهرا وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على ~~غيرهم من أصناف المبتدعة فهؤلاء ليسوا كفارا قطعا بل قد يكون منهم الفاسق ~~والعاصي وقد يكون منهم المخطىء المغفور له وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ~~ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه # وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة ~~أن الإيمان يتفاضل ويتبعض كما قال النبي يخرج من النار من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من إيمان وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك # وإذا عرف أصل البدع فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب ويعتقدون ذنبا ~~ما ليس بذنب ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب وإن كانت ~~متواترة ويكفرون من خالفهم ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من ~~الكافر الأصلي كما قال النبي فيهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ~~ولهذا كفروا عثمان وعليا وشيعتهما وكفروا أهل صفين الطائفتين في نحو ذلك من ~~المقالات الخبيثة PageV03P355 # وأصل قول الرافضة أن النبي نص على علي نصا قاطعا للعذر وأنه إمام معصوم ~~ومن خالفه كفر وإن المهاجرين والأنصار كتموا النص وكفروا بالإمام المعصوم ~~وابتعوا أهواءهم وبدلوا الدين وغيروا الشريعة وظلموا واعتدوا بل كفروا إلا ~~نفرا قليلا إما بضعة عشر أو أكثر ثم يقولون إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما ~~زالا منافقين وقد يقولون بل آمنوا ثم كفروا # وأكثرهم يكفر من خالف قولهم ويسمون أنفسهم المؤمنين ومن خالفهم كفارا ~~ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردة أسوأ حالا من ~~مدائن المشركين والنصارى ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض ~~جمهور المسلمين ومعاداتهم ومحاربتهم كما عرف من ms0770 موالاتهم الكفار المشركين ~~على جمهور المسلمين ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين ومن ~~موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين # ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم ولا ~~ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة ولهذا كانوا هم المشهورين ~~عند العامة بالمخالفة للسنة فجمهور العامة لا تعرف ضد السنى إلا الرافضي ~~فإذا قال احدهم أنا سني فإنما معناه لست رافضيا # ولا ريب أنهم شر من الخوارج لكن الخوارج كان لهم في مبدىء الإسلام سيف ~~على أهل الجماعة وموالاتهم الكفار أعظم من سيوف PageV03P356 الخوارج فإن ~~القرامطة والإسماعيلية ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة وهم منتسبون ~~إليهم وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق والروافض معروفون بالكذب والخوارج ~~مرقوا من الإسلام وهؤلاء نابذوا الإسلام # وأما القدرية المحضة فهم خير من هؤلاء بكثير وأقرب إلى الكتاب والسنة لكن ~~المعتزلة وغيرهم من القدرية هم جهمية أيضا وقد يكفرون من خالفهم ويستحلون ~~دماء المسلمين فيقربون من أولئك # وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة بل قد دخل في قولهم طوائف من ~~أهل الفقه والعبادة وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة حتى تغلظ أمرهم بما ~~زادوه من الأقوال المغلظة # ولما كان قد نسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متبعون تكلم أئمة السنة ~~المشاهير في ذم المرجئة المفضلة تنفيرا عن مقالتهم كقول سفيان الثوري من ~~قدم عليا على أبي بكر والشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وما أرى يصعد ~~له إلى الله عمل مع ذلك أو نحو هذا القول قاله لما نسب إلى تقديم على بعض ~~أئمة الكوفيين وكذلك قول أيوب السختياني من قدم عليا على عثمان فقد أزرى ~~بالمهاجرين والأنصار قاله لما بلغه ذلك عن بعض أئمة الكوفيين وقد روى أنه ~~رجع عن ذلك وكذلك قول الثوري ومالك والشافعي وغيرهم في ذم المرجئة لما نسب ~~إلى الإرجاء بعض المشهورين PageV03P357 # وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جار على كلام من تقدم من أئمة الهدى ليس ~~له قول ابتدعه ولكن أظهر السنة وبينها وذب عنها وبين حال مخالفيها ms0771 وجاهد ~~عليها وصبر على الأذى فيها لما أظهرت الأهواء والبدع وقد قال الله تعالى ~~@QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ ~~فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين فلما قام بذلك قرنت باسمه من ~~الإمامة في السنة ما شهر به وصار متبوعا لمن بعده كما كان تابعا لمن قبله # وإلا فالسنة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله وتلقاه عنهم التابعون ثم ~~تابعوهم إلى يوم القيامة وإن كان بعض الأئمة بها أعلم وعليها أصبر والله ~~سبحانه وتعالى أعلم وأحكم والله أعلم PageV03P358 ### ||| فصل ### || قاعدة # الإنحراف عن الوسط كثير في أكثر الأمور في أغلب الناس مثل تقابلهم في بعض ~~الأفعال يتخذها بعضهم دينا واجبا أو مستحبا أو مأمورا به في الجملة وبعضهم ~~يعتقدها حراما مكروها أو محرما أو منهيا عنه في الجملة # مثال ذلك سماع الغناء فإن طائفة من المتصوفة والمتفقرة تتخذه دينا وإن لم ~~تقل بألسنتها أو تعتقد بقلوبها أنه قربة فإن دينهم حال لا اعتقاد فحالهم ~~وعملهم هو استحسانها في قلوبهم ومحبتهم لها ديانة وتقربا إلى الله وإن كان ~~بعضهم قد يعتقد ذلك ويقوله بلسانه # وفيهم من يعتقد ويقول ليس قربة لكن حالهم هو كونه قربة ونافعا في الدين ~~ومصلحا للقلوب # ويغلو فيه من يغلو حتى يجعل التاركين له كلهم خارجين عن ولاية الله ~~وثمراتها من المنازل العلية PageV03P359 # وبإزائهم من ينكر جميع أنواع الغناء ويحرمه ولا يفصل بين غناء الصغير ~~والنساء في الأفراح وغناء غيرهن وغنائهن في غير الأفراح # ويغلو من يغلو في فاعليه حتى يجعلهم كلهم فساقا أو كفارا # وهذان الطرفان من اتخاذ ما ليس بمشروع دينا أو تحريم ما لم يحرم دين ~~الجاهلية والنصارى الذي عابه الله عليهم كما قال تعالى @QB@ وقال الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شيء @QE@ وقال تعالى فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث عياض بن حمار ~~إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ms0772 وأمرتهم ~~أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وقال في حق النصارى @QB@ ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق @QE@ # ومثال ذلك أن يحصل من بعضهم تقصير في المأمور أو اعتداء في المنهي إما من ~~جنس الشبهات وإما من جنس الشهوات فيقابل ذلك بعضهم بالاعتداء في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر أو بالتقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # والتقصير والاعتداء إما في المأمور به والمنهي عنه شرعا وإما في نفس أمر ~~الناس ونهيهم هو الذي استحق به أهل الكتاب العقوبة حيث قال @QB@ وضربت ~~عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون @QE@ ~~PageV03P360 فجعل ذلك بالمعصية والاعتداء والمعصية مخالفة الأمر وهو ~~التقصير والاعتداء مجاوزة الحد # وكذلك يضمن كل مؤتمن على مال إذا قصر وفرط في ما أمر به وهو المعصية إذا ~~اعتدى بخيانة أو غيرها ولهذا قال @QB@ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان @QE@ ~~فالإثم هو المعصية والله أعلم # وقال النبي إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم محارم فلا تنتهكوها وحد ~~حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها ~~فالمعصية تضييع الفرائض وانتهاك المحارم وهو مخالفة الأمر والنهي والاعتداء ~~مجاوزة حدود المباحات # وقال تعالى @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث @QE@ فالمعصية مخالفة أمره ونهيه والاعتداء مجاوزة ما ~~احله إلى ما حرمه وكذلك قوله والله أعلم @QB@ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا في أمرنا @QE@ فالذنوب المعصية والإسراف الاعتداء ومجاوزة الحد # واعلم أن مجاوزة الحد هي نوع من مخالفة النهي لأن اعتداء الحد محرم منهي ~~عنه فيدخل في قسم المنهي عنه لكن المنهي عنه قسمان منهي عنه مطلقا كالكفر ~~فهذا فعله إثم ومنهي عنه PageV03P361 وقسم أبيح منه أنواع ومقادير وحرم ~~الزيادة على تلك الأنواع والمقادير فهذا فعله عدوان # وكذلك قد يحصل العدوان في المأمور به كما يحصل في المباح فإن الزيادة على ~~المأمور به قد يكون عدوانا ms0773 محرما وقد يكون مباحا مطلقا وقد يكون مباحا إلى ~~غاية فالزيادة عليها عدوان # ولهذا التقسيم قيل في الشريعة هي الأمر والنهي والحلال والحرام والفرائض ~~والحدود والسنن والأحكام # فالفرائض هي المقادير في المأمور به والحدود النهايات لما يجوز من المباح ~~المأمور به وغير المأمور به PageV03P362 ### || 1 ( الوصية الكبرى ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه بسم ! 8 < الله الرحمن الرحيم من ~~أحمد بن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة ~~والجماعة المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر ~~الأموي رحمه الله ومن نحى نحوهم وفقهم الله لسلوك سبيله وأعانهم على طاعته ~~وطاعة رسوله وجعلهم معتصمين بحبله المتين مهتدين لصراط الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وجنبهم طريق أهل الضلال ~~والإعوجاج الخارجين عما بعث الله به رسوله من الشرعة والمنهاج حتى يكونوا ~~ممن أعظم الله عليهم المنة بمتابعة الكتاب والسنة # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته # وبعد فانا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد أهل وهو ~~PageV03P363 على كل شيء قدير ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وسيد ولد آدم ~~وأكرم الخلق على ربه وأقربهم إليه زلفى وأعظمهم عنده درجة محمد عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه وأكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة وجعلهم خير أمة أخرجت للناس ~~فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله # وجعلهم أمة وسطا أي عدلا خيارا ولذلك جعلهم شهداء على الناس هداهم لما ~~بعث به رسله جميعهم من الدين الذي شرعه لجميع خلقه ثم خصهم بعد ذلك بما ~~ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم # فالأول مثل أصول الإيمان وأعلاها وأفضلها هو التوحيد وهو شهادة أن لا إله ~~إلا الله كما قال تعالى @QB@ وما ms0774 أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى @QE@ PageV03P364 # وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون @QE@ ومثل الإيمان بجميع كتب الله وجميع رسله كما قال تعالى @QB@ ~~قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ وقل آمنت بما أنزل الله ~~من كتاب وأمرت لأعدل بينكم @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل ~~إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد ~~من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير @QE@ إلى آخرها # ومثل الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب كما أخبر عن إيمان ~~من تقدم من مؤمني الأمم به حيث قال @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ # ومثل أصول الشرائع كما ذكر في سورة الأنعام والأعراف وسبحان وغيرهن من ~~السور المكية من أمره بعبادته وحده لا شريك له وأمره ببر الوالدين وصلة ~~الأرحام والوفاء بالعهود والعدل في المقال وتوفية الميزان والمكيال وإعطاء ~~السائل والمحروم وتحريم قتل النفس بغير PageV03P365 الحق وتحريم الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن وتحريم الإثم والبغي بغير الحق وتحريم الكلام في الدين ~~بغير علم مع ما يدخل في التوحيد من إخلاص الدين لله والتوكل على الله ~~والرجاء لرحمة الله والخوف من الله والصبر لحكم الله والقيام لأمر الله وأن ~~يكون ms0775 الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين # إلى غير ذلك من أصول الإيمان التي أنزل الله ذكرها في مواضع من القرآن ~~كالسور المكية وبعض المدنية # وأما الثاني فما أنزله الله في السور المدنية من شرائع دينه وما سنه ~~الرسول لأمته فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة وأمتن على المؤمنين ~~بذلك وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك فقال @QB@ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ~~وعلمك ما لم تكن تعلم @QE@ وقال @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة @QE@ ~~وقال @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة @QE@ # قال غير واحد من السلف الحكمة هي السنة لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواجه ~~رضي الله عنهن سوى القرآن هو سننه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إلا وإني ~~أوتيت الكتاب ومثله معه وقال حسان بن عطية كان جبريل عليه السلام ينزل على ~~النبي بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن PageV03P366 ~~وهذه الشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته مثل الوجهة والمنسك ~~والمنهاج وذلك مثل الصلوات الخمس في أوقاتها بهذا العدد وهذه القراءة ~~والركوع والسجود واستقبال الكعبة # ومثل فرائض الزكاة ونصبها التي فرضها في أموال المسلمين من الماشية ~~والحبوب والثمار والتجارة والذهب والفضة ومن جعلت له حيث يقول @QB@ إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم @QE@ # ومثل صيام شهر رمضان ومثل حج البيت الحرام ومثل الحدود التي حدها لهم في ~~المناكح والمواريث والعقوبات والمبايعات ومثل السنن التي سنها لهم من ~~الأعياد والجمعات والجماعات في المكتوبات والجماعات في الكسوف والاستسقاء ~~وصلاة الجنازة والتراويح # وما سنه لهم في العادات مثل المطاعم والملابس والولادة والموت ونحو ذلك ~~من السنن والآداب والأحكام التي هي حكم الله ورسوله بينهم في الدماء ~~والأموال والأبضاع والأعراض والمنافع والأبشار وغير ذلك من الحدود والحقوق ~~إلى غير ذلك مما شرعه لهم على ms0776 لسان رسوله PageV03P367 وحبب إليهم الإيمان ~~وزينه في قلوبهم فجعلهم متبعين لرسوله صلى الله عليه وسلم وعصمهم أن ~~يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم قبلهم إذ كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله ~~تعالى رسولا إليهم كما قال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير @QE@ # ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء لا نبي بعده فعصم الله أمته أن ~~تجتمع على ضلالة وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة ولهذا كان ~~إجماعهم حجة كما كان الكتاب والسنة حجة ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة ~~والسنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن ~~سنة رسول الله وعما مضت عليه جماعة المسلمين # فإن الله أمر في كتابه باتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولزوم سبيله ~~وأمر بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى @QB@ من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بإذن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ وقال تعالى ~~PageV03P368 @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات @QE@ @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ وقال تعالى @QB@ وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ وقال ~~تعالى في أم الكتاب @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ # وقد صح عن النبي أنه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون # فأمر سبحانه في أم الكتاب التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في ~~الزبور ولا ms0777 في الفرقان مثلها والتي أعطيها نبينا من كنز تحت العرش التي لا ~~تجزىء صلاة إلا بها أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~عليهم غير المغضوب عليهم كاليهود ولا الضالين كالنصارى وهذا الصراط ~~المستقيم هو دين الإسلام المحض وهو ما في كتاب الله تعالى وهو السنة ~~والجماعة فإن السنة المحضة هي دين الإسلام المحض فإن النبي روى عنه من وجوه ~~متعددة رواها أهل السنن والمسانيد كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم ~~أنه قال ستفترق هذه PageV03P369 الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار ~~إلا واحدة وهي الجماعة وفي رواية # من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي # وهذه الفرقة الناجية أهل السنة وهم وسط في النحل كما أن ملة الإسلام وسط ~~في الملل فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين لم يغلوا ~~فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ~~بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون # ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس وكلماجاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا ~~فريقا وقتلوا فريقا # بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم ~~ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أربابا كما قال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن ~~كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ # ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح فلم يقولوا هو الله ولا بن الله ~~PageV03P370 ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى ولا كفروا به وقالوا على ~~مريم بهتانا عظيما حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود بل قالوا هذا عبد ~~الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه # وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله فلم يحرموا على الله أن ms0778 ينسخ ما ~~شاء ويمحو ما شاء ويثبت كما قالته اليهود كما حكى الله تعالى ذلك عنهم ~~بقوله @QB@ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ~~@QE@ وبقوله @QB@ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم @QE@ ولا جوزوا لأكابر ~~علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاؤا وينهوا عما شاؤوا كما ~~يفعله النصارى كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله @QE@ قال عدي بن حاتم رضي الله عنه قلت يا رسول الله ما ~~عبدوهم قال ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال ~~فأطاعوهم والمؤمنون قالوا لله الخلق والأمر فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره ~~وقالوا سمعنا وأطعنا فأطاعوا كل ما أمر الله به وقالوا @QB@ إن الله يحكم ~~ما يريد @QE@ وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيما # وكذلك في صفات الله تعالى فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق ~~PageV03P371 الناقصة فقالوا هو فقير ونحن أغنياء وقالوا يد الله مغلولة ~~وقالوا إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت إلى غير ذلك # والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا إنه يخلق ويرزق ~~ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب # والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى ليس له سمي ولا ند ولم يكن له كفوا ~~أحد وليس كمثله شيء فإنه رب العالمين وخالق كل شيء وكل ما سواه عباد له ~~فقراء إليه @QB@ إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا @QE@ # ومن ذلك أمر الحلال والحرام فإن اليهود كما قال الله تعالى @QB@ فبظلم من ~~الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ فلا يأكلون ذوات الظفر مثل ~~الإبل والبط ولا شحم الثرب والكليتين ولا الجدي في لبن أمه إلى غير ذلك مما ~~حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما حتى قيل إن المحرمات عليهم ثلاثمائة ~~وستون نوعا والواجب ms0779 عليهم مئتان وثمانية وأربعون أمرا وكذلك شدد عليهم في ~~النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت # وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات وباشروا جميع النجاسات ~~وإنما قال لهم المسيح ولا حل لكم بعض الذي حرم عليكم PageV03P372 ولهذا قال ~~تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ # وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به في قوله @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ # وهذا باب يطول وصفه وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق فهم في باب أسماء ~~الله وآياته وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ~~ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى يشبهوه بالعدم والموات وبين أهل ~~التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات # فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله من غير ~~تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف وتمثيل # وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله الذين PageV03P373 لا ~~يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء وبين المفسدين لدين ~~الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل فيعطلون الأمر ~~والنهي والثواب والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا @QB@ لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ # فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير فيقدر أن يهدي العباد ويقلب ~~قلوبهم وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فلا يكون في ملكه ما لا ~~يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده وأنه خالق كل شيء من ms0780 الأعيان والصفات ~~والحركات # ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار ولا يسمونه مجبورا إذ ~~المجبور من أكره على خلاف اختياره والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله ~~فهو مختار مريد والله خالقه وخالق اختياره وهذا ليس له نظير فإن الله ليس ~~كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله # وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد الوعيد وسط بين الوعيدية الذين ~~يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان ~~بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وبين المرجئة الذين ~~يقولون إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء والأعمال الصالحة ليست من الدين ~~والإيمان ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية PageV03P374 فيؤمن أهل السنة ~~والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان ~~الواجب الذي يستوجبون به الجنة وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من ~~كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان وأن النبي ادخر ~~شفاعته لأهل الكبائر من امته # وهم أيضا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وسط بين ~~الغالية الذين يغالون في علي رضي الله عنه فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما وأن الصحابة ظلموا وفسقوا ~~وكفروا الأمة بعدهم كذلك وربما جعلوه نبيا أو إلها وبين الجافية الذين ~~يعتقدون كفره وكفر عثمان رضي الله عنهما ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما ~~ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما ويقدحون في خلافة علي رضي الله عنه وإمامته # وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ~~وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان PageV03P375 ### ||| فصل # وأنتم أصلحكم الله قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين ~~الله وعافاكم الله مما ابتلى به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب ~~والإسلام أعظم النعم وأجلها فإن الله لا يقبل من أحد دينا سواه @QB@ ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ms0781 وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ # وعافاكم الله بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة مثل كثير من بدع ~~الروافض والجهمية والخوارج والقدرية بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب ~~بأسماء الله وصفاته وقضائه وقدره أو يسب أصحاب رسول الله ما هو من طريقة ~~أهل السنة والجماعة وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك فإن هذا ~~من تمام الإيمان وكمال الدين ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين وأهل ~~القتال المجاهدين ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين وما زال في عساكر ~~المسلمين المنصورة وجنود الله المؤيدة منكم من يؤيد الله به الدين ويعز به ~~المؤمنين # وفي أهل الزهادة والعبادة منكم من له الأحوال الزكية والطريقة المرضية ~~وله المكاشفات والتصرفات PageV03P376 وفيكم من أولياء الله المتقين من له ~~لسان صدق في العالمين فإن قدماء المشائخ الذين كانوا فيكم مثل الملقب بشيخ ~~الإسلام أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري وبعده الشيخ العارف ~~القدوة عدي بن مسافر الأموي ومن سلك سبيلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح ~~والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم ورفع به منارهم # والشيخ عدي قدس الله روحه كان من أفاضل عباد الله الصالحين وأكابر ~~المشائخ المتبعين وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل ~~المعرفة بذلك وله في الأمة صيت مشهور ولسان صدق مذكور وعقيدته المحفوظة عنه ~~لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشائخ الذين سلك سبيلهم كالشيخ الإمام ~~الصالح أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي ~~وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما # وهؤلاء المشائخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة ~~بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ~~ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم وأعلى ~~منارهم وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد مع أنه لابد وأن يوجد في ~~كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل PageV03P377 المرجوحة والدلائل الضعيفة ~~كأحاديث لا تثبت ومقاييس ms0782 لا تطرد ما يعرفه أهل البصيرة # وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله لا سيما المتأخرون من ~~الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة والفقه فيهما ويميزوا بين صحيح ~~الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس وعقيمها مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة ~~الأهواء وكثرة الأراء وتغلظ الاختلاف والافتراق وحصول العداوة والشقاق # فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب قوة الجهل والظلم اللذين نعت الله بهما ~~الإنسان في قوله @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا @QE@ فإذا من ~~الله على الإنسان بالعلم والعدل أنقذه من هذا الضلال وقد قال سبحانه @QB@ ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر @QE@ وقد قال تعالى @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ # وأنتم تعلمون أصلحكم الله أن السنة التي يجب اتباعها ويحمد أهلها ويذم من ~~خالفها هي سنة رسول الله في أمور الاعتقادات وأمور العبادات وسائر أمور ~~الديانات وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة ~~عنه في أقواله وأفعاله وما تركه من قول وعمل ثم ما كان عليه السابقون ~~والتابعون لهم بإحسان PageV03P378 وذلك في دواوين الإسلام المعروفة مثل ~~صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن مثل سنن أبي داوود والنسائي وجامع الترمذي ~~وموطأ الإمام مالك ومثل المسانيد المعروفة كمثل مسند الإمام أحمد وغيره ~~ويوجد في كتب التفاسير والمغازي وسائر كتب الحديث جملها وأجزائها من الآثار ~~ما يستدل ببعضها على بعض وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى ~~به حتى حفظ الله الدين على أهله # وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل ~~السنة مثل حماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن عبد الرحمن ~~الدارمي وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم في طبقتهم ومثلها ما بوب عليه ~~البخاري وأبو داود والنسائي وبن ماجه وغيرهم في كتبهم # ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد وأبي بكر الخلال وأبي ~~القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني ms0783 وأبي بكر الآجري وأبي الحسن ~~الدارقطني وأبي عبد الله بن منده وأبي القاسم اللالكائي وأبي عبد الله بن ~~بطة وأبي عمرو الطلمنكي وأبي نعيم الأصبهاني وأبي بكر البيهقي وأبي ذر ~~الهروي وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من الاحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل ~~المعرفة وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات ~~PageV03P379 وعامة أبواب الدين أحاديث كثيرة تكون مكذوبة موضوعة على رسول ~~الله وهي قسمان # منها ما يكون كلاما باطلا لا يجوز أن يقال فضلا عن أن يضاف إلى النبي # والقسم الثاني من الكلام ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض العلماء أو ~~بعض الناس ويكون حقا أو مما يسوغ فيه الاجتهاد أو مذهبا لقائله فيعزى إلى ~~النبي وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث مثل المسائل التي وضعها الشيخ أبو ~~الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري وجعلها محنة يفرق فيها بين السنى ~~والبدعي وهي مسائل معروفة عملها بعض الكذابين وجعل لها إسنادا إلى رسول ~~الله وجعلها من كلامه وهذا يعلمه من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى # وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقا لأصول السنة ففيها ما إذا خالفه ~~الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع مثل أول نعمة أنعم بها على عبده فإن هذه ~~المسألة فيها نزاع بين أهل السنة والنزاع فيها لفظي لأن مبناها على أن ~~اللذة التي يعقبها ألم هل تسمى نعمة أم لا وفيها أيضا أشياء مرجوحة # فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب فإن السنة هي الحق دون ~~الباطل وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام ~~عموما ولمن يدعي السنة خصوصا PageV03P380 ### ||| فصل # وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه والله تعالى ما أمر ~~عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر إما إفراط ~~فيه وإما تفريط فيه وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه ~~قد اعترض الشيطان كثيرا ممن ينتسب إليه حتى أخرجه عن ms0784 كثير من شرائعه بل ~~أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من ~~الرمية # وأمر النبي بقتال المارقين منه فثبت عنه في الصحاح وغيرها من رواية أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف وأبي ذر الغفاري ~~وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وبن مسعود رضي الله عنهم وغير هؤلاء أن ~~النبي ذكر الخوارج فقال يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم أو فقاتلوهم فإن في قتلهم ~~أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وفي ~~رواية شر قتيل تحت أديم السماء خير PageV03P381 قتيل من قتلوه وفي رواية لو ~~يعلم الذين يقاتلونهم ما زوى لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل وهؤلاء لما ~~خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم هو ~~وأصحاب رسول الله بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتحضيضه على قتالهم واتفق ~~على قتالهم جميع أئمة الإسلام # وهكذا كل من فارق جماعة المسلمين وخرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وشريعته من أهل الأهواء المضلة والبدع المخالفة # ولهذا قاتل المسلمون أيضا الرافضة الذين هم شر من هؤلاء وهم الذين يكفرون ~~جماهير المسلمين مثل الخلفاء الثلاثة وغيرهم ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن ~~سواهم كافر ويكفرون من يقول إن الله يرى في الآخرة أو يؤمن بصفات الله ~~وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة ويكفرون من خالفهم في بدعهم التي هم عليها # فإنهم يمسحون القدمين ولا يمسحون على الخف ويؤخرون الفطور والصلاة إلى ~~طلوع النجم ويجمعون بين الصلاتين من غير عذر ويقنتون في الصلوات الخمس ~~ويحرمون الفقاع وذبائح أهل الكتاب وذبائح من خالفهم من المسلمين لأنهم ~~عندهم كفار ويقولون على الصحابة رضي PageV03P382 الله عنهم أقوالا عظيمة لا ~~حاجة إلى ذكرها هنا إلى أشياء أخر فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله ms0785 # فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين قد ~~انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة حتى أمر النبي بقتالهم ~~فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من ~~الإسلام والسنة حتى يدعى السنة من ليس من أهلها بل قد مرق منها وذلك بأسباب # منها الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه حيث قال @QB@ يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ إلى قوله @QB@ وكفى بالله ~~وكيلا @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان ~~قبلكم الغلو في الدين وهو حديث صحيح # ومنها التفرق والاختلاف الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز ومنها ~~أحاديث تروى عن النبي وهي كذب عليه باتفاق أهل المعرفة يسمعها الجاهل ~~بالحديث فيصدق بها لموافقة ظنه وهواه PageV03P383 # وأضل الضلال اتباع الظن والهوى كما قال الله تعالى في حق من ذمهم @QB@ إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ وقال في حق ~~نبيه @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى @QE@ فنزهه عن الضلال والغواية اللذين هما الجهل والظلم ~~فالضال هو الذي لا يعلم الحق والغاوي الذي يتبع هواه وأخبر أنه ما ينطق عن ~~هوى النفس بل هو وحي أوحاه الله إليه فوصفه بالعلم ونزهه عن الهوى # وأنا أذكر جوامع من أصول الباطل التي ابتدعها طوائف ممن ينتسب إلى السنة ~~وقد مرق منها وصار من أكابر الظالمين وهي فصول PageV03P384 ### || الفصل الأول # أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام مما ~~نعلم باليقين القاطع أنها كذب وبهتان بل كفر شنيع # وقد يقولون ms0786 من أنواع الكفر ما لا يروون فيه حديثا مثل حديث يروونه إن ~~الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يصافح الركبان ويعانق المشاة وهذا من ~~أعظم الكذب على الله ورسوله وقائله من أعظم القائلين على الله غير الحق ولم ~~يرو هذا الحديث أحد من علماء المسلمين أصلا بل أجمع علماء المسلمين وأهل ~~المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله وقال أهل العلم كابن قتيبة ~~وغيره هذا وأمثاله إنما وضعه الزنادقة الكفار ليشينوا به على أهل الحديث ~~ويقولون إنهم يروون مثل هذا # وكذلك حديث آخر فيه أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة يمشي أمام الحجيج ~~وعليه جبة صوف أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله الذي لا يقوله من ~~عرف الله ورسوله PageV03P385 وهكذا حديث فيه أن الله يمشي على الأرض فإذا ~~كان موضع خضرة قالوا هذا موضع قدميه ويقرءون قوله تعالى @QB@ فانظر إلى ~~آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها @QE@ هذا أيضا كذب باتفاق العلماء ~~ولم يقل الله فانظر إلى آثار خطى الله وإنما قال @QB@ آثار رحمة الله @QE@ ~~ورحمته هنا النبات # وهكذا أحاديث في بعضها أن محمدا رأى ربه في الطواف وفي بعضها أنه رآه وهو ~~خارج من مكة وفي بعضها أنه رآه في بعض سكك المدينة إلى أنواع أخر # وكل حديث فيه أن محمدا رأى ربه بعينه في الأرض فهو كذب باتفاق المسلمين ~~وعلمائهم هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم وإنما ~~كان النزاع بين الصحابة في أن محمدا هل رأى ربه ليلة المعراج فكان بن عباس ~~رضي الله عنهما وأكثر علماء السنة يقولون إن محمدا رأى ربه ليلة المعراج ~~وكانت عائشة رضي الله عنها وطائفة معها تنكر ذلك ولم ترو عائشة رضي الله ~~عنها في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ولا سألته عن ذلك ولا نقل في ~~ذلك عن الصديق رضي الله عنه كما يروونه ناس من الجهال أن أباها سأل النبي ~~فقال نعم وقال لعائشة لا ms0787 فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء # ولهذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره أنه اختلفت الرواية عن الإمام ~~PageV03P386 أحمد رحمه الله هل يقال إن محمدا رأى ربه بعيني رأسه أو يقال ~~بعين قلبه أو يقال رآه ولا يقال بعيني رأسه ولا بعين قلبه على ثلاث روايات # وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال رأيت ربي في صورة كذا وكذا ~~يروي من طريق بن عباس ومن طريق أم الطفيل وغيرهما وفيه أنه وضع يده بين ~~كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج فإن هذا ~~الحديث كان بالمدينة وفي الحديث أن النبي نام عن صلاة الصبح ثم خرج إليهم ~~وقال رأيت كذا وكذا وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل ~~وغيرها والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم وبنص القرآن والسنة ~~المتواترة كما قال الله تعالى @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى @QE@ # فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة كما جاء مفسرا في كثير من ~~طرقه أنه كان رؤيا منام مع أن رؤيا الأنبياء وحي لم يكن رؤيا يقظة ليلة ~~المعراج # وقد اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ير ربه بعينيه في ~~الأرض وأن الله لم ينزل له إلى الأرض وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم قط ~~حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض بل الأحاديث الصحيحة إن الله يدنو عشية ~~عرفة وفي رواية إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى PageV03P387 ثلث الليل ~~الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له # وثبت في الصحيح أن الله يدنو عشية عرفة وفي رواية إلى سماء الدنيا فيباهي ~~الملائكة بأهل عرفة فيقول انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ما أراد هؤلاء ~~وقد روى أن الله ينزل ليلة النصف من شعبان إن صح الحديث فإن هذا مما تكلم ~~فيه أهل العلم # وكذلك ما روى بعضهم أن النبي لما نزل ms0788 من حراء تبدى له ربه على كرسي بين ~~السماء والأرض غلط باتفاق أهل العلم بل الذي في الصحاح أن الذي تبدى له ~~الملك الذي جاءه بحراء في أول مرة وقال له اقرأ فقلت لست بقارىء فأخذني ~~فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت لست بقارىء فأخذني فغطني ~~حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان ~~من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ فهذا ~~أول ما نزل على النبي # ثم جعل النبي يحدث عن فترة الوحي قال فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا فرفعت ~~رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض رواه ~~جابر رضي الله عنه في الصحيحين فأخبر أن الملك الذي جاءه بحراء رآه بين ~~السماء والأرض وذكر أنه رعب PageV03P388 منه فوقع في بعض الروايات الملك ~~فظن القارىء أنه الملك وأنه الله وهذا غلط وباطل # وبالجملة أن كل حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينيه في ~~الأرض وفيه أنه نزل له إلى الأرض وفيه أن رياض الجنة من خطوات الحق وفيه ~~أنه وطىء على صخرة بيت المقدس كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين من ~~أهل الحديث وغيرهم # وكذلك كل من ادعى أنه رأى ربه بعينيه قبل الموت فدعواه باطل باتفاق أهل ~~السنة والجماعة لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحدا من المؤمنين لا يرى ربه ~~بعيني رأسه حتى يموت وثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي ~~أنه لما ذكر الدجال قال واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت # وكذلك روى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر يحذر أمته فتنة ~~الدجال وبين لهم أن أحدا منهم لن يرى ربه حتى يموت فلا يظنن أحد أن هذا ~~الدجال الذي رآه هو ربه # ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب ~~ومشاهدتها وتجلياتها هو على مراتب ms0789 كثيرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان قال الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن ~~لم تكن تراه فإنه يراك PageV03P389 وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور ~~متنوعة على قدر إيمانه ويقينه فإذا كان إيمانه صحيحا لم يره إلا في صورة ~~حسنة وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه ورؤيا المنام لها حكم غير ~~رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة ~~للحقائق # وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة أيضا من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في ~~المنام فيرى بقلبه مثل ما يرى النائم وقد يتجلى له من الحقائق ما يشهده ~~بقلبه فهذا كله يقع في الدنيا # وربما غلب أحدهم ما يشهده قلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه ~~حتى يستيقظ فيعلم أنه منام وربما علم في المنام أنه منام # فهكذا من العباد من يحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور ~~بحواسه فيظنها رؤية بعينه وهو غالط في ذلك وكل من قال من العباد المتقدمين ~~أو المتأخرين أنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم ~~والإيمان # نعم رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة وهي أيضا للناس في عرصات ~~القيامة كما تواترت الأحاديث عن النبي حيث قال إنكم سترون ربكم كما ترون ~~الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب وكما ترون القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه ~~سحاب PageV03P390 # وقال جنات الفردوس أربع جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما ~~وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ~~ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن وقال إذا دخل أهل ~~الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من ~~النظر إليه وهي الزيادة ms0790 # وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول واتفق ~~عليها أهل السنة والجماعة وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من ~~المعتزلة والرافضة ونحوهم الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك ~~وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة # ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم في ~~الآخرة وبين تصديق الغالية بأنه يرى بالعيون في الدنيا وكلاهما باطل # وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا هم ضلال كما تقدم ~~فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض الأشخاص أما بعض الصالحين أو بعض ~~المردان أو بعض الملوك أو غيرهم عظم ضلالهم PageV03P391 وكفرهم وكانوا ~~حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى بن مريم # بل هم أضل من اتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان ويقول للناس أنا ربكم ~~ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ويقول للخربة أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها ~~وهذا هو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أمته وقال ما من خلق آدم ~~إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال وقال إذا جلس أحدكم في الصلاة فليستعذ ~~بالله من أربع ليقل اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر ~~وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال فهذا ادعى ~~الربوبية وأتى بشبهات فتن بها الخلق حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت ~~فذكر لهم علامتين ظاهرتين يعرفهما جميع الناس لعلمه بأن من الناس من يضل ~~فيجوز أن يرى ربه في الدنيا في صورة البشر كهؤلاء الضلال الذين يعتقدون ذلك ~~وهؤلاء قد يسمون الحلولية والاتحادية وهم صنفان # قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء كما يقوله النصارى ~~PageV03P392 في المسيح عليه السلام والغالية في علي رضي الله عنه ونحوه ~~وقوم في أنواع من المشائخ وقوم في بعض الملوك وقوم في بعض ms0791 الصور الجميلة ~~إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى # وصنف يعمون فيقولون بحلوله أواتحاده في جميع الموجودات حتى الكلاب ~~والخنازير والنجاسات وغيرها كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من ~~الاتحادية كأصحاب بن عربي وبن سبعين وبن الفارض والتلمساني والبلياني ~~وغيرهم # ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتب أن الله سبحانه ~~خالق العالمين ورب السماوات والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم والخلق ~~جميعهم عباده وهم فقراء إليه # وهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ومع هذا فهو معهم أينما ~~كانوا كما قال سبحانه وتعالى @QB@ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير @QE@ فهؤلاء ~~الضلال الكفار الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه وربما زعم أنه جالسه ~~وحادثه أو ضاجعه وربما يعين أحدهم آدميا إما شخصا PageV03P393 أو صبيا أو ~~غير ذلك ويزعم أنه كلمهم يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا ~~كفارا إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا @QB@ إن الله هو المسيح ~~ابن مريم @QE@ فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين فإذا كان الذين قالوا إنه هو الله وإنه اتحد به أو حل فيه قد ~~كفرهم وعظم كفرهم بل الذين قالوا إنه اتخذ ولدا حتى قال @QB@ وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا @QE@ فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص ~~أنه هو هذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن عليا رضي الله عنه أو غيره من ~~أهل البيت هو الله # وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي رضي الله عنه بالنار وأمر بأخاديد ~~خدت لهم عند باب كندة ms0792 وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثا ليتوبوا فلما لم ~~يتوبوا أحرقهم بالنار واتفقت الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم لكن بن عباس ~~رضي الله عنهما كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق وهو قول أكثر العلماء ~~وقصتهم معروفة عند العلماء PageV03P394 ### ||| فصل # وكذلك الغلو في بعض المشائخ إما في الشيخ عدي ويونس القتي أو الحلاج ~~وغيرهم بل الغلو في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونحوه بل الغلو في المسيح ~~عليه السلام ونحوه # فكل من غلا في حي أو في رجل صالح كمثل علي رضي الله عنه أو عدي أو نحوه ~~أو في من يعتقد فيه الصلاح كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القتي ~~ونحوهم وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ~~ما أريده أو يقول إذا ذبح شاة باسم سيدي أو يعبده بالسجود له أو لغيره أو ~~يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو ~~انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك أو أنت حسبي أو أنا في ~~حسبك أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح ~~إلا لله تعالى فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل فإن الله ~~إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله ~~إلها آخر PageV03P395 # والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى مثل الشمس والقمر والكواكب والعزير ~~والمسيح والملائكة واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ويغوث ويعوق ونسر أو ~~غير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو أنها تنزل المطر أو أنها ~~تنبت النبات وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن ~~والتماثيل المصورة لهؤلاء أو يعبدون قبورهم ويقولون إنما نعبدهم ليقربونا ~~إلى الله زلفى ويقولون هم شفعاؤنا عند الله # فأرسل الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء ~~استغاثة وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم ms0793 من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة فقال الله ~~لهم هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إلي كما تتقربون ويرجون رحمتي كما ترجون ~~رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~@QE@ فأخبر سبحانه أن ما يدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة PageV03P396 في ~~الملك ولا شرك في الملك وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به وأنه لا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا بإذنه # وقال تعالى @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد ~~أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ وقال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون @QE@ وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض @QE@ الآية # وعبادة الله وحده هي أصل الدين وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل ~~به الكتب فقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى قال له رجل ~~ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده وقال لا تقولوا ~~ما شاء الله وشاء محمد ولكن ما شاء ms0794 الله ثم شاء محمد ونهى عن الحلف بغير ~~الله فقال من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت PageV03P397 # وقال من حلف ~~بغير الله فقد أشرك وقال لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا ~~عبد فقولوا عبد الله ورسوله ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف ~~بمخلوق كالكعبة ونحوها # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السجود له ولما سجد بعض أصحابه نهاه عن ~~ذلك وقال لا يصلح السجود إلا لله وقال لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها وقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه أرأيت لو مررت بقبر ~~أكنت ساجدا له قال لا قال فلا تسجد لي ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~اتخاذ القبور مساجد فقال في مرض موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك لأبرز ~~قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا # وفي الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا فلا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما ~~كنتم فإن صلاتكم تبلغني ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء ~~المسجد على القبور ولا تشرع الصلاة عند القبور بل كثير من العلماء يقول ~~الصلاة عندها باطلة PageV03P398 والسنة في زيارة قبور المسلمين نظير الصلاة ~~عليهم قبل الدفن قال الله تعالى في كتابه عن المنافقين @QB@ ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ فكان دليل الخطاب أن المؤمنين ~~يصلي عليهم ويقام على قبورهم # وكان النبي يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا السلام عليكم أهل دار ~~قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم ~~والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا ~~بعدهم واغفر لنا ولهم وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم ~~للقبور بالعبادة ونحوها قال الله تعالى في كتابه ms0795 @QB@ وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ قال طائفة من ~~السلف كانت هذه أسماء قوم صالحين فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا ~~تماثيلهم وعبدوها # ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره ~~أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان ~~بيت الله الحرام فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق وكذلك الطواف والصلاة ~~والاجتماع للعبادات إنما تقصد في بيوت الله وهي المساجد التي أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيدا كما قال لا ~~تتخذوا بيتي عيدا كل هذا لتحقيق PageV03P399 التوحيد الذي هو أصل الدين ~~ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه وكما ~~قال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ~~يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما @QE@ # ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية ~~الكرسي @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ ~~وقال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة والإله الذي يألهه القلب ~~عبادة له واستعانة ورجاء له وخشية وإجلالا وإكراما PageV03P400 ### ||| فصل # ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان مثل ~~الكلام في القرآن وسائر الصفات فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة أن القرآن ~~كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود هكذا قال غير واحد من السلف ~~روى عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان قال ~~مازلت أسمع الناس يقولون ذلك والقرآن الذي أنزله الله على رسوله هو هذا ~~القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم وهو كلام الله لا كلام ~~غيره وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم فإن الكلام لمن قاله مبتدئا ~~لا لمن قاله مبلغا مؤديا قال الله تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى ms0796 يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه @QE@ وهذا القرآن في المصاحف كما ~~قال تعالى @QB@ بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ @QE@ وقال تعالى @QB@ يتلو ~~صحفا مطهرة فيها كتب قيمة @QE@ وقال @QB@ إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ~~@QE@ # والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام ~~الله وإعراب الحروف هو من تمام الحروف كما قال النبي صلى الله PageV03P401 ~~عليه وسلم من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات وقال أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه # وإذا كتب المسلمون مصحفا فإن أحبوا أن لا ينقطوه ولا يشكلوه جاز ذلك كما ~~كان الصحابة يكتبون المصاحف من غير تنقيط ولا تشكيل لأن القوم كانوا عربا ~~لا يلحنون وهكذا هي المصاحف التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار ~~في زمن التابعين # ثم فشا اللحن فنقطت المصاحف وشكلت بالنقط الحمر ثم شكلت بمثل خط الحروف ~~فتنازع العلماء في كراهة ذلك وفيه خلاف عن الإمام أحمد رحمه الله وغيره من ~~العلماء قيل يكره ذلك لأنه بدعة وقيل لا يكره للحاجة إليه وقيل يكره النقط ~~دون الشكل لبيان الإعراب والصحيح أنه لا بأس به # والتصديق بما ثبت عن النبي أن الله يتكلم بصوت وينادي آدم عليه السلام ~~بصوت إلى أمثال ذلك من الأحاديث فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة ~~السنة # وقال أئمة السنة القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق حيث تلى وحيث ~~PageV03P402 كتب فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن إنها مخلوقة لأن ذلك يدخل ~~فيه القرآن المنزل ولا يقال غير مخلوقة لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد # ولم يقل قط أحد من أئمة السلف إن أصوات العباد بالقرآن قديمه بل أنكروا ~~على من قال لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق # وأما من قال إن المداد قديم فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة قال ~~الله تعالى @QB@ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ms0797 @QE@ فأخبر أن المداد يكتب به كلماته # وكذلك من قال ليس القرآن في المصحف وإنما في المصحف مداد وورق أو حكاية ~~وعبارة فهو مبتدع ضال بل القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه ~~وسلم هو ما بين الدفتين والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس له ~~خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء # وكذلك من زاد على السنة فقال إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة فهو مبتدع ~~ضال كمن قال إن الله لا يتكلم بحرف ولا بصوت فإنه أيضا مبتدع منكر للسنة # وكذلك من زاد وقال إن المداد قديم فهو ضال كمن قال ليس في المصاحف كلام ~~الله PageV03P403 # وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون إن الورق والجلد والوتد ~~وقطعة من الحائط كلام الله فهو بمنزلة من يقول ما تكلم الله بالقرآن ولا هو ~~كلامه هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي وكلاهما خارج ~~عن السنة والجماعة # وكذلك أفراد الكلام في النقطة والشكلة بدعة نفيا وإثباتا وإنما حدثت هذه ~~البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل فإن من قال إن المداد الذي تنقط به ~~الحروف ويشكل به قديم فهو ضال جاهل ومن قال إن إعراب حروف القرآن ليس من ~~القرآن فهو ضال مبتدع # بل الواجب أن يقال هذا القرآن العربي هو كلام الله وقد دخل في ذلك حروفه ~~بإعرابها كما دخلت معانيه ويقال ما بين اللوحين جميعه كلام الله فإن كان ~~المصحف منقوطا مشكولا أطلق على ما بين اللوحين جميعه أنه كلام الله وإن كان ~~غير منقوط ولا مشكول كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة كان أيضا ما بين ~~اللوحين هو كلام الله فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ~~ونزاع لفظي لا حقيقة له ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه PageV03P404 ### ||| فصل # وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة رضي الله عنهم فإن ~~الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه من السابقين والتابعين لهم بإحسان وأخبر ~~أنه رضي عنهم ورضوا عنه ms0798 وذكرهم في آيات من كتابه مثل قوله تعالى @QB@ محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب ~~الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة ~~وأجرا عظيما @QE@ وقال تعالى @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا @QE@ # وفي الصحاح عن النبي أنه قال لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن ~~أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقد اتفق أهل السنة ~~والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي PageV03P405 طالب رضي ~~الله عنه أنه قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما ~~واتفق أصحاب رسول الله على بيعة عثمان بعد عمر رضي الله عنهما وثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا ~~وقال صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من ~~بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ~~ضلالة وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء ~~الراشدين المهديين # وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن ~~يقولوا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم ودلائل ذلك وفضائل ~~الصحابة كثير ليس هذا موضعه # وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب وهم ~~كانوا مجتهدين إما مصيبين لهم أجران أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم ~~خطؤهم وما كان لهم من السيئات وقد سبق لهم من الله الحسنى فإن الله يغفرها ~~لهم إما بتوبة أو بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك فإنهم خير قرون ~~هذه الأمة كما قال ms0799 صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني الذي بعثت فيهم ثم ~~الذين يلونهم وهذه خير امة أخرجت للناس PageV03P406 ونعلم مع ذلك أن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه ~~لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي أنه قال ~~تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق وفي ~~هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق وأن عليا رضي الله عنه أقرب إلى ~~الحق # وأما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة كسعد بن أبي وقاص وبن عمر وغيرهما ~~رضي الله عنهم فاتبعوا النصوص التي سمعوها في ذلك عن القتال في الفتنة وعلى ~~ذلك أكثر أهل الحديث # وكذلك آل بيت رسول الله لهم من الحقوق ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم ~~حقا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله فقال لنا ~~قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ~~وآل محمد هم الذين حرمت عليهم الصدقة هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل ~~وغيرهما من العلماء رحمهم الله فإن النبي قال إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا ~~لآل محمد وقد قال الله تعالى في كتابه @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ وحرم الله عليهم الصدقة لأنها ~~PageV03P407 أوساخ الناس وقد قال بعض السلف حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما ~~نفاق وفي المسانيد والسنن أن النبي قال للعباس لما شكا إليه جفوة قوم لهم ~~قال والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي وفي الصحيح عن ~~النبي أنه قال إن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى بني كنانة من بني إسماعيل ~~واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم # وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق ms0800 الأمة بعده صار قوم ممن يحب ~~عثمان ويغلو فيه ينحرف عن علي رضي الله عنه مثل كثير من أهل الشام ممن كان ~~إذ ذاك يسب عليا رضي الله عنه ويبغضه # وقوم ممن يحب عليا رضي الله عنه ويغلو فيه ينحرف عن عثمان رضي الله عنه ~~مثل كثير من أهل العراق ممن كان يبغض عثمان ويسبه رضي الله عنه # ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك حتى سبوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وزاد ~~البلاء بهم حينئذ # والسنة محبة عثمان وعلي جميعا وتقديم أبي بكر وعمر عليهما رضي الله ~~PageV03P408 عنهم لما خصهما الله به من الفضائل التي سبقا بها عثمان وعليا ~~جميعا وقد نهى الله في كتابه عن التفرق والتشتت وأمر بالإعتصام بحبله # فهذا موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله فإن السنة ~~مبناها على العلم والعدل والاتباع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم # فالرافضة لما كانت تسب الصحابة صار العلماء يأمرون بعقوبة من يسب الصحابة ~~ثم كفرت الصحابة وقالت عنهم أشياء قد ذكرنا حكمهم فيها في غير هذا الموضع # ولم يكن أحد إذ ذاك يتكلم في يزيد بن معاوية ولا كان الكلام فيه من الدين ~~ثم حدثت بعد ذلك أشياء فصار قوم يظهرون لعنة يزيد بن معاوية وربما كان ~~غرضهم بذلك التطرق إلى لعنة غيره فكره أكثر أهل السنة لعنة أحد بعينه فسمع ~~بذلك قوم ممن كان يتسنن فاعتقد أن يزيد كان من كبار الصالحين وأئمة الهدى # وصار الغلاة فيه على طرفي نقيض هؤلاء يقولون إنه كافر زنديق وأنه قتل بن ~~بنت رسول الله وقتل الأنصار وأبناءهم بالحرة ليأخذ بثأر أهل بيته الذين ~~قتلوا كفارا مثل جده لأمه عتبة بن ربيعة وخاله الوليد وغيرهما ويذكرون عنه ~~من الاشتهار بشرب الخمر وإظهار الفواحش أشياء PageV03P409 # وأقوام يعتقدون أنه كان إماما عادلا هاديا مهديا وأنه كان من الصحابة أو ~~أكابر الصحابة وأنه كان من أولياء الله تعالى وربما اعتقد بعضهم أنه كان من ~~الأنبياء ويقولون من وقف في يزيد ms0801 وقفه الله على نار جهنم ويروون عن الشيخ ~~حسن بن عدي أنه كان كذا وكذا وليا ومن وقفوا فيه وقفوا على النار لقولهم في ~~يزيد وفي زمن الشيخ حسن زادوا أشياء باطلة نظما ونثرا وغلوا في الشيخ عدي ~~وفي يزيد بأشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ عدي الكبير قدس الله روحه فإن ~~طريقته كانت سليمة لم يكن فيها من هذه البدع وابتلوا بروافض عادوهم وقتلوا ~~الشيخ حسنا وجرت فتن لا يحبها الله ولا رسوله # وهذا الغلو في يزيد من الطرفين خلاف لما اجمع عليه أهل العلم والإيمان # فإن يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ولم يدرك ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء ولا كان من ~~المشهورين بالدين والصلاح وكان من شبان المسلمين ولا كان كافرا ولا زنديقا ~~وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم وكان فيه شجاعة ~~وكرم ولم يكن مظهرا للفواحش كما يحكي عنه خصومه # وجرت في إمارته أمور عظيمة أحدها مقتل الحسين رضي الله عنه وهو لم يأمر ~~بقتل الحسين ولا أظهر PageV03P410 الفرح بقتله ولا نكت بالقضيب على ثناياه ~~رضي الله عنه ولا حمل رأس الحسين رضي الله عنه إلى الشام لكن أمر بمنع ~~الحسين رضي الله عنه وبدفعه عن الأمر ولو كان بقتاله فزاد النواب على أمره ~~وحض الشمرذي الجيوش على قتله لعبيدالله بن زياد فاعتدى عليه عبيد الله بن ~~زياد فطلب منهم الحسين رضي الله عنه أن يجيء إلى يزيد أو يذهب إلى الثغر ~~مرابطا أو يعود إلى مكة فمنعوه رضي الله عنه إلا أن يستأسر لهم وأمر عمر بن ~~سعد بقتاله فقتلوه مظلوما له ولطائفة من أهل بيته رضي الله عنهم # وكان قتله رضي الله عنه من المصائب العظيمة فإن قتل الحسين وقتل عثمان ~~قبله كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة وقتلتهما من شرار الخلق عند ~~الله # ولما قدم أهلهم رضي الله عنهم على يزيد بن معاوية أكرمهم ms0802 وسيرهم إلى ~~المدينة وروى عنه أنه لعن بن زياد على قتله وقال كنت أرضى من طاعة أهل ~~العراق بدون قتل الحسين لكنه مع هذا لم يظهر منه إنكار قتله والانتصار له ~~والأخذ بثأره كان هو الواجب عليه فصار أهل الحق يلومونه على تركه للواجب ~~مضافا إلى أمور أخرى وأما خصومه فيزيدون عليه من الفرية أشياء PageV03P411 # وأما الأمر الثاني فإن أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته وأخرجوا نوابه ~~وأهله فبعث إليهم جيشا وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ~~ويبيحها ثلاثا فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثا يقتلون وينهبون ويفتضون ~~الفروج المحرمة ثم أرسل جيشا إلى مكة المشرفة فحاصروا مكة وتوفي يزيد وهم ~~محاصرون مكة وهذا من العدوان والظلم الذي فعل بأمره # ولهذا كان الذي عليه معتقد أهل السنة وأئمة الأمة أنه لا يسب ولا يحب قال ~~صالح بن أحمد بن حنبل قلت لأبي إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد قال يا بني ~~وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر فقلت يا أبت فلماذا لا تلعنه قال ~~يا بني ومتى رأيت أباك يلعن أحدا # وروى عنه قيل له أتكتب الحديث عن يزيد بن معاوية فقال لا ولا كرامة أو ~~ليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل # فيزيد عند علماء أئمة المسلمين ملك من الملوك لا يحبونه محبة الصالحين ~~وأولياء الله ولا يسبونه فإنهم لا يحبون لعنة المسلم المعين لما روى ~~البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا كان يدعى حمارا ~~وكان يكثر شرب الخمر وكان كلما أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضربه ~~فقال PageV03P412 رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي فقال النبي ~~لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ومع هذا فطائفة من أهل السنة يجيزون لعنه ~~لأنهم يعتقدون أنه فعل من الظلم ما يجوز لعن فاعله # وطائفة أخرى ترى محبته لأنه مسلم تولى على عهد الصحابة وبايعه الصحابة ~~ويقولون لم يصح عنه ما نقل عنه وكانت له ms0803 محاسن أو كان مجتهدا فيما فعله # والصواب هو ما عليه الأئمة من أنه لا يخص بمحبة ولا يلعن ومع هذا فإن كان ~~فاسقا أو ظالما فالله يغفر للفاسق والظالم لا سيما إذا أتى بحسنات عظيمة ~~وقد روى البخاري في صحيحه عن بن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال أول جيش ~~يغزو القسطنطينية مغفور له وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية وكان ~~معه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه # وقد يشتبه يزيد بن معاوية بعمه يزيد بن أبي سفيان فإن يزيد بن أبي سفيان ~~كان من الصحابة وكان من خيار الصحابة وهو خير آل حرب وكان أحد أمراء الشام ~~الذين بعثهم أبو بكر رضي الله عنه في فتوح الشام ومشى أبو بكر في ركابه ~~يوصيه مشيعا له فقال له يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل فقال ~~لست براكب ولست بنازل إني أحتسب خطاي هذه PageV03P413 في سبيل الله فلما ~~توفى بعد فتوح الشام في خلافة عمر ولي عمر رضي الله عنه مكانه أخاه معاوية ~~وولد له يزيد في خلافة عثمان بن عفان وأقام معاوية بالشام إلى أن وقع ما ~~وقع # فالواجب الاقتصار في ذلك والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان ~~المسلمين به فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة فإنه بسبب ذلك ~~اعتقد قوم من الجهال أن يزيد بن معاوية من الصحابة وأنه من أكابر الصالحين ~~وأئمة العدل وهو خطأ بين PageV03P414 ### ||| فصل # وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله مثل أن ~~يقال للرجل أنت شكيلي أو قرفندي فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من ~~سلطان وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا في الآثار ~~المعروفة عن سلف الأئمة لا شكيلي ولا قرفندي والواجب على المسلم إذا سئل عن ~~ذلك أن يقول لا أنا شكيلي ولا قرفندي بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة ~~رسوله # وقد روينا عن معاوية بن أبي سفيان ms0804 أنه سأل عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما فقال انت على ملة علي أو ملة عثمان فقال لست على ملة علي ولا على ملة ~~عثمان بل أنا على ملة رسول الله وكذلك كان كل من السلف يقولون كل هذه ~~الاهواء في النار ويقول أحدهم ما أبالي أي النعمتين أعظم على أن هداني الله ~~للإسلام أو أن جنبني هذه الأهواء والله تعالى قد سمانا في القرآن المسلمين ~~المؤمنين عباد الله فلا نعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء ~~أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان PageV03P415 بل ~~الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي ~~والمالكي والشافعي والحنبلي أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم أو مثل ~~الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني وإلى الأمصار كالشامي والعراقي ~~والمصري # فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي ~~عليها بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان # وأولياء الله الذين هم أولياؤه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون فقد أخبر ~~سبحانه أن أولياءه هم المؤمنون المتقون وقد بين المتقين في قوله تعالى @QB@ ~~ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ والتقوى هي فعل ما أمر ~~الله به وترك ما نهى الله عنه # وقد أخبر النبي عن حال أولياء الله وما صاروا به أولياء ففي صحيح البخاري ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال يقول الله تبارك وتعالى من عادى لي ~~وليا فقد بارزني PageV03P416 بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما ~~افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي ms0805 يبطش بها ورجله التي يمشي ~~بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه # فقد ذكر في هذا الحديث أن التقرب إلى الله تعالى على درجتين إحداهما ~~التقرب إليه بالفرائض والثانية هي التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء ~~الفرائض # فالأولى درجة المقتصدين الأبرار أصحاب اليمين والثانية درجة السابقين ~~المؤمنين كما قال الله تعالى @QB@ إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون ~~تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون @QE@ # قال بن عباس رضي الله عنهما يمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشربه المقربون ~~صرفا # وقد ذكر الله هذا المعنى في عدة مواضع من كتابه فكل من آمن بالله ورسوله ~~واتقى الله فهو من أولياء الله PageV03P417 # والله سبحانه قد أوجب موالاة المؤمنين بعضهم لبعض وأوجب عليهم معاداة ~~الكافرين فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون @QE@ # فقد أخبر سبحانه أن ولي المؤمن هو الله ورسوله وعبادة المؤمنين وهذا عام ~~في كل مؤمن موصوف بهذه الصفة سواء كان من أهل ms0806 نسبة أو بلدة أو مذهب أو ~~طريقة أو لم يكن وقال الله تعالى @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض @QE@ إلى ~~PageV03P418 قوله @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا @QE@ إلى قوله ~~تعالى @QB@ فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون @QE@ # وفي الصحاح عن النبي أنه قال مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ~~كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ~~وفي الصحاح أيضا أنه قال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين ~~اصابعه وفي الصحاح أيضا انه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه وقال صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم لا يسلمه ~~ولا يظلمه وأمثال هذه النصوص في الكتاب والسنة كثيرة # وقد جعل الله فيها عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض وجعلهم إخوة وجعلهم ~~متناصرين متراحمين متعاطفين وأمرهم سبحانه بالائتلاف ونهاهم عن الافتراق ~~والاختلاف فقال @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ وقال @QB@ ~~إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ~~@QE@ الآية فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد أن تفترق وتختلف PageV03P419 حتى ~~يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى ~~وقد برأ الله نبيه ممن كان هكذا # فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء ~~من خالفهم # وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله وأقل ما في ذلك أن يفضل ~~الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه # وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله ويؤخر من أخره الله ورسوله ~~ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله وينهى عما نهى الله ~~عنه ورسوله وأن يرضى بما رضي الله به ورسوله ms0807 وأن يكون المسلمون يدا واحدة ~~فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره وقد يكون الصواب ~~معه وهو الموافق للكتاب والسنة ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور ~~الدين فليس كل من أخطأ يكون كافرا ولا فاسقا بل قد عفا الله لهذه الأمة عن ~~الخطأ والنسيان وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول والمؤمنين @QB@ ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ وثبت في الصحيح أن الله قال قد فعلت # لا سيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام مثل أن يكون مثلكم ~~PageV03P420 على مذهب الشافعي أو منتسبا إلى الشيخ عدي ثم بعد هذا قد يخالف ~~في شيء وربما كان الصواب معه فكيف يستحل عرضه ودمه أو ماله مع ما قد ذكر ~~الله تعالى من حقوق المسلم والمؤمن # وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا ~~سنة رسوله صلى الله عليه وسلم # وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشائخها وأمرائها وكبرائها هو ~~الذي أوجب تسلط الأعداء عليها وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله كما قال ~~تعالى @QB@ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا ~~به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء @QE@ فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله ~~به وقعت بينهم العداوة والبغضاء وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا وإذا اجتمعوا ~~صلحوا وملكوا فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب # وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ إلى قوله @QB@ ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون @QE@ فمن ~~الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي PageV03P421 عن الاختلاف ~~والفرقة ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج من شريعة الله تعالى # فمن اعتقد في بشر أنه إله أو دعا ميتا أو طلب منه الرزق والنصر والهداية ~~وتوكل عليه أو سجد ms0808 له فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه # ومن فضل أحدا من المشائخ على النبي صلى الله عليه وسلم أو اعتقد أن أحدا ~~يستغني عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم استتيب فإن تاب وإلا ضربت ~~عنقه # وكذلك من اعتقد أن أحدا من أولياء الله يكون مع محمد كما كان الخضر مع ~~موسى عليه السلام فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه لأن الخضر لم يكن من ~~أمة موسى عليه السلام ولا كان يجب عليه طاعته بل قال له إني على علم من علم ~~الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه ~~وكان مبعوثا إلى بني إسرائيل كما قال نبينا وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ~~وبعثت إلى الناس عامة ومحمد مبعوث إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم فمن اعتقد ~~أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله PageV03P422 # وكذلك من كفر المسلمين أو استحل دماءهم وأموالهم ببدعة ابتدعها ليست في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله فإنه يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره ولو ~~بالقتل أو القتال فإنه إذا عوقب المعتدون من جميع الطوائف وأكرم المتقون من ~~جميع الطوائف كان ذلك من أعظم الأسباب التي ترضى الله ورسوله وتصلح أمر ~~المسلمين # ويجب على أولي الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشائخها أن يقوموا على ~~عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر فيأمرونهم بما أمر الله به ~~ورسوله وينهونهم عما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم # فالأول مثل شرائع الإسلام وهي الصلوات الخمس في مواقيتها وإقامة الجمعة ~~والجماعات من الواجبات والسنن الراتبات كالأعياد وصلاة الكسوف والاستسقاء ~~والتراويح وصلاة الجنائز وغير ذلك وكذلك الصدقات المشروعة والصوم المشروع ~~وحج البيت الحرام ومثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~والإيمان بالقدر خيره وشره ومثل الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم ~~تكن تراه فإنه يراك # ومثل سائر ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة ومثل إخلاص ~~الدين لله ms0809 والتوكل على الله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما PageV03P423 ~~سواهما والرجاء لرحمة الله والخشية من عذابه والصبر لحكم الله والتسليم ~~لأمر الله ومثل صدق الحديث والوفاء بالعهود وأداء الأمانات إلى أهلها وبر ~~الوالدين وصلة الأرحام والتعاون على البر والتقوى والإحسان إلى الجار ~~واليتيم والمسكين وبن السبيل والصاحب والزوجة والمملوك والعدل في المقال ~~والفعال ثم الندب إلى مكارم الأخلاق مثل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك ~~وتعفو عمن ظلمك قال الله تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم ~~من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ~~أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور @QE@ # وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله فاعظمه الشرك بالله وهو أن يدعو مع ~~الله إلها آخر إما الشمس وإما القمر أو الكواكب أو ملكا من الملائكة أو ~~نبيا من الأنبياء أو رجلا من الصالحين أو أحدا من الجن أو تماثيل هؤلاء أو ~~قبورهم أو غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى أو يستغاث به أو يسجد له فكل ~~هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله # وقد حرم الله قتل النفس بغير حقها وأكل أموال الناس بالباطل إما ~~PageV03P424 بالغصب وإما بالربا أو الميسر كالبيوع والمعاملات التي نهى ~~عنها رسول الله وكذلك قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وتطفيف المكيال والميزان ~~والإثم والبغي بغير الحق # وكذلك مما حرمه الله تعالى أن يقول الرجل على الله ما لا يعلم مثل أن ~~يروي عن الله ورسوله أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحتها أو يصف الله بصفات ~~لم ينزل بها كتاب من الله ولا أثارة من علم عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سواء كانت من صفات النفي والتعطيل مثل قول الجهمية إنه ليس فوق العرش ~~ولا فوق السماوات وأنه لا يرى في الآخرة وأنه لا يتكلم ولا يحب ونحو ms0810 ذلك ~~مما كذبوا به الله ورسوله أو كانت من صفات الأثبات والتمثيل مثل من يزعم ~~أنه يمشي في الأرض أو يجالس الخلق أو أنهم يرونه بأعينهم أو أن السماوات ~~تحويه وتحيط به أو أنه سار في مخلوقاته إلى غير ذلك من أنواع الفرية على ~~الله # وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله كما قال تعالى @QB@ ~~أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ فإن الله شرع ~~لعباده المؤمنين عبادات فأحدث لهم الشيطان عبادات ضاهاها منها مثل أنه شرع ~~لهم عبادة الله وحده لا شريك له فشرع لهم شركاء وهي عبادة ما سواه والإشراك ~~به وشرع لهم الصلوات الخمس وقراءة القرآن فيها والاستماع PageV03P425 له ~~والاجتماع لسماع القرآن خارج الصلاة أيضا فأول سورة أنزلها على نبيه @QB@ ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق @QE@ أمر في أولها بالقراءة وفي آخرها بالسجود ~~بقوله تعالى @QB@ واسجد واقترب @QE@ # ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة قراءة القرآن وأعظم الأفعال ~~السجود لله وحده لا شريك له وقال تعالى @QB@ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون @QE@ # وكان أصحاب رسول الله إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقي ~~يستمعون وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى رضي الله عنهما ذكرنا ربنا ~~فيقرأ وهم يستمعون ومر النبي بأبي موسى رضي الله عنه وهو يقرأ فجعل يستمع ~~لقراءته فقال يا أبا موسى مررت بك البارحة فجعلت أستمع لقراءتك فقال لو ~~علمت لحبرته لك تحبيرا وقال لله أشد أذنا أي استماعا إلى الرجل يحسن الصوت ~~بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته وهذا هو سماع المؤمنين وسلف الأمة وأكابر ~~المشائخ كمعروف الكرخي والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ونحوهم وهو ~~سماع المشائخ PageV03P426 المتأخرين الأكابر كالشيخ عبدالقادر والشيخ عدي ~~بن مسافر والشيخ أبي مدين وغيرهم من المشائخ رحمهم الله # وأما المشركون فكان سماعهم كما ذكره الله تعالى في كتابه بقوله تعالى ~~@QB@ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية @QE@ قال ms0811 السلف المكاء ~~الصفير والتصدية التصفيق باليد فكان المشركون يجتمعون في المسجد الحرام ~~يصفقون ويصوتون يتخذون ذلك عبادة وصلاة فذمهم الله على ذلك وجعل ذلك من ~~الباطل الذي نهى عنه # فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله فقد ضاهى هؤلاء ~~في بعض أمورهم وكذلك لم تفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ولا ~~فعله أكابر المشائخ # وأما سماع الغناء على وجه اللعب فهذا من خصوصية الأفراح للنساء والصبيان ~~كما جاءت به الآثار فإن دين الإسلام واسع لا حرج فيه # وعماد الدين الذي لا يقوم إلا به هو الصلوات الخمس المكتوبات ويجب على ~~المسلمين من الاعتناء بها ما لا يجب من الاعتناء بغيرها كان عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يكتب إلى عماله إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ ~~عليها حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة PageV03P427 وهي ~~أول ما أوجبه الله من العبادات والصلوات الخمس تولى الله إيجابها بمخاطبة ~~رسوله ليلة المعراج وهي آخر ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أمته وقت ~~فراق الدنيا جعل يقول الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم وهي أول ما يحاسب ~~عليه العبد من عمله وآخر ما يفقد من الدين فإذا ذهبت ذهب الدين كله وهي ~~عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين # قال النبي رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل ~~الله وقد قال الله في كتابه @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ # قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره إضاعتها تأخيرها عن وقتها ولو ~~تركوها كانوا كفارا وقال تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~@QE@ والمحافظة عليها فعلها في أوقاتها وقال تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين ~~هم عن صلاتهم ساهون @QE@ وهم الذين يؤخرونها حتى يخرج الوقت # وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل ولا ~~تأخير صلاة الليل إلى النهار لا لمسافر ولا لمريض ولا غيرهما لكن يجوز عند ~~الحاجة أن يجمع ms0812 المسلم بين صلاتي النهار وهي الظهر والعصر في وقت إحداهما ~~ويجمع بين صلاتي الليل وهي المغرب والعشاء في وقت إحداهما وذلك لمثل ~~المسافر والمريض وعند المطر ونحو ذلك من الأعذار PageV03P428 وقد أوجب الله ~~على المسلمين أن يصلوا بحسب طاقتهم كما قال الله تعالى @QB@ فاتقوا الله ما ~~استطعتم @QE@ فعلى الرجل أن يصلي بطهارة كاملة وقراءة كاملة وركوع وسجود ~~كامل فإن كان عادما للماء أو يتضرر باستعماله لمرض أو برد أو غير ذلك وهو ~~محدث أو جنب يتيمم الصعيد الطيب وهو التراب يمسح به وجهه ويديه ويصلي ولا ~~يؤخرها عن وقتها باتفاق العلماء # وكذلك إذا كان محبوسا أو مقيدا أو زمنا أو غير ذلك صلى على حسب حاله وإذا ~~كان بإزاء عدوه صلى أيضا صلاة الخوف قال الله تعالى @QB@ وإذا ضربتم في ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ~~إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم ~~طائفة منهم معك @QE@ إلى قوله @QB@ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم @QE@ إلى قوله ~~@QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا @QE@ # ويجب على أهل القدرة من المسلمين أن يأمروا بالصلاة كل أحد من الرجال ~~والنساء حتى الصبيان قال النبي مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر ~~وفرقوا بينهم في المضاجع والرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات ~~الخمس أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل فمن ~~العلماء من PageV03P429 يقول يكون مرتدا كافرا لا يصلى عليه ولا يدفن بين ~~المسلمين ومنهم من يقول يكون كقاطع الطريق وقاتل النفس والزاني المحصن # وأمر الصلاة عظيم شأنها أن تذكر ها هنا فإنها قوام الدين وعماده وتعظيمه ~~تعالى لها في كتابه فوق جميع العبادات فإنه سبحانه يخصها بالذكر تارة ~~ويقرنها بالزكاة تارة وبالصبر تارة وبالنسك تارة كقوله تعالى @QB@ وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ وقوله @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ وقوله ~~@QB@ فصل لربك وانحر @QE@ وقوله @QB@ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك ms0813 له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين @QE@ وتارة يفتتح بها ~~أعمال البر ويختمها بها كما ذكره في سورة @QB@ سأل سائل @QE@ وفي أول سورة ~~المؤمنين قال تعالى @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ~~والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم ~~حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم ~~على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ~~@QE@ # فنسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله وحده وصلى الله على ~~محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV03P430 ### || 1 ( مذهب السلف في الإعتقاد ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده ### |||| سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه # ما قولكم في مذهب السلف في ~~الإعتقاد ومذهب غيرهم من المتأخرين ما الصواب منهما وما تنتحلونه أنتم من ~~المذهبين وفي أهل الحديث هل هم أولى بالصواب من غيرهم وهل هم المرادون ~~بالفرقة الناجية وهل حدث بعدهم علوم جهلوها وعلمها غيرهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسائل بسطها يحتمل مجلدات لكن نشير إلى المهم منها ~~والله الموفق قال الله تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ ~~PageV04P001 وقد شهد الله لأصحاب نبيه ومن تبعهم بإحسان بالإيمان فعلم قطعا ~~أنهم المراد بالآية الكريمة فقال تعالى @QB@ والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد ~~لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في ~~قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا @QE@ فحيث تقرر أن من اتبع ~~غير سبيلهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم # فمن سبيلهم في الإعتقاد الإيمان ms0814 بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها ~~نفسه وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ~~ولا نقص منها ولا تجاوز لها ولا تفسير لها ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها ~~ولا تشبيه لها بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين بل أمروها كما جاءت وردوا ~~علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها # وقال بعضهم ويروى عن الشافعي آمنت بما جاء عن الله وبما جاء عن رسول الله ~~على مراد رسول الله وعلموا أن المتكلم بها صادق لا شك في صدقه فصدقوه ولم ~~يعلموا حقيقة معناها فسكتوا عما لم يعلموه وأخذ ذلك الآخر عن الأول ووصى ~~بعضهم PageV04P002 بعضا بحسن الإتباع والوقوف حيث وقف أولهم وحذروا من ~~التجاوز لهم والعدول عن طريقتهم وبينوا لنا سبيلهم ومذهبهم ونرجوا أن ~~يجعلنا الله تعالى ممن اقتدى بهم في بيان ما بينوه وسلوك الطريق الذي سلكوه # والدليل على أن مذهبهم ما ذكرناه أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم وأخبار ~~رسول الله نقل مصدق لها مؤمن بها قابل لها غير مرتاب فيها ولا شاك في صدق ~~قائلها ولم يفسروا ما يتعلق بالصفات منها ولا تأولوه ولا شبهوه بصفات ~~المخلوقين إذ لو فعلوا شيئا من ذلك لنقل عنهم ولم يجز أن يكتم بالكلية إذ ~~لا يجوز التواطؤ على كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته لجريان ذلك في القبح ~~مجرى التواطؤ على نقل الكذب وفعل ما لا يحل # بل بلغ من مبالغتهم في السكوت عن هذا أنهم كانوا إذا رأوا من يسأل عن ~~المتشابه بالغوا في كفه تارة بالقول العنيف وتارة بالضرب وتارة بالإعراض ~~الدال على شدة الكراهة لمسألته ولذلك لما بلغ عمر رضي الله عنه أن صبيغا ~~يسأل عن المتشابه أعد له عراجين النخل فبينما عمر يخطب قام فسأله عن @QB@ ~~والذاريات ذروا فالحاملات وقرا @QE@ وما بعدها فنزل عمر فقال لو وجدتك ~~محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف ثم أمر به فضرب ضربا شديدا وبعث به إلى ~~البصرة وأمرهم أن لا يجالسوه فكان بها كالبعير ms0815 الأجرب لا يأتي مجلسا إلا ~~قالوا عزمة أمير المؤمنين فتفرقوا عنه حتى تاب وحلف بالله ما بقي يجد مما ~~كان في نفسه شيئا فأذن عمر في مجالسته PageV04P003 فلما خرجت الخوارج أتى ~~فقيل له هذا وقتك فقال لا نفعتني موعظة العبد الصالح # ولما سئل مالك بن أنس رحمه الله تعالى فقيل له يا أبا عبد الله @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ كيف استوى فأطرق مالك وعلاه الرحضاء يعني ~~العرق وانتظر القوم ما يجيء منه فيه فرفع رأسه إلى السائل وقال الإستواء ~~غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأحسبك رجل ~~سوء وأمر به فأخرج # ومن أول الإستواء بالإستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك وسلك غير ~~سبيله وهذا الجواب من مالك رحمه الله في الإستواء شاف كاف في جميع الصفات ~~مثل النزول والمجيء واليد والوجه وغيرها # فيقال في مثل النزول النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال ~~عنه بدعة # وهكذا يقال في سائر الصفات إذ هي بمثابة الإستواء الوارد به الكتاب ~~والسنة # وثبت عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال اتفق الفقهاء كلهم من ~~الشرق والغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا PageV04P004 ~~وصف ولا تشبيه فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي وفارق ~~الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم ~~سكتوا فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة انتهى # فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام كيف حكى الإجماع في هذه المسألة ولا خير ~~فيما خرج عن إجماعهم ولو لزم التجسيم من السكوت عن تأويلها لفروا منه ~~وأولوا ذلك فإنهم أعرف الأمة بما يجوز على الله وما يمتنع عليه # وثبت عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال إن أصحاب الحديث ~~المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم تبارك وتعالى بصفاته التي نطق بها ~~كتابه وتنزيله وشهد له بها ms0816 رسوله على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقله ~~العدول الثقات ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه ولا يكيفونها تكييف ~~المشبه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية # وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف ومن عليهم بالتفهيم ~~والتعريف حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه ~~واكتفوا بنفي النقائص بقوله عز من قائل @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير @QE@ وبقوله تعالى @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ # وقال سعيد بن جبير ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين # وثبت عن الربيع بن سليمان أنه قال سألت الشافعي رحمه الله تعالى ~~PageV04P005 عن صفات الله تعالى فقال حرام على العقول أن تمثل الله تعالى ~~وعلى الأوهام أن تحده وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى ~~الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به ~~نفسه أو على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام # وثبت عن الحسن البصري أنه قال لقد تكلم مطرف على هذه الأعواد بكلام ما ~~قيل قبله ولا يقال بعده قالوا وما هو يا أبا سعيد قال الحمد لله الذي من ~~الإيمان به الجهل بغير ما وصف به نفسه # وقال سحنون من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه # وثبت عن الحميدي أبي بكر عبد الله بن الزبير أنه قال أصول السنة فذكر ~~أشياء ثم قال وما نطق به القرآن والحديث مثل @QB@ وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم @QE@ ومثل @QB@ والسماوات مطويات بيمينه @QE@ وما أشبه ~~هذا من القرآن والحديث لا نزيد فيه ولا نفسره ونقف على ما وقف عليه القرآن ~~والسنة ونقول @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ومن زعم غير هذا فهو جهمي # فمذهب السلف رضوان الله عليهم إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفى ~~الكيفية عنها لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات وإثبات الذات ~~إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات وعلى PageV04P006 هذا مضى ~~السلف كلهم ولو ذهبنا نذكر ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ms0817 ذلك لخرجنا عن ~~المقصود في هذا الجواب # فمن كان قصده الحق وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه ومن كان قصده الجدال ~~والقيل والقال والمكابرة لم يزده التطويل إلا خروجا عن سواء السبيل والله ~~الموفق # وقد ثبت ما ادعيناه من مذهب السلف رضوان الله عليهم بما نقلناه جملة عنهم ~~وتفصيلا واعتراف العلماء من أهل النقل كلهم بذلك ولم أعلم عن أحد منهم ~~خلافا في هذه المسألة بل لقد بلغني عمن ذهب إلى التأويل لهذه الآيات ~~والأخبار من أكابرهم الاعتراف بأن مذهب السلف فيها ما قلناه ورأيته لبعض ~~شيوخهم في كتابه قال اختلف أصحابنا في أخبار الصفات فمنهم من أمرها كما ~~جاءت من غير تفسير ولا تأويل مع نفي التشبيه عنها وهو مذهب السلف فحصل ~~الإجماع على صحة ما ذكرناه بقول المنازع والحمد لله # وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال عليك ~~بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر ~~عليها وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق ~~فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ولهم ~~كانوا على كشفها أقوى وبتفصيلها لو كان فيها أحرى PageV04P007 وإنهم لهم ~~السابقون وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة فلئن ~~كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه ولئن قلتم حدث حدث بعدهم فما ~~أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم واختار ما نحته فكره على ما ~~تلقوه عن نبيهم وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان # ولقد وصفوا منه ما يكفي وتكلموا منه بما يشفي فمن دونهم مقصر ومن فوقهم ~~مفرط لقد قصر دونهم أناس فجفوا وطمح آخرون فغلوا وإنهم فيما بين ذلك لعلى ~~هدى مستقيم PageV04P008 ### ||| فصل # وأما كونهم أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل والحشو فنبين ~~ذلك بالقياس المعقول من غير احتجاج بنفس الإيمان بالرسول كما قال الله @QB@ ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ms0818 أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ فأخبر أنه ~~سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق ثم قال @QB@ ~~أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ أي بإخبار الله ربك في القرآن ~~وشهادته بذلك # فنقول من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات ~~الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما ~~يخالفهم فيه طريقا أخرى مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر ~~والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق ونحو ذلك ~~وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها فهم أكمل الناس عقلا وأعدلهم ~~قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا وأقومهم ~~جدلا وأتمهم فراسة وأصدقهم الهاما وأحدهم بصرا ومكاشفة وأصوبهم سمعا ~~PageV04P009 ومخاطبة وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا وهذا هو للمسلمين بالنسبة ~~إلى سائر الأمم ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل # فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلا وأنهم ينالون في ~~المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون ~~وأجيال وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين وذلك لأن اعتقاد الحق ~~الثابت يقوى الإدراك ويصححه قال تعالى @QB@ والذين اهتدوا زادهم هدى @QE@ ~~وقال @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا ~~لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ # وهذا يعلم تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم فلا تجد مسألة خولفوا ~~فيها إلا وقد تبين أن الحق معهم وتارة بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون ~~رجوعهم إلى غيرهم أو بشهادتهم على مخالفيهم بالضلال والجهل وتارة بشهادة ~~المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض وتارة بأن كل طائفة تعتصم بهم فيما ~~خالفت فيه الأخرى وتشهد بالضلال على كل من خالفها أعظم مما تشهد به عليهم # فأما شهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض فهذا أمر ظاهر معلوم ~~بالحس والتواتر لكل من سمع كلام المسلمين لا تجد في الأمة عظم أحد تعظيما ~~أعظم مما عظموا به ولا تجد غيرهم ms0819 يعظم إلا بقدر ما وافقهم فيه كما لا ينقص ~~إلا بقدر ما خالفهم PageV04P010 # حتى إنك تجد المخالفين لهم كلهم وقت الحقيقة يقر بذلك كما قال الإمام ~~أحمد آية ما بيننا وبينهم يوم الجنائز فإن الحياة بسبب اشتراك الناس في ~~المعاش يعظم الرجل طائفته فأما وقت الموت فلا بد من الاعتراف بالحق من عموم ~~الخلق ولهذا لم يعرف في الإسلام مثل جنازته مسح المتوكل موضع الصلاة عليه ~~فوجد ألف ألف وستمائة ألف سوى من صلى في الخانات والبيوت وأسلم يومئذ من ~~اليهود والنصارى عشرون ألفا وهو إنما نبل عند الأمة باتباع الحديث والسنة # وكذلك الشافعي وإسحاق وغيرهما إنما نبلوا في الإسلام باتباع أهل الحديث ~~والسنة وكذلك البخاري وأمثاله إنما نبلوا بذلك وكذلك مالك والأوزاعي ~~والثوري وأبو حنيفة وغيرهم إنما نبلوا في عموم الأمة وقبل قولهم لما وافقوا ~~فيه الحديث والسنة وما تكلم فيمن تكلم فيه منهم إلا بسبب المواضع التي لم ~~يتفق له متابعتها من الحديث والسنة أما لعدم بلاغها إياه أو لاعتقاده ضعف ~~دلالتها أو رجحان غيرها عليها # وكذلك المسائل الإعتقادية الخبرية لم ينبل أحد من الطوائف ورءوسهم عند ~~الأمة إلا بما معه من الإثبات والسنة فالمعتزلة أولا وهم فرسان الكلام إنما ~~يحمدون ويعظمون عند أتباعهم وعند من يغضي عن مساويهم لأجل محاسنهم عند ~~المسلمين بما وافقوا فيه مذهب أهل الإثبات والسنة والحديث وردهم على ~~الرافضة بعض ما خرجوا فيه عن السنة والحديث من إمامة الخلفاء PageV04P011 # وعدالة الصحابة وقبول الأخبار وتحريف الكلم عن مواضعه والغلو في على ونحو ~~ذلك # وكذلك الشيعة المتقدمون كانوا يرجحون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من ~~إثبات الصفات والقدر والشفاعة ونحو ذلك وكذلك كانوا يستحمدون بما خالفوا ~~فيه الخوارج من تكفير علي وعثمان وغيرهما وما كفروا به المسلمين من الذنوب ~~ويستحمدون بما خالفوا فيه المرجئة من إدخال الواجبات في الإيمان ولهذا ~~قالوا بالمنزلة وإن لم يهتدوا إلى السنة المحضة # وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الكلابية والكرامية والأشعرية إنما قبلوا ~~واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه ms0820 من أصول الإيمان من إثبات ~~الصانع وصفاته وإثبات النبوة والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب ~~وبيان تناقض حججهم وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة ~~والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة # فحسناتهم نوعان إما موافقة أهل السنة والحديث وأما الرد على من خالف ~~السنة والحديث ببيان تناقض حججهم ولم يتبع أحد مذهب الأشعري ونحوه إلا لأحد ~~هذين الوصفين أو كلاهما وكل من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنما ~~يحبه وينتصر له PageV04P012 # بذلك فالمصنف في مناقبه الدافع للطعن واللعن عنه كالبيهقي والقشيري أبي ~~القاسم وبن عساكر الدمشقي إنما يحتجون لذلك بما يقوله من أقوال أهل السنة ~~والحديث أو بما رده من أقوال مخالفيهم لا يحتجون له عند الأمة وعلمائها ~~وأمرائها إلا بهذين الوصفين ولولا أنه كان من أقرب بني جنسه إلى ذلك ~~لألحقوه بطبقته الذين لم يكونوا كذلك كشيخه الأول أبي علي وولده أبي هاشم # لكن كان له من موافقة مذهب السنة والحديث في الصفات والقدر والإمامة ~~والفضائل والشفاعة والحوض والصراط والميزان وله من الردود على المعتزلة ~~والقدرية والرافضة والجهمية وبيان تناقضهم ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك ~~ويعرف له حقه وقدره @QB@ قد جعل الله لكل شيء قدرا @QE@ وبما وافق فيه ~~السنة والحديث صار له من القبول والأتباع ما صار لكن الموافقة التي فيها ~~قهر المخالف وإظهار فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر # فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحيى بن يحيى يقول الذب عن السنة ~~أفضل من الجهاد والمجاهد قد يكون عدلا في سياسته وقد لا يكون وقد يكون فيه ~~فجور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل ~~الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم ولهذا مضت السنة بأن يغزى مع كل أمير برا كان ~~أو فاجرا والجهاد عمل مشكور لصاحبه في الظاهر لا محالة PageV04P013 # وهو مع النية الحسنة مشكور باطنا وظاهرا ووجه شكره نصره للسنة والدين ~~فهكذا المنتصر للإسلام والسنة يشكر على ذلك من هذا ms0821 الوجه # فحمد الرجال عند الله ورسوله وعباده المؤمنين بحسب ما وافقوا فيه دين ~~الله وسنة رسوله وشرعه من جميع الأصناف إذ الحمد إنما يكون على الحسنات ~~والحسنات هي ما وافق طاعة الله ورسوله من التصديق بخبر الله والطاعة لأمره ~~وهذا هو السنة فالخير كله باتفاق الأمة هو فيما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم # وكذلك ما يذم من يذم من المنحرفين عن السنة والشريعة وطاعة الله ورسوله ~~إلا بمخالفة ذلك # ومن تكلم فيه من العلماء والأمراء وغيرهم إنما تكلم فيه أهل الإيمان ~~بمخالفته السنة والشريعة # وبهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام والمتكلمين الصفاتية كابن كرام وبن ~~كلاب والأشعري وما تكلم فيه من تكلم من أعيان الأمة وأئمتها المقبولين فيها ~~من جميع طوائف الفقهاء وأهل الحديث والصوفية إلا بما يقولون إنهم خالفوا ~~فيه السنة والحديث لخفائه عليهم أو إعراضهم عنه أو لاقتضاء أصل قياس مهدوه ~~رد ذلك كما يقع نحو ذلك في المسائل العلمية PageV04P014 # فإن مخالفة المسلم الصحيح الإيمان النص إنما يكون لعدم علمه به أو ~~لاعتقاده صحة ما عارضه لكن هو فيما ظهر من السنة وعظم أمره يقع بتفريط من ~~المخالف وعدوان فيستحق من الذم ما لا يستحقه في النص الخفي وكذلك فيما يوقع ~~الفرقة والاختلاف يعظم فيه أمر المخالفة للسنة # ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه حتى صاروا ~~يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها ~~بدعة فلعنوا الكلابية والأشعرية كما كان في مملكة الأمير محمود بن سبكتكين ~~وفي دولة السلاجقة ابتداء وكذلك الخليفة القادر ربما اهتم بذلك واستشار ~~المعتزلة من الفقهاء ورفعوا إليه أمر القاضي أبي بكر ونحوه وهموا به حتى ~~كان يختفي وإنما تستر بمذهب الإمام أحمد وموافقته ثم ولى النظام وسعوا في ~~رفع اللعنة واستفتوا من استفتوه من فقهاء العراق كالدامغاني الحنفي وأبي ~~إسحاق الشيرازي وفتواهما حجة على من بخراسان من الحنفية والشافعية وقد قيل ~~إن أبا إسحاق استعفى من ذلك فألزموه وأفتوا بأنه لا يجوز لعنتهم ms0822 ويعزر من ~~يلعنهم وعلل الدامغاني بأنهم طائفة من المسلمين وعلل أبو إسحاق مع ذلك بأن ~~لهم ذبا وردا على أهل البدع المخالفين للسنة فلم يمكن المفتي أن يعلل رفع ~~الذم إلا بموافقة السنة والحديث # وكذلك رأيت في فتاوي الفقيه أبي محمد فتوى طويلة فيها أشياء حسنة قد سئل ~~بها عن مسائل متعددة قال فيها PageV04P015 # ولا يجوز شغل المساجد بالغناء والرقص ومخالطة المردان ويعزر فاعله تعزيرا ~~بليغا رادعا وأما لبس الحلق والدمالج والسلاسل والأغلال والتختم بالحديد ~~والنحاس فبدعة وشهرة وشر الأمور محدثاتها وهي لهم في الدنيا وهي لباس أهل ~~النار وهي لهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك ولا يجوز السجود لغير الله من ~~الأحياء والأموات ولا تقبيل القبور ويعزر فاعله # ومن لعن أحدا من المسلمين عزر على ذلك تعزيرا بليغا والمؤمن لا يكون ~~لعانا وما أقر به من عود اللعنة عليه قال ولا تحل الصلاة عند القبور ولا ~~المشي عليها من الرجال والنساء ولا تعمل مساجد للصلاة فإنه اشتد غضب الله ~~على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد # قال وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية فمن لعنهم عزر وعادت اللعنة عليه ~~فمن لعن من ليس أهلا للعنة وقعت اللعنة عليه والعلماء أنصار فروع الدين ~~والأشعرية أنصار أصول الدين # قال وأما دخولهم النيران فمن لا يتمسك بالقرآن فإنه فتنة لهم ومضلة لمن ~~يراهم كما يفتتن الناس بما يظهر على يدي الدجال فإنه من ظهر على يديه خارق ~~فإنه يوزن بميزان الشرع فإن كان على الاستقامة كان ما ظهر على يديه كرامة ~~ومن لم يكن على الاستقامة كان ذلك فتنة كما يظهر على يدي الدجال من إحياء ~~الميت وما يظهر من جنته وناره فإن الله يضل من لا خلاق له بما يظهر على يدي ~~هؤلاء PageV04P016 ### | 1 ( كتاب مفصل الإعتقاد ) # وأما من تمسك بالشرع الشريف فإنه لو رأى من هؤلاء من يطير في الهواء أو ~~يمشي على الماء فإنه يعلم أن ذلك فتنة للعباد انتهى # فالفقيه أبو محمد أيضا إنما منع اللعن وأمر بتعزير اللاعن ms0823 لأجل ما نصروه ~~من أصول الدين وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسنة والحديث والرد على من ~~خالف القرآن والسنة والحديث ولهذا كان الشيخ أبو إسحاق يقول إنما نفقت ~~الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة ~~أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد ولهذا قال أبو ~~القاسم بن عساكر في مناقبه ما زالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر ~~متفقين غير مفترقين حتى حدثت فتنة بن القشيري ثم بعد حدوث الفتنة وقبلها لا ~~تجد من يمدح الأشعري بمدحة إلا إذا وافق السنة والحديث ولا يذمه من يذمه ~~إلا بمخالفة السنة والحديث # وهذا إجماع من جميع هذه الطوائف على تعظيم السنة والحديث واتفاق شهاداتهم ~~على أن الحق في ذلك # ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم ممن هو ~~دونه فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة ~~السنة كان عندهم أعظم من أتباعه والقاضي أبو بكر بن الباقلاني لما كان ~~أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره وأما مثل الأستاذ أبي المعالي ~~PageV04P017 # وأبي حامد ونحوهما ممن خالفوا أصوله في مواضع فلا تجدهم يعظمون إلا بما ~~وافقوا فيه السنة والحديث وأكثر ذلك تقلدوه من مذهب الشافعي في الفقه ~~الموافق للسنة والحديث ومما ذكروه في الأصول مما يوافق السنة والحديث وما ~~ردوه مما يخالف السنة والحديث وبهذا القدر ينتحلون السنة وينحلونها وإلا لم ~~يصح ذلك # وكانت الرافضة والقرامطة علماؤها وأمراؤها قد استظهرت في أوائل الدولة ~~السلجوقية حتى غلبت على الشام والعراق وأخرجت الخليفة القائم ببغداد إلى ~~تكريت وحبسوه بها في فتنة البساسيري المشهورة فجاءت بعد ذلك السلجوقية حتى ~~هزموهم وفتحوا الشام والعراق وقهروهم بخراسان وحجروهم بمصر وكان في وقتهم ~~من الوزراء مثل نظام الملك ومن العلماء مثل أبي المعالي الجويني فصاروا بما ~~يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة ~~بحسب ذلك # وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقوه كأبي الوليد الباجي والقاضي ~~أبي ms0824 بكر بن العربي ونحوهما لا يعظمون إلا بموافقة السنة والحديث وأما ~~الأكابر مثل بن حبيب وبن سحنون ونحوهما فلون آخر # وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة ~~PageV04P018 السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك ~~بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة وكذلك ما ذكره في باب ~~الصفات فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث لكونه يثبت الأحاديث ~~الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ويقول إنه موافق للإمام أحمد في مسألة ~~القرآن وغيرها ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك # لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة ~~في القرآن والصفات وإن كان أبو محمد بن حزم في مسائل الإيمان والقدر أقوم ~~من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره لكن قد خالط من ~~أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في ~~معاني مذهبهم في ذلك فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى # وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه ~~لظاهر لا باطن له كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق وكما نفى خرق ~~العادات ونحوه من عبادات القلوب مضموما إلى ما في كلامه من الوقيعة في ~~الأكابر والإسراف في نفي المعاني ودعوى متابعة الظواهر # وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا ~~مكابر ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال ~~PageV04P019 # والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره فالمسألة ~~التي يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح وله من التمييز بين ~~الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من ~~الفقهاء # وتعظيم أئمة الأمة وعوامها للسنة والحديث وأهله في الأصول والفروع من ~~الأقوال والأعمال أكثر من أن يذكر هنا وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوى ~~كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى وإن ظهر شيء من الكفر ms0825 والنفاق ظهرت البدع ~~بحسب ذلك مثل دولة المهدي والرشيد ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ~~ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر ~~وأهل البدع أذل وأقل فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده ~~إلا الله والرشيد كان كثير الغزو والحج # وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق ~~والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي حيث قال الفتنة ها هنا ظهر حينئذ كثير ~~من البدع وعربت أيضا إذ ذاك طائفة من كتب الاعاجم من المجوس الفرس ~~والصابئين الروم والمشركين الهند وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس ~~وأحسنهم إيمانا وعدلا وجودا فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك # وكان خلفاء بني العباس أحسن تعاهدا للصلوات في أوقاتها من بني أمية ~~PageV04P020 فإن أولئك كانوا كثير الإضاعة لمواقيت الصلاة كما جاءت فيهم ~~الأحاديث سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ~~واجعلوا صلاتكم معهم نافلة لكن كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة ~~مقموعة وكانت الشريعة أعز وأظهر وكان القيام بجهاد أعداء الدين من الكافرين ~~والمنافقين أعظم # وفي دولة أبي العباس المأمون ظهر الخرمية ونحوهم من المنافقين وعرب من ~~كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين وراسل ~~ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة # فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين وقوى ما قوى من حال ~~المشركين وأهل الكتاب كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة ~~وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة وذلك بنوع رأى ~~يحسبه صاحبه عقلا وعدلا وإنما هو جهل وظلم إذ التسوية بين المؤمن والمنافق ~~والمسلم والكافر أعظم الظلم وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل فتولد من ~~ذلك محنة الجهمية حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته ~~وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى مما يطول وصفه # وكان في أيام المتوكل قد عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط ms0826 ~~PageV04P021 العمرية وألزموا الصغار فعزت السنة والجماعة وقمعت الجهمية ~~والرافضة ونحوهم وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر وغيرهم من الخلفاء ~~الذين كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم وكان الإسلام في زمنهم أعز ~~وكانت السنة بحسب ذلك # وفي دولة بني بويه ونحوهم الأمر بالعكس فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب ~~المذمومة قوم منهم زنادقة وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة وهذه ~~الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من ~~الوهن ما لم يعرف حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام وانتشرت القرامطة في ~~أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك وجرت حوادث كثيرة # ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه كان الإسلام ~~والسنة في مملكته أعز فإنه غزا المشركين من أهل الهند ونشر من العدل ما لم ~~ينشره مثله فكانت السنة في أيامه ظاهرة والبدع في أيامه مقموعة # وكذلك السلطان نور الدين محمود الذي كان بالشام عز أهل الإسلام والسنة في ~~زمنه وذل الكفار وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرهما من الرافضة ~~والجهمية ونحوهم وكذلك ما كان في زمنه من خلافة بني العباس PageV04P022 ~~ووزارة بن هبيرة لهم فإنه كان من أمثل وزراء الإسلام ولهذا كان له من ~~العناية بالإسلام والحديث ما ليس لغيره # وما يوجد من إقرار أئمة الكلام والفلسفة وشهادتهم على انفسهم وعلى بني ~~جنسهم بالضلال ومن شهادة أئمة الكلام والفلسفة بعضهم على بعض كذلك فأكثر من ~~أن يحتمله هذا الموضع وكذلك ما يوجد من رجوع أئمتهم إلى مذهب عموم أهل ~~السنة وعجائزهم كثير وأئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد لأن الإيمان حين ~~تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد وكذلك ما يوجد من شهادتهم لأهل الحديث ~~بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال ~~وهذا باب واسع كما قدمناه # وجميع الطوائف المتقابلة من أهل الأهواء تشهد لهم بأنهم أصلح من الآخرين ~~وأقرب إلى الحق فنجد كلام أهل النحل فيهم وحالهم معهم بمنزلة كلام أهل ~~الملل مع المسلمين وحالهم ms0827 معهم # وإذا قابلنا بين الطائفتين أهل الحديث وأهل الكلام فالذي يعيب بعض أهل ~~الحديث وأهل الجماعة بحشو القول إنما يعيبهم بقلة المعرفة أو بقلة الفهم ~~أما الأول فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة أو بآثار لا تصلح للاحتجاج ~~وأما الثاني فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة بل قد يقولون القولين ~~المتناقضين ولا يهتدون للخروج من ذلك PageV04P023 # والأمر راجع إلى شيئين إما زيادة أقوال غير مفيدة يظن أنها مفيدة ~~كالأحاديث الموضوعة وإما أقوال مفيدة لكنهم لا يفهمونها إذ كان اتباع ~~الحديث يحتاج أولا إلى صحة الحديث وثانيا إلى فهم معناه كاتباع القرآن ~~فالخلل يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين ومن عابهم من الناس فإنما يعيبهم ~~بهذا # ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الأصول ~~والفروع وبآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة ويذكرون من القرآن والحديث ما لا ~~يفهمون معناه وربما تأولوه على غير تأويله ووضعوه على غير موضعه # ثم أنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ويبدعون ~~أقواما من أعيان الأمة ويجهلونهم ففي بعضهم من التفريط في الحق والتعدي على ~~الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا وقد يكون منكرا من القول وزورا وقد يكون ~~من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ~~ظالم وقد رأيت من هذا عجائب # لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل ولا ~~ريب ان في كثير من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه ~~إلا من أحاط بكل شيء علما لكن كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم ~~PageV04P024 أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم وهكذا أهل ~~الحديث بالنسبة إلى غيرهم # وبيان ذلك أن ما ذكر من فضول الكلام الذي لا يفيد مع اعتقاد أنه طريق إلى ~~التصور والتصديق هو في أهل الكلام والمنطق أضعاف أضعاف أضعاف ما هو في أهل ~~الحديث فبإزاء احتجاج أولئك بالحديث الضعيف احتجاج هؤلاء بالحدود والأقيسة ~~الكثيرة العقيمة ms0828 التي لا تفيد معرفة بل تفيد جهلا وضلالا وبإزاء تكلم أولئك ~~بأحاديث لا يفهمون معناها تكلف هؤلاء من القول بغير علم ما هو أعظم من ذلك ~~وأكثر وما أحسن قول الإمام أحمد ضعيف الحديث خير من رأي فلان # ثم لأهل الحديث من المزية أن ما يقولونه من الكلام الذي لا يفهمه بعضهم ~~هو كلام في نفسه حق وقد آمنوا بذلك وأما المتكلمة فيتكلفون من القول ما لا ~~يفهمونه ولا يعلمون أنه حق وأهل الحديث لا يستدلون بحديث ضعيف في نقض أصل ~~عظيم من أصول الشريعة بل أما في تأييده وأما في فرع من الفروع وأولئك ~~يحتجون بالحدود والمقاييس الفاسدة في نقض الأصول الحقة الثابتة # إذا عرف هذا فقد قال الله تعالى عن أتباع الأئمة من أهل الملل المخالفين ~~للرسل @QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم @QE@ وقال ~~تعالى PageV04P025 @QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا @QE@ إلى قوله @QB@ والعنهم لعنا كبيرا @QE@ ومثل هذا ~~في القرآن كثير # وإذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتباع المرسلين فمن المعلوم أن أحق ~~الناس بذلك هم أعلمهم بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك فالعالمون بأقوالهم ~~وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان وهم الطائفة ~~الناجية من أهل كل ملة وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة فإنهم يشاركون ~~سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة ويمتازون عنهم بما اختصوا به من ~~العلم الموروث عن الرسول مما يجهله غيرهم أو يكذب به # والرسل صلوات الله وسلامه عليهم عليهم البلاغ المبين وقد بلغوا البلاغ ~~المبين وخاتم الرسل محمد أنزل الله كتابه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فهو الأمين على جميع الكتب وقد بلغ أبين البلاغ وأتمه وأكمله ~~وكان أنصح الخلق لعباد الله وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما بلغ الرسالة وأدى ~~الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين فأسعد الخلق ~~وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة أعظمهم اتباعا وموافقة له علما وعملا # وأما غير اتباعه من أهل ms0829 الكلام فالكلام في أقيستهم التي هي حججهم ~~PageV04P026 # وبراهينهم على معارفهم وعلومهم وهذا يدخل فيه كل من خالف شيئا من السنة ~~والحديث من المتكلمين والفلاسفة فالكلام في هذا المقام واسع لا ينضبط هنا ~~لكن المعلوم من حيث الجملة أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوا ~~وقولا للباطل وتكذيبا للحق في مسائلهم ودلائلهم لا يكاد والله أعلم تخلو ~~لهم مسألة واحدة عن ذلك # وأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم وأنا إذ ذاك ~~صغير قريب العهد من الإحتلام كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل إما في الدلائل ~~وإما في المسائل إما أن يقولوا مسألة تكون حقا لكن يقيمون عليها أدلة ضعيفة ~~وإما أن تكون المسألة باطلا فأخذ ذلك المشغوف بهم يعظم هذا وذكر مسألة ~~التوحيد فقلت التوحيد حق لكن اذكر ما شئت من أدلتهم التي تعرفها حتى أذكر ~~لك ما فيه فذكر بعضها بحروفه حتى فهم الغلط وذهب إلى ابنه وكان أيضا من ~~المتعصبين لهم فذكر ذلك له قال فأخذ يعظم ذلك علي فقلت أنا لا أشك في ~~التوحيد ولكن أشك في هذا الدليل المعين ويدلك على ذلك أمور # أحدها أنك تجدهم أعظم الناس شكا واضطرابا وأضعف الناس علما ويقينا وهذا ~~أمر يجدونه في أنفسهم ويشهده الناس منهم وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر هنا ~~وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل ومن المعلوم أن ~~الاعتراض والقدح ليس بعلم ولا فيه منفعة وأحسن PageV04P027 أحوال صاحبه أن ~~يكون بمنزلة العامي وإنما العلم في جواب السؤال ولهذا تجد غالب حججهم ~~تتكافأ إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر # وقد قيل إن الأشعري مع أنه من أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم بذلك صنف ~~في آخر عمره كتابا في تكافؤ الأدلة يعني أدلة علم الكلام فإن ذلك هو صناعته ~~التي يحسن الكلام فيها وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدى في طريقهم ~~كما ذكرناه عن أبي حامد وغيره حتى قال أبو حامد الغزالي أكثر الناس شكا عند ~~الموت أهل ms0830 الكلام # وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب باب الحيرة والشك ~~والاضطراب لكن هو مسرف في هذا الباب بحيث له نهمة في التشكيك دون التحقيق ~~بخلاف غيره فإنه يحقق شيئا ويثبت على نوع من الحق لكن بعض الناس قد يثبت ~~على باطل محض بل لا بد فيه من نوع من الحق وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعهم ~~في الفلسفة والكلام بن واصل الحموي كان يقول أستلقي على قفاي وأضع الملحفة ~~على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى ~~يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء ولهذا أنشد الخطابي # حجج تهافت كالزجاج تخالها %~% حقا وكل كاسر مكسور # فإذا كانت هذه حال حججهم فأي لغو باطل وحشو يكون أعظم من هذا PageV04P028 ~~وكيف يليق بمثل هؤلاء أن ينسبوا إلى الحشو أهل الحديث والسنة الذين هم أعظم ~~الناس علما ويقينا وطمأنينة وسكينة وهم الذين يعلمون ويعلمون أنهم يعلمون ~~وهم بالحق يوقنون لا يشكون ولا يمترون # فأما ما أوتيه علماء أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى فأمر ~~يجل عن الوصف ولكن عند عوامهم من اليقين والعلم النافع ما لم يحصل منه شيء ~~لأئمة المتفلسفة المتكلمين وهذا ظاهر مشهود لكل أحد # غاية ما يقوله أحدهم أنهم جزموا بغير دليل وصمموا بغير حجة وإنما معهم ~~التقليد وهذا القدر قد يكون في كثير من العامة لكن جزم العلم غير جزم الهوى ~~فالجازم بغير علم يجد من نفسه أنه غير عالم بما جزم به والجازم بعلم يجد من ~~نفسه أنه عالم اذ كون الإنسان عالما وغير عالم مثل كونه سامعا ومبصرا وغير ~~سامع ومبصر فهو يعلم من نفسه ذلك مثل ما يعلم من نفسه كونه محبا ومبغضا ~~ومريدا وكارها ومسرورا ومحزونا ومنعما ومعذبا وغير ذلك ومن شك في كونه يعلم ~~مع كونه يعلم فهو بمنزلة من جزم بأنه علم وهو لا يعلم وذلك نظير من شك في ~~كونه سمع ورأى أو جزم بأنه سمع ورأى ما لم يسمعه ويراه والغلط أو ms0831 الكذب ~~يعرض للإنسان في كل واحد من طرفي النفي والإثبات لكن هذا الغلط أو الكذب ~~العارض لا يمنع أن يكون الإنسان جازما بما لا يشك فيه من ذلك كما يجزم بما ~~يجده من الطعوم والأراييح وإن كان قد يعرض له من الانحراف ما يجد به الحلو ~~مرا PageV04P029 # فالأسباب العارضة لغلط الحس الباطن أو الظاهر والعقل بمنزلة المرض العارض ~~لحركة البدن والنفس والأصل هو الصحة في الإدراك وفي الحركة فإن الله خلق ~~عباده على الفطرة وهذه الأمور يعلم الغلط فيها بأسبابها الخاصة كالمرة ~~الصفراء العارضة للطعم وكالحول في العين ونحو ذلك وإلا فمن حاسب نفسه على ~~ما يجزم به وجد أكثر الناس الذين يجزمون بما لا يجزم به إنما جزمهم لنوع من ~~الهوى كما قال تعالى @QB@ وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم @QE@ وقال ~~@QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ # ولهذا تجد اليهود يصممون ويصرون على باطلهم لما في نفوسهم من الكبر ~~والحسد والقسوة وغير ذلك من الأهواء وأما النصارى فأعظم ضلالا منهم وإن ~~كانوا في العادة والأخلاق أقل منهم شرا فليسوا جازمين بغالب ضلالهم بل عند ~~الاعتبار تجد من ترك الهوى من الطائفتين ونظر نوع نظر تبين له الإسلام حقا # والمقصود هنا أن معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم مرجعه إلى وجود ~~نفسه عالمة ولهذا لا نحتج على منكر العلم إلا بوجودنا نفوسنا عالمة كما ~~احتجوا على منكري الأخبار المتواترة بأنا نجد نفوسنا عالمة بذلك وجازمة به ~~كعلمنا وجزمنا بما أحسسناه وجعل المحققون وجود العلم بخبر من الأخبار هو ~~الضابط في حصول التواتر إذ لم يحدوه بعدد ولا صفة بل متى حصل العلم كان هو ~~المعتبر والإنسان يجد نفسه عالمة وهذا حق PageV04P030 # فإنه لا يجوز أن يستدل الإنسان على كونه عالما بدليل فإن علمه بمقدمات ~~ذلك الدليل يحتاج إلى أن يجد نفسه عالمة بها فلو احتاج علمه بكونه عالما ~~إلى دليل أفضى إلى الدور أو التسلسل ولهذا لا يحس الإنسان بوجود العلم عند ~~وجود سببه إن كان ms0832 بديهيا أو إن كان نظريا إذا علم المقدمتين وبهذا استدل ~~على منكري إفادة النظر العلم وإن كان في هذه المسألة تفصيل ليس هذا موضعه # فالغرض أن من نظر في دليل يفيد العلم وجد نفسه عالمة عند علمه بذلك ~~الدليل كما يجد نفسه سامعة رائية عند الاستماع للصوت والترائي للشمس أو ~~الهلال أو غير ذلك والعلم يحصل في النفس كما تحصل سائر الإدراكات والحركات ~~بما يجعله الله من الأسباب وعامة ذلك بملائكة الله تعالى فإن الله سبحانه ~~ينزل بها على قلوب عباده من العلم والقوة وغير ذلك ما يشاء # ولهذا قال النبي لحسان اللهم أيده بروح القدس وقال تعالى @QB@ كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم من طلب ~~القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله ~~عليه ملكا يسدده وقال عبد الله بن مسعود كنا نتحدث أن السكينة تنطق على ~~لسان عمر وقال بن مسعود أيضا أن للملك لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد ~~بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق وهذا الكلام ~~الذي قاله بن مسعود هو محفوظ PageV04P031 عنه وربما رفعه بعضهم إلى النبي ~~وهو كلام جامع لأصول ما يكون من العبد من علم وعمل من شعور وإرادة # وذلك أن العبد له قوة الشعور والإحساس والإدراك وقوة الإرادة والحركة ~~وإحداهما أصل الثانية مستلزمة لها والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها فهو ~~بالأولى يصدق بالحق ويكذب بالباطل وبالثانية يحب النافع الملائم له ويبغض ~~الضار المنافي له والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق ~~والتصديق به ومعرفة الباطل والتكذيب به ومعرفة النافع الملائم والمحبة له ~~ومعرفة الضار المنافي والبغض له بالفطرة فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة ~~وما كان حقا نافعا عرفته الفطرة فأحبته واطمأنت إليه وذلك هو المعروف وما ~~كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة فأبغضته الفطرة فانكرته قال تعالى @QB@ ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ # والإنسان كما سماه النبي حيث قال أصدق الأسماء حارث وهمام ms0833 فهو دائما يهم ~~ويعمل لكنه لا يعمل إلا ما يرجو نفعه أو دفع مضرته ولكن قد يكون ذلك الرجاء ~~مبنيا على اعتقاد باطل إما في نفس المقصود فلا يكون نافعا ولا ضارا وإما في ~~الوسيلة فلا تكون طريقا إليه وهذا جهل وقد يعلم أن هذا الشيء يضره ويفعله ~~ويعلم أنه ينفعه ويتركه لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى أو ~~دفع ألم آخر جاهلا ظالما حيث قدم هذا على ذاك ولهذا قال أبو العالية سألت ~~أصحاب محمد PageV04P032 عن قوله تعالى @QB@ إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ فقالوا كل من عصى الله فهو ~~جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب # وإذا كان الإنسان لا يتحرك إلا راجيا وإن كان راهبا خائفا لم يسع إلا في ~~النجاة ولم يهرب إلا من الخوف فالرجاء لا يكون إلا بما يلقى في نفسه من ~~الإيعاد بالخير الذي هو طلب المحبوب أو فوات المكروه فكل بني آدم له اعتقاد ~~فيه تصديق بشيء وتكذيب بشيء وله قصد وإرادة لما يرجوه مما هو عنده محبوب ~~ممكن الوصول إليه أو لوجود المحبوب عنده أو لدفع المكروه عنه # والله خلق العبد يقصد الخير فيرجوه بعمله فإذا كذب بالحق فلم يصدق به ولم ~~يرج الخير فيقصده ويعمل له كان خاسرا بترك تصديق الحق وطلب الخير فكيف إذا ~~كذب بالحق وكره إرادة الخير فكيف إذا صدق بالباطل وأراد الشر فذكر عبد الله ~~بن مسعود أن لقلب بن آدم لمة من الملك ولمة من الشيطان فلمة الملك تصديق ~~بالحق وهو ما كان من غير جنس الإعتقاد الفاسد ولمة الشيطان هو تكذيب بالحق ~~وإيعاد بالشر وهو ما كان من جنس إرادة الشر وظن وجوده أما مع رجائه إن كان ~~مع هوى نفس وإما مع خوفه إن كان غير محبوب لها وكل من الرجاء والخوف مستلزم ~~للآخر PageV04P033 # فمبدأ العلم الحق والإرادة الصالحة من لمة الملك ومبدأ الإعتقاد الباطل ~~والإرادة الفاسدة من لمة ms0834 الشيطان قال الله تعالى @QB@ الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما ~~ذلكم الشيطان يخوف أولياءه @QE@ أي يخوفكم أولياءه وقال تعالى @QB@ وإذ زين ~~لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم @QE@ # والشيطان وسواس خناس إذا ذكر العبد ربه خنس فإذا غفل عن ذكره وسوس فلهذا ~~كان ترك ذكر الله سببا ومبدأ لنزول الإعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة في ~~القلب ومن ذكر الله تعالى تلاوة كتابه وفهمه ومذاكرة العلم كما قال معاذ بن ~~جبل ومذاكرته تسبيح # وقد تنازع أهل الكلام في حصول العلم في القلب عقب النظر في الدليل فقال ~~بعضهم ذلك على سبيل التولد وقال المنكرون للتولد بل ذلك بفعل الله تعالى ~~والنظر إما متضمن للعلم وإما موجب له وهذا ينصره المنتسبون للسنة من ~~المتكلمين ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~وقالت المتفلسفة بل ذلك يحصل بطريق الفيض من العقل الفعال عند استعداد ~~النفس لقبول الفيض وقد يزعمون أن العقل الفعال هو جبريل # فأما قول القائلين إن ذلك بفعل الله فهو صحيح بناء على أن الله هو معلم ~~كل علم وخالق كل شيء لكن هذا كلام مجمل ليس فيه بيان لنفس السبب ~~PageV04P034 الخاص وأما قول القائلين بالتولد فبعضه حق وبعضه باطل فإن كان ~~دعواهم أن العلم المتولد هو حاصل بمجرد قدرة العبد فذلك باطل قطعا ولكن هو ~~حاصل بأمرين قدرة العبد والسبب الآخر كالقوة التي في السهم والقبول الذي في ~~المحل ولا ريب أن النظر هو بسبب ولكن الشأن فيما به يتم حصول العلم # وأما زعم المتفلسفة أنه بالعقل الفعال فمن الخرافات التي لا دليل عليها ~~وأبطل من ذلك زعمهم أن ذلك هو جبريل وزعمهم أن كل ما يحصل في عالم العناصر ~~من الصور الجسمانية وكمالاتها فهو من فيضه وبسببه فهو من أبطل الباطل # ولكن إضافتهم ذلك إلى أمور روحانية صحيح في الجملة فإن الله سبحانه ~~وتعالى يدبر أمر السماوات والأرض بملائكته التي هي السفراء في أمره ms0835 ولفظ ~~الملك يدل على ذلك وبذلك أخبرت الأنبياء وقد شهد الكتاب والسنة من ذلك بما ~~لا يتسع هذا الموضع لذكره كما ذكره النبي في ملائكة تخليق الجنين وغيره # وأما تخصيص روح واحد متصل بفلك القمر يكون هو رب هذا العالم فهذا باطل ~~وليس هذا موضع استقصاء ذلك ولكن لا بد أن يعلم ان المبدأ في شعور النفس ~~وحركتها هم الملائكة أو الشياطين فالملك يلقى التصديق بالحق والأمر بالخير ~~والشيطان يلقي التكذيب بالحق والأمر بالشر والتصديق والتكذيب مقرونان بنظر ~~الإنسان كما أن الأمر والنهي مقرونان بإرادته PageV04P035 # فإذا كان النظر في دليل هاد كالقرآن وسلم من معارضات الشيطان تضمن ذلك ~~النظر العلم والهدى ولهذا أمر العبد بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند ~~القراءة وإذا كان النظر في دليل مضل والناظر يعتقد صحته بأن تكون مقدمتاه ~~أو إحداهما متضمنة للباطل أو تكون المقدمات صحيحة لكن التأليف ليس بمستقيم ~~فإنه يصير في القلب بذلك اعتقاد فاسد وهو غالب شبهات أهل الباطل المخالفين ~~للكتاب والسنة من المتفلسفة والمتكلمين ونحوهم # فإذا كان الناظر لا بد له من منظور فيه والنظر في نفس المتصور المطلوب ~~حكمه لا يفيد علما بل ربما خطر له بسبب ذلك النظر أنواع من الشبهات يحسبها ~~أدلة لفرط تعطش القلب إلى معرفة حكم تلك المسألة وتصديق ذلك التصور # وأما النظر المفيد للعلم فهو ما كان في دليل هاد والدليل الهادي على ~~العموم والإطلاق هو كتاب الله وسنة نبيه فإن الذي جاءت به الشريعة من نوعي ~~النظر هو ما يفيد وينفع ويحصل الهدي وهو بذكر الله وما نزل من الحق # فإذا أراد النظر والاعتبار في الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوب فذلك ~~النظر في كتاب الله وتدبره كما قال تعالى @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب ~~مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ms0836 ~~من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ PageV04P036 وأما ~~النظر في مسألة معينة وقضية معينة لطلب حكمها والتصديق بالحق فيها والعبد ~~لا يعرف ما يدله على هذا أو هذا فمجرد هذا النظر لا يفيد بل قد يقع له ~~تصديقات يحسبها حقا وهي باطل وذلك من إلقاء الشيطان وقد يقع له تصديقات ~~تكون حقا وذلك من القاء الملك # وكذلك إذا كان النظر في الدليل الهادي وهو القرآن فقد يضع الكلم مواضعه ~~ويفهم مقصود الدليل فيهتدي بالقرآن وقد لا يفهمه أو يحرف الكلم عن مواضعه ~~فيضل به ويكون ذلك من الشيطان كما قال تعالى @QB@ وننزل من القرآن ما هو ~~شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا @QE@ وقال @QB@ يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين @QE@ وقال @QB@ فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم @QE@ وقال @QB@ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى @QE@ وقال @QB@ هذا بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين @QE@ # فالناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه وقد لا يراه لعشي في ~~بصره وكذلك أعمى القلب PageV04P037 # وأما الناظر في المسألة فهذا يحتاج إلى شيئين إلى أن يظفر بالدليل الهادي ~~وإلى أن يهتدي به وينتفع فأمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب ~~الهادية ويصرف عنه الأسباب المعوقة وهو ذكر الله تعالى والغفلة عنه فإن ~~الشيطان وسواس خناس فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس # وذكر الله يعطي الإيمان وهو أصل الإيمان والله سبحانه هو رب كل شيء ~~ومليكه وهو معلم كل علم وواهبه فكما أن نفسه أصل لكل شيء موجود فذكره ~~والعلم به أصل لكل علم وذكره في القلب والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد ~~الإيمان كما قال جندب بن عبد الله البجلي وغيره من الصحابة تعلمنا الإيمان ~~ثم تعلمنا القرآن فازددنا ms0837 إيمانا ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه @QB@ ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق @QE@ فأمره أن يقرأ باسم الله فتضمن هذا الأمر بذكر ~~الله وما نزل من الحق وقال @QB@ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ ~~وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ # فذكر سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عموما وخصوصا وهو الإنسان ~~وأنه المعلم للعلم عموما وخصوصا للإنسان وذكر التعليم بالقلم الذي هو آخر ~~المراتب ليستلزم تعليم القول وتعليم العلم الذي في القلب PageV04P038 ~~وحقيقة الأمر أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى طالب سائل فبذكر ~~الله والافتقار إليه يهديه الله ويدله كما قال يا عبادي كلكم ضال إلا من ~~هديته فاستهدوني أهدكم وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم رب ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ~~إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم # ومما يوضح ذلك أن الطالب للعلم بالنظر والاستدلال والتفكر والتدبر لا ~~يحصل له ذلك إن لم ينظر في دليل يفيده العلم بالمدلول عليه ومتى كان العلم ~~مستفادا بالنظر فلا بد أن يكون عند الناظر من العلم المذكور الثابت في قلبه ~~ما لا يحتاج حصوله إلى نظر فيكون ذلك المعلوم أصلا وسببا للتفكر الذي يطلب ~~به معلوما آخر ولهذا كان الذكر متعلقا بالله لأنه سبحانه هو الحق المعلوم ~~وكان التفكر في مخلوقاته كما قال الله تعالى @QB@ الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض @QE@ وقد جاء الأثر ~~تفكروا في المخلوق ولا تتفكروا في الخالق لأن التفكير والتقدير يكون في ~~الأمثال المضروبة والمقاييس وذلك يكون في الأمور المتشابهة وهي المخلوقات ~~PageV04P039 # وأما الخالق جل جلاله سبحانه وتعالى فليس له شبيه ولا نظير فالتفكر الذي ~~مبناه على القياس ممتنع في حقه وإنما هو معلوم بالفطرة فيذكره العبد ~~وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه يحصل للعبد من العلم به ms0838 أمور عظيمة لا تنال ~~بمجرد التفكير والتقدير أعني من العلم به نفسه فإنه الذي لا تفكير فيه # فأما العلم بمعاني ما أخبر به ونحو ذلك فيدخل فيها التفكير والتقدير كما ~~جاء به الكتاب والسنة ولهذا كان كثير من أرباب العبادة والتصوف يأمرون ~~بملازمة الذكر ويجعلون ذلك هو باب الوصول إلى الحق وهذا حسن إذا ضموا إليه ~~تدبر القرآن والسنة واتباع ذلك وكثير من أرباب النظر والكلام يأمرون ~~بالتفكر والنظر ويجعلون ذلك هو الطريق إلى معرفة الحق # والنظر صحيح إذا كان في حق ودليل كما تقدم فكل من الطريقين فيها حق لكن ~~يحتاج إلى الحق الذي في الأخرى ويجب تنزيه كل منهما عما دخل فيها من الباطل ~~وذلك كله باتباع ما جاء به المرسلون وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا ~~الموضع وبينا طرق أهل العبادة والرياضة والذكر وطريق أهل الكلام والنظر ~~والاستدلال وما في كل منهما من مقبول ومردود وبينا ما جاءت به الرسالة من ~~الطريق الكاملة الجامعة لكل حق وليس هذا موضع بسط ذلك PageV04P040 # وإنما المقصود هنا أن الإنسان محس بأنه عالم يجد ذلك ويعرفه بغير واسطة ~~أحد كما يحس بغير ذلك # وحصول العلم في القلب كحصول الطعام في الجسم فالجسم يحس بالطعام والشراب ~~وكذلك القلوب تحس بما يتنزل إليها من العلوم التي هي طعامها وشرابها كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله ~~هي القرآن وكما قال تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ~~زبد مثله @QE@ وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي قال مثل ما بعثني الله به ~~من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا وكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت ~~الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وكانت ~~منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين ~~الله ونفعه ما ms0839 بعثني الله به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ~~ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به فضرب مثل الهدى والعلم الذي ينزل على ~~القلوب بالماء الذي ينزل على الأرض # وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب والمطر فله ملائكة موكلة بالهدى والعلم ~~هذا رزق القلوب وقوتها وهذا رزق الأجساد وقوتها قال الحسن PageV04P041 ~~البصري في قوله تعالى @QB@ ومما رزقناهم ينفقون @QE@ قال إن من أعظم النفقة ~~نفقة العلم أو نحو هذا الكلام وفي أثر آخر نعمت العطية ونعمت الهدية الكلمة ~~من الخير يسمعها الرجل فيهديها إلى أخ له مسلم وفي أثر آخر عن أبي الدرداء ~~ما تصدق عبد بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها إخوانا له مؤمنين فيتفرقون وقد ~~نفعهم الله بها أو ما يشبه هذا الكلام # وعن كعب بن عجرة قال ألا أهدي لك هدية فذكر الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وروى بن ماجه في سننه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال أفضل الصدقة أن يتعلم الرجل علما ثم يعلمه أخاه المسلم وقال معاذ بن ~~جبل عليكم بالعلم فإن طلبه عبادة وتعلمه لله حسنة وبذله لأهله قربة وتعليمه ~~لمن لا يعلمه صدقة والبحث عنه جهاد ومذاكرته تسبيح # ولهذا كان معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر والله ~~وملائكته يصلون على معلم الناس الخير لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء ~~وعكسه كاتموا العلم فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون قال طائفة من السلف ~~إذا كتم الناس العلم فعمل بالمعاصي احتبس القطر فتقول البهائم اللهم عصاة ~~بني آدم فإنا منعنا القطر بسبب ذنوبهم # وإذا كان علم الإنسان بكونه عالما مرجعه إلى وجوده ذلك وإحساسه في نفسه ~~بذلك وهذا أمر موجود بالضرورة لم يكن لهم أن يخبروا عما PageV04P042 في ~~نفوس الناس بأنه ليس بعلم بغير حجة فإن عدم وجودهم من نفوسهم ذلك لا يقتضي ~~أن الناس لم يجدوا ذلك لا سيما إذا كان المخبرون يخبرون عن اليقين الذي في ~~أنفسهم عمن لا ms0840 يشكون في علمه وصدقه ومعرفته بما يقول # وهذا حال أئمة المسلمين وسلف الأمة وحملة الحجة فإنهم يخبرون بما عندهم ~~من اليقين والطمأنينة والعلم الضروري كما في الحكاية المحفوظة عن نجم الدين ~~الكبرى لما دخل عليه متكلمان أحدهما أبو عبد الله الرازي والآخر من متكلمي ~~المعتزلة وقالا يا شيخ بلغنا أنك تعلم علم اليقين فقال نعم أنا أعلم علم ~~اليقين فقالا كيف يمكن ذلك ونحن من أول النهار إلى الساعة نتناظر فلم يقدر ~~أحدنا أن يقيم على الآخر دليلا وأظن الحكاية في تثبيت الإسلام فقال ما أدري ~~ما تقولان ولكن 2 أنا أعلم علم اليقين فقالا صف لنا علم اليقين فقال علم ~~اليقين عندنا واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يقولان ~~واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها ويستحسنان هذا الجواب # وذلك لأن طريق أهل الكلام تقسيم العلوم إلى ضروري وكسبي أو بديهي ونظري ~~فالنظري الكسبي لا بد أن يرد إلى مقدمات ضرورية أو بديهية فتلك لا تحتاج ~~إلى دليل وإلا لزم الدور أو التسلسل والعلم الضروري هو الذي PageV04P043 ~~يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه الإنفكاك عنه فالمرجع في كونه ضروريا إلى ~~أنه يعجز عن دفعه عن نفسه # فأخبر الشيخ أن علومهم ضرورية وأنها ترد على النفوس على وجه تعجز عن دفعه ~~فقالا له ما الطريق إلى ذلك فقال تتركان ما انتما فيه وتسلكان ما امركما ~~الله به من الذكر والعبادة فقال الرازي أنا مشغول عن هذا وقال المعتزلي أنا ~~قد احترق قلبي بالشبهات وأحب هذه الواردات فلزم الشيخ مدة ثم خرج من محل ~~عبادته وهو يقوله والله يا سيدي ما الحق إلا فيما يقوله هؤلاء المشبهة يعني ~~المثبتين للصفات فإن المعتزلة يسمون الصفاتية مشبهة وذلك أنه علم علما ~~ضروريا لا يمكنه دفعه عن قلبه أن رب العالم لا بد أن يتميز عن العالم وأن ~~يكون بائنا منه له صفات تختص به وأن هذا الرب الذي تصفه الجهمية إنما هو ~~عدم محض # وهذا موضع الحكاية المشهورة عن ms0841 الشيخ العارف أبي جعفر الهمداني لأبي ~~المعالي الجويني لما أخذ يقول على المنبر كان الله ولا عرش فقال يا أستاذ ~~دعنا من ذكر العرش يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع أخبرنا عن هذه الضرورة ~~التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا ألله إلا وجد من قلبه ضرورة ~~تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا قال ~~فلطم أبو المعالي على رأسه وقال حيرني الهمداني حيرني الهمداني ونزل ~~PageV04P044 # وذلك لأن نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~علم بالسمع الذي جاءت به الرسل كما أخبر الله به في القرآن والتوراة # وأما كونه عاليا على مخلوقاته بائنا منهم فهذا امر معلوم بالفطرة ~~الضرورية التي يشترك فيها جميع بني آدم # وكل من كان بالله أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر وقلبه له أذكر كان علمه ~~الضروري بذلك أقوى وأكمل فالفطرة مكملة بالفطرة المنزلة فإن الفطرة تعلم ~~الأمر مجملا والشريعة تفصله وتبينه وتشهد بما لا تستقل الفطرة به فهذا هذا ~~والله أعلم PageV04P045 ### ||| فصل # والحاصل أن كل من استحكم في بدعته يرى أن قياسه يطرد لما فيه من التسوية ~~بين المتماثلين عنده وإن استلزم ذلك كثرة مخالفة النصوص وهذا موجود في ~~المسائل العلمية الخبرية والمسائل العملية الإرادية تجد المتكلم قد يطرد ~~قياسه طردا مستمرا فيكون في ظاهر الأمر أجود ممن نقضها وتجد المستن الذي ~~شاركه في ذلك القياس قد يقول ما يناقض ذلك القياس في مواضع مع استشعار ~~التناقض تارة وبدون استشعارة تارة وهو الأغلب وربما يخيل بفروق ضعيفة فهو ~~في نقض علته والتفريق بين المتماثلين فيها يظهر أنه دون الأول في العلم ~~والخبرة وطرد القول وليس كذلك بل هو خير من الأول فإن ذلك القياس الذي ~~اشتركا فيه كان فاسدا في أصله لمخالفة النص والقياس الصحيح فالذي طرده أكثر ~~فسادا وتناقضا من هذا الذي نقضه وهذا شأن كل من وافق غيره على قياس ليس هو ~~في نفس الأمر بحق وكان ms0842 أحدهما من النصوص في مواضع ما يخالف ذلك القياس وهذا ~~يسميه الفقهاء في مواضع كثيرة الاستحسان فتجد القائلين بالاستحسان الذي ~~تركوا فيه القياس لنص خيرا من الذين طردوا القياس وتركوا النص PageV04P046 # ولهذا يروى عن أبي حنيفة أنه قال لا تأخذوا بمقاييس زفر فإنكم إن أخذتم ~~بمقاييسه حرمتم الحلال وحللتم الحرام فإن زفر كان كثير الطرد لما يظنه من ~~القياس مع قلة علمه بالنصوص # وكان أبو يوسف نظره بالعكس كان أعلم بالحديث منه ولهذا توجد المسائل التي ~~يخالف فيها زفر أصحابه عامتها قياسية ولا يكون إلا قياسا ضعيفا عند التأمل ~~وتوجد المسائل التي يخالف فيها أبو يوسف أبا حنيفة واتبعه محمد عليها ~~عامتها اتبع فيها النصوص والأقيسة الصحيحة لأن أبا يوسف رحل بعد موت أبي ~~حنيفة إلى الحجاز واستفاد من علم السنن التي كانت عندهم ما لم تكن مشهورة ~~بالكوفة وكان يقول لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت لعلمه بأن صاحبه ما ~~كان يقصد إلا اتباع الشريعة لكن قد يكون عند غيره من علم السنن ما لم يبلغه ~~وهذا أيضا حال كثير من الفقهاء بعضهم مع بعض فيما وافقوا عليه من قياس لم ~~تثبت صحته بالأدلة المعتمدة فإن الموافقة فيه توجب طرده ثم أهل النصوص قد ~~ينقضونه والذين لا يعلمون النصوص يطردونه # وكذلك هذه حال أكثر متكلمة أهل الإثبات مع متكلمة النفاة في مسائل الصفات ~~والقدر وغير ذلك قد يوافقونهم على قياس فيه نفي ثم يطرده أولئك فينفون به ~~ما أثبتته النصوص والمثبتة لا تفعل ذلك PageV04P047 بل لا بد من القول ~~بموجب النص فربما قالوا ببعض معناها وربما فرقوا بفرق ضعيف # وأصل ذلك موافقة أولئك على القياس الضعيف وذلك في مثل مسائل الجسم ~~والجوهر وغير ذلك # وهكذا تجد هذا حال من أعان ظالما في الأفعال فإن الأفعال لا تقع إلا عن ~~إرادة فالظالم يطرد إرادته فيصيب من أعانه أو يصيب ظلما لا يختاره هذا ~~فيريد المعين أن ينقض الطرد ويخص علته ولهذا يقال من أعان ظالما بلي به ~~وهذا ms0843 عام في جميع الظلمة من أهل الأقوال والأعمال وأهل البدع والفجور وكل ~~من خالف الكتاب والسنة من خبر أو أمر أو عمل فهو ظالم # فإن الله أرسل رسله ليقوم الناس بالقسط ومحمد أفضلهم وقد بين الله سبحانه ~~له من القسط ما لم يبينه لغيره وأقدره على ما لم يقدر عليه غيره فصار يفعل ~~ويأمر بما لايأمر به غيره ويفعله # وذلك أن بني آدم في كثير من المواضع قد لا يعلمون حقيقة القسط ولا يقدرون ~~على فعله بل ما كان إليه أقرب وبه أشبه كان أمثل وهي الطريقة المثلى وقد ~~بسطنا هذا في مواضع قال تعالى @QB@ وأقيموا الوزن بالقسط @QE@ وقال @QB@ لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ وقال @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ ~~PageV04P048 # وقال إذا امرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم والمقصود أن ما ~~عند عوام المؤمنين وعلمائهم أهل السنة والجماعة من المعرفة واليقين ~~والطمأنينة والجزم الحق والقول الثابت والقطع بما هم عليه أمر لا ينازع فيه ~~إلا من سلبه الله العقل والدين # وهب أن المخالف لا يسلم ذلك فلا ريب أنهم يخبرون عن أنفسهم بذلك ويقولون ~~أنهم يجدون ذلك وهو وطائفته يخبرون بضد ذلك ولا يجدون عندهم إلا الريب فأي ~~الطائفتين أحق بأن يكون كلامها موصوفا بالحشو أو يكون أولى بالجهل والضلال ~~والإفك والمحال وكلام المشائخ والأئمة من أهل السنة والفقه والمعرفة في هذا ~~الباب أعظم من أن نطيل به الخطاب PageV04P049 ### || الوجه الثاني # أنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول وجزما بالقول في ~~موضع وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر وهذا دليل عدم اليقين فإن ~~الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي هل يرجع أحد ~~منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه قال لا قال وكذلك الإيمان إذا خالط ~~بشاشته القلوب لا يسخطه أحد ولهذا قال بعض السلف عمر بن عبد العزيز أو غيره ~~من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل # وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من ms0844 علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط ~~عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن ~~وفتنوا بأنواع الفتن وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل الأخدود ~~ونحوهم وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة حتى كان ~~مالك رحمه الله يقول لا تغبطوا أحدا لم يصبه في هذا الأمر بلاء يقول إن ~~الله لا بد أن يبتلي المؤمن فإن صبر رفع درجته كما قال تعالى @QB@ الم أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين @QE@ PageV04P050 # وقال تعالى ~~@QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ ومن صبر من أهل الأهواء على ~~قوله فذاك لما فيه من الحق إذ لا بد في كل بدعة عليها طائفة كبيرة من الحق ~~الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويوافق عليه أهل السنة والحديث ما ~~يوجب قبولها إذ الباطل المحض لا يقبل بحال # وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف أضعاف ما ~~هو عند أهل الكلام والفلسفة بل المتفلسف أعظم اضطرابا وحيرة في أمره من ~~المتكلم لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند ~~المتفلسف ولهذا تجد مثل أبي الحسين البصري وأمثاله أثبت من مثل بن سينا ~~وأمثاله # وأيضا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقا واختلافا مع دعوى كل ~~منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان وأهل السنة والحديث أعظم ~~الناس اتفاقا وائتلافا وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق ~~والائتلاف أقرب فالمعتزلة أكثر اتفاقا وائتلافا من المتفلسفة إذ للفلاسفة ~~في الإلهيات والمعاد والنبوات بل وفي الطبيعيات والرياضات وصفات الأفلاك من ~~الأقوال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال PageV04P051 # وقد ذكر من جمع مقالات الأوائل مثل أبي الحسن الأشعري في كتاب المقالات ~~ومثل القاضي أبي ms0845 بكر في كتاب الدقائق من مقالاتهم بقدر ما يذكره الفارابي ~~وبن سينا وأمثالهما أضعافا مضاعفة # وأهل الإثبات من المتكلمين مثل الكلابية والكرامية والأشعرية أكثر اتفاقا ~~وائتلافا من المعتزلة فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضا حتى ~~ليكفر التلميذ أستاذه من جنس ما بين الخوارج وقد ذكر من صنف في فضائح ~~المعتزلة من ذلك ما يطول وصفه ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع ~~آثار الأنبياء من القرآن والحديث وما يتبع ذلك ولا تجد افتراقا واختلافا ~~إلا عند من ترك ذلك وقدم غيره عليه قال تعالى @QB@ ولا يزالون مختلفين إلا ~~من رحم ربك ولذلك خلقهم @QE@ فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون وأهل الرحمة ~~هم أتباع الأنبياء قولا وفعلا وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة فمن ~~خالفهم في شيء فاته من الرحمة بقدر ذلك # ولهذا لما كانت الفلاسفة أبعد عن اتباع الأنبياء كانوا أعظم اختلافا ~~والخوارج والمعتزلة والروافض لما كانوا أيضا أبعد عن السنة والحديث كانوا ~~أعظم افتراقا في هذه لا سيما الرافضة فإنه يقال إنهم أعظم الطوائف اختلافا ~~وذلك لأنهم أبعد الطوائف عن السنة والجماعة بخلاف المعتزلة فإنهم أقرب إلى ~~ذلك منهم PageV04P052 # وأبو محمد بن قتيبة في أول كتاب مختلف الحديث لما ذكر أهل الحديث وأئمتهم ~~وأهل الكلام وأئمتهم قفى بذكر أئمة هؤلاء ووصف أقوالهم وأعمالهم ووصف أئمة ~~هؤلاء وأقوالهم وأفعالهم بما يبين لكل أحد أن أهل الحديث هم أهل الحق ~~والهدى وأن غيرهم أولى بالضلال والجهل والحشو والباطل وأيضا المخالفون لأهل ~~الحديث هم مظنة فساد الأعمال إما عن سوء عقيدة ونفاق وإما عن مرض في القلب ~~وضعف إيمان ففيهم من ترك الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة ~~القلب ما هو ظاهر لكل أحد وعامة شيوخهم يرمون بالعظائم وأن كان فيهم من هو ~~معروف بزهد وعبادة ففي زهد بعض العامة من أهل السنة وعبادته ما هو أرجح مما ~~هو فيه # ومن المعلوم أن العلم أصل العمل وصحة الأصول توجب صحة الفروع والرجل لا ~~يصدر عنه فساد العمل إلا لشيئين ms0846 إما الحاجة وإما الجهل فأما العالم بقبح ~~الشيء الغني عنه فلا يفعله اللهم إلا من غلب هواه عقله واستولت عليه ~~المعاصي فذاك لون آخر وضرب ثان # وأيضا فإنه لا يعرف من أهل الكلام أحد إلا وله في الإسلام مقالة يكفر ~~قائلها عموم المسلمين حتى أصحابه وفي التعميم ما يغني عن التعيين فأي فريق ~~PageV04P053 أحق بالحشو والضلال من هؤلاء وذلك يقتضي وجود الردة فيهم كما ~~يوجد النفاق فيهم كثيرا # وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه ~~الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي ~~تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين بل اليهود والنصارى ~~يعلمون أن محمدا بعث بها وكفر مخالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك ~~له ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر ~~والكواكب والأصنام وغير ذلك فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل أمره بالصلوات ~~الخمس وإيجابه لها وتعظيم شأنها ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين ~~والصابئين والمجوس ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك # ثم تجد كثيرا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين وإن كانوا قد ~~يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام فقد حكى عن الجهم بن صفوان أنه ترك ~~الصلاة أربعين يوما لا يرى وجوبها كرؤساء العشائر مثل الأقرع بن حابس ~~وعيينة بن حصن ونحوهم ممن ارتد عن الإسلام ودخل فيه ففيهم من كان يتهم ~~بالنفاق ومرض القلب وفيهم من لم يكن كذلك # أو يقال هم لما فيهم من العلم يشبهون بعبدالله بن أبي سرح الذي كان ~~PageV04P054 كاتب الوحي فارتد ولحق بالمشركين فأهدر النبي دمه عام الفتح ثم ~~أتى به عثمان إليه فبايعه على الإسلام # فمن صنف في مذهب المشركين ونحوهم أحسن أحواله أن يكون مسلما فكثير من ~~رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة وتارة يعود إليه مع ~~مرض في قلبه ونفاق وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها ms0847 النفاق لكن قل ~~أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة وقد ذكر بن قتيبة من ذلك ~~طرفا في أول مختلف الحديث وقد حكى أهل المقالات لبعضهم عن بعض من ذلك طرفا ~~كما يذكره أبو عيسى الوراق والنوبختي وأبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر ~~بن الباقلاني وأبو عبد الله الشهرستاني وغيرهم ممن يذكر مقالات أهل الكلام # وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف ~~الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ~~ورغب فيه وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون تاب منه ~~وعاد إلى الإسلام # ومن العجب أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد ليسوا ~~أهل نظر واستدلال وأنهم ينكرون حجة العقل وربما حكى إنكار النظر عن بعض ~~أئمة السنة وهذا مما ينكرونه عليهم PageV04P055 # فيقال لهم ليس هذا بحق فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن ~~هذا أصل متفق عليه بينهم والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في ~~غير آية ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ~~ذلك بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر ~~والاعتبار والتدبر وغير ذلك ولكن وقع اشتراك في لفظ النظر والاستدلال ولفظ ~~الكلام فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم ~~فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال # وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام يسمى ما وضعه أصول الدين وهذا اسم عظيم ~~والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم فإذا أنكر أهل الحق والسنة ~~ذلك قال المبطل قد أنكروا أصول الدين وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول ~~الدين وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ~~بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان فالدين ما شرعه الله ورسوله وقد بين ~~أصوله وفروعه ومن المحال أن يكون الرسول ms0848 قد بين فروع الدين دون أصوله كما ~~قد بينا هذا في غير هذا الموضع فهكذا لفظ النظر والاعتبار والاستدلال # وعامة هذه الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة كما كان ~~PageV04P056 الزهري يقول كان علماؤنا يقولون الاعتصام بالسنة هو النجاة ~~وقال مالك السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق # وذلك أن السنة والشريعة والمنهاج هو الصراط المستقيم الذي يوصل العباد ~~إلى الله والرسول هو الدليل الهادي الخريت في هذا الصراط كما قال تعالى ~~@QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ وقال تعالى @QB@ وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ وقال ~~عبد الله بن مسعود خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه ~~وشماله ثم قال هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم ~~قرأ @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله @QE@ # وإذا تأمل العاقل الذي يرجو لقاء الله هذا المثال وتأمل سائر الطوائف من ~~الخوارج ثم المعتزلة ثم الجهمية والرافضة ومن أقرب منهم إلى السنة من أهل ~~الكلام مثل الكرامية والكلابية والأشعرية وغيرهم وأن كلا منهم له سبيل يخرج ~~به عما عليه الصحابة وأهل الحديث ويدعى أن سبيله هو الصواب وجدت أنهم ~~المراد بهذا المثال الذي ضربه المعصوم الذي لا يتكلم عن الهوى إن هو إلا ~~وحي يوحى # والعجب أن من هؤلاء من يصرح بأن عقله إذا عارضه الحديث لا سيما ~~PageV04P057 في أخبار الصفات حمل الحديث على عقله وصرح بتقديمه على الحديث ~~وجعل عقله ميزانا للحديث فليت شعري هل عقله هذا كان مصرحا بتقديمه في ~~الشريعة المحمدية فيكون من السبيل المأمور باتباعه أم هو عقل مبتدع جاهل ~~ضال حائر خارج عن السبيل فلا حول ولا قوة إلا بالله # وهؤلاء الإتحادية وأمثالهم إنما ms0849 أتوا من قلة العلم والإيمان بصفات الله ~~التي يتميز بها عن المخلوقات وقلة اتباع السنة وطريقة السلف في ذلك بل قد ~~يعتقدون من التجهم ما ينافي السنة تلقيا لذلك عن متفلسف أو متكلم فيكون ذلك ~~الإعتقاد صادا لهم عن سبيل الله كلما أرادت قلوبهم أن تتقرب إلى ربها وتسلك ~~الصراط المستقيم إليه وتعبده كما فطروا عليه وكما بلغتهم الرسل من علوه ~~وعظمته صرفتهم تلك العوائق المضلة عن ذلك حتى تجد خلقا من مقلدة الجهمية ~~يوافقهم بلسانه وأما قلبه فعلى الفطرة والسنة وأكثرهم لا يفهمون ما النفي ~~الذي يقولونه بألسنتهم بل يجعلونه تنزيها مطلقا مجملا # ومنهم من لا يفهم قول الجهمية بل يفهم من النفي معنى صحيحا ويعتقد أن ~~المثبت يثبت نقيض ذلك ويسمع من بعض الناس ذكر ذلك # مثل أن يفهم من قولهم ليس في جهة ولا له مكان ولا هو في السماء أنه ليس ~~في جوف السماوات وهذا معنى صحيح وإيمانه بذلك حق ولكن PageV04P058 يظن أن ~~الذين قالوا هذاالنفي اقتصروا على ذلك وليس كذلك بل مرادهم أنه ما فوق ~~العرش شيء أصلا ولا فوق السماوات إلا عدم محض ليس هناك إله يعبد ولا رب ~~يدعى ويسأل ولا خالق خلق الخلائق ولا عرج بالنبي إلى ربه أصلا هذا مقصودهم # وهذا هو الذي أوقع الإتحادية في قولهم هو نفس الموجودات إذ لم تجد قلوبهم ~~موجودا إلا هذه الموجودات إذا لم يكن فوقها شيء آخر وهذا من المعارف ~~الفطرية الشهودية الوجودية أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق أو وجود آخر ~~مباين له متميز عنه لا سيما إذا علموا أن الأفلاك مستديرة وأن الأعلى هو ~~المحيط فإنهم يعلمون أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق أو موجود فوقه # فإذا اعتقدوا مع ذلك أنه ليس هناك وجود آخر ولا فوق العالم شيء لزم أن ~~يقولوا هو هذا الوجود المخلوق كما قال الاتحادية وهذه بعينها هي حجة ~~الإتحادية # وهذا بعينه هو مشرب قدماء الجهمية وحدثائهم كما يقولون هو في كل مكان ~~وليس هو في مكان ولا ms0850 يختص بشيء يجمعون دائما بين القولين المتناقضين لأنهم ~~يريدون إثبات موجود وليس عندهم شيء فوق العالم فتعين أن يكون هو العالم أو ~~يكون فيه ثم يريدون إثبات شيء غير المخلوق PageV04P059 فيقولون ليس هو في ~~العالم كما ليس خارجا عنه أو يقولون هو وجود المخلوقات دون أعيانها أو ~~يقولون هو الوجود المطلق فيثبتونه فيما يثبتون إذ كانت قلوبهم متشابهة في ~~النفي والتعطيل وهو إنكار موجود حقيقي مباين للمخلوقات عال عليها # وإنما يفترقون فيما يثبتونه ويكرهون فطرهم وعقولهم على قبول المحال ~~المتناقض فيقولون هو في العالم وليس هو فيه أو هو العالم وليس إياه أو ~~يغلبون الإثبات فيقولون بل هو نفس الوجود أو النفي فيقولون ليس في العالم ~~ولا خارجا عنه أو يدينون بالإثبات في حال وبالنفي في حال إذا غلب على أحدهم ~~عقله غلب النفي وهو أنه ليس في العالم وإذا غلب عليه الوجد والعبادة رجح ~~الإثبات وهو أنه في هذا الوجود أو هو هو لا تجد جهميا إلا على أحد هذه ~~الوجوه الأربعة وإن تنوعوا فيما يثبتونه كما ذكرته لك فهم مشتركون في ~~التعطيل # وقد رأيت منهم ومن كتبهم وسمعت منهم وممن يخبر عنهم من ذلك ما شاء الله ~~وكلهم على هذه الأحوال ضالون عن معبودهم وإلههم وخالقهم ثم رأيت كلام السلف ~~والأئمة كلهم يصفونهم بمثل ذلك فمن الله علينا باتباع سبيل المؤمنين وآمنا ~~بالله وبرسوله وكل هؤلاء يجد نفسه مضطربة في هذا الإعتقاد لتناقضه في نفسه ~~وإنما يسكن بعض اضطرابه نوع تقليد لمعظم عنده أو خوفه من مخالفة أصحابه أو ~~زعمه أن هذا من حكم الوهم والخيال دون العقل PageV04P060 # وهذا التناقض في إثبات هذا الموجود الذي ليس بخارج عن العالم ولا هو ~~العالم الذي ترده فطرهم وشهودهم وعقولهم غير ما في الفطرة من الإقرار بصانع ~~فوق العالم فإن هذا إقرار الفطرة بالحق المعروف وذاك إنكار الفطرة بالباطل ~~المنكر # ومن هذا الباب ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي في حكايته المعروفة أن الشيخ ~~أبا جعفر الهمداني حضر مرة والأستاذ أبو ms0851 المعالي يذكر على المنبر كان الله ~~ولا عرش ونفى الاستواء على ما عرف من قوله وإن كان في آخر عمره رجع عن هذه ~~العقيدة ومات على دين أمه وعجائز نيسابور قال فقال الشيخ أبو جعفر يا أستاذ ~~دعنا من ذكر العرش يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع أخبرنا عن هذه الضرورة ~~التي نجدها في قلوبنا ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه معنى يطلب ~~العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا فصرخ أبو ~~المعالي ووضع يده على رأسه وقال حيرني الهمداني أو كما قال ونزل # فهذا الشيخ تكلم بلسان جميع بني آدم فأخبر أن العرش والعلم باستواء الله ~~عليه إنما أخذ من جهة الشرع وخبر الكتاب والسنة بخلاف الإقرار بعلو الله ~~على الخلق من غير تعيين عرش ولا استواء فإن هذا أمر فطري ضروري نجده في ~~قلوبنا نحن وجميع من يدعو الله تعالى فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا ~~PageV04P061 # والجارية التي قال لها النبي أين الله قالت في السماء قال أعتقها فإنها ~~مؤمنة جارية أعجمية أرأيت من فقهها وأخبرها بما ذكرته وإنما أخبرت عن ~~الفطرة التي فطرها الله تعالى عليها وأقرها النبي على ذلك وشهد لها ~~بالإيمان # فليتأمل العاقل ذلك يجده هاديا له على معرفة ربه والإقرار به كما ينبغي ~~لا ما أحدثه المتعمقون والمتشدقون ممن سول لهم الشيطان وأملى لهم # ومن أمثلة ذلك أن الذين لبسوا الكلام بالفلسفة من أكابر المتكلمين تجدهم ~~يعدون من الأسرار المصونة والعلوم المخزونة ما إذا تدبره من له أدنى عقل ~~ودين وجد فيه من الجهل والضلال ما لم يكن يظن أنه يقع فيه هؤلاء حتى قد ~~يكذب بصدور ذلك عنهم مثل تفسير حديث المعراج الذي ألفه أبو عبد الله الرازي ~~الذي احتذى فيه حذو بن سينا وعين القضاة الهمداني فإنه روى حديث المعراج ~~بسياق طويل وأسماء عجيبة وترتيب لا يوجد في شيء من كتب المسلمين لا في ~~الأحاديث الصحيحة ولا الحسنة ولا الضعيفة المروية عند ms0852 أهل العلم وإنما وضعه ~~بعض السؤال والطرقية أو بعض شياطين الوعاظ أو بعض الزنادقة # ثم إنه مع الجهل بحديث المعراج الموجود في كتب الحديث والتفسير والسيرة ~~وعدوله عما يوجد في هذه الكتب إلى ما لم يسمع من عالم ولا يوجد PageV04P062 ~~في أثارة من علم فسره بتفسير الصابئة الضالة المنجمين وجعل معراج الرسول ~~ترقيه بفكره إلى الأفلاك وأن الأنبياء الذين رآهم هم الكواكب فآدم هو القمر ~~وإدريس هو الشمس والأنهار الأربعة هي العناصر الأربعة وأنه عرف الوجود ~~الواجب المطلق ثم إنه يعظم ذلك ويجعله من الأسرار والمعارف التي يجب صونها ~~عن أفهام المؤمنين وعلمائهم حتى إن طائفة ممن كانوا يعظمونه لما رأوا ذلك ~~تعجبوا منه غاية التعجب وجعل بعض المتعصبين له يدفع ذلك حتى أروه النسخة ~~بخط بعض المشائخ المعروفين الخبيرين بحاله وقد كتبها في ضمن كتابه الذي ~~سماه المطالب العالية وجمع فيه عامة آراء الفلاسفة والمتكلمين # وتجد أبا حامد الغزالي مع أن له من العلم بالفقه والتصوف والكلام والأصول ~~وغير ذلك مع الزهد والعبادة وحسن القصد وتبحره في العلوم الإسلامية أكثر من ~~أولئك يذكر في كتاب الأربعين ونحوه كتابه المضنون به على غير أهله فإذا ~~طلبت ذلك الكتاب واعتقدت فيه أسرار الحقائق وغاية المطالب وجدته قول ~~الصابئة المتفلسفة بعينه قد غيرت عباراتهم وترتيباتهم ومن لم يعلم حقائق ~~مقالات العباد ومقالات أهل الملل يعتقد أن ذاك هو السر الذي كان بين النبي ~~وأبي بكر وأنه هو الذي يطلع عليه المكاشفون الذين أدركوا الحقائق بنور إلهي # فإن أبا حامد كثيرا ما يحيل في كتبه على ذلك النور الإلهي وعلى ما يعتقد ~~PageV04P063 أنه يوجد للصوفية والعباد برياضتهم وديانتهم من إدراك الحقائق ~~وكشفها لهم حتى يزنوا بذلك ما ورد به الشرع # وسبب ذلك أنه كان قد علم بذكائه وصدق طلبه ما في طريق المتكلمين ~~والمتفلسفة من الاضطراب وآتاه الله إيمانا مجملا كما أخبر به عن نفسه وصار ~~يتشوف إلى تفصيل الجملة فيجد في كلام المشائخ والصوفية ما هو أقرب إلى الحق ~~وأولى بالتحقيق من ms0853 كلام الفلاسفة والمتكلمين والأمر كما وجده لكن لم يبلغه ~~من الميراث النبوي الذي عند خاصة الأمة من العلوم والأحوال وما وصل إليه ~~السابقون الأولون من العلم والعبادة حتى نالوا من المكاشفات العلمية ~~والمعاملات العبادية ما لم ينله أولئك # فصار يعتقد أن تفصيل تلك الجملة يحصل بمجرد تلك الطريق حيث لم يكن عنده ~~طريق غيرها لانسداد الطريقة الخاصة السنية النبوية عنه بما كان عنده من قلة ~~العلم بها ومن الشبهات التي تقلدها عن المتفلسفة والمتكلمين حتى حالوا بها ~~بينه وبين تلك الطريقة # ولهذا كان كثير الذم لهذه الحوائل ولطريقة العلم وإنما ذاك لعلمه الذي ~~سلكه والذي حجب به عن حقيقة المتابعة للرسالة وليس هو بعلم وإنما هو عقائد ~~فلسفية وكلامية كما قال السلف العلم بالكلام هو الجهل وكما قال أبو يوسف من ~~طلب العلم بالكلام تزندق PageV04P064 # ولهذا صار طائفة ممن يرى فضيلته وديانته يدفعون وجود هذه الكتب عنه حتى ~~كان الفقيه أبو محمد بن عبدالسلام فيما علقه عنه ينكر أن يكون بداية ~~الهداية من تصنيفه ويقول إنما هو تقول عليه مع أن هذه الكتب مقبولها أضعاف ~~مردودها والمردود منها أمور مجملة وليس فيها عقائد ولا أصول الدين # وأما المضنون به على غير أهله فقد كان طائفة أخرى من العلماء يكذبون ~~ثبوته عنه وأما أهل الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كله كلامه لعلمهم ~~بمواد كلامه ومشابهة بعضه بعضا ولكن كان هو وأمثاله كما قدمت مضطربين لا ~~يثبتون على قول ثابت لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوفون به إلى طريقة ~~خاصة الخلق ولم يقدر لهم سلوك طريق خاصة هذه الأمة الذين ورثوا عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم العلم والإيمان وهم أهل حقائق الإيمان والقرآن كما ~~قدمناه وأهل الفهم لكتاب الله والعلم والفهم لحديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأتباع هذا العلم بالأحوال والأعمال المناسبة لذلك كما جاءت به ~~الرسالة # ولهذا كان الشيخ أبو عمرو بن الصلاح يقول فيما رأيته بخطه أبو حامد كثر ~~القول فيه ومنه # فأما هذه الكتب ms0854 يعني المخالفة للحق فلا يلتفت إليها وأما الرجل فيسكت عنه ~~ويفوض أمره إلى الله PageV04P065 # ومقصوده أنه لا يذكر بسوء لأن عفو الله عن الناسي والمخطئ وتوبة المذنب ~~تأتي على كل ذنب وذلك من أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله ولأن مغفرة الله ~~بالحسنات منه ومن غيره وتكفيره الذنوب بالمصائب تأتي على محقق الذنوب فلا ~~يقدم الإنسان على انتفاء ذلك في حق معين إلا ببصيرة لا سيما مع كثرة ~~الإحسان والعلم الصحيح والعمل الصالح والقصد الحسن وهو يميل إلى الفلسفة ~~لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية # ولهذا فقد رد عليه علماء المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي فإنه ~~قال شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر # وقد حكى عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه ورد ~~عليه أبو عبد الله المازري في كتاب أفرده ورد عليه أبو بكر الطرطوشي ورد ~~عليه أبو الحسن المرغيناني رفيقه رد عليه كلامه في مشكاة الأنوار ونحوه ورد ~~عليه الشيخ أبو البيان والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وحذر من كلامه في ذلك هو ~~وأبو زكريا النواوي وغيرهما ورد عليه بن عقيل وبن الجوزي وأبو محمد المقدسي ~~وغيرهم # وهذا باب واسع فإن الخارجين عن طريقة السابقين الأولين من PageV04P066 ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لهم في كلام الرسول ثلاث طرق ~~طريقة التخييل وطريقة التأويل وطريقة التجهيل # فأهل التخييل هم الفلاسفة والباطنية الذين يقولون أنه خيل أشياء لا حقيقة ~~لها في الباطن وخاصية النبوة عندهم التخييل # وطريقة التأويل طريقة المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم يقولون إن ~~ما قاله له تأويلات تخالف ما دل عليه اللفظ وما يفهم منه وهو وإن كان لم ~~يبين مراده ولا بين الحق الذي يجب اعتقاده فكان مقصوده أن هذا يكون سببا ~~للبحث بالعقل حتى يعلم الناس الحق بعقولهم ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما ~~يوافق قولهم ليثابوا على ذلك فلم يكن قصده لهم البيان والهداية والإرشاد ~~والتعليم بل قصده التعمية والتلبيس ms0855 ولم يعرفهم الحق حتى ينالوا الحق بعقلهم ~~ويعرفوا حينئذ أن كلامه لم يقصد به البيان فيجعلون حالهم في العلم مع عدمه ~~خيرا من حالهم مع وجوده # وأولئك المتقدمون كابن سينا وأمثاله ينكرون على هؤلاء ويقولون ألفاظه ~~كثيرة صريحة لا تقبل التأويل لكن كان قصده التخييل وأن يعتقد الناس الأمر ~~على خلاف ما هو عليه # وأما الصنف الثالث الذين يقولون إنهم أتباع السلف فيقولون إنه لم يكن ~~الرسول يعرف معنى ما أنزل عليه من هذه الآيات ولا أصحابه PageV04P067 ~~يعلمون معنى ذلك بل لازم قولهم أنه هو نفسه لم يكن يعرف معنى ما تكلم به من ~~أحاديث الصفات بل يتكلم بكلام لا يعرف معناه والذين ينتحلون مذهب السلف ~~يقولون إنهم لم يكونوا يعرفون معاني النصوص بل يقولون ذلك في الرسول وهذا ~~القول من أبطل الأقوال ومما يعتمدون عليه من ذلك ما فهموه من قوله تعالى ~~@QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ ويظنون أن التأويل هو المعنى الذي ~~يسمونه هم تأويلا وهو مخالف للظاهر # ثم هؤلاء قد يقولون تجري النصوص على ظاهرها وتأويلها لا يعلمه إلا الله ~~ويريدون بالتأويل ما يخالف الظاهر وهذا تناقض منهم وطائفة يريدون بالظاهر ~~ألفاظ النصوص فقط والطائفتان غالطتان في فهم الآية # وذلك أن لفظ التأويل قد صار بسبب تعدد الاصطلاحات له ثلاث معان أحدها أن ~~يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهره وهذا هو المعنى ~~الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة كقوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا ~~تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ~~@QE@ ومنه قول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ~~ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لي يتأول القرآن ~~PageV04P068 # والثاني يراد بلفظ التأويل التفسير وهو اصطلاح كثير من المفسرين ولهذا ~~قال مجاهد إمام أهل التفسير إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه ~~فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه وهذا مما يعلمه الراسخون # والثالث أن يراد بلفظ التأويل صرف ms0856 اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره ~~إلى ما يخالف ذلك لدليل منفصل يوجب ذلك وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفا ~~لما يدل عليه اللفظ ويبينه وتسمية هذا تأويلا لم يكن في عرف السلف وإنما ~~سمي هذا وحده تأويلا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام ~~وظن هؤلاء أن قوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ يراد به هذا ~~المعنى ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين قوم يقولون إنه لا يعلمه إلا ~~الله وقوم يقولون إن الراسخين في العلم يعلمونه وكلا الطائفتين مخطئة # فإن هذا التأويل في كثير من المواضع أو أكثرها وعامتها من باب تحريف ~~الكلم عن مواضعه من جنس تأويلات القرامطة والباطنية وهذا هو التأويل الذي ~~اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في ~~آثارهم بالشهب # وقد صنف الإمام أحمد كتابا في الرد على هؤلاء وسماه الرد على PageV04P069 ~~الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله ~~فعاب أحمد عليهم أنهم يفسرون القرآن بغير ما هو معناه ولم يقل أحمد ولا أحد ~~من الأئمة إن الرسول لم يكن يعرف معاني آيات الصفات وأحاديثها ولا قالوا إن ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرفوا تفسير القرآن ومعانيه # كيف وقد أمر الله بتدبر كتابه فقال تعالى @QB@ كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته @QE@ ولم يقل بعض آياته وقال @QB@ أفلا يتدبرون القرآن @QE@ ~~وقال @QB@ أفلم يدبروا القول @QE@ وأمثال ذلك في النصوص التي تبين أن الله ~~يحب أن يتدبر الناس القرآن كله وأنه جعله نورا وهدى لعباده ومحال أن يكون ~~ذلك مما لا يفهم معناه وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا ~~يقرؤننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود أنهم قالوا كنا إذا ~~تعلمنا من النبي عشر آيات لم نجاوزها حتى نتعلم ما فيها من العلم والعمل ~~قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا أن من يقول في الرسول وبيانه للناس مما هو ms0857 من قول الملاحدة ~~فكيف يكون قوله في السلف حتى يدعي إتباعه وهو مخالف للرسول والسلف عند نفسه ~~وعند طائفته فإنه قد أظهر من قول النفاة ما كان الرسول يرى عدم إظهاره لما ~~فيه من فساد الناس وأما عند أهل العلم والإيمان فلا PageV04P070 # وقول النفاة باطل باطنا وظاهرا والرسول ومتبعوه منزهون عن ذلك بل مات ~~وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وأخبرنا أن ~~كل ما حدث بعده من محدثات الأمور فهو بدعة وكل بدعة ضلالة # وربما أنشد بعض أهل الكلام بيت مجنون بني عامر # وكل يدعى وصلا لليلى %~% وليلى لا تقر لهم بذاكا # فمن قال من الشعر ما هو حكمة أو تمثل ببيت من الشعر فيما تبين له أنه حق ~~كان قريبا أما إثبات الدعوى بمجرد كلام منظوم من شعر أو غيره فيقال لصاحبه ~~ينبغي أن تبين أن السلف لا يقرون بمن انتحلتهم وهذا ظاهر فيما ذكره هو ~~وغيره ممن يقولون عن السلف ما لم يقولوه ولم ينقله عنهم أحد له معرفة ~~بحالهم وعدل فيما نقل فإن الناقل لا بد أن يكون عالما عدلا # فإن فرض أن أحدا نقل مذهب السلف كما يذكره فإما أن يكون قليل المعرفة ~~بآثار السلف كأبي المعالي وأبي حامد الغزالي وبن الخطيب وأمثالهم ممن لم ~~يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يعدون به من عوام أهل الصناعة فضلا عن ~~خواصها ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلما وأحاديثهما إلا ~~بالسماع كما يذكر ذلك العامة ولا يميزون بين الحديث الصحيح المتواتر ~~PageV04P071 عند أهل العلم بالحديث وبين الحديث المفترى المكذوب وكتبهم ~~أصدق شاهد بذلك ففيها عجائب # وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف ~~بذلك إما عند الموت وإما قبل الموت والحكايات في هذا كثيرة معروفة # هذا أبو الحسن الأشعري نشأ في الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه ثم رجع عن ~~ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم # وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة ms0858 ~~وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف ~~والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف وإن كان بعد ذلك رجع إلى ~~طريقة أهل الحديث وصنف إلجام العوام عن علم الكلام # وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي قال في كتابه الذي صنفه في أقسام ~~اللذات لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ~~ولا تروى غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات @QB@ الرحمن ~~على العرش استوى @QE@ @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ ~~وأقرأ في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ~~PageV04P072 @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ ثم قال ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل ~~معرفتي وكان يتمثل كثيرا # نهاية إقدام العقول عقال %~% وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا %~% وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا %~% سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # وهذا إمام ~~الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف وكان يقول يا أصحابنا ~~لا تشتغلوا بالكلام فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت ~~به وقال عند موته لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت ~~فيما نهوني عنه والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني ~~وهاأنذا أموت على عقيدة أمي أو قال عقيدة عجائز نيسابور # وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبدالكريم الشهرستاني أخبر أنه لم يجد ~~عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم وكان ينشد # لعمري لقد طفت المعاهد كلها %~% وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر %~% على ذقن أو قارعا سن نادم # وبن الفارض من متأخري الاتحادية صاحب القصيدة التائية المعروفة بنظم ~~السلوك وقد نظم فيها الاتحاد نظما رائق اللفظ فهو أخبث من لحم PageV04P073 ~~خنزير في صينية من ذهب وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك الله أعلم بها وبما ~~اشتملت عليه وقد نفقت كثيرا وبالغ أهل العصر في تحسينها والإعتداد بما فيها ~~من الاتحاد لما حضرته الوفاة ms0859 أنشد # إن كان منزلتي في الحب عندكم %~% ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي # أمنية ظفرت نفسي بها زمنا %~% واليوم أحسبها أضغاث أحلام # ولقد كان من أصول الإيمان أن يثبت الله العبد بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة كما قال تعالى @QB@ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب ~~الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من ~~فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء @QE@ # والكلمة أصل العقيدة فإن الإعتقاد هو الكلمة التي يعتقدها المرء وأطيب ~~الكلام والعقائد كلمة التوحيد واعتقاد أن لا إله إلا الله وأخبث الكلام ~~والعقائد كلمة الشرك وهو اتخاذ إله مع الله فإن ذلك باطل لا حقيقة له ولهذا ~~قال سبحانه @QB@ ما لها من قرار @QE@ ولهذا كان كلما بحث الباحث وعمل ~~العامل على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزداد إلا ضلالا وبعدا عن الحق ~~وعلما ببطلانها كما قال تعالى @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله ~~سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ~~ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور @QE@ PageV04P074 فذكر سبحانه مثلين # أحدهما مثل الكفر والجهل المركب الذي يحسبه صاحبه موجودا وفي الواقع يكون ~~خيالا معدوما كالسراب وأن القلب عطشان إلى الحق كعطش الجسد إلى الماء فإذا ~~طلب ما ظنه ماء وجده سرابا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ~~وهكذا تجد عامة هؤلاء الخارجين عن السنة والجماعة # والمثل الثاني مثل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبين فيه صاحبه حقا ولا ~~يرى فيه هدى والكفر المركب مستلزم للبسيط وكل كفر فلا بد فيه من جهل مركب ms0860 # فضرب الله سبحانه المثلين بذلك ليبين حال الإعتقاد الفاسد ويبين حال عدم ~~معرفة الحق وهو يشبه حال المغضوب عليهم والضالين حال المصمم على الباطل حتى ~~يحل به العذاب وحال الضال الذي لا يرى طريق الهدى # فنسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~وأن يرزقنا الاعتصام بالكتاب والسنة PageV04P075 # ومن أمثلة ما ينسبه كثير من أتباع المشائخ والصوفية إلى المشائخ الصادقين ~~من الكذب والمحال أو يكون من كلامهم المتشابه الذي تأولوه على غير تأويله ~~أو يكون من غلطات بعض الشيوخ وزلاتهم أو من ذنوب بعضهم وخطئهم مثل كثير من ~~البدع والفجور الذي يفعله بعضهم بتأويل سائغ أو بوجه غير سائغ فيعفي عنه أو ~~يتوب منه أو يكون له حسنات يغفر له بها أو مصائب يكفر عنه بها أو يكون من ~~كلام المتشبهين بأولياء الله من ذوي الزهادات والعبادات والمقامات وليس هو ~~من أولياء الله المتقين بل من الجاهلين الظالمين المعتدين أو المنافقين أو ~~الكافرين # وهذا كثير ملأ العالم تجد كل قوم يدعون من الاختصاص بالأسرار والحقائق ما ~~لا يدعى المرسلون وأن ذلك عند خواصهم وأن ذلك لا ينبغي أن يقابل إلا ~~بالتسليم ويحتجون لذلك بأحاديث موضوعه وتفسيرات باطلة مثل قولهم عن عمر إن ~~النبي كان يتحدث هو وأبو بكر بحديث وكنت كالزنجي بينهما فيجعلون عمر مع ~~النبي وصديقه كالزنجي وهو حاضر يسمع الكلام ثم يدعي أحدهم أنه علم ذلك بما ~~قذف في قلبه ويدعى كل منهم أن ذلك هو ما يقوله من الزور والباطل ولو ذكرت ~~ما في هذا الباب من أصناف الدعاوي الباطلة لطال # فمنهم من يجعل للشيخ قصائد يسميها جنيب القرآن ويكون وجده بها وفرحه ~~بمضمونها أعظم من القرآن ويكون فيها من الكذب والضلال أمور PageV04P076 # ومنهم من يجعل له قصائد في الاتحاد وأنه خالق جميع الخلق وأنه خلق ~~السماوات والأرض وأنه يسجد له ويعبد # ومنهم من يصف ربه في قصائده بما نقل في الموضوعات من أصناف التمثيل ~~والتكييف والتجسيم التي هي كذب مفترى وكفر صريح ms0861 مثل مواكلته ومشاربته ~~ومماشاته ومعانقته ونزوله إلى الأرض وقعوده في بعض رياض الأرض ونحو ذلك ~~ويجعل كل منهم ذلك من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة التي تكون لخواص ~~اولياء الله المتقين # ومن أمثلة ذلك أنك تجد عند الرافضة والمتشيعة ومن أخذ عنهم من دعوى علوم ~~الأسرار والحقائق التي يدعون أخذها عن أهل البيت إما من العلوم الدينية ~~وإما من علم الحوادث الكائنة ما هو عندهم من أجل الأمور التي يجب التواصي ~~بكتمانها والإيمان بما لا يعلم حقيقته من ذلك وجميعها كذب مختلق وإفك مفترى # فإن هذه الطائفة الرافضة من أكثر الطوائف كذبا وادعاء للعلم المكتوم ~~ولهذا انتسبت إليهم الباطنية والقرامطة # وهؤلاء خرج أولهم في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وصاروا يدعون أنه خص بأسرار من العلوم والوصية حتى كان يسأله عن ذلك خواص ~~أصحابه فيخبرهم بانتفاء ذلك ولما بلغه أن ذلك قد قيل كان يخطب الناس وينفي ~~ذلك عن نفسه PageV04P077 # وقد خرج أصحاب الصحيح كلام علي هذا من غير وجه مثل ما في الصحيح عن أبي ~~جحيفة قال سألت عليا هل عندكم شيء ليس في القرآن فقال لا والذي فلق الحبة ~~وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطيه الله الرجل في كتابه ~~وما في هذه الصحيفة قلت وما في الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل ~~مسلم بكافر ولفظ البخاري هل عندكم شيء من الوحي غير ما في كتاب الله قال لا ~~والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن # وفي الصحيحين عن إبراهيم التيمي عن أبيه وهذا من أصح إسناد على وجه الأرض ~~عن علي قال ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة حرام ما بين عير إلى ثور وفي رواية لمسلم خطبنا علي بن ~~أبي طالب فقال من زعم أن عندنا كتابا نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه ~~الصحيفة قال وصحيفته معلقة في قراب ms0862 سيفه فقد كذب فيها أسنان الإبل وأشياء ~~من الجراحات وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حرام الحديث # وأما الكذب والأسرار التي يدعونها عن جعفر الصادق فمن أكبر الأشياء كذبا ~~حتى يقال ما كذب على أحد ما كذب على جعفر رضي الله عنه # ومن هذه الأمور المضافة كتاب الجفر الذي يدعون أنه كتب فيه PageV04P078 ~~الحوادث والجفر ولد الماعز يزعمون أنه كتب ذلك في جلده وكذلك كتاب البطاقة ~~الذي يدعيه بن الحلي ونحوه من المغاربة ومثل كتاب الجدول في الهلال والهفت ~~عن جعفر وكثير من تفسير القرآن وغيره # ومثل كتاب رسائل إخوان الصفا الذي صنفه جماعة في دولة بني بويه ببغداد ~~وكانوا من الصابئة المتفلسفة المتحنفة جمعوا بزعمهم بين دين الصابئة ~~المبدلين وبين الحنيفية وأتوا بكلام المتفلسفة وبأشياء من الشريعة وفيه من ~~الكفر والجهل شيء كثير ومع هذا فإن طائفة من الناس من بعض أكابر قضاة ~~النواحي يزعم أنه من كلام جعفر الصادق وهذا قول زنديق وتشنيع جاهل # ومثل ما يذكره بعض العامة من ملاحم بن غنضب ويزعمون أنه كان معلما للحسن ~~والحسين وهذا شيء لم يكن في الوجود باتفاق أهل العلم وملاحم بن غنضب إنما ~~صنفها بعض الجهال في دولة نور الدين ونحوها وهو شعر فاسد يدل على أن ناظمه ~~جاهل # وكذلك عامة هذه الملاحم المروية بالنظم ونحوه عامتها من الأكاذيب وقد ~~أحدث في زماننا من القضاة والمشائخ غير واحدة منها وقد قررت بعض هؤلاء على ~~ذلك بعد أن ادعى قدمها وقلت له بل أنت صنفتها ولبستها PageV04P079 على بعض ~~ملوك المسلمين لما كان المسلمون محاصري عكة وكذلك غيره من القضاة وغيرهم ~~لبسوا على غير هذا الملك # وباب الكذب في الحوادث الكونية أكثر منه في الأمور الدينية لأن تشوف ~~الذين يغلبون الدنيا على الدين إلى ذلك أكثر وإن كان لأهل الدين إلى ذلك ~~تشوف لكن تشوفهم إلى الدين أقوى وأولئك ليس لهم من الفرقان بين الحق ~~والباطل من النور ما لأهل الدين فلهذا كثر الكذابون في ذلك ونفق منه شيء ms0863 ~~كثير وأكلت به أموال عظيمة بالباطل وقتلت به نفوس كثيرة من المتشوفة إلى ~~الملك ونحوها # ولهذا ينوعون طرق الكذب في ذلك ويتعمدون الكذب فيه تارة بالإحالة على ~~الحركات والأشكال الجسمانية الإلهية من حركات الأفلاك والكواكب والشهب ~~والرعود والبروق والرياح وغير ذلك وتارة بما يحدثونه هم من الحركات ~~والأشكال كالضرب بالرمل والحصا والشعير والقرعة باليد ونحو ذلك مما هو من ~~جنس الاستقسام بالأزلام فإنهم يطلبون علم الحوادث بما يفعلونه من هذا ~~الاستقسام بها سواء كانت قداحا أو حصا أو غير ذلك مما ذكره أهل العلم ~~بالتفسير # فكل ما يحدثه الإنسان بحركة من تغيير شيء من الأجسام ليستخرج به علم ما ~~يستقبله فهو من هذا الجنس بخلاف الفأل الشرعي وهو الذي كان PageV04P080 ~~يعجب النبي وهو أن يخرج متوكلا على الله فيسمع الكلمة الطيبة وكان يعجبه ~~الفأل ويكره الطيرة لأن الفأل تقوية لما فعله بإذن الله والتوكل عليه ~~والطيرة معارضة لذلك فيكره للإنسان أن يتطير وإنما تضر الطيرة من تطير لأنه ~~أضر نفسه فأما المتوكل على الله فلا # وليس المقصود ذكر هذه الأمور وسبب إصابتها تارة وخطئها تارات وإنما الغرض ~~أنهم يتعمدون فيها كذبا كثيرا من غير أن تكون قد دلت على ذلك دلالة كما ~~يتعمد خلق كثير الكذب في الرؤيا التي منها الرؤيا الصالحة وهي جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة وكما كانت الجن تخلط بالكلمة تسمعها من السماء مائة ~~كذبة ثم تلقيها إلى الكهان ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم ~~السلمي قال قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام ~~وإن منا رجالا يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال قلت ومنا رجال يتطيرون قال ~~ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي ~~من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك # فإذا كان ما هو من أجزاء النبوة ومن أخبار الملائكة ما قد يتعمد فيه ~~الكذب الكثير فكيف بما هو في نفسه مضطرب لا يستقر على أصل فلهذا ms0864 تجد عامة ~~من في دينه فساد يدخل في الأكاذيب الكونية مثل أهل الاتحاد فإن بن عربي في ~~كتاب عنقاء مغرب وغيره أخبر بمستقبلات كثيرة PageV04P081 عامتها كذب وكذلك ~~بن سبعين وكذلك الذين استخرجوا مدة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل من حروف ~~المعجم الذي ورثوه من اليهود ومن حركات الكواكب الذي ورثوه من الصابئة كما ~~فعل أبو نصر الكندي وغيره من الفلاسفة وكما فعل بعض من تكلم في تفسير ~~القرآن من أصحاب الرازي ومن تكلم في تأويل وقائع النساك من المائلين إلى ~~التشيع # وقد رأيت من أتباع هؤلاء طوائف يدعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة ~~والعلوم المصونة وخاطبت في ذلك طوائف منهم وكنت أحلف لهم أن هذا كذب مفترى ~~وأنه لا يجري من هذه الأمور شيء وطلبت مباهلة بعضهم لأن ذلك كان متعلقا ~~بأصول الدين وكانوا من الاتحادية الذين يطول وصف دعاويهم # فإن شيخهم الذي هو عارف وقته وزاهده عندهم كانوا يزعمون أنه هو المسيح ~~الذي ينزل وأن معنى ذلك نزول روحانية عيسى عليه السلام وأن أمه اسمها مريم ~~وأنه يقوم بجمع الملل الثلاث وأنه يظهر مظهرا أكمل من مظهر محمد وغيره من ~~المرسلين ولهم مقالات من أعظم المنكرات يطول ذكرها ووصفها # ثم إن من عجيب الأمر أن هؤلاء المتكلمين المدعين 2 لحقائق الأمور العلمية ~~والدينية المخالفين للسنة والجماعة يحتج كل منهم بما يقع له من حديث ~~PageV04P082 موضوع أو مجمل لا يفهم معناه وكلما وجد أثرا فيه إجمال نزله ~~على رأيه فيحتج بعضهم بالمكذوب مثل المكذوب المنسوب إلى عمر كنت كالزنجي ~~ومثل ما يروونه من سر المعراج وما يروونه من أن أهل الصفة سمعوا المناجاة ~~من حيث لا يشعر الرسول فلما نزل الرسول أخبروه فقال من أين سمعتم فقالوا ~~كنا نسمع الخطاب # حتى إني لما بينت لطائفة تمشيخوا وصاروا قدوة للناس أن هذا كذب ما خلقه ~~الله قط قلت ويبين لك ذلك أن المعراج كان بمكة بنص القرآن وبإجماع المسلمين ~~والصفة إنما كانت بالمدينة فمن أين كان بمكة أهل صفة ms0865 # وكذلك احتجاجهم بأن أهل الصفة قاتلوا النبي وأصحابه مع المشركين لما ~~انتصروا وزعموا أنهم مع الله ليحتجوا بذلك على متابعة الواقع سواء كان طاعة ~~لله أو معصية وليجعلوا حكم دينه هو ما كان كما قال الذين أشركوا @QB@ لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا @QE@ وأمثال هذه الموضوعات كثيرة # وأما المجملات فمثل احتجاجهم بنهي بعض الصحابة عن ذكر بعض خفي العلم كقول ~~علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب ~~الله ورسوله وقول عبد الله بن مسعود PageV04P083 ما من رجل يحدث قوما بحديث ~~لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وقول عبد الله بن عباس في تفسير ~~الآيات ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت وكفرك بها تكذيبك بها # وهذه الآثار حق لكن ينزل كل منهم ذاك الذي لم يحدث به على ما يدعيه هو من ~~الأسرار والحقائق التي إذا كشفت وجدت من الباطل والكفر والنفاق حتى إن أبا ~~حامد الغزالي في منهاج القاصدين وغيره هو وأمثاله تمثل بما يروى عن علي بن ~~الحسين أنه قال # يا رب جوهر علم لو أبوح به %~% لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا # ولا ستحل رجال مسلمون دمى %~% يرون أقبح ما يأتونه حسنا # فإذا كانت هذه طرق هؤلاء الذين يدعون من التحقيق وعلوم الأسرار ما خرجوا ~~به عن السنة والجماعة وزعموا أن تلك العلوم الدينية أو الكونية مختصة بهم ~~فآمنوا بمجملها ومتشابهها وأنهم منحوا من حقائق العبادات وخالص الديانات ما ~~لم يمنح الصدر الأول حفاظ الإسلام وبدور الملة ولم يتجرءوا عليها برد ~~وتكذيب مع ظهور الباطل فيها تارة وخفائه أخرى فمن المعلوم أن العقل والدين ~~يقتضيان أن جانب النبوة والرسالة أحق بكل تحقيق وعلم ومعرفة وإحاطة بأسرار ~~الأمور وبواطنها هذا لا ينازع فيه مؤمن ونحن الآن في مخاطبة من في قلبه ~~إيمان PageV04P084 # وإذا كان الأمر كذلك فأعلم الناس بذلك أخصهم بالرسول وأعلمهم بأقواله ~~وأفعاله وحركاته وسكناته ومدخله ومخرجه وباطنه وظاهره وأعلمهم بأصحابه ~~وسيرته وأيامه وأعظمهم بحثا عن ذلك وعن ms0866 نقلته وأعظمهم تدينا به واتباعا له ~~واقتداء به وهؤلاء هم أهل السنة والحديث حفظا له ومعرفة بصحيحه وسقيمه ~~وفقها فيه وفهما يؤتيه الله إياه في معانيه وإيمانا وتصديقا وطاعة وانقيادا ~~واقتداء واتباعا مع ما يقترن بذلك من قوة عقلهم وقياسهم وتمييزهم وعظيم ~~مكاشفاتهم ومخاطباتهم فإنهم أسد الناس نظرا وقياسا ورأيا وأصدق الناس رؤيا ~~وكشفا # أفلا يعلم من له أدنى عقل ودين أن هؤلاء أحق بالصدق والعلم والإيمان ~~والتحقيق ممن يخالفهم وأن عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع وأن ~~الذي عندهم هو الحق المبين وأن الجاهل بأمرهم والمخالف لهم هو الذي معه من ~~الحشو ما معه ومن الضلال كذلك وهذا باب يطول شرحه # فإن النفوس لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصره إلا ذو الجلال # والأقوال إخبارات وانشاءات كالأمر والنهي # فأحسن الحديث وأصدقه كتاب الله خبره أصدق الخبر وبيانه أوضح البيان وأمره ~~أحكم الأمر @QB@ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون @QE@ وكل PageV04P085 من ~~اتبع كلاما أو حديثا مما يقال أنه يلهمه صاحبه ويوحى إليه أو أنه ينشئه ~~ويحدثه مما يعارض به القرآن فهو من أعظم الظالمين ظلما # ولهذا لما ذكر الله سبحانه قول الذين ما قدروا الله حق قدره حيث أنكروا ~~الإنزال على البشر ذكر المتشبهين به المدعين لمماثلته من الأقسام الثلاثة ~~فإن المماثل له إما أن يقول أن الله أوحى إلي أو يقول أوحى إلي وألقى إلي ~~وقيل لي ولا يسمى القائل أو يضيف ذلك إلى نفسه ويذكر أنه هو المنشيء له # ووجه الحصر أنه إما أن يحذف الفاعل أو يذكره وإذا ذكره فإما أن يجعله من ~~قول الله أو من قول نفسه فإنه إذا جعله من كلام الشياطين لم يقبل منه وما ~~جعله من كلام الملائكة فهو داخل فيما يضيفه إلى الله وفيما حذف فاعله فقال ~~تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا @QE@ أو @QB@ قال أوحي إلي ~~ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله @QE@ # وتدبر كيف جعل الأولين في حيز الذي جعله وحيا من ms0867 الله ولم يسم الموحى ~~فإنهما من جنس واحد في إدعاء جنس الإنباء وجعل الآخر في حيز الذي ادعى أن ~~يأتي بمثله ولهذا قال @QB@ ممن افترى على الله كذبا @QE@ ثم قال @QB@ ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله @QE@ فالمفتري للكذب والقائل أوحى إلي ولم يوح ~~إليه شيء من جملة الاسم الأول وقد قرن به الاسم الآخر فهؤلاء الثلاثة ~~المدعون لشبه النبوة وقد تقدم قبلهم المكذب للنبوة PageV04P086 # فهذا يعم جميع أصول الكفر التي هي تكذيب الرسل أو مضاهاتهم كمسيلمة ~~الكذاب وأمثاله # وهذه هي أصول البدع التي نردها نحن في هذا المقام لأن المخالف للسنة يرد ~~بعض ما جاء به الرسول أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيرا له من رأى أو ~~كشف أو نحو ذلك # فقد تبين أن الذين يسمون هؤلاء وأئمتهم حشوية هم أحق بكل وصف مذموم ~~يذكرونه وأئمة هؤلاء أحق بكل علم نافع وتحقيق وكشف حقائق واختصاص بعلوم لم ~~يقف عليها هؤلاء الجهال المنكرون عليهم المكذبون لله ورسوله # فإن نبزهم بالحشوية إن كان لأنهم يروون الأحاديث بلا تمييز فالمخالفون ~~لهم أعظم الناس قولا لحشو الآراء والكلام الذي لا تعرف صحته بل يعلم بطلانه ~~وإن كان لأن فيهم عامة لا يميزون فما من فرقة من تلك الفرق إلا ومن أتباعها ~~من أجهل الخلق وأكفرهم وعوام هؤلاء هم عمار المساجد بالصلوات وأهل الذكر ~~والدعوات وحجاج البيت العتيق والمجاهدون في سبيل الله وأهل الصدق والأمانة ~~وكل خير في العالم فقد تبين لك أنهم أحق بوجوه الذم وأن هؤلاء أبعد عنها ~~وأن الواجب على الخلق أن يرجعوا إليهم فيما اختصهم الله به من الوراثة ~~النبوية التي لا توجد إلا عندهم PageV04P087 # وأيضا فينبغي النظر في الموسومين بهذا الإسم وفي الواسمين لهم به أيهما ~~أحق وقد علم أن هذا الإسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة كما ذكر ~~العلماء كأبي حاتم وغيره أن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشوية # ونحن نتكلم بالأسماء التي لا نزاع فيها مثل لفظ الإثبات والنفي فنقول من ~~المعلوم أن ms0868 هذا من تلقيب بعض الناس لأهل الحديث الذين يقرونه على ظاهره فكل ~~من كان عنه أبعد كان أعظم ذما بذلك كالقرامطة ثم الفلاسفة ثم المعتزلة وهم ~~يذمون بذلك المتكلمة الصفاتية من الكلابية والكرامية والأشعرية والفقهاء ~~والصوفية وغيرهم فكل من اتبع النصوص وأقرها سموه بذلك ومن قال بالصفات ~~العقلية مثل العلم والقدرة دون الخبرية ونحو ذلك سمى مثبتة الصفات الخبرية ~~حشوية كما يفعل أبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي ونحوهما # ولطريقة أبي المعالي كان أبو محمد يتبعه في فقهه وكلامه لكن أبو محمد كان ~~أعلم بالحديث وأتبع له من أبي المعالي وبمذاهب الفقهاء وأبو المعالي أكثر ~~اتباعا للكلام وهما في العربية متقاربان # وهؤلاء يعيبون منازعهم إما لجمعه حشو الحديث من غير تمييز بين صحيحه ~~وضعيفه أو لكون اتباع الحديث في مسائل الأصول من مذهب PageV04P088 الحشو ~~لأنها مسائل علمية والحديث لا يفيد ذلك لأن اتباع النصوص مطلقا في المباحث ~~الأصولية الكلامية حشو لأن النصوص لا تفي بذلك فالأمر راجع إلى أحد أمرين ~~إما ريب في الإسناد أو في المتن إما لأنهم يضيفون إلى الرسول ما لم يعلم ~~أنه قاله كأخبار الآحاد ويجعلون مقتضاها العلم وإما لأنهم يجعلون ما فهموه ~~من اللفظ معلوما وليس هو بمعلوم لما في الادلة اللفظية من الاحتمال # ولا ريب أن هذا عمدة كل زنديق ومنافق يبطل العلم بما بعث الله به رسوله ~~تارة يقول لا نعلم انهم قالوا ذلك وتارة يقول لا نعلم ما أرادوا بهذا القول ~~ومتى انتفى العلم بقولهم أو بمعناه لم يستفد من جهتهم علم فيتمكن بعد ذلك ~~أن يقول ما يقول من المقالات وقد أمن على نفسه أن يعارض بآثار الأنبياء ~~لأنه قد وكل ثغرها بذينك الدامحين الدافعين لجنود الرسول عنه الطاعنين لمن ~~احتج بها # وهذا القدر بعينه هو عين الطعن في نفس النبوة وإن كان يقر بتعظيمهم ~~وكمالهم إقرار من لا يتلقى من جهتهم علما فيكون الرسول عنده بمنزلة خليفة ~~يعطي السكة والخطبة رسما ولفظا كتابة وقولا من غير أن يكون له أمر ms0869 أو نهي ~~مطاع فله صورة الإمامة بما جعل له من السكة والخطبة وليس له حقيقتها # وهذا القدر وإن استجازه كثير من الملوك لعجز بعض الخلفاء عن PageV04P089 ~~القيام بواجبات الإمارة من الجهاد والسياسة كما يفعل ذلك كثير من نواب ~~الولاة لضعف مستنيبه وعجزه فيتركب من تقدم ذي المنصب والبيت وقوة نائبه ~~صلاح الأمر أو فعل ذلك لهوى ورغبة في الرئاسة ولطائفته دون من هو أحق بذلك ~~منه وسلك مسلك المتغلبين بالعدوان فمن المعلوم أن المؤمن بالله ورسوله لا ~~يستجيز أن يقول في الرسالة إنها عاجزة عن تحقيق العلم وبيانه حتى يكون ~~الإقرار بها مع تحقيق العلم الإلهي من غيرها موجبا لصلاح الدين ولا يستجيز ~~أن يتعدى عليها بالتقدم بين يدي الله ورسوله ويقدم علمه وقوله على علم ~~الرسول وقوله ولا يستجيز أن يسلط عليها التأويلات العقلية ويدعى أن ذلك من ~~كمال الدين وأن الدين لا يكون كاملا إلا بذلك # وأحسن أحواله أن يدعى أن الرسول كان عالما بأن ما أخبر به له تأويلات ~~وتبيان غير ما يدل عليه ظاهر قوله ومفهومه وأنه ما ترك ذلك إلا لأنه ما كان ~~يمكنه البيان بين أولئك الأعراب ونحوهم وأنه وكل ذلك إلى عقول المتأخرين ~~وهذا هو الواقع منهم # فإن المتفلسفة تقول إن الرسل لم يتمكنوا من بيان الحقائق لأن إظهارها ~~يفسد الناس ولا تحتمل عقولهم ذلك ثم قد يقولون إنهم عرفوها وقد يقول بعضهم ~~لم يعرفوها أو أنا أعرف بها منهم ثم يبينونها هم بالطرق القياسية الموجودة ~~عندهم ولم يعقلوا أنه إن كان العلم بها ممكنا فهو ممكن لهم كما يدعون أنه ~~ممكن لهم وإلا فلا سبيل لهم إلى معرفتها بإقرارهم وكذلك التعبير ~~PageV04P090 وبيان العلم بالخطاب والكتاب إن لم يكن ممكنا فلا يمكنكم ذلك ~~وأنتم تتكلمون وتكتبون علمكم في الكتب وإن كان ذلك ممكنا فلا يصح قولكم لم ~~يمكن الرسل ذلك # وإن قلتم يمكن الخطاب بها مع خاصة الناس دون عامتهم وهذا قولهم فمن ~~المعلوم أن علم الرسل يكون عند خاصتهم كما يكون علمكم ms0870 عند خاصتكم ومن ~~المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم ~~وهو بذلك أقوم كان أحق بالاختصاص به ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة ~~وأخصها بعلم الرسول وعلم خاصته مثل الخلفاء الراشدين وسائر العشرة # ومثل أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن سلام ~~وسلمان الفارسي وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأبي ذر الغفاري وعمار بن ~~ياسر وحذيفة بن اليمان ومثل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة وعباد ~~بن بشر وسالم مولى أبي حذيفة وغير هؤلاء ممن كان أخص الناس بالرسول وأعلمهم ~~بباطن أموره وأتبعهم لذلك # فعلماء الحديث أعلم الناس بهؤلاء وببواطن أمورهم وأتبعهم لذلك فيكون ~~عندهم العلم علم خاصة الرسول وبطانته كما أن خواص الفلاسفة يعلمون علم ~~PageV04P091 أئمتهم وخواص المتكلمين يعلمون علم أئمتهم وخواص القرامطة ~~والباطنية يعلمون علم أئمتهم وكذلك أئمة الإسلام مثل أئمة العلماء فإن خاصة ~~كل إمام أعلم بباطن أموره مثل مالك بن أنس فإن بن القاسم لما كان أخص الناس ~~به وأعلمهم بباطن أمره اعتمد أتباعه على روايته حتى إنه تؤخذ عنه مسائل ~~السر التي رواها بن أبي الغمر وإن طعن بعض الناس فيها وكذلك أبو حنيفة فأبو ~~يوسف ومحمد وزفر أعلم الناس به وكذلك غيرهما # وقد يكتب العالم كتابا أو يقول قولا فيكون بعض من لم يشافهه به أعلم ~~بمقصوده من بعض من شافهه به كما قال النبي فرب مبلغ أوعى من سامع لكن بكل ~~حال لا بد أن يكون المبلغ من الخاصة العالمين بحال المبلغ عنه كما يكون في ~~أتباع الأئمة من هو أفهم لنصوصهم من بعض أصحابهم # ومن المستقر في أذهان المسلمين أن ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء هم الذين ~~قاموا بالدين علما وعملا ودعوة إلى الله والرسول فهؤلاء أتباع الرسول حقا ~~وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ ~~والعشب الكثير فزكت في نفسها وزكى الناس بها وهؤلاء هم الذين جمعوا بين ~~البصيرة في الدين والقوة ms0871 على الدعوة ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال ~~الله تعالى فيهم @QB@ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي ~~والأبصار @QE@ PageV04P092 فالأيدي القوة في أمر الله والأبصار البصائر في ~~دين الله فبالبصائر يدرك الحق ويعرف وبالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه ~~والدعوة إليه # فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر والتأويل ~~ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فيها فهما خاصا ~~كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سئل هل خصكم رسول ~~الله بشيء دون الناس فقال # لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه فهذا ~~الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الذي أنبتته الأرض الطيبة وهو الذي تميزت به ~~هذه الطبقة عن الطبقة الثانية وهي التي حفظت النصوص فكان همها حفظها وضبطها ~~فوردها الناس وتلقوها بالقبول واستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها واتجروا ~~فيها وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات ورووها كل بحسبه @QB@ قد علم كل ~~أناس مشربهم @QE@ # وهؤلاء الذين قال فيهم النبي نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها ~~كما سمعها فرب حامل فقه وليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وهذا ~~عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمعه ~~من النبي لا يبلغ نحو العشرين حديثا الذي PageV04P093 يقول فيه سمعت ورأيت ~~وسمع الكثير من الصحابة وبورك له في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا ~~علما وفقها قال أبو محمد بن حزم وجمعت فتواه في سبعة أسفار كبار وهي بحسب ~~ما بلغ جامعها وإلا فعلم بن عباس كالبحر وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن ~~بالموضع الذي فاق به الناس وقد سمعوا ما سمع وحفظوا القرآن كما حفظه ولكن ~~أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع فبذر فيها النصوص فأنبتت من كل ~~زوج كريم و @QB@ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ # وأين تقع فتاوي بن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوي أبي هريرة وتفسيره ~~وأبو هريرة أحفظ ms0872 منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ~~ويدرسه بالليل درسا فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه ~~وهمة بن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها ~~واستخراج كنوزها # وهكذا ورثتهم من بعدهم اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص لا على خيال ~~فلسفي ولا رأي قياسي ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات لا جرم كانت الدائرة ~~والثناء الصدق والجزاء العاجل والآجل لورثة الأنبياء التابعين لهم في ~~الدنيا والآخرة فإن المرء على دين خليله @QB@ قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله @QE@ PageV04P094 # وبكل حال فهم أعلم الأمة بحديث الرسول وسيرته ومقاصده وأحواله # ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل ~~نعني بهم كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرا وباطنا واتباعه باطنا ~~وظاهرا وكذلك أهل القرآن # وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن معانيهما ~~والعمل بما علموه من موجبهما ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم ~~وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من ~~غيرهم وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم # ومن المعلوم ان المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونهما هم أبعد عن ~~معرفة الحديث وأبعد عن اتباعه من هؤلاء هذا أمر محسوس بل إذا كشفت أحوالهم ~~وجدتهم من أجهل الناس بأقواله وأحواله وبواطن أموره وظواهرها حتى لتجد ~~كثيرا من العامة أعلم بذلك منهم ولتجدهم لا يميزون بين ما قاله الرسول وما ~~لم يقله بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه وحديث مكذوب موضوع عليه # وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم سواء كان موضوعا أو غير ~~موضوع فيعدلون إلى أحاديث يعلم خاصة الرسول بالضرورة اليقينية أنها مكذبة ~~عليه عن أحاديث يعلم خاصته بالضرورة اليقينية أنها قوله وهم PageV04P095 لا ~~يعلمون مراده بل غالب هؤلاء لا يعلمون معاني القرآن فضلا عن الحديث بل كثير ~~منهم لا يحفظون القرآن أصلا فمن لا يحفظ القرآن ولا يعرف معانيه ولا يعرف ~~الحديث ولا ms0873 معانيه من أين يكون عارفا بالحقائق المأخوذة عن الرسول # وإذا تدبر العاقل وجد الطوائف كلها كلما كانت الطائفة إلى الله ورسوله ~~أقرب كانت بالقرآن والحديث أعرف وأعظم عناية وإذا كانت عن الله وعن رسوله ~~أبعد كانت عنهما أنأى حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن ~~وغيره بل ربما ذكرت عنده آية فقال لا نسلم صحة الحديث وربما قال لقوله عليه ~~السلام كذا وتكون آية من كتاب الله وقد بلغنا من ذلك عجائب وما لم يبلغنا ~~أكثر # وحدثني ثقة أنه تولى مدرسة مشهد الحسين بمصر بعض أئمة المتكلمين رجل يسمى ~~شمس الدين الأصبهاني شيخ الأيكي فأعطوه جزءا من الربعة فقرأ @QB@ بسم الله ~~الرحمن الرحيم المص @QE@ حتى قيل له ألف لام ميم صاد # فتأمل هذه الحكومة العادلة ليتبين لك أن الذين يعيبون أهل الحديث ويعدلون ~~عن مذهبهم جهلة زنادقة منافقون بلا ريب ولهذا لما بلغ الإمام أحمد عن بن ~~أبي قتيلة أنه ذكر عنده أهل الحديث بمكة فقال قوم سوء فقام الإمام أحمد وهو ~~ينفض ثوبه ويقول زنديق زنديق زنديق ودخل بيته فإنه عرف مغزاه PageV04P096 # وعيب المنافقين للعلماء بما جاء به الرسول قديم من زمن المنافقين الذين ~~كانوا على عهد النبي # وأما أهل العلم فكانوا يقولون هم الأبدال لأنهم أبدال الأنبياء وقائمون ~~مقامهم حقيقة ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة كل منهم يقوم مقام ~~الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه هذا في العلم والمقال وهذا في العبادة ~~والحال وهذا في الأمرين جميعا وكانوا يقولون هم الطائفة المنصورة إلى قيام ~~الساعة الظاهرون على الحق لأن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسله معهم ~~وهو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله وكفى بالله شهيدا PageV04P097 ### ||| فصل # وتلخيص النكتة أن الرسل إما أنهم علموا الحقائق الخبرية والطلبية أو لم ~~يعلموها وإذا علموها فإما أنه كان يمكنهم بيانها بالكلام والكتاب أولا ~~يمكنهم ذلك وإذا أمكنهم ذلك البيان فإما أن يمكن للعامة وللخاصة أو للخاصة ~~فقط # فإن قال إنهم ms0874 لم يعلموها وإن الفلاسفة والمتكلمين أعلم بها منهم وأحسن ~~بيانا لها منهم فلا ريب أن هذا قول الزنادقة المنافقين وسنتكلم معهم بعد ~~هذا إذ الخطاب هنا لبيان أن هذا قول الزنادقة وأنه لا يقوله إلا منافق أو ~~جاهل # وإن قال إن الرسل مقصدهم صلاح عموم الخلق وعموم الخلق لا يمكنهم فهم هذه ~~الحقائق الباطنة فخاطبوهم بضرب الأمثال لينتفعوا بذلك وأظهروا الحقائق ~~العقلية في القوالب الحسية فتضمن خطابهم عن الله وعن اليوم الآخر من ~~التخييل والتمثيل للمعقول بصورة المحسوس ما ينتفع به عموم الناس في أمر ~~الإيمان بالله وبالمعاد وذلك يقرر في النفوس من عظمة الله وعظمة اليوم ~~الآخر ما يحض النفوس على عبادة الله وعلى الرجاء والخوف فينتفعون ~~PageV04P098 بذلك وينالون السعادة بحسب إمكانهم واستعدادهم إذ هذا الذي ~~فعلته الرسل هو غاية الإمكان في كشف الحقائق لعموم النوع البشري ومقصود ~~الرسل حفظ النوع البشري وإقامة مصلحة معاشه ومعاده # فمعلوم أن هذا قول حذاق الفلاسفة مثل الفارابي وبن سينا وغيرهما وهو قول ~~كل حاذق وفاضل من المتكلمين في القدر الذي يخالف فيه أهل الحديث # فالفارابي يقول إن خاصة النبوة جودة تخييل الأمور المعقولة في الصور ~~المحسوسة أو نحو هذه العبارة # وبن سينا يذكر هذا المعنى في مواضع ويقول ما كان يمكن موسى بن عمران مع ~~أولئك العبرانيين ولا يمكن محمد مع أولئك العرب الجفاة أن يبينا لهم ~~الحقائق على ما هي عليه فإنهم كانوا يعجزون عن فهم ذلك وإن فهموه على ما هو ~~عليه انحلت عزماتهم عن اتباعه لأنهم لا يرون فيه من العلم ما يقتضي العمل # وهذا المعنى يوجد في كلام أبي حامد الغزالي وأمثاله ومن بعده طائفة منه ~~في الإحياء وغير الإحياء وكذلك في كلام الرازي # وأما الإتحادية ونحوهم من المتكلمين فعليه مدارهم ومبنى كلام الباطنية ~~والقرامطة عليه لكن هؤلاء ينكرون ظواهر الأمور العملية PageV04P099 ~~والعلمية جميعا وأما غير هؤلاء فلا ينكرون العمليات الظاهرة المتواترة لكن ~~قد يجعلونها لعموم الناس لا لخصوصهم كما يقولون مثل ذلك في الأمور الخبرية # ومدار كلامهم ms0875 على أن الرسالة متضمنة لمصلحة العموم علما وعملا وأما ~~الخاصة فلا وعلى هذا يدور كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا وسائر فضلاء ~~المتفلسفة # ثم منهم من يوجب اتباع الأمور العملية من الأمور الشرعية وهؤلاء كثيرون ~~في متفقهتهم ومتصوفتهم وعقلاء فلاسفتهم وإلى هنا كان ينتهي علم بن سينا إذ ~~تاب والتزم القيام بالواجبات الناموسية فإن قدماء الفلاسفة كانوا يوجبون ~~اتباع النواميس التي وضعها أكابر حكماء البلاد فلأن يوجبوا اتباع نواميس ~~الرسل أولى فإنهم كما قال بن سينا اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يقرع ~~العالم ناموس أفضل من هذا الناموس المحمدي # وكل عقلاء الفلاسفة متفقون على أنه أكمل وأفضل النوع البشري وأن جنس ~~الرسل أفضل من جنس الفلاسفة المشاهير ثم قد يزعمون أن الرسل والأنبياء ~~حكماء كبار وأن الفلاسفة الحكماء أنبياء صغار وقد يجعلونهم صنفين وليس هذا ~~موضع شرح ذلك فقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع # وإنما الغرض أن هؤلاء الأساطين من الفلاسفة والمتكلمين غاية PageV04P100 ~~ما يقولون هذا القول ونحن ذكرنا الأمر على وجه التقسيم العقلي الحاصر لئلا ~~يخرج عنه قسم ليتبين أن المخالف لعلماء الحديث علما وعملا إما جاهل وإما ~~منافق والمنافق جاهل وزيادة كما سنبينه إن شاء الله والجاهل هنا فيه شعبة ~~نفاق وإن كان لا يعلم بها فالمنكر لذلك جاهل منافق # فقلنا إن من زعم أنه وكبار طائفته أعلم من الرسل بالحقائق وأحسن بيانا ~~لها فهذا زنديق منافق إذا اظهر الإيمان بهم باتفاق المؤمنين وسيجيء الكلام ~~معه # وإن قال إن الرسل كانوا أعظم علما وبيانا لكن هذه الحقائق لا يمكن علمها ~~أو لا يمكن بيانها مطلقا أو يمكن الأمران للخاصة # قلنا فحينئذ لا يمكنكم أنتم ما عجزت عنه الرسل من العلم والبيان # إن قلتم لا يمكن علمها # قلنا فأنتم وأكابركم لا يمكنكم علمها بطريق الأولى # وإن قلتم لا يمكنهم بيانها قلنا فأنتم وأكابركم لا يمكنكم بيانها وإن ~~قلتم يمكن ذلك للخاصة دون العامة قلنا فيمكن ذلك من الرسل للخاصة دون ~~العامة PageV04P101 فإن ادعوا أنه لم يكن في خاصة ms0876 أصحاب الرسل من يمكنهم ~~فهم ذلك جعلوا السابقين الأولين دون المتأخرين في العلم والإيمان وهذا من ~~مقالات الزنادقة لأنه قد جعل بعض الأمم الأوائل من اليونان والهند ونحوهم ~~أكمل عقلا وتحقيقا للأمور الإلهية وللعبادية من هذه الأمة فهذا من مقالات ~~المنافقين الزنادقة إذ المسلمون متفقون على أن هذه الأمة خير الأمم وأكملهم ~~وأن أكمل هذه الأمة وأفضلها هم سابقوها # وإذا سلم ذلك فأعلم الناس بالسابقين وأتبعهم لهم هم أهل الحديث وأهل ~~السنة ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك أصول السنة عندنا ~~التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة ~~ضلالة والسنة عندنا آثار رسول الله والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن أي ~~دلالات على معناه # ولهذا ذكر العلماء أن الرفض أساس الزندقة وأن أول من ابتدع الرفض إنما ~~كان منافقا زنديقا وهو عبد الله بن سبأ فإنه إذا قدح في السابقين الأولين ~~فقد قدح في نقل الرسالة أو في فهمها أو في اتباعها فالرافضة تقدح تارة في ~~علمهم بها وتارة في اتباعهم لها وتحيل ذلك على أهل البيت وعلى المعصوم الذي ~~ليس له وجود في الوجود # والزنادقة من الفلاسفة والنصيرية وغيرهم يقدحون تارة في النقل وهو ~~PageV04P102 قول جهالهم وتارة يقدحون في فهم الرسالة وهو قول حذاقهم كما ~~يذهب إليه أكابر الفلاسفة والاتحادية ونحوهم حتى كان التلمساني مرة مريضا ~~فدخل عليه شخص ومعه بعض طلبة الحديث فأخذ يتكلم على قاعدته في الفكر أنه ~~حجاب وأن الأمر مداره على الكشف وغرضه كشف الوجود المطلق فقال ذلك الطالب ~~فما معنى قول أم الدرداء أفضل عمل أبي الدرداء التفكر فتبرم بدخول مثل هذا ~~عليه وقال للذي جاء به كيف يدخل علي مثل هذا ثم قال أتدري يا بني ما مثل ~~أبي الدرداء وأمثاله مثلهم مثل أقوام سمعوا كلاما وحفظوه لنا حتى نكون نحن ~~الذين نفهمه ونعرف مراد صاحبه ومثل بريد حمل كتابا من السلطان إلى نائبه أو ~~نحو ذلك فقد طال عهدي بالحكاية حدثني بها الذي ms0877 دخل عليه وهو ثقة يعرف ما ~~يقول في هذا وكان له في هذه الفنون جولان كثير # وكذلك بن سينا وغيره يذكر من التنقص بالصحابة ما ورثه من أبيه وشيعته ~~القرامطة حتى تجدهم إذا ذكروا في آخر الفلسفة حاجة النوع الإنساني إلى ~~الإمامة عرضوا بقول الرافضة الضلال لكن أولئك يصرحون من السب بأكثر مما ~~يصرح به هؤلاء # ولهذا تجد بين الرافضة والقرامطة والإتحادية اقترانا واشتباها يجمعهم ~~أمور # منها الطعن في خيار هذه الأمة وفيما عليه أهل السنة والجماعة وفيما ~~PageV04P103 استقر من أصول الملة وقواعد الدين ويدعون باطنا امتازوا به ~~واختصوا به عمن سواهم ثم هم مع ذلك متلاعنون متباغضون مختلفون كما رأيت ~~وسمعت من ذلك ما لا يحصى كما قال الله عن النصارى @QB@ ومن الذين قالوا إنا ~~نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة @QE@ وقال عن اليهود @QB@ وألقينا بينهم العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله @QE@ # وكذلك المتكلمون المخلطون الذين يكونون تارة مع المسلمين وإن كانوا ~~مبتدعين وتارة مع الفلاسفة الصابئين وتارة مع الكفار المشركين وتارة ~~يقابلون بين الطوائف وينتظرون لمن تكون الدائرة وتارة يتحيرون بين الطوائف ~~وهذه الطائفة الأخيرة قد كثرت في كثير ممن انتسب إلى الإسلام من العلماء ~~والأمراء وغيرهم لا سيما لما ظهر المشركون من الترك على أرض الإسلام ~~بالمشرق في أثناء المائة السابعة وكان كثير ممن ينتسب إلى الإسلام فيه من ~~النفاق والردة ما أوجب تسليط المشركين وأهل الكتاب على بلاد المسلمين # فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي ~~إفادة الأخبار للعلم وهذان هما مقدمتا الزندقة كما قدمناه ثم يعتمد فيما ~~أقر به من أمور الإسلام على ما علم بالاضطرار من دين الإسلام مثل العبادات ~~والمحرمات الظاهرة وكذلك الإقرار بمعاد الأجساد بعد الاطلاع على التفاسير ~~والأحاديث يجعل العلم بذلك مستفادا من أمور كثيرة فلا يعطل تعطيل ~~PageV04P104 الفلاسفة الصابئين ولا يقر إقرار الحنفاء العلماء المؤمنين ~~وكذلك الصحابة وإن كان يقول ms0878 بعدالتهم فيما نقلوه وبعلمهم في الجملة لكن ~~يزعم في مواضع أنهم لم يعلموا شبهات الفلاسفة وما خاضوا فيه إذ لم يجد ~~مأثورا عنهم التكلم بلغة الفلاسفة ويجعل هذا حجة له في الرد على من زعم # وكذلك هذه المقالات لا تجدها إلا عند أجهل المتكلمين في العلم وأظلمهم من ~~هؤلاء المتكلمة والمتفلسفة والمتشيعة والاتحادية في الصحابة مثل قول كثير ~~من العلماء والمتأمرة أنا أشجع منهم وإنهم لم يقاتلوا مثل العدو الذي ~~قاتلناه ولا باشروا الحروب مباشرتنا ولا ساسوا سياستنا وهذا لا تجده إلا في ~~أجهل الملوك وأظلمهم # فإنه إن أراد أن نفس ألفاظهم وما يتوصلون به إلى بيان مرادهم من المعاني ~~لم يعلموه فهذا لا يضرهم إذ العلم بلغات الأمم ليس مما يجب على الرسل ~~وأصحابهم بل يجب منه ما لا يتم التبليغ إلا به فالمتوسطون بينهم من ~~التراجمة يعلمون لفظ كل منهما ومعناه فإن كان المعنيان واحدا كالشمس والقمر ~~وإلا علموا ما بين المعنيين من الاجتماع والافتراق فينقل لكل منهما مراد ~~صاحبه كما يصور المعاني ويبين ما بين المعنيين من التماثل والتشابه ~~والتقارب PageV04P105 # فالصحابة كانوا يعلمون ما جاء به الرسول وفيما جاء به بيان الحجة على ~~بطلان كفر كل كافر وبيان ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بيانا من مقاييس أولئك ~~الكفار كما قال تعالى @QB@ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ~~@QE@ أخبر سبحانه أن الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم إلا جاءه الله ~~بالحق وجاءه من البيان والدليل وضرب المثل بما هو أحسن تفسيرا وكشفا ~~وإيضاحا للحق من قياسهم # وجميع ما تقوله الصابئة والمتفلسفة وغيرهم من الكفار من حكم أو دليل ~~يندرج فيما علمه الصحابة # وهذه الآية ذكرها الله تعالى بعد قوله @QB@ وقال الرسول يا رب إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك ~~هاديا ونصيرا @QE@ فبين أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسول وأن هذه ~~العداوة أمر لا بد منه ولا مفر عنه ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ ويوم يعض ms0879 ~~الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان ~~خذولا @QE@ # والله تعالى قد أرسل نبيه محمدا إلى جميع العالمين وضرب الأمثال فيما ~~أرسله به لجميعهم كما قال تعالى @QB@ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل لعلهم يتذكرون @QE@ فأخبر أنه ضرب لجميع الناس في هذا القرآن من كل مثل ~~PageV04P106 # ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات ~~فإذا كان عدو المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة التي كانت ~~عليها فارس والروم كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ~~ما هو لله أطوع وللعبد أنفع وهو الأصلح في الدنيا والآخرة # وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك لا لفضل قوته ~~وشجاعته ولكن لمجانسته لهم كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب وهم خيار العجم ~~أعلم بمخاطبة قومه الاعاجم من العربي وكما يكون العربي المتشبه بالعجم وهم ~~أدنى العرب أعلم بمخاطبة العرب من العجمى # فقد جاء في الحديث خيار عجمكم المتشبهون بعربكم وشرار عربكم المتشبهون ~~بعجمكم ولهذا لما حاصر النبي الطائف رماهم بالمنجنيق وقاتلهم قتالا لم ~~يقاتل غيرهم مثله في المزاحفة كيوم بدر وغيره وكذلك لما حوصر المسلمون عام ~~الخندق اتخذوا من الخندق ما لم يحتاجوا إليه في غير الحصار وقيل إن سلمان ~~أشار عليهم بذلك فسلموا ذلك له لأنه طريق إلى فعل ما أمر الله به ورسوله # وقد قررنا في قاعدة السنة والبدعة أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه ~~PageV04P107 الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب فأما ما ~~أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين ~~الذي شرعه الله وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك وسواء كان هذا مفعولا على ~~عهد النبي أو لم يكن فما فعل بعده بأمره من قتال المرتدين والخوارج ~~المارقين وفارس وفارس والروم والترك وإخراج ms0880 اليهود والنصارى من جزيرة العرب ~~وغير ذلك هو من سنته # ولهذا كان عمر بن عبد العزيز يقول سن رسول الله سننا الأخذ بها تصديق ~~لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا ~~النظر في رأي من خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ~~ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت ~~مصيرا # فسنة خلفائه الراشدين هي مما أمر الله به ورسوله وعليه أدلة شرعية مفصلة ~~ليس هذا موضعها # فكما أن الله بين في كتابه مخاطبة أهل الكتاب وإقامة الحجة عليهم بما ~~بينه من أعلام رسالة محمد وبما في كتبهم من ذلك وما حرفوه وبدلوه من دينهم ~~وصدق بما جاءت به الرسل قبله حتى إذا سمع ذلك الكتابي العالم المنصف وجد ~~ذلك كله من أبين الحجة وأقوم البرهان PageV04P108 # والمناظرة والمحاجة لا تنفع إلا مع العدل والإنصاف وإلا فالظالم يجحد ~~الحق الذي يعلمه وهو المسفسط والمقرمط أو يمتنع عن الاستمتاع والنظر في ~~طريق العلم وهو المعرض عن النظر والاستدلال فكما أن الإحساس الظاهر لا يحصل ~~للمعرض ولا يقوم للجاحد فكذلك الشهود الباطن لا يحصل للمعرض عن النظر ~~والبحث بل طالب العلم يجتهد في طلبه من طرقه ولهذا سمى مجتهدا كما يسمى ~~المجتهد في العبادة وغيرها مجتهدا كما قال بعض السلف ما المجتهد فيكم إلا ~~كاللاعب فيهم وقال أبي بن كعب وبن مسعود اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في ~~بدعة وقد قال النبي إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله ~~أجر وقال معاذ بن جبل ويروى مرفوعا وهو محفوظ عن معاذ عليكم بالعلم فإن ~~تعليمه حسنة وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا ~~يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة فجعل الباحث عن العلم مجاهدا في سبيل الله # ولما كانت المحاجة لا تنفع إلا مع العدل قال تعالى @QB@ ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم @QE@ فالظالم ليس علينا أن ms0881 ~~نجادله بالتي هي أحسن # وإذا حصل من مسلمة أهل الكتاب الذين علموا ما عندهم بلغتهم وترجموا لنا ~~بالعربية انتفع بذلك في مناظرتهم ومخاطبتهم كما كان عبد الله بن سلام ~~PageV04P109 وسلمان الفارسي وكعب الأحبار وغيرهم يحدثون بما عندهم من العلم ~~وحينئذ يستشهد بما عندهم على موافقة ما جاء به الرسول ويكون حجة عليهم من ~~وجه وعلى غيرهم من وجه آخر كما بيناه في موضعه # والألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة كما تتقارب الأسماء في ~~الاشتقاق الأكبر وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب ~~فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب حتى صرت أفهم كثيرا من كلامهم العبري ~~بمجرد المعرفة بالعربية # والمعاني الصحيحة إما مقاربة لمعاني القرآن أو مثلها أو بعينها وإن كان ~~في القرآن من الألفاظ والمعاني خصائص عظيمة # فإذا أراد المجادل منهم أن يذكر ما يطعن في القرآن بنقل أو عقل مثل أن ~~ينقل عما في كتبهم عن الأنبياء ما يخالف ما جاء به محمد أو خلاف ما ذكره ~~الله في كتبهم كزعمهم للنبي أن الله أمرهم بتحميم الزاني دون رجمه أمكن ~~للنبي والمؤمنين أن يطلبوا التوراة ومن يقرؤها بالعربية ويترجمها من ثقات ~~التراجمة كعبدالله بن سلام ونحوه لما قال لحبرهم ارفع يدك عن آية الرجم ~~فإذا هي تلوح ورجم النبي صلى الله عليه وسلم الزانيين منهما بعد أن أقام ~~عليهم الحجة من كتابهم وذلك أنه موافق لما أنزل الله عليه من الرجم وقال ~~اللهم إني PageV04P110 أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ولهذا قال بن عباس في ~~قوله @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~@QE@ قال محمد من النبيين الذين أسلموا وهو لم يحكم إلا بما أنزل الله عليه ~~كما قال @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ وكذلك يمكن أن يقرأ من ~~نسخة مترجمة بالعربية قد ترجمها الثقات بالخط واللفظ العربيين يعلم بهما ما ~~عندهم بواسطة المترجمين الثقات من المسلمين أو ممن يعلم خطهم منا كزيد بن ~~ثابت ونحوه لما أمره النبي أن يتعلم ذلك والحديث ms0882 معروف في السنن وقد احتج ~~به البخاري في باب ترجمة الحاكم وهل يجوز ترجمان قال وقال خارجة بن زيد بن ~~ثابت عن زيد بن ثابت أن النبي أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي ~~كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه # والمكاتبة بخطهم والمخاطبة بلغتهم من جنس واحد وإن كانا قد يجتمعان وقد ~~ينفرد أحدهما عن الآخر مثل كتابة اللفظ العربي بالخط العبري وغيره من خطوط ~~الأعاجم وكتابة اللفظ العجمي بالخط العربي وقيل يكتفي بذلك ولهذا قال ~~سبحانه @QB@ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ~~من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين @QE@ # فأمرنا أن نطلب منهم إحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين في نقل ~~PageV04P111 ما يخالف ذلك فإنهم كانوا @QB@ يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه ~~من الكتاب وما هو من الكتاب @QE@ و @QB@ يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون ~~هذا من عند الله @QE@ ويكذبون في كلامهم وكتابهم فلهذا لا تقبل الترجمة إلا ~~من ثقة # فإذا احتج أحدهم على خلاف القرآن برواية عن الرسل المتقدمين مثل الذي ~~يروي عن موسى أنه قال تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض أمكننا أن ~~نقول لهم في أي كتاب هذا أحضروه وقد علمنا أن هذا ليس في كتبهم وإنما هو ~~مفترى مكذوب وعندهم النبوات التي هي مئتان وعشرون وكتاب المثنوي الذي معناه ~~المثناة وهي التي جعلها عبد الله بن عمرو فينا من أشراط الساعة فقال لا ~~تقوم الساعة حتى يقرأ فيهم بالمثناة ليس أحد يغيرها قيل وما المثناة قال ما ~~استكتب من غير كتاب الله # وكذلك إذا سئلوا عما في الكتاب من ذكر أسماء الله وصفاته لتقام الحجة ~~عليهم وعلى غيرهم بموافقة الأنبياء المتقدمين لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فحرفوا الكلم عن مواضعه امكن معرفة ذلك كما تقدم وإن ذكروا حجة عقلية فهمت ~~أيضا مما في القرآن بردها إليه مثل إنكارهم للنسخ بالعقل حتى قالوا لا ينسخ ~~ما حرمه ولا ينهى عما أمر به فقال تعالى @QB@ سيقول السفهاء من ms0883 الناس ما ~~ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها @QE@ قال البراء بن عازب كما في الصحيحين ~~هم اليهود فقال سبحانه قل @QB@ لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم @QE@ PageV04P112 # فذكر ما في النسخ من تعليق الأمر بالمشيئة الإلهية ومن كون الأمر الثاني ~~قد يكون أصلح وأنفع فقوله @QB@ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ بيان ~~للأصلح الأنفع وقوله @QB@ من يشاء @QE@ رد للأمر إلى المشيئة # وعلى بعض ما في الآية اعتماد جميع المتكلمين حيث قالوا التكليف أما تابع ~~لمحض المشيئة كما يقوله قوم أو تابع للمصلحة كما يقوله قوم وعلى التقديرين ~~فهو جائز # ثم أنه سبحانه بين وقوع النسخ بتحريم الحلال في التوراة بأنه أحل ~~لإسرائيل أشياء ثم حرمها في التوراة وأن هذا كان تحليلا شرعيا بخطاب لم ~~يكونوا استباحوه بمجرد البقاء على الأصل حتى لا يكون رفعه نسخا كما يدعيه ~~قوم منهم وأمر بطلب التوراة في ذلك وهكذا وجدناه فيها كما حدثنا بذلك مسلمة ~~أهل الكتاب في غير موضع # وهكذا مناظرة الصابئة الفلاسفة والمشركين ونحوهم فإن الصابئي الفيلسوف ~~إذا ذكر ما عند قدماء الصابئة الفلاسفة من الكلام الذي عرب وترجم بالعربية ~~وذكره إما صرفا وإما على الوجه الذي تصرف فيه متأخروهم بزيادة أو نقصان ~~وبسط واختصار ورد بعضه وإتيان بمعان PageV04P113 أخر ليست فيه ونحو ذلك فإن ~~ذكر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك ~~وكتب من أخذ عنهم مثل محمد بن زكريا الرازي وبن سينا ونحوهم من الزنادقة ~~الأطباء ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز ~~كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم وكما تجوز معاملتهم على ~~الأرض كما عامل النبي يهود خيبر وكما استأجر النبي هو وأبو بكر لما خرجا من ~~مكة مهاجرين بن أريقط رجلا من بني الديل هاديا خريتا والخريت الماهر ~~بالهداية وائتمناه على انفسهما ودوابهما ووعداه غار ثور صبح ثالثة وكانت ~~خزاعة عيبة نصح رسول الله مسلمهم وكافرهم وكان يقبل نصحهم وكل هذا في ~~الصحيحين وكان ms0884 أبو طالب ينصر النبي ويذب عنه مع شركه وهذا كثير # فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن كما قال تعالى @QB@ ومن أهل ~~الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك إلا ما دمت عليه قائما @QE@ ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال وجاز أن ~~يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره إذ ذلك من ~~قبول خبرهم فيما يعلمونه من أمر الدنيا وائتمان لهم على ذلك وهو جائز إذا ~~لم يكن فيه مفسدة راجحة مثل ولايته على المسلمين وعلوه عليهم ونحو ذلك # فأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه ~~PageV04P114 بل هذا أحسن لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل ~~فيها الخيانة وليس هناك حاجة إلى أحد منهم بالخيانة بل هي مجرد انتفاع ~~بآثارهم كالملابس والمساكن والمزارع والسلاح ونحو ذلك # وإن ذكروا ما يتعلق بالدين فإن نقلوه عن الأنبياء كانوا فيه كأهل الكتاب ~~وأسوأ حالا وإن أحالوا معرفته على القياس العقلي فإن وافق ما في القرآن فهو ~~حق وإن خالفه ففي القرآن بيان بطلانه بالأمثال المضروبة كما قال تعالى @QB@ ~~ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ ففي القرآن الحق ~~والقياس البين الذي يبين بطلان ما جاؤوا به من القياس وإن كان ما يذكرونه ~~مجملا فيه الحق وهو الغالب على الصابئة المبدلين مثل أرسطو وأتباعه وعلى من ~~اتبعهم من الآخرين قبل الحق ورد الباطل والحق من ذلك لا يكون بيان صفة الحق ~~فيه كبيان صفة الحق في القرآن فالأمر في هذا موقوف على معرفة القرآن ~~ومعانيه وتفسيره وترجمته # والترجمة والتفسير ثلاث طبقات أحدها ترجمة مجرد اللفظ مثل نقل اللفظ بلفظ ~~مرادف ففي هذه الترجمة تريد أن تعرف أن الذي يعني بهذا اللفظ عند هؤلاء هو ~~بعينه الذي يعني باللفظ عند هؤلاء فهذا علم نافع إذ كثير من الناس يقيد ~~المعنى باللفظ فلا يجرده عن اللفظين جميعا PageV04P115 # والثاني ترجمة المعنى وبيانه بأن يصور المعنى للمخاطب فتصوير المعنى ms0885 له ~~وتفهيمه إياه قدر زائد على ترجمة اللفظ كما يشرح للعربي كتابا عربيا قد سمع ~~ألفاظه العربية لكنه لم يتصور معانيه ولا فهمها وتصوير المعنى يكون بذكر ~~عينه أو نظيره إذ هو تركيب صفات من مفردات يفهمها المخاطب يكون ذلك المركب ~~صور ذلك المعنى إما تحديدا وإما تقريبا # الدرجة الثالثة بيان صحة ذلك وتحقيقه بذكر الدليل والقياس الذي يحقق ذلك ~~المعنى إما بدليل مجرد وإما بدليل يبين علة وجوده # وهنا قد يحتاج إلى ضرب أمثلة ومقاييس تفيده التصديق بذلك المعنى كما ~~يحتاج في الدرجة الثانية إلى أمثلة تصور له ذلك المعنى وقد يكون نفس تصوره ~~مفيدا للعلم بصدقة وإذا كفى تصور معناه في التصديق به لم يحتج إلى قياس ~~ومثل ودليل آخر # فإذا عرف القرآن هذه المعرفة فالكلام الذي يوافقه أو يخالفه من كلام أهل ~~الكتاب والصابئين والمشركين لا بد فيه من الترجمة للفظ والمعنى أيضا وحينئذ ~~فالقرآن فيه تفصيل كل شيء كما قال تعالى @QB@ ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء @QE@ وقال @QB@ ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء @QE@ ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه كما ~~أمر بذلك PageV04P116 الرسول ولا يكون تبليغ رسالة الله إلا كذلك وأن ~~تبليغه إلى العجم قد يحتاج إلى ترجمة لهم فيترجم لهم بحسب الإمكان والترجمة ~~قد تحتاج إلى ضرب أمثال لتصوير المعاني فيكون ذلك من تمام الترجمة # وإذا كان من المعلوم أن أكثر المسلمين بل أكثر المنتسبين منهم إلى العلم ~~لا يقومون بترجمة القرآن وتفسيره وبيانه فلأن يعجز غيرهم عن ترجمة ما عنده ~~وبيانه أولى بذلك لأن عقل المسلمين أكمل وكتابهم أقوم قيلا وأحسن حديثا ~~ولغتهم أوسع لا سيما إذا كانت تلك المعاني غير محققة بل فيها باطل كثير فإن ~~ترجمة المعاني الباطلة وتصويرها صعب لأنه ليس لها نظير من الحق من كل وجه # فإذا سئلنا عن كلام يقولونه هل هو حق أو باطل ومن أين يتبين الحق فيه ~~والباطل # قلنا من القول بالحجة والدليل كما كان المشركون ms0886 وأهل الكتاب يسألون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن مسائل أو يناظرونه وكما كانت الأمم تجادل رسلها ~~إذ كثير من الناس يدعى موافقة الشريعة للفلسفة # مثال ذلك إذا ذكروا العقول العشرة والنفوس التسعة وقالوا إن العقل الأول ~~هو الصادر الأول عن الواجب بذاته وأنه من لوازم ذاته ومعلول له وكذلك ~~الثاني عن الأول وإن لكل فلك عقلا ونفسا PageV04P117 # قيل قولكم عقل ونفس لغة لكم فلا بد من ترجمتها وإن كان اللفظ عربيا فلا ~~بد من ترجمة المعنى # فيقولون العقل هو الروح المجردة عن المادة وهي الجسد وعلائقها سموه عقلا ~~ويسمونه مفارقا ويسمون تلك المفارقات للمواد لأنها مفارقة للأجساد كما أن ~~روح الإنسان إذا فارقت جسده كانت مفارقة للمادة التي هي الجسد والنفس هي ~~الروح المدبرة للجسم مثل نفس الإنسان إذا كانت في جسمه فمتى كانت في الجسم ~~كانت محركة له فإذا فارقته صارت عقلا محضا أي يعقل العلوم من غير تحريك ~~بشيء من الأجسام فهذه العقول والنفوس # وهذا الذي ذكرناه من أحسن الترجمة عن معنى العقل والنفس وأكثرهم لايحصلون ~~ذلك # قالوا وأثبتنا لكل فلك نفسا لأن الحركة اختيارية فلا تكون إلا لنفس ولكل ~~نفس عقلا لأن العقل كامل لا يحتاج إلى حركة والمتحرك يطلب الكمال فلا بد أن ~~يكون فوقه ما يشبه به وما يكون علة له ولهذا كانت حركة أنفسنا للتشبه بما ~~فوقنا من العقول وكل ذلك تشبه بواجب الوجود بحسب الإمكان # والأول لا يصدر عنه إلا عقل لأن النفس تقتضي جسما والجسم فيه PageV04P118 ~~كثرة والصادر عنه لا يكون إلا واحد ولهم في الصدور اختلاف كثير ليس هذا ~~موضعه # قيل لهم أما إثباتكم أن في السماء أرواحا فهذا يشبه ما في القرآن وغيره ~~من كتب الله ولكن ليست هي الملائكة كما يقول الذين يزعمون منكم أنهم آمنوا ~~بما أنزل على الرسول وما أنزل من قبله ويقولون ما أردنا إلا الإحسان ~~والتوفيق بين الشريعة والفلسفة فإنهم قالوا العقول والنفوس عند الفلاسفة هي ~~الملائكة عند الأنبياء وليس كذلك لكن تشبهها ms0887 من بعض الوجوه # فإن اسم الملائكة والملك يتضمن أنهم رسل الله كما قال تعالى @QB@ جاعل ~~الملائكة رسلا @QE@ وكما قال @QB@ والمرسلات عرفا @QE@ فالملائكة رسل الله ~~في تنفيذ أمره الكوني الذي يدبر به السماوات والأرض كما قال تعالى @QB@ حتى ~~إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون @QE@ وكما قال @QB@ بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون @QE@ وأمره الديني الذي تنزل به الملائكة فإنه قال ~~@QB@ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم @QE@ وقال تعالى @QB@ الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ # وملائكة الله لا يحصي عددهم إلا الله كما قال تعالى @QB@ وما جعلنا أصحاب ~~النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ~~كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو @QE@ ~~PageV04P119 # وقيل لهم الذي في الكتاب والسنة من ذكر الملائكة وكثرتهم أمر لا يحصر حتى ~~قال النبي أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا ملك قائم ~~أو قاعد أو راكع أو ساجد وقال الله تعالى @QB@ تكاد السماوات يتفطرن من ~~فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو ~~الغفور الرحيم @QE@ # فمن جعلهم عشرة أو تسعة عشر أو زعم أن التسعة عشر الذين على سقر هم ~~العقول والنفوس فهذا من جهله بما جاء عن الله ورسوله وضلاله في ذلك بين إذ ~~لم تتفق الأسماء في صفة المسمى ولا في قدره كما تكون الألفاظ المترادفة ~~وإنما اتفق المسميان في كون كل منهما روحا متعلقا بالسموات # وهذا من بعض صفات ملائكة السماوات فالذي أثبتوه هو بعض PageV04P120 ~~الصفات لبعض الملائكة وهو بالنسبة إلى الملائكة وصفاتهم وأقدارهم وأعدادهم ~~في غاية القلة أقل ms0888 مما يؤمن به السامرة من الأنبياء بالنسبة إلى الأنبياء ~~إذ هم لا يؤمنون بنبي بعد موسى ويوشع # كيف وهم لم يثبتوا للملائكة من الصفة إلا مجرد ما علموه من نفوسهم مجرد ~~العلم للعقول والحركة الإرادية للنفوس # ومن المعلوم أن الملائكة لهم من العلوم والأحوال والإرادات والأعمال ما ~~لا يحصيه إلا ذو الجلال ووصفهم في القرآن بالتسبيح والعبادة لله أكثر من أن ~~يذكر هنا كما ذكر تعالى في خطابه للملائكة وأمره لهم بالسجود لآدم # وقوله تعالى @QB@ فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار ~~وهم لا يسأمون @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن ~~عبادته ويسبحونه وله يسجدون @QE@ وقوله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل ~~منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ وقوله تعالى @QB@ الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~@QE@ PageV04P121 وقوله تعالى @QB@ كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ~~من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين @QE@ وقوله تعالى @QB@ إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون @QE@ وقوله @QB@ حتى إذا جاء ms0889 أحدكم ~~الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون @QE@ وقوله تعالى @QB@ قل يتوفاكم ملك ~~الموت الذي وكل بكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي ~~سفرة كرام بررة @QE@ وقوله تعالى @QB@ وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ~~يعلمون ما تفعلون @QE@ وقوله تعالى @QB@ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون @QE@ وقوله تعالى @QB@ ما يلفظ من قول إلا ~~لديه رقيب عتيد @QE@ وقوله تعالى @QB@ والصافات صفا فالزاجرات زجرا ~~فالتاليات ذكرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون ~~أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ~~وإنهم لكاذبون @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن ~~المسبحون @QE@ PageV04P122 # وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة عن النبي قال ألا تصفون كما تصف الملائكة ~~عند ربها قال يتمون الصف الأول ويتراصون في الصف وفي الصحيحين عن قتادة عن ~~أنس عن مالك بن صعصعة في حديث المعراج عن النبي لما ذكر صعوده إلى السماء ~~السابعة قال فرفع لي البيت المعمور فسألت جبريل فقال هذا البيت المعمور ~~يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم وقال ~~البخاري وقال همام عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي أنه قال إذا ~~أمن القارىء فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وفي الرواية الأخرى في الصحيحين إذا قال آمين فإن الملائكة في السماء ~~تقول آمين وفي الصحيح أيضا عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله قال إذا ~~قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد فإنه من وافق ~~قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وفي PageV04P123 الصحيح عن عروة ~~عن عائشة زوج النبي أنها سمعت رسول الله يقول أن الملائكة تنزل في العنان ~~وهو السحاب فتذكر الأمر قضى في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه ~~إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي قال أن لله ملائكة ms0890 سيارة فضلاء ~~يتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا ~~بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا ~~إلى السماء فيسألهم الله وهو أعلم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك ~~في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قال وما يسألوني ~~قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا ~~جنتي قالوا ويستجيرونك قال ومم يستجيرونني قالوا من نارك قال وهل رأوا ناري ~~قالوا يا رب لا قال فكيف لو رأوا ناري قالوا ويستغفرونك قال فيقول قد غفرت ~~لهم وأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا قال يقولون رب فيهم فلان عبد ~~خطاء إنما مر فجلس معهم قال فيقول وله قد غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ~~PageV04P124 # وفي الصحيحين عن عروة عن عائشة حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ~~ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كلال فلم ~~يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن ~~الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل ~~فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ~~ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا ~~محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به ~~شيئا # وأمثال هذه الأحاديث الصحاح مما فيها ذكر الملائكة الذين في السماوات ~~وملائكة الهواء والجبال وغير ذلك كثيرة # وكذلك الملائكة المتصرفون في أمور بني آدم مثل قوله في الحديث المتفق ~~عليه حديث الصادق المصدوق إذ يقول ثم يبعث إليه الملك فيؤمر ms0891 بأربع كلمات ~~فيقال اكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح وفي الصحيح حديث ~~البراء بن عازب قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان اهجهم أو هاجهم ~~وجبريل معك وفي الصحيح أيضا أن النبي قال له أجب عني اللهم أيده ~~PageV04P125 بروح القدس وفي الصحيح عن أنس قال كأني أنظر إلى غبار ساطع في ~~سكة بني غنم موكب جبريل وفي الصحيحين عن عائشة أن الحارث بن هشام قال يا ~~رسول الله كيف يأتيك الوحي قال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي ~~فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما ~~يقول وإتيان جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تارة في صورة أعرابي وتارة ~~في صورة دحية الكلبي ومخاطبته وإقراؤه إياه كثيرا أعظم من أن يذكر هنا # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال النبي يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ~~وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم ~~فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم 2 يصلون ~~وأتيناهم وهم يصلون # وفي الصحيحين عن عائشة قالت حشوت للنبي وسادة فيها تماثيل كأنها نمرقة ~~فجاء فقام وجعل يتغير وجهه فقلت ما لنا يا رسول الله قال ما بال هذه ~~الوسادة قالت وسادة جعلتها لك لتضطجع عليها قال أما علمت أن الملائكة لا ~~تدخل بيتا فيه صورة إن من صنع الصور يعذب يوم القيامة يقال أحيوا ما خلقتم ~~وفي الصحيحين PageV04P126 عن بن عباس قال سمعت أبا طلحة يقول سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة ~~تماثيل وكذلك في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال وعد النبي جبريل فقال إنا ~~لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي قال إن ~~الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه اللهم اغفر له اللهم ~~ارحمه ما لم يحدث # وأمثال هذه النصوص ms0892 التي يذكر فيها من أصناف الملائكة وأوصافهم وأفعالهم ~~ما يمنع أن تكون على ما يذكرونه من العقول والنفوس أو أن يكون جبريل هو ~~العقل الفعال وتكون ملائكة الآدميين هي القوى الصالحة والشياطين هي القوى ~~الفاسدة كما يزعم هؤلاء # وأيضا فزعمهم أن العقول والنفوس التي جعلوها الملائكة وزعموا أنها معلولة ~~عن الله صادرة عن ذاته صدور المعلول عن علته هو قول بتولدها عن الله وأن ~~الله ولد الملائكة وهذا مما رده الله ونزه نفسه عنه وكذب قائله وبين كذبه ~~بقوله @QB@ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ وقال تعالى @QB@ ألا ~~إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما ~~لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم ~~صادقين @QE@ وبقوله @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون @QE@ PageV04P127 وقوله تعالى @QB@ ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم ~~من خشيته مشفقون @QE@ وقال تعالى @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد ~~جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن ~~دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا @QE@ # فأخبر أنهم معبدون أي مذللون مصرفون مدينون مقهورون ليسوا كالمعلول ~~المتولد تولدا لازما لا يتصور أن يتغير عن ذلك وأخبر أنهم عباد لله لا ~~يشبهون به كما يشبه المعلول بالعلة والولد بالوالد كما يزعمه هؤلاء ~~الصابئون وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون @QE@ فأخبر أنه يقتضي كل شيء بقوله كن لا بتولد المعلول ~~عنه # وكذلك ms0893 قال سبحانه @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ~~ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم @QE@ PageV04P128 # فأخبر أن التولد لا يكون إلا عن أصلين كما تكون النتيجة عن مقدمتين وكذلك ~~سائر المعلولات المعلومة لا يحدث المعلول إلا باقتران ما تتم به العلة فأما ~~الشيء الواحد وحده فلا يكون علة ولا والدا قط لا يكون شيء في هذا العالم ~~إلا عن أصلين ولو أنهما الفاعل والقابل كالنار والحطب والشمس والأرض فأما ~~الواحد وحده فلا يصدر عنه شيء ولا يتولد # فبين القرآن أنهم أخطأوا طريق القياس في العلة والتولد حيث جعلوا العالم ~~يصدر عنه بالتعليل والتولد وكذلك قال @QB@ ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم ~~تذكرون @QE@ خلاف قولهم إن الصادر عنه واحد وهذا وفاء بما ذكره الله تعالى ~~من قوله @QB@ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ إذ قد ~~تكفل بذلك في حق كل من خرج عن اتباع الرسول فقال تعالى @QB@ تبارك الذي نزل ~~الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا @QE@ فذكر الوحدانية والرسالة إلى ~~قوله @QB@ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ~~يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان ~~الشيطان للإنسان خذولا @QE@ فكل من خرج عن أتباع الرسول فهو ظالم بحسب ذلك ~~والمبتدع ظالم بقدر ما خالف من سنته وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا وقال الذين كفروا لولا نزل PageV04P129 @QB@ عليه القرآن جملة واحدة ~~كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا @QE@ وهؤلاء الصابئة قد أتوا بمثل وهو قولهم الواحد لا يصدر عنه ~~ويتولد عنه إلا واحد والرب واحد فلا يصدر عنه إلا واحد يتولد عنه فأتى الله ~~بالحق وأحسن تفسيرا وبين أن الواحد لا يصدر عنه شيء ولا ms0894 يتولد عنه شيء أصلا ~~وأنه لم يتولد عنه شيء ولم يصدر عنه شيء ولكن خلق كل شيء خلقا وأنه خلق من ~~كل شيء زوجين اثنين ولهذا قال مجاهد وذكره البخاري في صحيحه في الشفع ~~والوتر أن الشفع هوالخلق فكل مخلوق له نظير والوتر هو الله الذي لا شبيه له ~~فقال @QB@ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة @QE@ وذلك أن الآثار الصادرة ~~عن العلل والمتولدات في الموجودات لا بد فيها من شيئين أحدهما يكون كالأب ~~والآخر يكون كالأم القابلة وقد يسمون ذلك الفاعل والقابل كالشمس مع الأرض ~~والنار مع الحطب فأما صدور شيء واحد عن شيء واحد فهذا لا وجود له في الوجود ~~أصلا # وأما تشبيههم ذلك بالشعاع مع الشمس وبالصوت كالطنين مع الحركة والنقر فهو ~~أيضا حجة لله ورسوله والمؤمنين عليهم وذلك أن الشعاع إن PageV04P130 أريد ~~به نفس ما يقوم بالشمس فذلك صفة من صفاتها وصفات الخالق ليست مخلوقة ولا هي ~~من العالم الذي فيه الكلام # وإن أريد بالشعاع ما ينعكس على الأرض فذلك لا بد فيه من شيئين وهو الشمس ~~التي تجري مجرى الأب الفاعل والأرض التي تجري مجرى الأم القابلة وهي ~~الصاحبة للشمس # وكذلك الصوت لا يتولد إلا عن جسمين يقرع أحدهما الآخر أو يقلع عنه فيتولد ~~الصوت الموجود في أجسام العالم عن أصلين يقرع أحدهما الآخر أو يقلع عنه # فمهما احتجوا به من القياس فالذي جاء الله به هو الحق وأحسن تفسيرا وأحسن ~~بيانا وإيضاحا للحق وكشفا له # وأيضا فجعلها علة تامة لما تحتها ومؤكدة له وموجبة له حتى يجعلونها ~~مبادئنا ويجعلونها لنا كالآباء والأمهات وربما جعلوا العقل هو الأب والنفس ~~هي الأم وربما قال بعضهم الوالدان العقل والطبيعة كما قال صاحب الفصوص في ~~قول نوح @QB@ اغفر لي ولوالدي @QE@ أي من كنت نتيجة عنهما وهما العقل ~~والطبيعة وحتى يسمونها الأرباب والآلهة الصغرى ويعبدونها وهو كفر مخالف لما ~~جاءت به الرسل PageV04P131 # وبهذا وصف بعض السلف الصابئة بأنهم يعبدون الملائكة وكذلك في الكتب ~~المعربة عن قدمائهم أنهم كانوا ms0895 يسمونها الآلهة والأرباب الصغرى كما كانوا ~~يعبدون الكواكب أيضا # والقرآن ينفي أن تكون أربابا أو أن تكون آلهة ويكون لها غير ما للرسول ~~الذي لا يفعل إلا بعد أمر مرسله ولا يشفع إلا بعد أن يؤذن له في الشفاعة ~~وقد رد الله ذلك على من زعمه من العرب والروم وغيرهم من الأمم فقال تعالى ~~@QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ~~@QE@ # وقد تقدم بعض الأحاديث في صعق الملائكة إذا قضى الله بالأمر الكوني أو ~~بالوحي الديني # وقال تعالى @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد ~~أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ وقال تعالى @QB@ بل عباد مكرمون @QE@ ~~الآية PageV04P132 # وقال تعالى @QB@ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما ~~بين ذلك وما كان ربك نسيا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~@QE@ نزلت الآية في الذين يدعون الملائكة والنبيين # واستقصاء القول في ذلك ليس هذا موضعه # فإن الله سبحانه بعث محمدا بجوامع الكلم فالكلم التي في القرآن جامعة ~~محيطة كلية عامة لما كان متفرقا منتشرا في كلام غيره ثم إنه يسمي كل شيء ~~بما يدل على صفته المناسبة للحكم المذكور المبين وما يبين وجه دلالته # فإن تنزيهه نفسه عن الولد والولادة واتخاذ الولد أعم وأقوم من نفيه بلفظ ~~العلة فإن العلة أصلها التغيير كالمرض الذي ms0896 يحيل البدن عن صحته والعليل ضد ~~الصحيح وقد قيل إنه لا يقال معلول إلا في الشرب يقال شرب الماء علا بعد نهل ~~وعللته إذا سقيته مرة ثانية # وأما استعمال اسم العلة في الموجب للشيء أو المقتضى له فهو من عرف أهل ~~الكلام وهي وإن كان بينهما وبين العلة اللغوية مناسبة من جهة التغير ~~فالمناسبة في لفظ التولد أظهر ولهذا كان في الخطاب أشهر يقول الناس ~~PageV04P133 هذا الأمر يتولد عنه كذا وهذا يولد كذا وقد تولد عن ذلك الأمر ~~كيت وكيت لكل سبب اقتضى مسببا من الأقوال والأعمال حتى أهل الطبائع يقولون ~~الأركان والمولدات يريدون ما يتولد عن الأصول الأربعة التراب والماء ~~والهواء والنار من معدن ونبات وحيوان # فنفيه سبحانه عن نفسه أن يلد شيئا اقتضى أن لا يتولد عنه شيء ونفيه أن ~~يتخذ ولدا يقتضي أنه لم يفعل ذلك بشيء من خلقه على سبيل التكريم وأن العباد ~~لا يصلح أن يتخذ شيئا منهم بمنزلة الولد وهذا يبطل دعوى من يدعي مثل ذلك في ~~المسيح وغيره ومن يقول نحن أبناء الله ومن يقول الفلسفة هي التشبه بالإله ~~فإن الولد يكون من جنس والده ويكون نظيرا له وإن كان فرعا له ولهذا كان ~~هؤلاء القائلون بهذه المعاني من أعظم الخلق قولا بالتشبيه والتمثيل وجعل ~~الأنداد له والعدل والتسوية ولهذا كانت الفلاسفة الذين يقولون بصدور العقول ~~والنفوس عنه على وجه التولد والتعليل يجعلونها له أندادا ويتخذونها آلهة ~~وأربابا بل قد لا يعبدون إلا إياها ولا يدعون سواها ويجعلونها هي المبدعة ~~لما سواها مما تحتها # فالحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك و @QB@ تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات ~~والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ~~@QE@ PageV04P134 فإن هؤلاء جعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم والجن قد قيل أنه يعم الملائكة كما قيل في قوله @QB@ وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا ms0897 @QE@ وإن كان قد قيل في سبب ذلك زعم بعض مشركي العرب ~~إن الله صاهر إلى الجن فولدت الملائكة فقد كانوا يعبدون الملائكة أيضا كما ~~عبدتها الصابئة الفلاسفة كما قال تعالى @QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون @QE@ ~~يعني أن الملائكة لم تأمرهم بذلك وإنما أمرتهم بذلك الجن ليكونوا عابدين ~~للشياطين التي تتمثل لهم كما يكون للأصنام شياطين # وكما تنزل الشياطين على بعض من يعبد الكواكب ويرصدها حتى تنزل عليه صورة ~~فتخاطبه وهو شيطان من الشياطين # ولهذا قال تعالى @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ~~أفلم تكونوا تعقلون @QE@ PageV04P135 # وقال @QB@ أفتتخذونه وذريته أولياء من ~~دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا @QE@ فهم وإن لم يقصدوا عبادة الشيطان ~~وموالاته ولكنهم في الحقيقة يعبدونه ويوالونه # فقد تبين أن هؤلاء الفلاسفة الصابئة المبتدعة مؤمنون بقليل مما جاءت به ~~الرسل في أمر الملائكة في صفتهم وأقدارهم # وذلك أن هؤلاء القوم إنما سلكوا سبيل الاستدلال بالحركات الفلكية والقياس ~~على نفوسهم مع ما جحدوه وجهلوه من خلق الله وإبداعه # وسبب ذلك ما ذكره طائفة ممن جمع أخبارهم أن أساطينهم الأوائل كفيثاغورس ~~وسقراط وأفلاطون كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام ويتلقون عن لقمان ~~الحكيم ومن بعده من أصحاب داود وسليمان وأن ارسطو لم يسافر إلى أرض ~~الأنبياء ولم يكن عنده من العلم بأثارة الأنبياء ما عند سلفه وكان عنده قدر ~~يسير من الصابئية الصحيحة فابتدع لهم هذه التعاليم القياسية وصارت قانونا ~~مشى عليه أتباعه واتفق أنه قد يتكلم في طبائع الأجسام أو في صورة المنطق ~~أحيانا بكلام صحيح # وأما الأولون فلم يوجد لهم مذهب تام مبتدع بمنزلة مبتدعة المتكلمين في ~~المسلمين مثل أبي الهذيل وهشام بن الحكم ونحوهما ممن وضع مذهبا ms0898 PageV04P136 ~~في أبواب أصول الدين فاتبعه على ذلك طائفة إذ كان أئمة المسلمين مثل مالك ~~وحماد بن زيد والثوري ونحوهم إنما تكلموا بما جاءت به الرسالة وفيه الهدى ~~والشفاء فمن لم يكن له علم بطريق المسلمين يعتاض عنه بما عند هؤلاء وهذا ~~سبب ظهور البدع في كل أمة وهو خفاء سنن المرسلين فيهم وبذلك يقع الهلاك # ولهذا كانوا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة قال مالك رحمه الله السنة مثل ~~سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك وهذا حق فإن سفينة نوح إنما ~~ركبها من صدق المرسلين واتبعهم وأن من لم يركبها فقد كذب المرسلين وأتباع ~~السنة هو اتباع الرسالة التي جاءت من عند الله فتابعها بمنزلة من ركب مع ~~نوح السفينة باطنا وظاهرا والمتخلف عن اتباع الرسالة بمنزلة المتخلف عن ~~اتباع نوح عليه السلام وركوب السفينة معه # وهكذا إذا تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم التي ~~فيها ضلال وكفر وجد القرآن والسنة كاشفان لأحوالهم مبينان لحقهم مميزان بين ~~حق ذلك وباطله والصحابة كانوا أعلم الخلق بذلك كما كانوا أقوم الخلق بجهاد ~~الكفار والمنافقين كما قال فيهم عبد الله بن مسعود من كان منكم مستنا ~~فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا ~~أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله ~~PageV04P137 لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم ~~كانوا على الهدى المستقيم # فأخبر عنهم بكمال بر القلوب مع كمال عمق العلم وهذا قليل في المتأخرين ~~كما يقال من العجائب فقيه صوفي وعالم زاهد ونحو ذلك فإن أهل بر القلوب وحسن ~~الإرادة وصلاح المقاصد يحمدون على سلامة قلوبهم من الإرادات المذمومة ~~ويقترن بهم كثيرا عدم المعرفة وإدراك حقائق أحوال الخلق التي توجب الذم ~~للشر والنهي عنه والجهاد في سبيل الله وأهل التعمق في العلوم قد يدركون من ~~معرفة الشرور والشبهات ما يوقعهم في أنواع الغي والضلالات وأصحاب محمد ~~كانوا أبر الخلق قلوبا وأعمقهم علما # ثم إن أكثر ms0899 المتعمقين في العلم من المتأخرين يقترن بتعمقهم التكلف ~~المذموم من المتكلمين والمتعبدين وهو القول والعمل بلا علم وطلب ما لا يدرك ~~وأصحاب محمد كانوا مع أنهم أكمل الناس علما نافعا وعملا صالحا أقل الناس ~~تكلفا يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف ما يهدي ~~الله بها أمة وهذا من منن الله على هذه الأمة وتجد غيرهم يحشون الأوراق من ~~التكلفات والشطحات ما هو من أعظم الفضول المبتدعة والآراء المخترعة لم يكن ~~لهم في ذلك سلف إلا رعونات النفوس المتلقاة ممن ساء قصده في الدين ~~PageV04P138 ويروى أن الله سبحانه قال للمسيح إني سأخلق أمة أفضلها على كل ~~أمة وليس لها علم ولا حلم فقال المسيح أي رب كيف تفضلهم على جميع الأمم ~~وليس لهم علم ولا حلم قال أهبهم من علمي وحلمي وهذا من خواص متابعة الرسول ~~فأيهم كان له أتبع كان في ذلك أكمل كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ~~ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل ~~الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ # وكذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى وعبد الله بن عمر # مثلنا ومثل الأمم قبلنا كالذي استأجر أجراء فقال من يعمل لي إلى نصف ~~النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي إلى صلاة العصر على ~~قيراط قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي إلى غروب الشمس غلى قيراطين ~~فعملت المسلمون فغضبت اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملا وأقل أجرا قال ~~فهل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء # فدل الكتاب والسنة على أن الله يؤتي أتباع هذا الرسول من فضله ما لم يؤته ~~لأهل الكتابين قبلهم فكيف بمن هو دونهم من الصابئة دع مبتدعة الصابئة من ~~المتفلسفة ونحوهم PageV04P139 # ومن المعلوم أن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول ms0900 واتباعه فلهم من فضل الله ~~وتخصيصه إياهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم كما قال بعض السلف ~~أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل # فهذا الكلام تنبيه على ما يظنه أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في ~~العلم والبيان أو اليد والسنان وبسط هذا لا يتحمله هذا المقام # والمقصود التنبيه على أن كل من زعم بلسان حاله أو مقاله أن طائفة غير أهل ~~الحديث أدركوا من حقائق الأمور الباطنة الغيبية في أمر الخلق والبعث ~~والمبدأ والمعاد وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر وتعرف واجب الوجود والنفس ~~الناطقة والعلوم والأخلاق التي تزكو بها النفوس وتصلح وتكمل دون أهل الحديث ~~فهو إن كان من المؤمنين بالرسل فهو جاهل فيه شعبة قوية من شعب النفاق وإلا ~~فهو منافق خالص من الذين @QB@ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون @QE@ وقد يكون ~~من @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم @QE@ ومن @QB@ والذين ~~يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم ~~عذاب شديد @QE@ # وقد يبين ذلك بالقياس العقلي الصحيح الذي لا ريب فيه وإن كان ذلك ظاهرا ~~بالفطرة لكل سليم الفطرة فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم ~~PageV04P140 بالحقائق وأقومهم قولا وحالا لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم ~~الخلق بذلك وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداء به أفضل الخلق # ولا يقال هذه الفطرة يغيرها ما يوجد في المنتسبين إلى السنة والحديث من ~~تفريط وعدوان لأنه يقال إن ذلك في غيرهم أكثر والواجب مقابلة الجملة ~~بالجملة في المحمود والمذموم هذه هي المقابلة العادلة # وإنما غير الفطرة قلة المعرفة بالحديث والسنة واتباع ذلك مع ما يوجد في ~~المخالفين لها من نوع تحقيق لبعض العلم وإحسان لبعض العمل فيكون ذلك شبهة ~~في قبول غيره وترجيح صاحبه ولا غرض لنا في ذكر الأشخاص وقد ذكر أبو محمد بن ~~قتيبة في أول كتاب مختلف الحديث وغيره من العلماء في ms0901 هذا الباب ما لا يحصى ~~من الأمور المبينة لما ذكرناه # وإنما المقصود ذكر نفس الطريقة العلمية والعملية التي تعرف بحقائق الأمور ~~الخبرية النظرية وتوصل إلى حقائق الأمور الإرادية العملية فمتى كان غير ~~الرسول قادرا على علم بذلك أو بيان له أو محبة لإفادة ذلك فالرسول أعلم ~~بذلك وأحرص على الهدى وأقدر على بيانه منه وكذلك أصحابه من بعده وأتباعهم # وهذه صفات الكمال والعلم والإرادة والإحسان والقدرة عليه كما قال النبي ~~في دعاء الاستخارة PageV04P141 اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك ~~وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب # فعلمنا صلى الله عليه وسلم أن نستخير الله بعلمه فيعلمنا من علمه ما نعلم ~~به الخير ونستقدره بقدرته فيجعلنا قادرين إذ الاستفعال هو طلب الفعل كما ~~قال في الحديث الصحيح يقول الله تعالى يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ~~فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم ضال إلامن هديته فاستهدوني أهدكم فاستهداء ~~الله طلب ان يهدينا واستطعامه طلب أن يطعمنا هذا قوت القلوب وهذا قوت ~~الأجسام وكذلك استخارته بعلمه واستقداره بقدرته ثم قال وأسألك من فضلك ~~العظيم فهذا السؤال من جوده ومنه وعطائه وإحسانه الذي يكون بمشيئته ورحمته ~~وحنانه ولهذا قال فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم ولم يقل إني لا أرحم ~~نفسي لأنه في مقام الاستخارة يريد الخير لنفسه ويطلب ذلك لكنه لا يعلمه ولا ~~يقدر عليه إن لم يعلمه الله إياه ويقدره عليه # فإذا كان الرسول أعلم الخلق بالحقائق الخبرية والطلبية وأحب الخلق ~~للتعليم والهداية والإفادة وأقدر الخلق على البيان والعبارة امتنع أن يكون ~~من هو دونه أفاد خواصه معرفة الحقائق أعظم مما أفادها الرسول لخواصه ~~PageV04P142 فامتنع أن يكون عند أحد من الطوائف من معرفة الحقائق ما ليس ~~عند علماء الحديث # وإذا لم يكن في الطوائف من هو أعلم بالحقائق وأبين لها منه وجب أن يكون ~~كل ما يذمون به من جهل بعضهم هو في طائفة المخالف الذام لهم أكثر فيكون ~~الذام لهم جاهلا ظالما ms0902 فيه شعبة نفاق إذا كان مؤمنا وهذا هو المقصود # ثم إن هذا الذي بيناه مشهود بالقلب أعلم ذلك في كل أحد ممن أعرف مفصلا # وهذه جملة يمكن تفصيلها من وجوه كثيرة لكن ليس هذا موضعه PageV04P143 ### ||| فصل # وأما قول من قال إن الحشوية على ضر بين أحدهما لا يتحاشى من الحشو ~~والتشبيه والتجسيم والآخر تستر بمذهب السلف ومذهب السلف إنما هو التوحيد ~~والتنزيه دون التشبيه والتجسيم وكذا جميع المبتدعة يزعمون هذا فيهم كما قال ~~القائل # وكل يدعى وصلا لليلى %~% وليلى لا تقر لهم بذاكا # فهذا الكلام فيه ~~حق وباطل # فمن الحق الذي فيه ذم من يمثل الله بمخلوقاته ويجعل صفاته من جنس صفاتهم ~~وقد قال الله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ ولم يكن له ~~كفوا أحد @QE@ وقال @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ # وقد بسطنا القول في ذلك وذكرنا الدلالات العقلية التي دل عليها كتاب الله ~~في نفي ذلك وبينا منه ما لم يذكره النفاة الذين يتسمون بالتنزيه ولا يوجد ~~في كتبهم ولا يسمع من أئمتهم بل عامة حججهم التي يذكرونها حجج ضعيفة لأنهم ~~يقصدون إثبات حق وباطل فلا يقوم على ذلك حجة مطردة PageV04P144 سليمة عن ~~الفساد بخلاف من اقتصد في قوله وتحرى القول السديد فإن الله يصلح عمله كما ~~قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم ~~أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ وفيه من الحق الإشارة إلى الرد على من انتحل ~~مذهب السلف مع الجهل بمقالهم أو المخالفة لهم بزيادة أو نقصان فتمثيل الله ~~بخلقه والكذب على السلف من الأمور المنكرة سواء سمى ذلك حشوا أو لم يسم ~~وهذا يتناول كثيرا من غالية المثبتة الذين يروون أحاديث موضوعة في الصفات ~~مثل حديث عرق الخيل ونزوله عشية عرفة على الجمل الأورق حتى يصافح المشاة ~~ويعانق الركبان وتجليه لنبيه في الأرض أو رؤيته له على كرسي بين السماء ~~والأرض أو رؤيته إياه في الطواف أو في بعض سكك المدينة إلى غير ذلك من ~~الأحاديث الموضوعة # فقد رأيت من ذلك ms0903 أمورا من أعظم المنكرات والكفران وأحضر لي غير واحد من ~~الناس من الأجزاء والكتب ما فيه من ذلك ما هو من الافتراء على الله وعلى ~~رسوله وقد وضع لتلك الأحاديث أسانيد حتى إن منهم من عمد إلى كتاب صنفه ~~الشيخ أبو الفرج المقدسي فيما يمتحن به السنى من البدعى فجعل ذلك الكتاب ~~مما أوحاه الله إلى نبيه ليلة المعراج وأمره أن يمتحن به الناس فمن أقر به ~~فهو سني ومن لم يقربه فهو بدعى وزادوا فيه على الشيخ أبي الفرج أشياء لم ~~يقلها هو ولا عاقل والناس المشهورون قد يقول أحدهم من المسائل PageV04P145 ~~والدلائل ما هو حق أو فيه شبهة حق فإذا أخذ الجهال ذلك فغيروه صار فيه من ~~الضلال ما هو من أعظم الإفك والمحال # والمقصود أن كلامه فيه حق وفيه من الباطل أمور أحدها قوله لا يتحاشى من ~~الحشو والتجسيم ذم للناس بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان والذي مدحه زين ~~وذمه شين هو الله والأسماء التي يتعلق بها المدح والذم من الدين لا تكون ~~إلا من الأسماء التي أنزل الله بها سلطانه ودل عليها الكتاب والسنة أو ~~الإجماع كالمؤمن والكافر والعالم والجاهل والمقتصد والملحد # فأما هذه الألفاظ الثلاثة فليست في كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله ~~ولا نطق بها أحد من سلف الأمة وأئمتها لا نفيا ولا إثباتا # وأول من ابتدع الذم بها المعتزلة الذين فارقوا جماعة المسلمين فاتباع ~~سبيل المعتزلة دون سبيل سلف الأمة ترك للقول السديد الواجب في الدين واتباع ~~لسبيل المبتدعة الضالين وليس فيها ما يوجد عن بعض السلف ذمه إلا لفظ ~~التشبيه فلو اقتصر عليه لكان له قدوة من السلف الصالح ولو ذكر الأسماء التي ~~نفاها الله في القرآن مثل لفظ الكفؤ والند والسمى وقال منهم من لا يتحاشى ~~من التمثيل ونحوه لكان قد ذم بقول نفاه الله في كتابه ودل القرآن على ذم ~~قائله ثم ينظر هل قائله موصوف بما وصفه به من الذم أم لا PageV04P146 # فأما الأسماء التي ms0904 لم يدل الشرع على ذم أهلها ولا مدحهم فيحتاج فيها إلى ~~مقامين أحدهما بيان المراد بها والثاني بيان أن أولئك مذمومون في الشريعة # والمعترض عليه له أن يمنع المقامين فيقول لا نسلم أن الذين عنيتهم داخلون ~~في هذه الأسماء التي ذممتها ولم يقم دليل شرعي على ذمها وإن دخلوا فيها فلا ~~نسلم أن كل من دخل في هذه الأسماء فهو مذموم في الشرع # الوجه الثاني أن هذا الضرب الذي قلت أنه لا يتحاشى من الحشو والتشبيه ~~والتجسيم إما ان تدخل فيه مثبتة الصفات الخبرية التي دل عليها الكتاب ~~والسنة أو لا تدخلهم فإن أدخلتهم كنت ذاما لكل من أثبت الصفات الخبرية ~~ومعلوم أن هذا مذهب عامة السلف ومذهب أئمة الدين # بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة وإن كان لهم فيها طرق ~~كأبي سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأئمة أصحابه كأبي عبد الله بن مجاهد ~~وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأبي إسحاق الاسفرائيني ~~وأبي بكر بن فورك وأبي محمد بن اللبان وأبي علي بن شاذان وأبي القاسم ~~القشيري وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء فما من هؤلاء إلا من PageV04P147 يثبت ~~من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى وعماد المذهب عنهم إثبات كل صفة في ~~القرآن # وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها # فإذا كنت تذم جميع أهل الإثبات من سلفك وغيرهم لم يبق معك إلا الجهمية من ~~المعتزلة ومن وافقهم على نفي الصفات الخبرية من متأخري الأشعرية ونحوهم ولم ~~تذكر حجة تعتمد # فأي ذم لقوم في أنهم لا يتحاشون مما عليه سلف الأمة وأئمتها وأئمة الذام ~~لهم # وإن لم تدخل في اسم الحشوية من يثبت الصفات الخبرية لم ينفعك هذا الكلام ~~بل قد ذكرت أنت في غير هذا الموضع هذا القول # وإذا كان الكلام لا يخرج به الإنسان عن أن يذم نفسه أو يذم سلفه الذين ~~يقر هو بإمامتهم وأنهم أفضل ممن اتبعهم كان هو المذموم بهذا الذم على ~~التقديرين وكان ms0905 له نصيب من الخوارج الذين قال النبي لأولهم لقد خبت وخسرت ~~إن لم أعدل يقول إذا كنت مقرى بأني رسول الله وأنت تزعم أني أظلم فأنت خائب ~~خاسر وهكذامن ذم من يقر بأنهم خيار الأمة وأفضلها وأن طائفته إنما تلقت ~~العلم والإيمان منهم هو خائب خاسر في هذا الذم وهذه حال الرافضة في ذم ~~الصحابة PageV04P148 # الوجه الثالث قوله والآخر يتستر بمذهب السلف إن أردت بالتستر الاستخفاء ~~بمذهب السلف فيقال ليس مذهب السلف مما يتستر به إلا في بلاد أهل البدع مثل ~~بلاد الرافضة والخوارج فإن المؤمن المستضعف هناك قد يكتم إيمانه واستنانه ~~كما كتم مؤمن آل فرعون إيمانه وكما كان كثير من المؤمنين يكتم إيمانه حين ~~كانوا في دار الحرب # فإن كان هؤلاء في بلد أنت لك فيه سلطان وقد تستروا بمذهب السلف فقد ذممت ~~نفسك حيث كنت من طائفة يستر مذهب السلف عندهم وإن كنت من المستضعفين ~~المستترين بمذهب السلف فلا معنى لذم نفسك وإن لم تكن منهم ولا من الملأ فلا ~~وجه لذم قوم بلفظ التستر # وإن أردت بالتستر أنهم يجتنون به ويتقون به غيرهم ويتظاهرون به حتى إذا ~~خوطب أحدهم قال أنا على مذهب السلف وهذا الذي أراده والله أعلم فيقال له لا ~~عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه بل يجب قبول ذلك منه ~~بالاتفاق فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا فإن كان موافقا له باطنا وظاهرا ~~فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنا وظاهرا وإن كان موافقا له في ~~الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته ~~إلى الله فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم PageV04P149 # وأما قوله مذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه # فيقال له لفظ التوحيد والتنزيه والتشبيه والتجسيم ألفاظ قد دخلها ~~الاشتراك بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلمين وغيرهم وكل طائفة تعني بهذه ~~الأسماء ما لا يعنيه غيرهم # فالجهمية من المعتزلة وغيرهم يريدون بالتوحيد والتنزيه نفى جميع الصفات ms0906 ~~وبالتجسيم والتشبيه إثبات شيء منها حتى إن من قال إن الله يرى أو إن له ~~علما فهو عندهم مشبه مجسم # وكثير من المتكلمة الصفاتية يريدون بالتوحيد والتنزيه نفى الصفات الخبرية ~~أو بعضها وبالتجسيم والتشبيه إثباتها أو بعضها # والفلاسفة تعني بالتوحيد ما تعنيه المعتزلة وزيادة حتى يقولون ليس له إلا ~~صفة سلبية أو إضافية أو مركبة منهما # والإتحادية تعني بالتوحيد أنه هو الوجود المطلق ولغير هؤلاء فيه اصطلاحات ~~أخرى # وأما التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فليس هو متضمنا شيئا ~~من هذه الاصطلاحات بل أمر الله عباده أن يعبدوه وحده لا يشركوا PageV04P150 ~~به شيئا فلا يكون لغيره نصيب فيما يختص به من العبادة وتوابعها هذا في ~~العمل وفي القول هو الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله # فإن كنت تعني أن مذهب السلف هو التوحيد بالمعنى الذي جاء به الكتاب ~~والسنة فهذا حق وأهل الصفات الخبرية لا يخالفون هذا # وإن عنيت أن مذهب السلف هو التوحيد والتنزيه الذي يعنيه بعض الطوائف فهذا ~~يعلم بطلانه كل من تأمل أقوال السلف الثابتة عنهم الموجودة في كتب آثارهم ~~فليس في كلام أحد من السلف كلمة توافق ما تختص به هذه الطوائف ولا كلمة ~~تنفي الصفات الخبرية # ومن المعلوم أن مذهب السلف إن كان يعرف بالنقل عنهم فليرجع في ذلك إلى ~~الآثار المنقولة عنهم وإن كان إنما يعرف بالاستدلال المحض بأن يكون كل من ~~رأى قولا عنده هو الصواب قال هذا قول السلف لأن السلف لا يقولون إلا الصواب ~~وهذا هو الصواب فهذا هو الذي يجرىء المبتدعة على أن يزعم كل منهم أنه على ~~مذهب السلف فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب السلف بلا ~~نقل عنهم بل بدعواه أن قوله هو الحق # وأما أهل الحديث فإنما يذكرون مذهب السلف بالنقول المتواترة PageV04P151 ~~يذكرون من نقل مذهبهم من علماء الإسلام وتارة يروون نفس قولهم في هذا الباب ~~كما سلكناه في جواب الاستفتاء # فإنا لما أردنا أن نبين مذهب السلف ms0907 ذكرنا طريقين أحدهما أنا ذكرنا ما ~~تيسر من ذكر ألفاظهم ومن روى ذلك من أهل العلم بالأسانيد المعتبرة # والثاني أنا ذكرنا من نقل مذهب السلف من جميع طوائف المسلمين من طوائف ~~الفقهاء الأربعة ومن أهل الحديث والتصوف وأهل الكلام كالأشعري وغيره # فصار مذهب السلف منقولا بإجماع الطوائف وبالتواتر لم نثبته بمجرد دعوى ~~الإصابة لنا والخطأ لمخالفنا كما يفعل أهل البدع # ثم لفظ التجسيم لا يوجد في كلام أحد من السلف لا نفيا ولا إثباتا فكيف ~~يحل أن يقال مذهب السلف نفي التجسيم أو إثباته بلا ذكر لذلك اللفظ ولا ~~لمعناه عنهم وكذلك لفظ التوحيد بمعنى نفى شيء من الصفات لا يوجد في كلام ~~أحد من السلف # وكذلك لفظ التنزيه بمعنى نفي شيء من الصفات الخبرية لا يوجد في كلام أحد ~~من السلف PageV04P152 # نعم لفظ التشبيه موجود في كلام بعضهم وتفسيره معه كما قد كتبناه عنهم ~~وأنهم أرادوا بالتشبيه تمثيل الله بخلقه دون نفي الصفات التي في القرآن ~~والحديث # وأيضا فهذا الكلام لو كان حقا في نفسه لم يكن مذكورا بحجة تتبع وإنما هو ~~مجرد دعوى على وجه الخصومة التي لا يعجز عنها من يستجيز ويستحسن أن يتكلم ~~بلا علم ولا عدل # ثم إنه يدل على قلة الخبرة بمقالات الناس من أهل السنة والبدعة فإنه قال ~~وكذا جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف فليس الأمر كذلك بل الطوائف ~~المشهورة بالبدعة كالخوارج والروافض لا يدعون أنهم على مذهب السلف بل هؤلاء ~~يكفرون جمهور السلف فالرافضة تطعن في أبي بكر وعمر وعامة السابقين الأولين ~~من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وسائر أئمة الإسلام فكيف ~~يزعمون أنهم على مذهب السلف ولكن ينتحلون مذهب أهل البيت كذبا وافتراء # وكذلك الخوارج قد كفروا عثمان وعليا وجمهور المسلمين من الصحابة ~~والتابعين فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف # الوجه الرابع أن هذا الاسم ليس له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا ~~كلام أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين ولا شيخ أو عالم ~~PageV04P153 مقبول ms0908 عند عموم الأمة فإذا لم يكن ذلك لم يكن في الذم به ولا ~~نص ولا إجماع ولا ما يصلح تقليده للعامة فإذا كان الذم بلا مستند للمجتهد ~~ولا للمقلدين عموما كان في غاية الفساد والظلم إذ لو ذم به بعض من يصلح ~~لبعض العامة تقليده لم يكن له أن يحتج به إذ المقلد الآخر لمن يصلح له ~~تقليده لا يذم به # ثم مثل أبي محمد وأمثاله لم يكن يستحل أن يتكلم في كثير من فروع الفقه ~~بالتقليد فكيف يجوز له التكلم في أصول الدين بالتقليد # والنكتة أن الذام به إما مجتهد وإما مقلد أما المجتهد فلا بد له من نص أو ~~إجماع أو دليل يستنبط من ذلك فإن الذم والحمد من الأحكام الشرعية وقد قدمنا ~~بيان ذلك وذكرنا أن الحمد والذم والحب والبغض والوعد والوعيد والموالاة ~~والمعادات ونحو ذلك من أحكام الدين لا يصلح إلا بالأسماء التي أنزل الله ~~بها سلطانه فأما تعليق ذلك بأسماء مبتدعة فلا يجوز بل ذلك من باب شرع دين ~~لم يأذن به الله وأنه لا بد من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله # والمعتزلة أيضا تفسق من الصحابة والتابعين طوائف وتطعن في كثير منهم ~~وفيما رووه من الأحاديث التي تخالف آراءهم وأهواءهم بل تكفر أيضا من يخالف ~~أصولهم التي انتحلوها من السلف والخلف فلهم من الطعن في علماء PageV04P154 ~~السلف وفي علمهم ما ليس لأهل السنة والجماعة وليس انتحال مذهب السلف من ~~شعائرهم وإن كانوا يقررون خلافة الخلفاء الأربعة ويعظمون من أئمة الإسلام ~~وجمهورهم ما لا يعظمه أولئك فلهم من القدح في كثير منهم ما ليس هذا موضعه ~~وللنظام من القدح في الصحابة ما ليس هذا موضعه # وإن كان من أسباب انتقاص هؤلاء المبتدعة للسلف ما حصل في المنتسبين إليهم ~~من نوع تقصير وعدوان وما كان من بعضهم من أمور اجتهادية الصواب في خلافها ~~فإن ما حصل من ذلك صار فتنة للمخالف لهم ضل به ضلالا كبيرا # فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف بين أهل ms0909 السنة والجماعة العامة ~~بالبدعة ليسوا منتحلين للسلف بل أشهر الطوائف بالبدعة الرافضة حتى إن ~~العامة لا تعرف من شعائر البدع إلا الرفض والسنى في اصطلاحهم من لا يكون ~~رافضيا وذلك لأنهم أكثر مخالفة للأحاديث النبوية ولمعاني القرآن وأكثر قدحا ~~في سلف الأمة وأئمتها وطعنا في جمهور الأمة من جميع الطوائف فلما كانوا ~~أبعد عن متابعة السلف كانوا أشهر بالبدعة # فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف ولهذا قال الإمام أحمد ~~في رسالة عبدوس بن مالك أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم PageV04P155 # وأما متكلمة أهل الإثبات من الكلابية والكرامية والأشعرية مع الفقهاء ~~والصوفية وأهل الحديث فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف بل قد يوافقونهم ~~في أكثر جمل مقالاتهم لكن كل من كان بالحديث من هؤلاء أعلم كان بمذهب السلف ~~أعلم وله أتبع وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلة ~~ابتداعها # أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع فهذا باطل قطعا فإن ذلك غير ~~ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم # يوضح ذلك أن كثيرا من أصحاب أبي محمد من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون ~~بمخالفة السلف في مثل مسألة الإيمان ومسألة تأويل الآيات والأحاديث يقولون ~~مذهب السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وأما المتكلمون من أصحابنا ~~فمذهبهم كيت وكيت وكذلك يقولون مذهب السلف أن هذه الآيات والأحاديث الواردة ~~في الصفات لا تتأول والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبا وإما جوازا ~~ويذكرون الخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين هذا منطوق ألسنتهم ومسطور ~~كتبهم # أفلا عاقل يعتبر ومغرور يزدجر أن السلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف ~~ثم يحدث مقالة تخرج عنهم أليس هذا صريحا أن السلف كانوا ضالين عن التوحيد ~~والتنزيه وعلمه المتأخرون وهذا فاسد بضرورة العلم الصحيح والدين المتين ~~PageV04P156 وأيضا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين ~~تارة كما يفعله غير واحد مثل أبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي ~~والرازي وغيرهم ولازم المذهب الذي ms0910 ينصرونه تارة أنه هو المعتمد فلا يثبتون ~~على دين واحد وتغلب عليهم الشكوك وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب ~~والسنة # وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف ويقولون طريقة السلف ~~أسلم وطريقة هؤلاء اعلم وأحكم فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان ~~والتحقيق والعرفان والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه أو الخطأ والجهل ~~وغايتهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط # ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض فإنه وإن لم يكن تكفيرا للسلف كما يقوله من ~~يقوله من الرافضة والخوارج ولا تفسيقا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة ~~والزيدية وغيرهم كان تجهيلا لهم وتخطئة وتضليلا ونسبة لهم إلى الذنوب ~~والمعاصي وإن لم يكن فسقا فزعما أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم ~~وأفضل من أهل القرون الفاضلة # ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة وما اتفق عليه أهل السنة ~~والجماعة من جميع الطوائف أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال ~~والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها القرن الأول ثم PageV04P157 الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ~~وجه وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان ~~وعبادة وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم ~~بالضرورة من دين الإسلام وأضله الله على علم كما قال عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه ~~الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا ~~قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم ~~فإنهم كانوا على الهدى المستقيم وقال غيره عليكم بآثار من سلف فإنهم جاؤوا ~~بما يكفي وما يشفي ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه # هذا وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى ~~تلقوا ربكم فكيف يحدث لنا زمان فيه الخير ms0911 في أعظم المعلومات وهو معرفة الله ~~تعالى هذا لا يكون أبدا # وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله في رسالته هم فوقنا في كل علم وعقل ~~ودين وفضل وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى ورأيهم لنا خير من رأينا ~~لأنفسنا # وأيضا فيقال لهؤلاء الجهمية الكلابية كصاحب هذا الكلام أبي محمد وأمثاله ~~كيف تدعون طريقة السلف وغاية ما عند السلف أن يكونوا PageV04P158 موافقين ~~لرسول الله فإن عامة ما عند السلف من العلم والإيمان هو ما استفادوه من ~~نبيهم الذي أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور وهداهم به إلى صراط العزيز ~~الحميد الذي قال الله فيه @QB@ هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم ~~من الظلمات إلى النور @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ~~والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ~~وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~@QE@ # وأبو محمد وأمثاله قد سلكوا مسلك الملاحدة الذين يقولون إن الرسول لم ~~يبين الحق في باب التوحيد ولا بين للناس ما هو الأمر عليه في نفسه بل أظهر ~~للناس خلاف الحق والحق إما كتمه وإما أنه كان غير عالم به # فإن هؤلاء الملاحدة من المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المخالفين لما جاء به ~~الرسول في الأمور العلمية كالتوحيد والمعاد وغير ذلك يقولون إن الرسول أحكم ~~الأمور العملية المتعلقة بالأخلاق والسياسة المنزلية والمدنية PageV04P159 ~~وأتى بشريعة عملية هي أفضل شرائع العالم ويعترفون بأنه لم يقرع العالم ~~ناموس أفضل من ناموسه ولا ms0912 أكمل منه فإنهم رأوا حسن سياسته للعالم وما أقامه ~~من سنن العدل ومحاه من الظلم # وأما الأمور العلمية التي اخبر بها من صفات الرب وأسمائه وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر والجنة والنار فلما رأوها تخالف ما هم عليه صاروا في ~~الرسول فريقين # فغلاتهم يقولون إنه لم يكن يعرف هذه المعارف وإنما كان كماله في الأمور ~~العملية العبادات والأخلاق وأما الأمور العلمية فالفلاسفة أعلم بها منه بل ~~ومن غيره من الأنبياء وهؤلاء يقولون إن عليا كان فيلسوفا وأنه كان أعلم ~~بالعلميات من الرسول وأن هارون كان فيلسوفا وكان أعلم بالعلميات من موسى # وكثير منهم يعظم فرعون ويسمونه أفلاطون القبطي ويدعون أن صاحب مدين الذي ~~تزوج موسى ابنته الذي يقول بعض الناس أنه شعيب يقول هؤلاء إنه أفلاطون ~~أستاذ أرسطو ويقولون إن أرسطو هو الخضر إلى أمثال هذا الكلام الذي فيه من ~~الجهل والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال # أقل ما فيه جهلهم بتواريخ الأنبياء فإن أرسطو باتفاقهم كان وزيرا ~~PageV04P160 للإسكندر بن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ به اليهود والنصارى ~~التاريخ الرومي وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة # وقد يظنون أن هذا هو ذو القرنين المذكور في القرآن وأن ارسطو كان وزيرا ~~لذي القرنين المذكور في القرآن وهذا جهل فإن هذا الإسكندر بن فيلبس لم يصل ~~إلى بلاد الترك ولم يبن السد وإنما وصل إلى بلاد الفرس # وذو القرنين المذكور في القرآن وصل إلى شرق الأرض وغربها وكان متقدما على ~~هذا يقال إن اسمه الاسكندر بن دارا وكان موحدا مؤمنا وذاك مشركا كان يعبد ~~هو وقومه الكواكب والأصنام ويعانون السحر كما كان أرسطو وقومه من اليونان ~~مشركين يعبدون الأصنام ويعانون السحر ولهم في ذلك مصنفات وأخبارهم مشهورة ~~وآثارهم ظاهرة بذلك فأين هذا من هذا # والمقصود هنا بيان ما يقوله هؤلاء الفلاسفة الباطنية فيما جاء به الرسول ~~والفريق الثاني منهم يقولون إن الرسول كان يعلم الحق الثابت في نفس الأمر ~~في التوحيد والمعاد ويعرف أن الرب ليس له صفة ثبوتية وأنه لا يرى ms0913 ولا يتكلم ~~وأن الأفلاك قديمة أزلية لم تزل ولاتزال وأن الأبدان لا تقوم وأنه ليس لله ~~ملائكة هم أحياء ناطقون ينزلون بالوحي PageV04P161 من عنده ويصعدون إليه ~~ولكن يقول بما عليه هؤلاء الباطنية في الباطن لكن ما كان يمكنه إظهار ذلك ~~للعامة لأن هذا إذا ظهر لم تقبله عقولهم وقلوبهم بل ينكرونه وينفرون منه ~~فأظهر لهم من التخييل والتمثيل ما ينتفعون به في دينهم وإن كان في ذلك ~~تلبيس عليهم وتجهيل لهم واعتقادهم الأمر على خلاف ما هو عليه لما في ذلك من ~~المصلحة لهم # ويجعلون أئمة الباطنية كبني عبيد بن ميمون القداح الذين ادعوا أنهم من ~~ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر ولم يكونوا من أولاده بل كان جدهم يهوديا ~~ربيبيا لمجوسي وأظهروا التشيع ولم يكونوا في الحقيقة على دين واحد من ~~الشيعة لا الإمامية ولا الزيدية بل ولا الغالية الذين يعتقدون إلهية علي أو ~~نبوته بل كانوا شرا من هؤلاء كلهم # ولهذا كثر تصانيف علماء المسلمين في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وكثر غزو ~~المسلمين لهم وقصصهم معروفة وبن سينا وأهل بيته كانوا من اتباع هؤلاء على ~~عهد حاكمهم المصري ولهذا دخل بن سينا في الفلسفة # وهؤلاء يجعلون محمد بن إسماعيل هو الإمام المكتوم وأنه نسخ شرع محمد بن ~~عبد الله بن عبد المطلب ويقولون إن هؤلاء الإسماعيلية كانوا أئمة معصومين ~~بل قد يقولون أنهم أفضل من الأنبياء وقد يقولون أنهم آلهة يعبدون # ولهذا أرسل الحاكم غلامه هشتكير الدرزي إلى وادي تيم الله بن ثعلبة ~~PageV04P162 بالشام فأضل أهل تلك الناحية وبقاياه فيهم إلى اليوم يقولون ~~بإلهية الحاكم وقد أخرجهم عن دين الإسلام فلا يرون الصلوات الخمس ولا صيام ~~شهر رمضان ولا حج البيت الحرام ولا تحريم ما حرمه الله ورسوله من الميتة ~~والدم ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك # وهؤلاء يدعون المستجيب لهم أولا إلى التشيع والتزام ما توجبه الرافضة ~~وتحريم ما يحرمونه ثم بعد هذا ينقلونه درجة بعد درجة حتى ينقلونه في الآخر ~~إلى الانسلاخ من الإسلام وأن المقصود هو ms0914 معرفة أسرارهم وهو العلم الذي به ~~تكمل النفس كما تقوله الفلاسفة الملاحدة فمن حصل له هذا العلم وصل إلى ~~الغاية وسقطت عنه العبادات التي تجب على العامة كالصلوات الخمس وصيام رمضان ~~وحج البيت وحلت له المحرمات التي لا تحل لغيره فهؤلاء يجعلون الرسول إذا ~~عظموه وقالوا كان كاملا في العلم من جنس رؤوسهم الملاحدة وأنه كان يظهر ~~للعامة خلاف ما يبطنه للخاصة وقد بينا من فساد أقوالهم في غير هذا الموضع ~~ما لا يناسبه هذا المقام # فإن المقصود هنا أن هؤلاء النفاة للعلو وللصفات الخبرية كصاحب اللمعة ~~وأمثاله يقولون في الرسول من جنس قول هؤلاء إن الذي أظهره ليس هو الحق ~~الثابت في نفس الأمر لأن ذلك ما كان يمكنه إظهاره للعامة فإذا PageV04P163 ~~كانوا يقولون هذا في الرسول نفسه فكيف قولهم في أتباعه من سلف الأمة من ~~الصحابة والتابعين # ومن كان هذا أصل قوله في الرسول والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~كان مخالفا لهم لا موافقا لا سيما إذا أظهر النفي الذي كان الرسول وخواص ~~أصحابه عنده يبطنونه ولا يظهرونه فإنه يكون مخالفا لهم أيضا # وهذا المسلك يراه عامة النفاة كابن رشد الحفيد وغيره وفي كلام أبي حامد ~~الغزالي من هذا قطعة كبيرة وبن عقيل وأمثاله قد يقولون أحيانا هذا لكن بن ~~عقيل الغالب عليه إذا خرج عن السنة أن يميل إلى التجهم والاعتزال في أول ~~أمره بخلاف آخر ما كان عليه فقد خرج إلى السنة المحضة # وأبو حامد يميل إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات ~~الإسلامية ولهذا رد عليه علماء المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي ~~فإنه قال شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر ~~وقد حكى عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه ورد عليه ~~العلماء المذكورون قبل PageV04P164 ### ||| فصل # ثم قال المعترض قال أبو الفرج بن الجوزي في الرد على الحنابلة إنهم ~~أثبتوا لله سبحانه عينا وصورة ويمينا وشمالا ووجها زائدا على الذات ms0915 وجبهة ~~وصدرا ويدين ورجلين وأصابع وخنصرا وفخذا وساقا وقدما وجنبا وحقوا وخلفا ~~وأماما وصعودا ونزولا وهرولة وعجبا لقد كملوا هيئة البدن وقالوا يحمل على ~~ظاهره وليست بجوارح ومثل هؤلاء لا يحدثون فإنهم يكابرون العقول وكانهم ~~يحدثون الأطفال # قلت الكلام على هذا فيه أنواع # الأول بيان ما فيه من التعصب بالجهل والظلم قبل الكلام في المسألة ~~العلمية الثاني بيان أنه رد بلا حجة ولا دليل أصلا # الثالث بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل # أما أولا فإن هذا المصنف الذي نقل منه كلام أبي الفرج لم يصنفه ~~PageV04P165 في الرد على الحنابلة كما ذكر هذا وإنما رد به فيما ادعاه على ~~بعضهم وقصد أبي عبد الله بن حامد والقاضي أبي يعلى وشيخه أبي الحسن بن ~~الزاغوني ومن تبعهم وإلا فجنس الحنابلة لم يتعرض أبو الفرج للرد عليهم ولا ~~حكى عنهم ما أنكره بل هو يحتج في مخالفته لهؤلاء بكلام كثير من الحنبلية ~~كما يذكره من كلام التميميين مثل رزق الله التميمي وأبي الوفا بن عقيل ورزق ~~الله كان يميل إلى طريقة سلفه كجده أبي الحسن التميمي وعمه أبي الفضل ~~التميمي والشريف أبي علي بن أبي موسى هو صاحب أبي الحسن التميمي وقد ذكر ~~عنه أنه قال لقد خرى القاضي أبو يعلى على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء # وسنتكلم على هذا بما ييسره الله متحرين للكلام بعلم وعدل ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله فما زال في الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي ينفيه ~~طائفة أخرى منهم ومنهم من يمسك عن النفي والإثبات جميعا ففيهم جنس التنازع ~~الموجود في سائر الطوائف لكن نزاعهم في مسائل الدق وأما الأصول الكبار فهم ~~متفقون عليها ولهذا كانوا أقل الطوائف تنازعا وافتراقا لكثرة اعتصامهم ~~بالسنة والآثار لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبينة لما ~~تنازع فيه الناس ما ليس لغيره وأقواله مؤيدة بالكتاب والسنة واتباع سبيل ~~السلف الطيب ولهذا كان جميع من ينتحل السنة من طوائف الأمة فقهائها ~~ومتكلمتها وصوفيتها ينتحلونه ms0916 PageV04P166 # ثم قد يتنازع هؤلاء في بعض المسائل فإن هذا أمر لا بد منه في العالم ~~والنبي قد أخبر بأن هذا لا بد من وقوعه وأنه لما سأل ربه أن لا يلقى بأسهم ~~بينهم منع ذلك فلا بد في الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة من نوع تنازع ~~لكن لا بد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة كما أنه لا بد أن يكون بين ~~المسلمين تنازع واختلاف لكنه لا يزال في هذه الأمة طائفة قائمة بالحق لا ~~يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة # ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة كان ~~منتحلا للإمام أحمد ذاكرا أنه مقتد به متبع سبيله وكان بين أعيان أصحابه من ~~الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف حتى إن أبا بكر ~~عبد العزيز يذكر من حجج أبي الحسن في كلامه مثل ما يذكر من حجج أصحابه لأنه ~~كان عنده من متكلمة أصحابه # وكان من أعظم المائلين إليهم التميميون أبو الحسن التميمي وابنه وبن ابنه ~~ونحوهم وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من ~~المودة والصحبة ما هو معروف مشهور ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في ~~كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد لما ذكر اعتقاده اعتمد على ما نقله ~~من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي وله في هذا الباب مصنف ~~ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه ولم يذكر فيه ألفاظه وإنما ذكر جمل ~~الإعتقاد بلفظ نفسه وجعل يقول وكان أبو عبد الله وهو بمنزلة من يصنف ~~PageV04P167 كتابا في الفقه على رأي بعض الأئمة ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ~~ورآه وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده فإن ~~الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة ومن المعلوم ~~أن أحدهم يقول حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب ~~الشريعة بحسب ما بلغه وفهمه وإن كان غيره ms0917 أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله ~~وأفهم لمراده # فهذا أيضا من الأمور التي يكثر وجودها في بني آدم ولهذا قد تختلف الرواية ~~في النقل عن الأئمة كما يختلف بعض أهل الحديث في النقل عن النبي لكن النبي ~~معصوم فلا يجوز أن يصدر عنه خبران متناقضان في الحقيقة ولا أمران متناقضان ~~في الحقيقة إلا وأحدهما ناسخ والآخر منسوخ وأما غير النبي صلى الله عليه ~~وسلم فليس بمعصوم فيجوز أن يكون قد قال خبرين متناقضين وأمرين متناقضين ولم ~~يشعر بالتناقض # لكن إذا كان في المنقول عن النبي ما يحتاج إلى تمييز ومعرفة وقد تختلف ~~الروايات حتى يكون بعضها أرجح من بعض والناقلون لشريعته بالإستدلال بينهم ~~اختلاف كثير لم يستنكر وقوع نحو من هذا في غيره بل هو أولى بذلك لأن الله ~~قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله ولم يضمن حفظ ما يؤثر عن غيره لأن ~~ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة هو هدى الله الذي جاء من عند الله ~~وبه يعرف سبيله وهو حجته على عباده PageV04P168 فلو وقع فيه ضلال لم يبين ~~لسقطت حجة الله في ذلك وذهب هداه وعميت سبيله إذ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ~~ينتظر ليبين للناس ما اختلفوا فيه بل هذا الرسول آخر الرسل وأمته خير الأمم ~~ولهذا لا يزال فيها طائفة قائمة على الحق بإذن الله لا يضرها من خالفها ولا ~~من خذلها حتى تقوم الساعة ### || الوجه الثاني # أن أبا الفرج نفسه متناقض في هذا الباب لم يثبت على قدم النفي ولا على ~~قدم الإثبات بل له من الكلام في الإثبات نظما ونثرا ما أثبت به كثيرا من ~~الصفات التي أنكرها في هذا المصنف فهو في هذا الباب مثل كثير من الخائضين ~~في هذا الباب من أنواع الناس يثبتون تارة وينفون أخرى في مواضع كثيرة من ~~الصفات كما هو حال أبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي ### || الوجه الثالث # أن باب الإثبات ليس مختصا بالحنبلية ولا فيهم من الغلو ما ليس في غيرهم ms0918 ~~بل من استقرأ مذاهب الناس وجد في كل طائفة من الغلاة في النفي والإثبات ما ~~لا يوجد مثله في الحنبلية ووجد من مال منهم إلى نفي باطل أو إثبات باطل ~~PageV04P169 فإنه لا يسرف إسراف غيرهم من المائلين إلى النفي والإثبات بل ~~تجد في الطوائف من زيادة النفي الباطل والإثبات الباطل ما لا يوجد مثله في ~~الحنبلية وإنما وقع الإعتداء في النفي والإثبات فيهم مما دب إليهم من غيرهم ~~الذين اعتدوا حدود الله بزيادة في النفي والإثبات إذ أصل السنة مبناها على ~~الإقتصاد والإعتدال دون البغي والإعتداء # وكان علم الإمام أحمد وأتباعه له من الكمال والتمام على الوجه المشهور ~~بين الخاص والعام ممن له بالسنة وأهلها نوع إلمام وأما أهل الجهل والضلال ~~الذين لا يعرفون ما بعث الله به الرسول ولا يميزون بين صحيح المنقول وصريح ~~المعقول وبين الروايات المكذوبة والآراء المضطربة فأولئك جاهلون قدر الرسول ~~والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين نطق بفضلهم القرآن فهم ~~بمقادير الأئمة المخالفين لهؤلاء أولى أن يكونوا جاهلين إذ كانوا أشبه بمن ~~شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين من أهل العلم والإيمان وهم في هذه ~~الأحوال إلى الكفر أقرب منهم للإيمان # تجد أحدهم يتكلم في أصول الدين وفروعه بكلام من كأنه لم ينشأ في دار ~~الإسلام ولا سمع ما عليه أهل العلم والإيمان ولا عرف حال سلف هذه الأمة وما ~~أوتوه من كمال العلوم النافعة والأعمال الصالحة ولا عرف مما بعث الله به ~~نبيه ما يدله على الفرق بين الهدى والضلال والغي والرشاد PageV04P170 وتجد ~~وقيعة هؤلاء في أئمة السنة وهداة الأمة من جنس وقيعة الرافضة ومن معهم من ~~المنافقين في أبي بكر وعمر وأعيان المهاجرين والأنصار ووقيعة اليهود ~~والنصارى ومن تبعهم من منافقي هذه الأمة في رسول الله ووقيعة الصابئة ~~والمشركين من الفلاسفة وغيرهم في الأنبياء والمرسلين وقد ذكر الله في كتابه ~~من كلام الكفار والمنافقين في الأنبياء والمرسلين وأهل العلم والإيمان ما ~~فيه عبرة للمعتبر وبينة للمستبصر وموعظة للمتهوك المتحير # وتجد عامة أهل الكلام ms0919 ومن أعرض عن جادة السلف إلا من عصم الله يعظمون ~~أئمة الإتحاد بعد تصريحهم في كتبهم بعبارات الإتحاد ويتكلفون لها محامل غير ~~ما قصدوه ولهم في قلوبهم من الإجلال والتعظيم والشهادة بالإمامة والولاية ~~لهم وأنهم أهل الحقائق ما الله به عليم # هذا بن عربي يصرح في فصوصه أن الولاية أعظم من النبوة بل أكمل من الرسالة ~~ومن كلامه # مقام النبوة في برزخ %~% فويق الرسول ودون الولي # وبعض أصحابه ~~يتأول ذلك بأن ولاية النبي أفضل من نبوته وكذلك ولاية الرسول أفضل من ~~رسالته أو يجعلون ولايته حاله مع الله ورسالته حاله مع الخلق وهذا من بليغ ~~الجهل # فإن الرسول إذا خاطب الخلق وبلغهم الرسالة لم يفارق الولاية بل هو ولي ~~PageV04P171 الله في تلك الحال كما هو ولي الله في سائر أحواله فإنه ولي ~~الله ليس عدوا له في شيء من أحواله وليس حاله في تبليغ الرسالة دون حاله ~~إذا صلى ودعا الله وناجاه # وأيضا فما يقول هذا المتكلف في قول هذا المعظم إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لبنة من فضة وهو لبنتان من ذهب وفضة ويزعم أن لبنة محمد هي العلم ~~الظاهر ولبنتاه الذهب علم الباطن والفضة علم الظاهر وأنه يتلقى ذلك بلا ~~واسطة ويصرح في فصوصه أن رتبة الولاية أعظم من رتبة النبوة لأن الولي يأخذ ~~بلا واسطة والنبي بواسطة فالفضيلة التي زعم أنه امتاز بها على النبي أعظم ~~عنده مما شاركه فيه # وبالجملة فهو لم يتبع النبي في شيء فإنه أخذ بزعمه عن الله ما هو متابعة ~~فيه في الظاهر كما يوافق المجتهد المجتهد والرسول الرسول فليس عنده من ~~اتباع الرسول والتلقي عنه شيء أصلا لا في الحقائق الخبرية ولا في الحقائق ~~الشرعية # وأيضا فإنه لم يرض أن يكون معه كموسى مع عيسى وكالعالم مع العالم في ~~الشرع الذي وافقه فيه بل ادعى أنه يأخذ ما أقره عليه من الشرع من الله في ~~الباطن فيكون أخذه للشرع عن الله أعظم من أخذ الرسول PageV04P172 # وأما ما ادعى امتيازه به ms0920 عنه وافتقار الرسول إليه وهو موضع اللبنة ~~الذهبية فزعم أنه يأخذه عن المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى ~~الرسول # فهذا كما ترى في حال هذا الرجل وتعظيم بعض المتأخرين له # وصرح الغزالي بأن قتل من ادعى أن رتبة الولاية أعلى من رتبة النبوة أحب ~~إليه من قتل مائة كافر لأن ضرر هذا في الدين أعظم # ولا نطيل الكلام في هذا المقام لأنه ليس المقصود هنا # وأيضا فأسماء الله وأسماء صفاته عندهم شرعية سمعية لا تطلق بمجرد الرأي ~~فهم في الإمتناع من هذه الأسماء أحق بالعذر ممن امتنع من تسمية صفاته ~~أعراضا # وذلك أن الصفات التي لنا منها ما هو عرض كالعلم والقدرة ومنها ما هو جسم ~~وجوهر قائم بنفسه كالوجه واليد وتسمية هذه جوارح وأعضاء أخص من تسميتها ~~أجساما لما في ذلك من معنى الإكتساب والإنتفاع والتصرف وجواز التفريق ~~والبعضية PageV04P173 ### || الوجه الرابع # أن هذا السؤال لا يختص بهؤلاء بل إثبات جنس هذه الصفات قد اتفق عليه سلف ~~الأمة وأئمتها من أهل الفقه والحديث والتصوف والمعرفة وأئمة أهل الكلام من ~~الكلابية والكرامية والأشعرية كل هؤلاء يثبتون لله صفة الوجه واليد ونحو ~~ذلك # وقد ذكر الأشعري في كتاب المقالات أن هذا مذهب أهل الحديث وقال إنه به ~~يقول # فقال في جملة مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة مقالة أهل السنة وأصحاب ~~الحديث الإقرار بكذا وكذا وأن الله على عرشه استوى وأن له يدين بلا كيف كما ~~قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ وكما قال @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ وأن له عينين ~~بلا كيف كما قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ وأن له وجها كما قال @QB@ ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ # وقد قدمنا فيما تقدم أن جميع أئمة الطوائف هم من أهل الإثبات وما من شيء ~~ذكره أبو الفرج وغيره مما هو موجود في الحنبلية سواء كان الصواب فيه مع ~~المثبت أو مع النافي أو كان فيه تفصيل إلا وذلك موجود فيما شاء الله ~~PageV04P174 من أهل الحديث والصوفية والمالكية والشافعية والحنفية ونحوهم ~~بل هو موجود في ms0921 الطوائف التي لا تنتحل السنة والجماعة والحديث ولا مذهب ~~السلف مثل الشيعة وغيرهم ففيهم في طرفي الإثبات والنفي ما لا يوجد في هذه ~~الطوائف # وكذلك في أهل الكتابين أهل التوراة والإنجيل توجد هذه المذاهب المتقابلة ~~في النفي والإثبات وكذلك الصابئة من الفلاسفة وغيرهم لهم تقابل في النفي ~~والإثبات حتى إن منهم من يثبت ما لا يثبته كثير من متكلمة الصفاتية ولكن ~~جنس الإثبات على المتبعين للرسل أغلب من الذين آمنوا واليهود والنصارى ~~والصابئة المهتدين وجنس النفي على غير المتبعين للرسل أغلب من المشركين ~~والصابئة المبتدعة # وقد ذكرنا في غير هذا الجواب مذهب سلف الأمة وأئمتها بألفاظها وألفاظ من ~~نقل ذلك من جميع الطوائف بحيث لايبقى لأحد من الطوائف اختصاص بالإثبات # ومن ذلك ما ذكره شيخ الحرمين أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي في ~~كتابه الذي سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع ~~والفضول وكان من أئمة الشافعية ذكر فيه من كلام الشافعي ومالك والثوري ~~وأحمد بن حنبل والبخاري صاحب الصحيح PageV04P175 وسفيان بن عيينة وعبد الله ~~بن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهوية في أصول السنة ما ~~يعرف به اعتقادهم # وذكر في تراجمهم ما فيه تنبيه على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام وذكر أنه ~~اقتصر في النقل عنهم دون غيرهم لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوع شرقا وغربا ~~إلى مذاهبهم ولأنهم أجمع لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم وأكثر لتحصيل ~~أسبابها وأدواتها من جودة الحفظ والبصيرة والفطنة والمعرفة بالكتاب والسنة ~~والإجماع والسند والرجال والأحوال ولغات العرب ومواضعها والتاريخ والناسخ ~~والمنسوخ والمنقول والمعقول والصحيح والمدخول في الصدق والصلابة وظهور ~~الأمانة والديانة ممن سواهم # قال وإن قصر واحد منهم في سبب منها جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم فإن غيرهم من ~~الأئمة وإن كانوا في منصب الإمامة لكن أخلوا ببعض ما أشرت إليه مجملا من ~~شرائطها إذ ليس هذا موضعا لبيانها # قال ووجه ثالث لا بد من أن نبين فيه فنقول ms0922 إن في النقل عن هؤلاء إلزاما ~~للحجة على كل من ينتحل مذهب إمام يخالفه في العقيدة فإن أحدهما لا محالة ~~يضلل صاحبه أو يبدعه أو يكفره فانتحال مذهبه مع مخالفته PageV04P176 له في ~~العقيدة مستنكر والله شرعا وطبعا فمن قال أنا شافعي الشرع أشعري الإعتقاد ~~قلنا له هذا من الأضداد لا بل من الارتداد إذ لم يكن الشافعي أشعري ~~الإعتقاد ومن قال أنا حنبلي في الفروع معتزلي في الأصول قلنا قد ضللت إذا ~~عن سواء السبيل فيما تزعمه إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد # قال وقد افتتن أيضا خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية وهذه والله سبة وعار ~~وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة ~~الكبار فإن مذهبهم ما رويناه من تكفيرهم الجهمية والمعتزلة والقدرية ~~والواقفية وتكفيرهم اللفظية # وبسط الكلام في مسألة اللفظ إلى أن قال فأما غير ما ذكرناه من الأئمة فلم ~~ينتحل أحد مذهبهم فلذلك لم نتعرض للنقل عنهم # قال فإن قيل فهلا اقتصرتم إذا على النقل عمن شاع مذهبه وانتحل اختياره من ~~أصحاب الحديث وهم الأئمة الشافعي ومالك والثوري وأحمد إذ لا نرى أحدا ينتحل ~~مذهب الأوزاعي والليث وسائرهم # قلنا لأن من ذكرناه من الأئمة سوى هؤلاء أرباب المذاهب في الجملة إذ ~~كانوا قدوة في عصرهم ثم اندرجت مذاهبهم الآخرة تحت مذاهب الأئمة المعتبرة ~~وذلك أن بن عيينة كان قدوة ولكن لم يصنف في PageV04P177 الذي كان يختاره من ~~الأحكام وإنما صنف أصحابه وهم الشافعي وأحمد وإسحاق فاندرج مذهبه تحت ~~مذاهبهم # وأما الليث بن سعد فلم يقم أصحابه بمذهبه قال الشافعي لم يرزق الأصحاب ~~إلا أن قوله يوافق قول مالك أو قول الثوري لا يخطئهما فاندرج مذهبه تحت ~~مذهبهما # وأما الأوزاعي فلا نرى له في أعم المسائل قولا إلا ويوافق قول مالك أو ~~قول الثوري أو قول الشافعي فاندرج اختياره أيضا تحت اختيار هؤلاء وكذلك ~~اختيار إسحاق يندرج تحت مذهب أحمد لتوافقهما # قال فإن قيل فمن أين وقعت على هذا التفصيل والبيان في اندراج مذاهب ms0923 هؤلاء ~~تحت مذاهب الأئمة قلت من التعليقة للشيخ أبي حامد الإسفرائيني التي هي ~~ديوان الشرائع وأم البدائع في بيان الأحكام ومذاهب العلماء الإعلام وأصول ~~الحجج العظام في المختلف والمؤتلف # قال وأما اختيار أبي زرعة وأبي حاتم في الصلاة والأحكام مما قرأته وسمعته ~~من مجموعيهما فهو موافق لقول أحمد ومندرج تحته وذلك مشهور وأما البخاري فلم ~~أر له اختيارا ولكن سمعت محمد بن طاهر الحافظ يقول استنبط البخاري في ~~الاختيارات مسائل موافقة لمذهب أحمد وإسحاق # فلهذه المعاني نقلنا عن الجماعة الذين سميناهم دون غيرهم إذ هم أرباب ~~PageV04P178 المذاهب في الجملة ولهم أهلية الاقتداء بهم لحيازتهم شرائط ~~الإمامة وليس من سواهم في درجتهم وإن كانوا أئمة كبراء قد ساروا بسيرهم # ثم ذكر بعد ذلك الفصل الثاني عشر في ذكر خلاصة تحوي مناصيص الأئمة بعد أن ~~أفرد لكل منهم فصلا قال لما تتبعت أصول ما صح لي روايته فعثرت فيها بما قد ~~ذكرت من عقائد الأئمة فرتبتها عند ذلك على ترتيب الفصول التي أثبتها ~~وافتتحت كل فصل بنيف من المحامد يكون لإمامتهم إحدى الشواهد داعية إلى ~~اتباعهم ووجوب وفاقهم وتحريم خلافهم وشقاقهم فإن اتباع من ذكرناه من الأئمة ~~في الأصول في زماننا بمنزلة اتباع الأجماع الذي يبلغنا عن الصحابة ~~والتابعين إذ لا يسع مسلما خلافه ولا يعذر فيه فإن الحق لا يخرج عنهم لأنهم ~~الإدلاء وأرباب مذاهب هذه الأمة والصدور والسادة والعلماء القادة أولوا ~~الدين والديانة والصدق والأمانة والعلم الوافر والاجتهاد الظاهر ولهذا ~~المعنى اقتدوا بهم في الفروع فجعلوهم فيها وسائل بينهم وبين الله حتى صاروا ~~أرباب المذاهب في المشارق والمغارب فليرضوا كذلك بهم في الأصول فيما بينهم ~~وبين ربهم وبما نصوا عليه ودعوا إليه # قال فإنا نعلم قطعا أنهم أعرف قطعا بما صح من معتقد رسول الله وأصحابه من ~~بعده لجودة معارفهم وحيازتهم شرائط الإمامة ولقرب عصرهم من الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه كما بيناه في أول الكتاب PageV04P179 # قال ثم أردت ووافق مرادي سؤال بعض الإخوان أن أذكر خلاصة مناصيصهم متضمنة ms0924 ~~بعض ألفاظهم فإنها أقرب إلى الحفظ وهي اللباب لما ينطوي عليه الكتاب ~~فاستعنت بمن عليه التكلان وقلت إن الذي آثرناه من مناصيصهم يجمعه فصلان ~~أحدهما في بيان السنة وفضلها والثاني في هجران البدعة وأهلها # أما الفصل الأول فاعلم أن السنة طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتسنن بسلوكها وإصابتها وهي أقسام ثلاثة أقوال وأعمال وعقائد فالأقوال ~~نحو الأذكار والتسبيحات المأثورة والأفعال مثل سنن الصلاة والصيام والصدقات ~~المذكورة ونحو السير المرضية والآداب المحكية فهذان القسمان في عداد ~~التأكيد والاستحباب واكتساب الأجر والثواب والقسم الثالث سنة العقائد وهي ~~من الإيمان إحدى القواعد # قال وها أنا ذا أذكر بعون الله خلاصة ما نقلته عنهم مفرقا وأضيف إليه ما ~~دون في كتب الأصول مما لم يبلغني عنهم مطلقا وأرتبها مرشحة وببعض مناصيصهم ~~موشحة بأوجز لفظ على قدر وسعى ليسهل حفظه على من يريد أن يعي فأقول ليعلم ~~المستن أن سنة العقائد على ثلاثة أضرب ضرب يتعلق بأسماء الله وذاته وصفاته ~~وضرب يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ومعجزاته وضرب يتعلق بأهل ~~الإسلام في أولاهم وأخراهم PageV04P180 # أما الضرب الأول فلنعتقد أن لله أسماء وصفات قديمة غير مخلوقة جاء بها ~~كتابه وأخبر بها الرسول أصحابه فيما رواه الثقات وصححه النقاد الأثبات ودل ~~القرآن المبين والحديث الصحيح المتين على ثبوتها # قال رحمه الله تعالى وهي أن الله تعالى أول لم يزل وأخر لا يزال أحد قديم ~~وصمد كريم عليم حليم علي عظيم رفيع مجيد وله بطش شديد وهو يبدىء ويعيد فعال ~~لما يريد قوي قدير منيع نصير @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ ~~إلى سائر أسمائه وصفاته من النفس والوجه والعين والقدم واليدين والعلم ~~والنظر والسمع والبصر والإرادة والمشيئة والرضى والغضب والمحبة والضحك ~~والعجب والاستحياء والغيرة والكراهة والسخط والقبض والبسط والقرب والدنو ~~والفوقية والعلو والكلام والسلام والقول والنداء والتجلي واللقاء والنزول ~~والصعود والاستواء وأنه تعالى في السماء وأنه على عرشه بائن من خلقه # قال مالك إن الله في السماء وعلمه في كل مكان وقال ms0925 عبد الله بن المبارك ~~نعرف ربنا فوق سبع سمواته على العرش بائنا من خلقه ولا نقول كما قالت ~~الجهمية إنه ها هنا وأشار إلى الأرض وقال سفيان الثوري وهو معكم أينما كنتم ~~قال علمه قال الشافعي إنه على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء قال أحمد ~~إنه مستو على العرش عالم بكل مكان وإنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ~~شاء وإنه يأتي يوم القيامة كيف شاء PageV04P181 وإنه يعلو على كرسيه ~~والإيمان بالعرش والكرسي وما ورد فيهما من الآيات والأخبار # وأن الكلم الطيب يصعد إليه وتعرج الملائكة والروح إليه وأنه خلق آدم ~~بيديه وخلق القلم وجنة عدن وشجرة طوبى بيديه وكتب التوراة بيديه وأن كلتا ~~يديه يمين وقال بن عمر خلق الله بيديه أربعة أشياء آدم والعرش والقلم وجنة ~~عدن وقال لسائر الخلق كن فكان وأنه يتكلم بالوحي كيف يشاء قالت عائشة رضي ~~الله عنها لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى # وأن القرآن كلام الله بجميع جهاته منزل غير مخلوق ولا حرف منه مخلوق منه ~~بدأ وإليه يعود قال عبد الله بن المبارك من كفر بحرف من القرآن فقد كفر ومن ~~قال لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر وأن الكتب المنزلة على الرسل مائة وأربعة ~~كتب كلام الله غير مخلوق قال أحمد وما في اللوح المحفوظ وما في المصاحف ~~وتلاوة الناس وكيفما يقرأ وكيفما يوصف فهو كلام الله غير مخلوق قال البخاري ~~وأقول في المصحف قرآن وفي صدور الرجال قرآن فمن قال غير هذا يستتاب فإن تاب ~~وإلا فسبيله سبيل الكفر # قال وذكر الشافعي المعتقد بالدلائل فقال لله أسماء وصفات جاء بها ~~PageV04P182 كتابه وأخبر بها نبيه أمته لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه ~~الحجة ردها إلى أن قال نحو إخبار الله سبحانه إيانا أنه سميع بصير وأن له ~~يدين لقوله @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ وأن له يمينا بقوله @QB@ والسماوات ~~مطويات بيمينه @QE@ وأن له وجها لقوله @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه ms0926 @QE@ ~~وقوله @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وأن له قدما لقوله حتى ~~يضع الرب فيها قدمه يعني جهنم # وأنه يضحك من عبده المؤمن لقوله صلى الله عليه وسلم للذي قتل في سبيل ~~الله إنه لقي الله وهو يضحك إليه وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا لخبر ~~رسول الله بذلك وأنه ليس بأعور لقول رسول الله إذ ذكر الدجال فقال إنه أعور ~~وإن ربكم ليس بأعور وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون ~~القمر ليلة البدر وأن له إصبعا لقوله ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن قال وسوى ما نقله الشافعي أحاديث جاءت في الصحاح والمسانيد ~~وتلقتها الأمة بالقبول والتصديق نحو ما في الصحيح من حديث الذات وقوله لا ~~شخص أغير من الله وقوله أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير من سعد والله ~~أغير مني وقوله ليس أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه وليس أحد ~~أغير من الله من أجل ذلك حرم PageV04P183 الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~وقوله يد الله ملأى وقوله بيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع وقوله إن الله ~~يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك ونحوه ~~قوله ثلاث حثيات من حثيات الرب وقوله لما خلق آدم مسح ظهره بيمينه وقوله في ~~حديث أبي رزين قلت يا رسول الله فما يفعل ربنا بنا إذا لقيناه قال تعرضون ~~عليه بادية له صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك بيده غرفة من ~~الماء فينضح قبلكم فلعمر الهك ما يخطىء وجه أحدكم منها قطرة أخرجه أحمد في ~~المسند # وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا ~~حمما فيلقيهم في نهر من أنهار الجنة يقال له نهر الحياة # ونحو الحديث رأيت ربي في أحسن صورة ونحو قوله خلق آدم على صورته وقوله ~~يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه وقوله كلم أباك كفاحا وقوله ما منكم ~~من أحد إلا سيكلمه ms0927 ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له وقوله يتجلى لنا ~~ربنا يوم القيامة ضاحكا وفي حديث المعراج في الصحيح ثم دنا الجبار رب العزة ~~فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وقوله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش ~~PageV04P184 إن رحمتي سبقت غضبي وقوله لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من ~~مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه وفي رواية رجله فينزوي بعضها إلى بعض ~~وتقول قد قد # وفي رواية قط قط بعزتك ونحو قوله فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون ~~فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا وقوله يحشر الله العباد فيناديهم بصوت ~~يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان # إلى غيرها من الأحاديث هالتنا أو لم تهلنا بلغتنا أو لم تبلغنا اعتقادنا ~~فيها وفي الآي الواردة في الصفات أنا نقبلها ولانحرفها ولا نكيفها ولا ~~نعطلها ولا نتأولها وعلى العقول لا نحملها وبصفات الخلق لا نشبهها ولا نعمل ~~رأينا وفكرنا فيها ولا نزيد عليها ولا ننقص منها بل نؤمن بها ونكل علمها ~~إلى عالمها كما فعل ذلك السلف الصالح وهم القدوة لنا في كل علم روينا عن ~~إسحاق أنه قال لا نزيل صفة مما وصف الله بها نفسه أو وصفه بها الرسول عن ~~جهتها لا بكلام ولا بإرادة إنما يلزم المسلم الأداء ويوقن بقلبه أن ما وصف ~~الله به نفسه في القرآن إنما هي صفاته ولا يعقل نبي مرسل ولا ملك مقرب تلك ~~الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب عز وجل فأما أن يدرك أحد من بني آدم ~~تلك الصفات فلا يدركه أحد الحديث إلى آخره PageV04P185 # وكما روينا عن مالك والأوزاعي وسفيان والليث وأحمد بن حنبل أنهم قالوا في ~~الأحاديث في الرؤية والنزول أمروها كما جاءت # وكما روى عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال في الأحاديث التي جاءت ~~إن الله يهبط إلى السماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد ~~رواها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها # انتهى كلام ms0928 الكرجي رحمه الله تعالى # والعجب أن هؤلاء المتكلمين إذا احتج عليهم بما في الآيات والأحاديث من ~~الصفات قال قالت الحنابلة إن الله كذا وكذا بما فيه تشنيع وترويج لباطلهم ~~والحنابلة اقتفوا أثر السلف وساروا بسيرهم ووقفوا بوقوفهم بخلاف غيرهم ~~والله الموفق ### || النوع الثاني # أن هذا الكلام ليس فيه من الحجة والدليل ما يستحق أن يخاطب به أهل العلم ~~فإن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد والإنسان لو أنه يناظر ~~المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه ~~والباطل الذي معهم فقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه PageV04P186 ~~وسلم @QB@ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن @QE@ فلو ~~كان خصم من يتكلم بهذا الكلام سواء كان المتكلم به أبو الفرج أو غيره من ~~أشهر الطوائف بالبدع كالرافضة لكان ينبغي أن يذكر الحجة ويعدل عما لا فائدة ~~فيه إذ كان في مقام الرد عليهم دع والمنازعون له كما ادعاه هم عند جميع ~~الناس أعلم منه بالأصول والفروع وهو في كلامه ورده لم يأت بحجة أصلا لا حجة ~~سمعية ولا عقلية وإنما اعتمد تقليد طائفة من أهل الكلام قد خالفها أكثر ~~منها من أهل الكلام فقلدهم فيما زعموا أنه حجة عقلية كما فعل هذا المعترض # ومن يرد على الناس بالمعقول إن لم يبين حجة عقلية وإلا كان قد أحال الناس ~~على المجهولات كمعصوم الرافضة وغوث الصوفية # فأما قوله إن مثل هؤلاء لا يحدثون فيقال له قد بعث الله الرسل إلى جميع ~~الخلق ليدعوهم إلى الله فمن الذي أسقط الله مخاطبته من الناس دع من تعرف ~~أنت وغيرك ممن فضلهم الله ما ليس هذا موضعه ولو أراد سفيه أن يرد على الراد ~~بمثل رده لم يعجز عن ذلك # وكذلك قوله إنهم يكابرون العقول فنقول المكابرة للعقول PageV04P187 إما ~~أن تكون في إثبات ما أثبتوه وإما أن تكون في تناقضهم بجمع من ms0929 إثبات هذه ~~الأمور ونفي الجوارح # أما الأول فباطل فإن المجسمة المحضة التي تصرح بالتجسيم المحض وتغلو فيه ~~لم يقل أحد قط إن قولها مكابرة للعقول ولا قال أحد إنهم لا يخاطبون بل ~~الذين ردوا على غالية المجسمة مثل هشام بن الحكم وشيعته لم يردوا عليهم من ~~الحجج العقلية إلا بحجج تحتاج إلى نظر وإستدلال والمنازع لهم وإن كان مبطلا ~~في كثير مما يقوله فقد قابلهم بنظير حججهم ولم يكونوا عليه بأظهر منه عليهم ~~إذ مع كل طائفة حق وباطل # وإذا كان مثل ( أبى الفرج بن الجوزى ( إنما يعتمد في هذه نفى هذه الأمور ~~على ما يذكره نفاة النظار فأؤلئك لا يكادون يزعمون في شيء من النفى ~~والإثبات أنه مكابرة للمعقول حتى جاحدوا الصانع الذين هم أجهل الخلق وأضلهم ~~وأكفرهم وأعظمهم خلافا للعقول لا يزعم أكثر هؤلاء الذين إنتصر بهم أبو ~~الفرج أن قولهم مكابرة للعقول بل يزعمون أن العلم بفساد قولهم إنما يعلم ~~بالنظر والإستدلال # وهذا القول وإن كان يقوله جل هؤلاء النفاة من أهل الكلام فليس هو طريقة ~~مرضية لكن المقصود أن هؤلاء النفاة لا يزعمون أن العلم بفساد PageV04P188 ~~قول المثبته معلوم بالضرورة ولا أن قولهم مكابرة للعقل وإن شنعوا عليهم ~~بأشياء ينفر عنها كثير من الناس فذاك ليستعينوا بنفرة النافرين على دفعهم ~~وإخماد قولهم لا لأن نفور النافرين عنهم يدل على حق أو باطل ولا لأن قولهم ~~مكابرة للعقل أو معلوم بضرورة العقل أو ببديهته فساده هذا لم أعلم أحدا من ~~أئمة النفاة أهل النظر يدعيه في شيء من أقواله المثبته وإن كان فيها من ~~الغلو ما فيها # ومن المعلوم أن مجرد نفور النافرين أو محبة الموافقين لا يدل على صحته ~~قول ولا فساده إلا إذا كان ذلك بهدى من الله بل الإستدلال بذلك هو إستدلال ~~باتباع الهوى بغير هدى من الله فإن إتباع الإنسان لما يهواه هو أخذ القول ~~والفعل الذى يحبه ورد القول والفعل الذى يبغضه بلا هدى من الله قال تعالى ~~@QB@ وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ms0930 بغير علم @QE@ وقال ( فإن لم يستجيبوا لك ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ( وقال ~~تعالى لداود @QB@ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله @QE@ وقال تعالى ( فإن ~~شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وهم بربهم يعدلون ( وقال تعالى ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن ~~سواء السبيل ( وقال تعالى ( ولن ترضى عنك اليهود PageV04P189 ولا النصارى ~~حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك ~~من العلم ما لك من الله من ولى ولا نصير ( # فمن أتبع أهواء الناس بعد العلم الذى بعث الله به رسوله وبعد هدى الله ~~الذى بينه لعباده فهو بهذه المثابة ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع ~~والتفرق المخالفين للكتاب والسنة أهل الأهواء حيث قبلوا ما أحبوه وردوا ما ~~أبغضوه بأهوائهم بغير هدى من الله # وأما قول المعترض عن أبى الفرج ( وكأنهم يخاطبون الأطفال ( فلم تخاطب ~~الحنابلة إلا بما ورد عن الله ورسوله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان الذين ~~هم أعرف بالله وأحكامه وسلمنا لهم أمر الشريعة وهم قدوتنا فيما أخبروا عن ~~الله وشرعه وقد أنصف من أحال عليهم وقد شاقق من خرج عن طريقتهم وادعى أن ~~غيرهم أعلم بالله منهم أو أنهم علموا وكتموا وأنهم لم يفهموا ما أخبروا به ~~أو أن عقل غيرهم في ( باب معرفة الله ( أتم وأكمل وأعلم مما نقلوه وعقلوه ~~وقد قد منا ما فيه كفاية في هذا الباب والله الموفق ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور PageV04P190 قال شيخ الإسلام رحمه الله وقدس سره ### ||| فصل # ( الأقوال نوعان ( أقوال ثابتة عن الأنبياء فهي معصومة يجب أن يكون ~~معناها حقا عرفه من عرفه وجهله من جهله والبحث عنها إنما هو عما أرادته ~~الأنبياء فمن كان مقصوده معرفة مرادهم من الوجه الذى يعرف مرادهم فقد سلك ~~طريق ms0931 الهدى ومن قصد أن يجعل ما قالوه تبعا له فإن وافقه قبله وإلا رده ~~وتكلف له من التحريف ما يسميه تأويلا مع أنه يعلم بالضرورة أن كثيرا من ذلك ~~أو أكثره لم ترده الأنبياء فهو محرف للكلم عن مواضعه لا طالب لمعرفة ~~التأويل الذى يعرفه الراسخون في العلم # ( النوع الثانى ( ما ليس منقولا عن الأنبياء فمن سواهم ليس معصوما فلا ~~يقبل كلامه ولا يرد إلا بعد تصور مراده ومعرفة صلاحه من فساده PageV04P191 ~~فمن قال من أهل الكلام إنه لا يفعل الأشياء بالأسباب بل يفعل عندها لا بها ~~ولا يفعل لحكمة ولا في الأفعال المأمور بها ما لأجله كانت حسنة ولا المنهى ~~عنها مالأجله كانت سيئة فهذا مخالف لنصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة من ~~السلف # وأول من قاله في الإسلام جهم بن صفوان الذي أجمعت الأمة على ضلالته فإنه ~~أول من أنكر الأسباب والطبائع كما أنه أول من ظهر عنه القول بنفي الصفات ~~وأول من قال بخلق كلام الله وإنكار رؤيته في الآخرة # ونصوص الكتاب والسنة في إبطال هذا كثيرة جدا كقوله @QB@ قلنا يا نار كوني ~~بردا وسلاما على إبراهيم @QE@ فسلب النار طبيعتها وقوله @QB@ لنخرج به حبا ~~ونباتا @QE@ وقوله @QB@ حتى إذا أقلت سحابا ثقالا @QE@ فأخبر أن الرياح تقل ~~السحاب أي تحمله فجعل هذا الجماد فاعلا بطبعه وقال @QB@ اهتزت وربت وأنبتت ~~@QE@ فجعلها فاعلة بطبعها وقوله @QB@ فأنبتنا فيها من كل زوج كريم @QE@ وهو ~~الكثير المنفعة والزوج الصنف # والأدلة في ذلك كثيرة يخبر فيها أنه يخلق بالأسباب والحكم وأخبر أنه قائم ~~بالقسط وأنه لا يظلم الناس شيئا فلا يضع شيئا في غير موضعه ولا يسوي بين ~~مختلفين ولا يفرق بين متماثلين كما قال @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ~~أن نجعلهم @QE@ الآية وقال @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض @QE@ الآية وقال @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين @QE@ ~~PageV04P192 الآية وقال @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات @QE@ ~~الآية وغيرها كثير # وقوله @QB@ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي @QE@ الآية فدلت هذه الآية ~~وغيرها على أن ما أمرهم به هو ms0932 معروف في نفسه تعرفه القلوب فهو مناسب لها ~~مصلح لفسادها ليس معنى كونه معروفا أنه مأمور به إذ هذا قدر مشترك فعلم ~~أنما يأمر به الرسول مختص وما نهى عنه مختص بأنه منكر محذور وما يحله مختص ~~بأنه طيب وما يحرمه مختص بأنه خبيث ومثل هذا كثير في القرآن وغيره من الكتب ~~كالتوراة والإنجيل والزبور والله سبحانه وتعالى أعلم PageV04P193 قال شيخ ~~الإسلام رحمه الله تعالى # الإستدلال بكون الشيء بدعة على كراهيته قاعدة عظيمة عامة وتمامها بالجواب ~~عما يعارضها # فإن من الناس من يقول البدع تنقسم إلى قسمين لقول عمر نعمت البدعة ~~وبأشياء أحدثت بعده وليست مكروهة للأدلة من الإجماع والقياس # وربما ضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم ما عليه كثير من الناس من العادة ~~بمنزلة من إذا قيل لهم @QB@ تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا @QE@ # وما أكثر من يحتج به من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ليست من أصول ~~العلم وقد يبدي ذووا العلم له مستندا من الأدلة الشرعية والله يعلم أن قوله ~~لها وعمله بها ليس مستندا إلى ذلك وإنما يذكرها دفعا لمن يناظره # والمجادلة المحمودة إنما هي إبداء المدارك التي هي مستند الاقوال ~~والأعمال PageV04P194 وأما إظهار غير ذلك فنوع من النفاق في العلم والعمل ~~وهذه قاعدة دلت عليها السنة والإجماع مع الكتاب قال الله تعالى @QB@ أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ # فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن ~~يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذ ~~شريكا لله شرع في الدين ما لم يأذن به الله وقد يغفر له لأجل تأويل إذا كان ~~مجتهدا الأجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ لكن لا يجوز اتباعه في ذلك كما ~~قال تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ # فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن الله ms0933 به من تحليل أو تحريم أو استحباب أو ~~ايجاب فقد لحقه من هذا الذم نصيب كما يلحق الآمر الناهي ثم قد يكون كل ~~منهما معفوا عنه فيتخلف الذم لفوات شرطه أو وجود مانعه وإن كان المقتضى له ~~قائما ويلحق الذم من تبين له الحق فتركه أو قصر في طلبه فلم يتبين له أو ~~أعرض عن طلبه لهوى أو كسل ونحو ذلك # وأيضا فإن الله عاب على المشركين شيئين # أحدهما أنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا # الثاني تحريمهم ما لم يحرمه الله كما بينه في حديث PageV04P195 عياض عن ~~مسلم وقال تعالى @QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء @QE@ فجمعوا بين الشرك والتحريم والشرك يدخل فيه كل عبادة ~~لم يأذن الله بها فإن المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة وإما مستحبة ثم ~~منهم من عبد غير الله ليتقرب به إلى الله ومنهم من ابتدع دينا عبد به الله ~~كما أحدثت النصارى من العبادات # وأصل الضلال في أهل الأرض إنما نشأ من هذين إما اتخاذ دين لم يشرعه الله ~~أو تحريم ما لم يحرمه ولهذا كان الأصل الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم أن ~~الأعمال عبادات وعادات فالأصل في العبادات لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ~~والأصل في العادات لا يحظر منها إلا ما حظره الله وهذه المواسم المحدثة ~~إنما نهي عنها لما أحدث فيها من الدين الذي يتقرب به PageV04P196 ### || 1 ( رسالة في التقليد المذموم ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ! 8 < # عن رجل قال # إذا كان المسلمون مقلدين والنصارى مقلدين واليهود مقلدين فكيف وجه الرد ~~على النصارى واليهود وإبطال مذهبهم والحالة هذه وما الدليل القاطع على ~~تحقيق حق المسلمين وإبطال باطل الكافرين ### ||||| ! 8 < فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله هذا القائل كاذب ضال في هذا القول وذلك أن التقليد المذموم هو ~~قبول قول الغير بغير حجة كالذين ذكر الله عنهم أنهم @QB@ وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل ms0934 الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا @QE@ قال تعالى ~~@QB@ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون @QE@ وقال @QB@ إنهم ألفوا ~~آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون @QE@ ونظائر هذا في القرآن كثير فمن ~~اتبع دين آبائه وأسلافه لأجل العادة التي تعودها وترك اتباع الحق ~~PageV04P197 الذي يجب اتباعه فهذا هو المقلد المذموم وهذه حال اليهود ~~والنصارى بل أهل البدع والاهواء في هذه الأمة الذين اتبعوا شيوخهم ورؤساءهم ~~في غير الحق كما قال تعالى @QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا ~~أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ~~ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا @QE@ إلى قوله @QB@ خذولا @QE@ # وقال تعالى @QB@ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب @QE@ إلى قوله @QB@ وما هم بخارجين من النار @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم ~~تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار @QE@ إلى قوله @QB@ إن الله قد حكم ~~بين العباد @QE@ وأمثال ذلك مما فيه بيان أن من أطاع مخلوقا في معصية الله ~~كان له نصيب من هذا الذم والعقاب # والمطيع للمخلوق في معصية الله ورسوله إما أن يتبع الظن وإما أن يتبع ما ~~يهواه وكثير يتبعهما # وهذه حال كل من عصى رسول الله من المشركين وأهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى ومن أهل البدع والفجور من هذه الأمة كما قال تعالى PageV04P198 ~~@QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ~~@QE@ إلى قوله @QB@ ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ والسلطان هو الكتاب ~~المنزل من عند الله وهو الهدى الذي جاءهم من عند الله كما قال تعالى @QB@ ~~أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون @QE@ وقال @QB@ إن ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم @QE@ إلى قوله @QB@ بالغيه ~~@QE@ # وقال لبني آدم @QB@ فإما يأتينكم مني ms0935 هدى @QE@ إلى قوله @QB@ ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى @QE@ # وبيان ذلك أن الشخص إما أن يبين له أن ما بعث الله به رسوله حق ويعدل عن ~~ذلك إلى اتباع هواه أو يحسب أن ما هو عليه من ترك ذلك هو الحق فهذا متبع ~~للظن والأول متبع لهواه اجتماع الأمرين قال تعالى في صفة الاولين @QB@ ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~@QE@ إلى قوله @QB@ ليكتمون الحق وهم يعلمون @QE@ وقال تعالى في صفة ~~الآخسرين @QB@ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا @QE@ PageV04P199 الآية وقال ~~@QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ~~@QE@ # فالأول حال المغضوب عليهم الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه كما هو موجود في ~~اليهود # والثاني حال الذين يعملون بغير علم قال تعالى @QB@ وإن كثيرا ليضلون ~~بأهوائهم بغير علم @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله @QE@ # وكل من يخالف الرسل هو مقلد متبع لمن لا يجوز له أتباعه وكذلك من أتبع ~~الرسول بغير بصيرة ولا تبين وهو الذى يسلم بظاهره من غير أن يدخل الإيمان ~~إلى قلبه كالذى يقال له في القبر ما ربك وما دينك وما نبيك فيقول هاه هاه ~~لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته هو مقلد فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح ~~صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق أى لمات # وقد قال تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم @QE@ فمن لم يدخل الإيمان في قلبه وكان مسلما ~~في الظاهر فهو من المقلدين المذمومين # فإذا تبين أن المقلد مذموم وهو من اتبع هوى من لا يجوز اتباعه كالذى يترك ~~طاعات رسل الله ويتبع ساداته وكبرائه أو يتبع الرسول ظاهرا PageV04P200 من ~~غير إيمان في قلبه تبين أن اليهود والنصارى كلهم مقلدون تقليدا مذموما ~~وكذلك المنافقون من هذه الامة # واما ms0936 أهل البدع ففيهم بر وفجور وبيان ذلك من وجوه # احدها أن اليهود والنصارى الذين يزعمون أنهم يتبعون موسى وعيسى صلى الله ~~عليهما وسلم إنما يتبعونهم لأجل أنهم رسل الله وما من طريق تثبت بها نبوة ~~موسى وعيسى إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم أولى وأحرى # مثال ذلك إذا قال اليهود والنصارى قد ثبت بالنقل المتواتر أن موسى وعيسى ~~مع دعواه النبوة ظهرت على يديه الآيات الدالة على صدقة وأنه جاء من الدين ~~والشريعة ما يعلم أنه لم يجيء به مفتر كذاب ظهرت على يديه الآيات الدالة ~~على صدقه وانما يجيء به مع دعوى النبوة نبى صادق قيل له كل من هاتين ~~الطريقتين دليل يثبت نبوة محمد بطريق الأولى # فأنه من المعلوم أن الذين نقلوا ما دعا إليه محمد من الدين والشريعة ~~ونقلوا ما جاء به من الآيات المعجزات أعظم من الذين نقلوا مثل ذلك عن موسى ~~وعيسى وما جاء به من هذين النوعين أعظم مما جاء به موسى وعيسى بل من نظر ~~بعقله في هذا الوقت إلى ما عند المسلمين من العلم النافع والعمل الصالح وما ~~عند اليهود والنصارى علم أن بينهما PageV04P201 من الفرق أعظم مما بين ~~العرم والعرق # فإن الذي عند المسلمين من توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وملائكته ~~وأنبيائه ورسله ومعرفة اليوم الآخر وصفة الجنة والنار والثواب والعقاب ~~والوعد والوعيد أعظم وأجل بكثير مما عند اليهود والنصارى وهذا بين لكل من ~~يبحث عن ذلك # وما عند المسلمين من العبادات الظاهرة والباطنة مثل الصلوات الخمس وغيرها ~~من الصلوات والأذكار والدعوات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب وما عندهم من ~~الشريعة في المعاملات والمناكحات والأحكام والحدود والعقوبات أعظم وأجل مما ~~عند أهل الكتاب # فالمسلمون فوقهم في كل علم نافع وعمل صالح وهذا يظهر لكل أحد بأدنى نظر ~~لا يحتاج إلى كثير سعى # والمسلمون متفقون على ان كل هدى وخير يحصل لهم فإنما حصل بنبيهم فكيف ~~يمكن مع هذا أن يكون موسى وعيسى نبيين ومحمد ليس بنبي وأن اليهود والنصارى ~~على ms0937 الحق PageV04P202 # فما هم عليه من الهدى ودين الحق أعظم مما عند اليهود والنصارى وذلك إنما ~~تلقوه من نبيهم # وهذا القدر يعترف به كل عاقل من اليهود والنصارى يعترفون بأن دين ~~المسلمين حق وأن محمدا رسول الله وأن من أطاعه منهم دخل الجنة بل يعترفون ~~بأن دين الإسلام خير من دينهم كما أطبقت على ذلك الفلاسفة كما قال بن سينا ~~وغيره أجمع فلاسفة العالم على انه لا يقرع العالم ناموس أعظم من هذا ~~الناموس لكن من لم يتبعه يعلل نفسه بأنه لا يجب عليه اتباعه لأنه رسول إلى ~~العرب الأميين دون أهل الكتاب لأنه إن كان دينه حقا فديننا أيضا حق والطريق ~~إلى الله تعالى متنوعة ويشبهون ذلك بمذاهب الإئمة فإنه وإن كان أحد المذاهب ~~يرجح على الآخر فأهل المذاهب الآخر ليسوا كفارا ولا من أهل الكتاب # هذه الشبهة التي يضل بها المتكايسون من أهل الكتاب والمتفلسفة ونحوهم ~~وبطلانها ظاهر فإنه كما علم علما ضروريا متواترا أنه دعا المشركين إلى ~~الإيمان فقد علم بمثل ذلك أنه دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به وأنه جاهد أهل ~~الكتاب كما جاهد المشركين فجاهد بني قينقاع وبني النضير وقريظة وأهل خيبر ~~وهؤلاء كلهم يهود وسبى ذريتهم ونساءهم وغنم أموالهم وأنه غزا النصارى عام ~~تبوك بنفسه وبسراياه حتى قتل في محاربتهم زيد بن محمد PageV04P203 مولاه ~~الذي كان تبناه وجعفر وغيرهما من أهله وأنه ضرب الجزية على نصارى نجران # وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده جاهدوا أهل الكتاب وقاتلوا من قاتلهم ~~وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عن يد وهم صاغرون # وهذا القرآن الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به مملوء من دعوة أهل ~~الكتاب إلى اتباعه ويكفر من لم يتبعه منهم ويذمه ويلعنه والوعيد له كما في ~~تكفير من لم يتبعه من المشركين وذمه والوعيد كما قال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم @QE@ الآية وفي القرآن ~~من قوله يا أهل الكتاب يا بني اسرائيل ما لا يحصى إلا بكلفة ms0938 # وقال تعالى @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين @QE@ ~~الآية إلى قوله @QB@ خير البرية @QE@ ومثل هذا في القرآن كثير جدا وقد قال ~~تعالى @QB@ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا كافة للناس @QE@ # واستفاض عنه فضلت على الأنبياء بخمس ذكر فيها أنه قال كان النبي يبعث إلى ~~قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة بل تواتر عنه أنه بعث إلى الجن والإنس فإذا ~~علم بالإضطرار بالنقل المتواتر الذي تواتر كما تواتر ظهور دعوته أنه دعا ~~أهل الكتاب إلى PageV04P204 الإيمان به وأنه حكم بكفر من لم يؤمن به منهم ~~وأنه أمر بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وأنه قاتلهم ~~بنفسه وسراياه وأنه ضرب الجزية عليهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وغنم ~~أموالهم فحاصر بني قينقاع ثم أجلاهم إلى أذرعات وحاصر بني النضير ثم أجلاهم ~~إلى خيبر وفي ذلك أنزل الله سورة الحشر # ثم حاصر بني قريظة لما نقضوا العهد وقتل رجالهم وسبى حريمهم وأخذ أموالهم ~~وقد ذكره الله تعالى في سورة الأحزاب وقاتلأهل خيبر حتى فتحها وقتل من قتل ~~من رجالهم وسبى من سبى من حريمهم وقسم أرضهم بين المؤمنين وقد ذكرها الله ~~تعالى في سورة الفتح وضرب الجزية على النصارى وفيهم أنزل الله سورة آل ~~عمران وغزا النصارى عام تبوك وفيها أنزل الله سورة براءة # وفي عامة السور المدنية مثل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وغير ذلك ~~من السور المدنية من دعوة أهل الكتاب وخطابهم مالا تتسع هذه الفتوى لعشره # ثم خلفاؤه بعده أبو بكر وعمر ومن معهما من المهاجرين والأنصار الذي يعلم ~~أنهم كانوا أتبع الناس له وأطوعهم لامره وأحفظهم لعهده وقد غزوا الروم كما ~~غزوا فارس وقاتلوا أهل الكتاب كما قاتلوا المجوس فقاتلوا من قاتلهم وضربوا ~~الجزية على من أداها منهم عن يد وهم صاغرون PageV04P205 ومن الأحاديث ~~الصحيحة عنه قوله والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا ~~نصراني ثم ms0939 لا يؤمن بي إلا دخل النار # قال سعيد بن جبير تصديق ذلك في كتاب الله تعالى @QB@ ومن يكفر به من ~~الأحزاب فالنار موعده @QE@ ومعنى الحديث متواتر عنه معلوم بالإضطرار فإذا ~~كان الامر كذلك لزم بأنه رسول الله إلى كل الطوائف فإنه يقرر بأنه رسول ~~الله إلى أهل الكتاب وغيرهم فإن رسول الله لا يكذب ولا يقاتل الناس على ~~طاعته بغير أمر الله ولا يستحل دماءهم وأموالهم وديارهم بغير إذن الله # فمن قال إن الله أمره بذلك وفعله ولم يكن الله أمره بذلك كان كاذبا ~~مفتريا ظالما @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم ~~يوح إليه شيء @QE@ وكان مع كونه ظالما مفتريا من أعظم المريدين علوا في ~~الأرض وفسادا وكان أشر من الملوك الجبابرة الظالمين فإن الملوك الجبابرة ~~الذين يقاتلون الناس على طاعتهم لا يقولون أنا رسل الله إليكم ومن أطاعنا ~~دخل الجنة ومن عصانا دخل النار بل فرعون وأمثاله لا يدخلون في مثل هذا ولا ~~يدخل في هذا إلا نبي صادق أو متنبئ كذاب كمسيلمة والاسود وأمثالهما # فإذا علم أنه نبي كيف ما كان لزم أن يكون ما أخبر به عن الله حقا وإذا ~~كان رسول الله وجبت طاعته في كل ما يأمر به كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا ~~من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ وإذا أخبر أنه رسول الله إلى أهل الكتاب ~~PageV04P206 # وأنه تجب عليهم طاعته كان ذلك حقا ومن أقر بأنه رسول الله وأنكر أن يكون ~~مرسلا إلى أهل الكتاب بمنزلة من يقول أن موسى كان رسولا ولم يكن يجب أن ~~يدخل أرض الشام ولا يخرج بني إسرائيل من مصر وأن الله لم يأمره بذلك وأن ~~الله لم يأمره بالسبت ولا أنزل عليه التوراة ولا كلمه على الطور ومن يقول ~~إن عيسى كان رسول الله لم يبعث إلى بني اسرائيل ولا كان يجب على بني ~~اسرائيل طاعته وأنه ظلم اليهود وأمثال ذلك من المقالات التي هي أكفر ~~المقالات # ولهذا قال تعالى @QB@ إن الذين ms0940 يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ والذين ~~آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم @QE@ الآية وقال لبني اسرائيل ~~@QB@ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض @QE@ إلى قوله @QB@ وما الله بغافل ~~عما تعملون @QE@ # فهذه الطريقة الواضحة البينة القاطعة يبين بها لكل مسلم ويهودي ونصراني ~~أن دين المسلمين هو الحق دون اليهود والنصارى فإنها مبنية على مقدمتين # أحداهما أن نبوة محمد ورسالته وهدى أمته أبين وأوضح تعلم بكل طريق تعلم ~~بها نبوة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وزيادة فلا يمكن القول بأنهما ~~نبيين دونه لأجل ذلك وإن شاء الرجل استدل على ذلك بنفس الدعوة وما جاء به ~~وإن شاء بالكتاب الذي بعث به وإن شاء PageV04P207 بما عليه أمته وإن شاء ~~بما بعث به من المعجزات فكل طريق من هذه الطرق إذا تبين بها نبوة موسى ~~وعيسى كانت نبوة محمد بها أبين وأكمل # والمقدمة الثانية أنه أخبر أن رسالته عامة إلى أهل الأرض من المشركين ~~وأهل الكتاب وأنه لم يكن مرسلا إلى بعض الناس دون بعض وهذا أمر معلوم ~~بالضرورة والنقل المتواتر والدلائل القطعية # وأما اليهود والنصارى فأصل دينهم حق كما قال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ لكن كل من الدينين ~~مبدل منسوخ فإن اليهود بدلوا وحرفوا ثم نسخ بقية شريعتهم بالمسيح # ونفس الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى مثل نبوة الأنبياء وهي أكثر من ~~عشرين نبوة وغيرها تبين أنهم بدلوا وأن شريعتهم تنسخ وتبين صحة رسالة محمد ~~فإن فيها من الأعلام والدلائل على نبوة خاتم المرسلين ما قد صنف فيه ~~العلماء مصنفات وفيها أيضا من التناقض والإختلاف ما يبين أيضا وقوع التبديل ~~وفيها من الأخبار من نحو بعدها ما يبين أنها منسوخة فعندهم ما يدل على هذه ~~المطالب وقد ناظرنا غير واحد PageV04P208 من أهل الكتاب وبينالهم ذلك وأسلم ~~من علمائهم وخيارهم طوائف وصاروا ms0941 يناظرون أهل دينهم ويبينون ما عندهم من ~~الدلائل على نبوة محمد ولكن هذه الفتيا لا تحتمل غير ذلك # وهذا من الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية إذ عندهم من الشواهد ~~والدلائل على نبوة محمد وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله ~~واليوم الآخر ما يبين أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بالدين الذي بعثت به ~~الرسل قبله وأخبر من توحيد الله وصفاته بمثل ما اخبرت به الأنبياء قبله قال ~~تعالى @QB@ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله @QE@ وقوله @QB@ قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب @QE@ وقال تعالى @QB@ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل ~~الذين يقرؤون الكتاب من قبلك @QE@ # والنبي لم يشك ولم يسأل ولكن هذا حكم معلق بشرط والمعلق بالشرط يعدم عند ~~عدمه وفي ذلك سعة لمن شك أو أراد أن يحتج أو يزداد يقينا PageV04P209 ### ||| فصل # فهذه الطريقة بينة في مناظرة أهل الكتاب وأما إن كان المخاطب لا يقر ~~بنبوة نبي من الأنبياء لا موسى ولا عيسى ولا غيرهما فللمخاطبة طرق # منها أن نسلك في الكلام بين أهل الملل وغيرهم من المشركين والصابئين ~~والمتفلسفة والبراهمة وغيرهم نظير الكلام بين المسلمين وأهل الكتاب # فنقول من المعلوم لكل عاقل له أدنى نظر وتأمل أن أهل الملل أكمل في ~~العلوم النافعة والأعمال الصالحة ممن ليس من أهل الملل فما من خير يوجد عند ~~غير المسلمين من أهل الملل إلا عند المسلمين ما هو أكمل منه وعند أهل الملل ~~مالا يوجد عند غيرهم وذلك أن العلوم والأعمال نوعان # نوع يحصل بالعقل كعلم الحساب والطب وكالصناعة من الحياكة والخياطة ~~والتجارة ونحو ذلك فهذه الأمور عند اهل الملل كما هي عند غيرهم بل هم فيها ~~أكمل فإن علوم المتفلسفة من علوم المنطق والطبيعة والهيئة وغير ذلك من ~~متفلسفة الهند واليونان وعلوم فارس والروم لما صارت إلى المسلمين هذبوها ~~ونقحوها لكمال عقولهم وحسن ألسنتهم وكان PageV04P210 كلامهم فيها أتم وأجمع ms0942 ~~وأبين وهذا يعرفه كل عاقل وفاضل وأما ما لا يعلم بمجرد العقل كالعلوم ~~الإلهية وعلوم الديانات فهذه مختصة بأهل الملل وهذه منها ما يمكن أن يقام ~~عليه أدلة عقلية فالآيات الكتابية مستنبطة من الرسالة فالرسل هدوا الخلق ~~وأرشدوهم إلى دلالة العقول عليها فهي عقلية شرعية فليس لمخالف الرسول أن ~~يقول هذه لم تعلم إلا بخبرهم فإثبات خبرهم بها دور بل يقال بعدالتهم ~~وإرشادهم وتبيينهم للمعقول صارت معلومة بالعقل والأمثال المضروبة والاقيسة ~~العقلية # وبهذه العلوم يعلم صحة ما جاء به الرسول وبطلان قول من خالفهم # النوع الثاني مالا يعلم إلا بخبر الرسل فهذا يعلم بوجوه منها اتفاق الرسل ~~على الإخبار به من غير تواطؤ ولا اتفاق بينهم فإن المخبر إما أن يكون صادقا ~~خبره مطابقا لمخبره وإما أن لا يكون وإذا لم يكن خبره مطابقا لمخبره فإما ~~أن يكون متعمدا للكذب وإما أن يكون مخطئا فإذا قدر عدم الخطأ والتعمد كان ~~خبره صدقا لا محالة # ومعلوم أنه إذا أخبر واحد عن علوم طويلة فيها تفاصيل كثيرة لا يمكن في ~~العادة خطؤهم وأخبر غيره قبل ذلك مع الجزم بأنهما لم يتوطئا ولا يمكن أن ~~يقال إنه يمكن الكذب في مثل ذلك أفاد خبرهما العلم وإن لم يعلم PageV04P211 ~~حالهما فلو ناجى رجلا بحضرة رجال وحدث بحديث طويل فيه أسرار تتعلق به في ~~رجل بتلك الأمور الأسرار ثم جاء آخر قد علمنا انه لم يتفق مع المخبر الأول ~~فأخبر عن تلك المناجاة والاسرار مثل ما أخبر به الاول جزمنا قطعا بصدقهما # ومعلوم أن موسى أخبر بما أخبر به قبل أن يبعث محمد وقبل أن يبعث المسيح # ومعلوم ايضا لكل من كان عالما بحال محمد أنه نشأ بين قوم أميين لا يقرؤون ~~كتابا ولا يعلمون علوم الانبياء وأنه لم يكن عندهم من يعلم ما في التوراة ~~والانجيل ونبوة الأنبياء # وقد أخبر محمد من توحيد الله وصفاته وأسمائه وملائكته وعرشه وكرسيه ~~وأنبيائه ورسله وأخبارهم واخبار مكذبيهم بنظير ما يوجد في كتب الأنبياء من ~~التوراة وغيرها # فمن ms0943 تدبر التوراة والقرآن علم أنهما جميعا يخرجان من مشكاة واحدة كما ذكر ~~ذلك النجاشي وكما قال ورقة بن نوفل هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى # ولهذا قرن الله تعالى بين التوراة والقرآن في مثل هذا في قوله @QB@ لولا ~~أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل @QE@ PageV04P212 ~~إلى قوله @QB@ إن كنتم صادقين @QE@ وقالت الجن @QB@ إنا سمعنا كتابا أنزل ~~من بعد موسى مصدقا لما بين يديه @QE@ الآية وقال @QB@ أفمن كان على بينة من ~~ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة @QE@ وقال @QB@ وما ~~قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس @QE@ إلى قوله @QB@ وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه @QE@ # فهذه الطريقة كل من علم ما جاء به موسى والنبيون قبله وبعده وما جاء به ~~محمد علم علما يقينا أنهم كلهم مخبرون عن الله صادقون في الأخبار وأنه ~~يمتنع والعياذ بالله خلاف الصدق من خطأ وكذب # ومن الطرق الطرق الواضحة القاطعة المعلومة إلى قيام الساعة بالتواتر من ~~أحوال إتباع الأنبياء وأحوال من كذبهم وكفر بهم حال نوح وقومه وهود وقومه ~~وصالح وقومه وحال إبراهيم وقومه وحال موسى وفرعون وحال محمد وقومه # وهذا الطريق قد بينها الله في غير موضع من كتابه كقوله @QB@ كذبت قبلهم ~~قوم نوح والأحزاب من بعدهم @QE@ إلى قوله @QB@ فكيف كان عقاب @QE@ وقال ~~@QB@ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط ~~وأصحاب مدين وكذب موسى @QE@ PageV04P213 إلى قوله @QB@ فكأين من قرية ~~أهلكناها وهي ظالمة @QE@ إلى قوله @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم ~~قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها @QE@ وقوله @QB@ وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين وبالليل أفلا تعقلون @QE@ وقال @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ # فبين أنه تارك آثار القوم المعذبين للمشاهدة ويستدل بذلك على عقوبة الله ~~لهم وقال تعالى @QB@ وكم أهلكنا من القرون @QE@ الآيتين فذكر طريقتين يعلم ~~بهما ذلك # أحدهما ما يعاين ms0944 ويعقل بالقلوب # والثاني ما يسمع فإنه قد تواتر عند كل أحد حال الأنبياء ومصدقهم ومكذبهم ~~وعاينوا من آثارهم ما دل على أنه سبحانه عاقب مكذبهم وانتقم منهم وأنهم ~~كانوا على الحق الذي يحبه ويرضاه وأن من كذبهم كان على الباطل الذي يغضب ~~الله على أهله وإن طاعة الرسل طاعة لله ومعصيتهم معصية لله # ومن الطرق أيضا أن يعلم ما تواتر من معجزاتهم الباهرة وآياتهم القاهرة ~~وأنه يمتنع أن تكون المعجزة على يد مدعي النبوة وهو كذاب من غير تناقض ولا ~~تعارض كما هو مبسوط في غير هذا الموضع PageV04P214 ومن الطرق أن الرسل ~~جاؤوا من العلوم النافعة والاعمال الصالحة بما هو معلوم عند كل عاقل لبيب ~~ولا ينكره إلا جاهل غاو # وهذه الفتيا لا تسع البسط الكثير فإذا تبين صدقهم وجب التصديق في كل ما ~~أخبروا به ووجب الحكم بكفر من آمن ببعض وكفر ببعض والله سبحانه وتعالى أعلم ~~والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين PageV04P215 ### || 1 ( رسالة في الروح ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه ! 8 < # عن الروح هل هي قديمة أو مخلوقة وهل يبدع من يقول بقدمها أم لا وما قول ~~أهل السنة فيها وما المراد بقوله عز وجل @QB@ قل الروح من أمر ربي @QE@ هل ~~المفوض إلى الله تعالى أمر ذاتها أو صفاتها أو مجموعهما بينوا ذلك من ~~الكتاب والسنة ### ||||| ! 8 < فاجاب رضي الله عنه # الحمد لله رب العالمين روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها ~~وسائر أهل السنة وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة ~~المسلمين مثل محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور الذي هو أعلم أهل زمانه ~~بالإجماع والإختلاف أو من أعلمهم # وكذلك أبو محمد بن قتيبة قال في كتاب اللقط لما تكلم على خلق الروح قال ~~النسم الارواح قال واجمع الناس على أن الله خالق الجثة PageV04P216 وباريء ~~النسمة أي خالق الروح وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه ms0945 المسألة ~~سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة قال هذا مما لا يشك فيه من ~~وفق للصواب إلى أن قال والروح من الاشياء المخلوقة وقد تكلم في هذه المسألة ~~طوائف من أكابر العلماء المشائخ وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة # وصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتابا كبيرا في الروح والنفس ~~وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئا كثيرا وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي ~~وغيره والشيخ أبو يعقوب الخراز وأبو يعقوب النهر جوري والقاضي أبو يعلى ~~وغيرهم وقد نص على ذلك الأئمة الكبار واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في روح ~~عيسى بن مريم لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في الرد على ~~الزنادقة والجهمية فقال في أوله # الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون ~~من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون ~~بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه ~~فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح اثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا الوية البدعة ~~وأطلقوا عقال الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على ~~مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب PageV04P217 الله بغير ~~علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم ~~فنعوذ بالله من فتن المضلين وتكلم على ما يقال إنه متعارض من القرآن إلى أن ~~قال وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث وأضلوا ~~بشرا كثيرا فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من ~~أهل الترمذ وكان صاحب خصومات وكلام كان أكثر كلامه في الله فلقى أناسا من ~~المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له نكلمك فإن ظهرت حجتنا ~~عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك # فكان مما ms0946 كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم أن لك إلها قال الجهم نعم ~~فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فهل ~~شممت له رائحة قال لا قالوا له فوجدت له مجسا قال لا قالوا فما يدريك أنه ~~اله قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة مثل ~~حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى ~~هو روح الله من ذاته فإذا أراد أن يحدث امرا دخل في بعض خلقه فتكلم على ~~لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهى عما شاء وهو روح غائب عن الأبصار # فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك روحا قال ~~نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال فهل سمعت PageV04P218 كلامه قال لا قال ~~فوجدت له حسا ومجسا قال لا قال كذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ~~ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان # وساق الإمام أحمد الكلام في القرآن والرؤية وغير ذلك إلى ان قال ثم إن ~~الجهم ادعى أمرا فقال إنا وجدنا آية في كتاب الله تدل على القرآن أنه مخلوق ~~فقلنا أي أية قال قول الله @QB@ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ وعيسى مخلوق # فقلنا إن الله منعك الفهم في القرآن عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على ~~القرآن لأنه يسميه مولودا وطفلا وصبيا وغلاما يأكل ويشرب وهو مخاطب بالأمر ~~والنهى يجري عليه الوعد والوعيد ثم هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم ولا ~~يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى هل سمعتم الله يقول في القرآن ~~ما قال في عيسى ولكن المعنى في قول الله @QB@ إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم @QE@ فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين ~~قال له كن فكان عيسى بكن وليس عيسى ms0947 هو الكن ولكن بالكن كان فالكن من الله ~~قول وليس الكن مخلوقا # وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا عيسى ~~روح الله وكلمته إلا أن الكلمة مخلوقة وقالت النصارى PageV04P219 عيسى روح ~~الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال إن هذه الخرقة من هذا ~~الثوب # وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس هو الكلمة قال وقول الله وروح منه ~~يقول من أمره كان الروح فيه كقوله @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض جميعا منه @QE@ يقول من أمره وتفسير روح الله أنها روح بكلمة الله ~~خلقها الله كما يقال عبد الله وسماء الله فقد ذكر الإمام أحمد أن زنادقة ~~النصارى هم الذين يقولون ان روح عيسى من ذات الله وبين أن إضافة الروح إليه ~~إضافة ملك وخلق كقولك عبد الله وسماء الله لا اضافة صفة إلى موصوف فكيف ~~بارواح سائر الادميين وبين أن هؤلاء الزنادقة الحلولية يقولون بأن الله إذا ~~أراد ان يحدث أمرا دخل في بعض خلقه # وقال الشيخ أبو سعيد الخراز أحد اكابر المشائخ الإئمة من أقران الجنيد ~~فيما صنفه في أن الارواح مخلوقة وقد احتج بأمور منها لو لم تكن مخلوقة لما ~~أقرت بالربوبية وقد قال لهم حين أخذ الميثاق وهم أرواح في أشباح كالذر @QB@ ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا @QE@ وإنما خاطب الروح مع الجسد وهل يكون الرب ~~إلا لمربوب قال ولانها لو لم تكن مخلوقة ما كان على النصارى لوم في عبادتهم ~~عيسى ولا حين قالوا إنه بن الله وقالوا هو الله PageV04P220 قال ولأنه لو ~~كان الروح غير مخلوق ما دخلت النار ولأنها لو كانت غير مخلوقة لما حجبت عن ~~الله ولا غيبت في البدن ولا ملكها ملك الموت ولما كانت صورة توصف ولانها لو ~~لم تكن مخلوقة لم تحاسب ولم تعذب ولم تتعبد ولم تخف ولم ترج ولأن أرواح ~~المؤمنين تتلألأ وأرواح الكفار سود مثل الحمم # وقال أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ترتع في الجنة ms0948 وتأوي في فناء العرش ~~وأرواح الكفار في برهوت # وقال الشيخ أبو يعقوب النهر جوري هذه الأرواح من أمر الله مخلوقة خلقها ~~الله من الملكوت كما خلق آدم من التراب وكل عبد نسب روحه إلى ذات الله ~~أخرجه ذلك إلى التعطيل والذين نسبوا الأرواح إلى ذات الله هم أهل الحلول ~~الخارجون إلى الإباحة وقالوا إذا صفت أرواحنا من أكدار نفوسنا فقد اتصلنا ~~وصرنا أحرارا ووضعت عنا العبودية وأبيح لنا كل شيء من اللذات من النساء ~~والاموال وغير ذلك وهم زنادقة هذه الامة وذكر عدة مقالات لها وللزنادقة # قلت واعلم أن القائلين بقدم الروح صنفان # صنف من الصابئة الفلاسفة يقولون هي قديمة أزلية لكن ليست من PageV04P221 ~~ذات الرب كما يقولون ذلك في العقول والنفوس الفلكية ويزعم من دخل من أهل ~~الملل فيهم انها هي الملائكة # وصنف من زنادقة هذه الامة وضلالها من المتصوفة والمتكلمة والمحدثة يزعمون ~~أنها من ذات الله وهؤلاء اشر قولا من أولئك وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين نصف ~~لاهوت وهو روحه ونصف ناسوت وهو جسده نصفه رب ونصفه عبد # وقد كفر الله النصارى بنحو من هذا القول في المسيح فكيف بمن يعم ذلك في ~~كل أحد حتى في فرعون وهامان وقارون وكلما دل على أن الإنسان عبد مخلوق ~~مربوب وأن الله ربه وخالقه ومالكه وإلهه فهو يدل على أن روحه مخلوقة # فإن الإنسان عبارة عن البدن والروح معا بل هو بالروح أخص منه بالبدن ~~وإنما البدن مطية للروح كما قال أبو الدرداء إنما بدني مطيتي فإن رفقت بها ~~بلغتني وإن لم ارفق بها لم تبلغني وقد رواه بن منده وغيره عن بن عباس قال ~~لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح والبدن فتقول الروح ~~للبدن أنت عملت السيئات فيقول البدن للروح أنت أمرتني فيبعث الله ملكا يقضي ~~بينهما فيقول إنما مثلكما كمثل مقعد وأعمى دخلا بستانا فرأى المقعد فيه ~~ثمرا معلقا فقال للأعمى إني أرى ثمرا ولكن PageV04P222 لا أستطيع النهوض ~~إليه وقال الأعمى لكني أستطيع النهوض إليه ms0949 ولكني لا أراه فقال له المقعد ~~تعال فاحملني حتى أقطفه فحمله وجعل يأمره فيسير به إلى حيث يشاء فقطع ~~الثمرة قال الملك فعلى أيهما العقوبة فقالا عليهما جميعا قال فكذلك أنتما # وأيضا فقد استفاضت الأحاديث عن النبي بأن الأرواح تقبض وتنعم وتعذب ويقال ~~لها أخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب أخرجي أيتها الروح ~~الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ويقال للاولى ابشري بروح وريحان ويقال ~~للثانية أبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج وأن أرواح المؤمنين تعرج إلى ~~السماء وإن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إذا ~~خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها قال حماد فذكر من طيب ريحها وذكر ~~المسك قال فيقول أهل السماء روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى ~~جسد كنت تعمرينه فينطلق به إلى ربه ثم يقول انطلقوا به إلى آخر الأجل قال ~~وأن الكافر إذا خرجت روحه قال حماد وذكر من نتنها وذكر لعنا فيقول أهل ~~السماء روح خبيثة جاءت من قبل الأرض قال فيقال انطلقوا به إلى آخر الاجل ~~قال أبو هريرة رضي الله عنه فلما ذكر رسول الله النتن رد على أنفه ريطة ~~كانت عليه PageV04P223 # وفي حديث المعراج الصحيح أن النبي رأى آدم وأرواح بنيه عن يمينه وشماله ~~قال رسول الله فلما علونا السماء فإذا رجل عن يمينه اسودة وعن شماله اسودة ~~قال فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى قال مرحبا بالنبي ~~الصالح والابن الصالح قال قلت يا جبريل من هذا قال هذا آدم وهذه الأسودة عن ~~يمينه وشماله نسم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة والاسودة التي عن شماله أهل ~~النار فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى # وقد ثبت أيضا أن أرواح المؤمنين والشهداء وغيرهم في الجنة قال الإمام ~~أحمد في رواية حنبل أرواح الكفار في النار وأرواح المؤمنين في الجنة ~~والابدان في الدنيا ms0950 يعذب الله من يشاء ويرحم بعفوه من يشاء وقال عبد الله ~~بن أحمد سألت أبي عن أرواح الموتى أتكون في أفنية قبورها أم في حواصل طير ~~أم تموت كما تموت الأجساد فقال قد روى عن النبي أنه قال نسمة المؤمن إذا ~~مات طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه # وقد روى عن عبد الله بن عمرو أنه قال أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر ~~كالزرازير يتعارفون فيها ويرزقون من ثمرها قال وقال بعض الناس أرواح ~~الشهداء في أجواف طير خضر تأوى إلى قناديل في الجنة معلقة بالعرش # وقد روى مسلم في صحيحه عن مسروق قال سألنا عبد الله يعني بن PageV04P224 ~~مسعود عن هذه الآية @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون @QE@ فقال أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله فقال ~~إن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث تشاء ~~ثم تأوى إلى تلك القناديل فاطلع عليهم ربك اطلاعه فقال هل تشتهون شيئا ~~فقالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء ففعل بهم ذلك ثلاث مرات ~~فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في ~~أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا # وقد قال الله تعالى @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي @QE@ فخاطبها بالرجوع إلى ربها وبالدخول ~~في عباده ودخول جنته وهذا تصريح بأنها مربوبة والنفس هنا هي الروح التي ~~تقبض وإنما تتنوع صفاتها كما قال النبي في الحديث الصحيح لما ناموا عن صلاة ~~الفجر في السفر قال إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء وفي رواية ~~قبض أنفسنا حيث شاء وقال تعالى @QB@ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم ~~تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت @QE@ والمقبوض المتوفى هي الروح ~~كما في صحيح مسلم عن ms0951 أم سلمة قالت دخل رسول الله على أبي سلمة وقد شق بصره ~~فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال ~~PageV04P225 لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما ~~تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في ~~عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له ~~فيه 2 # وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله ألم تروا أن الإنسان إذا ~~مات شخص بصره قالوا بلى قال فكذلك حين يتبع بصره نفسه فسماه تارة روحا ~~وتارة نفسا # وروى أحمد بن حنبل وبن ماجة عن شداد بن أوس قال قال رسول الله إذا حضرتم ~~موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما ~~يقول أهل الميت # ودلائل هذا الأصل وبيان مسمى الروح والنفس وما فيه من الإشتراك كثير لا ~~يحتمله هذا الجواب وقد بسطناه في غير هذا الموضع # فقد بان بما ذكرناه أن من قال إن أرواح بني آدم قديمة غير مخلوقة فهو من ~~أعظم أهل البدع الحلولية الذين يجر قولهم إلى التعطيل بجعل العبد هو الرب ~~وغير ذلك من البدع الكاذبة المضلة # وأما قوله تعالى @QB@ قل الروح من أمر ربي @QE@ فقد قيل إن الروح هنا ليس ~~هو روح الآدمي وإنما هو ملك في قوله @QB@ يوم يقوم الروح والملائكة صفا ~~@QE@ PageV04P226 وقوله @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ وقوله @QB@ ~~تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم @QE@ وقيل بل هو روح الآدمي والقولان ~~مشهوران وسواء كانت الآية تعمهما أو تتناول أحدهما فليس فيها ما يدل على أن ~~الروح غير مخلوقة لوجهين # أحدهما أن الامر في القرآن يراد به المصدر تارة ويراد به المفعول تارة ~~أخرى وهو المأمور به كقوله تعالى @QB@ أتى أمر الله فلا تستعجلوه @QE@ ~~وقوله @QB@ وكان أمر الله قدرا مقدورا @QE@ وهذا في لفظ غير الأمر كلفظ ~~الخلق والقدرة والرحمة والكلمة وغير ذلك ولو قيل إن الروح بعض أمر الله أو ms0952 ~~جزء من أمر الله ونحو ذلك مما هو صريح في أنها بعض أمر الله لم يكن المراد ~~بلفظ الامر إلا المأمور به لا المصدر لأن الروح عين قائمة بنفسها تذهب ~~وتجيء وتنعم وتعذب وهذا لا يتصور أن يكون مسمى مصدر أمر يأمر أمرا وهذا قول ~~سلف الأمة وأئمتها وجمهورها # ومن قال من المتكلمين إن الروح عرض قائم بالجسم فليس عنده مصدر أمر يأمر ~~أمرا # والقرآن إذا سمي أمر الله فالقرآن كلام الله والكلام اسم مصدر كلم يكلم ~~تكليما وكلاما وتكلم تكلما وكلاما فإذا سمي أمرا بمعنى المصدر كان ذلك ~~مطابقا لا سيما والكلام نوعان أمر وخبر PageV04P227 # أما الأعيان القائمة بأنفسها فلا تسمى أمرا لا بمعنى المفعول به وهو ~~المأمور به كما سمى المسيح كلمة لأنه مفعول بالكلمة وكما يسمى المقدور قدرة ~~والجنة رحمة والمطر رحمة في مثل قوله @QB@ فانظر إلى آثار رحمة الله كيف ~~يحيي الأرض بعد موتها @QE@ وفي قول النبي فيما يرويه عن ربه أنه قال للجنة ~~أنت رحمتي ارحم بك من شئت وقوله إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ~~ونظائر ذلك كثيرة وهذا جواب أبي سعيد الخراز قال فإن قيل قد قال تعالى @QB@ ~~قل الروح من أمر ربي @QE@ وأمره منه قيل أمره تعالى هو المأمور به المكون ~~بتكوين المكون له # وكذلك قال بن قتيبة في كتاب المشكل أقسام الروح فقال هي روح الاجسام التي ~~يقبضها الله عند الممات والروح جبريل قال تعالى @QB@ نزل به الروح الأمين ~~@QE@ وقال @QB@ وأيدناه بروح القدس @QE@ أي جبريل والروح فيما ذكره ~~المفسرون ملك عظيم من ملائكة الله تعالى يقوم وحده فيكون صفا وتقوم ~~الملائكة صفا وقال تعالى @QB@ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي @QE@ ~~قال ونسب الروح إلى الله لأنه بأمره أو لأنه بكلمته # والوجه الثاني أن لفظة من في اللغة قد تكون لبيان الجنس كقولهم باب من ~~حديد وقد تكون لابتداء الغاية كقولهم خرجت من مكة فقوله تعالى @QB@ قل ~~الروح من أمر ربي @QE@ ليس نصا في أن الروح بعض الامر ms0953 ومن PageV04P228 جنسه ~~بل قد تكون لابتداء الغاية إذ كونت بالأمر وصدرت عنه وهذا معنى جواب الإمام ~~أحمد في قوله وروح منه حيث قال @QB@ وروح منه @QE@ يقول من أمره كان الروح ~~منه كقوله @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ ونظير ~~هذا أيضا قوله @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ # فإذا كانت المسخرات والنعم من الله ولم تكن بعض ذاته بل منه صدرت لم يجب ~~أن يكون معنى قوله في المسيح روح منه أنها بعض ذات الله ومعلوم أن قوله ~~@QB@ وروح منه @QE@ أبلغ من قوله الروح من أمر ربي فإذا كان قوله وروح منه ~~لا يمنع أن يكون مخلوقا ولا يوجب أن يكون بعضا له فقوله @QB@ الروح من أمر ~~ربي @QE@ أولى بأن لا يمنع أن يكون مخلوقا ولا يوجب أن يكون ذلك بعضا له بل ~~ولا بعضا من أمره # وهذا الوجه يتوجه إذا كان الامر هو الامر الذي هو صفة من صفات الله فهذان ~~الجوابان كل منهما مستقل ويمكن أن يجعل منهما جواب مركب فيقال قوله @QB@ ~~الروح من أمر ربي @QE@ إما أن يراد بالامر المأمور به أو صفة لله تعالى وأن ~~أريد به الأول أمكن أن تكون الروح بعض ذلك فتكون مخلوقة وأن أريد بالأمر ~~صفة الله كان قوله الروح من أمر ربي كقوله وروح منه وقوله جميعا منه ونحو ~~ذلك # وإنما نشأت الشبهة حيث ظن الظان أن الامر صفة لله قديمة وأن روح ~~PageV04P229 بني آدم بعض تلك الصفة ولم تدل الآية على واحد من المقدمتين ~~والله سبحانه أعلم # وقد يجيء اسم الروح في القرآن بمعنى آخر كقوله @QB@ وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا @QE@ وقوله @QB@ كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ ~~ونحو ذلك فالقرآن الذي أنزله الله كلامه ولكن ليس الكلام في هذا مما يتعلق ~~بالسؤال # وأما قول السائل هل المفوض إلى الله أمر ذاتها أو صفاتها أو مجموعهما ~~فليس هذا من خصائص الكلام في الروح بل لا يجوز لأحد أن يقفو ما ليس له به ~~علم ms0954 ولا يقول على الله مالا يعلم قال تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم ~~إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق @QE@ وقد قالت الملائكة لما قال لهم @QB@ أنبئوني بأسماء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ~~@QE@ وقد قال موسى للخضر هل @QB@ أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا @QE@ ~~وقال الخضر لموسى لما نقر العصفور في البحر ما نقص علمي وعلمك من علم الله ~~إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر PageV04P230 وليس في الكتاب والسنة ~~أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة لا في ~~ذاتها ولا في صفاتها وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء ولكن قد ثبت ~~في الصحيحين عن بن مسعود أن النبي كان في بعض سكك المدينة فقال بعضهم سلوه ~~عن الروح وقال بعضهم لا تسألوه فيسمعكم ما تكرهون قال فسألوه وهو متكئ على ~~العسيب فأنزل الله هذه الآية # فبين بذلك أن ملك الرب عظيم وجنوده وصفة ذلك وقدرته أعظم من أن يحيط به ~~الآدميون وهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا فلا يظن من يدعي العلم أنه يمكنه ~~أن يعلم كلما سئل عنه ولا كلما في الوجود فما يعلم جنود ربك إلا هو ~~PageV04P231 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عن قائل يقول إن لم يتبين لى حقيقة ماهية الجن وكنه صفاتهم وإلا فلا أتبع ~~العلماء في شيء ### ||||| فأجاب # أما كونه لم يتبين له كيفية الجن وماهياتهم فهذا ليس فيه إلا إخباره بعدم ~~علمه لم ينكر وجودهم إذ وجودهم ثابت بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب والسنة ~~فإن من الناس من رآهم وفيهم من رأى من ms0955 رآهم وثبت ذلك عنده بالخبر واليقين # ومن الناس من كلمهم وكلموه ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم وهذا ~~يكون للصالحين وغير الصالحين ولو ذكرت ما جرى لى ولأصحابى معهم لطال الخطاب # وكذلك ما جرى لغيرنا لكن الإعتماد على الأجوبة العلمية يكون على ما يشترك ~~الناس في علمه لا يكون بما يختص بعلمه المجيب إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه ~~فيما يخبر به PageV04P232 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عن الجان المؤمنين هل هم مخاطبون بفروع الإسلام كالصوم والصلاة وغير ذلك ~~من العبادات أوهم مخاطبون بنفس التصديق لا غير ### ||||| فأجاب # لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق ومنهيون عن أعمال غير ~~التكذيب فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم فإنهم ليسوا مماثلى الأنس في ~~الحد والحقيقة فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويا لما على الأنس في ~~الحد لكنهم مشاركون الأنس في جنس التكليف بالأمر والنهى والتحليل والتحريم ~~وهذا ما لم أعلم فيه نزاعا بين المسلمين # وكذلك لم يتنازعوا أن أهل الكفر والفسوق والعصيان منهم يستحقون لعذاب ~~النار كما يدخلها من الآدميين لكن تنازعوا في أهل الإيمان منهم فذهب ~~الجمهور من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وأبى يوسف ومحمد إلى أنهم يدخلون ~~الجنة وروى في حديث رواه الطبرانى ( أنهم يكونون في ربض الجنة يراهم الإنس ~~من حيث لا يرونهم PageV04P233 وذهب طائفة منهم أبوحنيفة فيما نقل عنه إلى ~~أن المطيعين منهم يصيرون ترابا كالبهائم ويكون ثوابهم النجاة من النار # وهل فيهم رسل أم ليس فيهم إلا نذر على قولين فقيل فيهم رسل لقوله تعالى ~~@QB@ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم @QE@ وقيل الرسل من الإنس ~~والجن فيهم النذر وهذا أشهر فإنه أخبر عنهم بإتباع دين محمد وأنهم ( ولوا ~~إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ( الآية ~~قالوا وقوله @QB@ ألم يأتكم رسل منكم @QE@ كقوله ( يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان ( وإنما يخرج من المالح وكقوله ( وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس ~~سراجا ( والقمر في واحدة # وأما التكليف بالأمر والنهى والتحليل ms0956 والتحريم فدلائله كثيرة مثل ما في ~~مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبى ( أتانى داعى الجن فذهبت معه فقرأت ~~عليهم القرآن فانطلقوا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال لكم ~~كل عظم ذكر إسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون وكل بعرة علف لدوابكم ~~فقال النبى ( لا تستنجوا بالعظم والروث ( وذلك لئلا يفسد عليهم طعامهم ~~وعلفهم وهذا يبين أنما أباح لهم من ذلك ما ذكر إسم الله عليه دون مالم يذكر ~~إسم الله عليه PageV04P234 # وقال تعالى ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ( إلى قوله ( إنى أخاف الله ~~والله شديد العقاب ( فأخبر عن الشيطان أنه يخاف الله والعقوبة إنما تكون ~~على ترك مأمور أو فعل محظور وليس هو هنا التصديق # وأيضا فإبليس الذى هو أبو الجن لم تكن معصيته تكذيبا فإن الله أمره ~~بالسجود وقد علم أن الله أمره ولم يكن بينه وبين الله رسول يكذبه ولما ~~إمتنع عن السجود لآدم عاقبه الله العقوبة البليغة ولهذا قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( إذا سجد إبن آدم إعتزل الشيطان يبكى ( الحديث وقد قال تعالى في ~~قصة سليمان ( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ( إلى قوله ( عذاب ~~السعير ( وقد جعل في ذلك ما أمرهم به من طاعة سليمان وقد قال تعالى عن ~~إبليس إنه عصى ولم يقل كذب وقد قال تعالى عن الجن ( يا قومنا إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى ( إلى قوله ( ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز في ~~الأرض ( الآية فأمروا بإجابة داعى الله الذى هو الرسول والإجابة والإستجابة ~~هي طاعة الأمر والنهى وهى العبادة التى خلق لها الثقلان كما قال تعالى ( ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( # ومن قال ( إن العبادة ( هي المعرفة الفطرية الموجودة فيها وأن ذلك هو ~~الإيمان وهو داخل في الثقلين فقط فإن ذلك لو كان كذلك لم يكن في الثقلين ~~كافر والله أخبر بكفر إبليس وغيره من الجن والإنس وقد قال تعالى ~~PageV04P235 ( لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( وأخبر أنه يملؤها ms0957 ~~منه ومن أتباعه وهذا يبين أنه لا يدخلها إلا من اتبعه فعلم أن من يدخلها من ~~الكفار والفساق من أتباع إبليس ومعلوم أن الكفار ليسوا بمؤمنين ولا عارفين ~~الله معرفة يكونون بها مؤمنين # ولكن اللآم لبيان الجملة الشرعية المتعلقة بالإرادة الشرعية كما في قوله ~~تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وقوله يريد الله ~~ليبين لكم الآية وقد تكون لبيان العاقبة الكونية كما في قوله تعالى ( فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ( الآية وهذا كقوله تعالى ( ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ( أى خلق قوما للإختلاف وقوما ~~للرحمة وقال ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ( فاللام في قوله ~~تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( وإن كانت هي اللام في هذه ~~الآية فإن مدلولها لام إرادة الفاعل ومقصوده ولهذا تنقسم في كتاب الله إلى ~~إرادة دينية وإرادة كونية كما تنقسم في كتاب الله تعالى الكلمات والأمر ~~والحكم والقضاء والتحريم والإذن وغير ذلك # وأيضا فقوله تعالى ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) إلى قوله تعالى ( وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~PageV04P236 كانوا كافرين ( فبين أن الثقلين جميعا تلت عليهم الرسل آيات ~~الله ولهذا لما قرأ رسول الله سورة على الصحابة قال ( للجن كانوا ( الحديث ~~دعاهم إلى طاعة الله لما فيه من الأمر والنهى لا إلى مجرد حديث لا طاعة معه ~~فإن مثل هذا التصديق كان مع إبليس فلم يغن عنه من الله شيئا والدلائل ~~الدالة على هذا الأصل وما في الحديث والآثار من كون الجن يحجون ويصلون ~~ويجاهدون وأنهم يعاقبون على الذنب كثيرا جدا # وقد قال تعالى فيما أخبر عنهم ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا ~~طرائق قددا ( قالوا مذاهب شتى مسلمين ويهود ونصارى وشيعة وسنة فأخبر أن ~~منهم الصالحون ومنهم دون الصالحين فيكون إما مطيعا في ذلك فيكون مؤمنا وإما ~~عاصيا في ذلك فيكون كافرا ولا ينقسم مؤمن إلى صالح وإلى غير صالح فإن ms0958 غير ~~الصالح لا يعتقد صلاحه لترك الطاعات فالصالح هو القائم بما وجب عليه ودون ~~الصالح لابد أن يكون عاصيا في بعض ما أمر به وهو قسم غير الكافر فإن الكافر ~~لا يوصف بمثل ذلك وهذا يبين أن فيهم من يترك بعض الواجبات والله أعلم ~~PageV04P237 ### |||| سئل رحمه الله # عن حديث النبى ان النطفة تكون اربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم ~~أربعين مضغة ثم يكون التصوير والتخطيط والتشكيل ثم ورد عن حذيفة بن اسيد ( ~~انه اذا مر للنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله تعالى اليها ملكا فصورها ~~وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول يا رب أذكر أم انثى شقى ~~أم سعيد فما الرزق وما الأجل وذكر الحديث فما الجمع بين الحديثين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اما الحديث الأول فهو في الصحيحين عن عبد الله بن ~~مسعود قال حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق إن احدكم يجمع خلقه في بطن ~~أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل ~~إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقة وأجله وعمله وشقى ~~أو سعيد فوالذى لااله غيره ان أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها الا ذراع PageV04P238 فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها # وفي طريق آخر وفي رواية ثم يبعث الله ملكا ويؤمر بأربع كلمات ويقال أكتب ~~عمله وأجله ورزقه وشقى أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فهذا الحديث الصحيح ليس ~~فيه ذكر التصوير متى يكون لكن فيه أن الملك يكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو ~~سعيد قبل نفخ الروح وبعد أن يكون مضغة # وحديث أنس بن مالك الذى في الصحيح يوافق هذا وهو مرفوع قال أن الله عز ~~وجل وكل بالرحم ملكا فيقول أى رب نطفة أى رب علقة أى رب مضغة فإذا أراد ms0959 ~~الله أن يقضى خلقها قال الملك أى رب ذكر أم أنثى شقى أم سعيد فما الرزق فما ~~الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه # فبين في هذا أن الكتابة تكون بعد أن يكون مضغة وأما حديث حذيفة بن أسيد ~~فهو من أفراد مسلم ولفظه سمعت النبى يقول اذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ~~ليلة بعث الله اليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ~~ثم يقول يا رب أذكر أم أنثى فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب ~~رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقضى PageV04P239 ~~ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ~~ولا ينقص # فهذا الحديث فيه أن تصويرها بعد اثنتين وأربعين ليلة وأنه بعد تصويرها ~~وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها يقول الملك يا رب أذكر أم أنثى ~~ومعلوم أنها لا تكون لحما وعظاما حتى تكون مضغة فهذا موافق لذلك الحديث في ~~أن كتابة الملك تكون بعد ذلك الا أن يقال المراد تقدير اللحم والعظام # وقد روى هذا الحديث بألفاظ فيها إجمال بعضها أبين من بعض فمن ذلك ما رواه ~~مسلم أيضا عن حذيفة سمعت رسول الله يقول إن النطفة تكون في الرحم أربعين ~~ليلة ثم يتسور عليها الذى يخلقها فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيجعله الله ~~ذكرا أو أنثى ثم يقول يا رب سوى أو غير سوى فيجعله الله تعالى سويا أو غير ~~سوى ثم يقول يا رب ما أجله وخلقه ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا # فهذا فيه بيان أن كتابة رزقه وأجله وشقاوته وسعادته بعد أن يجعله ذكرا أو ~~أنثى وسويا أو غير سوى # وفي لفظ لمسلم قال يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ~~ليلة أو بخمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقى أو سعيد فيكتب يا رب أذكر أم ~~أنثى فيكتب رزقه ويكتب عمله وأثره وأجله PageV04P240 ثم تطوى الصحف فلا ~~يزاد فيها ولا ms0960 ينقص فهذا اللفظ فيه تقديم كتابة السعادة والشقاوة ولكن يشعر ~~بأن ذلك يكتب بحيث مضت الأربعون # ولكن هذا اللفظ لم يحفظه رواته كما حفظ غيره # ولهذا شك أبعد الأربعين أو خمس وأربعين وغيره إنما ذكر أربعين أو اثنين ~~وأربعين وهو الصواب لأن من ذكر اثنين وأربعين ذكر طرفى الزمان ومن قال ~~أربعين حذفهما ومثل هذا كثير في ذكر الأوقات فقدم المؤخر وأخر المقدم أو ~~يقال انه لم يذكر ذلك بحرف ( ثم ) فلا تقتضى ترتيبا وانما قصد أن هذه ~~الأشياء تكون بعد الأربعين # وحينئذ فيقال أحد الأمرين لازم اما أن تكون هذه الأمور عقيب الأربعين ثم ~~تكون عقب المائة والعشرين ولا محذور في الكتابة مرتين ويكون المكتوب ( أولا ~~) فيه كتابة الذكر والأنثى أو يقال أن ألفاظ هذا الحديث لم تضبط حق الضبط # ولهذا اختلفت رواته في ألفاظه ولهذا اعرض البخارى عن روايته وقد يكون أصل ~~الحديث صحيحا ويقع في بعض ألفاظه اضطراب فلا يصلح حينئذ أن يعارض بها ما ~~ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه الذى لم تختلف ألفاظه بل قد صدقه غيره من ~~الحديث الصحيح فقد نخلص الجواب أنما عارض الحديث المتفق عليه اما أن يكون ~~موافقا له في الحقيقة واما أن يكون PageV04P241 غير محفوظ فلا معارضة ولا ~~ريب أن ريب أن ألفاظه لم تضبط كما تقدم ذكر الإختلاف فيها وأقر بها اللفظ ~~الذى فيه تقدم التصوير على تقدير الأجل والعمل والشقاوة والسعادة وغاية ما ~~يقال فيه إنه يقتضى أنه قد يخلق في الاربعين الثانية قبل دخوله في الاربعين ~~الثالثة وهذا لا يخالف الحديث الصحيح ولا نعلم أنه باطل بل قد ذكر النساء ~~أن الجنين يخلق بعد الأربعين وأن الذكر يخلق قبل الأنثى وهذا يقدم على قول ~~من قال من الفقهاء إن الجنين لا يخلق في أقل من واحد وثمانين يوما فإن هذا ~~إنما بنوه على أن التخليق إنما يكون إذا صار مضغة ولا يكون مضغة إلا بعد ~~الثمانين والتخليق ممكن قبل ذلك وقد أخبر به من أخبر من النساء ms0961 ونفس العلقة ~~يمكن تخليقها والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~PageV04P242 ( قال شيخ الإسلام رحمه الله # ردا لقول من قال كل مولود على ما سبق له في علم الله أنه سائر إليه معلوم ~~أن جميع المخلوقات بهذه المثابة فجميع البهائم هي مولودة على ما سبق في علم ~~الله لها وحينئذ فيكون كل مخلوق مخلوقا على الفطرة # وأيضا فلو كان المراد ذلك لم يكن لقوله فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ~~معنى فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التى ولد عليها فلا فرق بين التهويد ~~والتنصير ثم قال فتمثيله بالبهيمة التى ولدت جمعاء ثم جدعت يبين أن أبويه ~~غيرا ما ولد عليه # ثم يقال وقولكم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة ~~تقتضى واحدا منهما بل يكون القلب كاللوح الذى يقبل كتابة الإيمان والكفر ~~وليس هو لأحدهما اقبل منه للآخر فهذا قول فاسد جدا PageV04P243 فحينئذ لا ~~فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد والتنصير والإسلام ~~وإنما ذلك بحسب الأسباب فكان ينبغى أن يقال فأبواه يسلمانه ويهودانه ~~وينصرانه فلما ذكر أن أبويه يكفرانه وذكر الملل الفاسدة دون الإسلام علم أن ~~حكمه في حصول سبب مفصل غير حكم الكفر ثم قال ففى الجملة كل ما كان قابلا ~~للمدح والذم على السواء لا يستحق مدحا ولا ذما والله تعالى يقول ( فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها ( وأيضا فالنبى شبهها ~~بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما يطرأ عليها من الكفر بجدع الأنف ومعلوم أن ~~كمالها محمود ونقصها مذموم فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة والله ~~أعلم PageV04P244 ### |||| سئل # عن قوله # كل مولود يولد على الفطرة ما معناه أراد فطره الخلق أم فطره الإسلام وفي ~~قوله الشقى من شقى في بطن امه الحديث هل ذلك خاص أو عام وفي البهائم ~~والوحوش هل يحييها الله يوم القيامة أم لا ### ||||| فاجاب # الحمد لله أما قوله كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه فالصواب أنها فطرة ms0962 الله التى فطر الناس عليها وهي فطرة ~~الإسلام وهى الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال ألست بربكم قالوا بلى وهى ~~السلامة من الإعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة # فأن حقيقة الإسلام أن يستسلم لله لا لغيره وهو معنى لا إله إلا الله وقد ~~ضرب رسول الله مثل ذلك فقال كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من ~~جدعاء بين ان سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارىء # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال قال رسول الله فيما يروى عن الله إنى ~~خلقت عبادى حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت PageV04P245 عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا ولهذا ذهب الإمام أحمد رضى الله ~~عنه في المشهور عنه إلى أن الطفل متى مات أحد ابويه الكافرين حكم بإسلامه ~~لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة وقد روى عنه وعن بن المبارك وعنهما ~~أنهم قالوا يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة وهذا القول لا ينافى ~~الأول فإن الطفل يولد سليما وقد علم الله أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما ~~سبق له في أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنها ستجدع # وهذا معنى ما جاء في صحيح مسلم عن بن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول ~~الله في الغلام الذى قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو ترك لأرهق أبويه ~~طغيانا وكفرا يعنى طبعة الله في أم الكتاب أى كتبه وأثبته كافرا أى أنه ان ~~عاش كفر بالفعل ولهذا لما سئل رسول الله عمن يموت من أطفال المشركين وهو ~~صغير قال ( الله أعلم بما كانوا عاملين ( أى الله يعلم من يؤمن منهم ومن ~~يكفر لو بلغوا ثم أنه قد جاء في حديث إسناده مقارب عن أبى هريرة رضى الله ~~عنه عن النبى قال ( إذا كان يوم القيامة فإن الله يمتحنهم ويبعث إليهم ~~رسولا في عرصة القيامة فمن أجابه أدخله الجنة ومن عصاه أدخله النار ( ~~فهنالك يظهر فيهم ما ms0963 علمه الله سبحانه ويجزيهم على ما ظهر من العلم وهو ~~إيمانهم وكفرهم لا على مجرد العلم PageV04P246 # وهذا أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنزل جميع الأحاديث # ومثل الفطرة مع الحق مثل ضوء العين مع الشمس وكل ذى عين لو ترك بغير حجاب ~~لرأى الشمس والإعتقادات الباطلة العارضة من تهود وتنصر وتمجس مثل حجاب يحول ~~بين البصر ورؤية الشمس وكذلك أيضا كل ذى حس سليم يحب الحلو إلا أن يعرض في ~~الطبيعة فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرا # ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين ~~للإسلام بالفعل فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ولكن سلامة ~~القلب وقبوله وإرادته للحق الذى هو الإسلام بحيث لو ترك من غير مغير لما ~~كان إلا مسلما # وهذه القوة العلمية العملية التى تقتضى بذاتها الإسلام مالم يمنعها مانع ~~هي فطرة الله التى فطر الناس عليها وأما الحديث المذكور فقد صح عن بن مسعود ~~أنه كان يقول الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره وفي الصحيحين ~~عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ~~ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال اكتب ~~رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح وهذا عام في كل نفس ~~منفوسة قد علم الله سبحانه بعلمه الذي هو صفة له الشقي من عباده والسعيد ~~وكتب سبحانه ذلك في اللوح المحفوظ ويأمر الملك أن يكتب حال كل مولود ما بين ~~خلق جسده ونفخ الروح فيه إلى كتب أخر يكتبها الله ليس هذا موضعها ومن أنكر ~~العلم القديم في ذلك فهو كافر # PageV04P247 # وأما البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه كما دل عليه الكتاب والسنة قال ~~تعالى ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما ~~فرطنا ms0964 في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ( وقال تعالى ( وإذا الوحوش ~~حشرت ( وقال تعالى ( ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة ~~وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) # وحرف ( إذا ( إنما يكون لما يأتى لا محالة # والأحاديث في ذلك مشهورة فإن الله عز وجل يوم القيامة يحشر البهائم ويقتص ~~لبعضها من بعض ثم يقول لها كونى ترابا فتصير ترابا فيقول الكافر حينئذ ( يا ~~ليتنى كنت ترابا ( ومن قال أنها لا تحيا فهو مخطئ في ذلك أقبح خطأ بل هو ~~ضال أو كافر والله أعلم PageV04P248 ### |PARATEXT| # وقال أيضا رحمه الله # كل مولود يولد على الفطرة فإنه سبحانه فطر القلوب على أن ليس في ~~محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهى إليه إلا الله وإلا فكلما أحبه ~~المحب يجد من نفسه أن قلبه يطلب سواه ويحب أمرا غيره يتألهه ويصمد إليه ~~ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من أجناسه ولهذا قال ( ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب PageV04P249 قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # ( # ذكر الله الحفظة الموكلين ببنى آدم الذين يحفظونهم ويكتبون أعمالهم في ~~مواضع من كتابه قال تعالى @QB@ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم @QE@ وهو القاهر فوق ~~عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ~~( وقال تعالى ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل ~~وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ( وقال ~~تعالى ( كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون ( وقال تعالى ( والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب ~~إن كل نفس لما عليها حافظ ( وقال تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ~~توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ( وقال تعالى ~~PageV04P250 ( @QB@ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج ms0965 له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا @QE@ وقال تعالى ~~( وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ~~هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ( وقال تعالى ( ~~وقالوا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ( وقال تعالى ( وكل شيء فعلوه في الزبر وكل ~~صغير وكبير مستطر ( وقال تعالى PageV04P251 ### |||| ( سئل شيخ الإسلام ( # هل الملائكة الموكلون بالعبد هم الموكلون دائما أم كل يوم ينزل الله إليه ~~ملكين غير أولئك وهل هو موكل بالعبد ملائكة بالليل وملائكة بالنهار وقوله ~~عز وجل ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون ( فما معنى الآية ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله الملائكة أصناف منهم من هو موكل بالعبد دائما ومنهم ملائكة ~~يتعاقبون بالليل والنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر فيسألهم وهو ~~أعلم بهم كيف تركتم عبادى فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون ~~ومنهم ملائكة فضل عن كتاب الناس يتبعون مجالس الذكر # ( وأعمال العباد ( تجمع جملة وتفصيلا فترفع أعمال الليل قبل أعمال النهار ~~وأعمال النهار قبل أعمال الليل تعرض الأعمال على الله في كل يوم إثنين ~~وخميس فهذا كله مما جاءت به الأحاديث الصحيحة وأما أنه كل يوم تبدل عليه ~~الملكان فهذا لم يبلغنا فيه شيء والله أعلم PageV04P252 ### |||| سئل # عن قوله إذا هم ~~العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ( الحديث فإذا كان الهم سرا بين ~~العبد وبين ربه فكيف تطلع الملائكة عليه ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله قد روى عن سفيان بن عيينة في جواب هذه المسألة قال ( أنه إذا ~~هم بحسنة شم الملك رائحة طيبة وإذا هم بسيئة شم رائحة خبيثة ( # والتحقيق أن الله قادر أن يعلم الملائكة بما في نفس العبد كيف شاء كما هو ~~قادر على أن يطلع بعض البشر على ما في الإنسان # فإذا كان بعض البشر قد يجعل الله ms0966 له من الكشف ما يعلم به أحيانا ما في ~~قلب الإنسان فالملك الموكل بالعبد أولى بأن يعرفه الله ذلك # وقد قيل في قوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ( أن المراد به ~~الملائكة والله قد جعل الملائكة تلقى في نفس العبد الخواطر كما قال عبد ~~الله بن مسعود إن للملك لمة [ وللشيطان لمة ] فلمة الملك تصديق بالحق ووعد ~~PageV04P253 بالخير ولمة الشيطان تكذيب بالحق وإيعاد بالشر وقد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة وقرينه ~~من الجن ( قالوا وإياك يا رسول الله قال ( وأنا إلا أن الله قد أعاننى عليه ~~فلا يأمرنى إلا بخير ( # فالسيئة التى يهم بها العبد إذا كانت من القاء الشيطان علم بها الشيطان # والحسنة التى يهم بها العبد إذا كانت من إلقاء الملك علم بها الملك أيضا ~~بطريق الأولى وإذا علم بها هذا الملك أمكن علم الملائكة الحفظة لأعمال بنى ~~آدم PageV04P254 ( ### |||| ( سئل # عن عرض الأديان عند الموت # ( # هل لذلك أصل في الكتاب والسنة أم لا وقوله ( إنكم لتفتنون في قبوركم ( ما ~~المراد بالفتنة وإذا ارتد العبد والعياذ بالله هل يجازى بأعماله الصالحة ~~قبل الردة أم لا أفتونا مأجورين ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين # أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرا عاما لكل أحد ولا هو ~~أيضا منتفيا عن كل أحد بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته ومنهم من ~~لا تعرض عليه وقد وقع ذلك لأقوام وهذا كله من فتنة المحيا والممات التى ~~أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا # منها ما في الحديث الصحيح ( أمرنا النبى أن نستعيذ في صلاتنا من أربع من ~~عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ~~ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بنى آدم لأنه وقت الحاجة ~~PageV04P255 # وقد قال النبى في الحديث الصحيح ( الأعمال بخواتيمها ( وقال إن العبد ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ms0967 ذراع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها # ولهذا روى ( أن الشيطان أشد ما يكون على إبن آدم حين الموت يقول لأعوانه ~~دونكم هذا فإنه إن فاتكم لن تظفروا به أبدا ( وحكاية عبد الله بن أحمد بن ~~حنبل مع أبيه وهو يقول لا بعد لا بعد مشهورة # ولهذا يقال إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك لما روى أنس بن مالك رضى الله ~~عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( من ملك زادا أو راحلة تبلغه إلى بيت ~~الله الحرام ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا # قال الله تعالى ( ولله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا ومن كفر ~~فإن الله غنى عن العالمين ( قال عكرمة لما نزلت هذه الآية ( ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ( قالت اليهود ~~والنصارى نحن مسلمون فقال الله لهم @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ ~~فقالوا لا نحجه فقال الله تعالى ( ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين ~~PageV04P256 # وأما الفتنة في القبور فهي الإمتحان والإختبار للميت حين يسأله الملكان ~~فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل الذى بعث فيكم ( محمد ( فيثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت فيقول المؤمن الله ربى والإسلام دينى ومحمد نبي ~~ويقول هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه ~~فينتهرانه إنتهارة شديدة وهى آخر فتنة التى يفتن بها المؤمن فيقولان له كما ~~قالا أولا # وقد تواترت الأحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم في هذه الفتنة من حديث ~~البراء بن عازب وأنس بن مالك وأبى هريرة وغيرهم رضى الله عنهم وهى عامة ~~للمكلفين إلا النبيين فقد إختلف فيهم وكذلك إختلف في غير المكلفين كالصبيان ~~والمجانين فقيل لا يفتنون لأن المحنة إنما تكون للمكلفين وهذا قول القاضي ~~وإبن عقيل # وعلى هذا فلا يلقنون بعد الموت ms0968 وقيل يلقنون ويفتنون أيضا وهذا قول أبى ~~حكيم وأبى الحسن بن عبدوس ونقله عن أصحابه وهو مطابق لقول من يقول أنهم ~~يكلفون يوم القيامة كما هو قول أكثر أهل العلم وأهل السنة من أهل الحديث ~~والكلام وهو الذى ذكره أبوالحسن الأشعرى رضى الله عنه عن أهل السنة وإختاره ~~وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد # وأما ( الردة عن الإسلام ( بأن يصير الرجل كافرا مشركا أو كتابيا ~~PageV04P257 فإنه إذا مات على ذلك حبط عمله باتفاق العلماء كما نطق بذلك ~~القرآن في غير موضع كقوله @QB@ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة @QE@ وقوله @QB@ ومن يكفر بالإيمان ~~فقد حبط عمله @QE@ وقوله @QB@ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون @QE@ ~~وقوله ( لئن أشركت ليحبطن عملك ( # ولكن تنازعوا فيما إذا إرتد ثم عاد إلى الإسلام هل تحبط الأعمال التى ~~عملها قبل الردة أم لا تحبط إلا إذا مات مرتدا على قولين مشهورين هما قولان ~~في مذهب الإمام أحمد والحبوط مذهب أبى حنيفة ومالك والوقوف مذهب الشافعى # وتنازع الناس أيضا في ( المرتد ( هل يقال كان له إيمان صحيح يحبط بالردة ~~أم يقال بل بالردة تبينا أن إيمانه كان فاسدا وأن الإيمان الصحيح لا يزول ~~ألبتة على قولين لطوائف الناس وعلى ذلك يبنى قول المستثنى أنا مؤمن إن شاء ~~الله هل يعود الإستثناء إلى كمال الإيمان أو يعود إلى الموافاة في المآل ~~والله أعلم PageV04P258 ### |||| وسئل # هل جميع الخلق حتى الملائكة يموتون ### |||| ( فأجاب ( # الذى عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى عزرائيل ~~ملك الموت وروى في ذلك حديث مرفوع إلى النبى والمسلمون واليهود والنصارى ~~متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه وإنما يخالف في ذلك طوائف من ~~المتفلسفة اتباع ( أرسطو ( وأمثالهم ومن دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام ~~أو اليهود والنصارى كأصحاب ( رسائل إخوان الصفا ( وأمثالهم ممن زعم أن ( ~~الملائكة ( هي العقول والنفوس وأنه لا يمكن موتها بحال بل هي عندهم آلهه ~~وأرباب لهذا العالم # والقرآن وسائر الكتب تنطق بأن الملائكة ms0969 عبيد مدبرون كما قال سبحانه ( لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ( وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ وقال @QB@ وكم من ملك ~~في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~@QE@ PageV04P259 # والله سبحانه قادر على أن يميتهم ثم يحييهم كما هو قادر على اماته البشر ~~والجن ثم إحيائهم وقد قال سبحانه ( وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه ( # وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه وعن ~~غير واحد من الصحابة أنه قال ( إن الله إذا تكلم بالوحى أخذ الملائكة مثل ~~الغشى ( وفى رواية ( إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا ( وفى رواية ( سمعت ~~الملائكة كجر السلسلة على الصفوان فيصعقون فإذا فزع عن قلوبهم ( أى أزيل ~~الفزع عن قلوبهم ( قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق فينادون الحق الحق ( فقد ~~أخبر في هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعق الغشى فإذا جاز عليهم صعق ~~الغشى جاز صعق الموت وهؤلاء المتفلسفة لا يجوزون لا هذا ولا هذا وصعق الغشى ~~هو مثل صعق موسى عليه السلام قال تعالى @QB@ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ~~وخر موسى صعقا @QE@ والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات # نفخة الفزع ذكرها في سورة النمل في قوله @QB@ ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله @QE@ PageV04P260 ونفخة الصعق ~~والقيام ذكرهما في قوله @QB@ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون @QE@ # وأما الإستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين فإن الجنة ليس ~~فيها موت ومتناول لغيرهم ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله فإن الله أطلق ~~في كتابه # وقد ثبت في الصحيح أن النبى قال ( إن الناس ms0970 يصعقون يوم القيامة فأكون أول ~~من يفيق فأجد موسى آخذا بساق العرش فلا أدري هل أفاق قبلى أم كان ممن ~~إستثناه الله وهذه الصعقة قد قيل إنها رابعة وقيل إنها من المذكورات في ~~القرآن # وبكل حال النبى قد توقف في موسى وهل هو داخل في الإستثناء فيمن إستثناه ~~الله أم لا فإذا كان النبى لم يخبر بكل من إستثنى الله لم يمكنا نحن أن ~~نجزم بذلك وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء وأمثال ذلك مما ~~لم يخبر به وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر والله أعلم وصلى الله على محمد ~~وآله وصحبه وسلم PageV04P261 قال شيخ الاسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن ~~تيمية رحمه الله ### ||| فصل # مذهب سائر المسلمين بل وسائر أهل الملل إثبات ( القيامة الكبرى ( وقيام ~~الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ ما ~~بين الموت إلى يوم القيامة هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة وانما ~~انكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع # لكن من أهل الكلام من يقول هذا إنما يكون على البدن فقط كأنه ليس عنده ~~نفس تفارق البدن كقول من يقول ذلك من المعتزلة والأشعرية # ومنهم من يقول بل هو على النفس فقط بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب على ~~البدن ولا نعيم كما يقول ذلك بن ميسرة وبن حزم PageV04P262 ومنهم من يقول ~~بل البدن ينعم ويعذب بلا حياة فيه كما قاله طائفه من أهل الحديث وبن ~~الزاغونى يميل إلى هذا في مصنفه في حياة الأنبياء في قبورهم وقد بسط الكلام ~~على هذا في مواضع # والمقصود هنا أن كثيرا من أهل الكلام ينكر أن يكون للنفس وجود بعد الموت ~~ولا ثواب ولا عقاب ويزعمون أنه لم يدل على ذلك القرآن والحديث كما أن الذين ~~أنكروا عذاب القبر والبرزخ مطلقا زعموا أنه لم يدل على ذلك القرآن وهو غلط ~~بل القرآن قد بين في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن وبين النعيم ~~والعذاب في البرزخ # وهو سبحانه ms0971 وتعالى في السورة الواحدة يذكر القيامة الكبرى والصغرى كما في ~~سورة الواقعة فإنه ذكر في أولها القيامة الكبرى وأن الناس يكونون أزواجا ~~ثلاثة كما قال تعالى @QB@ إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة ~~إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة ~~@QE@ # ثم إنه في آخرها ذكر القيامة الصغرى بالموت وأنهم ثلاثة أصناف بعد الموت ~~فقال @QB@ فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ~~ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين فأما إن ~~كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام ~~لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية ~~جحيم @QE@ PageV04P263 فهذا فيه أن النفس تبلغ الحلقوم وأنهم لا يمكنهم ~~رجعها وبين حال المقربين وأصحاب اليمين والمكذبين حينئذ # وفي سورة القيامة ذكر أيضا القيامتين فقال @QB@ لا أقسم بيوم القيامة ~~@QE@ ثم قال @QB@ ولا أقسم بالنفس اللوامة @QE@ وهي نفس الإنسان # وقد قيل إن النفس تكون لوامة وغير لوامة وليس كذلك بل نفس كل إنسان لوامة ~~فإنه ليس بشر إلا يلوم نفسه ويندم إما في الدنيا وأما في الآخرة فهذا إثبات ~~النفس ثم ذكر معاد البدن فقال @QB@ أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى ~~قادرين على أن نسوي بنانه بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم ~~القيامة @QE@ ووصف حال القيامة إلى قوله @QB@ تظن أن يفعل بها فاقرة @QE@ # ثم ذكر الموت فقال @QB@ كلا إذا بلغت التراقي @QE@ وهذا إثبات للنفس ~~وأنها تبلغ التراقي كما قال هناك @QB@ بلغت الحلقوم @QE@ والتراقي متصلة ~~بالحلقوم # ثم قال @QB@ وقيل من راق @QE@ يرقيها وقيل من صاعد يصعد بها إلى الله ~~والاول أظهر لان هذا قبل الموت فإنه قال @QB@ وظن أنه الفراق @QE@ فدل على ~~أنهم يرجونه ويطلبون له راقيا يرقيه وأيضا فصعودها لا يفتقر إلى طلب من ~~يرقى بها فإن لله ملائكة يفعلون ما يؤمرون والرقية أعظم الأدوية فإنها دواء ~~PageV04P264 روحاني ولهذا قال النبي في صفة المتوكلين لا ms0972 يسترقون والمراد ~~أنه يخاف الموت ويرجو الحياة بالراقي ولهذا قال @QB@ وظن أنه الفراق @QE@ # ثم قال @QB@ والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق @QE@ فدل على نفس ~~موجودة قائمة بنفسها تساق إلى ربها والعرض القائم بغيره لا يساق ولا بدن ~~الميت فهذا نص في إثبات نفس تفارق البدن تساق إلى ربها كما نطقت بذلك ~~الأحاديث المستفيضة في قبض روح المؤمن وروح الكافر # ثم ذكر بعد هذا صفة الكافر بقوله مع هذا الوعيد الذي قدمه @QB@ فلا صدق ~~ولا صلى @QE@ وليس المراد أن كل نفس من هذه النفوس كذلك # وكذلك سورة @QB@ ق @QE@ هي في ذكر وعيد القيامة ومع هذا قال فيها @QB@ ~~وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد @QE@ ثم قال بعد ذلك @QB@ ونفخ ~~في الصور ذلك يوم الوعيد @QE@ فذكر القيامتين الصغرى والكبرى وقوله @QB@ ~~وجاءت سكرة الموت بالحق @QE@ أي جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب وهو الحق ~~الذي أخبرت به الرسل ليس مراده أنها جاءت بالحق الذي هو الموت فإن هذا ~~مشهور لم ينازع فيه ولم يقل أحد إن الموت باطل حتى يقال جاءت بالحق وقوله ( ~~ذلك ما كنت منه تحيد ) فالإنسان وإن كره الموت فهو يعلم أنه تلاقية ملائكته ~~وهذا كقوله ( وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) واليقين PageV04P265 ما بعد ~~الموت كما قال النبى ( أما عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين من ربه وإلا ~~فنفس الموت مجرد عما بعده أمر مشهور لم ينازع فيه أحد حتى يسمى يقينا # وذكر عذاب القيامة والبرزخ معا في غير موضع ذكره في قصة آل فرعون فقال ( ~~وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) وقال في قصة قوم نوح ( مما خطيئاتهم أغرقوا ~~فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) مع إخبار نوح لهم ~~بالقيامة في قوله ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا ) # وقد ذكرنا في غير موضع أن الرسل قبل محمد أنذروا بالقيامة الكبرى تكذيبا ~~لمن نفى ذلك من المتفلسفة ms0973 وقال عن المنافقين ( سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم ) قال غير واحد من العلماء المرة الأولى في الدنيا والثانية في ~~البرزخ ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) في الآخرة # وقال تعالى في الأنعام ( ولو ترى اذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول ~~مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) وهذه صفة حال الموت وقوله PageV04P266 ~~( أخرجوا أنفسكم ) دل على وجود النفس التى تخرج من البدن وقوله ( اليوم ~~تجزون عذاب الهون ) دل على وقوع الجزاء عقب الموت # وقال تعالى في الأنفال @QB@ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد @QE@ وهذا ذوق له بعد الموت # وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبى صلى الله عليه وسلم لما أتى ~~المشركين يوم بدر في القليب ناداهم ( يافلان يا فلان 1 هل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا فقد وجدت ما وعدنى ربى حقا ( وهذا دليل على وجودهم وسماعهم وإنهم ~~وجدوا ما وعدوه بعد الموت من العذاب وأما نفس قتلهم فقد علمه الأحياء منهم # وقال تعالى في سورة النساء @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا @QE@ وهذا خطاب لهم اذا ~~توفتهم الملائكة وهم لا يعاينون الملائكة إلا وقد يئسوا من الدنيا ومعلوم ~~أن البدن لم يتكلم لسانه بل هو شاهد يعلم أن الذى يخاطب الملائكة هو النفس ~~والمخاطب لايكون عرضا # وقال تعالى في النحل ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم فألقوا السلم ~~PageV04P267 ما كنا نعمل من سوء بلى أن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) وهذا إلقاء للسلم إلى حين ~~الموت وقول للملائكة ما كنا نعمل من سوء وهذا إنما يكون من ms0974 النفس # وقد قال في النحل ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) وقال في السجدة @QB@ إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ~~بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم ~~فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون @QE@ وقد ذكروا أن هذا التنزل عند ~~الموت # وقال تعالى في سورة آل عمران @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون ~~بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة ~~من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين @QE@ وقال قبل ذلك في سورة ~~البقرة ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ~~) # وأيضا فقال تعالى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت في منامها ~~فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) وهذا PageV04P268 ~~بيان لكون النفس تقبض وقت الموت ثم منها ما يمسك فلا يرسل إلى بدنه وهو ~~الذى قضى عليه الموت ومنها ما يرسل إلى أجل مسمى وهذا إنما يكون في شيء ~~يقوم بنفسة لا في عرض قائم بغيره فهو بيان لوجود النفس المفارقة بالموت # والأحاديث الصحيحة توافق هذا كقول النبى ( باسمك ربى وضعت جنبى وبك أرفعه ~~فإن أمسكت نفسى فارحمها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ~~وقال لما ناموا عن صلاة الصبح ( أن الله قبض أرواحنا حيث شاء ( وقال تعالى ~~@QB@ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى ~~أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ~~ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ~~ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين @QE@ فهذا توف ~~لها بالنوم إلى أجل الموت الذى ترجع فيه إلى الله وأخبار ( أن ms0975 ) الملائكة ~~تتوفاها بالموت ثم يردون إلى الله والبدن وما يقوم به من الأعراض لايرد ~~إنما يرد الروح # وهو مثل قوله في يونس ( ثم ردوا إلى الله ) وقال تعالى ( إن إلى ربك ~~الرجعى ) وقال تعالى ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك PageV04P269 ~~راضية مرضية فادخلى في عبادى وإدخلى جنتى ) وقال تعالى ( قل يتوفاكم ملك ~~الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ) وتوفى الملك إنما يكون لما هو ~~موجود قائم بنفسه والا فالعرض القائم بغيره لايتوفى فالحياة القائمة بالبدن ~~لاتتوفى بل تزول وتعدم كما تعدم حركته وإدراكه # وقال تعالى في المؤمنين ( حتى اذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعون لعلى ~~أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم ~~يبعثون ) فقوله ( أرجعون ) طلب لرجع النفس إلى البدن كما قال في الواقعة ( ~~فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين ) وهو يبين أن النفس ~~موجودة تفارق البدن بالموت قال تعالى ( إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم ~~برزخ إلى يوم يبعثون ) آخره # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~PageV04P270 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن الروح المؤمنة أن الملائكة ~~تتلقاها وتصعد بها إلى السماء التى فيها الله ### ||||| فأجاب # أما الحديث المذكور في ( قبض روح المؤمن وأنه يصعد بها إلى السماء التى ~~فيها الله فهذا حديث معروف جيد الإسناد وقوله ( فيها الله ( بمنزلة قوله ~~تعالى @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم ~~من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير @QE@ وبمنزلة ما ثبت ~~في الصحيح أن النبى قال لجارية معاوية بن الحكم ( أين الله ( قالت في ~~السماء قال ( من أنا ( قالت أنت رسول الله قال ( أعتقها فإنها مؤمنة ( # وليس المراد بذلك أن السماء تحصر الرب وتحويه كما تحوى الشمس والقمر ~~وغيرهما فإن هذا لا يقوله مسلم ولا يعتقده عاقل فقد قال سبحانه وتعالى ( ~~وسع كرسيه السماوات والأرض ) والسموات في الكرسى كحلقة ملقاة في أرض فلاة ms0976 ~~والكرسى في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة والرب PageV04P271 سبحانه فوق ~~سمواته على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء ~~من مخلوقاته # وقال تعالى @QB@ ولأصلبنكم في جذوع النخل @QE@ وقال ( فسيحوا في الأرض ) ~~وقال @QB@ يتيهون في الأرض @QE@ وليس المراد أنهم في جوف النخل وجوف الأرض ~~بل معنى ذلك انه فوق السماوات وعليها بائن من المخلوقات كما أخبر في كتابه ~~عن نفسه أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش # وقال @QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ وقال تعالى @QB@ تعرج ~~الملائكة والروح إليه @QE@ وقال ( بل رفعه الله إليه ) وأمثال ذلك في ~~الكتاب والسنة وجواب هذه المسألة مبسوط في غير هذا الموضع PageV04P272 ### |||| سئل # هل يتكلم الميت في قبره # فقال وأما سؤال السائل هل يتكلم الميت في قبره فجوابه أنه يتكلم وقد يسمع ~~أيضا من كلمة كما ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال إنهم يسمعون قرع نعالهم ~~وثبت عنه في الصحيح أن الميت يسأل في قبره فيقال له من ربك وما دينك ومن ~~نبيك فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فيقول الله ربي والإسلام ديني ~~ومحمد نبي ويقال له ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول المؤمن هو ~~عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه وهذا تأويل قوله ~~تعالى @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة @QE@ # وقد صح عن النبي أنها نزلت في عذاب القبر وكذلك يتكلم المنافق فيقول آه ~~آه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة ~~يسمعها كل شيء إلا الإنسان # وثبت عنه في الصحيح أنه قال لولا أن لا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم ~~عذاب القبر مثل الذي أسمع وثبت عنه في الصحيح أنه نادى المشركين يوم بدر ~~لما ألقاهم في القليب وقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم والآثار في هذا ~~كثيرة منتشرة والله أعلم PageV04P273 ### |||| سئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى # عن سؤال منكر ونكير ms0977 الميت اذا مات تدخل الروح في جسده ويجلس ويجاوب منكرا ~~ونكيرا فيحتاج موتا ثانيا ### ||||| فأجاب # عود الروح إلى بدن الميت في القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة ~~الدنيا وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه كما أن النشأة الأخرى ليست ~~مثل هذه النشأة وان كانت أكمل منها بل كل موطن في هذه الدار وفى البرزخ ~~والقيامة له حكم يخصه ولهذا أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن الميت يوسع ~~له في قبره ويسئل ونحو ذلك وان كان التراب قد لايتغير فالأرواح تعاد إلى ~~بدن الميت وتفارقه # وهل يسمى ذلك موتا فيه قولان قيل يسمى ذلك موتا وتأولوا على ذلك قوله ~~تعالى ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) قيل إن الحياة الأولى في هذه ~~الدار والحياة الثانية في القبر PageV04P274 والموتة الثانية في القبر ~~والصحيح أن هذه الآية كقوله ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) ~~فالموته الاولى قبل هذه الحياة والموتة الثانية بعد هذه الحياة وقوله تعالى ~~( ثم يحييكم ) بعد الموت قال تعالى ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها ~~نخرجكم تارة أخرى ) وقال ( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) ~~فالروح تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى وتفارقه متى شاء الله تعالى لا ~~يتوقت ذلك بمرة ولا مرتين والنوم أخو الموت # ولهذا كان النبى يقول اذا أوى إلى فراشه ( باسمك اللهم اموت وأحيا ( وكان ~~اذا استيقظ يقول ( الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فقد ~~سمى النوم موتا والاستيقاظ حياة # وقد قال تعالى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت في منامها ~~فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل مسمى ) فبين انه يتوفى ~~الانفس على نوعين فيتوفاها حين الموت ويتوفى الانفس التى لم تمت بالنوم ثم ~~اذا ناموا فمن مات في منامه أمسك نفسه ومن لم يمت ارسل نفسه ولهذا كان ~~النبى صلى الله عليه وسلم إذا اوى إلى فراشه قال ( باسمك ربى وضعت جنبى وبك ~~أرفعه فإن أمسكت نفسى فارحمها وان أرسلتها فاحفظها ms0978 بما تحفظ به عبادك ~~الصالحين والنائم يحصل له في منامه لذة وألم وذلك يحصل للروح والبدن حتى ~~PageV04P275 إنه يحصل له في منامه من يضربه فيصبح والوجع في بدنه ويرى في ~~منامه أنه أطعم شيئا طيبا فيصبح وطعمه في فمه وهذا موجود فإذا كان النائم ~~يحصل لروحه وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به والذى إلى جنبه لايحس به حتى ~~قد يصيح النائم من شدة الالم أو الفزع الذى يحصل له ويسمع اليقظان صياحه ~~وقد يتكلم اما بقرآن واما بذكر واما بجواب # واليقظان يسمع ذلك وهو نائم عينه مغمضة ولو خوطب لم يسمع فكيف ينكر حال ~~المقبور الذى أخبر الرسول أنه يسمع قرع نعالهم وقال ( ما أنتم أسمع لما ~~أقول منهم ( # والقلب يشبه القبر ولهذا قال لما فاتته صلاة العصر يوم الخندق ( ملأ الله ~~أجوافهم وقبورهم نارا ( وفى لفظ ( قلوبهم وقبورهم نارا وفرق بينهما في قوله ~~( بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ) وهذا تقريب وتقرير لإمكان ذلك ولا ~~يجوز أن يقال ذلك الذى يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في ~~منامه بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم وهو نعيم حقيقى وعذاب حقيقى ~~ولكن يذكر هذا المثل لبيان امكان ذلك اذا قال السائل الميت لا يتحرك في ~~قبره والتراب لايتغير ونحو ذلك مع ان هذه المسألة لها بسط يطول وشرح ~~لاتحتمله هذه الورقة والله اعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ~~PageV04P276 ### |||| وسئل # عن الصغير وعن الطفل اذا مات هل يمتحن الخ الوقوف فيهم وان يقال الله ~~أعلم بما كانوا عاملين ولبسطه موضع آخر واذا مات الطفل فهل يمتحن في قبره ~~ويسأله منكر ونكير فيه قولان في مذهب أحمد وغيره # أحدهما انه لايمتحن وأن المحنة إنما تكون على من كلف في الدنيا قاله ~~طائفة منهم القاضي أبو يعلى وبن عقيل # والثانى انهم يمتحنون ذكره أبو حكيم الهمدانى وأبو الحسن بن عبدوس ونقله ~~عن أصحاب الشافعى وعلى هذا التفصيل ( تلقين الصغير والمجنون ( من قال إنه ~~يمتحن في القبر ms0979 لقنه ومن قال لا يمتحن لم يلقنه وقد روى مالك وغيره عن أبى ~~هريرة رضى الله عنه أنه صلى على طفل فقال ( اللهم قه عذاب القبر وفتنة ~~القبر ( وهذا القول موافق لقول من قال إنهم يمتحنون في الآخرة وإنهم مكلفون ~~يوم القيامة كما هو قول أكثر أهل العلم PageV04P277 وأهل السنة من أهل ~~الحديث والكلام وهو الذى ذكره أبو الحسن الأشعرى عن اهل السنة واختاره وهو ~~مقتضى نصوص الإمام أحمد والله أعلم # وإذا دخل أطفال المؤمنين الجنة فأرواحهم وأرواح غيرهم من المؤمنين في ~~الجنة وأن كانت درجاتهم متفاضلة والصغار يتفاضلون بتفاضل آبائهم وتفاضل ~~أعمالهم إذا كانت لهم أعمال فإن إبراهيم بن النبي ليس هو كغيره والأطفال ~~الصغار يثابون على ما يفعلونه من الحسنات وإن كان القلم مرفوعا عنهم في ~~السيئات كما ثبت في الصحيح أن النبي رفعت إليه امرأة صبيا من محفة فقالت ~~ألهذا حج قال نعم قال نعم ولك أجر رواه مسلم في صحيحه # وفي السنن أنه قال مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم ~~في المضاجع وكانوا يصومون الصغار يوم عاشوراء وغيره فالصبي يثاب على صلاته ~~وصومه وحجة وغير ذلك من أعماله ويفضل بذلك على من لم يعمل كعمله وهذا غير ~~ما يفعل به إكراما لأبويه كما أنه في النعم الدنيوية قد ينتفع بما يكسبه ~~وبما يعطيه أبواه ويتميز بذلك على من ليس كذلك # وأرواح المؤمنين في الجنة كما جاءت بذلك الآثار وهو كما قال النبى ( نسمة ~~المؤمن تعلق من الجنة ( أى تأكل ولم يوقت في ذلك وقت قبل يوم القيامة ~~PageV04P278 والأرواح مخلوقة بلا شك وهى لا تعدم ولا تفنى ولكن موتها ~~مفارقة الأبدان وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان # وأهل الجنة الذين يدخلونها على صورة أبيهم آدم عليه السلام طول أحدهم ~~ستون ذراعا كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة # وقد قال بعض الناس ان أطفال الكفار يكونون خدم أهل الجنة ولا أصل لهذا ~~القول وقد ثبت في الصحيحين أن الجنة يبقى فيها فضل عن أهل الدنيا ms0980 فينشيء ~~الله لها خلقا آخر فيسكنهم الجنة فإذا كان يسكن من ينشئه من الجنة من غير ~~ولد آدم في فضول الجنة فكيف بمن دخلها من ولد آدم وأسكن في غير فضولها ~~فليسوا أحق بأن يكونوا من أهل الجنة ممن ينشأ بعد ذلك ويسكن فضولها # وأما الورود المذكور في قوله تعالى @QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ فقد ~~فسره النبي في الحديث الصحيح رواه مسلم في صحيحه عن جابر بأنه المرور على ~~الصراط والصراط هو الجسر فلا بد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة من كان ~~صغيرا في الدنيا ومن لم يكن والولدان الذين يطوفون على أهل الجنة خلق من ~~خلق الجنة ليسوا من أبناء الدنيا بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة كمل ~~خلقهم كأهل الجنة على صورة آدم أبناء ثلاث وثلاثين في طول ستين ذراعا كما ~~تقدم وقد روي أن العرض سبعة أذرع والله أعلم PageV04P279 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عن الصغير هل يحيا ويسئل أو يحيا ولايسئل وبماذا يسئل عنه وهل يستوى في ~~الحياة والسؤال من يكلف ومن لا يكلف ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اما من ~~ليس مكلفا كالصغير والمجنون فهل يمتحن في قبره ويسأله منكر ونكير على قولين ~~للعلماء # أحدهما أنه يمتحن وهو قول أكثر أهل السنة ذكره أبو الحسن بن عبدوس عنهم ~~وذكره أبو حكيم النهروانى وغيرهما # والثانى أنه لا يمتحن في قبره كما ذكره القاضي أبو يعلى وبن عقيل وغيرهما ~~قالوا لأن المحنة إنما تكون لمن يكلف في الدنيا # ومن قال بالأول يستدل بما في الموطأ عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه صلى ~~على صغير لم يعمل خطيئة قط فقال ( اللهم قه عذاب القبر وفتنة القبر ( وهذا ~~يدل على أنه يفتن PageV04P280 وأيضا فهذا مبنى على أن أطفال الكفار الذين ~~لم يكلفوا في الدنيا يكلفون في الآخرة كما وردت بذلك أحاديث متعددة وهو ~~القول الذى حكاه أبو الحسن الأشعرى عن أهل السنة والجماعة فإن النصوص عن ~~الأئمة كالإمام أحمد وغيره الوقف في أطفال المشركين كما ثبت ms0981 في الصحيحين عن ~~النبى أنه سئل عنهم فقال ( الله أعلم بما كانوا عاملين ( # وثبت في صحيح البخارى من حديث سمرة أن منهم من يدخل الجنة وثبت في صحيح ~~مسلم أن الغلام الذى قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا فان كان الأطفال وغيرهم ~~فيهم شقى وسعيد فاذا كان ذلك لامتحانهم في الدنيا لم يمنع امتحانهم في ~~القبور لكن هذا مبنى على أنه لايشهد لكل معين من أطفال المؤمنين بأنه في ~~الجنة وإن شهد لهم مطلقا ولو شهد لهم مطلقا فالطفل الذى ولد بين المسلمين ~~قد يكون منافقا بين مؤمنين والله أعلم PageV04P281 ### || 1 ( رسالة في عذاب القبر ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه ! 8 < # وهو بمصر عن عذاب القبر هل هو على النفس والبدن أو على النفس دون البدن ~~والميت يعذب في قبره حيا أم ميتا وإن عادت الروح إلى الجسد أم لم تعد فهل ~~يتشاركان في العذاب والنعيم أو يكون ذلك على أحدهما دون الآخر ### ||||| ! 8 < فأجاب رضي الله عنه وجعل جنة الفردوس منقلبة ومثواة آمين # الحمد لله رب العالمين بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق ~~أهل السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن ~~والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما ~~يكون للروح منفردة عن البدن # وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح هذا فية قولان مشهوران ~~PageV04P282 لأهل الحديث والسنة والكلام وفى المسالة أقوال شاذة ليست من ~~أقوال أهل السنة والحديث قول من يقول إن النعيم والعذاب لايكون إلا على ~~الروح وان البدن لا ينعم ولا يعذب وهذا تقولة الفلاسفة المنكرون لمعاد ~~الابدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين # ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون لايكون ذلك ~~في البرزخ وانما يكون عند القيام من القبور وقول من يقول إن الروح بمفردها ~~لاتنعم ولا تعذب وإنما الروح هي الحياة وهذا يقولة طوائف من أهل الكلام من ~~المعتزلة واصحاب أبى الحسن الاشعرى كالقاضى أبى بكر وغيرهم وينكرون أن ms0982 ~~الروح تبقى بعد فراق البدن وهذا قول باطل خالفه الاستاذ أبو المعالى ~~الجوينى وغيرة بل قد ثبت في الكتاب والسنة واتفاق سلف الامة أن الروح تبقى ~~بعد فراق البدن وانها منعمة أو معذبة # ( والفلاسفة ( الالهيون يقولون بهذا لكن ينكرون معاد الأبدان وهؤلاء ~~يقرون بمعاد الأبدان لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان ~~وكلا القولين خطأ وضلال لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الاسلام وان ~~كان قد يوافقهم عليه من يعتقد انه متمسك بدين الاسلام بل من يظن انه من اهل ~~المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام PageV04P283 # والقول الثالث الشاذ قول من يقول ان البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب بل لا ~~يكون ذلك حتى تقوم القيامة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ~~ونحوهم الذين ينكرون عذاب القبر ونعيمه بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق ~~البدن وان البدن لا ينعم ولا يعذب # فجميع هؤلاء الطائفتين ضلال في امر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة لانهم ~~يقرون بالقيامة الكبرى # فاذا عرفت هذه الاقوال الثلاثة الباطلة فاليعلم أن مذهب ( سلف الامة ~~وائمتها ) إن الميت اذا مات يكون في نعيم أو عذاب وان ذلك يحصل لروحه ~~ولبدنه وان الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة وانها تتصل بالبدن ~~أحيانا فيحصل له معها النعيم والعذاب # ثم اذا كان يوم القيامة الكبرى اعيدت الارواح إلى اجسادها وقاموا من ~~قبورهم لرب العالمين # ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى وهذا كله متفق ~~عليه عند علماءالحديث والسنة # وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب اثبت ذلك طائفة منهم وانكره ~~اكثرهم PageV04P284 # ونحن نذكر ما يبين ما ذكرناه فأما احاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير ~~فكثيرة متواترة عن النبى مثل ما في الصحيحين عن بن عباس رضى الله عنهما ان ~~النبى مر بقبرين فقال ( أنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير اما أحدهما فكان ~~يمشى بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ) ثم دعا بجريدة رطبة ~~فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة ms0983 فقالوا يا رسول الله لم فعلت هذا قال ( ~~لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ) # وفي صحيح مسلم عن زيد بن ثابت قال بينا رسول الله في حائط لبني النجار ~~على بغله ونحن معه إذ جالت به فكادت تلقيه فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة ~~فقال من يعرف هذه القبور فقال رجل أنا قال فمتى هؤلاء قال ماتوا في الإشراك ~~فقال إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن ~~يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ثم أقبل علينا بوجهه فقال تعوذوا بالله ~~من عذاب القبر قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر قال تعوذوا بالله من عذاب ~~النار قالوا نعوذ بالله من عذاب النار قال تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر ~~منها وما بطن قالوا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قال تعوذوا ~~بالله من فتنة الدجال قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال # وفي صحيح مسلم وسائر السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~PageV04P285 قال إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليقل أعوذ بالله من أربع ~~من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح ~~الدجال # وفي صحيح مسلم وغيره عن بن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه كان يعلمهم ~~هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ~~وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة ~~المحيا والممات # وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري قال خرج النبي وقد وجبت ~~الشمس فقال يهود يعذبون في قبورهم # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت دخلت على عجوز من عجائز يهود ~~المدينة فقالت إن أهل القبور يعذبون في قبورهم قالت فكذبتها ولم أنعم أن ~~أصدقها قالت فخرجت فدخل علي رسول الله فقلت يا رسول الله عجوز من عجائز أهل ~~المدينة دخلت علي فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم فقال صدقت إنهم ms0984 ~~يعذبون عذابا يسمعه البهائم كلها فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب ~~القبر # وفي صحيح أبي حاتم البستي عن أم مبشر رضي الله عنها قالت دخل على رسول ~~الله وأنا في حائط وهو يقول تعوذوا بالله من عذاب PageV04P286 القبر فقلت ~~يا رسول الله للقبر عذاب فقال ( إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه ~~البهائم ( # قال بعضهم ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم اذا مغلت إلى قبور اليهود ~~والنصارى والمنافقين كالاسماعيلية والنصيرية وسائر القرامطة من بنى عبيد ~~وغيرهم الذين بأرض مصر والشام وغيرهما فان أهل الخيل يقصدون قبورهم لذلك ~~كما يقصدون قبور اليهود والنصارى والجهال تظن انهم من ذرية فاطمة وأنهم من ~~أولياء الله وإنما هو من هذا القبيل فقد قيل ان الخيل اذا سمعت عذاب القبر ~~حصلت لها من الحرارة ما يذهب بالمغل والحديث في هذا كثير لا يتسع له هذا ~~السؤال # وأحاديث المسألة كثيرة أيضا كما في الصحيحين والسنن عن البراء بن عازب ~~رضى الله عنه أن رسول الله قال ( المسلم اذا سئل في قبره شهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله فذلك قول الله تعالى ( يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة ( وفى لفظ ( نزلت في عذاب القبر ~~يقال له من ربك فيقول ربى الله ودينى الاسلام ونبيى محمد وذلك قول الله ~~تعالى ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة ~~ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ( وهذا الحديث قد رواه أهل السنن ~~والمسانيد مطولا كما في سنن أبى داود PageV04P287 وغيره عن البراء بن عازب ~~رضى الله عنه قال خرجنا مع رسول الله في جنازة رجل من الانصار فانتهينا إلى ~~القبر ولما يلحد فجلس النبى وجلسنا حوله كانما على رءوسنا الطير وفى يده ~~عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال ( استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ~~ثلاثا وذكر صفة قبض الروح وعر وجها إلى السماء ثم عودها إليه إلى أن قال ( ~~وإنه ليسمع خفق نعالهم اذا ms0985 ولوا مدبرين حين يقال له يا هذا من ربك وما دينك ~~ومن نبيك # وفى لفظ ( فيأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له من ربك فيقول ربى الله ~~فيقولان له ما دينك فيقول دينى الاسلام فيقولان ما هذا الرجل الذى أرسل ~~فيكم قال فيقول هو رسول الله فيقولان وما يدريك فيقول قرأت كتاب الله وآمنت ~~به وصدقت به فذلك قول الله ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفى الاخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ( قال ( ~~فينادى مناد من السماء أن صدق عبدى فافرشوا له في الجنة والبسوه من الجنة ~~وافتحوا له بابا إلى الجنة ( قال ( فيأتيه من روحها وطيبها ( قال ( ويفسح ~~له مد بصره ( قال ( وان الكافر ( فذكر موته وقال ( وتعاد روحه إلى جسده ~~فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ~~ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فينادى مناد من السماء أن كذب عبدى فافرشوا ~~له من النار والبسوه من النار PageV04P288 وافتحوا له بابا إلى النار ( قال ~~( ويأتيه من حرها وسمومها ( قال ( ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ( ~~قال ( ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا ( ~~قال ( فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب الا الثقلين فيصير ~~ترابا ثم تعاد فيه الروح # فقد صرح الحديث باعادة الروح إلى الجسد وباختلاف أضلاعه وهذا بين في أن ~~العذاب على الروح والبدن مجتمعين # وقد روى مثل حديث البراء في قبض الروح والمسألة والنعيم والعذاب رواه أبو ~~هريرة وحديثه في المسند وغيره ورواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن أبى ~~هريرة رضى الله عنه عن النبى قال ( ان الميت اذا وضع في قبره يسمع خفق ~~نعالهم اذا ولوا عنه مدبرين فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه وكان ~~الصيام عن يمينه وكانت الصدقة عن شماله وكان فعل الخير من الصدقة والصلة ~~والمعروف والاحسان عند رجليه فيأتيه الملكان من قبل رأسه فتقول الصلاة ما ms0986 ~~قبلى مدخل ثم يؤتى عن يمينه ويقول الصيام ما قبلى مدخل ثم يؤتى عن يساره ~~فتقول الزكاة ما قبلى مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من ~~الصدقة والصلة والمعروف والاحسان ما قبلى مدخل فيقول له إجلس فيجلس قد مثلت ~~له الشمس وقد أصغت للغروب فيقول دعونى حتى أصلى فيقولون إنك ستصلى أخبرنا ~~عما نسألك عنه أريئتك هذا الرجل الذى كان فيكم ما تقولون فيه وماذا ~~PageV04P289 تشهد به عليه فيقول محمد نشهد أنه رسول الله جاء بالحق من عند ~~الله فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك تبعث ان شاء الله ثم يفتح له باب إلى ~~الجنة فيقال هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يفسح له ~~في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ويعاد الجسد لما بديء منه وتجعل روحه نسم ~~طير يعلق في شجر الجنة ( قال ( فذلك قولة تعالى @QB@ يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء @QE@ # وذكر في الكافر ضد ذلك أنه قال ( يضيق عليه قبره إلى أن تختلف فيه أضلاعه ~~فتلك المعيشة الضنك التى قال الله تعالى @QB@ له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى @QE@ هذا الحديث أخصر # وحديث البراء المتقدم أطول ما في السنن فإنهم اختصروه لذكر ما فيه من ~~عذاب القبر وهو في المسند وغيره بطوله وهو حديث حسن ثابت يقول النبى فيه ( ~~ان العبد المؤمن اذا كان في اقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ~~ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط ~~الجنة فيجلسون منه مد البصر ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول ~~أيتها النفس الطيبة أخرجى إلى مغفرة ورضوان ( قال ( فتخرج تسيل كما تسيل ~~القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين ~~PageV04P290 حتى يأخذونها فيجعلونها في ذلك الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها ~~كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ( قال ( فيصعدون ms0987 بها فلا يمرون بها على ~~ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان بن فلان بأحسن ~~أسمائه التى كانوا يسمونه بها في الدنيا فينتهون به إلى السماء الدنيا ~~فيستفتحون له فيفتح له قال فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التى ~~تليها حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة فيقول اكتبوا كتاب عبدى في عليين ~~وأعيدوه إلى الأرض فانى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ( ~~قال ( فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ( وذكر المسألة كما تقدم ~~قال ( ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له أبشر بالذى يسرك فهذا يومك ~~الذى قد كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه الذى يجيء بالخير فيقول أنا ~~عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى ~~أهلى ومالى ( قال ( وإن العبد الكافر اذا كان في اقبال من الاخرة وانقطاع ~~من الدنيا نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه ~~مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة ~~أخرجى إلى سخط الله وغضبه فتفرق في أعضائه كلها فينتزعها كما ينتزع السفود ~~من الصوف المبلول فتتقطع معها العروق والعصب ( قال ( فيأخذها فاذا أخذها لم ~~يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسوح ( قال ( فيخرج ~~منها كأنتن ما يكون من جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها PageV04P291 ~~فلا يمرون بها على ملاء من الملائكة الا قالوا ما هذه الروح الخبيثة ~~فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التى كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهوا ~~إلى السماء الدنيا فيستفتحون لها فلا يفتح لها ( ثم قرأ رسول الله ( لا ~~تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك ~~نجزى المجرمين ( ثم يقول الله تعالى اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ~~قال ( فتطرح روحه طرحا ( ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أو تهوى به ~~الريح في مكان ms0988 سحيق ( قال ( فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه ~~فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري ( وساق الحديث كما تقدم إلى أن ~~قال ( ويأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح فيقول أبشر بالذى يسوءك هذا عملك ~~الذى قد كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذى لا يأتى بالخير قال أنا ~~عملك السوء فيقول رب لا تقم الساعة ثلاث مرات ( # ففى هذا الحديث أنواع من العلم منها أن الروح تبقى بعد مفارقة البدن ~~خلافا لضلال المتكلمين وأنها تصعد وتنزل خلافا لضلال الفلاسفة وأنها تعاد ~~إلى البدن وأن الميت يسأل فينعم أو يعذب كما سأل عنه أهل السؤال وفيه أن ~~عمله الصالح أو السيئ يأتيه في صورة حسنة أو قبيحة # وفى الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى صلى الله ~~PageV04P292 عليه وسلم قال ( إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه ~~إنه ليسمع خفق نعالهم أتاه ملكان فيقررانه فيقولان ما كنت تقول في هذا ~~الرجل محمد فأما المؤمن فيقول أشهد أنه محمد عبد الله ورسوله ( قال ( فيقول ~~انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة ( قال رسول الله ~~( فيراهما كليهما ( قال قتادة وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ~~ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون ( ثم نرجع إلى حديث أنس ويأتيان الكافر ~~والمنافق فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول لا أدري كنت أقول كما ~~يقول الناس فيقول لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطارق من حديد بين أذنيه فيصيح ~~صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين ( # وروى الترمذى وأبو حاتم في صحيحه وأكثر اللفظ له عن أبى هريرة رضى الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اذا قبر أحدكم الإنسان أتاه ~~ملكان أسودان أزرقان يقال لهما منكر والآخر نكير فيقولان له ما كنت تقول في ~~هذا الرجل محمد فهو قائل ما كان يقول فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله ~~أشهد أن لا ms0989 إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقولان أنا كنا لنعلم ~~أنك تقول ذلك # ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ويقال له نم فيقول أرجع إلى ~~أهلى فأخبرهم فيقولان له نم كنومة العروس الذى لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ~~حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال PageV04P293 ( لا أدري كنت ~~أسمع الناس يقولون شيئا فقلته فيقولان إنا كنا نعلم أنك تقول ذلك ثم يقال ~~للأرض التئمى عليه فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه فلا يزال معذبا حتى ~~يبعثه الله من مضجعه ذلك ( وهذا الحديث فيه اختلاف أضلاعه وغير ذلك مما ~~يبين أن البدن نفسه يعذب # وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى قال ( اذا احتضر الميت أتته ~~الملائكة بحريرة بيضاء فيقولون أخرجى كأطيب ريح المسك حتى انه ليناوله ~~بعضهم بعضا حتى يأتوا به باب السماء فيقولون ما أطيب هذا الريح متى جاءتكم ~~من الأرض فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أحدكم بغائبه يقدم ~~عليه يسألونه ماذا فعل فلان فيقولون دعوه فإنه في غم الدنيا فإذا قال أنه ~~أتاكم قالوا ذهب إلى أمه الهاوية وأن الكافر اذا إحتضر أتته ملائكة العذاب ~~بمسح فيقولون أخرجى مسخوطا عليك إلى عذاب الله فتخرج كأنتن جيفة حتى يأتوا ~~به أرواح الكفار ( رواه النسائى والبزار ورواه مسلم مختصرا عن أبى هريرة ~~رضى الله عنه وعند الكافر ونتن رائحة روحه فرد رسول الله ريطة كانت عليه ~~على انفه هكذا والريطة ثوب رقيق لين مثل الملاءة # وأخرجه أبو حاتم في صحيحه وقال ( إن المؤمن اذا حضره الموت حضرت ملائكة ~~الرحمة فاذا قبضت نفسه جعلت في حريرة بيضاء فتنطلق بها إلى باب السماء ~~فيقولون ما وجدنا ريحا أطيب من هذه الرائحة فيقال دعوه PageV04P294 يستريح ~~فانه كان في غم الدنيا فيقال مافعل فلان ما فعلت فلانه وأما الكافر اذا ~~قبضت روحه ذهب بها إلى الأرض تقول خزنة الأرض ما وجدنا ريحا أنتن من هذه ~~فيبلغ بها في الأرض ms0990 السفلى ( ففى هذه الأحاديث ونحوها إجتماع الروح والبدن ~~في نعيم القبر وعذابه وأما انفراد الروح وحدها فقد تقدم بعض ذلك # وعن كعب بن مالك رضى الله عنه أن النبى قال ( انما نسمة المؤمن طائر يعلق ~~في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم يبعثه ( رواه النسائى ورواه مالك ~~والشافعى كلاهما وقوله ( يعلق ( بالضم أى يأكل وقد نقل هذا في غير هذا ~~الحديث # فقد أخبرت هذه النصوص أن الروح تنعم مع البدن الذى في القبر اذا شاء الله ~~وانما تنعم في الجنة وحدها وكلاهما حق # وقد روى بن أبى الدنيا في كتاب ذكر الموت عن مالك بن أنس قال ( بلغنى أن ~~الروح مرسلة تذهب حيث شاءت ) وهذا يوافق ما روى ( أن الروح قد تكون على ~~أفنية القبور ( كما قال مجاهد إن الأرواح تدوم على القبور سبعة أيام يوم ~~يدفن الميت لا تفارق ذلك وقد تعاد الروح إلى البدن في غير وقت المسألة كما ~~في الحديث الذى صححه بن عبد البر عن النبى أنه قال ( ما من رجل يمر بقبر ~~الرجل الذى كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ~~عليه السلام PageV04P295 وفى سنن أبى داود وغيره عن أوس بن أوس الثقفى عن ~~النبى أنه قال ( ان خير أيامكم يوم الجمعة فأكثروا على من الصلاة يوم ~~الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة على قالوا يا رسول الله كيف تعرض ~~صلاتنا عليك وقد أرمت فقال ( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ~~( # وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار ما يضيق هذا الوقت عن استقصائه مما ~~يبين أن الأبدان التى في القبور تنعم وتعذب اذا شاء الله ذلك كما يشاء وأن ~~الأرواح باقية بعد مفارقة البدن ومنعمة ومعذبة # ولهذا أمر النبى بالسلام على الموتى كما ثبت في الصحيح والسنن ( أنه كان ~~يعلم أصحابه اذا زاروا القبور ان يقولوا ( السلام عليكم أهل الديار من ~~المؤمنين وإنا ان شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم ~~والمستأخرين نسأل ms0991 الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا ~~بعدهم وأغفر لنا ولهم ) # وقدإنكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين في قبورهم ورأوهم ~~بعيونهم يعذبون في قبورهم في آثار كثيرة معروفة ولكن لا يجب ذلك أن يكون ~~دائما على البدن في كل وقت بل يجوز ان يكون في حال دون حال PageV04P296 # وفى الصحيحين عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى ترك قتلى بدر ثلاثا ~~ثم أتاهم فقام عليهم فقال ( يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ~~ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإنى وجدت ما ~~وعدنى ربى حقا ( فسمع عمر رضى الله عنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله كيف يسمعون وقد جيفوا فقال ( والذى نفسى بيده ما أنتم بأسمع ~~لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ( ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في ~~قليب بدر # وقد أخرجاه في الصحيحين عن إبن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال ( هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ( وقال ( ~~انهم ليسمعون الآن ما أقول ( فذكر ذلك لعائشة فقالت وهم بن عمر انما قال ~~رسول الله ( انهم ليعلمون الآن أن الذى قلت لهم هو الحق ( ثم قرأت قوله ~~تعالى ( انك لا تسمع الموتى ) حتى قرأت الآية # وأهل العلم بالحديث والسنة اتفقوا على صحة ما رواه أنس وبن عمر وإن كانا ~~لم يشهدا بدرا فإن أنسا روى ذلك عن أبى طلحة وأبو طلحة شهد بدرا كما روى ~~أبو حاتم في صحيحه عن أنس عن أبى طلحة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوى من ~~أطواء بدر وكان إذا ظهر على قوم أحب أن يقيم في عرصتهم ثلاث ليال ~~PageV04P297 فلما كان اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها فحركها ثم مشى ~~وتبعه أصحابه وقالوا ما ms0992 نراه ينطلق الا لبعض حاجته حتى قام على شفاء الركى ~~فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم ~~الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ~~قال عمر بن الخطاب يا رسول الله ما تكلم من أجساد ولا أرواح فيها فقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( والذى نفسى بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ( # قال قتادة أحياهم الله حتى سمعهم توبيخا وتصغيرا ونقمه وحسرة وتنديما ~~وعائشة تأولت فيما ذكرته كما تأولت أمثال ذلك # والنص الصحيح عن النبى مقدم على تأويل من تأول من أصحابه وغيره وليس في ~~القرآن ما ينفى ذلك فإن قوله ( إنك لا تسمع الموتى ) إنما أراد به السماع ~~المعتاد الذى ينفع صاحبه فإن هذا مثل ضرب للكفار والكفار تسمع الصوت لكن لا ~~تسمع سماع قبول بفقه واتباع كما قال تعالى ( ومثل الذين كفروا كمثل الذى ~~ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء ) # فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع السماع ~~المعتاد أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار بل قد انتفى عنهم السماع ~~المعتاد الذى ينتفعون به وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم PageV04P298 وقد ثبت ~~في الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خفق نعالهم اذا ولوا مدبرين فهذا موافق ~~لهذا فكيف يدفع ذلك ومن العلماء من قال ان الميت في قبره لايسمع ما دام ~~ميتا كما قالت عائشة واستدلت به من القرآن واما اذا أحياه الله فانه يسمع ~~كما قال قتادة أحياهم الله له وإن كانت تلك الحياة لا يسمعون بها كما نحن ~~لا نرى الملائكة والجن ولا نعلم ما يحس به الميت في منامه وكما لا يعلم ~~الانسان ما في قلب الآخر وان كان قد يعلم ذلك من أطلعه الله عليه # ( وهذه ) جملة يحصل بها مقصود السائل وان كان لها من الشرح والتفصيل ما ~~ليس هذا موضعه فان ما ذكرناه من الادلة البينة على ما سأل عنه ما لا ms0993 يكاد ~~مجموعا والله أعلم # وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم PageV04P299 قال شيخ الإسلام قدس ~~الله روحه # سأل سائل بماذا يخاطب الناس يوم البعث وهل يخاطبهم الله تعالى بلسان ~~العرب وهل صح أن لسان أهل النار الفارسية وأن لسان أهل الجنة العربية # فأجبته بعد ( الحمد لله رب العالمين ( لا يعلم بأى لغة يتكلم الناس يومئذ ~~ولا بأى لغة يسمعون خطاب الرب جل وعلا لأن الله تعالى لم يخبرنا بشيء من ~~ذلك ولا رسوله عليه الصلاة والسلام ولم يصح أن الفارسية لغة الجهنميين ولا ~~أن العربية لغة أهل النعيم الأبدى ولا نعلم نزاعا في ذلك بين الصحابة رضى ~~الله عنهم بل كلهم يكفون عن ذلك لان الكلام في مثل هذا من فضول القول ولا ~~قال الله تعالى لأصحاب الثرى ولكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين # فقال ناس يتخاطبون بالعربية وقال آخرون الا أهل النار فانهم يجيبون ~~بالفارسية وهى لغتهم في النار PageV04P300 # وقال آخرون يتخاطبون بالسريانية لأنها لغة آدم وعنها تفرعت اللغات وقال ~~آخرون إلا أهل الجنة فإنهم يتكلمون بالعربية وكل هذه الأقوال لا حجة ~~لأربابها لا من طريق عقل ولا نقل بل هي دعاوى عارية عن الأدلة والله سبحانه ~~وتعالى أعلم وأحكم PageV04P301 ### |||| سئل # عن ( الميزان ) # هل هو عبارة عن العدل أم له كفتان ### ||||| فأجاب # ( الميزان ( هو مايوزن به ~~الأعمال وهو غير العدل كما دل على ذلك الكتاب والسنة مثل قوله تعالى ( فمن ~~ثقلت موازينه ) ( ومن خفت موازينه ) وقوله ( ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة ) # وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في ~~الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقال عن ~~ساقى عبد الله بن مسعود ( لهما في الميزان أثقل من أحد ( وفى الترمذى وغيره ~~حديث البطاقة وصححه الترمذى والحاكم وغيرهما في الرجل الذى يؤتى به فينشر ~~له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فيوضع في كفة ويؤتى له ببطاقة ~~فيها شهادة أن لا اله الا الله قال النبى ( فطاشت السجلات ms0994 وثقلت البطاقة ( # وهذا وأمثاله مما يبين أن الاعمال توزن بموازين تبين بها رجحان الحسنات ~~على السيئات وبالعكس فهو ما به تبين العدل والمقصود بالوزن العدل كموازين ~~الدنيا # وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب ~~PageV04P302 قال الشيخ # و ( أطفال الكفار ) أصح الاقوال فيهم ( الله أعلم بما كانوا عاملين ( كما ~~أجاب بذلك النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح وطائفة من أهل الحديث ~~وغيرهم قالوا إنهم كلهم في النار وذكر أنه من نصوص أحمد وهو غلط على أحمد # وطائفة جزموا بأنهم كلهم في الجنة واختار ذلك أبو الفرج بن الجوزى وغيره ~~واحتجوا بحديث فيه رؤيا النبى لما رأى إبراهيم الخليل وعنده أطفال المؤمنين ~~قيل يا رسول الله وأطفال المشركين قال ( وأطفال المشركين ( # والصواب أن يقال ( الله أعلم بما كانوا عاملين ( ولا نحكم لمعين منهم ~~بجنة ولا نار وقد جاء في عدة أحاديث ( أنهم يوم القيامة في عرصات القيامة ~~يؤمرون وينهون فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار ( وهذا هو الذى ذكره ~~أبو الحسن الاشعرى عن ( أهل السنة والجماعة ) والتكليف انما ينقطع بدخول ~~دار الجزاء وهى الجنة والنار PageV04P303 # وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ فيقال لأحدهم من ~~ربك وما دينك ومن نبيك وقال تعالى ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون ) الآية # وقد ثبت في الصحاح من غير وجه حديث تجلى الله لعباده في الموقف اذا قيل ( ~~ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون فيتبع المشركون آلهتهم ويبقى المؤمنون فيتجلى ~~لهم الرب في غير الصورة التى يعرفون فينكرونه ثم يتجلى لهم في الصورة التى ~~يعرفونها فيسجد له المؤمنون وتبقى ظهور المنافقين كقرون البقر يريدون ~~السجود فلا يستطيعون ( وذكر قوله ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون ) الآية والكلام على هذه الامور مبسوط في غير هذا الموضع والله ~~أعلم PageV04P304 ### |||| سئل # عن ( الكفار ) # هل يحاسبون يوم القيامة أم لا ### ||||| فأجاب # هذه ( المسألة ( تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم فممن قال ms0995 ~~انهم لا يحاسبون أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمى والقاضى أبو يعلى ~~وغيرهم وممن قال إنهم يحاسبون أبو حفص البرمكى من أصحاب أحمد وأبو سليمان ~~الدمشقى وأبو طالب المكى # و ( فصل الخطاب ) أن الحساب يراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها ~~ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات # فان أريد بالحساب المعنى الاول فلا ريب انهم يحاسبون بهذا الاعتبار وان ~~اريد المعنى الثانى فان قصد بذلك ان الكفار تبقى لهم حسنات يستحقون بها ~~الجنة فهذا خطأ ظاهر وان اريد انهم يتفاوتون في العقاب فعقاب من كثرت سيآته ~~أعظم من PageV04P305 عقاب من قلت سيآته ومن كان له حسنات خفف عنه العذاب ~~كما أن أبا طالب أخف عذابا من أبى لهب # وقال تعالى ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب ) ~~وقال تعالى ( انما النسيء زيادة في الكفر ) والنار دركات فاذا كان بعض ~~الكفار عذابه اشد عذابا من بعض لكثرة سيئاته وقلة حسناته كان الحساب لبيان ~~مراتب العذاب لا لأجل دخولهم الجنة PageV04P306 ### |||| سئل شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه # عن العبد المؤمن هل يكفر بالمعصية أم لا ### ||||| فأجاب # لايكفر بمجرد الذنب فإنه ثبت بالكتاب والسنة وأجماع السلف أن الزاني ~~غيرالمحصن يجلد ولا يقتل والشارب يجلد والقاذف يجلد والسارق يقطع # ولو كانوا كفارا لكانوا مرتدين ووجب قتلهم وهذا خلاف الكتاب والسنة ~~وإجماع السلف PageV04P307 ### |||| سئل # عن رجل مسلم يعمل عملا يستوجب ان يبنى له قصر في الجنة ويغرس له غراس ~~باسمه ثم يعمل ذنوبا يستوجب بها النار فاذا دخل النار كيف يكون ا سمة أنه ~~في الجنة وهو في النار ### ||||| فأجاب # إن تاب عن ذنوبه توبة نصوحا فإن الله يغفر له ولا يحرمه ما كان وعده بل ~~يعطيه ذلك وان لم يتب وزنت حسناتة وسيئاتة فإن رجحت حسناته على سيئاته كان ~~من أهل الثواب وان رجحت سيئاته على حسناته كان من أهل العذاب # وما أعد له من الثواب يحبط حينئذ بالسيئات التى زادت على حسناته كما أنه ~~إذاعمل ms0996 سيئات استحق بها النار ثم عمل بعدها حسنات تذهب السيئات واللة اعلم ~~PageV04P308 ### |||| وسئل # عن الشفاعة في أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يدخلون ~~الجنة أم لا ### ||||| فأجاب # إن أحاديث الشفاعة في ( أهل الكبائر ( ثابتة متواترة عن ~~النبى وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين ~~وانما نازع في ذلك اهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم # ولا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال ذرة من ايمان بل كلهم يخرجون من ~~النار ويدخلون الجنة ويبقى في الجنة فضل فينشىء الله لها خلقا آخر يدخلهم ~~الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبى PageV04P309 ### |||| وسئل # عن ( أطفال المؤمنين ( # هل يدومون على حالتهم التى ماتوا عليها أم يكبرون ويتزوجون وكذلك البنات هل ~~يتزوجن ### ||||| الجواب # الحمد لله # اذا دخلوا الجنة دخلوها كما يدخلها الكبار على صورة ابيهم آدم طوله ستون ~~ذراعا في عرض سبعة اذرع ويتزوجون كما يتزوج الكبار # ومن مات من النساء ولم يتزوجن فإنها تزوج في الآخرة وكذلك من مات من ~~الرجال فإنه يتزوج في الآخرة والله تعالى أعلم PageV04P310 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # هل يتناسل أهل الجنة ( والولدان ( هل هم ولدان أهل الجنة وما حكم ~~الأولاد وأرواح أهل الجنة والنار اذا خرجت من الجسد هل تكون في الجنة تنعم ~~أم تكون في مكان مخصوص إلى حيث يبعث الله الجسد وما حكم ولد الزنى اذا مات ~~يكون من أهل الأعراف أو في الجنة وما الصحيح في أولاد المشركين هل هم من ~~أهل النار أو من أهل الجنة وهل تسمى الأيام في الآخرة كما تسمى في الدنيا ~~مثل السبت والأحد ### ||||| فأجاب # الولدان الذين يطوفون على أهل الجنة خلق من خلق الجنة ليسوا بأبناء أهل ~~الدنيا بل أبناء أهل الدنيا أذا دخلوا الجنة يكمل خلقهم كأهل الجنة على ~~صورة آدم أبناء ثلاث وثلاثين سنة في طول ستين ذراعا # وقد روى أيضا أن العرض سبعة أذرع # وأرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار تنعم أرواح المؤمنين ~~وتعذب أرواح الكافرين إلى أن ms0997 تعاد إلى الأبدان PageV04P311 و ( ولد الزنى ( ~~إن آمن وعمل صالحا دخل الجنة والا جوزى بعمله كما يجازى غيره والجزاء على ~~الأعمال لا على النسب وإنما يذم ولد الزنى لأنه مظنة أن يعمل عملا خبيثا ~~كما يقع كثيرا كما تحمد الأنساب الفاضلة لأنها مظنة عمل الخير فأما اذا ظهر ~~العمل فالجزاء عليه وأكرم الخلق عند الله أتقاهم # واما ( اولاد المشركين ( فأصح الاجوبة فيهم جواب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما في الصحيحين ( ما من مولود الا يولد على الفطرة ( الحديث قيل يا ~~رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير قال ( الله أعلم بما ~~كانوا عاملين ( فلا يحكم على معين منهم لا بجنة ولا بنار ويروى ( أنهم يوم ~~القيامة يمتحنون في عرصات القيامة فمن أطاع الله حينئذ دخل الجنة ومن عصى ~~دخل النار ( ودلت الأحاديث الصحيحة ان بعضهم في الجنة وبعضهم في النار ~~والجنة ليس فيها شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار لكن تعرف البكرة والعشية ~~بنور يظهر من قبل العرش والله أعلم PageV04P312 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قيل له إنه ورد عن النبى ( أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ويتمتعون ~~ولا يبولون ولا يتغوطون ( فقال من اكل وشرب بال وتغوط ثم قيل له ان في ~~الجنة طيورا اذا اشتهى صار قدامه على أى صورة أراد من الأطعمة وغيرها فقال ~~هذا فشار هل بجحده هذا يكفر ويجب قتله أم لا ### ||||| فأجاب # الأكل والشرب في الجنة ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واجماع المسلمين وهو ~~معلوم بالاضطرار من دين الاسلام وكذلك الطيور والقصور في الجنة بلا ريب كما ~~وصف ذلك في الاحاديث الصحيحة الثابتة عن النبى وكذلك ان اهل الجنة لا ~~يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون لم يخالف من المؤمنين بالله ورسوله أحد ~~وإنما المخالف في ذلك أحد رجلين اما كافر واما منافق # أما الكافر فإن اليهود والنصارى ينكرون الأكل والشرب والنكاح في ~~PageV04P313 الجنة يزعمون أن أهل الجنة إنما يتمتعون بالأصوات المطربة ~~والأرواح الطيبة مع نعيم الأرواح وهم يقرون مع ms0998 ذلك بحشر الأجساد مع الأرواح ~~ونعيمها وعذابها # وأما طوائف من الكفار وغيرهم من الصابئة والفلاسفة ومن وافقهم فيقرون ~~بحشر الأرواح فقط وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط # وطوائف من الكفار والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية فلا يقرون لا ~~بمعاد الأرواح ولا الأجساد وقد بين الله تعالى في كتابه على لسان رسوله أمر ~~معاد الأرواح والاجساد ورد على الكافرين والمنكرين لشيء من ذلك بيانا في ~~غاية التمام والكمال # وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة ~~المشهورة فإنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون هذه امثال ضربت لنفهم ~~المعاد الروحانى وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية الذين قولهم مؤلف من قول ~~المجوس والصابئة ومثل المتفلسفة الصابئة المنتسبين إلى الاسلام وطائفة ممن ~~ضاهوهم من كاتب أو متطبب أو متكلم أو متصوف كأصحاب ( رسائل اخوان الصفا ( ~~وغيرهم أو منافق وهؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان فإن محمدا ~~قد بين ذلك بيانا شافيا قاطعا للعذر PageV04P314 وتواتر ذلك عند امته خاصها ~~وعامها وقد ناظره بعض اليهود في جنس هذه المسألة وقال يا محمد انت تقول ان ~~اهل الجنة يأكلون ويشربون ومن يأكل ويشرب لابد له من خلاء فقال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( رشح كرشح المسك ( # ويجب على ولى الامر قتل من أنكر ذلك ولو أظهر التصديق بألفاظه فكيف بمن ~~ينكر الجميع والله أعلم PageV04P315 ### |||| سئل رحمه الله # هل أهل الجنة يأكلون ويشربون وينكحون بتلذذ كالدنيا وهل تبعث هذه الاجسام ~~بعينها وهل عيسى حى أم ميت وهل اذا نزل يحكم بشريعة محمد أم بشريعته الأولى ~~أم تحدث له شريعة ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # أما أهل الجنة فيأكلون ويشربون وينكحون متنعمين بذلك بإجماع المسلمين كما ~~نطق به الكتاب والسنة وانما ينكر ذلك من ينكره من اليهود والنصارى # وهذه الاجساد هي التى تبعث كما نطق به الكتاب والسنة وعيسى حى في السماء ~~لم يمت بعد واذا نزل من السماء لم يحكم الا بالكتاب والسنة لا بشيء يخالف ~~ذلك والله اعلم PageV04P316 قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ### ||| فصل ms0999 # وأفضل الأنبياء بعد محمد إبراهيم الخليل كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن ~~النبي أنه خير البرية # وكذلك قال العلماء منهم الربيع بن خيثم قال لا أفضل على نبينا أحدا ولا ~~أفضل على إبراهيم بعد نبينا أحدا PageV04P317 ### |||| سئل رحمه الله تعالى # فيمن يقول أن غير الانبياء يبلغ درجتهم بحيث يأمنون مكر الله هل يأثم ~~بهذا الإعتقاد ### ||||| فأجاب # من اعتقد أن في أولياء الله من لا يجب عليه اتباع ~~المرسلين وطاعتهم فهو كافر يستتاب فإن تاب والا قتل مثل من يعتقد أن في أمة ~~محمد من يستغنى عن متابعتة كما استغنى الخضر عن متابعة موسى فان موسى لم ~~تكن دعوته عامة بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مبعوث إلى كل أحد فيجب ~~على كل أحد متابعة امره واذا كان من اعتقد سقوط طاعته عنه كافرا فكيف من ~~اعتقد أنه أفضل منه أو أنه يصير مثله # وأما من اعتقد أن من الأولياء من يعلم انه من أهل الجنة كما بشر غير واحد ~~من الصحابة بالجنة وكما قد يعرف الله بعض الاولياء أنه من أهل الجنة فهذا ~~لا يكفر # ومع هذا فلا بد له من خشية الله تعالى والله أعلم PageV04P318 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عن رجل قال إن الانبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر دون ~~الصغائر فكفره رجل بهذه فهل قائل ذلك مخطئ أو مصيب وهل قال أحد منهم بعصمه ~~الانبياء مطلقا وما الصواب في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ليس هو ~~كافرا باتفاق أهل الدين ولا هذا من مسائل السب المتنازع في استتابة قائله ~~بلا نزاع كما صرح بذلك القاضي عياض وأمثاله مع مبالغتهم في القول بالعصمة ~~وفى عقوبة الساب ومع هذا فهم متفقون على ان القول بمثل ذلك ليس هو من مسائل ~~السب والعقوبة فضلا ان يكون قائل ذلك كافرا أو فاسقا فإن القول بأن ~~الانبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الاسلام وجميع ~~الطوائف حتى إنه قول اكثر أهل الكلام كما ذكر ( أبو ms1000 الحسن الآمدى ( أن هذا ~~قول اكثر الاشعرية وهو ايضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء بل هو ~~لم ينقل عن السلف والائمة والصحابة والتابعين وتابعيهم الا ما يوافق هذا ~~القول ولم ينقل عنهم ما يوافق القول PageV04P319 # وانما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة ثم ~~وافقهم عليه طائفة من المتأخرين # وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء انهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ~~ولا يقرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع بحال وأول من نقل عنهم من طوائف ~~الأمة القول بالعصمة مطلقا وأعظمهم قولا لذلك الرافضة فإنهم يقولون بالعصمة ~~حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل # وينقلون ذلك إلى من يعتقدون امامته وقالوا بعصمة على والإثنى عشر ثم ( ~~الاسماعيلية ( الذين كانوا ملوك القاهرة وكانوا يزعمون انهم خلفاء علويون ~~فاطميون وهم عند اهل العلم من ذرية عبيد الله القداح كانوا هم واتباعهم ~~يقولون بمثل هذه العصمة لائمتهم ونحوهم مع كونهم كما قال فيهم أبو حامد ~~الغزالى في كتابه الذى صنفه في الرد عليهم قال ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه ~~الكفر المحض # وقد صنف القاضي أبو يعلى وصف مذاهبهم في كتبه وكذلك غير هؤلاء من علماء ~~المسلمين فهؤلاء وأمثالهم من الغلاة القائلين بالعصمة وقد يكفرون من ينكر ~~القول بها وهؤلاء الغالية هم كفار باتفاق المسلمين فمن كفر القائلين بتجويز ~~الصغائر عليهم كان مضاهيا لهؤلاء الإسماعيلية والنصيرية والرافضة والإثنى ~~عشرية ليس هو قول أحد من أصحاب أبي حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا ~~المتكلمين المنتسبين إلى السنة المشهورين كأصحاب PageV04P320 أبي محمد عبد ~~الله بن سعيد بن كلاب وأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وأبي عبد الله ~~محمد بن كرام وغير هؤلاء ولا أئمة التفسير ولا الحديث ولا التصوف ليس ~~التكفير بهذه المسألة قول هؤلاء فالمكفر بمثل ذلك يستتاب فإن تاب وإلا عوقب ~~على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا إلا أن يظهر منه ما يقتضى كفره ~~وزندقته فيكون حكمه حكم أمثاله # وكذلك المفسق بمثل هذا القول يجب ms1001 أن يعزر بعد إقامة الحجة عليه فإن هذا ~~تفسيق لجمهور أئمة الإسلام # وأما التصويب والتخطئة في ذلك فهو من كلام العلماء الحافظين من علماء ~~المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة وتفصيل القول في ذلك يحتاج إلى بسط ~~طويل لا تحتمله هذا الفتوى والله أعلم PageV04P321 ### |||| سئل رحمه الله تعالى # عن رجلين تنازعا في أمر نبى الله ( عيسى بن مريم ( عليه السلام فقال ~~أحدهما ان عيسى بن مريم توفاه الله ثم رفعه إليه وقال الآخر بل رفعه إليه ~~حيا فما الصواب في ذلك وهل رفعه بجسده أو روحه أم لا وما الدليل على هذا ~~وهذا وما تفسير قوله تعالى ( انى متوفيك ورافعك إلى ) ### ||||| فأجاب # الحمد لله عيسى عليه السلام حى وقد ثبت في الصحيح عن النبى انه قال ( ~~ينزل فيكم بن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع ~~الجزية وثبت في الصحيح عنه ( انه ينزل على المنارة البيضاء شرقى دمشق وانه ~~يقتل الدجال ( ومن فارقت روحه جسده لم ينزل جسده من السماء واذا أحيى فانه ~~يقوم من قبره # وأما قوله تعالى @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا @QE@ ~~فهذا دليل على انه لم يعن بذلك الموت اذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ~~ذلك كسائر المؤمنين فان الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء فعلم أن ~~ليس في ذلك خاصية وكذلك قوله ( ومطهرك من الذين كفروا ) ولو PageV04P322 ~~كان قد فارقت روحه جسده لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من ~~الأنبياء # وقد قال تعالى في الآية الاخرى ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وان ~~الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه ~~يقينا بل رفعه الله إليه ) فقوله هنا ( بل رفعه الله إليه ) يبين انه رفع ~~بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح انه ينزل بدنه وروحه إذ لو أريد موته لقال ~~وما قتلوه وما صلبوه بل مات فقوله ( بل رفعه الله إليه ) يبين انه رفع بدنه ~~وروحه ms1002 كما ثبت في الصحيح انه ينزل بدنه وروحه # ولهذا قال من قال من العلماء إنى متوفيك أى قابضك أى قابض روحك وبدنك ~~يقال توفيت الحساب واستوفيته ولفظ التوفى لا يقتضى نفسه توفى الروح دون ~~البدن ولا توفيهما جميعا الا بقرينة منفصلة # وقد يراد به توفى النوم كقوله تعالى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) ~~وقوله ( وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) وقوله ( حتى اذا ~~جاء احدكم الموت توفته رسلنا ) وقد ذكروا في صفة توفى المسيح ما هو مذكور ~~في موضعه والله تعالى أعلم PageV04P323 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله تعالى # هل صح عن ~~النبى أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ~~ذلك ### ||||| فأجاب # لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث بل أهل المعرفة متفقون على ان ذلك كذب ~~مختلق وان كان قد روى في ذلك أبو بكر يعنى الخطيب في كتابه ( السابق ~~واللاحق ( وذكره أبو القاسم السهيلى في ( شرح السيرة ( بإسناد فيه مجاهيل ~~وذكره أبو عبد الله القرطبى في ( التذكرة ( وأمثال هذه المواضع فلا نزاع ~~بين أهل المعرفة انه من أظهر الموضوعات كذبا كما نص عليه أهل العلم وليس ~~ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث لا في الصحيح ولا في السنن ولا في ~~المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة ولا ذكره اهل كتب المغازى ~~والتفسير وان كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح لان ظهور كذب ذلك لا يخفى ~~على متدين فان مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعى على نقله ~~فإنه من أعظم الأمور خرقا للعادة من وجهين PageV04P324 # من جهة إحياء الموتى ومن جهة الايمان بعد الموت فكان نقل مثل هذا أولى من ~~نقل غيره فلما لم يروه أحد من الثقات علم أنه كذب # والخطيب البغدادى هو في كتاب ( السابق واللاحق ( مقصوده ان يذكر من تقدم ~~ومن تأخر من المحدثين عن شخص واحد سواء كان الذى يروونه صدقا أو كذبا وبن ~~شاهين يروى الغث والسمين والسهيلى انما ذكر ذلك بإسناد ms1003 فيه مجاهيل # ثم هذا خلاف الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع قال الله تعالى @QB@ إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار @QE@ # فبين الله تعالى أنه لا توبة لمن مات كافرا وقال تعالى @QB@ فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك ~~الكافرون @QE@ فأخبر أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس ~~فكيف بعد الموت ونحو ذلك من النصوص # وفي صحيح مسلم أن رجلا قال للنبي أين أبي قال إن أباك في النار فلما أدبر ~~دعاه فقال إن أبي وأباك في النار # وفي صحيح مسلم أيضا أنه قال استأذنت ربي أن أزور قبر أمي PageV04P325 ~~فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر ~~الآخرة وفي الحديث الذى في المسند وغيره قال ان امى مع أمك في النار فإن ~~قيل هذا في عام الفتح والإحياء كان بعد ذلك في حجة الوداع ولهذا ذكر ذلك من ~~ذكره وبهذا اعتذر صاحب التذكرة وهذا باطل لوجوه ( الأول ) أن الخبر عما كان ~~ويكون لا يدخله نسخ كقوله في أبى لهب ( سيصلى نارا ذات لهب ) وكقوله في ~~الوليد ( سأرهقه صعودا ) وكذلك في ( إن أبى وأباك في النار ( و ( إن أمى ~~وأمك في النار ( وهذا ليس خبرا عن نار يخرج منها صاحبها كأهل الكبائر لأنه ~~لو كان كذلك لجاز الإستغفار لهما ولو كان قد سبق في علم الله إيمانهما لم ~~ينهه عن ذلك فإن الأعمال بالخواتيم ومن مات مؤمنا فإن الله يغفر له فلا ~~يكون الإستغفار له ممتنعا # ( الثانى ) أن النبى زار قبر أمه لأنها كانت بطريقه ( بالحجون ( عند مكة ~~عام الفتح وأما أبوه فلم يكن هناك ولم يزره اذ كان مدفونا بالشام في غير ~~طريقه فكيف يقال أحيي له # ( الثالث ( انهما لو ms1004 كانا مؤمنين ايمانا ينفع كانا احق بالشهرة والذكر من ~~عميه حمزة والعباس وهذا ابعد مما يقوله الجهال من الرافضة ونحوهم ~~PageV04P326 من ان أبا طالب آمن ويحتجون بما في ( السيرة ( من الحديث ~~الضعيف وفيه انه تكلم بكلام خفى وقت الموت # ولو ان العباس ذكر انه آمن لما كان قال للنبى عمك الشيخ الضال كان ينفعك ~~فهل نفعته بشيء فقال ( وجدته في غمرة من نار فشفعت فيه حتى صار في ضحضاح من ~~نار في رجليه نعلان من نار يغلى منهما دماغه ولولا انا لكان في الدرك ~~الاسفل من النار ( هذا باطل مخالف لما في الصحيح وغيره فانه كان آخر شيء ~~قاله هو على ملة عبد المطلب وأن العباس لم يشهد موته مع أن ذلك لو صح لكان ~~أبو طالب أحق بالشهرة من حمزة والعباس فلما كان من العلم المتواتر المستفيض ~~بين الأمة خلفا عن سلف انه لم يذكر أبو طالب ولا ابواه في جملة من يذكر من ~~اهله المؤمنين كحمزة والعباس وعلى وفاطمة والحسن والحسين رضى الله عنهم كان ~~هذا من أبين الادلة على ان ذلك كذب # ( الرابع ) ان الله تعالى قال ( قد كانت لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه اذ قالوا لقومهم انا برآء منكم إلى قوله لاستغفرن لك وما املك لك من ~~الله من شيء ) الآية وقال تعالى ( وما كان استغفار إبراهيم لابيه الا عن ~~موعدة وعدها اياه فلما تبين له انه عدو لله تبرأ منه ) # فأمر بالتأسى بإبراهيم والذين معه الا في وعد إبراهيم لابيه بالأستغفار ~~واخبر انه لما تبين له انه عدو لله تبرأ منه والله أعلم PageV04P327 ### |||| سئل رحمه الله # عن هذه الأحاديث أن النبى رأى ( موسى ( عليه السلام وهو يصلى في ~~قبره ورآه وهو يطوف بالبيت ورآه في السماء وكذلك بعض الانبياء وهل اذا مات ~~أحد يبقى له عمل والحديث انه ينقطع عمله وهل ينتفع بهذه الصلاة والطواف وهل ~~رأى الانبياء بأجسادهم في هذه الاماكن أم بأرواحهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما رؤيا موسى عليه ms1005 السلام في الطواف فهذا كان ~~رؤيا منام لم يكن ليلة المعراج كذلك جاء مفسرا كما رآى المسيح ايضا ورآى ~~الدجال وأما رؤيته ورؤية غيره من الانبياء ليلة المعراج في السماء لما رأى ~~آدم في السماء الدنيا ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في الثالثة ~~وادريس في الرابعة وهارون في الخامسة وموسى في السادسة وابراهيم في السابعة ~~أو بالعكس فهذا رآى أرواحهم مصورة في صور ابدانهم # وقد قال بعض الناس لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور وهذا ليس ~~بشيء PageV04P328 لكن ( عيسى ( صعد إلى السماء بروحه وجسده وكذلك قد قيل في ~~( ادريس ( # واما ( إبراهيم ( وموسى ( وغيرهما فهم مدفونون في الأرض # والمسيح وعلى سائر النبيين لابد ان ينزل إلى الأرض على المنارة البيضاء ~~شرقى دمشق فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير كما ثبت ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة ولهذا كان في السماء الثانية مع انه افضل من يوسف وادريس ~~وهارون لانه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره # وآدم كان في سماء الدنيا لان نسم بنيه تعرض عليه أرواح السعداء والأشقياء ~~لا تفتح لهم ابواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلا ~~بد إذا عرضوا عليه ان يكون قريبا منهم # وأما كونه رأى موسى قائما يصلي في قبره ورآه في السماء أيضا فهذا لا ~~منافاة بينهما فإن أمر الارواح من جنس أمر الملائكة في اللحظة الواحدة تصعد ~~وتهبط كالملك ليست في ذلك كالبدن # وقد بسطت الكلام على أحكام الأرواح بعد مفارقة الأبدان في غير هذا الموضع ~~وذكرت بعض ما في ذلك من الاحاديث والآثار والدلائل وهذه الصلاة ونحوها مما ~~يتمتع بها الميت ويتنعم بها كما يتنعم أهل الجنة PageV04P329 بالتسبيح ~~فانهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس في الدنيا النفس فهذا ليس من عمل ~~التكليف الذى يطلب له ثواب منفصل بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذى تتنعم ~~به الانفس وتتلذذ به # وقول النبى ( اذا مات بن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية وعلم ~~ينتفع ms1006 به وولد صالح يدعو له ( يريد به العمل الذى يكون له ثواب لم يرد به ~~نفس العمل الذى يتنعم به فإن اهل الجنة يتنعمون بالنظر إلى الله ويتنعمون ~~بذكره وتسبيحه ويتنعمون بقراءة القرآن ويقال لقارىء القرآن اقرأ وارق ورتل ~~كما كنت ترتل في الدنيا فان منزلك عند آخر آية تقرؤها # ويتنعمون بمخاطبتهم لربهم ومناجاته وان كانت هذه الامور في الدنيا اعمالا ~~يترتب عليها الثواب فهي في الاخرة اعمال يتنعم بها صاحبها اعظم من اكله ~~وشربه ونكاحه وهذه كلها اعمال ايضا والاكل والشرب والنكاح في الدنيا مما ~~يؤمر به ويثاب عليه مع النية الصالحة وهو في الاخرة نفس الثواب الذى يتنعم ~~به والله أعلم # وهذا قدر ما احتملته هذه الورقة فان هذه المسائل لها بسط طويل ~~PageV04P330 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عن ( الذبيح ( من ولد خليل الله إبراهيم عليه السلام هل هو إسماعيل أو ~~إسحاق ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه المسألة فيها مذهبان مشهوران للعلماء وكل ~~منهما مذكور عن طائفة من السلف وذكر أبو يعلى في ذلك روايتين عن أحمد ونصر ~~انه إسحاق اتباعا لابى بكر عبد العزيز وابو بكر اتبع محمد بن جرير ولهذا ~~يذكر أبو الفرج بن الجوزى ان اصحاب أحمد ينصرون انه إسحاق وانما ينصره هذان ~~ومن اتبعهما ويحكى ذلك عن مالك نفسه لكن خالفه طائفة من اصحابه # وذكر الشريف أبو على بن ابى يوسف ان الصحيح في مذهب أحمد انه إسماعيل ~~وهذا هو الذى رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه قال مذهب ابى انه إسماعيل وفى ~~الجملة فالنزاع فيها مشهور لكن الذى يجب القطع به انه إسماعيل وهذا الذى ~~عليه الكتاب والسنة والدلائل المشهورة وهو الذى تدل عليه التوراة التى ~~بأيدى اهل الكتاب PageV04P331 وأيضا فإن فيها انه قال لإبراهيم إذبح إبنك ~~وحيدك وفى ترجمة أخرى بكرك واسماعيل هو الذى كان وحيده وبكره باتفاق ~~المسلمين وأهل الكتاب لكن أهل الكتاب حرفوا فزادوا إسحاق فتلقى ذلك عنهم من ~~تلقاه وشاع عند بعض المسلمين انه إسحاق وأصله من تحريف ms1007 أهل الكتاب # ومما يدل على انه إسماعيل قصة الذبيح المذكورة في سورة الصافات قال تعالى ~~( وبشرناه بغلام حليم ) وقد انطوت البشارة على ثلاث على ان الولد غلام ذكر ~~وانه يبلغ الحلم وانه يكون حليما وأى حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه ابوه ~~الذبح فقال ( ستجدنى ان شاء الله من الصابرين ) وقيل لم ينعت الله الانبياء ~~بأقل من الحلم وذلك لعزة وجوده ولقد نعت إبراهيم به في قوله تعالى ( ان ~~إبراهيم لأواه حليم ) ( إن إبراهيم لحليم اواه منيب ) لان الحادثة شهدت ~~بحلمهما ( فلما بلغ معه السعى قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك ~~فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدنى ان شاء الله من الصابرين ~~إلى قوله وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الاخرين سلام على إبراهيم انا ~~كذلك نجزى المحسنين انه من عبادنا المؤمنين وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين ~~وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ) # فهذه القصة تدل على انه إسماعيل من وجوه # ( احدها ) انه بشره بالذبيح وذكر قصته أولا فلما استوفى ذلك قال ~~PageV04P332 @QB@ وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ~~@QE@ فبين انهما بشارتان بشارة بالذبيح وبشارة ثانية باسحق وهذا بين ( ~~الثانى ) انه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن الا في هذا الموضع وفى سائر ~~المواضع يذكر البشارة بإسحاق خاصة كما في سورة هود من قوله تعالى ( وامرأته ~~قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء إسحاق يعقوب ) فلو كان الذبيح إسحاق ~~لكان خلفا للوعد في يعقوب وقال تعالى ( فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف ~~وبشرناه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ) ~~وقال تعالى في سورة الحجر ( قالوا لا توجل انا نبشرك بغلام عليم قال ~~ابشرتمونى على ان مسنى الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من ~~القانطين ) ولم يذكر انه الذبيح ثم لما ذكر البشارتين جميعا البشارة ~~بالذبيح والبشارة باسحق بعده كان هذا من الادلة على ان إسحاق ليس هو الذبيح # ويؤيد ذلك ms1008 انه ذكر هبته وهبة يعقوب لابراهيم في قوله تعالى ( ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين ) وقوله ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~وآتيناه اجره في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين ) ولم يذكر الله ~~الذبيح # ( الوجه الثالث ) انه ذكر في الذبيح انه غلام حليم ولما ذكر البشارة ~~بإسحق ذكر البشارة بغلام عليم في غير هذا الموضع والتخصيص لا بد له من حكمه ~~PageV04P333 وهذا مما يقوى اقتران الوصفين الحلم هو مناسب للصبر الذى هو ~~خلق الذبيح # واسماعيل وصف بالصبر في قوله تعالى ( واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل كل ~~من الصابرين ) وهذا ايضا وجه ثالث فإنه قال في الذبيح ( يا ابت افعل ما ~~تؤمر ستجدنى ان شاء الله من الصابرين ) وقد وصف الله إسماعيل انه من ~~الصابرين ووصف الله تعالى إسماعيل ايضا بصدق الوعد في قوله تعالى ( انه كان ~~صادق الوعد ) لانه وعد اباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به # ( ### || الوجه الرابع # ( ان البشارة باسحق كانت معجزة لان العجوز عقيم ولهذا قال الخليل عليه ~~السلام @QB@ أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون @QE@ وقالت امرأته ~~@QB@ أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا @QE@ وقد سبق ان البشارة باسحق في حال ~~الكبر وكانت البشارة مشتركة بين إبراهيم وامرأته # واما البشارة بالذبيح فكانت لابراهيم عليه السلام وامتحن بذبحه دون الام ~~المبشرة به وهذا مما يوافق ما نقل عن النبى وأصحابه في الصحيح وغيره من أن ~~إسماعيل لما ولدته هاجر غارت سارة فذهب ابراهيم PageV04P334 باسماعيل وامه ~~إلى مكة وهناك امر بالذبح وهذا مما يؤيد ان هذا الذبيح دون ذلك # ومما يدل على ان الذبيح ليس هو إسحاق ان الله تعالى قال ( فبشرناها باسحق ~~ومن وراء إسحاق يعقوب ) فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه والبشارة بيعقوب تقتضى ان ~~إسحاق يعيش ويولد له يعقوب ولا خلاف بين الناس ان قصة الذبيح كانت قبل ~~ولادة يعقوب بل يعقوب انما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام وقصة الذبيح ~~كانت في حياة إبراهيم بلا ريب ومما يدل على ذلك ان قصة الذبيح كانت ms1009 بمكة ~~والنبى صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة كان قرنا الكبش في الكعبة فقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم للسادن ( انى آمرك ان تخمر قرنى الكبش فانه لا ~~ينبغى ان يكون في القبلة ما يلهى المصلى ( ولهذا جعلت منى محلا للنسك من ~~عهد إبراهيم واسماعيل عليهما السلام وهما اللذان بنيا البيت بنص القرآن ولم ~~ينقل أحد ان إسحاق ذهب إلى مكة لا من اهل الكتاب ولا غيرهم لكن بعض ~~المؤمنين من اهل الكتاب يزعمون ان قصة الذبح كانت بالشام فهذا افتراء فان ~~هذا لو كان ببعض جبال الشام لعرف ذلك PageV04P335 الجبل وربما جعل منسكا ~~كما جعل المسجد الذى بناه إبراهيم وما حوله من المشاعر # وفى المسألة دلائل أخرى على ما ذكرناه وأسئلة اوردها طائفة كابن جرير ~~والقاضى ابى يعلى والسهيلى ولكن لا يتسع هذا الموضع لذكرها والجواب عنها ~~والله عز وجل اعلم # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~PageV04P336 ### |||| وسئل رحمه الله # عن ( الخضر ( و ( الياس ( هل هما معمران بينوا لنا رحمكم الله تعالى ### ||||| فأجاب # انهما ليسا في الأحياء ولا معمران وقد سأل إبراهيم الحربى أحمد بن ~~حنبل عن تعمير الخضر والياس وانهما باقيان يريان ويروى عنهما فقال الامام ~~أحمد من احال على غائب لم ينصف منه وما القى هذا الا شيطان # وسئل ( البخارى ~~( عن الخضر والياس هل هما في الاحياء فقال كيف يكون هذا وقد قال النبى ( لا ~~يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد ( # وقال أبو الفرج بن الجوزى قوله تعالى ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) ~~وليس هما في الاحياء والله اعلم PageV04P337 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # هل كان الخضر عليه السلام نبيا أو وليا وهل هو حى إلى الآن وان كان حيا ~~فما تقولون فيما روى عن النبى أنه قال ( لو كان حيا لزارنى ( هل هذا الحديث ~~صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # أما نبوته فمن بعد مبعث رسول الله لم يوح إليه ولا إلى ~~غيره من الناس وأما ms1010 قبل مبعث النبى فقد اختلف في نبوته ومن قال انه نبى لم ~~يقل إنه سلب النبوة بل يقول هو كإلياس نبىء لكنه لم يوح إليه في هذه ~~الأوقات وترك الوحى إليه في مدة معينة ليس نفيا لحقيقة النبوة كما لو فتر ~~الوحى عن النبى في أثناء مدة رسالته # وأكثر العلماء على انه لم يكن نبيا مع أن نبوة من قبلنا يقرب كثير منها ~~من الكرامة والكمال في الأمة وان كان كل واحد من النبيين افضل من كل ~~PageV04P338 واحد من الصديقين كما رتبه القرآن وكما روى عن النبى أنه قال ( ~~ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين افضل من ابى بكر ~~الصديق ( وروى عنه انه قال ( إن كان الرجل ليسمع الصوت فيكون نبيا ( # وفى هذه الامة من يسمعه ويرى الضوء وليس بنبى لأن ما يراه ويسمعه يجب ان ~~يعرضه على ما جاء به محمد فان وافقه فهو حق وان خالفه تيقن ان الذى جاء من ~~عند الله يقين لا يخالطه ريب ولا يحوجه أن يشهد عليه بموافقة غيره # وأما حياته فهو حى والحديث المذكور لا اصل له ولا يعرف له اسناد بل ~~المروي في مسند الشافعى وغيره أنه إجتمع بالنبى صلى الله عليه وسلم ومن قال ~~انه لم يجتمع بالنبى فقد قال ما لا علم له به فإنه من العلم الذى لا يحاط ~~به ومن إحتج على وفاته بقول النبى ( أرأيتكم ليلتكم هذه فانه على رأس مائة ~~سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد فلا حجة فيه فانه يمكن ~~أن يكون الخضر اذ ذاك على وجه الأرض # ولأن الدجال وكذلك الجساسة الصحيح أنه كان حيا موجودا PageV04P339 على ~~عهد النبى وهو باق إلى اليوم لم يخرج وكان في جزيرة من جزائر البحر # فما كان من الجواب عنه كان هو الجواب عن الخضر وهو ان يكون لفظ الأرض لم ~~يدخل في هذا الخبر أو يكون اراد الآدميين المعروفين وأما من خرج عن العادة ~~فلم يدخل في ms1011 العموم كما لم تدخل الجن وان كان لفظا ينتظم الجن والانس ~~وتخصيص مثل هذا من مثل هذا العموم كثير معتاد والله أعلم PageV04P340 ### |||| وسئل # عن النبى هل يعلم وقت الساعة ### ||||| فأجاب # أما الحديث المسؤول عنه كونه ( صلى ~~الله عليه وسلم يعلم وقت الساعة ( فلا اصل له ليس عن النبى في تحديد وقت ~~الساعة نص اصلا بل قد قال تعالى ( يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل انما ~~علمها عند ربى لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السماوات والأرض ) أي خفى ~~على أهل السماوات والأرض وقال تعالى لموسى ( ان الساعة آتية أكاد اخفيها ) ~~قال بن عباس وغيره أكاد اخفيها من نفسى فكيف اطلع عليها # وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة وهو في مسلم من حديث عمر أن النبى قيل له ~~متى الساعة قال ( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ( فأخبر انه ليس بأعلم ~~بها من السائل وكان السائل في صورة أعرابى ولم يعلم انه جبريل الا بعد ان ~~ذهب وحين أجابه لم يكن يظنه إلا اعرابيا فاذا كان النبى قد قال عن نفسه إنه ~~ليس بأعلم بالساعة من PageV04P341 إعرابى فكيف يجوز لغيره ان يدعى علم ~~ميقاتها وانما اخبر الكتاب والسنة بأشراطها وهى علاماتها وهى كثيرة تقدم ~~بعضها وبعضها لم يأت بعد # ومن تكلم في وقتها المعين مثل الذى صنف كتابا سماه ( الدر المنظم في ~~معرفة الأعظم ( وذكر فيه عشر دلالات بين فيها وقتها والذين تكلموا على ذلك ~~من ( حروف المعجم ( والذى تكلم في ( عنقاء مغرب ( وأمثال هؤلاء فانهم وإن ~~كان لهم صورة عظيمة عند إتباعهم فغالبهم كاذبون مفترون وقد تبين لديهم من ~~وجوه كثيرة ( أنهم ) يتكلمون بغير علم وان ادعوا في ذلك الكشف ومعرفة ~~الأسرار وقد قال تعالى ( قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والاثم والبغى بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون PageV04P342 ### |||| سئل شيخ الاسلام # عن ( صالحى بنى آدم والملائكة ) ايهما أفضل ### ||||| فأجاب # بأن صالحى البشر أفضل ms1012 باعتبار كمال النهاية والملائكة افضل باعتبار ~~البداية فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنوا آدم ~~مستغرقون في عبادة الرب ولا ريب أن هذه الاحوال الآن أكمل من أحوال البشر # وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحو البشر أكمل من حال الملائكة ~~قال بن القيم وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح ~~كل منهم على حقه PageV04P343 ### |||| وسئل # عن ( المطيعين ( من أمة محمد هل هم أفضل من الملائكة ### ||||| فأجاب # قد ثبت عن عبد ~~الله بن عمرو انه قال ان الملائكة قالت يارب جعلت بنى آدم يأكلون في الدنيا ~~ويشربون ويتمتعون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا قال ( لا افعل ) ثم ~~أعادوا عليه فقال ( لا افعل ) ثم اعادوا عليه مرتين أو ثلاثا فقال ( وعزتى ~~لا اجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ) ذكره عثمان بن سعيد ~~الدارمى ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب ( السنن ( عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم مرسلا # وعن عبد الله بن سلام انه قال ما خلق الله خلقا اكرم عليه من محمد فقيل ~~له ولا جبريل ولا ميكائيل فقال للسائل ( اتدرى ما جبريل وما ميكائيل انما ~~جبريل وميكائيل خلق مسخر كالشمس والقمر وما خلق الله خلقا أكرم عليه من ~~محمد ( وما علمت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك وهذا هو المشهور عند ~~المنتسبين إلى السنة من أصحاب الائمة الاربعة وغيرهم وهو أن الأنبياء ~~والأولياء أفضل من الملائكة # ولنا في هذه المسألة ( مصنف ( مفرد ذكرنا فيه الأدلة من الجانبين ~~PageV04P344 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عن ( آدم ( لما خلقه الله ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته هل سجد ~~ملائكة السماء والأرض أم ملائكة الأرض خاصة وهل كان جبرائيل وميكائيل مع من ~~سجد وهل كانت الجنة التى سكنها جنة الخلد الموجودة أم جنة في الأرض خلقها ~~الله له ولما أهبط هل اهبط من السماء إلى الأرض أم من أرض إلى أرض مثل بنى ~~إسرائيل ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل اسجد ms1013 له جميع الملائكة كما نطق بذلك القرآن في قوله تعالى ( ~~فسجد الملائكة كلهم اجمعون ) فهذه ثلاث صيغ مقررة للعموم وللاستغراق فإن ~~قوله ( الملائكة ) يقتضى جميع الملائكة فان اسم الجمع المعروف بالالف ~~واللام يقتضى العموم كقوله ( رب الملائكة والروح ( فهو رب جميع الملائكة # ( الثانى ) ( كلهم ) وهذا من ابلغ العموم # ( الثالث ) قوله ( أجمعون ) وهذا توكيد للعموم # فمن قال إنه لم يسجد له جميع الملائكة بل ملائكة الأرض فقد رد القرآن ~~PageV04P345 بالكذب والبهتان وهذا القول ونحوه ليس من اقوال المسلمين ~~واليهود والنصارى وإنما هو من أقوال الملاحدة المتفلسفة الذين يجعلون ~~الملائكة قوى النفس الصالحة والشياطين قوى النفس الخبيثة ويجعلون سجود ~~الملائكة طاعة القوى للعقل وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل ~~ونحو ذلك من المقالات التى يقولها أصحاب رسائل اخوان الصفا وأمثالهم من ~~القرامطة الباطنية ومن سلك سبيلهم من ضلال المتكلمة والمتعبدة وقد يوجد نحو ~~هذه الأقوال في أقوال المفسرين التى لا إسناد لها يعتمد عليه # ومذهب المسلمين واليهود والنصارى ما أخبر الله به في القرآن ولم يكن في ~~المأمورين بالسجود أحد من الشياطين لكن أبوهم إبليس هو كان مأمورا فامتنع ~~وعصى وجعله بعض الناس من الملائكة لدخوله في الأمر بالسجود وبعضهم من الجن ~~لأن له قبيلا وذرية ولكونه خلق من نار والملائكة خلقوا من نور # والتحقيق أنه كان منهم باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله ولا باعتبار ~~مثاله ولم يخرج من السجود لآدم أحد من الملائكة لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا ~~غيرهما # وما ذكره صاحب خواص القرآن وأمثاله من خلاف فأقوالهم باطلة قد بينا ~~فسادها وبطلانها بكلام مبسوط ليس هذا موضعه # وهذا مما استدل به أهل السنة على أن آدم وغيره من الأنبياء والأولياء ~~PageV04P346 أفضل من جميع الملائكة لأن الله أمر الملائكة بالسجود له ~~إكراما له ولهذا قال ابليس ( أرأيتك هذا الذى كرمت على ) فدل على ان آدم ~~كرم على من سجد له # و ( الجنة ( التى اسكنها آدم وزوجته عند سلف الامة وأهل السنة والجماعة ~~هي جنة الخلد ومن قال أنها جنة في ms1014 الأرض بأرض الهند أو بأرض جدة أو غير ذلك ~~فهو من المتفلسفة والملحدين أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين فإن هذا ~~يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة # والكتاب والسنة يرد هذا القول وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هذا ~~القول قال تعالى ( واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة ) إلى قوله ~~@QB@ وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين @QE@ ~~فقد أخبر أنه سبحانه أمرهم بالهبوط وأن بعضهم عدو لبعض ثم قال @QB@ ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين @QE@ # وهذا يبين أنهم لم يكونوا في الأرض وانما أهبطوا إلى الأرض فإنهم لو ~~كانوا في الأرض وانتقلوا إلى أرض آخرى كإنتقال قوم موسى من أرض إلى أرض ~~لكان مستقرهم ومتاعهم إلى حين في الأرض قبل الهبوط وبعده وكذلك قال في ~~الأعراف لما قال ابليس @QB@ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال ~~فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها @QE@ PageV04P347 فقوله @QB@ فاهبط ~~منها فما يكون لك أن تتكبر فيها @QE@ يبين اختصاص السماء بالجنة بهذا الحكم ~~فان الضمير في قوله ( منها ) عائد إلى معلوم غير مذكور في اللفظ وهذا بخلاف ~~قوله ( اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) فإنه لم يذكر هناك ما اهبطوا فيه ~~وقال هنا ( اهبطوا ) لان الهبوط يكون من علو إلى سفل وعند أرض السراة حيث ~~كان بنوا اسرائيل حيال السراة المشرفة على المصر الذى يهبطون إليه ومن هبط ~~من جبل إلى واد قيل له هبط # ( وأيضا ) فإن بنى إسرائيل كانوا يسيرون ويرحلون والذى يسير ويرحل اذا ~~جاء بلدة يقال نزل فيها لأن في عادته انه يركب في سيره فإذا وصل نزل عن ~~دوابه # يقال نزل العسكر بأرض كذا ونزل القفل بأرض كذا لنزولهم عن الدواب ولفظ ~~النزول كلفظ الهبوط فلا يستعمل هبط الا اذا كان من علو إلى سفل # وقوله ( ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ~~قال ms1015 اهبطوا ) الآيتين فقوله هنا بعد قوله @QB@ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين @QE@ يبين انهم هبطوا إلى الأرض من غيرها ~~وقال ( فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون دليل على انهم لم يكونوا قبل ~~ذلك بمكان فيه يحيون وفيه يموتون ومنه يخرجون وانما صاروا إليه لما أهبطوا ~~من الجنة PageV04P348 والنصوص في ذلك كثيرة وكذلك كلام السلف والأئمة وفى ~~الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه ان النبى قال احتج آدم وموسى فقال موسى ~~يا آدم انت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته ~~فلماذا اخرجتنا وذريتك من الجنة فقال له آدم انت موسى الذى اصطفاك الله ~~برسالته وكلامه فهل تجد في التوراة وعصى آدم ربه فغوى قال نعم قال فلماذا ~~تلومنى على أمر قدره الله على قبل أن أخلق فقال فحج آدم موسى ( وموسى انما ~~لام آدم لما حصل له وذريته بالخروج من الجنة من المشقة والنكد فلو كان ذلك ~~بستانا في الأرض لكان غيره من بساتين الأرض يعوض عنه # ( وآدم ) عليه السلام احتج بالقدر لان العبد مأمور على أن يصبر على ما ~~قدره الله من المصائب ويتوب إليه ويستغفره من الذنوب والمعائب والله أعلم ~~PageV04P349 ### || 1 ( المفاضلة بين الملائكة والناس ) 1 # ! 8 < قال شيخ الاسلام ! 8 < فصل # في المسألة المشهورة بين الناس في ( التفضيل بين الملائكة والناس ( قال ~~الكلام إما أن يكون في التفضيل بين الجنس الملك والبشر أو بين صالحى الملك ~~والبشر أما الأول وهو أن يقال أيما أفضل الملائكة والبشر فهذه كلمة تحتمل ~~أربعة أنواع ! 8 < ### ||| النوع الأول # أن يقال هل كل واحد من آحاد الناس أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة فهذا ~~لا يقوله عاقل فإن في الناس الكفار والفجار والجاهلين والمستكبرين ~~والمؤمنين وفيهم من هو مثل البهائم والأنعام السائمة بل الأنعام أحسن حالا ~~من هؤلاء كما نطق بذلك القرآن في مواضع مثل قوله تعالى @QB@ إن شر الدواب ~~عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون @QE@ وقال PageV04P350 تعالى @QB@ إن ms1016 ~~شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون @QE@ وقال @QB@ ولقد ذرأنا ~~لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون ~~بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ~~@QE@ والدواب جمع دابة وهو كل ما دب في سماء وأرض من إنس وجن وملك وبهيمة ~~ففي القرآن ما يدل على تفضيل البهائم على كثير من الناس في خمس آيات # وقد وضع بن المرزبان كتاب ( تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب ) وقد ~~جاء في ذلك من المأثور ما لا نستطيع إحصاءه مثل ما في مسند أحمد ( رب ~~مركوبة أكثر ذكرا من راكبها ) وفضل البهائم عليهم من وجوه # أحدها أن البهيمة لا سبيل لها إلى كمال وصلاح أكثر مما تصنعه والإنسان له ~~سبيل لذلك فإذا لم يبلغ صلاحه وكماله الذى خلق له بان نقصه وخسرانه من هذا ~~الوجه # وثانيها أن البهائم لها أهواء وشهوات بحسب احساسها وشعورها ولم تؤت ~~تمييزا وفرقانا بين ما ينفعها ويضرها والإنسان قد أوتى ذلك وهذا الذى يقال ~~الملائكة لهم عقول بلا شهوات والبهائم لها شهوات بلا عقول والإنسان له ~~شهوات وعقل فمن غلب عقله شهوته فهو أفضل من الملائكة أو مثل الملائكة ومن ~~غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه PageV04P351 # وثالثها أن هؤلاء لهم العقاب والنكال والخزى على ما يأتونه من الأعمال ~~الخبيثة فهذا يقتل وهذا يعاقب وهذا يقطع وهذا يعذب ويحبس هذا في العقوبات ~~المشروعة وأما العقوبات المقدرة فقوم أغرقوا وقوم أهلكوا بأنواع العذاب ~~وقوم ابتلوا بالملوك الجائرة تحريقا وتغريقا وتمثيلا وخنقا وعمى والبهائم ~~في أمان من ذلك # ورابعها أن لفسقة الجن والأنس في الآخرة من الأهوال والنار والعذاب ~~والأغلال وغير ذلك مما أمنت منه البهائم ما بين ( فضل البهائم على هؤلاء ) ~~إذا أضيف إلى حال هؤلاء # وخامسها أن البهائم جميعها مؤمنة بالله ورسوله مسبحة بحمده قانتة له وقد ~~قال النبى انه ليس على وجه الأرض شيء إلا وهو يعلم أنى رسول الله إلا فسقة ~~الجن ms1017 والإنس ### ||| النوع الثانى # أنه يقال مجموع الناس أفضل من مجموع الملائكة من غير توزيع الأفراد وهذا ~~على القول بتفضيل صالحى البشر على الملائكة فيه نظر لا علم لى بحقيقته فإنا ~~نفضل مجموع القرن الثانى على القرن الثالث مع علمنا أن كثيرا من أهل القرن ~~الثالث أفضل من كثير من أهل القرن الثانى PageV04P352 ### ||| النوع الثالث # أنا إذا قابلنا الفاضل بالفاضل والذى يلى الفاضل بمن يليه من الجنس الآخر ~~فأى القبيلين أفضل فهذا مع القول بتفضيل صالحى البشر يقال لا شك أن ~~المفضولين من الملائكة أفضل من كثير من البشر وفاضل البشر أفضل من فاضليهم ~~لكن التفاوت الذى بين ( فاضل الطائفتين ) أكثر والتفاوت بين مفضولهم هذا ~~غير معلوم والله أعلم بخلقه ### ||| النوع الرابع # أن يقال حقيقة الملك والطبيعة الملكية أفضل أم حقيقة البشر والطبيعة ~~البشرية وهذا كما أنا نعلم ان حقيقة الحى اذ هو حى أفضل من الميت وحقيقة ~~القوة والعلم من حيث هي كذلك أفضل من حقيقة الضعف والجهل وحقيقة الذكر افضل ~~من حقيقة الأنثى وحقيقة الفرس افضل من حقيقة الحمار وكان في نوع المفضول ما ~~هو خير من كثير من أعيان النوع الفاضل كالحمار والفأرة والفرس الزمن ~~والمرأة الصالحة مع الرجل الفاجر والقوى الفاجر مع الضعيف الزمن # والوجه في انحصار القسمة في هذه الانواع فإن كثيرا من الكلمات المهمة تقع ~~الفتيا فيها مختلفة والرأى مشتبها لفقد التمييز والتفضيل ان كل شيء إما أن ~~نقيده من جهة الخصوص أو العموم أو الاطلاق فإذا قلت بشر PageV04P353 وملك ~~واما ان تريد هذا البشر الواحد فيكون خاصا أو جميع جنس البشر فيكون عاما أو ~~تريد البشر مطلقا مجردا عن قيد العموم والخصوص وضبطه القليل والكثير والنوع ~~الأول في التفضيل عموما وخصوصا والثانى عموما والثالث خصوصا والرابع في ~~الحقيقة المطلقة المجردة # فنقول حينئذ المسألة على هذا الوجه لست أعلم فيها مقالة سابقة مفسرة ~~وربما ناظر بعض الناس على تفضيل الملك وبعضهم على تفضيل البشر وربما اشتبهت ~~هذه المسألة بمسألة التفضيل بين الصالح وغيره # لكن الذى ms1018 سنح لى والله أعلم بالصواب أن حقيقة الملك أكمل وأرفع وحقيقة ~~الإنسان أسهل وأجمع # وتفسير ذلك أنا اذا اعتبرنا الحقيقتين وصفاتهما النفسية والتبعية اللازمة ~~الغالبة الحياة والعلم والقدرة في اللذات والشهوات وجدنا أولا خلق الملك ~~أعظم صورة ومحله أرفع وحياته أشد وعلمه أكثر وقواه أشد وطهارته ونزاهته أتم ~~ونيل مطالبه أيسر وأتم وهو عن المنافى والمضاد أبعد لكن تجد هذه الصفات ~~للإنسان بحسب حقيقته منها أوفر حظ ونصيب من الحياة والخلق والعلم والقدرة ~~والطهارة وغير ذلك # وله أشياء ليست للملك من إدراكه دقيق الأشياء حسا وعقلا وتمتعه بما يدركه ~~ببدنه وقلبه وهو يأكل ويشرب وينكح ويتمنى ويتغذى PageV04P354 ويتفكر إلى ~~غير ذلك من الاحوال التى لا يشاركه فيها الملك لكن حظ الملك من القدر ~~المشترك الذى بينهما اكثر وما اشتركا فيه من الامور افضل بكثير مما اختص به ~~الإنسان ### ||| ( مثاله ( # مثل رجل معه مائة دينار وآخر معه خمسون درهما أو خمسون دينارا ~~أو خمسون فلسا واذا كان الامر كذلك ففصل الجواب كما سبق # وان أردت الإطلاق فالحقيقة الملكية بلوازمها أفضل من الحقيقة الانسانية ~~بلوازمها هذا لا شك فيه فإنما يلزم حقيقة الإنسان من حياة وحس وعلم وعمل ~~ونيل لذة وإدراك شهوة ليست بشيء وإنما تعددت أصنافه إلى ما يشبه حقيقة ~~الملك كحال من علم من كل شيء طرفا ليس بالكثير إلى حال من أتقن العلم بالله ~~وبأسمائه وآياته ولا يشبه حال من معه درهم إلى حال من معه درة ولا يشبه حال ~~من يسوس الناس كلهم إلى حال من يسوس انسانا وفرسا # وقد دل على هذا دلالة بينة قوله تعالى ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في ~~البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) فدل ~~على أنهم لم يفضلوا على الجميع وقوله ( ممن ) للتبعيض فإن قلت هذا ~~الإستدلال مفهوم للمخالف وأنت مخالف لهذا منازع فيه PageV04P355 فيقال لك ~~تخصيص الكثير بالذكر لا يدل على مخالفة غيره بنفى ولا إثبات وأيضا فإن ~~مفهومه انهم لم يفضلوا على ما سوى الكثير ms1019 فاذا لم يفضلوا فقد يساوون بهم ~~وقد يفضل أولئك عليهم فان الاحوال ثلاثة إما ان يفضلوا على من بقى أو يفضل ~~أولئك عليهم أو يساوون بهم # قال واختلاف الحقائق والذوات لا بد أنها تؤثر في إختلاف الأحكام والصفات ~~واذا إختلفت حقيقة البشر والملك فلا بد ان يكون أحد الحقيقتين أفضل فإن ~~كونهما متماثلتين متفا 4 ضلتين ممتنع # واذا ثبت ان أحدهما أفضل بهذه القضية المعقولة وثبت عدم فضل البشر بتلك ~~الكلمة الإلهية ثبت فضل الملك وهو المطلوب # وقد ذكر جماعة من المنتسبين إلى السنة أن الأنبياء وصالح البشر أفضل من ~~الملائكة وذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة على البشر وأتباع الأشعرى على ~~قولين منهم من يفضل الأنبياء والأولياء ومنهم من يقف ولا يقطع فيهما بشيء # وحكى عن بعض متاخريهم أنه مال إلى قول المعتزلة وربما حكى ذلك عن بعض من ~~يدعى السنة ويواليها # وذكر لى عن بعض من تكلم في أعمال القلوب أنه قال أما الملائكة المدبرون ~~للسموات والأرض وما بينهما والموكلون ببنى آدم فهؤلاء أفضل PageV04P356 من ~~هؤلاء الملائكة واما الكروبيون الذين يرتفعون عن ذلك فلا أحد أفضل منهم ~~وربما خص بعضهم نبينا واستثناؤه من عموم البشر أما تفضيلا على جميع أعيان ~~الملائكة أوعلى المدبرين منهم أمر العالم هذا ما بلغنى من كلمات الآخرين في ~~هذه المسألة وكنت أحسب أن القول فيها محدث حتى رأيتها اثرية سلفية صحابية ~~فانبعثت الهمة إلى تحقيق القول فيها فقلنا حينئذ بما قاله السلف فروى أبو ~~يعلى الموصلى في ( كتاب التفسير ( المشهور له عن عبد الله بن سلام وكان ~~عالما بالكتاب الأول والكتاب الثانى اذ كان كتابيا وقد شهد له النبى صلى ~~الله عليه وسلم بحسن الخاتمة ووصية معاذ عند موته وانه أحد العلماء الأربعة ~~الذين يبتغى العلم عندهم قال ما خلق الله خلقا اكرم عليه من محمد الحديث ~~عنه # قلت ولا جبرائيل ولا ميكائيل قال يا بن اخى أوتدرى ماجبرائيل وميكائيل ~~انما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل الشمس والقمر وما خلق الله تعالى خلقا ~~اكرم ms1020 عليه من محمد # وروى عبد الله في ( التفسير ( وغيره عن معمر عن زيد بن اسلم انه قال قالت ~~الملائكة ياربنا جعلت لبنى آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون فاجعل لنا ~~الاخرة فقال وعزتى لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ~~PageV04P357 # وكذلك قصة سجود الملائكة كلهم أجمعين لادم ولعن الممتنع عن السجود له ~~وهذا تشريف وتكريم له # وقد قال بعض الأغبياء ان السجود انما كان لله وجعل آدم قبلة لهم يسجدون ~~إليه كما يسجد إلى الكعبة وليس في هذا تفضيل له عليهم كما ان السجود إلى ~~الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله بل حرمه المؤمن عند الله ~~افضل من حرمتها وقالوا السجود لغير الله محرم بل كفر # والجواب أن السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه بإجماع من يسمع قوله ويدل ~~على ذلك وجوه احدها قوله لآدم ولم يقل إلى آدم وكل حرف له معنى ومن التمييز ~~في اللسان ان يقال سجدت له وسجدت إليه كما قال تعالى @QB@ لا تسجدوا للشمس ~~ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون @QE@ وقال @QB@ ولله ~~يسجد ما في السماوات وما في الأرض @QE@ # واجمع المسلمون على ان السجود لغير الله محرم واما الكعبة فقد كان النبى ~~يصلى إلى بيت المقدس ثم صلى إلى الكعبة وكان يصلى إلى عنزة ولا يقال لعنزة ~~والى عمود وشجرة ولا يقال لعمود ولا لشجرة والساجد للشىء يخضع له بقلبه ~~ويخشع له بفؤاده واما الساجد إليه فانما يولى وجهه وبدنه إليه ظاهرا كما ~~يولى وجهه إلى بعض PageV04P358 النواحى اذا امه كما قال @QB@ فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره @QE@ # والثانى ان آدم لو كان قبله لم يمتنع ابليس من السجود أو يزعم انه خير ~~منه فان القبلة قد تكون أحجارا وليس في ذلك تفضيل لها على المصلين اليها ~~وقد يصلى الرجل إلى عنزة وبعير والى رجل ولا يتوهم انه مفضل بذلك فمن أي ~~شيء فر الشيطان هذا هو العجب العجيب ms1021 # والثالث انه لو جعل آدم قبلة في سجدة واحدة لكانت القبلة وبيت المقدس ~~افضل منه بآلاف كثيرة اذ جعلت قبلة دائمة في جميع انواع الصلوات فهذه القصة ~~الطويلة التى قد جعلت علما له ومن أفضل النعم عليه وجاءت إلى العالم بان ~~الله رفعه بها وامتن عليه ليس فيها اكثر من انه جعله كالكعبة في بعض ~~الاوقات مع ( أن ) بعض ما أوتيه من الايمان والعلم والقرب من الرحمن افضل ~~بكثير من الكعبة والكعبة انما وضعت له ولذريته افيجعل من جسيم النعم عليه ~~أو يشبه به في شيء نزر قليل جدا هذا مالا يقوله عاقل # واما قولهم لا يجوز السجود لغير الله فيقال لهم ان قيلت هذه الكلمة على ~~الجملة فهي كلمة عامة تنفى بعمومها جواز السجود لآدم وقد دل دليل خاص على ~~انهم سجدوا له والعام لا يعارض ما قابله من الخاص # وثانيها ان السجود لغير الله حرام علينا وعلى الملائكة اما الاول فلا ~~دليل واما الثانى فما الحجة فيه PageV04P359 # ( وثالثها ) انه حرام امر الله ~~به أو حرام لم يأمر به والثانى حق ولا شفاء فيه واما الاول فكيف يمكن ان ~~يحرم بعد ان امر الله تعالى به # ورابعها أبو يوسف وإخوته خروا له سجدا ويقال كانت تحيتهم فكيف يقال إن ~~السجود حرام مطلقا وقد كانت البهائم تسجد للنبي والبهائم لا تعبد الله فكيف ~~يقال يلزم من السجود لشيء عبادته وقد قال النبي ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد ~~لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها ومعلوم أنه لم يقل لو كنت ~~آمرا أحدا أن يعبد # وسابعها وفيه التفسير أن يقال أما الخضوع والقنوت بالقلوب والإعتراف ~~بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى وحده ~~وهو في غيره ممتنع باطل # وأما السجود فشريعة من الشرائع إذ أمرنا الله تعالى أن نسجد له ولو أمرنا ~~أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله عز وجل إذ أحب أن ~~نعظم من سجدنا له ولو لم ms1022 يفرض علينا السجود لم يجب البتة فعله فسجود ~~الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة يتقربون بها إليه وهو لآدم تشريف ~~وتكريم وتعظيم وسجود أخوة يوسف له تحية وسلام ألا ترى أن يوسف لو سجد ~~لأبويه تحية لم يكره له PageV04P360 # ولم يأت أن آدم سجد للملائكة بل لم يؤمر آدم وبنوه بالسجود إلا لله رب ~~العالمين ولعل ذلك والله أعلم بحقائق الأمور لأنهم أشرف الأنواع وهم صالحو ~~بنى آدم ليس فوقهم أحد يحسن السجود له إلا لله رب العالمين وهم أكفاء بعضهم ~~لبعض فليس لبعضهم مزية بقدر ما يصلح له السجود ومن سواهم فقد سجد لهم من ~~الملائكة للأب الأقوم ومن البهائم للإبن الإكرم # وأما قولهم لم يسبق لآدم ما يوجب الإكرام له بالسجود فلغو من القول هذى ~~به بعض من اعتزل الجماعة فإن نعم الله تعالى وأياديه وآلائه على عباده ليست ~~بسبب منهم ولو كانت بسبب منهم فهو المنعم بذلك السبب فهو المنعم به ويشكرهم ~~على نعمه وهو أيضا باطل على قاعدتهم لا حاجة لنا إلى بيانه ها هنا # وقوله @QB@ وله يسجدون @QE@ فإنه إن سلم أنه يفيد الحصر فالقصد منه والله ~~أعلم الفضل بينهم وبين البشر الذين يشركون بربهم ويعبدون غيره فأخبرهم أن ~~الملائكة لا تعبد غيره ثم هذا عام وتلك الآية خاصة فيستثنى آدم ثم يقال ~~السجود على ضربين سجود عبادة محضة وسجود تشريف فأما الأول فلا يكون إلا لله ~~وأما الثانى فلم قلت إنه كذلك والآية محمولة على الأول توفيقا بين الدلائل # وأما السؤال الثاني فروى عن بعض الأولين أن الملائكة الذين PageV04P361 ~~سجدوا لآدم ملائكة في الأرض فقط لا ملائكة السماوات ومنهم من يقول ملائكة ~~السماوات دون الكروبيين وانتحى ذلك بعض المتأخرين واستنكر سجود الأعليين من ~~الملائكة لآدم مع عدم إلتفاتهم إلى ما سوى الله ورووا في ذلك إن من خلق ~~الله خلق لا يدرون أخلق آدم أم لا # ونزع بقوله @QB@ أستكبرت أم كنت من العالين @QE@ والعالون هم ملائكة ~~السماء وملائكة السماء لم يؤمروا بالسجود لآدم فاعلم ms1023 أن هذه المقالة أولا ~~ليس معها ما يوجب قبولها لا مسموع ولا معقول إلا خواطر وسوانح ووساوس ~~مادتها من عرش إبليس يستفزهم بصوته ( ليرد عنهم ) النعمة التى حرص على ردها ~~عن أبيهم قديما أو مقالة قد قالها من يقول الحق والباطل لكن معنا ما يوجب ~~ردها من وجوه # أحدها أنه خلاف ما عليه العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة وإذا كان ~~لابد من التقليد فتقليدهم أولى # وثانيها أنه خلاف ظاهر الكتاب العزيز وخلاف نصه فإن الإسم المجموع المعرف ~~بالألف واللام يوجب إستيعاب الجنس قال تعالى ( واذ قلنا للملائكة إسجدوا ~~لأدم ) فسجود الملائكة يقتضى جميع الملائكة هذا مقتضى اللسان الذى نزل به ~~القرآن فالعدول عن موجب القول العام إلى الخصوص لابد له من دليل يصلح له ~~وهو معدوم PageV04P362 # وثالثها أنه قال ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) فلو لم يكن الإسم الاول ~~يقتضى الاستيعاب والاستغراق لكان توكيده بصيغة كل موجبة لذلك ومقتضية له ثم ~~لو لم يفد تلك الإفادة لكان قوله أجمعون توكيدا وتحقيقا بعد توكيد وتحقيق ~~ومن نازع في موجب الاسماء العامة فانه لا ينازع فيها بعد توكيدها بما يفيد ~~العموم بل انما يجاء بصيغة التوكيد قطعا لاحتمال الخصوص واشباهه # وقد بلغنى عن بعض السلف أنه قال ما ابتدع قوم بدعة إلا في القرآن ما ~~يردها ولكن لا يعلمون فلعل قوله ( كلهم أجمعون ) جيء به لزعم زاعم يقول ~~انما سجد له بعض الملائكة لا كلهم وكانت هذه الكلمة ردا لمقالة هؤلاء ومن ~~اختلج في سره وجه الخصوص بعد هذا التحقيق والتوكيد فاليعز نفسه في ~~الاستدلال بالقرآن والفهم فإنه لا يثق بشيء يؤخذ منه يا 2 ليت شعرى لو كانت ~~الملائكة كلهم سجدوا واراد الله ان يخبرنا بذلك فأى كلمة أتم وأعم أم يأتى ~~قول يقال أليس هذا من أبين البيان # ورابعها أن هذه الكلمة تكررت في القرآن وقال النبى في حديث الشفاعة واسجد ~~لك ملائكته وكذلك في محاجة موسى وآدم ومن الناس من يقول ان القول العام اذا ~~قرن به الخاص وجب ms1024 ان يقرن به البيان فلا يجوز تأخيره عنه لئلا يقع السامع ~~في اعتقاد الجهل ولم يقترن بشيء من هذه الكلمات دليل تخصيص فوجب القطع ~~بالعموم # وقال آخرون وهو الأصوب يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب PageV04P363 لكن ~~بعد البحث عن دليل التخصيص والله أعلم فيجب القول بالعموم واذا كانت القصة ~~قد تكررت وليس فيها ما يدل على الخصوص فليس دعوى الخصوص فيها من البهتان # وأما إنكارهم لسجود الكروبيين فليس بشيء لأنهم سجدوا طاعة وعبادة لربهم ~~وزاد قائل ذلك أنهم أفضل من آدم اذا ثبت انهم لم يسجدوا والحكايات المرسلة ~~لا تقيم حقا ولا تهدم باطلا وتفسيرهم ( العالين ) بالكروبيين قول في كتاب ~~الله سبحانه وتعالى بلا علم ولا يعرف ذلك عن إمام متبع ولا في اللفظ دليل ~~عليه وقيل ( استكبرت ) أطلبت ان تكون كبيرا من هذا الوقت أم كنت عاليا قبل ~~ذلك ولا حاجة بنا إلى تفسير كلام الله بآرائنا والله أعلم بتفسيره # وههنا ( سؤال ثالث ) وهو ان السجود له قد يكون الساجدون سجدوا له مع ~~فضلهم عليه فإن الفاضل قد يخدم المفضول فنقول اعلم ان منفعة الأعلى للأدنى ~~غير مستنكرة فإن سيد القوم خادمهم فالنبى أفضل الناس وانفع الناس للناس لكن ~~منفعته في الحقيقة يعود إليه ثوابها وتمام التقرب إلى الله يحصل بنفع خلقه ~~فهذا يصلح ان يورد على من احتج بتدبيرهم لنا ففضلهم علينا لكثرة منفعتهم ~~لنا وأما نفس السجود فلا منفعة فيه للمسجود له إلا مجرد تعظيم وتشريف ~~وتكريم ولا يصلح البتة ان يكون من هو افضل اسفل ممن دونه وتحته في الشرف ~~والمحقق لا المتوهم فافهم هذا فان تحته سر PageV04P364 # الدليل الثاني قوله قصصا عن إبليس @QB@ أرأيتك هذا الذي كرمت علي @QE@ ~~فإن هذا نص في تكريم آدم على إبليس إذ أمر بالسجود له # الدليل الثالث ان الله تعالى خلق آدم بيده كما ذكر ذلك في الكتاب والسنة ~~والملائكة لم يخلقهم بيده بل بكلمته وهذا يقوله جميع من يدعى الاسلام سنيهم ~~ومبتدعهم بل وعليه أهل الكتاب فإن الناس في ms1025 يدى الله على ثلاثة اقوال # أما أهل السنة فيقولون يدا الله صفتان من صفات ذاته حكمها حكم جميع صفاته ~~من حياته وعلمه وقدرته وارادته وكلامه فيثبتون جميع صفاته التى وصف بها ~~نفسه ووصفه بها أنبياؤه وان شاركت أسماء صفاته اسماء صفات غيره كما ان له ~~اسماء قد يسمى بها غيره مثل رؤوف رحيم عليم سميع بصير حليم صبور شكور قدير ~~مؤمن على عظيم كبير مع نفى المشابهة في الحقيقة والمماثلة كما في قوله ~~تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) جمعت هذه الآية بين الاثبات ~~والتنزيه ونسبة صفاته إليه كنسبة خلقه إليه والنسبة والاضافة تشابه النسبة ~~والاضافة # ومن هذا الوجه جاء الاشتراك في أسمائه وأسماء صفاته كما شبهت الرؤية ~~برؤية الشمس والقمر تشبيها للرؤية لا للمرئى كما ضرب مثله مع عباده ~~المملوكين كمثل بعض خلقه مع مملوكيهم وله المثل الاعلى في السماوات فتدبر ~~PageV04P365 هذا فانه مجلاة شبهة ومصفاة كدر فجميع ما نسمعه وينسب إليه ~~ويضاف من الاسماء والصفات هو كما يليق بالله ويصلح لذاته # والفريقان الآخران اهل التشبيه والتمثيل منهم من يقول يد كيدى تعالى الله ~~عن ذلك واهل النفى والتعطيل يقولون اليدان هما النعمتان والقدرتان والله ~~اكبر كبيرا # وبكل حال اتفق هؤلاء كلهم على ان لآدم فضيلة ومزية ليست لغيره اذ خلقه ~~بيده # ( الوجه الثالث ) ان ذلك معدود في النعم التى انعم الله بها على آدم حين ~~قال له موسى ( خلقك الله بيده ( وكذلك يقال له يوم القيامة وانما ذكروا ذلك ~~له في النعم التي خصه الله بها من بين المخلوقين دون الذى شورك فيها فهذا ~~بيان واضح دليل على فضله على سائر الخلق كما ذكر زيد بن أسلم ان الله تعالى ~~قال للملائكة ( لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ( # ( الدليل الرابع ) ما احتج به بعض أصحابنا على تفضيل الأنبياء على ~~الملائكة بقوله ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين ) وقوله ( ولقد إخترناهم على علم على العالمين ) واسم ( العالمين ms1026 ~~) يتناول الملائكة والجن والإنس وفيه نظر لان أصناف العالمين قد يراد به ~~PageV04P366 جميع اصناف الخلق كما في قوله تعالى ( الحمد لله رب العالمين ) ~~وقد يراد به الآدميون فقط على اختلاف اصنافهم كما في قوله تعالى @QB@ ~~أتأتون الذكران من العالمين @QE@ @QB@ أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد ~~من العالمين @QE@ ) وهم كانوا لا يأتون البهائم ولا الجن # وقد يراد بالعالمين أهل زمن واحد كما في قوله @QB@ اخترناهم على علم على ~~العالمين @QE@ # فقوله ( ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران الآية تحتمل جميع ~~اصناف الخلق ويحتمل أن المراد بنوا آدم فقط وللمحتج بها ان يقول اسم ~~العالمين عام لجميع اصناف المخلوقات التى بها يعلم الله وهى آيات له ~~ودلالات عليه لاسيما اولوا العلم منهم مثل الملائكة فيجب اجراء الاسم على ~~عمومه الا اذا قام دليل يوجب الخصوص # وقد احتج ايضا بقوله ( ولقد كرمنا بنى آدم ) الآية وهو دليل ضعيف بل هو ~~بالضد كما قررناه # الدليل الخامس قوله @QB@ إني جاعل في الأرض خليفة @QE@ وفيها دليل على ~~تفضيل الخليفة من وجهين أولهما أن الخليفة يفضل على من هو خليفة عليه وقد ~~كان في الأرض ملائكة وهذا غايته أن يفضل على من في الأرض من الملائكة ~~وثانيهما أن الملائكة طلبت من الله تعالى أن يكون الاستخلاف فيهم والخليفة ~~منهم حيث قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء الآية فلولا أن ~~الخلافة درجة عالية أعلى من درجاتهم لما طلبوها وغبطوا صاحبها الدليل ~~السابع تفضيل بني آدم عليهم بالعلم حين سألهم الله عز وجل عن علم الأسماء ~~فلم يجيبوه واعترفوا أنهم لا يحسنونها فأنبأهم آدم بذلك وقد قال تعالى هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون PageV04P367 ( والدليل الثامن ) وهو ~~أول الأحاديث ما رواه حماد بن سلمة عن أبى المهزم عن أبى هريرة عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لزوال الدنيا على الله أهون من قتل رجل مؤمن ~~والمؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده ( # وهذا نص في أن المؤمنين أكرم على الله ms1027 من الملائكة المقربين # ثم ذكر ما رواه الخلال عن أبى هريرة خطبنا رسول الله وذكر كلاما قال في ~~آخره ( ادنوا ووسعوا لمن خلفكم ( فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض فقال رجل ~~أنوسع للملائكة أو للناس قال للملائكة انهم اذا كانوا معكم لم يكونوا من ~~بين أيديكم ولا من خلفكم ولكن عن أيمانكم وشمائلكم قالوا ولم لايكونون من ~~بين ايدينا ومن خلفنا أمن فضلنا عليهم أومن فضلهم علينا قال نعم أنتم أفضل ~~من الملائكة PageV04P368 # رواه الخلال وفيه القطع بفضل البشر على الملائكة لكن لا يعرف حال إسناده ~~فهو موقوف على صحة اسناده # وروى عبد الله بن أحمد في ( كتاب السنة ( عن عروة بن رويم قال أخبرنى ~~الأنصارى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الملائكة قالوا ربنا خلقتنا وخلقت ~~بنى آدم فجعلتهم يأكلون ويشربون ويلبسون ويأتون النساء ويركبون الدواب ~~وينامون ويستريحون ولم تجعل لنا شيئا من ذلك فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة ~~وذكر الحديث مرفوعا كما تقدم موقوفا عن زيد بن أسلم عن أبيه # وزيد بن أسلم زيد في علمه وفقهه وورعه حتى ان كان على بن الحسين ليدع ~~مجالس قومه ويأتى مجلسه فلامه الزهري في ذلك فقال إنما يجلس حيث ينتفع أو ~~قال يجد صلاح قلبه # وقد كان يحضر مجلسه نحو أربعمائة طالب للعلم أدنى خصلة فيهم الباذل ما في ~~يده من الدنيا ولا يستأثر بعضهم على بعض فلا يقول مثل هذا القول إلا عن بين ~~والكذب على الله عز وجل اعظم من الكذب على رسوله # واقل ما في هذه الآثار أن السلف الأولين كانوا يتناقلون بينهم أن صالحى ~~البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك ولم يخالف أحد PageV04P369 ~~منهم في ذلك انما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها وتفرق الآراء فقد كان ~~ذلك كالمستقر عندهم # ( الدليل الحادى عشر ) أحاديث المباهات مثل أن الله تعالى ينزل كل ليلة ~~إلى سماء الدنيا وعشية عرفة فيباهى ملائكته بالحاج وكذلك يباهى بهم المصلين ~~يقول ( انظروا إلى عبادى قد قضوا فريضة وهم ms1028 ينتظرون أخرى وكلا الحديثين في ~~صحيح مسلم والمباهات لا تكون الا بالأفاضل # فان قيل هذه الأخبار رواها آحاد غير مشهورين ولا هي بتلك الشهرة فلا توجب ~~علما والمسألة علمية # قلنا ( أولا ( من قال ان المطلق في هذه القضية اليقين الذى لا يمكن نقيضه ~~بل يكفى فيها الظن الغالب وهو حاصل # ثم ما المراد بقوله علمية أتريد أنه لا علم فهذا مسلم ولكن كل عقل راجح ~~يستند إلى دليل فإنه علم وان كان فرقة من الناس لا يسمون علما الا ما كان ~~يقينا لايقبل الانتقاض وقد قال تعالى @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات @QE@ وقد ~~استوفى القول في ذلك في غير هذا الموضع فإن أريد علميه لان المطلوب ~~الإستيقان فهذا لغو من القول لا دليل عليه ولو كان حقا لوجب الإمساك عن ~~الكلام في كل أمر غير علمى الا باليقين وهو تهافت بين # ثم نقول هي بمجموعها وانضمام بعضها إلى بعض ومجيئها من PageV04P370 طرق ~~متباينة قد توجب اليقين لأولى الخبرة بعلم الإسناد وذوى البصيرة بمعرفة ~~الحديث ورجاله فإن هذا علم اختصوا به كما اختص كل قوم بعلم وليس من لوازم ~~حصول العلم لهم حصوله لغيرهم الا أن يعلموا ما علموا مما به يميزون بين ~~صحيح الحديث وضعيفه # والعلوم على اختلاف أصنافها وتباين صفاتها لا توجب اشتراك العقلاء فيها ~~لا سيما السمعيات الخبريات وان زعم فرقة من أولى الجدل ان الضروريات يجب ~~الإشتراك فيها فإن هذا حق في بعض الضروريات لا في جميعها مع تجويزنا عدم ~~الإشتراك في شيء من الضروريات لكن جرت سنة الإشتراك بوقوع الإشتراك في ~~بعضها فغلط أقوام فجعلوا وجوب الاشتراك في جميعها فجحدوا كثيرا من العلم ~~الذى اختص به غيرهم # ثم نقول لو فرضنا أنها لا تفيد العلم وإنما تفيد ظنا غالبا أو أن المطلوب ~~هو الإستيقان فنقول المطلوب حاصل بغير هذه الاحاديث وانما هي مؤكدة مؤيدة ~~لتجتمع أجناس الادلة على هذه المقالة # ( الدليل الثانى عشر ) قد كان السلف يحدثون الاحاديث المتضمنة فضل صالحى ~~البشر على الملائكة وتروى على رؤوس الناس ms1029 ولو كان هذا منكرا لانكروه فدل ~~على اعتقادهم ذلك # وهذا إن لم يفد اليقين القاطع فإن بعض الظن لم يقصر عن القوى PageV04P371 ~~الغالب وربما اختلف ذلك باختلاف الناس واختلاف أحوالهم # ( الدليل الثالث عشر ) وهو البحث الكاشف عن حقيقة المسألة وهو أن نقول ~~التفضيل اذا وقع بين شيئين فلا بد من معرفة الفضيلة ما هي ثم ينظر أيهما ~~أولى بها # وأيضا فإنا إنما تكلمنا في تفضيل صالحى البشر إذا كملوا ووصلوا إلى ~~غايتهم وأقصى نهايتهم وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة ونالوا الزلفى وسكنوا ~~الدرجات العلى وحياهم الرحمن وخصهم بمزيد قربه وتجلى لهم يستمتعون بالنظر ~~إلى وجهه الكريم وقامت الملائكة في خدمتهم بإذن ربهم # فالينظر الباحث في هذا الأمر فإن أكثر الغالطين لما نظروا في الصنفين ~~رأوا الملائكة بعين التمام والكمال ونظروا الآدمى وهو في هذه الحياة ~~الخسيسة الكدرة التى لا تزن عند الله جناح بعوضة وليس هذا بالإنصاف # فأقول فضل أحد الذاتين على الاخرى إنما هو بقربها من الله تعالى ومن مزيد ~~اصطفائه وفضل اجتبائه لنا وإن كنا نحن لا ندرك حقيقة ذلك # هذا على سبيل الإجمال وعلى حسب الأمور التى هي في نفسها خبر محض وكمال ~~صرف مثل الحياة والعلم والقدرة والزكاة والطهارة والطيب والبراءة من ~~النقائص والعيوب فنتكلم على الفضلين # أما الأول فإن جنة عدن خلقها الله تعالى وغرسها بيده ولم يطلع على ~~PageV04P372 # ما فيها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وقال لها تكلمى فقالت @QB@ قد أفلح ~~المؤمنون @QE@ جاء ذلك في أحاديث عديدة وأنه ينظر إليها في كل سحر وهي داره ~~فهذه كرامة الله تعالى لعباده المؤمنين التى لم يطلع عليها أحد من الملائكة ~~ومعلوم أن الأعلين مطلعون على الاسفلين من غير عكس ولا يقال هذا في حق ~~المرسلين فإنها إنما بنيت لهم لكن لم يبلغوا بعد إبان سكناها وإنما هي معدة ~~لهم فإنهم ذاهبون إلى كمال ومنتقلون إلى علو وارتفاع وهو جزاؤهم وثوابهم # وأما الملائكة فإن حالهم اليوم شبيهة بحالهم بعد ذلك فإن ثوابهم متصل ~~وليست الجنة مخلوقة ms1030 وتصديق هذا قوله تعالى @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ~~من قرة أعين @QE@ # فحقيقة ما أعده الله لأوليائه غيب عن الملائكة وقد غيب عنهم أولا حال آدم ~~في النشأة الأولى وغيرها # وفضل عباد الله الصالحين يبين فضل الواحد من نوعهم فالواحد من نوعهم إذا ~~ثبت فضلهم على جميع الأعيان والأشخاص ثبت فضل نوعهم على جميع الأنواع إذ من ~~الممتنع ارتفاع شخص من أشخاص النوع المفضول إلى أن يفوق جميع الأشخاص ~~والأنواع الفاضلة فإن هذا تبديل الحقائق وقلب الأعيان عن صفاتها النفسية ~~لكن ربما فاق بعض أشخاص النوع الفاضل مع PageV04P373 امتياز ذلك عليه بفضل ~~نوعه وحقيقته كما أن في بعض الخيل ما هو خير من بعض الخيل ولا يكون خيرا من ~~جميع الخيل # إذا تبين هذا فقد حدث العلماء المرضيون وأولياؤه المقبولون أن محمدا رسول ~~الله يجلسه ربه على العرش معه # روى ذلك محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد في تفسير ( عسى ان يبعثك ربك مقاما ~~محمودا ) وذكر ذلك من وجوه أخرى مرفوعة وغير مرفوعة قال بن جرير وهذا ليس ~~مناقضا لما استفاضت به الاحاديث من ان المقام المحمود هو الشفاعة باتفاق ~~الائمة من جميع من ينتحل الاسلام ويدعيه لا يقول ان اجلاسه على العرش منكرا ~~وانما أنكره بعض الجهمية ولا ذكره في تفسير الآية منكر واذا ثبت فضل فاضلنا ~~على فاضلهم ثبت فضل النوع على النوع أعنى صالحنا عليهم # ( وأما الذوات ( فإن ذات آدم خلقها الله بيده وخلقها الله على صورته ونفخ ~~فيه من روحه ولم يثبت هذا لشيء من الذوات وهذا بحر يغرق فيه السابح لا ~~يخوضه الا كل مؤيد بنور الهداية والا وقع اما في تمثيل أو في تعطيل فليكن ~~ذو اللب على بصيرة أن وراء علمه مرماة بعيدة وفوق كل ذى علم عليم وليوقن كل ~~الإيقان بأن ما جاءت به الآثار النبوية حق ظاهرا وباطنا وان قصر عنه عقله ~~ولم يبلغه علمه ( فورب السماء والأرض انه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) فلا ~~تلجن باب انكار ورد ms1031 وامساك واغماض رد PageV04P374 لظاهره وتعجبا من باطنه ~~حفظا لقواعدك التى كتبتها بقواك وضبطتها بأصولك التى عقلتك عن جناب مولاك # اياك مما يخالف المتقدمين من التنزيه وتوق التمثيل والتشبيه ولعمرى إن ~~هذا هو الصراط المستقيم الذى هو أحد من السيف وأدق من الشعر ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور # وأما الصفات التى تتفاضل فمن ذلك الحياة السرمدية والبقاء الابدى في ~~الدار الآخرة وليس للملك أكثر من هذا وان كانت حياتنا هذه منغوصة بالموت ~~فقد أسلفت أن التفضيل انما يقع بعد كمال الحقيقتين حتى لا يبقى الا البقاء ~~وغير ذلك من العلم الذى امتازت به الملائكة # فنقول غير منكر اختصاص كل قبيل من العلم بما ليس للاخر فإن الوحى للرسل ~~على أنحاء كما قال تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ) فبين ان الكلام للبشر على ثلاثة ~~أوجه منها واحد يكون بتوسط الملك # ووجهان آخران ليس للملك فيهما وحى وأين الملك من ليلة المعراج ويوم الطور ~~وتعليم الأسماء واضعاف ذلك # ولو ثبت ان علم البشر في الدنيا لا يكون إلا على أيدى الملائكة وهو والله ~~باطل فكيف يصنعون بيوم القيامة وقد قال النبى PageV04P375 فيفتح الله على ~~من محامده والثناء عليه بأشياء يلهمنيها لم يفتحها على أحد قبلى ( # واذا تبين هذا ان العلم مقسوم من الله وليس كما زعم هذا الغبى بأنه لا ~~يكون الا بأيدى الملائكة على الاطلاق وهو قول بلا علم بل الذى يدل عليه ~~القرآن ان الله تعالى اختص آدم بعلم لم يكن عند الملائكة وهو علم الاسماء ~~الذى هو اشرف العلوم وحكم بفضله عليهم لمزيد العلم فأين العدول عن هذا ~~الموضع إلى بنيات الطريق ومنها القدرة # وزعم بعضهم أن الملك اقوى وأقدر وذكر قصة جبرائيل بأنه شديد القوى وانه ~~حمل قرية قوم لوط على ريشة من جناحه فقد آتى الله بعض عباده اعظم من ذلك ~~فأغرق جميع أهل الأرض بدعوة نوح وقال ms1032 النبى ( ان من عباد الله من لو أقسم ~~على الله لأبره ( ورب أشعث أغبر مدفوع بالابواب لو اقسم على الله لأبره ~~وهذا عام في كل الاشياء وجاء تفسير ذلك في آثار ان من عباد الله من لو اقسم ~~على الله أن يزيل جبلا أو الجبال عن أماكنها لأزالها وان لا يقيم القيامة ~~لما اقامها وهذا مبالغة # ولا يقال إن ذلك يفضل بقوة خلقت فيه وهذا بدعوة يدعوها لأنهما في الحقيقة ~~يؤولان إلى واحد هو مقصود القدرة ومطلوب القوة وما من PageV04P376 أجله ~~يفضل القوى على الضعيف ثم هب ان هذا في الدنيا فكيف تصنعون في الآخرة وقد ~~جاء في الاثر ( ياعبدى أنا أقول للشيء كن فيكون أطعنى أجعلك تقول للشيء كن ~~فيكون يا عبدى انا الحى الذى لا يموت أطعنى أجعلك حيا لا تموت ( وفى أثر ( ~~أن المؤمن تأتيه التحف من الله من الحى الذى لا يموت إلى الحى الذى لا يموت ~~( فهذه غاية ليس وراءها مرمى كيف لا وهو بالله يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه ~~يمشى فلا يقوم لقوته قوة # واما الطهارة والنزاهة والتقديس والبراءة عن النقائص والمعائب والطاعة ~~التامة الخاصة لله التى ليس معها معصية ولا سهو ولا غفلة وإنما افعالهم ~~وأقوالهم على وفق الامر فقد قال قائل من أين للبشر هذه الصفات وهذه الصفات ~~على الحقيقة هي اسباب الفضل كما قيل لا اعدل بالسلامة شيئا فالجواب من وجوه # ( أحدها ) انا اذا نظرنا إلى هذه الاحوال في الآخرة كانت في الآخرة ~~للمؤمنين على أكمل حال وأتم وجه وقد قدمنا ان الكلام ليس في تفضيلهم في هذه ~~الحياة فقط بل عند الكمال والتمام والاستقرار في دار الحيوان وفيه وجه قاطع ~~لكل ما كان من جنس هذا الكلام فأين هم من اقوام تكون وجوههم مثل القمر ومثل ~~الشمس لا يبولون ولا يتمخطون ولا يبصقون ما فيهم ذرة من العيب ولا من النقص # ( الوجه الثانى ) ان هذا بعينه هو الدليل على فضل الآدمى والملائكة ~~PageV04P377 مخلوقون على طريقة واحدة وصفة لازمة لا ms1033 سبيل إلى انفكاكهم عنها ~~والبشر بخلاف ذلك # ( الوجه الثالث ) أنما يقع من صالحى البشر من الزلات والهفوات ترفع لهم ~~به الدرجات وتبدل لهم السيئات حسنات فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ~~ومنهم من يعمل سيئة تكون سبب دخول الجنة ولو لم يكن العفو أحب إليه لما ~~ابتلى بالذنب اكرم الخلق عليه وكذلك فرحه بتوبة عبيدة وضحكه من علم العبد ~~انه لا يغفر الذنوب الا الله فافهم هذا فإنه من اسرار الربوبية وبه ينكشف ~~سبب مواقعة المقربين الذنوب # ( الوجه الرابع ) ما روى ( ان الملائكة لما استعظمت خطايا بنى آدم القى ~~الله تعالى على بعضهم الشهوة فواقعوا الخطيئة ( وهو احتجاج من الله تعالى ~~على الملائكة واما العبادة فقد قالوا ان الملائكة دائمو العبادة والتسبيح ~~ومنهم قيام لا يقعدون وقعود لا يقومون وركوع لا يسجدون وسجود لا يركعون ( ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) # والجواب ان الفضل بنفس العمل وجودته لا بقدره وكثرته كما قال تعالى ( إنا ~~جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) وقال ( إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا ) ورب تسبيحه من انسان افضل من ملء الأرض من عمل غيره ~~وكان ادريس يرفع له في اليوم مثل عمل جميع أهل PageV04P378 الأرض وان ~~الرجلين ليكونان في الصف وأجر ما بين صلاتهما كما بين السماء والأرض # وقد روى ( ان أنين المذنبين أحب إلى من زجل المسبحين ( وقد قالوا ان ~~علماء الآدميين مع وجود المنافى والمضاد أحسن وافضل ثم هم في الحياة الدنيا ~~وفى الآخرة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس واما النفع المتعدى والنفع ~~للخلق وتدبير العالم فقد قالوا هم تجرى أرزاق العباد على أيديهم وينزلون ~~بالعلوم والوحى ويحفظون ويمسكون وغير ذلك من افعال الملائكة # والجواب ان صالح البشر لهم مثل ذلك واكثر منه ويكفيك من ذلك شفاعة الشافع ~~المشفع في المذنبين وشفاعته في البشر كى يحاسبوا وشفاعته في أهل الجنة حتى ~~يدخلوا الجنة ثم بعد ذلك تقع شفاعة الملائكة وأين هم من قوله ( وما أرسلناك ~~الا رحمة للعالمين ) وأين هم ms1034 عن الذين ( يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ) وأين هم ممن يدعون إلى الهدى ودين الحق ومن سن سنة حسنة واين هم من ~~قوله صلى الله عليه وسلم أن من أمتى من يشفع في أكثر من ربيعة ومضر ( وأين ~~هم من الأقطاب والأوتاد والاغواث والابدال والنجباء # فهذا هداك الله وجه التفضيل بالاسباب المعلومة ذكرنا منه أنموذجا ~~PageV04P379 # نهجنا به السبيل وفتحنا به الباب إلى درك فضائل الصالحين من تدبر ذلك ~~وأوتى منه حظا رأى وراء ذلك ما لا يحصيه إلا الله وإنما عدل عن ذلك قوم لم ~~يكن لهم من القول والعلم إلا ظاهره ولا من الحقائق إلا رسومها فوقعوا في ~~بدع وشبهات وتاهوا في مواقف ومجازات وها نحن نذكر ما احتجوا به # الحجة الأولى قوله تعالى @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون @QE@ والذي يريد إثبات ذل الأعاظم وانقياد إلا كابر إنما ~~يبدأ بالأدنى فالأدنى مترقيا إلى الأعلى فالأعلى ليرقى المخاطب في فهم عظمة ~~من انقيد له وأطيع درجة درجة وإلا فلو فوجئ بانقياد الأعظم ابتداء لما حصل ~~تبين مراتب العظمة ولو وقع ذكر الادنى بعد ذلك ضائعا بل يكون رجوعا ونقصا # ولهذا جرت فطرة الخلق أن يقال فلان لا يأتينى وفلان يأتينى أى كيف يستنكف ~~عن الإتيان إلى وفلان أكرم منه وأعظم وهو يأتينى ولا يقال لا يأبى فلان أن ~~يكرمك ولا من هو فوقه فالانتقال من المسيح إلى الملائكة دليل على فضلهم كيف ~~وقد نعتوا بالقرب الذي هو عين الفضائل # والجواب زعم القاضي أن هذا ليس من عطف الأعلى على الأدنى وإنما هو عطف ~~ساذج قال وذلك أن قوما عبدوا المسيح وزعموا أنه بن الله سبحانه وقوما عبدوا ~~الملائكة وزعموا انها بنات الله كما حكى الله تعالى PageV04P380 # عن الفريقين فبين الله تعالى في هذه أن هؤلاء الذين عبدتموهم من دونى هم ~~عبادى لن يستنكفوا عن عبادتى وأنهما لو استنكفا عن عبادتى لعذبتهما عذابا ~~أليما والمسيح هو الظاهر وهو من نوع البشر وهذا الكلام فيه ms1035 نظر والله أعلم ~~بحقيقته # ثم نقول إن كان هذا هو المراد فلا كلام وإن أريد أن الإنتقال من الأدنى ~~إلى الأعلى فاعلم نور الله قلبك وشرح صدرك للإسلام إن للملائكة خصائص ليست ~~للبشر لا سيما في الدنيا هذا ما لا يستريب فيه لبيب أنهم اليوم على مكان ~~وأقرب إلى الله وأظهر جسوما وأعظم خلقا وأجمل صورا وأطول أعمارا وأيمن ~~آثارا إلى غير ذلك من الخصال الحميدة مما نعلمه ومما لا نعلمه # وللبشر أيضا خصائص ومزايا لكن الكلام في مجموع كل واحدة من المزيتين ~~أيهما أفضل هذا طريق ممهد لهذه الآية وما بعدها وهو وراء ذلك فحيث جرى ما ~~يوجب تفضيل الملك فلما تميزوا به واختصوا به من الأمور التى لا تنبغى لمن ~~دونهم فيها أن يتفضل عليهم فيما هو من أسبابها # وذلك أن المسيح لو فرض استنكافه عن عبادة الله فإنما هو لما أيده الله من ~~الآيات كما أبرا الأكمة والابرص وأحيا الموتى وغير ذلك ولأنه خرج في خلقه ~~عن بنى آدم وفي عزوفه عن الدنيا وما فيها أعطى الزهد وما من صفة من هذه ~~الصفات إلا والملائكة أظهر منه فيها فإنهم كلهم خلقوا من PageV04P381 # غير أبوين ومن غير أم وقد كان فرس جبريل يحيى به التراب الذي يمر عليه ~~وعلم ما يدخر العباد في بيوتهم على الملائكة سهل # وفي حديث أبرص وأقرع وأعمى أن الملك مسح عليهم فبرؤا فهذه الأمور التى من ~~أجلها عبد المسيح وجعل بن الله عز وجل للملائكة منها أوفر نصيب وأعلى منها ~~وأعظم مما للمسيح وهم لا يستنكفون عن عبادته فهو أحق خلق أن لا يستنكف وأما ~~القرب من الله والزلفى لديه فأمور وراء هذه الآيات وأيضا فأقصى ما فيها ~~تفضيلهم على المسيح إذ هو في هذه الحياة الدنيا وأما إذا استقر في الآخرة ~~وكان ما كان مما لست أذكر فمن أين يقال إنهم هناك أفضل منه # الحجة الثانية قوله تعالى لنبيه @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم ms1036 إني ملك @QE@ ومثله في هود فالإحتجاج في هذا من ~~وجوه # أحدها أنه قرن استقرار خزائنه وعلم الغيب بنفى القول بأنه ملك وسلبها عن ~~نفسه في نسق واحد فإذا كان حال من يعلم الغيب ويقدر على الخزائن أفضل من ~~حال من لا يكون كذلك وجب أن يكون حال الملك أفضل من حال من ليس بملك وإن ~~كان نبينا كما في الآية # وثانيها أنه إنما نفى عن نفسه حالا أعظم من حاله الثابتة ولم ينف حالا ~~PageV04P382 # دون حاله لأن من اتصف بالأعلى فهو على ما دونه أقدر فدل على أن حال الملك ~~أفضل من حاله أن يكون ملكا وهو المطلوب # وثالثها ما ذكر القاضي أنه لولا ما استقر في نفوس المخاطبين من أن الملك ~~أعظم لما حسن مواجهتهم بسلب شيء هو دون مرتبته وهذا الإعتقاد الذي كان في ~~نفوس المخاطبين أمر قرروا عليه ولم ينكره عليهم فثبت أنه حق والجواب من ~~وجوه ( أحدها ) أنه نفى أن يكون عالما بالغيب وعنده خزائن الله ونفى أن ~~يكون ملكا لا يأكل ولا يشرب ولا يتمتع واذا نفى ذلك عن نفسه لم يجب ان يكون ~~الملك افضل منه ألا ترى انه لو قال ولا أنا كاتب ولا أنا قارئ لم يدل على ~~ان الكاتب والقاريء أفضل ممن ليس بكاتب ولا قارئ فلم يكن في الآية حجة # وأيضا ما قال القاضي أنهم طلبوا صفات الألوهية وهى العلم والقدرة والغنى ~~وهى ان يكون عالما بكل شيء قديرا على كل شيء غنيا عن كل شيء فسلب عن نفسه ~~صفات الألوهية ولهذا قالوا ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق ~~) وقال تعالى محتجا عنه ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين الا انهم ليأكلون ~~الطعام ويمشون في الأسواق ) فكأنهم أرادوا منه صفة الملائكة أن يكون ~~PageV04P383 متلبسا بها فإن الملائكة صمد لا يأكلون ولا يشربون والبشر لهم ~~أجواف يأكلون ويشربون فكان الأمر إلى هذه الصفة وهذا بين ان شاء الله # ( وثانيها ) أن الآخر اكمل في امر من الامور فنفى عن نفسه حال ms1037 الملك في ~~ذلك ولم يلزم ان يكون له فضيلة يمتاز بها وقد تقدم مثل هذا فيما ذكر من حال ~~الملك وعظمته وانه ليس للبشر من نوعه مثله ولكن لم لا قلت من غير نوعه ~~للبشر ما هو افضل منه # ولهذا اذا سئل الإنسان عما يعجز عنه قد يقول لست بملك وان كان المؤمن ~~افضل من حال الجن والملك من الملوك # ( وثالثها ) ان أقصى ما فيه تفضيل الملك في تلك الحال ولو سلم ذلك لم ينف ~~أن يكون فيما بعد أفضل من الملك ولهذا تزيد قدرته وعلمه وغناه في الآخرة ~~وهذا كما لو قال الصبى لا اقول انى شيخ ولا اقول انى عالم ومن الممكن ترقيه ~~إلى ذلك وأكمل منه # ( الحجة الثالثة ) قول ابليس لآدم وحواء ( إلا أن تكونا ملكين أو تكونا ~~من الخالدين ) تقديره كراهة أن تكونا أو لئلا تكونا فلولا ان كونهما ملكين ~~حالة هي أكمل من كونهما بشرين لما أغراهما بها ولما ظنا أنها هي الحالة ~~العليا ولهذا قرنها بالخلود والخالد أفضل من الفانى والملك أطول حياة من ~~الآدمى فيكون أعظم عبادة وأفضل من الآدمى PageV04P384 # والجواب من وجوه ( احدها ) ما ذكره القاضي ان قوله ( إلا أن تكونا ملكين ~~) ظن ان الملائكة خير منهما كما ظن انه خير من آدم وكان مخطئا وقوله ( أو ~~تكونا من الخالدين ) ظنا منه انهما يؤثران الخلود لما في ذلك من السلامة من ~~الامراض والاسقام والاوجاع والآفات والموت لان الخالد في الجنة هذه حاله ~~ولم يخرج هذا مخرج التفضيل على الانبياء الا ترى ان الحور والولدان ~~المخلوقين في الجنة خالدون فيها وليسوا بأفضل من الأنبياء # ( وثانيها ) ان الملك افضل من بعض الوجوه وكذلك الخلود آثر عندهما فمالا ~~إليه # ( وثالثها ) ان حالهما تلك كانت حال ابتداء لا حال انتهاء فانهما في ~~الإنتهاء قد صارا إلى الخلود الذى لا حظر فيه ولا معه ولا يعقبه زوال وكذلك ~~يصيران في الإنتهاء إلى حال هي أفضل وأكمل من حال الملك الذى أراداها أولا ~~وهذا بين # ( الحجة الرابعة ) قوله ms1038 تعالى ( الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس ) ~~فبدأ بهم والابتداء إنما يكون بالافضل والاشرف فالافضل والاشرف كما بدأ ~~بذلك في قوله ( أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين ) فبدأ بالاكمل والأفضل PageV04P385 والجواب أن ~~الإبتداء قد يكون كثيرا بغير الافضل بل يبتدأ بالشيء لاسباب متعددة كما في ~~قوله تعالى @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم @QE@ ~~ولم يدل ذلك على ان نوحا افضل من إبراهيم والنبى صلى الله عليه وسلم افضل ~~وكذلك قوله @QB@ إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات @QE@ لا يدل ~~على ان المسلم افضل من المؤمن فلعله والله أعلم انما بدأ بهم لان الملائكة ~~اسبق خلقا ورسالة فإنهم ارسلوا إلى الجن والانس فذكر الاول فالاول في الخلق ~~والرسالة على ترتيبهم في الوجود # وقد قال تعالى ( يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور والذكور افضل ~~من الإناث وقال ( والتين والزيتون ) ( والشمس وضحاها ) الآيات و ( فيهما ~~فاكهة ونخل ورمان ) إلى غير ذلك ولم يدل التقديم في شيء من هذه المواضع على ~~فضل المبدوء به فعلم أن التقديم ليس لازما للفضل # ( الحجة الخامسة ) قوله تعالى ( فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش ~~لله ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم ) فدل على أن الملك أفضل من البشر وهن ~~إنما أردن ان يتبين لهن حال هي اعظم من حال البشر # وقد اجابوا عنه ( بجوابين ) # احدهما انهن لم يعتقدن ان الملائكة احسن من جميع النبيين وان لم يروهم ~~لمخبر PageV04P386 اخبرهم فسكن إلى خبره فلما هالهن حسنه قلن ( ما هذا بشرا ~~ان هذا إلا ملك كريم ) لأن هذا الحسن ليس بصفة بشر # وثانيهما انهن اعتقدن ان الملائكة خير من النبيين فكان هذا الإعتقاد خطأ ~~منهن ولا يقال انه لما لم يقرن بالانكار دل على انه حق فإن قولهن ( ما هذا ~~بشرا ) خطأ وقولهن ( ان هذا الا ملك كريم ) خطأ ايضا في غيبتهن عنه انه بشر ~~واثباتهن انه ملك وان لم يقرن بالانكاردل على أنه حق وأن قولهن ما ms1039 هذا بشرا ~~إن هذا الا ملك كريم خطأ في نفيهن عنه البشرية واثباتهن له الملائكية وان ~~لم يقرن بالانكار لغيبة عقولهن عند رؤيتة فلم يلمن في تلك الحال على ذلك # واقول ايضا ان النسوة لم يكن يقصدن انه نبى بل ولا انه من الصالحين اذ ~~ذاك ولم يشهدن له فضلا على غيره من البشر في الصلاح والدين وانما شهدن ~~بالفضل في الجمال والحسن وسباهن جماله فشبهنه بحال الملائكة وليس هذا من ~~التفضيل في شيء من الذى نريد # ثم نقول اذا كان التفضيل بالجمال حقا فقد ثبت ان اهل الجنة تدخل الزمرة ~~الاولى ووجوههم كالشمس والذين يلونهم كالقمر الحديث فهذه حال السعداء عند ~~المنتهى وان كان في الجمال والملك تفضيل فانما هو في هذه الحياة الدنيا ~~لعلم علمه النساء واكثر الناس PageV04P387 واما ما فضل الله عباده الصالحين ~~وما اعده الله من الكرامة فأكثر الناس عنه بمعزل ليس لهم نظر إليه وكذلك ما ~~آتاهم الله من العلم الذى غبطتهم الملائكة به من اول ما خلقهم وهو مما به ~~يفضلون فهذا الجواب وما قبله # ( الحجة السادسة ) قوله تعالى ( انه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش ~~مكين مطاع ثم امين ) فهذه صفة جبرائيل # ثم قال ( وما صاحبكم بمجنون ) فوصف جبرائيل بالكرم والرسالة والقوة ~~والتمكين عنده وانه مطاع وانه امين فوصفه بهذه الصفات الفاضلة ثم عطف عليه ~~بقوله ( وما صاحبكم بمجنون ) فاضاف الرسول البشرى الينا وسلب عنه الجنون ~~واثبت له رؤية جبرائيل ونفى عنه البخل والتهمة وفى هذا تفاوت عظيم بين ~~البشر والملائكة وبين الصفات والنعم وهذا قاله بعض المعتزلة زل به عن سواء ~~السبيل # والجواب اولا اين هو من قوله ( الم نشرح لك صدرك ) إلى آخرها وقوله 0 ~~والضحى والليل اذا سجى ) وقوله ( انا فتحنا لك فتحا مبينا ) الآيات ( عسى ~~ان يبعثك ربك مقاما محمودا ) # واين هو عن قصة المعراج التى تأخر فيها جبرائيل عن مقامه ثم اين هو عن ~~الخلة وهو التقريب فهذا نزاع من لم يقدر النبى قدره PageV04P388 # ثم نقول ms1040 ثانيا لما كان جبرائيل هو الذى جاء بالرسالة وهو صاحب الوحى وهو ~~غيب عن الناس لم يروه بأبصارهم ولم يسمعوا كلامه بآذانهم وزعم زاعمون ان ~~الذى يأتيه شيطان يعلمه ما يقول أو انه انما يعلمه إياه بعض الإنس # اخبر الله العباد ان الرسول الذى جاء به ونعته احسن النعت وبين حاله احسن ~~البيان وذلك كله انما هو تشريف لمحمد ونفى عنه ما زعموه وتقرير للرسالة اذ ~~كان هو صاحبه الذى يأتيه بالوحى فقال ( انه لقول رسول كريم ) أي ان الرسول ~~البشرى لم ينطق به من عند نفسه وانما هو مبلغ يقول ما قيل له فكان في اسم ~~الرسول اشارة إلى محض التوسط والسعاية # ثم وصفه بالصفات التى تنفى كل عيب من القوة والمكنة والامانة والقرب من ~~الله سبحانه فلما استقر حال الرسول الملكى بين انه من جهته وانه لا يجيء ~~الا بالخير # وكان الرسول البشرى معلوم ظاهره عندهم وهو الذى يبلغهم الرسالة ولولا ~~هؤلاء لما اطاقوا الاخذ عن الرسول الملكى وانما قال ( صاحبكم ) اشارة إلى ~~انه قد صحبكم سنين قبل ذلك ولا سابقة له بما تقولون فيه وترمونه من الجنون ~~والسحر وغير ذلك وانه لولا سابقته وصحبته اياكم لما استطعتم الاخذ عنه الا ~~تسمعه يقول PageV04P389 ( ولوجعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) تمييزا من ~~المرسلين ثم حقق رسالته بأنه رأى جبرائيل وانه مؤتمن على ما يأخذه عنه فقام ~~امر الرسالة بهاتين الصفتين وجاء على الوجه الأبلغ والاكمل والأصلح # وقد احتجوا بآيات تقدم التنبيه على مقاصدها من وصف الملائكة بالتسبيح ~~والطاعة والعبادة وغير ذلك # ( الحجة السابعة ) الحديث المشهور الصحيح عن الله عز وجل انه قال ( من ~~ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى ومن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ( # والملأ الذى يذكر الله الذاكر فيه هم ( الملائكة ) وقد نطق الحديث بأنهم ~~أفضل من الملأ الذين يذكر العبد فيهم ربه وخير منهم وقد قال بعضهم وكم من ~~ملأ ذكر الله فيه والرسول حاضر فيهم بل وقع ذلك في مجالس الرسول كلهم فأين ~~العدول ms1041 عن هذا الحديث الصحيح # الجواب ان هذا الحديث صحيح وهو أجود واقوى ما احتجوا به وقد اجابوا عنه ~~بوجهين # ( احدهما ) أضعف من الآخر وهو ان الخبر يجوز ان يرجع إلى الذكر لا إلى ~~المذكور فيهم تقديره ذكرته ذكرا خيرا من ذكره لان ذكر الله كلامه وهذا ليس ~~بشيء فان الخبر مجرور صفة للملأ وقد وصل بقوله منهم ولم يقل منه ولولا ذلك ~~المعنى لقيل ذكرته في ملأ خيرا PageV04P390 منه بالنصب وصلة الضمير الذكر ~~وهذا من اوضح الكلام لمن له فقه بالعربية ونعوذ بالله من التنطع # ( وثانيهما ) انه محمول على ملأ خير منه ليس فيهم نبى فإن الحديث عام ~~عموما مقصودا شاملا كيف لا والأنبياء والأولياء هم أهل الذكر ومجالسهم ~~مجالس الرحمة فكيف يجيء استثناؤهم # لكن هنا أوجه متوجهة # ( أحدها ) ( أن الملأ الأعلى ( الذين يذكر الله من ذكره فيهم هم صفوة ~~الملائكة وأفضلهم والذاكر فيهم للعبد هو الله يقال ينبغى ان يفرض على ~~موازنه أفضل بنى آدم يجتمعون في مجلس نبيه وإن كان افضل البشر لكن الذين ~~حوله ليس افضل من بقى من البشر الفضلاء فإن الرسل والأنبياء أفضل منهم # ( وثانيها ) أن مجلس أهل الأرض ان كان فيه جماعة من الأنبياء يذكر العبد ~~فيهم ربه فالله تعالى يذكر العبد في جماعات من الملائكة اكثر من اولئك فيقع ~~الخير للكثرة التى لا يقوم لها شيء فإن الجماعة كلما كثروا كانوا خيرا من ~~القليل # ( وثالثها ) أنه لعله في الملأ الأعلى جماعة من الأنبياء يذكر الله العبد ~~فيهم فإن ارواحهم هناك PageV04P391 # ( ورابعها ) ان من الناس من فرق بين الخير والافضل فيقال الخير للانفع # ( وخامسها ) أنه لا يدل على أن الملأ الاعلى افضل من هؤلاء الذاكرين الا ~~في هذه الدنيا وفى هذه الحال لانهم لم يكملوا بعد ولم يصلحوا ان يصيروا ~~أفضل من الملأ الاعلى فالملأ الاعلى خير منهم في هذه الحالة كما يكون الشيخ ~~العاقل خيرا من عامة الصبيان لانه اذ ذاك فيه من الفضل ما ليس في الصبيان ~~ولعل في الصبيان في عاقبته ms1042 أفضل منه بكثير ونحن انما نتكلم على عاقبة الامر ~~ومستقره # فليتدبر هذا فإنه جواب معتمد ان شاء الله والله سبحانه أعلم بحقائق خلقه ~~وأفاضلهم وأحكم في تدبيرهم ولا حول ولا قوة الا بالله هذا ما تيسر تعليقه ~~وانا عجلان في حين من الزمان والله المستعان وهو المسؤول ان يهدى قلوبنا ~~ويسدد السنتنا وايدينا والحمد لله رب PageV04P392 العالمين ### |||| سئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى # عن ( خديجة ( وعائشة ( أمى المؤمنين أيهما أفضل ### ||||| فأجاب # بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام ونصرها وقيامها في الدين لم ~~تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين # وتأثير عائشة في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وادراكها من ~~العلم ما لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها PageV04P393 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام رحمه الله ### ||| فصل # وأفضل نساء هذه الامة ( خديجة ( و ( عائشة ( و ( فاطمة ( # وفى تفضيل بعضهن على بعض نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه وخديجة وعائشة من ~~ازواجه # فإذا قيل بهذا الاعتبار ان جملة ( أزواجه ( أفضل من جملة ( بناته ( كان ~~صحيحا لان ازواجه اكثر عددا والفاضلة فيهن اكثر من الفاضلة في بناته ~~PageV04P394 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام ### ||| فصل # وأما ( نساء النبى ( فلم يقل إنهن أفضل من العشرة الا أبو محمد بن حزم ~~وهو قول شاذ لم يسبقه إليه أحد وانكره عليه من بلغه من اعيان العلماء ونصوص ~~الكتاب والسنة تبطل هذا القول # وحجته التى احتج بها فاسدة فإنه احتج على ذلك بأن المرأة مع زوجها في ~~درجته في الجنة ودرجة النبى صلى الله عليه وسلم أعلى الدرجات فيكون ازواجه ~~في درجته وهذا يوجب عليه ان يكون أزواجه افضل من الأنبياء جميعهم وان تكون ~~زوجة كل رجل من اهل الجنة افضل ممن هو مثله وان يكون من يطوف على النبى صلى ~~الله عليه وسلم من الولدان ومن يزوج به من الحور العين أفضل من الأنبياء ~~والمرسلين وهذا كله مما يعلم بطلانه عموم المؤمنين # وقد ثبت في الصحيح عن النبى انه قال ( فضل عائشة على ms1043 النساء كفضل الثريد ~~على سائر الطعام ( فانما ذكر فضلها على النساء فقط وقد ثبت PageV04P395 في ~~الصحيح عن النبى انه قال ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا عدد ~~قليل اما اثنتان أو اربع ( واكثر ازواجه لسن من ذلك القليل # والاحاديث المفضلة للصحابة كقوله صلى الله عليه وسلم ( لو كنت متخذا من ~~أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ( يدل على انه ليس في الأرض اهل لا ~~من الرجال ولا من النساء أفضل عنده من ابى بكر وكذلك ما ثبت في الصحيح عن ~~على انه قال خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وما دل على هذا من ~~النصوص التى لا يتسع لها هذا الموضع # وبالجملة فهذا قول شاذ لم يسبق إليه أحد من السلف وابو محمد مع كثرة علمه ~~وتبحره وما يأتى به من الفوائد العظيمة له من الاقوال المنكرة الشاذة ما ~~يعجب منه كما يعجب مما يأتى به من الاقوال الحسنة الفائقة وهذا كقوله ان ~~مريم نبية وان آسية نبية وان أم موسى نبية # وقد ذكر القاضي أبو بكر والقاضى أبو يعلى وابو المعالى وغيرهم الإجماع ~~على انه ليس في النساء نبية والقرآن والسنة دلا على ذلك كما في قوله ( وما ~~ارسلنا من قبلك الا رجالا نوحى اليهم من اهل القرى ) وقوله ( ما المسيح بن ~~مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة ) ذكر ان غاية ما انتهت ~~إليه أمه الصديقية وهذا مبسوط في غير هذا الموضع PageV04P396 ### |PARATEXT| # وقال شيخ ~~الاسلام ### ||| فصل # وأما أبو بكر والخضر فهذا يبنى على نبوة الخضر واكثر العلماء على انه ليس ~~بنبى وهو اختيار ابى على بن ابى موسى وغيره من العلماء فعلى هذا أبو بكر ~~وعمر أفضل منه # والقول الثانى انه نبى واختاره أبو الفرج بن الجوزى وغيره فعلى هذا هو ~~افضل من ابى بكر لكن النبى وعيسى بن مريم هما أفضل منه بالإتفاق ومحمد في ~~اول هذه الأمة وعيسى في آخرها PageV04P397 ### || 1 ( مسألة المفاضلة بين أبي ms1044 بكر وعمر وعلي ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه الله # عن رجلين اختلفا فقال أحدهما أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضى الله ~~عنهما أعلم وأفقه من على بن أبى طالب رضى الله عنه وقال الآخر بل على بن ~~أبى طالب أعلم وأفقه من أبى بكر وعمر فأى القولين أصوب وهل هذان الحديثان ~~وهما قوله ( أقضاكم على ( وقوله ( أنا مدينة العلم وعلى بابها ( صحيحان ~~واذا كانا صحيحين فهل فيهما دليل أن عليا أعلم وأفقه من أبى بكر وعمر رضى ~~الله عنهم أجمعين وإذا ادعى مدع أن إجماع المسلمين على أن عليا رضى الله ~~عنه أعلم وأفقه من أبى بكر وعمر رضى الله عنهم أجمعين يكون محقا أو مخطئا ### ||||| ! 8 < فأجاب # الحمد لله لم يقل أحد من علماء المسلمين المعتبرين أن عليا أعلم ~~وأفقه من أبي بكر وعمر بل ولا من أبي بكر وحده ومدعى الإجماع على ذلك من ~~أجهل الناس وأكذبهم بل ذكر غير واحد من العلماء إجماع العلماء على أن أبا ~~بكر الصديق أعلم من على منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعانى المروذى ~~أحد أئمة السنة من أصحاب الشافعى ذكر في كتابه تقويم الأدلة على الإمام ~~PageV04P398 # اجماع علماء السنة علي أن أبا بكر أعلم من على وما علمت أحدا من الأئمة ~~المشهورين ينازع في ذلك # وكيف وابو بكر الصديق كان بحضرة النبى يفتى ويأمر وينهى ويقضى ويخطب كما ~~كان يفعل ذلك إذا خرج هو وأبو بكر يدعو الناس إلى الاسلام ولما هاجرا جميعا ~~ويوم حنين وغير ذلك من المشاهد والنبى صلى الله عليه وسلم ساكت يقره على ~~ذلك ويرضى بما يقول ولم تكن هذه المرتبة لغيره # وكان النبى في مشاورته لأهل العلم والفقه والرأى من أصحابه يقدم في ~~الشورى أبا بكر وعمر فهما اللذان يتقدمان في الكلام والعلم بحضرة الرسول ~~عليه السلام على سائر أصحابه مثل قصة مشاورته في أسرى بدر فأول من تكلم في ~~ذلك أبوبكر وعمر وكذلك غير ذلك # وقد روى في الحديث أنه قال لهما ( إذا اتفقتما ms1045 على أمر لم أخالفكما ( ~~ولهذا كان قولهما حجة في أحد قولى العلماء ( وهو احدى الروايتين عن أحمد ~~وهذا بخلاف قول عثمان وعلى # وفى السنن عنه أنه قال ( اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر ( ولم يجعل ~~هذا لغيرهما بل ثبت عنه أنه قال ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ~~PageV04P399 الامور فإن كل بدعة ضلالة ( فأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين ~~وهذا يتناول الآئمة الاربعة وخص أبا بكر وعمر بالاقتداء بهما ومرتبة ~~المقتدى به في أفعاله وفيما سنه للمسلمين فوق سنة المتبع فيما سنه فقط وفى ~~صحيح مسلم أن أصحاب النبى كانوا معه في سفر فقال ( ان يطع القوم أبا بكر ~~وعمر يرشدوا ( # وقد ثبت عن بن عباس انه كان يفتى من كتاب الله فإن لم يجد فبما سنه رسول ~~الله فإن لم يجد أفتى بقول أبى بكر وعمر ولم يكن يفعل ذلك بعثمان وعلى و ( ~~بن عباس ( حبر الامة وأعلم الصحابة وأفقههم في زمانه وهو يفتى بقول أبى بكر ~~وعمر مقدما لقولهما على قول غيرهما من الصحابة وقد ثبت عن النبى أنه قال ( ~~اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ( # وأيضا فأبو بكر وعمر كان اختصاصهما بالنبى فوق اختصاص غيرهما وابو بكر ~~كان أكثر اختصاصا فإنه كان يسمر عنده عامة الليل يحدثه في العلم والدين ~~ومصالح المسلمين كما روى أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا أبو معاوية عن الاعمش ~~عن إبراهيم عن علقمة عن عمر قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر ~~عند ابى بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه ( # وفى الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبى بكر أن أصحاب الصفة كانوا PageV04P400 ~~ناسا فقراء وأن النبى قال ( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان ~~عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس وان أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق نبى ~~الله بعشرة وان أبا بكر تعشى عند النبى ثم لبث حتى صليت العشاء ثم رجع فلبث ~~حتى نعس رسول ms1046 الله فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله قالت امرأته ما ~~حبسك عن أضيافك قال أو ما عشيتهم قالت أبوا حتى تجيء عرضوا عليهم العشاء ~~فغلبوهم وذكر الحديث وفى رواية ( كان يتحدث إلى النبى صلى الله عليه وسلم ~~إلى الليل ( # وفى سفر الهجرة لم يصحبه غير أبى بكر ويوم بدر لم يبق معه في العريش غيره ~~وقال ( ان أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل ~~الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ( وهذا من أصح الأحاديث المستفيضة في ~~الصحاح من وجوه كثيرة # وفى الصحيحين عن أبى الدرداء قال ( كنت جالسا عند النبى اذ أقبل أبو بكر ~~آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( اما ~~صاحبكم فقد غامر فسلم وقال انى كان بينى وبين بن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ~~ندمت فسألته أن يغفر لى فأبى على فأتيتك فقال ( يغفر الله لك ثلاثا ( ثم إن ~~عمر ندم فأتى منزل ابى بكر فلم يجده فأتى النبى فجعل وجه النبى صلى الله ~~عليه وسلم يتمعر وغضب حتى PageV04P401 أشفق أبو بكر وقال أنا كنت أظلم يا ~~رسول الله مرتين فقال النبى ( ان الله بعثنى اليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر ~~صدقت وواسانى بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لى صاحبى فهل أنتم تاركوا لى ~~صاحبى ( فما أوذى بعدها قال البخارى غامر سبق بالخير # وفي الصحيحين عن بن عباس قال وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ~~ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم فلم يرعنى إلا رجل قد أخذ بمنكبى ~~من ورائى فالتفت فإذا هو على وترحم على عمر وقال ما خلفت أحدا أحب إلى أن ~~ألقى الله عز وجل بعمله منك وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك ~~وذلك أنى كنت كثيرا ما أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول جئت أنا وأبو ~~بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن ms1047 كنت أرجو أو ~~أظن أن يجعلك الله معهما # وفى الصحيحين وغيرهما أنه لما كان يوم أحد قال أبو سفيان لما أصيب ~~المسلمون أفى القوم محمد أفى القوم محمد أفي القوم محمد فقال النبى ( لا ~~تجيبوه ( فقال أفى القوم بن أبى قحافة أفى القوم بن أبى قحافة أفى القوم بن ~~أبى قحافة فقال النبى ( لا تجيبوه ( فقال أفى القوم بن الخطاب أفى القوم بن ~~الخطاب أفى القوم بن الخطاب فقال النبى ( لا تجيبوه ( فقال لأصحابه أما ~~هؤلاء فقد PageV04P402 كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال كذبت عدو الله إن ~~الذين عددت لأحياء وقد بقى لك ما يسوءك الحديث فهذا أمير الكفار في تلك ~~الحال انما سأل عن النبى وأبى بكر وعمر دون غيرهم لعلمه بأنهم رؤوس ~~المسلمين النبى ووزيراه # ولهذا سأل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبى في حياته فقال ~~منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته وكثرة الاختصاص والصحبة مع ~~كمال المودة والائتلاف والمحبة والمشاركة في العلم والدين تقتضى أنهما أحق ~~بذلك من غيرهما وهذا ظاهر بين لمن له خبرة بأحوال القوم # أما الصديق فإنه مع قيامه بأمور من العلم والفقه عجز عنها غيره حتى بينها ~~لهم لم يحفظ له قول مخالف نصا هذا يدل على غاية البراعة وأما غيره فحفظت له ~~أقوال كثيرة خالفت النص لكون تلك النصوص لم تبلغهم # والذى وجد من موافقة ( عمر ( للنصوص أكثر من موافقة على وهذا يعرفه من ~~عرف مسائل العلم وأقوال العلماء فيها وذلك مثل نفقة المتوفى عنها زوجها فان ~~قول عمر هو الذى وافق النص دون القول الآخر وكذلك ( مسألة الحرام قول عمر ~~وغيره فيها هو الأشبه بالنصوص من القول الآخر وقد ثبت في الصحيحين عن النبى ~~أنه قال ( قد كان في الأمم PageV04P403 قبلكم محدثون فان يكن في أمتى أحد ~~فعمر ( وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( رأيت كأنى أتيت بقدح لبن فشربت حتى ~~انى لأرى الرى يخرج من أظفارى ثم ناولت فضلى عمر ( فقالوا ما أولته يا رسول ms1048 ~~الله قال ( العلم ( وفى الترمذى وغيره أنه قال لو لم أبعث فيكم لبعث عمر # وأيضا فان الصديق استخلفه النبى صلى الله عليه وسلم على ( الصلاة ( التى ~~هي عمود الإسلام وعلى إقامة المناسك ( التى ليس في مسائل العبادات أشكل ~~منها وأقام المناسك قبل أن يحج النبى فنادى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا ~~يطوف بالبيت عريان فأردفه بعلى بن أبى طالب لينبذ العهد إلى المشركين فلما ~~لحقه قال أمير أو مأمور قال بل مأمور فأمر أبا بكر على على بن ابى طالب ~~وكان على ممن أمره النبى أن يسمع ويطيع في الحج وأحكام المسافرين وغير ذلك ~~لأبى بكر وكان هذا بعد غزوة تبوك التى إستخلف عليا فيها على المدينة ولم ~~يكن بقى بالمدينة من الرجال إلا منافق أو معذور أو مذنب فلحقه على فقال ~~أتخلفنى مع النساء والصبيان فقال ( أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من ~~موسى ( # بين بذلك أن استخلاف على على المدينة لا يقتضى نقص المرتبة فإن موسى قد ~~استخلف هارون وكان النبي دائما يستخلف رجالا لكن كان يكون بها رجال وعام ~~تبوك خرج النبي بجميع المسلمين ولم يأذن لأحد في التخلف عن الغزاة لان ~~العدو كان شديدا والسفر PageV04P404 # بعيدا وفيها أنزل الله سورة براءة وكتاب أبي بكر في الصدقات أجمع الكتب ~~وأوجزها ولهذا عمل به عامة الفقهاء وكتاب غيره فيه ما هو متقدم منسوخ فدل ~~ذلك على أنه أعلم بالسنة الناسخة وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال وكان أبو ~~بكر أعلمنا برسول الله وأيضا فالصحابة في زمن أبى بكر لم يكونوا يتنازعون ~~في مسألة إلا فصلها بينهم أبو بكر وارتفع النزاع فلا يعرف بينهم في زمانه ~~مسألة واحدة تنازعوا فيها الا ارتفع النزاع بينهم بسببه كتنازعهم في وفاته ~~ومدفنه وفى ميراثه وفى تجهيز جيش أسامة وقتال مانعى الزكاة وغير ذلك من ~~المسائل الكبار بل كان خليفة رسول الله فيهم يعلمهم ويقومهم ويبين لهم ما ~~تزول معه الشبهة فلم يكونوا معه يختلفون # وبعده لم يبلغ علم أحد ms1049 وكماله علم أبى بكر وكماله فصاروا يتنازعون في بعض ~~المسائل كما تنازعوا في الجد والإخوة وفى الحرام وفى الطلاق الثلاث وفى غير ~~ذلك من المسائل المعروفة مما لم يكونوا يتنازعون فيه على عهد أبى بكر ~~وكانوا يخالفون عمر وعثمان وعليا في كثير من أقوالهم ولم يعرف أنهم خالفوا ~~أبا بكر في شيء مما كان يفتى فيه ويقضى وهذا يدل على غاية العلم وقام مقام ~~رسول الله وأقام الإسلام فلم يخل بشيء منه بل أدخل الناس من الباب الذى ~~خرجوا منه مع كثرة المخالفين من المرتدين وغيرهم وكثرة الخاذلين فكمل به من ~~علمهم ودينهم مالا يقاومه فيه PageV04P405 أحد حتى قام الدين كما كان ~~وكانوا يسمون أبا بكر خليفة رسول الله ثم بعد هذا سموا عمر وغيره أمير ~~المؤمنين قال السهيلى وغيره من العلماء ظهر قوله ( لا تحزن إن الله معنا ( ~~في أبى بكر في اللفظ كما ظهر في المعنى فكانوا يقولون محمد رسول الله وأبو ~~بكر خليفة رسول الله ثم انقطع هذا الاتصال اللفظى بموته فلم يقولوا لمن ~~بعده خليفة رسول الله # وأيضا ( فعلى بن أبى طالب ( تعلم من أبى بكر بعض السنة بخلاف أبى بكر ~~فإنه لم يتعلم من على بن أبى طالب كما في الحديث المشهور الذى في السنن ~~حديث صلاة التوبة عن على قال كنت إذا سمعت من النبى حديثا ينفعنى الله منه ~~بما شاء أن ينفعنى فإذا حدثنى غيره استحلفته فإذا حلف لى صدقته وحدثنى أبو ~~بكر وصدق أبو بكر عن النبى أنه قال ( ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويحسن ~~الوضوء ويصلى ركعتين ويستغفر الله الا غفر الله له ( # ومما يبين لك هذا أن أئمة علماء الكوفة الذين صحبوا عمر وعليا كعلقمة ~~والأسود وشريح القاضي وغيرهم كانوا يرجحون قول عمر على قول على وأما تابعوا ~~أهل المدينة ومكة والبصرة فهذا عندهم أظهر وأشهر من أن يذكر وإنما الكوفة ~~ظهر فيها فقه على وعلمه بحسب مقامه فيها مدة خلافته # وكل شيعة على الذين صحبوه لا يعرف ms1050 عن أحد منهم أنه قدمه على أبي بكر ~~PageV04P406 وعمر لا في فقه ولا علم ولا غيرهما بل كل شيعته الذين قاتلوا ~~معه عدوه كانوا مع سائر المسلمين يقدمون أبا بكر وعمر إلا من كان على ينكر ~~عليه ويذمه مع قلتهم في عهد على وخمولهم كانوا ثلاث طوائف # طائفة غلت فيه كالتى ادعت فيه الالهية وهؤلاء حرقهم على بالنار # وطائفة كانت تسب أبا بكر وكان رأسهم عبد الله بن سبأ فلما بلغ عليا ذلك ~~طلب قتله فهرب منه # وطائفة كانت تفضله على أبى بكر وعمر قال لا يبلغنى عن أحد منكم أنه فضلنى ~~على أبى بكر وعمر الا جلدته حد المفترى وقد روى عن على من نحو ثمانين وجها ~~وأكثر انه قال على منبر الكوفة خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وقد ~~ثبت في صحيح البخارى وغيره من رواية رجال همدان خاصة التى يقول فيها على # ولو كنت بوابا على باب جنة %~% لقلت لهمدان ادخلى بسلام # من رواية سفيان الثورى عن منذر الثورى وكلاهما من همدان رواه البخارى عن ~~محمد بن كثير قال حدثنا سفيان الثورى حدثنا جامع بن شداد حدثنا أبو يعلى ~~منذر الثورى عن محمد بن الحنفية قال قلت لابى يا أبت من خير الناس بعد رسول ~~الله فقال يا بنى أو ما تعرف فقلت لا فقال أبو بكر قلت ثم من قال ثم عمر ~~PageV04P407 وهذا يقوله لابنه الذى لا يتقيه ولخاصته ويتقدم بعقوبة من ~~يفضله عليهما والمتواضع لا يجوز له أن يتقدم بعقوبة كل من قال الحق ولا ~~يجوز أن يسميه مفتريا ورأس الفضائل العلم وكل من كان أفضل من غيره من ~~الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه قال تعالى @QB@ هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك ~~كثير # وأما قوله اقضاكم على فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة ولا أهل المسانيد ~~المشهورة لا أحمد ولا غيره باسناد صحيح ولا ضعيف وإنما يروى من طريق من هو ~~معروف ms1051 بالكذب ولكن قال عمر بن الخطاب أبي اقرؤنا وعلى اقضانا وهذا قاله بعد ~~موت أبي بكر # والذي في الترمذي وغيره أن النبي قال أعلم أمتى بالحلال والحرام معاذ بن ~~جبل واعلمها بالفرائض زيد بن ثابت وليس فيه ذكر على والحديث الذي فيه ذكر ~~على مع ضعفه فيه أن معاذ بن جبل اعلم بالحلال والحرام وزيد بن ثابت أعلم ~~بالفرائض فلو قدر صحة هذا الحديث لكان الأعلم بالحلال والحرام أو سع علما ~~من الاعلم بالقضاء لأن الذي يختص بالقضاء إنما هو فصل الخصومات في الظاهر ~~مع جواز أن يكون الباطن بخلافه كما قال النبي انكم تختصمون إلى ولعل بعضكم ~~أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما اقضى بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه ~~شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فقد أخبر سيد القضاة أن قضاءه ~~PageV04P408 # لا يحل الحرام بل يحرم على المسلم أن يأخذ بقضائه ما قضى له به من حق ~~الغير وعلم الحلال والحرام يتناول الظاهر والباطن فكان الأعلم به أعلم ~~بالدين وأيضا فالقضاء نوعان # أحدهما الحكم عند تجاحد الخصمين مثل أن يدعى أحدهما أمرا يكذبه الآخر فيه ~~فيحكم فيه بالبينة ونحوها # والثاني مالا يتجاحدان فيه يتصادقان ولكن لا يعلمان ما يستحق كل منهما ~~كتنازعهما في قسم فريضة أو فيما يجب لكل من الزوجين على الآخر أو فيما ~~يستحقه كل من الشريكين ونحو ذلك # فهذا الباب هو من أبواب الحلال والحرام فإذا أفتاهما من يرضيان بقوله ~~كفاهما ذلك ولم يحتاجا إلى من يحكم بينهما وإنما يحتاجان إلى حاكم عند ~~التجاحد وذاك إنما يكون في الأغلب مع الفجور وقد يكون مع النسيان فأما ~~الحلال والحرام فيحتاج إليه كل أحد من بر وفاجر وما يختص بالقضاء لا يحتاج ~~إليه إلا قليل من الأبرار ولهذا لما أمر أبو بكر عمر أن يقضي بين الناس مكث ~~حولا لم يتحاكم اثنان في شيء ولو عد مجموع ما قضى النبى من هذا النوع لم ~~يبلغ عشر حكومات فأين هذا من ms1052 كلامه في الحلال والحرام الذى هو قوام دين ~~الإسلام يحتاج إليه الخاص والعام PageV04P409 وقوله ( أعلمهم بالحلال ~~والحرام معاذ بن جبل أقرب إلى الصحة باتفاق علماء الحديث من قوله أقضاكم ~~على لو كان مما يحتج به وإذا كان ذلك أصح اسنادا وأظهر دلالة علم أن المحتج ~~بذلك على أن عليا أعلم من معاذ بن جبل جاهل فكيف من أبى بكر وعمر اللذين ~~هما أعلم من معاذ بن جبل مع أن الحديث الذى فيه ذكر معاذ وزيد يضعفه بعضهم ~~ويحسنه بعضهم وأما الحديث الذى فيه ذكر على فإنه ضيعف # وأما حديث ( أنا مدينة العلم ( فأضعف وأوهى ولهذا انما يعد في الموضوعات ~~المكذوبات وان كان الترمذى قد رواه ولهذا ذكره بن الجوزى في الموضوعات وبين ~~أنه موضوع من سائر طرقه # والكذب يعرف من نفس متنه لا يحتاج إلى النظر في إسناده فإن النبى صلى ~~الله عليه وسلم إذا كان ( مدينة العلم ( لم يكن لهذه المدينة الا باب واحد ~~ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحدا بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر ~~الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب ورواية الواحد لا تفيد العلم الا مع قرائن ~~وتلك القرائن إما أن تكون منتفية وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس أو ~~أكثرهم فلا يحصل لهم العلم بالقران والسنة المتواترة بخلاف النقل المتواتر ~~الذى يحصل به العلم للخاص والعام # وهذا الحديث انما افتراه زنديق أو جاهل ظنه مدحا وهو مطرق الزنادقة إلى ~~القدح في علم الدين اذا لم يبلغه الا واحد من الصحابة PageV04P410 # ثم ان هذا خلاف المعلوم بالتواتر فان جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم عن ~~رسول الله من غير طريق على رضى الله عنه أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهم ~~ظاهر وكذلك أهل الشام والبصرة فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن على الا شيئا ~~قليلا وانما غالب علمه كان في أهل الكوفة ومع هذا فقد كانوا تعلموا القرآن ~~والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلا عن خلافة على وكان أفقه أهل المدينة ~~وأعلمهم تعلموا ms1053 الدين في خلافة عمر وقبل ذلك لم يتعلم أحد منهم من على شيئا ~~الا من تعلم منه لما كان باليمن كما تعلموا حينئذ من معاذ بن جبل وكان مقام ~~معاذ بن جبل في أهل اليمن وتعليمه لهم أكثر من مقام على وتعليمه ولهذا روى ~~أهل اليمن عن معاذ أكثر مما رووه عن على وشريح وغيره من أكابر التابعين ~~انما تفقهوا على معاذ # ولما قدم على الكوفة كان شريح قاضيا فيها قبل ذلك وعلى وجد على القضاء في ~~خلافته شريحا وعبيدة السلمانى وكلاهما تفقه على غيره # فإذا كان علم الإسلام انتشر في ( مدائن الاسلام ( بالحجاز والشام واليمن ~~والعراق وخراسان ومصر والمغرب قبل أن يقدم إلى الكوفة ولما صار إلى الكوفة ~~عامة ما بلغه من العلم بلغه غيره من الصحابة ولم يختص على بتبليغ شيء من ~~العلم الا وقد اختص غيره بما هو أكثر منه PageV04P411 # فالتبليغ العام الحاصل بالولاية حصل لأبي بكر وعمر وعثمان منه أكثر مما ~~حصل لعلى وأما الخاص فابن عباس كان أكثر فتيا منه وأبو هريرة أكثر رواية ~~منه وعلى أعلم منهما كما أن أبا بكر وعمر وعثمان أعلم منهما أيضا فإن ~~الخلفاء الراشدين قاموا من تبليغ العلم العام بما كان الناس أحوج إليه مما ~~بلغه من بلغ بعض العلم الخاص # وأما ما يرويه أهل الكذب والجهل من اختصاص على بعلم انفرد به عن الصحابة ~~فكله باطل وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قيل له هل عندكم من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شيء فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه ~~الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة وكان فيها عقول الديات أى أسنان ~~الإبل التى تجب فيه الدية وفيها فكاك الأسير وفيها لا يقتل مسلم بكافر # وفي لفظ هل عهد إليكم رسول الله شيئا لم يعهده إلى الناس فنفى ذلك إلى ~~غير ذلك من الأحاديث عنه التى تدل على أن كل من ادعى أن النبي خصة بعلم فقد ~~كذب عليه وما يقوله بعض ms1054 الجهال أنه شرب من غسل النبى فأورثه علم الأولين ~~والآخرين من أقبح الكذب البارد فإن شرب غسل الميت ليس بمشروع ولا شرب على ~~شيئا ولو كان هذا يوجب العلم لشركه في ذلك كل من حضر ولم يرو هذا أحد من ~~أهل العلم PageV04P412 وكذلك ما يذكر أنه كان عنده علم باطن امتاز به عن ~~أبى بكر وعمر وغيرهما فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية ونحوهم الذين هم ~~أكفر منهم بل فيهم من الكفر ما ليس في اليهود والنصارى كالذين يعتقدون ~~إلهيته ونبوته وأنه كان أعلم من النبى وأنه كان معلما للنبى في الباطن ونحو ~~هذه المقالات التى انما يقولها الغلاة في الكفر والالحاد والله سبحانه ~~وتعالى أعلم PageV04P413 ### || 1 ( مسألة في تفضيل الثلاثة على علي ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ! 8 < # عن رجل متمسك بالسنة ويحصل له ريبة في تفضيل الثلاثة على ( على ) لقوله ~~عليه السلام له ( أنت منى وأنا منك ) وقوله ( أنت منى بمنزلة هارون من موسى ~~وقوله ( لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله الخ ) وقوله ( من كنت مولاه ~~فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه الخ وقوله ( أذكركم الله في ~~أهل بيتى وقوله سبحانه @QB@ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم @QE@ الآية ~~وقوله تعالى @QB@ هل أتى على الإنسان @QE@ الآية وقوله ( هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم ) الآية ### ||||| ! 8 < فأجاب ! 8 < # يجب أن يعلم ( أولا ) أن التفضيل اذا ثبت للفاضل من الخصائص مالا يوجد ~~مثله للمفضول فاذا استويا وانفردأحدهما بخصائص كان أفضل وأما الأمور ~~المشتركة فلا توجب تفضيله على غيره واذا كان كذلك ففضائل الصديق رضى الله ~~عنه التى تميز بها لم يشركه PageV04P414 فيها غيره وفضائل على مشتركة وذلك ~~أن قوله ( لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا ( وقوله ~~( لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر ( وقوله ( ان أمن الناس ~~على في صحبته وذات يده أبو بكر وهذا فيه ثلاث خصائص لم يشركه فيها أحد # الأولى أنه ليس لأحد منهم عليه ms1055 في صحبته وماله مثل ما لأبي بكر # الثانية قوله لا يبقى في المسجد الخ وهذا تخصيص له دون سائرهم وأراد بعض ~~الكذابين أن يروى لعلى مثل ذلك والصحيح لا يعارضه الموضوع # الثالثة قوله لو كنت متخذا خليلا نص في أنه لا أحد من البشر استحق الخلة ~~لو أمكنت إلا هو ولو كان غيره أفضل منه لكان أحق بها لو تقع # وكذلك أمره له أن يصلى بالناس مدة مرضه من الخصائص وكذلك تأميره له في ~~المدينة على الحج ليقيم السنة ويمحق آثار الجاهلية فإنه من خصائصه وكذلك ~~قوله في الحديث الصحيح ادع أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا وأمثال هذه ~~الأحاديث كثيرة تبين أنه لم يكن في الصحابة من يساويه وأما قوله أنت منى ~~وأنا منك فقد قالها لغيره وقالها لسلمان والاشعريين وقال تعالى @QB@ ~~ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم @QE@ وقوله من غشنا فليس منا ومن حمل ~~علينا السلاح فليس منا يقتضى أن من يترك PageV04P415 هذه الكبائر يكون منا ~~فكل مؤمن كامل الإيمان فهو من النبي والنبي منه وقوله في ابنه حمزة أنت منى ~~وأنا منك وقوله لزيد أنت أخونا ومولانا لا يختص بزيد بل كل مواليه كذلك # وكذلك قوله ( لأعطين الراية 0000 الخ ( هو أصح حديث يروى في فضله وزاد ~~فيه بعض الكذابين انه أخذها أبو بكر وعمر فهربا وفى الصحيح أن عمر قال ما ~~أحببت الإمارة إلا يومئذ فهذا الحديث رد على الناصبة الواقعين في على وليس ~~هذا من خصائصه بل كل مؤمن كامل الإيمان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ~~قال تعالى ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ( وهم الذين قاتلوا أهل ~~الردة وامامهم أبو بكر وفى الصحيح ( أنه سأله أى الناس أحب إليك قال عائشة ~~قال فمن الرجال قال أبوها ( وهذا من خصائصه # وأما قوله ( أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ( قاله في غزوة ~~تبوك لما استخلفه على المدينة فقيل استخلفه لبغضه إياه وكان النبى إذا غزا ~~استخلف رجلا من أمته وكان ms1056 بالمدينة رجال من المؤمنين القادرين وفى غزوة ~~تبوك لم يأذن لأحد فلم يتخلف أحد إلا لعذر أو عاص فكان ذلك الاستخلاف ضعيفا ~~فطعن به المنافقون بهذا السبب فبين له أنى لم استخلفك لنقص عندى فإن موسى ~~استخلف هارون وهو شريكه في الرسالة أفما ترضى بذلك ومعلوم أنه استخلف غيره ~~قبله وكانوا منه بهذه PageV04P416 المنزلة فلم يكن هذا من خصائصه ولو كان ~~هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم يخف على على ولحقه يبكى # ومما بين ذلك أنه بعد هذا أمر عليه أبا بكر سنة تسع وكونه بعثه لنبذ ~~العهود ليس من خصائصه لأن العادة لما جرت أنه لا ينبذ العهود ولا يعقدها ~~إلا رجل من أهل بيته فأى شخص من عترته نبذها حصل المقصود ولكنه أفضل بنى ~~هاشم بعد رسول الله فكان أحق الناس بالتقدم من سائرهم فلما أمر أبا بكر بعد ~~قوله ( أما ترضى 000 الخ ( علمنا أنه لا دلالة فيه على أنه بمنزلة هارون من ~~كل وجه وإنما شبهه به في الاستخلاف خاصة وذلك ليس من خصائصه # وقد شبه النبى أبا بكر بإبراهيم وعيسى وشبه عمر بنوح وموسى عليهم الصلاة ~~والسلام لما أشارا في الاسرى وهذا أعظم من تشبيه على بهارون ولم يوجب ذلك ~~أن يكونا بمنزلة أولئك الرسل وتشبيه الشيء بالشيء لمشابهته في بعض الوجوه ~~كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب # وأما قوله ( من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه 0000 الخ ( فهذا ~~ليس في شيء من الامهات الا في الترمذى وليس فيه الا ( من كنت مولاه فعلى ~~مولاه ( وأما الزيادة فليست في الحديث وسئل عنها الإمام أحمد فقال زيادة ~~كوفية ولا ريب أنها كذب لوجوه PageV04P417 ( أحدها ( أن الحق لا يدور مع ~~معين الا النبى لأنه لو كان كذلك لوجب اتباعه في كل ما قال ومعلوم أن عليا ~~ينازعه الصحابة واتباعه في مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعه كالمتوفى ~~عنها زوجها وهى حامل وقوله ( اللهم انصر من نصره 00000 الخ ( خلاف الواقع ~~قاتل معه أقوام ms1057 يوم ( صفين ( فما انتصروا وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا ( ~~كسعد ( الذى فتح العراق لم يقاتل معه وكذلك اصحاب معاوية وبنى أمية الذين ~~قاتلوه فتحوا كثيرا من بلاد الكفار ونصرهم الله # وكذلك قوله ( اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ( مخالف لأصل الاسلام فإن ~~القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغى بعضهم على بعض وقوله ( من ~~كنت مولاه فعلى مولاه ( فمن اهل الحديث من طعن فيه كالبخارى وغيره ومنهم من ~~حسنه فان كان قاله فلم يرد به ولاية مختصا بها بل ولاية مشتركة وهي ولاية ~~الإيمان التي للمؤمنين والموالاة ضد المعاداة ولا ريب إنه يجب موالاة ~~المؤمنين على سواهم ففيه رد على النواصب وحديث ( التصدق بالخاتم في الصلاة ~~( كذب باتفاق أهل المعرفة وذلك مبين بوجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع # وأما قوله يوم غدير خم ( أذكركم الله في اهل بيتى ( فليس من الخصائص ~~PageV04P418 بل هو مساو لجميع اهل البيت وابعد الناس عن هذه الوصية الرافضة ~~فإنهم يعادون العباس وذريته بل يعادون جمهور اهل البيت ويعينون الكفار ~~عليهم وأما آية ( المباهلة ( فليست من الخصائص بل دعا عليا وفاطمة وابنيهما ~~ولم يكن ذلك لأنهم أفضل الأمة بل لأنهم أخص أهل بيته كما في حديث الكساء ( ~~اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ( # فدعا لهم وخصهم و ( الأنفس ( يعبر عنها بالنوع الواحد كقوله ( ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ( وقال ( فاقتلوا أنفسكم ( أى يقتل بعضكم ~~بعضا وقوله ( أنت منى وأنا منك ( ليس المراد أنه من ذاته ولا ريب أنه أعظم ~~الناس قدرا من الاقارب فله من مزية القرابة والايمان مالا يوجد لبقية ~~القرابة فدخل في ذلك المباهلة وذلك لا يمنع أن يكون في غير الاقارب من هو ~~أفضل منه لان المباهلة وقعت في الاقارب وقوله ( هذان خصمان ( الآية فهي ~~مشتركة بين على وحمزة وعبيدة بل وسائر البدريين يشاركونهم فيها # وأما سورة ( هل أتى على الإنسان ( فمن قال إنها نزلت فيه وفى فاطمة ~~وابنيهما فهذا كذب لانها مكية والحسن والحسين إنما ms1058 ولدا في المدينة وبتقدير ~~صحته فليس فيه أنه من أطعم مسكينا ويتيما وأسيرا أفضل الصحابة بل الآية ~~عامة مشتركة فيمن فعل هذا وتدل على استحقاقه للثواب على هذا العمل مع أن ~~غيره من الاعمال من الايمان بالله والصلاة في وقتها والجهاد أفضل منه ~~PageV04P419 ### |||| وسئل # عمن يقول لا أفضل عليا على غيره وإذا ذكر ( على ( صلى ~~عليه مفردا هل يجوز له أن يخصه بالصلاة دون غيره ### ||||| فأجاب # ليس لاحد أن يخص أحدا بالصلاة عليه دون النبى لا أبا بكر ولا عمر ولا ~~عثمان ولا عليا ومن فعل ذلك فهو مبتدع بل إما أن يصلى عليهم كلهم أو يدع ~~الصلاة عليهم كلهم # بل المشروع أن يقول ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم ~~في العالمين إنك حميد مجيد ( # ومن قال لا أفضل عليا على غيره فهو مخطئ مخالف للادلة الشرعية # والله أعلم PageV04P420 ### |||| سئل # عن قول الشيخ ( أبى محمد عبد الله بن أبى زيد ( في آخر ( عقيدته ( وأن ~~خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأفضل ( الصحابة ( الخلفاء الراشدون المهديون ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلى فما الدليل على تفضيل أبى بكر على عمر وتفضيل عمر ~~على عثمان وعثمان على على فاذا تبين ذلك فهل تجب عقوبة من يفضل المفضول على ~~الفاضل أم لا بينوا لنا ذلك بيانا مبسوطا مأجورين ان شاء الله تعالى ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اما تفضيل أبى بكر ثم عمر على عثمان وعلى فهذا ~~متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالامامة في العلم والدين من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم وهو مذهب مالك وأهل المدينة والليث بن سعد وأهل ~~مصر والاوزاعي وأهل الشام وسفيان الثورى وأبى حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن ~~سلمة وأمثالهم من أهل العراق وهو مذهب الشافعى واحمد واسحق وأبى عبيد وغير ~~هؤلاء من أئمة الاسلام الذين لهم لسان ms1059 صدق في الامة وحكى مالك اجماع أهل ~~المدينة على ذلك فقال ما ادركت أحدا ممن أفتدى به يشك في تقديم أبى بكر ~~وعمر PageV04P421 وهذا مستفيض عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب وفى صحيح ~~البخارى عن محمد بن الحنفية انه قال لابيه على بن أبى طالب يا أبت من خير ~~الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا بنى أو ما تعرف قلت لا قال ~~أبو بكر قلت ثم من قال عمر ويروى هذا عن على بن ابى طالب من نحو ثمانين ~~وجها وانه كان يقوله على منبر الكوفة بل قال لا اوتى باحد يفضلنى على ابى ~~بكر وعمر الا جلدته حد المفترى فمن فضله على ابى بكر وعمر جلد بمقتضى قوله ~~رضى الله عنه ثمانين سوطا # وكان سفيان يقول من فضل عليا على ابى بكر فقد أزرى بالمهاجرين وما ارى ~~انه يصعد له إلى الله عمل وهو مقيم على ذلك وفى الترمذى وغيره روى هذا ~~التفضيل عن النبى صلى الله عليه وسلم وانه قال ( يا على هذان سيدا كهول اهل ~~الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين وقد استفاض في الصحيحين ~~وغيرهما عن النبى من غير وجه من حديث ابى سعيد وبن عباس وجندب بن عبد الله ~~وبن الزبير وغيرهم ان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لو كنت متخذا من اهل ~~الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ( يعنى نفسه # وفى الصحيح انه قال على المنبر ( ان امن الناس على في صحبته وذات يده أبو ~~بكر ولو كنت متخذا من اهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم ~~خليل الله الا لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة PageV04P422 ابى ~~بكر وهذا صريح في انه لم يكن عنده من اهل الأرض من يستحق المخالة لو كانت ~~ممكنة من المخلوقين الا أبا بكر فعلم انه لم يكن عنده افضل منه ولا احب ~~إليه منه وكذلك في الصحيح انه قال عمرو بن العاص ms1060 أي الناس أحب اليك قال ~~عائشة قال فمن الرجال قال أبوها # وكذلك في الصحيح أنه قال لعائشة ( ادعى لى أباك وأخاك حتى أكتب لأبى بكر ~~كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدى ثم قال يأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر ~~( وفى الصحيح عنه أن امرأة قالت يا رسول الله أرأيت ان جئت فلم أجدك كأنها ~~تعنى الموت قال فأتى أبا بكر وفي السنن عنه إنه قال اقتدوا باللذين من بعدى ~~أبي بكر وعمر وفي الصحيح عنه إنه كان في سفر فقال إن يطع القوم أبا بكر ~~وعمر يرشدوا وفى السنن عنه انه قال ( رأيت كانى وضعت في كفة والأمة في كفة ~~فرجحت بالأمة ثم وضع أبو بكر في كفة والأمة في كفة فرجح أبو بكر ثم وضع عمر ~~في كفة والأمة في كفة فرجح عمر ( # وفى الصحيح انه كان بين ابى بكر وعمر كلام فطلب أبو بكر من عمر ان يستغفر ~~له فلم يفعل فجاء أبو بكر إلى النبى فذكر ذلك فقال ( اجلس يا أبا بكر يغفر ~~الله لك ( وندم عمر فجاء إلى منزل ابى بكر فلم يجده فجاء إلى النبى فغضب ~~النبى صلى الله عليه وسلم وقال ايها الناس انى جئت اليكم فقلت انى رسول ~~الله فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت فهل أنتم تاركوا لى صاحبى فهل أنتم ~~تاركوا لى صاحبى فهل أنتم تاركوا لى PageV04P423 صاحبى فما اوذى بعدها وقد ~~تواتر في الصحيح والسنن ان النبى صلى الله عليه وسلم لما مرض قال ( مروا ~~أبا بكر فليصل بالناس مرتين أو ثلاثا ( حتى قال ( إنكن لأنتن صواحب يوسف ~~مروا أبا بكرأن يصلى بالناس # فهذا التخصيص والتكرير والتوكيد في تقديمه في الامامة على سائر الصحابة ~~مع حضور عمر وعثمان وعلى وغيرهم مما بين للامة تقدمه عنده على غيره وفى ~~الصحيح ان جنازة عمر لما وضعت جاء على بن ابى طالب يتخلل الصفوف ثم قال ~~لأرجو ان يجعلك الله مع صاحبيك فانى كثيرا ما كنت اسمع النبى يقول ( دخلت ~~انا وابو ms1061 بكر وعمر وخرجت انا وابو بكر وعمر وذهبت انا وابو بكر وعمر ( فهذا ~~يبين ملازمتهما للنبى في مدخله ومخرجه وذهابه # ولذلك قال ( مالك ( للرشيد لما قال له يا أبا عبد الله اخبرنى عن منزلة ~~ابى بكر وعمر من النبى فقال يا امير المؤمنين منزلتهما منه في حياته ~~كمنزلتهما منه بعد وفاته فقال شفيتنى يا مالك وهذا يبين انه كان لهما من ~~اختصاصهما بصحبته وموازرتهما له على امره ومباطنتهما مما يعلمه بالاضطرار ~~كل من كان عالما بأحوال النبى واقواله وافعاله وسيرته مع اصحابه # ولهذا لم يتنازع في هذا أحد من اهل العلم بسيرته وسنته وأخلاقه وإنما ~~PageV04P424 ينفى هذا أو يقف فيه من لا يكون عالما بحقيقة أمور النبى وإن ~~كان له نصيب من كلام أو فقه أو حساب أو غير ذلك أو من يكون قد سمع أحاديث ~~مكذوبة تناقض هذه الأمور المعلومة بالاضطرار عند الخاصة من أهل العلم فتوقف ~~في الامر أو رجح غير أبى بكر # وهذا كسائر الامور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنه رسول الله وإن ~~كان غيرهم يشك فيها أو ينفيها كالاحاديث المتواترة عندهم في شفاعته وحوضه ~~وخروج أهل الكبائر من النار والاحاديث المتواترة عندهم في الصفات والقدر ~~والعلو والرؤية وغير ذلك من الاصول التى اتفق عليها أهل العلم بسنته كما ~~تواترت عندهم عنه وان كان غيرهم لا يعلم ذلك كما تواتر عند الخاصة من أهل ~~العلم عنه الحكم بالشفعة وتحليف المدعى عليه ورجم الزانى المحصن واعتبار ~~النصاب في السرقة وأمثال ذلك من الاحكام التى ينازعهم فيها بعض أهل البدع # ولهذا كان أئمة الاسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الاصول ~~بخلاف من نازع في مسائل الاجتهاد التى لم تبلغ هذا المبلغ في تواتر السنن ~~عنه كالتنازع بينهم في الحكم بشاهد ويمين وفى القسامة والقرعة وغير ذلك من ~~الامور التى لم تبلغ هذا المبلغ # وأما ( عثمان وعلى ( فهذه دون تلك فإن هذه كان قد حصل فيها نزاع ~~PageV04P425 فإن سفيان الثورى وطائفة من أهل الكوفة رجحوا عليا ms1062 على عثمان ~~ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلى وهى إحدى ~~الروايتين عن مالك لكن الرواية الاخرى عنه تقديم عثمان على على كما هو مذهب ~~سائر الأئمة كالشافعى وأبى حنيفة وأصحابه واحمد بن حنبل وأصحابه وغير هؤلاء ~~من أئمة الإسلام # حتى ان هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم عليا على عثمان هل يعد من أهل البدعة على ~~قولين هما روايتان عن أحمد وقد قال أيوب السختيانى واحمد بن حنبل ~~والدارقطنى من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والانصار وأيوب هذا ~~امام اهل السنة وامام اهل البصرة روى عنه مالك في الموطأ وكان لا يروى عن ~~أهل العراق وروى انه سئل عن الرواية عنه فقال ما حدثتكم عن أحد إلا وايوب ~~أفضل منه وذكره أبو حنيفة فقال لقد رأيته قعد مقعدا في مسجد رسول الله ما ~~ذكرته إلا اقشعر جسمى # والحجة لهذا ما أخرجاه في الصحيحين وغيرهما عن بن عمر إنه قال كنا نفاضل ~~على عهد رسول الله كنا نقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وفي بعض الطرق يبلغ ~~ذلك النبي فلا ينكرة # وأيضا فقد ثبت بالنقل الصحيح في صحيح البخاري وغير البخاري أن أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب لما جعل الخلافة شورى في ستة انفس عثمان وعلى ~~PageV04P426 # وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ولم يدخل معهم سعيد بن زيد وهو ~~أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وكان من بنى عدى قبيلة عمر وقال عن ابنه عبد ~~الله يحضركم عبد الله وليس له في الأمر شيء ووصى أن يصلى صهيب بعد موته حتى ~~يتفقوا على واحد فلما توفى عمر واجتمعوا عند المنبر قال طلحة ما كان لى من ~~هذا الأمر فهو لعثمان وقال الزبير ما كان لى من هذا الأمر فهو لعلى وقال ~~سعد ما كان لى من هذا الامر فهو لعبد الرحمن بن عوف فخرج ثلاثة وبقى ثلاثة ~~فاجتمعوا فقال عبد الرحمن بن عوف يخرج منا واحد ويولى واحدا فسكت عثمان ~~وعلى فقال عبد ms1063 الرحمن أنا أخرج وروى أنه قال عليه عهد الله وميثاقه أن يولى ~~أفضلهما ثم قام عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين ~~والانصار والتابعين لهم بإحسان ويشاور أمهات المؤمنين ويشاور أمراء الأمصار ~~فإنهم كانوا في المدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته حتى قال عبد الرحمن بن عوف ~~إن لى ثلاثا ما اغتمضت بنوم فلما كان اليوم الثالث قال لعثمان عليك عهد ~~الله وميثاقه إن وليتك لتعدلن ولئن وليت عليا لتسمعن ولتطيعن قال نعم وقال ~~لعلى عليك عهد الله وميثاقه إن وليتك لتعدلن ولئن وليت عثمان لتسمعن ~~ولتطيعن قال نعم فقال انى رأيت الناس لا يعدلون بعثمان فبايعه على وعبد ~~الرحمن وسائر المسلمين بيعة رضى واختيار من غير رغبة اعطاهم إياها ولا رهبة ~~خوفهم بها PageV04P427 # وهذا اجماع منهم على تقديم عثمان على على فلهذا قال ايوب واحمد بن حنبل ~~والدارقطنى ( من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار فإنه ( ~~وإن لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله وإما ~~ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح دينى ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد ~~أزرى بهم # ولو زعم زاعم أنهم قدموا عثمان لضغن كان في نفس بعضهم على على وان أهل ~~الضغن كانوا ذوى شوكة ونحو ذلك مما يقوله أهل الأهواء فقد نسبهم إلى العجز ~~عن القيام بالحق وظهور أهل الباطل منهم على أهل الحق هذا وهم في أعز ما ~~كانوا وأقوى ما كانوا فانه حين مات عمر كان ( الإسلام ( من القوة والعز ~~والظهور والاجتماع والائتلاف فيما لم يصيروا في مثله قط وكان ( عمر ( أعز ~~أهل الايمان واذل أهل الكفر والنفاق إلى حد بلغ في القوة والظهور مبلغا لا ~~يخفى على من له أدنى معرفة بالأمور # فمن جعلهم في مثل هذه الحال جاهلين أو ظالمين أو عاجزين عن الحق فقد أزرى ~~بهم وجعل خير أمة أخرجت للناس على خلاف ما شهد الله به لهم # وهذا هو أصل مذهب الرافضة فإن الذي ابتدع الرفض كان يهوديا أظهر الإسلام ms1064 ~~نفاقا ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل الإيمان ولهذا كان الرفض أعظم ~~أبواب النفاق والزندقة فإنه يكون الرجل واقفا ثم يصير PageV04P428 # مفضلا ثم يصير سبابا ثم يصير غاليا ثم يصير جاحدا معطلا ولهذا انضمت إلى ~~الرافضة أئمة الزنادقة من الإسماعيلية والنصيرية وأنواعهم من القرامطة ~~والباطنية والدرزية وأمثالهم من طوائف الزندقة والنفاق # فإن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول قدح في الرسول عليه السلام ~~كما قال مالك وغيره من أئمة العلم هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل رجل سوء كان له أصحاب سوء ولو ~~كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين # وايضا فهؤلاء الذين نقلوا القران والاسلام وشرائع النبى وهم الذين نقلوا ~~فضائل على وغيره فالقدح فيهم يوجب أن لا يوثق بما نقلوه من الدين وحينئذ ~~فلا تثبت فضيلة لا لعلى ولا لغيره و ( الرافضة ( جهال ليس لهم عقل ولا نقل ~~ولا دين ولا دنيا منصورة فانه لو طلب منهم الناصبى الذى يبغض عليا ويعتقد ~~فسقه أوكفره كالخوارج وغيرهم أن يثبتوا إيمان على وفضله لم يقدروا على ذلك ~~بل تغلبهم الخوارج فإن فضائل على إنما نقلها الصحابة الذين تقدح فيهم ~~الرافضة فلا يتيقن له فضيلة معلومة على أصلهم فاذا طعنوا في بعض الخلفاء ~~بما يفترونه عليهم من أنهم طلبوا الرياسة وقاتلوا على ذلك كان طعن الخوارج ~~في على بمثل ذلك واضعافه أقرب من دعوى ذلك على من أطيع بلا قتال ولكن ~~الرافضة جهال متبعون الزنادقة PageV04P429 والقرآن قد اثنى على الصحابة في ~~غير موضع كقولة تعالى @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ وقولة تعالى @QB@ لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى @QE@ # وقال تعالى ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من اثر ~~السجود ذلك ms1065 مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطأة فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقة يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ) وقال تعالى ( لقد ~~رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل ~~السكينة عليهم واثابهم فتحا قريبا ) وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبى انه قال ~~( لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ( وفى الصحيحين عن ابى سعيد ان النبى ~~قال ( لا تسبوا اصحابى فوالذى نفسى بيده لو ان احدكم انفق مثل أحد ذهبا ما ~~بلغ مد احدهم ولا نصيفه ( وقد ثبت عنه في الصحيح من غير وجه إنه قال ( خير ~~القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( وهذه ~~الاحاديث مستفيضه بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم ~~على من بعدهم من القرون فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة ولهذا تكلم الناس ~~في تكفير الرافضة بما قد بسطناه في غير هذا الموضع والله سبحانه وتعالى ~~أعلم PageV04P430 ### |||| وسئل رضى الله عنه # ( عما شجر بين الصحابة على ومعاوية وطلحة وعائشة هل يطالبون به أم لا ( ### ||||| فأجاب # قد ثبت بالنصوص الصحيحة أن عثمان وعليا وطلحة والزبير وعائشة من أهل ~~الجنة بل قد ثبت في الصحيح ( أنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ( # وأبو موسى الأشعرى وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبى سفيان هم من الصحابة ~~ولهم فضائل ومحاسن # وما يحكى عنهم كثير منه كذب والصدق منه إن كانوا فيه مجتهدين فالمجتهد ~~إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر وخطؤه يغفر له PageV04P431 وإن قدر ~~أن لهم ذنوبا فالذنوب لا توجب دخول النار مطلقا الا اذا انتفت الاسباب ~~المانعة من ذلك وهى عشرة منها # التوبة ومنها الاستغفار ومنها الحسنات الماحية ومنها المصائب المكفرة ~~ومنها شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم ومنها شفاعة غيره ومنها دعاء ~~المؤمنين ومنها ما يهدى للميت من الثواب والصدقة والعتق ومنها فتنة القبر ~~ومنها أهوال القيامة # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه قال ( خير القرون القرن الذى بعثت فيه ms1066 ~~ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( # وحينئذ فمن جزم في واحد من هؤلاء بأن له ذنبا يدخل به النار قطعا فهو ~~كاذب مفتر فإنه لو قال ما لا علم له به لكان مبطلا فكيف اذا قال ما دلت ~~الدلائل الكثيرة على نقيضه فمن تكلم فيما شجر بينهم وقد نهى الله عنه من ~~ذمهم أو التعصب لبعضهم بالباطل فهو ظالم معتد # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( تمرق مارقة على حين فرقة من ~~المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ( وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال عن ~~الحسن ( ان ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ~~PageV04P432 وفى الصحيحين عن عمار أنه قال ( تقتله الفئة الباغية ( وقد قال ~~تعالى في القران ( وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~احداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ان الله يحب المقسطين ( # فثبت بالكتاب والسنة واجماع السلف على أنهم مؤمنون مسلمون وأن على بن أبى ~~طالب والذين معه كانوا أولى بالحق من الطائفة المقاتلة له والله أعلم ~~PageV04P433 قال شيخ الاسلام بن تيمية ### || فائدة # ومما ينبغى أن يعلم أنه وان كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة ~~والاستغفار للطائفتين جميعا وموالاتهم فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد من ~~العسكر لم يكن الا مجتهدا متأولا كالعلماء بل فيهم المذنب والمسيء وفيهم ~~المقصر في الاجتهاد لنوع من الهوى لكن اذا كانت السيئة في حسنات كثيرة كانت ~~مرجوحة مغفورة # ( وأهل السنة ( تحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم لكن لا يعتقدون ~~العصمة من الاقرار على الذنوب وعلى الخطا في الاجتهاد الا لرسول الله ومن ~~سواه فيجوز عليه الإقرار على الذنب والخطأ لكن هم كما قال تعالى ( اولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم ( الآية # وفضائل الأعمال انما هي بنتائجها وعواقبها لا بصورها PageV04P434 ### ||| فصل في أعداء الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين # الخلفاء الراشدون الأربعة ابتلوا بمعاداة بعض المنتسبين إلى الإسلام ms1067 من ~~أهل القبلة ولعنهم وبغضهم وتكفيرهم فأبو بكر وعمر أبغضتهما الرافضة ~~ولعنتهما دون غيرهم من الطوائف ولهذا قيل للإمام أحمد من الرافضى قال الذى ~~يسب أبا بكر وعمر وبهذا سميت الرافضة فإنهم رفضوا زيد بن على لما تولى ~~الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما فالمبغض لهما هو الرافضى وقيل إنما ~~سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر # وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة فإنه ابتدعه بن سبأ الزنديق وأظهر ~~الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه وادعى العصمة له ولهذا لما كان ~~مبدؤه من النفاق قال بعض السلف حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق وحب بنى ~~هاشم إيمان وبغضهم نفاق # وقال عبد الله بن مسعود حب أبى بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة أى من ~~شريعة النبى التى أمر بها فإنه قال ( اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر ~~( ولهذا كان معرفة فضلهما على من بعدهما واجبا لايجوز التوقف فيه بخلاف ~~عثمان وعلى ففى جواز التوقف فيهما قولان # وكذلك هل يسوغ الاجتهاد في تفضيل على على عثمان فيه روايتان # ( احداهما ( لا يسوغ ذلك فمن فضل عليا على عثمان خرج من السنة إلى البدعة ~~لمخالفته لإجماع الصحابة ولهذا قيل من قدم عليا على عثمان فقد PageV04P435 ~~أزرى بالمهاجرين والأنصار يروى ذلك عن غير واحد منهم أيوب السختيانى وأحمد ~~بن حنبل والدارقطنى # و ( الثانية ( لا يبدع من قدم عليا لتقارب حال عثمان وعلى اذ السنة هي ~~الشريعة وهى ما شرعه الله ورسوله من الدين وهو ما أمر به أمر ايجاب أو ~~استحباب فلا يجوز اعتقاد ضد ذلك لكن يجوز ترك المستحب من غير أن يجوز ~~اعتقاد ترك استحبابه ومعرفة استحبابه فرض على الكفاية لئلا يضيع شيء من ~~الدين فلما قامت الأدلة الشرعية على وجوب اتباع أبي بكر وعمر وتقديمهما لم ~~يجز ترك ذلك # وأما عثمان فأبغضه أو سبه أو كفره أيضا مع الرافضة طائفة من الشيعة ~~الزيدية والخوارج # وأما على فأبغضه وسبه أو كفره الخوارج وكثير من بنى أمية وشيعتهم الذين ~~قاتلوه وسبوه فالخوارج ms1068 تكفر عثمان وعليا وسائر أهل الجماعة # وأما شيعة على ( الذين شايعوه بعد التحكيم و ( شيعة معاوية ( التى شايعتة ~~بعد التحكيم فكان بينهما من التقابل وتلا عن بعضهم وتكافر بعضهم ما كان ولم ~~تكن الشيعة التى كانت مع على يظهر منها تنقص لآبى بكر وعمر ولا فيها من ~~يقدم عليا على أبى بكر وعمر ولا كان سب عثمان شائعا فيها وانما كان يتكلم ~~به بعضهم فيرد عليه آخر # وكذلك تفضيل على عليه لم يكن مشهورا فيها بخلاف سب على فإنه كان ~~PageV04P436 شائعا في اتباع معاوية # ولهذا كان على واصحابه أولى بالحق وأقرب إلى الحق من معاوية واصحابه كما ~~في الصحيحين عن أبى سعيد عن النبى قال ( تمرق مارقة على حين فرقة من ~~المسلمين فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق ( وروى في الصحيح أيضا ( أدنى ~~الطائفتين إلى الحق ( وكان سب على ولعنه من البغى الذى استحقت به الطائفة ~~أن يقال لها الطائفة الباغية كما رواه البخارى في صحيحه عن خالد الحذاء عن ~~عكرمة قال قال لى بن عباس ولابنه على انطلقا إلى أبى سعيد واسمعا من حديثه ~~فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى به ثم أنشأ يحدثنا حتى ~~اذا أتى على ذكر بناء المسجد فقال كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين ~~فرآه النبى فجعل ينفض التراب عنه ويقول ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية ~~يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ( قال يقول عمار أعوذ بالله من الفتن # ورواه مسلم عن أبى سعيد أيضا قال أخبرنى من هو خير منى أبو قتادة أن رسول ~~الله قال لعمار حين جعل يحفر الخندق جعل يمسح رأسه ويقول ( بؤس بن سمية ~~تقتله فئة باغية ( ورواه مسلم أيضا عن أم سلمه عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( تقتل عمارا الفئة الباغية ( وهذا أيضا يدل على صحة أمامة على ~~ووجوب طاعته وأن الداعى إلى طاعته داع إلى الجنة والداعى إلى مقاتلته داع ~~إلى النار وإن كان متأولا وهو PageV04P437 # دليل على أنه لم يكن يجوز قتال ms1069 على وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولا ~~أو باغ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليا ~~وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين # وكذلك انكر يحيى بن معين على الشافعى استدلاله بسيرة على في قتال البغاة ~~المتأولين قال أيجعل طلحة والزبير بغاة رد عليه الامام أحمد فقال ويحك وأى ~~شيء يسعه ان يضع في هذا المقام يعنى ان لم يقتد بسيرة على في ذلك لم يكن ~~معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة # والقول الثانى أن كلا منهما مصيب وهذا بناء على قول من يقول كل مجتهد ~~مصيب وهو قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والاشعرية وفيها قول ثالث ان ~~المصيب واحد لا بعينه ذكر الأقوال الثلاثة بن حامد والقاضى وغيرهما وهذا ~~القول يشبه قول المتوقفين في خلافة على من أهل ا لبصرة وأهل الحديث وأهل ~~الكلام كالكرامية الذين يقولون كلاهما كان إماما ويجوزون عقد الخلافة ~~لاثنين # لكن المنصوص عن أحمد تبديع من توقف في خلافة على وقال هو أضل من حمار ~~أهله وأمر بهجرانه ونهى عن مناكحته ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة ~~في انه ليس غير على أولى بالحق منه ولا شكوا في ذلك فتصويب أحدهما لا بعينه ~~تجويز لأن يكون غير على اولى منه بالحق وهذا لا يقوله إلا مبتدع ضال فيه ~~نوع من النصب وإن كان متأولا لكن قد PageV04P438 يسكت بعضهم عن تخطئة أحد ~~كما يمسكون عن ذمه والطعن عليه امساكا عما شجر بينهم وهذا يشبه قول من يصوب ~~الطائفتين # ولم يسترب أئمة السنة وعلماء الحديث أن عليا أولى بالحق وأقرب إليه كما ~~دل عليه النص وإن استرابوا في وصف الطائفة الآخرى بظلم أو بغى ومن وصفها ~~بالظلم والبغى لما جاء من حديث عمار جعل المجتهد في ذلك من أهل التأويل ~~يبقى أن يقال فالله تعالى قد أمر بقتال الطائفة الباغية فيكون قتالها كان ~~واجبا مع على والذين قعدوا عن القتال هم ms1070 جملة أعيان الصحابة كسعد وزيد وبن ~~عمر وأسامة ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة وهم يروون النصوص عن النبي في القعود ~~عن القتال في الفتنة وقوله القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من ~~الساعى والساعى فيها خير من الموضع وقوله يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما ~~يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن وأمره لصاحب السيف ~~عند الفتنة أن يتخذ سيفا من خشب وبحديث أبي بكرة للأحنف بن قيس لما أراد أن ~~يذهب ليقاتل مع علي وهو قوله إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول ~~في النار الحديث والإحتجاج على ذلك بقوله لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض وهذا مذهب أهل الحديث وعامة أئمة السنة حتى قال لا يختلف أصحابنا ~~أن قعود على عن القتال كان أفضل PageV04P439 # له لو قعد وهذا ظاهر من حاله في تلومه في القتال وتبرمه به ومراجعة الحسن ~~ابنه له في ذلك وقوله له ألم أنهك يا أبت وقوله لله در مقام قامه سعد بن ~~مالك وعبد الله بن عمر إن كان برا إن أجره لعظيم وإن كان إثما إن خطأه ~~ليسير وهذا يعارض وجوب طاعته وبهذا احتجوا على الإمام أحمد في ترك التربيع ~~بخلافته فإنه لما أظهر ذلك قال له بعضهم إذا قلت كان إماما واجب الطاعة ففى ~~ذلك طعن على طلحة والزبير حيث لم يطيعاه بل قاتلاه فقال لهم أحمد أنى لست ~~من حربهم في شيء يعنى أن ما تنازع فيه على وإخوانه لا أدخل بينهم فيه لما ~~بينهم من الإجتهاد والتأويل الذى هم أعلم به منى وليس ذلك من مسائل العلم ~~التى تعنينى حتى أعرف حقيقة حال كل واحد منهم وأنا مأمور بالإستغفار لهم ~~وأن يكون قلبى لهم سليما ومأمور بمحبتهم وموالاتهم ولهم من السوابق ~~والفضائل مالا يهدر ولكن إعتقاد خلافته وإمامته ثابت بالنص وما ثبت بالنص ~~وجب اتباعه وان كان بعض الأكابر تركه كما أن إمامة ( عثمان ) وخلافته ثابتة ~~إلى حين انقراض أيامه وإن كان في ms1071 تخلف بعضهم عن طاعته أو نصرته وفى مخالفة ~~بعضهم له من التأويل ما فيه اذ كان أهون ما جرى في خلافة على # وهذا الموضع هو الذى تنازع فيه اجتهاد السلف والخلف فمن قوم يقولون بوجوب ~~القتال مع على كما فعله من قاتل معه وكما يقول كثير PageV04P440 من أهل ~~الكلام والرأى الذين صنفوا في قتال أهل البغى حيث أوجبوا القتال معه لوجوب ~~طاعته ووجوب قتال البغاة ومبدأ ترتيب ذلك من فقهاء الكوفة وأتبعهم آخرون # ومن قوم يقولون بل المشروع ترك القتال في الفتنة كما جاءت به النصوص ~~الكثيرة المشهورة كما فعله من فعله من القاعدين عن القتال لأخبار النبى ( ~~أن ترك القتال في الفتنة خير ( و ( أن الفرار من الفتن باتخاذ غنم في رؤوس ~~الجبال خير من القتال فيها ( وكنهيه لمن نهاه عن القتال فيها وأمره باتخاذ ~~سيف من خشب ولكون على لم يذم القاعدين عن القتال معه بل ربما غبطهم في آخر ~~الأمر # ولأجل هذه النصوص لا يختلف أصحابنا أن ترك على القتال كان أفضل لأن ~~النصوص صرحت بأن القاعد فيها خير من القائم والبعد عنها خير من الوقوع فيها ~~قالوا ورجحان العمل يظهر برجحان عاقبته ومن المعلوم أنهم إذا لم يبدءوه ~~بقتال فلو لم يقاتلهم لم يقع أكثر مما وقع من خروجهم عن طاعته لكن بالقتال ~~زاد البلاء وسفكت الدماء وتنافرت القلوب وخرجت عليه الخوارج وحكم الحكمان ~~حتى سمى منازعه بأمير المؤمنين فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال ولم ~~يحصل به مصلحة راجحة # وهذا دليل على أن تركه كان أفضل من فعله فان فضائل الأعمال إنما هي ~~PageV04P441 بنتائجها وعواقبها # والقرآن إنما فيه قتال الطائفة الباغية بعد الإقتتال فإنه قال تعالى ( ~~وان طائفتان من المؤمنين إقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التى تبغى ( الآية فلم يأمر بالقتال إبتداء مع واحدة من ~~الطائفتين لكن أمر بالإصلاح وبقتال الباغية # و ( إن قيل ( الباغية يعم الابتداء والبغى بعد الإقتتال # قيل فليس في الآية أمر لأحدهما بأن تقاتل الأخرى ms1072 وإنما هو أمر لسائر ~~المؤمنين بقتال الباغية والكلام هنا إنما هو في أن فعل القتال من على لم ~~يكن مأمورا به بل كان تركه أفضل وأما اذا قاتل لكون القتال جائزا وان كان ~~تركه أفضل أو لكونه مجتهدا فيه وليس بجائز في الباطن فهنا الكلام في وجوب ~~القتال معه للطائفة الباغية أو الإمساك عن القتال في الفتنة وهو موضع تعارض ~~الادلة واجتهاد العلماء والمجاهدين من المؤمنين بعد الجزم بأنه وشيعته أولى ~~الطائفتين بالحق فيمكن وجهان # ( أحدهما ( أن الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقدرة والإمكان إذ ~~ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين والكفار ومعلوم أن ذلك مشروط بالقدرة ~~والإمكان فقد تكون المصلحة المشروعة أحيانا هي التألف بالمال والمسالمة ~~والمعاهدة كما فعله النبى غير مرة والإمام اذا اعتقد وجود القدرة ولم تكن ~~حاصلة كان الترك في نفس الأمر أصلح PageV04P442 # ومن رأى أن هذا القتال مفسدته أكثر من مصلحته علم أنه قتال فتنة فلا تجب ~~طاعة الإمام فيه اذ طاعته إنما تجب في ما لم يعلم المأمور أنه معصية بالنص ~~فمن علم أن هذا هو قتال الفتنة الذى تركه خير من فعله لم يجب عليه أن يعدل ~~عن نص معين خاص إلى نص عام مطلق في طاعة أولى الأمر ولا سيما وقد أمر الله ~~تعالى عند التنازع بالرد إلى الله والرسول # ويشهد لذلك أن الرسول أخبر بظلم الأمراء بعده وبغيهم ونهى عن قتالهم لأن ~~ذلك غير مقدور إذ مفسدته أعظم من مصلحته كما نهى المسلمون في أول الإسلام ~~عن القتال كما ذكره بقوله ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ( وكما ~~كان النبى وأصحابه مأمورين بالصبر على أذى المشركين والمنافقين والعفو ~~والصفح عنهم حتى يأتى الله بأمره # الوجه الثاني أنها صارت باغية في أثناء الحال بما ظهر منها من نصب إمام ~~وتسميته أمير المؤمنين ومن لعن إمام الحق ونحو ذلك فإن هذا بغى بخلاف ~~الإقتتال قبل ذلك فإنه كان قتال فتنة وهو سبحانه قد ذكر اقتتال الطائفتين ~~من المؤمنين ثم قال فإن ms1073 بغت إحداهما على الأخرى فلما أمر بالقتال إذا بغت ~~إحدى الطائفتين المقتتلتين دل على أن الطائفتين المقتتلتين قد تكون إحداهما ~~باغية في حال دون حال # فما ورد من النصوص بترك القتال في الفتنة يكون قبل البغى وما ورد من ~~الوصف بالبغى يكون بعد ذلك وحينئذ يكون القتال مع على واجبا لما ~~PageV04P443 # حصل البغى وعلى هذا يتأول ما روى بن عمر إذا حمل على القتال في ذلك ~~وحينئذ فبعد التحكيم والتشيع وظهور البغى لم يقاتلهم على ولم تطعه الشيعة ~~في القتال ومن حينئذ ذمت الشيعة بتركهم النصر مع وجوبه وفي ذلك الوقت سموا ~~شيعة وحينئذ صاروا مذمومين بمعصية الإمام الواجب الطاعة وهو أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب ولما تركوا ما يجب من نصره صاروا أهل باطل وظلم إذ ذاك ~~يكون تارة لترك الحق وتارة لتعدى الحق # فصار حينئذ شيعة ( عثمان ( الذين مع معاوية أرجح منهم ولهذا إنتصروا ~~عليهم ولهذا قال النبى ( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على من خالفهم ( ~~وبذلك استدل معاوية وقام مالك بن يخامر فروى عن معاذ بن جبل أنهم بالشام ~~وعلى هو من الخلفاء الراشدين ومعاوية أول الملوك فالمسألة هي من هذا الجنس ~~وهو قتال الملوك المسلطين مع أهل عدل واتباع لسيرة الخلفاء الراشدين فإن ~~كثيرا من الناس يبادر إلى الامر بذلك لاعتقاده أن في ذلك إقامة العدل ويغفل ~~عن كون ذلك غير ممكن بل تربو مفسدته على مصلحته # ولهذا كان مذهب ( أهل الحديث ( ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة ~~والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر أو يستراح من فاجر وقد يكون هذا من ~~أسرار القرآن في كونه لم يأمر بالقتال ابتداء وإنما أمر بقتال الطائفة ~~الباغية بعد إقتتال الطائفتين وأمر بالإصلاح بينهما فإنه اذا اقتتلت ~~طائفتان من أهل PageV04P444 الأهواء كقيس ويمن اذ الآية نزلت في نحو ذلك ~~فإنه يجب الإصلاح بينهما والإ وجب على السلطان والمسلمين أن يقاتلوا ~~الباغية لأنهم قادرون على ذلك فيجب عليهم أداء هذا الواجب وهذا يبين رجحان ~~القول ابتداء ففى ms1074 الحال الأول لم تكن القدرة تامة على القتال ولا البغى ~~حاصلا ظاهرا وفى الحال الثانى حصل البغى وقوى العجز وهو أولى الطائفتين ~~بالحق وأقربهما إليه مطلقا والأخرى موصوفة بالبغى كما جاء ذلك في الحديث ~~الصحيح من حديث أبى سعيد كما تقدم # وقد كان معاوية والمغيرة وغيرهما يحتجون لرجحان الطائفة الشامية بما هو ~~في الصحيحين عن النبى أنه قال ( لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله لا ~~يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة فقام مالك بن يخامر فقال ~~سمعت معاذ بن جبل يقول ( وهم بالشام ( فقال معاوية وهذا مالك بن يخامر يذكر ~~أنه سمع معاذا يقول وهم بالشام وهذا الذى في الصحيحين من حديث معاوية فيهما ~~أيضا نحوه من حديث المغيرة بن شعبة عن النبى قال ( لا تزال من أمتى أمة ~~ظاهرة على الحق حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك ( وهذا يحتجون به في رجحان ~~أهل الشام بوجهين # ( أحدهما ( أنهم الذين ظهروا وانتصروا وصار الأمر اليهم بعد الإقتتال ~~والفتنة وقد قال النبى ( لا يضرهم من خالفهم ( وهذا يقتضى PageV04P445 أن ~~الطائفة القائمة بالحق من هذه الأمة هي الظاهرة المنصورة فلما انتصر هؤلاء ~~كانوا أهل الحق # ( والثانى ( أن النصوص عينت أنهم بالشام كقول معاذ وكما روى مسلم في ~~صحيحة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا يزال أهل ~~الغرب ظاهرين ( قال الإمام أحمد وأهل الغرب هم أهل الشام وذلك أن النبى كان ~~مقيما بالمدينة فما يغرب عنها فهو غربه وما يشرق عنها فهو شرقه وكان يسمى ~~أهل نجد وما يشرق عنها أهل المشرق كما قال إبن عمر قدم رجلان من أهل المشرق ~~فخطبا فقال النبى ( ان من البيان لسحرا ( # وقد استفاضت السنن عن النبى في ( الشر أن ( أصله من المشرق كقوله ( ~~الفتنة من ها هنا الفتنة من ها هنا ( ويشير إلى المشرق وقوله ( رأس الكفر ~~نحو المشرق ( ونحو ذلك فأخبر أن الطائفة المنصورة القائمة على الحق من أمته ~~بالمغرب وهو الشام وما يغرب ms1075 عنها والفتنة ورأس الكفر بالمشرق وكان أهل ~~المدينة يسمون أهل الشام أهل المغرب ويقولون عن الأوزاعى أنه إمام أهل ~~المغرب ويقولون عن سفيان الثورى ونحوه إنه مشرقى إمام أهل المشرق وهذا لأن ~~منتهى الشام عند الفرات هو على مسامتة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم طول ~~كل منهما وبعد ذلك حران والرقة ونحوهما على مسامتة مكة ولهذا كانت قبلتهم ~~أعدل PageV04P446 القبلة بمعنى أنهم يستقبلون الركن الشامى ويستدبرون القطب ~~الشامى من غير انحراف إلى ذات اليمين كأهل العراق ولا إلى ذات الشمال كأهل ~~الشام # قالوا فإذا دلت هذه النصوص على أن الطائفة القائمة بالحق من أمته التى ~~لايضرها خلاف المخالف ولا خذلان الخاذل هي بالشام كان هذا معارضا لقوله ( ~~تقتل عمارا الفئة الباغية ( ولقوله ( تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ( وهذا ~~من حجة من يجعل الجميع سواء والجميع مصيبين أو يمسك عن الترجيح وهذا اقرب ~~وقد احتج به من هؤلاء على أولئك لكن هذا القول مرغوب عنه وهو من أقوال ~~النواصب فهو مقابل بأقوال الشيعة والروافض هؤلاء أهل الأهواء وإنما نتكلم ~~هنا مع أهل العلم والعدل # ولا ريب أن هذه النصوص لا بد من الجمع بينها والتأليف فيقال أما قوله ( ~~صلى الله عليه وسلم لا يزال أهل الغرب ظاهرين ونحو ذلك مما يدل على ظهور ~~أهل الشام وانتصارهم فهكذا وقع وهذا هو الأمر فإنهم ما زالوا ظاهرين ~~منتصرين # وأما قوله عليه السلام ( لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله ( ومن هو ~~ظاهر فلا يقتضى أن لا يكون فيهم من فيه بغى ومن غيره أولى بالحق منهم بل ~~فيهم هذا وهذا # وأما قوله ( تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ( فهذا دليل على أن عليا ~~PageV04P447 ومن معه كان أولى بالحق إذ ذاك من الطائفة الأخرى واذا كان ~~الشخص أو الطائفة مرجوحا في بعض الأحوال لم يمنع أن يكون قائما بأمر الله ~~وأن يكون ظاهرا بالقيام بأمر الله عن طاعة الله ورسوله وقد يكون الفعل طاعة ~~وغيره أطوع منه # وأما كون بعضهم باغيا في بعض الأوقات مع ms1076 كون بغيه خطأ مغفورا أو ذنبا ~~مغفورا فهذا أيضا لا يمنع ما شهدت به النصوص وذلك أن النبى أخبر عن جملة ~~أهل الشام وعظمتهم ولا ريب أن جملتهم كانوا أرجح في عموم الأحوال # وكذلك عمر بن الخطاب كان يفضلهم في مدة خلافته على أهل العراق حتى قدم ~~الشام غير مرة وامتنع من الذهاب إلى العراق واستشار فأشار عليه أنه لا يذهب ~~اليها وكذلك حين وفاته لما طعن أدخل عليه أهل المدينة ( أولا ( وهم كانوا ~~إذ ذاك أفضل الأمة ثم أدخل عليه أهل الشام ثم أدخل عليه أهل العراق وكانوا ~~آخر من دخل عليه هكذا في الصحيح # وكذلك الصديق كانت عنايته بفتح الشام أكثر من عنايته بفتح العراق حتى قال ~~لكفر من كفور الشام أحب إلى من فتح مدينة بالعراق # و ( النصوص ( التى في كتاب الله وسنة رسوله وأصحابه في فضل الشام وأهل ~~الغرب على نجد والعراق وسائر أهل المشرق أكثر من أن تذكر هنا بل عن ~~PageV04P448 النبى من النصوص الصحيحة في ذم المشرق وأخباره ( بأن الفتنة ~~ورأس الكفر منه ما ليس هذا موضعه وإنما كان فضل المشرق عليهم بوجود أمير ~~المؤمنين على وذاك كان أمرا عارضا ولهذا لما ذهب على ظهر منهم من الفتن ~~والنفاق والردة والبدع ما يعلم به أن أولئك كانوا ارجح # وكذلك أيضا لا ريب أن في أعيانهم من العلماء والصالحين من هو أفضل من ~~كثير من أهل الشام كما كان على وبن مسعود وعمار وحذيفة ونحوهم أفضل من أكثر ~~من بالشام من الصحابة لكن مقابلة الجملة وترجيحها لا يمنع اختصاص الطائفة ~~الأخرى بأمر راجح # والنبى ميز أهل الشام بالقيام بأمر الله دائما إلى آخر الدهر وبأن ~~الطائفة المنصورة فيهم إلى آخر الدهر فهو إخبار عن أمر دائم مستمر فيهم مع ~~الكثرة والقوة وهذا الوصف ليس لغير الشام من أرض الإسلام فإن الحجاز التى ~~هي أصل الإيمان نقص في آخر الزمان منها العلم والإيمان والنصر والجهاد ~~وكذلك اليمن والعراق والمشرق # وأما الشام فلم يزل فيها العلم والإيمان ms1077 ومن يقاتل عليه منصورا مؤيدا في ~~كل وقت فهذا هذا والله أعلم # وهذا يبين رجحان الطائفة الشامية من بعض الوجوه مع أن عليا كان أولى ~~PageV04P449 بالحق ممن فارقه ومع أن عمارا قتلته الفئة الباغية كما جاءت به ~~النصوص فعلينا أن نؤمن بكل ما جاء من عند الله ونقر بالحق كله ولا يكون لنا ~~هوى ولا نتكلم بغير علم بل نسلك سبل العلم والعدل وذلك هو إتباع الكتاب ~~والسنة فأما من تمسك ببعض الحق دون بعض فهذا منشأ الفرقة والإختلاف # ولهذا لما اعتقدت طوائف من الفقهاء وجوب القتال مع على جعلوا ذلك ( قاعدة ~~فقهية ( فيما اذا خرجت طائفة على الإمام بتأويل سائغ وهى عنده راسلهم ~~الامام فان ذكروا مظلمة أزالها عنهم وإن ذكروا شبهة بينها فان رجعوا والا ~~وجب قتالهم عليه وعلى المسلمين # ثم إنهم ادخلوا في هذه القاعدة ( قتال الصديق لمانعى الزكاة ( و ( قتال ~~على للخوارج المارقين وصاروا فيمن يتولى أمور المسلمين من الملوك والخلفاء ~~وغيرهم يجعلون أهل العدل من اعتقدوه لذلك ثم يجعلون المقاتلين له بغاة لا ~~يفرقون بين قتال الفتنة المنهى عنه والذى تركه خير من فعله كما يقع بين ~~الملوك والخلفاء وغيرهم واتباعهم كاقتتال الأمين والمأمون وغيرهما وبين ~~قتال ( الخوارج ( الحرورية المرتدة والمنافقين ( كالمزدكية ( ونحوهم # وهذا تجده في الأصل من رأى بعض فقهاء أهل الكوفة وأتباعهم ثم الشافعى ~~وأصحابه ثم كثير من أصحاب أحمد الذين صنفوا ( باب قتال أهل البغى ( نسجوا ~~على منوال أولئك تجدهم هكذا فإن الخرقى نسج على منوال PageV04P450 المزنى ~~والمزني نسج على منوال مختصر محمد بن الحسن وان كان ذلك في بعض التبويب ~~والترتيب # والمصنفون في الأحكام يذكرون قتال البغاة والخوارج جميعا وليس عن النبى ~~في ( قتال البغاة ( حديث الا حديث كوثر بن حكيم عن نافع وهو موضوع # وأما كتب الحديث المصنفة مثل صحيح البخارى والسنن فليس فيها الا قتال أهل ~~الردة والخوارج وهم أهل الأهواء وكذلك كتب السنة المنصوصة عن الإمام أحمد ~~ونحوه # وكذلك فيما أظن كتب مالك وأصحابه ليس فيها ( باب قتال ms1078 البغاة ( وإنما ~~ذكروا أهل الردة وأهل الأهواء وهذا هو الأصل الثابت بكتاب الله وسنة رسوله ~~وهو الفرق بين القتال لمن خرج عن الشريعة والسنة فهذا الذى أمر به النبى # وأما القتال لمن لم يخرج إلا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمر بذلك ~~فارتكب الأولون ثلاثة محاذير # ( الأول ( قتال من خرج عن طاعة ملك معين وان كان قريبا منه ومثله في ~~السنة والشريعة لوجود الإفتراق والإفتراق هو الفتنة PageV04P451 # ( والثانى ( التسوية بين هؤلاء وبين المرتدين عن بعض شرائع الاسلام # ( والثالث ( التسوية بين هؤلاء وبين قتال الخوارج المارقين من الاسلام ~~كما يمرق السهم من الرمية ولهذا تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من أهواء ~~الملوك وولاة الأمور ويأمرون بالقتال معهم لاعدائهم بناء على أنهم أهل ~~العدل وأولئك البغاة وهم في ذلك بمنزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم أو أئمة ~~الكلام أو أئمة المشيخة على نظرائهم مدعين أن الحق معهم أوأنهم أرجح بهوى ~~قد يكون فيه تأويل بتقصير لا بالإجتهاد وهذا كثير في علماء الأمة وعبادها ~~وأمرائها وأجنادها وهو من البأس الذى لم يرفع من بينها فنسأل الله العدل ~~فإنه لا حول ولا قوة الا به # ولهذا كان أعدل الطوائف ( أهل السنة ( أصحاب الحديث # وتجد هؤلاء إذا أمروا بقتال من مرق من الإسلام أو ارتد عن بعض شرائعه ~~يأمرون أن يسار فيه بسيرة على في قتال طلحة والزبير لا يسبى لهم ذرية ولا ~~يغنم لهم مال ولا يجهز لهم على جريح ولا يقتل لهم أسير ويتركون ما أمر به ~~النبى وسار به على في قتال الخوارج وما أمر الله به رسوله وسار به الصديق ~~في قتال مانعى الزكاة فلا يجمعون بين ما فرق الله بينه من المرتدين ~~والمارقين وبين المسلمين المسيئين ويفرقون بين ما جمع الله بينه من الملوك ~~والائمة المتقاتلين على الملك وإن كان بتأويل والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV04P452 ### || 1 ( سؤال في معاوية بن أبي سفيان ) 1 ### |||| ! 8 < سئل الشيخ رحمه الله ! 8 < # عن إسلام ( معاوية بن أبى سفيان ( متى كان وهل ms1079 كان إيمانه كإيمان غيره أم ~~لا وما قيل فيه غير ذلك ### ||||| ! 8 < فأجاب # إيمان ( معاوية ( بن أبي سفيان رضى الله عنه ثابت بالنقل المتواتر وإجماع ~~أهل العلم على ذلك كإيمان أمثاله ممن آمن عام فتح مكة مثل أخيه ( يزيد ( بن ~~أبى سفيان ومثل سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل والحارث بن ~~هشام وأبى أسد بن أبى العاص بن أمية وأمثال هؤلاء # فإن هؤلاء يسمون ( الطلقاء ( فإنهم آمنوا عام فتح النبى مكة قهرا واطلقهم ~~ومن عليهم وأعطاهم وتألفهم وقد روى أن معاوية بن أبى سفيان أسلم قبل ذلك ~~وهاجر كما أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحجبي قبل ~~فتح مكة وهاجروا إلى المدينة فإن كان هذا صحيحا فهذا من المهاجرين ~~PageV04P453 # وأما إسلامه عام الفتح مع من ذكر فمتفق عليه بين العلماء سواء كان أسلم ~~قبل ذلك أو لم يكن إسلامه الا عام فتح مكة ولكن بعض الكذابين زعم أنه عير ~~أباه بإسلامه وهذا كذب بالإتفاق من أهل العلم بالحديث # وكان هؤلاء المذكورون من أحسن الناس إسلاما وأحمدهم سيرة لم يتهموا بسوء ~~ولم يتهمهم أحد من أهل العلم بنفاق كما اتهم غيرهم بل ظهر منهم من حسن ~~الاسلام وطاعة الله ورسوله وحب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وحفظ حدود ~~الله ما دل على حسن إيمانهم الباطن وحسن إسلامهم ومنهم من أمره النبي ~~واستعمله نائبا له كما استعمل عتاب بن أسيد أميرا على مكة نائبا عنه وكان ~~من خيار المسلمين كان يقول ياأهل مكة والله لا يبلغنى أن أحدا منكم قد تخلف ~~عن الصلاة إلا ضربت عنقه # وقد استعمل النبى ( أبا سفيان ( بن حرب أبا معاوية على نجران نائبا له ~~وتوفى النبى وأبو سفيان عامله على نجران # وكان معاوية أحسن إسلاما من أبيه باتفاق أهل العلم كما أن أخاه ( يزيد بن ~~أبى سفيان ( كان أفضل منه ومن أبيه ولهذا استعمله أبو بكر الصديق رضى الله ~~عنه على قتال النصارى حين فتح الشام وكان هو ms1080 أحد الأمراء الذين استعملهم ~~أبوبكر الصديق ووصاه بوصية معروفة نقلها أهل العلم واعتمدوا عليها وذكرها ~~PageV04P454 مالك في الموطأ وغيره ومشى أبو بكر رضى الله عنه في ركابه ~~مشيعا له فقال له يا خليفة رسول الله إما أن تركب وأما أن أنزل فقال لست ~~بنازل ولست براكب احتسب خطاي هذه في سبيل الله عز وجل # وكان عمرو بن العاص أحد الأمراء وأبو عبيدة بن الجراح أيضا وقدم عليهم ~~خالد بن الوليد لشجاعتة ومنفعته في الجهاد # فلما توفى أبو بكر ولى عمر بن الخطاب أبا عبيدة أميرا على الجميع لأن عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه كان شديدا في الله فولى أبا عبيدة لأنه كان لينا ~~وكان أبو بكر رضى الله عنه لينا وخالد شديدا على الكفار فولى اللين الشديد ~~وولى الشديد اللين ليعتدل الامر وكلاهما فعل ما هو أحب إلى الله تعالى في ~~حقه فان نبينا أكمل الخلق وكان شديدا على الكفار والمنافقين ونعته الله ~~تعالى بأكمل الشرائع كما قال الله تعالى في نعت أمته ( أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم ( وقال فيهم ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لإئم ( # وقد ثبت في الصحيح أن النبي لما استشار أصحابه في أسارى بدر وأشار عليه ~~أبو بكر أن يأخذ الفدية منهم وإطلاقهم وأشار عليه عمر بضرب أعناقهم قال ~~النبي إن الله يلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من البز ويشدد قلوب رجال ~~فيه حتى تكون أشد من الصخر وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم الخليل إذ قال ~~@QB@ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم @QE@ PageV04P455 ومثل ~~عيسى بن مريم إذ قال @QB@ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم @QE@ ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال @QB@ رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا @QE@ ومثل موسى بن عمران إذ قال @QB@ ربنا ~~اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم @QE@ ~~وكانا في حياة النبي كما ms1081 نعتهما رسول الله وكانا هما وزيريه من أهل الأرض # وقد ثبت في الصحيح عن بن عباس رضي الله عنهما أن سرير عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه لما وضع وجاء الناس يصلون عليه قال بن عباس فالتفت فإذا علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه فقال والله ما على وجه الأرض أحد أحب إلى من أن ألقى ~~الله تعالى بعمله من هذا الميت والله إنى لأرجو أن يحشرك الله مع صاحبيك ~~فإني كثيرا ما كنت أسمع النبي يقول دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو ~~بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر # ثم ثبت في الصحيح أنه لما كان يوم أحد انهزم أكثر المسلمين فإذا أبو ~~سفيان وكان القوم المرام إذ قال أفى القوم محمد أفى القوم محمد أفى القوم ~~محمد فقال النبي لا تجيبوه ثم قال أفى PageV04P456 # القوم بن أبي قحافة أفى القوم بن أبي قحافة أفي القوم بن أبي قحافة فقال ~~النبي لا تجيبوه فقال أفى القوم بن الخطاب أفى القوم بن الخطاب أفى القوم ~~بن الخطاب فقال النبي لا تجيبوه الحديث بطوله فهذا أبو سفيان قائد الأحزاب ~~لم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة عن النبي وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما لعلمه ~~بأن هؤلاء هم رؤوس عسكر المسلمين # وقال الرشيد لمالك بن أنس أخبرنى عن منزلة أبى بكر وعمر من النبى فقال ~~منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما بعد وفاته فقال شفيتنى يا مالك # فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبا بكر جعل الله تعالى ~~فيه من الشدة ما لم يكن فيه قبل ذلك حتى فاق عمر في ذلك حتى قاتل أهل الردة ~~بعد أن جهز جيش أسامة وكان ذلك تكميلا له لكمال النبى الذى صار خليفة له # ولما استخلف عمر جعل الله فيه من الرأفة والرحمة ما لم يكن فيه قبل ذلك ~~تكميلا له حتى صار أمير المؤمنين ولهذا استعمل هذا خالدا وهذا أبا عبيدة # وكان يزيد بن أبى سفيان على الشام إلى ms1082 أن ولى عمر فمات يزيد بن أبى سفيان ~~فاستعمل عمر معاوية مكان أخيه يزيد بن أبى سفيان وبقى معاوية PageV04P457 ~~على ولايته تمام خلافته وعمر ورعيته تشكره وتشكر سيرته فيهم وتواليه وتحبه ~~لما رأوا من حلمه وعدله حتى أنه لم يشكه منهم مشتك ولا تظلمه منهم متظلم ~~ويزيد بن معاوية ليس من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وإنما ولد في خلافة ~~عثمان وانما سماه يزيد باسم عمه من الصحابة # وقد شهد معاوية وأخوه يزيد وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وغيرهم من ~~مسلمة الفتح مع النبي غزوة حنين ودخلوا في قوله تعالى @QB@ ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا ~~وذلك جزاء الكافرين @QE@ وكانوا من المؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم ~~مع النبي وغزوة الطائف لما حاصروا الطائف ورماها بالمنجنيق وشهدوا النصارى ~~بالشام وأنزل الله فيها سورة براءة وهي غزوة العسرة التى جهز فيها عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه جيش العسرة بألف بعير في سبيل الله تعالى فاعوزت وكملها ~~بخمسين بعيرا فقال النبي ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم وهذا آخر مغازى ~~النبي ولم يكن فيها قتال # وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين غزاة بنفسه ولم ~~PageV04P458 # يكن القتال إلا في تسع غزوات بدر وأحد وبنى المصطلق والخندق وذى قرد ~~وغزوة الطائف وأعظم جيش جمعه النبي كان بحنين والطائف وكانوا اثنى عشر ألفا ~~واعظم جيش غزا مع النبي جيش تبوك فإنه كان كثيرا لا يحصى غير إنه لم يكن ~~فيه قتال # وهؤلاء المذكورون دخلوا في قوله تعالى @QB@ لا يستوي منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى @QE@ فإن هؤلاء الطلقاء مسلمة الفتح هم ممن انفق من بعد الفتح وقاتل ~~وقد وعدهم الله الحسنى فإنهم انفقوا بحنين والطائف وقاتلوا فيهما رضى الله ~~عنهم # وهم أيضا داخلون فيمن رضي الله عنهم حيث قال تعالى @QB@ والسابقون ~~الأولون من المهاجرين ms1083 والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه @QE@ فإن السابقين هم الذين أسلموا قبل الحديبية كالذين بايعوه تحت ~~الشجرة الذين أنزل الله فيهم @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة @QE@ كانوا أكثر من ألف وأربعمائة وكلهم من أهل الجنة كما ثبت ~~في الصحيح عن النبي أنه قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة وكان فيهم ~~حاطب بن ابى بلتعة وكانت له سيئات PageV04P459 # معروفة مثل مكاتبته للمشركين بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وإساءته ~~إلى مماليكه وقد ثبت في الصحيح أن مملوكه جاء إلى النبي فقال والله يا رسول ~~الله لا بد أن يدخل حاطب النار فقال له النبي كذبت إنه شهد بدرا والحديبية # وثبت في الصحيح أنه لما كتب إلى المشركين يخبرهم بمسير النبي إليهم أرسل ~~علي بن أبي طالب والزبير إلى المرأة التى كان معها الكتاب فاتيا بها فقال ~~ما هذا يا حاطب فقال والله يارسول الله ما فعلت ذلك ارتدادا عن دينى ولا ~~رضيت بالكفر بعد الإسلام ولكن كنت امرءا ملصقا في قريش لم أكن من أنفسهم ~~وكان من معك من أصحابك لهم بمكة قرابات يحمون بها أهاليهم فأحببت إذ فاتنى ~~ذلك أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتى فقال عمر بن الخطاب دعنى أضرب عنق ~~هذا المنافق فقال النبي إنه قد شهد بدرا وما يدريك أن الله قال ? < إعملوا ~~ما شئتم قد غفرت لكم > ? # وفي هذا الحديث بيان إن الله يغفر لهؤلاء السابقين كأهل بدر والحديبية من ~~الذنوب العظيمة بفضل سابقتهم وإيمانهم وجهادهم ما لا يجوز لأحد أن يعاقبهم ~~بها كما لم تجب معاقبة حاطب مما كان منه # وهذا مما يستدل به على أن ما جرى بين على وطلحة والزبير ونحوهم ~~PageV04P460 # فإنه أما أن يكون اجتهادا لا ذنب فيه فلا كلام فقد ثبت عن النبي أنه قال ~~إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر # وإن كان هناك ذنب فقد ثبت أن هؤلاء رضي الله عنهم وغفر لهم ما فعلوه ms1084 فلا ~~يضرهم ما وقع منهم من الذنوب إن كان قد وقع ذنب بل إن وقع من أحدهم ذنب كان ~~الله محاه بسبب قد وقع من الأسباب التى يمحص الله بها الذنوب مثل أن يكون ~~قد تاب فيتوب الله عليه أو كان له حسنات تمحو السيئات أو يكون قد كفر عنه ~~ببلاء ابتلاه به فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال ما يصيب المؤمن من ~~نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى إلا كفر الله من خطاياه # وأما من بعد هؤلاء السابقين الأولين وهم الذين أسلموا بعد الحديبية ~~فهؤلاء دخلوا في قوله تعالى @QB@ وكلا وعد الله الحسنى @QE@ وفى قوله تعالى ~~@QB@ والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ وقد أسلم قبل فتح ~~مكة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحجبى وغيرهم وأسلم بعد ~~الطلقاء أهل الطائف وكانوا آخر الناس اسلاما وكان منهم عثمان بن أبى العاص ~~الثقفى الذى أمره النبى صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف وكان من خيار ~~الصحابة مع تأخر إسلامه PageV04P461 # فقد يتأخر اسلام الرجل ويكون أفضل من بعض من تقدمه بالاسلام كما تأخر ~~اسلام عمر فانه يقال إنه أسلم تمام الاربعين وكان ممن فضله الله على كثير ~~ممن أسلم قبله وكان عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف أسلموا ~~قبل عمر على يد أبى بكر وتقدمهم عمر # وأول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين أبو بكر ومن الأحرار الصبيان ~~على ومن الموالى زيد بن حارثة ومن النساء خديجة أم المؤمنين وهذا باتفاق ~~أهل العلم # وقد قال الله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض @QE@ إلى ~~قوله تعالى @QB@ والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد ~~وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم @QE@ فهذه عامة وقال تعالى @QB@ للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ms1085 فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤوا الدار والإيمان من ~~قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا ~~من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل ~~في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم @QE@ PageV04P462 # فهذه الآية والتى قبلها تتناول من دخل فيها بعد السابقين الأولين إلى يوم ~~القيامة فكيف لا يدخل فيها أصحاب رسول الله الذين آمنوا به وجاهدوا معه # وقد قال في الحديث الصحيح المهاجر من هجر ما نهى الله عنه فمن كان قد ~~أسلم من الطلقاء وهجر ما نهى الله عنه كان له معنى هذه الهجرة فدخل في قوله ~~تعالى @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم @QE@ كما ~~دخل في قوله تعالى @QB@ وكلا وعد الله الحسنى @QE@ # وقد قال تعالى @QB@ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما @QE@ فهذا يتناول الذين ~~آمنوا مع الرسول مطلقا # وقد استفاض عن النبي في الصحاح وغيرها من غير PageV04P463 وجه أنه قال ~~خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم # وثبت عنه في الصحيح أنه كان بين عبد الرحمن وبين خالد كلام فقال ( يا ~~خالد لا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما ~~بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( قال ذلك لخالد ونحوه ممن أسلم بعد الحديبية ~~بالنسبة إلى السابقين الاولين يقول اذا أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد ~~أحدهم ولا نصف مده # وهؤلاء الذين أسلموا بعد الحديبية دخلوا في قوله تعالى ( لا يستوى منكم ms1086 ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ( بهذه المنزلة # وكيف يكون بعد أصحابه والصحبة اسم جنس تقع على من صحب النبى قليلا ~~أوكثيرا لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك فمن صحبه سنة أوشهرا أو يوما أو ~~ساعة أو رآه مؤمنا فله من الصحبة بقدر ذلك كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه ~~قال ( يغزوا فئام من الناس فيقولون هل فيكم من صحب النبى ( وفى لفظ ( هل ~~فيكم من رأى رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزوا فئام من الناس ~~فيقولون هل فيكم من صحب من صحب رسول الله PageV04P464 وفى لفظ هل فيكم من ~~رآى من رآى رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزوا فئام من الناس ~~فيقولون هل فيكم من رآى من رآى من رآى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى ~~لفظ من صحب من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح ~~لهم ( وفى بعض الطرق فيذكر في الطبقة الرابعة كذلك # فقد علق النبى الحكم بصحبته وعلق برؤيته وجعل فتح الله على المسلمين بسبب ~~من رآه مؤمنا به # وهذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة ولو كانت اعمالهم أكثر من أعمال ~~الواحد من أصحابه PageV04P465 ### ||| فصل # إذا تبين هذا فمن المعلوم أن الطريق التى بها يعلم إيمان الواحد من ~~الصحابة هي الطريق التى بها يعلم إيمان نظرائه والطريق التى تعلم بها صحبته ~~هي الطريق التى يعلم بها صحبة أمثاله فالطلقاء الذين أسلموا عام الفتح مثل ~~معاوية وأخيه يزيد وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل ~~بن عمرو وقد ثبت بالتواتر عند الخاصة إسلامهم وبقاؤهم على الإسلام إلى حين ~~الموت ومعاوية أظهر اسلاما من غيره فإنه تولى أربعين سنة عشرين سنة نائبا ~~لعمر وعثمان مع ما كان في خلافة على رضى الله عنه وعشرين سنة مستوليا وأنه ~~تولى سنة ستين بعد موت النبى بخمسين سنة وسلم ms1087 إليه الحسن بن على رضى الله ~~عنهما الامر عام أربعين الذى يقال له عام الجماعة لاجتماع الكلمة وزوال ~~الفتنة بين المسلمين # وهذا الذى فعله الحسن رضى الله عنه مما أثنى عليه النبى كما ثبت في صحيح ~~البخارى وغيره عن أبى بكر رضى الله عنه أن النبى صلى PageV04P466 الله عليه ~~وسلم قال ( إن ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ~~( فجعل النبى مما أثنى به على ابنه الحسن ومدحه على أن أصلح الله تعالى به ~~بين فئتين عظيمتين من المسلمين وذلك حين سلم الامر إلى معاوية وكان قد سار ~~كل منهما إلى الآخر بعساكر عظيمة # فلما اثنى النبى على الحسن بالاصلاح وترك القتال دل على أن الاصلاح بين ~~تلك الطائفتين كان أحب إلى الله تعالى من فعله فدل على أن الاقتتال لم يكن ~~مأمورا به ولو كان معاوية كافرا لم تكن تولية كافر وتسليم الامر إليه مما ~~يحبه الله ورسوله بل دل الحديث على أن معاوية وأصحابه كانوا مؤمنين كما كان ~~الحسن وأصحابه مؤمنين وان الذى فعله الحسن كان محمودا عند الله تعالى ~~محبوبا مرضيا له ولرسوله وهذا كما ثبت عن النبى في الصحيحين من حديث أبى ~~سعيد الخدرى أنه قال ( تمرق مارقة على حين فرقة من الناس فتقتلهم أولى ~~الطائفتين بالحق ( وفى لفظ ( فتقتلهم ادناهم إلى الحق ( فهذا الحديث الصحيح ~~دليل على وأن كلا الطائفتين المقتتلتين على واصحابه ومعاوية واصحابه على حق ~~وان عليا واصحابه كانوا اقرب إلى الحق من معاوية واصحابه # فإن على بن أبى طالب هو الذى قاتل المارقين وهم ( الخوارج الحرورية ( ~~الذين كانوا من شيعة على ثم خرجوا عليه وكفروه وكفروا من والاه ونصبوا له ~~العداوة وقاتلوه ومن معه وهم الذين أخبر عنهم النبى صلى الله PageV04P467 ~~عليه وسلم في الاحاديث الصحيحة المستفيضة بل المتواترة حيث قال فيهم ( يحقر ~~أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن ~~لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما ~~لقيتموهم ms1088 فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله يوم القيامة آيتهم أن فيهم ~~رجلا مخدج اليدين له عضل عليها شعرات تدردر ( # وهؤلاء هم الذين نصبوا العداوة لعلى ومن والاه وهم الذين استحلوا قتله ~~وجعلوه كافرا وقتله أحد رؤوسهم عبد الرحمن بن ملجم المرادى فهؤلاء النواصب ~~الخوارج المارقون إذ قالوا إن عثمان وعلي بن أبي طالب ومن معهما كانوا ~~كفارا مرتدين فإن من حجة المسلمين عليهم ما تواتر من إيمان الصحابة وما ثبت ~~بالكتاب والسنة الصحيحة من مدح الله تعالى لهم وثناء الله عليهم ورضاه عنهم ~~واخباره بأنهم من أهل الجنة ونحو ذلك من النصوص ومن لم يقبل هذه الحجج لم ~~يمكنه ان يثبت إيمان علي بن أبي طالب وأمثاله # فإنه لو قال هذا الناصبى للرافضى إن عليا كان كافرا أو فاسقا ظالما وأنه ~~قاتل على الملك لطلب الرياسة لا للدين وأنه قتل ( من أهل الملة ( من أمة ~~محمد بالجمل وصفين وحروراء ألوفا مؤلفة ولم يقاتل بعد وفاة النبى كافرا ولا ~~فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة ونحو هذا الكلام الذى تقوله النواصب المبغضون ~~لعلى رضى الله عنه PageV04P468 لم يمكن أن يجيب هؤلاء النواصب إلا أهل ~~السنة والجماعة الذين يحبون السابقين الأولين كلهم ويوالونهم # فيقولون لهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ونحوهم ثبت بالتواتر ~~ايمانهم وهجرتهم وجهادهم وثبت في القرآن ثناء الله عليهم والرضى عنهم وثبت ~~بالأحاديث الصحيحة ثناء النبى عليهم خصوصا وعموما كقوله في الحديث المستفيض ~~عنه ( لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ( وقوله ( إنه ~~قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد فعمر ( وقوله عن عثمان ( ~~ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة ( وقوله لعلى ( لأعطين الراية رجلا يحب ~~الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ( وقوله ( لكل نبى ~~حواريون وحواري الزبير ( وأمثال ذلك # وأما الرافضى فلا يمكنه إقامة الحجة على من يبغض عليا من النواصب كما ~~يمكن ذلك أهل السنة الذين يحبون الجميع فإنه ان قال اسلام على معلوم ms1089 ~~بالتواتر قال له وكذلك اسلام أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية وغيرهم وأنت تطعن ~~في هؤلاء إما في اسلامهم وإما في عدالتهم # فإن قال ايمان علي ثبت بثناء النبى قلنا له هذه الاحاديث إنما نقلها ~~الصحابة الذين تطعن أنت فيهم ورواة فضائلهم سعد بن أبى PageV04P469 وقاص ~~وعائشة وسهل بن سعد الساعدى وأمثالهم والرافضة تقدح في هؤلاء فان كانت ~~رواية هؤلاء وأمثالهم ضعيفة بطل كل فضيلة تروى لعلى ولم يكن للرافضة حجة ~~وان كانت روايتهم صحيحة ثبتت فضائل على وغيره ممن روى هؤلاء فضائله كأبى ~~بكر وعمر وعثمان وغيرهم # فان قال الرافضى فضائل على متواترة عند الشيعة كما يقولون إن النص عليه ~~بالإمامة متواتر قيل له أما ( الشيعة ( الذين ليسوا من الصحابة فانهم لم ~~يروا النبى ولا سمعوا كلامه ونقلهم نقل مرسل منقطع ان لم يسنده إلى الصحابة ~~لم يكن صحيحا # والصحابة الذين تواليهم الرافضة نفر قليل بضعة عشر وإما نحو ذلك وهؤلاء ~~لا يثبت التواتر بنقلهم لجواز التواطؤ على مثل هذا العدد القليل والجمهور ~~الاعظم من الصحابة الذين نقلوا فضائلهم تقدح الرافضة فيهم ثم اذا جوزوا على ~~الجمهور الذين أثنى عليهم القرآن الكذب والكتمان فتجويز ذلك على نفر قليل ~~أولى وأجوز # وأيضا فاذا قال الرافضى إن أبا بكر وعمر وعثمان كان قصدهم الرياسة والملك ~~فظلموا غيرهم بالولاية قال لهم هؤلاء لم يقاتلوا مسلما على الولاية وانما ~~قاتلوا المرتدين والكفار وهم الذين كسروا كسرى وقيصر وفتحوا بلاد فارس ~~وأقاموا الاسلام وأعزوا الايمان وأهله وأذلوا الكفر وأهله PageV04P470 ~~وعثمان هو دون أبى بكر وعمر في المنزلة ومع ذلك فقد طلبوا قتله وهو في ~~ولايته فلم يقاتل المسلمين ولا قتل مسلما على ولايته فان جوزت على هؤلاء ~~أنهم كانوا ظالمين في ولايتهم أعداء الرسول كانت حجة الناصبى عليك أظهر # واذا أسأت القول في هؤلاء ونسبتهم إلى الظلم والمعاداة للرسول وطائفته ~~كان ذلك حجة للخوارج والنواصب المارقين عليك فانهم يقولون أيما أولى أن ~~ينسب إلى طلب الرياسة من قاتل المسلمين على ولايته ولم يقاتل الكفار ~~وابتدأهم ms1090 بالقتال ليطيعوه وهم لا يطيعونه وقتل من ( أهل القبلة ( الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون البيت العتيق ويصومون شهر رمضان ~~ويقرؤون القرآن ألوفا مؤلفة ومن لم يقاتل مسلما بل أعزوا أهل الصلاة ~~والزكاة ونصروهم وآووهم أو من قتل وهو في ولايته لم يقاتل ولم يدفع عن نفسه ~~حتى قتل في داره وبين أهله رضى الله عنه فإن جوزت على مثل هذا أن يكون ~~ظالما للملك ظالما للمسلمين بولايته فتجويزك هذا على من قاتل على الولاية ~~وقتل المسلمين عليها أولى وأحرى # وبهذا وأمثاله يتبين أن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح ولا نقل صحيح ولا ~~دين مقبول ولا دنيا منصورة بل هم من أعظم الطوائف كذبا وجهلا ودينهم يدخل ~~على المسلمين كل زنديق ومرتد كما دخل فيهم النصيرية PageV04P471 ~~والاسماعيلية وغيرهم فإنهم يعمدون إلى خيار الامة يعادونهم والى أعداء الله ~~من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر ~~يدفعونه والى الكذب المختلق الذى يعلم فساده يقيمونه فهم كما قال فيهم ~~الشعبى وكان من أعلم الناس بهم لو كانوا من البهائم لكانوا حمرا ولو كانوا ~~من الطير لكانوا رخما # ولهذا كانوا أبهت الناس واشدهم فرية مثل ما يذكرون عن معاوية فإن معاوية ~~ثبت بالتواتر أنه أمره النبى كما أمر غيره وجاهد معه وكان أمينا عنده يكتب ~~له الوحى وما اتهمه النبى صلى الله عليه وسلم في كتابه الوحى وولاه عمر بن ~~الخطاب الذى كان من أخبر الناس بالرجال وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ~~ولم يتهمه في ولايته # وقد ولى رسول الله أباه أبا سفيان إلى أن مات النبي وهو على ولايته ~~فمعاوية خير من أبيه وأحسن إسلاما من أبيه باتفاق المسلمين وإذا كان النبي ~~ولى أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والاحرى ولم يكن من أهل الردة قط ~~ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة هم ~~الذين ينسبون أبا بكر وعمر وعثمان وعامة أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم ~~من السابقين الأولين من ms1091 المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى ما ~~لا يليق بهم PageV04P472 # والذين نسبوا هؤلاء إلى الردة يقول بعضهم أنه مات ووجهه إلى الشرق ~~والصليب على وجهه وهذا مما يعلم كل عاقل أنه من أعظم الكذب والفرية عليه ~~ولو قال قائل هذا فيمن هو دون معاوية من ملوك بنى أمية وبنى العباس كعبد ~~الملك بن مروان وأولاده وابي جعفر المنصور وولديه الملقبين بالمهدى والهادى ~~والرشيد وأمثالهم من الذين تولوا الخلافة وأمر المؤمنين فمن نسب واحدا من ~~هؤلاء إلى الردة وإلى أنه مات على دين النصارى لعلم كل عاقل أنه من أعظم ~~الناس فرية فكيف يقال مثل هذا في معاوية وأمثاله من الصحابه # بل يزيد ابنه مع ما أحدث من الاحداث من قال فيه إنه كافر مرتد فقد افترى ~~عليه بل كان ملكا من ملوك المسلمين كسائر ملوك المسلمين وأكثر الملوك لهم ~~حسنات ولهم سيئات وحسناتهم عظيمة وسيئاتهم عظيمة فالطاعن في واحد منهم دون ~~نظرائه إما جاهل وإما ظالم # وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين منهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته ومنهم ~~من قد تاب من سيئاته ومنهم من كفر الله عنه ومنهم من قد يدخله الجنة ومنهم ~~من قد يعاقبه لسيئاته ومنهم من قد يتقبل الله فيه شفاعة نبى أو غيره من ~~الشفعاء فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو من اقوال أهل البدع والضلال ~~PageV04P473 # وكذلك قصد لعنة أحد منهم بعينه ليس هو من أعمال الصالحين والأبرار وقد ~~ثبت عن النبى أنه قال ( لعن الله الخمرة وعاصرها ومعتصرها وحاملها وساقيها ~~وشاربها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها ( وصح عنه أنه كان على عهد رسول الله ~~رجل يكثر شربها يدعى ( حمارا ( وكان كلما أتى به النبى صلى الله عليه وسلم ~~جلده فأتى به إليه ليجلده فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به النبى ~~فقال النبى صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله وقد لعن ~~النبى شارب الخمر عموما ونهى عن لعنة المؤمن المعين # كما أنا نقول ما قال الله تعالى ( إن ms1092 الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~انما يأكلون في بطونهم نارا ( فلا ينبغى لأحد أن يشهد لواحد بعينه أنه في ~~النار لامكان أن يتوب أو يغفر له الله بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة أوشفاعة ~~مقبولة أو يعفو الله عنه أو غير ذلك # فهكذا الواحد من الملوك أو غير الملوك وان كان صدر منه ما هو ظلم فإن ذلك ~~لا يوجب أن نلعنه ونشهد له بالنار ومن دخل في ذلك كان من أهل البدع والضلال ~~فكيف اذا كان للرجل حسنات عظيمة يرجى له بها المغفرة مع ظلمه كما ثبت في ~~صحيح البخارى عن بن عمر عن النبى أنه PageV04P474 قال ( أول جيش يغزوا ~~قسطنطينية مغفور له ( وأول جيش غزاها كان أميرهم ( يزيد بن معاوية ( وكان ~~معه في الغزاة أبو أيوب الانصارى وتوفى هناك وقبره هناك إلى الأن ولهذا كان ~~المقتصدون من أئمة السلف يقولون في يزيد وأمثاله إنا لا نسبهم ولا نحبهم أى ~~لا نحب ما صدر منهم من ظلم والشخص الواحد يجتمع فيه حسنات وسيئات وطاعات ~~ومعاصى وبر وفجور وشر فيثيبه الله على حسناته ويعاقبه على سيئاته إن شاء أو ~~يغفر له ويحب ما فعله من الخير ويبغض ما فعله من الشر # فأما من كانت سيئاته صغائر فقد وافقت المعتزلة على أن الله يغفرها # وأما صاحب الكبيرة فسلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة لا ~~يشهدون له بالنار بل يجوزون أن الله يغفر له كما قال تعالى ( إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( فهذه في حق من لم يشرك فإنه ~~قيدها بالمشيئة وأما قوله تعالى ( قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ( فهذا في حق من تاب ولذلك ~~أطلق وعم # والخوارج والمعتزلة يقولون إن صاحب الكبيرة يخلد في النار ثم انهم ~~PageV04P475 قد يتوهمون في بعض الأخيار أنه من أهل الكبائر كما تتوهم ~~الخوارج في عثمان وعلى وأتباعهما أنهم مخلدون في النار كما يتوهم بعض ذلك ms1093 ~~في مثل معاوية وعمرو بن العاص وأمثالهما ويبنون مذاهبهم على مقدمتين ~~باطلتين # إحداهما أن فلانا من أهل الكبائر # والثانية أن كل صاحب كبيرة يخلد في النار # وكلا القولين باطل وأما الثاني فباطل على الإطلاق وأما الأول فقد يعلم ~~بطلانه وقد يتوقف فيه # ومن قال عن معاوية وأمثاله ممن ظهر اسلامه وصلاته وحجه وصيامه أنه لم ~~يسلم وأنه كان مقيما على الكفر فهو بمنزلة من يقول ذلك في غيره كما لو ادعى ~~مدع ذلك في العباس وجعفر وعقيل وفى أبى بكر وعمر وعثمان وكما لو ادعى أن ~~الحسن والحسين ليسا ولدى على بن أبى طالب إنما هما أولاد سلمان الفارسى ولو ~~ادعى أن النبى لم يتزوج ابنة أبى بكر وعمر ولم يزوج بنتيه عثمان بل إنكار ~~إسلام معاوية أقبح من إنكار هذه الأمور فان منها مالا يعرفه إلا العلماء # وأما إسلام معاوية وولايته على المسلمين والإمارة والخلافة فأمر يعرفه ~~جماهير الخلق ولو أنكر منكر إسلام على أو إدعى بقاءه على الكفر لم يحتج ~~PageV04P476 عليه الا بمثل ما يحتج به على من أنكر إسلام أبى بكر وعمر ~~وعثمان ومعاوية وغيرهم وان كان بعضهم أفضل من بعض فتفاضلهم لا يمنع ~~اشتراكهم في ظهور إسلامهم # وأما قول القائل إيمان معاوية كان نفاقا فهو أيضا من الكذب المختلق فإنه ~~ليس في علماء المسلمين من اتهم معاوية بالنفاق بل العلماء متفقون على حسن ~~إسلامه وقد توقف بعضهم في حسن اسلام أبى سفيان أبيه وأما معاوية وأخوه يزيد ~~فلم يتنازعوا في حسن إسلامهما كما لم يتنازعوا في حسن إسلام عكرمة بن أبى ~~جهل وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وأمثالهم من مسلمة الفتح وكيف يكون رجلا ~~متوليا على المسلمين أربعين سنة نائبا ومستقلا يصلى بهم الصلوات الخمس ~~ويخطب ويعظهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيم فيهم الحدود ويقسم ~~بينهم فيأهم ومغانمهم وصدقاتهم ويحج بهم ومع هذا يخفى نفاقه عليهم كلهم ~~وفيهم من أعيان الصحابة جماعة كثيرة # بل أبلغ من هذا أنه ولله الحمد لم يكن من الخلفاء ms1094 الذين لهم ولاية عامة ~~من خلفاء بنى أمية وبنى العباس أحد يتهم بالزندقة والنفاق وبنو أمية لم ~~ينسب أحد منهم إلى الزندقة والنفاق وإن كان قد ينسب الرجل منهم إلى نوع من ~~البدعة أو نوع من الظلم لكن لم ينسب أحدا منهم من أهل العلم إلى زندقة ~~ونفاق PageV04P477 # وإنما كان المعروفون بالزندقة والنفاق بنى عبيد القداح الذين كانوا بمصر ~~والمغرب وكانوا يدعون انهم علويون وإنما كانوا من ذرية الكفار فهؤلاء قد ~~اتفق أهل العلم على رميهم بالزندقة والنفاق وكذلك رمى بالزندقة والنفاق قوم ~~من ملوك النواحى الخلفاء من بنى بويه وغير بنى بويه فأما خليفة عام الولاية ~~في الإسلام فقد طهر الله المسلمين أن يكون ولى أمرهم زنديقا منافقا فهذا ~~مما ينبغى أن يعلم ويعرف فإنه نافع في هذا الباب # وإتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة فان الأربعة قبله كانوا ~~خلفاء نبوة وهو أول الملوك كان ملكه ملكا ورحمة كما جاء في الحديث ( يكون ~~الملك نبوة ورحمة ثم تكون خلافة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ~~ملك عضوض ( وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان ~~خيرا من ملك غيره # وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة فإنه قد ثبت عن النبى أنه قال ( تكون ~~خلافة النبوة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا ( وكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى ~~الله عنهم هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين قال فيهم النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء PageV04P478 الراشدين من بعدى ~~تمسكوا بها وعضواعليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ( ~~وقد تنازع كثير من الناس في خلافة على وقالوا زمانه زمان فتنة لم يكن في ~~زمانه جماعة وقالت طائفة يصح أن يولى خليفتان فهو خليفة ومعاوية خليفة لأن ~~الامة لم تتفق عليه ولم تنتظم في خلافته # والصحيح الذى عليه الأئمة أن عليا رضى الله عنه من الخلفاء الراشدين بهذا ~~الحديث فزمان على كان يسمى نفسه أمير المؤمنين والصحابة تسميه ms1095 بذلك قال ~~الإمام أحمد بن حنبل ( من لم يربع بعلى رضى الله عنه في الخلافة فهو أضل من ~~حمار أهله ( ومع هذا فلكل خليفة مرتبة # فأبو بكر وعمر لا يوازنهما أحد كما قال النبى ( اقتدوا باللذين من بعدى ~~أبى بكر وعمر ( ولم يكن نزاع بين شيعة على الذين صحبوه في تقديم أبى بكر ~~وعمر وثبت عن على من وجوه كثيرة أنه قال لا أوتى برجل يفضلنى على أبى بكر ~~وعمر إلا جلدته حد المفترى # وإنما كانوا يتنازعون في عثمان وعلى رضى الله عنهما لكن ثبت تقديم عثمان ~~على على باتفاق السابقين على مبايعة ( عثمان ( طوعا بلا كره بعد أن جعل عمر ~~الشورى في ستة عثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد PageV04P479 وعبد الرحمن بن ~~عوف وتركها ( ثلاثة ( وهم طلحة والزبير وسعد فبقيت في ( ثلاثة ( عثمان وعلى ~~وعبد الرحمن فولى أحدهما فبقى عبد الرحمن يشاور المهاجرين والأنصار ~~والتابعين لهم بإحسان ثلاثة أيام ثم أخبر أنهم لم يعدلوا بعثمان # ونقل وفاته وولايته حديث طويل فمن أراده فعليه بأحاديث الثقات والله أعلم ~~وصلى الله على نبينا محمد وسلم PageV04P480 ### || 1 ( سؤال في يزيد بن معاوية ) 1 # ! 8 < قال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < فصل افترق الناس في ( يزيد ( بن ~~معاوية بن أبى سفيان ( ثلاث فرق ( طرفان ووسط # ( فأحد الطرفين ( قالوا إنه كان كافرا منافقا وأنه سعى في قتل سبط رسول ~~الله تشفيا من رسول الله وانتقاما منه وأخذا بثأر جده عتبة وأخى جده شيبة ~~وخاله الوليد بن عتبة وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبى بيد على بن أبى طالب ~~وغيره يوم بدر وغيرها وقالوا تلك أحقاد بدرية وآثار جاهلية وأنشدوا عنه # لما بدت تلك الخمول وأشرفت %~% تلك الرؤوس على ربى جيرون # نعق الغراب فقلت نح أولا تنح %~% فلقد قضيت من النبى ديونى # ! 8 < وقالوا أنه تمثل بشعر بن الزبعرى الذى أنشده يوم أحد # ليت أشياخى ببدر شهدوا %~% جزع الخزرج من وقع الأسل PageV04P481 # قد قتلنا الكثير من أشياخهم %~% وعدلناه ببدر فاعتدل # وأشياء من هذا النمط. # وهذا القول سهل ms1096 على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر ~~وعمر وعثمان فتكفير يزيد أسهل بكثير # ( والطرف الثانى ( يظنون أنه كان رجلا صالحا وإمام عدل وانه كان من ( ~~الصحابه ( الذين ولدواعلى عهد النبى وحمله على يديه وبرك عليه وربما فضله ~~بعضهم على ابى بكر وعمر وربما جعله بعضهم نبيا ويقولون عن ( الشيخ عدى ( أو ~~حسن المقتول كذبا عليه إن سبعين وليا صرفت وجوههم عن القبلة لتوقفهم في ~~يزيد # وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من الضلال فان الشيخ عديا كان من ~~بنى أمية وكان رجلا صالحا عابدا فاضلا ولم يحفظ عنه أنه دعاهم الا إلى ~~السنة التى يقولها غيره كالشيخ أبى الفرج المقدسى فإن عقيدته موافقة ~~لعقيدته لكن زادوا في السنة أشياء كذب وضلال من الأحاديث الموضوعة والتشبيه ~~الباطل والغلو في الشيخ عدى وفى يزيد والغلو في ذم الرافضة بأنه لا تقبل ~~لهم توبة وأشياء أخر وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم ~~بالأمور وسير المتقدمين ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين ~~بالسنة ولا إلى ذى عقل من العقلاء الذين لهم رأى وخبرة PageV04P482 ( ~~والقول الثالث ( أنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد ~~إلا في خلافة عثمان ولم يكن كافرا ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع ( الحسين ~~( وفعل ما فعل بأهل الحرة ولم يكن صاحبا ولا من أولياء الله الصالحين وهذا ~~قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة # ثم افترقوا ثلاث فرق فرقة لعنته وفرقة أحبته وفرقة لا تسبه ولا تحبه وهذا ~~هو المنصوص عن الإمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع ~~المسلمين # قال صالح بن أحمد قلت لأبي إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد فقال يا بنى ~~وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر فقلت يا أبت فلماذا لا تلعنه ~~فقال يا بنى ومتى رأيت أباك يلعن أحدا # وقال مهنا سألت أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فقال هو الذي فعل ~~بالمدينة ما فعل قلت وما فعل قال ms1097 قتل من أصحاب رسول الله وفعل قلت وما فعل ~~قال نهبها قلت فيذكر عنه الحديث قال لا يذكر عنه حديث وهكذا ذكر القاضي أبو ~~يعلى وغيره # وقال أبو محمد المقدسي لما سئل عن يزيد فيما بلغنى لا يسب ولا يحب # وبلغنى أيضا أن جدنا أبا عبد الله بن تيمية سئل عن يزيد فقال لاتنقص ولا ~~تزيد وهذا أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله وأحسنها أما ترك سبه ولعنته فبناء ~~على أنه لم يثبت فسقه الذي يقتضي لعنه أو بناء على أن الفاسق المعين لا ~~يلعن بخصوصه إما تحريما وإما تنزيها فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر في قصة ~~حمار الذي تكرر منه شرب الخمر وجلده لما لعنه بعض الصحابة قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله وقال لعن المؤمن كقتله متفق ~~عليه هذا مع أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الخمر وشاربها ~~فقد ثبت أن النبي لعن عموما شارب الخمر ونهى في الحديث الصحيح عن لعن هذا ~~المعين PageV04P483 وهذا كما أن نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى ~~والزانى والسارق فلا نشهد بها عامة على معين بأنه من أصحاب النار لجواز ~~تخلف المقتضى عن المقتضى لمعارض راجح إما توبة وإما حسنات ماحية وإما مصائب ~~مكفرة وإما شفاعة مقبولة واما غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع فهذه ~~ثلاثة مآخذ # ومن اللاعنين من يرى أن ترك لعنته مثل ترك سائر المباحات من فضول القول ~~لا لكراهة في اللعنة وأما ترك محبته فلأن المحبة الخاصة إنما تكون للنبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وليس واحدا منهم وقد قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( المرء مع من أحب ( ومن آمن بالله واليوم الآخر لا يختار أن يكون مع ~~يزيد ولا مع أمثاله من الملوك الذين ليسوا بعادلين PageV04P484 # ولترك المحبة مأخذان # أحدهما أنه لم يصدر عنه من الأعمال الصالحة ما يوجب محبته فبقى واحدا من ~~الملوك المسلطين ومحبة أشخاص هذا النوع ليست مشروعة وهذا المأخذ ms1098 ومأخذ من ~~لم يثبت عنده فسقه اعتقد تأويلا # والثاني أنه صدر عنه ما يقتضى ظلمه وفسقه في سيرته وأمر الحسين وأمر أهل ~~الحرة # وأما الذين لعنوه من العلماء كأبى الفرج بن الجوزى والكيا الهراس وغيرهما ~~فلما صدر عنه من الأفعال التى تبيح لعنته ثم قد يقولون هو فاسق وكل فاسق ~~يلعن وقد يقولون بلعن صاحب المعصية وإن لم يحكم بفسقه كما لعن أهل صفين ~~بعضهم بعضا في القنوت فلعن على وأصحابه في قنوت الصلاة رجالا معينين من أهل ~~الشام وكذلك أهل الشام لعنوا مع أن المقتتلين من أهل التأويل السائغ ~~العادلين والباغين لا يفسق واحد منهم وقد يلعن لخصوص ذنوبه الكبار وإن كان ~~لا يلعن سائر الفساق كما لعن رسول الله أنواعا من أهل المعاصى وأشخاصا من ~~العصاة وان لم يلعن جميعهم فهذه ( ثلاثة مآخذ ( للعنته # وأما الذين سوغوا محبته أو أحبوه كالغزالى والدستى فلهم مأخذان ~~PageV04P485 ( أحدهما ( أنه مسلم ولى أمر الأمة على عهد الصحابة وتابعه ~~بقاياهم وكانت فيه خصال محمودة وكان متأولا فيما ينكر عليه من أمر الحرة ~~وغيره فيقولون هو مجتهد مخطئ ويقولون إن أهل الحرة هم نقضوا بيعته أولا ~~وأنكر ذلك عليهم بن عمر وغيره وأما قتل الحسين فلم يأمر به ولم يرض به بل ~~ظهر منه التألم لقتله وذم من قتله ولم يحمل الرأس إليه وإنما حمل إلى بن ~~زياد # والمأخذ الثانى ( أنه قد ثبت في صحيح البخارى عن بن عمر أن رسول الله قال ~~( أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له ( وأول جيش غزاها كان أميره يزيد # ( والتحقيق ( ان هذين القولين يسوغ فيهما الإجتهاد فان اللعنة لمن يعمل ~~المعاصى مما يسوغ فيها الإجتهاد وكذلك محبة من يعمل حسنات وسيئات بل لا ~~يتنافى عندنا أن يجتمع في الرجل الحمد والذم والثواب والعقاب كذلك لا ~~يتنافى أن يصلى عليه ويدعى له وأن يلعن ويشتم أيضا باعتبار وجهين # فإن أهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة وإن دخلوا النار أو استحقوا ~~دخولها فإنهم لا بد أن يدخلوا الجنة ms1099 فيجتمع فيهم الثواب والعقاب ولكن ~~الخوارج والمعتزلة تنكر ذلك وترى أن من استحق الثواب لا يستحق العقاب ومن ~~استحق العقاب لا يستحق الثواب والمسألة مشهورة وتقريرها في غير هذا الموضع ~~PageV04P486 # وأما جواز الدعاء للرجل وعليه فبسط هذه المسألة في الجنائز فإن موتى ~~المسلمين يصلى عليهم برهم وفاجرهم وان لعن الفاجر مع ذلك بعينه أو بنوعه ~~لكن الحال الاول أوسط وأعدل وبذلك أجبت مقدم المغل بولاى لما قدموا دمشق في ~~الفتنة الكبيرة وجرت بينى وبينه وبين غيره مخاطبات فسألنى فيما سألنى ما ~~تقولون في يزيد فقلت لا نسبه ولا نحبه فإنه لم يكن رجلا صالحا فنحبه ونحن ~~لا نسب أحدا من المسلمين بعينه فقال أفلا تلعنونه أما كان ظالما أما قتل ~~الحسين # فقلت له نحن اذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال الله ~~في القرآن @QB@ ألا لعنة الله على الظالمين @QE@ ولا نحب أن نلعن أحدا ~~بعينه وقد لعنه قوم من العلماء وهذا مذهب يسوغ فيه الإجتهاد لكن ذلك القول ~~أحب إلينا وأحسن # وأما من قتل ( الحسين ( أو أعان على قتله أو رضى بذلك فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا # قال فما تحبون أهل البيت قلت محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه فإنه قد ~~ثبت عندنا في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال خطبنا رسول الله بغدير يدعى خما ~~بين مكة والمدينة فقال ( أيها الناس إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله ( ~~فذكر كتاب الله وحض عليه ثم قال ( وعترتى PageV04P487 أهل بيتى أذكركم الله ~~في أهل بيتى أذكركم الله في أهل بيتى ( قلت لمقدم ونحن نقول في صلاتنا كل ~~يوم ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم انك حميد مجيد ~~وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد ( قال ~~مقدم فمن يبغض أهل البيت قلت من أبغضهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا # ثم قلت ms1100 للوزير المغولى لأى شيء قال عن يزيد وهذا تترى قال قد قالوا له ان ~~أهل دمشق نواصب قلت بصوت عال يكذب الذى قال هذا ومن قال هذا فعلية لعنة ~~الله والله ما في أهل دمشق نواصب وماعلمت فيهم ناصبيا ولو تنقص أحد عليا ~~بدمشق لقام المسلمون عليه لكن كان قديما لما كان بنو أمية ولاة البلاد بعض ~~بني أمية ينصب العداوة لعلى ويسبه وأما اليوم فما بقى من أولئك أحد ~~PageV04P488 ### |||| سئل # عن جماعة اجتمعوا على امور متنوعة في الفساد ومنهم من يقول ان الدين فسد ~~من قبل ( هذه ( وهو من حين أخذت الخلافة من على بن أبى طالب فان الذين ~~تولوا مكانه لم يكونوا أهلا للولاية فلم تصح توليتهم ولم يصح للمسلمين بعد ~~ذلك عقد من عقودهم لا عقد نكاح ولا غيره وأن جميع من تزوج بعد تلك الواقعة ~~فنكاحه فاسد وكذلك العقود جميعها فاسدة والولايات وغيرها # ويزعم قائل هذا أن الله صليب وأن كل حرف من الجلالة على رأس خط من خطوط ~~الصليب ويقرر للناس أن اليهود والنصارى على حق وكذلك المجوس وغيرهم ### ||||| فأجاب # رحمه الله تعالى أما هذا الجاهل فهو شبيه في جهله بالرافضة الذين يكذبون ~~وخرافاتهم التى لا تروج الا على جاهل لا يعرف أصول الاسلام كالذين ذكروا في ~~هذا السؤال # وقيل انهم يقولون أن الدين فسد من حين أخذت الخلافة من على وذلك ~~PageV04P489 من حين موت النبى وأن الخلفاء الراشدين لم يكونوا أهلا للولاية ~~وأن عقود المسلمين باطلة وأن الله صليب ويقرر دين اليهود والنصارى والمجوس ~~فإن هذا زنديق من شر الزنادقة من جنس قرامطة الباطنية كالنصرية ~~والاسماعيلية وأتباعهم # ولهذا يتكلم بالتناقض فإن من يقرر دين اليهود والنصارى والمجوس ويطعن في ~~دين الخلفاء الراشدين المهديين والسابقين الاولين من المهاجرين والانصار لا ~~يكون الا من أجهل الناس واكفرهم ولو كان من المؤمنين الذين يعلمون أن هذه ~~الامة خير امة أخرجت للناس وان خير الامة القرن الاول ثم الذين يلونه ثم ~~الذين يلونه لما كان مقررا لدين الكفار ms1101 طاعنا في دين المهاجرين والانصار ~~والرد على هذا ونحوه مبسوط في غير هذا الموضع # وقد ذكرنا في ذلك في الرد على الرافضة ما لا يتسع له هذا الموضع ومثل هذا ~~القول لا يقوله من يؤمن بأن محمدا رسول الله فنجيب من يقر أن محمدا رسول ~~الله فنبين له مما جاء به ما يزيل شبهته فأما من يطعن في نبوته فنكلمه من ~~وجه آخر ولكل مقام مقال PageV04P490 ### |||| سئل رحمه الله # هل يصح عند أهل العلم أن عليا رضي الله عنه قاتل الجن في البئر ومد يده ~~يوم خيبر فعبر العسكر عليها وأنه حمل في الأحزاب فافترقت قدامه سبع عشرة ~~فرقة وخلف كل فرقة رجل يضرب بالسيف يقول أنا على وأنه كان له سيف يقال له ~~ذو الفقار وكان يمتد ويقصر وإنه ضرب به مرحبا وكان على رأسه جرن من رخام ~~فقصم له ولفرسه بضربة واحدة ونزلت الضربة في الأرض ومناد ينادى في الهواء ~~لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على وأنه رمى في المنجنيق إلى حصن الغراب ~~وإنه بعث إلى كل نبى سرا وبعث مع النبي جهرا وإنه كان يحمل في خمسين ألفا ~~وفي عشرين ألفا وفي ثلاثين ألفا وحده وأنه لما برز إليه مرحب من خيبر ضربه ~~ضربة واحدة فقده طولا وقد الفرس عرضا ونزل السيف في الأرض ذراعين أو ثلاثة ~~وأنه مسك حلقة باب خيبر وهزها فاهتزت المدينة ووقع من على السور شرفات فهل ~~صح من ذلك شيء ### ||||| أجاب # الحمد لله هذه الأمور المذكورة كذب مختلق باتفاق أهل ~~العلم والإيمان PageV04P491 لم يقاتل على ولا غيره من الصحابة الجن ولا ~~قاتل الجن أحد من الإنس لا في بئر ذات العلم ولا غيرها # والحديث المروى في قتاله للجن موضوع مكذوب بإتفاق أهل المعرفة ولم يقاتل ~~على قط على عهد رسول الله لعسكر كان خمسين ألفا أو ثلاثين ألفا فضلا عن أن ~~يكون وحده قد حمل فيهم # ومغازيه التى شهدها مع رسول الله وقاتل فيها كانت تسعة بدرا وأحدا ~~والخندق ms1102 وخيبر وفتح مكة ويوم حنين وغيرها # وأكثر ما يكون المشركون في الأحزاب وهى الخندق وكانوا محاصرين للمدينة ~~ولم يقتتلوا هم والمسلمون كلهم وإنما كان يقتتل قليل منهم وقليل من الكفار ~~وفيها قتل على عمرو بن عبدود العامرى ولم يبارز على وحده قط إلا واحدا ولم ~~يبارز إثنين # وأما مرحب يوم خيبر فقد ثبت في الصحيح أن النبى قال ( لأعطين الراية رجلا ~~يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ( فأعطاها لعلى ~~وكانت أيام خيبر أياما متعددة وحصونها فتح على يد على رضى الله عنه بعضها # وقد روى أثر أنه قتل مرحبا وروى انه قتله محمد بن مسلمة ولعلهما مرحبان ~~وقتله القتل المعتاد ولم يقده جميعه ولا قد الفرس ولا نزل PageV04P492 ~~السيف إلى الأرض ولا نزل لعلى ولا لغيره سيف من السماء ولا مديده ليعبر ~~الجيش ولا اهتز سور خيبر لقلع الباب ولا وقع شيء من شرفاته وان خيبر لم تكن ~~مدينة وانما كانت حصونا متفرقة ولهم مزارع # ولكن المروى انه ما قلع باب الحصن حتى عبره المسلمون ولا رمى في منجنيق ~~قط وعامة هذه المغازى التى تروى عن على وغيره قد زادوا فيها أكاذيب كثيرة ~~مثل ما يكذبون في سيرة عنترة والأبطال # وجميع الحروب التى حضرها على رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثة حروب الجمل وصفين وحرب أهل النهروان والله أعلم ~~PageV04P493 ### |||| سئل # عمن قال إن عليا قاتل الجن في البئر وأنه حمل على اثنى عشر ~~الفا وهزمهم ### ||||| فأجاب # لم يحمل أحد من الصحابة وحده لا في اثنى عشر الفا ولا في عشرة آلاف لا ~~على ولا غيره بل أكثر عدد اجتمع على النبى هم الاحزاب الذين حاصروه بالخندق ~~وكانوا قريبا من هذه العدة وقتل على رجلا من الاحزاب إسمه ( عمرو بن عبدود ~~العامرى # ولم يقاتل أحد من الإنس للجن لا على ولا غيره بل على كان أجل قدرا من ذلك ~~والجن الذين يتبعون الصحابة يقاتلون كفار الجن لا يحتاجون في ذلك إلى ms1103 قتال ~~الصحابة معهم PageV04P494 ### |||| سئل # عن ( فاطمة ( # أنها أتت النبى صلى الله عليه ~~وسلم وقالت يا رسول الله إن عليا يقوم الليالى كلها إلا ليلة الجمعة فانه ~~يصلى الوتر ثم ينام إلى أن يطلع الفجر فقال ( إن الله يرفع روح على كل ليلة ~~جمعة تسبح في السماء إلى طلوع الفجر ( فهل ذلك صحيح أم لا وهل هذا صحيح عن ~~على أنه قال اسألونى عن طرق السماء فإنى أعرف بها من طرق الأرض ### ||||| فأجاب # وأما الحديث المذكور عن على فكذب ما رواه أحد من أهل العلم وأما قوله ~~إسألونى عن طرق السماء فإنه قاله ولم يرد بذلك طريقا للهدى وإنما يريد بمثل ~~هذا الكلام الاعمال الصالحة التى يتقرب بها والله أعلم PageV04P495 ### |||| سئل رحمه الله # عن رجل قال عن ( على ( بن أبى طالب رضى الله عنه انه ليس من أهل ~~البيت ولا تجوز الصلاة عليه والصلاة عليه بدعة ### ||||| فأجاب # أما كون على بن أبى ~~طالب من أهل البيت فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين وهو أظهر عند ~~المسلمين من أن يحتاج إلى دليل بل هو أفضل أهل البيت وأفضل بنى هاشم بعد ~~النبى وقد ثبت عن النبى أنه أدار كساءه على على وفاطمة وحسن وحسين فقال ( ~~اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ( # وأما الصلاة عليه منفردا فهذا ينبنى على أنه هل يصلى على غير النبى ~~منفردا مثل أن يقول اللهم صل على عمر أو علي وقد تنازع العلماء في ذلك # فذهب مالك والشافعى وطائفة من الحنابلة إلى أنه لا يصلى على غير النبى ~~منفردا كما روى عن بن عباس أنه قال لا أعلم الصلاة تنبغى على أحد الا على ~~النبى PageV04P496 وذهب الإمام أحمد وأكثر أصحابه إلى أنه لا بأس بذلك لأن ~~على بن أبى طالب رضى الله عنه قال لعمر بن الخطاب صلى الله عليك وهذا القول ~~أصح وأولى # ولكن افراد واحد من الصحابة والقرابة كعلى أو غيره بالصلاة عليه دون غيره ~~مضاهاة للنبى صلى الله عليه وسلم بحيث ms1104 يجعل ذلك شعارا معروفا بإسمه هذا هو ~~البدعة PageV04P497 ### |||| سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه # هل صح عند أحد من أهل العلم والحديث أومن يقتدى به في دين الإسلام ان ~~أمير المؤمنين ( على بن أبى طالب ( رضى الله عنه قال اذا أنا مت فأركبونى ~~فوق ناقتى وسيبونى فأينما بركت أدفنونى فسارت ولم يعلم أحد قبره فهل صح ذلك ~~أم لا وهل عرف أحد من أهل العلم أين دفن أم لا وما كان سبب قتله وفى أى وقت ~~كان ومن قتله # ومن قتل الحسين وما كان سبب قتله وهل صح أن أهل بيت النبى سبوا وأنهم ~~أركبوا على الإبل عراة ولم يكن عليهم ما يسترهم فخلق الله تعالى للإبل التى ~~كانوا عليها سنامين إستتروا بها وأن الحسين لما قطع رأسه داروا به في جميع ~~البلاد وأنه حمل إلى دمشق وحمل إلى مصر ودفن بها وأن يزيد بن معاوية هو ~~الذى فعل هذا بأهل البيت فهل صح ذلك أم لا # وهل قائل هذه المقالات مبتدع بها في دين الله وما الذى يجب عليه اذا ~~PageV04P498 تحدث بهذا بين الناس وهل اذا أنكر هذا عليه منكر هل يسمى آمرا ~~بالمعروف ناهيا عن المنكر أم لا أفتونا مأجورين وبينوا لنا بيانا شافيا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما ما ذكر من توصية أمير المؤمنين ( على بن أبى ~~طالب ( رضى الله عنه اذا مات أركب فوق دابته وتسيب ويدفن حيث تبرك وأنه فعل ~~ذلك به فهذا كذب مختلق باتفاق أهل العلم لم يوص على بشيء من ذلك ولا فعل به ~~شئ من ذلك ولم يذكر هذا أحد من المعروفين بالعلم والعدل وإنما يقول ذلك من ~~ينقل عن بعض الكذابين # ولا يحل أن يفعل هذا بأحد من موتى المسلمين ولا يحل لأحد أن يوصى بذلك بل ~~هذا مثله بالميت ولا فائدة في هذا الفعل فإنه ان كان المقصود تعمية قبره ~~فلا بد اذا بركت الناقة من أن يحفر له قبر ويدفن فيه وحينئذ يمكن أن يحفر ~~له قبر ms1105 ويدفن به بدون هذه المثلة القبيحة وهو أن يترك ميتا على ظهر دابة ~~تسير في البرية # وقد تنازع العلماء في ( موضع قبره ( والمعروف عند أهل العلم أنه دفن بقصر ~~الإمارة بالكوفة وأنه أخفى قبره لئلا ينبشه ( الخوارج ( الذين كانوا ~~يكفرونه ويستحلون قتله فإن الذى قتله واحد من الخوارج وهو عبد الرحمن ~~PageV04P499 بن ملجم المرادى وكان قد تعاهد هو وآخران على قتل على وقتل ~~معاوية وقتل عمرو بن العاص فانهم يكفرون هؤلاء كلهم وكل من لا يوافقهم على ~~أهوائهم # وقد تواترت النصوص عن النبى بذمهم خرج مسلم في صحيحه حديثهم من عشرة أوجه ~~وخرجه البخارى من عدة أوجه وخرجه أصحاب السنن والمساند من أكثر من ذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم فيهم ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وفى رواية أينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة ~~يقتلون أهل الاسلام ( # وهؤلاء إتفق الصحابة رضى الله عنهم على قتالهم لكن الذى باشر قتالهم وأمر ~~به على رضى الله عنه كما في الصحيحين عن أبى سعيد عن النبى قال ( تمرق ~~مارقة على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ( فقتلهم على رضى ~~الله عنه بالنهروان وكانوا قد إجتمعوا في مكان يقال له ( حروراء ( ولهذا ~~يقال لهم الحرورية # وأرسل إليهم بن عباس فناظرهم حتى رجع منهم نحو نصفهم ثم ان الباقين قتلوا ~~( عبد الله بن خباب ( وأغاروا على سرح المسلمين فأمر PageV04P500 على الناس ~~بالخروج إلى قتالهم وروى لهم أمر النبى بقتالهم وذكر العلامة التى فيهم أن ~~فيهم رجلا مخدج اليدين ناقص اليد على ثديه مثل البضعة من اللحم تدردر ولما ~~قتلوا وجد فيهم هذا المنعوت # فلما إتفق الخوارج الثلاثة على قتل أمراء المسلمين الثلاثة قتل عبد ~~الرحمن بن ملجم ( عليا ( رضى الله عنه يوم الجمعة سابع عشر شهر رمضان عام ~~أربعين اختبأ له فحين ms1106 خرج لصلاة الفجر ضربه وكانت السنة أن الخلفاء ونوابهم ~~الأمراء الذين هم ملوك المسلمين هم الذين يصلون بالمسلمين الصلوات الخمس ~~والجمع والعيدين والاستسقاء والكسوف ونحو ذلك كالجنائز فأمير الحرب هو أمير ~~الصلاة الذى هو إمامها # وأما الذى أراد قتل ( معاوية ( فقالوا انه جرحه فقال الطبيب أنه يمكن ~~علاجك لكن لا يبقى لك نسل ويقال أنه من حينئذ إتخذ معاوية المقصورة في ~~المسجد وإقتدى به الأمراء ليصلوا فيها هم وحاشيتهم خوفا من وثوب بعض الناس ~~على أمير المؤمنين وقتله وان كان قد فعل فيها مع ذلك مالا يسوغ وكره من كره ~~الصلاة في نحو هذه المقاصير # وأما الذى أراد قتل ( عمرو بن العاص ( فإن عمرا كان قد إستخلف ذلك اليوم ~~رجلا إسمه خارجة فظن الخارجى أنه عمرو فقتله فلما تبين له قال أردت عمرا ~~وأراد الله خارجة فصارت مثلا PageV04P501 # فقيل إنهم كتموا قبر ( على ( وقبر ( معاوية ( وقبر ( عمرو ( خوفا عليهم ~~من الخوارج ولهذا دفنوا معاوية داخل الحائط القبلى من المسجد الجامع في قصر ~~الإمارة الذى كان يقال له الخضراء وهو الذى تسميه العامة قبر ( هود ( وهود ~~بإتفاق العلماء لم يجئ إلى دمشق بل قبره ببلاد اليمن حيث بعث وقيل بمكة حيث ~~هاجر ولم يقل أحد إنه بدمشق # وأما ( معاوية ( الذى هو خارج ( باب الصغير ( فإنه معاوية بن يزيد الذى ~~تولى نحو أربعين يوما وكان فيه زهد ودين فعلى دفن هناك وعفى قبره فلذلك لم ~~يظهر قبره # ( وأما المشهد الذى بالنجف ( فأهل المعرفة متفقون على أنه ليس بقبر على ~~بل قيل أنه قبر المغيرة بن شعبة ولم يكن أحد يذكر أن هذا قبر على ولا يقصده ~~أحد أكثر من ثلاثمائة سنة مع كثرة المسلمين من أهل البيت والشيعة وغيرهم ~~وحكمهم بالكوفة # وإنما اتخذوا ذلك مشهدا في ملك بنى بويه الأعاجم بعد موت على بأكثر من ~~ثلاثمائة سنة ورووا حكاية فيها أن الرشيد كان يأتى إلى تلك وأشياء لا تقوم ~~بها حجة # وأما السؤال عن سبى أهل البيت واركابهم الإبل حتى نبت لها ms1107 سنامان وهى ~~البخاتى ليستتروا بذلك فهذا من أقبح الكذب وأبينه وهو مما إفتراه الزنادقة ~~PageV04P502 والمنافقون الذين مقصودهم الطعن في الإسلام وأهله من أهل البيت ~~وغيرهم فان من سمع مثل هذا وشهرته وما فيه من الكذب قد يظن أو يقول ان ~~المنقول إلينا من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء هو من هذا الجنس ثم اذا ~~تبين أن الامة سبت أهل بيت نبيها كان فيها من الطعن في خير أمة أخرجت للناس ~~مالا يعلمه الا الله اذ كل عاقل يعلم أن الإبل البخاتى كانت مخلوقة موجودة ~~قبل أن يبعث الله النبى صلى الله عليه وسلم وقبل وجود أهل البيت كوجود ~~غيرها من الإبل والغنم والبقر والخيل والبغال والمعز # وإنما هذا الكذب نظير كذبهم بأن عليا رضى الله عنه نصب يده بخيبر فوطئته ~~البغلة فقال لها قطع الله نسلك فان كل عاقل يعلم ان البغلة لم يكن لها نسل ~~قط هذا مع أنهم لم يكن معهم بخيبر بغلة بل لم يكن للمسلمين بغال وأول بغلة ~~صارت لهم التى أهداها المقوقس صاحب مصر للنبى حتى مات وهى عنده # وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( صنفان من أهل النار من ~~أمتى لم أرهما بعد نساء كاسيات مائلات مميلات على رؤوسهن مثل أسنمة البخت ~~لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها ~~عباد الله ( فالنبى شبه أصحاب العصائب الكبار التى ستكون بعد موته بأسنمة ~~البخاتى فلولا أنهم كانوا يعرفونها لم يفهموا وهذه العصائب قد PageV04P503 ~~ظهرت بعده بمدة طويلة في هذا الزمان ونحوه ثم إن البخاتى لا يستتر راكبها ~~إذا كان عاريا ولو شاء الله أن يستتر من عرى بغير حق لستره بما يصلح له كما ~~ستر إبراهيم الخليل لما جرد وألقى في المنجنيق # ومما يبين ظهور الكذب في هذا أن المسلمين ما زالوا يسبون الكفار من أهل ~~الكتاب وغيرهم ومع هذا فما علم أنهم قط كانوا يرحلون النساء مجردات بادية ~~أبدانهن بل غاية ما يظهر من المرأة ms1108 المسبية وجهها أو يداها أو قدمها # ولم يعلم في الإسلام ان أهل البيت سبى أحد منهم أحد من المسلمين في وقت ~~من الأوقات مع العلم بأنهم من أهل البيت اللهم إلا أن يقع في أثناء ما ~~تسبيه المسلمون من لا يعلم أنه من أهل البيت كامرأة سباها العدو ثم ~~استنقذها المسلمون واذا تبين أنها كانت حرة الاصل أرسلوها وان كان في ضمن ~~ذلك من لا يعرف من يخفى نسبها ويستحل منها ما حرم الله من هو زنديق منافق ~~فالله أعلم بحقيقة ذلك لكن لم يكن شئ من ذلك علانية في الإسلام قط # وهذا مما يقوله هؤلاء الجهال أن الحجاج بن يوسف قتل الأشراف وأراد قطع ~~دابرهم وهذا من الجهل بأحوال الناس فإن الحجاج مع كونه مبيرا سفاكا للدماء ~~قتل خلقا كثيرا لم يقتل من أشراف بنى هاشم أحدا قط بل سلطانه عبد الملك بن ~~مروان نهاه عن التعرض لبنى هاشم وهم الإشراف وذكر أنه أتى إلى الحرب لما ~~تعرضوا لهم يعنى لما قتل الحسين PageV04P504 ولا يعلم في خلافة عبد الملك ~~والحجاج نائبه على العراق أنه قتل أحدا من بنى هاشم # والذى يذكر لنا السبى أكثر ما يذكر مقتل الحسين وحمل أهله إلى يزيد لكنهم ~~جهال بحقيقة ما جرى حتى يظن الظان منهم أن أهله حملوا إلى مصر وانهم قتلوا ~~بمصر وأنهم كانوا خلقا كثيرا حتى إن منهم من اذا رأى موتى عليهم آثار القتل ~~قال هؤلاء من السبى الذين قتلوا وهذا كله جهل وكذب والحسين رضى الله عنه ~~ولعن من قتله ورضى بقتله قتل يوم عاشوراء عام إحدى وستين # وكان الذى حض على قتله الشمر بن ذى الجوشن صار يكتب في ذلك إلى نائب ~~السلطان على العراق عبيد الله بن زياد وعبيد الله هذا أمر بمقاتلة الحسين ~~نائبه عمر بن سعد بن أبى وقاص بعد ان طلب الحسين منهم ما طلبه آحاد ~~المسلمين لم يجئ معه مقاتلة فطلب منهم أن يدعوه إلى ان يرجع إلى المدينة أو ~~يرسلوه إلى يزيد ms1109 بن عمه أو يذهب إلى الثغر يقاتل الكفار فإمتنعوا إلا أن ~~يستأسر لهم أو يقاتلوه فقاتلوه حتى قتلوه وطائفة من أهل بيته وغيرهم # ثم حملوا ثقله وأهله إلى يزيد بن معاوية إلى دمشق ولم يكن يزيد أمرهم ~~بقتله ولا ظهر منه سرور بذلك ورضى به بل قال كلاما فيه ذم لهم حيث نقل عنه ~~انه قال لقد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين وقال PageV04P505 ~~لعن الله بن مرجانة يعنى عبيد الله بن زياد والله لو كان بينه وبين الحسين ~~رحم لما قتله يريد بذلك الطعن في استلحاقه حيث كان أبوه زياد استلحق حتى ~~كان ينتسب إلى أبى سفيان صخر بن حرب وبنو أمية وبنو هاشم كلاهما بنو عبد ~~مناف # وروى أنه لما قدم على يزيد ثقل الحسين وأهله ظهر في داره البكاء والصراخ ~~لذلك وأنه أكرم أهله وأنزلهم منزلا حسنا وخير ابنه عليا بين أن يقيم عنده ~~وبين أن يذهب إلى المدينة فإختار المدينة والمكان الذى يقال له سجن على بن ~~الحسين بجامع دمشق باطل لا أصل له # لكنه مع هذا لم يقم حد الله على من قتل الحسين رضى الله عنه ولا انتصر له ~~بل قتل أعوانه لإقامة ملكه وقد نقل عنه أنه تمثل في قتل الحسين بأبيات ~~تقتضى من قائلها الكفر الصريح كقوله # لما بدت تلك الحمول وأشرفت %~% تلك الرؤوس إلى ربى جيرون # نعق الغراب فقلت نح أولا تنح %~% فلقد قضيت من النبى ديونى # وهذا الشعر كفر # ولا ريب أن ( يزيد ( تفاوت الناس فيه فطائفة تجعله كافرا بل تجعله هو ~~وأباه كافرين بل يكفرون مع ذلك أبا بكر وعمر ويكفرون عثمان وجمهور ~~المهاجرين والأنصار وهؤلاء الرافضة من أجهل خلق الله وأضلهم وأعظمهم ~~PageV04P506 كذبا على الله عز وجل ورسوله والصحابة والقرابة وغيرهم فكذبهم ~~على يزيد مثل كذبهم على أبى بكر وعمر وعثمان بل كذبهم على يزيد أهون بكثير # وطائفة تجعله من أئمة الهدى وخلفاء العدل وصالح المؤمنين وقد يجعله بعضهم ~~من الصحابة وبعضهم يجعله نبيا وهذا ms1110 أيضا من أبين الجهل والضلال وأقبح الكذب ~~والمحال بل كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات والقول فيه كالقول ~~في أمثاله من الملوك وقد بسطنا القول في هذا في غير هذا الموضع # وأما الحسين رضى الله عنه فقتل بكر بلاء قريب من الفرات ودفن جسده حيث ~~قتل وحمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد بالكوفة هذا الذى رواه البخارى ~~في صحيحه وغيره من الأئمة # وأما حمله إلى الشام إلى يزيد فقد روى ذلك من وجوه منقطعة لم يثبت شئ ~~منها بل في الروايات ما يدل على أنها من الكذب المختلق فإنه يذكر فيها أن ( ~~يزيد ( جعل ينكت بالقضيب على ثناياه وأن بعض الصحابة الذين حضروه كأنس بن ~~مالك وأبى برزة أنكر ذلك وهذا تلبيس فان الذى جعل ينكت بالقضيب إنما كان ~~عبيد الله بن زياد هكذا في الصحيح والمساند وإنما جعلوا مكان عبيد الله بن ~~زياد ( يزيد ( وعبيد الله لا ريب أنه أمر بقتله وحمل الرأس إلى بين يديه ثم ~~أن بن زياد قتل بعد ذلك لأجل ذلك PageV04P507 ومما يوضح ذلك أن الصحابة ~~المذكورين كأنس وأبى برزة لم يكونوا بالشام وإنما كانوا بالعراق حينئذ ~~وإنما الكذابون جهال بما يستدل به على كذبهم # وأما حمله إلى مصر فباطل باتفاق الناس وقد اتفق العلماء كلهم على أن هذا ~~المشهد الذى بقاهرة مصر الذى يقال له ( مشهد الحسين ( باطل ليس فيه رأس ~~الحسين ولا شئ منه وإنما أحدث في أواخر دولة ( بنى عبيد الله بن القداح ( ~~الذين كانوا ملوكا بالديار المصرية مائتى عام إلى أن إنقرضت دولتهم في أيام ~~( نور الدين محمود ( وكانوا يقولون إنهم من أولاد فاطمة ويدعون الشرف وأهل ~~العلم بالنسب يقولون ليس لهم نسب صحيح ويقال ان جدهم كان ربيب الشريف ~~الحسينى فادعوا الشرف لذلك # فأما مذاهبهم وعقائدهم فكانت منكرة بإتفاق أهل العلم بدين الإسلام وكانوا ~~يظهرون التشيع وكان كثير من كبرائهم وأتباعهم يبطنون مذهب القرامطة ~~الباطنية وهو من أخبث مذاهب أهل الأرض أفسد من اليهود والنصارى ولهذا ms1111 كان ~~عامة من إنضم إليهم أهل الزندقة والنفاق والبدع المتفلسفة والمباحية ~~والرافضة وأشباه هؤلاء ممن لا يستريب أهل العلم والايمان في أنه ليس من أهل ~~العلم والايمان # فأحدث هذا ( المشهد ( في المائة الخامسة نقل من عسقلان وعقيب ذلك بقليل ~~إنقرضت دولة الذين ابتدعوه بموت العاضد آخر ملوكهم PageV04P508 والذى رجحه ~~أهل العلم في موضع رأس الحسين بن على رضى الله عنهما هو ما ذكره الزبير بن ~~بكار في كتاب ( أنساب قريش ( والزبير بن بكار هو من أعلم الناس وأوثقهم في ~~مثل هذا ذكر أن الرأس حمل إلى المدينة النبوية ودفن هناك وهذا مناسب فإن ~~هناك قبر أخيه الحسن وعم أبيه العباس وابنه على وأمثالهم # قال ( أبو الخطاب ( بن دحية الذى كان يقال له ( ذو النسبين بين دحية ~~والحسين ( في كتاب ( العلم المشهورفى فضل الأيام والشهور ( لما ذكر ما ذكره ~~الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن انه قدم برأس الحسين وبنو أمية مجتمعون ~~عند عمرو بن سعيد فسمعوا الصياح فقالوا ما هذا فقيل نساء بنى هاشم يبكين ~~حين رأين رأس الحسين بن على قال وأتى برأس الحسين بن على فدخل به على عمرو ~~فقال والله لوددت أن أمير المؤمنين لم يبعث به إلى قال بن دحية فهذا الاثر ~~يدل أن الرأس حمل إلى المدينة ولم يصح فيه سواه والزبير أعلم أهل النسب ~~وأفضل العلماء بهذا السبب قال وما ذكر من أنه في عسقلان في مشهد هناك فشيء ~~باطل لا يقبله من معه أدنى مسكة من العقل والإدراك فان بنى أمية مع ما ~~أظهروه من القتل والعداوة والأحقاد لا يتصور أن يبنوا على الرأس مشهدا ~~للزيارة # هذا وأما ما إفتعله ( بنو عبيد ( في أيام أدبارهم وحلول بوارهم وتعجيل ~~دمارهم في أيام الملقب ( بالقاسم عيسى بن الظافر ( وهو الذى عقد له ~~بالخلافة PageV04P509 وهو بن خمس سنين وأيام لأنه ولد يوم الجمعة الحادى من ~~المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة وبويع له صبيحة قتل أبيه الظافر يوم ~~الخميس سلخ المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة وله ms1112 من العمر ما قدمنا فلا ~~تجوز عقوده ولا عهوده وتوفى وله من العمر إحدى عشرة سنة وستة أشهر وأيام ~~لأنه توفى لليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة فافتعل في أيامه بناء المشهد المحدث بالقاهرة ودخول الرأس مع ~~المشهدى العسقلانى أمام الناس ليتوطن في قلوب العامة ما أورد من الأمور ~~الظاهرة وذلك شئ إفتعل قصدا أو نصب غرضا وقضوا ما في نفوسهم لإ ستجلاب ~~العامة عرضا والذى بناه ( طلائع بن رزيك ( الرافضى وقد ذكره جميع من الف في ~~مقتل الحسين ان الرأس المكرم ما غرب قط وهذا الذى ذكره أبو الخطاب بن دحية ~~في أمر هذا المشهد وأنه مكذوب مفترى هو أمر متفق عليه عند أهل العلم # والكلام في هذا الباب وأشباهه متسع فإنه بسبب مقتل عثمان ومقتل الحسين ~~وأمثالهما جرت فتن كثيرة وأكاذيب وأهواء ووقع فيها طوائف من المتقدمين ~~والمتأخرين وكذب على امير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين على بن ابى طالب ~~أنواع من الاكاذيب يكذب بعضها شيعتهم ونحوهم ويكذب بعضها مبغضوهم لاسيما ~~بعد مقتل عثمان فانه عظم الكذب والأهواء PageV04P510 # وقيل في امير المؤمنين على بن ابى طالب مقالات من الجانبين على بريء منها ~~وصارت البدع والاهواء والكذب تزداد حتى حدث أمور يطول شرحها # مثل ما ابتدعه كثير من المتاخرين يوم عاشورا فقوم يجعلونه مأتما يظهرون ~~فيه النياحة والجزع وتعذيب النفوس وظلم البهائم وسب من مات من أولياء الله ~~والكذب على أهل البيت وغير ذلك من المنكرات المنهى عنها بكتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم واتفاق المسلمين # والحسين رضى الله عنه اكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم وأهان بذلك ~~من قتله أو أعان على قتله أو رضى بقتله وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء ~~فإنه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة وكانا قد تربيا في عز الإسلام لم ينالا من ~~الهجرة والجهاد والصبر على الاذى في الله ما ناله أهل بيته فأكرمهما الله ~~تعالى بالشهادة تكميلا لكرامتهما ورفعا لدرجاتهما وقتله مصيبة عظيمة ms1113 والله ~~سبحانه قد شرع الإسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى ( وبشر الصابرين الذين ~~إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ( # وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما من مسلم يصاب ~~بمصيبة فيقول إنا لله وانا إليه راجعون اللهم أجرنى في مصيبتي واخلف لى ~~خيرا منها الا آجره الله في مصيبته واخلف له خيرا منها ( ومن احسن ما يذكر ~~هنا أنه قد روى الإمام أحمد وبن ماجه عن فاطمة بنت PageV04P511 الحسين عن ~~أبيها الحسين رضى الله عنه قال قال رسول الله ( ما من مسلم يصاب بمصيبة ~~فيذكر مصيبته وان قدمت فيحدث عندها استرجاعا كتب الله له مثلها يوم اصيب ( ~~هذا حديث رواه عن الحسين ابنته فاطمة التى شهدت مصرعه # وقد علم أن المصيبة بالحسين تذكر مع تقادم العهد فكان في محاسن الاسلام ~~ان بلغ هو هذه السنة عن النبى صلى الله عليه وسلم وهو أنه كلما ذكرت هذه ~~المصيبة يسترجع لها فيكون للانسان من الأجر مثل الأجر يوم أصيب بها ~~المسلمون # وأما من فعل مع تقادم العهد بها ما نهى عنه النبى عند حدثان العهد ~~بالمصيبة فعقوبته اشد مثل لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية ~~ففى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله ( ليس ~~منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ( وفى الصحيحين عن ابى ~~موسى الأشعرى رضى الله عنه قال ( انا بريء مما بريء منه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الحالقة والصالقة ~~والشاقة ( # وفى صحيح مسلم عن ابى مالك الاشعرى ان رسول الله قال ( اربع في أمتى من ~~أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالاحساب PageV04P512 والطعن في الانساب ~~والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت وقال ( النائحة اذا لم تتب قبل ~~موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ( والاثار في ~~ذلك متعددة # فكيف اذا انضم إلى ms1114 ذلك ظلم المؤمنين ولعنهم وسبهم واعانة أهل الشقاق ~~والإلحاد على ما يقصدونه للدين من الفساد وغير ذلك مما لايحصيه الا الله ~~تعالى # وقوم من المتسننة رووا ورويت لهم أحاديث موضوعة بنوا عليها ما جعلوه ~~شعارا في هذا اليوم يعارضون به شعار ذلك القوم فقابلوا باطلا بباطل وردوا ~~بدعة ببدعة وان كانت احداهما أعظم في الفساد وأعون لأهل الإلحاد مثل الحديث ~~الطويل الذى روى فيه ( من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام ومن اكتحل ~~يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام ( وأمثال ذلك من ( الخضاب يوم عاشوراء ~~والمصافحة فيه ( ونحو ذلك فان هذا الحديث ونحوه كذب مختلق بإتفاق من يعرف ~~علم الحديث وان كان قد ذكره بعض أهل الحديث وقال انه صحيح وإسناده على شرط ~~الصحيح فهذا من الغلط الذى لاريب فيه كما هو مبين في غير هذا الموضع # ولم يستحب أحد من أئمة المسلمين الإغتسال يوم عاشوراء ولا الكحل فيه ~~والخضاب وأمثال ذلك ولا ذكره أحد من علماء المسلمين الذين يقتدى بهم ~~PageV04P513 ويرجع اليهم في معرفة ما أمر الله به ونهى عنه ولا فعل ذلك ~~رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا على # ولا ذكر مثل هذا الحديث في شئ من الدواوين التى صنفها علماء الحديث لا في ~~المسندات كمسند أحمد وإسحاق وأحمد بن منيع الحميدى والدالانى وأبو يعلى ~~الموصلي وأمثالها ولا في المصنفات على الأبواب كالصحاح والسنن ولا في الكتب ~~المصنفة الجامعة للمسند والآثار مثل موطأ مالك ووكيع وعبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور وبن ابى شيبة وأمثالها # ثم إن أهل الاهواء ظنت أن من يفعل هذا أنه يفعله على سبيل نصب العداوة ~~لآهل البيت والإشتفاء منهم فعارضهم من تسنن وأجاب عن ذلك باجابة بين فيها ~~براءتهم من النصب واستحقاقهم لموالاة أهل البيت وأنهم أحق بذلك من غيرهم ~~وهذا حق لكن دخلت عليهم الشبهة والغلط في ظنهم أن هذه الأفعال حسنة مستحبة ~~والله أعلم بمن إبتدأ وضع ذلك وابتداعه هل كان قصده عداوة أهل البيت أو ~~عداوة ms1115 غيرهم فالهدى بغير هدى من الله أو غير ذلك ضلالة # ونحن علينا أن نتبع ما أنزل الينا من ربنا من الكتاب والحكمة ونلزم ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~PageV04P514 والشهداء والصالحين ونعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرق ونأمر ~~بما أمر الله به وهو ( المعروف ( وننهى عما نهى عنه وهو ( المنكر ( وأن ~~نتحرى الاخلاص لله في أعمالنا فان هذا هو دين ( الإسلام قال الله تعالى ( ~~بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ( وقال تعالى ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهومحسن وإتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ( # وقال تعالى ( واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ~~قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون قل أمر ربى ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وأدعوه مخلصين له الدين كما بدأكم ~~تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم إتخذوا الشياطين أولياء من ~~دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ( # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون @QE@ إلى قوله @QB@ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه @QE@ قال بن ~~عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة # وقال تعالى ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ ~~PageV04P515 # وقال تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ # وليس الكذب في هذا ( المشهد ( وحده بل المشاهد المضافة إلى الأنبياء ~~وغيرهم كذب مثل القبر الذى يقال له ( قبر نوح ( قريب من بعلبك في سفح جبل ~~لبنان ومثل القبر الذى في قبلة مسجد جامع دمشق الذي يقال له ( قبر هود ( ~~فانما هو قبر معاوية بن أبى سفيان ومثل القبر الذى في شرقى دمشق الذي يقال ~~له ( قبر أبى بن كعب ( فإن أبيا لم يقدم دمشق بإتفاق العلماء # وكذلك ما يذكر في دمشق من قبور ( أزواج النبى ( صلى ms1116 الله عليه وسلم وإنما ~~توفين بالمدينة النبوية # وكذلك ما يذكر في مصر من قبر ( على بن الحسين ( أو ( جعفر الصادق ( أونحو ~~ذلك هو كذب بإتفاق أهل العلم فان على بن الحسين وجعفرا الصادق إنما توفيا ~~بالمدينة وقد قال عبد العزيز الكنانى الحديث المعروف ليس في قبور الأنبياء ~~ما ثبت إلا قبر ( نبينا ( قال غيره وقبر ( الخليل ( أيضا # وسبب اضطراب أهل العلم بأمر القبور أن ضبط ذلك ليس من الدين فان النبى قد ~~نهى أن تتخذ القبور مساجد فلما لم يكن معرفة ذلك من الدين لم يجب ضبطه ~~PageV04P516 فأما العلم الذى بعث الله به نبيه فانه مضبوط ومحروس كما قال ~~تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ وفى الصحاح عنه أنه ~~قال ( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من ~~خذلهم حتى تقوم الساعة # وأصل هذا الكذب هو الضلال والابتداع والشرك فإن الضلال ظنوا أن شد الرحال ~~إلى هذه المشاهد والصلاة عندها والدعاء والنذر لها وتقبيلها واستلامها وغير ~~ذلك من أعمال البر والدين حتى رأيت كتابا كبيرا قد صنفه بعض أئمة الرافضة ( ~~محمد بن النعمان ( الملقب بالشيخ المفيد شيخ الملقب بالمرتضى وأبى جعفر ~~الطوسى سماه ( الحج إلى زيارة المشاهد ( ذكر فيه من الآثار عن النبى وأهل ~~بيته وزيارة هذه المشاهد والحج اليها ما لم يذكر مثله في الحج إلى بيت الله ~~الحرام # وعامة ما ذكره من أوضح الكذب وأبين البهتان حتى أنى رأيت في ذلك من الكذب ~~والبهتان أكثر مما رأيته من الكذب في كثير من كتب اليهود والنصارى وهذا ~~إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة ليصدوا به الناس ~~عن سبيل الله ويفسدوا عليهم دين الاسلام وابتدعوا لهم أصل الشرك المضاد ~~لاخلاص الدين لله كما ذكره بن عباس وغيره من السلف في قوله تعالى عن قوم ~~نوح ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا PageV04P517 ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ( قالوا هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم ms1117 ~~نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وقد ذكر ذلك البخارى في ~~صحيحه وبسطه وبينه في اول كتابه في قصص الأنبياء وغيرها # ولهذا صنف طائفة من الفلاسفة الصابئين المشركين في تقرير هذا الشرك ما ~~صنفوه وإتفقوا هم والقرامطة الباطنية على المحادة لله ولرسوله حتى فتنوا ~~أمما كثيرة وصدوهم عن دين الله # وأقل ما صار شعارا لهم تعطيل المساجد وتعظيم المشاهد فإنهم يأتون من ~~تعظيم المشاهد وحجها والإشراك بها مالم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من ~~أئمة الدين بل نهى الله عنه ورسوله عباده المؤمنين # وأما المساجد التى أمر الله أن ترفع ويذكر فيها إسمه فيخربونها فتارة لا ~~يصلون جمعة ولا جماعة بناء على ما اصلوه من شعب النفاق وهو أن الصلاة لا ~~تصح إلا خلف معصوم ونحو ذلك من ضلالتهم # وأول من ابتدع القول بالعصمة لعلى وبالنص عليه في الخلافة هو رأس هؤلاء ~~المنافقين ( عبد الله بن سبأ ( الذى كان يهوديا فأظهر الإسلام وأراد فساد ~~دين الاسلام كما أفسد بولص دين النصارى وقد أراد أمير المؤمنين على بن أبي ~~طالب قتل هذا لما بلغه أنه يسب أبا بكر وعمر حتى هرب منه PageV04P518 كما ~~أن عليا حرق الغالية الذين أدعوا فيه الإلهية وقال في المفضلة لا أوتى بأحد ~~يفضلنى على أبى بكر وعمر إلا جلدته جلد المفترى # فهؤلاء الضالون المفترون إتباع الزنادقة المنافقون يعطلون شعار الإسلام ~~وقيام عموده وأعظمه سنن الهدى التى سنها رسول الله بمثل هذا الإفك والبهتان ~~فلا يصلون جمعة ولا جماعة # ومن يعتقد هذا فقد يسوى بين المشاهد والمساجد حتى يجعل العبادة كالصلاة ~~والدعاء والقراءة والذكر وغير ذلك مشروعا عند المقابر كما هو مشروع في ~~المساجد وربما فضل بحاله أو بقاله العبادة عند القبور والمشاهد على العبادة ~~في بيوت الله التى هي المساجد حتى تجد أحدهم اذا أراد الإجتهاد في الدعاء ~~والتوبة ونحو ذلك قصد قبر من يعظمه كشيخه أو غير شيخه فيجتهد عنده في ~~الدعاء والتضرع والخشوع والرقة ما لا يفعله مثله في ms1118 المساجد ولا في الأسحار ~~ولا في سجوده لله الواحد القهار # وقد آل الامر بكثير من جهالهم إلى أن صاروا يدعون الموتى ويستغيثون بهم ~~كما تستغيث النصارى بالمسيح وأمه فيطلبون من الاموات تفريج الكربات وتيسير ~~الطلبات والنصر على الاعداء ورفع المصائب والبلاء وأمثال ذلك مما لا يقدر ~~عليه إلا رب الأرض والسماء # حتى أن أحدهم اذا أراد الحج لم يكن أكثر همه الفرض الذى فرضه PageV04P519 ~~الله عليه وهو ( حج بيت الله الحرام ( وهو شعار الحنيفية ملة إبراهيم إمام ~~أهل دين الله بل يقصد المدينة # ولا يقصد ما رغب فيه النبى صلى الله عليه وسلم من الصلاة في مسجده حيث ~~قال في الحديث الصحيح ( صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه الا ~~المسجد الحرام ( ولا يهتم بما أمر الله به من الصلاة والسلام على رسوله حيث ~~كان ومن طاعة أمره وإتباع سنته وتعزيره وتوقيره وهو أن يكون أحب إليه من ~~أهله وماله والناس أجمعين بل أن يكون أحب إليه من نفسه بل يقصد من زيارة ~~قبره أو قبر غيره ما لم يأمر الله به ورسوله ولا فعله أصحابه ولا استحسنه ~~أئمة الدين # وربما كان مقصوده بالحج من زيارة قبره أكثر من مقصوده بالحج وربما سوى ~~بين القصدين وكل هذا ضلال عن الدين بإتفاق المسلمين بل نفس السفر لزيارة ~~قبر من القبور قبر نبى أو غيره منهى عنه عند جمهور العلماء حتى أنهم لا ~~يجوزون قصد الصلاة فيه بناء على أنه سفر معصية لقوله الثابت في الصحيحين ( ~~لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى ~~هذا ( وهو أعلم الناس بمثل هذه المسألة # وكل حديث يروى في زيارة القبر فهو ضعيف بل موضوع بل قد PageV04P520 كره ~~مالك وغيره من أئمة المدينة أن يقول القائل زرت قبر النبى وإنما المسنون ~~السلام عليه إذا أتى قبره وكما كان الصحابة والتابعون يفعلون اذا أتوا قبره ~~كما هو مذكور في غير هذا الموضع # ومن ذلك الطواف بغير الكعبة وقد إتفق المسلمون ms1119 على أنه لا يشرع الطواف ~~الا بالبيت المعمور فلا يجوز الطواف بصخرة بيت المقدس ولا بحجرة النبى ولا ~~بالقبة التى في جبل عرفات ولا غير ذلك # وكذلك اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الإستلام ولا التقبيل الا للركنين ~~اليمانيين فالحجر الأسود يستلم ويقبل واليمانى يستلم وقد قيل انه يقبل وهو ~~ضعيف # وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله كجوانب البيت والركنين ~~الشاميين ومقام إبراهيم والصخرة والحجرة النبوية وسائر قبور الأنبياء ~~والصالحين # وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى أنه قال ( قاتل الله ~~اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وفى رواية لمسلم ( لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد PageV04P521 وفى الصحيحين أيضا ~~عن عائشة وبن عباس قالا لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه ~~فإذا إغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك ( لعن الله اليهود والنصارى ~~إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما صنعوا # وفى الصحيحين أيضا عن عائشة قالت قال رسول الله في مرضه الذى لم يقم منه ~~( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك أبرز ~~قبره غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا # وفى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال سمعت رسول الله قبل موته بخمس وهو ~~يقول ( إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل فإن الله إتخذنى خليلا كما ~~اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لإتخذت أبا بكرخليلا ألا ~~وان من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ~~فإنى أنهاكم عن ذلك ( # وفى صحيح مسلم عن أبى مرثد الغنوى أن رسول الله قال ( لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا اليها ( # وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال رسول الله ( الأرض كلها مسجد ~~الا المقبرة والحمام ( رواه أهل السنن PageV04P522 كأبى داود والترمذى وبن ~~ماجه وعلله بعضهم بأنه روى مرسلا وصححه الحافظ # وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت لما اشتكى النبى ذكر له بعض ~~نسائه ms1120 أنها رأت كنيسة بأرض الحبشة يقال لها ( مارية ( وكانت أم سلمة وأم ~~حبيبة أتيا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فرفع رأسه فقال ( ~~أولئك اذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ~~أولئك شرار الخلق عند الله ( # وعن بن عباس رضى الله عنه قال ( لعن رسول الله زوارات القبور والمتخذين ~~عليها المساجد والسرج ( رواه أهل السنن كأبى داود والنسائى والترمذى وقال ~~حديث حسن وفى بعض النسخ صحيح # وفى موطأ مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( اللهم لا تجعل قبرى ~~وثنا يعبد ( وفى سنن أبى داود عنه أنه قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا ولا ~~تتخذوا بيوتكم مقابر ( # وأما العبادات في المساجد كالصلاة والقراءة والدعاء ونحو ذلك فقد قال ~~تعالى ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~PageV04P523 خرابها ( وقال تعالى ( انما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر واقام الصلاة ( الاية وفى الترمذى عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( اذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان فان الله ~~تعالى يقول ( انما يعمر مساجد الله من آمن بالله ( الآية وقال تعالى @QB@ ~~قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ~~وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ في بيوت أذن ~~الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه @QE@ الاية وقال تعالى @QB@ ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ # وفى الصحيحين عنه أنه قال ( صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته ~~وسوقه بخمس وعشرين درجة وفى لفظ صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم بخمس ~~وعشرين درجة ( # وفى الصحيح عنه أنه قال ( اثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة ~~الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة ~~فتقام ثم آمر رجلا فيصلى بالناس ثم انطلق برجال معى معهم حزم من حطب إلى ~~قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ( # وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله ms1121 عنه أنه قال أتى النبى رجل أعمى ~~فقال يا رسول الله إنه ليس لى قائد يقودنى إلى المسجد فسأل رسول الله أن ~~يرخص له فيصلى في بيته فرخص PageV04P524 له فلما ولى دعاه فقال ( هل تسمع ~~النداء بالصلاة قال نعم قال فأجب ( # وفيه أيضا عن أبى سعيد رضى الله عنه قال من سره أن يلقى الله غدا مسلما ~~فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن فان الله شرع لنبيكم سنن الهدى ~~وانهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته ~~لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن ~~الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد الا كتب الله له بكل خطوة يخطوها ~~حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها خطيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا ~~منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين رجلين حتى يقام في ~~الصف # وهذا ( باب واسع ( قد نبهنا بما كتبناه على سبيل الهدى في هذا الامر ~~الفارق بين أهل التوحيد الحنفاء أهل ملة إبراهيم المتبعين لدين الله الذى ~~بعث به رسله وأنزل به كتبه وبين من لبس الحق بالباطل وشاب الحنيفية ~~بالاشراك # قال تعالى ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون ( وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون @QE@ PageV04P525 # وقال تعالى ( ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( وقال تعالى ( وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ( الآية # وقال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ( # والله سبحانه وتعالى أعلم PageV04P526 قال شيخ الاسلام رحمه الله ### ||| فصل # وأما ( الصحابة ( و ( التابعون ( فقال غير واحد من ms1122 الائمة إن كل من صحب ~~النبى افضل ممن لم يصحبه مطلقا وعينوا ذلك في مثل معاوية وعمر بن عبد ~~العزيز مع أنهم معترفون بأن سيرة عمر بن عبد العزيز أعدل من سيرة معاوية ~~قالوا لكن ما حصل لهم بالصحبة من الدرجة أمر لا يساويه ما يحصل لغيرهم ~~بعلمه # واحتجوا بما في الصحيحين انه قال ( لا تسبوا أصحابى فوالذي نفسى بيده لو ~~أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفة ( قالوا فإذا كان جبل ~~أحد ذهبا لا يبلغ نصف مد أحدهم كان في هذا من التفاضل ما يبين أنه لم يبلغ ~~أحد مثل ( منازلهم ( التى أدركوها بصحبة النبى # وفى المسالة بسط وبيان لايحتمله هذا المكان PageV04P527 ### |||| سئل رحمه الله تعالى # عن رجلين تنازعا في ساب ( أبى بكر ( أحدهما يقول يتوب الله عليه وقال ~~الاخر لا يتوب الله عليه ### ||||| فأجاب # الصواب الذى عليه أئمة المسلمين أن كل من تاب تاب الله عليه كما قال الله ~~تعالى @QB@ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم @QE@ فقد ذكر في هذه الاية ~~أنه يغفر للتائب الذنوب جميعا ولهذا أطلق وعمم وقال في الاية الاخرى @QB@ ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ فهذا في غير ~~التائب ولهذا قيد وخصص # وليس سب بعض الصحابة بأعظم من سب الانبياء أو سب الله تعالى و ( اليهود ~~والنصارى ( الذين يسبون نبينا سرا بينهم اذا تابوا واسلموا قبل ذلك منهم ~~باتفاق المسلمين والحديث الذى يروى ( سب صحابتى ذنب لا يغفر ( كذب على رسول ~~الله والشرك الذى لا يغفره الله يغفره PageV04P528 لمن تاب باتفاق المسلمين ~~وما يقال إن في ذلك حقا لآدمى يجاب عنه من ( وجهين ( # ( أحدهما ( ان الله قد أمر بتوبة ( السارق ( و ( الملقب ( ونحوهما من ~~الذنوب التى تعلق بها حقوق العباد كقوله ( والسارق والسارقة فاقطعوا ~~ايديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ms1123 ظلمه ~~وأصلح فإن الله يتوب عليه ان الله غفور رحيم ( وقال ( ولا تنابزوا بالالقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ( ومن توبة ~~مثل هذا أن يعوض المظلوم من الاحسان إليه بقدر اساءته إليه # ( الوجه الثانى ( ان هؤلاء متأولون فإذا تاب الرافضى من ذلك واعتقد فضل ~~الصحابة واحبهم ودعا لهم فقد بدل الله السيئة بالحسنة كغيره من المذنبين ~~PageV04P529 ### |||| وسئل # عن ( جماعة ( اجتمعوا على امور متنوعة في الفساد ومنهم من اذا قرئ عليه ~~احاديث النبى التى يكون راويها ( عبد الله بن مسعود ( أو قيل له هذا مذهب ~~عبد الله بن مسعود شرع في تنقيصه واخذ يقدح فيه ويجعله ضعيف الرواية ويزعم ~~أنه كان بين الصحابة منقوصا حتى ان بعضهم لم يثبت في المصاحف قراءته وانه ~~كان يحذف من القران المعوذتين ### ||||| فأجاب رحمه الله # ( بن مسعود ( رضى الله عنه من اجلاء الصحابة وأكابرهم ~~حتى كان يقول فيه عمر بن الخطاب كنيف ملأ علما وقال أبو موسى ما كنا نعد ( ~~عبد الله بن مسعود ( الا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة ~~ما نرى دخوله وخروجه وقال له صلى الله عليه وسلم ( اذنك على أن ترفع الحجاب ~~وان تسمع بسوادى حتى أنهاك ( وفى السنن ( اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر ~~وعمر وتمسكوا بهدى بن أم عبد ( # وفى الصحيح من سره ان يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة بن أم ~~عبد ولما فتح العراق بعثه عليهم ليعلمهم الكتاب والسنة فهو أعلم الصحابة ~~PageV04P530 الذين بعثهم إلى العراق وقال فيه أبو موسى لا تسألونى عن شيء ~~ما دام هذا الحبر فيكم وكان بن مسعود يقول لو اعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله ~~منى تبلغه الابل لاتيته # وهو أحد الثلاثة الذين سماهم معاذ بن جبل عند موته لما بكى مالك بن يخامر ~~السكسكى فقال له معاذ بن جبل ما يبكيك فقال والله ما أبكى على رحم بينى ~~وبينك ولا على دنيا اصيبها منك ولكن ابكى على العلم ms1124 والايمان 2 اللذين كنت ~~اتعلمهما منك فقال ان العلم والايمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما اطلب ~~العلم عند ( اربعة ( فان اعياك هؤلاء فسائر اهل الأرض اعجز فسمى له ( بن ~~مسعود ( و ( أبى بن كعب ( و ( عبد الله بن سلام ( واظن الرابع ( أبا ~~الدرداء ( # وسئل على عن علماء الناس فقال واحد بالعراق بن مسعود وبن مسعود في العلم ~~من طبقة عمر وعلى وابى ومعاذ وهو من الطبقة الاولى من علماء الصحابة فمن ~~قدح فيه أو قال هو ضعيف الرواية فهو من جنس الرافضة الذين يقدحون في أبى ~~بكر وعمر وعثمان وذلك يدل على افراط جهله بالصحابة أو زندقته ونفاقه ~~PageV04P531 ### |||| سئل رحمه الله تعالى # عن رجل يناظر مع آخر في ( مسألة المصراة ( وردها اذا اراد المشترى فاستدل ~~من ادعى جواز الرد بحديث ابى هريرة المتفق عليه فعارضه الخصم بأن قال ( أبو ~~هريرة ( لم يكن من فقهاء الصحابة وقد أنكر عليه عمر بن الخطاب كثرة الرواية ~~ونهاه عن الحديث وقال ان عدت تحدث فعلت وفعلت وكذا انكر عليه بن عباس ~~وعائشة اشياء فهل ما ذكره الخصم صحيح أم لا وما يجب على من تكلم في أبى ( ~~هريرة ) بهذا الكلام ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا الراد مخطئ من وجوه # ( أحدها ( قوله إنه لم يكن من فقهاء الصحابة فان عمر بن الخطاب ولى أبا ~~هريرة على البحرين وهم خيار المسلمين الذين هاجر وفدهم إلى النبى وهم وفد ( ~~عبد القيس ( # وكان أبو هريرة أميرهم هو الذى يفتيهم بدقيق الفقه مثل ( مسألة ~~PageV04P532 المطلقة ( دون الثلاث اذا تزوجت زوجا أصابها هل تعود إلى الاول ~~على الثلاث كما هو قول بن عباس وبن عمر وهو مذهب أبى حنيفة ورواية عن عمر ~~بناء على أن اصابة الزوج تهدم ما دون الثلاث كما هدمت الثلاث أو تعود على ~~ما بقى كما هو قول عمر وغيره من أكابر الصحابة وهو مذهب مالك والشافعى ~~واحمد في المشهور عنه بناءا على ان اصابة الزوج الثانى انما هي غاية ~~التحريم الثابت بالطلاق الثلاث فهو الذى يرتفع بها ms1125 والمطلقة دون الثلاث لم ~~تحرم فلا ترفع الاصابة منها شيئا فأفتى أبو هريرة بهذا القول ثم سأل عمر ~~فأقره على ذلك وقال لو أفتيت بغيره لأوجعتك ضربا # وكذلك افتى أبو هريرة في دقائق ( مسائل الفقه ( مع فقهاء الصحابة كابن ~~عباس وغيره من اشهر الامور واقواله المنقولة في فتاويه تدل على ذلك واذا ~~كان عمر وعلى افقه من عمران بن حصين وابى موسى الاشعرى لم يخرجا بذلك من ~~الفقه وكذلك إذا كان معاذ وبن مسعود ونحوهما أفقه من أبى هريرة وعبد الله ~~بن عمر ونحوهما لم يخرجا بذلك من الفقه # ( الثانى ( أن يقال لهذا المعترض جميع علماء الامة عملت بحديث أبى هريرة ~~فيما يخالف القياس والظاهر كما عملوا جميعهم بحديثه عن النبى أنه قال ( لا ~~تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ( وعمل أبو حنيفة PageV04P533 مع ~~الشافعى واحمد وغيرهما بحديثه عن النبى صلى الله عليه وسلم ( من أكل أو شرب ~~ناسيا فليتم صومه فانما اطعمه الله وسقاه ( مع أن القياس عند أبى حنيفة أنه ~~يفطر فترك القياس لحديث ابى هريرة ونظائر ذلك تطول ومالك مع الشافعى واحمد ~~عملوا بحديث ابى هريرة في غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا مع ان القياس عند ~~مالك انه لا يغسل لانه طاهر عنده بل الائمة يتركون القياس لما هو دون حديث ~~ابى هريرة كما ترك أبو حنيفة القياس في مسألة ( القهقهة ( بحديث مرسل لا ~~يعرف من رواه من الصحابة وحديث ابى هريرة أثبت منه باتفاق الامة # ( الثالث أن يقال المحدث اذا حفظ اللفظ الذى سمعه لم يضره أن لا يكون ~~فقيها كالملقنين بحروف القرآن والفاظ التشهد والاذان ونحو ذلك وقد قال ( ~~نضر الله امرءا سمع حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب ~~حامل فقه إلى من هو أفقه منه ( وهذا بين في أنه يؤخذ حديثه الذى فيه الفقه ~~من حامله الذى ليس بفقيه ويأخذ عمن هو دونه في الفقه وانما يحتاج في ~~الرواية إلى الفقه اذا كان قد روى بالمعنى ms1126 فخاف ان غير الفقيه يغير المعنى ~~وهو لا يدرى # و ( أبو هريرة ( كان من أحفظ الامة وقد دعا له النبى صلى الله عليه وسلم ~~( بالحفظ ( قال فلم أنس شيئا سمعته بعد ولهذا روى حديث المصراة وغيره بلفظ ~~رسول الله صلى ا لله عليه وسلم PageV04P534 # ( الرابع ( ان الصحابة كلهم كانوا يأخذون بحديث ابى هريرة كعمر وبن عمر ~~وبن عباس وعائشة ومن تأمل كتب الحديث عرف ذلك # ( الخامس ( أن أحدا من الصحابة لم يطعن في شئ رواه أبو هريرة بحيث قال ~~أنه أخطا في هذا الحديث لا عمر ولا غيره بل كان لابى هريرة مجلس إلى حجرة ~~عائشة فيحدث ويقول يا صاحبة الحجرة هل تنكرين مما أقول شيئا فلما قضت عائشة ~~صلاتها لم تنكر مما رواه لكن قالت ان رسول الله لم يكن يسرد الحديث سردكم ~~ولكن كان يحدث حديثا لو عده العاد لحفظه فأنكرت صفة الاداء لا ما أداه # وكذلك بن عمر قيل له هل تنكر مما يحدث أبو هريرة شيئا فقال لا ولكن أخبر ~~وجبنا فقال أبو هريرة ما ذنبى إن كنت حفظت ونسوا وكانوا يستعظمون كثرة ~~روايته حتى يقول بعضهم أكثر أبو هريرة حتى قال أبو هريرة الناس يقولون أكثر ~~أبوهريرة والله الموعد أما اخوانى من المهاجرين فكان يشغلهم الصفق بالاسواق ~~وأما اخوانى من الانصار فكان يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرءا نسكينا ألزم ~~رسول الله فكنت أشهد اذا غابوا واحفظ اذا نسوا ولقد حدثنا رسول الله حديثا ~~ثم قال ( أيكم يبسط ثوبه فبسطت ثوبى فدعا لى فلم أنس بعد شيئا سمعته منه ~~صلى الله عليه وسلم PageV04P535 وروى عنه أنه كان يجزيء الليل ( ثلاثة ~~أجزاء ( ثلثا يصلى وثلثا يكرر على الحديث وثلثا ينام # فقد بين أن سبب حفظه ملازمة النبى صلى الله عليه وسلم وقطع العلائق ~~ودعاؤه له # وكان عمر بن الخطاب يستدعى الحديث من أبى هريرة ويسأله عنه ولم ينهه عن ~~رواية ما يحتاج إليه من العلم الذى سمعه من النبى ولا توعده على ذلك ولكن ~~كان عمر يحب ms1127 التثبت في الرواية حتى لا يجترئ الناس فيزاد في الحديث # ولهذا طلب من أبى موسى الاشعرى من يوافقه على حديث الاستئذان مع ان أبا ~~موسى من أكابر الصحابة وثقاتهم باتفاق الائمة # ( السادس ( أن الصحابة كانوا يرجعون في مسائل الفقه إلى من هو دون أبى ~~هريرة في الفقه كما رجع عمر بن الخطاب إلى حمل بن مالك وغيره في ( دية ~~الجنين ( وكما رجع عثمان بن عفان إلى الفريعة بنت مالك في لزوم المتوفى ~~عنها ( لمنزل الوفاة ( وكما رجع عمر بن الخطاب وغيره في ( توريث المرأة من ~~دية زوجها ( إلى الضحاك بن سفيان الكلابى وكما رجع زيد بن ثابت وغيره إلى ~~امرأة من الانصار في سقوط طواف الوداع عن الحائض PageV04P536 وكذلك بن ~~مسعود لما أفتى ( المفوضة المتوفى عنها ( بمهر المثل فقام رجال من أشجع ~~فشهدوا أن رسول الله قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به ففرح عبد الله ~~بذلك فرحا شديدا وأبو بكر الصديق ورث الجدة بحديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن ~~سلمة ونظائر هذا كثيرة # ( السابع ( أن يقال المخالف لحديث أبى هريرة في ( المصراة ( يقول انه ~~يخالف الاصول أو قياس الاصول # فيقال له بل القول فيه كالقول في نظائره التى اتبعت فيها النصوص فهذا ~~الحديث ورد فيما يخالف غيره لا فيما يماثل غيره والقياس هو التسوية بين ~~المتماثلين والتفريق بين المختلفين وذلك أن من خالفه يقول انه أثبت الرد ~~بالمعيب وقدر بدل المتلف بل ان كان من المثليات ضمن بمثله والا فقيمته وهذا ~~مضمون بغير مثل ولا قيمة وجعل الضمان على المشترى والخراج بالضمان # فيقال له ( الرد يثبت بالتدليس ويثبت باختلاف الصفة باتفاق الائمة ( ~~والمدلس ( الذى أظهر أن المبيع على صفة وليس هو عليها كالواصف لها بلسانه ~~وهذا النوع من الخيار غير خيار الرد بالعيب PageV04P537 ويقال له المشترى ~~لم يضمن اللبن الحادث على ملكه ولكن ضمن ما في الضرع فانه لما اشترى ~~المصراة وفيها لبن تلف عنده كان عليه ضمانه وإنما قدر الشارع البدل لأنه ~~اختلط اللبن القديم باللبن ms1128 الحادث فلم يبق يعرف مقدار اللبن القديم # فلهذا لم يمكن ضمانه بمثله ولا بقيمته فقدر الشارع في ذلك بدلا يقطع به ~~النزاع كما قدر ديات النفس وديات الاعضاء ومنافعها ونحو ذلك من المقدرات ~~التى يقطع بها نزاع الناس فانه إذا أمكن العلم بمقدار الحق كان هو الواجب ~~وإذا تعذر ذلك شرع الشارع ما هو أمثل الطرق وأقربها إلى الحق # فتارة يأمر بالخرص إذا تعذر الكيل أو الوزن اقامة للظن مقام العلم عند ~~تعذر العلم ويأمر بالاستهام لتعيين المستحق عند كمال الابهام وتارة يقدر ~~بدل الاستحقاق اذا لم يكن طريق آخر لقطع الشقاق ورد المشترى للصاع بدل ما ~~أخذ من اللبن من هذا الباب # وفى المسالة حكاية ثانية ذكرها ( أبو سعيد بن السمعانى ( عن الشيخ العارف ~~يوسف الهمدانى عن الشيخ الفقيه ابى إسحاق الشيرازى عن القاضي ابى الطيب ~~الطبرى قال كنا جلوسا بالجامع ببغداد فجاء خراسانى سألنا عن المصراة ~~فأجبناه فيها واحتججنا بحديث أبى هريرة فطعن في أبى هريرة PageV04P538 ~~فوقعت حية من السقف وجاءت حتى دخلت الحلقة وذهبت إلى ذلك الاعجمى فضربته ~~فقتلته # ونظير هذه ما ذكره الطبرانى في ( كتاب السنة ( عن زكريا بن يحيى الساجى ~~قال كنا نختلف إلى بعض الشيوخ لسماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاسترعنا في المشى ومعنا شاب ما جن فقال ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة ~~لا تكسروها قال فما زال حتى جفته رجلاه ولهذا نظائر نسأل الله تعالى ~~الاعتصام بكتابه وسنة رسوله واتباع ما أقام من دليله والله سبحانه أعلم ~~PageV04P539 ### |||| وسئل أيضا رحمه الله تعالى # عن فرقة من المسلمين يقرون بالشهادتين ويصومون ويحجون ويخرجون الزكاة ~~ويجاهدون أنفسهم في مرضاه الله غير أنهم يكفرون سابى صحابة النبى ولم يرجوا ~~لاحد توبة اذا تاب وان المصر على ذلك مخلد في النار ومن قال بتوبتهم يسموهم ~~( الرجوية ( ولا يصلون الا مع من يتحققون عقيدته وما يتفوه أحدهم من شيء أو ~~يسأل عن شيء الا يقول ان شاء الله فهل هم مصيبون في أفعالهم أم مخطئون في ms1129 ~~اقوالهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله هؤلاء قوم مسلمون لهم ما لأمثالهم من المسلمين يثيبهم الله على ~~ايمانهم بالله ورسوله وطاعتهم لله ورسوله ولا يذهب بذلك أيمانهم وتقواهم ~~بما غلطوا فيه من هذه المسائل كسائر طوائف المسلمين الذين أصابوا في جمهور ~~ما يعتقدونه ويعملونه وقد غلطوا في قليل من ذلك فهؤلاء بمنزلة أمثالهم من ~~المسلمين # PageV04P540 # وقولهم ان توبة ساب الصحابة لا تقبل وأنه مخلد في النار خطا بل الذى عليه ~~( السلف والائمة ( كالائمة الاربعة وغيرهم أن توبة الرافضى تقبل كما تقبل ~~توبة أمثاله والحديث الذى يروى ( سب صحابتى ذنب لا يغفر ( حديث باطل لم ~~يروه أحد من أهل العلم ولو قدر صحته فالمراد به من لم يتب فإن الله يأخذ حق ~~الصحابة منه # وأما من تاب فقد قال الله تعالى @QB@ قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا @QE@ وهذا في حق ~~التائب أخبر أنه يغفر جميع الذنوب وساب الصحابة اذا كان يعتقد جواز ذلك ~~فهذا مبتدع ضال كسائر الضلال والحق في ذلك لله كمن سب الرسول معتقدا أنه ~~ساحر أو كاذب فاذا اسلم هذا قبل الله اسلامه كذلك الرافضى اذا تبين له الحق ~~وتاب قبل الله منه وان كان يقر بتحريم ذلك فهذا ظالم كمن قذف غيره واغتابه ~~ومظالم العباد تصح التوبة منها ويدعو لهم ويثنى عليهم بقدر ما لعنهم وسبهم ~~فان الحسنات يذهبن السيئات # واذا قال القائل هذا حجر وقال لا اقطع بأن هذا حجر فهذا مخطئ لكن ان كان ~~مراده انى اذا قطعت بأنه حجر فقد جعلت الله عاجزا عن تغييره فانه يقال له ~~بل هو الآن حجر قطعا والله قادر PageV04P541 على تغييره وان كان مراده ~~بقوله ان شاء الله ان الله قادر على تغييره فهذا المعنى صحيح وان كان شاكا ~~في كونه حجرا فهذا متجاهل يعزر على ذلك # وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور باتفاق الائمة الأربعة وسائر أئمة ~~المسلمين فمن قال لا أصلى جمعة ولا جماعة الا خلف من ms1130 أعرف عقيدته في الباطن ~~فهذا مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين الأربعة ~~وغيرهم والله أعلم PageV04P542 ### || 1 ( الفتوى الحموية الكبرى ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى ~~بعده ### |||| سئل شيخ الإسلام العالم الربانى تقى الدين أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية (رحمه الله تعالى # ما قول السادة العلماء أئمة الدين في ( آيات الصفات ( كقوله تعالى @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ وقوله @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ وقوله ~~@QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان @QE@ إلى غير ذلك من آيات الصفات و ( ~~أحاديث الصفات ( كقوله ( ( ان قلوب بنى آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ( ~~وقوله ( يضع الجبار قدمه في النار ( إلى غير ذلك وما قالت العلماء فيه ~~وأبسطوا القول في ذلك مأجورين ان شاء الله تعالى ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله رب العالمين قولنا فيها ما قاله الله ~~ورسوله PageV05P005 والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم باحسان وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على ~~هدايتهم ودرايتهم وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره فإن ~~الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وشهد له بأنه ~~بعثه داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا وأمره ان يقول ( قل هذه سبيلى أدعو إلى ~~الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) # فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذى اخرج الله به ~~الناس من الظلمات إلى النور وانزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وأمر الناس ان يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث ~~به من الكتاب والحكمة وهو يدعو إلى الله والى سبيله بإذنه على بصيرة وقد ~~اخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم واتم عليهم نعمته محال مع هذا وغيره ~~ان يكون قد ترك باب الايمان بالله والعلم به ملتبسا مشتبها ولم يميز بين ما ~~يجب لله من ms1131 الأسماء الحسنى والصفات العليا وما يجوز عليه وما يمتنع عليه # فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب ~~وحصلته النفوس وأدركته العقول فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وافضل خلق ~~الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا PageV05P006 # ومن المحال ايضا أن يكون النبى ( ( قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة وقال ~~( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى الا هالك ( ~~وقال فيما صح عنه أيضا ( ما بعث الله من نبى الا كان حقا عليه أن يدل أمته ~~على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم ( # وقال أبو ذر لقد توفى رسول الله ( ( وما طائر يقلب جناحيه في السماء الا ~~ذكر لنا منه علما وقال عمر بن الخطاب ( قام فينا رسول الله ( ( مقاما فذكر ~~بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ~~ونسيه من نسيه ( رواه البخارى # ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وان دقت أن يترك تعليمهم ~~ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين ~~الذى معرفته غاية المعارف وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب ~~بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الالهية فكيف يتوهم من في قلبه ~~أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على ~~غاية التمام ثم إذا كان قد وقع ذلك منه فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل ~~قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه # ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة القرن الذى بعث فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( ( ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير ~~PageV05P007 عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين لأن ضد ذلك اما ~~عدم العلم والقول واما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق وكلاهما ممتنع # أما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة ms1132 يكون ~~البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه ~~أعنى بيان ما ينبغى اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته # وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الامر وهذا أمر ~~معلوم بالفطرة الوجدية فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذى هو من أقوى ~~المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم هذا لا ~~يكاد يقع في ابلد الخلق وأشدهم إعراضا عن الله وأعظمهم أكبابا على طلب ~~الدنيا والغفلة عن ذكر الله تعالى فكيف يقع في أولئك # وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ~~ولا عاقل عرف حال القوم ثم الكلام في هذا الباب عنهم أكثر من أن يمكن سطره ~~في هذه الفتوى وأضعافها يعرف ذلك من طلبه وتتبعه ولا يجوز أيضا أن يكون ~~الخالفون أعلم من السالفين كما قد يقوله بعض الاغبياء ممن لم يقدر قدر ~~السلف بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها من ~~أن ( طريقة السلف اسلم PageV05P008 وطريقة الخلف أعلم وأحكم ( وان كانت هذه ~~العبارة اذا صدرت من بعض العلماء قد يعنى بها معنى صحيحا # فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا ~~حذوهم على طريقة السلف انما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد ~~الايمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين الذين قال ~~الله فيهم @QB@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني @QE@ وان طريقة ~~الخلف هي إستخراج معانى النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب ~~اللغات # فهذا الظن الفاسد أوجب ( تلك المقالة ( التى مضمونها نبذ الاسلام وراء ~~الظهر وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين ~~الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف # وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص ~~بالشبهات الفاسدة التى شاركوا فيها اخوانهم من الكافرين فلما اعتقدوا ~~انتفاء الصفات في نفس ms1133 الأمر وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى بقوا مترددين ~~بين الايمان باللفظ وتفويض المعنى وهى التى يسمونها طريقة السلف وبين صرف ~~اللفظ إلى معان بنوع تكلف وهى التى يسمونها طريقة الخلف فصار هذا الباطل ~~مركبا من فساد العقل والكفر بالسمع فان النفى انما اعتمدوا فيه PageV05P009 ~~على أمور عقلية ظنوها بينات وهى شبهات والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه # فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين كانت النتيجة ~~إستجهال السابقين الأولين واستبلاههم واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين بمنزلة ~~الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ولم يتفطنوا لدقائق ~~العلم الالهى وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله # ثم هذا القول اذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلالة ~~كيف يكون هؤلاء المتأخرون لا سيما والاشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين ~~الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم وأخبر الواقف ~~على نهاية أقدامهم بما انتهى إليه أمرهم حيث يقول # لعمرى لقد طفت المعاهد كلها %~% وسيرت طرفى بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر %~% على ذقن أو قارعا سن نادم # وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من ~~كتبهم كقول بعض رؤسائهم # نهاية إقدام العقول عقال %~% وأكثر سعى العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا %~% وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا %~% سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا PageV05P010 # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا ~~تروى غليلا ورأيت اقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الاثبات @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ واقرأ في النفى @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل ~~معرفتى اه # ويقول الآخر منهم لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في ~~الذى نهونى عنه والآن ان لم يتداركنى ربى برحمته فالويل لفلان وها أنا أموت ~~على عقيدة أمى أه # ويقول الآخر منهم اكثر ms1134 الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام # ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف اذا حقق عليهم الامر لم يوجد عندهم ~~من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر ولم يقعوا من ذلك على عين ولا ~~أثر كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفضلون المنقوصون المسبوقون الحيارى ~~المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء ~~وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا ~~وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به ~~على سائر اتباع الأنبياء فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم وأحاطوا من ~~حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم اليها لاستحيا من ~~يطلب المقابلة PageV05P011 ثم كيف يكون خير قرون الامة انقص في العلم ~~والحكمة لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر ~~بالنسبة اليهم أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة ~~المجوس والمشركين وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم واشباههم أعلم ~~بالله من ورثة الانبياء وأهل القرآن والايمان # وإنما قدمت ( هذه المقدمة ( لأن من استقرت هذه المقدمة عنده عرف طريق ~~الهدى أين هو في هذا الباب وغيره وعلم أن الضلال والتهوك انما استولى على ~~كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم واعراضهم عما بعث الله به ~~محمدا ( ( من البينات والهدى وتركهم البحث عن طريقة السابقين والتابعين ~~والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله باقراره على نفسه وبشهادة الأمة ~~على ذلك وبدلالات كثيرة وليس غرضى واحدا معينا وانما أصف نوع هؤلاء ونوع ~~هؤلاء # وإذا كان كذلك فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ( ( من أولها ~~إلى آخرها ثم عامة كلام الصحابة والتابعين ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما ~~هو اما نص واما ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى هو العلى الأعلى وهو فوق كل ~~شيء وهو على كل شيء وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء مثل قوله تعالى @QB@ ~~إليه يصعد ms1135 الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ @QB@ إني متوفيك ورافعك ~~إلي @QE@ @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض @QE@ @QB@ أم أمنتم ~~من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا @QE@ PageV05P012 @QB@ بل رفعه الله إليه ~~@QE@ @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه @QE@ @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ @QB@ ثم استوى على ~~العرش @QE@ في ستة مواضع @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ @QB@ يا هامان ~~ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا @QE@ @QB@ تنزيل من حكيم حميد @QE@ @QB@ منزل من ربك بالحق ~~@QE@ إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى الا بكلفة # وفى الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى الا بالكلفة مثل قصة معراج ~~الرسول ( ( إلى ربه ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه وقوله في ~~الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ~~ربهم فيسالهم وهو أعلم بهم # وفى الصحيح في حديث الخوارج ( الا تأمنونى وأنا أمين من في السماء يأتينى ~~خبر السماء صباحا ومساء ( وفى حديث الرقية الذى رواه أبو داود وغيره ( ربنا ~~الله الذى في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء ~~اجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من ~~رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع ( قال رسول الله ( ( ( إذا اشتكى أحد ~~منكم أو اشتكى أخ له فليقل ربنا الله الذى في السماء ( وذكره # وقوله في حديث الأوعال ( والعرش فوق ذلك والله فوق عرشه وهو يعلم ~~PageV05P013 ما أنتم عليه ( رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وقوله في الحديث ~~الصحيح للجارية ( أين الله ( قالت في السماء قال ( من أنا ( قالت أنت رسول ~~الله قال ( أعتقها فانها مؤمنة # وقوله في الحديث الصحيح ( ان الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده ~~فوق العرش ان رحمتى سبقت غضبى ( وقوله في حديث قبض الروح ( حتى يعرج بها ~~إلى السماء التى فيها الله تعالى ( # وقول عبد الله بن رواحة الذى أنشده للنبى ( ( وأقره عليه # شهدت بأن وعد الله ms1136 حق %~% وان النار مثوى الكافرينا # وان العرش فوق الماء طاف %~% وفوق العرش رب العالمينا # وقول أمية بن أبى الصلت الثقفى الذى أنشد للنبى ( ( هو وغيره من شعره ~~فاستحسنه وقال ( آمن شعره وكفر قلبه ( حيث قال # مجدوا الله فهو للمجد أهل %~% ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبناء الأعلى الذى سبق الناس %~% وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا ما يناله بصر العين %~% ترى دونه الملائك صورا # وقوله في الحديث الذى في المسند ( ان الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا ~~رفع يديه إليه أن يردهما صفرا ( وقوله في الحديث ( يمد يديه إلى السماء ~~PageV05P014 يقول يا رب يا رب ( إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه الا الله مما ~~هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التى تورث علما يقينا من ابلغ ~~العلوم الضرورية ان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ( المبلغ عن الله ألقى إلى ~~أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش وأنه فوق السماء كما فطر الله على ~~ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام الا من اجتالته الشياطين ~~عن فطرته # ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو الوفا # ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ( ( ولا عن أحد من سلف الأمة لا من ~~الصحابة ولا من التابعين لهم باحسان ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن ~~الأهواء والإختلاف حرف واحد يخالف ذلك لا نصا ولا ظاهرا # ولم يقل أحد منهم قط أن الله ليس في السماء ولا أنه ليس على العرش ولا ~~أنه بذاته في كل مكان ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ولا أنه لا ~~داخل العالم ولا خارجه و ( لا أنه ( لا متصل ولا منفصل ولا أنه لا تجوز ~~الاشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد ~~الله أن النبى ( ( لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره ~~الرسول ( ( جعل يقول ( الا هل بلغت ( فيقولون نعم فيرفع اصبعه إلى السماء ~~ثم ينكبها اليهم ويقول ( اللهم ms1137 اشهد ( غير مرة وأمثال ذلك كثيرة # فلئن كان الحق ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في ~~PageV05P015 الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب ~~والسنة إما نصا وإما ظاهرا فكيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله ( ( ثم ~~على خير الأمة أنهم يتكلمون دائما بما هو اما نص واما ظاهر في خلاف الحق ثم ~~الحق الذى يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ولا يدلون عليه لا نصا ولا ظاهرا ~~حتى يجيء انباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة ~~العقيدة الصحيحة التى يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها # لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الإعتقاد الواجب وهم مع ~~ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم وان يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما ~~دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة ~~أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير بل كان وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في ~~أصل # الدين فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا ~~معرفة الله عز وجل وما يستحقه من الصفات نفيا واثباتا لا من الكتاب ولا من ~~السنة ولا من طريق سلف الأمة # ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به سواء كان ~~موجودا في الكتاب والسنة أو لم يكن وما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فلا ~~تصفوه به PageV05P016 # ثم هم ها هنا فريقان ( اكثرهم ( يقولون ما لم تثبته عقولكم فانفوه ( ~~ومنهم ( من يقول بل توقفوا فيه وما نفاه قياس عقولكم الذى أنتم فيه مختلفون ~~ومضطربون اختلافا أكثر من جميع من على وجه الأرض فانفوه واليه عند التنازع ~~فارجعوا فإنه الحق الذى تعبدتكم به وما كان مذكورا في الكتاب والسنة مما ~~يخالف قياسكم هذا أو يثبت ما لم تدركه عقولكم على طريقة أكثرهم فاعلموا انى ~~امتحنكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ ~~اللغة ووحشى الالفاظ وغرائب الكلام ms1138 أو ان تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله ~~مع نفى دلالته على شيء من الصفات هذا حقيقة الأمر على رأى هؤلاء المتكلمين # وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم وهو لازم لجماعتهم لزوما لا ~~محيد عنه ومضمونه أن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله وأن الرسول معزول ~~عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله وان الناس عند التنازع لا يردون ما ~~تنازعوا فيه إلى الله والرسول بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية والى ~~مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة وهم المشركون ~~والمجوس وبعض الصابئين # وان كان هذا الرد لا يزيد الأمر الا شدة ولا يرتفع الخلاف به اذ لكل فريق ~~طواغيت يريدون أن يتحاكموا اليهم وقد أمروا أن يكفروا بهم وما اشبه حال ~~هؤلاء المتكلمين بقوله سبحانه وتعالى @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا @QE@ PageV05P017 # @QB@ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا @QE@ # @QB@ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن ~~أردنا إلا إحسانا وتوفيقا @QE@ # فان هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب والى الرسول والدعاء إليه ~~بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته أعرضوا عن ذلك وهم يقولون انا قصدنا الإحسان ~~علما وعملا بهذه الطريق التى سلكناها والتوفيق بين الدلائل العقلية ~~والنقلية # ثم عامة هذه الشبهات التى يسمونها دلائل انما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من ~~طواغيت المشركين أو الصابئين أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم مثل ~~فلان وفلان أو عمن قال كقولهم لتشابه قلوبهم قال الله تعالى @QB@ فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا ms1139 فيه وما ~~اختلف فيه @QE@ الآية # ولازم هذه المقالة أن لا يكون الكتاب هدى للناس ولا بيانا ولا شفاء ~~PageV05P018 لما في الصدور ولا نورا ولا مردا عند التنازع لأنا نعلم ~~بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أنه الحق الذى يجب اعتقاده لم يدل ~~عليه الكتاب والسنة لا نصا ولا ظاهرا وانما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من ~~قوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ وبالاضطرار ~~يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش ولا فوق السماوات ~~ونحو ذلك بقوله ( هل تعلم له سميا ( لقد أبعد النجعة وهو اما ملغز واما ~~مدلس لم يخاطبهم بلسان عربى مبين # ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرا لهم في أصل دينهم ~~لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد وانما الرسالة زادتهم عمى وضلالة # يا سبحان الله كيف لم يقل الرسول يوما من الدهر ولا أحد من سلف الأمة هذه ~~الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه ولكن اعتقدوا الذى تقتضيه ~~مقاييسكم أو اعتقدوا كذا وكذا فانه الحق وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره ~~أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه وما لا فتوقفوا فيه أو أنفوه # ثم رسول الله ( ( قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث PageV05P019 وسبعين ~~فرقة فقد علم ما سيكون ثم قال ( انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا ~~كتاب الله ( # وروى عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية ( هم من كان على مثل ما أنا عليه ~~اليوم وأصحابى ( # فهلا قال من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر ~~القرآن في باب الاعتقادات فهو ضال وانما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم ~~وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة في هذه المقالة وان كان قد ~~نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين # ثم أصل هذه المقالة مقالة التعطيل للصفات انما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود ~~والمشركين وضلال الصابئين فان أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في ~~الإسلام ms1140 أعنى أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة وان معنى استوى ~~بمعنى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها ~~فنسبت مقالة الجهمية إليه # وقد قيل أن الجعد أخذ مقالته عن ابان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت بن ~~أخت لبيد بن الأعصم وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودى الساحر الذى ~~سحر النبى PageV05P020 # وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران وكان فيهم خلق كثير من ~~الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين الذين صنف بعض ~~المتأخرين في سحرهم ونمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين كما أن كسرى ~~ملك الفرس والمجوس وفرعون ملك مصر والنجاشى ملك الحبشة وبطليموس ملك ~~اليونان وقيصر ملك الروم فهو اسم جنس لا اسم علم # فكانت الصابئة الا قليلا منهم اذ ذاك على الشرك وعلماؤهم هم الفلاسفة وان ~~كان الصابىء قد لا يكون مشركا بل مؤمنا بالله واليوم الآخر كما قال الله ~~تعالى ( ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~( # وقال @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ # لكن كثيرا منهم أو أكثرهم كانوا كفارا أو مشركين كما أن كثيرا من اليهود ~~والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفارا أو مشركين فأولئك الصابئون الذين كانوا ~~اذ ذاك كانوا كفارا أو مشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ~~PageV05P021 # ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب أنه ليس له الا صفات سلبية أو إضافية أو ~~مركبة منهما وهم الذين بعث اليهم إبراهيم الخليل ( ( فيكون الجعد قد أخذها ~~عن الصابئة الفلاسفة # وكذلك أبو نصر الفارابى دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته ~~وأخذها الجهم أيضا فيما ذكره الامام أحمد وغيره لما ناظر ( السمنية ( بعض ~~فلاسفة الهند وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات فهذه اسانيد جهم ~~ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين ms1141 والفلاسفة الضالون هم إما من الصابئين ~~وإما من المشركين # ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء ~~مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم # ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التى كان السلف ~~يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسى وطبقته وكلام الأئمة مثل ~~مالك وسفيان بن عيينة وبن المبارك وأبى يوسف والشافعى وأحمد واسحاق والفضيل ~~بن عياض وبشر الحافى وغيرهم كثير في ذمهم وتضليلهم PageV05P022 # وهذه التأويلات الموجودة اليوم بايدى الناس مثل أكثر التأويلات التى ~~ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر ~~الرازى في كتابه الذى سماه ( تأسيس التقديس ( ويوجد كثير منها في كلام خلق ~~كثير غير هؤلاء مثل أبى على الجبائى وعبدالجبار بن أحمد الهمدانى وأبى ~~الحسين البصرى وأبى الوفاء بن عقيل وأبى حامد الغزالى وغيرهم هي بعينها ~~تأويلات بشر المريسى التى ذكرها في كتابه وان كان قد يوجد في كلام بعض ~~هؤلاء رد التأويل وابطاله أيضا ولهم كلام حسن في أشياء # فإنما بينت ان عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسى ويدل على ذلك ~~كتاب الرد الذى صنفه عثمان بن سعيد الدارمى أحد الأئمة المشاهير في زمان ~~البخارى صنف كتابا سماه ( رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى ~~على الله في التوحيد ( حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسى ~~بكلام يقتضى أن المريسى أقعد بها وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء ~~المتأخرين الذين اتصلت اليهم من جهته وجهة غيره ثم رد ذلك عثمان بن سعيد ~~بكلام إذا طالعه العاقل الذكى علم حقيقة ما كان عليه السلف وتبين له ظهور ~~الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفهم # ثم إذا رأى الأئمة أئمة الهدى قد أجمعوا على ذم المريسية وأكثرهم ~~PageV05P023 كفروهم أو ضللوهم وعلم أن هذا القول السارى في هؤلاء المتأخرين ~~هو مذهب المريسى تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة الا ms1142 ~~بالله # والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب وانما اشير اشارة إلى مبادىء الامور ~~والعاقل يسير وينظر # وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة لا يمكن أن نذكر ها هنا الا ~~قليلا منه مثل كتاب السنن للالكائى والابانة لابن بطة والسنة لأبى ذر ~~الهروى والأصول لأبى عمرو الطلمنكى وكلام أبى عمر بن عبدالبر والأسماء ~~والصفات للبيهقى وقبل ذلك السنة للطبرانى ولابى الشيخ الاصبهانى ولأبى عبد ~~الله بن منده ولأبى أحمد العسال الأصبهانيين وقبل ذلك السنة للخلال ~~والتوحيد لابن خزيمة وكلام أبى العباس بن سريج والرد على الجهمية لجماعة ~~مثل البخارى وشيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفى وقبل ذلك السنة ~~لعبدالله بن أحمد والسنة لأبى بكر بن الأثرم والسنة لحنبل وللمروزى ولأبى ~~داود السجستانى ولابن أبى شيبة والسنة لأبى بكر بن أبى عاصم وكتاب خلق ~~أفعال العباد للبخارى وكتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمى ~~وغيرهم # وكلام أبى العباس عبد العزيز المكى صاحب الحيدة في الرد على الجهمية ~~وكلام نعيم بن حماد الخزاعى وكلام غيرهم وكلام الإمام أحمد بن حنبل ~~PageV05P024 واسحاق بن راهويه ويحيى بن سعيد ويحيى بن يحيى النيسابورى ~~وأمثالهم وقبل لعبدالله بن المبارك وأمثاله وأشياء كثيرة # وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره # وأنا اعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة ولكن لا يمكن ذكرها في ~~الفتوى فمن نظر فيها وأراد ابانة ما ذكروه من الشبه فانه # يسير فإذا كان أصل هذه المقالة مقالة التعطيل والتأويل مأخوذا عن تلامذة ~~المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب نفس مؤمن بل نفس عاقل أن يأخذ سبيل ~~هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين PageV05P025 ### ||| فصل # ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه ~~به رسوله وبما وصفه به السابقون الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث # قال الإمام أحمد رضى الله عنه لا يوصف الله الا بما وصف به ms1143 نفسه أو وصفه ~~به رسوله ( ( لا يتجاوز القرآن والحديث # ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير ~~تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك ~~فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجى بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم ~~بكلامه لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول وأفصح الخلق في بيان ~~العلم وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة # والإرشاد وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة ~~بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة وله ~~افعال حقيقة فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في ~~صفاته ولا في أفعاله وكل ما اوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة ~~فانه سبحانه مستحق للكمال الذى لا غاية فوقه ويمتنع عليه الحدوث لامتناع ~~العدم PageV05P026 عليه واستلزام الحدوث سابقة العدم ولافتقار المحدث إلى ~~محدث ولوجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى # ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما ~~لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ~~فعطلوا اسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في ~~أسماء الله وآياته # وكل واحد من فريقى التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل اما ~~المعطلون فانهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته الا ما هو اللائق بالمخلوق ~~ثم شرعوا في نفى تلك المفهومات فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل مثلوا اولا ~~وعطلوا آخرا وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من اسمائه وصفاته بالمفهوم من ~~اسماء خلقه وصفاتهم وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات ~~اللائقة بالله سبحانه وتعالى # فإنه اذا قال القائل لو كان الله فوق العرش للزم اما أن يكون أكبر من ~~العرش أو أصغر أو مساويا وكل ذلك من المحال ونحو ذلك من الكلام فانه لم ~~يفهم من كون الله ms1144 على العرش الا ما يثبت لأى جسم كان على أى جسم كان وهذا ~~اللازم تابع لهذا المفهوم اما استواء يليق بجلال الله تعالى ويختص به فلا ~~يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التى يجب نفيها كما يلزم من سائر الاجسام ~~وصار هذا مثل قول الممثل اذا كان للعالم صانع فاما أن PageV05P027 يكون ~~جوهرا أو عرضا وكلاهما محال اذ لا يعقل موجود الا هذان وقوله اذا كان ~~مستويا على العرش فهو مماثل لاستواء الانسان على السرير أو الفلك اذ لا ~~يعلم الاستواء الا هكذا فان كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به ~~نفسه وامتاز الأول بتعطيل كل إسم للإستواء الحقيقى وامتاز الثانى باثبات ~~استواء هو من خصائص المخلوقين # والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء ~~يليق بجلاله ويختص به فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ~~وأنه سميع بصير ونحو ذلك # ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الاعراض التى لعلم المخلوقين ~~وقدرتهم فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق ~~على المخلوق ولوازمها # وأعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب ~~مخالفة الطريق السلفية أصلا لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات ~~الواردة على الحق فمن كان في قلبه شبهة واحب حلها فذلك سهل يسير # ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر ~~مريج فان من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل ~~ومن يحيل أن لله علما وقدرة وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو PageV05P028 ذلك ~~يقول أن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل بل من ينكر حقيقة حشر الاجساد ~~والأكل والشرب الحقيقى في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى ~~التأويل ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل احال ذلك وانه مضطر ~~إلى التأويل # ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم ms1145 قاعدة مستمرة فيما ~~يحيله العقل بل منهم من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدعى الآخر ان العقل ~~أحاله # فيا ليت شعرى بأى عقل يوزن الكتاب والسنة فرضى الله عن الإمام مالك بن ~~أنس حيث قال ( أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى ~~محمد ( ( لجدل هؤلاء ( # وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه # أحدها ( بيان أن العقل لا يحيل ذلك ( # والثانى ( أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل # والثالث ( أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ( ( جاء بها بالاضطرار ~~كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان فالتأويل الذى يحيلها عن هذا ~~بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به ~~النبوات # الرابع ( أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص وان ~~PageV05P029 كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل وانما ~~يعلمه مجملا إلى غير ذلك من الوجوه على أن الوجوه الاساطين من هؤلاء الفحول ~~معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الالهية # وإذا كان هكذا فالواجب تلقى علم ذلك من النبوات على ما هو عليه ومن ~~المعلوم للمؤمنين ان الله تعالى بعث محمدا ( ( بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله وكفى بالله شهيدا وأنه بين للناس ما اخبرهم به من أمور الايمان ~~بالله واليوم الآخر والايمان بالله واليوم الاخر يتضمن الايمان بالمبدأ ~~والمعاد وهو الايمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى @QB@ ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة @QE@ وقال تعالى @QB@ وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده @QE@ وقد بين الله على لسان رسوله ( ( من أمر الايمان ~~بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده وكشف به مراده # ومعلوم للمؤمنين أن رسول الله ( ( أعلم من غيره بذلك وأنصح من غيره للأمة ~~وأفصح من غيره عبارة وبيانا بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة ms1146 ~~وأفصحهم فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والارادة # ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل اذا كمل علمه وقدرته وارادته PageV05P030 ~~كمل كلامه وفعله وانما يدخل النقص اما من نقص علمه واما من عجزه عن بيان ~~علمه واما لعدم ارادته البيان # والرسول هو الغاية في كمال العلم والغاية في كمال ارادة البلاغ المبين ~~والغاية في قدرته على البلاغ المبين ومع وجود القدرة التامة والإرادة ~~الجازمة يجب وجود المراد فعلم قطعا أن ما بينه من امر الايمان بالله واليوم ~~الآخر حصل به مراده من البيان وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه وعلمه ~~بذلك أكمل العلوم فكل من ظن أن غير الرسول أعلم بهذا منه أو اكمل بيانا منه ~~أو أحرص على هدى الخلق منه فهو من الملحدين لا من المؤمنين # والصحابة والتابعون لهم باحسان ومن سلك سبيلهم في هذا الباب على سبيل ~~الاستقامة # وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ( ثلاث طوائف ( أهل التخييل وأهل التأويل ~~وأهل التجهيل # فأهل التخييل ( هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه ~~فانهم يقولون ان ما ذكره الرسول من أمر الايمان بالله واليوم الآخر انما هو ~~تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور لا أنه بين به الحق ولا هدى به الخلق ولا ~~أوضح به الحقائق # ثم هم على قسمين منهم من يقول أن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه ~~ويقولون ان من الفلاسفة الالهية من علمها وكذلك من الاشخاص PageV05P031 ~~الذين يسمونهم الاولياء من علمها ويزعمون أن من الفلاسفة والاولياء من هو ~~أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة ~~والباطنية باطنية الشيعة وباطنية الصوفية # ومنهم من يقول بل الرسول علمها لكن لم يبينها وانما تكلم بما يناقضها ~~وأراد من الخلق فهم ما يناقضها لأن مصلحة الخلق في هذه الإعتقادات التى لا ~~تطابق الحق # ويقول هؤلاء يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه ~~باطل والى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل ويخبرهم بأن أهل الجنة ياكلون ~~ويشربون مع أن ms1147 ذلك باطل قالوا لأنه لا يمكن دعوة الخلق الا بهذه الطريق ~~التى تتضمن الكذب لمصلحة العباد فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله ~~واليوم الآخر ( وأما الأعمال ( فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى ~~ويقول انما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة فهذه ~~طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم # وأما أهل التأويل ( فيقولون ان النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها ~~الرسول أن يعتقد الناس الباطل ولكن قصد بها معانى ولم يبين لهم تلك المعانى ~~ولا دلهم عليها ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في ~~صرف تلك النصوص عن مدلولها ومقصوده امتحانهم وتكليفهم PageV05P032 وإتعاب ~~أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه ويعرف الحق من غير ~~جهته وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك # والذين قصدنا الرد في هذه الفتيا عليهم هم هؤلاء اذ كان نفور الناس عن ~~الاولين مشهورا بخلاف هؤلاء فانهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم ~~في الحقيقة لا للاسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا لكن أولئك الملاحدة ~~الزموهم في النصوص نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات فقالوا لهم ~~نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان وقد علمنا فساد الشبه ~~المانعة منه # وأهل السنة يقولون لهم ونحن نعلم بالإضطرار أن الرسل جاءت باثبات الصفات ~~ونصوص الصفات في الكتب الالهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد ويقولون لهم ~~معلوم أن مشركى العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد وقد أنكروه على الرسول ~~وناظروه عليه بخلاف الصفات فانه لم ينكر شيئا منها أحد من العرب # فعلم أن اقرار العقول بالصفات أعظم من اقرارها بالمعاد وان انكار المعاد ~~أعظم من انكار الصفات فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس ~~كما اخبر به وما أخبر به من المعاد هو على ما اخبر به PageV05P033 # وايضا فقد علم أنه ( ( قد ذم اهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه ومعلوم أن ~~التوراة مملوءة من ذكر الصفات ms1148 فلو كان هذا مما بدل وحرف لكان انكار ذلك ~~عليهم أولى فكيف وكانوا اذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبا منهم وتصديقا ~~لها ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات مثل لفظ التجسيم والتشبيه ~~ونحو ذلك بل عابهم بقولهم @QB@ يد الله مغلولة @QE@ وقولهم @QB@ إن الله ~~فقير ونحن أغنياء @QE@ وقولهم انه استراح لما خلق السماوات والأرض فقال ~~تعالى @QB@ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب @QE@ # والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث ~~وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن فاذا جاز أن تتأول الصفات التى اتفق ~~عليها الكتابان فتأويل المعاد الذى انفرد به أحدهما أولى والثانى مما يعلم ~~بالإضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول أولى بالبطلان # وأما الصنف الثالث ( وهم ( أهل التجهيل ( فهم كثير من المنتسبين إلى ~~السنة واتباع السلف يقولون أن الرسول ( ( لم يعرف معانى ما أنزل الله إليه ~~من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معانى الآيات ولا السابقون الأولون عرفوا ~~ذلك # وكذلك قولهم في أحاديث الصفات أن معناها لا يعلمه الا الله مع أن الرسول ~~تكلم بها ابتداء فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه PageV05P034 وهؤلاء ~~يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ فإنه وقف ~~أكثر السلف على قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ وهو وقف صحيح لكن ~~لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره وبين ( التأويل ( الذى انفرد الله تعالى ~~بعلمه وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو ( التأويل ( المذكور ~~في كلام المتأخرين وغلطوا في ذلك # فإن لفظ ( التأويل ( يراد به ثلاث معان # فالتأويل ( في اصطلاح كثير من المتأخرين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح ~~إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ~~ظاهره تأويلا على اصطلاح هؤلاء وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك ~~وان للنصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه الا الله ولا يعلمه المتأولون # ثم كثير من هؤلاء يقولون تجرى على ظاهرها فظاهرها مراد مع ms1149 قولهم ان لها ~~تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه الا الله وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء ~~المنتسبين إلى السنة من اصحاب ( الأئمة الأربعة ( وغيرهم # والمعنى الثانى ( أن التأويل ( هو تفسير الكلام سواء وافق ظاهره أو لم ~~يوافقه وهذا هو ( التأويل ( في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم وهذا ( ~~التأويل ( يعلمه الراسخون في العلم وهو موافق لوقف من وقف PageV05P035 من ~~السلف عند قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم @QE@ كما ~~نقل ذلك عن بن عباس ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن إسحاق وبن ~~قتيبة وغيرهم وكلا القولين حق باعتبار كما قد بسطناه في موضع آخر ولهذا نقل ~~عن بن عباس هذا وهذا وكلاهما حق # والمعنى الثالث ( أن التأويل هو الحقيقة التى يؤول الكلام اليها وان ~~وافقت ظاهره فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب واللباس ~~والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها لا ما يتصور من ~~معانيها في الاذهان ويعبر عنه باللسان وهذا هو ( التأويل ( في لغة القرآن ~~كما قال تعالى عن يوسف أنه قال ( يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ~~ربى حقا ( وقال تعالى ( هل ينظرون الا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين ~~نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ( وقال تعالى ( فان تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا # وهذا التأويل هو الذى لا يعلمه الا الله # وتأويل ( الصفات ( هو الحقيقة التى انفرد الله تعالى بعلمها وهو الكيف ~~المجهول الذى قال فيه السلف كمالك وغيره الإستواء معلوم والكيف مجهول ~~فالاستواء معلوم يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة اخرى وهو من PageV05P036 ~~التأويل الذى يعلمه الراسخون في العلم وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل ~~الذى لا يعلمه الا الله تعالى # وقد روى عن بن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال ~~تفسير القرآن على أربعة أوجه # تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ms1150 وتفسير يعلمه ~~العلماء وتفسير لا يعلمه الا الله عز وجل فمن ادعى علمه فهو كاذب # وهذا كما قال تعالى @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما ~~كانوا يعملون @QE@ وقال النبى ( ( يقول الله تعالى ( أعددت لعبادى الصالحين ~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( # وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك فهذا من التأويل الذى لا يعلمه الا الله ~~تعالى # وان كنا نفهم معانى ما خوطبنا به ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا اياه ~~كما قال تعالى ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ( وقال ( أفلم ~~يدبروا القول ( فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه # وقال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن عثمان بن ~~عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا اذا تعلموا من النبى ( ( عشر ~~آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا ~~القرآن والعلم والعمل جميعا PageV05P037 # وقال مجاهد عرضت المصحف على بن ~~عباس رضى الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية واسأله عنها # وقال الشعبى ما ابتدع أحد بدعة الا وفى كتاب الله بيانها وقال مسروق ما ~~سئل أصحاب محمد عن شيء الا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه # وهذا باب واسع قد بسط في موضعه # والمقصود هنا التنبيه على أصول ( المقالات الفاسدة ( التى أوجبت الضلالة ~~في باب العلم والايمان بما جاء به الرسول ( ( وان من جعل الرسول غير عالم ~~بمعانى القرآن الذى أنزل إليه ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات ولم يجعل ~~القرآن هدى ولا بيانا # للناس ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية فلا يجعلون عند ~~الرسول وأمته في ( باب معرفة الله عز وجل ( لا علوما عقلية ولا سمعية وهم ~~قد شاركوا الملاحدة في هذه من وجوه متعددة وهم مخطئون فيما نسبوا إلى ~~الرسول ( ( والى السلف من الجهل كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات ~~الفاسدة وسائر اصناف الملاحدة # ونحن نذكر من ( الفاظ السلف ( بأعيانها ( وألفاظ ms1151 من نقل مذهبهم ( إلى غير ~~ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم PageV05P038 ~~روى أبو بكر البيهقى في ( الأسماء والصفات ( باسناد صحيح عن الأوزاعى قال ~~كنا والتابعون متوافرون نقول ان الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت ~~فيه السنة من صفاته # وقد حكى الأوزاعى وهو أحد ( الأئمة الأربعة ( في عصر تابع التابعين الذين ~~هم ( مالك ( إمام أهل الحجاز و ( الأوزاعى ( امام أهل الشام و ( الليث ( ~~امام أهل مصر و ( الثورى ( امام أهل العراق حكى شهرة القول في زمن التابعين ~~بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية # وانما قال الأوزاعى هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه ~~والنافى لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك # وروى أبو بكر الخلال في ( كتاب السنة ( عن الاوزاعى قال سئل مكحول ~~والزهرى عن تفسير الأحاديث فقالا امروها كما جاءت وروى ايضا عن الوليد بن ~~مسلم قال سألت مالك بن أنس وسفيان الثورى والليث بن سعد والاوزاعى عن ~~الأخبار التى جاءت في الصفات فقالوا أمروها كما جاءت وفى رواية فقالوا ~~أمروها كما جاءت بلا كيف # فقولهم رضى الله عنهم ( أمروها كما جاءت ( رد على المعطلة وقولهم ( بلا ~~كيف ( رد على الممثلة والزهرى ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم ~~PageV05P039 والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعى التابعين ومن ~~طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما # وروى أبو القاسم الازجى بإسناده عن مطرف بن عبد الله قال سمعت مالك بن ~~انس اذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول قال ( عمر بن عبد العزيز ( سن ~~رسول الله ( ( وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال ~~لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد من خلق الله تعالى تغييرها ولا ~~النظر في شيء خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن ~~خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى واصلاه جهنم وساءت مصيرا # وروى الخلال باسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان ms1152 بن عيينة قال سئل ربيعة بن ~~أبى عبد الرحمن عن قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ كيف استوى قال ~~الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ ~~المبين وعلينا التصديق # وهذا الكلام مروى عن ( مالك بن أنس ( تلميذ ربيعة بن أبى عبد الرحمن من ~~غير وجه # منها ( ما رواه أبو الشيخ الاصبهانى وأبو بكر البيهقى عن يحيى بن يحيى ~~قال كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله PageV05P040 @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ كيف استوى فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ~~ثم قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه ~~بدعة وما اراك الا مبتدعا ثم أمر به أن يخرج # فقول ربيعة ومالك الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به واجب ~~موافق لقول الباقين امروها كما جاءت بلا كيف فانما نفوا علم الكيفية ولم ~~ينفوا حقيقة الصفة # ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق ~~بالله لما قالوا الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ولما قالوا أمروها ~~كما جاءت بلا كيف فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهولا بمنزلة حروف ~~المعجم # وأيضا فانه لا يحتاج إلى نفى علم الكيفية اذا لم يفهم عن اللفظ معنى ~~وانما يحتاج إلى نفى علم الكيفية اذا أثبتت الصفات # وأيضا فان من ينفى الصفات الخبرية أو الصفات مطلقا لا يحتاج إلى أن يقول ~~بلا كيف فمن قال ان الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف فلو كان ~~مذهب السلف نفى الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف # وأيضا فقولهم امروها كما جاءت يقتضى ابقاء دلالتها على ما هي عليه فانها ~~جاءت الفاظ دالة على معانى فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن ~~PageV05P041 يقال أمروا لفظها مع إعتقاد أن المفهوم منها غير مراد أو أمروا ~~لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة وحينئذ فلا تكون قد ~~أمرت كما جاءت ولا ms1153 يقال حينئذ بلا كيف اذ نفى الكيف عما ليس بثابت لغو من ~~القول # وروى الأثرم في ( السنة ( وأبو عبد الله بن بطة في ( الابانة ( وأبو عمرو ~~الطلمنكى وغيرهم باسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة ~~الماجشون وهو أحد ( أئمة المدينة الثلاثة ( # الذين هم مالك بن أنس وبن الماجشون وبن أبى ذئب وقد سئل عما جحدت به ~~الجهمية ( أما بعد فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها في صفة ~~( الرب العظيم ( الذى فاقت عظمته الوصف والتدبر وكلت الألسن عن تفسير صفته ~~وانحصرت العقول دون معرفة قدرته وردت عظمته العقول فلم تجد مساغا فرجعت ~~خاسئة وهى حسيرة وانما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير وانما يقال ~~( كيف ( لمن لم يكن مرة ثم كان فأما الذى لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له ~~مثل فانه لا يعلم كيف هو الا هو وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا ~~يبلى وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف على ~~أنه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه الدليل على عجز العقول عن ~~تحقيق صفته عجزها عن تحقيق PageV05P042 صفة أصغر خلقه لا تكاد تراه صغرا ~~يجول ويزول ولا يرى له سمع ولا بصر لما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك ~~واخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين وخالقهم وسيد ~~السادة وربهم @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ # اعرف رحمك الله غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة ~~قدر ما وصف منها اذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف هل تستدل ~~بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء من معصيته # فأما الذى جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد @QB@ استهوته ~~الشياطين في الأرض حيران @QE@ فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى ~~من نفسه بأن ms1154 قال لابد ان كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن البين ~~بالخفى فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملى ~~له الشيطان حتى جحد قول الله عز وجل @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ~~@QE@ فقال لا يراه أحد يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التى أكرم ~~بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم @QB@ في مقعد صدق ~~عند مليك مقتدر @QE@ قد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون إلى ان ~~قال وانما جحد رؤية الله يوم القيامة اقامة للحجة الضالة المضلة لأنه ~~PageV05P043 قد عرف أنه اذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ~~ذلك مؤمنين وكان له جاحدا # وقال المسلمون يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ( ( ~~هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ( قالوا لا قال ( فهل تضارون في ~~رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ( قالوا لا قال ( فإنكم ترون ربكم ~~يومئذ كذلك ( # وقال رسول الله ( ( لا تمتلىء النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط ~~قط وينزوى بعضها إلى بعض ( وقال لثابت بن قيس ( لقد ضحك الله مما فعلت ~~بضيفك البارحة ( وقال فيما بلغنا ( ان الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم ~~وسرعة اجابتكم ( فقال له رجل من العرب ان ربنا ليضحك قال ( نعم ( قال لا ~~نعدم من رب يضحك خيرا إلى أشباه لهذا مما لا نحصيه # وقال تعالى @QB@ وهو السميع البصير @QE@ @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ وقال تعالى @QB@ ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ وقال تعالى @QB@ والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ # فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه وما تحيط به قبضته إلا صغر ~~نظيرها منهم عندهم ان ذلك الذى ألقى في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم ~~PageV05P044 فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله ( ( سميناه كما ~~سماه ولم ms1155 نتكلف منه صفة ما سواه لا هذا ولا هذا لا نجحد ما وصف ولا نتكلف ~~معرفة ما لم يصف # اعلم رحمك الله أن العصمة في الدين أن تنتهى في الدين حيث انتهى بك ولا ~~تجاوز ما قد حد لك فان من قوام الدين معرفة المعروف وانكار المنكر فما بسطت ~~عليه المعرفة وسكنت إليه الافئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارثت علمه ~~الامة فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيبا ولا تتكلفن بما ~~وصف لك من ذلك قدرا # وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث عن نبيك من ذكر ~~صفة ربك فلا تكلفن علمه بعقلك ولا تصفه بلسانك واصمت عنه كما صمت الرب عنه ~~من نفسه فان تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه مثل انكار ما وصف منها فكما ~~أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون ~~مما لم يصف منها # فقد والله عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبهم يعرف وينكرون المنكر ~~وبانكارهم ينكر يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه وما بلغهم مثله ~~عن نبيه فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية ~~غيره من الرب مؤمن PageV05P045 # وما ذكر عن النبى ( ( أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمى وما وصف ~~الرب تعالى من نفسه # والراسخون في العلم الواقفون حيث انتهى علمهم الواصفون لربهم بما وصف من ~~نفسه التاركون لما ترك من ذكرها لا ينكرون صفة ما سمى منها جحدا ولا ~~يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقا لأن الحق ترك ما ترك وتسمية ما سمى @QB@ ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ وهب ~~الله لنا ولكم حكما والحقنا بالصالحين # وهذا كله كلام ( بن الماجشون الامام ( فتدبره وانظر كيف أثبت الصفات ونفى ~~علم الكيفية موافقا لغيره من الأئمة وكيف أنكر على من نفى الصفات بأنه ~~يلزمهم من اثباتها كذا وكذا ms1156 كما تقوله الجهمية أنه يلزم ان يكون جسما أو ~~عرضا فيكون محدثا # وفى كتاب ( الفقه الأكبر ( المشهور عند أصحاب أبى حنيفة الذى رووه ~~بالاسناد عن أبى مطيع ( الحكم بن عبد الله البلخى ( قال سألت أبا حنيفة عن ~~الفقه الأكبر فقال لا تكفرن أحدا بذنب ولا تنف أحدا به من الايمان وتأمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما اخطأك لم ~~يكن ليصيبك ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ( ( ولا توالى أحدا دون ~~أحد وان ترد أمر عثمان وعلى إلى الله عز وجل PageV05P046 # قال ( أبو حنيفة ( الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم ولأن ~~يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير قال أبو مطيع ( ~~الحكم بن عبد الله ( قلت أخبرنى عن أفضل الفقه قال تعلم الرجل الإيمان ~~والشرائع والسنن والحدود واختلاف الائمة وذكر مسائل ( الإيمان ( ثم ذكر ~~مسائل ( القدر ( والرد على القدرية بكلام حسن ليس هذا موضعه # ثم قال قلت فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك ~~أناس فيخرج على الجماعة هل ترى ذلك قال لا قلت ولم وقد أمر الله ورسوله ~~بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهو فريضة واجبة قال هو كذلك لكن ما ~~يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام قال وذكر الكلام في ~~قتل الخوارج والبغاة # إلى أن قال قال ( أبو حنيفة ( عمن قال لا أعرف ربى في السماء أم في الأرض ~~فقد كفر لأن الله يقول @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وعرشه فوق سبع ~~سماوات # قلت فان قال أنه على العرش استوى ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم ~~في الأرض قال هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في اعلى ~~عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وفى لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول لا ~~أعرف ربى في السماء أم في الأرض قال قد كفر قال لأن الله PageV05P047 يقول ~~@QB@ الرحمن على العرش ms1157 استوى @QE@ وعرشه فوق سبع سماوات قال فانه يقول على ~~العرش استوى ولكن لا يدرى العرش في الأرض أو في السماء قال اذا أنكر أنه في ~~السماء فقد كفر # ففي هذا الكلام المشهور عن أبى حنيفة عند اصحابه أنه كفر الواقف الذى ~~يقول لا أعرف ربى في السماء أم في الأرض فكيف يكون الجاحد النافى الذى يقول ~~ليس في السماء أو ليس في السماء ولا في الأرض واحتج على كفره بقوله @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ قال وعرشه فوق سبع سماوات # وبين بهذا أن قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ يبين أن الله ~~فوق السماوات فوق العرش وان الاستواء على العرش دل على أن الله بنفسه فوق ~~العرش # ثم أنه اردف ذلك بتكفير من قال انه على العرش استوى ولكن توقف في كون ~~العرش في السماء أم في الأرض قال لأنه أنكر أنه في السماء لأن الله في أعلى ~~عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل # وهذا تصريح من أبى حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء واحتج ~~على ذلك بأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وكل من هاتين ~~الحجتين فطرية عقلية فان القلوب مفطورة على الاقرار بأن الله PageV05P048 ~~في العلو وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل وقد جاء اللفظ الآخر صريحا عنه ~~بذلك فقال اذا أنكر أنه في السماء فقد كفر # وروى هذا اللفظ باسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الانصارى الهروى في ( ~~كتاب الفاروق ( وروى أيضا بن أبى حاتم ان هشام بن عبيد الله الرازى صاحب ~~محمد بن الحسن قاضى الرى حبس رجلا في التجهم فتاب فجىء به إلى هشام ليطلقه ~~فقال الحمد لله على التوبة فامتحنه هشام فقال أتشهد أن الله على عرشه بائن ~~من خلقه فقال أشهد أن الله على عرشه ولا أدري ما بائن من خلقه فقال ردوه ~~إلى الحبس فإنه لم يتب # وروى ايضا عن ( يحيى بن معاذ الرازى ( أنه قال ان الله على العرش ms1158 بائن من ~~الخلق وقد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا لا يشك في هذه المقالة الا ~~جهمى ردىء ضليل وهالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقذار ~~والأنتان # وروى أيضا عن ( بن المدينى ( لما سئل ما قول أهل الجماعة قال يؤمنون ~~بالرؤية والكلام وان الله فوق السماوات على العرش استوى فسئل عن قوله @QB@ ~~ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم @QE@ فقال اقرأ ما قبلها @QB@ ألم تر ~~أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض @QE@ PageV05P049 وروى ايضا عن ( ~~ابى عيسى الترمذى ( قال هو على العرش كما وصف في كتابه وعلمه وقدرته ~~وسلطانه في كل مكان # وروى عن ( أبى زرعة الرازى ( أنه لما سئل عن تفسير قوله @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ فقال تفسيره كما يقرا هو على العرش وعلمه في كل مكان ومن ~~قال غير هذا فعليه لعنة الله # وروى ( أبو القاسم اللالكائى ( الحافظ الطبرى صاحب أبى حامد الاسفرائينى ~~في كتابه المشهور في ( أصول السنة ( باسناده عن ( محمد بن الحسن ( صاحب أبى ~~حنيفة قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الايمان بالقرآن ~~والأحاديث التى جاء بها الثقات عن رسول الله ( ( في صفة الرب عز وجل من ~~غيرتفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئا منها فقد خرج مما كان عليه ~~النبى ( ( وفارق الجماعة فانهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن افتوا بما في ~~الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول ( جهم ( فقد فارق الجماعة لأنه قد ~~وصفه بصفة لا شيء # محمد بن الحسن أخذ عن ابى حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء وقد حكى هذا ~~الاجماع وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالبا أو دائما وقوله من ~~غير تفسير اراد به تفسير ( الجهمية المعطلة ( الذين ابتدعوا تفسير الصفات ~~بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الاثبات PageV05P050 وروى البيهقى ~~وغيره باسناد صحيح عن ( أبى عبيد القاسم بن سلام ( قال هذة الاحاديث التي ~~يقول فيها ( ضحك ربنا من قنوط عبادة وقرب غيرة ( وان جهنم لا تمتليء حتي ~~يضع ms1159 ربك فيها قدمه ( و ( الكرسي موضع القدمين ( وهذه الأحاديث في ( الرؤية ~~( هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض غير أنا اذا سئلنا عن تفسيرها لا ~~نفسرها وما أدركنا أحدا يفسرها ( # أبو عبيد ( أحد الأئمة الأربعة الذين هم الشافعى وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ~~وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف وقد كان في ~~الزمان الذى ظهرت فيه الفتن والاهواء وقد أخبر أنه ما أدرك أحدا من العلماء ~~يفسرها أى تفسير الجهمية # وروى اللالكائى والبيهقى باسنادهما عن ( عبد الله بن المبارك ( أن رجلا ~~قال له يا أبا عبد الرحمن انى أكره الصفة عنى صفة الرب فقال له عبد الله بن ~~المبارك وأنا أشد الناس كراهية لذلك ولكن اذا نطق الكتاب بشيء قلنا به واذا ~~جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه ونحو هذا # أراد بن المبارك أنا نكره أن نبتدىء بوصف الله من تلقاء أنفسنا حتى يجيء ~~به الكتاب والآثار # وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن بن المبارك أنه قيل له ~~PageV05P051 بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ~~ولا نقول كما تقول الجهمية أنه ها هنا في الأرض وهكذا قال الإمام أحمد ~~وغيره # وروى باسناد صحيح عن سليمان بن حرب الامام سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء ~~الجهمية فقال انما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء # وروى بن أبى حاتم في كتاب ( الرد على الجهمية ( عن سعيد بن عامر الضبعى ~~امام أهل البصرة علما ودينا من شيوخ الامام أحمد أنه ذكر عنده الجهمية فقال ~~أشر قولا من اليهود والنصارى وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع ~~المسلمين على أن الله على العرش وهم قالوا ليس على شيء # وقال ( محمد بن إسحاق بن خزيمة ( امام الأئمة من لم يقل أن الله فوق ~~سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب ان يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه ثم ~~ألقى على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة ذكره عنه ms1160 الحاكم ~~باسناد صحيح # وروى عبد الله بن الامام أحمد باسناده عن عباد بن العوام الواسطى امام ~~أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعى وأحمد قال كلمت بشرا المريسى وأصحاب بشر ~~فرأيت آخر كلامهم ينتهى أن يقولوا ليس في السماء شيء # وعن عبد الرحمن بن مهدى الامام المشهور أنه قال ليس في أصحاب PageV05P052 ~~الأهواء شر من أصحاب جهم يدورون على أن يقولوا ليس في السماء شيء أرى والله ~~ان لا يناكحوا ولا يوارثوا # وروى عبد الرحمن بن أبى حاتم في ( كتاب الرد على الجهمية ( عن عبد الرحمن ~~بن مهدى قال أصحاب جهم يريدون أن يقولوا ان الله لم يكلم موسى ويريدون أن ~~يقولوا ليس في السماء شيء وان الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فان ~~تابوا والا قتلوا # وعن الأصمعى قال قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين فقال رجل عندها الله على ~~عرشه فقالت محدود على محدود فقال الأصمعى كفرت بهذه المقالة # وعن عاصم بن على بن عاصم شيخ أحمد والبخارى وطبقتهما قال ناظرت جهميا ~~فتبين من كلامه ان لا يؤمن أن في السماء ربا # وروى الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى قال أخبرنا سريج بن النعمان قال سمعت ~~عبد الله بن نافع الصائغ قال سمعت مالك بن أنس يقول الله في السماء وعلمه ~~في كل مكان لا يخلو من علمه مكان # وقال الشافعى خلافة أبى بكر الصديق حق قضاه الله في السماء وجمع عليه ~~قلوب عباده PageV05P053 # وفى الصحيح عن أنس بن مالك قال كانت زينب تفتخر على أزواج النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ( تقول ( زوجكن أهاليكن وزوجنى الله من فوق سبع سماوات ( ~~وهذا مثل قول الشافعى # وقصة أبى يوسف صاحب أبى حنيفة مشهورة في استتابة بشر المريسى حتى هرب منه ~~لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه قد ذكرها بن أبى حاتم وغيره # وقال ( أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبى زمنين ( الامام المشهور من ~~أئمة المالكية في كتابه الذى صنفه في ( أصول السنة ( قال فيه ### ||| 2 باب الإيمان بالعرش ms1161 2 # قال ( ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو ~~والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه في قوله ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وقوله @QB@ ثم استوى على العرش يعلم ما ~~يلج في الأرض @QE@ الآية # فسبحان من بعد وقرب بعلمه فسمع النجوى وذكر حديث ابى رزين العقيلى قلت يا ~~رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض قال PageV05P054 في ~~عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء ( قال محمد العماء ~~السحاب الكثيف المطبق فيما ذكره الخليل وذكر أثارا أخر ثم قال ### ||| 2 باب الإيمان بالكرسى 2 # قال محمد بن عبد الله ( ومن قول أهل السنة أن الكرسى بين يدى العرش وأنه ~~موضع القدمين ثم ذكر حديث أنس الذى فيه التجلى يوم الجمعة في الآخرة وفيه ( ~~فاذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه ثم يحف الكرسى على منابر من ~~ذهب مكللة بالجواهر ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها ( وذكر ما ذكره يحيى بن ~~سالم ( صاحب التفسير المشهور ( حدثنى العلاء بن هلال عن عمار الدهنى عن ~~سعيد بن جبير عن بن عباس رضى الله عنهما قال ان الكرسى الذى وسع السماوات ~~والأرض لموضع القدمين ولا يعلم قدر العرش الا الذى خلقه # وذكر من حديث أسد بن موسى ثنا حماد بن سلمة عن زر عن بن مسعود قال ما بين ~~السماء الدنيا والتى تليها مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام ~~وبين السماء السابعة والكرسى خمسمائة عام وبين الكرسى والماء خمسمائة عام ~~والعرش فوق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه # ثم قال في ( باب الايمان بالحجب ( قال ومن قول أهل السنة أن الله بائن ~~PageV05P055 من خلقه يحتجب عنهم بالحجب فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا @QE@ ( وذكر ~~آثارا في الحجب # ثم قال في ( باب الإيمان بالنزول ( قال ومن قول أهل السنة أن الله ms1162 ينزل ~~إلى سماء الدنيا ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا وذكر الحديث من طريق ~~مالك وغيره إلى أن قال وأخبرنى وهب عن بن وضاح عن الزهري عن بن عباد قال ~~ومن أدركت من المشائخ مالك وسفيان وفضيل بن عياض وعيسى بن المبارك ووكيع ~~كانوا يقولون ان النزول حق قال بن وضاح وسألت يوسف بن عدى عن النزول قال ~~نعم أومن به ولا أحد فيه حدا وسألت عنه بن معين فقال نعم أقربه ولا أحد فيه ~~حدا # قال محمد وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش في السماء دون الأرض ~~وهو ايضا بين في كتاب الله وفى غير حديث عن رسول الله ( ( قال تعالى @QB@ ~~يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ وقال تعالى @QB@ أأمنتم ~~من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن ~~يرسل عليكم حاصبا @QE@ وقال تعالى @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه @QE@ وقال @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ وقال تعالى @QB@ يا ~~عيسى إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ وقال @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ # وذكر من طريق مالك قول النبى ( ( للجارية ( أين الله PageV05P056 قالت في ~~السماء قال ( من أنا ( قالت أنت رسول الله قال ( فاعتقها ( قال والأحاديث ~~مثل هذا كثيرة جدا فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في الأرض لا اله ~~الا هو العلى العظيم # وقال قبل ذلك في ( الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه ( قال وأعلم بأن أهل ~~العلم بالله وبما جاءت به انبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه ~~علما والعجز عن ما لم يدع إليه ايمانا وأنهم انما ينتهون من وصفه بصفاته ~~وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه على لسان نبيه # وقد قال وهو اصدق القائلين @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ وقال @QB@ قل ~~أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم @QE@ وقال @QB@ ويحذركم الله ~~نفسه @QE@ وقال @QB@ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي @QE@ وقال @QB@ فإنك ~~بأعيننا @QE@ وقال @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ وقال @QB@ وقالت ms1163 اليهود يد ~~الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان @QE@ وقال @QB@ ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة @QE@ الآية وقال @QB@ إنني معكما أسمع وأرى ~~@QE@ وقال @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ وقال تعالى @QB@ الله نور ~~السماوات والأرض @QE@ الآية وقال @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ ~~الآية وقال @QB@ هو الأول والآخر والظاهر والباطن @QE@ ومثل هذا في القرآن ~~كثير PageV05P057 فهو تبارك وتعالى نور السماوات والأرض كما أخبر عن نفسه ~~وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه ويسمع ويرى ويتكلم هو الأول لا شيء ~~قبله والآخر الباقى إلى غير نهاية ولا شيء بعده والظاهر العالى فوق كل شيء ~~والباطن بطن علمه بخلقه فقال @QB@ وهو بكل شيء عليم @QE@ قيوم حى لا تأخذه ~~سنة ولا نوم وذكر ( أحاديث الصفات ( ثم قال فهذه صفات ربنا التى وصف بها ~~نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير ~~@QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ لم تره العيون فتحده كيف هو ~~ولكن رأته القلوب في حقائق الايمان ( اه # وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره وكذلك ~~كلام الناقلين لمذهبهم # مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابى في رسالته المشهورة في ( الغنية عن ~~الكلام وأهله ( قال ( فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب ~~والسنة فان مذهب السلف اثباتها واجراؤها على ظواهرها ونفى الكيفية والتشبيه ~~عنها وقد نفاها قوم فابطلوا ما أثبته الله وحققها قوم من المثبتين فخرجوا ~~في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف وانما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة ~~بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالى فيه والجافى والمقصر عنه ~~PageV05P058 # والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ويحتذى في ~~ذلك حذوه ومثاله فاذا كان معلوما أن اثبات البارى سبحانه انما هو اثبات ~~وجود لا اثبات كيفية فكذلك اثبات صفاته انما هو اثبات وجود لا اثبات تحديد ~~وتكييف # فإذا قلنا يد وسمع وبصر وما أشبهها فانما هي صفات ms1164 اثبتها الله لنفسه ~~ولسنا نقول أن معنى اليد القوة أو النعمة ولا معنى السمع والبصر العلم ولا ~~نقول انها جوارح ولا نشبهها بالأيدى والأسماع والأبصار التى هي جوارح ~~وأدوات للفعل ونقول أن القول انما وجب باثبات الصفات لأن التوقيف ورد بها ~~ووجب نفى التشبيه عنها لأن الله ليس كمثله شيء وعلى هذا جرى قول السلف في ~~أحاديث الصفات ( هذا كله كلام الخطابى # وهكذا قاله أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف ~~على ذلك # وهذا الكلام الذى ذكره الخطابى قد نقل نحوا منه من العلماء من لا يحصى ~~عددهم مثل أبى بكر الإسماعيلى والإمام يحيى بن عمار السجزى وشيخ الإسلام ~~أبى إسماعيل الهروى صاحب ( منازل السائرين ( و ( ذم الكلام ( وهو أشهر من ~~أن يوصف وشيخ الإسلام أبى عثمان الصابونى وأبى عمر بن عبدالبر النمرى امام ~~المغرب وغيرهم PageV05P059 # وقال أبو نعيم الأصبهانى صاحب ( الحلية ( في عقيدة له قال في أولها ( ~~طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة واجماع الأمة قال فمما اعتقدوه أن ~~الأحاديث التى ثبتت عن النبى ( ( في العرش واستواء الله يقولون بها ~~ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وان الله بائن من خلقه والخلق ~~بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه ~~وخلقه ( # وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه ( محجة الواثقين ومدرجة الوامقين ( تأليفه ~~( وأجمعوا أن الله فوق سمواته عال على عرشه مستو عليه لا مستول عليه كما ~~تقول الجهمية أنه بكل مكان خلافا لما نزل في كتابه @QB@ أأمنتم من في ~~السماء @QE@ @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ له العرش المستوى عليه والكرسى الذى وسع السماوات والأرض وهو قوله ~~@QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض @QE@ # وكرسيه جسم والأرضون السبع والسموات السبع عند الكرسى كحلقة في أرض فلاة ~~وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء ~~بين خلقه كما قاله النبى ( ( وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل ~~القضاء بين عباده والملائكة صفا ms1165 صفا كما قال تعالى @QB@ وجاء ربك والملك ~~صفا صفا @QE@ وزاد النبى ( صلى الله عليه وسلم ( وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم ~~القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من PageV05P060 مذنبى ~~الموحدين ويعذب من يشاء كما قال تعالى ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ( # وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهانى شيخ الصوفية في حدود المائة ~~الرابعة في بلاده قال أحببت أن أوصى أصحابى بوصية من السنة وموعظة من ~~الحكمة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كيف وأهل المعرفة والتصوف ~~من المتقدمين والمتأخرين قال فيها ( وان الله استوى على عرشه بلا كيف ولا ~~تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف فيه مجهول وأنه عز وجل مستو على ~~عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ~~ملاصقة لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغنى عن الخلق # وان الله عز وجل سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ~~ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء ( ~~فيقول هل من داع فاستجيب له هل من مستغفر فاغفر له هل من تائب فأتوب عليه ~~حتى يطلع الفجر ( ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن ~~أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة من العارفين على هذا ( أه # وقال الشيخ الامام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في ( كتاب السنة ~~( ثنا أبو بكر الأثرم ثنا إبراهيم بن الحارث يعنى العبادى حدثنا الليث ~~PageV05P061 بن يحيى قال سمعت إبراهيم بن الأشعث قال أبو بكر هو صاحب ~~الفضيل قال سمعت الفضيل بن عياض يقول ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو لأن ~~الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه # وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الإطلاع كما يشاء أن ينزل وكما ~~يشاء أن يباهي وكما ms1166 يشاء أن يضحك وكما يشاء أن يطلع فليس ( لنا ( أن نتوهم ~~كيف وكيف فاذا قال الجهمى أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل بل أومن برب يفعل ~~ما يشاء # ونقل هذا عن الفضيل جماعة منهم البخارى في ( أفعال العباد ( # ونقل شيخ الإسلام باسناده في كتابه ( الفاروق ( فقال ثنا يحيى بن عمار ~~ثنا أبى ثنا يوسف بن يعقوب ثنا حرمي بن على البخارى وهانىء بن النضر عن ~~الفضيل # وقال عمرو بن عثمان المكى في كتابه الذى سماه ( التعرف بأحوال العباد ~~والمتعبدين ( قال ( باب ما يجيء به الشيطان للتائبين ( وذكر أنه يوقعهم في ~~القنوط ثم في الغرور وطول الأمل ثم في التوحيد فقال ( من أعظم ما يوسوس في ~~( التوحيد ( بالتشكل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها ~~والتعطيل فقال بعد ذكر حديث الوسوسة PageV05P062 وأعلم رحمك الله ان كلما ~~توهمه قلبك أو سنح في مجارى فكرك أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو ~~ضياء أو اشراق أو جمال أو سنح مسائل أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك بل ~~هو تعالى أعظم وأجل وأكبر الا تسمع لقوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وقوله ~~@QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ أى لا شبيه ولا نظير ولا مساوى ولا مثل أو ~~لم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته وشامخ سلطانه فكما لا يتجلى ~~لشيء الا اندك كذلك لا يتوهمه أحد الا هلك فرد بما بين الله في كتابه من ~~نفسه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفؤ # فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس ~~في كتابه وسنة رسوله محمد ( صلى الله عليه وسلم ( فقال لك اذا كان موصوفا ~~بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه لأنه اللعين انما يريد أن يستزلك ~~ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى # وأعلم رحمك الله تعالى ان الله تعالى واحد لا كالآحاد فرد صمد لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد إلى أن قال خلصت ms1167 له الأسماء السنية فكانت واقعة ~~في قديم الأزل بصدق الحقائق لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليا واسما كان ~~منه بريا تبارك وتعالى فكان هاديا سيهدى وخالقا سيخلق ورازقا سيرزق وغافرا ~~سيغفر وفاعلا سيفعل ولم يحدث له PageV05P063 الإستواء إلا وقد كان في صفة ~~أنه سيكون ذلك الفعل فهو يسمى به في جملة فعله # كذلك قال الله تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ بمعنى أنه سيجىء ~~فلم يستحدث الاسم بالمجىء وتخلف الفعل لوقت المجىء فهو جاء سيجىء ويكون ~~المجىء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه لأن ذلك فعل الربوبية ~~فيستحسر العقل وتنقطع النفس عند ارادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود فلا ~~تذهب في أحد الجانبين لا معطلا ولا مشبها وأرض لله بما رضى به لنفسه وقف ~~عند خبره لنفسه مسلما مستسلما مصدقا بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير ~~إلى أن قال ( فهو تبارك وتعالى القائل انا الله لا الشجرة الجائى قبل أن ~~يكون جائيا لا أمره المتجلى لأوليائه في المعاد فتبيض به وجوههم وتفلج به ~~على الجاحدين حجتهم المستوى على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان تبارك وتعالى ~~الذى كلم موسى تكليما واراه من آياته فسمع موسى كلام الله لأنه قربه نجيا ~~تقدس أن يكون كلامه مخلوقا أو محدثا أو مربوبا الوارث بخلقه لخلقه السميع ~~لأصواتهم الناظر بعينه إلى أجسامهم يداه مبسوطتان وهما غير نعمته خلق آدم ~~ونفخ فيه من روحه وهو أمره تعالى وتقدس أن يحل بجسم أو يمازج بجسم أو يلاصق ~~به تعالى عن ذلك علوا كبيرا الشائى له المشيئة العالم له العلم الباسط يديه ~~بالرحمة النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب PageV05P064 إليه خلقه ~~بالعبادة وليرغبوا إليه بالوسيلة القريب في قربه من حبل الوريد البعيد في ~~علوه من كل مكان بعيد ولا يشبه بالناس # إلى أن قال @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ القائل ~~@QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا @QE@ تعالى ms1168 وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في ~~السماء جل عن ذلك علوا كبيرا ( أه # وقال الامام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبى في كتابه ~~المسمى ( فهم القرآن ( قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ وأن النسخ لا يجوز ~~في الأخبار قال لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته ولا أسماءه يجوز ~~أن ينسخ منها شيء # إلى أن قال وكذلك لا يجوز اذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بذلك أنها ~~دنية سفلى فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب ~~وأنه لا يبصر ما قد كان ولا يسمع الاصوات ولا قدره له ولا يتكلم ولا كلام ~~كان منه وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك # فاذا عرفت ذلك واستيقنته علمت ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز فان تلوت ~~آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض اخباره كقوله عن فرعون @QB@ حتى ~~إذا أدركه الغرق قال آمنت @QE@ الآيات وقال @QB@ حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين @QE@ PageV05P065 # وقال قد تأول قوم أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار لأنه آمن عند ~~الغرق وقال انما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه وقال @QB@ ~~فأوردهم النار @QE@ وقال @QB@ وحاق بآل فرعون سوء العذاب @QE@ ولم يقل ~~بفرعون قال وهكذا الكذب على الله لأن الله تعالى يقول @QB@ فأخذه الله نكال ~~الآخرة والأولى @QE@ كذلك قوله @QB@ فليعلمن الله الذين صدقوا @QE@ فأقر ~~التلاوة على استئناف العلم من الله عز وجل عن أن يستأنف علما بشيء لأنه من ~~ليس له علم بما يريد أن يصنعه لم يقدر أن يصنعه نجده ضرورة قال @QB@ ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ قال وانما قوله @QB@ حتى نعلم ~~المجاهدين @QE@ انما يريد حتى نراه فيكون معلوما موجودا لأنه لا جائز أن ~~يكون يعلم الشيء معدوما من قبل أن يكون ويعلمه موجودا كان قد كان فيعلم في ~~وقت واحد معدوما موجودا وان لم يكن وهذا محال # وذكر كلاما في هذا في الارادة # إلى ms1169 أن قال وكذلك قوله @QB@ إنا معكم مستمعون @QE@ ليس معناه أن يحدث له ~~سمعا ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم وقد ذهب قوم من ( أهل السنة ( أن لله ~~استماعا في ذاته فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان ~~من قول لأن المخلوق اذا سمع حدث له عقل فهم عما أدركته أذنه من الصوت وكذلك ~~قوله @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله @QE@ لا يتحدث بصرا محدثا في ~~ذاته وانما يحدث الشيء فيراه مكونا كما لم يزل يعلمه قبل كونه PageV05P066 # إلى أن قال ( وكذلك قوله تعالى @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ وقوله ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وقوله @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ ~~وقوله @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ # وقال @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ وقال @QB@ ~~تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ وقال لعيسى @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي ~~ومطهرك من الذين كفروا @QE@ الآية وقال @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ وقال ~~@QB@ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته @QE@ # وذكر الآلهة أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا حيث هو فقال @QB@ ~~قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا @QE@ أى ~~طلبه وقال @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ # قال أبو عبد الله فلن ينسخ ذلك لهذا أبدا # كذلك قوله @QB@ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله @QE@ وقوله @QB@ ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ وقوله @QB@ وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض يعلم سركم وجهركم @QE@ وقوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم @QE@ الآية فليس هذا بناسخ لهذا ولا هذا ضد لذلك # وأعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل ~~الأشياء أو ينتقل فيها لانتقالها ويتبعض فيها على أقدارها ويزول عنها عند ~~فنائها جل وعز عن ذلك وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال فزعموا أن الله ~~PageV05P067 تعالى في كل مكان بنفسه كائنا كما هو على العرش لا فرقان بين ~~ذلك ثم أحالوا في النفى بعد تثبيت ms1170 ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه لأن كل من ~~يثبت شيئا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه واحتجوا بهذه ~~الآيات أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنا ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا ~~لا كالشىء في الشيء # قال ( أبو عبد الله لنا قوله @QB@ حتى نعلم @QE@ @QB@ وسيرى الله @QE@ ~~@QB@ إنا معكم مستمعون @QE@ فانما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجودا ~~ويسمعه مسموعا ويبصره مبصرا لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر # وأما قوله @QB@ وإذا أردنا @QE@ اذا جاء وقت كون المراد فيه # وان قوله @QB@ على العرش استوى @QE@ @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ ~~الآية @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ @QB@ إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ~~@QE@ فهذا وغيره مثل قوله @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ @QB@ إليه ~~يصعد الكلم الطيب @QE@ هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش فوق الأشياء كلها منزه ~~عن الدخول في خلقه لا يخفى عليه منهم خافية لأنه أبان في هذه الآيات أنه ~~أراد أنه بنفسه فوق عباده لأنه قال @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم ~~الأرض @QE@ يعنى فوق العرش والعرش على السماء لأن من قد كان فوق كل شيء على ~~السماء في السماء وقد قال مثل ذلك في قوله @QB@ فسيحوا في الأرض @QE@ يعنى ~~على الأرض لا يريد الدخول في جوفها وكذلك قوله @QB@ يتيهون في الأرض @QE@ ~~يعنى على الأرض لا يريد الدخول في جوفها وكذلك قوله @QB@ ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل @QE@ يعنى فوقها عليها PageV05P068 # وقال ( أأمنتم من في السماء ( ثم فصل فقال @QB@ أن يخسف بكم الأرض @QE@ ~~ولم يصل فلم يكن لذلك معنى اذا فصل قوله @QB@ من في السماء @QE@ ثم استأنف ~~التخويف بالخسف إلا أنه على عرشه فوق السماء وقال تعالى @QB@ يدبر الأمر من ~~السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ وقال @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه ~~@QE@ # فبين عروج الأمر وعروج الملائكة ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه ~~فقال @QB@ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة @QE@ فقال صعودها إليه وفصله من ~~قوله إليه كقول القائل اصعد إلى فلان في ليلة أو يوم وذلك ms1171 أنه في العلو وان ~~صعودك إليه في يوم فاذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل وان ~~كانوا لم يروه ولم يساووه في الإرتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا ~~بالأمر إلى العلو قال تعالى @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ ولم يقل عنده # وقال فرعون @QB@ يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى @QE@ ثم استأنف الكلام فقال @QB@ وإني لأظنه كاذبا @QE@ ~~فيما قال لى أن إلهه فوق السماوات # فبين الله سبحانه وتعالى أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال وعمد لطلبه ~~حيث قاله مع الظن بموسى انه كاذب ولو أن موسى قال انه في كل مكان بذاته ~~لطلبه في بيته أو في بدنه أو حشه فتعالى الله عن ذلك ولم يجهد نفسه ببنيان ~~الصرح PageV05P069 # قال أبو عبد الله وأما الآى التى يزعمون أنها قد وصلها ولم يقطعها كما ~~قطع الكلام الذى أراد به أنه على عرشه فقال @QB@ ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض @QE@ فأخبر بالعلم ثم اخبر أنه مع كل مناج ثم ختم ~~الآية بالعلم بقوله @QB@ أن الله بكل شيء عليم @QE@ # فبدأ بالعلم وختم بالعلم فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا لا يخفون ~~عليه ولا يخفى عليه مناجاتهم ولو اجتمع القوم في أسفل وناظر اليهم في العلو ~~فقال انى لم أزل اراكم وأعلم مناجاتكم لكان صادقا ولله المثل الأعلى أن ~~يشبه الخلق فان أبوا إلا ظاهر التلاوة وقالوا هذا منكم دعوى خرجوا عن قولهم ~~في ظاهر التلاوة لأن من هو مع الاثنين فاكثر هو معهم لا فيهم ومن كان مع ~~شيء خلا جسمه وهذا خروج من قولهم # وكذلك قوله تعالى @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ لأن ما قرب من ~~الشيء ليس هو في الشيء ففى ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد ~~وكذلك قوله @QB@ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله @QE@ لم يقل في ~~السماء ثم قطع كما قال @QB@ أأمنتم من في ms1172 السماء @QE@ ثم قطع فقال @QB@ أن ~~يخسف بكم الأرض @QE@ فقال @QB@ وهو الذي في السماء إله @QE@ يعنى اله أهل ~~السماء واله أهل الأرض وذلك موجود في ( اللغة ( تقول فلان أمير في خراسان ~~وأمير في بلخ وأمير في سمرقند وانما هو في موضع واحد ويخفى عليه ما وراءه ~~فكيف العالى فوق الأشياء لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره فهو إله فيهما ~~PageV05P070 إذ كان مدبرا لهما وهو على عرشه وفوق كل شيء تعالى عن الأشباه ~~والأمثال # وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذى سماه ( اعتقاد ~~التوحيد باثبات الاسماء والصفات ( قال في آخر خطبته فاتفقت أقوال المهاجرين ~~والأنصار في توحيد الله عز وجل ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه قولا واحدا ~~وشرعا ظاهرا وهم الذين نقلوا عن رسول الله ( ( ذلك حتى قال ( عليكم بسنتى ( ~~وذكر الحديث وحديث ( لعن الله من أحدث حدثا ( قال فكانت كلمة الصحابة على ~~الاتفاق من غير اختلاف وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم اذ لم يختلفوا بحمد ~~الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من ( الأسماء والصفات ( كما ~~اختلفوا في الفروع ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل الينا كما نقل سائر ~~الاختلاف فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم وعامتهم حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم ~~باحسان فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين حتى نقلوا ذلك قرنا بعد قرن ~~لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر ولله المنة # ثم انى قائل وبالله أقول أنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر الأسماء ~~والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين فخاضوا في ذلك من لم ~~يعرفوا بعلم الآثار ولم يعقلوا قولهم بذكر الاخبار وصار معولهم على أحكام ~~هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به على مخالفة السنة والتعلق منهم ~~بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس فتأولوا على ما وافق هواهم ~~PageV05P071 وصححوا بذلك مذهبهم احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين ومأخذ ~~المؤمنين ومنهاج الأولين خوفا من الوقوع في جملة اقاويلهم التى حذر رسول ~~الله ( ( أمته ومنع المستجيبين له حتى حذرهم ms1173 # ثم ذكر ( أبو عبد الله ( خروج النبى ( ( وهم يتنازعون في القدر وغضبه ~~وحديث ( لا ألفين أحدكم ( وحديث ( ستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة ( فان ~~الناجية ما كان عليه هو وأصحابه ثم قال فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه ~~الصحابة ولم يكن الوصول إليه الا من جهة التابعين لهم باحسان المعروفين ~~بنقل الاخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة فيتصل ذلك قرنا بعد قرن ممن ~~عرفوا بالعدالة والأمانة الحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من اثبات ~~السنة # إلى أن قال فأول ما نبتدىء به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر ( ~~أسماء الله عز وجل ( في كتابه وما بين ( صلى الله عليه وسلم ( من ( صفاته ( ~~في سنته وما وصف به عز وجل مما سنذكر قول القائلين بذلك مما لا يجوز لنا في ~~ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك ومما قد امرنا بالإستسلام ~~له إلى أن قال # ثم ان الله تعرف الينا بعد اثبات الوحدانية والاقرار بالالوهية ان ذكر ~~تعالى في كتابه بعد التحقيق بما بدأ من اسمائه وصفاته وأكد عليه السلام ~~بقوله PageV05P072 فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله ~~الا الله إلى أن قال باثبات نفسه بالتفصيل من المجمل فقال لموسى عليه ~~السلام @QB@ واصطنعتك لنفسي @QE@ وقال @QB@ ويحذركم الله نفسه @QE@ # ولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح عليه السلام فقال @QB@ تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك @QE@ وقال عز وجل ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ( ~~وأكد عليه السلام صحة اثبات ذلك في سنته فقال ( يقول الله عز وجل من ذكرنى ~~في نفسه ذكرته في نفسي ( وقال ( كتب كتابا بيده على نفسه ان رحمتى غلبت ~~غضبى ( وقال ( سبحان الله رضا نفسه ( وقال في محاجة آدم لموسى ( أنت الذى ~~اصطفاك الله واصطنعك لنفسه ( فقد صرح بظاهر قوله أنه اثبت لنفسه نفسا واثبت ~~له الرسول ذلك فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه ويكون ~~ذلك مبنيا على ظاهر قوله @QB@ ليس كمثله شيء ms1174 @QE@ # ثم قال ( فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه عليه السلام ~~بنقل العدل عن العدل حتى يتصل به ( ( وان مما قضى الله علينا في كتابه ووصف ~~به نفسه ووردت السنة بصحة ذلك ان قال @QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ ~~ثم قال عقيب ذلك @QB@ نور على نور @QE@ وبذلك دعاه ( صلى الله PageV05P073 ~~عليه وسلم ( أنت نور السماوات والأرض ( ثم ذكر حديث أبى موسى ( حجابه النور ~~أو النار ( لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ( وقال ~~سبحات وجهه جلاله ونوره نقله عن الخليل وأبى عبيد وقال قال عبد الله بن ~~مسعود نور السماوات نور وجهه # ثم قال ومما ورد به النص أنه حى وذكر قوله تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم @QE@ والحديث ( يا حى يا قيوم برحمتك استغيث ( قال ومما تعرف ~~الله إلى عباده أن وصف نفسه ان له وجها موصوفا بالجلال والاكرام فأثبت ~~لنفسه وجها وذكر الآيات # ثم ذكر حديث أبى موسى المتقدم فقال في هذا الحديث من أوصاف الله عز وجل ~~لا ينام موافق لظاهر الكتاب @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ وان له ( وجها ~~( موصوفا بالأنوار وأن له ( بصرا ( كما علمنا في كتابه أنه سميع بصير ثم ~~ذكر الأحاديث في اثبات الوجه وفى اثبات السمع والبصر والآيات الدالة على ~~ذلك # ثم قال ثم ان الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين ان قال له يدان قد ~~بسطهما بالرحمة وذكر الأحاديث في ذلك ثم ذكر شعر أمية بن أبى الصلت ~~PageV05P074 # ثم ذكر حديث ( يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع فيها رجله ( وهى ~~رواية البخارى وفى رواية أخرى يضع عليها قدمه # ثم ما رواه مسلم البطين عن بن عباس أن الكرسى موضع القدمين وان العرش لا ~~يقدر قدره الا الله وذكر قول مسلم البطين نفسه وقول السدى وقول وهب بن منبه ~~وأبى مالك وبعضهم يقول موضع قدميه وبعضهم يقول واضع رجليه عليه # ثم قال ( فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة ms1175 موافقة لقول ~~النبى ( ( متداولة في الأقوال ومحفوظة في الصدر ولا ينكر خلف عن السلف ولا ~~ينكر عليهم أحد من نظرائهم نقلتها الخاصة والعامة مدونة في كتبهم إلى أن ~~حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم ممن حذرنا رسول الله ( ( عن مجالستهم ~~ومكالمتهم وأمرنا أن لا نعود مرضاهم ولا نشيع جنائزهم فقصد هؤلاء إلى هذه ~~الروايات فضربوها بالتشبيه وعمدوا إلى الإخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام ~~المقاييس وكفر المتقدمين وأنكروا على الصحابة والتابعين وردوا على الأئمة ~~الراشدين فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل # ثم ذكر المأثور عن بن عباس وجوابه لنجدة الحرورى ثم حديث ( الصورة ( وذكر ~~أنه صنف فيه كتابا مفردا واختلاف الناس في تأويله PageV05P075 # ثم قال ( وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا ~~فيه أهل الزيغ وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة ان شاء الله ثم ذكر ~~الخلاف في الامامة واحتج عليها وذكر اتفاق المهاجرين والانصار على تقديم ( ~~الصديق ( وأنه افضل الأمة # ثم قال وكان الاختلاف في ( خلق الأفعال ( هل هي مقدرة أم لا قال وقولنا ~~فيها أن أفعال العباد مقدرة معلومة وذكر اثبات القدر ثم ذكر الخلاف في أهل ~~( الكبائر ( ومسألة ( الأسماء والأحكام ( وقال قولنا فيها أنهم مؤمنون على ~~الاطلاق وأمرهم إلى الله ان شاء عذبهم وان شاء عفا عنهم # وقال أصل ( الإيمان ( موهبة يتولد منها افعال العباد فيكون اصل التصديق ~~والاقرار والاعمال وذكر الخلاف في زيادة الايمان ونقصانه وقال قولنا أنه ~~يزيد وينقص قال ثم كان الإختلاف في القرآن مخلوقا وغير مخلوق فقولنا وقول ~~أئمتنا ان القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه صفة الله منه بدأ قولا واليه ~~يعود حكما ثم ذكر الخلاف في الرؤية وقال قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد أن ~~الله يرى في القيامة وذكر الحجة # ثم قال اعلم رحمك الله انى ذكرت أحكام الإختلاف على ما ورد من ترتيب ~~المحدثين في كل الازمنة وقد بدأت ان اذكر أحكام الجمل من العقود فنقول ~~ونعتقد أن الله عز وجل له عرش وهو ms1176 على عرشه فوق سبع سمواته PageV05P076 بكل ~~أسمائه وصفاته كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ @QB@ يدبر الأمر ~~من السماء إلى الأرض @QE@ ولا نقول أنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه ~~لأنه عالم بما يجرى على عباده @QB@ ثم يعرج إليه @QE@ إلى أن قال ( ونعتقد ~~ان الله تعالى خلق الجنة والنار وأنهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء إلى أن ~~قال ونعتقد أن النبى ( ( عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى إلى أن قال ( ونعتقد ~~أن الله قبض قبضتين فقال ( هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار ( ونعتقد أن للرسول ~~صلى الله عليه وسلم حوضا ( ( ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفع وذكر ( الصراط ~~( و ( الميزان ( و ( الموت ( وأن المقتول قتل بأجله واستوفى رزقه إلى أن ~~قال ( ومما نعتقد أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ~~فيبسط يده فيقول ( الا هل من سائل ( الحديث وليلة النصف من شعبان وعشية ~~عرفة وذكر الحديث في ذلك قال ونعتقد أن الله تعالى كلم موسى تكليما واتخذ ~~إبراهيم خليلا وان الخلة غير الفقر لا كما قال أهل البدع # ونعتقد أن الله تعالى خص محمدا ( ( بالرؤية واتخذه خليلا كما اتخذ ~~إبراهيم خليلا ونعتقد أن الله تعالى اختص بمفتاح خمس من الغيب لا يعلمها ~~الا الله @QB@ إن الله عنده علم الساعة @QE@ الآية PageV05P077 # ونعتقد المسح على الخفين ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم ونعتقد الصبر ~~على السلطان من قريش ما كان من جور أو عدل ما أقام الصلاة من الجمع ~~والأعياد والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة والصلاة في الجماعة حيث ينادى ~~لها واجب إذا لم يكن عذر أو مانع والتراويح سنة ونشهد ان من ترك الصلاة ~~عمدا فهو كافر والشهادة والبراءة بدعة والصلاة على من مات من أهل القبلة ~~سنة ولا ننزل احدا جنة ولا نارا حتى يكون الله ينزلهم والمراء والجدال في ~~الدين بدعة # ونعتقد ان ما شجر بين أصحاب رسول الله أمرهم إلى الله ونترحم على عائشة ~~ونترضى عنها والقول في اللفظ والملفوظ وكذلك في الإسم والمسمى بدعة والقول ms1177 ~~في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة # وأعلم انى ذكرت اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين ~~مجملا من غير إستقصاء إذ تقدم القول من مشايخنا المعروفين من أهل الإبانة ~~والديانة إلا إنى أحببت أن أذكر عقود أصحابنا المتصوفة فيما أحدثته طائفة ~~نسبوا اليهم ما قد تخرصوا من القول بما نزه الله تعالى المذهب وأهله من ذلك # إلى أن قال وقرأت لمحمد بن جرير الطبرى في كتاب سماه ( التبصير ( كتب ~~بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم وسألوه أن يصنف لهم PageV05P078 ما ~~يعتقده ويذهب إليه فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى فذكر عن ~~طائفة اثبات الرؤية في الدنيا والآخرة # ونسب هذه المقالة إلى ( الصوفية ( قاطبة لم يخص طائفة فبين أن ذلك على ~~جهالة منه بأقوال المخلصين منهم وكان من نسب إليه ذلك القول بعد أن ادعى ~~على الطائفة بن أخت عبد الواحد بن زيد والله أعلم محله عند المخلصين فكيف ~~بابن أخته وليس اذا أحدث الزائغ في نحلته قولا نسب إلى الجملة كذلك في ~~الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث قولا في الفقه وليس فيه حديث يناسب ذلك ينسب ~~ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين # وأعلم أن لفظ ( الصوفية ( وعلومهم تختلف فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم ~~ومرموزات واشارات تجرى فيما بينهم فمن لم يداخلهم على التحقيق ونازل ما هم ~~عليه رجع عنهم وهو خاسىء وحسير # ثم ذكر اطلاقهم لفظ ( الرؤية ( بالتقييد فقال كثيرا ما يقولون رأيت الله ~~يقول وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل هل رأيت الله حين عبدته قال رأيت ~~الله ثم عبدته فقال السائل كيف رأيته فقال لم تره الأبصار بتحديد الأعيان ~~ولكن رؤية القلوب بتحقيق الايقان ثم قال ( وانه تعالى يرى في الآخرة كما ~~أخبر في كتابه وذكره رسوله ( ( # هذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال من أهل الغباوة فينا PageV05P079 # وان مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم واعراضهم وذكر ~~ذلك في حجة الوداع فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى ms1178 درجة يبيح الحق له ما حظر ~~على المؤمنين الا المضطر على حال يلزمه أحياء للنفس لو بلغ العبد ما بلغ من ~~العلم والعبادات فذلك كفر بالله وقائل ذلك قائل بالاباحة وهم المنسلخون من ~~الديانة # وان مما نعتقده ترك اطلاق تسمية ( العشق ( على الله تعالى وبين أن ذلك لا ~~يجوز لاشتقاقه ولعدم ورود الشرع به وقال أدنى ما فيه أنه بدعة وضلالة وفيما ~~نص الله من ذكر المحبة كفاية # وان مما تعتقده أن الله لا يحل في المرئيات وأنه المتفرد بكمال اسمائه ~~وصفاته بائن من خلقه مستو على عرشه وان القرآن كلامه غير مخلوق حيث ما تلى ~~ودرس وحفظ ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ نبينا محمدا ( ( ~~خليلا وحبيبا والخلة لهما منه على خلاف ما قاله المعتزلة ان الخلة الفقر ~~والحاجة إلى أن قال # والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما ولا تدخل أوصافه تحت التكييف ~~والتشبيه وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف فأما صفاته تعالى ~~فمعلومة في العلم وموجودة في التعريف قد انتفى عنهما التشبيه فالايمان به ~~واجب واسم الكيفية عن ذلك ساقط PageV05P080 # ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات وانما حرم الله ~~الغش والظلم وأما من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضال مضل مبتدع اذ ليس ~~الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء انما حرم الله ورسوله ~~الفساد لا الكسب والتجارات فان ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم ~~القيامة وان مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه ~~من جميع الجهات لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة والمعتقد ان الأرض ~~تخلو من الحلال والناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال الا أنه يقل في ~~موضع ويكثر في موضع لا أنه مفقود من الأرض # ومما نعتقده انا اذا رأينا من ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه ~~جائز أن يؤكل طعامه والمعاملة في تجارته فليس علينا الكشف عما قاله فان سأل ~~سائل على سبيل الاحتياط ms1179 جاز الا من داخل الظلمة # ومن ينزع عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك فالسؤال والتوقى ~~كما سأل الصديق غلامه فان كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك ~~الأموال فاختلطا فلا يطلق عليه الحلال ولا الحرام الا أنه مشتبه فمن سأل ~~استبرأ لدينه كما فعل الصديق وأجاز بن مسعود وسلمان الأكل منه وعليه التبعة ~~والناس طبقات والدين الحنيفية السمحة # وان مما نعتقد ان العبد ما دام أحكام الدار جارية ( عليه ( فلا يسقط عنه ~~PageV05P081 الخوف والرجاء وكل من ادعى ( الأمن ( فهو جاهل بالله وبما أخبر ~~به عن نفسه @QB@ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون @QE@ وقد أفردت كشف ~~عورات من قال بذلك # ونعتقد أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه ( فيبقى ~~( على أحكام القوة والاستطاعة اذ لم يسقط الله ذلك عن الأنبياء والصديقين ~~والشهداء والصالحين ومن زعم أنه قد خرج عن رق العبودية إلى فضاء الحرية ~~باسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المسدية بعلائق الآخرية فهو ~~كافر لا محالة الا من اعتراه علة أو رأفة فصار معتوها أو مجنونا أو مبرسما ~~وقد اختلط عقله أو لحقه غشية يرتفع عنه بها أحكام العقل وذهب عنه التمييز ~~والمعرفة فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة # ومن زعم الاشراف على الخلق يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله بغير الوحي ~~المنزل من قول رسول صلى الله عليه وسلم ( ( فهو خارج عن الملة ومن ادعى أنه ~~يعرف مآل الخلق ومنقلبهم وعلى ماذا يموتون عليه ويختم لهم بغير الوحى من ~~قول الله وقول رسوله فقد باء بغضب من الله # و ( الفراسة ( حق على أصول ما ذكرناه وليس ذلك مما رسمناه في شيء ومن زعم ~~أن صفاته تعالى بصفاته ويشير في ذلك إلى غير آية العظمة والتوفيق والهداية ~~واشار إلى صفاته عز وجل القديمة فهو حلولى قائل باللاهوتية والإلتحام وذلك ~~كفر لا محالة PageV05P082 # ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة ومن قال أنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول ~~النصارى النسطورية في ms1180 المسيح وذلك كفر بالله العظيم ومن قال ان شيئا من ~~صفات الله حال في العبد أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر والقرآن كلام ~~الله ليس بمخلوق ولا حال في مخلوق وأنه كيفما تلى وقرىء وحفظ فهو صفة الله ~~عز وجل وليس الدرس من المدروس ولا التلاوة من المتلو لأنه عز وجل بجميع ~~صفاته وأسمائه غير مخلوق ومن قال بغير ذلك فهو كافر # ونعتقد أن القراءة ( الملحنة ( بدعة وضلالة # وأن ( القصائد ( بدعة ومجراها على قسمين فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ~~ونعمائه واظهار نعت الصالحين وصفة المتقين فذلك جائز وتركه والاشتغال بذكر ~~الله والقرآن والعلم أولى به وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات ~~فاستماع ذلك على الله كفر واستماع الغناء والربعيات على الله كفر والرقص ~~بالايقاع ونعت الرقاصين ( على ( أحكام الدين فسق وعلى أحكام التواجد ~~والغناء لهو ولعب # وحرام على كل من يسمع القصائد والربعيات الملحنة الجائى بين أهل الاطباع ~~على أحكام الذكر الا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد ومعرفة أسمائه ~~وصفاته وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك وما لا يليق به عز وجل مما هو منزه ~~عنه فيكون استماعه كما قال @QB@ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ ~~الآية PageV05P083 وكل من جهل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله ~~فهو كفر لا محالة فكل من جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز الا ~~لمن عرف بما وصفت من ذكر الله ونعمائه وما هو موصوف به عز وجل مما ليس ~~للمخلوقين فيه نعت ولا وصف بل ترك ذلك أولى وأحوط والأصل في ذلك أنها بدعة ~~والفتنة فيها غير مأمونة على استماع الغناء و ( الربعيات ( بدعة وذلك مما ~~أنكره المطلبى ومالك والثورى ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل واسحاق ~~والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين ولا لهم قدم عند ~~المخلصين # وبلغنى أنه قيل لبشر بن الحارث ان أصحابك قد أحدثوا شيئا يقال له القصائد ~~قال مثل ايش قال مثل قوله # إصبرى يا نفس ms1181 حتى %~% تسكنى دار الجليل # فقال حسن وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك قال قلت ببغداد فقال كذبوا ~~والله الذى لا اله غيره لا يسكن ببغداد من يستمع ذلك # قال أبو عبد الله ومما نقول وهو قول أئمتنا ان الفقير اذا احتاج وصبر ولم ~~يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به ~~على قوله ( ( لأن يأخذ أحدكم حبله ( الحديث # ونقول ان ترك المكاسب غير جائز الا بشرائط موسومة من التعفف والإستغناء ~~PageV05P084 عما في أيدى الناس ومن جعل السؤال حرفة وهو صحيح فهو مذموم في ~~الحقيقة خارج # ونقول ان المستمع إلى ( الغناء والملاهى ( فان ذلك كما قال عليه السلام ( ~~الغناء ينبت النفاق في القلب ( وان لم يكفر فهو فسق لا محالة والذى نختار ~~قول أئمتنا ان ترك المراء في الدين والكلام في الايمان مخلوق أو غير مخلوق ~~ومن زعم أن الرسول ( ( واسط يؤدى وان المرسل اليهم افضل فهو كافر بالله ومن ~~قال باسقاط الوسائط على الجملة فقد كفر أه # ومن متأخريهم الشيخ الامام أبو محمد ( عبدالقادر بن أبى صالح الجيلانى ( ~~قال في كتاب ( الغنية ( اما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه ~~الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد إلى أن قال # وهو بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء @QB@ ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ @QB@ يدبر الأمر من السماء ~~إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون @QE@ ولا يجوز ~~وصفه بأنه في كل مكان بل يقال انه في السماء على العرش كما قال @QB@ الرحمن ~~على العرش استوى @QE@ PageV05P085 وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال وينبغى ~~اطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش ( قال ( ~~وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبى أرسل بلا كيف وذكر كلاما ~~طويلا لا يحتمله هذا الموضع وذكر في سائر الصفات نحو هذا # ولو ذكرت ما قاله العلماء في هذا لطال الكتاب ms1182 جدا # قال ( أبو عمر بن عبدالبر ( روينا عن مالك بن أنس وسفيان الثورى وسفيان ~~بن عيينة والاوزاعى ومعمر بن راشد ( في أحاديث الصفات ( أنهم كلهم قالوا ~~أمروها كما جاءت قال أبو عمر ما جاء عن النبى ( ( من نقل الثقات أو جاء عن ~~اصحابه رضى الله عنهم فهو علم يدان به وما أحدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما ~~جاء عنهم فهو بدعة وضلالة # وقال في ( شرح الموطأ ( لما تكلم على حديث النزول قال هذا حديث ثابت ~~النقل صحيح من جهة الاسناد ولا يختلف أهل الحديث في صحته وهو منقول من طرق ~~سوى هذه من اخبار العدول عن النبى ( ( وفيه دليل على أن الله في السماء على ~~العرش استوى من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على ( ~~المعتزلة ( في قولهم ان الله تعالى في كل مكان بذاته المقدسة # قال والدليل على صحة ما قال أهل الحق قول الله وذكر بعض الآيات ~~PageV05P086 إلى أن قال وهذا اشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج ~~إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم # وقال أبو عمر بن عبدالبر أيضا أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل ~~عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم @QE@ هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك من يحتج ~~بقوله # وقال أبو عمر أيضا أهل السنة مجمعون على الاقرار بالصفات الواردة كلها في ~~القرآن والسنة والايمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز الا أنهم لا ~~يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة # وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرونها ولا ~~يحملون شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من اقر بها مشبه وهم عند من اقر ~~بها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة ~~رسول الله ( ( وهم أئمة الجماعة هذا كلام بن عبدالبر إمام أهل المغرب # وفى عصره الحافظ ( أبو بكر البيهقى ms1183 ( مع توليه للمتكلمين من اصحاب ابى ~~الحسن الأشعرى وذبه عنهم قال في كتابه ( الأسماء والصفات ( ### ||| 2 باب ما جاء في اثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة لورود خبرالصادق به قال الله تعالى ( يا ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ( وقال ( بل يداه مبسوطتان 2 ( PageV05P087 # وذكر الأحاديث الصحاح في هذا الباب مثل قوله في غير حديث في حديث الشفاعة ~~( يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ( ومثل قوله في الحديث المتفق عليه ~~( أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده ( وفى لفظ ( وكتب لك ~~التوراة بيده ( ومثل ما في صحيح مسلم ( أنه سبحانه غرس كرامة أوليائه في ~~جنة عدن بيده ( ومثل قوله ( صلى الله عليه وسلم ( تكون الأرض يوم القيامة ~~خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل ~~الجنة ( # وذكر أحاديث مثل قوله ( بيدي الأمر ( والخير في يديك ( والذى نفس محمد ~~بيده ( و ( ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ~~ليتوب مسيء الليل ( وقوله ( المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين ~~الرحمن وكلتا يديه يمين ( وقوله ( يطوى الله السماوات يوم القيامة ثم ~~يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوى ~~الارضين بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ( # وقوله ( يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما ~~أنفق منذ خلق السماوات والأرض فانه لم يغض ما في يمينه وعرشه على الماء ~~PageV05P088 وبيده الاخرى القسط يخفض ويرفع ( وكل هذه الأحاديث في الصحاح # وذكر ايضا قوله ( ان الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان اختر أيهما ~~شئت قال اخترت يمين ربى وكلتا يدى ربى يمين مباركة ( وحديث ( ان الله لما ~~خلق آدم مسح على ظهره بيده ( إلى أحاديث اخر ذكرها من هذا النوع # ثم قال ( البيهقى ( أما المتقدمون من هذه الأمة فانهم لم يفسروا ما كتبنا ~~من الآيات والأخبار في هذا الباب وكذلك قال في ( الاستواء ms1184 على العرش ( ~~وسائر الصفات الخبرية مع أنه يحكى قول بعض المتأخرين # وقال القاضي أبو يعلى في كتاب ( ابطال التأويل ( لا يجوز رد هذه الاخبار ~~ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها وانها صفات الله لا تشبه ~~صفات سائر الموصوفين بها من الخلق ولا يعتقد التشبيه فيها لكن على ما روى ~~عن الامام أحمد وسائر الأئمة # وذكر بعض كلام الزهري ومكحول ومالك والثورى والاوزاعى والليث وحماد بن ~~زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض ووكيع وعبد الرحمن بن ~~مهدى والأسود بن سالم واسحاق بن راهوية وأبى عبيد ومحمد بن جرير الطبرى ~~وغيرهم في هذا الباب وفى حكاية ألفاظهم طول # إلى أن قال PageV05P089 # ويدل على ابطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ~~ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها فلو كان التأويل سائغا ~~لكانوا أسبق إليه لما فيه من ازالة التشبيه ورفع الشبهة # وقال أبو الحسن ( على بن إسماعيل الأشعرى ( المتكلم صاحب الطريقة ~~المنسوبة إليه في الكلام في كتابه الذى صنفه في ( اختلاف المصلين ومقالات ~~الاسلاميين ( وذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم # ثم قال ( مقالة اهل السنة وأصحاب الحديث ( جملة قول أصحاب الحديث وأهل ~~السنة الاقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله تعالى وما رواه ~~الثقات عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( لا يردون شيئا من ذلك وان الله ~~واحد أحد فرد صمد لا اله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وان محمدا عبده ~~ورسوله وان الجنة حق وان النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور وان الله على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ وان له يدين بلا كيف كما قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ وكما قال @QB@ بل ~~يداه مبسوطتان @QE@ وان له عينين بلا كيف كما قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ ~~وان له وجها كما قال @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ # وأن اسماء الله تعالى لا يقال انها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج ~~وأقروا ms1185 أن لله علما كما قال ( انزله بعلمه ( وكما قال @QB@ وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ PageV05P090 وأثبتوا له السمع والبصر ولم ~~ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله القوة كما قال @QB@ أولم ~~يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ وذكر مذهبهم في القدر إلى أن ~~قال ويقولون أن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في اللفظ والوقف من قال ~~باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير ~~مخلوق ويقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر ~~يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون قال عز وجل @QB@ ~~كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون @QE@ وذكر قولهم في الاسلام والايمان ~~والحوض والشفاعة وأشياء إلى أن قال # ويقرون بأن الايمان قول وعمل يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا يشهدون على ~~أحد من اهل الكبائر بالنار إلى أن قال # وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل ~~الجدل ويتنازعون فيه من دينهم ويسلمون الروايات الصحيحة كما جاءت به الآثار ~~الصحيحة التي جاءت بها الثقات عدل عن عدل حتى ينتهى ذلك إلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ( لا يقولون كيف ولا لم لأن ذلك بدعة عندهم إلى أن قال # ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا ~~صفا @QE@ PageV05P091 وان الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال @QB@ ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ إلى أن قال # ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار ~~والنظر في الآثار والنظر في الفقه مع الاستكانة والتواضع وحسن الخلق مع بذل ~~المعروف وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والشكاية وتفقد المآكل والمشارب ~~قال فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه وبكل ما ذكرنا من قولهم ~~نقول واليه نذهب وما توفيقنا الا بالله وهو المستعان # وقال الأشعرى أيضا في ( اختلاف أهل القبلة في العرش ( فقال قال أهل السنة ~~وأصحاب الحديث ان الله ليس ms1186 بجسم ولا يشبه الاشياء وأنه استوى على العرش كما ~~قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ولا نتقدم بين يدى الله في القول بل ~~نقول استوى بلا كيف وان له وجها كما قال @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام @QE@ وان له يدين كما قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ وأن له عينين كما ~~قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال ~~@QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ # وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئا الا ما ~~وجدوه PageV05P092 في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ( ( وقالت ~~المعتزلة ان الله استوى على العرش بمعنى استولى وذكر مقالات أخرى # وقال ايضا أبو الحسن الأشعرى في كتابه الذى سماه ( الابانة في أصول ~~الديانة ( وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند ~~من يطعن عليه فقال ### ||| فصل في ابانة قول أهل الحق والسنة # ( فان قال قائل قد انكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية ~~والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذى به تقولون وديانتكم التى بها تدينون # قيل له قولنا الذى نقول به وديانتنا التى ندين بها التمسك بكلام ربنا ~~وسنة نبينا وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون ~~وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته ~~واجزل مثوبته قائلون ولما خالف قوله مخالفون لأنه الامام الفاضل والرئيس ~~الكامل الذى أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به ~~بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من امام مقدم ~~وجليل معظم وكبير مفهم ( وجملة قولنا ( أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~وبما جاؤوا به من عند الله وبما رواه الثقات عن رسول الله ( ( لا نرد من ~~ذلك شيئا PageV05P093 وان الله واحد لا اله الا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ~~ولا ولدا وأن ( محمدا عبده ورسوله ( ارسله بالهدى ودين الحق ( ليظهره على ~~الدين كله ( وان الجنة حق والنار حق وان الساعة آتية وان الله ms1187 يبعث من في ~~القبور # وان الله مستو على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وان له ~~وجها كما قال @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وان له يدين بلا ~~كيف كما قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ وكما قال @QB@ بل يداه مبسوطتان ينفق كيف ~~يشاء @QE@ وان له عينين بلا كيف كما قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ وان من زعم ~~أن أسماء الله غيره كان ضالا وذكر نحوا مما ذكر في الفرق إلى أن قال # ونقول ان الاسلام اوسع من الايمان وليس كل اسلام ايمانا وندين بأن الله ~~يقلب القلوب بين اصبعين من اصابع الله عز وجل وأنه عز وجل يضع السماوات على ~~اصبع والارضين على اصبع كما جاءت الرواية الصحيحة عن رسول الله ( ( إلى أن ~~قال # ( وان الايمان ( قول وعمل يزيد وينقص ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول ~~الله ( ( التى رواها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهى إلى رسول الله ( ( إلى ~~أن قال ونصدق بجميع الروايات التى اثبتها أهل النقل من النزول إلى سماء ~~الدنيا وان الرب عز وجل يقول ( هل من سائل هل من مستغفر ( وسائر ما نقلوه ~~واثبتوه خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل PageV05P094 # ونعول فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا وسنة نبينا واجماع المسلمين وما ~~كان في معناه ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به ولا نقول على الله ~~ما لا نعلم # ونقول ان الله يجيء يوم القيامة كما قال @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا ~~@QE@ وان الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد @QE@ وكما قال @QB@ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى @QE@ # إلى أن قال وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقى مما لم نذكره بابا بابا # ثم تكلم على أن الله يرى واستدل على ذلك ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق ~~واستدل على ذلك ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال لا أقول انه مخلوق ولا ~~غير مخلوق ورد عليه ثم قال ### ||| 2 باب ذكر الاستواء على العرش ms1188 2 # فقال ان قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل له نقول ان الله مستو على ~~عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وقال تعالى @QB@ إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ وقال تعالى @QB@ بل رفعه الله إليه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ # وقال تعالى حكاية عن فرعون @QB@ يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا @QE@ PageV05P095 كذب ~~موسى في قوله ان الله فوق السماوات وقال تعالى @QB@ أأمنتم من في السماء أن ~~يخسف بكم الأرض @QE@ # فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السماوات قال @QB@ أأمنتم من في ~~السماء @QE@ لأنه مستو على العرش الذى هو فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء ~~فالعرش أعلى السماوات وليس اذا قال @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ يعنى ~~جميع السماوات وانما أراد العرش الذى هو أعلى السماوات ألا ترى ان الله عز ~~وجل ذكر السماوات فقال تعالى @QB@ وجعل القمر فيهن نورا @QE@ ولم يرد أن ~~القمر يملؤهن وأنه فيهن جميعا # ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم اذا دعوا نحو السماء لأن الله على ~~عرشه الذى هو فوق السماوات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا ايديهم نحو ~~العرش كما لا يحطونها اذا دعوا إلى الأرض # ثم قال ### ||| فصل # وقد قال القائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية أن معنى قوله @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ أنه استولى وقهر وملك وان الله عز وجل في كل ~~مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في PageV05P096 ~~الاستواء إلى القدرة فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض ~~السابعة لان الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش ~~وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو ~~عز وجل مستول على الاشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى ~~السماء وعلى الحشوش والاقذار لأنه قادر على الاشياء مستول عليها # واذا كان قادرا على الاشياء كلها ms1189 ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول ان ~~الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش ~~الاستيلاء الذى هو عام في الاشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص ~~العرش دون الاشياء كلها وذكر دلالات من القرآن والحديث والاجماع والعقل # ثم قال ### ||| 2 باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين 2 # وذكر الآيات في ذلك ورد على المتأولين لها بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع ~~لحكايته مثل قوله فان سئلنا أتقولون لله يدان قيل نقول ذلك وقد دل عليه ~~قوله تعالى @QB@ يد الله فوق أيديهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ لما خلقت بيدي ~~@QE@ وروى عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( ان الله مسح ظهر آدم ~~بيده فاستخرج منه ذريته وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده ( وقد جاء في ~~الخبر المذكور عن النبى ( ( أن الله خلق آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب ~~التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده PageV05P097 # وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة اهل الخطاب أن يقول القائل عملت كذا ~~بيدي ويريد بها النعمة وإذا كان الله انما خاطب العرب بلغتها وما يجرى ~~مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها وكان لا يجوز في خطاب أهل البيان أن ~~يقول القائل فعلت كذا بيدي ويعنى بها النعمة بطل أن يكون معنى قوله تعالى ( ~~بيدي ( النعمة # وذكر كلاما طويلا في تقرير هذا ونحوه # وقال القاضي أبو بكر ( محمد بن الطيب الباقلانى ( المتكلم وهو أفضل ~~المتكلمين المنتسبين إلى الاشعرى ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده قال في ( ~~كتاب الابانة ( تصنيفه فان قال قائل فما الدليل على أن لله وجها ويدا قيل ~~له قوله ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ( وقوله تعالى ( ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي ( فأثبت لنفسه وجها ويدا # فان قال فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة ان كنتم لا تعقلون وجها ويدا ~~الا جارحة # قلنا لا يجب هذا كما لا يجب اذا لم نعقل حيا عالما قادرا الا جسما أن ms1190 ~~نقضى نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه وتعالى وكما لا يجب في كل شيء كان ~~قائما بذاته أن يكون جوهرا لأنا واياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا الا ~~كذلك PageV05P098 وكذلك الجواب لهم ان قالوا يجب أن يكون علمه وحياته ~~وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضا واعتلوا بالوجود # وقال ( فان قال فهل تقولون انه في كل مكان ( # قيل له معاذ الله بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال @QB@ الرحمن ~~على العرش استوى @QE@ وقال الله تعالى @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه @QE@ وقال @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا ~~هي تمور @QE@ قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الانسان وفمه والحشوش ~~والمواضع التى يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الامكنة اذا خلق منها ما ~~لم يكن وينقص بنقصانها اذا بطل منها ما كان ولصح أن يرغب إليه إلى نحو ~~الأرض والى خلفنا والى يميننا والى شمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه ~~وتخطئة قائله # وقال أيضا في هذا الكتاب صفات ذاته التى لم يزل ولا يزال موصوفا بها هي ~~الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والارادة والبقاء والوجه ~~والعينان واليدان والغضب والرضا # وقال في ( كتاب التمهيد ( كلاما أكثر من هذا لكن ليست النسخة حاضرة عندى ~~وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في مثل هذا الباب كثير لمن يطلبه وان كنا ~~مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام PageV05P099 # ( وملاك الأمر ( أن يهب الله للعبد حكمة وايمانا بحيث يكون له عقل ودين ~~حتى يفهم ويدين ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء ولكن كثيرا من الناس ~~قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسنا للظن بهم دون غيرهم ومتوهما ~~انهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى ~~يؤتى بشيء من كلامهم # ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم فلو أنهم اخذوا بالهدى ~~الذى يجدونه في كلام اسلافهم لرجى لهم مع الصدق في ms1191 طلب الحق ان يزدادوا هدى ~~ومن كان لا يقبل الحق الا من طائفة معينة ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق ~~ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم @QB@ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل ~~الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم ~~قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين @QE@ # فان اليهود قالوا لا نؤمن الا بما انزل علينا قال الله تعالى لهم @QB@ ~~فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين @QE@ أي ان كنتم مؤمنين بما ~~أنزل عليكم يقول سبحانه وتعالى لا لما جاءتكم به انبياؤكم تتبعون ولا لما ~~جاءتكم به سائر الانبياء تتبعون ولكن انما تتبعون أهواءكم فهذا حال من لم ~~يقبل الحق لا من طائفته ولا من غيرها مع كونه يتعصب لطائفته بلا برهان من ~~الله ولا بيان # وكذلك قال ( أبو المعالى الجوينى ( في كتابه ( الرسالة النظامية ( اختلف ~~مسالك العلماء في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آى ~~PageV05P100 الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن ~~التأويل واجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب فقال والذى ~~نرتضيه رأيا وندين الله به عقيدة اتباع سلف الأمة والدليل السمعى القاطع في ~~ذلك إجماع الأمة وهو حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة وقد درج صحب رسول ~~الله ( ( على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الاسلام ~~والمستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة ~~والتواصى بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فلو كان تأويل هذه ~~الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع ~~الشريعة واذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الاضراب عن التأويل كان ذلك هو ~~الوجه المتبع فحق على ذى الدين أن يعتقد تنزه البارى عن صفات المحدثين ولا ~~يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى فليجر آية الاستواء ~~والمجيء وقوله @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام @QE@ وقوله @QB@ تجري ms1192 بأعيننا @QE@ وما صح من اخبار الرسول كخبر ~~النزول وغيره على ما ذكرناه # قلت وليعلم السائل أن الغرض ( من هذا الجواب ( ذكر ألفاظ بعض الأئمة ~~الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب وليس كل من ذكرنا شيئا من قوله من ~~المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره ولكن الحق يقبل ~~من كل من تكلم به وكان معاذ بن جبل يقول في كلامه PageV05P101 المشهور عنه ~~الذى رواه أبو داود في سننه أقبلوا الحق من كل من جاء به وان كان كافرا أو ~~قال فاجرا واحذروا زيغة الحكيم قالوا كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق ~~قال ان على الحق نورا أو قال كلاما هذا معناه # فأما تقرير ذلك بالدليل واماطة ما يعرض من الشبه وتحقيق الأمر على وجه ~~يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين ويقف على مواقف آراء العباد في هذه ~~المهامه فما تتسع له هذه الفتوى وقد كتبت شيئا من ذلك قبل هذا وخاطبت ببعض ~~ذلك بعض من يجالسنا وربما اكتب ان شاء الله في ذلك ما يحصل به المقصود # وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن ~~تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق واعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه ~~والالحاد في اسماء الله وآياته # ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبتة مثل ان يقول ~~القائل ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله ~~@QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ وقوله ( ( اذ قام أحدكم إلى الصلاة فان ~~الله قبل وجهه ( ونحو ذلك فان هذا غلط PageV05P102 وذلك أن الله معنا حقيقة ~~وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه وتعالى @QB@ هو ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في ~~الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما ~~كنتم والله بما تعملون بصير @QE@ فأخبر أنه فوق ms1193 العرش يعلم كل شيء وهو معنا ~~أينما كنا كما قال النبى ( ( في حديث الأوعال ( والله فوق العرش وهو يعلم ~~ما أنتم عليه ( # وذلك أن كلمة ( مع ( في اللغة اذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة الا ~~المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال فاذا قيدت ~~بمعنى من المعانى دلت على المقارنة في ذلك المعنى فانه يقال ما زلنا نسير ~~والقمر معنا أو والنجم معنا ويقال هذا المتاع معى لمجاعته لك وان كان فوق ~~رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة # ثم هذه ( المعية ( تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال @QB@ يعلم ما يلج ~~في الأرض وما يخرج منها @QE@ إلى قوله @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ دل ~~ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم ~~ومهيمن عالم بكم وهذا معنى قول السلف أنه معهم بعلمه وهذا ظاهر الخطاب ~~وحقيقته PageV05P103 وكذلك في قوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم @QE@ إلى قوله @QB@ هو معهم أين ما كانوا @QE@ الآية # ولما قال النبى ( ( لصاحبه في الغار @QB@ لا تحزن إن الله معنا @QE@ كان ~~هذا أيضا حقا على ظاهره ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع ~~والنصر والتأييد # وكذلك قوله تعالى @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ ~~وكذلك قوله لموسى وهارون @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ هنا المعية على ~~ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد # وقد يدخل على صبى من يخيفه فيبكى فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول لا ~~تخف أنا معك أو أنا هنا أو أنا حاضر ونحو ذلك ينبهه على المعية الموجبة ~~بحكم الحال دفع المكروه ففرق بين معنى المعية وبين مقتضاها وربما صار ~~مقتضاها من معناها فيختلف باختلاف # المواضع فلفظ ( المعية ( قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضى في ~~كل موضع أمورا لا يقتضيها في الموضع الآخر فاما ان تختلف دلالتها بحسب ~~المواضع أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها وان امتاز كل موضع ms1194 بخاصية ~~فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق حتى ~~يقال قد صرفت عن ظاهرها PageV05P104 # ونظيرها من بعض الوجوه ( الربوبية والعبودية ( فانهما وان اشتركتا في أصل ~~الربوبية والعبودية فلما قال @QB@ برب العالمين رب موسى وهارون @QE@ كانت ~~ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق فان من ~~أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره فقد ربه ورباه ربوبية وتربية أكمل ~~من غيره وكذلك قوله @QB@ عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا @QE@ و ~~@QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ # فان العبد تارة يعنى به المعبد فيعم الخلق كما في قوله @QB@ إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا @QE@ وتارة يعنى به العابد فيخص ثم ~~يختلفون فمن كان أعبد علما وحالا كانت عبوديته أكمل فكانت الاضافة في حقه ~~أكمل مع أنها حقيقة في جميع المواضع # ومثل هذه الالفاظ يسميها بعض الناس ( مشككة ( لتشكك المستمع فيها هل هي ~~من قبيل الاسماء المتواطئة أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط والمحققون ~~يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة اذ واضع اللغة انما وضع اللفظ ~~بازاء القدر المشترك وان كانت نوعا مختصا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها ~~بلفظ # ومن علم أن ( المعية ( تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات كإضافة ~~PageV05P105 الربوبية مثلا وأن الاستواء على الشيء ليس الا للعرش وأن الله ~~يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط لا حقيقة ~~ولا مجازا علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف # ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو ~~كاذب ان نقله عن غيره وضال ان اعتقده في ربه وما سمعنا أحدا يفهم هذا من ~~اللفظ ولا رأينا أحدا نقله عن واحد ولو سئل سائر المسلمين هل تفهمون من قول ~~الله ورسوله ( ان الله في السماء ( ان السماء تحويه لبادر كل أحد منهم إلى ~~أن يقول هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا واذا كان الأمر هكذا فمن ms1195 التكلف أن ~~يجعل ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس منه ثم يريد أن يتأوله بل عند ~~الناس ( ان الله في السماء ( وهو على العرش ( واحد اذ السماء انما يراد به ~~العلو فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل وقد علم المسلمون أن كرسيه ~~سبحانه وتعالى وسع السماوات والأرض وان الكرسى في العرش كحلقة ملقاة بأرض ~~فلاة وان العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته فكيف ~~يتوهم بعد هذا أن خلقا يحصره ويحويه وقد قال سبحانه @QB@ ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل @QE@ وقال @QB@ فسيروا في الأرض @QE@ بمعنى ( على ( ونحو ذلك وهو ~~كلام عربى حقيقة لا مجازا وهذا يعلمه من عرف حقائق معانى الحروف وانها ~~متواطئة في الغالب لا مشتركة PageV05P106 # وكذلك قوله ( ( اذا قام أحدكم إلى الصلاة فان الله قبل وجهه فلا يبصق قبل ~~وجهه ( الحديث حق على ظاهره وهو سبحانه فوق العرش وهو قبل وجه المصلى بل ~~هذا الوصف يثبت للمخلوقات # فان الانسان لو أنه يناجى السماء أو يناجى الشمس والقمر لكانت السماء ~~والشمس والقمر فوقه وكانت أيضا قبل وجهه # وقد ضرب النبى ( صلى الله عليه وسلم ( المثل بذلك ولله المثل الأعلى ولكن ~~المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وامكانه لا تشبيه الخالق بالمخلوق فقال ~~النبى ( ( ما منكم من أحد الا سيرى ربه مخليا به ( فقال له أبو رزين ~~العقيلى كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع فقال النبى ( ( سأنبئك بمثل ~~ذلك في آلاء الله هذا القمر كلكم يراه مخليا به وهو آية من آيات الله فالله ~~أكبر ( أو كما قال النبى ( ( وقال ( انكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ~~( فشبه الرؤية بالرؤية وان لم يكن المرئى مشابها للمرئى فالمؤمنون اذا رأوا ~~ربهم يوم القيامة وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر ولا ~~منافاة أصلا # ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله يكون اقراره ~~للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد PageV05P107 وأعلم ان من المتأخرين من ~~يقول مذهب السلف ms1196 اقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد وهذا ~~اللفظ ( مجمل ( فان قوله ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت ~~المخلوقين وصفات المحدثين مثل أن يراد بكون ( الله قبل وجه المصلى ( أنه ~~مستقر في الحائط الذى يصلى إليه وان ( الله معنا ( ظاهره أنه إلى جانبنا ~~ونحو ذلك فلا شك أن هذا غير مراد # ومن قال أن مذهب السلف ان هذا غير مراد فقد اصاب في المعنى لكن أخطأ ~~باطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والاحاديث فان هذا المحال ليس هو الظاهر ~~على ما قد بيناه في غير هذا الموضع اللهم الا أن يكون هذا المعنى الممتنع ~~صار يظهر لبعض الناس فيكون القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار معذورا في هذا ~~الاطلاق # فان الظهور والبطون قد يختلف باختلاف احوال الناس وهو من الامور النسبية ~~وكان أحسن من هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر ان هذا ليس هو الظاهر ~~حتى يكون قد اعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظا ومعنى # وان كان الناقل عن السلف اراد بقوله الظاهر غير مراد عندهم ان المعانى ~~التى تظهر من هذه الآيات والاحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته ولا يختص ~~بصفة المخلوقين بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازا ذهنيا أو جوازا خارجيا ~~PageV05P108 غير مراد فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف أو تعمد الكذب فما ~~يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل لا نصا ولا ظاهرا أنهم كانوا ~~يعتقدون أن الله ليس فوق العرش ولا ان الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد ~~حقيقة # وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف ويقولون ان طريقة أهل ~~التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف بمعنى أن الفريقين اتفقوا على أن هذه ~~الآيات والاحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه وتعالى ولكن السلف امسكوا عن ~~تأويلها والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إلى ذلك ويقولون ~~الفرق بين الطريقين أن هؤلاء قد يعينون المراد ms1197 بالتأويل وأولئك لا يعينون ~~لجواز أن يراد غيره # وهذا القول على الاطلاق كذب صريح على السلف اما في كثير من الصفات فقطعا ~~مثل أن الله تعالى فوق العرش فان من تأمل كلام السلف المنقول عنهم الذى لم ~~يحك هنا عشره علم بالاضطرار ان القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش ~~حقيقة وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات ~~بمثل ذلك # والله يعلم انى بعد البحث التام ومطالعة ما امكن من كلام السلف ما رأيت ~~كلام أحد منهم يدل لا نصا ولا ظاهرا ولا بالقرائن على نفى الصفات الخبرية ~~PageV05P109 في نفس الأمر بل الذى رأيته ان كثيرا من كلامهم يدل اما نصا ~~واما ظاهرا على تقرير جنس هذه الصفات ولا أنقل عن كل واحد منهم اثبات كل ~~صفة بل الذى رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة وما رأيت أحدا منهم نفاها # وانما ينفون التشبيه وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه مع ~~انكارهم على من ينفى الصفات ايضا كقول نعيم بن حماد الخزاعى شيخ البخارى من ~~شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف ~~الله به نفسه ولا رسوله تشبيها # وكانوا اذا رأوا الرجل قد اغرق في نفى التشبيه من غير اثبات الصفات قالوا ~~هذا جهمى معطل وهذا كثير جدا في كلامهم فان الجهمية والمعتزلة إلى اليوم ~~يسمون من أثبت شيئا من الصفات مشبها كذبا منهم وافتراء حتى ان منهم من غلا ~~ورمى الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك حتى قال ثمامة بن الاشرس من ~~رؤساء الجهمية ثلاثة من الانبياء مشبهة موسى حيث قال @QB@ إن هي إلا فتنتك ~~@QE@ وعيسى حيث قال @QB@ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك @QE@ ومحمد ( ~~( حيث قال ( ينزل ربنا ( وحتى ان جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة مثل مالك ~~وأصحابه والثورى وأصحابه والاوزاعى وأصحابه والشافعى واصحابه وأحمد وأصحابه ~~واسحاق بن راهوية وأبى عبيد وغيرهم في قسم المشبهة PageV05P110 # وقد صنف أبو ms1198 إسحاق ( إبراهيم بن عثمان بن درباس ( الشافعى جزءا سماه ( ~~تنزيه أئمة الشريعة عن الالقاب الشنيعة ( ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في ~~معانى هذا الباب وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب ( اهل السنة ( بلقب ~~افتراه يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد كما أن المشركين كانوا يلقبون النبى ~~بألقاب افتروها # فالروافض تسميهم نواصب والقدرية يسمونهم مجبرة والمرجئة تسميهم شكاكا ~~والجهمية تسميهم مشبهة وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت وغثاء وغثرا إلى ~~أمثال ذلك كما كانت قريش تسمى النبى ( ( تارة مجنونا وتارة شاعرا وتارة ~~كاهنا وتارة مفتريا قالوا فهذه علامة الارث الصحيح والمتابعة التامة فان ~~السنة هي ما كان عليه رسول الله ( ( واصحابه اعتقادا واقتصادا وقولا وعملا ~~فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة وان اعتقدوا صدقها ~~بناء على عقيدتهم الفاسدة فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس ~~به في المحيا والممات باطنا وظاهرا # وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن اقامة الظواهر والذين وافقوه ~~بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن والذين وافقوه ظاهرا وباطنا بحسب الامكان ~~فلابد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به PageV05P111 ~~ويسمونهم بأسماء مكذوبة وان اعتقدوا صدقها كقول الرافضى من لم يبغض أبا بكر ~~رضى الله عنه وعمر فقد أبغض عليا لأنه لا ولاية لعلى الا بالبراءة منهما ثم ~~يجعل من احب أبا بكر وعمر ناصبيا بناء على هذه الملازمة الباطلة التى ~~اعتقدها صحيحة أو عاند فيها وهو الغالب # وكقول القدرى من اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد فقد سلب ~~من العباد الاختيار والقدرة وجعلهم مجبورين كالجمادات التى لا ارادة لها ~~ولا قدرة # وكقول الجهمى من قال أن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور وأنه جسم مركب ~~محدود وأنه مشابه لخلقه # وكقول الجهمية المعتزلة من قال أن لله علما وقدرة فقد زعم أنه جسم مركب ~~وأنه مشبه لأن هذه الصفات اعراض والعرض لا يقوم الا بجوهر متحيز وكل متحيز ~~جسم مركب أو جوهر فرد ومن قال ذلك فهو مشبه لأن الأجسام متماثلة ms1199 # ومن حكى عن الناس ( المقالات ( وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة بناء على ~~عقيدته التى هم مخالفون له فيها فهو وربه والله من ورائه بالمرصاد ولا يحيق ~~المكر السيئ الا بأهله PageV05P112 # وجماع الأمر أن الاقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ( ستة أقسام ( ~~كل قسم عليه طائفة من اهل القبلة # ( قسمان ( يقولان تجرى على ظواهرها و # ( قسمان ( يقولان هي على خلاف ظاهرها # و ( قسمان ( يسكتون # أما الأولون فقسمان # ( أحدهما ( من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين ~~فهؤلاء المشبهة ومذهبهم باطل أنكره السلف واليهم يتوجه الرد بالحق # ( الثانى ( من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يجرى ظاهر اسم ~~العليم والقدير والرب والاله والموجود والذات ونحو ذلك على ظاهرها اللائق ~~بجلال الله فان ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق اما جوهر محدث واما عرض ~~قائم به # فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك في حق ~~العبد اعراض والوجه واليد والعين في حقه أجسام فاذا كان PageV05P113 الله ~~موصوفا عند عامة أهل الاثبات بأن له علما وقدرة وكلاما ومشيئة وان لم يكن ~~ذلك عرضا يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين جاز أن يكون وجه الله ويداه ~~صفات ليست أجساما يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين # وهذا هو المذهب الذى حكاه الخطابى وغيره عن السلف وعليه يدل كلام جمهورهم ~~وكلام الباقين لا يخالفه وهو أمر واضح فان الصفات كالذات فكما أن ذات الله ~~ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن ~~تكون من جنس صفات المخلوقات # فمن قال لا أعقل علما ويدا الا من جنس العلم واليد المعهودين قيل له فكيف ~~تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ~~ذاته وتلائم حقيقته فمن لم يفهم من صفات الرب الذى ليس كمثله شيء الا ما ~~يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه # وما أحسن ما قال بعضهم إذا قال لك الجهمى كيف استوى أو كيف ينزل إلى سماء ms1200 ~~الدنيا أو كيف يداه ونحو ذلك فقل له كيف هو في ذاته فاذا قال لك لا يعلم ما ~~هو الا هو وكنه البارى تعالى غير معلوم للبشر فقل له فالعلم بكيفية الصفة ~~مستلزم للعلم بكيفية الموصوف فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف ~~PageV05P114 لم تعلم كيفيته وانما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على ~~الوجه الذى ينبغى لك # بل هذه ( المخلوقات في الجنة ( قد ثبت عن بن عباس أنه قال ليس في الدنيا ~~مما في الجنة الا الأسماء وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفى لهم ~~من قرة أعين وأخبر النبى ( ( أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر فاذا كان نعيم الجنة وهو خلق من خلق الله كذلك فما ظنك ~~بالخالق سبحانه وتعالى # وهذه ( الروح ( التى في بنى آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وامساك ~~النصوص عن بيان كيفيتها افلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله ~~تعالى مع أنا نقطع بأن الروح في البدن وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء ~~وانها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة لا نغالى في تجريدها ~~غلو المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول والاتصال بالبدن ~~والانفصال عنه وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته فعدم ~~مماثلتها للبدن لا ينفى أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها الا أن يفسروا ~~كلامهم بما يوافق النصوص فيكونون قد أخطئوا في اللفظ وانى لهم بذلك # ولا نقول انها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلا أو صفة من ~~PageV05P115 صفات البدن والحياة وانها مختلفة الاجساد ومساوية لسائر ~~الاجساد في الحد والحقيقة كما يقول طوائف من اهل الكلام بل نتيقن أن الروح ~~عين موجودة غير البدن وانها ليست مماثلة له وهى موصوفة بما نطقت به النصوص ~~حقيقة لا مجازا فاذا كان مذهبنا في حقيقة ( الروح ( وصفاتها بين المعطلة ~~والممثلة فكيف الظن بصفات رب العالمين # وأما ( القسمان ( اللذان ينفيان ظاهرها ms1201 أعنى الذين يقولون ليس لها في ~~الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط وان الله لا صفة له ثبوتية بل صفاته اما ~~سلبية واما اضافية واما مركبة منهما أو يثبتون بعض الصفات وهى الصفات ~~السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر أو يثبتون الأحوال دون الصفات ويقرون من ~~الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين ~~فهؤلاء قسمان # ( قسم ( يتأولونها ويعينون المراد مثل قولهم استوى بمعنى استولى أو بمعنى ~~علو المكانة والقدر أو بمعنى ظهور نوره للعرش أو بمعنى انتهاء الخلق إليه ~~إلى غير ذلك من معانى المتكلمين # ( وقسم ( يقولون الله أعلم بما أراد بها لكنا نعلم أنه لم يرد اثبات صفة ~~خارجية عما علمناه # وأما ( القسمان ( الواقفان PageV05P116 فقوم يقولون يجوز أن يكون ظاهرها ~~المراد اللائق بجلال الله ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك وهذه ~~طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم # وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث ~~معرضين بقلوبهم والسنتهم عن هذه التقديرات فهذه ( الأقسام الستة ( لا يمكن ~~أن يخرج الرجل عن قسم منها # والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة ~~كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله سبحانه وتعالى فوق عرشه ويعلم طريقة ~~الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والاجماع على ذلك دلالة لا ~~تحتمل النقيض وفى بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض وتردد ~~المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والايمان ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور # ومن اشتبه عليه ذلك أو غيره فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضى ~~الله عنها قالت كان رسول الله ( ( اذا قام يصلى من الليل قال ( اللهم رب ~~جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون أهدنى لما اختلف فيه من الحق باذنك ~~انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ( وفى رواية لأبى داود أنه كان ms1202 يكبر في ~~صلاته ثم يقول ذلك PageV05P117 فاذا افتقر العبد إلى الله ودعاه وأدمن ~~النظر في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ~~انفتح له طريق الهدى # ثم ان كان قد خبر نهايات اقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب وعرف ~~ان غالب ما يزعمونه برهانا هو شبهة ورأى ان غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى ~~لا حقيقة لها أو شبهة مركبة من قياس فاسد أو قضية كلية لا تصح الا جزئية أو ~~دعوى اجماع لا حقيقة له أو التمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة # ثم ان ذلك اذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم أو همت ~~الغر ما يوهمه السراب للعطشان ازداد ايمانا وعلما بما جاء به الكتاب والسنة ~~فان ( الضد يظهر حسنه الضد ( وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيما ~~وبقدره اعرف اذا هدى إليه # فأما المتوسطون من المتكلمين فيخاف عليهم ما لا يخاف على من لم يدخل فيه ~~وعلى من قد أنهاه نهايته فان من لم يدخل فيه فهو في عافية ومن أنهاه فقد ~~عرف الغاية فما بقى يخاف من شيء آخر فاذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قبله ~~وأما المتوسط فيتوهم بما يتلقاه من المقالات المأخوذة تقليدا لمعظمة هؤلاء # وقد قال بعض الناس أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم ونصف PageV05P118 متفقه ~~ونصف متطبب ونصف نحوى هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان وهذا يفسد ~~الأبدان وهذا يفسد اللسان # ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب ( في قول مختلف يؤفك ~~عنه من أفك ( يعلم الذكى منهم والعاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة وان ~~حجته ليست ببينة وانما هي كما قيل فيها # حجج تهافت كالزجاج تخالها %~% حقا وكل كاسر مكسور # ويعلم العليم البصير بهم أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعى رضى الله ~~عنه حيث قال حكمى في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في ~~القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من اعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على ms1203 ~~الكلام # ومن وجه آخر اذا نظرت اليهم بعين القدر والحيرة مستولية عليهم والشيطان ~~مستحوذ عليهم رحمتهم وترفقت بهم اوتوا ذكاء وما اوتوا ذكاءا وأعطوا فهوما ~~وما أعطوا علوما وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة ( فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء اذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزءون ( # ومن كان عليما بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم ~~PageV05P119 حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم وعلم أن من ~~ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله الا بعدا فنسأل الله ~~العظيم ان يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين آمين # والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين وآله وصحبه ~~أجمعين PageV05P120 ### || 1 ( رسالة في العلو والاستواء ) 1 ### |||| سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه # عن ( علو الله تعالى واستوائه على عرشه ( ### ||||| فأجاب # قد وصف الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ( بالعلو ~~والاستواء على العرش والفوقية ( في كتابه في آيات كثيرة حتى قال بعض أكابر ~~أصحاب الشافعى في القرآن ( ألف دليل ( أو أزيد تدل على ان الله تعالى عال ~~على الخلق وأنه فوق عباده # وقال غيره فيه ( ثلاثمائة ( دليل تدل على ذلك مثل قوله @QB@ إن الذين عند ~~ربك @QE@ @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن عنده @QE@ فلو كان المراد بأن ~~معنى عنده في قدرته كما يقول الجهمى لكان الخلق كلهم عنده فانهم كلهم في ~~قدرته ومشيئته ولم يكن فرق بين من في السماوات ومن في الأرض ومن عنده # كما أن الاستواء على العرش لو كان المراد به الاستيلاء عليه لكان مستويا ~~على جميع المخلوقات ولكان مستويا على العرش قبل أن يخلقه دائما والاستواء ~~PageV05P121 مختص بالعرش بعد خلق السماوات والأرض كما أخبر بذلك في كتابه ~~فدل على أنه تارة كان مستويا عليه وتارة لم يكن مستويا عليه ولهذا كان ~~العلو من الصفات المعلومة بالسمع مع العقل والشرع عند الأئمة المثبتة واما ~~الاستواء على العرش ms1204 فمن الصفات المعلومة بالسمع فقط دون العقل # والمقصود أنه تعالى وصف نفسه بالمعية وبالقرب و ( المعية ( معيتان عامة ~~وخاصة فالأولى قوله تعالى @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ والثانية قوله ~~تعالى @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ إلى غير ذلك من ~~الآيات وأما ( القرب ( فهو كقوله @QB@ فإني قريب @QE@ وقوله @QB@ ونحن أقرب ~~إليه منكم @QE@ # وافترق الناس في هذا المقام ( أربع فرق ( # ( فالجهمية ( النفاة الذين يقولون لا هو داخل العالم ولا خارج العالم ولا ~~فوق ولا تحت لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته بل الجميع عندهم متأول أو مفوض ~~وجميع اهل البدع قد يتمسكون بنصوص كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة ~~وغيرهم الا الجهمية فانه ليس معهم عن الانبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه ~~من النفى # ولهذا قال بن المبارك ويوسف بن اسباط ( الجهمية ( خارجون عن PageV05P122 ~~الثلاث وسبعين فرقة وهذا أعدل الوجهين لأصحاب أحمد ذكرهما أبو عبد الله بن ~~حامد وغيره # ( وقسم ثان ( يقولون انه بذاته في كل مكان كما يقول ذلك النجارية وكثير ~~من الجهمية عبادهم وصوفيتهم وعوامهم ويقولون انه عين وجود المخلوقات كما ~~يقوله ( اهل الوحدة ( القائلون بأن الوجود واحد ومن يكون قوله مركبا من ~~الحلول والاتحاد # وهم يحتجون بنصوص ( المعية ( و ( القرب ( ويتأولون نصوص العلو والاستواء ~~وكل نص يحتجون به حجة عليهم فان ( المعية ( أكثرها خاصة بأنبيائه واوليائه ~~وعندهم أنه في كل مكان وفى نصوصهم ما يبين نقيض قولهم فانه قال @QB@ سبح ~~لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ فكل من في السماوات ~~والأرض يسبح والمسبح غير المسبح وقال @QB@ له ملك السماوات والأرض @QE@ ~~فبين أن الملك له ثم قال @QB@ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء ~~عليم @QE@ وفى الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء الخ فاذا كان هو الأول كان ~~هناك ما يكون بعده واذا كان آخرا كان هناك ما الرب بعده واذا كان ظاهرا ليس ~~فوقه شيء كان هناك ما الرب ظاهر عليه واذا كان باطنا ليس دونه شيء كان هناك ~~أشياء نفى عنها أن تكون دونه PageV05P123 # ولهذا ms1205 قال بن عربى من أسمائه الحسنى ( العلى ( على من يكون عليا وما ثم ~~الا هو وعن ماذا يكون عليا وما هو الا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود ~~عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية هي لذاتها وليست الا هو # قال الخراز وهو وجه من وجوه الحق ولسان من السنته ينطق عن نفسه بأن الله ~~يعرف بجمعه بين الاضداد فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم ~~من تراه غيره وما ثم من يبطن عنه سواه فهو ظاهر لنفسه وهو باطن عن نفسه وهو ~~المسمى أبو سعيد الخراز أه # و ( المعية ( لا تدل على الممازجة والمخالطة وكذلك لفظ ( القرب ( فان عند ~~الحلولية أنه في حبل الوريد كما هو عندهم في سائر الاعيان وكل هذا كفر وجهل ~~بالقرآن # ( الثالث ( قول من يقول هو فوق العرش وهو في كل مكان ويقول أنا أقر بهذه ~~النصوص وهذه لا أصرف واحدا منها عن ظاهره وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعرى في ~~( المقالات الاسلامية ( وهو موجود في كلام طائفة من السالمية والصوفية ~~ويشبه هذا ما في كلام أبى طالب المكى وبن برجان وغيرهما مع ما في كلام ~~أكثرهم من التناقض # ولهذا كان أبو على الاهوازى الذى صنف مثالب بن أبى بشر ورد على أبى ~~القاسم بن عساكر هو من السالمية PageV05P124 وكذلك ذكر الخطيب البغدادى أن ~~جماعة أنكروا على أبى طالب بعض كلامه في الصفات # وهذا ( الصنف الثالث وان كان أقرب إلى التمسك بالنصوص وأبعد عن مخالفتها ~~من الصنفين الأولين فان الأول لم يتبع شيئا من النصوص بل خالفها كلها # و ( الثانى ( ترك النصوص الكثيرة المحكمة المبينة وتعلق بنصوص قليلة ~~اشتبهت عليه معانيها # وأما هذا الصنف فيقول أنا اتبعت النصوص كلها لكنه غالط أيضا فكل من قال ~~ان الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة واجماع سلف الأمة ~~وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده ولصريح المعقول وللأدلة ~~الكثيرة # وهؤلاء يقولون أقوالا متناقضة يقولون أنه فوق العرش ويقولون نصيب ms1206 العرش ~~منه كنصيب قلب العارف كما يذكر مثل ذلك أبو طالب وغيره ومعلوم أن قلب ~~العارف نصيبه منه المعرفة والايمان وما يتبع ذلك فان قالوا ان العرش كذلك ~~نقضوا قولهم أنه نفسه فوق العرش وان قالوا بحلوله بذاته في قلوب العارفين ~~كان ذلك قولا بالحلول الخاص PageV05P125 وقد وقع طائفة من الصوفية حتى صاحب ~~( منازل السائرين ( في توحيده المذكور في آخر المنازل في مثل هذا الحلول ~~ولهذا كان أئمة القوم يحذرون عن مثل # هذا سئل الجنيد عن التوحيد فقال هو افراد الحدوث عن القدم فبين أنه لابد ~~للموحد من التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق فلا يخلط أحدهما ~~بالآخر وهؤلاء يقولون في أهل المعرفة ما قالته النصارى في المسيح والشيعة ~~في أئمتها وكثير من الحلولية والاباحية ينكر على الجنيد وأمثاله من شيوخ ~~اهل المعرفة المتبعين للكتاب والسنة ما قالوه من نفى الحلول وما قالوه في ~~اثبات الامر والنهى ويرى أنهم لم يكملوا معرفة الحقيقة كما كملها هو ~~وأمثاله من الحلولية والاباحية ( # ( الرابع ( هم ( سلف الأمة وأئمتها ( أئمة اهل العلم والدين من شيوخ ~~العلم والعبادة فانهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من غير ~~تحريف للكلم عن مواضعه اثبتوا أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ~~وهم بائنون منه # وهو ايضا مع العباد عموما بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد ~~والكفاية وهو أيضا قريب مجيب ففى آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم # وكان النبى ( ( يقول ( اللهم أنت الصاحب في السفر PageV05P126 والخليفة ~~في الأهل ( فهو مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه ولا يلزم من هذا أن ~~تكون ذاته مختلطة بذواتهم كما قال @QB@ محمد رسول الله والذين معه @QE@ أى ~~على الايمان لا أن ذاته في ذاتهم بل هم مصاحبون له # وقوله @QB@ فأولئك مع المؤمنين @QE@ يدل على موافقتهم في الايمان ~~وموالاتهم فالله تعالى عالم بعباده وهو معهم اينما كانوا وعلمه بهم من ~~لوازم المعية كما قالت المرأة زوجى طويل النجاد عظيم الرماد قريب البيت من ~~الناد فهذا كله ms1207 حقيقة ومقصودها أن تعرف لوازم ذلك وهو طول القامة والكرم ~~بكثرة الطعام وقرب البيت من موضع الأضياف # وفى القرآن @QB@ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم ~~يكتبون @QE@ فانه يراد برؤيته وسمعه اثبات علمه بذلك وأنه يعلم هل ذلك خير ~~أو شر فيثيب على الحسنات ويعاقب على السيئات وكذلك اثبات القدرة على الخلق ~~كقوله @QB@ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء @QE@ وقوله @QB@ أم ~~حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون @QE@ والمراد التخويف ~~بتوابع السيئات ولوازمها من العقوبة والانتقام # وهكذا كثير مما يصف الرب نفسه بالعلم بأعمال العباد تحذيرا وتخويفا ورغبة ~~للنفوس في الخير ويصف نفسه بالقدرة والسمع والرؤية والكتاب فمدلول اللفظ ~~مراد منه وقد أريد أيضا لازم ذلك المعنى فقد أريد ما يدل PageV05P127 عليه ~~اللفظ في أصل اللغة بالمطابقة والالتزام فليس اللفظ مستعملا في اللازم فقط ~~بل أريد به مدلوله الملزوم وذلك حقيقة # وأما ( القرب ( فذكره تارة بصيغة المفرد كقوله @QB@ وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب @QE@ وفى الحديث ( اربعوا على أنفسكم ( إلى أن قال ( ان ~~الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ( # وتارة بصيغة الجمع كقوله @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ وهذا ~~مثل قوله @QB@ نتلوا عليك @QE@ @QB@ نقص عليك @QE@ و @QB@ علينا جمعه ~~وقرآنه @QE@ و @QB@ علينا بيانه @QE@ فالقراءة هنا حين يسمعه من جبريل ~~والبيان هنا بيانه لمن يبلغه القرآن # ومذهب سلف الأمة وأئمتها وخلفها أن النبى ( ( سمع القرآن من جبريل وجبريل ~~سمعه من الله عز وجل واما قوله نتلوا ونقص ونحوه فهذه الصيغة في كلام العرب ~~للواحد العظيم الذى له أعوان يطيعونه فاذا فعل أعوانه فعلا بأمره قال نحن ~~فعلنا كما يقول الملك نحن فتحنا هذا البلد وهو منا هذا الجيش ونحو ذلك # ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ الله يتوفى الأنفس @QE@ فانه سبحانه ~~يتوفاها برسله الذين مقدمهم ملك الموت كما قال @QB@ توفته رسلنا @QE@ @QB@ ~~قل يتوفاكم ملك الموت @QE@ وكذلك ذوات الملائكة تقرب من المحتضر وقوله @QB@ ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ PageV05P128 # فإنه سبحانه وتعالى هو ms1208 وملائكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد من حسنة ~~وسيئة والهم في النفس قبل العمل فقوله @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~@QE@ هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل ~~الوريد فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إلى بعضه من بعض ولهذا قال في تمام الآية ~~@QB@ إذ يتلقى المتلقيان @QE@ فقوله @QB@ إذ @QE@ ظرف فأخبر انهم اقرب إليه ~~من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان ما يقول فهذا كله خبر عن الملائكة وقوله ~~( فانى قريب ( وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ( هذا انما جاء في الدعاء ~~لم يذكر أنه قريب من العباد في كل حال وانما ذكر ذلك في بعض الأحوال كما في ~~الحديث ( اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ( ونحو ذلك # وقوله ( من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلى ذراعا تقربت ~~إليه باعا ومن أتانى يمشى أتيته هرولة ( فقرب الشيء من الشيء مستلزم لقرب ~~الآخر منه لكن قد يكون قرب الثانى هو اللازم من قرب الأول ويكون منه أيضا ~~قرب بنفسه # ( فالأول ( كمن تقرب إلى مكة أو حائط الكعبة فكلما قرب منه قرب الآخر منه ~~من غير أن يكون منه فعل PageV05P129 ( والثانى ( كقرب الانسان إلى من يتقرب ~~هو إليه كما تقدم في هذا الاثر ( الالهى ( فتقرب العبد إلى الله وتقريبه له ~~نطقت به نصوص متعددة مثل قوله @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب @QE@ ونحو ذلك فهذا قرب الرب نفسه إلى عبيده وهو مثل ~~نزوله إلى سماء الدنيا # وفى الحديث الصحيح ( ان الله تعالى يدنو عشية عرفة ويباهى الملائكة بأهل ~~عرفة ( فهذا القرب كله خاص في بعض الأحوال دون بعض وليس في الكتاب والسنة ~~قط قرب ذاته من جميع المخلوقات في كل حال فعلم بذلك بطلان قول الحلولية ~~فانهم عمدوا إلى الخاص المقيد فجعلوه عاما مطلقا كما جعل اخوانهم الاتحادية ~~ذلك في مثل قوله ( كنت سمعه ( وقوله ( فيأتيهم في صورة غير صورته ( وان ~~الله تعالى قال على لسان نبيه ms1209 ( سمع الله لمن حمده ( وكل هذه النصوص حجة ~~عليهم # فاذا تبين ذلك فالداعى والساجد يوجه روحه إلى الله تعالى والروح لها عروج ~~يناسبها فتقرب إلى الله بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب فيكون الله عز وجل ~~منها قريبا قربا يلزم من تقربها ويكون منه قرب آخر كقربه عشية عرفة وفى جوف ~~الليل والى من تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا والناس في آخر الليل يكون في ~~قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير PageV05P130 ذلك الوقت ~~وهذا مناسب لنزوله إلى سماء الدنيا وقوله ( هل من داع هل من سائل هل من ~~تائب # ثم ان هذا النزول هل هو كدنوه عشية عرفة لا يحصل لغير الحاج في سائر ~~البلاد اذ ليس بها وقوف مشروع ولا مباهات الملائكة وكما أن تفتيح أبواب ~~الجنة وتغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين اذا دخل شهر رمضان انما هو ~~للمسلمين الذين يصومون رمضان لا الكفار الذين لا يرون له حرمة وكذلك اطلاعه ~~يوم بدر وقوله لهم @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ كان مختصا بأولئك أم هو عام ~~فيه كلام ليس هذا موضعه والكلام في هذا القرب من جنس الكلام في نزوله كل ~~ليلة ودنوه عشية عرفة وتكليمه لموسى من الشجرة وقوله ( ان بورك من في النار ~~ومن حولها ( # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما قاله السلف في مثل ذلك مثل حماد بن زيد ~~واسحاق بن راهوية وغيرهما من أنه ينزل إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش ~~وبينا أن هذا هو الصواب وان كان طائفة ممن يدعى السنة يظن خلو العرش منه # وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن مندة في ذلك مصنفا وزيف قول من قال ~~ينزل ولا يخلو منه العرش وضعف ما قيل في ذلك عن أحمد بن حنبل PageV05P131 ~~في رسالته إلى مسدد وطعن في هذه الرسالة وقال انها مكذوبة على أحمد وتكلم ~~على راويها ( البردعى أحمد بن محمد ( وقال انه مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد # وطائفة تقف لا تقول يخلو ولا لا ms1210 يخلو وتنكر على من يقول ذلك منهم الحافظ ~~عبدالغنى المقدسى # وأما من يتوهم أن السماوات تنفرج ثم تلتحم فهذا من أعظم الجهل وان وقع ~~فيه طائفة من الرجال # والصواب قول ( السلف ( أنه ينزل ولا يخلو منه العرش وروح العبد في بدنه ~~لا تزال ليلا ونهارا إلى أن يموت ووقت النوم تعرج وقد تسجد تحت العرش وهى ~~لم تفارق جسده وكذلك أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد وروحه في بدنه وأحكام ~~الأرواح مخالف لأحكام الأبدان فكيف بالملائكة فكيف برب العالمين # والليل يختلف فيكون ثلث الليل بالمشرق قبل ثلثه بالمغرب ونزوله الذى أخبر ~~به رسوله إلى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم والى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم لا ~~يشغله شأن عن شأن وكذلك سبحانه لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل بل ~~هو سبحانه يكلم العباد يوم القيامة ويحاسبهم لا يشغله هذا عن هذا ~~PageV05P132 وقد قيل لابن عباس كيف يكلمهم يوم القيامة كلهم في ساعة واحدة ~~قال كما يرزقهم كلهم في ساعة واحدة والله سبحانه في الدنيا يسمع دعاء ~~الداعين ويجيب السائلين مع اختلاف اللغات وفنون الحاجات والواحد منا قد ~~يكون له قوة سمع يسمع كلام عدد كثير من المتكلمين كما أن بعض المقرئين يسمع ~~قراءة عدة لكن لا يكون الا عددا قليلا قريبا منه ويجد في نفسه قربا ودنوا ~~وميلا إلى بعض الناس الحاضرين والغائبين دون بعض ويجد تفاوت ذلك الدنو ~~والقرب # و ( الرب تعالى ( واسع عليم وسع سمعه الأصوات كلها وعطاؤه الحاجات كلها ~~ومن الناس من غلط فظن أن قربه من جنس حركة بدن الانسان اذا مال إلى جهة ~~انصرف عن الأخرى وهو يجد عمل روحه يخالف عمل بدنه فيجد نفسه تقرب من نفوس ~~كثيرين من الناس من غير أن ينصرف قربها إلى هذا عن قربها إلى هذا # و ( بالجملة ( فقرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه أمر معروف لا ~~يجهل فان القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الايمان والمعرفة والذكر ~~والخشية والتوكل وهذا متفق ms1211 عليه بين الناس كلهم بخلاف القرب PageV05P133 ~~الذى قبله فان هذا ينكره الجهمى الذى يقول ليس فوق السماوات رب يعبد ولا ~~اله يصلى له ويسجد وهذا كفر وفند # و ( الأول ( ينكره الكلابية ومن يقول لا تقوم الأمور الاختيارية به ومن ~~اتباع الأشعرى من اصحاب أحمد وغيره من يجعل الرضا والغضب والفرح والمحبة هي ~~الارادة وتارة يجعلونها صفات أخر قديمة غير الارادة # ثم قال بعد كلام طويل هذا يبين أن كل من أقر بالله فعنده من الايمان بحسب ~~ذلك ثم من لم تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده وهذا يبين ~~أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله وان اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم ~~وصفاته الا من كان منافقا يظهر الايمان بلسانه ويبطن الكفر بالرسول فهذا ~~ليس بمؤمن # وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقا فهو مؤمن له من الإيمان بحسب ما ~~أوتيه من ذلك وهو ممن يخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ~~ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم ولو كان ~~لا يدخل الجنة الا من يعرف الله كما يعرفه نبيه ( ( لم تدخل أمته الجنة ~~فانهم أو أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة بل يدخلون الجنة وتكون منازلهم ~~متفاضلة بحسب ايمانهم ومعرفتهم PageV05P134 واذا كان الرجل قد حصل له ايمان ~~يعبد الله به وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه الأول لم يحمل ما لا يطيق وان ~~يحصل له بذلك فتنة لم يحدث بحديث يكون له فيه فتنة # فهذا ( أصل عظيم ( في تعليم الناس ومخاطبتهم والخطاب العام بالنصوص التى ~~اشتركوا في سماعها كالقرآن والحديث المشهور وهم مختلفون في معنى ذلك والله ~~تعالى أعلم PageV05P135 ### || 1 ( فتيا في مسألة العلو ) 1 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله أيضا # عن ( علو الله على سائر مخلوقاته ( ### ||||| فأجاب # أما ( علو الله تعالى على سائر مخلوقاته ( وأنه كامل الأسماء ~~الحسنى والصفات العلى فالذى يدل عليه منها ( الكتاب ( قوله تعالى @QB@ إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ وقوله @QB@ إني متوفيك ms1212 ورافعك ~~إلي @QE@ وقوله @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ~~أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا @QE@ وقوله @QB@ بل رفعه الله ~~إليه @QE@ وقوله @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ وقوله @QB@ يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ وقوله @QB@ يخافون ربهم من ~~فوقهم @QE@ وقوله @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ في ستة مواضع وقوله ( ~~الرحمن على العرش استوى ( وقوله اخبارا عن فرعون وقال فرعون @QB@ يا هامان ~~ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى @QE@ ~~وقوله @QB@ تنزيل من حكيم حميد @QE@ وقوله @QB@ منزل من ربك بالحق @QE@ ~~وأمثال ذلك PageV05P136 # والذى يدل عليه من ( السنة ( قصة معراج الرسول إلى ربه ونزول الملائكة من ~~عند الله وصعودها إليه وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون في الليل والنهار ~~( فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم ( وفى حديث ~~الخوارج ( الا تأمنونى وأنا أمين من في السماء ( وفى حديث الرقية ( ربنا ~~الله الذى في السماء تقدس اسمك ( وفى حديث الأوعال ( والعرش فوق ذلك والله ~~فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه ( وفى حديث قبض الروح ( حتى يعرج بها إلى ~~السماء التى فيها الله ( # وفى ( سنن أبى داود ( عن جبير بن مطعم قال أتى رسول الله ( ( أعرابى فقال ~~يا رسول الله جهدت الانفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا فانا ~~نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فسبح رسول الله ( ( حتى عرف ذلك في ~~وجوه أصحابه وقال ( ويحك أتدرى ما الله ان الله لا يستشفع به على أحد من ~~خلقه شأن الله أعظم من ذلك ان الله على عرشه وان عرشه على سمواته وأرضه ~~كهكذا وقال بأصابعه مثل القبة ( # وفى الصحيح عن جابر بن عبد الله ان رسول الله ( ( لما خطب خطبة عظيمة يوم ~~عرفات في أعظم جمع حضره رسول الله ( ( جعل يقول ( الا هل بلغت ( فيقولون ~~نعم فيرفع اصبعه إلى السماء PageV05P137 وينكبها اليهم ويقول ( اللهم اشهد ~~( غير مرة وحديث الجارية لما سألها أين الله قالت في السماء فأمر ms1213 بعتقها ~~وعلل ذلك بايمانها وأمثاله كثيرة # وأما الذى يدل عليه من ( الاجماع ( ففى الصحيح عن أنس بن مالك رضى الله ~~عنه قال كانت زينب تفتخر على أزواج النبى ( ( تقول زوجكن أهاليكن وزوجنى ~~الله من فوق سبع سماواته وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن بن ~~المبارك أنه قيل له بم نعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من ~~خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية أنه ها هنا في الأرض وباسناد صحيح عن ~~سليمان بن حرب الامام سمعت حماد بن زيد وذكر الجهمية فقال انما يحاولون أن ~~يقولوا ليس في السماء شيء وروى بن أبى حاتم عن سعيد بن عامر الضبعى امام ~~أهل البصرة علما ودينا أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم أشر قولا من اليهود ~~والنصارى وقد اجتمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله تعالى على العرش ~~وقالوا هم ليس على العرش شيء وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة امام الأئمة من ~~لم يقل ان الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فان تاب ~~والا ضربت عنقه ثم ألقى على مزبلة لئلا يتأذى به اهل القبلة ولا أهل الذمة ~~PageV05P138 وروى ( الامام أحمد ( قال أنا شريح بن النعمان قال سمعت عبد ~~الله بن نافع الصائغ قال سمعت مالك بن أنس يقول الله في السماء وعلمه في كل ~~مكان لا يخلو من علمه مكان # وحكى الأوزاعى أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعى التابعين الذين هم مالك ~~امام أهل الحجاز والأوزاعى امام أهل الشام والليث امام أهل البصرة والثورى ~~امام أهل العراق حكى شهرة القول في زمن التابعين بالايمان بأن الله تعالى ~~فوق العرش وبصفاته السمعية وانما قاله بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق ~~عرشه النافى لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف خلافه # وروى الخلال بأسانيد كلهم أئمة عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة بن أبى ~~عبد الرحمن عن قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ كيف استوى قال ~~الاستواء غير مجهول والكيف ms1214 غير معقول ومن الله الرسالة ومن الرسول البلاغ ~~وعلينا التصديق # وهذا مروى عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبى عبد الرحمن أو نحوه وقال ~~الشافعى خلافة أبى بكر حق قضاه الله تعالى في سمائه وجمع عليه قلوب عباده # ولو يجمع ما قاله الشافعى في هذا الباب لكان فيه كفاية ومن أصحاب الشافعى ~~عبد العزيز بن يحيى الكنانى المكى له كتاب ( الرد على الجهمية ( وقرر فيه ~~PageV05P139 ( مسألة العلو ( وأن الله تعالى فوق عرشه والأئمة في الحديث ~~والفقه والسنة والتصوف المائلون إلى الشافعى ما من أحد منهم الا له كلام ~~فيما يتعلق بهذا الباب ما هو معروف يطول ذكره # وفى كتاب ( الفقه الأكبر ( المشهور عن ( أبى حنيفة ( يروونه بأسانيد عن ~~أبى مطيع ( الحكم بن عبد الله ( قال سألت أبا حنيفة عن ( الفقه الأكبر ( ~~فقال لا تكفرن أحدا بذنب إلى أن قال عمن قال لا أعرف ربى في السماء أم في ~~الأرض فقد كفر لأن الله يقول @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وعرشه فوق ~~سبع سماوات قلت فان قال أنه على العرش ولكن لا أدري العرش في السماء أم في ~~الأرض قال هو كافر وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل # وسئل على بن المدينى عن قوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~@QE@ الآية قال اقرأ ما قبله @QB@ ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض @QE@ الآية # وروى عن أبي عيسى الترمذى قال هو على العرش كما وصف في كتابه وعلمه ~~وقدرته وسلطانه في كل مكان # وأبو يوسف لما بلغه عن المريسي انه ينكر الصفات الخبرية وان الله فوق ~~عرشه أراد ضربه فهرب فضرب رفيقه ضربا بشعا وعن اصحاب ابى حنيفة في هذا ~~الباب ما لا يحصى PageV05P140 ونقل ايضا عن مالك انه نص على استتابه الدعاة ~~إلى ( مذهب جهم ( ونهى عن الصلاة خلفهم ومن اصحابه محمد بن عبد الله بن ابى ~~زمنين الامام المشهور قال في الكتاب الذى صنفه في ( اصول السنة ( ### ||| 2 باب الايمان بالعرش 2 # قال ms1215 ومن قول اهل السنة ان الله خلق العرش وخصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ~~ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء كما اخبر عن نفسه في قوله @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ إلى ان قال فسبحان من بعد فلا يرى وقرب بعلمه وقدرته # وأما أحمد بن حنبل واصحابه فهم اشهر في هذا الباب وبه ائتم أبو الحسن على ~~بن إسماعيل الأشعرى المتكلم صاحب الطريقة المنسوبة إليه قال ( ### ||| فصل في إبانة قول اهل الحق والسنة # فان قال قائل قد انكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية ~~والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذى تقولون وديانتكم التى بها تدينون قيل ~~له قولنا الذى نقول به وديانتنا التى بها ندين الله التمسك بكتاب ربنا وسنة ~~نبينا محمد وما روى عن الصحابة والتابعين وائمة الحديث ونحن بذلك معتصمون ~~وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته واجزل ~~مثوبته قائلون ولما خالف قوله مخالفون لأنه الامام PageV05P141 الفاضل ~~والرئيس الكامل الذى ابان الله به الحق عند ظهور الضلال واوضح به المنهاج ~~وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام ~~مقدم وجليل معظم وكبير مفهم # وجملة قولنا بأنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاؤوا به من عند ~~الله وبما رواه الثقات عن رسول الله لا نرد من ذلك شيئا وان الله واحد لا ~~اله الا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وان محمدا عبده ورسوله ارسله ~~بالهدى ودين الحق وان الجنة حق وان الساعة آتية لاريب فيها وان الله يبعث ~~من في القبور وان الله مستو على عرشه كما قال ( الرحمن على العرش استوى ) ~~ونعود فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين إلى ان ~~قال ( ### ||| 2 باب ذكر الاستواء على العرش 2 # إلى ان قال فان قال قائل فما تقولون في الاستواء قيل له ان الله مستو على ~~عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ PageV05P142 ### ||| فصل # وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية ان معنى ms1216 قوله ( الرحمن ~~على العرش استوى ( أنه استولى وملك وقهر وأنه في كل مكان وجحدوا أن يكون ~~على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا بالاستواء إلى القدرة فلو كان هذا كما ~~ذكروا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله قادر على كل شيء # إلى أن قال وأكثر في هذا وقد اتفق الأئمة جميعهم من المشرق والمغرب على ~~الايمان بالقرآن والأحاديث التى جاء بها الثقات عن رسول الله ( ( في صفة ~~الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد ~~خرج عما كان عليه النبى ( ( وفارق الجماعة فانهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن ~~أقروا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة ~~فانه وصفه بصفة لا شيء PageV05P143 ### ||| فصل # والمبطل لتأويل من تأول استوى بمعنى استولى وجوه # ( أحدها ( أن هذا التفسير لم يفسره أحد من السلف من سائر المسلمين من ~~الصحابة والتابعين فانه لم يفسره أحد في الكتب الصحيحة عنهم بل أول من قال ~~ذلك بعض الجهمية والمعتزلة كما ذكره أبو الحسن الأشعرى في كتاب ( المقالات ~~( وكتاب ( الابانة ( # ( الثانى ( أن معنى هذه الكلمة مشهور ولهذا لما سئل ربيعة بن أبى عبد ~~الرحمن ومالك بن أنس عن قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ قالا ~~الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة ولا يريد ~~أن الاستواء معلوم في اللغة دون الآية لأن السؤال عن الاستواء في الآية كما ~~يستوى الناس # ( الثالث ( أنه اذا كان معلوما في اللغة التى نزل بها القرآن كان معلوما ~~في القرآن PageV05P144 # ( الرابع ( أنه لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلوما لم يحتج أن يقول ~~الكيف مجهول لأن نفى العلم بالكيف لا ينفى الا ما قد علم أصله كما نقول انا ~~نقر بالله ونؤمن به ولا نعلم كيف هو # ( الخامس ( الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك هو عام ~~في المخلوقات كالربوبية والعرش وان كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه ~~لا تنفى ms1217 نسبتها إلى غيره كما في قوله @QB@ قل من رب السماوات السبع ورب ~~العرش العظيم @QE@ وكما في دعاء الكرب فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو ~~عام في الموجودات كلها لجاز مع اضافته إلى العرش أن يقال استوى على السماء ~~وعلى الهوى والبحار والأرض وعليها ودونها ونحوها اذ هو مستو على العرش فلما ~~اتفق المسلمون على أنه يقال استوى على العرش ولا يقال استوى على هذه ~~الاشياء مع أنه يقال استولى على العرش والاشياء علم أن معنى استوى خاص ~~بالعرش ليس عاما كعموم الاشياء # ( السادس ( أنه أخبر بخلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش وأخبر أن عرشه كان على الماء قبل خلقها وثبت ذلك في صحيح البخارى عن ~~عمران بن حصين عن النبى ( ( قال ( كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على ~~الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض ( مع أن العرش كان ~~مخلوقا قبل ذلك فمعلوم أنه ما زال مستوليا عليه PageV05P145 قبل وبعد ~~فامتنع أن يكون الاستيلاء العام هذا الاستيلاء الخاص بزمان كما كان مختصا ~~بالعرش # ( السابع ( أنه لم يثبت أن لفظ استوى في اللغة بمعنى استولى اذ الذين ~~قالوا ذلك عمدتهم البيت المشهور # ثم استوى بشر على العراق %~% من غير سيف ولا دم مهراق # ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربى وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه ~~وقالوا انه بيت مصنوع لايعرف في اللغة وقد علم انه لو احتج بحديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لاحتاج إلى صحته فكيف ببيت من الشعر لا يعرف اسناده وقد ~~طعن فيه أئمة اللغة وذكر عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه ( الافصاح ~~( قال سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى فقال هذا ما لا ~~تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها وهو امام في اللغة على ما عرف من حاله ~~فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل # ( الثامن ( أنه روى عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا لا يجوز استوى ms1218 ~~بمعنى استولى الا في حق من كان عاجزا ثم ظهر والله سبحانه لا يعجزه شيء ~~والعرش لا يغالبه في حال فامتنع أن يكون بمعنى استولى فاذا تبين هذا فقول ~~الشاعر # ثم استوى بشر على العراق %~% PageV05P146 # لفظ مجازى لا يجوز حمل ~~الكلام عليه الا مع قرينة تدل على ارادته واللفظ المشترك بطريق الاولى ~~ومعلوم أنه ليس في الخطاب قرينة أنه أراد بالآية الاستيلاء # ( وأيضا ( فأهل اللغة قالوا لا يكون استوى بمعنى استولى الا فيما كان ~~منازعا مغالبا فاذا غلب أحدهما صاحبه قيل استولى والله لم ينازعه أحد في ~~العرش فلو ثبت استعماله في هذا المعنى الأخص مع النزاع في ارادة المعنى ~~الأعم لم يجب حمله عليه بمجرد قول بعض أهل اللغة مع تنازعهم فيه وهؤلاء ~~ادعوا أنه بمعنى استولى في اللغة مطلقا والاستواء في القرآن في غير موضع ~~مثل قوله @QB@ استويت أنت ومن معك على الفلك @QE@ @QB@ واستوت على الجودي ~~@QE@ @QB@ لتستووا على ظهوره @QE@ وفى حديث عدى أن رسول الله ( ( أتى ~~بدابته فلما وضع رجله في الغرز قال ( بسم الله ( فلما استوى على ظهرها قال ~~( الحمد لله ( # ( التاسع ( أنه لو ثبت أنه من اللغة العربية لم يجب أن يكون من لغة العرب ~~العرباء ولو كان من لفظ بعض العرب العرباء لم يجب أن يكون من لغة رسول الله ~~( ( وقوله ولو كان من لغته لكان بالمعنى المعروف في الكتاب والسنة وهو الذى ~~يراد به ولا يجوز أن يراد معنى آخر # ( العاشر ( أنه لو حمل على هذا المعنى لأدى إلى محذور يجب تنزيه بعض ~~الأئمة PageV05P147 عنه فضلا عن الصحابة فضلا عن الله ورسوله فلو كان ~~الكلام في الكتاب والسنة كلاما نفهم منه معنى ويريدون به آخر لكان في ذلك ~~تدليس وتلبيس ومعاذ الله أن يكون ذلك فيجب أن يكون استعمال هذا الشاعر هذا ~~اللفظ في هذا المعنى ليس حقيقة بالاتفاق بل حقيقة في غيره ولو كان حقيقة ~~فيه للزم الاشتراك المجازى فيه واذا كان مجازا عن بعض العرب أو مجازا ~~اخترعه من بعده أفتترك اللغة ms1219 التى يخاطب بها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ( أمته # ( الحادى عشر ( أن هذا اللفظ الذى تكرر في الكتاب والسنة والدواعى متوفرة ~~على فهم معناه من الخاصة والعامة عادة ودينا ان جعل الطريق إلى فهمه ببيت ~~شعر أحدث فيؤدى إلى محذور فلو حمل على معنى هذا البيت للزم تخطئة الأئمة ~~الذين لهم مصنفات في الرد على من تأول ذلك ولكان يؤدى إلى الكذب على الله ~~ورسوله ( ( والصحابة والأئمة وللزم أن الله امتحن عباده بفهم هذا دون هذا ~~مع ما تقرر في نفوسهم وما ورد به نص الكتاب والسنة والله سبحانه لا يكلف ~~نفسا الا وسعها وهذا مستحيل على الله ورسوله ( ( والصحابة والأئمة # ( الثانى عشر ( أن معنى الاستواء معلوم علما ظاهرا بين الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم فيكون التفسير المحدث بعده باطلا قطعا وهذا قول يزيد بن هارون ~~الواسطى فانه قال ان من قال @QB@ الرحمن على العرش استوى له ما @QE@ ~~PageV05P148 تقرر في نفوس العامة فهو جهمى ومنه قول مالك الاستواء معلوم ~~وليس المراد أن هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قال بعض الناس استوى أم لا ~~أو أنه سئل عن الكيفية ومالك جعلها معلومة والسؤال عن النزول ولفظ الاستواء ~~ليس بدعة ولا الكلام فيه فقد تكلم فيه الصحابة والتابعون وانما البدعة ~~السؤال عن الكيفية # ومن أراد أن يزداد في هذه القاعدة نورا فلينظر في شيء من الهيئة وهى ~~الاحاطة والكروية ولابد من ذكر الاحاطة ليعلم ذلك PageV05P149 ### ||| فصل # ( أعلم أن ( الأرض ( قد اتفقوا على أنها كروية الشكل وهى في الماء المحيط ~~بأكثرها اذ اليابس السدس وزيادة بقليل والماء أيضا مقبب من كل جانب للأرض ~~والماء الذى فوقها بينه وبين السماء كما بيننا وبينها مما يلى رءوسنا # وليس تحت وجه الأرض الا وسطها ونهاية التحت المركز فلا يكون لنا جهة بينة ~~الا جهتان العلو والسفل وانما تختلف الجهات باختلاف الانسان # فعلو الأرض وجهها من كل جانب وأسفلها ما تحت وجهها ونهاية المركز هو الذى ~~يسمى محط الأثقال فمن وجه الأرض والماء من كل وجهة إلى ms1220 المركز يكون هبوطا ~~ومنه إلى وجهها صعودا # وإذا كانت سماء الدنيا فوق الأرض محيطة بها فالثانية كروية وكذا الباقى ~~والكرسى فوق الافلاك كلها والعرش فوق الكرسى ونسبة الأفلاك وما فيها ~~بالنسبة إلى الكرسى كحلقة في قلاة والجملة بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة # والأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والاجماع # فان لفظ ( الفلك ( يدل على الاستدارة ومنه قوله تعالى ( وكل في فلك ~~يسبحون ( قال بن عباس في فلكة كفلكة المغزل ومنه قولهم تفلك ثدى الجارية ~~اذا استدار وأهل الهيئة والحساب متفقون على ذلك PageV05P150 # وأما ( العرش ( فانه مقبب لما روى في السنن لابى داود عن جبير بن مطعم ~~قال أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( أعرابى فقال يا رسول الله جهدت ~~الانفس وجاع العيال وذكر الحديث إلى أن قال رسول الله ( ( ان الله على عرشه ~~وان عرشه على سمواته وأرضه كهكذا ( وقال بأصبعه مثل القبة # ولم يثبت أنه فلك مستدير مطلقا بل ثبت أنه فوق الأفلاك وان له قوائم كما ~~جاء في الصحيحين عن أبى سعيد قال جاء رجل من اليهود إلى رسول الله ( ( قد ~~لطم وجهه فقال يا محمد أن رجلا من أصحابك لطم وجهى فقال النبى ( ( ادعوه ~~فدعوه فقال لم لطمت وجهه فقال يا رسول الله انى مررت بالسوق وهو يقول والذى ~~اصطفى موسى على البشر فقلت يا خبيث وعلى محمد فأخذتنى غضبة فلطمته فقال ~~النبى ( ( لا تخيروا بين الأنبياء فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول ~~من يفيق فاذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلى أم ~~جوزى بصعقة الطور ( # وفى ( علوه ( قوله ( ( اذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فانه وسط الجنة ~~وأعلاها وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ( # فقد تبين بهذه الأحاديث أنه أعلا المخلوقات وسقفها وأنه مقبب وان له ~~PageV05P151 قوائم وعلى كل تقدير فهو فوق سواء كان محيطا بالأفلاك أو غير ~~ذلك # فيجب أن يعلم أن العالم العلوى والسفلى بالنسبة إلى الخالق سبحانه وتعالى ~~في غاية الصغر لقوله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق ms1221 قدره @QE@ الآية ### || ( قاعدة عظيمة ) في اثبات علوه تعالى # وهو واجب بالعقل الصريح والفطرة الانسانية الصحيحة وهو أن يقال كان الله ~~ولا شيء معه ثم خلق العالم فلا يخلو اما أن يكون خلقه في نفسه وانفصل عنه ~~وهذا محال تعالى الله عن مماسة الاقذار وغيرها واما أن يكون خلقه خارجا عنه ~~ثم دخل فيه وهذا محال أيضا تعالى أن يحل في خلقه وهاتان لا نزاع فيهما بين ~~أحد من المسلمين واما أن يكون خلقه خارجا عن نفسه الكريمة ولم يحل فيه فهذا ~~هو الحق الذى لا يجوز غيره ولا يليق بالله الا هو وهذه القاعدة للامام أحمد ~~من حججه على الجهمية في زمن المحنة وذكر الأشعرى في ( المقالات ( مقالة ~~محمد بن كلاب الذى ائتم به الأشعرى أنه يعرف بالعقل ان الله فوق العالم ~~والاستواء بالسمع وبأخبار الرسل الذين بعثوا بتكميل الفطر ولا تبديل لفطرة ~~الله وجاءت الشريعة بها خلافا لأهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم فانهم قلبوا ~~الحقائق أه PageV05P152 ### || 1 ( القاعدة المراكشية مسألة الاثبات للصفات ) 1 ### |||| سئل شيخ الإسلام فريد الزمان بحر العلوم تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله # عن رجلين تباحثا في ( مسألة الاثبات للصفات والجزم باثبات العلو على ~~العرش ( # فقال أحدهما لا يجب على أحد معرفة هذا ولا البحث عنه بل يكره له كما قال ~~الامام مالك للسائل وما أراك الا رجل سوء وانما يجب عليه أن يعرف ويعتقد أن ~~الله تعالى واحد في ملكه وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه بل ومن تكلم في شيء ~~من هذا فهو مجسم حشوى # فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم مخطئ فاذا كان مخطئا فما الدليل على ~~أنه يجب على الناس أن يعتقدوا اثبات الصفات والعلو على العرش الذى هو أعلى ~~المخلوقات ويعرفوه وما معنى التجسيم والحشو # أفتونا وأبسطوا القول بسطا شافيا يزيل الشبهات في هذا مثابين مأجورين ان ~~شاء الله تعالى PageV05P153 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين يجب على الخلق ~~الاقرار بما جاء به النبى ( ( فما جاء به القرآن ms1222 العزيز أو السنة المعلومة ~~وجب على الخلق الاقرار به جملة وتفصيلا عند العلم بالتفصيل فلا يكون الرجل ~~مؤمنا حتى يقر بما جاء به النبى ( ( وهو تحقيق شهادة أن لا اله الا الله ~~وأن محمدا رسول الله # فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى فان هذا ~~حقيقة الشهادة بالرسالة اذ الكاذب ليس برسول فيما يكذبه وقد قال الله تعالى ~~@QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ~~@QE@ و ( بالجملة ( فهذا معلوم بالاضطرار من دين الاسلام لا يحتاج إلى ~~تقريره هنا وهو الاقرار بما جاء به النبى ( ( وهو ما جاء به من القرآن ~~والسنة كما قال الله تعالى @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن ~~كانوا من قبل لفي ضلال مبين @QE@ وقال تعالى @QB@ كما أرسلنا فيكم رسولا ~~منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ PageV05P154 # وقال تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ # ومما جاء به الرسول رضاه عن السابقين الأولين وعمن اتبعهم باحسان إلى يوم ~~الدين كما قال تعالى @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ ومما جاء به الرسول اخباره ~~بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله سبحانه @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ ومما جاء به الرسول أمر الله له ~~بالبلاغ المبين كما قال تعالى @QB@ وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما ms1223 أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس @QE@ # ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئا فان كتمان ما ~~أنزله الله إليه يناقض موجب الرسالة كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة # ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة كما ~~أنه معصوم من الكذب فيها والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره الله ~~وبين ما أنزل إليه من ربه وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين وانما ~~PageV05P155 كمل بما بلغه اذ الدين لم يعرف الا بتبليغه فعلم أنه بلغ جميع ~~الدين الذى شرعه الله لعباده كما قال ( صلى الله عليه وسلم ( تركتكم على ~~البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى الا هالك ( # وقال ( ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة الا وقد حدثتكم به وما تركت من ~~شيء يبعدكم عن النار الا وقد حدثتكم به ( وقال أبو ذر لقد توفى رسول الله ( ~~( وما طائر يقلب جناحيه في السماء الا ذكر لنا منه علما # اذا تبين هذا فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله تعالى من ~~( أسماء الله وصفاته ( مما جاء في القرآن وفى السنة الثابتة عنه كما كان ~~عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان الذين ~~رضى الله عنهم ورضوا عنه # فان هؤلاء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنة وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك ~~من العلم والعمل كما قال أبو عبد الرحمن السلمى لقد حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما انهم كانوا اذا ~~تعلموا من النبى ( صلى الله عليه وسلم ( عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ~~ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا # وقد قام عبد الله بن عمر وهو من أصاغر الصحابة في تعلم البقرة ثمانى سنين ~~وانما ذلك لأجل الفهم والمعرفة وهذا معلوم من وجوه PageV05P156 # ( أحدها ( أن العادة المطردة التى جبل الله عليها بنى آدم توجب ms1224 اعتناءهم ~~بالقرآن المنزل عليهم لفظا ومعنى بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد فانه قد ~~علم أنه من قرأ كتابا في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك فانه ~~لابد أن يكون راغبا في فهمه وتصور معانيه فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى ~~المنزل اليهم الذى به هداهم الله وبه عرفهم الحق والباطل والخير والشر ~~والهدى والضلال والرشاد والغى # فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات بل اذا سمع ~~المتعلم من العالم حديثا فانه يرغب في فهمه فكيف بمن يسمعون كلام الله من ~~المبلغ عنه بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول ( ( في تعريفهم معانى القرآن ~~أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه فان معرفة الحروف بدون المعانى لا تحصل ~~المقصود اذا اللفظ انما يراد للمعنى # ( الوجه الثانى ( أن الله سبحانه وتعالى قد حضهم على تدبره وتعقله ~~واتباعه في غير موضع كما قال تعالى @QB@ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ~~آياته @QE@ وقال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ # فاذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره علم أن معانيه مما يمكن ~~PageV05P157 الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها فكيف لا يكون ذلك ممكنا ~~للمؤمنين وهذا يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم # ( الوجه الثالث ( أنه قال تعالى @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ ~~فبين أنه أنزله عربيا لأن يعقلوا والعقل لا يكون الا مع العلم بمعانيه # ( الوجه الرابع ( أنه ذم من لا يفهمه فقال تعالى @QB@ وإذا قرأت القرآن ~~جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا @QE@ وقال تعالى @QB@ فما لهؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا @QE@ فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضا لكانوا مشاركين ~~للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به # ( الوجه الخامس ( أنه ذم ms1225 من لم يكن حظه من السماع الا سماع الصوت دون فهم ~~المعنى واتباعه فقال تعالى @QB@ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون @QE@ وقال تعالى @QB@ أم ~~تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم @QE@ وأمثال ذلك PageV05P158 وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول ( ~~صلى الله عليه وسلم ( ولم يفهموا وقالوا ماذا قال آنفا أى الساعة وهذا كلام ~~من لم يفقه قوله فقال تعالى @QB@ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم @QE@ فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين ~~لهم باحسان غير عالمين بمعانى القرآن جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ~~ذمهم الله تعالى عليه # ( الوجه السادس ( أن الصحابة رضى الله عنهم فسروا للتابعين القرآن كما ~~قال مجاهد عرضت المصحف على بن عباس من أوله إلى أخره أقف عند كل آية منه ~~واسأله عنها # ولهذا قال سفيان الثورى اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به وكان بن ~~مسعود يقول لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله منى تبلغه الابل لأتيته وكل واحد ~~من أصحاب بن مسعود وبن عباس نقل عنه من التفسير ما لا يحصيه الا الله ~~والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها # فان قال قائل قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافا كثيرا ولو كان ذلك ~~معلوما عندهم عن الرسول ( ( لم يختلفوا فيه PageV05P159 # فيقال الاختلاف الثابت عن الصحابة بل وعن أئمة التابعين في القرآن أكثره ~~لا يخرج عن وجوه # ( أحدها ( أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه فالمسمى ~~واحد وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر مع أن كلاهما حق بمنزلة ~~تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى وتسمية الرسول ( ( بأسمائه وتسمية القرآن ~~العزيز بأسمائه فقال تعالى @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا ms1226 الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى @QE@ فاذا قيل الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام ~~فهي كلها أسماء لمسمى واحد سبحانه وتعالى وان كان كل اسم يدل على نعت لله ~~تعالى لا يدل عليه الاسم الآخر ومثال ( هذا التفسير ( كلام العلماء في ~~تفسير @QB@ الصراط المستقيم @QE@ فهذا يقول هو الاسلام وهذا يقول هو القرآن ~~أى اتباع القرآن وهذا يقول السنة والجماعة وهذا يقول طريق العبودية وهذا ~~يقول طاعة الله ورسوله # ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها ويسمى بهذه الأسماء كلها ولكن كل ~~واحد منهم دل المخاطب على النعت الذى به يعرف الصراط وينتفع بمعرفة ذلك ~~النعت PageV05P160 # ( الوجه الثانى ( أن يذكر كل منهم من تفسير ( الاسم ( بعض أنواعه أو ~~أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب لا على سبيل الحصر والاحاطة كما لو سأل ~~أعجمى عن معنى لفظ ( الخبر ( فأرى رغيفا وقيل هذا هو فذاك مثال للخبز ~~واشارة إلى جنسه لا إلى ذلك الرغيف خاصة # ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات ( # فالقول الجامع أن ( الظالم لنفسه ( هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور و ~~( المقتصد ( القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات و ( السابق بالخيرات ( ~~بمنزلة المقرب الذى يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق # ثم ان كلا منهم يذكر نوعا من هذا فاذا قال القائل ( الظالم ( المؤخر ~~للصلاة عن وقتها و ( المقتصد ( المصلى لها في وقتها و ( السابق ( المصلى ~~لها في أول وقتها حيث يكون التقديم أفضل # وقال آخر ( الظالم لنفسه ( هو البخيل الذى لا يصل رحمه ولا يؤدى زكاة ~~ماله و ( المقتصد ( القائم بما يجب عليه من الزكاة وصلة الرحم وقرى الضيف ~~والاعطاء في النائبة و ( السابق ( الفاعل المستحب بعد الواجب كما ~~PageV05P161 فعل ( الصديق الأكبر ( حين جاء بماله كله ولم يكن مع هذا يأخذ ~~من أحد شيئا # وقال آخر ( الظالم لنفسه ( الذى يصوم عن الطعام لا عن الآثام و ( المقتصد ~~( الذى يصوم عن الطعام والآثام و ( السابق ( الذى يصوم عن كل ما ms1227 لا يقر به ~~إلى الله تعالى وأمثال ذلك لم تكن هذه الأقوال متنافية بل كل ذكر نوعا مما ~~تناولته الآية # ( الوجه الثالث ( أن يذكر أحدهم لنزول الآية ( سببا ( ويذكر الآخر ( سببا ~~( آخر لا ينافى الأول ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعا أو نزولها ~~مرتين مرة لهذا ومرة لهذا # وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه ( اختلاف تناقض ( فهذا قليل ~~بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة كبعض ~~مسائل الصلاة والزكاة والصيام والحج والفرائض والطلاق ونحو ذلك لا يمنع أن ~~يكون أصل هذه السنن مأخوذا عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( وجملها منقولة ~~عنه بالتواتر # وقد تبين أن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة وأمر أزواج نبيه ( صلى ~~الله عليه وسلم ( أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن @QB@ من آيات الله والحكمة ~~@QE@ PageV05P162 وقد قال غير واحد من السلف إن ( الحكمة ( هي السنة وقد ~~قال ( ( الا انى أوتيت الكتاب ومثله معه ( # فما ثبت عنه من السنة فعلينا اتباعه سواء قيل أنه في القرآن ولم نفهمه ~~نحن أو قيل ليس في القرآن كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون والذين ~~اتبعوهم باحسان فعلينا أن نتبعهم فيه سواء قيل أنه كان منصوصا في السنة ولم ~~يبلغنا ذلك أو قيل أنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة ~~PageV05P163 ### ||| فصل # فاذا تبين ذلك فوجوب اثبات ( العلو لله تعالى ( ونحوه يتبين من وجوه # ( أحدها ( أن يقال ان القرآن والسنن المستفيضة المتواترة وغير المتواترة ~~وكلام السابقين والتابعين وسائر القرون الثلاثة مملوء بما فيه اثبات العلو ~~لله تعالى على عرشه بأنواع من الدلالات ووجوه من الصفات وأصناف من العبارات ~~تارة يخبر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وقد ذكر ~~الاستواء على العرش في سبعة مواضع # وتارة يخبر بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه كقوله تعالى @QB@ بل ~~رفعه الله إليه @QE@ @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ @QB@ تعرج الملائكة ~~والروح إليه @QE@ وقوله تعالى @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه @QE@ # وتارة يخبر بنزولها ms1228 منه أو من عنده كقوله تعالى @QB@ والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق @QE@ @QB@ قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق @QE@ @QB@ حم تنزيل من الرحمن الرحيم @QE@ @QB@ حم تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم @QE@ PageV05P164 # وتارة يخبر بأنه العلى الأعلى كقوله تعالى @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ ~~وقوله @QB@ وهو العلي العظيم @QE@ # وتارة يخبر بأنه في ( السماء ( كقوله تعالى @QB@ أأمنتم من في السماء أن ~~يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ~~@QE@ # فذكر السماء دون الأرض ولم يعلق بذلك ألوهية أو غيرها كما ذكر في قوله ~~تعالى @QB@ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله @QE@ وقال تعالى @QB@ وهو ~~الله في السماوات وفي الأرض @QE@ # وكذلك قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ألا تأمنونى وأنا أمين من في ~~السماء ( وقال للجارية ( أين الله ( قالت في السماء قال ( أعتقها فانها ~~مؤمنة ( # وتارة يجعل بعض الخلق ( عنده ( دون بعض كقوله تعالى @QB@ له من في ~~السماوات ومن في الأرض @QE@ ويخبر عمن عنده بالطاعة كقوله @QB@ إن الذين ~~عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون @QE@ فلو كان موجب ~~العندية معنى عاما كدخولهم تحت قدرته ومشيئته وأمثال ذلك لكان كل مخلوق ~~عنده ولم يكن أحد مستكبرا عن عبادته بل مسبحا له ساجدا وقد قال تعالى @QB@ ~~إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين @QE@ وهو PageV05P165 ~~سبحانه وصف الملائكة بذلك ردا على الكفار المستكبرين عن عبادته وأمثال هذا ~~في القرآن لا يحصى الا بكلفة # وأما الأحاديث والآثار عن ( الصحابة والتابعين ( فلا يحصيها الا الله ~~تعالى # فلا يخلو اما أن يكون ما اشتركت فيه هذه النصوص من اثبات علو الله نفسه ~~على خلقه هو الحق أو الحق نقيضه اذ الحق لا يخرج عن النقيضين واما أن يكون ~~نفسه فوق الخلق أو لا يكون فوق الخلق كما تقول الجهمية # ثم تارة يقولون لا فوقهم ولا فيهم ولا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين ~~ولا محايث وتارة يقولون هو بذاته في كل مكان وفى المقالتين كلتيهما يدفعون ms1229 ~~أن يكون هو نفسه فوق خلقه # فاما أن يكون الحق اثبات ذلك أو نفيه فان كان نفى ذلك هو الحق فمعلوم أن ~~القرآن لم يبين هذا قط لا نصا ولا ظاهرا ولا الرسول ولا أحد من الصحابة ~~والتابعين وأئمة المسلمين لا أئمة المذاهب الأربعة ولا غيرهم ولا يمكن أحد ~~أن ينقل عن واحد من هؤلاء أنه نفى ذلك أو أخبر به # وأما ما نقل من الاثبات عن هؤلاء فأكثر من أن يحصى أو يحصر PageV05P166 ~~فان كان الحق هو النفى دون الاثبات والكتاب والسنة والاجماع انما دل على ~~الاثبات ولم يذكر النفى أصلا لزم أن يكون الرسول والمؤمنون لم ينطقوا بالحق ~~في هذا الباب بل نطقوا بما يدل اما نصا واما ظاهرا على الضلال والخطأ ~~المناقض للهدى والصواب # ومعلوم أن من اعتقد هذا في ( الرسول والمؤمنين ( فله أوفر حظ من قوله ~~تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ # فان القائل اذا قال هذه النصوص أريد بها خلاف ما يفهم منها أو خلاف ما ~~دلت عليه أو أنه لم يرد اثبات علو الله نفسه على خلقه وانما أريد بها علو ~~المكانة ونحو ذلك كما قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع # فيقال له فكان يجب أن يبين للناس الحق الذى يجب التصديق ( به ( باطنا ~~وظاهرا بل ويبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يرد به مفهومه ومقتضاه ~~فان غاية ما يقدر أنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة والباطن المخالف للظاهر # ومعلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب المبين اذا تكلم بمجاز فلابد أن يقرن ~~بخطابه ما يدل على ارادة المعنى المجازى فاذا كان الرسول المبلغ المبين ~~الذى بين للناس ما نزل اليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه ~~كان PageV05P167 عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذى لم ~~يرد لا سيما اذا كان باطلا لا يجوز اعتقاده في الله فان عليه أن ينهاهم ms1230 عن ~~أن يعتقدوا في الله ما لا يجوز اعتقاده اذا كان ذلك مخوفا عليهم ولو لم ~~يخاطبهم بما يدل على ذلك فكيف اذا كان خطابه هو الذى يدلهم على ذلك ~~الإعتقاد الذى تقول النفاة هو اعتقاد باطل # فاذا لم يكن في الكتاب ولا السنة ولا كلام أحد من السلف والأئمة ما يوافق ~~قول النفاة أصلا بل هم دائما لا يتكلمون الا بالاثبات امتنع حينئذ أن لا ~~يكون مرادهم الاثبات وأن يكون النفى هو الذى يعتقدونه ويعتمدونه وهم لم ~~يتكلموا به قط ولم يظهروه وانما أظهروا ما يخالفه وينافيه وهذا كلام مبين ~~لا مخلص لأحد عنه لكن للجهمية المتكلمة هنا كلام وللجهمية المتفلسفة كلام # أما ( المتفلسفة والقرامطة ( فيقولون أن الرسل كلموا الخلق بخلاف ما هو ~~الحق وأظهروا لهم خلاف ما يبطنون وربما يقولون أنهم كذبوا لأجل مصلحة ~~العامة فان مصلحة العامة لا تقوم الا باظهار الاثبات وان كان في نفس الأمر ~~باطلا # وهذا مع ما فيه من الزندقة البينة والكفر الواضح قول متناقض في نفسه فانه ~~يقال لو كان الأمر كما تقولون والرسل من جنس رؤسائكم PageV05P168 لكان خواص ~~الرسل يطلعون على ذلك ولكانوا يطلعون خواصهم على هذا الأمر فكان يكون النفى ~~مذهب خاصة الأمة وأكملها عقلا وعلما ومعرفة والأمر بالعكس # فان من تأمل كلام ( السلف والأئمة ( وجد أعلم الأمة عند الأمة كأبى بكر ~~وعمر وعثمان وعلى وبن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسى ~~وأبى بن كعب وأبى الدرداء وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن ~~عمرو وأمثالهم هم أعظم الخلق اثباتا # وكذلك أفضل التابعين مثل سعيد بن المسيب وأمثاله والحسن البصرى وأمثاله ~~وعلى بن الحسين وأمثاله وأصحاب بن مسعود وأصحاب بن عباس وهم من أجل ~~التابعين # بل النقول عن هؤلاء في الاثبات يجبن عن اثباته كثير من الناس وعلى ذلك ~~تأول يحيى بن عمار وصاحبه شيخ الاسلام أبو إسماعيل الأنصارى ما يروى ( أن ~~من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه الا أهل العلم بالله ms1231 فاذا ذكروه لم ينكره ~~الا أهل الغرة بالله ( تأولوا ذلك على ما جاء من الاثبات لأن ذلك ثابت عن ~~رسول الله ( ( والسابقين والتابعين لهم باحسان بخلاف النفى فانه لا يوجد ~~عنهم ولا يمكن حمله عليه وقد جمع علماء الحديث من المنقول عن السلف في ~~الاثبات ما لا يحصى PageV05P169 عدده إلا رب السماوات ولم يقدر أحد أن يأتى ~~عنهم في النفى بحرف واحد الا أن يكون من الأحاديث المختلفة التى ينقلها من ~~هو من أبعد الناس عن معرفة كلامهم # ومن هؤلاء من يتمسك ( بمجملات ( سمعها بعضها كذب وبعضها صدق مثل ما ~~ينقلونه عن عمر أنه قال كان النبى ( ( وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجى ~~بينهما فهذا كذب باتفاق أهل العلم بالأثر وبتقدير صدقه فهو مجمل فاذا قال ~~أهل الاثبات كان ما يتكلمان فيه من هذا الباب لموافقته ما نقل عنهما كان ~~أولى من قول النفاة أنهما يتكلمان بالنفى # وكذلك حديث جراب أبى هريرة لما قال حفظت عن رسول الله ( ( جرابين اما ~~أحدهما فبثثته فيكم واما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم فان هذا حديث ~~صحيح لكنه مجمل # وقد جاء مفسرا أن الجراب الآخر كان فيه حديث الملاحم والفتن ولو قدر أن ~~فيه ما يتعلق بالصفات فليس فيه ما يدل على النفى بل الثابت المحفوظ من ~~أحاديث أبى هريرة كحديث ( اتيانه يوم القيامة ( وحديث ( النزول ( و ( الضحك ~~( وأمثال ذلك كلها على الاثبات ولم ينقل عن أبى هريرة حرف واحد من جنس قول ~~النفاة وأما # ( الجهمية المتكلمة ( فيقولون ان القرينة الصارفة لهم عما دل عليه الخطاب ~~هو العقل فاكتفى بالدلالة العقلية الموافقة لمذهب النفاة PageV05P170 فيقال ~~لهم ( أولا ( فحينئذ اذا كان ما تكلم به انما يفيدهم مجرد الضلال وانما ~~يستفيدون الهدى من عقولهم كان الرسول قد نصب لهم أسباب الضلال ولم ينصب لهم ~~أسباب الهدى وأحالهم في الهدى على نفوسهم فيلزم على قولهم أن تركهم في ~~الجاهلية خير لهم من هذه الرسالة التى لم تنفعهم بل ضرتهم # ويقال لهم ( ثانيا ( فالرسول ( ( قد بين الاثبات الذى ms1232 هو أظهر في العقل ~~من قول النفاة مثل ذكره لخلق الله وقدرته ومشيئته وعلمه ونحو ذلك من الأمور ~~التى تعلم بالعقل أعظم مما يعلم نفى الجهمية وهو لم يتكلم بما يناقض هذا ~~الاثبات فكيف يحيلهم على مجرد العقل في النفى الذى هو أخفى وأدق وكلامه لم ~~يدل عليه بل دل على نقيضه وضده ومن نسب هذا إلى الرسول ( ( فالله حسيبه على ~~ما يقول و # ( المراتب ثلاث ( إما أن يتكلم بالهدى أو بالضلال أو يسكت عنهما ومعلوم ~~أن السكوت عنهما خير من التكلم بما يضل وهنا يعرف بالعقل أن الاثبات لم ~~يسكت عنه بل بينه وكان ما جاء به السمع موافقا للعقل فكان الواجب فيما ~~ينفيه العقل أن يتكلم فيه بالنفى كما فعل فيما يثبته العقل واذا لم يفعل ~~ذلك كان السكوت عنه أسلم للأمة # اما اذا تكلم فيه بما يدل على الاثبات وأراد منهم أن لا يعتقدوا الا ~~النفى لكون مجرد عقولهم تعرفهم به فاضافة هذا إلى الرسول ( ( من أعظم أبواب ~~الزندقة والنفاق PageV05P171 ويقال لهم ( ثالثا ( من الذى سلم لكم أن العقل ~~يوافق مذهب النفاة بل العقل الصريح انما يوافق ما أثبته الرسول وليس بين ~~المعقول الصريح والمنقول الصحيح تناقض أصلا وقد بسطنا هذا في ( مواضع ( ~~بينا فيها أن ما يذكرون من المعقول المخالف لما جاء به الرسول ( ( انما هو ~~جهل وضلال تقلده متأخروهم عن متقدميهم وسموا ذلك عقليات وانما هي جهليات ~~ومن طلب منه تحقيق ما قاله أئمة الضلال بالمعقول لم يرجع الا إلى مجرد ~~تقليدهم # فهم يكفرون بالشرع ويخالفون العقل تقليدا لمن توهموا أنه عالم بالعقليات ~~وهم مع ( أئمتهم الضلال ( كقوم فرعون معه حيث قال الله تعالى @QB@ فاستخف ~~قومه فأطاعوه @QE@ وقال تعالى عنه @QB@ واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير ~~الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر ~~كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين @QE@ ~~وفرعون هو امام النفاة ms1233 # ولهذا صرح محققو النفاة بأنهم على قوله كما يصرح به الاتحادية من الجهمية ~~النفاة اذ هو أنكر العلو وكذب موسى فيه وأنكر تكليم الله لموسى قال تعالى ( ~~وقال فرعون يا هامان بن لى صرحا لعلى أبلغ الاسباب أسباب السماوات فاطلع ~~إلى اله موسى وانى لأظنه كاذبا PageV05P172 # والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنه أنكر ( الصانع ( بلسانه فقال ( وما رب ~~العالمين ( وطلب أن يصعد ليطلع إلى اله موسى فلو لم يكن موسى أخبره أن الهه ~~فوق لم يقصد ذلك فانه هو لم يكن مقرى به فاذا لم يخبره موسى به لم يكن ~~اثبات العلو لا منه ولا من موسى عليه الصلاة والسلام فلا يقصد الاطلاع ولا ~~يحصل به ما قصده من التلبيس على قومه بأنه صعد إلى اله موسى ولكان صعوده ~~إليه كنزوله إلى الآبار والأنهار وكان ذلك أهون عليه فلا يحتاج إلى تكلف ~~الصرح # ونبينا ( ( لما عرج به ( ليلة الاسراء ( وجد في السماء الأولى آدم عليه ~~السلام وفى الثانية يحيى وعيسى ثم في الثالثة يوسف ثم في الرابعة ادريس ثم ~~في الخامسة هارون ثم وجد موسى وابراهيم ثم عرج إلى ربه ففرض عليه خمسين ~~صلاة ثم رجع إلى موسى فقال له ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فان أمتك ~~لا تطيق ذلك قال ( فرجعت إلى ربى فسألته التخفيف لأمتى ( وذكر أنه رجع إلى ~~موسى ثم رجع إلى ربه مرارا فصدق موسى في أن ربه فوق السماوات وفرعون كذب ~~موسى في ذلك # ( والجهمية النفاة ( موافقون لآل فرعون أئمة الضلال و ( أهل السنة ~~والاثبات ( موافقون لآل إبراهيم أئمة الهدى وقال تعالى @QB@ ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا ~~إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين @QE@ ~~PageV05P173 وموسى ومحمد من آل إبراهيم بل هم سادات آل إبراهيم صلوات الله ~~عليهم أجمعين # ( الوجه الثانى ( في تبيين وجوب الاقرار بالاثبات وعلو الله على السماوات ~~أن يقال من المعلوم أن الله تعالى أكمل الدين وأتم النعمة وان الله ms1234 أنزل ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وأن معرفة ما يستحقه الله وما ينزه عنه هو من أجل ~~أمور الدين وأعظم أصوله وأن بيان هذا وتفصيله أولى من كل شيء فكيف يجوز أن ~~يكون هذا الباب لم يبينه الرسول ( ( ولم يفصله ولم يعلم أمته ما يقولون في ~~هذا الباب وكيف يكون الدين قد كمل وقد تركوا على الطريقة البيضاء وهم لا ~~يدرون بماذا يعرفون ربهم أبما تقوله النفاة أو بأقوال أهل الاثبات # ( الوجه الثالث ( أن يقال كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة ~~للعبادة لابد أن يخطر بقلبه هذا الباب ويقصد فيه الحق ومعرفة الخطأ من ~~الصواب فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا ~~يسألون عنه ولا يشتاقون إلى معرفته ولا تطلب قلوبهم الحق وهم ليلا ونهارا ~~يتوجهون بقلوبهم إليه ويدعونه تضرعا وخيفة ورغبا ورهبا والقلوب مجبولة ~~مفطورة على طلب العلم بهذا ومعرفة الحق فيه وهى مشتاقة إليه أكثر من شوقها ~~إلى كثير من الأمور ومع الارادة الجازمة والقدرة يجب حصول PageV05P174 ~~المراد وهم قادرون على سؤال الرسول ( ( وسؤال بعضهم بعضا # وقد سألوه عما هو دون هذا سألوه هل نرى ربنا يوم القيامة فأجابهم وسأله ~~أبو رزين أيضحك ربنا فقال ( نعم ( فقال لن نعدم من رب يضحك خيرا # ثم أنهم لما سألوه عن ( الرؤية ( قال ( انكم سترون ربكم كما ترون الشمس ~~والقمر ( فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئى بالمرئى والنفاة لا يقولون يرى كما ~~ترى الشمس والقمر بل قولهم الحقيقى أنه لا يرى بحال ومن قال يرى موافقة ~~لأهل الاثبات ومنافقة لهم فسر الرؤية بمزيد علم فلا تكون كرؤية الشمس ~~والقمر # والمقصود هنا أنهم لابد أن يسألوه عن ربهم الذى يعبدونه واذا سألوه فلابد ~~أن يجيبهم ومن المعلوم بالاضطرار أن ما تقوله الجهمية النفاة لم ينقل عن ~~أحد من أهل التبليغ عنه وانما نقلوا عنه ما يوافق قول أهل الاثبات # ( الوجه الرابع ( أن يقال اما أن يكون الله يحب منا أن نعتقد قول النفاة ~~أو نعتقد قول ms1235 أهل الاثبات أو لا نعتقد واحدا منهما # فان كان مطلوبه منا اعتقاد قول النفاة وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه ~~وأنه ليس فوق PageV05P175 السماوات رب ولا على العرش اله وأن محمدا ( ( لم ~~يعرج به إلى الله وانما عرج به إلى السماوات فقط لا إلى الله وان الملائكة ~~لا تعرج إلى الله بل إلى ملكوته وان الله لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه ~~شيء وأمثال ذلك وان # كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها اجمال وابهام وايهام كقولهم ليس ~~بمتحيز ولا جسم ولا جوهر ولا هو في جهة ولا مكان وأمثال هذه العبارات التى ~~تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص ومقصدهم بها أنه ليس فوق ~~السماوات رب ولا على العرش اله يعبد ولا عرج بالرسول إلى الله و ( المقصود ~~( أنه ان كان الذى يحبه الله لنا أن نعتقد هذا النفى فالصحابة والتابعون ~~أفضل منا فقد كانوا يعتقدون هذا النفى والرسول ( ( كان يعتقده واذا كان ~~الله ورسوله يرضاه لنا وهو اما واجب علينا أو مستحب لنا فلابد أن يأمرنا ~~الرسول ( ( بما هو واجب علينا ويندبنا إلى ما هو مستحب لنا ولابد أن يظهر ~~عنه وعن المؤمنين ما فيه اثبات لمحبوب الله ومرضيه وما يقرب إليه لا سيما ~~مع قوله عز وجل ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ( لا سيما ~~والجهمية تجعل هذا أصل الدين وهو عندهم ( التوحيد ( الذى لا يخالفه الا شقى ~~فكيف لا يعلم الرسول ( ( أمته التوحيد وكيف لا يكون ( التوحيد ( معروفا عند ~~الصحابة والتابعين والفلاسفة والمعتزلة PageV05P176 ومن اتبعهم يسمون مذهب ~~النفاة ( التوحيد ( وقد سمى صاحب المرشدة أصحابه الموحدين اذ عندهم مذهب ~~النفاة هو ( التوحيد ( # واذا كان كذلك كان من المعلوم أنه لابد أن يبينه الرسول ( صلى الله عليه ~~وسلم ( وقد علم بالاضطرار أن الرسول ( ( وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة ~~فعلم أنه ليس بواجب ولا مستحب بل علم أنه ليس من ( التوحيد ( الذى شرعه ~~الله تعالى لعباده # وان كان يحب منا مذهب الاثبات وهو الذى أمرنا ms1236 به فلابد أيضا أن يبين ذلك ~~لنا ومعلوم أن في الكتاب والسنة من اثبات ( العلو والصفات ( أعظم مما فيهما ~~من اثبات الوضوء والتيمم والصيام وتحريم ذوات المحارم وخبيث المطاعم ونحو ~~ذلك من ( الشرائع ( # فعلى قول أهل الاثبات يكون الدين كاملا والرسول ( ( مبلغا مبينا والتوحيد ~~عن السلف مشهورا معروفا # والكتاب والسنة يصدق بعضه بعضا والسلف خير هذه الأمة وطريقهم أفضل الطرق ~~والقرآن كله حق ليس فيه اضلال ولا دل على كفر ومحال بل هو الشفاء والهدى ~~والنور وهذه كلها لوازم ملتزمة ونتائج مقبولة فقولهم مؤتلف غير مختلف ~~ومقبول غير مردود PageV05P177 # وان كان الذى يحبه الله منا أن لا نثبت ولا ننفى بل نبقى في الجهل البسيط ~~وفى ظلمات بعضها فوق بعض لا نعرف الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال ولا ~~الصدق من الكذب بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين الحيارى ( مذبذبين ~~بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ( لا مصدقين ولا مكذبين لزم من ذلك أن ~~يكون الله يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول ( ( وعدم العلم بما يستحقه ~~الله سبحانه وتعالى من الصفات التامات وعدم العلم بالحق من الباطل ويحب منا ~~الحيرة والشك # ومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال وانما ~~يحب الدين والعلم واليقين # وقد ذم ( الحيرة ( بقوله تعالى @QB@ قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ~~ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في ~~الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى ~~وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون ~~@QE@ # وقد أمرنا الله تعالى ان نقول @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وفى صحيح مسلم وغيره عن ~~عائشة رضى الله عنها ان النبى PageV05P178 كان اذا قام من الليل يصلى يقول ~~( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا ms1237 فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق باذنك انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ( فهو ( ( يسأل ربه ان ~~يهديه لما اختلف فيه من الحق فكيف يكون محبوب الله عدم الهدى في مسائل ~~الخلاف وقد قال الله تعالى له @QB@ وقل رب زدني علما @QE@ # وما يذكره بعض الناس عنه انه قال ( زدني فيك تحيرا ) كذب باتفاق اهل ~~العلم بحديثه بل هذا سؤال من هو حائر وقد سأل المزيد من الحيرة ولا يجوز ~~لأحد ان يسأل ويدعو بمزيد الحيرة اذا كان حائرا بل يسأل الهدى والعلم فكيف ~~بمن هو هادى الخلق من الضلالة وانما ينقل مثل هذا عن بعض الشيوخ الذين لا ~~يقتدى بهم في مثل هذا إن صح النقل عنه # وقول هؤلاء الواقفة الذين لا يثبتون ولا ينفون وينكرون الجزم بأحد ~~القولين يلزم عليه امور ( احدها ( ان من قال هذا فعليه ان ينكر على النفاة ~~فانهم ابتدعوا الفاظا ومعانى لا اصل لها في الكتاب ولا في السنة # واما المثبتة إذا اقتصروا على النصوص فليس له الانكار عليهم وهؤلاء ~~PageV05P179 الواقفة هم في الباطن يوافقون النفاة أو يقرونهم وانما يعارضون ~~المثبتة فعلم أنهم اقروا اهل البدعة وعادوا اهل السنة # ( الثانى ( ان يقال عدم العلم بمعانى القرآن والحديث ليس مما يحبه الله ~~ورسوله فهذا القول باطل # ( الثالث ( ان يقال الشك والحيرة ليست محمودة في نفسها باتفاق المسلمين ~~غاية ما في الباب ان من لم يكن عنده علم بالنفى ولا الاثبات يسكت # فاما من علم الحق بدليله الموافق لبيان رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~فليس للواقف الشاك الحائر ان ينكر على هذا العالم الجازم المستبصر المتبع ~~للرسول العالم بالمنقول والمعقول # ( الرابع ( ان يقال السلف كلهم انكروا على الجهمية النفاة وقالوا ~~بالاثبات وافصحوا به وكلامهم في الاثبات والانكار على النفاة اكثر من ان ~~يمكن اثباته في هذا المكان وكلام الأئمة المشاهير مثل مالك والثورى ~~والأوزاعى وابى حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدى ~~ووكيع بن الجراح والشافعى واحمد بن حنبل ms1238 واسحاق بن راهويه وابى عبيد وأئمة ~~اصحاب مالك وابى حنيفة والشافعى واحمد موجود كثير لا يحصيه أحد # وجواب مالك في ذلك صريح في الاثبات فان السائل قال له يا أبا عبد الله ( ~~الرحمن على العرش استوى ) كيف استوى فقال مالك الاستواء PageV05P180 معلوم ~~والكيف مجهول وفى لفظ استواؤه معلوم أو معقول والكيف غير معقول والايمان به ~~واجب والسؤال عنه بدعة فقد اخبر رضي الله عنه بأن نفس الاستواء معلوم وان ~~كيفية الاستواء مجهولة وهذا بعينه قول أهل الاثبات # وأما ( النفاة ( فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته بل عند هذا القائل ~~الشاك وامثاله ان الاستواء مجهول غير معلوم واذا كان الاستواء مجهولا لم ~~يحتج ان يقال الكيف مجهول لا سيما اذا كان الاستواء منتفيا فالمنتفى ~~المعدوم لا كيفية له حتى يقال هي مجهولة أو معلومة وكلام مالك صريح في ~~اثبات الاستواء وانه معلوم وان له كيفية لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا ~~نعلمها نحن # ولهذا بدع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية فان السؤال انما يكون عن امر ~~معلوم لنا ونحن لا نعلم كيفية استوائه وليس كل ما كان معلوما وله كيفية ~~تكون تلك الكيفية معلومة لنا يبين ذلك ان المالكية وغير المالكية نقلوا عن ~~مالك أنه قال الله في السماء وعلمه في كل مكان حتى ذكر ذلك مكى خطيب قرطبة ~~في ( كتاب التفسير ( الذي جمعه من كلام مالك ونقله أبو عمر والطلمنكى وابو ~~عمر بن عبد البر وبن ابى زيد في المختصر وغير واحد ونقله أيضا عن مالك غير ~~هؤلاء ممن لا يحصى عددهم مثل أحمد بن حنبل وابنه عبد الله والأثرم والخلال ~~والآجري وبن بطة وطوائف PageV05P181 غير هؤلاء من المصنفين في السنة ولو ~~كان مالك من الواقفة أو النفاة لم ينقل هذا الاثبات # والقول الذي قاله مالك قاله قبله ربيعة بن ابى عبد الرحمن شيخه كما رواه ~~عنه سفيان بن عيينة # وقال عبد العزيز بن عبد الله بن ابى سلمة الماجشون كلاما طويلا يقرر مذهب ~~الاثبات ويرد على النفاة قد ms1239 ذكرناه في غير هذا الموضع # وكلام المالكية في ذم الجهمية النفاة مشهور في كتبهم وكلام أئمة المالكية ~~وقدمائهم في الاثبات كثير مشهور حتى علماءهم حكوا اجماع اهل السنة والجماعة ~~على ان الله بذاته فوق عرشه وبن ابى زيد انما ذكر ما ذكره سائر أئمة السلف ~~ولم يكن من أئمة المالكية من خالف بن ابى زيد في هذا وهو انما ذكر هذا في ~~مقدمة الرسالة لتلقن لجميع المسلمين لأنه عند أئمة السنة من الاعتقادات ~~التى يلقنها كل أحد # ولم يرد على ( بن ابى زيد ( في هذا الا من كان من اتباع الجهمية النفاة ~~لم يعتمد من خالفه على انه بدعة ولا انه مخالف للكتاب والسنة ولكن زعم من ~~خالف بن ابى زيد وامثاله انما قاله مخالف للعقل وقالوا إن بن ابى زيد لم ~~يكن يحسن فن الكلام الذى يعرف فيه ما يجوز على الله عزوجل وما لا يجوز ~~PageV05P182 # والذين أنكروا على بن أبى زيد وامثاله من المتأخرين تلقوا هذا الانكار عن ~~متأخري الأشعرية كأبى المعالى واتباعه وهؤلاء تلقوا هذا الانكار عن الأصول ~~التى شاركوا فيها المعتزلة ونحوهم من الجهمية فالجهمية من المعتزلة وغيرهم ~~هم أصل هذا الانكار # وسلف الأمة وأئمتها متفقون على الاثبات رادون على الواقفة والنفاة مثل ما ~~رواه البيهقى وغيره عن الأوزاعي قال كنا والتابعون متوافرون نقول ان الله ~~فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته # وقال أبو مطيع البلخى في كتاب ( الفقه الأكبر ( المشهور سألت أبا حنيفة ~~عمن يقول لا أعرف ربى في السماء أو في الأرض قال قد كفر لأن الله عز وجل ~~يقول @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وعرشه فوق سبع سمواته فقلت انه يقول ~~على العرش استوى ولكن لا يدرى العرش في السماء أو في الأرض فقال اذا أنكر ~~انه في السماء كفر لأنه تعالى في اعلى عليين وانه يدعى من اعلى لا من اسفل # وقال عبد الله بن نافع كان مالك بن انس يقول الله في السماء وعلمه في كل ~~مكان وقال معدان ms1240 سألت سفيان الثورى عن قوله تعالى @QB@ وهو معكم أين ما ~~كنتم @QE@ قال علمه # وقال حماد بن زيد فيما ثبت عنه من غير وجه رواه بن ابى حاتم والبخاري ~~PageV05P183 وعبد الله بن أحمد وغيرهم انما يدور كلام الجهمية على ان ~~يقولوا ليس في السماء شيء # وقال على بن الحسن بن شقيق قلت لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال ~~بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه قلت بحد قال بحد لا يعلمه غيره وهذا ~~مشهور عن بن المبارك ثابت عنه من غير وجه وهو ايضا صحيح ثابت عن أحمد بن ~~حنبل واسحاق بن راهويه وغير واحد من الأئمة # وقال رجل لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن قد خفت الله من كثرة ما ~~أدعو على الجهمية قال لا تخف فانهم يزعمون ان إلهك الذى في السماء ليس بشيء # وقال جرير بن عبد الحميد كلام الجهمية أوله شهد وآخره سم وانما يحاولون ~~ان يقولوا ليس في السماء إله رواه بن ابى حاتم ورواه هو وغيره بأسانيد ~~ثابتة عن عبد الرحمن بن مهدى قال ان الجهمية ارادوا ان ينفوا ان يكون الله ~~عز وجل كلم موسى بن عمران وأن يكون على العرش أرى أن يستتابوا فان تابوا ~~والا ضربت أعناقهم وقال يزيد بن هارون من زعم أن الله على العرش استوى على ~~خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمى وقال سعيد بن عامر الضبعى وذكر عنده ~~الجهمية فقال هم أشر قولا من اليهود والنصارى قد أجمع أهل الأديان مع ~~المسلمين على أن الله على العرش وقالوا هم ليس عليه شيء PageV05P184 # وقال ~~عباد بن العوام الواسطى كلمت بشرا المريسى وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهى ~~إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا وهذا ~~كثير في كلامهم # وهكذا ذكر أهل الكلام الذين ينقلون مقالات الناس ( مقالة أهل السنة وأهل ~~الحديث ( كما ذكره أبو الحسن الأشعرى في كتابه الذى صنفه في ( اختلاف ~~المصلين ومقالات الاسلاميين ( فذكر ms1241 فيه أقوال الخوارج والروافض والمعتزلة ~~والمرجئة وغيرهم # ثم قال ذكر ( مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث ( وجملة قولهم الاقرار بالله ~~عز وجل وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء من عند الله وبما رواه الثقات عن ~~رسول الله ( ( لا يردون من ذلك شيئا إلى أن قال وان الله على عرشه كما قال ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وان له يدين بلا كيف كما قال تعالى @QB@ ~~لما خلقت بيدي @QE@ وأقروا أن لله علما كما قال @QB@ أنزله بعلمه @QE@ @QB@ ~~وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ~~ذلك عن الله كما نفته المعتزلة وقالوا أنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر ~~الا ما شاء الله وأن الأشياء تكون بمشيئة الله كما قال @QB@ وما تشاؤون إلا ~~أن يشاء الله @QE@ إلى أن قال ويقولون ان القرآن كلام الله غير مخلوق ~~ويصدقون بالأحاديث التى جاءت عن رسول الله PageV05P185 ( ( مثل ان الله ~~ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من مستغفر فاغفر له ( كما جاء في الحديث # ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا ~~@QE@ وان الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد @QE@ وذكر أشياء كثيرة إلى أن قال فهذه جملة ما يأمرون به ~~ويستعملونه ويرونه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول واليه نذهب # قال الأشعرى أيضا في ( مسألة الاستواء ( قال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس ~~بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ ولا نتقدم بين يدى الله ورسوله في القول بل نقول استوى بلا كيف وان له ~~يدين بلا كيف كما قال تعالى @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ # وان الله ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث قال وقالت المعتزلة ~~استوى على عرشه بمعنى استولى وقال الاشعرى أيضا في كتابه ( الابانة في أصول ~~الديانة ( في ( باب الاستواء ( ان قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل نقول ~~له ان الله مستو على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش ms1242 استوى @QE@ وقال ~~@QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ وقال @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ # وقال حكاية عن فرعون @QB@ يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا @QE@ كذب فرعون موسى في قوله ~~PageV05P186 ان الله فوق السماوات وقال الله تعالى @QB@ أأمنتم من في ~~السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور @QE@ فالسموات فوقها العرش وكل ما ~~علا فهو سماء وليس اذا قال @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ يعنى جميع ~~السماوات وانما أراد العرش الذى هو أعلا السماوات الا ترى أنه ذكر السماوات ~~فقال @QB@ وجعل القمر فيهن نورا @QE@ ولم يرد أنه يملأ السماوات جميعا # ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم اذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو ~~على العرش الذى هو فوق السماوات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم ~~نحو العرش # وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية أن معنى استوى استولى ~~وملك وقهر وان الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل ~~الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين ~~العرش والأرض السابعة لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها ~~وعلى الحشوش والأخلية فلو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء لجاز أن ~~يقال هو مستو على الاشياء كلها ولما لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقال ان ~~الله مستو على الاشياء كلها وعلى الحشوش والأخلية بطل أن يكون معنى ~~الاستواء على العرش الاستيلاء الذى هو عام في الاشياء كلها # وقد نقل هذا عن الأشعرى غير واحد من أئمة اصحابه كابن فورك والحافظ بن ~~عساكر في كتابه الذى جمعه في ( تبيين كذب المفترى فيما ينسب PageV05P187 ~~إلى الشيخ أبى الحسن الأشعرى ( وذكر اعتقاده الذى ذكره في أول ( الابانة ( ~~وقوله فيه فان قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية ~~والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذى به تقولون وديانتكم التى ~~بها تدينون قيل له قولنا الذى به نقول وديانتنا التى ندين ( بها ( التمسك ~~بكتاب ms1243 الله تعالى وسنة نبيه ( ( وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ~~ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون ولما ~~خالف قوله مجانبون لأنه الامام الفاضل والرئيس الكامل الذى أبان الله به ~~الحق عند ظهور الضلال وأوضح المنهاج به وقمع به بدع المبتدعين وزيغ ~~الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من امام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع ~~أئمة المسلمين # ( وجملة قولنا ( أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله ~~وما رواه الثقات عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( وذكر ما تقدم وغيره ~~من جمل كثيرة أوردت في غير هذا الموضع وقال أبو بكر الآجرى في ( كتاب ~~الشريعة ( الذى يذهب إليه أهل العلم ان الله تعالى على عرشه فوق سمواته ~~وعلمه محيط بكل شيء قد أحاط بجميع ما خلق في السماوات العلى وجميع ما في ~~سبع أرضين يرفع إليه أفعال العباد # فان قال قائل أى شيء معنى قوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~ولا خمسة إلا هو سادسهم @QE@ الآية قيل له علمه والله على عرشه وعلمه محيط ~~PageV05P188 بهم كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها وآخرها أنه العلم وهو ~~على عرشه هذا قول المسلمين # والقول الذى قاله الشيخ ( محمد بن أبى زيد ( وأنه فوق عرشه المجيد بذاته ~~وهو في كل مكان بعلمه قد تاوله بعض المبطلين بأن رفع المجيد ومراده ان الله ~~هو المجيد بذاته وهذا مع انه جهل واضح فانه بمنزلة أن يقال الرحمن بذاته ~~والرحيم بذاته والعزيز بذاته # وقد قال بن أبى زيد في خطبة ( الرسالة ( أيضا على العرش استوى وعلى الملك ~~احتوى ففرق بين الاستواء والاستيلاء على قاعدة الائمة المتبوعين ومع هذا ~~فقد صرح بن أبى زيد في ( المختصر ( بأن الله في سمائه دون أرضه هذا لفظه ~~والذى قاله بن أبى زيد ما زالت تقوله أئمة أهل السنة من جميع الطوائف # وقد ذكر أبو عمرو الطلمنكى الامام في كتابه الذى سماه ( الوصول إلى معرفة ~~الأصول ( أن ms1244 أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله استوى بذاته على عرشه ~~وكذلك ذكره محمد بن عثمان بن أبى شيبة حافظ الكوفة في طبقة البخارى ونحوه ~~ذكر ذلك عن أهل السنة والجماعة # وكذلك ذكره يحيى بن عمار السجستانى الامام في رسالته المشهورة في السنة ~~التى كتبها إلى ملك بلاده PageV05P189 وكذلك ذكر أبو نصر السجزى الحافظ في ~~كتاب ( الإبانة ( له قال وأئمتنا كالثورى ومالك وبن عيينة وحماد بن سلمة ~~وحماد بن زيد وبن المبارك وفضيل بن عياض واحمد واسحاق متفقون على أن الله ~~فوق العرش بذاته وان علمه بكل مكان وكذلك ذكر شيخ الاسلام الأنصارى وأبو ~~العباس الطرقى والشيخ عبدالقادر الجيلى ومن لا يحصى عدده الا الله من أئمة ~~الاسلام وشيوخه # وقال الحافظ أبو نعيم الاصبهانى صاحب ( حلية الاولياء ( وغير ذلك من ~~المصنفات المشهورة في الإعتقاد الذى جمعه طريقنا طريق السلف المتبعين ~~الكتاب والسنة واجماع الامة قال ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع ~~صفاته القديمة لا يزول ولا يحول لم يزل عالما بعلم بصيرا ببصر سميعا بسمع ~~متكلما بكلام واحدث الاشياء من غير شيء وان القرآن كلام الله وكذلك سائر ~~كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق وأن القرآن من جميع الجهات مقروءا ومتلوا ~~ومحفوظا ومسموعا ومكتوبا وملفوظا كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة وانه ~~بألفاظنا كلام الله غير مخلوق وان الواقفة واللفظية من الجهمية وان من قصد ~~القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية وان ~~الجهمى عندهم كافر وذكر أشياء إلى أن قال PageV05P190 وأن الأحاديث التى ~~ثبتت عن النبى ( ( في ( العرش واستواء الله عليه ( يقولون بها ويثبتونها من ~~غير تكييف ولا تمثيل وان الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ~~ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وذكر سائر اعتقاد السلف ~~واجماعهم على ذلك # وقال يحيى بن عثمان في ( رسالته ( لا نقول كما قالت الجهمية أنه بداخل ~~الامكنة وممازج كل شيء ولا نعلم أين هو بل نقول ms1245 هو بذاته على عرشه وعلمه ~~محيط بكل شيء وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء وهو معنى قوله @QB@ وهو ~~معكم أين ما كنتم @QE@ # وقال الشيخ العارف ( معمر بن أحمد ( شيخ الصوفية في هذا العصر احببت أن ~~اوصى اصحابى بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل المعرفة ~~والتصوف من المتقدمين والمتأخرين فذكر أشياء من الوصية إلى أن قال فيها وان ~~الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تأويل والاستواء معلوم والكيف مجهول وأنه ~~مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا ~~ملاصقة وانه عز وجل سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ~~ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء ~~بلا كيف ولا تأويل ومن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال PageV05P191 # وقال ~~الامام ( أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابونى ( النيسابورى في كتاب ( ~~الرسالة في السنة ( له ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته ~~على عرشه كما نطق به كتابه وعلماء الامة وأعيان سلف الامة لم يختلفوا أن ~~الله تعالى على عرشه وعرشه فوق سمواته # قال وامامنا أبو عبد الله الشافعى احتج في كتابه ( المبسوط ( في مسألة ~~اعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وان الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها ~~بخبر معاوية بن الحكم وانه اراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة وسأل ~~النبى ( ( عن اعتاقه اياها فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم لا فقال لها ( اين ~~ربك ( فأشارت إلى السماء فقال ( اعتقها فانها مؤمنة ( فحكم بايمانها لما ~~اقرت ان ربها في السماء وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية # وقال الحافظ أبو بكر البيهقى ( ### ||| 2 باب القول في الاستواء 2 # قال الله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ @QB@ ثم استوى على ~~العرش @QE@ @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ ~~@QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ @QB@ أأمنتم من في ~~السماء @QE@ واراد من فوق السماء كما قال @QB@ ولأصلبنكم في جذوع النخل ~~@QE@ بمعنى على جذوع النخل وقال @QB@ فسيحوا ms1246 في الأرض @QE@ أي على الأرض ~~وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلى السماوات فمعنى الاية أأمنتم من على العرش ~~كما صرح به في سائر الآيات قال PageV05P192 وفيما كتبنا من الآيات دلالة ~~على ابطال قول من زعم من الجهمية ان الله بذاته في كل مكان وقوله @QB@ وهو ~~معكم أين ما كنتم @QE@ انما اراد بعلمه لا بذاته # وقال أبو عمر بن عبدالبر في ( شرح الموطأ ( لما تكلم على حديث النزول قال ~~هذا حديث لم يختلف أهل الحديث في صحته وفيه دليل ان الله في السماء على ~~العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة قال ~~وهذا أشهر عند الخاصة والعامة واعرف من ان يحتاج إلى أكثر من حكايته لأنه ~~اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا انكره عليهم مسلم # وقال أبو عمر ايضا اجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل ~~قالوا في تأويل قوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم @QE@ هو على ~~العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله # فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف اذ لم ينقل عنهم غير ذلك اذ هو الحق الظاهر ~~الذى دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فنسأل الله العظيم ان ~~يختم لنا بخير ولسائر المسلمين وان لا يزيغ قلوبنا بعد اذ هدانا بمنه وكرمه ~~انه ارحم الراحمين والحمد لله وحده PageV05P193 ### || 1 ( الإربلية رسالة في الاستواء والنزول حقيقة أم لا ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الاسلام # ركن الشريعة ( أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ( ~~قدس الله روحه ونور ضريحه # عن قول الله عز وجل @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وقوله ( ( ينزل ~~ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ( هل الاستواء والنزول حقيقة أم لا وما معنى ~~كونه حقيقة وهل الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له كما يقوله الاصوليون أم ~~لا وما يلزم من كون آيات الصفات حقيقة ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين القول في الاستواء والنزول كالقول في سائر ~~الصفات التى وصف الله ms1247 بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ( ( فان الله ~~تعالى ( سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات ( سما نفسه حيا عليما حكيما قديرا ~~سميعا بصيرا غفورا رحيما إلى سائر أسمائه الحسنى # قال الله تعالى @QB@ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى @QE@ وقال ~~@QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض @QE@ ~~وقال @QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ PageV05P194 # وقال @QB@ ~~والسماء بنيناها بأيد @QE@ أي بقوة وقال @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء @QE@ وقال ~~عن ملائكته @QB@ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما @QE@ وقال @QB@ رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه @QE@ وقال @QB@ ورضوان من الله أكبر @QE@ وقال @QB@ وغضب الله ~~عليهم ولعنهم @QE@ وقال @QB@ سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ وقال @QB@ منهم من كلم ~~الله @QE@ وقال @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا @QE@ وقال @QB@ إنني معكما ~~أسمع وأرى @QE@ وقال @QB@ وكان الله سميعا بصيرا @QE@ وقال @QB@ ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي @QE@ وقال تعالى @QB@ يحبهم ويحبونه @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وامثال ذلك فالقول في بعض هذه ~~الصفات كالقول في بعض # ومذهب سلف الأمة وأئمتها ان يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به ~~رسوله ( ( من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل فلا يجوز نفى صفات ~~الله تعالى التى وصف بها نفسه ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين بل هو ~~سبحانه @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ ليس كمثله شيء لا في ~~ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله PageV05P195 # وقال نعيم بن حماد الخزاعى من ~~شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف ~~الله به نفسه ورسوله تشبيها # ومذهب السلف بين مذهبين وهدى بين ضلالتين اثبات الصفات ونفى مماثلة ~~المخلوقات فقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ رد على أهل التشبيه ~~والتمثيل وقوله @QB@ وهو السميع البصير @QE@ رد على أهل النفى والتعطيل ~~فالممثل اعشى والمعطل أعمى الممثل يعبد ms1248 صنما والمعطل يعبد عدما # وقد اتفق جميع اهل الاثبات على ان الله حى حقيقة عليم حقيقة قدير حقيقة ~~سميع حقيقة بصير حقيقة مريد حقيقة متكلم حقيقة حتى المعتزلة النفاة للصفات ~~قالوا ان الله متكلم حقيقة كما قالوا مع سائر المسلمين ان الله عليم حقيقة ~~قدير حقيقة بل ذهب طائفة منهم كأبى العباس الناشى إلى أن هذه الاسماء حقيقة ~~لله مجاز للخلق # واما جمهور المعتزلة مع المتكلمة الصفاتية من الاشعرية الكلابية ~~والكرامية والسالمية واتباع الائمة الاربعة من الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية وأهل الحديث والصوفية فانهم يقولون ان هذه الاسماء حقيقة للخالق ~~سبحانه وتعالى وان كانت تطلق على خلقه حقيقة أيضا ويقولون ان له علما حقيقة ~~وقدرة حقيقة وسمعا حقيقة وبصرا حقيقة PageV05P196 وانما ينكر ان تكون هذه ~~الاسماء حقيقة النفاة من القرامطة الاسماعيلية الباطنية ونحوهم من ~~المتفلسفة الذين ينفون عن الله الاسماء الحسنى ويقولون ليس بحى ولا عالم ~~ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا موجود ولا معدوم فهؤلاء ومن ضاهاهم ينفون ~~ان تكون له حقيقة ثم يقول بعضهم ان هذه الاسماء لبعض المخلوقات وانها ليست ~~له حقيقة ولا مجازا # وهؤلاء الذين يسميهم المسلمون الملاحدة لأنهم الحدوا في اسماء الله ~~وآياته وقد قال الله تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا ~~الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ~~الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا @QE@ وهؤلاء شر من المشركين الذين ~~أخبر الله عنهم بقوله @QB@ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ~~أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا @QE@ وقال تعالى @QB@ كذلك أرسلناك في أمة ~~قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل ~~هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب @QE@ # فان اولئك المشركين انما انكروا اسم الرحمن فقط وهم لا ينكرون اسماء الله ~~وصفاته ولهذا كانوا عند المسلمين اكفر من اليهود والنصارى # ولو كانت اسماء الله وصفاته مجازا يصح نفيها عند الاطلاق لكان يجوز ان ~~الله ليس بحى ولا عليم ولا ms1249 قدير ولا سميع ولا بصير ولا يحبهم ولا يحبونه ~~ولا استوى على العرش ونحو ذلك ومعلوم بالاضطرار من دين الاسلام أنه لا يجوز ~~اطلاق النفى على ما اثبته PageV05P197 الله تعالى من الأسماء الحسنى ~~والصفات بل هذا جحد للخالق وتمثيل له بالمعدومات # وقد قال أبو عمر بن عبدالبر أهل السنة مجمعون على الاقرار بالصفات ~~الواردة كلها في القرآن والسنة والايمان بها وحملها على الحقيقة لا على ~~المجاز الا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة واما ( ~~أهل البدع ( من الجهمية والمعتزلة والخوارج فينكرونها ولا يحملونها على ~~الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود لا ~~مثبتون والحق فيما قاله القائلون بما نطق به الكتاب والسنة وهم أئمة ~~الجماعة # وهذا الذى حكاه بن عبدالبر عن المعتزلة ونحوهم هو في بعض ما ينفونه من ~~الصفات وأما فيما يثبتونه من الأسماء والصفات كالحى والعليم والقدير ~~والمتكلم فهم يقولون ان ذلك حقيقة ومن أنكر أن يكون شيء من هذه الأسماء ~~والصفات حقيقة انما أنكره لجهله مسمى الحقيقة أو لكفره وتعطيله لما يستحقه ~~رب العالمين وذلك أنه قد يظن أن اطلاق ذلك يقتضى أن يكون المخلوق مماثلا ~~للخالق فيقال له هذا باطل فان الله موجود حقيقة والعبد موجود حقيقة وليس ~~هذا مثل هذا والله تعالى له ذات حقيقة والعبد له ذات حقيقة وليس ذاته كذوات ~~المخلوقات # وكذلك له علم وسمع وبصر حقيقة وللعبد علم وسمع وبصر حقيقة وليس ~~PageV05P198 علمه وسمعه وبصره مثل علم الله وسمعه وبصره ولله كلام حقيقة ~~وللعبد كلام حقيقة وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين # ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة وللعبد استواء على الفلك حقيقة وليس ~~استواء الخالق كاستواء المخلوقين فان الله لا يفتقر إلى شيء ولا يحتاج إلى ~~شيء بل هو الغنى عن كل شيء # والله تعالى يحمل العرش وحملته بقدرته ويمسك السماوات والأرض أن تزولا ~~فمن ظن ان قول الائمة ان الله مستو على عرشه حقيقة يقتضى أن يكون استواؤه ms1250 ~~مثل استواء العبد على الفلك والأنعام لزمه أن يكون قولهم ان الله له علم ~~حقيقة وسمع حقيقة وبصر حقيقة وكلام حقيقة يقتضى أن يكون علمه وسمعه وبصره ~~وكلامه مثل المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم PageV05P199 ### ||| فصل # وأما قول السائل ما معنى كون ذلك حقيقة ( فالحقيقة ( هو اللفظ المستعمل ~~فيما وضع له وقد يراد بها المعنى الموضوع للفظ الذى يستعمل اللفظ فيه ~~فالحقيقة أو المجاز هي من عوارض الالفاظ في اصطلاح أهل الأصول وقد يجعلونه ~~من عوارض المعانى لكن الأول اشهر وهذه الاسماء والصفات لم توضع لخصائص ~~المخلوقين عند الاطلاق ولا عند الاضافة إلى الله تعالى ولكن عند الاضافة ~~اليهم # فاسم العلم يستعمل مطلقا ويستعمل مضافا إلى العبد كقوله @QB@ شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط @QE@ ويستعمل مضافا ~~إلى الله كقوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ فاذا اضيف ~~العلم إلى المخلوق لم يصلح أن يدخل فيه علم الخالق سبحانه ولم يكن علم ~~المخلوق كعلم الخالق واذا أضيف إلى الخالق كقوله @QB@ أنزله بعلمه @QE@ لم ~~يصلح أن يدخل فيه علم المخلوقين ولم يكن علمه كعلمهم # واذا قيل العلم مطلقا أمكن تقسيمه فيقال العلم ينقسم إلى العلم القديم ~~والعلم المحدث فلفظ العلم عام فيهما متناول لهما بطريق الحقيقة وكذلك اذا ~~PageV05P200 قيل الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن وكذلك اذا قيل في ~~الاستواء ينقسم إلى استواء الخالق واستواء المخلوق وكذلك اذا قيل الارادة ~~والرحمة والمحبة تنقسم إلى ارادة الله ومحبته ورحمته وارادة العبد ومحبته ~~ورحمته # فمن ظن أن ( الحقيقة ( انما تتناول صفة العبد المخلوقة المحدثة دون صفة ~~الخالق كان في غاية الجهل فان صفة الله أكمل وأتم وأحق بهذه الاسماء الحسنى ~~فلا نسبة بين صفة العبد وصفة الرب كما لا نسبة بين ذاته وذاته فكيف يكون ~~العبد مستحقا للأسماء الحسنى حقيقة فيستحق أن يقال له عالم قادر سميع بصير ~~والرب لا يستحق ذلك الا مجازا ومعلوم ان كل كمال حصل للمخلوق فهو من الرب ~~سبحانه وتعالى وله المثل ms1251 الأعلى فكل كمال حصل للمخلوق فالخالق أحق به وكل ~~نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أحق أن ينزه عنه ولهذا كان لله ( المثل ~~الأعلى ( فانه لا يقاس بخلقه ولا يمثل بهم ولا تضرب له الامثال فلا يشترك ~~هو والمخلوق في قياس تمثيل بمثل ولا في قياس شمول تستوى افراده بل ( له ~~المثل الأعلى في السماوات والأرض ( # ومن الناس من يسمى هذه الاسماء ( المشككة ( لكون المعنى في أحد المحلين ~~أكمل منه في الآخر فان الوجود بالواجب أحق منه بالممكن والبياض بالثلج أحق ~~منه بالعاج وأسماؤه وصفاته من هذا الباب فان الله تعالى يوصف بها على ~~PageV05P201 وجه لا يماثل أحدا من المخلوقين وان كان بين كل قسمين قدرا ~~مشتركا وذلك القدر المشترك هو مسمى اللفظ عند الاطلاق فاذا قيد بأحد ~~المحلين تقيد به # فاذا قيل وجود وماهية وذات كان هذا الاسم متناولا للخالق والمخلوق وان ~~كان الخالق أحق به من المخلوق وهو حقيقة فيهما فاذا قيل وجود الله وماهيته ~~وذاته اختص هذا بالله ولم يبق للمخلوق دخول في هذا المسمى وكان حقيقة لله ~~وحده وكذلك اذا قيل وجود المخلوق وذاته اختص ذلك بالمخلوق وكان حقيقة ~~للمخلوق فاذا قيل وجود العبد وماهيته وحقيقته لم يدخل الخالق في هذا المسمى ~~وكان حقيقة للمخلوق وحده والجاهل يظن أن اسم الحقيقة انما يتناول المخلوق ~~وحده وهذا ضلال معلوم الفساد بالضرورة في ( العقول ( و ( الشرائع ( و ( ~~اللغات ( فانه من المعلوم بالضرورة ان بين كل موجودين قدرا مشتركا وقدرا ~~مميزا والدال على ما به الاشتراك وحده لا يستلزم ما به الامتياز ومعلوم ~~بالضرورة من دين المسلمين ان الله مستحق للاسماء الحسنى وقد سمى بعض عباده ~~ببعض تلك الاسماء كما سمى العبد سميعا بصيرا وحيا وعليما وحكيما ورؤوفا ~~رحيما وملكا وعزيزا ومؤمنا وكريما وغير ذلك مع العلم بأن الاتفاق في الاسم ~~لا يوجب مماثلة الخالق بالمخلوق وانما يوجب الدلالة على أن بين المسميين ~~قدرا مشتركا فقط مع أن المميز الفارق أعظم من المشترك الجامع PageV05P202 ~~وأما ( اللغات ( فان جميع أهل اللغات ms1252 من العرب والروم والفرس والترك ~~والبربر وغيرهم يقع مثل هذا في لغاتهم وهو حقيقة في لغات جميع الأمم بل ~~يعلمون ان الله أحق بأن يكون قادرا فاعلا من العبد وان استحقاق اسم الرب ~~القادر له حقيقة أعظم من استحقاق العبد لذلك وكذلك غيره من الاسماء الحسنى # وقول الناس ان بين المسميين قدرا مشتركا لا يريدون بأن يكون في الخارج عن ~~الاذهان امرا مشتركا بين الخالق والمخلوق فانه ليس بين مخلوق ومخلوق في ~~الخارج شيء مشترك بينهما فكيف بين الخالق والمخلوق وانما توهم هذا من توهمه ~~من اهل ( المنطق اليونانى ( ومن اتبعهم حتى ظنوا أن في الخارج ماهيات مطلقة ~~مشتركة بين الأعيان المحسوسة ثم منهم من يجردها عن الأعيان كأفلاطون ومنهم ~~من يقول لا تنفك عن الأعيان كأرسطو وبن سينا واشباههما # وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبينا ما دخل على من اتبعهم ~~من الضلال في هذا الموضع في ( المنطق والالهيات ( حتى ان طوائف من النظار ~~قالوا انا اذا قلنا ان وجود الرب عين ماهيته كما هو قول أهل الاثبات ~~ومتكلمة أهل الصفات كابن كلاب والاشعرى وغيرهما يلزم من ذلك أن يكون لفظ ( ~~الوجود ( مقولا عليهما بالاشتراك اللفظى كما ذكره أبو عبد الله الرازى عن ~~الأشعرى وأبى الحسين البصرى وغيرهم وليس هذا مذهبهم PageV05P203 بل مذهبهم ~~أن لفظ ( الوجود ( مقول بالتواطؤ وأنه ينقسم إلى قديم ومحدث مع قولهم ان ~~وجود الرب عين ماهيته فان لفظ الوجود عندهم كلفظ الماهية # وكما أن الماهية والذات تنقسم إلى قديمة ومحدثة وماهية الرب عين ذاته ~~فكذلك الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث ووجود الرب عين ذاته ووجود العبد عين ~~ذاته وذات الشيء هي ماهيته # فاللفظ من الألفاظ المتواطئة ولكن بالاضافة يخص أحد المسميين والمسميان ~~اذا اشتركا في مسمى الوجود والذات والماهية لم يكن بينهما في الخارج أمر ~~مشترك يكون زائدا على خصوصية كل واحد كما يظنه ارسطو وبن سينا والرازى ~~وأمثالهم بل ليس في الخارج وجود مطلق ولا ماهية مطلقة ولا ذات مطلقة # أما ms1253 المطلق بشرط الاطلاق فقد اتفق هؤلاء وغيرهم على أنه ليس بموجود في ~~الخارج وان على تقدير ثبوته عن افلاطون واتباعه هو قول باطل ضرورة # وأما المطلق لا بشرط فقد يظن أنه في الخارج وأنه جزء من المعين وهذا غلط ~~بل ليس في الخارج الا المعينات وليس في الخارج مطلق يكون جزء معين لكن ~~هؤلاء يريدون بالجزء ما هو صفة ذاتية للموصوف بناء على أن PageV05P204 ~~الموصوف مركب من تلك الصفات التى يسمونها الاجزاء الذاتية كما يقولون ~~الانسان مركب من الحيوان والناطق أو من الحيوانية والناطقية وهذا التركيب ~~تركيب ذهنى فالماهية المركبة في الذهن مركبة من هذه الأمور وهى أجزاء تلك ~~الماهية # وأما الحقيقة الموجودة في الخارج فهي موصوفة بهذه الصفات ولكن كثيرا من ~~هؤلاء اشتبه عليه الوجود الذهنى بالخارجى وهذا الغلط وقع كثيرا في أقوال ~~المتفلسفة فأوائلهم كاصحاب فيثاغورس كانوا يقولون بوجود اعداد مجردة عن ~~المعدودات في الخارج وأصحاب أفلاطون يقولون بوجود المثل الافلاطونية وهى ~~الحقائق المطلقة عن المعينات في الخارج وهذه الحقائق مقارنة للمعينات في ~~الخارج كما اثبتوا جواهر عقلية وهى المجردات كالمادة والهيولى والعقول ~~والنفوس على قول بعضهم # ومن هذا الباب تفريقهم بين الصفات الذاتية المتقدمة للماهية التى تتركب ~~منها الانواع ويسمونها الاجناس والفصول وبين الصفات العارضة اللازمة ~~للماهية التى يسمونها خواصا واعراضا عامة وهذه الخمسة هي الكليات وهى الجنس ~~والفصل والنوع والعرض العام والخاصة وقد وقع بسبب ذلك من الغلط في ( منطقهم ~~( وفى ( الالهيات ( ما ضل به كثير من الخلق وقد نبهنا على ذلك في غير هذا ~~الموضع بما لا يتسع له هذا الموضع # ولهذا كان لفظ المركب PageV05P205 عندهم يقال على خمسة معانى على المركب ~~من الوجود والماهية والمركب من الذات والصفات والمركب من الخاص والعام ~~والمركب من المادة والصورة والقائلون بالجوهر الفرد يثبتون التركيب من ~~الجواهر المفردة # والمحققون من أهل العلم يعلمون ان تسمية مثل هذه المعانى تركيبا امر ~~اصطلاحى وهو اما أمر ذهنى لا وجود له في الخارج واما أن يعود إلى صفات ~~متعددة قائمة بالموصوف ms1254 وهذا حق # فان مذهب أهل السنة والجماعة اثبات الصفات لله تعالى بل صفات الكمال ~~لازمة لذاته يمتنع ثبوت ذاته بدون صفات الكمال اللازمة له بل يمتنع تحقق ~~ذات من الذوات عرية عن جميع الصفات وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أنه اذا قيل هذا انسان فالمشار إليه بهذا المسمى بانسان ~~وليس الانسان المطلق جزءا من هذا وليس الانسان هنا الا مقيدا وانما يوجد ~~مطلقا في الذهن لا في الخارج واذا قيل هذا في الانسانية فالمعنى أن بينهما ~~تشابها فيها لا أن هناك شيئا موجودا في الأعيان يشتركان فيه # فليتدبر اللبيب هذا فانه يحل شبهات كثيرة ومن فهم هذا الموضع تبين له غلط ~~من جعل هذه الأسماء مقولة بالاشتراك اللفظى لا المعنوى وغلط من جعل أسماء ~~الله تعالى أعلاما محضة لا تدل على معان ومن زعم أن في الخارج PageV05P206 ~~حقائق مطلقة يشترك فيها الأعيان وعلم أن ما يستحق الرب لنفسه لا يشركه فيه ~~غيره بوجه من الوجوه ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات # وأما المخلوق فقد يماثله غيره في صفاته لكن لا يشركه في غير ما يستحقه ~~منها والاسماء المتواطئة المقولة على هذا وهذا حقيقة في هذا وهذا فاذا كانت ~~عامة لهما تناولتهما وان كانت مطلقة لم يمنع تصورهما من اشتراكهما فيها وان ~~كانت مقيدة اختصت بمحلها فاذا # قال وجود الله وذات الله وعلم الله وقدرة الله وسمع الله وبصر الله ~~وارادة الله وكلام الله ورحمة الله وغضب الله واستواء الله ونزول الله ~~ومحبة الله وارادة الله ونحو ذلك كانت هذه الاسماء كلها حقيقة لله تعالى من ~~غير أن يدخل فيها شيء من المخلوقات ومن غير أن يماثله فيها شيء من ~~المخلوقات واذا قال وجود العبد وذاته وماهيته وعلمه وقدرته وسمعه وبصره ~~وكلامه واستواؤه ونزوله كان هذا حقيقة للعبد مختصة به من غير أن تماثل صفات ~~الله تعالى # بل ابلغ من ذلك أن الله أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس ~~والمناكح ما ذكره ms1255 في كتابه كما اخبر أن فيها لبنا وعسلا وخمرا ولحما وحريرا ~~وذهبا وفضة وحورا وقصورا ونحو ذلك وقد قال بن عباس ليس في الدنيا مما في ~~الجنة الا الأسماء PageV05P207 # فتلك الحقائق التى في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التى في الدنيا ~~وان كانت مشابهة لها من بعض الوجوه والاسم يتناولها حقيقة ومعلوم أن الخالق ~~أبعد عن مشابهة المخلوق فكيف يجوز أن يظن ان فيما اثبته الله تعالى من ~~أسمائه وصفاته مماثلا لمخلوقاته وأن يقال ليس ذلك بحقيقة وهل يكون أحق بهذه ~~الاسماء الحسنى والصفات العليا من رب السماوات والأرض مع ان مباينته ~~للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق # والجاهل يضل بقول المتكلمين أن العرب وضعوا لفظ الاستواء لاستواء الانسان ~~على المنزل أو الفلك أو استواء السفينة على الجودى ونحو ذلك من استواء بعض ~~المخلوقات فهذا كما يقول القائل انما وضعوا لفظ السمع والبصر والكلام لما ~~يكون محله حدقة واجفانا واصمخة واذنا وشفتين وهذا ضلال في الشرع وكذب وانما ~~وضعوا لفظ الرحمة والعلم والارادة لما يكون محله مضغة لحم وفؤاد وهذا كله ~~جهل منه # فان العرب انما وضعت للانسان ما اضافته إليه فاذا قالت سمع العبد وبصره ~~وكلامه وعلمه وارادته ورحمته فما يخص به يتناول ذلك خصائص العبد واذا قيل ~~سمع الله وبصره وكلامه وعمله وارادته ورحمته كان هذا متناولا لما يخص به ~~الرب لا يدخل في ذلك شيء من خصائص المخلوقين فمن ظن أن هذا الاستواء اذا ~~كان حقيقة يتناول شيئا من صفات المخلوقين مع كون النص قد خصه بالله كان ~~جاهلا جدا بدلالات اللغات ومعرفة الحقيقة والمجاز PageV05P208 # وهؤلاء الجهال يمثلون في ابتداء فهمهم صفات الخالق بصفات المخلوق ثم ~~ينفون ذلك ويعطلونه فلا يفهمون من ذلك الا ما يختص بالمخلوق وينفون مضمون ~~ذلك ويكونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته والحدوا في أسماء ~~الله وآياته وخرجوا عن القياس العقلى والنص الشرعى فلا يبقى بايديهم لا ~~معقول صريح ولا منقول صحيح ثم لابد لهم من اثبات بعض ما يثبته ms1256 أهل الاثبات ~~من الاسماء والصفات فاذا أثبتوا البعض ونفوا البعض قيل لهم ما الفرق بين ما ~~اثبتموه ونفيتموه ولم كان هذا حقيقة ولم يكن هذا حقيقة لم يكن لهم جواب ~~أصلا وظهر بذلك جهلهم وضلالهم شرعا وقدرا # وقد تدبرت كلام عامة من ينفى شيئا مما أثبته الرسل من الأسماء والصفات ~~فوجدتهم كلهم متناقضين فانهم يحتجون لما نفوه بنظير ما يحتج به النافى لما ~~أثبتوه فيلزمهم اما اثبات الامرين واما نفيهما فاذا نفوهما فلابد لهم أن ~~يقولوا بالواجب الوجود وعدمه جميعا وهذا نهاية هؤلاء النفاة الملاحدة ~~الغلاة من القرامطة وغلاة المتفلسفة فانهم اذا أخذوا ينفون النقيضين جميعا ~~فالنقيضان كما أنهما لا يجتمعان فلا يرتفعان # ومن جهة انما يسلبون عنه النقيضين لابد أن يتصوروه وان يعبروا عنه فان ~~التصديق مسبوق بالتصور ومتى تصوروه وعبروا عنه كقولهم الثابت والواجب أو أى ~~شيء قالوه لزمهم فيه من اثبات القدر المشترك نظير ما يلزمهم فيما نفوه ~~PageV05P209 ولا يمكن أن يتصور شيء من ذلك مع قولهم أسماء الله مقولة ~~بالاشتراك اللفظى فقط # فان المشتركين اشتراكا لفظيا لا معنويا كلفظ المشترى المقول على الكوكب ~~والمبتاع وسهيل المقول على الكوكب وعلى بن عمرو فانه اذا سمع المستمع قائلا ~~يقول له جاءنى سهيل بن عمرو وهذا هو المشترى لهذه السلعة لم يفهم من هذا ~~اللفظ كوكبا اصلا الا أن يعرف أن اللفظ موضوع له فاذا لم تكن أسماؤه ~~متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئا أصلا الا أن يعرفوا ما يخص ذاته وهم ~~لم يعرفوا ما يخص ذاته فلم يعرفوا شيئا # ثم ان العلم بانقسام الوجود إلى قديم ومحدث وامثال ذلك علم ضرورى فالقادح ~~سوفسطائى # وكذلك العلم بأن بين الاسمين قدرا مشتركا علم ضرورى واذا قيل أن اللفظ ~~حقيقة فيهما لم يحتج ذلك إلى أن يكون أهل اللغة قد تكلموا باللفظ مطلقا ~~فعبروا عن المعنى المطلق المشترك فان المعانى التى لا تكون الا مضافة إلى ~~غيرها كالحياة والعلم والقدرة والاستواء بل واليد وغير ذلك مما لا يكون الا ~~صفة ms1257 قائمة بغيره أو جسما قائما بغيره بحيث لا يوجد في الخارج مجردا عن محله ~~ولكن اهل النظر لما أرادوا تجريد المعانى الكلية المطلقة عبروا عنها ~~بالألفاظ الكلية المطلقة واهل اللغة في ابتداء خطابهم يقولون مثلا جاء زيد ~~وهذا وجه زيد ويشيرون إلى ما قام به من المجىء والوجه فيفهم المخاطب ذلك ~~PageV05P210 # ثم يقولون تارة أخرى جاء عمرو ورأيت وجه عمرو وجاء الفرس ورأيت وجه الفرس ~~فيفهم المستمع أن بين هذه قدرا مشتركا وقدرا مميزا وان لعمرو مجيئا ووجها ~~نسبته إليه كنسبة مجىء زيد ووجهه إليه فاذا علم أن عمرا مثل زيد علم أن ~~مجيئه مثل مجيئه ووجهه مثل وجهه وان علم أن الفرس ليست مثل زيد بل تشابهه ~~من بعض الوجوه علم أن مجيئها ووجهها ليس مجىء زيد ووجهه بل تشبهه في بعض ~~الوجوه # وكذلك اذا قيل جاءت الملائكة ورأت الأنبياء وجوه الملائكة علم أن ~~للملائكة مجيئا ووجوها نسبتها اليها كنسبة مجىء الانسان ووجهه إليه ثم ~~معرفته بحقيقة ذلك تبع معرفته بحقيقة الملائكة فان كان لا يعرف الملائكة ~~الا من جهة الجملة ولا يتصور كيفيتهم كان ذلك في مجيئهم ووجوههم لا يعرفها ~~الا من حيث الجملة ولا يتصور كيفيتها # وكذلك اذا قيل جاءت الجن فاللفظ في جميع هذه المواضع يدل على معانيها ~~بطريق الحقيقة بل اذا قيل حقيقة الملك وماهيته ليست مثل حقيقة الجنى ~~وماهيته كان لفظ الحقيقة والماهية مستعملا فيهما على سبيل الحقيقة وكان من ~~الأسماء المتواطئة مع أن المسميات قد صرح فيها بنفى التماثل وكذلك اذا قيل ~~خمر الدنيا ليس كمثل خمر الآخرة ولا ذهبها مثل ذهبها ولا لبنها مثل لبنها ~~ولا PageV05P211 عسلها مثل عسلها كان قد صرح في ذلك بنفى التماثل مع أن ~~الاسم مستعمل فيها على سبيل الحقيقة # ونظائر هذا كثيرة فانه لو قال القائل هذا المخلوق ما هو مثل هذا المخلوق ~~وهذا الحيوان الذى هو الناطق ليس مثل الحيوان الذى هو الصامت أو هذا اللون ~~الذى هو الابيض ليس مثل الاسود أو الموجود الذى هو ms1258 الخالق ليس هو مثل ~~الموجود الذى هو المخلوق ونحو ذلك كانت هذه الاسماء مستعملة على سبيل ~~الحقيقة في المسميين الذين صرح بنفى التماثل بينهما فالأسماء المتواطئة ~~انما تقتضى أن يكون بين المسميين قدرا مشتركا وان كان المسميان مختلفين أو ~~متضادين # فمن ظن أن أسماء الله تعالى وصفاته اذا كانت حقيقة لزم أن يكون مماثلا ~~للمخلوقين وان صفاته مماثلة لصفاتهم كان من أجهل الناس وكان أول كلامه ~~سفسطة وآخره زندقة لأنه يقتضى نفى جميع أسماء الله تعالى وصفاته وهذا هو ~~غاية الزندقة والالحاد # ومن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز كان متناقضا ~~في قوله متهافتا في مذهبه مشابها لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض # واذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور تبين له أن مذهب السلف والأئمة ~~PageV05P212 في غاية الاستقامة والسداد والصحة والاطراد وأنه مقتضى المعقول ~~الصريح والمنقول الصحيح وان من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف الذى يؤفك ~~عنه من افك خارجا عن موجب العقل والسمع مخالفا للفطرة والسمع والله يتم ~~نعمته علينا وعلى سائر اخواننا المسلمين المؤمنين ويجمع لنا ولهم خير ~~الدنيا والآخرة # وهذا لا تعلق له بصفات الله تعالى قال بعضهم قد قال الله تعالى @QB@ ~~واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ~~ولا يهديهم سبيلا @QE@ فقد ذم الله من اتخذ الها جسدا و ( الجسد ( هو الجسم ~~فيكون الله قد ذم من اتخذ الها هو جسم واثبات هذه الصفات يستلزم أن يكون ~~جسما وهذا منتف بهذا الدليل الشرعى فهذا خلاصة ما يقوله من يزعم أنه يعتمد ~~في ذلك على الشرع فيقال له هذا باطل من وجوه # ( أحدها ( أن هذا اذا دل انما يدل على نفى أن يكون جسدا لا على نفى أن ~~يكون جسما والجسم في اصطلاح هؤلاء نفاة الصفات اعم من الجسد فان الجسم ~~ينقسم عندهم إلى كثيف ولطيف بخلاف الجسد # فان أردت بقولك الجسم اللغوى وهو الذى قال أهل اللغة أنه هو PageV05P213 ~~الجسد قيل لك ms1259 لا يلزم من اثبات الاستواء على العرش أن يكون جسدا وهو الجسم ~~اللغوى فانا نعلم بالضرورة ان الهواء يعلو على الأرض وليس هو بجسد والجسد ~~هو الجسم اللغوى # فقول القائل لو كان مستويا على العرش لكان جسما والجسم هو الجسد والجسد ~~منتف بالشرع كلام ملبس # فانه ان عنى بالجسم الجسد كانت المقدمة الاولى ممنوعة فان عاقلا لا يقول ~~أنه لو كان فوق العرش لكان جسدا ولا يقول عاقل انه لو كان له علم وقدرة ~~لكان جسدا ولا يقول عاقل أنه لو كان يرى ويتكلم لكان جسدا وبدنا # فان الملائكة لهم علم وقدرة وترى وتتكلم وكذلك الجن وكذلك الهواء يعلو ~~على غيره وليس بجسد # وان عنى بالجسم ما يعنيه أهل الكلام من أنه الذى يشار إليه وجعلوا كل ما ~~يشار إليه جسما وكل ما يرى جسما أو كل ما يمكن أنه يرى أو يوصف بالصفات فهو ~~جسم أو كل ما يعلو على غيره ويكون فوقه فهو جسم # فيقال له فالجسد والجسم بهذا التفسير الكلامى ليس هو جسدا في لغة العرب ~~بل هو منقسم إلى غليظ ورقيق إلى ما هو جسد والى ما ليس بجسد PageV05P214 ~~ولذا يقول الفقهاء النجاسة ان كانت متجسدة كالميتة فحكمها كذا وان كانت غير ~~متجسدة كالبول فحكمها كذا # واذا قدر أن الدليل دل على أنه ليس بجسد لم يلزم أن لا يكون جسما بهذا ~~الاصطلاح لأن الجسم أعم عندهم من الجسد ولا يلزم من نفى الخاص نفى العام ~~كما اذا قلت ليس هو بانسان فانه لا يلزم أنه ليس بحيوان # فلفظ الجسم فيه اشتراك بين معناه في اللغة ومعناه في عرف أهل الكلام فاذا ~~كان معناه في اللغة هو معنى الجسد وهذا منتف بما ذكر من الدليل بطل قول من ~~نفى الاستواء بالذات أو غيره من الصفات بأنه لو كان موصوفا بذلك لكان جسما ~~فان التلازم حينئذ منتف فاحدى المقدمتين باطلة اما الاولى واما الثانية # ونظير هذا أن يقول لو كان له علم وقدرة لكان محلا للاعراض وما ms1260 كان محلا ~~للاعراض فهو محل الآفات والعيوب فلا يكون قدوسا ولا سلاما لأن أهل اللغة ~~قالوا العرض بالتحريك ما يعرض للانسان من مرض ونحوه فلو جاز أن تقوم به هذه ~~لكان تعالى وتقدس معيبا ناقصا وهو سبحانه مقدس عن ذلك اذ هو السلام القدوس # فيقال لفظ العرض مشترك بين ما ذكر من معناه في اللغة وبين معناه في عرف ~~أهل الكلام فان معناه عند من يسمى العلم والقدرة PageV05P215 مطلقا عرضا ما ~~قام بغيره كالحياة والعلم والقدرة والحركة والسكون ونحو ذلك # وآخرون يقولون هو ما لا يبقى زمانين ويقولون ان صفات الخالق باقية بخلاف ~~ما يقوم بالمخلوقات من الصفات فانها لا تبقى زمانين # والمقصود هنا أنه اذا قال لو قام به العلم والقدرة لكان عرضا وما قام به ~~العرض قامت به الآفات كلام فيه تلبيس فان احدى المقدمتين باطلة # فان لفظ العرض ان فسر بالصفة فالمقدمة الثانية باطلة وان فسر بما يعرض ~~للانسان من المرض ونحوه فالمقدمة الأولى باطلة # ونظير ذلك أن يقول لو كان قد استوى على العرش لكان قد أحدث حدثا وقامت به ~~الحوادث لأن الاستواء فعل حادث كان بعد أن لم يكن فلو قام به الاستواء ~~لقامت به الحوادث ومن قامت به الحوادث فقد أحدث حدثا والله تعالى منزه عن ~~ذلك لقول النبى ( ( لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا ( ولقوله ( واياكم ~~ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة ( # فانه يقال له الحادث في اللغة ما كان بعد ان لم يكن والله تعالى يفعل ما ~~يشاء فما من فعل يفعله الا وقد حدث بعد ان لم يكن PageV05P216 وأما ~~المحدثات التى ذكرها النبى ( ( فهي المحدثات في الدين وهو أن يحدث الرجل ~~بدعة في الدين لم يشرعها الله والاحداث في الدين مذموم من العباد والله ~~يحدث ما يشاء لا معقب لحكمه # فاللفظ المشتبه المجمل اذا خص في الاستدلال وقع فيه الضلال والاضلال وقد ~~قيل ان أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الاسماء # الوجه الثانى ( في بيان بطلان ما ذكر من ms1261 الاستدلال أن يقال ان الله ~~سبحانه منزه أن يكون من جنس شيء من المخلوقات لا أجساد الادميين ولا ~~ارواحهم ولا غير ذلك من المخلوقات فانه لو كان من جنس شيء من ذلك بحيث تكون ~~حقيقته كحقيقته للزم أن يجوز على كل منهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما ~~يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه وهذا ممتنع لانه يستلزم أن يكون القديم ~~الواجب الوجود بنفسه غير قديم واجب الوجود بنفسه وأن يكون المخلوق الذى ~~يمتنع غناه غنيا يمتنع افتقاره إلى الخالق وأمثال ذلك من الأمور المتناقضة ~~والله تعالى نزه نفسه ان يكون له كفو أو مثل أو سمى أو ند # فهذه الادلة الشرعية والعقلية يعلم بها تنزه الله تعالى أن يكون من جنس ~~اجساد الآدميين أو غيرها من المخلوقات لكن المستدل على ذلك بقوله ~~PageV05P217 @QB@ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار @QE@ ~~استدل بحجة ضعيفة فان ( الجسد ( وان كان قد قال الجوهرى وغيره ان الجسد هو ~~البدن يقال منه تجسد كما يقال من الجسم تجسم والجسد ايضا الزعفران ونحوه من ~~الصبغ وهو الدم أيضا كما قال النابغة # وما أريق على الأصنام من جسد %~% # فليس المراد بالجسد في القرآن لا هذا ولا هذا فليس المراد من العجل أن له ~~بدنا مثل بدن الآدميين ولا بدنا كأبدان البقر فان العجل لم يكن كذلك والعرب ~~تقول جسد به الدم يجسد جسدا اذا لصق به فهو جاسد وجسد # قال الشاعر # ساعد به جسد مورس %~% من الدماء مائع ويبس # والجسد الأحمر ~~والمجسد ما اشبع صبغه من الثياب لكمال ما لصق به من الصبغ فاللفظ فيه معنى ~~التكاثف والتلاصق ولهذا يقول الفقهاء نجاسة متجسدة وغير متجسدة وهو في ~~القرآن يراد به الجسد المصمت المتلاصق المتكاثف أو الذى لا حياة فيه وقد ~~ذكر الله تعالى لفظة الجسد في أربعة مواضع # فقال تعالى @QB@ وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام @QE@ وقال تعالى ~~PageV05P218 @QB@ وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب @QE@ وقال @QB@ واتخذ قوم ~~موسى من بعده من ms1262 حليهم عجلا جسدا له خوار @QE@ وقال تعالى @QB@ فأخرج لهم ~~عجلا جسدا له خوار @QE@ كأنه عجل مصمت لا جوف له وقد يقال أنه لا حياة فيه ~~خار خورة ولم يقل عجلا له جسد له بدن له جسم لأنه من المعلوم أن كل عجل له ~~جسد هو بدنه وهو جسمه والعجل المعروف جسد فيه روح # والمقصود انما أخرجه كان جسدا مصمتا لا روح فيه حتى تبين نقصه وأنه كان ~~مسلوب الحياة والحركة # وقد روى أنه انما خار خورة واحدة وقد يقال ان اريد بالجسد المصمت أو ~~الغليظ ونحوه فلم قيل ان ذلك ذكر لبيان نقصه من هذا الوجه بل من هذا الوجه ~~ضلوا به وانما كان النقص من جهة @QB@ أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا @QE@ ~~وقد يقال اذا كان لا حياة فيه فالنقص كان فيه من جهة عدم الحياة وغيرها من ~~صفات الكمال لا من جهة كونه له بدن أو ليس له بدن فالآدمى له بدن # ولو أخرج لهم عجلا كسائر العجول أو آدميا كاملا أو فرسا حيا أو جملا أو ~~غير ذلك من الحيوان لكان أيضا له بدن ولكان ذلك اعجوبة عظيمة وكانت الفتنة ~~به أشد ولكن الله سبحانه بين أن المخرج كان موصوفا بصفات النقص يحقق ذلك ~~PageV05P219 # الوجه الثالث ( وهو أنه سبحانه قال @QB@ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا @QE@ فلم يذكر فيما عابه به كونه ذا جسد ولكن ذكر فيما عابه ~~به @QB@ أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا @QE@ ولو كان مجرد كونه ذا بدن ~~عيبا ونقصا لذكر ذلك # فعلم أن الآية تدل على نقص حجة من يحتج بها على أن كون الشيء ذا بدن عيبا ~~ونقصا وهذه الحجة نظير احتجاجهم بالافول فانهم غيروا معناه في اللغة وجعلوه ~~الحركة فظنوا أن إبراهيم احتج بذلك على كونه ليس رب العالمين ولو كان كما ~~ذكروه لكان حجة عليهم لا لهم # ( الوجه الرابع ( ان الله تعالى وصفه بكونه عجلا جسدا له خوار ثم قال ~~@QB@ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ms1263 @QE@ وقال في السورة الأخرى ~~@QB@ فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ~~@QE@ فلم يقتصر في وصفه على مجرد كونه جسدا بل وصفه بأن له خوارا وبين أنه ~~لا يكلمهم ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا # فالموجب لنقصه اما أن يكون مجموع الصفات أو بعضها أو كل واحد منها فان ~~كان المجموع لم يدل على أن نقصها واحدة نقص وان كان بعضها فليس كونه جسدا ~~باولى من كونه له خوار وليس هذا وهذا بأولى من كونه مسلوب PageV05P220 ~~التكلم والقدرة على النفع والضر وان كان كل منهما فمعلوم أنهم انما ضلوا ~~بخواره ونحو ذلك والله تعالى انما احتج عليهم بعدم التكلم والقدرة على ~~النفع والضر # ( الوجه الخامس ( أنه ليس في القرآن دلالة على أن كونه جسدا وكونه له ~~خوار صفة نقص وانما الذى دل عليه القرآن ان كونه لا يكلمهم ولا يقدر على ~~نفعهم وضرهم نقص يبين ذلك ان الخوار هو الصوت والانسان الذى يصوت ويقال خار ~~يخور الثور وهو يكلم غيره وقد يهديه السبيل # والله سبحانه بين أن صفات العجل ناقصة عن صفات الانسان الذى يكلم غيره ~~ويهديه فالعابد اكمل من المعبود يبين هذا أنه لو كلمهم لكان ايضا مصوتا فلو ~~كان ذكر الصوت لبيان نقصه لبطل الاستدلال بقوله تعالى @QB@ ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم @QE@ فان تكليمه لهم لو كلمهم انما كان يكون بصوت يسمعونه منه فعلم ~~أن ذكر التصويت لم يكن لكونه صفة نقص فكذلك ذكر الجسد # وبالجملة من ذكر أن القرآن دل على هذا وهذا هو العيب الذى عابه به وجعله ~~دليلا على نفى الهيته فقد قال على القرآن ما لا يدل عليه بل هو على نقيضه ~~أدل PageV05P221 # ( الوجه السادس ( أن الله تعالى ذكر عن الخليل ( ( أنه قال @QB@ يا أبت ~~لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا @QE@ وقال تعالى قال @QB@ ~~هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم ms1264 أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون @QE@ فاحتج على نفى الهيتها بكونها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا ~~تضر مع كون كل منهما له بدن وجسم سواء كان حجرا أو غيره # فلو كان مجرد هذا الاحتجاج كافيا لذكره إبراهيم الخليل وغيره من الانبياء ~~عليهم أفضل الصلاة والسلام بل انما احتجوا بمثل ما احتج الله به من نفى ~~صفاة الكمال عنها كالتكلم والقدرة والحركة وغير ذلك # ( الوجه السابع ( أن يقال ما ذكره الله تعالى اما أن يكون دالا على ان ~~الاله سبحانه موصوف ببعض هذه الصفات واما ان لا يدل فان لم يدل بطل ما ~~ذكروه وان دل فهو يدل على اثبات صفات الكمال لله تعالى وهو التكليم للعباد ~~والسمع والبصر والقدرة والنفع والضر # وهذا يقتضى أن تكون الآيات دليلا على اثبات الصفات لا على نفيها ونفاة ~~الصفات انما نفوها لزعمهم ان اثباتها يقتضى التجسيم والتجسيد فالآيات التى ~~احتجوا بها هي عليهم لا لهم # وهذا أمر قد وجدناه مطردا في عامة ما يحتج به نفاة الصفات من الآيات ~~فانما تدل على نقيض مطلوبهم لا على مطلوبهم PageV05P222 # ( الوجه الثامن ( أنه اذا كان كل جسم جسدا وكل ما عبد من دون الله تعالى ~~من الشمس والقمر والكواكب والاوثان وغير ذلك اجساما وهى اجساد فان كان الله ~~ذكر هذا في العجل لينفى به عنه الالهية لزم ان يطرد هذا الدليل في جميع ~~المعبودات # ومعلوم أن الله لم يذكر هذا في غير العجل أنه ذكر كونه جسدا لبيان سبب ~~افتتانهم به لا أنه جعل ذلك هو الحجة عليهم بل احتج عليهم بكونه لا يكلمهم ~~ولا يهديهم سبيلا # ( الوجه التاسع ( أنه سبحانه قال في الأعراف @QB@ ألهم أرجل يمشون بها أم ~~لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها @QE@ ~~وللناس في هذه الآية قولان # ( أحدهما ( أنه وصفهم بهذه النقائص ليبين أن العابد أكمل من المعبود ( ~~الثانى ( أنه ذكر ذلك لأن المعبود يجب أن يكون موصوفا بنقيض هذه الصفات فان ms1265 ~~قيل بالقول الأول أمكن أن يقال بمثله في آية العجل فلا يكون فيه تعرض لصفات ~~الاله وان قيل بالثانى وجب أن يتصف الرب تعالى بما نفاه عن الاصنام # وحينئذ فان كانت هذه الامور اجساما كانت هذه الدلالة معارضة PageV05P223 ~~لما ذكر في تلك الآية وان لم تكن أجساما بطل نفيهم لها عن الله تعالى ووجب ~~أن يوصف الله عز وجل بما جاء به الكتاب والسنة من الايدى وغيرها ولا يجب أن ~~تكون اجساما ولا يكون ذلك تجسيما واذا لم يكن هذا تجسيما فاثبات العلو أولى ~~ان لا يكون تجسيما فدل على أنه لا يكون تجسيما فدل على أن الشرع مناقض لما ~~ذكروه # الوجه العاشر ( أن يقال دلالة الكتاب والسنة على اثبات صفات الكمال وأنه ~~نفسه فوق العرش أعظم من أن تحصر كقوله ( إليه يصعد الكلم الطيب ( وقوله ( ~~بل رفعه الله إليه ( وقوله ( تعرج الملائكة والروح إليه ( وقوله ( ان الذين ~~عند ربك ( # وقد قيل ان ذلك يبلغ ثلاثمائة آية وهى دلائل جلية بينة مفهومة من القرآن ~~معقولة من كلام الله تعالى # فان كان اثبات هذا يستلزم أن يكون الله جسما وجسدا لم يمكن دفع موجب هذه ~~النصوص بما ذكر في قصة العجل لأنه ليس فيها ان مجرد كونه جسدا هو النقص ~~الذى عابه الله وجعله مانعا من الهيته وان كان اثبات العلو والصفات لا ~~يستلزم ان يكون جسما وجسدا بطل اصل كلامهم في ان عمدتهم ان اثبات العلو ~~يقتضى التجسيم والتجسد فاذا سلموا انه لا يستلزم التجسيم والتجسد لم يكن ~~لهم دليل على نفى ذلك PageV05P224 # وحينئذ فاذا دلت قصة العجل أو غيرها على امتناع كون الرب تعالى جسدا أو ~~جسما لم يكن بين النصوص منافاة بل يوصف بأنه نفسه فوق العرش وينفى عنه ما ~~يجب نفيه عنه سبحانه وتعالى # والمقصود أن الشرع ليس فيه ما يوافق النفاة للعلو وغيره من الصفات بوجه ~~من # الوجوه والله سبحانه وتعالى أعلم PageV05P225 ### || 1 ( رسالة في الجمع بين علو الرب وبين قربه ) 1 # ! 8 < قال شيخ الإسلام ms1266 فصل # في الجمع بين ( علو الرب عز وجل وبين قربه ( من داعيه وعابديه فنقول قد ~~وصف الله نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش ~~والفوقية في كتابه في آيات كثيرة حتى قال بعض كبار اصحاب الشافعى في القرآن ~~ألف دليل أو ازيد تدل على أن الله عال على الخلق وأنه فوق عباده # وقال غيره فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك مثل قوله @QB@ إن الذين عند ربك ~~@QE@ @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن عنده @QE@ فلو كان المراد بأن ~~معنى ( عنده ( في قدرته كما يقول الجهمية لكان الخلق كلهم في قدرته ومشيئته ~~لم يكن فرق بين من في السماوات ومن في الأرض ومن عنده كما ان الاستواء لو ~~كان المراد به الاستيلاء لكان مستويا على جميع المخلوقات ولكان مستويا على ~~العرش قبل أن يخلقه دائما # والاستواء مختص بالعرش بعد خلق السماوات والأرض كما أخبر بذلك في ~~PageV05P226 كتابه فدل على أنه تارة كان مستويا عليه وتارة لم يكن مستويا ~~عليه ولهذا كان العلو من الصفات المعلومة بالسمع مع العقل عند ائمة المثبتة ~~واما الاستواء على العرش فمن الصفات المعلومة بالسمع لا بالعقل # والمقصود أنه تعالى وصف نفسه أيضا بالمعية والقرب # والمعية معيتان عامة وخاصة # فالاولى كقوله @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ والثانية كقوله @QB@ إن ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ إلى غير ذلك من الآيات # وأما ( القرب ( فهو كقوله @QB@ فإني قريب @QE@ وقوله @QB@ ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد @QE@ @QB@ ونحن أقرب إليه منكم @QE@ # وقد افترق الناس في هذا المقام ( اربع فرق ( # ( فالجهمية النفاة ( الذين يقولون ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا ~~فوق ولا تحت لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته بل الجميع عندهم متأول أو مفوض # وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص كالخوارج والشيعة والقدرية والرافضة ~~والمرجئة وغيرهم الا الجهمية فانهم ليس معهم عن الانبياء كلمة واحدة توافق ~~ما يقولونه من النفى ولهذا قال بن المبارك ويوسف بن اسباط PageV05P227 أن ~~الجهمية خارجون عن الثلاث والسبعين فرقة وهذا أحد الوجهين لاصحاب ms1267 أحمد ~~ذكرهما أبو عبد الله بن حامد وغيره # ( وقسم ثان ( يقولون أنه بذاته في كل مكان كما يقوله النجارية وكثير من ~~الجهمية عبادهم وصوفيتهم وعوامهم يقولون أنه عين وجود المخلوقات كما يقوله ~~( أهل الوحدة ( القائلون بأن الوجود واحد ومن يكون قوله مركبا من الحلول ~~والاتحاد وهم يحتجون بنصوص ( المعية والقرب ( ويتأولون نصوص ( العلو ~~والاستواء ( وكل نص يحتجون به حجة عليهم فان المعية أكثرها خاصة بأنبيائه ~~وأوليائه وعندهم أنه في كل مكان # وفى النصوص ما يبين نقيض قولهم فانه قال @QB@ سبح لله ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ فكل من في السماوات والأرض يسبح والمسبح ~~غيرالمسبح ثم قال @QB@ له ملك السماوات @QE@ فبين أن الملك له ثم قال @QB@ ~~هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم @QE@ وفى الصحيح ( أنت ~~الاول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ~~وأنت الباطن فليس دونك شيء فاذا كان هو الأول كان هناك ما يكون بعده واذا ~~كان آخرا كان هناك ما الرب بعده واذا كان ظاهرا ليس فوقه شيء كان هناك ما ~~الرب ظاهر عليه واذا كان باطنا ليس دونه شيء كان هناك اشياء نفى عنها أن ~~تكون دونه PageV05P228 ولهذا قال ( بن عربى ( من اسمائه الحسنى ( العلى ( ~~على من يكون عليا وما ثم الا هو وعلى ماذا يكون عليا وما يكون الا هو فعلوه ~~لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها ~~وليست الا هو ثم قال قال الخراز وهو وجه من وجوه الحق ولسان من السنته ينطق ~~عن نفسه بأن الله يعرف بجمعه بين الاضداد فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في ~~حال ظهوره وما ثم من تراه غيره وما ثم من بطن عنه سواه فهو ظاهر لنفسه وهو ~~باطن عن نفسه وهو المسمى ( أبو سعيد الخراز ( # ( والمعية ( لا تدل على الممازجة والمخالطة وكذلك لفظ القرب فان عند ~~الحلولية أنه في حبل الوريد كما هو عندهم في سائر الاعيان وكل هذا ms1268 كفر وجهل ~~بالقرآن # ( والقسم الثالث ( من يقول هو فوق العرش وهو في كل مكان ويقول انا أقر ~~بهذه النصوص وهذه لا أصرف واحدا منها عن ظاهره وهذا قول طوائف ذكرهم ~~الأشعرى في ( المقالات الاسلامية ( وهو موجود في كلام طائفة من السالمية ~~والصوفية # ويشبه هذا ما في كلام أبى طالب المكى وبن برجان وغيرهما مع ما في كلام ~~أكثرهما من التناقض ولهذا لما كان أبو على الأهوازى الذى صنف ( مثالب بن ~~أبى بشر ( ورد على أبى القاسم بن عساكر هو من السالمية وكذلك ذكر ( الخطيب ~~البغدادى ( ان جماعة أنكروا على أبى طالب كلامه في الصفات PageV05P229 وهذا ~~الصنف الثالث وان كان أقرب إلى التمسك بالنصوص وأبعد عن مخالفتها من ~~الصنفين الاولين # فان الأول لم يتبع شيئا من النصوص بل خالفها كلها # ( والثانى ( ترك النصوص الكثيرة المحكمة المبينة وتعلق بنصوص قليلة ~~اشتبهت عليه معانيها # واما هذا الصنف فيقول أنا اتبعت النصوص كلها لكنه غالط ايضا # فكل من قال ان الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة واجماع سلف ~~الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده ولصريح المعقول وللأدلة ~~الكثيرة وهؤلاء يقولون أقوالا متناقضة يقولون انه فوق العرش ويقولون نصيب ~~العرش منه كنصيب قلب العارف كما يذكر مثل ذلك أبو طالب وغيره ومعلوم أن قلب ~~العارف نصيبه منه المعرفة والايمان وما يتبع ذلك فان قالوا ان العرش كذلك ~~نقضوا قولهم أنه نفسه فوق العرش وان قالوا بحلوله بذاته في قلوب العارفين ~~كان هذا قولا بالحلول الخالص # وقد وقع في ذلك طائفة من ( الصوفية ( حتى صاحب ( منازل السائرين ( في ~~توحيده المذكور في آخر المنازل في مثل هذا الحلول ولهذا كان أئمة القوم ~~يحذرون من مثل هذا سئل ( الجنيد ( عن التوحيد فقال هو افراد الحدوث عن ~~القدم فبين أنه لابد للموحد من التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق ~~PageV05P230 فلا يختلط أحدهما بالآخر وهؤلاء يقولون في أهل المعرفة ما ~~قالته النصارى في المسيح والشيعة في ائمتها وكثير من الحلولية والاباحية ~~ينكر على الجنيد ms1269 وأمثاله من شيوخ أهل المعرفة المتبعين للكتاب والسنة ما ~~قالوه من نفى الحلول وما قالوه في اثبات الامر والنهى ويرى أنهم لم يكملوا ~~معرفة الحقيقة كما كملها هو وأمثاله من الحلولية والاباحية # وأما ( القسم الرابع ( فهم سلف الأمة وأئمتها أئمة العلم والدين من شيوخ ~~العلم والعبادة فانهم اثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من ~~غير تحريف للكلم أثبتوا ان الله تعالى فوق سمواته وانه على عرشه بائن من ~~خلقه وهم منه بائنون وهو ايضا مع العباد عموما بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه ~~بالنصر والتأييد والكفاية وهو ايضا قريب مجيب ففى آية النجوى دلالة على أنه ~~عالم بهم # وكان النبى ( ( يقول ( اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ( ~~فهو سبحانه مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه ولا يلزم من هذا أن تكون ~~ذاته مختلطة بذواتهم كما قال @QB@ محمد رسول الله والذين معه @QE@ أى ( معه ~~( على الايمان لا أن ذاتهم في ذاته بل هم مصاحبون له وقوله @QB@ فأولئك مع ~~المؤمنين @QE@ يدل على موافقتهم في الايمان وموالاتهم فالله تعالى عالم ~~بعباده وهو معهم أينما كانوا وعلمه بهم من لوازم المعية كما قالت المرأة ~~زوجى طويل النجاد عظيم الرماد قريب البيت من الناد فهذا كله PageV05P231 ~~حقيقة ومقصودها أن تعرف لوازم ذلك وهو طول القامة والكرم بكثرة الطعام وقرب ~~البيت من موضع الاضياف # وفى القرآن @QB@ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم @QE@ الآية فانه يراد برؤيته ~~وسمعه اثبات علمه بذلك وأنه يعلم هل ذلك خير أم شر فيثيب على الحسنات ~~ويعاقب على السيئات # وكذلك اثبات القدرة على الخلق كقوله @QB@ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا ~~في السماء @QE@ وقوله @QB@ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما ~~يحكمون @QE@ والمراد التخويف بتوابع السيئات ولوازمها من العقوبة والانتقام # وهكذا كثيرا ما يصف الرب نفسه بالعلم وبالأعمال تحذيرا وتخويفا وترغيبا ~~للنفوس في الخير # ويصف نفسه بالقدرة والسمع والرؤية والكتاب فمدلول اللفظ مراد منه وقد ~~أريد أيضا لازم ذلك المعنى فقد اريد ما يدل عليه ms1270 اللفظ في أصل اللغة ~~بالمطابقة وبالالتزام فليس اللفظ مستعملا في اللازم فقط بل أريد به مدلوله ~~الملزوم وذلك حقيقة # وأما لفظ ( القرب ( فقد ذكره تارة بصيغة المفرد وتارة بصيغة الجمع ~~PageV05P232 # فالأول انما جاء في اجابة الداعى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع @QE@ وكذلك في الحديث ( أربعوا على أنفسكم فانكم لا تدعون ~~اصم ولا غائبا انما تدعون سميعا قريبا ان الذى تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق ~~راحلته ( وجاء بصيغة الجمع في قوله @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ ~~وهذا مثل قوله @QB@ نتلوا عليك @QE@ @QB@ نحن نقص عليك @QE@ @QB@ فإذا ~~قرأناه @QE@ و @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه @QE@ و @QB@ علينا بيانه @QE@ ~~فالقرآن هنا حين يسمعه من جبريل والبيان هنا بيانه لمن يبلغه القرآن # ومذهب سلف الأمة وأئمتها وخلفها أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( سمع ~~القرآن من جبريل وجبريل سمعه من الله عز وجل # وأما قوله @QB@ نتلوا @QE@ و @QB@ نقص @QE@ @QB@ فإذا قرأناه @QE@ فهذه ~~الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم الذى له أعوان يطيعونه فاذا فعل أعوانه ~~فعلا بأمره قال نحن فعلنا كما يقول الملك نحن فتحنا هذا البلد وهزمنا هذا ~~الجيش ونحو ذلك لأنه انما يفعل بأعوانه والله تعالى رب الملائكة وهم لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ولا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون وهو مع هذا خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم وهو غنى عنهم وليس هو ~~كالملك الذى يفعل أعوانه بقدرة وحركة يستغنون بها عنه فكان قوله لما فعله ~~بملائكته نحن فعلنا أحق وأولى من قول بعض الملوك PageV05P233 # وهذا اللفظ هو من ( المتشابه ( الذى ذكر أن النصارى احتجوا به على النبى ~~( ( على التثليث لما وجدوا في القرآن @QB@ إنا فتحنا لك @QE@ ونحو ذلك ~~فذمهم الله حيث تركوا المحكم من القرآن أن الاله واحد وتمسكوا بالمتشابه ~~الذى يحتمل الواحد الذى معه نظيره والذى معه أعوانه الذين هم عبيده وخلقه ~~واتبعوا المتشابه يبتغون بذلك الفتنة وهى فتنة القلوب بتوهم آلهة متعددة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم فانهما قولان ~~للسلف ms1271 وكلاهما حق # فمن قال أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله قال أن تأويله ما يؤول ~~إليه وهو ما أخبر القرآن عنه في قوله ( إنا ( ونحن هم الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض وأولئك لا يعلم عددهم الا ~~الله ولا يعلم صفتهم غيره ولا يعلم كيف يأمرهم يفعلون الا هو قال تعالى ~~@QB@ وما يعلم جنود ربك إلا هو @QE@ وكل من الملائكة وان علم حال نفسه ~~وغيره فلا يعلم جميع الملائكة ولا جميع ما خلق الله من ذلك # ومن قال ان الراسخين يعلمون تأويله قال ( التأويل ( هو التفسير وهو اعلام ~~الناس بالخطاب # فالراسخون في العلم يعلمون تفسير القرآن كله وما بين الله من معانيه كما ~~استفاضت بذلك الآثار عن السلف فالراسخون في العلم يعلمون أن قوله ~~PageV05P234 ( نحن ( ان الله فعل ذلك بملائكته وان كانوا لا يعرفون عدد ~~الملائكة ولا أسماءهم ولا صفاتهم وحقائق ذواتهم ليس الراسخون كالجهال الذين ~~لا يعرفون ( إنا ( و ( نحن ( بل يقولون ألفاظا لا يعرفون معانيها أو يجوزون ~~أن تكون الآلهة ثلاثة متعددة أو واحدا لا أعوان له ومن هذا قول الله تعالى ~~@QB@ الله يتوفى الأنفس @QE@ فانه سبحانه يتوفاها برسله كما قال @QB@ توفته ~~رسلنا @QE@ @QB@ يتوفاكم ملك الموت @QE@ فانه يتوفاها برسله الذين مقدمهم ~~ملك الموت وقوله @QB@ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه @QE@ هو قراءة جبريل له عليه ~~والله قرأه بواسطة جبريل كما قال @QB@ أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~@QE@ فهو مكلم لمحمد بلسان جبريل وارساله إليه وهذا ثابت للمؤمنين كما قال ~~تعالى @QB@ قد نبأنا الله من أخباركم @QE@ وانباء الله لهم انما كان بواسطة ~~محمد اليهم وكذلك قوله @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا @QE@ @QB@ وما ~~أنزل عليكم من الكتاب والحكمة @QE@ فهو أنزل على المؤمنين بواسطة محمد # وكذلك ذوات الملائكة تقرب من ذات المحتضر وقوله @QB@ ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد @QE@ فانه سبحانه هو وملائكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد كما ~~ثبت في الصحيحين ( اذا هم العبد بحسنة فلم يعملها قال الله لملائكته ~~اكتبوها له حسنة ms1272 فان عملها قال اكتبوها له عشر حسنات واذا هم بسيئة ~~PageV05P235 إلى آخر الحديث فالملائكة يعلمون ما يهم به من حسنة وسيئة و ( ~~الهم ( انما يكون في النفس قبل العمل وابلغ من ذلك أن الشيطان يجرى من بن ~~آدم مجرى الدم وهو يوسوس له بما يهواه فيعلم ما تهواه نفسه # فقوله @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ هو قرب ذوات الملائكة وقرب ~~علم الله منه وهو رب الملائكة والروح وهم لا يعلمون شيئا الا بأمره فذاتهم ~~أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إليه من بعض ~~ولهذا قال في تمام الآية @QB@ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد @QE@ وهذا كقوله @QB@ أم يحسبون ~~أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون @QE@ فقوله ( إذ ( ظرف ~~فأخبر أنهم @QB@ أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ حين يتلقى المتلقيان ما يقول ~~@QB@ عن اليمين @QE@ قعيد @QB@ وعن الشمال قعيد @QE@ ثم قال @QB@ ما يلفظ ~~من قول إلا لديه رقيب عتيد @QE@ أى شاهد لا يغيب # فهذا كله خبر عن الملائكة فقوله @QB@ فإني قريب @QE@ و هو اقرب إلى أحدكم ~~من عنق راحلته فهذا انما جاء في الدعاء لم يذكر أنه قريب من العباد في كل ~~حال وانما ذكر ذلك في بعض الأحوال وقد قال في الحديث ( اقرب ما يكون العبد ~~من ربه وهو ساجد ( # وقال تعالى @QB@ واسجد واقترب @QE@ والمراد القرب من الداعى في سجوده كما ~~قال ( وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ( فأمر ~~PageV05P236 بالاجتهاد في الدعاء في السجود مع قرب العبد من ربه وهو ساجد ~~وقد أمر المصلى أن يقول في سجوده ? < سبحان ربى الأعلى > ? رواه اهل السنن # وكذلك حديث بن مسعود ( اذا سجد العبد فقال في سجوده سبحان ربى الأعلى ~~ثلاثا فقد تم سجوده وذلك أدناه ( رواه أبو داود وفى حديث حذيفة الذى رواه ~~مسلم ( أنه ( ( صلى بالليل صلاة قرأ فيها بالبقرة والنساء وآل عمران ثم ركع ~~ثم سجد نحو قراءته يقول ms1273 في ركوعه سبحان ربى العظيم وفى سجوده سبحان ربى ~~الأعلى ( وذلك أن السجود غاية الخضوع والذل من العبد وغاية تسفيله وتواضعه ~~بأشرف شيء فيه لله وهو وجهه بأن يضعه على التراب فناسب في غاية سفوله ان ~~يصف ربه بأنه الاعلى والاعلى أبلغ من العلى فان العبد ليس له من نفسه شيء ~~هو باعتبار نفسه عدم محض وليس له من الكبرياء والعظمة نصيب # وكذلك في ( العلو في الأرض ( ليس للعبد فيه حق فانه سبحانه ذم من يريد ~~العلو في الأرض كفرعون وابليس وأما المؤمن فيحصل له العلو بالايمان لا ~~بارادته له كما قال تعالى ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون ان كنتم ~~مؤمنين ( # فلما كان السجود غاية سفول العبد وخضوعه سبح اسم ربه الأعلى فهو سبحانه ~~الأعلى والعبد الأسفل كما أنه الرب والعبد العبد وهو الغنى والعبد ~~PageV05P237 الفقير وليس بين الرب والعبد الا محض العبودية فكلما كملها قرب ~~العبد إليه لأنه سبحانه بر جواد محسن يعطى العبد ما يناسبه فكلما عظم فقره ~~إليه كان أغنى وكلما عظم ذله له كان أعز فان النفس لما فيها من أهوائها ~~المتنوعة وتسويل الشيطان لها تبعد عن الله حتى تصير ملعونة بعيدة من الرحمة ~~( واللعنة ( هي البعد ومن أعظم ذنوبها ارادة العلو في الأرض والسجود فيه ~~غاية سفولها قال تعالى @QB@ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين @QE@ # وفى الصحيح ( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ( وقال لابليس ~~@QB@ فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها @QE@ وقال @QB@ وكلمة الله هي ~~العليا @QE@ فهذا وصف لها ثابت لكن من اراد أن يعلى غيرها جوهد وقال ( من ~~قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ( # و ( كلمة الله ( هي خبره وأمره فيكون أمره مطاعا مقدما على أمر غيره ~~وخبره مصدق مقدم على خبر غيره وقال @QB@ ويكون الدين كله لله @QE@ والدين ( ~~هو العبادة والطاعة والذل ونحو ذلك يقال دنته فدان أى ذللته فذل كما # قيل # هو دان الرباب اذكر هو الدين %~% دراكا بغزوة ms1274 وصيال # ثم دانت بعد الرباب وكانت %~% كعذاب عقوبة الاقوال PageV05P238 # فاذا كانت العبادة والطاعة والذل له تحقق أنه اعلى في نفوس العباد عندهم ~~كما هو الأعلى في ذاته كما تصير كلمته هي العليا في نفوسهم كما هي العليا ~~في نفسها وكذلك التكبير يراد به أن يكون عند العبد أكبر من كل شيء كما قال ~~( ( لعدى بن حاتم يا عدى ما يفرك أيفرك أن يقال لا اله الا الله فهل تعلم ~~من اله الا الله يا عدى ما يفرك ايفرك ان يقال الله أكبر فهل من شيء أكبر ~~من الله ( وهذا يبطل قول من جعل أكبر بمعنى كبير # وقد قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( انا معاشر الانبياء ديننا واحد ( ~~وهو الاسلام وهو الاستسلام لله لا لغيره بأن تكون العبادة والطاعة له والذل ~~وهو حقيقة لا اله الا الله # ولا ريب أن ما سوى هذا لا يقبل وهو سبحانه يطاع في كل زمان بما امر به في ~~ذلك الزمان فلا اسلام بعد مبعث محمد ( ( الا فيما جاء به وطاعته وهى ملة ~~إبراهيم التى لا يرغب عنها الا من سفه نفسه وهو ( الأمة ( الذى يؤتم به كما ~~أن ( القدوة ( هو الذى يقتدى به وهو ( الامام ( كما في قوله ( انى جاعلك ~~للناس اماما ( وهو ( القانت ( والقنوت دوام الطاعة وهو الذى يطيع الله ~~دائما والحنيف المستقيم إلى ربه دون ما سواه # وقوله ( من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلى ذراعا ~~PageV05P239 تقربت إليه باعا ومن أتانى يمشى أتيته هرولة ( فقرب الشيء من ~~الشيء مستلزم لقرب الآخر منه لكن قد يكون قرب الثانى هو اللازم من قرب ~~الاول ويكون منه ايضا قرب بنفسه فالاول كمن تقرب إلى مكة أو حائط الكعبة ~~فكلما قرب منه قرب الآخر منه من غير أن يكون منه فعل والثانى كقرب الانسان ~~إلى من يتقرب هو إليه كما تقدم في هذا الاثر الالهى فتقرب العبد إلى الله ~~وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة مثل قوله @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ms1275 ربهم الوسيلة أيهم أقرب @QE@ @QB@ فأما إن كان من المقربين @QE@ @QB@ ~~عينا يشرب بها المقربون @QE@ @QB@ ولا الملائكة المقربون @QE@ @QB@ ومن ~~المقربين @QE@ وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضته عليه ( الحديث وفى ~~الحديث ( اقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر ( # وقد بسطنا الكلام على هذه الاحاديث ومقالات الناس في هذا المعنى في ( ~~جواب الاسئلة المصرية على الفتيا الحموية ( فهذا قرب الرب نفسه إلى عبده ~~وهو مثل نزوله إلى السماء الدنيا وفى الحديث الصحيح ( ان الله يدنو عشية ~~عرفة ( الحديث فهذا القرب كله خاص وليس في الكتاب والسنة قط قرب ذاته من ~~جميع المخلوقات في كل حال فعلم بذلك بطلان قول الحلولية فانهم عمدوا إلى ~~الخاص المقيد فجعلوه عاما مطلقا # كما جعل اخوانهم ( الاتحادية ( ذلك في مثل قوله ( كنت سمعه ( وفى قوله ( ~~فيأتيهم في صورة غير صورته ( وان الله قال على لسان نبيه ( سمع الله لمن ~~حمده PageV05P240 وكل هذه النصوص حجة عليهم فاذا فصل تبين ذلك فالداعى ~~والساجد يوجه روحه إلى الله والروح لها عروج يناسبها فتقرب من الله تعالى ~~بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب فيكون الله عز وجل منها قريبا قربا يلزم من ~~قربها ويكون منه قرب آخر كقربه عشية عرفة وفى جوف الليل والى من تقرب منه ~~شبرا تقرب منه ذراعا وفى الزهد لأحمد عن عمران القصير ان موسى عليه السلام ~~قال ( يا رب اين أبغيك قال أبغنى عند المنكسرة قلوبهم انى أدنو منهم كل يوم ~~باعا لولا ذلك لانهدموا فقد يشبه هذا قوله ( قسمت الصلاة بينى وبين عبدى ~~نصفين ( إلى آخره # وظاهر قوله @QB@ فإني قريب @QE@ يدل على أن القرب نعته ليس هو مجرد ما ~~يلزم من قرب الداعى والساجد ودنوه عشية عرفة هو لما يفعله الحاج ليلتئذ من ~~الدعاء والذكر والتوبة والا فلو قدر أن أحدا لم يقف بعرفة لم يحصل منه ~~سبحانه ذلك الدنو اليهم فانه يباهى الملائكة بأهل عرفة فاذا قدر أنه ليس ~~هناك أحد لم يحصل فدل ذلك على قربه منهم بسبب تقربهم إليه ms1276 كما دل عليه ~~الحديث الآخر # والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد ~~في غير ذلك الوقت وهذا مناسب لنزوله إلى السماء الدنيا وقوله ( هل من داع ~~هل من سائل هل من تائب ( # ثم ان هذا النزول هل هو كدنوه عشية عرفة معلق بأفعال فان في بلاد ~~PageV05P241 الكفر ليس فيهم من يقوم الليل فلا يحصل لهم هذا النزول كما ان ~~دنوه عشية عرفة لا يحصل لغير الحجاج في سائر البلاد اذ ليس لها وقوف مشروع ~~ولا مباهاة الملائكة وكما أن تفتيح ابواب الجنة وتغليق ابواب النار وتصفيد ~~الشياطين اذا دخل شهر رمضان انما هو للمسلمين الذين يصومونه لا الكفار ~~الذين لا يرون له حرمة # وكذلك اطلاعه يوم بدر وقوله لهم ( اعملوا ما شئتم ( كان مختصا بأولئك أم ~~هو عام فيه كلام ليس هذا موضعه # والكلام في هذا ( القرب ( من جنس الكلام في نزوله كل ليلة ودنوه عشية ~~عرفة وتكليمه لموسى من الشجرة وقوله ( ان بورك من في النار ومن حولها ( وقد ~~بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وذكرنا ما قاله السلف في ذلك كحماد ~~بن زيد واسحاق وغيرهما من أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش ~~وبينا أن هذا هو الصواب وان كان طائفة ممن يدعى السنة يظن خلو العرش منه ~~وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في ذلك مصنفا وزيف قول من قال انه ~~ينزل ولا يخلو منه العرش وضعف ما نقل في ذلك عن أحمد في رسالة مسدد وقال ~~انها مكذوبة على أحمد وتكلم على راويها البردعى أحمد بن محمد وقال انه ~~مجهول لا يعرف في اصحاب أحمد ( وطائفة ( تقف لا تقول يخلو ولا لا يخلو ~~وتنكر على من يقول ذلك PageV05P242 منهم الحافظ عبدالغنى المقدسى واما من ~~يتوهم أن السماوات تنفرج ثم تلتحم فهذا من أعظم الجهل وان وقع فيه طائفة من ~~الرجال # وأما من لا يعتقد أن الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله لا ms1277 بخلو ولا بغير ~~خلو وقال بعض أكابرهم لبعض المثبتين ينزل أمره فقال من عند من ينزل أنت ليس ~~عندك هناك أحد أثبت أنه هناك ثم قل ينزل أمره وهذا نظير قول إسحاق بن ~~راهوية بحضرة الامير عبد الله بن طاهر # والصواب قول السلف أنه ينزل ولا يخلو منه العرش وروح العبد في بدنه لا ~~تزال ليلا ونهارا إلى أن يموت ووقت النوم تعرج وقد تسجد تحت العرش وهى لم ~~تفارق جسده وكذلك ( اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ( وروحه في بدنه ~~وأحكام الارواح مخالف لأحكام الأبدان فكيف بالملائكة فكيف برب العالمين # والليل يختلف فيكون ثلثه بالمشرق قبل أن يكون ثلثه بالمغرب ونزوله الذى ~~أخبر به رسوله إلى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم والى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم ~~لا يشغله شأن عن شأن وكذلك قربه من الداعى المتقرب إليه والساجد لكل واحد ~~بحسبه حيث كان واين كان والرجلان يسجدان في موضع واحد ولكل واحد قرب يخصه ~~لا يشركه فيه الآخر PageV05P243 # والنصوص الواردة فيها الهدى والشفاء والذى بلغها بلاغا مبينا هو أعلم ~~الخلق بربه وأنصحهم لخلقه وأحسنهم بيانا وأعظمهم بلاغا فلا يمكن أحد أن ~~يعلم ويقول مثل ما علمه الرسول وقاله وكل من من الله عليه ببصيرة في قلبه ~~تكون معه معرفة بهذا ثم قال تعالى @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل ~~إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد @QE@ وقال في ضدهم @QB@ ~~والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم @QE@ وقوله تعالى @QB@ والظاهر @QE@ ضمن معنى العالى كما ~~قال @QB@ فما اسطاعوا أن يظهروه @QE@ ويقال ظهر الخطيب على المنبر وظاهر ~~الثوب أعلاه بخلاف بطانته وكذلك ظاهر البيت اعلاه وظاهر القول ما ظهر منه ~~وبان وظاهر الانسان خلاف باطنه فكلما علا الشيء ظهر ولهذا قال ( أنت الظاهر ~~فليس فوقك شيء ( فأثبت الظهور وجعل موجب الظهور أنه ليس فوقه شيء ولم يقل ~~ليس شيء ابين منك ولا أعرف # وبهذا تبين خطأ ms1278 من فسر ( الظاهر ( بأنه المعروف كما يقوله من يقول الظاهر ~~بالدليل الباطن بالحجاب كما في كلام أبى الفرج وغيره فلم يذكر مراد الله ~~ورسوله وان كان الذى ذكره له معنى صحيح وقال ( انت الباطن فليس دونك شيء ( ~~فيهما معنى الاضافة لابد أن يكون البطون والظهور لمن PageV05P244 يظهر ~~ويبطن وان كان فيهما معنى التجلى والخفاء ومعنى آخر كالعلو في الظهور فانه ~~سبحانه لا يوصف بالسفول # وقد بسطنا هذا في الاحاطة لكن انما يظهر من الجهة العالية علينا فهو يظهر ~~علما بالقلوب وقصدا له ومعاينة اذا رئي يوم القيامة وهو باد عال ليس فوقه ~~شيء ومن جهة اخرى يبطن فلا يقصد منها ولا يشهد وان لم يكن شيء ادنى منه ~~فانه من ورائهم محيط فلا شيء دونه سبحانه PageV05P245 ### ||| فصل في تمام الكلام في القرب # والرب سبحانه لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل بل هو سبحانه يكلم ~~العباد يوم القيامة ويحاسبهم لا يشغله هذا عن هذا # قيل لابن عباس كيف يكلمهم يوم القيامة كلهم في ساعة واحدة قال كما يرزقهم ~~في ساعة واحدة وقد قال ( ( ما منكم من أحد الا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم ~~بالقمر ليلة البدر ( # والله سبحانه في الدنيا يسمع دعاء الداعين ويجيب السائلين مع اختلاف ~~اللغات وفنون الحاجات والواحد منا قد يكون له قوة سمع يسمع كلام عدد كثير ~~من المتكلمين كما أن بعض المقرئين يسمع قراءة عدة لكن لا يكون الا عددا ~~قليلا قريبا منه والواحد منا يجد في نفسه قربا ودنوا وميلا إلى بعض الناس ~~الحاضرين والغائبين دون بعض ويجد تفاوت ذلك الدنو والقرب والرب تعالى واسع ~~عليم وسع سمعه الاصوات كلها وعطاؤه الحاجات كلها PageV05P246 # ومن الناس من غلط فظن أن قربه من جنس حركة بدن الانسان اذا مال إلى جهة ~~انصرف عن الاخرى وهو يجد عمل روحه يخالف عمل بدنه فيجد نفسه تقرب من نفوس ~~كثير من الناس من غير أن ينصرف قربها إلى هذا عن قربها إلى هذا وكذلك يجد ~~في نفسه ms1279 خضوعا لبعض الناس ومحبة ويجد فيها نأيا وبعدا عن آخرين وارتفاعا ~~واقبالا على قوم واعراضا عن قوم غير ما هو قائم بالبدن # ففى الجملة ما نطق به الكتاب والسنة من قرب الرب من عابديه وداعيه هو ~~مقيد مخصوص لا مطلق عام لجميع الخلق فبطل قول الحلولية كما قال @QB@ وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب @QE@ فهذا قربه من داعيه # واما قربه من عابديه ففى مثل قوله @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب @QE@ وقوله ( ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما ~~افترضته عليه ( وقال ( من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ( فهذا قربه إلى ~~عبده وقرب عبده إليه ودنوه عشية عرفة إلى السماء الدنيا لا يخرج عن القسمين ~~فانه ( ( قال ( افضل الدعاء دعاء يوم عرفة ( فدنوه لدعائهم # وأما نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة فان كان لمن يدعوه ويسأله ويستغفره ~~فان ذلك الوقت يحصل فيه من قرب الرب إلى عابديه ما لا يحصل في غيره ~~PageV05P247 فهو من هذا وان كان مطلقا فيكون بسبب الزمان لكونه يصلح لهذا ~~وان لم يقع فيه # ونظيره ( ساعة الاجابة ( يوم الجمعة روى انها مقيدة بفعل الجمعة وهى من ~~حين يصعد الامام على المنبر إلى أن تنقضى الصلاة ولهذا تكون مقيدة بفعل ~~الجمعة فمن لم يصل الجمعة لغير عذر ويعتقد وجوبها لم يكن له فيها نصيب وأما ~~من كانت عادته الجمعة ثم مرض أو سافر فانه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح ~~مقيم وكذلك المحبوس ونحوه فهؤلاء لهم مثل أجر من شهد الجمعة فيكون دعاؤهم ~~كدعاء من شهدها # وقد تكون الرحمة التى تنزل على الحجاج عشية عرفة وعلى من شهد الجمعة ~~تنتشر بركاتها إلى غيرهم من اهل الأعذار فيكون لهم نصيب من اجابة الدعاء ~~وحظ مع من شهد ذلك كما في شهر رمضان فهذا موجود لمن يحبهم ويحب ما هم فيه ~~من العبادة فيحصل لقلبه تقرب إلى الله ويود لو كان معهم # وأما الكافر والمنافق الذى لا يرى الحج برا ولا الجمعة فرضا وبرا ms1280 بل هو ~~معرض عن محبة ذلك وارادته فهذا قلبه بعيد عن رحمة الله فان رحمة الله قريب ~~من المحسنين وهذا ليس منهم # وروى في ساعة الجمعة أنها آخر النهار فيكون سببها الوقت # وقد ثبت في الصحيح أن في الليل ساعة يستجاب الدعاء فيها كما في يوم ~~الجمعة وذلك كل ليلة واقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر ~~PageV05P248 ### ||| فصل # وأما قرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه فهذا أمر معروف لا يجهل ~~فان القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الايمان والمعرفة والذكر والخشية ~~والتوكل وهذا متفق عليه بين الناس كلهم بخلاف القرب الذى قبله فان هذا ~~ينكره الجهمى الذى يقول ليس فوق السماوات رب يعبد ولا اله يصلى له ويسجد ~~وهذا كفر وفند # والاول تنكره الكلابية ومن يقول لا تقوم الامور الاختيارية به # ومن اتباع ( الأشعرى ( من اصحاب أحمد وغيره من يجعل الرضا والغضب والفرح ~~والمحبة هي الارادة وتارة يجعلونها صفات أخرى قديمة غير الارادة وهذا القرب ~~الذى في القلب المتفق عليه هو قرب المثال العلمى في الحقيقة وذلك مستلزم ~~لمحبته فان من احب شخصا تمثل في قلبه ووجده قريبا إلى قلبه واذا ذكره حضر ~~في قلبه وقد يحصل للانسان بمحبوبة المخلوق فناء عن نفسه كما قال القائل غبت ~~بك عنى فظننت أنك أنى PageV05P249 ومنه قول القائل # حاضر في القلب أبصره %~% لست أنساه فاذكره # وقول الآخر # مثالك في عينى وذكرك في فمى %~% ومثواك في قلبى فأين تغيب # وهذا هو ( المثل الأعلى ( الذى قال الله فيه @QB@ وله المثل الأعلى @QE@ ~~وكقوله @QB@ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله @QE@ @QB@ وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض @QE@ وهو ( المثل ( في قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ~~فانه سبحانه لا يماثله شيء اصلا فنفسه المقدسة لا يماثلها شيء من الموجودات ~~وصفاتها لا يماثلها شيء من الصفات وما في القلوب من معرفته لا يماثله شيء ~~من المعارف ومحبته لا يماثلها شيء فله ( المثل الأعلى ( كما أنه في نفسه ~~الأعلى وقد قال تعالى @QB@ مثلهم ms1281 كمثل الذي استوقد نارا @QE@ @QB@ ومثل ~~الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة ~~أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ~~@QE@ وغير ذلك PageV05P250 ويشبه مثل هذا بمثل هذا وذلك يتضمن تشبيه ذات ~~هذا بذات هذا فان الخبر عن الأشياء انما يكون بعد معرفتها وهو سبحانه أخبر ~~اولا عن ( المثل العلمى ( الذى يسمى الصورة الذهنية ثم اذا كان الخبر صادقا ~~فانه يستدل به على أن الحقيقة مطابقة لما تصوره ولهذا كان الناس انما ~~يعبرون عن الشيء ويصفونه بما يعرفونه وتتنوع اسماؤه عندهم لتنوع ما يعرفونه ~~من صفاته # ومن رأى الله عز وجل في المنام فانه يراه في صورة من الصور بحسب حال ~~الرائى ان كان صالحا رآه في صورة حسنة ولهذا رآه النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ( في أحسن صورة # و ( المشاهدات ( التى قد تحصل لبعض العارفين في اليقظة كقول بن عمر لابن ~~الزبير لما خطب إليه ابنته في الطواف أتحدثنى في النساء ونحن نتراءى الله ~~عز وجل في طوافنا وأمثال ذلك انما يتعلق بالمثال العلمى المشهود لكن رؤية ~~النبى ( ( لربه فيها كلام ليس هذا موضعه فان بن عباس قال رآه بفؤاده مرتين ~~فالنبى ( ( مخصوص بما لم يشركه فيه غيره # وهذا المثال العلمى يتنوع في القلوب بحسب المعرفة بالله والمحبة له تنوعا ~~لا ينحصر بل الخلق في ايمانهم ( بالله ( و ( كتابه ( و ( رسوله ( متنوعون ~~PageV05P251 فلكل منهم في قلبه للكتاب والرسول مثال علمى بحسب معرفته مع ~~اشتراكهم في الايمان بالله وبكتابه وبرسوله فهم متنوعون في ذلك متفاضلون ~~وكذلك ايمانهم بالمعاد والجنة والنار وغير ذلك من أمور الغيب وكذلك ما يخبر ~~به الناس بعضهم بعضا من أمور الغيب هو كذلك بل يشاهدون الأمور ويسمعون ~~الأصوات وهم متنوعون في الرؤية والسماع فالواحد منهم يتبين له من حال ~~المشهود ما لم يتبين للآخر حتى قد يختلفون فيثبت هذا ما لا يثبت الآخر فكيف ~~فيما اخبروا به من الغيب والنبى ( صلى الله عليه وسلم ( أخبرهم عن ms1282 الغيب ~~بأحاديث كثيرة وليس كلهم سمعها مفصلة والذين سمعوا ما سمعوا ليس كلهم فهم ~~مراده بل هم متفاضلون في السمع والفهم كتفاضل معرفتهم وايمانهم بحسب ذلك ~~حتى يثبت أحدهم أمورا كثيرة والآخر لا يثبتها لا سيما من علق بقلبه شبه ~~النفاة فهو ينفى ما اثبته الكتاب والسنة وما عليه أهل الحق # وهذا يبين لك أن هؤلاء كلهم مؤمنون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر وان ~~كانوا متفاضلين في الايمان الا من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~واتبع غير سبيل المؤمنين # ثم هم يتفاضلون في العلم والارادة فاذا كان أحدهم أكثر محبة لله وذكرا ~~وعبادة كان الايمان عنده أقوى وارسخ من حيث المحبة والعبادة لله وان كان ~~لغيره من العلم بالأسماء والصفات ما ليس له PageV05P252 # فصاحب المحبة والذكر والتأله يحصل له من حضور الرب في قلبه وأنسه به ما ~~لا يحصل لمن ليس مثله # وكذلك الايمان بالرسول قد يكون أحد الشخصين أعلم بصفاته والآخر أكثر محبة ~~له وكذلك الأشخاص المشهورون قد يكون الرجل أعلم بما رأى والآخر أكثر محبة ~~له و ( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ( ~~وتعارفها تناسبها وتشابهها فيما تعلمه وتحبه وتكرهه # وكثير من هؤلاء العباد الذى يشهد قلبه الصورة المثالية ويفنى فيما شهده ~~يظن أنه رأى الله بعينه لأنه لما استولى على قلبه سلطان الشهود ولم يبق له ~~عقل يميز به والمشاهد للامور هو القلب لكن تارة شاهدها بواسطة الحس الظاهر ~~وتارة بنفسه فلا يبقى أيضا يميز بين الشهودين فان غاب عن الفرق بين ~~الشهودين ظن أنه رآه بعينه وان غاب عن الفرق بين الشاهد والمشهود ظن أنه هو ~~كما يحكى عن أبى يزيد أنه قال ليس في الجبة الا الله وكما قال الآخر غبت بك ~~عنى فظننت انك انى وكان المحبوب قد القى نفسه في الماء فألقى المحب نفسه ~~خلفه # وهذا كله من قوة شهود القلب وضعف العقل بمنزلة ما يراه النائم فانه لغيبة ~~عقله بالنوم يظن أن ما يراه ms1283 هو بعينه الظاهرة وما يسمعه يسمعه PageV05P253 ~~بأذنه الظاهرة وما يتكلم به يتكلم به بلسانه بالحس الظاهر وعينه مغمضة ~~ولسانه ساكت وقد يقوى تصوره الخيالى في النوم حتى يتصل بالحس الظاهر فيبقى ~~النائم يقرأ بلسانه ويتكلم بلسانه تبعا لخياله ومع هذا فعقله غائب لا يشعر ~~بذلك كما يحصل مثل ذلك للسكران والمجنون وغيرهما # ولهذا جاءت الشريعة بأن القلم مرفوع عن النائم والمجنون والمغمى عليه ولم ~~يختلفوا الا فيمن زال عقله بسبب محرم # وهذا يبين أن كل من اقر بالله فعنده من الايمان بحسب ذلك ثم من لم تقم ~~عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده وهذا يبين أن عامة أهل ~~الصلاة مؤمنون بالله ورسوله وان اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته الا ~~من كان منافقا يظهر الايمان بلسانه ويبطن الكفر بالرسول فهذا ليس بمؤمن وكل ~~من أظهر الاسلام ولم يكن منافقا فهو مؤمن له من الايمان بحسب ما أوتيه من ~~ذلك وهو ممن يخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الايمان ويدخل في ~~هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم # ولو كان لا يدخل الجنة الا من يعرف الله كما يعرفه نبيه ( ( لم تدخل أمته ~~الجنة فانهم أو أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة بل يدخلونها PageV05P254 ~~وتكون منازلهم متفاضلة بحسب ايمانهم ومعرفتهم # واذا كان الرجل قد حصل له ايمان يعرف الله به وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز ~~عنه لم يحمل ما لا يطيق وان كان يحصل له بذلك فتنة لم يحدث بحديث يكون له ~~فيه فتنة # فهذا اصل عظيم في تعليم الناس ومخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التى ~~اشتركوا في سماعها كالقرآن والحديث المشهور وهم مختلفون في معنى ذلك والله ~~أعلم # وصلى الله على محمد وآله وصحبه PageV05P255 ### |||| سئل شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله # عن رجلين اختلفا في الإعتقاد فقال أحدهما من لا يعتقد ان الله سبحانه ~~وتعالى في السماء فهو ضال وقال الآخر ان الله سبحانه لا ينحصر في مكان وهما ~~شافعيان ms1284 فبينوا لنا ما نتبع من عقيدة ( الشافعى ( رضى الله عنه وما الصواب ~~في ذلك ### ||||| الجواب # الحمد لله اعتقاد الشافعى رضى الله عنه واعتقاد ( سلف الاسلام ( ~~كمالك والثورى والأوزاعى وبن المبارك وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وهو ~~اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض وأبى سليمان الدارانى وسهل بن ~~عبد الله التسترى وغيرهم فانه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في اصول ~~الدين # وكذلك أبو حنيفة رحمة الله عليه فان الإعتقاد الثابت عنه في التوحيد ~~والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد هؤلاء واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة ~~والتابعون لهم باحسان وهو ما نطق به الكتاب والسنة PageV05P256 قال الشافعى ~~في أول خطبة ( الرسالة ( الحمد لله الذى هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه ~~به خلقه فبين رحمه الله ان الله موصوف بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان ~~رسوله ( ( # وكذلك قال أحمد بن حنبل لا يوصف الله الا بما وصف به نفسه أو وصفه به ~~رسوله ( ( من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل يثبتون له ما ~~اثبته لنفسه من الاسماء الحسنى والصفات العليا ويعلمون أنه ( ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير ( لا في صفاته ولا في ذاته ولا في أفعاله إلى أن قال وهو ~~الذى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش وهو ~~الذى كلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا ولا يماثله شيء من الأشياء في ~~شيء من صفاته فليس كعلمه علم أحد ولا كقدرته قدرة أحد ولا كرحمته رحمة أحد ~~ولا كاستوائه استواء أحد ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره ولا كتكليمه ~~تكليم أحد ولا كتجليه تجلى أحد # والله سبحانه قد أخبرنا أن في الجنة لحما ولبنا وعسلا وماء وحريرا وذهبا # وقد قال بن عباس رضى الله عنهما ليس في الدنيا مما في الآخرة الا الاسماء ~~PageV05P257 # فاذا كانت هذه المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة مع ~~اتفاقها في الأسماء فالخالق أعظم علوا ومباينة لخلقه من ms1285 مباينة المخلوق ~~للمخلوق وان اتفقت الأسماء # وقد سمى نفسه حيا عليما سميعا بصيرا وبعضها رءوفا رحيما وليس الحى كالحى ~~ولا العليم كالعليم ولا السميع كالسميع ولا البصير كالبصير ولا الرؤوف ~~كالرؤوف ولا الرحيم كالرحيم # وقال في سياق حديث الجارية المعروف ( أين الله قالت في السماء ( لكن ليس ~~معنى ذلك ان الله في جوف السماء وان السماوات تحصره وتحويه فان هذا لم يقله ~~أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هم متفقون على أن الله فوق سمواته على عرشه ~~بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته # وقد قال مالك بن أنس ان الله فوق السماء وعلمه في كل مكان إلى أن قال فمن ~~اعتقد أن الله في جوف السماء محصور محاط به وانه مفتقر إلى العرش أو غير ~~العرش من المخلوقات أو ان استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه فهو ~~ضال مبتدع جاهل ومن اعتقد أنه ليس فوق السماوات اله يعبد ولا على العرش رب ~~يصلى له ويسجد وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه ولا نزل القرآن من عنده فهو ~~معطل فرعونى ضال مبتدع وقال بعد كلام طويل والقائل الذى قال من لم يعتقد أن ~~الله في السماء فهو ضال PageV05P258 ان أراد بذلك من لا يعتقد أن الله في ~~جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به فقد أخطأ # وان أراد بذلك من لم يعتقد ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة ~~وأئمتها من أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فقد اصاب فانه من لم ~~يعتقد ذلك يكون مكذبا للرسول ( ( متبعا لغير سبيل المؤمنين بل يكون في ~~الحقيقة معطلا لربه نافيا له فلا يكون له في الحقيقة اله يعبده ولا رب ~~يسأله ويقصده وهذا قول الجهمية ونحوهم من اتباع فرعون المعطل # والله قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم اذا دعوا الله توجهت قلوبهم ~~إلى العلو ولا يقصدونه تحت أرجلهم # ولهذا قال بعض العارفين ما قال عارف قط يا ms1286 الله الا وجد في قلبه قبل أن ~~يتحرك لسانه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة # وذكر من بعد كلام طويل الحديث ( كل مولود يولد على الفطرة ( ولأهل الحلول ~~والتعطيل في هذا الباب شبهات يعارضون بها كتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ( وما أجمع سلف الأمة وأئمتها وما فطر الله عليه عباده وما دلت ~~عليه الدلائل العقلية الصحيحة فان هذه الادلة كلها متفقة PageV05P259 على ~~أن الله فوق مخلوقاته عال عليها قد فطر الله على ذلك العجائز والصبيان ~~والاعراب في الكتاب كما فطرهم على الاقرار بالخالق تعالى # وقد قال ( ( في الحديث الصحيح ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من ~~جدعاء ( ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا ان شئتم @QB@ فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز عليك بدين ~~الاعراب والصبيان في الكتاب وعليك بما فطرهم الله عليه فان الله فطر عباده ~~على الحق والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل الفطرة وتغييرها # واما اعداء الرسل كالجهمية الفرعونية ونحوهم فيريدون أن يغيروا فطرة الله ~~ويوردون على الناس شبهات بكلمات مشتبهات لا يفهم كثير من الناس مقصودهم بها ~~ولا يحسن ان يجيبهم # وأصل ضلالتهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في كتابه ولا سنة رسوله ولا ~~قالها أحد من ائمة المسلمين كلفظ التحيز والجسم والجهة ونحو ذلك # فمن كان عارفا بحل شبهاتهم بينها ومن لم يكن عارفا بذلك فليعرض عن كلامهم ~~ولا يقبل الا ما جاء به الكتاب والسنة كما قال @QB@ وإذا رأيت الذين يخوضون ~~في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره @QE@ PageV05P260 ومن يتكلم ~~في الله واسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة فهو من الخائضين في آيات ~~الله بالباطل # وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه فينسبون إلى الشافعى ~~وأحمد بن حنبل ومالك وأبى حنيفة من الاعتقادات ما لم يقولوا ويقولون لمن ~~اتبعهم هذا ms1287 اعتقاد الامام الفلانى فاذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الأئمة ~~تبين كذبهم # وقال الشافعى حكمى في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في ~~القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واقبل على الكلام # قال أبو يوسف القاضي من طلب الدين بالكلام تزندق # قال أحمد ما أرتدى أحد بالكلام فأفلح # قال بعض العلماء المعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما المعطل أعمى والممثل ~~أعشى ودين الله بين الغالى فيه والجافى عنه # وقد قال تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ والسنة في الاسلام ~~كالإسلام في الملل انتهى والحمد لله رب العالمين PageV05P261 ### |||| سئل شيخ الاسلام # عمن يعتقد ( الجهة ( هل هو مبتدع أو كافر أو لا ### ||||| فأجاب # اما من اعتقد الجهة فان كان يعتقد ان الله في داخل المخلوقات تحويه ~~المصنوعات وتحصره السماوات ويكون بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته فهذا ~~مبتدع ضال # وكذلك ان كان يعتقد ان الله يفتقر إلى شيء يحمله إلى العرش أو غيره فهو ~~ايضا مبتدع ضال وكذلك ان جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين فيقول استواء ~~الله كاستواء المخلوق أو نزوله كنزول المخلوق ونحو ذلك فهذا مبتدع ضال فان ~~الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من ~~الاشياء ودلت على أن الله غنى عن كل شيء ودلت على أن الله مباين للمخلوقات ~~عال عليها # وان كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات وانه فوق سمواته على ~~عرشه بائن من مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من ~~مخلوقاته وان الله غنى عن العرش وعن كل ما سواه لا يفتقر إلى شيء من ~~PageV05P262 المخلوقات بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش وحملة العرش ~~بقدرته ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين بل يثبت لله ما اثبته لنفسه ~~من الأسماء والصفات وينفى عنه مماثلة المخلوقات ويعلم أن الله ليس كمثله ~~شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف ~~الأمة وأئمتها # فان مذهبهم أنهم ms1288 يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ( ( من ~~غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل فيعلمون أن الله بكل شيء عليم ~~وعلى كل شيء قدير وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما # ويعلمون أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما وصف به نفسه وينزهون الله عن ~~صفات النقص والعيب ويثبتون له صفات الكمال ويعلمون أنه ليس له كفو أحد في ~~شيء من صفات الكمال قال نعيم بن حماد الخزاعى من شبه الله بخلقه فقد كفر ~~ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله ~~تشبيها والله أعلم PageV05P263 ### || ( حكاية مناظرة في الجهة والتحيز # صورة ما طلب من الشيخ تقى الدين بن تيمية رحمه الله ورضى عنه حين جىء به ~~من دمشق على البريد واعتقل بالجب بقلعة الجبل بعد عقد المجلس بدار النيابة ~~وكان وصوله يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان وعقد المجلس يوم ~~الجمعة السابع والعشرين منه بعد صلاة الجمعة وفيه اعتقل رحمة الله عليه # وصورة ما طلب منه أن يعتقد نفى الجهة عن الله والتحيز وان لا يقول ان ~~كلام الله حرف وصوت قائم به بل هو معنى قائم بذاته وأنه سبحانه وتعالى لا ~~يشار إليه بالاصابع اشارة حسية ويطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات ~~وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها ### ||||| فأجاب عن ذلك # اما قول القائل يطلب منه أن يعتقد نفى الجهة عن الله ~~والتحيز فليس في كلامى اثبات هذا اللفظ لأن اطلاق هذا اللفظ نفيا بدعة وانا ~~لم أقل الا ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه الامة # فان أراد قائل هذا القول أنه ليس فوق السماوات رب ولا فوق العرش ~~PageV05P264 اله وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه وما فوق العالم الا العدم ~~المحض فهذا باطل مخالف لاجماع سلف ms1289 الأمة # وان أراد بذلك ان الله لا تحيط به مخلوقاته ولا يكون في جوف الموجودات ~~فهذا مذكور مصرح به في كلامى فانى قائله فما الفائدة في تجديده # واما قول القائل لا يقول ان كلام الله حرف وصوت قائم به بل هو معنى قائم ~~بذاته فليس في كلامى هذا أيضا ولا قلته قط بل قول القائل ان القرآن حرف ~~وصوت قائم به بدعة وقوله معنى قائم بذاته بدعة لم يقل أحد من السلف لا هذا ~~ولا هذا وانا ليس في كلامى شيء من البدع بل في كلامى ما أجمع عليه السلف أن ~~القرآن كلام الله غير مخلوق # وأما قول القائل لا يشار إليه بالأصابع اشارة حسية فليس هذا اللفظ في ~~كلامى بل في كلامى انكار ما ابتدعه المبتدعون من الألفاظ النافية مثل قوله ~~أنه لا يشار إليه فان هذا النفى أيضا بدعة # فان أراد القائل أنه لا يشار إليه من أن الله ليس محصورا في المخلوقات ~~وغير ذلك من المعانى الصحيحة فهذا حق وان أراد أن من دعا الله لا يرفع إليه ~~يديه فهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبى ( ( وما فطر الله عليه عباده ~~من رفع الأيدى إلى الله في الدعاء # وقال النبى ( ( ان الله يستحى من عبده اذا رفع يديه أن يردهما صفرا ~~PageV05P265 # واذا سمى المسمى ذلك اشارة حسية وقال أنه لا يجوز لم يقبل ذلك منه # واما قول القائل لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام فأنا ما ~~فاتحت عاميا في شيء من ذلك قط # وأما الجواب بما بعث الله به رسوله للمسترشد المستهدى فقد قال النبى ( ( ~~من سئل عن علم يعلمه فكتمه الجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ( # وقال تعالى @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون @QE@ ولا يؤمر ~~العالم بما يوجب لعنة الله عليه والله أعلم # والحمد لله رب العالمين PageV05P266 ### || 1 ( رسالة في المباينة بين الله وبين خلقه ) 1 ### |||| ! 8 < سئل ms1290 شيخ الاسلام رحمه الله # عن هذه الأبيات # يا سادة العلماء أفتونا بما %~% يشفى الغليل فماء صبرى آسن # عن قول ناظم عقد اصل عقيدة %~% في حق حق الحق ليس يداهن # يا منكرا ان الاله مباين %~% للخلق يا مفتون بل يا فاتن # هب قد ضللت فأين أنت فان تكن %~% أنت المباين فهو أيضا بائن # أو قلت لست مباينا قلنا اذن %~% فبالاتحاد أو الحلول تشاحن # أو قلت يلزم منه شيء داخلا %~% قلنا نعم ما الرب فينا ساكن # ان قلت يلزم أنه في حيز %~% أو صار في جهة فعقلك واهن # فلقد كذبت فانه لا حيز %~% الا مكان وهو منه بائن # وكذا الجهات فانها عدمية %~% في حقه والحق في ذا بائن PageV05P267 # اذ ليس فوق الحق ذات غيره %~% حتى تقدر وهو فيها قاطن # أو قلت ما هو داخل أو خارج %~% هذا يدل بان ما هو كائن # اذ قد جمعت نقائصا ووصفته %~% عدما بها هل أنت عنها ضاعن # ما قال ما هو ظاهر أو باطن %~% لكنه هو ظاهر هو باطن # فارجع وتب من قال مثلك أنه %~% لمعطل والكفر فيه كامن # وتفضلوا بجوابه من نظمكم %~% هل صادق فيما ادعى أو ماين # فصلا بفصل ظاهر فالله للمفتى %~% المصيب بخير آخر ضامن % ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله رب العالمين جواب المنازعين عن مثل هذا الكلام انهم يقولون هذا ~~الكلام يتضمن شيئين # ( أحدهما ( الاستدلال على أن الرب تعالى مباين للعالم خارج عنه # ( والثانى ( الجواب عن حجة من نفى ذلك واستدل بأن ذلك يستلزم القول ~~بالتحيز والجهة وهما باطلان وبطلان اللازم يقتضى بطلان الملزوم # فأما استدلاله فان مضمونه انك اما أن تكون مباينا للخالق واما أن لا تكون ~~مباينا فان قلت انك مباين لزم أيضا أن يكون مباينا لك لأن PageV05P268 ~~المباينة من باب المفاعلة التى يلزم من ثبوتها من أحد الجانبين ثبوتها في ~~الجانب الآخر عقلا وكذلك هو في اللغة الا في مواضع قيل أنها مستثناه بل ~~متأوله مثل قولهم عاقبت اللص وداققت النعل وعافاك الله ونحو ذلك # فان قلت لست ms1291 مباينا له لزمك القول بالحلول أو الاتحاد فانه ما لم يكن ~~مباينا لغيره متميزا عنه كان مجامعا له مداخلا له بحيث هو يحايثه ويجامعه ~~ويداخله كما تحايث الصفة محلها الذى قامت به والصفة المشاركة لها بالقيام ~~به فان التفاحة مثلا طعمها ولونها ليس هو بمباين لها بل هو محايث لها ~~ومجامع لها وذلك الطعم محايث اللون والمباينة هي المفارقة وهى ضد المجامعة ~~فلما كانت الصفة التى تسمى العرض تحايث محلها الذى يسمى الجسم وتحايث عرضا ~~آخر كان من المعلوم أن مثل هذا منتف عن الله سبحانه وتعالى فانه ليس بعرض ~~ولا صفة من الصفات بل هو قائم بنفسه مستغن عن محل يقوم به فلا يجوز عليه ~~محايثة المخلوقات والحلول اذ القول بنفى الجسم مع اثبات هذا التقسيم تناقض ~~بين # واذا كان هذا القول مستلزما للتجسيم لزمه ما يلزم القائلين بالتجسيم وقد ~~خاطب نفاة ذلك بأنهم مفتونون وفاتنون وادعى أن من قال ذلك فانه معطل وان ( ~~الكفر في قوله كامن ( وهذا يستلزم تكفير من نفى التجسيم وقد علم ما في ~~القول من الوبال العظيم # قالت المثبتة نحن نجيبكم بجوابين اجمالى وتفصيلى PageV05P269 ( أما ~~الجواب الاجمالى ( فانا نقول قولكم ( لا نسلم ان هذه القضية ضرورية ( منع ~~غير مقبول فان المقدمات الضرورية لا يجوز منعها ولو جاز منع الضروريات لم ~~يمكن الاستدلال ولا اقامة حجة على منكر فان المستدل غايته ان يستدل بدليل ~~مؤلف من مقدمات ضرورية فلو جاز منع الضرورية لم يصح الاستدلال وكذلك ما ~~ذكره من الاستدلال على أنها ليست بضرورية أو ليست بصحيحة لا يقبل أيضا فإن ~~الضروريات هي الاصل للنظريات فلو جاز القدح في الضروريات بالنظريات لكان ~~ذلك قدحا في الاصل بفرعه وذلك يستلزم بطلان الفرع والاصل جميعا فان الفرع ~~اذا كان فاسدا لم تجز المعارضة به وان كان صحيحا لزم أن يكون أصله صحيحا ~~فلا يجوز أن يكون قادحا في الأصل # فثبت أنه على التقديرين لا يجوز معارضة الضروريات بالنظريات # فان قيل فهب أنه لا يجوز في المقدمات الضرورية ms1292 أن تمانع ولا أن تعارض ~~بالنظريات فاذا ادعى المستدل على أن المقدمة ضرورية فهل يكون قوله حجة على ~~مناظره # قيل ليس مجرد دعواه الضرورية حجة على خصمه لكن من علم أن القضية ضرورية ~~فقد حصل له العلم بذلك وهو لا يكابر نفسه وسواء علمها غيره أو لم يعلمها ~~وسواء سلمها له أو نازعه فيها فما علمه هو ضرورة لا يمكنه أن يشك فيه ~~PageV05P270 واما طريق الزامه لمنازعه فانه يستشهد على ذلك بتسليم ارباب ~~العقول السليمة التى لم يعارضها عقد ولا قصد يخالف فطرتها فاذا كان أهل ~~العقول السليمة التى لا هوى لها ولا اعتقاد يخالف ذلك تقر بأن هذه القضية ~~معلومة عندهم بالضرورة علم أن الأمر كذلك وان المنازع فيها قد تغيرت فطرته ~~التى فطر عليها لاعتقاد أو هوى فان الحس كما قد يعرض له ما يوجب غلطه فكذلك ~~العقل يعرض له ما يوجب غلطه # ومما يبين أن هذه القضية حق ان جميع الكتب المنزلة من السماء وجميع ~~الانبياء جاؤوا بما يوافقها لا بما يخالفها وكذلك ( سلف هذه الامة ( من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم يوافقون مقتضاها لا يخالفونها ولم يخالف هذه ~~القضية الضرورية من له في الامة لسان صدق بل أكثر أهل الكلام والفلسفة ~~يقولون بموجبها وانما خالفها طائفة من المتفلسفة وطائفة من المتكلمين ~~كالمعتزلة ومن اتبعهم والذين خالفوها عقلاؤهم وعلماؤهم تناقضوا في ذلك ~~وادعوا الضرورة في قضايا من جنسها وهى أبين منها ومن أنكر منهم ذلك أدى به ~~الأمر إلى جحد عامة الضروريات والحسيات # فالمنكر لهذه القضية الضرورية هو بين أمرين اما ان يستلزم جحد عامة ~~الضروريات واما أن يقر بقضايا من جنسها ضرورية دون هذه في القوة والجلاء ~~يبين ذلك ان الذين قالوا ان الخالق سبحانه ليس هو جسم ولا متحيز # تنازعوا بعد ذلك هل هو فوق العالم أم ليس فوق العالم فقال طوائف ~~PageV05P271 كثيرة هو فوق العالم بل هو فوق العرش وهو مع هذا ليس بجسم ولا ~~متحيز وهذا يقوله طوائف من الكلابية والكرامية والاشعرية وطوائف من اتباع ms1293 ~~الأئمة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث والصوفية ~~وهذا هو الذى حكاه الاشعرى عن أهل الحديث والسنة # وقال طوائف منهم ليس فوق العالم ولا فوق العالم شيء أصلا ولا فوق العرش ~~شيء وهذا قول الجهمية والمعتزلة وطوائف من متأخرى الاشعرية والفلاسفة ~~النفاة والقرامطة الباطنية أو أنه في كل مكان بذاته كما يقول ذلك طوائف من ~~عبادهم ومتكلميهم وصوفيتهم وعامتهم # ومنهم من يقول ليس هو داخلا فيه ولا خارجا عنه ولا حالا فيه وليس في مكان ~~من الأمكنة فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين جميعا وهذا قول طوائف من ~~متكلميهم ونظارهم # و ( الأول ( هو الغالب على عامتهم وعبادهم وأهل المعرفة والتحقيق منهم و ~~( الثانى ( هو الغالب على نظارهم ومتكلميهم وأهل البحث منهم والقياس فيهم # وكثير منهم يجمع بين القولين ففى حال نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين ~~المتقابلين كليهما فيقول لا هو داخل العالم ولا خارجه وفى حال تعبده وتألهه ~~يقول بأنه في كل مكان ولا يخلو منه شيء حتى يصرحون PageV05P272 بالحلول في ~~كل موجود من البهائم وغيرها بل ( بالاتحاد ( بكل شيء بل يقولون ( بالوحدة ( ~~التى معناها أنه عين وجود الموجودات # وسبب ذلك ان الدعاء والعبادة والقصد والارادة والتوجه يطلب موجودا بخلاف ~~النظر والبحث والكلام فان العلم والكلام والبحث والقياس والنظر يتعلق ~~بالموجود والمعدوم فاذا لم يكن القلب في عبادة وتوجه ودعاء سهل عليه النفى ~~والسلب واعرض عن الاثبات بخلاف ما اذا كان في حال الدعاء والعبادة فانه ~~يطلب موجودا يقصده ويسأله ويعبده والسلب لا يقتضى الا النفى والعدم فلا ~~ينفى في السلب ما يكون مقصودا أو معبودا # فالمخالف لهذا النظم اذا كان من النفاة للمتقابلين يقول أنا اقول لا هو ~~مباين ولا اقول بالحلول والاتحاد فلم قلت انى اذا لم أقل بالمباينة يلزمنى ~~القول بالحلول أو الاتحاد هذا هو الذى يقوله أئمة النفاة لمثل هذا الناظم ~~وحينئذ فيقول المثبتة القائلون بالمباينة والخروج ومن قال من النفاة انه في ~~كل مكان وهو الظاهر من قولهم وقول محققيهم وعارفيهم نحن نعلم بالضرورة أن ms1294 ~~الموجود اما أن يكون مباينا لغيره واما أن يكون محايثا ونعلم بالضرورة أن ~~من أثبت موجودين ليس أحدهما داخلا في الآخر محايثا له ولا خارجا عنه مباينا ~~له فقد خالف ضرورة العقل وهذا العلم مركوز في فطر جميع الناس الا من يقلد ~~قول النفاة PageV05P273 # ونفى هذين جميعا هو من أقوال القرامطة الباطنية الذين هم ائمة الجهمية ~~فان جهما مع القرامطة وغلاة المتفلسفة يقولون لا نقول هو شيء ولا ليس بشيء ~~كما يقولون لا نقول هو موجود ولا معدوم ولا حى ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ~~ولا قديم ولا محدث وامثال ذلك وهذه المقالات فسادها معلوم بالضرورة العقلية ~~وان كان قد تواطأ عليها جماعة كثيرة فان الجماعة الذين يقلدون مذهبا تلقاه ~~بعضهم عن بعض يجوز اتفاقهم على جحد الضروريات كما يجوز الاتفاق على الكذب ~~مع المواطئة والاتفاق ولهذا يوجد في أهل المذاهب الباطلة كالنصارى والرافضة ~~والفلاسفة من يصر على القول الذى يعلم فساده بالضرورة # وانما الممتنع ما يمتنع على ( أهل التواتر ( وهو اتفاق الجماعة العظيمة ~~على الكذب من غير مواطأة ولا اتفاق فيمتنع عليهم جحد ما يعلم ثبوته ~~بالاضطرار واثبات ما يعلم نفيه بالاضطرار لأن هذا اتفاق على الكذب وأهل ~~التواتر لا يتصور منهم الكذب فأما اذا لقنوا قولا بشبهة وحجج واعتقدوا صحته ~~جاز أن يصروا على اعتقاده وان كان مخالفا لضرورة العقل وان كانوا جماعة ~~عظيمة ولهذا يطبع الله على قلوب الكفار فلا يعرفون الحق قال الله تعالى ~~@QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقال تعالى @QB@ كذلك يطبع الله على ~~كل قلب متكبر جبار @QE@ PageV05P274 وانما تؤخذ الضروريات من القلوب ~~السليمة والعقول المستقيمة التى لم تمرض بما تقلدته من العقائد وتعودته من ~~المقاصد # والمثبتة يقولون من ذكر له قول النفاة من أجناس بنى آدم السليمة الفطر ~~علم بالضرورة فساده وكلما كان اذكى واحد ذهنا كان علمه بفساده أشد بل هم ~~يقولون أن العلم بالقضية المعينة المطلوب اثباتها ( وهو علو الله ms1295 تعالى على ~~العالم ( معلوم بالفطرة والضرورة ويعلمون بطلان نقيضها بالفطرة والضرورة ~~فيعلمون بالضرورة القضية العامة والقضية الخاصة فيعلمون أن الخالق فوق ~~العالم ويعلمون امتناع وجود موجودين ليس أحدهما مباينا للآخر ولا مداخلا له ~~ويعلمون أنه اذا لم يكن مباينا كان مداخلا محايثا فيلزم الحلول والاتحاد # ولا ريب أن هذا هو الذى عليه جماهير الامم من بنى آدم اما من يثبت العلو ~~والمباينة فقوله ظاهر واما الذين لا يقرون بالعلو والمباينة فجمهورهم لا ~~يعلمون ضد ذلك الا انه في كل مكان ولو عرض عليهم نفى هذا وهذا لم يتصوروه ~~ولم يعقلوه وبهذا احتج أهل الحلول والاتحاد من محققيهم كالصدر القونوى ~~وامثاله على نفاة ذلك منهم فقال قد سلمتم لنا أنه ليس خارج العالم ولا ~~مباينا له وما لم يكن كذلك لم يعقل الا أن يكون وجود الممكنات أو في وجود ~~الممكنات اذ لا يعقل الا هذا أو هذا ثم هذا وامثاله يقولون هو الوجود ~~المطلق وان فرق ما بينه وبين الاشياء فرق ما بين PageV05P275 المطلق ~~والمعين وهذا يشبه الفرق بين جنس الانسان واعيان الناس وجنس الحيوان واعيان ~~الحيوان فيكون الرب مثل الجنس أو العرض العام لسائر الموجودات # ومعلوم أن هذا لا يكون له وجود متميز بنفسه مباين للمخلوقات اذ الكليات ~~كالجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام لا توجد في الخارج منفصلة عن ~~الاعيان الموجودة وهذا معلوم بالضرورة ومتفق عليه بين العقلاء وانما يحكى ~~الخلاف في ذلك عن شيعة ( أفلاطون ( ونحوه الذين يقولون باثبات ( المثل ~~الافلاطونية ( وهى الكليات المجردة عن الأعيان خارج الذهن وعن شيعة ( ~~فيثاغورس ( في اثبات العدد المطلق خارج الذهن والمعلم الأول ( ارسطو ( ~~واتباعه متفقون على بطلان قول هؤلاء وهؤلاء فلو ظنوا أن البارى تعالى هو ~~الوجود المطلق بهذا الاعتبار لوقعوا فيما فروا منه فان هذا يستلزم مباينته ~~لوجود المخلوقات وانفصاله عنها مع أن عاقلا لا يقول ان صفة تكون مبدعة ~~للموصوف ولا أن ( الكليات ( هي المبدعة لمعيناتها # والمقصود هنا أن جماهير الخلائق من مثبتة علو الله على خلقه ومن ms1296 نفاة ذلك ~~على اختلاف أصنافهم يقولون باثبات هذا التقسيم والحصر وهو أن الشيء اما أن ~~يكون مباينا لغيره واما ان يكون محايثا مداخلا فاذا انتفى أحدهما ثبت الآخر ~~ويقولون ان هذا معلوم بالضرورة قال النفاة لا نسلم أن هذه القضية ~~PageV05P276 ضرورية بدليل أنا نعقل الانسانية المشتركة بين الاناسى وغيرها ~~من الكليات المعقولة وغيرها وليست داخل العالم ولا خارجه وأيضا فان أرسطو ~~واتباعه من الفلاسفة وطائفة من اهل الكلام اثبتوا ان النفس الناطقة كذلك ~~والعقول والنفوس ولم يكونوا قائلين بما يعلم فساده بالضرورة # وأيضا فان العقل الصريح يعلم تقسيم الشيء إلى مباين ومحايث وما ليس ~~بمباين ولا محايث وتقسيمه إلى داخل وخارج وما ليس بداخل ولا خارج وتقسيمه ~~إلى متحيز وقائم بالمتحيز وما ليس بمتحيز ولا قائم بمتحيز ولا يعلم فساد ~~هذا التقسيم بالاضطرار كما يعلم أن الواحد نصف الاثنين # وايضا فهذا الذى ذكرتموه من لزوم المباينة والمحايثة والدخول والخروج ~~انما يعقل فيما هو جسم متحيز فاذا قدرنا متحيزين لزم أن يكون أحدهما اما ~~داخلا في الآخر أو خارجا منه فأما اذا قدرنا موجودا ليس بجسم ولا متحيز لم ~~يمنع أن يكون مباينا لغيره ولا محايثا له ولا داخلا فيه ولا خارجا عنه بل ~~ينفى عن القسمين وحينئذ فهذا التقسيم والحصر يستلزم كون البارى جسما متحيزا ~~في جهة وذلك باطل # ولا نريد بالتحيز أن يكون قد أحاط به ( حيز ( وجودى كما أجاب عنه الناظم ~~ولا بالجهة أن يكون في ( أين ( موجود كما أجاب الناظم أيضا بل نريد بالتحيز ~~الذى في الجهة أن يكون بحيث يشار إليه بالحس أنه ها هنا أو هناك ~~PageV05P277 ولا ريب انما كان فوق العالم فلابد أن يشار إليه بأنه هناك ~~وهذا هو القول بالتحيز والجهة عندنا واذا كان هذا التقسيم مستلزما لاثبات ~~الجهة والتحيز لم يكن هذا التقسيم صحيحا الا أن يكون القول بالجهة والتحيز ~~صحيحا والناظم لم يذكر دليلا على صحة القول بالتحيز والجهة والجسم # ثم نقول الادلة النظرية الدالة على نفى التحيز والجهة والجسم تنفى ms1297 صحة ~~هذا التقسيم والحصر فانه اذا قدر موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا في جهة امكن ~~أن يعقل أنه ليس مباينا لغيره ولا محايثا له واذا كان كذلك فكلما ينفى ~~القول بالتجسيم يبطل هذا الاستدلال # وكذلك ( الاتحاد ( فان الاتحاد اذا كان مع بقاء الاثنين على ما كانا عليه ~~فلا اتحاد بل هما اثنان باقيان على صفاتهما كما كانا وان عنى به استحالة ~~إلى نوع ثالث كما يتحد الماء واللبن والماء والخمر فيصيران نوعا ثالثا لا ~~هو ماء محض ولا لبن محض فهذا لا يكون الا بعد استحالة أحدهما وفساد يعرض ~~لذاته والله تعالى منزه عن ذلك فانه هو واجب الوجود بنفسه قديم بذاته ~~وصفاته لا يجوز عليه عدم شيء من صفاته فيمتنع في حقه الاستحالة والفساد ~~بمضمون الدليل ان المخلوق اما أن يكون مباينا للخالق والخالق مباين واما أن ~~يلزم الحلول والاتحاد وهما باطلان فتعين الأول PageV05P278 # واعتراض المنازع على هذا يكون بعد بيان معنى المباينة فان أهل الكلام ~~والنظر يطلقون المباينة بازاء ( ثلاثة ( معان بل ( أربعة ( # ( أحدها ( المباينة المقابلة للماثلة والمشابهة والمقاربة ( والثانى ( ~~المباينة المقابلة للمحايثة والمجامعة والمداخلة والمخارجة والمخالطة # ( والثالث ( المباينة المقابلة للمماسة والملاصقة فهذه المباينة أخص من ~~التى قبلها فان ما باين الشى فلم يداخله قد يكون مماسا له متصلا به وقد ~~يكون منفصلا عنه غير مجاور له هذه المباينة الثالثة ومقابلها تستعمل فيما ~~يقوم بنفسه خاصة كالأجسام فيقال هذه العين اما ان تكون مماسة لهذه واما أن ~~تكون مباينة # واما المباينة التى قبلها وما يقابلها فانها تعم ما يقوم بنفسه وما يقوم ~~بغيره والعرض القائم بنفسه ليس مباينا له ولا يقال أنه مماس له فيقال هذا ~~اللون اما أن يكون مباينا لهذه العين أو لهذا الطعم واما أن يكون محايثا له ~~مجامعا مداخلا ونحو ذلك من العبارات وان استعمل مستعمل لفظ المماسة ~~والملاصقة في قيام الصفة بموصوفها كان ذلك نزاعا لفظيا # ( وأما النوع الأول ( فكما يروى عن الحسن البصرى أنه قال رأيناهم ~~متقاربين في العافية فاذا جاء ms1298 البلاء تباينوا تباينا عظيما أى تفاضلوا ~~وتفاوتوا ويقال هذا قد بان عن نظرائه أى خرج عن مماثلتهم ومشابهتهم ~~ومقاربتهم بما امتاز من الفضائل ويقال بين هذا وهذا بون بعيد وبين بعيد ( ~~PageV05P279 # والنوع الثانى ( كقول عبد الله بن المبارك لما قيل له بماذا نعرف ربنا ~~قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول كما تقول الجهمية أنه ~~ها هنا وكذلك قال أحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية والبخارى وبن خزيمة وعثمان ~~بن سعيد وخلق كثير من ائمة السلف رضى الله عنهم ولم ينقل عن أحد من السلف ~~خلاف ذلك وحبس هشام بن عبيد الله الرازى صاحب محمد بن الحسن رجلا حتى يقول ~~الرحمن على العرش استوى ثم أخرجه وقد اقر بذلك فقال اتقول أنه مباين فقال ~~لا فقال ردوه فانه جهمى # فالمباينة في كلام هؤلاء الأئمة وامثالهم لم يريدوا بها عدم المماثلة فان ~~هذا لم ينازع فيه أحد ولا الزموا الناس بان يقروا بالمباينة الخاصة فانهم ~~قالوا بائن من خلقه ولم يقولوا بائن من العرش وحده فجعلوا المباينة بين ~~المخلوقات عموما ودخل في ذلك العرش وغيره فانه من المخلوقات فعلم أنهم لم ~~يتعرضوا في هذه المباينة لاثبات ملاصقة ولا نفيها # ولكن قد يقول بعض النفاة أنا أريد بالمباينة عدم المحايثة والمداخلة فقط ~~من غير أن أدخل في ذلك معنى الخروج # وقد يوصف المعدوم بمثل هذه المباينة فيقول أن المعدوم مباين للموجود بهذا ~~الاعتبار وهذا معنى ( رابع ( من معانى المباينة # وإذا عرف أن ( المباينة ( قد يريد بها الناس هذا وهذا فلا ريب أن ~~PageV05P280 المعنى الأول ( ثابت باتفاق الناس فانهم متفقون على أن الله ~~تبارك وتعالى ليس له مثل من الموجودات وان مباينته للمخلوقين في صفاتهم ~~أعظم من مباينة كل مخلوق لمخلوق وأنه أعظم وأكبر من أن يكون مماثلا لشيء من ~~المخلوقات أو مقاربا له في صفاته لكن هذا المعنى ليس هو الذى قصده الناظم ~~ولا قصد أيضا ( المعنى الثالث ( لأنه جعل نفى المباينة يستلزم الحلول ~~والاتحاد وهذا انما هو ms1299 ( المعنى الثانى ( والا ( فالمعنى الثالث ( نفيه ~~يستلزم الملاصقة والمماسة والناظم لم يذكر ذلك وهذا المعنى ( الثالث ( ~~يستلزم الثانى من غير عكس فان المباينة الخاصة المقابلة للملاصقة صفة ~~تستلزم المباينة العامة المقابلة للمداخلة والمحايثة من غير # عكس واذا عرف أن الناظم أراد هذه المباينة العامة وهى المباينة المشهورة ~~في اللغة وكلام الناس وكلام العلماء فان المنازعين له يقولون لا نسلم انه ~~اذا لم يكن مباينا لزم الحلول أو الاتحاد فان هذا مثل قول القائل اذا لم ~~يكن خارجا عن العالم كان داخلا فيه وقد علم أن المخالف له يقول لا هو داخل ~~العالم ولا هو خارجه فكذلك يقول لا مباين ولا محايث ولا مجامع ولا مفارق ~~ويقول انما نفيت المباينة والمحايثة جميعا والحلول والاتحاد يدخلان في ~~المحايثة فلا أسلم اذا لم أكن مباينا للخالق أن يكون حالا في أو متحدا # بى وهذا معلوم من قول النفاة فان ( النفاة ( الذين يقولون أن الخالق ليس ~~فوق العالم ولا خارجا عنه مباينا له منهم من يقول انه حال فيه أو متحد به ~~PageV05P281 وقد وافقهم على ذلك طائفة من الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية ومتأخرى أهل الحديث والصوفية # ثم هؤلاء الذين ينفون علوه بنفسه على العالم في رؤيته على قولين منهم من ~~يقول أنه تجوز رؤيته وذلك واقع في الآخرة وهذا قول كل من انتسب إلى السنة ~~والجماعة من طوائف أهل الكلام وغيرهم كالكلابية والكرامية والاشعرية وقول ~~أهل الحديث قاطبة وشيوخ الصوفية وهو المشهور عند اتباع الأئمة الأربعة ~~وغيرهم من الفقهاء وعامة هؤلاء يثبتون الصفات كالعلم والقدرة ونحو ذلك # ومنهم طائفة ينفون الصفات مع دعواهم أنهم يثبتون الرؤية كابن حزم وابى ~~حامد في بعض أقواله # ( والقول الثانى ( قول من ينكر الرؤية كالمعتزلة وأمثالهم من الجهمية ~~المحضة من المتفلسفة والقرامطة وغيرهم وكذلك ينفون الصفات ويقولون باثبات ~~ذات بلا صفات وهل يوصف بالأحوال على قولين # أو يقولون باثبات وجود مطلق بشرط الاطلاق لا يوصف بشىء من الأمور ~~الثبوتية كما هو قول ابن سينا وامثاله مع قولهم في أصولهم ms1300 المنطقية ان ~~المطلق بشرط الاطلاق يوجد في الخارج لكنه هل هو نفس المعين أو كلى مقارب ~~للمعين PageV05P282 فالصواب عندهم هو الأول ولكن الثانى هو قول كثير من أهل ~~المنطق مع تناقض اقوالهم في ذلك وبنوا على هذا من الجهالات ما لا يحصيه الا ~~الله تعالى كما قد بسط في غير هذا الموضع وعلى هذا فاذا جعل هو الوجود ~~المطلق لا بشرط وقيل أن المطلق جزء من المعين ملازم له كان الوجود الواجب ~~جزءا من الموجودات الممكنة واذا قيل ليس في الخارج مطلق مغاير للاعيان ~~الموجودة وهو الصواب اذ ليس في هذا الانسان جواهر بعدد ما يوصف فاذا قيل هو ~~جسم حساس قائم متحرك بالارادة ناطق لم يكن في الانسان المعين جواهر قائمة ~~بأنفسها غير ذلك المعين وهذا المعلوم بالضرورة # وعلى هذا فاذا قيل ان الحق هو الوجود المطلق لا بشرط كان الوجود الواجب ~~هو عين وجود الممكنات فلا يكون هناك موجودان أحدهما واجب والآخر ممكن وهذا ~~قول أهل الوحدة وهو تصريح بنفى واجب الوجود المبدع للموجودات الممكنة ~~وتصريح بأن الوجود الواجب يقبل العدم والحدوث كما نشاهده من حدوث الحوادث ~~وعدمها وهذا مع أنه كفر صريح فهو من أعظم الجهل القبيح وكل من قال ان الرب ~~وجود مطلق لزمته هذه الأقوال ونحوها التى مضمونها نفى وجوده وكذلك اثبات ~~ذات مجردة عن جميع الصفات أمر يقدره الذهن والا فوجوده في الخارج ممتنع ~~ولفظ ذات يقتضى ذلك فان ذات هي في الأصل تأنيث ذو وأصل الكلمة ذات الصفات ~~أى النفس ذات الصفات فلفظ الذات معناه الصاحبة والمستلزمة للصفات هذا من ~~جهة اللفظ PageV05P283 # وأما من جهة المعنى فلأن كل موجود لابد له من حقيقة يختص بها يتميز بها ~~عما سواه وكل من الموجودات يقال له ذات فكلها مشتركة في مسمى الذات كما هي ~~مشتركة في مسمى الوجود فلابد أن يكون لكل من الذاتين ما تختص به عن الأخرى ~~كما انه لابد لكل من الموجودين ما يميزه عن الآخر فاذا قدر ذات مطلقة لا ~~اختصاص ms1301 لها كان ذلك ممتنعا كوجود مطلق لا اختصاص له فلابد أن تختص كل ذات ~~بما يخصها وذلك الذى يخصها ما توصف به من الخصائص فذات لا حقيقة لها توصف ~~بها محال # والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود التنبيه على مجامع ~~مقالات الناس في هذا المقام وان جميع الناس يلزمهم القول بهذه القضية ~~الضرورية التى ذكرها اهل الاثبات وهو امتناع وجود موجودين ليس أحدهما داخلا ~~في الآخر ولا خارجا عنه ولا مباينا له ولا محايثا له وامتناع وجود موجود لا ~~يشار إليه ولا إلى محله وان من انكر هذه القضية لزمه أحد امرين اما الاقرار ~~بقضايا ضرورية هذه أبين منها واما جحد عامة القضايا الضرورية الحسية وذكرت ~~مقالات الناس ليتبين مناظرة بعضهم لبعض في هذا المقام # فيقول المثبتون لمباينة الله مستو على عرشه ليس بجسم ولا متحيز فاستواؤه ~~على عرشه ثابت بالسمع وعلوه ومباينته معلوم بالعقل مع السمع PageV05P284 ~~وإذا لم يكن متحيزا بطلت دلائل النفاة لكونه على العرش كقولهم اما أن يكون ~~أكبر من العرش واما أن يكون اصغر واما أن يكون مساويا للعرش وكقولهم اذا ~~كان كذلك كان له مقدار مخصوص فيستدعى مخصصا ونحو ذلك فان المثبتة تقول لهم ~~هذا انما يلزم اذا كان جسما متحيزا فأما اذا كان فوق العرش ولم يكن جسما ~~متحيزا لم يلزم شيء من هذه اللوازم # وحينئذ فنفاة العلو هم بين امرين ان سلموا أنه على العرش مع أنه ليس بجسم ~~ولا متحيز بطل كل دليل لهم على نفى علوه على عرشه فانهم انما بنوا ذلك على ~~أن علوه على العرش مستلزم لكونه جسما متحيزا واللازم منتف فينتفى الملزوم ~~فاذا لم تثبت الملازمة لم يكن لهم دليل على النفى ولا يبقى للنصوص الواردة ~~في الكتاب والسنة باثبات علوه على العالم ما يعارضها وهذا هو المطلوب # وان قالوا متى قلتم على العرش لزم أن يكون متحيزا أو جوهرا منفردا واثبات ~~العلو على العرش مع نفى التحيز معلوم الفساد بالضرورة # قيل لهم لا ريب ms1302 ان هذا القول اقرب إلى المعقول من اثبات موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه فانا اذا عرضنا على عقول العقلاء قول قائلين أحدهما يقول ~~بوجود موجود خارج لا داخل العالم ولا خارجه وآخر يقول بوجود موجود خارج ~~العالم وليس بجسم كان القول الاول أبعد عن المعقول PageV05P285 وكانت ~~الفطرة والضرورة للأول أعظم انكارا فان كان حكم هذه الفطرة والضرورة مقبولا ~~لزم بطلان الاول وان لم يكن مقبولا لم يجز انكارهم للقول الثانى وعلى ~~التقديرين لا يبقى لهم حجة على أنه ليس بخارج العالم وهو المطلوب # وهذا تقرير لا حيلة لهم فيه يبين به تناقض اصولهم وانهم يقبلون حكم ~~الفطرة ويردونه بالتشهى والتحكم بل يردون من أحكام الفطرة والضرورة ما هو ~~أقوى وأبين وأبده للعقول مما يقبلونه # والمقصود هنا بيان أنه مباين للعالم خارج عنه وهم انما ينفون ذلك بأنه ~~يستلزم أن يكون متحيزا اما جسما واما جوهرا منفردا وذلك أنه ان كان ما ~~يحاذى هذا الجانب من العرش غير ما يحاذى هذا الجانب كان منقسما وكان جسما ~~وان لم يكن غيره كان في الصغر بمنزلة الجوهر الفرد وهذا لا يقوله عاقل # فاذا قال لهم طوائف من المثبتة يمكن أن يكون فوق العرش ولا يقبل اثبات ~~هذه المحاذات ولا نفيها لأن ذلك انما يكون أن لو كان متحيزا فاذا لم يكن ~~متحيزا أمكن أن يكون فوق العالم ولا يوصف باثبات ذلك ولا بنفيه وقالوا ~~اثبات العلو مع عدم المحاذات والمسامتة غير معقول أو معلوم الفساد ~~PageV05P286 # فيقال لهم اثبات الوجود مع عدم المباينة والمحايثة والدخول والخروج أبعد ~~عن العقل وأبين فسادا في المعقول وكل عاقل سليم الفطرة اذا عرضت عليه وجود ~~موجود خارج العالم غير محايث للعالم ووجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ~~تكون نفرة فطرته عن الثانى أعظم وان قدر ان فطرته تقبل الثانى فقبولها ~~للأول أعظم # وحينئذ فما يذكره النفاة من إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ~~اما أن يكون مقبولا واما أن لا يكون فان لم يكن ms1303 مقبولا بطل أصل قولهم وان ~~كان مقبولا فكلما دل على ذلك كانت دلالته على امكان وجود موجود خارج العالم ~~ليس بمتحيز أقوى وأظهر فانه اذا ثبت أن هذا ممكن في العقل فذاك أولى ~~بالامكان واذا كان ذلك ممكنا لم يكن ما يذكرونه من الادلة على نفى التحيز ~~نافيا لعلوه على العالم وارتفاعه على عرشه فلا يكون لهم دليل على نفى ذلك ~~وهذا هو المطلوب # فاذا بطل ما ينفون به ذلك فمعلوم أن السمعيات تدل على ذلك اما دلالة ~~قطعية واما ظاهرة والظواهر التى لا معارض لها لا يجوز صرفها عن ظواهرها ~~فكيف اذا قيل أن العلو والمباينة معلوم بالفطرة والضرورة والادلة العقلية ~~النظرية كما هو مبسوط في موضعه # ومما يوضح هذا أن النفاة اذا أثبتوا موجودا لا داخل العالم ولا خارجه ~~فانهم لا يثبتونه بضرورة لا وجوده ولا امكان وجوده بل كلاهما يثبتونه ~~PageV05P287 بالنظر بخلاف المثبتة فانهم يقولون امتناع هذا معلوم بالضرورة ~~وقد يقولون علو الخالق معلوم ايضا بالفطرة التى فطر الناس عليها التى هي من ~~اقوى العلوم الضرورية فان ما فطر الناس عليه من المعارف اقوى من كونهم ~~مضطرين إليه من المعارف التى لا يضطرون اليها الا بعد تصور طرفيها أو بعد ~~نوع من التأمل # والضرورى قد يفسر بما يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه وقد ~~يفسر بما يحصل للعبد بدون كسبه واختياره # والمقصود أن القول بوجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه لم يقل أحد من ~~العقلاء أنه معلوم بالضرورة وكذلك سائر لوازم هذا القول مثل كونه ليس بجسم ~~ولا متحيز ونحو ذلك لم يقل أحد من العقلاء ان هذا النفى معلوم بالضرورة بل ~~عامة ما يدعى في ذلك أنه من العلوم النظرية والعلوم النظرية لابد أن تنتهى ~~إلى مقدمات ضرورية والا لزم ( الدور القبلى ( و ( التسلسل ( فيما له مبدأ ~~حادث وكل هذين معلوم الفساد بالضرورة متفق على فساده بين العقلاء # واذا كان كذلك فما من مقدمة ضرورية يبنى عليها الامكان أو الاثبات كوجود ~~موجود لا ms1304 داخل العالم ولا خارجه الا وانتفاء هذه النتيجة اقوى في العقل من ~~تلك المقدمة والجزم بكونها ضرورية أقوى من الجزم بكون مقدمة الدليل المعارض ~~ضرورية PageV05P288 # يوضح ذلك أن المعارض غايته أن يقول لو كان خارج العالم لكان جسما أو لكان ~~متحيزا وذلك منتف فلا يكون خارج العالم والدليل الذى ينفون به ذلك مقدماته ~~فيها من الخفاء والاشتباه ما لا يخفى على من نظر في ذلك # وبسبب ما فيها من الخفاء والاشتباه أحسن الظن بها كثير من الناس وحسن ~~ظنهم بها مستند إلى تقليد من قالها لا إلى جزم عقولهم بها فهم ينهون العامة ~~عن تقليد الرسل فيما أخبرت به من صفات الله تعالى لزعمهم أن العقل عارضها ~~مع الجزم بأن الرسل لا تقول الا حقا وهم يقلدون رؤوسهم في معارضة ذلك ~~بمقدمات يزعمونها عقليات واتباعهم لم تجزم بها عقولهم لكنهم يقلدون رؤوسهم ~~فيها # ولهذا تجدهم اذا حققوا الأمر فيها ونوزعوا فيها وبين لهم مستند المنع ~~فيها لجؤوا إلى الجهل الصريح فاما ان يحيلوا بالجواب على من مات وغاب وهو ~~عند التحقيق اوغل منهم في الارتياب والاضطراب واما ان يخرجوا عما يجب في ~~المناظرة والجدال إلى حال أهل الظلم وسفهاء الرجال واما أن يتوهموا ان هذا ~~كفر يخالف الدين وهم في قولهم قد خالفوا الكتاب والرسول واتبعوا غير سبيل ~~المؤمنين وقالوا ما لم يقله أحد من الصحابة والتابعين ولا غيرهم من أئمة ~~المسلمين # ومما يوضح الأمر في ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على ~~PageV05P289 مقدماته بل كل طائفة تقدح في دليل الأخرى فالفلاسفة تقدح في ~~دليل المعتزلة على نفى الصفات بل على نفى الجسم والتحيز ونحو ذلك لأن دليل ~~المعتزلة مبنى على أن القديم لا يكون محلا للصفات والحركات فلا يكون جسما ~~ولا متحيزا لأن الصفات اعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الاعراض ~~والحركات وان الجسم لا يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث # بل الأشعرى نفسه ذكر في رسالته إلى أهل الثغر ان هذا الدليل ms1305 الذى استدلوا ~~به على حدوث العالم وهو الاستدلال على حدوث الاجسام بحدوث اعراضها هو دليل ~~محرم في شرائع الانبياء لم يستدل به أحد من الرسل واتباعهم وذكر في مصنف له ~~آخر بيان عجز المعتزلة عن اقامة الدليل على نفى انه جسم وأبو حامد الغزالى ~~وغيره من أئمة النظر بينوا فساد طريق الفلاسفة التى نفوا بها الصفات وبينوا ~~عجزهم عن اقامة دليل على نفى أنه جسم بل وعجزهم عن اقامة دليل على التوحيد ~~وأنه لا يمكن نفى الجسم الا بالطريق الاول الذى هو طريق المعتزلة الذى ذكر ~~فيه الاشعرى ما ذكر # فاذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح في مقدمات دليل الفريق الآخر ~~الذى يزعم أنه بنى عليه النفى كان في هذا دليل على أن تلك المقدمات ليست ~~ضرورة اذ الضروريات لا يمكن القدح فيها وان قيل ان هؤلاء PageV05P290 قدحوا ~~في هذه المقدمات الضرورية قيل فاذا جوزتم على أئمة النفاة ان يقدحوا ~~بالباطل في المقدمات الضرورية ( فا ( لتى يستدل بها أهل الإثبات اولى وأحرى # وقد بسط في غير هذا الموضع الكلام على أدلة النفاة ومقدمات تلك الادلة ~~على وجه التفصيل بحيث يبين لكل ذى عقل خروج اصحابها عن سواء السبيل وأنهم ~~قوم سفسطوا في العقليات وقرمطوا في السمعيات ليس معهم على نفيهم لا عقل ولا ~~سمع ولا رأى سديد ولا شرع بل معهم شبهات يظنها من يتأملها بينات @QB@ كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب @QE@ # ولهذا تغلب عليهم الحيرة والارتياب والشك والاضطراب وقد صارت تلك الشبهات ~~عندهم مقدمات مسلمة يظنونها عقليات أو برهانيات وانما هي مسلمات لما فيها ~~من الاشتراك والاشتباه فلا تجد لهم مقدمة الا وفيها ألفاظ مشتبهة فيها من ~~الاجمال والالتباس ما يضل بها من يضل من الناس وكيف تكون النتيجة المثبتة ~~بمثل هذه المقدمات دافعة لتلك القضايا الضروريات # وهذا الذى قد نبه عليه في هذا المقام كلما أمعن الناظر فيه وفيما تكلم ~~أهل النفى فيه ms1306 ازداد بصيرة ومعرفة بما فيه فانه لا يتصور ان يبنى النفى على ~~مقدمات ضرورية تساوى في جزم العقل بها مقدمات أهل الاثبات الجازمة ~~PageV05P291 لفساد نتيجتهم وهو قولهم انه موجود لا داخل العالم ولا خارجه ~~جزما لا يساويه فيه جزم العقل بالمقدمات التى تبنى عليها هذه النتيجة ~~الثابتة امتنع ان يزول ذلك الجزم العقلى الضرورى بنتيجة مقدمات ليست مثله ~~في الجزم # وهذا الكلام قبل النظر في تلك المقدمات المعارضة لهذا الجزم هل هي صحيحة ~~أو فاسدة وانما المقصود هنا أنه لا يصلح للمناظرة ولا يقبل في المناظرة أن ~~يعارض هذا الجزم المستقر في الفطرة بما يزعمه من الادلة النظرية وهذا ~~المقام كاف في دفعه وان لم تحل شبهاته كما يكفى في دفع السوفسطائى ان يقال ~~انما تنفيه قضايا ضرورية فلا يقبل نفيها بما يذكر من الشبه النظرية # ( وأما الجواب الثانى التفصيلى ( فهو بيان فساد حجج النفاة على امكان ما ~~ادعوه قالت المثبتة ما ذكرتموه من الحجج على اثبات موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه حجج سوفسطائى # أما الانسانية المشتركة بين الاناسى ونحوها من ( الكليات ( فهذه لا يقال ~~انها موجودة خارج الذهن لا داخل العالم ولا خارجه فانها أمور ثابتة في ~~الذهن والتصور واذا قيل أنها موجودة في الخارج فلابد أن تكون عينا قائمة ~~بنفسها أو صفة قائمة بالعين ولا ريب أنها لا توجد في الخارج كلية مطلقة ~~بشرط ما هو معقول بشرط الاطلاق وانما توجد في الخارج معينة مشخصة ~~PageV05P292 # فقول القائل ان التفتيش يخرج من المحسوس ما هو معقول ان أراد به أنه ~~معقول ثابت في العقل فما هو ثابت في العقل ليس هو الموجود في الخارج بعينه # وان أراد في المحسوس الموجود في الخارج أمرا معقولا ليس هو في الذهن فهذا ~~باطل فليس في الانسان المعين الا ما هو معين وهو هذا الانسان المعين بدنه ~~وروحه وصفاته وهذا كله أمر معين مقيد مشخص ليس هو كليا ولا مطلقا # وما ذكره من اثبات المتباينين عقولا ونفوسا لا داخل العالم ولا خارجه ms1307 ليس ~~بحجة بل هم مخصومون بهذه الحجة وغيرها كما يخصم بها نظراؤهم لا سيما وقولهم ~~بذلك ابين فسادا وادحض حجة من اقوال نفاة الصفات والعلو فكيف يستدل على ~~القول بما هو أضعف منه وأبعد عن الحق وقد علم أن عامة العقلاء من اهل الملل ~~وغيرهم يردون هذا عليهم # وأما قوله انهم لم يكونوا بذلك قائلين ما يعلم فساده بالضرورة فليس الامر ~~كذلك بل المثبتة الذين يقولون ان الموجودين لابد ان يكونا متباينين أو ~~متحايثين يقولون ان ما ادعاه هؤلاء مما يخالف هذا معلوم الفساد بالضرورة # بل أئمة ( اهل الكلام ( النافون للعلو يدعون العلم الضرورى بان الممكن ~~اما جسم أو قائم بجسم وانما اثبته هؤلاء المتفلسفة من موجودات PageV05P293 ~~ممكنة ليست أجساما ولا اعراضا قائمة بالاجسام كالعقل والنفس والهيولى ~~والصورة التى يدعون أنها جواهر عقلية موجودة خارج الذهن ليست أجساما ولا ~~اعراضا لأجسام فان أئمة ( أهل النظر ( يقولون ان فساد هذا معلوم بالضرورة ~~كما ذكر ذلك أبو المعالى الجوينى وأمثاله من أئمة النظر والكلام # ومن لم يهتد لهذا كالشهرستانى والرازى والآمدى ونحوهم فهم ناظروا ~~الفلاسفة مناظرة ضعيفة ولم يثبتوا فساد اصولهم كما بين ذلك ائمة النظر ~~الذين هم أجل منهم وسلم هؤلاء للفلاسفة مناظرة ضعيفة ولم يبينوا فساد ~~اصولهم إلى مقدمات باطلة استزلوهم بها عن اشياء من الحق بخلاف أئمة أهل ~~النظر # كالقاضى أبى بكر وأبى المعالى الجوينى وابى حامد الغزالى وابى الحسين ~~البصرى وأبى عبد الله بن الهيصم الكرامى وأبى الوفاء على بن عقيل # ومن قبل هؤلاء مثل أبى على الجبائى وابنه ابى هاشم وابى الحسن الاشعرى ~~والحسن بن يحيى النوبختى # ومن قبل هؤلاء كأبى عبد الله محمد بن كرام وبن كلاب وجعفر بن مبشر وجعفر ~~بن حرب وأبى إسحاق النظام وابى الهذيل العلاف وعمرو بن بحر الجاحظ وهشام ~~الجواليقى وهشام بن الحكم وحسين بن محمد النجار وضرار بن عمرو الكوفى وأبى ~~عيسى محمد بن عيسى PageV05P294 برغوث وحفص الفرد وغير هؤلاء ممن لا يحصيهم ~~الا الله من ائمة اهل النظر والكلام ms1308 فان مناظرة هؤلاء للمتفلسفة خير من ~~مناظرة أولئك # وهؤلاء وغيرهم لا يسلمون للفلاسفة امكان وجود ممكن لا هو جسم ولا قائم ~~بجسم بل قد صرح أئمتهم بان بطلان هذا ( القسم الثالث ( معلوم بالضرورة بل ~~قد بين أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب امام الصفاتية كأبى العباس ~~القلانسى وابى الحسن الاشعرى وابى عبد الله بن مجاهد وغيرهم من انحصار ~~الموجودات في المباين والمحايث وان قول من اثبت موجودا غير مباين ولا محايث ~~معلوم الفساد بالضرورة مثل ما بين أولئك انحصار الممكنات في الاجسام ~~واعراضها وابلغ # وطوائف من النظار قالوا ما ثم موجود الا جسم أو قائم بجسم اذا فسر الجسم ~~بالمعنى الاصطلاحى لا اللغوى كما هو مستقر في فطر العامة وهذا قول كثير من ~~الفلاسفة أو اكثرهم وكذلك ايضا الائمة الكبار كالامام أحمد في رده على ~~الجهمية وعبدالعزيز المكى في رده على الجهمية وغيرهما بينوا ان ما ادعاه ~~النفاة من اثبات قسم ثالث ليس بمباين ولا محايث معلوم الفساد بصريح العقل ~~وان هذه من القضايا البينة التى يعلمها العقلاء بعقولهم واثبات لفظ الجسم ~~ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والائمة كما لم يثبتوا PageV05P295 ~~لفظ التحيز ولا نفوه ولا لفظ الجهة ولا نفوه ولكن أثبتوا الصفات التى جاء ~~بها الكتاب والسنة ونفوا مماثلة المخلوقات # ومن نظر في كلام الناس في هذا الباب وجد عامة المشهورين بالعقل والعلم ~~يصرحون بان اثبات وجود موجود لا محايث للآخر ولا مباين ونحو ذلك معلوم ~~بصريح العقل وضرورته # وأما الحجة الثالثة ( فقوله ان العقل يقسم المعلوم إلى مباين ومحايث وما ~~ليس بمباين ولا محايث ونظائره فيقال له التقسيم المعلوم إلى واجب وممكن وما ~~ليس بواجب ولا ممكن والى قديم ومحدث وما ليس بقديم ولا محدث والى قائم ~~بنفسه وقائم بغيره وما ليس بقائم بنفسه ولا غيره وأمثال ذلك من تقديرات ~~الذهن # ومعلوم أن مثل ذلك لا يدل على امكان ذلك في الخارج فليس كل ما فرضه الذهن ~~من الأقسام والتقديرات في الأذهان يكون ms1309 ممكنا أو موجودا في الاعيان بل ~~الذهن يقسم ما يخطر له إلى واجب وممتنع وممكن والى موجود ومعدوم فالذهن ~~يقدر كل ما يخطر بالبال ومعلوم أن في ذلك من الممتنعات ما لا يجوز وجوده ~~خارج الذهن # وأما قوله ان التقسيم إلى مباين ومحايث لا يعلم فساده كما لا يعلم فساد ~~أن الواحد نصف الاثنين فنقول أن القضايا الضرورية ليس من شرطها أن ~~PageV05P296 تكون مفرداتها بينة لكل أحد بل شرطها أن تكون مفرداتها اذا ~~تصورت جزم العقل بها وتصور الواحد نصف الاثنين بين لكل أحد فلهذا كان ~~التصديق التابع له أبين من غيره ولهذا لم يكن هذا في العقل كبيان أن خمسة ~~وخمسين وربعا وثمنا نصف مائة وعشرة ونصف وربع وكلاهما ضرورى # ونظائر هذا كثيرة ومعنى المباين والمحايث ليس بينا ابتداء اذ اللفظ فيه ~~اجمال كما تقدم ولكن اذا بين معناه لأهل العقل جزموا بانتفاء ( قسم ثالث ( ~~كما أن معنى القديم والمحدث والواجب والممكن والجوهر والعرض ونحو ذلك لما ~~لم يكن بينا بنفسه لعامة العقلاء لم يجزموا بانحصار الموجود في هذين ~~القسمين فاذا بين لهم المعنى جزموا بذلك # فاذا قيل للعقلاء موجودان قائمان بأنفسهما لا يكون هذا خارجا عن الآخر ~~مباينا له ولا داخلا فيه ولا بعيدا ولا قريبا منه ولا بعيدا عنه ولا فوقه ~~ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا أمامه ولا وراءه ولا يتصور أن يشير ~~احدهما إلى الاخر ولا يذهب إليه ولا يقرب منه ولا يبعد عنه ولا يتحرك إليه ~~ولا عنه ولا يقبل إليه ولا يعرض عنه ولا يحتجب عنه ولا يتجلى له ولا يظهر ~~لعينه ولا يستتر عنه # وأمثال هذه المعانى التى يقولها النفاة علم العقلاء بالاضطرار امتناع ~~وجود مثل هذين PageV05P297 # وأما قول المعارض ان هذا انما يعقل فيما هو جسم متحيز فاذا قدر ما ليس ~~بجسم ولا متحيز خلا عن هذين القسمين ولم تنحصر القسمة حينئذ في أحدهما # فيقال أولا لفظ ( الجسم ( و ( الحيز ( و ( الجهة ( الفاظ فيها اجمال ~~وابهام وهى ألفاظ ms1310 ( اصطلاحية ( وقد يراد بها معان متنوعة ولم يرد الكتاب ~~والسنة في هذه الالفاظ لا بنفى ولا اثبات ولا جاء عن أحد من سلف الأمة ~~وأئمتها فيها نفى ولا اثبات أصلا فالمعارضة بها ليست معارضة بدلالة شرعية ~~لا من كتاب ولا من سنة ولا اجماع بل ولا أثر لا عن صاحب أو تابع ولا امام ~~من المسلمين بل الأئمة الكبار أنكروا على المتكلمين بها وجعلوهم من أهل ~~الكلام الباطل المبتدع وقالوا فيهم أقوالا غليظة معروفة عن الأئمة كقول ( ~~الشافعى ( رحمه الله حكمى في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف ~~بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على ~~الكلام # وبالجملة فمعلوم أن الألفاظ ( نوعان ( # لفظ ورد في الكتاب والسنة أو الاجماع فهذا اللفظ يجب القول بموجبه سواء ~~فهمنا معناه أو لم نفهمه لأن الرسول ( ( لا يقول الا حقا والأمة لا تجتمع ~~على ضلالة PageV05P298 # ( والثانى ( لفظ لم يرد به دليل شرعى كهذه الالفاظ التى تنازع فيها هل ~~الكلام والفلسفة هذا يقول هو متحيز وهذا يقول ليس بمتحيز وهذا يقول هو في ~~جهة وهذا يقول ليس هو في جهة وهذا يقول هو جسم أو جوهر وهذا يقول ليس بجسم ~~ولا جوهر فهذه الالفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفى ولا اثبات حتى يستفسر ~~المتكلم بذلك فان بين أنه اثبت حقا أثبته وان أثبت باطلا رده وان نفى باطلا ~~نفاه وان نفى حقا لم ينفه وكثير من هؤلاء يجمعون في هذه الاسماء بين الحق ~~والباطل في النفى والاثبات # فمن قال انه في جهة وأراد بذلك أنه داخل محصور في شيء من المخلوقات كائنا ~~من كان لم يسلم إليه هذا الاثبات وهذا قول الحلولية # وان قال أنه مباين للمخلوقات فوقها لم يمانع في هذا الاثبات بل هذا ضد ~~قول الحلولية # ومن قال ليس في جهة فان أراد أنه ليس مباينا للعالم ولا فوقه لم يسلم له ~~هذا النفى # وكذلك لفظ المتحيز يراد به ما أحاط به شيء موجود كقوله ms1311 تعالى ( أو متحيزا ~~إلى فئة ( ويراد به ما انحاز عن غيره وباينه فمن قال ان الله متحيز ~~PageV05P299 بالمعنى الأول لم يسلم له ومن أراد أنه مباين للمخلوقات سلم له ~~المعنى وان لم يطلق اللفظ # اذا تبين هذا فاذا قال هذا القائل هذا التقسيم معلوم بالاضطرار فقيل له ~~هذا انما يعقل في متحيز أو ذى جهة ولم يكن هذا قادحا في ما علم بالاضطرار ~~بل يقول اما أن يكون هذا لازما واما أن لا يكون فان لم يكن لازما بطل ~~السؤال وان كان لازما فلازم الضرورى حق فان القضايا الضرورية اذا كانت ~~مستلزمة لأمور دل ذلك على صحة تلك اللوازم ولم يكن الاستدلال على بطلانها ~~بنفى تلك اللوازم لأن نفيها نظرى والنظرى لا يقدح في الضرورى # وقوله اذا قدر موجود ليس بمتحيز ولا في جهة يصح فيه هذا التقسيم فيقال له ~~ثبوته على هذا التقدير لا يقتضى ثبوته في نفس الأمر الا أن يكون التقدير ~~ثابتا في نفس الأمر وهذا التقسيم ينفى ثبوت هذا التقدير في نفس الأمر واذا ~~كان التقسيم معلوما بالاضطرار كان من لوازم ذلك انتفاء هذا التقدير فلا ~~يقبل اثبات هذا التقدير بالنظر لأن ذلك يتضمن القدح في الضرورى بالنظرى # واذا لم يكن إلى اثبات هذا التقدير سبيل لم يضر فساد التقسيم بتقدير ~~ثبوته لأن ذلك يتضمن فساد التقسيم بتقدير ثبوت ما لم يثبت ولا يمكن اثباته ~~PageV05P300 وأيضا فلو قدر ان اثبات هذا التقدير ممكن كان هذا من باب ~~المعارضة لا من باب منع شيء من المقدمات والمعارضة تحتاج إلى اقامة الدليل ~~ابتداء وسوف نتكلم على ذلك # ولو قال المعترض أنا أمنع صحة التقسيم واجعل هذا سند منعى لم يصح لأنه ~~يقال المنع اما أن يكون مقدمة لم يدل عليها والمستدل قد بين صحة التقسيم ~~بالضرورة فلا يصح منعه لكن اذا اثبت امكان وجود موجود لا داخل العالم ولا ~~خارجه كان هذا استدلالا على نقيض قول المنازع وحينئذ يكون غاصبا لمنصب ~~الإستدلال فان الغصب هو منع المقدمة باثبات ms1312 نقيض المطلوب # وحقيقته أنه يقول لو صح دليل المستدل لفسد مذهبى ومذهبى لم يفسد لكيت ~~وكيت فهذا غصب لمنصب الاستدلال فلا يقبل وهكذا هذا اذا منع التقسيم باثبات ~~هذا التقدير فهذا التقدير هو مذهبه اذ يدعى وجود موجود لا يقبل هذا التقسيم ~~وهذا محل النزاع فاذا استدل على امكانه كان غاصبا فلا يقبل منه فتبين أن ~~الدلالة تامة # وصار هذا الاعتراض بمنزلة أن يقال اذا قدر موجود ليس بقديم ولا محدث لم ~~يصح تقسيم الموجود إلى محدث وقديم واذا قدر موجود ليس بواجب ولا ممكن ولا ~~قائم بنفسه ولا قائم بغيره لم يصح تقسيم الموجود إلى الواجب والممكن ~~والقائم بنفسه والقائم بغيره ومعلوم أن التقسيم المعلوم PageV05P301 ~~بالاضطرار لا يفسد بتقدير نقيضه أو ما يستلزم نقيضه وانما يفسد التقسيم ~~بثبوت ما يناقضه فاذا كان المناقض لا يعلم الا بالنظر لم يصح أن يكون ~~مناقضا فعلم أن هذا من باب معارضة الضرورى بالنظرى فلا يكون مقبولا ولا ~~يكون حقا # ثم للناس في هذا المقام ( أربعة أجوبة ( # قول من يقول هذا التقسيم معقول مطلقا وهذا التقدير لا أتكلم في ثبوته ولا ~~نفيه لأن ذلك يقدح في الضروريات بالنظريات وذلك غير مقبول بمنزلة حجج ~~السوفسطائية فان ما علمناه بالاضطرار وقدح فيه بعض الناس بالنظر والجدل لم ~~يكن علينا أن نجيب عن المعارض جوابا مفصلا يبين حله بل يكفينا أن نعلم أنه ~~فاسد لأنه عارض الضرورى وما عارضه فهو فاسد وهذا جواب خلق كثير من أهل ~~الحديث والفقه والكلام وغيرهم عن مثل هذا # وهؤلاء يقول أحدهم لا أقول أنه متحيز ولا غير متحيز ولا في جهة ولا في ~~غير جهة بل أعلم أنه مباين للعالم وأنه يمتنع أن يكون لا مباينا ولا مداخلا # وهذا كما قال القرمطى الباطنى لا أقول هو موجود ولا معدوم ولا عالم ولا ~~جاهل ولا قادر ولا عاجز لأن ذلك من صفات الاجسام فان الجسم ينقسم إلى حى ~~وميت وعالم وجاهل وقادر وعاجز وموجود ومعدوم فاذا PageV05P302 قدرنا ما ليس ~~بجسم لم ms1313 يكن عالما ولا جاهلا ولا قادرا ولا عاجزا ولا حيا ولا ميتا كان ~~كلام القرمطى هذا بمنزلة كلام هؤلاء الجهمية أنه لا داخل العالم ولا خارجه # وقول جهم والقرامطة من جنس واحد كما نقله عن الفريقين أصحاب المقالات ~~وقالوا إنه لا يقال هو شيء ولا ليس بشيء فمن نفى عنه هذه المتقابلات التى ~~لابد للموجود من أحدهما لمن يمكنه قطع القرامطة ولهذا كانت مناظرة هؤلاء ~~للقرامطة مناظرة ضعيفة كما هو مبسوط في موضعه # ( الجواب الثانى ( قول من يقول بل أقول انه ليس بمتحيز ولا في جهة وأقول ~~مع ذلك انه مباين للعالم وهذا قول من يقول انه فوق العالم وليس بجسم ولا ~~جوهر ولا متحيز كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية والاشعرية والكرامية ومن ~~وافقهم من الفقهاء اتباع الائمة الأربعة وأهل الحديث والصوفية # فاذا قيل لهؤلاء اثبات مباين ليس بمتحيز مخالف لضرورة العقل قالوا اثبات ~~موجود لا محايث ولا مباين أظهر فسادا في ضرورة العقل من هذا فان كان قضاء ~~العقل مقبولا كان قولكم فاسدا وحينئذ حصل المطلوب من كونه مباينا للعالم ~~وان كان قضاء العقل مردودا بطلت حجتكم على ابطال قولنا أنه فوق العالم ~~مباين له وليس بجسم ولا جوهر واذا لم يكن ثم حجة على بطلان PageV05P303 ~~كونه فوق العالم لم يجز نفى ذلك وحينئذ فالسمعيات قد دلت على ذلك مع الفطرة ~~فلزم على هذا التقدير أن يكون مباينا للعالم # فهذا ( تحقيق جيد ( قد تقدم التنبيه عليه أيضا فان هؤلاء النفاة يجعلون ~~العقل حجة لهم ولا يجعلونه حجة عليهم ويحتجون على خصومهم بقضايا ضرورية ~~ويخالفونهم في القضايا الضرورية فيما هو أبين منها وكل ما يطعنون به حجة ~~على مخالفتهم مثل قولهم هذا من قضايا الوهم والخيال لا من قضايا العقل ~~فيطعن به في حجتهم هذه فيقال نفيكم لوجود موجود مباين ليس بجسم ولا متحيز ~~هو من قضايا الوهم والخيال لا من قضايا العقل فليتدبر الفاضل هذا المقام # ( الجواب الثالث ( قول من يلتزم أنه متحيز أو في جهة أو ms1314 أنه جسم ويقول لا ~~دلالة على نفى شيء من ذلك وأدلة النفاة لذلك أدلة فاسدة فانهم متفقون على ~~أن نفى ذلك ليس معلوما بالضرورة وانما يدعون النظر ونفاة ذلك لم يتفقوا على ~~دليل واحد بل كل واحد منهم يطعن في دليل الآخر فالفلاسفة الذين ينفون ذلك ~~بناء على نفى الصفات يطعن النفاة من أهل الكلام مع غيرهم من العقلاء وأهل ~~الاثبات في أدلتهم بالطعون المعروفة التى تبين فساد أدلتهم والمتكلمون ~~الذين ينفون ذلك يطعنون على الفلاسفة النفاة مع غيرهم من العقلاء وأهل ~~الاثبات في أدلتهم وهو الدليل المبنى على حدوث ما قامت به الأعراض والأفعال ~~PageV05P304 والكلام على اقوال أهل الاثبات المثبتة لفساد أدلة النفاة وما ~~في هذه المواضع من الأقوال المشتبهة والكلام الدقيق والبحوث العقلية مبسوط ~~مذكور في غير هذا الموضع # ( الجواب الرابع ( جواب أهل الاستفصال وهم الذين يقولون لفظ ( التحيز ( و ~~( الجهة ( و ( الجوهر ( ونحو ذلك ألفاظ مجملة ليس لها أصل في كتاب الله ولا ~~في سنة رسول الله ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى لا ~~نفيا ولا اثباتا # وحينئذ فاطلاق القول بنفيها أو اثباتها ليس من مذهب ( اهل السنة والجماعة ~~( بلا ريب ولا عليه دليل شرعى بل الاطلاق من الطرفين مما ابتدعه ( أهل ~~الكلام ( الخائضون في ذلك فاذا تكلمنا معهم بالبحث العقلى استفصلناهم عما ~~أرادوه بهذه الألفاظ # فان قال المثبت المراد بكونه متحيزا وجسما وفى جهة أنه في جوف المخلوقات ~~أو ان المخلوقات تحوزه أو أنه يماثلها أو يجوز عليه ما يجوز عليها ونحو ذلك ~~فهذا باطل ومباينته للعالم لا يقتضى أن يكون على هذا التقدير متحيزا ولا في ~~جهة ولا جسما # وان قال النافى لذلك ان ما كان فوق العالم فهو في جهة وهو متحيز وهو جسم ~~وذلك محال PageV05P305 قيل له نفى أنه مباين للعالم باطل وملزوم الباطل ~~باطل فاذا كان نفى مسميات هذه الألفاظ ملزوما لنفى المباينة كان نفيها ~~باطلا والأدلة المذكورة على نفى مسماها بهذا الاعتبار باطلة # ويقول المثبت نفى ms1315 مباينته للعالم وعلوه على خلقه باطل بل هذه الأمور ~~مستلزمة لتكذيب الرسول فما أثبته لربه وأخبر به عنه وهو كفر أيضا لكن ليس ~~كل من تكلم بالكفر يكفر حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره فاذا قامت عليه ~~الحجة كفر حينئذ بل نفى هذه الأمور مستلزم للتكفير للرسول فيما اثبته لربه ~~وأخبر به عنه بل نفى للصانع وتعطيل له في الحقيقة # واذا كان نفى هذه الأشياء مستلزما للكفر بهذا الاعتبار وقد نفاها طوائف ~~كثيرة من أهل الايمان فلازم المذهب ليس بمذهب الا أن يستلزمه صاحب المذهب ~~فخلق كثير من الناس ينفون الفاظا أو يثبتونها بل ينفون معانى أو يثبتونها ~~ويكون ذلك مستلزما لأمور هي كفر وهم لا يعلمون بالملازمة بل يتناقضون وما ~~أكثر تناقض الناس لا سيما في هذا الباب وليس التناقض كفرا # ويقول الناظم أنا أخبرت أن من قال ذلك هو مفتون وفاتن وهذا حق لأنه فتن ~~غيره بقوله وفتنه غيره وليس كل من فتن يكون كافرا وادعيت أن من قال ذلك كان ~~قوله مستلزما للتعطيل فيكون الكفر كامنا PageV05P306 في قوله والكامن في ~~الشيء لا يجب أن يكون ظاهرا فيه ولو كان الكفر ظاهرا في قوله للزم تكفير ~~القائل أما اذا كان كامنا وهو خفى لم يكفر به من لم يعلم حقيقة ما تضمنه من ~~الكفر وان كان متضمنا للكفر ومستلزما له # وأما لفظ ( التجسيم ( فهذا لفظ مجمل لا أصل له في الشرع فنفيه واثباته ~~يفتقر إلى تفصيل ودليل كما تقدم # وأما ان قال المثبت لذلك المراد به أنه فوق العالم ومباين له قيل له هذا ~~المعنى صحيح وان قال النافى لذلك المراد أنه لا تحوزه المخلوقات ولا تماثله ~~قيل له هذا المعنى صحيح ولا منافاة بين قوليكما فانه فوق العالم مباين له ~~والمخلوقات لا تحصره ولا تحوزه ولا يفتقر إلى العرش ولا غيره مع أنه عال ~~عليها مباين لها وليس مماثلا لها ولا يجوز عليه ما يجوز عليها فهذه المعانى ~~صحيحة من النافى والمثبت مقبولة وتلك المعانى منهما مردودة ms1316 والحمد لله رب ~~العالمين # ولأن هذا الذى يجيب به أهل الاثبات للدهرية من أنه سبحانه تقوم به ~~الأفعال التى يشاؤها ويقدر عليها وبذلك يخلق المخلوقات المنفصلة عنه مطابق ~~لما جاءت به الآثار المأثورة عن الرسل صلوات الله عليهم فان الله أخبر أنه ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وقبل إستوائه ~~PageV05P307 على العرش @QB@ استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ فهذا ونحوه مما جاء في مبدأ ~~الخلق # وأما الإعادة فقد قال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ # وقد ثبت في الصحيح عن أبى هريرة عن النبى ( ( أنه قال ( يقبض الله الأرض ~~ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك اين ملوك الأرض ( # وفى الصحيحين عن بن عمر أن النبى ( ( قرأ على المنبر هذه الآية قال يطوى ~~الله السماوات بيمينه ويقبض الأرض بيده الأخرى ثم يقول أنا الملك أنا ~~القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهين أنا العزيز أنا الجبار أنا ~~المتكبر أنا الذى بدأت الدنيا ولم تكن شيئا أنا الذى أعيدها ( وجعل رسول ~~الله ( ( يقبض بيديه ويبسطهما والمنبر يتحرك من اسفله حتى انى لاقول أساقط ~~هو برسول الله ( ( # وعن بن عباس أنه قال ( ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد ~~الرحمن الا كخردلة في كف أحدكم ( وروى أنه قال ( يرمى بها كما يرمى الصبى ~~بالكرة ( فهذا يبين أن الأفلاك لا نسبة لها إلى قدرة الله تعالى مع كونه ~~سبحانه وتعالى يطوى السماء ويقبض الأرض PageV05P308 وفى الصحيحين عن بن ~~مسعود أن رجلا من اليهود قال للنبى ( ( ان الله اذا كان يوم القيامة فانه ~~يمسك السماء على اصبع والأرض على اصبع والشجر والثرى على اصبع والجبال على ~~اصبع والخلائق على اصبع قال فضحك النبى ( ( تعجبا وتصديقا لقول الحبر ثم ~~قرأ قوله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره @QE@ الآية فهذا بين من عمل ~~الرب تبارك وتعالى ما يدفع شبه ms1317 المتفلسفة PageV05P309 ### ||| فصل # وهذا ( التقسيم ( الذى ذكره السائل هو معروف في كلام السلف والأئمة ~~يحتجون به على الجهمية النفاة كمباينته لخلقه وعلوه على عرشه قال ( الامام ~~أحمد ( في كتابه الذى كتبه في ( الرد على الجهمة والزنادقة ( بيان ما أنكرت ~~الجهمية الضلال أن يكون الله على العرش ( وقد قال تعالى @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ وقال @QB@ خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش @QE@ فقالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش فهو على العرش ~~وفى السماوات وفى الأرض وفى كل مكان لا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون ~~مكان ويتلون آيات من القرآن @QB@ وهو الله في السماوات وفي الأرض @QE@ # قلنا قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظيم الرب شيء فقالوا أى ~~شيء قلنا أحشاءكم واجوافكم واجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس ~~فيها من عظيم الرب شيء وقد أخبرنا أنه في السماء فقال @QB@ أأمنتم من في ~~السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور @QE@ وقد قال جل ثناؤه @QB@ إليه ~~يصعد الكلم الطيب @QE@ وقال تعالى @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ ~~PageV05P310 # وقال تعالى @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ وقال تعالى @QB@ وله ~~من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته @QE@ الآية وقال ~~تعالى @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ذي المعارج تعرج ~~الملائكة والروح إليه @QE@ وقال تعالى @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وهو العلي العظيم @QE@ # قال فهذا خبر الله أنه في السماء ووجدنا كل شيء في اسفل مذموما يقول جل ~~ثناؤه @QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت ~~أقدامنا ليكونا من الأسفلين @QE@ # وقلنا لهم أليس تعلمون ان ابليس مكانه مكان والشياطين مكانهم مكان فلم ~~يكن الله ليجتمع هو وابليس في مكان واحد ولكن معنى قوله عز وجل @QB@ وهو ~~الله في السماوات وفي الأرض @QE@ يقول هو اله من في السماوات واله من في ~~الأرض وهو الله على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش لا ms1318 يخلو من علم الله ~~مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان وذلك قوله @QB@ لتعلموا أن الله ~~على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما @QE@ # وقال من الاعتبار في ذلك لو أن رجلا كان في يده قدح من قوارير صاف وفيه ~~شيء صاف لكان نظر بن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن PageV05P311 يكون بن آدم ~~في القدح والله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء ~~من خلقه # وخصلة أخرى لو أن رجلا بنى دارا بجميع مرافقها ثم اغلق بابها وخرج كان بن ~~آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار ~~في جوف الدار فالله عز وجل وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف ~~هو وما هو من غير أن يكون في شيء مما خلق # وما تأول الجهمية من قول الله عز وجل @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم @QE@ فقالوا ان الله عز وجل معنا وفينا قلنا لم قطعتم الخبر من قوله ~~ان الله يقول @QB@ ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم @QE@ يعنى بعلمه فيهم @QB@ أين ما كانوا ثم ينبئهم ~~بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم @QE@ ففتح الخبر بعلمه وختمه ~~بعلمه # ويقال للجهمى ان الله اذا كان معنا بعظمة نفسه هل يغفر الله لكم فيما ~~بينه وبين خلقه فان قال نعم فقد زعم أن الله تعالى مباين خلقه وان خلقه ~~دونه وان قال لا كفر قال واذا أردت ان تعلم أن الجهمى كاذب على الله حين ~~زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له اليس الله كان ولا ~~شيء PageV05P312 فيقول نعم فقل له حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا ms1319 عن ~~نفسه فانه يصير إلى ( ثلاثة أقاويل ( # واحد منها ان زعم أن الله خلق الخلق في نفسه قد كفر حين زعم أنه خلق الجن ~~والانس والشياطين في نفسه وان قال خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا ~~ايضا كفرا حين زعم أنه دخل في مكان رجس وقذر ردىء وان قال خلقهم خارجا عن ~~نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله اجمع وهو قول أهل السنة # فقد بين الامام أحمد ما هو معلوم بالعقل الصريح والفطرة البديهية من أنه ~~لابد أن يكون خلق الخلق داخلا في نفسه أو خارجا عنه وانه اذا كان خارجا عن ~~نفسه فاما أن يكون حل فيه بعد ذلك أو لم يزل مباينا فذكر الاقسام الثلاثة # وقال أيضا في أثناء كلامه فلما ظهرت الحجة على الجهمى بما ادعى على الله ~~أنه مع خلقه في كل شيء من غير أن يكون مماسا للشىء ولا مباينا له فقلنا اذا ~~كان غير مباين اليس هو مماسا قال لا قلنا فكيف يكون في شيء غير PageV05P313 ~~مماس له ولا مباين فلم يحسن الجواب فقال بلا كيف فخدع الجهال بهذه الكلمة ~~وموه عليهم # وكذلك قال عبد العزيز المكى صاحب الشافعى صاحب ( الحيدة ( المشهورة في ~~كتاب الرد على الزنادقة والجهمية قال باب قول الجهمية في قول الله تعالى ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ # زعمت الجهمية أن قول الله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ انما المعنى ~~استولى كقول العرب استوى فلان على مصر استوى على الشام يريد استولى عليها ### ||| 2 باب البيان لذلك 2 # يقال له أيكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه فاذا ~~قال لا قيل فمن زعم ذلك قال من زعم ذلك فهو كافر يقال له يلزمك أن تقول ان ~~العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه وذلك ان الله أخبر أنه خلق ~~العرش قبل خلق السماوات والأرض في ستة ايام ثم استوى على عرشه بعد خلقه ~~السماوات والأرض قال الله عزوجل @QB@ الذي خلق السماوات ms1320 والأرض وما بينهما ~~في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا @QE@ وقوله @QB@ ~~الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم @QE@ PageV05P314 وقوله @QB@ ~~ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات @QE@ وقوله @QB@ ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان @QE@ فأخبر أنه استوى على العرش فيلزمك أن تقول المدة الذى ~~كان العرش فيها قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستول عليه اذ كان @QB@ ~~استوى على العرش @QE@ معناه عندك استولى فانما استولى بزعمك في ذلك الوقت ~~لا قبله # وقد روى عن عمران بن حصين عن النبى ( ( أنه قال ( اقبلوا البشرى يا بنى ~~تميم قالوا بشرتنا فاعطنا قال أقبلوا البشرى يا أهل اليمن قالوا قبلنا ~~فاخبرنا عن اول هذا الأمر كيف كان قال كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على ~~الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء ( وروى عن أبى رزين العقيلى وكان يعجب ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ( انه قال يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن ~~يخلق السماوات والأرض قال ( في عماء فوقه هواء وتحته هواء ( # فيقال اخبرنى كيف استوى على العرش أهو كما يقول استوى فلان على السرير ~~فيكون السرير قد حوى فلانا وحده اذا كان عليه فيلزمك أن تقول ان العرش قد ~~حوى الله وحده اذا كان عليه لأنا لا نعقل الشيء على الشيء الا هكذا ~~PageV05P315 فيقال اما قولك كيف استوى فان الله تعالى لا يجرى عليه كيف وقد ~~اخبرنا أنه ( استوى على العرش ( ولم يخبرنا كيف استوى # لأنه لم يخبرهم كيف ذلك ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت وحرم ~~عليهم أن يقولوا عليه ما لا يعلمون فآمنوا بخبره عن الاستواء ثم ردوا علم ~~كيف استوى إلى الله تعالى # ولكن يلزمك أيها الجهمى أن تقول ان الله تعالى محدود وقد حوته الاماكن اذ ~~زعمت في دعواك أنه في الاماكن لأنه لا يعقل شيء في مكان الا والمكان قد ~~حواه كما تقول العرب فلان في البيت والماء في الحب فالبيت قد حوى فلانا ~~والحب قد حوى الماء ms1321 # ويلزمك أشنع من ذلك لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى وذلك أنهم قالوا ~~ان الله عز وجل في عيسى وعيسى بدن انسان واحد فكفروا بذلك وقيل لهم ما ~~عظمتم الله اذ جعلتموه في بطن مريم وأنتم تقولون انه في كل مكان وفى بطون ~~النساء كلهن وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم # ويلزمك أيضا أن تقول أنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن وعندك ~~أنه في كل مكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا # قال فلما شنعت مقالته قال اقول ان الله في كل مكان لا كالشىء PageV05P316 ~~في الشيء ولا كالشىء على الشيء ولا كالشىء خارجا عن الشيء ولا مباينا للشىء # قال يقال له أصل قولك القياس والمعقول فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك ~~لا تعبد شيئا لأنه لو كان شيئا داخلا في القياس والمعقول لأن يكون داخلا في ~~الشيء أو خارجا عنه فلما لم يكن في قولك شيئا استحال أن يكون الشيء في ~~الشيء أو خارجا من الشيء فوصفت لعمرى ملتبسا لا وجود له وهو دينك وأصل ~~مقالتك التعطيل # فهذا ( عبد العزيز المكى ( قد بين أن القياس والمعقول يوجب أن ما لا يكون ~~داخلا في الشيء ولا خارجا منه فانه لا يكون شيئا وان ذلك صفة المعدوم الذى ~~لا وجود له فالقياس هو الادلة العقلية والمعقول العلوم الضرورية # وكذلك قال ( أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ( امام المتكلمة الصفاتية ~~كالقلانسى والاشعرى وأتباعه فيما جمعه أبو بكر بن فورك من كلام الاشعرى ~~ايضا فذكر بن فورك كلام بن كلاب أنه قال وأخرج من النظر والخبر قول من قال ~~لا هو في العالم ولا خارج منه فنفاه نفيا مستويا لأنه لو قيل له صفه بالعدم ~~ما قدر أن يقول فيه أكثر من هذا ورد أخبار الله نصا وقال في ذلك ما لا يجوز ~~في نص ولا معقول وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص والنفى الخالص عندهم هو ~~الاثبات الخالص وهم عند أنفسهم قياسون PageV05P317 قال فان قالوا هذا افصاح ~~بخلو الاماكن ms1322 منه وانفراد العرش به قيل ان كنتم تعنون بخلو الاماكن من ~~تدبيره وأنه عالم فلا # وان كنتم تذهبون إلى خلوه من استوائه عليها كما استوى على العرش فنحن لا ~~نحتشم أن نقول استوى الله على العرش ونحتشم أن نقول استوى على الأرض واستوى ~~على الجدار وفى صدر البيت # وقال أبو محمد بن كلاب ايضا يقال لهم أهو فوق ما خلق فان قالوا نعم قيل ~~ما تعنون بقولكم أنه فوق ما خلق فان قالوا بالقدرة والعزة قيل لهم ليس هذا ~~سؤالنا وان قالوا المسألة خطأ قيل لهم فليس هو فوق فان قالوا نعم ليس هو ~~فوق قيل لهم وليس هو تحت فان قالوا ولا تحت اعدموه لأن ما كان لا تحت ولا ~~فوق فعدم وان قالوا هو تحت وهو فوق قيل لهم فوق تحت وتحت فوق # وقال بن كلاب أيضا يقال لهم اذا قلنا الانسان لا مماس ولا مباين للمكان ~~فهذا محال فلابد من نعم قيل لهم فهو لا مباين ولا مماس فاذا قالوا نعم قيل ~~لهم فهو بصفة المحال الذى لا يكون ولا يثبت في الوهم فاذا قالوا نعم قيل ~~فينبغى أن يكون بصفة المحال من كل جهة كما كان بصفة المحال من هذه الجهة # وقيل لهم اليس لا يقال لما هو ثابت في الانسان لا مماس ولا مباين ~~PageV05P318 فاذا قالوا نعم قيل فأخبرونا عن معبودكم مماس هو أو مباين فاذا ~~قالوا لا يوصف بهما قيل لهم فصفة اثبات الخالق كصفة عدم المخلوق فلم لا ~~يقولون عدم كما يقولون للانسان عدم إذا وصفتموه بصفة العدم # وقيل لهم اذا كان عدم المخلوق وجودا له كان جهل المخلوق علما له لأنكم ~~وصفتم العدم الذى هو للمخلوق وجودا له واذا كان العدم وجودا كان الجهل علما ~~والعجز قدرة # وقال بن كلاب أيضا ورسول الله ( ( وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته ~~واعلمهم جميعا يجيز ( الأين ( ويقوله ويستصوب قول القائل أنه في السماء ~~وشهد له بالايمان عند ذلك وجهم بن صفوان وأصحابه لا ms1323 يجيزون ( الأين ( ~~ويحرمون القول به قال ولو كان خطأ كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( ~~أحق بالانكار له وكان ينبغى ان يقول لها لا تقولى ذلك فتوهمى أنه عز وجل ~~محدود وأنه في مكان دون مكان ولكن قولى انه في كل مكان لأنه هو الصواب دون ~~ما قلت كلا فلقد أجازه رسول الله ( ( مع علمه بما فيه وأنه أصوب الايمان بل ~~الأمر الذى يجب به الايمان لقائله ومن أجله شهد لها بالايمان حين قالته ~~وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له # قال ولو لم يشهد بصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة الا ما ذكرنا ~~PageV05P319 من هذه الامور لكان فيه ما يكفى وقد غرس في تبينه في الفطرة ~~ومعارف الادميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدا من ~~الناس عنه عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول اين ربك الا قال في ~~السماء ان أفصح أو أومأ بيده أو أشار بطرفه ان كان لا يفصح ولا يشير إلى ~~غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل # ولا رأينا أحدا اذا دعاه الا رافعا يده إلى السماء ولا وجدنا أحدا غير ~~الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون وهم يدعون أنهم أفضل ~~الناس كلهم فتاهت العقول وسقطت الاخبار واهتدى جهم ورجلان معه نعوذ بالله ~~من مضلات الفتن # فهذا وأمثاله كلام بن كلاب وأبى الحسن الأشعرى واتباعه وعنه أخذ الحارث ~~المحاسبى هذا وقد ذكر الحارث المحاسبى في كتاب ( فهم القرآن ( هو وغيره من ~~ذلك ما هو مذكور في غير هذا الموضع فان كلام السلف والأئمة في ذلك كثير ~~والله أعلم PageV05P320 ### || 1 ( شرح حديث النزول ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه # ما يقول سيدنا وشيخنا شيخ الاسلام وقدوة الأنام أيده الله ورضى عنه # في رجلين تنازعا في ( حديث النزول ( # أحدهما مثبت والآخر ناف فقال ~~المثبت ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين ms1324 يبقى ثلث الليل الآخر ~~فقال النافى كيف ينزل فقال المثبت ينزل بلا كيف فقال النافى يخلو منه العرش ~~أم لا يخلو فقال المثبت هذا قول مبتدع ورأى مخترع فقال النافى ليس هذا ~~جوابى بل هو حيدة عن الجواب فقال له المثبت هذا جوابك فقال النافى انما ~~ينزل أمره ورحمته فقال المثبت أمره ورحمته ينزلان كل ساعة والنزول قد وقت ~~له رسول الله ( ( ثلث الليل الآخر فقال النافى الليل لا يستوى وقته في ~~البلاد فقد يكون الليل في بعض البلاد PageV05P321 خمس عشرة ساعة ونهارها ~~تسع ساعات ويكون في بعض البلاد ست عشرة ساعة والنهار ثمان ساعات وبالعكس ~~فوقع الاختلاف في طول الليل وقصره بحسب الاقاليم والبلاد وقد يستوى الليل ~~والنهار في بعض البلاد وقد يطول الليل في بعض البلاد حتى يستوعب أكثر ~~الاربع وعشرين ساعة ويبقى النهار عندهم وقت يسير فيلزم على هذا أن يكون ثلث ~~الليل دائما ويكون الرب دائما نازلا إلى السماء # والمسؤول ازالة الشبه والاشكال وقمع أهل الضلال ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله رب العالمين أما القائل الاول الذى ذكر نص النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ( فقد أصاب فيما قال فان هذا القول الذى قاله قد استفاضت به ~~السنة عن النبى ( ( واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على ~~تصديق ذلك وتلقيه بالقبول ومن قال ما قاله الرسول ( ( فقوله حق وصدق وان ~~كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعانى كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما ~~فيه من المعانى فان اصدق الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد ( ( والنبى ~~( ( قال هذا الكلام وأمثاله علانية وبلغه الامة تبليغا عاما لم يخص به أحدا ~~دون أحد ولا كتمه عن أحد وكانت الصحابة والتابعون تذكره وتأثره وتبلغه ~~PageV05P322 وترويه في المجالس الخاصة والعامة واشتملت عليه كتب الاسلام ~~التى تقرأ في المجالس الخاصة والعامة ( كصحيحى البخارى ومسلم ( ( وموطأ ~~مالك ( ومسند الامام أحمد ( وسنن أبى داود ( ( والترمذى ( والنسائى ( ~~وأمثال ذلك من كتب المسلمين # لكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما ms1325 يجب تنزيه الله عنه كتمثيله بصفات ~~المخلوقين ووصفه بالنقص المنافى لكماله الذى يستحقه فقد أخطأ في ذلك وان ~~أظهر ذلك منع منه وان زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضا في ~~ذلك # فان وصفه سبحانه وتعالى في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات ~~كوصفه بالاستواء إلى السماء وهى دخان ووصفه بأنه خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم إستوى على العرش ووصفه بالاتيان والمجىء في مثل قوله تعالى ~~@QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة @QE@ وقوله ~~@QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ~~@QE@ وقوله @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش @QE@ وقوله ~~@QB@ والسماء بنيناها بأيد @QE@ وقوله @QB@ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء @QE@ وقوله @QB@ ~~يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ وأمثال ذلك من الأفعال ~~التي PageV05P323 وصف الله تعالى بها نفسه التى تسميها النحاة أفعالا ~~متعدية وهى غالب ما ذكر في القرآن أو يسمونها لازمة لكونها لا تنصب المفعول ~~به بل لا تتعدى إليه الا بحرف الجر كالاستواء إلى السماء وعلى العرش ~~والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك # فان الله وصف نفسه بهذه الأفعال ووصف نفسه بالأقوال اللازمة والمتعدية في ~~مثل قوله @QB@ وإذ قال ربك للملائكة @QE@ وقوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وناداهما ربهما @QE@ وقوله @QB@ ويوم يناديهم فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين @QE@ وقوله @QB@ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل @QE@ ~~وقوله @QB@ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن ~~أصدق من الله حديثا @QE@ وقوله @QB@ الله نزل أحسن الحديث @QE@ وقوله @QB@ ~~وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا @QE@ وقوله @QB@ وتمت كلمة ~~ربك صدقا وعدلا @QE@ وقوله @QB@ ولقد صدقكم الله وعده @QE@ وكذلك وصف نفسه ~~بالعلم والقوة والرحمة ونحو ذلك كما في قوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه ms1326 ~~إلا بما شاء @QE@ وقوله @QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ وقوله ~~@QB@ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما @QE@ وقوله @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء @QE@ ~~ونحو ذلك مما وصف به نفسه في كتابه وما صح عن رسوله ( ( فان القول في جميع ~~ذلك من جنس واحد PageV05P324 # ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفونه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ( ( ~~في النفى والاثبات والله سبحانه وتعالى قد نفى عن نفسه مماثلة المخلوقين ~~فقال الله تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد @QE@ فبين أنه لم يكن أحد كفوا له وقال تعالى @QB@ هل تعلم له ~~سميا @QE@ فأنكر أن يكون له سمى وقال تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تضربوا لله الأمثال @QE@ وقال تعالى @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ # ففيما أخبر به عن نفسه من تنزيهه عن الكفؤ والسمى والمثل والند وضرب ~~الأمثال له بيان أن لا مثل له في صفاته ولا أفعاله فان التماثل في الصفات ~~والأفعال يتضمن التماثل في الذات فان الذاتين المختلفتين يمتنع تماثل ~~صفاتهما وأفعالهما اذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات فان الصفة ~~تابعة للموصوف بها والفعل أيضا تابع للفاعل بل هو مما يوصف به الفاعل فاذا ~~كانت الصفتان متماثلتين كان الموصوفان متماثلين حتى أنه يكون بين الصفات من ~~التشابه والاختلاف بحسب ما بين الموصوفين كالانسانين كما كانا من نوع واحد ~~فتختلف مقاديرهما وصفاتهما بحسب اختلاف ذاتيهما ويتشابه ذلك بحسب تشابه ذلك # كذلك اذا قيل بين الانسان والفرس تشابه من جهة أن هذا حيوان وهذا ~~PageV05P325 حيوان اختلاف من جهة أن هذا ناطق وهذا صاهل وغير ذلك من الامور ~~كان بين الصفتين من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الذاتين وذلك أن الذات ~~المجردة عن الصفة لا توجد الا في الذهن فالذهن يقدر ذاتا مجردة عن الصفة ~~ويقدر وجودا مطلقا لا يتعين وأما الموجودات في أنفسها فلا يمكن فيها وجود ~~ذات مجردة عن كل صفة ولا وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص # واذا قال من ms1327 قال من أهل الاثبات للصفات ( انا اثبت صفات الله زائدة على ~~ذاته ( فحقيقة ذلك أنا نثبتها زائدة على ما أثبتها النفاة من الذات فان ~~النفاة اعتقدوا ثبوت ذات مجردة عن الصفات فقال أهل الاثبات نحن نقول باثبات ~~صفات زائدة على ما اثبته هؤلاء # وأما الذات نفسها الموجودة فتلك لا يتصور أن تتحقق بلا صفة أصلا بل هذا ~~بمنزلة من قال اثبت انسانا لا حيوانا ولا ناطقا ولا قائما بنفسه ولا بغيره ~~ولا له قدرة ولا حياة ولا حركة ولا سكون أو نحو ذلك أو قال أثبت نخلة ليس ~~لها ساق ولا جذع ولا ليف ولا غير ذلك فان هذا يثبت ما لا حقيقة له في ~~الخارج ولا يعقل # ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفاة الصفات ( معطلة ( لأن حقيقة قولهم ~~تعطيل ذات الله تعالى وان كانوا هم قد لا يعلمون ان قولهم مستلزم للتعطيل ~~بل يصفونه بالوصفين المتناقضين فيقولون هو موجود قديم واجب ثم ينفون ~~PageV05P326 لوازم وجوده فيكون حقيقة قولهم موجود ليس بموجود حق ليس بحق ~~خالق ليس بخالق فينفون عنه النقيضين إما تصريحا بنفيها واما امساكا عن ~~الاخبار بواحد منهما # ولهذا كان محققوهم ( وهم القرامطة ( ينفون عنه النقيضين فلا يقولون موجود ~~ولا لا موجود ولا حى ولا لا حى ولا عالم ولا لا عالم قالوا لأن وصفه ~~بالاثبات تشبيه له بالموجودات ووصفه بالنفى فيه تشبيه له بالمعدومات فآل ~~بهم اغراقهم في نفى التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل # ثم أنهم لم يخلصوا مما فروا منه بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد ~~شبهوه بالممتنع الذى هو أخس من الموجود والمعدوم الممكن ففروا في زعمهم من ~~تشبيهه بالموجودات والمعدومات ووصفوه بصفات الممتنعات التى لا تقبل الوجود ~~بخلاف المعدومات الممكنات وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات ~~والمعدومات الممكنات # وما فر منه هؤلاء الملاحدة ليس بمحذور فانه اذا سمى حقا موجودا قائما ~~بنفسه حيا عليما رؤوفا رحيما وسمى المخلوق بذلك لم يلزم من ذلك أن يكون ~~مماثلا للمخلوق اصلا ولو كان هذا ms1328 حقا لكان كل موجود مماثلا لكل موجود ولكان ~~كل معدوم مماثلا لكل معدوم ولكان كل ما ينفى عنه شيء من الصفات مماثلا لكل ~~ما ينفى عنه ذلك الوصف PageV05P327 فاذا قيل السواد موجود كان على قول ~~هؤلاء قد جعلنا كل موجود مماثلا للسواد واذا قلنا البياض معدوم كنا قد ~~جعلنا كل معدوم مماثلا للبياض ومعلوم أن هذا في غاية الفساد ويكفى هذا خزيا ~~لحزب الالحاد # واذا لم يلزم مثل ذلك في السواد الذى له أمثال بلا ريب فاذا قيل في خالق ~~العالم أنه موجود لا معدوم حى لا يموت قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم فمن أين ~~يلزم أن يكون مماثلا لكل موجود ومعدوم وحى وقائم ولكل ما ينفى عنه العدم ~~وما ينفى عنه صفة العدم وما ينفى عنه الموت والنوم كأهل الجنة الذين لا ~~ينامون ولا يموتون # وذلك أن هذه الاسماء العامة المتواطئة إلى تسميها النحاة اسماء الاجناس ~~سواء اتفقت معانيها في محالها أو تفاضلت كالسواد ونحوه وسواء سميت مشككة ~~وقيل أن المشككة نوع من المتواطئة اما أن تستعمل ( مطلقة وعامة ( كما اذا ~~قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وخالق ومخلوق والعلم ينقسم ~~إلى قديم ومحدث واما أن تستعمل ( خاصة معينة ( كما اذا قيل وجود زيد وعمرو ~~وعلم زيد وعمرو وذات زيد وعمرو فاذا استعملت خاصة معينة دلت على ما يختص به ~~المسمى لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج فان ما يختص به المسمى لا ~~شركة فيه بينه وبين غيره PageV05P328 فاذا قيل علم زيد ونزول زيد واستواء ~~زيد ونحو ذلك لم يدل هذا الا على ما يختص به زيد من علم ونزول واستواء ونحو ~~ذلك لم يدل على ما يشركه فيه غيره لكن لما علمنا أن زيدا نظير عمرو وعلمنا ~~أن علمه نظير علمه ونزوله نظير نزوله واستواءه نظير استوائه فهذا علمناه من ~~جهة القياس والمعقول والاعتبار لا من جهة دلالة اللفظ فاذا كان هذا في صفات ~~المخلوق فذلك في الخالق أولى # فاذا قيل علم ms1329 الله وكلام الله ونزوله واستواؤه ووجوده وحياته ونحو ذلك لم ~~يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الاولى ولم يدل ذلك على ~~مماثلة الغير له في ذلك كما دل في زيد وعمرو لأنا هناك علمنا التماثل من ~~جهة الاعتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو وهنا نعلم أن الله لا مثل له ولا ~~كفو ولا ند فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره ولا كلامه مثل ~~كلام غيره ولا استواءه مثل استواء غيره ولا نزوله مثل نزول غيره ولا حياته ~~مثل حياة غيره # ولهذا كان مذهب السلف والأئمة اثبات الصفات ونفى مماثلتها لصفات ~~المخلوقات فالله تعالى موصوف بصفات الكمال الذى لا نقص فيه منزه عن صفات ~~النقص مطلقا ومنزه عن أن يماثله غيره في صفات كماله فهذان المعنيان جمعا ~~التنزيه وقد دل عليهما قوله تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ ~~فالاسم ( الصمد ( يتضمن صفات الكمال والاسم ( الأحد ( يتضمن نفى المثل كما ~~قد بسط الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة PageV05P329 # فالقول في صفاته كالقول في ذاته والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ~~ولا في صفاته ولا في أفعاله لكن يفهم من ذلك أن نسبة هذه الصفة إلى موصوفها ~~كنسبة هذه الصفة إلى موصوفها فعلم الله وكلامه ونزوله واستواؤه هو كما ~~يناسب ذاته ويليق بها كما أن صفة العبد هي كما تناسب ذاته وتليق بها ونسبة ~~صفاته إلى ذاته كنسبة صفات العبد إلى ذاته ولهذا قال بعضهم اذا قال لك ~~السائل كيف ينزل أو كيف استوى أو كيف يعلم أو كيف يتكلم ويقدر ويخلق فقل له ~~كيف هو في نفسه فاذا قال أنا لا أعلم كيفية ذاته فقل له وأنا لا أعلم كيفية ~~صفاته فان العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف # فهذا اذا استعملت هذه الأسماء والصفات على وجه التخصيص والتعيين وهذا هو ~~الوارد في الكتاب والسنة وأما اذا قيلت مطلقة وعامة كما يوجد في كلام ~~النظار الموجود ينقسم إلى قديم ms1330 ومحدث والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث ونحو ذلك ~~فهذا مسمى اللفظ المطلق والعام والعلم معنى مطلق وعام والمعانى لا تكون ~~مطلقة وعامة الا في الاذهان لا في الاعيان فلا يكون موجود وجودا مطلقا أو ~~عاما الا في الذهن ولا يكون مطلق أو عام الا في الذهن ولا يكون انسان أو ~~حيوان مطلق وعام الا في الذهن والا فلا تكون الموجودات في أنفسها الا معينة ~~مخصوصة متميزة عن غيرها # فليتدبر العاقل هذا المقام الفارق فانه زل فيه خلق من اولى النظر ~~الخائضين PageV05P330 في الحقائق حتى ظنوا ان هذه المعانى العامة المطلقة ~~الكلية تكون موجودة في الخارج كذلك وظنوا انا اذا قلنا ان الله عز وجل ~~موجود حى عليم والعبد موجود حى عليم أنه يلزم وجود موجود في الخارج يشترك ~~فيه الرب والعبد وأن يكون ذلك الموجود بعينه في العبد والرب بل وفى كل ~~موجود ولابد أن يكون للرب ما يميزه عن المخلوق فيكون فيه جزآن # ( أحدهما ( لكل مخلوق وهو القدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات # و ( الثانى ( يختص به وهو المميز له عن سائر الموجودات ثم لا يذكرون فيما ~~يختص به الا ما يلزم فيه مثل ذلك فاذا قالوا يمتاز بذاته أو بحقيقته أو ~~ماهيته أو نحو ذلك كان ذلك بمنزلة قولهم يمتاز بوجوده فان الذات والحقيقة ~~والماهية تستعمل مطلقا ومعينا كلفظ الوجود سواء # وهذا المقام حار فيه طوائف من ائمة النظار حتى قال طائفة ان لفظ الوجود ~~وغيره مقول بالاشتراك اللفظى فقط وحكوا ذلك عن كل من قال بنفى الاحوال وهم ~~عامة أهل الاثبات فصار مضمون نقلهم أن مذهب عامة أهل الاسلام ومتكملة ~~الاثبات كابن كلاب والأشعرى وبن كرام وغيرهم بل ومحققى المعتزلة كأبى ~~الحسين البصرى وغيره أن لفظ الوجود وغيره مما يسمى الله به ويسمى به ~~المخلوق انما يقال بالاشتراك اللفظى فقط من غير أن يكون بين المسميين معنى ~~عام كلفظ المشترى اذا سمى به المبتاع والكوكب ولفظ سهيل المقول على الكوكب ~~والرجل PageV05P331 # وهذا النقل غلط عظيم عمن نقلوه ms1331 عنه فان هؤلاء متفقون على أن هذه الاسماء ~~عامة متواطئة كالتواطىء العام الذى يدخل فيه المشكك تقبل التقسيم والتنويع ~~وذلك لا يكون الا في الأسماء المتواطئة كما نقول الموجود ينقسم إلى قديم ~~ومحدث وواجب وممكن # بل هؤلاء الناقلون بأعيانهم كأبى عبد الله الرازى وأمثاله من المتأخرين ~~يجمعون في كلامهم بين دعوى الاشتراك اللفظى فقط وبين هذا التقسيم في هذه ~~الاسماء مع قولهم أن التقسيم لا يكون الا في الالفاظ المتواطئة المشتركة ~~لفظا ومعنى لا يكون في المشترك اشتراكا لفظيا ومن جملتها التى يسمونها ~~المشككة لا يكون التقسيم في الأسماء التى ليس بينها معنى مشترك عام # فهذا تناقض هؤلاء الذين هم من أشهر المتأخرين بالنظر والتحقيق للفلسفة ~~والكلام قد ضلوا في هذا النقل وهذا البحث في مثل هذا الأصل ضلالا لا يقع ~~فيه أضعف العوام وذلك لما تلقوه عن بعض أهل المنطق من القواعد الفاسدة التى ~~هي عن الهدى والرشد حائدة حيث ظنوا أن الكليات المطلقة ثابتة في الخارج ~~جزءا من المعينات وأن ذلك يقتضى تركيب المعين من ذلك الكلى المشترك ومما ~~يختص به فلزمهم على هذا القول أن يكون الرب تعالى الواجب الوجود مركبا من ~~الوجود المشترك ومما يختص به من الوجوب أو الوجود أو الماهية مع أنه من ~~المشهور عند اهل المنطق أن الكليات انما تكون كليات في الاذهان لا في ~~الاعيان PageV05P332 ومن هداه الله تعالى يعلم أن الموجودات لا تشترك في ~~شيء موجود فيها أصلا بل كل موجود متميز بنفسه وبما له من الصفات والأفعال ~~وانا اذا قلنا ان هذا الانسان حى متكلم أو حيوان ناطق ونحو ذلك لم يكن ما ~~له من الحيوانية أو الناطقية أو النطق والحياة مشتركا بينه وبين غيره بل له ~~ما يخصه ولغيره ما يخصه ولكن تشابها وتماثلا بحسب تشابه حيوانيتهما ~~ونطقيتهما وغير ذلك من صفاتهما # ومن قال ان الانسان مركب مما به الاشتراك وهو الحيوانية وما به من ~~الامتياز وهو النطق فان أراد بذلك أن هذا تركيب ذهنى فانا اذا تصورنا في ms1332 ~~أذهاننا حيوانا ناطقا كان الحيوان جزء هذا المعنى الذهنى والنطق جزءه الآخر ~~وكان الحيوان جزءا له اشباه أكثر من اشباه الناطق # واذا تصورنا مسمى حيوان ومسمى ناطق كان مسمى الحيوان يعم الانسان وغيره ~~وكان مسمى الناطق يخصه فدعوى التركيب في هذه المعانى الذهنية صحيح لكن ليس ~~هذا ضابطا بل هو بحسب ما يتصوره الانسان سواء كان تصوره حقا أو باطلا # ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها ما يدخل في هذا التصور وبجزئها ~~الخارج عنها اللازم لوجودها ما يدل عليه هذا اللفظ بالتضمن والالتزام وأراد ~~بتمام الماهية ما يدل عليه هذا بالمطابقة فهذا صحيح لكن هذا لا يقتضى ان ~~PageV05P333 تكون الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من الصفات الخاصة ~~والعامة ولا أن يكون بعض صفاتها اللازمة داخلة في الحقيقة ذاتيا لها وبعضها ~~خارجا عن الحقيقة عارضا لها كما يزعمه أهل المنطق اليونانى # وهذا الموضع مما ضلوا فيه وضل بسبب ضلالهم فيه الطوائف الذين اتبعوهم في ~~ذلك من النظار وقلدهم في ذلك من لم يفهم حقيقة قولهم ولوازمه ولم يتصوره ~~تصورا تاما # وان أرادوا بالتركيب أنه موصوف بالحياة والنطق وإحدى الصفتين يوجد نظيرها ~~في سائر الحيوان والاخرى مختصة بالانسان فهذا معنى صحيح # وان أرادوا به أن حيوانيته مشتركة بينه وبين غيره فقد غلطوا فان حيوانية ~~كل حيوان كناطقية كل ناطق وذلك مختص بمحله # وكذلك ان أرادوا بالتركيب ان هنا موجودا موصوفا بأنه حيوان غير الموجود ~~الموصوف بأنه ناطق وصاهل وان الانسان مركب من هذا الموجود وهذا الموجود ~~والفرس مركب من هذا الموجود وهذا الموجود فقد غلطوا بل لا موجود الا هذا ~~الانسان الموصوف بأنه حيوان ناطق وهذا الفرس الموصوف بأنه حيوان صاهل وكذلك ~~سائر الحيوانات والموجودات # فقول القائل الانسان مركب من هذا وهذا اذا أريد به أن هنا شيئا ~~PageV05P334 مركبا وان له جزئين متباينين هو مركب منهما كان جاهلا بل هو ~~شيء واحد موصوف بصفتين لا يوجد الا بصفتيه ولا توجد صفتاه الا به # وهذا المعنى صحيح وهو أن الانسان موصوف بأنه حيوان ms1333 وأنه ناطق حقيقة وانه ~~ذات مستلزمة لصفاتها لا يوجد الموصوف بدون صفته اللازمة له # لكن هذا ليس في الخارج تركيبا وليس في الخارج صفة لازمة ذاتية وأخرى ~~عرضية لازمة للماهية واخرى لازمة لوجوده بل ليس في الخارج الا الموجود ~~المعين وصفاته تنقسم إلى لازمة له وعارضة وهو لا يوجد بدون شيء من صفاته ~~اللازمة فليس فيها ما هو لازم للذات الموجودة في الخارج ولكن ليس بلازم لها ~~بل لازم للموجود في الخارج كما يظن ذلك من يظنه من المنطقيين # واصل خطئهم أنه اشتبه عليهم ما يتصور في الاذهان بما يوجد في الاعيان فان ~~الذهن يتصور المثلث قبل وجوده في الخارج وظنوا ان الماهية مغايرة للوجود ~~وهو صحيح اذا فسرت الماهية بما يتصوره الذهن واما ان يكون في الخارج مثلث ~~له ماهية ثابتة في الخارج غير الشيء الموجود في الخارج فهذا غلط بين فاذا ~~فهم هذا في صفة المخلوق فالخالق أبعد عما سماه هؤلاء تركيبا PageV05P335 ~~فاذا قيل ان الله سبحانه وتعالى حى عليم قدير فهو موصوف بأنه الحى العليم ~~القدير واذا قيل هو موجود واجب بنفسه فهو سبحانه موصوف بالوجود والوجوب فلا ~~مشاركة بينه وبين غيره في شيء موجود ولا هو مركب من جزأين ولا صفات مقومة ~~تكون أجزاء لوجوده ولا نحو ذلك مما يدعى من التركيب الذى هو ممتنع في ~~المخلوق فهو في الخالق اشد امتناعا # ولكن لفظ التركيب مجمل يدخل عند هؤلاء فيه اتصاف الموصوف بصفاته اللازمة ~~له وليس هذا هو المعقول من لفظ التركيب وهؤلاء أحدثوا اصطلاحا لهم في لفظ ~~التركيب لم يسبقهم إليه أحد من أهل اللغة ولا من طوائف اهل العلم فجعلوا ~~لفظ التركيب يتناول ( خمسة انواع ( # ( أحدها ( التركيب من الوجود والماهية لظنهم أن وجود كل ممكن في الخارج ~~غير ماهيته ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها يدخل في هذا المتصور ~~وبلازمها الخارج عنها ما يلزم هذا التصور وهذان المعينان هما ما يدل عليه ~~اللفظ # ( والثانى ( التركيب من الجنس والفصل كقولهم ان الانسان مركب من ~~الحيوانية ms1334 والناطقية وقد يضمون إلى ذلك التركيب من المعنى العام والخاص ~~يسمى تركيبا من جنس وفصل أو من خاصة وعرض عام # ( الثالث ( التركيب من الذات والصفات كمسمى الحى العالم القادر ~~PageV05P336 وتركيب الجسم من أجزائه الحسية عند من يقول أنه مركب من ~~الجواهر المفردة أو تركيبه من الجزئين العقليين عند من يقول أنه مركب من ~~المادة والصورة # وأما التركيب ( الأول ( و ( الثانى ( فنازعهم جمهور العقلاء في ثبوتهما ~~في الخارج ويقولون ليس في الخارج تركيب بهذا الاعتبار والتركيب ( الرابع ( ~~و ( الخامس ( فيه نزاع مشهور بين العقلاء منهم من يثبت في الجسم أحد ~~التركيبين ومنهم من يقول ليس مركبا لا من هذا ولا من هذا # وأما ( الرابع ( فيوافقهم على ثبوته جماهير العقلاء ما أعلم من ينازعهم ~~فيه نزاعا معنويا لكن حكى عن طائفة من أهل النظر كعبدالرحمن بن كيسان الاصم ~~وغيره أنهم نفوا الاعراض ولم يثبتوا الاعراض زائدة على الجسم ونفوا كون ~~الحركة زائدة على الجسم وخالفهم الاكثرون في ذلك وهذا والله اعلم نزاع لفظى ~~وهو أن مسمى الجسم هل يتناول الجسم بأعراضه أم تكون الاعراض زائدة على مسمى ~~الجسم والا فعاقل لا ينكر وجود الطعم واللون والرائحة والحركة وغير ذلك من ~~الصفات القائمة بالموصوفات PageV05P337 # وهذا يشبه نزاع الناس في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا فمن أراد ~~بالذات ( الذات المجردة ( فالصفات زائدة عليها ومن أراد بالذات ( الذات ~~الموصوفة ( فليست الصفات مباينة للذات الموصوفة بصفاتها اللازمة لها ثم أن ~~هؤلاء زعموا أنهم ينفون هذه الأنواع فاما ( الأنواع الأربعة ( فمن قال انها ~~منتفية عن المخلوق فهي عن الخالق أشد انتفاء وأما ( النوع الرابع ( فمن ~~نازع في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا فهذا نزاع لفظى ومن نازع في ~~ثبوت هذه الصفات في نفس الأمر ونفى أن يكون لله علم وقدرة ومشيئة وجعل هذه ~~الصفة هي الاخرى والصفى هي الموصوف فهذا قوله معلوم الفساد بعد التصور # التام واذا علم أنه سبحانه حى عليم قدير ومعنى كونه حيا ليس معنى كونه ms1335 ~~عليما ومعنى كونه عليما ليس معنى كونه قديرا فهذا هو اثبات الصفات # فان قال القائل ان معنى كونه عليما هو معنى كونه مريدا قديرا حيا فهذا ~~مكابرة وكذلك اذا ادعى أن هذه المعانى هي معنى الذات الموصوفة بها وان ~~اعترف بثبوت هذه المعانى لله وقال أنا انفى ان يكون الله مفتقرا إلى ذوات ~~أو معان بها يصير حيا عالما قادرا فهذا مناظرة منه لمثبتة الاحوال ~~PageV05P338 كالقاضى أبى بكر وأبى يعلى وغيرهما ممن يقول ان له علما ~~وعالمية وعالميته معنى زائد على علمه # وهذا القول قول بعض الصفاتية وجمهورهم ينكرون هذا ويقولون بل معنى العلم ~~هي معنى العالم # وفى مسائل الصفات ( ثلاثة أمور ( # ( أحدها ( الخبر عنه بأنه حى عليم قدير فهذا متفق على اثباته وهذا يسمى ~~الحكم # ( والثانى ( أن هذه معان قائمة بذاته وهذا ايضا اثبته مثبتة الصفات السلف ~~والأئمة والمنتسبون إلى السنة من عامة الطوائف # ( والثالث ( الاحوال وهو العالمية والقادرية وهذه قد تنازع فيها مثبتوا ~~الصفات ونفاتها فأبو هاشم واتباعه يثبتون الاحوال دون الصفات والقاضى أبو ~~بكر واتباعه يثبتون الاحوال والصفات وأكثر الجهمية والمعتزلة ينفون الاحوال ~~والصفات # وأما جماهير ( أهل السنة ( فيثبتون الصفات دون الأحوال وهذا لبسطه موضع ~~آخر PageV05P339 # والمقصود هنا الكلام على التركيب لفظا ومعنى وبيان أن هؤلاء لهم فيه ~~اصطلاح مخالف لجمهور العقلاء وانهم مضطرون إلى الاقرار بثبوت ما نفوه ولكن ~~هؤلاء يقولون هذا اشتراك والاشتراك تشبيه ويقولون هذه أجزاء وهذا تركيب من ~~هذه الاجزاء ثم أنهم لا يقدرون على نفى هذا الذى سموه اشتراكا وتشبيها ولا ~~على نفى هذه الامور التى سموها اجزاء وتركيبا وتقسيما فانهم يقولون هو عاقل ~~ومعقول وعقل ولذيذ ولذة وملتذ وعاشق ومعشوق وعشق # وقد يقولون هو عالم قادر مريد ثم يقولون العلم هو القدرة والقدرة هي ~~الارادة فيجعلون كل صفة هي الاخرى ويقولون العلم هو العالم وقد يقولون هو ~~المعلوم فيجعلون الصفة هي الموصوف أو هي المخلوقات # وهذه اقوال رؤسائهم وهى في غاية الفساد في صريح المعقول فهم مضطرون إلى ~~الاقرار بما يسمونه ms1336 تشبيها وتركيبا ويزعمون أنهم ينفون التشبيه والتركيب ~~والتقسيم فليتأمل اللبيب كذبهم وتناقضهم وحيرتهم وضلالهم ولهذا يؤول بهم ~~الأمر إلى الجمع بين النقيضين أو الخلو عن النقيضين ثم أنهم ينفون عن الله ~~ما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله ( صلى الله عليه وسلم ( لزعمهم أن ذلك ~~تشبيه وتركيب ويصفون أهل الاثبات بهذه الاسماء وهم الذين الزموها بمقتضى ~~اصولهم ولا حيلة لهم في دفعها فهم كما قال القائل # رمتنى بدائها وأنسلت %~% PageV05P340 # وهم لم يقصدوا هذا التناقض ولكن أوقعتهم فيه قواعدهم الفاسدة المنطقية ~~التى زعموا فيها تركيب الموصوفات من صفاتها ووجود الكليات المشتركة في ~~أعيانها فتلك القواعد المنطقية الفاسدة التى جعلوها قوانين تمنع مراعاتها ~~الذهن ان يضل في فكره أوقعتهم في هذا الضلال والتناقض # ثم ان هذه القوانين فيها ما هو صحيح لا ريب فيه وذلك يدل على تناقضهم ~~وجهلهم فانهم قد قروا في القوانين المنطقية ان الكلى هو الذى لا يمنع تصوره ~~من وقوع الشركة فيه بخلاف الجزئى وقرروا أيضا ان الكليات لا تكون كلية الا ~~في الاذهان دون الاعيان وأن المطلق بشرط الاطلاق لا يكون الا في الذهن وهذه ~~قوانين صحيحة # ثم يدعون ما ادعاه أفضل متأخريهم ان الواجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط ~~الاطلاق عن كل أمر ثبوتى أو كما يقوله طائفة منهم أنه الوجود المطلق بشرط ~~الاطلاق عن كل أمر ثبوتى وسلبى كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة الباطنية ~~المنتسبين إلى التشيع والمنتسبين إلى التصوف أو يقوله طائفة ثالثة انه ~~الوجود المطلق لا بشرط كما تقوله طائفة منهم وهم متفقون على أن المطلق بشرط ~~الاطلاق عن الأمور الوجودية والعدمية PageV05P341 لا يكون في الخارج موجودا ~~فالمطلق بشرط الاطلاق عن كل أمر ثبوتى أولى ان لا يكون موجودا فان المقيد ~~بسلب الوجود والعدم نسبته اليهما سواء والمقيد بسلب الوجود يختص بالعدم دون ~~الوجود والمطلق لا بشرط انما يوجد مطلقا في الاذهان واذا قيل هو موجود في ~~الخارج فذلك بمعنى أنه يوجد في الخارج مقيدا لا أنه يوجد في الخارج ms1337 مطلقا ~~فان هذا باطل وان كانت طائفة تدعيه فمن تصور هذا تصورا تاما علم بطلان ~~قولهم وهذا حق معلوم بالضرورة فهذا القانون الصحيح لم ينتفعوا به في اثبات ~~وجود الرب بل جعلوه مطلقا بشرط الاطلاق عن النقيضين أو عن الأمور الوجودية ~~أو لا بشرط وذلك لا يتصور الا في الاذهان # والقوانين الفاسدة أوقعتهم في ذلك التناقض والهذيان وهم يفرون من التشبيه ~~بوجه من الوجوه ثم يقولون الوجود ينقسم إلى واجب وممكن فهما مشتركان في ~~مسمى الوجود وكذلك لفظ الماهية والحقيقة والذات ومهما قيل هو ينقسم إلى ~~واجب وممكن ومورد التقسيم مشترك بين الاقسام فقد اشتركت الاقسام في المعنى ~~العام الكلى الشامل لما تشابهت فيه فهذا تشبيه يقولون به وهم يزعمون أنهم ~~ينفون كل ما يسمى تشبيها حتى نفوا الاسماء فكان الغلاة من الجهمية ~~والباطنية لا يسمونه شيئا فرارا من ذلك PageV05P342 واى شيء أثبتوه لزمهم ~~فيه مثل ذلك والا لزم أن لا يكون وجود واجب الوجود ممكنا وقديما ومحدثا وان ~~المحدث والممكن لابد له من قديم ومن المعلوم بالاضطرار أن الوجود فيه محدث ~~ممكن وان المحدث الممكن لابد له من قديم واجب بنفسه فثبوت النوعين ضرورى ~~لابد منه # وحقيقة الأمر ان لفظ المطلق قد يعنى به ما هو كلى لا يمنع تصور معناه من ~~وقوع الشركة فيه ويمتنع أن يكون شيء موجود في الخارج قائما بنفسه أو صفة ~~لغيره بهذا الاعتبار فضلا عن أن يكون رب العالمين الأحد الصمد كذلك # وقد يراد بالمطلق المجرد عن الصفات الثبوتية أو عن الثبوتية والسلبية ~~جميعا والمطلق لا بشرط الاطلاق وهذا اذا قدر جعل معينا خاصا لا كليا فانه ~~يمتنع وجوده في الخارج أعظم من امتناع الكليات المطلقة بشرط لكونها كلية ~~فان تلك الكليات لها جزئيات موجودة في الخارج والكليات مطابقة لها # وأما وجود شيء مجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية وسلبية فهذا يمتنع تحققه في ~~الخارج كليا وجزئيا وكذلك المجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية بل هذا أولى ~~بالامتناع منه واذا كان هذا قد ms1338 شارك سائر الموجودات في مسمى الوجود ولم ~~يميز عنها الا بالقيود السلبية وهى قد امتازت عنه بالقيود الوجودية ~~PageV05P343 كان كل ممكن في الوجود أكمل من هذا الذى زعموا أنه واجب الوجود ~~فان الوجود الكلى مشترك بينه وبينها ولم يميز عنها الا بعدم وامتازت عنه ~~بوجود فكان ما امتازت به عنه أكمل مما امتاز به هو عنها اذ الوجود أكمل من ~~العدم # واما اذا قيل هو الوجود لا بشرط فهذا هو الوجود الكلى والطبيعى المطابق ~~لكل موجود وهذا لا يكون كليا الا في الذهن واما في الخارج فلا يوجد الا ~~معينا ومن الناس من قال ان هذا الكلى جزء من المعينات # فان كان الاول هو الصواب لزم أن يكون الموجود الواجب معدوما في الخارج أو ~~أن يكون عين الواجب عين الممكن كما يقوله من يقوله من القائلين بوحدة ~~الوجود وان كان الثانى هو الصواب لزم أن يكون وجوده جزءا من كل موجود فيكون ~~الواجب الوجود جزءا من وجود الممكنات # ومن المعلوم بصريح العقل أن جزء الشيء لا يكون هو الخالق له كله بل يمتنع ~~أن يكون خالقا لنفسه فضلا عن أن يكون خالقا لما هو بعضه اذ الكل أعظم من ~~الجزء فاذا امتنع ان يكون خالقا للجزء فامتناع كونه خالقا للكل أظهر وأظهر # فصحيح المنطق لم ينتفعوا به في معرفة الله وباطل المنطق أوقعهم في غاية ~~الكذب والجهل بالله @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ و ~~@QB@ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات @QE@ PageV05P344 وهو ~~القائل @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز @QE@ وهو القائل @QB@ كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا ms1339 بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # وقد كان النبى ( ( يقول اذا قام من الليل ما رواه مسلم في صحيحه اللهم رب ~~جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك ~~انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ( PageV05P345 ### ||| فصل # وتمام الكلام في هذا الباب انك تعلم انا لا نعلم ما غاب عنا الا بمعرفة ~~ما شهدناه فنحن نعرف اشياء بحسنا الظاهر أو الباطن وتلك معرفة معينة مخصوصة ~~ثم انا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد فيبقى في اذهاننا قضايا عامة كلية ثم ~~اذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا الا بمعرفة المشهود لنا # فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعا وعطشا وشبعا وريا وحبا وبغضا ولذة والما ~~ورضى وسخطا لم نعرف حقيقة ما نخاطب به اذا وصف لنا ذلك وأخبرنا به عن غيرنا # وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد حياة وقدرة وعلما وكلاما لم نفهم ما نخاطب ~~به اذا وصف الغائب عنا بذلك وكذلك لو لم نشهد موجودا لم نعرف وجود الغائب ~~عنا فلابد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطىء ~~فبهذه الموافقة والمشاركة والمشتبهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته وهذا ~~خاصة العقل # ولولا ذلك لم نعلم الا ما نحسه ولم نعلم أمورا عامة ولا أمورا غائبة عن ~~أحساسنا الظاهرة والباطنة ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته ~~PageV05P346 ثم ان الله تعالى أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من ~~النعيم والعذاب واخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك فلولا معرفتنا ~~بما يشبه ذلك في الدنيا لم نفهم ما وعدنا به ونحن نعلم مع ذلك ان تلك ~~الحقائق ليست مثل هذه حتى قال بن عباس رضى الله عنه ليس في الدنيا مما في ~~الجنة إلا الأسماء وهذا تفسير قوله @QB@ وأتوا به متشابها @QE@ على أحد ms1340 ~~الأقوال # فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة ~~واشتراك من بعض الوجوه وبه فهمنا المراد واحببناه ورغبنا فيه أو أبغضناه ~~ونفرنا عنه وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها في الدنيا وهذا من ~~التأويل الذى لا نعلمه نحن بل يعلمه الله تعالى ولهذا كان قول من قال ( ان ~~المتشابه لا يعلم تأويله الا الله ( حقا وقول من قال ( ان الراسخين في ~~العلم يعلمون تأويله ( حقا وكلا القولين مأثور عن السلف من الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان # فالذين قالوا انهم يعلمون تأويله مرادهم بذلك أنهم يعلمون تفسيره ومعناه ~~والا فهل يحل لمسلم أن يقول أن النبى ( ( ما كان يعرف معنى ما يقوله ويبلغه ~~من الآيات والاحاديث بل كان يتكلم بألفاظ لها معان لا يعرف معانيها # ومن قال انهم لا يعرفون تأويله ارادوا به الكيفية الثابتة التى اختص ~~PageV05P347 الله بعلمها ولهذا كان السلف كربيعة ومالك بن أنس وغيرهما ~~يقولون الاستواء معلوم والكيف مجهول وهذا قول سائر السلف كابن الماجشون ~~والامام أحمد بن حنبل وغيرهم وفى غير ذلك من الصفات فمعنى الاستواء معلوم ~~وهو التأويل والتفسير الذى يعلمه الراسخون والكيفية هي التاويل المجهول ~~لبنى آدم وغيرهم الذى لا يعلمه الا الله سبحانه وتعالى # وكذلك ما وعد به في الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر الله به وأما كيفيته ~~فقد قال تعالى @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون @QE@ وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( في الحديث الصحيح يقول الله ~~تعالى ( اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر ( # فما اخبرنا الله به من صفات المخلوقين نعلم تفسيره ومعناه ونفهم الكلام ~~الذى خوطبنا به ونعلم معنى العسل واللحم واللبن والحرير والذهب والفضة ~~ونفرق بين مسميات هذه الأسماء واما حقائقها على ما هي عليه فلا يمكن ان ~~نعلمها نحن ولا نعلم متى تكون الساعة وتفصيل ما اعد الله عز وجل لعباده لا ~~يعلمه ملك مقرب ولا نبى مرسل بل هذا ms1341 من التأويل الذى لايعلمه الا الله ~~تبارك وتعالى # فاذا كان هذا في هذين المخلوقين فالأمر بين الخالق والمخلوق اعظم ~~PageV05P348 فان مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه وفضله اعظم واكبر مما ~~بين مخلوق ومخلوق # فاذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق بينهما من ~~التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا ولا يمكن أن نعلمه بل هو من ~~التأويل الذى لا يعلمه الا الله تبارك وتعالى فصفات الخالق عز وجل أولى أن ~~يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه الا الله ~~تبارك وتعالى وأن يكون هذا من التأويل الذى لا يعلمه كل أحد بل منه ما ~~يعلمه الراسخون ومنه ما يعلمه الانبياء والملائكة ومنه مالا يعلمه الا الله # كما روى عن بن عباس رضى الله عنه أنه قال ان التفسير على أربعة أوجه ~~تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعلمه ~~العلماء وتفسير لا يعلمه الا الله من ادعى علمه فهو كاذب # ولفظ ( التأويل ( في كلام السلف لا يراد به الا التفسير أو الحقيقة ~~الموجودة في الخارج التى يؤول اليها كما في قوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا ~~تأويله يوم يأتي تأويله @QE@ الآية # واما استعمال التأويل بمعنى أنه صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى ~~الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به أو متأخر أو لمطلق الدليل فهذا اصطلاح ~~PageV05P349 بعض المتأخرين ولم يكن في لفظ أحد من السلف ما يراد منه ~~بالتأويل هذا المعنى ثم لما شاع هذا بين المتأخرين صاروا يظنون ان هذا هو ~~التأويل في قوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ # ثم طائفة تقول لا يعلمه الا الله وقالت طائفة بل يعلمه الراسخون وكلتا ~~الطائفتين غالطة فان هذا لا حقيقة له بل هو باطل والله يعلم انتفاءه وانه ~~لم يرده وهذا مثل تأويلات القرامطة الباطنية والجهمية وغيرهم من أهل ~~الالحاد والبدع # وتلك التأويلات باطلة والله لم يردها بكلامه وما لم يرده لا نقول أنه ~~يعلم أنه مراده فان هذا كذب على الله عز ms1342 وجل والراسخون في العلم لا يقولون ~~على الله تبارك وتعالى الكذب وان كنا مع ذلك قد علمنا بطريق خبر الله عز ~~وجل عن نفسه بل وبطريق الاعتبار أن لله المثل الاعلى ان الله يوصف بصفات ~~الكمال موصوف بالحياة والعلم والقدرة وهذه صفات كمال والخالق أحق بها من ~~المخلوق فيمتنع أن يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق # ولولا أن هذه الاسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلى يقتضى من المواطأة ~~والموافقة والمشابهة ما به تفهم وتثبت هذه المعانى لله لم نكن قد عرفنا عن ~~الله شيئا ولا صار في قلوبنا ايمان به ولا علم ولا معرفة ولا محبة ~~PageV05P350 ولا ارادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه فان جميع هذه ~~الامور لا تكون الا مع العلم ولا يمكن العلم الا باثبات ( تلك المعانى ( ~~التى فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن ~~شهودنا # ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة حصل له من العلم ~~والمعرفة والتحقيق والتوحيد والايمان وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ~~ما يصير به في هذا الباب من افضل الذين انعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين ومن سادة أهل العلم والايمان وتبين له أن القول في بعض ( صفات ~~الله ( كالقول في سائرها وان القول في صفاته كالقول في ( ذاته ( وان من ~~أثبت صفة دون صفة مما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وسلم ( مع مشاركة ~~أحدهما الاخرى فيما به نفاها كان متناقضا # فمن نفى النزول والاستواء أو الرضى والغضب أو العلم والقدرة أو اسم ~~العليم أو القدير أو اسم الموجود فرارا بزعمه من تشبيه وتركيب وتجسيم فانه ~~يلزمه فيما أثبته نظير ما الزمه لغيره فيما نفاه هو واثبت المثبت # فكل ما يستدل به على نفى النزول والإستواء والرضى والغضب يمكن منازعة أن ~~يستدل بنظيره على نفى الارادة والسمع والبصر والقدرة والعلم وكل ما يستدل ~~به على نفى القدرة والعلم والسمع والبصر يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على ~~نفى العليم والقدير ms1343 والسميع والبصير وكل ما يستدل به على نفى هذه الاسماء ~~يمكن منازعه أن يستدل به على نفى الموجود والواجب PageV05P351 # ومن المعلوم بالضرورة أنه لابد من موجود قديم واجب بنفسه يمتنع عليه ~~العدم فان الموجود اما ممكن ومحدث واما واجب وقديم والممكن المحدث لا يوجد ~~الا بواجب قديم فاذا كان ما يستدل به على نفى الصفات الثابتة يستلزم نفى ~~الموجود الواجب القديم ونفى ذلك يستلزم نفى الموجود مطلقا علم أن من عطل ~~شيئا من الصفات الثابتة بمثل هذا الدليل كان قوله مستلزما تعطيل الموجود ~~المشهود # ومثال ذلك أنه اذا قال النزول والاستواء ونحو ذلك من صفات الاجسام فانه ~~لا يعقل النزول والاستواء الا لجسم مركب والله سبحانه منزه عن هذه اللوازم ~~فيلزم تنزيهه عن الملزوم أو قال هذه حادثة والحوادث لا تقوم الا بجسم مركب ~~وكذلك اذا قال الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك هو من صفات الاجسام # فانه يقال له وكذلك الارادة والسمع والبصر والعلم والقدرة من صفات ~~الاجسام فانا كما لا نعقل ما ينزل ويستوى ويغضب ويرضى الا جسما لم نعقل ما ~~يسمع ويبصر ويريد ويعلم ويقدر الا جسما # فاذا قيل سمعه ليس كسمعنا وبصره ليس كبصرنا وارادته ليست كارادتنا وكذلك ~~علمه وقدرته # قيل له وكذلك رضاه ليس كرضانا وغضبه ليس كغضبنا وفرحه ليس كفرحنا ونزوله ~~واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا PageV05P352 # فاذا قال لا يعقل في الشاهد غضب الا غليان دم القلب لطلب الانتقام ولا ~~يعقل نزول الا الانتقال والانتقال يقتضى تفريغ حيز وشغل آخر فلو كان ينزل ~~لم يبق فوق العرش رب # قيل ولا يعقل في الشاهد ارادة الا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه ~~وينفعه ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره والله سبحانه وتعالى كما أخبر ~~عن نفسه المقدسة في حديثه الالهى ( يا عبادى انكم لن تبلغوا نفعى فتنفعونى ~~ولن تبلغوا ضرى فتضرونى ( فهو منزه عن الارادة التى لا يعقل في الشاهد الا ~~هي # وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد الا بدخول صوت في الصماخ ms1344 وذلك لا يكون الا ~~في أجوف والله سبحانه أحد صمد منزه عن مثل ذلك بل وكذلك البصر والكلام لا ~~يعقل في الشاهد الا في محل اجوف والله سبحانه أحد صمد منزه عن ذلك # قال بن مسعود وبن عباس والحسن وسعيد بن جبير وخلق من السلف ( الصمد ( ~~الذى لا جوف له وقال آخرون هو السيد الذى كمل في سؤدده وكلا القولين حق فان ~~لفظ ( الصمد ( في اللغة يتناول هذا وهذا والصمد في اللغة السيد ( والصمد ( ~~أيضا المصمد والمصمد المصمت وكلاهما معروف في اللغة PageV05P353 ولهذا قال ~~يحيى بن أبى كثير الملائكة صمد والآدميون جوف وهذا ايضا دليل آخر فانه اذا ~~كانت الملائكة وهم مخلوقون من النور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضى ~~الله عنها عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( خلقت الملائكة من نور ~~وخلق الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم ( فاذا كانوا مخلوقين من نور وهم ~~لا يأكلون ولا يشربون بل هم صمد ليسوا جوفا كالانسان وهم يتكلمون ويسمعون ~~ويبصرون ويصعدون وينزلون كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة وهم مع ذلك لا تماثل ~~صفاتهم وافعالهم صفات الانسان وفعله فالخالق تعالى أعظم مباينة لمخلوقاته ~~من مباينة الملائكة للادميين فان كليهما مخلوق والمخلوق أقرب إلى مشابهة ~~المخلوق من المخلوق إلى الخالق سبحانه وتعالى # وكذلك ( روح بن آدم ( تسمع وتبصر وتتكلم وتنزل وتصعد كما ثبت ذلك بالنصوص ~~الصحيحة والمعقولات الصريحة ومع ذلك فليست صفاتها وافعالها كصفات البدن ~~وأفعاله # فاذا لم يجز أن يقال ان صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذى هو ~~الجسد وهى مقرونة به وهما جميعا الانسان فاذا لم يكن روح الانسان مماثلا ~~للجسم الذى هو بدنه فكيف يجوز أن يجعل الرب تبارك وتعالى وصفاته وأفعاله ~~مثل الجسم وصفاته وأفعاله ( # فان أراد النافى التزام أصله وقال أنا اقول ليس له كلام يقول به بل ~~PageV05P354 كلامه مخلوق قيل له فيلزمك في السمع والبصر فان البصريين من ~~المعتزلة يثبتون الادراك فان قال أنا اقول بقول البغداديين منهم فلا أثبت ms1345 ~~له سمعا ولا بصرا ولا كلاما يقوم به بل اقول كلامه مخلوق من مخلوقاته لأن ~~اثبات ذلك تجسيم وتشبيه بل ولا أثبت له ارادة كما لا يثبتها البغداديون بل ~~اجعلها سلبا أو اضافة فأقول معنى كونه مريدا أنه غير مغلوب ولا مكره أو ~~بمعنى كونه خالقا وآمرا قيل له فيلزمك ذلك في كونه حيا عالما قادرا فان ~~المعتزلة مطبقة على اثبات أنه حى عالم قادر وقيل له أنت لا تعرف حيا عالما ~~قادرا الا جسما فاذا جعلته حيا عالما قادرا لزمك التجسيم والتشبيه # فان زاد في التعطيل وقال انا لا أقول بقول المعتزلة بل بقول الجهمية ~~المحضة والباطنية من الفلاسفة والقرامطة فانفى الاسماء مع الصفات ولا اسميه ~~حيا ولا عالما ولا قادرا ولا متكلما الا مجازا بمعنى السلب والاضافة أى هو ~~ليس بجاهل ولا عاجز وجعل غيره عالما قادرا قيل له فيلزمك ذلك في كونه ~~موجودا واجبا بنفسه قديما فاعلا فان جهما قد قيل أنه كان يثبت كونه فاعلا ~~قادرا لأن الانسان عنده ليس بقادر ولا فاعل فلا تشبيه عنده في ذلك # واذا وصل إلى هذا المقام فلابد له أن يقول بقول طائفة منهم فيقول ~~PageV05P355 أنا لا أصفه بصفة وجود ولا عدم فلا اقول موجود ولا معدوم أو لا ~~موجود ولا غير موجود بل أمسك عن النقيضين فلا أتكلم لا بنفى ولا اثبات # وأما أن يقول انا لا أصفه قط بأمر ثبوتى بل بالسلبى فلا أقول موجود بل ~~أقول ليس بمعدوم # واما أن يقال بل هو معدوم فالقسمة حاصرة فانه اما أن يصفه بأمر ثبوتى ~~فيلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم واما أن يقول لا أصفه بالثبوت ~~بل بسلب العدم فلا أقول موجود بل ليس بمعدوم # واما أن يلتزم التعطيل المحض فيقول ما ثم وجود واجب فان قال بالأول وقال ~~لا اثبت واحدا من النقيضين لا الوجود ولا العدم # قيل هب انك تتكلم بذلك بلسانك ولا تعتقد بقلبك واحدا من الأمرين بل تلتزم ~~الاعراض عن معرفة الله وعبادته وذكره ms1346 فلا تذكره قط ولا تعبده ولا تدعوه ولا ~~ترجوه ولا تخافه فيكون جحدك له أعظم من جحد ابليس الذى اعترف به فامتناعك ~~من اثبات أحد النقيضين لا يستلزم رفع النقيضين في نفس الأمر فان النقيضين ~~لا يمكن رفعهما بل في نفس الأمر لابد أن يكون الشيء أى شيء كان اما موجودا ~~واما معدوما اما أن يكون واما أن لا يكون وليس بين النفى والاثبات واسطة ~~أصلا # ونحن نذكر ما في نفس الامر سواء جحدته انت أو اعترفت به وسواء ~~PageV05P356 ذكرته أو اعرضت عنه فاعراض الانسان عن رؤية الشمس والقمر ~~والكواكب والسماء لا يدفع وجودها ولا يدفع ثبوت أحد النقيضين بل بالضرورة ( ~~الشمس ( اما موجودة واما معدومة فاعراض قلبك ولسانك عن ذكر الله كيف يدفع ~~وجوده ويوجب رفع النقيضين فلابد أن يكون اما موجودا واما معدوما في نفس ~~الأمر # وكذلك من قال انا لا أقول موجود بل أقول ليس بمعدوم فانه يقال سلب أحد ~~النقيضين اثبات للآخر فأنت غيرت العبارة اذ قول القائل ليس بمعدوم يستلزم ~~أن يكون موجودا فاما اذا لم يكن معدوما اما أن يكون موجودا واما أن لا يكون ~~لا موجودا ولا معدوما # وهذا ( القسم الثالث ( يوجب رفع النقيضين وهو ما يعلم فساده بالضرورة ~~فوجب أنه اذا لم يكن معدوما ان يكون موجودا # وإن قال بل التزم أنه معدوم قيل له فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل وجود ~~موجودات ومن المعلوم أيضا ان منها ما هو حادث بعد ان لم يكن كما نعلم نحن ~~انا حادثون بعد عدمنا وان السحاب حادث والمطر والنبات حادث والدواب حادثة ~~وامثال ذلك من الآيات التى نبه الله تعالى عليها بقوله @QB@ إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها ~~من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون @QE@ PageV05P357 # وهذه الحوادث المشهودة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها فان ما ms1347 وجب ~~وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه وهذه كانت معدومة ثم وجدت فدل وجودها بعد ~~عدمها على انها يمكن وجودها ويمكن عدمها فان كليهما قد تحقق فيها فعلم ~~بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ممكن # فنقول حينئذ الموجود والمحدث الممكن لابد له من موجد قديم واجب بنفسه ~~فانه يمتنع وجود المحدث بنفسه كما يمتنع أن يخلق الانسان نفسه وهذا من أظهر ~~المعارف الضرورية فان الانسان بعد قوته ووجوده لا يقدر أن يزيد في ذاته ~~عضوا ولا قدرا فلا يقصر الطويل ولا يطول القصير ولا يجعل رأسه أكبر مما هو ~~ولا أصغر وكذلك أبواه لا يقدران على شىء من ذلك # ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لابد له من محدث وهذه قضية ~~ضرورية معلومة بالفطرة حتى للصبيان فان الصبى لو ضربه ضارب وهو غافل لا ~~يبصره لقال من ضربنى فلو قيل له لم يضربك أحد لم يقبل عقله أن تكون الضربة ~~حدثت من غير محدث بل يعلم أنه لابد للحادث من محدث فاذا قيل فلان ضربك بكى ~~حتى يضرب ضاربه فكان في فطرته الاقرار PageV05P358 بالصانع وبالشرع الذى ~~مبناه على العدل ولهذا قال تعالى @QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ~~@QE@ ( وفى الصحيحين ( عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء اسارى بدر قال ~~( وجدت النبى ( ( يقرأ في المغرب ( بالطور ( قال فلما سمعت هذه الآية ( أم ~~خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون ( أحسست بفؤادى قد انصدع ( # وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره الله بصيغة استفهام الانكار ليبين أن هذه ~~المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها يقول @QB@ أم خلقوا من غير شيء ~~@QE@ أى من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا أنفسهم وهم يعلمون ان كلا النقيضين ~~باطل فتعين أن لهم خالقا خلقهم سبحانه وتعالى # وهنا طرق كثيرة مثل أن يقال الوجود اما قديم واما محدث والمحدث لابد له ~~من قديم والموجود اما واجب وإما ممكن والممكن لابد له من واجب ونحو ذلك ~~وعلى كل تقدير فقد لزم أن الوجود ms1348 فيه موجود قديم واجب بنفسه وموجود ممكن ~~محدث كائن بعد إن لم يكن وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود وهو لا يعقل موجود ~~في الشاهد الا جسما فلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم الذى ادعاه # فعلم أن من نفى شيئا من صفات الله بمثل هذه الطريقة فان نفيه باطل ~~PageV05P359 ولو لم يرد الشرع باثبات ذلك ولا دل أيضا عليه العقل فكيف ينفى ~~بمثل ذلك ما دل الشرع والعقل على ثبوته فيتبين ان كل من نفى شيئا من الصفات ~~لأن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم لزمه ما الزم به غيره وحينئذ فيكون الجواب ~~مشاركا # وأيضا فاذا كان هذا لازما على كل تقدير علم أن الاستدلال به على نفى ~~الملزوم باطل فان الملزوم موجود لا يمكن نفيه بحال ولهذا لا يوجد الاستدلال ~~بمثل هذا في كلام أحد سلف الأمة وأئمتها وانما هو مما أحدثته الجهمية ~~والمعتزلة وتلقاه عنهم كثير من الناس ينفى عن الرب ما يجب نفيه عن الرب مثل ~~أن ينفى عنه النقائص التى يجب تنزيه الرب عنها كالجهل والعجز والحاجة وغير ~~ذلك وهذا تنزيه صحيح ولكن يستدل عليه بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه ~~فيعارض بما اثبته فيلزمه التناقض # ومن هنا دخلت ( الملاحدة الباطنية ( على المسلمين حتى ردوا عن الاسلام ~~خلقا عظيما صاروا يقولون لمن نفى شيئا عن الرب مثل من ينفى بعض الصفات أو ~~جميعها أو الأسماء الحسنى ألم تنف هذا لئلا يلزم التشبيه والتجسيم فيقول ~~بلى فيقول وهذا اللازم يلزمك فيما اثبته فيحتاج أن يوافقهم على النفى شيئا ~~بعد شيء حتى ينتهى أمره إلى أن لا يعرف الله بقلبه ولا يذكره بلسانه ولا ~~يعبده ولا يدعوه وان كان لا يجزم بعدمه بل يعطل نفسه عن الايمان به وقد عرف ~~تناقض هؤلاء PageV05P360 # وان التزم تعطيله وجحده موافقة لفرعون كان تناقضه أعظم فانه يقال له فهذا ~~العالم الموجود اذا لم يكن له صانع كان قديما أزليا واجبا بنفسه ومن ~~المعلوم أن فيه حوادث كثيرة كما تقدم وحينئذ ففى الوجود قديم ومحدث ms1349 وواجب ~~وممكن وحينئذ فيلزمك أن يكون ثم موجودان # ( أحدهما ( قديم واجب # ( والآخر ( محدث ممكن # فيلزمك ما فررت منه من التشبيه والتجسيم بل هذا يلزمك بصريح قولك فان ~~العالم المشهود جسم تقوم به الحركات فان الفلك جسم وكذلك الشمس والقمر ~~والكواكب أجسام تقوم بها الحركات والصفات فجحدت رب العالمين لئلا تجعل ~~القديم الواجب جسما تقوم به الصفات والحركات ثم في آخر امرك جعلت القديم ~~الازلى الواجب الوجود بنفسه أجساما متعددة تشبه غيرها من وجوه كثيرة تقوم ~~بها الصفات والحركات مع ما فيها من الافتقار والحاجة # فان الشمس والقمر والكواكب محتاجة إلى محالها التى هي فيها ومواضعها التى ~~تحملها وتدور بها والأفلاك كل منها محتاج إلى ما سواه إلى غير ذلك من دلائل ~~نقصها وحاجتها PageV05P361 # والمقصود هنا أن هذا الذى فر من أن يجعل القديم الواجب موجودا وموصوفا ~~بصفات الكمال لئلا يلزم ما ذكره من التشبيه والتجسيم وجعل نفى هذا اللازم ~~دليلا على نفى ما جعله ملزوما له لزمه في آخر الامر ما فر منه من جعله ~~الموجود الواجب جسما يشبه غيره مع أنه وصفه بصفات النقص التى يجب تنزيه ~~الرب عنها ومع أنه جحد الخالق جل جلاله فلزمه مع الكفر الذى هو أعظم من كفر ~~عامة المشركين فانهم كانوا يقرون بالصانع مع عبادتهم لما سواه ولزمه مع هذا ~~أنه من أجهل بنى آدم وأفسدهم عقلا ونظرا وأشدهم تناقضا # وهكذا يفعل الله بالذين يلحدون في اسمائه وآياته مع دعوى النظر والمعقول ~~والبرهان والقياس كفرعون واتباعه قال الله تعالى @QB@ ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم ~~بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما ~~كيد الكافرين إلا في ضلال وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف ~~أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد وقال موسى إني عذت بربي وربكم من ~~كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ~~أتقتلون رجلا أن ms1350 يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف ~~كذاب يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن ~~جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقال الذي ~~آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ~~التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من ~~هاد ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا ~~لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا ~~وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب @QE@ ~~PageV05P362 # وقال تعالى @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم ~~سوء الدار ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى ~~لأولي الألباب فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا ~~كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير @QE@ PageV05P363 # وسبب ذلك أن لفظ ( الجسم ( و ( التشبيه ( فيه اجمال واشتباه كما سنبينه ~~ان شاء الله تعالى فان هؤلاء النفاة لا يريدون بالجسم الذى نفوه ما هو ~~المراد بالجسم في اللغة فان الموصوف بالصفات لا يجب أن يكون هو الجسم الذى ~~في ms1351 اللغة كما نقله أهل اللغة باتفاق العقلاء وسنأتى بذلك وانما يريدون ~~بالجسم ما اعتقدوه أنه مركب من أجزاء واعتقدوا ان كل ما تقوم به الصفات فهو ~~مركب من أجزاء وهذا الإعتقاد باطل بل الرب موصوف بالصفات وليس جسما مركبا ~~من الجواهر المفرة ولا من المادة والصورة كما يدعون كما سنبينه ان شاء الله ~~تعالى فلا يلزم من ثبوت الصفات لزوم ما ادعوه من المحال بل غلطوا في هذا ~~التلازم واما ما هو لازم لا ريب فيه فذاك يجب اثباته لا يجوز نفيه عن الله ~~تعالى فكان غلطهم باستعمال لفظ مجمل واحدى المقدمتين باطلة أما الأولى واما ~~الثانية كما سيأتى ان شاء الله تعالى وهذه قواعد مختصرة جامعة وهى مبسوطة ~~في مواضع أخرى PageV05P364 ### ||| فصل # إذا تبين هذا فقول السائل كيف ينزل بمنزلة قوله كيف استوى وقوله كيف يسمع ~~وكيف يبصر وكيف يعلم ويقدر وكيف يخلق ويرزق وقد تقم الجواب عن مثل هذا ~~السؤال من أئمة الاسلام مثل مالك بن أنس وشيخه ربيعة بن أبى عبد الرحمن ~~فانه قد روى من غير وجه أن سائلا سأل مالكا عن قوله @QB@ الرحمن على العرش ~~استوى @QE@ كيف استوى فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال الاستواء معلوم ~~والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما اراك الا رجل سوء ثم ~~أمر به فأخرج ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك وقد روى هذا الجواب ~~عن أم سلمة رضى الله عنها موقوفا ومرفوعا ولكن ليس اسناده مما يعتمد عليه ~~وهكذا سائر الأئمة قولهم يوافق قول مالك في انا لا نعلم كيفية استوائه كما ~~لا نعلم كيفية ذاته ولكن نعلم المعنى الذى دل عليه الخطاب فنعلم معنى ~~الاستواء ولا نعلم كيفيته وكذلك نعلم معنى النزول ولا نعلم كيفيته ونعلم ~~معنى السمع والبصر والعلم والقدرة ولا نعلم كيفية ذلك ونعلم معنى الرحمة ~~والغضب والرضا والفرح والضحك ولا نعلم كيفية ذلك PageV05P365 وأما سؤال ~~السائل هل يخلو منه العرش أم لا يخلو منه وامساك المجيب عن هذا لعدم ms1352 علمه ~~بما يجيب به فانه امساك عن الجواب بما لم يعلم حقيقته وسؤال السائل له عن ~~هذا ان كان نفيا لما أثبته الرسول ( ( فخطأ منه وان كان استرشادا فحسن وان ~~كان تجهيلا للمسؤول فهذا فيه تفصيل فان المثبت الذى لم يثبت الا ما أثبته ~~الرسول ( ( ونفى علمه بالكيفية فقوله سديد لا يرد عليه سؤاله والمعترض الذى ~~يعترض عليه بهذا السؤال اعتراضه باطل فان ذلك لا يقدح في جواب المجيب # وقول المسؤول هذا قول مبتدع ورأى مخترع حيدة منه عن الجواب يدل على جهله ~~بالجواب السديد ولكن لا يدل هذا على ان نفى المعترض لما أخبر به الرسول حق ~~ولا على أن تأويله بنزول أمره ورحمته تأويل صحيح # ومما يبين ذلك أن هذا المعترض اما ان يقر بأن الله فوق العرش واما أن لا ~~يكون مقرى بذلك فان لم يكن مقرى بذلك كان قوله هل يخلو العرش منه أم لا ~~يخلو كلاما باطلا لأن هذا التقسيم فرع ثبوت كونه على العرش وان قال المعترض ~~انا ذكرت هذا التقسيم لأنفى نزوله وانفى العلو لأنه ان قال يخلو منه العرش ~~لزم أن يخلو من استوائه على العرش وعلوه عليه وان لا يكون وقت النزول هو ~~العلى الأعلى بل يكون في جوف العالم والعالم محيط به وان قال ان العرش لا ~~يخلو منه قيل له فاذا لم يخل العرش منه لم يكن قد نزل فان نزوله بدون خلو ~~العرش منه لا يعقل فيقال لهذا المعترض PageV05P366 هذا الاعتراض باطل لا ~~ينفعك لأن الخالق سبحانه وتعالى موجود بالضرورة والشرع والعقل والاتفاق فهو ~~اما أن يكون مباينا للعالم فوقه واما أن يكون مداخلا للعالم محايثا واما أن ~~يكون لا هذا ولا هذا # فان قلت انه محايث للعالم بطل قولك فانك اذا جوزت نزوله وهو بذاته في كل ~~مكان لم يمتنع عندك خلو ما فوق العرش منه بل هو دائما خال منه لأنه هناك ~~ليس عندك شيء ثم يقال لك وهل يعقل مع هذا أن يكون في كل ms1353 مكان وأنه مع هذا ~~ينزل إلى السماء الدنيا فان قلت نعم قيل لك فاذا نزل هل يخلو منه بعض ~~الامكنة أو لا يخلو فان قلت يخلو منه بعض الامكنة كان هذا نظير خلو العرش ~~منه فان قلت لا يخلو منه مكان كان هذا نظير كون العرش لا يخلو منه فان جوزت ~~هذا كان لخصمك ان يجوز هذا # فقد لزمك على قولك ما يلزم منازعك بل قولك أبعد عن المعقول لأن نزول من ~~هو فوق العالم أقرب إلى المعقول من نزول من هو حال في جميع العالم فان نزول ~~هذا لا يعقل بحال وما فررت منه من الحلول وقعت في نظيره بل منازعك الذى ~~يجوز أن يكون فوق العالم وهو أعظم عنده من العالم وينزل إلى العالم اشد ~~تعظيما لله منك ويقال له هل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما أحدهما محايث ~~للآخر فان قال لا بطل قوله وان قال نعم قيل له فليعقل أنه فوق العرش وانه ~~ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش فان هذا أقرب إلى العقل مما اذا ~~قلت انه حال في العالم PageV05P367 وان قلت انه لا مباين للعالم ولا مداخل ~~له قيل لك فهل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما ليس أحدهما مباينا للآخر ولا ~~محايثا له فان جمهور العقلاء يقولون ان فساد هذا معلوم بالضرورة فاذا قال ~~نعم يعقل ذلك فيقال له فان جاز وجود موجود قائم بنفسه ليس هو مباينا للعالم ~~ولا محايثا له فوجود مباين للعالم ينزل إلى العالم ولا يخلو منه ما فوق ~~العالم أقرب إلى المعقول فانك ان كنت لا تثبت من الوجود الا ما تعقل له ~~حقيقة في الخارج فانت لا تعقل في الخارج موجودين قائمين بأنفسهما ليس ~~أحدهما داخلا في الآخر ولا محايثا له وان كنت تثبت ما لا تعقل حقيقته في ~~الخارج فوجود موجودين أحدهما مباين للآخر أقرب إلى المعقول ونزول هذا من ~~غير خلو ما فوق العرش منه أقرب إلى المعقول من كونه لا فوق العالم ولا داخل ~~العالم فان ms1354 حكمت بالقياس فالقياس عليك لا لك وان لم تحكم به لم يصح ~~استدلالك على منازعك به # وأما قول السائل ليس هذا جوابى بل هو حيدة عن الجواب فيقال له الجواب على # ( وجهين ( جواب معترض ناف لنزوله وعلوه وجواب مثبت لنزوله وعلوه وأنت لم ~~تسأل سؤال مستفت بل سألت سؤال معترض ناف وقد تبين لك أن هذا الاعتراض ساقط ~~لا ينفعك فانه سواء قيل انه يخلو منه العرش أو قيل لا يخلو منه العرش ليس ~~في ذلك ما يصحح قولك أنه لاداخل العالم ولا خارجه ولا قولك انه بذاته في كل ~~مكان واذا PageV05P368 بطل هذان القولان تعين ( الثالث ( وهو أنه سبحانه ~~وتعالى فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه واذا كان كذلك بطل قول المعترض # هذا ان كان المعترض غير مقر بأنه فوق العرش وقد سئل بعض أئمة نفاة العلو ~~عن النزول فقال ينزل أمره فقال له السائل فممن ينزل ما عندك فوق العالم شيء ~~فممن ينزل الأمر من العدم المحض فبهت # وان كان المعترض من المثبتة للعلو ويقول ان الله فوق العرش لكن لا يقر ~~بنزوله بل يقول بنزول ملك أو يقول بنزول أمره الذى هو مأمور به وهو مخلوق ~~من مخلوقاته فيجعل النزول مفعولا محدثا يحدثه الله في السماء كما يقال مثل ~~ذلك في استوائه على العرش فيقال له هذا التقسيم يلزمك فانك ان قلت اذا نزل ~~يخلو منه العرش لزم المحذور الاول وان قلت لا يخلو منه العرش اثبت نزولا مع ~~عدم خلو العرش منه وهذا لا يعقل على أصلك # وان قال انما أثبت ذلك في بعض مخلوقاته قيل له أى شيء أثبته مع عدم فعل ~~اختيارى يقوم بنفسه كان غير معقول من هذا الخطاب لا يمكن أن يراد به أصلا ~~مع تحريف الكلم عن مواضعه فجمعت بين شيئين بين أن ما أثبته لا يمكن أن يعقل ~~من خطاب الرسول ( ( وبين أنك حرفت كلام الرسول ( ( فان قلت الذى ينزل ملك ~~قيل هذا باطل من وجوه PageV05P369 # ( منها ( أن الملائكة ms1355 لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض كما قال ~~تعالى ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ( وقال تعالى ( ~~وما نتنزل الا بأمر ربك ( # وفى ( الصحيحين ( عن أبى هريرة وأبى سعيد رضى الله عنهما عن النبى ( ( ~~أنه قال ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة ~~الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم ~~بهم كيف تركتم عبادى فيقولون اتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون ( # وكذلك ثبت في الصحيح عن أبى هريرة عن النبى ( ( أنه قال ( ان لله ملائكة ~~سياحين فضلا يتتبعون مجالس الذكر فاذا مروا على قوم يذكرون الله تعالى ~~ينادون هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال فيسألهم ~~ربهم وهم أعلم بهم ما يقول عبادى قال فيقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ~~ويمجدونك ( # وفى رواية لمسلم ( ان لله ملائكة سيارة فضلا عن كتاب الناس يتبعون مجالس ~~الذكر فاذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا حتى يملأوا ما ~~بينهم وبين سماء الدنيا فاذا تفرقوا عرجوا أو صعدوا إلى السماء قال فيسألهم ~~الله عز وجل وهو أعلم بهم من أين جئتم فيقولون جئنا PageV05P370 من عند ~~عبادك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك ( الحديث ~~بطوله ( الوجه الثانى ( أنه قال فيه ( من يسألنى فأعطيه من يدعونى فأستجيب ~~له من يستغفرنى فأغفر له ( وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك عن الله بل ~~الذى يقول الملك ما ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( اذا أحب الله ~~العبد نادى جبريل انى أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادى في السماء ان ~~الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ( وذكر ~~في البغض مثل ذلك # فالملك اذا نادى عن الله لا يتكلم بصيغة المخاطب بل يقول ان الله أمر ~~بكذا أو قال كذا وهكذا اذا أمر السلطان مناديا ينادى فانه يقول يا معشر ~~الناس امر السلطان بكذا ونهى عن كذا ورسم بكذا لا يقول أمرت بكذا ms1356 ونهيت عن ~~كذا بل لو قال ذلك بودر إلى عقوبته # وهذا تأويل من التأويلات القديمة للجهمية فانهم تأولوا تكليم الله لموسى ~~عليه السلام بأنه أمر ملكا فكلمه فقال لهم أهل السنة لو كلمه ملك لم يقل ~~@QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ بل كان يقول كما قال ~~المسيح عليه السلام @QB@ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي ~~وربكم @QE@ # فالملائكة رسل الله إلى الانبياء تقول كما كان جبريل عليه السلام يقول ~~PageV05P371 لمحمد @QB@ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا ~~وما بين ذلك @QE@ ويقول ان الله يأمرك بكذا ويقول كذا لا يمكن أن يقول ملك ~~من الملائكة @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ ولا يقول ( من ~~يدعونى فأستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له ( ولا يقول لا ~~يسأل عن عبادى غيرى كما رواه النسائى وبن ماجه وغيرهما وسندهما صحيح أنه ~~يقول ( لا اسأل عن عبادى غيرى ( # وهذا أيضا مما يبطل حجة بعض الناس فانه احتج بما رواه النسائى في بعض طرق ~~الحديث أنه يأمر مناديا فينادى فان هذا ان كان ثابتا عن النبى ( ( فان الرب ~~يقول ذلك ويأمر مناديا بذلك لا ان المنادى يقول ( من يدعونى فأستجيب له ( ~~ومن روى عن النبى ( ( ان المنادى يقول ذلك فقد علمنا أنه يكذب على رسول ~~الله ( ( فانه مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذى نقلته الأمة خلفا ~~عن سلف فاسد في المعقول فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين كما روى بعضهم ينزل ~~بالضم وكما قرأ بعضهم @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ ونحو ذلك من تحريفهم ~~اللفظ والمعنى # وان تأول ذلك بنزول رحمته أو غير ذلك قيل الرحمة التى تثبتها اما أن تكون ~~عينا قائمة بنفسها واما أن تكون صفة قائمة في غيرها PageV05P372 فان كانت ~~عينا وقد نزلت إلى السماء الدنيا لم يمكن أن تقول من يدعونى فأستجيب له كما ~~لا يمكن الملك أن يقول ذلك # وان كانت صفة من الصفات فهي لا ms1357 تقوم بنفسها بل لابد لها من محل ثم لا ~~يمكن الصفة أن تقول هذا الكلام ولا محلها ثم اذا نزلت الرحمة إلى السماء ~~الدنيا ولم تنزل الينا فأى منفعة لنا في ذلك # وان قال بل الرحمة ما ينزله على قلوب قوام الليل في تلك الساعة من حلاوة ~~المناجاة والعبادة وطيب الدعاء والمعرفة وما يحصل في القلوب من مزيد ~~المعرفة بالله والايمان به وذكره وتجليه لقلوب اوليائه فان هذا أمر معروف ~~يعرفه قوام الليل قيل له حصول هذا في القلوب حق لكن هذا ينزل إلى الأرض إلى ~~قلوب عباده لا ينزل إلى السماء الدنيا ولا يصعد بعد نزوله وهذا الذى يوجد ~~في القلوب يبقى بعد طلوع الفجر لكن هذا النور والبركة والرحمة التى في ~~القلوب هي من آثار ما وصف به نفسه من نزوله بذاته سبحانه وتعالى # كما وصف نفسه ( بالنزول عشية عرفة ( في عدة أحاديث صحيحة وبعضها في ( ~~صحيح مسلم ( عن عائشة رضى الله عنها عن النبى ( ( أنه قال ( ما من يوم أكثر ~~من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وانه عز وجل ليدنو ثم يباهى ~~بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء ( وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( اذا كان يوم عرفة ان الله ينزل إلى ~~سماء الدنيا يباهى بأهل عرفة الملائكة فيقول أنظروا إلى عبادى اتونى شعثا ~~غبرا PageV05P373 ضاحين من كل فج عميق ( وعن أم سلمة رضى الله عنها قالت ~~قال رسول الله ( ( ان الله ينزل إلى السماء الدنيا يباهى بأهل عرفة ~~الملائكة ويقول أنظروا إلى عبادى اتونى شعثا غبرا ( فوصف أنه يدنو عشية ~~عرفة إلى السماء الدنيا ويباهى الملائكة بالحجيج فيقول انظروا إلى عبادى ~~اتونى شعثا غبرا ما أراد هؤلاء فانه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل ~~على قلوبهم من الايمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه لكن ~~ليس هذا الذى في قلوبهم هو الذى يدنو إلى السماء الدنيا ويباهى الملائكة ms1358 ~~بالحجيج # والجهمية ونحوهم من المعطلة انما يثبتون مخلوقا بلا خالق واثرا بلا مؤثر ~~ومفعولا بلا فاعل وهذا معروف من اصولهم وهذا من فروع اقوال الجهمية # وايضا فيقال له وصف نفسه بالنزول كوصفه في القرآن بأنه @QB@ خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش @QE@ وبأنه استوى إلى السماء وهى ~~دخان وبأنه نادى موسى وناجاه في البقعة المباركة من الشجرة وبالمجىء ~~والاتيان في قوله @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وقال @QB@ هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ # والأحاديث المتواترة عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( في اتيان الرب يوم ~~القيامة كثيرة وكذلك اتيانه لأهل الجنة يوم الجمعة وهذا مما احتج به السلف ~~على من ينكر الحديث فبينوا له أن القرآن يصدق معنى هذا الحديث كما احتج به ~~إسحاق بن راهويه PageV05P374 بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد ~~الله بن طاهر أمير خراسان # قال أبو عبد الله الرباطى حضرت يوما مجلس الامير عبد الله بن طاهر ذات ~~يوم وحضر إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول أصحيح هو فقال نعم فقال له ~~بعض قواد عبد الله يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال نعم قال ~~كيف ينزل قال اثبته فوق حتى أصف لك النزول فقال له الرجل اثبته فوق فقال له ~~إسحاق قال الله تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ فقال الأمير عبد ~~الله بن طاهر يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال إسحاق أعز الله الأمير ومن ~~يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم # ثم بعد هذا اذا نزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو ( هذه مسألة أخرى ( ~~تكلم فيها أهل الاثبات # فمنهم من قال لا يخلو منه العرش ونقل ذلك عن الامام أحمد بن حنبل في ~~رسالته إلى مسدد وعن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد وعثمان بن سعد الدارمى ~~وغيرهم # ومنهم من أنكر ذلك وطعن في هذه الرسالة وقال راويها عن أحمد بن حنبل ~~مجهول لا يعرف ms1359 # والقول الأول معروف عند الأئمة كحماد بن زيد واسحق بن راهويه PageV05P375 ~~وغيرهما قال الخلال في ( كتاب السنة ( حدثنا جعفر بن محمد الفريابى ثنا ~~أحمد بن محمد المقدمى ثنا سليمان بن حرب قال سأل بشر بن السرى حماد بن زيد ~~فقال يا أبا إسماعيل الحديث الذى جاء ( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ( يتحول ~~من مكان إلى مكان فسكت حماد بن زيد ثم قال هو في مكانه يقرب من خلقه كيف ~~شاء ورواه بن بطة في كتاب ( الابانة ( فقال حدثنى أبو القاسم حفص بن عمر ~~الاردبيلى حدثنا أبو حاتم الرازى حدثنا سليمان بن حرب قال سأل بشر بن السرى ~~حماد بن زيد فقال يا أبا إسماعيل الحديث الذى جاء ( ينزل الله إلى سماء ~~الدنيا ( أيتحول من مكان إلى مكان فسكت حماد بن زيد ثم قال هو في مكانه ~~يقرب من خلقه كيف شاء وقال بن بطة وحدثنا أبو بكر النجاد ثنا أحمد بن على ~~الابار ثنا على بن خشرم قال قال إسحاق بن راهويه دخلت على عبد الله بن طاهر ~~فقال ما هذه الاحاديث التى تروونها قلت أى شيء اصلح الله الأمير قال تروون ~~أن الله ينزل إلى السماء الدنيا قلت نعم رواها الثقات الذين يروون الاحكام ~~قال أينزل ويدع عرشه قال فقلت يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه قال ~~نعم قلت ولم تتكلم في هذا # وقد رواها اللالكائى أيضا باسناد منقطع واللفظ مخالف لهذا وهذا الاسناد ~~أصح وهذه والتى قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما أئمة ثقات فحماد بن زيد يقول ~~هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء فأثبت قربه إلى خلقه مع PageV05P376 كونه ~~فوق عرشه وعبد الله بن طاهر وهو من خيار من ولى الأمر بخراسان كان يعرف ان ~~الله فوق العرش واشكل عليه انه ينزل لتوهمه أن ذلك يقتضى أن يخلو منه العرش ~~فأقره الامام إسحاق على أنه فوق العرش وقال له يقدر أن ينزل من غير أن يخلو ~~منه العرش فقال له الأمير نعم فقال له ms1360 إسحاق لم تتكلم في هذا يقول فاذا كان ~~قادرا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه فلا يجوز أن يعترض على ~~النزول بأنه يلزم منه خلو العرش وكان هذا أهون من اعتراض من يقول ليس فوق ~~العرش شيء فينكر هذا وهذا # ونظيره ما رواه أبو بكر الاثرم في ( السنة ( قال حدثنا إبراهيم بن الحارث ~~يعنى العبادى قال حدثنى الليث بن يحيى قال سمعت إبراهيم بن الاشعث يقول ~~سمعت الفضيل بن عياض يقول اذا قال الجهمى انا أكفر برب يزول عن مكانه فقل ~~أنا أومن برب يفعل ما يشاء اراد الفضيل بن عياض رحمه الله مخالفة الجهمى ~~الذى يقول أنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية فلا يتصور منه اتيان ولا مجىء ~~ولا نزول ولا استواء ولا غير ذلك من الافعال الاختيارية القائمة به فقال ~~الفضيل اذا قال لك الجهمى أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل انا ازمن برب ~~يفعل ما شاء فأمره أن يؤمن بالرب الذى يفعل ما يشاء من الافعال القائمة ~~بذاته التى يشاؤها لم يرد من المفعولات المنفصلة عنه # ومثل ذلك ما يروى عن الاوزاعى وغيره من السلف أنهم قالوا في حديث النزول ~~يفعل الله ما يشاء قال اللالكائى حدثنا المسير بن عثمان حدثنا PageV05P377 ~~أحمد بن الحسين ثنا أحمد بن على الابار قال سمعت يحيى بن معين يقول اذا ~~سمعت الجهمى يقول أنا أكفر برب ينزل فقل أنا اومن برب يفعل ما يريد # فان بعض من يعظمهم وينفى قيام الأفعال الاختيارية به كالقاضى ابى بكر ومن ~~اتبعه وبن عقيل والقاضى عياض وغيرهم يحمل كلامهم على أن مرادهم بقولهم ( ~~يفعل ما يشاء ( ان يحدث شيئا منفصلا عنه من دون ان يقوم به هو فعل أصلا # وهذا أوجبه اصلان لهم # ( احدهما ( أن الفعل عندهم هو المفعول والخلق هو المخلوق فهم يفسرون ~~أفعاله المتعدية مثل قوله تعالى ( خلق السماوات والأرض ( وأمثاله ان ذلك ~~وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته بل حاله قبل أن يخلق وبعد ms1361 ما ~~خلق سواء لم يتجدد عندهم الا اضافة ونسبة وهى أمر عدمى لا وجودى كما يقولون ~~مثل ذلك في كونه يسمع أصوات العباد ويرى أعمالهم وفى كونه كلم موسى وغيره ~~وكونه أنزل القرآن أو نسخ منه ما نسخ وغير ذلك فانه لم يتجدد عندهم الا ~~مجرد ( نسبة ( و ( اضافة ( بين الخالق والمخلوق وهى أمر عدمى لا وجودى # وهكذا يقولون في استوائه على العرش اذا قالوا أنه فوق العرش وهذا قول بن ~~عقيل وغيره وهو أول قولى القاضي أبى يعلى ويسمى بن عقيل هذه ( النسبة ( ~~الأحوال ولعله يشبهها ( بالأحوال ( التى يثبتها من يثبتها من النظار ~~PageV05P378 ويقولون هي لا موجودة ولا معدومة كما يقول ذلك أبو هاشم ~~والقاضيان أبو بكر وأبو يعلى وأبى المعالى الجوينى في أول قوليه # وأكثر الناس خالفوهم في هذا الاصل وأثبتوا له تعالى فعلا قائما بذاته ~~وخلقا غير المخلوق ويسمى التكوين وهو الذى يقول به قدماء الكلابية كما ذكره ~~الثقفى والضبعى وغيرهما من اصحاب أبى بكر محمد بن خزيمة في العقيدة التى ~~كتبوها وقرؤوها على أبى بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة لما وقع بينهم النزاع ~~في ( مسألة القرآن ( وهو آخر قولى القاضي أبى يعلى وجمهور الحنفية ~~والحنبلية وأئمة المالكية والشافعية وهو الذى ذكره البغوى في ( شرح السنة ( ~~عن أهل السنة وذكره البخارى اجماع العلماء كما بسط ذلك في مواضع أخر و # ( الأصل الثانى ( نفيهم أن تقوم به أمور تتعلق بقدرته ومشيئته ويسمون ذلك ~~( حلول الحوادث ( فلما كانوا نفاة لهذا امتنع عندهم أن يقوم به فعل اختيارى ~~يحصل بقدرته ومشيئته لا لازم ولا متعد لا نزول ولا مجىء ولا استواء ولا ~~اتيان ولا خلق ولا احياء ولا أماتة ولا غير ذلك فلهذا فسروا قول السلف ~~بالنزول بأنه يفعل ما يشاء على أن مرادهم حصول مخلوق منفصل لكن كلام السلف ~~صريح في أنهم لم يريدوا ذلك وانما أرادوا الفعل الاختيارى الذى يقوم به ~~PageV05P379 # والفضيل بن عياض رحمه الله لم يرد أنه يخلو منه العرش بل أراد مخالفة ~~الجهمية فان ms1362 قوله ( يفعل ما يشاء ( لا يتضمن أنه لابد أن يكون تحت العرش بل ~~كلامه من جنس كلام امثاله من السلف كالاوزاعى وحماد بن زيد وغيرهما ومنهم ~~من أنكر ما روى عن أحمد في رسالته إلى مسدد وقال راويها عن أحمد مجهول لا ~~يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البردعى # وأهل الحديث في هذا على ( ثلاثة أقوال ( # منهم من ينكر أن يقال يخلو أو لا يخلو كما يقول ذلك الحافظ عبدالغنى ~~المقدسى وغيره # ومنهم من يقول بل يخلو منه العرش وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن ابى ~~عبد الله بن محمد بن منده مصنفا في الانكار على من قال لا يخلو منه العرش ~~وسماه ( الرد على من زعم أن الله في كل مكان وعلى من زعم أن الله ليس له ~~مكان وعلى من تأول النزول على غير النزول ( # وذكر أنه سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في ( اقوال أهل السنة ( عن ~~أبى الحسن محمد بن على المروزى عن محمد بن إبراهيم الدينورى عن على بن أحمد ~~بن محمد بن موسى عن أحمد بن محمد البردعى التميمى قال لما أشكل على مسدد بن ~~مسرهد أمر السنة وما وقع فيه الناس من ( القدر ( PageV05P380 و ( الرفض ( و ~~( الاعتزال ( و ( الارجاء ( و ( خلق القرآن ( كتب إلى ( أحمد بن حنبل ( أن ~~أكتب إلى سنة رسول الله ( ( فكتب إليه # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد ثم ذكر فيها وينزل الله إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش ~~وعن حديث روى عن إسحاق بن راهويه في هذا المعنى وزعم عبد الرحمن أن هذا ~~اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما وعن غيرهما وحكمه عند أهل الاثر حكم حديث ~~منكر وقال أحمد بن محمد البردعى مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه ( ~~أحمد بن محمد ( فيمن روى عن أحمد بن محمد بن حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ ~~وأبى بكر الاثرم وأحمد بن محمد بن الحجاج وأبى بكر المروذى وأحمد بن محمد ~~بن عيسى ms1363 البرانى القاضي وأحمد بن محمد الصائغ وأحمد بن محمد بن غالب القاص ~~غلام خليل وأحمد بن محمد بن مزيد # الوراق وزاد إبن الجوزى أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي وأحمد بن ~~خالد أبا العباس البرانى وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة وأحمد بن محمد ~~بن عبد الله بن صالح الاسدى وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفى وأحمد بن ~~محمد بن يحيى الكحال وأحمد بن محمد بن البخارى وأحمد بن محمد بن بطة ~~PageV05P381 وذكر أحمد بن الحسن أبا الحسن الترمذى وأحمد بن سعيد وقيل أبى ~~الاشعبة الترمذى # وذكر في المحمدين محمد بن إسماعيل الترمذى قال ولم يعد هذا فيمن روى عن ~~مسدد أيضا قال وهذا الحديث رواه عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( جماعة من ~~الصحابة على لفظ واحد منهم أبو بكر الصديق وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن ~~مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبى العاص ومعاذ بن ~~جبل وأبو أمامة وعقبة بن عامر وأبو ثعلبة الخشنى ورفاعة بن عرابة الجهنى ~~وعبادة بن الصامت وعمر بن عبسة وأبو هريرة وأبو الدرداء وأبو موسى الاشعرى ~~وجابر بن عبد الله وجبير بن مطعم وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة وغيرهم رضى ~~الله عنهم أجمعين ولم يقل أحد منهم هذا اللفظ ولا من رواه من الصحابة ~~والتابعين والأئمة بعدهم # ثم ساق الاحاديث بألفاظها وذكر أن أحدا منهم لم يقل هذا اللفظ قال وهو ~~لفظ موافق لرأى من زعم أنه لا يخلو منه مكان ورأى من زعم أنه ليس له مكان # قال وتأويل من تأول النزول على غير النزول مخالف لقول من قال ينزل ربنا ~~إلى السماء الدنيا كل ليلة ولقوله فلا يزال كذلك إلى الفجر # قلت القائلون بذلك لم يقولوا ان هذا اللفظ في الحديث وليس في PageV05P382 ~~الحديث ايضا أنه لا يخلو منه العرش أو يخلو منه العرش كما يدعيه المدعون ~~لذلك فليس في الحديث لا لفظ المثبتين لذلك ولا لفظ النفاة ms1364 له وهؤلاء يقولون ~~انهم يتأولون النزول على غير النزول بل قد يكون من هؤلاء من ينفى نزولا ~~يقوم به ويجعل النزول مخلوقا منفصلا عنه وعامة رد إبن مندة المستقيم انما ~~يتناول هؤلاء لكنه زاد زيادات نسب لأجلها إلى البدعة ولهذا كانوا يفضلون ~~اباه أبا عبد الله عليه وكان إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمى وغيره ~~يتكلمون فيه في ذلك كما هو معروف عنهم # قال عبد الرحمن قال أبى في الرد على من تأول النزول على غير النزول واحتج ~~في ابطال الاخبار الصحاح بأحاديث موضوعة وادعى المدبر أنه يقول بحديث ~~النزول فحرفه على من حضر مجلسه وأنكر في خطبته ما أنزل الله في كتابه من ~~حجته وما بين الرسول ( ( من أنه ينزل بذاته وتأول النزول على معنى الأمر ~~والنهى لا حقيقة النزول وزعم أن أئمتهم العارفين بالأصول ينزهون الله عن ~~التنقلات فأبطل جميع ما أخرج في هذا الباب اذ كان مذهبه غير ظاهر الحديث ~~واعتماده على التأويل الباطل والمعقول الفاسد وقوله تعالى @QB@ ليس كمثله ~~شيء @QE@ نفى التشبيه من جميع الجهات وكل المعانى ولكن البائس المسكين لم ~~يجد الطريق إلى ثلب الأئمة الا بهذا الطريق الذى هو PageV05P383 به أولى ثم ~~قصد تعليل حديث النزول بما لا يعد علة ولا خلافا من قول الراوى ( ينزل ( و ~~( يقول اذا مضى نصف الليل ( وقال بعضهم ( ثلث الليل ونصف الليل ( قال بن ~~مندة وليس هذا اختلافا ولكنه جهل واحتج معها بحديث محمد بن يزيد بن سنان عن ~~أبيه عن زيد بن أبى أنيسة عن طارق عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن النبى ( ( ~~أنه قال ( أنه يأمر مناديا ينادى كل ليلة ( # وهذا حديث موضوع موافق لمذهبه زعم أن يحيى بن سعيد القطان وبن مهدى ~~والبخارى ومسلما أخرجوا في كتبهم مثل هؤلاء الضعفاء المتروكين ترددا منه ~~وجهلا وأعاد حديث أبى هشام الرفاعى عن حفص رواه محاضر وغير واحد قال ( ان ~~الله ينزل كل ليلة ( # وكذلك حديث طارق رواه عن عبيد الله بن عمر عن زيد بن ms1365 أبى أنيسة عن طارق ~~عن سعيد بن جبير عن بن عباس قوله ( ان الله ينزل كل ليلة ( # وأما حديث الحسن عن عثمان بن أبى العاص فقد تقدم الكلام عليه فيما ذكرنا ~~وليس في هذه الأحاديث ولا رواتها ما يصح قال ولو سكت عن معرفة الحديث كان ~~أجمل به وأحسن اذ قد سلب الله معرفته وارسخ في قلبه تبطيل الاخبار الصحاح ~~واعتماد معقوله الفاسد PageV05P384 قلت فهذا نقل عبد الرحمن لكلام أبيه ~~وأبوه أعلم منه وافقه واسد قولا ثم قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبى عبد ~~الله بن مندة هذا قال حدثنا محمد بن محمد بن الحسن ثنا عبد الله بن محمد ~~الوراق ثنا زكريا بن يحيى الساجى ثم قال عبد الرحمن حدثنى أحمد بن نصر قال ~~كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه رجل كلامى من أصحاب الكلام فقال له تقولون ~~ان الله على عرشه لا يزول ثم تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فقال عن ~~حماد بن زيد ان الله على عرشه ولكن يقرب من خلقه كيف شاء # قال عبد الرحمن ومن زعم أن حماد بن زيد وسليمان بن حرب أرادا بقولهما ~~يقرب من خلقه كيف شاء أرادا أن لا يزول عن مكانه فقد نسبهما إلى خلاف ما ~~ورد في الكتاب والسنة # قال وحدثنا عبد الصمد بن محمد المعاصمى ببلخ أنبأنا إبراهيم بن أحمد ~~المستلمى قال أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حراش قال حدثنا أحمد بن الحسن بن ~~زياد حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول اذا قال لك ~~الجهمى أنا لا أومن برب يزول عن مكانه فقال له أنا اومن برب يفعل ما يشاء # قال رواه جماعة عن فضيل بن عياض قال ولم يرد به أحد أن الله يفعل ما ذهب ~~إليه الزنادقة فلا يبقى خلاف بين من يقول أنا اكفر برب ينزل ويصعد وبين من ~~يقول أنا أومن برب لا يخلو منه العرش في ابطال ما نطق به PageV05P385 ~~الكتاب والسنة ثم روى ms1366 باسناده عن الفضيل بن عياض اذا قال الجهمى انا أكفر ~~برب ينزل ويصعد فقل آمنت برب يفعل ما يشاء # قلت زكريا بن يحيى الساجى أخذ عنه أبو الحسن الاشعرى ما أخذه من اصول أهل ~~السنة والحديث وكثير مما نقل في كتاب ( مقالات الاسلاميين ( من مذهب أهل ~~السنة والحديث وذكر عنهم ما ذكره حماد بن زيد من أنه فوق العرش وأنه يقرب ~~من خلقه كيف شاء # ومعنى ذلك عنده وعند من ينفى قيام الأفعال الاختيارية بذاته أنه يخلق ~~اعراضا في بعض المخلوقات يسميها نزولا كما قال أنه يخلق في العرش معنى ~~يسميه استواء وهو عند الاشعرى تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل ~~بل يجعل افعاله اللازمة كالنزول والاستواء كأفعاله المتعدية كالخلق ~~والاحسان وكل ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه # والاشعرى وأئمة اصحابه كالقاضى أبى بكر وغيره يقولون ان الله فوق العرش ~~بذاته ولكن يقولون في النزول ونحوه من الافعال هذا القول بناء على أصلهم في ~~نفى قيام الحوادث به والسلف الذين قالوا يفعل ما يشاء وينزل كيف شاء وكما ~~شاء والفضيل بن عياض الذى قال اذا قال لك الجهمى أنا أكفر برب يزول عن ~~مكانه فقل أنا أومن برب يفعل ما يشاء مرادهم نقيض هذا القول ورد ابى عبد ~~الله بن مندة متناول لهؤلاء وعلى هذا فلا يبقى PageV05P386 خلاف بين من ~~يقول ينزل ويصعد وبين من ينفى ذلك وذلك لأن الأفعال المنفصلة لم ينازع فيها ~~أحد من المسلمين فعلم أن مراد هؤلاء اثبات الفعل الاختيارى القائم به ~~ولكنهم مع هذا ليس في كلامهم انهم كانوا يعتقدون خلو العرش منه وأنه لا ~~يبقى فوق العرش كما ذكره عبد الرحمن وزعم أنه معنى الحديث # وروى باسناده من ( كتاب السنة ( لعبدالله بن أحمد بن حنبل قال أخبرنا ~~محمد بن محمد بن الحسن حدثنى ابى ثنا أحمد بن محمد بن عمر اللبنانى ثنا عبد ~~الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبى ثنا موسى بن داود أبو معمر ثنا عباد بن ~~العوام ms1367 قال قدم علينا شريك فسألته عن الحديث ( ان الله ينزل ليلة النصف من ~~شعبان ( قلنا ان قوما ينكرون هذه الأحاديث قال فما يقولون قلنا يطعنون فيها ~~فقال ان الذين جاؤوا بهذه الأحاديث هم الذين جاؤوا بالقرآن وبالصلاة وبالحج ~~وبالصوم فما يعرف الله الا بهذه الأحاديث # قال وأما حديث إسحاق بن راهويه فرواه إسماعيل الترمذى وذكر عن بن أبى ~~حاتم أنهم تكلموا فيه قال والحديث حدث به أحمد بن موسى بن بريدة عن أحمد بن ~~عبد الله بن محمد بن بشير عن الترمذى PageV05P387 # سمعت إسحاق بن راهويه يقول اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر يوما ~~فقالوا له أيها الامير انك تقدم إسحاق وتكرمه وتعظمه وهو كافر يزعم أن الله ~~عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ويخلو منه العرش قال فغضب عبد الله ~~وبعث إلى فدخلت عليه وسلمت فلم يرد على السلام غضبا ولم يستجلسنى ثم رفع ~~رأسه وقال لى ويلك يا إسحاق ما يقول هؤلاء قال قلت لا أدري قال تزعم أن ~~الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ويخلو منه العرش ~~فقلت أيها الأمير لست أنا قلته قاله النبى ( ( ثنا أبو بكر بن عياش عن ~~إسحاق عن الاغر بن مسلم أنه قال اشهد على أبى هريرة وأبى سعيد أنهما شهدا ~~على رسول الله ( ( أنه قال ( ينزل الله إلى سماء الدنيا في كل ليلة فيقول ~~من يدعونى فأستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له ( ولكن مرهم ~~يناظرونى قال فلما ذكرت له النبى ( ( سكن غضبه وقال لى اجلس فجلست فقلت ~~مرهم ايها الامير يناظرونى قال ناظروه قال فقلت لهم يستطيع أن ينزل ولا ~~يخلو منه العرش أم لا يستطيع قال فسكتوا واطرقوا رؤوسهم فقلت ايها الامير ~~مرهم يجيبوا فسكتوا فقال ويحك يا إسحاق ماذا سألتهم قال قلت أيها الأمير قل ~~لهم يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش أم لا قال فايش هذا قلت ان زعموا ~~أنه لا يستطيع أن ينزل الا أن يخلو ms1368 منه العرش فقد زعموا ان الله عاجز مثلى ~~ومثلهم وقد كفروا وان زعموا أنه يستطيع PageV05P388 أن ينزل ولا يخلو منه ~~العرش فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء ولا يخلو منه المكان # قال عبد الرحمن والصحيح مما جرى بين إسحاق وعبد الله بن طاهر ما أخبرنا ~~أبى ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصرى ثنا محمد بن حاتم سمعت إسحاق بن ~~إبراهيم بن مخلد يقول قال لى عبد الله بن طاهر يا أبا يعقوب هذه الاحاديث ~~التى تروونها في النزول يعنى وغير ذلك ما هي قلت أيها الأمير هذه أحاديث ~~جاءت مجىء الاحكام والحلال والحرام ونقلها العلماء فلا يجوز ان ترد هي كما ~~جاءت بلا كيف فقال عبد الله صدقت ما كنت أعرف وجوهها إلى الآن # قال عبد الرحمن ولا يخلو منه المكان كيفية تهدم النزول وتبطل قول من يقول ~~هي كما جاءت بلا كيف فيقال بل مخاطبة إسحاق لعبدالله بن طاهر كان فيها ~~زيادة على هذه الرواية كما ثبت ذلك في غير هذه الرواية ولكن هذه المخاطبات ~~والمناظرات ينقل منها هذا ما لا ينقل غيره كما نقلوا في مناظرة أحمد بن ~~حنبل وغيره هذا ينقل ما لا ينقله هذا كما نقل صالح وعبد الله والمروذى ~~وغيرهم وكلهم ثقات وإسحاق بسط الكلام مع بن طاهر # قال الشيخ أبو عثمان النيسابورى ( الصابونى ( الملقب بشيخ الاسلام في ~~رسالته في السنة قال ويعتقد اهل الحديث ويشهدون أن الله سبحانه وتعالى ~~PageV05P389 فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه في قوله @QB@ إن ~~ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش @QE@ ~~وذكر عدة آيات من ذلك فان هذا ذكره الله في سبعة مواضع من القرآن قال وأهل ~~الحديث يثبتون في ذلك ما اثبته الله تعالى ويؤمنون به ويصدقون الرب جل ~~جلاله في خبره ويطلقون ما أطلقه الله سبحانه من استوائه على عرشه ويمرون ~~ذلك على ظاهره ويكلون علمه إلى الله تعالى و @QB@ يقولون آمنا به كل من عند ms1369 ~~ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب @QE@ وروى باسناده من طريقين أن مالك بن ~~أنس سئل عن قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ كيف استوى فقال الاستواء ~~غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك ~~الا ضالا وأمر أن يخرج من المجلس وروى بإسناده الثابت عن عبد الله بن ~~المبارك أنه قال نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته بائن من خلقه ولا نقول كما ~~قالت الجهمية بأنه ها هنا وأشار بيده إلى الأرض # وقال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ يعنى الحاكم في كتاب ( التاريخ ( الذى ~~جمعه لأهل نيسابور وفى كتاب ( معرفة أصول الحديث ( اللذين جمعهما ولم يسبق ~~إلى مثلهما قال سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ سمعت الامام أبا بكر ~~محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول من لم يقر بأن الله على عرشه قد PageV05P390 ~~استوى فوق سبع سمواته فهو كافر به حلال الدم يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه ~~وألقى على بعض المزابل # قال الشيخ أبو عثمان ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما ~~أثبته رسول الله ( ( وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره ~~على ظاهره ويكلون علمه إلى الله سبحانه وتعالى وكذلك يثبتون ما أنزل الله ~~في كتابه من ذكر المجىء والاتيان المذكورين في قوله تعالى @QB@ هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام @QE@ وقوله عز وجل @QB@ وجاء ربك ~~والملك صفا صفا @QE@ # وقال أخبرنا أبو بكر بن زكريا سمعت أبا حامد الشرقى سمعت حمدان السلمى ~~وأبا داود الخفاف قالا سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلى يقول قال لى الأمير ~~عبد الله بن طاهر يا أبا يعقوب هذا الحديث الذى ترويه عن رسول الله ( ( ~~ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل قال قلت أعز الله الامير لا ~~يقال لأمر الرب كيف انما ينزل بلا كيف # قال وسمعت أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا زكريا ms1370 يحيى بن محمد العنبرى ~~سمعت إبراهيم بن أبى طالب سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله ~~الرباطى يقول حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم PageV05P391 وحضر ~~إسحاق بن إبراهيم رحمه الله فسئل عن حديث النزول أصحيح هو قال نعم فقال له ~~بعض قواد عبد الله يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال نعم قال ~~كيف ينزل فقال إسحاق أثبته فوق فقال اثبته فوق فقال إسحاق قال الله عز وجل ~~@QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ فقال الأمير عبد الله هذا يوم القيامة ~~فقال إسحاق أعز الله الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم وقال أبو ~~عثمان قرأت في رسالة أبى بكر الإسماعيلى إلى أهل جيلان أن الله ينزل إلى ~~السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبى ( ( وقد قال عز وجل @QB@ هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام @QE@ وقال @QB@ وجاء ربك ~~والملك صفا صفا @QE@ نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف فلو شاء سبحانه أن ~~يبين كيف ذلك فعل فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذى يتشابه اذ كنا قد ~~أمرنا به في قوله @QB@ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب @QE@ وروى عبد ~~الرحمن بن منده باسناده عن حرب بن إسماعيل قال سألت إسحاق بن إبراهيم قلت ~~حديث النبى ( ( ينزل الله إلى السماء الدنيا ( قال نعم ينزل الله كل ليلة ~~إلى السماء الدنيا كما شاء وكيف شاء وقال PageV05P392 عن حرب لا يجوز الخوض ~~في أمر الله تعالى كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين لقول الله تعالى @QB@ ~~لا يسأل عما يفعل وهم يسألون @QE@ # وروى ايضا عن حرب قال هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الحديث والأثر وأهل ~~السنة المعروفين بها وهو ms1371 مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والحميدى ~~وغيرهم كان قولهم أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء ~~@QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ # وروى أيضا عن حرب قال قال إسحاق بن إبراهيم لا يجوز لأحد أن يتوهم على ~~الخالق بصفاته وأفعاله توهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين وذلك ~~أنه يمكن أن يكون موصوفا بالنزول كل ليلة اذا مضى ثلثاها إلى السماء الدنيا ~~كما شاء ولا يسأل كيف نزوله لأنه الخالق يصنع كيف شاء # وروى أيضا عن محمد بن سلام قال سأل فضالة عبد الله بن المبارك عن النزول ~~ليلة النصف من شعبان فقال عبد الله يا ضعيف تجد خداى خوشيركن ينزل كيف شاء # وروى عن بن المبارك قال من قال لك يا مشبه فاعلم أنه جهمى # وقال عبد الرحمن بن منده إياك أن تكون فيمن يقول أنا أومن برب يفعل ما ~~يشاء ثم تنفى ما في الكتاب والسنة مما شاء الله وأوجب على خلقه PageV05P393 ~~الإيمان به افاعيله كل ليلة أن ينزل بذاته من العرش إلى السماء الدنيا ~~والزنادقة ينكرونه بزعمهم أن الله لا يخلو منه مكان # وروى حديث مرفوع من طريق نعيم بن حماد عن جرير عن ليث عن بشر عن أنس أن ~~النبى ( ( قال ( اذا أراد الله أن ينزل عن عرشه نزل بذاته ( # قلت ضعف أبو القاسم إسماعيل التميمى وغيره من الحفاظ هذا اللفظ مرفوعا ~~ورواه إبن الجوزى في ( الموضوعات ( وقال أبو القاسم التميمى ( ينزل ( معناه ~~صحيح أنا اقر به لكن لم يثبت مرفوعا إلى النبى ( ( وقد يكون المعنى صحيحا ~~وأن كان اللفظ نفسه ليس بمأثور كما لو قيل أن الله هو بنفسه وبذاته خلق ~~السماوات والأرض وهو بنفسه وذاته كلم موسى تكليما وهو بنفسه وذاته إستوى ~~على العرش ونحو ذلك من أفعاله التى فعلها هو بنفسه وهو نفسه فعلها فالمعنى ~~صحيح وليس كل ما بين به معنى القرآن والحديث من اللفظ يكون من القرآن ~~مرفوعا # فهذا تلخيص ما ذكره عبد ms1372 الرحمن بن منده مع أنه استوعب طرق هذا الحديث ~~وذكر ألفاظه مثل قوله ( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا اذا مضى ثلث ~~الليل الأول فيقول انا الملك من ذا الذى يسألنى فأعطيه من ذا الذى يدعونى ~~فأستجيب له من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له فلا يزال PageV05P394 كذلك إلى ~~الفجر ( وفى لفظ ( إذا بقى من الليل ثلثاه يهبط الرب إلى سماء الدنيا ( وفى ~~لفظ حتى ينشق الفجر ثم يرتفع وفى رواية يقول ( لا أسأل عن عبادى غيرى من ذا ~~الذى يسألنى فأعطيه ( وفى رواية عمرو بن عبسة ( أن الرب يتدلى في جوف الليل ~~إلى السماء الدنيا ( وفى لفظ ( حتى ينشق الفجر ثم يرتفع ( وذكر نزوله عشية ~~عرفة من عدة طرق وكذلك ليلة النصف من شعبان وذكر نزوله يوم القيامة في ظلل ~~من الغمام وحديث يوم المزيد في يوم الجمعة من أيام الآخرة وما فيه من ذكر ~~نزوله وارتفاعه وأمثال ذلك من الاحاديث وهو ينكر على من يقول أنه لا يخلو ~~منه العرش ويجعل هذا مثل قول من يقول إنه في كل مكان ومن يقول انه ليس في ~~مكان # ( وكلامه من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن الا أحد القولين قول من يقول ~~انه ينزل نزولا يخلو منه العرش # وقول من يقول ما ثم نزول أصلا كقول من يقول ليس له فعل يقوم بذاته ~~باختياره # وهاتان ( الطائفتان ( ليس عندهما نزول إلا النزول الذى يوصف به أجساد ~~العباد الذى يقتضى تفريغ مكان وشغل آخر ثم منهم من ينفى النزول عنه ينزهه ~~عن مثل ذلك ومنهم من أثبت له نزولا من هذا الجنس يقتضى تفريغ مكان وشغل آخر ~~فأولئك يقولون هذا القول باطل فتعين الاول كما يقول من يقابلهم ذلك القول ~~باطل فتعين الثانى وهو يحمل كلام السلف ( يفعل PageV05P395 ما يشاء ( على ~~أنه نزول يخلو منه العرش ومن يقابله يحمله أن المراد مفعول منفصل عن الله # وفى الجملة ( فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث ~~وجمهورهم على أنه لا ms1373 يخلو منه العرش وهو المأثور عن الأئمة المعروفين ~~بالسنة ولم ينقل عن أحد منهم باسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه وما ~~ذكره عبد الرحمن من تضعيف تلك الرواية عن إسحاق فقد ذكرنا الرواية الاخرى ~~الثابتة التى رواها بن بطة وغيره وذكرنا أيضا اللفظ الثابت عن سليمان بن ~~حرب عن حماد بن زيد رواه الخلال وغيره # وأما ( رسالة أحمد بن حنبل ( إلى مسدد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل ~~الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم تلقوها بالقبول وقد ذكرها أبو عبد الله ~~بن بطة في كتاب ( الإبانة ( واعتمد عليها غير واحد كالقاضى أبى يعلى وكتبها ~~بخطه PageV05P396 ### ||| فصل # وقد تأول قوم من المنتسبين إلى ( السنة والحديث ( حديث النزول ( وما كان ~~نحوه من النصوص التى فيها فعل الرب اللازم كالاتيان والمجىء والهبوط ونحو ~~ذلك ونقلوا في ذلك قولا لمالك ولأحمد بن حنبل حتى ذكر المتأخرون من أصحاب ~~أحمد كأبى الحسن بن الزاغونى وغيره عن أحمد في تأويل هذا الباب روايتين ~~بخلاف غير هذا الباب فانه لم ينقل عنه في تأويله نزاعا # وطرد إبن عقيل الروايتين في ( التأويل ( في غير هذه الصفة وهو تارة يوجب ~~التأويل وتارة يحرمه وتارة يسوغه # والتأويل عنده تارة ( للصفات الخبرية مطلقا ( ويسميها الاضافات لا الصفات ~~موافقة لمن أخذ ذلك عنه من المعتزلة كأبى على بن الوليد وأبى القاسم بن ~~التبان وكانا من أصحاب ابى الحسين البصرى وأبو الفرج بن الجوزى مع بن عقيل ~~على ذلك في بعض كتبه مثل ( كف التشبيه بكف التنزيه ( ويخالفه في بعض كتبه ~~PageV05P397 والأكثرون من أصحاب أحمد لم يثبتوا عنه نزاعا في التأويل لا في ~~هذه الصفات ولا في غيرها # وأما ما حكاه أبو حامد الغزالى عن بعض الحنبلية أن أحمد لم يتأول الا ( ~~ثلاثة أشياء ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض ( وقلوب العباد بين أصبعين ~~من أصابع الرحمن ( وانى أجد نفس الرحمن من قبل اليمن ( فهذه الحكاية كذب ~~على أحمد لم ينقلها أحد عنه باسناد ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك ms1374 عنه ~~وهذا الحنبلى الذى ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف لا علمه بما قال ولا ~~صدقه فيما قال # وأيضا وقع النزاع بين أصحابه هل اختلف اجتهاده في تأويل المجىء والاتيان ~~والنزول ونحو ذلك لأن حنبلا نقل عنه في ( المحنة ( أنهم لما احتجوا عليه ~~بقول النبى ( ( تجىء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان ~~من طير صواف ( ونحو ذلك من الحديث الذى فيه اتيان القرآن ومجيئه وقالوا له ~~لا يوصف بالاتيان والمجىء الا مخلوق فعارضهم أحمد بقوله وأحمد وغيره من ~~أئمة السنة فسروا هذا الحديث بأن المراد به مجىء ثواب البقرة وآل عمران كما ~~ذكر مثل ذلك من مجىء الاعمال في القبر وفى القيامة والمراد منه ثواب ~~الأعمال والنبى ( ( قال ( اقرؤوا البقرة وآل عمران فانهما يجيئان يوم ~~القيامة كأنهما غيايتان أو غمامتان أو فرقان من طير صواف يحاجان ~~PageV05P398 عن أصحابهما ) وهذا الحديث في الصحيح فلما أمر بقراءتهما وذكر ~~مجيئهما يحاجان عن القارىء علم أنه أراد بذلك قراءة القارىء لهما وهو عمله ~~وأخبر بمجىء عمله الذى هو التلاوة لهما في الصورة التى ذكرها كما أخبر ~~بمجىء غير ذلك من الأعمال # وهذا فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع هل يقلب الله العمل جوهرا قائما ~~بنفسه أم الاعراض لا تنقلب جواهر وكذلك قوله ( يؤتى بالموت في صورة كبش ~~املح ( # والمقصود هنا أن النبى ( ( لما أخبر بمجىء القرآن في هذه الصورة أراد به ~~الاخبار عن قراءة القارىء التى هي عمله وذلك هو ثواب قارئ القرآن ليس ~~المراد به أن نفس كلامه الذى تكلم به وهو قائم بنفسه يتصور صورة غمامتين ~~فلم يكن في هذا حجة للجهمية على ما ادعوه # ثم أن الامام أحمد في المحنة عارضهم بقوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام @QE@ قال قيل انما يأتى أمره هكذا نقل حنبل ~~ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في ( المحنة ( كعبدالله بن أحمد وصالح ~~بن أحمد والمروذى وغيره فاختلف أصحاب أحمد في # ذلك فمنهم من قال ms1375 غلط حنبل لم يقل أحمد هذا وقالوا حنبل له غلطات معروفة ~~وهذا منها وهذه طريقة أبى إسحاق بن شاقلا PageV05P399 ومنهم من قال بل أحمد ~~قال ذلك على سبيل الالزام لهم يقول اذا كان أخبر عن نفسه بالمجىء والاتيان ~~ولم يكن ذلك دليلا على أنه مخلوق بل تأولتم ذلك على أنه جاء أمره فكذلك ~~قولوا جاء ثواب القرآن لا أنه نفسه هو الجائى فان التأويل هنا الزم فان ~~المراد هنا الاخبار بثواب قارئ القرآن وثوابه عمل له لم يقصد به الاخبار عن ~~نفس القرآن # فإذا كان الرب قد أخبر بمجىء نفسه ثم تأولتم ذلك بأمره فاذا أخبر بمجىء ~~قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجىء ثوابه بطريق الأولى والأحرى # واذا قاله لهم على سبيل الالزام لم يلزم أن يكون موافقا لهم عليه وهو لا ~~يحتاج إلى أن يلتزم هذا فان هذا الحديث له نظائر كثيرة في مجىء أعمال ~~العباد والمراد مجىء قراءة القارىء التى هي عمله وأعمال العباد مخلوقة ~~وثوابها مخلوق # ولهذا قال أحمد وغيره من السلف أنه يجيء ثواب القرآن والثواب إنما يقع ~~على أعمال العباد لا على صفات الرب وأفعاله # وذهب ( طائفة ثالثة ( من أصحاب أحمد إلى أن أحمد قال هذا ذلك الوقت ~~وجعلوا هذا رواية عنه ثم من يذهب منهم إلى التأويل كابن عقيل وبن الجوزى ~~وغيرهما يجعلون هذه عمدتهم حتى يذكرها أبو الفرج بن الجوزى في تفسيره ولا ~~يذكر من كلام أحمد والسلف ما يناقضها PageV05P400 # ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية ويبين أنه لا ~~يقول أن الرب يجيء ويأتى وينزل أمره بل هو ينكر على من يقول ذلك # والذين ذكروا عن أحمد في تأويل النزول ونحوه من ( الأفعال ( لهم قولان # منهم من يتأول ذلك بالقصد كما تأول بعضهم قوله @QB@ ثم استوى إلى السماء ~~@QE@ بالقصد وهذا هو الذى ذكره بن الزاغونى ومنهم من يتأول ذلك بمجىء أمره ~~ونزول أمره وهو المذكور في رواية حنبل # وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضى أبى يعلى وغيره ممن يوافق ms1376 أبا الحسن ~~الاشعرى على أن ( الفعل ( هو المفعول وأنه لا يقوم بذاته فعل اختيارى ~~يقولون معنى النزول والاستواء وغير ذلك أفعال يفعلها الرب في المخلوقات ~~وهذا هو المنصوص عن أبى الحسن الاشعرى وغيره قالوا الاستواء فعل فعله في ~~العرش كان به مستويا وهذا قول أبى الحسن بن الزاغونى # وهؤلاء يدعون أنهم وافقوا السلف وليس الأمر كذلك كما قد بسط في موضعه # وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك رويت من طريق كاتبه حبيب بن PageV05P401 ~~أبى حبيب لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل لا يقبل أحد منهم نقله عن ~~مالك ورويت من طريق آخرى ذكرها بن عبدالبر وفى اسنادها من لا نعرفه # وإختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في النزول ~~والاتيان والمجىء وغير ذلك هل يقال أنه بحركة وانتقال أم يقال بغير حركة ~~وانتقال أم يمسك عن الاثبات والنفى على ( ثلاثة أقوال ( ذكرها القاضي أبو ~~يعلى في كتاب ( إختلاف الروايتين والوجهين ( # ( فالأول ( قول أبى عبد الله بن حامد وغيره # ( والثانى ( قول أبى الحسن التميمى وأهل بيته # ( والثالث ( قول أبى عبد الله بن بطة وغيره ثم هؤلاء فيهم من يقف عن ~~اثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم كما ذكر ذلك أبو عمر ~~بن عبد الرحمن وغيره # ومنهم من يمسك عن اثبات المعنى مع اللفظ وهم في المعنى منهم من يتصوره ~~مجملا ومنهم من يتصوره مفصلا اما مع الاصابة واما مع الخطأ # والذين اثبتوا هذه رواية عن ( أحمد ( هم وغيرهم ممن ينتسب إلى السنة ~~والحديث لهم في تأويل ذلك قولان PageV05P402 # ( أحدهما ( أن المراد به اثبات أمره ومجىء أمره ( والثانى ( أن المراد ~~بذلك عمده وقصده وهكذا تأول هؤلاء قوله تعالى ( ثم استوى إلى السماء وهى ~~دخان ( قالوا قصد وعمد # وهذا تأويل طائفة من اهل العربية منهم أبو محمد عبد الله بن قتيبة ذكر في ~~كتاب ( مختلف الحديث ( له الذى رد فيه على أهل الكلام الذين يطعنون في ~~الحديث # فقال قالوا حديث في التشبيه يكذبه القرآن والاجماع قالوا ms1377 رويتم ان رسول ~~الله ( ( قال ( ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في ثلث الليل ~~الآخر فيقول هل من داع فأستجيب له أو مستغفر فأغفر له ( و ( ينزل عشية عرفة ~~إلى أهل عرفة ( و ( ينزل ليلة النصف من شعبان ( وهذا خلاف لقوله تعالى @QB@ ~~ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ~~ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا @QE@ وقوله @QB@ وهو الذي في السماء ~~إله وفي الأرض إله @QE@ # فقد أجمع الناس أنه يكون بكل مكان ولا يشغله شأن عن شأن # ونحن نقول في قوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم @QE@ أنه ~~معهم بالعلم بما هم عليه كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع ووكلته بأمر من ~~أمرك PageV05P403 احذر التقصير والاغفال لشيء مما تقدمت فيه اليك فانى معك ~~يريد أنه لا يخفى على تقصيرك أو جدك بالاشراف عليك والبحث عن أمورك فاذا ~~جاء هذا في المخلوق والذى لا يعلم الغيب فهو في الخالق الذى يعلم الغيب ~~أجوز # وكذلك هو بكل مكان يراك لا يخفى عليه شيء مما في الاماكن هو فيها بالعلم ~~بها والاحاطة فكيف يسوغ لأحد أن يقول أنه بكل مكان على الحلول مع قوله @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ أى استقر قال الله تعالى ( فاذا استويت أنت ~~ومن معك على الفلك ( أى استقررت ومع قوله @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه @QE@ # وكيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرتفع إليه عمل هو عنده وكيف تعرج الملائكة ~~والروح يوم القيامة وتعرج بمعنى تصعد يقال عرج إلى السماء اذا صعد والله ذو ~~المعارج والمعارج الدرج فما هذه الدرج فالى من تؤدى الملائكة الأعمال اذا ~~كان بالمحل الاعلى مثله بالمحل # الادنى ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة ~~الخالق لعلموا أن الله هو العلى وهو الأعلى وبالمكان الرفيع وان القلوب عند ~~الذكر تسمو نحوه والايدى ترتفع بالدعاء إليه ومن العلو يرجى الفرج ويتوقع ~~النصر والرزق PageV05P404 وهناك ms1378 الكرسى والعرش والحجب والملائكة يقول الله ~~تبارك وتعالى @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون @QE@ وقال في الشهداء ~~@QB@ أحياء عند ربهم يرزقون @QE@ قيل لهم شهداء لأنهم يشهدون ملكوت الله ~~وأحدهم شهيد كما يقال عليم وعلماء وكفيل وكفلاء # وقال عز وجل ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ( أى لا اتخذنا ~~ذلك عندنا لا عندكم لأن زوجة الرجل وولده يكونان عنده بحضرته لا عند غيره # والأمم كلها عجمها وعربها تقول ان الله عز وجل في السماء ما تركت على ~~فطرتها ولم تنقل عن ذلك بالتعليم # وفى الحديث أن رجلا أتى إلى النبى ( ( بأمة أعجمية للعتق فقال لها رسول ~~الله ( ( أين الله ( قالت في السماء قال ( من أنا ( قالت أنت رسول الله ~~فقال ( هي مؤمنة ( وأمره بعتقها # وقال أمية بن أبى الصلت # # مجدوا الله فهو للمجد أهل %~% ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبناء الأعلى الذى سبق الناس %~% وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا ما يناله بصر العين %~% ترى دونه الملائك صورا PageV05P405 # وصورا جمع اصور وهو المائل العنق وهكذا قيل في حملة العرش صور وكل من حمل ~~شيئا ثقيلا على كأهله أو على منكبه لم يجد بدا من أن يميل عنقه # وفى ( الانجيل ( أن المسيح عليه السلام قال لا تحلفوا بالسماء فانها كرسى ~~الله وقال للحواريين ان أنتم غفرتم للناس فان اباكم الذى في السماء يغفر ~~لكم كلكم أنظروا إلى طير السماء فانهن لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في ~~الاهواء وابوكم الذى في السماء هو الذى يرزقهم افلستم افضل منهن ومثل هذا ~~من الشواهد كثير يطول به الكتاب # قال بن قتيبة وأما قوله تعالى @QB@ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ~~@QE@ فليس في ذلك ما يدل على الحلول بهما وانما أراد أنه إله السماء ومن ~~فيها وإله الأرض ومن فيها ومثل هذا من الكلام قولك هو بخراسان أمير وبمصر ~~أمير فالامارة تجتمع له فيهما وهو حال بأحدهما أو بغيرهما هذا ms1379 واضح لا يخفى # فإن قال لنا كيف النزول منه جل وعز قلنا لا نحكم على النزول منه بشيء ~~ولكنا نبين كيف النزول منا وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ والله أعلم بما ~~أراد PageV05P406 # والنزول منا يكون بمعنيين # ( أحدهما ( الانتقال من مكان إلى مكان كنزولك من الجبل إلى الحضيض ومن ~~السطح إلى الدار # ( والمعنى الآخر ( إقبالك إلى الشيء بالارادة والنية كذلك الهبوط ~~والارتفاع والبلوغ والمصير وأشباه هذا من الكلام # ومثال ذلك ان سألك سائل عن محل قوم من الأعراب وهو لا يريد المصير اليهم ~~فتقول له اذا صرت إلى جبل كذا فأنزل منه وخذ يمينا واذا صرت إلى وادى كذا ~~فاهبط فيه ثم خذ شمالا واذا سرت إلى أرض كذا فاعل هضبة هناك حتى تشرف عليهم ~~وأنت لا تريد في شيء مما تقوله أفعله ببدنك إنما تريد أفعله بنيتك وقصدك # وقد يقول القائل بلغت إلى الاحزاب تشتمهم وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم ~~وجئت إلى العلم تزهد فيه ونزلت عن معالى الاخلاق إلى الدناءة ليس يراد في ~~شيء من هذا انتقال الجسم وانما يراد به القصد إلى الشيء بالارادة والعزم ~~والنية وكذلك قوله @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ لا ~~يراد به أنه معهم بالحلول ولكن بالنصر والتوفيق والحياطة # وكذلك قوله عز وجل ( من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب منى ~~ذراعا تقربت منه باعا ومن أتانى يمشى أتيته هرولة PageV05P407 # ( قال وثنا عن عبدالمنعم عن أبيه عن وهب بن منبه أن موسى عليه السلام لما ~~نودي من الشجرة ( اخلع نعليك ( اسرع الاجابة وتابع التلبية وما كان ذلك الا ~~استئناسا منه بالصوت وسكونا إليه # وقال انى اسمع صوتك وأحس حسك ولا أدري مكانك فأين أنت قال ( أنا فوقك ~~وأمامك وخلفك ومحيط بك وأقرب اليك من نفسك ( يريد أنى أعلم بك منك لأنك اذا ~~نظرت إلى ما بين يديك خفى عليك ما وراءك واذا سموت بطرفك إلى ما هو فوقك ~~ذهب عنك علم ما تحتك وانا لا يخفى على خافية ms1380 منك في جميع أحوالك # ونحو هذا قول رابعة العابدة العدوية قالت شغلوا قلوبهم عن الله بحب ~~الدنيا ولو تركوها لجالت في الملكوت ثم رجعت اليهم بطرف الفائدة ولم ترد أن ~~أبدانهم وقلوبهم تجول في السماء بالحلول ولكن تجول هناك بالفكر والقصد ~~والاقبال # وكذلك قول أبى ممندية الاعرابى قال أطلعت في النار فرأيت الشعراء لهم ~~كظيظ يعنى التقاء وأنشد فيه # جياد بها صرعى لهن كظيظ %~% # ولو قال قائل في قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( أطلعت في الجنة ~~PageV05P408 فرأيت أكثر أهلها الفقراء وأطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها ~~النساء ( ان اطلاعه فيها كان بالفكرة والاقبال كان حسنا قلت وتأويل المجىء ~~والاتيان والنزول ونحو ذلك بمعنى القصد والارادة ونحو ذلك هو قول طائفة ~~وتأولوا ذلك في قوله تعالى @QB@ ثم استوى إلى السماء @QE@ وجعل بن الزاغونى ~~وغيره ذلك هو إحدى الروايتين عن أحمد والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتدعة ~~لم يقل أحد من الصحابة شيئا منها ولا أحد من التابعين لهم باحسان وهى خلاف ~~المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة # ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الأئمة ~~وتكون إما غلطا أو محرفة كما تقدم من أن قول الاوزاعى وغيره من أئمة السلف ~~في النزول ( يفعل الله ما يشاء ( فسره بعضهم أن النزول مفعول مخلوق منفصل ~~عن الله وأنهم أرادوا بقولهم ( يفعل الله ما يشاء ( هذا المعنى وليس الأمر ~~كذلك كما تقدمت الاشارة إليه # وآخرون كالقاضى أبى يعلى في ( إبطال التأويل ( قالوا لم يرد الاوزاعى أن ~~النزول من صفات الفعل وانما أراد بهذا الكلام بقوله ( يفعل الله ما يشاء ( ~~وشبهوا ذلك بقوله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون @QE@ PageV05P409 فزعموا أن ~~قوله سبحانه ليس تنزيها له عن اتخاذ الولد بناء على أصلهم الفاسد وهو أن ~~الرب لا ينزه عن ms1381 فعل من الأفعال بل يجوز عليه كل ما يقدر عليه # وكذلك جعلوا قول الاوزاعى وغيره ان النزول ليس بفعل يشاؤه الله لأنه ~~عندهم من صفات الذات لا من صفات الفعل بناء على أصلهم وان الافعال ~~الاختيارية لا تقوم بذات الله فلو كان صفة فعل لزم أن لا يقوم بذاته بل ~~يكون منفصلا عنه وهؤلاء يقولون النزول من صفات الذات ومع هذا فهو عندهم ~~أزلى كما يقولون مثل ذلك في الاستواء والمجىء والاتيان والرضى والغضب ~~والفرح والضحك وسائر ذلك أن هذا جميعه صفات ذاتية لله وانها قديمة ازلية لا ~~تتعلق بمشيئته واختياره بناء على اصلهم الذى وافقوا فيه بن كلاب وهو أن ~~الرب لا يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته واختياره بل من هؤلاء من يقول أنه لا ~~يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يقوم به فعل يحدث بمشيئته واختياره # بل من هؤلاء من يقول أن الفعل قديم أزلى وأنه مع ذلك يتعلق بمشيئته ~~وقدرته وأكثر العقلاء يقولون فساد هذا معلوم بضرورة العقل كما قالوا ~~PageV05P410 مثل ذلك في قول من قال من المتفلسفة أن الفلك قديم أزلى وأنه ~~ابدعه بقدرته ومشيئته # وجمهور العقلاء يقولون الشيء المعين من الأعيان والصفات اذا كان حاصلا ~~بمشيئة الرب وقدرته لم يكن ازليا # فلما كان من اصل بن كلاب ومن وافقه كالحارث المحاسبى وأبى العباس ~~القلانسى وأبى الحسن الاشعرى والقضاة أبى بكر بن الطيب وابى يعلى بن الفراء ~~وأبى جعفر السمانى وأبى الوليد الباجى وغيرهم من الاعيان كأبى المعالى ~~الجوينى وأمثاله وأبى الوفاء بن عقيل وابى الحسن بن الزاغونى وامثالهما ان ~~الرب لا يقوم به ما يكون بمشيئته وقدرته ويعبرون عن هذا بأنه لا تحله ~~الحوادث ووافقوا في ذلك الجهم بن صفوان واتباعه من الجهمية والمعتزلة صاروا ~~فيما ورد في الكتاب والسنة من صفات الرب على أحد قولين اما أن يجعلوها كلها ~~مخلوقات منفصلة عنه # فيقولون كلام الله مخلوق بائن عنه لا يقوم به كلام وكذلك رضاه وغضبه ~~وفرحه ومجيئه واتيانه ونزوله وغير ذلك هو مخلوق منفصل عنه لا ms1382 يتصف الرب ~~بشيء يقوم به عندهم # واذا قالوا هذه الأمور من صفات الفعل فمعناه أنها منفصلة عن الله بائنة ~~وهى مضافة إليه لا أنها صفات قائمة به PageV05P411 # ولهذا يقول كثير منهم أن هذه آيات الاضافات وأحاديث الاضافات وينكرون على ~~من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات واما أن يجعلوا جميع هذه المعانى قديمة ~~أزلية ويقولون نزوله ومجيئه واتيانه وفرحه وغضبه ورضاه ونحو ذلك قديم أزلى ~~كما يقولون أن القرآن قديم ازلى # ثم منهم من يجعله معنى واحدا ومنهم من يجعله حروفا أو حروفا واصواتا ~~قديمة أزلية مع كونه مرتبا في نفسه ويقولون فرق بين ترتيب وجوده وترتيب ~~ماهيته كما قد بسطنا الكلام على هذه الامور في غير هذا الموضع على هذه ~~الاقوال وقائليها وأدلتها السمعية والعقلية في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أنه ليس شيء من هذه الاقوال قول الصحابة والتابعين لهم ~~باحسان ولا قول أئمة المسلمين المشهورين بالامامة أئمة السنة والجماعة وأهل ~~الحديث كالاوزاعى ومالك بن انس وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الله بن ~~المبارك والشافعى وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وامثالهم بل أقوال السلف ~~من الصحابة والتابعين لهم باحسان ومن سلك سبيلهم من أئمة الدين وعلماء ~~المسلمين موجودة في الكتب التى ينقل فيها أقوالهم بألفاظها بالاسانيد ~~المعروفة عنهم # كما يوجد ذلك في كتب كثيرة مثل كتاب ( السنة ( والرد على الجهمية ~~PageV05P412 لمحمد بن عبد الله الجعفى شيخ البخارى ولأبى داود السجستانى ~~ولعبدالله بن أحمد بن حنبل ولأبى بكر الاثرم ولحنبل بن إسحاق ولحرب ~~الكرمانى ولعثمان بن سعيد الدارمى ولنعيم بن حماد الخزاعى ولأبى بكر الخلال ~~ولأبى بكر بن خزيمة ولعبدالرحمن بن أبى حاتم ولأبى القاسم الطبرانى ولأبى ~~الشيخ الاصبهانى ولأبى عبد الله بن منده ولابى عمرو الطلمنكى وأبى عمر بن ~~عبدالبر # وفى كتب التفسير المسندة قطعة كبيرة من ذلك مثل تفسير عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد ودحيم وسنيد وبن جرير الطبرى وأبى بكر بن المنذر وتفسير عبد الرحمن بن ~~أبى حاتم وغير ذلك من كتب التفسير التى ms1383 ينقل فيها ألفاظ الصحابة والتابعين ~~في معانى القرآن بالأسانيد المعروفة # فإن معرفة مراد الرسول ومراد الصحابة هو أصل العلم وينبوع الهدى والا ~~فكثير ممن يذكر مذهب السلف ويحكيه لا يكون له خبرة بشيء من هذا الباب كما ~~يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها أنه لا يفهم أحد معانيها لا ~~الرسول ولا غيره ويظنون أن هذا معنى قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله ~~@QE@ مع نصرهم للوقف على ذلك فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآنا ~~لا يفهم معناه بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها وان جبريل كذلك ~~وان الصحابة والتابعين كذلك PageV05P413 وهذا ضلال عظيم وهو أحد أنواع ~~الضلال في كلام الله والرسول ( ( ظن أهل التخييل وظن أهل التحريف والتبديل ~~وظن أهل التجهيل وهذا مما بسط الكلام عليه في مواضع والله يهدينا وسائر ~~اخواننا إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # والمقصود هنا الكلام على من يقول ينزل ولا يخلو منه العرش وان أهل الحديث ~~في هذا على ثلاثة أقوال منهم من ينكر أن يقال يخلو أو لا يخلو كما يقول ذلك ~~الحافظ عبدالغنى وغيره # ومنهم من يقول بل يخلو منه العرش وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنفا في ~~الانكار على من قال لا يخلو من العرش أو لا يخلو منه العرش كما تقدم بعض ~~كلامه # وكثير من اهل الحديث يتوقف عن أن يقول يخلو أو لا يخلو وجمهورهم على أنه ~~لا يخلو منه العرش وكثير منهم يتوقف عن أن يقال يخلو أو لا يخلو لشكهم في ~~ذلك وأنهم لم يتبين لهم جواب أحد الأمرين واما مع كون الواحد منهم قد ترجح ~~عنده أحد الامرين لكن يمسك في ذلك لكونه ليس في الحديث PageV05P414 ولما ~~يخاف من الانكار عليه واما الجزم بخلو العرش فلم يبلغنا الا عن طائفة قليلة ~~منهم # والقول الثالث وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه لا يزال ~~فوق العرش ولا يخلو العرش منه ms1384 مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ولا يكون ~~العرش فوقه وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة وليس نزوله كنزول ~~أجسام بنى آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم بل الله منزه عن ~~ذلك وسنتكلم عليه ان شاء الله وهذه المسألة تحتاج إلى بسط # وأما قول النافى إنما ينزل أمره ورحمته فهذا غلط لوجوه وقد تقدم التنبيه ~~على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو واما اذا كان من النفاة ~~للعلو والنزول جميعا فيجاب ايضا بوجوه # ( أحدها ( أن الأمر والرحمة اما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها ~~كالملائكة وإما ان يراد بها صفات واعراض فان أريد الأول فالملائكة تنزل إلى ~~الأرض في كل وقت وهذا خص النزول بجوف الليل وجعل منتهاه سماء الدنيا ~~والملائكة لا يختص نزولهم لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان وان أريد صفات ~~واعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين في وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة ~~العبادة ونحو ذلك فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا PageV05P415 # ( الثانى ( أن في الحديث الصحيح ( أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول ( ~~لا اسأل عن عبادى غيرى ( ومعلوم أن هذا كلام الله الذى لا يقوله غيره # ( الثالث ( أنه قال ( ينزل إلى السماء الدنيا فيقول من ذا الذى يدعونى ~~فأستجيب له من ذا الذى يسألنى فأعطيه من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له حتى ~~يطلع الفجر ( ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطى كل سائل سؤاله ~~الا الله وأمره ورحمته لا تفعل شيئا من ذلك # ( الرابع ( نزول أمره ورحمته لا تكون الا منه وحينئذ فهذا يقتضى أن يكون ~~هو فوق العالم فنفس تأويله يبطل مذهبه ولهذا قال بعض النفاة لبعض المثبتين ~~ينزل أمره ورحمته فقال له المثبت فممن ينزل ما عندك فوق شيء فلا ينزل منه ~~لا أمر ولا رحمة ولا غير ذلك فبهت النافى وكان كبيرا فيهم # ( الخامس ( أنه قد روى في عدة أحاديث ( ثم يعرج ( وفى لفظ ( ثم يصعد ( # ( السادس ( أنه اذا قدر أن ms1385 النازل بعض الملائكة وأنه ينادى عن الله كما ~~حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه ( ينزل ( من الفعل الرباعى المتعدى أنه يأمر ~~مناديا ينادى لكان الواجب أن يقول من يدعو الله فيستجيب له من يسأله فيعطيه ~~من يستغفره فيغفر له كما ثبت في ( الصحيحين ( وموطأ PageV05P416 مالك ( و ( ~~مسند أحمد بن حنبل ( وغير ذلك عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ( ( أنه ~~قال ( اذا أحب الله العبد نادى في السماء يا جبريل انى أحب فلانا فأحبه ~~فيحبه جبريل ثم ينادى جبريل ان الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم ~~يوضع له القبول في الأرض ( وقال في البغض مثل ذلك # فقد بين النبى ( ( الفرق بين نداء الله ونداء جبريل فقال في نداء الله ( ~~يا جبريل انى أحب فلانا فأحبه ( وقال في نداء جبريل ( ان الله يحب فلانا ~~فأحبوه ( وهذا موجب اللغة التى بها خوطبنا بل وموجب جميع اللغات فان ضمير ~~المتكلم لا يقوله الا المتكلم فاما من أخبر عن غيره فانما يأتى باسمه ~~الظاهر وضمائر الغيبة وهم يمثلون نداء الله بنداء السلطان ويقولون قد يقال ~~نادى السلطان اذا أمر غيره بالنداء وهذا كما قالت الجهمية المحضة في تكليم ~~الله لموسى انه أمر غيره فكلمه لم يكن هو المتكلم # فيقال لهم ان السلطان اذا أمر غيره أن ينادى أو يكلم غيره أو يخاطبه فان ~~المنادى ينادى معاشر الناس أمر السلطان بكذا أو رسم بكذا لا يقول انى أنا ~~أمرتكم بذلك ولو تكلم بذلك لأهانه الناس ولقالوا من أنت حتى تأمرنا ~~والمنادى كل ليلة يقول ( من يدعونى فأستجيب له من يسألنى فأعطيه من ~~يستغفرنى فأغفر له ( كما في ندائه PageV05P417 لموسى عليه السلام ( اننى ~~أنا الله لا اله الا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى ( وقال ( انى أنا الله ~~رب العالمين ( ومعلوم أن الله لو أمر ملكا أن ينادى كل ليلة أو ينادى موسى ~~لم يقل الملك ( من يدعونى فأستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر ~~له ( ولا يقول ( لا أسأل عن عبادى غيرى ( # وأما ms1386 قول المعترض إن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول في التقدم ~~والتأخر والطول والقصر # فيقال له الجواب عن هذا كالجواب عن قولك هل يخلو منه العرش أو لا يخلو ~~منه وذلك أنه اذا جاز أنه ينزل ولا يخلو منه العرش فتقدم النزول وتأخره ~~وطوله وقصره كذلك بناء على أن هذا نزول لا يقاس بنزول الخلق وجماع الأمر أن ~~الجواب عن مثل هذا السؤال يكون بأنواع # ( أحدها ( أن يبين أن المنازع النافى يلزمه من اللوازم ما هو أبعد عن ~~المعقول الذى يعترف به مما يلزم المثبت فان كان مما يحتج به من المعقول حجة ~~صحيحة لزم بطلان النفى فيلزم الاثبات اذ الحق لا يخلو عن النقيضين وان كان ~~باطلا لم يبطل به الاثبات فلا يعارض ما ثبت بالفطرة العقلية والشرعة ~~النبوية وهذا كما اذا قال لو كان فوق العرش لكان جسما وذلك ممتنع # فيقال له للناس هنا ثلاثة اقوال PageV05P418 منهم من يقول هو فوق العرش ~~وليس بجسم # ومنهم من يقول هو فوق العرش وهو جسم ومنهم من يقول هو فوق العرش ولا أقول ~~هو جسم ولا ليس بجسم ثم من هؤلاء من يسكت عن هذا النفي والاثبات لأن كليهما ~~بدعة في الشرع # ومنهم من يستفصل عن مسمي الجسم فان فسر بما يجب تنزيه الرب عنه نفاه وبين ~~أن علوه على العرش لا يستلزم ذلك وان فسر بما يتصف الرب به لم ينف ذلك ~~المعنى فالجسم في اللغة هو البدن والله منزه عن ذلك وأهل الكلام قد يريدون ~~بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة وكثير منهم ~~ينازع في كون الاجسام المخلوقة مركبة من هذا وهذا بل أكثر العقلاء من بنى ~~آدم عندهم أن السماوات ليست مركبة لا من الجواهر المفردة ولا من المادة ~~والصورة فكيف يكون رب العالمين مركبا من هذا وهذا فمن قال أن الله جسم ~~وأراد بالجسم هذا المركب فهو مخطىء في ذلك ومن قصد نفى هذا التركيب عن الله ~~فقد اصاب في نفيه عن الله ms1387 لكن ينبغى أن يذكر عبارة تبين مقصوده # ولفظ التركيب قد يراد به أنه ركبه مركب أو أنه كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمع ~~أو أنه يقبل التفريق والله منزه عن ذلك كله PageV05P419 # وقد يراد بلفظ الجسم والمتحيز ما يشار إليه بمعنى ان الأيدى ترفع إليه في ~~الدعاء وأنه يقال هو هنا وهناك ويراد به القائم بنفسه ويراد به الموجود ولا ~~ريب أن الله موجود قائم بنفسه وهو عند السلف وأهل السنة ترفع الايدى إليه ~~في الدعاء وهو فوق العرش فاذا سمى المسمي ما يتصف بهذه المعاني جسما كان ~~كتسمية الآخر ما يتصف بأنه حى عالم قادر جسما وتسمية الآخر ما له حياة وعلم ~~وقدرة جسما # ومعلوم أن هؤلاء كلهم ينازعون في ثلاث مقامات # ( أحدها ( أن تسمية ما يتصف بهذه الصفات بالجسم بدعة في الشرع واللغة فلا ~~أهل اللغة يسمون هذا جسما بل الجسم عندهم هو البدن كما نقله غير واحد من ~~ائمة اللغة وهو مشهور في كتب اللغة قال الجوهرى في ( صحاحه ( المشهور قال ~~أبوزيد الجسم الجسد وكذلك الجسمان والجثمان وقال الاصمعى الجسم والجثمان ~~الجسد والجثمان الشخص قال والأجسم الاضخم بالبدن وقال بن السكيت تجسمت ~~الأمر أى ركبت أجسمه وجسيمه أى معظمه قال وكذلك تجسمت الرجل والجبل أى ركبت ~~أجسمه # وقد ذكر الله لفظ الجسم في موضعين من القرآن في قوله تعالى @QB@ وزاده ~~بسطة في العلم والجسم @QE@ وفى قوله تعالى @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ~~@QE@ والجسم قد يفسر بالصفة القائمة بالمحل وهو القدر والغلظ كما يقال هذا ~~الثوب PageV05P420 له جسم وهذا ليس له جسم أى له غلظ وضخامة بخلاف هذا وقد ~~يراد بالجسم نفس الغلظ والضخم # وقد ادعى طوائف من أهل الكلام النفاة أن الجسم في اللغة هو المؤلف المركب ~~وان استعمالهم لفظ الجسم في كل ما يشار إليه موافق للغة قالوا لأن كل ما ~~يشار إليه فإنه يتميز منه شيء عن شيء وكل ما كان كذلك فهو مركب من الجواهر ~~المنفردة التى كل واحد منها جزء لا يتجزأ ولا يتميز منه جانب ms1388 عن جانب أو من ~~المادة والصورة اللذين هما جوهران عقليان كما يقول ذلك بعض الفلاسفة # قالوا واذا كان هذا مركبا مؤلفا فالجسم في لغة العرب هو المؤلف المركب ~~بدليل أنهم يقولون رجل جسيم وزيد أجسم من عمرو اذا كثر ذهابه في الجهات ~~وليس يقصدون بالمبالغة في قولهم أجسم وجسيم الا كثرة الاجزاء المنضمة ~~والتأليف لأنهم لا يقولون أجسم فيمن كثرت علومه وقدره وسائر تصرفاته وصفاته ~~غير الاجتماع حتى اذا كثر الاجتماع فيه بتزايد أجزائه قيل أجسم ورجل جسيم ~~فدل ذلك على أن قولهم جسم مفيد للتأليف # فهذا أصل قول هؤلاء النفاة وهو مبنى على أصلين سمعى لغوى ونظرى عقلى فطرى ~~أما السمعى اللغوى فقولهم أن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على المركب ~~PageV05P421 واستدلوا عليه بقوله هو أجسم اذا كان أغلظ وأكثر ذهابا في ~~الجهات وان هذا يقتضى أنهم اعتبروا كثرة الاجزاء # فيقال أما ( المقدمة الأولى ( وهو أن أهل اللغة يسمون كل ما كان له مقدار ~~بحيث يكون أكبر من غيره أو أصغر جسما فهذا لا يوجد في لغة العرب البتة ولا ~~يمكن أحد أن ينقل عنهم أنهم يسمون الهواء الذى بين السماء والأرض جسما ولا ~~يسمون روح الانسان جسما بل من المشهور أنهم يفرقون بين الجسم والروح ولهذا ~~قال تعالى @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم @QE@ يعنى أبدانهم دون أرواحهم ~~الباطنة # وقد ذكر نقلة اللغة أن الجسم عندهم هو الجسد ومن المعروف في اللغة أن هذا ~~اللفظ يتضمن الغلظ والكثافة فلا يسمون الاشياء القائمة بنفسها اذا كانت ~~لطيفة كالهواء وروح الانسان وان كان لذلك مقدار يكون به بعضه أكبر من بعض ~~لكن لا يسمى في اللغة ذلك جسما ولا يقولون في زيادة أحدهما على الآخر هذا ~~أجسم من هذا ولا يقولون هذا المكان الواسع أجسم من هذا المكان الضيق وان ~~كان أكبر منه وان كانت أجزاؤه زائدة على أجزائه عند من يقول بأنه مركب من ~~الاجزاء # فليس كل ما هو مركب عندهم من الاجزاء يسمى جسما ولا يوجد في الكلام قبض ~~جسمه ms1389 ولا صعد بجسمه إلى السماء ولا أن الله يقبض PageV05P422 أجسامنا حيث ~~يشاء ويردها حيث شاء انما يسمون ذلك روحا ويفرقون بين مسمى الروح ومسمى ~~الجسم كما يفرقون بين البدن والروح وكما يفرقون بين الجسد والروح فلا ~~يطلقون لفظ الجسم على الهواء فلفظ الجسم عندهم يشبه لفظ الجسد قال الجوهرى ~~الجسد البدن تقول فيه تجسد كما تقول في الجسم تجسم كما تقدم نقله عن أئمة ~~اللغة أن الجسم هو الجسد # فعلم أن هذين اللفظين مترادفان أو قريب من الترادف ولهذا يقولون لهذا ~~الثوب جسد كما يقولون له جسم اذا كان غليظا ثخينا صفيقا وتقول العلماء ~~النجاسة قد تكون مستجسدة كالدم والميتة وقد لا تكون مستجسدة كالرطوبة ~~ويسمون الدم جسدا كما قال النابغة # فلا لعمر الذى قد زرته حججا %~% وما أريق على الانصاب من جسد # كما يقولون له جسم فبطل ما ذكروه عن اللغة أن كل ما يتميز منه شيء عن شيء ~~يسمونه جسما # ( المقدمة الثانية ( أنه لو سلم ذلك فقولهم أن هذا ( جسم ( يطلقونه عند ~~تزايد الاجزاء هو مبنى على أن الاجسام مركبة من الجواهر المنفردة وهذا لو ~~قدر أنه صحيح فأهل اللغة لم يعتبروه ولا قال أحد منهم ذلك فعلم أنهم انما ~~لحظوا غلظه وكثافته واما كونهم اعتبروا كثرة الاجزاء وقلتها فهذا لا يتصوره ~~PageV05P423 أكثر عقلاء بنى آدم فضلا عن أن ينقل عن أهل اللغة قاطبة أنهم ~~ارادوا ذلك بقولهم جسيم وأجسم والمعنى المشهور في اللغة لا يكون مسماه ما ~~لا يفهمه الا بعض الناس واثبات الجواهر المنفردة أمر خص به بعض الناس فلا ~~يكون مسمى الجسم في اللغة ما لا يعرفه الا بعض الناس وهو المركب من ذلك # وأما ( الأصل الثانى العقلى ( فقولهم ان كل ما يشار إليه بأنه هنا أو ~~هناك فانه مركب من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة وهذا بحث عقلى ~~واكثر عقلاء بنى آدم من أهل الكلام وغير اهل الكلام ينكرون أن يكون ذلك ~~مركبا من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة وانكار ذلك قول ms1390 بن كلاب ~~واتباعه من الكلابية وهو إمام الاشعرى في مسائل الصفات وهو قول الهشامية ~~والنجارية والضرارية وبعض الكرامية # وهؤلاء الذين اثبتوا ( الجوهر الفرد ( زعموا أنا لا نعلم لا بالحس ولا ~~بالضرورة أن الله ابدع شيئا قائما بنفسه وان جميع ما نشهده مخلوق من السحاب ~~والمطر والحيوان والنبات والمعدن وبنى آدم وغير بنى آدم فان ما فيه أنه ~~أحدث أكوانا في الجواهر المنفردة كالجمع والتفريق والحركة والسكون وانكر ~~هؤلاء أن يكون الله لما خلقنا أحدث أبداننا قائمة بأنفسها أو شجرا وثمرا أو ~~شيئا آخر قائما بنفسه وانما أحدث عندهم اعراضا وأما الجواهر المنفردة فلم ~~تزل موجودة ثم من يقول أنها محدثة منهم من يقول أنهم علموا حدوثها بأنها لم ~~تخل من الحوادث وما لم يخل من الحوادث فهو حادث PageV05P424 # قالوا فبهذا ( الدليل العقلى ( وأمثاله علمنا أنه ما أبدع شيئا قائما ~~بنفسه لأنا نشهده من حلول الحوادث المشهودة كالسحاب والمطر وهؤلاء في ( ~~معاد الأبدان ( يتكلمون فيه على هذا الأصل فمنهم من يقول يفرق الاجزاء ثم ~~يجمعها ومنهم من يقول يعدمها ثم يعيدها واضطربوا ها هنا فيما اذا أكل حيوان ~~حيوانا فكيف يعاد وادعى بعضهم أن الله يعدم جميع اجزاء العالم ومنهم من ~~يقول هذا ممكن لا نعلم ثبوته ولا انتفاءه # ثم ( المعاد ( عندهم يفتقر إلى أن يبتدىء هذه الجواهر والجهم بن صفوان ~~منهم يقول بعدمها بعد ذلك ويقول بفناء الجنة والنار لامتناع دوام الحوادث ~~عنده في المستقبل كامتناع دوامها في الماضى وأبو الهذيل العلاف يقول بعدم ~~الحركات وهؤلاء ينكرون استحالة الاجسام بعضها إلى بعض أو انقلاب جنس إلى ~~جنس بل الجواهر عندهم متماثلة والاجسام مركبة منها وما ثم الا تغيير ~~التركيب فقط لا انقلاب ولا استحالة # ولا ريب أن جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم على انكار هذا والاطباء ~~والفقهاء ممن يقول باستحالة الاجسام بعضها إلى بعض كما هو موجود في كتبهم ~~والاجسام عندهم ليست متماثلة بل الماء يخالف الهواء والهواء يخالف التراب ~~وابدان الناس تخالف النبات ولهذا صارت النفاة اذا اثبت أحد ms1391 شيئا من الصفات ~~كان ذلك مستلزما لأن يكون الموصوف عندهم جسما وعندهم الاجسام متماثلة ~~فصاروا يسمونه مشبها بهذه المقدمات التى تلزمهم مثل PageV05P425 ما الزموه ~~لغيرهم وهى متناقضة لا يتصور أن ينتظم منها قول صحيح وكلها مقدمات ممنوعة ~~عند جماهير العقلاء وفيها من تغيير اللغة والمعقول ما دخل بسبب هذه ~~الاغاليط والشبهات حتى يبقى الرجل حائرا لا يهون عليه ابطال عقله ودينه ~~والخروج عن الايمان والقرآن فان ذلك كله متطابق على اثبات الصفات # ولا يهون عليه التزام ما يلزمونه من كون الرب مركبا من الأجزاء ومماثلا ~~للمخلوقات فانه يعلم ايضا بطلان هذا وان الرب عزوجل يجب تنزيهه عن هذا فانه ~~سبحانه أحد صمد و ( الاحد ( ينفى التمثيل و ( الصمد ( ينفى ان يكون قابلا ~~للتفريق والتقسيم والبعضية سبحانه وتعالى فضلا عن كونه مؤلفا مركبا ركب ~~والف من الأجزاء فيفهمون من يخاطبون ان ما وصف به الرب نفسه لا يعقل إلا في ~~بدن مثل بدن الانسان بل وقد يصرحون بذلك ويقولون الكلام لا يكون إلا من ~~صورة مركبة مثل فم الانسان ونحو ذلك مما يدعونه # وإذا قال ( النفاة ( لهم متى قلتم إنه يرى لزم ان يكون مركبا مؤلفا لأن ~~المرئي لا يكون إلا بجهة من الرائي وما يكون بجهة من الرائى لا يكون إلا ~~جسما والجسم مؤلف مركب من الأجزاء أو قالوا ان الرب اذا تكلم بالقرآن أو ~~غيره من الكلام لزم ذلك واذا كان فوق العرش لزم ذلك وصار المسلم العارف بما ~~قاله الرسول يعلم ان الله يرى في الآخرة لما تواتر عنده من الأخبار عن ~~الرسول بذلك PageV05P426 وكذلك يعلم ان الله تكلم بالقرآن وغيره من الكلام ~~ويعلم ان الله فوق العرش بما تواتر عنده عن الرسول بما يدل على ذلك مع ما ~~يوافق ذلك من القضايا الفطرية التى خلق الله عليها عباده # وإذا قالوا له هذا يستلزم ان يكون الله مركبا من الأجزاء المنفردة ~~والمركب لابد له من مركب فيلزم ان يكون الله محدثا اذ المركب يفتقر إلى ~~أجزائه واجزاؤه تكون ms1392 غيره وما افتقرالى غيره لم يكن غنيا واجب الوجود بنفسه ~~حيروه وشككوه إن لم يجعلوه مكذبا لما جاء به الرسول مرتدا عن بعض ما كان ~~عليه من الايمان مع ان تشككه وحيرته تقدح في إيمانه ودينه وعلمه وعقله # فيقال لهم اما كون الرب سبحانه وتعالى مركبا ركبه غيره فهذا من اظهر ~~الأمور فسادا وهذا معلوم فساده بضرورة العقل ومن قال هذا فهو من أكفر الناس ~~واجهلهم واشدهم محاربة لله وليس في الطوائف المشهورين من يقول بهذا # وكذلك إذا قيل هو مؤلف أو مركب بمعنى انه كانت اجزاؤه متفرقة فجمع بينها ~~كما يجمع بين اجزاء المركبات من الأطعمة والادوية والثياب والأبنية فهذا ~~التركيب من اعتقده في الله فهو من اكفر الناس واضلهم ولم يعتقده أحد من ~~الطوائف المشهورة في الأمة بل اكثر العقلاء عندهم ان مخلوقات PageV05P427 # الرب ليست مركبة هذا التركيب وإنما يقول بهذا من يثبت الجواهر المنفردة ~~وكذلك من زعم ان الرب مركب مؤلف بمعنى انه يقبل التفريق والانقسام والتجزئة ~~فهذا من اكفر الناس واجهلهم وقوله شر من قول الذين يقولون إن لله ولدا ~~بمعنى انه انفصل منه جزء فصار ولدا له وقد بسطنا الكلام على هذا في تفسير ( ~~قل هو الله أحد ( وفى غير ذلك # وكذلك إذا قيل هو جسم بمعنى انه مركب من الجواهر المنفردة أو المادة ~~والصورة فهذا باطل بل هو أيضا باطل في المخلوقات فكيف في الخالق سبحانه ~~وتعالى وهذا مما يمكن ان يكون قد قاله بعض المجسمة الهشامية والكرامية ~~وغيرهم ممن يحكى عنهم التجسيم إذ من هؤلاء من يقول ان كل جسم فانه مركب من ~~الجواهر المنفردة ويقولون مع ذلك ان الرب جسم واظن هذا قول بعض الكرامية ~~فانهم يختلفون في إثبات الجوهر الفرد وهم متفقون على انه سبحانه جسم # لكن يحكى عنهم نزاع في المراد بالجسم هل المراد به انه موجود قائم بنفسه ~~أو المراد به انه مركب فالمشهور عن ابى الهيصم وغيره من نظارهم انه يفسر ~~مراده بأنه موجود قائم بنفسه مشار إليه ms1393 لا بمعنى انه مؤلف مركب وهؤلاء ممن ~~اعترف نفاة الجسم بأنهم لا يكفرون فانهم لم يثبتوا معنى فاسدا في حق الله ~~تعالى # لكن قالوا إنهم اخطؤوا في تسمية كل ما هو قائم بنفسه أو ما هو ~~PageV05P428 موجود جسما من جهة اللغة قالوا فان اهل اللغة لا يطلقون لفظ ~~الجسم الا على المركب # والتحقيق ان كلا الطائفتين مخطئة على اللغة اولئك الذين يسمون كل ما هو ~~قائم بنفسه جسما وهؤلاء الذين سموا كل ما يشار إليه وترفع الأيدى إليه جسما ~~وادعوا ان كل ما كان كذلك فهو مركب وان اهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على كل ~~ما كان مركبا فالخطأ في اللغة والابتداع في الشرع مشترك بين الطائفتين # واما المعاني فمن اثبت من الطائفتين ما نفاه الله ورسوله أو نفى ما اثبت ~~الله ورسوله فهو مخطئ عقلا كما هو مخطئ شرعا بل اولئك يقولون لهم نحن وأنتم ~~اتفقنا على ان القائم بنفسه يسمى جسما في غير محل النزاع ثم ادعيتم ان ~~الخالق القائم بنفسه يختص بما يمنع هذه التسمية التى اتفقنا نحن وأنتم ~~عليها فبينا انه لا يختص لأن ذلك مبنى على ان الأجسام مركبة ونحن نمنع ذلك ~~ونقول ليست مركبة من الجواهر المنفردة # ولهذا كره السلف والأئمة كالامام أحمد وغيره ان ترد البدعة بالبدعة فكان ~~أحمد في مناظرته للجهمية لما ناظروه على ان القرآن مخلوق وألزمه ( أبو عيسى ~~محمد بن عيسى برغوث ( انه اذا كان غير مخلوق لزم ان يكون الله جسما وهذا ~~منتف فلم يوافقه أحمد لا على نفي ذلك ولا على اثباته بل قال @QB@ قل هو ~~الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ PageV05P429 # ونبه أحمد على ان هذا اللفظ لا يدرى ما يريدون به وإذا لم يعرف مراد ~~المتكلم به لم يوافقه لا على إثباته ولا على نفيه فان ذكر معنى اثبته الله ~~ورسوله اثبتناه وإن ذكر معنى نفاه الله ورسوله نفيناه باللسان العربى ~~المبين ولم نحتج إلى الفاظ مبتدعة في الشرع ms1394 محرفة في اللغة ومعانيها ~~متناقضة في العقل فيفسد الشرع واللغة والعقل كما فعل اهل البدع من اهل ~~الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة # وكذلك ايضا لفظ ( الجبر ( كره السلف ان يقال جبر وان يقال ما جبر فروى ~~الخلال في كتاب ( السنة ( عن ابى إسحاق الفزاري الامام قال قال الأوزاعى ~~أتانى رجلان فسألانى عن القدر فأحببت ان آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما ~~قلت رحمك الله انت اولى بالجواب قال فأتانى الأوزاعى ومعه الرجلان فقال ~~تكلما فقالا قدم علينا ناس من اهل القدر فنازعونا في القدر ونازعناهم حتى ~~بلغ بنا وبهم الجواب إلى ان قلنا ان الله قد جبرنا على ما نهانا عنه وحال ~~بيننا وبين ما أمرنا به ورزقنا ما حرم علينا فقال أجبهما يا أبا إسحاق قلت ~~رحمك الله انت أولى بالجواب فقال اجبهما فكرهت ان اخالفه فقلت يا هؤلاء ان ~~الذين اتوكم بما اتوكم به قد ابتدعوا بدعة واحدثوا حدثا وانى اراكم قد ~~خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه فقال اجبت واحسنت يا أبا إسحاق # وروى ايضا عن بقية بن الوليد قال سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر فقال ~~الزبيدى امر الله اعظم وقدرته اعظم من ان يجبر أو يعضل ولكن PageV05P430 ~~يقضى ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب وقال الاوزاعي ما اعرف للجبر اصلا ~~من القرآن والسنة فأهاب ان اقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا ~~يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله وإنما وضعت هذا مخافة ان يرتاب رجل من ~~اهل الجماعة والتصديق # وروي عن أبى بكر المروذى قال قلت لأبى عبد الله تقول إن الله أجبر العباد ~~فقال هكذا لا تقول وأنكر هذا وقال يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء # وقال المروذى كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف العكبرى وقال إنه ~~تنزه عن ميراث أبيه فقال رجل قدرى ان الله لم يجبر العباد على المعاصى فرد ~~عليه أحمد بن رجاء فقال إن الله جبر العباد أراد بذلك إثبات القدر فوضع ~~أحمد ms1395 بن على كتابا يحتج فيه فأدخلته على ابى عبد الله واخبرته بالقصة قال ~~ويضع كتابا وانكر عليهما جميعا على بن رجاء حين قال جبر العباد وعلى القدرى ~~الذي قال لم يجبر وانكر على أحمد بن على وضعه الكتاب واحتجاجه وامر بهجرانه ~~لوضعه الكتاب وقال لى يجب على بن رجاء ان يستغفر ربه لما قال جبر العباد ~~فقلت لأبى عبد الله فما الجواب في هذه المسألة فقال يضل الله من يشاء ويهدى ~~من يشاء # قال الخلال واخبرنا المروذي في هذه المسألة انه سمع أبا عبد الله لما ~~انكر على الذى قال لم يجبر وعلى من رد عليه جبر فقال أبو عبد الله كلما ~~ابتدع PageV05P431 رجل بدعة اتسعوا في جوابها وقال يستغفر ربه الذي رد ~~عليهم بمحدثة وانكر على من رد شيئا من جنس الكلام إذا لم يكن له فيه إمام ~~تقدم # قال المروذي فما كان بأسرع من ان قدم أحمد بن على من عكبرا ومعه نسخة ~~وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد بن علي على ابى عبد الله فقال يا أبا عبد ~~الله هذا الكتاب ادفعه إلى ابى بكر حتى يقطعه وانا اقوم على منبر عكبرا ~~واستغفر الله فقال أبو عبد الله لى ينبغي ان تقبلوا منه وارجعوا إليه # قال المروزي سمعت بعض المشيخة يقول سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول انكر ~~سفيان الثورى جبر وقال الله تعالى جبل العباد قال المروذي اظنه اراد قول ~~النبى لاشج عبد القيس # قلت هذه الامور مبسوطة في غير هذا الموضع وانما المقصود التنبيه على ان ~~السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه عن الله من ~~صفاته وافعاله فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والاثبات بل كل معنى ~~صحيح فانه داخل فيما اخبر به الرسول والألفاظ المبتدعة ليس لها ضابط بل كل ~~قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي اراده اولئك كلفظ الجسم والجهة والحيز ~~والجبر ونحو ذلك بخلاف الفاظ الرسول فان مراده بها يعلم كما يعلم مراده ~~بسائر ألفاظه ولو يعلم ms1396 الرجل مراده لوجب عليه الايمان بما قاله مجملا ولو ~~قدر معنى صحيح والرسول لم يخبر PageV05P432 به لم يحل لأحد ان يدخله في دين ~~المسلمين بخلاف ما اخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فان التصديق به واجب # والأقوال المبتدعة تضمنت تكذيب كثير مما جاء به الرسول وذلك يعرفه من عرف ~~مراد الرسول ومراد اصحاب تلك الأقوال المبتدعة ولما انتشر الكلام المحدث ~~ودخل فيه ما يناقض الكتاب والسنة وصاروا يعارضون به الكتاب والسنة صار بيان ~~مرادهم بتلك الألفاظ وما احتجوا به لذلك من لغة وعقل يبين للمؤمن ما يمنعه ~~ان يقع في البدعة والضلال أو يخلص منها إن كان قد وقع ويدفع عن نفسه في ~~الباطن والظاهر ما يعارض إيمانه بالرسول من ذلك وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا ان ما جاء به الرسول لا يدفع بالألفاظ المجملة كلفظ التجسيم ~~وغيره مما قد يتضمن معنى باطلا والنافى له ينفى الحق والباطل فاذا ذكرت ~~المعانى الباطلة نفرت القلوب وإذا الزموه ما يلزمونه من التجسيم الذى ~~يدعونه نفر إذا قالوا له هذا يستلزم التجسيم لأن هذا لا يعقل إلا في جسم لم ~~يحسن نقض ماقالوه ولم يحسن حله وكلهم متناقضون # وحقيقة كلامهم ان ما وصف به الرب نفسه لا يعقل منه إلا ما يعقل في ~~PageV05P433 قليل من المخلوقات التى نشهدها كأبدان بنى آدم وهذا في غاية ~~الجهل فإن من المخلوقات مخلوقات لم نشهدها كالملائكة والجن حتى أرواحنا ولا ~~يلزم أن يكون ما أخبر به الرسول مماثلا لها فكيف يكون مماثلا لما شاهدوه # وهذا الكلام في لفظ الجسم من حيث ( اللغة ( # وأما ( الشرع ( فمعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا ~~التابعين ولا سلف الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم بل النفي والإثبات ~~بدعة في الشرع # وأما من جهة العقل فبينهم نزاع فيما إتفقوا على تسميته جسما كالسماء ~~والأرض والريح والماء ونحو ذلك مما يشار إليه ويختص بجهة وهو متحيز قد ~~تنازعوا هل هو مركب من جواهر لا ms1397 تقبل القسمة أومن مادة وصورة أو لا من هذا ~~ولا من هذا وأكثر العقلاء على القول الثالث وكل من القولين الأولين قاله ~~طائفة من النظار والأول كثير في أهل الكلام والثانى كثير في الفلاسفة لكن ~~قول الطائفتين باطل معلوم بالعقل بطلانه عند أهل القول الثالث # وإذا كان كذلك فإذا قال القائل أنا أقول إنه فوق العرش وأنه ترفع الأيدى ~~إليه ونحو ذلك وليس كل ما كان كذلك كان مركبا من أجزاء مفردة PageV05P434 ~~ولا من المادة والصورة العقليين كان الكلام مع هذا في التلازم فإذا قال ~~الثانى بل كل ما كان فوق غيره وكل ما كان يشار إليه بالأيدى فلا يكون إلا ~~مركبا إما من هذا وإما من هذا كان هذا بمنزلة قول الآخر كل ما كان حيا ~~قادرا عالما فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب أو كل ما كان له حياة وعلم ~~وقدرة فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب أو كل ما كان سميعا بصيرا متكلما فلا ~~يكون إلا مركبا هذا التركيب بناء على أن كل موجود قائم بنفسه هو جسم وكل ~~جسم فهو مركب هذا التركيب # ومعلوم أن هذا باطل عند جماهير العلماء والعقلاء باتفاقهم فانى لا أعلم ~~طائفة من العقلاء المعتبرين أنهم قالوا هو جسم وهو مركب هذا التركيب بل ~~الذى اعرف أنهم قالوا هو جسم كالهشامية والكرامية لا يفسرون كلهم الجسم بما ~~هو مركب هذا التركيب بل انما نقل هذا عن بعضهم وقد ينقل عن بعضهم مقالات ~~ينكرها بعضهم كما نقل عن مقاتل بن سليمان وهشام بن الحكم مقالات ردية ومن ~~الناس من رد هذا النقل عن مقاتل بن سليمان فرده كثير من الناس وأما النقل ~~عن هشام فرده كثير من أتباعه # ومن قدر أنه قال ذلك من الناس فقوله باطل كسائر من قال على الله الباطل ~~كما حكى عن بعض اليهود والرافضة والمجسمة وأنهم يصفونه بالنقائص التى تعالى ~~الله عنها كوصفه أنه أجوف وأنه بكى حتى رمد وعادته الملائكة وعض اصابعه حتى ~~خرج منها الدم وأنه ms1398 ينزل عشية عرفة على جمل أورق PageV05P435 وأمثال هذه ~~الأقوال التى فيها الافتراء على الله تعالى ووصفه بالنقائص ما يعلم بطلانه ~~بصريح المعقول وصحيح المنقول # وهكذا اذا قال القائل أنه لو نزل إلى سماء الدنيا للزم الحركة والانتقال ~~والحركة والانتقال من خصائص الأجسام أو قال للزم أن يخلو منه العرش وذلك ~~محال فان للناس في هذا ثلاثة أقوال # ( أحدها ( قول من يقول ينزل وليس # بجسم وقول من يقول ينزل وهو جسم # وقول من لا ينفى الجسم ولا يثبته اما امساكا عنهما لكون ذلك بدعة وتلبيسا ~~كما تقدم وأما مع تفصيل المراد واقرار الحق وبطلان الباطل وبيان الصواب من ~~المعانى العقلية التى اشتبهت في هذا مثل أن يقال النزول والصعود والمجىء ~~والاتيان ونحو ذلك مما هو أنواع جنس الحركة لا نسلم أنه مخصوص بالجسم ~~الصناعى الذى يتكلم المتكلمون في اثباته ونفيه بل يوصف به ما هو أعم من ذلك # ثم هنا طريقان # ( أحدهما ( أن هذه الأمور توصف بها الأجسام والاعراض فيقال جاء البرد ~~وجاء الحر وجاءت الحمى ونحو ذلك من الاعراض واذا كانت الاعراض توصف بالمجىء ~~والاتيان علم أن ذلك ليس من خصائص الاجسام فلا يجوز أن يوصف بهذه ~~PageV05P436 الأفعال حقيقة مع أنه ليس بجسم وهذه طريقة الأشعرى ومن تبعه من ~~نظار أهل الحديث واتباع الأئمة الاربعة وغيرهم كالقاضى أبى يعلى وغيره وهذا ~~معنى ما حكاه في ( المقالات ( عن أهل السنة والحديث # ولهذا كان قول بن كلاب والاشعرى والقلانسى ومن وافقهم من اتباع الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من اصحاب أحمد وغيرهم أن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش ~~وكذلك يقولون في النزول ومعنى ذلك أنه يحدث في العرش قربا فيصير مستويا ~~عليه من غير أن يقوم به نفسه فعل اختيارى سواء قالوا ان الفعل هو المفعول ~~أو لم يقولوا بذلك وكذلك النزول عندهم فهم يجعلون الافعال اللازمة بمنزلة ~~الافعال المتعدية وذلك لأنهم اعتقدوا أنه لا يقوم به فعل اختيارى لأن ذلك ~~حادث فقيامه به يستلزم أن تقوم به الحوادث فنفوا ذلك لهذا الأصل ms1399 الذى ~~اعتقدوه # ( الطريق الثانى ( أن يقال المجىء والاتيان والصعود والنزول توصف به روح ~~الانسان التى تفارقه بالموت وتسمى النفس وتوصف به الملائكة وليس نزول الروح ~~وصعودها من جنس نزول البدن وصعوده فان روح المؤمن تصعد إلى فوق السماوات ثم ~~تهبط إلى الأرض فيما بين قبضها ووضع الميت في قبره وهذا زمن يسير لا يصعد ~~البدن إلى ما فوق السماوات ثم ينزل إلى الأرض في مثل هذا الزمان ~~PageV05P437 وكذلك صعودها ثم عودها إلى البدن في النوم واليقظة # ولهذا يشبه بعض الناس نزولها إلى القبر بالشعاع لكن ليس هذا مثالا مطابقا ~~فان نفس الشمس لا تنزل والشعاع الذى يظهر على الأرض هو عرض من الاعراض يحدث ~~بسبب الشمس ليس هو الشمس ولا صفة قائمة بها والروح نفسها تصعد وتنزل ففى ~~الحديث المشهور حديث البراء بن عازب رضى الله عنه في قبض الروح وفتنة القبر ~~وقد رواه الامام أحمد وغيره ورواه أبو داود أيضا واختصره وكذلك النسائى وبن ~~ماجه ورواه أبو عوانة في ( صحيحه ( بطوله وفى روايته عن زاذان سمعت البراء ~~وذلك يبطل قول من قال انه لم يسمعه منه # ورواه الحاكم في ( صحيحه ( من حديث أبى معاوية قال حدثنا الاعمش ثنا ~~المنهال بن عمرو عن أبى عمرو زاذان عن البراء بن عازب رضى الله عنهما قال ~~خرجنا مع رسول الله ( ( في جنازة فانتهينا إلى القبر ولما يلحد وذكر الحديث ~~بطوله ورواه الحاكم أيضا من حديث محمد بن الفضل قال حدثنا الأعمش فذكره ~~وقال في آخره حدثنا فضيل حدثنى أبى عن أبى حازم عن أبى هريرة بهذا الحديث ~~الا أنه قال ( ارقد رقدة كرقدة من لا يوقظه الا أحب الناس إليه ( # قال وقد رواه شعبة وزائدة وغيرهما عن الأعمش ورواه مؤمل عن PageV05P438 ~~الثورى عنه قال وهو على شرطهما قد احتجا بالمنهال بن عمرو قال وقد روى بن ~~جرير عن شعبة عن أبى إسحاق عن البراء قال ( ذكر النبى المؤمن والكافر ( ثم ~~ذكر طرفا من حديث القبر وقد رواه الامام أحمد في ( مسنده ( عن ms1400 عبد الرزاق ~~حدثنا معمر عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو الحديث بطوله قال وكذلك أبو ~~خالد الدالانى وعمرو بن قيس الملائى والحسن بن عبيد الله النخعى عن المنهال ~~ورواه شعيب بن صفوان عن يونس بن خباب فقال عن المنهال عن زاذان عن أبى ~~البختري قال سمعت البراء قال وهذا وهم من شعيب فقد رواه معمر ومهدى بن ~~ميمون وعباد بن عباد عن يونس التامر # وقال الحافظ أبو نعيم الاصبهانى وأما حديث البراء رواه المنهال بن عمرو ~~عن زاذان عن البراء فحديث مشهور رواه عن المنهال الجم الغفير ورواه عن ~~البراء عدى بن ثابت ومحمد بن عقبة وغيرهما ورواه عن زاذان عطاء بن السائب ~~قال وهو حديث أجمع رواة الاثر على شهرته واستفاضته وقال الحافظ أبو عبد ~~الله بن منده هذا الحديث اسناده متصل مشهور رواه جماعة عن البراء # وقال الامام أحمد في ( المسند ( حدثنا أبو معاوية ثنا الاعمش عن المنهال ~~بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب رضى الله عنهما قال ( خرجنا ~~PageV05P439 مع رسول الله ( ( في جنازة رجل من الانصار فانتهينا إلى القبر ~~ولما يلحد فجلس رسول الله ( ( وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وفى يده ~~عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ~~ثلاثا ثم قال ان العبد المؤمن اذا كان في انقطاع من الدنيا واقبال من ~~الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من ~~أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسون منه مد بصره ثم يجيء ملك الموت ~~حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجى إلى مغفرة من الله ~~ورضوان قال فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فاذا أخذها ~~لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفى ذلك ~~الحنوط ويخرج منها ريح كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا ~~يمرون يعنى بها على ملأ من الملائكة بين السماء والأرض ms1401 الا قالوا ما هذه ~~الروح الطيبة فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التى كانوا يسمونه بها في ~~الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من ~~كل سماء مقربوها إلى السماء التى تليها حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة ~~فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدى في عليين وأعيدوه إلى الأرض فانى منها ~~خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه فيأتيه ملكان ~~فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول له الله ربى فيقولان له وما دينك فيقول ~~PageV05P440 دينى الاسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذى بعث فيكم فيقول هو ~~رسول الله ( ( فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت ~~فينادى مناد من السماء ان صدق عبدى فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة ~~وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد ~~بصره قال فيأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول ابشر بالذى يسرك ~~هذا يومك الذى كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه الذى يجيء بالخير ~~فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة حتى ارجع إلى اهلى ومالى وقال ~~وان العبد الكافر اذا كان في انقطاع من الدنيا واقبال من الآخرة نزل عليه ~~من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك ~~الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول ايتها النفس الخبيثة اخرجى إلى سخط من الله ~~وغضب قال فتتفرق في جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها ~~فاذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج ~~منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من ~~الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان بن فلان بأقبح ~~أسمائه التى كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا ~~فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله ( ( لا تفتح لهم أبواب السماء ms1402 ولا ~~يدخلون PageV05P441 الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ( فيقول الله اكتبوا ~~كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا ثم قرأ رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم @QB@ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو ~~تهوي به الريح في مكان سحيق @QE@ فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ~~فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه ~~لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذى بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري ~~فينادى مناد من السماء أن كذب عبدى فأفرشوه من النار والبسوه من النار ~~وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى ~~تختلف اضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول ابشر ~~بالذى يسؤوك هذا يومك الذى كنت توعد فيقول ومن أنت فوجهك الوجه الذى يجيء ~~بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة ( # قلت هذا قد رواه عن البراء بن عازب غير واحد غير زاذان منهم عدى بن ثابت ~~ومحمد بن عقبة ومجاهد # قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب ( الروح والنفس ( ~~حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف ثنا محمد بن إسحاق الصغانى ثنا أبو النضر هاشم ~~بن قاسم ثنا عيسى بن المسيب عن عدى بن ثابت عن البراء بن عازب قال ( خرجنا ~~مع رسول الله PageV05P442 في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما ~~يلحد فجلس وجلسنا حوله كأن على اكتافنا فلق الصخر وعلى رؤوسنا الطير فأزم ~~قليلا والازمام السكوت فلما رفع رأسه قال ان المؤمن اذا كان في قبل من ~~الآخرة ودبر من الدنيا وحضره ملك الموت نزلت عليه ملائكة من السماء معهم ~~كفن من الجنة وحنوط من الجنة فيجلسون منه مد بصره وجاءه ملك الموت فجلس عند ~~رأسه ثم يقول اخرجى أيتها النفس الطيبة اخرجى إلى رحمة الله ورضوانه فتسيل ~~نفسه كما تقطر القطرة من السقاء فاذا خرجت نفسه صلى ms1403 عليه كل ملك بين السماء ~~والأرض الا الثقلين ثم يصعد به إلى السماء فتفتح له السماء ويشيعه مقربوها ~~إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى ~~العرش مقربوا كل سماء فاذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين فيقول الرب ~~عز وجل ردوا عبدي إلى مضجعه فانى وعدتهم انى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ~~ومنها اخرجهم تارة اخرى فيرد إلى مضجعه فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض ~~بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما فيجلسانه ثم يقال له يا هذا من ربك ~~فيقول الله ربى فيقولان صدقت ثم يقال له ما دينك فيقول الاسلام فيقولان له ~~صدقت ثم يقال له من نبيك فيقول محمد رسول الله فيقولان صدقت ثم يفسح له في ~~قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له جزاك الله خيرا ~~فوالله ما علمت ان كنت لسريعا في طاعة الله بطيئا عن معصية الله فيقول وأنت ~~جزاك الله خيرا فمن أنت فقال أنا عملك الصالح ثم يفتح له باب إلى ~~PageV05P443 الجنة فينظر إلى مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة وان الكافر ~~اذا كان في انقطاع من الدنيا واقبال من الآخرة وحضره ملك الموت نزل عليه من ~~السماء ملائكة معهم كفن من نار وحنوط من نار قال فيجلسون منه مد بصره وجاء ~~ملك الموت فجلس عند رأسه ثم قال اخرجى ايتها النفس الخبيثة اخرجى إلى غضب ~~الله وسخطه فتتفرق روحه في جسده كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين فيستخرجها ~~كما يستخرج السفود من الصوف المبلول فاذا خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء ~~والأرض الا الثقلين ثم يصعد به إلى السماء الدنيا فتغلق دونه فيقول الرب ~~تبارك وتعالى ردوا عبدى إلى مضجعه فانى وعدتهم انى منها خلقتهم وفيها ~~اعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فترد روحه إلى مضجعه فيأتيه منكر ونكير ~~يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف ~~وأبصارهما كالبرق الخاطف فيجلسانه ثم يقولان له من ربك فيقول لا أدري ~~فينادى من جانب القبر لا دريت فيضربانه بمرزبة من ms1404 حديد لو اجتمع عليها من ~~بين الخافقين لم تقل ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح ~~الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول جزاك الله شرا فوالله ما علمت ان كنت ~~بطيئا عن طاعة الله سريعا في معصية الله فيقول من أنت فيقول أنا عملك ~~الخبيث ثم يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة # وقال بن منده رواه الامام أحمد بن حنبل ومحمود بن غيلان وغيرهما عن أبى ~~النضر PageV05P444 ومن ذلك حديث بن أبى ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ~~سعيد بن يسار عن أبى هريرة وقد رواه الامام أحمد في ( مسنده ( وغيره وقال ~~الحافظ أبو نعيم الاصبهانى هذا حديث متفق على عدالة ناقليه اتفق الامامان ~~محمد بن إسماعيل البخارى ومسلم بن الحجاج على بن أبى ذئب ومحمد بن عمرو بن ~~عطاء وسعيد بن يسار وهم من شرطهما ورواه المتقدمون الكبار عن بن أبى ذئب ~~مثل بن أبى فديك وعنه دحيم بن إبراهيم # قلت وقد رواه عن بن أبى ذئب غير واحد ولكن هذا سياق حديث بن أبى فديك ~~لتقدمه قال بن أبى فديك حدثنى محمد بن أبى ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ~~سعيد بن يسار عن أبى هريرة أن رسول الله ( ( قال ( ان الميت تحضره الملائكة ~~فاذا كان الرجل الصالح فيقولون اخرجى أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد ~~الطيب أخرجى حميدة وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان قال فيقولون ذلك حتى ~~تخرج ثم يعرج بها إلى السماء الدنيا فيستفتح لها فيقال من هذا فيقولون فلان ~~فيقولون مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلى حميدة وأبشرى بروح ~~وريحان ورب غير غضبان فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التى فيها ~~الله عز وجل واذا كان الرجل السوء قال اخرجى ايتها النفس الخبيثة كانت في ~~الجسد الخبيث اخرجى ذميمة وأبشرى بحميم وغساق وآخر من شكله PageV05P445 ~~أزواج فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال ms1405 من ~~هذا فيقال فلان فيقولون لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ~~ارجعى ذميمة فانها لن تفتح لك ابواب السماء فترسل بين السماء والأرض فتصير ~~إلى قبره فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف ثم يقال ما كنت ~~تقول في الاسلام فيقول ما هذا الرجل فيقول محمد رسول الله جاءنا بالبينات ~~من قبل الله فآمنا وصدقنا ( وذكر تمام الحديث # والمقصود أن في حديث أبى هريرة قوله ( فيصير إلى قبره ( كما في حديث ~~البراء بن عازب وحديث أبى هريرة روى من طرق تصدق حديث البراء بن عازب وفى ~~بعض طرقه سياق حديث البراء بطوله كما ذكره الحاكم مع أن سائر الاحاديث ~~الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن اذ المسألة للبدن بلا روح ~~قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور وكذلك السؤال للروح بلا بدن قاله ~~بن ميسرة وبن حزم ولو كان كذلك لم يكن للقبر بالروح اختصاص # وزعم بن حزم أن ( العود ( لم يروه الا زاذان عن البراء وضعفه وليس الامر ~~كما قاله بل رواه غير زاذان عن البراء وروى عن غير البراء مثل عدى بن ثابت ~~وغيره وقد جمع الدارقطنى طرقه في مصنف مفرد مع أن زاذان PageV05P446 من ~~الثقات روى عن أكابر الصحابة كعمر وغيره وروى له مسلم في ( صحيحه ( وغيره ~~قال يحيى بن معين هو ثقة وقال حميد بن هلال وقد سئل عنه فقال هو ثقة لا ~~يسأل عن مثل هؤلاء وقال بن عدى أحاديثه لا بأس بها اذا روى عنه ثقة وكان ~~يتبع الكرابيسى وانما رماه من رماه بكثرة كلامه وأما المنهال بن عمرو فمن ~~رجال البخارى وحديث ( عود الروح ( قد رواه عن غير البراء ايضا وحديث زاذان ~~مما اتفق السلف والخلف على روايته وتلقيه بالقبول # وأرواح المؤمنين في الجنة وان كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن كما أنها ~~تكون في البدن ويعرج بها إلى السماء كما في حال النوم اما كونها في الجنة ~~ففيه أحاديث عامة وقد نص على ذلك أحمد ms1406 وغيره من العلماء واحتجوا بالاحاديث ~~المأثورة العامة وأحاديث خاصة في النوم وغيره فالاول مثل حديث الزهري ~~المشهور الذى رواه مالك عن الزهري في ( موطئه ( وشعيب بن أبى حمزة وغيرهما ~~وقد رواه الامام أحمد في ( المسند ( وغيره # قال الزهري أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ان كعب بن مالك ~~الانصارى وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم كان يحدث ان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ( قال ( انما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه ~~الله إلى جسده ( فأخبر أنه يعلق في شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده ~~PageV05P447 # يعنى في النشأة الآخرة قال أبو عبد الله بن منده ورواه يونس والزبيدى ~~والاوزاعى وبن إسحاق # وقال عمرو بن دينار وبن أخى الزهري عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن ~~أبيه قال قال صالح بن كيسان وبن أخى الزهري عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب ~~أنه بلغه أن كعبا قال رواه الامام أحمد والنسائى وبن ماجه والترمذى وقال ~~حديث حسن صحيح # قلت وفى الحديث المشهور حديث محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن ~~النبى ( ( رواه أبو حاتم في ( صحيحه ( وقد رواه أيضا الأئمة قال ( ان الميت ~~ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه فان كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه وكان ~~الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة ~~والمعروف والاحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة ما ~~قبلى مدخل ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلى مدخل ثم يؤتى عن يساره ~~فتقول الزكاة ما قبلى مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من ~~الصدقة والصلة والمعروف والاحسان إلى الناس ما قبلى مدخل فيقال له اجلس ~~فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب فيقال له ما هذا الرجل الذى كان ~~فيكم ما تقول فيه فيقول دعونى حتى أصلى فيقولون انك ستفعل أخبرنا عما ~~PageV05P448 نسألك عنه فقال عم تسألونى فيقولون ما تقول ms1407 في هذا الرجل الذى ~~كان فيكم ما تشهد عليه به فيقول اشهد أنه رسول الله وأنه جاء بالحق من عند ~~الله فيقال على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث ان شاء الله تعالى ثم ~~يفتح له بابا من ابواب الجنة فيقال له ذلك مقعدك منها وما أعد الله لك فيها ~~فيزداد غبطة وسرورا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له ذلك مقعدك منها ~~وما أعد الله لك فيها ( لو عصيت ربك ( فيزداد غبطة وسرورا ثم يفسح له في ~~قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ويعاد جسده كما بدىء وتجعل نسمته في نسم ~~الطيب وهى طير تعلق في شجر الجنة ( # وفى لفظ ( وهو في طير يعلق في شجر الجنة ( قال أبو هريرة قال الله تعالى ~~@QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~@QE@ وفى لفظ ( ثم يعاد الجسد إلى ما بدىء منه ( # وهذه الاعادة هي المذكورة في قوله تعالى @QB@ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى @QE@ ليست هي النشأة الثانية # ورواه الحاكم في ( صحيحه ( عن معمر عن قتادة عن قسامة بن زهير عن أبى ~~هريرة عن النبى ( ( أنه قال ( أن المؤمن اذا احتضر أتته ملائكة الرحمة ~~بحريرة بيضاء فيقولون اخرجى راضية مرضيا عنك إلى روح وريحان ورب غير غضبان ~~فتخرج كأطيب ريح مسك حتى أنهم ليناوله بعضهم PageV05P449 بعضا يشمونه حتى ~~يأتوا به باب السماء فيقولون ما اطيب هذه الريح التى جاءتكم من الأرض وكلما ~~أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا به ارواح المؤمنين فلهم أفرح به من أحدكم ~~بغائبه اذا قدم عليه فيسألونه ما فعل فلان قال فيقولون دعوه حتى يستريح ~~فانه كان في غم الدنيا فاذا قال لهم ما أتاكم فانه قد مات يقولون ذهب به ~~إلى أمه الهاوية واما الكافر فان ملائكة العذاب تأتيه فتقول اخرجى ساخطة ~~مسخوطا عليك إلى عذاب الله وسخطه فتخرج كأنتن ريح جيفة فينطلقون به إلى باب ~~الأرض فيقولون ما أنتن هذه الريح كلما أتوا على أرض ms1408 قالوا ذلك حتى يأتوا به ~~أرواح الكفار ( # قال الحاكم تابعه هشام الدستوائى عن قتادة وقال همام بن يحيى عن قتادة عن ~~أبى الجوزاء عن أبى هريرة عن النبى ( ( # بنحوه والكل صحيح وشاهدها حديث البراء بن عازب وكذلك رواه الحافظ أبو ~~نعيم من حديث القاسم بن الفضل الحذائى كما رواه معمر قال ورواه أبو موسى ~~وبندار عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة مثله مرفوعا ومن أصحاب قتادة من ~~رواه موقوفا ورواه همام عن قتادة عن أبى الجوزاء عن أبى هريرة مرفوعا نحوه ~~وقد روى هذا الحديث النسائى والبزار في ( مسنده ( وأبو حاتم في ( صحيحه ~~PageV05P450 وقد روى مسلم في ( صحيحه ( عن أبى هريرة قال ( اذا خرجت روح ~~المؤمن تلقاها ملكان فصعدا بها فذكر من طيب ريحها وذكر المسك قال فيقول أهل ~~السماء روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه ~~فينطلق بها إلى ربه ثم يقال انطلقوا به إلى آخر الأجل قال وان الكافر اذا ~~خرجت روحه وذكر من نتنها وذكر لعنا فيقول أهل السماء روح خبيثة جاءت من قبل ~~الأرض قال فيقال انطلقوا به إلى آخر الاجل قال أبو هريرة فرد رسول الله ( ( ~~ريطة كانت عليه على أنفه هكذا ( # وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه كان يقول عند النوم ( باسمك ربى وضعت ~~جنبى وبك ارفعه ان أمسكت نفسى فاغفر لها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به ~~عبادك الصالحين ( وفى الصحيح أيضا أنه كان يقول ( اللهم أنت خلقت نفسى وأنت ~~تتوفاها لك مماتها ومحياها فان أمسكتها فارحمها وان أرسلتها فاحفظها بما ~~تحفظ به عبادك الصالحين ( # ففى هذه الاحاديث من صعود الروح إلى السماء وعودها إلى البدن ما بين ان ~~صعودها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله # وروينا عن الحافظ ابى عبد الله محمد بن منده في كتاب ( الروح والنفس ( ~~حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ثنا عبد الله بن الحسن الحرانى ثنا أحمد ~~PageV05P451 بن شعيب ثنا موسى بن أيمن عن مطرف عن جعفر ms1409 بن أبى المغيرة عن ~~سعيد بن جبير عن بن عباس رضى الله عنهما في تفسير هذه الآية @QB@ الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها @QE@ قال تلتقى ارواح ~~الاحياء في المنام بأرواح الموتى ويتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى ~~ويرسل أرواح الاحياء إلى اجسادها # وروى الحافظ أبو محمد بن أبى حاتم في ( تفسيره ( حدثنا عبد الله بن ~~سليمان ثنا الحسن ثنا عامر عن الفرات ثنا أسباط عن السدى ( والتى لم تمت في ~~منامها ( قال يتوفاها في منامها قال فتلتقى روح الحى وروح الميت فيتذاكران ~~ويتعارفان قال فترجع روح الحى إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجله في الدنيا ~~قال وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس # وهذا أحد القولين وهو أن قوله @QB@ فيمسك التي قضى عليها الموت @QE@ أريد ~~بها أن من مات قبل ذلك لقى روح الحى # والقول الثانى وعليه الاكثرون أن كلا من النفسين الممسكة والمرسلة توفيتا ~~وفاة النوم وأما التى توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث وهى التى قدمها بقوله ~~@QB@ الله يتوفى الأنفس حين موتها @QE@ وعلى هذا يدل الكتاب والسنة فان ~~الله قال @QB@ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى @QE@ فذكر امساك التى قضى ~~عليها الموت من هذه الانفس التى توفاها بالنوم وأما التى PageV05P452 ~~توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بامساك ولا ارسال ولا ذكر في الآية إلتقاء ~~الموتى بالنيام # والتحقيق أن الآية تتناول النوعين فان الله ذكر توفيتين توفى الموت وتوفى ~~النوم وذكر امساك المتوفاة وارسال الاخرى # ومعلوم أنه يمسك كل ميتة سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك ويرسل من لم تمت ~~وقوله @QB@ يتوفى الأنفس حين موتها @QE@ يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت ~~في النوم فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في ~~الاخرى وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف وما ذكر من التقاء ارواح النيام ~~والموتى لا ينافى ما في الآية وليس في لفظها دلالة ms1410 عليه لكن قوله @QB@ ~~فيمسك التي قضى عليها الموت @QE@ يقتضى أنه يمسكها لا يرسلها كما يرسل ~~النائمة سواء توفاها في اليقظة أو في النوم ولذلك قال النبى ( ( اللهم أنت ~~خلقت نفسى وأنت تتوفاها لك مماتها ومحياها فان أمسكتها فارحمها وان ارسلتها ~~فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ( فوصفها بأنها في حال توفى النوم اما ~~ممسكة واما مرسلة # وقال بن أبى حاتم ثنا أبى ثنا عمر بن عثمان ثنا بقية ثنا صفوان بن عمرو ~~حدثنى سليم بن عامر الحضرمى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لعلى بن أبى ~~طالب رضى الله عنه أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء PageV05P453 لم ~~يخطر له على بال فتكون رؤياه كأخذ باليد ويرى الرجل الشيء فلا تكون رؤياه ~~شيئا فقال على بن أبى طالب افلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين ان الله يقول ~~@QB@ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى @QE@ فالله يتوفى الانفس كلها فما ~~رأت وهى عنده في السماء فهو الرؤيا الصادقة وما رأت اذا ارسلت إلى أجسادها ~~تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها فاخبرتها بالاباطيل وكذبت فيها فعجب عمر ~~من قوله # وذكر هذا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب ( الروح والنفس ( ~~وقال هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره ولفظه قال على بن ابى طالب يا ~~أمير المؤمنين يقول الله تعالى @QB@ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم ~~تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى @QE@ ~~والارواح يعرج بها في منامها فما رأت وهى في السماء فهو الحق فاذا ردت إلى ~~أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها فما رأت من ذلك فهو الباطل # قال الامام أبو عبد الله بن منده وروى عن أبى الدرداء قال روى بن لهيعة ~~عن عثمان بن نعيم الرعينى عن أبى عثمان الاصبحى عن أبى الدرداء قال اذا نام ~~الانسان عرج بروحه حتى يؤتى بها ms1411 العرش قال فان كان طاهرا اذن لها بالسجود ~~وان كان جنبا لم يؤذن لها بالسجود رواه زيد بن الحباب وغيره PageV05P454 # وروى بن منده حديث على وعمر رضى الله عنهما مرفوعا حدثنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن محمد ثنا محمد بن شعيب ثنا بن عياش بن أبى إسماعيل وأنا الحسن ~~بن على أنا عبد الرحمن بن محمد ثنا قتيبة والرازى ثنا محمد بن حميد ثنا أبو ~~زهير عبد الرحمن بن مغراء الدوسى ثنا الازهر بن عبد الله الازدى عن محمد بن ~~عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال لقى عمر بن الخطاب على بن ~~أبى طالب فقال يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا وربما شهدنا وغبت ثلاثة أشياء ~~أسألك عنهن فهل عندك منهن علم فقال على بن أبى طالب وما هن قال الرجل يحب ~~الرجل ولم ير منه خيرا والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرا فقال نعم سمعت ~~رسول الله ( ( يقول ( ان الارواح جنود مجندة تلتقى في الهواء فتشام فما ~~تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف قال عمر واحدة قال عمر والرجل يحدث ~~الحديث اذ نسيه فبينما هو قد نسيه اذ ذكره فقال نعم سمعت رسول الله ( ( ~~يقول ( ما من القلوب قلب الا وله سحابة كسحابة القمر فبينما القمر يضىء اذ ~~تجللته سحابة فاظلم اذ تجلت عنه فأضاء وبينما القلب يتحدث اذ تجللته فنسى ~~اذ تجلت عنه فذكر ( قال عمر اثنتان قال والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ~~ومنها ما يكذب فقال نعم سمعت رسول الله ( ( يقول ( ما من عبد ينام فيمتلىء ~~نوما الا عرج بروحه إلى العرش فالذى لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التى ~~تصدق والذى يستيقظ دون العرش PageV05P455 فهي الرؤيا التى تكذب فقال عمر ~~ثلاث كنت في طلبهن فالحمد لله الذى اصبتهن قبل الموت # ورواه من وجه ثالث أن بن عباس سأل عنه عمر فقال حدثنا أحمد بن سليمان بن ~~ايوب ثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد ثنا آدم بن أبى اياس ms1412 ثنا إسماعيل بن ~~عياش عن ثعلبة بن مسلم الخثعمى عن بن أبى طلحة القرشى ان بن عباس رضى الله ~~عنه قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه يا أمير المؤمنين اشياء اسألك عنها ~~قال سل عما شئت فقال يا أمير المؤمنين مم يذكر الرجل ومم ينسى ومم تصدق ~~الرؤيا ومم تكذب فقال له عمر اما قولك مم يذكر الرجل ومم ينسى فان على ~~القلب طخاة مثل طخاة القمر فإذا تغشت القلب نسى بن آدم فاذا تجلت عن القلب ~~ذكر ما كان ينسى واما مم تصدق الرؤيا ومم تكذب فان الله يقول @QB@ الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها @QE@ فمن دخل منها في ملكوت ~~السماء فهي التى تصدق وما كان منها دون ملكوت السماء فهي التى تكذب # قلت وفى هذين الطريقين ذكر أن التى تكذب ما لم يكمل وصولها إلى العلو وفى ~~الاول ذكر أن ذلك يكون مما يحصل بعد رجوعها وكلا الامرين ممكن فان الحكم ~~يختلف لفوات شرطه أو وجود مانعه عن ذلك قال عكرمة ومجاهد اذا نام الانسان ~~فان له سببا تجرى فيه الروح PageV05P456 واصله في الجسد فتبلغ حيث شاء الله ~~فما دام ذاهبا فان الانسان نائم فاذا رجع إلى البدن انتبه الانسان فكان ~~بمنزلة شعاع هو ساقط بالارض واصله متصل بالشمس # قال بن منده وأخبرت عن عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندى عن على بن يزيد ~~السمرقندى وكان من أهل العلم والادب وله بصر بالطب والتعبير قال ان الارواح ~~تمتد من منخر الانسان ومراكبها واصلها في بدن الانسان فلو خرج الروح لمات ~~كما أن السراج لو فرقت بينها وبين الفتيلة لطفئت الا ترى أن تركب النار في ~~الفتيلة وضوءها وشعاعها ملأ البيت فكذلك الروح تمتد من منخر الانسان في ~~منامه حتى تأتى السماء وتجول في البلدان وتلتقى مع أرواح الموتى فاذا رآها ~~الملك الموكل بأرواح العباد اراه ما أحب أن يراه وكان المرء في اليقظة ~~عاقلا ذكيا صدوقا لا يلتفت في اليقظة إلى شيء من ms1413 الباطل رجع إليه روحه فأدى ~~إلى قلبه الصدق بما أراه الله عز وجل على حسب صدقه وان كان خفيفا نزيقا يحب ~~الباطل والنظر إليه فاذا نام واراه الله أمرا من خير أو شر رجع روحه فحيث ~~ما رأى شيئا من مخاريق الشيطان أو باطلا وقف عليه كما يقف في يقظته وكذلك ~~يؤدى إلى قلبه فلا يعقل ما رأى لأنه خلط الحق بالباطل فلا يمكن معبر يعبر ~~له وقد اختلط الحق بالباطل قال الامام بن منده ومما يشهد لهذا الكلام ما ~~ذكرناه عن عمر وعلى وأبى الدرداء رضى الله عنهم # قلت وخرج بن قتيبة في كتاب ( تعبير الرؤيا ( قال حدثنى PageV05P457 حسين ~~بن حسن المروزى أخبرنا بن المبارك عبد الله ثنا المبارك عن الحسن أنه قال ~~أنبئت أن العبد إذا نام وهو ساجد يقول الله تبارك وتعالى ( انظروا إلى عبدى ~~روحه عندى وجسده في طاعتى ( # وإذا كانت الروح تعرج إلى السماء مع أنها في البدن علم أنه ليس عروجها من ~~جنس عروج البدن الذى يمتنع هذا فيه وعروج الملائكة ونزولها من جنس عروج ~~الروح ونزولها لا من جنس عروج البدن ونزوله وصعود الرب عز وجل فوق هذا كله ~~وأجل من هذا كله فانه تعالى أبعد عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق ~~لمخلوق # وإذا قيل الصعود والنزول والمجىء والاتيان أنواع جنس الحركة قيل والحركة ~~أيضا اصناف مختلفة فليست حركة الروح كحركة البدن ولا حركة الملائكة كحركة ~~البدن والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز ويراد بها أمور أخرى ~~كما يقوله كثير من الطبائعية والفلاسفة منها الحركة في الكم كحركة النمو ~~والحركة في الكيف كحركة الانسان من جهل إلى علم وحركة اللون أو الثياب من ~~سواد إلى بياض والحركة في الاين كالحركة تكون بالاجسام النامية من النبات ~~والحيوان في النمو والزيادة أو في الذبول والنقصان وليس هناك انتقال جسم من ~~حيز إلى حيز # ومن قال ان الجواهر المفردة تنتقل فقوله غلط كما هو مبسوط في موضعه ~~PageV05P458 وكذلك الاجسام تنتقل ألوانها وطعومها وروائحها ms1414 فيسود الجسم بعد ~~ابيضاضه ويحلو بعد مرارته بعد ان لم يكن كذلك وهذه حركات واستحالات ~~وانتقالات وان لم يكن في ذلك انتقال جسم من حيز إلى حيز وكذلك الجسم الدائر ~~في موضع واحد كالدولاب والفلك هو بجملته لا يخرج من حيزه وان لم يزل متحركا ~~وهذه الحركات كلها في الأجسام واما في الارواح فالنفس تنتقل من بغض إلى حب ~~ومن سخط إلى رضا ومن كراهة إلى ارادة ومن جهل إلى علم ويجد الانسان من ~~حركات نفسه وانتقالاتها وصعودها ونزولها ما يجده وذلك من جنس آخر غير جنس ~~حركات بدنه # واذا عرف هذا فان للملائكة من ذلك ما يليق بهم وإن ما يوصف به الرب تبارك ~~وتعالى هو أكمل وأعلى وأتم من هذا كله وحينئذ فاذا قال السلف والأئمة كحماد ~~بن زيد واسحاق بن راهويه وغيرهما من ائمة اهل السنة أنه ينزل ولا يخلو منه ~~العرش لم يجز أن يقال ان ذلك ممتنع بل اذا كان المخلوق يوصف من ذلك بما ~~يستحيل من مخلوق آخر فالروح توصف من ذلك بما يستحيل اتصاف البدن به كان ~~جواز ذلك في حق الرب تبارك وتعالى أولى من جوازه من المخلوق كأرواح ~~الادميين والملائكة # ومن ظن أن ما يوصف به الرب عز وجل لا يكون الا مثل ما توصف به ابدان بنى ~~آدم فغلطه أعظم من غلط من ظن أن ما توصف به الروح مثل ما توصف به الأبدان ~~PageV05P459 # وأصل هذا أن ( قربه سبحانه ودنوه من بعض مخلوقاته ( لا يستلزم أن تخلو ~~ذاته من فوق العرش بل هو فوق العرش ويقرب من خلقه كيف شاء كما قال ذلك من ~~قاله من السلف وهذا كقربه إلى موسى لما كلمه من الشجرة قال تعالى @QB@ إذ ~~قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم ~~تصطلون فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب ~~العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك فلما رآها تهتز ~~كأنها ms1415 جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا ~~من ظلم @QE@ وقال في السورة الاخرى @QB@ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله ~~آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها ~~بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن ~~في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا ~~وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا @QE@ فأخبر أنه ناداه من جانب ~~الطور وأنه قربه نجيا وقال تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما ~~أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون وما كنت بجانب ~~الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا ~~فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا ~~مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما ~~أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون @QE@ وقال تعالى PageV05P460 @QB@ هل ~~أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل ~~هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى @QE@ وقال بن ~~أبى حاتم في ( تفسيره ( حدثنا على بن الحسين حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا ~~معاوية بن هشام حدثنا شريك عن عطاء عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضى الله ~~عنه أنه قال في قوله تعالى @QB@ فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها @QE@ قال كان ذلك النار قال الله من في النور ونودى أن بورك من في ~~النور حدثنا على بن الحسين ثنا محمد بن حمزة ثنا على بن الحسين بن واقد عن ~~أبيه عن يزيد النحوى أن عكرمة حدثنى عن بن عباس @QB@ أن بورك من في النار ~~@QE@ قال كان ذلك النار نوره ( ومن حولها ( أى بورك من في النور ms1416 ومن حول ~~النور وكذلك روى باسناده من تفسير عطية عن بن عباس @QB@ فلما جاءها نودي أن ~~بورك من في النار @QE@ يعنى نفسه قال كان نور رب العالمين في الشجرة ومن ~~حولها حدثنا أبى ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهرى ثنا أبو معاوية عن شيبان عن ~~عكرمة @QB@ أن بورك من في النار @QE@ قال كان الله في نوره حدثنا أبو زرعة ~~ثنا بن أبى شيبة ثنا على بن جعفر المدائنى عن ورقاء عن عطاء بن السائب عن ~~سعيد بن جبير @QB@ أن بورك من في النار @QE@ قال ناداه وهو في النور ~~PageV05P461 حدثنا على بن الحسين المنجانى ثنا سعيد بن أبى مريم ثنا مفضل ~~بن أبى فضالة حدثنى بن ضمرة @QB@ فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها @QE@ قال ان موسى كان على شاطىء الوادى إلى أن قال فلما قام ابصر ~~النار فسار اليها فلما اتاها @QB@ نودي أن بورك من في النار @QE@ قال انها ~~لم تكن نارا ولكن كان نور الله وهو الذى كان في ذلك النور وانما كان ذلك ~~النور منه وموسى حوله # حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ثنا مكى بن إبراهيم ثنا موسى بن ~~عبيدة عن محمد بن كعب في قوله عز وجل ( ان بورك من في النار ومن حولها ( ~~قال النار نور الرحمة قال ضوء من الله تعالى ( ومن حولها ( موسى والملائكة # وروى باسناده عن بن عباس ( ومن حولها ( قال الملائكة قال وروى عن عكرمة ~~والحسن وسعيد بن جبير وقتادة مثل ذلك وروى عن السدى وحده @QB@ أن بورك من ~~في النار @QE@ قال كان في النار ملائكة # وفى ( صحيح مسلم ( عن أبى عبيدة عن أبى موسى قال قام فينا رسول الله ( ( ~~بأربع كلمات فقال ( ان الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ~~ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل PageV05P462 ~~عمل الليل حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه ( ثم قرأ أبو عبيدة @QB@ أن ms1417 بورك من في النار ومن حولها @QE@ ~~وذكر من تفسير الوالبى عن بن عباس @QB@ أن بورك من في النار @QE@ يقول قدس ~~وعن مجاهد @QB@ أن بورك من في النار @QE@ بوركت النار كذلك كان يقول بن ~~عباس وفى السورة الآخرى ذكر أنه ناداه من شاطىء الوادى الايمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة وقوله ( من الشجرة ( هو بدل من قوله ( من شاطىء الوادى ~~الايمن ( فالشجرة كانت فيه وقال أيضا @QB@ وناديناه من جانب الطور الأيمن ~~@QE@ والطور هو الجبل فالنداء كان من الجانب الايمن من الطور ومن الوادى ~~فان شاطىء الوادى جانبه وقال @QB@ وما كنت بجانب الغربي @QE@ أى بالجانب ~~الغربى وجانب المكان الغربى فدل على ان هذا الجانب الايمن هو الغربى لا ~~الشرقى فذكر ان النداء كان من موضع معين وهو الوادى المقدس طوى من شاطىء ~~الوادى الايمن من جانب الطور الايمن من الشجرة وذكر أنه قربه نجيا فناداه ~~وناجاه وذلك المنادى له والمناجى له هو الله رب العالمين لا غيره ونداؤه ~~ومناجاته قائمة به ليس ذلك مخلوقا منفصلا عنه كما يقوله من يقول ان الله لا ~~يقوم به كلام بل كلامه منفصل عنه مخلوق وهو سبحانه وتعالى ناداه وناجاه ذلك ~~الوقت كما دل عليه القرآن لا كما يقوله من يقول لم يزل مناديا مناجيا له ~~ولكن ذلك الوقت خلق فيه ادراك النداء القديم الذى لم يزل ولا يزال ~~PageV05P463 # فهذان قولان مبتدعان لم يقل واحدا منها أحد من السلف واذا كان المنادى هو ~~الله رب العالمين وقد ناداه من موضع معين وقربه إليه دل ذلك على ما قاله ~~السلف من قربه ودنوه من موسى عليه السلام مع أن هذا قرب مما دون السماء # وقد جاء أيضا من حديث وهب بن منبه وغيره من الاسرائيليات قربه من ايوب ~~عليه السلام وغيره من الانبياء عليهم السلام ولفظه الذى ساقه البغوى أنه ~~أظله غمام ثم نودي يا ايوب أنا الله يقول أنا قد دنوت منك انزل منك قريبا ~~لكن الاسرائيليات انما تذكر على وجه المتابعة لا على وجه الاعتماد ms1418 عليها ~~وحدها وهو سبحانه وتعالى قد وصف نفسه في كتابه وفى سنة نبيه ( ( بقربه من ~~الداعى وقربه من المتقرب إليه فقال تبارك وتعالى ( واذا سألك عبادى عنى ~~فانى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان ( # وثبت في ( الصحيحين ( عن أبى موسى أنهم كانوا مع النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ( في سفر فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير فقال ( ايها الناس أربعوا ~~على أنفسكم فانكم لا تدعون أصم ولا غائبا انما تدعون سميعا قريبا أن الذى ~~تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ( وفى الصحيحين ( عن النبى ( ( يقول ~~الله تعالى من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلى ذراعا تقربت ~~إليه باعا ومن أتانى يمشى أتيته هرولة PageV05P464 # وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقربه جميع من يقول أنه فوق العرش سواء ~~قالوا مع ذلك أنه تقوم به الافعال الاختيارية أو لم يقولوا # وأما من ينكر ذلك # فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض الوجوه ~~فيكونون قريبين منه وهذا تفسير أبى حامد والمتفلسفة فانهم يقولون الفلسفة ~~هي التشبه بالاله على قدر الطاقة # ومنهم من يفسر قربهم بطاعتهم ويفسر قربه باثابته وهذا تفسير جمهور ~~الجهمية فانهم ليس عندهم قرب ولا تقريب أصلا # ومما يدخل في معانى القرب وليس في الطوائف من ينكره قرب المعروف والمعبود ~~إلى قلوب العارفين العابدين فان كل من أحب شيئا فانه لابد ان يعرفه ويقرب ~~من قلبه والذى يبغضه يبعد من قلبه لكن هذا ليس المراد به أن ذاته نفسها تحل ~~في قلوب العارفين العابدين وانما في القلوب معرفته وعبادته ومحبته والايمان ~~به ولكن العلم يطابق المعلوم # وهذا الايمان الذى في القلوب هو ( المثل الأعلى ( الذى له في السماوات ~~والأرض وهو معنى قوله تعالى @QB@ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ~~@QE@ وقوله ( وهو الله في السماوات وفى الأرض PageV05P465 # وقد غلط في هذه الآية طائفة من الصوفية والفلاسفة وغيرهم فجعلوه حلول ~~الذات وإتحادها بالعابد والعارف من جنس قول النصارى في المسيح وهو قول باطل ~~كما قد بسط ms1419 في موضعه # والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة ~~وهو قول الأشعرى وغيره من الكلابية فانهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته وكذلك ~~يثبتون إستواءه على العرش بذاته ونحو ذلك ويقولون الاستواء فعل فعله في ~~العرش فصار مستويا على العرش وهذا ايضا قول بن عقيل وبن الزاغونى وطوائف من ~~أصحاب أحمد وغيرهم # وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده فهذا يثبته من يثبت قيام الافعال ~~الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة ونزوله واستوائه على العرش وهذا مذهب ~~أئمة السلف وأئمة الاسلام المشهورين وأهل الحديث والنقل عنهم بذلك متواتر # وأول من أنكر هذا في الاسلام ( الجهمية ( ومن وافقهم من المعتزلة وكانوا ~~ينكرون الصفات والعلو على العرش ثم جاء بن كلاب فخالفهم في ذلك واثبت ~~الصفات والعلو على العرش لكن وافقهم على أنه لا تقوم به الامور الاختيارية ~~ولهذا أحدث قوله في القرآن أنه قديم لم يتكلم به بقدرته ولا يعرف هذا القول ~~عن أحد من السلف بل المتواتر عنهم أن القرآن كلام الله غير PageV05P466 ~~مخلوق وان الله يتكلم بمشيئته وقدرته كما ذكرت ألفاظهم في كتب كثيرة في ~~مواضع غير هذا # فالذين يثبتون أنه كلم موسى بمشيئته وقدرته كلاما قائما به هم الذين ~~يقولون أنه يدنو ويقرب من عباده بنفسه وأما من قال القرآن مخلوق أو قديم ~~فأصل هؤلاء أنه لا يمكن أن يقرب من شيء ولا يدنو إليه فمن قال منهم بهذا مع ~~هذا كان من تناقضه فانه لم يفهم أصل القائلين بأنه قديم # وأهل الكلام قد يعرفون من حقائق أصولهم ولوازمها ما لا يعرفه من وافقهم ~~على أصل المقالة ولم يعرف حقيقتها ولوازمها فلذا يوجد كثير من الناس يتناقض ~~كلامه في هذا الباب فان نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف متظاهرة بالاثبات ~~وليس على النفى دليل واحد لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر وانما أصله قول ~~الجهمية فلما جاء إبن كلاب فرق ووافقه كثير من الناس على ذلك فصار كثير من ~~الناس يقر بما جاء عن ms1420 السلف وما دل عليه الكتاب والسنة وبما يقوله النفاة ~~مما يناقض ذلك ولا يهتدى للتناقض ( والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ( # وبهذا يحصل ( الجواب ( عما إحتج به من قال إن ثلث الليل يختلف بإختلاف ~~البلاد وهذا قد احتج به طائفة وجعلوا هذا دليلا على ما يتأولون عليه حديث ~~النزول وهذا الذى ذكروه انما يصح اذا جعل نزوله من جنس PageV05P467 نزول ~~أجسام الناس من السطح إلى الأرض وهو يشبه قول من قال يخلو العرش منه بحيث ~~يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته # فإذا قدر النزول هكذا كان ممتنعا لما ذكروه من أنه لا يزال تحت العرش في ~~غالب الاوقات أو جميعها فان بين طرفى العمارة نحو ليلة فانه يقال بين ~~ابتداء العمارة من المشرق ومنتهاها من المغرب مقدار مائة وثمانين درجة ~~فلكية وكل خمس عشرة فهي ساعة معتدلة والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتى ~~عشرة ساعة بالليل أو النهار اذا كان الليل والنهار متساويين كما يستويان في ~~أول الربيع الذى تسميه العرب الصيف وأول الخريف الذى تسميه الربيع بخلاف ما ~~اذا كان أحدهما أطول من الآخر وكل واحد اثنتا عشرة ساعة فهذه الساعات ~~مختلفة في الطول والقصر فتغرب الشمس عن أهل المشرق قبل غروبها عن أهل ~~المغرب كما تطلع على هؤلاء قبل هؤلاء بنحو اثنتى عشرة ساعة أو أكثر # فان الشمس على أى موضع كانت مرتفعة من الأرض الارتفاع التام كما يكون عند ~~نصف النهار فانها تضىء على ما أمامها وخلفها من المشرق والمغرب تسعين درجة ~~شرقية وتسعين غربية والمجموع مقدار حركتها اثنتا عشرة ساعة ستة شرقية وستة ~~غربية وهو النهار المعتدل # ولا يزال لها هذا النهار لكن يخفى ضوؤها بسبب ميلها إلى جانب الشمال ~~PageV05P468 والجنوب فإن المعمور من الأرض من الناحية الشمالية من الأرض ~~التى هي شمال خط الاستواء المحاذى لدائرة معتدل النهار التى نسبتها إلى ~~القطبين الشمالى والجنوبى نسبة واحدة ولهذا يقال في حركة الفلك أنها على ~~ذلك المكان دولابية مثل الدولاب وانها عند القطبين رحاوية تشبه حركة ms1421 الرحى ~~وأنها في المعمور من الأرض حمائلية تشبه حمائل السيوف والمعمور المسكون من ~~الأرض يقال انه بضع وستون درجة أكثر من السدس بقليل # والكلام على هذا لبسطه موضع آخر ذكرنا فيه دلالة الكتاب والسنة وأقوال ~~الصحابة والتابعين وسائر من تبعهم من علماء المسلمين على أن ( الفلك ( ~~مستدير وقد ذكر إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد منهم الامام أبو ~~الحسين بن المنادى الذى له نحو ( اربعمائة مصنف ( وهو من الطبقة الثانية من ~~اصحاب أحمد وأبو محمد بن حزم وابو الفرج بن الجوزى وغيرهم # والمقصود هنا أن الشمس اذا طلعت على أول البلاد الشرقية فانه حينئذ يكون ~~اما وقت غروبها واما قريبا من وقت غروبها على آخر البلاد الغربية فانها ~~تكون بحيث يكون الضوء امامها تسعين درجة وخلفها تسعين درجة فهذا منتهى ~~نورها فاذا طلعت عليهم كان بينها وبينهم تسعون درجة وكذلك على كل بلد تطلع ~~عليه والحاسب يفرق بين الدرجات كما يفرق بين الساعات فان الساعات المختلفة ~~الزمانية كل واحد منها خمس عشرة درجة بحسب ذلك الزمان PageV05P469 فيكون ~~بينها وبين المغرب أيضا تسعون درجة من ناحية المغرب واذا صار بينها وبين ~~مكان تسعون درجة غربية غابت كما تطلع اذا كان بينها وبينهم تسعون درجة ~~شرقية واذا توسطت عليهم وهو وقت استوائها قبل أن تدلك وتزيغ ويدخل وقت ~~الظهر كان لها تسعون درجة شرقية وتسعون درجة غربية # وإذا كان كذلك والنزول المذكور في الحديث النبوى على قائله أفضل الصلاة ~~والسلام الذى اتفق عليه الشيخان البخارى ومسلم واتفق علماء الحديث على صحته ~~هو ( إذا بقى ثلث الليل الآخر ( واما رواية النصف والثلثين فانفرد بها مسلم ~~في بعض طرقه وقد قال الترمذى ان أصح الروايات عن ابى هريرة ( اذا بقى ثلث ~~الليل الآخر ( وقد روى عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( من رواية جماعة ~~كثيرة من الصحابة كما ذكرنا قبل هذا فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث ~~والذى لا شك فيه إذا بقى ثلث الليل الآخر # فإن كان النبى ( صلى الله عليه ms1422 وسلم ( قد ذكر ( النزول ( ايضا اذا مضى ~~ثلث الليل الاول واذا انتصف الليل فقوله حق وهو الصادق المصدوق ويكون ~~النزول انواعا ثلاثة الاول إذا مضى ثلث الليل الأول ثم اذا انتصف وهو أبلغ ~~ثم إذا بقى ثلث الليل وهو أبلغ الانواع الثلاثة # ولفظ ( الليل والنهار ( في كلام الشارع اذا أطلق فالنهار من طلوع الفجر ~~PageV05P470 كما في قوله سبحانه وتعالى @QB@ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا ~~من الليل @QE@ وكما في قوله ( ( صم يوما وافطر يوما ( وقوله ( كالذى يصوم ~~النهار ويقوم الليل ( ونحو ذلك فانما أراد صوم النهار من طلوع الفجر وكذلك ~~وقت صلاة الفجر واول وقت الصيام بالنقل المتواتر المعلوم للخاصة والعامة ~~والاجماع الذى لا ريب فيه بين الامة وكذلك في مثل قوله ( ( صلاة الليل مثنى ~~مثنى فاذا خفت الصبح فأوتر بركعة ( ولهذا قال العلماء كالامام أحمد بن حنبل ~~وغيره ان صلاة الفجر من صلاة النهار # وأما اذا قال الشارع ( ( نصف النهار ( فانما يعنى به النهار المبتدىء من ~~طلوع الشمس لا يريد قط لا في كلامه ولا في كلام أحد من علماء المسلمين بنصف ~~النهار النهار الذى أوله من طلوع الفجر فان نصف هذا يكون قبل الزوال ولهذا ~~غلط بعض متأخرى الفقهاء لما رأى كلام العلماء ان الصائم المتطوع يجوز له ان ~~ينوى التطوع قبل نصف النهار وهل يجوز له بعده على قولين هما روايتان عن ~~أحمد ظن أن المراد بالنهار هنا نهار الصوم الذى أوله طلوع الفجر وسبب غلطه ~~في ذلك أنه لم يفرق بين مسمى النهار اذا أطلق وبين مسمى نصف النهار فالنهار ~~الذى يضاف إليه نصف في كلام الشارع وعلماء امته هو من طلوع الشمس والنهار ~~المطلق في وقت الصلاة والصيام من طلوع الفجر # والنبى ( ( لما أخبر بالنزول اذا بقى ثلث الليل فهذا الليل PageV05P471 ~~المضاف إليه الثلث يظهر أنه من جنس النهار المضاف إليه النصف وهو الذى ~~ينتهى إلى طلوع الشمس وكذلك لما قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( وقت ~~العشاء إلى نصف الليل أو إلى الثلث ( فهو هذا ms1423 الليل وكذلك الفقهاء اذا ~~أطلقوا ثلث الليل ونصفه فهو كاطلاقهم نصف النهار وهكذا أهل الحساب لا ~~يعرفون غير هذا # وقد يقال بل هو الليل المنتهى بطلوع الفجر كما في الحديث الصحيح ( افضل ~~القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ( واليوم ~~المعتاد المشروع إلى طلوع الشمس بل إلى طلوع الفجر فان كان المراد بالحديث ~~هذا وحينئذ فاذا قدر ثلث الليل في أول المشرق يكون قبل طلوع الشمس عليهم ~~بأربع ساعات وقد قال النبى ( ( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ~~ثلث الليل الآخر فيقول من يدعونى فأستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى ~~فأغفر له حتى يطلع الفجر ( فقد اخبر بدوامه إلى طلوع الفجر وفى رواية ( إلى ~~أن ينصرف القارئ من صلاة الفجر ( وقد قال تعالى @QB@ وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا @QE@ تشهده ملائكة الليل والنهار وقد قيل يشهده الله ~~وملائكته # واذا كان هذا النزول يدوم نحو سدس عند أولئك فهكذا هو عند كل قوم اذا مضى ~~ثلثا ليلهم يدوم عندهم سدس الزمان واما النزول الذى في النصف أو الثلثين ~~فانه يدوم ربع الزمان أو ثلثه فهو أكثر دواما من ذلك PageV05P472 وان أريد ~~الليل المنتهى بطلوع الشمس كان وقت النزول أقل من ذلك فيكون قريبا من ثمن ~~الزمان وتسعه وعلى رواية النصف والثلث يكون قريبا من سدسه وربعه وأكثر من ~~ذلك # ومعلوم أن زمن ثلث ليل البلد الشرقى قبل ثلث ليل البلد الغربى كما قد عرف ~~والعمارة طولها اثنتا عشرة ساعة مائة وثمانون درجة فلو قدر أن لكل مقدار ~~ساعة وهو خمس عشرة درجة من المعمور ثلثا غير ثلث مقدار الساعة الأخرى لكان ~~المعمور ستة وثلاثين ثلثا والنزول يدوم في كل ثلث مقدار سدس الزمان فيلزم ~~ان يكون النزول يدوم ليلا ونهارا أنه يدوم بقدر الليل والنهار ست مرات اذا ~~قدر ان لكل طول ساعة من المعمور ثلثا فكيف النزول الالهى إلى السماء الدنيا ~~لدعاء عباده الساكنين في الأرض # فكل أهل بلد من البلاد ms1424 يبقى نزوله ودعاؤه لهم هل من سائل هل من داع هل من ~~مستغفر سدس الزمان والبلاد من المشرق إلى المغرب كثيرة والاسلام ولله الحمد ~~قد انتشر من المشرق إلى المغرب كما قال النبى ( ( في الحديث الصحيح ( زويت ~~لى الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك امتى ما زوى لى منها ( # وانما ذكرنا هذا لأنه قد يقال أن هذا ( النزول والدعاء ( انما هو لعباده ~~المؤمنين الذين يعبدونه ويسألونه ويستغفرونه كما أن ( نزول عشية ~~PageV05P473 عرفة ( انما هو لعباده المؤمنين الذين يحجون إليه وكما أن ~~رمضان اذا دخل فتحت أبواب الجنة لعباده المؤمنين الذين يصومون رمضان وعنهم ~~تغلق أبواب النار وتصفد شياطينهم ( وأما الكفار ( الذين يستحلون افطار شهر ~~رمضان ولا يرون له حرمة ومزية فلا تفتح لهم فيه أبواب الجنة ولا تغلق عنهم ~~فيه أبواب النار ولا تصفد شياطينهم # وليس المقصود هنا بسط هذا المعنى بل المقصود أن النزول ان كان خاصا ~~بالمؤمنين فهم ولله الحمد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب وان كان عاما فهو ~~أبلغ فعلى كل تقدير لابد أن يدوم النزول الالهى على أهل كل بلد مقدار سدس ~~الزمان أو أكثر فانه اذا قيل ليل صيفهم قصير قيل وليل شتائهم طويل فيعادل ~~هذا هذا وما نقص من ليل صيفهم زيد في ليل شتائهم ولهذا جاء في الأثر ( ~~الشتاء ربيع المؤمن يصوم نهاره ويقوم ليله # واذا كان كذلك فلو كان النزول كما يتخيله بعض الجهال من أنه يصير تحت ~~السماوات وفوق السماء الدنيا وتحت العرش مقدار ثلث الليل على كل بلد لم يكن ~~اللازم أنه لا يزال تحت العرش وتحت السماوات فقط فان هذا انما يكون وحده هو ~~اللازم اذا كان كل سدس من المعمور لهم كلهم ثلث واحد وكان المجموع ستة ~~أثلاث فاذا قدر بقاؤه على هؤلاء مقدار ثلث ثم على هؤلاء الآخرين مقدار ثلث ~~لزم أن لا يزال تحت العرش أو تحت السماوات أو حيث تخيل الجاهل أن الله ~~محصور فيه فلا يكون قط فوق العرش PageV05P474 واما اذا كان لكل بلد ms1425 ثلث غير ~~الثلث الآخر ( وان أول كل بلد بعد الثلث الآخر يقدر ما بينهما وكذلك آخر ~~ثلث ليل البلد الشرقى ينقضى قبل انقضاء ثلث ليل البلد الغربى وأيضا ان كانت ~~مداخلة ( فلابد أن يدوم النزول على كل بلد ثلث ليلهم إلى طلوع فجرهم فيلزم ~~من ذلك أن يقدر أثلاث بقدر عدد البلاد # وأيضا فكما أن ثلث الليل يختلف بطول البلد فهو يختلف بعرضها أيضا فكلما ~~كان البلد أدخل في الشمال كان ليله في الشتاء اطول وفى الصيف أقصر وما كان ~~قريبا من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك وليله في الصيف ~~أطول من ليل ذاك فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوى # وحينئذ فالنزول الالهى لكل قوم هو مقدار ثلث ليلهم فيختلف مقداره بمقادير ~~الليل في الشمال والجنوب كما اختلف في المشرق والمغرب وأيضا فانه اذا صار ~~ثلث الليل عند قوم فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد فيحصل ~~النزول الالهى الذى أخبر به الصادق المصدق ايضا عند أولئك اذا بقى ثلث ~~ليلهم وهكذا إلى آخر العمارة # فلو كان كما توهمه الجاهل من أنه يكون تحت العرش وتكون فوقه السماء وتحته ~~السماء لكان هذا ممتنعا من وجوه كثيرة PageV05P475 # ( منها ( أنه لا يكون فوق العرش قط بل لا يزال تحته ( ومنها ( أنه يجب ~~على هذا التقدير أن يكون الزمان بقدر ما هو مرات كثيرة جدا ليقع كذلك ( ~~ومنها ( أنه مع دوام نزوله إلى سماء هؤلاء إلى طلوع فجرهم ان أمكن مع ذلك ~~أن يكون قد نزل على غيرهم أيضا ممن ثلث ليلهم يخالف ثلث هؤلاء في التقديم ~~والتأخير والطول والقصر # فهذا خلاف ما تخيلوه فانهم لا يمكنهم أن يتخيلوا نازلا كنزول العباد من ~~يكون نازلا على سماء هؤلاء ثلث ليلهم وهو أيضا في تلك الساعة نازلا على ~~سماء آخرين مع أنه يجب أن يتقدم على أولئك أو يتأخر عنهم أو يزيد أو يقصر # وحكى عن بعض الجهال أنه قيل له فالسموات كيف حالها عند نزوله قال ms1426 يرفعها ~~ثم يضعها وهو قادر على ذلك فهؤلاء الذين يتخيلون ما وصف رسول الله ( ( به ~~ربه أنه مثل صفات أجسامهم كلهم ضالون ثم يصيرون قسمين # ( قسم ( علموا أن ذلك باطل وظنوا أن هذا ظاهر النص ومدلوله وأنه لا يفهم ~~منه معنى الا ذلك فصاروا اما أن يتأولوه تأويلا يحرفون به الكلم عن مواضعه # وإما أن يقولوا لا يفهم منه شيء ويزعمون أن هذا ( مذهب السلف PageV05P476 ~~ويقولون ان قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ يدل على أن معنى ~~المتشابه لا يعلمه الا الله والحديث منه متشابه كما في القرآن وهذا من ~~متشابه الحديث فيلزمهم أن يكون الرسول الذى تكلم بحديث النزول لم يدر هو ما ~~يقول ولا ما عنى بكلامه وهو المتكلم به ابتداء فهل يجوز لعاقل أن يظن هذا ~~بأحد من عقلاء بنى آدم فضلا عن الأنبياء فضلا عن أفضل الأولين والآخرين ~~وأعلم الخلق وأفصح الخلق وأنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلم ( ( وهم مع ~~ذلك يدعون أنهم أهل السنة وان هذا القول الذى يصفون به الرسول وأمته هو قول ~~أهل السنة # ولا ريب أنهم لم يتصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه ولو تصوروا ذلك لعلموا ~~أنه يلزمهم ما هو من اقبح اقوال الكفار في الأنبياء وهم لا يرتضون مقالة من ~~ينتقص النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ولو تنقصه أحد لاستحلوا قتله وهم ~~مصيبون في استحلال قتل من يقدح في الأنبياء عليهم السلام وقولهم يتضمن أعظم ~~القدح لكن لم يعرفوا ذلك ولازم القول ليس بقول فانهم لو عرفوا أن هذا ~~يلزمهم ما التزموه # ( وقسم ثان ( من الممثلين لله بخلقه لما رأوا ان قول هؤلاء منكر وان قول ~~الرسول حق قالوا مثل تلك الجهالات من انه تصير فوقه سماء وتحته سماء أو ان ~~السماوات ترتفع ثم تعود ونحو ذلك مما يظهر بطلانه لمن له ادنى عقل ولب ~~PageV05P477 # وقد ثبت في ( الصحيحين ( انه ينزل وفى لفظ ( ينزل كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ( وفى حديث آخر ( اقرب ما يكون ms1427 الرب من ~~عبده في جوف الليل الآخر ( وفى صحيح مسلم ( ان الله ينزل إلى سماء الدنيا ~~حين يمضى ثلث الليل ( وفى صحيح مسلم أيضا ( اذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ~~ينزل الله إلى سماء الدنيا ( فما ذكر من تقدم اختلاف الليل في البلاد يبطل ~~قول من يظن أنه يخلو منه العرش ويصير تحت العرش أو تحت السماء # وأما ( النزول ( الذى لا يكون من جنس نزول أجسام العباد فهذا لا يمتنع أن ~~يكون في وقت واحد لخلق كثير ويكون قدره لبعض الناس أكثر بل لا يمتنع أن ~~يقرب إلى خلق من عباده دون بعض فيقرب إلى هذا الذى دعاه دون هذا الذى لم ~~يدعه وجميع ما وصف به الرب عز وجل نفسه من القرب فليس فيه ما هو عام لجميع ~~المخلوقات كما في المعية فان المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص # وأما قربه مما يقرب منه فهو خاص لمن يقرب منه كالداعى والعابد وكقربه ~~عشية عرفة ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج وان كانت تلك العشية بعرفة ~~قد تكون وسط النهار في بعض البلاد وتكون ليلا في بعض البلاد فان تلك البلاد ~~لم يدن اليها ولا إلى سمائها الدنيا وانما دنا إلى السماء الدنيا التى على ~~الحجاج وكذلك نزوله بالليل # وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة وكل ~~PageV05P478 منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه ~~وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره كذلك قال أبو رزين للنبى ( ( لما قال ~~النبى ( ( ( ما منكم من أحد الا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة ~~البدر قال يا رسول الله كيف ونحن جميع وهو واحد فقال سأنبئك بمثل ذلك في ~~آلاء الله هذا القمر كلكم يراه مخليا به فالله أكبر ( وقال رجل لابن عباس ~~رضى الله عنه كيف يحاسب الله العباد في ساعة واحدة قال كما يرزقهم في ساعة ~~واحدة # وكذلك ما ثبت في ( صحيح مسلم ( عن أبى هريرة عن النبى ( ( قال ( يقول ~~الله ms1428 قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما ~~سأل فاذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدنى عبدى فاذا قال ~~العبد الرحمن الرحيم قال الله اثنى على عبدى فاذا قال العبد مالك يوم الدين ~~قال الله مجدنى عبدى فاذا قال العبد اياك نعبد واياك نستعين قال هذه بينى ~~وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل فاذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل ~~( # فهذا يقوله سبحانه وتعالى لكل مصل قرأ الفاتحة فلو صلى الرجل ما صلى من ~~الركعات قيل له ذلك وفى تلك الساعة يصلى من يقرأ الفاتحة من PageV05P479 لا ~~يحصى عدده الا الله وكل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا كما يحاسبهم ~~كذلك فيقول لكل واحد ما يقول له من القول في ساعة واحدة وكذلك سمعه لكلامهم ~~يسمع كلامهم كله مع اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم يسمع دعاءهم سمع اجابة ~~ويسمع كل ما يقولونه سمع علم واحاطة لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ~~ولا يتبرم بالحاح الملحين فانه سبحانه هو الذى خلق هذا كله وهو الذى يرزق ~~هذا كله وهو الذى يوصل الغذاء إلى كل جزء جزء من البدن على مقداره وصفته ~~المناسبة له وكذلك من الزرع # وكرسيه قد وسع السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما فاذا كان لا يؤوده خلقه ~~ورزقه على هذه التفاصيل فكيف يؤوده العلم بذلك أو سمع كلامهم أو رؤية ~~أفعالهم أو اجابة دعائهم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا @QB@ ~~وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ # وهذه الآية مما تبين خطأ هؤلاء فانه سبحانه وتعالى قال ( وما قدروا الله ~~حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه ~~وتعالى عما يشركون ( وقد ثبت في ( الصحيحين ( من حديث أبى هريرة رضى الله ~~عنه عن النبى ( ( أنه قال ( يقبض الله الأرض ويطوى السماوات بيمينه ms1429 ويقول ~~أنا الملك انا الملك اين ملوك الأرض PageV05P480 وفى حديث بن عمر رضى الله ~~عنهما أبلغ من ذلك والسياق لمسلم عن النبى ( ( أنه قال يطوى الله السماوات ~~يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يطوى الارضين بشماله ثم يقول أنا ~~الملك اين الجبارون اين المتكبرون ( رواه عن أبى بكر بن أبى شيبة ورواه ~~عثمان بن أبى شيبة قال ( يطوى الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده ~~اليمنى ثم يقول أنا الملك اين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوى الأرضين ثم ~~يأخذهن بشماله فيقول أنا الملك اين الجبارون اين المتكبرون ( # وفى حديث عبد الله بن مقسم عن عبد الله بن عمر قال رأيت النبى ( ( على ~~المنبر وهو يقول ( يأخذ الجبار سمواته وأرضه وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ~~ويقول أنا الرحمن أنا الملك أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن ~~أنا العزيز أنا الجبار أنا المتكبر أنا الذى بدأت الدنيا ولم تك شيئا أنا ~~الذى أعيدها أين الجبارون اين المتكبرون ويتميل رسول الله على يمينه وعلى ~~شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من اسفل شيء منه حتى انى أقول أساقط هو ~~برسول الله ( ( رواه بن منده وبن خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمى وسعيد بن ~~منصور وغيرهم من الأئمة الحفاظ النقاد الجهابذة # فاذا كان سبحانه يطوى السماوات كلها بيمينه وهذا قدرها عنده كما ~~PageV05P481 قال بن عباس رضى الله تعالى عنهما ما السماوات السبع والارضون ~~السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن الا كخردلة في يد أحدكم وهو سبحانه ~~بين لنا من عظمته بقدر ما نعقله كما قال عبد العزيز الماجشون والله ما دلهم ~~على عظيم ما وصف من نفسه وما تحيط به قبضته الا صغر نظيرها منهم عندهم ان ~~ذلك الذى ألقى في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم # وقد قال تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ قال بن أبى ~~حاتم في ( تفسيره ( حدثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث ثنا بشر بن عمارة ~~عن أبى روق عن عطية العوفى عن أبى ms1430 سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى ( ( ~~في قوله سبحانه وتعالى @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ قال ( ~~لو أن الجن والانس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا ~~واحدا ما احاطوا بالله أبدا ( فمن هذه عظمته كيف يحصره مخلوق من المخلوقات ~~سماء أو غير سماء حتى يقال أنه اذا نزل إلى السماء الدنيا صار العرش فوقه ~~أو يصير شيء من المخلوقات يحصره ويحيط به سبحانه وتعالى # فاذا قال القائل هو قادر على ما يشاء قيل فقل هو قادر على أن ينزل سبحانه ~~وتعالى وهو فوق عرشه واذا استدللت بمطلق القدرة والعظمة من غير تمييز فما ~~كان أبلغ في القدرة والعظمة فهو اولى بأن يوصف به مما ليس PageV05P482 كذلك ~~فان من توهم العظيم الذى لا أعظم منه يقدر على أن يصغر حتى يحيط به مخلوقه ~~الصغير وجعل هذا من باب القدرة والعظمة فقوله انه ينزل مع بقاء عظمته وعلوه ~~على العرش أبلغ في القدرة والعظمة وهو الذى فيه موافقة الشرع والعقل # وهذا كما قد يقوله طائفة ( منهم أبو طالب المكى ( قال ان شاء وسعه أدنى ~~شيء وان شاء لم يسعه شيء وان أراد عرفه كل شيء وان لم يرد لم يعرفه شيء ان ~~أحب وجد عند كل شيء وان لم يحب لم يوجد عند شيء وقد جاوز الحد والمعيار ~~وسبق القيل والاقدار ذو صفات لا تحصى وقدر لا يتناهى ليس محبوسا في صورة ~~ولا موقوفا بصفة ولا محكوما عليه بكلم ولا يتجلى بوصف مرتين ولا يظهر في ~~صورة لاثنين ولا يرد منه بمعنى واحد كلمتان بل لكل تجل منه صورة ولكل عبد ~~عند ظهوره صفة وعن كل نظرة كلام وبكل كلمة افهام ولا نهاية لتجليه ولا غاية ~~لأوصافه # قلت أبو طالب رحمه الله هو وأصحابه ( السالمية ( اتباع الشيخ أبى الحسن ~~بن سالم صاحب سهل بن عبد الله التسترى لهم من المعرفة والعبادة والزهد ~~واتباع السنة والجماعة في عامة المسائل المشهورة لأهل السنة ما هم معروفون ~~به وهم منتسبون ms1431 إلى امامين عظيمين في السنة الامام أحمد بن حنبل وسهل بن ~~عبد الله التسترى ومنهم من تفقه على مذهب مالك بن أنس كبيت الشيخ أبى محمد ~~وغيرهم وفيهم من هو على مذهب الشافعى PageV05P483 فالذين ينتسبون اليهم أو ~~يعظمونهم ويقصدون متابعتهم أئمة هدى رضوان الله عليهم أجمعين وهم في ذلك ~~كأمثالهم من أهل السنة والجماعة # وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط لكثرة ما وقع من شبه ~~أهل البدع ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين ~~والفقه والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الاصل العظيم عدة أقوال ويحكى ~~من مقالات الناس ألوانا والقول الذى بعث الله به رسوله لا يذكره لعدم علمه ~~به لا لكراهته لما عليه الرسول # وهؤلاء وقع في كلامهم اشياء أنكروا بعض ما وقع من كلام ابى طالب في ~~الصفات من نحو الحلول وغيره انكرها عليهم أئمة العلم والدين ونسبوهم إلى ~~الحلول من أجلها ولهذا تكلم أبو القاسم بن عساكر في أبى على الاهوازى لما ~~صنف هذا مثالب أبى الحسن الاشعرى وهذا مناقبه وكان أبو على الاهوازى من ~~السالمية فنسبهم طائفة إلى الحلول والقاضى أبو يعلى له كتاب صنفه في الرد ~~على السالمية # وهم فيما ينازعهم المنازعون فيه كالقاضى أبى يعلى وغيره وكاصحاب الاشعرى ~~وغيرهم من ينازعهم من جنس تنازع الناس تارة يرد عليهم حق وباطل وتارة يرد ~~عليهم حق من حقهم وتارة يرد باطل بباطل وتارة يرد باطل بحق PageV05P484 ~~وكذلك ذكر الخطيب البغدادى في ( تاريخه ( أن جماعة من العلماء أنكروا بعض ~~ما وقع في كلام أبى طالب في الصفات وما وقع في كلام أبى طالب من الحلول سرى ~~بعضه إلى غيره من الشيوخ الذين أخذوا عنه كأبى الحكم بن برجان ونحوه # وأما أبو إسماعيل الانصارى صاحب ( منازل السائرين ( فليس في كلامه شيء من ~~الحلول العام لكن في كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل ~~إلى ما سماه هو ( مقام التوحيد ( وقد باح منه بما لم يبح به ms1432 أبو طالب لكن ~~كنى عنه # وأما ( الحلول العام ( ففى كلام أبى طالب قطعة كبيرة منه مع تبريه من لفظ ~~الحلول فانه ذكر كلاما كثيرا حسنا في التوحيد كقوله عالم لا يجهل قادر لا ~~يعجز حى لا يموت قيوم لا يغفل حليم لا يسفه سميع بصير ملك لا يزول ملكه ~~قديم بغير وقت آخر بغير حد كائن لم يزل إلى أن قال وانه امام كل شيء ووراء ~~كل شيء وفوق كل شيء ومع كل شيء ويسمع كل شيء وأقرب إلى كل شيء من ذلك الشيء ~~وانه مع ذلك غير محل للاشياء وان الأشياء ليست محلا له وأنه على العرش ~~استوى كيف شاء بلا تكييف ولا تشبيه وأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ~~وبكل شيء PageV05P485 محيط وذكر كلاما آخر يتعلق بالمخلوقات واحاطة بعضها ~~ببعض بحسب ما رآه ثم قال والله جل جلاله وعظم شأنه هو ذات منفرد بنفسه ~~متوحد بأوصافه بائن من جميع خلقه لا يحل الاجسام ولا تحله الاعراض ليس في ~~ذاته سواه ولا في سواه من ذاته شيء ليس في الخلق الا الخلق ولا في الذات ~~الا الخالق # قلت وهذا ينفى الحلول كما نفاه أولا # ثم قال ### || ( فصل شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين # ( فشهادة الموقن يقينه أن الله هو الأول من كل شيء وأقرب من كل شيء فهو ~~المعطى المانع الهادى المضل لا معطى ولا مانع ولا ضار ولا نافع الا الله ~~كما لا اله إلا الله ويشهد قرب الله منه ونظره إليه وقدرته عليه وحيطته به ~~فسبق نظره وهمه إلى الله قبل كل شيء ويذكره في كل شيء ويخلو قلبه له من كل ~~شيء ويرجع إليه بكل شيء ويتأله إليه دون كل شيء ويعلم أن الله أقرب إلى ~~القلب من وريده وأقرب إلى الروح من حياته وأقرب إلى البصر من نظره وأقرب ~~إلى اللسان من ريقه بقرب هو وصفه لا يتقرب ولا يقرب # وأنه تعالى على العرش في ذلك كله وأنه رفيع الدرجات من الثرى كما هو ms1433 رفيع ~~الدرجات من العرش وأن قربه من الثرى ومن كل شيء كقربه PageV05P486 من العرش ~~وأن العرش غير ملاصق له بحس ولا تمكن فيه ولا يذكر فيه بوجس ولا ناظر إليه ~~بعين ولا يحاط به فيدرك لانه تعالى محتجب بقدرته عن جميع بريته ولا نصيب ~~للعرش منه إلا كنصيب موقن عالم به واجد لما أوجده منه من أن الله عليه وان ~~العرش مطمئن به وان الله محيط بعرشه فوق كل شيء وفوق تحت كل شيء فهو فوق ~~الفوق تحت التحت لا يحد بتحت فيكون له فوق لأنه العلى الأعلى # أين كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان ولا يحد بمكان ولا يفقد من مكان ولا ~~يوجد بمكان فالتحت للاسفل والفوق للأعلى # وهو سبحانه فوق كل فوق في العلو وفوق كل تحت في السمو هو فوق ملائكة ~~الثرى كما هو فوق ملائكة العرش والأماكن الممكنات ومكانة مشيئته ووجوده ~~قدرته والعرش والثرى فما بينهما هو حد للخلق الاسفل والاعلى بمنزلة خردلة ~~في قبضته وهو أعلى من ذلك محيط بجميع ذلك كما لا يدركه العقل ولا يكيفه ~~الوهم ولا نهاية لعلوه ولا فوق لسموه ولا بعد في دنوه # إلى أن قال وان الله لا يحجبه شيء عن شيء ولا يبعد عليه شيء قريب من كل ~~شيء بوصفه وهو القدرة والدراك والاشياء مبعدة بأوصافها PageV05P487 وهو ~~البعد والحجب فالبعد والابعاد حكم مشيئته والحدود والاقطار حجب بريته إلى ~~أن قال @QB@ وهو الله في السماوات وفي الأرض @QE@ @QB@ ثم استوى على العرش ~~@QE@ @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ غير متصل بالخلق ولا مفارق وغير مماس ~~للكون ولا متباعد بل منفرد بنفسه متوحد بوصفه لا يزدوج إلى شيء ولا يقترن ~~به شيء أقرب من كل شيء بقرب هو وصفه وهو محيط بكل شيء بحيطة هي نعته وهو مع ~~كل شيء وفوق كل شيء وأمام كل شيء ووراء كل شيء بعلوه ودنوه وهو قربه فهو ~~وراء الحول الذى هو وراء حملة العرش وهو أقرب من حبل الوريد الذى هو الروح ~~وهو مع ms1434 ذلك فوق كل شيء وهو محيط بكل شيء وليس هو تعالى في هذا مكانا لشيء ~~ولا مكانا له شيء وليس كمثله في كل هذا شيء لا شريك له في ملكه ولا معين له ~~في خلقه ولا نظير له في عباده ولا شبيه له في ايجاده وهو أول في آخريته ~~بأولية هي صفته وآخر في أوليته بآخرية هي نعته وباطن في ظهوره بباطنيه هي ~~قربه وظاهر في باطنيته بظهور هو علوه لم يزل كذلك اولا ولا يزال كذلك آخرا ~~ولم يزل كذلك باطنا ولا يزال كذلك ظاهرا # إلى أن قال هو على عرشه باخباره لنفسه فالعرش حد خلقه الاعلى وهو غير ~~محدود بعرشه والعرش محتاج إلى مكان والرب عز وجل غير محتاج إليه كما قال ~~تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ الرحمن اسم والاستواء PageV05P488 ~~نعته متصل بذاته والعرش خلقه منفصل عن صفاته ليس بمضطر إلى مكان يسعه ولا ~~حامل يحمله # إلى أن قال وهو لا يسعه غير مشيئته ولا يظهر الا في انوار صفته ولا يوجد ~~الا في سعة البسطة فاذا قبض أخفى ما أبدى واذا بسط أعاد ما أخفى وكذلك جعله ~~في كل رسم كون وفعله بكل اسم مكان ومما جل فظهر ومما دق فاستتر لا يسعه غير ~~مشيئته بقربه ولا يعرف الا بشهوده ولا يرى الا بنوره هذا لأوليائه اليوم ~~بالغيب في القلوب ولهم ذلك عند المشاهدة بالابصار ولا يعرف الا بمشيئته ان ~~شاء وسعه أدنى شيء وان لم يشأ لم يسعه كل شيء ان أراد عرفه كل شيء وان لم ~~يرد لم يعرفه شيء ان أحب وجد عند كل شيء وان لم يحب لم يوجد بشيء وذكر تمام ~~كلامه كما حكيناه من قبل # قلت وهذا الذى ذكره من قربه واطلاقه وأنه لا يتجلى بوصف مرتين ولا يظهر ~~في صورة لاثنين هو حكم ما يظهر لبعض السالكين من قربه إلى قلوبهم وتجليه ~~لقلوبهم لا ان هذا هو وصفه في نفس الأمر وانه كما تحصل هذه التجليات ~~المختلفة تحصل يوم القيامة ms1435 للعيون # وهذا الموضع مما يقع الغلط فيه لكثير من السالكين يشهدون اشياء بقلوبهم ~~فيظنون أنها موجودة في الخارج هكذا حتى ان فيهم خلقا من هم من المتقدمين ~~والمتأخرين يظنون أنهم يرون الله بعيونهم لما يغلب على قلوبهم PageV05P489 ~~من المعرفة والذكر والمحبة يغيب بشهوده فيما حصل لقلوبهم ويحصل لهم فناء ~~واصطلام فيظنون ان هذا هو أمر مشهود بعيونهم ولا يكون ذلك الا في القلب ~~ولهذا ظن كثير منهم أنه يرى الله بعينه في الدنيا # وهذا مما وقع لجماعة من المتقدمين والمتأخرين وهو غلط محض حتى أورث مما ~~يدعيه هؤلاء شكا عند أهل النظر والكلام الذين يجوزون رؤية الله في الجملة ~~وليس لهم من المعرفة بالسنة ما يعرفون به هل يقع في الدنيا أو لا يقع فمنهم ~~من يذكر في وقوعها في الدنيا قولين ومنهم من يقول يجوز ذلك وهذا كله ضلال ~~فان ائمة السنة والجماعة متفقون على أن الله لا يراه أحد بعينه في الدنيا ~~ولم يتنازعوا الا في نبينا ( صلى الله عليه وسلم ( خاصة وقد روى نفى رؤيتنا ~~له في الدنيا عن النبى ( ( من عدة أوجه منها ما رواه مسلم في ( صحيحه ( عن ~~النبى ( ( أنه قال لما ذكر الدجال قال ( واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه ~~حتى يموت ( وموسى بن عمران عليه السلام قد سأل الرؤية فذكر الله سبحانه ~~قوله ( لن ترانى ( وما أصاب موسى من الصعق # وهؤلاء منهم من يقول أن موسى رآه وان الجبل كان حجابه فلما جعل الجبل دكا ~~رآه وهذا يوجد في كلام ابى طالب ونحوه ومنهم من يجعل الرائى هو المرئى فهو ~~الله فيذكرون إتحادا وأنه افنى موسى عن نفسه حتى PageV05P490 كان الرائى هو ~~المرئى فما رآه عندهم موسى بل رأى نفسه بنفسه وهذا يدعونه لأنفسهم # والاتحاد والحلول باطل وعلى قول من يقول به إنما هذا في الباطن والقلب لا ~~في الظاهر فان غاية ذلك ما تقوله النصارى في المسيح ولم يقولوا ان أحدا رأى ~~اللاهوت الباطن المتدرع بالناسوت # وهذا الغلط يقع كثيرا في ms1436 السالكين يقع لهم أشياء في بواطنهم فيظنونها في ~~الخارج في ذلك بمنزلة الغالطين من نظار المتفلسفة ونحوهم حيث يتصورون أشياء ~~بعقولهم كالكليات والمجردات ونحو ذلك فيظنونها ثابتة في الخارج وانما هي في ~~نفوسهم ولهذا يقول أبو القاسم السهيلى وغيره نعوذ بالله من قياس فلسفى ~~وخيال صوفى # ولهذا يوجد التناقض الكثير في كلام هؤلاء وهؤلاء وأما الذين جمعوا الاراء ~~الفلسفية الفاسدة والخيالات الصوفية الكاسدة كابن عربى وأمثاله فهم من أضل ~~أهل الأرض ولهذا كان الجنيد رضى الله عنه سيد الطائفة امام هدى فكان قد عرف ~~ما يعرض لبعض السالكين فلما سئل عن التوحيد قال التوحيد افراد الحدوث عن ~~القدم # فبين أنه يميز المحدث عن القديم تحذيرا عن الحلول والاتحاد فجاءت ~~PageV05P491 الملاحدة كابن عربى ونحوه فانكروا هذا الكلام على الجنيد لأنه ~~يبطل مذهبهم الفاسد والجنيد وأمثاله أئمة هدى ومن خالفه في ذلك فهو ضال ~~وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين وفيما يرونه في ~~قلوبهم من الانوار وغير ذلك وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله تعالى # وقد خطب عروة بن الزبير من عبد الله بن عمر ابنته وهو في الطواف فقال ~~أتحدثنى في النساء ونحن نتراءى الله في طوافنا فهذا كله وما أشبهه لم ~~يريدوا به أن القلب ترفع جميع الحجب بينه وبين الله حتى تكافح الروح ذات ~~الله كما يرى هو نفسه فان هذا لا يمكن لأحد في الدنيا ومن جوز ذلك إنما ~~جوزه للنبى ( ( كقول بن عباس رأى محمد ربه بفؤاده مرتين ولكن هذا التجلى ~~يحصل بوسائط بحسب ايمان العبد ومعرفته وحبه ولهذا تتنوع احوال الناس في ذلك ~~كما تتنوع رؤيتهم لله تعالى في المنام فيراه كل انسان بحسب ايمانه ويرى في ~~صور متنوعة # فهذا الذى قاله أبو طالب وهؤلاء اذا قيل مثله فيما يحصل في القلوب كان ~~مقاربا مع أن في بعض ذلك نظرا واما أن يقال أن الرب تعالى في نفسه هو كذلك ~~فليس الامر كذلك # أما قوله أقرب إلى الروح من حياته وأقرب ms1437 إلى البصر من نظره والى ~~PageV05P492 اللسان من ريقه بقرب هو وصفه وقوله أقرب من حبل الوريد فهذا ~~ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله ( ( ولا قاله أحد من السلف لا من ~~الصحابة ولا من التابعين لهم باحسان ولا الأئمة الأربعة وأمثالهم من ائمة ~~المسلمين ولا الشيوخ المقتدى بهم من شيوخ المعرفة والتصوف وليس في القرآن ~~وصف الرب تعالى بالقرب من كل شيء أصلا بل قربه الذى في القرآن خاص لا عام ~~كقوله تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~@QE@ فهو سبحانه قريب ممن دعاه وكذلك ما في ( الصحيحين ( عن أبى موسى ~~الاشعرى أنهم كانوا مع النبى ( ( في سفر فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير ~~فقال ( يا ايها الناس أربعوا على أنفسكم فانكم لا تدعون أصم ولا غائبا انما ~~تدعون سميعا قريبا ان الذى تدعونه اقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ( فقال ( ~~ان الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم ( لم يقل أنه قريب إلى كل موجود وكذلك قول ~~صالح عليه السلام @QB@ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب @QE@ هو ~~كقول شعيب @QB@ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود @QE@ ومعلوم ~~أن قوله @QB@ قريب مجيب @QE@ مقرون بالتوبة والاستغفار أراد به قريب مجيب ~~لاستغفار المستغفرين التائبين إليه كما أنه رحيم ودود بهم وقد قرن القريب ~~بالمجيب ومعلوم أنه لا يقال انه مجيب لكل موجود وانما الاجابة لمن سأله ~~ودعاه فكذلك قربه سبحانه وتعالى PageV05P493 # وأسماء الله المطلقة كإسمه السميع والبصير والغفور والشكور والمجيب ~~والقريب لا يجب أن تتعلق بكل موجود بل يتعلق كل اسم بما يناسبه واسمه ~~العليم لما كان كل شيء يصلح أن يكون معلوما تعلق بكل شيء # وأما قوله تعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد @QE@ وقوله @QB@ فلولا إذا بلغت الحلقوم ~~وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون @QE@ فالمراد به ms1438 ~~قربه إليه بالملائكة وهذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف قالوا ~~ملك الموت أدنى إليه من اهله ولكن لا تبصرون الملائكة وقد قال طائفة @QB@ ~~ونحن أقرب إليه @QE@ بالعلم وقال بعضهم بالعلم والقدرة ولفظ بعضهم بالقدرة ~~والرؤية # وهذه الأقوال ضعيفة فانه ليس في الكتاب والسنة وصفه بقرب عام من كل موجود ~~حتى يحتاجوا ان يقولوا بالعلم والقدرة والرؤية ولكن بعض الناس لما ظنوا أنه ~~يوصف بالقرب من كل شيء تأولوا ذلك بأنه عالم بكل شيء قادر على كل شيء # وكأنهم ظنوا أن لفظ ( القرب ( مثل لفظ ( المعية ( فان لفظ المعية في سورة ~~PageV05P494 الحديد والمجادلة في قوله تعالى @QB@ هو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون ~~بصير @QE@ وقوله تعالى @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة @QE@ # وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا هو معهم بعلمه وقد ذكر بن عبدالبر وغيره أن ~~هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم باحسان ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله ~~وهو مأثور عن بن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثورى وأحمد بن حنبل ~~وغيرهم # قال بن أبى حاتم في ( تفسيره ( حدثنا أبى ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن معمر ~~عن نوح بن ميمون المضروب عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن بن ~~عباس في قوله @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ قال هو على العرش وعلمه معهم ~~قال وروى عن سفيان الثورى أنه قال علمه معهم وقال حدثنا أبى قال حدثنا أحمد ~~بن إبراهيم الدورقى حدثنا نوح بن ميمون المضروب ثنا بكير بن معروف عن مقاتل ~~بن حيان عن الضحاك بن مزاحم في قوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم @QE@ إلى ms1439 قوله @QB@ أين ما كانوا @QE@ PageV05P495 قال هو على العرش ~~وعلمه معهم ورواه باسناد آخر عن مقاتل بن حيان هذا وهو ثقة في التفسير ليس ~~بمجروح كما جرح مقاتل بن سليمان # وقال عبد الله بن أحمد ثنا أبى ثنا نوح بن ميمون المضروب عن بكير بن ~~معروف ثنا أبو معاوية عن مقاتل بن حيان عن الضحاك في قوله تعالى @QB@ ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا @QE@ قال هو على العرش وعلمه معهم وقال ~~على بن الحسن بن شقيق حدثنا عبد الله بن موسى صاحب عبادة ثنا معدان قال بن ~~المبارك ان كان أحد بخراسان من الابدال فمعدان قال سألت سفيان الثورى عن ~~قوله @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ قال علمه وقال حنبل بن إسحاق في كتاب ~~( السنة ( قلت لأبى عبد الله أحمد بن حنبل ما معنى قوله تعالى @QB@ وهو ~~معكم أين ما كنتم @QE@ و @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم @QE@ ~~إلى قوله تعالى @QB@ إلا هو معهم أين ما كانوا @QE@ قال علمه عالم الغيب ~~والشهادة محيط بكل شيء شاهد علام الغيوب يعلم الغيب ربنا على العرش بلا حد ~~ولا صفة وسع كرسيه السماوات والأرض # وقد بسط الامام أحمد الكلام على معنى المعية في ( الرد على الجهمية ( ~~ولفظ المعية في كتاب الله جاء عاما كما في هاتين الآيتين وجاء خاصا كما في ~~قوله PageV05P496 @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ وقوله ~~@QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ وقوله @QB@ لا تحزن إن الله معنا @QE@ فلو ~~كان المراد أنه بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص فانه قد علم أن ~~قوله @QB@ لا تحزن إن الله معنا @QE@ أراد به تخصيصه وابا بكر دون عدوهم من ~~الكفار وكذلك قوله @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ خصهم ~~بذلك دون الظالمين والفجار وأيضا فلفظ ( المعية ( ليست في لغة العرب ولا ~~شيء من القرآن يراد بها اختلاط احدى الذاتين ms1440 بالأخرى كما في قوله @QB@ محمد ~~رسول الله والذين معه @QE@ وقوله @QB@ فأولئك مع المؤمنين @QE@ وقوله @QB@ ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين @QE@ وقوله @QB@ وجاهدوا معكم @QE@ ومثل هذا ~~كثير فامتنع أن يكون قوله @QB@ وهو معكم @QE@ يدل على أن ذاته مختلطة بذوات ~~الخلق وأيضا فانه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم فكان السياق يدل على ~~انه أراد أنه عالم بهم # وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر وبين أن لفظ المعية في اللغة وان اقتضى ~~المجامعة والمصاحبة والمقارنة فهو اذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على ~~عرشه ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة ~~والسلطان ويخص بعضهم بالاعانة والنصر والتأييد # وقد قال بن أبى حاتم قرات على محمد بن الفضل حدثنا محمد بن على بن الحسن ~~بن شقيق ثنا محمد بن مزاحم ثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن سليمان ~~PageV05P497 في قوله تعالى @QB@ يعلم ما يلج في الأرض @QE@ من المطر @QB@ ~~وما يخرج منها @QE@ من النبات @QB@ وما ينزل من السماء @QE@ من القطر @QB@ ~~وما يعرج فيها @QE@ ما يصعد إلى السماء من الملائكة @QB@ وهو معكم أين ما ~~كنتم @QE@ يعنى بقدرته وسلطانه وعلمه معكم أينما كنتم # وبهذا الاسناد عن مقاتل بن سليمان قال بلغنا والله أعلم في قوله تعالى ~~@QB@ هو الأول @QE@ قال قبل كل شيء @QB@ والآخر @QE@ قال بعد كل شيء @QB@ ~~والظاهر @QE@ قال فوق كل شيء @QB@ والباطن @QE@ قال اقرب من كل شيء وانما ~~نعنى بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه @QB@ وهو بكل شيء عليم @QE@ يعلم ~~نجواهم ويسمع كلامهم ثم ينبئهم يوم القيامة بكل شيء نطقوا به سىء أو حسن # وهذا ليس مشهورا عن مقاتل كشهرة الأول الذى روى عنه من وجوه لم يجزم بما ~~قاله بل قال بلغنا وهو الذى فسر الباطن بالقريب ثم فسر القرب بالعلم ~~والقدرة ولا حاجة إلى هذا وقد ثبت في ( الصحيح ( عن النبى ( ( أنه قال ( ~~انت الاول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك ~~شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ( وجاء عن النبى ( ( من ms1441 حديث أبى هريرة وأبى ~~ذر رضى الله عنهما في تفسير هذه الأسماء وحديث ( الادلاء ( ما قد بسطنا ~~القول عليه في ( مسألة الاحاطة PageV05P498 # وكذلك هذا الحديث ذكره قتادة في تفسيره وهو يبين أنه ليس معنى الباطن أنه ~~القرب ولا لفظ الباطن يدل على ذلك ولا لفظ القرب في الكتاب والسنة على جهة ~~العموم كلفظ المعية ولا لفظ القرب في اللغة والقرآن كلفظ المعية فانه اذا ~~قال هذا مع هذا فانه يعنى به المجامعة والمقارنة والمصاحبة ولا يدل على قرب ~~احدى الذاتين من الأخرى ولا اختلاطها بها فلهذا كان اذا قيل هو معهم دل على ~~أن علمه وقدرته وسلطانه محيط بهم وهو مع ذلك فوق عرشه كما أخبر القرآن ~~والسنة بهذا وقال تعالى @QB@ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم @QE@ فأخبر سبحانه أنه مع علوه على ~~عرشه يعلم كل شيء فلا يمنعه علوه عن العلم بجميع الاشياء # وكذلك في حديث ( الأوعال ( الذى في ( السنن ( قال النبى ( ( والله فوق ~~عرشه ويعلم ما أنتم عليه ( ولم يأت في لفظ القرب مثل ذلك أنه قال هو فوق ~~عرشه وهو قريب من كل شيء بل قال ( ان رحمة الله قريب من المحسنين ( وقال ( ~~واذا سألك عبادى عنى فانى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان ( وقال النبى ( ( ~~انكم لا تدعون أصم ولا غائبا ان الذى تدعونه سميع قريب ( # قال بن أبى حاتم ثنا أبى ثنا يحيى بن المغيرة ثنا جرير عن عبدة بن ~~PageV05P499 أبى برزة السجستانى عن الصلت بن حكيم عن أبيه عن جده قال ( جاء ~~رجل إلى النبى ( ( فقال يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ~~فسكت النبى ( ( فأنزل الله تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي @QE@ اذا أمرتهم أن يدعونى ~~فدعونى استجيب لهم # ولا يقال في هذا قريب بعلمه ms1442 وقدرته فانه عالم بكل شيء قادر على كل شيء ~~وهم لم يشكوا في ذلك ولم يسألوا عنه وإنما سألوا عن قربه إلى من يدعوه ~~ويناجيه ولهذا قال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان @QE@ فأخبر أنه قريب مجيب # وطائفة من أهل السنة تفسر ( القرب ( في الآية والحديث بالعلم لكونه هو ~~المقصود فانه اذا كان يعلم ويسمع دعاء الداعى حصل مقصوده وهذا هو الذى ~~اقتضى أن يقول من يقول إنه قريب من كل شيء بمعنى العلم والقدرة فان هذا قد ~~قاله بعض السلف كما تقدم عن مقاتل بن حيان وكثير من الخلف لكن لم يقل أحد ~~منهم ان نفس ذاته قريبة من كل شيء وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين من ~~يقول أنه فوق العرش ومن يقول أنه ليس فوق العرش # وقد ذكر بن أبى حاتم باسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة ~~الماجشون قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ يعلم وهو كذلك ما توسوس به ~~PageV05P500 أنفسنا منا وهو بذلك أقرب الينا من حبل الوريد وكيف لا يكون ~~كذلك وهو أعلم بما توسوس به انفسنا منا فكيف بحبل الوريد وكذلك قال أبو ~~عمرو الطلمنكى قال ومن سأل عن قوله @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ ~~فاعلم أن ذلك كله على معنى العلم به والقدرة عليه والدليل من ذلك صدر الآية ~~فقال الله تعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد @QE@ لأن الله لما كان عالما بوسوسته كان اقرب إليه من ~~حبل الوريد وحبل الوريد لا يعلم ما توسوس به النفس # ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطا لدم الانسان ولحمه وأن ~~لا يجرد الانسان تسمية المخلوق حتى يقول خالق ومخلوق لأن معبوده بزعمه داخل ~~حبل الوريد من الانسان وخارجه فهو على قوله ممتزج به غير مباين له # قال وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على ان الله على عرشه بائن من جميع ~~خلقه وتعالى الله عن ms1443 قول أهل الزيغ وعما يقول الظالمون علوا كبيرا # قال وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت @QB@ ونحن أقرب إليه منكم ~~ولكن لا تبصرون @QE@ أى بالعلم به والقدرة عليه اذ لا يقدرون له على حيلة ~~PageV05P501 ولا يدفعون عنه الموت وقد قال تعالى @QB@ توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم @QE@ قلت ~~وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبى وأبى الفرج بن الجوزى وغيرهما ~~في قوله @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ وأما في قوله @QB@ ونحن ~~أقرب إليه منكم @QE@ فذكر أبو الفرج القولين أنهم الملائكة وذكره عن أبى ~~صالح عن بن عباس وأنه القرب بالعلم # وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد ان ذات البارى جل وعلا قريبة من وريد ~~العبد ومن الميت ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون قرب الملائكة فسروا ذلك ~~بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية ولا حاجة إلى هذا فان المراد بقوله @QB@ ~~ونحن أقرب إليه منكم @QE@ أى بملائكتنا في الآيتين وهذا بخلاف لفظ المعية ~~فانه لم يقل ونحن معه بل جعل نفسه هو الذى مع العباد وأخبر أنه ينبئهم يوم ~~القيامة بما عملوا وهو نفسه الذى خلق السماوات والأرض وهو نفسه الذى استوى ~~على العرش فلا يجعل لفظ مثل لفظ مع تفريق القرآن بينهما # وكذلك قال أبو حامد موافقا لأبى طالب المكى في بعض ما قال مخالفا له في ~~البعض فانه من نفاة علو الله نفسه على العرش وانما المراد عنده أنه قادر ~~عليه مستول عليه أو أنه أفضل منه قال وأنه مستو على العرش على الوجه الذى ~~قاله PageV05P502 والمعنى الذى أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار ~~والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطيف ~~قدرته مقهورون في قبضته وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقيته ~~لا تزيده قربا إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع ~~الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد ms1444 من حبل ~~الوريد وهو على كل شيء شهيد اذ لا يماثل قربه قرب الاجسام كما لا تماثل ~~ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء إلى أن قال # وإنه بائن بصفاته من خلقه ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته # قلت فالفوقية التى ذكرها في القدرة والاستيلاء ( فوقية القدرة ( وهو أنه ~~أفضل المخلوقات ( والقرب ( الذى ذكره هو العلم أو هو العلم والقدرة وثبوت ~~علمه وقدرته واستيلائه على كل شيء هو مما اتفق عليه المسلمون وتفسير قربه ~~بهذا قاله جماعة من العلماء لظنهم أن القرب في الآية هو قربه وحده ففسروها ~~بالعلم لما رأوا ذلك عاما قالوا هو قريب من كل موجود بمعنى العلم وهذا لا ~~يحتاج إليه كما تقدم وقوله @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ لا يجوز ~~أن يراد به مجرد العلم فان من كان بالشيء أعلم من غيره لا يقال انه أقرب ~~إليه من غيره لمجرد علمه به ولا لمجرد قدرته عليه PageV05P503 ثم انه ~~سبحانه وتعالى عالم بما يسر من القول وما يجهر به وعالم بأعماله فلا معنى ~~لتخصيص حبل الوريد بمعنى أنه اقرب إلى العبد منه فان حبل الوريد قريب إلى ~~القلب ليس قريبا إلى قوله الظاهر وهو يعلم ظاهر الانسان وباطنه # قال تعالى @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ وقال تعالى @QB@ يعلم السر وأخفى @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم ~~يكتبون @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم ~~القيامة إن الله بكل شيء عليم @QE@ # ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم أنه قال تعالى ms1445 @QB@ ولقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ ~~يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد @QE@ فأخبر أنه يعلم ما توسوس ~~به نفسه ثم قال @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ فأثبت العلم وأثبت ~~القرب وجعلهما شيئين فلا يجعل أحدهما هو الآخر وقيد القرب بقوله @QB@ إذ ~~يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد @QE@ PageV05P504 وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل ~~الوريد أو أن ذاته أقرب إلى الميت من اهله فهذا في غاية الضعف وذلك أن ~~الذين يقولون أنه في كل مكان أو أنه قريب من كل شيء بذاته لا يخصون بذلك ~~شيئا دون شيء ولا يمكن مسلما أن يقول ان الله قريب من الميت دون اهله ولا ~~انه قريب من حبل الوريد دون سائر الاعضاء # وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم وهو عندهم في جميع بدن الانسان أو قريب من ~~جميع بدن الانسان أو هو في أهل الميت كما هو في الميت فكيف يقول ونحن اقرب ~~إليه منكم اذا كان معه ومعهم على وجه واحد وهل يكون أقرب إلى نفسه من نفسه # وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة فانه قال @QB@ ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من ~~قول إلا لديه رقيب عتيد @QE@ فقيد القرب بهذا الزمان وهو زمان تلقى ~~المتلقيين قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال وهما الملكان الحافظان اللذان ~~يكتبان كما قال @QB@ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد @QE@ # ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن ~~لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب # وكذلك قوله في الآية الأخرى @QB@ فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ ~~تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون @QE@ PageV05P505 فلو أراد قرب ~~ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال ولا قال @QB@ ولكن لا تبصرون @QE@ فان هذا انما ~~يقال اذا كان ms1446 هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال ولكن نحن لا نبصره والرب ~~تعالى لا يراه في هذه الحال لا الملائكة ولا البشر وايضا فانه قال @QB@ ~~ونحن أقرب إليه منكم @QE@ فأخبر عمن هو اقرب إلى المحتضر من الناس الذين ~~عنده في هذه الحال وذات الرب سبحانه وتعالى اذا قيل هي في مكان أو قيل ~~قريبة من كل موجود لا يختص بهذا الزمان والمكان والاحوال ولا يكون أقرب إلى ~~شيء من شيء # ولا يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص كما في قوله @QB@ وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب @QE@ فان ذاك انما هو قربه إلى من دعاه أو عبده وهذا المحتضر ~~قد يكون كافرا أو فاجرا أو مؤمنا أو مقربا ولهذا قال تعالى @QB@ فأما إن ~~كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام ~~لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية ~~جحيم @QE@ ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من حوله ~~وقد يكون حوله قوم مؤمنون وانما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن ~~والكافر كما قال تعالى @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم @QE@ ~~وقال @QB@ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ~~@QE@ وقال @QB@ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا ~~أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير ~~الحق وكنتم عن آياته تستكبرون @QE@ PageV05P506 # وقال تعالى @QB@ حتى إذا ~~جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون @QE@ # ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال @QB@ ونحن أقرب إليه منكم ~~@QE@ @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ وهذا كقوله سبحانه @QB@ نتلوا ~~عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون @QE@ وقال @QB@ نحن نقص عليك ~~أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن @QE@ وقال @QB@ إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ # فان مثل هذا ms1447 اللفظ اذا ذكره الله تعالى في كتابه دل على أن المراد أنه ~~سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة فان صيغة نحن يقولها المتبوع ~~المطاع العظيم الذى له جنود يتبعون أمره وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة ~~الملائكة ربهم وهو خالقهم وربهم فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه ~~وملائكته تعلم فكان لفظ نحن هنا هوالمناسب # وكذلك قوله ( ونعلم ما توسوس به نفسه ( فانه سبحانه يعلم ذلك وملائكته ~~يعلمون ذلك كما ثبت في ( الصحيحين ( عن النبى ( ( أنه قال ( اذا هم العبد ~~بحسنة كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشر PageV05P507 حسنات واذا هم بسيئة ~~لم تكتب عليه فان عملها كتبت عليه سيئة واحدة وان تركها لله كتبت حسنة ( ~~فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة وليس ذلك من علمهم بالغيب الذى ~~اختص الله به وقد روى عن بن عيينة أنهم يشمون رائحة طيبة فيعلمون أنه هم ~~بحسنة ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنه هم بسيئة وهم وان شموا رائحة طيبة ~~ورائحة خبيثة فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك بل ما في قلب بن آدم يعلمونه بل ~~ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه بل الشيطان يلتقم قلبه فاذا ذكر الله خنس واذا ~~غفل قلبه عن ذكره وسوس ويعلم هل ذكر الله أم غفل عن ذكره ويعلم ما تهواه ~~نفسه من شهوات الغى فيزينها له # وقد ثبت في ( الصحيح ( عن النبى ( ( في حديث ذكر صفية رضى الله عنها ( ان ~~الشيطان يجرى من بن آدم مجرى الدم ( # وقرب الملائكة والشيطان من قلب بن آدم مما تواترت به الآثار سواء كان ~~العبد مؤمنا أو كافرا واما أن تكون ذات الرب في قلب كل أحد كافر أو مؤمن ~~فهذا باطل لم يقله أحد من سلف الأمة ولا نطق به كتاب ولا سنة بل الكتاب ~~والسنة واجماع السلف مع العقل يناقض ذلك # ولهذا لما ذكر الله سبحانه قربه من داعيه وعابديه قال ( واذا سألك عبادى ~~عنى فانى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان ( # فهنا هو نفسه سبحانه PageV05P508 وتعالى القريب ms1448 الذى يجيب دعوة الداع لا ~~الملائكة وكذلك قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( في الحديث المتفق على ~~صحته ( انكم لا تدعون أصم ولا غائبا انما تدعون سميعا قريبا ان الذى تدعونه ~~أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ( # وذلك لأن الله سبحانه قريب من قلب الداعى فهو اقرب إليه من عنق راحلته ~~وقربه من قلب الداعى له معنى متفق عليه بين أهل الاثبات الذين يقولون ان ~~الله فوق العرش ومعنى آخر فيه نزاع # فالمعنى المتفق عليه عندهم يكون بتقريبه قلب الداعى إليه كما يقرب إليه ~~قلب الساجد كما ثبت في ( الصحيح ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ( ~~فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه من ربه وان كان بدنه على الأرض ومتى قرب ~~أحد الشيئين من الآخر صار الآخر إليه قريبا بالضرورة وان قدر أنه لم يصدر ~~من الآخر تحرك بذاته كما أن من قرب من مكة قربت مكة منه # وقد وصف الله انه يقرب إليه من يقربه من الملائكة والبشر فقال ( لن ~~يستنكف المسيح ان يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ( وقال @QB@ ~~والسابقون السابقون أولئك المقربون @QE@ وقال تعالى @QB@ فأما إن كان من ~~المقربين فروح وريحان وجنة نعيم @QE@ وقال تعالى @QB@ عينا يشرب بها ~~المقربون @QE@ وقال @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب @QE@ وقال @QB@ وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا @QE@ ~~PageV05P509 وأما قرب الرب قربا يقوم به بفعله القائم بنفسه فهذا تنفيه ~~الكلابية ومن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته وأما السلف وأئمة الحديث ~~والسنة فلا يمنعون ذلك وكذلك كثير من اهل الكلام # فنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا ونزوله عشية عرفة ونحو ذلك هو من هذا ~~الباب ولهذا حد النزول بأنه إلى السماء الدنيا وكذلك تكليمه لموسى عليه ~~السلام فانه لو أريد مجرد تقريب الحجاج وقوام الليل إليه لم يخص نزوله ~~بسماء الدنيا كما لم يخص ذلك في اجابة الداعى وقرب العابدين له قال تعالى ~~@QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ وقال ( ~~من تقرب ms1449 إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ( وهذه الزيادة تكون على الوجه المتفق ~~عليه بزيادة تقريبه للعبد إليه جزاء على تقربه باختياره فكلما تقرب العبد ~~باختياره قدر شبر زاده الرب قربا إليه حتى يكون كالمتقرب بذراع فكذلك قرب ~~الرب من قلب العابد وهو ما يحصل في قلب العبد من معرفة الرب والايمان به ~~وهو المثل الأعلى وهذا أيضا لا نزاع فيه وذلك ان العبد يصير محبا لما أحب ~~الرب مبغضا لما ابغض مواليا لمن يوالى معاديا لمن يعادى فيتحد مراده مع ~~المراد المأمور به الذى يحبه الله ويرضاه # وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه وموالاة الرب لعبده فان الولاية ضد ~~العداوة و ( الولاية ( تتضمن المحبة والموافقة و ( العداوة ( تتضمن البغض ~~PageV05P510 والمخالفة وقد ثبت في ( صحيح البخارى ( عن ابى هريرة رضى الله ~~عنه عن النبى ( ( أنه قال ( يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى ~~بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدى ~~يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى ~~يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى ~~يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت في شيء ~~انا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له ~~منه ( # فأخبر سبحانه وتعالى أنه يقرب العبد بالفرائض ولا يزال يتقرب بالنوافل ~~حتى يحبه الله فيصير العبد محبوبا لله كما قال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ وقال تعالى @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه @QE@ وقال تعالى @QB@ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين @QE@ وقال ~~@QB@ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الله ~~يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ms1450 @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ~~ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين @QE@ PageV05P511 # فقد أخبر أنه يحب المتبعين لرسوله والمجاهدين في سبيله وأنه يحب المتقين ~~والصابرين والتوابين والمتطهرين وهو سبحانه يحب كل ما امر به امر ايجاب أو ~~استحباب # وقوله @QB@ ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ ~~يقتضى أنه سبحانه وجنده الموكلين بذلك يعلمون ما يوسوس به العبد نفسه كما ~~قال @QB@ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون @QE@ ~~فهو يسمع ومن يشاء من الملائكة يسمعون ومن شاء من الملائكة # وأما الكتابة فرسله يكتبون كما قال ها هنا @QB@ ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم @QE@ فأخبر بالكتابة بقوله نحن لأن جنده يكتبون بأمره وفصل في تلك ~~الآية بين السماع والكتابة لأنه يسمع بنفسه وأما كتابة الأعمال فتكون بأمره ~~والملائكة يكتبون # فقوله @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ مثل قوله @QB@ ونكتب ما ~~قدموا وآثارهم @QE@ لما كانت ملائكته متقربين إلى العبد بأمره كما كانوا ~~يكتبون عمله بأمره قال ذلك وقربه من كل أحد بتوسط الملائكة كتكليمه كل أحد ~~بتوسط الرسل كما قال تعالى @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ PageV05P512 # فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل وذاك قربه اليهم عند الاحتضار وعند ~~الأقوال الباطنة في النفس والظاهرة على اللسان وقال تعالى @QB@ وإن عليكم ~~لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون @QE@ # وقد غلط طائفة ظنوا أنه نفسه الذى يسمع منه القرآن وهو الذى يقرؤه بنفسه ~~بلا واسطة عند قراءة كل قارئ كما غلطوا في القرب وهم طائفة من متأخرى أهل ~~الحديث ومتأخرى الصوفية # ومن الناس من يفسر قول القائلين بأنه أقرب إلى كل شيء من نفس ذلك الشيء ~~بأن الأشياء معدومة من جهة أنفسها وانما هي موجودة بخلق الرب سبحانه وتعالى ~~لها وهى باقية بابقائه وهو سبحانه وتعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلا ~~موجود ms1451 الا بايجاده ولا باق الا بابقائه فلو قدر أنه لم يشأ خلقها وتكوينها ~~لكانت باقية على العدم لا وجود لها اصلا فصار هو أقرب اليها من ذواتها ~~فتكوين الشيء وخلقه وايجاده هو فعل الرب سبحانه وتعالى وبه كان الشيء ~~موجودا وكان ذاتا محققة في الخارج والموجود دائما محتاج إلى خالقه لا ~~يستغنى عنه طرفة عين فكان موجودا بنسبته إلى خالقه ومعدوما بنسبته إلى نفسه ~~فانه بالنظر إلى نفسه لا يستحق الا العدم فكان الرب أقرب إلى المخلوقات من ~~المخلوقات إلى أنفسها بهذا الاعتبار # وقد يفسر بعضهم قوله تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ بهذا المعنى ~~فان الاشياء كلها بالنظر إلى أنفسها عدم محض ونفى صرف وانما هي موجودة ~~PageV05P513 تامة بالوجه الذى لها إلى الخالق وهو تعلقها به وبمشيئته ~~وقدرته فباعتبار هذا الوجه كانت موجودة وبالوجه الذى يلى أنفسها لا تكون ~~الا معدومة # وقد يفسرون بذلك قول لبيد # الا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # ولا يقال هذه المقالة صحيحة في نفسها فانها لولا خلق الله للأشياء لم تكن ~~موجودة ولولا ابقاؤه لها لم تكن باقية وقد تكلم النظار في سبب افتقارها ~~إليه هل هو الحدوث فلا تحتاج الا في حال الاحداث كما يقول ذلك من يقوله من ~~الجهمية والمعتزلة ونحوهم أو هو الامكان الذى يظن أنه يكون بلا حدوث بل ~~بكون الممكن المعلول قديما أزليا ويمكن افتقارها في حال البقاء بلا حدوث ~~كما يقوله بن سينا وطائفة # وكلا القولين خطأ كما قد بسط في موضعه وبين أن الامكان والحدوث متلازمان ~~كما عليه جماهير العقلاء من الاولين والآخرين حتى قدماء الفلاسفة كأرسطو ~~وأتباعه فانهم أيضا يقولون ان كل ممكن فهو محدث وانما خالفهم في ذلك بن ~~سينا وطائفة ولهذا انكر ذلك عليه اخوانه من الفلاسفة كابن رشد وغيره ~~والمخلوقات مفتقرة إلى الخالق فالفقر وصف لازم لها دائما لا تزال مفتقرة ~~إليه PageV05P514 # والامكان والحدوث دليلان على الافتقار لا أن هذين الوصفين جعلا الشيء ~~مفتقرا بل فقر الاشياء إلى خالقها لازم لها لا ms1452 يحتاج إلى علة كما أن غنى ~~الرب لازم لذاته لا يفتقر في اتصافه بالغنى إلى علة وكذلك المخلوق لا يفتقر ~~في اتصافه بالفقر إلى علة بل هو فقير لذاته لا تكون ذاته الا فقيرة فقرا ~~لازما لها ولا يستغنى الا بالله # وهذا من معانى ( الصمد ( وهو الذى يفتقر إليه كل شيء ويستغنى عن كل شيء ~~بل الاشياء مفتقرة من جهة ربوبيته ومن جهة الهيته فما لا يكون به لا يكون ~~وما لا يكون له لا يصلح ولا ينفع ولا يدوم وهذا تحقيق قوله @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ # فلو لم يخلق شيئا بمشيئته وقدرته لم يوجد شيء وكل الأعمال ان لم تكن ~~لأجله فيكون هو المعبود المقصود المحبوب لذاته والا كانت أعمالا فاسدة فان ~~الحركات تفتقر إلى العلة الغائية كما افتقرت إلى العلة الفاعلية بل العلة ~~الغائية بها صار الفاعل فاعلا ولولا ذلك لم يفعل # فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شيء من الأعمال والحركات بل ~~كان العالم يفسد وهذا معنى قوله @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~@QE@ ولم يقل لعدمتا وهذا معنى قول لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% PageV05P515 # وهو كالدعاء المأثور ( أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار ~~أرضك باطل الا وجهك الكريم ( # ولفظ ( الباطل ( يراد به المعدوم ويراد به ما لا ينفع كقول النبى ( ( كل ~~لهو يلهو به الرجل فهو باطل الا رميه بقوسه وتاديبه فرسه وملاعبته لزوجته ~~فانهن من الحق ( # وقوله عن عمر رضى الله عنه ( ان هذا الرجل لا يحب الباطل ( ومنه قول ~~القاسم بن محمد لما سئل عن الغناء قال اذا ميز الله يوم القيامة الحق من ~~الباطل في ايهما يجعل الغناء قال السائل من الباطل قال ( فماذا بعد الحق ~~الا الضلال ( ومنه قوله تعالى @QB@ ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من ~~دونه هو الباطل @QE@ فان الآلهة موجودة ولكن عبادتها ودعاؤها باطل لا ينفع ~~والمقصود منها لا يحصل فهو باطل واعتقاد الوهيتها باطل أي غير مطابق ms1453 ~~واتصافها بالالهية في أنفسها باطل لا بمعنى أنه معدوم # ومنه قوله تعالى @QB@ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق @QE@ ~~وقوله @QB@ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا @QE@ فان الكذب ~~باطل لأنه غير مطابق وكل فعل ما لا ينفع باطل لأنه ليس له غاية موجودة ~~محمودة PageV05P516 فقول النبى ( ( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # هذا معناه ان كل معبود من دون الله باطل كقوله @QB@ ذلك بأن الله هو الحق ~~وأن ما يدعون من دونه هو الباطل @QE@ وقال تعالى @QB@ قل من يرزقكم من ~~السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ~~ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون @QE@ وقد قال قبل هذا ~~@QB@ وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون @QE@ كما قال في ~~الانعام @QB@ حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا ~~إلى الله مولاهم الحق @QE@ وقال @QB@ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ~~وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم @QE@ # ودخل عثمان أو غيره على بن مسعود وهو مريض فقال كيف تجدك قال أجدنى ~~مردودا إلى الله مولاى الحق قال تعالى @QB@ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو ~~الحق المبين @QE@ وقد اقروا بوجوده في الدنيا لكن في ذلك اليوم يعلمون أنه ~~الحق المبين دون ما سواه ولهذا قال ( هو الحق ( بصيغة الحصر فانه يومئذ لا ~~يبقى أحد يدعى فيه الالهية ولا أحد يشرك بربه احدا PageV05P517 ### ||| فصل # واذا عرف تنزيه الرب عن صفات النقص مطلقا فلا يوصف بالسفول ولا علو شيء ~~عليه بوجه من الوجوه بل هو العلى الاعلى الذى لا يكون الا أعلى وهو الظاهر ~~الذى ليس فوقه شيء كما اخبر النبى ( ( وأنه ليس كمثله شيء فيما يوصف به من ~~الافعال اللازمة والمتعدية لا ms1454 النزول ولا الاستواء ولا غير ذلك فيجب مع ذلك ~~اثبات ما اثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله والادلة العقلية الصحيحة ~~توافق ذلك لا تناقضه ولكن السمع والعقل يناقضان البدع المخالفة للكتاب ~~والسنة والسلف بل الصحابة والتابعون لهم باحسان كانوا يقرون أفعاله من ~~الاستواء والنزول وغيرهما على ما هي عليه # قال أبو محمد بن أبى حاتم في ( تفسيره ( ثنا عصام بن الرواد ثنا آدم ثنا ~~أبو جعفر عن الربيع عن أبى العالية @QB@ ثم استوى إلى السماء @QE@ يقول ~~ارتفع قال وروى عن الحسن يعنى البصرى والربيع بن أنس مثله كذلك # وذكر البخارى في ( صحيحه ( في ( كتاب التوحيد ( قال قال أبو العالية ~~PageV05P518 @QB@ استوى إلى السماء @QE@ ارتفع فسوى خلقهن وقال مجاهد @QB@ ~~استوى على العرش @QE@ علا على العرش وكذلك ذكر بن أبى حاتم في ( تفسيره ( ~~في قوله @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ وروى بهذا الاسناد عن أبى العالية ~~وعن الحسن وعن الربيع مثل قول أبى العالية وروى باسناده @QB@ ثم استوى على ~~العرش @QE@ قال في اليوم السابع # وقال أبو عمرو الطلمنكى وأجمعوا يعنى أهل السنة والجماعة على ان لله عرشا ~~وعلى أنه مستو على عرشه وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه قال فأجمع ~~المسلمون من اهل السنة على أن معنى @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ ونحو ~~ذلك في القرآن ان ذلك علمه وان الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف ~~شاء # قال وقال أهل السنة في قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ الاستواء ~~من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز واستدلوا بقول الله ~~@QB@ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك @QE@ وبقوله @QB@ لتستووا على ~~ظهوره @QE@ وبقوله @QB@ واستوت على الجودي @QE@ الا أن المتكلمين من اهل ~~الاثبات في هذا على أقوال فقال مالك رحمه الله ان الاستواء معقول والكيف ~~مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة # وقال عبد الله بن المبارك ومن تابعه من اهل العلم وهم كثير ان معنى استوى ~~على العرش استقر وهو قول القتيبى وقال غير هؤلاء استوى أى ظهر وقال ~~PageV05P519 ابو عبيدة ms1455 معمر بن المثنى استوى بمعنى علا وتقول العرب استويت ~~على ظهر الفرس بمعنى علوت عليه واستويت على سقف البيت بمعنى علوت عليه ~~ويقال استويت على السطح بمعناه وقال الله تعالى @QB@ فإذا استويت أنت ومن ~~معك على الفلك @QE@ وقال @QB@ لتستووا على ظهوره @QE@ وقال @QB@ واستوت على ~~الجودي @QE@ وقال @QB@ استوى على العرش @QE@ بمعنى علا على العرش # وقول الحسن وقول مالك من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشده استيعابا ~~لأن فيه نبذ التكييف واثبات الاستواء المعقول وقد أئتم اهل العلم بقوله ~~واستجودوه واستحسنوه ثم تكلم على فساد قول من تأول استوى بمعنى استولى # وقال الثعلبى وقال الكلبى ومقاتل @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ يعنى ~~استقر قال وقال أبو عبيدة صعد وقيل استولى وقيل ملك واختار هو ما حكاه عن ~~الفراء وجماعة أن معناه أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه قال ويدل عليه ~~قوله @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان @QE@ أى عمد إلى خلق السماء # وهذا الوجه من أضعف الوجوه فانه قد اخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق ~~السماوات والأرض وكذلك ثبت في ( صحيح البخارى ( عن عمران بن حصين عن النبى ~~( ( أنه قال ( كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في ~~الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض PageV05P520 فاذا كان العرش مخلوقا ~~قبل خلق السماوات والأرض فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له لو كان هذا ~~يعرف في اللغة ان استوى على كذا بمعنى أنه عمد إلى فعله وهذا لا يعرف قط في ~~اللغة لا حقيقة ولا مجازا لا في نظم ولا في نثر # ومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~@QE@ لأنه عدى بحرف الغاية كما يقال عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا ولا يقال ~~عمدت على كذا ولا قصدت عليه مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة ~~أيضا ولا هو قول أحد من مفسرى السلف بل المفسرون من السلف قولهم بخلاف ذلك ~~كما قدمناه عن بعضهم ms1456 # وانما هذا القول وأمثاله ابتدع في الاسلام لما ظهر انكار أفعال الرب التى ~~تقوم به ويفعلها بقدرته ومشيئته واختياره فحينئذ صار يفسر القرآن من يفسره ~~بما ينافى ذلك كما يفسر سائر أهل البدع القرآن على ما يوافق أقاويلهم واما ~~أن ينقل هذا التفسير عن أحد من السلف فلا بل أقوال السلف الثابتة عنهم ~~متفقة في هذا الباب لا يعرف لهم فيه قولان كما قد يختلفون أحيانا في بعض ~~الآيات وان اختلفت عباراتهم فمقصودهم واحد وهو اثبات علو الله على العرش # فان قيل اذا كان الله لا يزال عاليا على المخلوقات كما تقدم فكيف يقال ثم ~~ارتفع إلى السماء وهى دخان أو يقال ثم علا على العرش قيل هذا كما أخبر ~~PageV05P521 أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يصعد وروى ( ثم يعرج ( وهو ~~سبحانه لم يزل فوق العرش فان صعوده من جنس نزوله واذا كان في نزوله لم يصر ~~شيء من المخلوقات فوقه فهو سبحانه يصعد وان لم يكن منها شيء فوقه # وقوله @QB@ ثم استوى إلى السماء @QE@ انما فسروه بأنه ارتفع لأنه قال قبل ~~هذا @QB@ أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة ~~أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين @QE@ وهذه ~~نزلت في سورة ( حم ( بمكة ثم أنزل الله في المدينة سورة البقرة @QB@ كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو ~~بكل شيء عليم @QE@ فلما ذكر أن استواءه إلى السماء كان بعد أن خلق الأرض ~~وخلق ما فيها تضمن معنى الصعود لأن السماء فوق الأرض فالاستواء اليها ~~ارتفاع اليها # فان قيل فاذا كان انما استوى على العرش بعد ان خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام فقبل ذلك ms1457 لم يكن على العرش قيل الاستواء علو خاص فكل مستو على شيء ~~عال عليه وليس كل عال على شيء مستو عليه # ولهذا لا يقال لكل ما كان عاليا على غيره أنه مستو عليه واستوى عليه ~~PageV05P522 ولكن كل ما قيل فيه أنه استوى على غيره فانه عال عليه والذى ~~أخبر الله أنه كان بعد خلق السماوات والأرض ( الاستواء ( لا مطلق العلو مع ~~أنه يجوز أنه كان مستويا عليه قبل خلق السماوات والأرض لما كان عرشه على ~~الماء ثم لما خلق هذا العالم كان عاليا عليه ولم يكن مستويا عليه فلما خلق ~~هذا العالم استوى عليه فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم له كما أن ~~عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك وأما ( الاستواء ( فهو فعل يفعله سبحانه وتعالى ~~بمشيئته وقدرته ولهذا قال فيه ( ثم استوى ( ولهذا كان الاستواء من الصفات ~~السمعية المعلومة بالخبر وأما علوه على المخلوقات فهو عند أئمة أهل الاثبات ~~من الصفات العقلية المعلومة بالعقل مع السمع وهذا اختيار أبى محمد بن كلاب ~~وغيره وهو آخر قولى القاضي ابى يعلى وقول جماهير أهل السنة والحديث ونظار ~~المثبتة # وهذا الباب ونحوه انما اشتبه على كثير من الناس لأنهم صاروا يظنون ان ما ~~وصف الله عز وجل به من جنس ما توصف به أجسامهم فيرون ذلك يستلزم الجمع بين ~~الضدين فان كونه فوق العرش مع نزوله يمتنع في مثل اجسامهم لكن مما يسهل ~~عليهم معرفة امكان هذا معرفة أرواحهم وصفاتها وأفعالها وان الروح قد تعرج ~~من النائم إلى السماء وهى لم تفارق البدن كما قال تعالى @QB@ الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ~~الأخرى إلى أجل مسمى @QE@ وكذلك الساجد قال PageV05P523 النبي ( أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد ( وكذلك تقرب الروح إلى الله في غير حال السجود ~~مع أنها في بدنه ولهذا يقول بعض السلف القلوب جوالة قلب يجول حول العرش ~~وقلب يجول حول الحش # واذا قبضت الروح عرج بها إلى الله في ms1458 أدنى زمان ثم تعاد إلى البدن فتسأل ~~وهى في البدن ولو كان الجسم هو الصاعد النازل لكان ذلك في مدة طويلة وكذلك ~~ما وصف النبى ( ( من حال الميت في قبره وسؤال منكر ونكير له والاحاديث في ~~ذلك كثيرة # وقد ثبت في ( الصحيحين ( من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه عن النبى ( ~~( أنه قال ( اذا اقعد الميت في قبره أتى ثم شهد ان لا اله الا الله فذلك ~~قوله @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة @QE@ وكذلك في ( صحيح البخارى ( وغيره عن قتادة عن أنس عن النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( ان العبد اذا وضع في قبره وذهب أصحابه حتى ~~انه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له ما كنت تقول في هذا ~~الرجل محمد فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقول له أنظر إلى مقعدك من ~~النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة ( قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~فيراهما جميعا PageV05P524 وأما الكافر والمنافق فيقول هاه هاه لا أدري كنت ~~أقول ما يقول الناس سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيقال له لا دريت ولا ~~تليت ويضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه الا ~~الثقلين ( # والناس في مثل هذا على ( ثلاثة أقوال ( منهم من ينكر اقعاد الميت مطلقا ~~لأنه قد أحاط ببدنه من الحجارة والتراب ما لا يمكن قعوده معه وقد يكون في ~~صخر يطبق عليه وقد يوضع على بدنه ما يكشف فيوجد بحاله ونحو ذلك ولهذا صار ~~بعض الناس إلى أن عذاب القبر انما هو على الروح فقط كما يقوله بن ميسره وبن ~~حزم وهذا قول منكر عند عامة أهل السنة والجماعة # وصار آخرون إلى أن نفس البدن يقعد على ما فهموه من النصوص # وصار آخرون يحتجون بالقدرة وبخبر الصادق ولا ينظرون إلى ما يعلم بالحس ~~والمشاهدة وقدرة الله حق وخبر الصادق حق لكن الشأن في فهمهم # واذا عرف أن النائم يكون نائما وتقعد روحه وتقوم وتمشى وتذهب ms1459 وتتكلم ~~وتفعل أفعالا وأمورا بباطن بدنه مع روحه ويحصل لبدنه وروحه بها نعيم وعذاب ~~مع أن جسده مضطجع وعينيه مغمضة وفمه مطبق PageV05P525 وأعضاءه ساكنة وقد ~~يتحرك بدنه لقوة الحركة الداخلة وقد يقوم ويمشى ويتكلم ويصيح لقوة الأمر في ~~باطنه كان هذا مما يعتبر به أمر الميت في قبره فان روحه تقعد وتجلس وتسأل ~~وتنعم وتعذب وتصيح وذلك متصل ببدنه مع كونه مضطجعا في قبره وقد يقوى الامر ~~حتى يظهر ذلك في بدنه وقد يرى خارجا من قبره والعذاب عليه وملائكة العذاب ~~موكلة به فيتحرك بدنه ويمشى ويخرج من قبره وقد سمع غير واحد أصوات المعذبين ~~في قبورهم وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب ومن يقعد بدنه أيضا اذا قوى ~~الأمر لكن هذا ليس لازما في حق كل ميت كما أن قعود بدن النائم لما يراه ليس ~~لازما لكل نائم بل هو بحسب قوة الأمر # وقد عرف أن ابدانا كثيرة لا يأكلها التراب كأبدان الانبياء وغير الانبياء ~~من الصديقين وشهداء أحد وغير شهداء أحد والاخبار بذلك متواترة لكن المقصود ~~ان ما ذكره النبى ( ( من اقعاد الميت مطلقا هو متناول لقعودهم ببواطنهم وان ~~كان ظاهر البدن مضطجعا # ومما يشبه هذا اخباره ( ( بما رآه ليلة المعراج من الأنبياء في السماوات ~~وأنه رأى آدم وعيسى ويحيى ويوسف وادريس وهارون وموسى وابراهيم صلوات الله ~~وسلامه عليهم وأخبر ايضا أنه رأى موسى قائما يصلى في قبره وقد رآه أيضا في ~~السماوات ومعلوم أن أبدان الانبياء في القبور الا عيسى وادريس واذا كان ~~موسى قائما يصلى في قبره ثم رآه في السماء PageV05P526 السادسة مع قرب ~~الزمان فهذا أمر لا يحصل للجسد ومن هذا الباب أيضا نزول الملائكة صلوات ~~الله عليهم وسلامه جبريل وغيره # فاذا عرف ان ما وصفت به الملائكة وأرواح الآدميين من جنس الحركة والصعود ~~والنزول وغير ذلك لا يماثل حركة أجسام الادميين وغيرها مما نشهده بالأبصار ~~في الدنيا وأنه يمكن فيها ما لا يمكن في أجسام الآدميين كان ما يوصف به ~~الرب من ms1460 ذلك أولى بالامكان وأبعد عن مماثلة نزول الاجسام بل نزوله لا يماثل ~~نزول الملائكة وأرواح بنى آدم وان كان ذلك أقرب من نزول أجسامهم # واذا كان قعود الميت في قبره ليس هو مثل قعود البدن فما جاءت به الآثار ~~عن النبى ( ( من لفظ ( القعود والجلوس ( في حق الله تعالى كحديث جعفر بن ~~أبى طالب رضى الله عنه وحديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه وغيرهما أولى أن ~~لا يماثل صفات أجسام العباد PageV05P527 ### ||| فصل # نزاع الناس في معنى ( حديث النزول ( وما أشبهه في الكتاب والسنة من ~~الأفعال اللازمة المضافة إلى الرب سبحانه وتعالى مثل المجىء والاتيان ~~والاستواء إلى السماء وعلى العرش بل وفى الافعال المتعدية مثل الخلق ~~والاحسان والعدل وغير ذلك هو ناشىء عن نزاعهم في أصلين # ( أحدهما ( أن الرب تعالى هل يقوم به فعل من الافعال فيكون خلقه للسموات ~~والأرض فعلا فعله غير المخلوق أو ان فعله هو المفعول والخلق هو المخلوق # على قولين معروفين # ( والأول ( هو المأثور عن السلف وهو الذى ذكره البخارى في ( كتاب خلق ~~أفعال العباد ( عن العلماء مطلقا ولم يذكر فيه نزاعا وكذلك ذكره البغوى ~~وغيره مذهب أهل السنة وكذلك ذكره أبو على الثقفى والضبعى وغيرهما من اصحاب ~~بن خزيمة في ( العقيدة ( التى اتفقوا هم وبن خزيمة على أنها مذهب أهل السنة ~~وكذلك ذكره الكلاباذى في كتاب ( التعرف لمذهب PageV05P528 التصوف أنه مذهب ~~الصوفية وهو مذهب الحنفية وهو مشهور عندهم وبعض المصنفين في ( الكلام ( ~~كالرازى ونحوه ينصب الخلاف في ذلك معهم فيظن الظان أن هذا مما انفردوا به ~~وهو قول السلف قاطبة وجماهير الطوائف وهو قول جمهور أصحاب أحمد متقدموهم ~~كلهم وأكثر المتأخرين منهم وهو أحد قولى القاضي أبى يعلى وكذلك هو قول أئمة ~~المالكية والشافعية وأهل الحديث وأكثر أهل الكلام كالهشامية أو كثير منهم ~~والكرامية كلهم وبعض المعتزلة وكثير من أساطين الفلاسفة متقدميهم ومتأخريهم # وذهب آخرون من أهل الكلام الجهمية وأكثر المعتزلة والاشعرية إلى أن الخلق ~~هو نفس المخلوق وليس لله عند هؤلاء صنع ولا فعل ms1461 ولا خلق ولا ابداع الا ~~المخلوقات أنفسها وهو قول طائفة من الفلاسفة المتأخرين اذا قالوا بأن الرب ~~مبدع كابن سينا وأمثاله # و ( الحجة المشهورة ( لهؤلاء المتكلمين أنه لو كان خلق المخلوقات بخلق ~~لكان ذلك الخلق اما قديما واما حادثا فان كان قديما لزم قدم كل مخلوق وهذا ~~مكابرة وان كان حادثا فان قام بالرب لزم قيام الحوادث به وان لم يقم به كان ~~الخلق قائما بغير الخالق وهذا ممتنع وسواء قام به أو لم يقم به يفتقر ذلك ~~الخلق إلى خلق آخر ويلزم التسلسل هذا عمدتهم و ( # جواب السلف والجمهور ( عنها بمنع مقدماتها كل طائفة تمنع مقدمة ويلزمهم ~~ذلك الزاما لا محيد لهم عنه PageV05P529 أما ( الأولى ( فقولهم لو كان ~~قديما لزم قدم المخلوق يمنعهم ذلك من يقول بأن الخلق فعل قديم يقوم بالخالق ~~والمخلوق محدث كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية والحنفية والحنبلية ~~والشافعية والمالكية والصوفية وأهل الحديث وقالوا أنتم وافقتمونا على ان ~~ارادته قديمة أزلية مع تأخر المراد كذلك الخلق هو قديم أزلى وان كان ~~المخلوق متأخرا ومهما قلتموه في الارادة ألزمناكم نظيره في الخلق # وهذا جواب الزامى جدلى لا حيلة لهم فيه # وأما ( المقدمة الثانية ( وهى قولهم لو كان حادثا قائما بالرب لزم قيام ~~الحوادث وهو ممتنع فقد منعهم ذلك السلف وأئمة اهل الحديث وأساطين الفلاسفة ~~وكثير من متقدميهم ومتأخريهم وكثير من أهل الكلام كالهشامية والكرامية ~~وقالوا لا نسلم انتفاء اللازم وسيأتى الكلام ان شاء الله تعالى على ذلك في ~~( الأصل الثانى ( # وأما ( الثالث ( فقولهم ان لم تقم به فهو محال فهذا لم يمنعهم اياه الا ~~طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم فمنهم من قال بل الخلق يقوم ~~بالمخلوق ومنهم من يقول بل الخلق ليس في محل كما تقول المعتزلة البصريون ~~فعل بارادة لا في محل وهذا ممتنع لا أعرفه عن أحد من السلف وأهل الحديث ~~والفقهاء والصوفية والفلاسفة PageV05P530 وأما ( المقدمة الرابعة ( وهى ~~قولهم الخلق الحادث يفتقر إلى خلق آخر فقد منعهم من ذلك عامة من ms1462 يقول بخلق ~~حادث من أهل الحديث والكلام والفلسفة والفقه والتصوف وغيرهم كأبى معاذ ~~التومنى وزهير الابرى والهشامية والكرامية وداود بن على الاصبهانى وأصحابه ~~وأهل الحديث والسلف الذين ذكرهم البخارى وغيره وقالوا اذا خلق السماوات ~~والأرض بخلق لم يلزم أن يحتاج ذلك الخلق إلى خلق آخر ولكن ذلك الخلق يحصل ~~بقدرته ومشيئته وان كان ذلك الخلق حادثا # والدليل على فساد الزامهم أن الحادث اما أن يكفى في حصوله القدرة ~~والمشيئة واما ان لا يكفى فان لم يكف ذلك بطل قولهم ان المخلوقات تحدث ~~بمجرد القدرة والارادة بلا خلق واذا بطل قولهم تبين أنه لابد للمخلوق من ~~خالق خلقه وهو المطلوب وان كفى في حصول المخلوق القدرة والمشيئة جاز حصول ~~هذا الخلق الذى يخلق به المخلوقات بالقدرة والمشيئة ولم يحتج إلى خلق آخر ~~فتبين أنه على كل تقدير لا يلزم أن يقال خلقت المخلوقات بلا خلق بل يجوز أن ~~يقال خلقت بخلق وهو المطلوب # وتبين أن النفاة ليس لهم قط حجة مبنية على مقدمة الا وقد نقضوا تلك ~~المقدمة في موضع آخر فمقدمات حجتهم كلها منتقضة # وايضا فمن المعقول أن المفعول المنفصل الذى يفعله الفاعل لا يكون الا ~~PageV05P531 بفعل يقوم بذاته وأما نفس فعله القائم بذاته فلا يفتقر إلى فعل ~~آخر بل يحصل بقدرته ومشيئته ولهذا كان القائلون بهذا يقولون ان الخلق حادث ~~ولا يقولون هو مخلوق وتنازعوا هل يقال انه محدث على قولين # وكذلك يقولون انه يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه هو حديث وهو أحسن الحديث ~~وليس بمخلوق باتفاقهم ويسمى حديثا وحادثا وهل يسمى محدثا على قولين لهم ومن ~~كان من عادته انه لا يطلق لفظ المحدث الا على المخلوق المنفصل كما كان هذا ~~الاصطلاح هو المشهور عند المتناظرين الذين تناظروا في القرآن في محنة ~~الامام أحمد رحمه الله وكانوا لا يعرفون للمحدث معنى الا المخلوق المنفصل ~~فعلى هذا الاصطلاح لا يجوز عند أهل السنة ان يقال القرآن محدث بل من قال ~~أنه محدث فقد قال أنه مخلوق # ولهذا أنكر الامام أحمد ms1463 هذا الاطلاق على ( داود ( لما كتب إليه أنه تكلم ~~بذلك فظن الذين يتكلمون بهذا الاصطلاح أنه أراد هذا فأنكره أئمة السنة ~~وداود نفسه لم يكن هذا قصده بل هو وأئمة اصحابه متفقون على أن كلام الله ~~غير مخلوق وانما كان مقصوده انه قائم بنفسه وهو قول غير واحد من أئمة السلف ~~وهو قول البخارى وغيره # والنزاع في ذلك بين أهل السنة ( لفظى ( فانهم متفقون على أنه ليس بمخلوق ~~منفصل ومتفقون على أن كلام الله قائم بذاته وكان أئمة السنة PageV05P532 ~~كأحمد وامثاله والبخارى وأمثاله وداود وأمثاله وبن المبارك وأمثاله وبن ~~خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمى وبن أبى شيبة وغيرهم متفقين على أن الله ~~يتكلم بمشيئته وقدرته ولم يقل أحد منهم أن القرآن قديم وأول من شهر عنه أنه ~~قال ذلك هو بن كلاب # وكان ( الامام أحمد ( يحذر من الكلابية وأمر بهجر الحارث المحاسبى لكونه ~~كان منهم وقد قيل عن الحارث أنه رجع في القرآن عن قول بن كلاب وأنه كان ~~يقول ان الله يتكلم بصوت وممن ذكر ذلك عنه الكلاباذى في كتاب ( التعرف ~~لمذهب التصوف ( # والمقصود هنا أن قول القائل لو كان خلقه للأشياء ليس هو الاشياء لافتقر ~~الخلق إلى خلق آخر فيكون الخلق مخلوقا ممنوع بل الخلق يحصل بقدرة الرب ~~ومشيئته والمخلوق يحصل بالخلق # ( وأما المقدمة الخامسة ( وهو ان ذلك يفضى إلى التسلسل فهذه المقدمة تقال ~~على وجهين # ( أحدهما ( أن الخلق يفتقر إلى خلق آخر وذلك الخلق إلى خلق آخر كما تقدم # ( والثانى ( أن يقال هب أنه لا يفتقر إلى خلق لكن يفتقر إلى سبب يحصل به ~~الخلق وان لم يسم ذلك خلقا وذلك السبب انما تم عند وجود PageV05P533 الخلق ~~فتمامه حادث وكل حادث فلابد له من سبب اذ لو كان ذلك الخلق لا يفتقر إلى ~~سبب حادث للزم وجود الحادث بلا سبب حادث وان قيل ان السبب التام قديم لزم ~~من ذلك تأخر المسبب عن سببه التام وهذا ممتنع # وهنا للقائلين بأن الخلق غير المخلوق وان الخلق حادث ثلاثة ms1464 أجوبة # ( أحدها ( قول من يقول الخلق الحادث لا يفتقر إلى سبب حادث لا إلى خلق ~~ولا إلى غيره قالوا أنتم يا معشر المنازعين كلكم يقول انه قد يحدث حادث بلا ~~سبب حادث فانه من قال المخلوق غير الخلق فالمخلوقات كلها حادثة عنده بلا ~~سبب حادث ومن قال الخلق قديم فلا ريب أن القديم لا اختصاص له بوقت معين ~~فالمخلوق الحادث في وقته المعين له لم يحصل له سبب حادث # قالوا واذا كان هذا لازما على كل تقدير لم يخص بجوابه بل نقول المخلوق ~~حدث بالخلق والخلق حصل بقدرة الله ومشيئته القديمة من غير افتقار إلى سبب ~~آخر وهذا قول كثير من الطوائف من أهل الحديث والكلام كالكرامية وغيرهم ( # الجواب الثانى ( قول من يقول من المعتزلة ان الخلق الحادث قائم بالمخلوق ~~أو قائم لا بمحل كما يقولون في الارادة انها حادثة لا في محل من غير سبب ~~اقتضى حدوثها بل أحدثها بمجرد القدرة PageV05P534 # الجواب الثالث ( جواب معمر وأصحابه الذين يسمون ( أهل المعانى ( فانهم ~~يقولون بالتسلسل في آن واحد فيقولون ان الخلق له خلق وللخلق خلق وللخلق خلق ~~آخر وهلم جرا لا إلى نهاية وذلك موجود كله في آن واحد وهذا مشهور عنهم # ( والجواب الرابع ( قول من يقول الخلق الحادث يفتقر إلى سبب حادث وكذلك ~~ذلك السبب وهلم جرا وهذا يستلزم دوام نوع ذلك وهذا غير ممتنع فان مذهب ~~السلف ان الله لم يزل متكلما اذا شاء وكلماته لا نهاية لها وكل كلام مسبوق ~~بكلام قبله لا إلى نهاية محدودة وهو سبحانه يتكلم بقدرته ومشيئته # وكذلك يقولون الحى لا يكون الا فعالا كما قاله البخارى وذكره عن نعيم بن ~~حماد وعثمان بن سعيد وبن خزيمة وغيرهم ولا يكون الا متحركا كما قال عثمان ~~بن سعيد الدارمى وغيره وكل منهما يذكر أن ذلك مذهب أهل السنة وهكذا يقول ~~ذلك من اساطين الفلاسفة من ذكر قوله بذلك في غير هذا الموضع من متقدميهم ~~ومتأخريهم # قالوا وهذا تسلسل في الآثار والبرهان انما دل على امتناع ms1465 التسلسل في ~~المؤثرين فان هذا مما يعلم فساده بصريح المعقول وهو مما اتفق العقلاء على ~~امتناعه كما بسط الكلام عليه في موضع آخر PageV05P535 فأما كونه سبحانه ~~وتعالى يتكلم كلمات لا نهاية لها وهو يتكلم بمشيئته وقدرته فهذا هو الذى ~~يدل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها والفلاسفة ~~توافق على دوام هذا النوع وقدماء أساطينهم يوافقون على قيام ذلك بذات الله ~~كما يقوله أئمة المسلمين وسلفهم والذين قالوا ان ذلك ممتنع هم أهل الكلام ~~المحدث في الاسلام من الجهمية والمعتزلة وهم الذين استدلوا على حدوث كل ما ~~تقوم به الحوادث بامتناع حوادث لا أول لها # ومن هنا يظهر ( الاصل الثانى ( الذى تبنى عليه أفعال الرب تعالى اللازمة ~~والمتعدية وهو انه سبحانه هل تقوم به الأمور الاختيارية المتعلقة بقدرته ~~ومشيئته أم لا فمذهب السلف وأئمة الحديث وكثير من طوائف الكلام والفلاسفة ~~جواز ذلك وذهب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة والكلابية من ~~مثبتة الصفات إلى امتناع قيام ذلك به # أما ( نفاة الصفات ( فانهم ينفون هذا وغيره ويقولون هذا كله اعراض ~~والاعراض لا تقوم الا بجسم والاجسام محدثة فلو قامت به الصفات لكان محدثا # أما ( الكلابية ( فانهم يقولون نحن نقول تقوم به الصفات ولا نقول هي ~~أعراض فان العرض لا يبقى زمانين وصفات الرب تبارك وتعالى عندنا باقية بخلاف ~~الاعراض القائمة بالمخلوقات فان الاعراض عندنا لا تبقى زمانين PageV05P536 ~~وأما جمهور العقلاء فنازعوهم في هذا وقالوا بل السواد والبياض الذى كان ~~موجودا من ساعة هو هذا السواد بعينه كما قد بسط في غير هذا الموضع اذ ~~المقصود هنا التنبيه على مقالات الطوائف في هذا الاصل # قالت ( الكلابية ( وأما الحوادث فلو قامت به للزم ان لا يخلو منها فان ~~القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده واذا لم يخل منها لزم ان يكون حادثا فان ~~هذا هو الدليل على حدوث الاجسام هذا عمدتهم في هذا الأصل والذين خالفوهم قد ~~يمنعون المقدمتين كليهما وقد يمنعون واحدة منهما # وكثير من أهل الكلام والحديث ms1466 منعوا الأولى كالهشامية والكرامية وأبى معاذ ~~وزهير الابرى وكذلك الرازى والامدى وغيرهما من الاشعرية منعوا المقدمة ~~الاولى وبينوا فسادها وأنه لا دليل لمن ادعاها على دعواه بل قد يكون الشيء ~~قابلا للشىء وهو خال منه ومن ضده كما هو الموجود فان القائلين بهذا الاصل ~~التزموا ان كل جسم له طعم ولون وريح وغير ذلك من أجناس الاعراض التى تقبلها ~~الاجسام فقال جمهور العقلاء هذا مكابرة ظاهرة ودعوى بلا حجة وانما التزمته ~~الكلابية لاجل هذا الأصل # وأما ( المقدمة الثانية ( وهو منع دوام نوع الحادث فهذه يمنعها ائمة ~~السنة والحديث القائلين بأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته وان كلماته لا نهاية ~~لها والقائلين بأنه لم يزل فعالا كما يقوله البخارى وغيره والذين يقولون ~~PageV05P537 الحركة من لوازم الحياة فيمتنع وجود حياة بلا حركة أصلا كما ~~يقوله الدارمى وغيره # وقد روى الثعلبى في ( تفسيره ( باسناده عن جعفر بن محمد الصادق رضى الله ~~عنه أنه سئل عن قوله تعالى ( أفحسبتم انما خلقناكم عبثا ( لم خلق الله ~~الخلق فقال لأن الله كان محسنا بما لم يزل فيما لم يزل إلى ما لم يزل فاراد ~~الله أن يفيض احسانه إلى خلقه وكان غنيا عنهم لم يخلقهم لجر منفعة ولا لدفع ~~مضرة ولكن خلقهم وأحسن اليهم وأرسل اليهم الرسل حتى يفصلوا بين الحق ~~والباطل فمن أحسن كافأه بالجنة ومن عصى كافأه بالنار # وقال بن عباس رضى الله عنه في قوله تعالى @QB@ وكان الله غفورا رحيما ~~@QE@ @QB@ وكان الله عليما حكيما @QE@ ونحو ذلك قال كان ولم يزل ولا يزال # ويمنعها أيضا جمهور الفلاسفة ولكن الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية ~~يقولون بامتناعها وهى من الأصول الكبار التى يبتنى عليها الكلام في كلام ~~الله تعالى وفى خلقه # وهذا القول هو أصل الكلام المحدث في الاسلام الذى ذمه السلف والأئمة فان ~~اصحاب هذا الكلام في الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم ظنوا أن معنى كون الله ~~خالقا لكل شيء كما دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه أهل الملل من المسلمين ~~واليهود والنصارى وغيرهم أنه سبحانه وتعالى لم ms1467 يزل معطلا PageV05P538 لا ~~يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء أصلا بل هو وحده موجود بلا كلام يقوله ولا فعل ~~يفعله ثم أنه أحدث ما أحدث من كلامه ومفعولاته المنفصلة عنه فأحدث العالم ~~وظنوا أن ما جاءت به الرسل واتفق عليه أهل الملل من أن كل ما سوى الله ~~مخلوق والله خالق كل شيء هذا معناه وان ضد هذا قول من قال بقدم العالم أو ~~بقدم مادته فصاروا في كتبهم الكلامية لا يذكرون الا قولين # ( أحدهما ( قول المسلمين وغيرهم من أهل الملل ان العالم محدث ومعناه ~~عندهم ما تقدم # ( والثانى ( قول الدهرية الذين يقولون العالم قديم وصاروا يحكون في كتب ~~الكلام والمقالات ان مذهب أهل الملل قاطبة من المسلمين واليهود والنصارى ~~وغيرهم ان الله كان فيما لم يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء ثم انه أحدث ~~العالم ومذهب الدهرية ان العالم قديم # والمشهور عن القائلين بقدم العالم أنه لا صانع له فينكرون الصانع جل ~~جلاله وقد ذكر أهل المقالات أن أول من قال من الفلاسفة بقدم العالم ( أرسطو ~~( صاحب التعاليم الفلسفية المنطقى والطبيعى والالهى وأرسطو وأصحابه القدماء ~~يثبتون في كتبهم العلة الأولى ويقولون إن الفلك يتحرك للتشبه بها فهي علة ~~له بهذا الاعتبار اذ لو لا وجود من تشبه به الفلك لم يتحرك وحركته ~~PageV05P539 من لوازم وجوده فلو بطلت حركته لفسد # ولم يقل أرسطو ان العلة الاولى ابدعت الافلاك ولا قال هو موجب بذاته كما ~~يقوله من يقول من متأخرى الفلاسفة كابن سينا وامثاله ولا قال ان الفلك قديم ~~وهو ممكن بذاته بل كان عندهم ما عند سائر العقلاء أن الممكن هو الذى يمكن ~~وجوده وعدمه ولا يكون كذلك الا ما كان محدثا والفلك عندهم ليس بممكن بل هو ~~قديم لم يزل وحقيقة قولهم أنه واجب لم يزل ولا يزال # فلهذا لا يوجد في عامة كتب الكلام المتقدمة القول بقدم العالم الا عمن ~~ينكر الصانع فلما أظهر من أظهر من الفلاسفة كابن سينا وأمثاله ان العالم ~~قديم عن علة موجبة بالذات ms1468 قديمة صار هذا قولا آخر للقائلين بقدم العالم ~~أزالوا به ما كان يظهر من شناعة قولهم من انكار صانع العالم وصاروا أيضا ~~يطلقون الفاظ المسلمين من أنه مصنوع ومحدث ونحو ذلك ولكن مرادهم بذلك أنه ~~معلول قديم أزلى لا يريدون بذلك أن الله أحدث شيئا بعد أن لم يكن واذا ~~قالوا ان الله خالق كل شيء فهذا معناه عندهم فصار المتأخرون من المتكلمين ~~يذكرون هذا القول والقول المعروف عن أهل الكلام في معنى حدوث العالم الذى ~~يحكونه عن اهل الملل كما تقدم كما يذكر ذلك الشهرستانى والرازى والآمدى ~~وغيرهم # وهذا الأصل الذى ابتدعه الجهمية ومن اتبعهم من اهل الكلام من امتناع ~~PageV05P540 دوام فعل الله وهو الذى بنوا عليه أصول دينهم وجعلوا ذلك اصل ~~دين المسلمين فقالوا الاجسام لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث ~~فهو حادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث لأن ما لا يخلو عنها ولا يسبقها ~~يكون معها أو بعدها وما كان مع الحوادث أو بعدها فهو حادث # وكثير منهم لا يذكر على ذلك دليلا لكون ذلك ظاهرا اذ لم يفرقوا بين نوع ~~الحوادث وبين الحادث المعين لكن من تفطن منهم للفرق فانه يذكر دليلا على ~~ذلك بأن يقول الحوادث لا تدوم بل يمتنع وجود حوادث لا أول لها ومنهم من ~~يمنع أيضا وجود حوادث لا آخر لها كما يقول ذلك اماما هذا الكلام الجهم بن ~~صفوان وأبو الهذيل # ولما كان حقيقة هذا القول ان الله سبحانه لم يكن قادرا على الفعل في ~~الأزل بل صار قادرا على الفعل بعد ان لم يكن قادرا عليه كان هذا مما أنكره ~~المسلمون على هؤلاء حتى أنه كان من البدع التى ذكروها من بدع الاشعرى في ~~الفتنة التى جرت بخراسان لما أظهروا لعنة أهل البدع والقصة مشهورة # ثم أن اهل الكلام وأئمتهم كالنظام والعلاف وغيرهما من شيوخ المعتزلة ~~والجهمية ومن اتبعهم من سائر الطوائف يقولون ان دين الاسلام انما يقوم على ~~هذا الأصل وأنه لا يعرف أن ms1469 محمدا رسول الله ( إلا بهذا PageV05P541 الاصل ~~فان معرفة الرسول متوقفة على معرفة المرسل فلابد من اثبات العلم بالصانع ~~أولا ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه # قالوا وهذا لا يمكن معرفته الا بهذه الطريقة فانه لا سبيل إلى معرفة ~~الصانع فيما زعموا الا بمعرفة مخلوقاته ولا سبيل إلى معرفة حدوث المخلوقات ~~الا بهذه الطريق فيما زعموا ويقول أكثرهم اول ما يجب على الانسان معرفة ~~الله ولا يمكن معرفته الا بهذا الطريق # ويقول كثير منهم ان هذه طريقة إبراهيم الخليل عليه السلام المذكورة في ~~قوله @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ قالوا فان إبراهيم استدل بالافول وهو الحركة ~~والانتقال على أن المتحرك لا يكون الها # قالوا ولهذا يجب تأويل ما ورد عن الرسول ( ( مخالفا لذلك من وصف الرب ~~بالاتيان والمجىء والنزول وغير ذلك فان كونه نبيا لم يعرف الا بهذا الدليل ~~العقلى فلو قدح في ذلك لزم القدح في دليل نبوته فلم يعرف أنه رسول الله ~~وهذا ونحوه هوالدليل العقلى الذى يقولون انه عارض السمع والعقل ونقول اذا ~~تعارض السمع والعقل امتنع تصديقهما وتكذيبهما وتصديق السمع دون العقل لأن ~~العقل هو أصل السمع فلو جرح أصل الشرع كان جرحا له # ولأجل هذه الطريق أنكرت الجهمية والمعتزلة الصفات والرؤية وقالوا ~~PageV05P542 القرآن مخلوق ولأجلها قالت الجهمية بفناء الجنة والنار ولاجلها ~~قال العلاف بفناء حركاتهم ولاجلها فرع كثير من أهل الكلام كما قد بسط في ~~غير هذا الموضع # فقال لهم الناس اما قولكم ان هذه الطريق هي الأصل في معرفة دين الاسلام ~~ونبوة الرسول ( ( فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الاسلام فانه من ~~المعلوم لكل من علم حال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ( وأصحابه وما جاء به ~~من الايمان والقرآن أنه لم يدع الناس بهذه الطريق أبدا ولا تكلم بها أحد من ~~الصحابة ولا التابعين لهم باحسان فكيف تكون هي أصل الايمان والذى جاء ~~بالايمان وأفضل الناس ايمانا لم يتكلموا بها البتة ولا سلكها منهم أحد # والذين علموا أن هذه طريق مبتدعة حزبان # ( حزب ( ظنوا ms1470 أنها صحيحة في نفسها لكن أعرض السلف عنها لطول مقدماتها ~~وغموضها وما يخاف على سالكها من الشك والتطويل وهذا قول جماعة كالاشعرى في ~~رسالته إلى الثغر والخطابى والحليمى والقاضى أبى يعلى وبن عقيل وأبى بكر ~~البيهقى وغير هؤلاء # ( والثانى ( قول من يقول بل هذه الطريقة باطلة في نفسها ولهذا ذمها السلف ~~وعدلوا عنها وهذا قول أئمة السلف كابن المبارك والشافعى وأحمد PageV05P543 ~~بن حنبل واسحاق بن راهوية وأبى يوسف ومالك بن أنس وبن الماجشون عبد العزيز ~~وغير هؤلاء من السلف # وحفص الفرد لما ناظر الشافعى في مسألة القرآن وقال القرآن مخلوق وكفره ~~الشافعى كان قد ناظره بهذه الطريقة # وكذلك أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث كان من المناظرين للامام أحمد بن حنبل ~~في مسألة القرآن بهذه الطريقة # وقد ذكر الامام أحمد في رده على الجهمية مما عابه عليهم أنهم يقولون ان ~~الله لا يتكلم ولا يتحرك # وأما عبد الله بن المبارك فكان مبتلى بهؤلاء في بلاده ومذهبه في مخالفتهم ~~كثير وكذلك الماجشون في الرد عليهم وكلام السلف في الرد على هؤلاء كثير ~~وقال لهم الناس ان هذا الاصل الذى ادعيتم اثبات الصانع به وأنه لا يعرف انه ~~خالق للمخلوقات الا به هو بعكس ما قلتم بل هذا الاصل يناقض كون الرب خالقا ~~للعالم ولا يمكن مع القول به القول بحدوث العالم ولا الرد على الفلاسفة # فالمتكلمون الذين ابتدعوه وزعموا أنهم به نصروا الاسلام وردوا به على ~~اعدائه كالفلاسفة لا للاسلام نصروا ولا لعدوه كسروا بل كان ما ابتدعوه مما ~~افسدوا به حقيقة الاسلام على من اتبعهم فأفسدوا عقله ودينه PageV05P544 ~~واعتدوا به على من نازعهم من المسلمين وفتحوا لعدو الاسلام بابا إلى مقصوده # فان حقيقة قولهم أن الرب لم يكن قادرا ولا كان الكلام والفعل ممكنا له ~~ولم يزل كذلك دائما مدة أو تقدير مدة لا نهاية لها ثم أنه تكلم وفعل من غير ~~سبب اقتضى ذلك وجعلوا مفعوله هو فعله وجعلوا فعله وارادة فعله قديمة أزلية ~~والمفعول متأخرا وجعلوا القادر يرجح ms1471 أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وكل ~~هذا خلاف المعقول الصريح وخلاف الكتاب والسنة وأنكروا صفاته ورؤيته وقالوا ~~كلامه مخلوق وهو خلاف دين الاسلام # والذين اتبعوهم وأثبتوا الصفات قالوا يريد جميع المرادات بارادة واحدة ~~وكل كلام تكلم به أو يتكلم به انما هو شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض واذا ~~رؤى رؤى لا بمواجهة ولا بمعاينة وانه لم يسمع ولم ير الاشياء حتى وجدت ثم ~~لما وجدت لم يقم به أمر موجود بل حاله قبل أن يسمع ويبصر كحاله بعد ذلك إلى ~~أمثال هذه الأقوال التى تخالف المعقول الصريح والمنقول الصحيح # ثم لما رأت ( الفلاسفة ( ان هذا مبلغ علم هؤلاء وأن هذا هو الاسلام الذى ~~عليه هؤلاء وعلموا فساد هذا اظهروا قولهم بقدم العالم واحتجوا بأن تجدد ~~الفعل بعد أن لم يكن ممتنع بل لابد لكل متجدد من سبب حادث PageV05P545 وليس ~~هناك سبب فيكون الفعل دائما ثم ادعوا دعوى كاذبة لم يحسن أولئك أن يبينوا ~~فسادها وهو أنه اذا كان دائما لزم قدم الافلاك والعناصر # ثم أنهم لما أرادوا تقرير ( النبوة ( جعلوها فيضا يفيض على نفس النبى من ~~العقل الفعال أو غيره من غير أن يكون رب العالمين يعلم له رسولا معينا ولا ~~يميز بين موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين ولا يعلم الجزئيات ولا ~~نزل من عنده ملك بل جبريل هو خيال يتخيل في نفس النبى أو هو العقل الفعال ~~وأنكروا أن تكون السماوات والأرض خلقت في ستة أيام وان السماوات تنشق ~~وتنفطر وغير ذلك مما أخبر به الرسول ( ( # وزعموا أن ما جاء به الرسول ( ( انما أراد به خطاب الجمهور مما يخيل ~~اليهم بما ينتفعون به من غير أن يكون الامر في نفسه كذلك ومن غير أن تكون ~~الرسل بينت الحقائق وعلمت الناس ما الأمر عليه # ثم منهم من يفضل الفيلسوف على النبى ( ( # و ( حقيقة قولهم ( أن الانبياء كذبوا لما ادعوه من نفع الناس وهل كانوا ~~جهالا على قولين لهم إلى غير ذلك من أنواع الالحاد والكفر الصريح ms1472 والكذب ~~البين على النبى ( ( وعلى الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ~~PageV05P546 # وقد بين في غير هذا الموضع أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بعد النسخ ~~والتبديل وان تظاهروا بالاسلام فانهم يظهرون من مخالفة الاسلام أعظم مما ~~كان يظهره المنافقون على عهد رسول الله ( ( وقد قال حذيفة بن اليمان رضى ~~الله عنه المنافقون اليوم شر من المنافقين على عهد رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ( قيل ولم ذلك قال لأنهم كانوا يسرون نفاقهم وهم اليوم يعلنونه ~~ولم يكن على عهد حذيفة من وصل إلى هذا النفاق ولا إلى قريب منه فان هؤلاء ~~انما ظهروا في الاسلام في أثناء ( الدولة العباسية ( وآخر ( الدولة الأموية ~~( لما عربت الكتب اليونانية ونحوها وقد بسط الرد عليهم في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا عليهم لم يكن ~~الامر كما قالوه بل هم فتحوا لهم دهليز الزندقة ولهذا يوجد كثير ممن دخل في ~~هؤلاء الملاحدة انما دخل من باب أولئك المتكلمين كابن عربى وبن سبعين ~~وغيرهما واذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة فانهم يستنصرون ويستعينون ~~بأولئك المتكلمين المبتدعين ويعينهم اولئك على من ينصر الله ورسوله فهم ~~جندهم على محاربة الله ورسوله كما قد وجد ذلك عيانا # ودعواهم أن هذه طريقة إبراهيم الخليل في قوله ( لا أحب الآفلين ( كذب ~~ظاهر على إبراهيم فان الأفول هو التغيب والاحتجاب باتفاق أهل اللغة ~~والتفسير وهو من الأمور الظاهرة في اللغة وسواء أريد بالأفول ذهاب ضوء ~~PageV05P547 القمر والكواكب بطلوع الشمس أو أريد به سقوطه من جانب المغرب ~~فانه اذا طلعت الشمس يقال انها غابت الكواكب واحتجبت وان كانت موجودة في ~~السماء ولكن طمس ضوء الشمس نورها # وهذا مما ينحل به الاشكال الوارد على الآية في طلوع الشمس بعد افول القمر ~~وابراهيم عليه السلام لم يقل @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ لما رأى الكوكب ~~يتحرك والقمر والشمس بل انما قال ذلك حين غاب واحتجب فان كان إبراهيم قصد ~~بقوله الاحتجاج بالافول على نفى كون الآفل رب العالمين كما ms1473 ادعوه كانت قصة ~~إبراهيم حجة عليهم فانه لم يجعل بزوغه وحركته في السماء إلى حين المغيب ~~دليلا على نفى ذلك بل انما جعل الدليل مغيبه فان كان ما ادعوه من مقصوده من ~~الاستدلال صحيحا فانه حجة على نقيض مطلوبهم وعلى بطلان كون الحركة دليل ~~الحدوث # لكن الحق ان إبراهيم لم يقصد هذا ولا كان قوله ( هذا ربى ( أنه رب ~~العالمين ولا أعتقد أحد من بنى آدم ان كوكبا من الكواكب خلق السماوات ~~والأرض وكذلك الشمس والقمر ولا كان المشركون قوم إبراهيم يعتقدون ذلك بل ~~كانوا مشركين بالله يعبدون الكواكب ويدعونها ويبنون لها الهياكل ويعبدون ~~فيها أصنامهم وهو دين الكلدانيين والكشدانيين والصابئين المشركين لا ~~الصابئين الحنفاء وهم الذين صنف صاحب ( السر المكتوم في السحر ومخاطبة ~~النجوم ( كتابه على دينهم PageV05P548 وهذا دين كان كثير من أهل الأرض عليه ~~بالشام والجزيرة والعراق وغير ذلك وكانوا قبل ظهور دين المسيح عليه السلام ~~وكان جامع دمشق وجامع حران وغيرهما موضع بعض هياكلهم هذا هيكل المشترى وهذا ~~هيكل الزهرة # وكانوا يصلون إلى القطب الشمالى وبدمشق محاريب قديمة إلى الشمال ~~والفلاسفة اليونانيون كانوا من جنس هؤلاء المشركين يعبدون الكواكب والاصنام ~~ويصنعون السحر وكذلك أهل مصر وغيرهم وجمهور المشركين كانوا مقرين برب ~~العالمين والمنكر له قليل مثل فرعون ونحوه # وقوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع ولهذا قال لهم إبراهيم الخليل @QB@ ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين @QE@ فعادى كل ما يعبدونه الا رب العالمين وقال تعالى @QB@ قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ~~ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ~~أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك ~~من الله من شيء @QE@ وقال الخليل عليه السلام @QB@ أتعبدون ما تنحتون والله ~~خلقكم وما تعملون @QE@ وقال تعالى في سورة الانعام @QB@ فلما أفلت قال يا ~~قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ms1474 حنيفا وما ~~أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف ~~أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ~~فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ PageV05P549 قال الله تعالى @QB@ ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ~~@QE@ # ولما فسر هؤلاء ( الأقوال ( بالحركة وفتحوا باب تحريف الكلم عن مواضعه ~~دخلت الملاحدة من هذا الباب ففسر بن سينا وأمثاله من الملاحدة الافول ~~بالامكان الذى ادعوه حيث قالوا ان الأفلاك قديمة ازلية وهى مع ذلك ممكنة ~~وكذلك ما فيها من الكواكب والنيرين قالوا فقول إبراهيم @QB@ لا أحب الآفلين ~~@QE@ أى لا أحب الممكن المعلول وان كان قديما أزليا وأين في لفظ الأفول ما ~~يدل على هذا المعنى ولكن هذا شأن المحرفين للكلم عن مواضعه # وجاء بعدهم من جنس من زاد في التحريف فقال المراد ( بالكواكب والشمس ~~والقمر ( هو النفس والعقل الفعال والعقل الأول وقد ذكر ذلك أبو حامد ~~الغزالى في بعض كتبه وحكاه عن غيره في بعضها وقال هؤلاء الكواكب والشمس ~~والقمر لا يخفى على عاقل أنها ليست رب العالمين بخلاف النفس والعقل ودلالة ~~لفظ الكوكب والشمس والقمر على هذه المعانى لو كانت موجودة PageV05P550 من ~~عجائب تحريفات الملاحدة الباطنية كما يتأولون العلميات مع العمليات ويقولون ~~الصلوات الخمس معرفة اسرارنا وصيام رمضان كتمان اسرارنا والحج هو الزيارة ~~لشيوخنا المقدسين # وفتح لهم هذا الباب ( الجهمية والرافضة ( حيث صار بعضهم يقول الامام ~~المبين على بن أبى طالب والشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية والبقرة ~~المأمور بذبحها عائشة واللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين # وقد شاركهم في نحو هذه التحريفات طائفة من الصوفية وبعض المفسرين كالذين ~~يقولون @QB@ والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين @QE@ أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم وكذلك قوله @QB@ كزرع أخرج شطأه ms1475 @QE@ أبو ~~بكر @QB@ فآزره @QE@ عمر @QB@ فاستغلظ @QE@ هو عثمان @QB@ فاستوى على سوقه ~~@QE@ هو على وقول بعض الصوفية @QB@ اذهب إلى فرعون إنه طغى @QE@ هو القلب ~~@QB@ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ هي النفس وأمثال هذه التحريفات # لكن منها ما يكون معناه صحيحا وان لم يكن هو المراد باللفظ وهو الاكثر في ~~اشارات الصوفية وبعض ذلك لا يجعل تفسيرا بل يجعل من باب الاعتبار والقياس ~~وهذه طريقة صحيحة علمية كما في قوله تعالى @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ ~~وقول النبى ( ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ( فاذا كان ورقه لا يمسه الا ~~المطهرون فمعانيه لا يهتدى بها الا القلوب PageV05P551 الطاهرة واذا كان ~~الملك لا يدخل بيتا فيه كلب فالمعانى التى تحبها الملائكة لا تدخل قلبا فيه ~~أخلاق الكلاب المذمومة ولا تنزل الملائكة على هؤلاء وهذا لبسطه موضع آخر # والمقصود ان أولئك المبتدعة من أهل الكلام لما فتحوا ( باب القياس الفاسد ~~في العقليات والتأويل الفاسد في السمعيات ( صار ذلك دهليزا للزنادقة ~~الملحدين إلى ما هو أعظم من ذلك من السفسطة في العقليات والقرمطة في ~~السمعيات وصار كل من زاد في ذلك شيئا دعاه إلى ما هو شر منه حتى انتهى ~~الأمر بالقرامطة إلى ابطال الشرائع المعلومة كلها كما قال لهم رئيسهم ~~بالشام قد اسقطنا عنكم العبادات فلا صوم ولا صلاة ولاحج ولا زكاة # ولهذا قال من قال من السلف البدع بريد الكفر والمعاصى بريد النفاق # ولما اعتقد أئمة الكلام المبتدع أن معنى كون الله خالقا لكل شيء هو ما ~~تقدم أنه لم يزل غير فاعل لشيء ولا متكلم بشيء حتى أحدث العالم لزمهم أن ~~يقولوا أن القرآن أو غيره من كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه فانه لو كان ~~له كلام قديم أو كلام غير مخلوق لزم قدم العالم على الاصل الذى اصلوه لأن ~~الكلام قد عرف العقلاء أنه انما يكون بقدرة المتكلم ومشيئته # وأما كلام يقوم بذات المتكلم بلا قدرة ولا مشيئة فهذا لم يكن يتصوره ~~PageV05P552 أحد من العقلاء ولا نعرف أن أحدا قاله بل ms1476 ولا يخطر ببال جماهير ~~الناس حتى أحدث القول به بن كلاب وانما ألجأه إلى هذا أن اولئك المتكلمين ~~لما أظهروا موجب اصلهم وهو القول بأن القرآن مخلوق أظهروا ذلك في أوائل ~~المائة الثانية فلما سمع ذلك علماء الأمة أنكروا ذلك ثم صار كلما ظهر قولهم ~~انكره العلماء وكلام السلف والأئمة في انكار ذلك مشهور متواتر إلى أن صار ~~لهؤلاء المتكلمين الكلام المحدث في دولة المأمون عز وادخلوه في ذلك والقوا ~~إليه الحجج التى لهم # وقالوا اما أن يكون العالم مخلوقا أو قديما وهذا الثانى كفر ظاهر معلوم ~~فساده بالعقل والشرع واذا كان العالم مخلوقا محدثا بعد ان لم يكن لم يبق ~~قديم الا الله وحده فلو كان العالم قديما لزم أن يكون مع الله قديم آخر # وكذلك الكلام ان كان قائما بذاته لزم دوام الحوادث وقيامها بالرب وهذا ~~يبطل الدليل الذى اشتهر بينهم على حدوث العالم وان كان منفصلا عنه لزم وجود ~~المخلوق في الازل وهذا قول بقدم العالم # فلما امتحن الناس بذلك واشتهرت هذه المحنة وثبت الله من ثبته من أئمة ~~السنة وكان الامام الذى ثبته الله وجعله اماما للسنة حتى صار اهل العلم بعد ~~ظهور المحنة يمتحنون الناس به فمن وافقه كان سنيا والا كان بدعيا هو الامام ~~أحمد بن حنبل فثبت على أن القرآن كلام الله غير مخلوق PageV05P553 # وكان ( المأمون ( لما صار إلى الثغر بطرسوس كتب بالمحنة كتابا إلى نائبه ~~بالعراق ( إسحاق بن إبراهيم ( فدعا العلماء والفقهاء والقضاة فامتنعوا عن ~~الاجابة والموافقة فأعاد عليه الجواب فكتب كتابا ثانيا يقول فيه عن ~~القاضيين بشر بن الوليد وعبد الرحمن بن إسحاق ان لم يجيبا فاضرب اعناقهما ~~ويقول عن الباقين ان لم يجيبوا فقيدهم فارسلهم إلى فأجاب القاضيان وذكرا ~~لأصحابهما انهما مكرهان واجاب اكثر الناس قبل ان يقيدهم لما رأوا الوعيد ~~ولم يجب ستة انفس فقيدهم فلما قيدوا اجاب الباقون الا اثنين أحمد بن حنبل ~~ومحمد بن نوح النيسابورى فأرسلوهما مقيدين إليه فمات محمد بن نوح في الطريق ~~ومات المأمون ms1477 قبل أن يصل أحمد إليه وتولى اخوه أبو إسحاق وتولى القضاء أحمد ~~بن أبى دؤاد واقام أحمد بن حنبل في الحبس من سنة ثمانى عشرة إلى سنة عشرين # ثم أنهم طلبوه وناظروه اياما متعددة فدفع حججهم وبين فسادها وأنهم لم ~~يأتوا على ما يقولونه بحجة لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر وانه ليس لهم ~~ان يبتدعوا قولا ويلزموا الناس بموافقتهم عليه ويعاقبوا من خالفهم وانما ~~يلزم الناس ما ألزمهم الله ورسوله ويعاقب من عصى الله ورسوله فان الايجاب ~~والتحريم والثواب والعقاب والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله ليس لأحد ~~في هذا حكم وانما على الناس ايجاب ما أوجبه الله ورسوله وتحريم PageV05P554 ~~ما حرمه الله ورسوله وتصديق ما أخبر الله به ورسوله وجرت في ذلك أمور يطول ~~شرحها # ولما اشتهر هذا وتبين للناس باطن امرهم وأنهم معطلة للصفات يقولون ان ~~الله لا يرى ولا له علم ولا قدرة وانه ليس فوق العرش رب ولا على السماوات ~~اله وان محمدا لم يعرج به إلى ربه إلى غير ذلك من أقوال الجهمية النفاة كثر ~~رد الطوائف عليهم بالقرآن والحديث والآثار تارة وبالكلام الحق تارة ~~وبالباطل تارة # وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وكان له ~~فضل وعلم ودين ومن قال انه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين ~~كما يذكره طائفة في مثالبه ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك فهذا كذب عليه وانما ~~افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم فانهم يزعمون ان من أثبت ~~الصفات فقد قال بقول النصارى # وقد ذكر مثل ذلك عنهم الامام أحمد في الرد على الجهمية وصار ينقل هذا من ~~ليس من المعتزلة من السالمية ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ينفرون عنه ~~لبدعته في القرآن ويستعينون بمثل هذا الكلام الذى هو من افتراء الجهمية ~~والمعتزلة عليه ولا يعلم هؤلاء ان الذين ذموه بمثل هذا هم شر منه وهو خير ~~واقرب إلى السنة منهم PageV05P555 # وكان ( أبو الحسن الأشعرى ( لما ms1478 رجع عن الاعتزال سلك طريقة أبى محمد بن ~~كلاب فصار طائفة ينتسبون إلى السنة والحديث من السالمية وغيرهم كأبى على ~~الاهوازى يذكرون في مثالب أبى الحسن اشياء هي من افتراء المعتزلة وغيرهم ~~عليه لأن الاشعرى بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها ما لم يبينه غيره ~~حتى جعلهم في قمع السمسمة # ( وبن كلاب ( لما رد على الجهمية لم يهتد لفساد أصل الكلام المحدث الذى ~~ابتدعوه في دين الاسلام بل وافقهم عليه وهؤلاء الذين يذمون بن كلاب ~~والاشعرى بالباطل هم من أهل الحديث والسالمية من الحنبلية والشافعية ~~والمالكية وغيرهم كثير منهم موافق لابن كلاب والاشعرى على هذا موافق ~~للجهمية على اصل قولهم الذى ابتدعوه # وهم اذا تكلموا في ( مسألة القرآن ( وأنه غير مخلوق أخذوا كلام بن كلاب ~~والاشعرى فناظروا به المعتزلة والجهمية واخذوا كلام الجهمية والمعتزلة ~~فناظروا به هؤلاء وركبوا قولا محدثا من قول هؤلاء وهؤلاء لم يذهب إليه أحد ~~من السلف ووافقوا بن كلاب والاشعرى وغيرهما على قولهم ان القرآن قديم ~~واحتجوا بما ذكره هؤلاء على فساد قول المعتزلة والجهمية وغيرهم وهم مع ~~هؤلاء وجمهور المسلمين يقولون ان القرآن العربى كلام الله وقد تكلم الله به ~~بحرف وصوت فقالوا ان الحروف والاصوات قديمة الاعيان أو الحروف PageV05P556 ~~بلا أصوات وان الباء والسين والميم مع تعاقبها في ذاتها فهي أزلية الاعيان ~~لم تزل ولا تزال كما بسطت الكلام على أقوال الناس في القرآن في موضع آخر # والمقصود هنا التنبيه على أصل مقالات الطوائف وبن كلاب أحدث ما أحدثه لما ~~اضطره إلى ذلك من دخول أصل كلام الجهمية في قلبه وقد بين فساد قولهم بنفى ~~علو الله ونفى صفاته وصنف كتبا كثيرة في أصل التوحيد والصفات وبين أدلة ~~كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية وبين فيها ان علو الله على خلقه ومباينته ~~لهم من المعلوم بالفطرة والادلة العقلية القياسية كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة # وكذلك ذكرها الحارث المحاسبى في كتاب ( فهم القرآن ( وغيره بين فيه من ~~علو الله واستوائه على عرشه ما بين ms1479 به فساد قول النفاة وفرح الكثير من ~~النظار الذين فهموا أصل قول المتكلمين وعلموا ثبوت الصفات لله وأنكروا ~~القول بأن كلامه مخلوق فرحوا بهذه الطريقة التى سلكها بن كلاب كأبى العباس ~~القلانسى وأبى الحسن الأشعرى والثقفى ومن تبعهم كأبى عبد الله بن مجاهد ~~وأصحابه والقاضى أبى بكر وأبى إسحاق الاسفرائينى وابى بكر بن فورك وغير ~~هؤلاء # وصار هؤلاء يردون على المعتزلة ما رده عليهم بن كلاب والقلانسى ~~PageV05P557 والاشعرى وغيرهم من مثبتة الصفات فيبينون فساد قولهم بأن ~~القرآن مخلوق وغير ذلك وكان في هذا من كسر سورة المعتزلة والجهمية ما فيه ~~ظهور شعار السنة وهو القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وان الله يرى في ~~الآخرة واثبات الصفات والقدر وغير ذلك من أصول السنة # لكن ( الأصل العقلى ( الذى بنى عليه بن كلاب قوله في كلام الله وصفاته هو ~~أصل الجهمية والمعتزلة بعينه وصاروا اذا تكلموا في خلق الله السماوات ~~والأرض وغير ذلك من المخلوقات انما يتكلمون بالأصل الذى ابتدعه الجهمية ومن ~~اتبعهم فيقولون قول أهل الملة كما نقله أولئك ويقررونه بحجة أولئك # وكانت ( محنة الامام أحمد ( سنة عشرين ومائتين وفيها شرعت القرامطة ~~الباطنية يظهرون قولهم فان كتب الفلاسفة قد عربت وعرف الناس أقوالهم فلما ~~رأت الفلاسفة ان القول المنسوب إلى الرسول ( ( وأهل بيته هو هذا القول الذى ~~يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم ورأوا أن هذا القول الذى يقولونه فاسد ~~من جهة العقل طمعوا في تغيير الملة فمنهم من أظهر انكار الصانع وأظهر الكفر ~~الصريح وقاتلوا المسلمين واخذوا الحجر الاسود كما فعلته قرامطة البحرين ~~وكان قبلهم قد فعل بابك الخرمى مع المسلمين ما هو مشهور # وقد ذكر القاضي أبو بكر بن الباقلانى وغيره من كشف أسرار PageV05P558 ( ~~الباطنية ( وهتك استارهم فانه كان منهم من النفاة الباطنية الخرمية وصاروا ~~يحتجون في كلامهم وكتبهم بحجج قد ذكرها ارسطو وأتباعه من الفلاسفة وهو أن ~~الحركة يمتنع أن يكون لها ابتداء ويمتنع أن يكون للزمان ابتداء ويمتنع أن ~~يصير الفاعل فاعلا بعد ان لم يكن فاعلا ms1480 فصار هؤلاء الفلاسفة وهؤلاء ~~المتكلمون كلاهما يستدل على قوله بالحركة # فأرسطو واتباعه يقولون ان الحركة يمتنع أن يحدث نوعها بعد ان لم يكن ~~ويمتنع ان يصير الفاعل فاعلا بعد ان لم يكن ولأنه من المعلوم بصريح المعقول ~~أن الذات اذا كانت لا تفعل شيئا ثم فعلت بعد ان لم تفعل فلابد من حدوث حادث ~~من الحوادث والا فاذا قدرت على حالها وكانت لا تفعل فهي الآن لا تفعل فاذا ~~كانت الآن تفعل لزم دوام فعلها # ويقولون قبل وبعد مستلزم للزمان فمن قال بحدوث الزمان لزمه القول بقدمه ~~من حيث هو قائل بحدوثه # ويقولون الزمان مقدار الحركة فيلزم من قدمه قدمها ويلزم من قدم الحركة ~~قدم المتحرك وهو الجسم فيلزم ثبوت جسم قديم ثم يجعلون ذلك الجسم القديم هو ~~الفلك ولكن ليس لهم على هذا حجة كما قد بسط في موضع آخر # وصار المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية يردون عليهم ~~ويدعون ان القادر المختار يرجح أحد المقدورين المتماثلين على الآخر المماثل ~~له بلا سبب أصلا وعلى هذا الاصل بنوا كون الله خالقا للمخلوقات PageV05P559 ~~ثم نفاة الصفات يقولون رجح بمجرد القدرة وكذلك أصل القدرية والمعتزلة جمعت ~~بين الامرين وأما المثبتة كالكلابية والكرامية فيدعون أنه رجح بمشيئة قديمة ~~أزلية وكلا القولين مما ينكره جمهور العقلاء # ولهذا صار كثير من المصنفين في هذا الباب كالرازى ومن قبله من أئمة ~~الكلام والفلسفة كالشهرستانى ومن قبله من طوائف الكلام والفلسفة لا يوجد ~~عندهم الا العلة الفلسفية أو القادرية المعتزلية أو الارادية الكلابية وكل ~~من الثلاثة منكر في العقل والشرع ولهذا كانت بحوث الرازى في مسألة القادر ~~المختار في غاية الضعف من جهة المسلمين وهى على قول الدهرية أظهر دلالة # واحتج أهل الكلام المبتدع بأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها ويقولون لو ~~وجدت حوادث لا أول لها لكنا اذا قدرنا ما وجد قبل الطوفان وما وجد قبل ~~الهجرة وقابلنا بينهما فاما ان يتساويا وهو ممتنع لأنه يكون الزائد مثل ~~الناقص واما أن يتفاضلا فيكون فيما ms1481 لا يتناهى تفاضلا وهو ممتنع ويذكرون ~~حججا اخرى قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع # وقد تكلم الناس في هذه ( الحجة ( ونحوها وبينوا فسادها بأن التفاضل انما ~~يقع من الطرف المتناهى لا من الطرف الذى لا يتناهى وبأن هذا PageV05P560 ~~منقوض بالحوادث المستقبلة فان كون الحادث ماضيا أو مستقبلا أمر اضافى ولهذا ~~منع أئمة هذا القول كجهم والعلاف وجود حوادث لا تتناهى في المستقبل وقال ~~جهم بفناء الجنة والنار وقال العلاف بفناء الحركات وهذا كله مبسوط في موضع ~~آخر # وصار ( طائفة أخرى ( قد عرفت كلام هؤلاء وكلام هؤلاء كالرازى والآمدى ~~وغيرهما يصنفون الكتب الكلامية فينصرون فيها ما ذكره المتكلمون المبتدعون ~~عن أهل الملة من ( حدوث العالم ( بطريقة المتكلمين المبتدعة هذه وهو امتناع ~~حوادث لا أول لها ثم يصنفون الكتب الفلسفية كتصنيف الرازى ( المباحث ~~الشرقية ( ونحوها ويذكر فيها ما احتج به المتكلمون على امتناع حوادث لا أول ~~لها وان الزمان والحركة والجسم لها بداية ثم ينقض ذلك كله ويجيب عنه ويقرر ~~حجة من قال ان ذلك لا بداية له # وليس هذا تعمدا منه لنصر الباطل بل يقول بحسب ما توافقه الادلة العقلية ~~في نظره وبحثه فاذا وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح به في كلام الفلاسفة ~~قدح به فان من شأنه البحث المطلق بحسب ما يظهر له فهو يقدح في كلام هؤلاء ~~بما يظهر له أنه قادح فيه من كلام هؤلاء وكذلك يصنع بالآخرين # ومن الناس من يسىء به الظن وهو أنه يتعمد الكلام الباطل وليس PageV05P561 ~~كذلك بل تكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر والبحث في كل مقام بما يظهر له ~~وهو متناقض في عامة ما يقوله يقرر هنا شيئا ثم ينقضه في موضع آخر لأن ~~المواد العقلية التى كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند ~~السلف ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة يشتمل على كلام باطل كلام هؤلاء ~~وكلام هؤلاء فيقرر كلام طائفة بما يقرر به ثم ينقضه في موضع آخر بما ينقض ~~به ولهذا اعترف ms1482 في آخر عمره فقال لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج ~~الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا تروى غليلا ورأيت أقرب الطرق ( طريقة ~~القرآن ( اقرأ في الاثبات @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ @QB@ إليه يصعد ~~الكلم الطيب @QE@ واقرأ في النفى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا يحيطون ~~به علما @QE@ ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى # والآمدى تغلب عليه الحيرة والوقف في عامة الأصول الكبار حتى أنه أورد على ~~نفسه سؤالا في تسلسل العلل وزعم أنه لا يعرف عنه جوابا وبنى اثبات الصانع ~~على ذلك فلا يقرر في كتبه لا اثبات الصانع ولا حدوث العالم ولا وحدانية ~~الله ولا النبوات ولا شيئا من الأصول التى يحتاج إلى معرفتها # والرازى وان كان يقرر بعض ذلك فالغالب على ما يقرره أنه ينقضه في موضع ~~آخر لكن هو أحرص على تقرير الاصول التى يحتاج إلى معرفتها من PageV05P562 ~~الامدى ولو جمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد جميعه ~~موافقا لما جاء به الرسول ( ( ووجد صريح المعقول مطابقا لصحيح المنقول # لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول وحصل اضطراب في المعقول به ~~فحصل نقص في معرفة السمع والعقل وان كان هذا النقص هو منتهى قدرة صاحبه لا ~~يقدر على ازالته فالعجز يكون عذرا للانسان في أن الله لا يعذبه اذا اجتهد ~~الاجتهاد التام هذا على قول السلف والأئمة في أن من اتقى الله ما استطاع ~~اذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به # وأما من قال من الجهمية ونحوهم أنه قد يعذب العاجزين ومن قال من المعتزلة ~~ونحوهم من القدرية ان كل مجتهد فانه لابد أن يعرف الحق وان من لم يعرفه ~~فلتفريطه لا لعجزه فهما قولان ضعيفان وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من ~~أهل القبلة يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا فيقال ( لأرسطو واتباعه ( ممن ~~رأى دوام الفاعلية ولوازمها العقل الصريح لا يدل على قدم شيء بعينه من ~~العالم لا فلك ولا غيره وانما يدل على أن الرب لم يزل فاعلا وحينئذ فاذا ~~قدر ms1483 أنه لم يزل يخلق شيئا بعد شيء كان كل ما سواه مخلوقا محدثا مسبوقا ~~بالعدم ولم يكن من العالم شيء قديم وهذا التقدير ليس معكم ما يبطله فلماذا ~~تنفونه ونفس قدر الفعل هو PageV05P563 المسمى بالزمان فان الزمان اذا قيل ~~أنه مقدار الحركة كان جنس الزمان مقدار جنس الحركة لا يتعين في ذلك أن يكون ~~مقدار حركة الشمس أو الفلك # وأهل الملل متفقون على أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام وخلق ذلك ~~من مادة كانت موجودة قبل هذه السماوات والأرض وهو الدخان الذى هو البخار ~~كما قال تعالى @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ وهذا الدخان هو بخار الماء الذى كان ~~حينئذ موجودا كما جاءت بذلك الآثار عن الصحابة والتابعين وكما عليه أهل ~~الكتاب كما ذكر هذا كله في موضع آخر وتلك الأيام لم تكن مقدار حركة هذه ~~الشمس وهذا الفلك فان هذا مما خلق في تلك الأيام بل تلك الأيام مقدرة بحركة ~~أخرى # وكذلك اذا شق الله هذه السماوات وأقام القيامة وادخل أهل الجنة الجنة قال ~~تعالى @QB@ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا @QE@ وقد جاءت الآثار عن النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ( بأنه تبارك وتعالى يتجلى لعباده المؤمنين يوم الجمعة ~~وان أعلاهم منزلة من يرى الله تعالى كل يوم مرتين وليس في الجنة شمس ولا ~~قمر ولا هناك حركة فلك بل ذلك الزمان مقدر بحركات كما جاء في الآثار أنهم ~~يعرفون ذلك بأنوار تظهر من جهة العرش PageV05P564 # واذا كان مدلول الدليل العقلى أنه لابد أنه قديم تقوم به الأفعال شيئا ~~بعد شيء فهذا انما يناقض قول المبتدعة من أهل الملل الذين ابتدعوا الكلام ~~المحدث الذى ذمه السلف والأئمة الذين قالوا ان الرب لم يزل معطلا عن الفعل ~~والكلام فصار ما علمته العقلاء من أصناف الامم من الفلاسفة وغيرهم بصريح ~~المعقول هو عاضد وناصر لما جاء به الرسول ( ( على من ابتدع في ملته ما ~~يخالف أقواله # وكان ما علم بالشرع ms1484 مع صريح العقل أيضا راد لما يقوله الفلاسفة الدهرية ~~من قدم شيء من العالم مع الله بل القول ( بقدم العالم ( قول اتفق جماهير ~~العقلاء على بطلانه فليس أهل الملة وحدهم تبطله بل أهل الملل كلهم وجمهور ~~من سواهم من المجوس وأصناف المشركين مشركى العرب ومشركى الهند وغيرهم من ~~الأمم وجماهير أساطين الفلاسفة كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد ~~ان لم يكن بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء والعرب المشركون كلهم ~~كانوا يعترفون بأن الله خالق كل شيء وان هذا العالم كله مخلوق والله خالقه ~~وربه وهذه الأمور مبسوطة في موضعها # والمقصود هنا الكلام على ما يحتاج إليه من معرفة ( حديث النزول ( وأمثاله ~~وهما ( الأصلان المتقدمان ( ومن تمام الأصل الثانى لفظ ( الحركة ( هل يوصف ~~الله بها أم يجب نفيه عنه اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل ~~PageV05P565 وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام وأهل الفلسفة وغيرهم ~~على ثلاثة أقوال وهذه الثلاثة موجودة في أصحاب الأئمة الأربعة من اصحاب ~~الامام أحمد وغيرهم وقد ذكر القاضي أبو يعلى الاقوال الثلاثة عن أصحاب ~~الامام أحمد في ( الروايتين والوجهين ( وغير ذلك من الكتب وقبل ذلك ينبغى ~~أن يعرف أن لفظ الحركة والانتقال والتغير والتحول ونحو ذلك ألفاظ مجملة فان ~~المتكلمين انما يطلقون لفظ الحركة على الحركة المكانية وهو انتقال الجسم من ~~مكان إلى مكان بحيث يكون قد فرغ الحيز الاول وشغل الثانى كحركة أجسامنا من ~~حيز إلى حيز وحركة الهواء والماء والتراب والسحاب من حيز إلى حيز بحيث يفرغ ~~الاول ويشغل الثانى فأكثر المتكلمين لا يعرفون للحركة معنى الا هذا # ومن هنا نفوا ما جاءت به النصوص من أنواع جنس الحركة فانهم ظنوا أن ~~جميعها انما تدل على هذا وكذلك من أثبتها وفهم منها كلها هذا كالذين فهموا ~~من نزوله إلى السماء الدنيا أنه يبقى فوقه بعض مخلوقاته فلا يكون هو الظاهر ~~الذى ليس فوقه شيء ولا يكون هو العلى الأعلى ويلزمهم أن لا يكون مستويا على ~~العرش بحال ms1485 كما تقدم و # الفلاسفة يطلقون لفظ ( الحركة ( على كل ما فيه تحول من حال إلى حال ~~ويقولون أيضا حقيقة الحركة هي الحدوث أو الحصول والخروج من القوة إلى الفعل ~~يسيرا يسيرا بالتدريج قالوا وهذه العبارات دالة على معنى الحركة ~~PageV05P566 وقد يحدون بها الحركة وهم متنازعون في الرب تعالى هل تقوم به ~~جنس الحركة على قولين # وأصحاب ( أرسطو ( جعلوا الحركة مختصة بالأجسام ويصفون النفس بنوع من ~~الحركة وليست عندهم جسما فيتناقضون وكانت الحركة عندهم ( ثلاثة أنواع ( ~~فزاد بن سينا فيها قسما رابعا فصارت ( أربعة ( ويجعلون الحركة جنسا تحته ~~أنواع حركة في الكيف وحركة في الكم وحركة في الوضع وحركة في الأين # ( فالحركة في الكيف ( هي تحول الشيء من صفة إلى صفة مثل اسوداده واحمراره ~~واخضراره واصفراره ومثل مصيره حلوا وحامضا ومثل تغير رائحته وكذلك في ~~النفوس كعلم الانسان بعد جهله وحبه بعد بغضه وايمانه بعد كفره وفرحه بعد ~~حزنه ورضاه بعد غضبه كل هذه الاحوال النفسانية حركة في الكيف وهذا مما احتج ~~به من جوز منهم الحركة فان ارادته لاحداث الشيء عندهم حركة # و ( الحركة في الكم ( مثل امتداد الشيء مثل كبر الحيوان بعد صغره وطوله ~~بعد قصره ومثل امتداد الشجر والنبات وامتداد عروقه في الأرض وأغصانه في ~~الهواء فهذا حركة في المقدار والكمية كما أن الاول حركة في الصفات والكيفية ~~PageV05P567 # وأما الحركة في الوضع ( فمثل دوران الشيء في موضع واحد كدوران ( الفلك ( ~~و ( المنجنون ( الذى يسمى الدولاب وكحركة الرحى وغير ذلك فانه لا ينتقل من ~~حيز إلى حيز بل حيزه واحد لكن يختلف في أوضاعه فيكون الجزء منه تارة محاذيا ~~للجهة العليا فيصير محاذيا للجهة السفلى أو للجهة اليمنى فيصير محاذيا ~~للجهة اليسرى # وهذا النوع يقولون ان بن سينا زاده # ( والرابع ( الحركة في الأين وهى الحركة المكانية وهو انتقاله من حيز إلى ~~حيز # وأما عموم أهل اللغة فيطلقون لفظ الحركة على جنس الفعل فكل من فعل فعلا ~~فقد تحرك عندهم ويسمون أحوال النفس حركة فيقولون تحركت فيه المحبة وتحركت ~~فيه ms1486 الحمية وتحرك غضبه وتوصف هذه الأحوال بالحركة والسكون فيقال سكن غضبه ~~قال تعالى @QB@ ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح @QE@ فوصف الغضب ~~بالسكوت وفى قراءة بن مسعود رضى الله عنه ومعاوية بن قرة وعكرمة @QB@ ولما ~~سكت @QE@ بالنون وعلى القراءة المشهورة ( بالتاء ( قال المفسرون سكت الغضب ~~أى سكن # وكذلك قال أهل اللغة الزجاج وغيره # قال الجوهرى سكت الغضب مثل سكن فالسكون اخص فكل PageV05P568 ساكت ساكن ~~وليس كل ساكن ساكتا واذا وصف بالسكون دل على أنه كان متحركا وهذا وصف ~~للاعراض النفسانية بالحركة والسكون # والاشعرى قد استدل على أن الحركة وأنواعها لا تختص بالاجسام بما وجد من ~~استعمالهم ذلك في الاعراض قال فانهم يقولون جاءت الحمى وجاء البرد وجاءت ~~العافية وجاء الشتاء وجاء الحر ونحو ذلك مما يوصف بالمجىء والاتيان من ~~الاعراض ومجىء هذه الاعراض هو حدوث وتغير وتحول من حال إلى حال # فان قيل ما وصف بالحركة والسكون من هذه الاعراض فانما هو لتحرك المحل ~~الحامل لذلك العرض والا فالعرض لا يقوم بنفسه ولا يفارق محله فان الحمى ~~والحر والبرد يقوم بالهواء الذى يحمل الحر والبرد وكذلك الغضب هو غليان دم ~~القلب لطلب الانتقام وهذا حركة الدم فاذا سكن غليان الدم سكن الغضب # قيل ليس الامر كذلك بل هذا يستعمل فيما يحدث من الاعراض في المحل شيئا ~~فشيئا وان لم يكن هناك جسم ينتقل معه كما تقدم من الحركة في الكيفيات ~~والصفات فان الماء اذا سخن حدثت فيه الحرارة وسخن الوعاء الذى فيه الماء من ~~غير انتقال جسم حار إليه واذا وضع الماء المسخن في المكان البارد برد من ~~غير انتقال جسم بارد إليه # وكذلك الحمى حرارة أو برودة تقوم بالبدن من غير أن ينتقل إلى كل جزء ~~PageV05P569 من البدن جسم حار أو بارد والغضب وان كان بعض الناس يقول انه ~~غليان دم القلب فهو صفة تقوم بنفس الغضبان غير غليان دم القلب وانما ذلك ~~أثره فان حرارة الغضب تسخن الدم حتى يغلى # فان مبدا الغضب من النفس هي التى تتصف ms1487 به اولا ثم يسرى ذلك إلى الجسم ~~وكذلك الحزن والفرح وسائر الاحوال النفسانية والحزن يوجب دخول الدم ولهذا ~~يصفر لون الحزين وهو من الاحوال النفسانية لكن الحزين يستشعر العجز عن دفع ~~المكروه الذى أصابه وييأس من ذلك فيغور دمه والغضبان يستشعر قدرته على ~~الدفع أو المعاقبة فينبسط دمه # والحركة والسكون والطمأنينة التى توصف بها النفس ليست مماثلة لما يوصف به ~~الجسم قال تعالى @QB@ ألا بذكر الله تطمئن القلوب @QE@ والاطمئنان هو ~~السكون قال الجوهرى اطمأن الرجل اطمئنانا وطمأنينة أى سكن قال تعالى @QB@ ~~يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية @QE@ وكذلك للقلوب ~~سكينة تناسبها قال تعالى ( هو الذى أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ~~ايمانا مع ايمانهم ( # وكذلك ( الريب ( حركة النفس للشك ومنه الحديث ( أن النبى ( ( مر بظبى ~~حاقف فقال لا يريبه أحد ( ويقال رابنى منه ريب و ( دع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك ( وقال ( الكذب ريبة والصدق طمأنينة ( فجعل الطمأنينة ضد الريبة ~~وكذلك اليقين ضد الريب واليقين يتضمن معنى PageV05P570 الطمأنينة والسكون ~~ومنه ماء يقن وكذلك يقال انزعج وازعجه فانزعج أى أقلقه ويقال ذلك لمن قلقت ~~نفسه ولمن قلق بنفسه وبدنه حتى فارق مكانه وكذلك يقال قلقت نفسه واضطربت ~~نفسه ونحو ذلك من أنواع الحركة ويسمى ما يألفه جنس الانسان ويحبه سكنا لأنه ~~يسكن إليه ويقال فلان يسكن إلى فلان ويطمئن إليه ويقال القلب يسكن إلى فلان ~~ويطمئن إليه اذا كان مأمونا معروفا بالصدق فان الصدق يورث الطمأنينة ~~والسكون # وقد سميت الزوجة سكنا قال تعالى @QB@ خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها وجعل بينكم مودة ورحمة @QE@ وقال @QB@ وجعل منها زوجها ليسكن إليها ~~@QE@ فيسكن الرجل إلى المرأة بقلبه وبدنه جميعا # وقد يكون بدن الشخص ساكنا ونفسه متحركة حركة قوية وبالعكس قد يسكن قلبه ~~وبدنه متحرك والمحب للشىء المشتاق إليه يوصف بأنه متحرك إليه ولهذا يقال ~~العشق حركة نفس فارغة فالقلوب تتحرك إلى الله تعالى بالمحبة والانابة ~~والتوجه وغير ذلك من أعمال القلوب وان كان البدن لا يتحرك إلى فوق فقد ms1488 قال ~~النبى ( ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ( ومع هذا فبدنه أسفل ما ~~يكون # فينبغى أن يعرف ان الحركة جنس تحته أنواع مختلفة باختلاف الموصوفات بذلك ~~وما يوصف به نفس الانسان من ارادة ومحبة وكراهة وميل ونحو ذلك PageV05P571 ~~كلها فيها تحول النفس من حال إلى حال وعمل للنفس وذلك حركة لها بحسبها ~~ولهذا يعبر عن هذه المعانى بألفاظ الحركة فيقال فلان يهفو إلى فلان كما قيل # يهفو إلى البان من قلبى نوازعه %~% وما بى البان بل من دارة البان # وهذا اللفظ يستعمل في حركة الشيء الخفيف بسرعة كما يقال هذا الطائر ~~بجناحه أى خفق وطار وهذا الشيء في الهواء اذا ذهب كالصوفة ونحوها ومر الظبى ~~يهفو أى يطفر ومنه قيل للزلة هفوة كما سميت زلة والزلة حركة خفيفة وكذلك ~~الهفوة # وكذلك يسمى المحب المشتاق الذى صار حبه أقوى من العلاقة ( صبا ( وحالة ~~صبابة وهو رقة الشوق وحرارته والصب المحب المشتاق وذلك لانصباب قلبه إلى ~~المحبوب كما ينصب الماء الجارى والماء ينصب من الجبل أي ينحدر فلما كان في ~~انحداره يتحرك حركة لا يرده شيء سميت حركة الصب ( صبابة ( وهذا يستعمل في ~~المحبة المحمودة والمذمومة ومنه الحديث ( ان أبا عبيدة رضى الله عنه لما ~~أرسله النبى ( ( في سرية بكى صبابة وشوقا إلى النبى ( ( والصبابة والصب ~~متفقان في الاشتقاق الاكبر والعرب تعاقب بين الحرف المعتل PageV05P572 ~~والحرف المضعف كما يقولون تقضى البازى وتقضض وصبا يصبو معناه مال وسمى ~~الصبى صبيا لسرعة ميله قال الجوهرى والصبى أيضا من الشوق يقال منه تصابى ~~وصبا يصبو صبوة وصبوا أى مال إلى الجهل والفتوة واصبته الجارية # وقد يستعمل هذا في الميل المحمود على قراءة من قرأ @QB@ إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين @QE@ بلا همزة في قراءة نافع فانه لا يهمز ~~( الصابئين ( في جميع القرآن وبعضهم قد حمده الله تعالى وكذلك يقال حن إليه ~~حنينا ومنه حنه في الاشتقاق الاكبر يحنو عليه حنوا قال الجوهرى حنوت عليه ~~عطفت عليه ويحنى عليه أى يعطف مثل تحنن ms1489 كما قال الشاعر # تحنى عليك النفس من لاعج الهوى %~% فكيف تحنيها وأنت تهينها # وقال الحنين الشوق وتوقان النفس ويقال حن إليه يحن حنينا فهو حان والحنان ~~الرحمة يقال حن عليه يحن حنانا ومنه قوله تعالى @QB@ وحنانا من لدنا وزكاة ~~@QE@ والحنان بالتشديد ذو الرحمة وتحنن عليه ترحم والعرب تقول حنانيك يا رب ~~وحنانك بمعنى واحد أى رحمتك وهذا كلام الجوهرى # وفى الاثر في تفسير ( الحنان المنان ( أن الحنان هو الذى يقبل على من ~~اعرض عنه والمنان الذى يبدأ بالنوال قبل السؤال وهذا باب واسع PageV05P573 # والمقصود هنا ان هذا كله من أنواع جنس الحركة العامة والحركة العامة هي ~~التحول من حال إلى حال # ومنه قولنا لا حول ولا قوة الا بالله وفى ( الصحيحين ( عن النبى ( ( أنه ~~قال لأبى موسى رضى الله عنه ( الا أدلك على كنز من كنوز الجنة قال بلى قال ~~لا حول ولا قوة الا بالله ( # وفى ( صحيح مسلم ( وغيره عن النبى ( ( قال ( اذا قال المؤذن الله أكبر ~~فقال الرجل الله أكبر فقال أشهد ان لا اله الا الله فقال اشهد ان لا اله ~~الا الله ثم قال اشهد أن محمدا رسول الله فقال أشهد أن محمدا رسول الله ثم ~~قال حى على الصلاة فقال لا حول ولا قوة الا بالله ثم قال حى على الفلاح ~~فقال لا حول ولا قوة الا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر فقال الله أكبر ~~الله أكبر # فلفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال والقوة هي القدرة على ذلك ~~التحول فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوى والسفلى حركة ~~وتحول من حال إلى حال ولا قدرة على ذلك الا بالله ومن الناس من يفسر ذلك ~~بمعنى خاص فيقول لا حول من معصيته الا بعصمته ولا قوة على طاعته الا ~~بمعونته # والصواب الذى عليه الجمهور هو التفسير الاول وهو الذى يدل عليه ~~PageV05P574 اللفظ فان الحول لا يختص بالحول عن المعصية وكذلك القوة لا ~~تختص بالقوة على الطاعة بل لفظ الحول ms1490 يعم كل تحول # ومنه لفظ ( الحيلة ( ووزنها فعلة بالكسر وهى النوع المختص من الحول كما ~~يقال الجلسة والقعدة واللبسة والاكلة والضجعة ونحو ذلك بالكسر هي النوع ~~الخاص وهو بالفتح المرة الواحدة فالحيلة أصلها حولة لكن لما جاءت الواو ~~الساكنة بعد كسرة قلبت ياء كما في لفظ ميزان وميقات وميعاد وزنه مفعال ~~وقياسه موزان وموقات لكن لما جاءت الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء قال ~~تعالى @QB@ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ~~@QE@ من الحيل فانها نكرة في سياق النفى فتعم جميع أنواع الحيل وكذلك لفظ ( ~~القوة ( قال تعالى @QB@ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم ~~جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة @QE@ ولفظ القوة قد يراد به ما كان في القدرة ~~أكمل من غيره فهو قدرة ارجح من غيرها أو القدرة التامة ولفظ ( القوة ( قد ~~يعم القوة التى في الجمادات بخلاف لفظ القدرة فلهذا كان المنفى بلفظ القوة ~~اشمل وأكمل فاذا لم تكن قوة الا به لم تكن قدرة الا به بطريق الاولى وهذا ~~باب واسع # والمقصود هنا أن الناس متنازعون في جنس ( الحركة العامة ( التى تتناول ما ~~يقوم بذات الموصوف من الامور الاختيارية كالغضب والرضا والفرح PageV05P575 ~~وكالدنو والقرب والاستواء والنزول بل والافعال المتعدية كالخلق والاحسان ~~وغير ذلك على ثلاثة أقوال # ( أحدها ( قول من ينفى ذلك مطلقا وبكل معنى فلا يجوز أن يقوم بالرب شيء ~~من الامور الاختيارية فلا يرضى على أحد بعد ان لم يكن راضيا عنه ولا يغضب ~~عليه بعد ان لم يكن غضبان ولا يفرح بالتوبة بعد التوبة ولا يتكلم بمشيئته ~~وقدرته اذا قيل ان ذلك قائم بذاته # وهذا القول اول من عرف به هم ( الجهمية والمعتزلة ( وانتقل عنهم إلى ~~الكلابية والاشعرية والسالمية ومن وافقهم من اتباع الائمة الاربعة كأبى ~~الحسن التميمى وابنه أبى الفضل وبن ابنه رزق الله والقاضى أبى يعلى وبن ~~عقيل وأبى الحسن بن الزاغونى وأبى الفرج بن الجوزى وغير هؤلاء من اصحاب ~~أحمد وان كان الواحد من ms1491 هؤلاء قد يتناقض كلامه وكأبى المعالى الجوينى ~~وأمثاله من أصحاب الشافعى وكأبى الوليد الباجى وطائفة من أصحاب مالك وكأبى ~~الحسن الكرخى وطائفة من اصحاب أبى حنيفة # ( والقول الثانى ( اثبات ذلك وهو قول الهشامية والكرامية وغيرهم من طوائف ~~أهل الكلام الذين صرحوا بلفظ الحركة # وأما الذين اثبتوها بالمعنى العام حتى يدخل في ذلك قيام الامور والافعال ~~PageV05P576 الاختيارية بذاته فهذا قول طوائف غير هؤلاء كأبى الحسين البصرى ~~وهو اختيار أبى عبد الله بن الخطيب الرازى وغيره من النظار وذكر طائفة أن ~~هذا القول لازم لجميع الطوائف # وذكر عثمان بن سعيد الدارمى اثبات لفظ الحركة في كتاب نقضه على بشر ~~المريسى ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث وذكره حرب بن إسماعيل ~~الكرمانى لما ذكر مذهب أهل السنة والاثر عن أهل السنة والحديث قاطبة وذكر ~~ممن لقى منهم على ذلك أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن الزبير ~~الحميدى وسعيد بن منصور وهو قول ابى عبد الله بن حامد وغيره # وكثير من أهل الحديث والسنة يقول المعنى صحيح لكن لا يطلق هذا اللفظ لعدم ~~مجىء الاثر به كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبدالبر وغيره في كلامهم على حديث ~~النزول # والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث هو الاقرار بما ورد به ~~الكتاب والسنة من أنه يأتى وينزل وغير ذلك من الافعال اللازمة # قال ( أبو عمرو الطلمنكى ( أجمعوا يعنى أهل السنة والجماعة على أن ~~PageV05P577 الله يأتى يوم القيامة والملائكة صفا صفا لحساب الامم وعرضها ~~كما يشاء وكيف يشاء قال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة وقضي الأمر @QE@ وقال تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا ~~@QE@ # قال وأجمعوا على ان الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به ~~الاثار كيف شاء لا يحدون في ذلك شيئا ثم روى باسناده عن محمد بن وضاح قال ~~وسألت يحيى بن معين عن النزول فقال نعم اقر به ولا أحد فيه حدا # ( والقول الثالث ( الامساك عن النفى ms1492 والاثبات وهو اختيار كثير من أهل ~~الحديث والفقهاء والصوفية كابن بطة وغيره وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن ~~تقدير أحد الأمرين ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما ولكن لا يتكلم لا بنفى ~~ولا باثبات # والذى يجب القطع به أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه فمن ~~وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الاشياء فهو مخطىء قطعا كمن قال أنه ~~ينزل فيتحرك وينتقل كما ينزل الانسان من السطح إلى اسفل الدار كقول من يقول ~~انه يخلو منه العرش فيكون نزوله تفريغا لمكان وشغلا لآخر فهذا باطل يجب ~~تنزيه الرب عنه كما تقدم PageV05P578 # وهذا هو الذى تقوم على نفيه وتنزيه الرب عنه الادلة الشرعية والعقلية فان ~~الله سبحانه وتعالى أخبر أنه الاعلى وقال @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ فان ~~كان لفظ العلو لا يقتضى علو ذاته فوق العرش لم يلزم أن يكون على العرش # وحينئذ فلفظ النزول ونحوه يتأول قطعا إذ ليس هناك شيء يتصور منه النزول ~~وان كان لفظ العلو يقتضى علو ذاته فوق العرش فهو سبحانه الأعلى من كل شيء ~~كما انه أكبر من كل شيء فلو صار تحت شيء من العالم لكان بعض مخلوقاته أعلى ~~منه ولم يكن هو الأعلى وهذا خلاف ما وصف به نفسه # وأيضا فقد أخبر انه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم إستوى على العرش ~~فان لم يكن إستواؤه على العرش يتضمن أنه فوق العرش لم يكن الإستواء معلوما ~~وجاز حينئذ أن لا يكون فوق العرش شيء فيلزم تأويل النزول وغيره # وإن كان يتضمن أنه فوق العرش فيلزم إستواؤه على العرش وقد أخبر انه أستوى ~~عليه لما خلق السماوات والأرض في ستة أيام واخبر بذلك عند انزال القرآن على ~~محمد بعد ذلك بألوف من السنين ودل PageV05P579 كلامه على انه عند نزول ~~القرآن مستو على عرشه فانه قال ( هو الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ms1493 السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير # ) وفى حديث الأوعال الذى رواه أهل السنن كابى داود والترمذى وغيرهما لما ~~مرت سحابة قال النبى ( اتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله اعلم قال السحاب ~~قالوا السحاب قال والمزن قالوا والمزن وذكر السماوات وعددها وكم بين كل ~~سماءين ثم قال والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه ) # وكذلك في حديث جبير بن مطعم الذى رواه أبو داود وغيره عن جبير بن مطعم ~~قال ( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرابى فقال يارسول الله جهدت ~~الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا فانا ~~نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فقال رسول الله ويحك تدرى ما تقول ~~وسبح رسول الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك أتدرى ~~ما الله إن الله على عرشه وعرشه على سمواته مثل القبة وأشار بيده ~~PageV05P580 # وهذا إخبار عن انه سبحانه فوق العرش في تلك الحال كما دل عليه القرآن كما ~~أخبر انه استوى على العرش وانه معنا أينما كنا وكونه معنا أمر خاص فكذلك ~~كونه مستويا على العرش # وكذلك سائر النصوص تبين وصفه بالعلو على عرشه في هذا الزمان فعلم أن الرب ~~سبحانه لم يزل عاليا على عرشه فلو كان في نصف الزمان أو كله تحت العرش أو ~~تحت بعض المخلوقات لكان هذا مناقضا لذلك # وايضا فقد ثبت في الحديث الصحيح الذى رواه مسلم وغيره عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول ( اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وانت الآخر فليس ~~بعدك شيء وانت الظاهر فليس فوقك شيء وانت الباطن فليس دونك شيء ) وهذا نص ~~في ان الله ليس فوقه شيء وكونه الظاهر صفة لازمة له مثل كونه الأول والآخر ~~وكذلك الباطن فلا يزال ظاهرا ليس فوقه شيء ولا يزال باطنا ليس دونه شيء # وأيضا فحديث ابى ذر وابى هريرة وقتادة المذكور في تفسير هذه ( الأسماء ~~الأربعة ) الذى فيه ذكر الأدلاء ms1494 قد ذكرناه في ( مسألة الإحاطة ( وهو مما ~~يبين ان الله لا يزال عاليا على المخلوقات مع ظهوره وبطونه وفى حال نزوله ~~إلى السماء الدنيا PageV05P581 # وايضا فقد قال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ فمن هذه ~~عظمته يمتنع أن يحصره شيء من مخلوقاته وعن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( في ~~تفسير هذه الآية أحاديث صحيحة اتفق أهل العلم بالحديث على صحتها وتلقيها ~~بالقبول والتصديق والله سبحانه وتعالى أعلم أه PageV05P582 ### || الجزء الثاني من كتاب الأسماء والصفات # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ### ||| فصل # ( # تقرب العبد إلى الله في مثل قوله ( واسجد واقترب ( وقوله ( اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة ( وقوله ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ~~( وقوله ( فأما ان كان من المقربين ( # وقول النبى ( ( فيما يروى عن ربه من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ~~الحديث وقوله ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى ~~يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه الحديث وكذلك ( القربان ( كقوله ( اذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ( وقوله ( حتى يأتينا بقربان تأكله النار ( ونحو ~~ذلك لا ريب أنه بعلوم وأعمال يفعلها العبد وفى ذلك حركة منه وانتقال من حال ~~إلى حال PageV06P005 ثم لا يخلو مع ذلك اما أن روحه وذاته تتحرك أو لا ~~تتحرك واذا تحركت فاما أن تكون حركتها إلى ذات الله أو إلى شيء آخر واذا ~~كانت إلى ذات الله بقى النظر في قرب الله إليه ودنوه واتيانه ومجيئه اما ~~جزاء على قرب العبد واما ابتداء كنزوله إلى سماء الدنيا # ( فالأول ( قول ( المتفلسفة ( الذين يقولون ان الروح لا داخل البدن ولا ~~خارجه وانها لا توصف بالحركة ولا بالسكون وقد تبعهم على ذلك قوم ممن ينتسب ~~إلى الملة # فهؤلاء عندهم قرب العبد ودنوه ازالة النقائص والعيوب عن نفسه وتكميلها ~~بالصفات الحسنة الكريمة حتى تبقى مقاربة للرب مشابهة له من جهة المعنى ~~ويقولون الفلسفة التشبه بالاله على قدر الطاقة فأما ms1495 حركة الروح فممتنعة ~~عندهم # وكذلك يقولون في قرب الملائكة والذى أثبتوه من تزكية النفس عن العيوب ~~وتكميلها بالمحاسن حق في نفسه لكن نفيهم ما زاد على ذلك خطأ لكنهم يعترفون ~~بحركة جسمه إلى المواضع التى تظهر فيها آثار الرب كالمساجد والسماوات ~~والعارفين # وعند هؤلاء معراج النبى ( ( انما هو انكشاف حقائق الكون له كما فسره بذلك ~~بن سينا ومن اتبعه كعين القضاة وبن الخطيب في المطالب العالية PageV06P006 ~~( الثانى ( قول المتكلمة الذين يقولون ان الله ليس فوق العرش وأن نسبة ~~العرش والكرسى إليه سواء وانه لا داخل العالم ولا خارجه لكن يثبتون حركة ~~العبد والملائكة فيقولون قرب العبد إلى الله حركة ذاته إلى الأماكن المشرفة ~~عند الله وهى السماوات وحملة العرش والجنة وبذلك يفسرون معراج النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ( ويتفق هؤلاء والذين قبلهم في حركة بدن العبد إلى الأماكن ~~المشرفة كثبوت العبادات وانما النزاع في حركة نفسه # ويسلم الأولون حركة النفس بمعنى تحولها من حال إلى حال لا بمعنى الانتقال ~~من موضع إلى موضع واتفاقهم على حركة الجسم وحركة الروح ايضا عند الآخرين ~~إلى كل مكان تظهر فيه معرفة الله كالسموات والمساجد وأولياء الله ومواضع ~~اسماء الله واياته فهو حركة إلى # ( الثالث ( قول ( أهل السنة والجماعة ( الذين يثبتون ان الله على العرش ~~وأن حملة العرش اقرب إليه ممن دونهم وان ملائكة السماء العليا أقرب إلى ~~الله من ملائكة السماء الثانية وان النبى ( ( لما عرج به إلى السماء صار ~~يزداد قربا إلى ربه بعروجه وصعوده وكان عروجه إلى الله لا إلى مجرد خلق من ~~خلقه وان روح المصلى تقرب إلى الله في السجود وان كان بدنه متواضعا وهذا هو ~~الذى دلت عليه نصوص الكتاب PageV06P007 # ثم ( قرب الرب من عبده ( هل هو من لوازم هذا القرب كما أن المتقرب إلى ~~الشيء الساكن كالبيت المحجوج والجدار والجبل كلما قربت منه قرب منك أو هو ~~قرب آخر يفعله الرب كما انك اذا قربت إلى الشيء المتحرك اليك تحرك أيضا ~~اليك فمنك فعل ومنه فعل آخر ms1496 هذا فيه قولان لأهل السنة مبنيان على ما تقدم ~~من ( قاعدة الصفات الفعلية ( كمسألة النزول وغيرها وقد تقدم الكلام في ذلك # وعلى هذا فما روى من قرب الرب إلى خواص عباده وتجليه لقلوبهم كما في ( ~~الزهد لأحمد ( ان موسى قال يا رب أين أجدك قال عند المنكسرة قلوبهم من أجلى ~~اقترب اليها كل يوم شبرا ولولا ذلك لاحترقت هذا القرب عند المتفلسفة ~~والجهمية هو مجرد ظهوره وتجليه لقلب العبد فهو قرب المثال # ثم المتفلسفة لا تثبت حركة الروح والجهمية تسلم جواز حركة الروح إلى مكان ~~عال واما أهل السنة فعندهم مع التجلى والظهور تقرب ذات العبد إلى ذات ربه ~~وفى جواز دنو ذات الله القولان وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع # وعلى مذهب ( النفاة ( من المتكلمة لا يكون اتيان الرب ومجيئه ونزوله الا ~~تجليه وظهوره لعبده اذا ارتفعت الحجب المتصلة بالعبد المانعة من المشاهدة ~~الباطنة أو الظاهرة بمنزلة الذى كان اعمى أو اعمش فزال عماه فراى الشمس ~~PageV06P008 والقمر فيقول جاءنى الشمس والقمر وهذا قول ( النفاة ( من ~~المتفلسفة والمعتزلة والاشعرية لكن الاشعرية يثبتون من الرؤية ما لا يثبته ~~المعتزلة ومنهم من يوافقهم في المعنى الذى قصدوه # واما على مذهب ( أهل السنة والجماعة ( من السلف واهل الحديث واهل المعرفة ~~ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية والعامة واهل الكلام ايضا فان نزوله ~~واتيانه ومجيئه قد يكون بحركة من العبد وقرب منه ودنو إليه وهو قدر زائد ~~على انكشاف بصيرة العبد فان هذا علم وعندهم يكون ذلك بعلم من العبد وبعمل ~~منه فهو كشف # وعمل ولا ينكر الاشعرية ونحوهم من اهل الكلام ان يكون من العبد حركة فان ~~ذلك ممكن وانما قد ينكرون حركته إلى الله كما تقدم وقد شبه بعضهم مجيء الله ~~بقوله ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ( أي الموقن به من الموت وما بعده # قلت هذا مثل قوله ( فاذا جاءت الطامة الكبرى ( وقوله ( فاذا جاءت الصاخة ~~( وقوله ( فقد جاء اشراطها ( وجعل في ذلك هو ظهوره وتجليه # قلت وليس هو مجرد ظهوره وتجليه ms1497 وان كان متضمنا لذلك بل هو متضمن لحركة ~~العبد إليه ثم ان كان ساكنا كان مجيئه من لوازم مجيء العبد إليه وان كان ~~فيه حركة كان مجيئه بنفسه ايضا وان كان العبد ذاهبا إليه وهكذا PageV06P009 ~~مجيء اليقين ومجيء الساعة # وفي جانب الربوبية يكون بكشف حجب ليست متصلة بالعبد كما قال النبى ( ( ~~حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ( ~~فهي حجب تحجب العباد عن الادراك كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس ~~والقمر فاذا زالت تجلت الشمس والقمر # وأما حجبها لله عن أن يرى ويدرك فهذا لا يقوله مسلم فان الله لا يخفى ~~عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو يرى دبيب النملة السوداء على ~~الصخرة الصماء في الليلة السوداء ولكن يحجب ان تصل انواره إلى مخلوقاته كما ~~قال ( لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ( فالبصر يدرك ~~الخلق كلهم وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النار # والجهمية لا تثبت له حجبا اصلا لأنه عندهم ليس فوق العرش ويروون الاثر ~~المكذوب عن علي ( أنه سمع قصابا يحلف لا والذى احتجب بسبع سماوات فعلاه ~~بالدرة فقال يا امير المؤمنين أكفر عن يمينى قال لا ولكنك حلفت بغير الله ( ~~فهذا لا يعرف له اسناد ولو ثبت كان علي قد فهم من المتكلم انه عنى انه ~~محتجب عن ادراكه لخلقه فهذا باطل قطعا بخلاف احتجابه عن ادراك خلقه له ~~PageV06P010 # ويدل على ذلك الحديث الصحيح ( اذا دخل اهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل ~~الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو الم يبيض ~~وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب ~~فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم من النظر إليه وهى ( الزيادة ( # وعند من أثبت الرؤية من المتجهمة ان حجاب كل أحد معه وكشفه خلق الادراك ~~فيه لا انه حجاب منفصل واما اتيانه ونزوله ومجيئه بحركة منه وانتقال فهذا ~~فيه القولان لأهل السنة ms1498 من أصحابنا وغيرهم والله أعلم والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما PageV06P011 ### |PARATEXT| # وقال الشيخ رحمه الله تعالى ### || # الذين يجعلون الفلسفة هي التشبيه بالاله على قدر الطاقة ويوجد ( ~~هذا التفسير ( في كلام طائفة كأبى حامد الغزالى وامثاله ولا يثبت هؤلاء ~~قربا حقيقيا وهو القرب المعلوم المعقول ومن جعل قرب عباده المقربين ليس ~~إليه وانما هو إلى ثوابه واحسانه فهو معطل مبطل # وذلك ان ثوابه واحسانه يصل اليهم ويصلون إليه ويباشرهم ويباشرونه بدخوله ~~فيهم ودخولهم فيه بالاكل واللباس فاذا كانوا يكونون في نفس جنته ونعيمه ~~وثوابه كيف يجعل اعظم الغايات قربهم من احسانه ولا سيما والمقربون هم فوق ~~أصحاب اليمين الابرار الذين كتابهم في عليين ( وما أدراك ما عليون كتاب ~~مرقوم يشهده المقربون ان الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في ~~وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس ~~المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون ( # قال بن عباس ( يشرب بها المقربون ( صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا ~~PageV06P012 فقد أخبر ان الأبرار في نفس النعيم وانهم يسقون من الشراب الذى ~~وصفه الله تعالى ويجلسون على الارائك ينظرون فكيف يقال ان المقربين الذين ~~هم أعلا من هؤلاء بحيث يشربون صرفها ويمزج لهؤلاء مزجا انما تقريبهم هو ~~مجرد النعيم الذى أولئك فيه هذا مما يعلم فساده بأدنى تأمل # ( # ( # المسألة الثانية ( في ( قربه ( الذى هو من لوازم ذاته مثل العلم والقدرة ~~فلا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه لم يزل بهم عالما ولم ~~يزل عليهم قادرا هذا مذهب جميع أهل السنة وعامة الطوائف الا من ينكر علمه ~~القديم من القدرية والرافضة ونحوهم أو ينكر قدرته على الشيء قبل كونه من ~~الرافضة والمعتزلة وغيرهم # ( # وأما قربه بنفسه من مخلوقاته ( قربا لازما في وقت دون وقت ولا يختص به ~~شيء فهذا فيه للناس قولان # فمن يقول هو بذاته في كل مكان يقول بهذا ومن لا يقول بهذا لهم أيضا فيه ~~قولان # ( أحدهما ( اثبات هذا ms1499 القرب وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية وغيرهم ~~يقولون هو فوق العرش ويثبتون هذا القرب # وقوم يثبتون هذا القرب دون كونه على العرش واذا كان قرب عباده منه نفسه ~~وقربه منهم ليس ممتنعا عند الجماهير من السلف واتباعهم من أهل الحديث ~~والفقهاء والصوفية وأهل الكلام لم يجب ان يتأول كل نص فيه PageV06P013 ذكر ~~قربه من جهة امتناع القرب عليه ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل ~~موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه بل يبقى هذا من الامور الجائزة وينظر ~~في النص الوارد فان دل على هذا حمل عليه وان دل على هذا حمل عليه وهذا كما ~~تقدم في لفظ الاتيان والمجيء ( # وان كان في موضع قد دل عندهم على أنه هو يأتى ففى موضع آخر دل على أنه ~~يأتى بعذابه كما في قوله تعالى ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ( وقوله ~~تعالى ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ( # فتدبر هذا فانه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع اذا تنازع النفاة ~~والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ حيث ورد ~~دالا على الصفة وظاهرا فيها # ثم يقول النافى وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا # وقد يقول بعض المثبتة دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك بل لما رأوا بعض ~~النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون انه يضاف إلى الله ~~تعالى اضافة صفة من آيات الصفات كقوله تعالى ( فرطت في جنب الله ( # وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة وهذا من أكبر الغلط فان الدلالة ~~في كل موضع بحسب سياقه وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية PageV06P014 ~~وهذا موجود في امر المخلوقين يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير ~~الصفات # وانا اذكر لهذا مثالين نافعين ( أحدهما صفة الوجه ( فانه لما كان اثبات ~~هذه الصفة مذهب اهل الحديث والمتكلمة الصفاتية من الكلابية والاشعرية ~~والكرامية وكان نفيها مذهب الجهمية من المعتزلة وغيرهم ومذهب بعض الصفاتية ~~من الاشعرية وغيرهم ms1500 صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر ~~الوجه جعلها من موارد النزاع فالمثبت يجعلها من الصفات التى لا تتأول ~~بالصرف والنافى يرى أنه اذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها ( ~~مثال ذلك ( قوله تعالى ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ( ~~أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة حتى عدها ( أولئك ( كابن ~~خزيمة مما يقرر اثبات الصفة وجعل ( النافية ( تفسيرها بغير الصفة حجة لهم ~~في موارد النزاع # ولهذا لما اجتمعنا في المجلس المعقود وكنت قد قلت أمهلت كل من خالفنى ~~ثلاث سنين ان جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئا مما ذكرته كانت له الحجة ~~وفعلت وفعلت وجعل المعارضون يفتشون الكتب فظفروا بما ذكره البيهقى في كتاب ~~( الأسماء والصفات ( في قوله تعالى ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله ( فإنه ذكر عن مجاهد والشافعى ان المراد قبلة الله فقال أحد ~~كبرائهم في المجلس الثانى قد أحضرت نقلا عن السلف بالتأويل فوقع في قلبى ما ~~اعد فقلت لعلك قد ذكرت ما روى PageV06P015 في قوله تعالى ( ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ( قال نعم قلت المراد بها قبلة الله ~~فقال قد تأولها مجاهد والشافعى وهما من السلف ولم يكن هذا السؤال يرد على ~~فانه لم يكن شيء مما ناظرونى فيه صفة الوجه ولا أثبتها لكن طلبوها من حيث ~~الجملة وكلامى كان مقيدا كما في الاجوبة فلم أر احقاقهم في هذا المقام بل ~~قلت هذه الاية ليست من آيات الصفات أصلا ولا تندرج في عموم قول من يقول لا ~~تؤول آيات الصفات # قال أليس فيها ذكر الوجه فلما قلت المراد بها قبلة الله قال أليست هذه من ~~آيات الصفات قلت لا ليست من موارد النزاع فانى انما أسلم ان المراد بالوجه ~~هنا القبلة فان ( الوجه ( هو الجهة في لغة العرب يقال قصدت هذا الوجه ~~وسافرت إلى هذا ( الوجه ( أى إلى هذه الجهة وهذا كثير مشهور فالوجه هو ~~الجهة وهو الوجه كما في قوله ms1501 تعالى ( ولكل وجهة هو موليها ( أى متوليها ~~فقوله تعالى ( وجهة هو موليها ( كقوله ( فأينما تولوا فثم وجه الله ( كلا ~~الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة ~~هو الذى ذكر في الآيتين أنا نوليه نستقبله # قلت والسياق يدل عليه لأنه قال ( أينما تولوا ( وأين من الظروف وتولوا أى ~~تستقبلوا فالمعنى أي موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله فقد جعل وجه الله في ~~المكان الذى يستقبله هذا بعد قوله ( ولله المشرق والمغرب ( وهى الجهات كلها ~~كما في الآية الأخرى ( قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ~~PageV06P016 # فأخبر أن الجهات له فدل على ان الإضافة اضافة تخصيص وتشريف كأنه قال جهة ~~الله وقبلة الله ولكن من الناس من يسلم ان المراد بذلك جهة الله أي قبلة ~~الله ولكن يقول هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء ~~في الحديث ( اذا قام أحدكم إلى الصلاة فان الله قبل وجهه ( وكما في قوله ( ~~لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلا عليه فاذا انصرف صرف وجهه ~~عنه ( ويقول ان الاية دلت على المعنيين فهذا شيء آخر ليس هذا موضعه # والغرض انه اذا قيل ( فثم قبلة الله ( لم يكن هذا من التأويل المتنازع ~~فيه الذى ينكره منكرو تأويل آيات الصفات ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة ~~فان هذا المعنى صحيح في نفسه والاية دالة عليه وإن كانت دالة على ثبوت صفة ~~فذاك شيء آخر ويبقى دلالة قولهم ( فثم وجه الله ( على فثم قبلة الله هل هو ~~من باب تسمية القبلة وجها باعتبار أن الوجه والجهة واحد أو باعتبار أن من ~~استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله فهذا فيه بحوث ليس هذا موضعها # ( والمثال الثانى ( لفظة ( الأمر ( فان الله تعالى لما أخبر بقوله ( انما ~~أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( وقال ( ألا له الخلق والأمر ( ~~واستدل طوائف من السلف على أن الأمر غير مخلوق بل هو كلامه وصفة من صفاته ms1502 ~~بهذه الاية وغيرها صار كثير من الناس يطرد ذلك في لفظ الأمر حيث ورد فيجعله ~~صفة طردا للدلالة ويجعل دلالته على غير الصفة نقضا لها PageV06P017 وليس ~~الأمر كذلك فبينت في بعض رسائلى ان الامر وغيره من الصفات يطلق على الصفة ~~تارة وعلى متعلقها أخرى ( فالرحمة ( صفة لله ويسمى ما خلق رحمة والقدرة من ~~صفات الله تعالى ويسمى ( المقدور ( قدرة ويسمى تعلقها ( بالمقدور ( قدرة ~~والخلق من صفات الله تعالى ويسمى خلقا والعلم من صفات الله ويسمى المعلوم ~~أو المتعلق علما فتارة يراد الصفة وتارة يراد متعلقها وتارة يراد نفس ~~التعلق # و ( الأمر ( مصدر فالمأمور به يسمى أمرا ومن هذا الباب سمى عيسى صلى الله ~~عليه وسلم كلمة لأنه مفعول بالكلمة وكائن بالكلمة وهذا هو الجواب عن سؤال ~~الجهمية لما قالوا عيسى كلمة الله فهو مخلوق والقرآن اذا كان كلام الله لم ~~يكن الا مخلوقا فان عيسى ليس هو نفس كلمة الله وانما سمى بذلك لأنه خلق ~~بالكلمة على خلاف سنة المخلوقين فخرقت فيه العادة وقيل له كن فكان والقرآن ~~نفس كلام الله # فمن تدبر ما ورد في ( باب أسماء الله تعالى وصفاته ( وأن دلالة ذلك في ~~بعض المواضع على ذات الله أو بعض صفات ذاته لا يوجب ان يكون ذلك هو مدلول ~~اللفظ حيث ورد حتى يكون ذلك طردا للمثبت ونقضا للنافى بل ينظر في كل آية ~~وحديث بخصوصه وسياقه وما يبين معناه من القرآن والدلالات فهذا أصل عظيم مهم ~~نافع في باب فهم الكتاب والسنة والاستدلال بهما مطلقا ونافع في معرفة ~~الاستدلال والاعتراض والجواب وطرد الدليل ونقضه فهو PageV06P018 نافع في كل ~~علم خبرى أو انشائى وفى كل استدلال أو معارضة من الكتاب والسنة وفى سائر ~~ادلة الخلق # فإذا كان العبد لا يمتنع ان يتقرب من ربه وان يقرب منه ربه باحد المعنيين ~~المتقدمين أو بكليهما لم يمتنع حمل النص على ذلك اذا كان دالا عليه فإن لم ~~يكن دالا عليه لم يجز حمله وان احتمل هذا المعنى وهذا المعنى وقف ms1503 فجواز ~~ارادة المعنى في الجملة غير كونه هو المراد بكل نص # وأما قربه اللازم من عباده بعلمه وقدرته وتدبيره فقد تقدم وتقدم ذكر ~~الخلاف في قربه بنفسه قربا لازما وعرف المتفق عليه والمختلف فيه من قربه ~~العارض واللازم فقوله سبحانه ( ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ( من الناس طوائف عندهم لا يحتاج إلى تأويل ~~ومنهم من يحوجها إلى التأويل ثم اقول هذه الاية لا تخلو اما ان يراد بها ~~قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك فان أريد بها قرب ~~الملائكة فقوله ( اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ( فيكون ~~الله سبحانه وتعالى قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الانسان وأخبر بقرب ~~الملائكة الكرام الكاتبين منه # ودليل ذلك قوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد اذ يتلقى ( ففسر ~~ذلك بالقرب الذى هو حين يتلقى المتلقيان وبأى معنى فسر فان علمه وقدرته عام ~~التعلق وكذلك نفسه سبحانه لا يختص بهذا الوقت وتكون هذه PageV06P019 الاية ~~مثل قوله تعالى ( أم يحسبون انا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم ~~يكتبون ( ومنه قوله في أول السورة ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا ~~كتاب حفيظ ( # وعلى هذا فالقرب لا مجاز فيه وانما الكلام في قوله تعالى ( ونحن اقرب ( ~~حيث عبر بها عن ملائكته ورسله أو عبر بها عن نفسه أو عن ملائكته ولكن قرب ~~كل بحسبه فقرب الملائكة منه تلك الساعة وقرب الله تعالى منه مطلق كالوجه ~~الثانى اذا اريد به الله تعالى أى نحن اقرب إليه من حبل الوريد فيرجع هذا ~~إلى القرب الذاتى اللازم وفيه القولان # ( أحدهما ( اثبات ذلك وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية # ( والثانى ( ان القرب هنا بعلمه لانه قد قال ( ولقد خلقنا الانسان ونعلم ~~ما توسوس به نفسه ونحن اقرب إليه من حبل الوريد ( فذكر لفظ العلم هنا دل ~~على القرب بالعلم # ومثل هذه الاية حديث ابى موسى ( انكم لا تدعون اصم ولا ms1504 غائبا انما تدعون ~~سميعا قريبا ان الذى تدعونه اقرب إلى احدكم من عنق راحلته ( فالآية لا ~~تحتاج إلى تأويل القرب في حق الله تعالى الا على هذا القول وحينئذ فالسياق ~~دل عليه وما دل عليه السياق هو ظاهر الخطاب فلا يكون من موارد النزاع وقد ~~تقدم انا لا نذم كل ما يسمى تاويلا مما فيه كفاية وانما PageV06P020 نذم ~~تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن بالرأى ( # ( وتحقيق الجواب ( هو ان يقال اما ان يكون قربه بنفسه القرب اللازم ممكنا ~~أو لا يكون فان كان ممكنا لم تحتج الاية إلى تأويل وان لم يكن ممكنا حملت ~~الاية على ما دل عليه سياقها وهو قربه بعلمه وعلى هذا القول فاما ان يكون ~~هذا هو ظاهر الخطاب الذى دل عليه السياق أو لا يكون فان كان هو ظاهر الخطاب ~~فلا كلام اذ لا تأويل حينئذ # وإن لم يكن ظاهر الخطاب فانما حمل على ذلك لأن الله تعالى قد بين في غير ~~موضع من كتابه أنه على العرش وأنه فوق فكان ما ذكره في كتابه في غير موضع ~~انه فوق العرش مع ما قرنه بهذه الآية من العلم دليلا على أنه أراد قرب ~~العلم اذ مقتضى تلك الايات ينافى ظاهر هذه الاية على هذا التقدير والصريح ~~يقضى على الظاهر ويبين معناه # ويجوز باتفاق المسلمين ان تفسر احدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام ~~عن ظاهره اذ لا محذور في ذلك عند أحد من اهل السنة وان سمى تأويلا وصرفا عن ~~الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه لأنه تفسير ~~للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأى والمحذور انما هو صرف القرآن عن فحواه ~~بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدم # وللإمام أحمد رحمه الله تعالى رسالة في هذا النوع وهو ذكر PageV06P021 ~~الآيات التى يقال بينها معارضة وبيان الجمع بينها وان كان فيه مخالفة لما ~~يظهر من احدى الايتين أو حمل احداهما على المجاز وكلامه في هذا اكثر من ~~كلام غيره ms1505 من الأئمة المشهورين فإن كلام غيره أكثر ما يوجد في المسائل ~~العملية واما المسائل العلمية فقليل وكلام الامام أحمد كثير في المسائل ~~العلمية والعملية لقيام الدليل من القرآن والسنة على ذلك ومن قال ان مذهبه ~~نفى ذلك فقد افترى عليه والله أعلم # والكلام على قوله تعالى ( واذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع ~~اذا دعان ( مثل قوله ( ( انكم لا تدعون اصم ولا غائبا انما تدعون سميعا ~~قريبا ان الذى تدعونه اقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ( فمن حمله على قرب ~~نفسه قربا لازما أو عارضا فلا كلام ومن قال المراد كونه يسمع دعاءهم ~~ويستجيب لهم وما يتبع ذلك قال دل عليه السياق فلا يكون خلاف الظاهر أو يقول ~~دل عليه ما في القرآن والسنة من النصوص التى تدل على انه فوق العرش فيكون ~~تفسير القرآن وتأويله بالكتاب والسنة وهذا لا محذور فيه # واعلم أن من الناس من سلك هذا المسلك في نفس ( المعية ( ويقول انه محمول ~~على ما دل عليه السياق وان كان خلاف ظاهر الاطلاق أو محمول على خلاف الظاهر ~~لدلالة الأيات ان الله فوق العرش ويجعل بعض القرآن يفسر بعضا لكن نحن بينا ~~انه ليس في ظاهر المعية ما يوجب ذلك لأنا وجدنا جميع PageV06P022 استعمالات ~~( مع ( في الكتاب والسنة لا توجب اتصالا واختلاطا فلم يكن بنا حاجة إلى ان ~~نجعل ظاهره الملاصقة ثم نصرفه # فأما لفظ ( القرب ( فهو مثل لفظ ( الدنو ( وضد القرب البعد فاللفظ ظاهر ~~في اللغة فاما ان يحمل عليه واما ان يحمل على ما يقال انه الظاهر الذى دل ~~عليه السياق أو على خلاف الظاهر لدلالة بقية النصوص وقد روى الطبرانى وغيره ~~ان ناسا سألوا النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اقريب ربنا فنناجيه أم بعيد ~~فنناديه فأنزل الله تعالى ( واذا سألك عبادى عنى فانى قريب أجيب دعوة الداع ~~اذا دعان ( وصلى الله على محمد PageV06P023 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### ||| فصل # قد كتبت قبل هذا في ( الجزء الثانى من المرتب ) الكلام في ( قرب العبد من ms1506 ~~ربه ( وذهابه إليه و ( قرب الرب من عبده ( وتجلى الرب له وظهوره وما يعترف ~~به المتفلسفة من ذلك ثم المتكلمة ثم أهل السنة وان ما يثبته هؤلاء من الحق ~~يثبته أهل السنة # ثم يثبت اهل السنة ( أشياء ( لا يعرفها أهل البدعة لجهلهم وضلالهم اذ ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله # ثم المعانى الذى يثبتها هؤلاء من الحق ويتأولون النصوص عليها حسنة صحيحة ~~جيدة لكن الضلال جاء من جهة نفيهم ما زاد عليها # وذلك مثل اثبات المتفلسفة ( لواجب الوجود ( وان ( الروح غير البدن ( ~~وأنها باقية بعد فراق البدن وانها منعمة أو معذبة نعيما وعذابا روحانيين # وكذلك ما يثبتونه من قوى البدن والنفس الصالحة وغير الصالحة كل ذلك حق ~~لكن زعمهم ان لا معنى للنصوص الا ذلك وان لا حق وراء ذلك PageV06P024 وان ( ~~الجنة ( و ( النار ( عبارة عن ذلك وإنما الوصف المذكور في الكتب الالهية ~~امثال مضروبة لتفهيم المعاد الروحانى وأن ( الملائكة ( و ( الجن ( هي اعراض ~~وهى قوى النفس الصالحة والفاسدة وان ( الروح ( لا تتحرك وانما ينكشف له ~~حقائق الكون فيكون ذلك قربها إلى الله وان معراج النبى هو من هذا الباب هذا ~~النفى والتكذيب كفر # وكذلك ما يثبته المتكلمة من ان العبد يتقرب ببدنه وروحه إلى ( الاماكن ~~المفضلة ( التى يظهر فيها نور الرب كالسموات والمساجد وكذلك الملائكة فهذا ~~صحيح لكن دعواهم انهم لا يتقربون إلى ذات الله وان الله ليس على العرش فهذا ~~باطل # وانما الصواب اثبات ذلك واثبات ما جاءت به النصوص ايضا من قرب العبد إلى ~~ربه وتجلى الرب لعباده بكشف الحجب المتصلة بهم والمنفصلة عنهم وان القرب ~~والتجلى فيه علم العبد الذى هو ظهور الحق له وعمل العبد الذى هو دنوه إلى ~~ربه # وقد تكلمت في دنو الرب وقربه وما فيه من النزاع بين أهل السنة ثم بعض ~~المتسننة والجهال اذا رأوا ما يثبته اولئك من الحق قد يفرون من التصديق به ~~وان كان لا منافاة بينه وبين ما ينازعون اهل السنة في ثبوته بل الجميع ms1507 صحيح ~~وربما كان الإقرار بما اتفق على اثباته اهم من الاقرار بما حصل فيه نزاع اذ ~~ذلك اظهر وابين وهو اصل للمتنازع فيه فيحصل بعض الفتنة في نوع PageV06P025 ~~تكذيب ونفي حال أو اعتقاد كحال المبتدعة فيبقى الفريقان في بدعه وتكذيب ~~ببعض موجب النصوص وسبب ذلك ان قلوب المثبته تبقى متعلقة باثبات ما نفته ~~المبتدعة # وفيهم نفرة عن قول المبتدعة بسبب تكذيبهم بالحق ونفيهم له فيعرضون عن ما ~~يثبتونه من الحق أو ينفرون منه أو يكذبون به كما قد يصير بعض جهال المتسننة ~~في اعراضه عن بعض فضائل على واهل البيت اذا رأى اهل البدعة يغلون فيها بل ~~بعض المسلمين يصير في الاعراض عن فضائل موسى وعيسى بسبب اليهود والنصارى ~~بعض ذلك حتى يحكى عن قوم من الجهال انهم ربما شتموا المسيح اذا سمعوا ~~النصارى يشتمون نبينا في الحرب # وعن بعض الجهال انه قال سبوا عليا كما سبوا عتيقكم كفر بكفر وايمان ~~بايمان # ومثال ذلك في ( باب الصفات ( ان العبد اذا عرف ربه واحبه بل لو عرف غير ~~الله واحبه وتألهه يبقى ذلك المعروف المحبوب المعظم في القلب واللسان وقد ~~تقوى به شدة الوجد والمحبة والتعظيم حتى يستغرق به ويفنى به عن نفسه # كما قيل ان رجلا كان يحب اخر فوقع المحبوب في اليم فالقى الاخر نفسه خلفه ~~فقال انا وقعت فما الذى اوقعك فقال غبت بك عنى فظننت انك انى وهذا كما قيل # مثالك في عينى وذكراك في فمى %~% ومثواك في قلبى فأين تغيب PageV06P026 # وقال آخر # ساكن في القلب يعمره %~% لست انساه فأذكره # هو مولى قد رضيت به %~% ( ونصيبى منه أوفره ) # ولقوة الاتصال زعم بعض الناس ان العالم والعارف يتحد بالمعلوم المعروف ~~وآخرون يرون ان المحب قد يتحد بالمحبوب وهذا اما غلط واما توسع في العبارة ~~فانه نوع اتحاد هو اتحاد في عين المتعلقات من نوع اتحاد في المطلوب ~~والمحبوب والمأمور به والمرضى والمسخوط واتحاد في نوع الصفات من الارادة ~~والمحبة والامر والنهى والرضا والسخط بمنزلة اتحاد الشخصين المتحابين وهذا ms1508 ~~له تفصيل نذكره في غير هذا الموضع # وانما المقصود هنا أن المعروف المحبوب في قلب العارف المحب له أحكام ~~واخبار صادقة كقوله تعالى ( وهو الذى في السماء اله وفى الأرض اله ( وقوله ~~تعالى ( وله المثل الاعلى في السماوات والأرض ( وقوله تعالى ( وانه تعالى ~~جد ربنا ( وقوله ( سبح اسم ربك الاعلى ( وقوله في الاستفتاح ( سبحانك اللهم ~~وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك ( # ويحصل لقلوب العارفين به استواء وتجل لا يزول عنها يقربه كل أحد لكن أهل ~~السنة يقرون بكثير مما لا يعرفه اهل البدعة كما يقرون باستوائه على العرش ~~PageV06P027 # ومثل قوله ( ( عبدى مرضت فلم تعدنى ( فيقول أي رب كيف أعودك وانت رب ~~العالمين فيقول ( اما علمت ان عبدى فلانا مرض فلو عدته لوجدتنى عنده ( # فقد أخبر أنه عند عبده وجعل مرضه مرضه والانسان قد تكون عنده محبة وتعظيم ~~لامير أو عالم أو مكان بحيث يغلب على قلبه ويكثر من ذكره وموافقته في ~~اقواله واعماله فيقال ان أحدهما الآخر كما يقال أبو يوسف أبو حنيفة # ويشبه هذا من بعض الوجوه ظهور الاجسام المستنيرة وغيرها في الأجسام ~~الشفافة كالمرآة المصقولة والماء الصافى ونحو ذلك بحيث ينظر الانسان في ~~الماء الصافى السماء والشمس والقمر والكواكب # كما قال بعضهم # اذا وقع السماء على صفاء %~% كدر انى يحركه النسيم # ترى فيه السماء بلا امتراء %~% كذاك البدر يبدو والنجوم # وكذا قلوب ارباب التجلى %~% يرى في صفوها الله العظيم # وكذلك نرى في المرآة صورة ما يقابلها من الشمس والقمر والوجوه وغير ذلك PageV06P028 # ثم قد ~~يحاذى تلك المرآة مرآة اخرى فترى فيها الصورة التى رؤيت في الاولى ويتسلل ~~الامر فيه وهذه المرآئى المنعكسة تشبه من وجه بعيد ظهور اسم المحبوب المعظم ~~في الورق بالخط والكتابة سواء كان بمداد أو بتنقير أو بغير ذلك فانه هنا لم ~~يظهر الا حروف اسمه في جسم لا حس له ولا حركة وفى الأجسام الصقلية ظهرت ~~صورته لكن من غير شعور بالمظهر ولا حركة فالاول مظهر اسمه وهذا مظهر ذاته # واما في ms1509 قلوب العباد وأرواحهم فيظهر المعروف المحبوب المعظم واسماؤه في ~~القلب الذى يعلمه ويحبه وذلك نوع أكمل وارفع من غيره بل ليس له نظير # والى ذلك اشار بقوله ( كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ( وهو الذى ~~قال ( ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله ( وقال ( فان آمنوا بمثل ما آمنتم به ~~فقد اهتدوا ( وكذلك قوله ( ليس كمثله شيء ( وقوله ( مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل PageV06P029 ### ||| فصل # فهذا القدر لا يخالف فيه عاقل فانه امر محسوس مدرك وهو اقل مراتب الإقرار ~~بالله بل الإقرار بوجود أي شيء كان واقل مراتب عبادته ومحبته والتقرب إليه ~~ثم مع ذلك هل يتحرك القلب والروح العارفة المحبة أم لا حركة لها الا مجرد ~~التحول من صفة إلى صفة # ( الأول ( مذهب عامة المسلمين وجمهور الخلق # ( والثانى ( قول المتفلسفة ومن اتبعهم اذ عندهم ان الروح لا داخل البدن ~~ولا خارجه ولا تتحرك ولا تسكن واما الجمهور فيقرون بتحركها نحو المحبوب ~~المطلوب كائنا ما كان ويقر جمهور المتكلمين بأنها تتحرك إلى المواضع ~~المشرفة التى تظهر فيها اثار المحبوب وانواره كتحرك قلوب العارفين وابدانهم ~~إلى السماوات والى المساجد ونحو ذلك # وكذلك تحرك ذلك إلى ذات المحبوب من المخلوقين كالانبياء والملائكة وغيرهم ~~وكل من الفريقين يقر بتجلى الرب وظهوره لقلوب العارفين وهو PageV06P030 ~~عندهم حصول الايمان والعلم والمعرفة في قلوبهم بدلا من الكفر والجهل وهو ~~حصول المثل والحد والإسم في السماء والأرض # وأما حركة روح العبد أو بدنه إلى ذات الرب فلا يقربه من كذب بأن الله فوق ~~العرش من هؤلاء المعطلة الجهمية الذين كان السلف يكفرونهم ويرون بدعتهم اشد ~~البدع ومنهم من يراهم خارجين عن الثنتين والسبعين فرقة مثل من قال أنه في ~~كل مكان أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه لكن عموم المسلمين وسلف الامة ~~واهل السنة من جميع الطوائف تقر بذلك فيكون العبد متقربا بحركة روحه وبدنه ~~إلى ربه مع اثباتهم ايضا التقرب منهما إلى الأماكن المشرفة واثباتهم ايضا ~~تحول روحه وبدنه ms1510 من حال إلى حال # ( فالأول ( مثل معراج النبى ( ( وعروج روح العبد إلى ربه وقربه من ربه في ~~السجود وغير ذلك # ( والثانى ( مثل الحج إلى بيته وقصده في المساجد # ( والثالث ( مثل ذكره له ودعائه ومحبته وعبادته وهو في بيته لكن في هذين ~~يقرون ايضا بقرب الروح ايضا إلى الله نفسه فيجمعون بين الانواع كلها ~~PageV06P031 # وأما تجليه لعيون عباده فأقر به المتكلمون الصفاتية كالأشعرية والكلابية ~~ومن نفى منهم علو الرب على العرش قال هو بخلق الإدراك في عيونهم ورفع الحجب ~~المانعة # واما اهل السنة فيقرون بذلك وبأنه يرفع حجبا منفصلة عن العبد حتى يرى ربه ~~كما جاء في الأحاديث الصحيحة PageV06P032 ### || 1 ( رسالة في مسألة تأويل الصفات ) 1 ### |||| سئل شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله # عمن يقول ان النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم أو يشعر به والعقل دل ~~على تنزيه البارى عز وجل عنه فالاسلم للمؤمن ان يقول هذا ( متشابه ( لا ~~يعلم تأويله الا الله فقال له قائل هذا لابد له من ضابط وهو الفرق في ~~الصفات بين المتشابه وغيره لأن دعوى التأويل في كل الصفات باطل وربما افضى ~~إلى الكفر ويلزم منه ان لا يعلم لصفة من صفاته معنى فلابد حينئذ من الفرق ~~بين ما يتأول وما لا يتأول فقال كلما دل دليل العقل على انه تجسيم كان ذلك ~~متشابها فهل هذا صحيح أم لا ابسطوا القول في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه ( مسألة ( كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها ~~خلائق من الاولين والاخرين من اوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية فاما ~~المائة الاولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا وانما نشاء ذلك في اوائل ~~المائة الثانية لما ظهر ( الجعد بن درهم ( وصاحبه ( الجهم بن صفوان ( ومن ~~اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على انكار الصفات PageV06P033 # فظهرت مقالة الجهمية النفاة نفاة الصفات قالوا لأن اثبات الصفات يستلزم ~~التشبيه والتجسيم والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك لأن ( الصفات ( التى هي ~~العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك اعراض ومعان تقوم بغيرها والعرض ms1511 لا يقوم ~~الا بجسم والله تعالى ليس بجسم لأن الأجسام لا تخلو من الأعراض الحادثة وما ~~لا يخلو من الحوادث فهو محدث # قالوا وبهذا استدللنا على حدوث الإجسام فان بطل هذا بطل الاستدلال على ~~حدوث الاجسام فيبطل الدليل على حدوث العالم فيبطل الدليل على اثبات الصفات # قالوا واذا كانت الأعراض التى هي الصفات لا تقوم الا بجسم والجسم مركب من ~~أجزائه والمركب مفتقر إلى غيره ولا يكون غنيا عن غيره واجب الوجود بنفسه ~~والله تعالى غنى عن غيره واجب الوجود بنفسه # قالوا ولأن الجسم محدود متناهى فلو كان له صفات لكان محدودا متناهيا وذلك ~~لابد ان يكون له مخصص خصصه بقدر دون قدر وما افتقر إلى مخصص لم يكن غنيا ~~قديما واجب الوجود بنفسه # قالوا ولأنه لو قامت به الصفات لكان جسما ولو كان جسما لكان مماثلا لسائر ~~الأجسام فيجوز عليه ما يجوز عليها ويمتنع عليه ما يمتنع عليها وذلك ممتنع ~~على الله تعالى PageV06P034 # وزاد الجهم في ذلك هو والغلاة من القرامطة والفلاسفة نحو ذلك فقالوا وليس ~~له اسم كالشيء والحى والعليم ونحو ذلك لانه اذا كان له اسم من هذه الأسماء ~~لزم أن يكون متصفا بمعنى الاسم كالحياة والعلم فان صدق المشتق مستلزم لصدق ~~المشتق منه وذلك يقتضى قيام الصفات به وذلك محال ولانه اذا سمى بهذه ~~الأسماء فهي مما يسمى به غيره والله منزه عن مشابهة الغير # وزاد اخرون بالغلو فقالوا لا يسمى باثبات ولا نفى ولا يقال موجود ولا لا ~~موجود ولا حى ولا لا حى لأن في الإثبات تشبيها له بالموجودات وفى النفى ~~تشبها له بالمعدومات وكل ذلك تشبيه # فلما ظهر هؤلاء الجهمية أنكر السلف والأئمة مقالتهم وردوها وقابلوها بما ~~تستحق من الإنكار الشرعى وكانت خفية إلى ان ظهرت وقويت شوكه الجهمية في ~~أواخر ( المائة الأولى ( وأوائل ( الثانية ( في دولة اولاد الرشيد فامتحنوا ~~الناس المحنة المشهورة التى دعوا الناس فيها إلى القول بخلق القرآن ولوازم ~~ذلك مثل إنكار الرؤية والصفات بناء على ان القرآن هو من ms1512 جملة الاعراض فلو ~~قام بذات الله لقامت به الأعراض فيلزم التشبيه والتجسيم # وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه فجعلوا صفاته من جنس صفات ~~المخلوقين فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة وعلى المشبهة الممثلة ~~وكان امام المعتزلة ( أبو الهذيل العلاف ( ونحوه من نفاة الصفات قالوا ~~يقتضى ان يكون جسما والله تعالى منزه عن ذلك قال هؤلاء بل هو جسم والجسم ~~PageV06P035 هو القائم بنفسه أو الموجود أو غير ذلك من المقالات وطعنوا في ~~ادلة نفاة الجسم بكلام طويل لا يتسع له الجواب هنا # ثم من هؤلاء من قال هو جسم كالاجسام ومنهم من وصفه بخصائص المخلوقات وحكى ~~عن كل واحدة من الطائفتين مقالات شنيعة # وجاء ( أبو محمد بن كلاب ( فقال هو واتباعه هو الموصوف بالصفات ولكن ليست ~~الصفات اعراضا اذ هي قديمة باقية لا تعرض ولا تزول ولكن لا يوصف بالافعال ~~القائمة به كالحركات لأنها تعرض وتزول # فقال بن كرام واتباعه لكنه موصوف بالصفات وان قيل انها اعراض وموصوف ~~بالأفعال القائمة بنفسه وان كانت حادثة ولما قيل لهم هذا يقتضى ان يكون ~~جسما قالوا نعم هو جسم كالاجسام وليس ذلك ممتنعا دائما وانما الممتنع ان ~~يشابه المخلوقات فيما يجب ويجوز ويمتنع ومنهم من قال اطلق لفظ الجسم لا ~~معناه وبين هؤلاء المتكلمين النظار بحوث طويلة مستوفاة في غير هذا الموضع # وأما ( السلف والأئمة ( فلم يدخلوا مع طائفة من الطوائف فيما ابتدعوه من ~~نفى أو اثبات بل اعتصموا بالكتاب والسنة وراوا ذلك هو الموافق لصريح العقل ~~فجعلوا كل لفظ جاء به الكتاب والسنة من اسمائه وصفاته حقا يجب الأيمان به ~~وان لم تعرف حقيقة معناه وكل لفظ احدثه الناس فاثبته قوم ونفاه اخرون فليس ~~علينا ان نطلق اثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم فان كان PageV06P036 ~~مراده حقا موافقا لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة من نفى أو اثبات قلنا ~~به وان كان باطلا مخالفا لما جاء به الكتاب والسنة من نفى أو اثبات منعنا ~~القول به وراوا ان الطريقة التى ms1513 جاء بها القرآن هي الطريقة الموافقة لصريح ~~المعقول وصحيح المنقول وهى طريقة الأنبياء والمرسلين # وان الرسل صلوات الله عليهم جاؤوا بنفى مجمل واثبات مفصل ولهذا قال ~~سبحانه وتعالى ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد ~~لله رب العالمين ( فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على ~~المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب وطريقة الرسل هي ما جاء بها ~~القرآن والله تعالى في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفى عنه على ~~طريق الاجمال التشبيه والتمثيل # فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وانه عزيز حكيم ~~غفور رحيم وانه سميع بصير وانه غفور ودود وانه تعالى على عظم ذاته يحب ~~المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم وانه خلق السماوات ~~والأرض في ستة ايام ثم استوى على العرش وانه كلم موسى تكليما وانه تجلى ~~للجبل فجعله دكا وامثال ذلك # ويقول في النفى ( ليس كمثله شيء ( هل تعلم له سميا ( فلا تضربوا لله ~~الامثال ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ~~( فيثبت الصفات وينفى مماثلة المخلوقات PageV06P037 # ولما كانت طريقة السلف ان يصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ~~من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ومخالفوا الرسل يصفونه ~~بالامور السلبية ليس كذا ليس كذا فإذا قيل لهم فاثبتوه قالوا هو وجود مطلق ~~أو ذات بلا صفات # وقد علم ( بصريح المعقول ( ان المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد الا في ~~الأذهان لا في الأعيان وان المطلق لا بشرط لا يوجد في الخارج مطلقا لا يوجد ~~الامعينا ولا يكون للرب عندهم حقيقة مغايرة للمخلوقات بل اما ان يعطلوه أو ~~يجعلوه وجود المخلوقات أو جزءها أو وصفها والالفاظ المجملة يكفون عن معناها # فإذا قال قوم ان الله في جهة أو حيز وقال قوم ان الله ليس في جهة ولا حيز ~~استفهموا كل واحد من القائلين عن مراده فإن لفظ الجهة والحيز ms1514 فيه اجمال ~~واشتراك فيقولون ما ثم موجود الا الخالق والمخلوق والله تعالى منزه بائن عن ~~مخلوقاته فإنه سبحانه خلق المخلوقات بائنة عنه متميزة عنه خارجة عن ذاته ~~ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ولو لم يكن ~~مباينا لكان اما مداخلا لها حالا فيها أو محلا لها والله تعالى منزه عن ذلك # واما ان لا يكون مباينا لها ولا مداخلا لها فيكون معدوما والله تعالى ~~منزه عن ذلك # والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد أو يصرحون ~~PageV06P038 بذلك وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل فنفاتهم لا يعبدون شيئا ~~ومثبتتهم يعبدون كل شيء ويقال أيضا فإذا كان ما ثم موجود الا الخالق ~~والمخلوق فالخالق بائن عن المخلوق # فإذا قال القائل هو في جهة أو ليس في جهة قيل له الجهة امر موجود أو ~~معدوم فإن كان أمرا موجودا ولا موجود الا الخالق والمخلوق والخالق بائن عن ~~المخلوق لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة وان كانت الجهة امرا معدوما بأن ~~يسمى ما وراء العالم جهة فإذا كان الخالق مباينا العالم وكان ما وراء ~~العالم جهة مسماة وليس هو شيئا موجودا كان الله في جهة معدومة بهذا ~~الإعتبار لكن لا فرق بين قول القائل هو في معدوم وقوله ليس في شيء غيره فان ~~المعدوم ليس شيئا باتفاق العقلاء # ولا ريب أن لفظ الجهة يريدون به تارة معنى موجودا وتارة معنى معدوما بل ~~المتكلم الواحد يجمع في كلامه بين هذا وهذا فاذا ازيل الاحتمال ظهر حقيقة ~~الامر فاذا قال القائل لو كان في جهة لكانت قديمة معه قيل له هذا اذا أريد ~~بالجهة أمر موجود سواه فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار واذا قال لو رؤى ~~لكان في جهة وذلك محال قيل له ان اردت بذلك لكان في جهة موجودة فذلك محال ~~فإن الموجود يمكن رؤيته وان لم يكن في موجود غيره كالعالم فانه يمكن رؤية ~~سطحه وليس هو في عالم اخر وان قال اردت انه لابد ms1515 ان يكون فيما يسمى جهة ولو ~~معدوما فانه اذا كان PageV06P039 مباينا للعالم سمى ما وراء العالم جهة قيل ~~له فلم قلت انه اذا كان في جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعا فاذا قال لان ما ~~باين العالم ورؤى لا يكون الا جسما أو متحيزا عاد القول إلى لفظ الجسم ~~والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة فيقال له المتحيز يراد به ما حازه غيره ~~ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزا عنه فإن اردت بالمتحيز الاول لم يكن ~~سبحانه متحيزا لانه بائن عن المخلوقات لا يحوزه غيره وان اردت الثانى فهو ~~سبحانه بائن عن المخلوقات منفصل عنها ليس هو حالا فيها ولا متحدا بها # فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل والا فكل من نفى شيئا من الأسماء ~~والصفات سمى من اثبت ذلك مجسما قائلا بالتحيز والجهة فالمعتزلة ونحوهم ~~يسمون الصفاتية الذين يقولون ان الله تعالى حى بحياة عليم بعلم قدير بقدرة ~~سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام يسمونهم مجسمة مشبهة حشوية والصفاتية هم ~~السلف والائمة وجميع الطوائف المثبتة للصفات كالكلابية والكرامية والاشعرية ~~والسالمية وغيرهم من طوائف الامة قالت نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة ~~وطائفة من الفلاسفة لهؤلاء اذا اثبتم له حياة وقدرة وكلاما فهذه اعراض ~~والاعراض لا تقوم الا بجسم واذا قلتم يرى فالرؤية لا تكون الا لمعاين في ~~جهة وهذا يستلزم التجسيم # فاذا قالت الاشعرية ومن اتبعهم نحن نثبت هذه الصفات ولا نسميها اعراضا ~~لان العرض ما يعرض لمحله وهذه الصفات باقية لا تزول قالت لهم النفاة هذا ~~نزاع لفظى فان العرض عندكم ينقسم إلى لازم لمحله لا يفارقه ما دام ~~PageV06P040 المحل موجودا والى ما يجوز ان يفارق محله فالاول كالتحيز للجسم ~~بل وكالحيوانية والناطقية للانسان فانه ما دام انسانا لا تفارقه هذه الصفة # وأما قولكم ان العرض لا يبقى زمانين فهذا شيء انفردتم به من بين سائر ~~العقلاء وكابرتم به الحس لتنجوا بالمغاليط عن هذه الالزامات المفحمة ثم ~~انكم تقولون بتجدد امثاله فهذا هو معنى بقاء العرض وهذا كما قلتم ms1516 انه يرى ~~بلا مواجهة ولا مدابرة ولا يتوجه إليه الرائى بجهة من جهاته فهذا ايضا مما ~~انفردتم به عن العقلاء وكابرتم به الحس والعقل قالت لهم النفاة فاثبتم ما ~~يستلزم التجسيم والتشبيه والحشو أو نفيتم التلازم فخالفتم صريح العقل ~~والضرورة # ولهذا صار حذاقكم إلى انكم في الحقيقة موافقون لنا على نفى رؤية الله ~~تعالى ولكن اظهرتم اثباتها لكونه المشهور عند ( الحشوية ( المشهورين بالسنة ~~والجماعة ليقال انكم منهم أو اثبتم ذلك تناقضا منكم فانتم دائرون بين ~~المناقضة والمداهنة # فإن كان الرجل ممن يوافق نفاة الصفات ويثبت اسماء الله الحسنى كما تفعل ~~المعتزلة وهم ائمة الكلام سماه نفاة اسماء الله الحسنى مشبها حشويا مجسما ~~كما فعلت القرامطة الحاكمية الباطنية وغيرهم وقالوا اذا قلتم انه موجود ~~عليم حى قدير فهذا هو القول بالتشبيه والتجسيم والحشو فان ذلك مشابهة لغيره ~~من المخلوقات ولانه لا يعقل موجود حى عليم قدير الا جسما ولان هذه الاسماء ~~تستلزم الصفات والصفات تستلزم التجسيم PageV06P041 # فان كان الرجل ممن ينفى الاسماء والصفات كما تفعله غلاة الجهمية ~~والقرامطة والفلاسفة فلابد له ان يثبت انه موجود # وحينئذ فتقول له النفاة أنت مجسم مشبه حشوى لأنه اذا كان موجودا فقد ~~شاركه غيره في معنى الوجود وهو التشبيه لانه لا يعقل موجود الا جسم أو قائم ~~بجسم فحينئذ يحتاج ان يقول لا موجود ولا معدوم ولا حى ولا ميت أولا موجود ~~ولا لا موجود ولا حى ولا لا حى فيلزم نفى النقيضين جميعا وما هو في معنى ~~النقيضين وذلك من اعظم الامور الباطلة في بديهة العقل مع أنه يلزم على قياس ~~قولهم تشبيهه بالممتنعات لان ما ليس بموجود ولا معدوم لا تكون له حقيقة ~~أصلا لا موجودة ولا معدومة بل هو أمر مقدر في الاذهان لا يتحقق في الاعيان ~~هذا مع ما التزمه من الكفر الصريح # ولو قدر انه نفى الوجود الواجب القديم بالكلية لكان مع الكفر الذى هو اصل ~~كل كفر قد كابر القضايا الضرورية فانا نشهد الموجودات ونعلم ان كل موجود ~~اما ms1517 قديم واما محدث واما واجب موجود بنفسه واما ممكن بنفسه موجود بغيره وكل ~~محدث وممكن بنفسه موجود بغيره فلابد له من قديم واجب بنفسه فالوجود ~~بالضرورة يستلزم اثبات موجود قديم ومن الوجود ما هو ممكن محدث كما نشهده في ~~المحدثات من الحيوان والنبات # فاذا علم بضرورة العقول ان الوجود فيه ما هو موجود قديم واجب بنفسه وفيه ~~ما هو محدث موجود ممكن بنفسه فهذان الموجودان اتفقا في مسمى PageV06P042 ~~الوجود وامتاز واحد منهما عن الآخر بخصوص وجوده فمن لم يثبت ما بين ~~الموجودين من الاتفاق وما بينهما من الافتراق والا لزمه ان تكون الموجودات ~~كلها قديمة واجبة بأنفسها أو محدثة ممكنة مفتقرة إلى غيرها وكلاهما معلوم ~~الفساد بالاضطرار فتعين اثبات الاتفاق من وجه والامتياز من وجه ونحن نعلم ~~ان ما امتاز به الخالق الموجود عن سائر الموجودات اعظم مما تمتاز به سائر ~~الموجودات بعضها عن بعض فاذا كان ( الملك ( و ( البعوض ( قد اشتركا في مسمى ~~الوجود والحى مع تفاوت ما بينهما فالخالق سبحانه اولى بمباينته للمخلوقات ~~وان حصلت الموافقة في بعض الاسماء والصفات PageV06P043 ### ||| فصل # إذا ظهرت هذه المقدمة تبين لنا ان قول القائل كلما قام دليل العقل على ~~انه يدل على التجسيم كان متشابها جواب لا ينقطع به النزاع ولا يحصل به ~~الانتفاع ولا يحصل به الفرق بين الصحيح والسقيم والزائغ والقويم # وذلك انه ما من ناف ينفى شيئا من الاسماء والصفات الا وهو يزعم انه قد ~~قام عنده دليل العقل على انه يدل على التجسيم فيكون متشابها فيلزم حينئذ ان ~~تكون جميع الاسماء والصفات متشابهات وحينئذ فيلزم التعطيل المحض وان لا ~~يفهم من اسماء الله تعالى وصفاته معنى ولا يميز بين معنى الحى والعليم ~~والقدير والرحيم والجبار والسلام ولا بين معنى الخلق والاستواء وبين ~~الاماتة والاحياء ولا بين المجيء والاتيان وبين العفو والغفران # بيان ذلك ان من نفى الصفات من الجهمية والمعتزلة والقرامطة الباطنية ومن ~~وافقهم من الفلاسفة يقولون اذا قلتم ان القرآن غير مخلوق وان لله تعالى ~~علما وقدرة ms1518 وارادة فقد قلتم بالتجسيم فانه قد قام دليل العقل على ان هذا ~~يدل على التجسيم لان هذه معانى لا تقوم بنفسها لا تقوم الا بغيرها سواء ~~سميت صفات أو اعراضا أو غير ذلك PageV06P044 ق # الوا ونحن لا نعقل قيام المعنى الا بجسم فاثبات معنى يقوم بغير جسم غير ~~معقول فان قال المثبت بل هذه المعانى يمكن قيامها بغير جسم كما أمكن عندنا ~~وعندكم اثبات عالم قادر ليس بجسم قالت المثبتة الرضا والغضب والوجه واليد ~~والاستواء والمجيء وغير ذلك فاثبتوا هذه الصفات ايضا وقولوا انها تقوم بغير ~~جسم # فإن قالوا لا يعقل رضا وغضب الا ما يقوم بقلب هو جسم ولا نعقل وجها ويدا ~~الا ما هو بعض من جسم قيل لهم ولا نعقل علما الا ما هو قائم بجسم ولا قدرة ~~الا ما هو قائم بجسم ولا نعقل سمعا وبصرا وكلاما الا ما هو قائم بجسم فلم ~~فرقتم بين المتماثلين وقلتم ان هذه يمكن قيامها بغير جسم وهذه لا يمكن ~~قيامها الا بجسم وهما في المعقول سواء # فان قالوا الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام والوجه هو ذو الانف ~~والشفتين واللسان والخد أو نحو ذلك # قيل لهم ان كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد فوزانه أن يقال لكم ولا ~~يعقل بصر الا ما كان بشحمة ولا سمع الا ما كان بصماخ ولا كلام الا ما كان ~~بشفتين ولسان ولا ارادة الا ما كان لاجتلاب منفعة أو استدفاع مضرة وأنتم ~~تثبتون للرب السمع والبصر والكلام والارادة على خلاف صفات العبد فان كان ما ~~تثبتونه مماثلا لصفات العبد لزمكم التمثيل في الجميع وان كنتم تثبتونه على ~~الوجه اللائق بجلال الله تعالى من غير مماثلة بصفات المخلوقات فاثبتوا ~~الجميع على هذا الوجه المحدود ولا فرق بين صفة وصفة فان ما نفيتموه ~~PageV06P045 من الصفات يلزمكم فيه نظير ما أثبتموه فاما ان تعطلوا الجميع ~~وهو ممتنع واما ان تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع واما ان تثبتوا الجميع على ~~وجه يختص به لا يماثله فيه غيره ms1519 وحينئذ فلا فرق بين صفة وصفة فالفرق بينهما ~~باثبات احدهما ونفى الآخر فرارا من التشبيه والتجسيم قول باطل يتضمن الفرق ~~بين المتماثلين والتناقض في المقالتين # فان قال دليل العقل دل على أحدهما دون الآخر كما يقال انه دل على الحياة ~~والعلم والارادة دون الرضا والغضب ونحو ذلك # فالجواب من وجوه # ( أحدها ( ان عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه فهب انه لم يعلم ~~بالعقل ثبوت احدها فانه لا يعلم نفيه بالعقل ايضا ولا بالسمع فلا يجوز نفيه ~~بل الواجب اثباته ان قام دليل على اثباته والا توقف فيه # ( الثانى ( ان يقال انه يمكن اقامة دليل العقل على حبه وبغضه وحكمته ~~ورحمته وغير ذلك من صفاته كما يقام على مشيئته كما قد بين في غير هذا ~~الموضع # ( الثالث ( ان يقال السمع دل على ذلك والعقل لا ينفيه فيجب العمل بالدليل ~~السالم عن المعارض فان عاد فقال بل العقل ينفى ذلك لان هذه الصفات تستلزم ~~التجسيم والعقل ينفى التجسيم قيل له القول في هذه الصفات التى تنفيها ~~كالقول في الصفات التى اثبتها فان كان هذا مستلزما PageV06P046 للتجسيم ~~فكذلك الاخر وان لم يكن مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر فدعوى المدعى الفرق ~~بينهما بان احدهما يستلزم التشبيه أو التجسيم دون الآخر تفريق بين ~~المتماثلين وجمع بين النقيضين فان ما نفاه في احدهما اثبته في الآخر وما ~~اثبته في احدهما نفاه في الاخر فهو يجمع بين النقيضين # ولهذا قال المحققون كل من نفى شيئا من الاسماء والصفات الثابتة بالكتاب ~~والسنة فانه متناقض لا محالة فان دليل نفيه فيما نفاه هو بعينه يقال فيما ~~اثبته فان كان دليل العقل صحيحا بالنفى وجب نفى الجميع وان لم يكن لم يجب ~~نفى شيء من ذلك فاثبات شيء ونفى نظيره تناقض باطل # فإن قال المعتزلى ان الصفات تدل على التجسيم لان الصفات اعراض لا تقوم ~~الا بجسم فلهذا تأولت نصوص الصفات دون الاسماء قيل له يلزمك ذلك في الاسماء ~~فان ما به استدللت على ان من له حياة وعلم وقدرة ms1520 لا يكون الا جسما يستدل به ~~خصمك على ان العليم القدير الحى لا يكون الا جسما فيقال لك اثبات حى عليم ~~قدير لا يخلو اما ان يستلزم التجسيم أو لا يستلزم فان استلزم لزمك اثبات ~~الجسم فلا يكون لرؤيته محدودا على التقديرين وان لم يستلزم امكن ان يقال ان ~~اثبات العلم والقدرة والارادة لا يستلزم التجسيم فان كان هذا لا يستلزم ~~فهذا لا يستلزم وان كان هذا يستلزم فهذا يستلزم فلا فرق بينهما وان فرق فهو ~~تناقض جلى # فان قال الجهمى والقرمطى والفلسفى الموافق لهما انا انفى الاسماء ~~PageV06P047 والصفات معا قيل له لا يمكنك ان تنفى جميع الاسماء اذ لابد من ~~اشارة القلب وتعبير اللسان عما تثبته فان قلت ثابت موجود محقق معلوم قديم ~~واجب أي شيء قلت كنت قد سميته وهب انك لا تنطق بلسانك اما ان تثبت بقلبك ~~موجودا واجبا قديما واما ان لا تثبته فان لم تثبته كان الوجود خاليا عن ~~موجد واجب قديم وحينئذ فتكون الموجودات كلها محدثة ممكنة وبالاضطرار يعلم ~~ان المحدث الممكن لا يوجد الا بقديم واجب فصار نفيك له مستلزما لاثباته ثم ~~هذا هو الكفر والتعطيل الصريح الذى لا يقول به عاقل # وان قلت انا لا اخطر ببالى النظر في ذلك ولا انطق فيه بلسانى قيل لك ~~اعراض قلبك عن العلم ولسانك عن النطق لا يقتضى قلب الحقائق ولا عدم ~~الموجودات فان ما كان حقا موجودا ثابتا في نفسك فهو كذلك علمته أو جهلته ~~وذكرته أو نسيته وذلك لا يقتضى الا الجهل بالله تعالى والغفلة عن ذكر الله ~~والاعراض عنه والكفر به وذلك لا يقتضى انه في نفسه ليس حقا موجودا له ~~الاسماء الحسنى والصفات العلى # ولا ريب ان هذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية انهم يبقون ~~في ظلمة الجهل وضلال الكفر لا يعرفون الله ولا يذكرونه ليس لهم دليل على ~~نفيه ونفى اسمائه وصفاته فان هذا جزم بالنفى وهم لا يجزمون ولا دليل لهم ~~على النفى وقد اعرضوا عن اسمائه وآياته ms1521 وصاروا جهالا به كافرين به غافلين ~~عن ذكره موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته PageV06P048 # ثم اذا فعلوا ذلك بزعمهم لئلا يقعوا في ( التشبيه والتجسيم ( قيل لهم ما ~~فررتم إليه شر مما فررتم عنه فان الاقرار بالصانع على أي وجه كان خير من ~~نفيه وايضا فان هذا العالم المشهود كالسماء والأرض ان كان قديما واجبا ~~بنفسه فقد جعلتم الجسم المشهود قديما واجبا بنفسه وهذا شر مما فررتم منه ~~وان لم يكن قديما واجبا بنفسه لزم ان يكون له صانع قديم واجب بنفسه وحينئذ ~~تتضح معرفته وذكره بان اثبات الرب بالقلب واللسان حق لا ريب فيه سمعا وعقلا ~~فان كان ذلك مستلزما لما سميتموه تشبيها وتجسيما فلازم الحق حق وان لم يكن ~~مستلزما له أمكنكم اثباته بدون هذا الكلام فظهر تناقض النفاة كيف صرفت ~~عليهم الدلالات وظهر تناقض من يثبت بعض الصفات دون بعض # فان قالت ( النفاة ( انما نفينا الصفات لان دليلنا على حدوث العالم ~~واثبات الصانع دل على نفيها فان الصانع اثبتناه بحدوث العالم وحدوث العالم ~~انما اثبتناه بحدوث الأجسام والأجسام انما اثبتنا حدوثها بحدوث الصفات التى ~~هي الاعراض أو قالوا انما اثبتنا حدوثها بحدوث الأفعال التى هي الحركات وان ~~القابل لها لا يخلو منها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث أو ان ما قبل ~~المجيء والاتيان والنزول كان موصوفا بالحركة وما اتصف بالحركة لم يخل منها ~~أو من السكون الذى هو ضدها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فاذا ثبت حدوث ~~الاجسام قلنا ان المحدث لابد له من محدث فاثبتنا الصانع بهذا PageV06P049 ~~فلو وصفناه بالصفات أو بالافعال القائمة به لجاز ان تقوم الافعال والصفات ~~بالقديم وحينئذ فلا يكون دليلا على حدوث الاجسام فيبطل دليل اثبات الصفات # فيقال لهم الجواب من وجوه # ( أحدها ( ان بطلان هذا الدليل المعين لا يستلزم بطلان جميع الادلة ~~واثبات الصانع له طرق كثيرة لا يمكن ضبط تفاصيلها وان امكن ضبط جملها # ( الثانى ( ان هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين ولا من ms1522 ~~أئمة المسلمين فلو كانت معرفة الرب عز وجل والايمان به موقوفة عليه للزم ~~انهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به وهذا من أعظم الكفر باتفاق ~~المسلمين # ( الثالث ( أن الانبياء والمرسلين لم يأمروا أحدا بسلوك هذا السبيل فلو ~~كانت المعرفة موقوفة عليه وهى واجبة لكان واجبا وان كانت مستحبة كان مستحبا ~~ولو كان واجبا أو مستحبا لشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان ~~مشروعا لنقلته الصحابة # PageV06P050 ### || 1 ( رسالة في جمل مقالات الطوائف ) 1 # ! 8 < ### ||| فصل في جمل مقالات الطوائف وموادهم # ( # أما ( باب الصفات والتوحيد ( فالنفى فيه في الجملة قول ( الفلاسفة ~~والمعتزلة وغيرهم من الجهمية ( وان كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق ~~وكذلك بين البغداديين والبصريين اختلاف في السمع والبصر هل هو علم أو ادراك ~~غير العلم وفى الارادة # وهذا المذهب الذى يسميه السلف قول ( جهم ( لانه اول من أظهره في الاسلام ~~وقد بينت اسناده فيه في غير هذا الموضع انه متلقى من الصابئة الفلاسفة ~~والمشركين البراهمة واليهود السحرة # والاثبات في الجملة مذهب ( الصفاتية ( من الكلابية والاشعرية والكرامية ~~وأهل الحديث وجمهور الصوفية والحنبلية واكثر المالكية والشافعية الا الشاذ ~~منهم وكثير من الحنفية أو اكثرهم وهو قول السلفية لكن الزيادة في الاثبات ~~إلى حد التشبيه هو قول ( الغالية ( من الرافضة ومن جهال أهل الحديث وبعض ~~المنحرفين # وبين نفى الجهمية واثبات المشبهة مراتب PageV06P051 # ( فالأشعرية ( وافق بعضهم في الصفات الخبرية وجمهورهم وافقهم في الصفات ~~الحديثية واما في الصفات القرآنية فلهم قولان # فالأشعرى والباقلانى وقدماؤهم يثبتونها وبعضهم يقر ببعضها وفيهم تجهم من ~~جهة أخرى فان الاشعرى شرب كلام الجبائى شيخ المعتزلة ونسبته في الكلام إليه ~~متفق عليها عند أصحابه وغيرهم # وبن الباقلانى اكثر اثباتا بعد الاشعرى في ( الابانة ( وبعد بن الباقلانى ~~بن فورك فانه اثبت بعض ما في القرآن # و ( أما الجوينى ( ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فان أبا ~~المعالى كان كثير المطالعة لكتب ابى هاشم قليل المعرفة بالاثار فاثر فيه ~~مجموع الامرين # و ( القشيرى ( تلميذ بن فورك فلهذا تغلظ مذهب ms1523 الاشعرى من حينئذ ووقع بينه ~~وبين الحنبلية تنافر بعد ان كانوا متوالفين أو متسالمين # و ( أما الحنبلية ( فأبو عبد الله بن حامد قوى في الاثبات جاد فيه ينزع ~~لمسائل الصفات الخبرية وسلك طريقه صاحبه القاضي أبو يعلى لكنه الين منه ~~وابعد عن الزيادة في الاثبات # وأما أبو عبد الله بن بطة فطريقته طريقة المحدثين المحضة كأبى بكر ~~PageV06P052 الأجرى في ( الشريعة ( واللالكائى في السنن والخلال مثله قريب ~~منه والى طريقته يميل الشيخ أبو محمد ومتأخرو المحدثين # و ( أما التميميون ( كأبى الحسن وبن ابى الفضل وبن رزق الله فهم ابعد عن ~~الاثبات واقرب إلى موافقة غيرهم والين لهم ولهذا تتبعهم الصوفية ويميل ~~اليهم فضلاء الاشعرية كالباقلانى والبيهقى فان عقيدة أحمد التى كتبها أبو ~~الفضل هي التى اعتمدها البيهقى مع ان القوم ماشون على السنة # وأما ( بن عقيل ( فاذا انحرف وقع في كلامه مادة قوية معتزلية في الصفات ~~والقدر وكرامات الاولياء بحيث يكون الاشعرى احسن قولا منه واقرب إلى السنة # فان ( الأشعرى ( ما كان ينتسب الا إلى مذهب اهل الحديث وامامهم عنه أحمد ~~بن حنبل وقد ذكر ( أبو بكر عبد العزيز ( وغيره في مناظراته ما يقتضى انه ~~عنده من متكلمى اهل الحديث لم يجعله مباينا لهم وكانوا قديما متقاربين الا ~~ان فيهم من ينكر عليه ما قد ينكرونه على من خرج منهم إلى شيء من الكلام لما ~~في ذلك من البدعة مع انه في اصل مقالته ليس على السنة المحضة بل هو مقصر ~~عنها تقصيرا معروفا # و ( الاشعرية ( فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية كما ان متكلمة ~~الحنبلية فيما يحتجون به من القياس العقلى فرع عليهم وانما وقعت الفرقة ~~بسبب فتنة القشيرى PageV06P053 # ولا ريب ان ( الاشعرية ( الخراسانيين كانوا قد انحرفوا إلى التعطيل وكثير ~~من الحنبلية زادوا في الاثبات # وصنف ( القاضي أبو يعلى ( كتابه في ( ابطال التأويل ( رد فيه على بن فورك ~~شيخ القشيرى وكان الخليفة وغيره مائلين إليه فلما صار للقشيرية دولة بسبب ~~السلاجقة جرت تلك الفتنة واكثر الحق فيها كان مع ms1524 الفرائية مع نوع من الباطل ~~وكان مع القشيرية فيها نوع من الحق مع كثير من الباطل # ( فابن عقيل ( انما وقع في كلامه المادة المعتزلية بسبب شيخه ابى على بن ~~الوليد وابى القاسم بن التبان المعتزليين ولهذا له في كتابه ( اثبات ~~التنزيه ( وفى غيره كلام يضاهى كلام المريسي ونحوه لكن له في الاثبات كلام ~~كثير حسن وعليه استقر امره في كتاب ( الارشاد ( مع انه قد يزيد في الإثبات ~~لكن مع هذا فمذهبه في الصفات قريب من مذهب قدماء الاشعرية والكلابية في انه ~~يقر ما دل عليه القرآن والخبر المتواتر ويتأول غيره ولهذا يقول بعض ~~الحنبلية انا اثبت متوسطا بين تعطيل بن عقيل وتشبيه بن حامد # والغزالى في كلامه مادة فلسفية كبيرة بسبب كلام بن سينا في ( الشفا ( ~~وغيره ( ورسائل اخوان الصفا ( وكلام ابى حيان التوحيدى # واما المادة المعتزلية في كلامه فقليلة أو معدومة كما ان المادة الفلسفية ~~في كلام بن عقيل قليلة أو معدومة # PageV06P054 # وكلامه في ( الاحياء ( غالبه جيد لكن فيه مواد فاسدة مادة فلسفية ومادة ~~كلامية ومادة من ترهات الصوفية ومادة من الاحاديث الموضوعة # وبينه وبين بن عقيل قدر مشترك من جهة تناقض المقالات في الصفات فانه قد ~~يكفر في أحد الصفات بالمقالة التى ينصرها في المصنف الآخر واذا صنف على ~~طريقة طائفة غلب عليه مذهبها # واما ( بن الخطيب ( فكثير الاضطراب جدا لا يستقر على حال وانما هو بحث ~~وجدل بمنزلة الذى يطلب ولم يهتد إلى مطلوبه بخلاف ابى حامد فانه كثيرا ما ~~يستقر # و ( الاشعرية ( الاغلب عليهم انهم مرجئة في ( باب الاسماء والاحكام ( ~~جبرية في ( باب القدر ( واما في الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من ~~التجهم # و ( المعتزلة ( وعيدية في ( باب الأسماء والأحكام ( قدرية في ( باب القدر ~~( جهمية محضة # واتبعهم على ذلك متأخرو الشيعة وزادوا عليهم الامامة والتفضيل # وخالفوهم في الوعيد وهم ايضا يرون الخروج على الائمة # واما ( الاشعرية ( فلا يرون السيف موافقة لاهل الحديث وهم في الجملة اقرب ~~المتكلمين إلى مذهب اهل السنة والحديث # و ( الكلابية ms1525 وكذلك الكرامية ( فيهم قرب إلى اهل السنة والحديث وان كان ~~في مقالة كل من الاقوال ما يخالف اهل السنة والحديث PageV06P055 # وأما ( السالمية ( فهم والحنبلية كالشيء الواحد الا في مواضع مخصوصة تجرى ~~مجرى اختلاف الحنابلة فيما بينهم وفيهم تصوف ومن بدع من اصحابنا هؤلاء يبدع ~~ايضا التسمي في الاصول بالحنبلية وغير ذلك ولا يرى أن يتسمى أحد في الاصول ~~الا بالكتاب والسنة وهذه ( طريقة جيدة ( لكن هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد # فان مسائل الدق في الاصول لا يكاد يتفق عليها طائفة اذ لو كان كذلك لما ~~تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين وقد ينكر الشيء في حال دون حال ~~وعلى شخص دون شخص # وأصل هذا ما قد ذكرته في غير هذا الموضع ان المسائل الخبرية قد تكون ~~بمنزلة المسائل العملية وان سميت تلك ( مسائل اصول ( وهذه ( مسائل فروع ( ~~فان هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين وهو على المتكلمين ~~والأصوليين اغلب لا سيما اذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة # واما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم ان الأعمال اهم وآكد من ~~مسائل الاقوال المتنازع فيها فان الفقهاء كلامهم انما هو فيها وكثيرا ما ~~يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل كما يقوله مالك وغيره من اهل ~~المدينة بل الحق ان الجليل من كل واحد من الصنفين ( مسائل اصول ( والدقيق ( ~~مسائل فروع PageV06P056 # فالعلم بوجوب الواجبات كمبانى الاسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة ~~المتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم وانه سميع بصير ~~وان القرآن كلام الله ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة ولهذا من جحد ~~تلك الاحكام العملية المجمع عليها كفر كما ان من جحد هذه كفر # وقد يكون الاقرار بالاحكام العملية اوجب من الاقرار بالقضايا القولية بل ~~هذا هو الغالب فان القضايا القولية يكفى فيها الاقرار بالجمل وهو الايمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والايمان بالقدر خيره وشره # واما الأعمال الواجبة فلابد من معرفتها على التفصيل لأن العمل بها لا ~~يمكن الا بعد معرفتها ms1526 مفصلة ولهذا تقر الامة من يفصلها على الاطلاق وهم ~~الفقهاء وان كان قد ينكر على من يتكلم في تفصيل الجمل القولية للحاجة ~~الداعية إلى تفصيل الاعمال الواجبة وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التى وجب ~~الايمان بها مجملة # وقولنا انها قد تكون بمنزلتها يتضمن اشياء # ( منها ( أنها تنقسم إلى قطعى وظنى و # ( منها ( ان المصيب وان كان واحدا فالمخطئ قد يكون معفوا عنه وقد يكون ~~مذنبا وقد يكون فاسقا وقد يكون كالمخطئ في الاحكام العملية PageV06P057 ~~سواء لكن تلك لكثرة فروعها والحاجة إلى تفريعها اطمأنت القلوب بوقوع ~~التنازع فيها والاختلاف بخلاف هذه لان الاختلاف هو مفسدة لا يحتمل الا لدرء ~~ما هو اشد منه # فلما دعت الحاجة إلى تفريع الأعمال وكثرة فروعها وذلك مستلزم لوقوع ~~النزاع اطمأنت القلوب فيها إلى النزاع بخلاف الامور الخبرية فان الاتفاق قد ~~وقع فيها على الجمل فاذا فصلت بلا نزاع فحسن وان وقع التنازع في تفصيلها ~~فهو مفسدة من غير حاجة داعية إلى ذلك # ولهذا ذم اهل الاهواء والخصومات وذم اهل الجدل في ذلك والخصومة فيه لانه ~~شر وفساد من غير حاجة داعية إليه لكن هذا القدر لا يمنع تفصيلها ومعرفة ~~دقها وجلها # والكلام في ذلك اذا كان بعلم ولا مفسدة فيه ولا يوجب ايضا تكفير كل من ~~أخطأ فيها الا ان تقوم فيه شروط التكفير هذا لعمرى في الاختلاف الذى هو ~~تناقض حقيقى # فأما سائر وجوه الاختلاف كاختلاف التنوع والاختلاف الاعتبارى واللفظى ~~فأمره قريب وهو كثير أو غالب على الخلاف في المسائل الخبرية # واما ( الصوفية والعباد ( بل وغالب العامة فالاعتبار عندهم بنفس الاعمال ~~الصالحة وتركها فاذا وجدت دخل الرجل بذلك فيهم وان أخطأ في PageV06P058 بعض ~~المسائل الخبرية والا لم يدخل ولو اصاب فيها بل هم معرضون عن اعتبارها ~~والاصول عندهم هي ويسمون هذه الاصول # ومما يتصل بذلك ان المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الإعتقاد وقد ~~تجب في حال دون حال وعلى قوم دون قوم وقد تكون مستحبة غير واجبة وقد تستحب ~~لطائفة أو في حال ms1527 كالاعمال سواء # وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز تعريفه بها كما قال على رضى ~~الله عنه ( حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون اتحبون ان يكذب الله ~~ورسوله ( وقال بن مسعود رضى الله عنه ( ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه ~~عقولهم الا كان فتنة لبعضهم ( # وكذلك قال بن عباس رضى الله عنه لمن سأله عن قوله تعالى ( الله الذى خلق ~~سبع سماوات ( الاية فقال ما يؤمنك انى لو اخبرتك بتفسيرها لكفرت وكفرك ~~تكذيبك بها وقال لمن سأله عن قوله تعالى ( تعرج الملائكة والروح إليه في ~~يوم كان مقداره خمسين الف سنة ( هو يوم اخبر الله به الله اعلم به ومثل هذا ~~كثير عن السلف # فاذا كان العلم ( بهذه المسائل ( قد يكون نافعا وقد يكون ضارا لبعض الناس ~~تبين لك ان القول قد ينكر في حال دون حال ومع شخص PageV06P059 دون شخص وان ~~العالم قد يقول القولين الصوابين كل قول مع قوم لان ذلك هو الذى ينفعهم مع ~~ان القولين صحيحان لا منافاة بينهما لكن قد يكون قولهما جميعا فيه ضرر على ~~الطائفتين فلا يجمعهما الا لمن لا يضره الجمع # واذا كانت قد تكون قطعية وقد تكون اجتهادية سوغ اجتهاديتها ما سوغ في ~~المسائل العملية وكثير من تفسير القرآن أو اكثره من هذا الباب فان الاختلاف ~~في كثير من التفسير هو من باب المسائل العلمية الخبرية لا من باب العملية ~~لكن قد تقع الاهواء في المسائل الكبار كما قد تقع في مسائل العمل # وقد ينكر أحد القائلين على القائل الآخر قوله انكارا يجعله كافرا أو ~~مبتدعا فاسقا يستحق الهجر وان لم يستحق ذلك وهو ايضا اجتهاد # وقد يكون ذلك التغليظ صحيحا في بعض الاشخاص أو بعض الاحوال لظهور السنة ~~التى يكفر من خالفها ولما في القول الاخر من المفسدة الذى يبدع قائله فهذه ~~امور ينبغى ان يعرفها العاقل فان القول الصدق اذا قيل فان صفته الثبوتية ~~اللازمة ان يكون مطابقا للمخبر ا # ما كونه عند المستمع معلوما ms1528 أو مظنونا أو مجهولا أو قطعيا أو ظنيا أو يجب ~~قبوله أو يحرم أو يكفر جاحده أو لا يكفر فهذه احكام عملية تختلف باختلاف ~~الاشخاص والاحوال PageV06P060 # فاذا رأيت اماما قد غلظ على قائل مقالته أو كفره فيها فلا يعتبر هذا حكما ~~عاما في كل من قالها الا اذا حصل فيه الشرط الذى يستحق به التغليظ عليه ~~والتكفير له فان من جحد شيئا من الشرائع الظاهرة وكان حديث العهد بالاسلام ~~أو ناشئا ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية # وكذلك العكس اذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من امام قديم فاغتفرت لعدم ~~بلوغ الحجة له فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للاول فلهذا يبدع من ~~بلغته احاديث عذاب القبر ونحوها اذا انكر ذلك ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم ~~يعرف بان الموتى يسمعون في قبورهم فهذا اصل عظيم فتدبره فانه نافع # وهو ان ينظر في ( شيئين في المقالة ( هل هي حق أم باطل أم تقبل التقسيم ~~فتكون حقا باعتبار باطلا باعتبار وهو كثير وغالب # ثم النظر الثانى في حكمه اثباتا أو نفيا أو تفصيلا واختلاف احوال الناس ~~فيه فمن سلك هذا المسلك اصاب الحق قولا وعملا وعرف ابطال القول واحقاقه ~~وحمده فهذا هذا والله يهدينا ويرشدنا انه ولي ذلك والقادر عليه PageV06P061 ### ||| فصل # قد عرف ان الاشياء لها وجود في ( الاعيان ( ووجود في ( الاذهان ( ووجود ~~في ( اللسان ( ووجود في ( البنان ( وهو العينى والعلمى واللفظى والرسمى # ثم قال من قال ان الوجود العينى والعلمى لا يختلف باختلاف الاعصار ~~والامصار والامم بخلاف اللفظى والرسمى فان اللغات تختلف باختلاف الامم ~~كالعربية والفارسية والرومية والتركية # وهذا قد يذكره بعضهم في ( كلام الله تعالى ( انه هو المعنى الذى لا يختلف ~~باختلاف الامم دون الحروف التى تختلف كما هو قول الكلابية والاشعرية ويضمون ~~إلى ذلك إلى ان كتبه انما اختلفت لاختلاف لفظها فقط فكلامه بالعبرية هو ~~التوراة وبالعربية هو القرآن كما يقولون ان ( المعنى القديم ( يكون امرا ~~ونهيا وخبرا فهذه صفات عارضة له لا انواع له ms1529 # ويذكر بعضهم هذا القول مطلقا في ( اصول الفقه ( في مسائل اللغات ويذكره ~~بعضهم في مسألة الاسم والمسمى واسماء الله الحسنى كأبى حامد PageV06P062 # قلت وهذا القول فيه نظر وبعضه باطل وذلك ان الفاظ اللغات ( منها ( متفق ~~عليه كالتنور وكما يوجد من الاسماء المتحدة في اللغات # و ( منها ( متنوع كأكثر اللغات واختلافها اختلاف تنوع لا تضاد كاختلاف ~~الاسمين للمسمى الواحد وكذلك معانى اللغات فان ( المعنى الواحد ( الذى ~~تعلمه الامم وتعبر عنه كل امة بلسانها قد يكون ذلك المعنى واحدا بالنوع في ~~الامم بحيث لا يختلف كما يختلف اللفظ الواحد بالعربية # وقد يكون تصور ذلك المعنى متنوعا في الامم مثل ان يعلمه أحدهم بنعت ويعبر ~~عنه باعتبار ذلك النعت وتعلمه الامة الاخرى بنعت اخر وتعبر عنه باعتبار ذلك ~~النعت كما هو الواقع في اسماء الله واسماء رسوله وكتابه وكثير من الاسماء ~~المعبر بها عن الاشياء المتفق على علمها في الجملة ( فتكرى وخداى ونست شك ( ~~ونحو ذلك وان كانت اسماء لله تعالى فليس معناها مطابقا من كل وجه لمعنى اسم ~~الله وكذلك بيغنير وبهشم ونحو ذلك # ولهذا اذا تأملت الالفاظ التى يترجم بها القرآن من الالفاظ الفارسية ~~والتركية وغيرها تجد بين المعانى نوع فرق وان كانت متفقة في الاصل كما ان ~~اللغتين متفقة في الصوت وان اختلفت في تأليفه وقد تجد التفاوت بينها اكثر ~~من التفاوت بين الالفاظ ( المتكافئة ( الواقعة بين المترادفة والمتباينة ~~كالصارم والمهند وكالريب والشك والمور والحركة والصراط والطريق PageV06P063 # وتختلف اللغتان ايضا في قدر ذلك المعنى وعمومه وخصوصه كما تختلف في ~~حقيقته ونوعه وتختلف ايضا في كيفيته وصفته وغير ذلك # بل الناطقان بالاسم الواحد باللغة الواحدة يتصور أحدهما منه ما لم يتصور ~~الآخر حقيقته وكميته وكيفيته وغير ذلك فاذا كان المعنى المدلول عليه بالاسم ~~الواحد لا يتحد من كل وجه في قلب الناطقين بل ولا في قلب الناطق الواحد في ~~الوقتين فكيف يقال انه يجب اتحاده في اللغات المتعددة # يوضح ذلك ان ما تعلمه الملائكة منه ليس على حد ما يعلمه البشر ms1530 وما يعلمه ~~الله فيه ليس على حد ما تعلمه الملائكة لكن الاختلاف اختلاف تنوع لا تضاد # وأما قول من قال ان معانى الكتب المنزلة سواء ففساده معلوم بالاضطرار ~~فانا لو عبرنا عن معانى القرآن بالعبرية وعن معانى التوراة بالعربية لكان ~~أحد المعنيين ليس هو الاخر بل يعلم بالاضطرار تنوع معانى الكتب واختلافها ~~اختلاف تنوع اعظم من اختلاف حروفها لما بين العربية والعبرية من التفاوت ~~وكذلك معانى البقرة ليست هي معانى آل عمران # وأبعد من ذلك جعل الأمر هو الخبر ولا ينكر ان هذه المختلفات قد تشترك في ~~حقيقة ما كما أن اللغات تشترك في حقيقة ما فان جاز أن يقال انها واحدة مع ~~تنوعها فكذلك اللغات سواء بل اختلاف المعانى أشد # أما دعوى كون أحدهما صفة حقيقية والأخرى وضعية فليس كذلك PageV06P064 ~~وهذا موضع ينتفع به في ( الاسماء واللغات ( و ( في اصول الدين ( و ( الفقه ~~( وفى معرفة ( ترجمة اللغات ( # وأيضا لم يجر العرف بأن اللغة الواحدة واللفظ الواحد ( يكون ( النطق به ~~من جميع الناطقين على حد واحد ليس فيه تفاوت اصلا فان حصل المقصود بالجميع ~~فكذلك المعنى الواحد فان اللغات وان اختلفت فقد يحصل اصل المقصود بالترجمة ~~فكذلك المعانى فان الترجمة تكون في اللفظ والمعنى ولهذا سمى المسلمون بن ~~عباس ترجمان القرآن وهو يترجم اللفظ PageV06P065 ### ||| فصل # مما يبين ان طريقة اتباع الانبياء من ( اهل السنة ( هي الموصلة إلى الحق ~~دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة والمتكلمين ان المقصود هو العلم وطريقه هو ~~الدليل والانبياء جاؤوا بالاثبات المفصل والنفى المجمل كاثبات الصفات لله ~~مفصلة ونفى الكفؤ عنه # و ( الفلاسفة ( يجيئون بالنفى المفصل ليس بكذا ولا كذا فاذا جاء الاثبات ~~اثبتوا وجودا مجملا واضطربوا في ( اول مقامات ثبوته ( وهو ان وجوده هو عين ~~ذاته أو صفة ذاتية لها أو عرضية ونحو ذلك من النزاعات الذهنية اللفظية # ومعلوم ان النفى لا وجود له ولا يعلم النفى والعدم الا بعد العلم بالثبوت ~~والوجود حتى ان طائفة من المتكلمين نفوا العلم بالمعدوم الا اذا جعل شيئا ms1531 ~~لان العلم فيما زعموا لابد ان يتعلق بشيء والتحقيق ان العلم بالعدم يحصل ~~بواسطة العلم بالموجود فاذا علمنا انه ( لا اله الا الله ( تصورنا الها ~~موجودا وعلمنا عدم ما تصورناه الا عن الله وكذلك سائر ما ننفيه لابد ان ~~نتصوره اولا ثم ننفيه ولا نتصوره الا PageV06P066 بعد تصور شيء موجود ثم ~~نتصور ما شابهه أو ما يتركب من اجزائه كتصور بحر زئبق وجبل ياقوت وآلهة ~~متعددة ونحو ذلك ثم ننفيه والا فتصور معدوم مبتدع لا يناسب الموجودات بوجه ~~لا يمكن العقل ابداعه سواء كان من العلوم النظرية أو العلمية كتصور الفاعل ~~ما يفعله قبل فعله # فانه في الحقيقة تصور معدوم ليوجد كما ان غيره تصور معدوم ممكن أو ممتنع ~~يوجد أو لا يوجد فالمعدوم الفعلى وغير الفعلى لا يبتدعه عقل الانسان من غير ~~مادة وجودية كما لا تبدع قدرته شيئا من غير مادة وجودية وانما الابداع من ~~خصائص الربوبية وكيف يعلم وكيف يفعل باب آخر # فتبين بهذا ان العلم بالموجود وصفاته هو الاصل وان العلم بالعدم المطلق ~~والمقيد تبع له وفرع عليه وايضا فالعلم بالعدم لا فائدة للعالم به الا ~~لتمام العلم بالموجود وتمام الموجود في نفسه اذ تصور ( لا شيء ( لا يستفيد ~~به العالم صفة كمال لكن علمه بانتفاء النقائص مثلا عن الموجود علم بكماله # وكذلك العلم بنفى الشركاء عنه علم بوحدانيته التى هي من الكمال وكذلك ~~تصور ما يراد فعله مفض إلى وجود الفعل وتصور ما يراد تركه مفض إلى الترك ~~الذى هو عدم الشر الذى يكمل الموجود بعدمه # وذلك ان هذا الذى ذكرته في العلم والقول يقال مثله في الارادة والعمل فان ~~الارادة متوجهة إلى الموجود بنفسه الذى هو الفعل ومتوجهة إلى العدم الذى هو ~~الترك على طريق التبع لدفع الفساد عن المقصود الموجود PageV06P067 ### || 1 ( الرسالة الأكملية ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه # قال السائل المسؤول من علماء الاسلام والسادة الاعلام احسن الله ثوابهم ~~وأكرم نزلهم ومآبهم ان يرفعوا حجاب الاجمال ويكشفوا قناع الاشكال عن ms1532 ( ~~مقدمة ( جميع أرباب الملل والنحل متفقون عليها ومستندون في ارائهم اليها ~~حاشا مكابرا منهم معاندا وكافرا بربوبية الله جاحدا # وهى ان يقال ( هذه صفة كمال فيجب لله اثباتها وهذه صفة نقص فيتعين ~~انتفاؤها ( لكنهم في تحقيق مناطها في افراد الصفات متنازعون وفى تعيين ~~الصفات لاجل القسمين مختلفون # ( فأهل السنة ( يقولون اثبات السمع والبصر والحياة والقدرة والعلم ~~والكلام وغيرها من ( الصفات الخبرية ( كالوجه واليدين والعينين والغضب ~~والرضا و ( الصفات الفعلية ( كالضحك والنزول والاستواء صفات كمال وأضدادها ~~صفات نقصان PageV06P068 # ( والفلاسفة ( تقول اتصافه بهذه الصفات ان أوجب له كمالا فقد استكمل ~~بغيره فيكون ناقصا بذاته وان اوجب له نقصا لم يجز اتصافه بها # و ( المعتزلة ( يقولون لو قامت بذاته صفات وجودية لكان مفتقرا اليها وهى ~~مفتقرة إليه فيكون الرب مفتقرا إلى غيره ولانها اعراض لا تقوم الا بجسم ~~والجسم مركب والمركب ممكن محتاج وذلك عين النقص # ويقولون أيضا لو قدر على العباد اعمالهم وعاقبهم عليها كان ظالما وذلك ~~نقص وخصومهم يقولون لو كان في ملكه ما لا يريده لكان ناقصا و ( الكلابية ~~ومن تبعهم ( ينفون صفات افعاله ويقولون لو قامت به لكان محلا للحوادث ~~والحادث ان اوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وان لم يوجب له كمالا لم ~~يجز وصفه به # و ( طائفة منهم ( ينفون صفاته الخبرية لاستلزامها التركيب المستلزم ~~للحاجة والافتقار وهكذا نفيهم ايضا لمحبته لانها مناسبة بين المحب والمحبوب ~~ومناسبة الرب للخلق نقص وكذا رحمته لان الرحمة رقة تكون في الراحم وهى ضعف ~~وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم وهو نقص وكذا غضبه لان الغضب غليان دم ~~القلب طلبا للانتقام وكذا نفيهم لضحكه وتعجبه لان الضحك خفة روح تكون لتجدد ~~ما يسر واندفاع ما يضر والتعجب استعظام للمتعجب منه PageV06P069 # ومنكرو النبوات ( يقولون ليس الخلق بمنزلة ان يرسل اليهم رسولا كما ان ~~اطراف الناس ليسوا اهلا ان يرسل السلطان اليهم رسولا # و ( المشركون ( يقولون عظمة الرب وجلاله يقتضى ان لا يتقرب إليه الا ~~بواسطة وحجاب فالتقرب إليه ابتداء من غير ms1533 شفعاء ووسائط غض من جنابه الرفيع # هذا وان القائلين بهذه ( المقدمة ( لا يقولون بمقتضاها ولا يطردونها فلو ~~قيل لهم ايما اكمل ذات توصف بسائر انواع الادراكات من الشم والذوق واللمس ~~أم ذات لا توصف بها كلها لقالوا الاولى اكمل ولم يصفوا بها كلها الخالق و ( ~~بالجملة ( فالكمال والنقص من الامور النسبية والمعانى الاضافية فقد تكون ~~الصفة كمالا لذات ونقصا لاخرى وهذا نحو الاكل والشرب والنكاح كمال للمخلوق ~~نقص للخالق وكذا التعاظم والتكبر والثناء على النفس كمال للخالق نقص ~~للمخلوق واذا كان الامر كذلك فلعل ما تذكرونه من صفات الكمال انما يكون ~~كمالا بالنسبة إلى الشاهد ولا يلزم ان يكون كمالا للغائب كما بين لا سيما ~~مع تباين الذاتين # وان قلتم نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها هل هي كمال أو نقص ~~فلذلك نحيل الحكم عليها باحدهما لانها قد تكون كمالا لذات نقصا لاخرى على ~~ما ذكر PageV06P070 وهذا من العجب أن ( مقدمة ( وقع عليها الاجماع هي منشأ ~~الاختلاف والنزاع فرضى الله عمن بين لنا بيانا يشفى العليل ويجمع بين معرفة ~~الحكم وايضاح الدليل انه تعالى سميع الدعاء واهل الرجاء وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله الجواب عن هذا السؤال مبنى على ( مقدمتين ( # ( احداهما ( ان يعلم ان الكمال ثابت لله بل الثابت له هو اقصى ما يمكن من ~~الاكملية بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه الا وهو ثابت للرب تعالى ~~يستحقه بنفسه المقدسة وثبوت ذلك مستلزم نفى نقيضه فثبوت الحياة يستلزم نفى ~~الموت وثبوت العلم يستلزم نفى الجهل وثبوت القدرة يستلزم نفى العجز وان هذا ~~الكمال ثابت له بمقتضى الادلة العقلية والبراهين اليقينية مع دلالة السمع ~~على ذلك # ودلالة القرآن على الامور ( نوعان ( # ( أحدهما ( خبر الله الصادق فما اخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر ~~الله به # و ( الثانى ( دلالة القرآن بضرب الامثال وبيان الادلة العقلية الدالة على ~~المطلوب فهذه دلالة شرعية عقلية فهي ( شرعية ( لان الشرع دل عليها وارشد ~~اليها و ( عقلية ms1534 ( لانها تعلم صحتها بالعقل ولا يقال انها لم تعلم الا ~~بمجرد الخبر PageV06P071 # واذا اخبر الله بالشيء ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره ~~ومدلولا عليه بدليله العقلى الذى يعلم به فيصير ثابتا بالسمع والعقل ~~وكلاهما داخل في دلالة القرآن التى تسمى ( الدلالة الشرعية ( # وثبوت ( معنى الكمال ( قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على معانى ~~متضمنة لهذا المعنى فما في القرآن من اثبات الحمد له وتفصيل محامده وان له ~~المثل الاعلى واثبات معانى اسمائه ونحو ذلك كله دال على هذا المعنى # وقد ثبت لفظ ( الكامل ( فيما رواه بن ابى طلحة عن بن عباس في تفسير ( قل ~~هو الله أحد # الله الصمد ( ان ( الصمد ( هو المستحق للكمال وهو السيد الذى كمل في ~~سؤدده والشريف الذى قد كمل في شرفه والعظيم الذى قد كمل في عظمته والحكم ~~الذى قد كمل في حكمه والغنى الذى قد كمل في غناه والجبار الذى قد كمل في ~~جبروته والعالم الذى قد كمل في علمه والحكيم الذى قد كمل في حكمته وهو ~~الشريف الذى قد كمل في انواع الشرف والسؤدد وهو الله سبحانه وتعالى # وهذه صفة لا تنبغى الا له ليس له كفؤ ولا كمثله شيء وهكذا سائر صفات ~~الكمال ولم يعلم أحد من الامة نازع في هذا المعنى بل هذا المعنى مستقر في ~~فطر الناس بل هم مفطورون عليه فانهم كما انهم مفطورون على الاقرار بالخالق ~~فانهم مفطورون على انه اجل واكبر واعلى واعلم واعظم واكمل من كل شيء ~~PageV06P072 # وقد بينا في غير هذا الموضع ان الاقرار بالخالق وكماله يكون فطريا ضروريا ~~في حق من سلمت فطرته وان كان مع ذلك تقوم عليه الادلة الكثيرة وقد يحتاج ~~إلى الادلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة واحوال تعرض لها # واما لفظ ( الكامل ( فقد نقل الاشعرى عن الجبائى انه كان يمنع ان يسمى ~~الله كاملا ويقول الكامل الذى له ابعاض مجتمعة # وهذا النزاع ان كان في المعنى فهو باطل وان كان في اللفظ فهو نزاع لفظى ms1535 # و ( المقصود هنا ( ان ثبوت الكمال له ونفى النقائص عنه مما يعلم بالعقل # وزعمت ( طائفة من أهل الكلام ( كابى المعالى والرازى والامدى وغيرهم ان ~~ذلك لا يعلم الا بالسمع الذى هو ( الاجماع ( وان نفى الآفات والنقائص عنه ~~لم يعلم الا بالاجماع وجعلوا الطريق التى بها نفوا عنه ما نفوه انما هو نفى ~~مسمى الجسم ونحو ذلك وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية كالاشعرى ~~والقاضى وابى بكر وابى إسحاق ومن قبلهم من السلف والائمة في اثبات السمع ~~والبصر والكلام له بالادلة العقلية وتنزيهه عن النقائص بالادلة العقلية # ولهذا صار هؤلاء يعتمدون في اثبات هذه الصفات على مجرد السمع ويقولون اذا ~~كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفى الافات ونفى الافات انما يكون بالاجماع ~~الذى هو دليل سمعى والاجماع انما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب PageV06P073 ~~والسنة قالوا والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام اعظم من الايات الدالة ~~على كون الاجماع حجة فالاعتماد في اثباتها ابتداء على الدليل السمعى الذى ~~هو القرآن أولى وأحرى # والذى اعتمدوا عليه في النفى من نفى مسمى التحيز ونحوه مع انه بدعة في ~~الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة ولا اثر عن أحد من الصحابة والتابعين هو ~~متناقض في العقل لا يستقيم في العقل فانه ما من أحد ينفى شيئا خوفا من كون ~~ذلك يستلزم ان يكون الموصوف به جسما الا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله ~~فيما نفاه # وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما اثبته كالمعتزلة لما أثبتوا أنه حى ~~عليم قدير وقالوا انه لا يوصف بالحياة والعلم والقدرة والصفات لان هذه ~~اعراض لا يوصف بها الا ما هو جسم ولا يعقل موصوف الا جسم # فقيل لهم فأنتم وصفتموه بأنه حى عليم قدير ولا يوصف شيء بأنه عليم حى ~~قدير الا ما هو جسم ولا يعقل موصوف بهذه الصفات الا ما هو جسم فما كان ~~جوابكم عن الاسماء كان جوابنا عن الصفات فان جاز ان يقال بل يسمى بهذه ~~الاسماء ما ليس بجسم ms1536 جاز ان يقال فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم وان ~~يقال هذه الصفات ليست اعراضا وان قيل لفظ الجسم ( مجمل ( أو ( مشترك ( وان ~~المسمى بهذه الاسماء لا يجب ان يماثله غيره ولا ان يثبت له خصائص غيره جاز ~~ان يقال الموصوف بهذه الصفات لا يجب ان يماثله غيره ولا ان يثبت له خصائص ~~غيره PageV06P074 # وكذلك اذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع أو بالعقل مع الشرع كالرضا ~~والغضب والحب والفرح ونحو ذلك هذه الصفات لا تعقل الا لجسم قيل لهم هذه ~~بمنزلة الارادة والسمع والبصر والكلام فما لزم في احدهما لزم في الاخر مثله # وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم اذا قالوا ثبوت هذه الصفات يستلزم ~~كثرة المعانى فيه وذلك يستلزم كونه جسما أو مركبا قيل لهم هذا كما اثبتم ~~انه موجود واجب قائم بنفسه وانه عاقل ومعقول وعقل ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ~~ومعشوق وعشق ونحو ذلك # فان قالوا هذه ترجع إلى معنى واحد قيل لهم ان كان هذا ممتنعا بطل الفرق ~~وان كان ممكنا امكن ان يقال في تلك مثل هذه فلا فرق بين صفة وصفة والكلام ~~على ثبوت الصفات وبطلان اقوال النفاة مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا ان نبين ان ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل وان نقيض ذلك منتف ~~عنه فان الاعتماد في الاثبات والنفى على هذه الطريق مستقيم في العقل والشرع ~~دون تلك خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون # وجمهور اهل الفلسفة والكلام يوافقون على ان الكمال لله ثابت بالعقل ~~والفلاسفة تسميه التمام وبيان ذلك من وجوه PageV06P075 # ( منها ( ان يقال قد ثبت ان الله قديم بنفسه واجب الوجود بنفسه قيوم ~~بنفسه خالق بنفسه إلى غير ذلك من خصائصه والطريقة المعروفة في وجوب الوجود ~~تقال في جميع هذه المعانى # فاذا قيل الوجود اما واجب واما ممكن والممكن لابد له من واجب فيلزم ثبوت ~~الواجب على التقديرين فهو مثل ان يقال الموجود اما قديم واما حادث والحادث ~~لابد له من قديم فيلزم ثبوت القديم على التقديرين والموجود اما ms1537 غنى واما ~~فقير والفقير لابد له من الغنى فلزم وجود الغنى على التقديرين والموجود اما ~~قيوم بنفسه واما غير قيوم وغير القيوم لابد له من القيوم فلزم ثبوت القيوم ~~على التقديرين والموجود اما مخلوق واما غير مخلوق والمخلوق لابد له من خالق ~~غير مخلوق فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق على التقديرين ونظائر ذلك متعددة # ثم يقال هذا الواجب القديم الخالق اما ان يكون ثبوت الكمال الذى لا نقص ~~فيه للممكن الوجود ممكنا له واما ان لا يكون والثانى ممتنع لان هذا ممكن ~~للموجود المحدث الفقير الممكن فلأن يمكن للواجب الغنى القديم بطريق الاولى ~~والاحرى فان كلاهما موجود والكلام في الكمال الممكن الوجود الذى لا نقص فيه # فاذا كان الكمال الممكن الوجود ممكنا للمفضول فلأن يمكن للفاضل بطريق ~~الاولى لأن ما كان ممكنا لما هو في وجوده ناقص فلأن يمكن لما هو ~~PageV06P076 في وجوده اكمل منه بطريق الاولى لا سيما وذلك افضل من كل وجه ~~فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للافضل من كل وجه بل ما قد ~~ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل احق به فلان يثبت للفاضل بطريق الاولى # ولان ذلك الكمال انما استفاده المخلوق من الخالق والذى جعل غيره كاملا هو ~~احق بالكمال منه فالذى جعل غيره قادرا اولى بالقدرة والذى علم غيره اولى ~~بالعلم والذى احيا غيره اولى بالحياة والفلاسفة توافق على هذا ويقولون كل ~~كمال للمعلول فهو من اثار العلة والعلة اولى به # واذا ثبت امكان ذلك له فما جاز له من ذلك الكمال الممكن الوجود فانه واجب ~~له لا يتوقف على غيره فانه لو توقف على غيره لم يكن موجودا له الا بذلك ~~الغير وذلك الغير ان كان مخلوقا له لزم ( الدور القبلى ( الممتنع فان ما في ~~ذلك الغير من الامور الوجودية فهي منه ويمتنع ان يكون كل من الشيئين فاعلا ~~للاخر # وهذا هو ( الدور القبلى ( فان الشيء يمتنع ان يكون فاعلا لنفسه فلأن ~~يمتنع ان يكون فاعلا لفاعله بطريق الاولى والاحرى # وكذلك ms1538 يمتنع ان يكون كل من الشيئين فاعلا لما به يصير الاخر فاعلا ويمتنع ~~ان يكون كل من الشيئين معطيا للاخر كماله فان معطى الكمال احق بالكمال ~~فيلزم ان يكون كل منهما اكمل من الاخر وهذا ممتنع لذاته فان كون هذا اكمل ~~يقتضى ان هذا افضل من هذا وهذا افضل من هذا وفضل احدهما يمنع مساواة الاخر ~~له فلان يمنع كون الاخر افضل بطريق الاولى PageV06P077 # وايضا فلو كان كماله موقوفا على ذلك الغير للزم ان يكون كماله موقوفا على ~~فعله لذلك الغير وعلى معاونة ذلك الغير في كماله ومعاونة ذلك الغير في ~~كماله موقوف عليه اذ فعل ذلك الغير وافعاله موقوفة على فعل المبدع لا تفتقر ~~إلى غيره فيلزم ان لا يكون كماله موقوفا على غيره # فاذا قيل كماله موقوف على مخلوقه لزم ان لا يتوقف على مخلوقه وما كان ~~ثبوته مستلزما لعدمه كان باطلا من نفسه وايضا فذلك الغير كل كمال له فمنه ~~وهو احق بالكمال منه ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفا الا على ما هو ~~من نفسه وذلك متوقف عليه لا على غيره # وان قيل ذلك الغير ليس مخلوقا بل واجبا اخر قديما بنفسه فيقال ان كان أحد ~~هذين هو المعطى دون العكس فهو الرب والاخر عبده # وان قيل بل كل منهما يعطى للآخر الكمال لزم ( الدور في التأثير ( وهو ~~باطل وهو من ( الدور القبلى ( لا من ( الدور المعى الاقترانى ( فلا يكون ~~هذا كاملا حتى يجعله الاخر كاملا والاخر لا يجعله كاملا حتى يكون في نفسه ~~كاملا لان جاعل الكامل كاملا احق بالكمال ولا يكون الاخر كاملا حتى يجعله ~~كاملا فلا يكون واحد منهما كاملا بالضرورة فانه لو قيل لا يكون كاملا حتى ~~يجعل نفسه كاملا ولا يجعل نفسه كاملا حتى يكون كاملا لكان ممتنعا فكيف اذا ~~قيل حتى يجعل ما يجعله كاملا كاملا # وان قيل كل واحد له اخر يكمله إلى غير نهاية لزم ( التسلسل في ~~PageV06P078 # المؤثرات ( وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء فان تقدير مؤثرات ms1539 لا تتناهى ~~ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضى وجود شيء منها ولا وجود جميعها ولا وجود ~~اجتماعها والمبدع للموجودات لابد ان يكون موجودا بالضرورة # فلو قدر ان هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من اخر وهلم جرا للزم ان لا ~~يكون لشيء من هذه الامور كمال ولو قدر ان الاول كامل لزم الجمع بين ~~النقيضين واذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره كان الكمال له واجبا ~~بنفسه وامتنع تخلف شيء من الكمال الممكن عنه بل ما جاز له من الكمال وجب له ~~كما اقر بذلك الجمهور من اهل الفقه والحديث والتصوف والكلام والفلسفة ~~وغيرهم بل هذا ثابت في مفعولاته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكان ممتنعا ~~بنفسه أو ممتنعا لغيره فما ثم الا موجود واجب اما بنفسه واما بغيره أو ~~معدوم اما لنفسه واما لغيره والممكن إن حصل مقتضيه التام وجب بغيره والا ~~كان ممتنعا لغيره والممكن بنفسه اما واجب لغيره واما ممتنع لغيره # وقد بين الله سبحانه انه احق بالكمال من غيره وان غيره لا يساويه في ~~الكمال في مثل قوله تعالى ( افمن يخلق كمن لا يخلق أفلاتذكرون ( وقد بين ان ~~الخلق صفة كمال وان الذى يخلق افضل من الذى لا يخلق وان من عدل هذا بهذا ~~فقد ظلم وقال تعالى ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه PageV06P079 منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد ~~لله بل اكثرهم لا يعلمون ( فبين ان كونه مملوكا عاجزا صفة نقص وان القدرة ~~والملك والاحسان صفة كمال وانه ليس هذا مثل هذا وهذا لله و ( ذاك ( لما ~~يعبد من دونه # وقال تعالى ( وضرب الله مثلا رجلين احدهما ابكم لا يقدر على شيء وهو كل ~~على مولاه اينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم ( وهذا مثل اخر فالاول مثل العاجز عن الكلام وعن الفعل الذى لا ~~يقدر على شيء والاخر المتكلم الامر بالعدل ms1540 الذى هو على صراط مستقيم فهو ~~عادل في امره مستقيم في فعله # فبين ان التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم فان مجرد الكلام ~~والعمل قد يكون محمودا وقد يكون مذموما فالمحمود هو الذى يستحق صاحبه الحمد ~~فلا يستوى هذا والعاجز عن الكلام والفعل # وقال تعالى ( ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من شركاء ~~فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم انفسكم كذلك نفصل الايات ~~لقوم يعقلون ( # يقول تعالى اذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك ~~من النقص والظلم فكيف ترضون ذلك لى وانا أحق بالكمال والغنى منكم ~~PageV06P080 # وهذا يبين انه تعالى احق بكل كمال من كل أحد وهذا كقوله ( واذا بشر احدهم ~~بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه ~~على هون أم يدسه في التراب الا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالاخرة مثل ~~السوء ولله المثل الاعلى وهو العزيز الحكيم ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ~~ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى اجل مسمى فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف السنتهم الكذب ان لهم الحسنى ~~لا جرم ان لهم النار وانهم مفرطون ( حيث كانوا يقولون الملائكة بنات الله ~~وهم يكرهون ان يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصا وعيبا # والرب تعالى احق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم فان له ( المثل الاعلى ( ~~فكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق احق بثبوته منه اذا كان مجردا عن النقص وكل ~~ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب فالخالق اولى بتنزيهه عنه # وقال تعالى ( هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ( وهذا يبين ان ~~العالم اكمل ممن لا يعلم وقال تعالى ( وما يستوى الاعمى والبصير ولا ~~الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ( فبين ان البصير اكمل والنور اكمل ~~والظل اكمل وحينئذ فالمتصف به اولى ( ولله المثل الاعلى ( # وقال تعالى ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له ms1541 خوار الم ~~يروا انه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ( فدل ~~PageV06P081 ذلك على ان عدم التكلم والهداية نقص وان الذى يتكلم ويهدى اكمل ~~ممن لا يتكلم ولا يهدى والرب احق بالكمال # وقال تعالى ( قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن ~~يهدى إلى الحق احق ان يتبع أم من لا يهدى إلا ان يهدى فمالكم كيف تحكمون ( ~~فبين سبحانه بما هو مستقر في الفطر ان الذى يهدى إلى الحق احق بالاتباع ممن ~~لا يهتدى الا ان يهديه غيره فلزم ان يكون الهادى بنفسه هو الكامل دون الذى ~~لا يهتدى الا بغيره # واذا كان لابد من وجود الهادى لغير المهتدى بنفسه فهو الاكمل وقال تعالى ~~في الاية الاخرى ( افلا يرون ان لا يرجع اليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا ( فدل على ان الذى يرجع إليه القول ويملك الضر والنفع اكمل منه # وقال إبراهيم لابيه ( يا ابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك ~~شيئا ( فدل على ان السميع البصير الغنى اكمل وان المعبود يجب ان يكون كذلك # ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الاصنام بسلب ( صفات الكمال ( كعدم ~~التكلم والفعل وعدم الحياة ونحو ذلك مما يبين ان المتصف بذلك منتقص معيب ~~كسائر الجمادات وان هذه الصفات لا تسلب الا عن ناقص معيب PageV06P082 واما ~~( رب الخلق ( الذى هو اكمل من كل موجود فهو احق الموجودات بصفات الكمال ~~وانه لا يستوى المتصف بصفات الكمال والذى لا يتصف بها وهو يذكر ان الجمادات ~~في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات # فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف فقد جعله من جنس الاصنام الجامدة ~~التى عابها الله تعالى وعاب عابديها # ولهذا كانت ( القرامطة الباطنية ( من اعظم الناس شركا وعبادة لغير الله ~~اذ كانوا لا يعتقدون في الههم انه يسمع أو يبصر أو يغنى عنهم شيئا # والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له بل ذكرها ~~لبيان انه المستحق للعبادة ms1542 دون ما سواه فأفاد ( الاصلين ( اللذين بهما يتم ~~التوحيد وهما اثبات صفات الكمال ردا على اهل التعطيل وبيان انه المستحق ~~للعبادة لا اله الا هو ردا على المشركين ) # والشرك في العالم اكثر من التعطيل ولا يلزم من اثبات ( التوحيد ( المنافى ~~للاشراك ابطال قول اهل التعطيل ولا يلزم من مجرد الاثبات المبطل لقول ~~المعطلة الرد على المشركين الا ببيان اخر # والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة كالرد على فرعون وامثاله ويذكر ~~فيه الرد على المشركين وهذا اكثر لان القرآن شفاء لما في الصدور ومرض ~~الاشراك اكثر في الناس من مرض التعطيل وايضا فان الله سبحانه PageV06P083 ~~اخبر ان له الحمد وانه حميد مجيد وان له الحمد في الاولى والاخرة وله الحكم ~~ونحو ذلك من انواع المحامد # و ( الحمد نوعان ( حمد على احسانه إلى عباده وهو من الشكر وحمد لما ~~يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله وهذا الحمد لا يكون الا على ما هو في نفسه ~~مستحق للحمد وانما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال وهى امور وجودية فان ~~الامور العدمية المحضة لا حمد فيها ولا خير ولا كمال # ومعلوم ان كل ما يحمد فانما يحمد على ماله من صفات الكمال فكل ما يحمد به ~~الخلق فهو من الخالق والذى منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد فثبت انه ~~المستحق للمحامد الكاملة وهو احق من كل محمود بالحمد والكمال من كل كامل ~~وهو المطلوب PageV06P084 ### ||| فصل # وأما ( المقدمة الثانية ( فنقول لابد من اعتبار أمرين # ( أحدهما ( ان يكون الكمال ممكن الوجود # و ( الثانى ( أن يكون سليما عن النقص فان النقص ممتنع على الله لكن بعض ~~الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصا فهذا يقال له انما الواجب اثبات ما امكن ~~ثبوته من الكمال السليم عن النقص فاذا سميت انت هذا نقصا وقدر ان انتفاءه ~~يمتنع لم يكن نقصه من الكمال الممكن ولم يكن هذا عند من سماه نقصا من النقص ~~الممكن انتفاؤه # فاذا قيل خلق المخلوقات في الازل صفة كمال فيجب ان تثبت ms1543 له قيل وجود ~~المخلوقات كلها أو واحد منها يستلزم الحوادث كلها أو واحد منها في الازل ~~ممتنع ووجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد ممتنع سواء قدر ذلك الآن ~~ماضيا أو مستقبلا فضلا عن ان يكون ازليا وما يستلزم الحوادث المتعاقبة ~~يمتنع وجوده في آن واحد فضلا عن أن يكون ازليا فليس هذا ممكن الوجود فضلا ~~عن ان يكون كمالا لكن فعل الحوادث شيئا بعد شيء اكمل من التعطيل عن فعلها ~~بحيث لا يحدث شيئا بعد ان لم يكن فان الفاعل القادر على الفعل اكمل من ~~الفاعل العاجز عن الفعل PageV06P085 # فاذا قيل لا يمكنه احداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته كان هذا نقصا ~~بالنسبة إلى القادر الذى يفعل شيئا بعد شيء وكذلك اذا قيل جعل الشيء الواحد ~~متحركا ساكنا موجودا معدوما صفة كمال قيل هذا ممتنع لذاته # وكذلك اذا قيل ابداع قديم واجب بنفسه صفة كمال قيل هذا ممتنع لنفسه فان ~~كونه مبدعا يقتضى ان لا يكون واجبا بنفسه بل واجبا بغيره فاذا قيل هو واجب ~~موجود بنفسه وهو لم يوجد الا بغيره كان هذا جمعا بين النقيضين # ( # وكذلك اذا قيل الافعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه اذا كان اتصافه ~~بها صفة كمال فقد فاتته في الازل وان كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص ~~قيل الافعال المتعلقة بمشيئته وقدرته يمتنع ان يكون كل منها ازليا # وأيضا فلا يلزم أن يكون وجود هذه في الازل صفة كمال بل الكمال ان توجد ~~حيث اقتضت الحكمة وجودها # وأيضا فلو كانت ازلية لم تكن موجودة شيئا بعد شيء # فقول القائل فيما حقه ان يوجد شيئا بعد شيء فينبغى ان يكون في الازل جمع ~~بين النقيضين وامثال هذا كثير فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود فما هو ~~ممتنع في نفسه فلا حقيقة له فضلا عن ان يقال هو موجود أو يقال هو كمال ~~للموجود PageV06P086 # واما الشرط الاخر وهو قولنا الكمال الذى لا يتضمن نقصا على التعبير ~~بالعبارة السديدة أو الكمال الذى لا يتضمن نقصا يمكن انتفاؤه ms1544 على عبارة من ~~يجعل ما ليس بنقص نقصا فاحترز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض وهو نقص ~~بالاضافة إلى الخالق لإستلزامه نقصا كالاكل والشرب مثلا فان الصحيح الذى ~~يشتهى الاكل والشرب من الحيوان اكمل من المريض الذى لا يشتهى الاكل والشرب ~~لأن قوامه بالاكل والشرب # فاذا قدر غير قابل له كان ناقصا عن القابل لهذا الكمال لكن هذا يستلزم ~~حاجة الآكل والشارب إلى غيره وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب وهو مستلزم ~~لخروج شيء منه كالفضلات وما لا يحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل ممن يحتاج إلى ~~دخول شيء فيه وما يتوقف كماله على غيره انقص مما لا يحتاج في كماله إلى ~~غيره فان الغنى عن شيء اعلى من الغنى به والغنى بنفسه اكمل من الغنى بغيره # ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق ~~وهو كل ما كان مستلزما لامكان العدم عليه المنافى لوجوبه وقيوميته أو ~~مستلزما للحدوث المنافى لقدمه أو مستلزما لفقره المنافى لغناه PageV06P087 ### ||| فصل # اذا تبين هذا تبين ان ما جاء به ( الرسول ( هو الحق الذى يدل عليه ~~المعقول وان اولى الناس بالحق اتبعهم له واعظمهم له موافقة ( وهم سلف الامة ~~وأئمتها ( الذين اثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات ونزهوه عن ~~مماثلة المخلوقات # فان الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام صفات كمال ممكنة ~~بالضرورة ولا نقص فيها فان من اتصف بهذه الصفات فهو اكمل ممن لا يتصف بها ~~والنقص في انتفائها لا في ثبوتها والقابل للاتصاف بها كالحيوان اكمل ممن لا ~~يقبل الاتصاف بها كالجمادات # وأهل الاثبات يقولون للنفاة لو لم يتصف بهذه الصفات لا تصف بأضدادها من ~~الجهل والبكم والعمى والصمم # فقال لهم النفاة هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب ~~والايجاب والمتقابلان تقابل العدم والملكة انما يلزم من انتفاء احدهما ثبوت ~~الاخر اذا كان المحل قابلا لهما كالحيوان الذى لا يخلو اما أن PageV06P088 ~~يكون أعمى واما أن يكون بصيرا لأنه قابل لهما بخلاف الجماد ms1545 فانه لا يوصف لا ~~بهذا ولا بهذا # فيقول لهم أهل الاثبات هذا باطل من وجوه # ( أحدها ( أن يقال الموجودات ( نوعان ( نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ~~ونوع لا يقبله كالجماد ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا ~~يقبل ذلك # وحينئذ فالرب ان لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها وان ~~يكون القابل لها وهو الحيوان الاعمى الاصم الذي لا يقبل السمع والبصر أكمل ~~منه فان القابل للسمع والبصر في حال عدم ذلك اكمل ممن لا يقبل ذلك فكيف ~~المتصف بها فلزم من ذلك أن يكون مسلوبا لصفات الكمال على قولهم ممتنعا عليه ~~صفات الكمال فأنتم فررتم من تشبيهه بالأحياء فشبهتموه بالجمادات وزعمتم ~~انكم تنزهونه عن النقائص فوصفتموه بما هو أعظم النقص # ( الوجه الثانى ( أن يقال هذا التفريق بين السلب والايجاب وبين العدم ~~والملكة امر اصطلاحى وإلا فكل ما ليس بحي فانه يسمى ميتا كما قال تعالى ( ~~والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون اموات غير احياء وما ~~يشعرون ايان يبعثون PageV06P089 # ( الوجه الثالث ( أن يقال نفس سلب هذه الصفات نقص وان لم يقدر هناك ضد ~~ثبوتي فنحن نعلم بالضرورة ان ما يكون حيا عليما قديرا متكلما سميعا بصيرا ~~أكمل ممن لا يكون كذلك وان ذلك لا يقال سميع ولا اصم كالجماد واذا كان مجرد ~~اثبات هذه الصفات من الكمال ومجرد سلبها من النقص وجب ثبوتها لله تعالى ~~لأنه كمال ممكن للموجود ولا نقص فيه بحال بل النقص في عدمه # وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات # ( أحدهما ( يقدر على التصرف بنفسه فيأتي ويجيء وينزل ويصعد ونحو ذلك من ~~انواع الافعال القائمة به ( والآخر ( يمتنع ذلك منه فلا يمكن ان يصدر منه ~~شيء من هذه الافعال كان هذا القادر على الافعال التى تصدر عنه اكمل ممن ~~يمتنع صدورها عنه # واذا قيل قيام هذه الافعال يستلزم قيام الحوادث به كان كما اذا قيل قيام ~~الصفات به يستلزم قيام الاعراض به # ولفظ ( الاعراض والحوادث ( لفظان مجملان فان اريد بذلك ms1546 ما يعقله اهل ~~اللغة من ان الاعراض والحوادث هي الامراض والافات كما يقال فلان قد عرض له ~~مرض شديد وفلان قد احدث حدثا عظيما كما قال النبى ( ( اياكم ومحدثات الامور ~~فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة PageV06P090 # وقال ( لعن الله من أحدث ~~حدثا أو آوى محدثا ( وقال ( اذا أحدث أحدكم فلا يصلى حتى يتوضأ ( ويقول ~~الفقهاء الطهارة ( نوعان ( طهارة الحدث وطهارة الخبث # ويقول أهل الكلام اختلف الناس في ( أهل الأحداث ( من أهل القبلة كالربا ~~والسرقة وشرب الخمر ويقال فلان به عارض من الجن وفلان حدث له مرض فهذه من ~~النقائص التى ينزه الله عنها # وان اريد بالاعراض والحوادث اصطلاح خاص فانما احدث ذلك الاصطلاح من أحدثه ~~من أهل الكلام وليست هذه لغة العرب ولا لغة أحد من الأمم لا لغة القرآن ولا ~~غيره ولا العرف العام ولا اصطلاح اكثر الخائضين في العلم بل مبتدعوا هذا ~~الاصطلاح هم من أهل البدع المحدثين في الامة الداخلين في ذم النبى ( ( # وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح وتسمية هذه اعراضا وحوادث لا يخرجها عن انها ~~من الكمال الذى يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها أو يمكنه ذلك ~~ولا يتصف به # و ( أيضا ( فاذا قدر اثنان أحدهما موصوف بصفات الكمال التى هي اعراض ~~وحوادث على اصطلاحهم كالعلم والقدرة والفعل والبطش والآخر يمتنع ان يتصف ~~بهذه الصفات التى هي اعراض وحوادث كان الأول اكمل كما ان الحى المتصف بهذه ~~الصفات اكمل من الجمادات PageV06P091 # وكذلك اذا قدر ( اثنان ( أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها ~~والآخر لا فرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص فلا يحب لا هذا ولا هذا ~~ولا يرضى لا هذا ولا هذا ولا يفرح لا بهذا ولا بهذا كان الأول اكمل من ~~الثانى # ومعلوم ان الله تبارك وتعالى يحب المحسنين والمتقين والصابرين والمقسطين ~~ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهذه كلها صفات كمال # وكذلك اذا قدر اثنان أحدهما يبغض المتصف بضد الكمال كالظلم والجهل والكذب ~~ويغضب على من يفعل ذلك والآخر ms1547 لا فرق عنده بين الجاهل الكاذب الظالم وبين ~~العالم الصادق العادل لا يبغض لا هذا ولا هذا ولا يغضب لا على هذا ولا على ~~هذا كان الاول اكمل # وكذلك اذا قدر اثنان أحدهما يقدر ان يفعل بيديه ويقبل بوجهه والاخر لا ~~يمكنه ذلك اما لامتناع أن يكون له وجه ويدان واما لامتناع الفعل والاقبال ~~عليه باليدين والوجه كان الاول اكمل # فالوجه واليدان لا يعدان من صفات النقص في شيء مما يوصف بذلك ووجه كل شيء ~~بحسب ما يضاف إليه وهو ممدوح به لا مذموم كوجه النهار ووجه الثوب ووجه ~~القوم ووجه الخيل ووجه الرأى وغير ذلك وليس الوجه المضاف إلى غيره هو نفس ~~المضاف إليه في شيء من موارد الاستعمال سواء قدر الاستعمال حقيقة أو مجازا ~~PageV06P092 # ( فان قيل ( من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه اكمل ممن يفعل ~~بيديه قيل من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه اذا شاء وبيديه اذا شاء هو أكمل ~~ممن لا يمكنه الفعل الا بقدرته أو تكليمه ولا يمكنه ان يفعل باليد # ولهذا كان ( الانسان ( أكمل من الجمادات التى تفعل بقوى فيها كالنار ~~والماء فاذا قدر اثنان احدهما لا يمكنه الفعل الا بقوة فيه والآخر يمكنه ~~الفعل بقوة فيه وبكلامه فهذا أكمل فاذا قدر آخر يفعل بقوة فيه وبكلامه ~~وبيديه اذا شاء فهو أكمل وأكمل # وأما صفات النقص فمثل النوم فان الحى اليقظان أكمل من النائم والوسنان ~~والله لا تأخذه سنة ولا نوم وكذلك من يحفظ الشيء بلا اكتراث أكمل ممن يكرثه ~~ذلك والله تعالى وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما # وكذلك من يفعل ولا يتعب أكمل ممن يتعب والله تعالى خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب # ولهذا وصف الرب بالعلم دون الجهل والقدرة دون العجز والحياة دون الموت ~~والسمع والبصر والكلام دون الصمم والعمى والبكم والضحك دون البكاء والفرح ~~دون الحزن PageV06P093 # وأما الغضب مع الرضا والبغض مع الحب فهو اكمل ممن لا يكون منه الا الرضا ~~والحب ms1548 دون البغض والغضب للأمور المذمومة التى تستحق أن تذم وتبغض # ولهذا كان اتصافه بأنه يعطى ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل أكمل من اتصافه ~~بمجرد الاعطاء والاعزاز والرفع لأن الفعل الآخر حيث تقتضى الحكمة ذلك أكمل ~~مما لا يفعل الا أحد النوعين ويخل بالآخر في المحل المناسب له ومن اعتبر ~~هذا الباب وجده على قانون الصواب والله الهادى لأولى الألباب PageV06P094 ### ||| فصل # وأما قول ملاحدة ( المتفلسفة ( وغيرهم ان اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له ~~كمالا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصا بذاته وان أوجب له نقصا لم يجز اتصافه ~~بها فيقال قد تقدم ان الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود الذى لا نقص ~~فيه # وحينئذ فقول القائل يكون ناقصا بذاته ان اراد به أن يكون بدون هذه الصفات ~~ناقصا فهذا حق لكن من هذا فررنا وقدرنا أنه لابد من صفات الكمال والا كان ~~ناقصا # وان أراد به أنه انما صار كاملا بالصفات التى اتصف بها فلا يكون كاملا ~~بذاته المجردة عن هذه الصفات فيقال اولا هذا انما يتوجه انه لو أمكن وجود ~~ذات مجردة عن هذه الصفات أو أمكن وجود ذات كاملة مجردة عن هذه الصفات فاذا ~~كان أحد هذين ممتنعا امتنع كماله بدون هذه الصفات فكيف اذا كان كلاهما ~~ممتنعا فان وجود ذات كاملة بدون هذه الصفات ممتنع فانا نعلم بالضرورة ان ( ~~الذات ( التى لا تكون حية عليمة قديرة سميعة بصيرة متكلمة ليست أكمل من ~~الذات التى تكون حية عليمة سميعة بصيرة متكلمة واذا كان صريح العقل يقضى ~~بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل PageV06P095 الذات المتصفة فضلا عن ~~أن تكون أكمل منها ويقضى بأن الذات المتصفة بها أكمل علم بالضرورة امتناع ~~كمال الذات بدون هذه الصفات فان قيل بعد ذلك لا تكون ذاته ناقصة مسلوبة ~~الكمال الا بهذه الصفات قيل الكمال بدون هذه الصفات ممتنع وعدم الممتنع ليس ~~نقصا وانما النقص عدم ما يمكن # وأيضا فاذا ثبت انه يمكن اتصافه بالكمال وما اتصف به وجب له وامتنع تجرد ~~ذاته عن هذه ms1549 الصفات فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديرا ممتنعا # واذا قدر للذات تقدير ممتنع وقيل انها ناقصة بدونه كان ذلك مما يدل على ~~امتناع ذلك التقدير لا على امتناع نقيضه كما لو قيل اذا مات كان ناقصا فهذا ~~يقتضى وجوب كونه حيا كذلك اذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه الصفات يوجب أن ~~تكون ناقصة كان ذلك مما يستلزم ان يوصف بهذه الصفات # وأيضا فقول القائل اكتمل بغيره ممنوع فانا لا نطلق على صفاته انها غيره ~~ولا انها ليست غيره على ما عليه ( أئمة السلف ( كالامام أحمد بن حنبل وغيره ~~وهو اختيار حذاق المثبتة كإبن كلاب وغيره # ومنهم من يقول أنا لا أطلق عليها أنها ليست هي هو ولا أطلق عليها أنها ~~ليست غيره ولا أجمع بين السلبين فأقول لا هي هو ولا هي غيره وهو اختيار ~~طائفة من المثبتة كالأشعرى وأظن أن قول أبى الحسن التميمى هو هذا أو ما ~~يشبه هذا PageV06P096 # ومنهم من يجوز اطلاق هذا السلب وهذا السلب في اطلاقهما جميعا كالقاضى أبى ~~بكر والقاضى أبى يعلى # ومنشأ هذا أن لفظ ( الغير ( يراد به المغاير للشيء ويراد به ما ليس هو ~~اياه وكان في اطلاق الألفاظ المجملة ايهام لمعانى فاسدة # ونحن نجيب بجواب علمى فنقول قول القائل يتكمل بغيره أيريد به بشيء منفصل ~~عنه أم يريد بصفة لوازم ذاته أما الأول فممتنع وأما الثانى فهو حق ولوازم ~~ذاته لا يمكن وجود ذاته بدونها كما لا يمكن وجودها بدونه وهذا كمال بنفسه ~~لا بشيء مباين لنفسه # وقد نص الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وأئمة المثبتة كأبى محمد بن كلاب ~~وغيره على أن القائل اذا قال الحمد لله أو قال دعوت الله وعبدته أو قال ~~بالله فاسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته وليست صفاته زائدة على مسمى ~~أسمائه الحسنى # واذا قيل هل صفاته زائدة على الذات أم لا قيل ان أريد بالذات المجردة ~~التى يقربها نفاة الصفات فالصفات زائدة عليها وان اريد بالذات الذات ~~الموجودة في الخارج فتلك ms1550 لا تكون موجودة الا بصفاتها اللازمة والصفات ليست ~~زائدة على الذات المتصفة بالصفات وان كانت زائدة على الذات التى يقدر ~~تجردها عن الصفات PageV06P097 ### ||| فصل # وأما قول القائل لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا اليها وهى مفتقرة ~~إليه فيكون الرب مفتقرا إلى غيره فهو من جنس السؤال الأول # فيقال أولا قول القائل ( لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا اليها ( ~~يقتضى امكان جوهر تقوم به الصفات وامكان ذات لا تقوم بها الصفات فلو كان ~~أحدهما ممتنعا لبطل هذا الكلام فكيف اذا كان كلاهما ممتنعا فان تقدير ذات ~~مجردة عن جميع الصفات انما يمكن في الذهن لا في الخارج كتقدير وجود مطلق لا ~~يتعين في الخارج # ولفظ ( ذات ( تأنيث ذو وذلك لا يستعمل الا فيما كان مضافا إلى غيره فهم ~~يقولون فلان ذو علم وقدرة ونفس ذات علم وقدرة وحيث جاء في القرآن أو لغة ~~العرب لفظ ( ذو ( ولفظ ( ذات ( لم يجيء الا مقرونا بالاضافة كقوله ( فاتقوا ~~الله واصلحوا ذات بينكم ( وقوله ( عليم بذات الصدور ( # وقول خبيب رضى الله عنه # وذلك في ذات الاله PageV06P098 # ونحو ذلك # لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب قالوا انه يقال انها ذات علم ~~وقدرة ثم انهم قطعوا هذا اللفظ عن الاضافة وعرفوه فقالوا ( الذات ( وهى لفظ ~~مولد ليس من لفظ العرب العرباء ولهذا أنكره طائفة من اهل العلم كأبى الفتح ~~بن برهان وبن الدهان وغيرهما وقالوا ليست هذه اللفظة عربية ورد عليهم آخرون ~~كالقاضى وبن عقيل وغيرهما ( # وفصل الخطاب ( انها ليست من العربية العرباء بل من المولدة كلفظ الموجود ~~ولفظ الماهية والكيفية ونحو ذلك فهذا اللفظ يقتضى وجود صفات تضاف الذات ~~اليها فيقال ذات علم وذات قدرة وذات كلام والمعنى كذلك فانه لا يمكن وجود ~~شيء قائم بنفسه في الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية اصلا بل فرض هذا في الخارج ~~كفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره # ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له كفرض صفة لا تقوم بغيرها وكلاهما ممتنع ~~فما هو قائم بنفسه ms1551 فلابد له من صفة وما كان صفة فلابد له من قائم بنفسه ~~متصف به # ولهذا سلم المنازعون انهم لا يعلمون قائما بنفسه لا صفة له سواء سموه ~~جوهرا أو جسما أو غير ذلك ويقولون وجود جوهر معرى عن جميع PageV06P099 ~~الاعراض ممتنع فمن قدر امكان موجود قائم بنفسه لا صفة له فقد قدر ما لا ~~يعلم وجوده في الخارج ولا يعلم امكانه في الخارج فكيف اذا علم أنه ممتنع في ~~الخارج عن الذهن # وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضى ان ثبوته ممتنع وانما يمكن فرضه في العقل ~~فالعقل يقدره في نفسه كما يقدر ممتنعات لا يعقل وجودها في الوجود ولا ~~امكانها في الوجود # وأيضا ( فالرب تعالى ( اذا كان اتصافه بصفات الكمال ممكنا وما امكن له ~~وجب امتنع ان يكون مسلوبا صفات الكمال ففرض ذاته بدون صفاته اللازمة ~~الواجبة له فرض ممتنع # وحينئذ فاذا كان فرض عدم هذا ممتنعا عموما وخصوصا فقول القائل يكون ~~مفتقرا اليها وتكون مفتقرة إليه انما يعقل مثل هذا في شيئين يمكن وجود كل ~~واحد منهما دون الاخر فاذا امتنع هذا بطل هذا التقدير # ثم يقال له ما تعنى بالافتقار اتعنى ان الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة ~~لها أو بالعكس أم تعنى التلازم وهو ان لا يكون أحدهما الا بالاخر فان عنيت ~~افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل فان الرب ليس بفاعل لصفاته اللازمة له ~~بل لا يلزمه شيء معين من افعاله ومفعولاته فكيف تجعل صفاته مفعولة له ~~وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته وان عنيت التلازم فهو حق PageV06P100 # وهذا كما يقال لا يكون موجودا الا ان يكون قديما واجبا بنفسه ولا يكون ~~عالما قادرا الا ان يكون حيا فاذا كانت صفاته ملازمة ( لذاته ( كان ذلك ~~أبلغ في الكمال من جواز التفريق بينهما فانه لو جاز وجوده بدون صفات الكمال ~~لم يكن الكمال واجبا له بل ممكنا له وحينئذ فكان يفتقر في ثبوتها له إلى ~~غيره وذلك نقص ممتنع عليه كما تقدم بيانه فعلم ان التلازم بين الذات وصفات ms1552 ~~الكمال هو كمال الكمال PageV06P101 ### ||| فصل # وأما القائل انها اعراض لا تقوم الا بجسم مركب والمركب ممكن محتاج وذلك ~~عين النقص فللمثبتة للصفات في اطلاق لفظ ( العرض ( على صفاته ( ثلاث طرق ( # ( منهم ( من يمنع ان تكون اعراضا ويقول بل هي صفات وليست اعراضا كما يقول ~~ذلك الأشعرى وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره # ( ومنهم ( من يطلق عليها لفظ الاعراض كهشام وبن كرام وغيرهما ( ومنهم ( ~~من يمتنع من الاثبات والنفى كما قالوا في لفظ الغير وكما امتنعوا عن مثل ~~ذلك في لفظ الجسم ونحوه فان قول القائل ( العلم عرض ( بدعة وقوله ليس بعرض ~~( بدعة ( كما أن قوله ( الرب جسم ( بدعة وقوله ( ليس بجسم ( بدعة # وكذلك ايضا لفظ ( الجسم ( يراد به في اللغة البدن والجسد كما ذكر ذلك ~~الاصمعى وابو زيد وغيرهما من اهل اللغة # ( وأما أهل الكلام ( فمنهم من يريد به المركب ويطلقه على الجوهر الفرد ~~PageV06P102 بشرط التركيب أو على الجوهرين أو على اربعة جواهر أو ستة أو ~~ثمانية أو ستة عشر أو اثنين وثلاثين أو المركب من المادة والصورة # ( ومنهم ( من يقول هو الموجود أو القائم بنفسه # وعامة هؤلاء وهؤلاء يجعلون المشار إليه متساويا في العموم والخصوص فلما ~~كان اللفظ قد صار يفهم منه معان بعضها حق وبعضها باطل صار مجملا # ( # وحينئذ ( فالجواب العلمى ( ان يقال اتعنى بقولك انها اعراض انها قائمة ~~بالذات أو صفة للذات ونحو ذلك من المعانى الصحيحة أم تعنى بها أنها آفات ~~ونقائص أم تعنى بها أنها تعرض وتزول ولا تبقى زمانين فان عنيت الاول فهو ~~صحيح وان عنيت الثانى فهو ممنوع وان عنيت الثالث فهذا مبنى على قول من يقول ~~العرض لا يبقى زمانين فمن قال ذلك وقال هي باقية قال لا اسميها اعراضا ومن ~~قال بل العرض يبقى زمانين لم يكن هذا مانعا من تسميتها اعراضا # وقولك العرض لا يقوم الا بجسم فيقال لك هو حى عليم قدير عندك وهذه ~~الاسماء لا يسمى بها الا جسم كما أن هذه الصفات التى جعلتها اعراضا لا ms1553 يوصف ~~بها الا جسم فما كان جوابك عن ثبوت الاسماء كان جوابا لأهل الاثبات عن ~~اثبات الصفات # ويقال له ما تعنى بقولك هذه الصفات اعراض لا تقوم الا بجسم أتعنى ~~PageV06P103 بالجسم المركب الذى كان مفترقا فاجتمع أو ما ركبه مركب فجمع ~~اجزاءه أو ما أمكن تفريقه وتبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك أم تعنى به ~~ما هو مركب من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة أو تعنى به ما يمكن ~~الاشارة إليه أو ما كان قائما بنفسه أو ما هو موجود # فان عنيت ( الاول ( لم نسلم ان هذه الصفات التى سميتها اعراضا لا تقوم ~~الا بجسم بهذا التفسير وان عنيت به ( الثانى ( لم نسلم امتناع التلازم فان ~~الرب تعالى موجود قائم بنفسه مشار إليه عندنا فلا نسلم انتفاء التلازم على ~~هذا التقدير # وقول القائل المركب ممكن ان اراد بالمركب المعانى المتقدمة مثل كونه كان ~~مفترقا فاجتمع أو ركبه مركب أو يقبل الانفصال فلا نسلم المقدمة الاولى ~~التلازمية وان عنى به ما يشار إليه أو ما يكون قائما بنفسه موصوفا بالصفات ~~فلا نسلم انتفاء الثانية فالقول بالأعراض مركب من ( مقدمتين ( تلازمية ~~واستثنائية بألفاظ مجملة فاذا استفصل عن المراد حصل المنع والابطال لأحدهما ~~أو لكليهما واذا بطلت احدى المقدمتين على كل تقدير بطلت الحجة PageV06P104 ### ||| فصل # وأما قول القائل لو قامت به الافعال لكان محلا للحوادث والحادث ان اوجب ~~له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وان لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به فيقال ~~( أولا ( هذا معارض بنظيره من الحوادث التى يفعلها فان كليهما حادث بقدرته ~~ومشيئته وانما يقترنان في المحل وهذا التقسيم وارد على الجهتين # وان قيل في الفرق المفعول لا يتصف به بخلاف الفعل القائم به قيل في ~~الجواب بل هم يصفونه بالصفات الفعلية ويقسمون الصفات إلى نفسية وفعلية ~~فيصفونه بكونه خالقا ورازقا بعد ان لم يكن كذلك وهذا التقسيم وارد عليهم # وقد اورده عليهم الفلاسفة في ( مسألة حدوث العالم ( فزعموا ان صفات ~~الافعال ليست صفة كمال ولا ms1554 نقص # فيقال لهم كما قالوا لهؤلاء ( في الافعال ( التى تقوم به انها ليست كمالا ~~ولا نقصا # فان قيل لابد أن يتصف اما بنقص أو بكمال قيل لابد ان يتصف من PageV06P105 ~~الصفات الفعلية اما بنقص واما بكمال فان جاز ادعاء خلو أحدهما عن القسمين ~~امكن الدعوى في الآخر مثله والا فالجواب مشترك # وأما ( المتفلسفة ( فيقال لهم القديم لا تحله الحوادث ولا يزال محلا ~~للحوادث عندكم فليس القدم مانعا من ذلك عندكم بل عندكم هذا هو ( الكمال ~~الممكن ( الذى لا يمكن غيره وانما نفوه عن واجب الوجود لظنهم عدم اتصافه به # وقد تقدم التنبيه على ابطال قولهم في ذلك لا سيما وما قامت به الحوادث ~~المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة تامة ازلية موجبة لمعلولها فان العلة التامة ~~الموجبة يمتنع ان يتأخر عنها معلولها أو شيء من معلولها ومتى تأخر عنها شيء ~~من معلولها كانت علة له بالقوة لا بالفعل واحتاج مصيرها علة بالفعل إلى سبب ~~آخر فان كان المخرج لها من القوة إلى الفعل هو نفسه صار فيه ما هو بالقوة ~~وهو المخرج له إلى الفعل وذلك يستلزم أن يكون قابلا أو فاعلا وهم يمنعون ~~ذلك لامتناع الصفات التى يسمونها التركيب # وان كان المخرج له غيره كان ذلك ممتنعا بالضرورة والاتفاق لأن ذلك ينافى ~~وجوب الوجود ولأنه يتضمن ( الدور المعى ( و ( التسلسل في المؤثرات ( وان ~~كان هو الذى صار فاعلا للمعين بعد ان لم يكن امتنع ان يكون علة تامة أزلية ~~فقدم شيء من العالم يستلزم كونه علة تامة في الازل وذلك يستلزم ان لا يحدث ~~عنه شيء بواسطة وبغير واسطة وهذا مخالف للمشهود PageV06P106 # ويقال ( ثانيا ( في ابطال قول من جعل حدوث الحوادث ممتنعا هذا مبنى على ~~تجدد هذه الامور بتجدد الاضافات والاحوال والاعدام فان الناس متفقون على ~~تجدد هذه الامور وفرق الآمدى بينهما من جهة اللفظ فقال هذه حوادث وهذه ~~متجددات والفروق اللفظية لا تؤثر في الحقائق العلمية # فيقال تجدد هذه المتجددات ان اوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص ms1555 وان ~~اوجب له نقصا لم يجز وصفه به # ويقال ( ثالثا ( الكمال الذى يجب اتصافه به هو الممكن الوجود واما ~~الممتنع فليس من الكمال الذى يتصف به موجود والحوادث المتعلقة بقدرته ~~ومشيئته يمتنع وجودها جميعا في الازل فلا يكون انتفاؤها في الازل نقصا لأن ~~انتفاء الممتنع ليس بنقص # ويقال ( رابعا ( اذا قدر ذات تفعل شيئا بعد شيء وهى قادرة على الفعل ~~بنفسها وذات لا يمكنها ان تفعل بنفسها شيئا بل هي كالجماد الذى لا يمكنه ان ~~يتحرك كانت الاولى اكمل من الثانية فعدم هذه الافعال نقص بالضرورة واما ~~وجودها بحسب الامكان فهو الكمال # ويقال ( خامسا ( لا نسلم ان عدم هذه مطلقا نقص ولا كمال ولا وجودها مطلقا ~~نقص ولا كمال بل وجودها في الوقت الذى اقتضته مشيئته وقدرته PageV06P107 ~~وحكمته هو الكمال ووجودها بدون ذلك نقص وعدمها مع اقتضاء الحكمة عدمها كمال ~~ووجودها حيث اقتضت الحكمة وجودها هو الكمال # واذا كان الشيء الواحد يكون وجوده تارة كمالا وتارة نقصا وكذلك عدمه بطل ~~التقسيم المطلق وهذا كما ان الشيء يكون رحمة بالخلق اذا احتاجوا إليه ~~كالمطر ويكون عذابا اذا ضرهم فيكون انزاله لحاجتهم رحمة واحسانا والمحسن ~~الرحيم متصف بالكمال ولا يكون عدم انزاله حيث يضرهم نقصا بل هو أيضا رحمة ~~واحسان فهو محسن بالوجود حين كان رحمة وبالعدم حين كان العدم رحمة فصل # PageV06P108 # وأما نفى النافى ( للصفات الخبرية ( المعينة فلاستلزامها التركيب ~~المستلزم للحاجة والافتقار فقد تقدم جواب نظيره فانه ان اريد بالتركيب ما ~~هو المفهوم منه في اللغة أو في العرف العام أو عرف بعض الناس وهو ما ركبه ~~غيره أو كان متفرقا فاجتمع أو ما جمع الجواهر الفردة أو المادة والصورة أو ~~ما أمكن مفارقة بعضه لبعض فلا نسلم المقدمة الاولى ولا نسلم ان اثبات الوجه ~~واليد مستلزم للتركيب بهذا الاعتبار # وان اريد به التلازم على معنى امتياز شيء عن شيء في نفسه وان هذا ليس هذا ~~فهذا لازم لهم في الصفات المعنوية المعلومة بالعقل كالعلم والقدرة والسمع ~~والبصر فان الواحدة من ms1556 هذه الصفات ليست هي الاخرى بل كل صفة ممتازة بنفسها ~~عن الاخرى وان كانتا متلازمتين يوصف بهما موصوف واحد ونحن نعقل هذا في صفات ~~المخلوقين كأبعاض الشمس واعراضها # وايضا فان اريد انه لابد من وجود ما بالحاجة والافتقار إلى مباين له فهو ~~ممنوع وان اريد انه لابد من وجود ما هو داخل في مسمى اسمه وانه يمتنع وجود ~~الواجب بدون تلك الامور الداخلة في مسمى اسمه PageV06P109 فمعلوم انه لابد ~~له من نفسه فلابد له مما يدخل في مسماها بطريق الأولى والأحرى # وإذا قيل هو مفتقر إلى نفسه لم يكن معناه ان نفسه تفعل نفسه فكذلك ما هو ~~داخل فيها ولكن العبارة موهمة مجملة فاذا فسر المعنى زال المحذور # ويقال أيضا نحن لا نطلق على هذا اللفظ الغير فلا يلزمه ان يكون محتاجا ~~إلى الغير فهذا من جهة الاطلاق اللفظى واما من جهة الدليل العلمى فالدليل ~~دل على وجود موجود بنفسه لا فاعل ولا علة فاعلة وانه مستغن بنفسه عن كل ما ~~يباينه # وأما الوجود الذى لا يكون له صفة ولا يدخل في مسمى اسمه معنى من المعانى ~~الثبوتية فهذا اذا ادعى المدعى انه المعنى بوجوب الوجود وبالغنى قيل له لكن ~~هذا المعنى ليس هو مدلول الادلة ولكن أنت قدرت ان هذا مسمى الاسم وجعل ~~اللفظ دليلا على هذا المعنى لا ينفعك ان لم يثبت ان المعنى حق في نفسه ولا ~~دليل لك على ذلك بل الدليل يدل على نقيضه # فهؤلاء عمدوا إلى لفظ الغنى والقديم والواجب بنفسه فصاروا يحملونها على ~~معانى تستلزم معانى تناقض ثبوت الصفات وتوسعوا في التعبير ثم ظنوا ان هذا ~~الذى فعلوه هو موجب الادلة العقلية وغيرها وهذا غلط منهم PageV06P110 فموجب ~~الادلة العقلية لا يتلقى من مجرد التعبير وموجب الادلة السمعية يتلقى من ~~عرف المتكلم بالخطاب لا من الوضع المحدث فليس لأحد أن يقول ان الالفاظ التى ~~جاءت في القرآن موضوعة لمعانى ثم يريد ان يفسر مراد الله بتلك المعانى هذا ~~من فعل أهل الالحاد المفترين # فان ms1557 هؤلاء عمدوا إلى معانى ظنوها ثابتة فجعلوها هي معنى الواحد والواجب ~~والغنى والقديم ونفى المثل ثم عمدوا إلى ما جاء في القرآن والسنة من تسمية ~~الله تعالى بأنه أحد وواحد على ونحو ذلك من نفى المثل والكفؤ عنه فقالوا ~~هذا يدل على المعانى التى سميناها بهذه الاسماء وهذا من اعظم الافتراء على ~~الله # وكذلك ( المتفلسفة ( عمدوا إلى لفظ الخالق والفاعل والصانع والمحدث ونحو ~~ذلك فوضعوها لمعنى ابتدعوه وقسموا الحدوث إلى نوعين ذاتى وزمانى وارادوا ~~بالذاتى كون المربوب مقارنا للرب ازلا وابدا فان اللفظ على هذا المعنى لا ~~يعرف في لغة أحد من الأمم ولو جعلوا هذا اصطلاحا لهم لم ننازعهم فيه لكن ~~قصدوا بذلك التلبيس على الناس وان يقولوا نحن نقول بحدوث العالم وان الله ~~خالق له وفاعل له وصانع له ونحو ذلك من المعانى التى يعلم بالاضطرار انها ~~تقتضى تأخر المفعول لا يطلق على ما كان قديما بقدم الرب مقارنا له ازلا ~~وابدا # وكذلك فعل من فعل بلفظ ( المتكلم ( وغير ذلك من الاسماء ولو فعل ~~PageV06P111 هذا بكلام سيبويه وبقراط لفسد ما ذكروه من النحو والطب ولو فعل ~~هذا بكلام آحاد العلماء كمالك والشافعى واحمد وابى حنيفة لفسد العلم بذلك ~~ولكان ملبوسا عليهم فكيف اذا فعل هذا بكلام رب العالمين # وهذه طريقة الملاحدة الذين ألحدوا في اسماء الله وآياته ومن شاركهم في ~~بعض ذلك مثل قول من يقول ( الواحد ( الذى لا ينقسم ومعنى قوله لا ينقسم أي ~~لا يتميز منه شيء عن شيء ويقول لا تقوم به صفة ثم زعموا ان الأحد والواحد ~~في القرآن يراد به هذا # ومعلوم أن كل ما في القرآن من اسم الواحد والاحد كقوله تعالى ( وان كانت ~~واحدة فلها النصف ( وقوله ( قالت احداهما يا ابت استأجره ( وقوله ( ولم يكن ~~له كفوا أحد ( وقوله ( وان أحد من المشركين استجارك ( وقوله ( ذرنى ومن ~~خلقت وحيدا ( وامثال ذلك يناقض ما ذكروه فان هذه الاسماء اطلقت على قائم ~~بنفسه مشار إليه يتميز منه شيء عن شيء وهذا الذى يسمونه ms1558 في اصطلاحهم جسما # وكذلك اذا قالوا الموصوفات تتماثل والاجسام تتماثل والجواهر تتماثل ~~وارادوا ان يستدلوا بقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ( على نفى مسمى هذه الامور ~~التى سموها بهذه الاسماء في اصطلاحهم الحادث كان هذا افتراء على القرآن فان ~~هذا ليس هو المثل في لغة العرب ولا لغة القرآن ولا غيرهما قال تعالى ( وان ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم PageV06P112 # فنفى مماثلة هؤلاء مع اتفاقهم في الانسانية فكيف يقال ان لغة العرب توجب ~~ان كل ما يشار إليه مثل كل ما يشار إليه # وقال تعالى ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد * ارم ذات العماد * التى لم يخلق مثلها في البلاد ) فأخبر انه لم يخلق مثلها في البلاد ~~وكلاهما بلد فكيف يقال ان كل جسم فهو مثل لكل جسم في لغة العرب حتى يحمل ~~على ذلك قوله ( ليس كمثله شيء ) # وقد قال الشاعر # ليس كمثل الفتى زهير %~% # وقال # ما إن كمثلهم في الناس من بشر %~% # ولم يقصد هذا ان ينفى وجود جسم من الأجسام # وكذلك لفظ ( التشابه ( ليس هو التماثل في اللغة قال تعالى ( واتوا به ~~متشابها ( وقال تعالى ( متشابها وغير متشابه ( ولم يرد به شيئا هو مماثل في ~~اللغة وليس المراد هنا كون الجواهر متماثلة في العقل أو ليست متماثلة فان ~~هذا مبسوط في موضعه بل المراد ان اهل اللغة التى بها نزل القرآن لا يجعلون ~~مجرد هذا موجبا لاطلاق اسم المثل ولا يجعلون نفى المثل نفيا لهذا فحمل ~~القرآن على ذلك كذب على القرآن PageV06P113 ### ||| فصل # وقول القائل ( المناسبة ( لفظ مجمل فانه قد يراد بها التولد والقرابة ~~فيقال هذا نسيب فلان ويناسبه اذا كان بينهم قرابة مستندة إلى الولادة ~~والآدمية والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك ويراد بها المماثلة فيقال هذا ~~يناسب هذا أى يماثله والله سبحانه وتعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد ويراد بها الموافقة في معنى من المعانى وضدها المخالفة # و ( المناسبة ( بهذا الاعتبار ثابتة فان اولياء الله تعالى يوافقونه فيما ms1559 ~~يأمر به فيفعلونه وفيما يحبه فيحبونه وفيما نهى عنه فيتركونه وفيما يعطيه ~~فيصيبونه والله وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلم نظيف يحب ~~النظافة محسن يحب المحسنين مقسط يحب المقسطين إلى غير ذلك من المعانى بل هو ~~سبحانه يفرح بتوبة التائب اعظم من فرح الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه ~~في الأرض المهلكة اذا وجدها بعد اليأس فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا ~~براحلته كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبى PageV06P114 # فاذا أريد ( بالمناسبة ( هذا وامثاله فهذه المناسبة حق وهى من صفات ~~الكمال كما تقدمت الاشارة إليه فان من يحب صفات الكمال اكمل ممن لا فرق ~~عنده بين صفات النقص والكمال أو لا يحب صفات الكمال # واذا قدر موجودان ( أحدهما ( يحب العلم والصدق والعدل والاحسان ونحو ذلك ~~و ( الآخر ( لا فرق عنده بين هذه الامور وبين الجهل والكذب والظلم ونحو ذلك ~~لا يحب هذا ولا يبغض هذا كان الذى يحب تلك الامور اكمل من هذا فدل على ان ~~من جرده عن ( صفات الكمال والوجود ( بأن لا يكون له علم كالجماد فالذى يعلم ~~اكمل منه ومعلوم ان الذى يحب المحمود ويبغض المذموم اكمل ممن يحبهما أو ~~يبغضهما # وأصل ( هذه المسألة ( الفرق بين محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وبين ارادته ~~كما هو مذهب السلف والفقهاء واكثر المثبتين للقدر من اهل السنة وغيرهم وصار ~~طائفة من القدرية والمثبتين للقدر إلى انه لا فرق بينهما # ثم قالت ( القدرية ( هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يريد ذلك ~~فيكون ما لم يشاء ويشاء ما لم يكن # وقالت ( المثبتة ( ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن واذن قد اراد الكفر ~~والفسوق والعصيان ولم يرده دينا أو اراده من الكافر ولم يرده من المؤمن ~~PageV06P115 فهو لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يحبه دينا ويحبه من ~~الكافر ولا يحبه من المؤمن # وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة واجماع سلف الامة وأئمتها فانهم ~~متفقون على انه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وانه ms1560 لا يكون شيء الا ~~بمشيئته ومجمعون على أنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وان الكفار ~~يبيتون ما لا يرضى من القول والذين نفوا محبته بنوها على هذا الاصل الفاسد ~~PageV06P116 ### ||| فصل # واما قول القائل ( الرحمة ( ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم فهذا ~~باطل # أما ( أولا ( فلأن الضعف والخور مذموم من الآدميين والرحمة ممدوحة وقد ~~قال تعالى ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ( وقد نهى الله عباده عن ~~الوهن والحزن فقال تعالى ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم ~~مؤمنين ( وندبهم إلى الرحمة وقال النبى ( ( في الحديث الصحيح ( لا تنزع الا ~~من شقى ( وقال ( من لا يرحم لا يرحم ( وقال ( الراحمون يرحمهم الرحمن ~~ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ( # ومحال ان يقول لا ينزع الضعف والخور الا من شقى ولكن لما كانت الرحمة ~~تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور كما في رحمة النساء ونحو ذلك ظن ~~الغالط أنها كذلك مطلقا PageV06P117 و ( أيضا ( فلو قدر انها في حق ~~المخلوقين مستلزمة لذلك لم يجب ان تكون في حق الله تعالى مستلزمة لذلك كما ~~ان العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا يستلزم من النقص والحاجة ما ~~يجب تنزيه الله عنه # وكذلك ( الوجود ( و ( القيام بالنفس ( فينا يستلزم احتياجا إلى خالق ~~يجعلنا موجودين والله منزه في وجوده عما يحتاج إليه وجودنا فنحن وصفاتنا ~~وافعالنا مقرونون بالحاجة إلى الغير والحاجة لنا امر ذاتى لا يمكن ان نخلو ~~عنه وهو سبحانه الغنى له امر ذاتى لا يمكن ان يخلو عنه فهو بنفسه حى قيوم ~~واجب الوجود ونحن بأنفسنا محتاجون فقراء # فاذا كانت ذاتنا وصفاتنا وافعالنا وما اتصفنا به من الكمال من العلم ~~والقدرة وغير ذلك هو مقرون بالحاجة والحدوث والامكان لم يجب ان يكون لله ~~ذات ولا صفات ولا أفعال ولا يقدر ولا يعلم لكون ذلك ملازما للحاجة فينا ~~فكذلك ( الرحمة ( وغيرها اذا قدر انها في حقنا ملازمة للحاجة والضعف لم يجب ~~ان تكون في حق الله ملازمة لذلك # وأيضا فنحن نعلم ms1561 بالاضطرار انا اذا فرضنا موجودين احدهما يرحم غيره فيجلب ~~له المنفعة ويدفع عنه المضرة والآخر قد استوى عنده هذا وهذا وليس عنده ما ~~يقتضى جلب منفعة ولا دفع مضرة كان الأول أكمل PageV06P118 ### ||| فصل # وأما قول القائل ( الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ( فليس بصحيح في ~~حقنا بل الغضب قد يكون لدفع المنافى قبل وجوده فلا يكون هناك انتقام اصلا # وأيضا فغليان دم القلب يقارنه الغضب ليس ان مجرد الغضب هو غليان دم القلب ~~كما ان ( الحياء ( يقارن حمرة الوجه و ( الوجل ( يقارن صفرة الوجه لا انه ~~هو وهذا لأن النفس اذا قام بها دفع المؤذى فان استشعرت القدرة فاض الدم إلى ~~خارج فكان منه الغضب وان استشعرت العجز عاد الدم إلى داخل فاصفر الوجه كما ~~يصيب الحزين # وأيضا فلو قدر ان هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم ان يكون غضب الله تعالى مثل ~~غضبنا كما ان حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا فليس هو مماثلا لنا لا لذاتنا ~~ولا لأرواحنا وصفاته كذاته # ونحن نعلم بالاضطرار انا اذا قدرنا موجودين أحدهما عنده قوة يدفع بها ~~الفساد والآخر لا فرق عنده بين الصلاح والفساد كان الذى عنده تلك القوة ~~أكمل PageV06P119 # ولهذا يذم من لا غيرة له على الفواحش كالديوث ويذم من لا حمية له يدفع ~~بها الظلم عن المظلومين ويمدح الذى له غيرة يدفع بها الفواحش وحمية يدفع ~~بها الظلم ويعلم ان هذا أكمل من ذلك # ولهذا وصف النبى ( ( الرب بالاكملية في ذلك فقال في الحديث الصحيح ( لا ~~أحد اغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( وقال ( ~~أتعجبون من غيرة سعد انا اغير منه والله اغير منى ( وقول القائل ان هذه ~~انفعالات نفسانية # فيقال كل ما سوى الله مخلوق منفعل ونحن وذواتنا منفعلة فكونها انفعالات ~~فينا لغيرنا نعجز عن دفعها لا يوجب ان يكون الله منفعلا لها عاجزا عن دفعها ~~وكان كل ما يجرى في الوجود فانه بمشيئته وقدرته لا يكون الا ما يشاء ولا ~~يشاء ms1562 الا ما يكون له الملك وله الحمد PageV06P120 ### ||| فصل # وقول القائل ( ان الضحك خفة روح ( ليس بصحيح وان كان ذلك قد يقارنه # ثم قول القائل ( خفة الروح ( ان اراد به وصفا مذموما فهذا يكون لما لا ~~ينبغى أن يضحك منه والا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال واذا قدر ~~حيان أحدهما يضحك مما يضحك منه والآخر لا يضحك قط كان الأول أكمل من الثانى ~~ولهذا قال النبى ( ( ينظر اليكم الرب قنطين فيظل يضحك يعلم ان فرجكم قريب ( ~~فقال له أبو رزين العقيلى يا رسول الله أو يضحك الرب قال ( نعم ( قال لن ~~نعدم من رب يضحك خيرا فجعل الاعرابى العاقل بصحة فطرته ضحكه دليلا على ~~احسانه وانعامه فدل على ان هذا الوصف مقرون بالاحسان المحمود وانه من صفات ~~الكمال والشخص العبوس الذى لا يضحك قط هو مذموم بذلك وقد قيل في اليوم ~~الشديد العذاب انه ( يوما عبوسا قمطريرا PageV06P121 # وقد روى ان الملائكة قالت لآدم ( حياك الله وبياك ( أي اضحكك # والانسان حيوان ناطق ضاحك وما يميز الانسان عن البهيمة صفة كمال فكما ان ~~النطق صفة كمال فكذلك الضحك صفة كمال فمن يتكلم اكمل ممن لا يتكلم ومن يضحك ~~اكمل ممن لا يضحك واذا كان الضحك فينا مستلزما لشيء من النقص فالله منزه عن ~~ذلك وذلك الأكثر مختص لا عام فليس حقيقة الضحك مطلقا مقرونة بالنقص كما ان ~~ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص ووجودنا مقرون بالنقص ولا يلزم ان يكون الرب ~~موجدا وان لا تكون له ذات # ومن هنا ضلت القرامطة الغلاة كصاحب ( الاقليد ( وامثاله فارادوا ان ينفوا ~~عنه كل ما يعلمه القلب وينطق به اللسان من نفى واثبات فقالوا لا نقول موجود ~~ولا لا موجود ولا موصوف ولا لا موصوف لما في ذلك على زعمهم من التشبيه وهذا ~~يستلزم ان يكون ممتنعا وهو مقتضى التشبيه بالممتنع والتشبيه الممتنع على ~~الله أن يشارك المخلوقات في شيء من خصائصها وان يكون مماثلا لها في شيء من ~~صفاته كالحياة والعلم والقدرة فانه وان وصف ms1563 بها فلا تماثل صفة الخالق صفة ~~المخلوق كالحدوث والموت والفناء والامكان PageV06P122 ### ||| فصل # وأما قوله ( التعجب استعظام للمتعجب منه ( # فيقال نعم وقد يكون مقرونا بجهل بسبب التعجب وقد يكون لما خرج عن نظائره ~~والله تعالى بكل شيء عليم فلا يجوز عليه ان لا يعلم سبب ما تعجب منه بل ~~يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيما له والله تعالى يعظم ما هو عظيم اما لعظمة ~~سببه أو لعظمته # فانه وصف بعض الخير بأنه عظيم ووصف بعض الشر بأنه عظيم فقال تعالى ( رب ~~العرش العظيم ( وقال ( ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم ( وقال ~~( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم واشد تثبيتا # واذا لاتيناهم من لدنا اجرا عظيما ( وقال ( ولولا اذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ( وقال ( ان الشرك لظلم عظيم ~~( # ولهذا قال تعالى ( بل عجبت ويسخرون ( على قراءة الضم فهنا هو عجب من ~~كفرهم مع وضوح الأدلة PageV06P123 # وقال النبى ( ( للذى آثر هو وامرأته ضيفهما ( لقد عجب الله ( وفى لفظ في ~~الصحيح ( لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة ( وقال ( ان الرب ليعجب من ~~عبده اذا قال رب اغفر لى فانه لا يغفر الذنوب الا أنت يقول علم عبدى انه لا ~~يغفر الذنوب الا انا ( وقال ( عجب ربك من شاب ليست له صبوة ( وقال ( عجب ~~ربك من راعى غنم على رأس شظية يؤذن ويقيم فيقول الله انظروا إلى عبدى ( أو ~~كما قال ونحو ذلك PageV06P124 ### ||| فصل # وأما قول القائل ( لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصا ( وقول الآخر ( ~~لو قدر وعذب لكان ظلما والظلم نقص ( # فيقال اما المقالة الاولى فظاهرة فانه اذا قدر انه يكون في ملكه ما لا ~~يريده وما لا يقدر عليه وما لا يخلقه ولا يحدثه لكان نقصا من وجوه # ( أحدها ( ان انفراد شيء من الاشياء عنه بالاحداث نقص لو قدر أنه في غير ~~ملكه فكيف في ملكه فانا نعلم انا اذا فرضنا اثنين أحدهما يحتاج إليه كل شيء ~~ولا ms1564 يحتاج إلى شيء والآخر يحتاج إليه بعض الاشياء ويستغنى عنه بعضها كان ~~الأول أكمل فنفس خروج شيء عن قدرته وخلقه نقص وهذه دلائل الوحدانية فان ~~الاشتراك نقص بكل من المشتركين وليس الكمال المطلق الا في الوحدانية # فانا نعلم ان من قدر بنفسه كان أكمل ممن يحتاج إلى معين ومن فعل الجميع ~~بنفسه فهو أكمل ممن له مشارك ومعاون على فعل البعض ومن افتقر إليه كل شيء ~~فهو أكمل ممن استغنى عنه بعض الاشياء PageV06P125 # ( ومنها ( ان يقال كونه خالقا لكل شيء وقادرا على كل شيء أكمل من كونه ~~خالقا للبعض وقادرا على البعض # و ( القدرية ( لا يجعلونه خالقا لكل شيء ولا قادرا على كل شيء # و ( المتفلسفة ( القائلون بأنه علة غائية شر منهم فانهم لا يجعلونه خالقا ~~لشيء من حوادث العالم لا لحركات الأفلاك ولا غيرها من المتحركات ولا خالقا ~~لما يحدث بسبب ذلك ولا قادرا على شيء من ذلك ولا عالما بتفاصيل ذلك والله ~~سبحانه وتعالى يقول ( الله الذى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل ~~الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد أحاط بكل شيء ~~علما ( وهؤلاء ينظرون في العالم ولا يعلمون ان الله على كل شيء قدير ولا ان ~~الله قد أحاط بكل شيء علما # ( ومنها ( انا اذا قدرنا مالكين ( أحدهما ( يريد شيئا فلا يكون ويكون ما ~~لا يريد ( والآخر ( لا يريد شيئا الا كان ولا يكون الا ما يريد علمنا ~~بالضرورة ان هذا أكمل # وفى الجملة قول ( المثبتة للقدرة ( يتضمن أنه خالق كل شيء وربه ومليكه ~~وانه على كل شيء قدير وانه ما شاء كان فيقتضى كمال خلقه وقدرته ومشيئته و ( ~~نفاة القدر ( يسلبونه هذه الكمالات # واما # قوله ( ان التعذيب على المقدر ظلم منه ( فهذه دعوى مجردة ليس معهم فيها ~~إلا قياس الرب على انفسهم ولا يقول عاقل ان كل ما كان نقصا PageV06P126 من ~~أي موجود كان لزم ان يكون نقصا من الله بل ولا يقبح هذا من الانسان مطلقا ~~بل اذا ms1565 كان له مصلحة في تعذيب بعض الحيوان وان يفعل به ما فيه تعذيب له حسن ~~ذلك منه 2 كالذى يصنع القز فانه هو الذى يسعى في ان دود القز ينسجه ثم يسعى ~~في ان يلقى في الشمس ليحصل له المقصود من القز وهو هنا له سعى في حركة ~~الدود التى كانت سبب تعذيبه # وكذلك الذى يسعى في أن يتوالد له ماشية وتبيض له دجاج ثم يذبح ذلك لينتفع ~~به فقد تسبب في وجود ذلك الحيوان تسببا أفضى إلى عذابه لمصلحة له في ذلك # ففى ( الجملة ( الانسان يحسن منه ايلام الحيوان لمصلحة راجحة في ذلك فليس ~~جنس هذا مذموما ولا قبيحا ولا ظلما وان كان من ذلك ما هو ظلم # وحينئذ فالظلم من الله اما أن يقال هو ممتنع لذاته لأن الظلم تصرف ~~المتصرف في غير ملكه والله له كل شيء أو الظلم مخالفة الأمر الذى تجب طاعته ~~والله تعالى يمتنع منه التصرف في ملك غيره أو مخالفة امر من يجب عليه طاعته ~~فاذا كان الظلم ليس الا هذا أو هذا إمتنع الظلم منه # واما أن يقال هو ممكن لكنه سبحانه لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه ولاخباره ~~أنه لا يفعله ولكمال نفسه يمتنع وقوع الظلم منه اذ كان العدل والرحمة من ~~لوازم ذاته فيمتنع اتصافه بنقيض صفات الكمال التى هي من لوازمه على هذا ~~PageV06P127 القول فالذى يفعله لحكمة اقتضت ذلك كما ان الذى يمتنع من فعله ~~لحكمة تقتضى تنزيهه عنه # وعلى هذا فكل ما فعله علمنا ان له فيه حكمة وهذا يكفينا من حيث الجملة ~~وان لم نعرف التفصيل وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته ~~وكما ان ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا واماكنه ذاته فغير معلومة لنا فلا ~~نكذب بما علمناه ما لم نعلمه # وكذلك نحن نعلم انه ( حكيم ( فيما يفعله ويأمر به وعدم علمنا بالحكمة في ~~بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته فلا نكذب بما علمناه من ~~حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها ms1566 # ونحن نعلم ان من علم حذق اهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفا بصفاتهم ~~التى استحقوا بها ان يكونوا من أهل الحساب والطب والنحو لم يمكنه أن يقدح ~~فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه والعباد ابعد عن معرفة الله وحكمته في خلقه ~~من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو فاعتراضهم على حكمته اعظم جهلا ~~وتكلفا للقول بلا علم من العامى المحض اذا قدح في الحساب والطب والنحو بغير ~~علم بشيء من ذلك # وهذا يتبين بالاصل الذى ذكرناه في الكمال وهو قولنا ان الكمال ~~PageV06P128 الذى لا نقص فيه للممكن الوجود يجب اتصافه به وتنزيهه عما ~~يناقضه فيقال خلق بعض الحيوان وفعله الذى يكون سببا لعذابه هل هو نقص مطلقا ~~أم يختلف # وأيضا # فاذا كان في خلق ذلك حكمة عظيمة لا تحصل الا بذلك فايما اكمل تحصيل ذلك ~~بتلك الحكمة العظيمة أو تفويتها وايضا فهل يمكن حصول الحكمة المطلوبة بدون ~~حصول هذا # فهذه امور اذا تدبرها الانسان علم انه لا يمكنه ان يقول خلق فعل الحيوان ~~الذى يكون سببا لتعذيبه نقص مطلقا # و ( المثبتة للقدر ( قد تجيب بجواب آخر لكن ينازعهم الجمهور فيه فيقولون ~~كونه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد صفة كمال بخلاف الذى يكون مأمورا منهيا ~~الذى يؤمر بشيء وينهى عن شيء ويقولون إنما قبح من غيره ان يفعل ما شاء لما ~~يلحقه من الضرر وهو سبحانه لا يجوز ان يلحقه ضرر # والجمهور يقولون اذا قدرنا من يفعل ما يريد بلا حكمة محبوبة تعود إليه ~~ولا رحمة واحسان يعود إلى غيره كان الذى يفعل لحكمة ورحمة اكمل ممن يفعل لا ~~لحكمة ولا لرحمة # ويقولون اذا قدرنا مريدا لا يميز بين مراده ومراد غيره ومريدا يميز ~~بينهما فيريد ما يصلح ان يراد وينبغى ان يراد دون ما هو بالضد كان هذا ~~الثانى اكمل # ويقولون المأمور المنهى الذى فوقه امر ناه هو ناقص بالنسبة إلى من ليس ~~PageV06P129 فوقه آمر ناه لكن اذا كان هو الامر لنفسه بما ينبغى ان يفعل ~~والمحرم عليها ما لا ms1567 ينبغى ان يفعل واخر يفعل ما يريده بدون امر ونهى من ~~نفسه فهذا الملتزم لامره ونهيه الواقعين على وجه الحكمة اكمل من ذلك وقد ~~قال تعالى ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ( وقال ( يا عبادى انى حرمت الظلم ~~على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا # وقالوا أيضا اذا قيل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على وجه بيان قدرته وانه ~~لا مانع له ولا يقدر غيره ان يمنعه مراده ولا ان يجعله مريدا كان هذا اكمل ~~ممن له مانع يمنعه مراده ومعين لا يكون مريدا أو فاعلا لما يريد الا به # واما اذا قيل يفعل ما يريد باعتبار انه لا يفعل على وجه مقتضى العلم ~~والحكمة بل هو ( متسفه ( فيما يفعله واخر يفعل ما يريد لكن ارادته مقرونة ~~بالعلم والحكمة كان هذا الثانى أكمل # و ( جماع الامر ( في ذلك ان كمال القدرة صفة كمال وكون الارادة نافذة لا ~~تحتاج إلى معاون ولا يعارضها مانع وصف كمال # واما كون ( الارادة ( لا تميز بين مراد ومراد بل جميع الاجناس عندها سواء ~~فهذا ليس بوصف كمال بل الارادة المميزة بين مراد ومراد كما يقتضيه العلم ~~والحكمة هي الموصوفة بالكمال فمن نقصه في قدرته وخلقه ومشيئته فلم يقدره ~~قدره ومن نقصه من حكمته ورحمته فلم يقدره حق قدره والكمال الذى يستحقه ~~اثبات هذا وهذا PageV06P130 ### ||| فصل # وأما ( منكرو النبوات ( وقولهم ليس الخلق اهلا ان يرسل الله اليهم رسولا ~~كما ان اطراف الناس ليسوا اهلا ان يرسل السلطان اليهم رسولا فهذا جهل واضح ~~في حق المخلوق والخالق فان من أعظم ما تحمد به الملوك خطابهم بأنفسهم ~~لضعفاء الرعية فكيف بارسال رسول اليهم # وأما في حق الخالق فهو سبحانه ارحم بعباده من الوالدة بولدها وهو قادر مع ~~كمال رحمته فاذا كان كامل القدرة كامل الرحمة فما المانع ان يرسل اليهم ~~رسولا رحمة منه كما قال تعالى ( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ( # وقال النبى ( ( انما انا رحمة مهداة ( ولان هذا من جملة احسانه إلى الخلق ~~بالتعليم والهداية وبيان ما ms1568 ينفعهم وما يضرهم كما قال تعالى ( لقد من الله ~~على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ( فبين تعالى ان هذا من مننه على عباده المؤمنين ~~PageV06P131 # فان كان المنكر ينكر قدرته على ذلك فهذا قدح في كمال قدرته وان كان ينكر ~~احسانه بذلك فهذا قدح في كمال رحمته واحسانه # فعلم ان ارسال الرسول من اعظم الدلالة على كمال قدرته واحسانه والقدرة ~~والاحسان من صفات الكمال لا النقص واما تعذيب المكذبين فذلك داخل في القدر ~~لما له فيه من الحكمة PageV06P132 ### ||| فصل # وأما ( قول المشركين ( ان عظمته وجلاله يقتضى ان لا يتقرب إليه الا ~~بواسطة وحجاب والتقرب بدون ذلك غض من جنابه الرفيع فهذا باطل من وجوه # ( منها ( ان الذى لا يتقرب إليه الا بوسائط وحجاب اما ان يكون قادرا على ~~سماع كلام جنده وقضاء حوائجهم بدون الوسائط والحجاب واما ان لا يكون قادرا ~~فان لم يكن قادرا كان هذا نقصا والله تعالى موصوف بالكمال فوجب ان يكون ~~متصفا بأنه يسمع كلام عباده بلا وسائط ويجيب دعاءهم ويحسن اليهم بدون حاجة ~~إلى حجاب وان كان الملك قادرا على فعل اموره بدون الحجاب وترك الحجاب ~~احسانا ورحمة كان ذلك صفة كمال # وايضا فقول القائل ان هذا غض منه انما يكون فيمن يمكن الخلق ان يضروه ~~ويفتقر في نفعه اليهم فأما مع كمال قدرته واستغنائه عنهم وامنه ان يؤذوه ~~فليس تقربهم إليه غضا منه بل اذا كان اثنان أحدهما يقرب إليه الضعفاء ~~احسانا اليهم ولا يخاف منهم والاخر لا يفعل ذلك اما خوفا وإما كبرا واما ~~غير ذلك كان الاول أكمل من الثانى PageV06P133 # وايضا فان هذا لا يقال اذا كان ذلك بأمر المطاع بل اذا اذن للناس في ~~التقرب منه ودخول داره لم يكن ذلك سوء ادب عليه ولا غضا منه فهذا انكار على ~~من تعبده بغير ما شرع # ولهذا قال تعالى ( انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله ~~باذنه ( وقال تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا ms1569 لهم من الدين ما لم يأذن به الله ~~PageV06P134 ### ||| فصل # واما قول القائل انه لو قيل لهم ايما اكمل ذات توصف بسائر انواع ~~الادراكات من الذوق والشم واللمس أم ذات لا توصف بها لقالوا الاول اكمل ولم ~~يصفوه بها # فتقول مثبتة الصفات لهم في هذه الادراكات ثلاثة اقوال معروفة ( أحدها ( ~~اثبات هذه الادراكات لله تعالى كما يوصف بالسمع والبصر وهذا قول القاضي ابى ~~بكر وابى المعالى واظنه قول الاشعرى نفسه بل هو قول المعتزلة البصريين ~~الذين يصفونه بالادراكات # وهؤلاء وغيرهم يقولون تتعلق به الادراكات الخمسة أيضا كما تتعلق به ~~الرؤية وقد وافقهم على ذلك القاضي أبو يعلى في ( المعتمد ( وغيره # و ( القول الثانى ( قول من ينفى هذه الثلاثة كما ينفى ذلك كثير من ~~المثبتة ايضا من الصفاتية وغيرهم وهذا قول طوائف من الفقهاء من أصحاب ~~الشافعى وأحمد وكثير من اصحاب الاشعرى وغيره # ( والقول الثالث ( اثبات ادراك اللمس دون ادراك الذوق لان الذوق انما ~~يكون للمطعوم فلا يتصف به الا من يأكل ولا يوصف به الا ما يؤكل PageV06P135 ~~والله سبحانه منزه عن الاكل بخلاف اللمس فانه بمنزلة الرؤية واكثر اهل ~~الحديث يصفونه باللمس وكذلك كثير من اصحاب مالك والشافعى واحمد وغيرهم ولا ~~يصفونه بالذوق # وذلك ان نفاة الصفات من المعتزلة قالوا للمثبتة اذا قلتم انه يرى فقولوا ~~انه يتعلق به سائر انواع الحس واذا قلتم انه سميع بصير فصفوه بالادراكات ~~الخمسة فقال ( اهل الاثبات قاطبة ( نحن نصفه بأنه يرى وانه يسمع كلامه كما ~~جاءت بذلك النصوص وكذلك نصفه بأنه يسمع ويرى # وقال جمهور اهل الحديث والسنة نصفه ايضا بادراك اللمس لأن ذلك كمال لا ~~نقص فيه وقد دلت عليه النصوص بخلاف ادراك الذوق فانه مستلزم للأكل وذلك ~~مستلزم للنقص كما تقدم # وطائفة من نظار المثبتة وصفوه بالأوصاف الخمس من الجانبين # ومنهم من قال انه يمكن ان تتعلق به هذه الانواع كما تتعلق به الرؤية ~~لاعتقادهم ان مصحح الرؤية الوجود ولم يقولوا انه متصف بها # واكثر مثبتى الرؤية لم يجعلوا مجرد الوجود هو ms1570 المصحح للرؤية بل قالوا ان ~~المقتضى امور وجودية لا ان كل موجود يصح رؤيته وبين الامرين فرق فان الثانى ~~يستلزم رؤية كل موجود بخلاف الاول واذا كان المصحح للرؤية هي امور وجودية ~~لا يشترط فيها امور عدمية فما كان احق بالوجود وابعد عن العدم كان أحق بأن ~~تجوز رؤيته ومنهم من نفى ما سوى السمع والبصر من الجانبين PageV06P136 ### ||| فصل # واما قول القائل الكمال والنقص من الأمور النسبية فقد بينا ان الذى ~~يستحقه الرب هو الكمال الذى لا نقص فيه بوجه من الوجوه وانه الكمال الممكن ~~للموجود ومثل هذا لا ينتفى عن الله اصلا والكمال النسبى هو المستلزم للنقص ~~فيكون كمالا من وجه دون وجه كالأكل للجائع كمال له وللشبعان نقص فيه لأنه ~~ليس بكمال محض بل هو مقرون بالنقص # والتعالى والتكبر والثناء على النفس وامر الناس بعبادته ودعائه والرغبة ~~إليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية هذا كمال محمود من الرب تبارك ~~وتعالى وهو نقص مذموم من المخلوق # وهذا كالخبر عما هو من خصائص الربوبية كقوله ( اننى انا الله لا اله الا ~~انا فاعبدنى ( وقوله تعالى ( ادعونى استجب لكم ( وقوله ( ان تبدوا ما في ~~انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ( وقوله ( أم حسب الذين يعملون السيئات ان ~~يسبقونا ( وقوله ( ان عبادى ليس لك عليهم سلطان ( وقوله ( انا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد ( وقوله ( ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب # ومن يتوكل PageV06P137 على الله فهو حسبه ( وامثال هذا الكلام الذى يذكر ~~الرب فيه عن نفسه بعض خصائصه وهو في ذلك صادق في اخباره عن نفسه بما هو من ~~نعوت الكمال هو ايضا من كماله فان بيانه لعباده وتعريفهم ذلك هو ايضا من ~~كماله واما غيره فلو اخبر بمثل ذلك عن نفسه لكان كاذبا مفتريا والكذب من ~~اعظم العيوب والنقائص # واما اذا اخبر المخلوق عن نفسه بما هو صادق فيه فهذا لا يذم مطلقا بل قد ~~يحمد منه اذا كان في ms1571 ذلك مصلحة كقول النبى ( ( انا سيد ولد آدم ولا فخر ( ~~واما اذا كان فيه مفسدة راجحة أو مساوية فيذم لفعله ما هو مفسدة لا لكذبه ~~والرب تعالى لا يفعل ما هو مذموم عليه بل له الحمد على كل حال فكل ما يفعله ~~هو منه حسن جميل محمود # واما على قول من يقول الظلم منه ممتنع لذاته فظاهر واما على قول الجمهور ~~من اهل السنة والقدرية فانه انما يفعل بمقتضى الحكمة والعدل فاخباره كلها ~~واقواله وافعاله كلها حسنة محمودة واقعة على وجه الكمال الذى يستحق عليه ~~الحمد وله من الامور التى يستحق بها الكبرياء والعظمة ما هو من خصائصه ~~تبارك وتعالى # فالكبرياء والعظمة له بمنزلة كونه حيا قيوما قديما واجبا بنفسه وانه بكل ~~شيء عليم وعلى كل شيء قدير وانه العزيز الذى لا ينال وانه قهار لكل ما سواه ~~PageV06P138 # فهذه كلها صفات كمال لا يستحقها الا هو فما لا يستحقه الا هو كيف يكون ~~كمالا من غيره وهو معدوم لغيره فمن ادعاه كان مفتريا منازعا للربوبية في ~~خواصها كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبى ( ( قال ( يقول الله تعالى ~~العظمة ازارى والكبرياء ردائى فمن نازعنى واحدا منهما عذبته ( وجملة ذلك أن ~~الكمال المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب فهذا تحقيق اتصافه بالكمال ~~الذى لا نصيب لغيره فيه ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره فادعاؤه منازعة ~~للربوبية وفرية على الله # ومعلوم ان النبوة كمال للنبى واذا ادعاها المفترون كمسيلمة وامثاله كان ~~ذلك نقصا منهم لا لأن النبوة نقص ولكن دعواها ممن ليست له هو النقص وكذلك ~~لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ليس متصفا بذلك كان مذموما ممقوتا وهذا ~~يقتضى ان الرب تعالى متصف بكمال لا يصلح للمخلوق وهذا لا ينافى ان ما كان ~~كمالا للموجود من حيث هو موجود فالخالق احق به ولكن يفيد ان الكمال الذى ~~يوصف به المخلوق بما هو منه اذا وصف الخالق بما هو منه فالذى للخالق لا ~~يماثله ما للمخلوق ولا يقاربه # وهذا حق فالرب تعالى ms1572 مستحق للكمال مختص به على وجه لا يماثله فيه شيء ~~فليس له سمى ولا كفؤ سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شيء للمخلوق كربوبية ~~العباد والغنى المطلق ونحو ذلك أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق ~~PageV06P139 فالذى يثبت للخالق منه نوع هو اعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق ~~عظمة هي اعظم من فضل اعلى المخلوقات على ادناها # و ( ملخص ذلك ( ان المخلوق يذم منه الكبرياء والتجبر وتزكية نفسه احيانا ~~ونحو ذلك # واما قول السائل فان قلتم نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها هل ~~هي كمال أم نقص وكذلك نحيل الحكم عليها باحدهما لانها قد تكون كمالا لذات ~~نقصا لاخرى على ما ذكر # فيقال بل نحن نقول الكمال الذى لا نقص فيه للممكن الوجود هو كمال مطلق ~~لكل ما يتصف به # وايضا فالكمال الذى هو كمال للموجود من حيث هو موجود يمتنع ان يكون نقصا ~~في بعض الصور لان ما كان نقصا في بعض الصور تاما في بعض هو كمال لنوع من ~~الموجودات دون نوع فلا يكون كمالا للموجود من حيث هو موجود # ومن الطرق التى بها يعرف ذلك ان نقدر موجودين أحدهما متصف بهذا والاخر ~~بنقيضه فانه يظهر من ذلك ايهما اكمل واذا قيل هذا اكمل من وجه وهذا انقص من ~~وجه لم يكن كمالا مطلقا # والله اعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم # PageV06P140 ### |PARATEXT| # وقال ### ||| فصل # قال الله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه ( وقال تعالى ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى ( وقال تعالى ( الله لا اله الا هو له الاسماء الحسنى ( ~~وقال تعالى ( هو الله الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى ( و ( الحسنى ~~( المفضلة على الحسنة والواحد الاحاسن # ثم هنا ( ثلاثة أقوال ( اما ان يقال ليس له من الاسماء الا الأحسن ولا ~~يدعى الا به واما ان يقال لا يدعى الا بالحسنى وان سمى بما يجوز وان لم يكن ms1573 ~~من الحسنى وهذان قولان معروفان واما ان يقال بل يجوز في الدعاء والخبر وذلك ~~ان قوله ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ( وقال ( ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن ايما تدعوا فله الاسماء الحسنى ( أثبت له الاسماء الحسنى وامر ~~بالدعاء بها فظاهر هذا ان له جميع الاسماء الحسنى PageV06P141 # وقد يقال جنس ( الاسماء الحسنى ( بحيث لا يجوز نفيها عنه كما فعله الكفار ~~وامر بالدعاء بها وامر بدعائه مسمى بها خلاف ما كان عليه المشركون من النهى ~~عن دعائه باسمه ( الرحمن ( فقد يقال قوله ( فادعوه بها ( امر ان يدعى ~~بالاسماء الحسنى وان لا يدعى بغيرها كما قال ( ادعوهم لآبائهم ( فهو نهى ان ~~يدعوا لغير آبائهم # ويفرق بين دعائه والاخبار عنه فلا يدعى الا بالاسماء الحسنى واما الاخبار ~~عنه فلا يكون باسم سيئ لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ وان لم يحكم ~~بحسنه مثل اسم شيء وذات وموجود اذا اريد به الثابت واما اذا اريد به ( ~~الموجود عند الشدائد ( فهو من الاسماء الحسنى وكذلك المريد والمتكلم فان ~~الارادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم فليس ذلك من الاسماء الحسنى بخلاف ~~الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك فان ذلك لا يكون الا محمودا # وهكذا كما في حق الرسول حيث قال ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء ~~بعضكم بعضا ( فأمرهم ان يقولوا يا رسول الله يا نبى الله كما خاطبه الله ~~بقوله ( يا ايها النبى ( يا ايها الرسول ( لا يقول يا محمد يا أحمد يا أبا ~~القاسم وان كانوا يقولون في الاخبار كالأذان ونحوه اشهد ان محمدا رسول الله ~~كما قال تعالى ( محمد رسول الله ( وقال ( ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه ~~أحمد ( وقال ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله PageV06P142 ~~فهو سبحانه لم يخاطب محمدا الا بنعت التشريف كالرسول والنبى والمزمل ~~والمدثر وخاطب سائر الانبياء بأسمائهم مع انه في مقام الاخبار عنه قد يذكر ~~اسمه فقد فرق سبحانه بين حالتى الخطاب في حق الرسول وامرنا بالتفريق بينهما ~~في حقه وكذلك هو المعتاد ms1574 في عقول الناس اذا خاطبوا الاكابر من الامراء ~~والعلماء والمشايخ والرؤساء لم يخاطبوهم ويدعوهم الا باسم حسن وان كان في ~~حال الخبر عن أحدهم يقال هو انسان وحيوان ناطق وجسم ومحدث ومخلوق ومربوب ~~ومصنوع وبن انثى ويأكل الطعام ويشرب الشراب # لكن كل ما يذكر من اسمائه وصفاته في حال الاخبار عنه يدعى به في حال ~~مناجاته ومخاطبته وان كانت اسماء المخلوق فيها ما يدل على نقصه وحدوثه ~~واسماء الله ليس فيها ما يدل على نقص ولا حدوث بل فيها الاحسن الذى يدل على ~~الكمال وهى التى يدعى بها وان كان اذا اخبر عنه يخبر باسم حسن أو باسم لا ~~ينفى الحسن ولا يجب ان يكون حسنا # وأما في الاسماء المأثورة فما من اسم الا وهو يدل على معنى حسن فينبغى ~~تدبر هذا للدعاء وللخبر المأثور وغير المأثور الذى قيل لضرورة حدوث ~~المخالفين للتفريق بين الدعاء والخبر وبين المأثور الذى يقال أو تعريفهم ~~لما لم يكونوا به عارفين وحينئذ فليس كل اسم ذكر في مقام يذكر في مقام بل ~~يجب التفريق PageV06P143 ### || 1 ( قاعدة في الصفات والأفعال ) 1 # وقال ! 8 < ( فصل ( # في ( القاعدة العظيمة الجليلة ( في ( مسائل الصفات والافعال ( من حيث ~~قدمها ووجوبها أو جوازها ومشتقاتها أو وجوب النوع مطلقا وجواز الاحاد معينا # ( فنقول المضافات إلى الله ( سبحانه في الكتاب والسنة سواء كانت اضافة ~~اسم إلى اسم أو نسبة فعل إلى اسم أو خبر باسم عن اسم لا يخلو من ثلاثة ~~أقسام # ( أحدها ( اضافة الصفة إلى الموصوف كقوله تعالى ( ولا يحيطون بشيء من ~~علمه ( وقوله ( ان الله هو الرزاق ذو القوة ( وفى حديث الاستخارة ( اللهم ~~انى استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك ( # وفى الحديث الاخر ( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ( فهذا في ~~الاضافة الاسمية # واما بصيغة الفعل فكقوله ( علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم ( وقوله ( ~~علم ان لن تحصوه فتاب عليكم PageV06P144 # واما الخبر الذى هو جملة اسمية فمثل قوله ( والله بكل شيء عليم ( والله ~~على كل شيء قدير ( # وذلك لان الكلام الذى توصف ms1575 به الذوات اما جملة أو مفرد فالجملة اما اسمية ~~كقوله ( والله بكل شيء عليم ( أو فعلية كقوله ( علم ان لن تحصوه ( اما ~~المفرد فلابد فيه من اضافة الصفة لفظا أو معنى كقوله ( بشيء من علمه ( ~~وقوله ( هو أشد منهم قوة ( أو اضافة الموصوف كقوله ( ذو القوة ( # و ( القسم الثانى ( اضافة المخلوقات كقوله ( ناقة الله وسقياها ( وقوله ( ~~وطهر بيتى للطائفين ( وقوله ( رسول الله ( و ( عباد الله ( وقوله ( ذو ~~العرش ( وقوله ( وسع كرسيه السماوات والأرض ( فهذا القسم لا خلاف بين ~~المسلمين في انه مخلوق كما ان القسم الاول لم يختلف اهل السنة والجماعة في ~~انه قديم وغير مخلوق # وقد خالفهم بعض اهل الكلام في ثبوت الصفات لا في أحكامها وخالفهم بعضهم ~~في قدم العلم واثبت بعضهم حدوثه وليس الغرض هنا تفصيل ذلك # ( الثالث ( وهو محل الكلام هنا ما فيه معنى الصفة والفعل مثل قوله ( وكلم ~~الله موسى تكليما ( وقوله ( انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ( ~~وقوله ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى ( وقوله ( يريدون ان يبدلوا كلام ~~الله ( وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ( وقوله ( ان الله يحكم ما يريد ~~( فعال لما يريد PageV06P145 # وقوله ( فباؤوا بغضب على غضب ( وقوله ( وغضب الله عليه ولعنه ( وقوله ( ~~فلما آسفونا انتقمنا منهم ( وقوله ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه ( وقوله ( رضى الله عنهم ورضوا عنه ( # وقوله ( وان لم تغفر لنا وترحمنا ( وقل رب اغفر وارحم ( واعف عنا واغفر ~~لنا وارحمنا ( # وكذلك قوله ( خلق السماوات والأرض ( لما خلقت بيدي ( وقوله ( ثم استوى ~~على العرش ( وجاء ربك والملك صفا صفا ( هل ينظرون الا ان يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام والملائكة ( هل ينظرون الا ان تأتيهم الملائكة ( # وفى الاحاديث شيء كثير كقوله في حديث ( الشفاعة ( ان ربى قد غضب اليوم ~~غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ( وقوله ( ضحك الله إلى رجلين ~~يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة ( وقوله ( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ~~( الحديث واشباه هذا وهو ms1576 باب واسع # وقوله # ( اذا تكلم الله بالوحى سمع اهل السماوات ( فالناس فيه على قولين # ( أحدهما ( وهو قول المعتزلة والكلابية والاشعرية وكثير من PageV06P146 ~~الحنبلية ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وغيرهم ان هذا القسم لابد ان يلحق ~~بأحد القسمين قبله فيكون اما قديما قائما به عند من يجوز ذلك وهم الكلابية ~~واما مخلوقا منفصلا عنه ويمتنع ان يقوم به نعت أو حال أو فعل أو شيء ليس ~~بقديم ويسمون هذه المسألة ( مسألة حلول الحوادث بذاته ( # ويقولون يمتنع ان تحل الحوادث بذاته كما يسميها قوم آخرون فعل الذات ~~بالذات أو في الذات ورأوا ان تجويز ذلك يستلزم حدوثه لأن الدليل الذى دلهم ~~على حدوث الاجسام قيام الحوادث بها فلو قامت به لزم أحد الامرين اما حدوثه ~~أو بطلان العلم بحدوث العالم # ومن خالفهم في ذلك قال دليل حدوث العالم امتناع خلوه عن الحوادث وكونه لا ~~يسبقها واما اذا جاز ان يسبقها لم يكن في قيامها به ما يدل على الحدوث # ويقول آخرون انه ليس هذا هو الدليل على حدوث العالم بل هو ضعيف ولهم مآخذ ~~اخر # ثم هم فريقان # ( أحدهما ( من يرى امتناع قيام الصفات به أيضا لاعتقاده ان الصفات اعراض ~~وان قيام العرض به يقتضى حدوثه ايضا وهؤلاء نفاة الصفات من PageV06P147 ~~المعتزلة فقالوا حينئذ ان القرآن مخلوق وانه ليس لله مشيئة قائمة به ولا حب ~~ولا بغض ونحو ذلك # وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى اضافة خلق أو اضافة وصف من غير قيام ~~معنى به # والثاني مذهب الصفاتية أهل السنة وغيرهم الذين يرون قيام الصفات به ~~فيقولون له مشيئة قديمة وكلام قديم واختلفوا في حبه وبغضه ورحمته واسفه ~~ورضاه وسخطه ونحو ذلك هل هو بمعنى المشيئة أو صفات اخرى غير المشيئة على ~~قولين وهذا الاختلاف عند الحنبلية والاشعرية وغيرهم ويقولون ان الخلق ليس ~~هو شيئا غير المخلوق وغير الصفات القديمة من المشيئة والكلام # ثم يقولون للمتكلمين في الخلق هل هو المخلوق أربعة أقوال # ( أحدها ( ان الخلق هو المخلوق # ( والثانى ( انه قائم ms1577 بالمخلوق # ( والثالث ( انه معنى قائم بنفسه ( والرابع ( انه قائم بالخالق قال ~~القاضي أبو يعلى الصغير من اصحابنا من قال الخلق هو المخلوق PageV06P148 ~~ومنهم من قال الخلق غير المخلوق فالخلق صفة قائمة بذاته والمخلوق الموجود ~~المخترع وهذا بناء على اصلنا وان الصفات ( الناشئة ( عن الافعال موصوف بها ~~في القدم وان كانت المفعولات محدثة قال وهذا هو الصحيح # ويقولون في الاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك من انواع الافعال التى هي ~~انواع جنس الحركة أحد قولين # اما ان يجعلوها من باب ( النسب ( و ( الاضافات ( المحضة بمعنى ان الله ~~خلق العرش بصفة التحت فصار مستويا عليه وانه يكشف الحجب التى بينه وبين ~~خلقه فيصير جائيا اليهم ونحو ذلك وان التكليم اسماع المخاطب فقط وهذا قول ~~اهل السنة من اهل هذا القول من الحنبلية ومن وافقهم فيه أو في بعضه من ~~الاشعرية وغيرهم # أو يقول ان هذه ( افعال محضة ( في المخلوقات من غير اضافة ولا نسبة فهذا ~~اختلاف بينهم هل تثبت لله هذه النسب والاضافات مع اتفاق الناس على انه لابد ~~من حدوث ( نسب ( و ( اضافات ( لله تعالى كالمعية ونحوها ويسمى بن عقيل هذه ~~النسب ( الاحوال ( لله وليست هي ( الاحوال ( التى تنازع فيها المتكلمون مثل ~~العالمية والقادرية بل هذه النسب والاضافات يسميها الاحوال # ويقول ان حدوث هذه الاحوال ليس هو حدوث الصفات فان هذه الاحوال نسب بين ~~الله وبين الخلق فان ذلك لا يوجب ثبوت معنى قائم PageV06P149 بالمنسوب إليه ~~كما ان الانسان يصعد إلى السطح فيصير فوقه ثم يجلس عليه فيصير تحته والسطح ~~متصف تارة بالفوقية والعلو وتارة بالتحتية والسفول من غير قيام صفة فيه ولا ~~تغير # وكذلك اذا ولد للانسان مولود فيصير اخوه عما وابوه جدا وابنه اخا واخو ~~زوجته خالا وتنسب لهم هذه النسب والاضافات من غير تغير فيهم # ( والقول الثانى ( وهو قول الكرامية وكثير من الحنبلية واكثر اهل الحديث ~~ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وجمهور المسلمين واكثر كلام السلف ومن حكى ~~مذهبهم حتى الاشعرى يدل على هذا القول ان هذه الصفات الفعلية ms1578 ونحوها ~~المضافة إلى الله ( قسم ثالث ( ليست من المخلوقات المنفصلة عنه وليست ~~بمنزلة الذات والصفات القديمة الواجبة التى لا تتعلق بها مشيئته لا ~~بانواعها ولا بأعيانها # وقد يقول هؤلاء انه يتكلم اذا شاء ويسكت اذا شاء ولم يزل متكلما بمعنى ~~انه لم يزل يتكلم اذا شاء ويسكت اذا شاء وكلامه منه ليس مخلوقا # وكذلك يقولون وان كان له مشيئة قديمة فهو يريد اذا شاء ويغضب ويمقت # ويقر هؤلاء أو اكثرهم ما جاء من النصوص على ظاهره مثل قوله ( ثم استوى ~~على العرش ( انه استوى عليه بعد ان لم يكن مستويا عليه PageV06P150 وانه ~~يدنو إلى عباده ويقرب منهم وينزل إلى سماء الدنيا ويجيء يوم القيامة بعد ان ~~لم يكن جائيا # ثم # من هؤلاء من قد يقول تحل ( الحوادث ( بذاته ومنهم من لا يطلق هذا اللفظ ~~اما لعدم ورود الاثر به واما لايهام معنى فاسد من ان ذلك كحلول ( الاعراض ( ~~بالمخلوقات كما يمتنع جمهور المتكلمين من تسمية صفاته اعراضا وان كانت صفات ~~قائمة بالموصوف كالاعراض # وزعم بن الخطيب ان اكثر الطوائف والعقلاء يقرون بهذا القول في الحقيقة ~~وان انكروه بألسنتهم حتى الفلاسفة والمعتزلة والاشعرية # أما ( الفلاسفة ( فان عندهم ان الاضافات موجودة في الاعيان والله موجود ~~مع كل حادث و ( المعية ( صفة حادثة في ذاته وقد صرح أبو البركات البغدادى ~~صاحب ( المعتبر ( بحدوث علوم وارادات جزئية في ذاته المعينة وقال انه لا ~~يتصور الاعتراف بكونه الها لهذا العالم الا مع القول بذلك ثم قال الاجلال ~~من هذا الاجلال واجب والتنزيه من هذا التنزيه لازم # واما ( المعتزلة ( فان البصريين كأبى علي وأبي هاشم يقولون بحدوث المرئى ~~والمسموع وبه تحدث صفة السمعية والبصرية لله وابو الحسين البصرى يقول بتجدد ~~علوم في ذاته بتجدد المعلومات والاشعرية ايضا يقولون بأن المعدومات لم تكن ~~مسموعة ولا مرئية ثم صارت مسموعة مرئية بعد وجودها وليس السمع والبصر عندهم ~~مجرد نسبة بل هو صفة قائمة بذات السميع PageV06P151 البصير وقد يلزمون ~~بقولهم بأن النسخ هو رفع الحكم أو انتهاؤه وقولهم علمه ms1579 بالجزئيات وكذلك ~~بانقطاع تعلق القدرة والارادة منه # والتحقيق ان التصريح بالخلاف في هذا الاصل موجود في عامة الطوائف ليس ~~مخصوصا بأهل الحديث # ثم ( النفاة ( قد يقال ان هذا القول يلزمهم اذا اثبتوا لله نعوتا غير ~~قديمة فيصير هذا الاصل متفقا عليه وهم قد يعتذرون عن تلك اللوازم تارة ~~بأعذار صحيحة فلا يكون لازما لهم وتارة بأعذار غير صحيحة فيكون لازما لهم ~~وهذا لا ريب فيه # واما نصوص الكتاب والسنة فلا ريب ان ظاهرها موافق لهذا القول لكن الاولون ~~قد يتأولونها أو يفوضونها واما هؤلاء فيقولون ان فيها نصوصا لا تقبل ~~التأويل وان ما قبل التأويل قد انضم إليه من القرائن والضمائم ما يعلم قطعا ~~ان الله ورسوله اراد ذلك أو ان هذا مفهوم # ويقولون ليس للنفاة دليل معتمد وانما معهم التقليد لاسلافهم بالشناعة ~~والتهويل على المخاطبين الذين لم يعرفوا دقيق الكلام وان هذا مذهب عامة اهل ~~الملل وخواص عباد الله وانما خالف ذلك اهل البدع في الملل والاولون قد ~~يقولون هذا خلاف الاجماع وهذا كفر وهذا يستلزم التغير والحدوث وقد رأيت ~~للناس في هذا الاصل عجائب PageV06P152 # وقال الامام أحمد في الجزء الذى فيه ( الرد على الجهمية والزنادقة ( ~~وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير ان نقول جوف ولا فم ولا شفتان # وقال بعد ذلك بل نقول ان الله لم يزل متكلما اذا شاء ولا نقول انه كان ~~ولا يتكلم حتى خلق وكلامه فيه طول # قال ### ||| ( 2 باب ما انكرت الجهمية من ان الله كلم موسى 2 ( # فقلنا لم انكرتم ذلك قالوا ان الله لم يتكلم ولا يتكلم انما كون شيئا ~~فعبر عن الله وخلق صوتا فأسمعه وزعموا ان الكلام لا يكون الا من جوف ولسان ~~وشفتين # فقلنا هل يجوز ان يكون لمكون غير الله ان يقول ( يا موسى انى انا ربك ( ~~أو يقول ( اننى انا الله لا اله الا انا فاعبدنى واقم الصلاة لذكرى ( فمن ~~زعم ان ذلك غير الله فقد ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمى ان الله ms1580 كون ~~شيئا كان يقول ذلك المكون ( يا موسى ان الله رب العالمين ( ولا يجوز ان ~~يقول ( انى انا الله رب العالمين ( # وقد قال الله جل ثناؤه ( وكلم الله موسى تكليما ( وقال ( ولما جاء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه ( وقال ( انى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى ( ~~فهذا منصوص القرآن واما ما قالوا ان الله لم يتكلم ولا يكلم فكيف يصنعون ~~بحديث الاعمش عن PageV06P153 خيثمة عن عدى بن حاتم الطائى قال قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ( ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ~~ترجمان ( واما قولهم ان الكلام لا يكون الا من جوف وفم وشفتين ولسان فنقول ~~اليس الله قال للسموات والأرض ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا اتينا طائعين ( ~~أتراها انها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان # وقال ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ( اتراها انها يسبحن بجوف وفم ولسان ~~وشفتين ولكن الله انطقها كيف شاء وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير ان نقول ~~جوف ولا فم ولا شفتان ولا لسان # فلما خنقته الحجج قال ان الله كلم موسى الا ان كلامه غيره فقلنا وغيره ~~مخلوق قال نعم قلنا هذا مثل قولكم الاول الا انكم تدفعون عن انفسكم الشنعة ~~وحديث الزهري قال لما سمع موسى كلام ربه قال ( يا رب هذا الذى سمعته هو ~~كلامك قال نعم يا موسى هو كلامى وانما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولى قوة ~~الالسن كلها وانا اقوى من ذلك وانما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك ولو كلمتك ~~بأكثر من ذلك لمت ( # قال فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك فقال ( سبحان الله ~~وهل استطيع ان اصفه لكم ( قالوا فشبهه قال ( سمعتم اصوات الصواعق التى تقبل ~~في احلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله ( # وقلنا للجهمية من القائل يوم القيامة ( يا عيسى بن مريم أأنت قلت ~~PageV06P154 للناس اتخذونى وامى الهين من دون الله ( اليس الله هو القائل ~~قالوا يكون الله شيئا فيعبر عن الله كما كونه فعبر لموسى # قلنا فمن القائل ms1581 ( فلنسألن الذين ارسل اليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن ~~عليهم بعلم ( اليس الله هو الذى يسأل قالوا هذا كله انما يكون شيئا فيعبر ~~عن الله # فقلنا قد اعظمتم على الله الفرية حين زعمتم انه لا يتكلم فشبهتموه ~~بالاصنام التى تعبد من دون الله لان الاصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول ~~من مكان إلى مكان # فلما ظهرت عليه الحجة قال ان الله قد يتكلم لكن كلامه مخلوق قلنا قد ~~شبهتم الله بخلقه حين زعمتم ان كلامه مخلوق ففى مذهبكم قد كان في وقت من ~~الاوقات لا يتكلم وكذلك بنو آدم كانوا ولا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد ~~جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة علوا كبيرا # بل نقول ان الله لم يزل متكلما اذا شاء ولا نقول انه كان ولا يتكلم حتى ~~خلق كلاما ولا نقول انه قد كان لا يعلم حتى خلق علما ولا نقول انه قد كان ~~ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول انه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه ~~نورا ولا نقول انه قد كان ولا عظمة حتى خلق لنفسه عظمة وذكر كلاما طويلا في ~~تقرير الصفات وانها لا تنافى التوحيد PageV06P155 # ومما يشبه هذا ان الصفات التى هي من جنس الحركة كالاتيان والمجيء والنزول ~~هل تتأول بمعنى مجيء قدرته وامره على روايتين # ( احداهما ( هي بمعنى مجيء قدرته وهى رواية حنبل في المحنة # ( والثانية ( تمر كسائر الصفات وهى ظاهر المذهب المشهور عند اصحابنا # ثم منهم من غلط حنبلا ومنهم من قال قاله أحمد الزاما لهم ومنهم من جعله ~~رواية خاصة كابن الزاغونى وعمم بن عقيل ذلك في سائر الصفات # وهذا الاصل يتفرع في اكثر مسائل الصفات لا سيما مسألة الكلام والارادة ~~والصفات المتعلقة بالمشيئة كالنزول والاستواء وهو كان سبب وقوع النزاع بين ~~امام الائمة محمد بن إسحاق بن خزيمة وبين طائفة من فضلاء اصحابه ~~PageV06P156 ### ||| فصل # قال القاضي قال ( أحمد ( في رواية حنبل لم يزل الله متكلما عالما غفورا ~~وقال في رواية عبد الله ms1582 لم يزل الله متكلما اذا شاء ووجدتها في ( المحنة ( ~~رواية حنبل لما سأله عبد الرحمن بن إسحاق قاضى ( المعتصم ( فلامه فقال ما ~~تقول في القرآن قال فقلت ما تقول في العلم فسكت فقلت لعبدالرحمن القرآن من ~~علم الله ومن زعم ان علم الله مخلوق فقد كفر بالله قال فسألت عبد الرحمن ~~فلم يرد على شيئا وقال لى عبد الرحمن كان الله ولا قرآن فقلت كان الله ولا ~~علم فأمسك ولو زعم ان الله كان ولا علم لكفر بالله # ثم قال أبو عبد الله لم يزل الله عالما متكلما يعبد الله بصفاته غير ~~محدودة ولا معلومة الا بما وصف به نفسه ونرد القرآن إلى عالمه إلى الله فهو ~~اعلم به منه بدأ واليه يعود # وقال في موضع أخر سمعت أبا عبد الله يقول لم يزل الله متكلما والقرآن ~~كلام الله غير مخلوق وعلى كل جهة ولا يوصف الله بشيء اكثر مما وصف به نفسه ~~PageV06P157 # وقال أبو بكر عبد العزيز في الجزء الأول من ( كتاب السنة في المقنع ( لما ~~سألوه انكم اذا قلتم لم يزل متكلما كان ذلك عبثا فقال لأصحابنا قولان # ( أحدهما ( لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس كما ان ضد العلم ~~الجهل # قال ومن اصحابنا من قال قد أثبت لنفسه أنه خالق ولم يجز أن يكون خالقا في ~~كل حال بل قلنا انه خالق في وقت ارادته ان يخلق وإن لم يكن خالقا في كل حال ~~ولم يبطل أن يكون خالقا كذلك وان لم يكن متكلما في كل حال لم يبطل أن يكون ~~متكلما بل هو متكلم خالق وان لم يكن خالقا في كل حال ولا متكلما في كل حال # قال القاضي أبو يعلى في كتاب ( إيضاح البيان في مسألة القرآن ( لما أورد ~~عليه هذا السؤال فقال نقول إنه لم يزل متكلما وليس بمكلم ولا مخاطب ولا آمر ~~ولا ناه نص عليه أحمد في رواية حنبل وساق الكلام إلى ان ذكر عن أبى بكر ما ~~حكاه في المقنع ms1583 ثم قال لعل هذا القائل من أصحابنا يذهب إلى قول أحمد بن ~~حنبل في رواية عبد الله ( لم يزل متكلما اذا شاء ( قال والقائل بهذا قائل ~~بحدوث القرآن وقد تأولنا كلام أحمد يتكلم اذا شاء في أول المسألة ولا يشبه ~~هذا وصفه بالخلق والرزق لأن تلك الصفات PageV06P158 يجب أن تقدر فيها ذلك ~~وذلك لأننا لو قدرنا وجود الفعل فيما لم يزل أفضى إلى قدم العالم فأما ~~الكلام فهو كالعلم # وقال القاضي في أول المسألة قول أحمد لم يزل غفورا بيان أن جميع الصفات ~~قديمة سواء كانت مشتقة من فعل كالغفران والخلق والرزق أو لم تكن مشتقة ~~وقوله لم يزل متكلما اذا شاء معناه اذا شاء ان يسمعه # قلت وطريقة القاضي هذه هي طريقة اصحابه واصحابهم وغيرهم كإبن عقيل وبن ~~الزاغونى # وأما أكثر أهل الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم وكثير من أهل الكلام أيضا ~~فيخالفونه في ذلك ويقولون في الفعل أحد قولين # ( أحدهما ( وهو القول الآخر للقاضى الذى هو الصحيح عند أصحابنا اما ان ~~الفعل قديم والمفعول مخلوق كما نسلم ذلك لهم في الارادة والقول المكون أي ~~الارادة قديمة والمراد محدث وكما ان المنازع يقول التكوين قديم فالمكون ~~مخلوق # ( والثانى ( ان الفعل نفسه عندهم كالقول كلاهما غير مخلوق مع أنه يكون في ~~حال دون حال اذ هو قائم بالله والمخلوق لا يكون الا منفصلا عن الله ويقولون ~~ان قول أحمد موافق لما قلناه لأنه قال لم يزل متكلما اذا شاء PageV06P159 ~~ولم يقل لم يزل مكلما اذا شاء والمتعلق بالمشيئة عند من يقول انه قديم واجب ~~انما هو التكليم الذى هو فعل جائز لا التكلم # فبين ذلك أن أحمد رضى الله عنه قال في الموضع الاخر لم يزل الله متكلما ~~عالما غفورا فذكر الصفات الثلاث الصفة التى هي قديمة واجبة وهى العلم والتى ~~هي جائزة متعلقة بالمشيئة وهى المغفرة فهذان متفق عليهما # وذكر أيضا التكلم وهو القسم الثالث الذى فيه نزاع وهو يشبه العلم من حيث ~~هو وصف قائم به لا يتعلق ms1584 بالمخلوق ويشبه المغفرة من حيث هو متعلق بمشيئته ~~كما فسره في الموضع الآخر # فعلم ان قدمه عنده أنه لم يزل اذا شاء تكلم واذا شاء سكت لم يتجدد له وصف ~~القدرة على الكلام التى هي صفة كمال كما لم يتجدد له وصف القدرة على ~~المغفرة وان كان الكمال هو أن يتكلم اذا شاء ويسكت اذا شاء # وأما قول القاضي ان هذا قول بحدوثه فيجيبون عنه بجوابين # ( أحدهما ( الا يسمى محدثا ان يسمى حديثا إذ المحدث هو المخلوق المنفصل ~~واما الحديث فقد سماه الله حديثا وهذا قول الكرامية وأكثر أهل الحديث ~~والحنبلية # ( والثانى ( أنه يسمى محدثا كما في قوله ( من ذكر من ربهم محدث ( وليس ~~بمخلوق وهذا قول كثير من الفقهاء وأهل الحديث والكلام PageV06P160 كداود بن ~~على الأصبهانى صاحب المذهب لكن المنقول عن أحمد إنكار ذلك وقد يحتج به لأحد ~~قولى أصحابنا # قال المروذى قال أبو عبد الله من داود بن على الأصبهانى لا فرج الله عنه ~~جاءنى كتاب محمد بن يحيى النيسابوري ان داود الاصبهانى قال كذبا ان القرآن ~~محدث وذكر أبو بكر الخلال هذه الرواية في ( كتاب السنة ( وقال عبد الله بن ~~أحمد إستأذن ( داود ( على ابى فقال من هذا داود لا جبر ود الله قلبه ودود ~~الله قبره فمات مدودا # والاطلاقات قد توهم خلاف المقصود فيقال إن أردت بقولك محدث انه مخلوق ~~منفصل عن الله كما يقوله الجهمية والمعتزلة والنجارية فهذا باطل لا نقوله ~~وان أردت بقولك أنه كلام تكلم الله به بمشيئته بعد أن لم يتكلم به بعينه ~~وإن كان قد تكلم بغيره قبل ذلك مع أنه لم يزل متكلما إذا شاء فانا نقول ~~بذلك وهو الذى دل عليه الكتاب والسنة وهو قول السلف وأهل الحديث وإنما ~~ابتدع القول الآخر الكلابية والأشعرية ولكن أهل هذا القول لهم قولان # ( أحدهما ( أنه تكلم بعد أن لم يكن متكلما وإن كان قادرا على الكلام كما ~~أنه خلق السماوات والأرض بعد أن لم يكن خلقهما وان كان قادرا على الخلق ~~وهذا ms1585 قول الكرامية وغيرهم ممن يقول انه تحله الحوادث بعد ان لم تكن تحله ~~وقول من قال أنه محدث يحتمل هذا القول وإنكار أحمد يتوجه إليه PageV06P161 # ( والثانى ( انه لم يزل متكلما يتكلم اذا شاء وهذا هو الذى يقوله من ~~يقوله من أهل الحديث # وأصحاب هذا القول قد يقولون ان كلامه قديم وانه ليس بحادث ولا محدث ~~فيريدون نوع الكلام اذ لم يزل يتكلم اذا شاء وان كان الكلام العينى يتكلم ~~به اذا شاء ومن قال ليست تحل ذاته الحوادث فقد يريد به هذا المعنى بناء على ~~انه لم يحدث نوع الكلام في كيفية ذاته # وقال أبو عبد الله بن حامد في ( أصوله ( ومما يجب الايمان به والتصديق ان ~~الله يتكلم وان كلامه ( قديم ( وأنه لم يزل متكلما في كل أوقاته بذلك ~~موصوفا وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة وقد يجيء على المذهب أن يكون ~~الكلام صفة متكلم لم يزل موصوفا بذلك ومتكلما كلما شاء واذا شاء ولا نقول ~~أنه ساكت في حال ومتكلم في حال من حين حدوث الكلام # والدليل على اثباته متكلما على ما وصفناه كتاب الله وسنة نبيه واجماع اهل ~~الحق الا طائفة الضلال ( المعتزلة ( وغيرهم من المتكلمين فانهم أبو أن يكون ~~الله متكلما وذكر بعض أدلة الكتاب والسنة ثم قال بعد ذلك PageV06P162 ### ||| فصل # ولا خلاف عن أبى عبد الله ان الله كان متكلما بالقرآن قبل أن يخلق الخلق ~~وقبل كل الكائنات موجودا وان الله فيما لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء ~~واذا شاء أنزل كلامه واذا شاء لم ينزله # وأبى ذلك ( المعتزلة ( فقالوا حادث بعد وجود المخلوقات # قلت فقد حكى القولين بن حامد أيضا مع أنه يذكر الاتفاق عنه على أنه لم ~~يزل متكلما كيف شاء وكما شاء لكنه نفى على القولين ان يقال هو هو ساكت في ~~حال ومتكلم في حال فأثبت ان يقال هو متكلم كلما شاء واذا شاء ولا يقال أنه ~~ساكت في حال # وهكذا تقول الكرامية إنه لا يوصف بالسكوت والنزول فيما لم ms1586 يزل لكن بين ~~كلامه وكلامهم فرق كما سأحكيه # قال أبو عبد الله بن حامد في ( صفات الفعل PageV06P163 ### ||| فصل # ومما يجب على أهل الإيمان التصديق به أن الحق سبحانه ينزل إلى سماء ~~الدنيا في كل ليلة وينزل يوم عرفة من غير تكييف ولا مثل ولا تحديد ولا شبه # وقال هذا نص امامنا قال يوسف بن موسى قلت ( لأبى عبد الله ( ينزل الله ~~إلى سماء الدنيا كيف شاء من غير وصف قال نعم وقال في مسألة ( الاستواء على ~~العرش ( فيما رواه عنه حنبل ربنا على العرش بلا حد ولا صفة # وقال في رواية المروذى قيل له عن بن المبارك يعرف الله على العرش بحد قال ~~بلغنى ذلك وأعجبه ثم قال أبو عبد الله ( هل ينظرون الا ان يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام ( وقال ( وجاء ربك والملك صفا صفا ( # قال بن حامد فالمذهب على ما ذكرنا لا يختلف ان ذاته تنزل ورأيت بعض ~~أصحابنا يروى عن أبى عبد الله في الاتيان انه قال يأتى بذاته قال وهذا على ~~حد التوهم من قائله وخطأ من اضافته إليه كما قررنا عنه من النص # قال بن حامد فاذا تقرر هذا الاصل في نزول ذاته من غير صفة ولا حد ~~PageV06P164 فانا نقول انه بانتقال من مكانه الذى هو فيه الا ان طائفة من ~~أصحابنا قالت ينزل من غير انتقال من مكانه كيف شاء قال والصحيح ما ذكرنا لا ~~غيره # قال وقد أبا أصل ( هذه المسألة ( أهل الاعتزال فقالوا لا نزول له ولا ~~حركة ولا له من مكانه زوال وهو بكل مكان على ما كان قال وهذا منهم جهل قبيح ~~لنص الاخبار وساق بعض الأحاديث المأثورة في ذلك قال PageV06P165 ### ||| فصل # ومما يجب التصديق به والرضا مجيئه إلى الحشر يوم القيامة بمثابة نزوله ~~إلى سمائه وذلك بقوله ( وجاء ربك والملك صفا صفا ( وقال تعالى ( واشرقت ~~الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء ( قال وهذا دليل على ~~أنه اذا جاءهم وجلس على كرسيه اشرقت الأرض كلها بأنواره # وعبدالعزيز ms1587 بن يحيى الكنانى صاحب ( الحيدة ( و ( الرد على الجهمية ~~والقدرية ( كلامه في الحيدة والرد على الجهمية يحتمل ذلك فان مضمون الحيدة ~~انه ابطل احتجاج بشر المريسى بقوله ( الله خالق كل شيء ( وقوله ( انا ~~جعلناه قرآنا عربيا ( ثم أنه احتج على المريسى بثلاث حجج # ( الأولى ( أنه قال اذا كان مخلوقا فاما ان تقول خلقه في نفسه أو خلقه في ~~غيره أو خلقه قائما بنفسه وذاته # قال فان قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال ولا تجد السبيل إلى القول به من ~~قياس ولا نظر ولا معقول لأن الله لا يكون مكانا للحوادث PageV06P166 ولا ~~يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء اذا خلقه تعالى الله عن ~~ذلك وجل وتعظم # وان قال خلقه في غيره فيلزمه في النظر والقياس ان كل كلام خلقه الله في ~~غيره فهو كلام الله لا يقدر أن يفرق بينهما أفيجعل الشعر كلاما لله ويجعل ~~قول القذر كلاما لله ويجعل كلام الفحش والكفر كلاما لله وكل قول ذمه الله ~~وذم قائله كلاما لله وهذا محال لا يجد السبيل إليه ولا إلى القول به لظهور ~~الشناعة والفضيحة والكفر على قائله # وان قال خلقه قائما بذاته ونفسه فهذا هو المحال الباطل الذى لا يجد إلى ~~القول به سبيلا في قياس ولا نظر ولا معقول لأنه لا يكون الكلام الا من ~~متكلم كما لا تكون الارادة الا من مريد ولا العلم الا من عالم ولا القدرة ~~الا من قدير ولا رؤى ولا يرى قط كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته # فلما استحال من هذه الجهات الثلاث ان يكون مخلوقا ثبت أنه صفة لله وصفات ~~الله كلها غير مخلوقة # ( والحجة الثانية ( اتفق هو وبشر على أنه كان الله ولا شيء وكان ولما ~~يفعل ولم يخلق شيئا # قال له فبأى شيء أحدث الاشياء قال أحدثها بقدرته التى لم تزل PageV06P167 # قال ( عبد العزيز ( فقلت صدقت أحدثها بقدرته التى لم تزل أفليس تقول انه ~~لم يزل قادرا قال بلى فقلت له أفتقول إنه ms1588 لم يزل يفعل قال لا اقول هذا قلت ~~له فلا بد ان يلزمك ان تقول انه خلق بالفعل الذى كان عن القدرة وليس الفعل ~~هو القدرة لأن القدرة صفة لله ولا يقال صفة الله هي الله ولا هي غير الله # قال بشر ويلزمك أنت أيضا ان تقول ان الله لم يزل يفعل ويخلق فاذا قلت ذلك ~~ثبت ان المخلوق لم يزل مع الله # فقلت له ليس لك أن تحكم على وتلزمنى ما لا يلزمنى وتحكى عنى ما لم أقل ~~أنه لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل فتلزمنى ما قلت وانما قلت أنه ~~لم يزل الفاعل سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة لله يقدر عليه ولا ~~يمنعه منه مانع # قال بشر وانا أقول انه احدث الأشياء بقدرته فقل أنت ما شئت # قال عبد العزيز فقلت يا أمير المؤمنين قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء ~~وانه أحدث الاشياء بعد أن لم تكن شيئا بقدرته وقلت اما أنه احدثها بأمره ~~وقوله عن قدرته فلا يخلو يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله بقول ~~قاله أو بارادة أرادها أو بقدرة قدرها واى ذلك كان فقد ثبت أن هنا ارادة ~~ومريد ومراد وقول وقائل ومقول له وقدرة وقادر ومقدور PageV06P168 عليه وذلك ~~كله متقدم قبل الخلق وما كان قبل الخلق متقدم فليس هو من الخلق قلت قوله ~~قبل الخلق هو المريد القائل القادر وارادته وقوله وقدرته واما المراد ~~المقدور عليه المقول له فاما ان يريد ثبوته في العلم بقوله له كن أو لم ~~يدخل في اللفظ وهذا الكلام يقتضى ان وقد قال لم يزل سيفعل وقد فسره ايضا ~~بفعله كما تقدم # ذكر # أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور في ترجمة الامام محمد بن إسحاق بن ~~خزيمة قضية طويلة في الخلاف الذى وقع بينه وبين بعض اصحابه مثل ابى على ~~الثقفى وابى بكر أحمد بن إسحاق الضبعى وابى بكر بن ابى عثمان الزاهد وابى ~~محمد بن منصور القاضي ms1589 فذكر أن طائفة رفعوا إلى الامام انه قد نبغ طائفة من ~~اصحابه يخالفونه وهو لا يدرى وأنهم على مذهب الكلابية وابو بكر الامام شديد ~~على الكلابية # قال الحاكم فحدثنى أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال اجتمعنا ليلة عند ~~بعض اهل العلم وجرى ذكر كلام الله اقديم لم يزل أو يثبت عند اخباره تعالى ~~أنه تكلم به فوقع بيننا في ذلك خوض قال جماعة منا ان كلام البارى قديم لم ~~يزل وقال جماعة ان كلامه قديم غير أنه لا يثبت الا باخباره بكلامه ~~PageV06P169 # فبكرت انا إلى أبى على الثقفى واخبرته بما جرى فقال من أنكر أنه لم يزل ~~فقد اعتقد ان كلام الله محدث وانتشرت ( هذه المسألة ( في البلد وذهب منصور ~~الطوسى في جماعة معه إلى ابى بكر محمد بن إسحاق واخبروه بذلك حتى قال منصور ~~الم اقل للشيخ ان هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية وهذا مذهبهم فجمع أبو بكر ~~اصحابه وقال ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام ولم يزدهم على هذا ذلك ~~اليوم # ثم ذكر انه بعد ذلك خرج على اصحابه وانه صنف في الرد عليهم وانهم ناقضوه ~~ونسبوه إلى القول بقول جهم في ان القرآن محدث وجعلهم هو كلابية # قال الحاكم سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد المقرئ يقول سمعت أبا بكر ~~محمد بن إسحاق يقول الذى أقول به ان القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير ~~مخلوق ومن قال ان القرآن أو شيئا منه وعن وحيه وتنزيله مخلوق أو يقول ان ~~الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الازل أو يقول ان افعال الله مخلوقة ~~أو يقول ان القرآن محدث أو يقول ان شيئا من صفات الله صفات الذات أو اسما ~~من اسماء الله مخلوق فهو عندى جهمى يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه والقى ~~على بعض المزابل هذا مذهبى ومذهب من رأيت من أهل الاثر في الشرق والغرب من ~~اهل العلم ومن حكى عنى خلاف هذا فهو كاذب باهت ومن نظر في كتبى ms1590 المصنفة في ~~العلم ظهر له وبان ان الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكون عنى مما هو خلاف ~~اصلى وديانتى قد عرف أهل الشرق والغرب أنه لم يصنف احد PageV06P170 في ~~التوحيد وفى القدر وفى اصول العلم مثل تصنيفى فالحاكى خلاف ما في كتبى ~~المصنفة كذبة فسقة # وذكر عن بن خزيمة انه قال زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنيننا هذه ~~ان الله لا يكرر الكلام فلا هم يفهمون كتاب الله ان الله قد أخبر في نص ~~الكتاب في مواضع انه خلق آدم وانه امر الملائكة بالسجود له فكرر هذا الذكر ~~في غير موضع وكرر ذكر كلامه لموسى مرة بعد أخرى وكرر ذكر عيسى بن مريم في ~~مواضع وحمد نفسه في مواضع فقال ( الحمد لله الذى انزل على عبده الكتاب ( و ~~( الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض ( الآية و ( الحمد لله الذى له ما في ~~السماوات وما في الأرض ( وكرر زيادة على ثلاثين كرة ( فبأى آلاء ربكما ~~تكذبان ( ولم اتوهم ان مسلما يتوهم ان الله لا يتكلم بشيء مرتين وهذا مقالة ~~من زعم ان كلام الله مخلوق ويتوهم انه لا يجوز ان يقول خلق الله شيئا واحدا ~~مرتين # وقال الحاكم سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق يقول لما وقع من أمرنا ما وقع ~~ووجد بعض المخالفين يعنى المعتزلة الفرصة في تقرير مذهبهم بحضرتنا واغتنم ~~بعض الموافقين السعى في فساد الحال انتصب أبو عمرو الحيرى للتوسط فيما بين ~~الجماعة بلا ميل وذكر انهم اجتمعوا بداره # وقال أبو على الثقفى للامام ما الذى انكرت من مذاهبنا ايها الامام حتى ~~نرجع عنه قال ميلكم إلى مذهب الكلابية فقد كان أحمد بن حنبل من أشد ~~PageV06P171 الناس على عبد الله بن سعيد وعلى اصحابه مثل الحارث وغيره حتى ~~طال الخطاب بينه وبين ابى على في هذا الباب # فقلت قد جمعت انا أصول مذاهبنا في طبق فأخرجت إليه الطبق وقلت تأمل ما ~~جمعته بخطى وبينته من هذه المسائل فان كان فيها شيء تنكره فبين لنا وجهه ~~حتى ms1591 نرجع عنه فأخذ منى ذلك الطبق وما زال يتأمله وينظر فيه حتى وقف عليه ثم ~~رفع رأسه وقال لست ارى شيئا لا اقول به وكله مذهبى وعليه رأيت مشائخى # وسألته ان يثبت بخطه آخر تلك الأحرف انه مذهبه ثم قصده أبو فلان وفلان ~~وفلان وقالوا ان الاستاذ لم يتأمل ما كتبه بخطه وقد غدروا بك وغيروا صورة ~~الحال # قال الحاكم وهذه نسخة الخط يقول أبو بكر أحمد بن إسحاق ويحيى بن منصور ~~كلام الله صفة من صفات ذاته ليس شيء من كلام الله خلق ولا مخلوق ولا فعل ~~ولا مفعول ولا محدث ولا حدث ولا احداث فمن زعم ان شيئا منه مخلوق أو محدث ~~أو زعم ان الكلام من صفة الفعل فهو جهمى ضال مبتدع # وأقول لم يزل الله متكلما ولا يزال متكلما والكلام له صفة ذات لا مثل ~~لكلامه من كلام خلقه ولا نفاد لكلامه لم يزل ربنا بكلامه وعلمه وقدرته ~~وصفات ذاته واحدا لم يزل ولا يزال ك # لم ربنا انبيائه وكلم موسى والله الذى قال له ( اننى انا الله لا اله الا ~~أنا PageV06P172 فاعبدنى ( ويكلم أولياءه يوم القيامة ويحييهم بالسلام قولا ~~في دار عدنه وينادى عباده فيقول ( ماذا أجبتم المرسلين ( ويقول ( لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار ( # ويكلم أهل النار بالتوبيخ والعقاب ويقول لهم ( أخسئوا 2 فيها ولا تكلمون ~~( # ويخلو الجبار بكل أحد من خلقه فيكلمه ليس بينه وبين أحد منهم ترجمان كما ~~قال النبى ( ( ويكلم ربنا جهنم فيقول لها هل امتلأت وينطقها فتقول هل من ~~مزيد # فمن زعم ان الله لم يتكلم الا مرة ولم يتكلم الا ما تكلم به ثم انقضى ~~كلامه كفر بالله بل لم يزل الله متكلما ولا يزال متكلما لا مثل لكلامه لانه ~~صفة من صفات ذاته نفى الله المثل عن كلامه كما نفى المثل عن نفسه ونفى ~~النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه فقال ( كل شيء هالك الا وجهه ( ~~وقال ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر ms1592 قبل ان تنفد كلمات ربى ~~( # كلام الله غير بائن عن الله ليس هو دونه ولا غيره ولا هو بل هو صفة من ~~صفات ذاته كعلمه الذى هو صفة من صفات ذاته لم يزل ربنا عالما ولا يزال ~~عالما ولم يزل متكلما ولا يزال يتكلم فهو الموصوف بالصفات PageV06P173 ~~العلى لم يزل بجميع صفاته التى هي صفات ذاته واحدا ولا يزال ( وهو اللطيف ~~الخبير ( # كلم موسى فقال له ( انى انا ربك ( فمن زعم ان غير الله كلمه كفر بالله ~~فان الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من داع فأجيبه هل من تائب ~~فأتوب عليه فمن زعم ان علمه ينزل اوامره ضل بل ينزل إلى سماء الدنيا ~~المعبود سبحانه الذى يقال له يا رحمن يا رحيم # فيكلم عباده بلا كيف ( الرحمن على العرش استوى ( بلا كيف لا كما قالت ~~الجهمية انه على الملك احتوى ولا استولى بل استوى على عرشه بلا كيف وهو ~~الله الذى له الاسماء الحسنى فمن زعم ان اسما من اسمائه مخلوق أو محدث فهو ~~جهمى والله يخاطب عباده عودا وبدءا ويعيد عليهم قصصه وامره ونهيه قرنا ~~فقرنا من زعم ان الله لا يخاطب عباده ولا يعيد عليهم قصصه وامره ونهيه عودا ~~وبدءا فهو ضال مبتدع بل الله بجميع صفات ذاته واحد لم يزل ولا يزال وما ~~أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق وكل شيء ~~اضيف إلى الله بائن عنه دونه مخلوق # واقول افعال العباد كلها مخلوقة واقول الايمان قول وعمل يزيد وينقص وخير ~~الناس بعد الرسول ( ( أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على PageV06P174 # واقول ان اهل الكبائر في مشيئة الله اذا ماتوا ان شاء عذبهم ثم غفر لهم ~~وان شاء غفر لهم من غير تعذيب واخبار الآحاد مقبولة اذا نقلها العدول وهى ~~توجب العمل واخبار التواطىء توجب العلم والعمل # وصورة خط الامام بن خزيمة يقول محمد بن إسحاق اقر عندى أبو بكر أحمد بن ~~إسحاق وأبو محمد ms1593 يحيى بن منصور بما تضمن بطن هذا الكتاب وقد ارتضيت ذلك ~~اجمع وهو صواب عندى # قال الحاكم سمعت أبا الحسن على بن أحمد البوشنجى الزاهد يقول في ضمن قصة ~~لما انتهى الينا ما وقع بين مشايخ نيسابور من الخلاف خرجت من وطنى حتى قصدت ~~نيسابور فاجتمع على جماعة يسألون عن تلك المسائل فلم اتكلم فيها بقليل ولا ~~كثير # ثم كتبت القول ما قاله أبو على ودخلت الرى على عبد الرحمن بن ابى حاتم ~~فأخبرته بما جرى في نيسابور بين ابى بكر واصحابه فقال ما لأبى بكر والكلام ~~انما الاولى بنا وبه ان لا نتكلم فيما لم نعلمه فخرجت من عنده حتى دخلت على ~~ابى العباس الفلانى فشرح لى تلك المسائل شرحا واضحا وقال كان بعض القدرية ~~من المتكلمين دفع إلى محمد بن إسحاق فوقع لكلامه عنده قبول PageV06P175 # ثم ذكر انه عرض تلك المسائل على من وجده ببغداد من الفقهاء والمتكلمين ~~فتابعوا أبا العباس على مقالته واغتنموا لأبى بكر بن إسحاق فيما اظهره وانه ~~بعد ذلك قدم من نيسابور أبو عمرو النجار فكتب لأبى بكر محمد بن إسحاق إلى ~~جماعة من العلماء في تلك المسائل وانهم كانوا يرفعون من خالف أبا بكر بن ~~خزيمة إلى السلطان # قال الحاكم سمعت أبا على محمد بن إسحاق الابيوردى يقول حضرت قرية فلانة ~~في تسليم لصغير اتباعها عبد الله بن حمشاد من بنى فلان وحضرها جماعة من ~~اعيان البلد وكان قد حضرها إسحاق بن ابى الفرد والى نيسابور فاقرأنا كتاب ~~حمويه بن على إليه بأن يمتثل فيهم امر ابى بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة من ~~النفى والضرب والحبس # قال فقام عبد الله بن حمشاد من ذلك المجلس فقال طوباهم ان كان ما يقال ~~مكذوبا عليهم قال أبو على ثم قال لى عبد الله بن حمشاد من غد ذلك اليوم انى ~~رأيت البارحة في المنام كأن أحمد بن السرى الزاهد المروزى لكمنى برجله ثم ~~قال كأنك في شك من امور هؤلاء الكلابية قال ثم نظر ms1594 إلى محمد بن إسحاق فقال ~~( هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا انما هو اله واحد وليذكر أولو ~~الالباب PageV06P176 # وذكر الحاكم سمعت أبا محمد الانماطى العبد الصالح يقول لما استحكمت تلك ~~الوقعة وصار لا يجتمع عشرة في البلد الا وقع بينهم تشاجر فيه وصار اكثر ~~العوام يتضاربون فيه خرج أبو عمرو الحيرى إلى الرى والامير الشهيد بها حتى ~~ينجز كتبا إلى خليفته كتاب إلى ابى بكر بن إسحاق بأن ينفى من البلد الاربعة ~~الذين خالفوا أبا بكر ثم ذكر انهم عقدوا لهم مجلسا # وقال شيخ الاسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الانصارى في اعتقاد اهل ~~السنة وما وقع عليه اجماع اهل الحق من الأمة ### ||| ( 2 باب القول في القرآن 2 ( # أعلم ان الله متكلم قائل مادح نفسه بالتكلم اذ عاب الاصنام والعجل ~~انها لا تتكلم وهو متكلم كلما شاء تكلم بكلام لا مانع له ولا مكره والقرآن ~~كلامه هو تكلم به وقد تأول بن عقيل كلام شيخ الاسلام بنحو ما تأول به ~~القاضي كلام أحمد # وقال شيخ الاسلام أيضا في كتاب ( مناقب الامام أحمد بن حنبل ( في باب ~~الاشارة عن طريقته في الاصول لما ذكر كلامه في مسائل القرآن وترتيب البدع ~~التى ظهرت فيه وانهم قالوا اولا هو مخلوق وجرت المحنة العظيمة ثم ظهرت ~~مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسى وغيره # إلى ان قال ثم جاءت طائفة فقالت لا يتكلم بعد ما تكلم فيكون PageV06P177 ~~كلامه حادثا قال وهذه سخارة اخرى تقذى في الدين غير عين واحدة # فانتبه لها أبو بكر بن إسحاق اللنجرودى بن خزيمة وكانت حينئذ نيسابور دار ~~الآثار تمد اليها الرقاب وتشد اليها الركاب ويجلب منها العلم # وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفى والضبعى مع ما جمعا من الحديث والفقه ~~والصدق والورع واللسان والتثبت والقدر والمحفل لا يسرون بالكلام واشتمام ~~لأهله فابن خزيمة في بيت ومحمد بن إسحاق السراج في بيت وابو حامد بن الشرقى ~~في بيت # قال شيخ الاسلام فطار لتلك الفتنة ذاك الامام أبو بكر فلم يزل ms1595 يصيح ~~بتشويهها ويصنف في ردها كأنه منذر جيش حتى دون في الدفاتر وتمكن في السرائر ~~ولقن في الكتاتيب ونقش في المحاريب ان الله متكلم ان شاء تكلم وان شاء سكت ~~فجزى الله ذاك الامام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خيرا # قلت في حديث سلمان عن النبى ( ( ( الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ~~ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ( رواه أبو داود # وفى حديث ابى ثعلبة عن النبى ( ( ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحدد ~~حدودا فلا تعتدوها وحرم محارم فلا تنتهكوها وسكت عن اشياء رحمة لكم من غير ~~نسيان فلا تسألوا عنها PageV06P178 # ويقول الفقهاء في دلالة المنطوق والمسكوت وهو ما نطق به الشارع وهو الله ~~ورسوله وما سكت عنه تارة تكون دلالة السكوت اولى بالحكم من المنطوق وهو ~~مفهوم الموافقة وتارة تخالفه وهو مفهوم المخالفة وتارة تشبهه وهو القياس ~~المحض # فثبت بالسنة والاجماع ان الله يوصف بالسكوت لكن السكوت يكون تارة عن ~~التكلم وتارة عن اظهار الكلام واعلامه كما قال في الصحيحين عن ابى هريرة يا ~~رسول الله أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول قال اقول ( اللهم ~~باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب ( إلى اخر الحديث # فقد # أخبره انه ساكت وسأله ماذا تقول فأخبره انه يقول في حال سكوته أي سكوته ~~عن الجهر والاعلان لكن هذان المعنيان المعروفان في السكوت لا تصح على قول ~~من يقول انه متكلم كما انه عالم لا يتكلم عند خطاب عباده بشيء وانما يخلق ~~لهم ادراكا ليسمعوا كلامه القديم سواء قيل هو معنى مجرد أو معنى وحروف كما ~~هو قول بن كلاب والاشعرى ومن قال بذلك من الفقهاء واهل الحديث والصوفية من ~~الحنبلية وغيرهم # فهؤلاء اما ان يمنعوا السكوت وهو المشهور من قولهم أو يطلقوا لفظه ~~ويفسروه بعدم خلق ادراك للخلق يسمعون به الكلام القديم والنصوص PageV06P179 ~~تبهرهم مثل قوله ( اذا تكلم الله بالوحى سمع اهل السماء كجر السلسلة على ~~الصفا ( وقول ms1596 النبى ( ( لما صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية ( أتدرون ماذا ~~قال ربكم الليلة ( وتكليمه لموسى ونداؤه له كما دل عليه الكتاب والسنة وعلى ~~قولهم يجوز ان يسمع كل أحد الكلام الذى سمعه موسى # ثم من تفلسف منهم كالغزالى في ( مشكاة الانوار ( وجده يجوز مثل ذلك لأهل ~~الصفاء والرياضة وهو ما يتنزل على قلوبهم من الالهامات كقول النبى ( ( أنه ~~قد كان في الامم قبلكم محدثون ( وقول ابى الدرداء وعبادة بن الصامت ( رؤيا ~~المؤمن كلام تكلم به الرب عنده في منامه ( # فيجعلون ( الايحاء ( والإلهام الذي يحصل في اليقظة والمنام مثل سماع موسى ~~كلام الله سواء لا فرق ( بينهما الا ان موسى قصد بذلك الخطاب وغيره سمع ما ~~خوطب به غيره # ثم عند ( التحقيق ( يرجعون إلى محض الفلسفة في انه لا فرق بين موسى وغيره ~~بحال كما ان هؤلاء المتأولة المتفلسفة يجعلون خلع ( النعلين ( اشارة إلى ~~ترك العالمين و ( الطور ( عبارة عن العقل الفعال ونحو ذلك من تاويلات ~~PageV06P180 الفلاسفة الصابئة ومن حذا حذوهم من القرامطة والباطنية واصحاب ~~( رسائل اخوان الصفا ( ونحوهم # وقد حكى القولين عن اهل السنة في الارادة والسمع والبصر أبو عبد الله ~~الحارث بن اسد المحاسبى في كتاب ( فهم القرآن ( فتكلم على قوله ( حتى نعلم ~~المجاهدين ( ونحوه وبين ان علم الله قديم وانما يحدث المعلوم إلى ان قال ~~وذلك موجود فينا ونحن جهال وعلمنا محدث قد نعلم ان كل انسان ميت فكلما مات ~~انسان قلنا قد علمنا انه قد مات من غير ان نكون من قبل موته جاهلين انه ~~سيموت الا انا قد يحدث لنا اللحظ من الرؤية وحركة القلب اذا نظرنا إليه ~~ميتا لأنه ميت والله لا تحدث فيه الحوادث # إلى ان قال وكذلك قوله ( لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله ( وقوله ( ~~واذا اردنا ان نهلك قرية ( وقوله ( انما أمره اذا أراد شيئا ان يقول له كن ~~فيكون ( # وليس ذلك منه ببدىء الحوادث إرادة حدثت له ولا ان يستأنف مشيئة لم تكن له ~~وذلك فعل الجاهل بالعواقب الذى يريد الشيء وهو ms1597 لا يعلم العواقب فلم يزل ~~يريد ما يعلم أنه يكون لم يستحدث ارادة لم تكن لأن الارادات انما تحدث على ~~قدر ما يعلم المريد واما من لم يزل يعلم ما يكون وما لا يكون من خير وشر ~~فقد أراد ما علم على ما علم لا يحدث له بدو اذ كان لا يحدث فيه علم به ~~PageV06P181 # قال أبو عبد الله الحارث وقد تأول بعض من يدعى السنة وبعض اهل البدع ذلك ~~على الحوادث # فأما من ادعى السنة فاراد اثبات ( القدر ( فقال ( ارادة الله ( أي حدث من ~~تقديره سابق الارادة واما بعض اهل البدع فزعموا ان الارادة انما هي خلق ~~حادث وليست مخلوقة ولكن بها الله كون المخلوقين قال فزعمت ان الخلق غير ~~المخلوقين وان الخلق هو الارادة وانها ليست بصفة لله من نفسه وجل ان يكون ~~شيء حدث بغير ارادة منه وجل عن البدوات وتقلب الارادات ثم تكلم على ان ~~الحادث هو وقت المراد لا نفس الارادة كقولهم متى تريد ان أجيء إلى ان قال ~~وكذلك قوله ( انا معكم مستمعون ( ليس معناه ان يحدث لنا سمعا ولا تكلف بسمع ~~ما كان من قولهم قال وقد ذهب قوم من اهل السنة ان لله استماعا حادثا في ~~ذاته فذهب إلى ما يعقل من الخلق أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول عمن ~~سمعه للقول لأن المخلوق اذا سمع الشيء حدث له عقد فهم عما ادركته اذنه من ~~الصوت # قال وكذلك قوله ( اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ( لا يستحدث بصرا ولا ~~لحظا محدثا في ذاته وانما يحدث الشيء فيراه مكونا كما لم يزل يعلمه قبل ~~كونه لا يغادر شيئا ولا يخفى عليه منه خافية # وكذلك قال بعضهم ان رؤية تحدث وقال قوم انما معنى ( سيرى PageV06P182 و ( ~~انا مستمعون ( انما المسموع والمبصر لم يخف على عينى ولا على سمعى ان أدركه ~~سمعا وبصرا لا بالحوادث في الله # قال أبو عبد الله ومن ذهب إلى انه يحدث لله استماع مع حدوث المسموع ~~وإبصار مع ms1598 حدوث المبصر فقد زاد على الله ما لم يقل وانما على العباد ~~التسليم لما قال الله ( انه سميع بصير ( ولا نزيد ما لم يقل وانما معنى ذلك ~~كما قال تعالى ( حتى نعلم ( حتى يكون المعلوم وكذلك حتى يكون المبصر ~~والمسموع فلا يخفى على ان يعلمه موجودا ويسمعه موجودا كما علمه بغير حادث ~~علم في الله ولا بصر ولا سمع ولا معنى حدث في ذات الله تعالى عن الحوادث في ~~نفسه # وقال محمد بن الهيصم الكرامى في كتاب ( جمل الكلام في أصول الدين ( لما ~~ذكر جمل الكلام في ( القرآن ( وانها مبنية على خمسة فصول # ( أحدها ( ان القرآن كلام الله فقد حكى عن ( جهم ( ان القرآن ليس كلام ~~الله على الحقيقة وانما هو كلام خلقه الله فينسب إليه كما قيل سماء الله ~~وأرضه وكما قيل بيت الله وشهر الله واما ( المعتزلة ( فانهم اطلقوا القول ~~بأنه كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا جهما في المعنى حيث قالوا كلام خلقه ~~بائنا منه قال وقال عامة المسلمين ان القرآن كلام الله على الحقيقة وانه ~~تكلم به PageV06P183 ( والفصل الثانى ( ان القرآن غير قديم فان الكلابية ~~واصحاب الاشعرى زعموا ان الله كان لم يزل يتكلم بالقرآن وقال اهل الجماعة ~~بل أنه انما تكلم بالقرآن حيث خاطب به جبرائيل وكذلك سائر الكتب ( والفصل ~~الثالث ( ان القرآن غير مخلوق فان الجهمية والنجارية والمعتزلة زعموا انه ~~مخلوق وقال اهل الجماعة انه غير مخلوق # ( والفصل الرابع ( انه غير بائن من الله فان الجهمية واشياعهم من ~~المعتزلة قالوا ان القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه وزعموا ان الله ~~خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبرائيل ولا ~~يصح عندهم ان يوجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة # وقال اهل الجماعة بل القرآن غير بائن من الله وانما هو موجود منه وقائم ~~به وذكر في مسألة الارادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ما ذكره هنا ~~من الصفات الفعلية القائمة بالله التى ليست قديمة ولا مخلوقة PageV06P184 ### || 1 ms1599 ( قاعدة في الاسم والمسمى ) 1 # وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات ~~اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له واشهد ان لا اله الا ~~الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما ! 8 < ### ||| فصل في الاسم والمسمى # هل هو هو أو غيره أو لا يقال هو هو ولا يقال هو غيره أو هو له أو يفصل في ~~ذلك # فان الناس قد تنازعوا في ذلك والنزاع اشتهر في ذلك بعد الائمة بعد أحمد ~~وغيره والذى كان معروفا عند ( أئمة السنة ( أحمد وغيره الانكار على ( ~~الجهمية ( الذين يقولون اسماء الله مخلوقة PageV06P185 # فيقولون الاسم غير المسمى واسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق ~~وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول لأن أسماء الله من كلامه ~~وكلام الله غير مخلوق بل هو المتكلم به وهو المسمى لنفسه بما فيه من ~~الأسماء # و ( الجهمية ( يقولون كلامه مخلوق واسماؤه مخلوقة وهو نفسه لم يتكلم ~~بكلام يقوم بذاته ولا سمى نفسه باسم هو المتكلم به بل قد يقولون انه تكلم ~~به وسمى نفسه بهذه الاسماء بمعنى انه خلقها في غيره لا بمعنى انه نفسه تكلم ~~بها الكلام القائم به فالقول في اسمائه هو نوع من القول في كلامه # والذين وافقوا ( السلف ( على ان كلامه غير مخلوق واسماءه غير مخلوقة ~~يقولون الكلام والاسماء من صفات ذاته لكن هل يتكلم بمشيئته وقدرته ويسمى ~~نفسه بمشيئته وقدرته هذا فيه قولان # النفى هو قول ( بن كلاب ( ومن وافقه # والاثبات قول ( ائمة أهل الحديث والسنة ( وكثير من طوائف اهل الكلام ~~كالهشامية والكرامية وغيرهم كما قد بسط هذا في مواضع # ( والمقصود هنا ( ان المعروف عن ( أئمة السنة ( انكارهم على من قال أسماء ~~الله مخلوقة وكان الذين يطلقون القول بأن الاسم غير المسمى هذا م ~~PageV06P186 رادهم فلهذا يروى عن الشافعى والاصمعى وغيرهما ms1600 انه قال اذا ~~سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة ولم يعرف ايضا عن ~~أحد من السلف أنه قال الاسم هو المسمى بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى ~~السنة بعد الأئمة وانكره أكثر اهل السنة عليهم # ثم منهم من أمسك عن القول في هذه المسألة نفيا واثباتا اذ كان كل من ~~الاطلاقين بدعة كما ذكره الخلال عن إبراهيم الحربى وغيره وكما ذكره أبو ~~جعفر الطبرى في الجزء الذى سماه ( صريح السنة ( ذكر مذهب أهل السنة المشهور ~~في القرآن والرؤية والايمان والقدر والصحابة وغير ذلك # وذكر أن ( مسألة اللفظ ( ليس لأحد من المتقدمين فيها كلام كما قال لم نجد ~~فيها كلاما عن صحابى مضى ولا عن تابعى قفا الا عمن في كلامه الشفاء والغناء ~~ومن يقوم لدينا مقام الائمة الأولى ( أبو عبد الله أحمد بن حنبل ( فانه كان ~~يقول اللفظية جهمية ويقول من قال لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمى ومن قال غير ~~مخلوق فهو مبتدع # وذكر ان القول في الاسم والمسمى من الحماقات المبتدعة التى لا يعرف فيها ~~قول لأحد من الائمة وان حسب الانسان ان ينتهى إلى قوله تعالى ( ولله ~~الاسماء الحسنى ( وهذا هو القول بأن الاسم للمسمى وهذا الاطلاق اختيار اكثر ~~المنتسبين إلى السنة من أصحاب الامام أحمد وغيره # والذين قالوا الاسم هو المسمى كثير من المنتسبين إلى السنة مثل ابى بكر ~~PageV06P187 عبد العزيز وابى القاسم الطبرى واللالكائى وابى محمد البغوى ~~صاحب ( شرح السنة ( وغيرهم وهو أحد قولى اصحاب ابى الحسن الاشعرى اختاره ~~أبو بكر بن فورك وغيره # و ( القول الثانى ( وهو المشهور عن ابى الحسن ان الاسماء ثلاثة اقسام ~~تارة يكون الاسم هو المسمى كاسم الموجود و ( تارة ( يكون غير المسمى كاسم ~~الخالق و ( تارة ( لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير # وهؤلاء الذين قالوا ان الاسم هو المسمى لم يريدوا بذلك أن اللفظ المؤلف ~~من الحروف هو نفس الشخص المسمى به فان هذا لا يقوله عاقل ولهذا يقال لو كان ~~الاسم هو المسمى ms1601 لكان من قال ( نار ( احترق لسانه # ومن الناس من يظن ان هذا مرادهم ويشنع عليهم وهذا غلط عليهم بل هؤلاء ~~يقولون اللفظ هو التسمية والاسم ليس هو اللفظ بل هو المراد باللفظ فانك اذا ~~قلت يا زيد يا عمر فليس مرادك دعاء اللفظ بل مرادك دعاء المسمى باللفظ ~~وذكرت الاسم فصار المراد بالاسم هو المسمى # وهذا لا ريب فيه اذا أخبر عن الاشياء فذكرت اسماؤها فقيل ( محمد رسول ~~الله ( وخاتم النبيين ( وكلم الله موسى تكليما ( فليس المراد أن هذا اللفظ ~~هو الرسول وهو الذى كلمه الله # وكذلك اذا قيل جاء زيد واشهد على عمرو وفلان عدل ونحو ذلك فانما تذكر ~~الاسماء والمراد بها المسميات وهذا هو مقصود الكلام PageV06P188 # فلما كانت اسماء الاشياء اذا ذكرت في الكلام المؤلف فانما المقصود هو ~~المسميات قال هؤلاء ( الاسم هو المسمى ( وجعلوا اللفظ الذى هو الاسم عند ~~الناس هو التسمية كما قال البغوى والاسم هو المسمى وعينه وذاته قال الله ~~تعالى ( انا نبشرك بغلام إسمه يحيى ( اخبر أن اسمه يحيى ثم نادى الاسم فقال ~~( يا يحيى ( وقال ( ما تعبدون من دونه الا أسماء سميتموها ( واراد الأشخاص ~~المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال ( سبح اسم ربك الاعلى ( و ( ~~تبارك اسم ربك ( # قال ثم يقال ( للتسمية ( أيضا اسم واستعماله في التسمية اكثر من المسمى ~~وقال أبو بكر بن فورك اختلف الناس في حقيقة ( الاسم ( ولأهل اللغة في ذلك ~~كلام ولأهل الحقائق فيه بيان وبين المتكلمين فيه خلاف # فأما ( أهل اللغة ( فيقولون الاسم حروف منظومة دالة على معنى مفرد ومنهم ~~من يقول انه قول يدل على مذكور يضاف إليه يعنى الحديث والخبر # قال واما أهل الحقائق فقد اختلفوا ايضا في معنى ذلك فمنهم من قال اسم ~~الشيء هو ذاته وعينه والتسمية عبارة عنه ودلالة عليه فيسمى اسما توسعا # وقالت الجهمية والمعتزلة ( الاسماء والصفات ( هي الاقوال الدالة على ~~المسميات وهو قريب مما قاله بعض أهل اللغة # والثالث لا هو هو ولا هو غيره كالعلم والعالم ومنهم من قال اسم ms1602 الشيء هو ~~صفته ووصفه PageV06P189 قال والذي هو الحق عندنا قول من قال اسم الشيء هو ~~عينه وذاته واسم الله هو الله وتقدير قول القائل بسم الله افعل أى بالله ~~أفعل وان اسمه هو هو قال والى هذا القول ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام ~~واستدل بقول لبيد # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما %~% ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # والمعنى ثم السلام عليكما فان اسم السلام هو السلام قال واحتج ~~اصحابنا في ذلك بقوله تبارك وتعالى تبارك اسم ربك ذو الجلال والاكرام وهذا ~~هو صفة للمسمى لا صفة لما هو قول وكلام وبقوله سبح اسم ربك فان المسبح هو ~~المسمى وهو الله وبقوله سبحانه انا نبشرك بغلام اسمه يحيى ثم قال يا يحيى ~~خذ الكتاب بقوة فنادى الاسم وهو المسمى وبأن الفقهاء اجمعوا على ان الحالف ~~باسم الله كالحالف بالله في بيان انه تنعقد اليمين بكل واحد منهما فلو كان ~~اسم الله غير الله لكان الحالف بغير الله لا تنعقد يمينه فلما انعقد ولزم ~~بالحنث فيها كفارة دل على ان اسمه هو ويدل عليه ان القائل اذا قال ما اسم ~~معبودكم قلنا الله فاذا قال PageV06P190 # وما معبودكم قلنا الله فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود فدل على ان ~~اسم المعبود هو المعبود لا غير وبقوله ( ما تعبدون من دونه الا اسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ( وانما عبدوا المسميات لا الاقوال التى هي اعراض لا ~~تعبد # قال فان قيل أليس يقال الله اله واحد وله اسماء كثيرة فكيف يكون الواحد ~~كثيرا قيل اذا أطلق ( أسماء ( فالمراد به مسميات المسمين والشيء قد يسمى ~~باسم دلالته كما يسمى المقدور قدرة # قال فعلى هذا يكون معنى قوله باسم الله أي بالله والباء معناها الاستعانة ~~واظهار الحاجة وتقديره بك استعين واليك احتاج وقيل تقدير الكلمة أبتدئ أو ~~ابدأ باسمك فيما أقول وأفعل # قلت لو اقتصروا على ان اسماء الشيء اذا ذكرت في الكلام فالمراد بها ~~المسميات كما ذكروه في قوله ( يا يحيى ( ونحو ذلك ms1603 لكان ذلك معنى واضحا لا ~~ينازعه فيه من فهمه لكن لم يقتصروا على ذلك ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس ~~من أهل السنة وغيرهم لما في قولهم من الامور الباطلة مثل دعواهم ان لفظ اسم ~~الذى هو ( ا س م ( معناه ذات الشيء ونفسه وان الاسماء التى هي الاسماء مثل ~~زيد وعمرو هي التسميات ليست هي اسماء المسميات وكلاهما باطل مخالف لما ~~يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه # فانهم يقولون ان زيدا وعمرا ونحو ذلك هي اسماء الناس والتسمية ~~PageV06P191 جعل الشيء اسما لغيره هي مصدر سميته تسمية اذا جعلت له اسما و ~~( الاسم ( هو القول الدال على المسمى ليس الاسم الذى هو لفظ اسم هو المسمى ~~بل قد يراد به المسمى لأنه حكم عليه ودليل عليه # وأيضا فهم تكلفوا هذا التكليف ليقولوا ان اسم الله غير مخلوق ومرادهم أن ~~الله غير مخلوق وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة فان اولئك ما ~~قالوا الاسماء مخلوقة الا لما قال هؤلاء هي التسميات فوافقوا الجهمية ~~والمعتزلة في المعنى ووافقوا اهل السنة في اللفظ ولكن ارادوا به ما لم ~~يسبقهم أحد إلى القول به من أن لفظ اسم وهو ( ألف سين ميم ( معناه اذا أطلق ~~هو الذات المسماة بل معنى هذا اللفظ هي الأقوال التى هي أسماء الأشياء مثل ~~زيد وعمرو وعالم وجاهل فلفظ الاسم لا يدل على أن هذه الأسماء هي مسماه # ثم قد عرف أنه اذا أطلق الاسم في الكلام المنظوم فالمراد به المسمى فلهذا ~~يقال ما اسم هذا فيقال زيد فيجاب باللفظ ولا يقال ما اسم هذا فيقال هو هو ~~وما ذكروه من الشواهد حجة عليهم # أما قوله ( انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ( ثم قال ( ~~يا يحيى ( فالاسم الذى هو يحيى هو هذا اللفظ المؤلف من ( يا وحا ويا ( هذا ~~هو اسمه ليس اسمه هو ذاته بل هذا مكابرة ثم لما ناداه فقال ( يا يحيى ( ~~فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمى لم ms1604 يقصد نداء اللفظ لكن ~~المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى الا بذكر اسمه وندائه فيعرف ~~PageV06P192 حينئذ أن قصده نداء الشخص المسمى وهذا من فائدة اللغات وقد ~~يدعى بالاشارة وليست الحركة هي ذاته ولكن هي دليل على ذاته # وأما # قوله ( تبارك اسم ربك ذى الجلال والاكرام ( ففيها قراءتان الأكثرون ~~يقرؤون ( ذى الجلال ( فالرب المسمى هو ذو الجلال والاكرام # وقرأ بن عامر ( ذو الجلال والاكرام ( وكذلك هي في المصحف الشامى وفى ~~مصاحف أهل الحجاز والعراق هي بالياء # وأما قوله ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ( فهي بالواو باتفاقهم قال ~~بن الانبارى وغيره ( تبارك ( تفاعل من البركة والمعنى ان البركة تكتسب ~~وتنال بذكر اسمه فلو كان لفظ الاسم معناه المسمى لكان يكفى قوله ( تبارك ~~ربك ( فان نفس الاسم عندهم هو نفس الرب فكان هذا تكريرا # وقد قال بعض الناس ان ذكر الاسم هنا صلة والمراد تبارك ربك ليس المراد ~~الاخبار عن اسمه بأنه تبارك وهذا غلط فانه على هذا يكون قول المصلى تبارك ~~اسمك أي تباركت أنت ونفس اسماء الرب لا بركة فيها ومعلوم ان نفس اسمائه ~~مباركة وبركتها من جهة دلالتها على المسمى # ولهذا فرقت الشريعة بين ما يذكر إسم الله عليه وما لا يذكر اسم الله عليه ~~في مثل قوله ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( وقوله ( وما لكم الا تأكلوا ~~مما ذكر اسم الله عليه ( وقوله ( واذكروا اسم الله عليه ( وقول النبى ~~PageV06P193 ( ( لعدى بن حاتم ( وان خالط كلبك كلاب أخرى فلا تأكل فانك ~~انما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ( # وأما قوله تعالى ( ما تعبدون من دونه الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ( ~~فليس المراد كما ذكروه أنكم تعبدون الاوثان المسماة فان هذا هم معترفون به # والرب تعالى نفى ما كانوا يعتقدونه وأثبت ضده ولكن المراد أنهم سموها ~~آلهة واعتقدوا ثبوت الالهية فيها وليس فيها شيء من الالهية فاذا عبدوها ~~معتقدين الهيتها مسمين لها آلهة لم يكونوا قد عبدوا الا أسماء ابتدعوها هم ~~ما أنزل الله بها من سلطان لأن ms1605 الله لم يأمر بعبادة هذه ولا جعلها آلهة كما ~~قال ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ~~( فتكون عبادتهم لما تصوروه في أنفسهم من معنى الالهية وعبروا عنه بألسنتهم ~~وذلك أمر موجود في أذهانهم والسنتهم لا حقيقة له في الخارج فما عبدوا الا ~~هذه الأسماء التى تصوروها في أذهانهم وعبروا عن معانيها بألسنتهم وهم لم ~~يقصدوا عبادة الصنم الا لكونه الها عندهم والهيته هي في أنفسهم لا في ~~الخارج فما عبدوا في الحقيقة الا ذلك الخيال الفاسد الذى عبر عنه # ولهذا قال في الآية الأخرى ( وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما ~~لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول ( يقول سموهم بالاسماء التى يستحقونها ~~PageV06P194 هل هي خالقة رازقة محيية مميتة أم هي مخلوقة لا تملك ضرا ولا ~~نفعا فاذا سموها فوصفوها بما تستحقه من الصفات تبين ضلالهم قال تعالى ( أم ~~تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ( وما لا يعلم أنه موجود فهو باطل لا حقيقة ~~له ولو كان موجودا لعلمه موجودا ( أم بظاهر من القول ( أم بقول ظاهر ~~باللسان لا حقيقة له في القلب بل هو كذب وبهتان # وأما قولهم ان الاسم يراد به ( التسمية ( وهو القول فهذا الذى جعلوه هم ~~تسمية هو الاسم عند الناس جميعهم والتسمية جعله اسما والاخبار بأنه اسم ~~ونحو ذلك وقد سلموا أن لفظ الاسم أكثر ما يراد به ذلك وادعوا ان لفظ الاسم ~~الذى هو ( ألف سين ميم ( هو في الأصل ذات الشيء ولكن التسمية سميت اسما ~~لدلالتها على ذات الشيء تسمية للدال باسم المدلول ومثلوه بلفظ القدرة وليس ~~الأمر كذلك بل التسمية مصدر سمى يسمى تسمية والتسمية نطق بالاسم وتكلم به ~~ليست هي الإسم نفسه وأسماء الاشياء هي الالفاظ الدالة عليها ليست هي أعيان ~~الأشياء # وتسمية المقدور قدرة هو من باب تسمية المفعول بإسم المصدر وهذا كثير شائع ~~في اللغة كقولهم للمخلوق خلق وقولهم درهم ضرب الامير أى مضروب الامير ~~ونظائره كثيرة # وبن عطية سلك ms1606 مسلك هؤلاء وقال الاسم الذى هو ( ألف وسين وميم ( يأتى في ~~مواضع من الكلام الفصيح يراد به المسمى ويأتى في مواضع PageV06P195 يراد به ~~التسمية نحو قوله ( ( أن لله تسعة وتسعين إسما ( وغير ذلك ومتى أريد به ~~المسمى فانما هو صلة كالزائد كأنه قال في هذه الآية سبح ربك الأعلى أى نزهه # قال واذا كان الاسم واحد الأسماء كزيد وعمرو فيجيء في الكلام على ما قلت ~~لك تقول زيد قائم تريد المسمى وتقول زيد ثلاثة أحرف تريد التسمية نفسها على ~~معنى نزه اسم ربك عن أن يسمى به صنم أو وثن فيقال له ( اله أو رب ( # قلت هذا الذى ذكروه لا يعرف له شاهد لا من كلام فصيح ولا غير ذلك ولا ~~يعرف أن لفظ اسم ( ألف سين ميم ( يراد به المسمى بل المراد به الاسم الذى ~~يقولون هو التسمية # وأما قوله تقول زيد قائم تريد المسمى فزيد ليس هو ( ألف سين ميم ( بل زيد ~~مسمى هذا اللفظ فزيد يراد به المسمى ويراد به اللفظ # وكذلك إسم ( ألف سين ميم ( يراد به هذا اللفظ ويراد به معناه وهو لفظ زيد ~~وعمرو وبكر فتلك هي الأسماء التى تراد بلفظ اسم لا يراد بلفظ اسم نفس ~~الأشخاص فهذا ما أعرف له شاهدا صحيحا فضلا عن أن يكون هو الأصل كما ادعاه ~~هؤلاء PageV06P196 قال تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه ( فأسماؤه الحسنى مثل ( الرحمن الرحيم ( و ( الغفور ~~الرحيم ( فهذه الاقوال هي أسماؤه الحسنى وهى اذا ذكرت في الدعاء والخبر ~~يراد بها المسمى اذا قال ( وتوكل على العزيز الرحيم ( فالمراد المسمى ليس ~~المراد أنه يتوكل على الأسماء التى هي أقوال كما في سائر الكلام كلام ~~الخالق وكلام المخلوقين # وما # ذكروه من أن القائل اذا قال ما اسم معبودكم قلنا الله فنجيب في الاسم بما ~~نجيب به في المعبود فدل على ان اسم المعبود هو المعبود حجة باطلة وهى عليهم ~~لا لهم # فان القائل اذا قال ما اسم معبودكم فقلنا الله ms1607 فالمراد ان اسمه هو هذا ~~القول ليس المراد ان اسمه هو ذاته وعينه الذى خلق السماوات والأرض فانه ~~انما سأل عن اسمه لم يسأل عن نفسه فكان الجواب بذكر اسمه # واذا قال ما معبودكم فقلنا الله فالمراد هناك المسمى ليس المراد ان ~~المعبود هو القول فلما اختلف السؤال في الموضعين اختلف المقصود بالجواب وان ~~كان في الموضعين قال الله لكنه في أحدهما أريد هذا القول الذى هو من الكلام ~~وفى الآخر أريد به المسمى بهذا القول كما اذا قيل ما اسم فلان فقيل زيد أو ~~عمر فالمراد هو القول واذا قال من أميركم أو من PageV06P197 أنكحت فقيل زيد ~~أو عمرو فالمراد به الشخص فكيف يجعل المقصود في الموضعين واحدا # ولهذا قال تعالى ( ولله الأسماء الحسنى ( كان المراد أنه نفسه له الأسماء ~~الحسنى ومنها اسمه الله كما قال ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى ( فالذى له الأسماء الحسنى هو المسمى بها ولهذا ~~كان في كلام الامام أحمد أن هذا الإسم من أسمائه الحسنى وتارة يقول الاسماء ~~الحسنى له أي المسمى ليس من الأسماء ولهذا في قوله ( ولله الأسماء الحسنى ( ~~لم يقصد أن هذا الاسم له الأسماء الحسنى بل قصد أن المسمى له الأسماء ~~الحسنى # وفى حديث أنس الصحيح أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( كان نقش خاتمه ~~( محمد رسول الله ( محمد سطر ورسول سطر والله سطر ويراد الخط المكتوب الذى ~~كتب به ذلك فالخط الذى كتب به محمد سطر والخط الذى كتب به رسول سطر والخط ~~الذى كتب به الله سطر # ولما قال النبى ( ( يقول الله تعالى انا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى ~~شفتاه ( فمعلوم ان المراد تحرك شفتاه بذكر اسم الله وهو القول ليس المراد ~~ان الشفتين تتحرك بنفسه تعالى # واما احتجاجهم بقوله ( سبح اسم ربك الاعلى ( وان المراد سبح ربك الأعلى ~~وكذلك قوله ( تبارك اسم ربك ذو الجلال والاكرام ( وما أشبه ذلك فهذا للناس ~~فيه قولان معروفان وكلاهما حجة عليهم PageV06P198 # منهم ms1608 من قال ( الاسم ( هنا صلة والمراد سبح ربك وتبارك ربك واذا قيل هو ~~صلة فهو زائد لا معنى له فيبطل قولهم أن مدلول لفظ اسم ( ألف سين ميم ( هو ~~المسمى فانه لو كان له مدلول مراد لم يكن صلة ومن قال أنه هو المسمى وأنه ~~صلة كما قاله بن عطية فقد تناقض فان الذى يقول هو صلة لا يجعل له معنى كما ~~يقوله من يقول ذلك في الحروف الزائدة التى تجيء للتوكيد كقوله ( فبما رحمة ~~من الله لنت لهم ( و ( عما قليل ليصبحن نادمين ( ونحو ذلك # ومن قال انه ليس بصلة بل المراد تسبيح الاسم نفسه فهذا مناقض لقولهم ~~مناقضة ظاهرة # و ( التحقيق ( أنه ليس بصلة بل أمر الله بتسبيح اسمه كما أمر بذكر اسمه ~~والمقصود بتسبيحه وذكره هو تسبيح المسمى وذكره فان المسبح والذاكر انما ~~يسبح اسمه ويذكر اسمه فيقول سبحان ربى الأعلى فهو نطق بلفظ ربى الأعلى ~~والمراد هو المسمى بهذا اللفظ فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمى ومن جعله ~~تسبيحا للاسم يقول المعنى أنك لا تسم به غير الله ولا تلحد في أسمائه فهذا ~~مما يستحقه اسم الله لكن هذا تابع للمراد بالآية ليس هو المقصود بها القصد ~~الأول # وقد ذكر ( الأقوال الثلاثة ( غير واحد من المفسرين كالبغوى قال قوله ( ~~سبح اسم ربك الأعلى ( أي قل سبحان ربى الأعلى والى هذا ذهب جماعة ~~PageV06P199 من الصحابة وذكر حديث بن عباس ان النبى ( ( قرأ ( سبح اسم ربك ~~الأعلى ( فقال ( سبحان ربى الأعلى ( # قلت في ذلك حديث عقبة بن عامر عن النبى ( ( أنه لما نزل ( فسبح باسم ربك ~~العظيم ( قال ( اجعلوها في ركوعكم ( ولما نزل ( سبح اسم ربك الأعلى ( قال ( ~~اجعلوها في سجودكم ( والمراد بذلك ان يقولوا في الركوع سبحان ربى العظيم ~~وفى السجود سبحان ربى الاعلى كما ثبت في الصحيح عن حذيفة عن النبى ( ( أنه ~~قام بالبقرة والنساء وآل عمران ثم ركع نحوا من قيامه يقول ( سبحان ربى ~~العظيم ( وسجد نحوا من ركوعه يقول ( سبحان ربى الأعلى ( وفى السنن عن ms1609 بن ~~مسعود عن النبى ( ( ( اذا قال العبد في ركوعه سبحان ربى العظيم ثلاثا فقد ~~تم ركوعه وذلك أدناه واذا قال في سجوده سبحان ربى الأعلى ثلاثا فقد تم ~~سجوده وذلك أدناه ( وقد أخذ بهذا جمهور العلماء # قال البغوى وقال قوم معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون وجعلوا ~~الاسم صلة قال ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدا لأن أحدا لا يقول ~~سبحان اسم الله وسبحان اسم ربنا انما يقولون سبحان الله وسبحان ربنا وكان ~~معنى ( سبح اسم ربك ( سبح ربك # قلت قد تقدم الكلام على هذا والذى يقول سبحان الله وسبحان ربنا ~~PageV06P200 إنما نطق بالاسم الذى هو الله والذى هو ربنا فتسبيحه انما وقع ~~على الاسم لكن مراده هو المسمى فهذا يبين انه ينطق باسم المسمى والمراد ~~المسمى وهذا لا ريب فيه لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذى هو ( ألف سين ~~ميم ( المراد به المسمى # لكن يدل على أن ( أسماء الله ( مثل الله وربنا وربى الاعلى ونحو ذلك يراد ~~بها المسمى مع أنها هي في نفسها ليست هي المسمى لكن يراد بها المسمى فأما ~~اسم هذه الأسماء ( ألف سين ميم ( فلا هو المسمى الذى هو الذات ولا يراد به ~~المسمى الذى هو الذات ولكن يراد به مسماه الذى هو الأسماء كأسماء الله ~~الحسنى في قوله ( ولله الأسماء الحسنى ( فلها هذه الاسماء الحسنى التى ~~جعلها هؤلاء هي التسميات وجعلوا التعبير عنها بالأسماء توسعا فخالفوا اجماع ~~الأمم كلهم من العرب وغيرهم وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول ( # والذين شاركوهم في هذا الأصل وقالوا ( الأسماء ثلاثة ( قد تكون هي المسمى ~~وقد تكون غيره وقد تكون لا هي هو ولا غيره وجعلوا الخالق والرازق ونحوهما ~~غير المسمى وجعلوا العليم والحكيم ونحوهما للمسمى غلطوا من وجه آخر فانه ~~اذا سلم لهم أن المراد بالاسم الذى هو ( ألف سين ميم ( هو مسمى الاسماء ~~فاسمه الخالق هو الرب الخالق نفسه ليس هو المخلوقات المنفصلة عنه واسمه ~~العليم هو الرب العليم الذى العلم صفة ms1610 له فليس العلم هو المسمى بل المسمى ~~هو العليم فكان الواجب أن يقال على أصلهم الاسم هنا هو المسمى وصفته ~~PageV06P201 # وفى الخالق الاسم هو المسمى وفعله ثم قولهم ان الخلق هو المخلوق وليس ~~الخلق فعلا قائما بذاته قول ضعيف مخالف لقول جمهور المسلمين كما قد بسط في ~~موضعه # فتبين أن هؤلاء الذين قالوا ( الاسم هو المسمى ( انما يسلم لهم أن أسماء ~~الأشياء اذا ذكرت في الكلام أريد به المسمى وهذا مما لا ينازع فيه أحد من ~~العقلاء لأن لفظ اسم ( ألف سين ميم ( يراد به الشخص وما ذكروه من قول لبيد # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما %~% # فمراده ثم النطق بهذا الاسم وذكره وهو التسليم المقصود كأنه قال ثم سلام ~~عليكم ليس مراده ان السلام يحصل عليهما بدون ان ينطق به ويذكر اسمه فان نفس ~~السلام قول فان لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل # وقد احتج بعضهم بقول سيبويه ان الفعل امثلة اخذت من لفظ احداث الاسماء ~~وبنى لما مضى ولما لم يكن بعد وهذا لا حجة فيه لأن سيبويه مقصوده بذكر ~~الاسم والفعل ونحو ذلك الالفاظ وهذا اصطلاح النحويين سموا الألفاظ بأسماء ~~معانيها فسموا قام ويقوم وقم فعلا والفعل هو نفس الحركة فسموا اللفظ الدال ~~عليها باسمها # وكذلك اذا قالوا اسم معرب ومبنى فمقصودهم اللفظ ليس مقصودهم المسمى واذا ~~قالوا هذا الاسم فاعل فمرادهم أنه فاعل في اللفظ أي أسند إليه الفعل ولم ~~يرد سيبويه بلفظ الاسماء المسميات كما زعموا ولو أراد ذلك فسدت صناعته ~~PageV06P202 ### ||| فصل # واما الذين قالوا ان الاسم غير المسمى فهم اذا أرادوا ان الاسماء التى هي ~~أقوال ليست نفسها هي المسميات فهذا أيضا لا ينازع فيه أحد من العقلاء # وأرباب القول الأول لا ينازعون في هذا بل عبروا عن الاسماء هنا بالتسميات ~~وهم أيضا لا يمكنهم النزاع في أن الأسماء المذكورة في الكلام مثل قوله يا ~~آدم يا نوح يا إبراهيم انما أريد بها نداء المسمين بهذه الاسماء # واذا قيل خلق الله السماوات والأرض ms1611 فالمراد خلق المسمى بهذه الالفاظ لم ~~يقصد انه خلق لفظ السماء ولفظ الأرض والناس لا يفهمون من ذلك الا المعنى ~~المراد به ولا يخطر بقلب أحد ارادة الالفاظ لما قد استقر في نفوسهم من أن ~~هذه الالفاظ والاسماء يراد بها المعانى والمسميات فاذا تكلم بها فهذا هو ~~المراد لكن لا يعلم أنه المراد ان لم ينطق بالالفاظ والاسماء المبينة ~~للمراد الدالة عليه وهذا من البيان الذى أنعم الله به على بنى آدم في قوله ~~( خلق الانسان علمه البيان ( وقد علم آدم الأسماء كلها سبحانه وتعالى ~~PageV06P203 # ولكن هؤلاء الذين اطلقوا من الجهمية والمعتزلة ان الاسم غير المسمى ~~مقصودهم ان اسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق # ولهذا قالت الطائفة الثالثة لا نقول هي المسمى ولا غير المسمى # فيقال لهم قولكم ان اسماءه غيره مثل قولكم ان كلامه غيره وان ارادته غيره ~~ونحو ذلك وهذا قول الجهمية نفاة الصفات وقد عرفت شبههم وفسادها في غير هذا ~~الموضع وهم متناقضون من وجوه كما قد بسط في مواضع # فانهم يقولون لا نثبت قديما غير الله أو قديما ليس هو الله حتى كفروا أهل ~~الاثبات وان كانوا متأولين كما قال أبو الهذيل ان كل متأول كان تأويله ~~تشبيها له بخلقه وتجويزا له في فعله وتكذيبا لخبره فهو كافر وكل من أثبت ~~شيئا قديما لا يقال له الله فهو كافر ومقصوده تكفير مثبتة الصفات والقدر ~~ومن يقول ان اهل القبلة يخرجون من النار ولا يخلدون فيها # فمما يقال لهؤلاء أن هذا القول ينعكس عليكم فأنتم أولى بالتشبيه والتجويز ~~والتكذيب واثبات قديم لا يقال له الله فانكم تشبهونه بالجمادات بل ~~بالمعدومات بل بالممتنعات وتقولون أنه يحبط الحسنات العظيمة بالذنب الواحد ~~ويخلد عليه في النار وتكذبون بما أخبر به من مغفرته ورحمته PageV06P204 ~~واخراجه أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وانه من يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره # وأنتم تثبتون قديما لا يقال له الله فانكم تثبتون ذاتا مجردة عن الصفات ~~ومعلوم أنه ms1612 ما ليس بحى ولا عليم ولا قدير فليس هو الله فمن أثبت ذاتا مجردة ~~فقد أثبت قديما ليس هو الله وان قال انا اقول انه لم يزل حيا عليما قديرا ~~فهو قول مثبتة الصفات فنفس كونه حيا ليس هو كونه عالما ونفس كونه عالما ليس ~~هو كونه قادرا ونفس ذلك ليس هو كونه ذاتا متصفة بهذه الصفات فهذه معان ~~متميزة في العقل ليس هذا هو هذا # فان قلتم هي قديمة فقد اثبتم معانى قديمة وان قلتم هي شيء واحد جعلتم كل ~~صفة هي الأخرى والصفة هي الموصوف فجعلتم كونه حيا هو كونه عالما وجعلتم ذلك ~~هو نفس الذات ومعلوم أن هذا مكابرة وهذه المعانى هي معانى أسمائه الحسنى ~~وهو سبحانه لم يزل متكلما اذا شاء # فهو المسمى نفسه بأسمائه الحسنى كما رواه البخارى في صحيحه عن بن عباس ~~انه لما سئل عن قوله ( وكان الله عزيزا حكيما ( غفورا رحيما ( فقال هو سمى ~~نفسه بذلك وهو لم يزل كذلك فأثبت قدم معانى أسمائه الحسنى وأنه هو الذى سمى ~~نفسه بها # فاذا قلتم ان اسماءه أو كلامه غيره فلفظ ( الغير ( مجمل ان اردتم ان ذلك ~~شيء بائن عنه فهذا باطل وان اردتم أنه يمكن الشعور بأحدهما دون الآخر فقد ~~PageV06P205 يذكر الانسان الله ويخطر بقلبه ولا يشعر حينئذ بكل معانى ~~اسمائه بل ولا يخطر له حينئذ أنه عزيز وانه حكيم فقد أمكن العلم بهذا دون ~~هذا واذا أريد بالغير هذا فانما يفيد المباينة في ذهن الانسان لكونه قد ~~يعلم هذا دون هذا وذلك لا ينفى التلازم في نفس الامر فهي معان متلازمة لا ~~يمكن وجود الذات دون هذه المعانى ولا وجود هذه المعانى دون وجود الذات # واسم ( الله ( اذا قيل الحمد لله أو قيل بسم الله يتناول ذاته وصفاته لا ~~يتناول ذاتا مجردة عن الصفات ولا صفات مجردة عن الذات وقد نص أئمة السنة ~~كأحمد وغيره على ان صفاته داخلة في مسمى أسمائه فلا يقال ان علم الله ~~وقدرته زائدة عليه لكن من ms1613 اهل الاثبات من قال أنها زائدة على الذات وهذا ~~اذا اريد به انها زائدة على ما أثبته أهل النفى من الذات المجردة فهو صحيح ~~فان اولئك قصروا في الاثبات فزاد هذا عليهم وقال الرب له صفات زائدة على ما ~~علمتموه # وان أراد انها زائدة على الذات الموجودة في نفس الامر فهو كلام متناقض ~~لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال أن الصفات زائدة عليها بل لا ~~يمكن وجود الذات الا بما به تصير ذاتا من الصفات ولا يمكن وجود الصفات الا ~~بما به تصير صفات من الذات فتخيل وجود أحدهما دون الآخر ثم زيادة الآخر ~~عليه تخيل باطل # وأما الذين يقولون أن ( الاسم للمسمى ( كما يقوله أكثر أهل السنة ~~PageV06P206 فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول قال الله تعالى ( ولله ~~الاسماء الحسنى ( وقال ( ايا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ( # وقال النبى ( ( ان لله تسعة وتسعين اسما ( وقال النبى ( ( ان لى خمسة ~~أسماء أنا محمد وأحمد والماحى والحاشر والعاقب ( وكلاهما في الصحيحين # واذا قيل لهم أهو المسمى أم غيره فصلوا فقالوا ليس هو نفس المسمى ولكن ~~يراد به المسمى واذا قيل أنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينا له فهذا ~~باطل فان المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة عنه فكيف بالخالق ~~وأسماؤه من كلامه وليس كلامه بائنا عنه ولكن قد يكون الاسم نفسه بائنا مثل ~~ان يسمى الرجل غيره باسم أو يتكلم باسمه فهذا الاسم نفسه ليس قائما بالمسمى ~~لكن المقصود به المسمى فان الاسم مقصوده اظهار ( المسمى ( وبيانه # وهو مشتق من ( السمو ( وهو العلو كما قال النحاة البصريون وقال النحاة ~~الكوفيون هو مشتق من ( السمة ( وهى العلامة وهذا صحيح في ( الاشتقاق الاوسط ~~( وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما فانه في كليهما ( السين ~~والميم والواو ( والمعنى صحيح فان السمة والسميا العلامة # ومنه يقال وسمته اسمه كقوله ( سنسمه على الخرطوم ( ومنه التوسم كقوله ( ~~لآيات للمتوسمين ( لكن اشتقاقه من ( السمو ( هو الاشتقاق الخاص الذى يتفق ~~فيه اللفظان في ms1614 الحروف وترتيبها ومعناه أخص وأتم فانهم يقولون PageV06P207 ~~في تصريفه سميت ولا يقولون وسمت وفى جمعه أسماء لا أوسام وفى تصغيره سمى لا ~~وسيم ويقال لصاحبه مسمى لا يقال موسوم وهذا المعنى أخص # ( # ( فان العلو مقارن للظهور ( كلما كان الشيء أعلى كان أظهر وكل واحد من ~~العلو والظهور يتضمن المعنى الآخر ومنه قول النبى ( ( في الحديث الصحيح ( ~~وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ( ولم يقل فليس أظهر منك شيء لأن الظهور يتضمن ~~العلو والفوقية فقال ( فليس فوقك شيء ( # ومنه قوله ( فما اسطاعوا أن يظهروه ( أي يعلوا عليه ويقال ظهر الخطيب على ~~المنبر اذا علا عليه ويقال للجبل العظيم علم لأنه لعلوه وظهوره يعلم ويعلم ~~به غيره قال تعالى ( ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام ( # وكذلك ( الراية العالية ( التى يعلم بها مكان الامير والجيوش يقال لها ~~علم وكذلك العلم في الثوب لظهوره كما يقال لعرف الديك وللجبال العالية ~~اعراف لأنها لعلوها تعرف فالاسم يظهر به المسمى ويعلوفيقال للمسمى سمة أي ~~اظهره واعله أي اعل ذكره بالاسم الذى يذكر به لكن يذكر تارة بما يحمد به ~~ويذكر تارة بما يذم به كما قال تعالى ( وجعلنا لهم لسان صدق عليا ( وقال ( ~~ورفعنا لك ذكرك ( وقال ( وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين ~~( # وقال في النوع المذموم ( واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم ~~من المقبوحين ( وقال تعالى ( نتلو عليك من نبا موسى وفرعون ( فكلاهما ظهر ~~ذكره لكن هذا امام في الخير وهذا امام في الشر PageV06P208 # وبعض النحاة يقول سمى اسما لأنه علا على المسمى أو لأنه علا على قسيميه ~~الفعل والحرف وليس المراد بالاسم هذا بل لأنه يعلى المسمى فيظهر ولهذا يقال ~~سميته أي اعليته واظهرته فتجعل المعلى المظهر هو المسمى وهذا انما يحصل ~~بالاسم # ووزنه فعل وفعل وجمعه اسماء كقنو واقناء وعضو وأعضاء وقد يقال فيه سم وسم ~~بحذف اللام ويقال سمى كما قال والله أسماك سما مباركا # وما ليس له اسم فانه لا يذكر ولا يظهر ولا يعلو ذكره بل ms1615 هو كالشيء الخفى ~~الذى لا يعرف ولهذا يقال الاسم دليل على المسمى وعلم على المسمى ونحو ذلك # ولهذا كان ( أهل الاسلام والسنة ( الذين يذكرون أسماء الله يعرفونه ~~ويعبدونه ويحبونه ويذكرونه ويظهرون ذكره # ( والملاحدة ( الذين ينكرون اسماءه وتعرض قلوبهم عن معرفته وعبادته ~~ومحبته وذكره حتى ينسوا ذكره ( نسوا الله فنسيهم ( ولا تكونواكالذين نسوا ~~الله فانساهم أنفسهم ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ~~بالغدو والاصال ولا تكن من الغافلين ( والاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور ~~في القلب وقد يراد به مجرد اللفظ وقد يراد به مجرد المعنى فانه من الكلام ( ~~والكلام ( اسم للفظ والمعنى وقد PageV06P209 يراد به أحدهما ولهذا كان من ~~ذكر الله بقلبه أو لسانه فقد ذكره لكن ذكره بهما أتم # والله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه وامر بالتسبيح باسمه كما أمر بدعائه ~~بأسمائه الحسنى فيدعى بأسمائه الحسنى ويسبح اسمه وتسبيح اسمه هو تسبيح له ~~اذ المقصود بالاسم المسمى كما أن دعاء الاسم هو دعاء المسمى قال تعالى ( قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ( # والله تعالى يأمر بذكره تارة وبذكر اسمه تارة كما يأمر بتسبيحه تارة ~~وتسبيح اسمه تارة فقال ( اذكروا الله ذكرا كثيرا ( واذكر ربك في نفسك ( ~~وهذا كثير وقال ( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ( كما قال ( وكلوا مما ~~ذكر اسم الله عليه ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ( فكلوا مما ~~أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ( # لكن هنا يقال بسم الله فيذكر نفس الاسم الذى هو ( ألف سين ميم ( واما في ~~قوله ( واذكر اسم ربك ( فيقال سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله # وهذا أيضا مما يبين فساد قول من جعل الاسم هو المسمى # وقوله في الذبيحة ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( كقوله ( اقرأ باسم ربك ~~الذى خلق ( وقوله ( بسم الله مجراها ومرساها ( فقوله ( اقرأ باسم ربك ( هو ~~قراءة بسم الله في أول السور PageV06P210 # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين ان ms1616 هذه الآية تدل على أن ~~القارئ مأمور ان يقرأ بسم الله وانها ليست كسائر القرآن بل هي تابعة لغيرها ~~وهنا يقول ( بسم الله الرحمن الرحيم ( كما كتب سليمان وكما جاءت به السنة ~~المتواترة واجمع المسلمون عليه فينطق بنفس الاسم الذي هو اسم مسمى لا يقول ~~بالله الرحمن الرحيم كما في قوله ( واذكر اسم ربك ( فانه يقول سبحان الله ~~والحمد لله ولا اله الا الله ونحو ذلك وهنا قال ( اقرأ باسم ربك ( لم يقل ~~اقرأ اسم ربك وقوله ( واذكر اسم ربك ( يقتضى أن يذكره بلسانه # وأما قوله ( واذكر ربك ( فقد يتناول ذكر القلب وقوله ( اقرأ باسم ربك ( ~~هو كقول الآكل باسم الله والذابح باسم الله كما قال النبى ( ( ومن لم يكن ~~ذبح فليذبح بسم الله # وأما التسبيح فقد قال ( وسبحوه بكرة وأصيلا ( وقال ( سبح اسم ربك الأعلى ~~( وقال ( فسبح باسم ربك العظيم ( # وفى الدعاء ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء ~~الحسنى ( فقوله ( ايا ما تدعوا ( يقتضى تعدد المدعو لقوله ( ايا ما ( وقوله ~~( فله الاسماء الحسنى ( يقتضى ان المدعو واحد له الاسماء الحسنى وقوله ( ~~ادعو الله أو ادعوا الرحمن ( ولم يقل ادعوا باسم الله أو باسم الرحمن يتضمن ~~ان المدعو هو الرب الواحد بذلك الاسم PageV06P211 # فقد جعل الاسم تارة مدعوا وتارة مدعوا به في قوله ( ولله الاسماء الحسنى ~~فادعوه بها ( فهو مدعو به باعتبار ان المدعو هو المسمى وانما يدعى باسمه ~~وجعل الاسم مدعوا باعتبار ان المقصود به هو المسمى وان كان في اللفظ هو ~~المدعو المنادى كما قال ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ( أى ادعوا هذا ~~الاسم أو هذا الاسم والمراد اذا دعوته هو المسمى أي الاسمين دعوت ومرادك هو ~~المسمى ( فله الاسماء الحسنى ( # فمن تدبر هذه المعانى اللطيفة تبين له بعض حكم القرآن واسراره فتبارك ~~الذى نزل الفرقان على عبده فانه كتاب مبارك تنزيل من حكيم حميد لا تنقضى ~~عجائبه ولا يشبع منه العلماء من ابتغى الهدى في غيره اضله الله ومن تركه من ms1617 ~~جبار قصمه الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ~~وهو قرآن عجب يهدى إلى الرشد انزله الله هدى ورحمة وشفاء وبيانا وبصائر ~~وتذكرة # فالحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى ~~وكما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله # آخره ولله الحمد والمنة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم PageV06P212 ~~سئل # عمن زعم أن ( الامام أحمد ( كان من أعظم النفاة للصفات صفات الله تعالى ~~وانما الذين انتسبوا إليه من أتباعه في المذهب ظنوا أنه كان من أهل الاثبات ~~المنافى للتعطيل جهلا منهم بما جرى له فانه اتفق له أمر عجيب # وهو أن ناسا من ( الزنادقة ( قد علموا زهد أحمد وورعه وتقواه وان الناس ~~يتبعونه فيما يذهب إليه فجمعوا له كلاما في الاثبات وعزوه إلى تفاسير وكتب ~~أحاديث واضافوا ايضا إلى الصحابة والأئمة وغيرهم حتى إليه هو شيئا كثيرا من ~~ذلك على لسانه وجعلوا ذلك في صندوق مقفل وطلبوا من الامام أحمد ان يستودع ~~ذلك الصندوق منهم وأظهروا انهم على سفر ونحو ذلك وانهم غرضهم الرجوع إليه ~~ليأخذوا تلك الوديعة وهم يعلمون أنه لا يتعرض لما في الصندوق فلم يزل عنده ~~ذلك إلى ان توفاه الله فدخل اتباعه والذين أخذوا عنه العلم فوجدوا ذلك ~~الصندوق وفتحوه فوجدوا فيه تلك ( الاحاديث الموضوعة ( و ( التفاسير والنقول ~~( الدالة على الاثبات فقالوا لو لم يكن الامام أحمد يعتقد ما في هذه الكتب ~~لما أودعها هذا الصندوق واحترز عليها فقرءوا تلك الكتب واشهروها في جملة ما ~~أشهروا من تصانيفه وعلومه PageV06P213 وجهلوا مقصود أولئك الزنادقة الذين ~~قصدوا فساد هذه الامة الاسلامية كما حصل مقصود بولص بافساد الملة النصرانية ~~بالرسائل التى وضعها لهم ( ### ||||| فأجاب # ( من قال تلك الحكاية المفتراة عن أحمد بن حنبل وانه اودع عنده ~~صناديق فيها كتب لم يعرف ما فيها حتى مات واخذها اصحابه فاعتقدوا ما فيها ~~فهذا يدل على غاية جهل هذا المتكلم فان أحمد لم يأخذ عنه المسلمون كلمة ~~واحدة من صفات الله تعالى قالها هو ms1618 بل الاحاديث التى يرويها اهل العلم في ~~صفات الله تعالى كانت موجودة عند الامة قبل أن يولد الامام أحمد وقد رواها ~~أهل العلم غير الامام أحمد فلا يحتاج الناس فيها إلى رواية أحمد بل هي ~~معروفة ثابتة عن النبى ( ( ولو لم يخلق أحمد # وأحمد انما اشتهر أنه امام أهل السنة والصابر على المحنة لما ظهرت محن ( ~~الجهمية ( الذين ينفون صفات الله تعالى ويقولون ان الله لا يرى في الآخرة ~~وان القرآن ليس هو كلام الله بل هو مخلوق من المخلوقات وانه تعالى ليس فوق ~~السماوات وان محمدا لم يعرج إلى الله واضلوا بعض ولاة الأمر فامتحنوا الناس ~~بالرغبة والرهبة فمن الناس من أجابهم رغبة ومن الناس من أجابهم رهبة ومنهم ~~من اختفى فلم يظهر لهم # وصار من لم يجبهم قطعوا رزقه وعزلوه عن ولايته وان كان أسيرا لم يفكوه ~~ولم يقبلوا شهادته وربما قتلوه أو حبسوه # ( والمحنة ( مشهورة معروفة كانت في امارة المأمون والمعتصم والواثق ~~PageV06P214 ثم رفعها المتوكل فثبت الله الامام أحمد فلم يوافقهم على تعطيل ~~صفات الله تعالى وناظرهم في العلم فقطعهم وعذبوه فصبر على عذابهم فجعله ~~الله من الائمة الذين يهدون بأمره # كما قال تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون ( # فمن اعطى الصبر واليقين جعله الله اماما في الدين وما تكلم به من ( السنة ~~( فانما اضيف له لكونه اظهره وابداه لا لكونه أنشأه وابتدأه والا فالسنة ~~سنة النبى ( ( فأصدق الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد بن عبد الله وما ~~قاله الامام أحمد هو قول الائمة قبله كمالك والثورى والاوزاعى وحماد بن زيد ~~وحماد بن سلمة وقول التابعين قبل هؤلاء وقول الصحابة الذين أخذوه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأحاديث السنة معروفة في الصحيحين وغيرهما من كتب ~~الاسلام # والنقل عن أحمد وغيره من أئمة السنة متواتر باثبات صفات الله تعالى ~~وهؤلاء متبعون في ذلك ما تواتر عن النبى ( ( فاما ان المسلمين يثبتون ~~عقيدتهم في أصول الدين بقوله أو بقول غيره من العلماء فهذا ms1619 لا يقوله الا ~~جاهل # و ( أحمد بن حنبل ( نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء في الفروع وقال ~~لا تقلد دينك الرجال فانهم لن يسلموا ان يغلطوا وقال لا تقلدنى ولا مالكا ~~ولا الثورى ولا الشافعى وقد جرى في ذلك على سنن غيره PageV06P215 من الأئمة ~~فكلهم نهوا عن تقليدهم كما نهى الشافعى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء ~~فكيف يقلد أحمد وغيره في أصول الدين # وأصحاب أحمد مثل ابى داود السجستانى وابراهيم الحربى وعثمان بن سعيد ~~الدارمى وابى زرعة وابى حاتم والبخارى ومسلم وبقى بن مخلد وابى بكر الاثرم ~~وابنيه صالح وعبد الله وعبدالله بن عبد الرحمن الدارمى ومحمد بن مسلم بن ~~وارة وغير هؤلاء الذين هم من أكابر أهل العلم والفقه والدين لا يقبلون كلام ~~أحمد ولا غيره الا بحجة يبينها لهم وقد سمعوا العلم كما سمعه هو وشاركوه في ~~كثير من شيوخه ومن لم يلحقوه أخذوا عن اصحابه الذين هم نظراؤه وهذه الامور ~~يعرفها من يعرف أحوال الاسلام وعلمائه PageV06P216 ### || 1 ( رسالة في الصفات الاختيارية ) 1 # وقال شيخ الاسلام أبو العباس تقى الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ~~ضريحه ! 8 < ### ||| فصل في الصفات الاختيارية # وهى الأمور التى يتصف بها الرب عز وجل فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثل ~~كلامه وسمعه وبصره وارادته ومحبته ورضاه ورحمته وغضبه وسخطه ومثل خلقه ~~واحسانه وعدله ومثل استوائه ومجيئه واتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات التى ~~نطق بها الكتاب العزيز والسنة # ( فالجهمية ( ومن وافقهم من ( المعتزلة ( وغيرهم يقولون لا يقوم بذاته ~~شيء من هذه الصفات ولا غيرها # و ( الكلابية ( ومن وافقهم من ( السالمية ( وغيرهم يقولون ( تقوم صفات ~~بغير مشيئته وقدرته فأما ما يكون بمشيئته وقدرته فلا يكون الا مخلوقا ~~منفصلا عنه PageV06P217 # واما السلف وائمة السنة والحديث فيقولون انه متصف بذلك كما نطق به الكتاب ~~والسنة وهو قول كثير من ( أهل الكلام والفلسفة ( أو اكثرهم كما ذكرنا ~~اقوالهم بألفاظها في غير هذا الموضع # ومثل هذا ( الكلام ( فان السلف وائمة السنة والحديث يقولون يتكلم بمشيئته ~~وقدرته ms1620 وكلامه ليس بمخلوق بل كلامه صفة له قائمة بذاته # وممن ذكر ان ذلك قول ائمة السنة أبو عبد الله بن منده وابو عبد الله بن ~~حامد وابو بكر عبد العزيز وابو إسماعيل الانصارى وغيرهم # وكذلك ذكر أبو عمر بن عبدالبر نظير هذا في ( الاستواء ( وائمة السنة ~~كعبدالله بن المبارك واحمد بن حنبل والبخارى وعثمان بن سعيد الدارمى ومن لا ~~يحصى من الائمة وذكره حرب بن إسماعيل الكرمانى عن سعيد بن منصور واحمد بن ~~حنبل واسحق بن إبراهيم وسائر اهل السنة والحديث متفقون على أنه متكلم ~~بمشيئته وانه لم يزل متكلما اذا شاء وكيف شاء # وقد سمى الله القرآن العزيز حديثا فقال ( الله نزل احسن الحديث ( وقال ( ~~ومن اصدق من الله حديثا ( وقال ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ( وقال ~~النبى ( ( ان الله يحدث من أمره ما يشاء ( وهذا مما احتج به البخارى في ~~صحيحه وفى غير صحيحه واحتج به غير البخارى كنعيم بن حماد وحماد بن زيد ~~PageV06P218 ومن المشهور عن السلف ان القرآن العزيز كلام الله غير مخلوق ~~منه بدأ واليه يعود # وأما ( الجهمية ( و ( المعتزلة ( فيقولون ليس له كلام قائم بذاته بل ~~كلامه منفصل عنه مخلوق عنه و ( المعتزلة ( يطلقون القول بأنه يتكلم بمشيئته ~~ولكن مرادهم بذلك انه يخلق كلاما منفصلا عنه # و ( الكلابية والسالمية ( يقولون انه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل كلامه ~~قائم بذاته بدون قدرته ومشيئته مثل حياته وهم يقولون الكلام صفة ذات لا صفة ~~فعل يتعلق بمشيئته وقدرته واولئك يقولون هو صفة فعل لكن الفعل عندهم هو ~~المفعول المخلوق بمشيئته وقدرته # وأما ( السلف وأئمة السنة ( وكثير من أهل الكلام كالهشامية والكرامية ~~واصحاب ابى معاذ التومنى وزهير اليامى وطوائف غير هؤلاء يقولون انه ( صفة ~~ذات وفعل ( هو يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما بذاته وهذا هو المعقول من ~~صفة الكلام لكل متكلم فكل من وصف بالكلام كالملائكة والبشر والجن وغيرهم ~~فكلامهم لابد ان يقوم بأنفسهم وهم يتكلمون بمشيئتهم وقدرتهم # والكلام صفة كمال لا صفة نقص ومن تكلم ms1621 بمشيئته اكمل ممن لا يتكلم بمشيئته ~~فكيف يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق PageV06P219 # ولكن ( الجهمية والمعتزلة ( بنوا على ( أصلهم ( أن الرب لا يقوم به صفة ~~لان ذلك بزعمهم يستلزم التجسيم والتشبيه الممتنع اذ الصفة عرض والعرض لا ~~يقوم الا بجسم # و ( الكلابية ( يقولون هو متصف بالصفات التى ليس له عليها قدرة ولا تكون ~~بمشيئته فأما ما يكون بمشيئته فانه حادث والرب تعالى لا تقوم به الحوادث ~~ويسمون ( الصفات الاختيارية ( بمسألة ( حلول الحوادث ( فانه اذا كلم موسى ~~بن عمران بمشيئته وقدرته وناداه حين أتاه بقدرته ومشيئته كان ذلك النداء ~~والكلام حادثا # قالوا فلو اتصف الرب به لقامت به الحوادث قالوا ولو قامت به الحوادث لم ~~يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث قالوا ولأن كونه قابلا لتلك الصفة ~~ان كانت من لوازم ذاته كان قابلا لها في الأزل فيلزم جواز وجودها في الأزل ~~والحوادث لا تكون في الأزل فان ذلك يقتضى وجود حوادث لا أول لها وذلك محال ~~( لوجوه ( قد ذكرت في غير هذا الموضع # قالوا وبذلك استدللنا على حدوث الاجسام وبه عرفنا حدوث العالم وبذلك ~~اثبتنا وجود الصانع وصدق رسله فلو قدحنا في تلك لزم القدح في أصول ( ~~الايمان ( و ( التوحيد ( # وان لم يكن من لوازم ذاته صار قابلا لها بعد ان لم يكن قابلا فيكون ~~PageV06P220 قابلا لتلك الصفة فيلزم التسلسل الممتنع وقد بسطنا القول على ~~عامة ما ذكروه في هذا الباب وبينا فساده وتناقضه على وجه لا تبقى فيه شبهة ~~لمن فهم هذا الباب # وفضلاؤهم وهم المتأخرون كالرازى والآمدى والطوسى والحلى وغيرهم معترفون ~~بأنه ليس لهم حجة عقلية على نفى ذلك بل ذكر الرازى واتباعه ان هذا القول ~~يلزم جميع الطوائف ونصره في آخر كتبه ( كالمطالب العالية ( وهو من اكبر ~~كتبه الكلامية الذى سماه ( نهاية العقول في دراية الأصول ( لما عرف فساد ~~قول النفاة لم يعتمد على ذلك في ( مسألة القرآن ( # فان عمدتهم في ( مسألة القرآن ( اذا قالوا لم يتكلم بمشيئته وقدرته قالوا ~~لأن ذلك يستلزم حلول ms1622 الحوادث فلما عرف فساد هذا الاصل لم يعتمد على ذلك في ~~( مسألة القرآن ( فان عمدتهم عليه بل استدل باجماع مركب وهو دليل ضعيف إلى ~~الغاية لأنه لم يكن عنده في نصر قول الكلابية غيره وهذا مما يبين أنه ~~وأمثاله تبين له فساد قول الكلابية # وكذلك ( الآمدى ( ذكر في ( ابكار الأفكار ( ما يبطل قولهم وذكر انه لا ~~جواب عنه وقد كشفت هذه الامور في مواضع وهذا معروف عند عامة العلماء حتى ~~الحلى بن المطهر ذكر في كتبه أن القول بنفى ( حلول الحوادث ( لا دليل عليه ~~فالمنازع جاهل بالعقل والشرع PageV06P221 # وكذلك من قبل هؤلاء كأبى المعالى وذويه انما عمدتهم أن ( الكرامية ( ~~قالوا ذلك وتناقضوا فيبينون تناقض الكرامية ويظنون انهم اذا بينوا تناقض ~~الكرامية وهم منازعوهم فقد فلجوا ولم يعلموا ان السلف وأئمة السنة والحديث ~~بل من قبل الكرامية من الطوائف لم تكن تلتفت إلى الكرامية وامثالهم بل ~~تكلموا بذلك قبل ان تخلق الكرامية فان بن كرام كان متأخرا بعد أحمد بن حنبل ~~في زمن مسلم بن الحجاج وطبقته وأئمة السنة والمتكلمون تكلموا بهذه قبل ~~هؤلاء وما زال السلف يقولون بموجب ذلك # لكن لما ظهرت ( الجهمية النفاة ( في أوائل المائة الثانية بين علماء ~~المسلمين ضلالهم وخطاؤهم ثم ظهر رعنة الجهمية في أوائل المائة الثالثة ~~وامتحن ( العلماء ( الامام أحمد وغيره فجردوا الرد على الجهمية وكشف ضلالهم ~~حتى جرد الامام أحمد الآيات التى من القرآن تدل على بطلان قولهم وهى كثيرة ~~جدا # بل الآيات التى تدل على ( الصفات الاختيارية ( التى يسمونها ( حلول ~~الحوادث ( كثيرة جدا وهذا كقوله تعالى ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ( فهذا بين في أنه انما امر الملائكة بالسجود ~~بعد خلق آدم لم يأمرهم في الازل وكذلك قوله ( ان مثل عيسى عند الله كمثل ~~آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ( فانما قال له بعد ان خلقه من تراب ~~لا في الأزل PageV06P222 # وكذلك قوله في ( قصة موسى ( فلما جاءها نودي ان بورك من في النار ومن ms1623 ~~حولها ( وقال تعالى ( فلما أتاها نودي من شاطئ الوادى الايمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة ان يا موسى انى انا الله رب العالمين ( فهذا بين في أنه ~~انما ناداه حين جاء لم يكن النداء في الازل كما يقوله ( الكلابية ( يقولون ~~ان النداء قائم بذات الله في الازل وهو لازم لذاته لم يزل ولا يزال مناديا ~~له لكنه لما أتى خلق فيه ادراكا لما كان موجودا في الازل # ثم من قال منهم أن الكلام معنى واحد منهم من قال سمع ذلك المعنى باذنه ~~كما يقول الاشعرى ومنهم من يقول بل افهم منه ما افهم كما يقوله القاضي أبو ~~بكر وغيره فقيل لهم عندكم هو معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد فموسى فهم ~~المعنى كله أو بعضه ان قلتم كله فقد علم علم الله كله وان قلتم بعضه فقد ~~تبعض وعندكم لا يتبعض # ومن قال من أتباع ( الكلابية ( بأن النداء وغيره من الكلام القديم حروف ~~أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب كما تقوله ( السالمية ( ومن وافقهم يقولون ~~أنه يخلق له ادراكا لتلك الحروف والاصوات والقرآن والسنة وكلام السلف قاطبة ~~يقتضى انه انما ناداه وناجاه حين أتى لم يكن النداء موجودا قبل ذلك فضلا عن ~~أن يكون قديما ازليا # وقال تعالى ( فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ان ~~PageV06P223 الشيطان لكما عدو مبين ( وهذا يدل على أنه لما أكلا منها ~~ناداهما لم ينادهما قبل ذلك وقال تعالى ( ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم ~~المرسلين ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون ( فجعل النداء ~~في يوم معين وذلك اليوم حادث كائن بعد أن لم يكن وهو حينئذ يناديهم لم ~~ينادهم قبل ذلك # وقال تعالى ( يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الانعام ~~الا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم ان الله يحكم ما يريد ( فبين ~~أنه يحكم فيحلل ما يريد ويحرم ما يريد ويأمر بما يريد ms1624 فجعل التحليل ~~والتحريم والامر والنهى متعلقا بارادته وينهى بارادته ويحلل بارادته ويحرم ~~بارادته و ( الكلابية ( يقولون ليس شيء من ذلك بارادته بل قديم لازم لذاته ~~غير مراد له ولا مقدور والمعتزلة مع الجهمية ( يقولون كل ذلك مخلوق منفصل ~~عنه ليس له كلام قائم به لا بارادته ولا بغير ارادته ومثل هذا كثير في ~~القرآن العزيز PageV06P224 ### ||| فصل # وكذلك في ( الارادة ( و ( المحبة ( كقوله تعالى ( انما أمره اذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون ( وقوله ( ولا تقولن لشيء انى فاعل ذلك غدا الا ~~ان يشاء الله ( وقوله ( لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين ( وقوله ( ~~واذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ( ~~وقوله ( واذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ( وقوله ( واذا شئنا بدلنا ~~امثالهم تبديلا ( وقوله ( ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا اليك ( وامثال ذلك ~~في القرآن العزيز # فان جوازم الفعل المضارع ونواصبه تخلصه للاستقبال مثل ( إن ( و ( أن ( ~~وكذلك ( اذا ( ظرف لما يستقبل من الزمان فقوله ( اذا اراد ( و ( ان شاء ~~الله ( ونحو ذلك يقتضى حصول ارادة مستقبلة ومشيئة مستقبلة # وكذلك في المحبة والرضا قال الله تعالى ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى ~~يحببكم الله ( فان هذا يدل على أنهم اذا اتبعوه احبهم الله فانه جزم قوله ( ~~يحببكم ( به فجزمه جوابا للأمر وهو في معنى الشرط فتقديره ( ان تتبعونى ~~يحببكم الله ( ومعلوم أن جواب الشرط والامر انما يكون بعده لا قبله فمحبة ~~الله لهم انما تكون بعد اتباعهم للرسول والمنازعون منهم من يقول ما ثم ~~PageV06P225 محبة بل المراد ثوابا مخلوقا ومنهم من يقول بل ثم محبة قديمة ~~ازلية اما الارادة واما غيرها والقرآن يدل على قول السلف ائمة السنة ~~المخالفين للقولين # وكذلك قوله ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ( فانه يدل ~~على أن أعمالهم اسخطته فهي سبب لسخطه وسخطه عليهم بعد الاعمال لا قبلها ~~وكذلك قوله ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ( وكذلك قوله ( ان تكفروا فان الله ~~غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر ms1625 وان تشكروا يرضه لكم ( علق الرضا بشكرهم ~~وجعله مجزوما جزاء له وجزاء الشرط لا يكون الا بعده # وكذلك قوله ( ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ( ويحب المتقين ( ويحب ~~المقسطين ( ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ( ونحو ذلك فانه يدل على ان ~~المحبة بسبب هذه الاعمال وهى جزاء لها والجزاء انما يكون بعد العمل والمسبب ~~PageV06P226 ( فصل # وكذلك ( السمع ( و ( البصر ( و ( النظر ( قال الله تعالى ( وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله ( هذا في حق المنافقين وقال في حق التائبين ( وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( وقوله ( فسيرى الله ( دليل على ~~أنه يراها بعد نزول هذه الآية الكريمة والمنازع اما ان ينفى الرؤية واما ان ~~يثبت رؤية قديمة ازلية وكذلك قوله ( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون ( ولام كى تقتضى ان ما بعدها متأخر عن المعلول فنظره كيف ~~يعملون هو بعد جعلهم خلائف وكذلك ( قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها ~~وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما ( اخبر انه يسمع تحاورهما حين كانت ~~تجادل وتشتكى إلى الله وقال النبى ( ( اذا قال الامام سمع الله لمن حمده ~~فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم ( فجعل سمعه لنا جزاء وجوابا للحمد ~~فيكون ذلك بعد الحمد والسمع يتضمن مع سمع القول قبوله واجابته ومنه قول ~~الخليل ( ان ربى لسميع الدعاء ( وكذلك قوله # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء وقوله لموسى ( ~~اننى معكما اسمع وارى PageV06P227 # والمعقول الصريح يدل على ذلك فان المعدوم لا يرى ولا يسمع بصريح العقل ~~واتفاق العقلاء لكن قال من قال من ( السالمية ( انه يسمع ويرى موجودا في ~~علمه لا موجودا بائنا عنه ولم يقل انه يسمع ويرى بائنا عن الرب # فاذا خلق العباد وعملوا وقالوا فاما ان نقول انه يسمع اقوالهم ويرى ~~اعمالهم واما لا يرى ولا يسمع فان نفى ذلك فهو تعطيل لهاتين الصفتين وتكذيب ~~للقرآن وهما صفتا كمال لا نقص فيه فمن يسمع ويبصر أكمل ممن لا يسمع ولا ms1626 ~~يبصر # والمخلوق يتصف بأنه يسمع ويبصر فيمتنع اتصاف المخلوق بصفات الكمال دون ~~الخالق سبحانه وتعالى وقد عاب الله تعالى من يعبد من لا يسمع ولا يبصر في ~~غير موضع ولأنه حى والحى اذا لم يتصف بالسمع والبصر اتصف بضد ذلك وهو العمى ~~والصمم وذلك ممتنع وبسط هذا له موضع آخر # وانما ( المقصود هنا ( انه اذا كان يسمع ويبصر الاقوال والاعمال بعد أن ~~وجدت فاما ان يقال أنه تجدد وكان لا يسمعها ولا يبصرها فهو بعد ان خلقها لا ~~يسمعها ولا يبصرها وان تجدد شيء فاما ان يكون وجودا أو عدما فان كان عدما ~~فلم يتجدد شيء وان كان وجودا فاما أن يكون قائما بذات الله أو قائما بذات ~~غيره و ( الثانى ( يستلزم ان يكون ذلك الغير هو الذى يسمع ويرى فيتعين ان ~~ذلك السمع والرؤية الموجودين قائم بذات الله وهذا لا حيلة فيه PageV06P228 ~~( والكلابية ( يقولون في جميع هذا الباب المتجدد هو تعلق بين الامر ~~والمأمور وبين الارادة والمراد وبين السمع والبصر والمسموع والمرئى فيقال ~~لهم هذا التعلق اما أن يكون وجودا واما ان يكون عدما فان كان عدما فلم ~~يتجدد شيء فان العدم لا شيء وان كان وجودا بطل قولهم # وايضا فحدوث ( تعلق ( هو نسبة واضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع فلا ~~يحدث نسبة واضافة الا بحدوث امر وجودى يقتضى ذلك وطائفة منهم بن عقيل يسمون ~~هذه النسبة ( أحوالا ( # و ( الطوائف ( متفقون على حدوث ( نسب ( و ( اضافات ( و ( تعلقات ( لكن ~~حدوث النسب بدون حدوث ما يوجبها ممتنع فلا يكون نسبة واضافة الا تابعة لصفة ~~ثبوتية كالابوة والبنوة والفوقية والتحتية والتيامن والتياسر فانها لابد أن ~~تستلزم امورا ثبوتية # وكذلك كونه ( خالقا ( و ( رازقا ( و ( محسنا ( و ( عادلا ( فان هذه افعال ~~فعلها بمشيئته وقدرته اذ كان يخلق بمشيئته ويرزق بمشيئته ويعدل بمشيئته ~~ويحسن بمشيئته # والذى عليه ( جماهير المسلمين ( من السلف والخلف ان الخلق غير المخلوق ~~فالخلق فعل الخالق والمخلوق مفعوله ولهذا كان النبى ( ( يستعيذ بأفعال الرب ~~وصفاته كما في قوله ms1627 ( ( أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا ~~أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ( فاستعاذ بمعافاته كما استعاذ ~~برضاه PageV06P229 # وقد استدل ( أئمة السنة ( كأحمد وغيره على ان ( كلام الله غير مخلوق ( ~~بأنه استعاذ به فقال ( من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما ~~خلق لم يضره شيء حتى يرتحل منه ( فكذلك معافاته ورضاه غير مخلوقة لأنه ~~استعاذ بهما والعافية القائمة ببدن العبد مخلوقة فانها نتيجة معافاته # واذا كان ( الخلق فعله ( و ( المخلوق مفعوله ( وقد خلق الخلق بمشيئته دل ~~على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته ويمتنع قيامه بغيره فدل على ان افعاله قائمة ~~بذاته مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته وقد حكى البخارى اجماع العلماء على ~~الفرق بين الخلق والمخلوق وعلى هذا يدل ( صريح المعقول ( # فانه قد ثبت بالادلة ( العقلية والسمعية ( ان كل ما سوى الله تعالى مخلوق ~~محدث كائن بعد ان لم يكن وان الله انفرد بالقدم والازلية وقد قال تعالى ~~الذي ( خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ( فهو حين خلق السماوات ~~ابتداءا اما أن يحصل منه فعل يكون هو خلقا للسموات والأرض واما أن لا يحصل ~~منه فعل بل وجدت المخلوقات بلا فعل ومعلوم أنه اذا كان الخالق قبل خلقها ~~ومع خلقها سواء وبعده سواء لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون وقت بلا سبب يوجب ~~التخصيص و # ( أيضا ( فحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتنع في بداية العقل واذا قيل ~~الارادة والقدرة خصصت قيل نسبة الارادة القديمة إلى جميع الاوقات سواء ~~وايضا فلا تعقل ارادة تخصيص أحد المتماثلين الا بسبب يوجب PageV06P230 ~~التخصيص و ( أيضا ( فلابد عند وجود المراد من سبب يقتضى حدوثه والا فلو كان ~~مجرد ما تقدم من الارادة والقدرة كافيا للزم وجوده قبل ذلك لأنه مع الارادة ~~التامة والقدرة التامة يجب وجود المقدور وقد احتج من قال ( الخلق ( هو ~~المخلوق كأبى الحسن ومن اتبعه مثل بن عقيل بأن قالوا لو كان غيره لكان اما ~~قديما واما حادثا فان كان قديما ms1628 لزم قدم المخلوق لأنهما متضايفان وان كان ~~حادثا لزم أن تقوم به الحوادث ثم ذلك الخلق يفتقر إلى خلق آخر ويلزم ~~التسلسل فأجابهم ( الجمهور ( وكل طائفة على أصلها فطائفة قالت الخلق قديم ~~وان كان المخلوق حادثا كما يقول ذلك كثير من اهل المذاهب الاربعة وعليه ~~اكثر الحنفية قال هؤلاء أنتم تسلمون لنا ان الارادة قديمة أزلية والمراد ~~محدث فنحن نقول في الخلق ما قلتم في الارادة وقالت ( طائفة ( بل الخلق حادث ~~في ذاته ولا يفتقر إلى خلق آخر بل يحدث بقدرته وأنتم تقولون ان المخلوق ~~يحصل بقدرته بعد ان لم تكن فان كان المنفصل يحصل بمجرد القدرة فالمتصل به ~~أولى وهذا جواب كثير من الكرامية والهشامية وغيرهم و ( طائفة ( يقولون هب ~~أنه يفتقر إلى فعل قبله فلم قلتم ان ذلك ممتنع وقولكم هذا تسلسل فيقال ليس ~~هذا تسلسلا في الفاعلين والعلل PageV06P231 الفاعلة فان هذا ممتنع باتفاق ~~العقلاء بل هو تسلسل في الآثار والافعال وهو حصول شيء بعد شيء وهذا محل ~~النزاع ( فالسلف ( يقولون لم يزل متكلما اذا شاء وقد قال تعالى ( قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله ~~مددا ( فكلمات الله لا نهاية لها وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل فان ~~نعيم الجنة دائم لا نفاد له فما من شيء الا وبعده شيء لا نهاية له ~~PageV06P232 ### ||| فصل # و ( الأفعال نوعان ( متعد ولازم فالمتعدى مثل الخلق والاعطاء ونحو ذلك ~~واللازم مثل الاستواء والنزول والمجيء والاتيان قال تعالى ( هو الذى خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ( فذكر الفعلين ~~المتعدى واللازم وكلاهما حاصل بمشيئته وقدرته وهو متصف به وقد بسط هذا في ~~غير هذا الموضع # والمقصود هنا ان القرآن يدل على ( هذا الأصل ( في أكثر من مائة موضع # وأما ( الاحاديث الصحيحة ( فلا يمكن ضبطها في هذا الباب كما في الصحيحين ~~عن زيد بن خالد الجهنى ان النبى ( صلى الله عليه وسلم ( صلى بأصحابه صلاة ~~الصبح بالحديبية على ms1629 أثر سماء كانت من الليل ثم قال ( أتدرون ماذا قال ربكم ~~الليلة قال أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر فاما من قال مطرنا بفضل الله ~~ورحمته فذلك مؤمن بى كافر بالكواكب واما من قال مطرنا بنوء كذا ونوء كذا ~~وكذا فذلك كافر بى مؤمن بالكواكب ( وفى الصحاح حديث الشفاعة ( فيقول كل من ~~الرسل اذا اتوا إليه ان ربى قد غضب اليوم غضبا PageV06P233 لم يغضب قبله ~~مثله ولن يغضب بعده مثله ( وهذا بيان ان الغضب حصل في ذلك اليوم لا قبله # وفى الصحيح ( اذا تكلم الله بالوحى سمع اهل السماوات كجر السلسلة على ~~الصفوان ( فقوله اذا تكلم الله بالوحى سمع يدل على انه يتكلم به حين ~~يسمعونه وذلك ينفى كونه ازليا وايضا فما يكون كجر السلسلة على الصفا يكون ~~شيئا بعد شيء والمسبوق بغيره لا يكون ازليا # وكذلك في الصحيح ( يقول الله قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين نصفها لى ~~ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل فاذا قال ( الحمد لله رب العالمين ( قال الله ~~حمدنى عبدى فاذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال الله اثنى على عبدى فاذا قال ( ~~مالك يوم الدين ( قال الله مجدنى عبدى فاذا قال ( اياك نعبد واياك نستعين ( ~~قال الله هذه الاية بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل فاذا قال ( اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( قال الله ~~هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل فقد أخبر ان العبد اذا قال ( الحمد لله ( قال ~~الله حمدنى فاذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال الله اثنى على عبدى الحديث # وفى الصحاح حديث النزول ( ينزل ربنا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الاخر ~~فيقول من يدعونى فاستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فاغفر له ( فهذا ~~قول وفعل في وقت معين وقد اتفق السلف على ان ( النزول PageV06P234 فعل ~~يفعله الرب كما قال ذلك الاوزاعى وحماد بن زيد والفضيل بن عياض واحمد بن ~~حنبل وغيرهم # وايضا فقد قال ( ( لله اشد اذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب ~~القينة إلى قينته ms1630 ( وفى الحديث الصحيح الاخر ( ما اذن الله لشيء كأذنه لنبى ~~حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ( اذن يأذن اذنا أي استمع يستمع استماعا ( ~~أذنت لربها وحقت ( فأخبر انه يستمع إلى هذا وهذا # وفى الصحيح ( لا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت ~~سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى ~~بها ( فأخبر انه لا يزال يتقرب بالنوافل بعد الفرائض # وفي الصحيحين عنه ( صلى الله عليه وسلم ( فيما يروى عن ربه تعالى قال ( ~~قال الله انا عند ظن عبدى بى وانا معه اذا ذكرنى ان ذكرنى في نفسه ذكرته في ~~نفسى وان ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ( وحرف ( إن ( حرف الشرط ~~والجزاء يكون بعد الشرط فهذا يبين انه يذكر العبد ان ذكره في نفسه وان ذكره ~~في ملأ ذكره في ملأ خير منهم والمنازع يقول ما زال يذكره ازلا وابدا ثم ~~يقول ذكره وذكر غيره وسائر ما يتكلم الله به هو شيء واحد لا يتبعض ولا ~~يتعدد فحقيقة قوله ان الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا يذكر أحدا PageV06P235 # وفى صحيح مسلم في حديث تعليم الصلاة ( واذا قال الامام سمع الله لمن حمده ~~فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم فان الله قال على لسان نبيه سمع ~~الله لمن حمده ( فقوله سمع الله لمن حمده لأن الجزاء بعد الشرط فقوله ( ~~يسمع الله لكم ( مجزوم حرك لالتقاء الساكنين وهذا يقتضى انه يسمع بعد أن ~~تحمدوا PageV06P236 ### ||| فصل # والمنازعون ( النفاة ( كذلك منهم من ينفى الصفات مطلقا فهذا يكون الكلام ~~معه في الصفات مطلقا لا يختص ( بالصفات الاختيارية ( ومنهم من يثبت الصفات ~~ويقول لا يقوم بذاته شيء بمشيئته وقدرته فيقول انه لا يتكلم بمشيئته ~~واختياره ويقول لا يرضى ويسخط ويحب ويبغض ويختار بمشيئته وقدرته ويقول انه ~~لا يفعل فعلا ( هو الخلق ( يخلق به المخلوق ولا يقدر عنده على فعل يقوم ~~بذاته بل مقدوره لا يكون الا منفصلا منه # وهذا موضع تنازع فيه ms1631 النفاة # فقيل لا يكون ( مقدوره ( الا بائنا عنه كما يقوله الجهمية والكلابية ~~والمعتزلة وقيل لا يكون ( مقدوره ( الا ما يقوم بذاته كما يقوله السالمية ~~والكرامية والصحيح ان كليهما مقدور له # اما ( الفعل ( فمثل قوله تعالى ( قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا ~~من فوقكم أو من تحت ارجلكم ( وقوله ( اليس ذلك بقادر على ان يحيى الموتى ( ~~وقول الحواريين ( هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء ( وقوله ( ~~اوليس الذى خلق السماوات والأرض بقادر على ان يخلق مثلهم ( وقوله ( اولم ~~يروا ان الله الذى خلق السماوات والأرض ولم يعى PageV06P237 بخلقهن بقادر ~~على ان يحيى الموتى ( إلى امثال ذلك مما يبين انه يقدر على ( الافعال ( ~~كالاحياء والبعث ونحو ذلك # واما ( القدرة على الاعيان ( ففى الصحيح عن ابى مسعود قال ( كنت اضرب ~~غلاما لى فرآنى النبى ( ( فقال ( اعلم أبا مسعود لله اقدر عليك منك على هذا ~~( فقوله ( لله اقدر عليك منك على هذا ( دليل على ان القدرة تتعلق بالاعيان ~~المنفصلة ( قدرة الرب ( و ( قدرة العبد ( ومن الناس من يقول كلاهما يتعلق ~~بالفعل كالكرامية ومنهم من يقول قدرة الرب تتعلق بالمنفصل واما قدرة العبد ~~فلا تتعلق الا بفعل في محلها كالاشعرية # و ( النصوص ( تدل على ان كلا القدرتين تتعلق بالمتصل والمنفصل فان الله ~~تعالى اخبر ان العبد يقدر على افعاله كقوله ( فاتقوا الله ما استطعتم ( ~~وقوله ( ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~ايمانكم من فتياتكم ( فدل على ان منا من يستطيع ذلك ومنا من لم يستطع # وقال النبى ( ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم ~~يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء ( اخرجاه في الصحيحين وقوله ( ان استطعت ~~ان تعمل بالرضا مع اليقين فافعل ( وقوله في الحديث الذى في الصحيح ( اذا ~~أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم ( # وقد اخبر أنه قادر على عبده وهؤلاء الذين يقولون لا تقوم به ( الأمور ~~الاختيارية ( عمدتهم أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها وما لم يخل من ms1632 ~~الحوادث فهو حادث وقد نازعهم الناس في كلا ( المقدمتين ( واصحابهم ~~PageV06P238 المتأخرون كالرازى والآمدى قدحوا في ( المقدمة الاولى ( في نفس ~~هذه المسألة وقدح الرازى في ( المقدمة الثانية ( في غير موضع من كتبه وقد ~~بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # وقولهم انا عرفنا حدوث العالم بهذه الطريق وبه اثبتنا ( الصانع ( يقال ~~لهم لا جرم ابتدعتم طريقا لا يوافق السمع ولا العقل فالعالمون بالشرع ~~معترفون انكم مبتدعون محدثون في الاسلام ما ليس منه والذين يعقلون ما ~~يقولون يعلمون ان العقل يناقض ما قلتم وان ما جعلتموه دليلا على اثبات ~~الصانع لا يدل على اثباته بل هو استدلال على نفى ( الصانع ( واثبات ( ~~الصانع ( حق وهذا الحق يلزم من ثبوته ابطال استدلالكم بأن ما لم يخل من ~~الحوادث فهو حادث # واما كون ( طريقكم مبتدعة ( ما سلكها الانبياء ولا أتباعهم ولا سلف الامة ~~فلأن كل من يعرف ما جاء به الرسول وان كانت معرفته متوسطة لم يصل في ذلك ~~إلى الغاية يعلم أن الرسول ( ( لم يدع الناس في معرفة الصانع وتوحيده وصدق ~~رسله إلى الاستدلال بثبوت الاعراض وانها حادثة ولازمة للأجسام وما لم يخل ~~من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها # فعلم بالاضطرار ان ( هذه الطريق ( لم يتكلم بها الرسول ولا دعا اليها ولا ~~أصحابه ولا تكلموا بها ولا دعوا بها الناس وهذا يوجب العلم الضرورى من دين ~~الرسول فان عند الرسول والمؤمنين به ان الله يعرف PageV06P239 ويعرف توحيده ~~وصدق رسله بغير هذه الطريق فدل الشرع دلالة ضرورية على انه لا حاجة إلى هذه ~~الطريق ودل ما فيها من مخالفة نصوص الكتاب والسنة على أنها طريق باطلة فدل ~~الشرع على أنه لا حاجة اليها وانها باطلة # واما العقل فقد بسط القول في جميع ما قيل فيها في غير هذه المواضع وبين ~~أن أئمة اصحابها قد يعترفون بفسادها من جهة العقل كما يوجد في كلام ابى ~~حامد والرازى وغيرهما بيان فسادها # ولما ظهر فسادها للعقل تسلط ( الفلاسفة ( على سالكيها وظنت الفلاسفة أنهم ~~اذا ms1633 قدحوا فيها فقد قدحوا في دلالة الشرع ظنا منهم أن الشرع جاء بموجبها اذ ~~كانوا أجهل بالشرع والعقل من سالكيها فسالكوها لا للاسلام نصروا ولا ~~لأعدائه كسروا بل سلطوا الفلاسفة عليهم وعلى الاسلام وهذا كله مبسوط في ~~مواضع # وانما ( المقصود هنا ( أن يعرف ان نفيهم ( للصفات الاختيارية ( التى ~~يسمونها حلول الحوادث ليس لهم دليل عقلى عليه وحذاقهم يعترفون بذلك واما ~~السمع فلا ريب انه مملوء بما يناقضه والعقل ايضا يدل على نقيضه من وجوه ~~نبهنا على بعضها # ولما لم يكن مع أصحابها حجة ( لا عقلية ولا سمعية ( من الكتاب والسنة ~~احتال متأخروهم فسلكوا ( طريقا سمعية ( ظنوا أنها تنفعهم فقالوا هذه الصفات ~~ان كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها وان كانت صفات PageV06P240 كمال فقد ~~كان فاقدا لها قبل حدوثها وعدم الكمال نقص فيلزم ان يكون كان ناقصا وتنزيهه ~~عن النقص واجب بالاجماع وهذه الحجة من أفسد الحجج # وذلك من وجوه # ( أحدها ( أن هؤلاء يقولون نفى النقص عنه لم يعلم بالعقل وانما علم ( ~~بالاجماع ( وعليه اعتمدوا في نفى النقص فنعود إلى احتجاجهم بالاجماع ومعلوم ~~أن الاجماع لا يحتج به في موارد النزاع فان المنازع لهم يقول انا لم ~~اوافقكم على نفى هذا المعنى وان وافقتكم على اطلاق القول بأن الله منزه عن ~~النقص فهذا المعنى عندى ليس بنقص ولم يدخل فيما سلمته لكم فان بينتم بالعقل ~~أو بالسمع انتفاءه والا فاحتجاجكم بقولى مع انى لم ارد ذلك كذب على فانكم ~~تحتجون بالاجماع والطائفة المثبتة من اهل الاجماع وهم لم يسلموا هذا # ( الثانى ( ان عدم هذه الامور قبل وجودها نقص بل لو وجدت قبل وجودها لكان ~~نقصا مثال ذلك تكليم الله لموسى عليه السلام ونداؤه له فنداؤه حين ناداه ~~صفة كمال ولو ناداه قبل ان يجيء لكان ذلك نقصا فكل منها كمال حين وجوده ليس ~~بكمال قبل وجوده بل وجوده قبل الوقت الذى تقتضى الحكمة وجوده فيه نقص # ( الثالث ( ان يقال لا نسلم ان عدم ذلك نقص فان ما كان حادثا PageV06P241 ~~امتنع ms1634 ان يكون قديما وما كان ممتنعا لم يكن عدمه نقصا لأن النقص فوات ما ~~يمكن من صفات الكمال # ( الرابع ( ان هذا يرد في كل ما فعله الرب وخلقه فيقال خلق هذا ان كان ~~نقصا فقد اتصف بالنقص وان كان كمالا فقد كان فاقدا له فان قلتم ( صفات ~~الافعال ( عندنا ليست بنقص ولا كمال قيل اذا قلتم ذلك امكن المنازع ان يقول ~~هذه الحوادث ليست بنقص ولا كمال # ( الخامس ( أن يقال اذا عرض على العقل الصريح ذات يمكنها ان تتكلم ~~بقدرتها وتفعل ما تشاء بنفسها وذات لا يمكنها ان تتكلم بمشيئتها ولا تتصرف ~~بنفسها البتة بل هي بمنزلة الزمن الذى لا يمكنه فعل يقوم به باختياره قضى ~~العقل الصريح بأن هذه الذات اكمل وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص ~~والكمال في اتصافه بهذه الصفات لا في نفى اتصافه بها # ( السادس ( ان يقال الحوادث التى يمتنع ان يكون كل منها ازليا ولا يمكن ~~وجودها الا شيئا فشيئا اذا قيل ايما اكمل ان يقدر على فعلها شيئا فشيئا ~~أولا يقدر على ذلك كان معلوما بصريح العقل أن القادر على فعلها شيئا فشيئا ~~أكمل ممن لا يقدر على ذلك وأنتم تقولون ان الرب لا يقدر على شيء من هذه ~~الامور وتقولون انه يقدر على امور مباينة له ومعلوم ان قدرة القادر على ~~فعله المتصل به قبل قدرته على امور مباينة له فاذا قلتم PageV06P242 لا ~~يقدر على فعل متصل به لزم ان لا يقدر على المنفصل فلزم على قولكم ان لا ~~يقدر على شيء ولا أن يفعل شيئا فلزم ان لا يكون خالقا لشيء وهذا لازم ~~للنفاة لا محيد لهم عنه # ولهذا قيل الطريق التى سلكوها في حدوث العالم واثبات الصانع تناقض حدوث ~~العالم واثبات الصانع ولا يصح القول بحدوث العالم واثبات الصانع الا ~~بابطالها لا باثباتها فكان ما اعتمدوا عليه وجعلوه اصولا للدين ودليلا عليه ~~هو في نفسه باطل شرعا وعقلا وهو مناقض للدين ومناف له # ولهذا كان ( السلف والائمة ( يعيبون كلامهم هذا ms1635 ويذمونه ويقولون من طلب ~~العلم بالكلام تزندق كما قال أبو يوسف ويروى عن مالك ويقول الشافعى حكمى في ~~اهل الكلام ان يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر ويقال هذا جزاء ~~من ترك الكتاب والسنة واقبل على الكلام وقال الامام أحمد بن حنبل علماء ~~الكلام زنادقة وما ارتدى أحد بالكلام فأفلح # وقد صدق الائمة في ذلك فانهم يبنون امرهم على ( كلام مجمل ( يروج على من ~~لم يعرف حقيقته فاذا اعتقد أنه حق وتبين أنه مناقض للكتاب والسنة بقى في ~~قلبه مرض ونفاق وريب وشك بل طعن فيما جاء به الرسول وهذه هي الزندقة # وهو ( كلام باطل من جهة العقل ( كما قال بعض السلف العلم بالكلام هو ~~PageV06P243 الجهل فهم يظنون ان معهم عقليات وانما معهم جهليات ( كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب ( هذا هو الجهل المركب لأنهم كانوا في شك وحيرة ~~فهم في ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور اين هؤلاء من نور القرآن والايمان قال الله تعالى ( ~~الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شيء عليم ( # فإن قيل اما كون الكلام والفعل يدخل في ( الصفات الاختيارية ( فظاهر فانه ~~يكون بمشيئة الرب وقدرته واما ( الارادة ( و ( المحبة ( و ( الرضا ( و ( ~~الغضب ( ففيه نظر فان نفس ( الارادة ( هي المشيئة وهو سبحانه اذا خلق من ~~يحبه كالخليل فانه يحبه ويحب المؤمنين ويحبونه وكذلك اذا عمل الناس أعمالا ~~يراها وهذا لازم لابد من ذلك فكيف يدخل تحت الاختيار # قيل كل ما كان بعد عدمه فانما يكون بمشيئة الله وقدرته وهو سبحانه ما شاء ~~كان وما لم يشأ لم ms1636 يكن فما شاء وجب كونه وهو تحت مشيئة الرب وقدرته وما لم ~~يشأه امتنع كونه مع قدرته عليه كما قال تعالى PageV06P244 ( ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ( ولو شاء ربك ~~ما فعلوه ( # فكون الشيء واجب الوقوع لكونه قد سبق به القضاء على انه لابد من كونه لا ~~يمتنع ان يكون واقعا بمشيئته وقدرته وارادته وان كانت من لوازم ذاته كحياته ~~وعلمه فان ( ارادته للمستقبلات ( هي مسبوقة ( بارادته للماضى ( انما أمره ~~اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( وهو انما أراد ( هذا الثانى ( بعد أن ~~أراد قبله ما يقتضى ارادته فكان حصول الارادة اللاحقة بالارادة السابقة # والناس قد اضطربوا في ( مسألة ارادة الله سبحانه وتعالى ( على اقوال ~~متعددة ومنهم من نفاها ورجح الرازى هذا في ( مطالبه العالية ( لكن ولله ~~الحمد نحن قررناها وبينا فساد الشبه المانعة منها وان ما جاء به الكتاب ~~والسنة هو الحق المحض الذى تدل عليه المعقولات الصريحة وان ( صريح المعقول ~~موافق لصحيح المنقول ( # وكنا قد بينا ( أولا ( أنه يمتنع تعارض الادلة القطعية فلا يجوز أن ~~يتعارض دليلان قطعيان سواء كانا عقليين أو سمعيين أو كان أحدهما عقليا ~~والاخر سمعيا ثم بينا بعد ذلك أنها متوافقة متناصرة متعاضدة فالعقل يدل على ~~صحة السمع والسمع يبين صحة العقل وان من سلك أحدهما أفضى به إلى الآخر ~~PageV06P245 # وان الذين يستحقون العذاب هم الذين لا يسمعون ولا يعقلون كما قال الله ~~تعالى ( أم تحسب ان اكثرهم يسمعون أو يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل ~~سبيلا ( وقال تعالى ( كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ~~قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ان أنتم الا في ~~ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ( وقال ( ~~أولم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها ~~لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور ( وقال ms1637 تعالى ( ان في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ( # فقد بين القرآن أن من كان يعقل أو كان يسمع فانه يكون ناجيا وسعيدا ويكون ~~مؤمنا بما جاءت به الرسل وقد بسطت هذه الامور في غير موضع والله أعلم ~~PageV06P246 ### ||| فصل # وفحول النظار ( كأبى عبد الله الرازى ( و ( أبى الحسن الآمدى ( وغيرهما ~~ذكروا حجج النفاة لحلول الحوادث ( وبينوا فسادها كلها فذكروا لهم أربع حجج # ( إحداها ( الحجة المشهورة ( وهى انها لو قامت به لم يخل منها ومن ~~اضدادها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث ومنعوا المقدمة الاولى والمقدمة ~~الثانية ذكر الرازى وغيره فسادها وقد بسط في غير هذا الموضع # ( والثانية ( أنه لو كان قابلا لها في الازل لكان القبول من لوازم ذاته ~~فكان القبول يستدعى امكان المقبول ووجود الحوادث في الازل محال وهذه ~~ابطلوها هم بالمعارضة بالقدرة بأنه قادر على احداث الحوادث والقدرة تستدعى ~~امكان المقدور و ( وجود المقدور ( وهو الحوادث في الازل محال # ( وهذه الحجة ( باطلة من وجوه # ( أحدها ( أن يقال ( وجود الحوادث ( اما أن يكون ممتنعا واما أن يكون ~~ممكنا فان كان ممكنا امكن قبولها والقدرة عليها دائما وحينئذ فلا يكون وجود ~~جنسها في الازل ممتنعا بل يمكن ان يكون جنسها مقدورا مقبولا PageV06P247 ~~وان كان ممتنعا فقد امتنع وجود حوادث لا تتناهى وحينئذ فلا تكون في الازل ~~ممكنة لا مقدورة ولا مقبولة وحينئذ فلا يلزم امتناعها بعد ذلك فان الحوادث ~~موجودة فلا يجوز ان يقال بدوام امتناعها وهذا تقسيم حاصر يبين فساد ( هذه ~~الحجة ( # ( الوجه الثانى ( أن يقال لا ريب أن الرب تعالى قادر فاما ان يقال أنه لم ~~يزل قادرا وهو الصواب واما أن يقال بل صار قادرا بعد أن لم يكن فان قيل لم ~~يزل قادرا فيقال اذا كان لم يزل قادرا فان كان المقدور لم يزل ممكنا أمكن ~~دوام وجود الممكنات فأمكن دوام وجود الحوادث وحينئذ فلا يمتنع كونه قابلا ~~لها في الازل # فان قيل بل كان الفعل ممتنعا ثم صار ممكنا ms1638 قيل هذا جمع بين النقيضين فان ~~القادر لا يكون قادرا على ممتنع فكيف يكون قادرا على كون المقدور ممتنعا ثم ~~يقال بتقدير امكان هذا قيل هو قادر في الازل على ما يمكن فيما لا يزال ~~وكذلك في المقبول يقال هو قابل في الازل لما يمكن فيما لا يزال # ( الوجه الثالث ( اذا قيل هو قابل لما في الازل فانما هو قابل لما هو ~~قادر عليه يمكن وجوده فأما ما يكون ممتنعا لا يدخل تحت القدرة فهذا ليس ~~بقابل له # ( الرابع ( أن يقال هو قادر على حدوث ما هو مباين له من المخلوقات ومعلوم ~~أن قدرة القادر على فعله القائم به أولى من قدرته على المباين له واذا ~~PageV06P248 كان الفعل لا مانع منه الا ما يمنع مثله لوجود المقدور المباين ~~ثم ثبت ان المقدور المباين هو ممكن وهو قادر عليه فالفعل ان يكون ممكنا ~~مقدورا أولى # ( الحجة الثالثة لهم ( أنهم قالوا لو قامت به الحوادث للزم ( تغيره ( ~~والتغير على الله محال وابطلوا هم ( هذه الحجة ( الرازى وغيره بأن قالوا ما ~~تريدون بقولكم لو قامت به تغير أتريدون بالتغير نفس قيامها به أم شيئا آخر ~~فان اردتم الاول كان المقدم هو الثانى والملزوم هو اللازم وهذا لا فائدة ~~فيه فانه يكون تقدير الكلام لو قامت به الحوادث لقامت به الحوادث وهذا كلام ~~لا يفيد وان اردتم بالتغير معنى غير ذلك فهو ممنوع فلا نسلم انها لو قامت ~~به لزم ( تغير ( غير حلول الحوادث فهذا جوابهم # وايضاح ذلك أن ( لفظ التغير ( لفظ مجمل فالتغير في اللغة المعروفة لا ~~يراد به مجرد كون المحل قامت به الحوادث فان الناس لا يقولون للشمس والقمر ~~والكواكب اذا تحركت انها قد تغيرت ولا يقولون للانسان اذا تكلم ومشى انه ~~تغير ولا يقولون اذا طاف وصلى وامر ونهى وركب انه تغير اذا كان ذلك عادته ~~بل انما يقولون تغير لمن استحال من صفة إلى صفة كالشمس اذا زال نورها ظاهرا ~~لا يقال انها تغيرت فاذا اصفرت قيل تغيرت # وكذلك ms1639 الانسان اذا مرض أو تغير جسمه بجوع أو تعب قيل قد تغير وكذلك اذا ~~تغير خلقه ودينه مثل أن يكون فاجرا فينقلب ويصير برا أو يكون برا فينقلب ~~فاجرا فانه يقال قد تغير وفى الحديث ( رأيت وجه رسول الله ( صلى ~~PageV06P249 الله عليه وسلم ( متغيرا لما رأى منه أثر الجوع ولم يزل يراه ~~يركع ويسجد ( فلم يسم حركته تغيرا وكذلك يقال فلان قد تغير على فلان اذا ~~صار يبغضه بعد المحبة فاذا كان ثابتا على مودته لم يسم هشته إليه وخطابه له ~~تغيرا # وإذا جرى على عادته في أقواله وافعاله فلا يقال أنه قد تغير قال الله ~~تعالى ( ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ( ومعلوم أنهم اذا ~~كانوا على عادتهم الموجودة يقولون ويفعلون ما هو خير لم يكونوا قد غيروا ما ~~بأنفسهم فاذا انتقلوا عن ذلك فاستبدلوا بقصد الخير قصد الشر وباعتقاد الحق ~~اعتقاد الباطل قيل قد غيروا ما بأنفسهم مثل من كان يحب الله ورسوله والدار ~~الآخرة فتغير قلبه وصار لا يحب الله ورسوله والدار الآخرة فهذا قد غير ما ~~في نفسه # واذا كان هذا ( معنى التغير ( فالرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات ~~الكمال منعوتا بنعوت الجلال والاكرام وكماله من لوازم ذاته فيمتنع أن يزول ~~عنه شيء من صفات كماله ويمتنع أن يصير ناقصا بعد كماله # و ( هذا الأصل ( عليه قول السلف وأهل السنة أنه لم يزل متكلما اذا شاء ~~ولم يزل قادرا ولم يزل موصوفا بصفات الكمال ولا يزال كذلك فلا يكون متغيرا ~~وهذا معنى قول من يقول يا من يغير ولا يتغير فانه يحيل صفات المخلوقات ~~ويسلبها ما كانت متصفة به اذا شاء ويعطيها من صفات الكمال ما لم يكن لها ~~وكماله من لوازم ذاته لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات PageV06P250 الكمال قال ~~تعالى ( كل شيء هالك الا وجهه ( وقال تعالى ( كل من عليها فان ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والاكرام ( # ولكن ( هؤلاء النفاة ( هم الذين يلزمهم أن يكون قد تغير فانهم ms1640 يقولون كان ~~في الازل لا يمكنه أن يقول شيئا ولا يتكلم بمشيئته وقدرته وكان ذلك ممتنعا ~~عليه لا يتمكن منه ثم صار الفعل ممكنا يمكنه أن يفعل # ولهم في ( الكلام ( قولان من يثبت الكلام المعروف وقال أنه يتكلم بمشيئته ~~وقدرته قال أنه صار الكلام ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه ومن لم يصفه ~~بالكلام المعروف بل قال أنه يتكلم بلا مشيئة وقدرة كما تقوله الكلابية ~~فهؤلاء اثبتوا كلاما لا يعقل ولم يسبقهم إليه أحد من المسلمين بل كان ~~المسلمون قبلهم على ( قولين ( # فالسلف وأهل السنة يقولون أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه غير مخلوق و ( ~~الجهمية ( يقولون أنه مخلوق بقدرته ومشيئته فقال هؤلاء بل يتكلم بلا مشيئته ~~وقدرته وكلامه شيء واحد لازم لذاته وهو حروف أو حروف واصوات أزلية لازمة ~~لذاته كما قد بسط في غير هذا الموضع # و ( المقصود ( أن هؤلاء كلهم الذين يمنعون أن الرب لم يزل يمكنه أن يفعل ~~ما شاء ويقولون ذلك يستلزم وجود حوادث لا تتناهى وذلك محال فهؤلاء يقولون ~~صار الفعل ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه وحقيقة قولهم أنه PageV06P251 ~~صار قادرا بعد أن لم يكن قادرا وهذا حقيقة التغير مع أنه لم يحدث سبب يوجب ~~كونه قادرا # واذا قالوا هو في الأزل قادر على ما لا يزال قيل هذا جمع بين النفى ~~والاثبات فهو في الأزل كان قادرا افكان القول ممكنا له أو ممتنعا عليه إن ~~قلتم ممكن له فقد جوزتم دوام كونه فاعلا وأنه قادر على حوادث لا نهاية لها ~~وان قلتم بل كان ممتنعا قيل القدرة على الممتنع مع كون الفعل ممتنعا غير ~~ممكن لا يكون مقدورا للقادر انما المقدور هو الممكن لا الممتنع # فاذا قلتم أمكنه بعد ذلك فقد قلتم أنه أمكنه أن يفعل بعد ان كان لا يمكنه ~~أن يفعل وهذا صريح في أنه صار قادرا بعد أن لم يكن وهو صريح في التغير ~~فهؤلاء النفاة الذين قالوا ان المثبتة يلزمهم القول بأنه ( تغير ( قد بان ~~بطلان قولهم ms1641 وأنهم هم الذين قالوا بما يوجب تغيره # الحجة الرابعة ( قالوا حلول الحوادث به أفول والخليل قد قال ( لا احب ~~الآفلين ( و ( الآفل ( هو المتحرك الذى تقوم به الحوادث فيكون ( الخليل ( ~~قد نفى المحبة عمن تقوم به الحوادث فلا يكون الها واذا قال المنازع أنا ~~أريد بكونه تغير أنه تكلم بمشيئته وقدرته وأنه يحب منا الطاعة ويفرح بتوبة ~~التائب ويأتى يوم القيامة قيل فهب انك سميت هذا تغيرا فلم قلت أن هذا ممتنع ~~فهذا محل النزاع كما قال الرازى فالمقدم هو الثانى PageV06P252 # فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله يوصف ( بالغيرة ( وهى مشتقة من ( ~~التغير ( فقال ( صلى الله عليه وسلم ( في الحديث الصحيح ( لا أحد أغير من ~~الله أن يزنى عبده أو تزنى أمته ( وقال أيضا ( لا أحد أحب إليه المدح من ~~الله من أجل ذلك مدح نفسه ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث ~~الرسل وأنزل الكتب ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ( وقال ( أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منى ( ~~والجواب ( أن قصة الخليل حجة عليهم لا لهم وهم المخالفون لابراهيم ولنبينا ~~ولغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك أن الله تعالى قال ( فلما ~~جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى ~~القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم ~~الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم ~~انى بريء مما تشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا ~~من المشركين ( # فقد أخبر الله في كتابه أنه من حين بزغ الكوكب والقمر والشمس والى حين ~~افولها لم يقل الخليل لا أحب البازغين ولا المتحركين ولا المتحولين ولا أحب ~~من تقوم به الحركات ولا الحوادث ولا قال شيئا مما يقوله النفاة حين أفل ~~الكوكب والشمس والقمر PageV06P253 # و ( الأفول ( باتفاق ms1642 اهل اللغة والتفسير هو الغيب والاحتجاب بل هذا معلوم ~~بالاضطرار من لغة العرب التى نزل بها القرآن وهو المراد باتفاق العلماء # فلم يقل إبراهيم ( لا أحب الآفلين ( الا حين أفل وغاب عن الأبصار فلم يبق ~~مرئيا ولا مشهودا فحينئذ قال ( لا أحب الآفلين ( وهذا يقتضى أن كونه متحركا ~~منتقلا تقوم به الحوادث بل كونه جسما متحيزا تقوم به الحوادث لم يكن دليلا ~~عند إبراهيم على نفى محبته # فان كان إبراهيم انما استدل ( بالأفول ( على انه ليس رب العالمين كما ~~زعموا لزم من ذلك أن يكون ما يقوم به الافول من كونه متحركا منتقلا تحله ~~الحوادث بل ومن كونه جسما متحيزا لم يكن دليلا عند إبراهيم على أنه ليس برب ~~العالمين وحينئذ فيلزم أن تكون قصة إبراهيم حجة على نقيض مطلوبهم لا على ~~تعيين مطلوبهم وهكذا أهل البدع لا يكادون يحتجون ( بحجة ( سمعية ولا عقلية ~~الا وهى عند التأمل حجة عليهم لا لهم ولكن ( إبراهيم عليه السلام ( لم يقصد ~~بقوله ( هذا ربى ( أنه رب العالمين ولا كان أحد من قومه يقولون انه رب ~~العالمين من تجويز ذلك عليهم بل كانوا مشركين مقرين بالصانع وكانوا يتخذون ~~الكواكب والشمس والقمر أربابا يدعونها من دون الله ويبنون لها الهياكل وقد ~~صنفت في مثل مذهبهم ( كتب ( مثل ( كتاب السر المكتوم في السحر ومخاطبة ~~النجوم ( وغيره من الكتب PageV06P254 # ولهذا قال الخليل ( افرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم واباؤكم الأقدمون فانهم ~~عدو لى الا رب العالمين ( وقال تعالى ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه اذ قالوا لقومهم انا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا ~~بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده ( ~~ولهذا قال الخليل في تمام الكلام ( انى بريء مما تشركون انى وجهت وجهى للذى ~~فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ( # بين أنه انما يعبد الله وحده فله يوجه وجهه اذا توجه قصده إليه يتبع قصده ~~وجهه فالوجه توجه حيث توجه القلب فصار قلبه وقصده ووجهه متوجها ms1643 إلى الله ~~تعالى ولهذا قال ( وما أنا من المشركين ( لم يذكر أنه أقر بوجود الصانع فان ~~هذا كان معلوما عند قومه لم يكونوا ينازعونه في وجود فاطر السماوات والأرض ~~وانما كان النزاع في عبادة غير الله واتخاذه ربا فكانوا يعبدون الكواكب ~~السماوية ويتخذون لها اصناما ارضية # وهذا ( النوع الثانى من الشرك ( فان الشرك في قوم نوح كان أصله من عبادة ~~الصالحين أهل القبور ثم صوروا تماثيلهم فكان شركهم بأهل الأرض اذ كان ~~الشيطان انما يضل الناس بحسب الامكان فكان ترتيبه ( أولا ( الشرك بالصالحين ~~أيسر عليه ثم قوم إبراهيم انتقلوا إلى الشرك بالسماويات بالكواكب وصنعوا ~~لها ( الأصنام ( بحسب ما رأوه من طبائعها يصنعون لكل كوكب طعاما وخاتما ~~PageV06P255 وبخورا وأموالا تناسبه وهذا كان قد اشتهر على عهد إبراهيم امام ~~الحنفاء ولهذا قال 8 الخليل ( ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ~~ظنكم برب العالمين ( وقال لهم ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ~~( وقصة إبراهيم قد ذكرت في غير موضع من القرآن مع قومه انما فيها نهيهم عن ~~الشرك خلاف قصة موسى مع فرعون فانها ظاهرة في أن فرعون كان مظهرا الانكار ~~للخالق وجحوده # وقد ذكر الله عن إبراهيم أنه حاج الذى حاجه في ربه في قوله ( ألم تر إلى ~~الذى حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك اذ قال إبراهيم ربى الذى يحيى ~~ويميت قال أنا أحيى وأميت قال إبراهيم فان الله يأتى بالشمس من المشرق فأت ~~بها من المغرب ( فهذا قد يقال أنه كان جاحدا للصانع ومع هذا فالقصة ليست ~~صريحة في ذلك بل يدعو الانسان إلى عبادة نفسه وان كان لا يصرح بانكار ~~الخالق مثل انكار فرعون # وبكل حال ( فقصة إبراهيم ( إلى أن تكون حجة عليهم اقرب منها إلى أن تكون ~~حجة لهم وهذا بين ولله الحمد بل ما ذكره الله عن إبراهيم يدل على أنه كان ~~يثبت ما ينفونه عن الله فان إبراهيم قال ( ان ربى لسميع الدعاء ( والمراد ~~به أنه يستجيب الدعاء كما يقول المصلى ms1644 سمع الله لمن حمده وانما يسمع الدعاء ~~ويستجيبه بعد وجوده لا قبل وجوده كما قال الله تعالى ( قد سمع الله قول ~~التى تجادلك في زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما PageV06P256 فهي ~~تجادل وتشتكى حال سمع الله تحاورهما وهذا يدل على أن سمعه كرؤيته المذكورة ~~في قوله ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( وقال ( ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ( فهذه رؤية مستقلة ونظر ~~مستقل وقد تقدم أن المعدوم لا يرى ولا يسمع منفصلا عن الرائى السامع باتفاق ~~العقلاء فاذا وجدت الأقوال والأعمال سمعها ورآها # و ( الرؤية ( و ( السمع ( أمر وجودى لابد له من موصوف يتصف به فاذا كان ~~هو الذى رآها وسمعها امتنع أن يكون غيره هو المتصف بهذا السمع وهذه الرؤية ~~وأن تكون قائمة بغيره فتعين قيام هذا السمع وهذه الرؤية به بعد أن خلقت ~~الأعمال والأقوال وهذا مطعن لا حيلة فيه # وقد بسط الكلام على ( هذه المسألة ( وما قال فيها عامة الطوائف في غير ~~هذا الموضع وحكيت ألفاظ الناس بحيث يتيقن الانسان أن النافى ليس معه حجة لا ~~سمعية ولا عقلية وأن الأدلة العقلية الصريحة موافقة لمذهب السلف وأهل ~~الحديث وعلى ذلك يدل الكتاب والسنة مع ( الكتب المتقدمة ( التوراة والانجيل ~~والزبور فقد اتفق عليها نصوص الأنبياء وأقوال السلف وأئمة العلماء ودلت ~~عليها صرائح المعقولات فالمخالف فيها كالمخالف في أمثالها ممن ليس معه حجة ~~لا سمعية ولا عقلية بل هو شبيه بالذين قالوا ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير PageV06P257 قال الله تعالى ( اولم يسيروا في الأرض فتكون ~~لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الآبصار ولكن تعمى ~~القلوب التى في الصدور ( ولكن ( هذه المسألة ( و ( مسألة الزيارة ( وغيرهما ~~حدث من المتأخرين فيها شبه # وأنا وغيرى كنا على ( مذهب الآباء ( في ذلك نقول في ( الأصلين ( بقول أهل ~~البدع فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الامر بين أن نتبع ما أنزل الله ~~أو نتبع ما ms1645 وجدنا عليه آباءنا فكان الواجب هو اتباع الرسول وأن لا نكون ممن ~~قيل فيه ( واذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا ( وقد قال تعالى ( قل اولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه اباءكم ( ~~وقال تعالى ( ووصينا الانسان بوالديه حسنا وان جاهداك على أن تشرك بى ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب ~~إلى ( فالواجب اتباع الكتاب المنزل والنبى المرسل وسبيل من أناب إلى الله ~~فاتبعنا الكتاب والسنة كالمهاجرين والأنصار دون ما خالف ذلك من دين الاباء ~~وغير الآباء والله يهدينا وسائر اخواننا إلى الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # والله سبحانه أنزل القرآن وهدى به الخلق واخرجهم به من الظلمات ~~PageV06P258 إلى النور وام القرآن هي فاتحة الكتاب قال النبى ( ( في الحديث ~~الصحيح ( يقول الله قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها ~~لعبدى ولعبدى ما سأل فاذا قال العبد ( الحمد لله رب العالمين ( قال الله ~~حمدنى عبدى فاذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال الله اثنى على عبدى فاذا قال ( ~~مالك يوم الدين ( قال الله مجدنى عبدى فاذا قال ( اياك نعبد واياك نستعين ( ~~قال الله هذه بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل فاذا قال ( اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( قال ~~هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل # فهذه ( السورة ( فيها لله الحمد فله الحمد في الدنيا والآخرة وفيها للعبد ~~السؤال وفيها العبادة لله وحده وللعبد الاستعانة فحق الرب حمده وعبادته ~~وحده وهذان ( حمد الرب وتوحيده ( يدور عليهما جميع الدين # و ( مسألة الصفات الاختيارية ( هي من تمام حمده فمن لم يقر بها لم يمكنه ~~الاقرار بأن الله محمود البتة ولا أنه رب العالمين فان الحمد ضد الذم ~~والحمد هو الاخبار بمحاسن المحمود مع المحبة له والذم هو الاخبار بمساوى ~~المذموم مع البغض له وجماع المساوى فعل الشر كما أن جماع المحاسن فعل الخير # فاذا ms1646 كان يفعل الخير بمشيئته وقدرته استحق ( الحمد فمن لم يكن له فعل ~~اختيارى يقوم به بل ولا يقدر على ذلك لا يكون خالقا ولا ربا للعالمين ~~PageV06P259 # وقوله ( الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض ( الحمد لله الذى انزل على ~~عبده الكتاب ( ونحو ذلك فاذا لم يكن له فعل يقوم به باختياره امتنع ذلك كله # فانه من المعلوم بصريح ( العقل ( أنه اذا خلق السماوات والأرض فلابد من ~~فعل يصير به خالقا والا فلو استمر الامر على حال واحدة لم يحدث فعل لكان ~~الامر على ما كان قبل أن يخلق وحينئذ فلم يكن المخلوق موجودا فكذلك يجب أن ~~لا يكون المخلوق موجودا ان كان الحال في المستقبل مثل ما كان في الماضى لم ~~يحدث من الرب فعل هو خلق السماوات والأرض وقد قال تعالى ( ما أشهدتهم خلق ~~السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ( ومعلوم أنهم قد شهدوا نفس المخلوق فدل ~~على أن ( الخلق ( لم يشهدوه وهو تكوينه لها واحداثه لها غير المخلوق الباقى # وأيضا فانه قال ( خلق السماوات والأرض في ستة أيام ( فالخلق لها كان في ~~ستة أيام وهى موجودة بعد المشيئة فالذى اختص بالمشيئة غير الموجود بعد ~~المشيئة # وكذلك ( الرحمن الرحيم ( فان الرحمن الرحيم هو الذى يرحم العباد بمشيئته ~~وقدرته فان لم يكن له رحمة الا نفس إرادة قديمة أو صفة أخرى قديمة لم يكن ~~موصوفا بأنه يرحم من يشاء ويعذب من يشاء قال الخليل ( قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة PageV06P260 ان الله على ~~كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء واليه تقلبون ( فالرحمة ضد التعذيب ~~والتعذيب فعله وهو يكون بمشيئته كذلك الرحمة تكون بمشيئته كما قال ( ويرحم ~~من يشاء ( والارادة القديمة اللازمة لذاته أو صفة اخرى لذاته ليست بمشيئته ~~فلا تكون الرحمة بمشيئته # وان قيل ليس بمشيئته الا المخلوقات المباينة لزم أن لا تكون صفة للرب بل ~~تكون مخلوقة له وهو انما يتصف بما يقوم به لا يتصف بالمخلوقات فلا يكون هو ~~( الرحمن ms1647 الرحيم ( وقد ثبت في الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( لما قضى ~~الله الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش ان رحمتى تغلب غضبى وفى ~~رواية تسبق غضبى ( وما كان سابقا لما يكون بعده لم يكن الا بمشيئة الرب ~~وقدرته # ومن قال ما ثم رحمة الا ارادة قديمة أو ما يشبهها امتنع أن يكون له غضب ~~مسبوق بها فان الغضب ان فسر بالارادة فالارادة لم تسبق نفسها وكذلك ان فسر ~~بصفة قديمة العين فالقديم لا يسبق بعضه بعضا وان فسر بالمخلوقات لم يتصف ~~برحمة ولا غضب وهو قد فرق بين غضبه وعقابه بقوله ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها ~~وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا عظيما ( وقوله ( ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ( وفى الحديث الذى رواه ~~الامام أحمد عن النبى ( ( أنه كان يقول PageV06P261 ( أعوذ بكلمات الله ~~التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وان يحضرون ( # ويدل على ذلك قوله ( ربكم أعلم بكم ان يشأ يرحمكم أو ان يشأ يعذبكم ( ~~فعلق الرحمة بالمشيئة كما علق التعذيب وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب ~~فهو من ( الصفات الاختيارية ( # وكذلك كونه مالكا ليوم الدين يوم يدين العباد بأعمالهم ان خيرا فخير وان ~~شرا فشر ( يوم الدين وما ادراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~والامر يومئذ لله ( فان ( الملك ( هو الذى يتصرف بأمر فيطاع ولهذا انما ~~يقال ( ملك ( للحى المطاع الامر لا يقال في الجمادات لصاحبها ( ملك ( انما ~~يقال له ( مالك ( ويقال ليعسوب النحل ( ملك النحل ( لأنه يأمر فيطاع ~~والمالك القادر على التصريف في المملوك واذا كان ( الملك ( هو الآمر الناهى ~~المطاع فان كان يأمر وينهى بمشيئته كان أمره ونهيه من ( الصفات الاختيارية ~~( وبهذا أخبر القرآن قال الله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ~~أحلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم ان ~~الله يحكم ms1648 ما يريد ( # وان كان لا يأمر وينهى بمشيئته بل امره لازم له حاصل بغير مشيئته ولا ~~قدرته لم يكن هذا مالكا ايضا بل هذا اولى أن يكون مملوكا فان الله تعالى ~~خلق الانسان وجعل له صفات تلزمه كاللون والطول والعرض والحياء PageV06P262 ~~ونحو ذلك مما يحصل لذاته بغير اختياره فكان باعتبار ذلك مملوكا مخلوقا للرب ~~فقط وانما يكون ( ملكا ( اذا كان يأمر وينهى باختياره فيطاع وان كان الله ~~خالقا لفعله ولكل شيء # ولكن المقصود أنه لا يكون ( ملكا ( الا من يأمر وينهى بمشيئته وقدرته بل ~~من قال أنه لازم له بغير مشيئته أو قال أنه مخلوق له فكلاهما يلزمه أنه لا ~~يكون ( ملكا ( واذا لم يمكنه أن يتصرف بمشيئته لم يكن ( مالكا ( أيضا فمن ~~قال أنه لا يقوم به ( فعل اختيارى ( لم يكن عنده في الحقيقة مالكا لشيء ~~واذا اعتبرت سائر القرآن وجدت أنه من لم يقر ( بالصفات الاختيارية ( لم يقم ~~بحقيقة الايمان ولا القرآن فهذا يبين أن الفاتحة وغيرها يدل على ( الصفات ~~الاختيارية ( # وقوله ( اياك نعبد واياك نستعين ( فيه اخلاص العبادة لله والاستعانة به ~~وان المؤمنين لا يعبدون الا الله ولا يستعينون الا بالله فمن دعا غير الله ~~من المخلوقين أو استعان بهم من أهل القبور وغيرهم لم يحقق قوله ( اياك نعبد ~~واياك نستعين ( ولا يحقق ذلك الا من فرق بين ( الزيارة الشرعية ( و ( ~~الزيارة البدعية ( # فان ( الزيارة الشرعية ( عبادة لله وطاعة لرسوله وتوحيد لله واحسان إلى ~~عباده وعمل صالح من الزائر يثاب عليه و ( الزيارة البدعية ( شرك بالخالق ~~وظلم للمخلوق وظلم للنفس # فصاحب الزيارة الشرعية هو الذى يحقق قوله ( اياك نعبد واياك PageV06P263 ~~نستعين ( ألا ترى أن اثنين لو شهدا جنازة فقام أحدهما يدعو للميت ويقول ~~اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه واكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء ~~وثلج وبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس وابدله ~~دارا خيرا من داره واهلا خيرا من أهله واعذه من عذاب النار وعذاب القبر ~~وافسح له في قبره ms1649 ونور له فيه ونحو ذلك من الدعاء له وقام الآخر فقال يا ~~سيدى اشكو لك ديونى وأعدائى وذنوبى انا مستغيث بك مستجير بك اغثنى ونحو ذلك ~~لكان الاول عابدا لله ومحسنا إلى خلقه محسنا إلى نفسه بعبادة الله ونفعه ~~عباده وهذا الثانى مشركا مؤذيا ظالما معتديا على الميت ظالما لنفسه # فهذا بعض ما بين ( البدعية ( والشرعية # من الفروق # والمقصود ان صاحب ( الزيارة الشرعية ( اذا قال ( اياك نعبد واياك نستعين ~~( كان صادقا لأنه لم يعبد الا الله ولم يستعن الا به وأما صاحب ( الزيارة ~~البدعية ( فانه عبد غير الله واستعان بغيره # فهذا بعض ما يبين أن ( الفاتحة ( أم القرآن اشتملت على بيان المسألتين ~~المتنازع فيهما ( مسألة الصفات الاختيارية ( و ( مسألة الفرق بين الزيارة ~~الشرعية والزيارة البدعية ( والله تعالى هو المسؤول أن يهدينا وسائر ~~اخواننا إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا PageV06P264 # ومما يوضح ذلك أن النبى ( ( قال ( اذا قال العبد ( الحمد لله رب العالمين ~~( قال الله حمدنى عبدى فاذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال أثنى على عبدى فاذا ~~قال ( مالك يوم الدين ( قال الله مجدنى عبدى ( فذكر الحمد والثناء والمجد ~~بعد ذلك يقول ( اياك نعبد واياك نستعين ( إلى آخرها هذا في أول القراءة في ~~قيام الصلاة # ثم في آخر القيام بعد الركوع يقول ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض ~~إلى قوله أهل الثناء والمجد احق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما ~~اعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وقوله احق ما قال العبد ~~خبر مبتدأ محذوف أى هذا الكلام احق ما قال العبد فتبين ان حمد الله والثناء ~~عليه احق ما قاله العبد وفى ضمنه توحيده له اذا قال ولك الحمد أى لك لا ~~لغيرك وقال في آخره لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت وهذا يقتضى ~~انفراده بالعطاء والمنع فلا يستعان الا به ولا يطلب الا منه # ثم قال ولا ينفع ذا الجد منك ms1650 الجد فبين ان الانسان وان أعطى الملك والغنى ~~والرئاسة فهذا لا ينجيه منك انما ينجيه الايمان والتقوى وهذا تحقيق قوله ( ~~اياك نعبد واياك نستعين ( فكان هذا الذكر في آخر القيام لأنه ذكر أول ~~القيام وقوله أحق ما قال العبد يقتضى ان يكون حمد الله احق الاقوال بان ~~يقوله العبد وما كان احق الاقوال كان أفضلها واوجبها على الانسان # ولهذا افترض الله على عباده في كل صلاة ان يفتتحوها بقولهم ( الحمد لله ~~رب العالمين ( وامرهم ايضا ان يفتتحوا كل خطبة ( بالحمد لله ( فامرهم ان ~~PageV06P265 يكون مقدما على كل كلام سواء كان خطابا للخالق أو خطابا ~~للمخلوق ولهذا يقدم النبى ( ( الحمد أمام الشفاعة يوم القيامة ولهذا أمرنا ~~بتقديم الثناء على الله في التشهد قبل الدعاء وقال النبى ( ( كل امر ذى بال ~~لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم وأول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين ~~يحمدون الله على السراء والضراء # وقوله ( الرحمن الرحيم ( جعله ثناء وقوله ( مالك يوم الدين ( جعله تمجيدا ~~وقوله ( الحمد لله ( حمد مطلق فان ( الحمد ( اسم جنس والجنس له كمية وكيفية ~~فالثناء كميته وتكبيره وتعظيمه كيفيته و ( المجد ( هو السعة والعلو فهو ~~يعظم كيفيته وقدره وكميته المتصلة وذلك أن هذا وصف له بالملك و ( الملك ( ~~يتضمن القدرة وفعل ما يشاء و ( الرحمن الرحيم ( وصف بالرحمة المتضمنة ~~لاحسانه إلى العباد بمشيئته وقدرته ايضا والخير يحصل بالقدرة والارادة التى ~~تتضمن الرحمة # فاذا كان قديرا مريدا للاحسان حصل كل خير وانما يقع النقص لعدم القدرة أو ~~لعدم ارادة الخير ( فالرحمن الرحيم الملك ( قد اتصف بغاية ارادة الاحسان ~~وغاية القدرة وذلك يحصل به خير الدنيا والآخرة # وقوله ( مالك يوم الدين ( مع أنه ( ملك الدنيا ( لأن يوم الدين لا يدعى ~~أحد فيه منازعة وهو اليوم الاعظم فما الدنيا في الآخرة الا كما يضع أحدكم ~~أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع و ( الدين ( عاقبة افعال العباد وقد يدل ~~بطريق التنبيه وبطريق العموم عند بعضهم على ملك الدنيا فيكون له الملك ~~PageV06P266 وله الحمد كما قال تعالى ms1651 ( له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير ( وذلك يقتضى أنه قادر على أن يرحم ورحمته واحسانه وصف له يحصل ~~بمشيئته وهو من ( الصفات الاختيارية ( # وفى الصحيح ( أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( كان يعلم أصحابه الاستخارة ~~في الامور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن يقول اذا هم أحدكم بالامر ~~فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم انى أستخيرك بعلمك وأستقدرك ~~بقدرتك واسألك من فضلك العظيم فانك تقدر ولا اقدر وتعلم ولا اعلم وأنت علام ~~الغيوب اللهم ان كنت تعلم أن هذا الامر ويسميه باسمه خيرا لى في دينى ~~ودنياى ومعاشى وعاقبة أمرى فاقدره لى ويسره لى ثم بارك لى فيه وان كنت تعلم ~~أن هذا الامر شر لى في دينى ومعاشى وعاقبة أمرى فاصرفه عنى واصرفنى عنه ~~واقدر لى الخير حيث كان ( # فسأله بعلمه وقدرته ومن فضله وفضله يحصل برحمته وهذه الصفات هي جماع صفات ~~الكمال لكن ( العلم ( له عموم التعلق يتعلق بالخالق والمخلوق والموجود ~~والمعدوم وأما ( القدرة ( فانما تتعلق بالمخلوق وكذلك ( الملك ( انما يكون ~~ملكا على المخلوقات # ( فالفاتحة ( اشتملت على الكمال في ( الارادة ( وهو الرحمة وعلى الكمال ~~في ( القدرة ( وهو ملك يوم الدين وهذا انما يتم ( بالصفات الاختيارية ( كما ~~تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم PageV06P267 قال شيخ الإسلام رحمه الله ~~تعالى ### ||| فصل # وصفه تعالى ( بالصفات الفعلية ( مثل الخالق والرازق والباعث والوارث ~~والمحيى والمميت قديم عند أصحابنا وعامة أهل السنة من المالكية والشافعية ~~والصوفية ذكره محمد بن إسحاق الكلاباذى حتى الحنفية والسالمية والكرامية ~~والخلاف فيه مع ( المعتزلة ( و ( الأشعرية ( # وكذلك قول بن عقيل ( في الإرشاد ( وبسط القول في ذلك وزعم أن أسماءه ~~الفعلية وان كانت قديمة فانها مجاز قبل وجود الفعل وذكر ذلك عن القاضي في ( ~~المعتمد ( في مسائل الخلاف مع السالمية والقاضى انما ذكر للمسألة ثلاثة ~~مآخذ # ( أحدها ( أنه مثل قولهم خبز مشبع وماء مروى وسيف قاطع وليس ذلك بمجاز ~~لأن المجاز ما يصح نفيه كما يقال عن الجد ليس بأب ولا PageV06P268 يصح أن ~~يقال عن السيف ms1652 الذى يقطع ليس بقطوع ولا عن الخبز الكثير والماء الكثير ليس ~~بمشبع ولا بمروى فعلم أن ذلك حقيقة هذا تعليل القاضي # قلت وهذا لأن الوصف بذلك يعتمد كمال الوصف الذى يصدر عنه الفعل لا ذات ~~الفعل الصادر وعلى هذا فيوصف بكل ما يتصف بالقدرة عليه وإن لم يفعله # قلت وقد اختلف أصحابنا في قول أحمد ( لم يزل الله عالما متكلما غفورا ( ~~هل قوله لم يزل متكلما مثل قوله غفورا أو مثل قوله عالما على ( قولين ( # المأخذ ( الثانى ( أن الفعل متحقق منه في الثانى من الزمان كتحققنا الآن ~~أنه باعث وارث قبل البعث والارث وهذا مأخذ أبى إسحاق بن شاقلا والقاضى أيضا ~~وهذا بخلاف من يجوز أن يفعل ويجوز أن لا يفعل # وهذا يشبه من بعض الوجوه وصف النبى قبل النبوة بأنه خاتم النبيين وسيد ~~ولد آدم وخاتم الرسل ووصف عمر بأنه فاتح الأمصار كما قيل ولد الليلة نبى ~~هذه الأمة وكما قال ( اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر ( # وقد ذكر طائفة من الأصوليين أن اطلاق الصفة قبل وجود المعنى مجاز ~~بالاتفاق وحين وجوده حقيقة وبعد وجوده وزواله محل الاختلاف لكن هذه الحكاية ~~مردودة عند الجمهور فيفرقون بين من يتحقق وجود الفعل منه وبين من يمكن وجود ~~الفعل منه PageV06P269 # ثم قد يقال كونه خالقا في الأزل للمخلوق فيما لا يزال بمنزلة كونه مريدا ~~في الأزل ورحيما وبهذا يظهر الفرق بين اطلاق ذلك عليه واطلاق الوصف على من ~~سيقوم به في المستقبل من المخلوقين فعلى الوجه الأول يكون الخالق بمنزلة ~~القادر وعلى هذا الوجه يكون الخالق بمنزلة الرحيم وهذا الفرق يعود إلى ~~المأخذ الثالث # وهو أن الله سبحانه ( في ذاته ( حاله قبل أن يفعل وحاله بعد أن يفعل سواء ~~لم تتغير ذاته عن أفعاله ولم يكتسب عن أفعاله صفات كمال كالمخلوق # وهذا المأخذ نبه عليه القاضي أيضا فقال وأيضا فقد ثبت كونه الآن خالقا ~~والخالق ذاته وذاته كانت في الأزل فلو لم يكن خالقا وصار خالقا للزمه ~~التغير والتحويل والله يتعالى ms1653 عن ذلك وعلى هذا فيكون ذلك بمنزلة الرحيم ~~والحليم # ( المأخذ الرابع ( أن الخلق صفة قائمة بذاته ليست هي المخلوق وجوز القاضي ~~في موضع آخر أن يقال هو قديم الاحسان والانعام ويعنى به أن الاحسان صفة ~~قائمة به غير المحسن به ومنع أن يقال يا قديم الخلق لأن الخلق هو المخلوق ~~وهذا أحد القولين لأصحابنا وهو قول الكرامية والحنفية وتسميها فرقة التكوين ~~و # ( القول الثانى ( أن الخلق هو المخلوق كقول الأشعرية قال القاضي في عيون ~~المسائل ( مسألة ( والخلق غير المخلوق فالخلق صفة PageV06P270 قائمة بذاته ~~والمخلوق هو الموجود المخترع لا يقوم بذاته قال وهذا بناء على المسألة التى ~~تقدمت وان الصفات الصادرة عن الأفعال موصوف بها في القدم # قلت ثم هل يحدث فعل في ذاته من قول أو ارادة عند وجود المخلوقات فيه خلاف ~~بين أصحابنا وغيرهم مبنى على ( الصفات الفعلية ( مثل الاستواء والنزول ونحو ~~ذلك مع اتفاقهم على أنه لم يزل موصوفا بصفاته قديما بها لم يتجدد له صفة ~~كمال لكن أعيان الأقوال والأفعال هل هي قديمة أم الكمال أنه لم يزل موصوفا ~~بنوعها # ( وتلخيص الكلام هنا ( أن كونه خالقا وكريما هل هو لأجل ما أبدعه منفصلا ~~عنه من الخلق والنعم أم لأجل ما قام به من صفة الخلق والكرم ( الثانى ( هو ~~قول الحنفية والكرامية وكثير من أهل الحديث وأصحابنا في أحد القولين بل في ~~أصحهما وعليه يدل كلام أحمد وغيره من علماء السنة # وعلى هذا القول يقال أنه لم يزل كريما وغفورا وخالقا كما يقال لم يزل ~~متكلما ويكون في تفسير ذلك ( قولان ( كما في تفسير المتكلم ( قولان ( هل هو ~~يلحق بالعالم أو بالغفور و ( الأول ( هو قول الأشعرية بناء على أن الخلق هو ~~المخلوق # وعلى هذا فقول أصحابنا كان خالقا في الأزل اما بمعنى القدرة التامة كما ~~يقال سيف قاطع أو بمعنى وجود الفعل قطعا في الحال الثانى كما يقال ~~PageV06P271 هذا فاتح الأمصار وهذا نبى هذه الأمة وعلى هذا المعنى فالخلق ~~من الصفات النسبية الاضافية # واذا جعلنا الخلق صفة ms1654 قائمة به فهل هي المشيئة والقول أم صفة أخرى على ( ~~قولين ( الثانى ( قول الحنفية وأكثر الفقهاء والمحدثين كما اختلف أصحابنا ~~في الرحمة والرضا والغضب هل هي الارادة أم صفة غير الارادة على ( قولين ( ~~أصحهما أنها ليست هي الارادة # فما شاء الله كان وهو لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر # وأما قولنا هو موصوف في الأزل بالصفات الفعلية من الخلق والكرم والمغفرة ~~فهذا اخبار عن أن وصفه بذلك متقدم لأن الوصف هو الكلام الذى يخبر به عنه ~~وهذا مما تدخله الحقيقة والمجاز وهو حقيقة عند أصحابنا واما اتصافه بذلك ~~فسواء كان صفة ثبوتية وراء القدرة أو إضافية فيه من الكلام ما تقدم # PageV06P272 ### || 1 ( رسالة في حلول الحوادث ) 1 # ! 8 < وقال الشيخ الإمام العالم العلامة # حبر الأمة وبحر العلوم شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ~~رحمه الله ورضى عنه وأدخله الجنة # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما ! 8 < ( ### ||| فصل # ( # فيما ذكره الرازى في ( الأربعين ( في مسألة ( الصفات الإختيارية ( التى ~~يسمونها حلول الحوادث بعد أن قرر أن هذا المذهب قال به أكثر فرق العقلاء ~~وإن كانوا ينكرونه باللسان # قال وأعلم ان الصفات على ( ثلاثة اقسام # ( حقيقية عارية عن الاضافات ( كالسواد والبياض # ( وثانيها ( الصفات الحقيقية التى تلزمها الاضافات كالعلم والقدرة # ( وثالثها ( الاضافات المحضة والنسب المحضة مثل كون الشيء قبل غيره ~~PageV06P273 وعنده ومثل كون الشيء يمينا لغيره أو يسارا له فانك اذا جلست ~~على يمين انسان ثم قام ذلك الانسان وجلس في الجانب الآخر منك فقد كنت يمينا ~~له ثم صرت الآن يسارا له فهنا لم يقع التغير في ذاتك ولا في صفة حقيقية من ~~صفاتك بل في محض الاضافات # اذا عرفت هذا فنقول اما وقوع التغير في الاضافات فلا خلاص ms1655 عنه واما وقوع ~~التغير في الصفات الحقيقية فالكرامية يثبتونه وسائر الطوائف ينكرونه فبهذا ~~يظهر الفرق في هذا الباب بين مذهب الكرامية ومذهب غيرهم # قال والذى يدل على فساد قول الكرامية ( وجوه ( # ( الأول ) ان كل ما كان من صفات الله فلابد ان يكون من صفات الكمال ونعوت ~~الجلال فلو كانت صفة من صفاته محدثة لكانت ذاته قبل حدوث تلك الصفة خالية ~~عن صفة الكمال والجلال والخالى عن صفة الكمال ناقص فيلزم ان ذاته كانت ~~ناقصة قبل حدوث تلك الصفة فيها وذلك محال فثبت أن حدوث الصفة في ذات الله ~~محال # قلت ولقائل أن يقول ما ذكرته لا يدل على محل النزاع وبيان ذلك من ( وجوه ~~( # ( أحدها ( أن الدليل مبنى على مقدمات لم يقرروا واحدة منها لا بحجة عقلية ~~ولا سمعية وهو أن كل ما كان من صفات الله لابد أن يكون من صفات الكمال وان ~~الذات قبل تلك الصفة تكون ناقصة وان ذلك النقص محال PageV06P274 # وحقيقة الأمر لو قام به حادث لامتنع خلوه منه قبل ذلك ولم يقم على ذلك ~~حجة # ( الثانى ( أن وجوب اتصافه بهذا الكمال وتنزيهه عن النقص لم تذكر في كتبك ~~عليه حجة عقلية بل أنت وشيوخك كأبى المعالى وغيره تقولون ان هذا لم يعلم ~~بالعقل بل بالسمع واذا كنتم معترفين بأن هذه المقدمة لم تعرفوها بالعقل ~~فالسمع اما نص واما اجماع وأنتم لم تحتجوا بنص بل في القرآن أكثر من مائة ~~نص حجة عليكم والأحاديث المتواترة حجة عليكم ( ودعوى الاجماع ( اذا كانت ~~أزلية وجب أن يكون المقبول صحيح الوجود في الأزل # والدليل عليه أن كون الشيء قابلا لغيره نسبة بين القابل والمقبول والنسبة ~~بين المنتسبين متوقفة على تحقق كل واحد من المنتسبين وصحة النسبة تعتمد ~~وجود المنتسبين # فلما كانت صحة اتصاف البارى بالحوادث حاصلة في الأزل لزم أن تكون صحة ~~وجود الحوادث حاصلة في الأزل # فيقال لك هذا الدليل بعينه موجود في كونه قادرا فان كون الشيء قادرا على ~~غيره نسبة بين القادر والمقدور والنسبة بين المنتسبين ms1656 متوقفة على تحقيق كل ~~واحد من المنتسبين وصحة النسبة تعتمد وجود المنتسبين فلما PageV06P275 كانت ~~صحة اتصاف البارى بالقدرة على الغير حاصلة في الأزل لزم أن يكون صحة وجود ~~المقدور حاصلة في الأزل فهذا وزان ما قلته سواء بسواء # وحينئذ فان جوزت وجود أحد المنتسبين وهو كونه قادرا في الأزل مع امتناع ~~وجود المقدور في الأزل فجوز أحد المنتسبين وهو كونه قابلا في الأزل مع ~~امتناع وجود المقبول في الأزل وان لم تجوز ذلك بل لا تتحقق النسب الا مع ~~تحقيق المنتسبين جميعا لزم اما تحقق امكان المقدور في الأزل واما امتناع ~~كونه قادرا في الأزل وأيا ما كان بطلت حجتك سواء جوزت وجود أحد المنتسبين ~~مع تأخر الآخر أو جوزت وجود المقدور في الأزل أو قلت انه ليس بقادر في ~~الأزل فان هذا وان كان لا يقوله لكن لو قدر أن أحدا التزمه وقال أنه يصير ~~قادرا بعد ان لم يكن قادرا كما يقولون أنه يصير قابلا بعد ان لم يكن قابلا # قيل له كونه قادرا ان كان من لوازم ذاته وجب كونه لم يزل قادرا وامتنع ~~وجود الملزوم وهو الذات بدون اللازم وهو القدرة # وان لم تكن من لوازم الذات كانت من عوارضها فتكون الذات قابلة لكونه ~~قادرا وكانت الذات قابلة لتلك القابلية # فقبول كونه قادرا ان كان من اللوازم عاد المقصود وان كان من العوارض ~~افتقر إلى قابلية أخرى ولزم اما التسلسل واما الانتهاء إلى قادرية تكون من ~~لوازم الذات PageV06P276 # ( الجواب الثامن ( أن يقال فرقك بأن وجود القادر يجب أن يكون متقدما على ~~وجود المقدور ووجود القابل لا يجب أن يكون متقدما على وجود المقبول فرق ~~بمجرد الدعوى ولم تذكر دليلا لا على هذا ولا على هذا والنزاع ثابت في كلا ~~الأمرين # فمن الناس من يقول لا يجب أن يكون القادر متقدما على امكان وجود المقدور ~~بل ولا يجوز بل يمكن أن يكون وجود المقدور مع قدرة القادر وهذا كما يكون ~~المقدور مع القدرة عند جماهير الناس من ms1657 المسلمين وغيرهم وان كان وجود ~~المقدور مع القادر يفسر بشيئين # ( أحدهما ( أن يكون المقدور أزليا مع القادر في الزمان فهذا لا يقوله أهل ~~الملل وجماهير العقلاء الذين يقولون ان الله خالق كل شيء وهو القديم وما ~~سواه مخلوق حادث بعد ان لم يكن وانما يقوله شرذمة من الفلاسفة الذين يقولون ~~ان الفلك معه بالزمان لم يتأخر عنه ويجعلونه مع ذلك مفعولا مقدورا # وأما كون المقدور متصلا بالقادر بحيث لا يكون بينهما انفصال ولكنه عقبه ~~فهذا مما يقوله أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم ويقولون المؤثر التام يوجد ~~أثره عقب تأثره ويقولون الموجب التام يستلزم وجود موجبه عقبه لا معه فان ~~الناس في المؤثر التام على ( ثلاثة أقوال PageV06P277 # منهم من يقول يجوز أو يجب أن يكون اثره منفصلا عنه فلا يكون المقدور الا ~~متراخيا عن القادر والأثر متراخيا عن المؤثر كما يقول ذلك كثير من أهل ~~الكلام وغيرهم # ومنهم من يقول بل يجوز أو يجب أن يقارنه في الزمان كما يقول ذلك من يقوله ~~من المتفلسفة ووافقهم عليه بعض أهل الكلام في العلة الفاعلية فقالوا ان ~~معلولها يقارنها في الزمان # ( والقول الثالث ( أن الأثر يتصل بالمؤثر التام لا ينفصل عنه ولا يقارنه ~~في الزمان فالقادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور لا ينفصل عنه # واذا قال القائل وجود القادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور قالوا ~~ان عنيت بالتقدم الانفصال فممنوع وان عنيت عدم المقارنة فمسلم ولكن لا نسلم ~~المقارنة # وذلك يتضح بالجواب التاسع وهو أن يقال قولك اما وجوب وجود القابل فلا يجب ~~أن يكون متقدما على وجود المقبول فلم تذكر عليه دليلا وهى قضية كلية سالبة ~~وهى ممنوعة بل المقبول قد يكون من الصفات اللازمة كالحياة والعلم والقدرة ~~فيجب أن يقارن المقبول للقابل فلا يتقدم القابل على المقبول وقد يكون من ~~الأمور الاختيارية التى تحدث بقدرة الرب ومشيئته # فهذه المقبولات هي مقدورة للرب وهى مع كونها مقبولة نوع من PageV06P278 ~~المقدورات وأنت قد قلت ان المقدور يجب أن يكون ms1658 متأخرا عن وجود القادر وهذا ~~النوع من المقبولات مقدور فيجب على قولك أن يكون القابل لهذه متقدما على ~~وجود المقبول # ثم التقدم إن عنيت به مع الانفصال والبينونة الزمانية ففيه نزاع وان عنيت ~~به المتقدم وان كان المقدور المقبول متصلا بالقادر القابل من غير برزخ ~~بينهما فهذا لا ينازعك فيه أحد من أهل الملل وجماهير العقلاء بل لا ينازعك ~~فيه عاقل يتصور ما يقول فان المقدور الذى يفعله القادر الأزلى بمشيئته ~~يمتنع أن يكون قديما معه لم يتقدم القادر عليه # ولهذا كان العقلاء قاطبة على ان كل ما كان مقدورا مفعولا بالاختيار بل ~~مفعولا مطلقا لم يكن الا حادثا كائنا بعد ان لم يكن # ( الجواب العاشر ( ان وجود الحوادث شيئا بعد شيء ان كان ممكنا كانت الذات ~~قابلة لذلك وان كان ممتنعا امتنع أن تكون قابلة له بل وان قيل ان القبول من ~~لوازمها فهو مشروط بامكان المقبول فلم تزل قابلة لما يمكن وجوده دون ما ~~يمتنع # وهذا هو ( الجواب الحادى عشر ( وهو أن يقال الذات لم تزل قابلة لكن وجود ~~المقبول مشروط بامكانه فلم تزل قابلة لما يمكن وجوده لا لما لا يمكن وجوده ~~PageV06P279 ( الوجه الثانى عشر ( أن يقال عمدة النفاة أنه لو كان قابلا ~~لها في الأزل للزم وجودها أو امكان وجودها في الأزل وقرروا ذلك في ( ~~الطريقة المشهورة ( بأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده # وقد نازعهم الجمهور في هذه ( المقدمة ( ونازعهم فيها الرازى والآمدى ~~وغيرهما وهم يقولون كل جسم من الأجسام فانه لا يخلو من كل جنس من الاعراض ~~عن واحد من ذلك الجنس لأن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده فلذلك عدل من ~~عدل إلى أن يقولوا لو كان قابلا لها لكان قبوله لها من لوازم ذاته وهذا ~~يقتضى أن يفسر لو كان قابلا للحوادث لم يخل من الحادث أو من ضده فقولهم ~~القابل للشيء لا يخلو عن ضده فقد يقال على هذه الطريقة إن هذا يختص به لا ~~بما سواه # وقد يقال ms1659 هو عام أيضا فيقول لهم اصحابهم ما ذكرتموه في حقه منقوض بقبول ~~سائر الموصوفات بما تقبله فان قبولها لما تقبله ان كان من لوازم ذاتها لزم ~~أن لا تزال قابلة له وان كان من عوارض الذات فهي قابلة لذلك القبول # وحينئذ يلزم اما التسلسل واما الانتهاء إلى قابلية تكون من لوازم الذات ~~فيلزم أن يكون كل ما يقبل شيئا قبوله له من لوازم ذاته وليس الأمر كذلك فان ~~الانسان وغيره من الموجودات يقبل صفات في حال دون حال # وجواب هذا أن المخلوق الذى يقبل بعض الصفات في بعض الأحوال PageV06P280 ~~لابد أن يكون قد تغير تغيرا أوجب له قبول ما لم يكن قابلا له كالانسان اذا ~~كبر حصل له من قبول العلم والفهم ما لم يكن قابلا له قبل ذلك بخلاف من لم ~~تزل ذاته على حال واحدة ثم قبل ما لم يكن قابلا فان هذا ممتنع ف # الذين يقولون القابل للشيء يجب أن يكون قبوله له من لوازم ذاته ان ادعوا ~~أن كل جسم فانه يقبل جميع أنواع الاعراض فانهم يقولون هذا القبول من لوازم ~~ذاته ويقولون لا يخلو الجسم من كل نوع من أنواع الاعراض عن واحد من ذلك ~~النوع ويكون ما ذكروه من أن القبول من لوازم ذات القابل دليلا لهم في ~~المسألتين وان لم يدعوا ذلك فانهم يقولون الأجسام تتغير فتقبل في حال ما لم ~~تكن قابلة له في حالة أخرى ولا يحتاجون أن يقولوا القابل للشيء لا يخلو عنه ~~وعن ضده # والذين قالوا ان القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فيقال لهم غاية هذا أن ~~يكون لم تزل الحوادث قائمة به ونحن نلتزم ذلك وتحقيق ذلك ( # ( بالوجه الثالث عشر ( وهو أن يقال هذا بعينه موجود في القادر فان القادر ~~على الشيء لا يخلو عنه وعن ضده ولهذا كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده والنهى ~~عن الشيء أمرا بأحد اضداده # وقال الأكثرون المطلوب بالنهى فعل ضد المنهى عنه وقال ان الترك أمر وجودى ~~هو مطلوب الناهى ms1660 القادر على الاضداد لو أمكن خلوه عن PageV06P281 جميع ~~الأضداد لكان اذا نهى عن بعض الأضداد لم يجب أن يكون مأمورا بشيء منها ~~لامكان أن لا يفعل ذلك الضد ولا غيره من الأضداد # فلما جعلوه مأمورا ببعضها علم أن القادر على أحد الضدين لا يخلو منه ومن ~~ضده وحينئذ فاذا كان الرب لم يزل قادرا لزم أنه لم يزل فاعلا لشيء أو لضده ~~فيلزم من ذلك أنه لم يزل فاعلا واذا امكن أنه لم يزل فاعلا للحوادث أمكن ~~أنه لم يزل قابلا لها ويمكن أن يذكر هذا الجواب على وجه لا يقبل النزاع # ( الوجه الرابع عشر ( فيقال ان كان القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده ~~فالقادر على الشيء لا يخلو عنه وعن ضده لأن القادر قابل لفعل المقدور وان ~~كان قبول القابل للحوادث يستلزم امكان وجودها في الأزل فقدرة القادر أزلية ~~على فعل الحوادث يستلزم امكان وجودها في الأزل وان أمكن أن يكون قادرا مع ~~امتناع المقدور أمكن أن يكون قابلا مع امتناع المقبول # وان قيل قبوله لها من لوازم ذاته قيل قدرته عليها من لوازم ذاته وحينئذ ~~فان كان دوام الحوادث ممكنا أمكن أنه لم يزل قادرا عليها قابلا لها وان كان ~~دوامها ليس بممكن فقد صار قبوله لها وقدرته عليها ممكنا بعد ان لم يكن فان ~~كان هذا جائزا جاز هذا وان كان هذا ممتنعا كان هذا ممتنعا وعاد الأمر في ( ~~هذه المسألة ( إلى ( نفس القدرة على دوام الحوادث وهو PageV06P282 ( الأصل ~~المشهور ( فمن قال به من أئمة السنة والحديث وأنه لم يزل قادرا على أن ~~يتكلم بمشيئته وقدرته ويفعل بمشيئته جوز ذلك والتزم امكان حوادث لا أول لها # فكان ما احتج به أئمة ( الفلاسفة ( على قدم العالم لا يدل على قدم شيء من ~~العالم بل انما يدل على أصول أئمة السنة والحديث المعتنين بما جاء به ~~الرسول وكان غاية تحقيق معقولات المتكلمين والمتفلسفة يوافق ويعين ويخدم ما ~~جاءت به الرسل ومن لم يقل بذلك من المتكلمين بل قال ms1661 بامتناع دوام الحوادث ~~لم يكن عنده فرق بين قبوله لها وقدرته عليها # وكان قول الذين قالوا من هؤلاء بأنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما يقوم ~~بذاته أقرب إلى المعقول والمنقول ممن يقول أن كلامه مخلوق أو أنه يقوم به ~~كلام قديم من غير أن يمكنه أن يتكلم بقدرته أو مشيئته وكل قول يكون أقرب ~~إلى المعقول والمنقول فانه أولى بالترجيح مما هو أبعد عن ذلك من الأقوال ~~والله تعالى أعلم PageV06P283 ### ||| فصل # قال الرازى ( الحجة الثالثة ( قصة الخليل عليه الصلاة والسلام ( لا أحب ~~الآفلين ( والأفول عبارة عن التغير وهذا يدل على ان المتغير لا يكون الها ~~أصلا والجواب من وجوه # ( أحدها ( أنا لا نسلم أن الأفول هو التغير ولم يذكر على ذلك حجة بل لم ~~يذكر الا مجرد الدعوى ( # الثانى ( أن هذا خلاف اجماع أهل اللغة والتفسير بل هو خلاف ما علم ~~بالاضطرار من الدين والنقل المتواتر للغة والتفسير فان ( الأفول ( هو ~~المغيب يقال أفلت الشمس تأفل وتأفل أفولا اذا غابت ولم يقل أحد قط أنه هو ~~التغير ولا أن الشمس اذا تغير لونها يقال أنها أفلت ولا اذا كانت متحركة في ~~السماء يقال أنها أفلت ولا أن الريح اذا هبت يقال أنها أفلت ولا أن الماء ~~اذا جرى يقال أنه أفل ولا أن الشجر اذا تحرك يقال أنه أفل ولا أن الآدميين ~~اذا تكلموا أو مشوا وعملوا أعمالهم يقال أنهم أفلوا بل ولا قال أحد قط ان ~~من مرض أو اصفر وجهه أو احمر يقال أنه أفل # فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله وعلى خليل الله وعلى ~~PageV06P284 كلام الله عز وجل وعلى رسوله ( صلى الله عليه وسلم ( المبلغ عن ~~الله وعلى أمة محمد جميعا وعلى جميع أهل اللغة وعلى جميع من يعرف معانى ~~القرآن ( # ( الثالث ( ان قصة الخليل عليه السلام حجة عليكم فانه لما رأى كوكبا ~~وتحرك إلى الغروب فقد تحرك ولم يجعله آفلا ولما رأى القمر بازغا رآه متحركا ~~ولم يجعله آفلا فلما رأى الشمس بازغة علم أنها ms1662 متحركة ولم يجعلها آفلة ولما ~~تحركت إلى ان غابت والقمر إلى ان غاب لم يجعله آفلا # ( الرابع ( قوله ان الأفول عبارة عن التغير ان أراد بالتغير الاستحالة ~~فالشمس والقمر والكواكب لم تستحل بالمغيب وان أراد به التحرك فهو لا يزال ~~متحركا وقوله ( فلما أفل ( دل على أنه يأفل تارة ولا يأفل أخرى فان ( لما ( ~~ظرف يقيد هذا الفعل بزمان هذا الفعل والمعنى أنه حين أفل ( قال لا أحب ~~الآفلين ( فانما قال ذلك حين أفوله # وقوله ( فلما أفل ( دل على حدوث الأفول وتجدده والحركة لازمة له فليس ~~الأفول هو الحركة ولفظ التغير والتحرك مجمل ان أريد به التحرك أو حلول ~~الحوادث فليس هو معنى التغير في اللغة وليس الأفول هو التحرك ولا التحرك هو ~~التغير بل الأفول أخص من التحرك والتغير أخص من التحرك # وبين التغير والأفول عموم وخصوص فقد يكون الشيء متغيرا غير PageV06P285 ~~آفل وقد يكون آفلا غير متغير وقد يكون متحركا غير متغير ومتحركا غير آفل # وان كان التغير أخص من التحرك على أحد الاصطلاحين فان لفظ الحركة قد يراد ~~بها الحركة المكانية وهذه لا تستلزم التغير وقد يراد به أعم من ذلك كالحركة ~~في الكيف والكم مثل حركة النبات بالنمو وحركة نفس الانسان بالمحبة والرضا ~~والغضب والذكر # فهذه الحركة قد يعبر عنها بالتغير وقد يراد بالتغير في بعض المواضع ~~الاستحالة # ففى الجملة الاحتجاج بلفظ التغير ان كان سمعيا فالأفول ليس هو التغير وان ~~كان عقليا فان أريد بالتغير الذى يمتنع على الرب محل النزاع لم يحتج به وان ~~أريد به مواقع الاجماع فلا منازعة فيه # وأفسد من هذا قول من يقول الأفول هو الامكان كما قاله ( بن سينا ( ان ~~الهوى في حضيرة الامكان أفول بوجه ما فانه يلزم على هذا أن يكون كل ما سوى ~~الله آفلا ولا يزال آفلا فان كل ما سواه ممكن ولا يزال ممكنا ويكون الأفول ~~وصفا لازما لكل ما سوى الله كما أن كونه ممكن وفقير إلى الله وصف لازم له ~~وحينئذ فتكون ms1663 الشمس والقمر والكواكب لم تزل ولا تزال آفلة PageV06P286 ~~وجميع ما في السماوات والأرض لا يزال آفلا فكيف يصح قوله مع ذلك ( فلما آفل ~~قال لا أحب الآفلين ( # وعلى كلام هؤلاء المحرفين لكلام الله تعالى وكلام خليله إبراهيم ( صلى ~~الله عليه وسلم ( عن مواضعه هو آفل قبل أن يبزغ ومن حين بزغ والى أن غاب # وكذلك جميع ما يرى وما لا يرى في العالم آفل والقرآن بين أنه لما رآها ~~بازغة قال ( هذا ربى ( فلما آفلت بعد ذلك قال ( لا أحب الآفلين ( والله ~~أعلم PageV06P287 ### || 1 ( قاعدة في أن جميع ما يحتج به المبطل إنما تدل على الحق ) 1 # وقال رحمه الله تعالى ! 8 < ( فصل ( # ! 8 < فيه قاعدة شريفة # ( وهى ان جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية انما تدل ~~على الحق لا تدل على قول المبطل ( وهذا ظاهر يعرفه كل أحد فان الدليل ~~الصحيح لا يدل الا على حق لا على باطل # يبقى الكلام في أعيان الأدلة وبيان انتفاء دلالتها على الباطل ودلالتها ~~على الحق هو تفصيل هذا الاجمال # والمقصود هنا شيء آخر وهو أن نفس الدليل الذى يحتج به المبطل هو بعينه ~~اذا أعطى حقه وتميز ما فيه من حق وباطل وبين ما يدل عليه تبين أنه يدل على ~~فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه وهذا عجيب قد تأملته ~~فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك # والمقصود هنا بيان أن ( الأدلة العقلية ( التى يعتمدون عليها في الأصول ~~والعلوم الكلية والالهية هي كذلك فاما ( الأدلة السمعية ( فقد ذكرت من هذا ~~PageV06P288 أمورا متعددة مما يحتج به الجهمية والرافضة وغيرهم مثل احتجاج ~~الجهمية نفاة الصفات بقوله ( قل هو الله أحد الله الصمد ( وقد ثبت في غير ~~موضع أنها تدل على نقيض مطلوبهم وتدل على الاثبات # وهذا مبسوط في غير موضع في الرد على الجهمية يتضمن الكلام على تأسيس ~~أصولهم التى جمعها أبو عبد الله الرازى في مصنفه الذى سماه ( تأسيس التقديس ~~( فانه جمع فيه عامة ms1664 حججهم ولم أر لهم مثله # وكذلك احتجاجهم على نفى الرؤية بقوله ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار ( فانها تدل على اثبات الرؤية ونفى الاحاطة وكذلك الاحتجاج بقوله ( ~~ليس كمثله شيء ( ونحو ذلك وكذلك احتجاج الشيعة بقوله ( انما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا ( وبقوله ( اما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ~~( ونحو ذلك هي دليل على نقيض مذهبهم كما بسط هذا في كتاب ( منهاج أهل السنة ~~النبوية ( في الرد على الرافضة ونظائر هذا متعددة # والمقصود هنا ( الأدلة العقلية ( فان كل من له معرفة يعرف أن السمعيات ~~انما تدل على اثبات الصفات # وأما الرافضة فعمدتهم السمعيات لكن كذبوا أحاديث كثيرة جدا راج كثير منها ~~على أهل السنة وروى خلق كثير منها أحاديث حتى عسر تمييز الصدق من الكذب على ~~أكثر الناس الا على أئمة الحديث العارفين بعلله متنا وسندا PageV06P289 # كما أن الجهمية أتوا بحجج عقلية اشتبهت على أكثر الناس وراجت عليهم الا ~~على قليل ممن لهم خبرة بذلك # والكلام على أحاديث الرافضة وبيان الفرقان بين الحديث الصدق والكذب مذكور ~~في غير هذا الموضع كالرد على الرافضة # والمقصود هنا الكلام على ( الأدلة العقلية ( التى يحتج بها المبطل من ~~الجهمية نفاة الصفات ومن الممثلة الذين يمثلونه بخلقه وعلى الأدلة التى ~~يحتج بها القدرية النافية والقدرية المجبرة الجهمية فان هذين ( الأصلين ( ~~وهما ( الصفات ( و ( القدر ( ويسميان التوحيد والعدل هما أعظم وأجل ما تكلم ~~فيه في الأصول والحاجة اليهما أعم ومعرفة الحق فيهما أنفع من غيرهما بل ~~وكذلك سائر ما يحتج به في أصول الدين من الحجج العقلية والسمعية # 6 # وأصل ذلك الكلام في أفعال الرب تعالى وأقواله في ( مسألة حدوث العالم ( ~~وفى ( مسألة القرآن وكلام الله ( # فنقول اذا تدبر الخبير ما احتج به من يقول ان القرآن قديم كالأشعرى ~~واتباعه ومن وافقهم كالقاضى أبى يعلى واتباعه وأبى المعالى وأبى الوليد ~~الباجى وأبى منصور الماتريدى وغيرهم من الحنبلية والشافعية والمالكية ~~والحنفية لم توجد عند التحقيق تدل الا على مذهب السلف والأئمة الذى يدل ~~عليه ms1665 الكتاب والسنة PageV06P290 # وكذلك اذ تدبر ما يحتج به من يقول ان القرآن مخلوق انما يدل على قول ~~السلف والأئمة # أما ( الأول ( فلأن عمدة القائلين بقدم الكلام من الأدلة العقلية ( حجتان ~~( عليهما اعتماد الأشعرى وأصحابه ومن وافقهم كالقاضى أبى يعلى وأبى الحسن ~~بن الزاغونى وأمثالهما وهذه هي عمدة أئمة النظار كابن كلاب والأشعرى ~~والقلانسى وأمثالهم في نفس الأمر من العقليات وهى عمدة من لا يعتمد في ~~الأصول في مثل هذه المسألة وأمثالها الا على العقليات كأبى المعالى ومتبعيه # ( الحجة الأولى ( أنه لو لم يكن الكلام قديما للزم أن يتصف في الأزل بضد ~~من أضداده إما السكوت وإما الخرس ولو كان أحد هذين قديما لامتنع زواله ~~وامتنع أن يكون متكلما فيما لا يزال ولما ثبت أنه متكلم فيما لم يزل ثبت ~~أنه لم يزل متكلما وأيضا فالخرس آفة ينزه الله عنها # ( والحجة الثانية ( أنه لو كان مخلوقا لكان قد خلقه اما في نفسه أو في ~~غيره أو قائما بنفسه و ( الأول ( ممتنع لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث و ( ~~الثانى ( باطل لأنه يلزم أن يكون كلاما للمحل الذى خلق فيه و ( الثالث ( ~~باطل لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها فلما بطلت الأقسام الثلاثة تعين ~~أنه قديم # فيقال اما ( الحجة الأولى ( فهي تدل على مذهب السلف وأنه لم يزل متكلما ~~PageV06P291 اذا شاء وكيف شاء فيدل على أن نوع الكلام قديم لا على أنه لم ~~يتكلم بمشيئته وقدرته وان الكلام شيء واحد هو قديم # وكذلك احتجاج ( الفلاسفة ( القائلين بقدم العالم على قدم الفاعلية انما ~~يدل على مذهب السلف أيضا فهؤلاء الذين احتجوا على قدم مفعوله المعين وهو ~~الفلك والذين احتجوا على قدم كلامه المعين كل ما احتجوا به من دليل صحيح ~~فانه لا يدل على مطلوبهم بل انما يدل على مذهب السلف المتبعين للرسول فتبين ~~أن ( الأدلة العقلية ( الصحيحة من جميع الطوائف انما تدل على تصديق الرسول ~~وتحقيق ما أخبر به لا على خلاف قوله وهى من آيات الله الدالة على تصديق ~~الأنبياء ms1666 التى قال الله فيها ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق ( وهى من الميزان الذى أنزله الله تعالى # وكذلك أدلة ( المعتزلة والكرامية ( وغيرهما كما سنذكره ان شاء الله اذ ( ~~المقصود هنا ( الكلام على ما تعتمد عليه أئمة النظار من الأشعرية ونحوهم ~~والفلاسفة ونحوهم وهاتان الطائفتان كل طائفة تقابل الأخرى بالمشرق والمغرب ~~وكثير من الناس مع هؤلاء تارة ومع الأخرى تارة كالغزالى والرازى والآمدى ~~ونحوهم # والمقصود هنا بيان دلالة ( الأدلة العقلية ( على مذهب السلف الذى جاء به ~~الكتاب والسنة فنقول # أما ( الحجة الأولى ( وهى قولهم لو لم يكن متكلما في الأزل لكان متصفا ~~بضده اما السكوت واما الخرس لأنه حى والحى اذا لم يكن متكلما كان ~~PageV06P292 ساكتا أو أخرس كما أنه اذا لم يكن سميعا كان أصم واذا لم يكن ~~بصيرا كان أعمى ولأن ذاته قابلة للكلام والقابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده ~~هكذا يحتجون له # وقد نوزعوا في ذلك وخالفهم العقلاء حتى أصحابهم المتأخرون مثل الرازى ~~والآمدى فان أولئك ادعوا أن الجسم لما كان قابلا للأعراض لم يخل من كل نوع ~~من أنواع الاعراض من بعضها وقالوا ان الهواء له طعم ولون وريح فخالفهم ~~الجمهور # لكن تقرير ( الحجة ( بأن يقال لأن الرب تعالى اذا كان قابلا للاتصاف بشيء ~~لم يخل منه أو من ضده أو يقال بأنه اذا كان قابلا للاتصاف بصفة كمال لزم ~~وجودها له لأن ما كان الرب قابلا له لم يتوقف وجوده له على غيره فان غيره ~~لا يجعله لا متصفا ولا فاعلا بل ذاته وحدها هي الموجبة لما كان قابلا له ~~واذا كانت ذاته هي الموجبة لما هو قابل له وذاته واجبة الوجود كان المقبول ~~واجب الوجود له وهو اذا قدر أنه قابل للضدين لم يخل من أحدهما لأنه لو خلا ~~من أحدهما لكان وجود أحدهما له متوقفا على سبب غير ذاته فان التقدير أنه ~~قابل له ووجود المقبول له ممكن وقد عرف أنه لا يتوقف على غيره وان لم يكن ms1667 ~~موجدا له ولم تكن ذاته موجبة له والا امتنع وجوده فان غيره لا يجعله موجودا ~~له واذا لم يوجد لا بنفسه ولا بغيره كان ممتنعا والتقدير أنه ممكن فما كان ~~ممكنا له كان واجبا له PageV06P293 # فاذا قررت ( الحجة ( على هذا الوجه لم يحتج أن يقال كل قابل للشيء لا ~~يخلو عنه وعن ضده فان هذه الدعوى الكلية باطلة بل يدعى ذلك في حق الله خاصة ~~لما ذكر من الدليل والفرق بينه وبين غيره فان غيره اذا كان قابلا للشيء كان ~~وجود القبول فيه من غيره وهو الله تعالى واحداث الله لذلك القبول لا يجب أن ~~يكون مقارنا للقابل بل يجوز أن يتوقف على شروط يحدثها الله وعلى موانع ~~يزيلها فوجود القبول هنا ليس منه بل من غيره فلم تكن ذاته كافية فيه وأما ~~الرب تعالى فلا يفتقر شيء من صفاته وأفعاله على غيره بل هو الأحد الصمد ~~المستغنى عن كل ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه مصنوع له فيمتنع أن يكون ~~الرب مفتقرا إليه فان ذلك هو ( الدور القبلى ( الممتنع بصريح العقل واتفاق ~~العقلاء # فهذا تقرير هذه الحجة الدالة على ( قدم الكلام ( وأنه لم يزل متكلما وهى ~~تدل أيضا على قدم جميع صفاته وان ذاته القديمة مستلزمة لصفات الكمال ~~الممكنة فكل صفة كمال لا نقص فيه فان الرب يتصف بها واتصافه بها من لوازم ~~ذاته ولم يزل موصوفا بصفات الكمال وذاته هي المستلزمة لصفات كماله لا يجوز ~~أن يحتاج في ثبوت صفات الكمال له إلى غيره والكلام صفة كمال فان من يتكلم ~~أكمل ممن لا يتكلم كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر والذى ~~يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأكمل ممن تكلم ~~بغير مشيئته وقدرته ان كان ذلك معقولا # ويمكن تقريرها على أصول السلف بأن يقال اما أن يكون قادرا على ~~PageV06P294 الكلام أو غير قادر فان لم يكن قادرا فهو الأخرس وان كان قادرا ~~ولم يتكلم فهو الساكت # وأما ( الكلابية ( فالكلام ms1668 عندهم ليس بمقدور فلا يمكنهم أن يحتجوا بهذه ~~فيقال هذه قد دلت على قدم الكلام لكن مدلولها قدم كلام معين بغير قدرته ~~ومشيئته أم مدلولها أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته و ( الأول ( قول ~~الكلابية و ( الثانى ( قول السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة فيقال مدلولها ~~( الثانى ( لا ( الأول ( لأن اثبات كلام يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته ~~وقدرته غير معقول ولا معلوم والحكم على الشيء فرع عن تصوره # فيقال للمحتج بها لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاما يقوم بذات ~~المتكلم بدون مشيئته وقدرته فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئا لا يعقل # وأيضا فقولك ( لو لم يتصف بالكلام لاتصف بالخرس والسكوت ( انما يعقل في ~~الكلام بالحروف والأصوات فان الحى اذا فقدها لم يكن متكلما فاما أن يكون ~~قادرا على الكلام ولم يتكلم وهو الساكت وإما ان لا يكون قادرا عليه وهو ~~الأخرس # وأما ما يدعونه من ( الكلام النفسانى ( فذاك لا يعقل ان من خلا عنه كان ~~ساكتا أو أخرس فلا يدل بتقدير ثبوته ( على ( أن الخالى عنه يجب أن يكون ~~ساكتا أو اخرس PageV06P295 # وايضا فالكلام القديم ( النفسانى ( الذى أثبتموه لم تثبتوا ما هو بل ولا ~~تصورتموه واثبات الشيء فرع تصوره فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته ~~ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب رأس هذه الطائفة وامامها في هذه المسألة لا ~~يذكر في بيانها شيء يعقل بل يقول هو معنى يناقض السكوت والخرس # والسكوت والخرس انما يتصوران اذا تصور الكلام فالساكت هو الساكت عن ~~الكلام والأخرس هو العاجز عنه أو الذى حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن ~~الكلام وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام ~~حتى يعرف الساكت والأخرس # فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه بل هم في الكلام يشبهون ~~النصارى في الكلمة وما قالوه في ( الأقانيم ( و ( التثليث ( و ( الاتحاد ( ~~فانهم يقولون ما لا يتصورونه ولا يبينونه و ( الرسل ( عليهم السلام اذا ~~أخبروا بشيء ولم نتصوره وجب تصديقهم # وأما ما ms1669 يثبت بالعقل فلابد أن يتصوره القائل به والا كان قد تكلم بلا علم ~~فالنصارى تتكلم بلا علم فكان كلامهم متناقضا ولم يحصل لهم قول معقول كذلك ~~من تكلم في كلام الله بلا علم كان كلامه متناقضا ولم يحصل له قول يعقل ~~ولهذا كان مما يشنع به على هؤلاء أنهم احتجوا في أصل دينهم ومعرفة حقيقة ~~الكلام كلام الله وكلام جميع الخلق بقول شاعر نصرانى يقال له الاخطل # ان الكلام لفى الفؤاد وانما %~% جعل اللسان على الفؤاد دليلا PageV06P296 # وقد ~~قال طائفة ان هذا ليس من شعره وبتقدير أن يكون من شعره فالحقائق العقلية أو ~~مسمى لفظ الكلام الذى يتكلم به جميع بنى آدم لا يرجع فيه إلى قول ألف شاعر ~~فاضل دع ان يكون شاعرا نصرانيا اسمه الاخطل والنصارى قد عرف أنهم يتكلمون ~~في كلمة الله بما هو باطل والخطل في اللغة هو الخطأ في الكلام وقد أنشد ~~فيهم المنشد # قبحا لمن نبذ القرآن وراءه %~% فاذا استدل يقول قال الأخطل # ولما احتج الكلابية بهذه الحجة عارضتهم المعتزلة فقالوا الكلام عندنا ~~كالفعل عندنا وعندكم وهو في الأزل عندنا جميعا لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا ~~ولا نقول نحن وأنتم كان في الأزل عاجزا أو ساكتا فكما أنه لم يكن فاعلا ولا ~~يوصف بضد الفعل وهو العجز أو السكوت فكذلك لم يكن متكلما ولا يوصف بضد ~~الكلام وهو السكوت أو الخرس # ) # فاذا قال هؤلاء للمعتزلة والجهمية الفعل لا يقوم به عندنا وعندكم والكلام ~~يقوم به فكان كالصفات منعتهم المعتزلة ذلك وقالوا الكلام عندنا كالفعل لا ~~يقوم به لا هذا ولا هذا فاذا 2 قالوا لو لم يقم به الكلام لقام بغيره وكان ~~الكلام صفة لذلك الغير انتقلوا إلى ( الحجة الثانية ( ولم يمكن تقرير ~~الأولى الا بالثانية فكان الاستدلال بالأولى وجعلها ( حجة ثانية ( باطلا ~~ولهذا أعرض عنه كثير من متأخريهم وانما اعتمدوا على ( الثانية ( كأبى ~~المعالى وأتباعه PageV06P297 # وهذا السؤال لا يلزم السلف فانهم اذا قالوا الكلام كالفعل وهو في الأزل ~~لم يكن فاعلا لا ms1670 عندنا ولا عندكم منعهم السلف وجمهور المسلمين هذا وقالوا ~~بل لم يزل خالقا فاعلا كما عليه السلف وجمهور طوائف المسلمين وهو الذى ذكره ~~أصحاب بن خزيمة مما كتبوه له وكانوا ( كلابية ( فاما ان يكون هذا قول بن ~~كلاب أو قول طائفة من أصحابه وبهذا تستقيم لهم هذه الحجة والا فمن سلم أنه ~~صار فاعلا بعد أن لم يكن كانت هذه الحجة منتقضة على أصله وقال منازعوه ~~الكلام في مقاله كالكلام في فعاله # والقول بأن الخلق غير المخلوق وأنه فعل يقوم بالرب هو قول أكثر المسلمين ~~هو قول ( الحنفية ( وأكثر ( الحنبلية ( واليه رجع القاضي أبو يعلى أخيرا ~~وهو الذى حكاه البغوى عن أهل السنة وهو الذى ذكره أبو بكر الكلاباذى عن ( ~~الصوفية ( وذكره في كتاب ( التعرف لمذهب التصوف ( وهو الذى ذكره البخارى في ~~كتاب ( أفعال العباد ( اجماعا من العلماء وهو الذى ذكره بن عبدالبر وغيره ~~عن أهل السنة # لكن الفعل هل هو شيء واحد قديم كالارادة أو هو حادث بذاته أو هو نوع لم ~~يزل متصفا به # فيه ثلاثة أقوال للمسلمين وكلهم متفقون على أن كل ما سوى الله محدث مخلوق ~~كما تواتر ذلك عن الأنبياء ودلت عليه الدلائل العقلية والقول بأن مع الله ~~شيئا قديما تقدمه من مفعولاته كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة باطل ~~عقلا وشرعا كما قد بسط في مواضع PageV06P298 # فان قيل اذا قلتم لم يزل متكلما بمشيئته لزم وجود كلام لا ابتداء له واذا ~~لم يزل متكلما وجب أن لا يزال كذلك فيكون متكلما بكلام لا نهاية له وذلك ~~يستلزم وجود ما لا يتناهى من الحوادث فان كل كلمة مسبوقة بأخرى فهي حادثة ~~ووجود ما لا يتناهى محال قيل له هذا الاستلزام حق وبذلك يقولون إن كلمات ~~الله لا نهاية لها كما قال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا ( # وأما قولهم وجود ما لا يتناهى من الحوادث محال فهذا بناء على دليلهم الذى ms1671 ~~استدلوا به على حدوث العالم وحدوث الأجسام وهو أنها لا تخلو من الحوادث وما ~~لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهذا الدليل باطل عقلا وشرعا وهو أصل الكلام ~~الذى ذمه السلف والأئمة وهو أصل قول الجهمية نفاة الصفات وقد تبين فساده في ~~مواضع # ولكن سنبين ان شاء الله ان هذا الدليل اذا ميز بين حقه وباطله فانه يدل ~~على حدوث ما سوى الله وعلى مذهب السلف وكان غلطة منهم وقولهم كل ما لا يخلو ~~من الحوادث أى من الممكنات المفتقرة فهو حادث فاخذوا هذا ( قضية كلية ( ~~وقاسوا فيها الخالق على المخلوق قياسا فاسدا كما أن أولئك قالوا القابل ~~للشيء لا يخلو عنه وعن ضده أخذوها ( قضية كلية ( # والغلط في ( القياس ( يقع من تشبيه الشيء بخلافه وأخذ القضية الكلية ~~باعتبار القدر المشترك من غير تمييز بين نوعيها فهذا هو ( القياس الفاسد ~~PageV06P299 كقياس الذين قالوا انما البيع مثل الربا وقياس ابليس ونحو ذلك ~~من الأقيسة الفاسدة التى قال فيها بعض السلف أول من قاس ابليس وما عبدت ~~الشمس والقمر الا بالمقاييس يعنى قياس من يعارض النص ومن قاس قياسا فاسدا ~~وكل قياس عارض النص فانه لا يكون الا فاسدا وأما القياس الصحيح فهو من ~~الميزان الذى أنزله الله ولا يكون مخالفا للنص قط بل موافقا له # ومن هنا يظهر أيضا ان ما عند المتفلسفة من الأدلة الصحيحة العقلية فانما ~~يدل على مذهب السلف أيضا فان عمدتهم في ( قدم العالم ( على أن الرب لم يزل ~~فاعلا وأنه يمتنع أن يصير فاعلا بعد ان لم يكن وان يصير الفعل ممكنا له بعد ~~ان لم يكن وأنه يمتنع أن يصير قادرا بعد ان لم يكن وهذا وجميع ما احتجوا به ~~انما يدل على قدم نوع الفعل لا يدل على قدم شيء من العالم لا فلك ولا غيره # فاذا قيل أنه لم يزل فاعلا بمشيئته وقدرته وأن الفعل من لوازم الحياة كما ~~قال ذلك من قاله من أئمة السنة كان هذا قولا بموجب جميع أدلتهم الصحيحة ms1672 ~~العقلية وكان هذا موافقا لقول السلف لم يزل متكلما اذا شاء فلم يزل متكلما ~~اذا شاء فاعلا لما يشاء # وجميع ما احتج به الكلابية والأشعرية والسالمية وغيرهم على قدم الكلام ~~انما يدل على أنه لم يزل متكلما اذا شاء لا يدل على قدم كلام بلا مشيئة ولا ~~على قدم كلام معين بل على قدم نوع الكلام PageV06P300 # وجميع ما يحتج به الفلاسفة على قدم الفاعلية انما يدل على أنه لم يزل ~~فاعلا لما يشاء لا يدل على قدم فعل معين ولا مفعول معين لا الفلك ولا غيره # والغلط انما نشأ بين الفريقين من اشتباه النوع الدائم بالعين المعينة ثم ~~ان أولئك قالوا يمتنع قدم نوع الحركة والفعل لامتناع حوادث لا أول لها ~~فأبطلوا كون الرب لم يزل متكلما بمشيئته ولم يزل فاعلا بمشيئته بل يلزمهم ~~أنه لم يكن قادرا على الفعل ثم صار قادرا ولم يكن أيضا قادرا على الكلام ~~بمشيئته ثم منهم من يقول صار قادرا على الكلام بمشيئته بعد ان لم يكن ~~كالكرامية ومنهم من يقول لم يصر قادرا على الكلام ولا يمكنه الكلام بمشيئته ~~قط وهم الكلابية ومن وافقهم من الأشعرية والسالمية # وأما ( الفلاسفة ( فقالوا ما قاله مقدمهم أرسطو فكل من قال ان ( جنس ~~الحركة ( حدثت بعد أن لم تكن فانه مكابر لعقله وقالوا يمتنع ذلك في جنس ~~الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب حادث والعلم بذلك ضرورى # فيقال لهم هذا يدل على أنه لم يزل هذا النوع موجودا لا يدل على قدم عين ~~حركة الفلك وكذلك القول في الزمان والجسم فان أدلتهم تقتضى أنه لم يزل ~~موجودا حركة وقدرها وهو الزمان وفاعلها هو الذى يسمونه الجسم لكن لا يقتضى ~~قدم شيء بعينه فاذا قيل ان رب العالمين لم يزل متكلما بمشيئته فاعلا لما ~~يشاء كان نوع الفعل لم يزل موجودا وقدره وهو الزمان موجودا لكن أرسطو ~~وأتباعه غلطوا حيث ظنوا أنه لا زمان ( الا ( قدر حركة الفلك وأنه لا حركة ~~فوق الفلك ولا قبله فتعين أن ms1673 تكون حركته أزلية PageV06P301 # وهذا ضلال منهم عقلا وشرعا فلا دليل يدل على امتناع حركة فوق الفلك وقبل ~~الفلك ودليلهم على انشقاق الفلك في غاية الفساد كما قد بسط في موضع آخر ~~وكذلك قوله أنه لابد لكل حركة من محرك غير متحرك في غاية الفساد كما قد بسط ~~في موضعه # والمقصود هنا التنبيه على أن خلاصة ما عند هؤلاء الذين يقال أنهم أئمة ~~المعقولات من أئمة الكلام والفلسفة انما يدل على قول السلف وأهل السنة ~~المتبعين للكتاب والسنة فالأدلة الصحيحة التي عندهم إنما تدل على هذا ولكن ~~التبس عليهم الحق بالباطل كما أن أهل الكتاب لبسوا الحق بالباطل وما عندهم ~~من الحق موافق ما جاء به الرسول الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والانجيل لا يخالف ذلك فالأدلة السمعية التى جاءت بها الأنبياء لا تتناقض ~~وكذلك الأدلة الصحيحة العقلية ولا تتناقض السمعيات والعقليات والله أعلم # PageV06P302 ### ||| فصل # وقد سلك طائفة من أئمة النظار أهل المعرفة بالكلام والفلسفة ان يجمعوا ~~بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء ورأوا أن هذا غاية المعرفة وسموا ( الجواب ( ~~الذى أجابوا به الفلاسفة عن حججهم ( الجواب الباهر ( فوافقوا كل واحدة من ~~الطائفتين فأخطؤا وتناقضوا لما جمعوا بين خطأ الطائفتين فكان قولهم ينقض ~~بعضه بعضا اذ كان خطأ الطائفتين متناقضا غاية التناقض # وأما ما أصابت فيه كل واحدة من الطائفتين فلو جمعوا بينهما لكان ذلك ~~موافقا للأدلة السمعية التى أخبرت بها الرسل وللأدلة العقلية كالأدلة التى ~~دلت عليها الرسل لكن هؤلاء خرجوا عن موجب الأدلة السمعية والعقلية مع ظنهم ~~نهاية التحقيق ولهم بذلك أسوة بكل واحدة من الطائفتين فانها مخالفة لموجب ~~الأدلة السمعية والعقلية وانما الحق هو ما تصادقت عليه الأدلة السمعية ~~والعقلية وهو الذى عليه سلف الأمة وأئمتها متلقين له عن الرسول ( ( من جهة ~~خبره ومن جهة تعليمه وبيانه للأدلة العقلية # مع أن هؤلاء يزعمون أن الرسل لم يبينوا هذه المسألة كما ذكر ذلك ~~PageV06P303 الرازى في ( أول المطالب العالية ( فزعموا أنهم لم يثبتوا بها ~~خبرا فضلا عن بيان الأدلة ms1674 العقلية المصدقة لخبرهم # وقد تكلمنا على فساد ما ذكره في ذلك في غير هذا الموضع والمقصود هنا ~~التنبيه على طريقة هؤلاء الذين سلكوا مسلك الجمع بين أدلة هؤلاء وأدلة ~~هؤلاء وزعموا أنهم أصحاب ( الجواب الباهر ( وهذه الطريقة قد ذكرها الرازى ~~في كتبه ورجحها وأخذها عنه الأرموى وذكرها في كتاب الأربعين وأخذها عنه ~~القشيرى المصرى وهذا القول يشبه مذهب الحرنانيين القائلين بالقدماء الخمسة ~~الذى نصره محمد بن زكريا الرازى وصنف فيه # و ( الرازى ( يقوى هذا المذهب في مجمله وغيره وان كان مذهبا متناقضا كما ~~بين فساده محمد بن زكريا البلخى وأبو حاتم صاحب ( كتاب الزينة ( وغيرهما ~~لكن بين مذهب الحرنانيين وبين مذهب هؤلاء فرق كما سنبينه ان شاء الله # قال هؤلاء المتكلمون انما أقاموا الأدلة على حدوث الأجسام فانها هي التى ~~بينوا أنها لا تخلوا من الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث لامتناع ~~حوادث دائمة لا ابتداء لها قالوا ولم يذكر المتكلمون دليلا على نفى موجود ~~سوى الأجسام وسوى الصانع والفلاسفة أثبتوا موجودات غير ذلك وهى العقول ~~والنفوس قالوا والمتكلمون لم يقيموا دليلا على انتفائها ودليلهم على الحدوث ~~لم يشملها PageV06P304 # قالوا و ( الفلاسفة ( لم يقيموا دليلا على قدم الأجسام بل أقاموا الأدلة ~~على أن الرب لم يزل فاعلا ولم تزل الحركة والزمان موجودين وعمدتهم أن الأول ~~مستجمع لجميع شروط الفاعلية في الأزل فيجب اقتران الفعل به # وقالوا انه يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث ويمتنع أن الرب لم يزل معطلا ~~عن الفعل ثم وجد الفعل بلا سبب حادث ويمتنع أن يصير قادرا بعد ان لم يكن ~~قادرا ويمتنع أن يصير الفعل ممكنا بعد ان كان ممتنعا بلا سبب حادث فينتقل ~~من الامتناع الذاتى إلى الامكان الذاتى # وقالوا كل ما لابد منه في كون الفاعل فاعلا ان وجد في الأزل لزم وجود ~~الفعل فانه ان لم يوجد بقى متوقفا على شرط آخر ونحن قلنا كل ما لابد منه في ~~كون الفاعل فاعلا قد وجد في الأزل وان قيل قد وجد ms1675 كل ما لابد منه من كون ~~الفاعل فاعلا ومع هذا لم يوجد الفعل ثم وجد بعد ذلك بلا سبب لزم ترجيح وجود ~~الممكن على عدمه بغير مرجح تام فان المرجح التام يجب أن يقترن به الرجحان ~~وان لم يقترن به الرجحان فان كان الفعل ممكن الوجود والعدم والممكن يفتقر ~~إلى المرجح فما دام ممكن الوجود والعدم فلابد له من مرجح واذا حصل المرجح ~~التام وجب وجوده ولم يبق حينئذ ممكن الوجود والعدم PageV06P305 # قال هؤلاء فهذا عمدة هؤلاء الفلاسفة وأصله أن الحادث لابد له من سبب حادث ~~وحدوث حادث بدون سبب حادث ممتنع في بداية العقول ولهذا لما أجابهم ~~المتكلمون عن هذا بأجوبة متعددة كانت كلها فاسدة مثل قول بعضهم المرجح هو ~~العلم وقول بعضهم هو الارادة وقول بعضهم المرجح مجرد كونه قادرا وقول بعضهم ~~المرجح امكان الفعل بعد امتناعه لا امتناعه في الأزل ونحو ذلك فقالوا هذه ~~الأجوبة باطلة لوجهين # ( أحدهما ( أن جميع ما ذكر ان كان موجودا في الأزل فقد دخل في القسم ~~الأول وان لم يكن موجودا في الأزل فقد دخل في القسم الثانى وقد قلنا إن ~~جميع الأمور المعتبرة في التأثير ان كانت أزلية لزم كون الأثر أزليا وان ~~كان بعضها غير أزلى ثم حدث بعد ذلك لزم رجحان وجود الممكن على عدمه بلا ~~مرجح وحدثت الحوادث بلا محدث فانه لو أحدث تمام المؤثر به ولم يكن المؤثر ~~تاما في الأزل حدث ذلك بلا سبب # ( والوجه الثانى ( ان نسبة القدرة والارادة والعلم ونفس الأزل إلى وقت ~~حدوث العالم كنسبته إلى ما قبل ذلك وما بعد ذلك فيمتنع أن تكون هذه هي ~~الموجبة لوجوده في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده # قال الرازى في ( كتابه الكبير ( والجواب الباهر أن نقول كانت النفس أزلية ~~وهى متحركة دائما ثم حصل من تلك الحركات المتعاقبة صفة مخصوصة كانت هي سبب ~~حدوث الأجسام فبهذا ثبت السبب الحادث الموجب لاختصاص ذلك الوقت بحدوث ~~الأجسام فيه وعلى هذا فالأجسام حادثة وهو موجب أدلة ms1676 المتكلمة والفاعل لم ~~يزل فاعلا لقدم النفس المعلولة له وهو موجب أدلة PageV06P306 الفلاسفة وقد ~~يقولون مقدار حركتها هو الزمان فقلنا بموجب قدم نوع الحركة والزمان مع حدوث ~~الأجسام # فهذا قول هؤلاء المتبعين للطائفتين # وقد قلنا أنهم اتبعوا كل طائفة فيما أخطأت فيه واما تناقضهم فلأن ~~المتكلمين انما اعتمدوا في حدوث الأجسام على امتناع حوادث لا أول لها هذا ~~عمدتهم والا فمتى جاز وجود حوادث لا بداية لها أمكن أن يكون قبل كل حادث ~~فلا يلزم حدوث ما تقوم به الحوادث المتعاقبة فان كان هذا الأصل الذى بنى ~~عليه المتكلمون أصلا صحيحا ثابتا امتنع وجود حركات غير متناهية للنفس وغير ~~النفس وحينئذ فمن قال بموجب هذا الأصل مع قوله بوجود حوادث لا أول لها في ~~النفس أو غيرها فقد تناقض ( وحقيقة قوله ( يمتنع وجود حوادث لا أول لها ~~ويجب وجود حوادث لا أول لها # وان كان هذا الأصل باطلا بطلت أدلتهم على حدوث الأجسام ولزم جواز وجود ~~حوادث لا أول لها وحينئذ فيجوز قدم نوعها فالقول بوجوب حدوثها كلها وان سبب ~~الحدوث هو حال للنفس تناقض # و ( أيضا ( فان النفس عند الفلاسفة يمتنع وجودها بدون الجسم ويمتنع وجود ~~الحركة فيها الا مع الجسم وانما تكون نفسا اذا كانت مقارنة للجسم كنفس ~~الانسان مع بدنه فنفس الفلك اذا فارقت ( المادة ( وهى الهيولى PageV06P307 ~~وهى الجسم مثل مفارقة نفس الانسان لبدنه بالموت فقد صارت عندهم عقلا لا ~~يقبل الحركة # فما ذكره من تقدير نفس خالية عن الجسم دائمة الحركة لا يقولون به ولا ~~دليل عليه فيبقى تقديره تقديرا لم يقل به المنازع ولا قام عليه دليل ولكن ~~هذا يشبه مذهب ( الحرنانيين ( وليس به # فان أولئك يقولون القدماء خمسة الرب والنفس والمادة والدهر والفضاء ولكن ~~لا يقولون ان النفس ما زالت متحركة بل يقولون أنه حدث لها التفات إلى ~~الهيولى وهى المادة فاحبتها وعشقتها ولم يكن الأولى تخليصها منها الا بأن ~~تذوق وبال هذا التعلق فصنع العالم وجعل النفس حاصلة مع الأجسام لتذوق حرارة ~~هذا ms1677 الاجتماع ووباله فتشتاق إلى التخلص منه # ولهذا يقول ( محمد بن زكريا الرازى ( ان هذا العالم ليس فيه لذة أصلا بل ~~النفس لا تزال معذبة حتى تتخلص وراحتها في الخلاص وكان حاضرا بمجلس بعض ~~الاكابر فمثل ذلك بما يخرج من دبر الانسان بغير اختياره من الصوت وجعل ذلك ~~حاصلا من ذلك الكبير فقال له الكعبى دخلت في أمور عظيمة ولم تتخلص وأنت ~~انما فررت من حدوث حادث بلا سبب فيقال لك فما الموجب لكونها التفتت في ذلك ~~الوقت المعين إلى الهيولى دون ما قبل ذلك الوقت وما بعده فهذا حادث بلا سبب ~~PageV06P308 # وهذا المذهب اشتمل على أنواع من الفساد منها اثبات قديم غير الأول بلا ~~حجة ومنها اثبات نفس مجردة عن الجسم وان لها حركة بدون الجسم وهذا خلاف ~~مذهب ( أرسطو ( واتباعه لكن هؤلاء يقولون نحن نلتزم ان النفس مع تجردها عن ~~الجسم لها حركة وهذا هو الصحيح لكن يقال أثبتم قدمها وأنها لم تزل غير ~~متحركة ثم تحركت بلا سبب وهذا فاسد وأنتم لم تقيموا دليلا على قدمها بل ولا ~~على وجودها وأنها ليست بجسم # وكذلك يقال لمن أثبت العقول والنفوس من ( المتفلسفة ( وأنها ليست مشارا ~~اليها أدلتكم على ذلك ضعيفة كلها بل باطلة ولهذا صار الطوسى الذى هو أفضل ~~متأخريهم إلى أنه لا دليل على اثباتها # وأما ( المتكلمون ( فانهم يقولون نحن نعلم بالاضطرار أن الممكن لابد أن ~~يكون مشارا إليه بأنه هنا أو هناك فاثبات ما لا يشار إليه معلوم الفساد ~~بالضرورة وقد ذكروا هذا في كتبهم وقول الرازى أنهم لم يقيموا دليلا على ~~انحصار الممكن في الجسم والعرض ليس كما قال بل قالوا نحن نعلم بالاضطرار أن ~~الممكن لا بد أن يكون مشارا إليه يتميز منه جانب عن جانب # ثم كثير منهم من هؤلاء ذكر هذا مطلقا في القديم والحادث وأصوات قديمة ~~أزلية # ثم من هؤلاء من قال وهى مع ذلك صفة واحدة ومنهم من قال بل هي متعددة # ومن هؤلاء من قال ان تلك الأصوات الأزلية هي ms1678 PageV06P309 الأصوات ~~المسموعة من القراء أو يسمع من القراء صوتان الصوت القديم وصوت محدث # والصوت القديم قال بعضهم أنه حل في المحدث وقال بعضهم ظهر فيه ولم يحل ~~وقال بعضهم هو فيه ولا نقول ظهر ولا حل والقائلون بهذا طائفة من أهل الحديث ~~والفقه والتصوف من أصحاب الشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهما وهؤلاء حلولية في ~~الصفات دون الذات وقد وافقهم طائفة أخرى من السالمية والصوفية # وأولئك يقولون بحلول الذات أيضا في كل شيء وأنه يتجلى لكل شيء بصورته ~~وقولهم من جنس قول القائلين بأنه بذاته في كل مكان والقائلين ( بوحدة ~~الوجود ( لكن هم يقولون مع ذلك أنه على العرش وانه يحل في قلوب العارفين ~~بذاته وأنه في كل شيء كما ذكر ذلك أبو طالب المكى ونحوه # وأما ( الأشعرية ( فعكس هؤلاء وقولهم يستلزم التعطيل وأنه لا داخل العالم ~~ولا خارجه وكلامه معنى واحد ومعنى آية الكرسى وآية الدين والتوراة والانجيل ~~( واحد ( وهذا معلوم الفساد بالضرورة وكذلك الكلمات هي عندهم شيء واحد ~~فحقيقة قولهم أنه لا رب ولا قرآن ولا ايمان فقولهم يستلزم التعطيل # و ( السالمية ( حلولية في الذات والصفات والقائلون بأن الحروف والأصوات ~~القديمة حلت في الناس حلولية في الصفات دون الذات PageV06P310 # ومن هؤلاء من يقول أيضا ان صفة العبد التى هي ايمانه قديم ومن هؤلاء من ~~عدى ذلك إلى أقواله دون أفعاله ومنهم من قال بل وأفعاله المأمور بها قديمة ~~دون المنهى عنها ومنهم من توقف في المنهى عنها ومنهم من قال بل جميع أفعال ~~العباد قديمة الخير والشر لأن ذلك شرع وقدر والشرع والقدر قديم ولم يفرق ~~بين شرع الرب ومشروعه وبين قدره ومقدوره وهؤلاء يقولون أفعال العباد قديمة ~~ليست هي الحركات بل هي ما تنتجه الحركات كالذى يأتى يوم القيامة وهو ثواب ~~أعمالهم # وقد صرح الأئمة أحمد بن حنبل وغيره بأن ذلك كله مخلوق فهؤلاء اسرفوا في ~~القول بقدم الأفعال لطرد قولهم في الايمان # و ( طائفة أخرى ( قالوا اذا كانت هذه الحروف التى هي أصوات مسموعة من ~~العبد قديمة ms1679 فكل الحروف المسموعة قديمة فقالوا كلام الآدميين كله قديم الا ~~التأليف ومنهم من قال والأصوات كلها قديمة حتى أصوات البهائم وحتى ما يخرج ~~من بنى آدم وقالوا أيضا حركات اللسان بالقرآن قديمة وحركة البنان بكتابة ~~القرآن قديمة # ومن هؤلاء من قال ( المداد ( مخلوق ولكن شكل الحروف قديم ومنهم من توقف ~~في المداد وقال نسكت عنه وان كان مخلوقا لكن لا يقال انه مخلوق ومنهم من ~~قال بل المداد قديم ومن هؤلاء وغيرهم من قال بأن ( أرواح العباد قديمة ( ~~فصاروا يقولون PageV06P311 روح العبد محدثة وكلامه قديم وصفاته القائمة به ~~من ايمانه قديم واخوانهم يصرحون بأن أفعاله قديمة وهذا أعظم مما يوصف به ~~الرب فانه سبحانه قديم أزلى وأما أفعاله فحادثة شيئا بعد شيء وكذلك كلامه ~~لم يزل متكلما بمشيئته شيئا بعد شيء # وهؤلاء يقولون بقدم روح العبد وبقدم النور نور الشمس والقمر ونور السراج ~~وكل نور فهؤلاء قولهم بقدم أرواح العباد والانوار ضاهوا فيه قول المجوس ( ~~والفلاسفة الصابئين ( الذين يشبهون المجوس فان من الصابئين من يشبه المجوس ~~كذلك قال الحسن البصرى وغيره قالوا عن الصابئين أنهم مثل المجوس وهؤلاء صنف ~~من الصابئين المشركين ليسوا في الصابئين الممدوحين في القرآن # والمقصود أن قول هؤلاء بقدم أرواح العباد و ( نفوسهم ( التى تفارق ~~أبدانهم من جنس قول الذين قالوا بقدم النفس كما تقدم لكن هؤلاء يجعلونها من ~~الله اذ كان لا قديم عندهم الا الله وصفاته وقولهم بقدم النور من جنس قول ~~المجوس لكن النور أيضا عندهم من صفات الله # وهذه الأقوال بقدم روح العبد أو أقواله أو أفعاله أو أصواته أو قدم نور ~~الشمس والقمر ونحو ذلك كلها فروع على ذلك الأصل فان ( السلف ( قالوا القرآن ~~كلام الله غير مخلوق وظن طائفة أن مقصودهم أنه قديم لم يزل والقرآن حروف ~~وأصوات فيكون قديما وهذا المسموع هو القرآن PageV06P312 وليس الا أصوات ~~العباد بالقرآن فتكون قديمة ثم احتاجوا عند البحث إلى طرد أقوالهم # وكذلك في ( الايمان ( لم يقل قط أحد من السلف لا أحمد بن ms1680 حنبل ولا غيره ~~ان شيئا من صفات العباد غير مخلوق ولا قديم ولا قالوا عن القرآن قديم لكن ~~انكروا على من أطلق القول على ( لفظ القرآن أو الايمان ( بأنه مخلوق فجاء ~~هؤلاء ففهموا من كونه غير مخلوق أنه قديم وظنوا أنه اذا أنكر على من أطلق ~~القول بأنه مخلوق يجيز أن يقال أنه غير مخلوق وأنه قديم فقالوا لفظ العبد ~~وصوته قديم وايمانه قديم ثم طردوا أقوالهم إلى ما ذكرناه وهذه الأمور قد ~~بسط القول فيها في مواضع في عدة مسائل سأل عنها السائلون وأجيبوا في ذلك ~~بأجوبة مبسوطة ليس هذا موضعها اذ المقصود التنبيه على ما يحدث عن الأصل ~~المبتدع # وأصل هذا كله حجة الجهمية على حدوث الأجسام بأن ما لا يخلو من الحوادث ~~فهو حادث فما يقوم به الكلام باختياره أو بمشيئته ولم يزل كذلك يجب أن يكون ~~حادثا فلزمهم نفى كلام الرب وفعله بل وتعطيل ذاته ثم آل الأمر إلى جعل ~~المخلوق قديما وتعطيل صفات الرب القديمة بل وذاته والله أعلم # وأصحاب هذا الأصل القائلون ( بالجوهر الفرد ( يقولون ان نفس الأعيان التى ~~في بدن الانسان وغيره هي متقدمة الوجود لا يعلم حدوثها PageV06P313 الا ~~بالدليل وهو الدليل على حدوث الاجسام وأنها لم تخل من الأعراض ويقولون ~~المعلوم بالمشاهدة حدوث التأليف فقط كما يقوله أولئك في كلام العبد وان ~~المحدث هو تأليف الحروف فقط # والقائلون ( بوحدة الوجود ( يقولون نفس وجود العبد هو نفس وجود الرب وكل ~~هذه الأقوال قد باشرت أصحابها وهم من أعيان الناس وجرى بينى وبينهم في ذلك ~~ما يطول وصفه وهدى الله ما شاء الله من الخلق فانظر كيف اضطرب الناس في ~~أنفسهم التى قيل لهم ( وفى أنفسكم أفلا تبصرون ( # والمتفلسفة يقولون مادة بدن الانسان وسائر المواد قديمة أزلية وهذه ~~الأقوال فيها مضاهات لقول فرعون من بعض الوجوه وأصحاب ( الوحدة ( يصرحون ~~بتعظيم فرعون وأنه صدق في قوله ( أنا ربكم الأعلى ( ففى تثنية الله لقصة ~~فرعون في القرآن عبرة فان الناس محتاجون إلى الاعتبار بها كما قال ms1681 ( ~~فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين PageV06P314 ### ||| فصل # وأما ( حجتهم الثانية ( وهى العمدة عند عامتهم فتقريرها لو كان مخلوقا ~~لكان اما أن يخلقه في نفسه أو في غيره أولا في محل و # ( الأول ( يلزم أن يكون محلا للحوادث وهو باطل و ( # ( الثانى ( يلزم أن يكون صفة لذلك المحل الذى قامت به الصفة لأن الصفة ~~اذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره فاذا قام بمحل علم أو ~~حياة أو قدرة أو كلام أو غير ذلك كان ذلك المحل هو الموصوف بأنه حى عالم ~~قادر متكلم كما يوصف بأنه متحرك اذا قامت به الحركة أو أنه أسود وأبيض اذا ~~قام به السواد والبياض ونحو ذلك # وأما قيامه لا في محل فممتنع لأنه صفة # ومعنى ( هذه الحجة ( أيضا صحيحة وهى انما تدل على مذهب السلف فقط وهى تدل ~~على فساد قول الأشعرية كما تدل على فساد قول المعتزلة وعلى فساد قول ~~الجهمية مطلقا فان جمهور المعتزلة والجهمية اختاروا من ( هذه الاقسام ( أنه ~~يخلقه في محل وقالوا ان الله لما كلم موسى خلق صوتا في الشجرة فكان ذلك ~~الصوت المخلوق من الشجرة هو كلامه PageV06P315 # وهذا مما كفر به أئمة السنة من قال بهذا وقالوا هو يتضمن أن الشجرة هي ~~التى قالت ( انا الله لا اله الا أنا فاعبدنى ( لأن الكلام كلام من قام به ~~الكلام هذا هو المعقول في نظر جميع الخلق لا سيما وقد قام الدليل على أن ~~الله انطق كل ناطق كما انطق الله الجلود يوم القيامة وقالوا ( انطقنا الله ~~الذى أنطق كل شيء ( فيكون كل كلام في الوجود مخلوقا له في محل # فلو كان ما يخلقه في غيره كلاما للزم أن يكون كل كلام في الوجود حتى ~~الكفر والفسوق والكذب كلاما له تعالى عن ذلك وهذا لازم الجهمية المجبرة ~~فانهم يقولون ان الله خالق أفعال العباد واقوالهم والعبد عندهم لا يفعل ~~شيئا ولا قدرة له مؤثرة في الفعل ولهذا قال بعض شيوخهم من القائلين بوحدة ~~الوجود # وكل كلام في الوجود ms1682 كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # وأما ( المعتزلة ( فلا يقولون ان الله خالق أفعال العباد لكن الحجة ~~تلزمهم بذلك وقد اعترف حذاقهم كأبى الحسين البصرى أن الفعل لا يوجد الا ~~بداع يدعو الفاعل وانه عند وجود الداعى مع القدرة يجب وجود الفعل وقال ان ~~الداعى الذى في العبد مخلوق لله وهذا تصريح بمذهب أهل السنة وان لم ينطق ~~بلفظ خلق افعال العباد # فاذا قال ان الله خلق الداعى والقدرة وخلقها يستلزم خلق الفعل فقد سلم ~~المسألة ولما كان هذا مستقرا في نفوس عامة الخلق قال سليمان بن PageV06P316 ~~داود الهاشمى الامام نظير أحمد بن حنبل الذى قال فيه الشافعى ما خلفت ~~ببغداد أعقل من رجلين أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمى قال من قال ان ~~القرآن مخلوق لزم أن يكون قول فرعون كلام الله فان الله خلق في فرعون قوله ~~( أنا ربكم الأعلى ( وعندهم أن الله خلق في الشجرة ( اننى أنا الله لا اله ~~الا أنا فاعبدنى ( فاذا كان كلامه لكونه خلقه فالآخر أيضا كلامه # والاشعرية وغيرهم من أهل السنة أبطلوا قول المعتزلة والجهمية بأنه خلقه ~~في غيره بان قالوا ما خلقه الله في غيره من الاعراض كان صفة لذلك وعاد حكمه ~~على ذلك المحل لم يكن صفة لله كما تقدم # وهذه ( حجة جيدة مستقيمة ( لكن الاشعرية لم يطردوها فتسلط عليهم المعتزلة ~~بأنهم يصفونه بأنه خالق ورازق ومحي ومميت عادل محسن من غير أن يقوم به شيء ~~من هذه المعانى بل يقوم بغيره فان الخلق عندهم هو المخلوق والاحياء هو وجود ~~الحياة في الحى من غير فعل يقوم بالرب فقد جعلوه محييا بوجود الحياة في ~~غيره وكذلك جعلوه مميتا وهذه مما عارضهم بها المعتزلة ولم يجيبوا عنها ~~بجواب صحيح # ولكن ( السلف والجمهور ( يقولون بأن الفعل يقوم به ايضا وهذه ( القاعدة ( ~~حجة لهم على الفريقين والفريقان يقسمون الصفات إلى ذاتية وفعلية أو ذاتية ~~ومعنوية وفعلية وهو مغلطة فانه لا يقوم به عندهم فعل ولا يكون PageV06P317 ~~له عندهم صفة فعلية واذا قالوا بموجب ms1683 ما خلقه في غيره لزمهم أن يقولوا هو ~~متحرك وأسود وأبيض وطويل وقصير وحلو ومر وحامض وغير ذلك من الصفات التى ~~يخلقها في غيره # ثم هم متناقضون فهؤلاء يصفونه بالكلام الذى يخلقه في غيره واولئك يصفونه ~~بكل مخلوق في غيره فعلم أنه لا يتصف الا بما قام به لا بما يخلقه في غيره ~~وهذا حقيقة الصفة فان كل موصوف لا يوصف الا بما قام به لا بما هو مباين له ~~صفة لغيره وان نفوا مع ذلك قيام الصفات به لزمهم ان لا يكون له صفة لا ~~ذاتية ولا فعلية # وان قالوا انما سمينا الفعل صفة لأنه يوصف بالفعل فيقال خالق ورازق قيل ~~هذا لا يصح ان يقوله أحد من الصفاتية فان الصفة عندهم قائمة بالموصوف ليست ~~مجرد قول الواصف # وإن قاله من يقول ان الصفة هي الوصف وهى مجرد قول الواصف فالواصف ان لم ~~يكن قوله مطابقا كان كاذبا ولهذا انما يجيء الوصف في القرآن مستعملا في ~~الكذب بأنه وصف يقوم بالواصف من غير أن يقوم بالموصوف شيء كقوله سبحانه ( ~~سيجزيهم وصفهم ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب ( ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب ان لهم ~~الحسنى ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( # وقد جاء مستعملا في الصدق فيما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة أن ~~PageV06P318 رجلا كان يكثر قراءة ( قل هو الله أحد ( فقال النبى ( ( سلوه ~~لم يفعل ذلك فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبها فقال النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ( اخبروه ان الله يحبه ( # فمن وصف موصوفا بأمر ليس هو متصفا به كان كاذبا فمن وصف الله بأنه خالق ~~ورازق وعالم وقادر وقال مع ذلك أنه نفسه ليس متصفا بعلم وقدرة أو ليس متصفا ~~بفعل هو الخلق والاحياء كان قد وصفه بأمر وهو يقول ليس متصفا به فيكون قد ~~كذب نفسه فيما وصف به ربه وجمع بين النقيضين فقال هو متصف بهذا ليس متصفا ~~بهذا وهذا حقيقة اقوال النفاة فانهم ms1684 يثبتون امورا هي حق ويقولون ما يستلزم ~~نفيها فيجمعون بين النقيضين ويظهر في اقوالهم التناقض # وحقيقة قولهم أنه موجود ليس بموجود عالم ليس بعالم حى ليس بحى ولهذا كان ~~غلاتهم يمتنعون عن الاثبات والنفى معا فلا يصفونه لا باثبات ولا بنفى كما ~~قد بسط في غير هذا الموضع ومعلوم أن خلوه عن النفى والاثبات باطل ايضا فان ~~النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان # و ( المقصود هنا ( أن هذه ( المقدمة ( الصحيحة أنه لو خلقه في محل لكان ~~صفة لذلك المحل هي مقدمة صحيحة والسلف واتباعهم أهل السنة والجمهور يقولون ~~بها واما المعتزلة والاشعرية فيتناقضون فيها كما تقدم PageV06P319 # وأما ( القسم الثالث ( وهو أنه لو خلقه قائما بنفسه لكان ذلك ممتنعا لانه ~~صفة والصفة لا تقوم بنفسها وهذا معلوم بالضرورة وقد حكى عن بعض المعتزلة ~~انه يخلق حبالا في محل والبصريون وهم أجل وأفضل من البغداديين يقولون أنه ~~يخلق ارادة لا في محل فقد يناقضون هذه الحجة # وأما ( القسم الاول ( وهو أنه لو خلقه في نفسه لكان محلا للحوادث ~~فالتحقيق أن يقال لو خلقه في نفسه لكان محلا للمخلوق وهو لا يكون محلا ~~للمخلوق # واذا قالوا نحن نسمى كل حادث مخلوقا فهذا محل نزاع فالسلف وأئمة أهل ~~الحديث وكثير من طوائف الكلام كالهشامية والكرامية وأبى معاذ التومنى ~~وغيرهم لا يقولون كل حادث مخلوق ويقولون الحوادث تنقسم إلى ما يقوم بذاته ~~بقدرته ومشيئته ومنه خلقه للمخلوقات والى ما يقوم بائنا عنه وهذا هو ~~المخلوق لان المخلوق لابد له من خلق والخلق القائم بذاته لا يفتقر إلى خلق ~~بل هو حصل بمجرد قدرته ومشيئته # والقدرة في القرآن متعلقة بهذا الفعل لا بالمفعول المجرد عن الفعل كقوله ~~( أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى ( وقوله ( قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ( وقوله ( بلى قادرين على أن نسوى ~~بنانه ( وقوله ( أو ليس الذى خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~PageV06P320 # وعلى هذا فهذه ( الحجة ( يكفى فيها أن يقال لو ms1685 خلقه لكان اما أن يخلقه في ~~محل فيكون صفة له أو يخلقه قائما بنفسه وكلاهما ممتنع ولا يذكر فيها اما أن ~~يخلقه في نفسه لأن كونه مخلوقا يقتضى أن له خلقا والخلق القائم به لو كان ~~مخلوقا لكان له خلق فيلزم أن يكون كل خلق مخلوقا فيكون الخلق مخلوقا بلا ~~خلق وهذا ممتنع # وهذا يستقيم على أصل السلف وأهل السنة والجمهور الذين يقولون لا يكون ~~المخلوق مخلوقا الا بخلق واما من قال يكون مخلوقا بلا خلق والخلق هو نفس ~~المخلوق لا غيره فيقال على أصله اما أن يخلقه في نفسه ويكون المخلوق نفس ~~الخلق وهو معنى كونه حادثا ويعود الامر إلى أنه اذا أحدثه فاما أن يحدثه في ~~نفسه أو خارجا عن نفسه وقد تبين كيف تصاغ هذه الحجة على أصول هؤلاء وأصول ~~هؤلاء # فاذا احتج بها على قول ( السلف والجمهور ( فلها صورتان ان شئت ان تقول ~~اما أن يخلقه قائما بنفسه أو بغيره ولا تقل في نفسه لكون المخلوق لا يكون ~~في نفسه وان شئت أن تدخله في التقسيم وتقول واما أن يخلقه في نفسه ثم تقول ~~وهذا ممتنع لأن المخلوق لابد له من خلق فلو خلقه في نفسه لافتقر إلى خلق ~~وكان ما حدث في نفسه مخلوقا مفتقرا إلى خلق فيكون خلقه له ايضا مفتقرا إلى ~~خلق وهلم جرا واذا كان كل خلق مخلوقا لم يبق خلق الا مخلوق واذا لم يبق خلق ~~الا مخلوق لزم وجود المخلوق بلا خلق اذ ليس لنا خلق غير مخلوق PageV06P321 ~~وان قيل فقد يخلقه في نفسه بخلق وذلك الخلق يحصل بلا خلق آخر بل بمجرد ~~القدرة والارادة كما يقول من يقول انه يتكلم بمشيئته وقدرته وتكلمه فعل ~~يحصل بقدرته ومشيئته فنحن نقول ذلك الفعل هو الخلق # فيقال لهم فعلى هذا صار في التقسيم ( حادث ( يقوم بنفسه ليس بمخلوق وعلى ~~هذا التقدير فيمكن أن يقال في القرآن انه حادث أو محدث وليس بمخلوق فان كان ~~الحق هو ( القسم الاول ( لم يلزم اذا لم ms1686 يكن مخلوقا أن يكون قديما بل قد ~~يكون حادثا وليس بمخلوق فلا يلزم من نفى كونه مخلوقا أن يكون قديما فلا تدل ~~الحجة على قول الكلابية # وتلخيص ذلك أنه اما أن يقال الحدوث أعم من الخلق فقد يكون الشيء حادثا في ~~نفسه وليس مخلوقا أو يقال كل حادث فهو مخلوق بناء على انه لا يقوم بذاته ~~حادث أو بناء على أن ما قام بنفسه إذا كان حادثا فهو مخلوق فاذا كان الحق ~~هو ( القسم الأول لم يلزم اذا لم يكن مخلوقا أن يكون قديما بل قد يكون ~~حادثا وليس بمخلوق # وان كان الحق غير ( الأول ( فحينئذ اذا قيل لا يخلقه في نفسه لم تكن ~~الحجة عليه الا ابطال قيام الحوادث به ولكن اذا أريد أن يدل على أنه ليس ~~بمخلوق في نفسه وان كان حادثا بنفسه فانه يستدل على ذلك بأنه لو كان مخلوقا ~~لكان له خلق والخلق نفسه ليس مخلوقا بل حادث لأنه لو كان مخلوقا لكان كل ~~خلق مخلوقا فيكون المخلوق بلا خلق وهو جمع بين النقيضين فتعين أن يكون ~~الخلق حادثا غير مخلوق PageV06P322 # وعلى هذا التقدير فلا يلزم اذا كان غير مخلوق أن يكون قديما وانما أريد ~~الاستدلال على أنه لم يخلقه في نفسه سواء قيل انه تحل فيه الحوادث أو لا ~~تحل وهو أحسن فيكون استدلالا بذلك من غير التزام هذا القول # فيقال لا يخلو اما أن تقوم به الحوادث واما أن لا تقوم فان لم تقم امتنع ~~أن يخلقه في نفسه لأنه حينئذ يكون حادثا فتقوم به الحوادث وان كانت تقوم به ~~الحوادث فتلك الحوادث تحصل بقدرته ومشيئته ولا تكون كلها مخلوقة لأن ~~المخلوق لابد له من خلق والخلق منها فلو كان الخلق مخلوقا بخلق لزم أن يكون ~~كل خلق مخلوقا فيكون المخلوق حاصلا بلا خلق وقد قيل أن المخلوق لابد له من ~~خلق # واذا كان لا يجب فيما قام بذاته أن يكون مخلوقا فلو أحدثه في ذاته لم ~~يلزم أن يكون مخلوقا بل يمتنع ms1687 أن يكون مخلوقا لأن المخلوق هو ماله خلق قائم ~~بذات الرب مباين للمخلوق وهو اذا تكلم به بمشيئته وقدرته كان الكلام اسما ~~يتناول التكلم به ونفس الحروف وذلك التكلم حاصل بقدرته ومشيئته لم يحصل ~~بخلق فان الخلق يحصل ايضا بقدرته ومشيئته وهو يخلق الاشياء بكلامه فمحال أن ~~يكون لكلامه خلق أقرب إليه من كلامه # وقد قيل أن خلقه للاشياء هو نفس تكلمه بكن فيكون هذا هو الخلق والخلق لا ~~يحصل بخلق بل المخلوق يحصل بالخلق ومن الاشياء ما يخلقه مع تكلم بفعل يفعله ~~أيضا فقد تبين على كل تقدير أن كلامه اذا أحدثه في ذاته لم يكن مخلوقا من ~~غير أن يلزم أنه لا تقوم به الحوادث PageV06P323 # واذا بنينا على ذلك فلفظ الحوادث مجمل يراد به أنه لا يقوم به جنس له نوع ~~لم يحصل منه شيء قبل ذلك ويراد به أنه لا يقوم به لا نوع ولا فرد من أفراد ~~الحوادث فاذا أريد الثانى فالسلف وأئمة السنة والحديث وكثير من طوائف ~~الكلام على خلافه # وان أريد ( الاول ( فالنزاع فيه مع ( الكرامية ( ونحوهم فمن يقول أنه حدث ~~له من الصفات بذاته ما لم يكن حدث صار يتكلم بمشيئته بعد أن لم يكن وصار ~~مريدا للفعل بعد أن لم يكن والكلام والارادة الذى قالت المعتزلة يحدث بائنا ~~عنه قالوا هم يحدث في ذاته و ( الكلابية ( قالوا ذلك قديم يحصل بغير مشيئته ~~وقدرته وهؤلاء قالوا بل هو حادث النوع يحصل بقدرته ومشيئته القديمة فمشيئته ~~القديمة عندهم مع القدرة أوجبت ما يقوم بذاته فهؤلاء يقولون انه أحدث في ~~ذاته نوع الكلام ولم يكن له قبل ذلك كلام وليس هذا مذهب السلف بل مذهب ~~السلف أنه لم يزل متكلما # فتبين أن خلقه للكلام مطلقا في ذاته محال من جهة أن المخلوق لا يقوم ~~بذاته ومن جهة أنه يلزم أنه صار متكلما بعد أن لم يكن وهذا غير قولهم لا ~~تقوم به الحوادث # فصار هنا لإبطال هذا القول ( ثلاثة مسالك ( مسلك الكلابية ومسلك الكرامية ~~ومسلك ms1688 السلف فلهذا كان هذا القسم مما ذكره عبد العزيز بن يحيى PageV06P324 ~~الكنانى في ( الحيدة ( وأبطله من غير أن يلتزم خلاف السلف وقد كتبت الفاظه ~~وشرحتها في غير هذا الموضع # و ( المقصود هنا ( أنه يمكن ابطال كونه خلقه في نفسه من غير التزام قول ~~الكلابية ولا الكرامية فانه قد تبين أن ما قام بذاته يمتنع أن يكون مخلوقا ~~اذ كان حاصلا بمشيئته وقدرته والمخلوق لابد له من خلق ونفس تكلمه بمشيئته ~~وقدرته ليس خلقا له بل بذلك التكلم يخلق غيره والخلق لا يكون خلقا لنفسه # ويدل على بطلان قول ( الكلابية ( أن الكلام لا يكون الا بمشيئته وقدرته ~~وهم يقولون يتكلم بلا مشيئته ولا قدرته # وأما ( الكرامية ( فيقولون صار متكلما بعد ان لم يكن فيلزم انتفاء صفة ~~الكمال عنه ويلزم حدوث الحادث بلا سبب ويلزم أن ذاته صارت محلا لنوع ~~الحوادث بعد ان لم تكن كذلك كما تقوله ( الكرامية ( وهذا باطل وهو الذى ~~أبطله السلف بأن ما يقوم به من نوع الكلام والارادة والفعل اما أن يكون صفة ~~كمال أو صفة نقص فان كان كمالا فلم يزل ناقصا حتى تجدد له ذلك الكمال وان ~~كان نقصا فقد نقص بعد الكمال PageV06P325 وهذه الحجة لا تبطل قيام نوع ~~الارادة والكلام شيئا بعد شيء فان ذلك انما يتضمن حدوث افراد الارادة ~~والكلام لا حدوث النوع والنوع ما زال قديما وما زال متصفا بالكلام والارادة ~~وذلك صفة كمال فلم يزل متصفا بالكمال ولا يزال بخلاف ما اذا قيل صار مريدا ~~ومتكلما بعد أن لم يكن # واذا قيل في ذلك الفرد من افراد الارادة والكلام والفعل هل هو كمال أو ~~نقص قيل هو كمال وقت وجوده ونقص قبل وجوده مثل مناداته لموسى كانت كمالا ~~لما جاء موسى ولو ناداه قبل ذلك لكان نقصا والله منزه عنه ولأن افراد ~~الحوادث يمتنع قدمها وما امتنع قدمه لم يكن عدمه في القدم نقصا # بل النقص المنفى لابد أن يكون عدم ما يمكن وجوده بل عدم ما يمكن وجوده ~~ويكون وجوده ms1689 خيرا من عدمه فلا يكون عدم الشيء نقصا الا بهذين الشرطين بأن ~~يكون عدمه ممكنا ويكون وجوده خيرا من عدمه فاذا كان عدمه ممتنعا كعدم ~~الشريك والولد فهذا مدح وصفة كمال واذا كان عدمه ممكنا فالأولى عدمه ~~كالاشياء التى لم يخلقها فانه كان أن لا يخلقها أكمل من أن يخلقها كما أن ~~ما خلقه كان أن يخلقه أكمل من أن لا يخلقه # وحينئذ فما وجد من الحوادث في ذاته أو بائنا عنه كان وجوده وقت وجوده هو ~~الكمال وعدمه وقت عدمه هو الكمال وكان عدمه وقت وجوده أو وجوده وقت عدمه ~~نقصا ينزه الله عنه سبحانه وتعالى فقد تبين الفرق بين نوع الحوادث واعيانها ~~وأن النوع لو كان حادثا بذاته بعد ان لم يكن لزم كماله بعد نقصه أو نقصه ~~بعد كماله PageV06P326 # و ( أيضا ( فالحادث لابد له من سبب والافراد يمكن حدوثها لأن قبلها أمورا ~~أخرى تصلح أن تكون سببا اما اذا قدر عدم النوع كله ثم حدث لزم أن يحدث ~~النوع بلا سبب يقتضى حدوثه وهو ممتنع # وأيضا فهذا ( النوع ( اما أن يقال كان قادرا عليه فيما لم يزل أو صار ~~قادرا بعد ان لم يكن فان كان قادرا عليه أمكن وجوده فلا يمتنع وجوده فلا ~~يجوز الجزم بعدمه وان لم يكن قادرا لزم حدوث القدرة بلا سبب وانتقال القدرة ~~والامتناع إلى الامكان بلا سبب وهذا بخلاف الافراد فان ذلك كان ممتنعا حتى ~~يحصل ما يصير به ممكنا أو كان ممكنا ولكن الحكمة اقتضت وجوده بعد تلك ~~الامور واما النوع اذا قيل بحدوثه لم يختص بوقت اذ العدم المحض لا يعقل فيه ~~وقت يميزه عن وقت # و ( أيضا ( فكذلك النوع ممكن له لوجوده وهو لا يتوقف على شيء غيره لا منه ~~ولا من غيره وما كان ممكنا لم يتوقف الا على ذاته لزم وجوده بوجود ذاته ~~كحياته وعلمه وقدرته وغير ذلك من صفاته فدل ذلك على وجوب قدم نوع هذه ~~الصفات ولزوم النوع لذاته وان قيل بحدوث الافراد # وعلى ms1690 هذا فيقال لا تقوم بذاته الصفات الحادثة أى لا يقوم به نوع من انواع ~~الصفات الحادثة بمعنى أن الكلام صفة والارادة صفة ولا تحدث له هذه الصفات ~~ولا نوع من أنواع هذه الصفات بل لم يزل متكلما مريدا وان حدثت PageV06P327 ~~أفراد كل صفة أى ارادة هذا الحادث المعين وهذا الشخص المعين فنفس الصفة لم ~~تزل موجودة # وعلى هذا يقال لو خلق في ذاته ( الكلام ( ولو أحدث في ذاته الكلام ولو ~~كان كلامه حادثا أو محدثا فان نفس الكلام أى هذه الصفة ونوعها ليس بحادث ~~ولا محدث ولا مخلوق واما الكلام المعين ( كالقرآن ( فليس بمخلوق لا في ذاته ~~ولا خارجا عن ذاته بل تكلم بمشيئته وقدرته وهو حادث في ذاته # وهل يقال أحدثه في ذاته على قولين أصحهما أنه يقال ذلك كما قال تعالى ( ~~ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ( وقال النبى ( ( ان الله يحدث من أمره ما ~~شاء وان مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة ( وقد بوب البخارى في صحيحه لهذا ~~بابا دل عليه الكتاب والسنة # وهذا بخلاف المخلوق فانه ليس في عقل ولا شرع ولا لغة ان الانسان يسمى ما ~~قام به من الافعال والاقوال خلقا له ويقول أنا خلقت ذلك بل يقول أنا فعلت ~~وتكلمت وقد يقول أنا أحدثت هذه الاقوال والافعال # كما قال النبى ( ( اياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة ( وقال ( ~~المدينة حرم ما بين عير إلى ثور من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين ( # وان كان مقصوده ( بالاحداث ( هنا أخص من معنى الاحداث بمعنى الفعل ~~PageV06P328 وانما مقصوده من أحدث فيها بدعة تخالف ما قد سن وشرع ويقال ~~للجرائم الاحداث ولفظ الاحداث يريدون به ابتداء ما لم يكن قبل ذلك ومنه ~~قوله ( ان الله يحدث من أمره ما شاء ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ( ولا ~~يسمون مخلوقا الا ما كان بائنا عنه كقوله ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ~~( واذا قالوا عن كلام المتكلم انه مخلوق ms1691 ومختلق فمرادهم أنه مكذوب مفترى ~~كقوله ( وتخلقون افكا PageV06P329 ### ||| فصل # وما احتج به الفلاسفة والمتكلمون في ( مسألة حدوث العالم ( انما يدل على ~~مذهب السلف والأئمة أما ( الفلاسفة ( فحجتهم انما تدل على أنه لم يزل فاعلا ~~كما أن حجة ( الاشعرية ( انما تدل على أنه لم يزل متكلما وكل من الفريقين ~~احتج على قدم العين بأدلة لا تقتضى ذلك # وأما ( المتكلمون ( فعمدتهم أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث أو ما لم ~~يسبق الحوادث فهو حادث وكل من هاتين القضيتين هي صحيحة باعتبار وتدل على ~~الحق فما لم يسبق الحوادث المحدودة التى لها أول فهو حادث وهذا معلوم بصريح ~~العقل واتفاق العقلاء فكل ما علم أنه كان بعد حادث له ابتداء أو مع حادث له ~~ابتداء فهو أيضا حادث له ابتداء بالضرورة وكذلك ما لم يخل من هذه الحوادث ~~مع حاجته اليها فهو حادث وما لم يخل من حوادث يحدثها فيه غيره فهو حادث بل ~~ما احتاج إلى الحوادث مطلقا فهو حادث وما قامت به حوادث من غيره فهو حادث ~~وما كان محتاجا إلى غيره فهو حادث وما قامت به الحوادث فهو حادث ~~PageV06P330 # وهذا يبطل قول ( المتفلسفة ( القائلين بقدم الفلك كأرسطو وأتباعه فان ( ~~ارسطو ( يقول انه محتاج إلى العلة الاولى للتشبه بها وبرقلس وبن سينا ~~ونحوهما يقولون انه معلول له أى موجب له والاول علة فاعلة له فالجميع ~~يقولون انه محتاج إلى غيره مع قيام الحوادث به وانه لم يخل منها ويقولون هو ~~قديم وهذا قول باطل # ويقول ( بن سينا ( أنه ممكن يقبل الوجود والعدم مع قيام الحوادث به وهو ~~قديم ازلى وهذا باطل فان كونه محتاجا إلى غيره يمتنع أن يكون واجب الوجود ~~بنفسه فأن واجب الوجود بنفسه لا يكون محتاجا إلى غيره وان لم يكن واجبا ~~بنفسه كان ممكنا يقبل الوجود والعدم وحينئذ فيكون محدثا من وجوه # ( منها ( أن الممكن الذى يقبل الوجود والعدم لا يكون الا محدثا واما ~~القديم الذى يمتنع عدمه فلا يقبل الوجود والعدم # ( ومنها ( أنه اذا ms1692 كان مع حاجته تحله الحوادث من غيره دل على أن غيره ~~متصرف فيه قاهر له تحدث فيه الحوادث ولا يمكنه دفعها عن نفسه وما كان ~~مقهورا مع غيره لم يكن موجودا بنفسه ولا مستغنيا بنفسه ولا عزيزا ولا ~~مستقلا بنفسه وما كان كذلك لم يكن الا مصنوعا مربوبا فيكون محدثا # و ( أيضا ( فاذا لم يخل من الحوادث التى يحدثها فيه غيره ولم يسبقها بل ~~كانت لازمة له دل على أنه في جميع اوقاته مقهورا مع الغير متصرفا له يدل ~~PageV06P331 على أنه مفتقر إليه دائما وهذا يبطل قول المتكلمين الذين ~~يقولون انما يفتقر إليه حال حدوثه فقط كما يبطل قول المتفلسفة الذين يقولون ~~يفتقر إليه في دوامه مع قدمه وعدم حدوثه # و ( التحقيق ( أنه محدث يفتقر إليه حال الحدوث وحال البقاء وكونه محلا ~~للحوادث من غيره أو محلا للحوادث مع حاجته يدل على أنه محدث واما كونه محلا ~~لحوادث يحدثها هو فهذا لا يستلزم لا حاجته ولا حدوثه ولهذا كان ( الصحابة ( ~~يذكرون أن حدوث الحوادث في العالم يدل على أنه مربوب كما قد ذكرنا هذا في ~~موضع آخر والمربوب محدث وكل ما سوى الله تحدث فيه الحوادث من غيره وهو ~~محتاج إلى غيره فكل فلك فانه يحركه غيره فتحدث فيه الحركة من غيره فالفلك ~~المحيط يحركها كلها وهو متحرك بخلاف حركته فتحدث فيه مناسبة حادثة بغير ~~اختياره وهى مستقلة بحركتها لا تحتاج فيها إليه فامتنع أن يكون ربا لها ~~والشمس والقمر والكواكب يحركها غيرها فكلها مسخرات بأمره PageV06P332 ### ||| فصل # وقد ذكرنا ( أصلين ( # ( أحدهما ( أن ما يحتجون به من الحجج السمعية والعقلية على مذاهبهم انما ~~يدل على قول السلف وما جاء به الكتاب والسنة لا يدل على ما ابتدعوه وخالفوا ~~به الكتاب والسنة # ( الثانى ( أن ما احتجوا به يدل على نقيض مقصودهم وعلى فساد قولهم وهذا ~~نوع آخر فان كونه يدل على قول لم يقولوه نوع وكونه يدل على نقيض قولهم ~~وفساد قولهم نوع آخر # وهذا موجود في حجج المتفلسفة والمتكلمة # أما ( المتفلسفة ms1693 ( فمثل حججهم على قدم العالم أو شيء منه فانهم احتجوا ~~بأنواع العلل الاربعة ( الفاعلية ( و ( الغائية ( و ( المادية ( و ( ~~الصورية ( وعمدتهم ( الفاعلية ( وهو أن يمتنع أنه يصير فاعلا بعد أن لم يكن ~~فيجب أنه ما زال فاعلا وهذه أعظم عمدة متأخريهم كابن سينا وامثاله وهى ~~أظنها منقولة عن برقلس # وأما ( أرسطو ( وأتباعه فهم لا يحتجون بها اذ ليس هو عندهم فاعلا وانما ~~PageV06P333 احتجوا بوجوب قدم الزمان والحركة وهى الصورية وبوجوب قدم ~~المادة لأن كل محدث مسبوق بالامكان فلابد له من محل فكل حادث تقبله مادة ~~يقبله وأما ( العلة الغائية ( فمن جنس ( الفاعلية ( فيقال لهم هذه الحجج ~~انما تدل على مذهب السلف والأئمة كما تقدم وهى تدل على بطلان قولهم # وأما قدم ( الفاعلية ( وهو أنه ما زال فاعلا فيقال هذا لفظ مجمل فانتم ~~تريدون بالفاعل أن مفعوله مقارن له في الزمان واذا كان فاعلا بهذا الاعتبار ~~وجب مقارنة مفعوله له فلا يتأخر فعله فهذه عمدتكم والفاعل عند عامة العقلاء ~~وعند سلفكم وعندكم أيضا في غير هذا الموضع هو الذى يفعل شيئا فيحدثه فيمتنع ~~أن يكون المفعول مقارنا له بهذا الاعتبار بل على هذا الاعتبار يجب تأخر كل ~~مفعول له فلا يكون في مفعولاته شيء قديم بقدمه فيكون كل ما سواه محدث # ثم للناس هنا طريقان # ( منهم ( من يقول يجب تأخر كل مفعول له وأن يبقى معطلا عن الفعل ثم يفعل ~~كما يقوله أهل الكلام المبتدع من اهل الملل من الجهمية والمعتزلة ومن سلك ~~سبيلهم وهذا النفى يناقض دوام الفاعلية فهو يناقض موجب تلك الحجج # و ( الثانى ( أن يقال ما زال فاعلا لشيء بعد شيء فكل ما سواه محدث كائن ~~بعد أن لم يكن وهو وحده الذى اختص بالقدم والازلية فهو ( الأول ( القديم ~~الازلى ليس معه غيره وأنه ما زال يفعل شيئا بعد شيء PageV06P334 فيقال لهم ~~الحجج التى تقيمونها في وجوب قدم ( الفاعلية ( كما أنها تبطل قول أهل ~~الكلام المحدث فهي أيضا تبطل قولكم وذلك أنها لو دلت على دوام الفاعلية ~~بالمعنى ms1694 الذى ادعيتم للزم أن لا يحدث في العالم حادث اذ كان المفعول ~~المعلول عندكم يجب أن يقارن علته الفاعلية في الزمان وكل ما سوى الاول ~~مفعول معلول له فتحدث مقارنة كل ما سواه فلا يحدث في العالم حادث وهو خلاف ~~المشاهدة والمعقول وباطل باتفاق بنى آدم كلهم مخالف للحس والعقل # وايضا اذا وجب في العلة أن يقارنها معلولها في الزمان فكل حادث يجب أن ~~يحدث مع حدوثه حوادث مقترنة في الزمان لا يسبق بعضها بعضا ولا نهاية لها ~~وهذا قول بوجود علل لا نهاية لها وهذا ايضا باطل بصريح العقل واتفاق ~~العقلاء ولا فرق بين امتناع ذلك في ذات العلة أو شرط من شروطها فكما يمتنع ~~ان يحدث عند كل حادث ذات علل لا تتناهى في آن واحد وكذلك شروط العلة ~~وتمامها فانها احدى جزأي العلة فلا يجوز وجود ما لا يتناهى في آن واحد لا ~~في هذا الجزء ولا في هذا الجزء وهذا متفق عليه بين الناس # وأما النزاع في ( وجود ما لا يتناهى على سبيل التعاقب ( فقد زال جزء ~~حجتهم ليس هو ما قالوه بل موجبه هو ( القول الآخر ( وهو أن الفاعل لم يزل ~~يفعل شيئا بعد شيء وحينئذ كل مفعول محدث كائن بعد أن لم يكن وهذا نقيض ~~قولهم بل هذا من أبلغ ما يحتج به على ما أخبرت به الرسل من أن الله ~~PageV06P335 خالق كل شيء فانه بهذا يثبت أنه لا قديم الا الله وأنه كل ما ~~سواه كائن بعد ان لم يكن سواء سمى عقلا أو نفسا أو جسما أو غير ذلك # بخلاف دليل أهل الكلام المحدث على الحدوث فانهم قالوا لو كان صحيحا لم ~~يدل الا على حدوث الاجسام ونحن أثبتنا موجودات غير العقول و ( أهل الكلام ( ~~لم يقيموا دليلا على انتفائها وقد وافقهم على ذلك المتأخرون مثل الشهرستانى ~~والرازى والآمدى وادعوا أنه لا دليل للمتكلمين على نفى هذه الجواهر العقلية ~~ودليلهم على حدوث الاجسام لم يتناولها ولهذا صار الذين زعموا أنهم يجيبونهم ~~( بالجواب ms1695 الباهر ( إلى ما تقدم ذكره من التناقض فقد تبين أن نفس ما احتجوا ~~به يدل على فساد قولهم وفساد قول المتكلمين ويدل على حدوث كل ما سوى الله ~~وأنه وحده القديم دلالة صحيحة لا مطعن فيها # فقد تبين ولله الحمد ان عمدتهم على قدم العالم انما تدل على نقيض قولهم ~~وهو حدوث كل ما سوى الله ولله الحمد والمنة # وأما ( الحجة ( التى احتجوا بها على أنه لم تزل الحركة موجودة والزمان ~~موجودا وأنه يمتنع حدوث هذا الجنس وهذا مما اعتمد عليه ( أرسطو ( وأتباعه ~~فيقال لهم هذه لا تدل على قدم شيء بعينه من الحركات وزمانها ولا من ~~المتحركات فلا تدل على مطلوبهم وهو قدم الفلك وحركته وزمانه PageV06P336 بل ~~تدل على نقيض قولهم وذلك أن الحركة لابد لها من محرك فجميع الحركات تنتهى ~~إلى محرك أول # وهم يسلمون هذا فذلك المحرك الأول الذى صدر عنه حركة ما سواه اما أن يكون ~~متحركا واما أن لا يكون فان لم يكن متحركا لزم صدور الحركة عن غير متحرك ~~وهذا مخالف للحس والعقل فان المعلول انما يكون مناسبا لعلته فاذا كان ~~المعلول يحدث شيئا بعد شيء امتنع أن تكون علته باقية على حال واحدة كما ~~قلتم يمتنع أن يحدث عنها شيء بعد ان لم يكن بل امتناع دوام الحدوث عنها ~~أولى من امتناع حدوث متجدد فان هذا يستلزم وجود الممتنع أكثر مما يستلزم ~~ذاك # فانه اذا قيل من المعلوم بصريح العقل أن ما لم يكن فاعلا فلابد أن يحدث ~~له سبب يوجب كونه فاعلا وانه اذا كان حال الفاعل على الحال التى كان عليها ~~قبل الفعل لم يفعل شيئا ولم يحدث عنه شيء قيل لهم وهذا المعلوم بصريح العقل ~~موجب انها لا يحدث عنها في الزمان الثانى شيء لم يكن في الزمان الاول الا ~~لمعنى حدث فيها فاذا لم يحدث فيها شيء لم يحدث عنها شيء # فإذا قيل بدوام الحوادث عنها من غير أن يحدث فيها شيء كان هذا قولا بوجود ~~الممتنعات دائما فانه ms1696 ما من حادث يحدث الا قبلت الذات عند حدوثه لما كانت ~~قبل حدوثه وكانت قبل ذلك يمتنع عنها حدوثه فالآن كذلك يمتنع عنها حدوثه ~~PageV06P337 # أو يقال كانت لا تحدثه فهي الآن لا تحدث فهي عند حدوث كل حادث كما كانت ~~قبل ذلك وقبل حدوثه لم تكن محدثة له بل كان ذلك ممتنعا فكذلك الحين الذى ~~قدر فيه حدوثه يجب أن يكون الحدوث فيه ممتنعا # وهذا مما اعترف حذاقهم بأنه لازم كما ذكر ذلك بن رشد والرازى وغيرهما ~~واعترفوا بأن حدوث المتغير عن غير المتغير مخالف للعقلاء وبن سينا تفطن ~~لهذا PageV06P338 ### || 1 ( جواب شبهة نفي الصفات ) 1 ### |||| سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه # ما يقول السادة العلماء رضى الله عنهم أجمعين عن جواب شبهة ( المعتزلة ( ~~في نفى الصفات ادعوا أن ( صفات البارى ليست زائدة على ذاته ( لأنه لا يخلو ~~اما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه أولا ~~فان يقم فقد تعلق وجوده بها وصار مركبا من أجزاء لا يصح وجوده الا بمجموعها ~~والمركب معلول وان كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي ~~عرضية والعرض معلول وهما على الله محال فلم يبق الا أن صفات البارى غير ~~زائدة على ذاته وهو المطلوب ### ||||| ! 8 < فأجاب رضى الله عنه # ( الحمد لله ( الذى دل عليه الكتاب والسنة أن الله سبحانه له علم وقدرة ~~ورحمة ومشيئة وعزة وغير ذلك لقوله تعالى ( ولا يحيطون بشيء من علمه ( وقوله ~~( لكن الله يشهد بما أنزل اليك أنزله بعلمه ( وقوله ( ان الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين ( وقوله ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ( وقوله ( ربنا وسعت ~~كل شيء رحمة وعلما PageV06P339 # وفى حديث الاستخارة الذى في الصحيح ( اللهم أنى استخيرك بعلمك وأستقدرك ~~بقدرتك واسألك من فضلك العظيم ( وفى حديث شداد بن أوس الذى في السنن عن ~~النبى ( ( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما كانت الحياة خيرا ~~لى وتوفنى اذا كانت الوفاة خيرا لى ( وفى الحديث الصحيح ( لا وعزتك ( وهذا ms1697 ~~كثير # وفى الصحيح أيضا أن النبى ( ( سأل الذى كان يقرأ بقل هو الله أحد في كل ~~ركعة وهو امام فقال انى احبها لأنها صفة الرحمن فقال ( أخبروه أن الله يحبه ~~( فأقره النبى ( صلى الله عليه وسلم ( على تسميتها صفة الرحمن وفى هذا ~~المعنى أيضا آثار متعددة # فثبت بهذه النصوص أن الكلام الذى يخبر به عن الله صفة له # فإن الوصف هو الاظهار والبيان للبصر أو السمع كما يقول الفقهاء ثوب يصف ~~البشرة أو لا يصف البشرة وقال تعالى ( سيجزيهم وصفهم ( وقال ( سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون ( وقال ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر ~~اليها ( والنعت الوصف ومثل هذا كثير # و ( الصفة ( مصدر وصفت الشيء أصفه وصفا وصفة مثل وعد وعدا وعدة ووزن وزنا ~~وزنة وهم يطلقون اسم المصدر على المفعول كما يسمون المخلوق خلقا ويقولون ~~درهم ضرب الامير فاذا وصف الموصوف بأنه وسع كل شيء رحمة وعلما سمى المعنى ~~الذى وصف به بهذا الكلام صفة فيقال للرحمة والعلم والقدرة صفة بهذا ~~الاعتبار هذا حقيقة الامر PageV06P340 # ثم كثير من ( المعتزلة ( ونحوهم يقولون الوصف والصفة اسم للكلام فقط من ~~غير أن يقوم بالذات القديمة معانى وكثير من ( متكلمة الصفاتية ( يفرقون بين ~~الوصف والصفة فيقولون الوصف هو القول والصفة المعنى القائم بالموصوف وأما ~~المحققون فيعلمون أن كل واحد من اللفظين يطلق على القول تارة وعلى المعنى ~~أخرى # والقرآن والسنة قد صرحا بثبوت المعانى التى هي العلم والقدرة وغيرها كما ~~قدمناه # وأما لفظ ( الذات ( فانها في اللغة تأنيث ذو وهذا اللفظ يستعمل مضافا إلى ~~اسماء الاجناس يتوصلون به إلى الوصف بذلك فيقال شخص ذو علم وذو مال وشرف ~~ويعنى حقيقته أو عين أو نفس ذات علم وقدرة وسلطان ونحو ذلك وقد يضاف إلى ~~الاعلام كقولهم ذو عمرو وذو الكلاع وقول عمر الغنى بلال وذووه # فلما وجدوا الله قال في القرآن ( تعلم ما في نفسى ولا أعلم ما في نفسك ( ~~ويحذركم الله نفسه ( و ( كتب على نفسه الرحمة ( وصفوها فقالوا نفس ذات ms1698 علم ~~وقدرة ورحمة ومشيئة ونحو ذلك ثم حذفوا الموصوف وعرفوا الصفة فقالوا الذات ~~وهى كلمة مولدة ليست قديمة وقد وجدت في كلام النبى ( ( والصحابة لكن بمعنى ~~آخر مثل قول خبيب الذى في صحيح البخارى PageV06P341 # وذاك في ذات الاله وان يشأ %~% يبارك على أوصال شلو ممزع # وفى الصحيح عن النبى ( ( قال ( لم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات كلهن في ~~ذات الله ( وعن أبى ذر كلنا أحمق في ذات الله وفى قول بعضهم اصبنا في ذات ~~الله والمعنى في جهة الله وناحيته أى لأجل الله ولابتغاء وجهه ليس المراد ~~بذلك النفس ونحوه في القرآن ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ( وقوله ( ~~عليم بذات الصدور ( أى الخصلة والجهة التى هي صاحبة بينكم وعليم بالخواطر ~~ونحوها التى هي صاحبة الصدور # فاسم ( الذات ( في كلام النبى ( صلى الله عليه وسلم ( والصحابة والعربية ~~المحضة بهذا المعنى ثم اطلقه المتكلمون وغيرهم على ( النفس ( بالاعتبار ~~الذى تقدم فانها صاحبة الصفات فاذا قالوا الذات فقد قالوا التى لها الصفات # وقد روى في حديث مرفوع وغير مرفوع ( تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ~~ذات الله فان كان هذا اللفظ أو نظيره ثابتا عن النبى ( ( وأصحابه فقد وجد ~~في كلامهم اطلاق اسم ( الذات ( على النفس كما يطلقه المتأخرون واذا تقرر ~~هذا الاصل يبقى ( كالحركة ( وقد اختلف في بقائها كالطعم واللون والريح ~~وأكثر العقلاء على أنه قد يبقى # وهؤلاء لا يصح عندهم الاستدلال بهذه الاعراض على حدوث الجسم PageV06P342 ~~فلأن لا يصح الاستدلال بصفات الله على حدوث الموصوف اولى واحرى مع أن ( هذه ~~الحجة ( على حدوث العالم فيها نظر طويل ليس هذا موضعه # وهكذا ايضا يقال للفلاسفة فانه لا ريب أنه مبدئ للعالم وسبب لوجوده ~~ويذكرون له من العقل والعناية أمورا لابد لهم من اثباتها # فالكلام فيما يثبته أهل الكتاب والسنة كالكلام فيما لابد من اثباته لجميع ~~الطوائف وذلك أنه قد ثبت أنه حق بالاضطرار والأدلة القطعية واتفقوا على ذلك ~~وثبت أنه قائم بنفسه وليس هو من جنس سائر ما يقوم بنفسه من ms1699 الارواح ~~والاجسام # فاذا كانوا متفقين على أنه قائم بنفسه ليس هو من جنس سائر الاجسام ~~والارواح فكذلك ما يستحقه بنفسه من الصفات ليس من جنس ما يستحقه سائر ~~الاشياء # فاذا قدر أن جوهرا قام به عرض محدث دل على حدوث الجوهر لم يستلزم ذلك في ~~كل ما قام بغيره أن يكون عرضا الا اذا استلزم أن يكون كل ما قام بنفسه ~~جوهرا # فانه اذا ساغ لقائل أن لا يسمى بعض ما قام بنفسه جوهرا ساغ له أيضا أن لا ~~يسمى بعض ما يقوم بغيره عرضا بل نفى العرض عن المعانى الباقية اقرب إلى ~~اللغة فان سمى المسمى كل ما قام بغيره عرضا ساغ حينئذ أن يسمى كل ما قام ~~بنفسه جوهرا PageV06P343 # ( وحينئذ ( فالاستدلال بحدوث عرض وصفة على حدوث جوهره وموصوفه لا يستلزم ~~أن يكون كل عرض وصفة دليلا على حدوث جوهره وموصوفه ولو لزم ذلك لبطل قولهم ~~بحدوث جميع الجواهر والاجسام لدخول القديم في هذا العموم على هذا التقدير ~~بل بطل القول بامكان شيء من الجواهر والاجسام # فقد تبين الجواب من طريقين # ( أحدهما ( من وجهين من جهة المعارضة والالزام ومن جهة المناقضة والافساد ~~وتبين بالوجهين أن هذه الشبهة فاسدة على أصول جميع أهل الأرض وفاسدة في ~~نفسها لأنه يلزم من ثبوتها نفيها وما لزم من ثبوته نفيه كان باطلا في نفسه # ( والطريق الثانى ( من جهة الحل والبيان كما تقدم # وأما الشبهة الثانية وهى شبهة ( التركيب ( وهى فلسفية معتزلية والاولى ~~معتزلية محضة فإن المعتزلة يجعلون أخص وصفه القديم ويثبتون حدوث ما سواه # والفلاسفة يجعلون أخص وصفه وجوب وجوده بنفسه وامكان ما سواه فانهم لا ~~يقرون بالحدوث عن عدم ويجعلون ( التركيب ( الذى ذكروه موجبا للافتقار ~~المانع من كونه واجبا بنفسه PageV06P344 ( فالجواب ( عنها أيضا من وجهين # ( أحدهما ( مشتمل على فنين المعارضة والمناقضة ( والثانى ( الحل # أما الأول فانهم يثبتونه عالما قادرا ويثبتونه واجبا بنفسه فاعلا لغيره ~~ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالما غير مفهوم الفعل لغيره فان كانت ذاته ~~مركبة من هذه المعانى لزم ms1700 ( التركيب ( الذى ادعوه وان كانت عرضية لزم ( ~~الافتقار ( الذى ادعوه # و ( بالجملة ( فما قالوه في هذه الامور فهو قول أهل الكتاب والسنة في ~~العلم والقدرة # وأما ( المناقضة ( فان كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية ~~فلا واجب واذا لم يكن واجبا لم يلزم من التركيب محال وذلك أنهم انما نفوا ~~المعانى لاستلزامها ثبوت ( التركيب ( المستلزم لنفى الوجوب وهذا تناقض فان ~~نفى المعانى مستلزم لنفى الوجوب فكيف ينفونها لثبوته وذلك أن الواجب بنفسه ~~حق موجود عالم قادر فاعل والممكن قد يكون موجودا عالما قادرا فاعلا وليست ~~المشاركة في مجرد اللفظ بل في معانى معقولة معلومة بالأضطرار # فان كان ما به الاشتراك مستلزما لما به الامتياز فقد صار الواجب ممكنا ~~والممكن واجبا وان لم يكن مستلزما فقد صار للواجب ما يتميز به عن ~~PageV06P345 الممكن غير هذه المعانى المشتركة فصار فيه جهة اشتراك وجهة ~~امتياز وهذا عندهم ( تركيب ( ممتنع فان كان هذا التركيب مستلزما لنفى ~~الواجب فقد صار ثبوت الواجب بنفسه مستلزما لنفيه وهذا متناقض # فثبت بهذا ( البرهان الباهر ( أن هذه الحجة متناقضة في نفسها كما ثبت ~~أنها معارضة على أصولهم لما أثبتوه # وأما الجواب الذى هو الحل فنقول ( التركيب ( المعقول في عقل بنى آدم ولغة ~~الآدميين هو تركيب الموجود من أجزائه التى يتميز بعضها عن بعض وهو تركيب ~~الجسم من أجزائه كتركيب الانسان من أعضائه وأخلاطه وتركيب الثوب من أجزائه ~~وتركيب الشراب من أجزائه وسواء كان أحد الجزئين منفصلا عن الآخر كانفصال ~~اليد عن الرجل أو شائعا فيه كشياع المرة في الدم والماء في اللبن # وأما ما يذكره ( المنطقيون ( من تركيب الانواع من الجنس والفصل كتركيب ~~الانسان من حيوان وناطق وهو المركب مما به الاشتراك بينه وبين سائر الانواع ~~ومما به امتيازه عن غيره من الانواع وتقسيمهم الصفات إلى ( ذاتى ( تتركب ~~منه الحقائق وهو الجنس والفصل والى ( عرضى ( وهو العرض العام والخاصة ثم ~~الحقيقة المؤلفة من المشترك والمميز هي ( النوع ( # فنقول هذا ( التركيب ( امر اعتبارى ذهنى ليس له وجود في ms1701 الخارج كما أن ( ~~ذات النوع ( من حيث هي عامة ليس لها ثبوت في الخارج بل نفس PageV06P346 ~~الحقائق الخارجة ليس فيها عموم خارجى ولا تركيب خارجى كما قلنا في مسألة ( ~~المعدوم ( انه شيء في الذهن لا في الخارج لتعلق العلم والارادة به # فان الانسان الموجود في الخارج ليس فيه ذوات متميزة بعضها حيوانية وبعضها ~~ناطقية وبعضها ضاحكية وبعضها حساسية بل العقل يدرك منه معنى ونظير ذلك ~~المعنى ثابت لنوع آخر فيقول فيه معنى مشترك ويدرك فيه معنى مختصا ثم يجمع ~~بين المعنيين فيقول هو مؤلف منهما ثم اذا أدرك فيه المعنيين لم يدرك أن ~~أحدهما فيه متميز عن الآخر منفصل كما أنه اذا أدرك الوجود والوجوب والقيام ~~بالنفس والاقامة للغير لم يدرك أحد هذه المعانى منفصلا عن الآخر متميزا عنه # بل أبلغ من ذلك أن الطعم واللون والريح القائمة بالجسم لا يتميز بعضها عن ~~بعض بمحالها وانما الحس يميز بين هذه الحقائق # فهذا النوع من ( التركيب ( ليس من جنس تركيب الجسد من ابعاضه واخلاطه ~~فليست الابعاض كالاعراض ونحن لا ننازع في تسمية هذا مركبا فان هذا نزاع ~~لفظى ولكن الغرض ان هذا التركيب ليس من جنس التركيب الذى يعقله بنو آدم ~~بالفطرة الاولى حتى يطلق عليه لفظ الاجزاء # اذا عرف هذا كان الجواب من فنين في الحل كما كان من فنين في الابطال ( ~~أحدهما ( أنا لا نسلم أن هناك تركبا من أجزاء بحال وانما هي ذات قائمة ~~PageV06P347 بنفسها مستلزمة للوازمها التى لا يصح وجودها الا بها وليست صفة ~~الموصوف أجزاءا له ولا أبعاضا يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه حتى يصح أن ~~يقال هي مركبة منه أو ليست مركبة فثبوت التركيب ونفيه فرع تصوره وتصوره هنا ~~منتف # ( والجواب الثانى ( أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبا فليس هذا مستلزما ~~للامكان ولا للحدوث وذلك ان الذى علم بالعقل والسمع أنه يمتنع ان يكون الرب ~~تعالى فقيرا إلى خلقه بل هو الغنى عن العالمين وقد علم أنه حى قيوم بنفسه ~~وان نفسه ms1702 المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته وأنه أحد صمد غنى بنفسه ليس ~~ثبوته وغناه مستفادا من غيره وانما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقا صمدا ~~قيوما فهل يقال في ذلك أنه مفتقر إلى نفسه أو محتاج إلى نفسه لأن نفسه لا ~~تقوم الا بنفسه فالقول في ( صفاته ( التى هي داخلة في مسمى نفسه هو القول ~~في نفسه # فاذا قيل صفاته ذاتية وقيل انه محتاج اليها كان بمنزلة قول القائل انه ~~محتاج إلى نفسه فان صفاته الذاتية هي ما لا تكون النفس بدونها # وكذلك اذا قلنا ذاته موجبة لوجوده أو هو واجب بنفسه أو هو مقتض لوجوبه ~~فلو قال قائل يلزم أن يكون معلولا والمعلول مفتقر قيل له ليست العلة هنا ~~غير المعلول والمنتفى افتقاره إلى غيره وكونه معلولا لسواه واما قيامه ~~بنفسه فحق PageV06P348 # ثم هذه العبارات التى توهم معنى فاسدا ان أطلقت باعتبار المعنى الصحيح أو ~~لم تطلق بحال لم يضر ذلك اذا كان المعنى الصحيح معلوما لا يندفع فهذا ~~المعنى الشريف يجب التفطن له فانه يزيل شبها خيالية أضلت خلقا كثيرا # ونحن اذا قلنا ( الماهيات ( مجعولة فنعنى بذلك الماهيات الموجودة في ~~الخارج بناء على أن وجود كل شيء في الخارج هو عين ماهيته اذ ليس الموجود في ~~الخارج شيئا غير وجوده وذلك الموجود في الخارج هو المفتقر إلى غيره سواء ~~كان مفردا أو مركبا # فالمركب في الخارج لم يفتقر إلى الفاعل لكونه مركبا بل لأن حقيقته مفتقرة ~~وانيته مضطرة ليس له ثبوت ولا وجود ولا انية الا من ربه ولذلك افتقر المفرد ~~إلى الصانع كافتقار المركب # وأما ما يعلمه العقل من ( الماهيات ( مفردها ومركبها فلا يفتقر إلى ~~الفاعل الا من جهة ان علم العبد لا بدله من سبب لا من جهة ان المركب مفتقر ~~إلى أجزائه فقد تبين لك أن المركب ليس مفتقرا إلى أجزائه لا في الذهن ولا ~~في الخارج الا كافتقار المفرد إلى نفسه فجزء المركب PageV06P349 بمنزلة عين ~~المفرد وكل منهما مفتقر إلى غيره في الخارج # فان ms1703 جاز ان يقال هو مفتقر إلى نفسه جاز ان يقال هو مفتقر إلى وصفه أو ~~جزئه وان لم يجز ذلك لم يجز هذا فليس وصف الموصوف وجزء المركب الذى لا تقوم ~~ذاته الا به الا بمنزلة ذاته وليس في قولنا هو مفتقر إلى نفسه ما يرفع ~~وجوبه بنفسه فكذلك هذا # فظهر الخلل في كلا المقدمتين وهو أن الصفات مستلزمة للتركيب وان التركيب ~~مستلزم للحاجة إلى الغير واذا كان كل من المقدمتين باطلة بطل هذا بالكلية ~~والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين PageV06P350 ### || 1 ( الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه # السلام على النبى ورحمة الله وبركاته السلام على جيرانه سكان ( المدينة ~~طيبة ( من الاحياء والاموات من المهاجرين والانصار وسائر المؤمنين ورحمة ~~الله وبركاته ا # لى الشيخ الامام العارف الناسك المقتدى الزاهد العابد شمس الدين كتب الله ~~في قلبه الايمان وأيده بروح منه وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما ~~وجعله من اوليائه المتقين وحزبه المفلحين وخاصته المصطفين ورزقه اتباع نبيه ~~باطنا وظاهرا واللحاق به في الدنيا والآخرة أنه ولى ذلك والقادر عليه من ~~أحمد بن تيمية سلام عليكم ورحمة الله وبركاته # أما بعد # فانا نحمد اليكم الله الذى لا اله الا هو وهو للحمد أهل وهو على كل شيء ~~قدير ونسأله أن يصلى على صفوته من خلقه وخيرته من بريته النبى الأمى ( محمد ~~( وعلى آله وسلم تسليما PageV06P351 # كتابى اليك أحسن الله اليك في الدنيا والآخرة 2 احسانا ينيلك به عالى ~~الدرجات في خير وعافية عن نعمة من الله ورحمة وعافية شاملة لنا ولسائر ~~اخواننا والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو اهله وكما ينبغى لكرم وجهه ~~وعز جلاله # وقد وصل ما ارسلته من الكتب الثلاثة ونحن نسأل الله تعالى ونرجو منه أن ~~يكون ما قضاه وقدره من مرض ونحوه من مصائب الدنيا مبلغا لدرجات قصر العمل ~~عنها وسبق في أم الكتاب انها ستنال وان تكون الخيرة فيما اختاره الله ms1704 ~~لعباده المؤمنين # وقد علمنا من حيث العموم ان الله تعالى لا يقضى للمؤمن من قضاء الا كان ~~خيرا له وان النية وان كانت متشوقة إلى امر حجز عنه المرض فان الخيرة ان ~~شاء الله تعالى فيما اراده الله والله تعالى يخير لكم في جميع الامور خيرة ~~تحصل لكم رضوان الله في خير وعافية وما تشتكى من مصيبة في القلب والدين ~~نسأل الله أن يتولاكم بحسن رعايته توليا لا يكلكم فيه إلى أحد من المخلوقين ~~ويصلح لكم شأنكم كله صلاحا يكون بدؤه منه واتمامه عليه ويحقق لكم مقام ( ~~اياك نعبد واياك نستعين ( ولا حول ولا قوة الا بالله العزيز الحكيم مع انا ~~نرجو أن تكون رؤية التقصير وشهادة التأخير من نعمة الله على عبده المؤمن ~~التى يستوجب بها التقدم ويتم له بها النعمة ويكفى بها مؤنة شيطانه المزين ~~له سوء عمله ومؤنة نفسه التى تحب أن تحمد بما لم تفعل وتفرح PageV06P352 ~~بما أتت وقد قال سبحانه ( ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون إلى قوله انهم إلى ربهم راجعون ( # وروى عن النبى ( ( أنه قال ( هو الرجل يصوم ويصلى ويتصدق ويخاف أن لا ~~يقبل منه ( وفى الأثر أظنه عن عمر بن الخطاب أو عن بن مسعود من قال أنه ~~مؤمن فهو كافر ومن قال أنه في الجنة فهو في النار وقال والذى لا اله غيره ~~ما أمن أحد على ايمان يسلبه عند الموت ألا يسلبه # وقال أبو العالية أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ( ( كلهم يخاف النفاق ~~على نفسه وقال الصديق رضى الله عنه أن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن ~~أعمالهم وغفر لهم سيئها فيقول الرجل اين أنا من هؤلاء يعنى وهو منهم وذكر ~~أهل النار بأقبح أعمالهم وأحبط حسنها فيقول القائل لست من هؤلاء يعنى وهو ~~منهم هذا الكلام أو قريبا منه # فليبرد القلب من وهج حرارة هذه الشهادة انها سبيل مهيع لعباد الله الذين ~~أطبق شهداء الله في أرضه أنهم كانوا من الله بالمكانة ms1705 العالية مع أن ~~الازدياد من مثل هذه الشهادة هو النافع في الأمر الغالب ما لم يفض إلى تسخط ~~للمقدور أو يأس من روح الله أو فتور عن الرجاء والله تعالى يتولاكم بولاية ~~منه ولا يكلكم إلى أحد غيره PageV06P353 # وأما ما ذكرت من طلب الاسباب الأربعة التى لابد فيها من صرف الكلام من ~~حقيقته إلى مجازه فأنا اذكر ملخص الكلام الذى جرى بينى وبين بعض الناس في ~~ذلك وهو ما حكيته لك وطلبته وكان إن شاء الله له ولغيره به منفعة على ما في ~~الحكاية من زيادة ونقص وتغيير # قال لى بعض الناس اذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت وهى ~~الطريقة التى تصلح عليها السلامة قلنا كما قال الشافعى رضى الله عنه آمنت ~~بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول ~~الله على مراد رسول الله ( ( واذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق فان الحق مذهب ~~من يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين # فقلت له اما ما قاله الشافعى فانه حق يجب على كل مسلم أن يعتقده ومن ~~اعتقده ولم يأت بقول يناقضه فانه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة واما ~~اذا بحث الانسان وفحص وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذى يخالفون به ~~أهل الحديث كله باطلا وتيقن ان الحق مع أهل الحديث ظاهرا وباطنا # فاستعظم ذلك وقال أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا في هذا فتواعدنا يوما ~~فكان فيما تفاوضنا ان أمهات المسائل التى خالف فيها متأخروا المتكلمين ممن ~~ينتحل مذهب الاشعرى لأهل الحديث ( ثلاث مسائل PageV06P354 # وصف الله بالعلو على العرش # ومسألة القرآن # ومسألة تأويل الصفات # فقلت له نبدأ بالكلام على ( مسألة تأويل الصفات ( فانها الام والباقى من ~~المسائل فرع عليها وقلت له مذهب ( أهل الحديث ( وهم السلف من القرون ~~الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف أن هذه الاحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها ~~وتصدق وتصان عن تاويل يفضى إلى تعطيل وتكييف يفضى إلى تمثيل # وقد أطلق غير واحد ممن حكى اجماع ms1706 السلف منهم الخطابى مذهب السلف أنها ~~تجرى على ظاهرها مع نفى الكيفية والتشبيه عنها وذلك أن الكلام في ( الصفات ~~( فرع على الكلام في ( الذات ( يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله فاذا كان اثبات ~~الذات اثبات وجود لا اثبات كيفية فكذلك اثبات الصفات اثبات وجود لا اثبات ~~كيفية فنقول ان له يدا وسمعا ولا نقول أن معنى اليد القدرة ومعنى السمع ~~العلم # فقلت له وبعض الناس يقول ( مذهب السلف ( أن الظاهر غير مراد ويقول أجمعنا ~~على أن الظاهر غير مراد وهذه العبارة خطأ اما لفظا ومعنى أو لفظا لا معنى ~~لأن الظاهر قد صار مشتركا بين شيئين PageV06P355 # ( أحدهما ( أن يقال ان اليد جارحة مثل جوارح العباد وظاهر الغضب غليان ~~القلب لطلب الانتقام وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف فلا ~~شك أن من قال أن هذه المعانى وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير ~~مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن اذ لا يختلف أهل السنة أن الله ~~تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله بل أكثر أهل ~~السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة # لكن هذا القائل أخطأ حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الايات ~~والاحاديث وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه فان ( ظاهر الكلام ( هو ما يسبق ~~إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع ~~وقد يكون بسياق الكلام وليست ( هذه المعانى ( المحدثة المستحيلة على الله ~~تعالى هي السابقة إلى عقل المؤمنين بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات ~~فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات اعراضا تدل على ~~حدوثنا يمتنع أن يوصف الله سبحانه بمثلها فكذلك ايدينا ووجوهنا ونحوها ~~أجساما كذلك محدثة يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها # ثم لم يقل أحد من أهل السنة اذا قلنا أن لله علما وقدرة وسمعا وبصرا أن ~~ظاهره غير مراد ثم يفسر بصفاتنا فكذلك لا يجوز أن يقال ان ظاهر اليد والوجه ms1707 ~~غير مراد اذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم PageV06P356 # ومن قال ان ظاهر شيء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ لأنه ما من اسم ~~يسمى الله تعالى به الا والظاهر الذى يستحقه المخلوق غير مراد به فكان قول ~~هذا القائل يقتضى أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ظاهرها ~~ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد # ( والمعنى الثانى ( أن هذه الصفات انما هي صفات الله سبحانه وتعالى كما ~~يليق بجلاله نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته فيعلم أن ~~العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص وكذلك الوجه ولا يقال انه مستغن عن هذه ~~الصفات لأن هذه الصفات واجبة لذاته و ( الاله ( المعبود سبحانه هو المستحق ~~لجميع هذه الصفات # وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقا وانما الكلام مع من يثبت ~~بعض الصفات # وكذلك ( فعله ( نعلم أن الخلق هو ابداع الكائنات من العدم وان كنا لا ~~نكيف ذلك الفعل ولا يشبه افعالنا اذ نحن لا نفعل الا لحاجة إلى الفعل والله ~~غنى حميد # وكذلك ( الذات تعلم من حيث الجملة وان كانت لا تماثل الذوات المخلوقة ولا ~~يعلم ما هو الا هو ولا يدرك لها كيفية فهذا هو الذى يظهر من اطلاق هذه ~~الصفات وهو الذى يجب أن تحمل عليه PageV06P357 # فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذى أريد منه فيعلم أن الله ~~على كل شيء قدير وان الله قد أحاط بكل شيء علما وأن الأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسموات مطويات بيمينه وان المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في ~~الجنة ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات ونحو ذلك # كما يعلم أن له ربا وخالقا ومعبودا ولا يعلم كنه شيء من ذلك بل غاية علم ~~الخلق هكذا يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه وعلمهم بنفوسهم من ~~هذا الضرب # قلت له أفيجوز أن يقال ان ( الظاهر غير مراد ( بهذا التفسير فقال هذا لا ~~يمكن # فقلت ms1708 له من قال أن الظاهر غير مراد بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة ~~قلنا له أصبت في ( المعنى ( لكن أخطأت في ( اللفظ ( وأوهمت البدعة وجعلت ~~للجهمية طريقا إلى غرضهم وكان يمكنك أن تقول تمر كما جاءت على ظاهرها مع ~~العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين وأنه منزه مقدس عن كل ما ~~يلزم منه حدوثه أو نقصه # ومن قال ( الظاهر غير مراد ( بالتفسير الثانى وهو مراد الجهمية ومن تبعهم ~~من المعتزلة وبعض الاشعرية وغيرهم فقد أخطأ # ثم أقرب هؤلاء ( الجهمية ( الاشعرية يقولون ان له صفات سبعا الحياة ~~PageV06P358 والعلم والقدرة والارادة والكلام والسمع والبصر وينفون ما ~~عداها وفيهم من يضم إلى ذلك ( اليد ( فقط ومنهم من يتوقف في نفى ما سواها ~~وغلاتهم يقطعون بنفى ما سواها # وأما ( المعتزلة ( فانهم ينفون الصفات مطلقا ويثبتون أحكامها وهى ترجع ~~عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير وأما كونه مريدا متكلما فعندهم أنها صفات ~~حادثة أو اضافية أو عدمية وهم أقرب الناس إلى ( الصابئين الفلاسفة ( من ~~الروم ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس حيث زعموا أن الصفات كلها ترجع إلى ~~سلب أو اضافة أو مركب من سلب واضافة فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل # ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء ~~علم قطعا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما ~~أرسل به رسله ولهذا كانوا يقولون ان البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه ~~ويقولون ان المعتزلة مخانيث الفلاسفة والاشعرية مخانيث المعتزلة # وكان يحيى بن عمار يقول المعتزلة الجهمية الذكور والاشعرية الجهمية ~~الاناث ومرادهم الاشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية وأما من قال منهم ~~بكتاب ( الابانة ( الذى صنفه الاشعرى في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك ~~فهذا يعد من أهل السنة لكن مجرد الانتساب إلى الاشعرى بدعة PageV06P359 لا ~~سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب شر ~~والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير # قلت له اذا وصف الله نفسه بصفة ms1709 أو وصفه بها رسوله أو وصفه بها المؤمنون ~~الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال ~~الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر ومجاز ينافى ~~الحقيقة لابد فيه من أربعة أشياء # ( أحدها ( أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازى لأن الكتاب والسنة وكلام ~~السلف جاء باللسان العربى ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب أو ~~خلاف الألسنة كلها فلابد أن يكون ذلك المعنى المجازى ما يراد به اللفظ والا ~~فيمكن كل مبطل أن يفسر أى لفظ بأى معنى سنح له وان لم يكن له أصل في اللغة # ( الثانى ( أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه والا ~~فاذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة وفى معنى بطريق المجاز لم يجز حمله ~~على المجازى بغير دليل يوجب الصرف باجماع العقلاء ثم ان ادعى وجوب صرفه عن ~~الحقيقة فلابد له من دليل قاطع عقلى أو سمعى يوجب الصرف وان ادعى ظهور صرفه ~~عن الحقيقة فلابد من دليل مرجح للحمل على المجاز # ( الثالث ( أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض والا فاذا ~~قام دليل قرآنى أو ايمانى يبين أن الحقيقة مرادة امتنع PageV06P360 تركها ~~ثم ان كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه وان كان ظاهرا فلابد من ~~الترجيح # ( الرابع ( أن الرسول ( ( اذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته ~~فلابد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وأنه أراد مجازه سواء عينه أو لم ~~يعينه لا سيما في الخطاب العلمى الذى أريد منهم فيه الإعتقاد والعلم دون ~~عمل الجوارح فانه سبحانه وتعالى جعل القرآن نورا وهدى وبيانا للناس وشفاء ~~لما في الصدور وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم وليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # ثم هذا ( الرسول ( الأمى العربى بعث بأفصح اللغات وأبين الالسنة ~~والعبارات ثم الامة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما وأنصحهم للأمة ~~وأبينهم للسنة فلا ms1710 يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره الا ~~وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره اما أن يكون عقليا ظاهرا مثل قوله ( ~~وأوتيت من كل شيء ( فان كل أحد يعلم بعقله أن المراد اوتيت من جنس ما يؤتاه ~~مثلها وكذلك ( خالق كل شيء ( يعلم المستمع ان الخالق لا يدخل في هذا العموم ~~أو سمعيا ظاهرا مثل الدلالات في الكتاب والسنة التى تصرف بعض الظواهر # ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفى لا يستنبطه الا افراد الناس سواء كان ~~سمعيا أو عقليا لأنه اذا تكلم بالكلام الذى يفهم منه معنى واعاده مرات ~~PageV06P361 كثيرة وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكى والبليد والفقيه وغير ~~الفقيه وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ~~ويعتقدوا موجبه ثم أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره لأن هناك ~~دليلا خفيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسا ~~وتلبيسا وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والاحاجى أشبه منه بالهدى ~~والبيان فكيف اذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره اقوى بدرجات كثيرة من ~~دلالة ذلك الدليل الخفى على أن الظاهر غير مراد أم كيف اذا كان ذلك الخفى ~~شبهة ليس لها حقيقة # فسلم لى ذلك الرجل هذه المقامات # قلت ونحن نتكلم على صفة من الصفات ونجعل الكلام فيها أنموذجا يحتذى عليه ~~ونعبر بصفة ( اليد ( وقد قال تعالى ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ~~ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ( وقال تعالى ~~لابليس ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ( وقال تعالى ( وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ( وقال تعالى ~~( تبارك الذى بيده الملك ( وقال ( بيدك الخير انك على كل شيء قدير ( وقال ~~تعالى ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاما فهم لها مالكون ~~PageV06P362 # وقد تواتر في السنة مجيء ( اليد ( في حديث النبى ( صلى الله عليه وسلم ( # فالمفهوم من هذا الكلام أن ms1711 لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتين له كما ~~يليق بجلاله وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وابليس وأنه سبحانه ~~يقبض الأرض ويطوى السماوات بيده اليمنى وان ( يداه مبسوطتان ( ومعنى بسطهما ~~بذل الجود وسعة العطاء لان الاعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها ~~وتركه يكون ضما لليد إلى العنق صار من الحقائق العرفية اذا قيل هو مبسوط ~~اليد فهم منه يد حقيقة وكان ظاهره الجود والبخل كما قال تعالى ( ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ( ويقولون فلان جعد البنان وسبط ~~البنان # قلت له فالقائل ان زعم أنه ليس له يد من جنس ايدى المخلوقين وأن يده ليست ~~جارحة فهذا حق # وان زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع فهو مبطل فيحتاج إلى تلك ~~المقامات الاربعة # أما ( الأول ) فيقول أن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية تسمية للشيء باسم ~~سببه كما يسمى المطر والنبات سماء ومنه قولهم لفلان عنده أياد وقول ابى ~~طالب لما فقد النبى # يا رب رد راكبى محمدا %~% رده على واصطنع عندى يدا PageV06P363 # وقول عروة بن مسعود لابى بكر يوم الحديبية لولا يد لك عندى لم أجزك بها ~~لأجبتك وقد تكون اليد بمعنى القدرة تسمية للشيء باسم مسببه لأن القدرة هي ~~تحرك اليد يقولون فلان له يد في كذا وكذا ومنه قول ( زياد ( لمعاوية انى قد ~~امسكت العراق باحدى يدى ويدى الاخرى فارغة يريد نصف قدرتى ضبط أمر العراق ~~ومنه قوله ( بيده عقدة النكاح ( والنكاح كلام يقال وانما معناه انه مقتدر ~~عليه # وقد يجعلون اضافة الفعل اليها اضافة الفعل إلى الشخص نفسه لان غالب ~~الافعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد اشارة إلى أنه فعل بنفسه قال الله ~~تعالى ( لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير ونحن أغنياء إلى قوله ~~ذلك بما قدمت أيديكم ( أى بما قدمتم فان بعض ما قدموه كلام تكلموا به وكذلك ~~قوله تعالى ( ولو ترى اذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وادبارهم إلى قوله ذلك ms1712 بما قدمت أيديكم ( والعرب تقول يداك أوكتا وفوك نفخ ~~توبيخا لكل من جر على نفسه جريرة لأن اول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه ( # قلت له ( ونحن لا ننكر لغة العرب التى نزل بها القرآن في هذا كله ~~والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه وألحدوا في أسمائه وآياته ~~تأولوا قوله ( بل يداه مبسوطتان ( وقوله ( لما خلقت بيدي ( على هذا ~~PageV06P364 كله فقالوا ان المراد نعمته أى نعمة الدنيا ونعمة الاخرة ~~وقالوا بقدرته وقالوا اللفظ كناية عن نفس الجود من غير ان يكون هناك يد ~~حقيقة بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود وقوله ( لما خلقت بيدي ~~( أى خلقته انا وان لم يكن هناك يد حقيقية قلت له فهذه تأويلاتهم قال نعم ~~قلت له فننظر فيما قدمنا # ( المقام الاول ( أن لفظ ( اليدين ( بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ~~ولا في القدرة لان من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع كقوله ( ان ~~الانسان لفى خسر ( ولفظ الجمع في الواحد كقوله ( الذين قال لهم الناس ان ~~الناس ( ولفظ الجمع في الاثنين كقوله ( صغت قلوبكما أما استعمال لفظ الواحد ~~في الاثنين أو الاثنين في الواحد فلا أصل له ( لأن هذه الالفاظ عدد وهى ~~نصوص في معناها لا يتجوز بها ولا يجوز ان يقال عندى رجل ويعنى رجلين ولا ~~عندى رجلان ويعنى به الجنس لان اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع ~~وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس والجنس يحصل بحصول الواحد # فقوله ( لما خلقت بيدي ( لا يجوز أن يراد به القدرة لان القدرة صفة واحدة ~~ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد # ولا يجوز أن يراد به النعمة لان نعم الله لا تحصى فلا يجوز أن يعبر عن ~~النعم التى لا تحصى بصيغة التثنية PageV06P365 # ولا يجوز أن يكون ( لما خلقت أنا ( لانهم اذا أرادوا ذلك اضافوا الفعل ~~إلى اليد فتكون اضافته إلى اليد اضافة له إلى الفعل كقوله ( بما قدمت يداك ~~( وقدمت أيديكم ( ومنه قوله ( مما عملت ايدينا أنعاما ( # اما ms1713 اذا اضاف الفعل إلى الفاعل وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله ( ~~لما خلقت بيدي ( فانه نص في أنه فعل الفعل بيديه ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو ~~مشى أن يقال فعلت هذا بيديك ويقال هذا فعلته يداك لان مجرد قوله فعلت كاف ~~في الاضافة إلى الفاعل فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة ~~من غير فائدة ولست تجد في كلام العرب ولا العجم ان شاء الله تعالى ان فصيحا ~~يقول فعلت هذا بيدي أو فلان فعل هذا بيديه الا ويكون فعله بيديه حقيقة ولا ~~يجوز ان يكون لا يد له أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها # وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة ويتبين أن الايات ~~لا تقبل المجاز البته من جهة نفس اللغة # قال لى فقد اوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله ( القيا في جهنم ( وانما ~~هو خطاب للواحد # قلت له هذا ممنوع بل قوله ( القيا ( قد قيل تثنية الفاعل لتثنية الفعل ~~والمعنى الق الق وقد قيل انه خطاب للسائق والشهيد ومن قال أنه خطاب للواحد ~~قال ان الانسان يكون معه اثنان أحدهما عن يمينه والاخر عن شماله ~~PageV06P366 فيقول خليلى خليلى ثم أنه يوقع هذا الخطاب وان لم يكونا ~~موجودين كأنه يخاطب موجودين فقوله ( القيا ( عند هذا القائل انما هو خطاب ~~لاثنين يقدر وجودهما فلا حجة فيه البتة # قلت له ( المقام الثانى ( ان يقال هب أنه يجوز ان يعنى باليد حقيقة اليد ~~وان يعنى بها القدرة أو النعمة أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل لكن ما الموجب ~~لصرفها عن الحقيقة # فان قلت لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله سبحانه # قلت لك هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدا من جنس ايدى المخلوقين ~~وهذا لا ريب فيه لكن لم لا يجوز ان يكون له ( يد ( تناسب ذاته تستحق من ~~صفات الكمال ما تستحق الذات قال ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا ( قلت ( ~~فاذا كان هذا ممكنا وهو حقيقة ms1714 اللفظ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه وكل ما ~~يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به وصحت الدلالة سلم له ~~ان المعنى الذى يستحقه المخلوق منتف عنه وانما حقيقة اللفظ وظاهره ( يد ( ~~يستحقها الخالق كالعلم والقدرة ( بل كالذات والوجود # ( المقام الثالث ( قلت له بلغك ان في كتاب الله أو في سنة رسول الله ( ( ~~أو عن أحد من ائمة المسلمين أنهم قالوا المراد باليد خلاف ظاهره أو الظاهر ~~غير مراد أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه PageV06P367 باليد ~~دلالة ظاهرة بل أو دلالة خفية فان اقصى ما يذكره المتكلف قوله ( قل هو الله ~~أحد ( وقوله ( ليس كمثله شيء ( وقوله ( هل تعلم له سميا ( وهؤلاء الايات ~~انما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه أما انتفاء يد تليق بجلاله فليس في ~~الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه # وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن البارى لا ( يد ( له البتة ~~لا ( يدا ( تليق بجلاله ولا ( يدا ( تناسب المحدثات وهل فيه ما يدل على ذلك ~~اصلا ولو بوجه خفى فاذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفى حقيقة اليد ~~البتة وان فرض ما ينافيها فانما هو من الوجوه الخفية عند من يدعيه والا ففى ~~الحقيقة انما هو شبهة فاسدة # فهل يجوز ان يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد وان الله تعالى خلق بيده وان ~~يداه مبسوطتان وان الملك بيده وفى الحديث ما لا يحصى ثم أن رسول الله ( ( ~~واولى الامر لا يبينون للناس ان هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره ~~حتى ينشأ ( جهم بن صفوان ( بعد انقراض عصر الصحابة فيبين للناس ما نزل ~~اليهم على نبيهم ويتبعه عليه ( بشر بن غياث ( ومن سلك سبيلهم من كل مغموص ~~عليه بالنفاق # وكيف يجوز ان يعلمنا نبينا ( ( كل شيء حتى ( الخراءة ( ويقول ( ما تركت ~~من شيء يقربكم إلى الجنة الا وقد حدثتكم به ولا من PageV06P368 شيء يبعدكم ~~عن النار الا وقد حدثتكم به ( تركتكم ms1715 على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ ~~عنها بعدى الا هالك ( ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوءة مما ~~يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم وان اعتقاد ظاهره ضلال وهو لا يبين ذلك ~~ولا يوضحه # وكيف يجوز للسلف أن يقولوا امروها كما جاءت مع أن معناها المجازى هو ~~المراد وهو شيء لا يفهمه العرب حتى يكون ابناء الفرس والروم اعلم بلغة ~~العرب من ابناء المهاجرين والانصار # ( المقام الرابع ( قلت له أنا اذكر لك من الادلة الجلية القاطعة والظاهرة ~~ما يبين لك أن لله ( يدين ( حقيقة # فمن ذلك تفضيله لآدم يستوجب سجود الملائكة وامتناعهم عن التكبر عليه فلو ~~كان المراد انه خلقه بقدرته أو بنعمته أو مجرد اضافة خلقه إليه لشاركه في ~~ذلك ابليس وجميع المخلوقات # قال لى فقد يضاف الشيء إلى الله على سبيل التشريف كقوله ( ناقة الله ( ~~وبيت الله # قلت له لا تكون الاضافة تشريفا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره ~~فلو لم يكن في الناقة والبيت من الايات البينات ما تمتاز به على جميع النوق ~~والبيوت لما استحقا هذه الاضافة والامر هنا كذلك فاضافة خلق PageV06P369 ~~آدم إليه أنه خلقه بيديه يوجب أن يكون خلقه بيديه انه قد فعله بيديه وخلق ~~هؤلاء بقوله كن فيكون كما جاءت به الاثار # ومن ذلك انهم اذا قالوا بيده الملك أو عملته يداك فهما شيئان ( أحدهما ( ~~اثبات اليد و ( الثانى ( اضافة الملك والعمل اليها و ( الثانى ( يقع فيه ~~التجوز كثيرا اما الاول فانهم لا يطلقون هذا الكلام الا لجنس له ( يد ( ~~حقيقة ولا يقولون ( يد ( الهوى ولا ( يد ( الماء فهب أن قوله بيده الملك قد ~~علم منه ان المراد بقدرته لكن لا يتجوز بذلك الا لمن له يد حقيقة # والفرق بين قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ( وقوله ( مما عملت ايدينا ( من ~~وجهين # ( أحدهما ( انه هنا اضاف الفعل إليه وبين انه خلقه بيديه وهناك أضاف ~~الفعل إلى الايدى # ( الثانى ( ان من لغة العرب انهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية اذا أمن ms1716 ~~اللبس كقوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ( أى يديهما وقوله ( ~~فقد صغت قلوبكما ( أى قلباكما فكذلك قوله ( مما عملت ايدينا ( واما السنة ~~فكثيرة جدا مثل قوله ( ( المقسطون PageV06P370 عند الله على منابر من نور ~~عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم واهليهم وما ولوا ( ~~رواه مسلم وقوله ( ( ( يمين الله ملآى لا يغيظها نفقة سحاء الليل والنهار ~~أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فانه لم يغض ما في يمينه والقسط ~~بيده الاخرى يرفع ويخفض إلى يوم القيامة ( رواه مسلم في صحيحه والبخارى ~~فيما أظن # وفى الصحيح ايضا عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن رسول الله ( ( قال ( ~~تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم ~~بيده خبزته في السفر ( وفى الصحيح أيضا عن بن عمر يحكى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ( قال ( يأخذ الرب عز وجل سماواته وأرضه بيديه وجعل يقبض ~~يديه ويبسطهما ويقول أنا الرحمن حتى نظرت إلى المنبر يتحرك اسفل منه حتى ~~أنى اقول اساقط هو برسول الله ( وفى رواية أنه قرأ هذه الاية على المنبر ( ~~وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات ~~بيمينه ( قال ( يقول انا الله انا الجبار ( وذكره وفى الصحيح ايضا عن ابى ~~هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ( ( يقبض الله الأرض ويطوى السماء ~~بيمينه ثم يقول انا الملك أين ملوك الأرض ( وما يوافق هذا من حديث الحبر # وفى حديث صحيح ( ان الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان اختر ~~PageV06P371 أيهما شئت قال اخترت يمين ربى وكلتا يدى ربى يمين مباركة ثم ~~بسطها فاذا فيها آدم وذريته ( وفى الصحيح ( أن الله كتب بيده على نفسه لما ~~خلق الخلق ان رحمتى تغلب غضبى ( # وفى الصحيح ( أنه لما تحاج ادم وموسى قال ادم يا موسى اصطفاك الله بكلامه ~~وخط لك التوراة بيده وقد قال له موسى انت ادم الذى خلقك الله بيده ونفخ فيك ~~من روحه وفى حديث آخر انه قال ms1717 سبحانه ( وعزتى وجلالى لا اجعل صالح ذرية من ~~خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ( وفى حديث آخر في السنن ( لما خلق الله آدم ~~ومسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل اهل الجنة ~~يعملون ثم مسح ظهره بيده الاخرى فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار ~~يعملون ( # فذكرت له ( هذه الاحاديث ( وغيرها ثم ( قلت له ( هل تقبل هذه الاحاديث ~~تأويلا أم هي نصوص قاطعة وهذه احاديث تلقتها الامة بالقبول والتصديق ~~ونقلتها من بحر غزير فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق # فهذا الذى اشرت إليه احسن الله اليك ان اكتبه # وهذا ( باب واسع ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( و ( من يهد ~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ( # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى المحمدين وابى زكريا PageV06P372 ~~وابى البقاء عبدالمجيد وأهل البيت ومن تعرفونه من اهل المدينة وسائر اهل ~~البلدة الطيبة # وان كنتم تعرفون للمدينة كتابا يتضمن اخبارها كما صنف اخبار مكة فلعل ~~تعرفونا به # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ~~PageV06P373 قال شيخ الاسلام رحمه الله ### ||| فصل # قال المعترض في ( الاسماء الحسنى ( النور الهادى يجب تأويله قطعا اذ ~~النور كيفية قائمة بالجسمية وهو ضد الظلمة وجل الحق سبحانه ان يكون له ضد ~~ولو كان نورا لم تجز اضافته إلى نفسه في قوله ( مثل نوره ( فيكون من اضافة ~~الشيء إلى نفسه وهو غير جائز # وقوله ( الله نور السماوات والأرض ( قال المفسرون يعنى هادى اهل السماوات ~~والأرض وهو ضعيف لأن ذكر الهادى بعده يكون تكرارا وقيل منور السماوات ~~بالكواكب وقيل بالادلة والحجج الباهرة والنور جسم لطيف شفاف فلا يجوز على ~~الله # والتأويل مروى عن بن عباس وأنس وسالم وهذا يبطل دعواه أن التأويل يبطل ~~الظاهر ولم ينقل عن السلف # ولو كان نورا حقيقة كما يقوله المشبهة لوجب ايضا أن يكون الضياء ليلا ~~ونهارا على الدوام PageV06P374 # وقوله ( انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه ms1718 وسراجا ~~منيرا ( ومعلوم انه ( ( لم يكن السراج المعروف وانما سمى سراجا بالهدى الذى ~~جاء به ووضوح ادلته بمنزلة السراج المنير وروى عن بن عباس في رواية اخرى ~~وابى العالية والحسن يعنى منور ( السماوات والأرض ( شمسها وقمرها ونجومها # ومن كلام العارفين ( النور ( هو الذى نور قلوب الصادقين بتوحيده ونور ~~اسرار المحبين بتأييده وقيل هو الذى احيا قلوب العارفين بنور معرفته ونفوس ~~العابدين بنور عبادته # ( والجواب ( ان هذا الكلام وامثاله ليس باعتراض علينا وانما هو ابتداء ~~نقص حرمته منهم لما يظن انه يلزمنا أو يظن انا نقوله على الوجه الذى حكاه ~~وقد قال تعالى ( اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ( وقال النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ( اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ( # واذا كان في الكلام اخبار عن الغير بأنه يقول اقوالا باطلة في العقل ~~والشرع وفيه رد تلك الاقوال كان هذا كذبا وظلما فنعوذ بالله من ذلك # ثم مع كونه ظلما لنا يا ليته كان كلاما صحيحا مستقيما فكنا نحلله من حقنا ~~ويستفاد ما فيه من العلم ولكن فيه من تحريف كتاب الله والالحاد في اياته ~~واسمائه والكذب والظلم والعدوان الذى يتعلق بحقوق الله مما فيه لكن ان ~~عفونا عن حقنا فحق الله إليه لا إلى غيره PageV06P375 # ونحن نذكر من القيام بحق الله ونصر كتابه ودينه ما يليق بهذا الموضع فان ~~هذا الكلام الذى ذكره فيه من التناقض والفساد ما لا أظن تمكنه من ضبطه من ~~وجوه # ( أحدها ( أنه قال في أوله النور كيفية قائمة بالجسمية ثم قال في آخره ~~جسم لطيف شفاف فذكر في اول الكلام انه عرض وصفة وفى اخره جسم وهو جوهر قائم ~~بنفسه # ( الثانى ( انه ذكر عن المفسرين انهم تأولوا ذلك بالهادى وضعف ذلك ثم ذكر ~~في اخره ان من كلام العارفين ان ( النور ( هو الذى نور قلوب الصادقين ~~بتوحيده واسرار المحبين بتأييده واحيا قلوب العارفين بنور معرفته وهذا هو ~~معنى الهادى الذى ضعفه اولا فيضعفه اولا ويجعله من كلام العارفين وهى كلمة ~~لها صولة ms1719 في القلوب وانما هو من كلام بعض المشايخ الذين يتكلمون بنوع من ~~الوعظ الذى ليس فيه تحقيق # فان الشيخ أبا عبد الرحمن ذكر في حقائق التفسير من الاشارات التى بعضها ~~كلام حسن مستفاد وبعضها مكذوب على قائله مفترى كالمنقول عن جعفر وغيره ~~وبعضها من المنقول الباطل المردود فان ( اشارات المشايخ الصوفية ( التى ~~يشيرون بها تنقسم إلى اشارة حالية وهى اشارتهم بالقلوب وذلك هو الذى ~~امتازوا به وليس هذا موضعه # وتنقسم إلى الاشارات المتعلقة بالاقوال مثل ما يأخذونها من القرآن ~~PageV06P376 ونحوه فتلك الاشارات هي من باب الاعتبار والقياس والحاق ما ليس ~~بمنصوص بالمنصوص مثل الاعتبار والقياس الذى يستعمله الفقهاء في الاحكام لكن ~~هذا يستعمل في الترغيب والترهيب وفضائل الاعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك فان ~~كانت ( الاشارة اعتبارية ( من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة وان كانت ~~كالقياس الضعيف كان لها حكمه وان كان تحريفا للكلام عن مواضعه وتأويلا ~~للكلام على غير تأويله كانت من جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية فتدبر ~~هذا فانى قد أوضحت هذا في ( قاعدة الاشارات ( # ( الوجه الثالث ( في تناقضه فانه قال التأويل منقول عن بن عباس وأنس ~~وسالم ولم يذكر الا ثلاثة أقوال # ( أحدها ( انه هادى أهل السماوات والأرض وقد ضعف ذلك فان كان المنقول هو ~~هذا الضعيف فيا خيبة المسعى اذ لم ينقل عن السلف في جميع كلامه إلى هنا ~~شيئا عن السلف الا هذا الذى ضعفه واوهاه # وان كان المنقول عن هؤلاء الثلاثة أنه منور السماوات بالكواكب كان ~~متناقضا من وجه آخر وهو أنه قد ذكر فيما بعد أن هذا روى عن بن عباس في ~~رواية اخرى وابى العالية والحسن انه منورها بالشمس والقمر والنجوم وهذا ~~يوجب ان يكون المنقول عن بن عباس والاثنين اولا غير المنقول عنه في رواية ~~اخرى وعمن ليس معه في الاولى PageV06P377 # وان كان نوره بالحجج الباهرة والادلة كان متناقضا فان هذا هو معنى ( ~~الهادى ( اذ نصبه للادلة والحجج هي من هدايته وهو قد ضعف هذا القول فما ~~أدري من أيهما العجب ms1720 امن حكايته القولين اللذين أحدهما داخل في معنى الاخر ~~أم من تضعيفه لقول السائل الذى يوجب تضعيف الاثنين وهو لا يدرى انه قد ~~ضعفهما جميعا فيجب على الانسان ان يعرف معنى الاقوال المنقولة ويعرف ان ~~الذى يضعفه ليس هو الذى عظمه ( # ( الوجه الرابع ( انه قد تبين أنه لم ينقل عن بن عباس وانس وسالم الا ~~القول الذى ضعفه أو ما يدخل فيه فانه ان كان قولهم ( الهادى ( فقد صرح ~~بضعفه وان كان ( مقيم الادلة ( فهو من معنى ( الهادى ( وان كان ( المنور ~~بالكواكب ( فقد جعله قولا آخر وان كان ما ذكره عن بعض العارفين فهو أيضا ~~داخل في ( الهادى ( واذا كان قد اعترف بضعف ما حكاه عن بن عباس وانس وسالم ~~لم يكن فيه حجة علينا فتبين أن ما ذكره عن ( السلف ( اما ان يكون مبطلا في ~~نقله أو مفتريا بتضعيفه وعلى التقديرين لا حجة علينا بذلك # ( الوجه الخامس ( أنه اساء الادب على السلف اذ يذكر عنهم ما يضعفه واظهر ~~للناس ان السلف كانوا يتأولون ليحتج بذلك على التأويل في الجملة وهو قد ~~اعترف بضعف هذا التأويل ومن احتج بحجة وقد ضعفها وهو لا يعلم انه ضعفها فقد ~~رمى نفسه بسهمه ومن رمى بسهم البغى صرع به ( والله لا يهدى القوم الظالمين ~~( # ( الوجه السادس ( قوله هذا يبطل دعواه أن ( التأويل دفع الظاهر ~~PageV06P378 ولم ينقل عن السلف فان هذا القول لم اقله وان كنت قلته فهو لم ~~ينقل الا ما عرف انه ضعيف والضعيف لا يبطل شيئا فهذه الوجوه في بيان تناقضه ~~وحكايته عنا ما لم نقله # وأما ( بيان فساد الكلام ( فنقول أما قوله ( يجب تأويله قطعا ( فلا نسلم ~~أنه يجب تأويله ولا نسلم أن ذلك لو وجب قطعى بل جماهير المسلمين لا يتأولون ~~هذا الاسم وهذا مذهب السلفية وجمهور الصفاتية من أهل الكلام والفقهاء ~~والصوفية وغيرهم وهو قول أبى سعيد بن كلاب ذكره في الصفات ورد على الجهمية ~~تأويل ( اسم النور ( وهو شيخ المتكلمين الصفاتية من الاشعرية الشيخ الاول ~~وحكاه عنه ms1721 أبو بكر بن فورك في كتاب ( مقالات بن كلاب ( والاشعرى ولم يذكرا ~~تأويله الا عن الجهمية المذمومين باتفاق وهو أيضا قول أبى الحسن الاشعرى ~~ذكره في ( الموجز ( # واما قوله ان هذا ورد في الاسماء الحسنى فالحديث الذى فيه ذكر ذلك هو ~~حديث الترمذى روى الاسماء الحسنى في ( جامعه ( من حديث الوليد بن مسلم عن ~~شعيب عن أبى الزناد عن الاعرج عن ابى هريرة ورواها بن ماجه في سننه من طريق ~~مخلد بن زياد القطوانى عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة وقد ~~اتفق اهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبى ( ( ~~وانما كل منهما من كلام بعض السلف فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما ~~جاء مفسرا في بعض طرق حديثه PageV06P379 # ولهذا اختلفت اعيانهما عنه فروى عنه في احدى الروايات من الاسماء بدل ما ~~يذكر في الرواية الاخرى لان الذين جمعوها قد كانوا يذكرون هذا تارة وهذا ~~تارة واعتقدوا هم وغيرهم ان الاسماء الحسنى التى من احصاها دخل الجنة ليست ~~شيئا معينا بل من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة أو انها ~~وان كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه ~~كالاحد والواحد فان في رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عنه رواها ~~عثمان بن سعيد ( الاحد ( بدل ( الواحد ( و ( المعطى ( بدل ( المغنى ( وهما ~~متقاربان وعند الوليد هذه الاسماء بعد ان روى الحديث عن خليد بن دعلج عن ~~قتادة عن بن سيرين عن أبى هريرة # ثم قال هشام وحدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال كلها ~~في القرآن ( هو الله الذى لا اله الا هو ( مثل ما ساقها الترمذى لكن ~~الترمذى رواها عن طريق صفوان بن صالح عن الوليد عن شعيب وقد رواها بن أبى ~~عاصم وبين ما ذكره هو والترمذى خلاف في بعض المواضع وهذا كله مما يبين لك ~~أنها من الموصول المدرج في الحديث عن النبى ( ( في بعض الطرق وليست من ms1722 ~~كلامه # ولهذا جمعها ( قوم اخرون ( على غير هذا الجمع واستخرجوها من القرآن منهم ~~سفيان بن عيينة والامام أحمد بن حنبل وغيرهم كما قد ذكرت ذلك فيما تكلمت به ~~قديما على هذا وهذا كله يقتضى انها عندهم مما يقبل البدل PageV06P380 فان ~~الذى عليه جماهير المسلمين ان اسماء الله اكثر من تسعة وتسعين قالوا ومنهم ~~الخطابى قوله ( ان لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها ( التقييد بالعدد عائد ~~إلى الاسماء الموصوفة بأنها هي هذه الاسماء # فهذه الجملة وهى قوله ( من احصاها دخل الجنة ( صفة للتسعة والتسعين ليست ~~جملة مبتدأة ولكن موضعها النصب ويجوز أن تكون مبتدأة والمعنى لا يختلف ~~والتقدير ان لله اسماء بقدر هذا العدد من احصاها دخل الجنة كما يقول القائل ~~ان لى مائة غلام اعددتهم للعتق والف درهم اعددتها للحج فالتقييد بالعدد هو ~~في الموصوف بهذه الصفة لا في اصل استحقاقه لذلك العدد فانه لم يقل أن اسماء ~~الله تسعة وتسعون # قال ويدل على ذلك قوله في الحديث الذى رواه أحمد في المسند ( اللهم انى ~~أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من ~~خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ( فهذا يدل على ان لله اسماء فوق ~~تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين # وأيضا فقوله ( ان لله تسعة وتسعين ( تقييده بهذا العدد بمنزلة قوله تعالى ~~( تسعة عشر ( فلما استقلوهم قال ( وما يعلم جنود ربك الا هو ( فأن لا يعلم ~~اسماءه الا هو اولى وذلك ان هذا لو كان قد قيل منفردا لم يفد النفى الا ~~بمفهوم العدد الذى هو دون مفهوم الصفة والنزاع فيه مشهور # وإن كان المختار عندنا ان التخصيص بالذكر بعد قيام المقتضى للعموم يفيد ~~PageV06P381 الاختصاص بالحكم فان العدول عن وجوب التعميم إلى التخصيص ان لم ~~يكن للاختصاص بالحكم والا كان تركا للمقتضى بلا معارض وذلك ممتنع # فقوله ( ان لله تسعة وتسعين ( قد يكون للتحصيل بهذا العدد فوائد غير ~~الحصر و ( منها ( ذكر أن احصاءها يورث الجنة فانه لو ذكر ms1723 هذه الجملة منفردة ~~واتبعها بهذه منفردة لكان حسنا فكيف والاصل في الكلام الاتصال وعدم ~~الانفصال فتكون الجملة الشرطية صفة لا ابتدائية فهذا هو الراجح في العربية ~~مع ما ذكر من الدليل # ولهذا قال ( أنه وتر يحب الوتر ( ومحبته لذلك تدل على أنه متعلق بالاحصاء ~~أي يحب أن يحصى من اسمائه هذا العدد واذا كانت اسماء الله اكثر من تسعة ~~وتسعين أمكن ان يكون احصاء تسعة وتسعين اسما يورث الجنة مطلقا على سبيل ~~البدل فهذا يوجه قول هؤلاء وان كان كثير من الناس يجعلها اسماء معينة ثم من ~~هؤلاء من يقول ليس الا تسعة وتسعون اسما فقط وهو قول بن حزم وطائفة ~~والاكثرون منهم يقولون وان كانت اسماء الله اكثر لكن الموعود بالجنة لمن ~~أحصاها هي معينة وبكل حال فتعيينها ليس من كلام النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~( باتفاق أهل المعرفة بحديثه ولكن روى في ذلك عن السلف أنواع من ذلك ما ~~ذكره الترمذى ومنها غير ذلك فاذا عرف هذا فقوله في اسمائه الحسنى ( النور ~~الهادى ( لو نازعه منازع PageV06P382 في ثبوت ذلك عن النبى ( ( لم تكن له ~~حجة ولكن جاء ذلك في أحاديث صحاح مثل قوله في الحديث الذى في الصحيحين عن ~~بن عباس عن النبى ( ( أنه كان يقول ( اللهم لك الحمد انت نور السماوات ~~والأرض ومن فيهن ( الحديث وفى صحيح مسلم عن ابى ذر قال سألت رسول الله ( ( ~~هل رأيت ربك فقال ( نور أنى أراه ( أو قال ( رأيت نورا ( # فالذى في القرآن والحديث الصحيح اضافة النور كقوله ( نور السماوات والأرض ~~( أو ( نور السماوات والأرض ومن فيهن ( # وأما قوله ( اذ النور كيفية قائمة ( فنقول النور المخلوق محسوس لا يحتاج ~~إلى بيان كيفية لكنه نوعان أعيان واعراض ( فالاعيان ( هو نفس جرم النار حيث ~~كانت نور السراج والمصباح الذى في الزجاجة وغيره وهى النور الذى ضرب الله ~~به المثل ومثل القمر فان الله سماه نورا فقال ( جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~( ولا ريب ان النار جسم لطيف شفاف ( واعراض ( مثل ما يقع من ms1724 شعاع الشمس ~~والقمر والنار على الاجسام الصقيلة وغيرها فان المصباح اذا كان في البيت ~~اضاء جوانب البيت فذلك النور والشعاع الواقع على الجدر والسقف والأرض هو ~~عرض وهو كيفية قائمة بالجسم # وقد يقال ليس الصفة القائمة بالنار والقمر ونحوهما نورا فيكون الاسم على ~~الجوهر تارة وعلى صفة اخرى ولهذا يقال لضوء النهار نور كما قال PageV06P383 ~~تعالى ( وجعل الظلمات والنور ( ومن هذا تسمية الليل ظلمة والنهار نورا ~~فانهما عرضان وقد قيل هما جوهران وليس هذا موضع بسط ذلك فتبين أن اسم النور ~~يتناول هذين والمعترض ذكر اولا حد ( العرض ( وذكر ثانيا حد ( الجسم ( ~~فتناقض وكأنه أخذ ذلك من كلامى ولم يهتد لوجه الجمع # 384 ( ( # وكذلك اسم ( الحق ( يقع على ذات الله تعالى وعلى صفاته القدسية كقول ~~النبى ( ( أنت الحق وقولك الحق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق ( # وأما قول المعترض النور ضد الظلمة وجل الحق أن يكون له ضد # فيقال له لم تفهم معنى الضد المنفى عن الله فان ( الضد ( يراد به ما يمنع ~~ثبوت الاخر كما يقال في الاعراض المتضادة مثل السواد والبياض ويقول الناس ~~الضدان لا يجتمعان ويمتنع اجتماع الضدين وهذا التضاد عند كثير من الناس لا ~~يكون الا في ( الاعراض ( واما ( الاعيان ( فلا تضاد فيها فيمتنع عند هذا ان ~~يقال لله ضد أو ليس له ضد ومنهم من يقول يتصور التضاد فيها والله تعالى ليس ~~له ضد يمنع ثبوته ووجوده بلا ريب بل هو القاهر الغالب الذى لا يغلب # وقد يراد ( بالضد ( المعارض لأمره وحكمه وان لم يكن مانعا من وجود ذاته ~~كما قال النبى ( ( من حالت شفاعته دون حد من حدود PageV06P384 الله فقد ضاد ~~الله في أمره ( رواه أبو داود وتسمية المخالف لامره وحكمه ضدا كتسميته عدوا # وبهذا الاعتبار فالمعادون المضادون لله كثيرون فاما على التفسير الاول ~~فلا ريب أنه ليس في نفس الامر مضاد لله لكن التضاد يقع في نفس الكفار فان ~~الباطل ضد الحق والكذب ضد الصدق فمن اعتقد في الله ما هو ms1725 منزه عنه كان هذا ~~ضدا للايمان الصحيح به # واما قوله النور ضد الظلمة وجل الحق ان يكون له ضد فيقال له والحى ضد ~~الميت والعليم ضد الجاهل والسميع والبصير والذى يتكلم ضد الاصم الاعمى ~~الابكم وهكذا سائر ما سمى الله به من الاسماء لها اضداد وهو منزه عن أن ~~يسمى بأضدادها فجل الله أن يكون ميتا أو عاجزا أو فقيرا ونحو ذلك # وأما وجود مخلوق له موصوف بضد صفته مثل وجود الميت والجاهل والفقير ~~والظالم فهذا كثير بل غالب أسمائه لها أضداد موجودة في الموجودين # ولا يقال لأولئك انهم أضداد الله ولكن يقال انهم موصوفون بضد صفات الله ~~فان التضاد بين الصفات انما يكون في المحل الواحد لا في محلين فمن كان ~~موصوفا بالموت ضادته الحياة ومن كان موصوفا بالحياة ضاده الموت PageV06P385 ~~والله سبحانه يمتنع ان يكون ظلمة أو موصوفا بالظلمة كما يمتنع ان يكون ميتا ~~أو موصوفا بالموت # فهذا المعترض أخذ لفظ ( الضد بالاشتراك ( ولم يميز بين الضد الذى يضاد ~~ثبوته ثبوت الحق وصفاته وافعاله وبين أن يكون في مخلوقاته ما هو موصوف بضد ~~صفاته وبين ما يضاده في أمره ونهيه فالضد الاول هو الممتنع واما الآخران ~~فوجودهما كثير لكن لا يقال انه ضد لله فان المتصف بضد صفاته لم يضاده # والذين قالوا ( النور ضد الظلمة ( قالوا يمتنع اجتماعهما في عين واحدة لم ~~يقولوا أنه يمتنع ان يكون شيء موصوفا بأنه نور وشيء آخر موصوفا بأنه ظلمة ~~فليتدبر العاقل هذا التعطيل والتخليط # وأما قوله لو كان نورا لم يجز اضافته إلى نفسه في قوله ( مثل نوره ( ~~فالكلام عليه من طريقين # ( أحدهما ( ان نقول النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور ~~السماوات والأرض وقد أخبر النص ان الله نور واخبر ايضا انه يحتجب بالنور ~~فهذه ثلاثة انوار في النص وقد تقدم ذكر الاول ( # ( وأما الثانى ( فهو في قوله ( وأشرقت الأرض بنور ربها ( وفى قوله ( مثل ~~نوره ( وفيما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال ms1726 قال PageV06P386 ~~رسول الله ( ( ان الله خلق خلقه في ظلمة والقى عليهم من نوره فمن اصابه من ~~ذلك النور اهتدى ومن اخطأه ضل ( # ومنه قوله ( ( في دعاء الطائف ( اعوذ بنور وجهك الذى اشرقت له الظلمات ~~وصلح عليه أمر الدنيا والاخرة ان ينزل بى سخطك أو يحل على غضبك ( رواه ~~الطبرانى وغيره ومنه قول بن مسعود ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور ~~السماوات من نور وجهه # ومنه قوله ما رواه مسلم في صحيحه عن أبى موسى عن النبى ( ( قال قام فينا ~~رسول الله ( ( بأربع كلمات فقال ( ان الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام ~~يخفض القسط يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ~~حجابه النور أو النار لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما ادركه بصره من خلقه ( ~~فهذا الحديث فيه ذكر حجابه # فان تردد الراوى في لفظ النار والنور لا يمنع ذلك فان مثل هذه النار ~~الصافية التى كلم بها موسى يقال لها نار ونور كما سمى الله نار المصباح ~~نورا بخلاف النار المظلمة كنار جهنم فتلك لا تسمى نورا # فالاقسام ثلاثة ( اشراق بلا احراق ( وهو النور المحض كالقمر و ( احراق ~~بلا اشراق ( وهى النار المظلمة و ( ما هو نار ونور ( كالشمس ونار المصابيح ~~التى في الدنيا توصف بالامرين واذا كان كذلك صح أن يكون PageV06P387 نور ~~السماوات والأرض وان يضاف إليه النور وليس المضاف هو عين المضاف إليه # ( الطريق الثانى ( أن يقال هذا يرد عليكم لا يختص بمن يسميه بما سمى به ~~نفسه وبينه فأنت اذا قلت ( هاد ( أو ( منور ( أو غير ذلك فالمسمى ( نورا ( ~~هو الرب نفسه ليس هو النور المضاف إليه فاذا قلت ( هو الهادى فنوره الهدى ( ~~جعلت أحد النورين عينا قائمة والاخر صفة فهكذا يقول من يسميه نورا واذا كان ~~السؤال يرد على القولين والقائلين كان تخصيص أحدهما بأنه مخالف لقوله ظلما ~~ولددا في المحاجة أو جهلا وضلالا عن الحق # واما ما ذكره من الاقوال فلا ريب أن للناس فيها من ms1727 الاقوال أكثر مما ذكره ~~والموجود بأيدى الامة من الروايات الصادقة والكاذبة والاراء المصيبة ~~والمخطئة لا يحصيه الا الله والكلام في ( تفسير اسماء الله وصفاته وكلامه ( ~~فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه الا رب العالمين وانما الشأن في الحق ~~والعلم والدين # وقد كتبت قديما في بعض كتبى لبعض الاكابر ان العلم ما قام عليه الدليل ~~والنافع منه ما جاء به الرسول فالشأن في أن نقول علما وهو النقل المصدق ~~والبحث المحقق فان ما سوى ذلك وان زخرف مثله بعض الناس خزف مزوق والا فباطل ~~مطلق مثل ما ذكره في هذه الاية وغيرها # وهذه الكتب التى يسميها كثير من الناس ( كتب التفسير ( فيها كثير ~~PageV06P388 من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ~~ورسوله بالرأى المجرد بل بمجرد شبهة قياسية أو شبهة ادبية # فالمفسرون الذين ينقل عنهم لم يسمهم ومع هذا فقد ضعف قولهم بالباطل فان ~~القوم فسروا النور في الآية بأنه الهادى لم يفسروا النور في الاسماء الحسنى ~~والحديث عن النبى ( ( فلا يصح تضعيف قولهم بما ضعفه # ونحن انما ذكرنا ذلك لبيان تناقضه وانه لا يحتج علينا بشيء يروج على ذى ~~لب فان التناقض اول مقامات الفساد وهذا التفسير قد قاله طائفة من المفسرين ~~واما كونه ثابتا عن بن عباس أو غيره فهذا مما لم نثبته # ومعلوم ان في ( كتب التفسير ( من النقل عن بن عباس من الكذب شيء كثير من ~~رواية الكلبى عن ابى صالح وغيره # فلا بد من تصحيح النقل لتقوم الحجة فليراجع ( كتب التفسير ( التى يحرر ~~فيها النقل مثل تفسير محمد بن جرير الطبرى الذى ينقل فيه كلام السلف ~~بالاسناد وليعرض عن تفسير مقاتل والكلبى وقبله تفسير بقى بن مخلد الاندلسى ~~وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الشامى وعبد بن حميد الكشى وغيرهم ان لم يصعد ~~إلى تفسير الامام إسحاق بن راهوية وتفسير الامام أحمد بن حنبل وغيرهما من ~~الائمة الذين هم اعلم اهل الأرض بالتفاسير الصحيحة عن النبى ( ( وآثار ~~الصحابة والتابعين كما هم اعلم الناس بحديث ms1728 النبى ( ( وآثار الصحابة ~~والتابعين في الاصول والفروع وغير ذلك من العلوم PageV06P389 # فاما ان يثبت اصلا يجعله قاعدة بمجرد رأى فهذا انما ينفق على الجهال ~~بالدلائل الاغشام في المسائل وبمثل هذه المنقولات التى لا يميز صدقها من ~~كذبها والمعقولات التى لا يميز صوابها من خطئها ضل من ضل من اهل المشرق في ~~الاصول والفروع والفقه والتصوف # وما أحسن ما جاء هذا في آية النور التى قال الله تعالى فيها ( ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور ( نسأل الله أن يجعل لنا نورا # ثم نقول هذا القول الذى قاله بعض المفسرين في قوله ( الله نور السماوات ~~والأرض ( أى هادى اهل السماوات والأرض لا يضرنا ولا يخالف ما قلناه فانهم ~~قالوه في تفسير الاية التى ذكر النور فيها مضافا لم يذكروه في تفسير نور ~~مطلق كما ادعيت أنت من ورود الحديث به فأين هذا من هذا # ثم قول من قال من السلف هادى اهل السماوات والأرض لا يمنع أن يكون في ~~نفسه نورا فان من عادة السلف في تفسيرهم ان يذكروا بعض ( صفات المفسر ( من ~~الاسماء أو بعض أنواعه ولا ينافى ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمى بل قد يكونان ~~متلازمين ولا دخول لبقية الانواع فيه # وهذا قد قررناه غير مرة في القواعد المتقدمة ومن تدبره علم أن اكثر اقوال ~~السلف في التفسير متفقة غير مختلفة مثال ذلك قول بعضهم في ( الصراط ~~المستقيم ( أنه الاسلام وقول آخر أنه القرآن وقول آخر أنه السنة ~~PageV06P390 والجماعة وقول آخر أنه طريق العبودية فهذه كلها صفات له ~~متلازمة لا متباينة وتسميته بهذه الاسماء بمنزلة تسمية القرآن والرسول ~~بأسمائه بل بمنزلة اسماء الله الحسنى # ومثال ( الثانى ( قوله تعالى ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات ( فذكر منهم صنفا من الاصناف والعبد يعم الجميع فالظالم لنفسه ~~المخل ببعض الواجب والمقتصد القائم به والسابق المتقرب بالنوافل بعد ~~الفرائض وكل من الناس يدخل في هذا بحسب طريقه في التفسير والترجمة ببيان ~~النوع والجنس ليقرب الفهم على المخاطب كما ms1729 لو قال الاعجمى ما الخبز فقيل له ~~هذا واشير إلى الرغيف فالغرض الجنس لا هذا الشخص فهكذا تفسير كثير من السلف ~~وهو من جنس التعليم # فقول من قال الله ( نور السماوات والأرض ( هادى أهل السماوات والأرض كلام ~~صحيح فان من معانى كونه نور السماوات والأرض أن يكون هاديا لهم اما أنهم ~~نفوا ما سوى ذلك فهذا غير معلوم واما انهم ارادوا ذلك فقد ثبت عن بن مسعود ~~انه قال ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه # وقد تقدم عن النبى ( ( من ذكر نور وجهه وفى رواية ( النور ( ما فيه كفاية ~~فهذا بيان معنى غير الهداية PageV06P391 # وقد أخبر الله في كتابه ان الأرض تشرق بنور ربها فاذا كانت تشرق من نوره ~~كيف لا يكون هو نورا ولا يجوز ان يكون هذا النور المضاف إليه اضافة خلق ~~وملك واصطفاء كقوله ( ناقة الله ( ونحو ذلك لوجوه # ( أحدها ( أن النور لم يضف قط إلى الله اذا كان صفة لاعيان قائمة فلا ~~يقال في المصابيح التى في الدنيا انها نور الله ولا في الشمس والقمر وانما ~~يقال كما قال عبد الله بن مسعود ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور ~~السماوات من نور وجهه وفى الدعاء المأثور عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~اعوذ بنور وجهك الذى اشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والاخرة ( ~~الثانى ( ان الانوار المخلوقة كالشمس والقمر تشرق لها الأرض في الدنيا وليس ~~من نور الا وهو خلق من خلق الله وكذلك من قال منور السماوات والأرض لا ~~ينافى انه نور وكل منور نور فهما متلازمان # ثم أن الله تعالى ضرب مثل نوره الذى في قلوب المؤمنين بالنور الذى في ~~المصباح وهو في نفسه نور وهو منور لغيره فاذا كان نوره في القلوب هو نور ~~وهو منور فهو في نفسه أحق بذلك وقد علم ان كل ما هو نور فهو منور # وأما قول من قال معناه منور السماوات بالكواكب فهذا ان اراد به قائله ان ms1730 ~~ذلك من معنى كونه نور السماوات وانه أراد به ليس لكونه نور PageV06P392 ~~السماوات والأرض معنى الا هذا فهو مبطل لأن الله أخبر انه نور السماوات ~~والأرض والكواكب لا يحصل نورها في جميع السماوات والأرض وأيضا فانه قال ( ~~مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ( فضرب المثل لنوره الموجود في قلوب المؤمنين ~~فعلم أن النور الموجود في قلوب المؤمنين نور الايمان والعلم مراد من الآية ~~لم يضربها على النور الحسى الذى يكون للكواكب وهذا هو الجواب عما رواه عن ~~بن عباس في رواية اخرى وابى العالية والحسن بعد المطالبة بصحة النقل والظن ~~ضعفه عن بن عباس لأنهم جعلوا ذلك من معانى النور اما أنهم يقولون قوله ( ~~الله نور السماوات والأرض ( ليس معناه الا التنوير بالشمس والقمر والنجوم ~~فهذا باطل قطعا # وقد قال ( ( أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ( ومعلوم ان العميان لاحظ ~~لهم في ذلك ومن يكون بينه وبين ذلك حجاب لا حظ له في ذلك والموتى لا نصيب ~~لهم من ذلك واهل الجنة لا نصيب لهم من ذلك فان الجنة ليس فيها شمس ولا قمر ~~كيف وقد روى ان اهل الجنة يعلمون الليل والنهار بأنوار تظهر من العرش مثل ~~ظهور الشمس لاهل الدنيا فتلك الانوار خارجة عن الشمس والقمر # واما قوله قد قيل بالادلة والحجج فهذا بعض معنى الهادى وقد تقدم الكلام ~~على قوله ( هذا يبطل قوله ان التأويل دفع للظاهر ولم ينقل عن PageV06P393 ~~السلف ( فان هذا الكلام مكذوب على وقد ثبت تناقض صاحبه وانه لم يذكر عن ~~السلف الا ما اعترف بضعفه # وأما الذى اقوله الآن واكتبه وان كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتى وانما ~~اقوله في كثير من المجالس ان جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن ~~الصحابة اختلاف في تأويلها # وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك ~~على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد ~~إلى ساعتى هذه عن أحد من الصحابة أنه ms1731 تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث ~~الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان ~~ان ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه الا الله وكذلك ~~فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيئا كثيرا # وتمام هذا أنى لم أجدهم تنازعوا الا في مثل قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق ~~( فروى عن بن عباس وطائفة ان المراد به الشدة ان الله يكشف عن الشدة في ~~الآخرة وعن أبى سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات للحديث الذى رواه أبو ~~سعيد في الصحيحين # ولا ريب أن ظاهر القرآن ( لا ( يدل على ان هذه من الصفات فانه قال ( يوم ~~يكشف عن ساق ( نكرة في الاثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن PageV06P394 ~~ساقه فمع عدم التعريف بالاضافة لا يظهر انه من الصفات الا بدليل آخر ومثل ~~هذا ليس بتأويل انما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها ~~المعروف ولكن كثير من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولا له ثم يريدون ~~صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلا وهذا خطأ من وجهين كما قدمناه غير مرة # وأما قوله ( لو كان نورا حقيقة كما تقوله المشبهة لوجب أن يكون الضياء ~~ليلا ونهارا على الدوام ( فنحن نقول بموجب ما ذكره من هذا القول # فإن المشبهة يقولون انه نور كالشمس والله تعالى ( ليس كمثله شيء ( فانه ~~ليس كشيء من الانوار كما ان ذاته ليست كشيء من الذوات لكن ما ذكره حجة عليه ~~فانه يمكن ان يكون نورا يحجبه عن خلقه كما قال في الحديث ( حجابه النور أو ~~النار لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ( # لكن هنا غلط في النقل وهو اضافة هذا القول إلى المشبهة فان هذا من اقوال ~~الجهمية المعطلة ايضا كالمريسى فانه كان يقول انه نور وهو كبير الجهمية وان ~~كان قصده بالمشبهة من أثبت ان الله نور حقيقة فالمثبتة للصفات كلهم عنده ~~مشبهة وهذه ( لغة الجهمية المحضة ( يسمون كل من أثبت الصفات مشبها # فقد ms1732 قدمنا ان بن كلاب والاشعرى وغيرهما ذكرا ان نفى كونه نورا في ~~PageV06P395 نفسه هو قول الجهمية والمعتزلة وانهما اثبتا انه نور وقررا ذلك ~~هما واكابر اصحابهما فكيف بأهل الحديث وأئمة السنة واول هؤلاء المؤمنين ~~بالله وبأسمائه وصفاته رسول الله ( ( وقد أجاب النبى ( ( عن هذا السؤال ~~الذى عارض به المعترض فقال ( ( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما ~~ادركه بصره من خلقه ( # فأخبر أنه حجب عن المخلوقات بحجابه النور ان تدركها سبحات وجهه وانه لو ~~كشف ذلك الحجاب لاحرقت سبحات وجهه ما ادركه بصره من خلقه فهذا الحجاب عن ~~احراق السبحات يبين ما يرد في هذا المقام واما ما ذكره عن بن عباس في ~~روايته الاخرى فمعناه بعض الانوار الحسية وما ذكره من كلام العارفين فهو ~~بعض معانى هدايته لعباده وانما ذلك تنويع بعض الانواع بحسب حاجة المخاطبين ~~كما ذكرناه من عادة السلف ان يفسروها بذكر بعض الانواع يقع على سبيل ~~التمثيل لحاجة المخاطبين لا على سبيل الحصر والتحديد # فقد تبين أن جميع ما ذكر من الاقوال يرجع إلى معنيين من معانى كونه نور ~~السماوات والأرض وليس في ذلك دلالة على أنه في نفسه ليس بنور PageV06P396 ### |||| سئل الشيخ تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضى الله تعالى عنه # عن قول النبى ( ( الحجر الاسود يمين الله في الأرض ( وقوله ( انى لأجد ~~نفس الرحمن من جهة اليمن ( وقوله ( ثم استوى على العرش ( وقوله ( يد الله ~~فوق ايديهم ( وقوله ( فاصبر لحكم ربك فانك بأعيننا ( ### |||| ( فأجاب ( # رحمه الله ورضى عنه اما الحديث الاول فقد روى عن النبى ( ( ~~باسناد لا يثبت والمشهور انما هو عن بن عباس قال ( الحجر الاسود يمين الله ~~في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ( ومن تدبر اللفظ ~~المنقول تبين له أنه لا اشكال فيه الا على من لم يتدبره فانه قال ( يمين ~~الله في الأرض ( فقيده بقوله ( في الأرض ( ولم يطلق فيقول يمين الله وحكم ~~اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق ثم قال ( فمن صافحه وقبله ms1733 فكأنما صافح ~~الله وقبل يمينه ( ومعلوم أن المشبه غير المشبه به وهذا صريح في أن المصافح ~~لم يصافح يمين الله أصلا ولكن PageV06P397 شبه بمن يصافح الله فأول الحديث ~~وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل ولكن يبين ~~ان الله تعالى كما جعل للناس بيتا يطوفون به جعل لهم ما يستلمونه ليكون ذلك ~~بمنزلة تقبيل يد العظماء فان ذلك تقريب للمقبل وتكريم له كما جرت العادة ~~والله ورسوله لا يتكلمون بما فيه اضلال الناس ( بل لابد ( من أن يبين لهم ~~ما يتقون فقد بين لهم في الحديث ما ينفى من التمثيل # وأما ( الحديث الثانى ( فقوله ( من اليمن ( يبين مقصود الحديث فانه ليس ~~لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك ولكن منها جاء الذين يحبهم ~~ويحبونه الذين قال فيهم ( من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه ( # وقد روى أنه لما نزلت هذه الآية سئل عن هؤلاء فذكر انهم قوم ابى موسى ~~الاشعرى وجاءت الاحاديث الصحيحة مثل قوله ( اتاكم اهل اليمن ارق قلوبا ~~وألين افئدة الايمان يمانى والحكمة يمانية ( وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل ~~الردة وفتحوا الامصار فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات ومن خصص ذلك ~~بأويس فقد أبعد # وأما الآية فقد استفاض أنه سئل عنها مالك بن أنس وقال له السائل ( الرحمن ~~على العرش استوى ( كيف استوى فأطرق مالك برأسه حتى علاه PageV06P398 الرحضا ~~ثم قال الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما ~~اراك الا مبتدعا ثم امر به فأخرج # وجميع ائمة الدين كابن الماجشون والاوزاعى والليث بن سعد وحماد بن زيد ~~والشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهم كلامهم يدل على ما دل عليه كلام مالك من أن ~~العلم بكيفية الصفات ليس بحاصل لنا لأن العلم بكيفية الصفة فرع على العلم ~~بكيفية الموصوف فاذا كان الموصوف لا تعلم كيفيته امتنع ان تعلم كيفية الصفة # ومتى جنب المؤمن طريق التحريف والتعطيل وطريق التمثيل سلك سواء السبيل ~~فانه قد علم ms1734 بالكتاب والسنة والاجماع ما يعلم بالعقل أيضا ان الله تعالى ( ~~ليس كمثله شيء ( لا في ذاته ولا في صفاته ولا في افعاله فلا يجوز ان يوصف ~~بشيء من خصائص المخلوقين ( لأنه متصف ( بغاية الكمال منزه عن جميع النقائص ~~فانه سبحانه غنى عن ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه ومن زعم ان القرآن دل ~~على ذلك فقد كذب على القرآن ليس في كلام الله سبحانه ما يوجب وصفه بذلك بل ~~قد يؤتى الانسان من سوء فهمه فيفهم من كلام الله ورسوله معانى يجب تنزيه ~~الله سبحانه عنها ولكن حال المبطل مع كلام الله ورسوله كما قيل # وكم من عائب قولا صحيحا %~% وآفته من الفهم السقيم PageV06P399 # ويجب على أهل العلم أن يبينوا نفى ما يظنه الجهال من النقص في صفات الله ~~تعالى وان يبينوا صون كلام الله ورسوله عن الدلالة على شيء من ذلك وان ~~القرآن بيان وهدى وشفاء وان ضل به من ضل فانه من جهة تفريطه كما قال تعالى ~~( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين الا خسارا ~~( وقوله ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى PageV06P400 ### || 1 ( رسالة في رؤية المؤمنين ربهم فى الجنة ) 1 # ! 8 < قال الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام تقى الدين أبو العباس أحمد ~~بن تيمية قدس الله PageV06P401 التصريح بذلك واسناد حديث بن مسعود أجود من ~~جميع أسانيد هذا الباب ورواه أبو عبد الله بن بطة في ( الابانة ( باسناد ~~آخر من حديث أنس أجود من غيره وذكر فيه ( وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة ( ~~ورواه أبو أحمد بن عدى من حديث صالح بن حيان عن بن بريدة عن أنس وما اعلم ~~لفظه # ورواه أبو عمرو الزاهد باسناد آخر لم يحضرنى لفظه ورواه أبو العباس ~~السراج حدثنا على بن أشيب حدثنا أبو بدر حدثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن ~~مسلم عن أنس بن مالك وليس فيه الزيادة ورواه أبو يعلى الموصلى في مسنده عن ~~شيبان ms1735 بن فروخ عن الصعق بن حزن عن على بن الحكم البنانى عن أنس نحوه ولا ~~اعلم لفظه # ورواه أبو بكر البزار وابو بكر الخلال وبن بطة من حديث حذيفة بن اليمان ~~مرفوعا ولم يذكر فيه هه الزيادة لكن قال في آخره ( فلنهم في كل سبعة ايام ~~الضعف على ما كانوا فيه قال وذلك قول الله في كتابه ( فلا تعلم نفس ما اخفى ~~لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( ورواه الآجرى وبن بطة ايضا مرفوعا ~~من حديث بن عباس وفيه ( واقربهم منه مجلسا اسرعهم إليه يوم الجمعة وابكرهم ~~غدوا ( # وله طريق آخر من حديث أبى هريرة ورواه الترمذى وبن ماجه من حديث عبد ~~الحميد بن أبى العشرين عن الاوزاعى عن حسان بن عطية عن PageV06P402 ابى ~~هريمان وقال الترمذى هذا حديث لا نعرفه الا من هذا الوجه وقد روى سويد بن ~~عمرو عن الاوزاعى شيئا من هذا وقالوا ورواه سويد بن عبد العزيز عن الاوزاعى ~~قال قال حديث عن سعيد وروى أيضا معناه عن كعب الاحبار موقوفا وفيه معنى ~~الزيادة # وأصل حديث ( سوق الجنة ( قد رواه مسلم في صحيحه ولم يذكر فيه الرؤية وهذه ~~الاحاديث عامتها اذا جرد اسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد ~~لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الامر بل قد يقتضى ~~القطع بها # وأيضا فقد روى عن ( الصحابة ( و ( التابعين ( ما يوافق ذلك ومثل هذا لا ~~يقال بالرأى وانما يقال بالتوقيف # فروى الدارقطنى باسناد صحيح عن بن المبارك أخبرنا المسعودى عن المنهال بن ~~عمرو عن ابى عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال ( سارعوا إلى الجمعة فان الله ~~يبرز لاهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور فيكونون في قرب منه على قدر ~~تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا ( وأيضا باسناد صحيح إلى شبابة بن سوار عن ~~عبد الرحمن بن عبد الله المسعودى عن المنهال بن عمرو عن أبى عبيدة بن عبد ~~الله بن مسعود عن عبد الله بن ms1736 مسعود قال ( سارعوا إلى الجمعة فان الله عز ~~وجل يبرز لاهل الجنة في كل يوم جمعة في كثيب من كافور ابيض فيكونون في ~~الدنو PageV06P403 منه على مقدار مسارعتهم في الدنيا إلى الجمعة فيحدث لهم ~~من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه فيما خلا قال وكان عبد الله بن مسعود لا ~~يسبقه أحد إلى الجمعة قال فجاء يوما وقد سبقه رجلان فقال رجلان وانا الثالث ~~ان الله يبارك في الثالث # ورواه بن بطة باسناد صحيح صحيح من هذا الطريق وزاد فيه ( ثم يرجعون إلى ~~اهليهم فيحدوثونهم بما قد أحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه فيما ~~خلا ( هذا اسناد حسن حسنه الترمذى وغيره # ويقال ان أبا عبيدة لم يسمع من أبيه لكن هو عالم بحال أبيه متلق لأثاره ~~من أكابر أصحاب أبيه وهذه حال متكررة من عبد الله رضى الله عنه فتكون ~~مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم ~~عليه حتى يخاف ان يكون هو الواسطة فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه ~~وان قيل أنه لم يسمع من أبيه # وقد روى هذا عن بن مسعود من وجه آخر رواه بن بطة في ( الابانة ( باسناد ~~صحيح عن الوليد بن مسلك عن ثور بن يزيد عن عمرو بن قيس إلى عبد الله بن ~~مسعود قال ( ان الله يبرز لأهل جنته في كل يوم جمعة في كثيب من كافور ابيض ~~فيكونون في الدنو منه كتسارعهم إلى الجمعة فيحدث لهم من الحياة والكرامة ما ~~لم يروا قبله ( # وروى عن بن مسعود من ( وجه ثالث ( رواه سعيد في سننه حدثنا PageV06P404 ~~فرج بن فضالة عن على بن أبى طلحة عن بن مسعود انه كان يقول ( بكروا في ~~الغدو في الدنيا إلى الجمعات فان الله يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعه على ~~كثيب من كافور أبيض فيكون الناس منه في الدنو كغدوهم في الدنيا إلى الجمعة ~~( # وهذا الذى أخبر به بن مسعود أمر لا يعرفه الا نبى أو من ms1737 أخذه عن نبى ~~فيعلم بذلك أن بن مسعود أخذه عن النبى ( ( ولا يجوز أن يكون أخذه عن أهل ~~الكتاب لوجوه ( أحدها ( أن الصحابة قد نهوا عن تصديق أهل الكتاب فيما ~~يخبرونهم به فمن المحال أن يحدث بن مسعود رضى الله عنه بما أخبر به اليهود ~~على سبيل التعليم ويبنى عليه حكما # ( الثانى ( أن بن مسعود رضى الله عنه خصوصا كان من أشد الصحابة رضى الله ~~عنهم انكارا لمن يأخذ من أحاديث اهل الكتاب # ( الثالث ( أن الجمعة لم تشرع الا لنا والتبكير فيها ليس الا في شريعتنا ~~فيبعد مثل اخذ عن الأنبياء المتقدمين ويبعد ان اليهودى يحدث بمثل هذه ~~الفضيلة لهذه الامة وهم الموصوفون بكتمان العلم والبخل به وحسد هذه الامة # ورواه بن ماجه في سننه من وجه آخر مرفوعا إلى النبى ( ( عن علقمة قال ~~خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال رابع اربعة ~~وما رابع اربعة ببعيد سمعت رسول الله ( ( PageV06P405 يقول ( ان الناس ~~يجلسون من الله يوم الجمعة على قدر رواحهم إلى الجمعة الاول والثانى ~~والثالث ثم قال رابع اربعة وما رابع اربعة ببعيد ( # وهذا الحديث مما استدل به العلماء على استحباب التبكير إلى الجمعة وقد ~~ذكروا هذا المعنى من جملة معانى قوله ( السابقون السابقون ( قال بعضهم ~~السابقون في الدنيا إلى الجمعات هم السابقون في يوم المزيد في الآخرة أو ~~كما قال فانه لم يحضرنى لفظه وتأييد ذلك بقول النبى ( ( المخرج في الصحيحين ~~( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم اوتوا الكتاب قبلنا وأوتيناه ~~من بعدهم فهذا يومهم الذى اختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع ~~اليهود غدا والنصارى بعد غد ( فانه جعل سبقنا لهم في الآخرة لاجل انا ~~اوتينا الكتاب من بعدهم فهدينا لما اختلفوا فيه من الحق حتى صرنا سابقين ~~لهم إلى التعبيد فكما سبقناهم إلى التعبيد في الدنيا نسبقهم إلى كرامته في ~~الآخرة # وأما ( حديث أنس ( وهو اشهر الاحاديث فيما يكون يوم الجمعة في الآخرة من ~~زيارة الله ورؤيته ms1738 واتيان سوق الجنة فأصح حديث عنه ما رواه مسلم في صحيحه ~~عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله ( ( قال ( ان في ~~الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم ~~فيزدادون حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا ~~فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا PageV06P406 # فهذا ليس فيه الا أنهم يأتون السوق وفيه يزدادون حسنا وجمالا وان اهليهم ~~ازدادوا أيضا في غيبتهم عنهم حسنا وجمالا وان كانوا لم يأتوا سوق الجنة # وان كانت زيادة بعض الحديث على بعض غير مقبولة بل يجعل نوع تعارض فينبغى ~~أن لا يقبل في الباب حديث برؤية الله يوم الجمعة لانه ليس فيها شيء يقاوم ~~حديث أنس هذا فانه هو الذى أخرجه اصحاب الصحيح دون الجميع بل قد يقال لو ~~كانت رؤية الله خاصة وان زيادة الوجوه حسنا وجمالا كان عنها لأخبر به في ~~هذا الحديث بل قد يقال ظاهره ان زيادة الحسن والجمال انما كان من الريح ~~التى تهب في وجوههم وثيابهم # وان كان الواجب ان يقال ما في تلك الاحاديث من الزيادات لا ينافى هذا وان ~~كان هذا اصح فان الترجيح انما يكون عند التنافى واما اذا اخبر في أحد ~~الحديثين بشيء واخبر في الآخر بزيادة اخرى لا تنافيها كانت تلك الزيادة ~~بمنزلة خبر مستقل فهذا هو الصواب # وليس هذا مما اختلف فيه الفقهاء من الزيادة في النص هل هي نسخ فان ذلك ~~انما هو في ( الأحكام ( التى هي الامر والنهى والاباحة وتوابعها مثل ما قال ~~الله تعالى ( الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ( وقال ~~النبى ( ( ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ( وقال لآخر ( على ابنك جلد ~~مائة وتغريب عام ( فهنا اختلف العلماء هل هذه الزيادة نسخ لقوله ( الزانية ~~والزانى فاجلدوا ( مع أن الجمهور على أنها ليست بنسخ وهو الصحيح كما هو ~~مقرر في موضعه PageV06P407 # وأما زيادة أحد الخبرين على ليس بنسخ وأنه لا ترد الزيادة ms1739 اذا لم تناف ~~المزيد فان رجلا لو قال رأيت رجلا ثم قال رأيت رجلا عاقلا أو عالما لم يكن ~~بين الكلامين منافاة ففرق بين الاطلاق والتقييد والتجريد والزيادة في ( ~~الامور الطلبية ( وبين ذلك في ( الأمور الخبرية ( # واذا كان كذلك فيقال قد جاء في أحاديث اخر أن ( السوق ( يكون بعد ( رؤية ~~الله سبحانه ( كما أن العادة في الدنيا أنهم يريدون وجهه بهاتين الصلاتين ~~وأخبر في هذا الحديث من ( ازدياد وجوههم حسنا وجمالا ( لا يقتضى انحصار ذلك ~~في الريح فان أزواجهم قد ازدادوا حسنا وجمالا ولم يشركوهم في الريح بل يجوز ~~أن يكون حصل في الريح زيادة على ما حصل لهم قبل ذلك ويجوز أن يكون هذا ~~الحديث مختصرا من بقية الاحاديث بأن سبب الإزدياد ( رؤية الله تعالى ( مع ~~ما اقترن بها # وعلى هذا فيمكن ان يكون ( نساؤهم المؤمنات ( رأين الله في منازلهن في ~~الجنة ( رؤية ( اقتضت زيادة الحسن والجمال اذا كان السبب هو الرؤية كما جاء ~~مفسرا في احاديث اخر كما أنهم في الدنيا كان الرجال يروحون إلى المساجد ~~فيتوجهون إلى الله هنالك والنساء في بيوتهن يتوجهن إلى الله بصلاة الظهر ~~والرجال يزدادون نورا في الدنيا بهذه الصلاة وكذلك النساء يزددن نورا ~~بصلاتهن كل بحسبه والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن بل كل عبد PageV06P408 ~~يراه مخليا به في وقت واحد كما جاء في غير حديث بل قد بين النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ( أن بعض مخلوقاته وهو القمر يراه كل واحد مخليا به اذا شاء # اذا تلخص ذلك فنقول ( الأحاديث الزائدة على هذا الحديث ( في بعضها ذكر ~~الرؤية في الجمعة وليس فيه ذكر تقدير ذلك بصلاة الجمعة في الدنيا كما في ~~حديث ابى هريرة حديث سوق الجنة وفى بعضها انهم يجلسون من الله يوم الجمعة ~~في الآخرة على قدر رواحهم إلى الجمعة في الدنيا وليس فيه ذكر الرؤية كما ~~تقدم في حديث بن مسعود المرفوع وفى بعضها ذكر الامرين جميعا وهى أكثر ~~الاحاديث # وليست الاحاديث المتضمنة ( للرؤية المجردة ( عن تقدير ms1740 ذلك بصلاة الجمعة ~~بدون الاحاديث المتضمنة لذلك لا في الكثرة ولا في قوة الاسانيد بل المتضمنة ~~لذلك أكثر منها واسناد بعضها اجود من اسناد تلك ولو كانت تلك أكثر ورويت ~~هذه الزيادة باسناد واحد من جنس تلك الاسانيد لكان حكمها في القبول والرد ~~كحكم المزيد لعدم المنافاة # ولو فرض أن ( بعض العامة ( الذين يسمعون الاحاديث من القصاص أو من النقاد ~~أو بعض من يطالع الاحاديث ولا يعتنى بتمييزها اشتهر عنده شيء من ذلك دون ~~شيء لم يكن بهذا عبرة اصلا فكم من اشياء مشهورة عند العامة بل وعند كثير من ~~الفقهاء والصوفية والمتكلمين أو PageV06P409 أكثرهم ثم عند حكام الحديث ~~العارفين به لا اصل له بل قد يقطعون بأنه موضوع # وكم من أشياء مشهورة عند ( العارفين بالحديث ( بل متواترة عندهم وأكثر ~~العامة بل كثير من العلماء الذين لم يعتنوا بالحديث ما سمعوها أو سمعوها من ~~وراء وراء وهم اما مكذبون بها واما مرتابون فيها وهم مع ذلك لم يضبطوها ضبط ~~العالم لعلمه كضبط النحوى للنحو والطبيب للطب وان ضبطوا منها شيئا ضبطوا ~~اللفظة بعد اللفظة مما لا تسمن ولا تغنى من جوع وليس ذلك مما يعتمد عليه ~~ولا ينضبط به دين الله ولا يسقط به عن الامة الفرض في حفظ علم النبوة ~~والفقه فيه قال ( الامام أحمد ( معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلى من حفظه # وانا أذكر شواهد ما ذكرته فروى الدارقطنى في ( كتاب الرؤية ( وهى من ~~اوائل ما رواه في ترجمة انس حدثنا أحمد حدثنا سليمان حدثنا محمد بن عثمان ~~بن محمد حدثنا مروان بن جعفر حدثنا نافع أبو الحسن مولى بنى هشام حدثنا بن ~~أبى ميمونة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( اذا ~~كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عز وجل فأحدثهم عهدا بالنظر إليه في كل ~~جمعة وتراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر ( # وروى ( الدارقطنى ( أيضا عن جماعة ثقات عن عبد الله بن روح المدائنى ~~PageV06P410 حدثنا سلام بن سليمان حدثنا ورقاء واسرائيل ms1741 وشعبة وجرير بن عبد ~~الحميد كلهم قالوا حدثنا ليث عن عثمان بن حميد عن أنس بن مالك قال سمعت ~~النبى ( ( يقول ( اتانى جبريل عليه السلام وفى كفه كالمرآة البيضاء يحملها ~~فيها كالنكتة السوداء فقلت ما هذه التى في يدك يا جبريل فقال هذه الجمعة ~~قلت وما الجمعة قال لكم فيها خير قلت وما يكون لنا فيها قال تكون عيدا لك ~~ولقومك من بعدك وتكون اليهود والنصارى تبعا لكم قلت وما لنا فيها قال لكم ~~فيها ساعة لا يسأل الله عبده فيها شيئا هو له قسم الا اعطاه اياه وليس له ~~بقسم الا ادخر له في آخرته ما هو أعظم منه قلت ما هذه النكتة التى فيها قال ~~هي الساعة ونحن ندعوه يوم المزيد قلت وما ذلك يا جبريل قال قال ان ربك اعد ~~في الجنة واديا فيه كثبان من مسك ابيض فاذا كان يوم الجمعة هبط من عليين عز ~~وجل على كرسيه فيحف الكرسى بكراسى من نور فيجيء النبيون حتى يجلسوا على تلك ~~الكراسى ويحف الكرسى بمنابر من نور ومن ذهب مكللة بالجوهر ثم يجيء الصديقون ~~والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر ثم ينزل أهل الغرف من غرفهم حتى ~~يجلسوا على تلك الكثبان ثم يتجلى لهم عز وجل فيقول انا الذى صدقتكم وعدى ~~واتممت عليكم نعمتى وهذا محل كرامتى فسلونى فيسألونه حتى تنتهى رغبتهم ~~فيفتح لهم في ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وذلك ~~مقدار منصرفكم من الجمعة ثم يرتفع على كرسيه عز وجل وترتفع معه النبيون ~~والصديقون والشهداء ويرجع أهل PageV06P411 الغرف إلى غرفهم وهى لؤلؤة بيضاء ~~وزمردة خضراء وياقوتة حمراء غرفها وابوابها منها وانهارها مطردة فيها ~~وأزواجها وخدامها وثمارها متدليات فيها فليسوا إلى شيء بأحوج منهم إلى يوم ~~الجمعة ليزدادوا منه نظرا إلى ربهم عز وجل ويزدادو منه كرامة ( # وروى ( بن بطة ( هذا الحديث مثل هذا عن القافلانى حدثنا محمد بن إسحاق ~~الصاغانى حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى شيبة حدثنا ms1742 عبد الرحمن بن محمد عن ~~ليث عن أبى عثمان عن أنس وفيه ( ثم يتجلى لهم ربهم تعالى حم يقول سلونى ~~أعطكم فيسألونه الرضا فيقول رضائى احلكم دارى وانا لكم كرامتى فسلونى أعطكم ~~فيسألونه الرضا فيشهدهم انه قد رضى عنهم قال فيفتح لهم ما لا ترى عين ولم ~~تسمع اذن ولم يخطر على قلب بشر قال وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة ثم يرتفع ~~ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم ( وذكر ~~تمامه # وهذا الطريق يبين أن هذه الحديث محفوظ عن ليث بن أبى سليم واندفع بذلك ~~الكلام في سلام بن سليم فان هذا الاسناد الثانى كلهم أئمة إلى ليث واما ~~الأول فكأن في القلب حزازة من أجل أن ( سلاما ( رواه عن جماعة من المشاهير ~~ورواه عنه عبد الله بن روح المدائنى وقد اختلف في ( سلام ( هذا فقال بن ~~معين مرة لا بأس به وقال أبو حاتم صدوق صالح الحديث وسئل عنه بن معين مرة ~~أخرى فقيل له أثقة هو فقال لا وقال العقيلى لا يتابع على حديثه PageV06P412 # فاذا كان الحديث قد روى من تلك الطريق الجيدة اندفع الحمل عليه ورواه ~~الدارقطنى من هذه الطريق من ( وجه ثالث ( من حديث الحسن بن عرفة حدثنا عمار ~~بن محمد بن أخت سفيان الثورى عن ليث بن أبى سليم عن عثمان عن أنس بن مالك ~~قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( أتانى جبريل وفى كفه كالمرآة ~~البيضاء فيها كالنكتة السوداء ( وساق الحديث نحو ما تقدم ولم يذكر ( وذلك ~~مقدار انصرافكم من الجمعة ( # وهذا يقوى أن للحديث أصلا عن ليث ولا يضر ترك الزيادة فان عمار بن محمد ~~بن أبى أخت سفيان لا يحتج لا بزيادته ولا بنقصه وانما ذكرناه للمتابعة وفى ~~هذا الحديث ان الصالحين هم الذين يرجعون إلى أهليهم فأما النبيون والصديقون ~~والشهداء فلا يرجعون حينئذ وليس فيه ما يدل على رؤية النساء لا بنفى ولا ~~اثبات # ورواه ( أبو العباس محمد بن إسحاق السراج ( حدثنا على بن أشيب حدثنا ms1743 أبو ~~بدر حدثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن مسلم عن أنس بن مالك قال ابطأ علينا ~~رسول الله ( ( ذات يوم فلما خرج قلنا لقد احتسبت قال ( فان جبريل اتانى وفى ~~كفه كهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء فقال ان هذه الجمعة فيها خير لك ~~ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطأوها فقلت يا جبريل ما في هذه ~~النكتة السوداء قال ان هذه الساعة التى في يوم الجمعة يوافقها عبد يسأل ~~الله خيرا من قسمه الا PageV06P413 أعطاه اياه أو ادخر له مثله يوم القيامة ~~أو صرف عنه من السوء مثله وأنه خير الايام عند الله وان أهل الجنة يسمونه ~~يوم المزيد قلت يا جبريل وما يوم المزيد قال ان في الجنة واديا افيح تربته ~~مسك أبيض ينزل الله إليه كل يوم جمعة فيوضع كرسيه ثم يجاء بمنابر من نور ~~فتوضع خلفه فتحف به الملائكة ثم يجاء بكراسى من ذهب فتوضع ثم يجيء النبيون ~~والصديقون والشهداء والمؤمنون اهل الغرف فيجلسون ثم يتبسم الله اليهم فيقول ~~سلوا فيقولون نسألك رضوانك فيقول قد رضيت عنكم فسلوا فيسألون مناهم فيعطيهم ~~ما سألوا واضعافها ويعطيهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~ثم يقول الم أنجزكم وعدى وأتممت عليكم نعمتى وهذا محل كرامتى ثم ينصرفون ~~إلى غرفهم ويعودون كل يوم جمعة قلت يا جبريل ما غرفهم قال من لؤلؤة بيضاء ~~وياقوتة حمراء وزبرجدة خضراء مقدرة منها ابوابها فيها أزواجها مطردة ~~انهارها ( رواه ( أبو يعلى الموصلى ( في ( مسنده ( عن شيبان بن فروخ عن ~~الصعق بن حزن عن على بن الحكم البنانى عن أنس نحوه لم يحضرنى لفظه # ورواه ( الدارقطنى ( ايضا من حديث عبد الله بن الحميم الرازى وحدثنا عمرو ~~بن قيس عن أبى شيبة عن عاصم عن عثمان بن عمير ابى اليقظان عن أنس ومن حديث ~~إسحاق بن سليمان الرازى حدثنا عنبسة بن سعيد عن عثمان بن عمير عن أنس بن ~~مالك بنحو من السياق المتقدم وليس فيه ذكر الزيادة PageV06P414 # وروى ( بن ms1744 بطة ( باسناد صحيح عن الاسود بن عامر قال ذكر لى عن شريك عن ~~أبى اليقظان عن أنس ( ولدينا مزيد ( قال يتجلى لهم كل جمعة # ورواه أيضا ( الدارقطنى ( من حديث محمد بن حاتم المصيصى حدثنا محمد بن ~~سعيد القرشى حدثنا حمزة بن واصل المنقرى حدثنا قتادة بن دعامة سمعته يقول ~~حدثنا أنس بن مالك قال بينما نحن حول رسول الله ( ( اذ قال ( أتانى جبريل ~~وفى يده المرآة البيضاء ( وذكر الحديث المتقدم بأبسط مما تقدم وفيه ما يجمع ~~بين حديث أنس الذى في صحيح مسلم وبين سائر الاحاديث وفيه ( ويكون كذلك حتى ~~مقدار متفرقهم من الجمعة ( # وروى من طريق آخر رواه ( أبو عمر محمد عبد الواحد الزاهد غلام ثعلب ( ~~حدثنا محمد بن جعفر بن أبى الدميك المروزى حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا يحيى ~~بن عبد الله الحرانى حدثنا ضرار عمرو عن يزيد الرقاشى عن أنس بن مالك وذكر ~~الحديث بأبسط مما تقدم ولم يحضرنى سياقه ولكن أظن فيه الزيادة المذكورة ~~وهذا الاسناد ضعيف من جهة يزيد الرقاشى وضرار بن عمرو لكن هو مضموم إلى ما ~~تقدم # وروى من طريق عن أنس رواه ( أبو حفص بن شاهين ( حدثنا جعفر بن محمد ~~العطار حدثنا جدى عبد الله بن الحكم سمعت عاصما أبا على يقول سمعت حميدا ~~الطويل قال سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله ( ( يقول ( ان الله يتجلى ~~لأهل الجنة كل يوم على PageV06P415 كثيب كافورا أبيض ( وقيل ان جعفرا وجده ~~وعاصما مجهولون وهذا لا يمنع المعارضة # ورواه ايضا ( الدارقطنى ( باسناد صحيح إلى العباس بن الوليد بن مزيد ~~أخبرنى محمد بن شعيب أخبرنى عمر مولى عفرة عن أنس بن مالك بنحو ما تقدم في ~~الروايات المتقدمة وفيه ( فيفتح عليهم بعد انصرافهم من يوم الجمعة ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( # فهذا قد روى عن ( انس ( من طريق جماعة وفى أكثر رواية هؤلاء ذكر الزيادة ~~كما تقدم # وأما ( حديث حذيفة ( رضى الله عنه فرواه ( أبو بكر الخلال بن ms1745 يزيد بن ~~جمهور ( حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبرى حدثنا ابى عن إبراهيم بن ~~المبارك عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ( ( ~~أتانى جبريل واذا في كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها ( وساق الحديث بزيادته ~~على ما تقدم وفيه ألفاظ اخرى ولم يذكر الزيادة # ورواه أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر وأحمد بن عمرو العصفورى قالا ~~حدثنا يحيى بن كثير العنبرى عن إبراهيم بن المبارك عن القاسم بن مطيب عن ~~الاعمش عن أبى وائل عن حذيفة وذكر الحديث وفيه ( فيوحى الله إلى حملة العرش ~~أن يفتحوا الحجب فيما بينه وبينهم فيكون اول ما يسمعون منه تعالى أين عبادى ~~الذين أطاعونى بالغيب ولم يرونى وصدقوا PageV06P416 رسلى واتبعوا أمرى ~~سلونى فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة ان قد رضينا فارض عنا ويرجع ~~في قوله يا أهل الجنة انى لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتى هذا يوم المزيد ~~فسلونى فيجتمعون على كلمة واحدة أرنا وجهك رب ننظر إليه فيكشف الله الحجب ~~فيتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله قضى أن لا يموتوا لاحترقوا ثم ~~يقال لهم ارجعوا إلى منازلكم فيرجعون إلى منازلهم في كل سبعة أيام يوم وذلك ~~يوم المزيد ( # واما ( حديث بن عباس ( رضى الله عنه فروى عن غير وجه صحصح في ( كتاب ~~الآجرى وبن بطة وغيرهما ( عن أبى بكر بن أبى داود السجستانى حدثنا عمى محمد ~~بن الاشعث حدثنا بن جسر حدثنا أبى جسر عن الحسين عن بن عباس عن النبى ( ( ~~قال ( ان أهل الجنة يرون ربهم تعالى في كل يوم جمعة في رمال الكافور ~~واقربهم منه مجلسا اسرعهم إليه يوم الجمعة وابكرهم غدوا ( وهذا تصريح ~~بالزيادة المطلوبة # وأما ( حديث أبى هريرة ( رضى الله عنه فرواه الترمذى وبن ماجه من حديث ~~عبد الحميد بن أبى العشرين حدثنا الاوزاعى حدثنا حسان بن عطية عن سعيد بن ~~المسيب أنه لقى أبا هريرة فقال أبو هريرة اسأل الله أن يجمع بينى وبينك في ms1746 ~~سوق الجنة فقال سعيد أفيها سوق قال نعم أخبرنى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ( أن اهل الجنة اذا دخلوا نزلوا PageV06P417 فيها بفضل أعمالهم ثم ~~يؤذن في مقدار يوم الجمعة من ايام الدنيا فيزرون ربهم ويبرز لهم عرشه ~~ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ~~ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم ~~ومن فيهم من دنى على كثبان المسك والكافور ما يرون بأن أصحاب الكراسى أفضل ~~منهم مجلسا قال أبو هريرة قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا عز وجل قال نعم هل ~~تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر قلنا لا قال كذلك لا تمارون في ~~رؤية ربكم تبارك وتعالى ولا يبقى في ذلك المجلس يعنى رجلا الا حاضره الله ~~محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم قلت كذا وكذا فيذكره ~~ببعض غدراته في الدنيا فيقول يا رب افلم تغفر لى فيقول بلى فبسعة مغفرتى ~~بلغت منزلتك هذه فبينما هم كذلك غشيهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم ~~يجدوا مثل ريحه شيئا قط ويقول ربنا قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة ~~فخذوا ما اشتهيتم فنأتى سوقا قد حفت به الملائكة فيه لم تنظر العيون إلى ~~مثله ولم تسمع الاذان ولم يخطر على القلوب فيحمل لما ما اشتهينا ليس يباع ~~فيها ولا يشترى وفى ذلك السوق يلقى اهل الجنة بعضهم بعضا قال فيقبل الرجل ~~ذو المنزلة المرتفعة فيلقاه من هو دونه وما فيهم دنى فيروعه ما عليه من ~~اللباس فما ينقضى آخر حديثه حتى يتخيل إليه ما هو أحسن منه وذلك أنه لا ~~ينبغى لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا ~~PageV06P418 فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وان بك من الجمال أفضل مما فارقتما ~~عليه فيقول أنا جالسنا ربنا الجبار ويحقنا ان ننقلب بمثل ما انقلبنا ( قال ~~الترمذى هذا حديث غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه ms1747 وقد روى سويد بن عمر عن ~~الاوزاعى شيئا من هذا # قلت قد روى هذا الحديث ( بن بطة ( في ( الابانة ( بأسانيد صحيحة عن أبى ~~المغيرة عبدالقدوس بن الحجاج عن الاوزاعى وعن محمد بن كثير قال نبئت أنه ~~لقى سعيد بن المسيب أبا هريرة فقال اسأل الله أن يجمع بينى وبينك في سوق ~~الجنة وذكر الحديث مثل ما تقدم وهذا يبين أن الحديث محفوظ عن الاوزاعى لكن ~~في تلك الروايات سمى من حدثه وفى الروايات البواقى الثانية لم يسم فالله ~~أعلم # و ( مضمون هذا الحديث ( ان ازواجهم لم تكن معهم في جمعة الآخرة ولا في ~~سوقها لكنه لا ينفى أنهن رأين الله في دورهن فان الرجال قد عللوا زيادة ~~الحسن والجمال بمجالسة الجبار والنساء قد شركتهم في زيادة الحسن والجمال ~~كما تقدم في أصح الأحاديث # PageV06P419 ### ||| فصل # المقتضى لكتابة هذا أن بعض الفقهاء كان قد سألنى لأجل نسائه من مدة هل ~~ترى المؤمنات الله في الآخرة فأجبت بما حضرنى اذ ذاك من أن الظاهر أنهن ~~يرينه وذكرت له أنه قد روى أبو بكر عن بن عباس أنهن يرينه في الأعياد وأن ~~أحاديث الرؤية تشمل المؤمنين جميعا من الرجال والنساء وكذلك كلام العلماء ~~وأن المعنى يقتضى ذلك حسب التتبع وما لم يحضرنى الساعة # وكان قد نسخ لى فيما روى عن بن عباس أن سبب ذلك أن ( الرؤية ( المعتادة ~~العامة في الآخرة تكون بحسب الصلوات العامة المعتادة فلما كان الرجال قد ~~شرع لهم في الدنيا الاجتماع لذكر الله ومناجاته وترائيه بالقلوب والتنعم ~~بلقائه في الصلاة كل جمعة جعل لهم في الآخرة اجتماعا في كل جمعة لمناجاته ~~ومعاينته والتمتع بلقائه # ولما كانت السنة قد مضت بأن النساء يؤمرون بالخروج في العيد حتى العواتق ~~والحيض وكان على عهد رسول الله ( ( يخرج عامة نساء المؤمنين في العيد جعل ~~عيدهن في الآخرة بالرؤية على مقدار عيدهن في الدنيا PageV06P420 # وأيد ذلك عندى ما خرجاه في ( الصحيحين ( عن جرير بن عبد الله البجلى قال ~~كنا جلوسا عند رسول الله اذ نظر ms1748 إلى القمر ليلة البدر فقال ( انكم سترون ~~ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فان استطعتم أن لا تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا ثم قرأ ( فسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ( وهذا الحديث من أصح الأحاديث على وجه الأرض ~~المتلقاة بالقبول المجمع عليها عند العلماء بالحديث وسائر أهل السنة # ورأيت ان النبى ( ( أخبر المؤمنين بأنهم يرون ربهم وعقبه بقوله ( فان ~~استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا ( ~~ومعلوم أن تعقيب الحكم للوصف أو الوصف للحكم بحرف الفاء يدل على أن الوصف ~~علة للحكم لا سيما ومجرد التعقيب هنا محال فان الرؤية في الحديث قبل ~~التحضيض على الصلاتين وهى موجودة في قدرة الله ولم يكن الحديث نافيا لهذا ~~إذ أكثر ما فيه أنه من أعلى أهل الجنة والعلو والسفول أمر إضافي فيصدق على ~~أهل الجنات الثلاث أنهم من أعلى أهل الجنات الخمس الباقية ويصدق أيضا على ~~أكثر أهل الجنة أنهم أعلى بالنسبة إلى من تحتهم وبعض هذا فيه نظر والله ~~أعلم بحقيقة الحال لكن الغرض أن هذا لا ينفي ما ذكرناه وهذا كله لو كان ~~حديث المرتين يصلح لمعارضة ما ذكرنا من الدلالة وهو لا يصلح لذلك لما فيه ~~من الاختلاف في إسناده فأجبت بما حضرني إذ ذاك من أن الظاهر أنهن يرينه ~~وذكرت له أنه قد روى أبو بكر عن بن عباس أنهن يرينه في نفسه عقب قيام زيد ~~لا أن مجرد تكلم المتكلم بالثانى عقب الاول وهذا مما هو مستقر عند الفقهاء ~~في أصول الفقه وهو مفهوم من PageV06P421 اللغة العربية اذا قيل هذا رجل ~~صالح فأكرمه فهم من ذلك أن الصلاح سبب للأمر باكرامه حتى لو رأينا بعد ذلك ~~رجلا صالحا لقيل كذلك الأمر وهذا أيضا رجل صالح أفلا تكرمه فان لم يفعل ( ~~فلابد ( أن يخلف الحكم لمعارض والا عد تناقضا # وكذلك لما قال النبى ( ( ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه ليس بينه ms1749 وبينه ~~حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى الاشيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا ~~يرى الا شيئا قدمه وينظر امامه فتستقبله النار فمن استطاع منكم ان يتق ~~النار ولو بشق تمرة فليفعل فان لم يستطع فبكلمة طيبة ( فهم منه أن تحضيضه ~~على اتقاء النار هنا لأجل كونهم يستقبلونها وقت ملاقات الرب وان كان لها ~~سبب آخر # وكذلك لما قال بن مسعود ( سارعوا إلى الجمعة فان الله يبرز لأهل الجنة في ~~كل جمعة في كثيب من كثب الكافور فيكونون في القرب منه على قدر تسارعهم في ~~الدنيا إلى الجمعة ( فهم الناس من هذا أن طلب هذا الثواب سبب للأمر ~~بالمسارعة إلى الجنة # وكذلك لو قيل ان الأمير غدا يحكم بين الناس أو يقسم بينهم فمن أحب ~~فاليحضر فهم منه ان الأمر بالحضور لأخذ النصيب من حكمه أو قسمه وهذا ظاهر # ثم أن هذا الوصف المقتضى للحكم ( تارة يكون سببا متقدما على PageV06P422 ~~الحكم في العقل وفى الوجود كما في قوله ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~( وتارة ( يكون حكمه متقدما على الحكم في العلم والارادة متأخرة عنه في ~~الوجود كما في قولك الأمير يحضر غدا فان حضر كان حضور الامير يتصور ويقصد ~~قبل الأمر تسمى العلة الغائية وتسميها الفقهاء حكمة الحكم وهى سبب في ~~الارادة بحكمها وحكمها سبب في الوجود لها # و ( التعليل ( تارة يقع في اللفظ بنفس الحكمة الموجودة فيكون ظاهره أن ~~العلة متأخرة عن المعلول وفى الحقيقة انما العلة طلب تلك الحكمة وارادتها ~~وطلب العافية وارادتها متقدم على طلب اسبابها المفعولة واسبابها المفعولة ~~متقدمة عليها في الوجود ونظائره كثير كما قيل ( فاذا قرأت القرآن فاستعذ ( ~~واذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ( ويقال اذا حجبت فتزود # فقوله ( صلى الله عليه وسلم ( انكم سترون ربكم فان استطعتم أن لا تغلبوا ~~على صلاتين ( إلى فافعلوا يقتضى أن المحافظة عليها هنا لأجل ابتغاء هذه ~~الرؤية ويقتضى أن المحافظة سبب لهذه الرؤية ولا يمنع أن تكون المحافظة توجب ~~ثوابا آخر ويؤمر بها لأجله وان المحافظة عليها سبب ms1750 لذلك الثواب وان للرؤية ~~سببا آخر لان تعليل الحكم الواحد بعلل واقتضاء العلة الواحدة لاحكام جائز # وهكذا غالب أحاديث الوعد كما في قوله ( من صلى ركعتين لا يحدث فيها ~~PageV06P423 نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه ومن حج هذا البيت فلم يرفث ولم ~~يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ( وقوله ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا ~~على خالتها فانكم اذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ( ونحو ذلك فانه يقتضى أن ~~صلاة هاتين الركعتين سبب للمغفرة وكذلك الحج المبرور وان كان للمغفرة أسباب ~~أخر # وأيد هذا المعنى أن الله تعالى قال ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشى يريدون وجهه ( وقد فسر هذا الدعاء بصلاتى الفجر والعصر ولما أخبر ~~أنهم يريدون وجهه بها تين الصلاتين وأخبر في هذا الحديث أنهم ينظرون إليه ~~فتحضيضهم على هاتين يناسب ذلك أن من أراد وجهه نظر إلى وجهه تبارك وتعالى # ثم لما انضم إلى ذلك ما تقدم من أن صلاة الجمعة سبب للرؤية في وقتها ~~وكذلك صلاة العيد ناسب ذلك أن تكون هاتان الصلاتان اللتان هما أفضل الصلوات ~~وأوقاتهما أفضل الأوقات فناسب أن تكون الصلاة التى هي أفضل الأعمال ثم ما ~~كان منها أفضل الصلوات في أفضل الأوقات سببا لأفضل الثوابات في أفضل ~~الأوقات # لا سيما وقد جاء في حديث بن عمر الذى رواه الترمذى عن اسرائيل عن ثوير بن ~~أبى فاختة سمعت بن عمر يقول قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( أن أدنى ~~اهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وازواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف ~~سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا ثم قرأ رسول الله ( ( ~~وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( PageV06P424 # قال الترمذى وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن اسرائيل عن ثوير عن بن عمر ~~مرفوعا ورواه عبد الملك بن ابجر عن ثوير عن مجاهد عن بن عمر موقوفا ورواه ~~عبيد الله الاشجعى عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن بن عمر قوله ولم يرفعه ~~وقال ms1751 الترمذى لا نعلم أحدا ذكر فيه مجاهدا غير ثوير وأظنه قد قيل في قوله ( ~~ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ( ان منه النظر إلى الله # وروى في ذلك حديث مرفوع رواه الداقطنى في ( الرؤية ( حدثنا أبو عبيد قاسم ~~بن إسماعيل الضبى حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق البصرى حدثنا هانئ بن يحيى ~~حدثنا صالح المصرى عن عباد المنقرى عن ميمون بن سياه عن أنس بن مالك أن ~~النبى ( ( أقرأه هذه الآية ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( قال والله ~~ما نسخها منذ أنزلها يزورون ربهم تبارك وتعالى فيطعمون ويسقون ويطيبون ~~ويحملون ويرفع الحجاب بينه وبينهم فينظرون إليه وينظر اليهم عز وجل وذلك ~~قوله ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ( # وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزى هذا الحديث في ( الموضوعات ( وقال هذا لا ~~يصح فيه ميمون بن سياه قال بن حبان ينفرد بالمناكير عن المشاهير لا يحتج به ~~اذا انفرد وفيه صالح المصرى قال النسائى متروك الحديث # قلت أما ميمون بن سياه فقد اخرج له البخارى والنسائى وقال فيه أبو حاتم ~~الرازى ثقة وحسبك بهذه الامور الثلاثة وعن بن معين قال فيه PageV06P425 ~~ضعيف لكن هذا الكلام يقوله بن معين في غير واحد من الثقات وأما كلام بن ~~حبان ففيه ابتداع في الجرح # فلما كان في حديث بن عمر المتقدم وعد أعلاهم ( غدوة وعشيا ( والرسول ( ( ~~قد جعل صلاتى الغداة والعشى سببا ( للرؤية ( وصلاة الجمعة سببا ( للرؤية ( ~~في وقتها مع ما في الصلاة من مناسبة الرؤية كان العلم بمجموع هذه الامور ~~يفيد ظنا قويا أن هاتين الصلاتين سبب الرؤية في وقتهما في الآخرة والله ~~أعلم بحقيقة الحال # فلما كان هذا قد سنح لى والنساء يشاركن الرجال في سبب العمل فيشاركونهم ~~في ثوابه ولما انتفت المشاركة في الجمعة انتفت المشاركة في النظر في الآخرة ~~ولما حصلت المشاركة في العيد حصلت المشاركة في ثوابه # ثم بعد مدة طويلة جرى كلام في هذه ( المسألة ( وكنت قد نسيت ما ذكرته ~~اولا لا بعضه فاقتضى ذكر ما ذكرته أولا فقيل ms1752 لى الحديث يقتضى أن هاتين ~~الصلاتين من جملة سبب ( الرؤية ( لا أنه جميع السبب بدليل أن من صلاهما ولم ~~يصل الظهر والعصر لا يستحق الرؤية # وقيل لى الحديث يدل على أن الصلاتين سبب في الجملة فيجوز أن تكون هاتان ~~الصلاتان للرؤية في الجمعة كيف وقد قيل أن أعلى أهل الجنة من يراه مرتين ~~فكيف يكون المحافظون على هاتين الصلاتين أعلاهم # فقلت ظاهر الحديث أن هاتين الصلاتين هو السبب في هذه PageV06P426 ( ~~الرؤية ( لما ذكرته من القاعدة في النساء آنفا ثم قد يتخلف المقتضى عن ~~المقتضى لمانع لا يقدح في اقتضائه كسائر أحاديث الوعد فانه لما قال ( من ~~صلى البردين دخل الجنة ( من فعل كذا دخل الجنة ( دل على أن ذلك العمل سبب ~~لدخول الجنة وان تخلف عنه مقتضاه لكفر أو فسق # فمن ترك صلاة الظهر أو زنا أو سرق ونحو ذلك كان فاسقا والفاسق غير مستحق ~~للوعد بدخول الجنة كالكافر وكذلك أحاديث الوعيد اذا قيل من فعل كذا دخل ~~النار فان المقتضى يتخلف عن التائب وعمن أتى بحسنات تمحو السيئات وعن غيرهم ~~ويجوز أن يكون للرؤية سبب آخر فكونه سببا لا يمنع تخلف الحكم عنه لمانع ولا ~~يمنع أن ينتصب سبب آخر للرؤية # ثم اقول فعل بقية الفرائض سواء كانت من جملة السبب أو كانت شرطا في هذا ~~السبب فالأمر في ذلك قريب وهو نزاع لفظى فان الكلام انما هو في حق من أتى ~~ببقية شروط الوعد وانتفت عنه موانعه # ولا يجوز أن يقال فالأنوثة مانع من لحوق الوعد أو الذكورة شرط لأن هذا أن ~~دل عليه دليل شرعى كما دل على أن فعل بقية الفرائض شرط قلنا به فأما بمجرد ~~الامكان فلا يجوز ترك مقتضى اللفظ وموجبه بالامكان بل متى ثبت عموم اللفظ ~~وعموم العلة وجب ترتيب مقتضى ذلك عليه ما لم يدل دليل بخلافه ولم يثبت ان ~~الذكورة شرط ولا ان الانوثة مانع كما لم يقتض ان العربية والعجمية والسواد ~~والبياض لها تأثير في ذلك # PageV06P427 # وكذلك الحديث يدل على ms1753 أن ( المقتصدين ( يشاركون ( السابقين ( في أصل ~~الرؤية وان امتاز السابقون عنهم بدرجات ومثوبات أو شمول المعنى لهؤلاء على ~~السواد فهذا من هذا الوجه دليل على أن هاتين الصلاتين سبب للرؤية ووجود ~~السبب يقتضى وجود المسبب الا اذا تخلف شرطه أو حصلت موانعه والشروط ~~والموانع تتوقف على دليل # واما الاعتراض على كون هاتين الصلاتين سبب للرؤية في الجملة ولو في يوم ~~الجمعة فيقال ذلك لا ينفى أن النساء يرينه في الجملة ولو في غير يوم الجمعة ~~وهذا هو المطلوب # ثم يقال مجموع ما تقدم من سائر الاحاديث يقتضى أن الرؤية تحصل وقت العمل ~~في الدنيا فاذا قيل أن الرؤية تكون غدوا وعشيا وسببها صلاة الغداة والعشى ~~كان هذا ظاهرا فيما قلناه والمدعى الظهور لا القطع # وأما كون ( الرؤية مرتين ( لأعلى أهل الجنة وليس من صلى هاتين الصلاتين ~~أعلى أهل الجنة فليس هذا بدافع لما ذكرناه لأن هذين الاحتمالين ممكنة به ~~يخرج الدليل عليها لكن الله أعلم بما هو الواقع منها يمكن السبب فعل هاتين ~~الصلاتين على الوجه الذى أمر الله به باطنا وظاهرا لا صلاة أكثر الناس # ألا ترى إلى حديث عمار بن ياسر عن النبى ( ( ( أن الرجل لينصرف من صلاته ~~ولم يكتب له الا ربعها الا خمسها الا سدسها حتى PageV06P428 قال عشرها ( ~~رواه أبو داود فالصلاة المقبولة هي سبب الثواب والصلاة المقبولة هي ~~المكتوبة لصاحبها وقد بين النبى ( ( أن من المصلين من لا يكتب له الا بعضها ~~فلا يكون ذلك المصلى مستحقا للثواب الذى استحقه من تقبل الله صلاته وكتبها ~~له كلها # وعلى هذا فلا يكاد يندرج في الحديث الا الصديقون أو قليل من غيرهم ~~والنساء منهن صديقات # ويجوز أن يكون من له نوافل يجبر بها نقص صلاته يدخل في الحديث كما جاء في ~~حديث أبى هريرة المرفوع ( ان النوافل تجبر الفرائض يوم القيامة ( # وعلى هذا فيكون الموجودون بهذا أكثر المصلين المحافظين على الصلوات ويكون ~~هؤلاء أعلى أهل الجنة فان أكثر أمة محمد ( ( ما يحافظون على الصلوات بل ~~منهم من ms1754 يؤخر بعضها عن وقته ومنهم من ترك بعض واجباتها ومنهم من يترك بعضها ~~وسائر الأمم قبلنا لاحظ لهم في هاتين الصلاتين # ولو قيل ان كل من صلى هاتين الصلاتين دخل الجنة على أى حال كان مغفورا له ~~نال هذا الثواب لأمكن في قدرة الله ولم يكن الحديث نافيا لهذا اذ أكثر ما ~~فيه أنه من أعلى أهل الجنة والعلو والسفول أمر اضافى فيصدق على أهل الجنات ~~الثلاث أنهم من أعلى أهل الجنات الخمس الباقية ويصدق أيضا PageV06P429 على ~~أكثر أهل الجنة أنهم أعلى بالنسبة إلى من تحتهم وبعض هذا فيه نظر والله ~~أعلم بحقيقة الحال # لكن الغرض أن هذا لا ينفى ما ذكرناه وهذا كله لو كان حديث ( المرتين ( ~~يصلح لمعارضة ما ذكرنا من الدلالة وهو لا يصلح لذلك لما فيه من الاختلاف في ~~إسناده # ولما جرى الكلام ثانيا في ( رؤية النساء ربهن في الآخرة ( استدللت بأشياء ~~أنا اذكرها وما أعترض به على وما لم يعترض حتى يظهر الأمر فأقول # الدليل على أنهن يرينه أن النصوص المخبرة بالرؤية في الآخرة للمؤمنين ~~تشمل النساء لفظا ومعنى ولم يعارض هذا العموم ما يقتضى اخراجهن من ذلك فيجب ~~القول بالدليل السالم عن المعارض المقاوم # ولو قيل لنا ما الدليل على أن الفرس يرون الله أو أن الطوال من الرجال ~~يرون الله أو ايش الدليل على أن نساء الحبشة يخرجن من النار لكان مثل هذا ~~العموم في ذلك بالغا جدا الا اذا خصص ثم يعلم أن العموم المسند المجرد عن ~~قبول التخصيص يكاد يكون قاطعا في شموله بل قد يكون قاطعا # أما ( النصوص العامة ( فمثل ما في الصحيحين عن أبى هريرة ( أن الناس ~~قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تمارون في القمر ليلة ~~البدر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فهل تمارون في PageV06P430 ~~الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فانكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم ~~القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه # فمنهم من يتبع الشمس ms1755 ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى ~~هذه الامة فيها منافقوها فيأتيهم في صورة غير صورته التى يعرفون فيقولون ~~نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا عز وجل فاذا جاء ربنا عز وجل ~~عرفناه فيأتيهم في صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ~~فيدعوهم فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهرانى جهنم فأكون انا وأمتى اول من ~~يجيز ولا يتكلم يومئذ الا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم ( وساق ~~الحديث # وفى الصحيحين أيضا عن أبى سعيد قال ( قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم ~~القيامة قال رسول الله ( ( نعم فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس ~~معها سحاب هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا ~~يا رسول الله قال ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة الا كما ~~تضارون في رؤية أحدهما اذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت ~~تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الاصنام والانصاب إلا يتساقطون في ~~النار حتى اذا لم يبق الا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير اهل الكتاب ( ~~وذكر الحديث في دعاء اليهود والنصارى إلى أن قال ( حتى اذا لم يبق الا من ~~كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التى رأوه فيها قال ~~فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في ~~الدنيا افقر ما كنا اليهم ولم PageV06P431 نصاحبهم فيقول انا ربكم فيقولون ~~نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى أن بعضهم ليكاد أن ~~ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق ولا ~~يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه الا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من ~~كان يسجد اتقاء ورياء الا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر ~~على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول ms1756 في الصورة التى راوه فيها اول مرة ~~فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم ( # هذان الحديثان من أصح الأحاديث فلما قال النبى ( ( فانكم ترونه كذلك يحشر ~~الناس فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه ( أليس قد علم بالضرورة أن هذا خطاب ~~لأهل الموقف من الرجال والنساء لان لفظ الناس يعم الصنفين ولان الحشر مشترك ~~بين الصنفين # وهذا العموم لا يجوز تخصيصه وان جاز على ضعف لان النساء اكثر من الرجال ~~اذ قد صح أنهن أكثر أهل النار وقد صح لكل رجل من اهل الجنة زوجتان من ~~الانسيات سوى الحور العين وذلك لان من في الجنة من النساء أكثر من الرجال ~~وكذلك في النار فيكون الخلق منهم أكثر واللفظ العام لا يجوز أن يحمل على ~~القليل من الصور دون الكثير بلا قرينة متصلة لان ذلك تلبيس وعى ينزه عنه ~~كلام الشارع # ثم قوله فيقال ( من كان يعبد شيئا فليتبعه ( وصف من الصيغ التى ~~PageV06P432 تعم الرجال والنساء ثم فيها العموم المعنوى وهو ان اتباعه اياه ~~معلل بكونه عبده في الدنيا وهذه العلة شاملة للصنفين ثم قوله ( وتبقى هذه ~~الامة فيها منافقوها ( والنساء من هذه الامة مؤمناتهن ومنافقاتهن ( فاذا ~~جاء عرفناه ( وقوله ( فيأتيهم في صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون ~~أنت ربنا فيدعوهم ( تفسير لما ذكرناه في أول الحديث من أنهم يرون ربهم كما ~~يرون الشمس والقمر # والضمير في قوله ( فيأتيهم في صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون ~~أنت ربنا ( قد ثبت أنه عائد إلى الامة التى فيها الرجال والنساء والى من ~~كان يعبده الذى يشمل الرجال والنساء والى الناس غير المشركين وذلك يعم ~~الرجال والنساء وهذا أوضح من ان يزاد بيانا # ثم قوله في حديث أبى سعيد ( فيرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التى رأوه ~~فيها أول مرة ( نص في أن النساء من الساجدين الرافعين قد رأوه اولا ووسطا ~~وآخرا والساجدون قد قال فيهم ( لا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه الا ~~اذن الله له ms1757 بالسجود ( و ( من ( تعم الرجال والنساء فكل من سجد لله مخلصا ~~من رجل وامرأة فقد سجد لله وقد رآه في هذه المواقف الثلاث وليس هذا موضع ~~بيان ما يتعلق بتعدد السجود والتحول وغير ذلك مما يلتمس معرفته وانما الغرض ~~هنا ما قصدنا له # ثم في كلا الحديثين الاخبار بمرورهم على الصراط وسقوط قوم في النار ~~PageV06P433 ونجاة آخرين ثم بالشفاعة في اهل التوحيد حتى يخرج من النار من ~~كان في قلبه مثقال ذرة من ايمان ويدخلون الجنة ويسمون الجهنميين افليس هذا ~~كله عاما للرجال والنساء أم الذين يجتازون على الصراط ويسقط بعضهم في النار ~~ثم يشفع في بعضهم هم الرجال ولو طلب الرجل نصا في النساء في مثل هذا اما ~~كان متكلفا ظاهر التكلف # وكذلك روى مسلم في صحيحه عن أبى الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن ( الورود ( ~~فقال نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أي ذلك فوق الناس قال فتدعى ~~الامم بأوثانها وما كانت تعبد الاول فالاول ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول ~~من تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر اليك ~~فيتجلى لهم يضحك قال فينطلق بهم ويتبعونه ويعطى كل انسان منهم منافق أو ~~مؤمن نورا ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله ثم يطفأ ~~نور المنافقين ثم ينجوا المؤمنون وذكر الحديث في دخول الجنة والشفاعة # أفليس هذا بينا في أنه يتجلى لجميع الأمة كما أن الامة تعطى نورها ثم ~~جميع ( المؤمنين ( ذكرانهم وإناثهم يبقى نورهم وكذلك جميع ما في الحديث من ~~المعانى تعم الطائفتين عموما يقينيا # وهذا الحديث هو مرفوع قد رواه الامام أحمد وغيره بمثل اسناد مسلم ~~PageV06P434 وذكر فيه عن النبى ( ( ما يقتضى أن جابرا سمع الجميع منه وروى ~~من وجوه صحيحة عن جابر عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( مرفوعا وهذا الحديث ~~قد روى ايضا باسناد جيد من حديث بن مسعود مرفوعا إلى النبى ( ( أطول سياقه ~~من سائر الاحاديث وروى من غير وجه # وفى حديث ( أبى رزين ms1758 العقيلى ( المشهور من غير وجه قال قلنا يا رسول الله ~~أكلنا يرى ربه يوم القيامة قال ( أكلكم يرى القمر مخليا به قالوا بلى ( ~~فالله أعظم ( وقوله ( كلكم يرى ربه ( كقوله ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن ~~رعيته فالرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في مال زوجها ~~وهى مسئولة عن رعيتها ( من أشمل اللفظ # ومن هذا قوله ( كلكم يرى ربه مخليا به ( وما منكم من أحد الا سيخلو به ~~ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ( وما منكم الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ~~ولا ترجمان ( إلى غير ذلك من الأحاديث الصحاح والحسان التى تصرح بأن جميع ~~الناس ذكورهم واناثهم مشتركون في هذه الامور من ( المحاسبة ( والرؤية ~~والخلوة والكلام ( # وكذلك الاحاديث في ( رؤيته سبحانه في الجنة ( مثل ما رواه مسلم في صحيحه ~~عن صهيب قال قال رسول الله ( ( اذا دخل أهل الجنة الجنة واهل النار النار ~~نادى مناد يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما ~~هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا PageV06P435 الجنة ويجرنا من ~~النار فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله فما شيء أعطوه أحب اليهم من النظر ~~إليه وهى ( الزيادة ( # قوله ( اذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ( يعم الرجال والنساء ~~فان لفظ الأهل يشمل الصنفين وايضا فقد علم أن النساء من أهل الجنة وقوله ( ~~يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه ( خطاب لجميع أهل ~~الجنة الذين دخلوها ووعدوا بالجزاء وهذا قد دخل فيه جميع النساء المكلفات ~~وكذلك قولهم ( ألم يثقل ويبيض ويدخل وينجز ( يعم الصنفين وقوله ( فيكشف ~~الحجاب فينظرون إليه ( الضمير يعود إلى ما تقدم وهو يعم الصنفين # ثم الاستدلال بالاية دليل آخر لأن الله سبحانه قال ( للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة ( ومعلوم أن النساء من الذين أحسنوا ثم قوله فيما بعد ( أولئك اصحاب ~~الجنة ( يقتضى حصر أصحاب الجنة في أولئك والنساء من اصحاب الجنة فيجب أن ~~يكن من أولئك واولئك اشارة إلى الذين لهم الحسنى وزيادة ms1759 فوجب دخول النساء ~~في الذين لهم الحسنى وزيادة واقتضى ان كل من كان من أصحاب الجنة فانه موعود ~~( بالزيادة على الحسنى ( التى هي النظر إلى الله سبحانه ولا يستثنى من ذلك ~~أحد الا بدليل وهذه ( الرؤية العامة ( لم توقت بوقت بل قد تكون عقب الدخول ~~قبل استقرارهم في المنازل والله أعلم أى وقت يكون ذلك PageV06P436 وكذلك ما ~~دل من الكتاب على ( الرؤية ( كقوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ~~ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ( هو تقسيم لجنس الانسان المذكور ~~في قوله ( ينبأ الانسان يومئذ بما قدم وأخر بل الانسان على نفسه بصيرة ( ~~وظاهر انقسام الوجوه إلى هذين النوعين كما أن قوله ( وجوه يومئذ مسفرة ~~ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ( أيضا إلى هذين النوعين ~~فمن لم يكن من الوجوه الباسرة كان من الوجوه الناضرة الناظرة كيف وقد ثبت ~~في الحديث ان النساء يزددن حسنا وجمالا كما يزداد الرجال في مواقيت النظر # وكذلك قوله ( فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون ( قد فسر بالرؤية وقوله ( ان الابرار لفى نعيم على الارائك ينظرون ( ~~فان هذا كله يعم الرجال والنساء # وأعلم أن الناس قد اختلفوا في ( صيغ جمع المذكر مظهره ومضمره ( مثل ~~المؤمنين والابرار وهو هل يدخل النساء في مطلق اللفظ أو لا يدخلون الا ~~بدليل على قولين # ( أشهرهما ( عند أصحابنا ومن وافقهم أنهم يدخلون بناء على أن من لغة ~~العرب اذا اجتمع المذكر والمؤنث غلبوا المذكر وقد عهدنا من الشارع في خطابه ~~أنه يعم القسمين ويدخل النساء بطريق التغليب وحاصله أن هذه الجموع تستعملها ~~العرب تارة في الذكور المجردين وتارة في الذكور والاناث PageV06P437 وقد ~~عهدنا من الشارع أن خطابه المطلق يجرى على النمط الثانى وقولنا المطلق ~~احتراز من المقيد مثل قوله ( ان المؤمنين والمؤمنات ( ومن هؤلاء من يدعى أن ~~مطلق اللفظ في اللغة يشمل القسمين # ( والقول الثانى ( أنهن لا يدخلن الا بدليل ثم لاخلاف بين ( الفريقين ( ~~ان آيات ( الأحكام ( و ( الوعد ms1760 ( و ( الوعيد ( التى في القرآن تشمل ~~الفريقين وان كانت بصيغة المذكر فمن هؤلاء من يقول دخلوا فيه لان الشرع ~~استعمل اللفظ فيهما وان كان اللفظ المطلق لا يشمله وهذا يرجع إلى القول ~~الاول ومنهم من يقول دخلوا لانا علمنا من الدين استواء الفريقين في الاحكام ~~فدخلوا كما ندخل نحن فيما خوطب به الرسول وكما تدخل سائر الامة فيما خوطب ~~به الواحد منها وان كانت صيغة اللفظ لا تشمل غير المخاطب # وحقيقة هذا القول أن اللفظ الخاص يستعمل عاما ( حقيقة عرفية ( اما خاصة ~~واما عامة وربما سماه بعضهم قياسا جليا ينقص حكم من خالفه وأكثرهم لا ~~يسمونه ( قياسا ( بل قد علم استواء المخاطب وغيره فنحن نفهم من الخطاب له ~~الخطاب للباقين حتى لو فرض انتفاء الخطاب في حقه لمعنى يخصه لم ينقص انتفاء ~~الخطاب في حق غيره ( فالقياس ( تعدية الحكم وهنا لم يعد حكم وانما ثبت ~~الحكم في حق الجميع ثبوتا واحدا بل هو مشبه بتعديه الخطاب بالحكم لا نفس ~~الحكم PageV06P438 وعلى كل قول فالدلالة من صيغ الجمع المذكر متوجهة كما ~~أنها متوجهة بلا تردد من صيغة ( من ( و ( أهل ( و ( الناس ( ونحو ذلك # وأعلم أن هنا ( دلالة ثانية ( وهى دلالة العموم المعنوى وهى أقوى من ~~دلالة العموم اللفظى وذلك ان قوله ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ~~جزاء بما كانوا يعملون ( وقد فسرت ( القرة ( بالنظر وغيره فيقتضى أن النظر ~~جزاء على عملهم والرجال والنساء مشتركون في العمل الذى استحق به جنس الرجال ~~الجنة فان العمل الذى يمتاز به الرجال ( كالامارة ( و ( النبوة ( عند ~~الجمهور ونحو ذلك لم تنحصر الرؤية فيه بل يدخل في الرؤية من الرجال من لم ~~يعمل عملا يختص الرجال بل اقتصر على ما فرض عليه من الصلاة والزكاة وغيرهما ~~وهذا مشترك بين الفريقين # وكذلك قوله ( ان الابرار لفى نعيم على الارائك ينظرون ( ان ( البر ( سبب ~~هذا الثواب و ( البر ( مشترك بين الصنفين وكذلك كل ما علقت به ( الرؤية ( ~~من اسم الايمان ونحوه يقتضى أنه ms1761 هو السبب في ذلك فيعم الطائفتين # وبهذا ( الوجه ( احتج الائمة ان الكفار لا يرون ربهم فقالوا لما حجب ~~الكفار بالسخط دل على أن المؤمنين يرون بالرضى ومعلوم أن المؤمنات فارقوا ~~الكفار فيما استحقوا به السخط والحجاب وشاركوا المؤمنين PageV06P439 فيما ~~استحقوا به الرضوان والمعاينة فثبتت الرؤية في حقهم باعتبار الطرد واعتبار ~~العكس وهذا باب واسع ان لم نقطعه لم ينقطع # فان قيل دلالة العموم ضعيفة فانه قد قيل أكثر العمومات مخصوصة وقيل ما ثم ~~لفظ عام الا قوله ( وهو بكل شيء عليم ( ومن الناس من أنكر دلالة العموم ~~رأسا # قلنا أما ( دلالة العموم المعنوى العقلى ( فما أنكره أحد من الأمة فيما ~~أعلمه بل ولا من العقلاء ولا يمكن انكارها اللهم الا أن يكون في ( أهل ~~الظاهر الصرف ( الذين لا يلحظون المعانى كحال من ينكرها لكن هؤلاء لا ~~ينكرون عموم الالفاظ بل هو عندهم العمدة ولا ينكرون عموم معانى الالفاظ ~~العامة والا قد ينكرون كون عموم المعانى المجردة مفهوما من خطاب الغير # فما علمنا أحدا جمع بين انكار ( العمومين ( اللفظى والمعنوى ونحن قد ~~قررنا العموم بهما جميعا فيبقى محل وفاق مع العموم المعنوى لا يمكن انكاره ~~في الجملة ومن أنكره سد على نفسه اثبات حكم الاشياء الكثيرة بل سد على عقله ~~اخص اوصافه وهو القضاء بالكلية العامة ونحن قد قررنا العموم من هذا الوجه ~~بل قد اختلف الناس في مثل هذا العموم هل يجوز تخصيصه على قولين مشهورين و # أما ( العموم اللفظى ( فما أنكره ايضا امام ولا طائفة لها مذهب مستقر ~~PageV06P440 في العلم ولا كان في ( القرون الثلاثة ( من ينكره وانما حدث ~~انكاره بعد المائة الثانية وظهر بعد المائة الثالثة واكبر سبب انكاره اما ~~من المجوزين للعفو من ( أهل السنة ( ومن أهل المرجئة من ضاق عطنه لما ناظره ~~الوعيدية بعموم آيات الوعيد واحاديثه فاضطره ذلك إلى ان جحد العموم في ~~اللغة والشرع فكانوا فيما فروا إليه من هذا الجحد كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار # ولو اهتدوا للجواب السديد ( للوعيدية ( من أن الوعيد في ms1762 آية وان كان عاما ~~مطلقا فقد خصص وقيد في آية اخرى جريا على السنن المستقيمة اولى بجواز العفو ~~عن المتوعد وان كان معينا تقييدا للوعيد المطلق وغير ذلك من الاجوبة وليس ~~هذا موضع تقرير ذلك فان الناس قد قرروا العموم بما يضيق هذا الموضع عن ذكره # وان كان قد يقال بل العلم بحصول العموم من صيغه ضرورى من اللغة والشرع ~~والعرف والمنكرون له فرقة قليلة يجوز عليهم جحد الضروريات أو سلب معرفتها ~~كما جاز على من جحد العلم بموجب الاخبار المتواترة وغير ذلك من المعالم ~~الضرورية # وأما من سلم أن العموم ثابت وانه حجة وقال هو ضعيف أو اكثر العمومات ~~مخصوصة وانه ما من عموم محفوظ الا كلمة أو كلمات # فيقال له ( أولا ( هذا سؤال لا توجيه له فان هذا القدر الذى ذكرته لا ~~يخلو اما أن يكون مانعا من الاستدلال بالعموم أو لا يكون فان كان مانعا ~~PageV06P441 فهو مذهب منكرى العموم من الواقفة والمخصصة وهو مذهب سخيف لم ~~ينتسب إليه وان لم يكن مانعا من الاستدلال فهذا كلام ضائع غايته ان يقال ~~دلالة العموم اضعف من غيره من الظواهر وهذا لا يقر فانه ما لم يقم الدليل ~~المخصص وجب العمل بالعام # ثم يقال له ( ثانيا ( من الذى سلم لكم أن العموم المجرد الذى لم يظهر له ~~مخصص دليل ضعيف أم من الذى سلم أن اكثر العمومات مخصوصة أم من الذى يقول ما ~~من عموم الا قد خص الا قوله ( بكل شيء عليم ( فان هذا الكلام وان كان قد ~~يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد في كلام بعض المتكلمين في اصول ~~الفقه فانه من أكذب الكلام وأفسده # والظن بمن قاله ( أولا ( أنه انما عنى أن العموم من لفظ ( كل شيء ( مخصوص ~~الا في مواضع قليلة كما في قوله ( تدمر كل شيء ( وأوتيت من كل شيء ( فتحنا ~~عليهم ابواب كل شيء ( والا فأى عاقل يدعى هذا في جميع صيغ العموم في الكتاب ~~والسنة وفى سائر كتب الله وكلام انبيائه وسائر ms1763 كلام الامم عربهم وعجمهم # وأنت اذا قرأت القرآن من أوله إلى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة لا ~~مخصوصة سواء عنيت عموم الجمع لافراده أو عموم الكل لاجزائه أو عموم الكل ~~لجزيئاته فاذا اعتبرت قوله ( الحمد لله رب العالمين ( فهل تجد أحدا من ~~العالمين ليس الله ربه ( مالك يوم الدين ( فهل في يوم الدين شيء لا يملكه ~~PageV06P442 الله ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( فهل في المغضوب عليهم ~~والضالين أحد لا يجتنب حاله التى كان بها مغضوبا عليه أو ضالا ( هدى ~~للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( الآية ~~فهل في هؤلاء المتقين أحد لم يهتد بهذا الكتاب ( والذين يؤمنون بما أنزل ~~اليك وما أنزل من قبلك ( هل فيما أنزل الله ما لم يؤمن به المؤمنون لا ~~عموما ولا خصوصا ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( هل خرج أحد ~~من هؤلاء المتقين عن الهدى في الدنيا وعن الفلاح في الآخرة # ثم قوله ( ان الذين كفروا ( قيل هو عام مخصوص وقيل هو لتعريف العهد فلا ~~تخصيص فيه فان التخصيص فرع على ثبوت عموم اللفظ ومن هنا يغلط كثير من ~~الغالطين يعتقدون أن اللفظ عام ثم يعتقدون أنه قد خص منه ولو امعنوا النظر ~~لعلموا من اول الامر ان الذى اخرجوه لم يكن اللفظ شاملا له ففرق بين شروط ~~العموم وموانعه وبين شروط دخول المعنى في ارادة المتكلم وموانعه # ثم قوله ( لا يؤمنون ( أليس هو عاما لمن عاد الضمير إليه عموما محفوظا ( ~~ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم ( أليس هو عاما في القلوب وفى ~~السمع وفى الابصار وفى المضاف إليه هذه الصفة عموما لم يدخله تخصيص وكذلك ( ~~ولهم ( وكذلك في سائر الايات اذا تأملته إلى قوله ( يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم ( فمن الذين خرجوا من هذا العموم الثانى ~~فلم يخلقهم الله له وهذا باب واسع PageV06P443 # وان مشيت على آيات القرآن كما تلقن الصبيان وجدت الامر كذلك فانه سبحانه ~~قال ( قل أعوذ برب الناس ms1764 ملك الناس اله الناس ( فأى ناس ليس الله ربهم أم ~~ليس ملكهم أم ليس الههم ثم قوله ( من شر الوسواس الخناس ( ان كان المسمى ~~واحدا فلا عموم فيه وان كان جنسا فهو عام فأى وسواس خناس لا يستعاذ بالله ~~منه # وكذلك قوله ( برب الفلق ( أى جزء من ( الفلق ( أم أى ( فلق ( ليس الله ~~ربه ( من شر ما خلق ( أى شر من المخلوق لا يستعاذ منه ( ومن شر النفاثات ( ~~أي نفاثة في العقد لا يستعاذ منها وكذلك قوله ( ومن شر حاسد ( مع أن عموم ~~هذا فيه بحث دقيق ليس هذا موضعه # ثم ( سورة الاخلاص ( فيها اربع عمومات ( لم يلد ( فانه يعم جميع انواع ~~الولادة وكذلك ( لم يولد ( وكذلك ( ولم يكن له كفوا أحد ( فانها تعم كل أحد ~~وكل ما يدخل في مسمى الكفؤ فهل في شيء من هذا خصوص # ومن هذا الباب كلمة الاخلاص التى هي اشهر عند أهل الاسلام من كل كلام وهى ~~كلمة ( لا اله الا الله ( فهل دخل هذا العموم خصوص قط # فالذى يقول بعد هذا ما من عام الا وقد خص الا كذا وكذا اما في غاية الجهل ~~واما في غاية التقصير في العبارة فان الذى أظنه انه انما عنى ( من الكلمات ~~التى تعم كل شيء ( مع أن هذا الكلام ليس بمستقيم وان فسر PageV06P444 بهذا ~~لكنه اساء في التعبير ايضا فان الكلمة العامة ليس معناها انها تعم كل شيء ~~وانما المقصود ان تعم ما دلت عليه أى ما وضع اللفظ له وما من لفظ في الغالب ~~الا وهو اخص مما هو فوقه في العموم واعم مما هو دونه في العموم والجميع ~~يكون عاما # ثم عامة كلام العرب وسائر الامم انما هو اسماء عامة والعموم اللفظى على ~~وزان العموم العقلى وهو خاصية ( العقل ( الذى هو أول درجات التمييز بين ~~الانسان وبين البهائم # فان قيل سلمنا ان ظاهر الكتاب والسنة يشمل النساء لكن هذا العموم مخصوص ~~وذلك ان في حديث رؤية الله للرجال يوم الجمعة ( أن الرجال يرجعون إلى ms1765 ~~منازلهم فتتلقاهم نساؤهم فيقلن للرجل لقد جئت وان بك من الجمال افضل مما ~~فارقتنا عليه فيقول انا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا ان ننقلب بمثل ما ~~انقلبنا به ( وهذا دليل على أن النساء لم يشاركوهم في الرؤية واذا كان هذا ~~في رؤية الجمعة ففى رؤية الغداة والعشى اولى لأن هذا أعلى من تلك ومن لم ~~يصلح للرؤية في الاسبوع فكيف يصلح للرؤية في كل يوم مرتين واذا انتفت ~~رؤيتهن في هذين الموطنين ولم يثبت ان الناس يرونه في غير هذين الموطنين فقد ~~ثبت ان العموم مخصوص منه النساء في هذين الموطنين وما سواهما لم يثبت لا ~~للرجال ولا للنساء فلم يبق ما يدل على حصول الرؤية للنساء في موطن آخر فاما ~~ان يبقى مطلقا عملا بالأصل النافى واما ان ينفى عن هذين الموطنين ويتوقف ~~فيما عداهما ولا يحتج على ثبوتها فيه بتلك العمومات PageV06P445 لوجود ~~التخصيصات فيها هذا غاية ما يمكن في تقرير هذا السؤال ولولا أنه أورد على ~~لما ذكرته لعدم توجهه فنقول ( الجواب من وجوه متعددة ( وترتيبها الطبيعى ~~يقتضى نوعا من الترتيب لكن ارتبها على وجه آخر ليكون اظهر في الفهم ### ||||| الأول # أنا لو فرضنا أنه قد ثبت أن النساء لا يرينه في الموطنين المذكورين لم ~~يكن في ذلك ما ينفى رؤيتهن في غير هذين الموطنين فيكون ما سوى هذين ~~الموطنين لم يدل عليه الدليل الخاص لا بنفى ولا باثبات والدليل العام قد ~~اثبت الرؤية في الجملة والرؤية في غير هذين الموطنين لم ينفها دليل فيكون ~~الدليل العام قد سلم عن معارضة الخاص فيجب العمل به وهذا في غاية الوضوح # فان من قال رأيت رجلا فقال آخر لم تر اسود ولم تره في دمشق لم تتناقض ~~القضيتان والخاص اذا لم يناقض مثله من العام لم يجز تخصيصه به فلو كان قد ~~دل دليل على أن النساء لا يرينه بحال لكان هذا الخاص معارضا لمثله من العام ~~اما اذا قيل أنه دل على رؤية في محل مخصوص كيف ينفى بنفى ms1766 جنس الرؤية وكيف ~~يكون سلب الخاص سلبا للعام # فان قيل لا رؤية لأهل الجنة الا في هذين الموطنين قيل ما الذى دل على هذا ~~فان قيل لأن الاصل عدم ما سوى ذلك قيل العدم لا يحتج به في الاخبار باجماع ~~العقلاء بل من أخبر به كان قائلا ما لا علم له به ولو قيل PageV06P446 ~~للرجل هل في البلد الفلانى كذا وفى المسجد الفلانى كذا فقال لا لأن الأصل ~~عدمه كان نافيا ما ليس له به علم باتفاق العقلاء # ولو قال الآخر الذين يرون الله كل يوم مرتين هم النبيون فقط لأن الاصل ~~عدم رؤية غيرهم ولهم من الخصوص ما لا يشركون فيه كان هذا قولا بلا علم اذا ~~سلم من أن يكون كذبا وليس هنا مفهوم يتمسك به كما في قوله ( فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة ( # فان الرسول لم يقل أن أهل الجنة لهم موطنان في الرؤية حتى يقول ذلك بنفى ~~ما سواهما بل كلامه يدل على خلاف ذلك كما سنبينه ولو فرضنا أنه يجوز الحكم ~~الحكم باستصحاب الحال في مثل هذا فان العموم والقياس حجتان مقدمتان على ~~الاستصحاب أما ( العموم ( فباجماع الفقهاء وأما ( القياس ( فعند جماهيرهم # ومعلوم أن ( العموم ( و ( القياس ( يقتضيان ثبوت الرؤية كما تقدم فلا ~~يجوز نفيها بالاستصحاب وان جاز تخصيص ذلك بنقص عقل النساء فينبغى أن يقال ( ~~البله ( ( وأهل الجفاء ( من الاعراب ونحوهم ممن يدخل الجنة لا يرى الله ~~فانه لا ريب أن في النساء من هو أعقل من كثير من الرجال حتى أن المرأة تكون ~~شهادتها نصف شهادة الرجل والمغفل ونحوه ترد شهادتهما بالكلية وان لم يكن ~~مجنونا وقد قال النبى ( ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا اربع ~~( اكمل ممن لم يكمل من الرجال ففى أى معقول تكون الرؤية للناقص دون الكامل ~~PageV06P447 ### ||||| الجواب الثانى # ان نقول نفس الحديث المحتج به دل على أن لأهل الجنة رؤية في مواطن عديدة ~~فانه قال ( وأعلى اهل الجنة منزلة من يرى الله كل يوم مرتين غدوة وعشية ( ~~فاذا ms1767 كانت هذه للاعلى فمفهومه أن الادنى له دون ذلك ولا يجوز أن يقصر ما ~~دون ذلك على ( رؤية الجمعة ( لأنه لا دليل عليه بل يجوز أن يراه بعضهم كل ~~يوم مرة وبعضهم كل يومين مرة وبعضهم أكثر من ذلك والحكمة تقتضى ذلك فان ( ~~يوم الجمعة يشترك فيه جميع الرجال من الاعلين والمتوسطين ومن دونهم وكل يوم ~~مرتين للأعلين فالذين هم فوق الادنين ودون الاعلين لابد أن يميزوا عمن ~~دونهم كما نقصوا عمن فوقهم ### ||||| الجواب الثالث # أنه قد جاءت الاحاديث برؤية الله في غير هذين الموطنين منها ما رواه بن ~~ماجه في ( سننه ( والدارقطنى في ( الرؤية ( عن الفضل بن عيسى الرقاشى عن ~~محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ( ( بينا أهل الجنة ~~في نعيمهم اذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فاذا الرب تبارك وتعالى اشرف عليهم ~~فقال السلام عليكم يا اهل الجنة وهو قول الله ( سلام قولا من رب رحيم ( فلا ~~يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما دام الله بين أظهرهم حتى يحتجب ~~عنهم وتبقى فيهم بركته ونوره PageV06P448 # ورويناه من طريق اخرى معروفة إلى سلمة بن شبيب حدثنا بشر بن حجر حدثنا ~~عبد الله بن عبيد الله عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله ( ( ~~بينما أهل الجنة في ملكهم ونعيمهم اذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فاذا الرب ~~تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فيقول السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك ~~قوله تبارك وتعالى ( سلام قولا من رب رحيم ( فينظرون إليه وينظر اليهم فلا ~~يلتفتون إلى شيء من الملك والنعيم حتى يحتجب عنهم قال فيبقى نوره وبركته ~~عليهم وفى ديارهم ( # وهذه الطريق تنفى أن يكون قد تفرد به الفضل الرقاشى وهذا الحديث بعمومه ~~يقتضى ان جميعهم يرونه لكن لم يستدل به ابتداء لأن في اسناده مقالا ~~والمقصود هنا أنه قد روى ذلك وهو ممكن ولا سبيل إلى دفعه في نفس الامر ~~والعمومات الصحيحة تثبت جنس ما اثبته هذا الحديث ms1768 # وايضا فالحديث الصحيح ( اذا دخل اهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة ~~ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو الم يبيض وجوهنا ~~ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه ~~فما أعطاهم شيئا احب اليهم من النظر إليه ( # فهذا ليس هو نظر الجمعة لان هذا عند الدخول ولم يكونوا ينتظرونه ولا ~~اجتمعوا لاجله ونظر الجمعة يقدمون إليه من منازلهم ويجتمعون لاجله ~~PageV06P449 كما جاءت به الاحاديث وبين هذا التجلى وذاك فرق تدل عليه ~~الاحاديث ولا هذا التجلى من المرتين اللتين تختص بالاعلين بل هو عام لمن ~~دخل الجنة كما دل عليه الحديث موافقا لقوله ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( ~~أولئك اصحاب الجنة ( # وايضا فقد جاء موقوفا على بن عباس وعن كعب الاحبار مرفوعا إلى النبى ( ( ~~أنهم يرونه في كل يوم عيد ( # وأيضا فقد ثبت بالنصوص المتواترة في عرصات القيامة قبل دخول الجنة اكثر ~~من مرة وهذا خارج عن المرتين الا ان يقال وان كان لم يقل ولا في سؤال ~~السائل ما يدل عليه فهو مبطل لحصره قطعا ومن أراد أن يحترز عنه يصوغ السؤال ~~على غير ما تقدم وانما صغناه كما أورد علينا # وايضا فقد قال تعالى ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ( قال النبى ~~( ( يقول الله اعددت لعبادى الصالحين ما لاعين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر ( فكيف يمكن أن يقال ان من سوى الاعلين لا يرى الله قط الا في ~~الاسبوع مرة ويقضى ذلك الدليل على ما قد اخفاه عن كل نفس ونفى علمه من كل ~~عين وسمع وقلب وفرق بين عدم العلم والعلم بالعدم وبين عدم الدليل والدليل ~~على العدم فاذا لم يكن مع الانسان فيما سوى الموطن سوى عدم العلم وعدم ~~الدليل لم يكن ذلك مانعا من موجب الدليل العام بالاضطرار وبالاجماع # ونكتة ( الجواب الاول ( ان النبى ( ( اذا قال ان أهل PageV06P450 الجنة ~~يرون الله تعالى وفسر به قوله تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( إلى ms1769 ~~قوله ( اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون ( فاعلمنا بهذا أن اصحاب الجنة ~~لهم الزيادة التي هي النظر إليه وقد علمنا أن أهل الجنة وأصحاب الجنة منهم ~~النساء المحسنات أكثر من الرجال وقال لنا مثلا يوم الجمعة يراه الرجال دون ~~النساء وقال لنا ايضا لا يراه كل يوم مرتين الا اعلى اهل الجنة وفرضنا ان ~~النساء لا يرينه بحال كل يوم مرتين ولا يوم الجمعة ولا فيما سوى ذلك قط ~~وهذا وان كان من وقف على هذا الكلام يعلم أنه لا خلاف بين العلماء بل ولا ~~بين العقلاء في أنه لا يدل على نفى جنس ( الرؤية ( ولا يخص ذلك اللفظ العام ~~ولا يقيد ذلك المطلق فانما رددت الكلام فيه للمنازعة فيه فلا يظن انا اطلنا ~~النفس فيه لخفائه بل لرده مع جلائه # ولك أن تعبر عن ( هذا الجواب ( بعبارات ان شئت ان تقول ( أحاديث الاثبات ~~( اثبتت رؤية مطلقة للرجال وللنساء ونفى المقيد لا ينفى المطلق فلا يكون ~~المطلق منفيا فلا يجوز نفى موجبه # وان شئت ان تقول ( أحاديث الاثبات ( تعم الرجال والنساء و ( أحاديث النفى ~~( تنفى عن النساء ما علم أنه للرجال أو ماثبت ان فيه الرؤية أو تنفى عن ~~النساء الرؤية في الموطنين اللذين أخبروا بالرؤية فيهما لكن هذا سلب في حال ~~مخصوص لم يتعرض لما سواهما لا بنفى ولا باثبات والمسلوب عنه لا يعارض العام ~~PageV06P451 # وان شئت أن تقول القضية الموجبة المطلقة لا يناقضها الا سلب كلى وليس هذا ~~سلبا كليا فلا يناقض ولا يجوز ترك موجب أحد الدليلين وان شئت ان تقول ليس ~~في ذكر هذين الموطنين الا عدم الاخبار بغيرهما وعدم الاخبار بثواب معين من ~~نظر أو غيره لا يدل على عدمه كيف وهذا الثواب مما أخفاه الله واذا كان عدم ~~الاخبار لا يدل على عدمه والعموم اللفظى والمعنوى اما قاطع واما ظاهر في ~~دخول النساء لم يكن عدم الدليل مخصصا للدليل سواء كان ظاهرا أو قاطعا وكل ~~هذا كما أنه معلوم بالعقل الضرورى فهو مجمع عليه ms1770 بين الامة على ما هو مقرر ~~عند العلماء في الاصول والفروع # وانما ينشأ الغلط من حيث يسمع السامع ما جاء في الاحاديث في ( الرؤية ( ~~عامة مطلقة ويرى احاديث اخر اخبرت برؤية مقيدة خاصة فيتوهم ان لا وجود لتلك ~~المطلقة العامة الا في هذه المقيدة أو ينفى دلالة تلك العامة لهذا الاحتمال ~~كرجل قال كنت أدخل اصحابى دارى واكرمهم ثم قال في موطن آخر أدخلت دارى ~~فلانا وفلانا من اصحابى في اليوم الفلانى فمن ظن ان سائر اصحابه لم يدخلهم ~~لأنه لم يذكرهم في هذا الموطن فقد غلط وقيل له من أين لك أنه ما أدخلهم في ~~وقت آخر فاذا قال يمكن انه أدخلهم ويمكن أنه ما أدخلهم فانا اقف قيل له فقد ~~قال كنت أدخل اصحابى دارى وهذا يعم جميع أصحابه PageV06P452 # ونحن لا ننازع في أن ( اللفظ العام ( يحتمل الخصوص في الجملة مع عدم هذه ~~القرينة فمع وجودها اوكد لكن ننازع في ( الظهور ( فنقول هذا الاحتمال ~~المرجوح لا يمنع ظهور العموم كما تقدم فيكون العموم هو الظاهر وان كان ما ~~سواه ممكنا واما سائر ( الأجوبة ( ففى تقرير أن ( الرؤية ( تقع في غير هذين ~~الموطنين # ( ### ||||| الجواب الرابع # ( # انا لو فرضنا ان ( حديث المرتين كل يوم ( يعارض ما قدمناه من النصوص ~~الصحيحة العامة لفظا ومعنى لما كان الواجب دفع دلالة تلك الاحاديث بمثل هذا ~~الحديث لما تقدم ( أولا ( لما في اسناده من المقال ولأنه يستلزم اخراج اكثر ~~أفراد اللفظ العام بمثل هذا التخصيص وهذا اما ممتنع واما بعيد ومستلزم ~~تخصيص العلة بلا وجود مانع ولا فوات شرط وهذا ممتنع عند الجمهور أو من غير ~~ظهور مانع وهذا بعيد لا يصار إليه الا بدليل قوى # ( ### ||||| الجواب الخامس # ( # لو فرضنا أن لا رؤية الا ما في هذين فمن أين لنا أن النساء لا يرين الله ~~فيهما جميعا وهب انا سلمنا انهن لا يرينه يوم الجمعة فمن أين انهن لا يرينه ~~كل يوم مرتين وقول القائل هذه اعلى وتلك ادنى فكيف يحرم الادنى من يعطى ms1771 ~~الاعلى فعنه أجوبة PageV06P453 # ( احدها ( ان الذين ميزوا برؤية كل يوم مرتين شركوا الباقين في رؤية يوم ~~الجمعة فصار لهم النوعان جميعا فاذا كان فضلهم بالنوعين جميعا فما المانع ~~في ان بعض من دونهم يشركهم في ( الجمعة ( دون ( رؤية الغداة والعشى ( ~~والبعض الاخرون يشركونهم في ( الغداة والعشى ( دون ( الجمعة ( ولا يكون من ~~له الغداة والعشى دون الجمعة اعلى مطلقا وانما الاعلى مطلقا الذى له الجميع # لكن قد يقال يلزم على هذا أن يكون النساء اعلى ممن له الجمعة دون البردين ~~من الرجال فيقال قد لا يلزم هذا بل قد تكون الجمعة وحدها أفضل من ( البردين ~~( وحدهما وقد يقال فهب أن الامر كذلك أكثر ما فيه تفضيل النساء على مفضول ~~الرجال وهذا الاحتمال وان كان ممكنا لكن يبعد ان تكون كل امرأة تدخل الجنة ~~افضل ممن لا يرى الله كل يوم مرتين فان ذلك مستلزم ان يكون مفضول النساء ~~أفضل من مفضول الرجال فيترك هذا الاحتمال ويقتصر على الذى قيل وهو ان ~~الاعلى مطلقا الذي له المرتان مع الجمعة وانما لزم هذا لأنا نتكلم بتقدير ~~ان لا رؤية الا هذين ولا ريب أن هذا التقدير باطل قطعا # ( الوجه الثانى ( أنه من أين لكم أن ( الرؤية كل يوم مرتين ( أفضل من ( ~~رؤية الجمعة ( نعم هي أكثر عددا لكن قد يفضل ذلك في الكيفية فيكون أحد ~~النوعين أكثر عددا والآخر أفضل نوعا كدينار وخمسة دراهم PageV06P454 ولا ~~ريب أن هذا ممكن امكانا قريبا فان الله يثيب عبده على ( قل هو الله أحد ( ~~مع قلة حروفها بقدر ما يثيبه على ثلث القرآن # واذا كان الامر كذلك فيمكن في حق من حرم الافضل في نوعه ان يعطى النوع ~~المفضول وان كثر عدده سواء كان فاضل النوع أفضل مطلقا أو كانا متكافئين عند ~~التقابل وفى أحاديث المزيد ما يدل على هذا فانهم يرجعون إلى أهليهم وقد ~~ازدادوا حسنا وجمالا فيقولون انا جالسنا اليوم ربنا الجبار فيحق لنا أن ~~ننقلب بمثل ما انقلبنا به وفى حديث آخر ( فليسوا إلى ms1772 شيء احوج منهم إلى يوم ~~الجمعة ليزدادوا نظرا إلى ربهم ويزدادوا كرامة ( # ومن تأمل سياق ( الأحاديث المتقدمة ( علم أن التجلى يوم الجمعة له عندهم ~~وقع عظيم لا يوجد مثله في سائر الايام وهذا يقتضى ان هذا النوع أفضل من ~~الرؤية الحاصلة كل يوم مرتين وان كانت تلك اكثر فاذا منع النساء من هذا ~~الفضل لم يلزم ان يمنعن مما دونه وهذا بين لمن تأمله # ( الوجه الثالث ( هب ان رؤية الله كل يوم مرتين افضل مطلقا من رؤية ~~الجمعة فلا يلزم حرمانهن من الثواب المفضول حرمان ما فوقه مطلقا وذلك أن ~~العبد قد يعمل عملا فاضلا يستحق به أجرا عظيما ولا يعمل ما هو دونه فلا ~~يستحق ذلك الاجر وما زال الله سبحانه يخص المفضولين من كل صنف بخصائص لا ~~تكون للفاضلين وهذا مستقر في الاشخاص من الانبياء والصديقين وفى الاعمال ~~PageV06P455 ولو كان العمل الفاضل يحصل به جميع المفضول مطلقا لما شرع ~~المفضول في وقت فلا يلزم من اعطاء الاعلى اعطاء الادنى مطلقا ولا يلزم منه ~~منع الاعلى مطلقا فهذا ممكن امكانا شرعيا في عامة الثوابات الا ترى ان ~~الذين في الدرجات العلى من أهل الجنة لا يعطون الدرجات الدنى ثم لا يكون ~~هذا نقصا في حقهم فان الله سبحانه يرضى كل عبد بما آتاه فجاز ان يكون قد ~~ارضى النساء بأعلى ( الرؤية ( عن مجموع اعلاها وادناها # والذى يؤيد هذا أنه من الممكن ان تكون رؤية الجمعة جزاء على عمل الجمعة ~~في الدنيا ورؤية الغداة والعشى جزاء على عمل الغداة والعشى فهذا ممكن في ~~العقل وان لم يجيء به خبر واذا كان ممكنا لم يلزم من منعهن ( رؤية الجمعة ( ~~لعدم المقتضى فيهن منعهن ( رؤية البردين ( مع قيام المقتضى فيهن # ومن الممكن في العقل أنهن انما لم يشهدن رؤية الجمعة لأنه مجتمع الرجال ~~والغيرة في الجنة الا ترى ان النبى ( ( لما رأى الجنة ورأى قصرا وعلى بابه ~~جارية قال ( فأردت ان ادخل فذكرت غيرتك فقال عمر أعليك اغار ( والله اعلم ~~بحقائق الامور ms1773 فاذا كان كذلك فهذا منتف في رؤية الغداة والعشى لأن تلك ~~الرؤية قد تحصل وأهل الجنة في منازلهم # ثم هذا من الممكن ان ( الرؤية جزاء العمل ( فانه قد جاء في الاخبار ما ~~يدل على أن الرؤية يوم الجمعة ثواب شهود الجمعة بدليل ان فيها يكونون في ~~PageV06P456 الدنو منه على مقدار مسارعتهم إلى الجمعة وتفاوت الثواب بتفاوت ~~العمل دليل على أنه مسبب عنه وبدليل أنه مذكور في غير حديث ( أنه يكون ~~بمقدار انصرافهم من صلاة الجمعة في الدنيا ( # وموافقة الثواب للعمل في وقته وفى قدره حتى يصير جزاءا وفاقا يقتضى ان ~~العمل سببه وبدليل أن ذلك مذكور في فضل يوم الجمعة في الدنيا والآخرة فعلم ~~أن ارتباط ثوابه في الآخرة بعمله في الدنيا وبدليل ان فيه عند منصرف الناس ~~من الجمعة رجوع الصالحين إلى منازلهم ورجوع الانبياء والصديقين والشهداء ~~إلى ربهم # وهذا مناسب لحالهم في الدنيا فان الصالح اذا انقضت الجمعة اشتغل بما ابيح ~~له في الدنيا واولئك اشتغلوا بالتقرب إليه بالنوافل فكانوا متقربين إليه في ~~الدنيا بعد الجمعة فقربوا منه بعد الجمعة في الآخرة وهذه ( المناسبة ~~الظاهرة ( المشهود لها بالاعتبار تقتضى أن ذلك التجلى ثواب اعمالهم يوم ~~الجمعة واذا كان كذلك فانتفاء الرؤية في حق النساء لعدم شهودهن الجمعة ~~ولهذا روى انهن يرينه في العيد كما شرع لهن شهود العيد # فان قيل ما ذكرتموه من هذه الزيادة امر غريب والاحاديث المشهورة المجمع ~~عليها ليس فيها هذه الزيادة فلا يجوز الاعتماد عليها والناس كلهم قد سمعوا ~~احاديث الرؤية يوم الجمعة ولم يسمعوا هذه الزيادة PageV06P457 # قلنا قد تقدم الجواب عن ذلك بما ذكرناه من طرق الحديث وحال اصله وزيادته ~~وبينا أن الزيادة لا ينقص حكمها في الرؤية عن حكم اصل الحديث نقصا يمنع ~~الحاقها به بل هي اما مكافئة أو قريبة أو فوق واجبنا عما قيل هنا وما لم ~~يقل # فان قيل ( فقد كن المؤمنات يشهدن صلاة الجمعة مع رسول الله ( ( فعلى قياس ~~هذا ينبغى لمن شهد الجمعة من النساء ان يشهدن ms1774 يوم المزيد في الجنة # قلنا ما كان يشهد الجمعة والجماعة من النساء الا اقلهن لان النبى ( ( قال ~~( لا تمنعوا اماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن ( متفق عليه وقال ( صلاة ~~احداكن في مخدعها افضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في حجرتها افضل من ~~صلاتها في دارها وصلاتها في دارها افضل من صلاتها في مسجد قومها وصلاتها في ~~مسجد قومها افضل من صلاتها معى أو قال خلفى ( رواه أبو داود # فقد أخبر المؤمنات ان صلاتهن في البيوت افضل لهن من شهود الجمعة والجماعة ~~الا ( العيد ( فانه أمرهن بالخروج فيه ولعله والله أعلم لأسباب ( أحدها ( ~~أنه في السنة مرتين فقبل بخلاف الجمعة والجماعة # ( الثانى ( أنه ليس له بدل خلاف الجمعة والجماعة فان صلاتها في بيتها ~~الظهر هو جمعتها PageV06P458 # ( الثالث ( أنه خروج إلى الصحراء لذكر الله فهو شبيه بالحج من بعض الوجوه ~~ولهذا كان العيد الاكبر في موسم الحج موقفة للحجيج ومعلوم أن الصحابيات اذا ~~علمن ان صلاتهن في بيوتهن افضل لم يتفق اكثرهن على ترك الافضل فان ذلك يلزم ~~أن يكون أفضل القرون على المفضول من الأعمال # فان قيل هذا التفضيل انما وقع في حق من بعد الصحابيات لما أحدث النساء ما ~~أحدثن ولأن من بعد الرسول من الائمة لا يساويه فأما الصحابيات فصلاتهن خلف ~~النبى ( ( كانت أفضل ويكون هذا الخطاب عاما خرج منه القرن الأول فان تخصيص ~~العموم جائز # قلنا هذا خلاف ما علم بالاضطرار من لغة العرب والعجم وخلاف ما علم ~~بالاضطرار من دين المسلمين وخلاف ما فطر الله عليه العقلاء وخلاف ما أجمع ~~المسلمون عليه وذلك لأن قوله ( لا تمنعوا اماء الله مساجد الله وبيوتهن خير ~~لهن ( قد أجمع المسلمون على أن الحاضرين تحقق دخولهم فيه واختلفوا في القرن ~~الثانى والثالث هل يدخلون بمطلق الخطاب أم بدليل منفصل فيه قولان فاما دخول ~~الغائب دون الحاضر فممتنع باتفاق # ثم اللغة تحيله فان قوله ( لا تمنعوا اماء الله ( لا ريب انه خطاب ~~للصحابة رضى الله عنهم ابتداء فكيف تحيل اللغة أن ms1775 لا يدخلوا فيه ويدخل فيه ~~من بعدهم أهل اللغة لا يشكون ان هذا ممتنع PageV06P459 # ثم قد علمنا بالاضطرار أن أوامرالقرآن والسنة شملت الصحابة ثم من بعدهم ~~وقد يقال أو يتوهم في بعضها أنها شملتهم دون من بعدهم فاما اختصاص من بعدهم ~~بالاوامر الخطابية دونهم فهذا لا وجود له # واما مخالفته ( للفطر ( فما من سليم العقل يعرض عليه هذا الا انكره اشد ~~الانكار ثم هب هذا امكن في قوله ( لا تمنعوا اماء الله مساجد الله ( فكيف ~~بقوله ( صلاة احداكن في مسجد قومها افضل من صلاتها معى أو خلفى ( اليس نصا ~~في صلاتهن في بيوتهن وفي مسجد النبى ( ( خلفه وصلى الله على محمد ~~PageV06P460 ### || 1 ( سؤال في ماهية لقاء الله ) 1 ### |||| ! 8 < سئل رحمه الله تعالى # ما هو ( لقاء الله سبحانه ( الذى وصف بظنه الخاشعين بقوله تعالى ( الذين ~~يظنون انهم ملاقوا ربهم وانهم إليه راجعون ( وامر بعلمه المتقين في قوله ~~تعالى ( واتقوا الله واعلموا انكم ملاقوه ( وبشر بالاقرار به عند المصيبة ~~الصابرين واشار إلى اتيان اجله للراجين بقوله تعالى ( من كان يرجو لقاء ~~الله فان اجل الله لآت ( واشتهر ذكره في غير حديث من كلام سيد المرسلين ~~كقوله في دعائه ( لقاؤك حق ( وقوله ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن ~~كره لقاء الله كره الله لقاءه ( الحديث # وهل يصح قول بعض المفسرين من أنه متعلق بمحذوف تقديره جزاء ربهم أو نحوه ~~بكونه مما لا يصح ان يضاف إلى الله تعالى حقيقة فيستحيل ظاهره ويكون المراد ~~منه غير ظاهره ويصار فيه إلى تأويل معين أم هو مستغن عن ذلك لجوازه في نفسه ~~وكيف يتصور منا محبة من لا نعرفه ولا نطلع عليه أم كيف يتأتى شوقه وحنين ~~القلوب إليه وايثاره على ما سواه مما هو عندنا معروف ولقلوبنا مألوف ولنا ~~به منفعة عاجلة ولذة حاصلة PageV06P461 # وقد قالت عائشة رضى الله عنها كراهية الموت وكلنا نكره الموت فرد ( ( ~~قولها بما تضمنه الحديث ( من رؤية المؤمن ماله عند الله من النعيم فأحب ~~الله لقاءه ( الحديث ms1776 # وقد يعترض على هذا سؤال وهو أنه اذا كان حبه اللقاء لما رآه من النعيم ~~فالمحبة حينئذ للنعيم العائد إليه لا لمجرد لقاء الله تعالى فكيف يجازى ~~عليه بحب الله تعالى لقاءه ومحبته غير خالصة وانما يتقبل الله من الاعمال ~~ما كان خالصا # بينوا لنا هذه الامور البيان الشافى بالجواب الصحيح الكافى طلبا للاجر ~~الوافى ان شاء الله تعالى ### |||| ( فأجاب ( رضى الله عنه وأرضاه # الحمد لله ( اما اللقاء ( فقد فسره طائفة ~~من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير وقالوا ~~ان لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى واحتجوا بآيات ( اللقاء ( على من ~~انكر رؤية الله في الآخرة من الجهمية كالمعتزلة وغيرهم # وروى عن عبد الله بن المبارك انه قال في قوله ( فمن كان يرجو لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ( ولا يرائى أو قال ولا يخبر به أحدا وجعلوا اللقاء ~~يتضمن معنيين # ( أحدهما ( السير إلى الملك ( والثانى ( معاينته كما قال ( يا ايها ~~الانسان PageV06P462 انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ( فذكر أنه يكدح إلى ~~الله فيلاقيه والكدح إليه يتضمن السلوك والسير إليه واللقاء يعقبهما # واما المعاينة من غير مسير إليه كمعاينة الشمس والقمر فلا يسمى لقاء وقد ~~يراد باللقاء الوصول إلى الشيء والوصول إلى الشيء بحسبه # ومن دليل ذلك أن الله تعالى قد قال ( اذا لقيتم فئة فاثبتوا ( واذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ( وقال ( واذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا واذا خلوا إلى شياطينهم قالوا انا معكم ( الآية وقال ( واذا لقوا ~~الذين آمنوا قالوا آمنا واذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم ( وقال ( واذ يريكموهم اذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم ( وقال تعالى ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل ~~الله واخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين ( # وفى الصحيحين عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( لا تتمنوا لقاء ~~العدو واسالوا الله العافية فاذا لقيتموهم فاصبروا ( وفى الصحيحين عن أبى ~~هريرة أنه لقى النبى ( ( في طريق ms1777 من طرق المدينة وهو جنب فانفتل فذهب ~~فاغتسل ففقده النبى ( ( فلما جاء قال ( أين كنت ( قال يا رسول الله لقيتنى ~~وانا جنب فكرهت ان اجالسك حتى أغتسل فقال رسول الله ( ( سبحان الله ان ~~المؤمن لا ينجس ( وفى لفظ PageV06P463 لقيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~( وهو في مسلم عن حذيفة ايضا ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( لقيه وهو ~~جنب فذكر معناه # وفى صحيح مسلم عن بريدة ان النبى ( ( كان اذا أمر أميرا على جيش أو سرية ~~اوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال ( اغزوا ~~باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ~~ولا تقتلوا وليدا واذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ( ~~الحديث # وفى حديث عتبة بن عبيد قال قال رسول الله ( ( القتلى ثلاثة رجل مؤمن جاهد ~~بماله ونفسه في سبيل الله حتى اذا لقى عدوا قاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد ~~المفتخر في خيمة الله تحت ظل عرشه لا يفضله الا النبيون بدرجة النبوة ورجل ~~فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى اذا ~~لقى العدو قاتل حتى قتل فمصمصة تحت ذنوبه وخطاياه ان السيف محاء للخطايا ~~وادخل من أي ابواب الجنة شاء فان لها ثمانية ابواب ولجهنم سبعة ابواب ~~وبعضها افضل من بعض ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى اذا لقى العدو قاتل في ~~سبيل الله حتى قتل فان ذلك في النار ان السيف لا يمحو النفاق ( رواه أحمد ~~وابو حاتم في صحيحه ومثل هذا كثير في كلام العرب كقول الشاعر # متى ما تلقى فرد من %~% ترجو وابو السنل PageV06P464 # ويستعمل ( اللقاء ( في لقاء العدو ولقاء الولى ولقاء الم ولقاء المكروه ~~وقد يستعمل فيما يتضمن مباشرة الملاقى ومماسته مع اللذة والالم كما قال ( ~~اذا التقا الختانان وجب الغسل ( وفى الحديث الصحيح ( اذا قعد بين شعبها ~~الاربع والتزق الختانان فقد وجب الغسل ( # ومن نحو هذا قوله ( أن الموت الذى تفرون ms1778 منه فانه ملاقيكم ( وقوله ( ~~فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ( وقوله ( اولئك يجزون الغرفة ~~بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ( ويقال فلان لقى خيرا ولقى شرا وقد قال ~~النبى ( ( ( انكم ستلقون بعدى اثرة فاصبروا حتى تلقونى على الحوض ( # وقد يقال ان ( اللقاء ( في مثل هذا يتضمن معنى المشاهدة كما قال تعالى ( ~~ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه ( لأن الانسان يشاهد ~~بنفسه هذه الامور وقد قيل أن الموت نفسه يشهد ويرى ظاهرا وقيل المرئى ~~اسبابه وقد جاء في الكتاب والسنة الفاظ من نحو ( لقاء الله ( كقوله ( ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة ( وقوله ( ولو ترى اذ وقفوا على ربهم ~~قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا ( وقوله ( وعرضوا على ربك صفا لقد ~~جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ( وقوله ( ان ربك لبالمرصاد ( وقوله ( اذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ( وقوله ( كلا لا ~~PageV06P465 وزر إلى ربك يومئذ المستقر وقوله ( ان إلى ربك الرجعى ( وقوله ~~( انا لله وانا إليه راجعون ( وقوله ( إليه المصير ( وقوله ( ان الينا ~~ايابهم ثم ان علينا حسابهم ( # لكن يلزم هؤلاء ( مسألة ( تكلم الناس فيها وهى أن القرآن قد أخبر أنه ~~يلقاه الكفار ويلقاه المؤمنون كما قال ( يا ايها الانسان انك كادح إلى ربك ~~كدحا فملاقيه فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى ~~أهله مسرورا واما من أوتى كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا ( # وقد تنازع الناس في الكفار هل يرون ربهم مرة ثم يحتجب عنهم أم لا يرونه ~~بحال تمسكا بظاهر قوله ( كلا أنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( ولأن الرؤية ~~اعظم الكرامة والنعيم والكفار لاحظ لهم في ذلك # وقالت طوائف من أهل الحديث والتصوف بل يرونه ثم يحتجب كما دل على ذلك ~~الاحاديث الصحيحة التى في الصحيح وغيره من حديث أبى سعيد وابى هريرة ~~وغيرهما مع موافقة ظاهر القرآن قالوا وقوله ( لمحجوبون ( يشعر بأنهم عاينوا ~~ثم حجبوا ودليل ذلك قوله ( أنهم عن ربهم ms1779 يومئذ لمحجوبون ( فعلم أن الحجب ~~كان يومئذ فيشعر بأنه يختص بذلك اليوم وذلك انما هو في الحجب بعد الرؤية ~~فأما المنع الدائم من الرؤية فلا يزال في الدنيا والآخرة PageV06P466 # قالوا ورؤية الكفار ليست كرامة ولا نعيما اذ ( اللقاء ( ينقسم إلى لقاء ~~على وجه الاكرام ولقاء على وجه العذاب فهكذا الرؤية التى يتضمنها اللقاء # ومما احتجوا به الحديث الصحيح حديث سفيان بن عيينة حدثنا سهيل بن أبى ~~صالح عن أبيه عن ابى هريرة ( هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ( وقد روى ~~مسلم وابو داود وأحمد في المسند وبن خزيمة في التوحيد وغيره قال قالوا يا ~~رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال ( هل تضارون في رؤية الشمس ليست في ~~سحابة ( قالوا لا قال ( والذى نفسى بيده لا تضارون في رؤية ربكم الا كما ~~تضارون في رؤية أحدهما ( قال ( فيلقى العبد فيقول أى فل الم أكرمك واسودك ~~وازوجك واسخر لك الخيل والابل واذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب قال فيقول ~~فظننت انك ملاقى فيقول لا فيقول فانى انساك كما نسيتنى ثم قال يلقى الثانى ~~فيقول له مثل ذلك فيقول أى رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ~~ويثنى بخير ما استطاع فيقول ها هنا اذا قال ثم يقال الآن نبعث شاهدنا عليك ~~ويتفكر في نفسه من ذا الذى يشهد على فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقى فتنطق ~~فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل فذلك المنافق ليعذر من نفسه وذلك الذى يسخط ~~الله عليه وتمام الحديث قال ثم ينادى مناد ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد ~~فتتبع الشياطين والصليب اولياؤهم إلى جهنم وبقينا ايها المؤمنون فيأتينا ~~ربنا فيقول ما هؤلاء فنقول من عباد الله المؤمنين آمنا بربنا ولم نشرك به ~~شيئا وهو ربنا تبارك وتعالى وهو PageV06P467 يأتينا وهو يثبتنا وهو ذا ~~مقامنا حتى يأتينا ربنا فيقول انا ربكم فيقول انطلقوا فننطلق حتى نأتى ~~الجسر وعليه كلاليب من نار تخطف عند ذلك حلت الشفاعة لى اللهم سلم اللهم ~~سلم ms1780 فاذا جاوزوا الجسر فكل من انفق زوجا من المال في سبيل الله مما يملك ~~فتكلمه خزنة الجنة تقول يا عبد الله يا مسلم هذا خير ( فقال أبو بكر رضى ~~الله عنه يا رسول الله ان هذا عبد لا توى عليه يدع بابا ويلج من آخر فضرب ~~كتفه وقال ( انى أرجو أن تكون منهم ( قال سفيان بن عيينة حفظته انا وروح بن ~~القاسم وردده علينا مرتين أو ثلاثا # سئل سفيان عن قوله ( تراس وتربع ( فقال كان الرجل اذا كان راس القوم كان ~~له الرباع وهو الربع وقال النبى ( ( لعدى بن حاتم حيث قال يا رسول الله انى ~~على دين قال ( أنا أعلم بدينك منك انك مستحل الرباع ولا يحل لك ( # وهذا الحديث معناه في الصحيحين وغيرهما من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا ~~وفيه أنه سئل عن الرؤية فأجاب بثبوتها ثم اتبع ذلك بتفسيره وذكر أنه يلقاه ~~العبد والمنافق وأنه يخاطبهم # وفى حديث ابى سعيد وابى هريرة انه يتجلى لهم في القيامة مرة للمؤمنين ~~والمنافقين بعد ما تجلى لهم اول مرة ويسجد المؤمنون دون المنافقين وقد بسط ~~الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع PageV06P468 # وأما الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيمتنع على أصلهم لقاء الله لأنه يمتنع ~~عندهم رؤية الله في الدنيا والآخرة وخالفوا بذلك ما تواترت به السنن عن ~~النبى ( ( # وما اتفق عليه الصحابة وأئمة الاسلام من أ المؤمنين يرون ربهم في الاخرة ~~واحتجوا بحجج كثيرة عقلية ونقلية قد بينا فسادها مبسوطا وذكرنا دلالة العقل ~~والسمع على جواز الرؤية # وهذه ( المسألة ( من الأصول التى كان يشتد نكير السلف والائمة على من ~~خالف فيها وصنفوا فيها مصنفات مشهورة # ( والثانى ( أن عندهم لا يتصور الكدح إليه ولا العرض عليه ولا الوقوف ~~عليه ولا ان يحبه العبد ولا أن يجده ولا ان يشار إليه ولا ان يرجع إليه ولا ~~يؤوب إليه اذ هذه الحروف تقتضى ان يكون حال العبد بالنسبة إليه في الآخرة ~~وبينهما فضل يقتضى تقربا إليه ودنوا منه وان يكون حال العبد ms1781 بالنسبة إليه ~~مخالف لحاله في الدنيا وهذا كله محال عندهم فانهم لا يقرون بأن الخالق ~~مباين للمخلوق كما اتفق السلف والأئمة وصرحوا بأنه مباين للخلق ليس داخلا ~~في المخلوقات ولا المخلوقات داخلة فيه بل تارة يجعلونه حالا بذاته في كل ~~مكان وتارة يجعلون وجوده عين وجود المخلوقات وتارة يصفونه بالامور السلبية ~~المحضة مثل كونه غير مباين للعالم ولا حال فيه فهم بين PageV06P469 # أمرين اما أن يصفوه بما يقتضى عدمه وتعطيله فينكرونه وان كانوا يقرون به ~~فيجمعون في قولهم بين الاقرار والانكار والنفى والاثبات وقد يصرح بعضهم ~~بصحة الجمع بين النقيضين ويقول أن هذا غاية التحقيق والعرفان # واما ان يصفوه بما يقتضى انه عين المخلوقات أو جزء منها أو صفة لها وذلك ~~أيضا يقتضى قولهم بعدم الخالق وتعطيل الصانع وان كانوا مقرين بوجود موجود ~~غيره وان جعلوه اياه ثم يجدون في المخلوقات مباينا في ربوبية المخلوق ~~فيقولون بالجمع بين النقيضين كما تقدم # وقد يقولون بعبادة الاصنام وان عباد الاصنام على حق وعباد العجل على حق ~~وانه ما عبد غير الله قط اذ لا غير عندهم بل الوجود واحد ويقولون بامتناع ~~الدعوة إليه وأنه يمكن ان يتقرب إليه ويصل إليه وهم يقولون ما عدم في ~~البداية فيدعى إلى الغاية بل هو عين المدعو فكيف يدعو إلى نفسه # وكلام السلف والائمة في ذم الجهمية وتكفيرهم كثير جدا # وهؤلاء ومن وافقهم على بعض اقوالهم التى تنفى حقيقة اللقاء يتأولون ( ~~اللقاء ( على أن المراد به لقاء جزاء ربهم ويقولون ان الجزاء قد يرى كما في ~~قوله ( ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين قل انما العلم عند الله وانما ~~أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذى ~~PageV06P470 كنتم به تدعون ( فان ضمير المفعول في راوه عائد إلى الوعد ~~والمراد به الموعود أى فلما رأوا ما وعدوا سيئت وجوه الذين كفروا # ومن قال أن الضمير عائد هنا إلى الله فقوله ضعيف وفساد قول الذين يجعلون ~~المراد ( لقاء الجزاء ( دون لقاء الله ms1782 معلوم بالاضطرار بعد تدبر الكتاب ~~والسنة يظهر فساده من وجوه # ( أحدها ( أنه خلاف التفاسير المأثورة عن الصحابة والتابعين # ( الثانى ( أن حذف المضاف إليه يقارنه قرائن فلابد أن يكون مع الكلام ~~قرينة تبين ذلك كما قيل في قوله ( واسأل القرية التى كنا فيها ( ولو قال ~~قائل رأيت زيدا أو لقيته مطلقا واراد بذلك لقاء أبيه أو غلامه لم يجز ذلك ~~في لغة العرب بلا نزاع ولقاء الله قد ذكر في كتاب الله وسنة رسوله في مواضع ~~كثيرة مطلقا غير مقترن بما يدل على أنه أريد بلقاء الله لقاء بعض مخلوقاته ~~من جزاء أو غيره # ( الثالث ( أن اللفظ اذا تكرر ذكره في الكتاب ودار مرة بعد مرة على وجه ~~واحد وكان المراد به غير مفهومه ومقتضاه عند الاطلاق ولم يبين ذلك كان ~~تدليسا وتلبيسا يجب أن يصان كلام الله عنه الذى أخبر أنه شفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وانه بيان للناس واخبر أن الرسول قد بلغه ~~البلاغ المبين وأنه بين للناس ما نزل اليهم واخبر أن عليه بيانه ولا ~~PageV06P471 يجوز أن يقال ما في العقل دلالة على امتناع ارادة هذا المعنى ~~هو القرينة التى دل المخاطبين على الفهم بها لوجهين # ( أحدهما ( أن يقال ليس في العقل ما ينافى ذلك بل الضرورة العقلية ~~والبراهين العقلية توافق ما دل عليه القرآن كما قال ( ويرى الذين اوتوا ~~العلم الذى أنزل اليك من ربك هو الحق ( وما يذكر من الحجج العقلية المخالفة ~~لمدلول القرآن فهو شبهات فاسدة عند من له خبرة جيدة بالمعقولات دون من يقلد ~~فيها بغير نظر تام ( # ( الثانى ( أنه لو فرض أن هناك دليلا عقليا ينافى مدلول القرآن لكان خفيا ~~دقيقا ذا مقدمات طويلة مشكلة متنازع فيها ليس فيها مقدمة متفق عليها بين ~~العقلاء اذ ما يذكر من الادلة العقلية المخالفة لمدلول القرآن هي شبهات ~~فاسدة كلها ليست من هذا الباب # ومعلوم ان المخاطب الذى اخبر انه بين للناس وان كلامه بلاغ مبين وهدى ~~للناس اذا اراد بكلامه ما لا يدل ms1783 عليه ولا يفهم منه الا بمثل هذه القرينة ~~لم يكن قد بين وهدى بل قد كان لبس واضل وهذا مما اتفق المسلمون على وجوب ~~تنزيه الله ورسوله بل وعامة الصحابة والائمة من ذلك ( # الرابع ( ان قول النبى ( ( في الحديث المتفق عليه ( اللهم لك الحمد أنت ~~رب السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد انت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ~~ولك الحمد انت نور السماوات والأرض ومن PageV06P472 فيهن انت الحق وقولك ~~الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك اسلمت ~~وبك آمنت وعليك توكلت واليك أنبت واليك حاكمت وبك خاصمت اللهم اغفر لى ما ~~قدمت وما أخرت وما اسررت وما اعلنت وما أنت أعلم به منى انت الهى لا اله ~~الا أنت ( وفى لفظ ( أعوذ بك ان تضلنى انت الحى الذى لا تموت والجن والانس ~~يموتون ( # ففى الحديث فرق بين لقائه وبين الجنة والنار والجنة والنار تتضمن جزاء ~~المطيعين والعصاة فعلم أن لقاءه ليس هو لقاء الجنة والنار # ( الخامس ( أن النبى ( ( ذكر في غير حديث ما يبين لقاء العبد ربه كما في ~~الصحيحين عن عدى بن حاتم عن النبى ( ( أنه قال ( ما منكم من أحد الا سيكلمه ~~الله ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر ايمن منه فلا يرى الا شيئا قدمه ~~وينظر اشأم منه فلا يرى الا شيئا قدمه فتستقبله النار فمن استطاع ان يتقى ~~النار ولو بشق تمرة فليفعل فان لم يستطع فبكلمة طيبة ( إلى أمثال ذلك من ~~الاحاديث # ( السادس ( أنه لو أريد ( بلقاء الله ( بعض المخلوقات اما جزاء واما غير ~~جزاء لكان ذلك واقعا في الدنيا والآخرة فكان العبد لا يزال ملاقيا لربه ~~ولما علم المسلمون بالاضطرار من دين الاسلام ان لقاء الله لا يكون الا بعد ~~الموت علم بطلان ان ( اللقاء ( لقاء بعض المخلوقات ومعلوم ان الله قد جازى ~~خلقا على PageV06P473 أعمالهم في الدنيا بخير وشر كما جازى قوم نوح وعاد ~~وثمود وفرعون وكما جازى الانبياء واتباعهم ولم يقل مسلم ان لقاء هذه ms1784 الامور ~~في الدنيا لقاء الله ولو قال قائل ان لقاء الله جزاء مخصوص وهو الجنة مثلا ~~أو النار لقيل له ليس في لفظ هذا ( لقاء ( مخصوص ولا دليل ( عليه ( وليس هو ~~بأولى من أن يقال لقاء الله تعالى لقاء بعض ملائكته أو بعض الشياطين وامثال ~~ذلك من التحكمات الموجودة في الدنيا والاخرة اذ ليس دلالة اللفظ على تعيين ~~هذا بأولى من دلالته على تعيين هذا فبطل ذلك # ( الوجه السابع ( أن ( لقاء الله ( لم يستعمل في لقاء غيره لا حقيقة ولا ~~مجازا ولا استعمل لقاء زيد في لقاء غيره اصلا بل حيث ذكر هذا اللفظ فانما ~~يراد به لقاء المذكور اذ ما سواه لا يشعر اللفظ به فلا يدل عليه # ( الوجه الثامن ( أن قوله ( هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام واعد لهم ~~أجرا كريما ( فلو كان ( اللقاء ( هو لقاء جزائه لكان هو لقاء الاجر الكريم ~~الذى اعد لهم واذا اخبر بأنهم يلقون ذلك لم يحسن بعد ذلك الاخبار باعداده ~~اذ الاعداد مقصوده الوصول فكيف يخبر بالوسيلة بعد حصول المقصود هذا نزاع ~~بين العى الذى يصان عنه كلام أوسط الناس فضلا عن كلام رب العالمين لا سيما ~~وقد قرن اللقاء بالتحية وذلك لا يكون الا في اللقاء المعروف لا في حصول شيء ~~من النعيم المخلوق PageV06P474 # ( الوجه التاسع ( أن قول النبى ( ( في الحد الصحيح ( من أحب لقاء الله ~~أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ( أخبر فيه ان الله يحب ~~لقاء عبد ويكره لقاء عبد وهذا يمتنع حمله على الجزاء لأن الله لا يكره جزاء ~~أحد ولأن الجزاء لا يلقاه الله ولأنه ان جاز أن يلقى بعض المخلوق كالجزاء ~~أو غيره جاز أن يلقى العبد فالمحذور الذى يذكر في لقاء العبد موجود في ~~لقائه سائر المخلوقات فهذا تعطيل النص واما ان يقال بل هو لاق لبعضها ~~فيتناقض قول الجهمى ويبطل # ودلائل بطلان هذا القول لا تكاد تحصى يضيق هذا ms1785 الاستفتاء عن ذكر كثير ~~منها فضلا عن أكثرها # PageV06P475 ### ||| فصل # واما قول السائل كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه ولا نطلع عليه إلى آخره ~~فيقال له هذه مسألة اخرى كبيرة وهى ( مسألة محبة المؤمن ربه ( فان الكتاب ~~والسنة تنطق بذلك كقوله ( ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ( وقوله ( قل ان كنتم تحبون الله ~~فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ( وقوله ( قل ان كان آباؤكم ~~وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتى الله بأمره ( وقوله تعالى ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ( ~~الآية # وفى الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من ~~كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ~~ومن كان يكره ان يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار ( وامثال ذلك من ~~النصوص وهذه المحبة على حقيقتها عند سلف الامة وائمتها ومشائخها واول من ~~انكر حقيقتها شيخ الجهمية الجعد بن درهم فقتله PageV06P476 خالد بن عبد ~~الله القسرى بواسط يوم النحر وقال يا ايها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ~~فانى مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم ~~موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه # فان هؤلاء أنكروا حقيقة ( الخلة ( لأن الخلة كالمحبة وانكروا حقيقة ( ~~التكليم ( وجعلوا التكليم ما يخلقه في بعض الاجسام أو هو من جنس الالهام ~~حتى ادعى طوائف منهم أن أحدنا قد يحصل له التكليم كما حصل لموسى عليه ~~السلام بل سمع عين ما سمعه موسى والله تعالى قد بين اختصاص موسى بذلك عن ~~سائر الانبياء فكيف عن سائر المؤمنين والاولياء كما قال تعالى ( انا أوحينا ~~اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل ~~واسحق ويعقوب والاسباط ( إلى قوله ( وكلم الله موسى تكليما ms1786 ( ففرق بين ~~الايحاء والتكليم كما فرق بين الايحاء والتكليم من وراء حجاب في قوله ( وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب ( وكما بين هذه الخاصية ~~في قوله ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات ( # ثم هؤلاء الذين انكروا حقيقة المحبة لم يمكنهم انكار لفظها لأنه جاء في ~~الكتاب والسنة ففسروا محبته بعبادته وطاعته وامتثال امره أو محبة اوليائه ~~ونحو PageV06P477 ذلك مما يضاف إليه ولو علموا ان محبوب الغير لا يكون ~~محبوبا الا اذا كان ذلك الغير محبوبا فيكون هو المحبوب بالذات والوسائل ~~يحبون بالعرض # ولو تدبروا قولهم لعلموا انه مستحيل أن تحب عبادته أو أولياؤه إذا لم يكن ~~هو محبوبا فاذا قدروا أنه هو شيء ليس محبوبا لذاته كانت محبة العمل الذى ~~يحصل الأكل والشرب إنما هي في الحقيقة محبة الأكل والشرب والنكاح وكان ذلك ~~من جنس محبة سائر المشتبهيات فاذا تكون محبه الله ورسوله انما هي في ~~الحقيقة محبة الأكل والشرب إذا كان الله لا يحب لنفسه على رأي هؤلاء # وهذه المسألة أصل عبادة الله كما أن ( المسألة الأولى ( أصل الاقرار ~~بالله فتلك فيها ذهاب النفس والمال كما قال تعالى ( إن الله اشترى من ~~المؤمنين انفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) الآية # ولهذا نعت المحبين المحبوبين بقوله ( أذلة على المؤمنين اعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) بل أصل ( الولاية ( ~~الحب وأصل ( العداوة ( البغض وإنكار الحب والبغض يتضمن انكار ولاية الله ~~وعداوته كما أنكر بعض الفقهاء قوله ( انه لا يعز من عاديت ( وقوله ( لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء ) وهذا باب طويل وقد كتبت في هذين الأصلين عددا ~~يبلغ اكثر من الاسفار وكلام الأولين والآخرين من أهل العلم والايمان موجود ~~في هذا # فقول القائل كيف نتصور عبادة من لا نعرفه اذ الايمان بما لا نعرفه أو ~~الطاعة لما لا نعرفه أو التسبيح والتحميد بما لا نعرفه ونحو ذلك من ~~PageV06P478 العبادات فهذه الامور لا يمكن ان تتعلق ms1787 بمجهول من كل وجه اذ ~~ذلك ممتنع لا يجب أن تكون معرفته للمعبود المحبوب كمعرفته بنفسه بل ليس لنا ~~في الوجود من نحبه أو نبغضه # ونحن نعرفه كمعرفة الله به والمعرفة قد تكون من جهة الاستدلال والنظر # ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربهم في الدنيا ويتفاوتون في درجات العرفان ~~والنبى ( صلى الله عليه وسلم ( أعلمنا بالله وقد قال ( لا أحصى ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك ( وهذا يتعلق بمعرفة زيادة المعرفة ونقصها المتعلقة ~~بمسألة زيادة الايمان ونقصه وهى مسألة كبيرة # والذى مضى عليه سلف الأمة وأئمتها أن نفس الايمان الذى في القلوب يتفاضل ~~كما قال النبى ( ( أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ايمان ( ~~وأما زيادة العمل الصالح الذى على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه وان كان في ~~دخوله في مطلق الايمان نزاع وبعضه لفظى مع أن الذى عليه أئمة اهل السنة ~~والحديث وهو مذهب مالك والشافعى وغيرهم أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص # وأئمة المسلمين أهل المذاهب الاربعة وغيرهم مع جميع الصحابة والتابعين ~~لهم باحسان متفقون على ان المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب كما تقوله الخوارج ~~ولا يسلب جميع الايمان كما تقوله المعتزلة لكن بعض الناس قال ان ايمان ~~الخلق مستو فلا يتفاضل ايمان ابى بكر وعمر وايمان الفساق بناء على أن ~~التصديق بالقلب واللسان أو بالقلب وذلك لا يتفاضل PageV06P479 # وأما عامة السلف والأئمة فعندهم ان ايمان العباد لا يتساوى بل يتفاضل ~~وايمان السابقين الاولين أكمل من ايمان أهل الكبائر المجرمين ثم النزاع ~~مبنى على الأصلين # ( أحدهما ( العمل هل يدخل في مطلق الايمان فان العمل يتفاضل بلا نزاع فمن ~~أدخله في مطلق الايمان قال يتفاضل ومن لم يدخله في مطلق الايمان احتاج إلى ~~( الأصل الثانى ( وهو أن ما في القلب من الايمان هل يتفاضل فظن من نفى ~~التفاضل أن ليس في القلب من محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه وأمثال ~~ذلك مما قد يخرجه هؤلاء عن محض التصديق ما هو متفاضل بلا ريب ثم نفس ~~التصديق ms1788 أيضا متفاضل من جهات # ( منها ( أن التصديق بما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وسلم ( قد يكون ~~مجملا وقد يكون مفصلا والمفصل من المجمل فليس تصديق من عرف القرآن ومعانيه ~~والحديث ومعانيه وصدق بذلك مفصلا كمن صدق أن محمدا رسول الله ( ( وأكثر ما ~~جاء به لا يعرفه أو لا يفهمه ومنها # ( ومنها ( أن التصديق نفسه يتفاضل كنهه فليس ما أثنى عليه البرهان بل ~~تشهد له الاعيان وأميط عنه كل أذى وحسبان حتى بلغ أعلى الدرجات درجات ~~الايقان كتصديق زعزعته الشبهات وصدفته الشهوات ولعب به PageV06P480 التقليد ~~ويضعف لشبه المعاندالعيد وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد ولهذا كان ~~المشائخ أهل المعرفة والتحقيق السالكون إلى الله أقصد طريق متفقين على ~~الزيادة والنقصان في الايمان والتصديق كما هو مذهب أهل السنة والحديث في ~~القديم والحديث وهذه مسائل كبار لا يمكن فيها الا الاطناب بمثل هذا الجواب # PageV06P481 ### ||| فصل # وأما قول السائل قد يعترض على هذا السؤال وهو اذا كان حب اللقاء لما رآه ~~من النعيم فالمحبة حينئذ للنعيم العائد عليه لا لمجرد لقاء الله # فيقال له ليس كذلك ولكن لقاء الله على نوعين ( لقاء محبوب ( و ( لقاء ~~مكروه ( كما قال سليمان بن عبد الملك لأبى حازم سلمة بن دينار الاعرج كيف ~~القدوم على الله تعالى فقال المحسن كالغائب يقدم على مولاه واما المسىء ~~كالآبق يقدم به على مولاه # فلما كان اللقاء نوعين وانما يميز أحدهما عن الآخر في الاخبار بما يوصف ~~به هذا اللقاء وهذا اللقاء وصف النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اللقاء ~~المحبوب ( بما تتقدمه البشرى بالخير وما يقترن به من الاكرام و ( اللقاء ~~المكروه ( بما يتقدمه من البشرى بالسوء وما يقترن به من الاهانة فصار ~~المؤمن مخبرا بأن لقاءه لله لقاء محبوب والكافر مخبرا بأن لقاءه الله مكروه ~~فصار المؤمن يحب لقاء الله وصار الكافر يكره لقاء الله فأحب الله لقاء هذا ~~وكره لقاء هذا ( جزاء وفاقا ( # فان الجزاء بذلك من جنس العمل كما قال ( صلى الله عليه وسلم ( الراحمون ~~PageV06P482 يرحمهم ms1789 الرحمن ارحموا ارحموا احموا من في الأرض يرحمكم من في ~~السماء ( وكما قال ( ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه ~~كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ~~ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان ~~العبد في عون أخيه ( # وفى الحديث الصحيح الالهى ( من ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى ومن ذكرنى في ~~ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إلى شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب إلى ~~ذراعا تقربت منه باعا ومن اتانى يمشى اتيته هرولة ( وقال ( ( من كان له ~~لسانان في الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة ( وقال من استمع إلى ~~حديث ( ل تزال المسألة بالرجل حتى يجيء يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ~~( # وقال تعالى ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون ان يغفر الله لكم ( وقال تعالى ~~( ان تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فان الله كان عفوا قديرا ( ومثل ~~هذا في الكتاب والسنة كثير يبين فيهما أن الجزاء من جنس العمل # وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى في صحيحه عن أبى هريرة عن النبى ( ( ~~أنه قال ( يقول الله من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى ~~عبدى بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى PageV06P483 يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر ~~به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يمشى ~~ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه ( # فبين سبحانه ان العبد اذا تقرب إليه بمحابه من النوافل بعد الفرائض أحبه ~~الرب كما وصف وهذا ما احتملته هذه الاوراق من الجواب والحمد لله رب ~~العالمين # PageV06P484 ### || 1 ( رسالة إلى أهل البحرين ) 1 # ! 8 < قال شيخ الاسلام ! 8 < في ( رسالته إلى ms1790 أهل البحرين ( واختلافهم في ~~صلاة الجمعة # والذى أوجب هذا أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم حتى ~~ذكروا أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف في ( رؤية ~~الكفار ربهم ( وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد فالأمر ~~في ذلك خفيف # وانما المهم الذى يجب على كل مسلم اعتقاده أن المؤمنين يرون ربهم في ~~الدار الآخرة في عرصة القيامة وبعد ما يدخلون الجنة على ما تواترت به ~~الاحاديث عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( عند العلماء بالحديث فانه أخبر ( ~~( ( انا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر والشمس عند الظهيرة لا يضام في ~~رؤيته ( # و ( رؤيته سبحانه ( هي أعلى مراتب نعيم الجنة وغاية مطلوب الذين عبدوا ~~الله مخلصين له الدين وان كانوا في الرؤية على درجات على حسب قربهم من الله ~~ومعرفتهم به PageV06P485 والذي عليه جمهور ( السلف ( أن من جحد رؤية الله ~~في الدار الآخرة فهو كافر فان كان ممن لم يبلغه العلم في ذلك عرف ذلك كما ~~يعرف من لم تبلغه شرائع الاسلام فان أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو ~~كافر # والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة قد دون العلماء فيها ( كتبا ( مثل ~~( كتاب الرؤية ( للدارقطنى ولأبى نعيم وللآجرى وذكرها المصنفون في السنة ~~كابن بطة واللالكائى وبن شاهين وقبلهم عبد الله بن أحمد بن حنبل وحنبل بن ~~إسحاق والخلال والطبرانى وغيرهم وخرجها أصحاب الصحيح والمساند والسنن ~~وغيرهم # فأما ( مسألة رؤية الكفار ( فأول ما انتشر الكلام فيها وتنازع الناس فيها ~~بعد فيما بلغنا ثلاثمائة سنة من الهجرة وأمسك عن الكلام في هذا قوم من ~~العلماء وتكلم فيها آخرون فاختلفوا فيها على ( ثلاثة أقوال ( مع أنى ما ~~علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها اذ في الفرق ~~الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب سنة # والكلام فيها قريب من الكلام في مسألة ( محاسبة الكفار ( هل يحاسبون أم ~~لا هي مسألة لا يكفر فيها بالاتفاق والصحيح ايضا ان لا يضيق فيها ms1791 ولا يهجر ~~وقد حكى عن أبى الحسن بن بشار أنه قال لا يصلى خلف من يقول أنهم يحاسبون ~~والصواب الذى عليه الجمهور أنه يصلى خلف الفريقين بل يكاد الخلاف بينهم ~~يرتفع عند التحقيق مع أنه قد اختلف فيها PageV06P486 أصحاب الامام أحمد وان ~~كان أكثرهم يقولون لا يحاسبون واختلف فيها غيرهم من أهل العلم وأهل الكلام # وذلك أن ( الحساب ( قد يراد به الاحاطة بالاعمال وكتابتها في الصحف ~~وعرضها على الكفار وتوبيخهم على ما عملوه وزيادة العذاب ونقصه بزيادة الكفر ~~ونقصه فهذا الضرب من الحساب ثابت بالاتفاق # وقد يراد ( بالحساب ( وزن الحسنات بالسيئات ليتبين أيهما ارجح فالكافر لا ~~حسنات له توزن بسيئاته اذ أعماله كلها حابطة وانما توزن لتظهر خفة موازينه ~~لا ليتبين رجحان حسنات له وقد يراد ( بالحساب ( أن الله هل هو الذى يكلمهم ~~أم لا فالقرآن والحديث يدلان على أن الله يكلمهم تكليم توبيخ وتقريع وتبكيت ~~لا تكليم تقريب وتكريم ورحمة وان كان من العلماء من أنكر تكليمهم جملة # والأقوال الثلاثة في # ( رؤية الكفار ( احدها ( ان الكفار لا يرون ربهم بحال لا المظهر للكفر ~~ولا المسر له وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين وعليه يدل عموم كلام ~~المتقدمين وعليه جمهور أصحاب الامام أحمد وغيرهم # ( الثانى ( انه يراه من أظهر التوحيد من مؤمنى هذه الأمة ومنافقيها ~~وغبرات من أهل الكتاب وذلك في عرصة القيامة ثم يحتجب عن المنافقين ~~PageV06P487 فلا يرونه بعد ذلك وهذا قول أبى بكر بن خزيمة من أئمة أهل ~~السنة وقد ذكر القاضي أبو يعلى نحوه في حديث اتيانه سبحانه وتعالى لهم في ~~الموقف الحديث المشهور # ( الثالث ( أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب كاللص اذا رأى السلطان ثم ~~يحتجب عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم وهذا قول أبى الحسن بن سالم وأصحابه ~~وقول غيرهم وهم في الأصول منتسبون إلى الامام أحمد بن حنبل وابى سهل بن عبد ~~الله التسترى # وهذا مقتضى قول من فسر ( اللقاء ( في كتاب الله بالرؤية اذ طائفة من أهل ~~السنة منهم أبو عبد الله بن بطة الامام ms1792 قالوا في قول الله ( الذين كفروا ~~بآيات ربهم ولقائه ( وفى قوله ( من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت ( ~~وفى قول الله ( وانها لكبيرة الا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~ربهم ( وفى قوله ( قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ( وفى قوله ( قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله ( ان اللقاء يدل على الرؤية والمعاينة وعلى هذا ~~المعنى فقد استدل المثبتون بقوله سبحانه وتعالى ( يا أيها الانسان انك كادح ~~إلى ربك كدحا فملاقيه ( ومن أهل السنة من قال ( اللقاء ( اذا قرن بالتحية ~~فهو من الرؤية وقال بن بطة سمعت أبا عمر الزاهد اللغوى يقول سمعت أبا ~~العباس أحمد بن يحيى PageV06P488 بلغنا يقول في قوله ( وكان بالمؤمنين ~~رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام ( أجمع أهل اللغة أن اللقاء ها هنا لا يكون ~~الا معاينة ونظرة بالأبصار # وأما ( الفريق الأول ( فقال بعضهم ليس الدليل من القرآن على رؤية ~~المؤمنين ربهم قوله ( تحيتهم يوم يلقونه سلام ( وانما الدليل آيات أخر مثل ~~قوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( وقوله ( للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة ( وقوله ( ان الابرار لفى نعيم على الأرائك ينظرون ( وقوله ( لهم ما ~~يشاءون فيها ولدينا مزيد ( إلى غير ذلك # ومن أقوى ما يتمسك به المثبتون ما رواه مسلم في صحيحه عن سهيل بن أبى ~~صالح عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال سأل الناس رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ( فقالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال ( هل ~~تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب قالوا لا يا رسول الله قال ~~فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب قالوا لا يا رسول الله ~~قال فوالذى نفسى بيده لا تضارون في رؤية ربكم الا كما تضارون في رؤية ~~أحدهما قال فيلقى العبد فيقول أي فلان ألم اكرمك ألم أسودك ألم أزوجك ألم ~~اسخر لك الخيل والابل واركك ترأس وتربع قال فيقول بلى يا رب قال فظننت أنك ~~ملاقى فيقول يا رب لا قال ms1793 فاليوم انساك كما نسيتنى قال فيلقى الثانى فيقول ~~الك أكرمك ألم أسودك ألم أزوجك الم اسخر لك الخيل والابل واتركك ترأس وتربع ~~PageV06P489 قال فيقول بلى يا رب قال فظننت أنك ملاقى فيقول يا رب لا قال ~~فاليوم انساك كما نسيتنى ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت ~~بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثنى بخير ما استطاع فيقال الا نبعث ~~شاهدنا عليك فيتفكر في نفسه من يشهد على فيختم على فيه يقال لفخذه انطقى ~~فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق الذى سخط ~~الله عليه ( إلى هنا رواه مسلم # وفى رواية غيره وهى مثل روايته سواء صحيحة قال ( ثم ينادى مناد الا تتبع ~~كل أمة ما كانت تعبد قال فتتبع أولياء الشياطين قال واتبعت اليهود والنصارى ~~اولياءهم إلى جهنم ثم نبقى ايها المؤمنون فيأتينا ربنا وهو ربنا فيقول علام ~~هؤلاء قيام فنقول نحن عباد الله المؤمنون عبدناه وهو ربنا وهو آتينا ~~ويثيبنا وهذا مقامنا فيقول انا ربكم فامضوا قال فيوضع الجسر وعليه كلاليب ~~من النار تخطف الناس فعند ذلك حلت الشفاعة لى اللهم سلم اللهم سلم قال فاذا ~~جاؤوا الجسر فكل من أنفق زوجا من المال مما يملك في سبيل الله فكل خزنة ~~الجنة يدعونه يا عبد الله يا مسلم هذا خير فتعال يا عبد الله يا مسلم هذا ~~خير فتعال فقال أبو بكر رضى الله عنه يا رسول الله ذلك العبد لا توى عليه ~~يدع بابا ويلج من آخر فضرب النبى ( ( على منكبيه وقال والذى نفسى بيده انى ~~لأرجو أن تكون منهم PageV06P490 وهذا حديث صحيح وفيه أن الكافر والمنافق ~~يلقى ربه ويقال ظاهره أن الخلق جميعهم يرون ربهم فيلقى الله العبد عند ذلك # لكن قال بن خزيمة والقاضى أبو يعلى وغيرهما ( اللقاء ( الذى في الخبر غير ~~الترائى لا أن الله تراءى لمن قال له هذا القول وهؤلاء يقولون اخبر النبى ( ~~( أن المؤمنين يرون ربهم لأنهم قالوا هل نرى ربنا والضمير عائد ms1794 على ~~المؤمنين فذكر النبى ( ( أن الكافر يلقى ربه فيوبخه ثم بعد ذلك تتبع كل أمة ~~ما كانت تعبد ثم بعد ذلك يراه المؤمنون # يبين ذلك أن في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد ~~عن أبى هريرة أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل ~~تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فهل ~~تمارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فانكم ترونه كذلك يحشر الناس ~~يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من ~~يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم ~~الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فاذا جاء ربنا ~~عرفناه فيأتيهم الله في صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ~~فيعرفونه ويضرب الصراط بين ظهرانى جهنم فأكون أول من جاوز من الرسل بأمته ~~ولا PageV06P491 يتكلم يومئذ أحد الا الرسل وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم ~~سلم وفى جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا نعم قال ~~فانها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها الا الله تخطف الناس ~~بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله ومنهم المجازى حتى ينجو حتى اذا أراد الله ~~رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله ~~فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ~~فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة ~~في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة ~~والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة فيقبل بوجهه قبل النار فيقول يا رب ~~اصرف وجهى عن النار قد قشبنى ريحها واحرقنى ذكاؤها فيقول هل عسيت ان فعل بك ~~ذلك ان لا تسأل غير ذلك فيقول لا وعزتك فيعطى الله ما شاء من عهد وميثاق ~~فيصرف ms1795 الله وجهه عن النار فاذا أقبل به على الجنة ورأى بهجتها سكت ما شاء ~~الله أن يسكت ثم قال يا رب قدمنى عند باب الجنة فيقول الله له اليس قد ~~أعطيت العهود والميثاق ان لا تسأل غير الذى كنت سألت فيقول يا رب لا أكون ~~اشقى خلقك فيقول هل عسيت أن أعطيتك ذلك أن لا تسأل غير ذلك فيقول لا وعزتك ~~لا أسأل غير ذلك فيعطى ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة فاذا ~~بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فيسكت ما شاء الله ان ~~يسكت فيقول يا رب ادخلنى الجنة فيقول الله ويحك يا بن آدم ما أغدرك أليس قد ~~أعطيت العهود والميثاق ان لا تسأل غير PageV06P492 الذى أعطيت فيقول يا رب ~~لا تجعلنى أشقى خلقك فيضحك الله منه ثم يؤذن له في دخول الجنة فيقول تمن ~~فيتمنى حتى اذا انقطعت امنيته قال الله من كذا وكذا اقبل يذكره ربه حتى اذا ~~انتهت به الامانى قال الله لك ذلك ومثله معه # قال أبو سعيد الخدرى لأبى هريرة رضى الله عنهما أن رسول الله ( ( قال قال ~~الله لك ذلك وعشرة امثاله قال أبو هريرة لم أحفظ من رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ( الا قوله لك ذلك ومثله معه قال أبو سعيد أنى سمعته يقول لك ذلك ~~وعشرة امثاله # وفى رواية في الصحيح قال وابو سعيد مع أبى هريرة لا يرد عليه في حديثه ~~شيئا حتى اذا قال أبو هريرة ان الله قال ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد ~~الخدرى وعشرة امثاله يا أبا هريرة فهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض ~~وقد اتفق أبو هريرة وأبو سعيد وليس فيه ذكر الرؤية الا بعد ان تتبع كل أمة ~~ما كانت تعبد # وقد روى باسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال ( يجمع ~~الله الناس يوم القيامة قال فينادى مناد يا أيها الناس ألم ترضوا من ربكم ~~الذى خلقكم ms1796 وصوركم ورزقكم ان يولى كل انسان منكم إلى من كان يعبد في الدنيا ~~ويتولى قال ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويمثل لمن PageV06P493 كان ~~يعبد عزيزا شيطان عزيز حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر ويبقى أهل ~~الاسلام جثوما فيقال لهم ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس فيقولون ان لنا ~~ربا ما رأيناه بعد قال فيقال فبم تعرفون ربكم اذا رأيتموه قالوا بيننا ~~وبينه علامة ان رأيناه عرفناه قيل وما هو قالوا يكشف عن ساق ( وذكر الحديث # ففى هذا الحديث ان المؤمنين لم يروه قبل تجليه لهم خاصة وأصحاب القول ~~الاخر يقولون معنى هذا لم يروه مع هؤلاء الالهة التى يتبعها الناس فلذلك لم ~~يتبعوا شيئا # يدل على ذلك ما في الصحيحين ايضا من حديث زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن ~~أبى سعيد الخدرى قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله ~~( ( نعم فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون ~~في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال ما ~~تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة الا كما تضارون في رؤية ~~احدهما اذا كان يوم القيامة اذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى ~~أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا ~~لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب فيدعى اليهود ~~فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزير بن الله فيقول كذبتم ما اتخذ ~~الله من صاحبة PageV06P494 ولا ولد فماذا تبغون قالوا عطشنا يا رب فاسقنا ~~فيشار اليهم الا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ~~فيتساقطون في النار ثم يدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا ~~نعبد المسيح بن الله فيقال لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا ~~تبغون فيقولون عطشنا يا رب فاسقنا قال فيشار ms1797 اليهم الا تردون فيحشرون إلى ~~جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى اذا لم يبق الا من ~~كان يعبد الله من بر وفاجر اتاهم الله في أدنى صورة من التى راوه فيها وفى ~~رواية قال فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التى راوها أول مرة قال فما ~~تنتظرون لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا ~~افقر ما كنا اليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا ~~نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى ان بعضهم ليكاد ان ينقلب فيقول هل ~~بينكم وبينه آية تعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان ~~يسجد لله من تلقاء نفسه الا اذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد ~~نفاقا ورياء الا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما اراد أن يسجد خر على قفاه ~~ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التى رأوه فيها اول مرة فقال انا ربكم ~~فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم ~~سلم قيل يا رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة ~~تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق ~~وكالريح وكالطير PageV06P495 وكأجاود الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ~~ومكردس في نار جهنم حتى اذا خلص المؤمنون من النار فوالذى نفسى بيده ما من ~~أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لاخوانهم ~~الذين في النار ( # ففى هذا الحديث ما يستدل به على أنهم راوه اول مرة قبل أن يقول ليتبع كل ~~قوم ما كانوا يعبدون وهى ( الرؤية الاولى ( العامة التى في ( الرؤية الاولى ~~( عن أبى هريرة فانه أخبر في ذلك الحديث بالرؤية واللقاء ثم بعد ذلك يقول ~~ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون # وكذلك جاء مثله في حديث صحيح من رواية العلاء عن أبيه عن أبى هريرة رضى ~~الله عنه قال قال رسول الله ( ( يجمع ms1798 الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ~~ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول ألا يتبع الناس ما كانوا يعبدون فيمثل ~~لصاحب الصليب صليبه ولصاحب النار ناره ولصاحب التصوير تصويره فيتبعون ما ~~كانوا يعبدون ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين فيقول الا تتبعون ~~الناس فيقولون نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو ~~يأمرهم ويثبتهم ثم يتوارى ثم يطلع فيقول ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ ~~بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا ويثبتهم قالوا وهل نراه يا ~~رسول الله قال فانكم لا تتمارون في رؤيته تلك الساعة ثم يتوارى ثم يطلع ~~عليهم فيعرفهم نفسه ثم يقول أنا ربكم فاتبعونى فيقوم المسلمون ويوضع الصراط ~~PageV06P496 # وابين من هذا كله في أن ( الرؤية الاولى ( عامة لأهل الموقف حديث أبى ~~رزين العقيلى الحديث الطويل قد رواه جماعة من العلماء وتلقاه أكثر المحدثين ~~بالقبول وقد رواه بن خزيمة في ( كتاب التوحيد ( وذكر أنه لم يحتج فيه الا ~~بالاحاديث الثابتة قال فيه رسول الله ( ( فتخرجون من الاصوى ومن مصارعكم ~~فتنظرون إليه وينظر اليكم قال قلت يا رسول الله كيف وهو شخص واحد ونحن ملأ ~~الأرض ننظر إليه وينظر الينا قال أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمس والقمر ~~آية منه صغيرة ترونهما في ساعة واحدة ويريانكم ولا تضامون في رؤيتهما ولعمر ~~الهك لهو على أن يراكم وترونه اقدر منهما على أن يرياكم وتروهما قلت يا ~~رسول الله فما يفعل بنا ربنا اذا لقيناه قال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم ~~ولا يخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم ~~فلعمر الهك ما يخطئ وجه واحد منكم قطرة فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الريطة ~~البيضاء وأما الكافر فتخطمه مثل الحمم الاسود الا ثم ينصرف نبيكم ( ( فيمر ~~على أثره الصالحون أو قال ينصرف على أثره الصالحون قال فيسلكون جسرا من ~~النار ( وذكر حديث ( الصراط ( # وقد روى أهل السنن قطعة من حديث أبى رزين باسناد جيد عن أبى رزين قال قلت ms1799 ~~يا رسول الله اكلنا يرى ربه يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال ( يا أبا ~~رزين أليس كلكم يرى القمر مخليا به قلت بلى قال فالله أعظم PageV06P497 # فهذا الحديث فيه أن قوله ( تنظرون إليه وينظر اليكم ( عموم لجميع الخلق ~~كما دل عليه سياقه # وروى بن خزيمة عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه مرفوعا إلى النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ( قال ( والله ما منكم من أحد الا سيخلو الله به كما يخلو ~~أحدكم بالقمر ليلة البدر أو قال ليلة يقول بن آدم ما غرك بى بن آدم ما عملت ~~فيما علمت بن آدم ماذا أجبت المرسلين ( # فهذه أحاديث مما يستمسك بها هؤلاء فقد تمسك بعضهم بقوله سبحانه وتعالى ( ~~فلما رأوه زلفة ( واعتقدوا أن الضمير عائد إلى الله وهذا غلط فان الله ~~سبحانه وتعالى قال ( ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين قل انما العلم ~~عند الله وانما أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل ~~هذا الذى كنتم به تدعون ( فهذا يبين أن الذى رأوه هو الوعد أى الموعود به ~~من العذاب الا تراه يقول ( وقيل هذا الذى كنتم به تدعون ( # وتمسكوا بأشياء باردة فهموها من القرآن ليس فيها دلالة بحال # وأما الذين خصوا ( بالرؤية ( أهل التوحيد في الظاهر مؤمنهم ومنافقهم ~~فاستدلوا بحديث أبى هريرة وأبى سعيد المتقدمين كما ذكرناهما # وهؤلاء الذين يثبتون رؤيته لكافر ومنافق انما يثبتونها مرة واحدة أو ~~مرتين للمنافقين ( رؤية تعريف ( ثم يحتجب عنهم بعد ذلك في العرصة ~~PageV06P498 # وأما الذين نفوا ( الرؤية ( مطلقا على ظاهره المأثور عن المتقدمين فاتباع ~~لظاهر قوله ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( روى بن بطة باسناده عن ~~اشهب قال قال رجل لمالك يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة ~~فقال مالك لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب ~~قال تعالى ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( وعن المزنى قال سمعت بن أبى ~~هرم يقول قال الشافعى في كتاب ms1800 الله ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( ~~دلالة على أن اولياءه يرونه على صفته # وعن حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبد الله يعنى أحمد بن حنبل يقول أدركت ~~الناس وما ينكرون من هذه الاحاديث شيئا أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها ~~على الجملة يمرونها على حالها غير منكرين لذلك ولا مرتابين قال أبو عبد ~~الله ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( فلا يكون حجاب الا لرؤية فأخبر ~~الله ان من شاء الله ومن اراد فانه يراه والكفار لا يرونه وقال قال الله ( ~~وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( # والاحاديث التى تروى في النظر إلى الله حديث جرير بن عبد الله وغيره ( ~~تنظرون إلى ربكم ( أحاديث صحاح وقال ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة النظر ~~إلى الله قال أبو عبد الله أحاديث الرؤية نؤمن بها ونعلم أنها حق ونؤمن ~~بأننا نرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا نرتاب # قال وسمعت أبا عبد الله يقول من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد ~~PageV06P499 كفر وكذب بالقرآن ورد على الله تعالى أمره يستتاب فان تاب والا ~~قتل قال حنبل قلت لأبى عبد الله في احاديث الرؤية فقال صحاح هذه نؤمن بها ~~ونقر بها وكل ما روى عن النبى ( ( باسناد جيد اقررنا به # قال أبو عبد الله اذا لم نقر بما جاء عن النبى ( ( ودفعناه رددنا على ~~الله أمره قال الله ( وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( # وكذلك قال أبو عبد الله الماجشون وهو من اقران مالك في كلام له فورب ~~السماء والأرض ليجعل الله رؤيته يوم القيامة للمخلصين ثوابا فتنضر بها ~~وجوههم دون المجرمين وتفلج بها حجتهم على الجاحدين جهم وشيعته وهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون لا يرونه كما زعموا أنه لا يرى ولا يكلمهم ولا ينظر اليهم ~~ولهم عذاب اليم كيف لم يعتبروا يقول الله تعالى ( كلا انهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون ( أفيظن أن الله يقصيهم ويعنتهم ويعذبهم بأمر يزعم الفاسق أنه ~~واولياؤه فيه سواء # ومثل هذا الكلام كثير في ms1801 كلام غير واحد من السلف مثل وكيع بن الجراح ~~وغيره وقال القاضي أبو يعلى وغيره كانت الامة في رؤية الله بالابصار على ( ~~قولين ( منهم المحيل للرؤية عليه وهم المعتزلة والنجارية وغيرهم من ~~الموافقين لهم على ذلك ( والفريق الآخر ( أهل الحق والسلف من هذه ~~PageV06P500 الامة متفقون على أن المؤمنين يرون الله في المعاد وان ~~الكافرين لا يرونه فثبت بهذا اجماع الامة ممن يقول بجواز الرؤية وممن ~~ينكرها على منع رؤية الكافرين لله وكل قول حادث بعد الاجماع فهو باطل مردود # وقال هو وغيره ايضا الأخبار الواردة في ( رؤية المؤمنين لله ( انما هي ~~على طريق البشارة فلو شاركهم الكفار في ذلك بطلت البشارة ولا خلاف بين ~~القائلين بالرؤية في أن رؤيته من أعظم كرامات اهل الجنة # قال وقول من قال انما يرى نفسه عقوبة لهم وتحسيرا على فوات دوام رؤيته ~~ومنعهم من ذلك بعد علمهم بما فيها من الكرامة والسرور يوجب ان يدخل الجنة ~~الكفار ويريهم ما فيها من الحور والولدان ويطعمهم من ثمارها ويسقيهم من ~~شرابها ثم يمنعهم من ذلك ليعرفهم قدر ما منعوا منه ويكثر تحسرهم وتلهفهم ~~على منع ذلك بعد العلم بفضيلته # و ( العمدة ( قوله سبحانه ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( فانه يعم ~~حجبهم عن ربهم في جميع ذلك اليوم وذلك اليوم يوم ( يقوم الناس لرب العالمين ~~( وهو يوم القيامة فلو قيل انه يحجبهم في حال دون حال لكان تخصيصا للفظ ~~بغير موجب ولكان فيه تسوية بينهم وبين المؤمنين فان ( الرؤية ( لا تكون ~~دائمة للمؤمنين والكلام خرج مخرج بيان عقوبتهم بالحجب وجزائهم به فلا يجوز ~~ان يساويهم المؤمنون في عقاب ولا جزاء سواه فعلم ان الكافر محجوب على ~~الاطلاق بخلاف المؤمن واذا كانوا في عرصة PageV06P501 القيامة محجوبين ~~فمعلوم أنهم في النار أعظم حجبا وقد قال سبحانه وتعالى ( ومن كان في هذه ~~أعمى فهو في الآخرة اعمى واضل سبيلا ( وقال ( ونحشره يوم القيامة أعمى ( ~~واطلاق وصفهم بالعمى ينافى ( الرؤية ( التى هي أفضل أنواع الرؤية # فبالجملة فليس مقصودى بهذه الرسالة ms1802 الكلام المستوفى لهذه المسألة فان ~~العلم كثير وانما الغرض بيان أن هذه ( المسألة ( ليست من المهمات التى ~~ينبغى كثرة الكلام فيها وايقاع ذلك إلى العامة والخاصة حتى يبقى شعارا ~~ويوجب تفريق القلوب وتشتت الاهواء # وليست هذه ( المسألة ( فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة فان الذين ~~تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة واتباع وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ~~ويتقاطعوا كما اختلف الصحابة رضى الله عنهم والناس بعدهم في رؤية النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ( ربه في الدنيا وقالوا فيها كلمات غليظة كقول أم ~~المؤمنين عائشة رضى الله عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله ~~الفرية ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجرا ولا تقاطعا # وكذلك ناظر الامام أحمد أقواما من أهل السنة في ( مسألة الشهادة للعشرة ~~بالجنة ( حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الاصوات وكان أحمد وغيره يرون ~~الشهادة ولم يهجروا من امتنع من الشهادة إلى مسائل نظير هذه كثيرة # والمختلفون في هذه ( المسألة ( اعذر من غيرهم اما ( الجمهور ( فعذرهم ~~PageV06P502 ظاهر كما دل عليه القرآن وما نقل عن السلف وان عامة الاحاديث ~~الواردة في ( الرؤية ( لم تنص الا على رؤية المؤمنين وأنه لم يبلغهم نص ~~صريح برؤية الكافر ووجدوا الرؤية المطلقة قد صارت دالة على غاية الكرامة ~~ونهاية النعيم # وأما المثبتون عموما وتفصيلا فقد ذكرت عذرهم وهم يقولون قوله ( كلا انهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( هذا الحجب بعد المحاسبة فانه قد يقال حجبت فلانا ~~عني وإن كان قد تقدم الحجب نوع رؤية وهذا حجب عام متصل وبهذا الحجب يحصل ~~الفرق بينهم وبين المؤمنين فانه سبحانه وتعالى يتجلى للمؤمنين في عرصات ~~القيامة بعد ان يحجب الكفار كما دلت عليه الاحاديث المتقدمة ثم يتجلى لهم ~~في الجنة عموما وخصوصا دائما ابدا سرمدا # ويقولون ان كلام السلف مطابق لما في القرآن ثم ان هذا النوع من ( الرؤية ~~( الذى هو عام للخلائق قد يكون نوعا ضعيفا ليس من جنس ( الرؤية ( التى يختص ~~بها المؤمنون فان ( الرؤية ( أنواع متباينة تباينا عظيما لا ms1803 يكاد ينضبط ~~طرفاها # وهنا آداب تجب مراعاتها # منها ان من سكت عن الكلام في هذه المسألة ولم يدع إلى شيء فانه لا يحل ~~هجره وان كان يعتقد أحد الطرفين فان البدع التى هي أعظم منها لا يهجر فيها ~~الا الداعية دون الساكت فهذه أولى PageV06P503 # ومن ذلك أنه لا ينبغى لاهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعارا ~~يفضلون بها بين اخوانهم واضدادهم فان مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله # وكذلك لا يفاتحوا فيها عوام المسلمين الذين هم في عافية وسلام عن الفتن ~~ولكن اذا سئل الرجل عنها أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك القى إليه مما عنده ~~من العلم ما يرجو النفع به بخلاف الايمان بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة ~~فان الايمان بذلك فرض واجب لما قد تواتر فيها عن النبى ( ( وصحابته وسلف ~~الأمة # ومن ذلك أنه ليس لاحد أن يطلق القول بأن الكفار يرون ربهم من غير تقييد ~~لوجهين # ( أحدهما ( ان ( الرؤية المطلقة ( قد صار يفهم منها الكرامة والثواب ففى ~~اطلاق ذلك ايهام وايحاش وليس لأحد أن يطلق لفظا يوهم خلاف الحق الا أن يكون ~~مأثورا عن السلف وهذا اللفظ ليس مأثورا # ( الثانى ( أن الحكم اذا كان عاما في تخصيص بعضه باللفظ خروج عن القول ~~الجميل فانه يمنع من التخصيص # فان الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث ومع هذا يمنع الانسان ان يخص ما ~~يستقذر من المخلوقات وما يستقبحه الشرع من الحوادث بأن يقول على الانفراد ~~يا خالق الكلاب ويا مريدا للزنا ونحو ذلك بخلاف ما لو قال يا خالق كل شيء ~~ويا من كل شيء يجرى بمشيئته PageV06P504 فكذلك هنا لو قال ما من أحد الا ~~سيخلو به ربه وليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان أو قال أن الناس كلهم يحشرون ~~إلى الله فينظر اليهم وينظرون إليه كان هذا اللفظ مخالفا في الايهام للفظ ~~الاول # فلا يخرجن أحد عن الالفاظ المأثورة وان كان قد يقع تنازع في بعض معناها ~~فان هذا الامر لابد منه فالامر كما ms1804 قد أخبر به نبينا ( ( والخير كل الخير ~~في اتباع السلف الصالح والاستكثار من معرفة حديث رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ( والتفقه فيه والاعتصام بحبل الله وملازمة ما يدعو إلى الجماعة ~~والالفة ومجانبة ما يدعو إلى الخلاف والفرقة الا ان يكون امرا بينا قد أمر ~~الله ورسوله فيه بأمر من المجانبة فعلى الرأس والعين # وأما اذا اشتبه الامر هل هذا القول أو الفعل مما يعاقب صاحبه عليه أو ما ~~لا يعاقب فالواجب ترك العقوبة لقول النبى ( ( ادرءوا الحدود بالشبهات فانك ~~ان تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة ( رواه أبو داود ولا سيما اذا ~~آل الامر إلى شر طويل وافتراق أهل السنة والجماعة فان الفساد الناشئ في هذه ~~الفرقة أضعاف الشر الناشئ من خطأ نفر قليل في مسألة فرعية # واذا اشتبه على الانسان امر فاليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضى ~~الله عنها قالت كان رسول الله ( ( اذا قام إلى الصلاة يقول ( اللهم رب ~~جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم PageV06P505 الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق باذنك انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ( # وبعد هذا فاسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يوفقنا واياكم لما يحبه ~~ويرضاه من القول والعمل ويرزقنا اتباع هدى نبيه ( ( باطنا وظاهرا ويجمع على ~~الهدى شملنا ويقرن بالتوفيق امرنا ويجعل قلوبنا على قلب خيارنا ويعصمنا من ~~الشيطان ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا # وقد كتبت هذا الكتاب وتحريت فيه الرشد وما أريد الا الاصلاح ما استطعت ~~وما توفيقى الا بالله ومع هذا فلم أحط علما بحقيقة ما بينكم ولا بكيفية ~~اموركم وانما كتبت على حسب ما فهمت من كلام من حدثنى والمقصود الاكبر انما ~~هو اصلاح ذات بينكم وتأليف قلوبكم # واما استيعاب القول في ( هذه المسألة ( وغيرها وبيان حقيقة الامر فيها ~~فربما اقول أو اكتب في وقت آخر ان رأيت الحاجة ماسة إليه فانى في هذا الوقت ~~رأيت الحاجة ms1805 إلى انتظام أمركم أوكد # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبة وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل ~~PageV06P506 قال الشيخ شمس الدين بن القيم سمعت شيخ الإسلام ( أحمد بن ~~تيمية ( # يقول في قوله ( ( نور أنى أراه ( معناه كان ثم نور وحال دون رؤيته نور ~~فانى اراه قال ويدل عليه ان في بعض ( ألفاظ الصحيح ( هل رأيت ربك فقال ( ~~رأيت نورا ( # وقد أعضل امر هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحفه بعضهم فقال ( نورا ~~انى اراه ( على أنها ياء النسب والكلمة كلمة واحدة وهذا خطأ لفظا ومعنى ~~وانما أوجب لهم هذا الاشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا ان رسول الله ( ( رأى ~~ربه وكان قوله ( انى اراه ( كالانكار للرؤية حاروا في ( الحديث ( ورده ~~بعضهم باضطراب لفظه وكل هذا عدول عن موجب الدليل # وقد حكى ( عثمان بن سعيد الدارمى ( في ( كتاب الرد له ( اجماع الصحابة ~~على أنه ( صلى الله عليه وسلم ( لم ير ربه ليلة المعراج وبعضهم استثنى بن ~~عباس من ذلك وشيخنا يقول ليس ذلك بخلاف في الحقيقة فان بن عباس لم يقل ~~PageV06P507 رآه بعينى راسه وعليه اعتمد أحمد في احدى الروايتين حيث قال ~~انه رآه ولم يقل بعينى راسه # ولفظ أحمد كلفظ بن عباس # ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبى ذر قوله ( ( في الحديث الآخر ~~( حجابه النور ( فهذا النور هو والله أعلم النور المذكور في حديث أبى ذر ( ~~رأيت نورا PageV06P508 قال الشيخ رحمه الله ### ||| فصل # وأما ( الرؤية ( فالذى ثبت في الصحيح عن بن عباس انه قال ( راى محمد ربه ~~بفؤاده مرتين ( وعائشة أنكرت الرؤية فمن الناس من جمع بينهما فقال عائشة ~~انكرت رؤية العين وبن عباس اثبت رؤية الفؤاد # والألفاظ الثابتة عن ( بن عباس ( هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد تارة يقول ~~راى محمد ربه وتارة يقول رآه محمد ولم يثبت عن بن عباس لفظ صريح بأنه رآه ~~بعينه # وكذلك ( الامام أحمد ( تارة يطلق الرؤية وتارة يقول رآه بفؤاده ms1806 ولم يقل ~~أحد أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه لكن طائفة من اصحابه سمعوا بعض كلامه ~~المطلق ففهموا منه رؤية العين كما سمع بعض الناس مطلق كلام بن عباس ففهم ~~منه رؤية العين # وليس في الادلة ما يقتضى أنه رآه بعينه ولا ثبت ذلك عن أحد من ~~PageV06P509 الصحابة ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك بل النصوص ~~الصحيحة على نفيه أدل كما في صحيح مسلم عن أبى ذر قال سألت رسول الله ( ( ~~هل رأيت ربك فقال ( نور انى اراه ( # وقد قال تعالى ( سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا ( ولو كان قد اراه نفسه بعينه ~~لكان ذكر ذلك اولى # وكذلك قوله ( افتمارونه على ما يرى ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ( ولو ~~كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك اولى # وفى الصحيحين عن بن عباس في قوله ( وما جعلنا الرؤيا التى أريناك الا ~~فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ( قال هي رؤيا عين أريها رسول الله ~~( ( ليلة اسرى به وهذه ( رؤيا الآيات ( لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة ~~المعراج فكان ذلك فتنة لهم حيث صدقه قوم وكذبه قوم ولم يخبرهم بأنه رأى ربه ~~بعينه وليس في شيء من احاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك ولو كان قد وقع ذلك ~~لذكره كما ذكر ما دونه # وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الامة انه لا يرى الله أحد في الدنيا ~~بعينه الا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد ( ( خاصة واتفقوا على ان ~~المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانا كما يرون الشمس والقمر PageV06P510 # واللغة تجوز ( مطلقا ( لمن لعنه الله ورسوله واما لعنة ( المعين ( فان ~~علم أنه مات كافرا جازت لعنته # وأما الفاسق المعين فلا تنبغى لعنته لنهى النبى ( ( أن يلعن ( عبد الله ~~بن حمار ( الذى كان يشرب الخمر مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما مع أن في ~~لعنة المعين اذا كان فاسقا أو داعيا إلى بدعة نزاع وهذه ( المسألة ( قد ms1807 بسط ~~الكلام عليها PageV06P511 ### |||| سئل # عن اقوام يدعون أنهم يرون الله بابصارهم في الدنيا وانهم يحصل لهم بغير ~~سؤال ما حصل لموسى بالسؤال ### ||||| فأجاب # أجمع ( سلف الامة وأئمتها ( على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في ~~الآخرة وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم ولم يتنازعوا الا في ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ( # وثبت عنه في الصحيح أنه قال ( واعلموا ان أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت ~~( # ومن قال من الناس ان الاولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو ~~مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة واجماع سلف الأمة لا سيما اذا ادعوا انهم ~~افضل من موسى فان هؤلاء يستتابون فان تابوا والا قتلوا والله أعلم ~~PageV06P512 ### || 1 ( شرح حديث إن الله ينادي بصوت ) 1 ### |||| ! 8 < سئل الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضى الله عنه # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضى الله عنهم اجمعين في الحديث الذى ~~ذكره البخارى مستشهدا به في صحيحه وهو قوله ( ( ان الله عز وجل ينادى بصوت ~~يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب انا الملك انا الديان ( وفى قوله عليه ~~السلام ( يقول الله عز وجل يا آدم قم فابعث بعث النار ( فينادى بصوت ان ~~الله يأمرك ان تبعث بعث النار ( الحديث المشهور فان بعض الناس قال لا يثبت ~~لله صفة بحديث واحد فما الجواب عن هذه المسألة من الكتاب والسنة والآثار ~~والنظر والامثال والنظائر وابسطوا القول في ذلك افتونا مأجورين ### ||||| ! 8 < فأجاب # الحمد لله رب العالمين اصل ( هذا الباب ( ان لا يتكلم الانسان الا بعلم ~~فان هذا وان كان مأمورا به مطلقا فهو في هذا الباب أوجب قال الله تعالى ( ~~قل PageV06P513 انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى ~~بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون ( وقال تعالى ( انما يأمركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون ( وقال تعالى ( ولا تقف ما ليس ms1808 لك به علم ( وقال تعالى ( يا ~~اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق ( وقال تعالى ( ~~الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب الا يقولوا على الله الا الحق ( # وكما أن الانسان لا يجوز له أن يثبت شيئا الا بعلم فلا يجوز له أن ينفى ~~شيئا الا بعلم ولهذا كان النافى عليه الدليل كما ان المثبت عليه الدليل # ومما يجب ان يعرف أن ( أدلة الحق لا تتناقض ( فلا يجوز اذا اخبر الله ~~بشيء سواء كان الخبر اثباتا أو نفيا ان يكون في اخباره ما يناقض ذلك الخبر ~~الاول ولا يكون فيما يعقل بدون الخبر ما يناقض ذلك الخبر المعقول فالادلة ~~المقتضية للعلم لايجوز أن تتناقض سواء كان الدليلان سمعيين أو عقليين أو ~~كان أحدهما سمعيا والآخر عقليا ولكن التناقض قد يكون فيما يظنه بعض الناس ~~دليلا وليس بدليل كمن يسمع خبرا فيظنه صحيحا ولا يكون كذلك أو يفهم منه ما ~~لا يدل عليه أو تقوم عنده شبهه يظنها دليلا عقليا وتكون باطلة التبس عليه ~~فيها الحق بالباطل فيكذب بها ما أخبر الله به ورسوله وهذا من اسباب ضلال من ~~ضل من مكذبى الرسل اما مطلقا كالذين كذبوا جميع الرسل كقوم نوح وعاد وثمود ~~ونحوهم واما من آمن ببعض وكفر PageV06P514 ببعض كمن آمن من اهل الكتاب ببعض ~~الرسل دون بعض ومن آمن من الفلاسفة ببعض ما جاءت به الرسل دون بعض ومن أهل ~~البدع من أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى من اتوا من هذا الوجه فانه ~~قامت عندهم شبهات ظنوا انها تنفى ما أخبرت به الرسل من اسماء الله تعالى ~~وصفاته وظنوا ان الواجب حينئذ تقديم ما رأوه على النصوص لشبهات قد بسط ~~الكلام عليها في غير هذا الموضع وبين ضلال من ضل من الجهمية المتفلسفة ~~والمعتزلة ومن وافقهم من بعض ضلالهم # وجماع القول في اثبات الصفات هو القول بما كان عليه سلف الامة وائمتها ~~وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ويصان ذلك ms1809 عن التحريف ~~والتمثيل والتكييف والتعطيل فان الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في ~~صفاته ولا في أفعاله فمن نفى صفاته كان معطلا ومن مثل صفاته بصفات مخلوقاته ~~كان ممثلا والواجب اثبات الصفات ونفى مماثلتها لصفات المخلوقات اثباتا بلا ~~تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى ( ليس كمثله شيء ( فهذا رد على ~~الممثلة ( وهو السميع البصير ( رد على المعطلة فالممثل يعبد صنما والمعطل ~~يعبد عدما ( 6 # ( وطريقة الرسل ( صلوات الله عليهم اثبات صفات الكمال لله على وجه ~~التفصيل وتنزيهه بالقول المطلق عن التمثيل فطريقتهم ( اثبات مفصل ( و ( نفى ~~مجمل ( # وأما الملاحدة من المتفلسفة والقرامطة والجهمية ونحوهم فبالعكس نفى مفصل ~~واثبات مجمل PageV06P515 # فالله تعالى أخبر في كتابه ( أنه بكل شيء عليم ( و ( على كل شيء قدير ( ~~وأنه ( غفور رحيم ( عزيز حكيم ( سميع بصير ( خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة ايام ثم استوى على العرش ( وانه يحب المتقين ويرضى عن ~~المؤمنين ويغضب على الكافرين وأنه فعال لما يريد وأنه كلم موسى تكليما ~~وناداه من جانب الطور الأيمن وقربه نجيا وأنه ينادي عباده فيقول ( اين ~~شركائي الذين كنتم تزعمون ( وأمثال ذلك وقال تعالى ( ليس كمثله شيء ( هل ~~تعلم له سميا ( ولم يكن له كفوا أحد ( # فبين بذلك أن الله لا مثل له ولا سمى ولا كفو فلا يجوز أن يكون شيء من ~~صفاته مماثلا لشيء من صفات المخلوقات ولا أن يكون المخلوق مكافئا ولا ~~مساميا له في شيء من صفاته سبحانه وتعالى وأما ( الملاحدة ( فقلبوا الامر ~~واخذوا يشبهونه بالمعدومات والممتنعات والمتناقضات فغلاتهم يقولون لا حى ~~ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا سميع ولا أصم ولا متكلم ولا اخرس بل قد ~~يقولون لا موجود ولا معدوم ولا هو شيء ولا ليس بشيء وآخرون يقولون لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولا حال فيه وامثال هذه العبارات التى ~~ينفون بها الامور المتقابلة التى لا يمكن انتفاؤها معا كما يقول محققو ~~هؤلاء أنه وجود مطلق # ثم منهم من يقول هو وجود ms1810 مطلق اما بشرط الاطلاق كما يقوله ( بن ~~PageV06P516 سينا ( واتباعه مع أنهم قد قرروا في ( المنطق ( ما هو معلوم ~~لكل العقلاء ان المطلق بشرط الاطلاق لا يكون موجودا في الاعيان بل في ~~الاذهان وكان حقيقة قولهم أن الموجود الواجب ليس موجودا في الخارج مع أنهم ~~مقرون بما لم يتنازع فيه العقلاء من أن الوجود لابد فيه من موجود واجب ~~الوجود بنفسه # ومنهم من يقول هو مطلق لا بشرط كما يقوله القونوى وامثاله فهؤلاء يجعلونه ~~( الوجود ( الذى يصدق على الواجب والممكن والواحد والكثير والذهنى والخارجى ~~والقديم والمحدث فيكون اما صفة للمخلوقات واما جزءا منها واما عينها # وأولئك يجعلونه ( الوجود ( المجرد الذى لا يتقيد بقيد فلزمهم ان لا يكون ~~واجبا ولا ممكنا ولا عالما ولا جاهلا ولا قادرا ولا عاجزا وهم يقولون مع ~~ذلك انه عاقل ومعقول وعاشق ومعشوق فيتناقضون في ضلالهم ويجعلون الواحد ~~اثنين والاثنين واحدا كما أنهم يريدون أن يثبتوا وجودا مجردا عن كل نعت ~~مطلقا عن كل قيد وهم مع ذلك يخصونه بما لا يكون لسائر الموجودات ولهذا يقول ~~بعضهم ان العالم والعلم واحد وانه نفس العلم فيجعلون العالم بنفسه هو ~~العالم بغيره والموصوف هو الصفة ويتناقضون اشد من تناقض النصارى في ( ~~تثليثهم ( واتحادهم اللذين أفسدوا بهما الايمان بالتوحيد والرسالة ~~PageV06P517 وكلام بن سبعين وبن رشد الحفيد وبن التومرت وبن عربى الطائى ~~وامثالهم من الجهمية نفاة الصفات يدور على هذا الاصل كما قد بسط في موضعه ~~ويوجد ما يقارب هذا الاتحاد في كلام كثير من أهل الكلام والتصوف الذين دخل ~~عليهم بعض شعب الاتحاد ولم يعلموا ما فيها من الفساد # والقول في ( مسألة كلام الله تعالى ( واضطراب الناس فيها مبنى على ( هذا ~~الأصل ( فانها من ( مسائل الصفات ( وفيها من التفريع ما امتازت به على سائر ~~مسائل الصفات وقد اضطرب الناس فيها اضطرابا كثيرا قد بيناه في غير هذا ~~الموضع وبينا أن ( سلف الأمة وأئمتها ( كانوا على الايمان الذى بعث الله به ~~نبيه ( ( يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به ms1811 رسوله من غير تحريف ولا ~~تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ويقولون ان القرآن كلام الله تعالى ويصفون ~~الله بما وصف به نفسه من التكليم والمناجاة والمناداة وما جاءت به السنن ~~والآثار موافقة لكتاب الله تعالى # فلم يكن في الصحابة والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين وسائر ائمة ~~المسلمين من قال ان كلام الله مخلوق خلقه في غيره ولم يقم به كلام كما ~~قالته ( الجهمية ( من المعتزلة وغيرهم بل لما أظهروا هذه البدعة اشتد نكير ~~السلف والأئمة لها وعرفوا أن حقيقتها أن الله لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ~~اذ كان الكلام وسائر الصفات انما يعود حكمها إلى من قامت به PageV06P518 # فلو خلق كلاما في الشجرة ( اننى انا الله لا اله الا أنا ( لكان ذلك ~~كلاما للشجرة وكانت هي القائلة ( اننى أنا الله لا اله الا أنا فاعبدنى ( ~~بمنزلة الكلام الذى تنطق به الجلود حين قال لها أصحابها ( لم شهدتم علينا ~~قالوا انطقنا الله الذى انطق كل شيء ( وكذلك قال تعالى ( وسخرنا مع داود ~~الجبال يسبحن ( فلو كان تكلمه بمعنى أنه خلق كلاما في غيره لكان كل كلام في ~~الوجود كلامه لأنه خالقه وكذلك صرح بذلك ( الحلولية ( من الجهمية كما يذكر ~~عن بن عربى صاحب ( الفصوص ( و ( الفتوحات ( # وكل كلام في الوجود كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # وقد علم أن الله اذا خلق في بعض الاعيان علما أو ~~قدرة أو حركة أو ارادة كان ذلك المحل هو العالم القادر المتحرك المريد فلو ~~لم يكن كلامه الا ما يخلقه في غيره لكان الغير هو المتكلم به وهذا مبسوط في ~~موضعه # وشبهة نفاة الكلام المشهورة ( أنهم اعتقدوا أن ( الكلام ( صفة من الصفات ~~لا تكون الا بفعل من الافعال القائمة بالمتكلم فلو تكلم الرب لقامت به ~~الصفات والافعال وزعموا أن ذلك ممتنع قالوا لأنا انما استدللنا على حدوث ~~العالم بحدوث الاجسام واستدللنا على حدوثها بما قام بها من الاعراض التى هي ~~الصفات والافعال فلو قام بالرب الصفات والافعال للزم أن يكون محدثا وبطل ms1812 ~~الدليل الذى استدللنا به على ( حدوث العالم واثبات الصانع PageV06P519 فقال ~~لهم أهل السنة والاثبات دليلكم هذا دليل مبتدع في الشرع لم يستدل به أحد من ~~سلف الأمة وأئمتها بل قد ذكر الاشعرى في ( رسالته إلى أهل الثغر ( أنه دليل ~~محرم في دين الرسل وأنه لا يجوز بناء دين المسلمين عليه وذكر غيره أنه باطل ~~في العقل كما هو محرم في الشرع وان ذم السلف والأئمة لأهل الكلام والجهمية ~~وأهل الخوض في الاعراض والاجسام أعظم ما قصدوا به ذم مثل هذا الدليل كما قد ~~بسط الكلام على ذلك في موضعه # ولما ظهرت ( مقالة الجهمية ( جاء بعد ذلك ( أبو محمد عبد الله بن سعيد بن ~~كلاب ( يوافق السلف والأئمة على اثبات ( صفات الله تعالى وعلوه على خلقه ( ~~وبين أن ( العلو على خلقه ( يعلم بالعقل و ( استواؤه على العرش ( يعلم ~~بالسمع وكذلك جاء بعده الحارث المحاسبى وابو العباس القلانسى وغيرهما من ~~المتكلمين المنتسبين إلى السنة والحديث ثم جاء ( أبو الحسن الاشعرى ( فاتبع ~~طريقة بن كلاب وامثاله وذكر في كتبه جمل مقالة أهل السنة والحديث وان بن ~~كلاب يوافقهم في أكثرها وهؤلاء يسمون ( الصفاتية ( لأنهم يثبتون صفات الله ~~تعالى خلافا للمعتزلة لكن ( بن كلاب وأتباعه ( لم يثبتوا لله أفعالا تقوم ~~به تتعلق بمشيئته وقدرته بل ولا غير الافعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته # فكانت ( المعتزلة ( تقول لا تحله الاعراض والحوادث وهم لا يريدون ( ~~بالاعراض ( الامراض والآفات فقط بل يريدون بذلك الصفات ولا يريدون ~~PageV06P520 ( بالحوادث ( المخلوقات ولا الاحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك ~~مما يريده الناس بلفظ الحوادث بل يريدون نفى ما يتعلق بمشيئته وقدرته من ~~الافعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق ولا إستواء ولا اتيان ولا مجيء ~~ولا تكليم ولا مناداة ولا مناجاة ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر ~~عليه # ( # و ( إبن كلاب ( خالفهم في قولهم لا تقوم به الاعراض وقال تقوم به الصفات ~~ولكن لا تسمى اعراضا ووافقهم على ما ارادوه بقولهم لا تقوم به الحوادث من ~~أنه لا يقوم ms1813 به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته # فصار من حين فرق هذا التفريق المنتسبون إلى السنة والجماعة القائلون بأن ~~القرآن غير مخلوق وان الله يرى في الآخرة وان الله فوق سمواته على عرشه ~~بائن من خلقه على ( قولين ( ذكرهما الحارث المحاسبى وغيره # ( طائفة ( وافقت بن كلاب كالقلانسى والاشعرى وأبى الحسن بن مهدى الطبرى ~~ومن اتبعهم فانه وافق هؤلاء كثير من اتباع الائمة الاربعة وغيرهم من اصحاب ~~مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وأبى حنيفة وغيرهم # وكان ( الحارث المحاسبى ( يوافقه ثم قيل أنه رجع عن موافقته فان أحمد بن ~~حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبى وغيره من اصحاب بن كلاب لما اظهروا ذلك كما ~~أمر السرى السقطى الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث فذكروا أن الحارث رحمه ~~الله تاب من ذلك وكان له من العلم والفضل PageV06P521 والزهد والكلام في ~~الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبو بكر الكلاباذى صاحب ( مقالات الصوفية ( ~~أنه كان يقول ان الله يتكلم بصوت وهذا يوافق قول من يقول أنه رجع عن قول بن ~~كلاب قال أبو بكر الكلاباذى وقالت طائفة من الصوفية كلام الله حرف وصوت ~~وأنه لا يعرف كلام الا كذلك مع اقرارهم أنه صفة لله في ذاته وأنه غير مخلوق ~~قال وهذا قول الحارث المحاسبى ومن المتأخرين بن سالم # وبقى هذا الأصل يدور بين الناس حتى وقع بين ( ابى بكر بن خزيمة ( الملقب ~~بامام الأئمة وبعض أصحابه بسبب ذلك فانه بلغه أنهم وافقوا ( بن كلاب ( ~~فنهاهم وعابهم وطعن على ( مذهب بن كلاب ( بما كان مشهورا عند أئمة الحديث ~~والسنة # ومن ذلك الزمان تنازع المنتسبون إلى السنة من أن الله يتكلم بصوت أو لا ~~يتكلم بصوت فان اتباع بن كلاب نفوا ذلك قالوا لأن المتكلم بصوت يستلزم قيام ~~فعل بالمتكلم متعلق بارادته والله عندهم لا يجوز أن يقوم به أمر يتعلق ~~بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل فقالوا ان الله لا يتكلم بصوت وانما ~~كلامه معنى واحد هو الامر والنهى والخبر ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا ms1814 وان ~~عبر عنه بالعبرية كان توراة وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا # فقال جمهور العقلاء من أهل السنة وغير أهل السنة ( هذا القول ( معلوم ~~PageV06P522 الفساد بضرورة العقل كما هو مخالف للكتاب والسنة فانا نعلم أن ~~التوراة اذا عربت لم تكن هي القرآن بل معانيها ليست هي معانى القرآن ونعلم ~~أن القرآن اذا ترجم بالعبرية لم يصر هو التوراة المنزلة على موسى ونعلم أن ~~معنى آية الدين ليس هو معنى آية الكرسى ولا معنى ( تبت يدا أبى لهب ( هو ~~معنى ( قل هو الله أحد ( # قالوا ومن جعل الأمر والنهى صفات للكلام لا أنواع له فقوله معلوم الفساد ~~بالضرورة وهذا من جنس قول القائلين بوحدة الوجود فان من جعل ( الوجود واحدا ~~بالعين ( وهو الواجب والممكن كان كلامه معلوم الفساد بالضرورة كمن جعل ~~معانى الكلام معنى واحدا هي الأمر والنهى والخبر لكن ( الكلام ( ينقسم إلى ~~الانشاء والخبر و ( الانشاء ( ينقسم إلى طلب الفعل وطلب الترك و ( الخبر ( ~~ينقسم إلى خبر عن النفى وخبر عن الاثبات كما أن ( الموجود ( ينقسم إلى واجب ~~وممكن و ( الممكن ( ينقسم إلى حى قائم بنفسه وقائم بغيره و ( القائم بغيره ~~( ينقسم إلى ما تشترط له الحياة وما لا تشترط له الحياة فلفظ ( الواحد ( ~~ينقسم إلى واحد بالنوع وواحد بالعين # فقول القائل ( الكلام معنى واحد ( كقوله الوجود واحد فان أراد به أنه نوع ~~واحد أو جنس واحد أو صنف واحد ونحو ذلك لم يكن ذلك مثل أن يريد أنه عين ~~واحدة وذات واحدة وشخص واحد فان هذا مكابرة PageV06P523 للحس والعقل والشرع ~~وأما ( الأول ( فمراده أن بين ذلك قدرا مشتركا كما أن ( الموجودات ( تشترك ~~في مسمى الوجود و ( أنواع الكلام ( تشترك في مسمى الكلام وقد بسط هذا كله ~~في غير هذا الموضع # ثم أن ( طائفة اخرى ( لما عرفت فساد قول بن كلاب في مسألة الكلام ووافقته ~~على أصله في أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته وكان من قولها أن ~~القرآن كلام الله غير مخلوق ولم يكن عندها الا ms1815 قديم لا يتعلق بمشيئته الله ~~وقدرته أو مخلوق منفصل عنه # لزمها أن تقول أن الله يتكلم بصوت أو اصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته ~~وقدرته وأنه لم يزل ولا يزال متصفا بتلك الاصوات القديمة الازلية اللازمة ~~لذاته وهذا القول يذكر عن ( أبى الحسن بن سالم ( شيخ أبى طالب المكى ان صح ~~عنه لكنه قول كثير من أصحاب بن سالم ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعى ~~وأحمد وغيرهم # وقالت الكرامية وطائفة كثيرة من المرجئة والشيعة وغيرهم أن الله يتكلم ~~بأصوات تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته وأنه تقوم به الحوادث المتعلقة ~~بمشيئته وقدرته لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن وان الله في الازل لم يكن ~~متكلما الا بمعنى القدرة على الكلام وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ~~وبمشيئته بعد ان لم يكن وهؤلاء رأوا أنهم يوافقون الجماعة في ان لله أفعالا ~~تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته ويقوم به غير ذلك من ( الارادات ( و ( الكلام ~~( الذى يتعلق بمشيئته PageV06P524 # وقدرته لكن قالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث فان ما تعاقبت عليه ~~الحوادث فهو محدث ووافقوا المعتزلة في الاستدلال بذلك على حدوث العالم فكما ~~أن بن كلاب فرق بين الاعراض والحوادث فرق هؤلاء في الحوادث بين تجددها وبين ~~لزومها فقالوا بنفى لزومها له دون نفى حدوثها كما قالوا في المخلوقات ~~المنفصلة انها تحدث بعد ان لم تكن بمشيئته وقدرته # والفلاسفة الدهرية يطالبون هؤلاء كلهم بسبب حدوث الحوادث بعد أن لم تكن ~~وان ذلك يستلزم الترجيح بلا مرجح والحوادث بلا سبب حادث قالوا وهو ممتنع في ~~صريح العقل وهذا أعظم شبههم في ( قدم العالم ( وهى ( المعضلة الزباء ~~والداهية الدهيا ( وقد ضاق هؤلاء عن جوابهم حتى خرجوا إلى الالتزام وقد ~~بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # وبينا ( الأجوبة القاطعة ( عن كلام الفلاسفة على طريقة السلف والائمة ~~وأنه من قال بموجب نصوص القرآن والسنة أمكنه ان يناظر الفلاسفة مناظرة ~~عقلية يقطعهم بها ويتبين له أن العقل الصريح مطابق للسمع الصحيح # وبينا أيضا كيف تجيبهم ms1816 ( كل طائفة من طوائف أهل القبلة ( لأنهم أقرب إلى ~~الحق من الفلاسفة فيمكنهم أن يجيبوهم بالالزام جوابا لا محيص للفلاسفة عنه ~~ويمكنهم أن يقولوا للفلاسفة قولكم أظهر فسادا في الشرع والعقل من قول كل ~~طائفة من طوائف المسلمين فتقول لهم كل طائفة من طوائف المسلمين PageV06P525 ~~اذا لم يمكنا أن نجيبكم بجواب قاطع يحل شبهتكم غير الجواب الالزامى الا ~~بموافقتكم فيما يخالف الشرع والعقل أو موافقة اخواننا المسلمين فيما لا ~~يخالف الشرع ويمكن أيضا ان لا يخالف العقل كان هذا اولى فان الفلاسفة طمعت ~~في طوائف اهل القبلة بما ابتدعه كل فريق فاخذت بدعة اصحابها واحتجت بها ~~عليهم فأمكن صاحب ذلك القول المبتدع أن يقول رجوعى عن هذا القول المبتدع مع ~~موافقتى لما دل عليه الكتاب والسنة واقوال سلف الأمة أحب إلى من أن أوافق ~~الفلاسفة على قول أعلم أنه كفر في الشرع مع أن العقل ايضا يبين فساده # ( وأما السلف والأئمة ( فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال بقول من قال ان ~~القرآن مخلوق ولا بقول من قال أنه معنى واحد قائم بالذات هو الامر والنهى ~~والخبر وهو مدلول التوراة والانجيل والقرآن وغير ذلك من العبارات ولا بقول ~~من قال انه أصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته وقدرته ولا بقول من قال ان ~~الله كان لا يتكلم حتى أحدث لنفسه كلاما صار به متكلما # وأما القول بأن اصوات العباد بالقرآن أو الفاظهم قديمة ازلية فهذا أيضا ~~من ( البدع المحدثة ( التى هي أظهر فسادا من غيرها والسلف والأئمة من ابعد ~~الناس عن هذا القول والعقل الصريح يعلم أن من جعل أصوات العباد قديمة أزلية ~~كان قوله معلوم الفساد بالضرورة PageV06P526 ولكن اصل هذا تنازعهم في ( ~~مسألة اللفظ ( والمنصوص عن الامام أحمد ونحوه من العلماء أن من قال أن ~~اللفظ بالقرآن والتلاوة مخلوقة فهو جهمى ومن قال انه غير مخلوق فهو مبتدع ~~لأن ( اللفظ والتلاوة ( يراد به الملفوظ المتلو وذلك هو كلام الله فمن جعل ~~كلام الله الذى أنزله على نبيه مخلوقا فهو ms1817 جهمى ويراد بذلك ( المصدر وصفات ~~العباد ( فمن جعل ( أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة ( فهو مبتدع ضال # وهكذا ذكره الاشعرى في كتاب ( المقالات ( عن أهل السنة والحديث قال ~~ويقولون ان القرآن كلام غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ بدعة من قال ~~باللفظ أو الوقف فهو مبتدع وعندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال ~~غير مخلوق وليس في الأئمة والسلف من قال ان الله لا يتكلم بصوت بل قد ثبت ~~عن غير واحد من السلف والأئمة أن الله يتكلم بصوت وجاء ذلك في آثار مشهورة ~~عن السلف والأئمة وكان السلف والأئمة يذكرون الآثار التى فيها ذكر تكلم ~~الله بالصوت ولا ينكرها منهم أحد حتى قال عبد الله بن أحمد قلت لأبى أن ~~قوما يقولون ان الله لا يتكلم بصوت فقال يا بنى هؤلاء جهمية انما يدورون ~~على التعطيل ثم ذكر بعض الآثار المروية في ذلك # وكلام ( البخارى ( في ( كتاب خلق الأفعال ( صريح في أن الله يتكلم بصوت ~~وفرق بين صوت الله وأصوات العباد وذكر في ذلك عدة أحاديث عن النبى ( ( ~~وكذلك ترجم في كتاب الصحيح ( باب في قوله تعالى PageV06P527 ( حتى اذا فزع ~~عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير ( وذكر ما دل ~~على أن الله يتكلم بصوت وهو القدر # وكما أنه المعروف عند ( اهل السنة والحديث ( فهو قول جماهير فرق الأمة ~~فان جماهير ( الطوائف ( يقولون ان الله يتكلم بصوت مع نزاعهم في أن كلامه ~~هل هو مخلوق أو قائم بنفسه قديم أو حادث أو ما زال يتكلم اذا شاء فان هذا ~~قول المعتزلة والكرامية والشيعة وأكثر المرجئة والسالمية وغير هؤلاء من ~~الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية # وليس من طوائف المسلمين من أنكر أن الله يتكلم بصوت الا بن كلاب ومن ~~اتبعه كما أنه ليس في طوائف المسلمين من قال ان الكلام معنى واحد قائم ~~بالمتكلم الا هو ومن اتبعه وليس في طوائف المسلمين من قال ان أصوات العباد ~~بالقرآن قديمة أزلية ولا أنه يسمع من العباد صوتا ms1818 قديما ولا أن ( القرآن ( ~~نسمعه نحن من الله الا طائفة قليلة من المنتسبين إلى أهل الحديث من اصحاب ~~الشافعى وأحمد وداود وغيرهم وليس في المسلمين من يقول ان الحرف الذى هو ~~مداد المصاحف قديم أزلى فاثبات ( الحرف والصوت ( بمعنى ان المداد واصوات ~~العباد قديمة بدعة باطلة لم يذهب إليه أحد من الأئمة وانكار تكلم الله ~~بالصوت وجعل كلامه معنى واحدا قائما بالنفس بدعة باطلة لم يذهب اليها أحد ~~من السلف والأئمة # والذى اتفق عليه ( السلف والأئمة ( أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ~~PageV06P528 منه بدأ واليه يعود وانما قال السلف ( منه بدا ( لأن الجهمية ~~من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون انه خلق الكلام في المحل فقال السلف منه ~~بدا أى هو المتكلم به فمنه بدأ لا من بعض المخلوقات كما قال تعالى ( تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز الحكيم ( وقال تعالى ( ولكن حق القول منى ( وقال ~~تعالى ( ويرى الذين اوتوا العلم الذى انزل اليك من ربك هو الحق ( وقال ~~تعالى ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ( ومعنى قولهم ( إليه يعود ( أنه ~~يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية ولا منه حرف كما جاء ~~في عدة آثار PageV06P529 ### ||| فصل # ا # ذا تبين هذا فقول القائل لا يثبت لله صفة بحديث واحد عنه أجوبة ( احدها ( ~~أن يقال لا يجوز النفى الا بدليل كما لا يجوز الاثبات الا بدليل فاذا كان ~~هذا القائل ممن لا يتكلم في هذا الباب الا بأدلة شرعية ويرد الاقوال ~~المبتدعة قيل له قول القائل ان الله لا يتكلم بصوت ونحو ذلك كلام لم يقله ~~أحد من سلف الأمة وأئمتها وليس فيه حديث لا صحيح ولا ضعيف وأما الاثبات ~~ففيه عدة أحاديث في الصحاح والسنن والمساند وآثار كثيرة عن السلف والأئمة ~~فأى القولين حينئذ هو الذى جاءت به السنة قول المثبت أو النافى وان كان ممن ~~يتكلم بالأدلة العقلية في هذا الباب تكلم معه في ذلك وبين له أنها تدل على ~~الاثبات لا على النفى وان قول النفاة ms1819 معلوم الفساد بدلائل العقل كما اتفق ~~على ذلك جمهور العقلاء ### || الوجه الثانى # أن يقال ( هذه الصفة ( دل عليها القرآن فان الله أخبر بمناداته لعباده في ~~غير آية كقوله تعالى ( وناديناه من جانب الطور الايمن ( وقوله ( ويوم ~~PageV06P530 يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون ( وقوله ( ~~وناداهما ربهما الم أنهكما عن تلكما الشجرة ( والنداء في لغة العرب هو صوت ~~رفيع لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة ولا مجازا واذا كان النداء ~~نوعا من الصوت فالدال على النوع دال على الجنس بالضرورة كما لو دل دليل على ~~أن هنا انسانا فانه يعلم أن هنا حيوانا # وهذا كما أنه اذا أخبر أن له علما وقدرة دل على أن له صفة لأن العلم ~~والقدرة نوع من الصفات واذا كان لفظ القرآن لم يذكر فيه ان العلم صفة ولا ~~القدرة صفة وكذلك اذا أخبر في القرآن أنه يخلق ويرزق ويحيى ويميت دل على ~~أنه فاعل فان هذه أنواع تحت جنس الفعل وان كان ثبوت هذه الصفة بما قد دل ~~عليه القرآن في غير موضع كان ما جاء من الاحاديث موافقا لدلالة القرآن ولم ~~تكن هذه الصفة ثابتة بمجرد هذا الخبر ### || الوجه الثالث # أن ما أخبر الله به في كتابه من تكليم موسى وسمع موسى لكلام الله يدل على ~~أنه كلمه بصوت فانه لا يسمع الا الصوت وذلك ان الله قال في كتابه عن موسى ( ~~فاستمع لما يوحى ( وقال في كتابه ( انا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط ~~وعيسى وايوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا داود زبورا PageV06P531 ورسلا قد ~~قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ( # ففرق بين ايحائه إلى سائر النبيين وبين تكليمه لموسى كما فرق ايضا بين ~~النوعين في قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب ( ~~ففرق بين الايحاء والتكليم من وراء حجاب فلو كان تكليمه لموسى الهاما ألهمه ~~موسى من غير ms1820 أن يسمع صوتا لم يكن فرق بين الايحاء إلى غيره والتكليم له ~~فلما فرق القرآن بين هذا وهذا وعلم باجماع الامة ما استفاضت به السنن عن ~~النبى ( ( من تخصيص موسى بتكليم الله اياه دل ذلك على أن الذى حصل له ليس ~~من جنس الالهامات وما يدرك بالقلوب انما هو كلام مسموع بالآذان ولا يسمع ~~بها الا ما هو صوت ### || الوجه الرابع # أن مفسرى القرآن واهل السنن والآثار واتباعهم من السلف كلهم متفقون على ~~أن الله كلم موسى بصوت كما في الآثار المعروفة عنهم في الكتب المأثورة عن ~~السلف مثل ما ذكره بن جرير وأمثاله في تفسير قوله ( حتى اذا فزع عن قلوبهم ~~( وتفسير كلام الله لموسى وغير ذلك وكما ذكره عبد الله بن أحمد والخلال ~~والطبرانى وأبو الشيخ وغيرهم في ( كتب السنة ( وكما ذكره الامام أحمد وغيره ~~في ( كتب الزهد وقصص الأنبياء PageV06P532 ( ### || الوجه الخامس # ( # أن يقال الأدلة الدالة على أن الله يتكلم من الشرع والعقل دلت على أنه ~~يتكلم بالصوت فان الناس لهم في مسمى ( الكلام ( اربعة اقوال # قيل أنه اسم للفظ الدال على المعنى وقيل للمعنى المدلول عليه باللفظ وقيل ~~اسم لكل منهما بطريق الاشتراك وقيل اسم لهما بطريق العموم وهذا مذهب السلف ~~والفقهاء والجمهور فاذا قيل تكلم فلان كان المفهوم منه عند الاطلاق اللفظ ~~والمعنى جميعا كما قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ( ان الله تجاوز لأمتى ~~عما حدثت بها انفسها ما لم تتكلم أو تعمل به ( وقال ( كلمتان خفيفتان على ~~اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان ~~الله العظيم ( وقال ( اصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # ونظائر هذا كثيرة # ( فالكلام ( اذا أطلق يتناول اللفظ والمعنى جميعا واذا سمى المعنى وحده ~~كلاما أو اللفظ وحده كلاما فانما ذاك مع قيد يدل على ذلك كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع وان الكلام عند الاطلاق هو اللفظ والمعنى جميعا والقرآن والحديث ~~مملوء من آيات الكلام لله تعالى فكان ms1821 المفهوم من ذلك هو اثبات اللفظ ~~والمعنى لله PageV06P533 ### || الوجه السادس # ان القرآن كلام الله باتفاق المسلمين فان كان كلامه هو المعنى فقط والنظم ~~العربى الذي يدل على المعانى ليس كلام الله كان مخلوقا خلقه الله في غيره ~~فيكون كلاما لذلك الغير لأن الكلام اذا خلق في محل كان كلاما لذلك الغير ~~كما تقدم فيكون الكلام العربى ليس كلام الله بل كلام غيره ومن المعلوم ~~بالاضطرار من دين المسلمين أن الكلام العربى الذى بلغه محمد ( ( عن الله ~~أعلم أمته أنه كلام الله لا كلام غيره فان كان النظم العربى مخلوقا لم يكن ~~كلام الله فيكون ما تلقته الامة عن نبيها باطلا # وهذا من أعظم حجج السنية على الجهمية من ان القرآن غير مخلوق فانهم قالوا ~~لو خلقه في غيره لكان صفة لذلك الغير كسائر الصفات المخلوقة اذا خلقها الله ~~في محل كانت صفة لذلك المحل وهذا بعينه يدل على أن القرآن العربى كلام الله ~~لا كلام غيره اذ لو كان مخلوقا في محل لكان الكلام العربى كلاما لذلك المحل ~~الذى خلق فيه وقد علم بالاضطرار من دين الاسلام أن الكلام العربى كلام الله ~~لا كلام غيره # وهذا يبطل قول من قال من المتأخرين ان الكلام يقال بالاشتراك على اللفظ ~~والمعنى فانه يقال لهم اذا كان كل منهما يسمى كلاما حقيقة امتنع ان يكون ~~واحد منهما مخلوقا اذ لو كان مخلوقا لكان كلاما للمحل الذى خلق فيه ~~PageV06P534 # ولهذا لم يكن قدماء الكلابية يقولون ان ( لفظ الكلام ( مشترك بين اللفظ ~~والمعنى لأن ذلك يبطل حجتهم على المعتزلة ويوجب عليهم القول بأن كلام الله ~~مخلوق لكن كانوا يقولون ان اطلاق الكلام على اللفظ بطريق المجاز وعلى ~~المعنى بطريق الحقيقة فعلم متأخروهم ان هذا فاسد بالضرورة وان ( اسم الكلام ~~( يتناول اللفظ حقيقة فجعلوه مشتركا فلزمهم ان يكون كلام الله مخلوقا فهم ~~بين محذورين إما القول بأن كلام الله مخلوق واما القول بأن القرآن العربى ~~ليس كلام الله وكلا الأمرين معلوم الفساد وليس الكلام في نفس ms1822 أصوات العباد ~~وحركاتهم بل الكلام في نفس ( القرآن ( العربى المنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم # ويظهر ذلك بأن نقدر الكلام في ( القرآن ( قبل أن ينزل إلية ويبلغه إلى ~~الخلق فان قيل إنه كله كلام الله تكلم به وبلغه عنه جبريل إلى محمد كما هو ~~المعلوم من دين المرسلين كان هذا صريحا بأنه لا فرق بين الحروف والمعانى ~~وان هذا من كلام الله كما ان هذا من كلام الله وإن قيل انه خلق في غيره ~~حروفا منظمة دلت على معنى قائم بذاته فقد صرح بأن تلك الحروف المؤلفة ليست ~~كلامه وأنه لم يتكلم بها بحال وإذا قيل ان تلك تسمى كلاما حقيقة وقد خلقت ~~في غيره لزم ان تكون كلاما لذلك الغير فلا يكون كلام الله وهو خلاف المعلوم ~~من دين الاسلام وان قيل لايسمى كلاما حقيقة كان خلاف المعلوم من اللغة ~~والشريعة ضرورة # ونحن لا نمنع ان المعنى وحده قد يسمى كلاما كما قد يسمى اللفظ وحده ~~PageV06P535 كلاما لكن الكلام في القرآن الذى هو ( لفظ ومعنى ( هل جميعه ~~كلام الله أم لفظه كلام الله دون معناه أم معناه كلام الله دون لفظه ومن ~~المعلوم بالاضطرار من دين الاسلام أن الجميع كلام الله وقد قال تعالى ( ~~واذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا انما أنت مفتر بل ~~أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق إلى قوله ولقد نعلم أنهم ~~يقولون انما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ( ~~كان بعض المشركين يقولون أن محمدا انما يتعلم القرآن من عبد لبني الحضرمى ~~فقال الله تعالى لسان الذى يضيفون إليه القرآن لسان أعجمى وهذا لسان عربى ~~مبين # وهذا يبين أن محمدا بلغ القرآن لفظه ومعناه لم ينزل عليه معان مجردة اذ ~~لو كان كذلك لأمكن أن يقال تلقى من هذا الأعجمى معان صاغها بلسانه فلما ذكر ~~قوله ( لسان الذى يلحدون إليه اعجمى وهذا لسان عربى مبين ( بعد قوله ( قل ~~نزله روح القدس ms1823 من ربك بالحق ( دل ذلك على أن روح القدس نزل بهذا اللسان ~~العربى المبين ### || الوجه السابع # أن كلام الله وسائر الكلام يسمع من المتكلم كما سمع موسى كلام الله من ~~الله وسمع الصحابة كلام النبى ( ( منه وتارة يسمع من المبلغ عنه كما سمع ~~المسلمون القرآن من النبى ( ( والمبلغين عنه PageV06P536 ومنه قوله تعالى ( ~~وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( وكما يسمع كلام ~~النبى ( ( من الصحابة ثم من المعلوم أن المحدث اذا حدث بقوله ( انما ~~الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى ( كان الكلام كلام رسول الله ( ( ~~لفظه ومعناه تكلم به بصوته والمحدث بلغه بحركاته وأصواته ثم من المعلوم أن ~~المبلغ عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( وأمثاله من الناطقين تكلم به ~~بحروفه ومعانيه مع امكان الرواية عنه بالمعنى وامكان قيام الفاظ مكان ألفاظ ~~كما حكى الله في القرآن أقوال امم تكلمت بغير الكلام العربى ولو قدر أن ~~المبلغ عنه لم يتكلم الا بمعنى الكلام وعبر عنه لكان كالأخرس الذى تقوم ~~بذاته المعانى من غير تعبير عنها حتى يعبر عنها غيره بعبارة لذلك الغير ومن ~~المعلوم أن ( الكلام ( صفة كمال تنافى الخرس فاذا كان من قال ان الله لا ~~يقوم به كلام فقد شبهه بالجامدات ووصفه بالنقص وسلبه الكمال فمن قال أيضا ~~أنه لا يعبر عما في نفسه من المعانى الا بعبارة تقوم بغيره فقد شبهه ~~بالاخرس الذى لا يعبر عن نفسه الا بعبارة تقوم بغيره وهذا قول يسلبه صفة ~~الكمال ويجعل غيره من مخلوقاته أكمل منه # وقد قرر في غير هذا الموضع أن كل كمال يثبت لمخلوق فالخالق أولى به وكل ~~نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أولى بالتنزه عنه وكان هذا من الادلة الدالة ~~على اثبات صفات الكمال له كالحياة والعلم والقدرة فان هذه صفات كمال ~~PageV06P537 تثبت لخلقه فهو أولى وأحق باتصافه بصفات الكمال ولو لم يتصف ~~بصفات الكمال لكانت مخلوقاته أكمل منه وهذا بعينه قد احتجوا به في ( مسألة ~~الكلام ( وهو مطرد في تكلمه بعبارة القرآن ms1824 ومعناه جميعا # وقد استدلوا ايضا بأنه لو لم يتصف بصفات الكمال لاتصف بنقائضها وهى صفات ~~نقص والله منزه عن ذلك فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت ولو لم يوصف بالعلم ~~لوصف بالجهل ولو لم يوصف بالكلام لوصف بالخرس ولو لم يوصف بالبصر والسمع ~~لوصف بالعمى والصمم # وللملاحدة هنا ( سؤال مشهور ( وهو أن هذه المتقابلات ليست متقابلة تقابل ~~السلب والايجاب حتى يلزم من نفى أحدهما ثبوت الآخر بل هي متقابلة تقابل ( ~~العدم والملكة ( وهو سلب الشيء عما شأنه أن يكون قابلا له كعدم العمى عن ~~الحيوان القابل له فأما الجماد فانه لا يوصف عندهم بالعمى ولا البصر لعدم ~~قبوله لواحد من هذين وقد أعيا هذا السؤال كثيرا من المتأخرين حتى ابى الحسن ~~الآمدى وأمثاله من اهل الكلام وظنوا أنه لا جواب عنه وقد بسط الكلام في ~~أجوبته في غير هذا الموضع # وذكر من جملة ( الأجوبة ( عن هذا أن يقال هذا ابلغ في النقص فان ما كان ~~قابلا للاتصاف بالبصر والعمى والعلم والجهل والكلام والخرس فهو أكمل مما لا ~~يقبل واحدا منهما اذ الحيوان أكمل من الجماد فاذا كان الاتصاف بصفات النقص ~~عيبا مع امكان الاتصاف بصفات الكمال فعدم PageV06P538 امكان الاتصاف بصفات ~~الكمال وعدم قبول ذلك أعظم آفة وعيبا ونقصا فسبحان الله وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا ### || الوجه الثامن # أن يقال ( كلام الله ( اما أن يكون مخلوقا منفصلا عنه ولم يقم بذاته كلام ~~كما يقوله الجهمية من المعتزلة وغيرهم واما ان يكون كلامه قائما به والاول ~~باطل باتفاق سلف الامة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة وأدلة بطلانه من ~~الشرع والعقل كثيرة كما قد بسط في موضعه # وان كان كلامه قائما به فلا يخلو اما أن يقال لم يقم به الا المعنى كما ~~يقوله بن كلاب وأتباعه واما ان يقوم به المعنى والحروف والأول باطل # أما ( أولا ( فلأن ( المعنى الواحد ( يمتنع أن يكون هو الامر والنهى ~~والخبر وأن يكون هو مدلول التوراة والانجيل والقرآن # وأما ( ثانيا ( فلأن المعنى المجرد لا يسمع وقد ms1825 ثبت بالنص والاجماع أن ~~كلام الله مسموع منه كما سمعه موسى بن عمران ولهذا كان محققو من يقول بأن ~~الكلام هو مجرد المعنى يقول أنه لا يسمع ولكن ( طائفة منهم ( زعمت انه يسمع ~~بناء على قولهم أن السمع يتعلق بكل موجود والرؤية بكل موجود والشم والذوق ~~واللمس بكل موجود وجمهور العقلاء يقولون ان فساد هذا معلوم بالضرورة من ~~العقل وهذا من أعظم ما أنكره الجمهور على أبى الحسن الاشعرى ومن وافقه من ~~أصحاب أحمد وغيرهم PageV06P539 # وأما ( ثالثا ( فلو لم يكن الكلام الا معنى لم يكن فرق بين تكليم الله ~~لموسى وايحائه إلى غيره لا بين التكليم من وراء حجاب والتكليم ايحاء فان ~~ايصال معرفة المعنى المجرد إلى القلوب يشترك فيه جميع الانبياء ولهذا قال ~~من بنى على هذا الاصل الفاسد ان الواحد من أهل الرياضة قد يسمع كلام الله ~~كما سمعه موسى بن عمران كما ذكر ذلك في الاحياء ونحوه وصار الواحد من هؤلاء ~~يظن أن ما يحصل له من الالهامات هي مثل تكليم الله لموسى بن عمران # ودخلت ( الفلاسفة ( من هذا الباب فزعموا أن تكليم الله لموسى انما هو فيض ~~فاض على نفسه من العقل الفعال وان ( كلام الله ( ليس الا ما يحصل في النفوس ~~من المخاطبات كما أن ( الملائكة ( ما يحصل في القلوب من الصور الخيالية ~~ومثل هذا قد يحصل في اليقظة والمنام فجعلوا تكليم الله لموسى بن عمران من ~~جنس من يرى ربه في المنام وهو يكلمه ونحو ذلك وهو لازم لقول من جعل كلام ~~الله معنى مجردا واذا كان اللزوم معلوم الفساد بالاضطرار من دين الاسلام ~~علم فساد اللازم # وأما ( رابعا ( فلو لم يكن الكلام الا مجرد المعانى لكان المخلوق اكمل من ~~الخالق فانا كما نعلم أن الحى أكمل من الميت وان العالم أكمل من الجاهل ~~والقادر أكمل من العاجز والناطق أكمل من الأخرس فنحن نعلم أن الناطق ~~بالمعانى والحروف أكمل ممن لا يكون ناطقا الا بالمعانى دون الحروف واذا كان ~~PageV06P540 الرب يمتنع أن يوصف بصفات ms1826 النقص ويجب اتصافه بصفات الكمال ~~ويمتنع أن يكون للمخلوق من صفات الكمال ما لا يكون للخالق امتنع ان يكون ~~موصوفا بالكلام الناقص وأن يكون المخلوق أكمل منه في اتصافه بالكلام التام ~~ولهذا كان موسى بن عمران مفضلا على غيره بتكليم الله اياه كلمه كلاما سمعه ~~موسى من الله فكان تكليمه له بصوته أفضل ممن أوحى إلى قلبه معانى مجردة لم ~~يسمعها باذنه # واما ( خامسا ( فلو لم يكن الكلام الا معنى مجردا لكان نصف القرآن كلام ~~الله ونصفه ليس كلام الله فالمعنى كلام الله والالفاظ ليست كلام الله وهذا ~~خلاف المعلوم من دين المسلمين ولهذا يفرقون بين القرآن الذى هو كلام الله ~~وبين ما أوحاه إلى نبيه من المعانى المجردة ويعلمون أن جبريل نزل عليه ~~بالقرآن كله ليس لجبريل ولا لمحمد منه الا التبليغ والاداء فهذا رسوله من ~~الملائكة وهذا رسوله من البشر # ولهذا اضافه الله إلى هذا تارة والى هذا تارة بلفظ الرسول كما قال انه ~~لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون الآية فهذا محمد وقال ( ~~انه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم امين ( فهذا جبريل ~~وقد ظن بعض الغالطين أن اضافته إلى الرسول تقتضى أنه أنشأ حروفه وهذا خطأ ~~لأنه لو كان جبريل أو محمد هو الذى أنشأ لفظه ونظمه امتنع أن PageV06P541 ~~يكون الآخر الذى انشأ ذلك فلما اضافه إلى هذا تارة والى هذا تارة علم أنه ~~أضافه إليه لأنه بلغه وأداه لا لأنه انشأه وابتداه لا لفظه ولا معناه ولهذا ~~قال ( لقول رسول كريم ( ولم يقل لقول ملك ولا نبى فذكر ذلك بلفظ الرسول ~~ليبين أنه يبلغ عن غيره كما قال تعالى ( يا ايها الرسول بلغ ما أنزل اليك ~~من ربك ( وفى السنن أن النبى ( ( كان يعرض نفسه على الناس في الموسم ويقول ~~( الا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ # كلام ربى فان قريشا قد منعونى ان أبلغ كلام ربى ( # وأيضا فان قوله ( أنه لقول رسول كريم ( عائد إلى القرآن ms1827 فتناوله للفظ ~~كتناوله للمعنى و ( القرآن ( اسم لهما جميعا ولهذا اذا فسره المفسر وترجمه ~~المترجم لم يقل لتفسيره وترجمته أنه ( قرآن ( بل اتفق المسلمون على جواز مس ~~المحدث لكتب التفسير واتفقوا على أنه لا تجوز الصلاة بتفسيره وكذلك ترجمته ~~بغير العربية عند عامة أهل العلم والقول المروى عن أبى حنيفة قيل أنه رجع ~~عنه وقيل أنه مشروط بتسمية الترجمة قرآنا وبكل حال فتجويز اقامة الترجمة ~~مقامه في بعض الأحكام لا يقتضى تناول اسمه لها كما أن ( القيمة ( اذا اخرجت ~~من الزكاة عن الابل والبقر والغنم لم تسم ابلا ولا بقرا ولا غنما بل تسمى ~~باسمها كائنة ما كانت # وكذلك ( لفظ التكبير في الصلاة ( اذا عدل عنه إلى لفظ التسبيح ونحوه وقيل ~~ان الصلاة تنعقد بذلك كما يقوله أبو حنيفة لم يقل أن ذلك لفظ تكبير ~~PageV06P542 فكذلك اذا قدر أنا ترجمنا القرآن ترجمة جائزة لم يقل أن ~~الترجمة ( قرآن ( ولم نسمها ( قرآنا ( فلو كان القرآن انما كان كلام الله ~~لأجل المعنى فقط ولفظه ونظمه ليس كلام الله بل سمى بذلك لدلالته على كلام ~~الله كان ما شارك هذا اللفظ والنظم من الدلالة مشاركا له في الاسم والحكم ~~فكان يجب تسميته ( قرآنا ( واثبات أحكام القرآن له والكلام على هذا مبسوط ~~في موضع آخر ### || الوجه التاسع # أن هذا القرآن الذى يقرأه المسلمون هو كلام الله الذى انزله على نبيه كما ~~ثبت ذلك بالنص واجماع المسلمين وقد كفر الله من قال أنه قول البشر ووعده ~~أنه سيصليه سقر في قوله ( ذرنى ومن خلقت وحيدا إلى قوله أنه فكر وقدر فقتل ~~كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ادبر واستكبر فقال ان هذا ~~الا سحر يؤثر ان هذا الا قول البشر ( ولا ريب أنه لم يرد بقوله ( ان هذا ~~الا قول البشر ( كما أراده الله بقوله ( انه لقول رسول كريم ( فانه لو أراد ~~ان البشر بلغوه عن غيرهم كما يتعلمه الناس بعضهم من بعض لم يكن هذا باطلا ~~وانما أراد ms1828 ان البشر أحدثوه وأنشئوه عنه # فمن جعل ( لفظه ونظمه ( من احداث محمد فقد جعل نصفه قول البشر ومن جعله ~~من احداث جبريل فقد جعل نصفه قول الملائكة ومن جعله PageV06P543 مخلوقا في ~~الهواء أو غيره جعله كلاما لذلك الهواء وكفر من قال انه قول الملك أو قول ~~الهواء أو الشجر بل كفر من قال أنه قول البشر فدل ذلك على أنه ليس شيء من ~~القرآن لا ( لفظه ولا معناه ( من قول أحد من المخلوقين ولا من كلامه بل هو ~~كلام الله تعالى وايضا فالاشارة في قوله ( ان هذا الا قول البشر ( لا تعود ~~إلى المعنى دون اللفظ بل اليهما ### || الوجه العاشر # وهو أن الله أخبر أن القرآن منزل من الله كما قال ( والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ( وقال ( قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق ( وقال ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ( الضمير يتناول اللفظ ~~والمعنى جميعا لا سيما ما في قوله ( تنزيل الكتاب ( فان الكتاب عند من يقول ~~( ان كلام الله هو المعنى دون الحروف ( اسم للنظم العربى والكلام عنده اسم ~~للمعنى والقرآن مشترك بينهما فلفظ الكتاب يتناول اللفظ العربى باتفاق الناس # فاذا أخبر أن ( تنزيل الكتاب من الله ( علم أن النظم العربى منزل من الله ~~وذلك يدل على ما قال السلف أنه منه بدأ أى هو الذى تكلم به وهذا ( جواب ~~مختصر ( عن سؤال السائل بحسب ما احتملته هذه الورقة اذ الكلام على ذلك ~~مبسوط في مواضع اخر والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV06P544 ### || 1 ( الرسالة العرشية ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام العالم الربانى والعابد النورانى ( بن تيمية ( الحرانى أيده الله تعالى # ما تقول في ( العرش ( هل هو كروي أم لا واذا كان كرويا والله من ورائه ~~محيط به بائن عنه فما فائدة أن العبد يتوجه إلى الله تعالى حين دعائه ~~وعبادته ms1829 فيقصد العلو دون غيره ولا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو ~~وغيرها من الجهات التى تحيط بالداعى ومع هذا نجد في قلوبنا قصدا يطلب العلو ~~لا يلتفت يمنة ولا يسرة فأخبرنا عن هذه الضرورة التى نجدها في قلوبنا وقد ~~فطرنا عليها # وأبسط لنا الجواب في ذلك بسطا شافيا يزيل الشبهة ويحقق الحق ان شاء الله ~~أدام الله النفع بكم وبعلومكم آمين ### ||||| ! 8 < فأجاب رحمه الله تعالى بما نصه # الحمد لله رب العالمين الجواب عن هذا السؤال بثلاث مقامات PageV06P545 ( ### ||||| أحدها المقام الأول # ( # أنه لقائل أن يقول لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن ( العرش ( فلك من الأفلاك ~~المستديرة الكروية الشكل لا بدليل شرعى ولا بدليل عقلى # وإنما ذكر هذا طائفة من المتأخرين الذين نظروا في ( علم الهيئة ( وغيرها ~~من أجزاء الفلسفة فرأوا ان الافلاك تسعة وان التاسع وهو الاطلس محيط بها ~~مستدير كاستدارتها وهو الذى يحركها الحركة المشرقية وان كان لكل فلك حركة ~~تخصه غير هذه الحركة العامة ثم سمعوا في أخبار الانبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم ذكر ( عرش الله ( وذكر ( كرسيه ( وذكر ( السماوات السبع ( فقالوا ~~بطريق الظن أن ( العرش ( هو الفلك التاسع لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع ~~شيء اما مطلقا وإما أنه ليس وراءه مخلوق # ثم ان منهم من رأى أن ( التاسع ( هو الذى يحرك الافلاك كلها فجعلوه مبدأ ~~الحوادث وزعموا أن الله يحدث فيه ما يقدره في الأرض أو يحدثه في ( النفس ( ~~التى زعموا أنها متعلقة به أو في ( العقل ( الذى زعموا أنه الذى صدر عنه ~~هذا الفلك وربما سماه بعضهم الروح وربما جعل بعضهم ( النفس ( هي الروح ~~وربما جعل بعضهم ( النفس ( هي اللوح المحفوظ كما جعل ( العقل ( هو القلم # وتارة يجعلون ( الروح ( هو العقل الفعال العاشر الذى لفلك القمر ~~PageV06P546 و ( النفس ( المتعلقة به وربما جعلوا ذلك بالنسبة إلى الحق ~~سبحانه كالدماغ بالنسبة إلى الانسان يقدر فيه ما يفعله قبل أن يكون إلى غير ~~ذلك من المقالات التى قد شرحناها وبينا فسادها في غير هذا الموضع # ومنهم من ms1830 يدعى أنه علم ذلك بطريق الكشف والمشاهدة ويكون كاذبا فيما يدعيه ~~وانما أخذ ذلك عن هؤلاء المتفلسفة تقليدا لهم أو موافقة لهم على طريقتهم ~~الفاسدة كما فعل أصحاب ( رسائل اخوان الصفا ( وامثالهم # وقد يتمثل في نفسه ما تقلده عن غيره فيظنه كشفا كما يتخيل النصرانى ( ~~التثليث ( الذى يعتقده وقد يرى ذلك في منامه فيظنه كشفا وانما هو تخيل لما ~~اعتقده وكثير من ارباب الاعتقادات الفاسدة اذا ارتاضوا صقلت الرياضة نفوسهم ~~فتتمثل لهم اعتقاداتهم فيظنونها كشفا وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا ~~الموضع # و ( المقصود هنا ( أن ما ذكروه من أن ( العرش ( هو الفلك التاسع قد يقال ~~أنه ليس لهم عليه دليل لا عقلى ولا شرعى # أما ( العقلى ( فان أئمة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم دليل على أنه ~~ليس وراء الفلك التاسع شيء آخر بل ولا قام عندهم دليل على أن الافلاك هي ~~تسعة فقط بل يجوز أن تكون اكثر من ذلك # ولكن دلتهم الحركات المختلفة والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه وما لم يكن ~~لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون لا ثبوته ولا انتفاءه PageV06P547 # ( مثال ذلك ( أنهم علموا ان هذا الكوكب تحت هذا بأن السفلى يكسف العلوى ~~من غير عكس فاستدلوا بذلك على أنه في فلك فوقه كما استدلوا بالحركات ~~المختلفة على أن الافلاك مختلفة حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة افلاك كفلك ~~التدوير وغيره # فأما ما كان موجودا فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته فهم لا ~~يعلمون نفيه ولا اثباته بطريقهم # وكذلك قول القائل ان حركة ( التاسع ( مبدأ الحوادث خطأ وضلال على أصولهم ~~فانهم يقولون أن ( الثامن ( له حركة تخصه بما فيه من الثوابت ولتلك الحركة ~~قطبان غير قطبى ( التاسع ( وكذلك ( السابع ( و ( السادس ( # واذا كان لكل فلك حركة تخصه والحركات المختلفة هي سبب الاشكال الحادثة ~~المختلفة الفلكية وتلك الاشكال سبب الحوادث السفلية كانت حركة التاسع جزء ~~السبب كحركة غيره # فالاشكال الحادثة في الفلك لمقارنة الكوكب الكوكب في درجة واحدة ومقابلته ms1831 ~~له اذا كان بينهما ( نصف الفلك ( وهو مائة وثمانون درجة وتثليثه له اذا كان ~~بينهما ( ثلث الفلك ( وهو مائة وعشرون درجة وتربيعة له اذا كان بينهما ( ~~ربعه ( تسعون درجة وتسديسه له اذا كان بينهما ( سدس الفلك ( ستون درجة ~~وامثال ذلك من الاشكال انما حدثت بحركات مختلفة وكل حركة ليست عين الاخرى ~~اذ حركة ( الثامن ( التى تخصه ليست عين PageV06P548 حركة التاسع وان كان ~~تابعا له في الحركة الكلية كالانسان المتحرك في السفينة إلى خلاف حركتها # وكذلك حركة ( السابع ( التى تخصه ليست عن التاسع ولا عن الثامن وكذلك ~~سائر الافلاك فان حركة كل واحد التى تخصه ليست عما فوقه من الافلاك فكيف ~~يجوز أن يجعل مبدأ الحوادث كلها مجرد حركة التاسع # كما زعمه من ظن أن العرش كثيف والفلك التاسع عندهم بسيط متشابه الاجزاء ~~لا اختلاف فيه أصلا فكيف يكون سببا لامور مختلفة لا باعتبار القوابل واسباب ~~أخر ولكن هم قوم ضالون يجعلونه مع هذا ثلاثمائة وستين درجة ويجعلون لكل ~~درجة من الاثر ما يخالف الاخرى لا باختلاف القوابل كمن يجيء إلى ماء واحد ~~فيجعل لبعض جزئيه من الاثر ما يخالف الاخر لا بحسب القوابل بل يجعل أحد ~~أجزائه مسخنا والاخر مبردا والآخر مسعدا والاخر مشقيا وهذا مما يعلمون هم ~~وكل عاقل أنه باطل وضلال # واذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفى وجود شيء آخر فوق الافلاك التسعة كان ~~الجزم بأن ما أخبرت به الرسل هو أن العرش هو الفلك التاسع رجما بالغيب ~~وقولا بلا علم # هذا كله بتقدير ثبوت الافلاك التسعة على المشهور عند أهل الهيئة اذ في ~~ذلك من النزاع والاضطراب وفى أدلة ذلك ما ليس هذا موضعه وانما نتكلم على ~~PageV06P549 هذا التقدير وايضا فالافلاك في اشكالها واحاطة بعضها ببعض من ~~جنس واحد فنسبة السابع إلى السادس كنسبة السادس إلى الخامس واذا كان هناك ~~فلك تاسع فنسبته إلى الثامن كنسبة الثامن إلى السابع # وأما ( العرش ( فالإخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات وأنه ليس ~~نسبته إلى بعضها كنسبة بعضها إلى ms1832 بعض قال الله تعالى ( الذين يحملون العرش ~~ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ( الآية وقال سبحانه ( ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية ( فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم القيامة وان حملته ~~ومن حوله يسبحون ويستغفرون للمؤمنين # ومعلوم أن قيام فلك من الافلاك بقدرة الله تعالى كقيام سائر الافلاك لا ~~فرق في ذلك بين كرة وكرة وان قدر ان لبعضها ملائكة في نفس الأمر تحملها ~~فحكمه حكم نظيره قال تعالى ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ( الآية # فذكر هنا أن الملائكة تحف من حول العرش وذكر في موضع آخر ان له حملة وجمع ~~في موضع ثالث بين حملته ومن حوله فقال ( الذين يحملون العرش ومن حوله ( # وأيضا ( فقد أخبر أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض كما ~~قال تعالى ( وهو الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ~~PageV06P550 # وقد ثبت في صحيح البخارى وغيره عن عمران بن حصين عن النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ( أنه قال ( كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب ~~في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض ( وفى رواية له ( كان الله ولم يكن ~~شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ~~( وفى رواية لغيره صحيحة ( كان الله ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء ~~ثم كتب في الذكر كل شيء ( وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبى ~~( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( ان الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ( وهذا التقدير بعد ~~وجود العرش وقبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة # وهو سبحانه وتعالى متمدح بأنه ذو العرش كقوله سبحانه ( قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون اذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا ( وقوله تعالى ( رفيع ~~الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم ~~التلاق يوم هم ms1833 بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار ( وقال تعالى ( وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما ~~يريد ( وقد قرئ ( المجيد ( بالرفع صفة لله وقرىء بالخفض صفة للعرش # وقال تعالى ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل ~~أفلا تتقون ( فوصف العرش بأنه مجيد وأنه عظيم وقال PageV06P551 تعالى ( ~~فتعالى الله الملك الحق لا اله الا هو رب العرش الكريم ( فوصفه بأنه كريم ~~أيضا # وكذلك في الصحيحين عن بن عباس رضى الله عنهما أن النبى ( ( كان يقول عند ~~الكرب ( لا اله الا الله العظيم الحليم لا اله الا الله رب العرش العظيم لا ~~اله الا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم ( فوصفه في الحديث ~~بأنه عظيم وكريم أيضا # فقول القائل المنازع ( إن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ~~ما دونه ( لو كان العرش من جنس الأفلاك لكانت نسبته إلى ما دونه كنسبة ~~الآخر إلى ما دونه وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر كما لم يوجب ~~ذلك تخصيص سماء دون سماء وان كانت العليا بالنسبة إلى السفلى كالفلك على ~~قول هؤلاء وانما امتاز عما دونه بكونه أكبر كما تمتاز السماء العليا عن ~~الدنيا بل نسبة السماء إلى الهواء ونسبة الهواء إلى الماء والأرض كنسبة فلك ~~إلى فلك ومع هذا فلم يخص واحدا من هذه الأجناس عما يليه بالذكر ولا بوصفه ~~بالكرم والمجد والعظمة # وقد علم أنه ليس سببا لذواتها ولا لحركاتها بل لها حركات تخصها فلا يجوز ~~أن يقال حركته هي سبب الحوادث بل ان كانت حركة الأفلاك سببا للحوادث فحركات ~~غيره التى تخصه أكثر ولا يلزم من كونه محيطا بها أن يكون أعظم من مجموعها ~~الا اذا كان له من الغلظ ما يقاوم ذلك والا فمن المعلوم أن PageV06P552 ~~الغليظ اذ كان متقاربا فمجموع الداخل أعظم من المحيط بل قد يكون بقدره ~~اضعافا بل الحركات المختلفة التى ليست عن حركته أكثر لكن حركته تشملها كلها # وقد ms1834 ثبت في صحيح مسلم عن جويرية بنت الحارث أن النبى ( ( دخل عليها وكانت ~~تسبح بالحصى من صلاة الصبح إلى وقت الضحى فقال ( لقد قلت بعدك أربع كلمات ~~لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه سبحان ~~الله رضى نفسه سبحان الله مداد كلماته ( فهذا يبين أن زنة العرش أثقل ~~الأوزان وهم يقولون ان الفلك التاسع لا خفيف ولا ثقيل بل يدل على أنه وحده ~~أثقل ما يمثل به كما أن عدد المخلوقات أكثر ما يمثل به # وفى الصحيحين عن أبى سعيد قال جاء رجل من اليهود إلى النبى ( ( قد لطم ~~وجهه فقال يا محمد رجل من أصحابك لطم وجهى فقال النبى ( 2 ( ادعوه ( فدعوه ~~فقال ( لم لطمت وجهه ( فقال يا رسول الله انى مررت بالسوق وهو يقول والذى ~~اصطفى موسى على البشر فقلت يا خبيث وعلى محمد فأخذتنى غضبة فلطمته فقال ~~النبى ( ( لا تخيروا بين الأنبياء فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول ~~من يفيق فاذا أنا بموسى آخذا بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلى أم ~~جوزى بصعقته ( فهذا فيه بيان أن للعرش قوائم وجاء ذكر القائمة بلفظ الساق ~~والأقوال متشابهة في هذا الباب PageV06P553 # وقد أخرجا في الصحيحين عن جابر قال سمعت النبى ( ( يقول ( اهتز عرش ~~الرحمن لموت سعد بن معاذ ( قال فقال رجل لجابر ان البراء يقول اهتز السرير ~~قال انه كان بين هذين الحيين الأوس والخزرج ضغائن سمعت نبى الله ( ( يقول ( ~~اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ( ورواه مسلم في صحيحه من حديث أنس أن ~~النبى ( ( قال وجنازة سعد موضوعة ( اهتز لها عرش الرحمن ( # وعندهم أن حركة الفلك التاسع دائمة متشابهة ومن تأول ذلك على ان المراد ~~به استبشار حملة العرش وفرحهم فلابد له من دليل على ما قال كما ذكره أبو ~~الحسن الطبرى وغيره مع أن سياق الحديث ولفظه ينفى هذا الإحتمال # وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( ( من آمن بالله ~~ورسوله وأقام الصلاة وآتى ms1835 الزكاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله ~~الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التى ولد فيها ( قالوا يا رسول ~~الله أفلا نبشر الناس بذلك قال ( ان في الجنة مائة درجة أعدها الله ~~للمجاهدين في سبيله كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض فاذا سألتم ~~الله فاسألوه الفردوس فانه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه ~~تفجر أنهار الجنة ( # وفى صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله PageV06P554 قال ( يا أبا ~~سعيد من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة ( فعجب ~~لها أبو سعيد فقال أعدها على يا رسول الله ففعل قال ( وأخرى يرفع الله بها ~~العبد مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ( قال وما هي يا ~~رسول الله قال ( الجهاد في سبيل الله ( # وفى صحيح البخارى ( ان أم الربيع بنت البراء وهى أم حارثة بن سراقه أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة وكان قتل ~~يوم بدر أصابه سهم غرب فان كان في الجنة صبرت وان كان في غير ذلك اجتهدت ~~عليه في البكاء قال ( يا أم حارثة انها جنان في الجنة وان ابنك اصاب ~~الفردوس الأعلى # فهذا قد بين في ( الحديث الأول ( أن العرش فوق الفردوس الذى هو أوسط ~~الجنة واعلاها وان في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء ~~والأرض والفردوس أعلاها و ( الحديث الثانى ( يوافقه في وصف الدرج المائة و ~~( الحديث الثالث ( يوافقه في أن الفردوس أعلاها واذا كان العرش فوق الفردوس ~~فلقائل أن يقول اذا كان كذلك كان في هذا من العلو والارتفاع ما لا يعلم ~~بالهيئة اذ لا يعلم بالحساب ان بين التاسع والاول كما بين السماء والأرض ~~مائة مرة وعندهم أن التاسع ملاصق للثامن فهذا قد بين أن العرش فوق الفردوس ~~الذى هو أوسط الجنة وأعلاها # وفى حديث أبى ذر المشهور قال قلت يا رسول الله ايما أنزل عليك ~~PageV06P555 أعظم ms1836 قال ( آية الكرسى ( ثم قال ( يا أبا ذر ما السماوات السبع ~~مع الكرسى الا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة ~~على الحلقة ( والحديث له طرق وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه وأحمد في ~~المسند وغيرهما # وقد استدل من استدل على أن ( العرش مقبب ( بالحديث الذى في سنن أبى داود ~~وغيره عن جبير بن مطعم قال ( أتى رسول الله ( ( أعرابى فقال يا رسول الله ~~جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا فانا نستشفع بك على الله ~~ونستشفع بالله عليك فسبح رسول الله ( ( حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال ( ~~ويحك أتدرى ما تقول ان الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ~~ذلك ان الله على عرشه وان عرشه على سمواته وأرضه هكذا وقال بأصابعه مثل ~~القبة ( وفى لفظ ( وان عرشه فوق سمواته وسمواته فوق أرضه هكذا وقال بأصابعه ~~مثل القبة ( # وهذا الحديث وان دل على التقبيب وكذلك قوله عن الفردوس أنها أوسط الجنة ~~وأعلاها مع قوله أن سقفها عرش الرحمن وان فوقها عرش الرحمن والأوسط لا يكون ~~الأعلى الا في المستدير فهذا لا يدل على أنه فلك من الأفلاك بل اذا قدر أنه ~~فوق الأفلاك كلها أمكن هذا فيه سواء قال القائل انه محيط بالأفلاك أو قال ~~انه فوقها وليس محيطا بها كما أن وجه الأرض فوق النصف الأعلى من الأرض وان ~~لم يكن محيطا بذلك PageV06P556 # وقد قال اياس بن معاوية السماء على الأرض مثل القبة ومعلوم أن الفلك ~~مستدير مثل ذلك لكن لفظ القبة يستلزم استدارة من العلو ولا يستلزم استدارة ~~من جميع الجوانب الا بدليل منفصل # ولفظ ( الفلك ( يدل على الاستدارة مطلقا كقوله تعالى ( وهو الذى خلق ~~الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ( وقوله تعالى ( لا الشمس ~~ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ( يقتضى ~~أنها في فلك مستدير مطلقا كما قال بن عباس رضى الله عنهما في ms1837 فلكة مثل فلكة ~~المغزل # وأما لفظ ( القبة ( فانه لا يتعرض لهذا المعنى لا بنفى ولا اثبات لكن يدل ~~على الاستدارة من العلو كالقبة الموضوعة على الأرض # وقد قال بعضهم ان الأفلاك غير السماوات لكن رد عليه غيره هذا القول بأن ~~الله تعالى قال ( ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن ~~نورا وجعل الشمس سراجا ( فأخبر أنه جعل القمر فيهن وقد أخبر أنه في الفلك ~~وليس هذا موضع بسط الكلام في هذا # وتحقيق الأمر فيه وبيان أن ما علم بالحساب علما صحيحا لا ينافى ما جاء به ~~السمع وان العلوم السمعية الصحيحة لا تنافى معقولا صحيحا اذ قد بسطنا ~~الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا الموضع فان ذلك يحتاج إليه PageV06P557 ~~في هذا ونظائره مما قد أشكل على كثير من الناس حيث يرون ما يقال انه معلوم ~~بالعقل مخالفا لما يقال انه معلوم بالسمع فأوجب ذلك أن كذبت كل طائفة بما ~~لم تحط بعلمه حتى آل الامر بقوم من أهل الكلام إلى أن تكلموا في معارضة ~~الفلاسفة في ( الأفلاك ( بكلام ليس معهم به حجة لا من شرع ولا من عقل وظنوا ~~أن ذلك الكلام من نصر الشريعة وكان ما جحدوه معلوما بالأدلة الشرعية أيضا # وأما ( المتفلسفة واتباعهم ( فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه من الحسيات ~~ولا يعلمون ما وراء ذلك مثل ان يعلموا أن البخار المتصاعد ينعقد سحابا وان ~~السحاب اذا اصطك حدث عنه صوت ونحو ذلك لكن علمهم بهذا كعلمهم بأن المنى ~~يصير في الرحم لكن ما الموجب لأن يكون المنى المتشابه الأجزاء تخلق منه هذه ~~الاعضاء المختلفة والمنافع المختلفة على هذا الترتيب المحكم المتقن الذى ~~فيه من الحكمة والرحمة ما بهر الالباب # وكذلك ما الموجب لأن يكون هذا الهواء أو البخار منعقدا سحابا مقدرا بقدر ~~مخصوص في وقت مخصوص على مكان مختص به وينزل على قوم عند حاجتهم إليه ~~فيسقيهم بقدر الحاجة لا يزيد فيهلكوا ولا ينقص فيعوزوا وما الموجب لأن يساق ~~إلى الأرض الجرز التى ms1838 لا تمطر أو تمطر مطرا لا يغنيها كأرض مصر اذ كان ~~المطر القليل لا يكفيها والكثير يهدم ابنيتها قال تعالى ( أولم يروا أنا ~~نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا ~~يبصرون PageV06P558 # وكذلك السحاب المتحرك وقد علم أن كل حركة فاما ان تكون ( قسرية ( وهى ~~تابعة للقاسر أو ( طبيعية ( وانما تكون اذا خرج المطبوع عن مركزه فيطلب ~~عوده إليه أو ( ارادية ( وهى الأصل فجميع الحركات تابعة للحركة الارادية ~~التى تصدر عن ملائكة الله تعالى التى هي ( المدبرات امرا ( و ( المقسمات ~~أمرا ( وغير ذلك مما أخبر الله به عن الملائكة وفى المعقول ما يصدق ذلك # فالكلام في هذا وأمثاله له موضع غير هذا ( # والمقصود هنا ( أن نبين أن ما ذكر في السؤال زائل على كل تقدير فيكون ~~الكلام في الجواب مبنيا على حجج علمية لا تقليدية ولا مسلمة واذا بينا حصول ~~الجواب على كل تقدير كما سنوضحه لم يضرنا بعد ذلك أن يكون بعض التقديرات هو ~~الواقع وان كنا نعلم ذلك لكن تحرير الجواب على تقدير دون تقدير واثبات ذلك ~~فيه طول لا يحتاج إليه هنا فان الجواب اذا كان حاصلا على كل تقدير كان أحسن ~~وأوجز ### ||||| المقام الثانى # أن يقال ( العرش ( سواء كان هو الفلك التاسع أو جسما محيطا بالفلك التاسع ~~أو كان فوقه من جهة وجه الأرض غير محيط به أو قيل فيه غير ذلك فيجب أن يعلم ~~أن العالم العلوى والسفلى بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر ~~PageV06P559 كما قال تعالى ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ( # وفى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى ( ( أنه قال ( يقبض الله تبارك ~~وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول انا الملك أين ملوك ~~الأرض ( # وفى الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ( ( ~~يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا ~~الملك أين ملوك ms1839 الأرض ( # وفى الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ( ( ~~يطوى الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك ~~اين الجبارون اين المتكبرون ثم يطوى الارضين بشماله ثم يقول أنا الملك اين ~~الجبارون أين المتكبرون ( # وفى لفظ في الصحيح عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف ~~يحكى أن النبى ( ( قال ( يأخذ الله سمواته وأرضه بيده ويقول أنا الملك ~~ويقبض اصابعه ويبسطها انا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه ~~حتى انى أقول أساقط هو برسول الله PageV06P560 # وفى لفظ قال رأيت رسول الله ( ( على المنبر وهو يقول ( يأخذ الجبار ~~سمواته وأرضه وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول أنا الرحمن أنا الملك ~~أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبار أنا ~~المتكبر أنا الذى بدأت الدنيا ولم تكن شيئا أنا الذى أعدتها أين المتكبرون ~~أين الجبارون وفى لفظ ( أين الجبارون أين المتكبرون ويميل رسول الله ( ( ~~على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى انى ~~لأقول اساقط هو برسول الله ( ( # والحديث مروى في الصحيح والمسانيد وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضا وفى بعض ~~ألفاظه قال قرأ على المنبر ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ( الآية قال ( ~~مطوية في كفه يرمى بها كما يرمى الغلام بالكرة ( وفى لفظ ( يأخذ الجبار ~~سمواته وأرضه بيده فيجعلها في كفه ثم يقول بهما هكذا كما تقول الصبيان ~~بالكرة أنا الله الواحد ( # وقال بن عباس يقبض الله عليهما فما ترى طرفاهما بيده ( وفى لفظ عنه ( ما ~~السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن الا كخردلة ~~في يد أحدكم ( وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث # وفى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال ( أتى النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~PageV06P561 رجل من اليهود فقال يا محمد ان الله يجعل السماوات على أصبع ~~والارضين على اصبع والجبال على اصبع والماء والثرى على اصبع ms1840 وسائر الخلق ~~على اصبع فيهزهن فيقول أنا الملك أنا الملك قال فضحك النبى ( ( حتى بدت ~~نواجذه تصديقا لقول الحبر ثم قرأ ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ( الآية ( ففى هذه الآية ~~والاحاديث الصحيحة المفسرة لها المستفيضة التى أتفق أهل العلم على صحتها ~~وتلقيها بالقبول ما يبين أن السماوات والأرض وما بينهما بالنسبة إلى عظمة ~~الله تعالى أصغر من أن تكون مع قبضه لها الا كالشيء الصغير في يد أحدنا حتى ~~يدحوها كما تدحى الكرة # قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة الماجشون الامام نظير مالك في ~~كلامه المشهور الذى رد فيه على الجهمية ومن خالفها ومن أول كلامه قال فاما ~~الذى جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد استهوته الشياطين في الأرض ~~حيران فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال لابد أن ~~كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن البين بالخفى فجحد ما سمى الرب من ~~نفسه بصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملى له الشيطان حتى جحد قول الله ~~تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( فقال لا يراه أحد يوم القيامة ~~فجحد والله أفضل كرامة الله التى أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر ~~إلى وجهه ونضرته PageV06P562 اياهم ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ( وقد قضى ~~انهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون # إلى أن قال وانما جحد رؤية الله يوم القيامة اقامة للحجة الضالة المضلة ~~لأنه قد عرف انه اذا تجلى لهم يوم القيامة راوا منه ما كانوا به قبل ذلك ~~مؤمنين وكان له جاحدا وقال المسلمون يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ~~فقال رسول الله ( ( هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ( قالوا لا قال ~~( فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ( قالوا لا قال ( ~~فانكم ترون ربكم كذلك ( # وقال رسول الله ( ( لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار ms1841 فيها قدمه فتقول قط قط ~~وينزوى بعضها إلى بعض ( وقال لثابت بن قيس ( قد ضحك الله مما فعلت بضيفك ~~البارحة ( وقال فيما بلغنا عنه ان الله يضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة ~~اجابتكم ( وقال له رجل من العرب ان ربنا ليضحك قال ( نعم ( قال لن نعدم من ~~رب يضحك خيرا في اشباه لهذا مما لم نحصه # وقال تعالى ( وهو السميع البصير ( واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا ( وقال ( ~~ولتصنع على عينى ( وقال ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ( وقال وما قدروا ~~الله حق قدره ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ~~سبحانه وتعالى عما يشركون PageV06P563 # فوالله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه وما تحيط به قبضته الا صغر نظيرها ~~منهم عندهم ان ذلك الذى ألقى في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم فما وصف الله ~~من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه ولم نتكلف منه علم ما سواه ~~لا هذا ولا هذا لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف انتهى # واذا كان كذلك فاذا قدر أن المخلوقات كالكرة وهذا قبضه لها ورميه بها ~~وانما بين لنا من عظمته وصف المخلوقات بالنسبة إليه ما يعقل نظيره منا # ثم الذى في القرآن والحديث يبين أنه ان شاء قبضها وفعل بها ما ذكر كما ~~يفعل ذلك في يوم القيامة وان شاء لم يفعل ذلك فهو قادر على أن يقبضها ~~ويدحوها كالكرة وفى ذلك من الاحاطة بها ما لا يخفى وان شاء لم يفعل ذلك ~~وبكل حال فهو مباين لها ليس بمحايث لها # ومن المعلوم أن الواحد منا ولله المثل الأعلى اذا كان عنده خردلة ان شاء ~~قبضها فأحاطت بها قبضته وان شاء لم يقبضها بل جعلها تحته فهو في الحالتين ~~مباين لها وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات كاحاطة الكرة بما فيها أو ~~قيل انه فوقها وليس محيطا بها كوجه الأرض الذى نحن عليه بالنسبة إلى جوفها ~~وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها أو غير ذلك # فعلى ms1842 التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات والخالق سبحانه وتعالى فوقه ~~والعبد في توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت وتمام هذا ببيان ~~PageV06P564 ### ||||| المقام الثالث # وهو أن نقول لا يخلو اما أن يكون العرش كريا كالافلاك ويكون محيطا بها ~~واما أن يكون فوقها وليس هو كريا فان كان الأول فمن المعلوم بإتفاق من يعلم ~~هذا ان الافلاك مستديرة كرية الشكل وان الجهة العليا هي جهة المحيط وهى ~~المحدب وان الجهة السفلى هو المركز # وليس للأفلاك الا جهتان العلو والسفل فقط # وأما الجهات الست فهي للحيوان فان له ست جوانب يؤم جهة فتكون امامه ويخلف ~~اخرى فتكون خلفه وجهة تحاذى يمينه وجهة تحاذى شماله وجهة تحاذى رأسه وجهة ~~تحاذى رجليه وليس لهذه الجهات الست في نفسها صفة لازمة بل هي بحسب النسبة ~~والاضافة فيكون يمين هذا ما يكون شمال هذا ويكون امام هذا ما يكون خلف هذا ~~ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا # لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير فالمحيط هو العلو والمركز هو ~~السفل مع أن وجه الأرض التى وضعها الله للأنام وارساها بالجبال هو الذى ~~عليه الناس والبهائم والشجر والنبات والجبال والأنهار الجارية # فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر محيط بها وليس هناك شيء من الآدميين ~~وما يتبعهم # ولو قدر أن هناك أحدا لكان على ظهر الأرض ولم يكن PageV06P565 من في هذه ~~الجهة تحت من في هذه الجهة ولا من في هذه تحت من في هذه كما أن الافلاك ~~محيطة بالمركز وليس أحد جانبى الفلك تحت الآخر ولا القطب الشمالى تحت ~~الجنوبى ولا بالعكس وان كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب ~~بعد الناس عن خط الاستواء فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلا ~~كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة وهو الذى يسمى عرض البلد فكما أن جوانب ~~الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستديرة ليس بعضها فوق بعض ولا تحته ~~فكذلك من يكون على الأرض من الحيوان والنبات والأثقال لا يقال أنه تحت ~~أولئك وانما ms1843 هذا خيال يتخيله الانسان وهو تحت اضافى كما لو كانت نملة تمشى ~~تحت سقف فالسقف فوقها وان كانت رجلاها تحاذيه # وكذلك من علق منكوسا فانه تحت السماء وان كانت رجلاه تلى السماء وكذلك ~~يتوهم الانسان اذا كان في أحد جانبى الأرض أو الفلك ان الجانب الآخر تحته ~~وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان ممن يقول ان الأفلاك مستديرة # واستدارة الافلاك كما أنه قول أهل الهيئة والحساب فهو الذى عليه علماء ~~المسلمين كما ذكره أبو الحسن بن المنادى وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن ~~الجوزى وغيرهم أنه متفق عليه بين علماء المسلمين وقد قال PageV06P566 تعالى ~~( وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ( قال بن ~~عباس فلكة مثل فلكة المغزل # و ( الفلك في اللغة ( هو المستدير ومنه قولهم تفلك ثدى الجارية اذا ~~استدار وكل من يعلم أن الأفلاك مستديرة يعلم أن المحيط هو العالى على ~~المركز من كل جانب ومن توهم أن من يكون في الفلك من ناحية يكون تحته من في ~~الفلك من الناحية الاخرى في نفس الأمر فهو متوهم عندهم # واذا كان الامر كذلك فاذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو ~~أعلاها وسقفها وهو فوقها مطلقا فلا يتوجه إليه والى ما فوقه الانسان الا من ~~العلو لا من جهاته الباقية أصلا # ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من الأفلاك من غير جهة ~~العلو كان جاهلا باتفاق العقلاء فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه ~~وغاية ما يقدر أن يكون كرى الشكل والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها احاطة ~~تليق بجلاله فان السماوات السبع والأرض في يده اصغر من الحمصة في يد أحدنا # وأما قول القائل اذا كان كريا والله من ورائه محيط به بائن عنه فما فائدة ~~أن العبد يتوجه إلى الله حين دعائه وعبادته فيقصد العلو دون التحت فلا فرق ~~حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التى تحيط ~~PageV06P567 بالداعى ومع هذا نجد في قلوبنا قصدا ms1844 يطلب العلو لا يلتفت يمنة ~~ولا يسرة فاخبرونا عن هذه الضرورة التى نجدها في قلوبنا وقد فطرنا عليها # فيقال له هذا السؤال انما ورد لتوهم المتوهم ان نصف الفلك يكون تحت الأرض ~~وتحت ما على وجه الأرض من الآدميين والبهائم وهذا غلط عظيم فلو كان الفلك ~~تحت الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة فكان يلزم أن يكون الفلك تحت الأرض ~~مطلقا وهذا قلب للحقائق اذ الفلك هو فوق الأرض مطلقا # و ( أهل الهيئة ( يقولون لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية ارجلنا والقى في ~~الخرق شيء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهى إلى المركز حتى لو ألقى من تلك ~~الناحية حجر آخر لالتقيا جميعا في المركز ولو قدر أن انسانين التقيا في ~~المركز بدل الحجرين لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه بل كلاهما فوق ~~المركز وكلاهما تحت الفلك كالمشرق والمغرب فانه لو قدر أن رجلا بالمشرق في ~~السماء أو الأرض ورجلا بالمغرب في السماء أو الأرض لم يكن أحدهما تحت الآخر ~~وسواء كان رأسه أو رجلاه أو بطنه أو ظهره أو جانبه مما يلى السماء أو مما ~~يلى الأرض واذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه الا من الجهة ~~العليا لم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين # ( أحدهما ( أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات فلو قدر ~~رجل أو ملك يصعد إلى السماء أو إلى ما فوق كان صعوده مما يلى رأسه ~~PageV06P568 أقرب اذا أمكنه ذلك ولا يقول عاقل أنه يخرق الأرض ثم يصعد من ~~تلك الناحية ولا أنه يذهب يمينا أو شمالا أو اماما أو خلفا إلى حيث أمكن من ~~الأرض ثم يصعد لأنه أى مكان ذهب إليه كان بمنزلة مكانه أو هو دونه وكان ~~الفلك فوقه فيكون ذهابه إلى الجهات الخمس تطويلا وتعبا من غير فائدة # ولو أن رجلا أراد أن يخاطب الشمس والقمر فانه لا يخاطبه الا من الجهة ~~العليا مع أن الشمس والقمر قد تشرق وقد تغرب ms1845 فتنحرف عن سمت الرأس فكيف بمن ~~هو فوق كل شيء دائما لا يأفل ولا يغيب سبحانه وتعالى وكما أن الحركة كحركة ~~الحجر تطلب مركزها بأقصر طريق وهو الخط المستقيم فالطلب الارادى الذى يقوم ~~بقلوب العباد كيف يعدل عن الصراط المستقيم القريب إلى طريق منحرف طويل ~~والله تعالى فطر عباده على الصحة والاستقامة الا من اجتالته الشياطين ~~فأخرجته عن فطرته التى فطر عليها # ( الوجه الثانى ( أنه اذا قصد السفل بلا علو كان ينتهى قصده إلى المركز ~~وان قصده امامه أو وراءه أو يمينه أو يساره من غير قصد العلو كان منتهى ~~قصده أجزاء الهواء فلابد له من قصد العلو ضرورة سواء قصد مع ذلك هذه الجهات ~~أو لم يقصدها # ولو فرض أنه قال أقصده من اليمين مع العلو أو من السفل مع العلو كان هذا ~~بمنزلة من يقول أريد أن أحج من المغرب فأذهب إلى خراسان ثم أذهب إلى مكة بل ~~بمنزلة من يقول أصعد إلى الافلاك فأنزل في الأرض ثم PageV06P569 أصعد إلى ~~الفلك من الناحية الاخرى فهذا وان كان ممكنا في المقدور لكنه مستحيل من جهة ~~امتناع ارادة القاصد له وهو مخالف للفطرة فان القاصد يطلب مقصوده بأقرب ~~طريق لا سيما اذا كان مقصوده معبوده الذى يعبده ويتوكل عليه واذا توجه إليه ~~على غير الصراط المستقيم كان سيره منكوسا معكوسا # و ( أيضا ( فان هذا يجمع في سيره وقصده بين النفى والاثبات بين أن يتقرب ~~إلى المقصود ويتباعد عنه ويريده وينفر عنه فانه اذا توجه إليه من الوجه ~~الذى هو عنه أبعد وأقصى وعدل عن الوجه الاقرب الادنى كان جامعا بين قصدين ~~متناقضين فلا يكون قصده له تاما اذ القصد التام ينفى نقيضه وضده وهذا معلوم ~~بالفطرة # فان الشخص اذا كان يحب النبى ( ( محبة تامة ويقصده أو يحب غيره ممن يحب ~~سواء كانت محبته محمودة أو مذمومة متى كانت المحبة تامة وطلب المحبوب طلبه ~~من أقرب طريق يصل إليه بخلاف ما اذا كانت المحبة مترددة مثل أن يحب ما تكره ~~محبته ms1846 في الدين فتبقى شهوته تدعوه إلى قصده وعقله ينهاه عن ذلك فتراه يقصده ~~من طريق بعيد كما تقول العامة رجل إلى قدام ورجل إلى خلف # وكذلك اذا كان في دينه نقص وعقله يأمره بقصد المسجد أو الجهاد أو غير ذلك ~~من القصودات التى تحب في الدين وتكرهها النفس فانه يبقى قاصدا لذلك من طريق ~~بعيد متباطئا في السير وهذا كله معلوم بالفطرة PageV06P570 # وكذلك اذا لم يكن القاصد يريد الذهاب بنفسه بل يريد خطاب المقصود ودعاءه ~~ونحو ذلك فانه يخاطبه من اقرب جهة يسمع دعاءه منها وينال به مقصوده اذا كان ~~القصد تاما # ولو كان رجل في مكان عال وآخر يناديه لتوجه إليه وناداه ولو حط رأسه في ~~بئر وناداه بحيث يسمع صوته لكان هذا ممكنا لكن ليس في الفطرة أن يفعل ذلك ~~من يكون قصده اسماعه من غير مصلحة راجحة ولا يفعل نحو ذلك الا عند ضعف ~~القصد ونحوه # و ( حديث الادلاء ( الذى روى من حديث أبى هريرة وأبى ذر رضى الله عنهما ~~قد رواه الترمذى وغيره من حديث الحسن البصرى عن أبى هريرة وهو منقطع فان ~~الحسن لم يسمع من أبى هريرة ولكن يقويه حديث أبى ذر المرفوع فان كان ثابتا ~~فمعناه موافق لهذا فان قوله ( لو ادلى أحدكم بحبل لهبط على الله ( انما هو ~~تقدير مفروض أى لو وقع الادلاء لوقع عليه لكنه لا يمكن أن يدلى أحد على ~~الله شيئا لأنه عال بالذات واذا اهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم ~~يصعد إلى الجهة الأخرى لكن بتقدير فرض الادلاء يكون ما ذكر من الجزاء # فهكذا ما ذكره السائل اذا قدر ان العبد يقصده من تلك الجهة كان هو سبحانه ~~يسمع كلامه وكان متوجها إليه بقلبه لكن هذا مما تمنع منه الفطرة لأن قصد ~~الشيء القصد التام ينافى قصد ضده فكما أن الجهة العليا بالذات تنافى ~~PageV06P571 الجهة السفلى فكذلك قصد الاعلى بالذات ينافى قصده من أسفل وكما ~~أن ما يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى ms1847 تلك الناحية لأنها عالية فترد ~~الهابط بعلوها كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد اليها من الثقيل ~~فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط فكذلك ما ~~يهبط من اعلى الأرض إلى اسفلها وهو المركز لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه ~~إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز فان قدر ان ~~الدافع اقوى كان صاعدا به إلى الفلك من تلك الناحية وصعد به إلى الله وانما ~~يسمى هبوطا باعتبار ما في أذهان المخاطبين ان ما يحاذى ارجلهم يكون هابطا ~~ويسمى هبوطا مع تسمية اهباطه ادلاء وهو انما يكون ادلاء حقيقيا إلى المركز ~~ومن هناك انما يكون مدا للحبل والدلو لا ادلاء له لكن الجزاء والشرط مقدران ~~لا محققان # فانه قال لو أدلى لهبط أى لو فرض أن هناك ادلاء لفرض ان هناك هبوطا وهو ~~يكون ادلاء وهبوطا اذا قدر أن السماوات تحت الأرض وهذا التقدير منتف ولكن ~~فائدته بيان الاحاطة والعلو من كل جانب وهذا المفروض ممتنع في حقنا لا نقدر ~~عليه فلا يتصور ان يدلى ولا يتصور أن يهبط على الله شيء لكن الله قادر على ~~أن يخرق من هنا إلى هناك بحبل ولكن لا يكون في حقه ادلاء فلا يكون في حقه ~~هبوطا عليه # كما لو خرق بحبل من القطب إلى القطب أو من مشرق الشمس إلى مغربها ~~PageV06P572 وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض فان الله قادر على ذلك كله ~~ولا فرق بالنسبة إليه على هذا التقدير من أن يخرق من جانب اليمين منا إلى ~~جانب اليسار أو من جهة امامنا إلى جهة خلفنا أو من جهة رؤوسنا إلى جهة ~~أرجلنا اذا مر الحبل بالارض فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط ~~إلى جانبه الآخر مع خرق المركز وبتقدير احاطة قبضته بالسموات والأرض فالحبل ~~الذى قدر انه خرق به العالم وصل إليه ولا يسمى شيء من ذلك بالنسبة إليه ~~ادلاء ولا هبوطا ms1848 # وأما بالنسبة الينا فان ما تحت أرجلنا تحت لنا وما فوق رؤوسنا فوق لنا ~~وما ندليه من ناحية رءوسنا إلى ناحية أرجلنا نتخيل أنه هابط فاذا قدر أن ~~أحدنا أدلى بحبل كان هابطا على ما هناك لكن هذا تقدير ممتنع في حقنا ~~والمقصود به بيان احاطة الخالق سبحانه وتعالى كما بين أنه يقبض السماوات ~~ويطوى الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان احاطته بالمخلوقات # ولهذا قرأ في تمام هذا الحديث ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل ~~شيء عليم ( وهذا كله على تقدير صحته فان الترمذى لما رواه قال وفسره بعض ~~أهل الحديث بأنه هبط على علم الله وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا ~~الحديث ما يدل على قولهم الباطل وهو أنه حال بذاته في كل مكان وان وجوده ~~وجود الامكنة ونحو ذلك # والتحقيق أن الحديث لا يدل على شيء من ذلك ان كان ثابتا فان قوله ~~PageV06P573 ( لو أدلى بحبل لهبط ( يدل على أنه ليس في المدلى ولا في الحبل ~~ولا في الدلو ولا في غير ذلك وانها تقتضي أنه من تلك الناحية وكذلك تأويله ~~بالعلم تأويل ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية بل بتقدير ثبوته يكون ~~دالا على الاحاطة # والاحاطة قد علم أن الله قادر عليها وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب ~~والسنة وليس في اثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع لكن لا نتكلم ~~الا بما نعلم وما لا نعلمه أمسكنا عنه وما كان مقدمة دليله مشكوكا فيها عند ~~بعض الناس كان حقه أن يشك فيه حتى يتبين له الحق والا فليسكت عما لم يعلم # واذا تبين هذا فكذلك قاصده يقصده إلى تلك الناحية ولو فرض أنا فعلناه ~~لكنا قاصدين له على هذا التقدير لكن قصدنا له بالقصد إلى تلك الجهة ممتنع ~~في حقنا لأن القصد التام الجازم يوجب طلب المقصود بحسب الامكان # ولهذا قد بينا في غير هذا الموضع لما تكلمنا على تنازع الناس في النية ~~المجردة عن الفعل هل يعاقب عليها أم لا يعاقب بينا ms1849 أن ( الارادة الجازمة ( ~~توجب أن يفعل المريد ما يقدر عليه من المراد ومتى لم يفعل مقدوره لم تكن ~~إرادته جازمة بل يكون هما ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه فان تركها ~~لله كتبت له حسنة # ولهذا وقع الفرق بين هم يوسف عليه السلام وهم امرأة العزيز كما قال ~~PageV06P574 الامام أحمد الهم همان هم خطرات وهم اصرار فيوسف عليه السلام ~~هم هما تركه لله فأثيب عليه وتلك همت هم اصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل ~~مرادها وان لم يحصل لها المطلوب # والذين قالوا يعاقب بالارادة احتجوا بقوله ( ( اذا التقى المسلمان ~~بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ( قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما ~~بال المقتول قال ( انه أراد قتل صاحبه ( وفى رواية ( أنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه ( فهذا اراد ارادة جازمة وفعل ما يقدر عليه وان لم يدرك مطلوبه فهو ~~بمنزلة امرأة العزيز فمتى كان القصد جازما لزم أن يفعل القاصد ما يقدر عليه ~~من حصول المقصود فاذا كان قادرا على حصول مقصوده بطريق مستقيم امتنع مع ~~القصد التام ان يحصله بطريق معكوس من بعيد # فلهذا امتنع في فعل العباد عند ضرورتهم ودعائهم لله تعالى وتمام قصدهم له ~~ان لا يتوجهوا إليه الا توجها مستقيما فيتوجهوا إلى العلو دون سائر الجهات ~~لأنه الصراط المستقيم القريب وما سواه فيه من البعد والانحراف والطول ما ~~فيه فمع القصد التام الذى هو حال الداعى العابد والسائل المضطر يمتنع أن ~~يتوجه إليه الا إلى العلو ويمتنع أن يتوجه إليه إلى جهة اخرى كما يمتنع أن ~~يدلى بحبل يهبط عليه فهذا هذا والله أعلم # وأما من جهة الشريعة فان الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة ~~وتقريرها لا بتبديل الفطرة وتغييرها قال ( ( في الحديث المتفق عليه ~~PageV06P575 ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ( # وقال الله تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق ms1850 الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( فجاءت ~~الشريعة في العبادة والدعاء بما يوافق الفطرة بخلاف ما عليه أهل الضلال من ~~المشركين والصابئين المتفلسفة وغيرهم فانهم غيروا الفطرة في العلم والارادة ~~جميعا وخالفوا العقل والنقل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع # ( # وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه ( أن النبى ( ( قال اذا قام أحدكم إلى ~~الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه فان الله قبل وجهه ولا عن يمينه فان عن يمينه ~~ملكا ولكن عن يساره أو تحت قدمه ( وفى رواية ( أنه اذن أن يبصق في ثوبه ( # وفى حديث ابى رزين المشهور الذى رواه عن النبى ( ( لما أخبر النبى ( ( ~~أنه ما من أحد الا سيخلو به ربه فقال له أبو رزين كيف يسعنا يا رسول الله ~~وهو واحد ونحن جميع فقال ( سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله هذا القمر آية من ~~آيات الله كلكم يراه مخليا به فالله أكبر ( # ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وخاطبه اذا قدر أن يخاطبه لا ~~PageV06P576 يتوجه إليه الا بوجهه مع كونه فوقه فهو مستقبل له بوجهه مع ~~كونه فوقه ومن الممتنع في الفطرة ان يستدبره ويخاطبه مع قصده التام له وان ~~كان ذلك ممكنا وانما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته كما يفعل من ليس ~~مقصوده التوجه إلى شخص بخطاب فيعرض عنه بوجهه ويخاطب غيره ليسمع هو الخطاب ~~فأما مع زوال المانع فانما يتوجه إليه فكذلك العبد اذا قام إلى الصلاة فانه ~~يستقبل ربه وهو فوقه فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله ويدعوه من ~~العلو لا من السفل كما اذا قدر أنه يخاطب القمر # وقد ثبت في الصحيحين أنه قال ( لينتهين اقوام عن رفع ابصارهم في الصلاة ~~أو لا ترجع اليهم أبصارهم ( واتفق العلماء على أن رفع المصلى بصره إلى ~~السماء منهى عنه وروى أحمد عن محمد بن سيرين ( أن النبى ( ( كان يرفع بصره ~~في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله تعالى ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم ms1851 خاشعون ( فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده فهذا مما جاءت به الشريعة ~~تكميلا للفطرة لأن الداعى السائل الذى يؤمر بالخشوع وهو الذل والسكوت لا ~~يناسب حاله ان ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله بل يناسب حاله الاطراق وغض ~~بصره امامه # وليس نهى المصلى عن رفع بصره في الصلاة ردا على ( أهل الاثبات ( الذين ~~يقولون أنه على العرش كما يظنه بعض جهال الجهمية فان الجهمية عندهم لا فرق ~~PageV06P577 بين العرش وقعر البحر فالجميع سواء ولو كان كذلك لم ينه عن رفع ~~البصر إلى جهة ويؤمر برده إلى أخرى لأن هذه وهذه عند الجهمية سواء # و ( ايضا ( فلو كان الأمر كذلك لكان النهى عن رفع البصر شاملا لجميع ~~أحوال العبد وقد قال تعالى ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ( فليس العبد ينهى ~~عن رفع بصره مطلقا وانما نهى في الوقت الذى يؤمر فيه بالخشوع لأن خفض البصر ~~من تمام الخشوع كما قال تعالى ( خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث ( وقال ~~تعالى ( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى ( # و ( أيضا ( فلو كان النهى عن رفع البصر إلى السماء وليس في السماء اله ~~لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات ولو كان مقصوده أن ~~ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى ~~العلو لبين لهم ذلك كما بين لهم سائر الاحكام فكيف وليس في كتاب الله ولا ~~سنة رسوله ولا في قول سلف الأمة حرف واحد يذكر فيه أنه ليس الله فوق العرش ~~أو أنه ليس فوق السماء أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايث له ولا ~~مباين له أو أنه لا يقصد العبد اذا دعاه العلو دون سائر الجهات بل جميع ما ~~يقوله الجهمية من النفى ويزعمون أنه الحق ليس معهم به حرف من كتاب الله ولا ~~سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الامة وأئمتها بل الكتاب والسنة وأقوال السلف ~~والأئمة مملوءة بما يدل على نقيض قولهم وهم ms1852 يقولون PageV06P578 أن ظاهرذلك ~~كفر فنؤول أو نفوض فعلى قولهم ليس في الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة ~~في هذا الباب الا ما ظاهره الكفر وليس فيها من الايمان في هذا الباب شيء ~~والسلب الذى يزعمون أنه الحق الذى يجب على المؤمن أو خواص المؤمنين اعتقاده ~~عندهم لم ينطق به رسول ولا نبى ولا أحد من ورثة الانبياء والمرسلين والذى ~~نطقت به الانبياء وورثتهم ليس عندهم هو الحق بل هو مخالف للحق في الظاهر بل ~~وحذاقهم يعلمون أنه مخالف للحق في الظاهر والباطن # لكن هؤلاء منهم من يزعم أن الانبياء لم يمكنهم أن يخاطبوا الناس الا ~~بخلاف الحق الباطن فلبسوا وكذبوا لمصلحة العامة فيقال لهم فهلا نطقوا ~~بالباطن لخواصهم الاذكياء الفضلاء ان كان ما يزعمونه حقا # وقد علم أن خواص الرسل هم على الاثبات أيضا وأنه لم ينطق بالنفى أحد منهم ~~الا أن يكذب على أحدهم كما يقال عن عمر أن النبى ( ( وأبا بكر كانا يتحدثان ~~وكنت كالزنجى بينهما وهذا مختلق باتفاق أهل العلم وكذلك ما نقل عن على وأهل ~~بيته أن عندهم علما باطنا يخالف الظاهر الذى عند جمهور الامة وقد ثبت في ~~الصحاح وغيرها عن على رضى الله عنه أنه لم يكن عندهم من النبى ( ( سر ليس ~~عند الناس ولا كتاب مكتوب الا ما كان في الصحيفة وفيها ( الديات وفكاك ~~الاسير وان لا يقتل مسلم بكافر PageV06P579 ثم انه من المعلوم أن من جعله ~~الله هاديا مبلغا بلسان عربى مبين اذا كان لا يتكلم قط الا بما يخالف الحق ~~الباطن الحقيقى فهو إلى الضلال والتدليس أقرب منه إلى الهدى والبيان وبسط ~~الرد عليهم له موضع غير هذا # والمقصود أن ما جاء عن النبى ( ( في هذا الباب وغيره كله حق يصدق بعضه ~~بعضا وهو موافق لفطرة الخلائق وما جعل فيهم من العقول الصريحة والقصود ~~الصحيحة لا يخالف العقل الصريح ولا القصد الصحيح ولا الفطرة المستقيمة ولا ~~النقل الصحيح الثابت عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( # وانما يظن تعارضها من صدق بباطل ms1853 من النقول أو فهم منه ما لم يدل عليه أو ~~اعتقد شيئا ظنه من العقليات وهو من الجهليات أو من الكشوفات وهو من ~~الكسوفات ان كان ذلك معارضا لمنقول صحيح والا عارض بالعقل الصريح أو الكشف ~~الصحيح ما يظنه منقولا عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ويكون كذبا عليه أو ~~ما يظنه لفظا دالا على شيء ولا يكون دالا عليه كما ذكروه في قوله ( ( الحجر ~~الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ( ~~حيث ظنوا أن هذا وأمثاله يحتاج إلى التأويل وهذا غلط منهم لو كان هذا اللفظ ~~ثابتا عن النبى ( ( فان هذا اللفظ صريح في أن الحجر ليس هو من صفات الله اذ ~~قال ( هو يمين الله في الأرض ( فتقييده بالارض يدل على أنه ليس هو يده على ~~PageV06P580 الاطلاق فلا يكون اليد الحقيقية وقوله ( فمن صافحه وقبله ~~فكأنما صافح الله وقبل يمينه ( صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحا لله ~~ولا مقبلا ليمينه لأن المشبه ليس هو المشبه به وقد أتى بقوله ( فكأنما ( ~~وهى صريحة في التشبيه واذا كان اللفظ صريحا في أنه جعل بمنزلة اليمين لاأنه ~~نفس اليمين كان من اعتقد ان ظاهره أنه حقيقة اليمين قائلا للكذب المبين # فهذا كله بتقدير أن يكون العرش كرى الشكل سواء كان هو الفلك التاسع أو ~~غير الفلك التاسع قد تبين أن سطحه هو سقف المخلوقات وهو العالى عليها من ~~جميع الجوانب وأنه لا يجوز أن يكون شيء مما في السماء والأرض فوقه وان ~~القاصد إلى ما فوق العرش بهذا التقدير انما يقصد إلى العلو لا يجوز في ~~الفطرة ولا في الشرعة مع تمام قصده أن يقصد جهة أخرى من جهاته الست بل هو ~~أيضا يستقبله بوجهه مع كونه أعلى منه كما ضربه النبى ( ( مثلا من المثل ~~بالقمر ولله المثل الاعلى وبين أن مثل هذا اذا جاز في القمر وهو آية من ~~آيات الله تعالى فالخالق أعلى وا عظم # وأما اذا قدر أن العرش ليس كرى ms1854 الشكل بل هو فوق العالم من الجهة التى هي ~~وجه الأرض وأنه فوق الافلاك الكرية كما أن وجه الأرض الموضوع للانام فوق ~~نصف الأرض الكرى أو غير ذلك من المقادير التى يقدر فيها أن العرش فوق ما ~~سواه وليس كرى الشكل فعلى كل تقدير لا نتوجه إلى الله الا إلى العلو لا إلى ~~غير ذلك من الجهات PageV06P581 # فقد ظهر انه على كل تقدير لا يجوز أن يكون التوجه إلى الله الا إلى العلو ~~مع كونه على عرشه مباينا لخلقه وسواء قدر مع ذلك أنه محيط بالمخلوقات كما ~~يحيط بها اذا كانت في قبضته أو قدر مع ذلك أنه فوقها من غير أن يقبضها ~~ويحيط بها فهو على التقديرين يكون فوقها مباينا لها فقد تبين أنه على هذا ~~التقدير في الخالق وعلى هذا التقدير في العرش لا يلزم شيء من المحذور ~~والتناقض وهذا يزيل كل شبهة وانما تنشأ الشبهة في اعتقادين فاسدين # ( أحدهما ( أن يظن أن العرش اذا كان كريا والله فوقه وجب أن يكون الله ~~كريا ثم يعتقد أنه اذا كان كريا فيصح التوجه إلى ما هو كرى كالفلك التاسع ~~من جميع الجهات وكل من هذين الاعتقادين خطأ وضلال فان الله مع كونه فوق ~~العرش ومع القول بأن العرش كرى سواء كان هو التاسع أو غيره لا يجوز أن يظن ~~أنه مشابه للأفلاك في أشكالها كما لا يجوز أن يظن أنه مشابه لها في أقدارها ~~ولا في صفاتها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا بل قد تبين أنه ~~أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك وأنها ~~عنده أصغر من الحمصة والفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا فإذا كانت الحمصة أو ~~الفلفلة بل الدرهم والدينار أو الكرة التى يلعب بها الصبيان ونحو ذلك في يد ~~الانسان أو تحته أو نحو ذلك هل يتصور عاقل اذا استشعر علو الانسان على ذلك ~~واحاطته به أن يكون الانسان كالفلك والله ولله المثل الأعلى أعظم من أن يظن ~~ذلك ms1855 به وانما يظنه PageV06P582 الذين ( وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ~~( # وكذلك ( اعتقادهم الثانى ( وهو أن ما كان فلكا فانه يصح التوجه إليه من ~~الجهات الست خطأ باتفاق أهل العقل الذين يعلمون الهيئة واهل العقل الذين ~~يعلمون أن القصد الجازم يوجب فعل المقصود بحسب الامكان # فقد تبين أن كل واحد من المقدمتين خطأ في العقل والشرع وأنه لا يجوز أن ~~تتوجه القلوب إليه الا إلى العلو لا إلى غيره من الجهات على كل تقدير يفرض ~~من التقديرات سواء كان العرش هو الفلك التاسع أو غيره سواء كان محيطا ~~بالفلك كرى الشكل أو كان فوقه من غير أن يكون كريا سواء كان الخالق سبحانه ~~محيطا بالمخلوقات كما يحيط بها في قبضته أو كان فوقها من جهة العلو منا ~~التى تلي رؤوسنا دون الجهة الاخرى # فعلى أى تقدير فرض كان كل من مقدمتى السؤال باطلة وكان الله تعالى اذا ~~دعوناه إنما ندعوه بقصد العلو دون غيره كما فطرنا على ذلك # وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة والله أعلم PageV06P583 ### |||| سئل رحمه الله # هل العرش والكرسى موجودان أم مجاز وهل مذهب أهل السنة على أن الله تعالى ~~كلم موسى شفاها منه إليه بلا واسطة وهل الذى رآه موسى كان نورا أم نارا ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله بل ( العرش ( موجود بالكتاب والسنة واجماع ~~سلف الامة وأئمتها وكذلك ( الكرسى ( ثابت بالكتاب والسنة واجماع جمهور ~~السلف # وقد نقل عن بعضهم أن ( كرسيه ( علمه وهو قول ضعيف فان علم الله وسع كل ~~شيء كما قال ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ( # والله يعلم نفسه ويعلم ما كان وما لم يكن فلو قيل وسع علمه السماوات ~~والأرض لم يكن هذا المعنى مناسبا لا سيما وقد قال تعالى ( ولا يؤوده حفظهما ~~( أى لا يثقله ولا يكرثه وهذا يناسب القدرة لا العلم والآثار المأثورة ~~تقتضى ذلك لكن الآيات والأحاديث في ( العرش ( أكثر من ذلك صريحة متواترة ~~PageV06P584 # وقد ms1856 قال بعضهم إن ( الكرسى ( هو العرش لكن الاكثرون على أنهما شيئان وأما ~~موسى فان الله كلمه بلا واسطة باتفاق المسلمين أهل السنة واهل البدعة لم ~~يقل أحد من المسلمين أن موسى كان بينه وبين الله واسطة في التكليم لا أهل ~~السنة ولا الجهمية ولا من المعتزلة ولا الكلابية ولا غيرهم ولكن بينهم نزاع ~~في غير هذا # والذى رآه موسى كان نارا بنص القرآن وهو أيضا ( نور ( كما في الحديث و ( ~~النار ( هي نور والله أعلم PageV06P585 ### |||| سئل # عن رجلين تنازعا في ( كيفية السماء والأرض ( هل هما ( جسمان كريان ( فقال ~~أحدهما كريان وأنكر الآخر هذه المقالة وقال ليس لها أصل وردها فما الصواب ### ||||| فأجاب # السماوات مستديرة عند علماء المسلمين وقد حكى اجماع المسلمين على ~~ذلك غير واحد من العلماء أئمة الإسلام مثل أبى الحسين أحمد بن جعفر بن ~~المنادى أحد الأعيان الكبار من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد وله ~~نحو أربعمائه مصنف # وحكى الاجماع على ذلك الامام أبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزى وروى ~~العلماء ذلك بالأسانيد المعروفة عن الصحابة والتابعين وذكروا ذلك من كتاب ~~الله وسنة رسوله وبسطوا القول في ذلك بالدلائل السمعية # وان كان قد أقيم على ذلك أيضا دلائل حسابية # ولا أعلم في علماء المسلمين المعروفين من أنكر ذلك الا فرقة يسيرة من أهل ~~الجدل لما ناظروا المنجمين فأفسدوا عليهم فاسد مذهبهم في الأحوال ~~PageV06P586 والتأثير خلطوا الكلام معهم بالمناظرة في الحساب وقالوا على ~~سبيل التجويز يجوز أن تكون مربعة أو مسدسة أو غير ذلك ولم ينفوا أن تكون ~~مستديرة لكن جوزوا ضد ذلك وما علمت من قال أنها غير مستديرة وجزم بذلك الا ~~من لا يؤبه له من الجهال # ومن الادلة على ذلك قوله تعالى ( وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون ( وقال تعالى ( لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ~~ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ( # قال بن عباس وغيره من السلف في فلكه مثل فلكه المغزل وهذا صريح ms1857 ~~بالاستدارة والدوران وأصل ذلك أن ( الفلك في اللغة ( هو الشيء المستدير ~~يقال تفلك ثدى الجارية اذا استدار ويقال لفلكه المغزل المستديرة فلكة ~~لاستدارتها # فقد اتفق أهل التفسير واللغة على أن ( الفلك ( هو المستدير والمعرفة ~~لمعانى كتاب الله انما تؤخذ من هذين الطريقين من اهل التفسير الموثوق بهم ~~من السلف ومن اللغة التى نزل القرآن بها وهى لغة العرب وقال تعالى ( يكور ~~الليل على النهار ويكور النهار على الليل ( قالوا و ( التكوير ( التدوير ~~يقال كورت العمامة وكورتها اذا دورتها ويقال للمستدير كارة واصله ( كورة ( ~~تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت الفا PageV06P587 ويقال ايضا ( كرة ( ~~واصله كورة وانما حذفت عين الكلمة كما قيل في ثبة وقلة # والليل والنهار وسائر أحوال الزمان تابعة للحركة فان الزمان مقدار الحركة ~~والحركة قائمة بالجسم المتحرك فاذا كان الزمان التابع للحركة التابعة للجسم ~~موصوفا بالاستدارة كان الجسم أولى بالاستدارة وقال تعالى ( ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت ( وليس في السماء الا اجسام ما هو متشابه فأما التثليث ~~والتربيع والتخميس والتسديس وغير ذلك ففيها تفاوت واختلاف بالزوايا ~~والاضلاع لا خلاف فيه ولا تفاوت اذ الاستدارة التى هي الجوانب # وفى الحديث المشهور في سنن ابى داود وغيره عن جبير بن مطعم أن اعرابيا ~~جاء إلى النبى ( ( فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وهلك المال وجاع العيال ~~فاستسق لنا فانا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله فسبح رسول الله ( ( ~~حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال ( ويحك ان الله لا يستشفع به على أحد من ~~خلقه شأن الله أعظم من ذلك ان عرشه على سماواته هكذا ( وقال بيده مثل القبة ~~( وأنه يئط به أطيط الرحل الجديد براكبه ( # فأخبر النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ان العرش على السماوات مثل القبة ~~وهذا اشارة إلى العلو والادارة PageV06P588 # وفى الصحيحين عن النبى ( ( قال ( اذا سألتم الله الجنة فاسألوه ( الفردوس ~~( فانه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن ( والاوسط لا يكون أوسط ~~الا في المستدير وقد قال اياس بن معاوية السماء على الأرض ms1858 مثل القبة ~~والآثار في ذلك لا تحتملها الفتوى وانما كتبت هذا على عجل # والحس مع العقل يدل على ذلك فانه مع تأمل دوران الكواكب القريبة من القطب ~~في مدار ضيق حول القطب الشمالى ثم دوران الكواكب المتوسطة في السماء في ~~مدار واسع وكيف يكون في أول الليل وفى آخره يعلم ذلك # وكذلك من رأى حال الشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها في الاوقات الثلاثة ~~على بعد واحد وشكل واحد ممن يكون على ظهر الأرض علم أنها تجرى في فلك ~~مستدير وأنه لو كان مربعا لكانت وقت الاستواء أقرب إلى من تحاذيه منها وقت ~~الطلوع والغروب ودلائل هذا متعددة # وأما من ادعى ما يخالف الكتاب والسنة فهو مبطل في ذلك وان زعم ان معه ~~دليلا حسابيا وهذا كثير فيمن ينظر في ( الفلك وأحواله ( كدعوى جماعة من ~~الجهال أنهم يغلب وقت طلوع الهلال لمعرفة وقت ظهوره بعد استسراره بمعرفة ~~بعده عن الشمس بعد مفارقتها وقت الغروب وضبطهم ( قوس الرؤية ( وهوالخط ~~المعروض مستديرا قطعة من دائرة PageV06P589 وقت الاستهلال فان هذه دعوى ~~باطلة اتفق علماء الشريعة الاعلام على تحريم العمل بذلك في الهلال # واتفق أهل الحساب العقلاء على أن معرفة ظهور الهلال لا يضبط بالحساب ضبطا ~~تاما قط ولذلك لم يتكلم فيه حذاق الحساب بل أنكروه وانما تكلم فيه قوم من ~~متأخريهم تقريبا وذلك ضلال عن دين الله وتغيير له شبيه بضلال اليهود ~~والنصارى عما أمروا به من الهلال إلى غاية الشمس وقت اجتماع القرصين الذى ~~هو الاستسرار وليس بالشهور الهلالية ونحو ذلك # والنسيء ( الذى كان في العرب الذى هو زيادة في الكفر الذى يضل به الذين ~~كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ما ذكر ذلك علماء الحديث والسير والتفسير ~~وغيرهم # وقد ثبت في الصحيحين عن عمر عن النبى ( ( أنه قال ( أنا أمة أمية لا نكتب ~~ولا نحسب صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ( # فمن أخذ علم الهلال الذى جعله الله مواقيت للناس والحج بالكتاب والحساب ~~فهو فاسد العقل والدين والحساب اذا صح حسابه اكثر ما يمكنه ضبط ms1859 المسافة ~~التى بين الشمس والقمر وقت الغروب مثلا وهو الذى يسمى بعد القمر عن الشمس ~~لكن كونه يرى لا محالة أو لا يرى بحال لا يعلم بذلك PageV06P590 فان ( ~~الرؤية ( تختلف بعلو الأرض وانخفاضها وصفاء الجو وكدره وكذلك البصر وحدته ~~ودوام التحديق وقصره وتصويب التحديق وخطؤه وكثرة المترائين وقلتهم وغلظ ~~الهلال وقد لا يرى وقت الغروب ثم بعد ذلك يزداد بعده عن الشمس فيزداد نورا ~~ويخلص من الشعاع المانع من رؤيته فيرى حينئذ وكذلك لم يتفقوا على قوس واحد ~~لرؤيته بل اضطربوا فيه كثيرا ولا أصل له وانما مرجعه إلى العادة وليس لها ~~ضابط حسابى # فمنهم من ينقصه عن عشر درجات # ومنهم من يزيد وفى الزيادة والنقص أقوال متقابلة من جنس أقوال من رام ضبط ~~عدد التواتر الموجب لحصول العلم بالمخبر وليس له ضابط عددى اذ للعلم اسباب ~~وراء العدد كما للرؤية # وهذا كله اذا فسر الهلال بما طلع في السماء وجعل وقت الغيم المطبق شكا ~~اما اذا فسر الهلال بما استهله الناس وادركوه وظهر لهم واظهروا الصوت به ~~اندفع هذا بكل تقدير # والخلاف في ذلك مشهور بين العلماء في مذهب الامام أحمد وغيره والثانى قول ~~الشافعى وغيره والله أعلم PageV06P591 ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى # عن خلق السماوات والأرض وتركيب النيرين والكواكب هل هي مثبتة في الافلاك ~~والافلاك تتحرك بها أم هي تتحرك والفلك ثابت أم كلاهما متحرك وهل الافلاك ~~هي السماوات أم غيرها وهل تختص النجوم بالسماء الدنيا وهل اذا كان الشمس ~~والقمر في بعض السماوات يضيء نورها جميع السماوات وهل ينتقلان من سماء إلى ~~سماء وهل الارضون سبع أو بينهن خلق أو بعضهن فوق بعض وهل أطراف السماوات ~~على جبل أم الأرض في السماء كالبيضة في قشرها والبحر تحت ذلك والريح تحته ~~وهل فوق السماوات بحر تحت العرش ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسائل تحتاج إلى بسط كثير لا تحتمله هذه الورقة ~~والسائل عن هذه المسائل يحتاج إلى معرفة علوم متعددة ليجاب بالاجوبة ~~الشافية فان فيها نزاعا وكلاما طويلا ms1860 لكن نذكر له بحسب الحال # أما قوله الأفلاك هل هي السماوات أو غيرها ففى ذلك قولان معروفان للناس ~~لكن الذين قالوا أن هذا هو هذا احتجوا بقوله تعالى ( الم تروا كيف ~~PageV06P592 خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس ~~سراجا ( قالوا فاخبر الله أن القمر في السماوات # وقد قال تعالى ( وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك ~~يسبحون ( وقال تعالى ( لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار وكل في فلك يسبحون ( # فأخبر في الآيتين أن القمر في الفلك كما اخبر أنه في السماوات ولأن الله ~~أخبر انا نرى السماوات بقوله ( الذى خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب ~~اليك البصر خاسئا وهو حسير ( وقال ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها ومالها من فروج وأمثال ذلك من النصوص الدالة على أن السماء ~~مشاهدة والمشاهد هو الفلك فدل على أن أحدهما هو الآخر # ( # وأما قوله هل الشمس والقمر تحركان بدون الفلك أم حركتهما بحركة الفلك ~~ففيه نزاع ايضا لكن جمهور الناس على أن حركتهما بحركة الفلك # وأما قوله تعالى ( كل في فلك يسبحون ( فلا يمنع أن يكون ما ذكره من أنهم ~~يسبحون تابعا لحركة الفلك كما في الليل والنهار فان تعاقب الليل والنهار ~~تابع لحركة غيرهما وقوله ( كل في فلك يسبحون ( يتناول الليل والنهار والشمس ~~والقمر كما بين ذلك في سورة الانبياء PageV06P593 وكذلك في سورة يس ( وآية ~~لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون والشمس تجرى لمستقر لها ذلك ~~تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ~~ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ( # فتناول قوله ( كل في فلك يسبحون ( ما تقدم الليل والنهار والشمس كما ذكر ~~في سورة الانبياء واذا كان أخبر عن الليل والنهار بما أخبر به من انهما ~~يسبحان وذلك تابع ms1861 لحركة غيرهما مثل ذلك ما أخبر به من أن الشمس والقمر ~~يسبحان تبعا للفلك وعلى ذلك أدلة ليس هذا موضع بسطها # واما النجوم فان الله أخبر أنها زينة للسماء الدنيا كما قال تعالى ( انا ~~زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ( وقال ( ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح ( فقال بعض من قال ان الافلاك غير السماوات وان المراد بالسماء ~~الدنيا هنا الفلك الثامن الذى يذكر أهل الهيئة أن الكواكب الثابتة فيه ~~وادعوا ان تلك هي السماوات العلى وان الافلاك هي السماوات الدنيا ولكن هذا ~~قول مبنى على أصل ضعيف وأيضا فان الذى نشهده هو الكواكب # وقال تعالى ( فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس ( والخنوس الاختفاء وذلك قبل ~~ظهورها من المشرق والكنوس رجوعها من جهة المغرب فما خنس قبل ظهورها كنس بعد ~~مغيبها جوار حال ظهورها تجرى من المشرق إلى المغرب PageV06P594 # والشمس والقمر في الفلك كما أخبر الله تعالى لا تنتقل من سماء إلى سماء # وليست السماوات متصلة بالأرض لا على جبل قاف ولا غيره بل الافلاك مستديرة ~~كما أخبر الله ورسوله وكما ذكر ذلك علماء المسلمين وغيرهم فذكر أبو الحسين ~~بن المنادى وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزى وغيرهم اجماع المسلمين ~~على أن الافلاك مستديرة وقال بن عباس في قوله ( كل في فلك يسبحون ( قال في ~~فلكه مثل فلكه المغزل والفلك في لغة العرب الشيء المستدير يقال تفلك ثدى ~~الجارية اذا استدار # وقد خلق الله سبع أرضين بعضهن فوق بعض كما ثبت في الصحاح عن النبى ( ( ~~أنه قال ( من ظلم شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة ( وقد ذكر ~~أبو بكر الانبارى الاجماع على ذلك واراد به إجماع أهل الحديث والسنة # وتحت العرش بحر كما جاء في الأحاديث وكما ذكر في تفسير القرآن وكما أخبر ~~الله أنه خلق السماوات والأرض في ستة ايام وكان عرشه على الماء # والعرش فوق جميع المخلوقات وهو سقف جنة عدن التى هي أعلا الجنة كما ثبت ~~في الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( اذا سألتم الله ms1862 الجنة فاسألوه الفردوس ~~فانه اعلا الجنة وسقفه عرش الرحمن PageV06P595 # والأرض يحيط الماء بأكثرها والهواء يحيط بالماء والأرض والله تعالى بسط ~~الأرض للأنام وأرساها بالجبال لئلا تميد كما ترسى السفينة بالاجسام الثقيلة ~~اذا كثرت امواج البحر والا مادت والله تعالى ( يمسك السماوات والأرض ان ~~تزولا ولئن زالتا ان أمسكهما من أحد من بعده انه كان حليما غفورا ( # والمخلوقات العلوية والسفلية يمسكها الله بقدرته سبحانه وما جعل فيها من ~~الطبائع والقوى فهو كائن بقدرته ومشيئته سبحانه PageV06P596 ### |||| وسئل رحمه الله # هل خلق الله السماوات والأرض قبل الليل والنهار أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ( الليل والنهار ( الذى هو حاصل بالشمس هو تبع للسموات ~~والأرض لم يخلق هذا الليل وهذا النهار قبل هذه السماوات والأرض بل خلق هذا ~~الليل وهذا النهار تبعا لهذه السماوات والأرض فان الله اذا اطلع الشمس حصل ~~النهار واذا غابت حصل الليل فالنهار بظهورها والليل بغروبها فكيف يكون هذا ~~الليل وهذا النهار قبل الشمس والشمس ( والقمر ( مخلوقان مع السماوات والأرض # وقد قال تعالى ( وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك ~~يسبحون ( وقال تعالى ( لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار وكل في فلك يسبحون ( قال بن عباس وغيره من السلف في فلكة مثل فلكة ~~المغزل # فقد أخبر تعالى أن الليل والنهار والشمس والقمر في الفلك و ( الفلك ( هو ~~السماوات عند أكثر العلماء بدليل أن الله ذكر في هاتين الآيتين ان الشمس ~~والقمر في الفلك وقال في موضع آخر ( الم تروا كيف خلق الله PageV06P597 سبع ~~سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ( فأخبر أنه جعل الشمس ~~والقمر في السماوات # وقال تعالى ( الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون ( بين أنه خلق السماوات والأرض وأنه خلق الظلمات ~~والنور لأن الجعل هو التصيير يقال جعل كذا اذا صيره # فذكر أنه خلق السماوات والأرض وأنه جعل الظلمات والنور لأن الظلمات ~~والنور مجعولة من الشمس والقمر المخلوقة في السماوات وليس ms1863 الظلمات والنور ~~والليل والنهار جسما قائما بنفسه ولكنه صفة وعرض قائم بغيره ( فالنور ( هو ~~شعاع الشمس وضوءها الذى ينشره الله في الهواء وعلى الأرض # وأما ( الظلمة في الليل ( فقد قيل هي كذلك وقيل هي أمر وجودى فهذا الليل ~~وهذا النهار اللذان يختلفان علينا اللذان يولج الله أحدهما في الآخر فيولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخلف أحدهما الآخر يتعاقبان كما ~~قال تعالى ( ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى ~~الالباب ( وقال تعالى ( لا الشمس ينبغى لها ان تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار ( بين سبحانه أنه جعل لكل شيء قدرا واحدا لا يتعداه # فالشمس لا ينبغى لها أن تدرك القمر وتلحقه بل لها مجرى قدره الله لها ~~وللقمر مجرى قدره الله له كما قال تعالى ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ~~فاذا هم PageV06P598 مظلمون والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز ~~العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ( ثم قال ( لا الشمس ~~ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ( أى لا يفوته ويتقدم امامه ~~حتى يكون بينهما برزخ بل هو متصل به لا هذا ينفصل عن هذا ولا هذا ينفصل عن ~~هذا ( كل في فلك يسبحون ( # فالمقصود أن هذا الليل وهذا النهار جعلهما الله تبعا لهذه السماوات ~~والأرض ولكن كان قبل ان يخلق الله هذه السماوات وهذه الأرض وهذا النهار كان ~~العرش على الماء كما قال تعالى ( وهو الذى خلق السماوات والأرض في ستة ايام ~~وكان عرشه على الماء ( # وخلق الله من بخار ذلك الماء هذه السماوات وهو الدخان المذكور في قوله ~~تعالى ( ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين ( # وذلك لما كان الماء غامرا لتربة الأرض وكانت الريح تهب على ذلك الماء ~~فخلق الله هذه السماوات والأرض في ستة ايام ثم استوى على العرش فتلك الايام ~~التى خلق الله تعالى فيها هذه PageV06P599 ### |||| وسئل رضى الله عنه # عن ms1864 اختلاف الليل والنهار وان الظهر يكون في دمشق ويكون الليل قد دخل في ~~بلد آخر فهل قائل هذا قوله صحيح أم لا ### ||||| فأجاب رحمه الله # الحمد لله رب العالمين طلوع الشمس وزوالها وغروبها يكون بالمشرق قبل أن ~~يكون بالمغرب فتطلع الشمس وتزول وتغرب على ارض الهند والصين والخط قبل أن ~~يكون بأرض المغرب ويكون ذلك بأرض العراق قبل أن يكون بأرض الشام ويكون بأرض ~~الشام قبل أن يكون بمصر وكل أهل بلد لهم حكم طلوعهم وزوالهم وغروبهم # فاذا طلع الفجر ببلد دخل وقت الفجر ووجبت الصلاة والصوم عندهم وان لم يكن ~~عند آخرين لكن يتفاوت ذلك تفاوتا يسيرا بين البلاد المتقاربة واما من كان ~~في أقصى المشرق وأقصى المغرب فيتفاوت بينهما تفاوتا كثيرا نحو نصف يوم كامل # والله سبحانه قد اخبر بأن الشمس والقمر والليل والنهار كل ذلك يسبح ~~PageV06P600 في الفلك فقال تعالى ( وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون ( وقال تعالى ( لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ~~ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ( و ( الفلك ( هو المستدير كما ~~ذكر ذلك من ذكره من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين والمستدير ~~يظهر شيئا بعد شيء فيراه القريب منه قبل البعيد عنه والله أعلم آخر الجزء ~~الثاني من كتاب الأسماء والصفات PageV06P601 ### | 1 ( كتاب الإيمان الكبير ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ~~من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~تسليما # اعلم أن الإيمان والإسلام يجتمع فيهما الدين كله وقد كثر كلام الناس في ~~حقيقة الإيمان والإسلام ونزاعهم واضطرابهم وقد صنفت في ذلك مجلدات والنزاع ~~في ذلك ms1865 من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف PageV07P005 ونحن نذكر ما ~~يستفاد من كلام النبي مع ما يستفاد من كلام الله تعالى فيصل المؤمن إلى ذلك ~~من نفس كلام الله ورسوله فإن هذا هو المقصود فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء ~~بل نذكر من ذلك في ضمن بيان ما يستفاد من كلام الله ورسوله ما يبين أن رد ~~موارد النزاع إلى الله وإلى الرسول خير وأحسن تأويلا وأحسن عاقبة في الدنيا ~~والآخرة # فنقول قد فرق النبي في حديث جبريل عليه السلام بين مسمى الإسلام ومسمى ~~الإيمان ومسمى الإحسان فقال الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت ~~إليه سبيلا وقال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~وتؤمن بالقدر خيره وشره # والفرق مذكور في حديث عمر الذي انفرد به مسلم وفي حديث أبي هريرة الذي ~~اتفق البخاري ومسلم عليه وكلاهما فيه أن جبرائيل جاءه في صورة إنسان اعرابي ~~فسأله وفي حديث عمر أنه جاءه في صورة أعرابي # وكذلك فسر الإسلام في حديث بن عمر المشهور قال بني الإسلام على خمس شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج ~~البيت وصوم رمضان # وحديث جبرائيل يبين أن الإسلام المبني على خمس هو الإسلام نفسه ~~PageV07P006 ليس المبني غير المبني عليه بل جعل النبي الدين ثلاث درجات ~~أعلاها الإحسان وأوسطها الإيمان ويليه الإسلام فكل محسن مؤمن وكل مؤمن مسلم ~~وليس كل مؤمن محسنا ولا كل مسلم مؤمنا كما سيأتي بيانه إن شاء الله في سائر ~~الأحاديث كالحديث الذي رواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من ~~أهل الشام عن أبيه عن النبي قال له أسلم تسلم قال وما الإسلام قال أن تسلم ~~قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك قال فأي الإسلام أفضل قال ~~الإيمان قال وما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث ~~بعد الموت ms1866 قال فأي الإيمان أفضل قال الهجرة قال وما الهجرة قال أن تهجر ~~السوء قال فأي الهجرة أفضل قال الجهاد قال وما الجهاد قال أن تجاهد أوتقاتل ~~الكفار إذا لقيتهم ولا تغلل ولا تجبن ثم قال رسول الله عملان هما أفضل ~~الأعمال إلا من عمل بمثلهما قالها ثلاثا حجة مبرورة أو عمرة رواه أحمد ~~ومحمد بن نصر المروزي # ولهذا يذكر هذه المراتب الأربعة فيقول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم والمهاجر من هجر السيئات ~~والمجاهد من جاهد نفسه لله وهذا مروي عن النبي من حديث عبد الله بن عمرو ~~وفضالة بن عبيد وغيرهما بإسناد جيد وهو في السنن وبعضه في الصحيحين ~~PageV07P007 وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال المسلم من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ومعلوم أن من كان ~~مأمونا على الدماء والأموال كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده ولولا ~~سلامتهم منه لما ائتمنوه وكذلك في حديث عبيد بن عمير عن عمرو بن عبسة # وفي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير أيضا عن أبيه عن جده أنه قيل لرسول ~~الله ما الإسلام قال إطعام الطعام وطيب الكلام قيل فما الإيمان قال السماحة ~~والصبر قيل فمن أفضل المسلمين إسلاما قال من سلم المسلمون من لسانه ويده ~~قيل فمن أفضل المؤمنين إيمانا قال أحسنهم خلقا قيل فما أفضل الهجرة قال من ~~هجر ما حرم الله عليه قال أي الصلاة أفضل قال طول القنوت قال أي الصدقة ~~أفضل قال جهد مقل قال أي الجهاد أفضل قال أن تجاهد بمالك ونفسك فيعقر جوادك ~~ويراق دمك قال أي الساعات أفضل قال جوف الليل الغابر # ومعلوم أن هذا كله مراتب بعضها فوق بعض وإلا فالمهاجر لا بد أن يكون ~~مؤمنا وكذلك المجاهد ولهذا قال الإيمان السماحة والصبر وقال في الإسلام ~~إطعام الطعام وطيب الكلام والأول مستلزم للثاني فإن من كان خلقه السماحة ~~فعل هذا بخلاف الأول فإن الإنسان قد يفعل ms1867 ذلك تخلقا ولا يكون في خلقه سماحة ~~وصبر وكذلك قال أفضل المسلمين PageV07P008 من سلم المسلمون من لسانه ويده ~~وقال أفضل المؤمنين إيمانا احسنهم خلقا ومعلوم أن هذا يتضمن الأول فمن كان ~~حسن الخلق فعل ذلك # قيل للحسن البصري ما حسن الخلق قال بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه فكف ~~الأذى جزء من حسن الخلق # وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من الإيمان كقوله ~~الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق وقوله لوفد عبد القيس آمركم بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله ~~وحده شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وأن تؤدوا خمس ما غنمتم # ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب ~~لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب فعلم أن هذه مع إيمان ~~القلب هو الإيمان وفي المسند عن أنس عن النبي أنه قال الإسلام علانية ~~والإيمان في القلب وقال إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا ~~فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف ~~العكس # وقال سفيان بن عيينة كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء ~~الكلمات من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ومن أصلح ما بينه PageV07P009 ~~وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر ~~دنياه رواه بن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص # فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان صلح الجسد بالإسلام وهو من الإيمان يدل ~~على ذلك أنه قال في حديث جبرائيل ( هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ( فجعل ( ~~الدين ( هو الإسلام والإيمان والإحسان فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة لكن هو ~~درجات ثلاث ( مسلم ( ثم ( مؤمن ( ثم ( محسن ( كما قال تعالى @QB@ ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله @QE@ والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة ms1868 بلا عقوبة ~~بخلاف الظالم لنفسه وهكذا من أتى بالاسلام الظاهر مع تصديق القلب لكن لم ~~يقم بما يجب عليه من الايمان الباطن فانه معرض للوعيد كما سيأتى بيانه ان ~~شاء الله # وأما ( الاحسان ( فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الايمان ( ~~والايمان ( أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الاسلام فالاحسان يدخل ~~فيه الايمان والايمان يدخل فيه الاسلام والمحسنون أخص من المؤمنين ~~والمؤمنون أخص من المسلمين وهذا كما يقال في ( الرسالة والنبوة ( فالنبوة ~~داخلة في الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها فكل رسول ~~نبى وليس كل نبى رسولا فالأنبياء أعم والنبوة نفسها جزء من الرسالة ~~فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة فانها لا تتناول الرسالة ~~PageV07P010 والنبى ( ( فسر ( الاسلام والايمان ( بما أجاب به كما يجاب عن ~~المحدود بالحد اذا قيل ما كذا قيل كذا وكذا كما في الحديث الصحيح لما قيل ~~ما الغيبة قال ( ذكرك أخاك بما يكره ( وفى الحديث الآخر ( الكبر بطر الحق ~~وغمط الناس ( وبطر الحق جحده ودفعه وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم # وسنذكر ان شاء الله تعالى سبب تنوع أجوبته وأنها كلها حق # ولكن ( المقصود ( أن قوله ( بنى الإسلام على خمس ( كقوله ( الإسلام هو ~~الخمس ( كما ذكر في حديث جبرائيل فان الأمر مركب من أجزاء تكون الهيئة ~~الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء ومركبة منها فالاسلام مبنى على هذه ~~الأركان وسنبين ان شاء الله اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام وعليها بنى ~~الاسلام ولم خصت بذلك دون غيرها من الواجبات # وقد فسر ( الايمان ( في حديث وفد عبدالقيس بما فسر به الاسلام هنا لكنه ~~لم يذكر فيه الحج وهو متفق عليه فقال ( آمركم بالايمان بالله وحده هل تدرون ~~ما الايمان بالله وحده قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا اله الا ~~الله وأن محمدا رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وان تؤدوا ~~خمس ما غنمتم أو خمسا من المغنم # ( وقد روى في بعض طرقه ( الايمان بالله وشهادة أن ms1869 لا اله الا الله ~~PageV07P011 لكن الأول أشهر وفى رواية أبى سعيد ( آمركم بأربع وأنهاكم عن ~~أربع اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ( وقد فسر في حديث شعب الإيمان ~~الايمان بهذا وبغيره فقال ( الايمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها ~~قول لا اله الا الله وأدناها اماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من ~~الإيمان ( # وثبت عنه من وجوه متعددة أنه قال ( الحياء شعبة من الايمان ( من حديث بن ~~عمر وبن مسعود وعمران بن حصين وقال أيضا ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ~~من ولده ووالده والناس أجمعين ( وقال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه ( وقال ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول ~~الله قال الذى لا يأمن جاره بوائقه ( وقال ( من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ( وقال ( ~~ما بعث الله من نبى الا كان في أمته قوم يهتدون بهديه ويستنون بسنته ثم أنه ~~يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم ~~بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس ~~وراء ذلك من الايمان حبة خردل ( وهذا من افراد مسلم وكذلك في افراد مسلم ~~قوله ( والذى نفسى بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ~~أو لا أدلكم على شيء اذا فعلتموه تحاببتم PageV07P012 أفشوا السلام بينكم ( ~~وقال في الحديث المتفق عليه من رواية أبى هريرة ورواه البخارى من حديث بن ~~عباس قال النبى ( ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب النهبة يرفع ~~الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن ( # فيقال ( اسم الايمان ( تارة يذكر مفردا غير مقرون باسم الاسلام ولا باسم ~~العمل الصالح ولا غيرهما وتارة يذكر مقرونا اما بالاسلام كقوله في حديث ~~جبرائيل ( ما الاسلام وما الايمان ( وكقوله تعالى @QB@ إن ms1870 المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات @QE@ وقوله عز وجل @QB@ قالت الأعراب آمنا ~~قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ وقوله تعالى @QB@ فأخرجنا من كان فيها ~~من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين @QE@ # وكذلك ذكر الايمان مع العمل الصالح وذلك في مواضع من القرآن كقوله تعالى ~~@QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ واما مقرونا بالذين أوتوا العلم ~~كقوله تعالى @QB@ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان @QE@ وقوله @QB@ يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات @QE@ وحيث ذكر الذين آمنوا ~~فقد دخل فيهم الذين أوتوا العلم فانهم خيارهم قال تعالى @QB@ والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا @QE@ ( وقال ( لكن الراسخون في العلم ~~منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك PageV07P013 ويذكر ~~أيضا لفظ المؤمنين مقرونا بالذين هادوا والنصارى والصابئين ثم يقول @QB@ من ~~آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون @QE@ فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة والايمان الآخر ~~عمهم كما عمهم في قوله @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية @QE@ وسنبسط هذا ان شاء الله تعالى # ( فالمقصود هنا ( العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من ~~الايمان وأما العموم بالنسبة إلى الملل فتلك ( مسألة أخرى ( فلما ذكر ~~الايمان مع الاسلام جعل الاسلام هو الأعمال الظاهرة الشهادتان والصلاة ~~والزكاة والصيام والحج وجعل الايمان ما في القلب من الايمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وهكذا في الحديث الذى رواه أحمد عن أنس عن النبى ~~( ( أنه قال ( الاسلام علانية والايمان في القلب ( # واذا ذكر اسم الايمان مجردا دخل فيه الاسلام والأعمال الصالحة كقوله في ~~حديث الشعب ( الايمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا اله الا الله وأدناها ~~اماطة الأذى عن الطريق ( وكذلك سائر الأحاديث التى يجعل فيها أعمال البر من ~~الايمان # ثم أن نفى ( الايمان ( عند عدمها دل على أنها واجبة وان ذكر فضل ايمان ~~صاحبها ولم ينف ايمانه دل على أنها مستحبة فان الله ورسوله PageV07P014 لا ~~ينفى اسم مسمى أمر ms1871 أمر الله به ورسوله الا اذا ترك بعض واجباته كقوله ( لا ~~صلاة الا بأم القرآن ( وقوله ( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا ~~عهد له ( ونحو ذلك # فأما اذا كان الفعل مستحبا في ( العبادة ( لم ينفها لانتفاء المستحب فان ~~هذا لو جاز لجاز أن ينفى عن جمهور المؤمنين اسم الايمان والصلاة والزكاة ~~والحج لأنه ما من عمل الا وغيره أفضل منه وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما ~~فعلها النبى ( ( بل ولا أبو بكر ولا عمر فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب ~~يجوز نفيها عنه لجاز ان ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين وهذا ~~لا يقوله عاقل فمن قال أن المنفى هو الكمال فان أراد أنه نفى ( الكمال ~~الواجب ( الذى يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق وان أراد أنه نفى ( الكمال ~~المستحب ( فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ولا يجوز أن يقع فان من فعل ~~الواجب كما وجب عليه ولم ينتقص من واجبه شيئا لم يجز ان يقال ما فعله لا ~~حقيقة ولا مجازا فاذا قال للأعرابى المسيء في صلاته ( ارجع فصل فانك لم تصل ~~( وقال لمن صلى خلف الصف وقد امره بالاعادة ( لا صلاة لفذ خلف الصف ( كان ~~لترك واجب وكذلك قوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ~~@QE@ يبين أن الجهاد واجب وترك الارتياب واجب PageV07P015 والجهاد وان كان ~~فرضا على الكفاية فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء فعليهم كلهم اعتقاد ~~وجوبه والعزم على فعله اذا تعين ولهذا قال النبى ( من مات ولم يغز ولم يحدث ~~نفسه بغزو مات على شعبة نفاق ( رواه مسلم فأخبر أنه من لم يهم به كان على ~~شعبة نفاق # ( وايضا ( فالجهاد جنس تحته انواع متعددة ولابد ان يجب على المؤمن نوع من ~~انواعه وكذلك قوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ~~ومما ms1872 رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ هذا كله واجب فان التوكل ~~على الله واجب من أعظم الواجبات كما أن الاخلاص لله واجب وحب الله ورسوله ~~واجب وقد أمر الله بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء والغسل من ~~الجنابة ونهى عن التوكل على غير الله قال تعالى @QB@ فاعبده وتوكل عليه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ~~ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال موسى ~~يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ وأما قوله ~~@QB@ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ~~@QE@ فيقال من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الايمان الثابتة فيه ~~بحيث اذا كان الانسان مؤمنا لزم ذلك بغير قصد منه ولا تعمد له PageV07P016 ~~واذا لم يوجد دل على أن الايمان الواجب لم يحصل في القلب وهذا كقوله تعالى ~~@QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ فأخبر انك لا تجد مؤمنا يواد المحادين لله ~~ورسوله فان نفس الايمان ينافى موادته كما ينفى أحد الضدين الآخر فاذا وجد ~~الايمان انتفى ضده وهو موالاة اعداء الله فاذا كان الرجل يوالي اعداء الله ~~بقلبه كان ذلك دليلا على ان قلبه ليس فيه الايمان الواجب # ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ~~لبئس ما قدمت لهم انفسهم ان سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبى وما انزل إليه ما اتخذوهم اولياء ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون ) فذكر ( جملة شرطية ) تقتضي انه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف ( ~~لو ( التى تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال @QB@ ولو كانوا يؤمنون بالله ~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء @QE@ فدل على أن الايمان المذكور ms1873 ~~ينفى اتخاذهم أولياء ويضاده ولا يجتمع الايمان واتخاذهم أولياء في القلب ~~ودل ذلك على ان من اتخذهم اولياء ما فعل الايمان الواجب من الايمان بالله ~~والنبى وما أنزل إليه # ومثله قوله تعالى @QB@ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ~~بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ فانه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا ~~يكون PageV07P017 مؤمنا وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم فالقرآن يصدق بعضه ~~بعضا قال الله تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم @QE@ الآية وكذلك قوله @QB@ إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ~~@QE@ دليل على أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا يجوز وأنه يجب أن لا ~~يذهب حتى يستأذن فمن ذهب ولم يستأذن كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الايمان ~~فلهذا نفى عنه الايمان فان حرف ( انما ( تدل على اثبات المذكور ونفى غيره ~~ومن الأصوليين من يقول ان ( إن ( للاثبات و ( ما ( للنفى فاذا جمع بينهما ~~دلت على النفى والاثبات وليس كذلك عند أهل العربية ومن يتكلم في ذلك بعلم ~~فان ( ما ( هذه هي الكافة التى تدخل على ان وأخواتها فتكفها عن العمل لأنها ~~انما تعمل اذا اختصت بالجمل الاسمية فلما كفت بطل عملها واختصاصها فصار ~~يليها الجمل الفعلية والاسمية فتغير معناها وعملها جميعا بانضمام ( ما ( ~~اليها وكذلك كأنما وغيرها وكذلك قوله تعالى @QB@ ويقولون آمنا بالله ~~وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا ~~دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق ~~يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ~~ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون @QE@ ~~PageV07P018 # فان قيل اذا كان المؤمن حقا هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات فقد قال ~~@QB@ أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ ولم يذكر الا خمسة ms1874 أشياء وكذلك قال في ~~الآية الأخرى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ وكذلك قوله ~~@QB@ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله @QE@ # قيل عن هذا جوابان ( أحدهما ( أن يكون ما ذكر مستلزما لما ترك فانه ذكر ~~وجل قلوبهم اذا ذكر الله وزيادة ايمانهم اذا تليت عليهم آياته مع التوكل ~~عليه واقام الصلاة على الوجه المأمور به باطنا وظاهرا وكذلك الانفاق من ~~المال والمنافع فكان هذا مستلزما للباقى فان وجل القلب عند ذكر الله يقتضى ~~خشيته والخوف منه وقد فسروا ( وجلت ( بفرقت وفى قراءة بن مسعود ( اذا ذكر ~~الله فرقت قلوبهم ( وهذا صحيح فان ( الوجل في اللغة ( هو الخوف يقال حمرة ~~الخجل وصفرة الوجل ومنه قوله تعالى @QB@ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ~~أنهم إلى ربهم راجعون @QE@ قالت عائشة ( يا رسول الله هو الرجل يزنى ويسرق ~~ويخاف أن يعاقب قال لا يا ابنة الصديق هو الرجل يصلى ويصوم ويتصدق ويخاف أن ~~لا يقبل منه ( # وقال السدى في قوله تعالى @QB@ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ هو ~~PageV07P019 الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فينزع عنه وهذا كقوله تعالى ~~@QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ ~~وقوله @QB@ ولمن خاف مقام ربه جنتان @QE@ قال مجاهد وغيره من المفسرين هو ~~الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه بين يدى الله فيتركها خوفا من الله # واذا كان ( وجل القلب من ذكره ( يتضمن خشيته ومخافته فذلك يدعو صاحبه إلى ~~فعل المأمور وترك المحظور قال سهل بن عبد الله ليس بين العبد وبين الله ~~حجاب اغلظ من الدعوى ولا طريق إليه اقرب من الافتقار واصل كل خير في الدنيا ~~والآخرة الخوف من الله ويدل على ذلك قوله تعالى @QB@ ولما سكت عن موسى ~~الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون @QE@ فأخبر ~~ان الهدى والرحمة للذين يرهبون الله # قال مجاهد وابراهيم هو الرجل يريد ان يذنب الذنب فيذكر مقام ms1875 الله فيدع ~~الذنب رواه بن أبى الدنيا عن بن الجعد عن شعبة عن منصور عنهما في قوله ~~تعالى @QB@ ولمن خاف مقام ربه جنتان @QE@ وهؤلاء هم اهل الفلاح المذكورون ~~في قوله تعالى @QB@ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ وهم ( ~~المؤمنون ( وهم ( المتقون ( المذكورون في قوله تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه هدى للمتقين @QE@ كما قال في آية البر @QB@ أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون @QE@ وهؤلاء هم المتبعون للكتاب كما في قوله تعالى @QB@ ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى @QE@ واذا لم يضل فهو متبع مهتد واذا لم ~~يشق فهو PageV07P020 مرحوم وهؤلاء هم اهل الصراط المستقيم الذين انعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين فان أهل الرحمة ليسوا مغضوبا عليهم واهل الهدى ليسوا ضالين فتبين ~~ان اهل رهبة الله يكونون متقين لله مستحقين لجنته بلا عذاب وهؤلاء هم الذين ~~أتوا بالايمان الواجب # ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء @QE@ والمعنى انه لا يخشاه الا عالم فقد اخبر الله ان كل من خشى ~~الله فهو عالم كما قال في الآية الأخرى @QB@ أم من هو قانت آناء الليل ~~ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون @QE@ والخشية أبدا متضمنة للرجاء ولولا ذلك لكانت قنوطا كما ان ~~الرجاء يستلزم الخوف ولولا ذلك لكان أمنا فأهل الخوف لله والرجاء له هم اهل ~~العلم الذين مدحهم الله وقد روى عن أبى حيان التيمي انه قال ( العلماء ~~ثلاثة ( فعالم بالله ليس عالما بأمر الله وعالم بأمر الله ليس عالما بالله ~~وعالم بالله عالم بأمر الله فالعالم بالله هو الذى يخافه والعالم بأمر الله ~~هو الذى يعلم امره ونهيه وفى ( الصحيح ( عن النبى انه قال ( والله انى ~~لأرجو ان اكون اخشاكم لله واعلمكم بحدوده ( # واذا كان اهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة لم يكونوا ~~مستحقين للذم وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات ويدل عليه ms1876 قوله تعالى ~~PageV07P021 @QB@ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد @QE@ وقوله @QB@ ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان @QE@ فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف وذلك إنما يكون ~~لأنهم ادوا الواجب فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب ولهذا يقال للفاجر ~~لا يخاف الله ويدل على هذا المعنى قوله تعالى @QB@ إنما التوبة على الله ~~للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ # قال أبو العالية سألت اصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لى كل من عصى الله ~~فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وكذلك قال سائر المفسرين ~~قال مجاهد كل عاص فهو جاهل حين معصيته وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدى ~~وغيرهم انما سموا جهالا لمعاصيهم لا انهم غير مميزين وقال الزجاج ليس معنى ~~الآية انهم يجهلون انه سوء لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع ~~سوءا وانما يحتمل امرين # ( احدهما ) انهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه ( والثانى ( انهم اقدموا ~~على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة وآثروا العاجل على الآجل فسموا جهالا ~~لايثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة فقد جعل الزجاج ( ~~الجهل ( إما عدم العلم بعاقبة الفعل واما فساد الارادة وقد يقال هما ~~متلازمان وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية # والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل وكل خائف منه فهو عالم PageV07P022 ~~مطيع لله وانما يكون جاهلا لنقص خوفه من الله إذ لو تم خوفه من الله لم يعص ~~ومنه قول بن مسعود رضى الله عنه كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله ~~جهلا وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه وتصور المحبوب يوجب طلبه فاذا لم ~~يهرب من هذا ولم يطلب هذا دل على انه لم يتصوره تصورا تاما ولكن قد يتصور ~~الخبر عنه وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه وكذلك اذا ~~لم يكن المتصور محبوبا له ولا مكروها فان الانسان يصدق بما هو مخوف على ~~غيره ومحبوب لغيره ولا يورثه ذلك ms1877 هربا ولا طلبا وكذلك اذا اخبر بما هو ~~محبوب له ومكروه ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه لكن قلبه مشغول بأمور اخرى عن ~~تصور ما أخبر به فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب # وفى الكلام المعروف عن الحسن البصرى ويروى مرسلا عن النبى ( العلم علمان ~~( فعلم في القلب وعلم على اللسان فعلم القلب هو العلم النافع وعلم اللسان ~~حجة الله على عبادة ( # وقد أخرجا في ( الصحيحين ( عن ابى موسى عن النبى انه قال ( مثل المؤمن ~~الذى يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذى لا ~~يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولاريح لها ومثل المنافق الذى يقرأ ~~القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن ~~مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ( وهذا المنافق الذى يقرأ القرآن يحفظه ~~ويتصور معانيه وقد يصدق انه PageV07P023 كلام الله وان الرسول حق ولايكون ~~مؤمنا كما ان اليهود يعرفونه كما يعرفون ابناءهم وليسوا مؤمنين وكذلك ابليس ~~وفرعون وغيرهما لكن من كان كذلك لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة ~~فان ذلك يستلزم العمل بموجبه لامحالة ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه أنه ~~جاهل كما تقدم # وكذلك لفظ ( العقل ( وان كان هو في الأصل مصدر عقل يعقل عقلا وكثير من ~~النظار جعله من جنس العلوم فلابد ان يعتبر مع ذلك انه علم يعمل بموجبه فلا ~~يسمى ( عاقلا إلا ( من عرف الخير فطلبه والشر فتركه ولهذا قال اصحاب النار ~~@QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ وقال عن المنافقين ~~@QB@ تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون @QE@ ومن فعل ما ~~يعلم انه يضره فمثل هذا ماله عقل فكما ان الخوف من الله يستلزم العلم به ~~فالعلم به يستلزم خشيته وخشيته تستلزم طاعته فالخائف من الله ممتثل لأوامره ~~مجتنب لنواهيه وهذا هو الذى قصدنا بيانه اولا ويدل على ذلك ايضا قوله تعالى ~~@QB@ فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار ms1878 ~~الكبرى @QE@ # فأخبر ان من يخشاه يتذكر والتذكر هنا مستلزم لعبادته قال الله تعالى @QB@ ~~هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب @QE@ ~~وقال @QB@ تبصرة وذكرى لكل عبد منيب @QE@ ولهذا قالوا في قوله PageV07P024 ~~@QB@ سيذكر من يخشى @QE@ سيتعظ بالقرآن من يخشى الله وفى قوله ( وما يتذكر ~~إلا من ينيب ) انما يتعظ من يرجع إلى الطاعة وهذا لان التذكر التام يستلزم ~~التأثر بما تذكره فان تذكر محبوبا طلبه وان تذكر مرهوبا هرب منه ومنه قوله ~~تعالى @QB@ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون @QE@ وقال سبحانه ~~@QB@ إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب @QE@ فنفى الانذار عن غير ~~هؤلاء مع قوله @QB@ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون @QE@ فأثبت ~~لهم الانذار من وجه ونفاه عنهم من وجه فان الانذار هو الاعلام بالمخوف ~~فالانذار مثل التعليم والتخويف فمن علمته فتعلم فقد تم تعليمه وآخر يقول ~~علمته فلم يتعلم وكذلك من خوفته فخاف فهذا هو الذى تم تخويفه واما من خوف ~~فما خاف فلم يتم تخويفه وكذلك من هديته فاهتدى تم هداه ومنه قوله تعالى ~~@QB@ هدى للمتقين @QE@ ومن هديته فلم يهتد كما قال @QB@ وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى @QE@ فلم يتم هداه كما تقول قطعته فانقطع وقطعته ~~فما انقطع # فالمؤثر التام يستلزم اثره فمتى لم يحصل اثره لم يكن تاما والفعل اذا ~~صادف محلا قابلا تم والا لم يتم والعلم بالمحبوب يورث طلبه والعلم بالمكروه ~~يورث تركه ولهذا يسمى هذا العلم الداعى ويقال الداعى مع القدرة يستلزم وجود ~~المقدور وهو العلم بالمطلوب المستلزم لارادة المعلوم المراد وهذا كله انما ~~يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها وأما مع فسادها فقد يحس الانسان باللذيذ فلا ~~يجد له لذة بل يؤلمه وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة و ( الفساد ~~PageV07P025 يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعا كالممرور الذى يجد ~~العسل مرأ فانه فسد نفس إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه للمرة ~~التى مازجته وكذلك من فسد باطنه قال تعالى ( وما ms1879 يشعركم انها إذا جاءت لا ~~يؤمنون ونقلب افئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون # وقال تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقال @QB@ وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم @QE@ وقال في الآية الأخرى @QB@ ~~وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم @QE@ و ( الغلف ( جمع أغلف وهو ذو ~~الغلاف الذى في غلاف مثل الأقلف كأنهم جعلوا المانع خلقة أى خلقت القلوب ~~وعليها أغطية فقال الله تعالى @QB@ بل لعنهم الله بكفرهم @QE@ وطبع الله ~~عليها بكفرهم @QB@ فلا يؤمنون إلا قليلا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومنهم من ~~يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم @QE@ وكذلك قالوا @QB@ يا ~~شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول @QE@ قال @QB@ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~@QE@ أى لأفهمهم ما سمعوه ثم قال ولو أفهمهم مع هذه الحال التى هم عليها ~~@QB@ لتولوا وهم معرضون @QE@ فقد فسدت فطرتهم فلم يفهموا ولو فهموا لم ~~يعملوا فنفى عنهم صحة القوة العلمية وصحة القوة العملية وقال @QB@ أم تحسب ~~أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا @QE@ ~~PageV07P026 # وقال @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون @QE@ وقال @QB@ ومثل الذين كفروا ~~كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون @QE@ ~~وقال عن المنافقين @QB@ صم بكم عمي فهم لا يرجعون @QE@ # ومن الناس من يقول لما لم ينتفعوا بالسمع والبصر والنطق جعلوا صما بكما ~~عميا أو لما أعرضوا عن السمع والبصر والنطق صاروا كالصم العمى البكم وليس ~~كذلك بل نفس قلوبهم عميت وصمت وبكمت كما قال الله تعالى @QB@ فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ والقلب ( هو الملك والأعضاء ~~جنوده واذا صلح صلح سائر الجسد واذا فسد فسد سائر الجسد فيبقى يسمع بالأذن ~~الصوت كما ms1880 تسمع البهائم والمعنى لا يفقهه وان فقه بعض الفقه لم يفقه فقها ~~تاما فان الفقه التام يستلزم تأثيره في القلب محبة المحبوب وبغض المكروه ~~فمتى لم يحصل هذا لم يكن التصور التام حاصلا فجاز نفيه لأن ما لم يتم ينفى ~~كقوله للذى أساء في صلاته ( صل فانك لم تصل ( فنفى الايمان حيث نفى من هذا ~~الباب وقد جمع الله بين وصفهم بوجل القلب اذا ذكر وبزيادة الايمان اذا ~~سمعوا آياته قال الضحاك زادتهم يقينا وقال الربيع بن أنس خشية وعن بن عباس ~~تصديقا وهكذا قد ذكر الله هذين الأصلين في مواضع قال تعالى @QB@ ألم يأن ~~للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون @QE@ ~~PageV07P027 # و ( الخشوع ( يتضمن معنيين ( أحدهما ( التواضع والذل ( والثانى ( السكون ~~والطمأنينة وذلك مستلزم للين القلب المنافى للقسوة فخشوع القلب يتضمن ~~عبوديته لله وطمأنينته أيضا ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمن هذا وهذا ~~التواضع والسكون وعن بن عباس في قوله @QB@ الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ ~~قال مخبتون أذلاء وعن الحسن وقتادة خائفون وعن مقاتل متواضعون وعن على ~~الخشوع في القلب وان تلين للمرء المسلم كنفك ولا تلتفت يمينا ولا شمالا ~~وقال مجاهد غض البصر وخفض الجناح وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة ~~يهاب الرحمن ان يشذ بصره أو أن يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا # وعن عمرو بن دينار ليس الخشوع الركوع والسجود ولكنه السكون وحب حسن ~~الهيئة في الصلاة وعن بن سيرين وغيره كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء وينظرون يمينا وشمالا حتى ~~نزلت هذه @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ الآية ~~فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون وما رئي أحد منهم بعد ذلك ينظر الا إلى ~~الأرض وعن عطاء هو أن لا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة وأبصر النبى ( ( ~~رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال ( لو ms1881 خشع PageV07P028 قلب هذا لخشعت ~~جوارحه ولفظ ( الخشوع ( ان شاء الله يبسط في موضع آخر و ( خشوع الجسد ( تبع ~~لخشوع القلب اذا لم يكن الرجل مرائيا يظهر ما ليس في قلبه كما روى ( تعوذوا ~~بالله من خشوع النفاق ( وهو أن يرى الجسد خاشعا والقلب خاليا لاهيا فهو ~~سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله @QB@ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله وما نزل من الحق @QE@ فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره وما نزل من ~~كتابه ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الامد فقست قلوبهم وهؤلاء هم ~~الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وكذلك ~~قال في الآية الأخرى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ ~~والذين يخشون ربهم هم الذين اذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم # فان قيل فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب قيل نعم لكن الناس ~~فيه على قسمين ( مقتصد ( وسابق ( فالسابقون يختصون بالمستحبات والمقتصدون ~~الابرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة ومن لم يكن من هؤلاء ولا هؤلاء ~~فهو ظالم لنفسه وفى الحديث الصحيح عن النبى ( ( اللهم انى أعوذ بك من علم ~~لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع PageV07P029 # وقد ذم الله ( قسوة القلوب ( المنافية للخشوع في غير موضع فقال تعالى ~~@QB@ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة @QE@ قال الزجاج ~~قست في اللغة غلظت ويبست وعسيت فقسوة القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه ~~والقاسى والعاسى الشديد الصلابة وقال بن قتيبة قست وعست وعتت أى يبست وقوة ~~القلب المحمودة غير قسوته المذمومة فانه ينبغى أن يكون قويا من غير عنف ~~ولينا من غير ضعف وفى الأثر ( القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله ~~أصلبها وارقها وأصفاها ( وهذا كاليد فانها قوية لينة بخلاف ما يقسو من ~~العقب فانه يابس لا لين فيه وان كان فيه قوة وهو سبحانه ذكر وجل القلب من ~~ذكره ms1882 ثم ذكر زيادة الايمان عند تلاوة كتابه علما وعملا # ثم لابد من التوكل على الله فيما لا يقدر عليه ومن طاعته فيما يقدر عليه ~~واصل ذلك ( الصلاة ( و ( الزكاة ( فمن قام بهذه الخمس كما أمر لزم أن يأتى ~~بسائر الواجبات # بل ( الصلاة نفسها ( اذا فعلها كما أمر فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ~~روى عن بن مسعود وبن عباس أن في الصلاة منتهى ومزدجرا عن معاصى الله فمن لم ~~تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بصلاته من الله الا بعدا ( وقوله ( ~~لم يزدد الا بعدا ( اذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعله أبعده ترك ~~الواجب الأكثر من الله أكثر مما قربه فعل الواجب الأقل وهذا PageV07P030 ~~كما في ( الصحيح ( عن النبى ( ( أنه قال ( تلك صلاة المنافق تلك صلاة ~~المنافق تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى اذا كانت بين قرنى شيطان قام فنقر ~~أربعا لا يذكر الله فيها الا قليلا ( وقد قال تعالى @QB@ إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا @QE@ # وفى السنن عن عمار عن النبى ( ( أنه قال ( ان العبد لينصرف من صلاته ولم ~~يكتب له منها الا نصفها الا ثلثها حتى قال الا عشرها ( وعن بن عباس قال ليس ~~لك من صلاتك الا ما عقلت منها وهذا وان لم يؤمر باعادة الصلاة عند أكثر ~~العلماء لكن يؤمر بأن يأتى من التطوعات بما يجبر نقص فرضه ومعلوم أن من ~~حافظ على الصلوات بخشوعها الباطن وأعمالها الظاهرة وكان يخشى الله الخشية ~~التى أمره بها فانه يأتى بالواجبات ولا يأتى كبيرة ومن أتى الكبائر مثل ~~الزنى أو السرقة أو شرب الخمر وغير ذلك فلابد أن يذهب ما في قلبه من تلك ~~الخشية والخشوع والنور وان بقى أصل التصديق في قلبه وهذا من ( الايمان ( ~~الذى ينزع منه عند فعل الكبيرة كما قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( لا ~~يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق ms1883 وهو مؤمن ( # فان ( المتقين ( كما وصفهم الله بقوله @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ~~من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون @QE@ فاذا طاف بقلوبهم طائف من الشيطان ~~PageV07P031 تذكروا فيبصرون قال سعيد بن جبير هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر ~~الله فيكظم الغيظ وقال ليث عن مجاهد هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه ~~والشهوة والغضب مبدأ السيئات فاذا أبصر رجع ثم قال @QB@ وإخوانهم يمدونهم ~~في الغي ثم لا يقصرون @QE@ أى واخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغى ثم ~~لا يقصرون قال بن عباس لا الانس تقصر عن السيئات ولا الشياطين تمسك عنهم ~~فاذا لم يبصر بقى قلبه في غى والشيطان يمده في غيه وان كان التصديق في قلبه ~~لم يكذب فذلك النور والابصار وتلك الخشية والخوف يخرج من قلبه وهذا كما أن ~~الانسان يغمض عينيه فلا يرى شيئا وان لم يكن أعمى فكذلك القلب بما يغشاه من ~~رين الذنوب لا يبصر الحق وان لم يكن أعمى كعمى الكافر وهكذا جاء في الآثار ~~قال أحمد بن حنبل في كتاب ( الايمان ( حدثنا يحيى عن أشعث عن الحسن عن ~~النبى ( ( قال ( ينزع منه الايمان فان تاب أعيد إليه ( وقال حدثنا يحيى عن ~~عوف قال قال الحسن ( يجانبه الايمان ما دام كذلك فان راجع راجعه الايمان ( ~~وقال أحمد حدثنا معاوية عن أبى إسحاق عن الاوزاعى # قال وقد قلت للزهرى حين ذكر هذا الحديث ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو ~~مؤمن ( فانهم يقولون فان لم يكن مؤمنا فما هو قال فأنكر ذلك وكره مسألتى ~~عنه وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن إبراهيم بن ~~PageV07P032 مهاجر عن مجاهد عن بن عباس أنه قال لغلمانه من أراد منكم ~~الباءة زوجناه لا يزنى منكم زان الا نزع الله منه نور الايمان فان شاء ان ~~يرده رده وان شاء ان يمنعه منعه وقال أبو داود السجستانى حدثنا عبد الوهاب ~~بن نجدة حدثنا بقية بن الوليد حدثنا صفوان بن عمرو عن عبد الله بن ربيعة ~~الحضرمى أنه اخبره عن أبى ms1884 هريرة أنه كان يقول ( إنما الايمان كثوب أحدكم ~~يلبسه مرة ويقلعه أخرى ( وكذلك رواه باسناده عن عمر وروى عن الحسن عن النبى ~~( ( مرسلا وفى حديث عن أبى هريرة مرفوع إلى النبى ( ( اذا زنى الزانى خرج ~~منه الايمان فكان كالظلة فاذا انقطع رجع إليه الايمان ( وهذا ( ان شاء الله ~~( يبسط في موضع آخر PageV07P033 ### ||| فصل # ( وقد جاءت أحاديث تنازع الناس في صحتها مثل قوله ( لا صلاة الا بوضوء ~~ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ( فأما الأول فهو كقوله ( لا صلاة الا ~~بطهور ( وهذا متفق عليه بين المسلمين فان الطهور واجب في الصلاة فانما نفى ~~الصلاة لانتفاء واجب فيها # وأما ذكر اسم الله تعالى على الوضوء ففى وجوبه نزاع معروف وأكثر العلماء ~~لا يوجبونه وهو مذهب مالك وأبى حنيفة والشافعى وهو احدى الروايتين عن أحمد ~~اختارها الخرقى وأبو محمد وغيرهما والثانى يجب وهو قول طائفة من أهل العلم ~~وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها أبو بكر عبد العزيز والقاضى أبو يعلى ~~وأصحابه وكذلك قوله ( لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد ( رواه الدارقطنى ~~فمن الناس من يضعفه مرفوعا ويقول هو من كلام على رضى الله عنه ومنهم من ~~يثبته كعبد الحق # وكذلك قوله ( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ( قد رواه أهل السنن ~~وقيل ان رفعه لم يصح وانما يصح موقوفا على بن عمر أو حفصة فليس لأحد أن ~~يثبت لفظا عن الرسول مع أنه أريد به نفى الكمال المستحب PageV07P034 فإن ~~صحت هذه الالفاظ دلت قطعا على وجوب هذه الأمور فان لم تصح فلا ينقض بها أصل ~~مستقر من الكتاب والسنة وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه ~~ان لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على مراد الله ورسوله والا فأقوال ~~العلماء تابعة لقول الله تعالى ورسوله ( ( ليس قول الله ورسوله تابعا ~~لأقوالهم # فاذا كان في وجوب شيء نزاع بين العلماء ولفظ الشارع قد اطرد في معنى لم ~~يجز أن ينقض الاصل المعروف من ms1885 كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء ~~ولكن من الناس من لا يعرف مذاهب أهل العلم وقد نشأ على قول لا يعرف غيره ~~فيظنه اجماعا كمن يظن أنه اذا ترك الانسان الجماعة وصلى وحده برئت ذمته ~~اجماعا وليس الأمر كذلك بل للعلماء قولان معروفان في اجزاء هذه الصلاة وفى ~~مذهب أحمد فيها قولان فطائفة من قدماء أصحابه حكاه عنهم القاضي أبو يعلى في ~~شرح المذهب ومن متأخريهم كابن عقيل وغيره يقولون من صلى المكتوبة وحده من ~~غير عذر يسوغ له ذلك فهو كمن صلى الظهر يوم الجمعة فان أمكنه أن يؤديها في ~~جماعة بعد ذلك فعليه ذلك والا باء بإثمه كما يبوء تارك الجمعة باثمه ~~والتوبة معروضة وهذا قول غير واحد من أهل العلم وأكثر الآثار المروية عن ~~السلف من الصحابة والتابعين تدل على هذا # وقد احتجوا بما ثبت عنه ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( من سمع النداء ~~PageV07P035 ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له ( وأجابوا عن حديث التفضيل ~~بأنه في المعذور الذى تباح له الصلاة وحده كما ثبت عنه أنه قال ( صلاة ~~الرجل قاعدا على النصف من صلاة القائم وصلاة المضطجع على النصف من صلاة ~~القاعد ( والمراد به المعذور كما في الحديث أنه خرج وقد أصابهم وعك وهم ~~يصلون قعودا فقال ذلك ولم يجوز أحد من السلف صلاة التطوع مضطجعا من غير عذر ~~ولا يعرف أن أحدا من السلف فعل ذلك وجوازه وجه في مذهب الشافعى وأحمد ولا ~~يعرف لصاحبه سلف صدق مع أن هذه المسألة مما تعم بها البلوى فلو كان يجوز ~~لكل مسلم أن يصلى التطوع على جنبه وهو صحيح لا مرض به كما يجوز أن يصلى ~~التطوع قاعدا وعلى الراحلة لكان هذا مما قد بينه الرسول ( ( لأمته وكان ~~الصحابة تعلم ذلك ثم مع قوة الداعى إلى الخير لابد أن يفعل ذلك بعضهم فلما ~~لم يفعله أحد منهم دل على أنه لم يكن مشروعا عندهم وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا أنه ينبغى ms1886 للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله بل ليس لأحد ~~أن يحمل كلام أحد من الناس الا على ما عرف أنه أراده لا على ما يحتمله ذلك ~~اللفظ في كلام كل أحد فان كثيرا من الناس يتأول النصوص المخالفة لقوله يسلك ~~مسلك من يجعل ( التأويل ( كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ وقصده به دفع ذلك ~~المحتج عليه بذلك النص وهذا خطأ بل جميع ما قاله الله ورسوله PageV07P036 ~~يجب الايمان به فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض وليس الاعتناء ~~بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس فاذا كان النص الذى وافقه ~~يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول فكذلك النص الآخر الذى تأوله فيكون أصل ~~مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه وهذا هو المقصود بكل ما يجوز من تفسير ~~وتأويل عند من يكون اصطلاحه تغاير معناهما وأما من يجعلهما بمعنى واحد كما ~~هو الغالب على اصطلاح المفسرين فالتأويل عندهم هو التفسير وأما ( التأويل ( ~~في كلام الله ورسوله فله معنى ثالث غير معناه في اصطلاح المفسرين وغير ~~معناه في اصطلاح متأخرى الفقهاء والأصوليين كما بسط في موضعه # والمقصود هنا ان كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة ~~كاسم الايمان والاسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك ~~فانما يكون لترك واجب من ذلك المسمى ومن هذا قوله تعالى @QB@ فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ فلما نفى الايمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه ~~الغاية فرض على الناس فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالايمان ~~الواجب الذى وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب فان الله انما وعد بذلك من فعل ~~ما أمر به واما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها فهو معرض للوعيد # ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب ( تحكيم الرسول ( في كل ما شجر بين ~~PageV07P037 الناس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه وعليهم كلهم ~~اذا حكم بشيء ms1887 أن لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما حكم ويسلموا تسليما قال تعالى ~~@QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا @QE@ وقوله @QB@ إلى ما أنزل الله @QE@ وقد أنزل ~~الله الكتاب والحكمة وهى السنة قال تعالى @QB@ واذكروا نعمة الله عليكم وما ~~أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به @QE@ وقال تعالى @QB@ وأنزل الله ~~عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما @QE@ ~~والدعاء إلى ما أنزل يستلزم الدعاء إلى الرسول والدعاء إلى الرسول يستلزم ~~الدعاء إلى ما أنزله الله وهذا مثل طاعة الله والرسول فانهما متلازمان فمن ~~يطع الرسول فقد أطاع الله ومن أطاع الله فقد أطاع الرسول # وكذلك قوله تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين @QE@ فانهما متلازمان فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد ~~شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فان كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين ~~وهو مخطئ فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ # وهذه ( الآية ( تدل على أن اجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم ~~PageV07P038 مستلزمة لمخالفة الرسول وان كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون ~~فيه نص عن الرسول فكل مسألة يقطع فيها بالاجماع وبانتفاء المنازع من ~~المؤمنين فانها مما بين الله فيه الهدى ومخالف مثل هذا الاجماع يكفر كما ~~يكفر مخالف النص البين وأما اذا كان يظن الاجماع ولا يقطع به فهنا قد لا ~~يقطع أيضا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول ومخالف مثل هذا الاجماع ~~قد لا يكفر بل قد يكون ظن الاجماع خطأ والصواب في خلاف هذا القول وهذا هو ~~فصل الخطاب فيما يكفر به ms1888 من مخالفة الاجماع وما لا يكفر و ( الاجماع ( هل ~~هو قطعى الدلالة أو ظنى الدلالة فان من الناس من يطلق الاثبات بهذا أو هذا ~~ومنهم من يطلق النفى لهذا ولهذا والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الاجماع ~~ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا فهذا يجب القطع بأنه حق ~~وهذا لابد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى كما قد بسط هذا في موضع آخر # ومن جهة أنه اذا وصف الواجب بصفات متلازمة دل على أن كل صفة من تلك ~~الصفات متى ظهرت وجب اتباعها وهذا مثل ( الصراط المستقيم ( الذى أمرنا الله ~~بسؤال هدايته فانه قد وصف بأنه الاسلام ووصف بأنه اتباع القرآن ووصف بأنه ~~طاعة الله ورسوله ووصف بأنه طريق العبودية ومعلوم أن كل اسم من هذه الأسماء ~~يجب اتباع مسماه ومسماها كلها واحد وان تنوعت صفاته فأى صفة ظهرت وجب اتباع ~~مدلولها فانه مدلول الأخرى وكذلك أسماء الله تعالى وأسماء كتابه وأسماء ~~رسوله هي مثل أسماء دينه PageV07P039 وكذلك قوله تعالى @QB@ واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ قيل حبل الله هو دين الاسلام وقيل القرآن وقيل ~~عهده وقيل طاعته وأمره وقيل جماعة المسلمين وكل هذا حق # وكذلك اذا قلنا الكتاب والسنة والاجماع فمدلول الثلاثة واحد فان كل ما في ~~الكتاب فالرسول موافق له والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة فليس في المؤمنين ~~الا من يوجب اتباع الكتاب وكذلك كل ما سنه الرسول ( ( فالقرآن يأمر باتباعه ~~فيه والمؤمنون مجمعون على ذلك وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فانه لا يكون ~~الا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن ~~الرسول وأما الرسول فينزل عليه وحى القرآن ووحى آخر هو الحكمة كما قال ( ( ~~ألا انى أوتيت الكتاب ومثله معه ( # وقال حسان بن عطية كان جبريل ينزل على النبى ( ( بالسنة فيعلمه اياها كما ~~يعلمه القرآن فليس كل ما جاءت به السنة يجب أن يكون مفسرا في القرآن بخلاف ~~ما يقوله أهل الاجماع فانه لابد أن ms1889 يدل عليه الكتاب والسنة فان الرسول هو ~~الواسطة بينهم وبين الله في أمره ونهيه وتحليله وتحريمه والمقصود ذكر ~~الايمان # ومن هذا الباب قول النبى ( صلى الله عليه وسلم ( لا يبغض الأنصار رجل ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ( وقوله ( آية الايمان حب الأنصار وآية النفاق بغض ~~الأنصار ( فان من علم ما قامت به الأنصار من نصر الله ورسوله من أول ~~PageV07P040 الأمر وكان محبا لله ولرسوله أحبهم قطعا فيكون حبه لهم علامة ~~الايمان الذى في قلبه ومن أبغضهم لم يكن في قلبه الايمان الذى أوجبه الله ~~عليه # وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذى حرمه ~~الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان لم يكن في قلبه الايمان الذى أوجبه ~~الله عليه فان لم يكن مبغضا لشيء من المحرمات أصلا لم يكن معه ايمان أصلا ~~كما سنبينه ان شاء الله تعالى وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه ~~لم يكن معه ما أوجبه الله عليه من الايمان فحيث نفى الله الايمان عن شخص ~~فلا يكون الا لنقص ما يجب عليه من الايمان ويكون من المعرضين للوعيد ليس من ~~المستحقين للوعد المطلق # وكذلك قوله ( ( من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا ( كله من ~~هذا الباب لا يقوله الا لمن ترك ما أوجب الله عليه أو فعل ما حرمه الله ~~ورسوله فيكون قد ترك من الايمان المفروض عليه ما ينفى عنه الاسم لأجله فلا ~~يكون من المؤمنين المستحقين للوعد السالمين من الوعيد وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك ~~وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم ~~يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون @QE@ PageV07P041 # فهذا حكم اسم ms1890 الايمان اذا أطلق في كلام الله ورسوله فانه يتناول فعل ~~الواجبات وترك المحرمات ومن نفى الله ورسوله عنه الايمان فلابد ان يكون قد ~~ترك واجبا أو فعل محرما فلا يدخل في الاسم الذى يستحق أهله الوعد دون ~~الوعيد بل يكون من أهل الوعيد # وكذلك قوله تعالى @QB@ حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون @QE@ # قال محمد بن نصر المروزى لما كانت المعاصى بعضها كفر وبعضها ليس بكفر فرق ~~بينها فجعلها ثلاثة أنواع نوع منها كفر ونوع منها فسوق وليس بكفر ونوع ~~عصيان وليس بكفر ولا فسوق وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين ولما كانت ~~الطاعات كلها داخلة في الايمان وليس فيها شيء خارج عنه لم يفرق بينها فيقول ~~حبب اليكم الايمان والفرائض وسائر الطاعات بل أجمل ذلك فقال @QB@ حبب إليكم ~~الإيمان @QE@ فدخل في ذلك جميع الطاعات لأنه قد حبب إلى المؤمنين الصلاة ~~والزكاة وسائر الطاعات حب تدين لأن الله أخبر أنه حبب ذلك اليهم وزينه في ~~قلوبهم لقوله @QB@ حبب إليكم الإيمان @QE@ ويكرهون جميع المعاصى الكفر منها ~~والفسوق وسائر المعاصى كراهة تدين لأن الله أخبر أنه كره ذلك اليهم ومن ذلك ~~قول رسول الله PageV07P042 ( من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ( لأن ~~الله حبب إلى المؤمنين الحسنات وكره اليهم السيئات # ( قلت ( وتكريهه جميع المعاصى اليهم يستلزم حب جميع الطاعات لأن ترك ~~الطاعات معصية ولأنه لا يترك المعاصى كلها ان لم يتلبس بضدها فيكون محبا ~~لضدها وهو الطاعة اذ القلب لابد له من ارادة فاذا كان يكره الشر كله فلابد ~~أن يريد الخير والمباح بالنية الحسنة يكون خيرا وبالنية السيئة يكون شرا ~~ولا يكون فعل اختيارى الا بارادة ولهذا قال النبى ( ( في الحديث الصحيح ( ~~أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدق الأسماء حارث وهمام ~~وأقبحها حرب ومرة ( وقوله أصدق الأسماء حارث وهمام لأن كل انسان همام حارث ~~والحارث الكاسب العامل والهمام الكثير الهم وهو مبدأ الارادة وهو حيوان وكل ~~حيوان حساس متحرك بالارادة فاذا ms1891 فعل شيئا من المباحات فلا بد له من غاية ~~ينتهى اليها قصده وكل مقصود اما ان يقصد لنفسه واما أن يقصد لغيره فان كان ~~منتهى مقصوده ومراده عبادة الله وحده لاشريك له وهو إلهه الذى يعبده لا ~~يعبد شيئا سواه وهو احب إليه من كل ما سواه فان ارادته تنتهى إلى ارادته ~~وجه الله فيثاب على مباحاته التى يقصد الاستعانة بها على الطاعة كما في ( ~~الصحيحين ) عن النبى انه قال ( نفقة الرجل على اهله يحتسبها صدقة ( وفى ( ~~الصحيحين ) عنه انه قال لسعد بن ابى وقاص لما PageV07P043 مرض بمكة وعاده ( ~~انك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله الاازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة ~~ترفعها إلى في امرأتك ( وقال معاذ بن جبل لأبى موسى ( انى احتسب نومتى كما ~~احتسب قومتى وفى الاثر نوم العالم تسبيح # وإن كان أصل مقصوده عبادة غير الله لم تكن الطيبات مباحة له فان الله ~~أباحها للمؤمنين من عباده بل الكفار واهل الجرائم والذنوب واهل الشهوات ~~يحاسبون يوم القيامة على النعم التى تنعموا بها فلم يذكروه ولم يعبدوه بها ~~ويقال لهم @QB@ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم ~~تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم @QE@ أي عن شكره والكافر ~~لم يشكر على النعيم الذى انعم الله عليه به فيعاقبه على ذلك والله انما ~~اباحها للمؤمنين وامرهم معها بالشكر كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله @QE@ وفى ( صحيح مسلم ( عن ~~النبى انه قال ( ان الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب ~~الشربة فيحمده عليها ( وفى ( سنن بن ماجه ( وغيره ( الطاعم الشاكر بمنزلة ~~الصائم الصابر ( وكذلك قال للرسل ( يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا ) وقال تعالى @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم @QE@ PageV07P044 # وقال الخليل @QB@ وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر @QE@ قال الله تعالى ms1892 @QB@ ومن كفر ~~فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير @QE@ فالخليل انما دعا ~~بالطيبات للمؤمنين خاصة والله انما اباح بهيمة الانعام لمن حرم ما حرمه ~~الله من الصيد وهو محرم والمؤمنون أمرهم ان يأكلوا من الطيبات ويشكروه # ولهذا ميز سبحانه وتعالى بين خطاب الناس مطلقا وخطاب المؤمنين فقال @QB@ ~~يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون @QE@ فانما اذن للناس ان ~~يأكلوا مما في الأرض بشرطين ان يكون طيبا وان يكون حلالا ثم قال @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ~~@QE@ # فأذن للمؤمنين في الأكل من الطيبات ولم يشترط الحل واخبر انه لم يحرم ~~عليهم إلا ما ذكره فما سواه لم يكن محرما على المؤمنين ومع هذا فلم يكن ~~احله بخطابه بل كان عفوا كما في الحديث عن سلمان موقوفا ومرفوعا ( الحلال ~~ما احله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما ~~عفى عنه PageV07P045 # وفى حديث ابى ثعلبة عن النبى ( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا ~~فلا تعتدوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وسكت عن اشياء رحمة لكم غير نسيان فلا ~~تبحثوا عنها ( وكذلك قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة @QE@ نفى التحريم عن غير المذكور فيكون الباقى ~~مسكوتا عن تحريمه عفوا والتحليل انما يكون بخطاب ولهذا قال في سورة المائدة ~~التى أنزلت بعد هذا @QB@ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين @QE@ إلى قوله @QB@ اليوم أحل لكم الطيبات وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل ms1893 لهم @QE@ ففى ذلك اليوم احل لهم ~~الطيبات وقبل هذا لم يكن محرما عليهم الا ما استثناه # وقد حرم النبى كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير ولم يكن هذا ~~نسخا للكتاب لأن الكتاب لم يحل ذلك ولكن سكت عن تحريمه فكان تحريمه ابتداء ~~شرع ولهذا قال النبى في الحديث المروى من طرق من حديث أبى رافع وأبى ثعلبة ~~وابى هريرة وغيرهم ( لا ألفين احدكم متكئا على اريكته يأتيه الأمر من امرى ~~مما امرت به أو نهيت عنه فيقول بيننا وبينكم هذا القرآن فما وجدنا فيه من ~~حلال احللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وانى اوتيت الكتاب ومثله ~~معه ( وفى لفظ ( الا وانه مثل القرآن أو أكثر الا وانى PageV07P046 حرمت كل ~~ذى ناب من السباع ( فبين أنه أنزل عليه وحى آخر وهو الحكمة غير الكتاب وان ~~الله حرم عليه في هذا الوحى ما أخبر بتحريمه ولم يكن ذلك نسخا للكتاب فان ~~الكتاب لم يحل هذه قط انما أحل الطيبات وهذه ليست من الطيبات وقال @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم @QE@ فلم تدخل هذه الآية في ~~العموم لكنه لم يكن حرمها فكانت معفوا عن تحريمها لا مأذونا في أكلها # وأما ( الكفار ( فلم يأذن الله لهم في أكل شيء ولا أحل لهم شيئا ولا عفا ~~لهم عن شيء يأكلونه بل قال @QB@ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا ~~طيبا @QE@ فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالا وهو المأذون فيه من جهة الله ~~ورسوله والله لم يأذن في الأكل الا للمؤمن به فلم يأذن لهم في أكل شيء الا ~~اذا آمنوا ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكا شرعيا لأن الملك الشرعى هو ~~القدرة على التصرف الذى أباحه الشارع ( ( والشارع لم يبح لهم تصرفا في ~~الأموال الا بشرط الايمان فكانت أموالهم على الاباحة فاذا قهر طائفة منهم ~~طائفة قهرا يستحلونه في دينهم وأخذوها منهم صار هؤلاء فيها كما كان أولئك # والمسلمون اذا استولوا عليها فغنموها ملكوها ms1894 شرعا لأن الله أباح لهم ~~الغنائم ولم يبحها لغيرهم ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه بعضهم من ~~بعض بالقهر الذى يستحلونه في دينهم ويجوز أن يشترى من بعضهم ما PageV07P047 ~~سباه من غيره لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات ولهذا سمى الله ما عاد ~~من أموالهم إلى المسلمين ( فيئا ( لأن الله افاءه إلى مستحقه أى رده إلى ~~المؤمنين به الذين يعبدونه ويستعينون برزقه على عبادته فانه انما خلق الخلق ~~ليعبدوه وانما خلق الرزق لهم ليستعينوا به على عبادته ولفظ ( الفيء ( قد ~~يتناول ( الغنيمة ( كقول النبى ( ( في غنائم حنين ( ليس لى مما أفاء الله ~~عليكم الا الخمس والخمس مردود عليكم ( لكنه لما قال تعالى @QB@ وما أفاء ~~الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب @QE@ صار لفظ ( الفيء ~~( اذا أطلق في عرف الفقهاء فهو ما أخذ من مال الكفار بغير ايجاف خيل ولا ~~ركاب والايجاف نوع من التحريك # وأما اذا فعل المؤمن ما أبيح له قاصدا للعدول عن الحرام إلى الحلال ~~لحاجته إليه فانه يثاب على ذلك كما قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( وفى ~~بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله يأتى أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال ~~أرأيتم لو وضعها في الحرام كان عليه وزر فكذلك اذا وضعها في الحلال كان له ~~أجر ( وهذا كقوله في حديث بن عمر عن النبى ( ( قال ( ان الله يحب أن يؤخذ ~~برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ( رواه أحمد وبن خزيمة في ( صحيحه ( وغيرهما ~~فأخبر أن الله يحب اتيان رخصه كما يكره فعل معصيته وبعض الفقهاء يرويه ( ~~كما يحب أن تؤتى عزائمه ( وليس هذا لفظ الحديث وذلك لأن الرخص انما أباحها ~~الله لحاجة العباد اليها والمؤمنون يستعينون بها على عبادته PageV07P048 ~~فهو يحب الأخذ بها لأن الكريم يحب قبول احسانه وفضله كما قال في حديث ( ~~القصر صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ( ولأنه بها تتم عبادته ~~وطاعته وما لا يحتاج إليه الانسان من قول وعمل بل يفعله عبثا فهذا عليه ms1895 لا ~~له كما في الحديث كل كلام بن آدم عليه لا له الا أمرا بمعروف أو نهيا عن ~~منكر أو ذكرا لله ( # وفى ( الصحيحين ( عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ( فأمر المؤمن بأحد امرين اما قول ~~الخير أو الصمات ولهذا كان قول الخير خيرا من السكوت عنه والسكوت عن الشر ~~خيرا من قوله ولهذا قال الله تعالى @QB@ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ~~@QE@ وقد اختلف ( أهل التفسير ( هل يكتب جميع أقواله فقال مجاهد وغيره ~~يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه وقال عكرمة لا يكتبان الا ما يؤجر عليه أو ~~يؤزر والقرآن يدل على أنهما يكتبان الجميع فانه قال @QB@ ما يلفظ من قول ~~@QE@ نكرة في الشرط مؤكدة بحرف ( من ( فهذا يعم كل قوله وأيضا فكونه يؤجر ~~على قول معين أو يؤزر يحتاج إلى أن يعرف الكاتب ما أمر به وما نهى عنه ~~فلابد في اثبات معرفة الكاتب به إلى نقل وأيضا فهو مأمور اما بقول الخير ~~واما بالصمات فاذا عدل عما أمر به من الصمات إلى فضول القول الذى ليس بخير ~~كان هذا عليه فانه يكون مكروها والمكروه ينقصه ولهذا قال PageV07P049 النبى ~~( ( من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه ( فاذا خاض فيما لا يعنيه نقص من ~~حسن اسلامه فكان هذا عليه اذ ليس من شرط ما هو عليه أن يكون مستحقا لعذاب ~~جهنم وغضب الله بل نقص قدره ودرجته عليه # ولهذا قال تعالى ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ( فما يعمل أحد الا عليه ~~أو له فان كان مما أمر به كان له والا كان عليه ولو أنه ينقص قدره والنفس ~~طبعها الحركة لا تسكن قط لكن قد عفا الله عما حدث به المؤمنون أنفسهم ما لم ~~يتكلموا به أو يعملوا به فاذا عملوا به دخل في الأمر والنهي فاذا كان الله ~~قد كره إلى المؤمنين جميع المعاصى وهو قد حبب اليهم الايمان الذى يقتضى ms1896 ~~جميع الطاعات اذا لم يعارضه ضد باتفاق الناس فان المرجئة لا تنازع في أن ~~الايمان الذى في القلب يدعو إلى فعل الطاعة ويقتضى ذلك والطاعة من ثمراته ~~ونتائجه لكنها تنازع هل يستلزم الطاعة فانه وان كان يدعو إلى الطاعة فله ~~معارض من النفس والشيطان فاذا كان قد كره إلى المؤمنين المعارض كان المقتضى ~~للطاعة سالما عن هذا المعارض # وأيضا فاذا كرهوا جميع السيئات لم يبق الا حسنات أو مباحات والمباحات لم ~~تبح الا لأهل الايمان الذين يستعينون بها على الطاعات والا فالله لم يبح قط ~~لأحد شيئا أن يستعين به على كفر ولا فسوق ولا عصيان ولهذا لعن النبى ( ( ~~عاصر الخمر ومعتصرها كما لعن شاربها والعاصر PageV07P050 يعصر عنبا يصير ~~عصيرا يمكن أن ينتفع به في المباح لكن لما علم أن قصد العاصر أن يجعلها ~~خمرا لم يكن له أن يعينه بما جنسه مباح على معصية الله بل لعنه النبى ( ( ~~على ذلك لأن الله لم يبح اعانة العاصى على معصيته ولا أباح له ما يستعين به ~~في المعصية فلا تكون مباحات لهم الا اذا استعانوا بها على الطاعات فيلزم من ~~انتفاء السيئات أنهم لا يفعلون الا الحسنات ولهذا كان من ترك المعاصى كلها ~~فلابد أن يشتغل بطاعة الله وفى الحديث الصحيح ( كل الناس يغدو فبائع نفسه ~~فمعتقها أو موبقها ( فالمؤمن لابد أن يحب الحسنات ولابد أن يبغض السيئات ~~ولابد أن يسره فعل الحسنة ويسوءه فعل السيئة ومتى قدر أن في بعض الأمور ليس ~~كذلك كان ناقص الايمان # والمؤمن قد تصدر منه السيئة فيتوب منها أو يأتى بحسنات تمحوها أو يبتلى ~~ببلاء يكفرها عنه ولكن لابد أن يكون كارها لها فان الله أخبر أنه حبب إلى ~~المؤمنين الايمان وكره اليهم الكفر والفسوق والعصيان فمن لم يكره الثلاثة ~~لم يكن منهم ولكن ( محمد بن نصر ( يقول الفاسق يكرهها تدينا فيقال ان أريد ~~بذلك أنه يعتقد أن دينه حرمها وهو يحب دينه وهذه من جملته فهو يكرهها وان ~~كان يحب دينه مجملا وليس في ms1897 قلبه كراهة لها كان قد عدم من الايمان بقدر ذلك ~~كما في الحديث الصحيح ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع ~~فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان PageV07P051 وفى الحديث ~~الآخر الذى في الصحيح أيضا ( صحيح مسلم ( فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن ~~جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من ~~الايمان مثقال حبة من خردل ( # فعلم أن القلب اذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه الله لم يكن فيه من الايمان ~~الذى يستحق به الثواب وقوله ( من الايمان ( أى من هذا الايمان وهو الايمان ~~المطلق أى ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الايمان ولا قدر حبة خردل والمعنى ~~هذا آخر حدود الايمان ما بقى بعد هذا من الايمان شيء ليس مراده أنه من لم ~~يفعل ذلك لم يبق معه من الايمان شيء بل لفظ الحديث انما يدل على المعنى ~~الأول PageV07P052 ### ||| فصل # ومن هذا الباب لفظ ( الكفر ( و ( النفاق ( فالكفر اذا ذكر مفردا في وعيد ~~الآخرة دخل فيه المنافقون كقوله @QB@ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو ~~في الآخرة من الخاسرين @QE@ وقوله @QB@ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا @QE@ وقوله @QB@ لا يصلاها إلا ~~الأشقى الذي كذب وتولى @QE@ وقوله @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ~~ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ~~إن أنتم إلا في ضلال كبير @QE@ وقوله @QB@ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ~~حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون ~~عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب ~~على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين @QE@ ~~وقوله @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس ~~في جهنم مثوى للكافرين @QE@ وقوله @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد ms1898 كنت بصيرا قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ~~ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى @QE@ وقوله PageV07P053 @QB@ إن الذين كفروا ~~من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية @QE@ ~~وأمثال هذه النصوص كثير في القرآن فهذه كلها يدخل فيها ( المنافقون ( الذين ~~هم في الباطن كفار ليس معهم من الايمان شيء كما يدخل فيها ( الكفار ( ~~المظهرون للكفر بل المنافقون في الدرك الأسفل من النار كما أخبر الله بذلك ~~في كتابه ثم قد يقرن ( الكفر بالنفاق ( في مواضع ففى أول البقرة ذكر أربع ~~آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في صفة ~~المنافقين فقال تعالى @QB@ إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ~~@QE@ وقال @QB@ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس ~~من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا @QE@ إلى قوله @QB@ فاليوم لا ~~يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ~~@QE@ وقال @QB@ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم @QE@ في ~~سورتين وقال @QB@ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا ~~@QE@ الآية # وكذلك لفظ ( المشركين ( قد يقرن بأهل الكتاب فقط وقد يقرن بالملل الخمس ~~كما في قوله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد @QE@ # و ( الأول ( كقوله @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة @QE@ PageV07P054 وقوله @QB@ إن الذين كفروا من ~~أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد ~~اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ @QE@ وليس أحد بعد مبعث محمد ( ( الا ~~من الذين أوتوا الكتاب أو الاميين وكل أمة لم تكن من الذين أوتوا الكتاب ~~فهم من الاميين كالأميين من العرب ومن الخزر والصقالبة والهند والسودان ~~وغيرهم من الأمم الذين لا كتاب لهم فهؤلاء كلهم أميون والرسول مبعوث ms1899 اليهم ~~كما بعث إلى الأميين من العرب # وقوله @QB@ وقل للذين أوتوا الكتاب @QE@ وهو انما يخاطب الموجودين في ~~زمانه بعد النسخ والتبديل يدل على أن من دان بدين اليهود والنصارى فهو من ~~الذين أوتوا الكتاب لا يختص هذا اللفظ بمن كانوا متمسكين به قبل النسخ ~~والتبديل ولا فرق بين أولادهم وأولاد غيرهم فان أولادهم اذا كانوا بعد ~~النسخ والتبديل ممن أوتوا الكتاب فكذلك غيرهم اذا كانوا كلهم كفارا وقد ~~جعلهم الذين أوتوا الكتاب بقوله @QB@ وقل للذين أوتوا الكتاب @QE@ وهو لا ~~يخاطب بذلك الا من بلغته رسالته لا من مات فدل ذلك على أن قوله @QB@ وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب @QE@ يتناول هؤلاء كلهم كما هو مذهب الجمهور من السلف ~~والخلف وهو مذهب مالك وأبى حنيفة وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته لم ~~يختلف كلامه الا في نصارى بنى تغلب وآخر الروايتين عنه أنهم تباح نساؤهم ~~وذبائحهم كما هو قول جمهور الصحابة PageV07P055 # وقوله في ( الرواية الأخرى ( لا تباح متابعة لعلى بن أبى طالب رضى الله ~~عنه لم يكن لأجل النسب بل لكونهم لم يدخلوا في دين أهل الكتاب الا فيما ~~يشتهونه من شرب الخمر ونحوه ولكن بعض التابعين ظن أن ذلك لأجل النسب كما ~~نقل عن عطاء وقال به الشافعى ومن وافقه من أصحاب أحمد وفرعوا على ذلك فروعا ~~كمن كان أحد أبويه كتابيا والآخر ليس بكتابى ونحو ذلك حتى لا يوجد في طائفة ~~من كتب أصحاب أحمد الا هذا القول وهو خطأ على مذهبه مخالف لنصوصه لم يعلق ~~الحكم بالنسب في مثل هذا البتة كما قد بسط في موضعه # ولفظ ( المشركين ( يذكر مفردا في مثل قوله @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن @QE@ وهل يتناول أهل الكتاب فيه ( قولان ( مشهوران للسلف والخلف ~~والذين قالوا بأنها تعم منهم من قال هي محكمة كابن عمر والجمهور الذين ~~يبيحون نكاح الكتابيات كما ذكره الله في آية المائدة وهى متأخرة عن هذه ~~ومنهم من يقول نسخ منها تحريم نكاح الكتابيات ومنهم من يقول بل هو مخصوص لم ~~يرد ms1900 باللفظ العام وقد أنزل الله تعالى بعد صلح الحديبية قوله ( ولا تمسكوا ~~بعصم الكوافر ( وهذا قد يقال انما نهى عن التمسك بالعصمة من كان متزوجا ~~كافرة ولم يكونوا حينئذ متزوجين الا بمشركة وثنية فلم يدخل في ذلك ~~الكتابيات PageV07P056 ### ||| فصل # وكذلك لفظ ( الصالح ( و ( الشهيد ( و ( الصديق ( يذكر مفردا فيتناول ~~النبيين قال تعالى في حق الخليل @QB@ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين @QE@ وقال @QB@ وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين @QE@ وقال الخليل @QB@ رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين @QE@ ~~وقال يوسف @QB@ توفني مسلما وألحقني بالصالحين @QE@ وقال سليمان @QB@ ~~وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين @QE@ وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~في الحديث الصحيح المتفق على صحته لما كانوا يقولون في آخر صلاتهم السلام ~~على الله قبل عباده السلام على فلان فقال لنا رسول الله ( ( ذات يوم ( ان ~~الله هو السلام فاذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات ~~والطيبات السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين فاذا قالها أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض ( ~~الحديث # وقد يذكر ( الصالح مع غيره ( كقوله تعالى @QB@ فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين @QE@ قال الزجاج وغيره ~~الصالح القائم بحقوق الله وحقوق عباده ولفظ ( الصالح ( خلاف الفاسد ~~PageV07P057 فاذا أطلق فهو الذى أصلح جميع امره فلم يكن فيه شيء من الفساد ~~فاستوت سريرته وعلانيته وأقواله وأعماله على ما يرضى ربه وهذا يتناول ~~النبيين ومن دونهم ولفظ ( الصديق ( قد جعل هنا معطوفا على النبيين وقد وصف ~~به النبيين في مثل قوله @QB@ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ~~@QE@ @QB@ واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا @QE@ # وكذلك ( الشهيد ( قد جعل هنا قرين الصديق والصالح وقد قال @QB@ وجيء ~~بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق @QE@ ولما قيدت الشهادة على الناس وصفت ~~به الأمة كلها في قوله @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا @QE@ فهذه شهادة مقيدة بالشهادة على الناس ~~كالشهادة ms1901 المذكورة في قوله @QB@ لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء @QE@ وقوله ~~@QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ وليست هذه الشهادة المطلقة في ~~الآيتين بل ذلك كقوله @QB@ ويتخذ منكم شهداء @QE@ PageV07P058 ### ||| فصل # وكذلك لفظ ( المعصية ( و ( الفسوق ( و ( الكفر ( فاذا أطلقت المعصية لله ~~ورسوله دخل فيها الكفر والفسوق كقوله @QB@ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم خالدين فيها أبدا @QE@ وقال تعالى @QB@ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ~~وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد @QE@ فأطلق معصيتهم للرسل بأنهم عصوا ~~هودا معصية تكذيب لجنس الرسل فكانت المعصية لجنس الرسل كمعصية من قال @QB@ ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء @QE@ ومعصية من كذب وتولى قال تعالى @QB@ ~~لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى @QE@ أى كذب بالخبر وتولى عن طاعة ~~الأمر وانما على الخلق أن يصدقوا الرسل فيما أخبروا ويطيعوهم فيما أمروا ~~وكذلك قال في فرعون @QB@ فكذب وعصى @QE@ وقال عن جنس الكافر @QB@ فلا صدق ~~ولا صلى ولكن كذب وتولى @QE@ فالتكذيب للخبر والتولى عن الأمر وانما ~~الايمان تصديق الرسل فيما اخبروا وطاعتهم فيما أمروا ومنه قوله @QB@ كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول @QE@ # ولفظ ( التولى ( بمعنى التولى عن الطاعة مذكور في مواضع من القرآن ~~PageV07P059 كقوله @QB@ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ~~فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم ~~عذابا أليما @QE@ وذمه في غير موضع من القرآن من تولى دليل على وجوب طاعة ~~الله ورسوله وان الأمر المطلق يقتضى وجوب الطاعة وذم المتولى عن الطاعة كما ~~علق الذم بمطلق المعصية في مثل قوله @QB@ فعصى فرعون الرسول @QE@ وقد قيل ~~ان ( التأبيد ( لم يذكر في القرآن الا في وعيد الكفار ولهذا قال ( ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا ~~عظيما ( # وقال فيمن يجور في المواريث @QB@ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين @QE@ فهنا قيد المعصية بتعدى حدوده فلم ~~يذكرها مطلقة وقال @QB@ وعصى آدم ربه فغوى @QE@ فهي معصية خاصة وقال ms1902 تعالى ~~@QB@ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ~~@QE@ فأخبر عن معصية واقعة معينة وهى معصية الرماة للنبى ( ( حيث أمرهم ~~بلزوم ثغرهم وان رأوا المسلمين قد انتصروا فعصى من عصى منهم هذا الأمر وجعل ~~أميرهم يأمرهم لما رأوا الكفار منهزمين وأقبل من أقبل منهم على المغانم # وكذلك قوله @QB@ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان @QE@ جعل ذلك ثلاث ~~مراتب وقد قال @QB@ ولا يعصينك في معروف @QE@ فقيد المعصية ولهذا فسرت ~~بالنياحة قاله إبن عباس # وروى ذلك مرفوعا وكذلك قال زيد بن أسلم لا يدعن ويلا ولا يخدشن ~~PageV07P060 وجها ولا ينشرن شعرا ولا يشققن ثوبا وقد قال بعضهم هو جميع ما ~~يأمرهم به الرسول من شرائع الاسلام وأدلته كما قاله أبو سليمان الدمشقى ~~ولفظ الآية عام أنهن لا يعصينه في معروف ومعصيته لا تكون الا في معروف فانه ~~لا يأمر بمنكر لكن هذا كما قيل فيه دلالة على أن طاعة أولى الأمر انما تلزم ~~في المعروف كما ثبت في ( الصحيح ( عن النبى ( ( أنه قال ( انما الطاعة في ~~المعروف ( ونظير هذا قوله @QB@ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ~~@QE@ وهو لا يدعو الا إلى ذلك والتقييد هنا لا مفهوم له فانه لا يقع دعاء ~~لغير ذلك ولا أمر بغير معروف وهذا كقوله تعالى @QB@ ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا @QE@ فانهن اذا لم يردن تحصنا امتنع الاكراه ولكن في ~~هذا بيان الوصف المناسب للحكم ومنه قوله تعالى @QB@ ومن يدع مع الله إلها ~~آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون @QE@ وقوله ~~@QB@ ويقتلون النبيين بغير الحق @QE@ # فالتقييد في جميع هذا للبيان والايضاح لا لإخراج في وصف آخر ولهذا يقول ~~من يقول من النحاة الصفات في المعارف للتوضيح لا للتخصيص وفى النكرات ~~للتخصيص يعنى في المعارف التى لا تحتاج إلى تخصيص كقوله @QB@ سبح اسم ربك ~~الأعلى الذي خلق فسوى @QE@ وقوله @QB@ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل @QE@ وقوله @QB@ الحمد لله ~~رب ms1903 العالمين الرحمن الرحيم @QE@ والصفات في النكرات اذا تميزت تكون للتوضيح ~~أيضا ومع هذا فقد عطف المعصية على الكفر والفسوق في قوله @QB@ وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان @QE@ ومعلوم أن الفاسق عاص أيضا PageV07P061 ### ||| فصل # ومن هذا الباب ( ظلم النفس ( فانه اذا أطلق تناول جميع الذنوب فانها ظلم ~~العبد نفسه قال تعالى @QB@ ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد ~~وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم @QE@ وقال في قتل النفس @QB@ رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي @QE@ وقالت ~~بلقيس @QB@ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين @QE@ وقال ~~آدم عليه السلام @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين @QE@ ثم قد يقرن ببعض الذنوب كقوله تعالى @QB@ والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم @QE@ وقوله @QB@ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما @QE@ # وأما لفظ ( الظلم المطلق ( فيدخل فيه الكفر وسائر الذنوب قال تعالى @QB@ ~~احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون @QE@ PageV07P062 قال عمر بن الخطاب ~~ونظراؤهم وهذا ثابت عن عمر وروى ذلك عنه مرفوعا وكذلك قال بن عباس واشباههم ~~وكذلك قال قتادة والكلبى كل من عمل بمثل عملهم فأهل الخمر مع أهل الخمر ~~وأهل الزنى مع أهل الزنى وعن الضحاك ومقاتل قرناؤهم من الشياطين كل كافر ~~معه شيطانه في سلسلة وهذا كقوله @QB@ وإذا النفوس زوجت @QE@ قال عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه الفاجر مع الفاجر والصالح مع الصالح قال بن عباس وذلك ~~حين يكون الناس أزواجا ثلاثة وقال الحسن وقتادة ألحق كل امرئ بشيعته ~~اليهودى مع اليهود والنصرانى مع النصارى وقال الربيع بن خيثم يحشر المرء مع ~~صاحب عمله وهذا كما ثبت في ( الصحيح ( عن النبى ( ( لما قيل له الرجل ms1904 يحب ~~القوم ولما يلحق بهم قال ( المرء مع من أحب ( وقال ( الأرواح جنود مجندة ~~فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ( وقال ( المرء على دين خليله ~~فلينظر أحدكم من يخالل ( # وزوج الشيء نظيره وسمى الصنف زوجا لتشابه افراده كقوله @QB@ فأنبتنا فيها ~~من كل زوج كريم @QE@ وقال @QB@ ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون @QE@ ~~قال غير واحد من المفسرين صنفين ونوعين مختلفين السماء والأرض والشمس ~~والقمر والليل والنهار والبر والبحر والسهل والجبل والشتاء والصيف والجن ~~والانس والكفر والايمان والسعادة والشقاوة والحق والباطل والذكر والانثى ~~والنور والظلمة والحلو والمر وأشباه ذلك PageV07P063 @QB@ لعلكم تذكرون ~~@QE@ فتعلمون أن خالق الأزواج واحد وليس المراد أنه يحشر معهم زوجاتهم ~~مطلقا فان المرأة الصالحة قد يكون زوجها فاجرا بل كافرا كامرأة فرعون وكذلك ~~الرجل الصالح قد تكون امرأته فاجرة بل كافرة كامرأة نوح ولوط لكن اذا كانت ~~المرأة على دين زوجها دخلت في عموم الأزواج ولهذا قال الحسن البصرى ~~وازواجهم المشركات # فلا ريب أن هذه الآية تناولت الكفار كما دل عليه سياق الآية وقد تقدم ~~كلام المفسرين انه يدخل فيها الزناة مع الزناة وأهل الخمر مع أهل الخمر ~~وكذلك الأثر المروى ( اذا كان يوم القيامة قيل أين الظلمة وأعوانهم أو قال ~~وأشباههم فيجمعون في توابيت من نار ثم يقذف بهم في النار ( وقد قال غير ~~واحد من السلف أعوان الظلمة من أعانهم ولو أنه لاق لهم دواة أو برى لهم ~~قلما ومنهم من كان يقول بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم وأعوانهم هم من ~~أزواجهم المذكورين في الآية فان المعين على البر والتقوى من أهل ذلك ~~والمعين على الاثم والعدوان من أهل ذلك قال تعالى @QB@ من يشفع شفاعة حسنة ~~يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها @QE@ والشافع الذى ~~يعين غيره فيصير معه شفعا بعد ان كان وترا ولهذا فسرت ( الشفاعة الحسنة ( ~~باعانة المؤمنين على الجهاد و ( الشفاعة السيئة ( باعانة الكفار على قتال ~~المؤمنين كما ذكر ذلك بن جرير وابو سليمان # وفسرت ( الشفاعة ms1905 الحسنة ( بشفاعة الانسان للانسان ليجتلب له نفعا ~~PageV07P064 أو يخلصه من بلاء كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وبن زيد ~~فالشفاعة الحسنة اعانة على خير يحبه الله ورسوله من نفع من يستحق النفع ~~ودفع الضر عمن يستحق دفع الضرر عنه و ( الشفاعة السيئة ( اعانته على ما ~~يكرهه الله ورسوله كالشفاعة التى فيها ظلم الانسان أو منع الاحسان الذى ~~يستحقه وفسرت الشفاعة الحسنة بالدعاء للمؤمنين والسيئة بالدعاء عليهم وفسرت ~~الشفاعة الحسنة بالاصلاح بين اثنين وكل هذا صحيح فالشافع زوج المشفوع له اذ ~~المشفوع عنده من الخلق اما ان يعينه على بر وتقوى واما أن يعينه على اثم ~~وعدوان وكان النبى ( ( اذا أتاه طالب حاجة قال لأصحابه ( اشفعوا تؤجروا ~~ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء ( وتمام الكلام يبين أن الآية وان تناولت ~~الظالم الذى ظلم بكفره فهي أيضا متناولة ما دون ذلك وان قيل فيها ( وما ~~كانوا يعبدون ( فقد ثبت في ( الصحيح ( عن النبى ( ( أنه قال ( تعس عبد ~~الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس واذا ~~شيك فلا انتقش ( وثبت عنه في ( الصحيح ( أنه قال ( ما من صاحب كنز الا جعل ~~له كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ بلهزمته انا مالك أنا كنزك ( وفى لفظ ~~( الا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه وهو يتبعه حتى يطوقه في عنقه ~~( وقرأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( هذه الآية @QB@ سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة @QE@ وفى حديث آخر ( مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يتبع ~~صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه هذا مالك الذى كنت تبخل به PageV07P065 فاذا ~~رأى أنه لابد له منه أدخل يده في فيه فيقضمها كما يقضم الفحل ( وفى رواية ( ~~فلا يزال يتبعه فيلقمه يده فيقضمها ثم يلقمه سائر جسده ( وقد قال تعالى في ~~الآية الأخرى @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما ms1906 كنتم تكنزون @QE@ # وقد ثبت في ( الصحيح ( وغيره عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( ~~ما من صاحب كنز لا يؤدى زكاته الا أحمى عليها في نار جهنم فيجعل صفائح ~~فيكوى بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله اما إلى الجنة واما إلى النار ( وفى حديث ~~أبى ذر ( بشر الكانزين برضف يحمى عليها في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدى ~~أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه ~~يتزلزل وتكوى الجباه والجنوب والظهور حتى يلتقى الحر في أجوافهم ( وهذا كما ~~في القرآن ويدل على أنه بعد دخول النار فيكون هذا لمن دخل النار ممن فعل به ~~ذلك أولا في الموقف فهذا الظالم لما منع الزكاة يحشر مع أشباهه وماله الذى ~~صار عبدا له من دون الله فيعذب به وان لم يكن هذا من أهل الشرك الأكبر ~~الذين يخلدون في النار ولهذا قال في آخر الحديث ( ثم يرى سبيله اما إلى ~~الجنة واما إلى النار ( فهذا بعد تعذيبه خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يدخل ~~الجنة وقد قال النبى ( ( الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب PageV07P066 ~~النمل ( قال بن عباس وأصحابه كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وكذلك ~~قال أهل السنة كأحمد بن حنبل وغيره كما سنذكره ان شاء الله # وقد قال الله تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون @QE@ وفى حديث عدى بن حاتم وهو حديث حسن طويل رواه أحمد ~~والترمذى وغيرهما وكان قد قدم على النبى ( صلى الله عليه وسلم ( وهو نصرانى ~~فسمعه يقرأ هذه الآية قال فقلت له أنا لسنا نعبدهم قال أليس يحرمون ما أحل ~~الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه ( قال فقلت بلى قال ( فتلك ~~عبادتهم ( وكذلك قال أبو البختري اما أنهم لم يصلوا لهم ms1907 ولو أمروهم أن ~~يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه ~~حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية # وقال الربيع بن أنس قلت لأبى العالية كيف كانت تلك الربوبية في بنى ~~اسرائيل قال كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه ~~فقالوا لن نسبق احبارنا بشيء فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا ~~لقولهم فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فقد بين النبى ( ( ~~أن عبادتهم اياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال لا أنهم صلوا لهم ~~وصاموا لهم ودعوهم من دون الله فهذه عبادة للرجال وتلك عبادة للأموال وقد ~~بينها النبى ( ( وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله @QB@ لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون @QE@ فهذا من الظلم الذى PageV07P067 يدخل في قوله @QB@ احشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله @QE@ فان هؤلاء والذين ~~أمروهم بهذا هم جميعا معذبون وقال @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون @QE@ وانما يخرج من هذا من عبد مع كراهته لأن يعبد ~~ويطاع في معصية الله فهم الذين سبقت لهم الحسنى كالمسيح والعزير وغيرهما ~~فأولئك ( مبعدون ( # وأما من رضى بأن يعبد ويطاع في معصية الله فهو مستحق للوعيد ولو لم يأمر ~~بذلك فكيف اذا أمر وكذلك من أمر غيره بأن يعبد غير الله وهذا من ( أزواجهم ~~( فان ( أزواجهم ( قد يكونون رؤساء لهم وقد يكونون اتباعا وهم أزواج وأشباه ~~لتشابههم في الدين وسياق الآية يدل على ذلك فانه سبحانه قال @QB@ احشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط ~~الجحيم @QE@ قال بن عباس دلوهم وقال الضحاك مثله وقال بن كيسان قدموهم ~~والمعنى قودوهم كما يقود الهادى لمن يهديه ولهذا تسمى الأعناق الهوادى ~~لأنها تقود سائر البدن وتسمى أوائل الوحش الهوادى @QB@ وقفوهم إنهم مسؤولون ~~ما لكم لا تناصرون @QE@ أى كما كنتم تتناصرون في الدنيا على الباطل @QB@ بل ~~هم اليوم مستسلمون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا ms1908 ~~عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم ~~قوما طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم ~~يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم ~~لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون @QE@ ~~PageV07P068 # وقال تعالى @QB@ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في ~~النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا ~~تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكسبون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء ~~للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال ~~الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا ~~للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في ~~أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون @QE@ # وقوله في سياق الآية @QB@ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون @QE@ PageV07P069 ولا ريب أنها تتناول ( الشركين ( الأصغر والأكبر ~~وتتناول أيضا من استكبر عما أمره الله به من طاعته فان ذلك من تحقيق قول لا ~~اله الا الله فان الاله هو المستحق للعبادة فكل ما يعبد به الله فهو من ~~تمام تأله العباد له فمن استكبر عن بعض عبادته سامعا مطيعا في ذلك لغيره لم ~~يحقق قول لا اله الا الله في هذا المقام # وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما ms1909 ~~حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين # ( أحدهما ( أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل ~~فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم ~~أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا وان لم يكونوا ~~يصلون لهم ويسجدون لهم فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف ~~الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركا مثل هؤلاء # و ( الثانى ( أن يكون اعتقادهم وايمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ~~ثابتا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصى ~~التى يعتقد أنها معاص فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في ( ~~الصحيح ( عن النبى ( ( أنه قال ( انما الطاعة في المعروف ( وقال ( على ~~المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية PageV07P070 # وقال ~~( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ( وقال ( من أمركم بمعصية الله فلا ~~تطيعوه ( # ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام ان كان مجتهدا قصده اتباع الرسول ~~لكن خفى عليه الحق في نفس الأمر وقد اتقى الله ما استطاع فهذا لا يؤاخذه ~~الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذى أطاع به ربه ولكن من علم أن هذا خطأ ~~فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من ~~هذا الشرك الذى ذمه الله لا سيما ان اتبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد ~~مع علمه بأنه مخالف للرسول فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه # ولهذا اتفق العلماء على أنه اذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه ~~وانما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال وان كان عاجزا عن ~~اظهار الحق الذى يعلمه فهذا يكون كمن عرف أن دين الاسلام حق وهو بين ~~النصارى فاذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه وهؤلاء ~~كالنجاشى وغيره وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه كقوله تعالى @QB@ وإن ms1910 ~~من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم @QE@ وقوله ~~@QB@ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون @QE@ وقوله @QB@ وإذا سمعوا ~~ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق @QE@ # وأما ان كان المتبع للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ~~PageV07P071 ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد فهذا لا يؤاخذ ان ~~أخطأ كما في القبلة وأما ان قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه ونصره بيده ~~ولسانه من غير علم أن معه الحق فهذا من أهل الجاهلية وان كان متبوعه مصيبا ~~لم يكن عمله صالحا وان كان متبوعه مخطئا كان آثما كمن قال في القرآن برأيه ~~فان أصاب فقد أخطأ وان أخطأ فليتبوأ مقعده من النار وهؤلاء من جنس مانع ~~الزكاة الذى تقدم فيه الوعيد ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة ~~والخميصة فان ذلك لما أحب المال حبا منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبدا له ~~وكذلك هؤلاء فيكون فيه شرك أصغر ولهم من الوعيد بحسب ذلك وفى الحديث ( ان ~~يسير الرياء شرك ( وهذا مبسوط عند النصوص التى فيها اطلاق الكفر والشرك على ~~كثير من الذنوب # ( والمقصود هنا ( أن الظلم المطلق يتناول الكفر ولا يختص بالكفر بل ~~يتناول ما دونه أيضا وكل بحسبه كلفظ ( الذنب ( والخطيئة ( والمعصية ( فان ~~هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان كما في ( الصحيحين ( عن عبد الله بن ~~مسعود قال قلت يا رسول الله أى الذنب أعظم قال ( ان تجعل لله ندا وهو خلقك ~~( قلت ثم أى قال ( ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ( قلت ثم أى قال ( ثم ~~ان تزانى بحليلة جارك ( فأنزل الله تعالى @QB@ والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ومن ~~تاب وعمل صالحا ms1911 فإنه يتوب إلى الله متابا @QE@ PageV07P072 # فهذا الوعيد بتمامه على الثلاثة ولكل عمل قسط منه فلو أشرك ولم يقتل ولم ~~يزن كان عذابه دون ذلك ولو زنى وقتل ولم يشرك كان له من هذا العذاب نصيب ~~كما في قوله @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما @QE@ ولم يذكر ( أبدا ( وقد قيل ان لفظ ( ~~التأبيد ( لم يجئ الا مع الكفر وقال الله تعالى @QB@ ويوم يعض الظالم على ~~يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا ~~خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا @QE@ ~~فلا ريب أن هذا يتناول الكافر الذى لم يؤمن بالرسول وسبب نزول الآية كان في ~~ذلك فان ( الظلم المطلق ( يتناول ذلك ويتناول ما دونه بحسبه # فمن خال مخلوقا في خلاف أمر الله ورسوله كان له من هذا الوعيد نصيب كما ~~قال تعالى @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم ~~الأسباب @QE@ قال الفضيل بن عياض حدثنا الليث عن مجاهد هي المودات التى ~~كانت بينهم لغير الله فان ( المخالة ( تحاب وتواد ولهذا قال ( المرء على ~~دين خليله فان المتحابين يحب أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب فاذا اتبع ~~أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه الله ورسوله نقص من دينهما بحسب ذلك إلى ~~أن ينتهى PageV07P073 إلى الشرك الأكبر قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ والذين ~~قدموا محبة المال الذى كنزوه والمخلوق الذى اتبعوه على محبة الله ورسوله ~~كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك فلهذا ألزمهم محبوبهم كما في الحديث ~~يقول الله تعالى ( أليس عدلا منى أن أولى كل رجل منكم ما كان يتولاه في ~~الدنيا ( وقد ثبت في ( الصحيح ( يقول ( ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ~~فمن كان يعبد الشمس الشمس ومن كان يعبد القمر القمر ms1912 ومن كان يعبد الطواغيت ~~الطواغيت ويمثل للنصارى المسيح ولليهود عزير فيتبع كل قوم ما كانوا يعبدون ~~وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ( كما سيأتى هذا الحديث ان شاء الله فهؤلاء ~~( أهل الشرك الأكبر ( # وأما ( عبيد المال ( الذين كنزوه وعبيد الرجال الذين أطاعوهم في معاصى ~~الله فأولئك يعذبون عذابا دون عذاب أولئك المشركين أما في عرصات القيامة ~~واما في جهنم ومن أحب شيئا دون الله عذب به وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكافرون هم الظالمون @QE@ فالكفر المطلق ( هو الظلم المطلق ولهذا ~~لا شفيع لأهله يوم القيامة كما نفى الشفاعة في هذه الآية وفى قوله @QB@ ~~وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور @QE@ وقال @QB@ فكبكبوا فيها ~~هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من ~~شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين @QE@ PageV07P074 # وقوله ( اذ نسويكم ( لم يريدوا به أنهم جعلوهم مساوين لله من كل وجه فان ~~هذا لم يقله أحد من بنى آدم ولا نقل عن قوم قط من الكفار أنهم قالوا ان هذا ~~العالم له خالقان متماثلان حتى المجوس القائلين ( بالأصلين النور والظلمة ( ~~متفقون على أن ( النور ( خير يستحق أن يعبد ويحمد وان ( الظلمة ( شريرة ~~تستحق أن تذم وتلعن واختلفوا هل الظلمة محدثة أو قديمة على قولين وبكل حال ~~لم يجعلوها مثل النور من كل وجه # وكذلك ( مشركو العرب ( كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله في خلق ~~السماوات والأرض بل كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما كما أخبر الله عنهم بذلك في غير آيه كقوله تعالى @QB@ ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء من ms1913 عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم ولئن سألتهم ~~من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعقلون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها ~~سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك ~~تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ~~لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون @QE@ ~~PageV07P075 # وهذه الصفات من كلام الله تعالى ليست من تمام جوابهم وقال تعالى @QB@ قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله @QE@ الآيات وقال تعالى @QB@ ~~قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون @QE@ ~~وكذلك قوله @QB@ آلله خير أما يشركون أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم ~~من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله ~~مع الله بل هم قوم يعدلون أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل ~~لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله @QE@ أى أإله مع الله فعل ~~هذا وهذا استفهام انكار وهم مقرون بأنه لم يفعل هذا اله آخر مع الله # ومن قال من المفسرين ان المراد هل مع الله اله آخر فقد غلط فانهم كانوا ~~يجعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى @QB@ أئنكم لتشهدون أن مع الله ~~آلهة أخرى قل لا أشهد @QE@ PageV07P076 # وقال تعالى @QB@ فما أغنت عنهم ~~آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء @QE@ وقال تعالى عنهم @QB@ أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب @QE@ # وكانوا معترفين بأن آلهتهم لم تشارك الله ms1914 في خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~شيء بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط كما قال تعالى @QB@ ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله @QE@ وقال عن ~~صاحب يس @QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة ~~إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا ~~شفيع @QE@ وقال تعالى @QB@ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ~~@QE@ وقال @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ فنفى عما سواه كل ما يتعلق به المشركون ~~فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك أو يكون عونا لله ولم يبق الا ~~الشفاعة فبين أنها لاتنفع الا لمن أذن له الرب كما قال تعالى @QB@ من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقال تعالى عن الملائكة @QB@ ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى @QE@ وقال @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا ~~من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ فهذه ( الشفاعة ( التى يظنها ~~المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها PageV07P077 القرآن وأما ما أخبر ~~به النبى ( ( أنه يكون فأخبر ( أنه يأتى فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ ~~بالشفاعة أولا فاذا سجد وحمد ربه بمحامد يفتحها عليه يقال له أى محمد ارفع ~~رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع فيقول أى رب أمتى فيحد له حدا فيدخلهم ~~الجنة ( وكذلك في الثانية وكذلك في الثالثة وقال له أبو هريرة من أسعد ~~الناس بشفاعتك يوم القيامة قال ( من قال لا اله الا الله خالصا من قلبه ( ~~فتلك ( الشفاعة ( هي لأهل الاخلاص باذن الله ليست لمن أشرك بالله ولا ms1915 تكون ~~الا باذن الله وحقيقته ان الله هو الذى يتفضل على أهل الاخلاص والتوحيد ~~فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذى أذن له أن يشفع ليكرمه بذلك وينال به ~~المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون ( ( كما كان في الدنيا ~~يستسقى لهم ويدعو لهم وتلك شفاعة منه لهم فكان الله يجيب دعاءه وشفاعته # واذا كان كذلك ( فالظلم ثلاثة أنواع ( فالظلم الذى هو شرك لا شفاعة فيه ~~وظلم الناس بعضهم بعضا لابد فيه من اعطاء المظلوم حقه لا يسقط حق المظلوم ~~لا بشفاعة ولا غيرها ولكن قد يعطى المظلوم من الظالم كما قد يغفر لظالم ~~نفسه بالشفاعة فالظالم المطلق ما له من شفيع مطاع وأما الموحد فلم يكن ~~ظالما مطلقا بل هو موحد مع ظلمه لنفسه وهذا انما نفعه في الحقيقة اخلاصه ~~لله فبه صار من أهل الشفاعة # ومقصود القرآن بنفى الشفاعة نفى الشرك وهو أن أحدا لا يعبد الا الله ~~PageV07P078 ولا يدعو غيره ولا يسأل غيره ولا يتوكل على غيره لا في شفاعة ~~ولا غيرها فليس له أن يتوكل على أحد في أن يرزقه وان كان الله يأتيه برزقه ~~بأسباب # كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة وان ~~كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها فالشفاعة التى نفاها ~~القرآن مطلقا ما كان فيها شرك وتلك منتفية مطلقا ولهذا أثبت الشفاعة باذنه ~~في مواضع وتلك قد بين الرسول ( ( أنها لا تكون الا لأهل التوحيد والاخلاص ~~فهي من التوحيد ومستحقها أهل التوحيد # وأما ( الظلم المقيد ( فقد يختص بظلم الانسان نفسه وظلم الناس بعضهم بعضا ~~كقول آدم عليه السلام وحواء @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا @QE@ وقول موسى @QB@ رب ~~إني ظلمت نفسي @QE@ وقوله تعالى @QB@ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم @QE@ لكن قول آدم وموسى إخبار عن واقع ~~لا عموم فيه وذلك قد عرف ولله الحمد أنه ليس كفرا واما قوله @QB@ والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم @QE@ فهو نكرة في سياق الشرط ms1916 يعم كل ما ~~فيه ظلم الانسان نفسه وهو اذا أشرك ثم تاب تاب الله عليه وقد تقدم ان ظلم ~~الانسان لنفسه يدخل فيه كل ذنب كبير أو صغير مع الاطلاق وقال تعالى @QB@ ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات @QE@ فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره فلا يدخل فيه الشرك الأكبر ~~وفى ( الصحيحين ( عن بن مسعود أنه لما أنزلت هذه الآية @QB@ الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ شق ذلك على أصحاب النبى PageV07P079 ( ( ~~وقالوا أينا لم يظلم نفسه فقال النبى ( ( انما هو الشرك ألم تسمعوا إلى قول ~~العبد الصالح @QB@ إن الشرك لظلم عظيم @QE@ # والذين شق ذلك عليهم ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسه وأنه لا ~~يكون الأمن والاهتداء الا لمن لم يظلم نفسه فشق ذلك عليهم فبين النبى ( ( ~~لهم ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله تعالى وحينئذ فلا يحصل الأمن ~~والاهتداء الا لمن لم يلبس ايمانه بهذا الظلم ومن لم يلبس ايمانه به كان من ~~أهل الأمن والاهتداء كما كان من أهل الاصطفاء في قوله ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا إلى قوله جنات عدن يدخلونها ( وهذا لا ينفى أن ~~يؤاخذ أحدهم بظلم نفسه اذا لم يتب كما قال تعالى @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ وقال تعالى @QB@ من يعمل سوءا ~~يجز به @QE@ # وقد سأل أبو بكر النبى ( صلى الله عليه وسلم ( عن ذلك فقال يا رسول الله ~~وأينا لم يعمل سوءا فقال ( يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن ألست تصيبك ~~اللأواء فذلك ما تجزون به ( فبين أن المؤمن الذى اذا تاب دخل الجنة قد يجزى ~~بسيئاته في الدنيا بالمصائب التى تصيبه كما في ( الصحيحين ( عنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ( أنه قال ( مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح ~~تقومها تارة وتميلها أخرى ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تزال ثابتة ~~PageV07P080 على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة ( وفى ( الصحيحين ( عنه ms1917 ~~( ( أنه قال ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا ~~أذى حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه ( وفى حديث سعد بن أبى ~~وقاص قلت يا رسول الله أى الناس أشد بلاء قال ( الأنبياء ثم الصالحون ثم ~~الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة زيد في ~~بلائه وان كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشى على ~~الأرض وليس عليه خطيئة ( رواه أحمد والترمذى وغيرهما وقال ( المرض حطة يحط ~~الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها ( والأحاديث في هذا الباب ~~كثيرة # فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام والاهتداء التام ومن ~~لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه لابد أن يدخل ~~الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذى ~~تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من ~~ايمانه بظلمه نفسه وليس مراد النبى ( صلى الله عليه وسلم ( بقوله ( انما هو ~~الشرك ( ان من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام ~~فان أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم ~~يحصل لهم الامن التام ولا الاهتداء التام الذى يكونون به مهتدين إلى الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين من غير عذاب يحصل لهم بل معهم أصل الاهتداء إلى PageV07P081 هذا ~~الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولابد لهم من دخول الجنة وقول النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ( انما هو الشرك ( ان أراد به الشرك الأكبر فمقصوده ان ~~من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة وهو ~~مهتد إلى ذلك وان كان مراده جنس الشرك فيقال ظلم العبد نفسه كبخله لحب ~~المال ببعض الواجب هو شرك أصغر وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه ms1918 على ~~محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ~~ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار PageV07P082 ### ||| فصل # ومن هذا الباب لفظ ( الصلاح ( و ( الفساد ( فاذا أطلق الصلاح تناول جميع ~~الخير وكذلك الفساد يتناول جميع الشر كما تقدم في اسم الصالح وكذلك اسم ~~المصلح والمفسد قال تعالى في قصة موسى @QB@ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ~~@QE@ @QB@ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون @QE@ # والضمير عائد على المنافقين في قوله @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ وهذا مطلق يتناول من كان على عهد النبى ~~( ( ومن سيكون بعدهم ولهذا قال سلمان الفارسى أنه عنى بهذه الآية قوما لم ~~يكونوا خلقوا حين نزولها وكذا قال السدى عن أشياخه الفساد الكفر والمعاصى ~~وعن مجاهد ترك امتثال الأوامر واجتناب النواهى والقولان معناهما واحد وعن ~~بن عباس الكفر وهذا معنى قول من قال النفاق الذى صافوا به الكفار وأطلعوهم ~~على أسرار المؤمنين وعن أبى العالية ومقاتل العمل بالمعاصى وهذا أيضا عام ~~كالأولين PageV07P083 # وقولهم ( انما نحن مصلحون ( فسر بانكار ما أقروا به أى انا انما نفعل ما ~~أمرنا به الرسول وفسر بأن الذى نفعله صلاح ونقصد به الصلاح وكلا القولين ~~يروى عن بن عباس وكلاهما حق فانهم يقولون هذا وهذا يقولون الأول لمن لم ~~يطلع على بواطنهم ويقولون الثانى لأنفسهم ولمن أطلع على بواطنهم لكن الثانى ~~يتناول الأول فان من جملة أفعالهم أسرار خلاف ما يظهرون وهم يرون هذا صلاحا ~~قال مجاهد أرادوا أن مصافاة الكفار صلاح لافساد وعن السدى إن فعلنا هذا هو ~~الصلاح وتصديق محمد فساد وقيل أرادوا أن هذا صلاح في الدنيا فان الدولة ان ~~كانت للنبى ( صلى الله عليه وسلم ms1919 ( فقد أمنوا بمتابعته وان كانت للكفار فقد ~~أمنوهم بمصافاتهم # ولأجل القولين قيل في قوله @QB@ ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ~~@QE@ أى لا يشعرون ان ما فعلوه فساد لا صلاح وقيل لا يشعرون أن الله يطلع ~~نبيه على فسادهم والقول الأول يتناول الثانى فهو المراد كما يدل عليه لفظ ~~الآية وقال تعالى @QB@ إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ~~@QE@ وقال @QB@ قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين @QE@ وقول يوسف @QB@ توفني مسلما وألحقني بالصالحين @QE@ وقد ~~يقرن أحدهما بما هو أخص منه كقوله @QB@ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ~~ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد @QE@ قيل بالكفر وقيل بالظلم ~~وكلاهما صحيح وقال تعالى @QB@ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا @QE@ PageV07P084 وقد تقدم قوله تعالى @QB@ إن ~~فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين @QE@ وقال تعالى @QB@ من أجل ذلك كتبنا ~~على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل ~~الناس جميعا @QE@ وقتل النفس الأول من جملة الفساد لكن الحق في القتل لولى ~~المقتول وفى الردة والمحاربة والزنا الحق فيها لعموم الناس ولهذا يقال هو ~~حق لله ولهذا لا يعفى عن هذا كما يعفى عن الأول لأن فساده عام قال تعالى ~~@QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ~~أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف @QE@ الآية قيل سبب نزول هذه ~~الآية العرنيون الذين ارتدوا وقتلوا وأخذوا المال وقيل سببه ناس معاهدون ~~نقضوا العهد وحاربوا وقيل المشركون فقد قرن بالمرتدين المحاربين وناقضى ~~العهد المحاربين وبالمشركين المحاربين وجمهور السلف والخلف على أنها تتناول ~~قطاع الطريق من المسلمين والآية تتناول ذلك كله ولهذا كان من تاب قبل ~~القدرة عليه من جميع هؤلاء فانه يسقط عنه حق الله تعالى # وكذلك قرن ( الصلاح والاصلاح بالايمان ( في مواضع كثيرة كقوله تعالى ms1920 @QB@ ~~إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ @QB@ فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون @QE@ ومعلوم أن الايمان أفضل الاصلاح وأفضل العمل الصالح كما جاء ~~في الحديث الصحيح أنه قيل يا رسول الله أى الأعمال أفضل قال ( ايمان بالله ~~( وقال تعالى @QB@ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى @QE@ ~~PageV07P085 # وقال @QB@ إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ~~@QE@ وقال @QB@ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات @QE@ وقال في القذف @QB@ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم @QE@ وقال في السارق @QB@ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن ~~الله يتوب عليه @QE@ وقال @QB@ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا ~~وأصلحا فأعرضوا عنهما @QE@ ولهذا شرط الفقهاء في أحد قوليهم في قبول شهادة ~~القاذف أن يصلح وقدروا ذلك بسنة كما فعل عمر بصبيغ بن عسل لما أجله سنة ~~وبذلك أخذ أحمد في توبة الداعى إلى البدعة أنه يؤجل سنة كما أجل عمر صبيغ ~~بن عسل PageV07P086 ### ||| فصل # فان قيل ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالاطلاق والتقييد في كلام الله ~~ورسوله وكلام كل أحد بين ظاهر لا يمكن دفعه لكن نقول دلالة لفظ الايمان على ~~الأعمال مجاز فقوله ( ( الايمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول ~~لا اله الا الله وادناها اماطة الأذى عن الطريق ( مجاز وقوله ( الايمان أن ~~تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ( إلى آخره حقيقة وهذا عمدة المرجئة ~~والجهمية والكرامية وكل من لم يدخل الأعمال في اسم الايمان # ونحن نجيب بجوابين ( أحدهما ( كلام عام في لفظ ( الحقيقة والمجاز ( ~~والثانى ( ما يختص بهذا الموضع فبتقدير أن يكون أحدهما مجازا ما هو الحقيقة ~~من ذلك من المجاز هل الحقيقة هو المطلق أو المقيد أو كلاهما حقيقة حتى يعرف ~~أن لفظ الايمان اذا أطلق على ماذا يحمل فيقال أولا تقسيم الألفاظ الدالة ~~على معانيها إلى ( حقيقة ومجاز ( وتقسيم دلالتها أو المعانى المدلول عليها ~~ان استعمل لفظ الحقيقة والمجاز في المدلول أو في الدلالة فان هذا كله ms1921 قد ~~يقع في كلام المتأخرين ولكن المشهور PageV07P087 أن الحقيقة والمجاز من ~~عوارض الألفاظ وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون ~~الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم باحسان ولا أحد من ~~الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثورى والأوزاعى وأبى حنيفة والشافعى بل ~~ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبى عمرو بن العلاء ونحوهم # وأول من عرف أنه تكلم بلفظ ( المجاز ( أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه ~~ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة وانما عنى بمجاز الآية ما يعبر به ~~عن الآية ولهذا قال من قال من الأصوليين كأبى الحسين البصرى وأمثاله إنما ~~تعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا هذا ~~حقيقة وهذا مجاز فقد تكلم بلا علم فانه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا ولم يقل ~~ذلك أحد من اهل اللغة ولا من سلف الامة وعلمائها وانما هذا اصطلاح حادث ~~والغالب انه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين فانه لم يوجد هذا في ~~كلام أحد من اهل الفقه والاصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف # وهذا الشافعى هو أول من جرد الكلام في ( أصول الفقه ( لم يقسم هذا ~~التقسيم ولا تكلم بلفظ ( الحقيقة والمجاز ( وكذلك محمد بن الحسن له في ~~المسائل المبنية على العربية كلام معروف في ( الجامع الكبير ( وغيره ولم ~~يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز وكذلك سائر الأئمة لم يوجد PageV07P088 لفظ ~~المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل فانه قال في كتاب الرد ~~على الجهمية في قوله ( انا ونحن ( ونحو ذلك في القرآن هذا من مجاز اللغة ~~يقول الرجل انا سنعطيك انا سنفعل فذكر أن هذا مجاز اللغة # وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال ان في ( القرآن ( مجازا كالقاضى ~~أبى يعلى وبن عقيل وأبى الخطاب وغيرهم وآخرون من أصحابه منعوا أن يكون في ~~القرآن مجاز كأبى الحسن الخرزى وأبى عبد الله بن حامد وأبى الفضل التميمى ~~بن ms1922 أبى الحسن التميمى وكذلك منع أن يكون في القرآن مجاز محمد بن خويز منداد ~~وغيره من المالكية ومنع منه داود بن على وابنه أبو بكر ومنذر بن سعيد ~~البلوطى وصنف فيه مصنفا # وحكى بعض الناس عن أحمد في ذلك روايتين وأما سائر الأئمة فلم يقل أحد ~~منهم ولا من قدماء أصحاب أحمد ان في القرآن مجازا لا مالك ولا الشافعى ولا ~~أبو حنيفة فان تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز انما اشتهر في المائة الرابعة ~~وظهرت أوائله في المائة الثالثة وما علمته موجودا في المائة الثانية اللهم ~~الا أن يكون في اواخرها والذين أنكروا أن يكون أحمد وغيره نطقوا بهذا ~~التقسيم قالوا ان معنى قول أحمد من مجاز اللغة أى مما يجوز في اللغة أن ~~يقول الواحد العظيم الذى له أعوان نحن فعلنا كذا ونفعل كذا ونحو ذلك قالوا ~~ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له # وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولا غيره كأبى ~~PageV07P089 إسحاق الاسفرائينى وقال المنازعون له النزاع معه لفظى فانه اذا ~~سلم أن في اللغة لفظا مستعملا في غير ما وضع له لا يدل على معناه الا ~~بقرينة فهذا هو المجاز وان لم يسمه مجازا فيقول من ينصره ان الذين قسموا ~~اللفظ حقيقة ومجازا قالوا ( الحقيقة ( هو اللفظ المستعمل فيما وضع له ( ~~والمجاز ( هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له كلفظ الأسد والحمار اذا أريد ~~بهما البهيمة أو أريد بهما الشجاع والبليد وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن ~~يكون اللفظ قد وضع أولا لمعنى ثم بعد ذلك قد يستعمل في موضوعه وقد يستعمل ~~في غير موضوعه ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم ان كل مجاز فلابد له من ~~حقيقة وليس لكل حقيقة مجاز فاعترض عليهم بعض متأخريهم وقال اللفظ الموضوع ~~قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز فاذا استعمل في غير موضوعه فهو مجاز لا ~~حقيقة له # وهذا كله انما يصح لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا ms1923 لمعان ثم بعد ذلك ~~استعملت فيها فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال وهذا انما صح على قول من ~~يجعل اللغات اصطلاحية فيدعى أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن ~~يسموا هذا بكذا وهذا بكذا ويجعل هذا عاما في جميع اللغات وهذا القول لا ~~نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبى هاشم بن الجبائى فانه وأبا الحسن ~~الأشعرى كلاهما قرأ على أبى على الجبائى لكن الأشعرى رجع عن مذهب المعتزلة ~~وخالفهم في القدر والوعيد وفى الأسماء والأحكام وفي PageV07P090 صفات الله ~~تعالى وبين من تناقضهم وفساد قولهم ما هو معروف عنه فتنازع الأشعرى وأبو ~~هاشم في مبدأ اللغات فقال أبو هاشم هي اصطلاحية وقال الأشعرى هي توقيفية ثم ~~خاض الناس بعدهما في هذه المسألة فقال آخرون بعضها توقيفى وبعضها اصطلاحى ~~وقال فريق رابع بالوقف # والمقصود هنا أنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم ~~أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم استعملوها ~~بعد الوضع وانما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه ~~بها من المعانى فان ادعى مدع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل فان هذا لم ~~ينقله أحد من الناس ولا يقال نحن نعلم ذلك بالدليل فانه ان لم يكن اصطلاح ~~متقدم لم يمكن الاستعمال # قيل ليس الأمر كذلك بل نحن نجد أن الله يلهم الحيوان من الأصوات ما به ~~يعرف بعضها مراد بعض وقد سمى ذلك منطقا وقولا في قول سليمان @QB@ علمنا ~~منطق الطير @QE@ وفى قوله @QB@ قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ~~@QE@ وفى قوله @QB@ يا جبال أوبي معه والطير @QE@ وكذلك الآدميون فالمولود ~~اذا ظهر منه التمييز سمع أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ ويشير إلى المعنى ~~فصار يفهم أن ذلك اللفظ يستعمل في ذلك المعنى أى أراد المتكلم به ذلك ~~المعنى ثم هذا يسمع لفظا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من ~~غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم بل ولا ms1924 أوقفوه على معانى ~~الأسماء PageV07P091 وان كان أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء فيوقف ~~عليها كما يترجم للرجل اللغة التى لا يعرفها فيوقف على معانى ألفاظها وان ~~باشر أهلها مدة علم ذلك بدون توقيف من أحدهم # نعم قد يضع الناس الاسم لما يحدث مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه كما ~~يولد لأحدهم ولد فيسميه اسما إما منقولا واما مرتجلا وقد يكون المسمى واحدا ~~لم يصطلح مع غيره وقد يستوون فيما يسمونه وكذلك قد يحدث للرجل آلة من صناعة ~~أو يصنف كتابا أو يبنى مدينة ونحو ذلك فيسمى ذلك باسم لأنه ليس من الأجناس ~~المعروفة حتى يكون له اسم في اللغة العامة وقد قال الله تعالى @QB@ الرحمن ~~علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان @QE@ و @QB@ قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء @QE@ وقال @QB@ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ فهو سبحانه ~~يلهم الانسان المنطق كما يلهم غيره # وهو سبحانه اذا كان قد علم آدم الأسماء كلها وعرض المسميات على الملائكة ~~كما أخبر بذلك في كتابه فنحن نعلم أنه لم يعلم آدم جميع اللغات التى يتكلم ~~بها جميع الناس إلى يوم القيامة وان تلك اللغات اتصلت إلى أولاده فلا ~~يتكلمون الا بها فان دعوى هذا كذب ظاهر فان آدم عليه السلام انما ينقل عنه ~~بنوه وقد اغرق الله عام الطوفان جميع ذريته الا من في السفينة وأهل السفينة ~~انقطعت ذريتهم الا أولاد نوح ولم يكونوا يتكلمون بجميع ما تكلمت به الأمم ~~بعدهم فان ( اللغة الواحدة ( كالفارسية والعربية والرومية والتركية فيها من ~~الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه الا الله والعرب أنفسهم PageV07P092 لكل قوم ~~لغات لا يفهمها غيرهم فكيف يتصور أن ينقل هذا جميعه عن أولئك الذين كانوا ~~في السفينة وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل وانما النسل لنوح وجميع الناس من ~~أولاده وهم ثلاثة سام وحام ويافث كما قال الله تعالى @QB@ وجعلنا ذريته هم ~~الباقين @QE@ فلم يجعل باقيا الا ذريته وكما روى ذلك عن النبى ( ( أن ~~أولاده ثلاثة ( رواه أحمد وغيره # ومعلوم أن ms1925 الثلاثة لا يمكن أن ينطقوا بهذا كله ويمتنع نقل ذلك عنهم فان ~~الذين يعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه واذا كان الناقل ثلاثة فهم قد علموا ~~أولادهم واولادهم علموا أولادهم ولو كان كذلك لاتصلت ونحن نجد بنى الأب ~~الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى والأب واحد لا يقال أنه ~~علم أحد ابنيه لغة وابنه الآخر لغة فان الأب قد لا يكون له الا ابنان ~~واللغات في أولاده أضعاف ذلك # والذى أجرى الله عليه عادة بنى آدم أنهم انما يعلمون أولادهم لغتهم التى ~~يخاطبونهم بها أو يخاطبهم بها غيرهم فأما لغات لم يخلق الله من يتكلم بها ~~فلا يعلمونها أولادهم وأيضا فانه يوجد بنو آدم يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط ~~من غيرهم والعلماء من المفسرين وغيرهم لهم في الأسماء التى علمها الله آدم ~~قولان معروفان عن السلف # ( أحدهما ( أنه انما علمه أسماء من يعقل واحتجوا بقوله @QB@ ثم عرضهم على ~~الملائكة @QE@ قالوا وهذا الضمير لا يكون الا لمن يعقل وما لا يعقل يقال ~~PageV07P093 فيها عرضها ولهذا قال أبو العالية علمه أسماء الملائكة لأنه لم ~~يكن حينئذ من يعقل الا الملائكة ولا كان ابليس قد انفصل عن الملائكة ولا ~~كان له ذرية وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم علمه أسماء ذريته وهذا يناسب ~~الحديث الذى رواه الترمذى وصححه عن النبى ( ( أن آدم سأل ربه أن يريه صور ~~الأنبياء من ذريته فرآهم فرأى فيهم من يبص فقال يا رب من هذا قال ابنك داود ~~( فيكون قد أراه صور ذريته أو بعضهم وأسماءهم وهذه أسماء أعلام لا أجناس # ( والثانى ( ان الله علمه أسماء كل شيء وهذا هو قول الأكثرين كابن عباس ~~وأصحابه قال بن عباس علمه حتى الفسوة والفسية والقصعة والقصيعة أراد أسماء ~~الاعراض والأعيان مكبرها ومصغرها والدليل على ذلك ما ثبت في ( الصحيحين ( ~~عن النبى ( ( أنه قال في حديث الشفاعة ( إن الناس يقولون يا آدم أنت أبو ~~البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شيء ( وأيضا ms1926 قوله ( ~~الاسماء كلها ( لفظ عام مؤكد فلا يجوز تخصيصه بالدعوى وقوله @QB@ ثم عرضهم ~~على الملائكة @QE@ لأنه اجتمع من يعقل ومن لا يعقل فغلب من يعقل كما قال ~~@QB@ فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على ~~أربع @QE@ قال عكرمة علمه أسماء الأجناس دون أنواعها كقولك انسان وجن وملك ~~وطائر وقال مقاتل وبن السائب وبن قتيبة علمه أسماء ما خلق في الأرض من ~~الدواب والهوام والطير PageV07P094 ومما يدل على أن هذه اللغات ليست متلقاة ~~عن آدم ان أكثر اللغات ناقصة عن اللغة العربية ليس عندهم أسماء خاصة ~~للأولاد والبيوت والأصوات وغير ذلك مما يضاف إلى الحيوان بل انما يستعملون ~~في ذلك الاضافة فلو كان آدم عليه السلام علمه الجميع لعلمها متناسبة وأيضا ~~فكل أمة ليس لها كتاب ليس في لغتها أيام الأسبوع وانما يوجد في لغتها اسم ~~اليوم والشهر والسنة لأن ذلك عرف بالحس والعقل فوضعت له الأمم الأسماء لأن ~~التعبير يتبع التصور وأما الأسبوع فلم يعرف الا بالسمع لم يعرف أن الله خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الا بأخبار ~~الانبياء الذين شرع لهم أن يجتمعوا في الأسبوع يوما يعبدون الله فيه ~~ويحفظون به الأسبوع الأول الذى بدأ الله فيه خلق هذا العالم ففى لغة العرب ~~والعبرانيين ومن تلقى عنهم أيام الأسبوع بخلاف الترك ونحوهم فانه ليس في ~~لغتهم أيام الأسبوع لأنهم لم يعرفوا ذلك فلم يعبروا عنه # فعلم أن الله ألهم النوع الانسانى أن يعبر عما يريده ويتصوره بلفظه وان ~~أول من علم ذلك أبوهم آدم وهم علموا كما علم وان اختلفت اللغات وقد أوحى ~~الله إلى موسى بالعبرانية والى محمد بالعربية والجميع كلام الله وقد بين ~~الله بذلك ما أراد من خلقه وأمره وان كانت هذه اللغة ليست الأخرى مع أن ~~العبرانية من أقرب اللغات إلى العربية حتى انها أقرب اليها من لغة بعض ~~العجم إلى بعض # فبالجملة نحن ليس غرضنا اقامة الدليل على عدم ذلك بل ms1927 يكفينا أن يقال ~~PageV07P095 هذا غير معلوم وجوده بل الالهام كاف في النطق باللغات من غير ~~مواضعة متقدمة واذا سمى هذا توقيفا فليسم توقيفا وحينئذ فمن ادعى وضعا ~~متقدما على استعمال جميع الأجناس فقد قال ما لا علم له به وانما المعلوم ~~بلا ريب هو الاستعمال ثم هؤلاء يقولون تتميز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء ~~باللفظ فاذا دل اللفظ بمجرده فهو حقيقة واذا لم يدل الا مع القرينة فهو ~~مجاز وهذا أمر متعلق بإستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم # ثم يقال ( ثانيا ( هذا التقسيم لا حقيقة له وليس لمن فرق بينهما حد صحيح ~~يميز به بين هذا وهذا فعلم أن هذا التقسيم باطل وهو تقسيم من لم يتصور ما ~~يقول بل يتكلم بلا علم فهم مبتدعة في الشرع مخالفون للعقل وذلك أنهم قالوا ~~( الحقيقة ( اللفظ المستعمل فيما وضع له و ( المجاز ( هو المستعمل في غير ~~ما وضع له فاحتاجوا إلى اثبات الوضع السابق على الاستعمال وهذا يتعذر ثم ~~يقسمون الحقيقة إلى لغوية وعرفية وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث لغوية وشرعية ~~وعرفية # ( فالحقيقة العرفية ( هي ما صار اللفظ دالا فيها على المعنى بالعرف لا ~~باللغة وذلك المعنى يكون تارة أعم من اللغوى وتارة أخص وتارة يكون مباينا ~~له لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها فالأول مثل لفظ ( الرقبة ( و ( الرأس ( ~~ونحوهما كان يستعمل في العضو المخصوص ثم صار يستعمل في جميع البدن والثانى ~~مثل لفظ ( الدابة ( ونحوها كان يستعمل في كل ما دب ثم صار PageV07P096 ~~يستعمل في عرف بعض الناس في ذوات الأربع وفى عرف بعض الناس في الفرس وفى ~~عرف بعضهم في الحمار والثالث مثل لفظ ( الغائط ( و ( الظعينة ( و ( الراوية ~~( و ( المزادة ( فان الغائط في اللغة هو المكان المنخفض من الأرض فلما ~~كانوا ينتابونه لقضاء حوائجهم سموا ما يخرج من الانسان باسم محله والظعينة ~~اسم الدابة ثم سموا المرأة التى تركبها باسمها ونظائر ذلك و ( المقصود ( أن ~~هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها ولكن تكلم بها ~~بعض الناس ms1928 وأراد بها ذلك المعنى العرفى ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية ~~بهذا الاستعمال ولهذا زاد من زاد منهم في حد الحقيقة في اللغة التى بها ~~التخاطب ثم هم يعلمون ويقولون انه قد يغلب الاستعمال على بعض الألفاظ فيصير ~~المعنى العرفى أشهر فيه ولا يدل عند الاطلاق الا عليه فتصير الحقيقة ~~العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية واللفظ مستعمل في هذا الاستعمال الحادث ~~للعرفى وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع فعلم أن ~~تفسير الحقيقة بهذا لا يصح # وان قالوا نعنى بما وضع له ما استعملت فيه أولا فيقال من أين يعلم أن هذه ~~الألفاظ التى كانت العرب تتخاطب بها عند نزول القرآن وقبله لم تستعمل قبل ~~ذلك في معنى شيء آخر واذا لم يعلموا هذا النفى فلا يعلم أنها حقيقة وهذا ~~خلاف ما اتفقوا عليه وأيضا فيلزم من هذا أن لا يقطع بشيء من الألفاظ أنه ~~حقيقة وهذا لا يقوله عاقل PageV07P097 ثم هؤلاء الذين يقولون هذا نجد أحدهم ~~يأتى إلى ألفاظ لم يعلم أنها استعملت الا مقيدة فينطق بها مجردة عن جميع ~~القيود ثم يدعى أن ذلك هو حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة ولا ~~وضعت مجردة مثل أن يقول حقيقة العين هو العضو المبصر ثم سميت به عين الشمس ~~والعين النابعة وعين الذهب للمشابهة لكن أكثرهم يقولون ان هذا من باب ~~المشترك لا من باب الحقيقة والمجاز فيمثل بغيره مثل لفظ الرأس يقولون هو ~~حقيقة في رأس الانسان ثم قالوا رأس الدرب لاوله ورأس العين لمنبعها ورأس ~~القوم لسيدهم ورأس الأمر لاوله ورأس الشهر ورأس الحول وأمثال ذلك على طريق ~~المجاز وهم لا يجدون قط أن لفظ الرأس استعمل مجردا بل يجدون أنه استعمل ~~بالقيود في رأس الانسان كقوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين @QE@ ونحوه وهذا القيد يمنع أن تدخل فيه تلك المعانى # فاذا قيل رأس العين ورأس الدرب ورأس الناس ورأس الأمر فهذا المقيد غير ~~ذاك المقيد الدال ومجموع اللفظ الدال ms1929 هنا غير مجموع اللفظ الدال هناك لكن ~~اشتركا في بعض اللفظ كاشتراك كل الأسماء المعرفة في لام التعريف ولو قدر أن ~~الناطق باللغة نطق بلفظ رأس الانسان أولا لأن الانسان يتصور رأسه قبل غيره ~~والتعبير أولا هو عما يتصور أولا فالنطق بهذا المضاف أولا لا يمنع أن ينطق ~~به مضافا إلى غيره ثانيا ولا يكون هذا من المجاز كما في سائر المضافات فاذا ~~قيل بن آدم أولا لم يكن قولنا بن PageV07P098 الفرس وبن الحمار مجازا وكذلك ~~اذا قيل بنت الانسان لم يكن قولنا بنت الفرس مجازا وكذلك اذا قيل رأس ~~الانسان أولا لم يكن قولنا رأس الفرس مجازا وكذلك في سائر المضافات اذا قيل ~~يده أو رجله # فاذا قيل هو حقيقة فيما أضيف إلى الحيوان قيل ليس جعل هذا هو الحقيقة ~~بأولى من أن يجعل ما أضيف إلى الانسان رأس ثم قد يضاف إلى ما لا يتصوره ~~أكثر الناس من الحيوانات الصغار التى لم تخطر ببال عامة الناطقين باللغة ~~فاذا قيل أنه حقيقة في هذا فلماذا لا يكون حقيقة في رأس الجبل والطريق ~~والعين وكذلك سائر ما يضاف إلى الانسان من أعضائه وأولاده ومساكنه يضاف ~~مثله إلى غيره ويضاف ذلك إلى الجمادات فيقال رأس الجبل ورأس العين وخطم ~~الجبل أى أنفه وفم الوادى وبطن الوادى وظهر الجبل وبطن الأرض وظهرها ~~ويستعمل مع الألف وهو لفظ الظاهر والباطن في امور كثيرة والمعنى في الجميع ~~أن الظاهر لما ظهر فتبين والباطن لما بطن فخفى وسمى ظهر الانسان ظهرا ~~لظهوره وبطن الانسان بطنا لبطونه فاذا قيل ان هذا حقيقة وذاك مجاز لم يكن ~~هذا أولى من العكس و ( أيضا ( من الأسماء ما تكلم به أهل اللغة مفردا كلفظ ~~( الانسان ( ونحوه ثم قد يستعمل مقيدا بالاضافة كقولهم انسان العين وابرة ~~الذراع ونحو ذلك وبتقدير أن يكون في اللغة حقيقة ومجاز فقد ادعى بعضهم ان ~~هذا من المجاز وهو غلط فان المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له اولا ~~وهنا لم يستعمل اللفظ ms1930 بل ركب مع لفظ آخر فصار وضعا آخر بالاضافة ~~PageV07P099 فلو استعمل مضافا في معنى ثم استعمل بتلك الاضافة في غيره كان ~~مجازا بل اذا كان بعلبك وحضرموت ونحوهما مما يركب تركيب مزج بعد ان كان ~~الأصل فيه الاضافة لا يقال انه مجاز فما لم ينطق به الا مضافا أولى أن لا ~~يكون مجازا # وأما من فرق بين الحقيقة والمجاز بأن الحقيقة ما يفيد المعنى مجردا عن ~~القرائن والمجاز ما لا يفيد ذلك المعنى الا مع قرينه أو قال ( الحقيقة ( ما ~~يفيده اللفظ المطلق و ( المجاز ( ما لا يفيد الا مع التقييد أو قال ( ~~الحقيقة ( هي المعنى الذى يسبق إلى الذهن عند الاطلاق و ( المجاز ( ما لا ~~يسبق إلى الذهن أو قال ( المجاز ( ما صح نفيه و ( الحقيقة ( ما لا يصح ~~نفيها فانه يقال ما تعنى بالتجريد عن القرائن والاقتران بالقرائن # ان عنى بذلك القرائن اللفظية مثل كون الاسم يستعمل مقرونا بالاضافة أو ~~لام التعريف ويقيد بكونه فاعلا ومفعولا ومبتدأ وخبرا فلا يوجد قط في الكلام ~~المؤلف اسم الا مقيدا وكذلك الفعل ان عنى بتقييده أنه لابد له من فاعل وقد ~~يقيد بالمفعول به وظرفى الزمان والمكان والمفعول له ومعه والحال فالفعل لا ~~يستعمل قط الا مقيدا واما الحرف فأبلغ فان الحرف أتى به لمعنى في غيره ففى ~~الجملة لا يوجد قط في كلام تام اسم ولا فعل ولا حرف الا مقيدا بقيود تزيل ~~عنه الاطلاق فان كانت القرينة مما يمنع الاطلاق عن كل PageV07P100 قيد فليس ~~في الكلام الذى يتكلم به جميع الناس لفظ مطلق عن كل قيد سواء كانت الجملة ~~اسمية أو فعلية ولهذا كان لفظ ( الكلام ( و ( الكلمة ( في لغة العرب بل وفى ~~لغة غيرهم لا تستعمل الا في المقيد وهو الجملة التامة اسمية كانت أو فعلية ~~أو ندائية ان قيل انها قسم ثالث # فأما مجرد الاسم أو الفعل أو الحرف الذى جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فهذا ~~لا يسمى في كلام العرب قط كلمة وانما تسمية هذا ms1931 كلمة اصطلاح نحوى كما سموا ~~بعض الألفاظ فعلا وقسموه إلى فعل ماض ومضارع وأمر والعرب لم تسم قط اللفظ ~~فعلا بل النحاة اصطلحوا على هذا فسموا اللفظ باسم مدلوله فاللفظ الدال على ~~حدوث فعل في زمن ماض سموه فعلا ماضيا وكذلك سائرها وكذلك حيث وجد في الكتاب ~~والسنة بل وفى كلام العرب نظمه ونثره لفظ كلمة فانما يراد به المفيد التى ~~تسميها النحاة جملة تامة كقوله تعالى @QB@ وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون ~~إلا كذبا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا @QE@ وقوله تعالى @QB@ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم @QE@ ~~وقوله @QB@ وجعلها كلمة باقية في عقبه @QE@ وقوله @QB@ وألزمهم كلمة التقوى ~~وكانوا أحق بها وأهلها @QE@ وقول النبى ( ( أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة ~~لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل PageV07P101 # وقوله ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى ~~الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقوله ( ان الرجل ليتكلم ~~بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه ~~إلى يوم القيامة وان الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ~~ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة ( وقوله ( لقد قلت بعدك أربع ~~كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان الله ~~زنة عرشه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله مداد كلماته ( # واذا كان كل اسم أو فعل أو حرف يوجد في الكلام فانه مقيد لا مطلق لم يجز ~~أن يقال للفظ الحقيقة ما دل مع الاطلاق والتجرد عن كل قرينة تقارنه # فان قيل أريد بعض القرائن دون بعض قيل له اذكر الفصل بين القرينة التى ~~يكون معها حقيقة والقرينة التى يكون معها مجاز ولن تجد إلى ذلك سبيلا تقدر ~~به على تقسيم صحيح معقول ومما يدل على ذلك أن الناس اختلفوا في ( العام ( ~~اذا ms1932 خص هل يكون استعماله فيما بقى حقيقة أو مجازا وكذلك لفظ ( الأمر ( اذا ~~أريد به الندب هل يكون حقيقة أو مجازا وفى ذلك قولان لأكثر الطوائف لأصحاب ~~أحمد قولان ولأصحاب الشافعى قولان ولأصحاب مالك قولان # ومن الناس من ظن أن هذا الخلاف يطرد في التخصيص المتصل كالصفة ~~PageV07P102 والشرط والغاية والبدل وجعل يحكى في ذلك أقوال من يفصل كما ~~يوجد في كلام طائفة من المصنفين في أصول الفقه وهذا مما لم يعرف أن أحدا ~~قاله فجعل اللفظ العام المقيد في الصفات والغايات والشروط مجازا بل لما ~~أطلق بعض المصنفين أن اللفظ العام اذا خص يصير مجازا ظن هذا الناقل أنه عنى ~~التخصيص المتصل وأولئك لم يكن في اصطلاحهم عام مخصوص الا اذا خص بمنفصل ~~وأما المتصل فلا يسمون اللفظ عاما مخصوصا البتة فانه لم يدل الا متصلا ~~والاتصال منعه العموم وهذا اصطلاح كثير من الأصوليين وهو الصواب لا يقال ~~لما قيد بالشرط والصفة ونحوهما أنه داخل فيما خص من العموم ولا في العام ~~المخصوص لكن يقيد فيقال تخصيص متصل وهذا المقيد لا يدخل في التخصيص المطلق # وبالجملة فيقال اذا كان هذا مجازا فيكون تقييد الفعل المطلق بالمفعول به ~~وبظرف الزمان والمكان مجازا وكذلك بالحال وكذلك كل ما قيد بقيد فيلزم أن ~~يكون الكلام كله مجازا فأين الحقيقة # فان قيل يفرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة فما كان مع القرينة المتصلة ~~فهو حقيقة وما كان مع المنفصلة كان مجازا قيل تعنى بالمتصل ما كان في اللفظ ~~أو ما كان موجودا حين الخطاب فان عنيت الأول لزم أن يكون ما علم من حال ~~المتكلم أو المستمع أولا قرينة منفصلة فما استعمل بلام التعريف لما يعرفانه ~~كما يقول قال النبى ( ( وهو عند المسلمين رسول الله أو قال الصديق وهو ~~عندهم أبو بكر واذا قال الرجل لصاحبه اذهب إلى PageV07P103 الأمير أو ~~القاضي أو الوالى يريد ما يعرفانه فإنه يكون مجازا وكذلك الضمير يعود إلى ~~معلوم غير مذكور كقوله @QB@ إنا أنزلناه @QE@ وقوله @QB@ حتى توارت بالحجاب ~~@QE@ وأمثال ذلك ms1933 أن يكون هذا مجازا وهذا لا يقوله أحد # و ( أيضا ( فاذا قال لشجاع هذا الأسد فعل اليوم كذا ولبليد هذا الحمار ~~قال اليوم كذا أو لعالم أو جواد هذا البحر جرى منه اليوم كذا ان يكون حقيقة ~~لأن قوله هذا قرينة لفظية فلا يبقى قط مجازا # وان قال المتصل أعم من ذلك وهو ما كان موجودا حين الخطاب قيل له فهذا أشد ~~عليك من الأول فان كل متكلم بالمجاز لابد أن يقترن به حال الخطاب ما يبين ~~مراده والا لم يجز التكلم به # فان قيل أنا أجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة قيل أكثر ~~الناس لا يجوزون أن يتكلم بلفظ يدل على معنى وهو لا يريد ذلك المعنى الا ~~اذا بين وانما يجوزون تأخير بيان ما لم يدل اللفظ عليه كالمجملات ثم نقول ~~اذا جوزت تأخير البيان فالبيان قد يحصل بجملة تامة وبأفعال من الرسول وبغير ~~ذلك ولا يكون البيان المتأخر الا مستقلا بنفسه لا يكون مما يجب اقترانه ~~بغيره فان جعلت هذا مجازا لزم أن يكون ما يحتاج في العمل إلى بيان مجازا ~~كقوله @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها @QE@ # ثم يقال هب ان هذا جائز عقلا لكن ليس واقعا في الشريعة أصلا وجميع ما ~~يذكر من ذلك باطل كما قد بسط في موضعه فان الذين قالوا PageV07P104 الظاهر ~~الذى لم يرد به ما يدل عليه ظاهره قد يؤخر بيانه احتجوا بقوله @QB@ إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ وادعوا أنها كانت معينة واخر بيان التعيين وهذا ~~خلاف ما استفاض عن السلف من الصحابة والتابعين لهم باحسان من أنهم أمروا ~~ببقرة مطلقة فلو أخذوا بقرة من البقر فذبحوها أجزأ عنهم ولكن شددوا فشدد ~~الله عليهم والآية نكرة في سياق الاثبات فهي مطلقة والقرآن يدل سياقه على ~~أن الله ذمهم على السؤال بما هي ولو كان المأمور به معينا لما كانوا ملومين ~~ثم ان مثل هذا لم يقع قط في أمر الله ورسوله أن يأمر عباده بشيء معين ms1934 ~~ويبهمه عليهم مرة بعد مرة ولا يذكره بصفات تختص به ابتداء # واحتجوا بأن الله أخر بيان لفظ الصلاة والزكاة والحج وان هذه الالفاظ لها ~~معان في اللغة بخلاف الشرع وهذا غلط فان الله انما أمرهم بالصلاة بعد أن ~~عرفوا المأمور به وكذلك الصيام وكذلك الحج ولم يؤخر الله قط بيان شيء من ~~هذه المأمورات ولبسط هذه المسألة موضع آخر # وأما قول من يقول ان الحقيقة ما يسبق إلى الذهن عند الاطلاق فمن أفسد ~~الأقوال فانه يقال اذا كان اللفظ لم ينطق به الا مقيدا فانه يسبق إلى الذهن ~~في كل موضع منه ما دل عليه ذلك الموضع واما اذا اطلق فهو لا يستعمل في ~~الكلام مطلقا قط فلم يبق له حال اطلاق محض حتى يقال ان الذهن يسبق إليه أم ~~لا # و ( أيضا ( فأى ذهن فان العربى الذى يفهم كلام العرب يسبق إلى ~~PageV07P105 ذهنه من اللفظ ما لا يسبق إلى ذهن النبطى الذى صار يستعمل ~~الألفاظ في غير معانيها ومن هنا غلط كثير من الناس فانهم قد تعودوا ما ~~اعتادوه اما من خطاب عامتهم واما من خطاب علمائهم باستعمال اللفظ في معنى ~~فاذا سمعوه في القرآن والحديث ظنوا أنه مستعمل في ذلك المعنى فيحملون كلام ~~الله ورسوله على لغتهم النبطية وعادتهم الحادثة وهذا مما دخل به الغلط على ~~طوائف بل الواجب أن تعرف اللغة والعادة والعرف الذى نزل في القرآن والسنة ~~وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ فبتلك اللغة ~~والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله لا بما حدث بعد ذلك # وأيضا فقد بينا في غير هذا الموضع أن الله ورسوله لم يدع شيئا من القرآن ~~والحديث الا بين معناه للمخاطبين ولم يحوجهم إلى شيء آخر كما قد بسطنا ~~القول فيه في غير هذا الموضع فقد تبين أن ما يدعيه هؤلاء من اللفظ المطلق ~~من جميع القيود لا يوجد الا مقدرا في الأذهان لا موجودا في الكلام المستعمل ~~كما أن ما يدعيه المنطقيون من المعنى المطلق من جميع ms1935 القيود لا يوجد الا ~~مقدرا في الذهن لا يوجد في الخارج شيء موجود خارج عن كل قيد ولهذا كان ما ~~يدعونه من تقسيم العلم إلى تصور وتصديق وان التصور هو تصور المعنى الساذج ~~الخالى عن كل قيد لا يوجد وكذلك ما يدعونه من البسائط التى تتركب منها ~~الأنواع وأنها أمور مطلقة عن كل قيد لا توجد وما يدعونه من أن واجب الوجود ~~هو وجود مطلق عن كل أمر ثبوتى لا يوجد PageV07P106 فهذه الصفات المطلقات عن ~~جميع القيود ينبغى معرفتها لمن ينظر في هذه العلوم فانه بسبب ظن وجودها ضل ~~طوائف في العقليات والسمعيات بل اذا قال العلماء مطلق ومقيد انما يعنون به ~~مطلقا عن ذلك القيد ومقيدا بذلك القيد كما يقولون الرقبة مطلقة في آية ~~كفارة اليمين ومقيدة في آية القتل أى مطلقة عن قيد الايمان والا فقد قيل ~~@QB@ فتحرير رقبة @QE@ فقيدت بأنها رقبة واحدة وأنها موجودة وأنها تقبل ~~التحرير والذين يقولون بالمطلق المحض يقولون هو الذى لا يتصف بوحدة ولا ~~كثرة ولا وجود ولا عدم ولا غير ذلك بل هو الحقيقة من حيث هي هى كما يذكره ~~الرازى تلقيا له عن بن سينا وأمثاله من المتفلسفة وقد بسطنا الكلام في هذا ~~الاطلاق والتقيد والكليات والجزئيات في مواضع غير هذا وبينا من غلط هؤلاء ~~في ذلك ما ليس هذا موضعه # وانما المقصود هنا ( الاطلاق اللفظى ( وهو أن يتكلم باللفظ مطلقا عن كل ~~قيد وهذا لا وجود له وحينئذ فلا يتكلم أحد الا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ~~ببعض فتكون تلك قيودا ممتنعة الاطلاق فتبين أنه ليس لمن فرق بين الحقيقة ~~والمجاز فرق معقول يمكن به التمييز بين نوعين فعلم أن هذا التقسيم باطل ~~وحينئذ فكل لفظ موجود في كتاب الله ورسوله فانه مقيد بما يبين معناه فليس ~~في شيء من ذلك مجاز بل كله حقيقة # ولهذا لما ادعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازا وذكروا ما يشهد ~~PageV07P107 لهم رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه فمن اشهر ما ذكروه قوله ms1936 ~~تعالى @QB@ جدارا يريد أن ينقض @QE@ قالوا والجدار ليس بحيوان والارادة ~~انما تكون للحيوان فاستعمالها في ميل الجدار مجاز فقيل لهم لفظ الارادة قد ~~استعمل في الميل الذى يكون معه شعور وهو ميل الحى وفى الميل الذى لا شعور ~~فيه وهو ميل الجماد وهو من مشهور اللغة يقال هذا السقف يريد أن يقع وهذه ~~الأرض تريد أن تحرث وهذا الزرع يريد أن يسقى وهذا الثمر يريد أن يقطف وهذا ~~الثوب يريد أن يغسل وأمثال ذلك # واللفظ اذا استعمل في معنيين فصاعدا فاما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازا ~~في الآخر أو حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركا اشتراكا لفظيا أو ~~حقيقة في القدر المشترك بينهما وهى الأسماء المتواطئة وهى الأسماء العامة ~~كلها وعلى الأول يلزم المجاز وعلى الثانى يلزم الاشتراك وكلاهما خلاف الأصل ~~فوجب أن يجعل من المتواطئة وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها والا فلو ~~قال قائل هو في ميل الجماد حقيقة وفى ميل الحيوان مجاز لم يكن بين الدعويين ~~فرق الا كثرة الاستعمال في ميل الحيوان لكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد ~~به ميل الحيوان وهنا استعمل مقيدا بما يبين أنه أريد به ميل الجماد # والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلى عام لا يوجد كليا ~~عاما الا في الذهن وهو مورد التقسيم بين الأنواع لكن ذلك المعنى العام ~~PageV07P108 الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه لأنهم انما ~~يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج والى ما يوجد في القلوب في العادة وما لا ~~يكون في الخارج الا مضافا إلى غيره لا يوجد في الذهن مجردا بخلاف لفظ ~~الانسان والفرس فانه لما كان يوجد في الخارج غير مضاف تعودت الأذهان تصور ~~مسمى الانسان ومسمى الفرس بخلاف تصور مسمى الارادة ومسمى العلم ومسمى ~~القدرة ومسمى الوجود المطلق العام فان هذا لا يوجد له في اللغة لفظ مطلق ~~يدل عليه بل لا يوجد لفظ الارادة الا مقيدا بالمريد ولا لفظ العلم الا ~~مقيدا بالعالم ولا لفظ ms1937 القدرة الا مقيدا بالقادر بل وهكذا سائر الأعراض لما ~~لم توجد الا في محالها مقيدة بها لم يكن لها في اللغة لفظ الا كذلك # فلا يوجد في اللغة لفظ السواد والبياض والطول والقصر الا مقيدا بالأسود ~~والأبيض والطويل والقصير ونحو ذلك لا مجردا عن كل قيد وانما يوجد مجردا في ~~كلام المصنفين في اللغة لأنهم فهموا من كلام أهل اللغة ما يريدون به من ~~القدر المشترك ومنه قوله تعالى @QB@ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف @QE@ ~~فان من الناس من يقول الذوق حقيقة في الذوق بالفم واللباس بما يلبس على ~~البدن وانما استعير هذا وهذا وليس كذلك بل قال الخليل الذوق في لغة العرب ~~هو وجود طعم الشيء والاستعمال يدل على ذلك قال تعالى @QB@ ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر @QE@ وقال @QB@ ذق إنك أنت العزيز الكريم ~~@QE@ وقال @QB@ فذاقت وبال أمرها @QE@ وقال @QB@ فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون @QE@ PageV07P109 @QB@ فذوقوا عذابي ونذر @QE@ @QB@ لا يذوقون فيها ~~الموت إلا الموتة الأولى @QE@ @QB@ لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا ~~حميما وغساقا @QE@ وقال النبى ( ( ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا ~~وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا ( وفى بعض الادعية ( أذقنا برد عفوك وحلاوة ~~مغفرتك ( فلفظ ( الذوق ( يستعمل في كل ما يحس به ويجد ألمه أو لذته فدعوى ~~المدعى اختصاص لفظ الذوق بما يكون بالفم تحكم منه لكن ذاك مقيد فيقال ذقت ~~الطعام وذقت هذا الشراب فيكون معه من القيود ما يدل على أنه ذوق بالفم واذا ~~كان الذوق مستعملا فيما يحسه الانسان بباطنه أو بظاهره حتى الماء الحميم ~~يقال ذاقه فالشراب اذا كان باردا أو حارا يقال ذقت حره وبرده # وأما لفظ ( اللباس ( فهو مستعمل في كل ما يغشى الانسان ويلتبس به قال ~~تعالى @QB@ وجعلنا الليل لباسا @QE@ وقال @QB@ ولباس التقوى ذلك خير @QE@ ~~وقال @QB@ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن @QE@ ومنه يقال لبس الحق بالباطل اذا ~~خلطه به حتى غشيه فلم يتميز فالجوع الذى يشمل ألمه جميع الجائع نفسه وبدنه ~~وكذلك الخوف الذى يلبس البدن فلو قيل فأذاقها الله الجوع ms1938 والخوف لم يدل ذلك ~~على أنه شامل لجميع أجزاء الجائع بخلاف ما اذا قيل لباس الجوع والخوف ولو ~~قال فألبسهم لم يكن فيه ما يدل على أنهم ذاقوا ما يؤلمهم الا بالعقل من حيث ~~أنه يعرف أن الجائع الخائف يألم بخلاف لفظ ذوق الجوع والخوف فان هذا اللفظ ~~يدل على الاحساس بالمؤلم واذا أضيف إلى الملتذ دل PageV07P110 على الاحساس ~~به كقوله ( صلى الله عليه وسلم ( ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا ~~وبالاسلام دينا وبمحمد ( ( نبيا ( فان قيل فلم لم يصف نعيم الجنة بالذوق ~~قيل لأن الذوق يدل على جنس الاحساس ويقال ذاق الطعام لمن وجد طعمه وان لم ~~يأكله وأهل الجنة نعيمهم كامل تام لا يقتصر فيه على الذوق بل استعمل لفظ ~~الذوق في النفى كما قال عن أهل النار ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ( أى ~~لا يحصل لهم من ذلك ولا ذوق وقال عن أهل الجنة @QB@ لا يذوقون فيها الموت ~~إلا الموتة الأولى @QE@ # وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ ( المكر ( و ( الاستهزاء ( و ( ~~السخرية ( المضاف إلى الله وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز ~~وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء اذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما ~~له وأما اذا فعلت بمن فعلها بالمجنى عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلا كما ~~قال تعالى @QB@ كذلك كدنا ليوسف @QE@ فكاد له كما كادت اخوته لما قال له ~~أبوه @QB@ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ~~وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ~~منهم سخر الله منهم @QE@ ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم كما ~~PageV07P111 روى عن بن عباس أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار ~~فيسرعون إليه فيغلق ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون إليه فيغلق فيضحك منهم ~~المؤمنون قال تعالى ms1939 @QB@ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ~~ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون @QE@ # وعن الحسن البصرى اذا كان يوم القيامة خمدت النار لهم كما تخمد الاهالة ~~من القدر فيمشون فيخسف بهم وعن مقاتل اذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له ~~باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فيبقون في الظلمة فيقال لهم ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وقال بعضهم استهزاؤه استدراجه لهم وقيل ايقاع ~~استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم وقيل انه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما ~~أبطن في الآخرة وقيل هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه وهذا كله حق وهو ~~استهزاء بهم حقيقة # ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن @QB@ واسأل القرية @QE@ ~~قالوا المراد به أهلها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فقيل لهم لفظ ~~القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التى فيها الحال ~~والمحال كلاهما داخل في الاسم ثم قد يعود الحكم على الحال وهو السكان وتارة ~~على المحل وهو المكان وكذلك في النهر يقال حفرت النهر وهو المحل وجرى النهر ~~وهو الماء ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء وكذلك القرية ~~قال تعالى @QB@ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة @QE@ وقوله @QB@ وكم ~~من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم ~~بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين @QE@ PageV07P112 # وقال في آية أخرى @QB@ ~~أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون @QE@ فجعل القرى هم ~~السكان وقال @QB@ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ~~فلا ناصر لهم @QE@ وهم السكان وكذلك قوله تعالى @QB@ وتلك القرى أهلكناهم ~~لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا @QE@ وقال تعالى @QB@ أو كالذي مر على قرية ~~وهي خاوية على عروشها @QE@ فهذا المكان لا السكان لكن لابد أن يلحظ أنه كان ~~مسكونا فلا يسمى قرية الا اذا كان قد عمر للسكنى مأخوذ من القرى وهو الجمع ~~ومنه قولهم قريت الماء في الحوض اذا جمعته فيه # ونظير ذلك لفظ ( الانسان ( يتناول الجسد والروح ثم الاحكام تتناول ms1940 هذا ~~تارة وهذا تارة لتلازمهما فكذلك القرية اذا عذب أهلها خربت واذا خربت كان ~~عذابا لأهلها فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر كما ينال البدن والروح ما ~~يصيب أحدهما فقوله @QB@ واسأل القرية @QE@ مثل قوله @QB@ قرية كانت آمنة ~~مطمئنة @QE@ فاللفظ هنا يراد به السكان من غير اضمار ولا حذف فهذا بتقدير ~~أن يكون في اللغة مجاز فلا مجاز في القرآن بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز ~~تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف والخلف فيه على قولين وليس النزاع فيه ~~لفظيا بل يقال نفس هذا التقسيم باطل لا يتميز هذا عن هذا ولهذا كان كل ما ~~يذكرونه من الفروق تبين أنها فروق باطلة وكلما ذكر بعضهم فرقا أبطله الثانى ~~كما يدعى المنطقيون أن الصفات القائمة بالموصوفات PageV07P113 تنقسم ~~اللازمة لها إلى داخل في ماهيتها الثابتة في الخارج والى خارج عنها لازم ~~للماهية ولازم خارج للوجود وذكروا ثلاثة فروق كلها باطلة لأن هذا التقسيم ~~باطل لا حقيقة له بل ما يجعلونه داخلا يمكن جعله خارجا وبالعكس كما قد بسط ~~في موضعه # وقولهم اللفظ ان دل بلا قرينة فهو حقيقة وان لم يدل الا معها فهو مجاز قد ~~تبين بطلانه وأنه ليس في الالفاظ الدالة ما يدل مجردا عن جميع القرائن ولا ~~فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن وأشهر أمثلة المجاز لفظ ( الأسد ( و ( ~~الحمار ( و ( البحر ( ونحو ذلك مما يقولون أنه استعير للشجاع والبليد ~~والجواد وهذه لا تستعمل الا مؤلفة مركبة مقيدة بقيود لفظية كما تستعمل ~~الحقيقة كقول أبى بكر الصديق عن أبى قتادة لما طلب غيره سلب القتيل لاها ~~الله اذا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقوله ~~يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله وصف له بالقوة للجهاد في ~~سبيله وقد عينه تعيينا أزال اللبس وكذلك قول النبى ( ( ان خالدا سيف من ~~سيوف الله سله الله على المشركين ( وأمثال ذلك # وان قال القائل القرائن اللفظية موضوعة ودلالتها على المعنى حقيقة لكن ms1941 ~~القرائن الحالية مجاز قيل اللفظ لا يستعمل قط الا مقيدا بقيود لفظية موضوعة ~~والحال حال المتكلم والمستمع لابد من اعتباره في جميع الكلام PageV07P114 ~~فانه اذا عرف المتكلم فهم من معنى كلامه ما لا يفهم اذا لم يعرف لأنه بذلك ~~يعرف عادته في خطابه واللفظ انما يدل اذا عرف لغة المتكلم التى بها يتكلم ~~وهى عادته وعرفه التى يعتادها في خطابه ودلالة اللفظ على المعنى دلالة ~~قصدية ارادية اختيارية فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى فاذا اعتاد أن ~~يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغته ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ ~~الرسول ومراده بها عرف عادته في خطابه وتبين له من مراده ما لا يتبين لغيره # ولهذا ينبغى أن يقصد اذا ذكر لفظ من القرآن والحديث ان يذكر نظائر ذلك ~~اللفظ ماذا عنى بها الله ورسوله فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ~~ورسوله التى يخاطب بها عباده وهى العادة المعروفة من كلامه ثم اذا كان لذلك ~~نظائر في كلام غيره وكانت النظائر كثيرة عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة ~~عامة لا يختص بها هو ( ( بل هي لغة قومه ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات ~~حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه كما يفعله كثير ~~من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه ولهذا كان استعمال القياس في ~~اللغة وان جاز في الاستعمال فانه لا يجوز في الاستدلال فانه قد يجوز ~~للإنسان أن يستعمل هو اللفظ في نظير المعنى الذى استعملوه فيه مع بيان ذلك ~~على ما فيه من النزاع لكن لا يجوز أن يعمد إلى ألفاظ قد عرف استعمالها في ~~معان فيحملها على غير تلك المعانى ويقول انهم أرادوا تلك بالقياس على تلك ~~بل هذا تبديل وتحريف PageV07P115 # فاذا قال ( الجار أحق بسقبه ( فالجار هو الجار ليس هو الشريك فان هذا لا ~~يعرف في لغتهم لكن ليس في اللفظ ما يقتضى انه يستحق الشفعة لكن يدل على ان ~~البيع له اولى # واما ( الخمر ( فقد ms1942 ثبت بالنصوص الكثيرة والنقول الصحيحة انها كانت اسما ~~لكل مسكر لم يسم النبيذ خمرا بالقياس وكذلك ( النباش ( كانوا يسمونه سارقا ~~كما قالت عائشة سارق موتانا كسارق احيانا واللائط عندهم كان أغلظ من الزانى ~~بالمرأة # ولابد في تفسير القران والحديث من ان يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله ~~من الالفاظ وكيف يفهم كلامة فمعرفة العربية التى خوطبنا بها مما يعين على ~~ان نفقة مراد الله ورسوله بكلامه وكذلك معرفة دلالة الالفاظ على المعانى ~~فان عامة ضلال اهل البدع كان بهذا السبب فانهم صاروا يحملون كلام الله ~~ورسوله على ما يدعون انه دال عليه ولا يكون الامر كذلك ويجعلون هذة الدلالة ~~حقيقة وهذه مجازا كما أخطأ المرجئة في اسم ( الايمان ( جعلوا لفظ ( الايمان ~~( حقيقة في مجرد التصديق وتناولة للاعمال مجازا # فيقال ان لم يصح التقسيم إلى حقيقة ومجاز فلا حاجة إلى هذا وان صح فهذا ~~لا ينفعكم بل هو عليكم لا لكم لان الحقيقة هي اللفظ الذى يدل باطلاقه بلا ~~قرينة والمجاز انما يدل بقرينة وقد تبين ان لفظ الايمان حيث اطلق في الكتاب ~~والسنة دخلت فية الاعمال وانما يدعى خروجها منه PageV07P116 عند التقييد ~~وهذا يدل على أن الحقيقة قوله ( الايمان بضع وسبعون شعبة ( # وأما حديث جبريل فان كان أراد بالايمان ما ذكر مع الاسلام فهو كذلك وهذا ~~هو المعنى الذى أراد النبى ( ( قطعا كما أنه لما ذكر الاحسان أراد الاحسان ~~مع الايمان والاسلام لم يرد أن الاحسان مجرد عن ايمان واسلام # ولو قدر أنه أريد بلفظ ( الايمان ( مجرد التصديق فلم يقع ذلك الا مع ~~قرينة فيلزم أن يكون مجازا وهذا معلوم بالضرورة لا يمكننا المنازعة فيه بعد ~~تدبر القرآن والحديث بخلاف كون لفظ ( الايمان ( في اللغة مرادفا للتصديق ~~ودعوى أن الشارع لم يغيره ولم ينقله بل أراد به ما كان يريده اهل اللغة بلا ~~تخصيص ولا تقييد فان هاتين المقدمتين لا يمكن الجزم بواحدة منهما فلا يعارض ~~اليقين كيف وقد عرف فساد كل واحدة من المقدمتين وانها من أفسد الكلام ms1943 # و ( أيضا ( فليس لفظ الايمان في دلالته على الأعمال المأمور بها بدون لفظ ~~الصلاة والصيام والزكاة والحج في دلالته على الصلاة الشرعية والصيام الشرعى ~~والحج الشرعى سواء قيل ان الشارع نقله أو أراد الحكم دون الاسم أو أراد ~~الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف أو خاطب بالاسم مقيدا لا مطلقا # فان قيل الصلاة والحج ونحوهما لو ترك بعضها بطلت بخلاف الايمان ~~PageV07P117 # فانه لا يبطل عند الصحابة وأهل السنة والجماعة بمجرد الذنب قيل أن اريد ~~بالبطلان أنه لا تبرأ الذمة منها كلها فكذلك الايمان الواجب اذا ترك منه ~~شيئا لم تبرأ الذمه منه كله وان أريد به وجوب الاعادة فهذا ليس على الاطلاق ~~فان في الحج واجبات اذا تركها لم يعد بل تجبر بدم وكذلك في الصلاة عند أكثر ~~العلماء اذا تركها سهوا أو مطلقا وجبت الاعادة فانما تجب اذا أمكنت الاعادة ~~والا فما تعذرت اعادته يبقى مطالبا به كالجمعة ونحوها # وان أريد بذلك أنه لا يثاب على ما فعله فليس كذلك بل قد بين النبى ( ( في ~~حديث المسيء في صلاته أنه اذا لم يتمها يثاب على ما فعل ولا يكون بمنزلة من ~~لم يصل وفى عدة أحاديث أن الفرائض تكمل يوم القيامة من النوافل فاذا كانت ~~الفرائض مجبورة بثواب النوافل دل على أنه يعتدله بما فعل منها فكذلك ~~الايمان اذا ترك منه شيئا كان عليه فعله ان كان محرما تاب منه وان كان ~~واجبا فعله فاذا لم يفعله لم تبرأ ذمته منه وأثيب على ما فعله كسائر ~~العبادات وقد دلت النصوص على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من ~~الايمان # وقد عدلت ( المرجئة ( في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة وهذه ~~طريقة أهل البدع ولهذا كان الامام أحمد يقول أكثر ما يخطئ الناس من جهة ~~التأويل والقياس PageV07P118 # ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن ~~برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة ms1944 ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث ~~النبى ( ( والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فلا يعتمدون لا على السنة ولا ~~على اجماع السلف وآثارهم وانما يعتمدون على العقل واللغة وتجدهم لا يعتمدون ~~على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف وانما يعتمدون على كتب الأدب ~~وكتب الكلام التى وضعتها رؤوسهم وهذه طريقة الملاحدة أيضا انما يأخذون ما ~~في كتب الفلسفة وكتب الأدب واللغة وأما كتب القرآن والحديث والآثار فلا ~~يلتفتون اليها هؤلاء يعرضون عن نصوص الانبياء اذ هي عندهم لا تفيد العلم ~~وأولئك يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبى ( ( وأصحابه وقد ~~ذكرنا كلام أحمد وغيره في انكار هذا وجعله طريقة أهل البدع # واذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل والقاضى أبو بكر ~~الباقلانى نصر قول جهم في ( مسألة الايمان ( متابعة لأبى الحسن الأشعرى ~~وكذلك أكثر أصحابه فأما أبو العباس القلانسى وأبو على الثقفى وأبو عبد الله ~~بن مجاهد شيخ القاضي أبى بكر وصاحب أبى الحسن فانهم نصروا مذهب السلف وبن ~~كلاب نفسه والحسين بن الفضل البجلى ونحوهما كانوا يقولون هو التصديق والقول ~~جميعا موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبى سليمان ومن اتبعه ~~مثل أبى حنيفة وغيره PageV07P119 ### ||| فصل # ( وأبو الحسن الأشعرى نصر قول جهم في ( الايمان ( مع أنه نصر المشهور عن ~~أهل السنة من أنه يستثنى في الايمان فيقول أنا مؤمن ان شاء الله لأنه نصر ~~مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة ولا يخلدون في النار ~~وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك وهو دائما ينصر في المسائل التى فيها النزاع ~~بين أهل الحديث وغيرهم قول أهل الحديث لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم فينصره ~~على ما يراه هو من الأصول التى تلقاها عن غيرهم فيقع في ذلك من التناقض ما ~~ينكره هؤلاء وهؤلاء كما فعل في مسألة الايمان ونصر فيها قول جهم من نصره ~~للاستثناء ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء كما سنذكر مأخذه في ذلك ~~واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ms1945 ذلك ومن لم يقف الا على كتب الكلام ~~ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب فيظن أن ما ذكروه هو قول ~~أهل السنة وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع ~~وغيرهما من قال بقول جهم في الايمان الذى نصره أبو الحسن وهو عندهم شر من ~~قول المرجئة ولهذا صار من يعظم الشافعى من الزيدية والمعتزلة ونحوهم يطعن ~~في كثير ممن ينتسب إليه PageV07P120 يقولون الشافعى لم يكن فيلسوفا ولا ~~مرجئا وهؤلاء فلاسفة أشعرية مرجئة وغرضهم ذم الارجاء ونحن نذكر عمدتهم ~~لكونه مشهورا عند كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة # قال القاضي أبو بكر في ( التمهيد ( فان قالوا فخبرونا ما الايمان عندكم ~~قيل الايمان هو التصديق بالله وهو العلم والصديق يوجد بالقلب فان قال فما ~~الدليل على ما قلتم قيل اجماع أهل اللغة قاطبة على أن الايمان قبل نزول ~~القرآن وبعثة النبى ( ( هو التصديق لا يعرفون في اللغة ايمانا غير ذلك ويدل ~~على ذلك قوله تعالى @QB@ وما أنت بمؤمن لنا @QE@ أى بمصدق لنا ومنه قولهم ~~فلان يؤمن بالشفاعة وفلان لا يؤمن بعذاب القبر أى لا يصدق بذلك فوجب أن ~~الايمان في الشريعة هو الايمان المعروف في اللغة لأن الله ما غير اللسان ~~العربى ولا قلبه ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله وتوفرت دواعى الأمة على ~~نقله ولغلب اظهاره على كتمانه وفى علمنا بأنه لم يفعل ذلك بل اقرار أسماء ~~الاشياء والتخاطب بأسره على ما كان دليل على أن الايمان في الشريعة هو ~~الايمان اللغوى ومما يبين ذلك قوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه @QE@ وقوله @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ فأخبر أنه أنزل ~~القرآن بلغة العرب وسمى الأسماء بمسمياتهم ولا وجه للعدول بهذه الآيات عن ~~ظواهرها بغير حجة لا سيما مع القول بالعموم وحصول التوقيف على أن القرآن ~~نزل بلغتهم فدل على ما قلناه من أن الايمان ما وصفناه دون ما سواه من سائر ~~الطاعات من النوافل والمفروضات هذا لفظه ms1946 PageV07P121 # وهذا عمدة من نصر قول الجهمية في ( مسألة الايمان ( وللجمهور من أهل ~~السنة وغيرهم عن هذا أجوبة # ( أحدهما ( قول من ينازعه في أن الايمان في اللغة مرادف للتصديق ويقول هو ~~بمعنى الاقرار وغيره # و ( الثانى ( قول من يقول وان كان في اللغة هو التصديق فالتصديق يكون ~~بالقلب واللسان وسائر الجوارح كما قال النبى ( ( والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ~~( # و ( الثالث ( أن يقال ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص مقيد بقيود ~~اتصل اللفظ بها وليس هذا نقلا للفظ ولا تغييرا له فان الله لم يأمرنا ~~بايمان مطلق بل بايمان خاص وصفه وبينه # و ( الرابع ( أن يقال وان كان هو التصديق فالتصديق التام القائم بالقلب ~~مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح فان هذه لوازم الايمان التام ~~وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم ونقول ان هذه اللوازم تدخل في مسمى ~~اللفظ تارة وتخرج عنه أخرى # ( الخامس ( قول من يقول أن اللفظ باق على معناه في اللغة ولكن الشارع زاد ~~فيه أحكاما ( # السادس ( قول من يقول ان الشارع استعمله في معناه المجازى فهو حقيقة ~~شرعية مجاز لغوى PageV07P122 # ( PageV07P123 التصديق لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن ~~النبى ( ( واذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده فظن ~~هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى # ( الخامس ( أنه لو قدر أنهم قالوا هذا فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر و ~~( التواتر ( من شرطه استواء الطرفين والواسطة وأين التواتر الموجود عن ~~العرب قاطبة قبل نزول القرآن أنهم كانوا لا يعرفون للايمان معنى غير ~~التصديق # فان قيل هذا يقدح في العلم باللغة قبل نزول القرآن قيل فليكن ونحن لا ~~حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل ~~نزول القرآن والقرآن نزل بلغة قريش والذين خوطبوا به كانوا عربا وقد فهموا ~~ما أريد به وهم الصحابة ثم الصحابة بلغوا لفظ القرآن ومعناه إلى التابعين ~~حتى انتهى الينا فلم يبق بنا حاجة إلى أن ms1947 تتواتر عندنا تلك اللغة من غير ~~طريق تواتر القرآن لكن لما تواتر القرآن لفظا ومعنى وعرفنا أنه نزل بلغتهم ~~عرفنا أنه كان في لغتهم لفظ السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر ~~ونحو ذلك على ما هو معناها في القرآن والا فلو كلفنا نقلا متواترا لآحاد ~~هذه الألفاظ من غير القرآن لتعذر علينا ذلك في جميع الألفاظ لا سيما اذا ~~كان المطلوب أن جميع العرب كانت تريد باللفظ هذا المعنى فان هذا يتعذر ~~العلم به والعلم بمعانى القرآن ليس موقوفا على شيء من ذلك بل الصحابة بلغوا ~~معانى PageV07P124 القرآن كما بلغوا لفظه ولو قدرنا أن قوما سمعوا كلاما ~~أعجميا وترجموه لنا بلغتهم لم نحتج إلى معرفة اللغة التى خوطبوا بها أولا # ( السادس ( أنه لم يذكر شاهدا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم وانما ~~استدل من غير القرآن بقول الناس فلان يؤمن بالشفاعة وفلان يؤمن بالجنة ~~والنار وفلان يؤمن بعذاب القبر وفلان لا يؤمن بذلك ومعلوم أن هذا ليس من ~~ألفاظ العرب قبل نزول القرآن بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة لما ~~صار من الناس أهل البدع يكذبون بالشفاعة وعذاب القبر ومرادهم بذلك هو ~~مرادهم بقوله فلان يؤمن بالجنة والنار وفلان لا يؤمن بذلك والقائل لذلك وان ~~كان تصديق القلب داخلا في مراده فليس مراده ذلك وحده بل مراده التصديق ~~بالقلب واللسان فان مجرد تصديق القلب بدون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه # ( السابع ( أن يقال من قال ذلك فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون ~~خوف ولا رجاء بل يصدق بعذاب القبر ويخافه ويصدق بالشفاعة ويرجوها والا فلو ~~صدق بأنه يعذب في قبره ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلا لم يسموه مؤمنا به ~~كما أنهم لا يسمون مؤمنا بالجنة والنار الا من رجا الجنة وخاف النار دون ~~المعرض عن ذلك بالكلية مع علمه بأنه حق كما لا يسمون ابليس مؤمنا بالله وان ~~كان مصدقا بوجوده وربوبيته ولا يسمون فرعون مؤمنا وان كان عالما بأن ms1948 الله ~~بعث موسى وأنه هو الذى أنزل PageV07P125 الآيات وقد استيقنت بها أنفسهم مع ~~جحدهم لها بألسنتهم ولا يسمون اليهود مؤمنين بالقرآن والرسول وان كانوا ~~يعرفون أنه حق كما يعرفون أبناءهم فلا يوجد قط في كلام العرب أن من علم ~~وجود شيء مما يخاف ويرجى ويجب حبه وتعظيمه وهو مع ذلك لا يحبه ولا يعظمه ~~ولا يخافه ولا يرجوه بل يجحد به ويكذب به بلسانه أنهم يقولون هو مؤمن بل ~~ولو عرفه بقلبه وكذب به بلسانه لم يقولوا هو مصدق به ولو صدق به مع العمل ~~بخلاف مقتضاه لم يقولوا هو مؤمن به فلا يوجد في كلام العرب شاهد واحد يدل ~~على ما ادعوه # وقوله @QB@ وما أنت بمؤمن لنا @QE@ قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع ~~فان هذا استدلال بالقرآن وليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن ~~فان صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر كما بسطناه في ~~موضعه # ( الوجه الثامن ( قوله لا يعرفون في اللغة ايمانا غير ذلك من أين له هذا ~~النفى الذى لا تمكن الاحاطة به بل هو قول بلا علم ( # التاسع ( قول من يقول أصل الايمان مأخوذ من الأمن كما ستأتى أقوالهم ان ~~شاء الله وقد نقلوا في اللغة الايمان بغير هذا المعنى كما قاله الشيخ أبو ~~البيان في قول PageV07P126 # ( الوجه العاشر ( أنه لو فرض أن الايمان في اللغة التصديق فمعلوم أن ~~الايمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول ( ( ~~وحينئذ فيكون الايمان في كلام الشارع أخص من الايمان في اللغة ومعلوم أن ~~الخاص ينضم إليه قيود لا توجد في جميع العام كالحيوان اذا أخذ بعض أنواعه ~~وهو الانسان كان فيه المعنى العام ومعنى اختص به وذلك المجموع ليس هو ~~المعنى العام فالتصديق الذى هو الايمان أدنى أحواله أن يكون نوعا من ~~التصديق العام فلا يكون مطابقا له في العموم والخصوص من غير تغيير اللسان ~~ولا قلبه بل يكون الايمان في كلام الشارع مؤلفا ms1949 من العام والخاص كالانسان ~~الموصوف بأنه حيوان وأنه ناطق ( الوجه الحادى عشر ( أن القرآن ليس فيه ذكر ~~ايمان مطلق غير مفسر بل لفظ الايمان فيه اما مقيد واما مطلق مفسر ( فالمقيد ~~( كقوله @QB@ يؤمنون بالغيب @QE@ وقوله ( فما آمن لموسى الا ذرية من قومه ( ~~و ( المطلق المفسر ( كقوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم @QE@ الآية وقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ~~@QE@ ونحو ذلك وقوله @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وأمثال هذه الآيات ~~وكل ايمان مطلق في القرآن فقد يبين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنا الا بالعمل ~~مع التصديق فقد بين في PageV07P127 القرآن أن الايمان لابد فيه من عمل مع ~~التصديق كما ذكر مثل ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج # فان قيل تلك الأسماء باقية ولكن ضم إلى المسمى أعمالا في الحكم لا في ~~الاسم كما يقوله القاضي أبو يعلى وغيره قيل ان كان هذا صحيحا قيل مثله في ~~الايمان وقد أورد هذا السؤال لبعضهم ثم لم يجب عنه بجواب صحيح بل زعم أن ~~القرآن لم يذكر فيه ذلك وليس كذلك بل القرآن والسنة مملوءان بما يدل على أن ~~الرجل لا يثبت له حكم الايمان الا بالعمل مع التصديق وهذا في القرآن أكثر ~~بكثير من معنى الصلاة والزكاة فان تلك انما فسرتها السنة ( والايمان ( بين ~~معناه الكتاب والسنة واجماع السلف # ( الثانى عشر ( أنه اذا قيل أن الشارع خاطب الناس بلغة العرب فانما ~~خاطبهم بلغتهم المعروفة وقد جرى عرفهم أن الاسم يكون مطلقا وعاما ثم يدخل ~~فيه قيد أخص من معناه كما يقولون ذهب إلى القاضي والوالى والأمير يريدون ~~شخصا معينا يعرفونه دلت عليه اللام مع معرفتهم به وهذا الاسم في اللغة اسم ~~جنس لا يدل على خصوص شخص وأمثال ذلك فكذلك الايمان والصلاة والزكاة انما ~~خاطبهم بهذه الأسماء بلام التعريف وقد ms1950 عرفهم قبل ذلك أن المراد الايمان ~~الذى صفته كذا وكذا والدعاء الذى صفته كذا وكذا فبتقدير أن يكون في لغتهم ~~التصديق فانه قد يبين أنى لا أكتفى بتصديق القلب واللسان فضلا عن تصديق ~~القلب وحده بل لابد أن يعمل بموجب ذلك التصديق كما في قوله تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا @QE@ PageV07P128 @QB@ ~~إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ وفى قوله ( ( لا تؤمنون ~~حتى تكونوا كذا ( وفى قوله تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله @QE@ وفى قوله @QB@ ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء @QE@ ومثل هذا كثير في ~~الكتاب والسنة كقوله عليه السلام ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( ~~وقوله ( لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ( وأمثال ذلك # فقد بين لهم أن التصديق الذى لا يكون الرجل مؤمنا الا به هو أن يكون ~~تصديقا على هذا الوجه وهذا بين في القرآن والسنة من غير تغيير للغة ولا نقل ~~لها # ( الثالث عشر ( أن يقال بل نقل وغير قوله لو فعل لتواتر قيل نعم وقد ~~تواتر أنه اراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج معانيها المعروفة وأراد ~~بالايمان ما بينه بكتابه وسنة رسوله من أن العبد لا يكون مؤمنا الا به ~~كقوله @QB@ إنما المؤمنون @QE@ وهذا متواتر في ( القرآن والسنن ( ومتواتر ~~أيضا أنه لم يكن يحكم لأحد بحكم الايمان الا أن يؤدى الفرائض ومتواتر عنه ~~أنه أخبر أنه من مات مؤمنا دخل الجنة ولم يعذب وان الفساق لا يستحقون ذلك ~~بل هم معرضون للعذاب فقد تواتر عنه من معانى اسم الايمان وأحكامه ما لم ~~يتواتر عنه في غيره فأى تواتر أبلغ من هذا وقد توفرت الدواعى على نقل ذلك ~~واظهاره ولله الحمد ولا يقدر أحد أن ينقل عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~نقلا يناقض هذا لكن أخبر أنه يخرج منها من كان معه شيء من الايمان ولم يقل ~~PageV07P129 أن المؤمن يدخلها ولا قال ان الفساق مؤمنون لكن أدخلهم ms1951 في مسمى ~~الايمان في مواضع كما أدخل المنافقين في اسم الايمان في مواضع مع القيود ~~واما الاسم المطلق الذى وعد أهله بالجنة فلم يدخل فيه لا هؤلاء ولا هؤلاء # ( الوجه الرابع عشر ( قوله ولا وجه للعدول بالآيات التى تدل على أنه عربى ~~عن ظاهرها فيقال له الآيات التى فسرت المؤمن وسلبت الايمان عمن لم يعمل ~~أصرح وأبين وأكثر من هذه الآيات ثم اذا دلت على أنه عربى فما ذكر لا يخرجه ~~عن كونه عربيا ولهذا لما خاطبهم بلفظ الصلاة والحج وغير ذلك لم يقولوا هذا ~~ليس بعربى بل خاطبهم باسم المنافقين وقد ذكر أهل اللغة أن هذا الاسم لم يكن ~~يعرف في الجاهلية ولم يقولوا أنه ليس بعربى لأن المنافق مشتق من نفق اذا ~~خرج فاذا كان اللفظ مشتقا من لغتهم وقد تصرف فيه المتكلم به كما جرت عادتهم ~~في لغتهم لم يخرج ذلك عن كونه عربيا # ( الوجه الخامس عشر ( أنه لو فرض أن هذه الألفاظ ليست عربية فليس تخصيص ~~عموم هذه الألفاظ بأعظم من اخراج لفظ الايمان عما دل عليه الكتاب والسنة ~~واجماع السلف فان النصوص التى تنفى الايمان عمن لا يحب الله ورسوله ولا ~~يخاف الله ولا يتقيه ولا يعمل شيئا من الواجب ولا يترك شيئا من المحرم ~~كثيرة صريحة فاذا قدر أنها عارضها آية كان تخصيص اللفظ القليل العام أولى ~~من رد النصوص الكثيرة الصريحة PageV07P130 # ( السادس عشر ( ان هؤلاء واقفة في ألفاظ العموم لا يقولون بعمومها والسلف ~~يقولون الرسول وقفنا على معانى الايمان وبينه لنا وعلمنا مراده منه ~~بالاضطرار وعلمنا من مراده علما ضروريا ان من قيل أنه صدق ولم يتكلم بلسانه ~~بالايمان مع قدرته على ذلك ولا صلى ولا صام ولا أحب الله ورسوله ولا خاف ~~الله بل كان مبغضا للرسول معاديا له يقاتله ان هذا ليس بمؤمن كما قد علمنا ~~ان الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعلمون أنه رسول الله ~~وفعلوا ذلك معه كانوا عنده كفارا لا مؤمنين فهذا معلوم عندنا بالاضطرار ~~أكثر ms1952 من علمنا بأن القرآن كله ليس فيه لفظ غير عربى فلو قدر التعارض لكان ~~تقديم ذلك العلم الضرورى أولى # فان قالوا من علم أن الرسول كفره علم انتفاء التصديق من قلبه # قيل لهم هذه مكابرة ان أرادوا أنهم كانوا شاكين مرتابين وأما ان عنى ~~التصديق الذى لم يحصل معه عمل فهو ناقص كالمعدوم فهذا صحيح ثم انما يثبت ~~اذا ثبت ان الايمان مجرد تصديق القلب وعلمه وذاك انما يثبت بعد تسليم هذه ~~المقدمات التى منها هذا فلا تثبت الدعوى بالدعوى مع كفر صاحبها ثم يقال قد ~~علمنا بالاضطرار أن اليهود وغيرهم كانوا يعرفون أن محمدا رسول الله وكان ~~يحكم بكفرهم فقد علمنا من دينه ضرورة أنه يكفر الشخص مع ثبوت التصديق ~~بنبوته في القلب اذا لم يعمل بهذا التصديق بحيث يحبه ويعظمه ويسلم لما جاء ~~به PageV07P131 # ومما يعارضون به أن يقال هذا الذى ذكرتموه ان كان صحيحا فهو أدل على قول ~~المرجئة بل على قول الكرامية منه على قولكم وذلك ان الايمان اذا كان هو ~~التصديق كما ذكرتم فالتصديق نوع من أنواع الكلام فاستعمال لفظ الكلام ~~والقول ونحو ذلك في المعنى واللفظ بل في اللفظ الدال على المعنى أكثر في ~~اللغة من استعماله في المعنى المجرد عن اللفظ بل لا يوجد قط اطلاق اسم ~~الكلام ولا أنواعه كالخبر أو التصديق والتكذيب والأمر والنهى على مجرد ~~المعنى من غير شيء يقترن به من عبارة ولا اشارة ولا غيرهما وانما يستعمل ~~مقيدا # واذا كان الله انما أنزل القرآن بلغة العرب فهي لا تعرف التصديق والتكذيب ~~وغيرهما من الأقوال الا ما كان معنى ولفظا أو لفظا يدل على معنى ولهذا لم ~~يجعل الله أحدا مصدقا للرسل بمجرد العلم والتصديق الذى في قلوبهم حتى ~~يصدقوهم بألسنتهم ولا يوجد في كلام العرب أن يقال فلان صدق فلانا أو كذبه ~~اذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب ولم يتكلم بذلك كما لا يقال أمره أو ~~نهاه اذا قام بقلبه طلب مجرد عما يقترن به من ms1953 لفظ أو اشارة أو نحوهما ولما ~~قال النبى ( ( ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ( وقال ( ان ~~الله يحدث من أمره ما شاء وان مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة ( اتفق ~~العلماء على أنه اذا تكلم في الصلاة عامدا لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا ~~كلهم على ان ما يقوم بالقلب من تصديق PageV07P132 بأمور دنيوية وطلب لا ~~يبطل الصلاة وانما يبطلها التكلم بذلك فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس ~~بكلام # وأيضا ففى ( الصحيحين ( عن النبى ( ( أنه قال ( ان الله تجاوز لأمتى عما ~~حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به ( فقد أخبر أن الله عفا عن حديث ~~النفس الا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام وأخبر أنه لا يؤاخذ به ~~حتى يتكلم به والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء فعلم أن هذا هو ~~الكلام في اللغة لأن الشارع كما قرر انما خاطبنا بلغة العرب # وأيضا ففى ( السنن ( ان معاذا قال له يا رسول الله وانا لمؤاخذون بما ~~نتكلم به فقال ( وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم الا ~~حصائد السنتهم ( فبين أن الكلام انما هو ما يكون باللسان وفى ( الصحيح ( عن ~~النبى ( ( أنه قال ( أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # ( وفى الصحيحين ( عنه أنه قال ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في ~~الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقد قال ~~الله تعالى @QB@ وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا @QE@ وفى ( الصحيح ( ~~عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( افضل الكلام بعد القرآن أربع ~~كلمات وهن في PageV07P133 القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله ~~والله أكبر ( رواه مسلم وقال تعالى @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه @QE@ ومثل هذا كثير # وفى الجملة حيث ذكر الله في كتابه عن أحد من ms1954 الخلق من الأنبياء أو ~~اتباعهم أو مكذبيهم أنهم قالوا ويقولون وذلك قولهم وأمثال ذلك فانما يعنى ~~به المعنى مع اللفظ فهذا اللفظ وما تصرف منه من فعل ماض ومضارع وأمر ومصدر ~~واسم فاعل من لفظ القول والكلام ونحوهما انما يعرف في القرآن والسنة وسائر ~~كلام العرب اذا كان لفظا ومعنى وكذلك أنواعه كالتصديق والتكذيب والأمر ~~والنهى وغير ذلك وهذا مما لا يمكن أحدا جحده فانه أكثر من أن يحصى # ولم يكن في مسمى ( الكلام ( نزاع بين الصحابة والتابعين لهم باحسان ~~وتابعيهم لا من أهل السنة ولا من أهل البدعة بل أول من عرف في الاسلام أنه ~~جعل مسمى الكلام المعنى فقط هو عبد الله بن سعيد بن كلاب وهو متأخر في زمن ~~محنة أحمد بن حنبل وقد أنكر ذلك عليه علماء السنة وعلماء البدعة فيمتنع أن ~~يكون الكلام الذى هو أظهر صفات بنى آدم كما قال تعالى @QB@ فورب السماء ~~والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون @QE@ ولفظه لا تحصى وجوهه كثرة لم يعرفه ~~أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاء من قال فيه قولا لم يسبقه إليه ~~أحد من المسلمين ولا غيرهم # فان قالوا فقد قال الله تعالى @QB@ ويقولون في أنفسهم @QE@ وقال @QB@ ~~واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة @QE@ ونحو ذلك PageV07P134 # قيل ان كان المراد أنهم قالوه بألسنتهم سرا فلا حجة فيه وهذا هو الذى ~~ذكره المفسرون قالوا كانوا يقولون سام عليك فاذا خرجوا يقولون في أنفسهم أى ~~يقول بعضهم لبعض لو كان نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول وان قدر أنه أريد ~~بذلك أنهم قالوه في قلوبهم فهذا قول مقيد بالنفس مثل قوله ( عما حدثت به ~~أنفسها ( ولهذا قالوا @QB@ لولا يعذبنا الله بما نقول @QE@ فأطلقوا لفظ ~~القول هنا والمراد به ما قالوه بألسنتهم لأنه النجوى والتحية ( التى نهوا ~~عنها ( كما قال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما ~~نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤوك حيوك بما لم ~~يحيك به الله ويقولون في أنفسهم ms1955 لولا يعذبنا الله بما نقول @QE@ مع أن ~~الأول هو الذى عليه أكثر المفسرين وعليه تدل نظائره فان النبى ( ( قال ( ~~يقول الله من ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى ومن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ ~~خير منه ( ليس المراد أنه لا يتكلم به بلسانه بل المراد أنه ذكر الله ~~بلسانه # وكذلك قوله @QB@ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول @QE@ ~~هو الذكر باللسان والذى يقيد بالنفس لفظ الحديث يقال حديث النفس ولم يوجد ~~عنهم أنهم قالوا كلام النفس وقول النفس كما قالوا حديث النفس ولهذا يعبر ~~بلفظ الحديث عن الأحلام التى ترى في المنام كقول يعقوب عليه السلام @QB@ ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث @QE@ وقول يوسف @QB@ ويعلمك من تأويل الأحاديث ~~@QE@ وتلك في النفس لا تكون باللسان فلفظ الحديث قد PageV07P135 يقيد بما ~~في النفس بخلاف لفظ الكلام فانه لم يعرف أنه أريد به ما في النفس فقط وأما ~~قوله تعالى @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور @QE@ ~~فالمراد به القول الذى تارة يسر به فلا يسمعه الانسان وتارة يجهر به ~~فيسمعونه كما يقال أسر القراءة وجهر بها وصلاة السر وصلاة الجهر ولهذا لم ~~يقل قولوه بألسنتكم أو بقلوبكم وما في النفس لا يتصور الجهر به وانما يجهر ~~بما في اللسان وقوله @QB@ إنه عليم بذات الصدور @QE@ من باب التنبيه يقول ~~انه يعلم ما في الصدور فكيف لا يعلم القول كما قال في الآية الأخرى @QB@ ~~وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى @QE@ فنبه بذلك على أنه يعلم الجهر ~~ويدل على ذلك أنه قال @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ~~@QE@ فلو أراد بالقول ما في النفس لكونه ذكر علمه بذات الصدور لم يكن قد ~~ذكر علمه بالنوع الآخر وهو الجهر # وان قيل نبه قيل بل نبه على القسمين قوله تعالى @QB@ آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر @QE@ قد ذكر هذا في قوله @QB@ ثلاث ليال سويا ~~@QE@ وهناك لم يستثن شيئا والقصة واحدة وهذا يدل على أن الاستثناء منقطع ms1956 ~~والمعنى آيتك ألا تكلم الناس لكن ترمز لهم رمزا كنظائره في القرآن وقوله ~~@QB@ فأوحى إليهم @QE@ هو الرمز ولو قدر أن الرمز استثناء متصل لكان قد دخل ~~في الكلام المقيد بالاستثناء كما في قوله @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ ~~PageV07P136 # ولا يلزم من ذلك أن يدخل في لفظ الكلام المطلق فليس في لغة القوم أصلا ما ~~يدل على أن ما في النفس يتناوله لفظ الكلام والقول المطلق فضلا عن التصديق ~~والتكذيب فعلم أن من لم يصدق بلسانه مع القدرة لا يسمى في لغة القوم مؤمنا ~~كما اتفق على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم باحسان # وقول عمر رضى الله عنه زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها حجة عليهم قال ~~أبو عبيد التزوير اصلاح الكلام وتهيئته قال وقال أبو زيد المزور من الكلام ~~والمزوق واحد وهو المصلح الحسن وقال غيره زورت في نفسى مقالة أى هيأتها ~~لأقولها فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أن يقوله ولم يقله فعلم ~~أنه لا يكون قولا الا اذا قيل باللسان وقبل ذلك لم يكن قولا لكن كان مقدرا ~~في النفس يراد أن يقال كما يقدر الانسان في نفسه أنه يحج وأنه يصلى وأنه ~~يسافر إلى غير ذلك فيكون لما يريده من القول والعمل صورة ذهنية مقدرة في ~~النفس ولكن لا يسمى قولا وعملا الا اذا وجد في الخارج كما أنه لا يكون حاجا ~~ومصليا الا اذا وجدت هذه الافعال في الخارج ولهذا كان ما يهم به المرء من ~~الأقوال المحرمة والأفعال المحرمة لا تكتب عليه حتى يقوله ويفعله وما هم به ~~من القول الحسن والعمل الحسن انما يكتب له به حسنة واحدة فاذا صار قولا ~~وفعلا كتب له به عشر PageV07P137 حسنات إلى سبعمائة وعوقب عليه اذا قال أو ~~فعل كما قال النبى ( ( ان الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم ~~به أو تعمل ( وأما البيت ms1957 الذى يحكى عن الأخطل أنه قال # ان الكلام لفى ~~الفؤاد وانما %~% جعل اللسان على الفؤاد دليلا # فمن الناس من أنكر أن يكون هذا من شعره وقالوا انهم فتشوا دواوينه فلم ~~يجدوه وهذا يروى عن محمد بن الخشاب وقال بعضهم لفظه ان البيان لفى الفؤاد # ولو احتج محتج في مسألة بحديث اخرجاه في ( الصحيحين ( عن النبى ( ( ~~لقالوا هذا خبر واحد ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول ~~وهذا البيت لم يثبت نقله عن قائله باسناد صحيح لا واحد ولا أكثر من واحد ~~ولا تلقاه أهل العربية بالقبول فكيف يثبت به أدنى شيء من اللغة فضلا عن ~~مسمى الكلام ثم يقال مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى ~~قول شاعر فان هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه ~~في لغتهم كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل # وأيضا فالناطقون باللغة يحتج باستعمالهم للألفاظ في معانيها لا بما ~~يذكرونه PageV07P138 من الحدود فان أهل اللغة الناطقين لا يقول أحد منهم ان ~~الرأس كذا واليد كذا والكلام كذا واللون كذا بل ينطقون بهذه الألفاظ دالة ~~على معانيها فتعرف لغتهم من استعمالهم # فعلم أن الأخطل لم يرد بهذا أن يذكر مسمى ( الكلام ( ولا أحد من الشعراء ~~يقصد ذلك البتة وانما أراد ان كان قال ذلك ما فسره به المفسرون للشعر أى ~~أصل الكلام من الفؤاد وهو المعنى فاذا قال الانسان بلسانه ما ليس في قلبه ~~فلا تثق به وهذا كالأقوال التى ذكرها الله عن المنافقين ذكر أنهم يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ولهذا قال # لا يعجبنك من أثير لفظه %~% حتى يكون مع الكلام أصيلا # إن الكلام لفى الفؤاد وانما %~% جعل اللسان على الفؤاد دليلا # نهاه أن يعجب بقوله الظاهر حتى يعلم ما في قلبه من الأصل ولهذا قال ~~حتى يكون مع الكلام أصيلا وقوله مع الكلام دليل على أن اللفظ الظاهر قد ~~سماه كلاما وان لم يعلم قيام معناه بقلب صاحبه وهذا حجة عليهم فقد اشتمل ~~شعره على ms1958 هذا وهذا بل قوله ( مع الكلام ( مطلق وقوله ان الكلام لفى الفؤاد ~~أراد به أصله ومعناه المقصود به واللسان دليل على ذلك و ( بالجملة ( فمن ~~احتاج إلى أن يعرف مسمى ( الكلام ( في لغة العرب والفرس والروم والترك ~~وسائر أجناس بنى آدم بقول شاعر فانه من أبعد الناس عن معرفة طرق العلم ثم ~~هو من المولدين وليس من الشعراء القدماء وهو نصرانى PageV07P139 كافر مثلث ~~واسمه الأخطل والخطل فساد في الكلام وهو نصرانى والنصارى قد أخطؤوا في مسمى ~~الكلام فجعلوا المسيح القائم بنفسه هو نفس كلمة الله # فتبين أنه ان كان ( الايمان ( في اللغة هو التصديق والقرآن انما أراد به ~~مجرد التصديق الذى هو قول ولم يسم العمل تصديقا فليس الصواب الا قول ~~المرجئة انه اللفظ والمعنى أو قول الكرامية انه قول باللسان فقط فان تسمية ~~قول اللسان قولا أشهر في اللغة من تسمية معنى في القلب قولا كقوله تعالى ~~@QB@ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم @QE@ وقوله @QB@ ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ وأمثال ذلك بخلاف ما في ~~النفس فانه انما يسمى حديثا والكرامية يقولون المنافق مؤمن وهو مخلد في ~~النار لأنه آمن ظاهرا لا باطنا وانما يدخل الجنة من آمن ظاهرا وباطنا # قالوا والدليل على شمول الايمان له أنه يدخل في الأحكام الدينية المعلقة ~~باسم الايمان كقوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ ويخاطب في الظاهر ~~بالجمعة والطهارة وغير ذلك مما خوطب به الذين آمنوا # واما من صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه فانه لا يعلق به شيء من أحكام ~~الايمان لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يدخل في خطاب الله لعباده بقوله ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ فعلم أن قول الكرامية في الايمان وان كان ~~باطلا مبتدعا لم يسبقهم إليه أحد فقول الجهمية أبطل منه وأولئك أقرب إلى ~~الاستدلال باللغة والقرآن والعقل من الجهمية PageV07P140 # و ( الكرامية ( توافق المرجئة والجهمية في أن ايمان الناس كلهم سواء ولا ~~يستثنون في الايمان بل يقولون هو مؤمن حقا لمن أظهر الايمان واذا ms1959 كان ~~منافقا فهو مخلد في النار عندهم فانه انما يدخل الجنة من آمن باطنا وظاهرا ~~ومن حكى عنهم أنهم يقولون المنافق يدخل الجنة فقد كذب عليهم بل يقولون ~~المنافق مؤمن لا ان الايمان هو القول الظاهر كما يسميه غيرهم مسلما اذ ~~الاسلام هو الاستسلام الظاهر ولا ريب أن قول الجهمية أفسد من قولهم من وجوه ~~متعددة شرعا ولغة وعقلا # واذا قيل قول الكرامية قول خارج عن اجماع المسلمين قيل وقول جهم في ~~الايمان قول خارج عن اجماع المسلمين قبله بل السلف كفروا من يقول بقول جهم ~~في الايمان وقد احتج الناس على فساد قول الكرامية بحجج صحيحة والحجج من ~~جنسها على فساد قول الجهمية أكثر مثل قوله تعالى @QB@ ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ قالوا فقد نفى الله الايمان ~~عن المنافقين # فنقول هذا حق فان المنافق ليس بمؤمن وقد ضل من سماه مؤمنا وكذلك من قام ~~بقلبه علم وتصديق وهو يجحد الرسول ويعاديه كاليهود وغيرهم سماهم الله كفارا ~~لم يسمهم مؤمنين قط ولا دخلوا في شيء من أحكام الايمان بخلاف المنافق فانه ~~يدخل في أحكام الايمان الظاهرة في الدنيا بل قد نفى الله الايمان عمن قال ~~بلسانه وقلبه اذا لم يعمل كما قال تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ PageV07P141 إلى قوله @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون @QE@ فنفى الايمان عمن سوى هؤلاء # وقال تعالى @QB@ ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم ~~من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين @QE@ و ( التولى ( هو التولى عن الطاعة كما ~~قال تعالى @QB@ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن ~~تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا ~~أليما @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى @QE@ وقد قال ~~تعالى @QB@ لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى @QE@ وكذلك قال موسى ~~وهارون @QB@ إنا قد أوحي إلينا ms1960 أن العذاب على من كذب وتولى @QE@ فعلم أن ( ~~التولى ( ليس هو التكذيب بل هو التولى عن الطاعة فان الناس عليهم أن يصدقوا ~~الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر وضد التصديق التكذيب وضد الطاعة التولى ~~فلهذا قال @QB@ فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى @QE@ وقد قال تعالى @QB@ ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين @QE@ فنفى الايمان عمن تولى عن العمل وان كان قد أتى ~~بالقول وقال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا ~~معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه @QE@ وقال @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ # ففى القرآن والسنة من نفى الايمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة كما نفى ~~فيها الايمان عن المنافق وأما العالم بقلبه مع المعاداة والمخالفة الظاهرة ~~PageV07P142 فهذا لم يسم قط مؤمنا وعند الجهمية اذا كان العلم في قلبه فهو ~~مؤمن كامل الايمان ايمانه كايمان النبيين ولو قال وعمل ماذا عسى أن يقول ~~ويعمل ولا يتصور عندهم أن ينتفى عنه الايمان الا اذ زال ذلك العلم من قلبه # ثم أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم يقولون بالاستثناء في الايمان ~~ويقولون ( الايمان في الشرع ( هو ما يوافى به العبد ربه وان كان في اللغة ~~أعم من ذلك فجعلوا في ( مسألة الاستثناء ( مسمى الايمان ما ادعوا أنه مسماه ~~في الشرع وعدلوا عن اللغة فهلا فعلوا هذا في الأعمال ودلالة الشرع على أن ~~الأعمال الواجبة من تمام الايمان لا تحصى كثرة بخلاف دلالته على أنه لا ~~يسمى ايمانا الا ما مات الرجل عليه فانه ليس في الشرع ما يدل على هذا وهو ~~قول محدث لم يقله أحد من السلف لكن هؤلاء ظنوا أن الذين استثنوا في الايمان ~~من السلف كان هذا مأخذهم لأن هؤلاء وأمثالهم لم يكونوا خبيرين بكلام السلف ~~بل ينصرون ما يظهر من أقوالهم بما تلقوه عن المتكلمين من الجهمية ونحوهم من ~~أهل البدع فيبقى الظاهر قول السلف والباطن قول الجهمية الذين هم أفسد ms1961 الناس ~~مقالة في الايمان وسنذكر ان شاء الله أقوال السلف في ( الاستثناء في ~~الايمان ( ولهذا لما صار يظهر لبعض اتباع أبى الحسن فساد قول جهم في ~~الايمان خالفه كثير منهم فمنهم من اتبع السلف # قال أبو القاسم الأنصارى شيخ الشهرستانى في ( شرح الارشاد ( لأبى المعالى ~~بعد ان ذكر قول أصحابه قال وذهب أهل الأثر إلى أن الايمان جميع الطاعات ~~PageV07P143 فرضها ونفلها وعبروا عنه بأنه اتيان ما أمر الله به فرضا ونفلا ~~والانتهاء عما نهى عنه تحريما وأدبا قال وبهذا كان يقول أبو على الثقفى من ~~متقدمى أصحابنا وأبو العباس القلانسى # وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد الله بن مجاهد قال وهذا قول مالك بن أنس ~~امام دار الهجرة ومعظم أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين # وكانوا يقولون الايمان معرفة بالقلب واقرار باللسان وعمل بالأركان ومنهم ~~من يقول بقول المرجئة انه التصديق بالقلب واللسان # ومنهم من قال اذا ترك التصديق باللسان عنادا كان كافرا بالشرع وان كان في ~~قلبه التصديق والعلم وكذلك قال أبو إسحاق الاسفرائينى # قال الأنصارى رأيت في تصانيفه أن المؤمن انما يكون مؤمنا حقا اذا حقق ~~ايمانه بالأعمال الصالحة كما أن العالم انما يكون عالما حقا اذا عمل بما ~~علم واستشهد بقول الله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك هم ~~المؤمنون حقا @QE@ وقال أيضا أبو إسحاق حقيقة الايمان في اللغة التصديق ولا ~~يتحقق ذلك الا بالمعرفة والائتمار وتقوم الاشارة والانقياد مقام العبارة ~~وقال أيضا أبو إسحاق في كتاب ( الأسماء والصفات ( اتفقوا على أن ما يستحق ~~به المكلف اسم الايمان في الشريعة أوصاف كثيرة وعقائد مختلفة وان ~~PageV07P144 اختلفوا فيها على تفصيل ذكروه واختلفوا في اضافة ما لا يدخل في ~~جملة التصديق إليه لصحة الاسم فمنها ترك قتل الرسول وترك ايذائه وترك تعظيم ~~الأصنام فهذا من التروك ومن الأفعال نصرة الرسول والذب عنه وقالوا ان جميعه ~~يضاف إلى التصديق شرعا وقال آخرون انه من الكبائر لا يخرج ms1962 المرء بالمخالفة ~~فيه عن الايمان # قلت وهذان القولان ليسا قول جهم لكن من قال ذلك فقد اعترف بأنه ليس مجرد ~~تصديق القلب وليس هو شيئا واحدا وقال ان الشرع تصرف فيه وهذا يهدم اصلهم ~~ولهذا كان حذاق هؤلاء كجهم والصالحى وأبى الحسن والقاضى أبى بكر على أنه لا ~~يزول عنه اسم الايمان الا بزوال العلم من قلبه قال أبو المعالى ( باب في ~~ذكر الأسماء والأحكام ( أعلم أن غرضنا في هذا الباب يستدعى تقديم ذكر حقيقة ~~الايمان قال وهذا مما تباينت فيه مذاهب الاسلاميين ثم ذكر قول الخوارج ~~والمعتزلة والكرامية ثم قال واما مذاهب أصحابنا فصار أهل التحقيق من أصحاب ~~الحديث والنظار منهم إلى أن الايمان هو التصديق وبه قال شيخنا أبو الحسن ~~رحمة الله عليه واختلف رأيه في معنى التصديق وقال مرة المعرفة بوجوده وقدمه ~~والهيته وقال مرة التصديق قول في النفس غير أنه يتضمن المعرفة ولا يصح أن ~~يوجد دونها وهذا مقتضاه فان التصديق والتكذيب والصدق والكذب بالأقوال أجدر ~~PageV07P145 فالتصديق اذا قول في النفس يعبر عنه باللسان فتوصف العبادة ~~بأنها تصديق لأنها عبارة عن التصديق وقال بعض أصحابنا التصديق لا يتحقق الا ~~بالقول والمعرفة جميعا فاذا اجتمعا كانا تصديقا واحدا # ومنهم من اكتفى بترك العناد فلم يجعل الاقرار أحد ركنى الايمان فيقول ~~الايمان هو التصديق بالقلب واوجب ترك العناد بالشرع وعلى هذا الأصل يجوز أن ~~يعرف الكافر الله وانما يكفر بالعناد لا لأنه ترك ما هو الأهم في الايمان # وعلى هذا الأصل يقال ان اليهود كانوا عالمين بالله ونبوة محمد ( ( الا ~~أنهم كفروا عنادا وبغيا وحسدا قال وعلى قول شيخنا أبى الحسن كل من حكمنا ~~بكفره فنقول أنه لا يعرف الله أصلا ولا عرف رسوله ولا دينه قال أبو القاسم ~~الأنصارى تلميذه كأن المعنى لا حكم لايمانه ولا لمعرفته شرعا # قلت وليس الأمر على هذا القول كما قاله الأنصارى هذا ولكن على قولهم ~~المعاند كافر شرعا فيجعل الكفر تارة بانتفاء الايمان الذى في القلب وتارة ~~بالعناد ويجعل هذا كافرا ms1963 في الشرع وان كان معه حقيقة الايمان الذى هو ~~التصديق ويلزمه أن يكون كافرا في الشرع مع أن معه الايمان الذى هو مثل ~~ايمان الأنبياء والملائكة والحذاق في هذا المذهب كأبى الحسن والقاضى ومن ~~قبلهم من أتباع جهم عرفوا أن هذا تناقض يفسد الأصل PageV07P146 فقالوا لا ~~يكون أحد كافرا الا اذا ذهب ما في قلبه من التصديق والتزموا أن كل من حكم ~~الشرع بكفره فانه ليس في قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله ولهذا ~~أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء وقالوا هذا مكابرة وسفسطة # وقد احتجوا على قولهم بقوله تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان @QE@ الآية قالوا ومفهوم هذا ان من لم يعمل بمقتضاه لم يكتب في ~~قلوبهم الايمان # قالوا فان قيل معناه لا يؤمنون ايمانا مجزئا معتدا به أو يكون المعنى لا ~~يؤدون حقوق الايمان ولا يعملون بمقتضاه قلنا هذا عام لا يخصص الا بدليل # فيقال لهم هذه الآية فيها نفى الايمان عمن يواد المحادين لله ورسوله ~~وفيها أن من لا يواد المحادين لله ورسوله فان الله كتب في قلوبهم الايمان ~~وأيدهم بروح منه وهذا يدل على مذهب السلف أنه لابد في الايمان من محبة ~~القلب لله ولرسوله ومن بغض من يحاد الله ورسوله ثم لم تدل الآية على أن ~~العلم الذى في قلوبهم بأن محمدا رسول الله يرتفع لا يبقى منه شيء والايمان ~~الذى كتب في القلب ليس هو مجرد العلم والتصديق بل هو تصديق القلب وعمل ~~القلب ولهذا قال @QB@ وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون @QE@ PageV07P147 فقد وعدهم بالجنة وقد اتفق الجميع على أن الوعد ~~بالجنة لا يكون الا مع الاتيان بالمأمور به وترك المحظور فعلم أن هؤلاء ~~الذين كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه قد أدوا الواجبات التى بها ~~يستحقون ما وعد ms1964 الله به الابرار المتقين ودل هذا على أن الفساق لم يدخلوا ~~في هذا الوعد ودلت هذه الآية على أنه لا يوجد مؤمن يواد الكفار ومعلوم أن ~~خلقا كثيرا من الناس يعرف من نفسه أن التصديق في قلبه لم يكذب الرسول وهو ~~مع هذا يواد بعض الكفار فالسلف يقولون ترك الواجبات الظاهرة دليل على ~~انتفاء الايمان الواجب من القلب لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب الذى هو ~~حب الله ورسوله وخشية الله ونحو ذلك لا يستلزم ألا يكون في القلب من ~~التصديق شيء وعند هؤلاء كل من نفى الشرع ايمانه دل على أنه ليس في قلبه شيء ~~من التصديق أصلا وهذا سفسطة عند جماهير العقلاء # وكذلك حكى بن فورك عن أبى الحسن الأشعرى قال الايمان هو اعتقاد صدق ~~المخبر فيما يخبر به اعتقادا هو علم ومنه اعتقاد ليس بعلم والايمان بالله ~~وهو اعتقاد صدقه انما يصح اذا كان عالما بصدقه في اخباره وانما يكون كذلك ~~اذا كان عالما بأنه يتكلم والعلم بأنه متكلم بعد العلم بأنه حى والعلم بأنه ~~حى بعد العلم بأنه فاعل والعلم بأنه فاعل بعد العلم بالفعل وهو كون العالم ~~فعلا له وقال وكذلك يتضمن العلم بكونه قادرا وله قدرة وعالما وله ~~PageV07P148 علم ومريدا وله ارادة وسائر ما لا يصح العلم بالله الا بعد ~~العلم به من شرائط الايمان # قلت هذا مما اختلف فيه قول الأشعرى وهو أن الجهل ببعض الصفات هل يكون ~~جهلا بالموصوف أم لا على قولين والصحيح الذى عليه الجمهور وهو آخر قوليه ~~أنه لا يستلزم الجهل بالموصوف وجعل اثبات الصفات من الايمان مما خالف فيه ~~الأشعرى جهما فان جهما غال في نفى الصفات بل وفى نفى الأسماء # قال أبو الحسن ثم السمع ورد بضم شرائط أخر إليه وهو أن لا يقترن به ما ~~يدل على كفر من يأتيه فعلا وتركا وهو أن الشرع أمره بترك العبادة والسجود ~~للصنم فلو أتى به دل على كفره وكذلك من قتل نبيا أو استخف به دل على ms1965 كفره ~~وكذلك لو ترك تعظيم المصحف أو الكعبة دل على كفره قال وأحد ما استدللنا به ~~على كفره ما منع الشرع أن يقرن بالايمان أو أوجب ضمه إلى الايمان لو وجد ~~دلنا ذلك على أن التصديق الذى هو الايمان مفقود من قلبه وكذلك كل ما كفر به ~~المخالف من طريق التأويل فانما كفرناه به لدلالته على فقد ما هو ايمان من ~~قلبه لاستحالة أن يقضى السمع بكفر من معه الايمان والتصديق بقلبه # فيقال لا ريب أن الشارع لا يقضى بكفر من معه الايمان بقلبه لكن دعواكم ان ~~الايمان هو التصديق وان تجرد عن جميع أعمال القلب غلط ولهذا قالوا أعمال ~~التصديق والمعرفة من قلبه ألا ترى ان الشريعة حكمت بكفره والشريعة لا تحكم ~~بكفر المؤمن المصدق ولهذا نقول ان كفر ابليس PageV07P149 لعنه الله كان أشد ~~من كفر كل كافر وانه لم يعرف الله بصفاته قطعا ولا آمن به إيمانا حقيقيا ~~باطنا وان وجد منه القول والعبادة وكذلك اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من ~~الكفرة لم يوجد في قلوبهم حقيقة الايمان المعتد به في حال حكمنا لهم بالكفر ~~قال الله تعالى @QB@ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أولياء @QE@ وقوله @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم @QE@ الآية فجعل الله هذه الأمور شرطا في ثبوت حكم الايمان فثبت أن ~~الايمان المعرفة بشرائط لا يكون معتدا به دونها # فيقال ان قلتم انه ضم إلى معرفة القلب شروطا في ثبوت الحكم أو الاسم لم ~~يكن هذا قول جهم بل يكون هذا قول من جعل الايمان كالصلاة والحج هو وان كان ~~في اللغة بمعنى القصد والدعاء لكن الشارع ضم إليه أمورا اما في الحكم واما ~~في الحكم والاسم وهذا القول قد سلم صاحبه أن حكم الايمان المذكور في الكتاب ~~والسنة لا يثبت بمجرد تصديق القلب بل لابد من تلك الشرائط وعلى هذا فلا ~~يمكنه جعل الفاسق مؤمنا الا بدليل يدل على ذلك لا بمجرد قوله ان معه تصديق ~~القلب ومن ms1966 جعل الايمان هو تصديق القلب يقول كل كافر في النار ليس معهم من ~~التصديق بالله شيء لا مع ابليس ولا مع غيره وقد قال الله تعالى @QB@ وإذ ~~يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم ~~بين العباد @QE@ وقال تعالى @QB@ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا ~~جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ~~ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين @QE@ PageV07P150 فقد اعترفوا بأن الرسل أتتهم وتلت عليهم آيات ~~ربهم وأنذرتهم لقاء يومهم هذا فقد عرفوا الله ورسوله واليوم الآخر وهم في ~~الآخرة كفار وقال تعالى @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء @QE@ فقد ~~كذبوا بوجوده وكذبوا بتنزيله وأما في الآخرة فعرفوا الجميع وقال تعالى @QB@ ~~ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون @QE@ وقال تعالى @QB@ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ~~ما كنت منه تحيد @QE@ إلى قوله @QB@ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد @QE@ إلى آيات أخر كثيرة تدل على أن الكفار في ~~الآخرة يعرفون ربهم فان كان مجرد المعرفة ايمانا كانوا مؤمنين في الآخرة # فان قالوا الايمان في الآخرة لا ينفع وانما الثواب على الايمان في الدنيا # قيل هذا صحيح لكن اذا لم يكن الايمان الا مجرد العلم فهذه الحقيقة لا ~~تختلف فان لم يكن العمل من الايمان فالعارف في الآخرة لم يفته شيء من ~~الايمان لكن أكثر ما يدعونه أنه حين مات لم يكن في قلبه من التصديق بالرب ~~شيء ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين ~~بالرب حتى فرعون الذى أظهر التكذيب كان في باطنه مصدقا قال تعالى @QB@ ~~وجحدوا بها ms1967 واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ وكما قال موسى لفرعون ( لقد ~~علمت PageV07P151 ما أنزل هؤلاء الا رب السماوات والأرض بصائر ( ومع هذا لم ~~يكن مؤمنا بل قال موسى @QB@ ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم @QE@ قال الله @QB@ قد أجيبت دعوتكما @QE@ ~~ولما قال فرعون @QB@ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل @QE@ ~~قال الله @QB@ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين @QE@ فوصفه بالمعصية ولم ~~يصفه بعدم العلم في الباطن كما قال @QB@ فعصى فرعون الرسول @QE@ وكما قال ~~عن ابليس @QB@ فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من ~~الكافرين @QE@ فلم يصفه الا بالاباء والاستكبار ومعارضته الأمر لم يصفه ~~بعدم العلم وقد أخبر الله عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين ~~بالصانع في مثل قوله @QB@ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله @QE@ ثم يقال ~~لهم اذا قلتم هو التصديق بالقلب أو باللسان أو بهما فهل هو التصديق المجمل ~~أو لابد فيه من التفصيل فلو صدق أن محمدا رسول الله ولم يعرف صفات الحق هل ~~يكون مؤمنا أم لا فان جعلوه مؤمنا قيل فاذا بلغه ذلك فكذب به لم يكن مؤمنا ~~باتفاق المسلمين فصار بعض الايمان أكمل من بعض وان قالوا لا يكون مؤمنا ~~لزمهم أن لا يكون أحد مؤمنا حتى يعرف تفصيل كل ما أخبر به الرسول ومعلوم أن ~~أكثر الأمة لا يعرفون ذلك وعندهم الايمان لا يتفاضل الا بالدوام فقط # قال أبو المعالى فان قال القائل أصلكم يلزمكم أن يكون ايمان المنهمك في ~~فسقه كايمان النبى PageV07P152 قلنا الذي يفضل ايمانه على ايمان من عداه ~~باستمرار تصديقه وعصمة الله اياه من مخامرة الشكوك واختلاج الريب والتصديق ~~عرض من الأعراض لا يبقى وهو متوال للنبى ( ( ثابت لغيره في بعض الأوقات ~~وزائل عنه في أوقات الفترات فيثبت للنبى ( ( اعداد من التصديق ولا يثبت ~~لغيره الا بعضها فيكون ايمانه لذلك أكثر وأفضل قال ولو وصف الايمان ~~بالزيادة والنقصان وأريد به ذلك كان مستقيما # قلت فهذا هو الذى يفضل به النبى ms1968 غيره في الايمان عندهم ومعلوم أن هذا في ~~غاية الفساد من وجوه كثيرة كما قد بسط في مواضع أخرى PageV07P153 ### ||| فصل # قال الذين نصروا مذهب جهم في الايمان من المتأخرين كالقاضى أبى بكر وهذا ~~لفظه فان قال قائل وما الاسلام عندكم قيل له ( الاسلام ( الانقياد ~~والاستسلام فكل طاعة انقاد العبد بها لربه واستسلم فيها لأمره فهي إسلام ~~والايمان خصلة من خصال الاسلام وكل ايمان اسلام وليس كل اسلام ايمانا فان ~~قال فلم قلتم ان معنى الاسلام ما وصفتم قيل لأجل قوله تعالى @QB@ قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ فنفى عنهم الايمان وأثبت ~~لهم الاسلام وانما أراد بما أثبته الانقياد والاستسلام ومنه @QB@ وألقوا ~~إليكم السلم @QE@ وكل من استسلم لشيء فقد أسلم وان كان أكثر ما يستعمل ذلك ~~في المستسلم لله ولنبيه # ( قلت ( وهذا الذى ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب والسنة هو تناقض ~~فانهم جعلوا الايمان خصلة من خصال الاسلام فالطاعات كلها اسلام وليس فيها ~~ايمان الا التصديق والمرجئة وان قالوا ان الايمان يتضمن الاسلام فهم يقولون ~~الايمان هو تصديق القلب واللسان وأما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب فلا ~~تكون الشهادتان ولا الصلاة ولا الزكاة ولا غيرهن من الايمان وقد ~~PageV07P154 تقدم ما بينه الله ورسوله من أن الاسلام داخل في الايمان فلا ~~يكون الرجل مؤمنا حتى يكون مسلما كما أن الايمان داخل في الاحسان فلا يكون ~~محسنا حتى يكون مؤمنا # وأما التناقض فانهم اذا قالوا الايمان خصلة من خصال الاسلام كان من أتى ~~بالايمان انما أتى بخصلة من خصال الاسلام لا بالاسلام الواجب جميعه فلا ~~يكون مسلما حتى يأتى بالاسلام كله كما لا يكون عندهم مؤمنا حتى يأتى ~~بالايمان كله والا فمن أتى ببعض الايمان عندهم لا يكون مؤمنا ولا فيه شيء ~~من الايمان فكذلك يجب أن يقولوا في الاسلام وقد قالوا كل ايمان اسلام وليس ~~كل اسلام ايمانا وهذا ان أرادوا به أن كل ايمان هو الاسلام الذى أمر الله ~~به ناقض قولهم ان الايمان خصلة من خصاله فجعلوا الايمان ms1969 بعضه ولم يجعلوه ~~اياه وان قالوا كل ايمان فهو اسلام أى هو طاعة لله وهو جزء من الاسلام ~~الواجب وهذا مرادهم قيل لهم فعلى هذا يكون الاسلام متعددا بتعدد الطاعات ~~وتكون الشهادتان وحدهما اسلاما والصلاة وحدها اسلاما والزكاة اسلاما بل كل ~~درهم تعطيه للفقير اسلاما وكل سجدة اسلاما وكل يوم تصومه اسلاما وكل تسبيحة ~~تسبحها في الصلاة أو غيرها اسلاما # ثم المسلم ان كان لا يكون مسلما الا بفعل كل ما سميتموه اسلاما لزم أن ~~يكون الفساق ليسوا مسلمين مع كونهم مؤمنين فجعلتم المؤمنين الكاملى ~~PageV07P155 الإيمان عندكم ليسوا مسلمين وهذا شر من قول الكرامية ويلزم أن ~~الفساق من أهل القبلة ليسوا مسلمين وهذا شر من قول الخوارج والمعتزلة ~~وغيرهم بل وان يكون من ترك التطوعات ليس مسلما اذ كانت التطوعات طاعة لله ~~ان جعلتم كل طاعة فرضا أو نفلا اسلاما # ثم هذا خلاف ما احتججتم به من قوله للأعراب @QB@ لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا @QE@ فأثبت لهم الاسلام دون الايمان وأيضا فاخراجكم الفساق من اسم ~~الاسلام أن اخرجتموهم أعظم شناعة من اخراجهم من اسم الايمان فوقعتم في أعظم ~~ما عبتموه على المعتزلة فان الكتاب والسنة ينفيان عنهم اسم الايمان أعظم ~~مما ينفيان اسم الاسلام واسم الايمان في الكتاب والسنة أعظم # وان قلتم بل كل من فعل طاعة سمى مسلما لزم أن يكون من فعل طاعة من ~~الطاعات ولم يتكلم بالشهادتين مسلما ومن صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه أن ~~يكون مسلما عندكم لأن الايمان عندكم اسلام فمن أتى به فقد أتى بالاسلام ~~فيكون مسلما عندكم من تكلم بالشهادتين ولا أتى بشيء من الأعمال # واحتجاجكم بقوله @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~@QE@ قلتم نفى عنهم الايمان وأثبت لهم الاسلام فيقال هذه الآية حجة عليكم ~~لأنه لما أثبت لهم الاسلام مع انتفاء الايمان دل ذلك على أن الايمان ليس ~~بجزء من الاسلام اذ لو كان بعضه لما كانوا مسلمين ان لم يأتوا به وان قلتم ~~أردنا بقولنا أثبت لهم الاسلام أى ms1970 اسلاما ما فان كل طاعة من الاسلام ~~PageV07P156 اسلام عندنا لزمكم ما تقدم من أن يكون صوم يوم اسلاما وصدقة ~~درهم اسلاما وأمثال ذلك # وهم يقولون كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا قالوا هذا من حيث الاطلاق ~~والا فالتفصيل ما ذكرناه من أن الايمان خصلة من خصال الاسلام والدين وليس ~~هو جميع الاسلام والدين فان الاسلام هو الاستسلام لله بفعل كل طاعة وقعت ~~موافقة للأمر والايمان أعظم خصلة من خصال الاسلام واسم الاسلام شامل لكل ~~طاعة انقاد بها العبد لله من ايمان وتصديق وفرض سواه ونفل غير أنه لا يصلح ~~التقرب بفعل ما عدا الايمان من الطاعات دون تقديم فعل الايمان قالوا والدين ~~مأخوذ من التدين وهو قريب من الاسلام في المعنى # فيقال لهم اذا كان هذا قولكم فقولكم كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا ~~يناقض هذا فان المسلم هو المطيع لله ولا تصح الطاعة من أحد الا مع الايمان ~~فيمتنع أن يكون أحد فعل شيئا من الاسلام الا وهو مؤمن ولو كان ذلك أدنى ~~الطاعات فيجب أن يكون كل مسلم مؤمنا سواء أريد بالاسلام فعل جميع الطاعات ~~أو فعل واحدة منها وذلك لا يصح كله الا مع الايمان وحينئذ فالآية حجة عليكم ~~لا لكم # ثم قولكم كل مؤمن مسلم ان كنتم تريدون بالايمان تصديق القلب فقط فيلزم أن ~~يكون الرجل مسلما ولو لم يتكلم بالشهادتين ولا أتى بشيء PageV07P157 من ~~الأعمال المأمور بها وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الاسلام بل عامة ~~اليهود والنصارى يعلمون أن الرجل لا يكون مسلما حتى يأتى بالشهادتين أو ما ~~يقوم مقامهما وقولكم كل مؤمن مسلم لا يريدون أنه أتى بالشهادتين ولا بشيء ~~من المبانى الخمس بل أتى بما هو طاعة وتلك طاعة باطنة وليس هذا هو المسلم ~~المعروف في الكتاب والسنة ولا عند الأئمة الأولين والآخرين ثم استدللتم ~~بالآية والأعراب انما أتوا باسلام ظاهر نطقوا فيه بالشهادتين سواء كانوا ~~صادقين أو كاذبين فأثبت الله لهم الاسلام دون الايمان فيظن من لا يعرف ms1971 ~~حقيقة الأمر أن هذا هو قول السلف الذى دل عليه الكتاب والسنة من أن كل مؤمن ~~مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وبينهما من التباين أعظم مما بين قول السلف وقول ~~المعتزلة في الايمان والاسلام فان قول المعتزلة في الايمان والاسلام أقرب ~~من قول الجهمية بكثير ولكن قولهم في تخليد أهل القبلة أبعد عن قول السلف من ~~قول الجهمية # فالمتأخرون الذين نصروا قول جهم في ( مسألة الايمان ( يظهرون قول السلف ~~في هذا وفى الاستثناء وفى انتفاء الايمان الذى في القلب حيث نفاه القرآن ~~ونحو ذلك وذلك كله موافق للسلف في مجرد اللفظ والا فقولهم في غاية المباينة ~~لقول السلف ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه وقول المعتزلة والخوارج ~~والكرامية في اسم الايمان والاسلام أقرب إلى قول السلف من قول PageV07P158 ~~الجهمية لكن المعتزلة والخوارج يقولون بتخليد العصاة وهذا أبعد عن قول ~~السلف من كل قول فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم والجهمية وان كانوا في ~~قولهم بأن الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف فقولهم في مسمى ~~الاسلام والايمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة وفيه من ~~مناقضة العقل والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم PageV07P159 ### ||| فصل # ومما يدل من القرآن على أن الايمان المطلق مستلزم للأعمال قوله تعالى ~~@QB@ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم ~~وهم لا يستكبرون @QE@ فنفى الايمان عن غير هؤلاء فمن كان اذا ذكر بالقرآن ~~لا يفعل ما فرضه الله عليه من السجود لم يكن من المؤمنين وسجود الصلوات ~~الخمس فرض باتفاق المسلمين وأما سجود التلاوة ففيه نزاع وقد يحتج بهذه ~~الآية من يوجبه لكن ليس هذا موضع بسط هذه المسألة فهذه الآية مثل قوله @QB@ ~~إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم @QE@ وقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~@QE@ وقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه @QE@ ومن ذلك قوله تعالى @QB@ عفا ms1972 ~~الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين لا يستأذنك ~~الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم ~~بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم ~~فهم في ريبهم يترددون @QE@ # وهذه الآية مثل قوله @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله @QE@ وقوله @QB@ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء @QE@ PageV07P160 بين سبحانه أن الايمان له ~~لوازم وله أضداد موجودة تستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء اضداده ومن أضداده ~~موادة من حاد الله ورسوله ومن اضداده استئذانه في ترك الجهاد ثم صرح بأن ~~استئذانه انما يصدر من الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ودل قوله @QB@ ~~والله عليم بالمتقين @QE@ على أن المتقين هم المؤمنون # ومن هذا الباب قوله ( ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( وقوله ( لا ~~يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ( وقوله ( لا تؤمنوا حتى تحابوا ( وقوله ( لا ~~يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ( وقوله ( لا ~~يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ( وقوله ( من غشنا فليس ~~منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا PageV07P161 ### ||| فصل # وأما اذا قيد الايمان فقرن بالاسلام أو بالعمل الصالح فانه قد يراد به ما ~~في القلب من الايمان باتفاق الناس وهل يراد به أيضا المعطوف عليه ويكون من ~~باب عطف الخاص على العام أو لا يكون حين الاقتران داخلا في مسماه بل يكون ~~لازما له على مذهب أهل السنة أو لا يكون بعضا ولا لازما هذا فيه ثلاثة ~~أقوال للناس كما سيأتى ان شاء الله وهذا موجود في عامة الأسماء يتنوع ~~مسماها بالاطلاق والتقييد مثال ذلك اسم ( المعروف ( و ( المنكر ( اذا أطلق ~~كما في قوله تعالى @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ وقوله @QB@ ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ وقوله ~~@QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر @QE@ يدخل في المعروف كل خير وفى المنكر كل ms1973 شر # ثم قد يقرن بما هو أخص منه كقوله @QB@ لا خير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس @QE@ فغاير بين المعروف وبين الصدقة ~~والاصلاح بين الناس كما غاير بين اسم الايمان والعمل واسم الايمان والاسلام ~~وكذلك قوله تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ غاير ~~PageV07P162 بينهما وقد دخلت الفحشاء في المنكر في قوله @QB@ وينهون عن ~~المنكر @QE@ ثم ذكر مع المنكر اثنين في قوله @QB@ إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ جعل البغى ~~هنا مغايرا لهما وقد دخل في المنكر في ذينك الموضعين # ومن هذا الباب لفظ ( العبادة ( فاذا أمر بعبادة الله مطلقا دخل في عبادته ~~كل ما أمر الله به فالتوكل عليه مما أمر به والاستعانة به مما أمر به فيدخل ~~ذلك في مثل قوله @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ وفى قوله @QB@ ~~واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا @QE@ وقوله @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم @QE@ وقوله @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله ~~مخلصا له الدين @QE@ @QB@ قل الله أعبد مخلصا له ديني @QE@ وقوله @QB@ ~~أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون @QE@ # ثم قد يقرن بها اسم آخر كما في قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ~~وقوله @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقول نوح @QB@ اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون @QE@ وكذلك اذا أفرد اسم ( طاعة الله ( دخل في طاعته كل ما أمر به ~~وكانت طاعة الرسول داخلة في طاعته وكذا اسم ( التقوى ( اذا افرد دخل فيه ~~فعل كل مأمور به وترك كل محظور قال طلق بن حبيب التقوى ان تعمل بطاعة الله ~~على نور من الله ترجو رحمة الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف ~~عذاب الله وهذا كما في قوله @QB@ إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر @QE@ PageV07P163 # وقد يقرن بها اسم آخر كقوله @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ وقوله @QB@ إنه من يتق ~~ويصبر ms1974 فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ وقوله @QB@ واتقوا الله الذي ~~تساءلون به والأرحام @QE@ وقوله @QB@ اتقوا الله وقولوا قولا سديدا @QE@ ~~وقوله @QB@ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين @QE@ وقوله @QB@ اتقوا الله حق ~~تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ وأمثال ذلك # فقوله @QB@ اتقوا الله وقولوا قولا سديدا @QE@ مثل قوله @QB@ آمنوا بالله ~~ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه @QE@ وقوله @QB@ آمن الرسول بما ~~أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين ~~أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير @QE@ فعطف قولهم ~~على الايمان كما عطف القول السديد على التقوى ومعلوم أن التقوى اذا أطلقت ~~دخل فيها القول السديد وكذلك الايمان اذا أطلق دخل فيه السمع والطاعة لله ~~وللرسول وكذلك قوله @QB@ آمنوا بالله ورسوله @QE@ واذا أطلق الايمان بالله ~~في حق أمة محمد دخل فيه الايمان بالرسول وكذلك قوله @QB@ كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله @QE@ واذا أطلق الايمان بالله دخل فيه الايمان بهذه ~~التوابع وكذلك قوله @QB@ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~@QE@ وقوله @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~@QE@ الآية PageV07P164 واذا قيل @QB@ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~@QE@ دخل في الايمان برسوله الايمان بجميع الكتب والرسل والنبيين وكذلك اذا ~~قيل @QB@ وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته @QE@ واذا قيل @QB@ آمنوا ~~بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه @QE@ دخل في الايمان بالله ~~ورسوله الايمان بذلك كله والانفاق يدخل في قوله في الآية الأخرى @QB@ آمنوا ~~بالله ورسوله @QE@ كما يدخل القول السديد في مثل قوله @QB@ ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب @QE@ # وكذلك لفظ ( البر ( اذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به كما في قوله @QB@ ~~إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم @QE@ وقوله @QB@ ولكن البر من ~~اتقى @QE@ وقوله @QB@ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا ~~عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا ms1975 وأولئك ~~هم المتقون @QE@ فالبر اذا أطلق كان مسماه مسمى التقوى والتقوى اذا أطلقت ~~كان مسماها مسمى البر ثم قد يجمع بينهما كما في قوله تعالى @QB@ وتعاونوا ~~على البر والتقوى @QE@ # وكذلك لفظ الاثم ( اذا أطلق دخل فيه كل ذنب وقد يقرن بالعدوان كما في ~~قوله تعالى @QB@ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان @QE@ وكذلك لفظ ( الذنوب ( ~~اذا أطلق دخل فيه ترك كل واجب وفعل كل محرم كما في قوله @QB@ يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~@QE@ PageV07P165 ثم قد يقرن بغيره كما في قوله @QB@ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا في أمرنا @QE@ وكذلك لفظ ( الهدى ( اذا أطلق تناول العلم الذى بعث ~~الله به رسوله والعمل به جميعا فيدخل فيه كل ما أمر الله به كما في قوله ~~@QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ والمراد طلب العلم بالحق والعمل به جميعا ~~وكذلك قوله @QB@ هدى للمتقين @QE@ والمراد به أنهم يعلمون ما فيه ويعملون ~~به ولهذا صاروا مفلحين وكذلك قول أهل الجنة @QB@ الحمد لله الذي هدانا لهذا ~~@QE@ وانما هداهم بأن ألهمهم العلم النافع والعمل الصالح # ثم قد يقرن الهدى اما بالاجتباء كما في قوله @QB@ واجتبيناهم وهديناهم ~~إلى صراط مستقيم @QE@ وكما في قوله @QB@ شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه @QE@ ~~@QB@ الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب @QE@ وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق @QE@ والهدى هنا هو الايمان ودين ~~الحق هو الاسلام واذا أطلق الهدى كان كالايمان المطلق يدخل فيه هذا وهذا # ولفظ ( الضلال ( اذا أطلق تناول من ضل عن الهدى سواء كان عمدا أو جهلا ~~ولزم أن يكون معذبا كقوله @QB@ إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم ~~يهرعون @QE@ وقوله @QB@ ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ وقوله @QB@ فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى @QE@ ثم قد يقرن بالغى والغضب كما في قوله @QB@ ما ~~ضل صاحبكم وما غوى @QE@ PageV07P166 وفى قوله @QB@ غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ وقوله @QB@ إن المجرمين في ضلال وسعر @QE@ وكذلك لفظ ms1976 ( الغى ( ~~اذا أطلق تناول كل معصية لله كما في قوله عن الشيطان @QB@ ولأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ وقد يقرن بالضلال كما في قوله @QB@ ما ضل ~~صاحبكم وما غوى @QE@ # وكذلك اسم ( الفقير ( اذا أطلق دخل فيه المسكين واذا أطلق لفظ ( المسكين ~~( تناول الفقير واذا قرن بينهما فأحدهما غير الآخر فالأول كقوله ( وان ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ( وقوله @QB@ فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين @QE@ والثانى كقوله @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ # و ( هذه الأسماء ( التى تختلف دلالتها بالاطلاق والتقييد والتجريد ~~والاقتران تارة يكونان اذا أفرد أحدهما أعم من الآخر كاسم ( الايمان ( و ( ~~المعروف ( مع العمل ومع الصدق وكالمنكر ( مع الفحشاء ومع البغى ونحو ذلك ~~وتارة يكونان متساويين في العموم والخصوص كلفظ ( الايمان ( و ( البر ( و ( ~~التقوى ( ولفظ ( الفقير ( و ( المسكين ( فأيها أطلق تناول ما يتناوله الآخر ~~وكذلك لفظ ( التلاوة ( فانها اذا أطلقت في مثل قوله @QB@ الذين آتيناهم ~~الكتاب يتلونه حق تلاوته @QE@ تناولت العمل به كما فسره بذلك الصحابة ~~والتابعون مثل بن مسعود وبن عباس ومجاهد وغيرهم قالوا يتلونه حق تلاوته ~~يتبعونه حق اتباعه فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بمحكمه ويؤمنون ~~بمتشابهه وقيل هو من التلاوة بمعنى الاتباع كقوله @QB@ والقمر إذا تلاها ~~@QE@ PageV07P167 وهذا يدخل فيه من لم يقرأه وقيل بل من تمام قراءته أن ~~يفهم معناه ويعمل به كما قال أبو عبد الرحمن السلمى حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا اذا ~~تعلموا من النبى ( ( عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم ~~والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا # وقوله @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته @QE@ قد فسر بالقرآن ~~وفسر بالتوراة وروى محمد بن نصر باسناده الثابت عن بن عباس @QB@ يتلونه حق ~~تلاوته @QE@ قال يتبعونه حق اتباعه وروى أيضا عن بن عباس يتلونه حق تلاوته ~~قال يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه وعن قتادة يتلونه حق ~~تلاوته أولئك يؤمنون به قال اولئك أصحاب محمد آمنوا بكتاب الله وصدقوا به ~~أحلوا ms1977 حلاله وحرموا حرامه وعملوا بما فيه ذكر لنا ان بن مسعود كان يقول ان ~~حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه وان نقرؤه كما أنزل الله ولا نحرفه عن ~~مواضعه وعن الحسن يتلونه حق تلاوته قال يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ~~ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه وعن مجاهد يتبعونه حق اتباعه وفى رواية ~~يعملون به حق عمله # ثم قد يقرن بالتلاوة غيرها كقوله @QB@ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم ~~الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ قال أحمد بن حنبل وغيره ~~تلاوة الكتاب العمل بطاعة الله كلها ثم خص الصلاة بالذكر كما في قوله @QB@ ~~والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة @QE@ وقوله @QB@ فاعبدني وأقم الصلاة ~~لذكري @QE@ PageV07P168 وكذلك لفظ اتباع ما أنزل الله يتناول جميع الطاعات ~~كقوله @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء @QE@ ~~وقوله @QB@ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى @QE@ وقوله @QB@ وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ وقد يقرن به ~~غيره كقوله @QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون @QE@ ~~وقوله @QB@ اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين @QE@ ~~وقوله @QB@ واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين @QE@ ~~وكذلك لفظ @QB@ الأبرار @QE@ اذا أطلق دخل فيه كل تقى من السابقين ~~والمقتصدين واذا قرن بالمقربين كان أخص قال تعالى في الأول @QB@ إن الأبرار ~~لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم @QE@ وقال في الثانى كلا @QB@ إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون @QE@ وهذا ~~باب واسع يطول استقصاؤه # وهو من أنفع الأمور في معرفة دلالة الألفاظ مطلقا وخصوصا ألفاظ الكتاب ~~والسنة وبه تزول شبهات كثيرة كثر فيها نزاع الناس من جملتها ( مسألة ~~الايمان والاسلام ( فان النزاع في مسماهما أول اختلاف وقع افترقت الأمة ~~لأجله وصاروا مختلفين في الكتاب والسنة وكفر بعضهم بعضا وقاتل بعضهم بعضا ~~كما قد بسطنا هذا في مواضع أخر اذ المقصود هنا بيان شرح كلام الله ورسوله ~~على ms1978 وجه يبين أن الهدى كله مأخوذ من كلام PageV07P169 الله ورسوله باقامة ~~الدلائل الدالة لا بذكر الأقوال التى تقبل بلا دليل وترد بلا دليل أو يكون ~~المقصود بها نصر غير الله والرسول فان الواجب أن يقصد معرفة ما جاء به ~~الرسول واتباعه بالأدلة الدالة على ما بينه الله ورسوله # ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في ( تفسير الايمان ( فتارة ~~يقولون هو قول وعمل وتارة يقولون هو قول وعمل ونية وتارة يقولون قول وعمل ~~ونية واتباع السنة وتارة يقولون قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ~~وكل هذا صحيح فاذا قالوا قول وعمل فانه يدخل في القول قول القلب واللسان ~~جميعا وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام ونحو ذلك اذا أطلق # والناس لهم في مسمى ( الكلام ( و ( القول ( عند الاطلاق أربعة أقوال ~~فالذى عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعا كما ~~يتناول لفظ الانسان للروح والبدن جميعا وقيل بل مسماه هو اللفظ والمعنى ليس ~~جزء مسماه بل هو مدلول مسماه وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة ~~وغيرهم وطائفة من المنتسبين إلى السنة وهو قول النحاة لأن صناعتهم متعلقة ~~بالألفاظ وقيل بل مسماه هو المعنى واطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال ~~عليه وهذا قول بن كلاب ومن اتبعه وقيل بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى وهو ~~قول بعض المتأخرين من الكلابية ولهم قول ثالث يروى عن أبى الحسن انه مجاز ~~في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين لأن حروف الآدميين PageV07P170 تقوم ~~بهم فلا يكون الكلام قائما بغير المتكلم بخلاف الكلام القرانى فانه لا يقوم ~~عنده بالله فيمتنع أن يكون كلامه ولبسط هذا موضع آخر # ( والمقصود هنا ( أن من قال من السلف الايمان قول وعمل أراد قول القلب ~~واللسان وعمل القلب والجوارح ومن أراد الإعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم ~~منه الا القول الظاهر أو خاف ذلك فزاد الإعتقاد بالقلب ومن قال قول وعمل ~~ونية قال القول يتناول الإعتقاد وقول اللسان وأما العمل فقد لا يفهم منه ms1979 ~~النية فزاد ذلك ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله الا ~~باتباع السنة واولئك لم يريدوا كل قول وعمل انما أرادوا ما كان مشروعا من ~~الأقوال والأعمال ولكن كان مقصودهم الرد على ( المرجئة ( الذين جعلوه قولا ~~فقط فقالوا بل هو قول وعمل والذين جعلوه ( أربعة أقسام ( فسروا مرادهم كما ~~سئل سهل بن عبد الله التسترى عن الايمان ما هو فقال قول وعمل ونية وسنة لأن ~~الايمان اذا كان قولا بلا عمل فهو كفر واذا كان قولا وعملا بلا نية فهو ~~نفاق واذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة PageV07P171 ### ||| فصل # وعطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضى مغايرة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذى ذكر لهما ~~والمغايرة على مراتب أعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا ~~جزأه ولا يعرف لزومه له كقوله @QB@ خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام @QE@ ونحو ذلك وقوله @QB@ وجبريل وميكال @QE@ وقوله @QB@ وأنزل ~~التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان @QE@ وهذا هو الغالب ~~ويليه أن يكون بينهما لزوم كقوله @QB@ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا ~~الحق @QE@ وقوله @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين @QE@ وقوله @QB@ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله @QE@ ~~فان من كفر بالله فقد كفر بهذا كله فالمعطوف لازم للمعطوف عليه وفى الآية ~~التى قبلها المعطوف عليه لازم فانه من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين وفى الثانى نزاع وقوله @QB@ ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل وتكتموا الحق @QE@ هما متلازمان فان من لبس الحق بالباطل ~~فجعله ملبوسا به خفى من الحق بقدر ما ظهر من الباطل فصار ملبوسا ومن كتم ~~الحق احتاج ان يقيم موضعه PageV07P172 باطلا فيلبس الحق بالباطل ولهذا كان ~~كل من كتم من أهل الكتاب ما أنزل الله فلابد أن يظهر باطلا # وهكذا ( أهل البدع ( لا تجد أحدا ترك بعض السنة التى يجب التصديق بها ~~والعمل ms1980 الا وقع في بدعة ولا تجد صاحب بدعة الا ترك شيئا من السنة كما جاء ~~في الحديث ( ما ابتدع قوم بدعة الا تركوا من السنة مثلها ( رواه الامام ~~أحمد وقد قال تعالى @QB@ فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضاء @QE@ فلما تركوا حظا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم ~~العداوة والبغضاء وقال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين @QE@ أى عن الذكر الذى أنزله الرحمن وقال تعالى @QB@ فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى @QE@ وقال @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء قليلا ما تذكرون @QE@ فأمر باتباع ما أنزل ونهى عما يضاد ذلك ~~وهو اتباع أولياء من دونه فمن لم يتبع احدهما اتبع الآخر ولهذا قال @QB@ ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ قال العلماء من لم يكن متبعا سبيلهم كان ~~متبعا غير سبيلهم فاستدلوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب فليس لأحد أن ~~يخرج عما أجمعوا عليه # وكذلك من لم يفعل المأمور فعل بعض المحظور ومن فعل المحظور لم يفعل جميع ~~المأمور فلا يمكن الانسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض PageV07P173 ~~ما حظر ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر فان ترك ما حظر من ~~جملة ما أمر به فهو مأمور ومن المحظور ترك المأمور فكل ما شغله عن الواجب ~~فهو محرم وكل ما لا يمكن فعل الواجب الا به فعليه فعله ولهذا كان لفظ ( ~~الأمر ( اذا أطلق يتناول النهى واذا قيد بالنهى كان النهى نظير ما تقدم ~~فاذا قال تعالى عن الملائكة @QB@ لا يعصون الله ما أمرهم @QE@ دخل في ذلك ~~أنه اذا نهاهم عن شيء اجتنبوه وأما قوله @QB@ ويفعلون ما يؤمرون @QE@ فقد ~~قيل لا يتعدون ما امروا به وقيل يفعلونه في وقته لا يقدمونه ولا يؤخرونه # وقد يقال هو لم يقل ولا يفعلون الا ما يؤمرون بل هذا دل عليه قوله ms1981 @QB@ ~~لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون @QE@ وقد قيل لا يعصون ما أمرهم به في ~~الماضى ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل وقد يقال هذه الآية خبر عما سيكون ~~ليس ما أمروا به هنا ماضيا بل الجميع مستقبل فانه قال @QB@ قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا @QE@ وما يتقى به انما يكون مستقبلا وقد يقال ترك المأمور ~~تارة يكون لمعصية الآمر وتارة يكون لعجزه فاذا كان قادرا مريدا لزم وجود ~~المأمور المقدور # فقوله @QB@ لا يعصون @QE@ لا يمتنعون عن الطاعة وقوله @QB@ ويفعلون ما ~~يؤمرون @QE@ أى هم قادرون على ذلك لا يعجزون عن شيء منه بل يفعلونه كله ~~فيلزم وجود كل ما أمروا به وقد يكون في ضمن ذلك أنهم لا يفعلون الا المأمور ~~به كما يقول القائل أنا أفعل ما أمرت به أى أفعله ولا أتعداه إلى زيادة ولا ~~نقصان PageV07P174 وأيضا فقوله @QB@ لا يعصون الله ما أمرهم @QE@ ان كان ~~نهاهم عن فعل آخر كان ذلك من أمره وان كان لم ينههم لم يكونوا مذمومين بفعل ~~ما لم ينهوا عنه # والمقصود أن لفظ ( الأمر ( اذا أطلق تناول النهى ومنه قوله @QB@ أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ أى أصحاب الأمر ومن كان صاحب ~~الأمر كان صاحب النهى ووجبت طاعته في هذا وهذا فالنهى داخل في الأمر وقال ~~موسى للخضر @QB@ ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن ~~اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا @QE@ وهذا نهى له عن ~~السؤال حتى يحدث له منه ذكرا ولما خرق السفينة قال له موسى @QB@ أخرقتها ~~لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا @QE@ فسأله قبل احداث الذكر وقال في الغلام ~~@QB@ أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا @QE@ فسأله قبل احداث ~~الذكر وقال في الجدار @QB@ لو شئت لاتخذت عليه أجرا @QE@ وهذا سؤال من جهة ~~المعنى فان السؤال والطلب قد يكون بصيغة الشرط كما تقول لو نزلت عندنا ~~لأكرمناك وان بت الليلة عندنا أحسنت الينا ومنه قول آدم @QB@ ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن ms1982 من الخاسرين @QE@ وقول نوح @QB@ رب ~~إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من ~~الخاسرين @QE@ ومثله كثير ولهذا قال موسى @QB@ إن سألتك عن شيء بعدها فلا ~~تصاحبني @QE@ فدل على أنه سأله الثلاث قبل أن يحدث له الذكر وهذا معصية ~~لنهيه وقد دخل في قوله @QB@ ولا أعصي لك أمرا @QE@ فدل على أن عاصى النهى ~~عاص الأمر ومنه قوله تعالى PageV07P175 @QB@ ألا له الخلق والأمر @QE@ وقد ~~دخل النهى في الأمر ومنه قوله @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ ~~وقوله @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم @QE@ فان نهيه داخل في ذلك # وقد تنازع الفقهاء في قول الرجل لامرأته اذا عصيت أمرى فأنت طالق اذا ~~نهاها فعصته هل يكون ذلك داخلا في أمره على قولين قيل لا يدخل لأن حقيقة ~~النهى غير حقيقة الأمر وقيل يدخل لأن ذلك يفهم منه في العرف معصية الأمر ~~والنهى وهذا هو الصواب لأن ما ذكر في العرف هو حقيقة في اللغة والشرع فان ~~الأمر المطلق من كل متكلم اذا قيل اطع أمر فلان أو فلان يطيع امر فلان أو ~~لا يعصى امره فانه يدخل فيه النهى لأن الناهى آمر بترك المنهى عنه فلهذا ~~قال سبحانه @QB@ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون @QE@ ~~ولم يقل لا تكتموا الحق فلم ينه عن كل منهما لتلازمهما وليست هذه واو الجمع ~~التى يسميها الكوفيون واو الصرف كما قد يظنه بعضهم فانه كان يكون المعنى لا ~~تجمعوا بينهما فيكون أحدهما وحده غير منهى عنه و ( أيضا ( فتلك انما تجيء ~~اذا ظهر الفرق كقوله @QB@ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ~~@QE@ وقوله @QB@ أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في ~~آياتنا ما لهم من محيص @QE@ ومن عطف الملزوم قوله تعالى @QB@ أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ فانهم اذا أطاعوا PageV07P176 الرسول ~~فقد أطاعوا الله كما قال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ واذا ms1983 ~~أطاع الله من بلغته رسالة محمد فانه لابد أن يطيع الرسول فانه لا طاعة لله ~~الا بطاعته و ( الثالث ( عطف بعض الشيء عليه كقوله @QB@ حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى @QE@ وقوله @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم @QE@ وقوله @QB@ من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال @QE@ وقوله @QB@ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا ~~لم تطؤوها @QE@ و ( الرابع ( عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله ~~@QB@ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى ~~@QE@ وقوله @QB@ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون @QE@ وقد ~~جاء في الشعر ما ذكر أنه عطف لاختلاف اللفظ فقط كقوله # وألفى قولها كذبا ومينا %~% # ومن الناس من يدعى أن مثل هذا جاء في كتاب الله كما يذكرونه في قوله ( ~~شرعة ومنهاجا ( وهذا غلط مثل هذا لا يجيء في القرآن ولا في كلام فصيح وغاية ~~ما يذكر الناس اختلاف معنى اللفظ كما ادعى بعضهم أن من هذا قوله # ألا حبذا هند وأرض بها هند %~% وهند أتى من دونها النأى والبعد # فزعموا انهما بمعنى واحد واستشهدوا بذلك على ما ادعوه من أن الشرعة ~~PageV07P177 هي المنهاج فقال المخالفون لهم النأى أعم من البعد فان النأى ~~كلما قل بعده أو كثر كأنه مثل المفارقة والبعد انما يستعمل فيما كثرت مسافة ~~مفارقته وقد قال تعالى @QB@ وهم ينهون عنه وينأون عنه @QE@ وهم مذمومون على ~~مجانبته والتنحى عنه سواء كانوا قريبين أو بعيدين وليس كلهم كان بعيدا عنه ~~لا سيما عند من يقول نزلت في أبى طالب وقد قال النابغة # والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد %~% # والمراد به ما يحفر حول الخيمة لينزل فيه الماء ولا يدخل ~~الخيمة أى صار كالحوض فهو مجانب للخيمة ليس بعيدا منها PageV07P178 ### ||| فصل # فاذا تبين هذا فلفظ ( الايمان ( اذا أطلق في القرآن والسنة يراد به ما ~~يراد بلفظ ( البر ( وبلفظ ( التقوى ( وبلفظ ( الدين ( كما تقدم فان النبى ( ~~( بين أن ms1984 ( الايمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله الا الله وأدناها ~~اماطة الأذى عن الطريق ( فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الايمان وكذلك ~~لفظ ( البر ( يدخل فيه جميع ذلك اذا أطلق وكذلك لفظ ( التقوى ( وكذلك ( ~~الدين أو دين الاسلام ( وكذلك روى أنهم سألوا عن الايمان فأنزل الله هذه ~~الآية ( ليس البر أن تولوا وجوهكم ( الآية وقد فسر البر بالايمان وفسر ~~بالتقوى وفسر بالعمل الذى يقرب إلى الله والجميع حق وقد روى مرفوعا إلى ~~النبى ( ( أنه فسر البر بالايمان ( # قال محمد بن نصر حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ~~والملائى قالا حدثنا المسعودى عن القاسم قال جاء رجل إلى أبى ذر فسأله عن ~~الايمان فقرأ @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم @QE@ إلى آخر الآية فقال الرجل ~~ليس عن البر سألتك فقال جاء رجل إلى النبى ( ( فسأله عن الذى سألتنى عنه ~~فقرأ عليه الذى قرأت عليك فقال له الذى قلت PageV07P179 لى فلما أبى أن ~~يرضى قال له ان المؤمن الذى اذا عمل الحسنة سرته ورجا ثوابها واذا عمل ~~السيئة ساءته وخاف عقابها # وقال حدثنا إسحاق حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبدالكريم الجزرى عن ~~مجاهد أن أبا ذر سأل النبى ( صلى الله عليه وسلم ( عن الايمان فقرأ عليه ~~@QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم @QE@ إلى آخر الآية وروى باسناده عن عكرمة ~~قال سئل الحسن بن على بن أبى طالب مقبله من الشام عن الايمان فقرأ @QB@ ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب @QE@ وروى بن بطة باسناده عن ~~مبارك بن حسان قال قلت لسالم الأفطس رجل أطاع الله فلم يعصه ورجل عصى الله ~~فلم يطعه فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة وصار العاصى إلى الله فأدخله ~~النار هل يتفاضلان في الايمان قال لا قال فذكرت ذلك لعطاء فقال سلهم ~~الايمان طيب أو خبيث فان الله قال @QB@ ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل ~~الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون @QE@ ~~فسألتهم فلم يجيبونى فقال ms1985 بعضهم ان الايمان يبطن ليس معه عمل فذكرت ذلك ~~لعطاء فقال سبحان الله أما يقرؤون الآية التى في البقرة @QB@ ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين @QE@ قال ثم وصف الله على هذا الاسم ما لزمه من ~~العمل فقال @QB@ وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل @QE@ إلى قوله @QB@ وأولئك هم المتقون @QE@ فقال سلهم PageV07P180 ~~هل دخل هذا العمل في هذا الاسم وقال @QB@ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن @QE@ فألزم الاسم العمل والعمل الاسم # والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح الا على ايمان معه العمل لا على ايمان ~~خال عن عمل فاذا عرف أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم ~~لا فائدة فيه بل يكون نزاعا لفظيا مع أنهم مخطئون في اللفظ مخالفون للكتاب ~~والسنة وان قالوا انه لا يضره ترك العمل فهذا كفر صريح وبعض الناس يحكى هذا ~~عنهم وأنهم يقولون ان الله فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها ~~ولا يضرهم تركها وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون لا يدخل النار من ~~أهل التوحيد أحد لكن ما علمت معينا أحكى عنه هذا القول وانما الناس يحكونه ~~في الكتب ولا يعينون قائله وقد يكون قول من لا خلاق له فان كثيرا من الفساق ~~والمنافقين يقولون لا يضر مع الايمان ذنب أو مع التوحيد وبعض كلام الرادين ~~على المرجئة وصفهم بهذا # ويدل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية @QB@ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون @QE@ فقوله صدقوا أى في قولهم آمنوا كقوله @QB@ قالت الأعراب آمنا ~~قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم @QE@ إلى قوله ~~@QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ أى هم الصادقون في ~~قولهم آمنا بالله بخلاف الكاذبين الذين قال الله فيهم @QB@ إذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ms1986 لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون @QE@ PageV07P181 # وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما ~~يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب ~~أليم بما كانوا يكذبون @QE@ وفى ( يكذبون ( قراءتان مشهورتان فانهم كذبوا ~~في قولهم آمنا بالله واليوم الآخر وكذبوا الرسول في الباطن وان صدقوه في ~~الظاهر وقال تعالى @QB@ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين @QE@ فبين أنه لابد أن يفتن الناس أى يمتحنهم ويبتليهم ويختبرهم ~~يقال فتنت الذهب اذا أدخلته النار لتميزه مما اختلط به ومنه قول موسى @QB@ ~~إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء @QE@ أى محنتك واختبارك ~~وابتلاؤك كما ابتليت عبادك بالحسنات والسيئات ليتبين الصبار الشكور من غيره ~~وابتليتهم بارسال الرسل وانزال الكتب ليتبين المؤمن من الكافر والصادق من ~~الكاذب والمنافق من المخلص فتجعل ذلك سببا لضلالة قوم وهدى آخرين # والقرآن فيه كثير من هذا يصف المؤمنين بالصدق والمنافقين بالكذب لأن ~~الطائفتين قالتا بألسنتهما آمنا فمن حقق قوله بعمله فهو مؤمن صادق ومن قال ~~بلسانه ما ليس في قلبه فهو كاذب منافق قال تعالى @QB@ وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا ~~قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما ~~يكتمون @QE@ فلما قال في آية البر @QB@ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون @QE@ PageV07P182 دل على أن المراد صدقوا في قولهم آمنا فان هذا هو ~~القول الذى أمروا به وكانوا يقولونه # ولم يؤمروا أن يلفظوا بألسنتهم ويقولوا نحن أبرار أو بررة بل اذا قال ~~الرجل أنا بر فهذا مزك لنفسه ولهذا كانت زينب بنت جحش اسمها برة فقيل تزكى ~~نفسها فسماها النبى ( ( زينب بخلاف انشاء الايمان بقولهم ( آمنا ( فان هذا ~~قد فرض ms1987 عليهم أن يقولوه قال تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى ~~وما أوتي النبيون من ربهم @QE@ وكذلك في أول آل عمران @QB@ قل آمنا بالله ~~وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما ~~أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم @QE@ # وقال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ فقوله ( لا نفرق ( دليل ~~على أنهم قالوا آمنا ولا نفرق ولهذا قال @QB@ وقالوا سمعنا وأطعنا @QE@ ~~فجمعوا بين قولهم آمنا وبين قولهم سمعنا وأطعنا وقد قال في آية البر @QB@ ~~وأولئك هم المتقون @QE@ فجعل الأبرار هم المتقين عند الاطلاق والتجريد وقد ~~ميز بينهما عند الاقتران والتقييد في قوله @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ~~@QE@ ودلت هذه الآية على أن مسمى الايمان ومسمى البر ومسمى التقوى عند ~~الاطلاق واحد فالمؤمنون هم المتقون وهم الأبرار PageV07P183 # ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة الصحيحة ( يخرج من النار من في قلبه مثقال ~~ذرة من ايمان ( وفى بعضها ( مثقال ذرة من خير ( وهذا مطابق لقوله تعالى ~~@QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ وذلك ~~الذى هو مثقال ذرة من خير هو مثقال ذرة من ايمان وهؤلاء المؤمنون الأبرار ~~الأتقياء هم أهل السعادة المطلقة وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا ~~عذاب وهؤلاء الذين قال النبى ( ( من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح ~~فليس منا ( فانه ليس من هؤلاء بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد أسوة ~~أمثالهم PageV07P184 ### ||| فصل # وهذا النوع من نمط ( أسماء الله وأسماء كتابه وأسماء رسوله وأسماء دينه ( ~~قال الله تعالى ( @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى @QE@ وقال تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا ~~الذين يلحدون في أسمائه @QE@ وقال الله تعالى @QB@ هو الله الذي لا إله إلا ~~هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو ms1988 الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ~~هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ فأسماؤه كلها متفقه في الدلالة على نفسه ~~المقدسة ثم كل إسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذى دل عليه الإسم ~~الآخر فالعزيز يدل على نفسه مع عزته والخالق يدل على نفسه مع خلقه والرحيم ~~يدل على نفسه مع رحمته ونفسه تستلزم جميع صفاته فصار كل إسم يدل على ذاته ~~والصفة المختصة به بطريق المطابقة وعلى أحدهما بطريق التضمن وعلى الصفة ~~الأخرى بطريق اللزوم # وهكذا ( أسماء كتابه ( القرآن والفرقان والكتاب والهدى والبيان والشفاء ~~PageV07P185 والنور ونحو ذلك هي بهذه المنزلة وكذلك ( أسماء رسوله ( محمد ~~وأحمد والماحى والحاشر والمقفى ونبى الرحمة ونبى التوبة ونبى الملحمة كل ~~إسم يدل على صفة من صفاته الممدوحة غير الصفة الأخرى وهكذا ما يثنى ذكره من ~~القصص في القرآن كقصة موسى وغيرها ليس المقصود بها أن تكون سمرا بل المقصود ~~بها أن تكون عبرا كما قال تعالى @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ~~@QE@ فالذى وقع شيء واحد وله صفات فيعبر عنه بعبارات متنوعة كل عبارة تدل ~~على صفة من الصفات التى يعتبر بها المعتبرون وليس هذا من التكرير في شيء # وهكذا ( أسماء دينه ( الذى أمر الله به ورسوله يسمى إيمانا وبرا وتقوى ~~وخيرا ودينا وعملا صالحا وصراطا مستقيما ونحو ذلك وهو في نفسه واحد لكن كل ~~إسم يدل على صفة ليست هي الصفة التى يدل عليها الآخر وتكون تلك الصفة هي ~~الأصل في اللفظ والباقى كان تابعا لها لازما لها ثم صارت دالة عليه بالتضمن ~~فإن ( الإيمان ( أصله الإيمان الذى في القلب ولابد فيه من ( شيئين ( تصديق ~~بالقلب وإقراره ومعرفته ويقال لهذا قول القلب قال ( الجنيد بن محمد ( ~~التوحيد قول القلب والتوكل عمل القلب فلابد فيه من قول القلب وعمله ثم قول ~~البدن وعمله ولابد فيه من عمل القلب مثل حب الله ورسوله وخشية الله ms1989 وحب ما ~~يحبه الله ورسوله وبغض ما يبغضه الله ورسوله وإخلاص العمل لله وحده وتوكل ~~القلب على الله وحده وغير ذلك من أعمال القلوب التى أوجبها الله ورسوله ~~وجعلها من الإيمان PageV07P186 # ثم القلب هو الأصل فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة ~~لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب ولهذا قال النبى في الحديث الصحيح ~~( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها ~~سائر الجسد ألا وهى القلب ( # وقال أبو هريرة القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا ~~خبث الملك خبثت جنوده وقول أبى هريرة تقريب وقول النبى أحسن بيانا فإن ~~الملك وإن كان صالحا فالجند لهم إختيار قد يعصون به ملكهم وبالعكس فيكون ~~فيهم صلاح مع فساده أو فساد مع صلاحه بخلاف القلب فإن الجسد تابع له لا ~~يخرج عن إرادته قط كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( إذا صلحت صلح لها ~~سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ( # فإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا لزم ضرورة ~~صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق كما قال أئمة أهل الحديث ~~قول وعمل قول باطن وظاهر وعمل باطن وظاهر والظاهر تابع للباطن لازم له متى ~~صلح الباطن صلح الظاهر وإذا فسد فسد ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلى ~~العابث لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه فلابد في إيمان القلب من حب الله ~~ورسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما قال الله تعالى @QB@ ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله @QE@ PageV07P187 فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبا لله من المشركين ~~لأندادهم # وفى الآية ( قولان ( قيل يحبونهم كحب المؤمنين الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله منهم لأوثانهم وقيل يحبونهم كما يحبون الله والذين آمنوا أشد حبا لله ~~منهم وهذا هو الصواب والأول قول متناقض وهو باطل فإن المشركين لا يحبون ms1990 ~~الأنداد مثل محبة المؤمنين لله وتستلزم الإرادة والإرادة التامة مع القدرة ~~تستلزم الفعل فيمتنع أن يكون الإنسان محبا لله ورسوله مريدا لما يحبه الله ~~ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله فإذا لم يتكلم الإنسان ~~بالإيمان مع قدرته دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذى فرضه الله ~~عليه # ومن هنا يظهر خطأ قول ( جهم بن صفوان ( ومن إتبعه حيث ظنوا أن الإيمان ~~مجرد تصديق القلب وعلمه لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان وظنوا أنه قد ~~يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادى ~~الله ورسوله ويعادى أولياء الله ويوالى أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم ~~المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار غاية الكرامة ويهين المؤمنين غاية ~~الإهانة قالوا وهذه كلها معاص لا تنافى الإيمان الذى في قلبه بل يفعل هذا ~~وهو في الباطن عند الله مؤمن قالوا وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار ~~لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم PageV07P188 ~~بالإقرار والشهود وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما اقر به وبخلاف ما شهد ~~به الشهود فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء ~~كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة قالوا فهذا دليل على إنتفاء التصديق ~~والعلم من قلبه فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل والإيمان شيء واحد وهو ~~العلم أو تكذيب القلب وتصديقه فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم ~~أو هو هو # وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في ( الإيمان ( فقد ذهب إليه كثير من ( ~~أهل الكلام المرجئة ( وقد كفر السلف كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وابى ~~عبيد وغيرهم من يقول بهذا القول وقالوا إبليس كافر بنص القرآن وإنما كفره ~~بإستكباره وإمتناعه عن السجود لآدم لا لكونه كذب خبرا وكذلك فرعون وقومه ~~قال الله تعالى فيهم @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ ~~وقال موسى عليه السلام لفرعون @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض بصائر @QE@ بعد ms1991 قوله @QB@ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني ~~إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا @QE@ # فموسى وهو الصادق المصدوق يقول @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر @QE@ فدل على أن فرعون كان عالما بأن الله أنزل ~~الآيات وهو PageV07P189 من أكبر خلق الله عنادا وبغيا لفساد إرادته وقصده ~~لا لعدم علمه قال تعالى @QB@ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف ~~طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ وكذلك اليهود ~~الذين قال الله فيهم @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~@QE@ وكذلك كثير من المشركين الذين قال الله فيهم @QB@ فإنهم لا يكذبونك ~~ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون @QE@ # فهؤلاء غلطوا في ( أصلين ( # ( أحدهما ( ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط ليس معه عمل وحال وحركة ~~وإرادة ومحبة وخشية في القلب وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقا فإن ( أعمال ~~القلوب ( التى يسميها بعض الصوفية أحوالا ومقامات أو منازل السائرين إلى ~~الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو ~~من الإيمان الواجب وفيها ما أحبه ولم يفرضه فهو من الإيمان المستحب فالأول ~~لابد لكل مؤمن منه ومن اقتصر عليه فهو من الابرار اصحاب اليمين ومن فعله ~~وفعل الثانى كان من المقربين السابقين وذلك مثل حب الله ورسوله بل أن يكون ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله ~~أحب إليه من أهله وماله ومثل خشية الله وحده دون خشية المخلوقين ورجاء الله ~~وحده دون رجاء المخلوقين والتوكل على الله وحده دون المخلوقين والإنابة ~~إليه PageV07P190 مع خشيته كما قال تعالى @QB@ هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ~~من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب @QE@ ومثل الحب في الله والبغض في ~~الله والموالاة لله والمعاداة لله # ( والثانى ( ظنهم ms1992 أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار فإنما ذاك ~~لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل ~~والشرع وما أجمع عليه طوائف بنى آدم السليمى الفطرة وجماهير النظار فإن ~~الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه أو لطلب علوه ~~عليه أو لهوى النفس ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدى عليه ويرد ما يقول بكل ~~طريق وهو في قلبه يعلم أن الحق معه وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم ~~وأنهم صادقون لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرياسة وإما لحبهم ~~دينهم الذى كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض كأموال ورياسة وصداقة ~~أقوام وغير ذلك فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول ~~أمور مكروهة إليهم فيكذبونهم ويعادونهم فيكونون من أكفر الناس كإبليس ~~وفرعون مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق # ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل إنما يعتمدون على ~~مخالفة أهوائهم كقولهم لنوح @QB@ أنؤمن لك واتبعك الأرذلون @QE@ ومعلوم أن ~~إتباع الأرذلين له لا يقدح في صدقه لكن كرهوا مشاركة أولئك PageV07P191 كما ~~طلب المشركون من النبى صلى الله عليه وسلم إبعاد الضعفاء كسعد بن أبى وقاص ~~وإبن مسعود وخباب بن الارت وعمار بن ياسر وبلال ونحوهم وكان ذلك بمكة قبل ~~أن يكون في الصحابة أهل الصفة فأنزل الله تبارك وتعالى @QB@ ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من ~~حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ # ومثل قول فرعون @QB@ أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون @QE@ وقول ~~فرعون @QB@ ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي ~~فعلت وأنت من الكافرين @QE@ ومثل قول مشركى العرب @QB@ إن نتبع الهدى معك ~~نتخطف من أرضنا @QE@ قال الله تعالى @QB@ أو لم نمكن لهم ms1993 حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا @QE@ ومثل قول قوم شعيب له @QB@ أصلاتك ~~تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء @QE@ ومثل قول ~~عامة المشركين @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون @QE@ # وهذه الأمور وأمثالها ليست حججا تقدح في صدق الرسل بل تبين أنها تخالف ~~إرادتهم وأهوائهم وعاداتهم فلذلك لم يتبعوهم وهؤلاء كلهم كفار بل أبو طالب ~~وغيره كانوا يحبون النبى ويحبون علو كلمته وليس عندهم حسد له وكانوا يعلمون ~~صدقه ولكن كانوا يعلمون أن في PageV07P192 متابعته فراق دين آبائهم وذم ~~قريش لهم فما إحتملت نفوسهم ترك تلك العادة وإحتمال هذا الذم فلم يتركوا ~~الإيمان لعدم العلم بصدق الإيمان به بل لهوى النفس فكيف يقال إن كل كافر ~~إنما كفر لعدم علمه بالله # ولم يكف الجهمية أن جعلوا كل كافر جاهلا بالحق حتى قالوا هو لا يعرف أن ~~الله موجود حق والكفر عندهم ليس هو الجهل بأى حق كان بل الجهل بهذا الحق ~~المعين ونحن والناس كلهم يرون خلقا من الكفار يعرفون في الباطن أن دين ~~الإسلام حق ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان إما معاداة أهلهم وإما مال يحصل ~~لهم من جهتهم يقطعونه عنهم وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكون لهم حرمة عند ~~المسلمين كحرمتهم في دينهم وأمثال ذلك من اغراضهم التى يبينون أنها المانعة ~~لهم من الإيمان مع علمهم بأن دين الإسلام حق ودينهم باطل # وهذا موجود في جميع الأمور التى هي حق يوجد من يعرف بقلبه أنها حق وهو في ~~الظاهر يجحد ذلك ويعادى أهله لظنه أن ذلك يجلب له منفعة ويدفع عنه مضرة قال ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى ~~الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله ~~أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ms1994 ~~ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت ~~أعمالهم فأصبحوا خاسرين @QE@ PageV07P193 # والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفى قلبه ~~مرض خاف أن يغلب اهل الإسلام فيوالى الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ~~للخوف الذى في قلوبهم لا لإعتقادهم أن محمدا كاذب واليهود والنصارى صادقون ~~وأشهر النقول في ذلك أن عبادة بن الصامت قال يا رسول الله ان لى موالى من ~~اليهود وانى أبرأ إلى الله من ولاية يهود فقال عبد الله بن أبي لكنى رجل ~~أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود فنزلت هذه الآية و ( المرجئة ( الذين ~~قالوا الإيمان تصديق القلب وقول اللسان والأعمال ليست منه كان منهم طائفة ~~من فقهاء الكوفة وعبادها ولم يكن قولهم مثل قول جهم فعرفوا أن الإنسان لا ~~يكون مؤمنا ان لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه وعرفوا أن إبليس وفرعون ~~وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان ~~لزمهم قول جهم وان أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا فإنها ~~لازمة لها ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها إشتبه الأمر عليهم فإنهم رأوا ~~أن الله قد فرق في كتابه بين الإيمان والعمل فقال في غير موضع @QB@ إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل ~~وجود الأعمال فقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق @QE@ @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ~~من يوم الجمعة @QE@ PageV07P194 # وقالوا لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل أن يجب عليه شيء من ~~الأعمال مات مؤمنا وكان من أهل الجنة فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان ~~وقالوا نحن نسلم أن الإيمان يزيد بمعنى أنه كان كلما أنزل الله آية وجب ~~التصديق بها فإنضم هذا التصديق إلى التصديق الذى كان قبله لكن بعد كمال ما ~~أنزل الله ما بقى الإيمان يتفاضل عندهم بل إيمان الناس كلهم سواء إيمان ~~السابقين الأولين كأبى بكر وعمر ms1995 وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبى مسلم ~~الخراسانى وغيرهما # والمرجئة المتكلمون منهم والفقهاء منهم يقولون أن الأعمال قد تسمى إيمانا ~~مجازا لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه ولأنها دليل عليه ويقولون قوله ( ~~الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق ( مجاز # ( والمرجئة ثلاثة أصناف ( الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب ثم من ~~هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة كما قد ذكر أبو الحسن ~~الأشعرى أقوالهم في كتابه وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم لكن ذكرنا جمل ~~أقوالهم ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحى وهذا الذى ~~نصره هو وأكثر أصحابه و ( القول الثانى ( من يقول هو مجرد قول اللسان وهذا ~~لا يعرف لأحد قبل الكرامية و ( الثالث ( تصديق القلب وقول اللسان وهذا هو ~~المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم وهؤلاء غلطوا من وجوه PageV07P195 # ( أحدها ( ظنهم أن الإيمان الذى فرضه الله على العباد متماثل في حق ~~العباد وأن الإيمان الذى يجب على شخص يجب مثله على كل شخص وليس الأمر كذلك ~~فإن اتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على ~~أمة محمد وأوجب على أمة محمد من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم والإيمان ~~الذى كان يجب قبل نزول جميع القرآن ليس هو مثل الإيمان الذى يجب بعد نزول ~~القرآن والإيمان الذى يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مفصلا ليس مثل ~~الإيمان الذى يجب على من عرف ما أخبر به مجملا فإنه لابد في الإيمان من ~~تصديق الرسول في كل ما أخبر لكن من صدق الرسول ومات عقب ذلك لم يجب عليه من ~~الإيمان غير ذلك وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار ~~والأوامر المفصلة فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر وأمر أمر ما لا يجب ~~على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شيء آخر # و ( أيضا ( لو قدر أنه عاش فلا ms1996 يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما ~~أمر به الرسول وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به بل إنما عليه أن يعرف ما يجب ~~عليه هو وما يحرم عليه فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في ~~الزكاة ومن لا إستطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل بالمناسك ~~ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة فصار يجب من الإيمان تصديقا ~~وعملا على أشخاص ما لا يجب على آخرين # وبهذا يظهر الجواب عن قولهم خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال فنقول ~~PageV07P196 إن قلتم إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال فقبل وجوبها لم ~~تكن من الإيمان وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما ~~خوطبوا بفرضه فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين ولهذا قال ~~تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله ~~غني عن العالمين @QE@ ولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث التى فيها ~~ذكر الإسلام والإيمان كحديث وفد عبد القيس وحديث الرجل النجدي الذى يقال له ~~ضمام بن ثعلبة وغيرهما وإنما جاء ذكر الحج في حديث بن عمر وجبريل وذلك لأن ~~الحج آخر ما فرض من الخمس فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام فلما ~~فرض أدخله النبى صلى الله عليه وسلم في الإيمان إذا أفرد وادخله في الإسلام ~~إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد وسنذكر إن شاء الله متى فرض الحج # وكذلك قولهم من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنا فصحيح لأنه أتى ~~بالإيمان الواجب عليه والعمل لم يكن وجب عليه بعد فهذا مما يجب أن يعرف ~~فإنه تزول به شبهة حصلت للطائفتين # فإذا قيل الأعمال الواجبة من الإيمان فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئا ~~واحدا في حق جميع الناس وأهل السنة والحديث يقولون جميع الأعمال الحسنة ~~واجبها ومستحبها من الإيمان أى من الإيمان الكامل بالمستحبات ليست من ~~الإيمان الواجب ويفرق بين الإيمان ms1997 الواجب وبين الإيمان الكامل PageV07P197 ~~بالمستحبات كما يقول الفقهاء الغسل ينقسم إلى مجزئ وكامل فالمجزئ ما أتى ~~فيه بالواجبات فقط والكامل ما أتى فيه بالمستحبات ولفظ الكمال قد يراد به ~~الكمال الواجب وقد يراد به الكمال المستحب # واما قولهم ان الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع فهذا صحيح وقد بينا ~~أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها وقد يقرن به ~~الأعمال وذكرنا نظائر لذلك كثيرة وذلك لأن اصل الإيمان هو ما في القلب ~~والأعمال الظاهرة لازمة لذلك لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع ~~أعمال الجوارح بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذى في القلب ~~فصار الإيمان متناولا للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب وحيث عطفت ~~عليه الأعمال فإنه أريد أنه لا يكتفى بإيمان القلب بل لابد معه من الأعمال ~~الصالحة # ثم للناس في مثل هذا قولان منهم من يقول المعطوف دخل في المعطوف عليه ~~أولا ثم ذكر بإسمه الخاص تخصيصا له لئلا يظن أنه لم يدخل في الأول وقالوا ~~هذا في كل ما عطف فيه خاص على عام كقوله @QB@ من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال @QE@ وقوله @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم @QE@ وقوله @QB@ والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم @QE@ فخص ~~الإيمان بما نزل على محمد بعد قوله @QB@ والذين آمنوا @QE@ وهذه نزلت في ~~الصحابة PageV07P198 وغيرهم من المؤمنين وقوله @QB@ حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى @QE@ وقوله @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة @QE@ والصلاة والزكاة من العبادة ~~فقوله @QB@ آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ كقوله @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة @QE@ # فإنه قصد ( أولا ( أن تكون العبادة لله وحده لا لغيره ثم أمر بالصلاة ~~والزكاة ليعلم أنهما عبادتان واجبتان فلا يكتفى بمطلق العبادة الخالصة ~~دونهما وكذلك يذكر الإيمان أولا لأنه الأصل الذى لابد منه ثم يذكر ms1998 العمل ~~الصالح فإنه أيضا من تمام الدين لابد منه فلا يظن الظان اكتفاءه بمجرد ~~إيمان ليس معه العمل الصالح وكذلك قوله @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى ~~من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ # وقد قيل إن هؤلاء هم أهل الكتاب الذين آمنوا بما أنزل عليه وما أنزل على ~~من قبله كابن سلام ونحوه وأن هؤلاء نوع غير النوع المتقدم الذين يؤمنون ~~بالغيب وقد قيل هؤلاء جميع المتقدمين الذين آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل ~~من قبله وهؤلاء هم الذين يؤمنون بالغيب وهم صنف واحد وإنما عطفوا لتغاير ~~الصفتين كقوله @QB@ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي ~~أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى @QE@ PageV07P199 فهو سبحانه واحد وعطف بعض ~~صفاته على بعض وكذلك قوله @QB@ والصلاة الوسطى @QE@ وهى صلاة العصر # والصفات إذا كانت معارف كانت للتوضيح وتضمنت المدح أو الذم تقول هذا ~~الرجل هو الذى فعل كذا وهو الذى فعل كذا وهو الذى فعل كذا تعدد محاسنه ~~ولهذا مع الإتباع قد يعطفونها وينصبون أو يرفعون وهذا القول هو الصواب فإن ~~المؤمنين بالغيب إن لم يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله لم يكونوا ~~على هدى من ربهم ولا مفلحين ولا متقين وكذلك الذين آمنوا بما أنزل إليه وما ~~أنزل من قبله ان لم يكونوا من الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقهم الله ينفقون لم يكونوا على هدى من ربهم ولم يكونوا مفلحين ولم يكونوا ~~متقين فدل على أن الجميع صفة المهتدين المتقين الذين إهتدوا بالكتاب المنزل ~~إلى محمد فقد عطفت هذه الصفة على تلك مع أنها داخلة فيها لكن المقصود صفة ~~ايمانهم وأنهم يؤمنون بجميع ما أنزل الله على أنبيائه لا يفرقون بين أحد ~~منهم وإلا فإذا لم يذكر إلا الإيمان بالغيب فقد يقول من يؤمن ببعض ويكفر ~~ببعض نحن نؤمن بالغيب # ولما كانت ms1999 سورة البقرة سنام القرآن ويقال إنها أول سورة نزلت بالمدينة ~~افتتحها الله بأربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة ~~آية في صفة المنافقين فإنه من حين هاجر النبى PageV07P200 صار الناس ( ~~ثلاثة أصناف ( إما مؤمن وإما كافر مظهر للكفر وإما منافق بخلاف ما كانوا ~~وهو بمكة فإنه لم يكن هناك منافق ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره لم يكن من ~~المهاجرين منافق وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار فإن مكة كانت للكفار ~~مستولين عليها فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن ليس هناك داع يدعو إلى ~~النفاق والمدينة آمن بها أهل الشوكة فصار للمؤمنين بها عز ومنعة بالأنصار ~~فمن لم يظهر الإيمان آذوه فإحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان مع أن قلوبهم ~~لم تؤمن والله تعالى إفتتح البقرة ووسط البقرة وختم البقرة بالإيمان بجميع ~~ما جاءت به الأنبياء فقال في اولها ما تقدم وقال في وسطها @QB@ قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما هم في شقاق @QE@ الآية وقال في آخرها @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه ~~من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من ~~رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير @QE@ والآية الأخرى وفى ~~( الصحيحين ( عن النبى أنه قال ( الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما ~~في ليلة كفتاه ( والآية الوسطى قد ثبت في ( الصحيح ( أنه كان يقرأ بها في ~~ركعتى الفجر وب @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ~~@QE@ الآية تارة وب @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ PageV07P201 و @QB@ قل ~~هو الله أحد @QE@ تارة فيقرأ بما فيه ذكر الإيمان والإسلام أو بما فيه ذكر ~~التوحيد والإخلاص # فعلى قول هؤلاء يقال الأعمال الصالحة المعطوفة على الإيمان دخلت في ~~الإيمان وعطف عليه عطف الخاص على العام ms2000 إما لذكره خصوصا بعد عموم وإما ~~لكونه إذا عطف كان دليلا على أنه لم يدخل في العام وقيل بل الأعمال في ~~الأصل ليست من الإيمان فإن أصل الإيمان هو ما في القلب ولكن هي لازمة له ~~فمن لم يفعلها كان إيمانه منتفيا لأن إنتفاء اللازم يقتضى انتفاء الملزوم ~~لكن صارت بعرف الشارع داخلة في إسم الإيمان إذا أطلق كما تقدم في كلام ~~النبى فإذا عطفت عليه ذكرت لئلا يظن الظان أن مجرد إيمانه بدون الأعمال ~~الصالحة اللازمة للإيمان يوجب الوعد فكان ذكرها تخصيصا وتنصيصا ليعلم أن ~~الثواب الموعود به في الآخرة وهو الجنة بلا عذاب لا يكون إلا لمن آمن وعمل ~~صالحا لا يكون لمن إدعى الإيمان ولم يعمل وقد بين سبحانه في غير موضع أن ~~الصادق في قوله آمنت لابد أن يقوم بالواجب وحصر الإيمان في هؤلاء يدل على ~~إنتفائه عمن سواهم # وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب ( الموجز ( وهو أن القرآن نفى ~~الإيمان عن غير هؤلاء كقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم @QE@ ولم يقل ان هذه الأعمال من الإيمان قالوا فنحن نقول من لم يعمل ~~هذه الأعمال لم يكن مؤمنا لأن إنتفاءها دليل على إنتفاء العلم من قلبه ~~PageV07P202 # والجواب عن هذا من وجوه # ( أحدها ( أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا إنتفت لم ~~يبق في القلب إيمان وهذا هو المطلوب وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءا نزاع ~~لفظى # ( الثانى ( أن نصوصا صرحت بأنها جزء كقوله ( الإيمان بضع وستون أو بضع ~~وسبعون شعبة ( # ( الثالث ( انكم إن قلتم بأن من انتفى عنه هذه الأمور فهو كافر خال من كل ~~إيمان كان قولكم قول الخوارج وأنتم في طرف والخوارج في طرف فكيف توافقونهم ~~ومن هذه الأمور إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج والجهاد ~~والإجابة إلى حكم الله ورسوله وغير ذلك مما لا تكفرون تاركه وان كفرتموه ~~كان قولكم قول الخوارج # ( الرابع ( أن قول القائل أن إنتفاء بعض هذه الأعمال يستلزم أن لا يكون ms2001 ~~في قلب الإنسان شيء من التصديق بأن الرب حق قول يعلم فساده بالإضطرار # ( الخامس ( أن هذا إذا ثبت في هذه ثبت في سائر الواجبات فيرتفع النزاع ~~المعنوى PageV07P203 ### ||| فصل # ( الوجه الثانى ( من غلط ( المرجئة ( ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس ~~إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب كما تقدم عن جهمية المرجئة # ( الثالث ( ظنهم أن الإيمان الذى في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال ~~ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب ولا ~~يجعلونها لازمة له والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر ~~بحسبه لا محالة ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر ولهذا صاروا ~~يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الإرتباط الذي بين البدن والقلب مثل ~~أن يقولوا رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبى بكر وعمر وهو لا يسجد ~~لله سجدة ولا يصوم رمضان ويزنى بأمه وأخته ويشرب الخمر نهار رمضان يقولون ~~هذا مؤمن تام الإيمان فيبقى سائر المؤمنين ينكرون ذلك غاية الإنكار # قال أحمد بن حنبل حدثنا خلف بن حيان حدثنا معقل بن عبيد الله العبسى قال ~~قدم علينا سالم الأفطس بالارجاء فنفر منه أصحابنا نفورا شديدا منهم ميمون ~~بن مهران وعبدالكريم بن مالك فإنه عاهد الله أن PageV07P204 لا يؤويه وإياه ~~سقف بيت إلا المسجد قال معقل فحججت فدخلت على عطاء بن أبى رباح في نفر من ~~أصحابى وهو يقرأ @QB@ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ قلت ~~ان لنا حاجة فأخلنا ففعل فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا ~~ان الصلاة والزكاة ليستا من الدين فقال أو ليس الله تعالى يقول @QB@ وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ فالصلاة والزكاة من الدين قال فقلت إنهم ~~يقولون ليس في الإيمان زيادة فقال أو ليس قد قال الله فيما أنزل @QB@ ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم @QE@ هذا الإيمان فقلت أنهم انتحلوك وبلغنى أن ~~بن ذر دخل عليك في أصحاب له ms2002 فعرضوا عليك قولهم فقبلته فقلت هذا الأمر فقال ~~لا والله الذى لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا ثم قال قدمت المدينة فجلست إلى ~~نافع فقلت يا أبا عبد الله ان لى إليك حاجة فقال سر أم علانية فقلت لا بل ~~سر قال رب سر لا خير فيه فقلت ليس من ذلك فلما صلينا العصر قام وأخذ بثوبى ~~ثم خرج من الخوخة ولم ينتظر القاص فقال حاجتك قال فقلت اخلنى هذا فقال تنح ~~قال فذكرت له قولهم فقال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( أمرت ~~أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوا لا إله إلا الله ~~عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ( قال قلت إنهم ~~يقولون نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلى وبأن الخمر حرام ونشربها وأن نكاح ~~الأمهات حرام ونحن ننكح فنثر يده من يدى وقال من فعل هذا فهو كافر ~~PageV07P205 قال معقل فلقيت الزهري فأخبرته بقولهم فقال سبحان الله وقد أخذ ~~الناس في هذه الخصومات قال رسول الله ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( قال معقل فلقيت الحكم بن عتبة فقلت ~~له إن عبدالكريم وميمونا بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة فعرضوا بقولهم ~~عليك فقبلت قولهم قال فقبل ذلك على ميمون وعبدالكريم لقد دخل على اثنا عشر ~~رجلا وأنا مريض فقالوا يا أبا محمد بلغك أن رسول الله أتاه رجل بأمة سوداء ~~أو حبشية فقال يا رسول الله على رقبة مؤمنة افترى هذه مؤمنة فقال لها رسول ~~الله ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ( فقالت نعم قال ( وتشهدين أن محمدا ~~رسول الله ( قالت نعم قال ( وتشهدين أن الجنة حق والنار حق ( قالت نعم قال ~~( وتشهدين أن الله يبعثك من بعد الموت ( قالت نعم قال ( فاعتقها فإنها ~~مؤمنة ( فخرجوا وهم ينتحلون ذلك # قال معقل ثم جلست إلى ميمون بن مهران فقلت يا أبا ايوب لو قرأت لنا سورة ~~ففسرتها ms2003 قال فقرأ @QB@ إذا الشمس كورت @QE@ حتى إذا بلغ @QB@ مطاع ثم أمين ~~@QE@ قال ذاكم جبريل والخيبة لمن يقول ان إيمانه كإيمان جبريل ورواه حنبل ~~عن أحمد ورواه ايضا عن بن أبى مليكة قال لقد اتى على برهة من الدهر وما ~~أرانى أدرك قوما يقول أحدهم ( إنى مؤمن مستكمل الإيمان ثم ما رضى حتى قال ~~إيمانى على ايمان جبريل وميكائيل وما زال بهم الشيطان PageV07P206 حتى قال ~~أحدهم انى مؤمن وإن نكح أخته وأمه وبنته والله لقد أدركت كذا وكذا من اصحاب ~~النبى ما مات أحد منهم إلا وهو يخشى النفاق على نفسه وقد ذكر هذا المعنى ~~عنه البخارى في ( صحيحه ( قال أدركت ثلاثين من اصحاب محمد كلهم يخاف النفاق ~~على نفسه ما منهم أحد يقول إيمانه كإيمان جبريل # وروى البغوى عن عبد الله بن محمد عن بن مجاهد قال كنت عند عطاء بن ابى ~~رباح فجاء ابنه يعقوب فقال يا أبتاه إن أصحابا لى يزعمون أن إيمانهم كإيمان ~~جبريل فقال يا بنى ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله # قلت قوله عن ( المرجئة ( أنهم يقولون ان الصلاة والزكاة ليستا من الدين ~~قد يكون قول بعضهم فإنهم كلهم يقولون ليستا من الإيمان وأما من الدين فقد ~~حكى عن بعضهم أنه يقول ليستا من الدين ولا نفرق بين الإيمان والدين ومنهم ~~من يقول بل هما من الدين ويفرق بين اسم الإيمان وإسم الدين وهذا هو المعروف ~~من اقوالهم التى يقولونها عن انفسهم ولم ار انا في كتاب أحد منهم انه قال ~~الأعمال ليست من الدين بل يقولون ليست من الإيمان وكذلك حكى أبو عبيد عمن ~~ناظره منهم فان أبا عبيد وغيره يحتجون بان الأعمال من الدين فذكر قوله @QB@ ~~اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ أنها نزلت في حجة الوداع قال أبو عبيد فأخبر ~~أنه إنما كمل الدين الآن في آخر الإسلام في حجة النبى صلى الله عليه وسلم ~~وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك PageV07P207 بعشرين سنة من أول ما نزل ~~عليه الوحى بمكة ms2004 حين دعا الناس إلى الاقرار حتى قال لقد إضطر بعضهم حين ~~أدخلت عليه هذه الحجة إلى أن قال ان الإيمان ليس بجميع الدين ولكن الدين ~~ثلاثة أجزاء الإيمان جزء والفرائض جزء والنوافل جزء # قلت هذا الذى قاله هذا هو مذهب القوم قال أبو عبيد وهذا غير ما نطق به ~~الكتاب ألا تسمع إلى قوله ( ان الدين عند الله الإسلام ( وقال @QB@ ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه @QE@ وقال @QB@ ورضيت لكم الإسلام دينا ~~@QE@ فاخبر ان الإسلام هو الدين برمته وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين # قلت إنما قالوا ان الإيمان ثلث ولم يقولوا أن الإيمان ثلث الدين لكنهم ~~فرقوا بين مسمى الإيمان ومسمى الدين وسنذكر إن شاء الله تعالى الكلام في ~~مسمى هذا ومسمى هذا فقد يحكى عن بعضهم أنه يقول ليستا من الدين ولا يفرق ~~بين اسم الإيمان والدين ومنهم من يقول بل كلاهما من الدين ويفرق بين إسم ~~الايمان وإسم الدين والشافعى رضى الله عنه كان معظما لعطاء بن ابى رباح ~~ويقول ليس في التابعين اتبع للحديث منه وكذلك أبو حنيفة قال ما رأيت مثل ~~عطاء وقد أخذ الشافعى هذه الحجة عن عطاء فروى إبن ابى حاتم في مناقب ~~الشافعى حدثنا أبى حدثنا ميمون حدثنا أبو عثمان بن الشافعى سمعت أبى يقول ~~ليلة للحميدى ما يحتج عليهم يعنى PageV07P208 اهل الأرجاء بآية أحج من قوله ~~@QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ # وقال الشافعى رضى الله عنه في كتاب ( الأم ( في ( باب النية في الصلاة ( ~~يحتج بأن لا تجزئ صلاة إلا بنية بحديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن النبى ~~( إنما الأعمال بالنيات ( ثم قال وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من ~~بعدهم ومن أدركناهم يقولون الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاث ~~إلا بالآخر # وقال حنبل حدثنا الحميدى قال واخبرت أن ناسا يقولون من اقر بالصلاة ~~والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت ويصلى مستدبر ms2005 القبلة ~~حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان ~~مقرى بالفرائض واستقبال القبلة فقلت هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة ~~رسوله وعلماء المسلمين قال الله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين @QE@ الآية وقال حنبل سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول ~~من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله # قلت وأما إحتجاجهم بقوله للأمة ( اعتقها فانها مؤمنة ( فهو من حججهم ~~المشهورة وبه إحتج بن كلاب وكان يقول الإيمان هو التصديق والقول جميعا فكان ~~قوله أقرب من قول جهم وأتباعه وهذا لا حجة فيه لأن PageV07P209 الإيمان ~~الظاهر الذى تجرى عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذى ~~يكون صاحبه من اهل السعادة في الآخرة فان المنافقين الذين قالوا @QB@ آمنا ~~بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع ~~الناس ويصومون ويحجون ويغزون والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم كما كان ~~المنافقون على عهد رسول الله ولم يحكم النبى صلى الله عليه وسلم في ~~المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر لا في مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ~~ذلك بل لما مات عبد الله بن أبى بن سلول وهو من اشهر الناس بالنفاق ورثه ~~ابنه عبد الله وهو من خيار المؤمنين وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ~~ورثته المؤمنون واذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين # وقد تنازع الفقهاء في المنافق الزنديق الذى يكتم زندقته هل يرث ويورث على ~~قولين والصحيح أنه يرث ويورث وإن علم في الباطن أنه منافق كما كان الصحابة ~~على عهد النبى صلى الله عليه وسلم لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة ~~لا على المحبة التى في القلوب فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته والحكمة اذا ~~كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها وهو ما أظهره من موالاة المسلمين ~~فقول النبى ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ( لم يدخل فيه ~~المنافقون وان كانوا ms2006 في الآخرة في الدرك الأسفل من النار بل كانوا يورثون ~~ويرثون وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين وقد أخبر الله عنهم ~~أنهم يصلون ويزكون ومع هذا PageV07P210 لم يقبل ذلك منهم فقال @QB@ وما ~~منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة ~~إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون @QE@ وقال @QB@ إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا @QE@ # وفى ( صحيح مسلم ( عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( تلك صلاة المنافق ~~تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى شيطان ~~قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ( وكانوا يخرجون مع النبى في ~~المغازى كما خرج إبن أبى في غزوة بنى المصطلق وقال فيها ( لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ( # ( وفى الصحيحين ( عن زيد بن أرقم قال خرجنا مع النبى في سفر اصاب الناس ~~فيها شدة فقال عبد الله بن أبى لأصحابه لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا من حوله وقال ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ( ~~فأتيت النبى فأخبرته فأرسل إلى عبد الله بن ابى فسأله فإجتهد يمينه ما فعل ~~وقالوا كذب زيد يا رسول الله فوقع في نفسى مما قالوا شدة حتى أنزل الله ~~تصديقى في @QB@ إذا جاءك المنافقون @QE@ فدعاهم النبى ليستغفر لهم فلووا ~~رؤوسهم وفى غزوة تبوك استنفرهم النبى كما إستنفر غيرهم فخرج بعضهم معه ~~وبعضهم تخلفوا وكان في الذين خرجوا معه من هم بقتله في الطريق هموا بحل ~~حزام PageV07P211 ناقته ليقع في واد هناك فجاءه الوحى فأسر إلى حذيفة ~~أسماءهم ولذلك يقال هو صاحب السر الذى لا يعلمه غيره كما ثبت ذلك في ( ~~الصحيح ( ومع هذا ففى الظاهر تجرى عليهم أحكام أهل الإيمان # وبهذا يظهر الجواب عن شبهات كثيرة تورد في هذا المقام فإن كثيرا من ~~المتأخرين ما بقى في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو فاسق ms2007 وأعرضوا عن ~~حكم المنافقين والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة والنفاق شعب ~~كثيرة وقد كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم ففى ( الصحيحين ( عن النبى ~~قال ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ( وفى ~~لفظ مسلم ( وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ( وفى ( الصحيحين ( عن عبد الله بن ~~عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أربع من كن فيه كان منافقا ~~خالصا ومن كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها إذا حدث ~~كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ( # وكان النبى صلى الله عليه وسلم أولا يصلى عليهم ويستغفر لهم حتى نهاه ~~الله عن ذلك فقال @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ~~@QE@ وقال @QB@ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم @QE@ فلم يكن يصلى عليهم ولا يستغفر لهم ولكن دماؤهم ~~وأموالهم معصومة PageV07P212 لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار الذين لا ~~يظهرون أنهم مؤمنون بل يظهرون الكفر دون الإيمان فإنه قال ( أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فإذا قالوها عصموا منى ~~دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ( ولما قال لأسامة بن زيد ( ~~اقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ( قال إنما قالها تعوذا قال ( هلا شققت ~~عن قلبه ( وقال ( إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا اشق بطونهم ( وكان ~~إذا استؤذن في قتل رجل يقول ( أليس يصلى أليس يتشهد ( فإذا قيل له أنه ~~منافق قال ( ذاك ( # فكان حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم لا يستحل منها شيئا ~~إلا بأمر ظاهر مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه ~~قال تعالى ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ( وكان ~~من ms2008 مات منهم صلى عليه المسلمون الذين لا يعلمون أنه منافق ومن علم أنه ~~منافق لم يصل عليه وكان عمر إذا مات ميت لم يصل عليه حتى يصلى عليه حذيفة ~~لأن حذيفة كان قد علم أعيانهم وقد قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ فأمر بإمتحانهن هنا وقال @QB@ الله ~~أعلم بإيمانهن @QE@ PageV07P213 والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة ~~مؤمنة لم يكن على الناس أن لا يعتقوا إلا من يعلموا أن الإيمان في قلبه فإن ~~هذا كما لو قيل لهم اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان في قلبه وهم لم يؤمروا ~~أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم فاذا راوا رجلا يظهر الإيمان جاز ~~لهم عتقه وصاحب الجارية لما سأل النبى هل هي مؤمنة إنما اراد الإيمان ~~الظاهر الذى يفرق به بين المسلم والكافر وكذلك من عليه نذر لم يلزمه أن ~~يعتق إلا من علم أن الإيمان في قلبه فإنه لا يعلم ذلك مطلقا بل ولا أحد من ~~الخلق يعلم ذلك مطلقا وهذا رسول الله اعلم الخلق والله يقول له @QB@ وممن ~~حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن ~~نعلمهم سنعذبهم مرتين @QE@ فأولئك إنما كان النبى صلى الله عليه وسلم يحكم ~~فيهم كحكمه في سائر المؤمنين ولو حضرت جنازة أحدهم صلى عليها ولم يكن منهيا ~~عن الصلاة إلا على من علم نفاقه وإلا لزم أن ينقب عن قلوب الناس ويعلم ~~سرائرهم وهذا لا يقدر عليه بشر # ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله ( ومنهم ( ومنهم ( صار يعرف نفاق ~~ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس ~~منهم وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزمة لنفاقهم وإن كان بعضهم يظن ذلك ~~وبعضهم يعلمه فلم يكن نفاقهم معلوما عند الجماعة بخلاف حالهم لما نزل ~~القرآن ولهذا لما نزلت سورة براءة كتموا النفاق وما بقى يمكنهم من إظهاره ms2009 ~~أحيانا ما كان يمكنهم قبل ذلك وانزل الله تعالى @QB@ لئن لم ينته @QE@ ~~PageV07P214 @QB@ المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ~~@QE@ فلما توعدوا بالقتل اذا أظهروا النفاق كتموه # ولهذا تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق فقيل يستتاب واستدل من قال ذلك ~~بالمنافقين الذين كان النبى صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل أمرهم ~~إلى الله فيقال له هذا كان في اول الأمر وبعد هذا أنزل الله @QB@ ملعونين ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا @QE@ فعلموا أنهم إن أظهروه كما كانوا ~~يظهرونه قتلوا فكتموه # والزنديق هو المنافق وانما يقتله من يقتله اذا ظهر منه أنه يكتم النفاق ~~قالوا ولا تعلم توبته لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر وقد كان يظهر ~~الإيمان وهو منافق ولو قبلت توبة الزنادقة لم يكن سبيل إلى تقتيلهم والقرآن ~~قد توعدهم بالتقتيل # والمقصود أن النبى إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر الذى علقت به ~~الأحكام الظاهرة والا فقد ثبت عنه أن سعدا لما شهد لرجل أنه مؤمن قال ( أو ~~مسلم ( وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الأمة وزيادة فيجب أن يفرق بين أحكام ~~المؤمنين الظاهرة التى يحكم فيها الناس في الدنيا وبين حكمهم في الآخرة ~~بالثواب والعقاب فالمؤمن المستحق للجنة لابد PageV07P215 أن يكون مؤمنا في ~~الباطن بإتفاق جميع أهل القبلة حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمنا ~~ويقولون الإيمان هو الكلمة يقولون أنه لا ينفع في الآخرة إلا الإيمان ~~الباطن # وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة وهو غلط عليهم ~~إنما نازعوا في الإسم لا في الحكم بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا ~~يتبعض ولا يتفاضل ولهذا أكثر ما اشترط الفقهاء في الرقبة التى تجزئ في ~~الكفارة العمل الظاهر فتنازعوا هل يجزئ الصغير على قولين معروفين للسلف هما ~~روايتان عن أحمد فقيل لا يجزئ عتقه لأن الإيمان قول ms2010 وعمل والصغير لم يؤمن ~~بنفسه إنما إيمانه تبع لأبويه في أحكام الدنيا ولم يشترط أحد أن يعلم أنه ~~مؤمن في الباطن وقيل بل يجزئ عتقه لأن العتق من الأحكام الظاهرة وهو تبع ~~لأبويه فكما أنه يرث منهما ويصلى عليه ولا يصلى إلا على مؤمن فإنه يعتق # وكذلك المنافقون الذين لم يظهروا نفاقهم يصلى عليهم اذا ماتوا ويدفنون في ~~مقابر المسلمين من عهد النبى والمقبرة التى كانت للمسلمين في حياته وحياة ~~خلفائه وأصحابه يدفن فيها كل من أظهر الإيمان وان كان منافقا في الباطن ولم ~~يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار الإسلام كما ~~تكون لليهود والنصارى مقبرة يتميزون بها ومن دفن في مقابر المسلمين صلى ~~عليه المسلمون والصلاة لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن فعلم أن ذلك ~~بناء على الإيمان الظاهر والله يتولى السرائر وقد كان النبى صلى الله عليه ~~PageV07P216 وسلم يصلى عليهم ويستغفر لهم حتى نهى عن ذلك وعلل ذلك بالكفر ~~فكان ذلك دليلا على أن كل من لم يعلم أنه كافر بالباطن جازت الصلاة عليه ~~والإستغفار له وإن كانت فيه بدعة وإن كان له ذنوب # وإذا ترك الإمام أو أهل العلم والدين ( الصلاة ( على بعض المتظاهرين ~~ببدعة أو فجور زجرا عنها لم يكن ذلك محرما للصلاة عليه والإستغفار له بل ~~قال النبى فيمن كان يمتنع عن الصلاة عليه وهو الغال وقاتل نفسه والمدين ~~الذى لا وفاء له ( صلوا على صاحبكم ( وروى أنه كان يستغفر للرجل في الباطن ~~وإن كان في الظاهر يدع ذلك زجرا عن مثل مذهبه كما روى في حديث محلم بن ~~جثامة # وليس في الكتاب والسنة المظهرون للإسلام إلا قسمان مؤمن أو منافق ~~فالمنافق في الدرك الأسفل من النار والآخر مؤمن ثم قد يكون ناقص الإيمان ~~فلا يتناوله الإسم المطلق وقد يكون تام الإيمان وهذا يأتى الكلام عليه إن ~~شاء الله في مسألة الإسلام والإيمان وأسماء الفساق من أهل الملة لكن ~~المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ms2011 ولا ببدعة ابتدعها ولو دعا ~~الناس إليها كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا فأما من كان في قلبه ~~الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس ~~بكافر أصلا والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها ~~ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا على بن أبى طالب ولا غيره بل حكموا ~~PageV07P217 فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار ~~عنهم بذلك في غير هذا الموضع # وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن ~~ومن لم يكن منافقا بل كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرا في ~~الباطن وان أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه وقد يكون في بعضهم شعبة من ~~شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذى يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار ~~ومن قال أن الثنتين والسبعين فرقه كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة ~~فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بل واجماع ~~الأئمة الأربعة وغير الأربعة فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين ~~فرقة وانما يكفر بعضهم بعضا ببعض المقالات كما قد بسط الكلام عليهم في غير ~~هذا الموضع # وإنما قال الأئمة بكفر هذا لأن هذا فرض ما لا يقع فيمتنع أن يكون الرجل ~~لا يفعل شيئا مما أمر به من الصلاة والزكاة والصيام والحج ويفعل ما يقدر ~~عليه من المحرمات مثل الصلاة بلا وضوء والى غير القبلة ونكاح الأمهات وهو ~~مع ذلك مؤمن في الباطن بل لا يفعل ذلك إلا لعدم الإيمان الذى في قلبه ولهذا ~~كان اصحاب ابى حنيفة يكفرون أنواعا ممن يقول كذا وكذا لما فيه من الاستخفاف ~~ويجعلونه مرتدا ببعض هذه الأنواع مع النزاع اللفظى الذى بين أصحابه وبين ~~الجمهور في العمل هل هو داخل في إسم الإيمان PageV07P218 أم لا ولهذا فرض ~~متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها وهو ان الرجل اذا كان مقرى بوجوب الصلاة ~~فدعى اليها ms2012 وامتنع واستتيب ثلاثا مع تهديده بالقتل فلم يصل حتى قتل هل يموت ~~كافرا أو فاسقا على قولين # وهذا الفرض باطل فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها ~~عليه وأنه يعاقبه على تركها ويصبر على القتل ولا يسجد لله سجدة من غير عذر ~~له في ذلك هذا لا يفعله بشر قط بل ولا يضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا ~~صلى لا ينتهى الأمر به إلى القتل وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه ~~الإنسان إلا لأمر عظيم مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك فيصبر عليه ~~حتى يقتل وسواء كان الدين حقا أو باطلا إما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه ~~باطنا وظاهرا فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من إحتمال القتل قط # ونظير هذا لو قيل أن رجلا من اهل السنة قيل له ترض عن أبى بكر وعمر ~~فإمتنع عن ذلك حتى قتل مع محبته لهما واعتقاده فضلهما ومع عدم الاعذار ~~المانعة من الترضى عنهما فهذا لا يقع قط وكذلك لو قيل أن رجلا يشهد أن ~~محمدا رسول الله باطنا وظاهرا وقد طلب منه ذلك وليس هناك رهبة ولا رغبة ~~يمتنع لأجلها فامتنع منها حتى قتل فهذا يمتنع أن يكون في الباطن يشهد أن ~~محمدا رسول الله ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذى لا نجاة للعبد إلا ~~به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين إلا الجهمية جهما ومن وافقه ~~فإنه اذا قدر أنه معذور لكونه أخرس أو لكونه خائفا من قوم ان PageV07P219 ~~أظهر الإسلام آذوه ونحو ذلك فهذا يمكن أن لا يتكلم مع إيمان في قلبه ~~كالمكره على كلمة الكفر قال الله تعالى @QB@ إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم @QE@ ~~وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه فإنه جعل كل من تكلم بالكفر ~~من أهل وعيد الكفار الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # فإن قيل فقد ms2013 قال تعالى @QB@ ولكن من شرح بالكفر صدرا @QE@ قيل وهذا موافق ~~لأولها فانه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا والا ناقض أول الآية ~~آخرها ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره وذلك يكون بلا اكراه لم يستثن ~~المكره فقط بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره واذا ~~تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا وهى كفر وقد دل على ذلك قوله تعالى ~~@QB@ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا ~~إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن ~~طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين @QE@ فقد أخبر أنهم كفروا بعد ~~إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب ~~وبين أن الإستهزاء بآيات الله كفر ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا ~~الكلام ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام PageV07P220 # والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه كقوله تعالى @QB@ ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين @QE@ إلى قوله @QB@ إنما كان ~~قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون @QE@ فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول وأخبر أن ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا فبين أن هذا ~~من لوازم الإيمان PageV07P221 ### ||| فصل # فإن قيل فاذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله فمتى ~~ذهب بعض ذلك بطل الايمان فيلزم تكفير أهل الذنوب كما تقوله الخوارج أو ~~تخليدهم في النار وسلبهم إسم الإيمان بالكلية كما تقوله المعتزلة وكلا هذين ~~القولين شر من قول المرجئة فإن المرجئة منهم جماعة من ms2014 العلماء والعباد ~~المذكورين عند الأمة بخير واما الخوارج والمعتزلة فأهل السنة والجماعة من ~~جميع الطوائف مطبقون على ذمهم # قيل اولا ينبغى أن يعرف أن القول الذى لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه ~~أحد من اهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار فإن هذا القول من ~~البدع المشهورة وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين ~~على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من ايمان واتفقوا ايضا ~~على أن نبينا يشفع فيمن ياذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته ~~ففى ( الصحيحين ( عنه أنه قال ( لكل نبى دعوة مستجابة وانى اختبأت دعوتى ~~شفاعة لأمتى يوم القيامة ( وهذه الأحاديث مذكورة في مواضعها وقد نقل بعض ~~الناس عن الصحابة في ذلك خلافا كما PageV07P222 روى عن بن عباس أن القاتل ~~لا توبة له وهذا غلط على الصحابة فإنه لم يقل أحد منهم أن النبى لا يشفع ~~لأهل الكبائر ولا قال أنهم يخلدون في النار ولكن بن عباس في احدى الروايتين ~~عنه قال أن القاتل لا توبة له وعن أحمد بن حنبل في قبول توبة القاتل ~~روايتان ايضا والنزاع في التوبة غير النزاع في التخليد وذلك أن القتل يتعلق ~~به حق آدمى فلهذا حصل فيه النزاع # وأما قول القائل ان الايمان اذا ذهب بعضه ذهب كله فهذا ممنوع وهذا هو ~~الأصل الذى تفرعت عنه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب ~~كله لم يبق منه شيء ثم قالت ( الخوارج والمعتزلة ( هو مجموع ما أمر الله به ~~ورسوله وهو الإيمان المطلق كما قاله اهل الحديث قالوا فاذا ذهب شيء منه لم ~~يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار وقالت ( المرجئة ( على إختلاف ~~فرقهم لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان اذ لو ذهب ~~شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئا واحدا يستوى فيه البر والفاجر ونصوص ~~الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه كقوله ( يخرج من النار من ms2015 كان ~~في قلبه مثقال ذرة من إيمان ( # ولهذا كان ( أهل السنة والحديث ( على أنه يتفاضل وجمهورهم يقولون يزيد ~~وينقص ومنهم من يقول يزيد ولا يقول ينقص كما روى عن مالك في احدى الروايتين ~~ومنهم من يقول يتفاضل كعبدالله بن المبارك PageV07P223 وقد ثبت لفظ الزيادة ~~والنقصان منه عن الصحابة ولم يعرف فيه مخالف من الصحابة فروى الناس من وجوه ~~كثيرة مشهورة عن حماد بن سلمة عن ابى جعفر عن جده عمير بن حبيب الخطمى وهو ~~من أصحاب رسول الله قال ( الإيمان يزيد وينقص قيل له وما زيادته وما نقصانه ~~قال اذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته واذا غفلنا ونسينا فتلك ~~نقصانه وروى إسماعيل بن عياش عن جرير بن عثمان عن الحارث بن محمد عن أبى ~~الدرداء قال الايمان يزيد وينقص # وقال أحمد بن حنبل حدثنا يزيد حدثنا جرير بن عثمان قال سمعت أشياخنا أو ~~بعض اشياخنا أن أبا الدرداء قال ان من فقه العبد أن يتعاهد ايمانه وما نقص ~~منه ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد الايمان أم ينقص وان من فقه الرجل أن ~~يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه وروى إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن ~~عبد الله بن ربيعة الحضرمى عن ابى هريرة قال الايمان يزيد وينقص # وقال أحمد بن حنبل حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن طلحة عن زبيد عن ذر ~~قال كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه هلموا نزدد ايمانا فيذكرون الله عز وجل ~~وقال أبو عبيد في ( الغريب ( في حديث على أن الايمان يبدو لمظة في القلب ~~وكلما ازداد الايمان ازدادت اللمظة يروى ذلك عن عثمان بن عبد الله عن عمرو ~~بن هند الجملى عن على قال الأصمعى اللمظة مثل النكتة أو نحوها PageV07P224 # وقال أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن شريك عن هلال عن عبد الله بن عكيم قال ~~سمعت إبن مسعود يقول في دعائه اللهم زدنا ايمانا ويقينا وفقها وروى سفيان ~~الثورى عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال كان ms2016 معاذ بن جبل يقول لرجل ~~اجلس بنا نؤمن نذكر الله تعالى وروى أبو اليمان حدثنا صفوان عن شريح بن ~~عبيد أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول قم بنا نؤمن ~~ساعة فنحن في مجلس ذكر وهذه الزيادة أثبتها الصحابة بعد موت النبى صلى الله ~~عليه وسلم ونزول القرآن كله # وصح عن عمار بن ياسر أنه قال ثلاث من كن فيه فقد استكمل الايمان الانصاف ~~من نفسه والانفاق من الاقتار وبذل السلام للعالم ذكره البخارى في ( صحيحه ( ~~وقال جندب بن عبد الله وبن عمر وغيرهما تعلمنا الايمان ثم تعلمنا القرآن ~~فإزددنا ايمانا والآثار في هذا كثيرة رواها المصنفون في هذا الباب عن ~~الصحابة والتابعين في كتب كثيرة معروفة # قال مالك بن دينار الإيمان يبدو في القلب ضعيفا ضئيلا كالبقلة فان صاحبه ~~تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة واماط عنه الدغل وما يضعفه ~~ويوهنه أوشك أن ينمو أو يزداد ويصير له اصل وفروع وثمرة وظل إلى ما لا ~~يتناهى حتى يصير أمثال الجبال وان صاحبه أهمله ولم يتعاهده جاءه عنز ~~فنتفتها أو صبى فذهب بها وأكثر عليها الدغل فأضعفها أو اهلكها أو أيبسها ~~كذلك الإيمان PageV07P225 # وقال خيثمة بن عبد الرحمن الايمان يسمن في الخصب ويهزل في الجدب فخصبه ~~العمل الصالح وجدبه الذنوب والمعاصى وقيل لبعض السلف يزداد الايمان وينقص ~~قال نعم يزداد حتى يصير أمثال الجبال وينقص حتى يصير أمثال الهباء # وفى حديث حذيفة الصحيح ( حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما ~~في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ( وفى حديثه الآخر الصحيح ( تعرض الفتن ~~على القلوب كالحصير عودا عودا فأى قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأى قلب ~~أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل الصفا فلا تضره ~~فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر اسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف ~~معروفا ولا ينكر منكرا الا ما اشرب هواه وفى حديث السبعين ألفا الذين ~~يدخلون الجنة بغير حساب كفاية ms2017 فانه من أعظم الادلة على زيادة الايمان ~~ونقصانه لانه وصفهم بقوة الايمان وزيادته في تلك الخصال التى تدل على قوة ~~ايمانهم وتوكلهم على الله في أمورهم كلها # وروى أبو نعيم من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن عبد الله اليزنى عن أبى ~~رافع أنه سمع رجلا حدثه أنه سأل رسول الله عن الإيمان فقال أتحب أن أخبرك ~~بصريح الايمان قال نعم قال اذا أسأت أو ظلمت أحدا عبدك أو أمتك أو احدا من ~~الناس حزنت وساءك ذلك PageV07P226 واذا تصدقت أو أحسنت استبشرت وسرك ذلك ~~ورواه بعضهم عن يزيد عمن سمع النبى أنه سأله عن زيادة الايمان في القلب ~~ونقصانه فذكر نحوه وقال البزار حدثنا محمد بن ابى الحسن البصرى ثنا هانئ بن ~~المتوكل ثنا عبد الله بن سليمان عن إسحاق عن أنس مرفوعا ثلاث من كن فيه ~~استوجب الثواب وإستكمل الايمان خلق يعيش به في الناس وورع يحجزه عن معصية ~~الله وحلم يرد به جهل الجاهل ( و ( أربع من الشقاء جمود العين وقساوة القلب ~~وطول الأمل والحرص على الدنيا ( فالخصال الاولى تدل على زيادة الإيمان ~~وقوته والاربعة الاخر تدل على ضعفه ونقصانه # وقال أبو يعلى الموصلى ثنا عبد الله القواريرى ويحيى بن سعيد قالا ثنا ~~يزيد بن زريع ويحيى بن سعيد قالا حدثنا عوف حدثنى عقبة بن عبد الله المزنى ~~قال يزيد في حديثه في مسجد البصرة حدثنى رجل قد سماه ونسى عوف اسمه قال كنت ~~بالمدينة في مسجد فيه عمر بن الخطاب فقال لبعض جلسائه كيف سمعتم رسول الله ~~يقول في الاسلام فقال سمعته يقول الإسلام بدأ جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم ~~سداسيا ثم بازلا فقال عمر فما بعد البزول الا النقصان كذا ذكره أبو يعلى في ~~( مسند عمر ( وفى ( مسند ( هذا الصحابى المبهم ذكره أولى # قال أبو سليمان من أحسن في ليله كوفئ في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفئ في ~~ليله PageV07P227 # والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات كقوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين إذا ms2018 ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ ~~وهذه زيادة اذا تليت عليهم الآيات أى وقت تليت ليس هو تصديقهم بها عند ~~النزول وهذا أمر يجده المؤمن اذا تليت عليه الآيات زاد في قلبه بفهم القرآن ~~ومعرفة معانيه من علم الايمان ما لم يكن حتى كأنه لم يسمع الآية الا حينئذ ~~ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير والرهبة من الشر ما لم يكن فزاد علمه ~~بالله ومحبته لطاعته وهذه زيادة الايمان وقال تعالى @QB@ الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل @QE@ فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدو لم تكن عند آية نزلت فازدادوا ~~يقينا وتوكلا على الله وثباتا على الجهاد وتوحيدا بأن لا يخافوا المخلوق بل ~~يخافون الخالق وحده وقال تعالى @QB@ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين ~~في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم @QE@ وهذه ( الزيادة ( ليست مجرد ~~التصديق بأن الله أنزلها بل زادتهم ايمانا بحسب مقتضاها فان كانت أمرا ~~بالجهاد أو غيره ازدادوا رغبة وان كانت نهيا عن شيء انتهوا عنه فكرهوه ~~ولهذا قال ( وهم يستبشرون ( والاستبشار غير مجرد التصديق وقال تعالى @QB@ ~~والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه @QE@ ~~والفرح بذلك من زيادة الايمان قال تعالى @QB@ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا @QE@ وقال تعالى @QB@ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله @QE@ ~~PageV07P228 # وقال تعالى @QB@ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا @QE@ وقال @QB@ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم @QE@ وهذه نزلت لما رجع النبى وأصحابه من الحديبية فجعل ~~السكينة موجبة لزيادة الايمان # والسكينة طمأنينة في القلب غير علم القلب وتصديقه ولهذا قال يوم حنين ( ~~ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها ( وقال ~~تعالى @QB@ ثاني اثنين إذ هما في الغار ms2019 إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله ~~معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها @QE@ ولم يكن قد نزل يوم ~~حنين قرآن ولا يوم الغار وانما أنزل سكينته وطمأنينته من خوف العدو فلما ~~أنزل السكينة في قلوبهم مرجعهم من الحديبية ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم دل ~~على أن الايمان المزيد حال للقلب وصفة له وعمل مثل طمأنينته وسكونه ويقينه ~~واليقين قد يكون بالعمل والطمأنينة كما يكون بالعلم والريب المنافى لليقين ~~يكون ريبا في العلم وريبا في طمأنينة القلب ولهذا جاء في الدعاء المأثور ( ~~اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا ~~به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ( # وفى حديث الصديق الذى رواه أحمد والترمذى وغيرهما عن النبى أنه قال ( ~~سلوا الله العافية واليقين فما أعطى أحد بعد اليقين شيئا PageV07P229 خيرا ~~من العافية فسلوهما الله تعالى ( فاليقين عند المصائب بعد العلم بأن الله ~~قدرها سكينة القلب وطمأنينته وتسليمه وهذا من تمام الايمان بالقدر خيره ~~وشره كما قال تعالى @QB@ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله ~~يهد قلبه @QE@ قال علقمة ويروى عن إبن مسعود هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم ~~أنها من عند الله فيرضى ويسلم وقوله تعالى @QB@ يهد قلبه @QE@ هداه لقلبه ~~هو زيادة في ايمانه كما قال تعالى @QB@ والذين اهتدوا زادهم هدى @QE@ وقال ~~@QB@ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى @QE@ # ولفظ ( الإيمان ( أكثر ما يذكر في القرآن مقيدا فلا يكون ذلك اللفظ ~~متناولا لجميع ما أمر الله به بل يجعل موجبا للوازمه وتمام ما امر به ~~وحينئذ يتناوله الاسم المطلق قال تعالى @QB@ آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا ~~مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا ~~تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين ~~هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور @QE@ وقال ~~تعالى في آخر السورة @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ~~يؤتكم كفلين ms2020 من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم ~~@QE@ # وقد قال بعض المفسرين في الآية الأولى أنها خطاب لقريش وفى الثانية أنها ~~خطاب لليهود والنصارى وليس كذلك فإن الله لم يقل قط للكفار @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا @QE@ ثم قال بعد ذلك @QB@ لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على ~~شيء من فضل الله @QE@ PageV07P230 وهذه السورة مدنية باتفاق لم يخاطب بها ~~المشركين بمكة وقد قال @QB@ وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ~~لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين @QE@ وهذا لا يخاطب به كافر ~~وكفار مكة لم يكن أخذ ميثاقهم وانما أخذ ميثاق المؤمنين ببيعتهم له فإن كل ~~من كان مسلما مهاجرا كان يبايع النبى كما بايعه الانصار ليلة العقبة وانما ~~دعاهم إلى تحقيق الايمان وتكميله بأداء ما يجب من تمامه باطنا وظاهرا كما ~~نسأل الله ان يهدينا الصراط المستقيم في كل صلاة وان كان قد هدى المؤمنين ~~للاقرار بما جاء به الرسول جملة لكن الهداية المفصلة في جميع ما يقولونه ~~ويفعلونه في جميع أمورهم لم تحصل وجميع هذه الهداية الخاصة المفصلة هي من ~~الإيمان المأمور به وبذلك يخرجهم الله من الظلمات إلى النور PageV07P231 ### ||| فصل # ( وزيادة الإيمان الذى أمر الله به والذى يكون من عباده المؤمنين يعرف من ~~وجوه # ( أحدها ( الاجمال والتفصيل فيما أمروا به فانه وان وجب على جميع الخلق ~~الايمان بالله ورسوله ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملا ~~فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله ولا يجب على كل ~~عبد من الايمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه غيره فمن عرف ~~القرآن والسنن ومعانيها لزمه من الايمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره ولو ~~آمن الرجل بالله وبالرسول باطنا وظاهرا ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين مات ~~مؤمنا بما وجب عليه من الايمان وليس ما وجب عليه ولا ما وقع عنه مثل إيمان ~~من عرف الشرائع فآمن بها وعمل بها بل ms2021 ايمان هذا أكمل وجوبا ووقوعا فان ما ~~وجب عليه من الايمان أكمل وما وقع منه أكمل # وقوله تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ أى في التشريع بالامر ~~والنهى ليس المراد أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة ~~وأنه فعل ذلك بل في ( الصحيحين ( عن النبى أنه وصف النساء PageV07P232 ~~بانهن ناقصات عقل ودين وجعل نقصان عقلها أن شهادة امرأتين شهادة رجل واحد ~~ونقصان دينها أنها اذا حاضت لا تصوم ولا تصلى وهذا النقصان ليس هو نقص مما ~~أمرت به فلا تعاقب على هذا النقصان لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله كان ~~دينه كاملا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين # ( الوجه الثانى ( الاجمال والتفصيل فيما وقع منهم فمن آمن بما جاء به ~~الرسول مطلقا فلم يكذبه قط لكن أعرض عن معرفة أمره ونهيه وخبره وطلب العلم ~~الواجب عليه فلم يعلم الواجب عليه ولم يعمله بل اتبع هواه وآخر طلب علم ما ~~أمر به فعمل به وآخر طلب علمه فعلمه وآمن به ولم يعمل به وان اشتركوا في ~~الوجوب لكن من طلب علم التفصيل وعمل به فايمانه أكمل به فهؤلاء ممن عرف ما ~~يجب عليه والتزمه واقر به لكنه لم يعمل بذلك كله وهذا المقر بما جاء به ~~الرسول المعترف بذنبه الخائف من عقوبة ربه على ترك العمل أكمل إيمانا ممن ~~لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب بل هو ~~في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول مع أنه مقر بنبوته باطنا وظاهرا # فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه وما امر به فالتزمه كان ذلك ~~زيادة في ايمانه على من لم يحصل له ذلك وان كان معه التزام عام واقرار عام # وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها فآمن بها كان ايمانه أكمل ممن لم ~~PageV07P233 يعرف تلك الأسماء بل آمن بها ايمانا مجملا أو عرف بعضها وكلما ~~ازداد الانسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته كان ايمانه به أكمل # ( الثالث ( أن ms2022 العلم والتصديق نفسه يكون بعضه اقوى من بعض واثبت وابعد عن ~~الشك والريب وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه كما أن الحس الظاهر بالشيء ~~الواحد مثل رؤية الناس للهلال وان اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من ~~بعض وكذلك سماع الصوت الواحد وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من ~~الطعام فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة ~~والمعانى التى يؤمن بها من معانى أسماء الرب وكلامه يتفاضل الناس في ~~معرفتها أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها # ( الرابع ( أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذى لا ~~يستلزم عمله فالعلم الذى يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذى لا يعمل به واذا ~~كان شخصان يعلمان أن الله حق ورسوله حق والجنة حق والنار حق وهذا علمه أوجب ~~له محبة الله وخشيته والرغبة في الجنة والهرب من النار والآخر علمه لم يوجب ~~ذلك فعلم الأول أكمل فإن قوة المسبب دل على قوة السبب وهذه الأمور نشأت عن ~~العلم فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه فإذا ~~لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم ولهذا قال النبى ( ليس المخبر كالمعاين ~~( فان موسى لما أخبره PageV07P234 ربه ان قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح ~~فلما رآهم قد عبدوه ألقاها وليس ذلك لشك موسى في خبر الله لكن المخبر وإن ~~جزم بصدق المخبر فقد لا يتصور المخبر به في نفسه كما يتصوره اذا عاينه بل ~~يكون قلبه مشغولا عن تصور المخبر به وان كان مصدقا به ومعلوم أنه عند ~~المعاينة يحصل له من تصور المخبر به ما لم يكن عند الخبر فهذا التصديق أكمل ~~من ذلك التصديق # ( الخامس ( أن اعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله وخشية الله تعالى ~~ورجائه ونحو ذلك هي كلها من الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق ~~السلف وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلا عظيما # ( السادس ( أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة هي ايضا من الايمان والناس ~~يتفاضلون فيها # ( السابع ( ذكر الإنسان بقلبه ما أمره ms2023 الله به واستحضاره لذلك بحيث لا ~~يكون غافلا عنه أكمل ممن صدق به وغفل عنه فإن الغفلة تضاد كمال العلم ~~والتصديق والذكر والاستحضار يكمل العلم واليقين ولهذا قال عمير بن حبيب من ~~الصحابة اذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته واذا غفلنا ونسينا ~~وضيعنا فذلك نقصانه وهو كذلك وكان معاذ بن جبل يقول لأصحابه اجلسوا بنا ~~ساعة نؤمن قال تعالى @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ سيذكر ~~من يخشى ويتجنبها الأشقى @QE@ ثم كلما تذكر الانسان ما عرفه قبل ذلك وعمل ~~به PageV07P235 حصل له معرفة شيء آخر لم يكن عرفه قبل ذلك وعرف من معانى ~~أسماء الله وآياته ما لم يكن عرفه قبل ذلك كما في الأثر ( من عمل بما علم ~~ورثه الله علم ما لم يعلم ( وهذا أمر يجده في نفسه كل مؤمن # وفى ( الصحيح ( عن النبى ( مثل الذى يذكر ربه والذى لا يذكر ربه مثل الحى ~~والميت ( قال تعالى @QB@ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ وذلك ~~أنها تزيدهم علم ما لم يكونوا قبل ذلك علموه وتزيدهم عملا بذلك العلم ~~وتزيدهم تذكرا لما كانوا نسوه وعملا بتلك التذكرة وكذلك ما يشاهده العباد ~~من الآيات في الآفاق وفى أنفسهم قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ أى ان القرآن حق ثم قال تعالى @QB@ ~~أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ فإن الله شهيد في القرآن بما أخبر ~~به فآمن به المؤمن ثم اراهم في الآفاق وفى انفسهم من الايات ما يدل على مثل ~~ما أخبر به في القرآن فبينت لهم هذه الآيات ان القرآن حق مع ما كان قد حصل ~~لهم قبل ذلك # وقال تعالى @QB@ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما ~~لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب @QE@ فالآيات المخلوقة والمتلوة فيها تبصرة ~~وفيها تذكرة تبصرة من ms2024 العمى وتذكرة من الغفلة فيبصر من لم يكن عرف حتى يعرف ~~ويذكر من عرف ونسى والإنسان يقرأ السورة مرات حتى سورة الفاتحة ويظهر له في ~~أثناء الحال من معانيها ما لم يكن خطر له قبل ذلك حتى كأنها تلك الساعة ~~نزلت فيؤمن بتلك المعانى ويزداد علمه PageV07P236 وعمله وهذا موجود في كل ~~من قرأ القرآن بتدبر بخلاف من قرأه مع الغفلة عنه ثم كلما فعل شيئا مما أمر ~~به استحضر أنه امر به فصدق الامر فحصل له في تلك الساعة من التصديق في قلبه ~~ما كان غافلا عنه وإن لم يكن مكذبا منكرا # ( الوجه الثامن ( ان الانسان قد يكون مكذبا ومنكرا لامور لا يعلم أن ~~الرسول أخبر بها وأمر بها ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر بل قلبه جازم بأنه ~~لا يخبر الا بصدق ولا يأمر الا بحق ثم يسمع الآية أو الحديث أو يتدبر ذلك ~~أو يفسر له معناه أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه فيصدق بما كان مكذبا به ~~ويعرف ما كان منكرا وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به ايمانه ولم يكن ~~قبل ذلك كافرا بل جاهلا وهذا وان اشبه المجمل والمفصل لكون قلبه سليما عن ~~تكذيب وتصديق لشيء من التفاصيل وعن معرفة وانكار لشيء من ذلك فيأتيه ~~التفصيل بعد الاجمال على قلب ساذج واما كثير من الناس بل من أهل العلوم ~~والعبادات فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف ما جاء به الرسول وهم ~~لا يعرفون أنها تخالف فإذا عرفوا رجعوا وكل من ابتدع في الدين قولا أخطأ ~~فيه أو عمل عملا اخطأ فيه وهو مؤمن بالرسول أو عرف ما قاله وآمن به لم يعدل ~~عنه هو من هذا الباب وكل مبتدع قصده متابعة الرسول فهو من هذا الباب فمن ~~علم ما جاء به الرسول وعمل به أكمل ممن أخطأ ذلك ومن علم الصواب بعد الخطأ ~~وعمل به فهو أكمل ممن لم يكن كذلك PageV07P237 ### ||| فصل # وقد أثبت الله في القرآن إسلاما بلا ايمان في قوله ms2025 تعالى @QB@ قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ~~وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا @QE@ وقد ثبت في ( ~~الصحيحين ( عن سعد بن أبى وقاص قال اعطى النبى صلى الله عليه وسلم رهطا وفى ~~رواية قسم قسما وترك فيهم من لم يعطه وهو أعجبهم إلى فقلت يا رسول الله ~~مالك عن فلان فوالله انى لأراه مؤمنا فقال رسول الله ( أو مسلما ( أقولها ~~ثلاثا ويرددها على رسول الله ثلاثا ثم قال ( انى لأعطى الرجل وغيره أحب إلى ~~منه مخافة أن يكبه الله على وجهه في النار ( وفى رواية فضرب بين عنقى وكتفى ~~وقال ( اقتال أى سعد ( # فهذا الاسلام الذى نفى الله عن أهله دخول الايمان في قلوبهم هل هو اسلام ~~يثابون عليه أم هو من جنس إسلام المنافقين فيه قولان مشهوران للسلف والخلف ~~( أحدهما ( أنه اسلام يثابون عليه ويخرجهم من الكفر والنفاق وهذا مروى عن ~~الحسن وبن سيرين وابراهيم النخعى PageV07P238 وأبى جعفر الباقر وهو قول ~~حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وسهل بن عبد الله التسترى وابى طالب المكى وكثير ~~من أهل الحديث والسنة والحقائق # قال أحمد بن حنبل حدثنا مؤمل بن إسحاق عن عمار بن زيد قال سمعت هشاما ~~يقول كان الحسن ومحمد يقولان مسلم ويهابان مؤمن وقال أحمد بن حنبل حدثنا ~~أبو سلمة الخزاعى قال قال مالك وشريك وأبو بكر بن عياش وعبدالعزيز بن أبى ~~سلمة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد ( الإيمان ( المعرفة والإقرار والعمل إلا ~~أن حماد بن زيد يفرق بين الإسلام والايمان يجعل الإيمان خاصا والإسلام عاما ~~و # ( القول الثانى ( أن هذا الاسلام هو الاستسلام خوف السبى والقتل مثل ~~اسلام المنافقين قالوا وهؤلاء كفار فان الايمان لم يدخل في قلوبهم ومن لم ~~يدخل الايمان في قلبه فهو كافر وهذا اختيار البخارى ومحمد بن نصر المروزى ~~والسلف مختلفون في ذلك # قال محمد بن نصر حدثنا إسحاق انبأنا جرير عن مغيرة قال أتيت إبراهيم ~~النخعى فقلت أن رجلا خاصمنى يقال ms2026 له سعيد العنبرى فقال إبراهيم ليس ~~بالعنبرى ولكنه زبيدى قوله @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا @QE@ فقال هو الاستسلام فقال إبراهيم لا هو الإسلام # وقال حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن PageV07P239 ~~مجاهد @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ قال ~~استسلمنا خوف السبى والقتل ولكن هذا منقطع سفيان لم يدرك مجاهدا والذين ~~قالوا أن هذا الإسلام هو كإسلام المنافقين لا يثابون عليه قالوا لأن الله ~~نفى عنهم الإيمان ومن نفى عنه الإيمان فهو كافر وقال هؤلاء الاسلام هو ~~الايمان وكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم ومن جعل الفساق مسلمين غير مؤمنين ~~لزمه أن لا يجعلهم داخلين في قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة @QE@ وفى قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ~~من يوم الجمعة @QE@ وأمثال ذلك فإنهم انما دعوا باسم الايمان لا بإسم ~~الاسلام فمن لم يكن مؤمنا لم يدخل في ذلك # وجواب هذا أن يقال الذين قالوا من السلف إنهم خرجوا من الايمان إلى ~~الإسلام لم يقولوا أنه لم يبق معهم من الايمان شيء بل هذا قول الخوارج ~~والمعتزلة وأهل السنة الذين قالوا هذا يقولون الفساق يخرجون من النار ~~بالشفاعة وان معهم إيمانا يخرجون به من النار لكن لا يطلق عليهم اسم ~~الإيمان لأن الإيمان المطلق هو الذى يستحق صاحبه الثواب ودخول الجنة وهؤلاء ~~ليسوا من أهله وهم يدخلون في الخطاب بالايمان لأن الخطاب بذلك هو لمن دخل ~~في الايمان وان لم يستكمله فانه انما خوطب ليفعل تمام الايمان فكيف يكون قد ~~أتمه قبل الخطاب والا كنا قد تبينا أن هذا المأمور من الايمان قبل الخطاب ~~وانما صار من الإيمان بعد أن أمروا به فالخطاب ب @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~@QE@ PageV07P240 غير قوله @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم @QE@ ونظائرها فان الخطاب ب @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا @QE@ اولا يدخل فيه من أظهر الايمان وان كان منافقا في ~~الباطن ms2027 يدخل فيه في الظاهر فكيف لا يدخل فيه من لم يكن منافقا وإن لم يكن ~~من المؤمنين حقا # وحقيقته أن من لم يكن من المؤمنين حقا يقال فيه أنه مسلم ومعه ايمان ~~يمنعه الخلود في النار وهذا متفق عليه بين أهل السنة لكن هل يطلق عليه اسم ~~الايمان هذا هو الذى تنازعوا فيه فقيل يقال مسلم ولا يقال مؤمن وقيل بل ~~يقال مؤمن # والتحقيق أن يقال أنه مؤمن ناقص الايمان مؤمن بايمانه فاسق بكبيرته ولا ~~يعطى اسم الايمان المطلق فان الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق واسم ~~الايمان يتناوله فيما امر الله به ورسوله لان ذلك ايجاب عليه وتحريم عليه ~~وهو لازم له كما يلزمه غيره وانما الكلام في اسم المدح المطلق وعلى هذا ~~فالخطاب بالايمان يدخل فيه ( ثلاث طوائف ( يدخل فيه المؤمن حقا ويدخل فيه ~~المنافق في أحكامه الظاهرة وان كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار ~~وهو في الباطن ينفى عنه الاسلام والايمان وفى الظاهر يثبت له الاسلام ~~والايمان الظاهر ويدخل فيه الذين اسلموا وان لم تدخل حقيقة الايمان في ~~قلوبهم لكن معهم جزء من الايمان والاسلام يثابون عليه PageV07P241 # ثم قد يكونون مفرطين فيما فرض عليهم وليس معهم من الكبائر ما يعاقبون ~~عليه كأهل الكبائر لكن يعاقبون على ترك المفروضات وهؤلاء كالاعراب ~~المذكورين في الاية وغيرهم فانهم قالوا آمنا من غير قيام منهم بما أمروا به ~~باطنا وظاهرا فلا دخلت حقيقة الايمان في قلوبهم ولا جاهدوا في سبيل الله ~~وقد كان دعاهم النبى إلى الجهاد وقد يكونون من أهل الكبائر المعرضين للوعيد ~~كالذين يصلون ويزكون ويجاهدون ويأتون الكبائر وهؤلاء لا يخرجون من الاسلام ~~بل هم مسلمون ولكن بينهم نزاع لفظى هل يقال أنهم مؤمنون كما سنذكره إن شاء ~~الله # وأما ( الخوارج ( و ( المعتزلة ( فيخرجونهم من اسم الايمان والاسلام فان ~~الايمان والاسلام عندهم واحد فاذا خرجوا عندهم من الايمان خرجوا من الاسلام ~~لكن الخوارج تقول هم كفار والمعتزلة تقول لا مسلمون ولا كفار ينزلونهم ~~منزلة بين المنزلتين والدليل ms2028 على أن الاسلام المذكور في الاية هو اسلام ~~يثابون عليه وأنهم ليسوا منافقين أنه قال ( قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم ( ثم قال @QB@ وإن تطيعوا ~~الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا @QE@ فدل على انهم اذا اطاعوا الله ~~ورسوله مع هذا الإسلام آجرهم الله على الطاعة والمنافق عمله حابط في الآخرة # وايضا فإنه وصفهم بخلاف صفات المنافقين فان المنافقين وصفهم بكفر في ~~قلوبهم وأنهم يبطنون خلاف ما يظهرون كما قال تعالى @QB@ ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما ~~يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا @QE@ ~~PageV07P242 الآيات وقال @QB@ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ ~~فالمنافقون يصفهم في القرآن بالكذب وأنهم يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم ~~وبأن في قلوبهم من الكفر ما يعاقبون عليه وهؤلاء لم يصفهم بشيء من ذلك لكن ~~لما ادعوا الايمان قال للرسول @QB@ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ~~@QE@ ونفى الايمان المطلق لا يستلزم أن يكونوا منافقين كما في قوله @QB@ ~~يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ~~وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين @QE@ ثم قال @QB@ إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا ~~@QE@ ومعلوم أنه ليس من لم يكن كذلك يكون منافقا من أهل الدرك الاسفل من ~~النار بل لا يكون قد اتى بالايمان الواجب فنفى عنه كما ينفى سائر الأسماء ~~عمن ترك بعض ما يجب عليه فكذلك الأعراب لم يأتوا بالايمان الواجب فنفى عنهم ~~لذلك وان كانوا مسلمين معهم من الايمان ما يثابون عليه # وهذا حال أكثر الداخلين في الاسلام ابتداء بل حال أكثر من لم يعرف ms2029 ~~PageV07P243 حقائق الإيمان فإن الرجل إذا قوتل حتى أسلم كما كان الكفار ~~يقاتلون حتى يسلموا أو أسلم بعد الأسر أو سمع بالإسلام فجاء فأسلم فإنه ~~مسلم ملتزم طاعة الرسول ولم تدخل إلى قلبه المعرفة بحقائق الايمان فان هذا ~~انما يحصل لمن تيسرت له أسباب ذلك اما بفهم القرآن وإما بمباشرة أهل ~~الإيمان والاقتداء بما يصدر عنهم من الاقوال والأعمال وإما بهداية خاصة من ~~الله يهديه بها والإنسان قد يظهر له من محاسن الاسلام ما يدعوه إلى الدخول ~~فيه وإن كان قد ولد عليه وتربى بين أهله فإنه يحبه فقد ظهر له بعض محاسنه ~~وبعض مساوئ الكفار # وكثير من هؤلاء قد يرتاب اذا سمع الشبه القادحة فيه ولا يجاهد في سبيل ~~الله فليس هو داخلا في قوله @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله @QE@ وليس هو منافقا ~~في الباطن مضمرا للكفر فلا هو من المؤمنين حقا ولا هو من المنافقين ولا هو ~~ايضا من اصحاب الكبائر بل يأتى بالطاعات الظاهرة ولا يأتى بحقائق الايمان ~~التى يكون بها من المؤمنين حقا فهذا معه ايمان وليس هو من المؤمنين حقا ~~ويثاب على ما فعل من الطاعات ولهذا قال تعالى @QB@ ولكن قولوا أسلمنا @QE@ ~~ولهذا قال @QB@ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين @QE@ يعنى في قولكم ( آمنا ( يقول ~~ان كنتم صادقين فالله يمن عليكم ان هداكم للايمان وهذا PageV07P244 يقتضى ~~أنهم قد يكونون صادقين في قولهم ( آمنا ( ثم صدقهم اما أن يراد به اتصافهم ~~بأنهم آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون وإما أن يراد به أنهم لم يكونوا كالمنافقين بل معهم ~~ايمان وان لم يكن لهم أن يدعوا مطلق الإيمان وهذا أشبه والله أعلم لأن ~~النسوة الممتحنات قال فيهن @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار @QE@ ولا يمكن نفى الريب عنهن في المستقبل ولأن الله انما كذب ~~المنافقين ms2030 ولم يكذب غيرهم وهؤلاء لم يكذبهم ولكن قال ( لم تؤمنوا ( كما قال ~~( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ( وقوله ( لا يزنى الزانى حين ~~يزنى وهو مؤمن ( و ( لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ( وهؤلاء ليسوا ~~منافقين # وسياق الآية يدل على أن الله ذمهم لكونهم منوا بإسلامهم لجهلهم وجفائهم ~~وأظهروا ما في أنفسهم مع علم الله به فإن الله تعالى قال @QB@ قل أتعلمون ~~الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض @QE@ فلو لم يكن في ~~قلوبهم شيء من الدين لم يكونوا يعلمون الله بدينهم فإن الإسلام الظاهر ~~يعرفه كل أحد ودخلت الباء في قوله @QB@ أتعلمون الله بدينكم @QE@ لأنه ضمن ~~معنى يخبرون ويحدثون كأنه قال اتخبرونه وتحدثونه بدينكم وهو يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض وسياق الآية يدل على أن الذى أخبروا به الله هو ما ~~ذكره الله عنهم من قولهم ( آمنا ( فإنهم أخبروا عما في قلوبهم PageV07P245 ~~وقد ذكر المفسرون أنه لما نزلت هاتان الآيتان أتوا رسول الله يحلفون أنهم ~~مؤمنون صادقون فنزل قوله تعالى @QB@ قل أتعلمون الله بدينكم @QE@ وهذا يدل ~~على أنهم كانوا صادقين أولا في دخولهم في الدين لأنه لم يتجدد لهم بعد نزول ~~الآية جهاد حتى يدخلوا به في الآية انما هو كلام قالوه وهو سبحانه قال @QB@ ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم @QE@ ولفظ ( لما ( ينفى به ما يقرب حصوله ~~ويحصل غالبا كقوله @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم @QE@ وقد قال السدى نزلت هذه الآية في أعراب مزينة وجهينة ~~وأسلم وأشجع وغفار وهم الذين ذكرهم الله في سورة الفتح وكانوا يقولون آمنا ~~بالله ليأمنوا على أنفسهم فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا فنزلت فيهم ~~هذه الآية وعن مقاتل كانت منازلهم بين مكة والمدينة وكانوا إذا مرت بهم ~~سرية من سرايا رسول الله قالوا آمنا ليأمنوا على دمائهم وأموالهم فلما سار ~~رسول الله إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه # وقال مجاهد نزلت في أعراب بنى أسد بن خزيمة ووصف غيره ms2031 حالهم فقال قدموا ~~المدينة في سنة مجدبة فأظهروا الاسلام ولم يكونوا مؤمنين وافسدوا طرق ~~المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارهم وكانوا يمنون على رسول الله PageV07P246 ~~يقولون أتيناك بالاثقال والعيال فنزلت فيهم هذه الآية وقد قال قتادة في ~~قوله @QB@ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم ~~أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين @QE@ قال منوا على النبى حين جاؤوا فقالوا ~~انا أسلمنا بغير قتال لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان فقال الله ~~لنبيه @QB@ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان @QE@ # وقال مقاتل بن حيان هم أعراب بنى أسد بن خزيمة قالوا يا رسول الله أتيناك ~~بغير قتال وتركنا العشائر والأموال وكل قبيلة من العرب قاتلتك حتى دخلوا ~~كرها في الإسلام فلنا بذلك عليك حق فانزل الله تعالى @QB@ يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين @QE@ فله بذلك المن عليكم وفيهم أنزل الله @QB@ ولا تبطلوا ~~أعمالكم @QE@ ويقال من الكبائر التى ختمت بنار كل موجبة من ركبها ومات ~~عليها لم يتب منها # وهذا كله يبين أنهم لم يكونوا كفارا في الباطن ولا كانوا قد دخلوا فيما ~~يجب من الايمان وسورة الحجرات قد ذكرت هذه الأصناف فقال @QB@ إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون @QE@ ولم يصفهم بكفر ولا نفاق ~~لكن هؤلاء يخشى عليهم الكفر والنفاق ولهذا ارتد بعضهم لأنهم لم يخالط ~~الايمان بشاشة قلوبهم وقال بعد ذلك @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبأ فتبينوا @QE@ PageV07P247 الآية وهذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة ~~وكان قد كذب فيما أخبر # قال المفسرون نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله إلى بنى ~~المصطلق ليقبض صدقاتهم وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية فسار بعض ~~الطريق ثم رجع إلى رسول الله فقال إنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتلى فضرب ~~رسول الله البعث إليهم فنزلت هذه الآية وهذه القصة ms2032 معروفة من وجوه كثيرة ثم ~~قال تعالى في تمامها @QB@ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى @QE@ الآية ثم نهاهم عن أن يسخر بعضهم ~~ببعض وعن اللمز والتنابز بالألقاب وقال @QB@ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ~~@QE@ وقد قيل معناه لا تسميه فاسقا ولا كافرا بعد إيمانه وهذا ضعيف بل ~~المراد بئس الإسم أن تكونوا فساقا بعد إيمانكم كما قال تعالى في الذى كذب ~~@QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ فسماه فاسقا # وفى ( الصحيحين ( عن النبى أنه قال ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ( يقول ~~فاذا ساببتم المسلم وسخرتم منه ولمزتموه استحققتم أن تسموا فساقا وقد قال ~~في آية القذف @QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون @QE@ يقول ~~فاذا أتيتم بهذه الأمور التى تستحقون بها أن تسموا PageV07P248 فساقا كنتم ~~قد استحققتم إسم الفسوق بعد الإيمان وإلا فهم في تنابزهم ما كانوا يقولون ~~فاسق كافر فان النبى صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وبعضهم يلقب بعضا # وقد قال طائفة من المفسرين في هذه الآية لا تسميه بعد الإسلام بدينه قبل ~~الإسلام كقوله لليهودى إذا أسلم يا يهودى وهذا مروى عن بن عباس وطائفة من ~~التابعين كالحسن وسعيد بن جبير وعطاء الخراسانى والقرظى وقال عكرمة هو قول ~~الرجل يا كافر يا منافق وقال عبد الرحمن بن زيد هو تسمية الرجل بالأعمال ~~كقوله يا زانى يا سارق يا فاسق وفى تفسير العوفى عن بن عباس قال هو تعيير ~~التائب بسيئات كان قد عملها ومعلوم أن إسم الكفر واليهودية والزانى والسارق ~~وغير ذلك من السيئات ليست هي إسم الفاسق فعلم أن قوله @QB@ بئس الاسم ~~الفسوق @QE@ لم يرد به تسمية المسبوب بإسم الفاسق فإن تسميته كافرا أعظم بل ~~إن الساب يصير فاسقا لقوله ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ( ثم قال @QB@ ~~ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون @QE@ فجعلهم ظالمين إذا لم يتوبوا من ذلك ~~وان كانوا يدخلون في إسم المؤمنين ثم ms2033 ذكر النهى عن الغيبة ثم ذكر النهى عن ~~التفاخر بالأحساب وقال @QB@ إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ ثم ذكر قول ~~الأعراب ( آمنا ( # فالسورة تنهى عن هذه المعاصى والذنوب التى فيها تعد على الرسول وعلى ~~PageV07P249 المؤمنين فالأعراب المذكورون فيها من جنس المنافقين وأهل ~~السباب والفسوق والمنادين من وراء الحجرات وأمثالهم ليسوا من المنافقين ~~ولهذا قال المفسرون إنهم الذين إستنفروا عام الحديبية وأولئك وإن كانوا من ~~أهل الكبائر فلم يكونوا في الباطن كفارا منافقين # قال إبن إسحاق لما أراد رسول الله العمرة عمرة الحديبية استنفر من حول ~~المدينة من أهل البوادى والأعراب ليخرجوا معه خوفا من قومه أن يعرضوا له ~~بحرب أو بصد فتثاقل عنه كثير منهم فهم الذين عنى الله بقوله @QB@ سيقول لك ~~المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا @QE@ أى ادع الله ~~أن يغفر لنا تخلفنا عنك @QB@ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم @QE@ أى ما ~~يبالون استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم وهذا حال الفاسق الذى لا يبالى بالذنب ~~والمنافقون قال فيهم @QB@ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا ~~رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم @QE@ ولم يقل مثل هذا في هؤلاء الأعراب بل الآية دليل ~~على أنهم لو صدقوا في طلب الاستغفار نفعهم استغفار الرسول لهم ثم قال @QB@ ~~ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله ~~أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما @QE@ فوعدهم ~~الله بالثواب على طاعة الداعى إلى الجهاد وتوعدهم بالتولى عن طاعته # وهذا كخطاب أمثالهم من أهل الذنوب والكبائر بخلاف من هو كافر PageV07P250 ~~في الباطن فانه لا يستحق الثواب بمجرد طاعة الأمر حتى يؤمن أولا ووعيده ليس ~~على مجرد توليه عن الطاعة في الجهاد فان كفره أعظم من هذا # فهذا كله يدل على أن هؤلاء من فساق الملة فان الفسق يكون تارة بترك ~~الفرائض وتارة بفعل المحرمات وهؤلاء لما تركوا ما فرض الله عليهم من ms2034 الجهاد ~~وحصل عندهم نوع من الريب الذى أضعف ايمانهم لم يكونوا من الصادقين الذين ~~وصفهم وان كانوا صادقين في أنهم في الباطن متدينون بدين الإسلام # وقول المفسرين لم يكونوا مؤمنين نفى لما نفاه الله عنهم من الإيمان كما ~~نفاه عن الزانى والسارق والشارب وعمن لا يأمن جاره بوائقه وعمن لا يحب ~~لأخيه من الخير ما يحب لنفسه وعمن لا يجيب إلى حكم الله ورسوله وأمثال ~~هؤلاء وقد يحتج على ذلك بقوله @QB@ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان @QE@ كما ~~قال ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ( فذم من استبدل إسم الفسوق بعد الايمان ~~فدل على أن الفاسق لا يسمى مؤمنا فدل ذلك على أن هؤلاء الأعراب من جنس اهل ~~الكبائر لا من جنس المنافقين # وأما ما نقل من أنهم أسلموا خوف القتل والسبى فهكذا كان اسلام غير ~~المهاجرين والأنصار أسلموا رغبة ورهبة كإسلام الطلقاء من قريش بعد ان قهرهم ~~النبى وإسلام المؤلفة قلوبهم من هؤلاء ومن أهل نجد وليس كل من أسلم لرغبة ~~أو رهبة كان من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل PageV07P251 من النار ~~بل يدخلون في الاسلام والطاعة وليس في قلوبهم تكذيب ومعاداة للرسول ولا ~~استنارت قلوبهم بنور الإيمان ولا استبصروا فيه وهؤلاء قد يحسن اسلام أحدهم ~~فيصير من المؤمنين كأكثر الطلقاء وقد يبقى من فساق الملة ومنهم من يصير ~~منافقا مرتابا اذا قال له منكر ونكير ما تقول في هذا الرجل الذى بعث فيكم ~~فيقول هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته وقد تقدم قول من قال ~~أنهم أسلموا بغير قتال فهؤلاء كانوا أحسن إسلاما من غيرهم وأن الله إنما ~~ذمهم لكونهم منوا بالإسلام وأنزل فيهم ( ولا تبطلوا أعمالكم ( وأنهم من جنس ~~أهل الكبائر # وأيضا قوله @QB@ ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم @QE@ ~~ولما ( انما ينفى بها ما ينتظر ويكون حصوله مترقبا كقوله @QB@ أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين @QE@ وقوله ~~@QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ms2035 من قبلكم @QE@ ~~فقوله @QB@ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم @QE@ يدل على أن دخول الايمان ~~منتظر منهم فان الذى يدخل في الاسلام ابتداء لا يكون قد حصل في قلبه ~~الايمان لكنه يحصل فيما بعد كما في الحديث ( كان الرجل يسلم أول النهار ~~رغبة في الدنيا فلا يجيء آخر النهار الا والاسلام أحب إليه مما طلعت عليه ~~الشمس ( ولهذا كان عامة الذين أسلموا رغبة ورهبة دخل الايمان في قلوبهم بعد ~~ذلك وقوله @QB@ ولكن قولوا أسلمنا @QE@ أمر لهم بأن يقولوا ذلك والمنافق لا ~~يؤمر بشيء ثم قال @QB@ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ~~@QE@ PageV07P252 والمنافق لا تنفعه طاعة الله ورسوله حتى يؤمن أولا # وهذه الآية مما إحتج بها أحمد بن حنبل وغيره على أنه يستثنى في الايمان ~~دون الإسلام وان أصحاب الكبائر يخرجون من الايمان إلى الاسلام قال الميمونى ~~سألت أحمد بن حنبل عن رأيه في أنا مؤمن ان شاء الله فقال أقول مؤمن ان شاء ~~الله واقول مسلم ولا استثنى قال قلت لأحمد تفرق بين الاسلام والايمان فقال ~~لى نعم فقلت له بأى شيء تحتج قال لى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا @QE@ وذكر أشياء وقال الشالنجى سألت أحمد عمن قال أنا ~~مؤمن عند نفسى من طريق الأحكام والمواريث ولا أعلم ما أنا عند الله قال ليس ~~بمرجئ # وقال أبو أيوب سليمان بن داود الهاشمى الاستثناء جائز ومن قال أنا مؤمن ~~حقا ولم يقل عند الله ولم يستثن فذلك عندى جائز وليس بمرجئ وبه قال أبو ~~خيثمة وبن ابى شيبة وذكر الشالنجى أنه سأل أحمد بن حنبل عن المصر على ~~الكبائر يطلبها بجهده أى يطلب الذنب بجهده الا أنه لم يترك الصلاة والزكاة ~~والصوم هل يكون مصرا من كانت هذه حاله قال هو مصر مثل قوله ( لا يزنى ~~الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( يخرج من الايمان ويقع في الاسلام ومن نحو قوله ~~( ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا PageV07P253 يسرق السارق حين ~~يسرق وهو مؤمن ( ومن نحو ms2036 قول بن عباس في قوله @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون @QE@ فقلت له ما هذا الكفر قال كفر لا ينقل عن ~~الملة مثل الايمان بعضه دون بعض فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف ~~فيه وقال بن أبى شيبة ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( لا يكون مستكمل ~~الايمان يكون ناقصا من ايمانه # قال الشالنجى وسالت أحمد عن الايمان والاسلام فقال الايمان قول وعمل ~~والاسلام إقرار قال وبه قال أبو خيثمة وقال بن ابى شيبة لا يكون اسلام الا ~~بايمان ولا ايمان الا باسلام واذا كان على المخاطبة فقال قد قبلت الايمان ~~فهو داخل في الاسلام واذا قال قد قبلت الاسلام فهو داخل في الايمان وقال ~~محمد بن نصر المروزى وحكى غير هؤلاء أنه سال أحمد بن حنبل عن قول النبى ( ~~لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( فقال من أتى هذه الاربعة أو مثلهن أو ~~فوقهن فهو مسلم ولا اسميه مؤمنا ومن أتى دون ذلك يريد دون الكبائر اسميه ~~مؤمنا ناقص الايمان # قلت أحمد بن حنبل كان يقول تارة بهذا الفرق وتارة كان يذكر الاختلاف ~~ويتوقف وهو المتأخر عنه قال أبو بكر الاثرم في ( السنة ( سمعت أبا عبد الله ~~يسأل عن الاستثناء في الإيمان ما تقول فيه فقال أما أنا فلا أعيبه أى من ~~الناس من يعيبه قال أبو عبد الله اذا كان يقول أن الايمان قول PageV07P254 ~~وعمل يزيد وينقص فاستثنى مخافة واحتياطا ليس كما يقولون على الشك انما ~~يستثنى للعمل قال أبو عبد الله قال الله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام ~~إن شاء الله @QE@ أى ان هذا إستثناء بغير شك وقال النبى في أهل القبور ( ~~وانا إن شاء الله بكم لاحقون ( أى لم يكن يشك في هذا وقد استثناه وذكر قول ~~النبى ( وعليها نبعث ان شاء الله ( يعنى من القبر وذكر قول النبى ( أنى ~~لأرجو ان أكون اخشاكم لله ( قال هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان # قلت لابى عبد الله وكأنك لا ترى ms2037 بأسا ان لا يستثنى فقال اذا كان ممن يقول ~~الايمان قول وعمل يزيد وينقص فهو أسهل عندى ثم قال أبو عبد الله إن قوما ~~تضعف قلوبهم عن الاستثناء كالتعجب منهم وسمعت أبا عبد الله وقيل له شبابة ~~أى شيء تقول فيه فقال شبابة كان يدعى الارجاء قال وحكى عن شبابة قول أخبث ~~من هذه الأقاويل ما سمعت عن أحد بمثله قال أبو عبد الله قال شبابة اذا قال ~~فقد عمل بلسانه كما يقولون فاذا قال فقد عمل بجارحته أى بلسانه حين تكلم به ~~ثم قال أبو عبد الله هذا قول خبيث ما سمعت أحدا يقول به ولا بلغنى قيل لابى ~~عبد الله كنت كتبت عن شبابة شيئا فقال نعم كنت كتبت عنه قديما يسيرا قبل أن ~~نعلم أنه يقول بهذا قلت لابى عبد الله كتبت عنه بعد قال لا ولا حرف قيل ~~لابى عبد الله يزعمون أن سفيان كان يذهب إلى الإستثناء في الإيمان فقال هذا ~~مذهب سفيان المعروف به الإستثناء قلت لابى عبد الله من يرويه عن ~~PageV07P255 سفيان فقال كل من حكى عن سفيان في هذا حكاية كان يستثنى قال ~~وقال وكيع عن سفيان الناس عندنا مؤمنون في الاحكام والمواريث ولا ندرى ما ~~هم عند الله قلت لابى عبد الله فأنت بأى شيء تقول فقال نحن نذهب إلى ~~الإستثناء # قلت لأبى عبد الله فأما إذا قال أنا مسلم فلا يستثنى فقال نعم لا يستثنى ~~اذا قال أنا مسلم قلت لابى عبد الله اقول هذا مسلم وقد قال النبى ( المسلم ~~من سلم المسلمون من لسانه ويده ( وأنا اعلم أنه لا يسلم الناس منه فذكر ~~حديث معمر عن الزهري فنرى أن الاسلام الكلمة والايمان العمل قال أبو عبد ~~الله حدثناه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قيل لابى عبد الله فنقول الايمان ~~يزيد وينقص فقال حديث النبى يدل على ذلك فذكر قوله ( اخرجوا من النار من ~~كان في قلبه مثقال كذا أخرجوا من كان في قلبه مثقال كذا ( فهو يدل على ms2038 ذلك ~~وذكر عند ابى عبد الله عيسى الاحمر وقوله في الارجاء فقال نعم وذلك خبيث ~~القول وقال أبو عبد الله حدثنا مؤمل حدثنا حماد بن زيد سمعت هشاما يقول كان ~~الحسن ومحمد يقولان مسلم ويهابان مؤمن # قلت لابى عبد الله رواه غير سويد قال ما علمت بذلك وسمعت أبا عبد الله ~~يقول الايمان قول وعمل قلت لأبى عبد الله فالحديث الذى يروى ( أعتقها فانها ~~مؤمنة ( قال ليس كل أحد يقول انها مؤمنة يقولون أعتقها قال ومالك سمعه من ~~هذا الشيخ هلال بن على لا يقول ( فانها مؤمنة PageV07P256 وقد قال بعضهم ~~بأنها مؤمنة فهي حين تقر بذاك فحكمها حكم المؤمنة هذا معناه قلت لابى عبد ~~الله تفرق بين الإيمان والإسلام فقال قد اختلف الناس فيه وكان حماد بن زيد ~~زعموا يفرق بين الايمان والاسلام قيل له من المرجئة قال الذين يقولون ~~الإيمان قول بلا عمل # قلت فأحمد بن حنبل لم يرد قط أنه سلب جميع الإيمان فلم يبق معه منه شيء ~~كما تقوله الخوارج والمعتزلة فانه قد صرح في غير موضع بأن أهل الكبائر معهم ~~إيمان يخرجون به من النار واحتج بقول النبى ( أخرجوا من النار من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من إيمان ( وليس هذا قوله ولا قول أحد من أئمة اهل السنة بل ~~كلهم متفقون على أن الفساق الذين ليسوا منافقين معهم شيء من الايمان يخرجون ~~به من النار هو الفارق بينهم وبين الكفار والمنافقين لكن اذا كان معه بعض ~~الإيمان لم يلزم أن يدخل في الاسم المطلق الممدوح وصاحب الشرع قد نفى الاسم ~~عن هؤلاء فقال ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( وقال ( لا يؤمن أحدكم ~~حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ( وقال ( لا يؤمن من لا يأمن جاره ~~بوائقه ( واقسم على ذلك مرات وقال ( المؤمن من أمنه الناس على دمائهم ~~وأموالهم ( # و ( المعتزلة ( ينفون عنه اسم الايمان بالكلية واسم الاسلام أيضا ويقولون ~~ليس معه شيء من الإيمان والإسلام ويقولون ننزله منزلة بين منزلتين فهم ms2039 ~~يقولون إنه يخلد في النار لا يخرج منها بالشفاعة وهذا هو الذى أنكر عليهم ~~PageV07P257 والا لو نفوا مطلق الاسم وأثبتوا معه شيئا من الايمان يخرج به ~~من النار لم يكونوا مبتدعة وكل أهل السنة متفقون على أنه قد سلب كمال ~~الايمان الواجب فزال بعض ايمانه الواجب لكنه من أهل الوعيد وإنما ينازع في ~~ذلك من يقول الايمان لا يتبعض من الجهمية والمرجئة فيقولون أنه كامل ~~الإيمان فالذى ينفى إطلاق الإسم يقول الإسم المطلق مقرون بالمدح واستحقاق ~~الثواب كقولنا متق وبر وعلى الصراط المستقيم فإذا كان الفاسق لا تطلق عليه ~~هذه الاسماء فكذلك اسم الايمان وأما دخوله في الخطاب فلأن المخاطب بإسم ~~الإيمان كل من معه شيء منه لانه أمر لهم فمعاصيهم لا تسقط عنهم الامر # وأما ما ذكره أحمد في الاسلام فإتبع فيه الزهري حيث قال فكانوا يرون ~~الاسلام الكلمة والايمان العمل في حديث سعد بن أبى وقاص وهذا على وجهين ~~فانه قد يراد به الكلمة بتوابعها من الاعمال الظاهرة وهذا هو الاسلام الذى ~~بينه النبى حيث قال ( الاسلام أن تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول ~~الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ( وقد يراد به ~~الكلمة فقط من غير فعل الواجبات الظاهرة وليس هذا هو الذى جعله النبى ~~الاسلام لكن قد يقال اسلام الاعراب كان من هذا فيقال الاعراب وغيرهم كانوا ~~اذا أسلموا على عهد النبى ألزموا بالاعمال الظاهرة الصلاة والزكاة والصيام ~~والحج ولم يكن أحد يترك بمجرد الكلمة بل كان من أظهر المعصية يعاقب عليها ~~PageV07P258 # وأحمد إن كان أراد في هذه الرواية ان الاسلام هو الشهادتان فقط فكل من ~~قالها فهو مسلم فهذه احدى الروايات عنه والرواية الاخرى لا يكون مسلما حتى ~~يأتى بها ويصلى فاذا لم يصل كان كافرا و ( الثالثة ( أنه كافر بترك الزكاة ~~ايضا و ( الرابعة ( أنه يكفر بترك الزكاة اذا قاتل الامام عليها دون ما اذا ~~لم يقاتله وعنه أنه لو قال أنا أؤديها ولا أدفعها إلى الامام لم ms2040 يكن للامام ~~أن يقتله وكذلك عنه رواية أنه يكفر بترك الصيام والحج اذا عزم أنه لا يحج ~~أبدا ومعلوم أنه على القول بكفر تارك المبانى يمتنع أن يكون الاسلام مجرد ~~الكلمة بل المراد أنه اذا أتى بالكلمة دخل في الاسلام وهذا صحيح فانه يشهد ~~له بالاسلام ولا يشهد له بالايمان الذى في القلب ولا يستثنى في هذا الاسلام ~~لأنه امر مشهور لكن الاسلام الذى هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء ~~فالاسلام الذى لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فانها لا تزيد ولا تنقص ~~فلا استثناء فيها # وقد صار الناس في مسمى الاسلام على ( ثلاثة أقوال ( قيل هو الإيمان وهما ~~إسمان لمسمى واحد وقيل هو الكلمة وهذان القولان لهما وجه سنذكره لكن ~~التحقيق ابتداء هو ما بينه النبى صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الاسلام ~~والايمان ففسر الاسلام بالاعمال الظاهرة والايمان بالإيمان بالاصول الخمسة ~~فليس لنا اذا جمعنا بين الاسلام والايمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبى ~~وأما اذا أفرد اسم الايمان فانه يتضمن الاسلام واذا أفرد الاسلام فقد يكون ~~مع الاسلام مؤمنا بلا نزاع وهذا PageV07P259 هو الواجب وهل يكون مسلما ولا ~~يقال له مؤمن قد تقدم الكلام فيه وكذلك هل يستلزم الاسلام للايمان هذا فيه ~~النزاع المذكور وسنبينه والوعد الذى في القرآن بالجنة وبالنجاة من العذاب ~~إنما هو معلق باسم الايمان وأما اسم الاسلام مجردا فما علق به في القرآن ~~دخول الجنة لكنه فرضه واخبر أنه دينه الذى لا يقبل من أحد سواه # وبالاسلام بعث الله جميع النبيين قال تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ وقال @QB@ إن الدين عند ~~الله الإسلام @QE@ وقال نوح @QB@ يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على ~~الله وأمرت أن أكون من المسلمين @QE@ وقد أخبر ms2041 انه لم ينج من العذاب الا ~~المؤمنين فقال @QB@ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق ~~عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل @QE@ وقال @QB@ وأوحي إلى نوح أنه ~~لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن @QE@ وقال نوح @QB@ وما أنا بطارد الذين ~~آمنوا @QE@ # وكذلك أخبر عن إبراهيم أن دينه الاسلام فقال تعالى @QB@ ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ~~ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ ~~PageV07P260 # وقال @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ وبمجموع هذين الوصفين علق السعادة ~~فقال @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون @QE@ كما علقه بالايمان باليوم الاخر والعمل الصالح في قوله ~~@QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ # وهذا يدل على أن الاسلام الذى هو اخلاص الدين لله مع الاحسان وهو العمل ~~الصالح الذى أمر الله به هو والايمان المقرون بالعمل الصالح متلازمان فان ~~الوعد على الوصفين وعد واحد وهو الثواب وانتفاء العقاب فإن انتفاء الخوف ~~علة تقتضى انتفاء ما يخافه ولهذا قال @QB@ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ ~~لم يقل لا يخافون فهم لا خوف عليهم وان كانوا يخافون الله ونفى عنهم أن ~~يحزنوا لان الحزن انما يكون على ماض فهم لا يحزنون بحال لا في القبر ولا في ~~عرصات القيامة بخلاف الخوف فانه قد يحصل لهم قبل دخول الجنة ولا خوف عليهم ~~في الباطن كما قال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ # وأما ( الإسلام المطلق المجرد ( فليس في كتاب الله تعليق دخول ms2042 الجنة به ~~كما في كتاب الله تعليق دخول الجنة بالإيمان المطلق المجرد كقوله @QB@ ~~سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا ~~بالله ورسله @QE@ PageV07P261 # وقال @QB@ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ~~عند ربهم @QE@ وقد وصف الخليل ومن اتبعه بالايمان كقوله @QB@ فآمن له لوط ~~@QE@ ووصفه بذلك فقال @QB@ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه @QE@ ووصفه بأعلى طبقات الإيمان وهو أفضل البرية ~~بعد محمد والخليل انما دعا بالرزق للمؤمنين خاصة فقال @QB@ وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر @QE@ وقال @QB@ واجعلنا مسلمين لك ~~ومن ذريتنا أمة مسلمة لك @QE@ @QB@ وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله ~~فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ بعد قوله ( فما آمن لموسى الا ذرية من ~~قومه على خوف من فرعون وملأهم ان يفتنهم ( وقال @QB@ وأوحينا إلى موسى ~~وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر ~~المؤمنين @QE@ وقد ذكرنا البشرى المطلقة للمسلمين في قوله @QB@ ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين @QE@ # وقد وصف الله السحرة بالاسلام والايمان معا فقالوا @QB@ آمنا برب ~~العالمين رب موسى وهارون @QE@ وقالوا @QB@ وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ~~ربنا لما جاءتنا @QE@ وقالوا @QB@ إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن ~~كنا أول المؤمنين @QE@ وقالوا @QB@ ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ~~@QE@ ووصف الله أنبياء بنى اسرائيل بالاسلام في قوله @QB@ إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا @QE@ ~~PageV07P262 والانبياء كلهم مؤمنون ووصف الحواريين بالايمان والاسلام فقال ~~تعالى @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد ~~بأننا مسلمون @QE@ و ( قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون # وحقيقة الفرق أن الاسلام دين و ( الدين ( مصدر دان يدين دينا اذا خضع وذل ~~و ( دين الاسلام ( الذى إرتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده ~~فاصله في ms2043 القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه فمن عبده وعبد ~~معه الها آخر لم يكن مسلما ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلما ~~والاسلام هو الإستسلام لله وهو الخضوع له والعبودية له هكذا قال اهل اللغة ~~اسلم الرجل اذا استسلم فالاسلام في الاصل من باب العمل عمل القلب والجوارح # وأما الايمان فاصله تصديق واقرار ومعرفة فهو من باب قول القلب المتضمن ~~عمل القلب والاصل فيه التصديق والعمل تابع له فلهذا فسر النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( الايمان ( بايمان القلب وبخضوعه وهو الايمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله وفسر ( الإسلام ( بإستسلام مخصوص هو المبانى الخمس وهكذا في ~~سائر كلامه يفسر الايمان بذلك النوع ويفسر الاسلام بهذا وذلك النوع أعلى ~~ولهذا قال النبى ( الاسلام علانية والايمان في القلب ( فان الاعمال الظاهرة ~~يراها الناس وأما PageV07P263 ما في القلب من تصديق ومعرفة وحب وخشية ورجاء ~~فهذا باطن لكن له لوازم قد تدل عليه واللازم لا يدل الا اذا كان ملزوما ~~فلهذا كان من لوازمه ما يفعله المؤمن والمنافق فلا يدل ففى حديث عبد الله ~~بن عمرو وابى هريرة جميعا ان النبى قال ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده والمؤمن من امنه الناس على دمائهم وأموالهم ( ففسر المسلم بأمر ظاهر ~~وهو سلامة الناس منه وفسر المؤمن بأمر باطن وهو أن يأمنوه على دمائهم ~~وأموالهم وهذه الصفة اعلى من تلك فان من كان مأمونا سلم الناس منه وليس كل ~~من سلموا منه يكون مأمونا فقد يترك أذاهم وهم لا يأمنون إليه خوفا ان يكون ~~ترك أذاهم لرغبة ورهبة لا لايمان في قلبه # وفى حديث عبيد بن عمير عن عمرو بن عبسة عن النبى صلى الله عليه وسلم أن ~~رجلا قال للنبى ما الاسلام قال ( اطعام الطعام ولين الكلام ( قال فما ~~الايمان قال ( السماحة والصبر ( فاطعام الطعام عمل ظاهر يفعله الإنسان ~~لمقاصد متعددة وكذلك لين الكلام وأما السماحة والصبر فخلقان في النفس قال ~~تعالى ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ( وهذا أعلى من ms2044 ذاك وهو أن يكون ~~صبارا شكورا فيه سماحة بالرحمة للانسان وصبر على المكاره وهذا ضد الذى خلق ~~هلوعا اذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا فان ذاك ليس فيه سماحة عند ~~النعمة ولا صبر عند المصيبة PageV07P264 وتمام الحديث فأى الاسلام أفضل قال ~~( من سلم المسلمون من لسانه ويده ( قال يا رسول الله أى المؤمنين أكمل ~~ايمانا قال ( أحسنهم خلقا ( قال يا رسول الله أى القتل اشرف قال ( من أريق ~~دمه وعقر جواده ( قال يا رسول الله فأى الجهاد افضل قال ( الذين جاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ( قال يا رسول الله فأى الصدقة أفضل قال ( ~~جهد المقل ( قال يا رسول الله فأى الصلاة أفضل قال ( طول القنوت ( قال يا ~~رسول الله فأى الهجرة افضل قال ( من هجر السوء ( وهذا محفوظ عن عبيد بن ~~عمير تارة يروى مرسلا وتارة يروى مسندا وفى رواية أي الساعات أفضل قال ( ~~جوف الليل الغابر ( وقوله ( افضل الايمان السماحة والصبر ( يروى من وجه اخر ~~عن جابر عن النبى # وهكذا في سائر الأحاديث انما يفسر الاسلام بالاستسلام لله بالقلب مع ~~الاعمال الظاهرة كما في الحديث المعروف الذى رواه أحمد عن بهز بن حكيم عن ~~أبيه عن جده أنه قال والله يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعى هذه ~~أن لا آتيك فبالذى بعثك بالحق ما بعثك به قال الاسلام قال وما الاسلام قال ~~( أن تسلم قلبك لله وان توجه وجهك إلى الله وان تصلى الصلاة المكتوبة وتؤدى ~~الزكاة المفروضة أخوان نصيران لا يقبل الله من عبد اشرك بعد إسلامه ( وفى ~~رواية قال ( أن تقول أسلمت وجهى لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وكل ~~مسلم على مسلم محرم ( وفى لفظ تقول ( أسلمت نفسى لله وخليت وجهى إليه ( ~~وروى محمد بن نصر من حديث خالد PageV07P265 بن معدان عن أبى هريرة قال قال ~~رسول الله ( أن للاسلام صوى ومنارا كمنار الطريق من ذلك أن تعبد الله ولا ~~تشرك به شيئا وان تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان ms2045 والامر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر وتسلم على بنى ادم اذا لقيتهم فان ردوا عليك ردت عليك ~~وعليهم الملائكة وان لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم ان سكت عنهم ~~وتسليمك على أهل بيتك اذا دخلت عليهم فمن إنتقص منهن شيئا فهو سهم في ~~الاسلام تركه ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره ( # وقد قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة @QE@ قال ~~مجاهد وقتادة نزلت في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الاسلام كلها وهذا ~~لا ينافى قول من قال نزلت فيمن اسلم من اهل الكتاب أو فيمن لم يسلم لان ~~هؤلاء كلهم مأمورون ايضا بذلك والجمهور يقولون ( في السلم ( أى في الاسلام ~~وقالت طائفة هو الطاعة وكلاهما مأثور عن إبن عباس وكلاهما حق فإن الإسلام ~~هو الطاعة كما تقدم أنه من باب الاعمال وأما قوله ( كافة ( فقد قيل المراد ~~ادخلوا كلكم وقيل المراد به ادخلوا في الاسلام جميعه وهذا هو الصحيح فان ~~الانسان لا يؤمر بعمل غيره وانما يؤمر بما يقدر عليه وقوله ( ادخلوا ( خطاب ~~لهم كلهم فقوله ( كافة ( ان أريد به مجتمعين لزم أن يترك الانسان الاسلام ~~حتى يسلم غيره فلا يكون الاسلام مأمورا به الا بشرط موافقة الغير له ~~كالجمعة وهذا لا يقوله مسلم وان أريد بكافة أى ادخلوا جميعكم فكل أوامر ~~القرآن كقوله ( آمنوا بالله ورسوله ( وأقيموا الصلاة PageV07P266 وآتوا ~~الزكاة ( كلها من هذا الباب وما قيل فيها كافة وقوله تعالى @QB@ وقاتلوا ~~المشركين كافة @QE@ أى قاتلوهم كلهم لا تدعوا مشركا حتى تقاتلوه فانها ~~أنزلت بعد نبذ العهود ليس المراد قاتلوهم مجتمعين أو جميعكم فإن هذا لا يجب ~~بل يقاتلون بحسب المصلحة والجهاد فرض على الكفاية فاذا كانت فرائض الاعيان ~~لم يؤكد المأمورين فيها بكافة فكيف يؤكد بذلك في فروض الكفاية وانما ~~المقصود تعميم المقاتلين وقوله @QB@ كما يقاتلونكم كافة @QE@ فيه احتمالان # والمقصود أن الله أمر بالدخول في جميع الاسلام كما دل عليه هذا الحديث ~~فكل ما كان من الاسلام وجب الدخول فيه فان كان واجبا على الاعيان ms2046 لزمه فعله ~~وان كان واجبا على الكفاية اعتقد وجوبه وعزم عليه اذا تعين أو أخذ بالفضل ~~ففعله وان كان مستحبا اعتقد حسنه وأحب فعله وفى حديث جرير أن رجلا قال يا ~~رسول الله صف لى الاسلام قال ( تشهد أن لا اله الا الله وتقر بما جاء من ~~عند الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ( قال أقررت في ~~قصة طويلة فيها أنه وقع في أخاقيق جرذان وأنه قتل وكان جائعا وملكان يدسان ~~في شدقه من ثمار الجنة فقوله ( وتقر بما جاء من عند الله ( هو الاقرار بأن ~~محمدا رسول الله فانه هو الذى جاء # بذلك وفى الحديث الذى يرويه أبو سليمان الدارانى حديث الوفد الذين قالوا ~~نحن المؤمنون قال ( فما علامة ايمانكم ( قالوا خمس عشرة خصلة خمس أمرتنا ~~رسلك أن نعمل بهن وخمس أمرتنا رسلك أن PageV07P267 نؤمن بهن وخمس تخلقنا ~~بها في الجاهلية ونحن عليها في الاسلام الا أن تكره منها شيئا قال ( فما ~~الخمس التى أمرتكم رسلى أن تعملوا بها ( قالوا أن نشهد أن لا اله الا الله ~~وان محمدا رسول الله ونقيم الصلاة ونؤتى الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت قال ~~( وما الخمس التى امرتكم أن تؤمنوا بها ( قالوا أمرتنا ان نؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت قال ( وما الخمس التى تخلقتم بها في ~~الجاهلية وثبتم عليها في الاسلام ( قالوا الصبر عند البلاء والشكر عند ~~الرخاء والرضى بمر القضاء والصدق في مواطن اللقاء وترك الشماتة بالاعداء ~~فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( علماء حكماء كادوا من صدقهم أن يكونوا ~~أنبياء ( فقال ( وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة ان كنتم كما تقولون ~~فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا في شيء أنتم ~~عنه غدا تزولون وعنه منتقلون واتقوا الله الذى إليه ترجعون وعليه تعرضون ~~وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون # ( فقد فرقوا بين الخمس التى يعمل بها فجعلوها الاسلام والخمس التى يؤمن ~~بها فجعلوها الايمان وجميع الأحاديث المأثورة عن النبى ms2047 صلى الله عليه وسلم ~~تدل على مثل هذا # وفى الحديث الذى رواه أحمد من حديث أيوب عن أبى قلابة عن رجل من أهل ~~الشام عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له ( أسلم تسلم ( قال ~~PageV07P268 وما الإسلام قال ( أن تسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ~~ويدك ( قال فأى الاسلام افضل قال ( الإيمان ( قال وما الايمان قال ( أن ~~تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت ( قال فأى الإيمان أفضل ~~قال ( الهجرة ( قال وما الهجرة قال ( أن تهجر السوء ( قال فأى الهجرة أفضل ~~قال الجهاد قال وما الجهاد قال ( أن تجاهد الكفار اذا لقيتهم ولا تغل ولا ~~تجبن ( ثم قال رسول الله ( ثم عملان هما أفضل الأعمال الا من عمل بمثلهما ( ~~قالها ثلاثا ( حجة مبرورة أو عمرة ( وقوله ( هما أفضل الأعمال ( أى بعد ~~الجهاد لقوله ( ثم عملان ( ففى هذا الحديث جعل الايمان خصوصا في الاسلام ~~والاسلام أعم منه كما جعل الهجرة خصوصا في الايمان والايمان أعم منها وجعل ~~الجهاد خصوصا من الهجرة والهجرة أعم منه فالإسلام أن تعبد الله وحده لا ~~شريك له مخلصا له الدين # وهذا دين الله الذى لا يقبل من أحد دينا غيره لا من الاولين ولا من ~~الاخرين ولا تكون عبادته مع ارسال الرسل إلينا الا بما أمرت به رسله لا بما ~~يضاد ذلك فان ضد ذلك معصية وقد ختم الله الرسل بمحمد فلا يكون مسلما الا من ~~شهد أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله وهذه الكلمة بها يدخل ~~الانسان في الاسلام فمن قال الاسلام الكلمة واراد هذا فقد صدق ثم لابد من ~~التزام ما أمر به الرسول من الاعمال الظاهرة كالمبانى الخمس ومن ترك من ذلك ~~شيئا نقص اسلامه PageV07P269 بقدر ما نقص من ذلك كما في الحديث من انتقص ~~منهن شيئا فهو سهم من الاسلام تركه ( # وهذه الاعمال اذا عملها الانسان مخلصا لله تعالى فانه يثيبه عليها ولا ~~يكون ذلك الا مع إقراره بقلبه أنه لا إله إلا الله وأن ms2048 محمدا رسول الله ~~فيكون معه من الايمان هذا الاقرار وهذا الاقرار لا يستلزم أن يكون صاحبه ~~معه من اليقين ما لا يقبل الريب ولا أن يكون مجاهدا ولا سائر ما يتميز به ~~المؤمن عن المسلم الذى ليس بمؤمن وخلق كثير من المسلمين باطنا وظاهرا معهم ~~هذا الاسلام بلوازمه من الايمان ولم يصلوا إلى اليقين والجهاد فهؤلاء ~~يثابون على اسلامهم واقرارهم بالرسول مجملا وقد لا يعرفون أنه جاء بكتاب ~~وقد لا يعرفون أنه جاءه ملك ولا أنه اخبر بكذا واذا لم يبلغهم أن الرسول ~~أخبر بذلك لم يكن عليهم الاقرار المفصل به لكن لابد من الإقرار بأنه رسول ~~الله وأنه صادق في كل ما يخبر به عن الله # ثم الايمان الذى يمتاز به فيه تفصيل وفيه طمأنينة ويقين فهذا متميز بصفته ~~وقدره في الكمية والكيفية فان أولئك معهم من الايمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله وتفصيل المعاد والقدر ما لا يعرفه هؤلاء # وأيضا ففى قلوبهم من اليقين والثبات ولزوم التصديق لقلوبهم ما ليس مع ~~هؤلاء وأولئك هم المؤمنون حقا وكل مؤمن لابد أن يكون مسلما فان الايمان ~~يستلزم الاعمال وليس كل مسلم مؤمنا هذا الايمان المطلق لان PageV07P270 ~~الاستسلام لله والعمل له لا يتوقف على هذا الايمان الخاص وهذا الفرق يجده ~~الانسان من نفسه ويعرفه من غيره فعامة الناس اذا اسلموا بعد كفر أو ولدوا ~~على الاسلام والتزموا شرائعه وكانوا من اهل الطاعة لله ورسوله فهم مسلمون ~~ومعهم ايمان مجمل ولكن دخول حقيقة الايمان إلى قلوبهم انما يحصل شيئا فشيئا ~~ان أعطاهم الله ذلك والا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى ~~الجهاد ولو شككوا لشكوا ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا وليسوا كفارا ولا ~~منافقين بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب ولا عندهم ~~من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال وهؤلاء ان عوفوا من ~~المحنة وماتوا دخلوا الجنة وان ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم فان ~~لم ينعم الله عليهم بما ms2049 يزيل الريب والا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من ~~النفاق # وكذلك اذا تعين عليهم الجهاد ولم يجاهدوا كانوا من أهل الوعيد ولهذا لما ~~قدم النبى المدينة أسلم عامة أهلها فلما جاءت المحنة والابتلاء نافق من ~~نافق فلو مات هؤلاء قبل الإمتحان لماتوا على الاسلام ودخلوا الجنة ولم ~~يكونوا من المؤمنين حقا الذين ابتلوا فظهر صدقهم قال تعالى @QB@ الم أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين @QE@ وقال تعالى @QB@ ما كان ~~الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب @QE@ وقال ~~@QB@ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته ~~فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين @QE@ ~~PageV07P271 ولهذا ذم الله المنافقين بأنهم دخلوا في الايمان ثم خرجوا منه ~~بقوله تعالى @QB@ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة ~~فصدوا عن سبيل الله @QE@ إلى قوله @QB@ ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون @QE@ وقال في الآية الآخرى @QB@ يحذر المنافقون أن ~~تنزل عليهم سورة @QE@ إلى قوله @QB@ قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ~~لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم ~~كانوا مجرمين @QE@ فقد أمره أن يقول لهم قد كفرتم بعد إيمانكم # وقول من يقول عن مثل هذه الآيات أنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم ~~أولا بقلوبهم لا يصح لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر فلا ~~يقال قد كفرتم بعد إيمانكم فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر وان أريد ~~أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم ~~وهم مع خواصهم ما زالوا هكذا بل لما نافقوا وحذروا أن تنزل سورة تبين ما في ~~قلوبهم من النفاق وتكلموا بالإستهزاء صاروا كافرين بعد إيمانهم ولا يدل ~~اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين وقد قال تعالى @QB@ يا أيها النبي جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ms2050 ومأواهم جهنم وبئس المصير يحلفون بالله ما ~~قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما ~~نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن ~~يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة @QE@ فهنا قال @QB@ ~~وكفروا بعد إسلامهم @QE@ فهذا الإسلام قد يكون من جنس إسلام الأعراب فيكون ~~قوله ( بعد PageV07P272 إيمانهم ( وبعد إسلامهم سواء وقد يكونون ما زالوا ~~منافقين فلم يكن لهم حال كان معهم فيها من الإيمان شيء لكونهم أظهروا الكفر ~~والردة ولهذا دعاهم إلى التوبة فقال @QB@ فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن ~~يتولوا @QE@ بعد التوبة عن التوبة @QB@ يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة @QE@ وهذا انما هو لمن أظهر الكفر فيجاهده الرسول بإقامة الحد ~~والعقوبة ولهذا ذكر هذا في سياق قوله @QB@ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم @QE@ ولهذا قال في تمامها @QB@ وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ~~@QE@ # وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد اسلامهم غير الذين كفروا بعد إيمانهم فان ~~هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا وقد قالوا كلمة الكفر التى كفروا بها بعد ~~اسلامهم وهموا بما لم ينالوا وهو يدل على أنهم سعوا في ذلك فلم يصلوا إلى ~~مقصودهم فإنه لم يقل هموا بما لم يفعلوا لكن ( بما لم ينالوا ( فصدر منهم ~~قول وفعل قال تعالى @QB@ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب @QE@ ~~فاعترفوا واعتذروا ولهذا قيل @QB@ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف ~~عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين @QE@ فدل على أنهم لم يكونوا ~~عند أنفسهم قد أتوا كفرا بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر فبين أن الاستهزاء بالله ~~وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد ايمانه فدل على أنه كان عندهم ايمان ~~ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذى عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرا وكان كفرا ~~كفروا به فانهم لم يعتقدوا جوازه وهكذا قال غير واحد من السلف PageV07P273 ~~في صفة المنافقين الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة أنهم أبصروا ثم عموا ~~وعرفوا ثم أنكروا ms2051 وآمنوا ثم كفروا وكذلك قال قتادة ومجاهد ضرب المثل ~~لاقبالهم على المؤمنين وسماعهم ما جاء به الرسول وذهاب نورهم قال @QB@ ~~مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ~~ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون @QE@ إلى ما كانوا عليه # وأما قول من قال المراد بالنور ما حصل في الدنيا من حقن دمائهم وأموالهم ~~فاذا ماتوا سلبوا ذلك الضوء كما سلب صاحب النار ضوءه فلفظ الآية يدل على ~~خلاف ذلك فانه قال @QB@ وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون @QE@ ويوم القيامة يكونون في العذاب كما قال تعالى @QB@ يوم يقول ~~المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ~~وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من ~~قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم @QE@ ~~الآية وقد قال غير واحد من السلف أن المنافق يعطى يوم القيامة نورا ثم يطفأ ~~ولهذا قال تعالى ( يوم لا يخزي الله النبى والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين ~~أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ( # قال المفسرون اذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله أن يتم لهم ~~نورهم ويبلغهم به الجنة PageV07P274 قال إبن عباس ليس أحد من المسلمين إلا ~~يعطى نورا يوم القيامة فأما المنافق فيطفأ نوره وأما المؤمن فيشفق مما رأى ~~من إطفاء نور المنافق فهو يقول @QB@ ربنا أتمم لنا نورنا @QE@ وهو كما قال ~~فقد ثبت في ( الصحيحين ( من حديث أبى هريرة وأبى سعيد وهو ثابت من وجوه اخر ~~عن النبى ورواه مسلم من حديث جابر وهو معروف من حديث بن مسعود وهو أطولها ~~ومن حديث أبى موسى في الحديث الطويل الذى يذكر فيه أنه ينادى يوم القيامة ( ~~لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان ~~يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الامة ~~فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة ms2052 غير صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم ~~فيقولون نعوذ بالله منك وهذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فاذا جاء ربنا عرفناه ~~فيأتيهم الله في صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ~~فيتبعونه ( وفى رواية ( فيكشف عن ساقه ( وفى رواية فيقول ( هل بينكم وبينه ~~آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساقه فلا يبقى من كان يسجد لله من ~~تلقاء نفسه الا اذن له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء الا جعل ~~الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه فتبقى ظهورهم مثل ~~صياصى البقر فيرفعون رؤوسهم فاذا نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ويطفأ نور ~~المنافقين فيقولون ذرونا نقتبس من نوركم ( # فبين أن المنافقين يحشرون مع المؤمنين في الظاهر كما كانوا معهم في ~~الدنيا ثم وقت الحقيقة هؤلاء يسجدون لربهم وأولئك لا يتمكنون من السجود ~~PageV07P275 فإنهم لم يسجدوا في الدنيا له بل قصدوا الرياء للناس والجزاء ~~في الآخرة هو من جنس العمل في الدنيا فلهذا أعطوا نورا ثم طفئ لأنهم في ~~الدنيا دخلوا في الايمان ثم خرجوا منه ولهذا ضرب الله لهم المثل بذلك وهذا ~~المثل هو لمن كان فيهم آمن ثم كفر وهؤلاء الذين يعطون في الآخرة نورا ثم ~~يطفأ # ولهذا قال ( فهم لا يرجعون ( إلى الإسلام في الباطن وقال قتادة ومقاتل لا ~~يرجعون عن ضلالهم وقال السدى لا يرجعون إلى الإسلام يعنى في الباطن والا ~~فهم يظهرونه وهذا المثل انما يكون في الدنيا وهذا المثل مضروب لبعضهم وهم ~~الذين آمنوا ثم كفروا وأما الذين لم يزالوا منافقين فضرب لهم المثل الآخر ~~وهو قوله @QB@ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق @QE@ وهذا أصح ~~القولين فان المفسرين إختلفوا هل المثلان مضروبان لهم كلهم أو هذا المثل ~~لبعضهم على ( قولين ( و ( الثانى ( هو الصواب لأنه قال ( أو كصيب ( وانما ~~يثبت بها أحد الأمرين فدل ذلك على أنهم مثلهم هذا وهذا فانهم لا يخرجون عن ~~المثلين بل بعضهم يشبه هذا وبعضهم يشبه هذا ولو كانوا كلهم يشبهون ms2053 المثلين ~~لم يذكر ( أو ( بل يذكر الواو العاطفة # وقول من قال ( أو ( ها هنا للتخيير كقولهم جالس الحسن أو بن سيرين ليس ~~بشيء لأن التخيير يكون في الأمر والطلب لا يكون في الخبر وكذلك قول من قال ~~( أو ( بمعنى الواو أو لتشكيك المخاطبين PageV07P276 أو الابهام عليهم ليس ~~بشيء فإن الله يريد بالامثال البيان والتفهيم لا يريد التشكيك والإبهام # والمقصود تفهيم المؤمنين حالهم ويدل على ذلك أنه قال في ( المثل الاول ( ~~صم بكم عمى ( وقال في ( الثانى ( ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ~~حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم ~~مشوا فيه واذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ان الله ~~على كل شيء قدير ( فبين في ( المثل الثانى ( أنهم يسمعون ويبصرون ولو شاء ~~الله لذهب بسمعهم وأبصارهم وفى ( الأول ( كانوا يبصرون ثم صاروا في ظلمات ~~لا يبصرون صم بكم عمى وفى ( الثانى ( كلما أضاء لهم البرق مشوا فيه واذا ~~أظلم عليهم قاموا فلهم ( حالان ( حال ضياء وحال ظلام والأولون بقوا في ~~الظلمة فالأول حال من كان في ضوء فصار في ظلمة والثانى حال من لم يستقر لا ~~في ضوء ولا في ظلمة بل تختلف عليه الأحوال التى توجب مقامه واسترابته # يبين هذا أنه سبحانه ضرب للكفار أيضا مثلين بحرف ( أو ( فقال @QB@ والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه ~~موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ فالأول PageV07P277 مثل ~~الكفر الذى يحسب صاحبه أنه على حق وهو على باطل كمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا فانه لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم فلهذا مثل بسراب بقيعة و ( الثانى ~~( مثل الكفر الذى لا يعتقد صاحبه شيئا بل هو في ظلمات بعضها فوق ms2054 بعض من عظم ~~جهله لم يكن معه إعتقاد أنه على حق بل لم يزل جاهلا ضالا في ظلمات متراكمة # و ( أيضا ( فقد يكون المنافق والكافر تارة متصفا بهذا الوصف وتارة متصفا ~~بهذا الوصف فيكون التقسيم في المثلين لتنوع الاشخاص ولتنوع أحوالهم وبكل ~~حال فليس ما ضرب له هذا المثل هو مماثل لما ضرب له هذا المثل لإختلاف ~~المثلين صورة ومعنى ولهذا لم يضرب للايمان الا مثل واحد لان الحق واحد فضرب ~~مثله بالنور وأولئك ضرب لهم المثل بضوء لا حقيقة له كالسراب بالقيعة أو ~~بالظلمات المتراكمة وكذلك المنافق يضرب له المثل بمن أبصر ثم عمى أو هو ~~مضطرب يسمع ويبصر ما لا ينتفع به فتبين أن من المنافقين من كان آمن ثم كفر ~~باطنا وهذا مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسير أنه ~~كان رجال قد آمنوا ثم نافقوا وكان يجرى ذلك لأسباب # منها أمر القبلة لما حولت ارتد عن الايمان لأجل ذلك طائفة وكانت محنة ~~إمتحن الله بها الناس قال تعالى @QB@ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين ~~هدى الله @QE@ PageV07P278 قال أى اذا حولت والمعنى أن الكعبة هي القبلة ~~التى كان في علمنا أن نجعلها قبلتكم فان الكعبة ومسجدها وحرمها أفضل بكثير ~~من بيت المقدس وهى البيت العتيق وقبلة إبراهيم وغيره من الانبياء ولم يأمر ~~الله قط أحدا أن يصلى إلى بيت المقدس لا موسى ولا عيسى ولا غيرهما فلم نكن ~~لنجعلها لك قبلة دائمة ولكن جعلناها أولا قبلة لنمتحن بتحويلك عنها الناس ~~فيتبين من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه فكان في شرعها هذه الحكمة # وكذلك ايضا لما إنهزم المسلمون يوم أحد وشج وجه النبى صلى الله عليه وسلم ~~وكسرت رباعيته ارتد طائفة نافقوا قال تعالى @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين ms2055 آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله ~~لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون @QE@ فقوله @QB@ وليعلم الذين نافقوا @QE@ ~~ظاهر فيمن أحدث نفاقا وهو يتناول من لم ينافق قبل ومن نافق ثم جدد نفاقا ~~ثانيا وقوله @QB@ هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان @QE@ يبين أنهم لم ~~يكونوا قبل ذلك أقرب منهم بل اما أن يتساويا واما أن يكونوا للايمان أقرب ~~وكذلك كان فإن بن ابى لما PageV07P279 انخزل عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد انخزل معه ثلث الناس قيل كانوا نحو ثلاثمائة وهؤلاء لم يكونوا قبل ~~ذلك كلهم منافقين في الباطن اذ لم يكن لهم داع إلى النفاق فإن بن أبى كان ~~مظهرا لطاعة النبى صلى الله عليه وسلم والايمان به وكان كل يوم جمعة يقوم ~~خطيبا في المسجد يأمر باتباع النبى ولم يكن ما في قلبه يظهر الا لقليل من ~~الناس ان ظهر وكان معظما في قومه كانوا قد عزموا على أن يتوجوه ويجعلوه مثل ~~الملك عليهم فلما جاءت النبوة بطل ذلك فحمله الحسد على النفاق والا فلم يكن ~~له قبل ذلك دين يدعو إليه وانما كان هذا في اليهود فلما جاء النبى بدينه ~~وقد أظهر الله حسنه ونوره مالت إليه القلوب لا سيما لما نصره الله يوم بدر ~~ونصره على يهود بنى قينقاع صار معه الدين والدنيا فكان المقتضى للايمان في ~~عامة الانصار قائما وكان كثير منهم يعظم إبن أبي تعظيما كثيرا ويواليه ولم ~~يكن بن أبي أظهر مخالفة توجب الامتياز فلما انخزل يوم أحد وقال يدع رأيى ~~ورأيه ويأخذ برأي الصبيان أو كما قال إنخزل معه خلق كثير منهم من لم ينافق ~~قبل ذلك # وفى الجملة ففى الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ms2056 ذكره هنا فأولئك ~~كانوا مسلمين وكان معهم إيمان هو الضوء الذى ضرب الله به المثل فلو ماتوا ~~قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الاسلام الذى يثابون عليه ولم يكونوا من ~~PageV07P280 المؤمنين حقا الذين امتحنوا فثبتوا على الايمان ولا من ~~المنافقين حقا الذين ارتدوا عن الايمان بالمحنة وهذا حال كثير من المسلمين ~~في زماننا أو أكثرهم اذا ابتلوا بالمحن التى يتضعضع فيها أهل الايمان ينقص ~~ايمانهم كثيرا وينافق أكثرهم أو كثير منهم ومنهم من يظهر الردة اذا كان ~~العدو غالبا وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة وإذا كانت العافية أو ~~كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين وهم مؤمنون بالرسول باطنا ~~وظاهرا لكن إيمانا لا يثبت على المحنة # ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم وهؤلاء من الذين قالوا ~~( آمنا ( فقيل لهم @QB@ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان ~~في قلوبكم @QE@ أى الايمان المطلق الذى اهله هم المؤمنون حقا فان هذا هو ~~الإيمان اذا أطلق في كتاب الله تعالى كما دل عليه الكتاب والسنة ولهذا قال ~~تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ فلم يحصل لهم ريب ~~عند المحن التى تقلقل الايمان في القلوب والريب يكون في علم القلب وفى عمل ~~القلب بخلاف الشك فانه لا يكون الا في العلم ولهذا لا يوصف باليقين الا من ~~اطمأن قلبه علما وعملا والا فاذا كان عالما بالحق ولكن المصيبة أو الخوف ~~أورثه جزعا عظيما لم يكن صاحب يقين قال تعالى @QB@ هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا @QE@ PageV07P281 وكثيرا ما تعرض للمؤمن شعبة من شعب ~~النفاق ثم يتوب الله عليه وقد يرد على قلبه بعض ما يوجب النفاق ويدفعه الله ~~عنه والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان وبوساوس الكفر التى يضيق بها صدره كما ~~قالت الصحابة يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخر من السماء إلى ~~الأرض أحب إليه من أن يتكلم به فقال ( ذاك ms2057 صريح الايمان ( وفى رواية ( ما ~~يتعاظم ان يتكلم به ( قال ( الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة ( أى حصول ~~هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له ودفعه عن القلب هو من صريح الايمان ~~كالمجاهد الذى جاءه العدو فدافعه حتى غلبه فهذا أعظم الجهاد و ( الصريح ( ~~الخالص كاللبن الصريح وانما صار صريحا لما كرهوا تلك الوساوس الشيطانية ~~ودفعوها فخلص الايمان فصار صريحا # ولابد لعامة الخلق من هذه الوساوس فمن الناس من يجيبها فيصير كافرا أو ~~منافقا ومنهم من قد غمر قلبه الشهوات والذنوب فلا يحس بها الا اذا طلب ~~الدين فإما أن يصير مؤمنا واما أن يصير منافقا ولهذا يعرض للناس من الوساوس ~~في الصلاة ما لا يعرض لهم اذا لم يصلوا لأن الشيطان يكثر تعرضه للعبد إذا ~~أراد الانابة إلى ربه والتقرب إليه والاتصال به فلهذا يعرض للمصلين ما لا ~~يعرض لغيرهم ويعرض لخاصة أهل العلم والدين أكثر مما يعرض للعامة ولهذا يوجد ~~عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم لانه لم ~~يسلك شرع الله ومنهاجه بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ربه وهذا مطلوب ~~الشيطان بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة PageV07P282 فانه عدوهم ~~يطلب صدهم عن الله قال تعالى @QB@ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا @QE@ ~~ولهذا أمر قارئ القرآن أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فان قراءة القرآن ~~على الوجه المأمور به تورث القلب الايمان العظيم وتزيده يقينا وطمأنينة ~~وشفاء وقال تعالى @QB@ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا @QE@ وقال تعالى @QB@ هذا بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين @QE@ وقال تعالى @QB@ هدى للمتقين @QE@ وقال تعالى @QB@ فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون @QE@ # وهذا مما يجده كل مؤمن من نفسه فالشيطان يريد بوساوسه أن يشغل القلب عن ~~الانتفاع بالقرآن فأمر الله القارئ اذا قرأ القرآن أن يستعيذ منه قال تعالى ~~@QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما ms2058 سلطانه على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون @QE@ فان المستعيذ بالله مستجير به لاجئ إليه مستغيث به من ~~الشيطان فالعائذ بغيره مستجير به فاذا عاذ العبد بربه كان مستجيرا به ~~متوكلا عليه فيعيذه الله من الشيطان ويجيره منه ولذلك قال الله تعالى @QB@ ~~ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها ~~إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم @QE@ وفى ( الصحيحين ( عن النبى أنه قال ~~( انى لأعلم كلمة لو PageV07P283 قالها لذهب عنه ما يجد أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم ( فأمر سبحانه بالاستعاذة عند طلب العبد الخير لئلا يعوقه ~~الشيطان عنه وعندما يعرض عليه من الشر ليدفعه عنه عند إرادة العبد للحسنات ~~وعندما يأمره الشيطان بالسيئات ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لا ~~يزال الشيطان يأتى أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق الله ~~فمن وجد ذلك فليستعذ بالله ولينته ( فأمر بالاستعاذة عندما يطلب الشيطان أن ~~يوقعه في شر أو يمنعه من خير كما يفعل العدو مع عدوه # وكلما كان الإنسان أعظم رغبة في العلم والعبادة واقدر على ذلك من غيره ~~بحيث تكون قوته على ذلك أقوى ورغبته وإرادته في ذلك أتم كان ما يحصل له أن ~~سلمه الله من الشيطان أعظم وكان ما يفتتن به إن تمكن منه الشيطان أعظم ~~ولهذا قال الشعبى كل أمة علماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم # وأهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل وذلك ان كل أمة غير ~~المسلمين فهم ضالون وانما يضلهم علماؤهم فعلماؤهم شرارهم والمسلمون على هدى ~~وانما يتبين الهدى بعلمائهم فعلماؤهم خيارهم وكذلك أهل السنة أئمتهم خيار ~~الأمة وأئمة أهل البدع أضر على الأمة من أهل الذنوب ولهذا أمر النبى صلى ~~الله عليه وسلم بقتل الخوارج ونهى عن قتال الولاة الظلمة وأولئك لهم ~~PageV07P284 نهمة في العلم والعبادة فصار يعرض لهم من الوساوس التى تضلهم ~~وهم يظنونها هدى ms2059 فيطيعونها ما لا يعرض لغيرهم ومن سلم من ذلك منهم كان من ~~أئمة المتقين مصابيح الهدى وينابيع العلم كما قال إبن مسعود لأصحابه كونوا ~~ينابيع العلم مصابيح الحكمة سرج الليل جدد القلوب احلاس البيوت خلقان ~~الثياب تعرفون في أهل السماء وتخفون على أهل الأرض PageV07P285 ### ||| فصل # ومما ينبغى أن يعلم أن الالفاظ الموجودة في القرآن والحديث اذا عرف ~~تفسيرها وما أريد بها من جهة النبى لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال ~~اهل اللغة ولا غيرهم ولهذا قال الفقهاء ( الأسماء ثلاثة أنواع ( نوع يعرف ~~حده بالشرع كالصلاة والزكاة ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر ونوع يعرف ~~حده بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله @QB@ وعاشروهن بالمعروف @QE@ ~~ونحو ذلك وروى عن إبن عباس أنه قال تفسير القرآن على أربعة أوجه تفسير ~~تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء ~~وتفسير لا يعلمه الا الله من ادعى علمه فهو كاذب فاسم الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول ما يراد بها في كلام الله ورسوله ~~وكذلك لفظ الخمر وغيرها ومن هناك يعرف معناها فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ~~ما بينه النبى لم يقبل منه واما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها فذاك من ~~جنس علم البيان وتعليل الأحكام هو زيادة في العلم وبيان حكمة ألفاظ القرآن ~~لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا # واسم الايمان والاسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله PageV07P286 ~~فالنبى قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ~~ذلك بالاشتقاق وشواهد إستعمال العرب ونحو ذلك فلهذا يجب الرجوع في مسميات ~~هذه الاسماء إلى بيان الله ورسوله فإنه شاف كاف بل معانى هذه الأسماء ~~معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج ~~والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول ويعلم بالاضطرار ~~ان طاعة الله ورسوله من تمام الايمان وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنبا ~~كافرا ويعلم أنه لو قدر أن ms2060 قوما قالوا للنبى نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا ~~من غير شك ونقر بألسنتنا بالشهادتين الا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ~~ونهيت عنه فلا نصلى ولا نصوم ولا نحج ولا نصدق الحديث ولا نؤدى الأمانة ولا ~~نفى بالعهد ولا نصل الرحم ولا نفعل شيئا من الخير الذى أمرت به ونشرب الخمر ~~وننكح ذوات المحارم بالزنى الظاهر ونقتل من قدرنا عليه من اصحابك وأمتك ~~ونأخذ أموالهم بل نقتلك أيضا ونقاتلك مع أعدائك هل كان يتوهم عاقل أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم يقول لهم أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان وأنتم من اهل ~~شفاعتى يوم القيامة ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار بل كل مسلم يعلم ~~بالاضطرار أنه يقول لهم أنتم أكفر الناس بما جئت به ويضرب رقابهم ان لم ~~يتوبوا من ذلك # وكذلك كل مسلم يعلم أن شارب الخمر والزانى والقاذف والسارق لم يكن النبى ~~يجعلهم مرتدين يجب قتلهم بل القرآن والنقل المتواتر عنه يبين أن هؤلاء لهم ~~عقوبات غير عقوبة المرتد عن الاسلام PageV07P287 كما ذكر الله في القرآن ~~جلد القاذف والزانى وقطع السارق وهذا متواتر عن النبى ولو كانوا مرتدين ~~لقتلهم فكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول # وأهل البدع إنما دخل عليهم الداخل لانهم أعرضوا عن هذه الطريق وصاروا ~~يبنون دين الاسلام على مقدمات يظنون صحتها اما في دلالة الالفاظ وإما في ~~المعانى المعقولة ولا يتأملون بيان الله ورسوله وكل مقدمات تخالف بيان الله ~~ورسوله فإنها تكون ضلالا ولهذا تكلم أحمد في رسالته المعروفة في الرد على ~~من يتمسك بما يظهر له من القرآن من غير استدلال ببيان الرسول والصحابة ~~والتابعين وكذلك ذكر في رسالته إلى ابى عبد الرحمن الجرجانى في الرد على ~~المرجئة وهذه طريقة سائر أئمة المسلمين لا يعدلون عن بيان الرسول إذا وجدوا ~~إلى ذلك سبيلا ومن عدل عن سبيلهم وقع في البدع التى مضمونها أنه يقول على ~~الله ورسوله ما لا يعلم أو غير الحق وهذا مما حرمه الله ms2061 ورسوله وقال تعالى ~~في الشيطان @QB@ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق @QE@ وهذا من تفسير القرآن بالرأى الذى جاء فيه الحديث ( من ~~قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ( مثال ذلك أن ( المرجئة ( لما ~~عدلوا عن معرفة كلام الله ورسوله أخذوا يتكلمون في مسمى ( الايمان ( و ( ~~الإسلام ( وغيرهما بطرق ابتدعوها مثل أن PageV07P288 يقولوا ( الايمان في ~~اللغة ( هو التصديق والرسول انما خاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها فيكون ~~مراده بالإيمان التصديق ثم قالوا والتصديق انما يكون بالقلب واللسان أو ~~بالقلب فالأعمال ليست من الإيمان ثم عمدتهم في أن الإيمان هو التصديق قوله ~~@QB@ وما أنت بمؤمن لنا @QE@ أى بمصدق لنا # فيقال لهم ( إسم الإيمان ( قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر ~~سائر الألفاظ وهو أصل الدين وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور ويفرق بين ~~السعداء والاشقياء ومن يوالى ومن يعادى والدين كله تابع لهذا وكل مسلم ~~محتاج إلى معرفة ذلك أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله ووكله إلى ~~هاتين المقدمتين ومعلوم أن الشاهد الذى استشهدوا به على أن الايمان هو ~~التصديق أنه من القرآن ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبى أعظم من تواتر ~~لفظ الكلمة فان الايمان يحتاج إلى معرفة جميع الأمة فينقلونه بخلاف كلمة من ~~سورة فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون هذه السورة فلا يجوز أن يجعل بيان ~~أصل الدين مبنيا على مثل هذه المقدمات ولهذا كثر النزاع والاضطراب بين ~~الذين عدلوا عن صراط الله المستقيم وسلكوا السبل وصاروا من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا ومن الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات ~~فهذا كلام عام مطلق # ثم يقال ( هاتان المقدمتان ( كلاهما ممنوعة فمن الذى قال أن لفظ الايمان ~~مرادف للفظ التصديق وهب أن المعنى يصح اذا استعمل في هذا الموضع فلم ~~PageV07P289 قلت أنه يوجب الترادف ولو قلت ما أنت بمسلم لنا ما أنت بمؤمن ms2062 ~~لنا صح المعنى لكن لم قلت ان هذا هو المراد بلفظ مؤمن واذا قال الله @QB@ ~~وأقيموا الصلاة @QE@ ولو قال القائل أتموا الصلاة ولازموا الصلاة التزموا ~~الصلاة افعلوا الصلاة كان المعنى صحيحا لكن لا يدل هذا على معنى أقيموا ~~فكون اللفظ يرادف اللفظ يراد دلالته على ذلك # ثم يقال ليس هو مرادفا له وذلك من وجوه # ( أحدها ( أن يقال للمخبر اذا صدقته صدقه ولا يقال آمنه وآمن به بل يقال ~~آمن له كما قال @QB@ فآمن له لوط @QE@ وقال @QB@ فما آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه @QE@ وقال فرعون @QB@ آمنتم له قبل أن آذن لكم @QE@ وقالوا لنوح @QB@ ~~أنؤمن لك واتبعك الأرذلون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل أذن خير لكم يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين @QE@ @QB@ فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ~~@QE@ وقال @QB@ وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون @QE@ # فان قيل فقد يقال ما أنت بمصدق لنا قيل اللام تدخل على ما يتعدى بنفسه ~~اذا ضعف عمله اما بتأخيره أو بكونه اسم فاعل أو مصدرا أو باجتماعهما فيقال ~~فلان يعبد الله ويخافه ويتقيه ثم اذا ذكر باسم الفاعل قيل هو عابد لربه متق ~~لربه خائف لربه وكذلك تقول فلان يرهب الله ثم تقول هو راهب لربه واذا ذكرت ~~الفعل واخرته تقويه باللام كقوله ( وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون ( وقد قال @QB@ فإياي فارهبون @QE@ فعداه PageV07P290 بنفسه وهناك ~~ذكر اللام فان هنا قوله ( فاياى ( أتم من قوله فلى وقوله هنا لك ( لربهم ( ~~أتم من قوله ربهم فان الضمير المنفصل المنصوب أكمل من ضمير الجر بالياء ~~وهناك اسم ظاهر فتقويته باللام أولى وأتم من تجريده ومن هذا قوله @QB@ إن ~~كنتم للرؤيا تعبرون @QE@ ويقال عبرت رؤياه وكذلك قوله @QB@ وإنهم لنا ~~لغائظون @QE@ وإنما يقال غظته لا يقال غظت له ومثله كثير فيقول القائل ما ~~أنت بمصدق لنا ادخل فيه اللام لكونه اسم فاعل والا فانما يقال صدقته لا ~~يقال صدقت له ولو ذكروا الفعل لقالوا ما صدقتنا وهذا بخلاف لفظ الايمان ~~فإنه تعدى إلى الضمير باللام دائما لا يقال آمنته قط ms2063 وانما يقال آمنت له ~~كما يقال أقررت له فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق ~~مع أن بينهما فرقا # ( الثانى ( أنه ليس مرادفا للفظ التصديق في المعنى فان كل مخبر عن مشاهدة ~~أو غيب يقال له في اللغة صدقت كما يقال كذبت فمن قال السماء فوقنا قيل له ~~صدق كما يقال كذب وأما لفظ الايمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب لم ~~يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة كقوله طلعت الشمس وغربت أنه يقال ~~آمناه كما يقال صدقناه ولهذا المحدثون والشهود ونحوهم يقال صدقناهم وما ~~يقال آمنا لهم فان الايمان مشتق من الأمن فانما يستعمل في خبر يؤتمن عليه ~~المخبر كالأمر الغائب الذى يؤتمن عليه المخبر ولهذا لم يوجد قط في القرآن ~~وغيره لفظ آمن له الا في هذا النوع والاثنان اذا اشتركا في معرفة الشيء ~~PageV07P291 يقال صدق أحدهما صاحبه ولا يقال آمن له لأنه لم يكن غائبا عنه ~~ائتمنه عليه ولهذا قال @QB@ فآمن له لوط @QE@ @QB@ أنؤمن لبشرين مثلنا @QE@ ~~@QB@ آمنتم له @QE@ @QB@ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين @QE@ فيصدقهم فيما ~~أخبروا به مما غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك فاللفظ متضمن مع التصديق ~~ومعنى الإئتمان والأمانة كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق ولهذا قالوا ~~@QB@ وما أنت بمؤمن لنا @QE@ أى لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ~~ولو كنا صادقين لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك فلو صدقوا لم يأمن ~~لهم # ( الثالث ( أن لفظ الايمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق فانه ~~من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له صدقت أو كذبت ويقال صدقناه أو ~~كذبناه ولا يقال لكل مخبر آمنا له أو كذبناه ولا يقال أنت مؤمن له أو مكذب ~~له بل المعروف في مقابلة الايمان لفظ الكفر يقال هو مؤمن أو كافر والكفر لا ~~يختص بالتكذيب بل لو قال أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك ~~وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم فلما كان الكفر المقابل للايمان ms2064 ليس هو ~~التكذيب فقط علم أن الايمان ليس هو التصديق فقط بل اذا كان الكفر يكون ~~تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب فلأ بد أن يكون الايمان ~~تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفى مجرد التصديق فيكون الاسلام جزء ~~مسمى الايمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر فيجب ~~أن يكون كل مؤمن مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل PageV07P292 # فان قيل فالرسول فسر الإيمان بما يؤمن به # قيل فالرسول ذكر ما يؤمن به لم يذكر ما يؤمن له وهو نفسه يجب أن يؤمن به ~~ويؤمن له فالإيمان به من حيث ثبوته غيب عنا أخبرنا به وليس كل غيب آمنا به ~~علينا أن نطيعه وأما ما يجب من الايمان له فهو الذى يوجب طاعته والرسول يجب ~~الايمان به وله فينبغى أن يعرف هذا وأيضا فان طاعته طاعة لله وطاعة الله من ~~تمام الإيمان به # ( الرابع ( أن من الناس من يقول الايمان اصله في اللغة من الأمن الذى هو ~~ضد الخوف فآمن أى صار داخلا في الأمن وأنشدوا # وأما ( المقدمة الثانية ( فيقال إنه اذا فرض أنه مرادف للتصديق فقولهم أن ~~التصديق لا يكون الا بالقلب أو اللسان عنه جوابان # ( أحدهما ( المنع بل الأفعال تسمى تصديقا كما ثبت في ( الصحيح ( عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( العينان تزنيان وزناهما النظر والأذن تزنى ~~وزناها السمع واليد تزنى وزناها البطش والرجل تزنى وزناها المشى والقلب ~~يتمنى ذلك ويشتهى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ( وكذلك قال أهل اللغة وطوائف ~~من السلف والخلف قال الجوهرى والصديق مثال الفسيق الدائم التصديق ويكون ~~الذى يصدق قوله بالعمل وقال الحسن البصرى ليس الايمان بالتحلى ولا بالتمنى ~~ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال وهذا PageV07P293 مشهور عن الحسن ~~يروى عنه من غير وجه كما رواه عباس الدورى حدثنا حجاج حدثنا أبو عبيدة ~~الناجى عن الحسن قال ليس الإيمان بالتحلى ولا بالتمنى ولكن ما وقر في القلب ~~وصدقته الاعمال من قال حسنا وعمل غير صالح رد ms2065 الله عليه قوله ومن قال حسنا ~~وعمل صالحا رفعه العمل ذلك بأن الله يقول @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه @QE@ ورواه إبن بطة من الوجهين وقوله ليس الايمان ~~بالتمنى يعنى الكلام # وقوله بالتحلى يعنى أن يصير حلية ظاهرة له فيظهره من غير حقيقة من قلبه ~~ومعناه ليس هو ما يظهر من القول ولا من الحلية الظاهرة ولكن ما وقر في ~~القلب وصدقته الاعمال فالعمل يصدق أن في القلب ايمانا واذا لم يكن عمل كذب ~~ان في قلبه ايمانا لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر وانتفاء اللازم يدل ~~على انتفاء الملزوم # وقد روى محمد بن نصر المروزى بإسناده أن عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد ~~بن جبير يسأله عن هذه المسائل فأجابه عنها سألت عن الايمان فالإيمان هو ~~التصديق أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل الله من كتاب وما أرسل من ~~رسول وباليوم الآخر وسألت عن التصديق والتصديق أن يعمل العبد بما صدق به من ~~القرآن وما ضعف عن شيء منه وفرط فيه عرف أنه ذنب واستغفر الله وتاب منه ولم ~~يصر عليه فذلك PageV07P294 هو التصديق وتسأل عن الدين فالدين هو العبادة ~~فإنك لن تجد رجلا من أهل الدين ترك عبادة أهل دين ثم لا يدخل في دين آخر ~~إلا صار لا دين له وتسأل عن العبادة والعبادة هي الطاعة ذلك أنه من أطاع ~~الله فيما أمره به وفيما نهاه عنه فقد آثر عبادة الله ومن أطاع الشيطان في ~~دينه وعمله فقد عبد الشيطان ألا ترى أن الله قال للذين فرطوا @QB@ ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان @QE@ وإنما كانت عبادتهم الشيطان ~~أنهم أطاعوه في دينهم # وقال أسد بن موسى حدثنا الوليد بن مسلم الأوزاعى حدثنا حسان بن عطية قال ~~الإيمان في كتاب الله صار إلى العمل قال الله تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ الآية ثم صيرهم إلى العمل فقال @QB@ ~~الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون @QE@ قال وسمعت الأوزاعى يقول ms2066 قال ~~الله تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ~~@QE@ والايمان بالله باللسان والتصديق به العمل # وقال معمر عن الزهري كنا نقول الاسلام بالاقرار والايمان بالعمل والايمان ~~قول وعمل قرينان لا ينفع أحدهما الا بالآخر وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله ~~فان كان عمله أوزن من قوله صعد إلى الله وان كان كلامه أوزن من عمله لم ~~يصعد إلى الله ورواه أبو عمرو الطلمنكى بإسناده PageV07P295 المعروف وقال ~~معاوية بن عمرو عن أبى إسحاق الفزارى عن الأوزاعى قال لا يستقيم الايمان ~~الا بالقول ولا يستقيم الايمان والقول الا بالعمل ولا يستقيم الايمان ~~والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة # وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الايمان والعمل العمل من الايمان ~~والايمان من العمل وإنما الايمان إسم يجمع كما يجمع هذه الأديان إسمها ~~ويصدقه العمل فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى ~~التى لا انفصام لها ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدق بعمله كان في ~~الآخرة من الخاسرين وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف أنهم يجعلون ~~العمل مصدقا للقول ورووا ذلك عن النبى كما رواه معاذ بن أسد حدثنا الفضيل ~~بن عياض عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد أن أبا ذر سأل النبى عن الايمان فقال ~~( الايمان الاقرار والتصديق بالعمل ثم تلا @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~قبل المشرق والمغرب @QE@ إلى قوله @QB@ وأولئك هم المتقون @QE@ # قلت حديث أبى ذر هذا مروى من غير وجه فإن كان هذا اللفظ هو لفظ الرسول ~~فلا كلام وان كانوا رووه بالمعنى دل على أنه من المعروف في لغتهم أنه يقال ~~صدق قوله بعمله وكذلك قال شيخ الاسلام الهروى الايمان تصديق كله # وكذلك ( الجواب الثانى ( أنه إذا كان أصله التصديق فهو تصديق PageV07P296 ~~مخصوص كما ان الصلاة دعاء مخصوص والحج قصد مخصوص والصيام إمساك مخصوص وهذا ~~التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عند الاطلاق فان إنتفاء ~~اللازم يقتضى انتفاء الملزوم ويبقى النزاع لفظيا هل ms2067 الايمان دال على العمل ~~بالتضمن أو باللزوم # ومما ينبغى أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو ~~نزاع لفظى والا فالقائلون بأن الايمان قول من الفقهاء كحماد بن أبى سليمان ~~وهو أول من قال ذلك ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم متفقون مع جميع علماء ~~السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد وان قالوا أن ايمانهم ~~كامل كإيمان جبريل فهم يقولون أن الايمان بدون العمل المفروض ومع فعل ~~المحرمات يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة ويقولون أيضا ~~بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة والذين ينفون عن ~~الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار فليس بين ~~فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به ~~الرسول وما تواتر عنه أنهم من اهل الوعيد وأنه يدخل النار منهم من أخبر ~~الله ورسوله بدخوله إليها ولا يخلد منهم فيها أحد ولا يكونون مرتدين مباحى ~~الدماء # ولكن ( الأقوال المنحرفة ( قول من يقول بتخليدهم في النار كالخوارج ~~والمعتزلة وقول غلاة المرجئة الذين يقولون ما نعلم أن أحدا منهم يدخل النار ~~بل نقف في هذا كله وحكى عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفى العام ~~PageV07P297 ويقال للخوارج الذى نفى عن السارق والزانى والشارب وغيرهم ~~الايمان هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع ~~ولم يقتل أحدا الا الزانى المحصن ولم يقتله قتل المرتد فإن المرتد يقتل ~~بالسيف بعد الاستتابة وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة فدل ذلك على أنه وان ~~نفى عنهم الايمان فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم وليسوا ~~كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر فأولئك لم يعاقبهم ~~إلا على ذنب ظاهر # وبسبب الكلام في ( مسألة الايمان ( تنازع الناس هل في اللغة أسماء شرعية ~~نقلها الشارع عن مسماها في اللغة أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه ~~في اللغة لكن الشارع زاد في أحكامها لا ms2068 في معنى الاسماء وهكذا قالوا في إسم ~~( الصلاة ( و ( الزكاة ( و ( الصيام ( و ( الحج ( إنها باقية في كلام ~~الشارع على معناها اللغوى لكن زاد في أحكامها ومقصودهم ان الايمان هو مجرد ~~التصديق وذلك يحصل بالقلب واللسان وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الشارع تصرف ~~فيها تصرف أهل العرف فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز وبالنسبة إلى عرف الشارع ~~حقيقة # والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة ~~كما يستعمل نظائرها كقوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ فذكر ~~حجا خاصا وهو حج البيت وكذلك قوله @QB@ فمن حج البيت أو اعتمر @QE@ فلم يكن ~~PageV07P298 لفظ الحج متناولا لكل قصد بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من ~~غير تغيير اللغة والشاعر إذا قال # وأشهد من عوف حلولا كثيرة %~% يحجون سب الزبرقان المزعفرا # كان متكلما باللغة وقد قيد لفظه بحج سب الزبرقان ~~المزعفرا ومعلوم أن ذلك الحج المخصوص دلت عليه الإضافة فكذلك الحج المخصوص ~~الذى أمر الله به دلت عليه الاضافة أو التعريف باللام فاذا قيل الحج فرض ~~عليك كانت لام العهد تبين أنه حج البيت وكذلك ( الزكاة ( هي اسم لما تزكو ~~به النفس وزكاة النفس زيادة خيرها وذهاب شرها والإحسان إلى الناس من أعظم ~~ما تزكو به النفس كما قال تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها @QE@ وكذلك ترك الفواحش مما تزكو به قال تعالى @QB@ ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا @QE@ وأصل زكاتها بالتوحيد واخلاص ~~الدين لله قال تعالى @QB@ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة @QE@ وهى ~~عند المفسرين التوحيد # وقد بين النبى مقدار الواجب وسماها الزكاة المفروضة فصار لفظ الزكاة اذا ~~عرف باللام ينصرف اليها لأجل العهد ومن الاسماء ما يكون أهل العرف نقلوه ~~وينسبون ذلك إلى الشارع مثل لفظ ( التيمم ( فإن الله تعالى قال @QB@ ~~فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ فلفظ ( التيمم ( ~~استعمل في معناه المعروف في اللغة فانه أمر بتيمم الصعيد ثم أمر بمسح ~~الوجوه والايدى منه فصار لفظ التيمم في ms2069 عرف الفقهاء يدخل فيه هذا المسح ~~وليس PageV07P299 هو لغة الشارع بل الشارع فرق بين تيمم الصعيد وبين المسح ~~الذى يكون بعده ولفظ ( الايمان ( أمر به مقيدا بالايمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله وكذلك لفظ ( الإسلام ( بالإستسلام لله رب العالمين وكذلك لفظ ( ~~الكفر ( مقيدا ولكن لفظ ( النفاق ( قد قيل أنه لم تكن العرب تكلمت به لكنه ~~مأخوذ من كلامهم فان نفق يشبه خرج ومنه نفقت الدابة اذا ماتت ومنه نافقاء ~~اليربوع والنفق في الأرض قال تعالى @QB@ فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ~~@QE@ فالمنافق هو الذى خرج من الايمان باطنا بعد دخوله فيه ظاهرا وقيد ~~النفاق بأنه نفاق من الايمان ومن الناس من يسمى من خرج عن طاعة الملك ~~منافقا عليه لكن النفاق الذى في القرآن هو النفاق على الرسول فخطاب الله ~~ورسوله للناس بهذه الاسماء كخطاب الناس بغيرها وهو خطاب مقيد خاص لا مطلق ~~يحتمل أنواعا # وقد بين الرسول تلك الخصائص والاسم دل عليها فلا يقال أنها منقولة ولا ~~أنه زيد في الحكم دون الاسم بل الاسم انما استعمل على وجه يختص بمراد ~~الشارع لم يستعمل مطلقا وهو إنما قال @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ بعد أن ~~عرفهم الصلاة المأمور بها فكان التعريف منصرفا إلى الصلاة التى يعرفونها لم ~~يرد لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه ولهذا كل من قال في لفظ الصلاة أنه عام ~~للمعنى اللغوى أو أنه مجمل لتردده بين المعنى اللغوى والشرعى ونحو ذلك ~~فأقوالهم ضعيفة فان هذا اللفظ انما ورد خبرا أو أمرا فالخبر كقوله ( أرأيت ~~الذى ينهى عبدا اذا صلى ( وسورة ( اقرأ ( من أول ما نزل من القرآن وكان ~~PageV07P300 بعض الكفار أما أبو جهل أو غيره قد نهى النبى عن الصلاة وقال ~~لئن رأيته يصلى لأطأن عنقه فلما رآه ساجدا رأى من الهول ما أوجب نكوصه على ~~عقبيه فإذا قيل @QB@ أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى @QE@ فقد علمت تلك ~~الصلاة الواقعة بلا إجمال في اللفظ ولا عموم # ثم أنه لما فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج أقام النبى لهم الصلوات ms2070 ~~بمواقيتها صبيحة ذلك اليوم وكان جبرائيل يؤم النبى صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون يأتمون بالنبى فإذا قيل لهم @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ عرفوا أنها ~~تلك الصلاة وقيل أنه قبل ذلك كانت له صلاتان طرفى النهار فكانت أيضا معروفة ~~فلم يخاطبوا بإسم من هذه الأسماء الا ومسماه معلوم عندهم فلا اجمال في ذلك ~~ولا يتناول كل ما يسمى حجا ودعاءا وصوما فإن هذا انما يكون اذا كان اللفظ ~~مطلقا وذلك لم يرد # وكذلك ( الايمان ( و ( الإسلام ( وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر الأمور ~~وإنما سأل جبريل النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهم يسمعون وقال ( هذا ~~جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ( ليبين لهم كمال هذه الاسماء وحقائقها التى ~~ينبغى أن تقصد لئلا يقتصروا على أدنى مسمياتها وهذا كما في الحديث الصحيح ~~أنه قال ( ليس المسكين هذا الطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان والتمرة ~~والتمرتان ولكن المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا ~~يسأل الناس إلحافا ( فهم كانوا يعرفون المسكين وأنه المحتاج وكان ذلك ~~PageV07P301 مشهورا عندهم فيمن يظهر حاجته بالسؤال فبين النبى صلى الله ~~عليه وسلم أن الذى يظهر حاجته بالسؤال والناس يعطونه تزول مسكنته باعطاء ~~الناس له والسؤال له بمنزلة الحرفة وهو وإن كان مسكينا يستحق من الزكاة اذا ~~لم يعط من غيرها كفايته فهو إذا وجد من يعطيه كفايته لم يبق مسكينا وانما ~~المسكين المحتاج الذى لا يسأل ولا يعرف فيعطى فهذا هو الذى يجب أن يقدم في ~~العطاء فانه مسكين قطعا وذاك مسكنته تندفع بعطاء من يسأله وكذلك قوله ( ~~الاسلام هو الخمس ( يريد أن هذا كله واجب داخل في الإسلام فليس للانسان أن ~~يكتفى بالاقرار بالشهادتين وكذلك الايمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل ~~لا يكتفى فيه بالايمان المجمل ولهذا وصف الإسلام بهذا # وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر وأما الأعمال ~~الأربعة فإختلفوا في تكفير تاركها ونحن اذا قلنا أهل السنة متفقون على أنه ~~لا يكفر بالذنب فانما نريد به ms2071 المعاصى كالزنا والشرب وأما هذه المبانى ففى ~~تكفير تاركها نزاع مشهور وعن أحمد في ذلك نزاع واحدى الروايات عنه أنه يكفر ~~من ترك واحدة منها وهو اختيار أبى بكر وطائفة من أصحاب مالك كإبن حبيب وعنه ~~رواية ثانية لا يكفر الا بترك الصلاة والزكاة فقط ورواية ثالثة لا يكفر الا ~~بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الامام عليها ورابعة لا يكفر الا بترك الصلاة ~~وخامسة لا يكفر بترك شيء منهن وهذه أقوال معروفة للسلف قال الحكم بن عتيبة ~~من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر ومن ترك الحج ~~متعمدا فقد كفر ومن ترك صوم PageV07P302 رمضان متعمدا فقد كفر وقال سعيد بن ~~جبير من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر بالله ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر ~~بالله ومن ترك صوم رمضان متعمدا فقد كفر بالله وقال الضحاك لا ترفع الصلاة ~~الا بالزكاة وقال عبد الله بن مسعود من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا ~~صلاة له رواهن أسد بن موسى # وقال عبد الله بن عمرو من شرب الخمر ممسيا أصبح مشركا ومن شربه مصبحا ~~امسى مشركا فقيل لإبراهيم النخعى كيف ذلك قال لأنه يترك الصلاة قال أبو عبد ~~الله الاخنس في كتابه من شرب المسكر فقد تعرض لترك الصلاة ومن ترك الصلاة ~~فقد خرج من الايمان ومما يوضح ذلك أن جبريل لما سأل النبى عن الاسلام ~~والايمان والاحسان كان في آخر الأمر بعد فرض الحج والحج إنما فرض سنة تسع ~~أو عشر # وقد اتفق الناس على أنه لم يفرض قبل ست من الهجرة ومعلوم أن الرسول لم ~~يأمر الناس بالايمان ولم يبين لهم معناه إلى ذلك الوقت بل كانوا يعرفون أصل ~~معناه وهذه المسائل لبسطها موضع آخر # و ( المقصود هنا ( أن من نفى عنه الرسول اسم ( الإيمان ( أو ( الاسلام ( ~~فلابد أن يكون قد ترك بعض الواجبات فيه وإن بقى بعضها ولهذا كان الصحابة ~~والسلف يقولون إنه يكون في العبد ايمان ونفاق قال أبو داود السجستانى حدثنا ~~أحمد ms2072 بن حنبل حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن أبى المقدام عن PageV07P303 ~~أبى يحيى قال سئل حذيفة عن المنافق قال الذي يعرف الاسلام ولا يعمل به وقال ~~أبو داود حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن ~~ابى البختري عن حذيفة قال القلوب أربعة قلب أغلف فذلك قلب الكافر وقلب مصفح ~~وذلك قلب المنافق وقلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب فيه ايمان ~~ونفاق فمثل الايمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب ومثل النفاق مثل قرحة ~~يمدها قيح ودم فأيهما غلب عليه غلب وقد روى مرفوعا وهو في ( المسند ( ~~مرفوعا # وهذا الذى قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى @QB@ هم للكفر يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان @QE@ فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم ~~فصاروا إلى الكفر أقرب وروى عبد الله بن المبارك عن عوف بن أبى جميلة عن ~~عبد الله بن عمرو بن هند عن على بن أبى طالب قال ان الايمان يبدو لمظة ~~بيضاء في القلب فكلما إزداد العبد ايمانا ازداد القلب بياضا حتى اذا استكمل ~~الايمان أبيض القلب كله وان النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما إزداد ~~العبد نفاقا ازداد القلب سوادا حتى اذا استكمل العبد النفاق اسود القلب ~~وأيم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب المنافق ~~والكافر لوجدتموه أسود # وقال بن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل رواه ~~أحمد وغيره وهذا كثير في كلام السلف يبينون أن القلب قد يكون فيه ~~PageV07P304 ايمان ونفاق والكتاب والسنة يدلان على ذلك فان النبى ذكر شعب ~~الايمان وذكر شعب النفاق وقال ( من كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من ~~النفاق حتى يدعها ( وتلك الشعبة قد يكون معها كثير من شعب الايمان ولهذا ~~قال ( ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ايمان ( فعلم أن من كان ~~معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار ms2073 وان من كان معه كثير من النفاق ~~فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك ثم يخرج من النار وعلى هذا فقوله ~~للأعراب @QB@ لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ~~@QE@ نفى حقيقة دخول الايمان في قلوبهم وذلك لا يمنع أن يكون معهم شعبة منه ~~كما نفاه عن الزانى والسارق ومن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه ومن لا يأمن ~~جاره بوائقه وغير ذلك كما تقدم ذكره فان في القرآن والحديث ممن نفى عنه ~~الايمان لترك بعض الواجبات شيء كثير # وحينئذ فنقول من قال من السلف أسلمنا أى استسلمنا خوف السيف وقول من قال ~~هو الاسلام الجميع صحيح فان هذا انما أراد الدخول في الاسلام والاسلام ~~الظاهر يدخل فيه المنافقون فيدخل فيه من كان في قلبه إيمان ونفاق وقد علم ~~أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من ايمان بخلاف المنافق المحض الذى ~~قلبه كله أسود فهذا هو الذى يكون في الدرك الأسفل من النار ولهذا كان ~~الصحابة يخشون النفاق على أنفسهم ولم يخافوا PageV07P305 التكذيب لله ~~ورسوله فان المؤمن يعلم من نفسه أنه لا يكذب الله ورسوله يقينا وهذا مستند ~~من قال أنا مؤمن حقا فإنه أراد بذلك ما يعلمه من نفسه من التصديق الجازم ~~ولكن الايمان ليس مجرد التصديق بل لابد من أعمال قلبية تستلزم أعمالا ظاهرة ~~كما تقدم فحب الله ورسوله من الايمان وحب ما أمر الله به وبغض ما نهى عنه ~~هذا من أخص الامور بالايمان ولهذا ذكر النبى في عدة أحاديث أن ( من سرته ~~حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ( فهذا يحب الحسنة ويفرح بها ويبغض السيئة ~~ويسوءه فعلها وان فعلها بشهوة غالبة وهذا الحب والبغض من خصائص الايمان # ومعلوم أن الزانى حين يزنى إنما يزنى لحب نفسه لذلك الفعل فلو قام بقلبه ~~خشية الله التى تقهر الشهوة أو حب الله الذى يغلبها لم يزن ولهذا قال تعالى ~~عن يوسف عليه السلام @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين ms2074 @QE@ فمن كان مخلصا لله حق الاخلاص لم يزن وانما يزنى لخلوه عن ~~ذلك وهذا هو الايمان الذى ينزع منه لم ينزع منه نفس التصديق ولهذا قيل هو ~~مسلم وليس بمؤمن فان المسلم المستحق للثواب لابد أن يكون مصدقا والا كان ~~منافقا لكن ليس كل من صدق قام بقلبه من الاحوال الايمانية الواجبة مثل كمال ~~محبة الله ورسوله ومثل خشية الله والاخلاص له في الأعمال والتوكل عليه بل ~~يكون الرجل مصدقا بما جاء به الرسول وهو PageV07P306 مع ذلك يرائى بأعماله ~~ويكون أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله وقد خوطب بهذا ~~المؤمنون في آخر الامر في سورة براءة فقيل لهم @QB@ إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ ومعلوم أن كثيرا من المسلمين أو ~~أكثرهم بهذه الصفة # وقد ثبت أنه لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما وانما المؤمن من لم يرتب وجاهد بماله ونفسه في سبيل الله فمن لم تقم ~~بقلبه الأحوال الواجبة في الايمان فهو الذى نفى عنه الرسول الإيمان وان كان ~~معه التصديق والتصديق من الايمان ولابد أن يكون مع التصديق شيء من حب الله ~~وخشية الله والا فالتصديق الذى لا يكون معه شيء من ذلك ليس ايمانا البتة بل ~~هو كتصديق فرعون واليهود وابليس وهذا هو الذى أنكره السلف على الجهمية قال ~~الحميدى سمعت وكيعا يقول أهل السنة يقولون الايمان قول وعمل والمرجئة ~~يقولون الإيمان قول والجهمية يقولون الايمان المعرفة وفى رواية أخرى عنه ~~وهذا كفر قال محمد بن عمر الكلابى سمعت وكيعا يقول الجهمية شر من القدرية ~~قال وقال وكيع المرجئة الذين يقولون الاقرار يجزئ عن العمل ومن قال هذا فقد ~~هلك ومن قال النية تجزئ عن العمل فهو كفر وهو قول جهم وكذلك قال أحمد بن ~~حنبل PageV07P307 # ولهذا كان القول ان الايمان قول ms2075 وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة وحكى ~~غير واحد الاجماع على ذلك وقد ذكرنا عن الشافعى رضى الله عنه ما ذكره من ~~الاجماع على ذلك قوله في ( الأم ( وكان الاجماع من الصحابة والتابعين من ~~بعدهم ومن أدركناهم يقولون ان الايمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من ~~الثلاثة إلا بالآخر وذكر بن ابى حاتم في ( مناقبه ( سمعت حرملة يقول اجتمع ~~حفص الفرد ومصلان الاباضى عند الشافعى في دار الجروى فتناظرا معه في ~~الايمان فاحتج مصلان في الزيادة والنقصان وخالفه حفص الفرد فحمى الشافعى ~~وتقلد المسألة على أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص فطحن حفصا الفرد وقطعه # وروى أبو عمرو الطلمنكى بإسناده المعروف عن موسى بن هارون الحمال قال ~~أملى علينا إسحاق بن راهوية ان الايمان قول وعمل يزيد وينقص لا شك ان ذلك ~~كما وصفنا وانما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والاثار العامة المحكمة وآحاد ~~أصحاب رسول الله والتابعين وهلم جرا على ذلك وكذلك بعد التابعين من أهل ~~العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه وكذلك في عهد الاوزاعى بالشام وسفيان ~~الثورى بالعراق ومالك بن أنس بالحجاز ومعمر باليمن على ما فسرنا وبينا أن ~~الإيمان قول وعمل يزيد وينقص # وقال إسحاق من ترك الصلاة متعمدا حتى ذهب وقت الظهر إلى PageV07P308 ~~المغرب والمغرب إلى نصف الليل فانه كافر بالله العظيم يستتاب ثلاثة أيام ~~فان لم يرجع وقال تركها لا يكون كفرا ضربت عنقه يعنى تاركها وقال ذلك وأما ~~إذا صلى وقال ذلك فهذه مسألة اجتهاد قال واتبعهم على ما وصفنا من بعدهم من ~~عصرنا هذا أهل العلم الا من باين الجماعة وإتبع الأهواء المختلفة فأولئك ~~قوم لا يعبأ الله بهم لما باينوا الجماعة # قال أبو عبيد القاسم بن سلام الامام وله كتاب مصنف في الايمان قال هذه ~~تسمية من كان يقول الايمان قول وعمل يزيد وينقص من أهل مكة عبيد بن عمير ~~الليثى عطاء بن أبى رباح مجاهد بن جبر بن أبى مليكة عمرو بن دينار إبن أبى ~~نجيح عبيد الله ms2076 بن عمر عبد الله بن عمرو إبن عثمان عبد الملك بن جريح نافع ~~بن جبير داود بن عبد الرحمن العطار عبد الله بن رجاء ومن أهل المدينة محمد ~~بن شهاب الزهري ربيعة بن أبى عبد الرحمن أبو حازم الاعرج سعد بن إبراهيم بن ~~عبد الرحمن بن عوف يحيى بن سعيد الانصارى هشام بن عروة بن الزبير عبد الله ~~بن عمر العمرى مالك بن أنس محمد بن أبى ذئب سليمان بن بلال عبد العزيز بن ~~عبد الله يعنى الماجشون عبد العزيز بن أبى حازم ومن أهل اليمن طاووس ~~اليمانى وهب بن منبه معمر بن راشد عبد الرزاق بن همام ومن أهل مصر والشام ~~مكحول الأوزاعى سعيد بن عبد العزيز الوليد بن مسلم يونس بن يزيد الايلى ~~يزيد بن أبى حبيب يزيد بن شريح سعيد بن أبى أيوب الليث بن سعد عبد الله بن ~~أبى جعفر معاوية بن أبى صالح حيوة PageV07P309 بن شريح عبد الله بن وهب ومن ~~سكن العواصم وغيرها من الجزيرة ميمون بن مهران يحيى بن عبدالكريم معقل بن ~~عبيد الله عبيد الله بن عمرو الرقى عبد الملك بن مالك المعافى بن عمران ~~محمد بن سلمة الحرانى أبو إسحاق الفزارى مخلد بن الحسين على بن بكار يوسف ~~بن أسباط عطاء بن مسلم محمد بن كثير الهيثم بن جميل ومن أهل الكوفة علقمة ~~الأسود بن يزيد أبو وائل وسعيد بن جبير الربيع بن خيثم عامر الشعبى إبراهيم ~~النخعى الحكم بن عتيبة طلحة بن مصرف منصور بن المعتمر سلمة بن كهيل مغيرة ~~الضبي عطاء بن السائب إسماعيل بن ابى خالد أبو حيان يحيى بن سعيد سليمان بن ~~مهران الأعمش يزيد بن أبى زياد سفيان بن سعيد الثورى سفيان بن عيينة الفضيل ~~بن عياض أبو المقدام ثابت بن العجلان بن شبرمة بن أبى ليلى زهير شريك بن ~~عبد الله الحسن بن صالح حفص بن غياث أبو بكر بن عياش أبو الأحوص وكيع بن ~~الجراح عبد الله بن نمير أبو أسامة عبد الله بن ms2077 إدريس زيد بن الحباب الحسين ~~بن على الجعفى محمد بن بشر العبدى يحيى بن آدم ومحمد ويعلى وعمرو بنو عبيد # ومن أهل البصرة الحسن بن أبى الحسن محمد بن سيرين قتادة بن دعامة بكر بن ~~عبد الله المزنى أيوب السختيانى يونس بن عبيد عبد الله بن عون سليمان ~~التيمي هشام بن حسان الدستوائي شعبة بن الحجاج حماد بن سلمة حماد بن زيد ~~أبو الاشهب يزيد بن ابراهيم PageV07P310 أبو عوانة وهيب بن خالد عبد الوارث ~~بن سعيد معتمر بن سليمان التيمي يحيى بن سعيد القطان عبد الرحمن بن مهدى ~~بشر بن المفضل يزيد بن زريع المؤمل بن إسماعيل خالد بن الحارث معاذ بن معاذ ~~أبو عبد الرحمن المقرئ # ومن أهل واسط هشيم بن بشير خالد بن عبد الله على بن عاصم يزيد بن هارون ~~صالح بن عمر بن على بن عاصم # ومن أهل المشرق الضحاك بن مزاحم أبو جمرة نصر بن عمران عبد الله بن ~~المبارك النضر بن شميل جرير بن عبد الحميد الضبى # قال أبو عبيد هؤلاء جميعا يقولون الايمان قول وعمل يزيد وينقص وهو قول ~~أهل السنة المعمول به عندنا # قلت ذكر من الكوفيين من قال ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم لان الارجاء في ~~أهل الكوفة كان أولا فيهم أكثر وكان أول من قاله حماد بن أبى سليمان فاحتاج ~~علماؤها أن يظهروا انكار ذلك فكثر منهم من قال ذلك كما أن التجهم وتعطيل ~~الصفات لما كان ابتداء حدوثه من خراسان كثر من علماء خراسان ذلك الوقت من ~~الانكار على الجهمية ما لم يوجد قط لمن لم تكن هذه البدعة في بلده ولا سمع ~~بها كما جاء في حديث ( إن لله عند كل بدعة يكاد بها الاسلام وأهله من يتكلم ~~بعلامات الاسلام فاغتنموا تلك المجالس فان الرحمة تنزل على أهلها ( أو كما ~~قال PageV07P311 # وإذا كان من قول السلف أن الانسان يكون فيه إيمان ونفاق فكذلك في قولهم ~~أنه يكون فيه إيمان وكفر ليس هو الكفر الذى ينقل عن الملة ms2078 كما قال إبن عباس ~~وأصحابه في قوله تعالى @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~@QE@ قالوا كفروا كفرا لا ينقل عن الملة وقد اتبعهم على ذلك أحمد بن حنبل ~~وغيره من أئمة السنة # قال الإمام محمد بن نصر المروزى في كتاب ( الصلاة ( اختلف الناس في تفسير ~~حديث جبرائيل هذا فقال طائفة من أصحابنا قول النبى ( الايمان أن تؤمن بالله ~~( وما ذكر معه كلام جامع مختصر له غور وقد وهمت المرجئة في تفسيره فتأولوه ~~على غير تأويله قلة معرفة منهم بلسان العرب وغور كلام النبى الذى قد أعطى ~~جوامع الكلم وفواتحه واختصر له الحديث اختصارا أما قوله ( الإيمان أن تؤمن ~~بالله ( فان توحده وتصدق به بالقلب واللسان وتخضع له ولأمره باعطاء العزم ~~للأداء لما أمر مجانبا للإستنكاف والإستكبار والمعاندة فاذا فعلت ذلك لزمت ~~محابه واجتنبت مساخطه وأما قوله ( وملائكته ( فإن تؤمن بمن سمى الله لك ~~منهم في كتابه وتؤمن بأن لله ملائكة سواهم لا يعرف أسماءهم وعددهم الا الذى ~~خلقهم وأما قوله ( وكتبه ( فان تؤمن بما سمى الله من كتبه في كتابه من ~~التوراة والانجيل والزبور خاصة وتؤمن بأن لله سوى ذلك كتبا أنزلها على ~~أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها الا الذى أنزلها وتؤمن بالفرقان وإيمانك به ~~غير إيمانك بسائر الكتب PageV07P312 ايمانك بغيره من الكتب اقرارك به ~~بالقلب واللسان وايمانك بالفرقان اقرارك به واتباعك ما فيه # وأما قوله ( ورسله ( فأن تؤمن بما سمى الله في كتابه من رسله وتؤمن بأن ~~لله سواهم رسلا وأنبياء لا يعلم أسماءهم الا الذى أرسلهم وتؤمن بمحمد ~~وايمانك به غير ايمانك بسائر الرسل إيمانك بسائر الرسل اقرارك بهم وايمانك ~~بمحمد اقرارك به وتصديقك اياه دائبا على ما جاء به فاذا اتبعت ما جاء به ~~أديت الفرائض وأحللت الحلال وحرمت الحرام ووقفت عند الشبهات وسارعت في ~~الخيرات وأما قوله ( واليوم الآخر ( فأن تؤمن بالبعث بعد الموت والحساب ~~والميزان والثواب والعقاب والجنة والنار وبكل ما وصف الله به يوم القيامة ~~وأما قوله ( وتؤمن بالقدر خيره وشره ms2079 ( فأن تؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك ~~وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تقل لو كان كذا لم يكن كذا ولولا كذا وكذا ~~لم يكن كذا وكذا قال فهذا هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر PageV07P313 ### ||| فصل # ومما يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثرمن هذه ~~الخمس فلماذا قال الاسلام هذه الخمس وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر شعائر ~~الاسلام وأعظمها وبقيام العبد بها يتم اسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد ~~إنقياده # و ( التحقيق ( أن النبى ذكر الدين الذى هو استسلام العبد لربه مطلقا الذى ~~يجب لله عبادة محضة على الأعيان فيجب على كل من كان قادرا عليه ليعبد الله ~~بها مخلصا له الدين وهذه هي الخمس وما سوى ذلك فانما يجب بأسباب لمصالح فلا ~~يعم وجوبها جميع الناس بل اما أن يكون فرضا على الكفاية كالجهاد والأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر وما يتبع ذلك من أمارة وحكم وفتيا واقراء وتحديث ~~وغير ذلك وأما ان يجب بسبب حق للآدميين يختص به من وجب له وعليه وقد يسقط ~~باسقاطه واذا حصلت المصلحة أو الابراء اما بابرائه وإما بحصول المصلحة ~~فحقوق العباد مثل قضاء الديون ورد الغصوب والعوارى والودائع والانصاف من ~~المظالم من الدماء والأموال والأعراض انما هي حقوق الآدميين وإذا أبرئوا ~~منها سقطت PageV07P314 وتجب على شخص دون شخص في حال دون حال لم تجب عبادة ~~محضة لله على كل عبد قادر ولهذا يشترك فيها المسلمون واليهود والنصارى ~~بخلاف الخمسة فانها من خصائص المسلمين # وكذلك ما يجب من صلة الارحام وحقوق الزوجة والاولاد والجيران والشركاء ~~والفقراء وما يجب من أداء الشهادة والفتيا والقضاء والامارة والأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد كل ذلك يجب باسباب عارضة على بعض الناس ~~دون بعض لجلب منافع ودفع مضار لو حصلت بدون فعل الانسان لم تجب فما كان ~~مشتركا فهو واجب على الكفاية وما كان مختصا فانما يجب على زيد دون عمرو لا ~~يشترك الناس في وجوب عمل ms2080 بعينه على كل أحد قادر سوى الخمس فان زوجة زيد ~~وأقاربه ليست زوجة عمرو وأقاربه فليس الواجب على هذا مثل الواجب على هذا ~~بخلاف صوم رمضان وحج البيت والصلوات الخمس والزكاة فإن الزكاة وان كانت حقا ~~ماليا فانها واجبة لله والاصناف الثمانية مصارفها ولهذا وجبت فيها النية ~~ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا اذنه ولم تطلب من الكفار وحقوق العباد لا ~~يشترط لها النية ولو اداها غيره عنه بغير اذنه برئت ذمته ويطالب بها الكفار ~~وما يجب حقا لله تعالى كالكفارات هو بسبب من العبد وفيها شوب العقوبات فان ~~الواجب لله ( ثلاثة أنواع ( عبادة محضة كالصلوات وعقوبات محضة كالحدود وما ~~يشبهها كالكفارات وكذلك كفارات الحج وما يجب بالنذر فان ذلك يجب بسبب فعل ~~من العبد وهو واجب في ذمته PageV07P315 وأما ( الزكاة ( فانها تجب حقا لله ~~في ماله ولهذا يقال ليس في المال حق سوى الزكاة أى ليس فيه حق يجب بسبب ~~المال سوى الزكاة والا ففيه واجبات بغير سبب المال كما تجب النفقات للاقارب ~~والزوجة والرقيق والبهائم ويجب حمل العاقلة ويجب قضاء الديون ويجب الاعطاء ~~في النائبة ويجب اطعام الجائع وكسوة العارى فرضا على الكفاية إلى غير ذلك ~~من الواجبات المالية لكن بسبب عارض والمال شرط وجوبها كالاستطاعة في الحج ~~فان البدن سبب الوجوب والاستطاعة شرط والمال في الزكاة هو السبب والوجوب ~~معه حتى لو لم يكن في بلده من يستحقها حملها إلى بلدة اخرى وهى حق وجب لله ~~تعالى ولهذا قال من قال من الفقهاء أن التكليف شرط فيها فلا تجب على الصغير ~~والمجنون وأما عامة الصحابة والجمهور كمالك والشافعى وأحمد فأوجبوها في مال ~~الصغير والمجنون لأن ما لهما من جنس مال غيرهما ووليهما يقوم مقامهما بخلاف ~~بدنهما فانه انما يتصرف بعقلهما وعقلهما ناقص وصار هذا كما يجب العشر في ~~أرضهما مع أنه انما يستحقه الثمانية وكذلك ايجاب الكفارة في مالهما والصلاة ~~والصيام إنما تسقط لعجز العقل عن الايجاب لا سيما اذا انضم إلى عجز البدن ~~كالصغير وهذا ms2081 المعنى منتف في المال فان الولى قام مقامهما في الفهم كما ~~يقوم مقامهما في جميع ما يجب في المال وأما بدنهما فلا يجب عليهما فيه شيء ~~PageV07P316 ### ||| فصل # قال محمد بن نصر واستدلوا على ان الايمان هو ما ذكره بالآيات التى ~~تلوناها عند ذكر تسمية الله الصلاة وسائر الطاعات ايمانا واستدلوا أيضا بما ~~قص الله من اباء ابليس حين عصى ربه في سجدة واحدة أمر أن يسجدها لآدم ~~فأباها فهل جحد ابليس ربه وهو يقول @QB@ رب بما أغويتني @QE@ ويقول @QB@ رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون @QE@ ايمانا منه بالبعث وايمانا بنفاذ قدرته في ~~انظاره إياه إلى يوم يبعثون وهل جحد أحدا من أنبيائه أو أنكر شيئا من ~~سلطانه وهو يحلف بعزته وهل كان كفره الا بترك سجدة واحدة أمر بها فاباها ~~قال واستدلوا ايضا بما قص الله علينا من نبأ ابنى آدم @QB@ إذ قربا قربانا ~~فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر @QE@ إلى قوله @QB@ فأصبح من الخاسرين ~~@QE@ قالوا وهل جحد ربه وكيف يجحده وهو يقرب القربان قالوا قال الله تعالى ~~@QB@ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم ~~وهم لا يستكبرون @QE@ ولم يقل اذا ذكروا بها اقروا بها فقط وقال @QB@ الذين ~~آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به @QE@ يعنى يتبعونه حق ~~اتباعه PageV07P317 # فان قيل فهل مع ما ذكرت من سنة ثابتة تبين أن العمل داخل في الايمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله قيل نعم عامة السنن والآثار تنطق بذلك منها ~~حديث وفد عبد القيس وذكر حديث شعبة وقرة بن خالد عن أبى جمرة عن بن عباس ~~كما تقدم ولفظه ( آمركم بالايمان بالله وحده ( ثم قال ( هل تدرون ما ~~الايمان بالله وحده ( قالوا الله ورسوله أعلم قال ( شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا ~~خمس ما غنمتم ( وذكر أحاديث كثيرة توجب دخول الأعمال في الايمان مثل قوله ~~في حديث لما سئل ثم قال أبو عبد الله محمد بن نصر ms2082 اختلف أصحابنا في تفسير ~~قول النبى صلى الله عليه وسلم ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( فقالت ~~طائفة منهم انما أراد النبى ازالة اسم الايمان عنه من غير أن يخرجه من ~~الإسلام ولا يزيل عنه اسمه وفرقوا بين الايمان والاسلام وقالوا اذا زنى ~~فليس بمؤمن وهو مسلم وإحتجوا لتفريقهم بين الاسلام والايمان بقوله @QB@ ~~قالت الأعراب آمنا @QE@ الآية فقالوا الإيمان خاص يثبت الإسم به بالعمل مع ~~التوحيد والاسلام عام يثبت الاسم بالتوحيد والخروج من ملل الكفر واحتجوا ~~بحديث سعد بن أبى وقاص وذكره عن سعد أن رسول الله أعطى رجالا ولم يعط رجلا ~~منهم شيئا فقلت يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا وهو مؤمن ~~فقال رسول الله ( أو مسلم ( أعادها ثلاثا والنبى يقول ( أو مسلم ( ثم قال ~~PageV07P318 ( انى لأعطى رجالا وامنع آخرين وهم أحب إلى منهم مخافة أن ~~يكبوا على وجوههم في النار ( قال الزهري فنرى أن الاسلام الكلمة والايمان ~~العمل # قال محمد بن نصر واحتجوا بانكار عبد الله بن مسعود على من شهد لنفسه ~~بالايمان فقال أنا مؤمن من غير استثناء وكذلك أصحابه من بعده وجل علماء ~~الكوفة على ذلك واحتجوا بحديث أبى هريرة ( يخرج منه الايمان فان رجع رجع ~~إليه ( وبما أشبه ذلك من الأخبار وبما روى عن الحسن ومحمد بن سيرين أنهما ~~كانا يقولان مسلم ويهابان مؤمن واحتجوا بقول أبى جعفر الذى حدثناه إسحاق بن ~~إبراهيم أنبأنا وهب بن جرير بن حازم حدثنى أبى عن فضيل بن بشار عن أبى جعفر ~~محمد بن على أنه سئل عن قول النبى ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( ~~فقال أبو جعفر هذا الاسلام ودور دارة واسعة وهذا الايمان ودور دارة صغيرة ~~في وسط الكبيرة فاذا زنى أو سرق خرج من الايمان إلى الاسلام ولا يخرجه من ~~الاسلام الا الكفر بالله واحتجوا بما روى عن النبى قال ( أسلم الناس وآمن ~~عمرو بن العاص ( حدثنا بذلك يحيى بن يحيى حدثنا بن لهيعة عن شريح بن هانئ ~~عن عقبة ms2083 بن عامر الجهنى أن رسول الله قال ( أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص ~~( # وذكر عن حماد بن زيد أنه كان يفرق بين الايمان والاسلام فجعل PageV07P319 ~~الايمان خاصا والاسلام عاما قال فلنا في هؤلاء أسوة وبهم قدوة مع ما يثبت ~~ذلك من النظر وذلك أن الله جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية ومدحة أوجب عليه ~~الجنة فقال @QB@ وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم ~~أجرا كريما @QE@ وقال @QB@ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا @QE@ ~~وقال @QB@ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم @QE@ وقال @QB@ يوم ~~ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم @QE@ وقال @QB@ ~~الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور @QE@ وقال ( وعد الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار ( # قال ثم أوجب الله النار على الكبائر فدل بذلك على أن اسم الايمان زائل ~~عمن أتى كبيرة قالوا ولم نجده أوجب الجنة بإسم الاسلام فثبت ان اسم الاسلام ~~له ثابت على حاله واسم الايمان زائل عنه # فان قيل لهم في قولهم هذا ليس الايمان ضد الكفر قالوا الكفر ضد لأصل ~~الايمان لأن للايمان أصلا وفروعا فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الايمان الذى ~~هو ضد الكفر فان قيل لهم فالذين زعمتم أن النبى أزال عنهم اسم الايمان هل ~~فيهم من الايمان شئ قالوا نعم أصله ثابت ولولا ذلك لكفروا ألم تسمع إلى بن ~~مسعود أنكر على الذى شهد أنه مؤمن ثم قال لكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله يخبرك أنه قد آمن من جهة أنه صدق وأنه لا يستحق إسم المؤمن إذا كان ~~يعلم أنه مقصر PageV07P320 لأنه لا يستحق هذا الاسم عنده الا من أدى ما وجب ~~عليه وإنتهى عما حرم عليه من الموجبات للنار التى هي الكبائر # قالوا فلما أبان الله أن هذا الاسم يستحقه من قد استحق الجنة وان الله قد ~~أوجب الجنة عليه وعلمنا أنا قد آمنا وصدقنا لأنه لايخرج من التصديق إلا ~~بالتكذيب ولسنا بشاكين ولا مكذبين وعلمنا ms2084 أنا عاصون له مستوجبون للعذاب وهو ~~ضد الثواب الذى حكم الله به للمؤمنين على اسم الايمان علمنا أنا قد آمنا ~~وأمسكنا عن الاسم الذى أثبت الله عليه الحكم في الجنة وهو من الله اسم ثناء ~~وتزكية وقد نهانا الله أن نزكى أنفسنا وأمرنا بالخوف على أنفسنا وأوجب لنا ~~العذاب بعصياننا فعلمنا أنا لسنا بمستحقين بأن نتسمى مؤمنين إذ أوجب الله ~~على اسم الايمان الثناء والتزكية والرأفة والرحمة والمغفرة والجنة وأوجب ~~على الكبائر النار وهذان حكمان متضادان # فان قيل فكيف أمسكتم عن اسم الايمان أن تسموا به وأنتم تزعمون أن أصل ~~الايمان في قلوبكم وهو التصديق بأن الله حق وما قاله صدق قالوا إن الله ~~ورسوله وجماهير المسلمين سموا الاشياء بما غلب عليها من الأسماء فسموا ~~الزانى فاسقا والقاذف فاسقا وشارب الخمر فاسقا ولم يسموا واحدا من هؤلاء ~~متقيا ولا ورعا وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقوى والورع وذلك أنه يتقى ~~أن يكفر أو يشرك بالله شيئا وكذلك يتقى الله أن يترك الغسل من الجنابة أو ~~الصلاة ويتقى أن يأتى أمه فهو في جميع ذلك متق وقد أجمع PageV07P321 ~~المسلمون من الموافقين والمخالفين أنهم لا يسمونه متقيا ولا ورعا اذا كان ~~يأتى بالفجور فلما أجمعوا أن أصل التقى والورع ثابت فيه وأنه قد يزيد فيه ~~فرعا بعد الأصل كتورعه عن اتيان المحارم ثم لا يسمونه متقيا ولا ورعا مع ~~اتيانه بعض الكبائر بل سموه فاسقا وفاجرا مع علمهم أنه قد أتى ببعض التقى ~~والورع فمنعهم من ذلك أن اسم التقى اسم ثناء وتزكية وان الله قد أوجب عليه ~~المغفرة والجنة # قالوا فلذلك لا نسميه مؤمنا ونسميه فاسقا زانيا وان كان في قلبه أصل اسم ~~الايمان لأن الايمان اسم اثنى الله به على المؤمنين وزكاهم به وأوجب عليه ~~الجنة فمن ثم قلنا مسلم ولم نقل مؤمن قالوا ولو كان أحد من المسلمين ~~الموحدين يستحق أن لا يكون في قلبه ايمان ولا إسلام لكان أحق الناس بذلك ~~أهل النار الذين دخلوها فلما وجدنا ms2085 النبى يخبر أن الله يقول ( اخرجوا من ~~النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ايمان ( ثبت أن شر المسلمين في قلبه ~~ايمان ولما وجدنا الامة تحكم عليه بالاحكام التى ألزمها الله للمسلمين ولا ~~يكفرونهم ولا يشهدون لهم بالجنة ثبت أنهم مسلمون إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم ~~أحكام المسلمين وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين اذ كان الاسلام يثبت ~~للملة التى يخرج بها الانسان من جميع الملل فتزول عنه أسماء الملل الا اسم ~~الاسلام وتثبت أحكام الاسلام عليه وتزول عنه أحكام جميع الملل PageV07P322 # فان قال لهم قائل لم لم تقولوا كافر ان شاء الله تريدون به كمال الكفر ~~كما قلتم مؤمنون ان شاء الله تريدون به كمال الايمان قالوا لأن الكافر منكر ~~للحق والمؤمن أصل ايمانه الاقرار والانكار لا أول له ولا آخر فتنتظر به ~~الحقائق والايمان أصله التصديق والاقرار ينتظر به حقائق الاداء لما أقر ~~والتحقيق لما صدق ومثل ذلك كمثل رجلين عليهما حق لرجل فسأل أحدهما حقه فقال ~~ليس لك عندى حق فأنكر وجحد فلم يبق له منزلة يحقق بها ما قال اذا جحد وأنكر ~~وسأل الآخر حقه فقال نعم لك على كذا وكذا فليس اقراره بالذى يصل إليه بذلك ~~حقه دون أن يوفيه فهو منتظر له ان يحقق ما قال بالاداء ويصدق اقراره ~~بالوفاء ولو أقر ثم لم يؤد إليه حقه كان كمن جحده في المعنى اذ استويا في ~~الترك للأداء فتحقيق ما قال ان يؤدى إليه حقه فان ادى جزءا منه حقق بعض ما ~~قال ووفى ببعض ما اقر به وكلما أدى جزءا ازداد تحقيقا لما أقر به وعلى ~~المؤمن الاداء أبدا بما أقر به حتى يموت فمن ثم قلنا مؤمن إن شاء الله ولم ~~نقل كافر إن شاء الله # قال محمد بن نصر وقالت طائفة أخرى من أصحاب الحديث بمثل مقالة هؤلاء الا ~~أنهم سموه مسلما لخروجه من ملل الكفر ولاقراره بالله وبما قال ولم يسموه ~~مؤمنا وزعموا أنهم مع تسميتهم اياه بالاسلام كافر لا ms2086 كافر بالله ولكن كافر ~~من طريق العمل وقالوا كفر لا ينقل عن الملة وقالوا محال أن يقول النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن PageV07P323 والكفر ضد ~~الايمان فلا يزول عنه اسم الايمان الا واسم الكفر لازم له لأن الكفر ضد ~~الايمان الا أن الكفر كفران كفر هو جحد بالله وبما قال فذاك ضده الاقرار ~~بالله والتصديق به وبما قال وكفر هو عمل فهو ضد الايمان الذى هو عمل ألا ~~ترى إلى ما روى عن النبى أنه قال ( لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ( قالوا ~~فاذا لم يؤمن فقد كفر ولا يجوز غير ذلك الا أنه كفر من جهة العمل اذ لم ~~يؤمن من جهة العمل لأنه لا يضيع ما فرض عليه ويرتكب الكبائر الا من قلة ~~خوفه وإنما يقل خوفه من قلة تعظيمه لله ووعيده فقد ترك من الايمان التعظيم ~~الذى صدر عنه الخوف والورع فأقسم النبى أنه لا يؤمن اذا لم يأمن جاره ~~بوائقه # ثم قد روى جماعة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( سباب المسلم فسوق ~~وقتاله كفر ( وأنه قال ( اذا قال المسلم لأخيه يا كافر فلم يكن كذلك باء ~~بالكفر فقد سماه النبى بقتاله أخاه كافرا وبقوله له يا كافر كافرا وهذه ~~الكلمة دون الزنى والسرقة وشرب الخمر قالوا فأما قول من احتج علينا فزعم ~~أنا اذا سميناه كافرا لزمنا أن يحكم عليه بحكم الكافرين بالله فنستتيبه ~~ونبطل الحدود عنه لأنه اذا كفر فقد زالت عنه أحكام المؤمنين وحدودهم وفى ~~ذلك اسقاط الحدود وأحكام المؤمنين على كل من أتى كبيرة فانا لم نذهب في ذلك ~~إلى حيث ذهبوا ولكنا نقول للايمان أصل وفرع وضد الايمان الكفر في كل معنى ~~فأصل الايمان الاقرار والتصديق وفرعه اكمال العمل بالقلب والبدن فضد ~~الاقرار والتصديق الذى PageV07P324 هو أصل الايمان الكفر بالله وبما قال ~~وترك التصديق به وله وضد الايمان الذى هو عمل وليس هو اقرار كفر ليس بكفر ~~بالله ينقل عن الملة ولكن ms2087 كفر تضييع العمل كما كان العمل ايمانا وليس هو ~~الايمان الذى هو اقرار بالله فلما كان من ترك الايمان الذى هو اقرار بالله ~~كافرا يستتاب ومن ترك الايمان الذى هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم أو ترك ~~الورع عن شرب الخمر والزنا قد زال عنه بعض الايمان ولا يجب أن يستتاب عندنا ~~ولا عند من خالفنا من أهل السنة وأهل البدع ممن قال ان الايمان تصديق وعمل ~~الا الخوارج وحدها فكذلك لا يجب بقولنا كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب ~~ولا تزول عنه الحدود كما لم يكن بزوال الإيمان الذى هو عمل إستتابة ولا ~~ازالة الحدود والأحكام عنه اذ لم يزل أصل الايمان عنه فكذلك لا يجب علينا ~~إستتابته وازالة الحدود والأحكام عنه باثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل ~~اذ لم يأت بأصل الكفر الذى هو جحد بالله أو بما قال # قالوا ولما كان العلم بالله ايمانا والجهل به كفرا وكان العمل بالفرائض ~~ايمانا والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر لأن أصحاب رسول الله قد أقروا بالله ~~أول ما بعث الله رسوله إليهم ولم يعلموا الفرائض التى افترضت عليهم بعد ذلك ~~فلم يكن جهلهم بذلك كفرا ثم أنزل الله عليهم الفرائض فكان إقرارهم بها ~~والقيام بها ايمانا وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله ولو لم يأت خبر ~~من الله ما كان يجهلها كافرا PageV07P325 وبعد مجيء الخبر من لم يسمع ~~بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافرا والجهل بالله في كل حال كفر قبل ~~الخبر وبعد الخبر # قالوا فمن ثم قلنا أن ترك التصديق بالله كفر وان ترك الفرائض مع تصديق ~~الله أنه قد أوجبها كفر ليس بكفر بالله انما هو كفر من جهة ترك الحق كما ~~يقول القائل كفرتنى حقى ونعمتى يريد ضيعت حقى وضيعت شكر نعمتى قالوا ولنا ~~في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله والتابعين اذ جعلوا للكفر ~~فروعا دون اصله لا ينقل صاحبه عن ملة الاسلام كما أثبتوا للايمان من جهة ms2088 ~~العمل فروعا للاصل لا ينقل تركه عن ملة الاسلام من ذلك قول بن عباس في قوله ~~@QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ قال محمد بن نصر ~~حدثنا بن يحيى حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام يعنى بن عروة عن حجير عن طاووس ~~عن بن عباس @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ ليس ~~بالكفر الذى يذهبون إليه # حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن بن ~~طاووس عن أبيه قال سئل بن عباس عن قوله @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون @QE@ قال هي به كفر قال بن طاووس وليس كمن كفر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله # حدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن سفيان عن معمر عن بن طاووس عن PageV07P326 ~~أبيه عن بن عباس قال هو به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~وبه أنبأنا وكيع عن سفيان عن معمر عن بن طاووس عن أبيه قال قلت لابن عباس ~~@QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله @QE@ فهو كافر قال هو به كفر وليس كمن كفر ~~بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله # حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق عن سفيان عن رجل عن طاووس عن بن ~~عباس قال كفر لا ينقل عن الملة # حدثنا إسحاق انبأنا وكيع عن سفيان عن سعيد المكى عن طاووس قال ليس بكفر ~~ينقل عن الملة # حدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن سفيان عن بن جريج عن عطاء قال كفر دون كفر ~~وظلم دون ظلم وفسق دون فسق # قال محمد بن نصر قالوا وقد صدق عطاء قد يسمى الكافر ظالما ويسمى العاصى ~~من المسلمين ظالما فظلم ينقل عن ملة الاسلام وظلم لا ينقل قال الله تعالى ~~@QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ وقال @QB@ إن الشرك لظلم ~~عظيم @QE@ وذكر حديث إبن مسعود المتفق عليه قال لما نزلت @QB@ الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ شق ذلك أصحاب النبى وقالوا أينا لم يظلم نفسه ~~قال رسول الله ليس بذلك ms2089 ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح @QB@ إن الشرك ~~لظلم عظيم @QE@ إنما هو الشرك PageV07P327 حدثنا محمد بن يحيى حدثنا الحجاج ~~بن المنهال عن حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن بن عباس أن ~~عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه فدخل ذات يوم فقرأ ~~فأتى على هذه الآية @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ إلى آخر ~~الآية فإنتعل وأخذ رداءه ثم أتى إلى أبى بن كعب فقال يا أبا المنذر أتيت ~~قبل على هذه الآية @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ وقد نرى ~~أنا نظلم ونفعل فقال يا أمير المؤمنين ان هذا ليس بذلك يقول الله @QB@ إن ~~الشرك لظلم عظيم @QE@ انما ذلك الشرك # قال محمد بن نصر وكذلك ( الفسق فسقان ( فسق ينقل عن الملة وفسق لا ينقل ~~عن الملة فيسمى الكافر فاسقا والفاسق من المسلمين فاسقا ذكر الله إبليس ~~فقال @QB@ ففسق عن أمر ربه @QE@ وكان ذلك الفسق منه كفرا وقال الله تعالى ~~@QB@ وأما الذين فسقوا فمأواهم النار @QE@ يريد الكفار دل على ذلك قوله ~~@QB@ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار ~~الذي كنتم به تكذبون @QE@ وسمى الفاسق من المسلمين فاسقا ولم يخرجه من ~~الاسلام قال الله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~@QE@ فقالت العلماء في تفسير الفسوق ها هنا هي المعاصى # قالوا فلما كان الظلم ظلمين والفسق فسقين كذلك الكفر كفران PageV07P328 ( ~~أحدهما ( ينقل عن الملة ( والآخر ( لا ينقل عن الملة وكذلك الشرك ( شركان ( ~~شرك في التوحيد ينقل عن الملة وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء ~~قال تعالى @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا @QE@ يريد بذلك المراءاة بالأعمال الصالحة وقال النبى ( الطيرة ~~شرك ( # قال محمد بن نصر فهذان مذهبان هما في ms2090 الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل في ~~موافقيه من أصحاب الحديث حكى الشالنجى إسماعيل بن سعيد أنه سأل أحمد بن ~~حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده الا أنه لم يترك الصلاة والزكاة ~~والصيام هل يكون مصرا من كانت هذه حاله قال هو مصر مثل قوله ( لا يزنى ~~الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( يخرج من الايمان ويقع في الاسلام ومن نحو قوله ~~( لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ( ومن نحو ~~قول بن عباس في قوله @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~@QE@ فقلت له ما هذا الكفر فقال كفر لا ينقل عن الملة مثل الايمان بعضه دون ~~بعض وكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه وقال بن أبى شيبة لا ~~يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن لا يكون مستكمل الايمان يكون ناقصا من ~~إيمانه قال وسألت أحمد بن حنبل عن ( الاسلام والإيمان ( فقال الإيمان قول ~~وعمل والإسلام إقرار قال وبه قال أبو خيثمة وقال بن ابى شيبة لا يكون ~~الاسلام إلا بإيمان ولا إيمان إلا بإسلام PageV07P329 # قلت ( وقد تقدم تمام الكلام بتلازمهما وان كان مسمى أحدهما ليس هو مسمى ~~الآخر وقد حكى غير واحد إجماع أهل السنة والحديث على أن الايمان قول وعمل ~~قال أبو عمر بن عبدالبر في ( التمهيد ( أجمع أهل الفقه والحديث على ان ~~الايمان قول وعمل ولا عمل الا بنية والايمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية والطاعات كلها عندهم ايمان الا ما ذكر عن أبى حنيفة وأصحابه فانهم ~~ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى ايمانا قالوا انما الايمان التصديق والاقرار ~~ومنهم من زاد المعرفة وذكر ما احتجوا به إلى أن قال # وأما سائر الفقهاء من أهل الرأى والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر ~~منهم مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد بن ~~حنبل واسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن على والطبرى ومن ~~سلك سبيلهم فقالوا الايمان قول وعمل ms2091 قول باللسان وهو الاقرار وإعتقاد ~~بالقلب وعمل بالجوارح مع الاخلاص بالنية الصادقة قالوا وكل ما يطاع الله عز ~~وجل به من فريضة ونافلة فهو من الايمان والايمان يزيد بالطاعات وينقص ~~بالمعاصى وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملى الايمان من أجل ذنوبهم ~~وانما صاروا ناقصى الايمان بإرتكابهم الكبائر ألا ترى إلى قول النبى ( لا ~~يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( الحديث يريد مستكمل الايمان ولم يرد به ~~نفى جميع الايمان عن فاعل ذلك بدليل الاجماع على توريث الزانى والسارق ~~وشارب الخمر اذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الاسلام من قراباتهم ~~المؤمنين الذين ليسوا PageV07P330 بتلك الأحوال وإحتج على ذلك ثم قال وأكثر ~~أصحاب مالك على أن الايمان والاسلام شيء واحد # قال وأما قول المعتزلة فالإيمان عندهم جماع الطاعات ومن قصر منها عن شيء ~~فهو فاسق لا مؤمن ولا كافر وهؤلاء هم المتحققون بالإعتزال اصحاب المنزلة ~~بين المنزلتين إلى أن قال وعلى أن الايمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية وعليه جماعة أهل الآثار والفقهاء من أهل الفتيا في الأمصار وروى ~~بن القاسم عن مالك أن الإيمان يزيد وتوقف في نقصانه وروى عنه عبد الرزاق ~~ومعن بن عيسى وبن نافع أنه يزيد وينقص وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث ~~والحمد لله # ثم ذكر حجج المرجئة ثم حجج أهل السنة ورد على الخوارج التكفير بالحدود ~~المذكورة للعصاة في الزنى والسرقة ونحو ذلك وبالموارثة وبحديث عبادة ( من ~~أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة ( وقال الايمان مراتب بعضها ~~فوق بعض فليس ناقص الايمان ككامل الايمان قال الله تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ أى حقا ولذلك قال @QB@ هم ~~المؤمنون حقا @QE@ وكذلك قوله ( المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده ( يعنى حقا ومن هذا قوله ( أكمل المؤمنين ايمانا ( ~~ومعلوم أن هذا لا يكون أكمل حتى يكون غيره أنقص PageV07P331 # وقوله ( أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله ( وقوله ( لا ~~إيمان لمن لا أمانة له ms2092 ( يدل على أن بعض الايمان أوثق وأكمل من بعض وذكر ~~الحديث الذى رواه الترمذى وغيره ( من أحب لله وابغض لله ( الحديث وكذلك ذكر ~~أبو عمرو الطلمنكى اجماع أهل السنة على أن الايمان قول وعمل ونية واصابة ~~السنة وقال أبو طالب المكى مبانى الاسلام الخمسة يعنى الشهادتين والصلوات ~~الخمس والزكاة وصيام شهر رمضان والحج قال وأركان الايمان سبعة يعنى الخمسة ~~المذكورة في حديث جبرائيل والايمان بالقدر والايمان بالجنة والنار وكلاهما ~~قد رويت في حديث جبريل كما سنذكر إن شاء الله تعالى # قال والإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته والايمان بكتب الله وأنبيائه ~~والايمان بالملائكة والشياطين يعنى والله أعلم الايمان بالفرق بينهما فان ~~من الناس من يجعلهما جنسا واحدا لكن تختلف بإختلاف الأعمال كما يختلف ~~الانسان البر والفاجر والايمان بالجنة والنار وأنهما قد خلقتا قبل آدم ~~والايمان بالبعث بعد الموت والايمان بجميع أقدار الله خيرها وشرها وحلوها ~~ومرها أنها من الله قضاء وقدرا ومشيئة وحكما وان ذلك عدل منه وحكمة بالغة ~~إستأثر بعلم غيبها ومعنى حقائقها # قال وقد قال قائلون ان الايمان هو الاسلام وهذا قد أذهب التفاوت ~~والمقامات وهذا يقرب من مذهب المرجئة وقال آخرون ان PageV07P332 الاسلام ~~غير الايمان وهؤلاء قد أدخلوا التضاد والتغاير وهذا قريب من قول الاباضية ~~فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح وتفصيل فمثل الاسلام من الإيمان كمثل ~~الشهادتين احداهما من الأخرى في المعنى والحكم فشهادة الرسول غير شهادة ~~الوحدانية فهما شيئان في الأعيان واحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم ~~كشيء واحد كذلك الايمان والاسلام احدهما مرتبط بالآخر فهما كشيء واحد لا ~~ايمان لمن لا إسلام له ولا اسلام لمن لا إيمان له إذ لا يخلو المسلم من ~~إيمان به يصح اسلامه ولا يخلو المؤمن من اسلام به يحقق ايمانه من حيث اشترط ~~الله للأعمال الصالحة الايمان واشترط للايمان الأعمال الصالحة فقال في ~~تحقيق ذلك @QB@ فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه @QE@ وقال ~~في تحقيق الايمان بالعمل @QB@ ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم ~~الدرجات العلى ms2093 @QE@ فمن كان ظاهره أعمال الاسلام ولا يرجع إلى عقود الايمان ~~بالغيب فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة ومن كان عقده الايمان بالغيب ولا ~~يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الاسلام فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد ومن ~~كان مؤمنا بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله عاملا بما أمر الله فهو مؤمن ~~مسلم ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا يسمى مسلما ولجاز أن المسلم لا ~~يسمى مؤمنا بالله # وقد أجمع أهل القبلة على أن كل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه قال ومثل الايمان في الأعمال كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما عن ~~الآخر لا يكون ذو جسم حى لا قلب له ولا ذو قلب بغير PageV07P333 جسم فهما ~~شيئان منفردان وهما في الحكم والمعنى منفصلان ومثلهما أيضا مثل حبة لها ~~ظاهر وباطن وهى واحدة لا يقال حبتان لتفاوت صفتهما فكذلك أعمال الاسلام من ~~الاسلام هو ظاهر الايمان وهو من أعمال الجوارح والايمان باطن الإسلام وهو ~~من أعمال القلوب # وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( الاسلام علانية والايمان في ~~القلب ( وفى لفظ ( الايمان سر ( فالاسلام أعمال الايمان والايمان عقود ~~الاسلام فلا ايمان الا بعمل ولا عمل إلا بعقد ومثل ذلك مثل العمل الظاهر ~~والباطن أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وعمل الجوارح ومثله قول رسول ~~الله ( انما الأعمال بالنيات ( أى لا عمل الا بعقد وقصد لأن ( إنما ( تحقيق ~~للشيء ونفى لما سواه فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات وعمل القلوب من ~~النيات فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام الا ~~بهما لأن الشفتين تجمع الحروف واللسان يظهر الكلام وفى سقوط أحدهما بطلان ~~الكلام وكذلك في سقوط العمل ذهاب الايمان ولذلك حين عدد الله نعمه على ~~الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله ( ألم نجعل له عينين ولسانا ~~وشفتين ( بمعنى ألم نجعله ناظرا متكلما فعبر عن الكلام باللسان والشفتين ~~لأنهما مكان له وذكر الشفتين لأن الكلام الذى جرت به النعمة ms2094 لا يتم الا ~~بهما # ومثل ( الإيمان ( و ( الإسلام ( أيضا كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر ~~PageV07P334 وأطناب وله عمود في باطنه فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من ~~أعمال العلانية والجوارح وهي الأطناب التى تمسك أرجاء الفسطاط والعمود الذى ~~في وسط الفسطاط مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط الا به فقد احتاج الفسطاط ~~اليها اذ لا قوام له ولا قوة إلا بهما كذلك الاسلام في أعمال الجوارح لا ~~قوام له إلا بالايمان والايمان من أعمال القلوب لا نفع له الا بالاسلام وهو ~~صالح الأعمال # و ( أيضا ( فإن الله قد جعل ضد الاسلام والايمان واحدا فلولا أنهما كشيء ~~واحد في الحكم والمعنى ما كان ضدهما واحدا فقال @QB@ كيف يهدي الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم @QE@ وقال @QB@ أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ ~~فجعل ضدهما الكفر قال وعلى مثل هذا أخبر رسول الله عن الإيمان والإسلام من ~~صنف واحد فقال في حديث إبن عمر ( بنى الاسلام على خمس ( وقال في حديث بن ~~عباس عن وفد عبدالقيس أنهم سألوه عن الإيمان فذكر هذه الأوصاف فدل بذلك على ~~أنه لا ايمان باطن الا باسلام ظاهر ولا اسلام ظاهر علانية الا بايمان سر ~~وان الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبه # قال فأما تفرقة النبى في حديث جبريل بين الإيمان والإسلام فان ذلك تفصيل ~~أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعانى التى وصفناها أن تكون عقودا ~~من تفصيل أعمال الجوارح مما يوجب الافعال PageV07P335 الظاهرة التى وصفها ~~أن تكون علانية لا أن ذلك يفرق بين الإسلام والايمان في المعنى بإختلاف ~~وتضاد ليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم قال ويجتمعان في عبد واحد مسلم ~~مؤمن فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه وما ذكره من العلانية وصف جسمه # قال و ( أيضا ( فإن الأمة مجتمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكره من عقود ~~القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان ولم يعمل بما ذكره من وصف الاسلام أنه ~~لا يسمى مؤمنا وأنه ان عمل بجميع ما وصف ms2095 به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من ~~الايمان أنه لا يكون مسلما وقد أخبر النبى أن الامة لا تجتمع على ضلالة # قلت كأنه أراد بذلك اجماع الصحابة ومن اتبعهم أو أنه لا يسمى مؤمنا في ~~الأحكام وأنه لا يكون مسلما اذا أنكر بعض هذه الأركان أو علم أن الرسول ~~أخبر بها ولم يصدقه أو أنه لم ير خلاف أهل الاهواء خلافا والا فأبو طالب ~~كان عارفا بأقوالهم وهذا والله أعلم مراده فانه عقد ( الفصل الثالث ~~والثلاثين ( في بيان تفصيل الاسلام والإيمان وشرح عقود معاملة القلب من ~~مذهب أهل الجماعة وهذا الذى قاله أجود مما قاله كثير من الناس لكن ينازع في ~~شيئين # ( أحدهما ( أن المسلم المستحق للثواب لابد أن يكون معه الايمان الواجب ~~المفصل المذكور في حديث جبريل PageV07P336 # و ( الثانى ( أن النبى انما يطلق مؤمنا دون مسلم في مثل قول النبى ( أو ~~مسلم ( لكونه ليس من خواص المؤمنين وأفاضلهم كأنه يقول لكونه ليس من ~~السابقين المقربين بل من المقتصدين الأبرار فهذان مما تنازع فيهما جمهور ~~العلماء ويقولون لم يقل النبى في ذلك الرجل ( أو مسلم ( لكونه لم يكن من ~~خواص المؤمنين وأفاضلهم كالسابقين المقربين فان هذا لو كان كذلك لكان ينفى ~~الايمان المطلق عن الأبرار المقتصدين المتقين الموعودين بالجنة بلا عذاب ~~إذا كانوا من أصحاب اليمين ولم يكونوا من السابقين والمقربين وليس الأمر ~~كذلك بل كل من اصحاب اليمين مع السابقين المقربين كلهم مؤمنون موعودون ~~بالجنة بلا عذاب وكل من كان كذلك فهو [ مؤمن ] بإتفاق المسلمين من أهل ~~السنة وأهل البدع ولو جاز أن ينفى الايمان عن شخص لكون غيره افضل منه ~~ايمانا نفى الايمان عن أكثر أولياء الله المتقين بل وعن كثير من الأنبياء ~~وهذا في غاية الفساد وهذا من جنس قول من يقول نفى الإسم لنفى كماله المستحب # وقد ذكرنا أن مثل هذا لا يوجد في كلام الله ورسوله بل هذا الحديث خص من ~~قيل فيه مسلم وليس بمؤمن فلابد أن يكون ناقصا عن درجة الأبرار المقتصدين ms2096 ~~أهل الجنة ويكون ايمانه ناقصا عن ايمان هؤلاء كلهم فلا يكون قد أتى ~~بالايمان الذى أمر به هؤلاء كله ثم إن كان قادرا على ذلك الايمان وترك ~~الواجب كان مستحقا للذم وان قدر أنه لا يقدر على ذلك الايمان الذى اتصف به ~~هؤلاء كان عاجزا عن مثل إيمانهم ولا يكون هذا وجب عليه فهو وإن PageV07P337 ~~دخل الجنة لا يكون كمن قدر أنه آمن إيمانا مجملا ومات قبل أن يعلم تفصيل ~~الايمان وقبل أن يتحقق به ويعمل بشيء منه فهو يدخل الجنة لكن لا يكون مثل ~~أولئك # لكن قد يقال الأبرار أهل اليمين هم أيضا على درجات كما في الحديث الصحيح ~~عن النبى أنه قال ( المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى ~~كل خير ( وقد قال الله تعالى @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر @QE@ الآية فدرجة المؤمن القوى في الجنة أعلى وإن كان كل منهما كمل ~~ما وجب عليه وقد يريد أبو طالب وغيره بقولهم ليس هذا من خواص المؤمنين هذا ~~المعنى أى ليس ايمانه كإيمان من حقق خاصة الايمان سواء كان من الأبرار أو ~~من المقربين وإن لم يكن ترك واجبا لعجزه عنه أو لكونه لم يؤمر به فلا يكون ~~مذموما ولا يمدح مدح أولئك ولا يلزم أن يكون من أولئك المقربين # فيقال وهذا أيضا لا ينفى عنه الايمان فيقال هو مسلم لا مؤمن كما يقال ليس ~~بعالم ولا مفت ولا من أهل الاجتهاد وقد قال النبى ( لو أنفق أحدكم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( وهذا كثير فليس كل ما فضل به الفاضل يكون ~~مقدورا لمن دونه فكذلك من حقائق الإيمان ما لا يقدر عليه كثير من الناس بل ~~ولا أكثرهم فهؤلاء يدخلون الجنة وان لم يكونوا ممن تحققوا بحقائق الايمان ~~التى فضل الله بها غيرهم ولا تركوا واجبا عليهم وان كان واجبا على غيرهم ~~ولهذا كان من الايمان PageV07P338 ما هو من المواهب والفضل من الله فانه من ~~جنس العلم والاسلام ms2097 الظاهر من جنس العمل وقد قال تعالى @QB@ والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وآتاهم تقواهم @QE@ وقال @QB@ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى @QE@ ~~وقال @QB@ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم @QE@ # ومثل هذه السكينة قد لا تكون مقدورة ولكن الله يجعل ذلك في قلبه فضلا منه ~~وجزاء على عمل سابق كما قال @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ~~@QE@ كما قال @QB@ اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل ~~لكم نورا تمشون به @QE@ وكما قال @QB@ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم ~~بروح منه @QE@ ولهذا قيل من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم وهذا ~~الجنس غير مقدور للعباد وان كان ما يقدرون عليه من الأعمال الظاهرة ~~والباطنة هو أيضا بفضل الله وإعانته واقداره لهم لكن الأمور قسمان منه ما ~~جنسه مقدور لهم لاعانة الله لهم كالقيام والقعود ومنه ما جنسه غير مقدور ~~لهم اذا قيل ان الله يعطى من اطاعه قوة في قلبه وبدنه يكون بها قادرا على ~~ما لا يقدر عليه غيره فهذا أيضا حق وهو من جنس هذا المعنى قال تعالى @QB@ ~~إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا @QE@ وقد قال @QB@ ~~إذا لقيتم فئة فاثبتوا @QE@ فأمرهم بالثبات وهذا الثبات يوحى إلى الملائكة ~~أنهم يفعلونه بالمؤمنين PageV07P339 والمقصود أنه قد يكون من الايمان ما ~~يؤمر به بعض الناس ويذم على تركه ولا يذم عليه بعض الناس ممن لا يقدر عليه ~~ويفضل الله ذاك بهذا الايمان وان لم يكن المفضول ترك واجبا فيقال وكذلك في ~~الأعمال الظاهرة يؤمر القادر على الفعل بما لا يؤمر به العاجز عنه ويؤمر ~~بعض الناس بما لا يؤمر به غيره لكن الأعمال الظاهرة قد يعطى الانسان مثل ~~أجر العامل اذا كان يؤمن بها ويريدها جهده ولكن بدنه عاجز كما قال النبى في ~~الحديث الصحيح ( إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا ~~كانوا معكم ( قالوا وهم ms2098 بالمدينة قال ( وهم بالمدينة حبسهم العذر ( وكما ~~قال تعالى @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة @QE@ فإستثنى أولى الضرر # وفى ( الصحيحين ( عن النبى أنه قال ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل ~~أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه ~~من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ( وفى حديث ~~أبى كبشة الأنمارى ( هما في الأجر سواء وهما في الوزر سواء ( رواه الترمذى ~~وصححه ولفظه ( إنما الدنيا لأربعة رجل آتاه الله علما ومالا فهو يتقى في ~~ذلك المال ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل وعبد ~~رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو ان لى مالا لعملت ~~بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء وعبد PageV07P340 رزقه الله مالا ولم ~~يرزقه علما يخبط في ماله بغير علم لا يتقى فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا ~~يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو ~~يقول لو أن لى مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء ( # ولفظ بن ماجه ( مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر رجل آتاه الله مالا وعلما ~~فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا ~~فهو يقول لو كان لى مثل هذا عملت فيه مثل الذى يعمل ( قال رسول الله ( فهما ~~في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يختبط في ماله ينفقه ~~في غير حقه ورجل لم يؤته علما ولا مالا وهو يقول لو كان لى مثل مال هذا ~~عملت مثل الذى يعمل فهما في الوزر سواء ( # كالشخصين إذا تماثلا في ايمان القلوب معرفة وتصديقا وحبا وقوة وحالا ~~ومقاما فقد يتماثلان وإن كان لأحدهما من أعمال البدن ما يعجز عنه بدن الآخر ms2099 ~~كما جاء في الأثر أن المؤمن قوته في قلبه وضعفه في جسمه والمنافق قوته في ~~جسمه وضعفه في قلبه ولهذا قال النبى في الحديث الصحيح ( ليس الشديد ذو ~~الصرعة انما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب ( وقد قال ( رأيت كأنى أنزع ~~على قليب فأخذها بن أبى قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفى نزعه ضعف والله ~~يغفر له فأخذها بن الخطاب فاستحالت في PageV07P341 يده غربا فلم أر عبقريا ~~يفرى فريه حتى صدر الناس بعطن ( فذكر أن أبا بكر أضعف وسواء أراد قصر مدته ~~أو أراد ضعفه عن مثل قوة عمر فلا ريب أن أبا بكر أقوى ايمانا من عمر وعمر ~~أقوى عملا منه كما قال بن مسعود ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر وقوة الايمان ~~أقوى وأكمل من قوة العمل وصاحب الايمان يكتب له اجر عمل غيره وما فعله عمر ~~في سيرته مكتوب مثله لأبى بكر فانه هو الذى استخلفه # وفى ( المسند ( من وجهين عن النبى صلى الله عليه وسلم أن النبي وزن ~~بالامة فرجح ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح ثم وزن عمر بالامة فرجح وكان في ~~حياة النبى وبعد موته يحصل لعمر بسبب أبى بكر من الإيمان والعلم ما لم يكن ~~عنده فهو قد دعاه إلى ما فعله من خير واعانه عليه بجهده والمعين على الفعل ~~اذا كان يريده ارادة جازمة كان كفاعله كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير ~~فقد غزا ( وقال ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ( وقال ( من فطر صائما ~~فله مثل أجره ( # وقد روى الترمذى ( من عزى مصابا فله مثل أجره ( وهذا وغيره مما يبين أن ~~الشخصين قد يتماثلان في الأعمال الظاهرة بل يتفاضلان ويكون المفضول فيها ~~أفضل عند الله من الآخر لأنه أفضل في الإيمان الذى في القلب وأما إذا ~~تفاضلا في إيمان القلوب فلا يكون المفضول فيها أفضل عند الله ألبتة ~~PageV07P342 وإن كان المفضول لم ms2100 يهبه الله من الايمان ما وهبه للفاضل ولا ~~أعطى قلبه من الأسباب التى بها ينال ذلك الايمان الفاضل ما أعطى المفضول ~~ولهذا فضل الله بعض النبيين على بعض وان كان الفاضل أقل عملا من المفضول ~~كما فضل الله نبينا ومدة نبوته بضع وعشرون سنة على نوح وقد لبث في قومه ألف ~~سنة إلا خمسين عاما وفضل أمة محمد وقد عملوا من صلاة العصر إلى المغرب على ~~من عمل من أول النهار إلى صلاة الظهر وعلى من عمل من صلاة الظهر إلى العصر ~~فأعطى الله أمة محمد أجرين وأعطى كلا من أولئك أجرا أجرا لأن الايمان الذى ~~في قلوبهم كان أكمل وأفضل وكان أولئك أكثر عملا وهؤلاء أعظم أجرا وهو فضله ~~يؤتيه من يشاء بالأسباب التى تفضل بها عليهم وخصهم بها # وهكذا سائر من يفضله الله تعالى فانه يفضله بالأسباب التى يستحق بها ~~التفضيل بالجزاء كما يخص أحد الشخصين بقوة ينال بها العلم وبقوة ينال بها ~~اليقين والصبر والتوكل والاخلاص وغير ذلك مما يفضله الله به وانما فضله في ~~الجزاء بما فضل به من الايمان كما قال تعالى @QB@ وقالت طائفة من أهل ~~الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم ~~يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله @QE@ وقال في الآية ~~الأخرى @QB@ الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ وقال @QB@ الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ وقال @QB@ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ ~~PageV07P343 # وقد بين في مواضع أسباب المغفرة وأسباب العذاب وكذلك يرزق من يشاء بغير ~~حساب وقد عرف أنه قد يخص من يشاء بأسباب الرزق # وإذا كان من الإيمان ما يعجز عنه كثير من الناس ويختص الله به من يشاء ~~فذلك مما يفضلهم الله به وذلك الايمان ينفى عن غيرهم لكن لا على وجه الذم ~~بل على وجه التفضيل فإن الذم إنما يكون على ترك مأمور أو فعل ms2101 محظور لكن على ~~ما ذكره أبو طالب يقال فمثل هؤلاء مسلمون لا مؤمنون باعتبار ويقال إنهم ~~مؤمنون باعتبار آخر وعلى هذا ينفى الايمان عمن فاته الكمال المستحب بل ~~الكمال الذى يفضل به على من فاته وإن كان غير مقدور للعباد بل ينفى عنه ~~الكمال الذى وجب على غيره وان لم يكن في حقه لا واجبا ولا مستحبا لكن هذا ~~لا يعرف في كلام الشارع ولم يعرف في كلامه الا ان نفى الايمان يقتضى الذم ~~حيث كان فلا ينفى الا عمن له ذنب فتبين أن قوله ( أو مسلم ( توقف في أداء ~~الواجبات الباطنة والظاهرة كما قال جماهير الناس # ثم طائفة يقولون قد يكون منافقا ليس معه شيء من الايمان وهم الذين يقولون ~~الأعراب المذكورون منافقون ليس معهم من الايمان شيء وهذا هو القول الذى ~~نصره طائفة كمحمد بن نصر والأكثرون يقولون بل هؤلاء لم يكونوا من المنافقين ~~الذين لا يقبل منهم شيء من أعمالهم وان كان فيهم شعبة نفاق بل كان معهم ~~تصديق يقبل معه منهم ما عملوه لله ولهذا جعلهم مسلمين ولهذا قال @QB@ أن ~~هداكم للإيمان إن كنتم صادقين @QE@ كما PageV07P344 قالوا مثل ذلك في ~~الزانى والسارق وغيرهما ممن نفى عنه الايمان مع أن معه التصديق وهذا أصح ~~الاقوال الثلاثة فيهم # وأبو طالب جعل من كان مذموما لترك واجب من المؤلفة قلوبهم الذين لم يعطوا ~~شيئا وجعل ذلك الشخص مؤمنا غيره أفضل منه واما الأكثرون فيقولون إثبات ~~الاسلام لهم دون الايمان كإثباته لذلك الشخص كان مسلما لا مؤمنا كلاهما ~~مذموم لا لمجرد أن غيره أفضل منه وقد قال النبى ( أكمل المؤمنين ايمانا ~~أحسنهم خلقا ( ولم يسلب عمن دونه الإيمان وقال تعالى @QB@ لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ~~وكلا وعد الله الحسنى @QE@ # فأثبت الايمان للفاضل والمفضول وهذا متفق عليه بين المسلمين وقد قال ~~النبى ( إذا إجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وان اجتهد فأخطأ فله أجر ( وقال ~~لسعد بن معاذ لما ms2102 حكم في بنى قريظة ( لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة ~~أرقعة ( وكان يقول لمن يرسله في جيش أو سرية ( إذا حاصرت أهل حصن فسألوك ان ~~تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدرى ما حكم الله ~~فيهم ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ( وهذه الأحاديث الثلاثة في ( ~~الصحيح ( وفى حديث سليمان عليه السلام وأسألك حكما يوافق حكمك # فهذه النصوص وغيرها تدل على ما إتفق عليه الصحابة والتابعون لهم ~~PageV07P345 بإحسان أن أحد الشخصين قد يخصه الله بإجتهاد يحصل له به من ~~العلم ما يعجز عنه غيره فيكون له أجران وذلك الآخر عاجز له أجر ولا اثم ~~عليه وذلك العلم الذى خص به هذا والعمل به باطنا وظاهرا زيادة في ايمانه ~~وهو إيمان يجب عليه لأنه قادر عليه وغيره عاجز عنه فلا يجب فهذا قد فضل ~~بإيمان واجب عليه وليس بواجب على من عجز عنه # وهذا حال جميع الأمة فيما تنازعت فيه من المسائل الخبرية والعملية اذا خص ~~أحدهما بمعرفة الحق في نفس الأمر مع إجتهاد الآخر وعجزه كلاهما محمود مثاب ~~مؤمن وذلك خصه الله من الايمان الذى وجب عليه بما فضله به على هذا وذلك ~~المخطئ لا يستحق ذما ولا عقابا وان كان ذاك لو فعل ما فعل ذم وعوقب كما خص ~~الله أمة نبينا بشريعة فضلها به ولو تركنا مما أمرنا به فيها شيئا لكان ذلك ~~سببا للذم والعقاب والانبياء قبلنا لا يذمون بترك ذلك لكن محمد فضله الله ~~على الأنبياء وفضل أمته على الأمم من غير ذم لأحد من الأنبياء ولا لمن ~~إتبعهم من الأمم # وأيضا فاذا كان الانسان لا يجب عليه شيء من الايمان الا ما يقدر عليه وهو ~~اذا فعل ذلك كان مستحقا لما وعد الله به من الجنة فلو كان مثل هذا يسمى ~~مسلما ولا يسمى مؤمنا لوجب أن يكون من أهل الوعد بالجنة من يسمى مسلما لا ~~مؤمنا كالأعراب وكالشخص الذى قال فيه النبى ( أو مسلم ( وكسائر من نفى ms2103 عنه ~~الايمان مع أنه مسلم كالزانى والشارب PageV07P346 والسارق ومن لا يأمن جاره ~~بوائقه ومن لا يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه وغير هؤلاء وليس الأمر كذلك # فان الله لم يعلق وعد الجنة الا باسم الايمان لم يعلقه باسم الإسلام مع ~~إيجابه الاسلام واخباره أنه دينه الذى ارتضاه وأنه لا يقبل دينا غيره ومع ~~هذا فما قال ان الجنة أعدت للمسلمين ولا قال وعد الله المسلمين بالجنة بل ~~انما ذكر ذلك باسم الايمان كقوله @QB@ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار @QE@ فهو يعلقها باسم الايمان المطلق أو المقيد ~~بالعمل الصالح كقوله @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار @QE@ وقوله @QB@ ~~وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما ~~رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل @QE@ وقوله @QB@ إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ وقوله @QB@ فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله @QE@ وقوله @QB@ فأما الذين آمنوا ~~بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما ~~@QE@ وقوله @QB@ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا @QE@ وفى ~~الآية الأخرى @QB@ ومن أصدق من الله قيلا @QE@ وقال @QB@ وأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين @QE@ وقال @QB@ وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم @QE@ وقال @QB@ فمن ~~آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ PageV07P347 # وقال @QB@ والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون @QE@ والآيات في هذا المعنى كثيرة # فالوعد بالجنة والرحمة في الآخرة وبالسلامة من العذاب علق باسم الايمان ~~المطلق والمقيد بالعمل الصالح ونحو ذلك وهذا كما تقدم أن المطلق يدخل فيه ~~فعل ما أمر الله به ورسوله ولم يعلق باسم الإسلام ms2104 فلو كان من اتى من ~~الايمان بما يقدر عليه وعجز عن معرفة تفاصيله قد يسمى مسلما لا مؤمنا لكان ~~من اهل الجنة وكانت الجنة يستحقها من يسمى مسلما وان لم يسم مؤمنا وليس ~~الأمر كذلك بل الجنة لم تعلق الا باسم الايمان وهذا أيضا مما إستدل به من ~~قال إنه ليس كل مسلم من المؤمنين الموعودين بالجنة اذ لو كان الأمر كذلك ~~لكان وعد الجنة معلقا باسم الإسلام كما علق بإسم الايمان وكما علق بإسم ( ~~التقوى ( واسم ( البر ( في مثل قوله @QB@ إن المتقين في جنات ونهر @QE@ ~~وقوله @QB@ إن الأبرار لفي نعيم @QE@ وباسم أولياء الله كقوله @QB@ ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز ~~العظيم @QE@ فلما لم يجر إسم الإسلام هذا المجرى علم أن مسماه ليس ملازما ~~لمسمى الايمان كما يلازمه اسم البر والتقوى وأولياء الله وأن إسم الإسلام ~~يتناول من هو من أهل الوعيد وان كان الله يثيبه على طاعته مثل أن يكون في ~~قلبه ايمان ونفاق يستحق به العذاب فهذا يعاقبه الله ولا يخلده في النار لأن ~~في قلبه مثقال ذرة أو أكثر من مثقال ذرة من إيمان PageV07P348 # وهكذا سائر أهل الكبائر إيمانهم ناقص واذا كان في قلب أحدهم شعبة نفاق ~~عوقب بها اذا لم يعف الله عنه ولم يخلد في النار فهؤلاء مسلمون وليسوا ~~مؤمنين ومعهم ايمان لكن معهم أيضا ما يخالف الايمان من النفاق فلم تكن ~~تسميتهم مؤمنين بأولى من تسميتهم منافقين لا سيما ان كانوا للكفر أقرب منهم ~~للإيمان وهؤلاء يدخلون في إسم الإيمان في أحكام الدنيا كما يدخل المنافق ~~المحض وأولى لأن هؤلاء معهم ايمان يدخلون به في خطاب الله ب @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا @QE@ لأن ذلك أمر لهم بما ينفعهم ونهى لهم عما يضرهم وهم ~~محتاجون إلى ذلك ثم أن الإيمان الذى معهم ان إقتضى شمول لفظ الخطاب لهم فلا ~~كلام والا فليسوا بأسوأ ms2105 حالا من المنافق المحض وذلك المنافق يخاطب بهذه ~~الأعمال وتنفعه في الدنيا ويحشر بها مع المؤمنين يوم القيامة ويتميز بها عن ~~سائر الملل يوم القيامة كما تميز عنهم بها في الدنيا لكن وقت الحقيقة يضرب ~~فضرب ( بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ~~ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم ~~الأمانى حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا ~~من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ( وقد قال تعالى ( إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا الا الذين تابوا ~~واصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما # ( فاذا عمل العبد صالحا لله فهذا هو الإسلام الذى هو دين الله ويكون ~~PageV07P349 معه من الإيمان ما يحشر به مع المؤمنين يوم القيامة ثم ان كان ~~معه من الذنوب ما يعذب به عذب وأخرج من النار اذا كان في قلبه مثقال حبة ~~خردل من إيمان وان كان معه نفاق ولهذا قال تعالى في هؤلاء @QB@ فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما @QE@ فلم يقل أنهم مؤمنون ~~بمجرد هذا اذ لم يذكر الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله بل هم معهم وانما ~~ذكر العمل الصالح وإخلاصه لله وقال @QB@ فأولئك مع المؤمنين @QE@ فيكون لهم ~~حكمهم وقد بين تفاضل المؤمنين في مواضع اخر وأنه من أتى بالايمان الواجب ~~استحق الثواب ومن كان فيه شعبة نفاق وأتى بالكبائر فذاك من اهل الوعيد ~~وايمانه ينفعه الله به ويخرجه به من النار ولو أنه مثقال حبة خردل لكن لا ~~يستحق به الإسم المطلق المعلق به وعد الجنة بلا عذاب وتمام هذا أن الناس قد ~~يكون فيهم من معه شعبة من شعب الايمان وشعبة من شعب الكفر أو النفاق ويسمى ~~مسلما كما نص عليه أحمد # وتمام هذا أن الانسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب ~~النفاق وقد يكون مسلما ms2106 وفيه كفر دون الكفر الذى ينقل عن الإسلام بالكلية ~~كما قال الصحابة بن عباس وغيره كفر دون كفر وهذا قول عامة السلف وهو الذى ~~نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( أنه ليس بمؤمن ( أنه يقال لهم مسلمون لا مؤمنون ~~واستدلوا بالقرآن والسنة على نفى اسم الايمان مع إثبات إسم الإسلام وبأن ~~الرجل قد يكون مسلما ومعه كفر PageV07P350 لا ينقل عن الملة بل كفر دون كفر ~~كما قال بن عباس وأصحابه في قوله @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون @QE@ قالوا كفر لا ينقل عن الملة وكفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم ~~دون ظلم وهذا أيضا مما إستشهد به البخارى في ( صحيحه ( فإن كتاب ( الإيمان ~~( الذى إفتتح به ( الصحيح ( قرر مذهب اهل السنة والجماعة وضمنه الرد على ~~المرجئة فإنه كان من القائمين بنصر السنة والجماعة مذهب الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان # وقد إتفق العلماء على أن إسم المسلمين في الظاهر يجرى على المنافقين ~~لأنهم استسلموا ظاهرا وأتو بما آتوا به من الأعمال الظاهرة بالصلاة الظاهرة ~~والزكاة الظاهرة والحج الظاهر والجهاد الظاهر كما كان النبى يجرى عليهم ~~أحكام الإسلام الظاهر واتفقوا على أنه من لم يكن معه شيء من الإيمان فهو ~~كما قال تعالى ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ( وفيها قراءتان ( ~~درك ودرك ( قال أبو الحسين بن فارس الجنة درجات والنار دركات قال الضحاك ~~الدرج إذا كان بعضها فوق بعض والدرك إذا كان بعضها اسفل من بعض فصار ~~المظهرون للاسلام بعضهم في أعلى درجة في الجنة وهو رسول الله كما قال في ~~الحديث الصحيح ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم سلوا الله لى ~~الوسيلة فانها درجة في الجنة لا تنبغى الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم PageV07P351 ~~القيامة ( وقوله ( وأرجو أن أكون ( مثل قوله ( إنى لأرجو أن أكون أخشاكم ~~لله واعلمكم ms2107 بحدوده ( ولا ريب أنه أخشى الأمة لله وأعلمهم بحدوده # وكذلك قوله ( اختبأت دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة فهي نائلة ان شاء ~~الله من مات لا يشرك بالله شيئا ( وقوله ( إنى لأرجو أن تكونوا نصف اهل ~~الجنة ( وأمثال هذه النصوص وكان يستدل به أحمد وغيره على الإستثناء في ~~الإيمان كما نذكره في موضعه # والمقصود أن خير المؤمنين في أعلى درجات الجنة والمنافقون في الدرك ~~الأسفل من النار وان كانوا في الدنيا مسلمين ظاهرا تجرى عليهم أحكام ~~الاسلام الظاهرة فمن كان فيه إيمان ونفاق يسمى مسلما اذ ليس هو دون المنافق ~~المحض واذا كان نفاقه أغلب لم يستحق اسم الإيمان بل إسم المنافق أحق به فان ~~ما فيه بياض وسواد وسواده أكثر من بياضه هو بإسم الأسود أحق منه بإسم ~~الأبيض كما قال تعالى @QB@ هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان @QE@ وأما اذا ~~كان ايمانه أغلب ومعه نفاق يستحق به الوعيد لم يكن أيضا من المؤمنين ~~الموعودين بالجنة وهذا حجة لما ذكره محمد بن نصر عن أحمد ولم أره أنا فيما ~~بلغنى من كلام أحمد ولا ذكره الخلال ونحوه # وقال محمد بن نصر وحكى غير هؤلاء عن أحمد أنه قال من أتى هذه الأربعة ~~الزنى والسرقة وشرب الخمر والنهبة التى يرفع الناس فيها أبصارهم إليه أو ~~مثلهن أو فوقهن فهو مسلم ولا اسميه PageV07P352 مؤمنا ومن أتى دون الكبائر ~~نسميه مؤمنا ناقص الإيمان فان صاحب هذا القول يقول لما نفى عنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم الإيمان نفيته عنه كما نفاه عنه الرسول والرسول لم ينفه الا ~~عن صاحب كبيرة والا فالمؤمن الذى يفعل الصغيرة هي مكفرة عنه بفعله للحسنات ~~واجتنابه للكبائر لكنه ناقص الايمان عمن اجتنب الصغائر فما أتى بالايمان ~~الواجب ولكن خلطه بسيئآت كفرت عنه بغيرها ونقصت بذلك درجته عمن لم يأت بذلك # واما الذين نفى عنهم الرسول الإيمان فننفيه كما نفاه الرسول وأولئك وان ~~كان معهم التصديق واصل الإيمان فقد تركوا منه ما استحقوا لأجله سلب الإيمان ~~وقد يجتمع في العبد ms2108 نفاق وايمان وكفر وايمان فالايمان المطلق عند هؤلاء ما ~~كان صاحبه مستحقا للوعد بالجنة # وطوائف ( اهل الأهواء ( من الخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة كراميهم ~~وغير كراميهم يقولون إنه لا يجتمع في العبد ايمان ونفاق ومنهم من يدعى ~~الاجماع على ذلك وقد ذكر أبو الحسن في بعض كتبه الإجماع على ذلك ومن هنا ~~غلطوا فيه وخالفوا فيه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~مع مخالفة صريح المعقول بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد ~~وقالوا لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب ومعصية يستحق بها ~~العقاب ولا يكون الشخص الواحد محمودا من وجه مذموما من PageV07P353 وجه ولا ~~محبوبا مدعوا له من وجه مسخوطا ملعونا من وجه ولا يتصور أن الشخص الواحد ~~يدخل الجنة والنار جميعا عندهم بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم ~~ولهذا أنكروا خروج أحد من النار أو الشفاعة في أحد من أهل النار وحكى عن ~~غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل لكن هؤلاء قالوا ان أهل الكبائر ~~يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك # وأما أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر طوائف ~~المسلمين من أهل الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء والكرامية ~~والكلابية والأشعرية والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم فيقولون أن الشخص الواحد ~~قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة وهذا ~~الشخص الذى له سيئات عذب بها وله حسنات دخل بها الجنة وله معصية وطاعة ~~بإتفاق فان هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه لكن تنازعوا في إسمه فقالت ~~المرجئة جهميتهم وغير جهميتهم هو مؤمن كامل الايمان وأهل السنة والجماعة ~~على أنه مؤمن ناقص الايمان ولولا ذلك لما عذب كما أنه ناقص البر والتقوى ~~بإتفاق المسلمين وهل يطلق عليه إسم مؤمن هذا فيه القولان والصحيح التفصيل ~~فاذا سئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة قيل هو مؤمن وكذلك اذا سئل عن ~~دخوله في خطاب المؤمنين # وأما اذا سئل عن حكمه في الآخره قيل ليس هذا النوع من المؤمنين ms2109 ~~PageV07P354 الموعودين بالجنة بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار ويدخل به ~~الجنة بعد ان يعذب في النار ان لم يغفر الله له ذنوبه ولهذا قال من قال هو ~~مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أو مؤمن ناقص الايمان والذين لا يسمونه مؤمنا من ~~أهل السنة ومن المعتزلة يقولون اسم الفسوق ينافى اسم الايمان لقوله @QB@ ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان @QE@ وقوله @QB@ أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا @QE@ وقد قال النبى ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ( # وعلى هذا الأصل فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر ومعه ايمان أيضا ~~وعلى هذا ورد عن النبى في تسمية كثير من الذنوب كفرا مع أن صاحبها قد يكون ~~معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان فلا يخلد في النار كقوله ( سباب المسلم ~~فسوق وقتاله كفر ( وقوله ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ( ~~وهذا مستفيض عن النبى في ( الصحيح ( من غير وجه فانه أمر في حجة الوداع أن ~~ينادى به في الناس فقد سمى من يضرب بعضهم رقاب بعض بلا حق كفارا وسمى هذا ~~الفعل كفرا ومع هذا فقد قال تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما @QE@ إلى قوله @QB@ إنما المؤمنون إخوة @QE@ فبين أن هؤلاء ~~لم يخرجوا من الإيمان بالكلية ولكن فيهم ما هو كفر وهى هذه الخصلة كما قال ~~بعض الصحابة كفر دون كفر وكذلك قوله ( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها ~~أحدهما ( فقد سماه أخاه حين القول وقد أخبر أن أحدهما باء بها فلو خرج ~~أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه بل فيه كفر PageV07P355 وكذلك قوله ~~في الحديث الصحيح ( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه الا كفر ( وفى ~~حديث آخر ( كفر بالله من تبرأ من نسب وان دق ( وكان من القرآن الذى نسخ ~~لفظه ( لا ترغبوا عن آبائكم فان كفرا بكم ان ترغبوا عن آبائكم ( فان حق ~~الوالدين مقرون بحق الله في مثل قوله ( ان أشكر لى ولوالديك إلى المصير ( ~~وقوله @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ms2110 وبالوالدين إحسانا @QE@ فالوالد ~~أصله الذى منه خلق والولد من كسبه كما قال @QB@ ما أغنى عنه ماله وما كسب ~~@QE@ فالجحد لهما شعبة من شعب الكفر فانه جحد لما منه خلقه ربه فقد جحد خلق ~~الرب إياه وقد كان في لغة من قبلنا يسمى الرب أبا فكان فيه كفر بالله من ~~هذا الوجه ولكن ليس هذا كمن جحد الخالق بالكلية وسنتكلم ان شاء الله على ~~سائر الأحاديث # والمقصود هنا ذكر ( أصل جامع ( تنبنى عليه معرفة النصوص ورد ما تنازع فيه ~~الناس إلى الكتاب والسنة فان الناس كثر نزاعهم في مواضع في مسمى الايمان ~~والإسلام لكثرة ذكرهما وكثرة كلام الناس فيهما والإسم كلما كثر التكلم فيه ~~فتكلم به مطلقا ومقيدا بقيد ومقيد بقيد آخر في موضع آخر كان هذا سببا ~~لإشتباه بعض معناه ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك ومن أسباب ذلك ~~ان يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه ويكون ما سمعه مقيدا بقيد ~~أوجبه إختصاصه بمعنى فيظن معناه في سائر موارده كذلك فمن اتبع علمه حتى عرف ~~مواقع الإستعمال عامة وعلم مأخذ PageV07P356 الشبه أعطى كل ذى حق حقه وعلم ~~أن خير الكلام كلام الله وأنه لا بيان أتم من بيانه وأن ما أجمع عليه ~~المسلمون من دينهم الذى يحتاجون إليه اضعاف أضعاف ما تنازعوا فيه # فالمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الايمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج ومتفقون ~~على أن من أطاع الله ورسوله فانه يدخل الجنة ولا يعذب وعلى ان من لم يؤمن ~~بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فهو كافر وأمثال هذه الأمور ~~التى هي اصول الدين وقواعد الإيمان التى اتفق عليها المنتسبون إلى الإسلام ~~والإيمان فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام الوعيد أو بعض معانى بعض الأسماء ~~أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه مع ان المخالفين للحق البين من الكتاب ~~والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة مشهود عليهم بالضلالة ليس لهم ms2111 ~~في الأمة لسان صدق ولا قبول عام كالخوارج والروافض والقدرية ونحوهم وإنما ~~تنازع أهل العلم والسنة في أمور دقيقة تخفى على أكثر الناس ولكن يجب رد ما ~~تنازعوا فيه إلى الله ورسوله والرد إلى الله ورسوله في ( مسألة الإسلام ~~والإيمان ( يوجب أن كلا من الأسمين وان كان مسماه واجبا لا يستحق أحد الجنة ~~الا بأن يكون مؤمنا مسلما فالحق في ذلك ما بينه النبى في حديث جبريل فجعل ~~الدين وأهله ( ثلاث طبقات ( أولها الإسلام وأوسطها الإيمان وأعلاها الإحسان ~~ومن وصل إلى العليا PageV07P357 فقد وصل إلى التى تليها فالمحسن مؤمن ~~والمؤمن مسلم وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنا # وهكذا جاء القرآن فجعل الأمة على هذه الأصناف الثلاثة قال تعالى @QB@ ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير @QE@ فالمسلم الذى لم يقم ~~بواجب الايمان هو الظالم لنفسه والمقتصد هو المؤمن المطلق الذى أدى الواجب ~~وترك المحرم والسابق بالخيرات هو المحسن الذى عبد الله كأنه يراه وقد ذكر ~~الله سبحانه تقسيم الناس في المعاد إلى هذه الثلاثة في سورة ( الواقعة ( و ~~( المطففين ( و ( هل أتى ( وذكر الكفار ايضا وأما هنا فجعل التقسيم ~~للمصطفين من عباده # وقال أبو سليمان الخطابى ما أكثر ما يغلط الناس في ( هذه المسألة ( فأما ~~الزهري فقال الإسلام الكلمة والإيمان العمل وإحتج بالآية وذهب غيره إلى أن ~~الإسلام والإيمان شيء واحد فاحتج بقوله @QB@ فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين @QE@ قال الخطابى وقد تكلم ~~رجلان من أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول واحد من هذين ورد الآخر ~~منهما على المتقدم وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه المائتين قال الخطابى ~~والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق وذلك ان المسلم قد يكون ~~مؤمنا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنا في بعضها والمؤمن PageV07P358 مسلم في ~~جميع الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا واذا حملت الأمر ms2112 على هذا ~~إستقام لك تأويل الآيات وإعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منها ( قلت ( ~~الرجلان اللذان اشار اليهما الخطابى أظن أحدهما وهو السابق محمد بن نصر ~~فانه الذى علمته بسط الكلام في أن الإسلام والإيمان شيء واحد من أهل السنة ~~والحديث وما علمت لغيره قبله بسطا في هذا والآخر الذى رد عليه أظنه لكن لم ~~أقف على رده والذى إختاره الخطابى هو قول من فرق بينهما كأبى جعفر وحماد بن ~~زيد وعبد الرحمن بن مهدى وهو قول أحمد بن حنبل وغيره ولا علمت أحدا من ~~المتقدمين خالف هؤلاء فجعل نفس الإسلام نفس الإيمان ولهذا كان عامة أهل ~~السنة على هذا الذى قاله هؤلاء كما ذكره الخطابى # وكذلك ذكر أبو القاسم التيمي الأصبهانى وابنه محمد شارح ( مسلم ( وغيرهما ~~أن المختار عند اهل السنة أنه لا يطلق على السارق والزانى اسم مؤمن كما دل ~~عليه النص وقد ذكر الخطابى في ( شرح البخارى ( كلاما يقتضى تلازمهما مع ~~افتراق اسميهما وذكره البغوى في ( شرح السنة ( فقال قد جعل النبى الإسلام ~~اسما لما ظهر من الأعمال وجعل الإيمان اسما لما بطن من الإعتقاد وليس كذلك ~~لأن الأعمال ليست من الإيمان PageV07P359 أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام ~~بل ذلك تفصيل الجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين ولذلك قال ( هذا جبريل ~~جاءكم يعلمكم دينكم ( والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإسلام والإيمان ~~جميعا يدل عليه قوله تعالى @QB@ إن الدين عند الله الإسلام @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ وقوله @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه @QE@ فبين أن الدين الذى رضيه ويقبله من عباده هو ~~الإسلام ولا يكون الدين في محل الرضى والقبول الا بإنضمام التصديق إلى ~~العمل # ( قلت ( تفريق النبى صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل وان اقتضى أن ~~الأعلى هو الإحسان والإحسان يتضمن الإيمان والإيمان يتضمن الإسلام فلا يدل ~~على العكس ولو قدر أنه دل على التلازم فهو صريح بأن مسمى هذا ليس مسمى هذا ~~لكن التحقيق أن الدلالة تختلف بالتجريد والاقتران كما قد ms2113 بيناه ومن فهم هذا ~~انحلت عنه اشكالات كثيرة في كثير من المواضع حاد عنها طوائف ( مسألة ~~الإيمان ( وغيرها وما ذكره من أن الدين لا يكون في محل الرضى والقبول الا ~~بانضمام التصديق إلى العمل يدل على أنه لابد مع العمل من الإيمان فهذا يدل ~~على وجوب الايمان مطلقا لكن لا يدل على أن العمل الذى هو الدين ليس اسمه ~~إسلاما واذا كان الايمان شرطا في قبوله لم يلزم أن يكون ملازما له ولو كان ~~ملازما له لم يلزم أن يكون جزء مسماه PageV07P360 # وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح قوله صلى الله عليه وسلم ( الإسلام أن ~~تشهد أن لا إله إلا الله ( إلى آخره والإيمان ( أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله ( إلى آخره قال هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن ~~وبيان لأصل الإسلام وهو الإستسلام والإنقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر ~~يثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليهما الأربع لكونها أظهر شعائر الإسلام ~~ومعظمها وبقيامه بها يتم إستسلامه وتركه لها يشعر بحل قيد إنقياده أو ~~إنحلاله # ثم أن إسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات ~~لكونها ثمرات التصديق الباطن الذى هو أصل الإيمان مقومات ومتممات وحافظات ~~له ولهذا فسر النبى الإيمان في حديث وفد عبدالقيس بالشهادتين والصلاة ~~والزكاة والصوم وإعطاء الخمس من المغنم ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على ~~من إرتكب كبيرة أو ترك فريضة لأن إسم الشيء الكامل يقع على الكامل منه ولا ~~يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله صلى ~~الله عليه وسلم ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( # وإسم ( الإسلام ( يتناول أيضا ما هو ( أصل الإيمان ( وهو التصديق ويتناول ~~( أصل الطاعات ( فان ذلك كله إستسلام قال فخرج مما ذكرناه وحققناه أن ~~الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان وان كل مؤمن مسلم وليس PageV07P361 كل ~~مسلم مؤمنا قال فهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في ~~الإيمان والإسلام التى طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق ~~لمذاهب ms2114 جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم # فيقال هذا الذى ذكره رحمه الله فيه من الموافقة لما قد بين من أقوال ~~الأئمة وما دل عليه الكتاب والسنة ما يظهر به أن الجمهور يقولون كل مؤمن ~~مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وقوله أن الحديث ذكر فيه أصل الايمان واصل الإسلام ~~قد يورد عليه أن النبى أجاب عن الإيمان والإسلام بما هو من جنس الجواب ~~بالحد عن المحدود فيكون ما ذكره مطابقا لهما لا لأصلهما فقط فالإيمان هو ~~الإيمان بما ذكره باطنا وظاهرا لكن ما ذكره من الإيمان تضمن الإسلام كما أن ~~الإحسان تضمن الإيمان # وقول القائل اصل الإستسلام هو الإسلام الظاهر فالإسلام هو الإستسلام لله ~~والإنقياد له ظاهرا وباطنا فهذا هو دين الإسلام الذى إرتضاه الله كما دلت ~~عليه نصوص الكتاب والسنة ومن أسلم بظاهره دون باطنه فهو منافق يقبل ظاهره ~~فانه لم يؤمر أن يشق عن قلوب الناس وايضا فاذا كان الإسلام يتناول التصديق ~~الباطن الذى هو أصل الإيمان فيلزم أن يكون كل مسلم مؤمنا وهو خلاف ما نقل ~~عن الجمهور ولكن لابد في الإسلام من تصديق يحصل به أصل الإيمان وإلا لم يثب ~~عليه فيكون PageV07P362 حينئذ مسلما مؤمنا فلابد أن يتبين المسلم الذى ليس ~~بمؤمن ودخوله في الإسلام والنبى قال ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ( ~~وقوله ( الإسلام هو الأركان الخمسة ( لا يعنى به من أداها بلا إخلاص لله بل ~~مع النفاق بل المراد من فعلها كما أمر بها باطنا وظاهرا وذكر الخمس أنها هي ~~الإسلام لأنها هي العبادات المحضة التى تجب لله تعالى على كل عبد مطيق لها ~~وما سواها إما واجب على الكفاية لمصلحة إذا حصلت سقط الوجوب واما من حقوق ~~الناس بعضهم على بعض وان كان فيها قربة ونحو ذلك وتلك تابعة لهذه كما قال ( ~~المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ( وأفضل الإسلام أن تطعم الطعام ~~وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ( ونحو ذلك فهذه الخمس هي الأركان ~~والمبانى كما في الإيمان # وقول القائل الطاعات ms2115 ثمرات التصديق الباطن يراد به شيئان يراد به أنها ~~لوازم له فمتى وجد الايمان الباطن وجدت وهذا مذهب السلف وأهل السنة ويراد ~~به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا وقد يكون الايمان الباطن تاما كاملا وهى ~~لم توجد وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم ~~غلطوا في ثلاثة أوجه # ( أحدها ( ظنهم أن الإيمان الذى في القلب يكون تاما بدون العمل الذى في ~~القلب تصديق بلا عمل للقلب كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكل عليه والشوق ~~إلى لقائه PageV07P363 # و ( الثانى ( ظنهم أن الإيمان الذى في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر ~~وهذا يقول به جميع المرجئة # و ( الثالث ( قولهم كل من كفره الشارع فانما كفره لانتفاء تصديق القلب ~~بالرب تبارك وتعالى وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف واقوال ~~المرجئة والجهمية لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو في باطنه يرى ~~رأى الجهمية والمرجئة في الإيمان وهو معظم للسلف وأهل الحديث فيظن أنه يجمع ~~بينهما أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف # قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزى وقالت ( طائفة ثالثة ( وهم الجمهور ~~الاعظم من اهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث الإيمان الذى دعا الله العباد ~~إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذى جعله دينا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه ~~وهو ضد الكفر الذى سخطه فقال @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ وقال @QB@ ~~ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ وقال @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام @QE@ وقال @QB@ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ~~@QE@ فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان وجعله اسم ثناء وتزكية ~~فأخبر أن من أسلم فهو على نور من ربه وهدى وأخبر أنه دينه الذى ارتضاه وما ~~ارتضاه فقد أحبه وإمتدحه ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه ~~وسألوه إياه فقال إبراهيم وإسماعيل @QB@ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك @QE@ وقال يوسف @QB@ توفني مسلما وألحقني بالصالحين @QE@ وقال ~~@QB@ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله ms2116 اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ PageV07P364 # وقال @QB@ وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا @QE@ وقال في موضع آخر @QB@ قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق @QE@ إلى ~~قوله @QB@ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا @QE@ فحكم الله بأن من ~~أسلم فقد اهتدى ومن آمن فقد اهتدى فسوى بينهما # قال وقد ذكرنا تمام الحجة في أن الإسلام هو الإيمان وأنهما لا يفترقان ~~ولا يتباينان في موضع غير هذا فكرهنا إعادته في هذا الموضع كراهة التطويل ~~والتكرير غير أنا سنذكر من الحجة ما لم نذكره في غير هذا الموضع ونبين خطأ ~~تأويلهم والحجج التى احتجوا بها من الكتاب والأخبار على التفرقة بين ~~الإسلام الإيمان # ( قلت ( مقصود محمد بن نصر المروزى رحمه الله أن المسلم الممدوح هو ~~المؤمن الممدوح وأن المذموم ناقص الإسلام والإيمان وان كل مؤمن فهو مسلم ~~وكل مسلم فلابد أن يكون معه إيمان وهذا صحيح وهو متفق عليه ومقصوده أيضا أن ~~من أطلق عليه الإسلام أطلق عليه الإيمان وهذا فيه نزاع لفظى ومقصوده أن ~~مسمى أحدهما هو مسمى الآخر وهذا لا يعرف عن أحد من السلف وان قيل هما ~~متلازمان فالمتلازمان لا يجب أن يكون مسمى هذا هو مسمى هذا وهو لم ينقل عن ~~أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام المشهورين أنه قال ~~مسمى الإسلام هو مسمى PageV07P365 الإيمان كما نص بل ولا عرفت أنا أحدا قال ~~ذلك من السلف ولكن المشهور عن الجماعة من السلف والخلف أن المؤمن المستحق ~~لوعد الله هو المسلم المستحق لوعد الله فكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم وهذا ~~متفق على معناه بين السلف والخلف بل وبين فرق الأمة كلهم يقولون ان المؤمن ~~الذى وعد بالجنة لابد أن يكون مسلما والمسلم الذى وعد بالجنة لابد أن يكون ~~مؤمنا وكل من يدخل الجنة بلا عذاب من الأولين والآخرين فهو مؤمن مسلم # ثم أن أهل السنة لا يقولون الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة معهم ms2117 بعض ~~ذلك وانما النزاع في إطلاق الإسم فالنقول متواترة عن السلف بأن الايمان قول ~~وعمل ولم ينقل عنهم شيء من ذلك في الإسلام ولكن لما كان الجمهور الأعظم ~~يقولون أن الإسلام هو الدين كله ليس هو الكلمة فقط خلاف ظاهر ما نقل عن ~~الزهري فكانوا يقولون أن الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأفعال ~~المأمور بها هي من الإسلام كما هي من الإيمان ظن أنهم يجعلونها شيئا واحدا ~~وليس كذلك فإن الإيمان مستلزم للإسلام باتفاقهم وليس اذا كان الإسلام داخلا ~~فيه يلزم أن يكون هو إياه وأما الإسلام فليس معه دليل على أنه يستلزم ~~الإيمان عند الإطلاق ولكن هل يستلزم الايمان الواجب أو كمال الإيمان فيه ~~نزاع وليس معه دليل على أنه مستلزم للإيمان ولكن الأنبياء الذين وصفهم الله ~~بالإسلام كلهم كانوا مؤمنين وقد وصفهم الله بالإيمان ولو لم يذكر ذاك عنهم ~~فنحن نعلم قطعا أن الأنبياء كلهم مؤمنون PageV07P366 # وكذلك السابقون الأولون كانوا مسلمين مؤمنين # ولو قدر أن الإسلام يستلزم الايمان الواجب فغاية ما يقال أنهما متلازمان ~~فكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم وهذا صحيح اذا أريد أن كل مسلم يدخل الجنة معه ~~الإيمان الواجب وهو متفق عليه اذا أريد أن كل مسلم يثاب على عبادته فلابد ~~أن يكون معه أصل الايمان فما من مسلم الا وهو مؤمن وان لم يكن هو الإيمان ~~الذى نفاه النبى عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه وعمن يفعل الكبائر وعن ~~الأعراب وغيرهم فاذا قيل أن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن ~~يكون أحدهما هو الآخر كالروح والبدن فلا يوجد عندنا روح الا مع البدن ولا ~~يوجد بدن حى الا مع الروح وليس أحدهما الآخر فالايمان كالروح فإنه قائم ~~بالروح ومتصل بالبدن والإسلام كالبدن ولا يكون البدن حيا الا مع الروح ~~بمعنى أنهما متلازمان لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر واسلام المنافقين ~~كبدن الميت جسد بلا روح فما من بدن حى الا وفيه روح ولكن الأرواح متنوعة ~~كما قال النبى ( الأرواح ms2118 جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها ~~إختلف ( وليس كل من صلى ببدنه يكون قلبه منورا بذكر الله والخشوع وفهم ~~القرآن وان كانت صلاته يثاب عليها ويسقط عنه الفرض في أحكام الدنيا فهكذا ~~الإسلام الظاهر بمنزلة الصلاة الظاهرة والإيمان بمنزلة ما يكون في القلب ~~حين الصلاة من المعرفة بالله والخشوع وتدبر القرآن فكل من خشع قلبه ~~PageV07P367 خشعت جوارحه ولا ينعكس ولهذا قيل إياكم وخشوع النفاق وهو أن ~~يكون الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع فاذا صلح القلب صلح الجسد كله وليس إذا ~~كان الجسد في عبادة يكون القلب قائما بحقائقها # والناس في ( الإيمان والإسلام ( على ثلاث مراتب ظالم لنفسه ومقتصد وسابق ~~بالخيرات فالمسلم ظاهرا وباطنا اذا كان ظالما لنفسه فلابد أن يكون معه ~~إيمان ولكن لم يأت بالواجب ولا ينعكس وكذلك في الآخر وسيأتى إن شاء الله # والآيات التى إحتج بها محمد بن نصر تدل على وجوب الإسلام وأنه دين الله ~~وان الله يحبه ويرضاه وأنه ليس له دين غيره وهذا كله حق لكن ليس في هذا ما ~~يدل على أنه هو الايمان بل ولا يدل على أن بمجرد الإسلام يكون الرجل من أهل ~~الجنة كما ذكره في حجة القول الأول فان الله وعد المؤمنين بالجنة في غير ~~آية ولم يذكر هذا الوعد بإسم الإسلام وحينئذ فمدحه وايجابه ومحبة الله له ~~تدل على دخوله في الإيمان وأنه بعض منه وهذا متفق عليه بين أهل السنة كلهم ~~يقولون كل مؤمن مسلم وكل من أتى بالإيمان الواجب فقد أتى بالاسلام الواجب ~~لكن النزاع في العكس وهذا كما أن الصلاة يحبها الله ويأمر بها ويوجبها ~~ويثنى عليها وعلى أهلها في غير موضع ثم لم يدل ذلك على أن مسمى الصلاة مسمى ~~الإيمان بل الصلاة تدخل في الإيمان فكل مؤمن مصل ولا يلزم أن يكون كل من ~~صلى وأتى الكبائر مؤمنا PageV07P368 وجميع ما ذكره من الحجة عن النبى فان ~~فيها التفريق بين مسمى الايمان والاسلام اذا ذكرا جميعا كما في حديث جبريل ~~وغيره ms2119 وفيها أيضا أن اسم الايمان اذا أطلق دخل فيه الاسلام قال أبو عبد ~~الله بن حامد في كتابه المصنف في ( أصول الدين ( # قد ذكرنا أن الإيمان قول وعمل فأما الإسلام فكلام أحمد يحتمل روايتين ( ~~إحداهما ( أنه كالإيمان ( والثانية ( أنه قول بلا عمل وهو نصه في رواية ~~إسماعيل بن سعيد قال والصحيح أن المذهب رواية واحدة أنه قول وعمل ويحتمل ~~قوله أن الإسلام قول يريد به أنه لا يجب فيه ما يجب في الإيمان من العمل ~~المشروط فيه لأن الصلاة ليست من شرطه اذ النص عنه أنه لا يكفر بتركه الصلاة # قال وقد قضينا أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين وذكرنا اختلاف الفقهاء ~~وقد ذكر قبل ذلك أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين مختلفين وبه قال مالك ~~وشريك وحماد بن زيد بالتفرقة بين الإسلام والإيمان قال وقال أصحاب الشافعى ~~وأصحاب أبى حنيفة إنهما اسمان معناهما واحد قال ويفيد هذا أن الإيمان قد ~~تنتفى عنه تسميته مع بقاء الإسلام عليه وهو بإتيان الكبائر التى ذكرت في ~~الخبر فيخرج عن تسمية الإيمان الا أنه مسلم فاذا تاب من ذلك عاد إلى ما كان ~~عليه من الإيمان ولا تنتفى عنه تسمية الإيمان بإرتكاب الصغائر من الذنوب بل ~~الإسم باق عليه ثم ذكر أدلة ذلك ولكن ما ذكره PageV07P369 فيه أدلة كثيرة ~~على من يقول الإسلام مجرد الكلمة فان الأدلة الكثيرة تدل على أن الأعمال من ~~الإسلام بل النصوص كلها تدل على ذلك فمن قال أن الأعمال الظاهرة المأمور ~~بها ليست من الإسلام فقوله باطل بخلاف التصديق الذى في القلب فإن هذا ليس ~~في النصوص ما يدل على أنه من الإسلام بل هو من الإيمان وانما الإسلام الدين ~~كما فسره النبى بأن يسلم وجهه وقلبه لله فإخلاص الدين لله اسلام وهذا غير ~~التصديق ذاك من جنس عمل القلب وهذا من جنس علم القلب # وأحمد بن حنبل وإن كان قد قال في هذا الموضع إن الإسلام هو الكلمة فقد ~~قال في موضع آخر إن الأعمال من الإسلام وهو اتبع ms2120 هنا الزهري رحمه الله فان ~~كان مراد من قال ذلك انه بالكلمة يدخل في الإسلام ولم يأت بتمام الاسلام ~~فهذا قريب وان كان مراده أنه أتى بجميع الإسلام وان لم يعمل فهذا غلط قطعا ~~بل قد انكر أحمد هذا الجواب وهو قول من قال يطلق عليه الإسلام وان لم يعمل ~~متابعة لحديث جبريل فكان ينبغى أن يذكر قول أحمد جميعه # قال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن الإسلام والإيمان فقال ( الإيمان ( قول ~~وعمل والإسلام الإقرار وقال وسألت أحمد عمن قال في الذى قال جبريل للنبى ~~صلى الله عليه وسلم إذ سأله عن الإسلام فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم فقال نعم ~~فقال قائل وان لم يفعل الذى قال جبريل للنبى فهو مسلم أيضا فقال هذا معاند ~~للحديث PageV07P370 # فقد جعل أحمد من جعله مسلما إذا لم يأت بالخمس معاندا للحديث مع قوله أن ~~الإسلام الإقرار فدل ذلك على أن ذاك اول الدخول في الإسلام وأنه لا يكون ~~قائما بالإسلام الواجب حتى يأتى بالخمس وإطلاق الإسم مشروط بها فانه ذم من ~~لم يتبع حديث جبريل وأيضا فهو في أكثر أجوبته يكفر من لم يأت بالصلاة بل ~~وبغيرها من المبانى والكافر لا يكون مسلما بإتفاق المسلمين فعلم أنه لم يرد ~~أن الإسلام هو مجرد القول بلا عمل وان قدر أنه أراد ذلك فهذا يكون أنه لا ~~يكفر بترك شيء من المبانى الأربعة وأكثر الروايات عنه بخلاف ذلك والذين لا ~~يكفرون من ترك هذه المبانى يجعلونها من الإسلام كالشافعى ومالك وأبى حنيفة ~~وغيرهم فكيف لا يجعلها أحمد من الإسلام وقوله في دخولها في الإسلام أقوى من ~~قول غيره وقد روى عنه أنه جعل حديث سعد معارضا لحديث عمر ورجح حديث سعد # قال الحسن بن على سألت أحمد بن حنبل عن الإيمان أوكد أو الإسلام قال جاء ~~حديث عمر هذا وحديث سعد أحب إلى كأنه فهم أن حديث عمر يدل على أن الأعمال ~~هي مسمى الإسلام فيكون مسماه أفضل وحديث سعد يدل على أن مسمى الإيمان ms2121 أفضل ~~ولكن حديث عمر لم يذكر الإسلام الا الأعمال الظاهرة فقط وهذه لا تكون ~~ايمانا إلا مع الايمان الذى في القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله فيكون ~~حينئذ بعض الإيمان فيكون مسمى الإيمان أفضل كما دل عليه حديث سعد فلا ~~منافاة بين الحديثين # وأما تفريق أحمد بين الإسلام والإيمان فكان يقوله تارة وتارة يحكى ~~PageV07P371 الخلاف ولا يجزم به وكان إذا قرن بينهما ( تارة ( يقول الإسلام ~~الكلمة ( وتارة ( لا يقول ذلك وكذلك التكفير بترك المبانى كان تارة يكفر ~~بها حتى يغضب وتارة لا يكفر بها قال الميمونى قلت يا أبا عبد الله تفرق بين ~~الإسلام والإيمان قال نعم قلت بأى شيء تحتج قال عامة الأحاديث تدل على هذا ~~ثم قال ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن ( وقال الله تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا @QE@ قال وحماد بن زيد يفرق بين الإسلام والإيمان قال وحدثنا أبو ~~سلمة الخزاعى قال قال مالك وشريك وذكر قولهم وقول حماد بن زيد فرق بين ~~الإسلام والإيمان # قال أحمد قال لى رجل لو لم يجئنا في الإيمان إلا هذا لكان حسنا قلت لأبى ~~عبد الله فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن قال نعم قلت فاذا كانت المرجئة ~~يقولون أن الإسلام هو القول قال هم يصيرون هذا كله واحدا ويجعلونه مسلما ~~ومؤمنا شيئا واحدا على إيمان جبريل ومستكمل الإيمان قلت فمن ها هنا حجتنا ~~عليهم قال نعم فقد ذكر عنه الفرق مطلقا وإحتجاجه بالنصوص # وقال صالح بن أحمد سئل أبى عن الإسلام والإيمان قال قال بن أبى ذئب ~~الإسلام القول والإيمان العمل قيل له ما تقول أنت قال الإسلام غير الإيمان ~~وذكر حديث سعد وقول النبى PageV07P372 فهو في هذا الحديث لم يختر قول من ~~قال الإسلام القول بل أجاب بأن الإسلام غير الإيمان كما دل عليه الحديث ~~الصحيح مع القرآن # وقال حنبل حدثنا أبو عبد الله بحديث بريدة كان رسول الله يعلمهم اذا ~~خرجوا إلى المقابر ان ms2122 يقول قائلهم ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين وانا إن شاء الله بكم لاحقون ( الحديث قال وسمعت أبا عبد الله ~~يقول في هذا الحديث حجة على من قال الإيمان قول فمن قال أنا مؤمن [ فقد ~~خالف ] قوله من المؤمنين والمسلمين فبين المؤمن من المسلم ورد على من قال ~~أنا مؤمن مستكمل الإيمان وقوله ( وانا ان شاء الله بكم لاحقون ( وهو يعلم ~~أنه ميت يشد قول من قال أنا مؤمن ان شاء الله بالإستثناء في هذا الموضع # وقال أبو الحارث سألت أبا عبد الله قلت قوله ( لا يزنى الزانى حين يزنى ~~وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( قال قد تأولوه فأما عطاء ~~فقال يتنحى عنه الإيمان وقال طاووس إذا فعل ذلك زال عنه الإيمان وروى عن ~~الحسن قال ان رجع راجعه الإيمان وقد قيل يخرج من الإيمان إلى الإسلام ولا ~~يخرج من الإسلام وروى هذه المسألة صالح فان مسائل أبى الحارث يرويها صالح ~~أيضا وصالح سأل أباه عن هذه القصة فقال فيها هكذا يروى عن أبى جعفر قال ( ~~لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( قال يخرج من الإيمان إلى الإسلام ~~فالإيمان مقصور في الإسلام PageV07P373 فاذا زنى خرج من الإيمان إلى ~~الإسلام قال الزهري يعنى لما روى حديث سعد ( أو مسلم ( فنرى أن الإسلام ~~الكلمة والإيمان العمل قال أحمد وهو حديث متأول والله أعلم # فقد ذكر اقوال التابعين ولم يرجح شيئا وذلك والله أعلم لأن جميع ما قالوه ~~حق وهو يوافق على ذلك كله كما قد ذكر في مواضع أخر أنه يخرج من الإيمان إلى ~~الإسلام ونحو ذلك وأحمد وأمثاله من السلف لا يريدون بلفظ التأويل صرف اللفظ ~~عن ظاهره بل التأويل عندهم مثل التفسير وبيان ما يؤول إليه اللفظ كقول ~~عائشة رضى الله عنها كان رسول الله يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده ( سبحانك ~~اللهم وبحمدك اللهم اغفر لى ( يتأول القرآن وإلا فما ذكره التابعون لا ~~يخالف ظاهر الحديث بل يوافقه وقول أحمد يتأوله أى يفسر ms2123 معناه وان كان ذلك ~~يوافق ظاهره لئلا يظن مبتدع أن معناه أنه صار كافرا لا إيمان معه بحال كما ~~تقوله الخوارج فإن الحديث لا يدل على هذا والذى نفى عن هؤلاء الايمان كان ~~يجعلهم مسلمين لا يجعلهم مؤمنين # قال المروذي قيل لأبى عبد الله نقول نحن المؤمنون فقال نقول نحن المسلمون ~~قلت لأبى عبد الله نقول أنا مؤمنون قال ولكن نقول أنا مسلمون وهذا لأن من ~~اصله الاستثناء في الإيمان لأنه لا يعلم أنه مؤد لجميع ما أمره الله به فهو ~~مثل قوله أنا بر أنا تقى أنا ولى الله كما يذكر في PageV07P374 موضعه وهذا ~~لا يمنع ترك الاستثناء اذا أراد أنى مصدق فانه يجزم بما في قلبه من التصديق ~~ولا يجزم بأنه ممتثل لكل ما امر به وكما يجزم بأنه يحب الله ورسوله فانه ~~يبغض الكفر ونحو ذلك مما يعلم أنه في قلبه وكذلك اذا أراد بأنه مؤمن في ~~الظاهر فلا يمنع أن يجزم بما هو معلوم له وانما يكره ما كرهه سائر العلماء ~~من قول المرجئة اذ يقولون الإيمان شيء متماثل في جميع أهله مثل كون كل ~~انسان له رأس فيقول أحدهم أنا مؤمن حقا وأنا مؤمن عند الله ونحو ذلك كما ~~يقول الإنسان لى رأس حقا وانا لى رأس في علم الله حقا فمن جزم به على هذا ~~الوجه فقد أخرج الأعمال الباطنة والظاهرة عنه وهذا منكر من القول وزور عند ~~الصحابة والتابعين ومن اتبعهم من سائر المسلمين وللناس في ( مسألة ~~الإستثناء ( كلام يذكر في موضعه # و ( المقصود هنا ( أن هنا قولين متطرفين قول من يقول الإسلام مجرد الكلمة ~~والأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإسلام وقول من يقول مسمى الإسلام ~~والإيمان واحد وكلاهما قول ضعيف مخالف لحديث جبريل وسائر أحاديث النبى # ولهذا لما نصر محمد بن نصر المروزى القول الثانى لم يكن معه حجة على صحته ~~ولكن احتج بما يبطل به القول الأول فإحتج بقوله في قصة الأعراب @QB@ بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ms2124 كنتم صادقين @QE@ قال فدل ذلك على أن ( ~~الإسلام ( هو الإيمان PageV07P375 فيقال بل يدل على نقيض ذلك لأن القوم لم ~~يقولوا اسلمنا بل قالوا آمنا والله أمرهم أن يقولوا أسلمنا ثم ذكر تسميتهم ~~بالإسلام فقال @QB@ بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ~~@QE@ في قولكم آمنا ولو كان الإسلام هو الإيمان لم يحتج أن يقول @QB@ إن ~~كنتم صادقين @QE@ فانهم صادقون في قولهم @QB@ أسلمنا @QE@ مع أنهم لم ~~يقولوا ولكن الله قال @QB@ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم ~~بل الله يمن عليكم @QE@ أى يمنون عليك ما فعلوه من الإسلام فالله تعالى سمى ~~فعلهم إسلاما وليس في ذلك ما يدل على أنهم سموه إسلاما وانما قالوا آمنا ثم ~~أخبر أن المنة تقع بالهداية إلى الإيمان فأما الإسلام الذى لا إيمان معه ~~فكان الناس يفعلونه خوفا من السيف فلا منة لهم بفعله واذا لم يمن الله ~~عليهم بالإيمان كان ذلك كإسلام المنافقين فلا يقبله الله منهم فأما اذا ~~كانوا صادقين في قولهم آمنا فالله هو المان عليهم بهذا الايمان وما يدخل ~~فيه من الإسلام وهو سبحانه نفى عنهم الإيمان أولا وهنا علق منة الله به على ~~صدقهم فدل على جواز صدقهم # وقد قيل إنهم صاروا صادقين بعد ذلك ويقال المعلق بشرط لا يستلزم وجود ذلك ~~الشرط ويقال لأنه كان معهم إيمان ما لكن ما هو الإيمان الذى وصفه ثانيا بل ~~معهم شعبة من الإيمان # قال محمد بن نصر وقال الله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ~~له الدين @QE@ الآية وقال @QB@ إن الدين عند الله الإسلام @QE@ فسمى إقام ~~الصلاة وإيتاء PageV07P376 الزكاة دينا قيما وسمى الدين إسلاما فمن لم يؤد ~~الزكاة فقد ترك من الدين القيم الذى أخبر الله أنه عنده الدين وهو الإسلام ~~بعضا قال وقد جاء معينا هذه الطائفة التى فرقت بين الإسلام والإيمان على أن ~~الإيمان قول وعمل وأن الصلاة والزكاة من الإيمان وقد سماهما الله دينا ~~وأخبر أن الدين عنده الإسلام فقد سمى الله الإسلام بما سمى ms2125 به الإيمان وسمى ~~الإيمان بما سمى به الإسلام وبمثل ذلك جاءت الأخبار عن النبى فمن زعم أن ~~الإسلام هو الإقرار وأن العمل ليس منه فقد خالف الكتاب والسنة ولا فرق بينه ~~وبين المرجئة إذ زعمت أن الإيمان إقرار بلا عمل # فيقال أما قوله إن الله جعل الصلاة والزكاة من الدين والدين عنده هو ~~الإسلام فهذا كلام حسن موافق لحديث جبريل ورده على من جعل العمل خارجا من ~~الإسلام كلام حسن وأما قوله ان الله سمى الإيمان بما سمى به الإسلام وسمى ~~الإسلام بما سمى به الإيمان فليس كذلك فان الله إنما قال @QB@ إن الدين عند ~~الله الإسلام @QE@ ولم يقل قط إن الدين عند الله الإيمان ولكن هذا الدين من ~~الإيمان وليس إذا كان منه يكون هو إياه فان الإيمان أصله معرفة القلب ~~وتصديقه وقوله والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له ولا يكون العبد ~~مؤمنا إلا بهما وأما الإسلام فهو عمل محض مع قول والعلم والتصديق ليس جزء ~~مسماه لكن يلزمه جنس التصديق فلا يكون عمل إلا بعلم لكن لا يستلزم الإيمان ~~المفصل الذى بينه الله ورسوله كما قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون @QE@ PageV07P377 وقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون @QE@ # وسائر النصوص التى تنفى الايمان عمن لم يتصف بما ذكره فإن كثيرا من ~~المسلمين مسلم باطنا وظاهرا ومعه تصديق مجمل ولم يتصف بهذا الايمان والله ~~تعالى قال @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه @QE@ وقال @QB@ ~~ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ ولم يقل ومن يبتغ غير الإسلام علما ومعرفة ~~وتصديقا وإيمانا ولا قال رضيت لكم الإسلام تصديقا وعلما فإن الإسلام من جنس ~~الدين والعمل والطاعة والانقياد والخضوع فمن ابتغى غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه والايمان طمأنينة ويقين أصله علم وتصديق ومعرفة والدين تابع له ~~يقال آمنت بالله واسلمت لله قال موسى @QB@ يا قوم إن ms2126 كنتم آمنتم بالله ~~فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ فلو كان مسماهما واحدا كان هذا تكريرا ~~وكذلك قوله @QB@ إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات @QE@ كما قال ~~والصادقين والصابرين والخاشعين فالمؤمن متصف بهذا كله لكن هذه الأسماء لا ~~تطابق الإيمان في العموم والخصوص وكان النبى يقول ( اللهم لك أسلمت وبك ~~آمنت وعليك توكلت واليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت ( كما ثبت في ( ~~الصحيحين ( أنه كان يقول ذلك إذا قام من الليل وثبت في ( صحيح مسلم ( وغيره ~~أنه كان يقول في سجوده ( اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك اسلمت ( وفى الركوع ~~يقول ( لك ركعت ولك PageV07P378 اسلمت وبك آمنت ( ولما بين النبى خاصة كل ~~منهما قال ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس ~~على دمائهم واموالهم ( ومعلوم أن السلامة من ظلم الانسان غير كونه مأمونا ~~على الدم والمال فإن هذا أعلى والمأمون يسلم الناس من ظلمه وليس من سلموا ~~من ظلمه يكون مأمونا عندهم # قال محمد بن نصر فمن زعم أن الاسلام هو الاقرار وأن العمل ليس منه فقد ~~خالف الكتاب والسنة وهذا صحيح فإن النصوص كلها تدل على أن الأعمال من ~~الإسلام قال ولا فرق بينه وبين المرجئة إذ زعمت أن الايمان اقرار بلا عمل # فيقال بل بينهما فرق وذلك أن هؤلاء الذين قالوه من اهل السنة كالزهرى ومن ~~وافقه يقولون الأعمال داخلة في الإيمان والإسلام عندهم جزء من الإيمان ~~والايمان عندهم أكمل وهذا موافق للكتاب والسنة ويقولون الناس يتفاضلون في ~~الايمان وهذا موافق للكتاب والسنة والمرجئة يقولون الايمان بعض الإسلام ~~والإسلام أفضل ويقولون ايمان الناس متساو فإيمان الصحابة وأفجر الناس سواء ~~ويقولون لا يكون مع أحد بعض الإيمان دون بعض وهذا مخالف للكتاب والسنة # وقد أجاب أحمد عن هذا السؤال كما قاله في إحدى روايتيه أن الإسلام هو ~~الكلمة قال الزهري فإنه تارة يوافق من قال ذلك وتارة لا يوافقه PageV07P379 ~~بل يذكر ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الإسلام غير الإيمان فلما أجاب ~~بقول الزهري قال له الميموني ms2127 قلت يا أبا عبد الله تفرق بين الإسلام ~~والإيمان قال نعم قلت بأى شيء تحتج قال عامة الأحاديث تدل على هذا ثم قال ( ~~لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ( ~~وقال تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ ~~قلت له فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن قال نعم قلت فإذا كانت المرجئة تقول ~~أن الاسلام هو القول قال هم يصيرون هذا كله واحدا ويجعلونه مسلما ومؤمنا ~~شيئا واحدا على ايمان جبريل ومستكمل الايمان قلت فمن ها هنا حجتنا عليهم ~~قال نعم فقد أجاب أحمد بأنهم يجعلون الفاسق مؤمنا مستكمل الايمان على ايمان ~~جبريل # وأما قوله يجعلونه مسلما ومؤمنا شيئا واحدا فهذا قول من يقول الدين ~~والايمان شيء واحد فالإسلام هو الدين فيجعلون الإسلام والإيمان شيئا واحدا ~~وهذا القول قول المرجئة فيما يذكره كثير من الأئمة كالشافعي وأبي عبيد ~~وغيرهما ومع هؤلاء يناظرون فالمعروف من كلام المرجئة الفرق بين لفظ الدين ~~والإيمان والفرق بين الإسلام والإيمان ويقولون الإسلام بعضه إيمان وبعضه ~~أعمال والأعمال منها فرض ونفل ولكن كلام السلف كان فيما يظهر لهم ويصل ~~إليهم من كلام اهل البدع كما تجدهم في الجهمية إما يحكون عنهم أن الله في ~~كل مكان وهذا قول طائفة منهم كالنجارية وهو قول عوامهم PageV07P380 وعبادهم ~~واما جمهور نظارهم من الجهمية والمعتزلة والضرارية وغيرهم فإنما يقولون هو ~~لا داخل العالم ولا خارجه ولا هو فوق العالم # وكذلك كلامهم في ( القدرية ( يحكون عنهم إنكار العلم والكتابة وهؤلاء هم ~~القدرية الذين قال بن عمر فيهم إذا لقيت أولئك فأخبرهم أنى بريء منهم وانهم ~~برءاء مني وهم الذين كانوا يقولون إن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم ~~من يطيعه ممن يعصيه ولامن يدخل الجنة ممن يدخل النار حتى فعلوا ذلك فعلمه ~~بعد ما فعلوه ولهذا قالوا الأمر انف أي مستأنف يقال روض أنف إذا كانت وافرة ~~لم ترع قبل ذلك يعني أنه مستأنف العلم بالسعيد والشقي ويبتدئ ذلك من ms2128 غير أن ~~يكون قد تقدم بذلك علم ولا كتاب فلا يكون العمل على ما قد قدر فيحتذى به ~~حذو القدر بل هو أمر مستأنف مبتدأ والواحد من الناس إذا أراد أن يعمل عملا ~~قدر في نفسه ما يريد عمله ثم عمله كما قدر في نفسه وربما أظهر ما قدره في ~~الخارج بصورته ويسمى هذا التقدير الذي في النفس خلقا ومنه قول الشاعر # ~~ولأنت تفري ما خلقت وبعض %~% الناس يخلق ثم لا يفري # يقول إذا قدرت أمرا ~~أمضيته وانفذته بخلاف غيرك فإنه عاجز عن إمضاء ما يقدره وقال تعالى @QB@ ~~إنا كل شيء خلقناه بقدر @QE@ وهو سبحانه يعلم قبل أن يخلق الأشياء كل ما ~~سيكون وهو يخلق بمشيئته فهو يعلمه ويريده وعلمه وإرادته قائم بنفسه وقد ~~يتكلم به ويخبر به كما في قوله @QB@ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ~~@QE@ PageV07P381 # وقال ( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ( وقال ~~تعالى @QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن ~~جندنا لهم الغالبون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم @QE@ وهو سبحانه كتب ما يقدره فيما ~~يكتبه فيه كما قال @QB@ ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك ~~في كتاب إن ذلك على الله يسير @QE@ قال بن عباس إن الله خلق الخلق وعلم ما ~~هم عاملون ثم قال لعلمه كن كتابا فكان كتابا ثم أنزل تصديق ذلك في قوله ~~@QB@ ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير @QE@ وقال تعالى @QB@ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير @QE@ وقال @QB@ ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون @QE@ وقال ~~@QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب @QE@ وقال للملائكة @QB@ إني ~~جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح ~~بحمدك ms2129 ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ فالملائكة قد علمت ما يفعل ~~بنو آدم من الفساد وسفك الدماء فكيف لا يعلمه الله سواء علموه بإعلام الله ~~فيكون هو أعلم بما علمهم إياه كما قاله أكثر المفسرين أو قالوه بالقياس على ~~من كان قبلهم كما قاله طائفة منهم أو بغير ذلك والله أعلم بما سيكون من ~~مخلوقاته الذين لا علم لهم إلا ما علمهم وما اوحاه إلى أنبيائه وغيرهم مما ~~سيكون هو أعلم به منهم فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ~~PageV07P382 وأيضا فإنه قال للملائكة @QB@ إني جاعل في الأرض خليفة @QE@ ~~قبل أن يأمرهم بالسجود لآدم وقبل ان يمتنع إبليس وقبل ان ينهي آدم عن أكله ~~من الشجرة وقبل أن يأكل منها ويكون أكله سبب إهباطه إلى الأرض فقد علم الله ~~سبحانه أنه سيستخلفه مع أمره له ولإبليس بما يعلم انهما يخالفانه فيه ويكون ~~الخلاف سبب أمره لهما بالإهباط إلى الأرض والاستخلاف في الأرض # وهذا يبين أنه علم ما سيكون منهما من مخالفة الأمر فإن إبليس إمتنع من ~~السجود لآدم وأبغضه فصار عدوه فوسوس له حتى يأكل من الشجرة فيذنب آدم أيضا ~~فإنه قد تألى أنه ليغوينهم أجمعين وقد سأل الانظار إلى يوم يبعثون فهو حريص ~~على إغواء آدم وذريته بكل ما أمكنه لكن آدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه ~~واجتباه ربه وهداه بتوبته فصار لبني آدم سبيل إلى نجاتهم وسعادتهم مما ~~يوقعهم الشيطان فيه بالاغواء وهو التوبة قال تعالى @QB@ ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ # وقدر الله قد أحاط بهذا كله قبل أن يكون وإبليس أصر على الذنب واحتج ~~بالقدر وسأل الانظار ليهلك غيره وآدم تاب واناب وقال هو وزوجته @QB@ ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ فتاب الله ~~عليه فإجتباه وهداه وأنزله إلى الأرض ليعمل فيها بطاعته فيرفع الله بذلك ~~درجته ويكون دخوله الجنة بعد هذا اكمل مما كان فمن أذنب من أولاد آدم ~~فاقتدى بأبيه ms2130 آدم في التوبة كان سعيدا وإذا تاب وآمن وعمل صالحا ~~PageV07P383 بدل الله سيئاته حسنات وكان بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة ~~كسائر أولياء الله المتقين ومن اتبع منهم إبليس فأصر على الذنب واحتج ~~بالقدر وأراد أن يغوي غيره كان من الذين قال فيهم @QB@ لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ والمقصود هنا ذكر القدر وقد ثبت في ( صحيح مسلم ~~( عن عبد الله بن عمرو عن النبى أنه قال ( قدر الله مقادير الخلائق قبل أن ~~يخلق السماوات والأرض بخمسين الف سنة وكان عرشه على الماء ( وفى ( صحيح ~~البخارى ( عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان ~~الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق ~~السماوات والأرض ( وفى ( الصحيحين ( عن النبى من غير وجه أنه أخبر أن الله ~~قد علم اهل الجنة من اهل النار وما يعمله العباد قبل أن يعملوه # وفى ( الصحيحين ( عن عبد الله بن مسعود ( ان الله يبعث ملكا بعد خلق ~~الجسد وقبل نفخ الروح فيه فيكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد ( وهذه ~~الأحاديث تأتي إن شاء الله في مواضعها فهذا القدر هو الذى أنكره ( القدرية ~~( الذين كانوا في أواخر زمن الصحابة وقد روى أن أول من إبتدعه بالعراق رجل ~~من اهل البصرة يقال له سيسويه من أبناء المجوس وتلقاه عنه معبد الجهني ~~ويقال أول ما حدث في الحجاز لما احترقت الكعبة فقال PageV07P384 رجل إحترقت ~~بقدر الله تعالى فقال آخر لم يقدر الله هذا ولم يكن على عهد الخلفاء ~~الراشدين أحد ينكر القدر فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقى ~~من الصحابة كعبدالله بن عمر وعبد الله بن عباس وواثلة بن الأسقع وكان أكثره ~~بالبصرة والشام وقليل منه بالحجاز فأكثر كلام السلف في ذم هؤلاء القدرية ~~ولهذا قال وكيع بن الجراح القدرية يقولون الأمر مستقبل وإن الله لم يقدر ~~الكتابة والأعمال والمرجئة يقولون القول يجزيء من العمل والجهمية يقولون ~~المعرفة تجزىء من القول ms2131 والعمل قال وكيع وهو كله كفر ورواه بن # ولكن لما إشتهر الكلام في القدر ودخل فيه كثير من اهل النظر والعباد صار ~~جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق وعن ~~عمرو بن عبيد في إنكار الكتاب المتقدم روايتان وقول أولئك كفرهم عليه مالك ~~والشافعى وأحمد وغيرهم وأما هؤلاء فهم مبتدعون ضالون لكنهم ليسوا بمنزلة ~~أولئك وفى هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد كتب عنهم العلم وأخرج البخاري ~~ومسلم لجماعة منهم لكن من كان داعية إليه لم يخرجوا له وهذا مذهب فقهاء أهل ~~الحديث كأحمد وغيره ان من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره ~~عن الناس وإن كان في الباطن مجتهدا وأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة ~~في الدين PageV07P385 لا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ولا تقبل شهادته ونحو ~~ذلك ومذهب مالك قريب من هذا ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية ولكن ~~رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأي القدرية ~~والمرجئة والخوارج والشيعة # وقال أحمد لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة وهذا لأن ~~( مسألة خلق افعال العباد وارادة الكائنات ( مسألة مشكلة وكما ان القدرية ~~من المعتزلة وغيرهم أخطئوا فيها فقد أخطأ فيها كثير ممن رد عليهم أو اكثرهم ~~فإنهم سلكوا في الرد عليهم مسلك جهم بن صفوان واتباعه فنفوا حكمة الله في ~~خلقه وامره ونفوا رحمته بعباده ونفوا ما جعله من الأسباب خلقا وأمرا وجحدوا ~~من الحقائق الموجودة في مخلوقاته وشرائعه ما صار ذلك سببا لنفور أكثر ~~العقلاء الذين فهموا قولهم عما يظنونه السنة إذ كانوا يزعمون أن قول اهل ~~السنة في القدر هو القول الذي ابتدعه جهم وهذا لبسطه موضع آخر # وإنما المقصود هنا أن ( السلف ( في ردهم على المرجئة والجهمية والقدرية ~~وغيرهم يردون من أقوالهم ما يبلغهم عنهم وما سمعوه من بعضهم وقد يكون ذلك ~~قول طائفة منهم وقد يكون نقلا مغيرا فلهذا ردوا على المرجئة الذين يجعلون ~~الدين والايمان ms2132 واحدا ويقولون هو القول وأيضا فلم يكن حدث في زمنهم من ~~المرجئة من يقول الإيمان هو مجرد القول بلا تصديق ولا معرفة PageV07P386 في ~~القلب فإن هذا إنما أحدثه إبن كرام وهذا هو الذي إنفرد به إبن كرام وأما ~~سائر ما قاله فأقوال قيلت قبله ولهذا لم يذكر الأشعري ولا غيره ممن يحكي ~~مقالات الناس عنه قولا إنفرد به إلا هذا # وأما سائر أقواله فيحكونها عن ناس قبله ولا يذكرونه ولم يكن بن كرام في ~~زمن أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة فلهذا يحكون إجماع الناس على خلاف هذا ~~القول كما ذكر ذلك أبو عبد الله أحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهما وكان قول ~~المرجئة قبله ان الايمان قول باللسان وتصديق بالقلب وقول جهم أنه تصديق ~~القلب فلما قال بن كرام أنه مجرد قول اللسان صارت أقوال المرجئة ثلاثة لكن ~~أحمد كان أعلم بمقالات الناس من غيره فكان يعرف قول الجهمية في الإيمان ~~وأما أبو ثور فلم يكن يعرفه ولا يعرف إلا مرجئة الفقهاء فلهذا حكى الاجماع ~~على خلاف قول الجهمية والكرامية # قال أبو ثور في رده على المرجئة كما روى ذلك أبو القاسم الطبري اللالكائي ~~وغيره عن إدريس بن عبد الكريم قال سأل رجل من اهل خراسان أبا ثور عن ~~الإيمان وما هو ايزيد وينقص وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل فأجابه أبو ~~ثور بهذا فقال سألت رحمك الله وعفا عنا وعنك عن الإيمان ما هو يزيد وينقص ~~وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل فأخبرك بقول الطوائف وإختلافهم ~~PageV07P387 # أعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل ~~بالجوارح وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال أشهد أن الله عز ~~وجل واحد وأن ما جاءت به الرسل حق واقر بجميع الشرائع ثم قال ما عقد قلبى ~~على شيء من هذا ولا أصدق به أنه ليس بمسلم ولو قال المسيح هو الله وجحد أمر ~~الإسلام ثم قال لم يعقد قلبى على شيء ms2133 من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس ~~بمؤمن فلما لم يكن بالاقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنا ولا بالتصديق اذا ~~لم يكن معه الاقرار مؤمنا حتى يكون مصدقا بقلبه مقرى بلسانه فإذا كان ~~تصديقا بالقلب واقرارا باللسان كان عندهم مؤمنا وعند بعضهم لا يكون مؤمنا ~~حتى يكون مع التصديق عمل فيكون بهذه الأشياء اذا اجتمعت مؤمنا فلما نفوا أن ~~يكون الإيمان بشيء واحد وقالوا يكون بشيئين في قول بعضهم وثلاثة أشياء في ~~قول غيرهم لم يكن مؤمنا إلا بما اجمعوا عليه من هذه الثلاثة الاشياء وذلك ~~أنه إذا جاء بهذه الثلاثة الاشياء فكلهم يشهد أنه مؤمن فقلنا بما اجمعوا ~~عليه من التصديق بالقلب والاقرار باللسان والعمل بالجوارح # فأما الطائفة التى ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم ماذا أراد ~~الله من العباد إذ قال لهم أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة الاقرار بذلك أو ~~الاقرار والعمل فإن قالت إن الله أراد الاقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند ~~اهل العلم ك من قال إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة ~~وإن قالت أراد منهم الاقرار قيل فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعا ~~PageV07P388 لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعا ~~أرأيتم لو أن رجلا قال اعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به أيكون مؤمنا ~~فان قالوا لا قيل لهم فإن قال أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل به أيكون ~~مؤمنا فإن قالوا نعم قيل ما الفرق فقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعا ~~فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ~~به ولم يقر مؤمنا لا فرق بين ذلك فإن احتج فقال لو أن رجلا أسلم فأقر بجميع ~~ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم أيكون مؤمنا بهذا الاقرار قبل أن يجيء ~~وقت عمل قيل له إنما يطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله ان يعمله ~~في وقته إذا ms2134 جاء وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا ~~ولو قال أقر ولا اعمل لم يطلق عليه اسم الإيمان # قلت يعني الإمام أبو ثور رحمه الله أنه لا يكون مؤمنا إلا إذا إلتزم ~~بالعمل مع الإقرار وإلا فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنا وهذا ~~الإحتجاج الذي ذكره أبو ثور هو دليل على وجوب الأمرين الإقرار والعمل وهو ~~يدل على أن كلا منهما من الدين وأنه لا يكون مطيعا لله ولا مستحقا للثواب ~~ولا ممدوحا عند الله ورسوله إلا بالأمرين جميعا وهو حجة على من يجعل ~~الأعمال خارجة عن الدين والإيمان جميعا وأما من يقول أنها من الدين ويقول ~~إن الفاسق مؤمن حيث أخذ ببعض الدين وهو الإيمان عندهم وترك بعضه فهذا يحتج ~~عليه بشيء آخر لكن أبو ثور وغيره من علماء السنة عامة إحتجاجهم مع هذا ~~الصنف وأحمد كان أوسع علما بالأقوال والحجج من PageV07P389 أبي ثور ولهذا ~~إنما حكى الاجماع على خلاف قول الكرامية ثم أنه تورع في النطق على عادته ~~ولم يجزم بنفي الخلاف لكن قال لا أحسب أحدا يقول هذا وهذا في رسالته إلى ~~أبى عبد الرحيم الجوزجانى ذكرها الخلال في كتاب ( السنة ( وهو اجمع كتاب ~~يذكر فيه أقوال أحمد في مسائل الأصول الدينية وإن كان له أقوال زائدة على ~~ما فيه كما أن كتابه في العلم أجمع كتاب يذكر فيه أقوال أحمد في الأصول ~~الفقهية # قال المروذي رأيت أبا عبد الرحيم الجوزجانى عند أبى عبد الله وقد كان ~~ذكره أبو عبد الله فقال كان أبوه مرجئا أو قال صاحب رأي وأما أبو عبد ~~الرحيم فأثنى عليه وقد كان كتب إلى ابى عبد الله من خراسان يسأله عن ~~الإيمان وذكر الرسالة من طريقين عن ابى عبد الرحيم وجواب أحمد # بسم الله الرحمن الرحيم أحسن الله إلينا وإليك في الأمور كلها وسلمنا ~~واياك من كل شر برحمته أتانى كتابك تذكر ما تذكر من إحتجاج من إحتج من ~~المرجئة وأعلم رحمك الله أن الخصومة في ms2135 الدين ليست من طريق اهل السنة وأن ~~تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه أو أثر عن ~~اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف ذلك بما جاء عن النبى أو عن ~~اصحابه فهم شاهدوا النبى وشهدوا تنزيله وما قصة الله له في القرآن وما عني ~~به وما أراد به أخاص هو أم PageV07P390 عام فأما من تأوله على ظاهره بلا ~~دلالة من رسول الله ولا أحد من الصحابة فهذا تأويل أهل البدع لأن الآية قد ~~تكون خاصة ويكون حكمها حكما عاما ويكون ظاهرها على العموم وإنما قصدت لشيء ~~بعينه ورسول الله هو المعبر عن كتاب الله وما أراد واصحابه أعلم بذلك منا ~~لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك فقد تكون الآية خاصة أى معناها مثل قوله ~~تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ وظاهرها على ~~العموم أي من وقع عليه اسم ( ولد ( فله ما فرض الله فجاءت سنة رسول الله ان ~~لا يرث مسلم كافرا # وروى عن النبى وليس بالثبت إلا أنه عن اصحابه أنهم لم يورثوا قاتلا فكان ~~رسول الله هو المعبر عن الكتاب أن الآية إنما قصدت للمسلم لا للكافر ومن ~~حملها على ظاهرها لزمه أن يورث من وقع عليه اسم الولد كافرا كان أو قاتلا ~~وكذلك أحكام الوارث من الأبوين وغير ذلك مع آي كثير يطول بها الكتاب وانما ~~استعملت الأمة السنة من النبى ومن أصحابه إلا من دفع ذلك من أهل البدع ~~والخوارج وما يشبههم فقد رأيت إلى ما خرجوا # قلت لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة كالشافعي وأحمد وابي ~~عبيد واسحاق وغيرهم سواء لا يريدون بالمجمل مالا يفهم منه كما فسره به بعض ~~المتأخرين وأخطأ في ذلك بل المجمل ما لا يكفي وحده في PageV07P391 العمل به ~~وإن كان ظاهره حقا كما في قوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها @QE@ فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم ليست مما لا يفهم المراد ~~به بل نفس ما دلت ms2136 عليه لا يكفي وحده في العمل فإن المأمور به صدقة تكون ~~مطهرة مزكية لهم وهذا إنما يعرف ببيان الرسول ولهذا قال أحمد يحذر المتكلم ~~في الفقه هذين ( الأصلين ( المجمل والقياس وقال أكثر ما يخطئ الناس من جهة ~~التأويل والقياس يريد بذلك أن لا يحكم بما يدل عليه العام والمطلق قبل ~~النظر فيما يخصه ويقيده ولا يعمل بالقياس قبل النظر في دلالة النصوص هل ~~تدفعه فإن اكثر خطأ الناس تمسكهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس ~~فالأمور الظنية لا يعمل بها حتى يبحث عن المعارض بحثا يطمئن القلب إليه ~~وإلا اخطأ من لم يفعل ذلك وهذا هو الواقع في المتمسكين بالظواهر والأقيسة ~~ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الاعراض عن تفسير النبى واصحابه طريق أهل ~~البدع وله في ذلك مصنف كبير # وكذلك التمسك بالأقيسة مع الاعراض عن النصوص والآثار طريق اهل البدع ~~ولهذا كان كل قول إبتدعه هؤلاء قولا فاسدا وإنما الصواب من أقوالهم ما ~~وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم باحسان وقوله تعالى @QB@ يوصيكم ~~الله في أولادكم @QE@ سماه عاما وهو مطلق في الأحوال يعمها على طريق البدل ~~كما يعم قوله @QB@ فتحرير رقبة @QE@ جميع الرقاب لا يعمها كما يعم لفظ ~~الولد PageV07P392 للأولاد ومن أخذ بهذا لم يأخذ بما دل عليه ظاهر لفظ ~~القرآن بل أخذ بما ظهر له مما سكت عنه القرآن فكان الظهور لسكوت القرآن عنه ~~لا لدلالة القرآن على أنه ظاهر فكانوا متمسكين بظاهر من القول لا بظاهر ~~القول وعمدتهم عدم العلم بالنصوص التى فيها علم بما قيد وإلا فكل ما بينه ~~القرآن وأظهره فهو حق بخلاف ما يظهر للإنسان لمعنى آخر غير نفس القرآن يسمى ~~ظاهر القرآن كاستدلالات أهل البدع من المرجئة والجهمية والخوارج والشيعة # قال أحمد وأما من زعم أن الإيمان الإقرار فما يقول في المعرفة هل يحتاج ~~إلى المعرفة مع الإقرار وهل يحتاج أن يكون مصدقا بما عرف فإن زعم أنه يحتاج ~~إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين وإن زعم أنه يحتاج أن ms2137 يكون ~~مقرى ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء وإن جحد وقال لا يحتاج إلى المعرفة ~~والتصديق فقد قال قولا عظيما ولا احسب أحدا يدفع المعرفة والتصديق وكذلك ~~العمل مع هذه الأشياء # قلت أحمد وابو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة وهو ~~أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه فلا يكون إلا شيئا واحدا فلا يكون ذا ~~عدد إثنين أو ثلاثة فإنه إذا كان له عدد أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه بل لا ~~يكون إلا شيئا واحدا ولهذا قالت الجهمية أنه شيء واحد في القلب وقالت ~~الكرامية أنه شيء واحد على اللسان كل ذلك فرارا من PageV07P393 تبعض ~~الإيمان وتعدده فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئا واحدا كما ~~قلتم فأبو ثور إحتج بما اجتمع عليه ( الفقهاء المرجئة ( من أنه تصديق وعمل ~~ولم يكن بلغه قول متكلميهم وجهميتهم أو لم يعد خلافهم خلافا وأحمد ذكر أنه ~~لابد من المعرفة والتصديق مع الإقرار وقال أن من جحد المعرفة والتصديق فقد ~~قال قولا عظيما فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام ولهذا لم يذهب ~~إليه أحد قبل الكرامية مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق ولكن ~~تقول لا يدخل في اسم الإيمان حذرا من تبعضه وتعدده لأنهم رأوا أنه لا يمكن ~~أن يذهب بعضه ويبقى بعضه بل ذلك يقتضي أن يجتمع في القلب إيمان وكبر ~~واعتقدوا الاجماع على نفي ذلك كما ذكر هذا الاجماع الأشعري وغيره # وهذه الشبهة التى أوقعتهم مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه ~~ولهذا دخل في ( ارجاء الفقهاء ( جماعة هم عند الأمة اهل علم ودين ولهذا لم ~~يكفر أحد من السلف أحدا من ( مرجئة الفقهاء ( بل جعلوا هذا من بدع الأقوال ~~والأفعال لا من بدع العقائد فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي لكن اللفظ ~~المطابق للكتاب والسنة هو الصواب فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله ~~لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من اهل الارجاء ms2138 وغيرهم وإلى ~~ظهور الفسق فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد ~~والأعمال فلهذا عظم القول في ذم ( الارجاء ( حتى قال إبراهيم النخعى ~~لفتنتهم يعنى المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة PageV07P394 الأزارقة ~~وقال الزهري ما إبتدعت في الإسلام بدعة أضر على اهله من الارجاء وقال ~~الأوزاعي كان يحيي بن ابى كثير وقتادة يقولان ليس شيء من الأهواء أخوف ~~عندهم على الأمة من الارجاء وقال شريك القاضي وذكر المرجئة فقال هم أخبث ~~قوم حسبك بالرافضة خبثا ولكن المرجئة يكذبون على الله وقال سفيان الثورى ~~تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابرى وقال قتادة إنما حدث الارجاء بعد ~~فتنة فرقة إبن الأشعث # وسئل ميمون بن مهران عن كلام ( المرجئة ( فقال أنا أكبر من ذلك وقال سعيد ~~بن جبير لذر الهمدانى ألا تستحي من رأي أنت اكبر منه وقال أيوب السختياني ~~أنا أكبر من دين المرجئة إن أول من تكلم في الارجاء رجل من اهل المدينة من ~~بنى هاشم يقال له الحسن وقال زاذان أتينا الحسن بن محمد فقلنا ما هذا ~~الكتاب الذى وضعت وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة فقال لي يا أبا عمر لوددت ~~أني كنت مت قبل أن اخرج هذا الكتاب أو أضع هذا الكتاب فإن الخطأ في إسم ~~الإيمان ليس كالخطأ في اسم محدث ولا كالخطأ في غيره من الأسماء إذ كانت ~~أحكام الدنيا والآخرة متعلقة بإسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق # وأحمد رضي الله عنه فرق بين المعرفة التى في القلب وبين التصديق الذى في ~~القلب فإن تصديق اللسان هو الإقرار وقد ذكر ثلاثة أشياء وهذا يحتمل ( شيئين ~~( يحتمل أن يفرق بين تصديق القلب ومعرفته وهذا قول PageV07P395 بن كلاب ~~والقلانسى والأشعري واصحابه يفرقون بين معرفة القلب وبين تصديق القلب فإن ~~تصديق القلب قوله وقول القلب عندهم ليس هو العلم بل نوعا آخر ولهذا قال ~~أحمد هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار وهل يحتاج إلى أن يكون مصدقا بما عرف ~~فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة ms2139 مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين وإن زعم ~~أنه يحتاج أن يكون مقرى ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء فإن جحد وقال لا ~~يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد أتى عظيما ولا احسب امرءا يدفع المعرفة ~~والتصديق # والذين قالوا الإيمان هو الإقرار فالاقرار باللسان يتضمن التصديق باللسان ~~والمرجئة لم تختلف أن الإقرار باللسان فيه التصديق فعلم أنه أراد تصديق ~~القلب ومعرفته مع الإقرار باللسان إلا أن يقال أراد تصديق القلب واللسان ~~جميعا مع المعرفة والإقرار ومراده بالإقرار الالتزام لا التصديق كما قال ~~تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ~~قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين @QE@ فالميثاق المأخوذ على ~~أنهم يؤمنون به وينصرونه وقد أمروا بهذا وليس هذا الإقرار تصديقا فإن الله ~~تعالى لم يخبرهم بخبر بل أوجب عليهم إذا جاءهم ذلك الرسول أن يؤمنوا به ~~وينصروه فصدقوا بهذا الإقرار والتزموه فهذا هو إقرارهم والإنسان قد يقر ~~للرسول بمعنى أنه يلتزم ما يأمر به مع غير معرفة ومن غير تصديق له بأنه ~~رسول الله لكن لم يقل أحد من المرجئة أن هذا الإقرار يكون إيمانا ~~PageV07P396 بل لابد عندهم من الإقرار الخبري وهو أنه يقر له بأنه رسول ~~الله كما يقر المقر بما يقر به من الحقوق ولفظ الإقرار يتناول الالتزام ~~والتصديق ولابد منهما وقد يراد بالإقرار مجرد التصديق بدون التزام الطاعة ~~والمرجئة تارة يجعلون هذا هو الإيمان وتارة يجعلون الإيمان التصديق ~~والالتزام معا هذا هو الإقرار الذي يقوله فقهاء المرجئة إنه إيمان وإلا لو ~~قال أنا أطيعه ولا أصدق أنه رسول الله أو أصدقه ولا التزم طاعته لم يكن ~~مسلما ولا مؤمنا عندهم # وأحمد قال لابد مع هذا الإقرار أن يكون مصدقا وأن يكون عارفا وأن يكون ~~مصدقا بما عرف وفى رواية أخرى مصدقا بما أقر وهذا يقتضي أنه لابد من تصديق ~~باطن ويحتمل أن يكون لفظ التصديق عنده ms2140 يتضمن القول والعمل جميعا كما قد ~~ذكرنا شواهده أنه يقال صدق بالقول والعمل فيكون تصديق القلب عنده يتضمن أنه ~~مع معرفة قلبه أنه رسول الله قد خضع له وانقاد فصدقه بقول قلبه وعمل قلبه ~~محبة وتعظيما وإلا فمجرد معرفة قلبه أنه رسول الله مع الاعراض عن الانقياد ~~له ولما جاء به إما حسدا وإما كبرا وإما لمحبة دينه الذى يخالفه وإما لغير ~~ذلك فلا يكون إيمانا ولابد في الإيمان من علم القلب وعمله فأراد أحمد ~~بالتصديق أنه مع المعرفة به صار القلب مصدقا له تابعا له محبا له معظما له ~~فإن هذا لابد منه ومن دفع هذا عن أن يكون من الإيمان فهو من جنس من دفع ~~المعرفة من أن تكون من الإيمان وهذا اشبه بأن PageV07P397 يحمل عليه كلام ~~أحمد لأن وجوب انقياد القلب مع معرفته ظاهر ثابت بدلائل الكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة بل ذلك معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن نازع من الجهمية ~~في أن انقياد القلب من الإيمان فهو كمن نازع من الكرامية في أن معرفة القلب ~~من الإيمان فكان حمل كلام أحمد على هذا هو المناسب لكلامه في هذا المقام # وأيضا فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالى عن ~~الانقياد الذى يجعل قول القلب أمر دقيق واكثر العقلاء ينكرونه وبتقدير صحته ~~لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما واكثر الناس لا ~~يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه ويقولون إن ما قاله إبن كلاب ~~والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له وكثير من أصحابه إعترف بعدم الفرق ~~وعمدتهم من الحجة إنما هو خبر الكاذب قالوا ففي قلبه خبر بخلاف علمه فدل ~~على الفرق فقال لهم الناس ذاك بتقدير خبر وعلم ليس هو علما حقيقيا ولا خبرا ~~حقيقيا ولما اثبتوه من قول القلب المخالف للعلم والإرادة إنما يعود إلى ~~تقدير علوم وإرادات لا إلى جنس آخر يخالفها # ولهذا قالوا ان الإنسان لا يمكنه أن يقوم بقلبه خبر بخلاف علمه وإنما ms2141 ~~يمكنه أن يقول ذلك بلسانه وإما أنه يقوم بقلبه خبر بخلاف ما يعلمه فهذا غير ~~ممكن وهذا مما استدلوا به على أن الرب تعالى لا يتصور قيام الكذب ~~PageV07P398 بذاته لأنه بكل شيء عليم ويمتنع قيام معنى يضاد العلم بذات ~~العالم والخبر النفساني الكاذب يضاد العلم # فيقال لهم الخبر النفسانى لو كان خلافا للعلم لجاز وجود العلم مع ضده كما ~~يقولون مثل ذلك في مواضع كثيرة وهي من أقوى الحجج التى يحتج بها القاضي أبو ~~بكر وموافقوه في مسألة العقل وغيرها كالقاضي أبى يعلى وابي محمد بن اللبان ~~وابى علي بن شاذان وابى الطيب وابى الوليد الباجي وأبى الخطاب وبن عقيل ~~وغيرهم فيقولون العقل نوع من العلم فإنه ليس بضد له فإن لم يكن نوعا منه ~~كان خلافا له ولو كان خلافا لجاز وجوده مع ضد العقل وهذه الحجة وإن كانت ~~ضعيفة كما ضعفها الجمهور وابو المعالي الجوينى ممن ضعفها فإن ما كان ~~مستلزما لغيره لم يكن ضدا له إذ قد إجتمعا وليس هو من نوعه بل هو خلاف له ~~على هذا الإصطلاح الذى يقسمون فيه كل اثنين إلى أن يكونا مثلين أو خلافين ~~أو ضدين فالملزوم كالإرادة مع العلم أو كالعلم مع الحياة ونحو ذلك ليس ضدا ~~ولا مثلا بل هو خلاف ومع هذا فلا يجوز وجوده مع ضد اللازم فإن ضد اللازم ~~ينافيه ووجود الملزوم بدون اللازم محال كوجود الإرادة بدون العلم والعلم ~~بدون الحياة فهذان خلافان عندهم ولا يجوز وجود أحدهما مع ضد الآخر # كذلك العلم هو مستلزم للعقل فكل عالم عاقل والعقل شرط في العلم فليس مثلا ~~له ولا ضدا ولا نوعا منه ومع هذا لا يجوز وجوده مع ضد العقل PageV07P399 ~~لكن هذه الحجة تقال لهم في العلم مع كلام النفس الذى هو الخبر فإنه ليس ضدا ~~ولا مثلا بل خلافا فيجوز وجود العلم مع ضد الخبر الصادق وهو الكاذب فبطلت ~~تلك الحجة على امتناع الكذب النفساني من العالم وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن ms2142 الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن ~~الرسول صادق وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن انقياد وغيره من اعمال القلب ~~بأنه صادق ثم احتج ( الإمام أحمد ( على أن الأعمال من الإيمان بحجج كثيرة ~~فقال وقد سأل وفد عبد القيس رسول الله عن الإيمان فقال ( شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن ~~تعطوا خمسا من المغنم ( فجعل ذلك كله من الإيمان قال وقال النبى ( الحياء ~~شعبة من الإيمان ( وقال ( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ( وقال ( ان ~~البذاذة من الايمان ( وقال ( الايمان بضع وستون شعبة فأدناها اماطة الأذى ~~عن الطريق وارفعها قول لا إله إلا الله ( مع أشياء كثيرة منها ( اخرجوا من ~~النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ايمان ( وما روى عن النبى في صفة ~~المنافق ( ثلاث من كن فيه فهو منافق ( مع حجج كثيرة وما روي عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم في تارك الصلاة وعن اصحابه من بعده ثم ما وصف الله تعالى في ~~كتابه PageV07P400 من زيادة الإيمان في غير موضع مثل قوله @QB@ هو الذي ~~أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم @QE@ وقال @QB@ ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا @QE@ وقال @QB@ وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ وقال تعالى @QB@ فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون @QE@ وقال ~~@QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ وقال تعالى @QB@ فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين @QE@ وقال @QB@ وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ # ( قال أحمد ويلزمه أن يقول هو مؤمن بإقراره وإن أقر بالزكاة في الجملة ~~ولم يجد في كل مائتى درهم خمسة أنه مؤمن فيلزمه أن يقول إذا أقر ثم شد ~~الزنار في ms2143 وسطه وصلى للصليب وأتى الكنائس والبيع وعمل الكبائر كلها إلا أنه ~~في ذلك مقر بالله فيلزمه أن يكون عنده مؤمنا وهذه الأشياء من أشنع ما ~~يلزمهم # ( قلت ( هذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن ما احتج الناس به عليهم جمع ~~في ذلك جملا يقول غيره بعضها وهذا الالزام لا محيد لهم عنه ولهذا لما عرف ~~متكلمهم مثل جهم ومن وافقه أنه لازم التزموه وقالوا لو فعل PageV07P401 [ ~~ما فعل ] من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرا في الباطن لكن يكون دليلا ~~على الكفر في أحكام الدنيا فإذا إحتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرا في ~~الآخرة قالوا فهذه النصوص تدل على أنه في الباطن ليس معه من معرفة الله شيء ~~فإنها عندهم شيء واحد فخالفوا صريح المعقول وصريح الشرع # وهذا القول مع فساده عقلا وشرعا ومع كونه عند التحقيق لا يثبت إيمانا ~~فإنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا لا حقيقة له كما قالت الجهمية ومن وافقهم ~~مثل ذلك في وحدة الرب أنه ذات بلا صفات وقالوا بأن القرآن مخلوق وأن الله ~~لا يرى في الآخرة وما يقوله [ إبن كلاب ] من وحدة الكلام وغيره من الصفات # فقولهم في الرب وصفاته وكلامه والايمان به يرجع إلى تعطيل محض وهذا قد ~~وقع فيه طوائف كثيرة من المتأخرين المنتسبين إلى السنة والفقه والحديث ~~المتبعين للأئمة الأربعة المتعصبين للجهمية والمعتزلة بل وللمرجئة أيضا لكن ~~لعدم معرفتهم بالحقائق التى نشأت منها البدع يجمعون بين الضدين ولكن من ~~رحمة الله بعباده المسلمين أن الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق مثل ~~الأئمة الأربعة وغيرهم كمالك والثورى والأوزاعي والليث بن سعد وكالشافعي ~~واحمد واسحاق وابى عبيد وابى حنيفة وابى يوسف ومحمد كانوا ينكرون على اهل ~~الكلام من الجهمية قولهم في القرآن والإيمان وصفات الرب وكانوا متفقين على ~~ما كان عليه السلف من أن الله يرى في الآخرة وأن PageV07P402 القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وأن الإيمان لابد فيه من تصديق القلب واللسان فلو شتم الله ~~ورسوله كان كافرا باطنا وظاهرا عندهم ms2144 كلهم ومن كان موافقا لقول جهم في ~~الإيمان بسبب انتصار ابى الحسن لقوله في الإيمان يبقى تارة يقول بقول السلف ~~والأئمة وتارة يقول بقول المتكلمين الموافقين لجهم حتى في مسألة سب الله ~~ورسوله رأيت طائفة من الحنبليين والشافعيين والمالكيين إذا تكلموا بكلام ~~الأئمة قالوا ان هذا كفر باطنا وظاهرا # وإذا تكلموا بكلام أولئك قالوا هذا كفر في الظاهر وهو في الباطن يجوز أن ~~يكون مؤمنا تام الإيمان فإن الإيمان عندهم لا يتبعض ولهذا لما عرف القاضي ~~عياض هذا من قول بعض أصحابه أنكره ونصر قول مالك وأهل السنة وأحسن في ذلك # وقد ذكرت بعض ما يتعلق بهذا في كتاب ( الصارم المسلول على شاتم الرسول ( ~~وكذلك تجدهم في مسائل الإيمان يذكرون أقوال الأئمة والسلف ويبحثون بحثا ~~يناسب قول الجهمية لأن البحث أخذوه من كتب أهل الكلام الذين نصروا قول جهم ~~في مسائل الإيمان # والرازي لما صنف ( مناقب الشافعي ( ذكر قوله في الإيمان وقول الشافعي قول ~~الصحابة والتابعين وقد ذكر الشافعي أنه إجماع من الصحابة والتابعين ومن ~~لقيه إستشكل قول الشافعى جدا لأنه كان قد انعقد في نفسه شبهة اهل البدع في ~~الإيمان من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكرامية PageV07P403 وسائر ~~المرجئة وهو ان الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله لكن هو لم ~~يذكر إلا ظاهر شبهتهم والجواب عما ذكروه هو سهل فإنه يسلم له إن الهيئة ~~الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر ~~الأجزاء # والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون إن الذنب يقدح في كمال ~~الإيمان ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء فذلك المجموع الذي هو الإيمان ~~لم يبق مجموعا مع الذنوب لكن يقولون بقي بعضه إما اصله وإما اكثره وإما غير ~~ذلك فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه # ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة ~~لأنه اذا نقص لزم ذهابه كله عندهم إن كان متبعضا متعددا عند من يقول بذلك ~~وهم الخوارج والمعتزلة ms2145 وأما الجهمية فهو واحد عندهم لا يقبل التعدد فيثبتون ~~واحدا لا حقيقة له كما قالوا مثل ذلك في وحدانية الرب ووحدانية صفاته عند ~~من اثبتها منهم # ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا إعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان ~~بعض الإيمان وبعض الكفر أو ما هو إيمان وما هو كفر واعتقدوا أن هذا متفق ~~عليه بين المسلمين كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره فلأجل إعتقادهم هذا الإجماع ~~وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي إجماع PageV07P404 السلف الذي ذكره ~~غير واحد من الأئمة بل وصرح غير واحد منهم بكفر من قال بقول جهم في الإيمان # ولهذا نظائر متعددة يقول الإنسان قولا مخالفا للنص والإجماع القديم حقيقة ~~ويكون معتقدا أنه متمسك بالنص والإجماع وهذا إذا كان مبلغ علمه واجتهاده ~~فالله يثيبه على ما أطاع الله فيه من إجتهاده ويغفر له ما عجز عن معرفته من ~~الصواب الباطن وهم لما توهموا أن الإيمان الواجب على جميع الناس نوع واحد ~~صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث هو لا يقبل التفاضل فقال لي مرة بعضهم ~~الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان فقلت له قولك من حيث هو ~~كما تقول الإنسان من حيث هو إنسان والحيوان من حيث هو حيوان والوجود من حيث ~~هو وجود والسواد من حيث هو سواد وامثال ذلك لا يقبل الزيادة والنقصان ~~والصفات فتثبت لهذه المسميات وجودا مطلقا مجردا عن جميع القيود والصفات ~~وهذا لا حقيقة له في الخارج وانما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه كما يقدر ~~موجودا لا قديما ولا حادثا ولا قائما بنفسه ولا بغيره ويقدر إنسانا لا ~~موجودا ولا معدوما ويقول الماهية من حيث هي هي لا توصف بوجود ولا عدم ~~والماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن وذلك موجود في الذهن لا في الخارج ~~وأما تقدير شيء لا يكون في الذهن ولا في الخارج فممتنع وهذا التقدير لا ~~يكون إلا في الذهن كسائر تقدير الأمور الممتنعة مثل تقدير صدور العالم عن ms2146 ~~صانعين ونحو ذلك فإن هذه المقدرات في الذهن PageV07P405 # فهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن بل هو مجرد عن كل قيد وتقدير إنسان لا ~~يكون موجودا ولا معدوما بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين ولا ثم إنسانية إلا ~~ما اتصف بها الإنسان فكل إنسان له إنسانية تخصه وكل مؤمن له إيمان يخصه ~~فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمر وليست هي هي وإذا اشتركوا في نوع الإنسانية ~~فمعنى ذلك أنهما يشتبهان فيما يوجد في الخارج ويشتركان في أمر كلي مطلق ~~يكون في الذهن # وكذلك إذا قيل إيمان زيد مثل إيمان عمرو فإيمان كل واحد يخصه فلو قدر أن ~~الإيمان يتماثل لكان لكل مؤمن إيمان يخصه وذلك الإيمان مختص معين ليس هو ~~الإيمان من حيث هو هو بل هو إيمان معين وذلك الإيمان يقبل الزيادة والذين ~~ينفون التفاضل في هذه الأمور يتصورون في أنفسهم إيمانا مطلقا أو إنسانا ~~مطلقا أو وجودا مطلقا مجردا عن جميع الصفات المعينة له ثم يظنون أن هذا هو ~~الإيمان الموجود في الناس وذلك لا يقبل التفاضل ولا يقبل في نفسه التعدد إذ ~~هو تصور معين قائم في نفس متصوره # ولهذا يظن كثير من هؤلاء أن الأمور المشتركة في شيء واحد هي واحدة بالشخص ~~والعين حتى انتهى الأمر بطائفة من علمائهم علما وعبادة إلى أن جعلوا الوجود ~~كذلك فتصوروا أن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود وتصوروا هذا في أنفسهم ~~فظنوه في الخارج كما هو في أنفسهم ثم ظنوا أنه الله فجعلوا الرب هو هذا ~~الوجود الذى لا يوجد قط إلا في نفس متصوره ولا يكون في الخارج PageV07P406 # وهكذا كثير من الفلاسفة تصوروا أعدادا مجردة وحقائق مجردة ويسمونها المثل ~~الأفلاطونية وزمانا مجردا عن الحركة والمتحرك وبعدا مجردا عن الأجسام ~~وصفاتها ثم ظنوا وجود ذلك في الخارج وهؤلاء كلهم إشتبه عليهم ما في الأذهان ~~بما في الأعيان وهؤلاء قد يجعلون الواحد إثنين والإثنين واحدا فتارة يجيئون ~~إلى الأمور المتعددة المتفاضلة في الخارج فيجعلونها واحدة أو متماثلة وتارة ~~يجيئون إلى ما ms2147 في الخارج من الحيوان والمكان والزمان فيجعلون الواحد إثنين ~~والمتفلسفة والجهمية وقعوا في هذا وهذا فجاؤوا إلى صفات الرب التى هي أنه ~~عالم وقادر فجعلوا هذه الصفة هي عين الأخرى وجعلوا الصفة هي الموصوف # وهكذا القائلون بأن الإيمان شيء واحد وأنه متماثل في بني آدم غلطوا في ~~كونه واحدا وفى كونه متماثلا كما غلطوا في أمثال ذلك من مسائل ( التوحيد ( ~~و ( الصفات ( و ( القرآن ( ونحو ذلك فكان غلط جهم وأتباعه في الإيمان ~~كغلطهم في صفات الرب الذى يؤمن به المؤمنون وفى كلامه وصفاته سبحانه وتعالى ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا # وكذلك السواد والبياض يقبل الاشتداد والضعف بل عامة الصفات التى يتصف بها ~~الموصوفون تقبل التفاضل ولهذا كان العقل يقبل التفاضل والإيجاب والتحريم ~~يقبل التفاضل فيكون إيجاب أقوى من إيجاب وتحريم أقوى من تحريم وكذلك ~~المعرفة التى في القلوب تقبل التفاضل PageV07P407 على الصحيح عند اهل السنة ~~وفى هذا كله نزاع فطائفة من المنتسبين إلى السنة تنكر التفاضل في هذا كله ~~كما يختار ذلك القاضي أبو بكر وبن عقيل وغيرهما # وقد حكي عن أحمد في التفاضل في المعرفة روايتان وإنكار التفاضل في هذه ~~الصفات هو من جنس أصل قول المرجئة ولكن يقوله من يخالف المرجئة وهؤلاء ~~يقولون التفاضل إنما هو في الأعمال واما الإيمان الذي في القلوب فلا يتفاضل ~~وليس الأمر كما قالوه بل جميع ذلك يتفاضل وقد يقولون إن أعمال القلب تتفاضل ~~بخلاف معارف القلب وليس الأمر كذلك بل إيمان القلوب يتفاضل من جهة ما وجب ~~على هذا ومن جهة ما وجب على هذا فلا يستوون في الوجوب وأمة محمد وإن وجب ~~عليهم جميعهم الإيمان بعد إستقرار الشرع فوجوب الإيمان بالشيء المعين موقوف ~~على أن يبلغ العبد إن كان خبرا وعلى أن يحتاج إلى العمل به إن كان أمرا ~~وعلى العلم به إن كان علما وإلا فلا يجب على كل مسلم أن يعرف كل خبر وكل ~~أمر في الكتاب والسنة ويعرف معناه ويعلمه فإن هذا لا يقدر عليه أحد # فالوجوب يتنوع ms2148 بتنوع الناس فيه ثم قدرهم في أداء الواجب متفاوتة ثم نفس ~~المعرفة تختلف بالإجمال والتفصيل والقوة والضعف ودوام الحضور ومع الغفلة ~~فليست المفصلة المستحضرة الثابتة التى يثبت الله صاحبها بالقول PageV07P408 ~~الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة كالمجملة التى غفل عنها وإذا حصل له ما ~~يريبه فيها وذكرها في قلبه ثم رغب إلى الله في كشف الريب ثم أحوال القلوب ~~وأعمالها مثل محبة الله ورسوله وخشية الله والتوكل عليه والصبر على حكمه ~~والشكر له والإنابة إليه واخلاص العمل له مما يتفاضل الناس فيها تفاضلا لا ~~يعرف قدره إلا الله عز وجل ومن أنكر تفاضلهم في هذا فهو إما جاهل لم يتصوره ~~وإما معاند # قال الإمام أحمد فإن زعموا إنهم لا يقبلون زيادة الإيمان من أجل إنهم لا ~~يدرون ما زيادته وانها غير محدودة فما يقولون في أنبياء الله وكتبه ورسله ~~هل يقرون بهم في الجملة ويزعمون أنه من الإيمان فإذا قالوا نعم قيل لهم هل ~~تحدونهم وتعرفون عددهم أليس إنما يصيرون في ذلك إلى الإقرار بهم في الجملة ~~ثم يكفون عن عددهم فكذلك زيادة الإيمان وبين أحمد أن كونهم لم يعرفوا منتهى ~~زيادته لا يمنعهم من الإقرار بها في الجملة كما أنهم يؤمنون بالأنبياء ~~والكتب وهم لا يعرفون عدد الكتب والرسل # وهذا الذي ذكره أحمد وذكره محمد بن نصر وغيرهما يبين انهم لم يعلموا عدد ~~الكتب والرسل وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم # وأما قول من سوى بين الإسلام والإيمان وقال أن الله سمى الإيمان بما سمى ~~به الإسلام وسمى الإسلام بما سمى به الإيمان فليس كذلك فإن الله ~~PageV07P409 ورسوله قد فسر الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر وبين أيضا أن العمل بما أمر به يدخل في الإيمان ولم يسم ~~الله الإيمان بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت إسلاما بل إنما سمى ~~الإسلام الإستسلام له بقلبه وقصده وإخلاص الدين والعمل بما أمر به كالصلاة ~~والزكاة خالصا لوجهه فهذا هو الذي سماه الله إسلاما وجعله دينا ms2149 وقال @QB@ ~~ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه @QE@ ولم يدخل فيما خص به الإيمان ~~وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله بل ولا أعمال القلوب مثل حب الله ~~ورسوله ونحو ذلك فإن هذه جعلها من الإيمان والمسلم المؤمن يتصف بها وليس ~~إذا اتصف بها المسلم المؤمن يلزم أن تكون من الإسلام بل هي من الإيمان ~~والإسلام فرض والإيمان فرض والإسلام داخل فيه فمن أتى بالإيمان الذى أمر به ~~فلابد أن يكون قد أتى بالإسلام المتناول لجميع الأعمال الواجبة ومن أتى بما ~~يسمي إسلاما لم يلزم أن يكون قد أتى بالإيمان إلا بدليل منفصل كما علم أن ~~من أثنى الله عليه بالإسلام من الأنبياء واتباعهم إلى الحواريين كلهم كانوا ~~مؤمنين كما كانوا مسلمين كما قال الحواريون @QB@ آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون @QE@ وقال @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا ~~آمنا واشهد بأننا مسلمون @QE@ ولهذا أمرنا الله بهذا وبهذا في خطاب واحد ~~كما قال @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد ~~اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم @QE@ ~~PageV07P410 # وقال في الآية الأخرى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ # وهذا يقتضي أن كل من دان بغير دين الاسلام فعمله مردود وهو خاسر في ~~الآخرة فيقتضى وجوب دين الإسلام وبطلان ما سواه لا يقتضي أن مسمى الدين هو ~~مسمى الإيمان بل أمرنا أن نقول @QB@ آمنا بالله @QE@ وأمرنا أن نقول @QB@ ~~ونحن له مسلمون @QE@ فأمرنا باثنين فكيف نجعلهما واحدا # وإذا جعلوا الإسلام والإيمان شيئا واحدا فاما أن يقولوا اللفظ مترادف ~~فيكون هذا تكريرا محضا ثم مدلول هذا اللفظ عين مدلول هذا اللفظ وإما أن ~~يقولوا بل أحد اللفظين يدل على صفة غير الصفة الأخرى كما في أسماء الله ~~وأسماء كتابه لكن ms2150 هذا لا يقتضي الأمر بهما جميعا ولكن يقتضي أن يذكر تارة ~~بهذا الوصف وتارة بهذا الوصف فلا يقول قائل قد فرض الله عليك الصلوات الخمس ~~والصلاة المكتوبة وهذا هو هذا والعطف بالصفات يكون إذا قصد بيان الصفات لما ~~فيها من المدح أو الذم كقوله @QB@ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي ~~قدر فهدى @QE@ لا يقال صل لربك الأعلى ولربك الذي خلق فسوى وقال محمد بن ~~نصر المروزي رحمه الله فقد بين الله في كتابة وسنة رسوله أن الإسلام ~~والإيمان لا يفترقان فمن صدق بالله فقد آمن به ومن آمن بالله فقد خضع له ~~وقد أسلم له ومن صام وصلى وقام بفرائض الله وانتهى عما PageV07P411 نهى ~~الله عنه فقد إستكمل الإيمان والإسلام المفترض عليه ومن ترك من ذلك شيئا ~~فلن يزول عنه اسم الإيمان ولا الإسلام إلا أنه انقص من غيره في الإسلام ~~والإيمان من غير نقصان من الإقرار بأن الله حق وما قال حق لا باطل وصدق لا ~~كذب ولكن ينقص من الإيمان الذى هو تعظيم لله وخضوع للهيبة والجلال والطاعة ~~للمصدق به وهو الله فمن ذلك يكون النقصان لا من اقرارهم بأن الله حق وما ~~قال صدق # فيقال ما ذكره يدل على أن من أتى بالإيمان الواجب فقد أتى بالإسلام وهذا ~~حق ولكن ليس فيه ما يدل عن أن من أتى بالإسلام الواجب فقد أتى بالإيمان ~~فقوله من آمن بالله فقد خضع له وقد إستسلم له حق لكن أي شيء في هذا يدل على ~~أن من أسلم لله وخضع له فقد آمن به وبملائكته وبكتبه ورسله والبعث بعد ~~الموت وقوله إن الله ورسوله قد بين أن الإسلام والإيمان لا يفترقان إن أراد ~~أن الله أوجبهما جميعا ونهى عن التفريق بينهما فهذا حق وإن أراد أن الله ~~جعل مسمى هذا مسمى هذا فنصوص الكتاب والسنة تخالف ذلك وما ذكر قط نصا واحدا ~~يدل على اتفاق المسلمين # وكذلك قوله من فعل ما أمر به وانتهى عما نهي عنه فقد إستكمل ms2151 الإيمان ~~والإسلام فهذا صحيح إذا فعل ما أمر به باطنا وظاهرا ويكون قد إستكمل ~~الإيمان والإسلام الواجب عليه ولا يلزم أن يكون إيمانه واسلامه مساويا ~~للإيمان والإسلام الذى فعله أولوا العزم من الرسل كالخليل إبراهيم ومحمد ~~PageV07P412 خاتم النبيين عليهما الصلاة والسلام بل كان معه من الإيمان ~~والإسلام ما لا يقدر عليه غيره ممن ليس كذلك ولم يؤمر به # وقوله من ترك من ذلك شيئا فلن يزول عنه اسم الإسلام والإيمان إلا أنه ~~أنقص من غيره في ذلك فيقال ان أريد بذلك أنه بقى معه شيء من الإسلام ~~والإيمان فهذا حق كما دلت عليه النصوص خلافا للخوارج والمعتزلة وإن أراد ~~أنه يطلق عليه بلا تقييد مؤمن ومسلم في سياق الثناء والوعد بالجنة فهذا ~~خلاف الكتاب والسنة ولو كان كذلك لدخلوا في قوله @QB@ وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار @QE@ وأمثال ذلك مما وعدوا فيه ~~بالجنة بلا عذاب # وأيضا فصاحب الشرع قد نفى عنهم الاسم في غير موضع بل قال ( قتال المؤمن ~~كفر ( وقال ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ( وإذا احتج بقوله ~~( وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ( ونحو ذلك قيل كل هؤلاء إنما سموا به ~~مع التقييد بأنهم فعلوا هذه الأمور ليذكر ما يؤمرون به هم وما يؤمر به ~~غيرهم # وكذلك قوله لا يكون النقصان من إقرارهم بأن الله حق وما قاله صدق فيقال ~~بل النقصان يكون في الإيمان الذى في القلوب من معرفتهم ومن علمهم فلا تكون ~~معرفتهم وتصديقهم بالله واسمائه وصفاته وما قاله من أمر ونهي ووعد ووعيد ~~كمعرفة غيرهم وتصديقه لا من جهة الإجمال والتفصيل ولا من PageV07P413 جهة ~~القوة والضعف ولا من جهة الذكر والغفلة وهذه الأمور كلها داخلة في الإيمان ~~بالله وبما أرسل به رسوله وكيف يكون الإيمان بالله واسمائه وصفاته متماثلا ~~في القلوب أم كيف يكون الإيمان بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وانه ~~غفور رحيم عزيز حكيم شديد العقاب ليس هو من الإيمان به فلا يمكن مسلما أن ~~يقول ms2152 إن الإيمان بذلك ليس من الإيمان به ولا يدعى تماثل الناس فيه # وأما ما ذكره من أن الإسلام ينقص كما ينقص الإيمان فهذا أيضا حق كما دلت ~~عليه الأحاديث الصحيحة فإن من نقص من الصلاة والزكاة أوالصوم أو الحج شيئا ~~فقد نقص من اسلامه بحسب ذلك ومن قال أن الإسلام هو الكلمة فقط وأراد بذلك ~~أنه لا يزيد ولا ينقص فقوله خطأ ورد الذين جعلوا الإسلام والإيمان سواء ~~إنما يتوجه إلى هؤلاء فإن قولهم في الإسلام يشبه قول المرجئة في الإيمان # ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على ( ثلاثة أقوال ( فالمرجئة ~~يقولون الإسلام أفضل فإنه يدخل فيه الإيمان وآخرون يقولون الإيمان والإسلام ~~سواء وهم المعتزلة والخوارج وطائفة من اهل الحديث والسنة وحكاه محمد بن نصر ~~عن جمهورهم وليس كذلك والقول الثالث أن الإيمان أكمل وافضل وهذا هو الذي دل ~~عليه الكتاب والسنة في غير موضع وهو المأثور عن الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان PageV07P414 ثم هؤلاء منهم من يقول الإسلام مجرد القول والأعمال ~~ليست من الاسلام والصحيح أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة كلها وأحمد إنما ~~منع الاستثناء فيه على قول الزهري هو الكلمة هكذا نقل الأثرم والميمونى ~~وغيرهما عنه وأما على جوابه الآخر الذى لم يختر فيه قول من قال الإسلام ~~الكلمة فيستثنى في الإسلام كما يستثنى في الإيمان فإن الإنسان لا يجزم بأنه ~~قد فعل كل ما أمر به من الإسلام وإذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ( و ( بنى الاسلام على خمس ( فجزمه ~~بأنه فعل الخمس بلا نقص كما أمر كجزمه بإيمانه فقد قال تعالى @QB@ ادخلوا ~~في السلم كافة @QE@ أي الإسلام كافة أي في جميع شرائع الإسلام # وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام ~~فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه كما نص عليه أحمد وغيره وإذا ~~أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها فالاستثناء فيه كالاستثناء في ~~الإيمان ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار ms2153 مسلما متميزا عن اليهود ~~والنصارى تجري عليه أحكام الإسلام التى تجري على المسلمين كان هذا مما يجزم ~~به بلا استثناء فيه فلهذا قال الزهري الإسلام الكلمة وعلى ذلك وافقه أحمد ~~وغيره وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها فإن الزهري أجل ~~من أن يخفى عليه ذلك ولهذا أحمد لم يجب بهذا في جوابه الثانى خوفا من أن ~~يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة ولهذا لما قال الأثرم PageV07P415 لأحمد ~~فإذا قال أنا مسلم فلا يستثنى قال نعم لا يستثنى إذا قال أنا مسلم فقلت له ~~أقول هذا مسلم وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( المسلم من سلم المسلمون ~~من لسانه ويده ( وانا اعلم أنه لا يسلم الناس منه فذكر حديث معمر عن الزهري ~~قال فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل # فبين أحمد أن الإسلام إذا كان هو الكلمة فلا استثناء فيها فحيث كان هو ~~المفهوم من لفظ الإسلام فلا استثناء فيه ولو أريد بالإيمان هذا كما يراد ~~ذلك في مثل قوله @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ فانما أريد من أظهر الإسلام ~~فإن الإيمان الذى علقت به أحكام الدنيا هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام ~~فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد إحتجاج ~~المرجئة بقول النبى ( اعتقها فانها مؤمنة ( اجابه بأن المراد حكمها في ~~الدنيا حكم المؤمنة لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار ~~إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار وهذا هو المؤمن المطلق في كتاب الله وهو ~~الموعود بالجنة بلا نار إذا مات على إيمانه ولهذا كان بن مسعود وغيره من ~~السلف يلزمون من شهد لنفسه بالإيمان أن يشهد لها بالجنة يعنون إذا مات على ~~ذلك فإنه قد عرف إن الجنة لا يدخلها إلا من مات مؤمنا # فإذا قال الإنسان أنا مؤمن قطعا وأنا مؤمن عند الله قيل له فاقطع بأنك ~~تدخل الجنة بلا عذاب إذا مت على هذا الحال فإن الله أخبر أن المؤمنين ~~PageV07P416 في الجنة وأنكر أحمد بن حنبل حديث إبن ms2154 عميرة أن عبد الله رجع ~~عن الاستثناء فإن بن مسعود لما قيل له إن قوما يقولون إنا مؤمنون فقال أفلا ~~سألتموهم أفى الجنة هم وفى رواية أفلا قالوا نحن أهل الجنة وفى رواية قيل ~~له إن هذا يزعم أنه مؤمن قال فاسألوه أفى الجنة هو أو في النار فسألوه فقال ~~الله أعلم فقال له عبد الله فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية من قال أنا ~~مؤمن فهو كافر ومن قال أنا عالم فهو جاهل ومن قال هو في الجنة فهو في النار ~~يروي عن عمر بن الخطاب من وجوه مرسلا من حديث قتادة ونعيم بن أبي هند ~~وغيرهما # والسؤال الذى تورده المرجئة على بن مسعود ويقولون أن يزيد بن عميرة أورده ~~عليه حتى رجع جعل هذا أن الإنسان يعلم حاله الآن وما يدري ماذا يموت عليه ~~ولهذا السؤال صار طائفة كثيرة يقولون المؤمن هو من سبق في علم الله أنه ~~يختم له بالإيمان والكافر من سبق في علم الله أنه كافر وأنه لا اعتبار بما ~~كان قبل ذلك وعلى هذا يجعلون الاستثناء وهذا أحد قولى الناس من أصحاب أحمد ~~وغيرهم وهو قول أبي الحسن واصحابه # ولكن أحمد وغيره من السلف لم يكن هذا مقصودهم وإنما مقصودهم أن الإيمان ~~المطلق يتضمن فعل المأمورات فقوله أنا مؤمن كقوله أنا ولي الله وأنا مؤمن ~~تقي وأنا من الأبرار ونحو ذلك وبن مسعود رضي الله عنه لم يكن يخفى عليه أن ~~الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمنا وأن الإنسان لا يعلم على ماذا يموت ~~PageV07P417 فإن بن مسعود أجل قدرا من هذا وإنما أراد سلوه هل هو في الجنة ~~إن مات على هذه الحال كأنه قال سلوه أيكون من أهل الجنة على هذه الحال فلما ~~قال الله ورسوله أعلم قال أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية يقول هذا ~~التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك المحرمات فإنه من شهد ~~لنفسه بذلك شهد لنفسه أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك ms2155 ولهذا صار الذين لا ~~يرون الاستثناء لأجل الحال الحاضر بل للموافاة لا يقطعون بأن الله يقبل ~~توبة تائب كما لا يقطعون بأن الله تعالى يعاقب مذنبا فانهم لو قطعوا بقبول ~~توبته لزمهم أن يقطعوا له الجنة وهم لا يقطعون لأحد من أهل القبلة لا بجنة ~~ولا نار إلا من قطع له النص # وإذا قيل الجنة هي لمن أتى بالتوبة النصوح من جميع السيئات قالوا ولو مات ~~على هذه التوبة لم يقطع له بالجنة وهم لا يستثنون في الأحوال بل يجزمون بأن ~~المؤمن مؤمن تام الإيمان ولكن عندهم الإيمان عند الله هو ما يوافي به فمن ~~قطعوا له بأنه مات مؤمنا لا ذنب له قطعوا له بالجنة فلهذا لا يقطعون بقبول ~~التوبة لئلا يلزمهم أن يقطعوا بالجنة وأما أئمة السلف فانما لم يقطعوا ~~بالجنة لأنهم لا يقطعون بأنه فعل المأمور وترك المحظور ولا أنه أتى بالتوبة ~~النصوح وإلا فهم يقطعون بأن من تاب توبة نصوحا قبل الله توبته # وجماع الأمر أن الاسم الواحد ينفي ويثبت بحسب الاحكام المتعلقة به فلا ~~يجب إذا اثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام وهذا في ~~PageV07P418 كلام العرب وسائر الأمم لأن المعنى مفهوم مثال ذلك المنافقون ~~قد يجعلون من المؤمنين في موضع وفى موضع آخر يقال ما هم منهم قال الله ~~تعالي @QB@ قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة ~~على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ~~@QE@ فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو الناكلين عن الجهاد ~~الناهين لغيرهم الذامين للمؤمنين منهم وقال في آية أخرى @QB@ ويحلفون بالله ~~إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو ~~مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون @QE@ وهؤلاء ذنبهم أخف فإنهم لم يؤذوا ~~المؤمنين لا بنهى ولا سلق ms2156 بألسنة حداد ولكن حلفوا بالله أنهم من المؤمنين ~~في الباطن بقلوبهم وإلا فقد علم المؤمنون انهم منهم في الظاهر فكذبهم الله ~~وقال ( وما هم منكم ( وهناك قال @QB@ قد يعلم الله المعوقين منكم @QE@ ~~فالخطاب لمن كان في الظاهر مسلما مؤمنا وليس مؤمنا بأن منكم من هو بهذه ~~الصفة وليس مؤمنا بل أحبط الله عمله فهو منكم في الظاهر لا الباطن # ولهذا لما استؤذن النبي في قتل بعض المنافقين قال ( لا يتحدث الناس ان ~~محمدا يقتل أصحابه ( فانهم من أصحابه في الظاهر عند من لا يعرف حقائق ~~الأمور واصحابه الذين هم أصحابه ليس فيهم نفاق PageV07P419 كالذين علموا ~~سنته الناس وبلغوها إليهم وقاتلوا المرتدين بعد موته والذين بايعوه تحت ~~الشجرة وأهل بدر وغيرهم بل الذين كانوا منافقين غمرتهم الناس # وكذلك الأنساب مثل كون الإنسان أبا لآخر أو اخاه يثبت في بعض الأحكام دون ~~بعض فإنه قد ثبت في ( الصحيحين ( أنه لما اختصم إلى النبي سعد بن أبي وقاص ~~وعبد بن زمعة بن الأسود في بن وليدة زمعة وكان عتبة بن أبي وقاص قد فجر بها ~~في الجاهلية وولدت منه ولدا فقال عتبة لأخيه سعد إذا قدمت مكة فانظر بن ~~وليدة زمعة فإنه ابني فاختصم فيه هو وعبد بن زمعة إلى النبي فقال سعد يا ~~رسول الله بن أخي عتبة عهد إلي أخي عتبة فيه إذا قدمت مكة انظر إلى بن ~~وليدة زمعة فإنه ابني ألا ترى يا رسول الله شبهه بعتبة فقال عبد يا رسول ~~الله أخي وإبن وليدة أبي ولد على فراش أبى فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~شبها بينا بعتبة فقال ( هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر ~~واحتجبى منه يا سودة ( لما رأى من شبهه البين بعتبة # فقد جعله النبى إبن زمعة لأنه ولد على فراشه وجعله أخا لولده بقوله ( فهو ~~لك يا عبد بن زمعة ( وقد صارت سودة أخته يرثها وترثه لأنه بن أبيها زمعة ~~ولد على فراشه ومع هذا فأمرها النبى صلى الله PageV07P420 عليه ms2157 وسلم أن ~~تحتجب منه لما رأى من شبهه البين بعتبة فإنه قام فيه دليلان متعارضان ~~الفراش والشبه والنسب في الظاهر لصاحب الفراش أقوى ولأنها أمر ظاهر مباح ~~والفجور أمر باطن لا يعلم ويجب ستره لا إظهاره كما قال ( للعاهر الحجر ( ~~كما يقال بفيك الكثلب وبفيك الأثلب أي عليك أن تسكت عن إظهار الفجور فإن ~~الله يبغض ذلك ولما كان احتجابها منه ممكنا من غير ضرر أمرها بالاحتجاب لما ~~ظهر من الدلالة على أنه ليس أخاها في الباطن # فتبين أن الاسم الواحد ينفي في حكم ويثبت في حكم فهو أخ في الميراث وليس ~~بأخ في المحرمية وكذلك ولد الزنى عند بعض العلماء وبن الملاعنة عند الجميع ~~إلا من شذ ليس بولد في الميراث ونحوه وهو ولد في تحريم النكاح والمحرمية # ولفظ النكاح وغيره في الأمر يتناول الكامل وهو العقد والوطء كما في قوله ~~@QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ وقوله @QB@ حتى تنكح زوجا غيره ~~@QE@ وفى النهي يعم الناقص والكامل فينهى عن العقد مفردا وإن لم يكن وطء ~~كقوله @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ وهذا لأن الآمر مقصوده ~~تحصيل المصلحة وتحصيل المصلحة إنما يكون بالدخول كما لو قال اشتر لي طعاما ~~فالمقصود ما يحصل إلا بالشراء والقبض والناهي مقصوده دفع المفسدة فيدخل كل ~~جزء منه لأن وجوده مفسدة PageV07P421 وكذلك النسب والميراث معلق بالكامل ~~منه والتحريم معلق بأدنى سبب حتى الرضاع # وكذلك كل ما يكون له مبتدأ وكمال ينفي تارة باعتبار انتفاء كماله ويثبت ~~تارة باعتبار ثبوت مبدئه فلفظ الرجال يعم الذكور وإن كانوا صغارا في مثل ~~قوله @QB@ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ ولا يعم ~~الصغار في مثل قوله @QB@ والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين ~~يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها @QE@ فإن باب الهجرة ~~والجهاد عمل يعمله القادرون عليه فلو اقتصر على ذكر المستضعفين من الرجال ~~لظن أن الولدان غير داخلين لأنهم ليسوا من اهله وهم ضعفاء فذكرهم بالاسم ~~الخاص ليبين عذرهم في ترك الهجرة ms2158 ووجوب الجهاد وكذلك الإيمان له مبدأ وكمال ~~وظاهر وباطن فإذا علقت به الأحكام الدنيوية من الحقوق والحدود كحقن الدم ~~والمال والمواريث والعقوبات الدنيوية علقت بظاهره لا يمكن غير ذلك إذ تعليق ~~ذلك بالباطن متعذر وإن قدر أحيانا فهو متعسر علما وقدرة فلا يعلم ذلك علما ~~يثبت به في الظاهر ولا يمكن عقوبة من يعلم ذلك منه في الباطن # وبهذين المثلين كان النبى صلى الله عليه وسلم يمتنع من عقوبة المنافقين ~~فإن فيهم من لم يكن يعرفهم كما أخبر الله بذلك والذين كان يعرفهم لو عاقب ~~بعضهم لغضب له قومه ولقال الناس إن محمدا يقتل أصحابه فكان يحصل بسبب ذلك ~~PageV07P422 نفور عن الإسلام إذ لم يكن الذنب ظاهرا يشترك الناس في معرفته ~~ولما هم بعقوبة من يتخلف عن الصلاة منعه من في البيوت من النساء والذرية ~~وأما مبدؤه فيتعلق به خطاب الأمر والنهي فإذا قال الله @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ ونحو ذلك فهو أمر في الظاهر لكل من أظهره ~~وهو خطاب في الباطن لكل من عرف من نفسه أنه مصدق للرسول وإن كان عاصيا وإن ~~كان لم يقم بالواجبات الباطنة والظاهرة وذلك أنه إن كان لفظ ( الذين آمنوا ~~( يتناولهم فلا كلام وإن كان لم يتناولهم فذاك لذنوبهم فلا تكون ذنوبهم ~~مانعة من أمرهم بالحسنات التى ان فعلوها كانت سبب رحمتهم وإن تركوها كان ~~أمرهم بها وعقوبتهم عليها عقوبة على ترك الإيمان والكافر يجب عليه أيضا لكن ~~لا يصح منه حتى يؤمن وكذلك المنافق المحض لا يصح منه في الباطن حتى يؤمن # وأما من كان معه أول الإيمان فهذا يصح منه لأن معه إقراره في الباطن ~~بوجوب ما أوجبه الرسول وتحريم ما حرمه وهذا سبب الصحة وأما كماله فيتعلق به ~~خطاب الوعد بالجنة والنصرة والسلامة من النار فإن هذا الوعد إنما هو لمن ~~فعل المأمور وترك المحظور ومن فعل بعضا وترك بعضا فيثاب على ما فعله ويعاقب ~~على ما تركه فلا يدخل هذا في اسم المؤمن المستحق للحمد ms2159 والثناء دون الذم ~~والعقاب ومن نفى عنه الرسول الإيمان فنفي الإيمان في هذا الحكم لأنه ذكر ~~ذلك على سبيل الوعيد والوعيد إنما يكون بنفي ما يقتضي الثواب ويدفع العقاب ~~ولهذا ما في الكتاب والسنة من نفي الإيمان PageV07P423 عن أصحاب الذنوب ~~فإنما هو في خطاب الوعيد والذم لا في خطاب الأمر والنهي ولا في أحكام ~~الدنيا # واسم الإسلام والإيمان والاحسان هي اسماء ممدوحة مرغوب فيها لحسن العاقبة ~~لأهلها فبين النبي أن العاقبة الحسنة لمن إتصف بها على الوجه الذى بينه ~~ولهذا كان من نفي عنهم الإيمان أو الإيمان والإسلام جميعا ولم يجعلهم كفارا ~~إنما نفى ذلك في أحكام الآخرة وهو الثواب لم ينفه في أحكام الدنيا لكن ~~المعتزلة ظنت أنه إذا انتفى الاسم انتفت جميع أجزائه فلم يجعلوا معهم شيئا ~~من الإيمان والإسلام فجعلوهم مخلدين في النار وهذا خلاف الكتاب والسنة ~~واجماع السلف ولو لم يكن معهم شيء من الإيمان والإسلام لم يثبت في حقهم شيء ~~من احكام المؤمنين والمسلمين لكن كانوا كالمنافقين وقد ثبت بالكتاب والسنة ~~والإجماع التفريق بين المنافق الذي يكذب الرسول في الباطن وبين المؤمن ~~المذنب فالمعتزلة سووا بين أهل الذنوب وبين المنافقين في أحكام الدنيا ~~والآخرة في نفي الإسلام والإيمان عنهم بل قد يثبتونه للمنافق ظاهرا وينفونه ~~عن المذنب باطنا وظاهرا # فإن قيل فإذا كان كل مؤمن مسلما وليس كل مسلم مؤمنا الإيمان الكامل كما ~~دل عليه حديث جبريل وغيره من الأحاديث مع القرآن وكما ذكر ذلك عمن ذكر عنه ~~من السلف لأن الإسلام الطاعات الظاهرة وهو الاستسلام والانقياد لأن ( ~~الاسلام في الأصل ( هو الاستسلام والانقياد PageV07P424 وهذا هو الانقياد ~~والطاعة والإيمان فيه معنى التصديق والطمأنينة وهذا قدر زائد فما تقولون ~~فيمن فعل ما أمره الله وترك ما نهى الله عنه مخلصا لله تعالى ظاهرا وباطنا ~~أليس هذا مسلما باطنا وظاهرا وهو من اهل الجنة وإذا كان كذلك فالجنة لا ~~يدخلها إلا نفس مؤمنة فهذا يجب أن يكون مؤمنا # قلنا قد ذكرنا غير مرة أنه لابد أن يكون ms2160 معه الإيمان الذى وجب عليه إذ لو ~~لم يؤد الواجب لكان معرضا للوعيد لكن قد يكون من الإيمان ما لا يجب عليه ~~إما لكونه لم يخاطب به أو لكونه كان عاجزا عنه وهذا أولى لأن الإيمان ~~الموصوف في حديث جبريل والاسلام لم يكونا واجبين في أول الإسلام بل ولا ~~أوجبا على من تقدم قبلنا من الأمم إتباع الأنبياء أهل الجنة مع أنهم مؤمنون ~~مسلمون ومع أن الإسلام دين الله الذى لا يقبل دينا غيره وهو دين الله في ~~الأولين والآخرين لأن الإسلام عبادة الله وحده لا شريك له بما أمر فقد ~~تتنوع أوامره في الشريعة الواحدة فضلا عن الشرائع فيصير في الإسلام بعض ~~الإيمان بما يخرج عنه في وقت آخر كالصلاة إلى الصخرة كان من الإسلام حين ~~كان الله أمر به ثم خرج من الإسلام لما نهى الله عنه # ومعلوم أن الخمس المذكورة في حديث جبريل لم تجب في أول الأمر بل الصيام ~~والحج وفرائض الزكاة إنما وجبت بالمدينة والصلوات الخمس إنما PageV07P425 ~~وجبت ليلة المعراج وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه إلى ~~سنة تسع أو عشر على أصح القولين ولما بعث الله محمدا كان من اتبعه وآمن بما ~~جاء به مؤمنا مسلما وإذا مات كان من أهل الجنة ثم أنه بعد هذا زاد ( ~~الإيمان والإسلام ( حتى قال تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ وكذلك ~~الإيمان فإن هذا الإيمان المفصل الذى ذكره في حديث جبريل لم يكن مأمورا به ~~في أول الأمر لما أنزل الله سورة العلق والمدثر بل إنما جاء هذا في السور ~~المدنية كالبقرة والنساء وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون هذا الإيمان المفصل ~~واجبا على من تقدم قبلنا # وإذا كان كذلك فقد يكون الرجل مسلما يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ومعه ~~الإيمان الذي فرض عليه وهو من أهل الجنة وليس معه هذا الإيمان المذكور في ~~حديث جبريل لكن هذا يقال معه ما أمر به من الإيمان والإسلام وقد يكون مسلما ~~يعبد الله كما ms2161 أمر ولا يعبد غيره ويخافه ويرجوه ولكن لم يخلص إلى قلبه أن ~~يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ولا أن يكون الله ورسوله والجهاد في ~~سبيله أحب إليه من جميع اهله وماله وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأن يخاف ~~الله لا يخاف غيره وأن لا يتوكل إلا على الله وهذه كلها من الإيمان الواجب ~~وليست من لوازم الإسلام فإن الإسلام هو الاستسلام وهو يتضمن الخضوع لله ~~وحده والانقياد له والعبودية لله وحده وهذا قد يتضمن خوفه ورجاءه واما ~~طمأنينة القلب بمحبته وحده وأن يكون أحب إليه مما سواهما وبالتوكل عليه ~~وحده وبأن يحب لأخيه المؤمن ما يحب PageV07P426 لنفسه فهذه من حقائق ~~الإيمان التى تختص به فمن لم يتصف بها لم يكن من المؤمنين حقا وإن كان ~~مسلما وكذلك وجل قلبه إذا ذكر الله وكذلك زيادة الإيمان إذا تليت عليه ~~آياته # فإن قيل ففوات هذا الإيمان من الذنوب أم لا قيل إذا لم يبلغ الإنسان ~~الخطاب الموجب لذلك لا يكون تركه من الذنوب وأما ان بلغه الخطاب الموجب ~~لذلك فلم يعمل به كان تركه من الذنوب إذا كان قادرا على ذلك وكثير من الناس ~~أو أكثرهم ليس عندهم هذه التفاصيل التى تدخل في الإيمان مع أنهم قائمون ~~بالطاعة الواجبة في الإسلام وإذا وقعت منهم ذنوب تابوا واستغفروا منها ~~وحقائق الإيمان التى في القلوب لا يعرفون وجوبها بل ولا أنها من الإيمان بل ~~كثير ممن يعرفها منهم يظن أنها من النوافل المستحبة ان صدق بوجوبها # فالإسلام ( يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان وهو المنافق ~~المحض ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن ولكن لم يفعل ~~الواجب كله لا من هذا ولا هذا وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق ويتناول ~~من أتى بإلاسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان ولم يأت بتمام الإيمان الواجب ~~وهؤلاء ليسوا فساقا تاركين فريضة ظاهرة ولا مرتكبين محرما ظاهرا لكن تركوا ~~من حقائق الإيمان الواجبة علما وعملا بالقلب يتبعه بعض الجوارح ms2162 ما كانوا به ~~مذمومين PageV07P427 وهذا هو ( النفاق ( الذى كان يخافه السلف على نفوسهم ~~فإن صاحبه قد يكون فيه شعبة نفاق وبعد هذا ما ميز الله به المقربين على ~~الأبرار أصحاب اليمين من إيمان وتوابعه وذلك قد يكون من باب المستحبات وقد ~~يكون أيضا مما فضل به المؤمن إيمان وإسلام مما وجب عليه ولم يجب على غيره ~~ولهذا قال النبى ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه ~~فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان ( وفى الحديث الآخر ( ليس وراء ذلك ~~من الإيمان مثقال حبة خردل ( فإن مراده أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل ~~في الإيمان حتى يفعله المؤمن بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان ليس مراده ~~أن من لم ينكر ذلك لم يكن معه من الإيمان حبة خردل ولهذا قال ليس وراء ذلك ~~( فجعل المؤمنين ثلاث طبقات وكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه لكن الأول ~~لما كان أقدرهم كان الذى يجب عليه أكمل مما يجب على الثاني وكان ما يجب على ~~الثاني أكمل مما يجب على الآخر وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان ~~الواجب عليهم بحسب إستطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم PageV07P428 ### ||| فصل # وأما ( الاستثناء في الايمان ( بقول الرجل أنا مؤمن إن شاء الله فالناس ~~فيه على ( ثلاثة ( أقوال منهم من يوجبه ومنهم من يحرمه ومنهم من يجوز ~~الأمرين باعتبارين وهذا أصح الأقوال فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ~~ونحوهم ممن يجعل الإيمان شيئا واحدا يعلمه الإنسان من نفسه كالتصديق بالرب ~~ونحو ذلك مما في قلبه فيقول أحدهم أنا أعلم اني مؤمن كما أعلم اني تكلمت ~~بالشهادتين وكما اعلم اني قرأت الفاتحة وكما أعلم أنى أحب رسول الله واني ~~ابغض اليهود والنصارى فقولي أنا مؤمن كقولي أنا مسلم وكقولي تكلمت ~~بالشهادتين وقرأت الفاتحة وكقولي أنا ابغض اليهود والنصارى ونحو ذلك من ~~الأمور الحاضرة التى أنا أعلمها وأقطع بها وكما أنه لا يجوز أن يقال أنا ~~قرأت الفاتحة إن شاء الله كذلك لا يقول أنا مؤمن ms2163 إن شاء الله لكن إذا كان ~~يشك في ذلك فيقول فعلته إن شاء الله قالوا فمن إستثنى في إيمانه فهو شاك ~~فيه وسموهم الشكاكة # والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان ( أحدهما ( أن الإيمان هو ما مات ~~عليه الإنسان والإنسان إنما يكون PageV07P429 عند الله مؤمنا وكافرا ~~بإعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه وما قبل ذلك لا عبرة ~~به قالوا والإيمان الذي يتعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرا ليس بإيمان كالصلاة ~~التى يفسدها صاحبها قبل الكمال وكالصيام الذى يفطر صاحبه قبل الغروب وصاحب ~~هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت عليه وكذلك قالوا في الكفر وهذا ~~المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما ~~اشتهر عن اهل السنة والحديث من قولهم أنا مؤمن إن شاء الله ويريد مع ذلك أن ~~الإيمان لا يتفاضل ولا يشك الإنسان في الموجود منه وانما يشك في المستقبل ~~وانضم إلى ذلك أنهم يقولون محبة الله ورضاه وسخطه وبغضه قديم ثم هل ذلك هو ~~الإرادة أم صفات أخر لهم في ذلك ( قولان # وأكثر قدمائهم يقولون أن الرضى والسخط والغضب ونحو ذلك صفات ليست هي ~~الإرادة كما أن السمع والبصر ليس هو العلم وكذلك الولاية والعداوة هذه كلها ~~صفات قديمة أزلية عند أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن اتبعه من ~~المتكلمين ومن أتباع المذاهب من الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم # قالوا والله يحب في أزله من كان كافرا إذا علم أنه يموت مؤمنا فالصحابة ~~ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر وابليس ما ~~زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد وهذا على أحد القولين لهم فالرضى ~~والسخط PageV07P430 يرجع إلى الإرادة والإرادة تطابق العلم فالمعنى ما زال ~~الله يريد أن يثيب هؤلاء بعد إيمانهم ويعاقب إبليس بعد كفره وهذا معنى صحيح ~~فإن الله يريد أن يخلق كل ما علم أن سيخلقه وعلى قول من يثبتها صفات أخر ~~يقول هو أيضا حبه تابع لمن يريد ms2164 أن يثيبه فكل من أراد إثابته فهو يحبه وكل ~~من أراد عقوبته فإنه يبغضه وهذا تابع للعلم وهؤلاء عندهم لا يرضى عن أحد ~~بعد أن كان ساخطا عليه ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه بل ما زال يفرح ~~بتوبته والفرح عندهم إما الإرادة وإما الرضى والمعنى ما زال يريد اثابته أو ~~يرضى عما يريد اثابته وكذلك لا يغضب عندهم يوم القيامة دون ما قبله بل غضبه ~~قديم إما بمعنى الإرادة وإما بمعنى آخر # فهؤلاء يقولون إذا علم أن الإنسان يموت كافرا لم يزل مريدا لعقوبته فذاك ~~الإيمان الذى كان معه باطل لا فائدة فيه بل وجوده كعدمه فليس هذا بمؤمن ~~أصلا وإذا علم أنه يموت مؤمنا لم يزل مريدا لاثابته وذاك الكفر الذى فعله ~~وجوده كعدمه فلم يكن هذا كافرا عندهم أصلا فهؤلاء يستثنون في الإيمان بناء ~~على هذا المأخذ وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر مثل أبي منصور ~~الماتريدي فإن ما ذكروه مطرد فيهما ولكن جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى ~~في الكفر والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف ولكن هو لازم لهم # والذين فرقوا من هؤلاء قالوا نستثنى في الإيمان رغبة إلى الله في أن ~~PageV07P431 يثبتنا عليه إلى الموت والكفر لا يرغب فيه أحد لكن يقال إذا ~~كان قولك مؤمن كقولك في الجنة فأنت تقول عن الكافر هو كافر ولا تقول هو في ~~النار إلا معلقا بموته على الكفر فدل على أنه كافر في الحال قطعا وإن جاز ~~أن يصير مؤمنا كذلك المؤمن وسواء أخبر عن نفسه أو عن غيره فلو قيل عن يهودي ~~أو نصراني هذا كافر قال إن شاء الله إذا لم يعلم أنه يموت كافرا وعند هؤلاء ~~لا يعلم أحد أحدا مؤمنا إلا إذا علم أنه يموت عليه وهذا القول قاله كثير من ~~أهل الكلام أصحاب إبن كلاب ووافقهم على ذلك كثير من اتباع الأئمة لكن ليس ~~هذا قول أحد من السلف لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا كان أحد ms2165 من السلف ~~الذين يستثنون في الإيمان يعللون بهذا لا أحمد ولا من قبله # ومأخذ هذا القول طرده طائفة ممن كانوا في الأصل يستثنون في الإيمان ~~إتباعا للسلف وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف وكان اهل الشام شديدين ~~على المرجئة وكان محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري مرابطا بعسقلان لما ~~كانت معمورة وكانت من خيار ثغور المسلمين ولهذا كان فيها فضائل لفضيلة ~~الرباط في سبيل الله وكانوا يستثنون في الايمان اتباعا للسلف واستثنوا أيضا ~~في الأعمال الصالحة كقول الرجل صليت إن شاء الله ونحو ذلك بمعنى القبول لما ~~في ذلك من الآثار عن السلف ثم صار كثير من هؤلاء بآخرة يستثنون في كل شيء ~~فيقول هذا ثوبي إن شاء الله وهذا حبل PageV07P432 إن شاء الله فإذا قيل ~~لأحدهم هذا لا شك فيه قال نعم لا شك فيه لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره ~~فيريدون بقولهم إن شاء الله جواز تغييره في المستقبل وإن كان في الحال لا ~~شك فيه كأن الحقيقة عندهم التى لا يستثنى فيها ما لم تتبدل كما يقوله أولئك ~~في الإيمان ان الإيمان ما علم الله أنه لا يتبدل حتى يموت صاحبه عليه # لكن هذا القول قاله قوم من اهل العلم والدين بإجتهاد ونظر وهؤلاء الذين ~~يستثنون في كل شيء تلقوا ذلك عن بعض اتباع شيخهم وشيخهم الذي ينتسبون إليه ~~يقال له أبو عمرو عثمان بن مرزوق لم يكن ممن يرى هذا الإستثناء بل كان في ~~الاستثناء على طريقة من كان قبله ولكن أحدث ذلك بعض اصحابه بعده وكان شيخهم ~~منتسبا إلى الإمام أحمد وهو من اتباع عبد الوهاب بن الشيخ أبى الفرج ~~المقدسي وأبو الفرج من تلامذة القاضي أبى يعلى وهؤلاء كلهم وإن كانوا ~~منتسبين إلى الإمام أحمد فهم يوافقون بن كلاب على اصله الذى كان أحمد ينكره ~~على الكلابية وامر بهجر الحارث المحاسبى من أجله كما وافقه على اصله طائفة ~~من اصحاب مالك والشافعي وأبى حنيفة كأبى المعالي الجويني وابى الوليد ~~الباجي وابى منصور الماتريدي ms2166 وغيرهم وقول هؤلاء في مسائل متعددة من مسائل ~~الصفات وما يتعلق بها كمسألة القرآن هل هو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته أم ~~القرآن لازم لذاته وقولهم في ( الإستثناء ( مبنى على ذلك الأصل PageV07P433 ~~وكذلك بناه الأشعري وأتباعه عليه لأن هؤلاء كلهم كلابية يقولون إن الله لم ~~يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يرضى ولا يغضب على أحد بعد إيمانه وكفره ولا يفرح ~~بتوبة التائب بعد توبته ولهذا وافقوا السلف على أن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق ثم قالوا إنه قديم لم يتكلم به بمشيئته وقدرته ثم اختلفوا بعد هذا في ~~القديم أهو معنى واحد أم حروف قديمة مع تعاقبها كما بسطت أقوالهم وأقوال ~~غيرهم في مواضع أخر # وهذه الطائفة المتأخرة تنكر أن يقال قطعا في شيء من الأشياء مع غلوهم في ~~الاستثناء حتى صار هذا اللفظ منكرا عندهم وإن قطعوا بالمعنى فيجزمون بأن ~~محمدا رسول الله وأن الله ربهم ولا يقولون قطعا وقد إجتمع بي طائفة منهم ~~فأنكرت عليهم ذلك وامتنعت من فعل مطلوبهم حتى يقولوا قطعا واحضروا لي كتابا ~~فيه أحاديث عن النبي أنه نهى أن يقول الرجل قطعا وهي أحاديث موضوعة مختلقة ~~قد إفتراها بعض المتأخرين # والمقصود هنا ان ( الاستثناء في الإيمان ( لما علل بمثل تلك العلة طرد ~~أقوام تلك العلة في الأشياء التى لا يجوز الاستثناء فيها بإجماع المسلمين ~~بناء على أن الأشياء الموجودة الآن إذا كانت في علم الله تتبدل أحوالها ~~فيستثنى في صفاتها الموجودة في الحال ويقال هذا صغير إن شاء الله لأن الله ~~قد يجعله كبيرا ويقال هذا مجنون إن شاء الله لأن الله قد يجعله عاقلا ويقال ~~للمرتد PageV07P434 هذا كافر إن شاء الله لامكان أن يتوب وهؤلاء الذين ~~استثنوا في الإيمان بناء على هذا المأخذ ظنوا هذا قول السلف # وهؤلاء وأمثالهم من أهل الكلام ينصرون ما ظهر من دين الإسلام كما ينصر ~~ذلك المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين فينصرون إثبات الصانع والنبوة ~~والمعاد ونحو ذلك وينصرون مع ذلك ما ظهر من مذاهب اهل السنة والجماعة كما ~~ينصر ms2167 ذلك الكلابية والكرامية والأشعرية ونحوهم ينصرون أن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة وأن اهل القبلة لا يكفرون بالذنب ولا ~~يخلدون في النار وأن النبي له شفاعة في أهل الكبائر وأن فتنة القبر حق ~~وعذاب القبر حق وحوض نبينا في الآخرة حق وأمثال ذلك من الأقوال التى شاع ~~أنها من أصول أهل السنة والجماعة كما ينصرون خلافة الخلفاء الأربعة وفضيلة ~~أبى بكر وعمر ونحو ذلك # وكثير من أهل الكلام في كثير مما ينصره لا يكون عارفا بحقيقة دين الإسلام ~~في ذلك ولا ما جاءت به السنة ولا ما كان عليه السلف فينصر ما ظهر من قولهم ~~بغير المآخذ التى كانت مآخذهم في الحقيقة بل بمآخذ أخر قد تلقوها عن غيرهم ~~من اهل البدع فيقع في كلام هؤلاء من التناقض والاضطراب والخطأ ما ذم به ~~السلف مثل هذا الكلام واهله فإن كلامهم في ذم مثل هذا الكلام كثير والكلام ~~المذموم هو المخالف للكتاب والسنة وكل ما خالف PageV07P435 الكتاب والسنة ~~فهو باطل وكذب فهو مخالف للشرع والعقل @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا @QE@ # فهؤلاء لما اشتهر عندهم عن اهل السنة أنهم يستثنون في الإيمان ورأوا أن ~~هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه وهو ما يوافي به ~~العبد ربه ظنوا إن الإيمان عند السلف هو هذا فصاروا يحكون هذا عن السلف ~~وهذا القول لم يقل به أحد من السلف ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم لما ~~رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل وهم يدعون أن ما نصروه من اصل ~~جهم في الإيمان هو قول المحققين والنظار من أصحاب الحديث ومثل هذا يوجد ~~كثيرا في مذاهب السلف التى خالفها بعض النظار واظهر حجته في ذلك ولم يعرف ~~حقيقة قول السلف فيقول من عرف حجة هؤلاء دون السلف أو من يعظمهم لما يراه ~~من تميزهم عليه هذا قول المحققين وقال المحققون ويكون ذلك من الأقوال ~~الباطلة المخالفة للعقل مع الشرع وهذا كثيرا ما ms2168 يوجد في كلام بعض المبتدعين ~~وبعض الملحدين ومن آتاه الله علما وإيمانا علم أنه لا يكون عند المتأخرين ~~من التحقيق إلا ما هو دون تحقيق السلف لا في العلم ولا في العمل ومن كان له ~~خبرة بالنظريات والعقليات وبالعمليات علم أن مذهب الصحابة دائما أرجح من ~~قول من بعدهم وأنه لا يبتدع أحد قولا في الإسلام إلا كان خطأ وكان الصواب ~~قد سبق إليه من قبله PageV07P436 قال أبو القاسم الأنصاري فيما حكاه عن أبي ~~إسحاق الاسفرائينى لما ذكر قول أبي الحسن واصحابه في الإيمان وصحح أنه ~~تصديق القلب قال ومن أصحابنا من قال بالموافاة وشرط في الإيمان الحقيقى أن ~~يوافي ربه به ويختم عليه ومنهم من لم يجعل ذلك شرطا فيه في الحال # قال الأنصاري لما ذكر أن معظم أئمة السلف كانوا يقولون الإيمان معرفة ~~بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح قال الأكثرون من هؤلاء على القول ~~بالموافاة ومن قال بالموافاة فإنما يقوله فيمن لم يرد الخبر بأنه من اهل ~~الجنة وأما من ورد الخبر بأنه من اهل الجنة فإنه يقطع على إيمانه كالعشرة ~~من الصحابة ثم قال والذى اختاره المحققون أن الإيمان هو التصديق وقد ذكرنا ~~إختلاف أقوالهم في الموافاة وأن ذلك هل هو شرط في صحة الإيمان وحقيقته في ~~الحال وكونه معتدا عند الله به وفى حكمه فمن قال ان ذلك شرط فيه يستثنون في ~~الإطلاق في الحال لا انهم يشكون في حقيقة التوحيد والمعرفة لكنهم يقولون لا ~~يدري أي الإيمان الذي نحن موصوفون به في الحال هل هو معتد به عند الله على ~~معنى أنا ننتفع به في العاقبة ونجتني من ثماره # فإذا قيل لهم أمؤمنون أنتم حقا أو تقولون إن شاء الله أو تقولون نرجو ~~فيقولون نحن مؤمنون إن شاء الله يعنون بهذا الاستثناء تفويض الأمر في ~~العاقبة إلى الله سبحانه وتعالى وإنما يكون الإيمان إيمانا معتدا به في حكم ~~PageV07P437 الله إذا كان ذلك علم الفوز وآية النجاة وإذا كان صاحبه ~~والعياذ بالله في حكم الله من ms2169 الأشقياء يكون إيمانه الذي تحلى به في الحال ~~عارية قال ولا فرق عند الصائرين إلى هذا المذهب بين أن يقول أنا مؤمن من ~~أهل الجنة قطعا وبين أن يقول أنا مؤمن حقا # قلت هذا إنما يجيء على قول من يجعل الإيمان متناولا لأداء الواجبات وترك ~~المحرمات فمن مات على هذا كان من أهل الجنة واما على قول الجهمية والمرجئة ~~وهو القول الذى نصره هؤلاء الذين نصروا قول جهم فإنه يموت على الإيمان قطعا ~~ويكون كامل الإيمان عندهم وهو مع هذا عندهم من اهل الكبائر الذين يدخلون ~~النار فلا يلزم إذا وافى بالإيمان أن يكون من اهل الجنة وهذا اللازم لقولهم ~~يدل على فساده لأن الله وعد المؤمنين بالجنة وكذلك قالوا لا سيما والله ~~سبحانه وتعالى يقول @QB@ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات @QE@ الآية قال ~~فهؤلاء يعني القائلين بالموافاة جعلوا الثبات على هذا التصديق والإيمان ~~الذي وصفناه إلى العاقبة والوفاء به في المآل شرطا في الإيمان شرعا لا لغة ~~ولا عقلا قال وهذا مذهب سلف اصحاب الحديث والأكثرين قال وهو اختيار الإمام ~~أبي بكر بن فورك وكان الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة يغلو فيه وكان يقول من ~~قال أنا مؤمن حقا فهو مبتدع # وأما مذهب سلف اصحاب الحديث كإبن مسعود واصحابه والثوري PageV07P438 وبن ~~عيينة واكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل ~~البصرة واحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة فكانوا يستثنون في الإيمان وهذا ~~متواتر عنهم لكن ليس في هؤلاء من قال انا استثنى لأجل الموافاة وان الإيمان ~~إنما هو إسم لما يوافى به العبد ربه بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما ~~هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات فلا يشهدون لأنفسهم بذلك كما لا يشهدون ~~لها بالبر والتقوى فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم كما ~~سنذكر أقوالهم إن شاء الله في ذلك # وأما الموافاة فما علمت أحدا من السلف علل بها الاستثناء ولكن كثير من ~~المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث ms2170 من اصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم ~~كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري واكثر أصحابه لكن ليس هذا قول سلف ~~اصحاب الحديث ثم قال # فإن قال قائل إذا قلتم أن الإيمان المأمور به في الشريعة هو ما وصفتموه ~~بشرائطه وليس ذلك متلقى من اللغة فكيف يستقيم قولكم أن الإيمان لغوي قلنا ~~الإيمان هو التصديق لغة وشرعا غير أن الشرع ضم إلى التصديق أوصافا وشرائط ~~مجموعها يصير مجزيا مقبولا كما قلنا في الصلاة والصوم والحج ونحوها والصلاة ~~في اللغة هي الدعاء غير أن الشرع ضم إليها شرائط # فيقال هذا يناقض ما ذكروه في مسمى الإيمان فانهم لما زعموا أنه في اللغة ~~التصديق والشرع لم يغيره أوردوا على أنفسهم PageV07P439 # فإن قيل أليس الصلاة والحج والزكاة معدولة عن اللغة مستعملة في غير مذهب ~~أهلها قلنا قد إختلف العلماء في ذلك والصحيح أنها مقررة على استعمال أهل ~~اللغة ومبقاة على مقتضياتها وليست منقولة إلا انها زيد فيها أمور فلو سلمنا ~~للخصم كون هذه الألفاظ منقولة أو محمولة على وجه من المجاز بدليل مقطوع به ~~فعليه إقامة الدليل على وجود ذلك في الإيمان فإنه لا يجب إزالة ظواهر ~~القرآن بسبب إزالة ظاهر منها # فيقال أنتم في الإيمان جعلتم الشرع زاد فيه وجعلتموه كالصلاة والزكاة مع ~~أنه لا يمكن أحدا أن يذكر شيئا من الشرع دليلا على أن الإيمان لا يسمى به ~~إلا الموافاة به وبتقدير ذلك فمعلوم ان دلالة الشرع على ضم الأعمال إليه ~~أكثر واشهر فكيف لم تدخل الأعمال في مسماه شرعا وقوله لابد من دليل مقطوع ~~به عنه جوابان # ( أحدهما ( النقض بالموافاة فإنه لا يقطع فيه # ( الثاني ( لا نسلم بل نحن نقطع بأن حب الله ورسوله وخشية الله ونحو ذلك ~~داخل في مسمى الإيمان في كلام الله ورسوله أعظم مما نقطع ببعض أفعال الصلاة ~~والصوم والحج كمسائل النزاع ثم أبو الحسن وإبن فورك وغيرهما من القائلين ~~بالموافاة هم لا يجعلون الشرع ضم إليه شيئا بل عندهم كل من سلبه الشرع اسم ~~الإيمان فقد ms2171 فقد من قلبه التصديق # قال ومن اصحابنا من لم يجعل الموافاة على الإيمان شرطا في كونه إيمانا ~~PageV07P440 حقيقيا في الحال وإن جعل ذلك شرطا في استحقاق الثواب عليه وهذا ~~مذهب المعتزلة والكرامية وهو اختيار أبي إسحاق الاسفرائينى وكلام القاضي ~~يدل عليه قال وهو اختيار شيخنا أبي المعالي فانه قال الإيمان ثابت في الحال ~~قطعا لا شك فيه ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة ~~فأعتنى السلف به وقرنوه بالاستثناء ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز # قال ومن صار إلى هذا يقول الإيمان صفة يشتق منها اسم المؤمن وهو المعرفة ~~والتصديق كما أن العالم مشتق من العلم فإذا عرفت ذلك من نفسى قطعت به كما ~~قطعت بأنى عالم وعارف ومصدق فإن ورد في المستقبل ما يزيله خرج إذ ذاك عن ~~استحقاق هذا الوصف ولا يقال تبينا أنه لم يكن إيمانا مأمورا به بل كان ~~إيمانا مجزيا فتغير وبطل وليس كذلك قوله أنا من اهل الجنة فإن ذلك مغيب عنه ~~وهو مرجو قال ومن صار إلى القول الأول يتمسك بأشياء منها أن يقال الإيمان ~~عبادة العمر وهو كطاعة واحدة فيتوقف صحة أولها على سلامة آخرها كما نقول في ~~الصلاة والصيام والحج قالوا ولا شك أنه لا يسمى في الحال وليا ولا سعيدا ~~ولا مرضيا عند الله وكذلك الكافر لا يسمى في الحال عدوا لله ولا شقيا إلا ~~على معنى أنه تجري عليه أحكام الأعداء في الحال لإظهاره من نفسه علامتهم # قلت هذا الذي قالوه أنه لا شك فيه هو قول بن كلاب والأشعري PageV07P441 ~~وأصحابه ومن وافقهم من اصحاب أحمد ومالك والشافعى وغيرهم واما اكثر الناس ~~فيقولون بل هو إذا كان كافرا فهو عدو لله ثم إذا آمن واتقى صار وليا لله ~~قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم @QE@ إلى قوله @QB@ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم @QE@ وكذلك كان فإن هؤلاء اهل مكة ~~الذين ms2172 كانوا يعادون الله ورسوله قبل الفتح آمن اكثرهم وصاروا من أولياء ~~الله ورسوله وإبن كلاب واتباعه بنوا ذلك على أن الولاية صفة قديمة لذات ~~الله وهي الإرادة والمحبة والرضا ونحو ذلك فمعناها إرادة اثابته بعد الموت ~~وهذا المعنى تابع لعلم الله فمن علم أنه يموت مؤمنا لم يزل وليا لله لأنه ~~لم يزل الله مريدا لإدخاله الجنة وكذلك العداوة # وأما الجمهور فيقولون الولاية والعداوة وإن تضمنت محبة الله ورضاه وبغضه ~~وسخطه فهو سبحانه يرضى عن الإنسان ويحبه بعد أن يؤمن ويعمل صالحا وانما ~~يسخط عليه ويغضب بعد أن يكفر كما قال تعالى @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه @QE@ فأخبر أن الأعمال اسخطته وكذلك قال @QB@ فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم @QE@ قال المفسرون اغضبونا وكذلك قال الله تعالى @QB@ ~~وإن تشكروا يرضه لكم @QE@ وفى الحديث الصحيح الذي في البخاري عن ابى هريرة ~~عن النبي أنه قال يقول الله تعالى ( من عادى لي وليا فقد بارزنى بالمحاربة ~~وما تقرب الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي PageV07P442 يسمع به وبصره ~~الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها فبى يسمع وبى يبصر ~~وبي يبطش وبي يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن إستعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن ~~شيء انا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد ~~له منه ( # فأخبر أنه لا يزال يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه ثم قال فإذا أحببته كنت ~~كذا وكذا وهذا يبين أن حبه لعبده إنما يكون بعد أن يأتي بمحابه والقرآن قد ~~دل على مثل ذلك قال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~@QE@ فقوله @QB@ يحببكم @QE@ جواب الأمر في قوله فإتبعونى وهو بمنزلة ~~الجزاء مع الشرط ولهذا جزم وهذا ثواب عملهم وهو اتباع الرسول فأثابهم على ~~ذلك بأن أحبهم وجزاء الشرط وثواب العمل ومسبب السبب لا يكون إلا بعده لا ~~قبله وهذا كقوله تعالى @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ وقوله ms2173 تعالى @QB@ يا ~~قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ ومثل هذا كثير وكذلك قوله @QB@ فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم إن الله يحب المتقين @QE@ وقوله @QB@ لم تقولون ما لا تفعلون كبر ~~مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا كأنهم بنيان مرصوص @QE@ وكانوا قد سألوه لو علمنا أي العمل أحب إلى ~~الله لعملناه # وقوله @QB@ إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون @QE@ PageV07P443 فهذا يدل على أن حبه ومقته ~~جزاء لعملهم وأنه يحبهم إذا اتقوا وقاتلوا ولهذا رغبهم في العمل بذلك كما ~~يرغبهم بسائر ما يعدهم به وجزاء العمل بعد العمل وكذلك قوله @QB@ إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون @QE@ فإنه سبحانه يمقتهم إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون ~~ومثل هذا قوله @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ~~ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا @QE@ فقوله @QB@ لقد ~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك @QE@ بين أنه رضي عنهم هذا الوقت فإن حرف ~~( إذ ( ظرف لما مضى من الزمان فعلم أنه ذاك الوقت رضي عنهم بسبب ذلك العمل ~~وأثابهم عليه والمسبب لا يكون قبل سببه والموقت بوقت لا يكون قبل وقته وإذا ~~كان راضيا عنهم من جهة فهذا الرضى الخاص الحاصل بالبيعة لم يكن إلا حينئذ ~~كما ثبت في الصحيح أنه يقول لأهل الجنة ( يا أهل الجنة هل رضيتم فيقولون يا ~~ربنا ومالنا لا نرضى وقد اعطيتنا ما لم تعط احدا من خلقك فيقول الا اعطيكم ~~ما هو أفضل من ذلك فيقولون يا ربنا واي شيء افضل من ذلك فيقول أحل عليكم ~~رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ( وهذا يدل على أنه في ذلك الوقت حصل لهم ~~هذا الرضوان الذي لا يتعقبه سخط أبدا ودل على أن غيره من الرضوان قد يتعقبه ~~سخط # ( وفي الصحيحين ( في ms2174 حديث الشفاعة يقول كل من الرسل ( ان ربي قد غضب ~~اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ( وفي ( الصحاح ( عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه PageV07P444 أنه قال ( لله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فطلبها ~~فلم يجدها فإضطجع ينتظر الموت فلما استيقظ إذا دابته عليها طعامه وشرابه ~~وفي رواية كيف تجدون فرحه بها قالوا عظيما يارسول الله قال لله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من هذا براحلته ( وكذلك ضحكه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ~~كلاهما يدخل الجنة وضحكه إلى الذي يدخل الجنة آخر الناس ويقول أتسخر بي ~~وأنت رب العالمين فيقول لا ولكني على ما أشاء قادر وكل هذا في ( الصحيح ( # وفى دعاء القنوت ( تولني فيمن توليت ( والقديم لا يتصور طلبه وقد قال ~~تعالى @QB@ إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين @QE@ وقال ~~@QB@ والله ولي المتقين @QE@ فهذا التولي لهم جزاء صلاحهم وتقواهم ومسبب ~~عنه فلا يكون متقدما عليه وإن كان إنما صاروا صالحين ومتقين بمشيئته وقدرته ~~وفضله واحسانه لكن تعلق بكونهم متقين وصالحين فدل على أن هذا التولي هو بعد ~~ذلك مثل كونه مع المتقين والصالحين بنصره وتأييده ليس ذلك قبل كونهم متقين ~~وصالحين وهكذا الرحمة قال ( الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض ~~يرحمكم من في السماء ( قال الترمذي حديث صحيح وكذلك قوله @QB@ وإن تشكروا ~~يرضه لكم @QE@ علق الرضا به تعليق الجزاء بالشرط والمسبب بالسبب والجزاء ~~إنما يكون بعد الشرط PageV07P445 وكذلك قوله @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله آمنين @QE@ يدل على أنه يشاء ذلك فيما بعد وكذلك قوله @QB@ إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ فإذا ( ظرف لما يستقبل من ~~الزمان فدل على أنه إذا أراد كونه قال له كن فيكون وكذلك قوله @QB@ وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم @QE@ فبين فيه أنه سيرى ذلك في المستقبل إذا عملوه # ( والمأخذ الثاني في الإ ستثناء ( أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر ~~الله به عبده ms2175 كله وترك المحرمات كلها فإذا قال الرجل أنا مؤمن بهذا ~~الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما ~~أمروا به وترك كل ما نهوا عنه فيكون من أولياء الله وهذا من تزكية الإنسان ~~لنفسه وشهادته لنفسه بما لا يعلم ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي له ~~أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة ~~فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال وهذا ~~مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر ~~كما سنذكره إن شاء الله تعالى # قال الخلال في ( كتاب السنة ( حدثنا سليمان بن الأشعث يعني أبا داود ~~السجستاني قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل قال له رجل قيل لي أمؤمن أنت ~~قلت نعم هل علي في ذلك شيء هل الناس إلا مؤمن وكافر فغضب أحمد وقال هذا ~~كلام الارجاء قال الله تعالى @QB@ وآخرون مرجون لأمر الله @QE@ PageV07P446 ~~من هؤلاء ثم قال أحمد أليس الإيمان قولا وعملا قال له الرجل بلى قال فجئنا ~~بالقول قال نعم قال فجئنا بالعمل قال لا قال فكيف تعيب أن يقول إن شاء الله ~~ويستثني # قال أبو داود أخبرني أحمد بن أبي شريح أن أحمد بن حنبل كتب إليه في هذه ~~المسألة أن الإيمان قول وعمل فجئنا بالقول ولم نجيء بالعمل فنحن نستثني في ~~العمل وذكر الخلال هذا الجواب من رواية الفضل بن زياد وقال زاد الفضل سمعت ~~أبا عبد الله يقول كان سليمان بن حرب يحمل هذا على التقبل يقول نحن نعمل ~~ولا ندري يتقبل منا أم لا # قلت والقبول متعلق بفعله كما أمر فكل من اتقى الله في عمله ففعله كما أمر ~~فقد تقبل منه لكن هو لا يجزم بالقبول لعدم جزمه بكمال الفعل كما قال تعالى ~~@QB@ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة @QE@ قالت عائشة يا رسول الله أهو ~~الرجل يزنى ويسرق ويشرب الخمر ويخاف فقال لا يا بنت الصديق بل هو الرجل ms2176 ~~يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يتقبل منه # وروى الخلال عن أبي طالب قال سمعت أبا عبد الله يقول لا نجد بدا من ~~الاستثناء لأنهم إذا قالوا مؤمن فقد جاء بالقول فانما الاستثناء بالعمل لا ~~بالقول # وعن إسحاق بن إبراهيم قال سمعت أبا عبد الله يقول أذهب إلى حديث ~~PageV07P447 إبن مسعود في الاستثناء في الإيمان لأن الإيمان قول وعمل ~~والعمل الفعل فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكون فرطنا في العمل فيعجبني أن ~~يستثني في الإيمان بقول أنا مؤمن إن شاء الله قال وسمعت أبا عبد الله وسئل ~~عن قول النبي ( وانا إن شاء الله بكم لاحقون ( الاستثناء ها هنا على أي شيء ~~يقع قال على البقاع لا يدري أيدفن في الموضع الذي سلم عليه أم في غيره # وعن الميموني أنه سأل أبا عبد الله عن قوله ورأيه في مؤمن إن شاء الله ~~قال أقول مؤمن إن شاء الله ومؤمن أرجو لأنه لا يدري كيف البراءة للأعمال ~~على ما افترض عليه أم لا ومثل هذا كثير في كلام أحمد وأمثاله وهذا مطابق ~~لما تقدم من أن المؤمن المطلق هو القائم بالواجبات المستحق للجنة إذا مات ~~على ذلك وان المفرط بترك المأمور أو فعل المحظور لا يطلق عليه أنه مؤمن وأن ~~المؤمن المطلق هو البر التقي ولي الله فإذا قال أنا مؤمن قطعا كان كقوله ~~أنا بر تقي ولي الله قطعا # وقد كان أحمد وغيره من السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره أمؤمن أنت ~~ويكرهون الجواب لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم فإن الرجل ~~يعلم من نفسه أنه ليس بكافر بل يجد قلبه مصدقا بما جاء به الرسول فيقول أنا ~~مؤمن فيثبت أن الإيمان هو التصديق لأنك تجزم بأنك مؤمن ولا تجزم بأنك فعلت ~~كل ما أمرت به فلما علم السلف PageV07P448 مقصدهم صاروا يكرهون الجواب أو ~~يفصلون في الجواب وهذا لأن لفظ ( الإيمان ( فيه اطلاق وتقييد فكانوا يجيبون ~~بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم أنه شاهد فيه لنفسه بالكمال ولهذا ms2177 كان ~~الصحيح أنه يجوز أن يقال أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك لكن ينبغي أن ~~يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل ولهذا كان أحمد يكره ~~أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه # وقال المروذي قيل لأبي عبد الله نقول نحن المؤمنون فقال نقول نحن ~~المسلمون وقال أيضا قلت لأبي عبد الله نقول إنا مؤمنون قال ولكن نقول إنا ~~مسلمون ومع هذا فلم ينكر على من ترك الاستثناء إذا لم يكن قصده قصد المرجئة ~~ان الإيمان مجرد القول بل يكره تركه لما يعلم أن في قلبه إيمانا وإن كان لا ~~يجزم بكمال إيمانه # قال الخلال أخبرني أحمد بن اصرم المزني أن أبا عبد الله قيل له إذا سألني ~~الرجل فقال أمؤمن أنت قال سؤالك إياي بدعة لا يشك في إيمانه أو قال لا نشك ~~في إيماننا # قال المزني وحفظي أن أبا عبد الله قال أقول كما قال طاووس آمنت بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله PageV07P449 # وقال الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل وابو ~~داود قال أبو داود سمعت أحمد قال سمعت سفيان يعني إبن عيينة يقول إذا سئل ~~أمؤمن أنت لم يجبه ويقول سؤالك إياي بدعة ولا اشك في إيماني وقال إن قال إن ~~شاء الله فليس يكره ولا يداخل الشك فقد اخبر عن أحمد أنه قال لا نشك في ~~إيماننا وان السائل لا يشك في إيمان المسئول وهذا ابلغ وهو إنما يجزم بأنه ~~مقر مصدق بما جاء به الرسول لا يجزم بأنه قائم بالواجبات # فعلم أن أحمد وغيره من السلف كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب ~~من الإيمان في هذه الحال ويجعلون الاستثناء عائدا إلى الايمان المطلق ~~المتضمن فعل المأمور ويحتجون أيضا بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه وهذا ( ~~مأخذ ثان ( وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان فالاستثناء فيما يعلم ~~وجوده قد جاءت به السنة لما فيه من الحكمة # وعن محمد بن الحسن بن هارون قال سألت أبا عبد الله عن الاستثناء ms2178 في ~~الإيمان فقال نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافة واحتياطا للعمل وقد ~~استثنى بن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري قال الله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله @QE@ وقال النبي لأصحابه ( اني لأرجو أن أكون أتقاكم ~~لله ( وقال في الميت ( وعليه تبعث ان شاء الله ( فقد بين أحمد أنه يستثني ~~مخافة واحتياطا للعمل فإنه يخاف أن لا يكون قد كمل المأمور به فيحتاط ~~بالاستثناء وقال على غير معنى شك يعني من غير PageV07P450 شك مما يعلمه ~~الإنسان من نفسه وإلا فهو يشك في تكميل العمل الذي خاف أن لا يكون كمله ~~فيخاف من نقصه ولا يشك في أصله # قال الخلال وأخبرني محمد بن أبي هارون أن حبيش بن سندي حدثهم في هذه ~~المسألة قال أبو عبد الله قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على ~~المقابر فقال ( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ( وقد نعيت إليه نفسه وعلم أنه ~~صائر إلى الموت وفى قصة صاحب القبر ( وعليه حييت وعليه مت وعليه تبعث إن ~~شاء الله ( وفى قول النبي ( إني اختبأت دعوتي وهى نائلة إن شاء الله من لا ~~يشرك بالله شيئا ( وفى مسألة الرجل النبي صلى الله عليه وسلم أحدنا يصبح ~~جنبا يصوم فقال ( اني أفعل ذلك ثم أصوم ( فقال إنك لست مثلنا أنت قد غفر ~~الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال ( والله اني لأرجو ان أكون اخشاكم ~~لله ( وهذا كثير وأشباهه على اليقين # قال ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان فقال له قول وعمل يزيد وينقص فقال له ~~اقول مؤمن إن شاء الله قال نعم فقال له انهم يقولون لي إنك شاك قال بئس ما ~~قالوا ثم خرج فقال ردوه فقال أليس يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص قال ~~نعم قال هؤلاء يستثنون قال له كيف يا أبا عبد الله قال قل لهم زعمتم أن ~~الإيمان قول وعمل فالقول قد أتيتم به والعمل لم تأتوا به فهذا الاستثناء ~~لهذا العمل قيل له PageV07P451 يستثني في الإيمان ms2179 قال نعم أقول أنا مؤمن إن ~~شاء الله استثني على اليقين لا على الشك ثم قال قال الله @QB@ لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين @QE@ فقد اخبر الله تعالى انهم داخلون ~~المسجد الحرام # فقد بين أحمد في كلامه أنه يستثني مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه يقوله ~~بلسانه وقلبه لا يشك في ذلك ويستثني لكون العمل من الإيمان وهو لا يتيقن ~~أنه أكمله بل يشك في ذلك فنفى الشك وأثبت اليقين فيما يتيقنه من نفسه وأثبت ~~الشك فيما لا يعلم وجوده وبين أن الاستثناء مستحب لهذا الثاني الذي لا يعلم ~~هل أتى به أم لا وهو جائز أيضا لما يتيقنه فلو استثنى لنفس الموجود في قلبه ~~جاز كقول النبى صلى الله عليه وسلم ( والله اني لأرجو أن أكون اخشاكم لله ( ~~وهذا أمر موجود في الحال ليس بمستقبل وهو كونه اخشانا فإنه لا يرجو أن يصير ~~اخشانا لله بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول اخشانا لله كما يرجو المؤمن ~~إذا عمل عملا أن يكون الله تقبله منه ويخاف أن لا يكون تقبله منه كما قال ~~تعالى @QB@ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون @QE@ ~~وقال النبى ( هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ان لا يقبل منه ( والقبول ~~هو أمر حاضر أو ماض وهو يرجوه ويخافه وذلك أن ماله عاقبة مستقبلة محمودة أو ~~مذمومة والإنسان يجوز وجوده وعدمه يقال أنه يرجوه وأنه يخافه فتعلق الرجاء ~~والخوف بالحاضر والماضي لأن عاقبته المطلوبة والمكروهة مستقبلة فهو يرجو أن ~~يكون الله تقبل عمله فيثيبه عليه فيرحمه في المستقبل ويخاف أن لا يكون ~~PageV07P452 تقبله فيحرم ثوابه كما يخاف أن يكون الله قد سخط عليه في ~~معصيته فيعاقبه عليها # وإذا كان الإنسان يسعى فيما يطلبه كتاجر أو بريد أرسله في حاجته يقضيها ~~في بعض الأوقات فإذا مضى ذلك الوقت يقول أرجو أن يكون فلان قد قضى ذلك ~~الأمر وقضاؤه ماض لكن ما يحصل لهذا من الفرح والسرور وغير ذلك من مقاصده ~~مستقبل ms2180 ويقول الإنسان في الوقت الذي جرت عادة الحاج بدخولهم إلى مكة أرجو ~~أن يكونوا دخلوا ويقول في سرية بعثت إلى الكفار نرجو أن يكون الله قد نصر ~~المؤمنين وغنمهم ويقال في نيل مصر عند وقت ارتفاعه نرجو أن يكون قد صعد ~~النيل كما يقول الحاضر في مصر مثل هذا الوقت نرجو أن يكون النيل في هذا ~~العام نيلا مرتفعا ويقال لمن له أرض يحب أن تمطر إذا مطرت بعض النواحي أرجو ~~أن يكون المطر عاما وارجو أن تكون قد مطرت الأرض الفلانية وذلك لأن المرجو ~~هو ما يفرح بوجوده ويسره فالمكروه ما يتألم # بوجوده وهذا يتعلق بالعلم والعلم بذلك مستقبل فإذا علم أن المسلمين ~~إنتصروا والحجاج قد دخلوا أو المطر قد نزل فرح بذلك وحصل به مقاصد آخر له ~~وإذا كان الأمر بخلاف ذلك لم يحصل ذلك المحبوب المطلوب فيقول ارجو واخاف ~~لأن المحبوب والمكروه متعلق بالعلم بذلك وهو مستقبل وكذلك المطلوب بالإيمان ~~من السعادة والنجاة هو أمر مستقبل فيستثنى في الحاضر بذلك لأن المطلوب به ~~مستقبل ثم كل مطلوب مستقبل تعلق بمشيئة الله PageV07P453 وإن جزم بوجوده ~~لأنه لا يكون مستقبل إلا بمشيئة الله # فقولنا يكون هذا إن شاء الله حق فإنه لا يكون إلا ان شاء الله والشك ~~واللفظ ليس فيه إلا التعليق وليس من ضرورة التعليق الشك بل هذا بحسب علم ~~المتكلم فتارة يكون شاكا وتارة لا يكون شاكا فلما كان الشك يصحبها كثيرا ~~لعدم علم الإنسان بالعواقب ظن الظان أن الشك داخل في معناها وليس كذلك ~~فقوله @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله @QE@ لا يتصور فيه شك من الله ~~بل ولا من رسوله المخاطب والمؤمنين ولهذا قال ثعلب هذا استثناء من الله وقد ~~علمه والخلق يستثنون فيما لا يعلمون وقال أبو عبيدة وبن قتيبة إن إن بمعنى ~~إذ أي إذ شاء الله ومقصوده بهذا تحقيق الفعل ب ( ان ( كما يتحقق مع إذ وإلا ~~فإذا ظرف توقيت و ( إن ( حرف تعليق # فإن قيل فالعرب تقول إذا احمر البسر ms2181 فأتني ولا تقول ان احمر البسر # قيل لأن المقصود هنا توقيت الاتيان بحين احمراره فأتوا بالظرف المحقق ~~ولفظ ( إن ( لا يدل على توقيت بل هي تعليق محض تقتضي ارتباط الفعل الثاني ~~بالأول ونظير ما نحن فيه أن يقولوا البسر يحمر ويطيب إن شاء الله وهذا حق ~~فهذا نظير ذلك # فإن قيل فطائفة من الناس فروا من هذا المعنى وجعلوا الاستثناء لأمر مشكوك ~~فيه فقال الزجاج @QB@ لتدخلن المسجد الحرام @QE@ أي امركم PageV07P454 الله ~~به وقيل الاستثناء يعود إلى الأمن والخوف أي لتدخلنه آمنين فأما الدخول فلا ~~شك فيه وقيل لتدخلن جميعكم أو بعضكم لأنه علم أن بعضهم يموت فالاستثناء ~~لأنهم لم يدخلوا جميعهم قيل كل هذه الأقوال وقع اصحابها فيما فروا منه مع ~~خروجهم عن مدلول القرآن فحرفوه تحريفا لم ينتفعوا به فإن قول من قال أي ~~أمركم الله به هو سبحانه قد علم هل يأمرهم أو لا يأمرهم فعلمه بأنه سيأمرهم ~~بدخوله كعلمه بأن سيدخلوا فعلقوا الاستثناء بما لم يدل عليه اللفظ وعلم ~~الله متعلق بالمظهر والمضمر جميعا وكذلك أمنهم وخوفهم هو يعلم أنهم يدخلون ~~آمنين أو خائفين وقد اخبر أنهم يدخلون آمنين مع علمه بأنهم يدخلون آمنين ~~فكلاهما لم يكن فيه شك عند الله بل ولا عند رسوله وقول من قال جميعهم أو ~~بعضهم يقال المعلق بالمشيئة دخول من أريد باللفظ فإن كان أراد الجميع ~~فالجميع لابد أن يدخلوه وان أريد الاكثر كان دخولهم هو المعلق بالمشيئة وما ~~لم يرد لا يجوز أن يعلق ب ( إن ) وإنما علق ب ( إن ) ما سيكون وكان هذا ~~وعدا مجزوما به ولهذا لما قال عمر للنبي عام الحديبية ألم تكن تحدثنا أنا ~~نأتي البيت ونطوف به قال ( بلى قلت لك إنك تأتيه هذا العام ( قال لا قال ( ~~فانك آتيه ومطوف به ( # فإن قيل لم لم يعلق غير هذا من مواعيد القرآن # قيل لأن هذه الآية نزلت بعد مرجع النبى واصحابه PageV07P455 من الحديبية ~~وكانوا قد اعتمروا ذلك العام وإجتهدوا في الدخول فصدهم المشركون فرجعوا ~~وبهم ms2182 من الألم ما لا يعلمه الا الله فكانوا منتظرين لتحقيق هذا الوعد ذلك ~~العام إذ كان النبى وعدهم وعدا مطلقا وقد روي أنه رأى في المنام قائلا يقول ~~@QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله @QE@ فأصبح فحدث الناس برؤياه ~~وأمرهم بالخروج إلى العمرة فلم تحصل لهم العمرة ذلك العام فنزلت هذه الآية ~~واعدة لهم بما وعدهم به الرسول من الأمر الذي كانوا يظنون حصوله ذلك العام # وكان قوله ( إن شاء الله ( هنا تحقيقا لدخوله وأن الله يحقق ذلك لكم كما ~~يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله لا محالة والله لأفعلن كذا إن شاء الله ~~لا يقولها لشك في إرادته وعزمه بل تحقيقا لعزمه وإرادته فإنه يخاف إذا لم ~~يقل إن شاء الله أن ينقض الله عزمه ولا يحصل ما طلبه كما في ( الصحيحين ( ~~أن سليمان عليه السلام قال والله لأطوفن الليلة على مائة امرأة كل منهن ~~تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له صاحبه قل إن شاء الله فلم يقل فلم ~~تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق رجل قال النبي ( والذي نفسي بيده لو قال ان ~~شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون ( فهو إذا قال إن شاء الله لم ~~يكن لشك في طلبه وإرادته بل لتحقيق الله ذلك له إذ الأمور لا تحصل إلا ~~بمشيئة الله فإذا تألى العبد عليه من غير تعليق بمشيئته لم يحصل مراده فإنه ~~من يتألى على الله يكذبه ولهذا يروى ( لا أتممت لمقدر أمرا PageV07P456 # وقيل لبعضهم بماذا عرفت ربك قال بفسخ العزائم ونقض الهمم وقد قال تعالى ~~@QB@ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله @QE@ فإن قوله ~~لأفعلن فيه معني الطلب والخبر وطلبه جازم وأما كون مطلوبه يقع فهذا يكون إن ~~شاء الله وطلبه للفعل يجب أن يكون من الله بحوله وقوته ففي الطلب عليه أن ~~يطلب من الله وفى الخبر لا يخبر إلا بما علمه الله فاذا جزم بلا تعليق كان ~~كالتألي على الله فيكذبه الله فالمسلم في ms2183 الأمر الذي هو عازم عليه ومريد له ~~وطالب له طلبا لا تردد فيه يقول إن شاء الله لتحقيق مطلوبه وحصول ما أقسم ~~عليه لكونه لا يكون إلا بمشيئة الله لا لتردد في إرادته والرب تعالى مريد ~~لانجاز ما وعدهم به إرادة جازمة لا مثنوية فيها وما شاء فعل فانه سبحانه ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن ليس كالعبد الذي يريد ما لا يكون ويكون ما لا ~~يريد # فقوله سبحانه ( ان شاء الله ( تحقيق ان ما وعدتكم به يكون لا محالة ~~بمشيئتى وإرادتي فان ما شئت كان وما لم أشأ لم يكن فكان الاستثناء هنا لقصد ~~التحقيق لكونهم لم يحصل لهم مطلوبهم الذي وعدوا به ذلك العام وأما سائر ما ~~وعدوا به فلم يكن كذلك # ولهذا تنازع الفقهاء فيمن أراد باستثنائه في اليمين هذا المعنى وهو ~~التحقيق في استثنائه لا التعليق هل يكون مستثنيا به أم تلزمه الكفارة اذا ~~حنث بخلاف من ترددت إرادته فانه يكون مستثنيا بلا نزاع والصحيح أنه ~~PageV07P457 يكون في الجميع مستثنيا لعموم المشيئة ولأن الرجل وإن كانت ~~إرادته للمحلوف به جازمة فقد علقه بمشيئة الله فهو يجزم بإرادته له لا يجزم ~~بحصول مراده ولا هو أيضا مريد له بتقدير أن لا يكون فان هذا تمييز لا ارادة ~~فهو إنما التزمه اذا شاء الله فاذا لم يشأه لم يلتزمه بيمينه ولا حلف أنه ~~يكون وان كانت إرادته له جازمة فليس كل ما أريد التزم باليمين فلا كفارة ~~عليه # وقد تبين بما ذكرناه أن قول القائل ( إن شاء الله ( يكون مع كمال إرادته ~~في حصول المطلوب وهو يقولها لتحقيق المطلوب لاستعانته بالله في ذلك لا لشك ~~في الارادة هذا فيما يحلف عليه ويريده كقوله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد ~~الحرام @QE@ فانه خبر عما أراد الله كونه وهو عالم بأن سيكون وقد علقه ~~بقوله ( إن شاء الله ( فكذلك ما يخبر به الإنسان عن مستقبل أمره مما هو ~~جازم بارادته وجازم بوقوعه فيقول فيه إن شاء الله لتحقيق وقوعه لا للشك ms2184 لا ~~في إرادته ولا في العلم بوقوعه # ولهذا يذكر الاستثناء عند كمال الرغبة في المعلق وقوة إرادة الانسان له ~~فتبقى خواطر الخوف تعارض الرجاء فيقول إن شاء الله لتحقيق رجائه مع علمه ~~بأن سيكون كما يسأل الله ويدعوه في الأمر الذي قد علم أنه يكون كما كان ~~النبى يوم بدر قد أخبرهم بمصارع المشركين ثم هو بعد هذا يدخل إلى العريش ~~يستغيث ربه ويقول ( اللهم انجز لي ما وعدتني ( لأن العلم بما يقدره لا ~~ينافى أن يكون قدره بأسباب والدعاء من اعظم PageV07P458 أسبابه كذلك رجاء ~~رحمة الله وخوف عذابه من اعظم الأسباب في النجاة من عذابه وحصول رحمته # والاستثناء بالمشيئة يحصل في الخبر المحض وفي الخبر الذي معه طلب فالأول ~~اذا حلف على جملة خبرية لا يقصد به حضا ولا منعا بل تصديقا أو تكذيبا كقوله ~~والله ليكونن كذا إن شاء الله أو لا يكون كذا والمستثني قد يكون عالما بأن ~~هذا يكون أو لا يكون كما في قوله ( لتدخلن ( فإن هذا جواب غير محذوف # ( والثاني ( ما فيه معني الطلب كقوله والله لأفعلن كذا أو لا افعله إن ~~شاء الله فالصيغة صيغة خبر ضمنها الطلب ولم يقل والله إني لمريد هذا ولا ~~عازم عليه بل قال والله ليكونن فاذا لم يكن فقد حنث لوقوع الأمر بخلاف ما ~~حلف عليه فحنث فاذا قال إن شاء الله فانما حلف عليه بتقدير ان يشاء الله لا ~~مطلقا # ولهذا ذهب كثير من الفقهاء إلى أنه متى لم يوجد المحلوف عليه حنث أو متى ~~وجد المحلوف عليه أنه لا يفعله حنث سواء كان ناسيا أو مخطئا أو جاهلا فانهم ~~لحظوا أن هذا في معنى الخبر فاذا وجد بخلاف مخبره فقد حنث وقال الآخرون بل ~~هذا مقصوده الحض والمنع كالأمر والنهي ومتي نهي الانسان عن شيء ففعله ناسيا ~~أو مخطئا لم يكن مخالفا فكذلك هذا PageV07P459 قال الأولون فقد يكون في ~~معنى التصديق والتكذيب كقوله والله ليقعن المطر أو لا يقع وهذا خبر محض ليس ~~فيه حض ms2185 ولا منع ولو حلف على اعتقاده فكان الأمر بخلاف ما حلف عليه حنث ~~وبهذا يظهر الفرق بين الحلف على الماضي والحلف على المستقبل فان اليمين علي ~~الماضي غير منعقدة فاذا أخطأ فيها لم يلزمه كفارة كالغموس بخلاف المستقبل ~~وليس عليه أن يستثني في المستقبل اذا كان فعله قال تعالى @QB@ زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله ~~يسير @QE@ فأمره أن يقسم على ما سيكون وكذلك قوله @QB@ وقال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم @QE@ كما أمره أن يقسم على الحاضر في ~~قوله @QB@ ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق @QE@ وقد قال النبي ( ~~والذي نفسي بيده لينزلن فيكم بن مريم حكما عدلا واماما مقسطا ( وقال ( ~~والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل ~~فيما قتل ولا المقتول فيما قتل ( وقال ( اذا هلك كسرى أو ليهلك كسرى ثم لا ~~يكون كسرى بعده واذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن ~~كنوزهما في سبيل الله ( وكلاهما في ( الصحيح ( # فأقسم صلوات الله وسلامه عليه على المستقبل في مواضع كثيرة بلا إستثناء ~~والله سبحانه وتعالى أعلم # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~PageV07P460 ### || 1 ( الإيمان الأوسط ) 1 # ! 8 < وقال الشيخ العالم العامل الورع الناسك شيخ الاسلام بقية السلف ~~الكرام ( أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي رحمه الله ! ~~8 < ### ||| فصل # ( # تضمن حديث سؤال النبى عن ( الاسلام ( و ( الايمان ( و ( الاحسان ( وجوابه ~~عن ذلك وقوله في آخر الحديث ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ( # فجعل هذا كله من الدين # وللناس في ( الاسلام ( و ( الإيمان ( من الكلام الكثير مختلفين تارة ~~ومتفقين أخرى ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك وهذا يكون بأن تبين ~~الأصول المعلومة المتفق عليها ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع ~~فيها # فنقول ما علم ب الكتاب والسنة والاجماع وهو من المنقول نقلا متواترا ms2186 ~~PageV07P461 عن النبى بل هو من المعلوم بالإضطرار من دين الإسلام دين النبى ~~أن الناس كانوا على عهده بالمدينة ( ثلاثة أصناف ( مؤمن وكافر مظهر للكفر ~~ومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر # ولهذا التقسيم أنزل الله في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة فأنزل ~~اربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في صفة ~~المنافقين # فقوله تعالى @QB@ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم ~~يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ في صفة المؤمنين # وقوله @QB@ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~@QE@ الآيتين في صفة الكفار الذين يموتون كفارا وقوله @QB@ ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ الآيات في صفة ~~المنافقين إلى أن ضرب لهم مثلين أحدهما بالنار والآخر بالماء كما ضرب المثل ~~بهذين للمؤمنين في قوله تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~@QE@ الآية PageV07P462 # واما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلا مؤمن أو كافر لم يكن هناك منافق فإن ~~المسلمين كانوا مستضعفين فكان من آمن آمن باطنا وظاهرا ومن لم يؤمن فهو ~~كافر فلما هاجر النبى إلى المدينة وصار للمؤمنين بها عز وانصار ودخل جمهور ~~اهلها في الإسلام طوعا واختيارا كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم من ~~أظهر الاسلام موافقة رهبة أو رغبة وهو في الباطن كافر وكان رأس هؤلاء عبد ~~الله بن أبي بن سلول وقد نزل فيه وفي امثاله من المنافقين آيات # والقرآن يذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع كما ذكرهم في سورة البقرة ~~وآل عمران والنساء والمائدة وسورة العنكبوت والأحزاب وكان هؤلاء في اهل ~~المدينة والبادية كما قال تعالى @QB@ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن ~~أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم @QE@ وكان في المنافقين ~~من هو في الأصل من المشركين وفيهم من هو في الأصل من اهل الكتاب # وسورة الفتح والقتال والحديد والمجادلة والحشر ms2187 والمنافقين بل عامة السور ~~المدنية يذكر فيها المنافقين قال تعالى في سورة آل عمران @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو ~~كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا @QE@ إلى قوله @QB@ وليعلم ~~المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا @QE@ PageV07P463 الآيات وقال فيها أيضا @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم @QE@ إلى قوله ~~@QB@ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل ~~موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون ~~محيط @QE@ # وقال تعالى في سورة النساء @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن ~~يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وقال @QB@ فما لكم في المنافقين فئتين والله ~~أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق @QE@ ~~الآيات # وقال @QB@ بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا @QE@ إلى ~~قوله PageV07P464 @QB@ إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ~~الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من ms2188 المؤمنين فالله يحكم @QE@ ~~إلى قوله @QB@ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا @QE@ إلى قوله ~~@QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف ~~يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما @QE@ # وقال تعالى في سورة المائدة @QB@ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون ~~في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم @QE@ إلى قوله @QB@ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ~~يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين @QE@ # وقال تعالى @QB@ وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا ~~به والله أعلم بما كانوا يكتمون وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ~~وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون @QE@ PageV07P465 # وقال تعالى @QB@ يا ~~أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من ~~قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ إلى قوله @QB@ ترى كثيرا منهم ~~يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب ~~هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ~~ولكن كثيرا منهم فاسقون @QE@ # وأما ( سورة براءة ( فأكثرها في وصف المنافقين وذمهم ولهذا سميت الفاضحة ~~والمبعثرة وهي نزلت عام تبوك وكانت تبوك سنة تسع من الهجرة وكانت غزوة تبوك ~~آخر مغازي النبى التى غزاها بنفسه وتميز فيها من المنافقين من تميز فذكر ~~الله من صفاتهم ms2189 ما ذكره في هذه السورة وقد قال تعالى في سورة النور @QB@ ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين @QE@ إلى قوله @QB@ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى ~~الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون @QE@ ~~الآيات # وقال تعالى في سورة العنكبوت @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا ~~أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا ~~كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا ~~وليعلمن المنافقين @QE@ PageV07P466 # وقال تعالى في سورة الاحزاب @QB@ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما @QE@ وذكر فيه شأنهم في ~~الاحزاب وذكر من أقوال المنافقين وجبنهم وهلعهم كما قال تعالى @QB@ وإذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا @QE@ ~~إلى قوله @QB@ قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ~~ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ~~تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ~~أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله ~~يسيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا @QE@ إلى قوله @QB@ ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات @QE@ وقال تعالى في ~~سورة القتال @QB@ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو ~~نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم @QE@ إلى ما في السورة من نحو ذلك PageV07P467 # وقال تعالي في سورة الفتح @QB@ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع ms2190 إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما ~~حكيما ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا @QE@ وقال تعالى في سورة ~~الحديد @QB@ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ~~بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ~~يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم @QE@ # وقال في سورة المجادلة @QB@ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون ~~لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤوك حيوك بما ~~لم يحيك به الله @QE@ إلى قوله @QB@ ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم ~~عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله فلهم عذاب مهين @QE@ PageV07P468 إلى آخر السورة وقوله @QB@ ما هم ~~منكم ولا منهم @QE@ كقوله @QB@ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ~~@QE@ وقال النبي ( مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى ~~هذه مرة والى هذه مرة ( وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون ~~لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم ~~أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا ~~يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ~~ينصرون لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله @QE@ الآية وقد ذكر في سورة ~~المنافقين ms2191 في قوله @QB@ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ إلى آخر ~~السورة # و ( المقصود ( بيان كثرة ما في القرآن من ذكر المنافقين واوصافهم و ( ~~المنافقون ( هم في الظاهر مسلمون وقد كان المنافقون على عهد النبى يلتزمون ~~احكام الإسلام الظاهرة لا سيما في آخر الأمر ما لم يلتزمه كثير من ~~المنافقين الذين من بعدهم لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف تحقيقا ~~لقوله تعالى @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله @QE@ PageV07P469 ولهذا قال حذيفة بن اليمان وكان من أعلم الصحابة ~~بصفات المنافقين واعيانهم وكان النبى قد اسر إليه عام تبوك اسماء جماعة من ~~المنافقين بأعيانهم فلهذا كان يقال هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره ويروى ~~أن عمر بن الخطاب لم يكن يصلى على أحد حتى يصلى عليه حذيفة لئلا يكون من ~~المنافقين الذين نهى عن الصلاة عليهم قال حذيفة رضي الله عنه النفاق اليوم ~~اكثر منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى رواية كانوا على عهد ~~النبى يسرونه واليوم يظهرونه وذكر البخارى في صحيحه عن بن أبي مليكة قال ~~أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه وقد اخبر الله عن ~~المنافقين أنهم يصلون ويزكون وأنه لا يقبل ذلك منهم # وقال تعالى @QB@ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين ~~وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون @QE@ وقد كانوا يشهدون مع ~~النبى مغازيه كما شهد عبد الله بن أبي بن سلول وغيره من المنافقين ( الغزوة ~~( التى قال فيها عبد الله بن أبي ( لئن رجعنا إلى المدينة PageV07P470 ~~ليخرجن الأعز منها الأذل ( وأخبر بذلك زيد بن أرقم النبى وكذبه قوم حتى ~~أنزل الله ms2192 القرآن بتصديقه # والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى ( مؤمن ( و ( منافق ( كافر في ~~الباطن مع كونه مسلما في الظاهر وإلى كافر باطنا وظاهرا # ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ ( الزنديق ( وشاعت في لسان ~~الفقهاء وتكلم الناس في الزنديق هل تقبل توبته في الظاهر إذا عرف بالزندقة ~~ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته فمذهب مالك وأحمد في اشهر الروايتين عنه ~~وطائفة من أصحاب الشافعي وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة أن توبته لا ~~تقبل والمشهور من مذهب الشافعي قبولها كالرواية الأخرى عن أحمد وهو القول ~~الآخر في مذهب أبي حنيفة ومنهم من فصل # والمقصود هنا أن ( الزنديق ( في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان ~~على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره سواء ~~أبطن دينا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم أو كان معطلا جاحدا ~~للصانع والمعاد والأعمال الصالحة # ومن الناس من يقول ( الزنديق ( هو الجاحد المعطل وهذا يسمى PageV07P471 ~~الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة ونقلة مقالات الناس ولكن ~~الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول لأن مقصودهم هو التمييز بين ~~الكافر وغير الكافر والمرتد وغير المرتد ومن أظهر ذلك أو أسره وهذا الحكم ~~يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة ~~فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما اخبر بزيادة الإيمان بقوله ( انما النسيء ~~زيادة في الكفر ( وتارك الصلاة وغيرها من الأركان أو مرتكبى الكبائر كما ~~أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله @QB@ الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب @QE@ # فهذا ( اصل ( ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب فإن كثيرا ممن تكلم في ~~( مسائل الايمان والكفر ( لتكفير أهل الأهواء لم يلحظوا هذا الباب ولم ~~يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص ~~المتواترة والاجماع المعلوم بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن تدبر ~~هذا علم أن كثيرا من اهل الأهواء والبدع ms2193 قد يكون مؤمنا مخطئا جاهلا ضالا عن ~~بعض ما جاء به الرسول وقد يكون منافقا زنديقا يظهر خلاف ما يبطن # وهنا ( أصل آخر ( وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام ~~دون الإيمان فقال تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم @QE@ PageV07P472 # وقال تعالي في قصة قوم ~~لوط @QB@ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين @QE@ وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإيمان ~~والإسلام واحد وعارضوا بين الآيتين وليس كذلك بل هذه الآية توافق الآية ~~الأولى لأن الله أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنا وأنه لم يجد إلا اهل بيت ~~من المسلمين # وذلك لأن امرأة لوط كانت في اهل البيت الموجودين ولم تكن من المخرجين ~~الذين نجوا بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب وكانت في الظاهر مع ~~زوجها على دينه وفى الباطن مع قومها على دينهم خائنة لزوجها تدل قومها على ~~إضيافه كما قال الله تعالى فيها @QB@ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح ~~وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما @QE@ وكانت ~~خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش فإنه ما بغت امرأة نبى قط إذ ( نكاح ~~الكافرة ( قد يجوز في بعض الشرائع ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع وهن ~~الكتابيات وأما ( نكاح البغي ( فهو دياثة وقد صان الله النبى عن أن يكون ~~ديوثا ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب ~~PageV07P473 # و ( المقصود ( أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة ولم تكن من الناجين المخرجين ~~فلم تدخل في قوله @QB@ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين @QE@ وكانت من اهل ~~البيت المسلمين وممن وجد فيه ولهذا قال تعالى @QB@ فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين @QE@ وبهذا تظهر حكمة القرآن حيث ذكر الايمان لما اخبر ~~بالاخراج وذكر الإسلام لما اخبر بالوجود وأيضا ms2194 فقد قال تعالى @QB@ إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات @QE@ ففرق بين هذا وهذا فهذه ثلاثة ~~مواضع في القرآن # و ( أيضا ( فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال ( اعطى رسول الله ~~رجالا ولم يعط رجلا فقلت يا رسول الله اعطيت فلانا وتركت فلانا وهو مؤمن ~~فقال أو مسلم قال ثم غلبني ما أجد فقلت يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ~~وتركت فلانا وهو مؤمن فقال أو مسلم مرتين أو ثلاثا وذكر في تمام الحديث أنه ~~يعطى رجالا ويدع من هو أحب إليه منهم خشية أن يكبهم الله في النار على ~~مناخرهم ( # قال الزهري فكانوا يرون أن الاسلام الكلمة والايمان العمل فأجاب سعدا ~~بجوابين ( أحدهما ( أن هذا الذي شهدت له بالايمان قد يكون مسلما لا مؤمنا ( ~~الثاني ( إن كان مؤمنا وهو أفضل من أولئك فأنا قد أعطى من هو أضعف إيمانا ~~لئلا يحمله الحرمان على الردة فيكبه الله في PageV07P474 النار على وجهه ~~وهذا من اعطاء المؤلفة قلوبهم # وحينئذ فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الاسلام دون الايمان هل هم ~~المنافقون الكفار في الباطن أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الايمان هذا مما ~~تنازع فيه أهل العلم على اختلاف أصنافهم فقالت طائفة من اهل الحديث والكلام ~~وغيرهم بل هم المنافقون الذين استسلموا وانقادوا في الظاهر ولم يدخل إلى ~~قلوبهم شيء من الايمان # واصحاب هذا القول قد يقولون الاسلام المقبول هو الايمان ولكن هؤلاء ~~أسلموا ظاهرا لا باطنا فلم يكونوا مسلمين في الباطن ولم يكونوا مؤمنين ~~وقالوا إن الله سبحانه يقول @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~@QE@ بيانه كل مسلم مؤمن فما ليس من الاسلام فليس مقبولا يوجب أن يكون ~~الايمان منه وهؤلاء يقولون كل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن اذا كان مسلما في ~~الباطن وأما الكافر المنافق في الباطن فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين ~~للثواب بإتفاق المسلمين # ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها ولا عند أحد من طوائف ~~المسلمين إلا عند طائفة من المرجئة وهم الكرامية ms2195 الذين قالوا أن الايمان هو ~~مجرد التصديق في الظاهر فاذا فعل ذلك كان مؤمنا وان كان مكذبا في الباطن ~~وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة فنازعوا في اسمه لا في PageV07P475 حكمه ~~ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة وهو غلط عليهم ومع هذا ~~فتسميتهم له مؤمنا بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة واجماع سلف الأمة ~~وهذه البدعة الشنعاء هي التى إنفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم # قال الجمهور من السلف والخلف بل هؤلاء الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان ~~قد لا يكونون كفارا في الباطن بل معهم بعض الإسلام المقبول وهؤلاء يقولون ~~الاسلام اوسع من الإيمان فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا ويقولون في قول ~~النبى ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( أنه يخرج من الإيمان إلى ~~الإسلام ودوروا للإسلام دارة ودوروا للإيمان دارة أصغر منها في جوفها ~~وقالوا إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر # ودليل ذلك أن الله تبارك وتعالى قال @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا ~~يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ~~والله بكل شيء عليم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله ~~يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين @QE@ PageV07P476 # فقد قال تعالى @QB@ لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم @QE@ وهذا الحرف أي ( لما ( ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم ~~يوجد بعد فيقول لمن ينتظر غائبا أي ( لما ( ويقول قد جاء لما يجئ بعد فلما ~~قالوا ( آمنا ( قيل ( لم تؤمنوا ( بعد بل الإيمان مرجو منتظر منهم ثم قال ~~@QB@ وإن ms2196 تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم @QE@ أي لا ينقصكم من أعمالكم ~~المثبتة ( شيئا ( أي في هذه الحال فإنه لو أرادوا طاعة الله ورسوله بعد ~~دخول الإيمان في قلوبهم لم يكن في ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم إذ كان من ~~المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله وهم كانوا مقرين به فإذا ~~قيل لهم المطاع يثاب والمراد به المؤمن الذي يعرف أنه مؤمن لم يكن فيه ~~فائدة جديدة # و ( أيضا ( فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد اخبر عنهم لما يدخل في قلوبهم ~~وقيل لهم @QB@ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا @QE@ فلو ~~لم يكونوا في هذه الحال مثابين على طاعة الله ورسوله لكان خلاف مدلول ~~الخطاب فبين ذلك أنه وصف المؤمنين الذين اخرج هؤلاء منهم فقال تعالى @QB@ ~~إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ PageV07P477 وهذا نعت محقق ~~الإيمان لا نعت من معه مثقال ذرة من إيمان كما في قوله تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك ~~هم المؤمنون حقا @QE@ وقوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين ~~يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله @QE@ ومنه قوله ( لا يزنى ~~الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( وامثال ذلك # فدل البيان على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب هو هذا الإيمان الذي ~~نفي عن فساق اهل القبلة الذين لا يخلدون في النار بل قد يكون مع أحدهم ~~مثقال ذرة من إيمان ونفى هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد صاحبه ~~في النار # وبتحقق ( هذا المقام ( يزول الاشتباه في هذا الموضع ويعلم أن في المسلمين ~~قسما ليس هو منافقا محضا في الدرك الأسفل من النار وليس هو من المؤمنين ~~الذين قيل فيهم @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ms2197 سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ ولا من ~~الذين قيل فيهم @QB@ أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ فلا هم منافقون ولا هم ~~PageV07P478 من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقا ولا من الذين يدخلون الجنة بلا ~~عقاب بل له طاعات ومعاص وحسنات وسيئات ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في ~~النار وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار وهذا القسم قد يسميه بعض الناس ~~الفاسق الملي وهذا مما تنازع الناس في إسمه وحكمه والخلاف فيه أول خلاف ظهر ~~في الإسلام في مسائل ( أصول الدين ( # فنقول لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان وسار على بن أبي طالب إلى ~~العراق وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل ثم يوم صفين ما هو ~~مشهور خرجت ( الخوارج ( المارقون على الطائفتين جميعا وكان النبى قد أخبر ~~بهم وذكر حكمهم قال الإمام أحمد صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وهذه ~~العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لاحمد وروى البخاري منها عدة أوجه وروى ~~أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه آخر # ومن أصح حديثهم حديث علي بن أبي طالب وابي سعيد الخدري ففي الصحيحين عن ~~علي بن أبي طالب أنه قال إذا حدثتكم عن رسول الله حديثا فوالله لأن أخر من ~~السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه وإن حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن ~~الحرب خدعة واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( سيخرج قوم في ~~آخر الزمان PageV07P479 احداث الاسنان سفهاء الاحلام يقولون من خير قول ~~البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ~~فأينما لقيتموهم فإقتلوهم فإن في قتلهم اجرا عند الله لمن قتلهم يوم ~~القيامة ( # وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال بعث علي بن أبي طالب إلى النبى من اليمن ~~بذهيبة في ادم مقروض لم تحصل من ترابها فقال فقسمها بين أربعة نفر فقال رجل ~~من اصحابه كنا أحق بهذا من هؤلاء قال فبلغ ذلك النبى فقال ( الا تأمنوني ~~وانا امين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ms2198 ومساءا ( قال فقام رجل ~~غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الازار ~~فقال يا رسول الله اتق الله فقال ( ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ~~( قال ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله الا اضرب عنقه فقال ( ~~لا لعله أن يكون يصلي ( قال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ~~فقال رسول الله ( اني لم أومر أن انقب عن قلوب الناس ولا اشق بطونهم ( قال ~~ثم نظر إليه وهو مقف فقال ( انه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا ~~لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية قال أظنه قال ~~لئن ادركتهم لأقتلنهم قتل عاد ( اللفظ لمسلم PageV07P480 ولمسلم في بعض ~~الطرق عن أبي سعيد ( أن النبى ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من ~~الناس سيماهم التحليق ثم قال شر الخلق أو من شر الخلق يقتلهم ادنى ~~الطائفتين إلى الحق ( قال أبو سعيد أنتم قتلتموهم يا اهل العراق وفى لفظ له ~~( تقتلهم اقرب الطائفتين إلى الحق ( وهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن ~~أبي بكرة أن النبى قال للحسن بن علي ( ان ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين ~~طائفتين عظيمتين من المؤمنين ( فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة وأن ~~اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن كان أحب إلى الله سبحانه ورسوله من ~~اقتتالهما وأن إقتتالهما وإن لم يكن مأمورا به فعلى بن أبي طالب وأصحابه ~~أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه وأن قتال الخوارج مما أمر به صلى الله ~~عليه وسلم ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة # وهؤلاء الخوارج لهم اسماء يقال لهم ( الحرورية ( لأنهم خرجوا بمكان يقال ~~له حروراء ويقال لهم ( أهل النهروان ( لأن عليا قاتلهم هناك ومن أصنافهم ( ~~الاباضية ( أتباع عبد الله بن اباض و ( الأزارقة ( اتباع نافع بن الأزرق و ~~( النجدات ( أصحاب نجدة الحروري وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بل بما ~~يرونه هم من الذنوب واستحلوا ms2199 دماء أهل القبلة بذلك فكانوا كما نعتهم النبى ~~PageV07P481 ( يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان ( وكفروا علي بن أبي ~~طالب وعثمان بن عفان ومن والاهما وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله ~~قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في ~~العبادة لكن كانوا جهالا فارقوا السنة والجماعة فقال هؤلاء ما الناس إلا ~~مؤمن أو كافر والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات فمن لم يكن ~~كذلك فهو كافر مخلد في النار ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك فقالوا أن ~~عثمان وعليا ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفارا # ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة فإن الله سبحانه أمر ~~بقطع يد السارق دون قتله ولو كان كافرا مرتدا لوجب قتله لأن النبى قال ( من ~~بدل دينه فإقتلوه ( وقال ( لا يحل دم إمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد ~~إسلام وزنى بعد احصان أو قتل نفس يقتل بها ( وأمر سبحانه أن يجلد الزاني ~~والزانية مائة جلدة ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما وأمر سبحانه بأن يجلد ~~قاذف المحصنة ثمانين جلدة ولو كان كافرا لأمر بقتله وكان النبى صلى الله ~~عليه وسلم يجلد شارب الخمر ولم يقتله بل قد ثبت عنه في صحيح البخارى وغيره ~~أن رجلا كان يشرب الخمر وكان إسمه عبد الله حمارا وكان يضحك النبى وكان ~~كلما أتي به إليه جلده فأتي به إليه مرة فلعنه رجل فقال النبى PageV07P482 ~~( لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ( فنهي عن لعنه بعينه وشهد له بحب الله ~~ورسوله مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما # وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب في ( الثالثة ( و ( ~~الرابعة ( منسوخ لأن هذا أتي به ثلاث مرات وقد أعيى الأئمة الكبار جواب هذا ~~الحديث ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز فيجوز أن يقال يجوز قتله إذا رأى ~~الإمام المصلحة في ذلك فان ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حدا مقدرا في ~~أصح قولي العلماء ms2200 كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدي الروايتين بل الزيادة ~~على الأربعين إلى الثمانين ترجع إلى إجتهاد الإمام فيفعلها عند المصلحة ~~كغيرها من أنواع التعزير وكذلك صفة الضرب فانه يجوز جلد الشارب بالجريد ~~والنعال وأطراف الثياب بخلاف الزاني والقاذف فيجوز أن يقال قتله في الرابعة ~~من هذا الباب # و ( أيضا ( فإن الله سبحانه قال @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ~~إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم @QE@ فقد وصفهم بالإيمان والأخوة ~~وأمرنا بالاصلاح بينهم # فلما شاع في الأمة أمر ( الخوارج ( تكلمت الصحابة فيهم ورووا عن ~~PageV07P483 النبى صلى الله عليه وسلم الأحاديث فيهم وبينوا ما في القرآن ~~من الرد عليهم وظهرت بدعتهم في العامة فجاءت بعدهم ( المعتزلة ( الذين ~~اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري وهم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء ~~الغزال وأتباعهما فقالوا أهل الكبائر مخلدون في النار كما قالت الخوارج ولا ~~نسميهم لا مؤمنين ولا كفارا بل فساق ننزلهم منزلة بين منزلتين وأنكروا ~~شفاعة النبى لأهل الكبائر من أمته وأن يخرج من النار بعد أن يدخلها قالوا ~~ما الناس إلا رجلان سعيد لا يعذب أو شقى لا ينعم والشقى نوعان كافر وفاسق ~~ولم يوافقوا الخوارج على تسميتهم كفارا # وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج فيقال لهم كما أنهم قسموا ~~الناس إلى مؤمن لا ذنب له وكافر لا حسنة له قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له ~~وإلى كافر وفاسق لا حسنة له فلو كانت حسنات هذا كلها محبطة وهو مخلد في ~~النار لإستحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق كما يستحقها المرتد فان ~~هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق وقد قال تعالى في كتابه @QB@ إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ فجعل ما دون ذلك الشرك ~~معلقا بمشيئته # ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب فإن التائب لا فرق ms2201 في حقه بين ~~PageV07P484 الشرك وغيره كما قال سبحانه في الآية الأخرى @QB@ قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~@QE@ فهنا عمم وأطلق لأن المراد به التائب وهناك خص وعلق # وقال تعالى @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات ~~عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وقالوا ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة ~~من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب @QE@ # فقد قسم سبحانه الأمة التى أورثها الكتاب واصطفاها ( ثلاثة أصناف ( ظالم ~~لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث ~~المذكورة في حديث جبريل ( الاسلام ( و ( الايمان ( و ( الاحسان ( كما ~~سنذكره ان شاء الله ومعلوم أن الظالم لنفسه ان أريد به من اجتنب الكبائر ~~والتائب من جميع الذنوب فذلك مقتصد أو سابق فانه ليس أحد من بنى آدم يخلو ~~عن ذنب لكن من تاب كان مقتصدا أو سابقا كذلك من اجتنب الكبائر كفرت عنه ~~السيئات كما قال تعالى @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم @QE@ فلابد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة ولو بعد عذاب ~~يطهر من الخطايا فان النبى ( ( ذكر أن ما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب ~~مما يجزئ به ويكفر عنه خطاياه كما في الصحيحين PageV07P485 عنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ( أنه قال ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا ~~غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه ( وفى المسند ~~وغيره أنه لما نزلت هذه الآية @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ قال أبو بكر ~~يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا فقال ( يا أبا بكر ألست ~~تنصب ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء فذلك مما تجزون به ( # و ( أيضا ( فقد تواترت الأحاديث عن النبى ms2202 ( ( في أنه يخرج أقوام من النار ~~بعد ما دخلوها وأن النبى ( ( يشفع في أقوام دخلوا النار وهذه الأحاديث حجة ~~على الطائفتين ( الوعيدية ( الذين يقولون من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج ~~منها وعلى ( المرجئة الواقفة ( الذين يقولون لا ندرى هل يدخل من أهل ~~التوحيد النار أحد أم لا كما يقول ذلك طوائف من الشيعة والأشعرية كالقاضى ~~أبى بكر وغيره وأما ما يذكر عن ( غلاة المرجئة ( أنهم قالوا لن يدخل النار ~~من أهل التوحيد أحد فلا نعرف قائلا مشهورا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه ~~هذا القول # و ( أيضا ( فان النبى ( ( قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ~~ورسوله ونهى عن لعنته ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ~~ذلك وأيضا فان الذين قذفوا عائشة أم PageV07P486 المؤمنين كان فيهم مسطح بن ~~اثاثة وكان من أهل بدر وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر أن لا يصله @QB@ ~~ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم @QE@ ~~وان قيل ان مسطحا وأمثاله تابوا لكن الله لم يشرط في الأمر بالعفو عنهم ~~والصفح والاحسان اليهم التوبة وكذلك حاطب بن أبى بلتعة كاتب المشركين ~~باخبار النبى ( ( فلما أراد عمر قتله قال النبى ( ( أنه قد شهد بدرا وما ~~يدريك ان الله قد أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ( # وكذلك ثبت عنه ( ( في الصحيح أنه قال ( لا يدخل النار أحد بايع تحت ~~الشجرة ( وهذه النصوص تقتضى أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات ولم يشترط مع ~~ذلك توبة والا فلا اختصاص لأولئك بهذا والحديث يقتضى المغفرة بذلك العمل ~~واذا قيل ان هذا لأن أحدا من أولئك لم يكن له الا صغائر لم يكن ذلك من ~~خصائصه أيضا وان هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم و ( أيضا ( ~~قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة ~~أسباب # ( أحدها ms2203 ( التوبة وهذا متفق عليه بين المسلمين قال تعالى PageV07P487 ~~@QB@ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم @QE@ وقال تعالي @QB@ ألم يعلموا ~~أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات @QE@ ~~وأمثال ذلك # ( السبب الثاني ( الإستغفار كما في الصحيحين عن النبى أنه قال ( إذا أذنب ~~عبد ذنبا فقال أي رب أذنبت ذنبا فاغفر لي فقال علم عبدي أن له ربا يغفر ~~الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي رب أذنبت ذنبا آخر ~~فاغفره لي فقال ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ~~فليفعل ما شاء قال ذلك في الثالثة أو الرابعة ( وفي صحيح مسلم عنه أنه قال ~~( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم ( # وقد يقال على هذا الوجه الإستغفار هو مع التوبة كما جاء في حديث ( ما أصر ~~من إستغفر وإن عاد في اليوم مائة مرة ( وقد يقال بل الإستغفار بدون التوبة ~~ممكن واقع وبسط هذا له موضع آخر فإن هذا الإستغفار إذا كان مع التوبة مما ~~يحكم به عام في كل تائب وان لم يكن مع التوبة فيكون في حق بعض المستغفرين ~~الذين قد يحصل لهم عند الإستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الذنوب كما في ~~حديث البطاقة بأن قول لا إله PageV07P488 إلا الله ثقلت بتلك السيئات لما ~~قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات وكما غفر للبغي بسقي الكلب ~~لما حصل في قلبها إذ ذاك من الإيمان وأمثال ذلك كثير # ( السبب الثالث ( الحسنات الماحية كما قال تعالى @QB@ وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات @QE@ وقال صلى الله عليه ~~وسلم ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما ~~بينهن إذا إجتنبت الكبائر ( وقال ( من صام رمضان إيمانا ms2204 وإحتسابا غفر له ما ~~تقدم من ذنبه ( وقال ( من قام ليلة القدر إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم ~~من ذنبه ( وقال من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه ( وقال ( فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام ~~والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( وقال ( من أعتق رقبة مؤمنة ~~أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه ( وهذه الأحاديث ~~وأمثالها في الصحاح وقال ( الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ~~والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ( # وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا الحسنات انما تكفر الصغائر فقط فأما ~~الكبائر فلا تغفر الا بالتوبة كما قد جاء في بعض الأحاديث ( ما اجتنبت ~~الكبائر ( فيجاب عن هذا بوجوه PageV07P489 # ( أحدها ( أن هذا الشرط جاء في الفرائض كالصلوات الخمس والجمعة وصيام شهر ~~رمضان وذلك ان الله تعالى يقول @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم @QE@ فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات واما ~~الأعمال الزائدة من التطوعات فلابد أن يكون لها ثواب آخر فان الله سبحانه ~~يقول @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ # ( الثانى ( أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بان المغفرة قد تكون ~~مع الكبائر كما في قوله ( ( غفر له وان كان فر من الزحف ( وفى السنن ( ~~أتينا رسول الله ( ( في صاحب لنا قد أوجب فقال اعتقوا عنه يعتق الله بكل ~~عضو منه عضوا منه من النار ( وفى الصحيحين في حديث أبى ذر ( وان زنا وان ~~سرق ( # الثالث ( أن قوله لأهل بدر ونحوهم ( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ( ان ~~حمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم ~~فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أن الكفر لا يغفر الا ~~بالتوبة لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر # ( الرابع ( أنه قد جاء في غير حديث ( أن أول ما يحاسب عليه ms2205 العبد من ~~PageV07P490 عمله يوم القيامة الصلاة فان أكملها والا قيل أنظروا هل له من ~~تطوع فان كان له تطوع أكملت به الفريضة ثم يصنع بسائر أعماله كذلك ( ومعلوم ~~أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب فان ترك المستحب لا يحتاج إلى ~~جبران ولأنه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك والمفعول فعلم أنه يكمل ~~نقص الفرائض من التطوعات وهذا لا ينافى من أن الله لا يقبل النافلة حتى ~~تؤدى الفريضة مع أن هذا لو كان معارضا للأول لوجب تقديم الأول لأنه أثبت ~~وأشهر وهذا غريب رفعه وانما المعروف أنه في وصية أبى بكر لعمر وقد ذكره ~~أحمد في ( رسالته في الصلاة ( # وذلك لأن قبول النافلة يراد به الثواب عليها ومعلوم أنه لا يثاب على ~~النافلة حتى تؤدى الفريضة فانه اذا فعل النافلة مع نقص الفريضة كانت جبرا ~~لها واكمالا لها فلم يكن فيها ثواب نافلة ولهذا قال بعض السلف النافلة لا ~~تكون الا لرسول الله ( ( لأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ~~وغيره يحتاج إلى المغفرة وتأول على هذا قوله @QB@ ومن الليل فتهجد به نافلة ~~لك @QE@ وليس اذا فعل نافلة وضيع فريضة تقوم النافلة مقام الفريضة مطلقا بل ~~قد تكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب النافلة # فان قيل العبد اذا نام عن صلاة أو نسيها كان عليه أن يصليها اذا ذكرها ~~بالنص والاجماع فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء قيل هذا خطأ فان ~~قيل هذا يقال في جميع مسقطات العقاب فيقال اذا كان العبد PageV07P491 يمكنه ~~رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل ومعلوم أن العبد عليه أن يفعل المأمور ~~ويترك المحظور لأن الاخلال بذلك سبب للذم والعقاب وان جاز مع اخلاله أن ~~يرتفع العقاب بهذه الأسباب كما عليه أن يحتمى من السموم القاتلة وان كان مع ~~تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية والله عليم حكيم رحيم أمرهم ~~بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم ثم اذا وقعوا في أسباب الهلاك ms2206 لم يؤيسهم من ~~رحمته بل جعل لهم أسبابا يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم ولهذا قيل ان ~~الفقيه كل الفقيه الذى لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصى ~~الله ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب قال بعضهم لشيخه إنى أذنب قال تب ~~قال ثم أعود قال تب قال ثم أعود قال تب قال إلى متى قال إلى أن تحزن ~~الشيطان وفى المسند عن على عن النبى ( ( أنه قال ( ان الله يحب العبد ~~المفتن التواب ( # وأيضا فان من نام عن صلاة أو نسيها فصلاته اذا استيقظ أو ذكرها كفارة لها ~~تبرأ بها الذمة من المطالبة ويرتفع عنه الذم والعقاب ويستوجب بذلك المدح ~~والثواب وأما ما يفعله من التطوعات فلا نعلم القدر الذى يقوم ثوابه مقام ~~ذلك ولو علم فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات ثم اذا قدر أنه أمر بما ~~يقوم مقام ذلك صار واجبا فلا يكون تطوعا والتطوعات شرعت لمزيد التقرب إلى ~~الله كما قال تعالى في الحديث الصحيح ( ما تقرب إلى عبدى بمثل اداء ما ~~افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ( الحديث ~~PageV07P492 فاذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود ~~النوافل ولا يظلمه الله فان الله لا يظلم مثقال ذرة بل يقيمها مقام نظيرها ~~من الفرائض كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء فان وفاهم وتطوع ~~لهم كان عادلا محسنا وان وفاهم ولم يتطوع كان عادلا وان أعطاهم ما يقوم ~~مقام دينهم وجعل ذلك تطوعا كان غالطا في جعله بل يكون من الواجب الذى ~~يستحقونه # ومن العجب أن ( المعتزلة ( يفتخرون بأنهم أهل ( التوحيد ( و ( العدل ( ~~وهم في توحيدهم نفوا الصفات نفيا يستلزم التعطيل والإشراك وأما ( العدل ~~الذي وصف الله به نفسه ( فهو أن لا يظلم مثقال ذرة وأنه من يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وهم يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه ~~حابطا بذنب واحد من الكبائر وهذا من الظلم ms2207 الذي نزه الله نفسه عنه فكان وصف ~~الرب سبحانه بالعدل الذي وصف به نفسه أولى من جعل العدل هو التكذيب بقدر ~~الله ( الخامس ( إن الله لم يجعل شيئا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر كما أنه ~~لم يجعل شيئا يحبط جميع السيئات إلا التوبة و ( المعتزلة مع الخوارج ( ~~يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان قال الله تعالي @QB@ ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ فعلق الحبوط بالموت على الكفر وقد ~~ثبت أن هذا ليس بكافر والمعلق بشرط يعدم عند عدمه وقال تعالى PageV07P493 ~~@QB@ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله @QE@ وقال تعالى لما ذكر الأنبياء ~~@QB@ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ~~ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون @QE@ وقال @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين @QE@ ~~مطابق لقوله تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به @QE@ فإن الإشراك إذا ~~لم يغفر وأنه موجب للخلود في النار لزم من ذلك حبوط حسنات صاحبه ولما ذكر ~~سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال وقوله @QB@ ذلك بأنهم ~~اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم @QE@ لأن ذلك كفر وقوله ~~تعالى @QB@ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون @QE@ لأن ذلك قد يتضمن الكفر ~~فيقتضي الحبوط وصاحبه لا يدري كراهية أن يحبط أو خشية أن يحبط فنهاهم عن ~~ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضى للحبوط # ولا ريب أن المعصية قد تكون سببا للكفر كما قال بعض السلف المعاصى بريد ~~الكفر فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط كما قال تعالى @QB@ فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ وإبليس ~~خالف أمر الله فصار كافرا وغيره أصابه عذاب أليم # وقد إحتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى @QB@ إنما يتقبل الله من ~~المتقين @QE@ PageV07P494 قالوا فصاحب الكبيرة ms2208 ليس من المتقين فلا يتقبل ~~الله منه عملا فلا يكون له حسنة وأعظم الحسنات الإيمان فلا يكون معه إيمان ~~فيستحق الخلود في النار وقد أجابتهم المرجئة بأن المراد بالمتقين من يتقى ~~الكفر فقالوا لهم إسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب كقوله ~~تعالى @QB@ إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر @QE@ وأيضا ~~فابنا آدم حين قربا قربانا لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافرا وإنما ~~كفر بعد ذلك إذ لو كان كافرا لم يتقرب وأيضا فما زال السلف يخافون من هذه ~~الآية ولو أريد بها من يتقى الكفر لم يخافوا وأيضا فإطلاق لفظ المتقين ~~والمراد به من ليس بكافر لا أصل له في خطاب الشارع فلا يجوز حمله عليه # ( والجواب الصحيح ( أن المراد من إتقى الله في ذلك العمل كما قال الفضيل ~~بن عياض في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال أخلصه وأصوبه ~~قيل يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا ~~لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا ~~والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة فمن عمل لغير الله كأهل ~~الرياء لم يقبل منه ذلك كما في الحديث الصحيح يقول الله عز وجل ( أنا أغنى ~~الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيرى فأنا بريء منه وهو كله ~~للذي أشركه ( وقال في الحديث الصحيح ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا ~~صدقة من غلول ( وقال ( لا يقبل الله صلاة PageV07P495 حائض إلا بخمار ( ~~وقال في الحديث الصحيح ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ( أي فهو مردود ~~غير مقبول فمن إتقى الكفر وعمل عملا ليس عليه أمر النبى صلى الله عليه وسلم ~~لم يقبل منه وإن صلي بغير وضوء لم يقبل منه لأنه ليس متقيا في ذلك العمل ~~وإن كان متقيا للشرك # وقد قال تعالى @QB@ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم ~~راجعون @QE@ وفى حديث ms2209 عائشة عن النبى أنها قالت ( يا رسول الله أهو الرجل ~~يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب قال لا يا إبنة الصديق ولكنه الرجل ~~يصلى ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه ( # وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه لخوفه أن لا يكون أتي بالعمل على ~~وجهه المأمور وهذا أظهر الوجوه في إستثناء من إستثنى منهم في الإيمان وفى ~~أعمال الإيمان كقول أحدهم أنا مؤمن إن شاء الله وصليت إن شاء الله لخوف أن ~~لا يكون آتى بالواجب على الوجه المأمور به لا على جهة الشك فيما بقلبه من ~~التصديق لا يجوز أن يراد بالآية إن الله لا يقبل العمل إلا ممن يتقى الذنوب ~~كلها لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيا فإن كان قبول العمل ~~مشروطا بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له إمتنع قبول التوبة بخلاف ما إذا ~~إشترط التقوى في العمل فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة وهو حين ~~شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير PageV07P496 لم يخلص من الذنب بل ~~هو متق في حال تخلصه منه و # ( أيضا ( فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة ثم تاب لوجب أن ~~تسقط سيئاته بالتوبة وتقبل منه تلك الحسنات وهو حين أتى بها كان فاسقا # و ( أيضا ( فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف وكذلك ~~الذمى إذا أسلم قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه فلو كان العمل لا ~~يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش ~~والمظالم بل يكون مع إسلامه مخلدا وقد كان الناس مسلمين على عهد رسول الله ~~ولهم ذنوب معروفة وعليهم تبعات فيقبل إسلامهم ويتوبون إلى الله سبحانه من ~~التبعات كما ثبت في الصحيح ( أن المغيرة بن شعبة لما أسلم وكان قد رافق ~~قوما في الجاهلية فغدر بهم وأخذ أموالهم وجاء فأسلم فلما جاء عروة بن مسعود ~~عام الحديبية والمغيرة قائم على رأس النبى صلى الله عليه وسلم ms2210 بالسيف دفعه ~~المغيرة بالسيف فقال من هذا فقالوا بن أختك المغيرة فقال يا غدر ألست أسعي ~~في غدرتك فقال النبي صلي الله عليه وسلم ( أما الاسلام فأقبله وأما المال ~~فلست منه في شيء ( وقد قال تعالى @QB@ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ~~فتطردهم فتكون من الظالمين @QE@ وقالوا PageV07P497 لنوح @QB@ أنؤمن لك ~~واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو ~~تشعرون @QE@ ولا نعرف أحدا من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له لا يصح ~~إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة # ( السبب الرابع ( الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على ~~جنازته فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما ~~من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شفعوا فيه ( ~~وعن إبن عباس قال سمعت رسول الله يقول ( ما من رجل مسلم يموت فيقوم على ~~جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه ( رواهما مسلم ~~وهذا دعاء له بعد الموت فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي ~~إجتنب الكبائر وكفرت عنه الصغائر وحده فإن ذلك مغفور له عند المتنازعين ~~فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت # ( السبب الخامس ( ما يعمل للميت من أعمال البر كالصدقة ونحوها فإن هذا ~~ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة وإتفاق الأئمة وكذلك العتق والحج بل ~~قد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ( وثبت ~~مثل ذلك في الصحيح من صوم النذر من PageV07P498 وجوه أخري ولا يجوز أن ~~يعارض هذا بقوله ( وان ليس للإنسان إلا ما سعى ( لوجهين # ( أحدهما ( أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ~~ينتفع بما ليس من سعيه كدعاء الملائكة وإستغفارهم له كما في قوله تعالى ~~@QB@ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ms2211 ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا @QE@ الآية ودعاء النبيين والمؤمنين وإستغفارهم كما في قوله ~~تعالى @QB@ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@ وقوله سبحانه @QB@ ومن الأعراب ~~من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ~~@QE@ وقوله عز وجل @QB@ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ وكدعاء ~~المصلين للميت ولمن زاروا قبره من المؤمنين # ( الثاني ( أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه وهذا حق ~~فإنه لا يملك ولا يستحق إلا سعي نفسه وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه ~~لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به كما أنه دائما يرحم عباده بأسباب ~~خارجة عن مقدورهم وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب يفعلها ~~العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب فيرحم الجميع كما في الحديث الصحيح عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ~~ملكا كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به آمين ولك PageV07P499 بمثل ( وكما ~~ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى ~~تدفن فله قيراطان أصغرهما مثل أحد ( فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه ~~له ويرحم الميت أيضا بدعاء هذا الحي له # ( السبب السادس ( شفاعة النبى وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة كما قد ~~تواترت عنه أحاديث الشفاعة مثل قوله في الحديث الصحيح ( شفاعتى لأهل ~~الكبائر من أمتى ( وقوله صلي الله عليه وسلم ( خيرت بين أن يدخل نصف أمتى ~~الجنة وبين الشفاعة فإخترت الشفاعة لأنها أعم وأكثر أترونها للمتقين لا ~~ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين ( # ( السبب السابع ( المصائب التى يكفر الله بها الخطايا في الدنيا كما في ~~الصحيحين عنه أنه قال ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا ~~غم ولا أذي حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ( # ( السبب الثامن ( ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا ~~مما يكفر به الخطايا PageV07P500 # ( السبب التاسع ( أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها # ( السبب ms2212 العاشر ( رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد فإذا ثبت أن ~~الذم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة كان دعواهم أن ~~عقوبات أهل الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك ### ||| فصل # ( فهذان القولان ( قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في ~~النار وقول من يخلدهم في النار ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة ~~ويقول ليس معهم من الإيمان شيء لم يذهب إليهما أحد من أئمة الدين أهل الفقه ~~والحديث بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع # وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة وقال لا أعلم أن أحدا ~~منهم يدخل النار هو أيضا من الأقوال المبتدعة بل السلف والأئمة متفقون على ~~ما تواترت به النصوص من أنه لابد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة ثم ~~يخرجون منها وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من PageV07P501 أهل القبلة ~~فهذا لا نعرفه قولا لأحد وبعده قول من يقول ما ثم عذاب أصلا وإنما هو تخويف ~~لا حقيقة له وهذا من أقوال الملاحدة والكفار # وربما إحتج بعضهم بقوله @QB@ ذلك يخوف الله به عباده @QE@ فيقال لهذا ~~التخويف إنما يكون تخويفا إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوف فإن لم يكن ~~هناك ما يمكن وقوعه إمتنع التخويف لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا ~~حقيقة له كما توهم الصبى الصغير ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخويف ~~للعقلاء المميزين لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف وهذا ~~شبيه بما تقول ( الملاحدة ( المتفلسفة والقرامطة ونحوهم من أن الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها ~~في الباطن وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة وما أظهروه ~~لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له فإنما يعلق لمصلحتهم في الدنيا ~~إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريقة # و ( هذا القول ( مع أنه معلوم الفساد بالضرورة من دين الرسل فلو كان ms2213 ~~الأمر كذلك لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك وإذا علموه زالت محافظتهم ~~على الأمر والنهي كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة من الإسماعيلية ~~والنصيرية ونحوهم فإن البارع منهم في العلم PageV07P502 والمعرفة يزول عنه ~~عندهم الأمر والنهي وتباح له المحظورات وتسقط عنه الواجبات فتظهر أضغانهم ~~وتنكشف أسرارهم ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطن حتى سموهم باطنية ~~لإبطانهم خلاف ما يظهرون فلو كان والعياذ بالله دين الرسل كذلك لكان خواصه ~~قد عرفوه وأظهروا باطنه وكان عند أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية ~~ومن المعلوم بالإضطرار أن الصحابة الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول ~~وظاهره وأخبر الناس بمقاصده ومراداته كانوا أعظم الأمة لزوما لطاعة أمره ~~سرا وعلانية ومحافظة على ذلك إلى الموت وكل من كان منهم إليه وبه أخص ~~وبباطنه أعلم كأبي بكر وعمر كانوا أعظمهم لزوما للطاعة سرا وعلانية ومحافظة ~~على أداء الواجب وإجتناب المحرم باطنا وظاهرا وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ~~ملاحدة المتصوفة الذين يجعلون فعل المأمور وترك المحظور واجبا على السالك ~~حتى يصير عارفا محققا في زعمهم وحينئذ يسقط عنه التكليف ويتأولون على ذلك ~~قوله تعالى @QB@ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ زاعمين أن اليقين هو ما ~~يدعونه من المعرفة واليقين هنا الموت وما بعده كما قال تعالى عن أهل النار ~~@QB@ وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما ~~تنفعهم شفاعة الشافعين @QE@ # قال الحسن البصري إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين أجلا دون الموت ~~PageV07P503 وتلا هذه الآية ومنه قوله لما توفى عثمان بن مظعون ( أما عثمان ~~بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه ( وهؤلاء قد يشهدون القدر أولا وهي ~~الحقيقة الكونية ويظنون أن غاية العارف أن يشهد القدر ويفنى عن هذا الشهود ~~وذلك المشهد لا تمييز فيه بين المأمور والمحظور ومحبوبات الله ومكروهاته ~~وأوليائه وأعدائه # وقد يقول أحدهم العارف شهد أولا الطاعة والمعصية ثم شهد طاعة بلا معصية ~~يريد بذلك طاعة القدر كقول بعض شيوخهم أنا كافر برب يعصي وقيل له عن بعض ~~الظالمين هذا ms2214 ماله حرام فقال إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة ثم ينتقلون ~~( إلى المشهد الثالث ( لا طاعة ولا معصية وهو مشهد أهل الوحدة القائلين ~~بوحدة الوجود وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية الصوفية كما أن القرمطة آخر ~~إلحاد الشيعة وكلا الإلحادين يتقاربان وفيهما من الكفر ما ليس في دين ~~اليهود والنصارى ومشركي العرب والله أعلم ### ||| فصل # ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والايمان نزاعا كثيرا منه لفظى ~~PageV07P504 وكثير منه معنوى فان أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ~~ذكرناه من الأحكام وان كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض ولكن تنازعوا ~~في الأسماء كتنازعهم في الايمان هل يزيد وينقص وهل يستثنى فيه أم لا وهل ~~الأعمال من الايمان أم لا وهل الفاسق الملى مؤمن كامل الايمان أم لا ~~والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف وهو مذهب أهل الحديث وهو ~~المنسوب إلى أهل السنة ان الايمان قول وعمل يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية وأنه يجوز الاستثناء فيه كما قال عمير بن حبيب الخطمى وغيره من ~~الصحابة الايمان يزيد وينقص فقيل له وما زيادته ونقصانه فقال اذا ذكرنا ~~الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته واذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه ~~فهذه الالفاظ المأثورة عن جمهورهم # وربما قال بعضهم وكثير من المتأخرين قول وعمل ونية وربما قال آخر قول ~~وعمل ونية واتباع السنة وربما قال قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل ~~بالأركان أى بالجوارح وروى بعضهم هذا مرفوعا إلى النبى ( ( في النسخة ~~المنسوبة إلى أبى الصلت الهروى عن على بن أبى موسى الرضا وذلك من الموضوعات ~~على النبى ( صلى الله عليه وسلم ( باتفاق أهل العلم بحديثه وليس بين هذه ~~العبارات اختلاف معنوى ولكن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السلف ~~يتناول قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح فقول اللسان PageV07P505 ~~بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين وهذا لا يسمى قولا الا بالتقييد كقوله ~~تعالى @QB@ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم @QE@ وكذلك عمل الجوارح بدون ~~أعمال القلوب هي من أعمال المنافقين التى لا ms2215 يتقبلها الله فقول السلف يتضمن ~~القول والعمل الباطن والظاهر لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النية ~~في ذلك قال بعضهم ونية ثم بين آخرون أن مطلق القول والعمل والنية لا يكون ~~مقبولا الا بموافقة السنة وهذا حق أيضا فان أولئك قالوا قول وعمل ليبينوا ~~اشتماله على الجنس ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال وكذلك قول من ~~قال اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح جعل القول والعمل اسما لما ~~يظهر فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب ولابد أن يدخل في قوله اعتقاد ~~القلب أعمال القلب المقارنة لتصديقه مثل حب الله وخشية الله والتوكل على ~~الله ونحو ذلك فان دخول أعمال القلب في الايمان أولى من دخول أعمال الجوارح ~~باتفاق الطوائف كلها # وكان بعض الفقهاء من اتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه ~~لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن ولم يجدوا ذكر النقص وهذا إحدى ~~الروايتين عن مالك والرواية الأخرى عنه وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم ~~أنه يزيد وينقص وبعضهم عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل فقال ~~أقول الإيمان يتفاضل ويتفاوت ويروى هذا عن إبن المبارك PageV07P506 وكان ~~مقصوده الاعراض عن لفظ وقع فيه النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته وأنكر حماد ~~بن أبى سليمان ومن إتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والإستثناء فيه ~~وهؤلاء من مرجئة الفقهاء وأما إبراهيم النخعى إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن ~~أبى سليمان وأمثاله ومن قبله من أصحاب إبن مسعود كعلقمة والأسود فكانوا من ~~أشد الناس مخالفة للمرجئة وكانوا يستثنون في الإيمان لكن حماد بن أبى ~~سليمان خالف سلفه وإتبعه من إتبعه ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن ~~بعدهم # ثم أن ( السلف والأئمة ( إشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول ~~فيهم ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ~~ذلك وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة ومن نقل عن ~~أحمد أو غيره من الأئمة ms2216 تكفيرا لهؤلاء أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع ~~في تكفيرهم فقد غلط غلطا عظيما والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو ~~تكفير الجهمية المشبهة وأمثال هؤلاء ولم يكفر أحمد ( الخوارج ( ولا ( ~~القدرية ( إذا أقروا بالعلم وأنكروا خلق الأفعال وعموم المشيئة لكن حكي عنه ~~في تكفيرهم روايتان # وأما ( المرجئة ( فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم مع أن أحمد لم يكفر ~~أعيان الجهمية ولا كل من قال إنه جهمي كفره ولا كل من وافق الجهمية في ~~PageV07P507 بعض بدعهم بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وإمتحنوا ~~الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة لم يكفرهم أحمد وأمثاله بل ~~كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى الإئتمام بهم في الصلوات خلفهم ~~والحج والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة ~~وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم وإن لم يعلموا هم أنه ~~كفر وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان فيجمع بين طاعة الله ورسوله ~~في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين وبين رعاية حقوق ~~المؤمنين من الأئمة والأمة وإن كانوا جهالا مبتدعين وظلمة فاسقين # وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبى سليمان وأبى حنيفة وغيرهما من فقهاء ~~الكوفة كانوا يجعلون قول اللسان وإعتقاد القلب من الإيمان وهو قول أبى محمد ~~بن كلاب وأمثاله لم يختلف قولهم في ذلك ولا نقل عنهم أنهم قالوا الإيمان ~~مجرد تصديق القلب # لكن هذا القول حكوه عن ( الجهم بن صفوان ( ذكروا أنه قال الإيمان مجرد ~~معرفة القلب وإن لم يقر بلسانه وإشتد نكيرهم لذلك حتى أطلق وكيع بن الجراح ~~وأحمد بن حنبل وغيرهما كفر من قال ذلك فإنه من أقوال الجهمية وقالوا إن ~~فرعون وإبليس وأبا طالب واليهود وأمثالهم عرفوا بقلوبهم وجحدوا بألسنتهم ~~فقد كانوا مؤمنين وذكروا قول الله @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا @QE@ PageV07P508 وقوله @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم @QE@ وقوله @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون @QE@ وقالوا إبليس لم يكذب خبرا ولم ms2217 يجحد فإن الله أمره بلا رسول ~~ولكن عصى وإستكبر وكان كافرا من غير تكذيب في الباطن وتحقيق هذا مبسوط في ~~غير هذا الموضع # وحدث بعد هؤلاء قول ( الكرامية ( أن الإيمان قول اللسان دون تصديق القلب ~~مع قولهم أن مثل هذا يعذب في الآخرة ويخلد في النار وقال أبو عبد الله ~~الصالحى أن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته لكن له لوازم فاذا ذهبت دل ~~ذلك على عدم تصديق القلب وان كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر كان ~~ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته وليس الكفر إلا تلك الخصلة ~~الواحدة وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة وهذا أشهر ~~قولي أبى الحسن الأشعري وعليه أصحابه كالقاضي أبى بكر وأبى المعالي ~~وأمثالهما ولهذا عدهم أهل المقالات من ( المرجئة ( والقول الآخر عنه كقول ~~السلف وأهل الحديث إن الإيمان قول وعمل وهو إختيار طائفة من أصحابه ومع هذا ~~فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الإستثناء في الإيمان # والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة والإستثناء عنده يعود إلى ذلك ~~PageV07P509 لا إلى الكمال والنقصان والحال وقد منع أن يطلق القول بأن ~~الإيمان مخلوق أو غير مخلوق وصنف في ذلك مصنفا معروفا عند أهل السنة في ( ~~كتاب المقالات ( وقال أنه يقول بقولهم # وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كأبى منصور الماتريدي وأمثاله ~~إلى نظير هذا القول في الأصل وقالوا إن الإيمان هو ما في القلب وأن القول ~~الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا لكن هؤلاء يقولون بالإستثناء ونحو ذلك كما ~~عرف من أصلهم وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة ~~والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال بعضه زال ~~جميعه وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال ~~النبى ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان ( # ثم قالت ( الخوارج والمعتزلة ( الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ~~ذهب بعض الإيمان فذهب سائره ms2218 فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من ~~الإيمان وقالت ( المرجئة والجهمية ( ليس الإيمان إلا شيئا واحدا لا يتبعض ~~إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة ~~قالوا لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءا منه فإذا ذهبت ذهب بعضه فيلزم ~~إخراج ذي الكبيرة من الإيمان وهو قول المعتزلة والخوارج لكن قد يكون له ~~لوازم ودلائل PageV07P510 فيستدل بعدمه على عدمه # وكان كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين حيث قالوا ~~الإيمان قول وعمل وقالوا مع ذلك لا يزول بزوال بعض الأعمال حتى أن إبن ~~الخطيب وأمثاله جعلوا الشافعي متناقضا في ذلك فإن الشافعي كان من أئمة ~~السنة وله في الرد على المرجئة كلام مشهور وقد ذكر في كتاب الطهارة من ( ~~الأم ( إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة فلما صنف إبن ~~الخطيب تصنيفا فيه وهو يقول في الإيمان بقول جهم والصالحي إستشكل قول ~~الشافعي ورآه متناقضا # وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة ~~فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين إذا زال ~~أحد جزأيه خرج عن كونه سكنجبينا قالوا فإذا كان الإيمان مركبا من أقوال ~~وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها وهذا قول الخوارج والمعتزلة ~~قالوا ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنا بما فيه من الإيمان كافرا بما فيه من ~~الكفر فيقوم به كفر وإيمان وإدعوا أن هذا خلاف الإجماع ولهذه الشبهة والله ~~أعلم إمتنع من إمتنع من أئمة الفقهاء أن يقول بنقصه كأنه ظن إذا قال ذلك ~~يلزم ذهابه كله بخلاف ما إذا زاد PageV07P511 ثم أن ( هذه الشبهة ( هي شبهة ~~من منع أن يكون في الرجل الواحد طاعة ومعصية لأن الطاعة جزء من الإيمان ~~والمعصية جزء من الكفر فلا يجتمع فيه كفر وإيمان وقالوا ما ثم إلا مؤمن محض ~~أو كافر محض ثم نقلوا حكم الواحد من الأشخاص إلى الواحد من الأعمال فقالوا ~~لا يكون العمل الواحد محبوبا من وجه مكروها من ms2219 وجه وغلا فيه أبو هاشم فنقله ~~إلى الواحد بالنوع فقال لا يجوز أن يكون جنس السجود أو الركوع أو غير ذلك ~~من الأعمال بعض أنواعه طاعة وبعضها معصية لأن الحقيقة الواحدة لا توصف ~~بوصفين مختلفين بل الطاعة والمعصية تتعلق بأعمال القلوب وهو قصد الساجد دون ~~عمله الظاهر وإشتد نكير الناس عليه في هذا القول وذكروا من مخالفته للإجماع ~~وجحده للضروريات شرعا وعقلا ما يتبين به فساده # وهؤلاء منتهى نظرهم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم في أنفسهم فيقولون ~~الإيمان من حيث هو هو والسجود من حيث هو هو لا يجوز أن يتفاضل ولا يجوز أن ~~يختلف وأمثال ذلك ولو اهتدوا لعلموا أن الأمور الموجودة في الخارج عن الذهن ~~متميزة بخصائصها وأن الحقيقة المجردة المطلقة لا تكون إلا في الذهن وأن ~~الناس إذا تكلموا في التفاضل والإختلاف فإنما تكلموا في تفاضل الأمور ~~الموجودة وإختلافها لا في تفاضل أمر مطلق مجرد في الذهن لا وجود له في ~~الخارج ومعلوم أن السواد مختلف فبعضه أشد من بعض وكذلك البياض وغيره من ~~الألوان وأما إذا قدرنا السواد المجرد المطلق PageV07P512 الذي يتصوره ~~الذهن فهذا لا يقبل الإختلاف والتفاضل لكن هذا هو في الأذهان لا في الأعيان # ومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائضين في أصول الفقه حيث أنكروا تفاضل ~~العقل أو الإيجاب أو التحريم وإنكار التفاضل في ذلك قول القاضي أبي بكر ~~وإبن عقيل وأمثالهما لكن الجمهور على خلاف ذلك وهو قول أبي الحسن التميمى ~~وأبى محمد البربهاري والقاضي أبى يعلي وأبى الخطاب وغيرهم وكذلك وقع نظير ~~هذا لأهل المنطق والفلسفة ولمن تابعهم من أهل الكلام والإتحاد في توحيد ~~واجب الوجود ووحدته حتى أخرجهم الأمر إلى ما يستلزم التعطيل المحض كما ~~بيناه في غير هذا الموضع # وأهل المنطق اليونان مضطربون في هذا المقام يقول أحدهم القول ويقول نقيضه ~~كما هو مذكور في موضعه ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع فنقول ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله الكلام في ( طرفين ( # ( أحدهما ( أن شعب الإيمان هل ms2220 هي متلازمة في الإنتفاء # ( والثاني ( هل هي متلازمة في الثبوت PageV07P513 ### || أما الأول # ( فإن الحقيقة الجامعة لأمور سواء كانت في الأعيان أو الاعراض إذا زال ~~بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول ولا يلزم من زوال بعض الأمور ~~المجتمعة زوال سائرها وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك لا يلزم من ~~زوال بعض الأجزاء زوال سائرها وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق ~~لذلك فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة بل قد تبقي التسعة ~~فإذا زال أحد جزئي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر لكن أكثر ما يقولون ~~زالت الصورة المجتمعة وزالت الهيئة الإجتماعية وزال ذلك الإسم الذي إستحقته ~~الهيئة بذلك الإجتماع والتركيب كما يزول إسم العشرة والسكنجبين # فيقال أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه فهذا لا ينازع فيه ~~عاقل ولا يدعى عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات ~~المتناولة لأمور إذا زال بعضها بقي ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال ~~بعضه ولا يقول أحد أن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة كما كانت ~~ولا ان الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض PageV07P514 أعضائه بقي ~~مجموعا # كما قال النبى ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ( فالمجتمعة ~~الخلق بعد الجدع لا تبقي مجتمعة ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء # وأما زوال الإسم فيقال لهم هذا ( أولا ( بحث لفظي إذا قدر أن الإيمان له ~~أبعاد وشعب كما قال رسول الله في الحديث المتفق عليه ( الإيمان بضع وسبعون ~~شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذي عن الطريق والحياء ~~شعبة من الإيمان ( كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب ولا يلزم من زوال ~~شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج ~~والصلاة زوال سائر الأجزاء فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب ms2221 زال البعض الآخر ~~ليس بصواب ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله وأن الهيئة الإجتماعية ~~ما بقيت كما كانت # يبقي النزاع هل يلزم زوال الإسم بزوال بعض الأجزاء فيقال لهم المركبات في ~~ذلك على وجهين منها ما يكون التركيب شرطا في إطلاق الإسم ومنها ما لا يكون ~~كذلك فالأول كإسم العشرة وكذلك السكنجبين ومنها PageV07P515 ما يبقي الإسم ~~بعد زوال بعض الأجزاء وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب وكذلك ~~كثير من المختلفة الأجزاء فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص ~~حنطة وكذلك التراب والماء ونحو ذلك # وكذلك لفظ العبادة والطاعة والخير والحسنة والإحسان والصدقة والعلم ونحو ~~ذلك مما يدخل فيه أمور كثيرة يطلق الإسم عليها قليلها وكثيرها وعند زوال ~~بعض الأجزاء وبقاء بعض وكذلك لفظ ( القرآن ( فيقال على جميعه وعلى بعضه ولو ~~نزل قرآن أكثر من هذا لسمى قرآنا وقد تسمى الكتب القديمة قرآنا كما قال ~~النبى صلي الله عليه وسلم ( خفف على داود القرآن ( وكذلك لفظ القول والكلام ~~والمنطق ونحو ذلك يقع على القليل من ذلك وعلى الكثير # وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال للقليل والكثير وكذلك لفظ الجبل يقال على ~~الجبل وإن ذهب منه أجزاء كثيرة # ولفظ البحر والنهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه وكذلك المدينة والدار ~~والقرية والمسجد ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة ثم ينقص كثير من ~~أجزائها والإسم باق وكذلك أسماء الحيوان والنبات كلفظ الشجرة يقال على ~~جملتها فيدخل فيها الأغصان وغيرها ثم يقطع منها ما يقطع والإسم باق وكذلك ~~لفظ الإنسان والفرس والحمار يقال على الحيوان المجتمع الخلق ثم PageV07P516 ~~يذهب كثير من أعضائه والإسم باق وكذلك أسماء بعض الأعلام كزيد وعمرو يتناول ~~الجملة المجتمعة ثم يزول بعض أجزائها والإسم باق وإذا كانت المركبات على ~~نوعين بل غالبها من هذا النوع لم يصح قولهم إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول ~~الإسم إذا أمكن أن يبقى الإسم مع بقاء الجزء الباقى # ومعلوم أن إسم ( الإيمان ( من هذا الباب فإن النبى صلى الله ms2222 عليه وسلم ~~قال ( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ( ثم من المعلوم أنه إذا زالت ~~الإماطة ونحوها لم يزل إسم الإيمان # وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ~~حبة من إيمان ( فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه وان ذاك من الايمان فعلم أن بعض ~~الإيمان يزول ويبقي بعضه وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة ويبين أن إسم الإيمان ~~مثل إسم القرآن والصلاة والحج ونحو ذلك أما الحج ونحوه ففيه اجزاء ينقص ~~الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل كرمي الجمار والمبيت بمنى ونحو ذلك ~~وفيه أجزاء ينقص بزوالها من كماله المستحب كرفع الصوت بالإهلال والرمل ~~والإضطباع في الطواف الأول # وكذلك ( الصلاة ( فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الإستحباب وفيها ~~PageV07P517 أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب ~~أبى حنيفة وأحمد ومالك وفيها ما له أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو ~~وأمور ليست كذلك فقد رأيت أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعا وطبعا فإذا قال ~~المعترض هذا الجزء داخل في الحقيقة وهذا خارج من الحقيقة قيل له ماذا تريد ~~بالحقيقة فإن قال أريد بذلك ما إذا زال صار صاحبه كافرا قيل له ليس للإيمان ~~حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى ( مسلم ( في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان ~~بهذا الإعتبار مثل حقيقة السواد والبياض بل الإيمان والكفر يختلف بإختلاف ~~المكلف وبلوغ التكليف له وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك # وكذلك الإيمان والواجب على غيره مطلق لا مثل الإيمان الواجب عليه في كل ~~وقت فإن الله لما بعث محمدا رسولا إلى الخلق كان الواجب على الخلق تصديقه ~~فيما أخبر وطاعته فيما أمر ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس ولا صيام شهر ~~رمضان ولا حج البيت ولا حرم عليهم الخمر والربا ونحو ذلك ولا كان أكثر ~~القرآن قد نزل فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن وأقر بما أمر به من ~~الشهادتين وتوابع ms2223 ذلك كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنا تام الإيمان الذي وجب عليه ~~وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه ولو إقتصر عليه ~~كان كافرا # قال الإمام أحمد كان بدء الإيمان ناقصا فجعل يزيد حتى كمل ولهذا ~~PageV07P518 قال تعالى عام حجة الوداع @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي @QE@ # و ( أيضا ( فبعد نزول القرآن وإكمال الدين إذا بلغ الرجل بعض الدين دون ~~بعض كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة وما بلغه عنه مفصلا وأما ما لم ~~يبلغه ولم يمكنه معرفته فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلا إذا بلغه و ( أيضا ( ~~فالرجل إذا آمن بالرسول إيمانا جازما ومات قبل دخول وقت الصلاة أو وجوب شيء ~~من الأعمال مات كامل الإيمان الذي وجب عليه فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن ~~يصلي وصار يجب عليه ما لم يجب عليه قبل ذلك وكذلك القادر على الحج والجهاد ~~يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل والعمل بذلك # فصار ما يجب من الإيمان يختلف بإختلاف حال نزول الوحي من السماء وبحال ~~المكلف في البلاغ وعدمه وهذا مما يتنوع به نفس التصديق ويختلف حاله بإختلاف ~~القدرة والعجز وغير ذلك من أسباب الوجوب وهذه يختلف بها العمل أيضا ومعلوم ~~أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر فإذا كان نفس ما وجب ~~من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل وإن كان بين جميع هذه الأنواع ~~قدر مشترك موجود في الجميع كالإقرار بالخالق وإخلاص الدين له والإقرار ~~برسله واليوم الآخر على وجه الإجمال فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ~~ما يجب عليه دون بعض كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان كتبعض سائر ~~الواجبات PageV07P519 # يبقى أن يقال فالبعض الآخر قد يكون شرطا في ذلك البعض وقد لا يكون شرطا ~~فيه فالشرط كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم ~~كما قال تعالى @QB@ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ms2224 يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ~~أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا @QE@ وقد يكون البعض ~~المتروك ليس شرطا في وجود الآخر ولا قبوله # وحينئذ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب ~~الكفر كما في الصحيحين عن النبى صلي الله عليه وسلم أنه قال ( أربع من كن ~~فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى ~~يدعها إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ( وفى ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه ~~بالغزو مات على شعبة نفاق ( وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلي الله عليه وسلم ~~أنه قال لأبي ذر ( إنك امرؤ فيك جاهلية ( وفى الصحيح عنه صلى الله عليه ~~وسلم قال ( أربع في أمتى من أمر الجاهلية لن يدعوهن الفخر بالأحساب والطعن ~~في الأنساب والنياحة والإستسقاء بالنجوم ( # وفى الصحيحين عنه أنه قال ( سباب المسلم فسوق PageV07P520 وقتاله كفر ( ~~وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ( قال رسول الله اثنتان في ~~الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت ( وفى الصحيحين عن ~~أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال ( لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا ~~بكم أن ترغبوا عن آبائكم ( وهذا من القرآن الذي نسخت تلاوته ( لا ترغبوا عن ~~آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ( وفى الصحيحين عن أبي ذر سمع ~~رسول الله يقول ( ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن إدعى ~~ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن رمي رجلا بالكفر أو قال يا ~~عدو الله وليس كذلك إلا رجع عليه ( # وفى لفظ البخاري ( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله ~~ومن ادعى قوما ليس منهم فليتبوأ مقعده من النار ( وفى الصحيحين من حديث ms2225 ~~جرير وإبن عمر عن النبى أنه قال في حجة الوداع ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض ( ورواه البخاري من حديث إبن عباس وفى البخاري عن أبي هريرة ~~( عن النبى صلي الله عليه وسلم أنه قال إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد ~~باء بها أحدهما ( وفى الصحيحين عن زيد بن خالد قال ( صلى بنا رسول الله ~~صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما إنصرف أقبل على الناس ~~فقال أتدرون ماذا قال ربكم الليلة قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من ~~PageV07P521 عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك ~~مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن ~~بالكوكب ( # وفى صحيح مسلم قال قال رسول الله ( ألم تروا إلى ما قال ربكم قال ما ~~أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون بالكواكب ~~وبالكواكب ( ونظائر هذا موجودة في الأحاديث وقال إبن عباس وغير واحد من ~~السلف في قوله تعالى @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~@QE@ @QB@ فأولئك هم الفاسقون @QE@ و @QB@ الظالمون @QE@ كفر دون كفر وفسق ~~دون فسق وظلم دون ظلم وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما ### || الأصل الثاني # أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة ولا تتلازم عند الضعف فإذا قوي ما في ~~القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بغض أعداء الله كما قال ~~تعالى @QB@ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ~~@QE@ وقال @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ وقد تحصل للرجل موادتهم PageV07P522 ~~لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرا كما حصل من حاطب ~~بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبى وأنزل الله فيه @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ms2226 تلقون إليهم بالمودة @QE@ # وكما حصل لسعد بن عبادة لما إنتصر لإبن أبي في قصة الافك فقال لسعد بن ~~معاذ كذبت والله لا تقتله ولا تقدر على قتله قالت عائشة وكان قبل ذلك رجلا ~~صالحا ولكن إحتملته الحمية ولهذه الشبهة سمى عمر حاطبا منافقا فقال دعني يا ~~رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال ( إنه شهد بدرا ( فكان عمر متأولا في ~~تسميته منافقا للشبهة التى فعلها # وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه إنما أنت ~~منافق تجادل عن المنافقين هو من هذا الباب وكذلك قول من قال من الصحابة عن ~~مالك بن الدخشم منافق وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة ~~للمنافقين # ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعا واحدا بل فيهم المنافق المحض وفيهم ~~من فيه إيمان ونفاق وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق وكان كثير ~~ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان ولما قوى الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك ~~صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك ~~PageV07P523 ومن هذا الباب ما يروى عن الحسن البصري ونحوه من السلف أنهم ~~سموا الفساق منافقين فجعل أهل المقالات هذا قولا مخالفا للجمهور إذا حكوا ~~تنازع الناس في الفاسق الملى هل هو كافر أو فاسق ليس معه ايمان أو مؤمن ~~كامل الايمان أو مؤمن بما معه من الايمان فاسق بما معه من الفسق أو منافق ~~والحسن رحمه الله تعالى لم يقل ما خرج به عن الجماعة لكن سماه منافقا على ~~الوجه الذي ذكرناه # والنفاق كالكفر نفاق دون نفاق ولهذا كثيرا ما يقال كفر ينقل عن الملة ~~وكفر لا ينقل ونفاق أكبر ونفاق أصغر كما يقال الشرك شركان أصغر وأكبر وفى ~~صحيح أبى حاتم وغيره عن النبى أنه قال ( الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب ~~النمل ( فقال أبو بكر يا رسول الله كيف ننجوا منه وهو أخفى من دبيب النمل ~~فقال ( ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله قل ms2227 اللهم إنى أعوذ بك أن ~~أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم ( وفى الترمذي عن النبي أنه قال ( ~~من حلف بغير الله فقد أشرك ( قال الترمذي حديث حسن # وبهذا تبين أن الشارع ينفي إسم الإيمان عن الشخص لإنتفاء كماله الواجب ~~وإن كان معه بعض أجزائه كما قال ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( ومنه ~~قوله ( من غشنا فليس منا ومن حمل علينا PageV07P524 السلاح فليس منا ( فإن ~~صيغة ( أنا ( و ( نحن ( ونحو ذلك من ضمير المتكلم في مثل ذلك يتناول النبى ~~والمؤمنين معه الإيمان المطلق الذي يستحقون به الثواب بلا عقاب ومن هنا قيل ~~أن الفاسق الملى يجوز أن يقال هو مؤمن بإعتبار ويجوز أن يقال ليس مؤمنا ~~بإعتبار # وبهذا تبين أن الرجل قد يكون مسلما لا مؤمنا ولا منافقا مطلقا بل يكون ~~معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة ولهذا أنكر أحمد وغيره من الأئمة على ~~من فسر قوله ( ليس منا ( ليس مثلنا أو ليس من خيارنا وقال هذا تفسير ( ~~المرجئة ( وقالوا لو لم يفعل هذه الكبيرة كان يكون مثل النبى وكذلك تفسير ~~الخوارج والمعتزلة بأنه يخرج من الإيمان بالكلية ويستحق الخلود في النار ~~تأويل منكر كما تقدم فلا هذا ولا هذا # ومما يبين ذلك أنه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب تقتضي حبه ومعرفة ~~المعظم تقتضي تعظيمه ومعرفة المخوف تقتضي خوفه فنفس العلم والتصديق بالله ~~وما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى يوجب محبة القلب له وتعظيمه وخشيته ~~وذلك يوجب إرادة طاعته وكراهية معصيته والإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم ~~وجود المراد ووجود المقدور عليه منه فالعبد إذا كان مريدا PageV07P525 ~~للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ~~ضعف الإرادة # وبهذا يزول الإشتباه في ( هذا المقام ( فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا ~~عمل هل يحصل بها عقاب وكثر النزاع في ذلك فمن قال لا يعاقب إحتج بقول النبى ms2228 ~~الذى في الصحيحين ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به ~~أو تعمل به ( وبما في الصحيحين من حديث أبى هريرة وإبن عباس رضي الله عنه ( ~~أن النبى قال إذا هم العبد بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة ~~واحدة وإذا هم بحسنة كتبت له حسنة كاملة فان عملها كتبت له عشر حسنات إلى ~~سبعمائة ضعف ( وفى رواية ( فإن تركها فأكتبوها له حسنة فإنما تركها من ~~جرائي ( # ومن قال يعاقب إحتج بما في الصحيح ( عن النبى أنه قال ( إذا إلتقى ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل ~~فما بال المقتول قال انه أراد قتل صاحبه ( وبالحديث الذي رواه الترمذي ~~وصححه عن أبي كبشة الأنماري عن النبى ( في الرجلين اللذين أوتى أحدهما علما ~~ومالا فهو ينفقه في طاعة الله ورجل أوتى علما ولم يؤت مالا فقال لو أن لي ~~مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان قال فهما في الأجر سواء ورجل آتاه ~~الله مالا ولم يؤته علما فهو ينفقه في معصية الله ورجل لم يؤته الله علما ~~ولا مالا فقال لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان قال فهما ~~في الوزر سواء PageV07P526 # و ( الفصل في ذلك ( أن يقال فرق بين الهم والارادة ( فالهم ( قد لا يقترن ~~به شيء من الأعمال الظاهرة فهذا لا عقوبة فيه بحال بل إن تركه لله كما ترك ~~يوسف همه أثيب على ذلك كما أثيب يوسف ولهذا قال أحمد الهم همان هم خطرات ~~وهم إصرار ولهذا كان الذي دل عليه القرآن أن يوسف لم يكن له في هذه القضية ~~ذنب أصلا بل صرف الله عنه السوء والفحشاء أنه من عباده المخلصين مع ما حصل ~~من المراودة والكذب والإستعانة عليه بالنسوة وحبسه وغير ذلك من الأسباب ~~التى لا يكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة ولكن يوسف اتقى الله وصبر فأثابه ~~الله برحمته في الدنيا ( ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا ms2229 وكانوا يتقون ( # وأما ( الإرادة الجازمة ( فلابد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور ولو ~~بنظرة أو حركة رأس أو لفظة أو خطوة أو تحريك بدن وبهذا يظهر معنى قوله ( ~~إذا إلتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ( فإن المقتول أراد ~~قتل صاحبه فعمل ما يقدر عليه من القتال وعجز عن حصول المراد وكذلك الذي قال ~~لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان فإنه أراد فعل ما يقدر ~~عليه وهو الكلام ولم يقدر على ذلك ولهذا كان من دعا إلى ضلالة كان عليه مثل ~~أوزار من إتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا لأنه أراد ضلالهم ففعل ما ~~يقدر عليه من دعائهم إذ لا يقدر إلا على ذلك PageV07P527 # وإذا تبين هذا في ( الإرادة والعمل ( فالتصديق الذي في القلب وعلمه يقتضي ~~عمل القلب كما يقتضي الحس الحركة الإرادية لأن النفس فيها قوتان قوة الشعور ~~بالملائم والمنافى والإحساس بذلك والعمل والتصديق به وقوة الحب للملائم ~~والبغض للمنافى والحركة عن الحس بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة وإدراك ~~الملائم يوجب اللذة والفرح والسرور وإدراك المنافى يوجب الألم والغم وقد ~~قال النبى ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ( # فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقا به ودينا له لكن يعرض لها ما ~~يفسدها ومعرفة الحق تقتضي محبته ومعرفة الباطل تقتضي بغضه لما في الفطرة من ~~حب الحق وبغض الباطل لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التى تصدها ~~عن التصديق بالحق وإما من الشهوات التى تصدها عن اتباعه ولهذا أمرنا الله ~~أن نقول في الصلاة @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( اليهود ~~مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ~~ولا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته ~~والنصاري لهم عبادة وفى قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ms2230 إبتدعوها لكن بلا علم ~~فهم ضلال هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح وهؤلاء PageV07P528 لهم قصد في ~~الخير بلا معرفة له وينضم إلى ذلك الظن وإتباع الهوى فلا يبقى في الحقيقة ~~معرفة نافعة ولا قصد نافع بل يكون كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب @QB@ ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون @QE@ # فالإيمان في القلب لا يكون إيمانا بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه ~~من محبة الله ورسوله ونحو ذلك كما أنه لا يكون إيمانا بمجرد ظن وهوى بل ~~لابد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب # وليس لفظ الإيمان مرادفا للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس فإن ~~التصديق يستعمل في كل خبر فيقال لمن أخبر بالأمور المشهورة مثل الواحد نصف ~~الاثنين والسماء فوق الأرض مجيبا صدقت وصدقنا بذلك ولا يقال آمنا لك ولا ~~آمنا بهذا حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة فيقال للمخبر آمنا له ~~وللمخبر به آمنا به كما قال إخوة يوسف @QB@ وما أنت بمؤمن لنا @QE@ أي بمقر ~~لنا ومصدق لنا لأنهم أخبروه عن غائب ومنه قوله تعالى @QB@ أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون @QE@ وقوله تعالى @QB@ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون @QE@ @QB@ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه @QE@ ~~أي أقر له PageV07P529 # وذلك أن الإيمان يفارق التصديق أي لفظا ومعنى فإنه أيضا يقال صدقته ~~فيتعدى بنفسه إلى المصدق ولا يقال أمنته إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة ~~بل آمنت له وإذا ساغ أن يقال ما أنت بمصدق لفلان كما يقال هل أنت مصدق له ~~لأن الفعل المتعدى بنفسه إذا قدم مفعوله عليه أو كان العامل إسم فاعل ونحوه ~~مما يضعف عن الفعل فقد يعدونه باللام تقوية له ms2231 كما يقال عرفت هذا وأنا به ~~عارف وضربت هذا وأنا له ضارب وسمعت هذا ورأيته وأنا له سامع وراء كذلك يقال ~~صدقته وأنا له مصدق ولا يقال صدقت له به وهذا خلاف آمن فإنه لا يقال إذا ~~أردت التصديق آمنته كما يقال أقررت له ومنه قوله آمنت له كما يقال أقررت له ~~فهذا فرق في اللفظ # و ( الفرق الثاني ( ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار بل ~~في الاخبار عن الأمور الغائبة ونحوها مما يدخلها الريب فإذا أقر بها ~~المستمع قيل آمن بخلاف لفظ التصديق فإنه عام متناول لجميع الاخبار # وأما ( المعنى ( فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة كما أن ~~لفظ الإقرار مأخوذ من قريقر وهو قريب من آمن يأمن لكن الصادق يطمئن إلى ~~خبره والكاذب بخلاف ذلك كما يقال الصدق طمأنينة والكذب ريبة فالمؤمن دخل في ~~الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار ولفظ الإقرار يتضمن الإلتزام ثم أنه ~~يكون على وجهين PageV07P530 # أحدهما ( الاخبار وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما وهذا ~~معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار # ( والثاني ( إنشاء الإلتزام كما في قوله تعالى @QB@ أأقررتم وأخذتم على ~~ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين @QE@ وليس هو ~~هنا بمعني الخبر المجرد فإنه سبحانه قال @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ~~قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري @QE@ فهذا الإلتزام للإيمان والنصر ~~للرسول وكذلك ( لفظ الإيمان ( فيه اخبار وإنشاء وإلتزام بخلاف لفظ التصديق ~~المجرد فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر لا يقال فيه آمن ~~له بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر والمخبر قد يتضمن خبره طاعة ~~المستمع له وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه فإذا تضمن طاعة ~~المستمع لم يكن مؤمنا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه بل قد إستعمل لفظ ~~الكفر المقابل للإيمان في نفس الإمتناع عن الطاعة والانقياد فقياس ms2232 ذلك أن ~~يستعمل لفظ الايمان كما إستعمل لفظ الإقرار في نفس إلتزام الطاعة والانقياد ~~فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى وإستكبر وكان من الكافرين # و ( أيضا ( فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الاخبار فإن التصديق ~~PageV07P531 اخبار بصدق المخبر والتكذيب إخبار بكذب المخبر فقد يصدق الرجل ~~الكاذب تارة [ وقد يكذب الرجل ] الصادق أخري فالتصديق والتكذيب نوعان من ~~الخبر وهما خبر عن الخبر فالحقائق الثابتة في نفسها التى قد تعلم بدون خبر ~~لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر مخبر عنها بخلاف ~~الإيمان والإقرار والإنكار والجحود ونحو ذلك فإنه يتناول الحقائق والاخبار ~~عن الحقائق أيضا # وأيضا فالذوات التى تحب تارة وتبغض أخرى وتوالي تارة وتعادى أخرى وتطاوع ~~تارة وتعصى أخرى ويذل لها تارة ويستكبر عنها أخرى تختص هذه المعاني فيها ~~بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك وأما لفظ التصديق والصدق ونحو ذلك فيتعلق ~~بمتعلقها كالحب والبغض فيقال حب صادق وبغض صادق فكما أن الصدق والكذب في ~~إثبات الحقائق ونفيها متعلق بالخبر النافى والمثبت دون الحقيقة إبتداء ~~فكذلك في الحب والبغض ونحو ذلك يتعلق بالحب والبغض دون الحقيقة إبتداء ~~بخلاف لفظ الإيمان والكفر فإنه يتناول الذوات بلا واسطة إقرار أو إنكار أو ~~حب أو بغض أو طمأنينة أو نفور # ويشهد لهذا الدعاء المأثور المشهور عند إستلام الحجر ( اللهم إيمانا بك ~~وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك وإتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ( ~~فقال إيمانا بك ولم يقل تصديقا بك كما قال تصديقا بكتابك وقال تعالى عن ~~PageV07P532 مريم @QB@ وصدقت بكلمات ربها وكتبه @QE@ فجعل التصديق بالكلمات ~~والكتب ومنه الحديث الذي في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ( تكفل ~~الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بى وتصديق بكلماتي ( ويروي ( ~~إيمان بي وتصديق برسلي ( ويروي ( لا يخرجه إلا جهاد في سبيل الله وتصديق ~~كلماته ( ففي جميع الألفاظ جعل لفظ التصديق بالكلمات والرسل # وكذلك قوله في الحديث الذي في الصحيح ذكر النبى منازل عالية في الجنة ~~فقيل له يا رسول الله ms2233 تلك منازل لا يبلغها إلا الأنبياء فقال ( بلى والذى ~~نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ( وما يحصى الآن الإستعمال ~~المعروف في كلام السلف صدقت بالله أو فلان يصدق بالله أو صدق بالله ونحو ~~ذلك كما جاء فلان يؤمن وآمن بالله وإيمانا بالله ونؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله ونؤمن بالله وحده ونحو ذلك فإن القرآن والحديث وكلام الخاصة ~~والعامة مملوء من لفظ الإيمان بالله وآمن بالله ونؤمن بالله ويا أيها الذين ~~آمنوا وما أعلم قيل التصديق بالله أو صدقوا بالله أو يا أيها الذي صدق الله ~~ونحو ذلك اللهم إلا أن يكون في ذلك شيء لا يحضرنى الساعة وما أظنه # ولفظ ( الإيمان ( يستعمل في الخبر أيضا كما يقال ( كل آمن بالله ( أي أقر ~~له والرسول يؤمن له من جهة أنه مخبر ويؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر ~~بها كما يؤمن بالله وملائكته وكتبه ( فالإيمان ( متضمن للإقرار بما أخبر ~~PageV07P533 به والكفر ( تارة ( يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والايمان ~~به وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به و ( تارة ( بالنظر إلى عدم ~~الإقرار بما أخبر به والأصل في ذلك هو الاخبار بالله وبأسمائه ولهذا كان ~~جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد غيره وإن كان الرسول أخبر بكليهما ثم ~~مجرد تصديقه في الخبر والعلم بثبوت ما أخبر به إذا لم يكن معه طاعة لأمره ~~لا باطنا ولا ظاهرا ولا محبة لله ولا تعظيم له لم يكن ذلك إيمانا # وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم ~~فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى وإستكبر وكان ~~من الكافرين فكفره بالإباء والإستكبار وما يتبع ذلك لا لأجل تكذيب وكذلك ~~فرعون وقومه جحدوا بها وإستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال له موسى ( لقد ~~علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ( فالذي يقال هنا أحد أمرين # إما أن يقال الاستكبار والاباء والحسد ونحو ذلك مما الكفر به مستلزم لعدم ms2234 ~~العلم والتصديق الذي هو الإيمان وإلا فمن كان علمه وتصديقه تاما أوجب ~~إستسلامه وطاعته مع القدرة كما أن الإرادة الجازمة تستلزم وجود المراد مع ~~القدرة فعلم أن المراد إذا لم يوجد مع القدرة دل على أنه ما في القلب همة ~~ولا إرادة فكذلك إذا لم يوجد موجب التصديق والعلم من حب القلب وإنقياده دل ~~على أن الحاصل في القلب ليس بتصديق ولا علم بل هنا شبهة PageV07P534 وريب ~~كما يقول ذلك طوائف من الناس وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور ~~عنه وأكثر أصحابه كالقاضي أبي بكر ومن إتبعه ممن يجعل الأعمال الباطنة ~~والظاهرة من موجبات الإيمان لا من نفسه ويجعل ما ينتفي الإيمان بإنتفائه من ~~لوازم التصديق لا يتصور عنده تصديق باطن مع كفر قط # أو أن يقال قد يحصل في القلب علم بالحق وتصديق به ولكن ما في القلب من ~~الحسد والكبر ونحو ذلك مانع من إستسلام القلب وإنقياده ومحبته وليس هذا ~~كالإرادة مع العمل لأن الإرادة مع القدرة مستلزمة للمراد وليس العلم بالحق ~~والتصديق به مع القدرة على العمل بموجب ذلك العمل بل لابد مع ذلك من إرادة ~~الحق والحب له # فإذا قال القائل القدرة التامة بدون الإرادة الجازمة مستلزمة لوجود ~~المراد المقدور موجبة لحصول المقدور لم يكن مصيبا بل لابد من الإرادة وبهذا ~~يتبين خطأ من قال إن مجرد علم الله بالمخلوقات موجب لوجودها كما يقول ذلك ~~من يقوله من أهل الفلسفة كما يغلط الناس من يقول إن مجرد إرادة الممكنات ~~بدون القدرة موجب وجودها وكما خطئوا من قال إن مجرد القدرة كافية بل لابد ~~من العلم والقدرة والارادة في وجود المقدور والمراد والارادة مستلزمة لتصور ~~المراد والعلم به والعلم والارادة والقدرة ونحو ذلك # وإن كان قد يقال أنها متلازمة في الحي أو أن الحياة مستلزمة لهذه الصفات ~~أو أن بعض الصفات مشروط بالبعض فلا ريب أنه ليس كل معلوم مرادا PageV07P535 ~~محبوبا ولا مقدورا ولا كل مقدور مرادا محبوبا وإذا كان كذلك لم يلزم من كون ms2235 ~~الشيء معلوما مصدقا به أن يكون محبوبا معبودا بل لابد من العلم وأمر آخر به ~~يكون هذا محبا وهذا محبوبا # فقول من جعل مجرد العلم والتصديق في العبد هو الإيمان وأنه موجب لأعمال ~~القلب فإذا إنتفت دل على إنتفاء العلم بمنزلة من يقول مجرد علم الله بنظام ~~العالم موجب لوجوده بدون وجود إرادة منه وهو شبيه بقول المتفلسفة أن سعادة ~~النفس في مجرد أن تعلم الحقائق ولم يقرنوا ذلك بحب الله تعالى وعبادته التى ~~لا تتم السعادة إلا بها وهو نظير من يقول كمال الجسم أو النفس في الحب من ~~غير إقتران الحركة الإرادية به ومن يقول اللذة في مجرد الإدراك والشعور ~~وهذا غلط بإتفاق العقلاء بل لابد من إدراك الملائم والملائمة لا تكون إلا ~~بمحبة بين المدرك والمدرك وتلك المحبة والموافقة والملائمة ليست نفس إدراكه ~~والشعور به # وقد قال كثير من الناس من الفلاسفة والأطباء ومن إتبعهم أن ( اللذة ( ~~إدراك الملائم وهذا تقصير منهم بل اللذة حال يعقب إدراك الملائم كالإنسان ~~الذي يحب الحلو ويشتهيه فيدركه بالذوق والأكل فليست اللذة مجرد ذوقه بل أمر ~~يجده من نفسه يحصل مع الذوق فلابد ( أولا ( من أمرين و ( آخرا ( من أمرين ~~لابد ( أولا ( من شعور بالمحبوب ومحبة له فما لا شعور به لا يتصور أن يشتهى ~~وما يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهي ثم إذا PageV07P536 حصل إدراكه ~~بالمحبوب نفسه حصل عقيب ذلك اللذة والفرح مع ذلك ولهذا قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم في الدعاء المأثور ( اللهم إنى أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق ~~إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ( وفى الحديث الصحيح ( إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم ~~من النظر إليه ( رواه مسلم وغيره فاللذة مقرونة بالنظر إليه ولا أحب ms2236 إليهم ~~من النظر إليه لما يقترن بذلك من اللذة لا أن نفس النظر هو اللذة # وفى ( الجملة ( فلابد في الايمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله ~~وحب الله ورسوله وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ولرسوله ومعاداة الله ~~ورسوله ليس إيمانا بإتفاق المسلمين وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب ~~إلا إذا كان القلب سليما من المعارض كالحسد والكبر لأن النفس مفطورة على حب ~~الحق وهو الذي يلائمها ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله وهذا هو ~~الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام الذي إتخذه الله خليلا وقد قال تعالى ~~@QB@ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم @QE@ فليس مجرد ~~PageV07P537 العلم موجبا لحب المعلوم إن لم يكن في النفس قوة أخري تلائم ~~المعلوم وهذه القوة موجودة في النفس # وكل من القوتين تقوي بالأخري فالعلم يقوي العمل والعمل يقوي العلم فمن ~~عرف الله وقلبه سليم أحبه وكلما إزداد له معرفة إزداد حبه له وكلما إزداد ~~حبه له إزداد ذكره له ومعرفته بأسمائه وصفاته فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر ~~المحبوب كما أن البغض يوجب الاعراض عن ذكر المبغض فمن عادى الله ورسوله ~~وحاد الله ورسوله كان ذلك مقتضيا لإعراضه عن ذكر الله ورسوله بالخير وعن ~~ذكر ما يوجب المحبة فيضعف علمه به حتى قد ينساه كما قال تعالى @QB@ ولا ~~تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا @QE@ وقد يحصل مع ذلك ~~تصديق وعلم مع بغض ومعاداة لكن تصديق ضعيف وعلم ضعيف ولكن لولا البغض ~~والمعاداة لأوجب ذلك من محبة الله ورسوله ما يصير به مؤمنا # فمن شرط الإيمان وجود العلم التام ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء ~~الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرا إذا كان مقرى بما جاء به الرسول ولم يبلغه ~~ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه كحديث الذي أمر ~~أهله بتحريقه ثم تذريته بل العلماء بالله ms2237 يتفاضلون في العلم به ولهذا يوصف ~~من لم يعمل بعلمه بالجهل وعدم العلم قال تعالى @QB@ إنما التوبة على الله ~~للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ قال أبو العالية ~~PageV07P538 سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي كل من عصى الله فهو ~~جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ومنه قول إبن مسعود كفى بخشية ~~الله علما وكفى بالإغترار بالله جهلا وقيل للشعبى أيها العالم فقال العالم ~~من يخشي الله وقد قال تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ # وقال أبو حيان التيمي ( العلماء ثلاثة ( عالم بالله وبأمر الله وعالم ~~بالله ليس عالما بأمر الله وعالم بأمر الله ليس عالما بالله فالعالم بالله ~~الذي يخشاه والعالم بأمر الله الذي يعلم حدوده وفرائضه وقد قال تعالى @QB@ ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ وهذا يدل على أن كل من خشي الله فهو ~~عالم وهو حق ولا يدل على أن كل عالم يخشاه لكن لما كان العلم به موجبا ~~للخشية عند عدم المعارض كان عدمه دليلا على ضعف الأصل إذ لو قوى لدفع ~~المعارض # وهكذا لفظ ( العقل ( يراد به الغريزة التى بها يعلم ويراد بها أنواع من ~~العلم ويراد به العمل بموجب ذلك العلم وكذلك لفظ ( الجهل ( يعبر به عن عدم ~~العلم ويعبر به عن عدم العمل بموجب العلم كما قال النبى ( إذا كان أحدكم ~~صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني إمرؤ صائم ( ~~والجهل هنا هو الكلام الباطل بمنزلة الجهل المركب ومنه قول الشاعر # ألا لا يجهلن أحد علينا %~% فنجهل فوق جهل الجاهلينا PageV07P539 # ومن هذا سميت ( ~~الجاهلية ( جاهلية وهي متضمنة لعدم العلم أو لعدم العمل به ومنه قول النبى ~~لأبي ذر ( إنك إمرؤ فيك جاهلية ( لما ساب رجلا وعيره بأمه وقد قال تعالى ~~@QB@ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية @QE@ فإن الغضب ~~والحمية تحمل المرء على فعل ما يضره وترك ما ينفعه وهذا من الجهل الذي هو ~~عمل بخلاف العلم حتى ms2238 يقدم المرء على فعل ما يعلم أنه يضره وترك ما يعلم أنه ~~ينفعه لما في نفسه من البغض والمعاداة لأشخاص وأفعال وهو في هذه الحال ليس ~~عديم العلم والتصديق بالكلية لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك ~~لموجب العلم فدل على ضعف العلم لعدم موجبه ومقتضاه ولكن ذلك الموجب ~~والنتيجة لا توجد عنه وحده بل عنه وعما في النفس من حب ما ينفعها وبغض ما ~~يضرها فإذا حصل لها مرض ففسدت به أحبت ما يضرها وأبغضت ما ينفعها فتصير ~~النفس كالمريض الذي يتناول ما يضره لشهوة نفسه له مع علمه أنه يضره # ( قلت ( هذا معنى ما روي عن النبى أن الله يحب البصر النافذ عند ورود ~~الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ( رواه البيهقى مرسلا وقد قال ~~تعالى @QB@ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار @QE@ ~~فوصفهم بالقوة في العمل والبصيرة في العلم وأصل القوة قوة القلب الموجبة ~~لمحبة الخير وبغض الشر فإن المؤمن قوته في قلبه وضعفه في جسمه والمنافق ~~قوته في جسمه وضعفه في قلبه فالإيمان لابد PageV07P540 فيه من هذين الأصلين ~~التصديق بالحق والمحبة له فهذا أصل القول وهذا أصل العمل # ثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ~~ضرورة كما تقدم فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبا لجميع ما يدخل في مسمي ~~الإيمان وكل ما سمي إيمانا فقد غلط بل لابد من العلم والحب والعلم شرط في ~~محبة المحبوب كما أن الحياة شرط في العلم لكن لا يلزم من العلم بالشيء ~~والتصديق بثبوته محبته إن لم يكن بين العالم والمعلوم معنى في المحب أحب ~~لأجله ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويعلمها وهو يبغضها كما ~~يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم ونفس التصديق بوجود الشيء لا يقتضي ~~محبته لكن الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد وأن يحب لأجله رسوله ~~والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته كما فيها معنى يقتضي العلم والتصديق به ~~فمن صدق به وبرسوله ولم يكن ms2239 محبا له ولرسوله لم يكن مؤمنا حتى يكون فيه مع ~~ذلك الحب له ولرسوله # وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ~~ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة فما يظهر على البدن من الأقوال ~~والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ودليله ومعلوله كما أن ما يقوم بالبدن ~~من الأقوال والأعمال له أيضا تأثير فيما في القلب فكل منهما يؤثر في الآخر ~~لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له والفرع يستمد من أصله والأصل يثبت ويقوى ~~بفرعه كما في الشجرة التى يضرب بها المثل لكلمة الإيمان قال PageV07P541 ~~تعالى @QB@ ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها @QE@ وهي كلمة التوحيد والشجرة كلما ~~قوي أصلها وعرق وروي قويت فروعها وفروعها أيضا إذا إغتذت بالمطر والريح أثر ~~ذلك في أصلها # وكذلك ( الإيمان ( في القلب و ( الإسلام ( علانية ولما كانت الأقوال ~~والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة كان يستدل بها ~~عليها كما في قوله تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ فأخبر أن من كان ~~مؤمنا بالله واليوم الآخر لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله بل نفس ~~الإيمان ينافى مودتهم فإذا حصلت الموادة دل ذلك على خلل الإيمان وكذلك قوله ~~@QB@ ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط ~~الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل ~~إليه ما اتخذوهم أولياء @QE@ # وكذلك قوله @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ فأخبر تعالى ~~أن هؤلاء هم الصادقون في قولهم آمنا ودل ذلك على أن الناس في قولهم آمنا ~~صادق وكاذب والكاذب فيه نفاق بحسب كذبه قال تعالى في المنافقين PageV07P542 ~~@QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ms2240 الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ إلى ~~قوله @QB@ ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون @QE@ وفى يكذبون قراءتان ~~مشهورتان # وفى الحديث ( أساس النفاق الذي يبني عليه الكذب ( وقال تعالى @QB@ إذا ~~جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومنهم من عاهد الله لئن ~~آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ~~ما وعدوه وبما كانوا يكذبون @QE@ وقال @QB@ ومنهم من يلمزك في الصدقات @QE@ ~~ومثل هذا كثير # و ( بالجملة ( فلا يستريب من تدبر ما يقول في أن الرجل لا يكون مؤمنا ~~بمجرد تصديق في القلب مع بغضه لله ولرسوله وإستكباره عن عبادته ومعاداته له ~~ولرسوله ولهذا كان جماهير المرجئة على أن عمل القلب داخل في الإيمان كما ~~نقله أهل المقالات عنهم منهم الأشعري فإنه قال في كتابه في ( المقالات ( ~~إختلف المرجئة في الإيمان ما هو وهم ( إثنتا عشرة فرقة ( # ( الفرقة الأولى ( منهم يزعمون أن الايمان بالله هو المعرفة بالله ~~وبرسوله وبجميع ما جاء من عند الله فقط وأن ما سوى المعرفة من الاقرار ~~باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف والعمل ~~بالجوارح فليس بإيمان وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يحكى عن ~~الجهم PageV07P543 بن صفوان قال وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ~~ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه ~~وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون الجوارح قال # و ( الفرقة الثانية ( من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط ~~والكفر به هو الجهل به فقط فلا إيمان بالله إلا المعرفة به ولا كفر بالله ~~إلا الجهل به وأن قول القائل ( إن الله ثالث ثلاثة ( ليس بكفر ولكنه لا ~~يظهر إلا من كافر وذلك أن الله كفر من قال ذلك وأجمع المسلمون أنه لا يقوله ~~إلا كافر وزعموا أن معرفة الله ms2241 هي المحبة له وهي الخضوع لله وأصحاب هذا ~~القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول ويقولون أنه لا يؤمن بالله ~~إلا من آمن بالرسول ليس ذلك لأن ذلك مستحيل ولكن الرسول قال ( من لم يؤمن ~~بى فليس بمؤمن بالله ( وزعموا أيضا أن الصلاة ليست بعبادة لله وأنه لا ~~عبادة إلا الإيمان به وهو معرفته والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة ~~واحدة وكذلك الكفر والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي وقد ذكر الأشعري ~~في كتابه ( الموجز ( قول الصالحي هذا وغيره ثم قال والذي إختاره في الأسماء ~~قول الصالحي وفى الخصوص والعموم إنى لا أقطع بظاهر الخبر على العموم ولا ~~على الخصوص إذ كان يحتمل في اللغة أن يكون خاصا ويحتمل أن يكون عاما واقف ~~في ذلك ولا أقطع على عموم ولا على خصوص إلا بتوقيف أو إجماع ثم قال في ( ~~المقالات ( # ( والفرقة الثالثة من المرجئة ( يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله ~~PageV07P544 والخضوع له وهو ترك الإستكبار عليه والمحبة لله فمن إجتمعت فيه ~~هذه الخصال فهو مؤمن وزعموا أن إبليس كان عارفا بالله غير أنه كفر ~~بإستكباره على الله وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري # ( والفرقة الرابعة ( وهم أصحاب أبي شمر ويونس يزعمون أن الإيمان المعرفة ~~بالله والمحبة له والخضوع له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما ~~لم تقم عليه حجة الأنبياء وإن كانت قد قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان [ ~~الإقرار ] بهم والتصديق لهم والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل في ~~الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيمانا ولا بعض إيمان حتى تجتمع ~~هذه الخصال فإذا إجتمعت سموها إيمانا لإجتماعها وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان ~~في دابة لم يسموها بلقاء إلا مع السواد وجعلوا ترك كل خصلة من هذه الخصال ~~كفرا ولم يجعلوا الإيمان متبعضا ولا محتملا للزيادة والنقصان # وذكر عن ( الخامسة ( أصحاب أبى ثوبان أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله ~~وما لا يجوز في العقل إلا أن يفعله # وذكر عن ms2242 ( الفرقة السادسة ( أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه ~~المجمع عليها والخضوع له بجميع ذلك والإقرار باللسان وزعموا أن خصال ~~الايمان كل منها طاعة وان كل واحدة إذا فعلت دون الأخري لم تكن طاعة ~~كالمعرفة بلا إقرار وان ترك كل خصلة من ذلك معصية وأن الإنسان لا يكفر ~~PageV07P545 بترك خصلة واحدة وان الناس يتفاضلون في ايمانهم ويكون بعضهم ~~اعلم وأكثر تصديقا له من بعض وان الإيمان يزيد ولا ينقص وهذا قول الحسين بن ~~محمد النجار وأصحابه # و ( الفرقة السابعة ( الغيلانية أصحاب غيلان يزعمون أن الايمان المعرفة ~~بالله الثانية والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسول وبما جاء من عند ~~الله وذلك أن المعرفة الأولى عنده إضطرار فلذلك لم يجعلها من الايمان وكل ~~هؤلاء الذين حكينا قولهم من ( الشمرية ( و ( الجهمية ( و ( الغيلانية ( و ( ~~النجارية ( ينكرون أن يكون في الكفار ايمان وأن يقال فيهم بعض ايمان إذ كان ~~الإيمان لا يتبعض عندهم # قال و ( الفرقة الثامنة ( من المرجئة أصحاب محمد بن شبيب يزعمون أن ~~الإيمان الإقرار بالله والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء والاقرار والمعرفة ~~بأنبيائه وبرسله وبجميع ما جاءت به من عند الله مما نص عليه المسلمون ~~ونقلوه عن النبى من الصلاة والصيام ونحو ذلك لا نزاع بينهم فيه والخضوع لله ~~وهو ترك الإستكبار عليه وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقر به وإنما كان ~~كافرا لأنه إستكبر ولولا إستكباره ما كان كافرا وأن الايمان يتبعض ويتفاضل ~~أهله وأن الخصلة من الايمان قد تكون طاعة وبعض إيمان ويكون صاحبها كافرا ~~بترك بعض الايمان ولا يكون مؤمنا إلا بإصابة الكل وكل رجل يعلم أن الله ~~واحد ليس كمثله PageV07P546 شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء ~~وفيه خصلة من الإيمان وهي معرفته بالله سبحانه # ( الفرقة التاسعة ( من المرجئة المنتسبين إلى أبي حنيفة وأصحابه يزعمون ~~أن الإيمان المعرفة بالله وبالرسول والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة ~~دون التفسير # ( الفرقة العاشرة ( من المرجئة أصحاب أبي معاذ التومني يزعمون أن الإيمان ~~ترك ما ms2243 عظم من الكبائر وهو إسم لخصال إذا تركها أو ترك خصلة منها كان كافرا ~~فتلك الخصلة التى يكفر بتركها إيمان وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع ~~المسلمون على تكفيره فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان تاركها إن كانت ~~فريضة يوصف بالفسق فيقال له أنه يفسق ولا يسمى بالفسق ولا يقال فاسق وليست ~~تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن كفرا وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام ~~والحج على الجحود بها والرد لها والاستخفاف بها كافر بالله وإنما كفر ~~للإستخفاف والرد والجحود وإن تركها غير مستحل لتركها متشاغلا مسوفا يقول ~~الساعة أصلي وإذا فرغت من لهوي وعملي فليس بكافر وإن كان يصلي يوما ووقتا ~~من الأوقات ولكن نفسقه وكان أبو معاذ يقول من قتل نبيا أو لطمه كفر وليس من ~~أجل اللطمة كفر ولكن من أجل الإستخفاف والعداوة والبغض له PageV07P547 # و ( الفرقة الحادية عشر ( من المرجئة أصحاب بشر المريسي يقولون إن ~~الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو التصديق وما ليس بتصديق فليس ~~بإيمان ويزعم أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعا وإلى هذا القول كان ~~يذهب إبن الراوندي وكان إبن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار ~~والستر والتغطية وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفرا ولا ~~يجوز إيمان إلا ما كان في اللغة إيمانا وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ~~ولا السجود لغير الله كفر ولكنه علم على الكفر لأن الله بين أنه لا يسجد ~~للشمس إلا كافر # قال و ( الفرقة الثانية عشر ( من المرجئة الكرامية أصحاب محمد بن كرام ~~يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب وأنكروا أن تكون ~~معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيمانا فهذه الاقوال التى ذكرها ~~الأشعري عن المرجئة يتضمن أكثرها أنه لابد في الايمان من بعض أعمال القلوب ~~عندهم وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة كجهم والصالحي # وقد ذكر أيضا في ( المقالات ( جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة قال جملة ~~ما عليه أصحاب الحديث وأهل ms2244 السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما ~~جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ولا يردون من ذلك شيئا وأن ~~الله إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة PageV07P548 ولا ولدا وأن محمدا عبده ~~ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث ~~من في القبور وأن الله على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~وأن له يدين بلا كيف كما قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ وكما قال @QB@ بل يداه ~~مبسوطتان @QE@ وأن له عينين كما قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ وأن له وجها ~~كما قال @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وأن أسماء الله لا ~~يقال أنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج # إلى أن قال ويقولون القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ ~~بدعة من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ~~ولا يقال غير مخلوق إلى أن قال ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ~~كنحو الزنى والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر وهم بما معهم من الإيمان ~~مؤمنون وإن إرتكبوا الكبائر والايمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره وان ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما ~~أصابهم لم يكن ليخطئهم والاسلام هو أن تشهد أن لا إله إلا الله على ما جاء ~~في الحديث والاسلام عندهم غير الإيمان # إلى أن قال ويقرون بأن الايمان قول وعمل يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا ~~غير مخلوق وذكر كلاما طويلا ثم قال في آخره وبكل ما ذكرناه PageV07P549 من ~~قولهم نقول وإليه نذهب فهذا قوله في هذا الكتاب وافق فيه أهل السنة وأصحاب ~~الحديث بخلاف القول الذي نصره في الموجز # والمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب حتى عامة فرق ~~المرجئة تقول بذلك وأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم ~~في ذلك معروف وانما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة وهذا ~~القول شاذ ms2245 كما أن قول الكرامية الذين يقولون هو مجرد قول اللسان شاذ أيضا # وهذا أيضا مما ينبغي الاعتناء به فإن كثيرا ممن تكلم في ( مسألة الإيمان ~~( هل تدخل فيه الأعمال وهل هو قول وعمل يظن أن النزاع انما هو في أعمال ~~الجوارح وأن المراد بالقول قول اللسان وهذا غلط بل القول المجرد عن اعتقاد ~~الايمان ليس إيمانا بإتفاق المسلمين فليس مجرد التصديق بالباطن هو الايمان ~~عند عامة المسلمين إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي وفى قولهم من السفسطة ~~العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول إبن كرام إلا من شذ ~~من أتباع بن كرام وكذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب لله ولا تعظيم بل فيه ~~بغض وعداوة لله ورسله ليس إيمانا بإتفاق المسلمين # وقول إبن كرام فيه مخالفة في الإسم دون الحكم فإنه وإن سمى المنافقين ~~مؤمنين يقول إنهم مخلدون في النار فيخالف الجماعة في الإسم دون الحكم ~~وأتباع جهم يخالفون في الإسم والحكم جميعا PageV07P550 ### ||| فصل # إذا عرف أن أصل الإيمان في القلب فإسم ( الإيمان ( تارة يطلق على ما في ~~القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية من التصديق والمحبة والتعظيم ~~ونحو ذلك وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال لوازمه وموجباته ودلائله وتارة ~~على ما في القلب والبدن جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلا في مسماه وبهذا ~~يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلاما وأنها تدخل في مسمى الإيمان تارة ولا ~~تدخل فيه تارة # وذلك أن الإسم الواحد تختلف دلالته بالافراد والاقتران فقد يكون عند ~~الافراد فيه عموم لمعنيين وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما كلفظ الفقير ~~والمسكين إذا أفرد أحدهما تناول الآخر وإذا جمع بينهما كان لكل واحد مسمى ~~يخصه وكذلك لفظ المعروف والمنكر إذا أطلقا كما في قوله تعالى @QB@ يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ دخل فيه الفحشاء والبغي وإذا قرن بالمنكر ~~أحدهما كما في قوله @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ أو كلاهما ~~كما في قوله تعالى @QB@ وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ كان إسم ~~المنكر مختصا بما خرج من ms2246 ذلك على قول أو متناولا للجميع على قول بناء على ~~PageV07P551 أن الخاص المعطوف على العام هل يمنع شمول العام له أو يكون قد ~~ذكر مرتين فيه نزاع والأقوال والأعمال الظاهرة ( نتيجة ( الأعمال الباطنة ~~ولازمها # واذا أفرد اسم ( الايمان ( فقد يتناول هذا وهذا كما في قول النبي صلي ~~الله عليه وسلم ( الايمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ( وحينئذ فيكون الاسلام داخلا في مسمى ~~الايمان وجزءا منه فيقال حينئذ أن ( الايمان ( إسم لجميع الطاعات الباطنة ~~والظاهرة ومنه قوله لوفد عبد القيس ( آمركم بالإيمان بالله أتدرون ما ~~الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وتؤدوا خمس المغنم ( أخرجاه في الصحيحين # ففسر الإيمان هنا بما فسر به الاسلام لأنه أراد بالشهادتين هنا أن يشهد ~~بهما باطنا وظاهرا وكان الخطاب لوفد عبد القيس وكانوا من خيار الناس وهم ~~أول من صلى الجمعة ببلدهم بعد جمعة أهل المدينة كما قال إبن عباس أول جمعة ~~جمعت في الاسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجواثي قرية من قرى البحرين وقالوا ~~يا رسول الله ان بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وأنا لا نصل إليك إلا في ~~شهر حرام فمرنا بأمر فصل نعمل به وندعو إليه من وراءنا وأرادوا بذلك ( أهل ~~نجد ( من تميم وأسد وغطفان وغيرهم كانوا كفارا فهؤلاء كانوا صادقين راغبين ~~في طلب الدين فاذا أمرهم النبى صلى الله عليه PageV07P552 وسلم بأقوال ~~وأعمال ظاهرة فعلوها باطنا وظاهرا فكانوا بها مؤمنين # وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام فإن الإيمان في القلب والاسلام ظاهر كما ~~في ( المسند ( عن النبي أنه قال ( الاسلام علانية والإيمان في القلب ~~والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن ~~بالقدر خيره وشره ( ومتى حصل له هذا الإيمان وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام ~~الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج لأن إيمانه بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الإستسلام لله والانقياد له والا ms2247 فمن الممتنع ~~أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والإنقياد باطنا ولا يحصل ذلك في الظاهر ~~مع القدرة عليه كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد # وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانا جازما امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع ~~القدرة فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم إنتفاء الإيمان القلبى التام وبهذا ~~يظهر خطأ جهم ومن إتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع ~~في الآخرة فإن هذا ممتنع إذ لا يحصل الايمان التام في القلب إلا ويحصل في ~~الظاهر موجبه بحسب القدرة فان من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبا جازما ~~وهو قادر على مواصلته ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك # وأبو طالب إنما كانت محبته للنبى صلى الله عليه وسلم لقرابته منه لا لله ~~وإنما PageV07P553 نصره وذب عنه لحمية النسب والقرابة ولهذا لم يتقبل الله ~~ذلك منه وإلا فلو كان ذلك عن إيمان في القلب لتكلم بالشهادتين ضرورة والسبب ~~الذي أوجب نصره للنبى صلى الله عليه وسلم وهو الحمية هو الذي أوجب امتناعه ~~من الشهادتين بخلاف أبي بكر الصديق ونحوه قال الله تعالى @QB@ وسيجنبها ~~الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى ولسوف يرضى @QE@ ومنشأ الغلط في هذه المواضع من وجوه # ( أحدها ( أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجبات الإيمان # ( الثاني ( ظن الظان أن ما في القلوب لا يتفاضل الناس فيه # ( الثالث ( ظن الظان أن ما في القلب من الايمان المقبول يمكن تخلف القول ~~الظاهر والعمل الظاهر عنه # ( الرابع ( ظن الظان أن ليس في القلب الا التصديق وأن ليس الظاهر إلا عمل ~~الجوارح والصواب أن القلب له عمل مع التصديق والظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر ~~وكلاهما مستلزم للباطن و ( المرجئة ( أخرجوا العمل الظاهر عن الايمان فمن ~~قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين ومن قصد ~~إخراج العمل الظاهر قيل لهم العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه ~~وإنتفاء الظاهر دليل ms2248 إنتفاء الباطن PageV07P554 فبقى النزاع في أن العمل ~~الظاهر هل هو جزء من مسمى الايمان يدل عليه بالتضمن أو لازم لمسمى الإيمان # و ( التحقيق ( أنه تارة يدخل في الاسم وتارة يكون لازما للمسمى بحسب ~~افراد الاسم واقترانه فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الاسلام خارجا ~~عنه كما في حديث جبريل وان كان لازما له وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل كما ~~في قوله @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ فقد يقال إسم الإيمان لم ~~يدخل فيه العمل وإن كان لازما له وقد يقال بل دخل فيه وعطف عليه عطف الخاص ~~على العام وبكل حال فالعمل تحقيق لمسمى الإيمان وتصديق له ولهذا قال طائفة ~~من العلماء كالشيخ أبي إسماعيل الأنصاري وغيره الإيمان كله تصديق فالقلب ~~يصدق ما جاءت به الرسل واللسان يصدق ما في القلب والعمل يصدق القول كما ~~يقال صدق عمله قوله ومنه قول النبى ( العينان تزنيان وزناهما النظر ~~والاذنان تزنيان وزناهما السمع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها ~~المشي والقلب يتمنى ويشتهى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ( والتصديق يستعمل في ~~الخبر وفى الارادة يقال فلان صادق العزم وصادق المحبة وحملوا حملة صادقة # ( والسلف ( إشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الايمان وقالوا ~~إن الايمان يتماثل الناس فيه ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس ~~PageV07P555 من أفحش الخطأ بل لا يتساوي الناس في التصديق ولا في الحب ولا ~~في الخشية ولا في العلم بل يتفاضلون من وجوه كثيرة # و ( أيضا ( فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضا وهذا باطل ~~قطعا فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعا بالضرورة ~~وان أدخلوا أعمال القلوب في الايمان أخطئوا أيضا لإمتناع قيام الإيمان ~~بالقلب من غير حركة بدن # وليس المقصود هنا ذكر عمل معين بل من كان مؤمنا بالله ورسوله بقلبه هل ~~يتصور إذا رأي الرسول وأعداءه يقاتلونه وهو قادر على أن ينظر إليهم ويحض ~~على نصر الرسول بما لا يضره هل يمكن مثل هذا في العادة إلا أن يكون ms2249 منه ~~حركة ما إلى نصر الرسول فمن المعلوم أن هذا ممتنع فلهذا كان الجهاد المتعين ~~بحسب الامكان من الايمان وكان عدمه دليلا على إنتفاء حقيقة الايمان بل قد ~~ثبت في الصحيح عنه ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة ~~نفاق ( وفى الحديث دلالة على أنه يكون فيه بعض شعب النفاق مع ما معه من ~~الإيمان ومنه قوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ # و ( أيضا ( فقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال PageV07P556 ( من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك ~~أضعف الايمان ( وفى رواية ( وليس وراء ذلك من الايمان مثقال حبة خردل ( ~~فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكرهه الله من المنكرات كان ~~عادما للإيمان والبغض والحب من أعمال القلوب ومن المعلوم أن إبليس ونحوه ~~يعلمون أن الله عز وجل حرم هذه الأمور ولا يبغضونها بل يدعون إلى ما حرم ~~الله ورسوله # و ( أيضا ( فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ~~ورسوله والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن ~~ولكنه دليل في الظاهر على الكفر ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في ~~الباطن عارفا بالله موحدا له مؤمنا به فاذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع ~~أن هذا كافر باطنا وظاهرا قالوا هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن ~~وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك فيقال لهم معنا أمران معلومان # ( أحدهما ( معلوم بالإضطرار من الدين ( والثاني ( معلوم بالإضطرار من ~~أنفسنا عند التأمل # أما ( الأول ( فانا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعا بغير كره بل من تكلم ~~بكلمات الكفر طائعا غير مكره ومن إستهزأ بالله وآياته ورسوله فهو ~~PageV07P557 كافر باطنا وظاهرا وأن من قال ان مثل هذا قد يكون في الباطن ~~مؤمنا بالله وإنما هو كافر في الظاهر فإنه قال قولا معلوم ms2250 الفساد بالضرورة ~~من الدين وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن وحكم بكفرهم وإستحقاقهم ~~الوعيد بها ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم أو بمنزلة ~~الإقرار الذي يغلط فيه المقر لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التى ~~قد تكون صدقا وقد تكون كذبا بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق ~~الشهادة وهذا كقوله تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~@QE@ @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم @QE@ وأمثال ذلك # وأما ( الثاني ( فالقلب إذا كان معتقدا صدق الرسول وأنه رسول الله وكان ~~محبا لرسول الله معظما له امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه فلا يتصور ذلك منه ~~إلا مع نوع من الإستخفاف به وبحرمته فعلم بذلك أن مجرد إعتقاد أنه صادق لا ~~يكون إيمانا إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب # و ( أيضا ( فإن الله سبحانه قال ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ( وقال ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد ~~إستمسك بالعروة الوثقي ( فتبين أن الطاغوت يؤمن به ويكفر به ومعلوم أن مجرد ~~التصديق بوجوده وما هو عليه من الصفات يشترك فيه المؤمن والكافر فإن ~~الأصنام والشيطان والسحر يشترك في العلم بحاله المؤمن والكافر وقد قال الله ~~تعالى في السحر @QB@ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما ~~يفرقون به بين المرء وزوجه @QE@ PageV07P558 إلى قوله @QB@ ولقد علموا لمن ~~اشتراه ما له في الآخرة من خلاق @QE@ فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ~~يعلمون أنه لا خلاق لهم في الآخرة ومع هذا فيكفرون # وكذلك المؤمن بالجبت والطاغوت إذا كان عالما بما يحصل بالسحر من التفريق ~~بين المرء وزوجه ونحو ذلك من الجبت وكان عالما بأحوال الشيطان والأصنام وما ~~يحصل بها من الفتنة لم يكن مؤمنا بها مع العلم بأحوالها ومعلوم أنه لم ~~يعتقد أحد فيها أنها تخلق الأعيان وأنها تفعل ما تشاء ونحو ذلك من خصائص ~~الربوبية ولكن ms2251 كانوا يعتقدون أنه يحصل بعبادتها لهم نوع من المطالب كما ~~كانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام وتخبرهم بأمور وكما يوجد مثل ذلك في هذه ~~الأزمان في الأصنام التى يعبدها أهل الهند والصين والترك وغيرهم وكان كفرهم ~~بها الخضوع لها والدعاء والعبادة وإتخاذها وسيلة ونحو ذلك لا مجرد التصديق ~~بما يكون عند ذلك من الآثار فإن هذا يعلمه العالم من المؤمنين ويصدق بوجوده ~~لكنه يعلم ما يترتب على ذلك من الضرر في الدنيا والآخرة فيبغضه والكافر قد ~~يعلم وجود ذلك الضرر لكنه يحمله حب العاجلة على الكفر # يبين ذلك قوله @QB@ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك ~~بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا ~~جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون @QE@ PageV07P559 فقد ذكر تعالى من كفر ~~بالله من بعد إيمانه وذكر وعيده في الآخرة ثم قال @QB@ ذلك بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا على الآخرة @QE@ وبين تعالى أن الوعيد إستحقوه بهذا ومعلوم ~~أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب الحب والبغض وهؤلاء ~~يقولون إنما إستحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم وان كان ذلك ~~قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة والله سبحانه وتعالى جعل إستحباب الدنيا ~~على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران وإستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع ~~العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة وبأنه ما له في الآخرة من خلاق # و ( أيضا ( فإنه سبحانه إستثني المكره من الكفار ولو كان الكفر لا يكون ~~إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره لأن الإكراه على ذلك ممتنع ~~فعلم أن التكلم بالكفر كفر لا في حال الإكراه وقوله تعالى @QB@ ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا @QE@ أي لإستحبابه الدنيا على الآخرة ومنه قول النبى ( يصبح ~~الرجل مؤمنا ويمسى كافرا ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من ms2252 الدنيا ~~( والآية نزلت في عمار بن ياسر وبلال بن رباح وأمثالهما من المؤمنين ~~PageV07P560 المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبى ونحو ذلك من ~~كلمات الكفر فمنهم من أجاب بلسانه كعمار ومنهم من صبر على المحنة كبلال ولم ~~يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه بل أكرهوا على التكلم فمن تكلم بدون ~~الإكراه لم يتكلم إلا وصدره منشرح به # وأيضا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبى فقالوا نشهد إنك لرسول ولم يكونوا ~~مسلمين بذلك لأنهم قالوا ذلك على سبيل الاخبار عما في أنفسهم أي نعلم ونجزم ~~أنك رسول الله قال ( فلم لا تتبعوني ( قالوا نخاف من يهود فعلم أن مجرد ~~العلم والاخبار عنه ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن ~~للإلتزام والانقياد مع تضمن ذلك الاخبار عما في أنفسهم # فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين فكانوا كفارا في الباطن وهؤلاء قالوها ~~غير ملتزمين ولا منقادين فكانوا كفارا في الظاهر والباطن وكذلك أبو طالب قد ~~إستفاض عنه أنه كان يعلم بنبوة محمد وأنشد عنه # ولقد علمت بأن دين محمد %~% من خير أديان البرية دينا # لكن إمتنع من الإقرار بالتوحيد والنبوة حبا ~~لدين سلفه وكراهة أن يعيره قومه فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والإنقياد ~~الذي يمنع ما يضاد ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمنا PageV07P561 ~~وأما إبليس وفرعون واليهود ونحوهم فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة العلو ~~والحسد منع من حب الله وعبادة القلب له الذي لا يتم الإيمان إلا به وصار في ~~القلب من كراهية رضوان الله وإتباع ما أسخطه ما كان كفرا لا ينفع معه العلم ### ||| فصل # والتفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة # ( أحدها ( الأعمال الظاهرة فإن الناس يتفاضلون فيها وتزيد وتنقص وهذا مما ~~إتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى ~~الإيمان فالنفاة يقولون هو من ثمرات الإيمان ومقتضاه فأدخل فيه مجازا بهذا ~~الإعتبار وهذا معنى زيادة الإيمان عندهم ونقصه أى زيادة ثمراته ونقصانها ms2253 ~~فيقال قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته فإنه يمتنع أن يكون إيمان ~~تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر وأما كونه لازما أو جزءا منه فهذا يختلف ~~بحسب حال إستعمال لفظ الإيمان مفردا أو مقرونا بلفظ الإسلام والعمل كما ~~تقدم # وأما قولهم الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه ومقتضيه فهذا غلط ~~PageV07P562 فإن تفاضل معلول الأشياء ومقتضاها يقتضى تفاضلها في أنفسها ~~وإلا فإذا تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجبها ومقتضاها فتفاضل الناس ~~في الأعمال الظاهرة يقتضى تفاضلهم في موجب ذلك ومقتضيه ومن هذا يتبين # ( الوجه الثاني ( في زيادة الإيمان ونقصه وهو زيادة أعمال القلوب ونقصها ~~فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن أن الناس يتفاضلون في حب الله ~~ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له وفى سلامة ~~القلوب من الرياء والكبر والعجب ونحو ذلك والرحمة للخلق والنصح لهم ونحو ~~ذلك من الأخلاق الإيمانية وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ~~ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ ~~أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ( وقال تعالى @QB@ قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم @QE@ إلى قوله @QB@ أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا @QE@ وقال رسول الله ( والله إنى ~~لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده ( وقال ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ~~ولده ووالده والناس أجمعين ( وقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل ~~شيء إلا من نفسي قال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فلأنت أحب ~~إلي من نفسي قال الآن يا عمر PageV07P563 وهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح ~~وفيها بيان تفاضل الحب والخشية وقد قال تعالى @QB@ والذين آمنوا أشد حبا ~~لله @QE@ وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه ~~تارة أكثر مما ms2254 يحبه تارة ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة ولهذا كان أهل ~~المعرفة من أعظم الناس قولا بدخول الزيادة والنقصان فيه لما يجدون من ذلك ~~في أنفسهم ومن هذا قوله تعالى @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ وإنما زادهم ~~طمأنينة وسكونا # وقال ( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ( # ( الوجه الثالث ( أن نفس التصديق والعلم في القلب يتفاضل بإعتبار الإجمال ~~والتفصيل فليس تصديق من صدق الرسول مجملا من غير معرفة منه بتفاصيل إخباره ~~كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته والجنة والنار والأمم وصدقه في ~~ذلك كله وليس من إلتزم طاعته مجملا ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به كمن ~~عاش حتى عرف ذلك مفصلا وأطاعه فيه # ( الوجه الرابع ( أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر ~~صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام بل سائر الأعراض من ~~الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك فإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت فكذلك ~~الاخبار عنه يتفاوت وإذا قال القائل العلم بالشيء PageV07P564 الواحد لا ~~يتفاضل كان بمنزلة قوله القدرة على المقدور الواحد لا تتفاضل وقوله ورؤية ~~الشيء الواحد لا تتفاضل ومن المعلوم أن الهلال المرئي يتفاضل الناس في ~~رؤيته وكذلك سمع الصوت الواحد يتفاضلون في إدراكه وكذلك الكلمة الواحدة ~~يتكلم بها الشخصان ويتفاضلون في النطق بها وكذلك شم الشيء الواحد وذوقه ~~يتفاضل الشخصان فيه # فما من صفة من صفات الحى وأنواع إدراكاته وحركاته بل وغير صفات الحي إلا ~~وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر حتى يقال ليس أحد من ~~المخلوقين يعلم شيئا من الأشياء مثل ما يعلمه الله من كل وجه بل علم الله ~~بالشيء أكمل من علم غيره به كيف ما قدر الأمر وليس تفاضل العلمين من جهة ~~الحدوث والقدم فقط بل من وجوه أخرى والإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه ~~يتفاضل حاله فيه كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه ورؤيته لمرئيه وقدرته على ~~مقدوره وحبه ms2255 لمحبوبه وبغضه لبغيضه ورضاه بمرضيه وسخطه لمسخوطه وإرادته ~~لمراده وكراهيته لمكروهه ومن أنكر التفاضل في هذه الحقائق كان مسفسطا # ( الوجه الخامس ( أن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية ~~لها فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة توجب اليقين وتبين فساد الشبهة ~~العارضة لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك بل من جعل له علوم ~~ضرورية لا يمكنه دفعها عن نفسه لم يكن بمنزلة من تعارضه PageV07P565 الشبه ~~ويريد إزالتها بالنظر والبحث ولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها ~~وبفساد الشبه المعارضة لذلك وبيان بطلان حجة المحتج عليها ليس كالعلم الذى ~~هو الحاصل عن دليل واحد من غير أن يعلم الشبه المعارضة له فإن الشيء كلما ~~قويت أسبابه وتعددت وإنقطعت موانعه وإضمحلت كان أوجب لكماله وقوته وتمامه # ( الوجه السادس ( أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته ~~وذكره وإستحضاره كما يحصل البغض من جهة الغفلة عنه والإعراض والعلم ~~والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك فما في القلب هي صفات وأعراض وأحوال تدوم ~~وتحصل بدوام أسبابها وحصول أسبابها والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافى ~~تحققه والعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون العالم بالشيء في ذكره له قال ~~عمير بن حبيب الخطمي من أصحاب النبى الإيمان يزيد وينقص قالوا وما زيادته ~~ونقصه قال إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحناه فذلك زيادته فإذا غفلنا ونسينا ~~وضيعنا فذلك نقصانه # ( الوجه السابع ( أن يقال ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور أعظم ~~تفاضلا وتفاوتا من الإيمان فكلما تقرر إثباته من الصفات والأفعال مع تفاضله ~~فالإيمان أعظم تفاضلا من ذلك مثال ذلك أن الإنسان يعلم من نفسه تفاضل الحب ~~الذي يقوم بقلبه سواء كان حبا لولده أو لإمرأته PageV07P566 أو لرياسته أو ~~وطنه أو صديقه أو صورة من الصور أو خيله أو بستانه أو ذهبه أو فضته وغير ~~ذلك من أمواله فكما أن الحب أوله علاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم صبابة ~~لانصباب القلب نحوه ثم غرام للزومه القلب كما يلزم الغريم ms2256 غريمه ثم يصير ~~عشقا إلى أن يصير تتيما والتتيم التعبد وتيم الله عبد الله فيصير القلب ~~عبدا للمحبوب مطيعا له لا يستطيع الخروج عن أمره وقد آل الأمر بكثير من ~~عشاق الصور إلى ما هو معروف عند الناس مثل من حمله ذلك على قتل نفسه وقتل ~~معشوقه أو الكفر والردة عن الاسلام أو أفضى به إلى الجنون وزوال العقل أو ~~أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من الأهل والمال والرياسة أو أمراض جسمه ~~وأسنانه # فمن قال الحب لا يزيد ولا ينقص كان قوله من أظهر الأقوال فسادا ومعلوم أن ~~الناس يتفاضلون في حب الله أعظم من تفاضلهم في حب كل محبوب فهو سبحانه إتخذ ~~إبراهيم خليلا وإتخذ محمدا أيضا خليلا كما إستفاض عنه أنه قال ( لو كنت ~~متخذا خليلا من أهل الأرض لإتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ( ~~يعنى نفسه وقال ( إن الله إتخذني خليلا كما إتخذ إبراهيم خليلا ( والخلة ~~أخص من مطلق المحبة فإن الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين يحبون الله ويحبهم ~~الله كما قال ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ( الآية وقال تعالى @QB@ ~~والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وقد أخبر الله أنه يحب المتقين ويحب ~~المقسطين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب PageV07P567 الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وكان النبى يخبر بحبه لغير واحد كما ثبت عنه ~~في الصحيح أنه قال للحسن وأسامة ( اللهم إنى أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما ~~( وقال له عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك قال عائشة قال فمن الرجال قال ~~أبوها ( وقال ( والله إنى لأحبكم ( # والناس في حب الله يتفاوتون ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم إلى أدنى ~~الناس درجة مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وما بين هذين الحدين من ~~الدرجات لا يحصيه إلا رب الأرض والسموات فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما ~~يتفاضل بعضه على بعض كبنى آدم فإن الفرس الواحدة ما تبلغ أن تساوي ألف ألف ~~وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر أنه كان ms2257 جالسا عند النبى إذ مر به رجل ~~من اشراف الناس فقال ( يا أبا ذر أتعرف هذا ( قلت نعم يا رسول الله هذا حرى ~~إن خطب أن ينكح وإن قال أن يسمع لقوله وإن غاب أن يسأل عنه ثم مر برجل من ~~ضعفاء المسلمين فقال ( يا أبا ذر أتعرف هذا ( قلت نعم يا رسول الله هذا رجل ~~من ضعفاء الناس هذا حرى إن خطب أن لا ينكح وإن قال أن لا يسمع لقوله وإن ~~غاب أن لا يسأل عنه فقال ( يا أبا ذر لهذا خير من ملء الأرض مثل هذا ( # فقد أخبر الصادق الذي لا يجاوز فيما يقول أن الواحد من بنى آدم ~~PageV07P568 يكون خيرا من ملء الأرض من الآدميين وإذا كان الواحد منهم أفضل ~~من الملائكة والواحد منهم شر من البهائم كان التفاضل الذي فيهم أعظم من ~~تفاضل الملائكة وأصل تفاضلهم إنما هو بمعرفة الله ومحبته فعلم أن تفاضلهم ~~في هذا لا يضبطه إلا الله وكل ما يعلم من تفاضلهم في حب الشيء من محبوباتهم ~~فتفاضلهم في حب الله أعظم # وهكذا تفاضلهم في خوف ما يخافونه وتفاضلهم في الذل والخضوع لما يذلون له ~~ويخضعون وكذلك تفاضلهم فيما يعرفونه من المعروفات ويصدقون به ويقرون به فإن ~~كانوا يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم والتصديق بهم فتفاضلهم في معرفة ~~الله وصفاته والتصديق به أعظم # وكذلك إن كانوا يتفاضلون في معرفة روح الإنسان وصفاتها والتصديق بها أو ~~في معرفة الجن وصفاتهم وفى التصديق بهم أو في معرفة ما في الآخرة من النعيم ~~والعذاب كما أخبروا به من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات ~~والمسكونات فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم من تفاضلهم في ~~معرفة ( الروح ( التى هي النفس الناطقة ومعرفة ما في الآخرة من النعيم ~~والعذاب بل إن كانوا متفاضلين في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما ~~يتبع ذلك فتفاضلهم في معرفة الله أعظم وأعظم فإن كل ما يعلم ويقال يدخل في ~~معرفة الله إذ لا موجود إلا وهو خلقه وكل ما في المخلوقات ms2258 من الصفات ~~والأسماء والأقدار والأفعال فإنها شواهد ودلائل على PageV07P569 ما لله ~~سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلى إذ كل كمال في المخلوقات فمن أثر ~~كماله وكل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أحق به وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق ~~أحق بتنزيهه عنه وهذا على طريق كل طائفة وإصطلاحها فهذا يقول كمال المعلول ~~من كمال علته وهذا يقول كمال المصنوع المخلوق من كمال صانعه وخالقه # وفى الحديث الذي رواه أحمد في المسند ورواه إبن حبان في صحيحه عن إبن ~~مسعود عن النبى أنه قال ( ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال اللهم إنى عبدك إبن ~~أمتك ناصيتى بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل إسم هو لك سميت به ~~نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو إستأثرت به في علم الغيب ~~عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همى وغمى إلا ~~أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا ( قالوا يا رسول الله ألا نتعلمهن ~~قال ( بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن ( # فقد أخبر في هذا الحديث أن لله أسماء إستأثر بها في علم الغيب عنده ~~وأسماء الله متضمنة لصفاته ليست أسماء أعلام محضة بل أسماؤه تعالى كالعليم ~~والقدير والسميع والبصير والرحيم والحكيم ونحو ذلك كل إسم يدل على ما لم ~~يدل عليه الإسم الآخر من معانى صفاته مع إشتراكها كلها في الدلالة على ذاته ~~وإذا كان من أسمائه ما إختص هو بمعرفته ومن أسمائه ما خص به PageV07P570 من ~~شاء من عباده علم أن تفاضل الناس في معرفته أعظم من تفاضلهم في معرفة كل ما ~~يعرفونه # وبهذا يتبين لك أن من زعم من أهل الكلام والنظر أنهم عرفوا الله حق ~~معرفته بحيث لم يبق له صفة إلا عرفوها وأن ما لم يعرفوه ولم يقم لهم دليل ~~على ثبوته كان معدوما منتفيا في نفس الأمر قوم غالطون مخطئون مبتدعون ضالون ~~وحجتهم في ذلك داحضة فإن عدم الدليل القطعى والظنى على الشيء دليل على ~~إنتفائه ms2259 إلا أن يعلم أن ثبوته مستلزم لذلك الدليل مثل أن يكون الشيء لو وجد ~~لتوفرت الهمم والدواعي على نقله فيكون هذا لازما لثبوته فيستدل بإنتفاء ~~اللازم على إنتفاء الملزوم كما يعلم أنه لو كان بين الشام والحجاز مدينة ~~عظيمة مثل بغداد ومصر لكان الناس ينقلون خبرها فإذا نقل ذلك واحد وإثنان ~~وثلاثة علم كذبهم # وكما يعلم أنه لو إدعى النبوة أحد على عهد النبى مثل مسيلمة والعنسي ~~وطليحة وسجاح لنقل الناس خبره كما نقلوا أخبار هؤلاء ولو عارض القرآن معارض ~~أتى بما يظن الناس أنه مثل القرآن لنقل كما نقل قرآن مسيلمة الكذاب وكما ~~نقلوا الفصول والغايات لأبي العلاء المعري وكما نقلوا غير ذلك من أقوال ~~المعارضين ولو بخرافات لا يظن عاقل أنها مثله فكان النقل لما تظهر فيه ~~المشابهة والمماثلة أقوى في العادة والطباع في ذلك وأرغب سواء كانوا محبين ~~أو مبغضين هذا أمر جبل عليه بنوا آدم PageV07P571 # كما يعلم أن علي بن أبى طالب لو طلب الخلافة على عهد أبى بكر وعمر وعثمان ~~وقاتل عليها لنقل ذلك الناس كما نقلوا ما جرى بعد هؤلاء كما يعلم أن النبى ~~لو أمره أن يصلي بالناس صلاتهم لنقلوا ذلك كما نقلوا أمره لأبى بكر وصلاته ~~بالناس وكما يعلم أنه لو عهد له بالخلافة لنقلوا ذلك كما نقلوا ما دونه بل ~~كما يعلم أنه لم يكن يجتمع هو وأصحابه على إستماع دف أو كف ولا على رقص ~~وزمر بل كما يعلم أنه لم يكن بعد الصلوات يجتمع هو وهم على دعاء ورفع أيد ~~ونحو ذلك إذ لو فعل ذلك لنقلوه بل كما يعلم أنه لم يصل في السفر الظهر ~~والعصر والعشاء أربعا وأنه لو صلى في السفر أربعا بعض الأوقات لنقل الناس ~~ذلك كما نقلوا جمعه بين الصلاتين بعض الأوقات # بل كما يعلم أنه لم يكن يصلي المكتوبات وحده بل إنما كان يصليهن في ~~الجماعة بل كما يعلم أنه لم يكن هو وأصحابه يحملون التراب في السفر للتيمم ~~ولا يصلون كل ليلة ms2260 على من يموت من المسلمين ولا ينوون الإعتكاف كلما دخلوا ~~مسجدا للصلاة بل كما يعلم أنه لم يصل على غائب غير النجاشي بل كما يعلم أنه ~~لو كان دائما يقنت في الفجر أو غيرها بقنوت مسنون يجهر به لنقل الناس ذلك ~~كما نقلوا قنوته العارض الذي دعا فيه لقوم وعلى قوم وكان نقلهم لذلك أوكد ~~وكما يعلم أنه لما صلى بعرفة ومزدلفة قصرا وجمعا لو أمر أحدا خلفه أن يتم ~~صلاته أو ان لا يجمع معه لنقل الناس ذلك كما نقلوا ما هو دون ذلك ~~PageV07P572 # وكما يعلم أنه لم يأمر الحيض في زمانه المبتدآت بالحيض أن يغتسلن عند ~~إنقضاء يوم وليلة وأنه لم يأمر أصحابه أن يغسلوا ما يصيب أبدانهم وثيابهم ~~من المني وأنه لم يوقت للناس لفظا معينا لا في نكاح ولا في بيع ولا إجارة ~~ولا غير ذلك ولما حج حجة الوداع لم يعتمر عقيب الحج وأنه لما أفاض من منى ~~إلى مكة يوم النحر ما طاف وسعى أولا ثم طاف ثانيا إلى غير ذلك مما يطول ~~ذكره ومن تتبع كتب الصحيحين ونحوها من الكتب المعتمدة ووقف على أقوال ~~الصحابة والتابعين ومن قفا منهاجهم من الأئمة المرضيين قديما وحديثا علم ~~صحة ما أوردناه في هذا الباب # و ( المقصود هنا ( أن المدلول إذا كان وجوده مستلزما لوجود دليله كان ~~انتفاء دليله دليلا على انتفائه أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن ~~دليل ثبوته لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلا على عدمه فأسماء الله ~~وصفاته إذا لم يكن عندنا ما يدلنا عليها لم يكن ذلك مستلزما لإنتفائها إذ ~~ليس في الشرع ولا في العقل ما يدل على أنا لابد أن نعلم كل ما هو ثابت له ~~تعالى من الأسماء والصفات بل قد قال أفضل الخلق وأعلمهم بالله في الحديث ~~الصحيح ( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ( وفى الحديث الصحيح ~~حديث الشفاعة ( فأخر ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحصيها الآن ( # فإذا كان أفضل ms2261 الخلق لا يحصى ثناء عليه ولا يعرف الآن محامده التى يحمده ~~بها عند السجود للشفاعة فكيف يكون غيره عارفا بجميع محامد الله PageV07P573 ~~والثناء عليه وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه داخل في محامده وفيما يثنى ~~عليه به وإذا كان كذلك فمن كان بماله من الأسماء والصفات أعلم وأعرف كان ~~بالله أعلم وأعرف بل من كان بأسماء النبى وصفاته أعلم كان بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم أعلم فليس من علم أنه نبى كمن علم أنه رسول ولا من علم أنه رسول ~~كمن يعلم أنه خاتم الرسل ولا من علم أنه خاتم الرسل كمن علم أنه سيد ولد ~~آدم ولا من علم ذلك كمن علم ما خصه الله به من الشفاعة والحوض والمقام ~~المحمود والملة وغير ذلك من فضائله صلى الله عليه وسلم وليس كل من جهل شيئا ~~من خصائصه يكون كافرا بل كثير من المؤمنين لم يسمع بكثير من فضائله وخصائصه ~~فكذلك ليس كل من جهل بعض أسماء الله وصفاته يكون كافرا إذ كثير من المؤمنين ~~لم يسمع كثيرا مما وصفه به رسوله وأخبر به عنه # فهذه الوجوه ونحوها مما تبين تفاضل الإيمان الذي في القلب وأما تفاضلهم ~~في الأقوال والأعمال الظاهرة فلا تشتبه على أحد والله أعلم PageV07P574 ### ||| فصل # إذا تبين هذا وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك ~~يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة كما أن القصد ~~التام مع القدرة يستلزم وجود المراد وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في ~~القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه زالت ( الشبه العلمية ( في هذه المسألة ~~ولم يبق إلا ( نزاع لفظى ( في أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل ~~في مسماه فيكون لفظ الإيمان دالا عليه بالتضمن والعموم أو هو لازم للإيمان ~~ومعلول له وثمرة له فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم # و ( حقيقة الأمر ( أن إسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا كما قد ~~تقدم فإذا قرن إسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالا ms2262 على الباطن فقط وأن ~~أفرد إسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر وبهذا تأتلف النصوص فقوله ( ~~الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ( أفرد لفظ الإيمان فدخل فيه الباطن ~~والظاهر وقوله في حديث جبريل ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر ( ذكره مع قوله ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول PageV07P575 الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج ~~البيت ( فلما أفرده عن إسم الإسلام ذكر ما يخصه الإسم في ذاك الحديث مجردا ~~عن الإقتران وفى هذا الحديث مقرون بإسم الإسلام وقوله تعالى @QB@ ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه @QE@ دخل فيه الباطن فلو أتى بالعمل الظاهر ~~دون الباطن لم يكن ممن أتى بالدين الذي هو عند الله الإسلام # وأما إذا قرن الإسلام بالإيمان كما في قوله تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا ~~قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ وقوله @QB@ فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات @QE@ فقد يراد بالإسلام الأعمال ~~الظاهرة كما في حديث أنس الذي في المسند عن النبى أنه قال ( الإسلام علانية ~~والإيمان في القلب ( ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والإقتران كما ~~في إسم الفقير والمسكين والمعروف والمنكر والبغي وغير ذلك من الأسماء وكما ~~في لغات سائر الأمم عربها وعجمها زاحت عنه الشبهة في هذا الباب والله أعلم # فإن قال قائل إسم ( الإيمان ( إنما يتناول الأعمال مجازا قيل ( أولا ( ~~ليس هذا بأولى ممن قال إنما تخرج عنه الأعمال مجازا بل هذا أقوى لأن خروج ~~العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونا بإسم الإسلام والعمل وأما دخول العمل فيه ~~فإذا أفرد كما في قوله ( الإيمان بضع وسبعون شعبة PageV07P576 أعلاها قول ~~لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذي عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ( ~~فإنما يدل مع الإقتران أولى بإسم المجاز مما يدل عند التجريد والإطلاق # وقيل له ms2263 ( ثانيا ( لا نزاع في أن العمل الظاهر هو فرع عن الباطن وموجب له ~~ومقتضاه لكن هل هو داخل في مسمى الإسم وجزء منه أو هو لازم للمسمى كالشرط ~~المفارق والموجب التابع ومن المعلوم أن الأسماء الشرعية والدينية كإسم ( ~~الصلاة ( و ( الزكاة ( و ( الحج ( ونحو ذلك هي بإتفاق الفقهاء إسم لمجموع ~~الصلاة الشرعية والحج الشرعي ومن قال أن الإسم إنما يتناول ما يتناوله عند ~~الإطلاق في اللغة وإنما زاده الشارع إنما هو زيادة في الحكم وشرط فيه لا ~~داخل في الإسم كما قال ذلك القاضي أبو بكر بن الطيب والقاضي أبو يعلى ومن ~~وافقهما على أن الشرع زاد أحكاما شرعية جعلها شروطا في القصد والأعمال ~~والدعاء ليست داخلة في مسمى الحج والصيام والصلاة فقولهم مرجوح عند الفقهاء ~~وجماهير المنسوبين إلى العلم ولهذا كان الجمهور من أصحاب الأئمة الأربعة ~~على خلاف هذا القول # فإذا قال قائل أن إسم ( الإيمان ( إنما يتناول مجرد ما هو تصديق وأما ~~كونه تصديقا بالله وملائكته وكتبه ورسله وكون ذلك مستلزما لحب الله ورسوله ~~ونحو ذلك هو شرط في الحكم لا داخل في الإسم إن لم يكن أضعف من ذلك القول ~~فليس دونه في الضعف فكذلك من قال الأعمال الظاهرة PageV07P577 لوازم للباطن ~~لا تدخل في الإسم عند الإطلاق يشبه قوله قول هؤلاء والشارع إذا قرن ~~بالإيمان العمل فكما يقرن بالحج ما هو من تمامه كما إذا قال من حج البيت ~~وطاف وسعى ووقف بعرفة ورمى الجمار ومن صلى فقرأ وركع وسجد كما قال من صام ~~رمضان إيمانا وإحتسابا ومعلوم أنه لم يكن صوما شرعيا إن لم يكن إيمانا ~~وإحتسابا # وقال ( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ( ~~ومعلوم أن الرفث الذي هو الجماع يفسد الحج والفسوق ينقص ثوابه وكما قال ( ~~من صلى صلاتنا وإستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا ( فلا يكون مصليا إن لم يستقبل ~~قبلتنا في الصلاة وكما قال صلى الله عليه وسلم ( خمس صلوات كتبهن الله على ~~العبد في اليوم والليلة ms2264 من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة ~~ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ( ~~فذكر المحافظ عليها ومعلوم أنه لا يكون مصليا لها على الوجه المأمور إلا ~~بالمحافظة عليها ولكن بين أن الوعيد مشروط بذلك ولهذا لا يلزم من عدم ~~المحافظة أن لا يصليها بعد الوقت فلا يكون محافظا عليها إذ المحافظة تستلزم ~~فعلها كما قال @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ نزلت لما أخرت ~~العصر عام الخندق قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ملأ الله أجوافهم وقبورهم ~~نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس PageV07P578 وبهذا يظهر ~~أن الإحتجاج بذلك على أن تارك الصلاة لا يكفر حجة ضعيفة لكنه يدل على أن ~~تارك المحافظة لا يكفر فإذا صلاها بعد الوقت لم يكفر ولهذا جاءت في ( ~~الأمراء ( الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قيل يا رسول الله ألا نقاتلهم قال ~~( لا ما صلوا ( وكذلك لما سئل إبن مسعود عن قوله تعالى @QB@ أضاعوا الصلاة ~~@QE@ قال هو تأخيرها عن وقتها فقيل له كنا نظن ذلك تركها فقال لو تركوها ~~كانوا كفارا # والمقصود أنه قد يدخل في ( الإسم المطلق ( أمور كثيرة وإن كانت قد تخص ~~بالذكر # وقيل لمن قال دخول الأعمال الظاهرة في إسم الإيمان مجاز نزاعك لفظي فإنك ~~إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته كان عدم ~~اللازم موجبا لعدم الملزوم فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن فإذا إعترفت ~~بهذا كان النزاع لفظيا وإن قلت ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه من أنه يستقر ~~الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر وترك جميع الواجبات ~~الظاهرة قيل لك فهذا يناقض قولك أن الظاهر لازم له وموجب له بل ( قيل ( ~~حقيقة قولك أن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى فليس بلازم له ولا ~~موجب ومعلول له ولكنه دليل إذا وجد دل على وجود الباطن وإذ عدم لم يدل عدمه ~~على العدم وهذا حقيقة ms2265 قولك PageV07P579 # وهو أيضا خطأ عقلا كما هو خطأ شرعا وذلك أن هذا ليس بدليل قاطع إذ هذا ~~يظهر من المنافق فإنما يبقي دليلا في بعض الأمور المتعلقة بدار الدنيا ~~كدلالة اللفظ على المعنى وهذا حقيقة قولك فيقال لك فلا يكون ما يظهر من ~~الأعمال ثمرة للإيمان الباطن ولا موجبا له ومن مقتضاه وذلك أن المقتضي لهذا ~~الظاهر إن كان هو نفس الإيمان الباطن لم يتوقف وجوده على غيره فإن ما كان ~~معلولا للشيء وموجبا له لا يتوقف على غيره بل يلزم من وجوده وجوده فلو كان ~~الظاهر موجب الإيمان الباطن لوجب أن لا يتوقف على غيره بل إذا وجد الموجب ~~وجد الموجب # وأما إذا وجد معه تارة وعدم أخرى أمكن أن يكون من موجب ذلك الغير وأمكن ~~أن يكون موقوفا عليهما جميعا فإن ذلك الغير إما مستقل بالإيمان أو مشارك ~~للإيمان وأحسن أحواله أن يكون الظاهر موقوفا عليهما معا على ذلك الغير وعلى ~~الإيمان بل قد علم أنه يوجد بدون الإيمان كما في أعمال المنافق فحينئذ لا ~~يكون العمل الظاهر مستلزما للإيمان ولا لازما له بل يوجد معه تارة ومع ~~نقيضه تارة ولا يكون الإيمان علة له ولا موجبا ولا مقتضيا فيبطل حينئذ أن ~~يكون دليلا عليه لأن الدليل لابد أن يستلزم المدلول وهذا هو الحق فإن مجرد ~~التكلم بالشهادتين ليس مستلزما للإيمان النافع عند الله # ولهذا قال النبى لسعد لما قال هو مؤمن قال ( أو PageV07P580 مسلم ( وقال ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله ~~أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ فدل ذلك ~~على أن مجرد إظهار الإسلام لا يكون دليلا على الإيمان في الباطن إذ لو كان ~~كذلك لم تحتج المهاجرات اللاتى جئن مسلمات إلى الإمتحان ودل ذلك على أنه ~~بالإمتحان والإختبار يتبين باطن الإنسان فيعلم أهو مؤمن أم ليس بمؤمن كما ~~في الحديث المرفوع ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فإشهدوا له بالإيمان فإن ~~الله يقول @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن ms2266 بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله @QE@ الآية # فإذا قيل الأعمال الظاهرة تكون من موجب الإيمان تارة وموجب غيره أخرى ~~كالتكلم بالشهادتين تارة يكون من موجب إيمان القلب وتارة يكون تقية كإيمان ~~المنافقين قال تعالى @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما ~~هم بمؤمنين @QE@ ونحن إذا قلنا هي من ثمرة الإيمان إذا كانت صادرة عن إيمان ~~القلب لا عن نفاق قيل فإذا كانت صادرة عن إيمان إما أن يكون نفس الإيمان ~~موجبا لها وإما أن تقف على أمر آخر فإذا كان نفس الإيمان موجبا لها ثبت ~~أنها لازمة لإيمان القلب معلولة لا تنفك عنه وهذا هو المطلوب وإن توقفت على ~~أمر آخر كان الإيمان جزء السبب جعلها ثمرة للجزء الآخر ومعلولة له إذ حقيقة ~~الأمر أنها معلولة لهما وثمرة لهما # فتبين أن الأعمال الظاهرة الصالحة لا تكون ثمرة للإيمان الباطن ومعلولة ~~PageV07P581 له إلا إذا كان موجبا لها ومقتضيا لها وحينئذ فالموجب لازم ~~لموجبه والمعلول لازم لعلته وإذا نقصت الأعمال الظاهرة الواجبة كان ذلك ~~لنقص ما في القلب من الإيمان فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في ~~القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة بل يلزم من وجود هذا كاملا [ وجود ~~هذا كاملا ] كما يلزم من نقص هذا نقص هذا إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ~~ظاهر من قول وعمل كتقدير موجب تام بلا موجبه وعلة تامة بلا معلولها وهذا ~~ممتنع # وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم والصالحي ومن إتبعهما في ( الإيمان ( ~~كالأشعرى في أشهر قوليه وأكثر أصحابه وطائفة من متأخرى أصحاب أبى حنيفة ~~كالماتريدى ونحوه حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب يتساوى فيه العباد وأنه ~~إما أن يعدم وإما أن يوجد لا يتبعض وأنه يمكن وجود الإيمان تاما في القلب ~~مع وجود التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعا من غير إكراه وأن ما علم من ~~الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في ~~القلب في الأفعال وأن الأعمال ms2267 الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن ~~الذي في القلب بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها فإن هذا القول فيه خطأ من ~~وجوه # ( أحدها ( أنهم أخرجوا ما في القلوب من حب الله وخشيته ونحو ذلك ~~PageV07P582 أن يكون من نفس الإيمان # و ( ثانيها ( جعلوا ما علم أن صاحبه كافر مثل إبليس وفرعون واليهود وأبى ~~طالب وغيرهم أنه إنما كان كافرا لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن وهذا ~~مكابرة للعقل والحس وكذلك جعلوا من يبغض الرسول ويحسده كراهة دينه مستلزما ~~لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك و ( # ثالثها ( أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله ~~والتثليث وغير ذلك قد يكون مجامعا لحقيقة الإيمان الذي في القلب ويكون صاحب ~~ذلك مؤمنا عند الله حقيقة سعيدا في الدار الآخرة وهذا يعلم فساده بالإضطرار ~~من دين الإسلام # و ( رابعها ( أنهم جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك ولا ~~أطاع الله طاعة ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته يكون مؤمنا بالله تام ~~الإيمان سعيدا في الدار الآخرة وهذه الفضائح تختص بها الجهمية دون المرجئة ~~من الفقهاء وغيرهم # و ( خامسها ( وهو يلزمهم ويلزم المرجئة أنهم قالوا أن العبد قد يكون ~~مؤمنا تام الإيمان إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين ولو لم يعمل خيرا ~~لا صلاة ولا صلة ولا صدق حديث ولم يدع كبيرة إلا ركبها فيكون PageV07P583 ~~الرجل عندهم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وهو مصر على دوام ~~الكذب والخيانة ونقض العهود لا يسجد لله سجدة ولا يحسن إلى أحد حسنة ولا ~~يؤدي أمانة ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها وهو مع ذلك ~~مؤمن تام الإيمان إيمانه مثل إيمان الأنبياء وهذا يلزم كل من لم يقل أن ~~الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن فإذا قال إنها من لوازمه وأن ~~الإيمان الباطن يستلزم عملا صالحا ظاهرا كان بعد ذلك قوله إن تلك الأعمال ~~لازمة لمسمى الإيمان أو جزءا منه ( نزاعا لفظيا ( كما تقدم # و ms2268 ( سادسها ( أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعا وألقى المصحف في ~~الحش عمدا وقتل النفس بغير حق وقتل كل من رآه يصلى وسفك دم كل من يراه يحج ~~البيت وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين يجوز أن يكون مع ذلك مؤمنا وليا ~~لله إيمانه مثل إيمان النبيين والصديقين لأن الإيمان الباطن إما أن يكون ~~منافيا لهذه الأمور وإما أن لا يكون منافيا فإن لم يكن منافيا أمكن وجودها ~~معه فلا يكون وجودها إلا مع عدم الإيمان الباطن # وإن كان منافيا للإيمان الباطن كان ترك هذه من موجب الإيمان ومقتضاه ~~ولازمه فلا يكون مؤمنا في الباطن الإيمان الواجب إلا من ترك هذه الأمور فمن ~~لم يتركها دل ذلك على فساد إيمانه الباطن وإذا كانت الأعمال والتروك ~~PageV07P584 الظاهرة لازمة للإيمان الباطن كانت من موجبه ومقتضاه وكان من ~~المعلوم أنها تقوى بقوته وتزيد بزيادته وتنقص بنقصانه فإن الشيء المعلول لا ~~يزيد إلا بزيادة موجبه ومقتضيه ولا ينقص إلا بنقصان ذلك فإذا جعل العمل ~~الظاهر موجب الباطن ومقتضاه لزم أن تكون زيادته لزيادة الباطن فيكون دليلا ~~على زيادة الإيمان الباطن ونقصه لنقص الباطن فيكون نقصه دليلا على نقص ~~الباطن وهو المطلوب # وهذه الأمور كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله تبين له أن مذهب السلف هو ~~المذهب الحق الذي لا عدول عنه وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول ~~وصحيح المنقول كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والأئمة والله ~~أعلم # وقول جهم ومن وافقه أن الإيمان مجرد العلم والتصديق وهو بذلك وحده يستحق ~~الثواب والسعادة يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم أن سعادة ~~الانسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه كما أن قول الجهمية وهؤلاء ~~الفلاسفة في ( مسائل الأسماء والصفات ( و ( مسائل الجبر والقدر ( متقاربان ~~وكذلك في ( مسائل الإيمان ( وقد بسطنا الكلام على ذلك وبينا بعض ما فيه من ~~الفساد في غير هذا الموضع مثل أن العلم هو أحد قوتى النفس فإن النفس لها ( ~~قوتان ( قوة العلم والتصديق وقوة ms2269 الارادة والعمل كما أن الحيوان له ( قوتان ~~( قوة الحس وقوة الحركة بالارادة PageV07P585 # وليس صلاح الانسان في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده ويتبعه ~~كما أنه ليس سعادته في أن يكون عالما بالله مقرى بما يستحقه دون أن يكون ~~محبا لله عابدا لله مطيعا لله بل أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ~~ينفعه الله بعلمه فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقا من غضب ~~الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك كما أن من كان قاصدا للحق طالبا له ~~وهو جاهل بالمطلوب وطريقه كان فيه من الضلال وكان مستحقا من اللعنة التى هي ~~البعد عن رحمة الله ما لا يستحقه من ليس مثله ولهذا أمرنا الله أن نقول ~~@QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ # و @QB@ المغضوب عليهم @QE@ علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه و ( الضالون ~~( قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه فهذا بمنزلة العالم الفاجر وهذا ~~بمنزلة العابد الجاهل وهذا حال اليهود فإنه مغضوب عليهم وهذا حال النصارى ~~فإنهم ضالون كما ثبت عن النبى أنه قال ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ~~( # و ( المتفلسفة ( أسوأ حالا من اليهود والنصارى فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء ~~وضلالهم وبين فجور هؤلاء وظلمهم فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في ~~اليهود ولا النصارى حيث جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق حتى يصير ~~الإنسان عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود ثم لم ينالوا من معرفة الله ~~PageV07P586 وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وخلقه وأمره إلا شيئا ~~نزرا قليلا فكان جهلهم أعظم من علمهم وضلالهم أكبر من هداهم وكانوا مترددين ~~بين الجهل البسيط والجهل المركب فان كلامهم في الطبيعات والرياضيات لا يفيد ~~كمال النفس وصلاحها وإنما يحصل ذلك بالعلم الإلهي وكلامهم فيه لحم جمل غث ~~على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل # فإن كلامهم في ( واجب الوجود ( ما بين حق قليل وباطل فاسد كثير وكذلك في ~~( العقول ( و ( النفوس ( التى تزعم أتباعهم ms2270 من أهل الملل أنها الملائكة ~~التى أخبرت بها الرسل وليس الأمر كذلك بل زعمهم أن هؤلاء هم الملائكة من ~~جنس زعمهم أن ( واجب الوجود ( هو الوجود المطلق بشرط الاطلاق مع اعترافهم ~~بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان وكذلك كلامهم في العقول ~~والنفوس يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في ~~الأعيان ثم فيه من الشرك بالله وإثبات رب مبدع لجميع العالم سواه لكنه ~~معلول له وإثبات رب مبدع لكل ما تحت فلك القمر هو معلول الرب فوقه ذلك الرب ~~معلول لرب فوقه ما هو أقبح من كلام النصارى في قولهم أن المسيح بن الله ~~بكثير كثير كما بسط في غير هذا الموضع # وليس لمقدميهم كلام في ( النبوات ( ألبتة ومتأخروهم حائرون فيها منهم من ~~يكذب بها كما فعل إبن زكريا الرازى وأمثاله مع قولهم بحدوث العالم ~~PageV07P587 أثبتوا القدماء الخمسة وأخذوا من المذاهب ما هو من شرها ~~وأفسدها ومنهم من يصدق بها مع قوله بقدم العالم كإبن سينا وأمثاله لكنهم ~~يجعلون النبى بمنزلة ملك عادل فيجعلون النبوة كلها من جنس ما يحصل لبعض ~~الصالحين من الكشف والتأثير والتخيل فيجعلون خاصة النبي ( ثلاثة أشياء ( ~~قوة الحدس الصائب التى يسمونها القوة القدسية وقوة التأثير في العالم وقوة ~~الحس التى بها يسمع ويبصر المعقولات متخيلة في نفسه فكلام الله عندهم هو ما ~~في نفسه من الأصوات وملائكته هي ما في أنفسهم من الصور والأنوار وهذه ~~الخصال تحصل لغالب أهل الرياضة والصفا فلهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة # وصار كل من سلك سبيلهم كالسهروردي المقتول وإبن سبعين المغربي وأمثالهما ~~يطلب النبوة ويطمع أن يقال له قم فأنذر هذا يقول لا أموت حتى يقال لى @QB@ ~~قم فأنذر @QE@ وهذا يجاور بمكة ويعمد إلى غار حراء ويطلب أن ينزل عليه فيه ~~الوحي كما نزل على المزمل والمدثر مثله وكل منهما ومن أمثالهما يسعى بأنواع ~~السيمياء التى هي من السحر ويتوهم أن معجزات الأنبياء كانت من جنس السحر ~~السيميائي # ومن لم يمكنه طلب النبوة ms2271 وادعاؤها لعلمه بقول الصادق المصدوق ( لا نبى ~~بعدى ( أو غير ذلك كإبن عربى وأمثاله طلب ما هو أعلى من النبوة وأن خاتم ~~الأولياء أعظم من خاتم الأنبياء وان الولي يأخذ عن الله بلا واسطة ~~PageV07P588 والنبى يأخذ بواسطة الملك وبنى ذلك على أصل متبوعيه الفلاسفة ~~فإن عندهم ما يتصور في نفس النبى أو الولي هي الملائكة من الأشكال ~~النورانية الخيالية ( فالملائكة ( عندهم ما يتخيله في نفسه و ( النبى ( ~~عندهم ما يتلقى بواسطة هذا التخيل و ( الولى ( يتلقى المعارف العقلية بدون ~~هذا التخيل ولا ريب أن من تلقى المعارف بلا تخيل كان أكمل ممن تلقاها بتخيل # فلما اعتقدوا في النبوة ما يعتقده هؤلاء المتفلسفة صاروا يقولون أن ~~الولاية أعظم من النبوة كما يقول كثير من الفلاسفة أن الفيلسوف أعظم من ~~النبى فان هذا قول الفارابي ومبشر بن فاتك وغيرهما وهؤلاء يقولون النبوة ~~أفضل الأمور عند الجمهور لا عند الخاصة ويقولون خاصة النبى جودة التخييل ~~والتخيل فجاء هؤلاء الذين أخرجوا الفلسفة في قالب الولاية وعبروا عن ~~المتفلسف بالولى وأخذوا معانى الفلاسفة وأبرزوها في صورة المكاشفة ~~والمخاطبة وقالوا ان الولي أعظم من النبى لأن المعانى المجردة يأخذها عن ~~الله بلا واسطة تخيل لشيء في نفسه والنبى يأخذها بواسطة ما يتخيل في نفسه ~~من الصور والأصوات ولم يكفهم هذا البهتان حتى ادعوا أن جميع الأنبياء ~~والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم هؤلاء الأولياء الذي هو من أجهل ~~الخلق بالله وأبعدهم عن دين الله والعلم بالله هو عندهم بأنه ( الوجود ~~المطلق ( الساري في الكائنات فوجود كل موجود هو عين وجود واجب الوجود # وحقيقة هذا القول قول الدهرية الطبيعية الذين ينكرون أن يكون للعالم ~~PageV07P589 مبدع ابدعه هو واجب الوجود بنفسه بل يقولون العالم نفسه واجب ~~الوجود بنفسه فحقيقة قول هؤلاء شر من قول الدهرية الالهيين وهو يعود عند ~~التحقق إلى قول الدهرية الطبيعيين وقد حدثونا أن بن عربى تنازع هو والشيخ ~~أبو حفص السهروردي هل يمكن وقت تجلى الحق لعبد مخاطبة له أم لا فقال الشيخ ms2272 ~~أبو حفص السهروردي نعم يمكن ذلك فقال بن عربى لا يمكن ذلك وأظن الكلام كان ~~في غيبة كل منهما عن صاحبه فقيل لابن عربى أن السهروردي يقول كذا وكذا فقال ~~مسكين نحن تكلمنا في مشاهدة الذات وهو يتكلم في مشاهدة الصفات # وكان كثير من أهل التصوف والسلوك والطالبين لطريق التحقيق والعرفان مع ~~أنهم يظنون أنهم متابعون للرسل وأنهم متقون للبدع المخالفة له يقولون هذا ~~الكلام ويعظمونه ويعظمون بن عربى لقوله مثل هذا ولا يعلمون أن هذا الكلام ~~بناه على أصله الفاسد في الإلحاد الذي يجمع بين التعطيل والاتحاد فان حقيقة ~~الرب عنده وجود مجرد لا إسم له ولا صفة ولا يمكن أن يرى في الدنيا ولا في ~~الآخرة ولا له كلام قائم به ولا علم ولا غير ذلك ولكن يرى ظاهرا في ~~المخلوقات متجليا في المصنوعات وهو عنده غير وجود الموجودات وشبهه وتارة ~~بظهور الكلى في جزئياته كظهور الجنس في أنواعه والنوع في الخاصة كما تظهر ~~الحيوانية في كل حيوان والانسانية في كل إنسان # وهذا بناه على غلط أسلافه ( المنطقيين اليونانيين ( حيث ظنوا أن ~~PageV07P590 الموجودات العينية يقارنها جواهر عقلية بحسب ما تحمل لها من ~~الكليات فيظنون أن في الانسان المعين انسانا عقليا وحيوانا عقليا وناطقا ~~عقليا وحساسا عقليا وجسما عقليا وذاك هو الماهية التى يعرض لها الوجود وتلك ~~الماهية مشتركة بين جميع المعينات وهذا الكلام له وقع عند من لم يفهمه ~~ويتدبره # فإذا فهم حقيقته تبين له أنه بكلام المجانين أشبه منه بكلام العقلاء ~~وإنما ذلك لمخالفته للحس والعقل وإنما أتى فيه هؤلاء من حيث أنهم تصوروا في ~~أنفسهم معانى ( كلية مطلقة ( فظنوا أنها موجودة في الخارج فضلا لهم في هذا ~~عكس ضلالهم في أمر الأنبياء شاهدت أمورا خارجة عن أنفسهم فزعم هؤلاء ~~الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم # وهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أمورا ( كلية مطلقة ( فظنوا أنها في ~~الخارج وليست إلا في أنفسهم فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه وجعلوا ~~ما أخبرت به الانبياء في أنفسهم ms2273 وإنما هو في الخارج فلهذا كانوا مكذبين ~~بالغيب الذى أخبرت به الانبياء ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين البائن ~~عن مخلوقاته أجمعين هو من جنس وجود الانسانية في الاناسي والحيوانية في ~~الحيوان أو ما أشبه ذلك كوجود الوجود في الثبوت عند من يقول المعدوم شيء ~~فانهم أرادوا أن يجعلوه شيئا موجودا في المخلوقات مع مغايرته لها فضربوا له ~~مثلا تارة بالكليات وتارة بالمادة والصورة وتارة بالوجود المغاير للثبوت ~~وإذا مثلوه بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج أو بالهواء في الصوفة ~~PageV07P591 فضربوا لرب العالمين الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا # وهم في هذه الأمثال ضالون من وجوه ( # أحدها ( إنما مثلوا به من المادة مع الصورة والكليات مع الجزئيات والوجود ~~مع الثبوت كل ذلك يرجع عند التحقيق إلى شيء واحد لا شيئين فجعلوا الواحد ~~اثنين كما جعلوا الاثنين واحدا في مثل صفات الله يجعلون العلم هو العالم ~~والعلم هو المعلوم والعلم هو القدرة والعلم هو الارادة وأنواع هذه الأمور ~~التى إذا تدبرها العاقل تبين له أن هؤلاء من أجهل الناس بالأمور الالهية ~~وأعظم الناس قولا للباطل مع ما في نفوسهم ونفوس أتباعهم من الدعاوي الهائلة ~~الطويلة العريضة كما يدعى اخوانهم القرامطة الباطنية أنهم ائمة معصومون مثل ~~الأنبياء وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم # ( الثانى ( أنهم على كل تقدير من هذه التقديرات يجعلون وجوده مشروطا ~~بوجود غيره الذي ليس هو مبدعا له فإن وجود الكليات في الخارج مشروط ~~بالجزئيات ووجود المادة مشروط بالصورة وكذلك بالعكس ووجود الأعيان مشروط ~~بثبوتها المستقر في العدم فيلزمهم على كل تقدير أن يكون واجب الوجود مشروطا ~~بما ليس هو من مبدعاته وما كان وجوده موقوفا على غيره الذي ليس هو مصنوعا ~~له لم يكن واجب الوجود بنفسه وهذا بين PageV07P592 # ( الثالث ( أن هذا الكلام يعود عند التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق عين ~~وجود المخلوقات وهم يصرحون بذلك لكن يدعون المغايرة بين الوجود والثبوت أو ~~بين الوجود والماهية وبين الكل والجزء وهو المغايرة بين المطلق والمعين ~~فلهذا كانوا يقولون بالحلول تارة ms2274 يجعلون الخالق حالا في المخلوقات وتارة ~~محلا لها وإذا حقق الأمر عليهم بعدم المغايرة كان حقيقة قولهم أن الخالق هو ~~نفس المخلوقات فلا خالق ولا مخلوق وإنما العالم واجب الوجود بنفسه # ( الرابع ( أنهم يقرون بما يزعمونه من ( التوحيد ( عن التعدد في صفاته ~~الواجبة وأسمائه وقيام الحوادث به وعن كونه جسما أو جوهرا ثم هم عند ~~التحقيق يجعلونه عين الاجسام الكائنة الفاسدة المستقذرة ويصفونه بكل نقص ~~كما صرحوا بذلك قالوا ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه ~~وبصفات النقص وبصفات الذم وقالوا العلى لذاته هو الذي يكون له الكمال الذي ~~يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا ~~وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة فهو ~~متصف عندهم بكل صفة مذمومة كما هو متصف بكل صفة محمودة وقد بسط الكلام على ~~هؤلاء في غير هذا الموضع فإن أمرهم أعظم من أن يبسط هنا # ولكن ( المقصود ( التنبيه على تشابه رؤوس الضلال حتى إذا فهم المؤمن ~~PageV07P593 قول أحدهم اعانه على فهم قول الآخر واحترز منهم وبين ضلالهم ~~لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات # فإبن عربى بزعمه انما تجلى الذات عنده شهود مطلق هو وجود الموجودات مجردا ~~مطلقا لا إسم له ولا نعت ومعلوم أن من تصور هذا لم يمكن أن يحصل له عنه ~~خطاب فلهذا زعم أن عند تجلى الذات لا يحصل خطاب وأما أبو حفص السهروردي ~~فكان أعلم بالسنة وإتبع للسنة من هذا وخيرا منه وقد رأي أن ما جاءت به ~~الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده ويخاطبهم حين تجليه لهم فآمن بذلك لكن بن ~~عربى في فلسفته أشهر من هذا في سنته # ولهذا كان أتباعهما يعظمون بن عربى عليه مع اقرارهم بأن السهروردي اتبع ~~للسنة كما حدثنى الشيخ الملقب بحسام الدين القادم السالك طريق بن حمويه ~~الذي يلقبه أصحابه ( سلطان الأقطاب ( وكان عنده من التعظيم لإبن عربى وبن ~~حمويه والغلو فيهما أمر عظيم فبينت له كثيرا مما يشتمل ms2275 عليه كلامهما من ~~الفساد والالحاد والأحاديث المكذوبة على النبى وجرى في ذلك فصول لما كان ~~عنده من التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما وما تضمنته من الضلالات # وكان ممن حدثنى عن شيخه الطاووسى الذي كان بهمدان عن سعد الدين ~~PageV07P594 بن حمويه أنه قال محيى الدين بن عربي بحر لا تكدره الدلاء لكن ~~نور المتابعة النبوية على وجه الشيخ شهاب الدين السهروردي شيء آخر فقلت له ~~هذا كما يقال كان هؤلاء أوتوا [ من ] ملك الكفار ملكا عظيما لكن نور ~~الإسلام الذي على شهاب غازي صاحب ( ميافا رقين ( شيء آخر فإنهم كانوا ~~يعظمون بن عربى وذلك لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكنا من معرفة السنة ~~ومتابعتها وتحقيق ما جاءت به الرسل كتمكن بن عربى في طريقه التى سلكها وجمع ~~فيها بين الفلسفة والتصوف # وهؤلاء انما يقطع دابرهم المباينة بين الخالق والمخلوق واثبات تعينه ~~منفصلا عن المخلوق ترفع إليه الأيدى بالدعاء وإليه كان معراج خاتم الأنبياء ~~وقد ذكر السهروردي في عقيدته المشهورة قوله ( بلا إشارة ولا تعيين ( وهذه ~~هي التى استطال بها عليه هؤلاء فإنه متى نفيت الاشارة والتعيين لم يبق الا ~~العدم المحض والتعطيل أو الالحاد والوحدة والحلول # وبن سبعين وأمثاله من هؤلاء الملاحدة يقولون هكذا لا إشارة ولا تعيين بل ~~عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى ويقولون في أذكارهم ليس إلا ~~الله بدل قول المسلمين لا إله إلا الله لأن معتقدهم أنه وجود كل موجود فلا ~~موجود إلا هو والمسلمون يعلمون أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه ليس ~~هو المخلوقات ولا جزءا منها ولا صفة لها بل هو بائن عنها ويقولون أنه هو ~~الاله الذي يستحق العبادة دون ما سواه من PageV07P595 الموجودات فلا إله ~~إلا هو كما قال تعالى @QB@ فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ~~@QE@ وكما قال تعالى @QB@ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون @QE@ ~~وقال @QB@ قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض @QE@ # وهؤلاء الملاحدة ما عندهم غير ms2276 يمكن أن يعبد ولا غير يمكن أن يتخذ وليا ~~ولا الها بل هو العابد والمعبود والمصلى والمصلى له كما قال شاعرهم إبن ~~الفارض في قصيدته ( نظم السلوك ( # لها صلواتى بالمقام أقيمها %~% وأشهد فيها أنها لي صلت # كلانا مصل واحد ساجد إلى %~% حقيقته بالجمع في كل سجدة # إلى قوله # وما كان لي صلى سواي ولم تكن %~% صلاتي لغيري في أدا كل ركعة # إلي رسولا كنت مني مرسلا %~% وذاتى بآياتى علي إستدلت # وقوله # وما زلت اياها واياي لم تزل %~% ولا فرق بل ذاتى لذاتى أحبت # فهؤلاء ( الجهمية ( من المتكلمة والصوفية في قولهم أن الايمان هو مجرد ~~المعرفة والتصديق يقولون المعروف هو الموجود الموصوف بالسلب والنفي كقولهم ~~لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا مباين العالم ولا محايث ثم PageV07P596 ~~يعودون فيجعلونه حالا في المخلوقات أو محلا لها أو هو عينها أو يعطلونه ~~بالكلية فهم في هذا نظير المتفلسفة المشائين الذين يجعلون كمال الانسان ~~بالعلم و ( العلم الاعلى ( عندهم و ( الفلسفة الأولى ( عندهم النظر في ~~الوجود ولواحقه ويجعلون واجب الوجود وجودا مطلقا بشرط الاطلاق لكن أولئك ~~يغيرون العبارات ويعبرون بالعبارات الاسلامية القرآنية عن الالحادات ~~الفلسفية واليونانية وهذا كله قد قرر وبسط القول فيه في غير هذا الموضع ### ||| فصل # ( أول ما في الحديث سؤاله عن ( الإسلام ( فأجابه بأن ( الاسلام أن تشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم ~~رمضان وتحج البيت ( وهذه الخمس هي المذكورة في حديث إبن عمر المتفق عليه ( ~~بني الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا ( وهذا ~~قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فرض الله الحج فلهذا ذكر الخمس وأكثر ~~الأحاديث لا يوجد فيها ذكر الحج في حديث وفد عبد القيس ( آمركم بالإيمان ~~بالله وحده أتدرون ما الايمان بالله وحده شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام ms2277 رمضان وأن تعطوا من ~~المغنم الخمس PageV07P597 # وحديث وفد عبد القيس من أشهر الأحاديث وأصحها وفى بعض طرق البخاري لم ~~يذكر الصيام لكن هو مذكور في كثير من طرقه وفى مسلم وهو أيضا مذكور في حديث ~~أبي سعيد الذي ذكر فيه قصة وفد عبد القيس رواه مسلم في صحيحه عنه واتفقا ~~على حديث إبن عباس وفيه أنه أمرهم بإيتاء الخمس من المغنم والخمس انما فرض ~~في غزوة بدر وشهر رمضان فرض قبل ذلك # ووفد عبد القيس من خيار الوفد الذين وفدوا على النبى وقدومهم على النبى ~~كان قبل فرض الحج وقد قيل قدموا سنة الوفود سنة تسع والصواب أنهم قدموا قبل ~~ذلك فانهم قالوا أن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر يعنون أهل نجد وإنا ~~لا نصل إليك إلا في شهر حرام وسنة تسع كانت العرب قد ذلت وتركت الحرب ~~وكانوا بين مسلم أو معاهد خائف لما فتح الله مكة ثم هزموا هوازن يوم حنين ~~وإنما كانوا ينتظرون بإسلامهم فتح مكة وقد بعث النبى أبا بكر رضي الله عنه ~~أميرا على الحج سنة تسع وأردفه بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لتنفيذ ~~العهود التى كانت بين النبى وبين العرب إلا أنه أجلهم أربعة أشهر من حين ~~حجة أبي بكر وكانت في ذى القعدة # وقد قال تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين @QE@ الآية ~~وهذه الأربعة التى اجلوها الأربعة الحرم PageV07P598 # ولهذا غزا النبى صلى الله عليه وسلم النصارى بأرض الروم عام تبوك سنة تسع ~~قبل إرسال أبي بكر أميرا على الموسم وإنما أمكنه غزو النصارى لما اطمأن من ~~جهة مشركى العرب وعلم أنه لا خوف على الاسلام منهم ولهذا لم يأذن لأحد ممن ~~يصلح للقتال في التخلف فلم يتخلف إلا منافق أو الثلاثة الذين تيب عليهم أو ~~معذور ولهذا لما إستخلف عليا على المدينة عام تبوك طعن المنافقون فيه لضعف ~~هذا الإستخلاف وقالوا إنما خلفه لأنه يبغضه فإتبعه علي وهو يبكي فقال ~~أتخلفنى مع النساء والصبيان فقال ( أما ترضي أن ms2278 تكون منى بمنزلة هارون من ~~موسى الا أنه لا نبى بعدى ( وكان قبل ذلك يستخلف على المدينة من يستخلفه ~~وفيها رجال من أهل القتال وذلك لأنه لم يكن حينئذ بأرض العرب لا بمكة ولا ~~بنجد ونحوهما من يقاتل أهل دار الإسلام مكة والمدينة وغيرهما ولا يخيفهم ثم ~~لما رجع من تبوك أقر أبا بكر على الموسم يقيم الحج والصلاة ويأمر أن لا يحج ~~بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان واتبعه بعلي لأجل نقض العهود اذ كانت ~~عادة العرب أن لا يقبلوا الا من المطاع الكبير أو من رجل من أهل بيته # و ( المقصود ( أن هذا يبين أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل ذلك واما ( ~~حديث ضمام ( فرواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ( نهينا أن نسأل رسول الله ~~عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع ~~فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله ~~أرسلك قال صدق PageV07P599 قال فمن خلق السماء قال الله قال فمن خلق الأرض ~~قال الله قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل قال الله قال فبالذي خلق ~~السماء وخلق الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا ~~خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله امرك بهذا قال ~~نعم قال وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال صدق قال فبالذي أرسلك ~~آلله أمرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا قال صدق ثم ولى الرجل وقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص ~~منهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن صدق ليدخلن الجنة ( # وعن أنس قال ( بينما نحن جلوس مع النبى في المسجد اذ دخل رجل على جمل ~~فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم أيكم محمد والنبى صلى الله عليه وسلم ~~متكئ بين ظهرانيهم فقلنا هذا الرجل الأبيض ms2279 المتكئ فقال له الرجل بن عبد ~~المطلب فقال له النبي قد أجبتك فقال الرجل للنبى اننى سائلك فمشدد عليك في ~~المسألة فلا تجد علي في نفسك فقال سل عما بدا لك فقال اسألك بربك ورب من ~~قبلك آلله ارسلك إلى الناس كلهم فقال اللهم نعم وذكر أنه سأله عن الصلاة ~~والزكاة ولم يذكر الصيام والحج فقال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من ~~ورائي من قومي وأنا ضمام PageV07P600 بن ثعلبة أخو بنى سعد بن بكر ( هذان ~~الطريقان في الصحيحين لكن البخارى لم يذكر في الأول الحج بل ذكر الصيام ~~والسياق الأول أتم والناس يجعلون الحديثين حديثا واحدا # ويشبه والله أعلم أن يكون البخارى رأى أن ذكر الحج فيه وهما لأن سعد بن ~~ابى بكر هم من هوازن وهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوازن كانت ~~معهم وقعة حنين بعد فتح مكة فأسلموا كلهم بعد الوقعة ودفع إليهم النبى ~~النساء والصبيان بعد أن قسمها على المعسكر واستطاب أنفسهم في ذلك فلا تكون ~~هذه الزيارة إلا قبل فتح مكة والحج لم يكن فرض إذ ذاك # وحديث طلحة بن عبيد الله ليس فيه الا الصلاة والزكاة والصيام وقد قيل أنه ~~حديث ضمام وهو في الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله قال ( جاء رجل إلى النبى ~~صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول ~~حتى دنا من رسول الله فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله ( خمس صلوات ~~في اليوم والليلة قال هل علي غير ذلك قال لا إلا أن تطوع قال وذكر له رسول ~~الله الزكاة قال هل علي غيرها قال لا الا أن تطوع قال فأدبر الرجل وهو يقول ~~والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله أفلح إن صدق ( وليس في ~~شيء من PageV07P601 طرقه ذكر الحج بل فيه ذكر الصلاة والزكاة والصيام كما ~~في حديث وفد عبدالقيس # وفى الصحيحين أيضا ( عن أبى هريرة ان اعرابيا جاء ms2280 إلى رسول الله فقال يا ~~رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة فقال تعبد الله لا تشرك به ~~شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال والذي ~~نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه فلما ولى قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ( وهذا ~~يحتمل أن يكون ضماما وقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الصلاة والزكاة فقط كما ~~في الصحيحين عن ابى ايوب الأنصارى ( أن اعرابيا عرض لرسول الله وهو في سفر ~~فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ثم قال يا رسول الله أو يا محمد اخبرنى بما ~~يقربنى من الجنة ويباعدنى من النار قال فكف رسول الله ثم نظر في أصحابه ثم ~~قال لقد وفق أو لقد هدي ثم قال كيف قلت قال فأعاد فقال رسول الله تعبد الله ~~لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصل الرحم فلما أدبر قال رسول ~~الله أن تمسك بما أمر به دخل الجنة ( هذه الألفاظ في مسلم # وقد جاء ذكر الصلاة والصيام في حديث النعمان بن قوقل رواه مسلم عن جابر ~~بن عبد الله قال ( سأل رجل النبى قال أرأيت إذا PageV07P602 صليت الصلوات ~~المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا ~~أدخل الجنة قال نعم قال والله لا أزيد على ذلك شيئا ( وفى لفظ ( أتى النبى ~~النعمان بن قوقل وحديث النعمان هذا قديم فان النعمان بن قوقل قتل قبل فتح ~~مكة قتله بعض بني سعد بن العاص كما ثبت ذلك في الصحيح فهذه الأحاديث خرجت ~~جوابا لسؤال سائلين # أما حديث إبن عمر فإنه مبتدأ وأحاديث الدعوة والقتال فيها الصلاة والزكاة ~~كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ( أمرت أن اقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ms2281 بحق الإسلام ~~وحسابهم على الله ( وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث ابى هريرة رواه مسلم عن ~~جابر ( قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فاذا قالوها ~~عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ( فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق ~~بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال # فكان من فقه ابى بكر أنه فهم من ذلك الحديث المختصر أن القتال على الزكاة ~~قتال على حق المال وقد بين النبى مراده بذلك في اللفظ المبسوط الذي رواه بن ~~عمر والقرآن صريح في موافقة حديث بن عمر كما قال تعالى @QB@ فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ PageV07P603 وحديث معاذ لما ~~بعثه إلى اليمن لم يذكر فيه النبى إلا الصلاة والزكاة # فلما كان في بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض اشكل ذلك على بعض ~~الناس فأجاب بعض الناس بأن سبب هذا ان الرواة إختصر بعضهم الحديث الذي رواه ~~وليس الأمر كذلك فإن هذا طعن في الرواة ونسبة لهم إلى الكذب إذ هذا الذي ~~ذكره انما يقع في الحديث الواحد مثل حديث وفد عبدالقيس حيث ذكر بعضهم ~~الصيام وبعضهم لم يذكره وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم الخمس وبعضهم لم يذكره ~~وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام وبعضهم لم يذكره فبهذا ~~يعلم أن أحد الراويين اختصر البعض أو غلط في الزيادة # فأما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيهما كذلك لا سيما والأحاديث قد ~~تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة وفيهما ما بين قطعا أن النبى تكلم بهذا ~~تارة وبهذا تارة والقرآن يصدق ذلك فان الله علق الأخوة الإيمانية في بعض ~~الآيات بالصلاة والزكاة فقط كما في قوله تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين @QE@ كما أنه علق ترك القتال على ~~ذلك في قوله تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم @QE@ وقد تقدم حديث بن عمر الذي في الصحيحين موافقا لهذه الآية و ( ~~أيضا ( فإن في حديث وفد عبدالقيس ذكر خمس المغنم لأنهم كانوا ms2282 طائفة ممتنعة ~~يقاتلون PageV07P604 ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه في حق ~~نفسه # ولكن عن هذا ( جوابان ( أحدهما ( أن النبى أجاب بحسب نزول الفرائض وأول ~~ما فرض الله الشهادتين ثم الصلاة فانه أمر بالصلاة في اول أوقات الوحي بل ~~قد ثبت في الصحيح أن أول ما أنزل عليه @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق ~~الإنسان من علق @QE@ إلى قوله @QB@ علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ ثم أنزل ~~عليه بعد ذلك @QB@ يا أيها المدثر قم فأنذر @QE@ فهذا الخطاب إرسال له إلى ~~الناس والارسال بعد الانباء فإن الخطاب الاول ليس فيه إرسال وآخر سورة إقرأ ~~@QB@ واسجد واقترب @QE@ فأول السورة أمر بالقراءة وآخرها أمر بالسجود ~~والصلاة مؤلفة من أقوال وأعمال فأفضل أقوالها القراءة وأفضل أعمالها السجود ~~والقراءة أول أقوالها المقصودة وما بعده تبع له # وقد روى أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي ثم ~~فرضت الخمس ليلة المعراج وكانت ركعتين ركعتين فلما هاجر أقرت صلاة السفر ~~وزيد في صلاة الحضر وكانت الصلاة تكمل شيئا بعد شيء فكانوا أولا يتكلمون في ~~الصلاة ولم يكن فيها تشهد ثم أمروا بالتشهد وحرم عليهم الكلام وكذلك لم يكن ~~بمكة لهم اذان وإنما شرع الأذان بالمدينة بعد الهجرة وكذلك صلاة الجمعة ~~والعيد والكسوف والاستسقاء وقيام رمضان وغير ذلك إنما شرع بالمدينة بعد ~~الهجرة PageV07P605 # وأمروا بالزكاة والإحسان في مكة أيضا ولكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت ~~بالمدينة # وأما ( صوم شهر رمضان ( فهو إنما فرض في السنة الثانية من الهجرة وأدرك ~~النبى تسع رمضانات # وأما ( الحج ( فقد تنازع الناس في وجوبه فقالت طائفة فرض سنة ست من ~~الهجرة عام الحديبية بإتفاق الناس قالوا وهذه الآية تدل على وجوب الحج ~~ووجوب العمرة أيضا لأن الأمر بالاتمام يتضمن الامر بإبتداء الفعل وإتمامه ~~وقال الأكثرون إنما وجب الحج متأخرا قيل سنة تسع وقيل سنة عشر وهذا هو ~~الصحيح فإن آية الإيجاب إنما هي قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت ~~@QE@ وهذه الآية في آل عمران في سياق مخاطبته ms2283 لأهل الكتاب وصدر آل عمران ~~وما فيها من مخاطبة أهل الكتاب نزل لما قدم على النبى وفد نجران النصارى ~~وناظروه في امر المسيح وهم اول من أدى الجزية من أهل الكتاب وكان ذلك بعد ~~إنزال سورة براءة التى شرع فيها الجزية وأمر فيها بقتال أهل الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وغزا النبى غزوة تبوك التى غزا فيها النصارى ~~لما امر الله بذلك في قوله @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ PageV07P606 ولهذا لم يذكر ~~وجوب الحج في عامة الأحاديث وإنما جاء في الأحاديث المتأخرة # وقد قدم على النبى وفد عبدالقيس وكان قدومهم قبل فتح مكة على الصحيح كما ~~قد بيناه وقالوا يا رسول الله ان بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر يعنون ~~بذلك أهل نجد من تميم واسد وغطفان لأنهم بين البحرين وبين المدينة ~~وعبدالقيس هم من ربيعة ليسوا من مضر ولما فتحت مكة زال هذا الخوف ولما قدم ~~عليه وفد عبدالقيس أمرهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وخمس المغنم ولم ~~يأمرهم بالحج وحديث ضمام قد تقدم أن البخارى لم يذكر فيه الحج كما لم يذكره ~~في حديث طلحة وأبي هريرة وغيرهما مع قولهم إن هذه الأحاديث هي من قصة ضمام ~~وهذا ممكن مع أن تاريخ قدوم ضمام هذا ليس متيقنا # وأما قوله @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ فليس في هذه الآية إلا ~~الأمر بإتمام ذلك وذلك يوجب اتمام ذلك على من دخل فيه فنزل الامر بذلك لما ~~أحرموا بالعمرة عام الحديبية ثم أحصروا فأمروا بالاتمام وبين لهم حكم ~~الإحصار ولم يكن حينئذ قد وجب عليهم لا عمرة ولا حج # ( الجواب الثانى ( أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه فيذكر تارة الفرائض ~~الظاهرة التى تقاتل على تركها الطائفة الممتنعة كالصلاة والزكاة ~~PageV07P607 ويذكر تارة ما يجب على السائل فمن أجابه بالصلاة والصيام لم ~~يكن عليه زكاة ms2284 يؤديها ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام فإما ان يكون قبل ~~فرض الحج وهذا هو الواجب في مثل حديث عبدالقيس ونحوه وإما أن يكون السائل ~~ممن لا حج عليه # وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض ولهذا ذكر الله تعالى ~~في كتابه القتال عليهما لأنهما عبادتان بخلاف الصوم فإنه أمر باطن وهو مما ~~اؤتمن عليه الناس فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة ونحو ذلك مما ~~يؤتمن عليه العبد فان الانسان يمكنه أن لا ينوى الصوم وان يأكل سرا كما ~~يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته وأما الصلاة والزكاة فأمر ظاهر لا يمكن الانسان ~~بين المؤمنين أن يمتنع من ذلك # وهو صلى الله عليه وسلم يذكر في الاسلام الأعمال الظاهرة التى يقاتل ~~عليها الناس ويصيرون مسلمين بفعلها فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون ~~الصيام وإن كان الصوم واجبا كما في آيتى براءة فان براءة نزلت بعد فرض ~~الصيام بإتفاق الناس وكذلك لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له ( انك ~~تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأنى رسول الله فان هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله إفترض عليهم خمس صلوات ~~في اليوم والليلة فان هم أطاعوك لذلك فأعلمهم ان الله افترض عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك PageV07P608 فإياك ~~وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب ( أخرجاه ~~في الصحيحين # ومعاذ أرسله إلى اليمن في آخر الأمر بعد فرض الصيام بل بعد فتح مكة بل ~~بعد تبوك وبعد فرض الحج والجزية فإن النبى مات ومعاذ باليمن وإنما قدم ~~المدينة بعد موته ولم يذكر في هذا الحديث الصيام لأنه تبع وهو باطن ولا ذكر ~~الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام وهو لا يجب في العمر إلا مرة # ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئا من هذه ( الفرائض الأربع ( ~~بعد الاقرار بوجوبها فأما ( الشهادتان ( اذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو ~~كافر بإتفاق المسلمين ms2285 وهو كافر باطنا وظاهرا عند سلف الأمة وائمتها وجماهير ~~علمائها وذهبت طائفة من المرجئة وهم جهمية المرجئة كجهم والصالحى واتباعهما ~~إلى أنه إذا كان مصدقا بقلبه كان كافرا في الظاهر دون الباطن وقد تقدم ~~التنبيه على أصل هذا القول وهو قول مبتدع في الإسلام لم يقله أحد من الأئمة ~~وقد تقدم أن الايمان الباطن يستلزم الاقرار الظاهر بل وغيره وأن وجود ~~الايمان الباطن تصديقا وحبا وإنقيادا بدون الإقرار الظاهر ممتنع # وأما ( الفرائض الأربع ( فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة ~~PageV07P609 فهو كافر وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر ~~تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك وأما من لم تقم عليه الحجة ~~مثل أن يكون حديث عهد بالاسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع ~~الاسلام ونحو ذلك أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من ~~تحريم الخمر كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك فإنهم يستتابون ~~وتقام الحجة عليهم فإن اصروا كفروا حينئذ ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم ~~يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من ~~التأويل # وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئا من هذه الأركان الأربعة ففي ~~التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد # ( أحدها ( أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج وإن كان في جواز ~~تأخيره نزاع بين العلماء فمتى عزم على تركه بالكلية كفر وهذا قول طائفة من ~~السلف وهي إحدى الروايات عن أحمد إختارها أبو بكر # ( والثاني ( أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الاقرار بالوجوب وهذا هو ~~المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعى وهو احدى ~~الروايات عن أحمد اختارها بن بطة وغيره PageV07P610 # ( والثالث ( لا يكفر إلا بترك الصلاة وهى الرواية الثالثة عن أحمد وقول ~~كثير من السلف وطائفة من أصحاب مالك والشافعى وطائفة من أصحاب أحمد # ( والرابع ( يكفر بتركها وترك الزكاة فقط # ( والخامس ( بتركها وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ms2286 ترك الصيام ~~والحج وهذه المسألة لها طرفان # ( أحدهما ( في إثبات الكفر الظاهر # ( والثانى ( في إثبات الكفر الباطن # فأما ( الطرف الثاني ( فهو مبنى على مسألة كون الايمان قولا وعملا كما ~~تقدم ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض ~~عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم ~~من رمضان ولا يؤدي لله زكاة ولا يحج إلى بيته فهذا ممتنع ولا يصدر هذا إلا ~~مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح ولهذا انما يصف سبحانه بالامتناع ~~من السجود الكفار كقوله @QB@ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ~~@QE@ PageV07P611 وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ~~وغيرهما في الحديث الطويل حديث التجلي ( أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم ~~القيامة سجد له المؤمنون وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة مثل ~~الطبق لا يستطيع السجود ( فإذا كان هذا حال من سجد رياء فكيف حال من لم ~~يسجد قط وثبت أيضا في الصحيح ( أن النار تأكل من بن آدم كل شيء الا موضع ~~السجود فان الله حرم على النار أن تأكله ( فعلم أن من لم يكن يسجد لله ~~تأكله النار كله وكذلك ثبت في الصحيح ( أن النبى يعرف أمته يوم القيامة غرا ~~محجلين من آثار الوضوء ( فدل ذلك على أن من لم يكن غرا محجلا لم يعرفه ~~النبى فلا يكون من أمته # وقوله تعالى @QB@ كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ويل يومئذ للمكذبين ~~وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون ~~والله أعلم بما يوعون @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ فلا صدق ولا صلى ولكن كذب ~~وتولى @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ~~ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين ms2287 حتى أتانا ~~اليقين @QE@ فوصفه بترك الصلاة كما وصفه بترك التصديق ووصفه بالتكذيب ~~والتولي و ( المتولي ( هو العاصي الممتنع من الطاعة كما قال PageV07P612 ~~تعالى @QB@ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا ~~يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ~~@QE@ # وكذلك وصف أهل سقر بأنهم لم يكونوا من المصلين وكذلك قرن التكذيب بالتولي ~~في قوله @QB@ أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر ~~بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا ~~بالناصية ناصية كاذبة خاطئة @QE@ # و ( أيضا ( في القرآن علق الاخوة في الدين على نفس اقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة كما علق ذلك على التوبة من الكفر فاذا انتفي ذلك انتفت الاخوة و ( ~~أيضا ( فقد ثبت عن النبى أنه قال ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن ~~تركها فقد كفر ( وفى المسند ( من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه الذمة ( # و ( أيضا ( فإن شعار المسلمين الصلاة ولهذا يعبر عنهم بها فيقال اختلف ~~أهل الصلاة وإختلف أهل القبلة والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون ( مقالات ~~الإسلاميين واختلاف المصلين ( وفى الصحيح ( من صلى صلاتنا وإستقبل قبلتنا ~~وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ما لنا وعليه ما علينا ( وأمثال هذه النصوص ~~كثيرة في الكتاب والسنة # وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها فليست لهم حجة الا وهي ~~PageV07P613 متناولة للجاحد كتناولها للتارك فما كان جوابهم عن الجاحد كان ~~جوابا لهم عن التارك مع أن النصوص علقت الكفر بالتولى كما تقدم وهذا مثل ~~استدلالهم بالعمومات التى يحتج بها المرجئة كقوله ( من شهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله وان عيسى عبد الله ورسوله وكلمته القاها إلى مريم ~~وروح منه أدخله الله الجنة ( ونحو ذلك من النصوص # وأجود ما إعتمدوا عليه قوله ( خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم ~~والليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ ~~عليهن لم يكن له ms2288 عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ( قالوا فقد ~~جعل غير المحافظ تحت المشيئة والكافر لا يكون تحت المشيئة ولا دلالة في هذا ~~فإن الوعد بالمحافظة عليها والمحافظة فعلها في أوقاتها كما أمر كما قال ~~تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ وعدم المحافظة يكون مع ~~فعلها بعد الوقت كما آخر النبى صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق ~~فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها وعلى غيرها من الصلوات # وقد قال تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا @QE@ فقيل لإبن مسعود وغيره ما اضاعتها فقال تأخيرها عن ~~وقتها فقالوا ما كنا نظن ذلك إلا تركها فقال لو تركوها لكانوا كفارا وكذلك ~~قوله @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ PageV07P614 ذمهم مع ~~أنهم يصلون لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت واتمام افعالها ~~المفروضة كما ثبت في صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( تلك صلاة المنافق تلك ~~صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى شيطان قام ~~فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ( فجعل هذه صلاة المنافقين لكونه ~~آخرها عن الوقت ونقرها # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر ~~وقالوا يا رسول الله أفلا نقاتلهم قال ( لا ما صلوا ( وثبت عنه أنه قال ( ~~سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم إجعلوا صلاتكم ~~معهم نافلة ( فنهى عن قتالهم اذا صلوا وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم ~~يصلوا قوتلوا وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها وذلك ترك المحافظة عليها لا ~~تركها # وإذا عرف الفرق بين الأمرين فالنبى إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ ~~عليها لا من ترك ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها ولا ~~يتناول من لم يحافظ فإنه لو تناول ذلك قتلوا كفارا مرتدين بلا ريب ولا ~~يتصور في العادة أن رجلا يكون مؤمنا بقلبه مقرى بأن الله أوجب عليه الصلاة ms2289 ~~ملتزما لشريعة النبى صلى الله عليه وسلم وما جاء به يأمره ولي الامر ~~بالصلاة فيمتنع حتى يقتل ويكون مع ذلك مؤمنا في الباطن قط لا يكون إلا ~~كافرا ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أنى لا أفعلها PageV07P615 كان هذا ~~القول مع هذه الحال كذبا منه كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول أشهد أن ~~ما فيه كلام الله أو جعل يقتل نبيا من الأنبياء ويقول أشهد أنه رسول الله ~~ونحو ذلك من الأفعال التى تنافى إيمان القلب فإذا قال أنا مؤمن بقلبى مع ~~هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول # فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة ~~في هذا الباب وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن ~~الفعل لا يقتل أو يقتل مع إسلامه فإنه دخلت عليه الشبهة التى دخلت على ~~المرجئة والجهمية والتى دخلت على من جعل الارادة الجازمة مع القدرة التامة ~~لا يكون بها شيء من الفعل ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه ~~على قولهم في ( مسألة الإيمان ( وأن الأعمال ليست من الإيمان وقد تقدم أن ~~جنس الأعمال من لوازم ايمان القلب وأن إيمان القلب التام بدون شيء من ~~الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءا من ~~الإيمان كما تقدم بيانه # وحينئذ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات ويترك بعضها كان معه من ~~الايمان بحسب ما فعله والايمان يزيد وينقص ويجتمع في العبد إيمان ونفاق كما ~~ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه ~~خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان ~~وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر PageV07P616 # وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب فإن كثيرا من الناس بل أكثرهم في كثير من ~~الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس ولا هم تاركيها بالجملة بل ~~يصلون أحيانا ويدعون أحيانا فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق وتجري ms2290 عليهم أحكام ~~الاسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام فإن هذه الاحكام إذا جرت ~~على المنافق المحض كإبن أبي وأمثاله من المنافقين فلأن تجري على هؤلاء أولى ~~وأحري وبيان ( هذا الموضع ( مما يزيل الشبهة فإن كثيرا من الفقهاء يظن أن ~~من قيل هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة فلا يرث ولا ~~يورث ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من اهل البدع ~~وليس الأمر كذلك فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ( ثلاثة أصناف ( مؤمن وكافر ~~مظهر للكفر ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر وكان في المنافقين من يعلمه ~~الناس بعلامات ودلالات بل من لا يشكون في نفاقه ومن نزل القرآن ببيان نفاقه ~~كإبن أبى وأمثاله ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون وكان إذا ~~مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على ~~أحدهم بما يوجب عقوبته # ولما خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب رضي الله عنه واعتزلوا جماعة ~~المسلمين قال لهم إن لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد ولا نمنعكم نصيبكم من ~~الفيء فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم قاتلهم بأمر النبى صلى الله ~~عليه PageV07P617 وسلم حيث قال ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع ~~صيامهم وقراءته مع قرائتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فإقتلوهم فإن في قتلهم ~~أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ( # فكانت الحرورية قد ثبت قتالهم بسنة النبى واتفاق اصحابه ولم يكن قتالهم ~~قتال فتنة كالقتال الذي جرى بين فئتين عظيمتين في المسلمين بل قد ثبت عن ~~النبى في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أنه قال للحسن ابنه ( ان ابني ~~هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ( وقال في الحديث ~~الصحيح ( تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم ادنى الطائفتين إلى ~~الحق ( فدل بهذا على أن ما فعله الحسن من ترك القتال إما واجبا أو مستحبا ~~لم يمدحه ms2291 النبى على ترك واجب أو مستحب ودل الحديث الآخر على أن الذين ~~قاتلوا الخوارج وهم على وأصحابه كان اقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه وأن ~~قتال الخوارج أمر به النبى صلى الله عليه وسلم ليس قتالهم كالقتال في الجمل ~~وصفين الذي ليس فيه أمر من النبى # و ( المقصود ( أن على بن ابى طالب وغيره من اصحابه لم يحكموا بكفرهم ولا ~~قاتلوهم حتى بدءوهم بالقتال والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع ~~والاهواء وتخليدهم في النار وما من الأئمة إلا من حكى عنه في ذلك ( قولان ~~PageV07P618 كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم وصار بعض أتباعهم يحكى هذا النزاع ~~في جميع أهل البدع وفى تخليدهم حتى إلتزم تخليدهم كل من يعتقد أنه مبتدع ~~بعينه وفى هذا من الخطأ ما لا يحصى وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق كفر ~~أحد من أهل الأهواء وان كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل ~~والإتحاد # والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفرا كمقالات الجهمية الذين قالوا إن ~~الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر فيطلق ~~القول بتكفير القائل كما قال السلف من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن قال ~~ان الله لا يرى في الآخرة فهو كافر ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه ~~الحجة كما تقدم كمن جحد وجوب الصلاة والزكاة واستحل الخمر والزنا وتأول فإن ~~ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه فإذا كان المتأول المخطئ ~~في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له وإستتابته كما فعل الصحابة في ~~الطائفة الذين إستحلوا الخمر ففي غير ذلك أولى وأحرى وعلى هذا يخرج الحديث ~~الصحيح ( في الذي قال إذا أنا مت فأحرقونى ثم اسحقونى في اليم فوالله لئن ~~قدر الله على ليعذبنى عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ( وقد غفر الله لهذا ~~مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه وهذه المسائل مبسوطة ~~في غير هذا الموضع PageV07P619 # فإن قيل فالله ms2292 قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيتين من القرآن فإذا ~~كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر فكيف يمكن مجاهدته # قيل ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق لابد أن يظهر موجبه في القول ~~والعمل كما قال بعض السلف ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه ~~وفلتات لسانه وقد قال تعالى في حق المنافقين @QB@ ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول @QE@ فإذا أظهر المنافق من ترك ~~الواجبات وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة عوقب على الظاهر ولا يعاقب ~~على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~يعلم من المنافقين من عرفه الله بهم وكانوا يحلفون له وهم كاذبون وكان يقبل ~~علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله واساس النفاق الذي بنى عليه أن المنافق ~~لابد أن تختلف سريرته وعلانيته وظاهره وباطنه ولهذا يصفهم الله في كتابه ~~بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق قال تعالى @QB@ ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون @QE@ وقال @QB@ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ وأمثال هذا ~~كثير وقال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ ~~وقال @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب @QE@ إلى قوله @QB@ ~~أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ # و ( بالجملة ( فأصل هذه المسائل ان تعلم أن الكفر ( نوعان ( كفر ظاهر ~~PageV07P620 وكفر نفاق فإذا تكلم في أحكام الآخرة كان حكم المنافق حكم ~~الكفار وأما في أحكام الدنيا فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين # وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا ~~بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا ولا صلاة ولا زكاة ~~ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات لا لأجل ان الله أوجبها مثل أن يؤدي ~~الأمانة أو يصدق الحديث أو يعدل في قسمه وحكمه من غير إيمان بالله ورسوله ~~لم يخرج بذلك من الكفر فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه ms2293 الأمور فلا ~~يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التى يختص بإيجابها ~~محمد # ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات سواء جعل فعل تلك ~~الواجبات لازما له أو جزءا منه فهذا نزاع لفظي كان مخطئا خطئا بينا وهذه ~~بدعة الارجاء التى أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها وقالوا فيها من ~~المقالات الغليظة ما هو معروف والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها ~~PageV07P621 ### ||| فصل # وأما ( الإحسان ( فقوله ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك ( قد قيل أن الإحسان هو الإخلاص والتحقيق أن الإحسان يتناول الإخلاص ~~وغيره والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي ~~يحبه الله قال تعالى @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم ~~وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ ~~فذكر إحسان الدين أولا ثم ذكر الإحسان ثانيا فإحسان الدين هو والله أعلم ~~الإحسان المسئول عنه في حديث جبريل فإنه سأله عن الإسلام والإيمان ففي ~~PageV07P622 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # قد ذكرت فيما تقدم من القواعد أن ( الإسلام ( الذي هو دين الله الذي أنزل ~~به كتبه وأرسل به رسله وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين فيستسلم لله وحده ~~لا شريك له ويكون سالما له بحيث يكون متألها له غير متأله لما سواه كما ~~بينته أفضل الكلام ورأس الإسلام وهو شهادة أن لا إله إلا الله وله ضدان ~~الكبر والشرك ولهذا روى أن نوحا عليه السلام أمر بنيه بلا إله إلا الله ~~وسبحان الله ونهاهم عن الكبر والشرك في حديث قد ذكرته في غير هذا الموضع ~~فإن المستكبر عن عبادة الله لا يعبده فلا يكون مستسلما له والذي يعبده ~~ويعبد غيره يكون مشركا به فلا يكون سالما له بل يكون له فيه شرك # ولفظ ( الإسلام ( يتضمن الإستسلام والسلامة التى هي الإخلاص وقد علم أن ms2294 ~~الرسل جميعهم بعثوا بالإسلام العام المتضمن لذلك كما قال تعالى @QB@ يحكم ~~بها النبيون الذين أسلموا @QE@ وقال موسى @QB@ إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ وقال تعالى @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~فله أجره عند ربه @QE@ PageV07P623 # وقال الخليل لما قال له ربه @QB@ أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب @QE@ أيضا وصى بها ~~بنيه @QB@ يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ ~~وقال يوسف @QB@ توفني مسلما @QE@ ونظائره كثيرة # وعلم أن إبراهيم الخليل هو إمام الحنفاء المسلمين بعده كما جعله أمة ~~وإماما وجاءت الرسل من ذريته بذلك فابتدعت اليهود والنصارى ما ابتدعوه مما ~~خرج بهم عن دين الله الذي أمروا به وهو الاسلام العام ولهذا أمرنا أن نقول ~~@QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ وقد ثبت عن النبى أنه قال ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ~~ضالون ( وكل من هاتين الأمتين خرجت عن الاسلام وغلب عليها أحد ضديه فاليهود ~~يغلب عليهم الكبر ويقل فيهم الشرك والنصارى يغلب عليهم الشرك ويقل فيهم ~~الكبر وقد بين الله ذلك في كتابه فقال في اليهود @QB@ وإذ أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل لا تعبدون إلا الله @QE@ وهذا هو أصل الإسلام إلى قوله @QB@ وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى ~~أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون @QE@ # وهذا اللفظ الذي هو لفظ الإستفهام هو انكار لذلك عليهم وذم لهم عليه ~~وإنما يذمون على ما فعلوه فعلم أنهم كانوا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى ~~PageV07P624 أنفسهم استكبروا فيقتلون فريقا من الأنبياء ويكذبون فريقا وهذا ~~حال المستكبر الذي لا يقبل ما لا يهواه فإن النبى قد فسر الكبر في الحديث ~~الصحيح بأنه بطر الحق وغمط الناس ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~إيمان ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة ms2295 من كبر ( فقال رجل يا رسول ~~الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذاك فقال ( لا إن ~~الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس ( وبطر الحق جحده ~~ودفعه وغمط الناس إحتقارهم وازدراؤهم # وكذلك ذكر الله ( الكبر ( في قوله بعد أن قال ( وكتبنا له في الألواح من ~~كل شيء ( إلى أن قال @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا @QE@ وهذا حال الذي لا يعمل بعلمه بل يتبع ~~هواه وهو الغاوى كما قال @QB@ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى ~~الأرض واتبع هواه @QE@ الآية وهذا مثل علماء السوء وقد قال لما رجع موسى ~~اليهم @QB@ ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين ~~هم لربهم يرهبون @QE@ فالذين يرهبون ربهم خلاف الذين يتبعون أهواءهم كما ~~قال تعالى @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي ~~المأوى @QE@ PageV07P625 # فأولئك المستكبرون المتبعون أهواءهم مصروفون عن آيات الله لا يعلمون ولا ~~يفهمون لما تركوا العمل بما علموه إستكبارا وإتباعا لأهوائهم عوقبوا بأن ~~منعوا الفهم والعلم فان العلم حرب للمتعالى كما أن السيل حرب للمكان العالي ~~والذين يرهبون ربهم عملوا بما علموه فأتاهم الله علما ورحمة إذ من عمل بما ~~علم أورثه الله علم ما لم يعلم ولهذا لما وصف الله النصارى @QB@ بأن منهم ~~قسيسين ورهبانا @QE@ والرهبان من الرهبنة @QB@ وأنهم لا يستكبرون @QE@ ~~كانوا بذلك أقرب مودة إلى الذين آمنوا كما قال @QB@ لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون @QE@ # فلما كان فيهم رهبة وعدم كبر كانوا أقرب إلى الهدى فقال في حق المسلمين ~~منهم @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى ms2296 أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين @QE@ قال إبن عباس مع ~~محمد وأمته وهم الأمة الشهداء فان النصارى لهم قصد وعبادة وليس لهم علم ~~وشهادة ولهذا فإن كان اليهود شرا منهم بأنهم أكثر كبرا وأقل رهبة وأعظم ~~قسوة فإن النصارى شر منهم فانهم أعظم ضلالا وأكثر شركا وأبعد عن تحريم ما ~~حرم الله ورسوله # وقد وصفهم الله بالشرك الذي ابتدعوه كما وصف اليهود بالكبر الذي هووه ~~فقال تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ~~@QE@ PageV07P626 # وقال تعالى @QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق @QE@ إلى قوله @QB@ أن اعبدوا الله ربي وربكم @QE@ الآية وقد ~~ذكر الله قولهم أن الله هو المسيح بن مريم وأن الله ثالث ثلاثة وقولهم اتخذ ~~الله ولدا في مواضع من كتابه وبين عظيم فريتهم وشتمهم لله وقولهم ( الاد ( ~~الذي @QB@ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا @QE@ ~~ولهذا يدعوهم في غير موضع إلى أن لا يعبدوا إلا إلها واحدا كقوله @QB@ يا ~~أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق @QE@ إلى قوله ~~@QB@ ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون ~~له ولد @QE@ إلى قوله @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا @QE@ وهذا لأن ~~المشركين بمخلوق من البشر أو غيرهم يصيرون هم مشركون ويصير الذي أشركوا به ~~من الانس والجن مستكبرا كما قال @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال ~~من الجن فزادوهم رهقا @QE@ فأخبر الله أن عباده لا يستكبرون عن عبادته وإن ~~أشرك بهم المشركون وكذلك قال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة وما من إله إلا إله واحد @QE@ إلى قوله ms2297 @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا ~~الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة @QE@ ~~PageV07P627 فأخبر أنه أمرهم بالتوحيد ونهاهم عن أن يشركوا به أو بغيره كما ~~فعلوه # ولما كان أصل دين اليهود الكبر عاقبهم بالذلة @QB@ ضربت عليهم الذلة أين ~~ما ثقفوا @QE@ ولما كان أصل دين النصارى الإشراك لتعديد الطرق إلى الله ~~أضلهم عنه فعوقب كل من الأمتين على ما إجترمه بنقيض قصده @QB@ وما ربك ~~بظلام للعبيد @QE@ كما جاء في الحديث ( يحشر الجبارون والمتكبرون يوم ~~القيامة في صور الذر يطؤهم الناس بأرجلهم ( وكما في الحديث عن عمر بن ~~الخطاب موقوفا ومرفوعا ( ما من أحد إلا في رأسه حكمة فإن تواضع قيل له ~~انتعش نعشك الله وإن رفع رأسه قيل له انتكس نكسك الله ( وقال سبحانه وتعالى ~~@QB@ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ويوم القيامة ~~ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين وينجي ~~الله الذين اتقوا بمفازتهم @QE@ # ولهذا إستوجبوا الغضب والمقت والنصارى لما دخلوا في البدع أضلهم عن سبيل ~~الله فضلوا عن سبيل الله وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وهم إنما ~~إبتدعوها ليتقربوا بها إليه ويعبدوه فأبعدتهم عنه وأضلتهم عنه وصاروا ~~يعبدون غيره PageV07P628 فتدبر هذا والله تعالى يهدينا صراطه المستقيم صراط ~~الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم والضالين # وقد وصف بعض اليهود بالشرك في قوله @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله @QE@ ~~وفى قوله @QB@ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب ~~عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت @QE@ ففي اليهود من عبد ~~الأصنام وعبد البشر وذلك أن المستكبر عن الحق يبتلى بالانقياد للباطل فيكون ~~المستكبر مشركا كما ذكر الله عن فرعون وقومه أنهم كانوا مع استكبارهم ~~وجحودهم مشركين ms2298 فقال عن مؤمن آل فرعون @QB@ ويا قوم ما لي أدعوكم إلى ~~النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم ~~وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في ~~الدنيا ولا في الآخرة @QE@ وقال @QB@ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات @QE@ ~~الآية وقال يوسف الصديق لهم @QB@ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ وقد قال تعالى @QB@ وقال الملأ ~~من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل ~~أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون @QE@ PageV07P629 # فإن قيل كيف يكون قوم فرعون مشركين وقد أخبر الله عن فرعون أنه جحد ~~الخالق فقال @QB@ وما رب العالمين @QE@ وقال @QB@ ما علمت لكم من إله غيري ~~@QE@ وقال @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ وقال عن قومه @QB@ فلما جاءتهم آياتنا ~~مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ ~~والإشراك لا يكون إلا من مقر بالله وإلا فالجاحد له لم يشرك به # قيل لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى وأما الذين كانوا في زمن ~~يوسف فالقرآن يدل على أنهم كانوا مقرين بالله وهم مشركون به ولهذا كان خطاب ~~يوسف للملك وللعزيز ولهم يتضمن الإقرار بوجود الصانع كقوله @QB@ أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار @QE@ @QB@ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال ~~النسوة @QE@ إلى قوله @QB@ إن ربي بكيدهن عليم @QE@ @QB@ وأن الله لا يهدي ~~كيد الخائنين @QE@ إلى قوله @QB@ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ~~ربي غفور رحيم @QE@ وقد قال مؤمن آل حم @QB@ ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا @QE@ فهذا يقتضي أن أولئك الذين بعث اليهم يوسف كانوا يقرون ~~بالله # ولهذا كان ms2299 اخوة يوسف يخاطبونه قبل أن يعرفوا أنه يوسف ويظنونه من آل ~~فرعون بخطاب يقتضى الاقرار بالصانع كقولهم @QB@ تالله لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض وما كنا سارقين @QE@ وقال لهم @QB@ أنتم شر مكانا والله ~~أعلم بما تصفون @QE@ وقال @QB@ معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ~~@QE@ وقالوا له PageV07P630 @QB@ يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ~~ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين @QE@ وذلك ~~أن فرعون الذي كان في زمن يوسف أكرم أبويه وأهل بيته لما قدموا إكراما ~~عظيما مع علمه بدينهم وإستقراء أحوال الناس يدل على ذلك # فإن جحود الصانع لم يكن دينا غالبا على أمة من الأمم قط وإنما كان دين ~~الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس ~~وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين الذين يعظمون الهياكل ~~والكواكب والأصنام والاخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرهم كلها تدل على ~~ذلك ولكن فرعون موسى ( فاستخف قومه فأطاعوه ( وهو الذي قال لهم دون ~~الفراعنة المتقدمين @QB@ ما علمت لكم من إله غيري @QE@ ثم قال لهم بعد ذلك ~~@QB@ أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى @QE@ نكال الكلمة ~~الأولى ونكال الكلمة الآخيرة وكان فرعون في الباطن عارفا بوجود الصانع ~~وإنما إستكبر كإبليس وأنكر وجوده ولهذا قال له موسى @QB@ لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر @QE@ فلما أنكر الصانع وكانت له آلهة ~~يعبدها بقي على عبادتها ولم يصفه الله تعالى بالشرك وإنما وصفه بجحود ~~الصانع وعبادة آلهة اخرى والمنكر للصانع منهم مستكبر كثيرا ما يعبد آلهة ~~ولا يعبد الله قط فانه يقول هذا العالم واجب الوجود بنفسه وبعض أجزائه مؤثر ~~في بعض ويقول إنما إنتفع بعبادة الكواكب والأصنام ونحو ذلك ولهذا كان باطن ~~قول هؤلاء الاتحادية المنتسبة إلى الإسلام هو قول فرعون PageV07P631 وكنت ~~أبين أنه مذهبهم وأبين أنه حقيقة مذهب فرعون حتى حدثنى الثقة عن بعض ~~طواغيتهم أنه قال نحن على قول فرعون ولهذا يعظمون فرعون في كتبهم تعظيما ~~كثيرا فانهم ms2300 لم يجعلوا ثم صانعا للعالم خلق العالم ولا أثبتوا ربا مدبرا ~~للمخلوقات وإنما جعلوا نفس الطبيعة هي الصانع ولهذا جوزوا عبادة كل شيء ~~وقالوا من عبده فقد عبد الله ولا يتصور عندهم أن يعبد غير الله فما من شيء ~~يعبد إلا وهو الله وهذه الكائنات عندهم اجزاؤه أو صفاته كأجزاء الانسان أو ~~صفاته فهؤلاء إذا عبدوا الكائنات فلم يعبدوها لتقربهم إلى الله زلفى لكن ~~لأنها عندهم هي الله أو مجلى من مجاليه أو بعض من ابعاضه أو صفة من صفاته ~~أو تعين من تعيناته وهؤلاء يعبدون ما يعبده فرعون وغيره من المشركين لكن ~~فرعون لا يقول هي الله ولا تقربنا إلى الله والمشركون يقولون هي شفعاؤنا ~~وتقربنا إلى الله وهؤلاء يقولون هي الله كما تقدم وأولئك أكفر من حيث ~~اعترفوا بأنهم عبدوا غير الله أو جحدوه وهؤلاء أوسع ضلالا من حيث جوزوا ~~عبادة كل شيء وزعموا أنه هو الله وان العابد هو المعبود وان كانوا إنما ~~قصدوا عبادة الله # واذا كان أولئك كانوا مشركين كما وصفوا بذلك وفرعون موسى هو الذي جحد ~~الصانع وكان يعبد الآلهة ولم يصفه الله بالشرك # فمعلوم أن المشركين قد يحبون آلهتهم كما يحبون الله أو تزيد محبتهم لهم ~~على محبتهم لله ولهذا يشتمون الله إذا شتمت آلهتهم كما قال تعالى @QB@ ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم @QE@ PageV07P632 ~~فقوم فرعون قد يكونون أعرضوا عن الله بالكلية بعد أن كانوا مشركين به ~~واستجابوا لفرعون في قوله @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ و ( ما علمت لكم من ~~إله غيري ( ولهذا لما خاطبهم المؤمن ذكر الأمرين فقال @QB@ تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم @QE@ فذكر الكفر به الذي قد يتناول جحوده ~~وذكر الإشراك به أيضا فكان كلامه متناولا للمقالتين والحالين جميعا # فقد تبين أن المستكبر يصير مشركا اما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن ~~عبادة الله لكن تسمية هذا شركا نظير من امتنع مع استكباره عن إخلاص الدين ~~لله كما قال تعالى @QB@ إنهم ms2301 كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون @QE@ فهؤلاء مستكبرون مشركون ~~وإنما إستكبارهم عن إخلاص الدين لله فالمستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر ~~كفرعون أعظم كفرا منهم وابليس الذي يأمر بهذا كله ويحبه ويستكبر عن عبادة ~~ربه وطاعته أعظم كفرا من هؤلاء وإن كان عالما بوجود الله وعظمته كما أن ~~فرعون كان أيضا عالما بوجود الله # وإذا كانت البدع والمعاصي شعبة من الكفر وكانت مشتقة من شعبه كما أن ~~الطاعات كلها شعبة من شعب الايمان ومشتقة منه وقد علم أن الذي يعرف الحق ~~ولا يتبعه غاو يشبه اليهود وان الذي يعبد الله من غير علم وشرع هو ضال يشبه ~~النصارى كما كان يقول من يقول من السلف من فسد من العلماء PageV07P633 ففيه ~~شبه من اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى # فعلى المسلم أن يحذر من هذين الشبهين الفاسدين من حال قوم فيهم استكبار ~~وقسوة عن العبادة والتأله وقد أوتوا نصيبا من الكتاب وحظا من العلم وقوم ~~فيهم عبادة وتأله باشراك بالله وضلال عن سبيل الله ووحيه وشرعه وقد جعل في ~~قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها وهذا كثير منتشر في الناس والشبه تقل ~~تارة وتكثر اخرى فاما المستكبرون المتألهون لغير الله الذين لا يعبدون الله ~~وانما يعبدون غيره للانتفاع به فهؤلاء يشبهون فرعون PageV07P634 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله تعالى ### ||| فصل # ( # لفظ ( الإسلام ( يستعمل على وجهين ( متعديا ( كقوله @QB@ ومن أحسن دينا ~~ممن أسلم وجهه لله وهو محسن @QE@ وقوله @QB@ فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ~~وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم @QE@ الآية وقوله في دعاء المنام ~~( أسلمت نفسي إليك ( # ويستعمل ( لازما ( كقوله @QB@ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~@QE@ وقوله @QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض @QE@ وقوله عن بلقيس @QB@ ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين @QE@ وهو يجمع معنيين ( أحدهما ( ~~الإنقياد والإستسلام # و ( الثاني ( إخلاص ذلك وإفراده كقوله @QB@ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون ورجلا سلما لرجل @QE@ وعنوانه قول لا إله ms2302 إلا الله وله معنيان ~~PageV07P635 # أحدهما ( الدين المشترك وهو عبادة الله وحده لا شريك له الذي بعث به جميع ~~الأنبياء كما دل على إتحاد دينهم نصوص الكتاب والسنة ( # والثانى ( ما إختص به محمد من الدين والشرعة والمنهاج وهو الشريعة ~~والطريقة والحقيقة وله مرتبتان # ( أحدهما ( الظاهر من القول والعمل وهي المبانى الخمس # ( والثاني ( أن يكون ذلك الظاهر مطابقا للباطن فبالتفسير الأول [ جاءت ] ~~الآيتان في كتاب الله والحديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعم ~~من الايمان فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وبا ( التفسير ( الثانى يقال ~~( ان الدين عند الله الاسلام ( وقوله ( وذلك دين القيمة ( وقوله آمركم ~~بالايمان بالله وفسره بخصال الاسلام وعلى هذا التفسير فالايمان التام ~~والدين والاسلام سواء وهو الذي لم يفهم المعتزلة غيره وقد يراد به معنى ~~ثالث هو كماله وهو قوله ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ( فيكون ~~أسلم غيره أي جعله سالما منه # ولفظ الإيمان قيل أصله التصديق وليس مطابقا له بل لا بد ان يكون تصديقا ~~عن غيب وإلا فالخبر عن مشهود ليس تصديقه إيمانا لأنه من الأمن الذي هو ~~الطمأنينة وهذا انما يكون في المخبر الذي قد يقع فيه ريب والمشهودات لا ريب ~~فيها الا على هذا فأما تصديق القلب فقط كما تقول PageV07P636 الجهمية ومن ~~إتبعهم من الأشعرية وإما القلب واللسان كما تقوله المرجئة أو باللسان كما ~~تقوله الكرامية وإما التصديق بالقلب والقول والعمل فان الجميع يدخل في مسمى ~~التصديق على مذهب أهل الحديث كما فسره شيخ الاسلام وغيره وقيل بل هو ~~الاقرار لان التصديق انما يطابق الخبر فقط واما الاقرار فيطابق الخبر ~~والامر كقوله @QB@ أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا @QE@ ولأن قر ~~وآمن متقاربان فالايمان دخول في الامن والاقرار دخول في الإقرار وعلى هذا ~~فالكلمة إقرار والعمل بها إقرار أيضا # ثم هو في الكتاب بمعنيين أصل وفرع واجب فالأصل الذي في القلب وراء العمل ~~فلهذا يفرق بينهما بقوله @QB@ آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ والذي يجمعهما ~~كما في قوله @QB@ إنما المؤمنون @QE@ و ms2303 @QB@ إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ~~@QE@ وحديث ( الحيا ( و ( وفد عبدالقيس ( وهو مركب من أصل لا يتم بدونه ومن ~~واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه العقوبة ومن مستحب يفوت بفواته علو ~~الدرجة فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق كالحج وكالبدن والمسجد وغيرهما ~~من الأعيان والأعمال والصفات فمن سواء أجزائه ما اذا ذهب نقص عن الاكمل ~~ومنه ما نقص عن الكمال # وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الإعتقاد ~~والقول الذي يزعم المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط وبهذا تزول شبهات الفرق ~~وأصله القلب وكماله العمل الظاهر بخلاف الإسلام فإن أصله الظاهر وكماله ~~القلب PageV07P637 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### ||| فصل # ( # معلوم أن أصل ( الإيمان ( هو الإيمان بالله ورسوله وهو أصل العلم الإلهى ~~كما بينته في أول الجزء # فأما ( الإيمان بالله ( فهو في الجملة قد أقر به جمهور الخلائق الا شواذ ~~الفرق من الفلاسفة الدهرية والاسماعيلية ونحوهم أو من نافق فيه من المظهرين ~~للتمسك بالملل وانما يقع اختلاف أهل الملل في أسمائه وصفاته وأفعاله ~~وأحكامه وعباداته ونحو ذلك # وأما ( الايمان بالرسول ( فهو المهم اذ لا يتم الايمان بالله بدون ~~الايمان به ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه اذ هو الطريق إلى الله سبحانه ~~ولهذا كان ركنا الاسلام ( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله ( # ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق والاقرار ضمن قول القلب ~~الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد تصديق الرسول PageV07P638 ~~فيما أخبر والانقياد له فيما أمر كما أن الاقرار بالله هو الإعتراف به ~~والعبادة له فالنفاق يقع كثيرا في حق الرسول وهو أكثر ما ذكره الله في ~~القرآن من نفاق المنافقين في حياته والكفر هو عدم الايمان سواء كان معه ~~تكذيب أو إستكبار أو إباء أو إعراض فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد ~~فهو كافر # ثم هنا ( نفاقان ( نفاق لأهل العلم والكلام ونفاق لأهل العمل والعبادة ~~فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه فان لا يرى وجوب تصديق ms2304 الرسول ~~فيما أخبر به ولا وجوب طاعته فيما أمر به وإن إعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم ~~القدر علما وعملا وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول أنه لا يضر اختلاف ~~الملل اذا كان المعبود واحدا ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول ~~وبغير متابعته إما بطريق الفلسفة والصبوء أو بطريق التهود والتنصر كما هو ~~قول الصابئة الفلاسفة في هذه المسألة وفى غيرها فانهم وان صدقوه وأطاعوه ~~فانهم لا يعتقدون وجوب ذلك على جميع أهل الأرض بحيث يكون التارك لتصديقه ~~وطاعته معذبا بل يرون ذلك مثل التمسك بمذهب امام أو طريقة شيخ أو طاعة ملك ~~وهذا دين التتار ومن دخل معهم # أما النفاق الذي هو دون هذا فان يطلب العلم بالله من غير خبره أو العمل ~~لله من غير أمره كما يبتلى بالأول كثير من المتكلمة وبالثانى كثير من ~~المتصوفة فهم يعتقدون أنه يجب تصديقه أو تجب طاعته لكنهم في سلوكهم العلمى ~~PageV07P639 والعملى غير سالكين هذا المسلك بل يسلكون مسلكا آخر اما من جهة ~~القياس والنظر واما من جهة الذوق والوجد وإما من جهة التقليد وما جاء عن ~~الرسول اما أن يعرضوا عنه واما أن يردوه إلى ما سلكوه فأنظر نفاق هذين ~~الصنفين مع إعترافهم باطنا وظاهرا بأن محمدا أكمل الخلق وأفضل الخلق وأنه ~~رسول وأنه أعلم الناس لكن إذا لم يوجبوا متابعته وسوغوا ترك متابعته كفروا ~~وهذا كثير جدا لكن بسط الكلام في حكم هؤلاء له موضع غير هذا PageV07P640 ### || 1 ( رسالة في مقام الإيمان بالله ورسوله ) 1 ### |||| ! 8 < سئل رحمه الله # عن ( الإيمان بالله ورسوله ( هل فوقه مقام من المقامات أو حال من الاحوال ~~أم لا وهل يدخل فيه جميع المقامات والأحوال المحمودة عند الله ورسوله أم لا ~~وهل تكون صفة الايمان نورا يوقعه الله في قلب العبد ويعرف العبد عند وقوعه ~~في قلبه الحق من الباطل أم لا وهل يكون لأول حصوله سبب من الأسباب مثل رؤية ~~أهل الخير أو مجالستهم وصحبتهم أو تعلم عمل من الأعمال أو غير ms2305 ذلك # فان كان لأول حصوله سبب فما هو ذلك السبب وما الأسباب أيضا التى يقوى بها ~~الإيمان إلى أن يكمل على ترتيبها هل يبدأ بالزهد حتى يصححه أم بالعلم حتى ~~يرسخ فيه أم بالعبادة حتى يجهد نفسه أم يجمع بين ذلك على حسب طاقته أم كيف ~~يتوصل إلى حقيقة الإيمان الذي مدحه الله ورسوله بينوا لنا الأسباب وأنواعها ~~وشرحها التى يتوصل بها إلى حقيقة الإيمان وما وصف صاحبه رضي الله عنكم ~~PageV07P641 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين # إسم ( الإيمان ( يستعمل مطلقا ويستعمل مقيدا وإذا إستعمل مطلقا فجميع ما ~~يحبه الله ورسوله من اقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة يدخل في مسمى ~~الإيمان عند عامة السلف والأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين ~~يجعلون الإيمان قولا وعملا يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ويدخلون جميع ~~الطاعات فرضها ونفلها في مسماه وهذا مذهب الجماهير من أهل الحديث والتصوف ~~والكلام والفقة من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وغيرهم # ويدخل في ذلك ما قد يسمى مقاما وحالا مثل الصبر والشكر والخوف والرجاء ~~والتوكل والرضا والخشية والإنابة والإخلاص والتوحيد وغير ذلك # ومن هذا ما خرج في الصحيحين عن النبى أنه قال ( الإيمان بضع وستون أو بضع ~~وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ( وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ~~والحياء شعبة من الإيمان ( فذكر أعلا شعب الإيمان وهو قول لا إله إلا الله ~~فإنه لا شيء أفضل منها كما في الموطأ وغيره عن النبى أنه قال ( أفضل الدعاء ~~دعاء يوم PageV07P642 عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ( وفى ~~الترمذي وغيره أنه قال ( من مات وهو يعلم أن لا اله الا الله دخل الجنة ( ~~وفى الصحيح عنه أنه قال لعمه عند الموت ( يا عم قل لا إله إلا الله كلمة ~~أحاج لك بها عند الله ( # وقد تظاهرت الدلائل على أن أحسن الحسنات هو التوحيد كما أن أسوأ السيئات ~~هو الشرك وهو الذنب الذي لا ms2306 يغفره الله كما قال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وتلك الحسنة التى لابد من سعادة ~~صاحبها كما ثبت في الصحيح عنه حديث الموجبتين موجبة السعادة وموجبة الشقاوة ~~فمن مات يشهد أن لا اله الا الله دخل الجنة وأما من مات يشرك بالله شيئا ~~دخل النار وذكر في الحديث أنها أعلا شعب الايمان # وفى الصحيحين عنه أنه قال لوفد عبدالقيس ( آمركم بالإيمان بالله أتدرون ~~ما الايمان بالله شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وتقيموا ~~الصلاة وتؤتوا الزكاة وتؤدوا خمس المغنم ( فجعل هذه الأعمال من الإيمان وقد ~~جعلها من الإسلام في حديث جبرائيل الصحيح لما أتاه في صورة أعرابي وسأله عن ~~الايمان فقال ( الايمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد ~~الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره ( وسأله عن الاسلام فقال ( أن تشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله PageV07P643 وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم ~~رمضان وتحج البيت ( وفى حديث في المسند قال ( الإسلام علانية والإيمان في ~~القلب ( # فأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله وهو إقرار بالتصديق والحب ~~والانقياد وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح واذا ~~لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من ~~موجب ايمان القلب ومقتضاه وهى تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له وهى ~~شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له لكن ما في القلب هو الأصل لما على ~~الجوارح كما قال أبو هريرة رضي الله عنه أن القلب ملك والاعضاء جنوده فان ~~طاب الملك طابت جنوده واذا خبث الملك خبثت جنوده وفى الصحيحين عنه أنه قال ~~( ان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد ألا وهى القلب ( # ولهذا ظن طوائف من الناس أن الايمان انما هو في القلب خاصة وما على ~~الجوارح ليس داخلا في مسماه ولكن هو من ثمراته ونتائجه ms2307 الدالة عليه حتى ال ~~الامر بغلاتهم كجهم وأتباعه إلى أن قالوا يمكن ان يصدق بقلبه ولا يظهر ~~بلسانه الا كلمة الكفر مع قدرته على اظهارها فيكون الذي في القلب إيمانا ~~نافعا له في الآخرة وقالوا حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول فلكونه ~~دليلا على إنتفاء ما في القلب وقولهم متناقض فانه اذا كان ذلك دليلا ~~مستلزما لانتفاء الايمان الذي في القلب امتنع أن يكون الإيمان ثابتا في ~~PageV07P644 القلب مع الدليل المستلزم لنفيه وان لم يكن دليلا لم يجز ~~الاستدلال به على الكفر الباطن # والله سبحانه في غير موضع يبين أن تحقيق الايمان وتصديقه بما هو من ~~الأعمال الظاهرة والباطنة كقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ وقال @QB@ ~~إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ # فإذا قال القائل هذا يدل على أن الايمان ينتفي عند انتفاء هذه الأمور لا ~~يدل على أنها من الايمان قيل هذا إعتراف بأنه ينتفي الإيمان الباطن مع عدم ~~مثل هذه الأمور الظاهرة فلا يجوز أن يدعي أنه يكون في القلب إيمان ينافى ~~الكفر بدون أمور ظاهرة لا قول ولا عمل وهو المطلوب وذلك تصديق وذلك لأن ~~القلب اذا تحقق ما فيه أثر في الظاهر ضرورة لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر ~~فالإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التامة توجب وقوع المقدور فاذا كان في ~~القلب حب الله ورسوله ثابتا استلزم موالاة أوليائه PageV07P645 ومعاداة ~~أعدائه @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ms2308 عشيرتهم @QE@ @QB@ ولو ~~كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء @QE@ فهذا ~~التلازم أمر ضرورى # ومن جهة ظن انتفاء التلازم غلط غالطون كما غلط آخرون في جواز وجود إرادة ~~جازمة مع القدرة التامة بدون الفعل حتى تنازعوا هل يعاقب على الإرادة بلا ~~عمل وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وبينا أن الهمة التى لم يقترن بها فعل ~~ما يقدر عليه الهام ليست إرادة جازمة وان الارادة الجازمة لابد أن يوجد ~~معها ما يقدر عليه العبد والعفو وقع عمن هم بسيئة ولم يفعلها لا عن من أراد ~~وفعل المقدور عليه وعجز عن حصول مراده كالذي أراد قتل صاحبه فقاتله حتى قتل ~~أحدهما فان هذا يعاقب لأنه أراد وفعل المقدور من المراد ومن عرف الملازمات ~~التى بين الأمور الباطنة والظاهرة زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع ~~التى كثر اختلاف الناس فيها # بقي أن يقال فهل اسم الإيمان للأصل فقط أوله ولفروعه والتحقيق أن الإسم ~~المطلق يتناولهما وقد يخص الإسم وحده بالإسم مع الإقتران وقد لا يتناول إلا ~~الأصل اذا لم يخص إلا هو كإسم الشجرة فإنه يتناول الأصل والفرع إذا وجدت ~~ولو قطعت الفروع لكان إسم الشجرة يتناول الأصل وحده وكذلك اسم الحج هو اسم ~~لكل ما يشرع فيه من ركن وواجب PageV07P646 ومستحب وهو حج أيضا تام بدون ~~المستحبات وهو حج ناقص بدون الواجبات التى يجبرها دم # والشارع لا ينفي الايمان عن العبد لترك مستحب لكن لترك واجب بحيث ترك ما ~~يجب من كماله وتمامه لا بإنتفاء ما يستحب في ذلك ولفظ الكمال والتمام قد ~~يراد به الكمال الواجب والكمال المستحب كما يقول بعض الفقهاء الغسل ينقسم ~~إلى كامل ومجزئ فاذا قال النبى ( لا إيمان لمن لا أمانة له ( و ( لا يزنى ~~الزانى حين يزني وهو مؤمن ( ونحو ذلك كان لانتفاء بعض ما يجب فيه لا ~~لإنتفاء الكمال المستحب والايمان يتبعض ويتفاضل الناس فيه كالحج والصلاة ~~ولهذا قال ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ms2309 إيمان ومثقال شعيرة ~~من إيمان ( # وأما إذا استعمل إسم الإيمان مقيدا كما في قوله تعالى @QB@ إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ وقوله @QB@ الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ وقول ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والبعث بعد الموت ( ونحو ذلك فهنا قد يقال إنه متناول لذلك وان عطف ذلك ~~عليه من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى @QB@ وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال @QE@ وقوله @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم @QE@ PageV07P647 # وقد يقال أن دلالة الاسم تنوعت بالافراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين ~~فان أحدهما إذا أفرد تناول الآخر وإذا جمع بينهما كانا صنفين كما في آية ~~الصدقة ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين وهي مع جميعه كالبعض ~~مع الكل ومن هذا الموضع نشأ نزاع وإشتباه هل الأعمال داخلة في الإيمان أم ~~لا لكونها عطفت عليه # ومن هذا الباب قد يعطف على الايمان بعض شعبه العالية أو بعض أنواعه ~~الرفيعة كاليقين والعلم ونحو ذلك فيشعر العطف بالمغايرة فيقال هذا أرفع ~~الايمان أي اليقين والعلم أرفع من الإيمان الذي ليس معه هذا اليقين والعلم ~~كما قال الله تعالى @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات @QE@ ومعلوم أن الناس يتفاضلون في نفس الإيمان والتصديق في قوته ~~وضعفه وفى عمومه وخصوصه وفى بقائه ودوامه وفى موجبه ونقيضه وغير ذلك من ~~أموره فيخص أحد نوعيه بإسم يفضل به على النوع الآخر ويبقي إسم الإيمان في ~~مثل ذلك متناولا للقسم الآخر وكذلك يفعل في نظائر ذلك كما يقال الإنسان خير ~~من الحيوان والانسان خير من الدواب وان كان الإنسان يدخل في الدواب في قوله ~~@QB@ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون @QE@ # فإذا عرف هذا فحيث وجد في كلام مقبول تفضيل شيء على الايمان فانما هو ~~تفضيل نوع خاص على عمومه أو تفضيل بعض شعبه العالية على غيره PageV07P648 ~~وإسم الإيمان قد يتناول النوعين جميعا وقد يخص أحدهما كما تقدم وقد قيل ~~أكثر ms2310 إختلاف العقلاء من جهة أسمائه ### ||| فصل # وأما قول القائل هل تكون صفة الإيمان نورا يوقعه الله في قلب العبد ويعرف ~~العبد عند وقوعه في قلبه الحق من الباطل فيقال له قد قال الله تعالى @QB@ ~~الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح @QE@ قال أبي بن كعب ~~وغيره مثل نوره في قلب المؤمن إلى قوله @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما ~~له من نور @QE@ وقال تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات @QE@ فالإيمان الذي يهبه الله لعبده ~~سماه نورا وسمى الوحى النازل من السماء الذي به يحصل الإيمان @QB@ نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ وقال تعالى @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه @QE@ وأمثال ذلك ولا ريب أن المؤمن ~~يفرق بين الحق والباطل بل يفرق بين أعظم الحق لكن لا يمكن أن يقال بأن كل ~~من له إيمان يفرق بمجرد ما أعطيه من الإيمان بين كل حق وكل باطل ~~PageV07P649 ### ||| فصل # وأما قوله هل يكون لأول حصوله سبب فلا ريب أنه يحصل بسبب مثل استماع ~~القرآن ومثل رؤية أهل الايمان والنظر في أحوالهم ومثل معرفة أحوال النبى ~~ومعجزاته والنظر في ذلك ومثل النظر في آيات الله تعالى ومثل التفكر في ~~أحوال الإنسان نفسه ومثل الضروريات التى يحدثها الله للعبد التى تضطره إلى ~~الذل لله والإستسلام له واللجأ إليه وقد يكون هذا سببا لشيء من الايمان ~~وهذا سببا لشيء آخر بل كل ما يكون في العالم من الأمور فلابد له من سبب ~~وسبب الايمان وشعبه يكون تارة من العبد وتارة من غيره مثل من يقيض له من ~~يدعوه إلى الإيمان ومن يأمره بالخير وينهاه عن الشر ويبين له علامات الدين ~~وحججه وبراهينه وما يعتبره وينزل به ويتعظ به وغير ذلك من الأسباب ~~PageV07P650 ### ||| فصل # وأما قوله فالأسباب التى يقوى بها الايمان إلى أن يكمل على ترتيبها هل ~~يبدأ بالزهد أو بالعلم أو بالعبادة أم يجمع بين ذلك على ms2311 حسب طاقته فيقال له ~~لابد من الايمان الواجب والعبادة الواجبة والزهد الواجب ثم الناس يتفاضلون ~~في الايمان كتفاضلهم في شعبه وكل انسان يطلب ما يمكنه طلبه ويقدم ما يقدر ~~على تقديمه من الفاضل # والناس يتفاضلون في هذا الباب فمنهم من يكون العلم ايسر عليه من الزهد ~~ومنهم من يكون الزهد أيسر عليه ومنهم من تكون العبادة أيسر عليه منهما ~~فالمشروع لكل انسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير كما قال تعالى @QB@ ~~فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وإذا إزدحمت شعب الايمان قدم ما كان أرضي لله ~~وهو عليه أقدر فقد يكون على المفضول أقدر منه على الفاضل ويحصل له أفضل مما ~~يحصل من الفاضل فالأفضل لهذا أن يطلب ما هو أنفع له وهو في حقه أفضل ولا ~~يطلب ما هو أفضل مطلقا اذا كان متعذرا في حقه أو متعسرا يفوته ما هو أفضل ~~له وأنفع كمن يقرأ القرآن بالليل فيتدبره وينتفع بتلاوته والصلاة تثقل عليه ~~ولا ينتفع منها بعمل أو ينتفع بالذكر أعظم مما ينتفع بالقراءة PageV07P651 ~~فأي عمل كان له أنفع ولله أطوع افضل في حقه من تكلف عمل لا يأتى به على ~~وجهه بل على وجه ناقص ويفوته به ما هو أنفع له ومعلوم أن الصلاة أكد من ~~قراءة القرآن وقراءة القرآن أفضل من الذكر والدعاء ومعلوم أيضا أن الذكر في ~~فعله الخاص كالركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن في ذلك المحل وأن الذكر ~~والقراءة والدعاء عند طلوع الشمس وغروبها خير من الصلاة # والزهد هو ضد الرغبة وهو كالبغض المخالف للمحبة والكراهة المخالفة ~~للارادة وكل من الارادة والكراهة له اقسام في نفسه وفى متعلقه فالزهد ( فيه ~~( إنقسام إلى المزهود فيه والى نفس الزهد # أما الأول فان الزهد وأما نفس الزهد الذي هو ضد الرغبة وهو الكراهة ~~والبغض فحقيقة المشروع منه أن يكون كراهة العبد وبغضه وحبه تابعا لحب الله ~~وبغضه ورضاه وسخطه فيحب ما أحبه الله ويبغض ما ابغضه الله ويرضي ما يرضاه ~~ويسخط ما يسخطه الله بحيث لا يكون ms2312 تابعا هواه بل لأمر مولاه فان كثيرا من ~~الزهاد في الحياة الدنيا اعرضوا عن فضولها ولم يقبلوا على ما يحبه الله ~~ورسوله وليس مثل هذا الزهد يأمر الله به ورسوله ولهذا كان في المشركين زهاد ~~وفى أهل الكتاب زهاد وفى أهل البدع زهاد PageV07P652 ومن الناس من يزهد ~~لطلب الراحة من تعب الدنيا ومنهم من يزهد لمسألة أهلها والسلامة من أذاهم ~~ومنهم من يزهد في المال لطلب الراحة إلى أمثال هذه الأنواع التى لا يأمر ~~الله بها ولا رسوله وإنما يأمر الله ورسوله أن يزهد فيما لا يحبه الله ~~ورسوله ويرغب فيما يحبه الله ورسوله فيكون زهده هو الإعراض عما لا يأمر ~~الله به ورسوله أمر ايجاب ولا أمر استحباب سواء كان محرما أو مكروها أو ~~مباحا مستوى الطرفين في حق العبد ويكون مع ذلك مقبلا على ما أمر الله به ~~ورسوله والا فترك المكروه بدون فعل المحبوب ليس بمطلوب وإنما المطلوب ~~بالمقصود الأول فعل ما يحبه الله ورسوله وترك المكروه متعين كذلك به تزكو ~~النفس فان الحسنات اذا انتفت عنها السيئات زكت فبالزكاة تطيب النفس من ~~الخبائث وتعظم في الطاعات كما أن الزرع إذا أزيل عنه الدغل زكا وظهر وعظم ### ||| فصل # وأما طريق الوصول إلى ذلك فبالاجتهاد في فعل المأمور وترك المحظور ~~والاستعانة به على ذلك ففي صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( المؤمن القوى خير ~~واحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ~~ولا تعجزن وان أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر ~~الله وما شاء فعل فان لو تفتح عمل PageV07P653 الشيطان ( وفى السنن ( أن ~~النبى قضي على رجل فقال المقضي عليه حسبى الله ونعم الوكيل فقال النبى ( ان ~~الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبى الله ونعم ~~الوكيل ( # فأمر النبى العبد بأن يحرص على ما ينفعه ويستعين بالله على ذلك والحرص ~~على ما ينفعه هو الإجتهاد في الخير وهو العبادة ms2313 فان كل ما ينفع العبد فهو ~~مأمور بطلبه وانما ينهى عن طلب ما يضره وان أعتقد أنه ينفعه كما يطلب ~~المحرمات وهي تضره ويطلب المفضول الذي لا ينفعه والله تعالى أباح للمؤمنين ~~الطيبات وهي ما ينفعهم وحرم عليهم الخبائث وهي ما يضرهم والله سبحانه ~~وتعالى أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV07P654 ~~قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # ( # وأما الإيمان هل هو مخلوق أو غير مخلوق # فالجواب أن هذه المسألة نشأ النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في القرآن ~~هل هو مخلوق أو غير مخلوق وهي محنة الامام أحمد وغيره من علماء المسلمين ~~وقد جرت فيها أمور يطول وصفها هنا لكن لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق واطفأ الله نار الجهمية المعطلة صارت طائفة يقولون ان كلام الله ~~الذي أنزله مخلوق ويعبرون عن ذلك باللفظ فصاروا يقولون ألفاظنا بالقرآن ~~مخلوقة أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة وليس مقصودهم مجرد كلامهم وحركاتهم بل ~~يدخلون في كلامهم نفس كلام الله الذي نقرأ بأصواتنا وحركاتنا وعارضهم طائفة ~~أخرى فقالوا الفاظنا بالقرآن غير مخلوقة فرد الإمام أحمد على الطائفتين ~~وقال من قال لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ~~PageV07P655 # وتكلم الناس حينئذ في الايمان فقالت طائفة الايمان مخلوق وأدرجوا في ذلك ~~ما تكلم الله به من الايمان مثل قول لا إله إلا الله فصار مقتضي قولهم ان ~~نفس هذه الكلمة مخلوقة ولم يتكلم الله بها فبدع الامام أحمد هؤلاء وقال قال ~~النبى ( الايمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ( أفيكون قول ~~لا إله إلا الله مخلوقا # ومراده أن من قال هي مخلوقة مطلقا كان مقتضى قوله أن الله لم يتكلم بهذه ~~الكلمة كما أن من قال إن ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا للقرآن مخلوقة كان ~~مقتضى كلامه ان الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله وان القرآن المنزل ليس هو ~~كلام الله وأن يكون جبريل نزل بمخلوق ليس هو كلام الله والمسلمون يقرؤون ~~قرآنا ms2314 مخلوقا ليس هو كلام الله وقد علم بالاضطرار من دين الاسلام أن القرآن ~~الذي يقرؤه المسلمون كلام الله تعالى وإن كان مسموعا من المبلغ عنه فان ~~الكلام قد سمع من المتكلم به كما سمعه موسى بلا واسطة وهذا سماع مطلق كما ~~يرى الشيء رؤية مطلقة وقد يسمعه من المبلغ عنه فيكون قد سمعه سمعا مقيدا ~~كما يرى الشيء في الماء والمرآة رؤية مقيدة لا مطلقة أو كما قال تعالى @QB@ ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ كان معلوما عند ~~جميع من خوطب بالقرآن أنه يسمع سماعا مقيدا من المبلغ ليس المراد به أنه ~~يسمع من الله # ومن هؤلاء من قال أنه يسمع صوت القارئ من الله ثم من هؤلاء من ~~PageV07P656 يقول أن صوت الرب حل في العبد ومنهم من يقول ظهر فيه ولم يحل ~~فيه ومنهم من يقول لا أقول ظهر ولا حل ومنهم من قال الصوت المسموع غير ~~مخلوق أو قديم ومنهم من يقول يسمع منه صوتان مخلوق وغير مخلوق # ومن القائلين بأنه مسموع من الله من يقول بأنه يسمع المعنى القديم القائم ~~بذات الرب مع سماع الصوت المحدث قال هؤلاء يسمع القديم والمحدث كما قال ~~أولئك يسمع صوتين قديما ومحدثا وطائفة أخرى قالت لم يسمع الناس كلام الله ~~لا من الله ولا من غيره قالوا لأن الكلام لا يسمع الا من المتكلم ثم من ~~هؤلاء من قال تسمع حكايته ومنهم من قال تسمع عبارته لا حكايته ومن القائلين ~~بأنه مخلوق من قال يسمع شيئان الكلام المخلوق والذي خلقه والصوت الذي للعبد # وهذه الأقوال كلها مبتدعة مخترعة لم يقل السلف شيئا منها وكلها باطلة ~~شرعا وعقلا ولكن الجأ أصحابها إليها إشتراك في الألفاظ واشتباه في المعانى ~~فانه اذا قيل سمعت كلام زيد أو قيل هذا كلام زيد فان هذا يقال على كلامه ~~الذي تكلم به بلفظه ومعناه سواء كان مسموعا منه أو من المبلغ عنه مع العلم ~~بالفرق بين الحالين وأنه اذا سمع منه سمع بصوته ms2315 واذا سمع من غيره سمع بصوت ~~ذلك المبلغ لا بصوت المتكلم وان كان اللفظ لفظ المتكلم وقد يقال مع القرينة ~~هذا كلام فلان وان ترجم عنه بلفظ آخر كما يحكى الله كلام من يحكى قوله من ~~الأمم باللسان العربى وان كانوا انما قالوه بلفظ عبري أو سريانى ~~PageV07P657 أو قبطى أو غير ذلك وهذه الأمور مبسوطة في مواضع آخر # و ( المقصود هنا ( أنه نشأ بين أهل السنة والحديث النزاع في ( مسألتى ~~القرآن والايمان ( بسبب ألفاظ مجملة ومعانى متشابهة وطائفة من أهل العلم ~~والسنة كالبخارى صاحب الصحيح ومحمد بن نصر المروزى وغيرهما قالوا الإيمان ~~مخلوق وليس مرادهم شيئا من صفات الله وإنما مرادهم بذلك افعال العباد وقد ~~اتفق أئمة المسلمين على أن أفعال العباد مخلوقة وقال يحيى بن سعيد القطان ~~ما زلت أسمع اصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة # وصار بعض الناس يظن أن البخارى وهؤلاء خالفوا أحمد بن حنبل وغيره من ائمة ~~السنة وجرت للبخارى محنة بسبب ذلك حتى زعم بعض الكذابين أن البخارى لما مات ~~أمر أحمد بن حنبل أن لا يصلي عليه وهذا كذب ظاهر فان أبا عبد الله البخارى ~~رحمه الله مات بعد أحمد بن حنبل بنحو خمس عشرة سنة فان أحمد بن حنبل رضي ~~الله عنه توفى سنة احدى وأربعين ومائتين وتوفى البخارى سنة ست وخمسين ~~ومائتين وكان أحمد بن حنبل يحب البخارى ويجله ويعظمه وأما تعظيم البخارى ~~وأمثاله للامام أحمد فهو أمر مشهور ولما صنف البخارى كتابه في خلق أفعال ~~العباد وذكر في آخر الكتاب أبوابا في هذا المعنى ذكر أن كلا من الطائفتين ~~القائلين بأن لفظنا بالقرآن مخلوق والقائلين بأنه غير مخلوق ينسبون إلى ~~الإمام أحمد بن حنبل PageV07P658 ويدعون أنهم على قوله وكلا الطائفتين لم ~~تفهم دقة كلام أحمد رضي الله عنه # وطائفة أخرى كأبى الحسن الأشعرى والقاضي أبى بكر بن الطيب والقاضى أبى ~~يعلى وغيرهم ممن يقولون انهم على اعتقاد أحمد بن حنبل وأئمة أهل السنة ~~والحديث قالوا أحمد وغيره كرهوا أن يقال لفظى بالقرآن ms2316 فان اللفظ هو الطرح ~~والنبذ وطائفة أخرى كأبي محمد بن حزم وغيره ممن يقول أيضا أنه متبع لأحمد ~~بن حنبل وغيره من أئمة السنة إلى غير هؤلاء ممن ينتسب إلى السنة ومذهب ~~الحديث يقولون أنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل ونحوه من أهل السنة وهم لم ~~يعرفوا حقيقة ما كان يقوله أئمة السنة كأحمد بن حنبل وأمثاله وقد بسطنا ~~أقوال السلف والأئمة أحمد بن حنبل وغيره في غير هذا الموضع # وأما البخارى وأمثاله فان هؤلاء من أعرف الناس بقول أحمد بن حنبل وغيره ~~من أئمة السنة وقد رأيت طائفة تنتسب إلى السنة والحديث كأبي نصر السجزي ~~وأمثاله ممن يردون على أبى عبد الله البخارى يقولون أن أحمد بن حنبل كان ~~يقول لفظى بالقرآن غير مخلوق وذكروا روايات كاذبة لا ريب فيها والمتواتر عن ~~أحمد بن حنبل من رواية بنيه صالح وعبد الله وحنبل والمروذي وقوزان ومن لا ~~يحصي عددهم إلا الله تبين أن أحمد كان ينكر على هؤلاء وهؤلاء وقد صنف أبو ~~بكر المروذي في ذلك مصنفا ذكر فيه قول PageV07P659 أحمد بن حنبل وغيره من ~~أئمة العلم وقد ذكر ذلك الخلال في كتاب ( السنة ( وذكر بعضه أبو عبد الله ~~بن بطة في كتاب ( الابانة ( وقد ذكر كثيرا من ذلك أبو عبد الله بن منده ~~فيما صنفه في ( مسألة اللفظ ( # وقال أبو محمد بن قتيبة الدينوري لم يختلف أهل الحديث في شيء من اعتقادهم ~~الا في مسألة اللفظ ثم ذكر إبن قتيبة أن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا ~~ويراد به نفس الكلام الذي هو فعل العبد وصوته وهو مخلوق واما نفس كلام الله ~~الذي يتكلم به العباد فليس مخلوقا وكذلك ( مسألة الإيمان ( لم يقل قط أحمد ~~بن حنبل أن الايمان غير مخلوق ولا قال أحمد ولا غيره من السلف أن القرآن ~~قديم وانما قالوا القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ولا قال أحمد بن حنبل ~~ولا أحد من السلف أن شيئا من صفات العبد وأفعاله غير مخلوقة ولا صوته ms2317 ~~بالقرآن ولا لفظه بالقرآن ولا ايمانه ولا صلاته ولا شيء من ذلك # لكن المتأخرون انقسموا في هذا الباب انقساما كثيرا فالذين كانوا يقولون ~~لفظنا بالقرآن غير مخلوق منهم من أطلق القول بأن الايمان غير مخلوق ومنهم ~~من يقول قديم في هذا وهذا ومنهم من يفرق بين الأقوال الإيمانية والأفعال ~~فيقولون الأقوال غير مخلوقة وقديمة وأفعال الايمان مخلوقة ومنهم من يقول في ~~أفعال الايمان أن المحرم منها مخلوق وأما الطاعات كالصلاة وغيرها فمنهم من ~~يقول هي غير مخلوقة ومنهم من يمسك فلا يقول هي PageV07P660 مخلوقة ولا غير ~~مخلوقة ومنهم من يمسك عن الأفعال المحرمة ومنهم من يقول بل أفعال العباد ~~كلها غير مخلوقة أو قديمة ويقول ليس مرادى بالافعال الحركات بل مرادى ~~الثواب الذي يجيء يوم القيامة ويحتج هذا بأن القدر غير مخلوق والشرع غير ~~مخلوق ويجعل أفعال العباد هي القدر والشرع ولا يفرق بين القدر والمقدور ~~والشرع والمشروع فان الشرع الذي هو أمر الله ونهيه غير مخلوق وأما الأفعال ~~المأمور بها والمنهى عنها فلا ريب أنها مخلوقة وكذلك القدر الذي هو علمه ~~ومشيئته وكلامه غير مخلوق وأما المقدرات الآجال والأرزاق والأعمال فكلها ~~مخلوقة وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وقائليها في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن الامام أحمد ومن قبله من أئمة السنة ومن اتبعه كلهم ~~بريئون من الاقوال المبتدعة المخالفة للشرع والعقل ولم يقل أحد منهم أن ~~القرآن قديم لا معنى قائم بالذات ولا أنه تكلم به في القديم بحرف وصوت ولا ~~تكلم به في القديم بحرف قديم لم يقل أحد منهم لا هذا ولا هذا وان الذي ~~اتفقوا عليه أن كلام الله منزل غير مخلوق والله تعالى لم يزل متكلما اذا ~~شاء وكلامه لا نهاية له كما قال الله تعالى @QB@ قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي @QE@ وهو قديم بمعنى أنه لم ~~يزل الله متكلما بمشيئته لا بمعنى أن الصوت المعين قديم كما بسطت الكلام في ~~غير هذا الموضع على ms2318 اختلاف أهل الأرض في كلام الله تعالى منهم من يجعله ~~فيضا من العقل الفعال على PageV07P661 النفوس كقول طائفة من الصابئة ~~والفلاسفة وهو أفسد الأقوال ومنهم من يقول هو مخلوق خلقه بائنا عنه كقول ~~الجهمية والنجارية والمعتزلة ومنهم من يقول هو معنى قديم قائم بالذات كقول ~~إبن كلاب والأشعرى ومنهم من يقول هو حروف واصوات كقول بن سالم وطائفة ومنهم ~~من يقول تكلم بعد أن لم يكن متكلما كقول بن كرام وطائفة # والصواب من هذه الاقوال قول السلف والأئمة كما قد بسطت ألفاظهم في غير ~~هذا الموضع ولما ظهرت المحنة كان أهل السنة يقولون كلام الله غير مخلوق ~~وكانت ( الجهمية ( من المعتزلة وغيرهم يقولون إنه مخلوق وكان أبو محمد عبد ~~الله بن سعيد بن كلاب القطان له فضيلة ومعرفة رد بها على الجهمية والمعتزلة ~~نفاة الصفات وبين أن الله نفسه فوق العرش وبسط الكلام في ذلك ولم يتخلص من ~~شبهة الجهمية كل التخلص بل ظن أن الرب لا يتصف بالأمور الاختيارية التى ~~تتعلق بقدرته ومشيئته فلا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يحب العبد ويرضى عنه ~~بعد إيمانه وطاعته ولا يغضب عليه ويسخط بعد كفره ومعصيته بل محبا راضيا أو ~~غضبان ساخطا على من علم أنه يموت مؤمنا أو كافرا ولا يتكلم بكلام بعد كلام ~~وقد قال تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له ~~كن فيكون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فلما آسفونا انتقمنا منهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك ~~بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم @QE@ PageV07P662 ( ~~وقال تعالى @QB@ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش @QE@ وهذا أصل كبير قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع # وإنما المقصود هنا التنبيه على مآخذ اختلاف المسلمين في مثل ( هذه ~~المسائل ( وإذا عرف ذلك فالواجب أن نثبت ما اثبته الكتاب والسنة وننفي ما ~~نفى الكتاب والسنة واللفظ المجمل الذي لم يرد في الكتاب والسنة لا يطلق ms2319 في ~~النفى والاثبات حتى يتبين المراد به كما اذا قال القائل الرب متحيز أو غير ~~متحيز أو هو في جهة أو ليس في جهة قيل هذه الألفاظ مجملة لم يرد بها الكتاب ~~والسنة لا نفيا ولا إثباتا ولم ينطق أحد من الصحابة والتابعين لهم باحسان ~~باثباتها ولا نفيها # فإن كان مرادك بقولك أنه يحيط به شيء من المخلوقات وليس هو بقدرته يحمل ~~العرش وحملته وليس هو العلى الأعلى الكبير العظيم الذي لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار وهو سبحانه أكبر من كل شيء فليس هو متحيزا بهذا الاعتبار ~~وان كان مرادك أنه بائن عن مخلوقاته عال عليها فوق سمواته على عرشه فهو ~~سبحانه بائن من خلقه كما ذكر ذلك أئمة السنة مثل عبد الله بن المبارك وأحمد ~~بن حنبل واسحاق بن راهويه وغيرهم من أعلام الاسلام وكما دل على ذلك صحيح ~~المنقول وصريح المعقول كما هو مبسوط في مواضع أخر # وكذلك لفظ ( الجهة ( إن أراد بالجهة أمرا موجودا يحيط بالخالق أو ~~PageV07P663 يفتقر إليه فكل موجود سوى الله فهو مخلوق والله خالق كل شيء ~~وكل ما سواه فهو فقير إليه وهو غنى عما سواه وان كان مراده أن الله سبحانه ~~فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فهذا صحيح سواء عبر عنه بلفظ الجهة أو ~~بغير لفظ الجهة # وكذلك لفظ ( الجبر ( إذا قال هل العبد مجبور أو غير مجبور قيل ان اراد ~~بالجبر أنه ليس له مشيئة أو ليس له قدرة أو ليس له فعل فهذا باطل فان العبد ~~فاعل لأفعاله الاختيارية وهو يفعلها بقدرته ومشيئته وان أراد بالجبر أنه ~~خالق مشيئته وقدرته وفعله فان الله تعالى خالق ذلك كله # واذا قال الايمان مخلوق أو غير مخلوق قيل له ما تريد ( بالايمان أتريد به ~~شيئا من صفات الله وكلامه كقوله ( لا إله إلا الله ) و ( إيمانه ( الذي دل ~~عليه إسمه المؤمن فهو غير مخلوق أو تريد شيئا من أفعال العباد وصفاتهم ~~فالعباد كلهم مخلوقون وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقه ولا يكون للعبد ms2320 المحدث ~~المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة ولا يقول هذا من يتصور ما يقول فاذا حصل ~~الاستفسار والتفصيل ظهر الهدي وبان السبيل وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء [ ~~من جهة اشتراك الأسماء وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والاثبات ~~اذا فصل فيها الخطاب ظهر الخطأ من الصواب # والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه وما نفاه الكتاب ~~PageV07P664 والسنة نفوه وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفى ولا إثبات ~~استفصلوا فيه قول القائل فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله فقد اصاب ومن نفى ~~ما نفاه الله ورسوله فقد أصاب ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله ~~فقد لبس دين الحق بالباطل فيجب أن يفصل ما في كلامه من حق وباطل فيتبع الحق ~~ويترك الباطل وكلما خالف الكتاب والسنة فانه مخالف أيضا لصريح المعقول فإن ~~العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح كما أن المنقول عن الأنبياء عليهم ~~السلام لا يخالف بعضه بعضا ولكن كثير من الناس يظن تناقض ذلك وهؤلاء من ~~الذين اختلفوا في الكتاب @QB@ وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ~~@QE@ ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا PageV07P665 قال ~~شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ### ||| فصل # ( # الاستثناء في الايمان سنة ( عند أصحابنا وأكثر اهل السنة وقالت المرجئة ~~والمعتزلة لا يجوز الاستثناء فيه بل هو شك و ( الاستثناء أن يقول أنا مؤمن ~~ان شاء الله أو مؤمن أرجو أو آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله أو إن كنت ~~تريد الايمان الذي يعصم دمى فنعم وان كنت تريد @QB@ إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ فالله أعلم ثم هنا # ( ثلاثة أقوال ( إما أن يقال الاستثناء واجب فلا يجوز القطع وهذا قول ~~القاضي في عيون المسائل وغيره وإما أن يقال هو مستحب ويجوز القطع بإعتبار ~~آخر وإما أن يقال كلاهما جائز بإعتبار وانما ذكر أن الاستثناء سنة بمعنى ~~أنه جائز ردا على من نهى عنه # فاذا قلنا هو ms2321 واجب فمأخذ القاضي أنه لو جاز القطع على أنا مؤمنون لكان ~~ذلك قطعا على أنا في الجنة لأن الله وعد المؤمنين الجنة ولا يجوز القطع على ~~الوعد بالجنة لأن من شرط ذلك الموافاة بالايمان ولا يعلم ذلك الا الله ~~PageV07P666 وكذلك الايمان انما يحصل بالموافاة ولا يعلم ذلك ولهذا قال بن ~~مسعود هلا وكل الأولى كما وكل الآخرة يريد بذلك ما استدل به من أن رجلا قال ~~عنده إنى مؤمن فقيل لابن مسعود هذا يزعم أنه مؤمن قال فسلوه أفي الجنة هو ~~أو في النار فسألوه فقال الله أعلم فقال عبد الله فهلا وكلت الأولى كما ~~وكلت الثانية # ( قلت ( ويستدل ايضا على وجوب الاستثناء بقول عمر من قال أنه مؤمن فهو ~~كافر ومن زعم أنه في الجنة فهو في النار ومن زعم أنه عالم فهو جاهل ولما ~~إستدل المنازع بأن الاستثناء إنما يحتاج إليه لمستقبل يشك في وقوعه قال ~~الجواب ان هنا مستقبل يشك في وقوعه وهو الموافاة بالايمان والايمان مرتبط ~~بعضه ببعض فهو كالعبادة الواحدة # ( قلت ( فحقيقة هذا القول أن الإيمان إسم للعبادة من أول الدخول فيه إلى ~~أن يموت عليه فاذا انتقض تبين بطلان أولها كالحدث في آخر الصلاة والوطء في ~~آخر الحج والأكل في آخر النهار وقول مؤمن عند الاطلاق يقتضي فعل الايمان ~~كله كقول مصل وصائم وحاج فهذا مأخذ القاضي وقد ذكر بعدها في المعتمد ( ~~مسألة الموافاة ( وهي متصلة بها وهو أن المؤمن الذي علم الله أنه يموت ~~كافرا وبالعكس هل يتعلق رضا الله وسخطه ومحبته وبغضه بما هو عليه أو بما ~~يوافى به # والمسألة متعلقة بالرضا والسخط هل هو قديم أو محدث PageV07P667 # و ( المأخذ الثانى ( أن الاسم عند الإطلاق يقتضى الكمال وهذا غير معلوم ~~للمتكلم كما قال أبو العالية أدركت ثلاثين من اصحاب محمد كلهم يخاف النفاق ~~على نفسه لا يقول أن إيمانى كإيمان جبريل فاخبار الرجل عن نفسه أنه كامل ~~الايمان خبر بما لا يعلمه وهذا معنى قول بن المنزل أن المرجئة تقول ان ~~حسناتها ms2322 مقبولة وأنا لا أشهد بذلك وهذا مأخذ يصلح لوجوب الإستثناء وهذا ~~المأخذ الثانى للقاضي فان المنازع احتج بأنه لما لم يجز الاستثناء في ~~الاسلام فكذلك في الإيمان # قال والجواب أن الاسلام مجرد الشهادتين وقد أتى بهما والايمان أقوال ~~وأعمال لقوله ( الايمان بضع وسبعون بابا ( وهو لا يتحقق كل ذلك منه # ( المأخذ الثالث ( أن ذلك تزكية للنفس وقد قال الله @QB@ فلا تزكوا ~~أنفسكم @QE@ وهذا يصلح للاستحباب والا فأخبار الرجل بصفته التى هو عليها ~~جائز وان كانت مدحا وقد يصلح للإيجاب قال الأثرم في ( السنة ( حدثنا أحمد ~~بن حنبل سمعت يحيى بن سعيد يقول ما أدركت أحدا من أصحابنا ولا بلغنى إلا ~~على الإستثناء قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الاستثناء في الايمان ~~ما تقول فيه قال أما أنا فلا أعيبه فإستثنى مخافة واحتياطا ليس كما يقولون ~~على الشك إنما يستثنى للعمل قال أبو عبد الله قال الله @QB@ لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله @QE@ أي أن هذا الاستثناء لغير شك وقد قال النبى ~~PageV07P668 ( وأنا إن شاء الله بكم لاحقون ( أي لم يكن يشك في هذا وقد ~~استثنى وذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم ( نبعث إن شاء الله ( من القبر ~~وذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم ( إنى والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله ( ~~قال هذا كله تقوية للإستثناء في الإيمان # قلت لأبى عبد الله فكأنك لا ترى بأسا أن لا يستثنى فقال إذا كان ممن يقول ~~الايمان قول وعمل يزيد وينقص فهو أسهل عندى ثم قال أبو عبد الله ان قوما ~~تضعف قلوبهم عن الاستثناء فتعجب منهم وذكر كلاما طويلا تركته # فكلام ( أحمد ( يدل على أن الاستثناء لأجل العمل وهذا ( المأخذ الثانى ( ~~وأنه لغير شك في الأصل وهو يشبه ( الثالث ( ويقتضى أن يجوز ترك الاستثناء ~~وأما جواز إطلاق القول بأنى مؤمن فيصح اذا عنى أصل الايمان دون كماله ~~والدخول فيه دون تمامه كما يقول أنا حاج وصائم لمن شرع في ذلك وكما يطلقه ~~في قوله آمنت بالله ورسله وفى ms2323 قوله إن كنت تعنى كذا وكذا أن جواز اخباره ~~بالفعل يقتضي جواز إخباره بالإسم مع القرينة وعلى هذا يخرج ما روى عن صاحب ~~معاذ بن جبل وما روى في حديث الحارث الذي قال ( أنا مؤمن حقا ( وفى حديث ~~الوفد الذين قالوا ( نحن المؤمنون ( وإن كان في الإسنادين نظر PageV07P669 ### |||| سئل # عن معنى حديث النبى ( إذا زنى العبد خرج منه الايمان فكان فوق رأسه ~~كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الايمان ( رواه الترمذى وأبو داود ~~وهل يكون الزانى في حالة الزنى مؤمنا أو غير مؤمن وهل حمل الحديث على ظاهره ~~أحد من الأئمة أو أجمعوا على تأويله ### ||||| فأجاب # الحمد لله الناس في الفاسق من أهل الملة مثل الزانى والسارق ~~والشارب ونحوهم ( ثلاثة أقسام ( طرفين ووسط # ( أحد الطرفين ( أنه ليس بمؤمن بوجه من الوجوه ولا يدخل في عموم الأحكام ~~المتعلقة بإسم الإيمان ثم من هؤلاء من يقول هو كافر كاليهودى والنصرانى وهو ~~قول الخوارج ومنهم من يقول ننزله منزلة بين المنزلتين وهى منزلة الفاسق ~~وليس هو بمؤمن ولا كافر وهم المعتزلة وهؤلاء يقولون أن أهل الكبائر يخلدون ~~في النار وان أحدا منهم لا يخرج منها وهذا من ( مقالات أهل البدع ( التى دل ~~الكتاب والسنة واجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافها قال الله ~~تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما @QE@ إلى قوله ~~@QB@ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم @QE@ PageV07P670 فسماهم ~~مؤمنين وجعلهم اخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض وقال الله تعالى @QB@ ~~فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ ولو اعتق مذنبا اجزأ عتقه باجماع العلماء # ولهذا يقول علماء السلف في المقدمات الاعتقادية لا نكفر أحدا من أهل ~~القبلة بذنب ولا نخرجه من الاسلام بعمل وقد ثبت الزنى والسرقة وشرب الخمر ~~على أناس في عهد النبى ولم يحكم فيهم حكم من كفر ولا قطع الموالاة بينهم ~~وبين المسلمين بل جلد هذا وقطع هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول لا تكونوا ~~أعوان الشيطان على أخيكم وأحكام الإسلام كلها مرتبة على هذا الأصل ( # الطرف الثانى ( قول ms2324 من يقول إيمانهم باق كما كان لم ينقص ( بناء على أن ~~الايمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم وهو لم يتغير وانما نقصت شرائع ~~الاسلام وهذا قول المرجئة والجهمية ومن سلك سبيلهم وهو أيضا قول مخالف ~~للكتاب والسنة واجماع السابقين والتابعين لهم باحسان قال الله تعالى @QB@ ~~إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك هم المؤمنون حقا ~~@QE@ وقال @QB@ فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله @QE@ وقال @QB@ ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم @QE@ وقال @QB@ فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون @QE@ ~~PageV07P671 # وقال النبى ( الايمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا ~~الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ( وقال لوفد عبدالقيس ( آمركم بالايمان ~~بالله أتدرون ما الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن تؤدوا خمس ما ~~غنمتم ( وأجمع السلف أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص ومعنى ذلك أنه قول ~~القلب وعمل القلب ثم قول اللسان وعمل الجوارح # فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر ويدخل فيه الايمان بكل ما جاء به الرسول # ثم الناس في هذا على أقسام منهم من صدق به جملة ولم يعرف التفصيل ومنهم ~~من صدق جملة وتفصيلا ثم منهم من يدوم استحضاره وذكره لهذا التصديق ومنهم من ~~يغفل عنه ويذهل ومنهم من استبصر فيه بما قذف الله في قلبه من النور ~~والإيمان ومنهم من جزم به لدليل قد تعترض فيه شبهة أو تقليد جازم وهذا ~~التصديق يتبعه عمل القلب وهو حب الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله وتعزير ~~الرسول وتوقيره وخشية الله والانابة إليه والاخلاص له والتوكل عليه إلى غير ~~ذلك من الأحوال فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان وهى مما يوجبها ~~التصديق والاعتقاد ايجاب العلة للمعلول # ويتبع الإعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب الجوارح من الصلاة والزكاة ~~والصوم والحج ونحو ذلك PageV07P672 # وعند هذا فالقول الوسط الذي هو قول أهل السنة والجماعة أنهم لا يسلبون ~~الاسم على ms2325 الاطلاق ولا يعطونه على الإطلاق فنقول هو مؤمن ناقص الإيمان أو ~~مؤمن عاص أو مؤمن بايمانه فاسق بكبيرته ويقال ليس بمؤمن حقا أو ليس بصادق ~~الإيمان # وكل كلام أطلق في الكتاب والسنة فلابد أن يقترن به ما يبين المراد منه ~~والأحكام منها ما يترتب على أصل الإيمان فقط كجواز العتق في الكفارة ~~وكالموالاة والموارثة ونحو ذلك ومنها ما يترتب على أصله وفرعه كإستحقاق ~~الحمد والثواب وغفران السيئات ونحو ذلك # اذا عرفت ( هذه القاعدة ( فالذي في الصحيح قوله ( لا يزنى الزانى حين ~~يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ~~ينتهبها وهو مؤمن ( والزيادة التى رواها أبو داود والترمذى صحيحة وهى مفسرة ~~للرواية المشهورة # فقول السائل هل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة لفظ مشترك فان عنى ~~بذلك أن ظاهره أن الزانى يصير كافرا وأنه يسلب الإيمان بالكلية فلم يحمل ~~الحديث على هذا أحد من الأئمة ولا هو أيضا ظاهر الحديث لأن قوله خرج ( منه ~~الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة ( دليل على أن الايمان PageV07P673 لا يفارقه ~~بالكلية فان الظلة تظلل صاحبها وهى متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط # واما ان عنى بظاهره ما هو المفهوم منه كما سنفسره إن شاء الله فنعم فإن ~~عامة علماء السلف يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت ويكرهون أن تتأول ~~تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد عن ~~سفيان وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم وجماعة كثيرة من العلماء ونص أحمد على ~~أن مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلا يخرجه عن ظاهره المقصود به وقد تأوله ~~الخطابى وغيره تأويلات مستكرهة مثل قولهم لفظه لفظ الخبر ومعناه النهى أي ~~ينبغي للمؤمن أن لا يفعل ذلك وقولهم المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة ~~النفى وانما ساغ ذلك لما بين حاله وحال من عدم الايمان من المشابهة ~~والمقاربة وقولهم إنما عدم كمال الإيمان وتمامه ms2326 أو شرائعه وثمراته ونحو ذلك ~~وكل هذه التأويلات لا يخفى حالها على من أمعن النظر # فالحق أن يقال نفس التصديق المفرق بينه وبين الكافر لم يعدمه لكن هذا ~~التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقا بأن الله حرم هذه الكبيرة وأنه ~~توعد عليها بالعقوبة العظيمة وانه يرى الفاعل ويشاهده وهو سبحانه وتعالى مع ~~عظمته وجلاله وعلوه وكبريائه يمقت هذا الفاعل فلو تصور هذا حق التصور ~~لامتنع صدور الفعل منه ومتى فعل هذه الخطيئة فلابد من أحد ( ثلاثة أشياء ~~PageV07P674 ( إما إضطراب العقيدة بأن يعتقد بأن الوعيد ليس ظاهره كباطنه ~~وانما مقصوده الزجر كما تقوله المرجئة أو ان هذا انما يحرم على العامة دون ~~الخاصة كما يقوله الاباحية أو نحو ذلك من العقائد التى تخرج عن الملة واما ~~الغفلة والذهول عن التحريم وعظمة الرب وشدة بأسه واما فرط الشهوة بحيث يقهر ~~مقتضى الإيمان ويمنعه موجبه بحيث يصير الإعتقاد مغمورا مقهورا كالعقل في ~~النائم والسكران وكالروح في النائم # ومعلوم أن ( الإيمان ( الذي هو الايمان ليس باقيا كما كان اذ ليس مستقرا ~~ظاهرا في القلب واسم المؤمن عند الإطلاق إنما ينصرف إلى من يكون إيمانه ~~باقيا على حاله عاملا عمله وهو يشبه من بعض الوجوه روح النائم فانه سبحانه ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت في منامها فالنائم ميت من وجه حى من ~~وجه وكذلك السكران والمغمى عليه عاقل من وجه وليس بعاقل من وجه # فاذا قال قائل السكران ليس بعاقل فاذا صحا عاد عقله إليه كان صادقا مع ~~العلم بأنه ليس بمنزلة البهيمة اذ عقله مستور وعقل البهيمة معدوم بل ~~الغضبان ينتهى به الغضب إلى حال يعزب فيها عقله ورأيه وفى الأثر ( اذا أراد ~~الله نفاذ قضائه وقدره سلب ذوى العقول عقولهم فاذا أنفذ قضاءه وقدره رد ~~عليهم عقولهم ليعتبروا ( فالعقل الذي به يكون التكليف لم يسلب وإنما سلب ~~العقل الذي به يكون صلاح الأمور في الدنيا والآخرة PageV07P675 # كذلك الزانى والسارق والشارب والمنتهب لم يعدم الإيمان الذي به يستحق أن ~~لا ms2327 يخلد في النار وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة وبه يستحق المناكحة ~~والموارثة لكن عدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب ويستحق به تكفير ~~السيئات وقبول الطاعات وكرامة الله ومثوبته وبه يستحق أن يكون محمودا مرضيا # وهذا يبين أن الحديث على ظاهره الذي يليق به والله أعلم PageV07P676 ### |||| سئل رحمه الله # عن معنى قوله ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ( هل هذا ~~الحديث مخصوص بالمؤمنين أم بالكفار فان قلنا مخصوص بالمؤمنين فقولنا ليس ~~بشيء لأن المؤمنين يدخلون الجنة بالإيمان وإن قلنا مخصوص بالكافرين فما ~~فائدة الحديث ### ||||| فأجاب # لفظ الحديث في الصحيح ( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ~~ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ( فالكبر المباين ~~للايمان لا يدخل صاحبه الجنة كما في قوله @QB@ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين @QE@ ومن هذا كبر إبليس وكبر فرعون وغيرهما ممن كان ~~كبره منافيا للإيمان وكذلك كبر اليهود والذين أخبر الله عنهم بقوله @QB@ ~~أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ~~@QE@ # والكبر كله مباين للايمان الواجب فمن في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يفعل ~~ما أوجب الله عليه ويترك ما حرم عليه بل كبره يوجب له جحد الحق واحتقار ~~الخلق وهذا هو ( الكبر ( الذي فسره النبى حيث سئل في PageV07P677 تمام ~~الحديث فقيل يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فمن ~~الكبر ذاك فقال ( لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ( ~~وبطر الحق جحده ودفعه وغمط الناس إزدراؤهم وإحتقارهم فمن في قلبه مثقال ذرة ~~من هذا يوجب له أن يجحد الحق الذي يجب عليه أن يقربه وان يحتقر الناس فيكون ~~ظالما لهم معتديا عليهم فمن كان مضيعا للحق الواجب ظالما للخلق لم يكن من ~~أهل الجنة ولا مستحقا لها بل يكون من اهل الوعيد # فقوله ( لا يدخل الجنة ( متضمن لكونه ليس من أهلها ولا مستحقا لها لكن إن ms2328 ~~تاب أو كانت له حسنات ماحية لذنبه أو ابتلاه الله بمصائب كفر بها خطاياه ~~ونحو ذلك زال ثمرة هذا الكبر المانع له من الجنة فيدخلها أو غفر الله له ~~بفضل رحمته من ذلك الكبر من نفسه فلا يدخلها ومعه شيء من الكبر ولهذا قال ~~من قال في هذا الحديث وغيره إن المنفى هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه ~~عذاب لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم دخل الجنة فانه إذا أطلق ~~في الحديث فلان في الجنة أو فلان من اهل الجنة كان المفهوم أنه يدخل الجنة ~~ولا يدخل النار # فإذا تبين هذا كان معناه أن من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ليس هو من ~~أهل الجنة ولا يدخلها بلا عذاب بل هو مستحق للعذاب لكبره كما يستحقها غيره ~~من أهل الكبائر ولكن قد يعذب في النار ما شاء الله فانه PageV07P678 لا ~~يخلد في النار أحد من أهل التوحيد وهذا كقوله ( لا يدخل الجنة قاطع رحم ( ~~وقوله ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا الا أدلكم على ~~شيء إذا فعلتموه تحاببتم افشوا السلام بينكم ( وأمثال هذا من أحاديث الوعيد ~~وعلى هذا فالحديث عام في الكفار وفى المسلمين # وقول القائل إن المسلمين يدخلون الجنة بالاسلام فيقال له ليس كل المسلمين ~~يدخلون الجنة بلا عذاب بل أهل الوعيد يدخلون النار ويمكثون فيها ما شاء ~~الله مع كونهم ليسوا كفارا فالرجل الذي معه شيء من الإيمان وله كبائر قد ~~يدخل النار ثم يخرج منها اما بشفاعة النبى واما بغير ذلك كما قال صلى الله ~~عليه وسلم ( شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى ( وكما في الصحيح أنه قال ( أخرج ~~من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ( وهكذا الوعيد في قاتل النفس ~~والزانى وشارب الخمر وآكل مال اليتيم وشاهد الزور وغير هؤلاء من أهل ~~الكبائر فان هؤلاء وإن لم يكونوا كفارا لكنهم ليسوا من المستحقين للجنة ~~الموعودين بها بلا عقاب # ومذهب أهل السنة والجماعة أن فساق اهل الملة ms2329 ليسوا مخلدين في النار كما ~~قالت الخوارج والمعتزلة وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة بل لهم ~~حسنات وسيئات يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب وهذا مبسوط في موضعه والله ~~أعلم PageV07P679 ### || سئل شيخ الإسلام عن بدعة المرازقة ### ||||| فأجاب # ثم ان جماعات ينتسبون إلى الشيخ ( عثمان بن مرزوق ( ويقولون أشياء ~~مخالفة لما كان عليه وهو منتسب إلى مذهب أحمد وكان من أصحاب الشيخ عبد ~~الوهاب بن أبي الفرج الشيرازي وهؤلاء ينتسبون إلى مذهب الشافعى ويقولون ~~أقوالا مخالفة لمذهب الشافعى وأحمد بل ولسائر الأئمة وشيخهم هذا من شيوخ ~~العلم والدين له أسوة أمثاله وإذا قال قولا قد علم أن قول الشافعى وأحمد ~~يخالفه وجب تقديم قولهما على قوله مع دلالة الكتاب والسنة على قول الأئمة ~~فكيف إذا كان القول مخالفا لقوله ولقول الأئمة وللكتاب والسنة # وذلك مثل قولهم ولا نقول قطعا ونقول نشهد أن محمدا رسول الله ولا نقطع ~~ونقول إن السماء فوقنا ولا نقطع ويروون أثرا عن على وبعضهم يرفعه أنه قال ~~لا تقل قطعا وهذا من الكذب المفترى بإتفاق أهل العلم ولم يكن شيخهم يقول ~~هذا بل هذه بدعة أحدثها بعض أصحابه بعد موته واذا قيل لواحد منهم الا تقطع ~~قال إن الله قادر على أن يغير هذه PageV07P680 الفرس فيظن أنه إذا قال قطعا ~~أنه نفى لقدرة الله على تغيير ذلك وهذا جهل فان هذه الفرس فرس قطعا في هذه ~~الحال والله قادر على أن يغيرها # وأصل ( شبهة هؤلاء ( أن السلف كانوا يستثنون في الإيمان فيقول أحدهم أنا ~~مؤمن إن شاء الله وكانت ثغور الشام مثل عسقلان قد سكنها محمد بن يوسف ~~الفريابي شيخ البخارى وهو صاحب الثورى وكان شديدا على المرجئة وكان يرى ( ~~الإستثناء في الإيمان ( كشيخه الثورى وغيره من السلف # والناس لهم في الإستثناء ( ثلاثة أقوال ( # منهم من يحرمه كطائفة من الحنفية ويقولون من يستثنى فهو شكاك # ومنهم من يوجبه كطائفة من أهل الحديث # ومنهم من يجوزه أو يستحبه وهذا أعدل الأقوال فإن الإستثناء له وجه صحيح ~~فمن قال أنا ms2330 مؤمن إن شاء الله وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات ~~ويخاف أن لا يكون قائما بها فقد أحسن ولهذا كان الصحابة يخافون النفاق على ~~أنفسهم قال إبن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على ~~نفسه ومن إعتقد أن المؤمن المطلق هو الذي يستحق الجنة فاستثنى خوفا من سوء ~~الخاتمة فقد أصاب وهذا معنى ما يروى عن إبن مسعود أنه قيل له عن رجل أنت ~~مؤمن PageV07P681 فقال نعم فقيل له أنت من أهل الجنة فقال أرجو فقال هلا ~~وكل الأولى كما وكل الثانية ومن إستثنى خوفا من تزكية نفسه أو مدحها أو ~~تعليق الأمور بمشيئة الله فقد أحسن ومن جزم بما يعلمه أيضا في نفسه من ~~التصديق فهو مصيب # والمقصود أن أصل شبهة هؤلاء ( الإستثناء في الإيمان ( كما عليه أهل ثغر ~~عسقلان وما يقرب منها وعامة هؤلاء جيران عسقلان ثم صار كثير منهم يستثنى في ~~الأعمال الصالحة فيقول صليت إن شاء الله وهو يخاف أن لا يكون أتى بالصلاة ~~كما أمر وصنف أهل الثغر في ذلك مصنفا وشيخهم إبن مرزوق غايته أن يتبع هؤلاء ~~ولم يكن هو ولا أحد قبله من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا لما يعلم أنه ~~موجود هذا موجود قطعا وقد نقل بعض الشيوخ أنه كان يستثنى في كل شيء وكأنه ~~يستثنى والله أعلم في الخبر عن الأمور المستقبلة [ لقوله تعالى ] @QB@ ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله @QE@ وقوله ? < وانا إن شاء الله بكم ~~لاحقون > ? # والواجب موافقة جماعة المسلمين فإن قول القائل قطعا بذلك مثل قوله أشهد ~~بذلك وأجزم بذلك وأعلم ذلك فإذا قال أشهد ولا أقطع كان جاهلا والجاهل عليه ~~أن يرجع ولا يصر على جهله ولا يخالف ما عليه علماء المسلمين فإنه يكون بذلك ~~مبتدعا جاهلا ضالا PageV07P682 # وكذلك من جهلهم قولهم أن الرافضي لا يقبل الله توبته ويروون عن النبى انه ~~قال ( سب أصحابى ذنب لا يغفر ( ويقولون إن سب الصحابة فيه حق لآدمى فلا ~~يسقط بالتوبة وهذا باطل لوجهين # ( أحدهما ( أن ms2331 الحديث كذب بإتفاق أهل العلم بالحديث وهو مخالف للقرآن ~~والسنة والإجماع فإن الله يقول في آيتين من كتابه @QB@ إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وبهذا إحتج أهل السنة على أهل ~~البدع الذين يقولون لا يغفر لأهل الكبائر إذا لم يتوبوا وذلك ان الله قال ~~قل @QB@ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا @QE@ وهذا لمن تاب فكل من تاب تاب الله عليه ولو كان ~~ذنبه أعظم الذنوب وقال @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء @QE@ فهذا في حق من لم يتب # ( الثانى ( أن الحديث لو كان حقا فمعناه أنه لا يغفر لمن لم يتب منه فانه ~~لا ذنب أعظم من الشرك والمشرك إذا تاب غفر الله له شركه بإتفاق المسلمين ~~كما قال تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~@QE@ وفى الأخرى @QB@ فإخوانكم في الدين @QE@ ومعلوم أن الكافر الحربى إذا ~~سب الأنبياء ثم تاب تاب الله عليه بالإجماع فإنه كان مستحلا لذلك وكذلك ~~الرافضي هو يستحل سب الصحابة فاذا تبين له أنه حرام وإستغفر لهم بدل ما كان ~~منه بدل الله سيئاته بالحسنات وكان حق الآدمى في ذلك تبعا لحق الله لأنه ~~مستحل PageV07P683 لذلك ولو قدر أنه حق لآدمى لكان بمنزلة من تاب من القذف ~~والغيبة وهذا في أظهر قولى العلماء لا يشترط في توبته تحلله من المظلوم بل ~~يكفى أن يحسن إليه في المغيب ليهدم هذا بهذا # ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين وإستحلال ~~دمائهم وأموالهم كما يقولون هذا زرع البدعي ونحو ذلك فإن هذا عظيم لوجهين # ( أحدهما ( أن تلك الطائفة الآخرى قد لا يكون فيها من البدعة أعظم مما في ~~الطائفة المكفرة لها بل تكون بدعة المكفرة أغلظ أو نحوها أو دونها وهذا حال ~~عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضا فإنه إن قدر أن المبتدع يكفر كفر ~~هؤلاء وهؤلاء وان قدر أنه ms2332 لم يكفر لم يكفر هؤلاء ولا هؤلاء فكون إحدى ~~الطائفتين تكفر الأخرى ولا تكفر طائفتها هو من الجهل والظلم وهؤلاء من ~~الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ~~في شيء @QE@ # ( والثانى ( أنه لو فرض أن إحدى الطائفتين مختصة بالبدعة لم يكن لأهل ~~السنة أن يكفروا كل من قال قولا أخطأ فيه فان الله سبحانه قال @QB@ ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ وثبت في الصحيح أن الله قال ( قد فعلت ( ~~وقال تعالى @QB@ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به @QE@ وروى عن النبى صلى ~~الله عليه PageV07P684 وسلم أنه قال ( ان الله تجاوز لى عن أمتى الخطأ ~~والنسيان ( وهو حديث حسن رواه إبن ماجه وغيره # وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولا أخطأ فيه ~~أنه يكفر بذلك وان كان قوله مخالفا للسنة فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع لكن ~~للناس نزاع في مسائل التكفير قد بسطت في غير هذا الموضوع # و ( المقصود هنا ( أنه ليس لكل من الطوائف المنتسبين إلى شيخ من الشيوخ ~~ولا إمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم بل في الصحيح عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ( ~~وقال أيضا ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه كل المسلم على المسلم ~~حرام دمه وماله وعرضه ( وقال ( لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا ~~تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ( وقال ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ~~وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى ~~والسهر ( # وليس للمنتسبين إلى إبن مرزوق أن يمنعوا من مناكحة المنتسبين إلى العوفى ~~لإعتقادهم أنهم ليسوا أكفاء لهم بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة ~~كان من هؤلاء وغيرهم كما قال تعالى @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ ~~PageV07P685 وفى الصحيح ( أن النبى سئل أي الناس أكرم قال أتقاهم ( وفى ms2333 ~~السنن عنه أنه قال ( لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربي ولا لأبيض ~~على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم خلق من تراب ~~PageV07P686 ### | 1 ( كتاب القدر ) # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاه والسلام على من لا نبى ~~بعده قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ! 8 < ### ||| فصل في قدرة الرب عز وجل # اتفق المسلمو ن وسائر أهل الملل على أن الله على كل شيء قدير كما نطق ~~بذلك القرآن في مواضع كثيرة جدا وقد بسطت الكلام في الرد على من أنكر قدرة ~~الرب في غير مو ضع كما قد كتبناه على ( الأربعين ( و ( المحصل ( وفى شرح ( ~~الأصبهانية ( وغير ذلك وتكلمنا على ما ذكره الرازى وغيره PageV08P007 في ( ~~مسألة كون الرب قادرا مختارا ( وما وقع فيها من التقصير الكثير مما ليس هذا ~~مو ضعه # ( والمقصود هنا ) الكلام بين أهل الملل الذين يصدقو ن الرسل فنقو ل هنا ~~مسائل # المسألة الأولى ) قد أخبر الله أنه على كل شيء قدير والناس في هذا على ~~ثلاثة أقوال # ( طائفة ( تقو ل هذا عام يدخل فيه الممتنع لذاته من الجمع بين الضدين ~~وكذلك يدخل في المقدو ر كما قال ذلك طائفة منهم إبن حزم و ( طائفة ( تقول ~~هذا عام مخصو ص يخص منه الممتنع لذاته فإنه وإن كان شيئا فإنه لا يدخل في ~~المقدو ر كما ذكر ذلك بن عطية وغيره وكلا القو لين خطأ # ( والصو اب ) هو القو ل الثالث الذى عليه عامة النظار وهو أن الممتنع ~~لذاته ليس شيئا ألبتة وأن كانو ا متنازعين في المعدوم فإن الممتنع لذاته ~~لايمكن تحققه في الخارج ولا يتصوره الذهن ثابتا في الخارج ولكن يقدر ~~إجتماعهما في الذهن ثم يحكم على ذلك بأنه ممتنع في الخارج إذ كان يمتنع ~~تحققه في الأعيان وتصوره في الأذهان إلا على وجه التمثيل بأن يقال قد تجتمع ~~PageV08P008 الحركة والسكون في الشيء فهل يمكن في الخارج أن يجتمع السواد ~~والبياض في محل واحد ms2334 كما تجتمع الحركة والسكو ن فيقال هذا غير ممكن فيقدر ~~إجتماع نظيرالممكن ثم يحكم بإمتناعه وأما نفس إجتماع البياض والسواد في محل ~~واحد فلا يمكن ولا يعقل فليس بشيء لا في الأعيان ولا في الأذهان فلم يدخل ~~في قو له ( وهو على كل شيء قدير ) # ( المسأله الثانية ) أن المعدوم ليس بشيء في الخارج عند الجمهور وهو ~~الصواب # وقد يطلقون أن الشيء هو الموجود فيقال على هذا فيلزم ألا يكون قادرا إلا ~~على موجود وما لم يخلقه لايكون قادرا ( عليه ) وهذا قول بعض أهل البدع ~~قالوا لا يكون قادرا إلا على ما أراده دون ما لم يرده ويحكى هذا عن تلميذ ~~النظام والذين قالوا إن الشيء هو الموجود من نظارالمثبتة كالأشعرى ومن ~~وافقه من أتباع الأئمة أحمد وغيرأحمد كالقاضى أبى يعلى وبن الزاغو ني ~~وغيرهما يقولون أنه قادر على الموجود فيقال أن هؤلاء أثبتوا ما لم تثبته ~~الآية فالآية أثبتت قدرته على الموجود وهؤلاء قالوا هو قادر على الموجود ~~والمعدوم # والتحقيق أن الشيء إسم لما يو جد في الأعيان ولما يتصور في الأذهان فما ~~قدره الله وعلم أنه سيكو ن هو شيء في التقدير والعلم والكتاب وأن لم يكن ~~PageV08P009 شيئا في الخارج ومنه قو له ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقو ل ~~له كن فيكو ن ) ولفظ الشيء في الآية يتناو ل هذا وهذا فهو على كل شيء ما ~~وجد وكل ماتصوره الذهن موجودا إن تصور أن يكون موجودا قدير لا يستثنى من ~~ذلك شيء ولا يزاد عليه شيء كما قال تعالى ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) ~~وقال ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) ~~وقد ثبت في الصحيحين أنها لما نزلت قال النبى صلى الله عليه وسلم ( أعوذ ~~بوجهك ( فلما نزل ( أو يلبسكم شيعا ) الآية قال ( هاتان أهون ( فهو قادرعلى ~~الأولتين وإن لم يفعلهما وقال ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في ~~الأرض وأنا على ذهاب به لقادرون ) # قال المفسرون لقادرون ms2335 على أن نذهب به حتى تموتوا عطشا وتهلك مواشيكم ~~وتخرب أراضيكم ومعلوم أنه لم يذهب به وهذا كقوله ( أفرأيتم الماءالذى ~~تشربون ) إلى قوله ( وتجعلون رزقكم إنكم تكذبون ) وهذا يدل على أنه قادر ~~على مالا يفعله فإنه أخبر أنه لو شاء جعل الماء أجاجا وهو لم يفعله ومثل ~~هذا ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض ) ( ~~ولو شاء الله ما إقتتلوا ) فإنه أخبر في غير موضع أنه لو شاء لفعل أشياء ~~وهو لم يفعلها فلو لم يكن قادرا عليها لكان إذا شاءها لم يمكن فعلها ( # ( المسألة الثالثة ) أنه على كل شيء قدير فيدخل في ذلك PageV08P010 أفعال ~~العباد وغير أفعال العباد وأكثر المعتزلة يقولون أن أفعال العبد غير مقدورة # ( المسألة الرابعة ) أنه يدخل في ذلك أفعال نفسه وقد نطقت النصوص بهذا ~~وهذا كقوله تعالى ( أو ليس الذى خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم ) ( أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى ) ( بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه ) ونظائره كثيرة # والقدرة على الأعيان جاءت في مثل قوله ( ولقد خلقنا الإنسان ) ( أيحسب أن ~~لن يقدر عليه أحد ) وجاءت منصوصا عليها في الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله ~~( فأما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ) فبين أنه سبحانه يقدر عليهم أنفسهم ~~وهذا نص في قدرته على الأعيان المفعولة وقوله ( وما أنت عليهم بجبار ) و ( ~~لست عليهم بمسيطر ) ونحو ذلك وهو يدل بمفهومه على أن الرب هو الجبار عليهم ~~المسيطر وذلك يستلزم قدرته عليهم وقوله ( فظن أن لن نقدر عليه ) على قول ~~الحسن وغيره من السلف ممن جعله من القدرة دليل على أن الله قادرعليه وعلى ~~أمثاله وكذلك قول الموصي لأهله ( لئن قدر الله على ليعذبنى عذابا ما عذبه ~~أحدا من العالمين ) فلما حرقوه أعاده الله تعالى وقال له ( ماحملك على ~~ماصنعت قال خشيتك يارب فغفر له ( وهو كان مخطئا في قوله لئن قدرالله على ~~ليعذبنى كما يدل عليه الحديث وأن الله PageV08P011 قدر عليه لكن لخشيته ~~وإيمانه غفرالله له هذا الجهل ms2336 والخطأ الذى وقع منه # وقد يستدل بقوله ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) إلى قوله ( فنعم القادرون ) ~~على قول من جعله من القدرة فإنه يتناول القدرة على المخلوقين وإن كان ~~سبحانه قادرا أيضا على خلقه فالقدرة على خلقه قدرة عليه والقدرة عليه قدرة ~~على خلقه وجاء أيضا الحديث منصوصا في مثل قول النبى صلى الله عليه وسلم ~~لأبي مسعود لما رآه يضرب عبده ( لله أقدرعليك منك على هذا ( فهذا فيه بيان ~~قدرة الرب على عين العبد وأنه أقدر عليه منه على عبده وفيه إثبات قدرة ~~العبد # قد تنازع الناس في ( قدرة الرب والعبد ( فقالت طائفة كلا النوعين يتناول ~~الفعل القائم بالفاعل ويتناول مقدوره وهذا أصح الأقوال وبه نطق الكتاب ~~والسنة وهو أن كل نوع من القدرتين يتناول الفعل القائم بالقادر ومقدوره ~~المباين له وقد تبين بعض مادل على ذلك في قدرة الرب وأما قدرة العبد فذكر ~~قدرته على الأفعال القائمة به كثيرة وهذا متفق عليه بين الناس الذين يثبتون ~~للعبد قدرة مثل قوله ( فاتقوا الله ما إستطعتم ) ( فصيام شهرين متتابعين ~~فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) ( وسيحلفون بالله لو إستطعنا لخرجنا ~~معكم يهلكون أنفسهم ) الآية وقول النبى صلى الله عليه وسلم ( صل قائما فإن ~~لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك PageV08P012 # وأما المباين لمحل القدرة فمثل قوله ( وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ~~إلى قوله وأخرى لم تقدروا عليها ) إلى ( قديرا ) فدل على أنهم قدروا على ~~الأول وهذه يمكن أن يقدروا عليها وقتا آخر وهذه قدرة على الأعيان ) # وقوله ( وغدوا على حرد قادرين إلى قوله عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها ) ~~الآية قال أبو الفرج وفى قوله قادرين ثلاثة أقوال # ( أحدها ) قادرين على جنتهم عند أنفسهم قاله قتادة قلت وهو قول مجاهد ~~وقتادة رواه بن أبى حاتم عنهما قال مجاهد قادرين في أنفسهم وهذا الذى ذكره ~~البغوي قادرين عند أنفسهم على جنتهم وثمارها لا يحول بينهم وبينها أحد وعن ~~قتادة قال غدا القوم وهم يحدون إلى جنتهم قادرين على ذلك في ms2337 أنفسهم # قال أبو الفرج و ( الثانى ) قادرين على المساكين قاله الشعبى أى على ~~منعهم وقيل على أعطائهم لكن البخل منعهم من الأعطاء والله أعلم # و ( الثالث ) غدوا وهم قادرين أى واجدون قاله بن قتيبة # قلت الآية وصفتهم بأنهم غدوا على حرد قادرين فالحرد يرجع إلى القصد فغدوا ~~بارادة جازمة وقدرة ولكن الله أعجزهم وقول من قال قادرين عند أنفسهم أى ~~ظنوا أن الأمر يبقى كما كان ولو كان كذلك لتمت قدرتهم لكن سلبوا القدرة ~~بإهلاك جنتهم PageV08P013 # قال البغوي الحرد في اللغة يكون بمعنى القصد والمنع والغضب قال الحسن ~~وقتادة وأبو العالية على جد وجهد وقال القرطبى ومجاهد وعكرمة على أمر مجتمع ~~قد أسسوه بينهم قال وهذا على معنى القصد لأن القاصد إلى الشيء جاد مجمع على ~~الأمر وقال أبو عبيدة والقتيبى غدوا من أنفسهم على حرد على منع المساكين ~~يقول حاردت السنة إذا لم يكن لها مطر وحاردت الناقة على إذا لم يكن لها لبن ~~وقال الشعبى وسفيان على حنق وغضب من المساكين وفى تفسيرالوالبى عن إبن عباس ~~على قدرة # قلت الحرد فيه معنى العزم الشديد فإن هذا اللفظ يقتضى هذا وحرد السنة ~~والناقة لما فيه من معنى الشدة وكذلك الحنق والغضب فيه شدة فكان لهم عزم ~~شديد على أخذها وعلى حرمان المساكين وغدوا بهذا العزم قادرين ليس هناك ما ~~يعجزهم وما يمنعهم لكن جاءها أمر من السماء فأبطل ذلك كله وقيل الحرد هو ~~الغيظ والغضب والله أعلم # ونظير هذا وهو صريح في المطلوب أن القدرة تكون على الأعيان قوله تعالى ( ~~إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء إلى قوله أتاها أمرنا ليلا ~~أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ) الآية وقوله ( فظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها ) يبين أنه لولا الجائحة لكان ظنهم صادقا وكانوا قادرين عليها ~~لكن لما أتاها أمر الله تبين خطأ الظن ولو لم يكونوا قادرين عليها لافى حال ~~سلامتها ولا في حال عطبها لم يكن الله أبطل ظنهم بما أحدثه PageV08P014 من ~~الإهلاك وهؤلاء لم ms2338 يكونوا ذهبوا ليحصدوا بل سلبوا القدرة عليها وهي القدرة ~~التامة فإنتفت لإنتفاء المحل القابل لا لضعف من الفاعل وفى تلك قال ( على ~~حرد قادرين ) ولم يقل قادرين عند أنفسهم فإن كان كما قاله من قال عند ~~أنفسهم فالمعنى واحد وإن أريد بكونهم قادرين أى ليس في أنفسهم ماينافى ~~القدرة كالمرض والضعف ولكن بطل محل القدرة كالذي يقدر على النقد والرزق ولا ~~شيء عنده # وقوله تعالى ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد إشتدت به الريح في ~~يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ) فهم في هذه ~~الحال لا يقدرون مما كسبوا على شيء فدل على أنهم في غير هذا يقدرون على ما ~~كسبوا وكذلك غيرهم يقدر على ماكسب فالمراد بالمكسوب المال المكسوب # وقوله تعالى ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ) فلما ذكر في المملوك أنه لا يقدر على ~~شيء ومقصوده أن الآخر ليس كذلك بل هو قادر على مالا يقدر عليه هذا وهو ~~إثبات الرزق الحسن مقدورا لصاحبه وصاحبه قادر عليه وبهذا ينطق عامة العقلاء ~~يقولون فلان يقدرعلى كذا وكذا وفلان يقدر على كذا وكذا ومقدرة هذا دون ~~مقدرة هذا PageV08P015 # ومما يبين ذلك أن الملك نائب للعباد على ما ملكهم الله إياه والملك ~~مستلزم للقدرة فلا يكون مالكا إلا من هو قادر على التصرف بنفسه أو بوليه أو ~~وكيله والعقد والمنقول مملوك لمالكه فدل على أنه مقدور له وقد قال موسى ( ~~رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخي ) لما كان قادرا على التصرف في أخيه لطاعته ~~له جعل ذلك ملكا له وقال تعالى ( فهم لها مالكون ) وقال تعالى ( وتقولوا ~~سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) أى مطيقين فدل على أنهم صاروا ~~مقرنين مطيقين لما سخرها لهم فهو معنى قوله ( فهم لها مالكون ) وقد قال ~~تعالى ( فما إسطاعوا أن يظهروه وما إستطاعوا له نقبا ) فدل على أنهم لو ~~نقبوا ذلك لكانوا ms2339 قد إستطاعوا النقب والنقب ليس هو حركة أيديهم بل هو جعل ~~الشيء منقوبا فدل على أن ذلك النقب مقدور للعباد # وأيضا فالقرآن دل على أن المفعولات الخارجة مصنوعة لهم وما كان مصنوعا ~~لهم فهو مقدور بالضرورة والإتفاق والمنازع يقول ليس شيء خارجا عن محل ~~قدرتهم مصنوعا لهم وهذا خلاف القرآن قال تعالى لنوح ( واصنع الفلك بأعيننا ~~ووحينا ) وقال ( ويصنع الفلك ) وقد أخبر أن الفلك مخلوقة مع كونها مصنوعة ~~لبنى آدم وجعلها من آياته فقال ( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون ) ( وسخر لكم ما في الأرض والفلك تجرى في البحر بأمره ) ( وجعل لكم ~~من الفلك والأنعام ماتركبون ) وقال ( أتعبدون ماتنحتون والله خلقكم ~~وماتعملون PageV08P016 # فجعل الأصنام منحوتة معمولة لهم وأخبر أنه خالقهم وخالق معمولهم فإن ( ما ~~) ها هنا بمعنى الذى والمراد خلق ما تعملونه من الأصنام وإذا كان خالقا ~~للمعمول وفيه أثر الفعل دل على أنه خالق لأفعال العباد وأما قول من قال إن ~~( ما ( مصدرية فضعيف جدا # وقال تعالى ( ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ) وإنما ~~دمر مابنوه وعرشوه فأما الأعراض التى قامت بهم فتلك فنيت قبل أن يغرقوا ~~وقوله ( وما كانوا يعرشون ) دليل على أن العروش مفعول لهم هم فعلوا العرش ~~الذى فيه وهو التأليف ومثل قوله ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون ) يدل على أن ~~المبني هم بنوه حيث قال أتبنون وكذلك قوله ( وتنحتون من الجبال بيوتا ) هو ~~كقوله ( أتعبدون ما تنحتون ) وقوله ( جابوا الصخر بالواد ) دل على أنهم ~~جابوا الصخر أي قطعوه # ومنه قوله تعالى ( فإذا إنسلخ الأشهرالحرم فاقتلوا المشركين ) فأمر ~~بقتلهم والأمر إنما يكون بمقدور العبد فدل على أن القتل مقدور له وهو الفعل ~~الذى يفعله في الشخص فيموت وهو مثل الذبح ومنه قوله ( إلا ما ذكيتم ) وقوله ~~( لاتقتلوا الصيد ) وقوله ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ماقتل من النعم ~~) يدل على أن الصيد مقتول للآدمى الذى قتله بخلاف قوله ( فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم ) فإنه مثل قوله ( وما رميت إذ رميت PageV08P017 و ms2340 لكن الله رمى ~~) فإن قتلهم حصل بأمور خارجة عن قدرتهم مثل إنزال الملائكة وإلقاء الرعب في ~~قلوبهم وكذلك الرمي لم يكن في قدرته أن التراب يصيب أعينهم كلهم ويرعب ~~قلوبهم فالرمى الذى جعله الله خارجا عن قدرة العبد المعتاد هو الرمي الذي ~~نفاه الله عنه # قال أبو عبيد ماظفرت أنت ولا أصبت ولكن الله ظفرك وأيدك وقال الزجاج ~~مابلغ رميك كفا من تراب أو حصا أن يملا عيون ذلك الجيش الكثير إنما الله ~~تولى ذلك وذكر إبن الأنبارى ما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب ~~ولهذا كان هذا أمرا خارجا عن مقدوره فكان من آيات نبوته # وقيل بل الرب تعالى لايقدر إلا على المخلوق المنفصل لا يقوم به فعل يقدر ~~عليه والعبد لايقدر إلا على مايقوم بذاته لايقدر على شيء منفصل عنه وهذا ~~قول الأشعرى ومن وافقه من أتباع الأئمة كالقاضى أبى يعلى وإبن عقيل وإبن ~~الزاغوني وغيرهم # وقيل أن العبد يقدرعلى هذا وهذا والرب لايقدر إلا على المنفصل وهو قول ~~المعتزلة وقيل أن كليهما يقدر على ما يقوم به دون المنفصل وما علمت أحدا ~~قال كلاهما يقدرعلى المنفصل دون المتصل # ( المسألة الخامسة ) أن القدرة هي قدرته على الفعل والفعل ( نوعان ~~PageV08P018 لازم ومتعد و ( النوعان ( في قوله ( وهو الذى خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم إستوى على العرش ) فالإستواء والإتيان والمجيء ~~والنزول ونحو ذلك أفعال لازمة لاتتعدى إلى مفعول بل هي قائمة بالفاعل ~~والخلق والرزق والإمانة والإحياء والإعطاء والمنع والهدى والنصر والتنزيل ~~ونحو ذلك تتعدى إلى مفعول # والناس في هذين النوعين على ( ثلاثة أقوال ( # منهم من لايثبت فعلا قائما بالفاعل لا لازما ولا متعديا أما اللازم فهو ~~عنده منتف وأما المتعدى كالخلق فيقول الخلق هو المخلوق أو معنى غير المخلوق ~~وهذا قول الجهمية والمعتزلة ومن إتبعهم كالأشعرى ومتبعيه وهذا أول قولي ~~القاضي أبى يعلى وقول إبن عقيل # وكثير من المعتزلة يقولون الخلق هو المخلوق وآخرون يقولون هو غيره لكن ~~يقولون بأن الخلق له خلق آخر كما يقوله معمر ms2341 بن عباد ويسمون أصحاب المعاني ~~المتسلسلة ومنهم من يقول الخلق هو نفس الإرادة كما يقوله من يقوله من بعض ~~المعتزلة من أهل البصرة # و ( القول الثاني ( أن الفعل المتعدي قائم بنفسه دون اللازم فيقولون ~~الخلق قائم بنفسه ليس هو المخلوق وهم على قولين PageV08P019 # منهم من جعل ذلك الفعل حادثا ومنهم من يجعله قديما فيقول التخليق ~~والتكوين قديم أزلي وهؤلاء منهم من يجعل عين التخليق شيئا واحدا هو قديم ~~والمخلوقين مادته ولكنه قديم أزلي ولا يثبتون نزولا قائما بنفسه ولا إستواء ~~لأن هذه حوادث وهذا قول الكلابية الذين يقولون فعله قديم مثل كلامه كما قال ~~أصحاب إبن خزيمة وهو قول كثير من الحنفية والحنبلية والمالكية والشافعية ~~ومنهم من يجعل القديم هو النوع وأفراده حادثة فعلى هذا القول يكون الفعل ~~نفسه مقدورا وأما على قول من يجعله شيئا معينا فهؤلاءإن قالوا قديم تناقضوا ~~ولزمهم أن يكون القديم المعين مقدورا وإن قالوا هو غير مقدور تناقضوا لأن ~~الفعل يجب أن يكون مقدورا والله أعلم # و ( القول الثالث ) إثبات الفعلين اللازم والمتعدي كما دل عليه القرآن ~~فنقول إنه كما أخبر عن نفسه أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم إستوى ~~على العرش وهو قول السلف وأئمة السنة وهو قول من يقول إنه تقوم به الصفات ~~الإختيارية كأصحاب أبى معاذ وزهير البابى وداود بن علي والكرامية وغيرهم من ~~الطوائف وإن كانت الكرامية يقولون بأن النزول والإتيان أفعال تقوم به ~~وهؤلاء يقولون يقدر على أن يأتى ويجيء وينزل ويستوى ونحو ذلك من الأفعال ~~كما أخبر عن نفسه وهذا هو الكمال PageV08P020 # وقد صرح أئمة هذا القول بأنه ( يتحرك ( كما ذكر ذلك حرب الكرمانى عن أهل ~~السنة والجماعة وسمى منهم أحمد بن حنبل وسعيد بن منصور وإسحاق بن إبراهيم ~~وغيرهم وكذلك ذكره عثمان بن سعيد الدارمي عن أهل السنة وجعل نفي الحركة عن ~~الله عزوجل من أقوال الجهمية التى أنكرها السلف وقال كل حي متحرك ومالا ~~يتحرك فليس بحي وقال بعضهم إذا قال لك الجهمى أنا كافر ms2342 برب يتحرك فقل أنا ~~مؤمن برب يفعل ما يشاء # وهؤلاء يقولون من جعل هذه الأفعال غير ممكنة ولا مقدورة له فقد جعله دون ~~الجماد فإن الجماد وإن كان لايتحرك بنفسه فهو يقبل الحركة في الجملة وهؤلاء ~~يقولون إنه تعالى لايقبل ذلك بوجه ولا تمكنه الحركة والحركة والفعل صفة ~~كمال كالعلم والقدرة والإرادة فالذين ينفون تلك الصفات سلبوه صفات الكمال ~~فكذلك هؤلاء الكلابية # وأولئك ( نفاة الصفات ( إذا قيل لهم لو لم يكن حيا عليما سميعا بصيرا ~~متكلما للزم أن يكون ميتا جاهلا أصم أعمى أخرس وهذه نقائص يجب تنزيهه عنها ~~فإنه سبحانه قد خلق من هو حى سميع بصير متكلم عالم قادر متحرك فهو أولى بأن ~~يكون كذلك فإن كل كمال في المخلوق المعلول فهو من كمال الخالق الذى يسمونه ~~علة فاعلية PageV08P021 # و ( أيضا ) فالقديم الواجب بنفسه أكمل من المحدث فيمتنع أن يختص الناقص ~~بالكمال قالوا وأما الجماد فلا يسمى حيا ولا ميتا وقد ذكرنا في غير موضع ~~الجواب عن هذه بأجوبة # ( أحدها ) أن قولهم إن الجماد لايسمى حيا وإنما يسمى ميتا ما كان قابلا ~~للحياة هو إصطلاح وإلا فالقرآن قد سمى الجماد ميتا في غير موضع كقوله تعالى ~~( والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما ~~يشعرون ) الآية فسمى الأصنام أمواتا وهي حجارة وقال ( وآية لهم الأرض ~~الميتة أحييناها ) # ( الوجه الثانى ) لانسلم إمتناع قبول هذه الحياة بل الرب تعالى قد جعل ~~الجمادات قابلة للحياة ولا يمتنع قبولها لها فإن الله تعالى قد جعل عصى ~~موسى حية تسعى فدل على أن الخشب يمكن أن يكون حيوانا وموسى لما إغتسل جعل ~~ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه وقد أحيا الله الحوت المشوي الذى كان معه ومع ~~فتاه وقد سبح الحصا والطعام سبح وهو يؤكل وكان حجر يسلم على النبى صلى الله ~~عليه وسلم وحن الجذع والجبال سبحت مع داود ونظائر هذا كثيرة وقد قال تعالى ~~( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) # ( الوجه الثالث ) أن يقال هب ms2343 أنه لا يوصف بالموت إلا ماقبل الحياة فمعلوم ~~أن ماقبل الحياة أكمل ممن لا يقبلها فالجنين في بطن أمه قبل أن ينفخ ~~PageV08P022 فيه الروح أكمل من الحجر وقد قال تعالى ( وكنتم أمواتا فأحياكم ~~) فالجنين يمكن أن يصير حيا في العادة ناطقا نطقا يسمعه الإنسان السماع ~~المعتاد فهو أكمل من الحجر والتراب # و ( أيضا ) فيقال لهم رب العالمين إما أن يقبل الإتصاف بالحياة والعلم ~~ونحو ذلك وإما أن لا يقبل فإن لم يقبل ذلك ولم يتصف به كان دون الأعمى ~~الأصم الأبكم وإن قبلها ولم يتصف بها كان ما يتصف بها أكمل منه فجعلوه دون ~~الإنسان والبهائم وهكذا يقال لهم في أنواع الفعل القائم به كالإتيان ~~والمجيء والنزول وجنس الحركة إما أن يقبل ذلك وإما أن لايقبله فإن لم يقبله ~~كانت الأجسام التى تقبل الحركة ولم تتحرك أكمل منه وأن قبل ذلك ولم يفعله ~~كان ما يتحرك أكمل منه فإن الحركة كمال للمتحرك ومعلوم أن من يمكنه أن ~~يتحرك بنفسه أكمل ممن لا يمكنه التحرك وما يقبل الحركة أكمل ممن لايقبلها # والنفاة عمدتهم أنه لو قبل الحركة لم يخل منها ويلزم وجود حوادث لا ~~تتناهى ثم إدعوا نفى ذلك وفى نفيه نقائص لا تتناهى والمثبتون لذلك يقولون ~~هذا هو الكمال كما قال السلف لم يزل الله متكلما إذا شاء كما قال ذلك إبن ~~المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما وذكر البخارى عن نعيم بن حماد أنه قال الحى ~~هو الفعال وما ليس بفعال فليس بحي وقد عرف PageV08P023 بطلان قول الجهمية ~~وغيرهم بإمتناع دوام الفعل والحوادث كما قد بسط في غير هذا الموضع # والمقصود ها هنا أن هؤلاء لا يجعلونه قادرا على هذه الأفعال وهي أصل ~~الفعل فلا يكون على شيء قدير على قولهم بل ولا على شيء وقد قال ( وما قدروا ~~الله حق قدره ) قال إبن عباس في رواية الوالبي عنه هذه في الكفار فأما من ~~آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره # وذكروا في قوله ( ما ms2344 قدروا الله حق قدره ) ما عرفوه حق معرفته وما عظموه ~~حق عظمته وما وصفوه حق صفته وهذه الكلمة ذكرها الله في ثلاثة مواضع في الرد ~~على المعطلة وعلى المشركين وعلى من أنكر إنزال شيء على البشر فقال في ~~الأنعام ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشرمن شيء ) ~~وقال في الحج ( إن الذين تدعون من دون الله إلى قوله تعالى وما قدروا الله ~~حق قدره إن الله لقوي عزيز ) وقال في الزمر ( ما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ~~) # وقد ثبت في الصحيحين من حديث إبن مسعود ( أن حبرا من اليهود قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم يامحمد إن الله يوم القيامة يجعل السماوات على ~~PageV08P024 أصبع والأرض على أصبع والجبال والشجر على أصبع والماء والثرى ~~وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن ويقول أنا الملك قال فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تصديقا لقول الحبر ثم قرأ ( وما قدروا الله حق قدره ) الآية ~~وفى الصحيحين أيضا عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ~~يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ~~ملوك الأرض ثم يقول إين الجبارون إين المتكبرون ( وكذلك في الصحيحين من ~~حديث إبن عمر ( يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيدة اليمنى ثم ~~يقول أنا الملك إين الجبارون إين المتكبرون ( وفي لفظ لمسلم قال يأخذ ~~الجبار تبارك وتعالى سمواته وأرضه بيديه جميعا فجعل يقبضهما ويبسطهما ثم ~~يقول أنا الملك أنا الجبار وأنا الملك أين الجبارون وأين المتكبرون ويميل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله حتى نظرت إلى المنبر ~~يتحرك من أسفل شيء منه حتى أنى لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( # وفى السنن عن عوف بن مالك الأشجعى قال ( قمت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لايمر بآية رحمة إلا وقف ms2345 فسأل ولا يمر ~~بآية عذاب إلا وقف وتعوذ قال ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه سبحان ذي ~~الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ثم يسجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده ~~مثل ذلك ثم قام فقرأ بآل عمران ثم قرأ سورة ( رواه أبو داود والنسائى ~~والترمذي في الشمائل فقال في هذا الحديث ( سبحان PageV08P025 ذي الجبروت ~~والملكوت والكبرياء والعظمة ( وهذه الأربعة نوزع الرب فيها كما قال ( أين ~~الملوك أين الجبارون أين المتكبرون ( وقال عز وجل ( العظمة إزاري والكبرياء ~~ردائى فمن نازعني واحدا منهما عذبته ( # ونفاة الصفات ما قدروا الله حق قدره فإنه عندهم لا يمسك شيئا ولا يقبضه ~~ولايطويه بل كل ذلك ممتنع عليه ولايقدر على شيء من ذلك وهم أيضا في الحقيقة ~~يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء لوجهين # ( أحدهما ) أن الإنزال إنما يكون من علو والله تعالى عندهم ليس في العلو ~~فلم ينزل منه شيء وقد قال تعالى ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق ) ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) إلى غير ذلك وقولهم ~~أنه خلقه في مخلوق ونزل منه باطل لأنه قال ( منزل من ربك ) ولم يجيء هذا في ~~غير القرآن والحديد ذكر أنه أنزله مطلقا ولم يقل منه وهو منزل من الجبال ~~والمطر أنزل من السماء والمراد أنه أنزله من السحاب وهو المزن كما ذكر ذلك ~~في قوله ( أأنتم أنزلتموه من المزن ( # و ( الثانى ) أنه لو كان من مخلوق لكان صفة له وكلاما له فإن الصفة إذا ~~قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل ولأن الله لا يتصف بالمخلوقات ولو إتصف ~~بذلك لاتصف بأنه مصوت إذا خلق الأصوات ومتحرك إذا خلق الحر كات في غيره إلى ~~غير ذلك إلى أن قال فقد تبين أن الجهمية ما قدروا PageV08P026 الله حق قدره ~~وأنهم داخلون في هذه الآية وأنهم لم يثبتوا قدرته لا على فعل ولا على ~~الكلام بمشيئته ولا على نزوله وعلى إنزاله منه شيئا فهم من أبعد الناس عن ~~التصديق بقدرة الله وأنه على ms2346 كل شيء قدير وإذا لم يكن قديرا لم يكن قويا ~~ويلزمهم أنه لم يخلق شيئا فيلزمهم الدخول في قوله ( ضعف الطالب والمطلوب ~~ماقدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ) # فهم ينفون حقيقة قدرته في الأزل وحقيقة قولهم أنه صار قادرا بعد أن لم ~~يكن والقدرة التى يثبتونها لاحقيقة لها # وهذا أصل مهم من تصوره عرف حقيقه الأقوال الباطلة وما يلزمها من اللوازم ~~وعرف الحق الذى دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول لاسيما في هذه الأصول ~~التى هي أصول كل الأصول والضالون فيها لما ضيعوا الأصول حرموا الوصول وقد ~~تبين أنه كلما تحققت الحقائق وأعطى النظر والإستدلال حقه من التمام كان ~~مادل عليه القرآن هو الحق وهو الموافق للمعقول الصريح الذي لم يشتبه بغيره ~~مما يسمى معقولا وهو مشتبه مختلط كما قال مجاهد في قوله تعالى ( إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) قال هم أهل البدع والشبهات فهم في أمور مبتدعة ~~في الشرع مشتبهة في العقل ( # والصواب هو ما كان موافقا للشرع مبينا في العقل فإن الله سبحانه أخبر أن ~~القرآن منزل منه وأنه تنزيل منه وأنه كلامه وأنه قوله وأنه كفرمن قال أنه ~~قول البشر وأخبر أنه قول رسول كريم من الملائكة ورسول كريم PageV08P027 من ~~البشر والرسول يتضمن المرسل فبين أن كلا من الرسولين بلغه لم يحدث هو منه ~~شيئا وأخبر أنه جعله قرآنا عربيا وقال عما ينزل منه جديدا بعد نزول غيره ~~قديما ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) وأخبر أن للكلام المعين وقتا ~~معينا كما قال تعالى ( فلما أتاها نودي ياموسى ) وقال ( ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم ثم قلنا للملائكة أسجدوا لآدم ) # والذين قالوا أنه ( مخلوق ( ليس معهم حجة إلا ما يدل على أنه تكلم ~~بمشيئته وقدرته وهذا حق لكن ضموا إلى ذلك أن ما كان بمشيئته لا يقوم بذاته ~~فغلطوا ولبسوا الحق بالباطل فضموا ما نطق به القرآن الموافق للشرع والعقل ~~إلى ما أحدثوه من البدع والشبهات وكذلك الذين قالوا أنه ( قديم ( ليس معهم ~~إلا ما ms2347 يدل على أنه قائم بذاته لكن ضموا إلى ذلك أن ما يقوم بذاته لايكون ~~بمشيئته وقدرته فأخطئوا في ذلك ولبسوا الحق بالباطل وأولئك فسروا قوله ( ~~جعلناه قرآنا عربيا ) بأنه جعله بائنا عنه مخلوقا وقالوا جعل بمعنى خلق ~~وهؤلاء قالوا جعلناه سميناه كما في قوله ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا ) وهذا إنما يقال فيمن إعتقد في الشيء صفة حقا أو باطلا إذا ~~كانت الصفة خفية فيقال أخبر عنه بكذا وكون القرآن عربيا أمر ظاهر لا يحتاج ~~إلى الإخبار ثم كل من أخبر بأنه عربي فقد جعله عربيا بهذا الإعتبار والرب ~~تعالى إختص بجعله عربيا فإنه PageV08P028 هو الذى تكلم به وأنزله فجعله ~~قرآنا عربيا بفعل قام بنفسه وهو تكلم به وإختاره لأن يتكلم به عربيا عن غير ~~ذلك من الألسنة باللسان العربى وأنزله به # ولهذا قال أحمد الجعل من الله قد يكون خلقا وقد يكون غير خلق فالجعل فعل ~~والفعل قد يكون متعديا إلى مفعول مباين له كالخلق وقد يكون الفعل لازما وإن ~~كان له مفعول في اللغة كان مفعوله قائما بالفعل مثل التكلم فإن التكلم فعل ~~يقوم بالمتكلم والكلام نفسه قائم بالمتكلم فهو سبحانه جعله قرآنا عربيا ~~فالجعل قائم به والقرآن العربى قائم به فإن ( الكلام ( يتضمن شيئين # يتضمن فعلا هو التكلم والحروف المنظومة والأصوات الحاصلة بذلك الفعل ~~ولهذا يجعل القول تارة نوعا من الفعل وتارة قسيما للفعل كما قد بسطت هذه ~~الأمور في غير هذا الموضع والله أعلم # وقد ذكرت في غير هذا الموضع أنه ماإحتج أحد بدليل سمعي أو عقلي على باطل ~~إلا وذلك الدليل إذا أعطى حقه وميز ما يدل عليه مما لا يدل تبين أنه يدل ~~على فساد قول المبطل المحتج به وأنه دليل لأهل الحق وأن الأدلة الصحيحة لا ~~يكون مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا والله أعلم ( # ( المسألة السادسة ) دوام كونه قادرا في الأزل والأبد فإنه قادر ولا ~~PageV08P029 يزال قادرا على مايشاؤه بمشيئته فلم يزل متكلما إذا شاء وكيف ms2348 ~~شاء وهذا قول السلف والأئمة كإبن المبارك وأحمد # إلى أن قال وفى صحيح البخاري تعليقا عن سعيد بن جبير أن رجلا سأل إبن ~~عباس عن قوله ( وكان الله غفورا رحيما ) ( وكان الله عزيزا حكيما ) ( وكان ~~الله سميعا بصيرا ) فكأنه كان فمضى فقال إبن عباس قوله ( وكان الله ) ( ~~وكان الله ) فإنه يجل نفسه عن ذلك وسمى نفسه بذلك لم يجله أحد غيره وكان أي ~~لم يزل كذلك رواه عبد بن حميد في تفسيره مسندا موصولا ورواه إبن المنذر ~~أيضا في تفسيره وهذا لفظ رواية عبد # والمقصود هنا التنبيه على تنازع الناس في ( مسألة القدرة ( وفى الحقيقة ~~أنه من لم يقل بقول السلف فإنه لا يثبت لله قدرة ولا يثبته قادرا فالجهمية ~~ومن إتبعهم والمعتزلة والقدرية المجبرة والنافية حقيقة قولهم أنه ليس قادرا ~~وليس له الملك فإن الملك إما أن يكون هو القدرة أو المقدور أو كلاهما وعلى ~~كل تقديرفلابد من القدرة فمن لم يثبت له القدرة حقيقة لم يثبت له ملكا كما ~~لايثبتون له حمدا # إلى أن قال و ( أيضا ) فالقديم الأزلي القيوم الصمد الواجب الوجود بنفسه ~~الغني عن كل ماسواه وكل ماسواه فقير إليه أحق بالكمال من الممكن المحدث ~~المفتقر فيمتنع أن يكون هذا قادرا على الكلام والفعل والقيوم PageV08P030 ~~الصمد ليس قادرا على الفعل والكلام إلى أن قال # والمقصود هنا أنه سبحانه عدل لا يظلم وعدله إحسان إلى خلقه فكلما خلقه ~~فهو إحسان إلى عباده ولهذا كان مستحقا للحمد على كل حال ولهذا ذكر في سورة ~~النجم أنواعا من مقدوراته ثم قال ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) فدل على أن هذه ~~الأنعم مثل إهلاك الأمم المكذبة للرسل فإن في ذلك من الدلالة على قدرته ~~وحكمته ونعمته على المؤمنين ونصره للرسل وتحقيق ما جاؤا به وأن السعادة في ~~متابعتهم والشقاوة في مخالفتهم ما هو من أعظم النعم # وكذلك ماذكره في سورة الرحمن وكل مخلوق هو من آلائه من وجوه منها أنه ~~يستدل به عليه وعلى توحيده وقدرته وغير ذلك وأنه يحصل به ms2349 الإيمان والعلم ~~وذكر الرب وهذه النعمة أفضل ما أنعم الله به على عباده في الدينا وكل مخلوق ~~يعين عليها ويدل عليها هذا مع مافى المخلوقات من المنافع لعباده ~~غيرالإستدلال بها فإنه سبحانه يقول فبأى آلاء ربكما تكذبان ) لما يذكر ما ~~يذكره من الآية وقال ( فبأي آلا ربك تتمارى ) والآلاء هي النعم والنعم كلها ~~من آياته الدالة على نفسه المقدسة ووحدانيته ونعوته ومعاني أسمائه فهي آلاء ~~آيات وكل ما كان من آلائه فهو من آياته وهذا ظاهر وكذلك كل ما كان من آياته ~~فهو من آلائه فإنه يتضمن التعريف والهداية والدلالة على الرب تعالى وقدرته ~~وحكمته ورحمته ودينه والهدى أفضل النعم PageV08P031 # و ( أيضا ) ففيها نعم ومنافع لعباده غير الإستدلال كما في خلق الشمس ~~والقمر والسحاب والمطر والحيوان والنبات فإن هذه كلها من آياته وفيها نعم ~~عظيمة على عباده غير الإستدلال فهي توجب الشكر لما فيها من النعم وتوجب ~~التذكر لما فيها من الدلالة قال تعالى ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ~~لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) وقال ( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) فإن ~~العبد يدعوه إلى عبادة الله داعي الشكر وداعي العلم فإنه يشهد نعم الله ~~عليه وذاك داع إلى شكرها وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها والله تعالى ~~هو المنعم المحسن الذي ما بالعباد من نعمة فمنه وحده كما في الحديث ( من ~~قال إذا أصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لاشريك ~~لك فقد أدى شكر ذلك اليوم ومن قال ذلك إذا أمسى فقد أدى شكر تلك الليلة ( ~~رواه أبو حاتم وإبن حبان في صحيحه من حديث إبن عباس وفي حديث آخر ( من قال ~~الحمد لله ربي لاأشرك به شيئا أشهد أن لا إله إلا الله ( # وقد ذم سبحانه من كفر بعد إيمانه كما قال ( قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر ) الآية فهذا في كشف الضر وفي النعم قال ( وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون ) أى شكرتم وشكر مارزقكم الله ونصيبكم ms2350 تجعلونه تكذيبا وهو الأستسقاء ~~بالأنواء كما ثبت في حديث إبن عباس الصحيح قال مطر PageV08P032 الناس على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم ( أصبح من الناس ~~شاكر ومنهم كافر قالوا هذه رحمة الله وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا قال ~~فنزلت هذه الآية ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) حتى بلغ ( وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون ) رواه مسلم # وفي صحيح مسلم أيضا عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما ~~أنزل من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الله الغيث ~~فيقول الكوكب كذا وكذا وفى لفظ له ( بكوكب كذا وكذا ( وفى الصحيحين عن زيد ~~بن خالد الجهني قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح على ~~أثر سماء كانت من الليل قال ( أتدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم ~~قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فمن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك ~~مؤمن بي كافر بالكوكب ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن ~~بالكوكب ) وهذا كثير جدا في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى ~~غيره ويشركه به قال بعض السلف هو كقوله كانت الريح طيبة والملاح حاذقا # ولهذا قرن الشكر بالتوحيد في الفاتحة وغيرها أولها شكر وأوسطها توحيد وفى ~~الخطب المشوعة لابد فيها من تحميد وتوحيد وهذان هما ركن في كل خطاب ثم بعد ~~ذلك يذكر المتكلم من مقصوده ما يناسب من الأمر والنهيى والترغيب والترهيب ~~وغير ذلك ( # PageV08P033 # وقوله ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ( يتضمن ~~التوحيد والتحميد وكذلك كان يقول عقب الصلاة ( لا إلله إلا لله ولا نعبد ~~إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ( وهو سبحانه يفتتح خطابه ~~بالحمد ويختم الأمور بالحمد وأول ما خلق آدم كان أول شيء أنطقه به الحمد ~~فإنه عطس فأنطقه بقوله الحمد لله فقال له يرحمك ربك يا آدم وكان أول ما ~~تكلم به ms2351 الحمد وأول ماسمعه الرحمة # وهو يختم الأمور بالحمد كقوله ( وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين ) ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) ( وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) وهو سبحانه ( له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ( # والتوحيد أول الدين وآخره فأول مادعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~شهادة أن لا إله إلا الله وقال ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدون أن لا إله ~~إلا الله ( وقال لمعاذ ( إنك تأتى قوما أهل الكتاب فليكن أول ماتدعوهم إليه ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ( وختم الأمر بالتوحيد فقال ~~في الصحيح من رواية مسلم عن عثمان ( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله ~~دخل الجنة ( وفى الحديث الصحيح من رواية مسلم عن أبى هريرة ( لقنوا موتاكم ~~لا إله إلا الله ( وفى السنن من حديث معاذ ( من كان آخر كلامه لا إله إلا ~~الله دخل الجنة ( وفى المسند ( إني لاعلم كلمة لايقولها عبد PageV08P034 ~~حين الموت إلا وجد روحه لها روحا ( وهي الكلمة التى عرضها على عمه عند ~~الموت # فهو سبحانه جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد مشكور ~~فيتذكر الآيات المثبتة للعلم والإيمان فإذا عرف آلاء الله شكره على آلائه ~~وكلاهما متلازمان فالآيات والآلاء متلازمان ما كان من الآلاء فهو من الآيات ~~وما كان من الآيات فهو من الآلاء وكذلك الشكر والتذكر متلازمان فإن الشاكر ~~إنما يشكر بحمده وطاعته وفعل ما أمر به وذلك إنما يكون بتذكر ما تدل عليه ~~آيانه من أسمائه وممادحه ومن أمره ونهيه فيثنى عليه بالخير ويطاع في الأمر ~~هذا هو الشكر ولابد فيهما من التذكر والتذكر إذا تذكر آياته عرف مافيها من ~~النعمة والإحسان فآياته تعم المخلوقات كلها وهي خير ونعم وإحسان # فكل ماخلقه سبحانه فهو نعمة على عباده وهو خير وهو سبحانه بيده الخير ~~والخير بيديه وفى دعاء القنوت ( ونثني عليك الخير كله ( وفى دعاء الإستفتاح ~~( والخير بيديك والشر ليس ms2352 إليك ( # وكل ماخلقه الله فله فيه حكمة كما قال ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) ~~وقال ( الذى أحسن كل شيء خلقه ) وهو سبحانه غنى عن العالمين ( فالحكمة ( ~~تتضمن شيئين # ( أحدهما ) حكمة تعود إليه يحبها ويرضاها PageV08P035 # و ( الثانى ) إلى عباده هي نعمة عليهم يفرحون بها ويلتذون بها وهذا في ~~المأمورات وفى المخلوقات # أما في ( المأمورات ( فإن الطاعة هو يحبها ويرضاها ويفرح بتوبة التائب ~~أعظم فرح يعرفه الناس فهو يفرح أعظم مما يفرح الفاقد لزاده وراحلته في ~~الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس كما أنه يغار أعظم من غيرة العباد ~~وغيرته أن يأتى العبد ما حرم عليه فهو يغار إذا فعل العبد ما نهاه ويفرح ~~إذا تاب ورجع إلى ما أمره به والطاعة عاقبتها سعادة الدنيا والآخرة وذلك ~~مما يفرح به العبد المطيع فكان فيما أمر به من الطاعات عاقبته حميدة تعود ~~إليه وإلى عباده ففيها حكمة له ورحمة لعباده قال تعالى ( ياأيها الذين ~~آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تومنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر ~~لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ~~ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) # ففى الجهاد عاقبة محمودة للناس في الدنيا يحبونها وهي النصر والفتح وفى ~~الآخرة الجنة وفيه النجاة من النار وقد قال في أول السورة ( إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) فهو يحب ذلك ففيه حكمة ~~عائدة إلى الله تعالى وفيه رحمة للعباد وهي ما يصل إليهم من النعمة في ~~الدنيا PageV08P036 و الآخرة هكذا سائر ما أمر به وكذلك ما خلقه خلقه لحكمة ~~تعود إليه يحبها وخلقه لرحمة بالعباد ينتفعون بها # والناس لما تكلموا في ( علة الخلق وحكمته ( تكلم كل قوم بحسب علمهم ~~فأصابوا وجها من الحق وخفي عليهم وجوه أخرى # وهكذا عامة ما تنازع فيه الناس يكون مع هؤلاء بعض الحق وقد تركوا بعضه ms2353 ~~وكذلك مع الآخرين ولا يشتبه على الناس الباطل المحض بل لا بد أن يشاب بشيء ~~من الحق فلهذا لا يزالوا مختلفين إلا من رحم ربك فإنهم هم الذين آمنوا ~~بالحق كله وصدقوا كل طائفة فيما قالوه من الحق فهم جاؤوا بالصدق وصدقوا به ~~فلا يختلفون # ولأهل الكلام هنا ( ثلاثة أقوال ( لثلاث طوائف مشهورة وقد وافق كل طائفة ~~ناس من أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد # ( القول الأول ) ( قول من نفى الحكمة ( وقالوا هذا يفضى إلى الحاجة ~~فقالوا يفعل ما يشاء لا لحكمة فأثبتوا له القدرة والمشيئة وأنه يفعل ما ~~يشاء وهذا تعظيم ونفوا الحكمة لظنهم أنها تستلزم الحاجة وهذا قول الأشعرى ~~وأصحابه ومن وافقهم كالقاضي أبى يعلى وإبن الزاغوني والجوينى PageV08P037 و ~~الباجي ونحوهم وهذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان ومن إتبعه من المجبرة # والفلاسفة لهم قول أبعد من هذا وهو أن مايقع من عذاب النفوس وغير ذلك من ~~الضرر لايمكن دفعه فإنهم يقولون أنه موجب بذاته وكل ما يقع هو من لوازم ~~ذاته و ( لو ) قالوا أنه موجب بمشيئته وقدرته لما يفعله لكانوا قد أصابوا ~~وقد قالوا أيضا الشر يقع في العالم مغلوبا مع الخير في الوجود وهذا صحيح ~~لكن هذا يستلزم أن يكون الخالق قد خلق لحكمة معلومة تسلم ولا تعد وإلا فمع ~~إنتفاء هذين يبقى الكلام ضائعا ففي قول كل طائفة نوع من الحق ونوع من ~~الباطل فهذه ( أربعة أقوال ( # ( والقول الأول ) قول الأئمة وهو أن له حكمة في كل ما خلق بل له في ذلك ~~حكمة ورحمة # ( والقول الثانى ) أى من ( الثلاثة ) التى لأهل الكلام أنه يخلق ويأمر ~~لحكمة تعود إلى العباد وهو نفعهم والإحسان إليهم فلم يخلق ولم يأمر إلا ~~لذلك وهذا قول المعتزلة وغيرهم ثم من هؤلاء من تكلم في تفصيل الحكمة فأنكر ~~القدر ووضع لربه شرعا بالتعديل والتجويز وهذا قول ( القدرية ) ومنهم من أقر ~~بالقدر وقال لله حكمة خفيت علينا وهذا قول إبن عقيل PageV08P038 و غيره من ~~المثبتين للقدر ms2354 فهم يوافقون المعتزلة على إثبات حكمة ترجع إلى المخلوق لكن ~~يقرون مع ذلك بالقدر # ( والقول الثالث ) قول من أثبت حكمة تعود إلى الرب لكن بحسب علمه فقالوا ~~خلقهم ليعبدوه ويحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه وهم من خلقه لذلك وهم من وجد ~~منه ذلك فهو مخلوق لذلك وهم المؤمنون ومن لم يوجد منه ذلك فليس مخلوقا له ~~قالوا وهذه حكمة مقصودة وهي واقعة بخلاف الحكمة التى أثبتتها المعتزلة ~~فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع العباد ثم قالوا خلق من علم أنه لا ينتفع بالخلق ~~بل يتضرر به فتناقضوا ونحن أثبتنا حكمة علم أنها تقع فوقعت وهي معرفة عباده ~~المؤمنين به وحمدهم له وثناؤهم عليه وتمجيدهم له وهذا واقع من المؤمنين # قالوا وقد يخلق من يتضرر بالخلق لنفع الآخرين وفعل الشر القليل لأجل ~~الخير الكثير حكمة كإنزال المطر لنفع العباد وإن تضمن ضررا لبعض الناس ~~قالوا وفى خلق الكفار وتعذيبهم إعتبار للمؤمنين وجهاد ومصالح وهذا القول ~~إختيار القاضي أبى حازم بن القاضي أبى يعلى ذكره في كتابه ( أصول الدين ) ~~الذى صنفه على كتاب محمد بن الهيصم الكرامي # قالوا وقوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) هو مخصوص بمن ~~وقعت منه العبادة وهذا قول طائفة من السلف والخلف قالوا والمراد ~~PageV08P039 بذلك من وجدت منه العبادة فهو مخلوق لها ومن لم توجد منه فليس ~~مخلوقا لها وعن سعيد بن المسيب قال ما خلقت من يعبدنى إلا ليعبدنى وكذلك ~~قال الضحاك والفراء وإبن قتيبة وهذا قول خاص بأهل طاعته قال الضحاك هي ~~للمؤمنين وهذا قول الكرامية كما ذكره محمد بن الهيصم قال ويدل على قوله قبل ~~ذلك ( فتول عنهم ) ثم قال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) أى هؤلاء ~~المومنين الذين تنفعهم الذكرى # قالوا وهي غاية مقصودة واقعة فإن العبادة وقعت من المؤمنين وهذا القول ~~إختيار أبى بكر بن الطيب والقاضي أبى يعلى وغيرهما ممن يقول أنه لا يفعل ~~لعلة قالوا واللفظ للقاضى أبى يعلى هذا بمعنى الخصوص لا العموم لأن البله ~~والأطفال والمجانين لا يدخلون ms2355 تحت الخطاب وإن كانوا من الإنس وكذلك الكفار ~~يخرجون من هذا بدليل قوله ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) الآية ~~فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة # قلت قول هؤلاء الكرامية ومن وافقهم وإن كان أرجح من قول الجهمية ~~والمعتزلة فيما أثبتوه من حكمة الله وقولهم في تفسير الآية وإن وافقوا فيه ~~بعض السلف فهو قول ضعيف مخالف لقول الجمهور ولما تدل عليه الآية فإن قصد ~~العموم ظاهر في الآية وبين بيانا لا يحتمل النقيض إذ لو كان المراد ~~المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة فإن الجميع قد فعلوا ما خلقوا ~~له PageV08P040 و لم يذكر الإنس والجن عموما ولم تذكر الملائكة مع أن ~~الطاعة والعبادة وقعت من الملائكة دون كثير من الإنس # والجن و ( أيضا ) فإن سياق الآية يقتضى أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد ~~الله منهم لأن الله خلقه لشيء فلم يفعل ما خلق له ولهذا عقبها بقوله ( ما ~~أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) فإثبات العبادة ونفى هذا يبين أنه ~~خلقهم للعبادة ولم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم ~~بالرزق والإطعام ولهذا قال بعد ذلك ( فإن للذين ظلموا ذنوبا ) أى نصيبا ( ~~مثل ذنوب أصحابهم ) أى المتقدمين من الكفار أى نصيبا من العذاب وهذا وعيد ~~لمن لم يعبده من الإنس والجن فذكر هذا الوعيد عقيب هذه الآية من أولها إلى ~~آخرها يتضمن وعيد من لم يعبده # وذكر عقابه لهم في الدنيا والآخرة فقال تعالى في أولها ( والذاريات ذروا ~~إلى قوله إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع ) ثم ذكر قوله ( إنكم لفى قول ~~مختلف يؤفك عنه من أفك ) ثم ذكر وعيد الآخرة بقوله ( قتل الخراصون الذين هم ~~في غمرة ساهون يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون ) ثم ذكر ~~وعده للمؤمنين فقال ( إن المتقين في جنات وعيون إلى قوله وفى الأرض آيات ~~للموقنين وفى السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما ~~إنكم تنطقون ) ثم ms2356 ذكر قصص من آمن فنفعه إيمانه ومن كفر فعذبه بكفره فذكر ~~قصة إبراهيم ولوط وقومه وعذابهم ثم PageV08P041 قال ( وتركنا فيها آية ~~للذين يخافون العذاب الأليم وفى موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين ) ~~أى في قصة موسى أية أيضا هذا قول الأ كثرين ومنهم من لم يذكر غيره كأبى ~~الفرج وقيل هو عطف على قوله ( وفى الأرض آيات للموقنين وفى موسى ) وهو ضعيف ~~لأن قصة فرعون وعاد هي من جنس قوم لوط فيها ذكر الأنبياء ومن إتبعهم ومن ~~خالفهم يدل بها على إثبات النبوة وعاقبة المطيعين والعصاة # وأما قوله ( في الأرض ) ( وفى أنفسكم ) فتلك آيات على الصانع جل جلاله ~~وقد تقدمت ولانه لا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمثل هذا الكلام الكثير ~~مع أن قبله لا يصلح العطف عليه وهو قوله ( وتركنا فيها آية للذين يخافون ~~العذاب الأليم ) ثم قال ( وفى عاد ) ( وفى ثمود ) ثم ذكر أنه بنى السماء ~~بأيد وفرش الأرض وخلق من كل شيء زوجين لعلكم تذكرون فلما بين الآيات الدالة ~~على ما يجب من الإيمان وعبادته أمر بذلك فقال ( ففروا إلى الله إنى لكم منه ~~نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ) الآية ثم بين أن هؤلاء المكذبين ~~من جنس من قبلهم ليتأسى الرسول والمؤمنون ويصبروا على ما ينالهم من أذى ~~الكفار فقال ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~اتواصوا به بل هم قوم طاغون ) فهذا كله يتضمن أمر الإنس والجن بعبادته ~~وطاعته وطاعة رسله وإستحقاق من يفعل العقوبة في الدنيا والآخرة فإذا قال ~~بعد ذلك ( وما خلقت PageV08P042 الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من ~~رزق وما أريد أن يطعمون ) كان هذا مناسبا لما تقدم مؤتلفا معه أى ~~هؤلاءالذين أمرتهم إنما خلقتهم لعبادتى ما أريد منهم غير ذلك لا رزقا ولا ~~طعاما # فإذا قيل لم يرد بذلك إلا المؤمنين كان هذا مناقضا لما تقدم يعنى في ~~السورة وصار هذا كالعذر لمن لا يعبده ممن ذمه الله ووبخه وغايته ms2357 يقو ل أنت ~~لم تخلقني لعبادتك وطاعتك ولو خلقتني لها لكنت عابدا وإنما خلقت هؤلاء فقط ~~لعبادتك وأنا خلقتني لأكفر بك وأشرك بك وأكذب رسلك وأعبد الشيطان وأطيعه ~~وقد فعلت ما خلقتني له كما فعل أو لئك المؤمنو ن ما خلقتهم له فلا ذنب لي ~~ولا أستحق العقوبة فهذا وأمثاله مما يلزم أصحاب هذا القول وكلام الله منزه ~~عن هذا وهم إنما قالوا هذا لأن الله تعالى فعال لما يريد قالوا فلو كان ~~أراد منهم أن يطيعوه لجعلهم مطيعين كما جعل المؤمنين # والقدرية يقولون لم يرد من هؤلاء ولا هؤلاء إلا الطاعة لكن هو لم يجعل ~~لاهؤلاء ولاهؤلاء مطيعين بل الإرادة بمعنى الأمر يأمر بها الطائفتين فهؤلاء ~~عبدوه بأن أحدثوا إرادتهم وطاعتهم وهؤلاءعصوه بأن أحدثوا إرادتهم ومعصيتهم # وأولئك علموا فساد قول القدرية من جهة أن الله خالق كل شي وربه ومليكه ~~وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلا يكون في ملكه إلا ما شاءه ولايكون في ~~ملكه شيء إلا بقدرته وخلقه ومشيئته كما دل على ذلك السمع PageV08P043 و ~~العقل وهذا الصحابة قاطبة وأئمة المسلمين وجمهورهم وهو مذهب أهل السنة ~~فلأجل هذا عدل أولئك في تفسير الآية إلى الخصوص فإنهم لم يمكنهم الجمع بين ~~الإيمان بالقدر وبين أن يكون خلقهم لعبادته فلم تقع منهم العبادة له وقالوا ~~من ذرأه لجهنم لم يخلقه لعبادته فمن قال خلق الخلق ليعبده المؤمنون منهم ~~سلك هذا المسلك # وأما ( نفاة الحكمة ) كالأشعرى وأتباعه كالقاضي أبى بكر وأبى يعلى وغيرهم ~~فهؤلاء أصلهم أن الله لا يخلق شيئا لشيءفلم يخلق أحدا لا لعبادة ولا لغيرها ~~وعندهم ليس في القرآن لام كي لكن قد يقولون في القرآن لام العاقبة كقوله ( ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) وكذلك يقولون في قوله ( ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس ) يعنون كان عاقبة هؤلاء جهنم وعاقبة ~~المؤمنين العبادة من غير أن يكون الخالق قصد أن يخلقهم لا لهذا ولا لهذا ~~ولكن أراد خلق ما خلقه لا لشيء آخر فهذا ms2358 قولهم وهو ضعيف لوجوه # ( أحدها ) أن لام العاقبة التى لم يقصد فيها الفعل لأجل العاقبة إنما ~~تكون من جاهل أو عاجز فالجاهل كقوله ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدو ~~وحزنا ) لم يعلم فرعون بهذه العاقبة والعاجز كقولهم لدوا للموت وابنوا ~~للخراب فإنهم يعلمون هذه العاقبة لكنهم عاجزون عن دفعها والله تعالى عليم ~~قدير فلا يقال أن فعله كفعل الجاهل العاجز PageV08P044 # ( الثانى ) أن الله أراد هذه الغاية بالإتفاق فالعبادة التى خلق الخلق ~~لأجلها هي مرادة له بالإتفاق وهم يسلمون أن الله أرادها وحيث تكون اللام ~~للعاقبة لايكون الفاعل أراد العاقبة وهؤلاء يقولون خلقهم وأراد أفعالهم ~~وأراد عقابهم عليها فكلما وقع فهو مراد له ولكنه عندهم لا يفعل مرادا لمراد ~~أصلا لأن الفعل للعلة يستلزم الحاجة وهذا ضعيف بين الضعف وأهل الخصوص قالوا ~~مثل هذا الجواب # وطائفة أخرى قالوا هي على العموم لكن المراد بالعبادة تعبيده لهم وقهره ~~لهم ونفوذ قدرته ومشيئته فيهم وأنه أصارهم إلى ما خلقهم له من السعادة ~~والشقاوة هذا جواب زيد بن أسلم وطائفة وهذا القول الثاني في نفسير الآية # وروى إبن أبى حاتم عن إبن جريج عن زيد بن أسلم في قوله ( وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون ) قال جبلهم على الشقاوة والسعادة وقال وهب بن منبه ~~جبلهم على الطاعة وجبلهم على المعصية وهذا يشبه قول من قال في تفسير قول ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة ) أى على ما كتب له ~~من سعادة وشقاوة كما قال ذلك طائفة منهم إبن المبارك وأحمد بن حنبل في إحدى ~~الروايتين عنه وقد قيل لمالك أهل القدر يحتجون علينا بهذا الحديث فقال ~~إحتجوا عليهم بآخره وهو قوله ( الله أعلم بما كانوا عاملين ( وهذا الجواب ~~يصلح أن يجاب به من أنكرالعلم كما كان على ذلك طائفة من القدماء وهم ~~المعروفون بالقدرية في لغة مالك PageV08P045 # إلى أن قال ومن فسر هذه الآية بأن المراد ( بيعبدون ( هو ما جبلهم عليه ~~وما قدره عليهم من السعادة والشقاوة وأن ذلك هو ms2359 معنى الحديث فإن هؤلاء ~~جعلوا معنى يعبدون بمعنى يستسلمون لمشيئتى وقدرتى فيكونون معبدين مذللين كى ~~يجرى عليهم حكمى ومشيئتى لايخرجون عن قضائى وقدرى فهذا معنى صحيح في نفسه ~~وإن كانت القدرية تنكره فبإنكارهم لذلك صاروا من أهل البدع بل الله خالق كل ~~شيء وما شاء كان ومالم يشأ لم يكن وفى إستعاذة النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~أعوذ بكلمات الله التامة التى لا يجاوزها بر ولا فاجر من شر ما ذرأ وبرأ ~~وأعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ( # فكلماته التامة هي التى كون بها الأشياء كما قال تعالى ( إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( لا يجاوزها بر ولا فاجر ولا يخرج أحد عن ~~القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور وهذا المعنى قد دل ~~عليه القرآن في غير موضع كقوله ( ولقد ذرأنا لجهنم ) الآية وقوله ( ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاءالله ( ألم تعلم أن الله يعلم مافى السماء والأرض ~~ان ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ( وقوله في السحر ( وما هم بضارين به ~~من أحد إلا بإذن الله ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ( ونحو ذلك # ولكن قوله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( لم يرد به هذا المعنى ~~الذى ذهبوا إليه وحاموا حوله من أن المخلوقات كلها تحت مشيئته وقهره ~~PageV08P046 و حكمه فالمخلوقات كلها داخلة في هذا لا يشذ منها شيء عن هذا ~~وقد قال تعالى ( ألم أعهد إليكم يابنى آدم الا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو ~~مبين وإن اعبدونى ) الآية وقوله ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) ( ~~والذين إجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله ) ( والذين إتخذوا من ~~دونه أولياء ما نعبدهم إلا لقربونا إلى الله زلفى ) وقال ( ويعبدون من دون ~~الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ) # فهذا ونحوه كثير في القرآن لم يرد بعبادة الله إلا العبادة التى أمرت بها ~~الرسل وهي عبادته وحده لا شريك ms2360 له والمشركون لايعبدون الله بل يعبدون ~~الشيطان وما يدعونه من دون الله سواء عبدوا الملائكة أوالأنبياء والصالحين ~~أو التماثيل والأصنام المصنوعة فهؤلاء المشركون قد عبدوا غير الله تعالى ~~كما أخبرالله بذلك فكيف يقال أن جميع الإنس والجن عبدوا الله لكون قدر الله ~~جاريا عليهم والفرق ظاهر بين عبادتهم إياه التى تحصل بإرادتهم وأختيارهم ~~وإخلاصهم الدين له وطاعة رسوله وبين أن يعبدهم هو وينفذ فيهم مشيئته وتكون ~~عبادتهم لغيره للشيطان وللأصنام من المقدور # وهذا يشبه قول من يقول من المتأخرين أنا كافر برب يعصى فيجعل كلما يقع ~~طاعة كما جعله هؤلاء عبادة لله تعالى لكونهم تحت المشيئة وكان بعض شيوخهم ~~يقول عن إبليس إن كان عصى الأمر فقد أطاع المشيئة لكن هؤلاء مباحية يسقطون ~~الأمر PageV08P047 وأما زيد بن أسلم ووهب بن منبه ونحوهم فحاشلهم من مثل ~~هذا فإنهم كانوا من أعظم الناس تعظيما للأمر والنهى والوعد والوعيد ولكن ~~قصدوا الرد على المكذبين بالقدر القائلين بأنة يشاء مالا يكون ويكون مالا ~~يشاء وهؤلاء حقيقة قولهم أنه لايقدر على تعبيدهم وتصريفهم تحت مشيئته ~~فأرادوا إبطال قول هؤلاء ونعم ما أرادوا لكن الكلام فيما أريد بالآية # وقول أولئك الإباحية يشبه قول من قال إن العارف إذا شهد المشيئة سقط عنه ~~الملام وأنه إذا شهد الحكم يعني المشيئة لم يستحسن ولم يستقبح سببه ونحو ~~هذا من أقوال هؤلاءالذين تشبه أقوالهم أقوال المشركين الذين قالوا ( لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) كما قد بسط الكلام عليه وبين ~~أن إثبات القدر السابق حق لكن ذلك هو الذي يصير العبد إليه ليس هو الذي فطر ~~عليه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها ~~من جدعاء ( فقد بين النبى صلى الله عليه وسلم بمثل ضربه أن البهيمة تولد ~~سليمة ثم يجدع والجدع كان مقدرا عليها كذلك العبد يولد على الفطرة سليما ثم ~~يفسد بالتهود والتنصير ms2361 وذلك كان مكتوبا أن يكون # وصاحب هذا القول إنما قاله ليبين ما خلقوا له وقد قصد هذا طائفة ~~PageV08P048 فسروا العبادة بأمر واقع عام وليست هي العبادة المأمور بها على ~~ألسن الرسل ففي تفسير إبن أبي طلحة المضاف إلى إبن عباس إلا ليقروا ~~بالعبودية طوعا وكرها وهذه العبودية كقوله ( وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها ) وقوله ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) ~~وفسرت طائفة ( الكرة ( بأنه جريان حكم القدر فيكون كالقول قبله والصحيح أنه ~~إنقيادهم لحكمه القدري بغير إختيارهم كإستسلامهم عند المصائب وإنقيادهم لما ~~يكرهون من أحكامه الشرعية فكل أحد لابد له من إنقياده لحكمه القدري والشرعي ~~فهذا معنى صحيح قد بسط في غير هذا الموضع لكن ليس هو العبادة # وكذلك قال بعضهم إلا ليخضعوا لي ويتذللوا قالوا ومعنى العبادة في اللغة ~~التذلل والإنقياد وكل مخلوق من الجن والأنس خاضع لقضاء الله تعالى متذلل ~~لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق # وقد ذكر أبو الفرج قول إبن عباس هذا قال وبيان هذا قوله ( ولئن سألتهم من ~~خلقهم ليقولن الله ) وهذه الآية توافق من قال إلا ليعرفون كما سيأتى ~~وهؤلاءالذين أقروا بأن الله خالقهم لم يقروا بذلك كرها بخلاف إسلامهم ~~وخضوعهم له فإنه يكون كرها وأما نفس الإقرار فهو فطرى فطروا عليه وبذلوه ~~طوعا PageV08P049 # وقيل ( قول رابع ( روى إبن أبى حاتم عن زائدة عن السدي ( وما خلقت الجن ~~والأنس إلا ليعبدون ) قال خلقهم للعبادة فمن العبادة عبادة تنفع ومن ~~العبادة عبادة لا تنفع ) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ( الله ~~) هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع شركهم وهذا المعنى صحيح لكن المشرك يعبد ~~الشيطان وما عدل به الله لا يعبد ولا يسمى مجرد الإقرار بالصانع عبادة لله ~~مع الشرك بالله ولكن يقال كما قال ( وما يؤمن أكثرهم بالله ألا وهم مشركون ~~) فإيمانهم بالخالق مقرون بشركهم به وأما العبادة ففي الحديث ( يقول الله ~~أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء ms2362 وهو ~~كله للذي أشرك ( فعبادة المشركين وإن جعلوا بعضها لله لايقبل منها شيئا بل ~~كلها لمن أشركوه فلا يكونون قد عبدوا الله سبحانه ومثل هذا قول من قال إلا ~~ليوحدون فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء وأما الكافر فيوحده في الشدة ~~والبلاء دون النعمة والرخاء بيانه في قوله ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ~~مخلصين له الدين ) # وقيل ( قول الخامس ( ذكره إبن أبى حاتم عن إبن جريج قال ليعرفون قال وروى ~~عن قتادة وذكره البغوي عن مجاهد قال وقال مجاهد إلا ليعرفون قال وهذا قول ~~حسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده ودليله قوله ( ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) فيقال هذا المعنى صحيح وكونه إنما عرف ~~بخلقهم يقتضى PageV08P050 أن خلقهم شرط في معرفتهم لايقتضى أن يكون ما حصل ~~لهم من المعرفة هو الغاية التى خلقوا لها وهذا من جنس قول السدى فإن هذا ~~الإقرار العام هم مشركون فيه كما قال ( وإذ أخذ ربك من بنى آدم ) لكن ليس ~~هذا هو العبادة # فهذه ( الأقوال الأربعة ) قول من عرف أن الآية عامة فأراد أن يفسرها ~~بعبادة تعم الإنس والجن وأعتقد أنه ( إن ) فسرها بالعبادة المعروفة وهي ~~الطاعة لله والطاعة لرسله لزم أن تكون واقعة منهم ولم تقع فأراد أن يفسرها ~~بعبادة واقعة وظن أنه إذا فسرها بعبادة لم تقع لزمه قول القدرية وأنه خلقهم ~~لعبادته فعصوه بغير مشيئته وغير قدرية ففروا من قول القدرية وهم معذورون في ~~هذا الفرار لكن فسرها بما لم يرد بها كما يصيب كثير من الناس في الآيات ~~التى يحتج أهل البدع بظاهرها كإحتجاج الرافضة بقوله ( وامسحوا برؤوسكم ~~وأرجلكم ) على مسح ظهرالقدمين فترى المخالفين لهم يذكرون أقوالا ضعيفة هذا ~~يقول مجرورا بالمجاورة كقولهم جحر ضب خرب ونحو هذا من الأقوال الضعيفة ~~وكذلك ما قالوه في قوله ( فحج آدم موسى ) وأمثال ذلك # و ( القول السادس ( وإن كان أبو الفرج لم يذكر فيها إلا أربعة أقوال وهو ~~الذي عليه جمهور المسلمين أن الله خلقهم لعبادته ms2363 وهو فعل ما أمروا به ولهذا ~~يوجد المسلمون قديما وحديثا يحتجون بهذه الآية على هذا PageV08P051 المعنى ~~حتى في وعظهم وتذكيرهم وحكاياتهم كما في حكاية إبراهيم بن أدهم ما لهذا ~~خلقت ولا بهذا أمرت وفى حديث إسرائيلى يا إبن آدم خلقتك لعبادتى فلا تلعب ~~وتكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدنى فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك ~~كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء وهذا هو المأثور عن أمير المؤمنين علي بن ~~أبى طالب وغيره من السلف فذكروا عن علي بن أبى طالب أنه قال إلالآمرهم أن ~~يعبدون وادعوهم إلى عبادتى # قالوا ويؤيده قوله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ) وقوله ( ~~وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحد ) وهذا إختيار الزجاج وغيره وهذا هو ~~المعروف عن مجاهد بالإسناد الثابت قال إبن أبى حاتم ثنا أبو سعيد الأشج إلا ~~ليعبدون ) لآمرهم وأنهاهم ( كذلك روي عن الربيع بن أنس قال ( ما خلقتهما ~~إلا للعبادة # ويدل على هذا مثل قوله ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) يعنى لايؤمر ولا ~~ينهي وقوله ( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ) أي لولا عبادتكم وقوله ( ما ~~يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) وقوله ( يامعشرالجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) إلى قوله ( وأهلها ~~غافلون ) وقوله ( ألم أعهد إليكم يابني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين وان اعبدونى هذا صراط مستقيم ) الآيات PageV08P052 وما بعدها وقالت ~~الجن لما سمعوا القرآن ( ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا ~~لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ياقومنا أجيبوا داعي الله ~~وآمنوا به ) الآية وما بعدها وقالت الجن ( وانا منا المسلمون ومنا القاسطون ~~فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) الآية وما بعدها # وقد قال في القرآن في غيرموضع ( ياأيها الناس إعبدوا ربكم ) ( ياأيها ~~الناس إتقوا ربكم ) فقد أمرهم بما خلقهم له وأرسل الرسل إلى الإنس والجن ~~ومحمد أرسل إلى الثقلين وقرأ القرآن على الجن وقد روى أنه لما قرأ عليهم ms2364 ~~سورة الرحمن وجعل يقرأ ( فبأى آلاء ربكما تكذبان ) يقولون ولا بشيء من ~~آلائك ربنا نكذب فلك الحمد فهذا هو المعنى الذى قصد بالآية قطعا وهو الذي ~~تفهمه جماهير المسلمين ويحتجون بالآية عليه ويعترفون بأن الله خلقهم ~~ليعبدوه لا ليضيعوا حقه وفى الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال له ( يامعاذ أتدري ما حق الله على عبادة قال الله ورسوله ~~أعلم قال فإن حق الله على عبادة أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدرى ماحق ~~العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله أعلم قال فإن حقهم عليه أن ~~لا يعذبهم ( وفى المسند عن إبن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال بعثت ~~بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل ~~رمحي جعل الذل والصغار على من خالف أمرى ومن تشبه بقوم فهو منهم ( ~~PageV08P053 ثم للناس على هذا القول قولان # قول أهل السنة المثبتة للقدر وقول نفاته فصارت الأقوال في الآية ( سبعة ( ~~وفى الحكمة ( خمسة ( # فأما أهل السنة المثبتون للقدر فيقولون قوله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ~~لعبدون ) لايستلزم وقوع العبادة منهم كما قال أصحاب هذه الأقوال المتقدمة ~~ولا يستلزم نفي المقدور أن يكون في ملكه ما لايشاء أو يشاء مالا يكون ويكون ~~مالا يشاء أولئك قالوا إذا كان مايشاء كان وما لم يشأ لم يكن فما لم يقع لم ~~يشأه فما لم يقع من العبادة لم يشأها وهذا معنى صحيح ثم قالوا وما خلقهم له ~~فلا بد أن يشاء أن يخلقه فلما لم يشأه أن يخلق هذا لم يخلقهم له فالطائفتان ~~أصل غلطهم ظنهم إنما خلقهم له يشاء وقوعه وأولئك يقولون يشاء أن يخلقه ~~وهؤلاء يقولون يشاء وقوعه منهم بمعنى يأمرهم به وما عندهم أن له مشيئة في ~~أفعال العباد غيرالأمر وهم يعصون أمره فلهذا قالوا يكون مالا يشاء ويشاء ~~مالا يكون كما يقولون يفعلون مانهاهم عنه ويتركون ما أمرهم به وهذا المعنى ~~صحيح إذا أريد ms2365 الأمرالشرعى لكن القدرية النفاة لايقولون أنه شاء إلا بمعنى ~~أمر فعندهم ماليس طاعة من أفعال العباد مالا PageV08P054 يشاءه فإنه لا ~~يخلقه عندهم وإذا لم يخلقه لم يشأه فإنه ما شاء أن يخلقه خلقه بإتفاق ~~المسلمين # والقدرية لاتنازع في هذا لاينازعون في أنه ماشاء أن يفعله هو فعله وأنه ~~قادر على أن يفعل ما يشاء أن يفعله لكن عندهم أن أفعال العباد لايدخل في ~~خلقه ولا في قدرته ولا في مشيئته ولا في مشيئته أن يفعل لكن المشيئة ~~المتعلقة بها بمعنى الأمر فقط فيقولون خلقهم لعبادته أن يفعلوها هم وقد ~~أمرهم بها فإذا لم يفعلوها كان ذلك بمنزلة عصيان أمره # وأما المثبتون للقدر فيقولون أنه ماشاء كان ومالم يشأ لم يكن وهو سبحانه ~~خالق كل شيء ( ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة ) ( ولو شاء الله ما إقتتلوا ) ~~( ولو شاء ربك مافعلوه ) وأمثال ذلك فإذا خلقهم للعبادة المأمور بها ولم ~~يفعلوها لم يكن قد شاء أن تكون اذ لو شاء أن تكون لكونها لكن أمرهم بها ~~واجبي أن يفعلوها ورضى أن يفعلوها وأراد أن يفعلوها إرادة شرعية تضمنها ~~أمره بالعبادة # ومن هنا يتبين معنى الآية فإن قوله ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) ~~يشبه قوله ( ولتكملوا العدة ولتكبرووا الله على ماهداهم ) وقوله ( كذلك ~~سخرها لكم لتكبروا الله على ماهداكم ) وقوله ( لكيلا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم وقوله ( ذلك لتعلموا أن الله يعلم مافي السماوات وما في ~~الأرض PageV08P055 و أن الله بكل شيء عليم ) وقوله ( الله الذي خلق سبع ~~سماوات ومن الأرض مثلهن ) الآية وكذلك قوله ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بإذن الله فهو لم يرسله إلا ليطاع ثم قد يطاع وقد يعصى # وكذلك ما خلقهم إلا للعبادة ثم قد يعبدون وقد لايعبدون ومثل هذا كثير في ~~القرآن يبين أنه فعل ليكبروه وليعدلوا ولا يظلموا وليعلموا ما هو متصف به ~~وغيرة مما أمر الله به العباد وأحبه لهم ورضيه منهم وفيه سعادتهم وكما لهم ~~وصلاحهم وفلاحهم إذا فعلوه ثم منهم من يفعل ms2366 ذلك ومنهم من لايفعله # وهو سبحانه لم يقل أنه فعل الأول ليفعل هو الثانى ولا ليفعل بهم الثاني ~~فلم يذكرأنه خلقهم ليجعلهم هم عابدين فإن ما فعله من الأسباب لما يفعله هو ~~من الغايات يجب أن يفعله لا محالة ويمتنع أن يفعل أمرا ليفعل أمرا ثانيا ~~ولا يفعل الأمر الثاني ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني فيكونون ~~هم الفاعلين له فيحصل بفعلهم سعادتهم وما يحبه ويرضاه لهم فيحصل ما يحبه هو ~~وما يحبونه هم كما تقدم أن كل ما خلقه وأمر به غايته محبوبة لله ولعباده ~~وفيه حكمة له وفيه رحمة لعباده # فهذا الذى خلقهم له لو فعلوه لكان فيه مايحبه وما يحبونه ولكن لم يفعلوه ~~فإستحقوا ما يستحقه العاصي المخالف لأمره التارك فعل ما خلق لأجله من عذاب ~~PageV08P056 الدنيا والآخرة وهو سبحانه قد شاء أن تكون العبادة ممن فعلها ~~فجعلهم عابدين مسلمين بمشيئته وهداه لهم وتحبيبه إليهم الإيمان كما قال ~~تعالى ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) فهؤلاء ( أراد ) العبادة منهم خلقا ~~وأمرا أمرهم بها وخلقا جعلهم فاعلين # والصنف الثانى لم يشأ هو أن يخلقهم عابدين وإن كان قد أمرهم بالعبادة ~~والله سبحانه أعلم ( # PageV08P057 ### |||| وسئل رحمه الله # عن تفصيل ( الإرادة ( و ( الاذن ( و ( الكتاب ( و ( الحكم ~~( و ( القضاء ( و ( التحريم ( وغيرذلك مما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه ~~وأمره الشرعي وما هو كوني موافق لمشيئته الكونية ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه الأمور المذكورة وهي الإرادة والاذن والكتاب والحكم ~~والقضاء والتحريم وغيرها كالأمر والبعث والأرسال ينقسم في كتاب الله إلى ~~نوعين ( أحدهما ) ما يتعلق بالأمور الدينية التى يحبها الله تعالى ويرضاها ~~ويثيب أصحابها ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفى الآخرة وينصر ~~بها العباد من أوليائه المتقين وحز به المفلحين وعباده الصالحين # و ( الثانى ) مايتعلق بالحوادث الكونية التى قدرها الله وقضاها مما يشترك ~~فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله ~~وأعداؤه وأهل طاعته الذين يحبهم ms2367 ويحبونه ويصلى عليهم هو وملائكته وأهل ~~معصيته الذين يبغضهم ويمقتهم ويلعنهم الله ويلعنهم اللأعنون # PageV08P058 # فمن نظر إليها من هذا الوجه شهد الحقيقة الكونية الوجودية فرأى الأشياء ~~كلها مخلوقة لله مدبرة بمشيئته مقهورة بحكمته فما شاءالله كان وإن لم يشأ ~~الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس لا معقب لحكمه ولا راد لأمره ورأى ~~أنه سبحانه رب كل شيء ومليكه له الخلق والأمر وكل ما سواه مربوبا له مدبر ~~مقهور لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولاموتا ولا حياة ولا نشورا بل هو عبد ~~فقير إلى الله تعالى من جميع الجهات والله غنى عنه كما أنه الغني عن جميع ~~المخلوقات وهذا الشهود في نفسه حق لكن ( طائفة ) قصرت عنه وهم القدرية ~~المجوسية و ( طائفة ( وقفت عنده وهم القدرية المشركية ( # أما الأولون فهم الذين زعموا أن في المخلوقات مالا تتعلق به قدرة الله ~~ومشيئته وخلقه كأفعال العباد وغلاتهم أنكروا علمه القديم وكتابه السابق ~~وهؤلاء هم أول من حدث من القدرية في هذه الأمة فرد عليهم الصحابة وسلف ~~الأمة وتبرؤا منهم # وأما ( الطائفة الثانية ( فهم شر منهم وهم طوائف من أهل السلوك والإرادة ~~والتأله والتصوف والفقر ونحوهم يشهدون هذه الحقيقة ورأوا أن الله خالق ~~المخلوقات كلها فهو خالق أفعال العباد ومريد جميع الكائنات ولم يميزوا بعد ~~ذلك بين إيمان وكفر ولا عرفان ولا نكر ولاحق ولا باطل ولا مهتدى ولا ضال ~~ولا راشد ولا غوي ولا نبى ولا متنبىء ولا ولي لله ولا عدو ولا PageV08P059 ~~مرضي لله ولا مسخوط ولا محبوب لله ولا ممقوت ولا بين العدل والظلم ولا بين ~~البر والعقوق ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار ولا بين الأبرار ~~والفجار حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق والمشيئة ~~النافذة والقدرة الشاملة والخلق العام فشهدوا المشترك بين المخلوقات وعموا ~~عن الفارق بينهما وصاروا ممن يخاطب بقوله تعالى ( أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ) وبقوله تعالى ( أفنجعل الذين أمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ms2368 المتقين كالفجار ) وبقوله تعالى ( أم ~~حسب الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) # ( وتمت كلمة ربك الحسنى على نبي إسرائيل بما صبروا ) ومنه قول النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( أعوذ بكلمات الله التامات التى لايتجاوزهن بر ولا فاجر من ~~شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ ~~في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا ~~يطرق بخير يارحمن ( فالكلمات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ليست هي أمره ~~ونهيه الشرعيين فإن الفجارعصوا أمره ونهيه بل هي التى بها يكون الكائنات ~~وأما الكلمات الدينية المتضمنة لأمره ونهيه الشرعيين فمثل الكتب الإلهية ~~التوراة والأنجيل والزبور والقرآن وقال PageV08P060 تعالى ( وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ) وقال صلى الله عليه وسلم ( ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله ( وأما قوله تعالى ( وتمت كلنة ربك صدقا وعدلا ~~) فإنه يعم النوعين # وأما ( البعث ( بالمعنى الأول ففي مثل قوله تعالى ( فإذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد ) والثاني في مثل قوله تعالى ( هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) وقوله تعالى ( ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم ) وقوله تعالى ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن أعبدوا الله واحتنبوا ~~الطاغوت ) # وأما ( الإرسال ( بالمعنى الأول ففي مثل قوله تعالى ( إنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) وقوله تعالى ( وأرسلنا الرياح لواقح ) # وبالمعنى الثانى في مثل قوله تعالى ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ) وقوله ~~تعالى ( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ) وقوله تعالى ( واسأل من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا ) وقوله تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ~~) وقوله تعالى ( وما أرسلنا قبلك من رسول ألا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون ) وقوله تعالى ( إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا ~~إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ) ( # PageV08P061 ### |||| سئل رحمه الله تعالى # عن أقوام يقولون المشيئة مشيئة الله في الماضي ms2369 ~~والمستقبل وأقوام يقولون المشيئة في المستقبل لا في الماضي ما الصواب ### ||||| فأجاب # الماضي مضى بمشيئة الله والمستقبل لا يكون إلا أن يشاء الله فمن ~~قال في الماصي إن الله خلق السماوات إن شاء الله وأرسل محمدا إن شاء الله ~~فقد أخطأ ومن قال خلق الله السماوات بمشيئة الله وأرسل محمدا بمشيئته ونحو ~~ذلك فقد أصاب # ومن قال أنه يكون في الوجود شيء بدون مشيئة الله فقد أخطأ ومن قال ماشاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن فقد أصاب وكلما تقدم فقد كان بمشيئة الله قطعا ~~فالله خلق السماوات بمشيئته قطعا وأرسل محمدا بمشيئته قطعا والإنسان ~~الموجود خلقه الله بمشيئته قطعا وإن شاء الله أن يغير المخلوق من حال إلى ~~حال فهو قادر على ذلك فما خلقه فقد كان بمشيئته قطعا وإن شاءالله أن يغيره ~~غيره بمشيئته قطعا والله أعلم ( # PageV08P062 ### || ما تقول السادة أئمة المسلمين # في جماعة إختلفوا في قضاء الله وقدرة خيره وشره منهم من يرى أن الخير من ~~الله تعالى والشر من النفس خاصة أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب الشيخ رضي الله عنه # مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه لارب ~~غيره ولا خالق سواه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير وبكل ~~شيء عليم والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله منهي عن معصية الله ومعصية ~~رسوله فإن أطاع كان ذلك نعمة وإن عصى كان مستحقا للذم والعقاب وكان لله ~~عليه الحجة البالغة ولا حجة لأحد على الله تعالى وكل ذلك كائن بقضاه الله ~~وقدره ومشيئته وقدرته لكن يحب الطاعة ويأمر بها ويثيب أهلها على فعلها ~~ويكرمهم ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب أهلها ويهينهم # وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه وما يصيبه من الشر فبذنوبه ~~PageV08P063 و معاصيه كما قال تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ) وقال تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك ) أى ما أصابك من خصب ms2370 ونصر وهدى فالله أنعم به عليك وما أصابك من حزن ~~وذل وشر فبذنوبك وخطاياك وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه فلا ~~بد أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره وأن يؤقن العبد بشرع الله وأمره # فمن نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد كان ~~مشابها للمشركين ومن نظر إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشابها ~~للمجوسيين ومن آمن بهذا وبهذا فإذا أحسن حمد الله تعالى وإذا أساء إستغفر ~~الله تعالى وعلم أن ذلك بقضاء الله وقدره فهو من المؤمنين فإن آدم عليه ~~السلام لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه وإبليس أصر وإحتج فلعنه الله وأقصاه ~~فمن تاب كان آدميا ومن أصر وإحتج بالقدر كان إبليسيا فالسعداء يتبعون أباهم ~~والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس # فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين آمين يارب العالمين # PageV08P064 ### || 1 ( شرح حديث أن الله قبض قبضتين ) 1 ### |||| سئل شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس # عن الحديث الذى ورد ( إن الله قبض ~~قبضتين فقال هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي ( فهل هذا الحديث ~~صحيح والله قبضها بنفسه أو امر أحدا من الملائكة بقبضها والحديث الآخر في ( ~~إن الله لما خلق آدم أراه ذريته عن اليمين والشمال ثم قال هؤلاء إلى النار ~~ولا أبالي وهؤلاءإلى الجنة ولا أبالي ( وهذا في الصحيح ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # نعم هذا المعنى مشهور عن النبى صلى الله عليه وسلم من ~~وجوه متعددة مثل مافى موطأ مالك وسنن أبى داود والنسائى وغيره عن مسلم بن ~~يسار وفى لفظ عن نعيم بن ربيعة ( أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ( وإذ ~~أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ) الآية فقال عمر عن سول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفى لفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فإستخرج منه ذرية ~~فقال خلقت هؤلاء ms2371 للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فإستخرج منه ~~ذرية فقاله خلقت PageV08P065 هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل ~~يارسول الله ففيم العمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله إذا ~~خلق الرجل للجنة إستعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل ~~الجنة فيدخله به الجنة إذا خلق الرجل للنار إستعمله بعمل أهل النار حتى ~~يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار ( # وفى حديث الحكم بن سفيان عن ثابت عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( إن الله قبض قبضة فقال إلى الجنة برحمتى وقبض قبضة فقال ~~إلى النار ولا أبالي ( وهذا الحديث ونحوه فيه فصلان # ( أحدهما ) القدر السابق وهو أن الله سبحانه علم أهل الجنة من أهل النار ~~من قبل أن يعملوا الأعمال وهذا حق يجب الإيمان به بل قد نص الأئمة كمالك ~~والشافعي وأحمد أن من جحد هذا فقد كفر بل يجب الإيمان أن الله علم ما سيكون ~~كله قبل أن يكون ويجب الإيمان بما أخبر به من أنه كتب ذلك وأخبر به قبل أن ~~يكون كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ~~ألف سنة وكان عرشه على الماء ( وفى صحيح البخارى وغيره عن عمران بن حصين عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على ~~الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض وفي لفظ ثم خلق السماوات ~~والأرض ) PageV08P066 # وفى المسند عن العرباض بن سارية عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~إنى عند الله مكتوب بخاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ~~ذلك دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي رأت حين ولدتني أنه خرج منها ~~نور أضاءت له قصور الشام ( وفى حديث ميسرة الحر قلت يارسول الله متى ms2372 كتبت ~~نبيا وفى لفظ متى كنت نبيا قال ( وآدم بين الروح والجسد ( # وفى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ( حدثنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ~~أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه ~~الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال أكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ ~~فيه الروح قال فوالذي نفس بيده أو قال فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل النار فيدخل النار ( # وفى الصحيحين عن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال ( كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد في جنازة فقال ما منكم أحد إلا قد كتب ~~مقعده من النار ومقعده من الجنة فقالوا يارسول الله أفلا نتكل على الكتاب ~~وندع العمل قال إعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة ~~فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة PageV08P067 فسييسر ~~لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قوله تعالى ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ~~فسنيسره لليسرى وأما من بحل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ( # وفى الصحيح أيضا ( أنه قيل له يارسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار ~~فقال نعم فقيل له ففيم العمل قال إعملوا فكل ميسر لما خلق له ( فبين النبى ~~صلى الله عليه وسلم أن الله علم أهل الجنة من أهل النار وأنه كتب ذلك ~~ونهاهم أن يتكلوا على هذا الكتاب ويدعوا العمل كما يفعله الملحدون وقال كل ~~ميسر لما خلق له وأن أهل السعادة ميسرون لعمل أهل السعادة وأهل الشقاوة ~~ميسرون لعمل أهل الشقاوة وهذا من أحسن ما يكون من # البيان وذلك أن الله سبحانه وتعالى يعلم الأمورعلى ما هي عليه وهو قد جعل ~~للأشياء أسبابا تكون بها فيعلم أنه تكون بتلك الأسباب كما ms2373 يعلم أن هذا يولد ~~له بأن يطأ إمرأة فيحبلها فلو قال هذا إذا علم الله أنه يولد لي فلا حاجة ~~إلى الوطء كان أحمق لأن الله علم أن سيكون بما يقدره من الوطء وكذلك إذا ~~علم أن هذا ينبت له الزرع بما يسقيه من الماء ويبذره من الحب فلو قال إذا ~~علم أن سيكون فلا حاجة إلى البذر كان جاهلا ضالا لأن الله علم أن سيكون ~~بذلك وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل وهذا يروي بالشرب وهذا يموت ~~بالقتل فلابد من الأسباب التى علم الله أن هذه الأمور تكون بها PageV08P068 ~~وكذلك إذا علم أن هذا يكون سعيدا في الآخرة وهذا شقيا في الآخرة قلنا ذلك ~~لأنه يعمل بعمل الأشقياء فالله علم أنه يشقى بهذا العمل فلو قيل هو شقي وإن ~~لم يعمل كان باطلا لأن الله لايدخل النار أحدا إلا بذنبه كما قال تعالى ( ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) فأقسم أنه يملؤها من إبليس ~~وأتباعه ومن إتبع إبليس فقد عصى الله تعالى ولا يعاقب الله العبد على ما ~~علم أنه يعمله حتى يعمله # ولهذا لما سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين ( قال الله ~~أعلم بما كانوا عاملين ( يعنى أن الله يعلم ما يعملون لو بلغوا وقد روى ~~أنهم في القيامة يبعث إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار ~~فيظهر ما علمه فيهم من الطاعة والمعصية # وكذلك الجنة خلقها الله لأهل الإيمان به وطاعته فمن قدر أن يكون منهم ~~يسره للإيمان والطاعة فمن قال أنا أدخل الجنة سواء كنت مؤمنا أو كافرا إذا ~~علم أنى من أهلها كان مفتريا على الله في ذلك فإن الله إنما علم أنه يدخلها ~~بالإيمان فإذا لم يكن معه إيمان لم يكن هذا هو الذى علم الله أنه يدخل ~~الجنة بل من لم يكن مؤمنا بل كافرا فإن الله يعلم أنه من أهل النار لامن ~~أهل الجنة # ولهذا أمر الناس بالدعاء والإستعانة بالله وغير ذلك من ms2374 الأسباب ومن قال ~~أنا لا أدعوا ولا أسأل إتكالا على القدر كان مخطئا أيضا لأن الله جعل ~~الدعاء PageV08P069 و السؤال من الأسباب التى ينال بها مغفرته ورحمته وهذاه ~~ونصره ورزقه وإذا قدر للعبد خيرا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاءوما ~~قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره الله بأسباب يسوق ~~المقادير إلى المواقيت فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق ~~الأسباب والمسببات # ولهذا قال بعضهم الإلتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن ~~تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ومجرد ~~الأسباب لا يوجب حصول المسبب فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك ( ~~كافيا ) في حصول النبات بل لابد من ريح مربية بإذن الله ولابد من صرف ~~الإنتفاء عنه فلابد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاه الله وقدره ~~وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج بل كم من إنزل ولم يولد له ~~بل لا بد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر مايتم به ~~خلقه من الشروط وزوال الموانع # وكذلك أمر الأخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة بل هي سبب ولهذا ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت ~~يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ( وقد قال ( ~~أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) فهذه باء السبب أى بسبب أعمالكم والذى نفاه ~~النبى صلى الله عليه وسلم باء المقابلة كما يقال إشتريت هذا بهذا أي ليس ~~العمل عوضا وثمنا كافيا في دخول الجنة بل لابد من عفو الله PageV08P070 و ~~فضله ورحمته فبعفوه يمحوا السيئات وبرحمته يأتى بالخيرات وبفضله يضاعف ~~البركات # وفى هذا الموضع ضل طائفتان من الناس # ( فريق ( آمنوا بالقدر وظنوا أن ذلك كاف في حصول المقصود فأعرضوا عن ~~الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا ~~بكتب الله ورسله ودينه # و ( فريق ) أخذوا ms2375 يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر ~~متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم وكما يطلبه المماليك وهؤلاءجهال ضلال فإن ~~الله لم يأمرالعباد بما أمرهم به حاجة إليه ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا ~~به ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم وهو سبحانه كما قال ( ~~ياعبادى إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ( فالملك إذا ~~أمر مملوكيه بأمر أمرهم لحاجته إليهم وهم فعلوه بقوتهم التى لم يخلقها لهم ~~فيطالبون بجزاء ذلك والله تعالى غني عن العالمين فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم ~~وإن أساؤا فلها لهم ماكسبوا وعليهم ما اكتسبوا ( من عمل سالحا فلنفسه ومن ~~أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ) # وفى الحديث الصحيح عن الله تعالى أنه قال ( ياعبادى أني حرمت الظلم على ~~نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ياعبادى أنكم تخطئون بالليل ~~PageV08P071 و النهار وأنا أغفرالذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم ~~يا عبادى كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم ياعبادي كلكم جائع إلا من ~~أطعمته فاستطعموني أطعمكم ياعبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا ~~نفعي فتنفعوني ياعبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب ~~رجل منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا ياعبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~كانوا على أفجر قلب رجل منكم مانقص ذلك من ملكي شيئا ياعبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم إجتمعوا في صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم ~~مسألته ما نقص ذلك في ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط ~~غمسة واحدة ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد ~~خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( # وهو سبحانه مع غناه عن العالمين خلقهم وأرسل إليهم رسولا يبين لهم ما ~~يسعدهم وما يشقيهم ثم أنه هدى عباده المؤمنين لما إختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه فمن عليهم بالإيمان والعمل الصالح فخلقه بفضله وإرساله الرسول بفضله ~~وهدايته لهم بفضله وجميع ما ينالون به ms2376 الخيرات من قواهم وغير قواهم هي ~~بفضله فكذلك الثواب والجراء هو بفضله وإن كان أوجب ذلك على نفسه كما حرم ~~على نفسه الظلم ووعد بذلك كما قال ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) وقال تعالى ~~( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) فهو واقع لامحالة واجب بحكم إيجابه ووعده ~~PageV08P072 لأن الخلق لا يوجبون على الله شيئا أو يحرمون عليه شيئا بل هم ~~أعجز من ذلك وأقل من ذلك وكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل كما في الحديث ~~المتقدم ( إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد ~~الله ومن وجد غيرذلك فلا يلومن إلا نفسه ( # وفى الحديث الصحيح ( سيد الإستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله ~~إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شرما ~~صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ~~من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة ( فقوله أبوء لك ~~بنعمتك على وأبوء بذنبى إعتراف بإنعام الرب وذنب العبد كما قال بعض السلف ~~أنى أصبح بين نعمة تنزل من الله علي وبين ذنب يصعد مني إلى الله فأريد أن ~~أحدث للنعمة شكرا وللذنب إستغفارا ( # فمن أعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد ناظرا إلى القدر فقد ضل ومن طلب ~~القيام بالأمر والنهي معرضا عن القدر فقد ضل بل المؤمن كما قال تعالى ( ~~إياك نعبد وإياك نستعين ) فنعبده إتباعا للأمر ونستعينه إيمانا بالقدر وفى ~~الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المؤمن القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ~~ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر ~~الله وما شاء فإن لو تفتح عمل الشيطان ( PageV08P073 # فأمره النبى صلى الله عليه وسلم بشيئين أن يحرص على ما ينفعه وهو إمتثال ~~الأمر وهو العبادة وهو طاعة الله ورسوله وأن ms2377 يستعين بالله وهو يتضمن ~~الإيمان بالقدر أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأنه ما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن # فمن ظن أنه يطيع الله بلا معونته كما يزعم القدرية والمجوسية فقد جحد ~~قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء ومن ظن أنه إذا أعين على ~~ما يريد ويسر له ذلك كان محمودا سواء وافق الأمر الشرعي أو خالفه فقد جحد ~~دين الله وكذب بكتبه ورسله ووعده ووعيده وإستحق من غضبه وعقابه أعظم ما ~~يستحقه الأول # فإن العبد قد يريد ما يرضاه ويحبه ويأمر به ويقرب إليه وقد يريد ما يبغضه ~~الله ويكرهه ويسخطه وينهى عنه ويعذب صاحبه فكل من هذين قد يسر له ذلك كما ~~قال النبى صلى اللله عليه وسلم ( كل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل ~~السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل ~~أهل الشقاوة ) وقد قال تعالى ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ~~وما كان عطاءربك محظورا ) وقال تعالى ( فأما PageV08P074 الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه فيقول ربي أهانن كلا ) # بين سبحانه أنه ليس كل من إبتلاه في الدنيا يكون قد أهانه بل هو يبتلى ~~عبده بالسراء والضراء فالمؤمن يكون صبارا شكورا فيكون هذا وهذا خيرا له كما ~~في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لايقضى الله للمؤمن قضاء ~~إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ~~وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ( والمنافق هلوع جزوع كما قال تعالى ( إن ~~الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين ~~الذين هم على صلاتهم دائمون والذين ms2378 في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ~~إلى قوله جنات مكرمون ) # ولما كان العبد ميسرا لمالا ينفعه بل يضره من معصية الله والبطر والطغيان ~~وقد يقصد عبادة الله وطاعته والعمل الصالح فلا يتأتى له ذلك أمر في كل صلاة ~~بأن يقول ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( يقول الله عزوجل قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين نصفها لي ~~ونصفها لعبدي ولعبدى ما سأل فإذا قال ( الحمد لله رب العالمين ) قال حمدني ~~عبدي فإذا قال ( الرحمن الرحيم ) قال أثنى علي عبدي فإذا قال ( مالك يوم ~~الدين ) قال مجدنى عبدي فإذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال هذه الآية ~~بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال ( إهدنا الصراط PageV08P075 ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) قال ~~فهؤلاء لعبدى ولعبدي ما سأل وقال بعض السلف أنزل الله عز وجل مائة كتاب ~~وأربعة كتب جمع علمها في الكتب الأربعة التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ~~وجمع الأربعة في القرآن وعلم القرآن في المفصل وعلم المفصل في الفاتحة وعلم ~~الفاتحة في قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) # فكل عمل يعمله العبد ولا يكون طاعة لله وعبادة وعملا صالحا فهو باطل فإن ~~الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله وإن نال بذلك العمل رئاسة ~~ومالا فغاية المترئس أن يكون كفرعون وغاية المتمول أن يكون كقارون وقد ذكر ~~الله في سورة القصص من قصة فرعون وقارون ما فيه عبرة لأولي الألباب وكل عمل ~~لا يعين الله العبد عليه فإنه لا يكون ولا ينفع فما لا يكون به لا يكون وما ~~لا يكون له لا ينفع ولا يدوم فلذلك أمرالعبد أن يقول ( إياك نعبد وإياك ~~نستعين ) # والعبد له في المقدور ( حالان ( حال قبل القدر و ( حال ( بعده فعليه قبل ~~المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه فإذا قدر المقدور بغير فعله ~~فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك ~~وإن ms2379 كان ذنبا إستغفر إليه من ذلك # وله في المأمور ( حالان ( حال قبل الفعل وهو العزم على الإمتثال ~~PageV08P076 و الإستعانة بالله على ذلك وحال بعد الفعل وهو الأستغفار من ~~التقصير وشكر الله على ما أنعم به من الخير وقال تعالى ( فاصبرإن وعد الله ~~حق واستغفر لذنبك ) أمره أن يصبر على المصائب المقدرة ويستغفر من الذنب وإن ~~كان إستغفار كل عبد بحسبه فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين وقال تعالى ( ~~وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) وقال يوسف ( إنه من يتق ويصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) فذكرالصبر على المصائب والتقوى بترك ~~المعائب وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ~~ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر ~~الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ( # فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر ولا يتحسر على الماضي بل ~~يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه فالنظر إلى ~~القدر عند المصائب والإستغفار عند المعائب قال تعالى ( ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ~~لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) وقال تعالى ( ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) قال علقمة وغيره هو الرجل ~~تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم والله سبحانه وتعالى ~~أعلم # PageV08P077 ### |||| وسئل # عن الباري سبحانه هل يضل ويهدى ### ||||| فأجاب # إن كل ما في الوجود فهو مخلوق ~~له خلقه بمشيئته وقدرته وما شاء كان ومالم يشأ لم يكن وهو الذي يعطى ويمنع ~~ويخفض ويرفع ويعز ويذل ويغني ويفقر ويضل ويهدى ويسعد ويشقى ويولى الملك من ~~يشاء وينزعه ممن يشاء ويشرح صدر من يشاء للإسلام ويجعل صدر من يشاء ضيقا ~~كأنما يصعد في السماء وهو يقلب القلوب ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو ms2380 ~~بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ~~وهو الذى حبب إلى المؤمنين الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون # وهو الذي جعل المسلم مسلما والمصلي مصليا قال الخليل ( ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) وقال ( ربى إجعلني مقيم الصلاة ومن ~~ذريتى ) وقال تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) وقال عن آل ~~فرعون ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) وقال تعالى ( إن الإنسان خلق ~~PageV08P078 هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ) وقال ( واصنع ~~الفلك بأعيننا ووحينا ) وقال ( ويصنع الفلك ) # والفلك مصنوعة لبني آدم وقد أخبرالله تبارك وتعالى أنه خلقها بقوله ( ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) وقال ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل ~~لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها ~~وأوبارها ) الآيات وهذه كلها مصنوعة لبني آدم # وقال تعالى ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) فما بمعنى ( ~~الذي ومن جعلها مصدرية فقد غلط لكن إذا خلق المنحوت كما خلق المصنوع ~~والملبوس والمبنى دل على أنه خالق كل صانع وصنعته وقال تعالى ( من يهدي ~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) وقال ( فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) وهو سبحانه ~~خالق كل شيء وربه ومليكه وله فيما خلقه حكمة بالغة ونعمة سابغة ورحمة عامة ~~وخاصة وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لا لمجرد قدرته وقهره بل لكمال علمه ~~وقدرته ورحمته وحكمته # فإنه سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وهو أرحم بعباده من ~~الوالدة بولدها وقد أحسن كل شيء خلقه وقال تعالى ( وترى الجبال PageV08P079 ~~تحسبها جامدة وهي تمرمر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء ) وقد خلق ~~الأشياء بأسباب كما قال تعالى ( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها ) وقال ( فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) ~~وقال ms2381 تعالى ( يهدى به الله من إتبع رضوانه سبل السلام PageV08P080 ### || 1 ( أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل ) 1 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى # عن حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق ~~وانشاء الأنام وهل يخلق لعلة أو لغير علة فإن قيل لا لعلة فهو عبث تعالى ~~الله عنه وأن قيل لعلة فإن قلتم أنها لم تزل لزم أن يكون المعلوم لم يزل ~~وإن قلتم أنها محدثة لزم أن يكون لها علة والتسلسل محال ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه المسألة كبيرة من أجل المسائل الكبار ~~التى تكلم فيها الناس وأعظمها شعوبا وفروعا وأكثرها شبها ومحارات فإن لها ~~تعلقا بصفات الله تعالى وبأسمائه وأفعاله وأحكامه من الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد وهي داخلة في خلقه وأمره فكل ما في الوجود متعلق بهذه المسألة فإن ~~المخلوقات جميعها متعلقة بها وهي متعلقة بالخالق سبحانه وكذلك الشرائع كلها ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد متعلقة بها وهي متعلقة بمسائل القدر والأمر ~~وبمسائل الصفات والأفعال وهذه جوامع علوم الناس فعلم الفقه الذي هو الأمر ~~والنهي متعلق بها PageV08P081 # وقد تكلم الناس في ( تعليل الأحكام الشرعية والأمر والنهي ( كالأمر ~~بالتوحيد والصدق والعدل والصلاة والزكاة والصيام والحج والنهي عن الشرك ~~والكذب والظلم والفواحش هل أمر بذلك لحكمة ومصلحة وعلة إقتضت ذلك أم ذلك ~~لمحض المشيئة وصرف الإرادة وهل علل الشرع بمعنى الداعى والباعث أو بمعنى ~~الإمارة والعلامة وهل يسوغ في الحكمة أن ينهى الله عن التوحيد والصدق ~~والعدل ويأمر بالشرك والكذب والظلم أم لا # وتكلم الناس في تنزيه الله تعالى عن الظلم هل هو منزه عنه مع قدرته عليه ~~أم الظلم ممتنع لنفسه لا يمكن وقوعه # وتكلموا في محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه هل هي بمعنى إرادته أو هي الثواب ~~والعقاب المخلوق أم هذه صفات أخص من الإرادة # وتنازعوا فيما وقع في الأرض من الكفر والفسوق والعصيان هل يريده ويحبه ~~ويرضاه كما يريد ويحب سائر ما يحدث أم هو واقع بدون قدرته ومشيئته وهو لا ~~يقدر أن يهدى ضالا ولا ms2382 يضل مهتديا أم هو واقع بقدرته ومشيئته ولا يكون في ~~ملكه ما لا يريد وله في جميع خلقه حكمة بالغة وهو يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله ~~ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يريده الإرادة الدينية المتضمنة ~~لمحبته ورضاه وإن أراده الإرادة الكونية التى تتناول ما قدره وقضاه وفروع ~~هذا الأصل كثيرة لا يحتمل هذا الموضع إستقصاءها PageV08P082 # ولأجل تجاذب هذا الأصل ووقوع الإشتباه فيه صار الناس فيه إلى التقديرات ~~الثلاثة المذكورة في سؤال السائل وكل تقدير قال به طوائف من بنى آدم من ~~المسلمين وغير المسلمين ( # ( فالتقدير الأول ) هو قول من يقول خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا ~~لعلة ولا لداع ولا باعث بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة وهذا قول ~~كثيرممن يثبت القدر وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم وقد قال ~~بهذا طوائف من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وغيرهم وهو قول الأشعرى وأصحابه ~~وقول كثير من ( نفاة القياس في الفقه ( الظاهرية كإبن حزم وأمثاله # ومن حجة هؤلاء أنه لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصا بدونها مستكملا بها فإنه ~~إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء أو يكون وجودها أولى ~~به فإن كان الأول إمتنع أن يفعل لأجلها وإن كان الثانى ثبت أن وجودها أولى ~~به فيكون مستكملا بها فيكون قبلها ناقصا # ومن حجتهم ما ذكره السائل من أن العلة إن كانت قديمة وجب قدم المعلول لأن ~~العلة الغائية وإن كانت متقدمة على المعلول في العلم والقصد كما يقال أول ~~الفكرة آخر العمل وأول البغية آخر الدرك ويقال أن العلة الغائية بها ~~صارالفاعل فاعلا فلا ريب أنها متأخرة في الوجود عنه فمن فعل فعلا ~~PageV08P083 لمطلوب يطلبه بذلك الفعل كان حصول المطلوب بعد الفعل فإذا قدر ~~أن ذلك المطلوب الذي هو العلة قديما كان الفعل قديما بطريق الأولى # فلو قيل أنه يفعل لعلة قديمة لزم أن لا يحدث شيء من الحوادث وهو خلاف ~~المشاهدة وإن قيل أنه فعل لعلة حادثة لزم محذوران # ( أحدهما ) أن يكون محلا ms2383 للحوادث فإن العلة إذا كانت منفصلة عنه فإن لم ~~يعد إليه منها حكم إمتنع أن يكون وجودها أولى به من عدمها وإذا قدر أنه عاد ~~إليه منها حكم كان ذلك حادثا فتقوم به الحوادث # ( المحذور الثاني ) أن ذلك يستلزم التسلسل من وجهين ( أحدهما ) أن تلك ~~العلة الحادثة المطلوبة بالفعل هي أيضا مما يحدثه الله تعالى بقدرته ~~ومشيئته فإن كانت لغير علة لزم العبث كما تقدم وإن كانت لعلة عاد التقسيم ~~فيها فإذا كان كل ما أحدثه أحدثه لعلة والعلة مما أحدثه لزم تسلسل الحوادث ~~( الثاني ) أن تلك العلة إما أن تكون مرادة لنفسها أو لعلة أخرى فإن كانت ~~مرادة لنفسها إمتنع حدوثها لأن ما أراده الله تعالى لذاته وهو قادر عليه لا ~~يؤخر أحداثه وأن كانت مرادة لغيرها فالقول في ذلك الغير كالقول فيها ويلزم ~~التسلسل فهذا ونحوه من حجج من ينفي تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه # ( والتقدير الثانى ) قول من يجعل العلة الغائية قديمة كما يجعل العلة ~~الفاعلية PageV08P084 قديمة كما يقول ذلك طوائف من المسلمين كما سيأتى ~~بيانه وكما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفه القائلين بقدم العالم وهؤلاء ~~أصل قولهم أن المبدع للعالم علة تامة تستلزم معلولها لا يجوز أن يتأخر عنها ~~معلولها وأعظم حججهم قولهم أن جميع الأمور المعتبرة في كونه فاعلا إن كانت ~~موجودة في الأزل لزم وجود المفعول في الأزل لأن العلة التامة لا يتأخر عنها ~~معلولها فإنه لو تأخر لم تكن جميع شروط الفعل وجدت في الأزل فإنا لا نعني ~~بالعلة التامة إلا ما يستلزم المعلول فإذا قدر أنه تخلف عنها المعلول لم ~~تكن تامة وإن لم تكن العلة التامة التى هي جميع الأمور المعتبرة في الفعل ~~وهي المقتضى التام لوجود الفعل وهي جميع شروط الفعل التى يلزم من وجودها ~~وجود الفعل إن لم يكن جميعها في الأزل فلا بد إذا وجد المفعول بعد ذلك من ~~تجدد سبب حادث وإلالزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح وإذا كان هناك سبب ~~حادث فالقول في حدوثه ms2384 كالقول في الحادث الأول ويلزم التسلسل قالوا فالقول ~~بإنتفاءالعلة التامة المستلزمة للمفعول يوجب إما التسلسل وإما الترجيح بلا ~~مرجح # ثم أكثر هؤلاء يثبتون علة غائية للفعل وهي بعينها الفاعلية ولكنهم ~~متناقضون فإنهم يثبتون له العلة الغائية ويثبتون لفعله العلة الغائية ~~ويقولون مع هذا ليس له إرادة بل هو موجب بالذات لا فاعل بالإختيار وقولهم ~~باطل من وجوه كثيرة PageV08P085 # ( منها ) أن يقال هذا القول يستلزم أن لا يحدث شيء وأن كل ما حدث حدث ~~بغير إحداث محدث ومعلوم أن بطلان هذا أبين من بطلان التسلسل وبطلان الترجيح ~~بلا مرجح وذلك أن العلة التامة المستلزمة لمعلولها يقترن بها معلولها ولا ~~يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها فكل ما حدث من الحوادث لا يجوز أن يحدث ~~عن هذه العلة التامة وليس هناك ما تصدر عنه الممكنات سوى الواجب بنفسة الذي ~~سماه هؤلاء علة تامة فإذا إمتنع صدور الحوادث عنه وليس هناك ما يحدثها غيره ~~لزم أن تحدث بلا محدث # ( وأيضا ) فلو قدر أن غيره أحدثها فإن كان وأجبا بنفسه كان القول فيه ~~كالقول في الواجب الأول وأصل قولهم أن الواجب بنفسه علة تامة تستلزم مقارنة ~~معلوله له فلا يجوز أن يصدر على قولهم عن العلة التامة حادث لا بواسطة ولا ~~بغير واسطة لأن تلك الواسطة إن كانت من لوازم وجوده كانت قديمة معه فإمتنع ~~صدور الحوادث عنها وإن كانت حادثة كان القول فيها كالقول في غيرها # وإن قدر أن المحدث للحوادث غير واجب بنفسه كان ممكنا مفتقرا إلى موجب ~~يوجب به ثم إن قيل أنه محدث كان من الحوادث وإن قيل أنه قديم كان له علة ~~تامة مستلزمة له وإمتنع حينئذ حدوث الحوادث عنه فإن الممكن لا يوجد هو ولا ~~شيء من صفاته وأفعاله إلا عن الواجب بنفسه فإذا قدر حدوث الحوادث عن ممكن ~~قديم معلول لعلة قديمة قيل هل حدث فيه سبب PageV08P086 يقتضي الحدوث أم لا ~~فإن قيل لم يحدث سبب لزم الترجيح بلا مرجح وإن قيل حدث سبب لزم التسلسل ms2385 كما ~~تقدم # ( الوجه الثاني ) الذى يبين بطلان قولهم أن يقال مضمون الحجة أنه إذا لم ~~يكن ثم علة قديمة لزم التسلسل أو الترجيح بلا مرجح والتسلسل عندكم جائز فإن ~~أصل قولهم أن هذه الحوادث متسلسلة شيئا بعد شيء وأن حركات الفلك توجب ~~إستعداد القوابل لأن تفيض عليها الصورالحادثة من العلة القديمة سواء قلتم ~~هي العقل الفعال أو هي الواجب الذي يصدر عنه بتوسط العقول أو غير ذلك من ~~الوسائط وإذا كان التسلسل جائزا عندكم لم يمتنع حدوث الحوادث عن غير علة ~~موجبة للمعلول وإن لزم التسلسل بل هذا خير في الشرع والعقل من قولكم وذلك ~~أن الشرع أخبر أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهذا مما أتفق عليه ~~أهل الملل المسلمون واليهود والنصارى فإن قيل إنه خلقها بسبب حادث قبل ذلك ~~كان خيرا من قولكم أنها قديمة أزلية معه في الشرع وكان أولى في العقل لأن ~~العقل ليس فيه ما يدل على قدم هذه الأفلاك حتى يعارض الشرع وهذه الحجة ~~العقلية إنما تقتضى أنه لايحدث شيء إلا بسبب حادث فإذا قيل أن السماوات ~~والأرض خلقها الله تعالى بما حدث قبل ذلك لم يكن في حجتكم العقلية ما يبطل ~~هذا # ( الوجه الثالث ) أن يقال حدوث حادث بعد حادث بلا نهاية إما أن يكون ~~ممكنا في العقل أو ممتنعا فإن كان ممتنعا في العقل لزم أن الحوادث جميعها ~~PageV08P087 لها أول كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام وبطل قولهم بقدم ~~حركات الأفلاك وإن كان ممكنا أمكن أن يكون حدوث ما أحدثه الله تعالى ~~كالسموات والأرض موقوفا على حوادث قبل ذلك كما تقولون أنتم فيما يحدث في ~~هذا العالم من الحيوان والنبات والمعادن والمطر والسحاب وغير ذلك فيلزم ~~فساد حجتكم على التقديرين # ثم يقال أما أن تثبتوا لمبدع العالم حكمة وغاية مطلوبة وأما أن لا تثبتوا ~~فإن لم تثبتوا بطل قولكم بإثبات العلة الغائية وبطل ما تذكرونه من حكمة ~~الباري تعالى في خلق الحيوان وغير ذلك من المخلوقات و ( أيضا ms2386 ) فالوجود ~~يبطل هذا القول فإن الحكمة الموجودة في الوجود أمر يفوق العد والإحصاء ~~كإحداثه سبحانه لما يحدثه من نعمته ورحمته وقت حاجة الخلق إليه كإحداث ~~المطر وقت الشتاء بقدر الحاجة وإحداثه للإنسان الآلات التى يحتاج إليها ~~بقدر حاجته وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه وإن أثبتم له حكمة مطلوبة وهي ~~بإصطلاحكم العلة الغائية لزمكم أن تثبتوا له المشيئة والإرادة بالضرورة فإن ~~القول بأن الفاعل فعل كذا لحكمة كذا بدون كونه مريدا لتلك الحكمة المطلوبة ~~جمع بين النقيضين وهؤلاء المتفلسفة من أكثر الناس تناقضا ولهذا يجعلون ~~العلم هو العالم والعلم هو الإرادة والإرادة هي القدرة وأمثال ذلك كما قد ~~بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع # ( وأما التقدير الثالث ) وهو أنه فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة ~~PageV08P088 محمودة فهذا قول أكثرالناس من المسلمين وغيرالمسلمين وقول ~~طوائف من أصحاب أبى حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم وقول طوائف من أهل ~~الكلام من المعتزلة والكرامية والمرجئة وغيرهم وقول أكثر أهل الحديث ~~والتصوف وأهل التفسير وقول أكثر قدماء الفلاسفة وكثير من متأخريهم كأبى ~~البركات وأمثاله لكن هؤلاء على أقوال # ( منهم ) من قال أن الحكمة المطلوبة مخلوقة منفصلة عنه أيضا كما يقول ذلك ~~من يقوله من المعتزلة والشيعة ومن وافقهم وقالوا ( الحكمة في ذلك إحسانه ~~إلى الخلق والحكمة في الأمر تعويض المكلفين بالثواب وقالوا أن فعل الإحسان ~~إلى الغير حسن محمود في العقل فحلق الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود إليه ~~من ذلك حكم ولا قام به فعل ولا نعت # فقال لهم الناس أنتم متناقضون في هذا القول لأن الإحسان إلى الغير محمود ~~لكونه يعود منه على فاعله حكم يحمد لأجله إما لتكميل نفسه بذلك وإما لقصده ~~الحمد والثواب بذلك وأما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم ~~وإما للتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان فإن النفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ ~~بالخيرالذي يحصل منها إلى غيرها فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود ~~إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله أما إذا قدر أن ms2387 وجود الإحسان وعدمه ~~بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه بل مثل هذا يعد ~~عبثا في عقول العقلاء وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة ولا PageV08P089 ~~مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عابثا ولم يكن ~~محمودا على هذا وأنتم عللتم أفعاله فرارا من العبث فوقعتم في العبث فإن ~~العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل ~~ولهذا لم يأمرالله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من العقلاء ~~أحدا بالإحسان إلى غيره ونفعه ونحو ذلك إلا لما له في ذلك من المنفعة ~~والمصلحة والا فأمر الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة ولا سرور ولا منفعة ~~ولا فرح بوجه من الوجوه لافي العاجل ولا في الآجل لايستحسن من الآمر # ونشأ من هذا الكلام نزاع بين المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم في ( مسألة ~~التحسين والتقبيح العقلي ( فأثبت ذلك المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم من أصحاب ~~أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث وغيرهم وحكوا ذلك عن أبي حنيفة ~~نفسه ونفى ذلك الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~وإتفق الفريقان على أن الحسن والقبح إذا فسرا بكون الفعل نافعا للفاعل ~~ملائما له ولكونه ضارا للفاعل منافرا له أنه يمكن معرفته بالعقل كما يعرف ~~بالشرع وظن من ظن من هؤلاء أن الحسن والقبح المعلوم بالشرع خارج عن هذا ~~وهذا ليس كذلك بل جميع الأفعال التى أوجبها الله تعالى وندب إليها هي نافعة ~~لفاعليها ومصلحة لهم وجميع الأفعال التى نها الله عنها هي ضارة لفاعليها ~~ومفسدة في حقهم والحمد والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل ومصلحة ~~له والذم والعقاب المترتب على معصيته ضار للفاعل ومفسدة له PageV08P090 # والمعتزلة أثبتت الحسن في أفعال الله تعالى لا بمعنى حكم يعود إليه من ~~أفعاله ومنازعوهم لما إعتقدوا أن لأحسن ولا قبح في الفعل إلا ما عاد إلى ~~الفاعل منه حكم نفوا ذلك وقالوا القبيح في حق الله ms2388 تعالى هو الممتنع لذاته ~~وكل ما يقدر ممكنا من الأفعال فهو حسن إذ لافرق بالنسبة إليه عندهم بين ~~مفعول ومفعول وأولئك أثبتوا حسنا وقبحا لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم ~~بذاته إذ عندهم لايقوم بذاته لا وصف ولا فعل ولا غير ذلك وإن كانوا قد ~~يتناقضون ( # ثم أخذوا يقيسون ذلك على مايحسن من العبد ويقبح فجعلوا يوجبون على الله ~~سبحانه ما يوجبون على العبد ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد ~~ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته وعدله ولا يثبتون ~~له مشيئة عامة ولا قدرة تامة فلا يجعلونه ( على كل شيء قدير ) ولايقولون ( ~~ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ( ولا يقرون بأنه خالق كل شيء ويثبتون ~~له من الظلم ما نزه نفسه عنه سبحانه فإنه قال ( ومن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ) أي لايخاف أن يظلم فيحمل عليه من سيئات غيره ~~ولا يهضم من حسناته وقال تعالى ( مايبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) ~~وقال النبى صلى الله عليه وسلم في حديث البطاقة الذي رواه الإمام أحمد ~~والترمذي وغيرهما ( يجاء برجل من أمتى يوم القيامة فتنشر له تسعة وتسعون ~~سجلا كل سجل مد البصر فيقال له هل تنكر من هذا شيئا فيقول لا يارب فيقال له ~~ألك عذر أ لك حسنة فيقول لا يارب فيقول بلى PageV08P091 إن لك عندنا حسنة ~~وأنه لا ظلم عليك اليوم قال فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله ~~فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ( فقد ~~أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أنه لا يظلم بل يثاب على ما أتى به من ~~التوحيد كما قال تعالى ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره ) # وجمهور هؤلاء الذين يسمون أنفسهم ( عدلية ( يقولون من فعل كبيرة واحدة ~~أحبطت جميع حسناته وخلد في نار جهنم فهذا الذي سماه الله ورسوله ظلما يصفون ~~الله ms2389 به مع دعواهم تنزيهه عن الظلم ويسمون تخصيصه من يشاء برحمته وفضله ~~وخلقه ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ظلما والكلام في هذه الأمور ~~مبسوط في غير هذا الموضع ولكن نبهنا على مجامع أصول الناس في هذا المقام # وهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة يوجبون على الله سبحانه أن يفعل ~~بكل عبد ما هو الأصلح له في دينه وتنازعوا في وجوب الأصلح في دنياه ومذهبهم ~~أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوق من المصلحة الدينية غير ما فعل ولا يقدر أن ~~يهدي ضالا ولا يضل مهتديا # وأما سائر الطوائف الذين يقولون بالتعليل من الفقهاء وأهل الحديث ~~والصوفية وأهل الكلام كالكرامية وغيرهم والمتفلسفة أيضا فلا يوافقونهم على ~~PageV08P092 هذا بل يقولون أنه يفعل ما يفعل سبحانه لحكمة يعلمها سبحانه ~~وتعالى وقد يعلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه وقد ~~لايعلمون ذلك ( # والأمور العامة التى يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم فإنه كما قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ( فإن ~~إرساله كان من أعظم النعمة على الخلق وفية أعظم حكمة للخالق ورحمة منه ~~لعباده كما قال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) وقال تعالى ( ~~وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين ) وقال ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات ~~أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى ~~الله الشاكرين ) وقال تعالى ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ) ~~قالوا هو محمد صلى الله عليه وسلم ( # فإذا قال قائل فقد تضرر برسالته طائفة من الناس كالذين كذبوه من المشركين ~~وأهل الكتاب كان عن هذا جوابان # ( أحدهما ) أنه نفعهم بحسب الإمكان فإنه أضعف شرهم الذي كانوا يفعلونه ~~لولا الرسالة بإظهار الحجج والآيات التى زلزلت ما في قلوبهم وبالجهاد ~~والجزية التى أخافتهم ms2390 وأذلتهم حتى قل شرهم ومن قتله منهم مات قبل أن يطول ~~عمره في الكفر فيعظم كفره فكان ذلك تقليلا لشره والرسل صلوات الله عليهم ~~PageV08P093 بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب ~~الإمكان # ( والجواب الثاني ) أن ما حصل من الضرر أمر مغمور في جنب ما حصل من النفع ~~كالمطر الذي عم نفعه إذا خرب به بعض البيوت أو إحتبس به بعض المسافرين ~~والمكتسبين كالقصارين ونحوهم وما كان نفعه ومصلحته عامه كان خيرا مقصودا ~~ورحمة محبوبة وإن تضرر به بعض الناس وهذا الجواب أجاب به طوائف من المسلمين ~~وأهل الكلام والفقه وغيرهم من الحنفية والحنبلية وغيرهم ومن الكرامية ~~والصوفية وهو جواب كثير من المتفلسفة # وقال هؤلاء جميع ما يحدثه في الوجود من الضرر فلا بد فيه من حكمة قال ~~الله تعالى ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) وقال ( الذي أحسن كل شيءخلقه ~~والضرر الذي يحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شرا مطلقا وإن كان شرا بالنسبة ~~إلى من تضرر به ولهذا لايجيء في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه ~~وسلم إضافة الشر وحده إلى الله بل لا يذكر الشر إلا على أحد وجوه ( ثلاثة ( ~~إما أن يدخل في عموم المخلوقات فإنه إذا دخل في العموم أفاد عموم القدرة ~~والمشيئة والخلق وتضمن ما إشتمل عليه من حكمة تتعلق بالعموم وإما أن يضاف ~~إلى السبب الفاعل وإما أن يحذف فاعله فالأول كقوله تعالى ( الله خالق كل ~~شيء ) ونحو ذلك ومن هذا الباب أسماء الله المقترنة كالمعطي المانع ~~والضارالنافع المعز المذل الخافض الرافع PageV08P094 فلا يفرد الإسم المانع ~~عن قرينه ولا الضار عن قرينه لإن إقترانهما يدل على العموم وكل مافى الوجود ~~من رحمة ونفع ومصلحة فهو من فضله تعالى وما في الوجود من غير ذلك فهو من ~~عدله فكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل كما في الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ~~أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات ms2391 والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده ~~الأخرى القسط يخفض ويرفع ( فأخبر أن يده اليمنى فيها الإحسان إلى الخلق ~~ويده الأخرى فيها العدل والميزان الذى به يخفض ويرفع فخفضه ورفعه من عدله ~~وإحسانه إلى خلقه من فضله # وأما حذف الفاعل فمثل قول الجن ( وانا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم ~~أراد بهم ربهم رشدا ) وقوله تعالى في سورة الفاتحة ( صراط الذين أنعمت ~~عليهم غيرالمغضوب عليهم ولا الضالين ) ونحو ذلك # وإضافته إلى السبب كقوله ( من شر ما خلق ) وقوله ( فأردت أن أعيبها ) مع ~~قوله ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ) وقوله تعالى ( ماأصابك ~~من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) وقوله ( ربنا ظلمنا أنفسنا ~~) وقوله تعالى ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو ~~من عند أنفسكم ) وأمثال ذلك PageV08P095 # ولهذا ليس من أسماء الله الحسنى أسم يتضمن الشر وإنما يذكر الشر في ~~مفعولاته كقوله ( نبىء عبادي إني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم ) وقوله ( إن ربك لسريع العقاب وأنه لغفور رحيم ) وقوله ( اعلموا أن ~~الله شديد العقاب وأنه لغفور رحيم ) وقوله ( إن بطش ربك لشديد أنه هو يبدىء ~~ويعيد وهو الغفور الودود ) فبين سبحانه أن بطشه شديد وأنه هوالغفور الودود # وإسم ( المنتقم ( ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم وإنما جاء في القرآن مقيدا كقوله تعالى ( أنا من المجرمين ~~منتقمون ) وقوله ( إن الله عزيز ذو إنتقام ) والحديث الذي في عدد الأسماء ~~الحسنى الذى يذكر فيه المنتقم فذكر في سياقه ( البر التواب المنتقم العفو ~~الرؤوف ( ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبى صلى الله عليه وسلم ~~بل هذا ذكره الوليد إبن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو عن بعض شيوخه ولهذا ~~لم يروه أحد من أهل الكتب المشهورة إلا الترمذى رواه عن طريق الوليد بن ~~مسلم بسياق ورواه غيره بإختلاف في الأسماء وفى ترتيبها يبين أنه ليس من ~~كلام النبى صلى الله ms2392 عليه وسلم وسائر من روى هذا الحديث عن أبى هريرة ثم عن ~~الأعرج ثم عن أبى الزناد لم يذكروا أعيان الأسماء # بل ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تسعة وتسعين إسما مائة إلا ~~واحدا من أحصاها دخل الجنة ( وهكذا أخرجه أهل الصحيح كالبخارى ومسلم ~~وغيرهما ولكن روي عدد الأسماء من PageV08P096 طريق أخرى من حديث محمد بن ~~سيرين عن أبى هريرة ورواه إبن ماجه وإسناده ضعيف يعلم أهل الحديث أنه ليس ~~من كلام النبى صلى الله عليه وسلم وليس في عدد الأسماء الحسنى عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم إلا هذان الحديثان كلاهما مروى من طريق أبى هريرة وهذا ~~مبسوط في موضعه # والمقصود هنا التنبيه على أصول تنفع في معرفة هذه المسألة فإن نفوس بني ~~آدم لايزال يحوك فيها من هذه المسألة أمر عظيم # وإذا علم العبد من حيث الجملة أن لله فيما خلقه وما أمر به حكمة عظيمة ~~كفاه هذا ثم كلما إزداد علما وإيمانا ظهر له من حكمة الله ورحمته ما يبهر ~~عقله ويبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال ( سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) فإنه صلى الله عليه وسلم قال ~~في الحديث الصحيح ( لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها ( وفى الصحيحين عنه ~~أنه قال ( إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة ~~فبها يتراحم الخلق حتى أن الدابة لترفع حافرها عن ولدها من تلك الرحمة ~~وإحتبس عنده تسعا وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم ~~بها عباده ( أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # ثم هؤلاء الجمهور من المسلمين وغيرهم كأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من ~~السلف والعلماء الذين يثبتون حكمته فلا ينفونها كما نفاها الأشعرية ونحوهم ~~PageV08P097 الذين لم يثبتوا إلا إرادة بلا حكمة ومشيئة بلا رحمة ولا محبة ~~ولا رضى وجعلوا جميع المخلوقات بالنسبة إليه سواء لا يفرقون بين الإرادة ~~والمحبة والرضى بل ماوقع من الكفر ms2393 والفسوق والعصيان قالوا أنه يحبه ويرضاه ~~كما يريده وإذا قالوا لايحبه ولا يرضاه دينا قالوا إنه لا يريده دينا وما ~~لم يقع من الإيمان والتقوى فإنه لايحبه ولا يرضاه عندهم كمالا يريده وقد ~~قال تعالى ( إذ يبيتون مالا يرضى من القول ) ( # فأخبر أنه لايرضاه مع أنه قدره وقضاه لا يوافقون المعتزلة على إنكار قدرة ~~الله تعالى وعموم خلقه ومشيئته وقدرته ولا يشبهونه بخلقه فيما يوجب ويحرم ~~كما فعل هؤلاء ولا يسلبونه ما وصف به نفسه من صفاته وأفعاله بل أثبتوا له ~~ما أثبته لنفسه من الصفات والأفعال ونزهوه عما نزه عنه نفسه من الصفات ~~والأفعال وقالوا إن الله خالق كل شيء ومليكه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~وهو على كل شيء قدير وهو يحب المحسنين والمتقين والمقسطين ويرضى عن ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين إتبعوهم بإحسان ولا يحب ~~الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يرضى بالقول المخالف لأمر الله ورسوله # وقالوا مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه فقد فرق بين المخلوقات أعيانها ~~وأفعالها كما قال تعالى ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) وكما قال ( أم حسب ~~الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون ) وقال تعالى ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) وقال تعالى PageV08P098 ( ~~وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما ~~يستوي الأحياء ولا الأموات ) وأمثال ذلك مما يبين الفرق بين المخلوقات ~~وإنقسام الخلق إلى شقي وسعيد كما قال تعالى ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن ) وقال تعالى ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) وقال تعالى ~~( يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) وقال تعالى ( ~~ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في ~~روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في ~~العذاب محضرون ) ونظائر هذا في القرآن كثيرة # وينبغي أن يعلم أن هذا المقام زل فيه طوائف ms2394 من أهل الكلام والتصوف وصاروا ~~فيه إلى ماهو شر من قول المعتزلة ونحوهم من القدرية فإن هؤلاء يعظمون الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد وطاعة الله ورسوله ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر لكن ضلوا في القدر وإعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة وقدرة شاملة ~~وخلقا متناولا لكل شيء لزم من ذلك القدح في عدل الرب وحكمته وغلطوا في ذلك ~~( # فقابل هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف فأثبتوا القدر ~~وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ~~خالق كل شيء وربه ومليكه وهذا حسن وصواب لكنهم قصروا في الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد وأفرطوا حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد فصاروا من جنس المشركين ~~الذين قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا PageV08P099 من ~~شيء ) فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث أنهم أثبتوا فاعلا ~~لما أعتقدوه شرا غير الله سبحانه فهؤلاء شابهوا المشركين الذين قالوا ( لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) فالمشركون شر من المجوس ~~فإن المجوس يقرون بالجزية بإتفاق المسلمين وقد ذهب بعض العلماء إلى حل ~~نسائهم وطعامهم # وأما المشركون فإتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم وطعامهم ومذهب الشافعي ~~وأحمد في المشهور عنه وغيرهما أنهم لا يقرون بالجزية وجمهور العلماء على أن ~~مشركي العرب لايقرون الجزية وإن أقرت المجوس فإن النبى صلى الله عليه وسلم ~~لم يقبل الجزية من أحد من المشركين بل قال ( أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عزوجل ( # والمقصود هنا أن من أثبت القدر وإحتج به على أبطال الأمر والنهي فهو شر ~~ممن أثبت الأمر والنهي ولم يثبت القدر وهذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم ~~من أهل الملل بل بين جميع الخلق فإن من إحتج بالقدر وشهود الربوبية العامة ~~لجميع المخلوقات ولم يفرق بين المأمور والمحظور والمؤمنين والكفار وأهل ~~الطاعة وأهل المعصية ms2395 لم يؤمن بأحد من الرسل ولا بشيء من الكتب وكان عنده ~~آدم وإبليس سواء ونوح وقومه سواء وموسى وفرعون سواء والسابقون الأولون ~~وكفار مكة سواء ( # وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف والزهد والعبادة لاسيما ~~PageV08P100 إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المثبتين للقدر والمشيئة من غير ~~إثبات المحبة والبغض والرضى والسخط الذين يقولون ( التوحيد ) هو توحيد ~~الربوبية و ( الإلهية ( عندهم هي القدرة على الإختراع ولا يعرفون توحيد ~~الإلهية ولا يعلمون أن الأله هو المألوه المعبود وأن مجرد الإقرار بأن الله ~~رب كل شيء لا يكون توحيدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله كما قال تعالى ( وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) قال عكرمة تسألهم من خلق السماوات ~~والأرض فيقولون الله وهم يعبدون غيره وهؤلاء يدعون التحقيق والفناء في ~~التوحيد ويقولون أن هذا نهاية المعرفة وأن العارف إذا صار في هذا المقام ~~لايستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشاملة ~~وهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء الله ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله # وهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام الذين ~~قال الله عنهم ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون ) وقال تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل PageV08P101 شيء عليم ولئن سألتهم من ~~نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله ~~بل أكثرهم لايعقلون ) وقال تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) وقال تعالى ( ولئن سألتهم ~~من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون ) وقال تعالى ( قل ms2396 من يرزقكم من السماء ~~والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق ~~فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~إنهم لا يؤمنون قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ ~~الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله ~~يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لايهدى إلا أن يهدى فما لكم ~~كيف تحكمون ) وقال تعالى ( أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ~~ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل ~~هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل ~~بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاءالأرض أإله مع الله قليلا ماتذكرون أمن ~~يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته أإله مع ~~الله تعالى الله عما يشركون أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء ~~والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين PageV08P102 # فإن هؤلاء المشركين كانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض وخالقهم ~~وبيده ملكوت كل شيء بل كانوا مقرين بالقدر أيضا فإن العرب كانوا يثبتون ~~القدر في الجاهلية وهو معروف عنهم في النظم والنثر ومع هذا فلما لم يكونوا ~~يعبدون الله وحده لا شريك له بل عبدوا غيره كانوا مشركين شرا من اليهود ~~والنصارى فمن كان غاية توحيده وتحقيقه هو هذا التوحيد كان غاية توحيده ~~توحيد المشركين # وهذا المقام مقام وأى مقام زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وبدل فيه دين ~~المسلمين والتبس فيه أهل التوحيد بعباد الأصنام على كثير ممن يدعون نهاية ~~التوحيد والتحقيق والمعرفة والكلام # ومعلوم عند كل من يؤمن بالله ورسوله أن ms2397 المعتزلة والشيعة القدرية ~~المثبتين للأمر والنهي والوعد والوعيد خير ممن يسوي بين المؤمن والكافر ~~والبر والفاجر والنبى الصادق والمتنبىء الكاذب وأولياء الله وأعدائه ويجعل ~~هذا غاية التحقيق ونهاية التوحيد وهؤلاء يدخلون في مسمى ( القدرية ( الذين ~~ذمهم السلف بل هم أحق بالذم من المعتزلة ونحوهم كما قال أبو بكر الخلال في ~~( كتاب السنة ( الرد على القدرية وقولهم أن الله أجبر العباد على المعاصي ~~وذكر عن المروذي قال قلت لأبي عبد الله رجل يقول أن الله أجبر العباد فقال ~~هكذا لا تقول وأنكر ذلك وقال ( يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء ) وذكر عن ~~المروذي أن رجلا قال أن الله لم يجبر العباد على المعاصي PageV08P103 فرد ~~عليه آخر فقال أن الله جبر العباد أراد بذلك إثبات القدر فسألوا عن ذلك ~~أحمد بن حنبل فأنكر عليهما جميعا على الذي قال جبر وعلى الذي قال لم يجبر ~~حتى تاب وأمر أن يقال ( يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء ) # وذكر عن عبد الرحمن بن مهدى قال أنكر سفيان الثوري ( جبر ( وقال إن الله ~~جبل العباد قال المروذي أراد قول النبى صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس ~~يعنى قوله ( إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة ) فقال أخلقين تخلقت ~~بهما أم خلقين جبلت عليهما فقال ( بل خلقين جبلت عليهما ( فقال الحمد لله ~~الذي جبلنى على خلقين يحبهما # وذكر عن أبي إسحاق الفزاري قال قال الأوزاعي أتانى رجلان فسألانى عن ~~القدر فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما قلت رحمك الله أنت أولى ~~بالجواب قال فأتانى الأوزاعي ومعه الرجلان فقال تكلما فقالا قدم علينا ناس ~~من أهل القدر فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه حتى بلغ بنا وبهم إلى أن ~~قلنا أن الله جبرنا على مانهانا عنه وحال بيننا وبين ما أمرنا به ورزقنا ما ~~حرم علينا فقلت يا هؤلاء إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد إبتدعوا بدعة ~~وأحدثوا حدثا وأنى أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه فقال ~~أصبت وأحسنت يا ms2398 أبا إسحاق و # ذكر عن بقية بن الوليد قال سألت الزبيدي والأوزاعي عن ( الجبر ~~PageV08P104 فقال الزبيدي أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبرأو يعضل ~~ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب وقال الأوزاعي ما أعرف للجبر ~~أصلا من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل ~~فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقد قال مطرف بن الشخير لم نوكل إلى القدر وإليه نصير وقال ضمرة إبن ~~ربيعة لم نؤمر أن نتكل على القدر وإليه نصير # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( ما منكم من أحد إلا ~~وقد علم مقعده من الجنة ومقعدة من النار ( قالوا يا رسول الله أفلا ندع ~~العمل ونتكل على الكتاب فقال ( لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له ( وهذا باب ~~واسع # والمقصود هنا أن الخلال وغيره من أهل العلم أدخلوا القائلين بالجبر في ~~مسمى ( القدرية ( وإن كانوا لا يحتجون بالقدر على المعاصي فكيف بمن يحتج به ~~على المعاصي ومعلوم أنه يدخل في ذم من ذم الله من القدرية من يحتج به على ~~إسقاط الأمر والنهي أعظم مما يدخل فيه المنكر له فإن ضلال هذا أعظم # ولهذا قرنت القدرية بالمرجئة في كلام غير واحد من السلف وروي في ذلك حديث ~~مرفوع لأن كلا من هاتين البدعتين تفسد الأمر والنهي والوعد والوعيد ~~فالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد ويهون أمر الفرائض والمحارم PageV08P105 و ~~القدري أن إحتج به كان عونا للمرجىء وإن كذب به كان هو والمرجىء قد تقابلا ~~هذا يبالغ في التشديد حتى لا يجعل العبد يستعين بالله على فعل ماأمر به ~~وترك ما نهى عنه وهذا يبالغ في الناحية الأخرى # ومن المعلوم ان الله تعالى ارسل الرسل وانزل الكتب لتصدق الرسل فيما ~~اخبرت وتطاع فيما امرت كما قال تعالى ( وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن ~~الله ) وقال تعالى ( من يطع الرسول فقد اطاع الله ) والايمان بالقدر من ~~تمام ذلك فمن اثبت ms2399 القدر وجعل ذلك معارضا للامر فقد اذهب الاصل # ومعلوم ان من اسقط الامر والنهى الذى بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق ~~المسلمين واليهود والنصارى بل هؤلاء قولهم متناقض لا يمكن احدا منهم ان ~~يعيش به ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق ولا يتعاشر عليه اثنان فان القدر ~~ان كان حجة فهو حجة لكل أحد والا فليس حجة لاحد فاذا قدر ان الرجل ظلمه ~~ظالم أو شتمه شاتم أو اخذ ماله أو افسد اهله أو غير ذلك فمتى لامه أو ذمه ~~أو طلب عقوبته ابطل الاحتجاج بالقدر ومن ادعى ان العارف اذا شهد القدر سقط ~~عنه الامر كان هذا الكلام من الكفر الذى لا يرضاه لا اليهود ولا النصارى بل ~~ذلك ممتنع في العقل محال في الشرع فان الجائع يفرق بين الخبز والتراب ~~والعطشان يفرق بين الماء والسراب فيحب ما يشبعه ويرويه دون ما لا ينفعه ~~والجميع مخلوق لله تعالى فالحى وان PageV08P106 # كان من كان لابد ان يفرق بين ما ينفعه وينعمه ويسره وبين ما يضره ويشقيه ~~ويؤلمه وهذا حقيقة الامر والنهى فان الله تعالى امر العباد بما ينفعهم ~~ونهاهم عما يضرهم ( # والناس في الشرع والقدر على ( اربعة انواع ) فشر الخلق من يحتج بالقدر ~~لنفسه ولا يراه حجة لغيره يستند إليه في الذنوب والمعائب ولا يطمئن إليه في ~~المصائب كما قال بعض العلماء انت عند الطاعة قدرى وعند المعصية جبرى أي ~~مذهب وافق هواك تمذهبت به وبازاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون على المصائب ~~ويستغفرون من المعائب كما قال تعالى ( فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك ~~) وقال تعالى ( ما اصاب من مصيبة في الأرض ولا في انفسكم الا في كتاب من ~~قبل ان نبرأها ان ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بما اتاكم ) وقال تعالى ( ما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله ~~يهد قلبه ) قال بعض السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم انها من عند الله ~~فيرضى ويسلم قال تعالى ms2400 ( والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا ~~وهم يعلمون ) # وقد ذكر الله تعالى عن ادم عليه السلام انه لما فعل ما فعل قال ( ربنا ~~ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) وعن ابليس انه ~~قال ( فبما اغويتنى لازينن لهم في الأرض ولا غوينهم اجمعين ) فمن تاب اشبه ~~PageV08P107 اباه آدم ومن اصر واحتج بالقدر اشبه ابليس والحديث الذى في ~~الصحيحين في احتجاج ادم وموسى عليهما السلام لما قال له موسى ( انت ادم أبو ~~البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك اسماء كل شيء لماذا اخرجتنا ~~ونفسك من الجنة فقال له ادم انت موسى الذى اصطفاك الله برسالته وبكلامه وخط ~~لك التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبا على قبل ان اخلق ( وعصى ادم ربه فغوى ) ~~قال بكذا وكذا سنة قال فحج ادم موسى ) وهذا الحديث في الصحيحين من حديث ابى ~~هريرة وقد روى باسناد جيد من حديث عمر رضى الله عنه ( # فآدم عليه السلام انما حج موسى لان موسى لامه على ما فعل لاجل ما حصل لهم ~~من المصيبة بسبب اكله من الشجرة لم يكن لومه له لاجل حق الله في الذنب فان ~~ادم كان قد تاب من الذنب كما قال تعالى ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ~~) وقال تعالى ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) وموسى ومن هو دون موسى عليه ~~السلام يعلم انه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب وآدم اعلم ~~بالله من ان يحتج بالقدر على الذنب وموسى عليه السلام اعلم بالله تعالى من ~~ان يقبل هذه الحجة فان هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لابليس عدو آدم ~~وحجة لفرعون عدو موسى وحجة لكل كافر وفاجر وبطل امر الله ونهيه بل انما كان ~~القدر حجة لآدم على موسى لانه لام غيره لاجل المصيبة التى حصلت له بفعل ذلك ~~وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه PageV08P108 # وقد قال تعالى ms2401 ( ما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~) وقال انس خدمت النبى عشر سنين فما قال لى اف قط ولا قال لشيء فعلته لم ~~فعلته ولا لشيء لم افعله لم لا فعلته وكان بعض اهله اذا عاتبنى على شيء ~~يقول ( دعوه فلو قضى شيء لكان ) وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت ~~( ما ضرب رسول الله بيده خادما ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط الا ان ~~يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه الا ان تنتهك محارم ~~الله فاذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ) وقد قال ( ~~لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) ففى امر الله ونهيه يسارع إلى ~~الطاعة ويقيم الحدود على من تعدى حدود الله ولا تاخذه في الله لومة لائم ~~واذا آذاه مؤذ أو قصر مقصر في حقه عفا عنه ولم يؤاخذه نظرا إلى القدر # فهذا سبيل الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن اولئك رفيقا وهذا واجب فيما قدر من المصائب بغير فعل ادمى ~~كالمصائب السماوية أو بفعل لا سبيل فيه إلى العقوبة كفعل ادم عليه السلام ~~فانه لا سبيل إلى لومه شرعا لاجل التوبة ولا قدرا لاجل القضاء والقدر واما ~~اذا ظلم رجل رجلا فله ان يستوفى مظلمته على وجه العدل وان عفا عنه كان افضل ~~له كما قال تعالى ( والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له PageV08P109 # وأما ( الصنف الثالث ) فهم الذين لا ينظرون إلى القدر لا في المعائب ولا ~~في المصائب التى هي من افعال العباد بل يضيفون ذلك كله إلى العبد واذا ~~اساؤا استغفروا وهذا حسن لكن اذا اصابتهم مصيبة بفعل العبد لم ينظروا إلى ~~القدر الذى مضى به عليهم ولا يقولون لمن قصر في حقهم دعوه فلو قضى شيء لكان ~~لا سيما وقد تكون تلك المصيبة بسبب ذنوبهم فلا ينظرون اليها وقد قال تعالى ~~( اولما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى ms2402 هذا قل هو من عند انفسكم ) ~~( وقال تعالى ( وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ) وقال تعالى ( وان ~~تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم فان الانسان كفور # ومن هذا قوله تعالى ( اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ~~وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ~~قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما اصابك من ~~حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك ) فان هذه الاية تنازع فيها كثير ~~من مثبتى القدر ونفاته هؤلاء يقولون الافعال كلها من الله لقوله تعالى ( قل ~~كل من عند الله ) وهؤلاء يقولون الحسنة من الله والسيئة من نفسك لقوله ( ما ~~اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك ) # وقد يجيبهم الاولون بقراءة مكذوبة ( فمن نفسك ) بالفتح على معنى ~~الاستفهام وربما قدر بعضهم تقديرا أي افمن نفسك وربما قدر بعضهم القول في ~~قوله تعالى ( ما اصابك ) فيقولون تقدير الآية ( فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~PageV08P110 يفقهون حديثا ) يقولون فيحرفون لفظ القرآن ومعناه ويجعلون ما ~~هو من قول الله قول الصدق من قول المنافقين الذين انكر الله قولهم ويضمرون ~~في القرآن ما لا دليل على ثبوته بل سياق الكلام ينفيه فكل من هاتين ~~الطائفتين جاهلة بمعنى القرآن وبحقيقة المذهب الذى تنصره # وأما القرآن فالمراد منه هنا بالحسنات والسيئات النعم والمصائب ليس ~~المراد الطاعات والمعاصى وهذا كقوله تعالى ( ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان ~~تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ) وكقوله ( ~~ان تصبك حسنة تسؤهم وان تصبك مصيبة يقولوا قد اخذنا امرنا من قبل ويتولوا ~~وهم فرحون قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا ) الآية ومنه قوله ~~تعالى ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) ( كما قال تعالى ( ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون ) أي بالنعم والمصائب # وهذا بخلاف قوله ( من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى الا مثلها ) وأمثال ذلك ms2403 فان المراد بها الطاعة والمعصية وفى كل موضع ~~ما يبين المراد باللفظ فليس في القرآن العزيز بحمد الله تعالى اشكال بل هو ~~مبين وذلك انه اذا قال ( ما اصابك وما مسك ونحو ذلك كان من فعل غيرك بك كما ~~قال ( ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك ) وكما قال ~~تعالى ( ان تصبك حسنة تسؤهم ) وقال تعالى ( وان تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم ~~PageV08P111 # وإذا قال ( من جاء بالحسنة ) كانت من فعله لانه هو الجائى بها فهذا يكون ~~فيما فعله العبد لا فيما فعل به وسياق الاية يبين ذلك فانه ذكر هذا في سياق ~~الحض على الجهاد وذم المتخلفين عنه فقال تعالى ( يا ايها الذين امنوا خذوا ~~حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وان منكم لمن ليبطئن فان اصابتكم مصيبة ~~قال قد انعم الله على اذ لم اكن معهم شهيدا ولئن اصابكم فضل من الله ليقولن ~~كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتنى كنت معهم فافوز فوزا عظيما ) # فأمر سبحانه بالجهاد وذم المثبطين وذكر ما يصيب المؤمنين تارة من المصيبة ~~فيه وتارة من فضل الله فيه كما اصابهم يوم أحد مصيبة فقال ( أو لما اصابتكم ~~مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم ) واصابهم يوم بدر ~~فضل من الله بنصره لهم وتاييده كما قال تعالى ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~اذلة ) ثم انه سبحانه قال ( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة ~~الدنيا بالاخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه اجرا ~~عظيما وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان إلى قوله اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وان ~~تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) ~~فهذا من كلام الكفار والمنافقين اذا اصابهم نصر وغيره من النعم قالوا هذا ~~من عند الله وان اصابهم ذل وخوف وغير ذلك من المصائب قالوا PageV08P112 هذا ~~من عند ms2404 محمد بسبب الدين الذى جاء به فإن الكفار يضيفون ما اصابهم من ~~المصائب إلى فعل اهل الايمان # وقد ذكر نظير ذلك في قصة موسى وفرعون قال تعالى ( ولقد اخذنا ال فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فاذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ~~وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه الا انما طائرهم عند الله ) ونظيره ~~قوله تعالى في سورة يس ( قالوا ربنا انا اليكم لمرسلون وما علينا الا ~~البلاغ المبين قالوا انا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا ~~عذاب اليم ) فاخبر الله تعالى ان الكفار كانوا يتطيرون بالمؤمنين فاذا ~~اصابهم بلاء جعلوه بسبب اهل الايمان وما اصابهم من الخير جعلوه لهم من الله ~~عز وجل فقال تعالى ( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) والله ~~تعالى نزل احسن الحديث فلو فهموا القرآن لعلموا ان الله امرهم بالمعروف ~~ونهاهم عن المنكر امر بالخير ونهى عن الشر فليس فيما بعث الله به رسله ما ~~يكون سببا للشر بل الشر حصل بذنوب العباد فقال تعالى ( ما اصابك من حسنة ~~فمن الله ) أي ما اصابك من نصر ورزق وعافية فمن الله نعمة انعم بها عليك ~~وان كانت بسبب اعمالك الصالحة فهو الذى هداك واعانك ويسرك لليسرى ومن عليك ~~بالايمان وزينه في قلبك وكره اليك الكفر والفسوق والعصيان # وفى اخر الحديث الصحيح الالهى حديث ابى ذر عن النبى فيما يروى عن ربه ~~تبارك وتعالى ( يا عبادى انما هي اعمالكم احصيها لكم PageV08P113 ثم اوفيكم ~~اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه وفى ~~الحديث الصحيح ( سيد الاستغفار ان يقول العبد اللهم انت ربى لا اله الا انت ~~خلقتنى وانا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت اعوذ بك من شر ما صنعت ~~ابوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا انت من ~~قالها اذا اصبح موقنا بها فمات من يومه ذلك دخل الجنة ومن قالها اذا امسى ~~موقنا بها فمات من ليلته ms2405 دخل الجنة ) # ثم قال تعالى ( وما أصابك من سيئة ) من ذل وخوف وهزيمة كما أصابهم يوم ~~أحد ( فمن نفسك ) أي بذنوبك وخطاياك وأن كان ذلك مكتوبا مقدرا عليك فإن ~~القدر ليس حجة لأحد لا على الله ولا على خلقه ولو جاز لأحد أن يحتج بالقدر ~~على ما يفعله من السيئات لم يعاقب ظالم ولم يقاتل مشرك ولم يقم حد ولم يكف ~~أحد عن ظلم أحد وهذا من الفساد في الدين والدنيا المعلوم ضرورة فساده ~~للعالم بصريح المعقول المطابق لما جاء به الرسول # فالقدر يؤمن به ولا يحتج به فمن لم يؤمن بالقدر ضارع المجوس ومن إحتج به ~~ضارع المشركين ومن أقر بالأمر والقدر وطعن في عدل الله وحكمته كان شبيها ~~بإبليس فإن الله ذكر عنه أنه طعن في حكمته وعارضه برأيه وهواه وأنه قال ( ~~فبما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ) # وقد ذكر طائفة من أهل الكتاب وبعض المصنفين في المقالات كالشهر ستانى ~~PageV08P114 أنه ناظر الملائكة في ذلك معارضا لله تعالى في خلقه وأمره لكن ~~هذه المناظرة بين إبليس والملائكة التى ذكرها الشهر ستانى في أول المقالات ~~ونقلها عن بعض أهل الكتاب ليس لها إسناد يعتمد عليه ولو وجدناها في كتب أهل ~~الكتاب لم يجز أن نصدقها لمجرد ذلك فإن النبى صلى الله عليه وسلم ثبت عنه ~~في الصحيح أنه قال ( إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فأما ان ~~يحدثوكم بحق فتكذبونه وأما ان يحدثوكم بباطل فتصدقونه ( # ويشبه والله أعلم أن تكون تلك المناظرة من وضع بعض المكذبين بالقدر إما ~~من أهل الكتاب وإما من المسلمين والشهر ستانى نقلها من كتب المقالات ~~والمصنفون في المقالات ينقلون كثيرا من المقالات من كتب المعتزلة كما نقل ~~الأشعرى وغيره مانقله في المقالات من كتب المعتزلة فإنهم من أكثر الطوائف ~~وأولها تصنيفا في هذا الباب ولهذا توجد المقالات منقولة بعباراتهم فوضعوا ~~هذه المناظرة على لسان إبليس كما رأينا كثيرا منهم يضع كتابا أو قصيدة على ~~لسان بعض اليهود أو غيرهم ومقصودهم بذلك الرد ms2406 على المثبتين للقدر يقولون أن ~~حجة الله على خلقه لاتتم إلا بالتكذيب بالقدر كما وضعوا في مثالب إبن كلاب ~~أنه كان نصرانيا لأنه أثبت الصفات وعندهم من أثبت الصفات فقد أشبه النصارى ~~وتتلقى أمثال هذه الحكايات بالقبول من المنتسبين إلى السنة ممن لم يعرف ~~حقيقة أمرها # والمقصود هنا أن الآية الكريمة حجة على هؤلاء وهؤلاء حجة على من يحتج ~~بالقدر فإن الله تعالى أخبر أنه عذبهم بذنوبهم فلو كانت حجتهم مقبولة ~~PageV08P115 لم يعذبهم بذنوبهم وحجة على من كذب بالقدر فإنه سبحانه أخبر أن ~~الحسنة من الله وأن السيئة من نفس العبد والقدرية متفقون على أن العبد هو ~~المحدث للمعصية كما هو المحدث للطاعة والله عندهم ما أحدث لا هذا ولا هذا ~~بل أمر بهذا ونهي عن هذا # وليس عندهم لله نعمة أنعمها على عباده المؤمنين في الدين إلا وقد أنعم ~~بمثلها على الكفار فعندهم أن على بن أبى طالب رضى الله عنه وأبا لهب ~~مستويان في نعمة الله الدينية إذ كل منهما أرسل إليه الرسول وأقدر على ~~الفعل وأزيحت علته لكن هذا فعل الإيمان بنفسه من غير أن يخصه بنعمة آمن بها ~~وهذا فعل الكفر بنفسه من غير أن يفضل الله عليه ذلك المؤمن ولا خصه بنعمة ~~آمن لأجلها وعندهم أن الله حبب الإيمان إلى الكفار كأبي لهب وأمثاله كما ~~حببه إلى المؤمنين كعلي رضي الله عنه وأمثاله وزينه في قلوب الطائفتين وكره ~~الكفر والفسوق والعصيان إلى الطائفتين سواء لكن هؤلاء كرهوا ما كرهه الله ~~إليهم بغير نعمة خصهم بها وهؤلاء لم يكرهوا ما كرهه الله إليهم # ومن توهم عنهم أو من نقل عنهم أن الطاعة من الله والمعصية من العبد فهو ~~جاهل بمذهبهم فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله فإن ~~أصل قولهم أن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية كلاهما فعله بقدرة تحصل له من ~~غير أن يخصه الله بإرادة خلقها فيه ولا قوة جعلها فيه تختص بأحدهما فإذا ~~إحتجوا بهذه الآية على مذهبهم ms2407 كانوا جاهلين بمذهبهم وكانت الآية حجة عليهم ~~PageV08P116 لالهم لأنه تعالى قال ( قل كل من عند الله ) وعندهم ليس ~~الحسنات المفعولة ولا السيئات المفعولة من عند الله بل كلاهما من العبد ~~وقوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) ~~مخالف لقولهم فإن عندهم الحسنة المفعولة والسيئة المفعولة من العبد لا من ~~الله سبحانه # وكذلك من إحتج من مثبتة القدر بالآية على إثباته إذا احتج بقوله تعالى ( ~~قل كل من عند الله ) كان مخطئا فإن الله ذكر هذه الآية ردا على من يقول ~~الحسنة من الله والسيئة من العبد ولم يقل أحد من طوائف الناس أن الحسنة ~~المفعولة من الله والسيئة المفعولة من العبد # وأيضا فإن نفس فعل العبد وإن قال أهل الإثبات أن الله خلقه وهو مخلوق له ~~ومفعول له فإنهم لا ينكرون أن العبد هو المتحرك بالأفعال وبه قامت ومنه ~~نشأت وإن كان الله خلقها # وأيضا فإن قوله بعد هذا ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك ) يمتنع أن يفسر بالطاعة والمعصية فإن أهل الأثبات لا يقولون أن ~~الله خالق إحداهما دون الأخرى بل يقولون أن الله خالق لجميع الأفعال وكل ~~الحوادث # ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة مع قولهم الله خالق كل شيء ~~PageV08P117 و ربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه على كل ~~شيء قدير وأنه هو الذي خلق العبد هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا ونحو ذلك أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة قال تعالى ( لمن شاء ~~منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) وقال تعالى ( إن ~~هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاءالله ) وقال ~~تعالى ( كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة ) # وهذا الموضع إضطرب فيه الخائضون في القدر فقالت المعتزلة ونحوهم من ~~النفاة الكفر ms2408 والفسوق والعصيان أفعال قبيحة والله منزه عن فعل القبيح ~~بإتفاق المسلمين فلا تكون فعلا له # وقال من رد عليهم من المائلين إلى الجبر بل هي فعله وليست أفعالا للعباد ~~بل هي كسب للعبد وقالوا إن قدرة العبد لاتأثير لها في حدوث مقدورها ولا في ~~صفة من صفاتها وأن الله أجرى العادة بخلق مقدورها مقارنا لها فيكون الفعل ~~خلقا من الله إبداعا وإحداثا وكسبا من العبد لوقوعه مقارنا لقدرته وقالوا ~~إن العبد ليس محدثا لأ فعاله ولا موجدا لها ومع هذا فقد يقولون إنا لانقول ~~بالجبر المحض بل نثبت للعبد قدرة حادثة والجبري المحض الذي لا يثبت للعبد ~~قدرة PageV08P118 # وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه وبين الخلق فقالوا الكسب عبارة عن ~~إقتران المقدور بالقدرة الحادثة والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة وقالو ~~أيضا الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه والخلق هو الفعل الخارج عن ~~محل القدرة عليه # فقال لهم الناس هذا لا يوجب فرقا بين كون العبد كسب وبين كونه فعل وأوجد ~~وأحدث وصنع وعمل ونحو ذلك فإن فعله وإحداثه وعمله وصنعه هو أيضا مقدور ~~بالقدرة الحادثة وهو قائم في محل القدرة الحادثة # و ( أيضا ) فهذا فرق لا حقيقة له فأن كون المقدور في محل القدرة أو خارجا ~~عن محلها لا يعود إلى نفس تأثير القدرة فيه وهو مبني على ( أصلين ) أن الله ~~لايقدر على فعل يقوم بنفسه وأن خلقه للعالم هو نفس العالم وأكثر العقلاء من ~~المسلمين وغيرهم على خلاف ذلك # و ( الثاني ) أن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا في محل وجودها ولا يكون ~~شيء من مقدورها خارجا عن محلها وفى ذلك نزاع طويل ليس هذا موضعه # و ( أيضا ) فإذا فسر التأثير بمجرد الإقتران فلا فرق بين أن يكون الفارق ~~في المحل أو خارجا عن المحل # و ( أيضا ) قال لهم المنازعون من المستقر في فطر الناس أن من فعل ~~PageV08P119 العدل فهو عادل ومن فعل الظلم فهو ظالم ومن فعل الكذب فهو كاذب ~~فإذا لم يكن العبد فاعلا لكذبه وظلمه ms2409 وعدله بل الله فاعل ذلك لزم أن يكون ~~هو المتصف بالكذب والظلم قالوا وهذا كما قلتم أنتم وسائر الصفاتية من ~~المستقر في فطر الناس أن من قام به العلم فهو عالم ومن قامت به القدرة فهو ~~قادر ومن قامت به الحركة فهو متحرك ومن قام به التكلم فهو متكلم ومن قامت ~~به الإرادة فهو مريد وقلتم إذا كان الكلام مخلوقا كان كلاما للمحل الذي ~~خلقه فيه كسائر الصفات فهذه القاعدة المطردة فيمن قامت به الصفات نظيرها ~~أيضا من فعل الأفعال # وقالوا أيضا القرآن مملوء بذكر إضافة هذه الأفعال إلى العباد كقوله تعالى ~~( جزاء بما كنتم تعملون ) وقوله ( إعملوا ماشئتم ) وقوله ( وقل إعملوا ~~فسيرى الله عملكم ) وقوله ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وأمثال ذلك # وقالوا ( أيضا ) أن الشرع والعقل متفقان على أن العبد يحمد ويذم على فعله ~~ويكون حسنة له أوسيئة فلو لم يكن الافعل غيره لكان ذلك الغير هو المحمود ~~المذموم عليها # وفى ( المسألة ( كلام ليس هذا موضع بسطه لكن ننبه على نكت نافعة في هذا ~~الموضع المشكل فنقول PageV08P120 قول القائل هذا فعل هذا وفعل هذا لفظ فيه ~~إجمال فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل وتارة يراد به مسمى المصدر فيقول ~~فعلت هذا إفعله فعلا وعملت هذا إعمله عملا فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي ~~هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو ذلك فالعمل هنا هو المعمول وقد ~~إتحد هنا مسمى المصدر والفعل وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجة الثوب ~~وبناء الدار ونحو ذلك فالعمل هنا غيرالمعمول قال تعالى ( يعملون له ما يشاء ~~من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ) فجعل هذه المصنوعات معمولة ~~للجن ومن هذا الباب قوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون ) فإنه في أصح ~~القولين ( ما ) بمعنى الذي والمراد به ما تنحتونه من الأصنام كما قال تعالى ~~( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) أي والله خلقكم وخلق الأصنام ~~التى تنحتونها ومنه حديث حذيفة عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أن الله خالق ~~كل صانع وصنعته ms2410 ( لكن قد يستدل بالآية على أن الله خلق أفعال العباد من وجه ~~آخر فيقال إذا كان خالقا لما يعملونه من المنحوتات لزم أن يكون هو الخالق ~~للتأليف الذي أحدثوه فيها فإنها إنما صارت أوثانا بذلك التأليف وإلا فهي ~~بدون ذلك ليست معمولة لهم وإذا كان خالقا للتأليف كان خالقا لأفعالهم # والمقصود أن لفظ ( الفعل ( و ( العمل ( و ( الصنع ( أنواع وذلك كلفظ ~~البناء والخياطة والنجارة تقع على نفس مسمى المصدر وعلى المفعول وكذلك لفظ ~~( التلاوة ( و ( القراءة ( و ( الكلام ( و ( القول ( يقع على نفس مسمى ~~PageV08P121 المصدر وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول والكلام فيراد بالتلاوة ~~والقراءة نفس القرآن المقروء المتلو كما يراد بها مسمى المصدر # والمقصود هنا أن القائل إذا قال هذه التصرفات فعل الله أو فعل العبد فإن ~~أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر فهذا باطل بإتفاق المسلمين وبصريح ~~العقل ولكن من قال هي فعل الله وأراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر ~~المخلوقات ( فهذا حق ) ( # ثم من هؤلاء من قال أنه ليس لله فعل يقوم به فلا فرق عنده بين فعله ~~ومفعوله وخلقه ومخلوقه # وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا وهذا فيقولون هذه مخلوقه لله مفعوله ~~لله ليست هي نفس فعله وأما العبد فهي فعله القائم به وهي أيضا مفعوله له ~~إذا أريد بالفعل المفعول فمن لم يفرق في حق الرب تعالى بين الفعل والمفعول ~~إذا قال أنها فعل الله تعالى وليس لمسمى فعل الله عنده معنيان وحينئذ فلا ~~تكون فعلا للعبد ولا مفعوله له بطريق الأولى وبعض هؤلاء قال هي فعل للرب ~~وللعبد فأثبت مفعولا بين فاعلين # وأكثر المعتزلة يوافقون هؤلاء على أن فعل الرب تعالى لا يكون إلا بمعنى ~~مفعوله مع أنهم يفرقون في العبد بين الفعل والمفعول فلهذا عظم النزاع ~~PageV08P122 و أشكلت المسألة على الطائفتين وحاروا فيها # وأما من قال خلق الرب تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته قال إن أفعال ~~العباد مخلوقة كسائر المخلوقات ومفعولة للرب كسائر المفعولات ولم يقل أنها ~~نفس فعل ms2411 الرب وخلقه بل قال أنها نفس فعل العبد وعلى هذا تزول الشبهة # فأنه يقال الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلا له ~~كما يفعلها العبد وتقوم به ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له إذا كان قد ~~جعلها صفة لغيره كما أنه سبحانه لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم ~~والألوان والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك فإذا كان قد خلق ~~لون الإنسان لم يكن هو المتلون به وإذا خلق رائحة منتنة أو طعما مرا أو ~~صورة قبيحة ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح لم يكن هو متصفا بهذه ~~المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال القبيحة ومعنى قبحها كونها ~~ضارة لفاعلها وسببا لذمه وعقابه وجالبة لألمه وعذابه وهذا أمر يعود على ~~الفاعل الذي قامت به لا على الخالق الذي خلقها فعلا لغيره # ثم على قول الجمهور الذين يقولون له حكمة فيما خلقه في العالم مما هو ~~مستقبح وضار ومؤذ يقولون له فيما خلقه من هذه الأفعال القبيحة الضارة ~~لفاعلها حكمة عظيمة كما له حكمة عظيمة فيما خلقه من الأمراض والغموم ومن ~~يقول لا تعلل أفعاله لا يعلل لا هذا ولا هذا PageV08P123 # يوضح ذلك أن الله تعالى إذا خلق في الإنسان عمى ومرضا وجوعا وعطشا ووصبا ~~ونصبا ونحو ذلك كان العبد هو المريض الجائع العطشان المتألم فضرر هذه ~~المخلوقات وما فيها من الأذى والكراهة عاد إليه ولا يعود إلى الله تعالى ~~شيء من ذلك فكذلك ما خلق فيه من كذب وظلم وكفر ونحو ذلك هي أمور ضارة ~~مكروهة مؤذية وهذا معنى كونها سيئات وقبائح إي أنها تسوء صاحبها وتضره وقد ~~تسوء أيضا غيره وتضره كما أن مرضه ونتن ريحه ونحو ذلك قد يسوء غيره ويضره ( # يبين ذلك أن القدرية سلموا أن الله قد يخلق في العبد كفرا وفسوقا على ~~سبيل الجزاء كما في قوله تعالى ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة ) وقوله ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ) وقوله ( فلما زاغوا ~~أزاغ الله ms2412 قلوبهم ) # ثم أنه من المعلوم أن هذه المخلوقات تكون فعلا للعبد وكسبا له يجزى عليها ~~ويستحق الذم عليها والعقاب وهي مخلوقة لله تعالى فالقول عند أهل الإثبات ~~فيما يخلقه من أعمال العباد إبتداء كالقول فيما يخلقه جزاء من هذا الوجه ~~وإن إفترقا من وجه آخر وهم لا يمكنهم أن يفرقوا بينهما بفرق يعود إلى كون ~~هذا فعلا لله دون هذا وهذا فعلا للعبد دون هذا ولكن يقولون أن هذا يحسن من ~~الله تعالى لكونه جزاء للعبد وذلك لايحسن منه لكونه إبتداء للعبد ~~PageV08P124 بما يضره وهم يقولون لايحسن منه أن يضرالحيوان إلا بجرم سابق ~~أو عوض لاحق # وأما أهل الإثبات للقدر فمن لم يعلل منهم لا يفرق بين مخلوق ومخلوق وأما ~~القائلون بالحكمة وهم الجمهور فيقولون لله تعالى فيما يخلقه من أذى الحيوان ~~حكم عظيمة كما له حكم في غير هذا ونحن لا نحصر حكمته في الثواب والعوض فإن ~~هذا قياس لله تعالى على الواحد من الناس وتمثيل لحكمة الله وعدله بحكمة ~~الواحد من الناس وعدله # و ( المعتزلة ( مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات ومن أصولهم الفاسدة ~~أنهم يصفون الله بما يخلقه في العالم إذ ليس عندهم صفة لله قائمة به ولا ~~فعل قائم به فيسمونه به ويصفونه بما يخلقه في العالم مثل قولهم هو متكلم ~~بكلام يخلقه في غيره ومريد بإرادة يحدثها لا في محل وقولهم أن رضاه وغضبه ~~وحبه وبغضه هو نفس المخلوق الذي يخلقه من الثواب والعقاب وقولهم أنه لو كان ~~خالقا لظلم العبد وكذبه لكان هو الظالم الكاذب وأمثال ذلك من الأقوال التى ~~إذا تدبرها العاقل علم فسادها بالضرورة ولهذا إشتد نكير السلف والأئمة ~~عليهم لا سيما لما أظهروا القول بأن القرآن مخلوق وعلم السلف أن هذا في ~~الحقيقة هو إنكار لكلام الله تعالى وأنه لو كان كلامه هو مايخلقه للزم أن ~~يكون كل كلام مخلوق كلاما له فيكون إنطاقه للجلود يوم القيامة وإنطاقه ~~للجبال والحصى بالتسبيح وشهادة الأيدى والأرجل ونحو ذلك كلاما له وإذا كان ~~خالقا ms2413 لكل PageV08P125 شيء كان كل كلام موجود كلامه وهذا قول الحلولية من ~~الجهمية كصاحب الفصوص وأمثاله ولهذا يقولون # وكل كلام في الوجود كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # وقد علم بصريح المعقول أن الله تعالى إذا خلق صفة في محل كانت صفة لذلك ~~المحل فإذا خلق حركة في محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها وإذا خلق لونا أو ~~ريحا في جسم كان هو المتلون المتروح بذلك وإذا خلق علما أو قدرة أو حياة في ~~محل كان ذلك المحل هو العالم القادر الحي فكذلك إذا خلق إرادة وحبا وبغضا ~~في محل كان هو المريد المحب المبغض وإذا خلق فعلا لعبد كان العبد هو الفاعل ~~فإذا خلق له كذبا وظلما وكفرا كان العبد هو الكاذب الظالم الكافر وإن خلق ~~له صلاة وصوما وحجا كان العبد هو المصلي الصائم الحاج # والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته بل صفاته قائمة بذاته وهذا مطرد ~~على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم ويقولون أن خلق الله ~~للسموات والأرض ليس هو نفس السماوات والأرض بل الخلق غير المخلوق لا سيما ~~مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله ~~فإن المعتزلة # ومن وافقهم من الجهمية والقدرية نقضوا هذا الأصل على من لم يقل أن الخلق ~~غير المخلوق كالأشعرى ومن وافقه فقالوا PageV08P126 إذا قلتم أن الصفة إذا ~~قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره كما ذكرتم في الحركة والعلم ~~والقدرة وسائر الأعراض إنتقض ذلك عليكم بالعدل والإحسان وغيرهما من أفعال ~~الله تعالى فإنه يسمى عادلا بعدل خلقه في غيره محسنا بإحسان خلقه في غيره ~~فكذا يسمى متكلما بكلام خلقه في غيره # والجمهور من أهل السنة وغيرهم يجيبون بإلتزام هذا الأصل ويقولون إنما كان ~~عادلا بالعدل الذي قام بنفسه ومحسنا بالإحسان الذي قام بنفسه وأما المخلوق ~~الذي حصل للعبد فهو أثر ذلك كما أنه رحمن رحيم بالرحمة التى هي صفته وأما ~~ما يخلقه من الرحمة فهو أثر تلك الرحمة وإسم الصفة يقع ms2414 تارة على الصفة التى ~~هي مسمى المصدر ويقع تارة على متعلقها الذي هو مسمى المفعول كلفظ ( الخلق ( ~~يقع تارة على الفعل وعلى المخلوق أخرى والرحمة تقع على هذا وهذا وكذلك ~~الأمر يقع على أمره الذي هو مصدر أمر يأمر أمرا ويقع على المفعول تارة ~~كقوله تعالى ( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) وكذلك لفظ ( العلم ( يقع على ~~المعلوم و ( القدرة ( تقع على المقدور ونظائر هذا متعددة وقد إستدل الإمام ~~أحمد وغيره من أئمة السنة في جملة ما إستدلوا على أن كلام الله غير مخلوق ~~بقوله عليه السلام ( أعوذ بكلمات الله التامات ( ونحو ذلك وقالوا الإستعاذة ~~لاتحصل بالمخلوق ونظير هذا قول النبى صلى الله عليه وسلم ( اللهم إنى أعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك PageV08P127 # ومن تدبر هذا الباب ونحوه وجد أهل البدع والضلال لا يستطيلون على فريق من ~~المنتسبين إلى السنة والهدى إلا بما دخلوا فيه من نوع بدعة أخرى وضلال آخر ~~لا سيما إذا وافقوهم على ذلك فيحتجون عليهم بما وافقوهم عليه من ذلك ~~ويطلبون لوازمه حتى يخرجوهم من الدين إن إستطاعوا خروج الشعرة من العجين ~~كما فعلت القرامطة الباطنية والفلاسفة وأمثالهم بفريق فريق من طوائف ~~المسلمين # و ( المعتزلة ( إستطالوا على ( الأشعرية ( ونحوهم من المثبتين للصفات ~~والقدر بما وافقوهم عليه من نفي الأفعال القائمة بالله تعالى فنقضوا بذلك ~~أصلهم الذي إستدلوا به عليهم في أن كلام الله غير مخلوق وأن الكلام وغيره ~~من الأمور إذا خلق بمحل عاد حكمه على ذلك المحل وإستطالوا عليهم بذلك في ( ~~مسألة القدر ( وإضطروهم إلى أن جعلوا نفس ما يفعله العبد من القبيح فعلا ~~لله رب العالمين دون العبد ثم أثبتوا كسبا لا حقيقة له فأنه لا يعقل من حيث ~~تعلق القدرة بالمقدور فرق بين الكسب والفعل ولهذا صار الناس يسخرون بمن قال ~~هذا ويقولون ثلاثة أشياء لا حقيقة لها طفرة النظام وأحوال أبى هاشم وكسب ~~الأشعري # وإضطروهم إلى أن فسروا تأثير القدرة في المقدور بمجرد الإقتران العادي ~~والإقتران العادي يقع بين كل ms2415 ملزوم ولازمه ويقع بين المقدور والقدرة فليس ~~جعل هذا مؤثرا في هذا بأولى من العكس ويقع بين المعلول وعلته PageV08P128 ~~المنفصلة عنه مع أن قدرة العباد عنده لا تتجاوز محلها ولهذا فر القاضي أبو ~~بكر إلى قول وأبو إسحاق الإسفرائيني إلى قول وأبو المعالي الجويني إلى قول ~~لما رأوا ما في هذا القول من التناقض والكلام على هذا مبسوط في موضعه ~~والمقصود هنا التنبيه # ومن النكت في هذا الباب أن لفظ ( التأثير ( ولفظ ( الجبر ) ولفظ ( الرزق ~~( ونحو ذلك ألفاظ مجملة فإذا قال القائل هل قدرة العبد مؤثرة في مقدورها أم ~~لا قيل له أولا # لفظ القدرة يتناول نوعين # ( أحدهما ) القدرة الشرعية المصححة للفعل التى هي مناط الأمر والنهي # ( والثاني ) القدرة القدرية الموجبة للفعل التى هي مقارنة للمقدور لا ~~يتأخر عنها فالأولى هي المذكورة في قوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت ~~من إستطاع إليه سبيلا ) فإن هذه الإستطاعة لو كانت هي المقارنة للفعل لم ~~يجب حج البيت إلا على من حج فلا يكون من لم يحجج عاصيا بترك الحج سواء كان ~~له زاد وراحلة وهو قادر على الحج أو لم يكن وكذلك قول النبى صلى الله عليه ~~وسلم لعمران بن حصين ( صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ~~( وكذا قوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وقوله ( إذا أمرتكم بأمر ~~فائتوا منه ما استطعتم ( لو أراد إستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لكان قد قال ~~فافعلوا منه ما تفعلون فلا يكون من لم يفعل شيئا عاصيا PageV08P129 له وهذه ~~الأستطاعة المذكورة في كتب الفقه ولسان العموم ( # والناس متنازعون في مسمى الإستطاعة والقدرة فمنهم من لا يثبت إستطاعة إلا ~~هذه ويقولون الإستطاعة لابد أن تكون قبل الفعل ومنهم من لايثبت أستطاعة إلا ~~ما قارن الفعل وتجد كثيرا من الفقهاء يتناقضون فإذا خاضوا مع من يقول من ~~المتكلمين المثبتين للقدر أن الإستطاعة لا تكون إلا مع الفعل وافقوهم على ~~ذلك وإذ خاضوا في الفقه أثبتوا الإستطاعة المتقدمة التى هي مناط الأمر ms2416 ~~والنهي # وعلى هذا تتفرع ( مسألة تكليف مالا يطاق ( فإن الطاقة هي الإستطاعة وهي ~~لفظ مجمل فالإستطاعة الشرعية التى هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحد ~~شيئا بدونها فلا يكلف مالا يطاق بهذا التفسير وأما الطاقة التى لا تكون ~~إلامقارنة للفعل فجميع الأمر والنهي تكليف مالا يطاق بهذا الإعتبار فإن هذه ~~ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي بإتفاق المسلمين # وكذا تنازعهم في العبد هل هو قادر على خلاف المعلوم فإذا أريد بالقدرة ~~القدرة الشرعية التى هي مناط الأمر والنهي كالإستطاعة المذكورة في قوله ~~تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) فكل من أمره الله ونهاه فهو مستطيع بهذا ~~الإعتبار وإن علم أنه لايطيعه وإن أريد بالقدرة ( القدرية ( التى لا تكون ~~إلا مقارنة للمفعول فمن علم أنه لا يفعل الفعل لم تكن هذه القدرة ثابتة له # PageV08P130 # ومن هذا الباب تنازع الناس في ( الأمر والإرادة ( هل يأمر بمالا يريد ~~أولا يأمر إلا بما يريد فإن الإرادة لفظ فيه إجمال يراد بالإرادة الكونية ~~الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~وكقوله تعالى ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) وقول نوح عليه السلام ( ولا ~~ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم أن كان الله يريد أن يغويكم ) ولا ريب أن ~~الله يأمر العباد بما لايريده بهذا التفسير والمعنى كما قال تعالى ( ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها ) فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه قد أمر ~~كل نفس بهداها وكما إتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غدا ~~إن شاء الله أوليردن وديعته أو غصبه أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء الله ~~أو ليصومن رمضان إن شاء الله ونحو ذلك مما أمره الله به فإنه إذا لم يفعل ~~المحلوف عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله إن شاء الله فعلم أن الله ~~لم يشأه مع ms2417 أمره به # وأما الإرادة الدينية فهي بمعنى المحبة والرضى وهى ملازمة للأمر كقوله ~~تعالى ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ) ~~ومنه قول المسلمين هذا يفعل شيئا لا يريده الله إذا كان يفعل بعض الفواحش ~~أى أنه لا يحبه ولا يرضاه بل ينهى عنه ويكرهه # وكذلك لفظ ( الجبر ( فيه إجمال يراد به إكراه الفاعل على الفعل بدون ~~PageV08P131 رضاه كما رضاه كما يقال أن الأب يجبر المرأة على النكاح والله ~~تعالى أجل وأعظم من أن يكون مجبرا بهذا التفسير فإنه يخلق للعبد الرضاء ~~والإختيار بما يفعله وليس ذلك جبرا بهذا الإعتبار ويراد بالجبر خلق مافى ~~النفوس من الإعتقادات والإرادت كقول محمد بن كعب القرظي الجبار الذى جبر ~~العباد على ما أراد وكما في الدعاء المأثور عن علي رضى الله عنه ( جبار ~~القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها ( والجبر ثابت بهذا التفسير # فلما كان لفظ الجبر مجملا نهى الأئمة الإعلام عن إطلاق إثباته أو نفيه # وكذلك لفظ ( الرزق ( فيه إجمال فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه أو ملكه فلا ~~يدخل الحرام في مسمى هذا الرزق كما في قوله تعالى ( ومما رزقناهم ينفقون ) ~~وقوله تعالى ( انفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ) وقوله ( ~~ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ) وأمثال ذلك وقد يراد ~~بالرزق ما ينتفع به الحيوان وإن لم يكن هناك إباحة ولا تمليك فيدخل فيه ~~الحرام كما في قوله تعالى ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) ~~وقوله تعالى فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه # PageV08P132 # وكذا لفظ ( التأثير ( فيه إجمال فإن القدرة مع مقدورها كالسبب مع المسبب ~~والعلة مع المعلول والشرط مع المشروط فإن أريد بالقدرة القدرة الشرعية ~~المصححة للفعل المتقدمة عليه فتلك شرط للفعل وسبب من أسبابه وعلة ناقصة له ~~وإن أريد بالقدرة القدرة المقارنة للفعل المستلزمة له فتلك علة للفعل وسبب ~~تام # ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة وسبب تام للحوادث ~~بمعنى أن وجوده ms2418 مستلزم لوجود الحوادث بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة ~~فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # وأما الأسباب المخلوقة كالنار في الإحراق والشمس في الإشراق والطعام ~~والشراب في الإشباع والإرواء ونحو ذلك فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث ~~به وحده بل لابد من أن ينضم إليه سبب آخر ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن ~~الأثر فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وإنتفاء الموانع وليس في ~~المخلوقات واحد يصدر عنه وحدة شيء # وهذا مما يبين لك خطأ المتفلسفة الذين قالوا الواحد لايصدر عنه إلا واحد ~~واعتبروا ذلك بالآثار الطبيعية كالمسخن والمبرد ونحو وذلك فإن هذا غلط فإن ~~التسخين لا يكون إلا بشيئين ( أحدهما ) فاعل كالنار ( والثانى ) قابل ~~كالجسم القابل للسخونه والإحتراق وإلا فالنار إذا وقعت على السمندل ~~والياقوت لم تحرقه وكذلك الشمس فإن شعاعها مشروط بالجسم المقابل للشمس الذى ~~ينعكس عليه الشعاع وله موانع من السحاب والسقوف وغير PageV08P133 ذلك فهذا ~~الواحد الذى قدروه في أنفسهم لا وجود له في الخارج وقد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع # فإن الواحد العقلي الذي يثبته الفلاسفة كالوجود المجرد عن الصفات ~~وكالعقول المجردة وكالكليات التى يدعون تركب الأنواع منها وكالمادة والصورة ~~العقليين وأمثال ذلك لا وجود لها في الخارج بل إنما توجد في الأذهان لا في ~~الأعيان وهي أشد بعدا عن الوجود من الجوهر الفرد الذى يثبته من أهل الكلام ~~فإن هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج وكذلك الجوهر كما قد بسط في موضعه # والمقصود هنا أن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث أو سبب يتوقف حدوث ~~االحادث به على سبب آخر وإنتفاء موانع وكل ذلك بخلق الله تعالى فهذا حق ~~وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الإعتبار وإن فسر التأثير بأن ~~المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع فليس شيء من ~~المخلوقات مؤثرا بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك له ولا ند له فما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم ms2419 يكن ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده ) ( قل ادعوا الذين زعمتهم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وماله منهم من ~~ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) ( قل أرايتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أ وأرادنى برحمة هل هن ~~PageV08P134 ممسكات رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ) ونظائر هذا ~~في القرآن كثيرة # فإذا عرف ما في لفظ ( التأثير ( من الإجمال والإشتراك إرتفعت الشبهة وعرف ~~العدل المتوسط بين الطائفتين فمن قال أن المؤمن والكافر سواء فيما أنعم ~~الله عليهما من الأسباب المقتضية للإيمان وأن المؤمن لم يخصه الله بقدرة ~~ولا إرادة آمن بها وأن العبد إذا فعل لم تحدث له معونة من الله وإرادة لم ~~تكن قبل الفعل فقوله معلوم الفساد وقيل لهؤلاء فعل العبد من جملة الحوادث ~~والممكنات فكل ما به يعلم أن الله تعالى أحدث غيره يعلم به أن الله أحدثه ~~فكون العبد فاعلا بعد أن لم يكن أمر ممكن حادث فإن أمكن صدور هذا الممكن ~~الحادث بدون محدث واجب يحدثه ويرجع وجوده على عدمه أمكن ذلك في غيره فإنتقض ~~دليل إثبات الصانع # ولا ريب أن كثيرا من متكلمة الإثبات القائلين بالقدر سلموا للمعتزلة أن ~~القادر المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الأخر بلا مرجح وقالوا في ( ~~مسألة إحداث العالم ( أن القادر المختار أ والإرادة القديمة التى نسبتها ~~إلى جميع الحوادث والأزمنة نسبة واحدة رجحت أنواعا من الممكنات في الوقت ~~الذي رجحته بلا حدوث سبب إقتضى الرجحان وادعوا أن القادر المختار يمكنه ~~الترجيح بلا مرجح أ والإرادة القديمة ترجح بلا مرجح آخر فاعترض عليهم هناك ~~من نازعهم من أهل الملل والفلاسفة القائلين بأن الله يحدث الحوادث ~~PageV08P135 بأفعال تقوم بنفسه وأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام والقائلين بقدم العالم قالوا هذا الذي قلتموه معلوم الفساد ms2420 ~~بالضرورة وتجويز هذا يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب والترجيح بلا مرجح وذلك ~~يسد باب إثبات الصانع # ثم أن هؤلاء المثبتين للقدر إحتجوا بهذه الحجة على نفاة القدر قالوا حدوث ~~فعل العبد بعد أن لم يكن لا بد له من محدث مرجح تام غير العبد فإن ما كان ~~من العبد فهو محدث أيضا وعند وجود ذلك المحدث المرجح التام يجب وجود فعل ~~العبد وهذا الذي قالوه حق وهو حجة قاطعة على القدرية والمعتزلة لكنهم نقضوه ~~وتناقضوا فيه في فعل الرب تبارك وتعالى وادعوا هناك أن البديهة فرقت بين ~~فعل القادر وبين الموجب بالذات فإن كان هذا الفرق صحيحا بطلت جحتهم على ~~المعتزلة ولم يبطل قول القدرية وإن كان باطلا بطل قولهم في إحداث الله ~~وفعله للعالم وهذا هو الباطل في نفس الأمر فإن القول بأن الممكن لايترجح ~~وجوده على عدمه إلا بمرجح تام أمر معلوم بالفطرة الضرورية لايمكن القدح فيه ~~وهو عام لاتخصيص فيه فالفرق المذكور باطل وذلك يبطل قولهم بأن خلق العالم ~~هو العالم وأنه حدث بعد أن لم يكن بغير سبب حادث # ومن قال أن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التى خلق الله تعالى بها ~~المخلوقات ليست أسبابا أو أن وجودها كعدمها وليس هناك إلا مجرد إقتران ~~PageV08P136 عادي كإقتران الدليل بالمدلول فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من ~~الأسباب والحكم والعلل ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها ~~ولا في القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها ولا في النار قوة تمتاز بها ~~عن التراب تحرق بها وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع ~~والغرائز # قال بعض الفضلاء تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع ~~فأضحكوا العقلاء على عقولهم # ثم أن هؤلاء لا ينبغى للإنسان أن يقول أنه شبع بالخبز وروى بالماء بل ~~يقول شبعت عنده ورويت عنده فإن الله يحلق الشبع والري ونحو ذلك من الحوادث ~~عند هذه المقترنات بها عادة لا بها وهذا خلاف الكتاب والسنة فإن الله ms2421 تعالى ~~يقول ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ~~سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) الآية وقال ~~تعالى ( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها ~~من كل دابة ) وقال تعالى ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) وقال ( قل هل ~~تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أ وبأيدينا ) وقال ( ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد ) وقال تعالى ( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ~~) وقال تعالى ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها ) وقال تعالى ( هوالذي أنزل من السماء ما ء لكم منه شراب ومنه شجر ~~فيه PageV08P137 تسميون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن ~~كل الثمرات ) وقال تعالى ( إن الله لايستحى أن يضرب مثلا إلى قوله يضل به ~~كثيرا ويهدى به كثيرا ) وقال ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به ~~الله من إتبع رضوانه سبل السلام ) ومثل هذا في القرآن كثير وكذلك في الحديث ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم كقوله ( لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني به ~~حتى أصلي عليه فإن الله جعل بصلاتى عليه بركه ورحمة ( وقال صلى الله عليه ~~وسلم ( إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وإن الله جاعل بصلاتي عليهم ~~نورا ( ومثل هذا كثير # ونظير هؤلاء الذين أبطلوا الأسباب المقدرة في خلق الله من أبطل الأسباب ~~المشروعة في أمر الله كالذين يظنون أن ما يحصل بالدعاء والأعمال الصالحة ~~وغير ذلك من الخيرات إن كان مقدرا حصل بدون ذلك وإن لم يكن مقدرا لم يحصل ~~بذلك وهؤلاء كالذين قالوا للنبى أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب فقال ( لا ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) # وفى السنن أنه قيل يارسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقى وتقاة ~~نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال ms2422 ( هي من قدر الله ( ولهذا قال من قال ~~من العلماء الإلتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد PageV08P138 ومحو الأسباب ~~أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في ~~الشرع ( # والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببا لهذا فإذا قال القائل ~~إن كان هذا مقدرا حصل بدون السبب وإلا لم يحصل جوابه أنه مقدر بالسبب وليس ~~مقدرا بدون السبب كما قال النبى ( أإن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم ~~في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ( وقال ( ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل ~~السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ( # وفى الصحيحين عن إبن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله وهو الصادق ~~المصدوق ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة ~~مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذالك ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال ~~أكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح قال فوالذي نفسي ~~بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~الجنة فيدخلها ( PageV08P139 فبين أن هذا يدخل الجنة بالعمل الذى يعمله ~~ويختم له به وهذا يدخل النار بالعمل الذي يعمله ويختم له به كما قال صلى ~~الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالخواتيم ( وذلك لأن جميع الحسنات تحبط ~~بالردة وجميع السيئات تغفر بالتوبة ونظير ذلك من صام ثم أفطر قبل الغروب أ ~~وصلى وأحدث عمدا قبل كمال الصلاة بطل عمله # وبالجملة فالذي عليه سلف الأمة وأئمتها ما بعث الله به رسله وأنزل كتبه ~~فيؤمنون بخلق الله وأمره بقدره وشرعه بحكمه الكوني وحكمه الدينى وإرادته ~~الكونية والدينية كما قال في الآية الأ ولى ms2423 ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كإنما يصعد في السماء ) ~~وقال نوح عليه السلام ( ولا ينفعكم نصحي أن أردت أن أنصح لكم إن كان الله ~~يريد أن يغويكم ) وقال تعالى في الإرادة الدينية ( يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر ) وقال ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ~~ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) وقال ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) # وهم مع إقرارهم بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه خلق الأشياء ~~بقدرته ومشيئته يقر ون بأنه لا إله إلا هو لا يستحق العبادة غيره ويطيعونه ~~ويطيعون رسله ويحبونه ويرجونه ويخشونه ويتكلون عليه وينيبون إليه ويوالون ~~أولياءه ويعادون أعداءه ويقرون بمحبته لما أمر به ولعباده المؤمنين ~~PageV08P140 و رضاه بذلك وبغضه لما أنهى عنه وللكافرين وسخطه لذلك ومقته له ~~ويقر ون بما إستفاض عن النبى صلى الله عليه وسلم من ( أن الله أشد فرحا ~~بتوبة عبده التائب من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه ~~فطلبها فلم يجدها فقال تحت شجرة فلما إستيقظ إذا بدابته عليها طعامه وشرابه ~~فالله أشد فرحا بت وبة عبده من هذا براحلته ( فه وإلههم الذي يعبدونه وربهم ~~الذي يسألونه كما قال تعالى ( الحمد لله رب العالمين إلى قوله إياك نعبد ~~وإياك نستعين ) فهو المعبود المستعان والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل ~~فهم يحبونه أعظم مما يحب كل محب محبوبه كما قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ) وكل ما ~~يحبونه سواه فإنما يحبونه لأجله كما في الصحيحين عن النبى أنه قال ( ثلاث ~~من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن ~~كان يجب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذا ~~أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ms2424 النار ( وفي الترمذي وغيره ( أوثق عرى ~~الإيمان الحب في الله والبغض في الله ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع ~~لله فقد إستكمل الإيمان ( # وهو سبحانه يحب عباده المؤمنين كمال الحب هو الخلة التى جعلها الله ~~لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم فإن الله إتخذ إبراهيم خليلا وإستفاض ~~PageV08P141 عن النبى في الصحيح من غير وجه أنه قال ( إن الله أتخذني خليلا ~~كما إتخذ إبراهيم خليلا ( وقال ( لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لا تخذت ~~أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ( يعني نفسه ولهذا إتفق سلف الأمه ~~وأئمتها وسائر أهل السنة وأهل المعرفة أن الله نفسه يحب ويحب # وأنكرت الجهمية ومن إتبعهم محبته وأول من أنكر ذلك الجعد بن درهم شيخ ~~الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط وقال أيها الناس ~~ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ~~ثم نزل فذبحه # وهذا أصل ملة إبراهيم الذى جعله الله إماما للناس قال تعالى ( وإذا ابتلى ~~إبراهبيم ربه بكلمات فأتمهن قال اني جاعلك للناس إماما ) وقال ( ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا ) # ومن قال إن المراد بمحبه الله محبة التقرب إلية فقوله متناقض فإن محبة ~~التقرب إليه تبع لمحبته فمن أحب الله نفسه أحب التقرب إليه ومن كان لايحبه ~~نفسه إمتنع أن يحب التقرب إليه وأما من كان لا يطيعه ولا يمتثل أمره إلا ~~لأجل غرض آخر فهو في الحقيقة إنما يحب ذلك الغرض الذي عمل لأجله وقد ~~PageV08P142 جعل طاعة الله وسيلة إليه وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ~~( إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا ~~يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا ~~الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب ms2425 فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب ~~إليهم من النظر إليه وهو الزيادة ( # فأخبر أن النظر إليه أحب إليهم من كل ما يتنعمون به ومحبة النظر إليه تبع ~~لمحبته فإنما أحبوا النظر إليه لمحبتهم إياه وما من مؤمن إلا ويجد في قلبه ~~محبة الله وطمأنينة بذكره وتنعما بمعرفته ولذة وسرورا بذكره ومناجاته وذلك ~~يقوى ويضعف ويزيد وينقص بحسب إيمان الخلق فكل من كان إيمانه أكمل كان تنعمه ~~بهذا أكمل ولهذا قال في الحديث الذي رواه أحمد وغيره ( حبب إلي من ديناكم ~~النساء والطيب ثم قال وجعلت قرة عينى في الصلاة ( وكان يقول ( أرحنا ~~بالصلاة يا بلال ( وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن عباده المؤمنين يحبونه وهو يحبهم سبحانه وتعالى وحبهم له ~~بحسب فعلهم لما يحبه كما في صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى قال ( يقول ~~الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلي عبدى بمثل ~~أداء ما إفترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر PageV08P143 به ويده التى ~~يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن ~~سألنى لأعطينه ولئن إستعاذنى لا عيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن ~~قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ( # فقد بين أن العبد إذا تقرب إلى الله بما يحبه من النوافل بعد الفرائض ~~أحبه الله فحب الله لعبده بحسب فعل العبد لما يحبه الله وما يحبه الله من ~~عبادته وطاعته فهو تبع لحب نفسه وحب ذلك هو سبب حب عباده المؤمنين فكان حبه ~~للمؤمنين تبعا لحب نفسه # فالمؤمنون وإن كانوا يحمدون ربهم ويثنون عليه فهم لا يحصون ثناء عليه بل ~~هو كما أثنى على نفسه كما في الحديث الصحيح عنه أنه كان يقول ( اللهم أنى ~~أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت ms2426 على نفسك ( وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( لا أحد أحب إليه المدح ~~من الله من أجل ذلك مدح نفسه ( وقال له الأسود بن سريع أنى حمدت ربى بمحامد ~~فقال ( إن ربك يحب الحمد ( فهو يحب حمد العباد له ومحده لنفسه أعظم من حمد ~~العباد له ويحب ثناءهم عليه وثناؤه على نفسه أعظم من ثنائهم عليه وكذلك حبه ~~لنفسه وتعظيمه لنفسه فهو سبحانه أعلم بنفسه من كل أحد وهو الموصوف بصفات ~~الكمال التى لا تبلغها عقول الخلائق فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه وفى ~~الصحيح عن النبى صلى PageV08P144 الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر ( وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ~~سبحانه ) قال ( يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يهزهن ثم يقول ~~أنا الملك أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا الذي بدأت ~~الدنيا ولم تك شيئا أنا الذى اعيدها ( وفى رواية ( يمجد الرب نفسه سبحانه ( ~~فهو يحمد نفسه ويثنى عليها ويمجد نفسه سبحانه وتعالى وهو الغنى بنفسه لا ~~يحتاج إلى أحد غيره بل كل ما سواه فقير إليه ( يسأله من في السماوات والأرض ~~كل يوم هو في شأن ) وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد # فإذا فرح بتوبة التائب واحب من تقرب إليه بالنوافل ورضي عن السابقين ~~الأولين ونحو ذلك لم يجز أن يقال هو مفتقر في ذلك إلى غيره ولا مستكمل ~~بسواه فأنه هو الذي خلق هؤلاء وهو الذي هداهم وأعانهم حتى فعلوا ما يحبه ~~ويرضاه ويفرح به # فهذه المحبوبات لم تحصل إلا بقدرته ومشيئته وخلقه فله الملك لا شريك له ~~وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون فهذا ونحوه يحتج به ~~الجمهور الذين يثبتون لأفعاله حكمة تتعلق به يحبها ويرضاها ويفعل لأجلها # PageV08P145 # قالوا وقول القائل إن هذا يقتضي أنه مستكمل بغيره فيكون ناقصا قبل ذلك ~~عنه أجوبه # ( أحدها ) أن هذا منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات فما كان جوابا في ms2427 ~~المفعولات كان جوابا عن هذا ونحن لا نعقل في الشاهد فاعلا إلا مستكملا ~~بفعله # ( الثانى ) أنهم قالوا كما له أن يكون لا يزال قادرا على الفعل بحكمة فلو ~~قدر كونه غير قادر على ذلك لكان ناقصا # ( الثالث ) قول القائل أنه مستكمل بغيره باطل فإن ذلك إنما حصل بقدرته ~~ومشيئته لا شريك له في ذلك فلم يكن في ذلك محتاجا إلى غيره وإذا قيل كمل ~~بفعله الذى لا يحتاج فيه إلى غيره كان كما لو قيل كمل بصفاته أوكمل بذاته # ( الرابع ) قول القائل كان قبل ذلك ناقصا إن أراد به عدم ما تجدد فلا ~~نسلم أن عدمه قبل الوقت الذي إقتضت الحكمة وجوده فيه يكون نقصا وإن أراد ~~بكونه ناقصا معنى غير ذلك فهو ممنوع بل يقال عدم الشيء في الوقت الذى لم ~~تقتض الحكمة وجوده فيه من الكمال كما أن وجوده في وقت إقتضاء الحكمة وجوده ~~فيه كمال فليس عدم كل شيء نقصا بل عدم ما يصلح وجوده PageV08P146 هو النقص ~~كما أن وجود مالا يصلح وجوده نقص فتبين أن وجود هذه الأمور حين إقتضت ~~الحكمة عدمها هو النقص لا أن عدمها هو النقص ولهذا كان الرب تعالى موصوفا ~~بالصفات الثبوتية المتضمنه لكماله وموصوفا بالصفات السلبية المستلزمة ~~لكماله أيضا فكان عدم ما ينفي عنه هو من الكمال كما أن وجودها ما يستحق ~~ثبوته من الكمال وإذا عقل مثل هذا في الصفات فكذلك في الأفعال ونحوها وليس ~~كل زيادة يقدرها الذهن من الكمال بل كثير من الزيادات تكون نقصا في كمال ~~المزيد كما يعقل مثل ذلك في كثير من الموجودات والإنسان قد يكون وجود أشياء ~~في حقه في وقت نقصا وعيبا وفى وقت آخر كمالا ومدحا في حقه كما يكون في وقت ~~مضرة له وفي وقت منفعة له # ( الخامس ) أنا إذا قدرنا من يقدر على إحداث الحوداث لحكمة ومن لا يقدر ~~على ذلك كان معلوما ببديهة العقل أن القادر على ذلك أكمل مع أن الحوادث لا ~~يمكن وجودها إلا حوادث لا تكون ms2428 قديمة وإذا كانت القدرة على ذلك أكمل وهذ ~~المقدور لا يكون إلا حادثا كان وجوده هو الكمال وعدمه قبل ذلك من تمام ~~الكمال إذ عدم الممتنع الذى هو شرط في وجود الكمال من الكمال # ثم هم هنا ثلاث فرق ( فرقة ) تقول إرادته وحبه ورضاه ونحو هذا قديم ولم ~~يزل راضيا عمن علم أنه يموت مؤمنا ولم يزل ساخطا على من علم أنه يموت ~~PageV08P147 كافرا كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية وأهل الحديث والفقهاء ~~والصوفية فهؤلاء لا يلزمهم التسلسل لأجل حلول الحوادث لكن يعارضهم إلا ~~كثرون الذين ينازعونهم في الحكمة المحبوبة كما ينازعونهم في الإرادة فانهم ~~قالوا لهم إذا كانت الإرادة قديمة لم تزل ونسبتها إلى جميع الأزمنة ~~والحوادث سواء فإختصاص زمان دون زمان بالحدوث ومفعول دون مفعول تخصيص بلا ~~مخصص # قال أولئك الإرادة من شأنها أن تخصص قال لهم المعارضون من شأنها جنس ~~التخصيص وأما تخصيص هذا المعين على هذا المعين فليس من لوازم الإرادة بل ~~لابد من سبب يوجب إختصاص أحدهما بالإرادة دون الآخر والإنسان يجد من نفسه ~~أنه يخصص بإرادته ولكنه يعلم أنه لا يريد هذا دون هذا إلا لسبب إقتضى ~~التخصيص وإلا فلو تساوى ما يمكن إرادته من جميع الوجوه إمتنع تخصيص الإرادة ~~لواحد من ذلك دون أمثاله فإن هذا ترجيح بلا مرجح ومتى جوز هذا إنسد باب ~~إثبات الصانع قالو ومن تدبر هذا وأمعن النظر فيه علمه حقيقة وإنما ينازع ~~فيه من يقلد قولا قاله غيره من غير إعتبار لحقيقته # وهكذا يقول لهم الجمهور إذا كان الله تعالى راضيا في إزله ومحبا وفرحا ~~بما يحدثه قبل أن يحدثه فإذا أحدثه هل حصل بإحداثه حكمة يحبها ويرضاها ~~ويفرح بها أو لم يحصل إلا ما كان في الأزل فإن قلتم لم يحصل إلا ما كان في ~~PageV08P148 الأزل قيل ذاك كان حاصلا بدون ما أحدثه من المفعولات فإمتنع أن ~~تكون المفعولات فعلت لكي يحصل ( ذاك ) فقولكم كما تضمن أن المفعولات تحدث ~~بلا سبب يحدثه الله تعالى يتضمن أنه ms2429 يفعلها بلا حكمة يحبها ويرضاها قالوا ~~فقولكم يتضمن نفي إرادته المقارنة ومحبته وحكمته التى لا يحصل الفعل إلا ~~بها # ( والفرقة الثانية ) قالوا أن الحكمة المتعلقة به تحصل بمشيئته وقدرته ~~كما يحصل الفعل بمشيئته وقدرته قالوا وإن قام ذلك بذاته فهو كقيام سائر ما ~~أخبر به من صفاته وأفعاله بذاته # والمعتزلة تنفي قيام الصفات والأفعال به وتسمى الصفات إعراضا والأفعال ~~حوادث ويقولون لا تقوم به الأعراض ولا الحوادث فيتوهم وهم من لم يعرف حقيقة ~~قولهم أنهم يتنزهون الله تعالى عن النقائص والعيون والآفات ولا ريب أن الله ~~يجب تنزيهه عن كل عيب ونقص وآفة فإنه القدوس السلام الصمد السيد الكامل في ~~كل نعت من نعوت لكمال كمالا يدرك الخلق حقيقته منزة عن كل نقص تنزيها لا ~~يدرك الخلق كماله وكل كمال ثبت لموجود من غير إستلزام نقص فالخالق تعالى ~~أحق به وأكمل فيه منه وكل نقص ينزة عنه مخلوق فالخالق أحق بتزيهه عنه وأولى ~~ببراءته منه # روينا من طريق غير واحد كعثمان بن سعيد الدارمي وأبى جعفرالطبري وأبى بكر ~~البيهقى وغيرهم في تفسير على بن أبى طلحة عن أبن عباس في قوله تعالى ( ~~الصمد ) قال السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل PageV08P149 ~~في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحكيم الذي قد كمل في حكمته والغنى ~~الذى قد كمل في غناه والجبار الذى قد كمل في جبروته والعالم الذى قد كمل في ~~علمه والحليم الذى قد كمل في حلمه وهو الذى قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد ~~وهو والله عز وجل هذه صفة لا تنبغي إلاله ليس له كفؤ وليس كمثله شيء سبحانه ~~الواحد القهار وهذا التفسير ثابت عن عبد الله بن أبى صالح عن معا وية بن ~~صالح عن على بن أبى طلحة الوالبي لكن يقال أنه لم يسمع التفسير من إبن عباس ~~ولكن مثل هذا الكلام ثابت عن السلف وروى عن سعيد بن جبير أنه قال الصمد ~~الكامل في صفاته وأفعاله وثبت عن أبى وائل ms2430 شقيق بن سلمة أنه قال الصمد ~~السيد الذى إنتهى سؤدده وهذه الأقوال وما أشبهها لا تنافى ما قاله كثير من ~~السلف كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدى والضحاك وغيرهم ~~من أن الصمد هو الذي لا جوف له وهذا منقول عن بن مسعود عن عبد الله بن ~~بريدة عن أبيه موقوفا أو مرفوعا فإن كلا القولين حق كما بسط الكلام على ذلك ~~فلا غير هذا الموضع ولفظ ( الأعراض في اللغة ( قد يفهم منه ما يعرض للإنسان ~~من الأمراض ونحوها وكذلك لفظ الحوادث والمحدثات قد يفهم ما يحدثه الإنسان ~~PageV08P150 الأفعال المذمومة والبدع التي ليست مشروعه أو ما يحدث للإنسان ~~من الأمراض ونحو ذلك والله سبحانه وتعالى يجب تنزيهه عما هو فوق ذلك مما ~~فيه نوع نقص فكيف تننزيهه عن هذا الأمور ولكن لم يكن مقصود المعتزلة بقولهم ~~هو ومنزة عن الأعراض والحوادث إلا نفي صفاته وأفعاله فعندهم لا يفوم به علم ~~ولا قدرة ولا مشيئة ولا رحمة ولا حب ولا رضي ولا فرح ولا خلق ولا إحسان ولا ~~عدل ولا اتيان ولا مجيء ولا نزول ولا استواء ولا غير ذلك من صفاته وأفعاله # وجماهير المسلمين يخالفونهم في ذلك ومن الطوائف من ينازعهم في الصفات دون ~~الأفعال ومنهم من ينازعهم في بعض الصفات دون بعض ومن الناس من ينازعهم في ~~الفعل القديم ويقول إن فعله قديم وأن كان المفعول محدثا كما يقول في نظير ~~ذلك من يقوله في الإرادة وبسط هذه الأقوال وذكر قائليها وأدلتهم مذكور في ~~غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على مجامع أجوبة الناس عن السؤال المذكور # وهذا الفريق الثانى إذا قال لهم الناس إذا أثبتم حكمة حدثت بعد أن لم تكن ~~لزمكم التسلسل قالوا القول في حدوث هذه الحكمة كالقول في حدوث سائر ما ~~أحدثه من المفعولات ونحن نخاطب من يسلم لنا أنه أحدث المحدثات بعد أن لم ~~تكن فإذا قلنا إنه أحدثها بحكمة حادثة لم يكن له أن PageV08P151 يقول هذا ~~يستلزم التسلسل بل نقول له ms2431 القول في حدوث الحكمة كالقول في حدوث المفعول ~~المستعقب للحكمة فما كان جوابك هذا كان جوابنا عن هذا # فلما خصم الفريق الثانى الفريق الأول قال لهم الفريق الثالث من أئمة ~~الحديث والفقهاء والصوفية وأهل الكلام هذه حجة جدلية الزامية ولم تشفوا ~~الغليل بهذا الجواب وليس معكم من الأدلة الشرعية ولا العقلية ما ينفى هذا ~~التسلسل بل التسلسل نوعان والدور نوعان # ( أحدهما ) التسلسل في العلل والمعلولات فهذا ممتنع وفاقا # و ( الثانى ) التسلسل في الشروط والآثار فهذا في جوازه قولان معروفان ~~للمسلمين وغيرهم وطوائف من أهل الكلام والحديث والفلسفة يجوزون هذا ومن ~~هؤلاء السلف والأئمة الذين يقولون لم يزل الله متكلما إذا شاء وأنه لم يزل ~~يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها # وبين هؤلاء أن ما إستدل به منازعوهم على نفي التسلسل في الآثار وإمتناع ~~وجود ما لا يتناهى في الماضى أدلة ضعيفة كدليل المطابقة بين الجملتين مع ~~زيادة أحداهما وكدليل الشفع والوتر ونحو ذلك من الأدلة التى بين هؤلاء ~~فسادها ونقضوها عليهم بالحوادث في المستقبل وبعقود الأعداد وبمعلومات الله ~~مع PageV08P152 مقدوراته وغير ذلك مما قد بسط في موضعه # والدور ( نوعان ( فالدور القبلى السبقى ممتنع وهو أن لا يوجد هذا إلا بعد ~~هذا ولا يوجد هذا إلا بعد هذا وهذا دور العلل وأما الدور المعي الإقترانى ~~وهو أنه لا يكون هذا إلا مع هذا ولايكون هذا إلا مع هذا فهذا هو الدور في ~~الشروط وما أشبهها من المتضايفات والمتلازمات ومثل هذا جائز ( # فهذه مجامع أجوبة الناس عن هذا السؤال وهى عدة أقوال # ( الأول ) قول من لايعلل لا أفعاله ولا أحكامه # و ( الثانى ) قول من يعلل ذلك بأمور مباينة له منفصلة عنه من جملة ~~مفعولاته # و ( الثالث ) قول من يعلل ذلك بأمور قائمة به قديمة # و ( الرابع ) قول من يعلل ذلك بأمور قائمة به متعلقة بقدرته ومشيئته لكن ~~يقول جنسها حادث # و ( الخامس ) قول من يعلل ذلك بأمور متعلقة بمشيئته وقدرته فإن كان الفعل ~~المقتضى للحكمة حادث النوع كانت الحكمة ms2432 كذلك وإن قدر أنه قام به كلام أو ~~فعل متعلق بمشيئته وأنه لم يزل كذلك كانت الحكمة كذلك فيكون النوع قديما ~~وإن كانت آحاده حادثه # ويمكن الجواب عن السؤال بتقسيم حاصر بأن يقال لا ريب أن الله عز وجل يحدث ~~مفعولات لم تكن فإما أن تكون الأفعال المحدثة يجب أن يكون لها إبتداء ويجوز ~~أن تكون غير متناهية في الإبتداء كما هي غير متناهية في PageV08P153 ~~الإنتهاء فإن وجب أن يكون لها إبتداء أمكن حدوث الحوادث بدون تسلسلها فإذا ~~قال القائل لو فعل لعلة محدثة لكان القول في حدوث تلك العلة كالقول في حدوث ~~معلولها ويلزم التسلسل كان جوابه على هذا التقدير أن الحوادث يجب أن يكون ~~لها إبتداء وإذا فعل الفعل لحكمة محدثة كان الفعل وحكمته محدثين ولا يجب أن ~~يكون للعلة المحدثة علة محدثة إلا إذا جاز أن لايكون للحوادث إبتداء فأما ~~إذا جاز أن يكون لها إبتداء بطل هذا السؤال فكيف إذا وجب أن يكون لها ~~إبتداء # وإن قيل يجوز أن تكون الحوادث غير متناهية في الإبتداء كما أنها غير ~~متناهية في الإنتهاء عند المسلمين وسائر أهل الملل وجمهور الخلق ولم ينازع ~~في ذلك إلا بعض أهل البدع الذين يقولون بفناء الجنة والنار كما يقوله الجهم ~~بن صفوان أ وبفناء حركات أهل الجنة كما يقوله أبو الهذيل فإن هذين أوجبا أن ~~يكون لجنس الحوادث إنتهاء كما يجب أن يكون لها عندهم إبتداء وأكثر الذين ~~وافقوهم على وجوب الإبتداء خالفوهم في الإنتهاء وقالوا لها إبتداءوليس لها ~~إنتهاء و ( الطائفة الثالثة ) قالت ليس لها إبتداء ولاإنتهاء والأقوال ~~الثلاثة معروفة في طوائف المسلمين # والمقصود هنا ( أن الجواب يحصل على التقديرين فمن جوز أن لا يكون لها ~~نهاية في الإبتداء جوز تسلسل الحوادث وقال هذا تسلسل في الآثار والشروط لا ~~تسلسل في العلل والمؤثرات والممتنع إنما هو الثانى دون الأول PageV08P154 ~~وقال أنه لا يقوم دليل على إمتناع الثاني كما يقول ذلك طوائف من متقدمي أهل ~~الكلام ومتأخريهم ومتقدمي أهل الحديث ومتأخريهم ومن ms2433 أوجب أن يكون لها ~~إبتداء قال في حدوث العلة ما يقوله في حدوث المفعول إذلا فرق بينهما في هذا ~~المعنى ( # ومن الأجوبة الحاصرة أن يقال خلق الله إما أن يجوز تعليله أولا فإن لم ~~يجز تعليله كان هذا هو التقرير الأول وعلى هذا التقدير فلا يسمى هذا عبثا ~~وإذا سماه المسمى عبثا لم تكن تسميته عبثا قدحا فيما تحقق فانا نتكلم على ~~تقدير إمتناع التعليل وإذا كان التعليل ممتنعا وجب القول به ولو سماه ~~المسمى بأي شيء سماه وإن جاز تعليله فلا يخلو إما أن يجوز تعليله بعلة ~~حادثة وإما أن لا يجوز فإن قيل لا يجوز ذلك لزم كون العلة قديمة وامتنع على ~~هذا التقدير قدم المعلول فإنا نتكلم على تقدير جواز تعليل المفعول الحادث ~~بعلة قديمة وإن قيل يجوز تعليله بعلة حادثة أمكن القول بذلك # ثم إما أن يقال يجوز تعليل الحوادث بعلة متناهية للفاعل لئلا يلزم أن ~~يقوم به شيء حادث يجب أن يقوم به لحكمة وأن كانت مقدورة مرادة له فإن قيل ~~بالأول لزم كون العلة الحادثة منفصلة عنه ولزم على هذا كون الفاعل يحدث ~~الحوادث بعد أن لم تكن لعلة حادثة بغيره من غير حدوث سبب يوجب أول الحوادث ~~ولا قيام حادث بالمحدث وإن قيل بل لا يجوز أن PageV08P155 يحدث الحوادث ~~لغير معنى يعود إليه بل يجب أن يقوم به ما هو السبب والحكمة في حدوث ~~الحوادث فإنه يجب القول بذلك # ثم إما أن يقال هذا يستلزم التسلسل أ ولايستلزمه فإن قيل لايستلزمه لم ~~يكن التسلسل لازما فاندفع المحذور وإن قيل أن التسلسل لازم لم يكن التسلسل ~~على هذا التقدير محذورا لأن التقدير أنه يجوز تعليل أفعاله بعلة حادثة وأن ~~ذلك يستلزم التسلسل # ومن المعلوم أن الأمر الجائز لا يستلزم ممتنعا فأنه ل وإستلزم ممتنعا ~~لكان ممتنعا بغيره وإن كان جائزا بنفسه والتقدير أنه جائز جوازا مطلقا لا ~~امتناع فيه وما كان جائزا جوازا مطلقا لا امتناع فيه لم يلزمه ما يمتنع ~~ثبوته فيكون التسلسل ms2434 على هذا التقدير غير ممتنع # فهذا جواب عن السؤال من غير إلتزام قول بعينه بل نبين أنه ليس في نفس ~~الأمر محذور ولكن السؤال مبني على ست مقدمات لزوم العبث وأنه منتف ولزوم ~~قدم المفعول وأنه منتف ولزوم التسلسل وأنه منتف # فصاحب القول الأول يقول لا أسلم أنه يلزم العبث وصاحب القول الثاني يقول ~~لا أسلم أنه يلزم قدم المفعول وصاحب القول الثالث يقول PageV08P156 لا أسلم ~~أنه يلزم التسلسل أ ويقول لا أسلم أن التسلسل في الآثار ممتنع فهذه أربع ~~ممانعات لا بد منها ويمتنع أن تكون كلها فاسدة بل لابد من صحة واحد منها ~~وأيها صح أندقع به السؤال وه والمقصود وذلك لأن القسمة العقلية تحصر ~~الأقسام فيما ذكر فمن توجه عنده أحد الأقسام قال به ونحن قد بسطنا الكلام ~~على أصول هذه المسألة ولوازمها وأقوال الناس فيها في غير هذا الموضع # والمقصود هنا الذب عن مجموع المسلمين فإن هذا السؤال مما أورده على الناس ~~القائلون بقدم العالم وقد ذكرنا عنه أجوبة متعددة فيما كتبناه في جواب شبهة ~~القائلين بقدم العالم # ومن جملة أجوبتهم أن يقال هذا السؤال ليس مختصا بحدوث العالم بل هو وارد ~~في كل ما يحدث في الوجود من الحوادث والحدوث مشهود محسوس متفق عليه بين ~~العقلاء فكل ما يورده المورد على حدوث خلق السماوات والأرض يورد عليه نظيره ~~في الحوادث المشهودة # وقد نبهنا على جنس ما تحتج به كل طائفة من الطوائف في هذا المقام لكن ~~إستقصاء الكلام في ذلك لا تسعه هذه الأوراق ولا يحتمله هذا المقام ~~PageV08P157 # ومن فهم ما كتب إنفتح له الكلام في هذا الباب وأمكنه أن يحصل تمام الكلام ~~في جنس هذه المسائل فإن الكلام فيها بالتدريج مقاما بعد مقام هو الذي يحصل ~~به المقصود وإلا فإذا هجم على القلب الجزم بمقالات لم يحكم أدلتها وطرقها ~~والجواب عما يعارضها كان إلى دفعها والتكذيب بها أقرب منه إلى التصديق بها ~~فلهذا يجب أن يكون الخطاب في المسائل المشكة بطريق ذكر دليل كل ms2435 قول ومعارضة ~~الآخر له حتى يتبين الحق بطريقه لمن يريد الله هدايته ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والله سبحانه أعلم ~~واحكم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ( # PageV08P158 ### |||| وسئل # هل أراد الله تعالى المعصية من خلقه أم لا ### ||||| فأجاب # لفظ ( الإرادة ( مجمل له معنيان فيقصد به المشيئة لما خلقه ويقصد ~~به المحبة والرضا لما أمر به # فإن كان مقصود السائل أنه أحب المعاصي ورضيها وأمر بها فلم يردها بهذا ~~المعنى فإن الله لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يأمر بالفحشاء بل ~~قال لما نهى عنه ( كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ) وإن أراد أنها من جملة ~~ما شاءه وخلقه فالله خالق كل شيء وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولايكون في ~~الوجود إلا ما شاء # وقد ذكر الله في موضع أنه يريدها وفى موضع أنه لا يريدها والمراد بالأول ~~أنه شاءها خلقا وبالثاني أنه لا يحبها ولا يرضاها أمرا كما قال تعالى ( فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~) وقال نوح ( ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم هو ربكم ) وقال في الثانى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~PageV08P159 العسر ) وقال تعالى ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين ~~من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق ~~الإنسان ضعيفا ) وقال ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم ) وقال ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا ) # PageV08P160 ### || 1 ( معنى قولة علي لا يرجون عبد إلا ربه ) 1 ### |||| سئل الشيخ الامام العلامة أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه # عن قول على رضى الله عنه لا يرجون ~~عبد ms2436 إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه ما معنى ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا الكلام يؤثر عن أميرالمؤمنين على بن أبى طالب رضى ~~الله عنه وهو من أحسن الكلام وأبلغه وأتمه فإن الرجاء يكون للخير والخوف ~~يكون من الشر والعبد إنما يصيبه الشر بذنونه # كما قال تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم وبعفو عن كثير ) ~~وقال تعالى ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديث ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) # فإن كثيرا من الناس يظن أن المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية ~~الطاعات والمعاصي # PageV08P161 # ثم ( المثبتة للقدر ( يحتجون بقوله ( كل من عند الله ) فيعارضهم قوله ( ~~ماأصابك من حسنة فمن الله وماأصابك من سيئة فمن نفسك ) و ( نفاة القدر ( ~~يحتجون بهذه الثانية مع غلطهم في ذلك فإن مذهبهم أن العبد يخلق جميع أعماله ~~ويعارضهم قوله ( كل من عند الله ) # وإنما غلط كلا الفريقين لما تقدم من ظنهم أن الحسنات والسيئات هي الطاعات ~~والمعاصي وإنما الحسنات والسيئات في هذه الآية النعم والمصائب كما في قوله ~~تعالى ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) وقوله تعالى ( فإذا ~~جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) وقوله ~~تعالى ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ) وقوله تعالى ( ~~وقهم السيئات ) ونحو ذلك وهذا كثير # وهذه الآية ذم الله بها المنافقين الذين ينكلون عما أمر الله به من ~~الجهاد وغيره فإذا نالهم رزق ونصر وعافية قالوا ( هذا من عند الله ) وإن ~~نالهم فقر وذل ومرض قالوا ( هذا من عندك ) يامحمد بسبب الدين الذي أمرتنا ~~به كما قال قوم فرعون لموسى وذكر الله ذلك عنهم بقوله تعالى ( فإذا جاءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) وكما قال ~~الكفار لرسل عيسى ( إنا تطيرنا ms2437 كم ) # فالكفار والمنافقون إذا أصابتهم المصائب بذنوبهم تطيروا بالمؤمنين فبين ~~PageV08P162 الله سبحانه أن الحسنة من الله ينعم بها عليهم وأن السيئة أنا ~~تصيبهم بذنوبهم ولهذا قال تعالى ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون ) فأخبر أنه لا يعذب مستغفرا لأن الإستغفار يمحو ~~الذنب الذي هو سبب العذاب فيندفع العذاب كما في سنن أبى داود وإبن ماجه عن ~~النبى أنه قال ( من أكثر الإستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق ~~مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ( وقد قال تعالى ( أن لا تعبدوا إلا الله أننى ~~لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى ~~أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ) # فبين أن من وحده واستغفره متعه متاعا حسنا إلى أجل مسمى ومن عمل بعد ذلك ~~خيرا زاده من فضله وفى الحديث ( يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب وأهلكونى ~~بلا إله إلا الله والإستغفار فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم بذنبون ~~ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( # ولهذا قال تعالى ( فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلم يتضرعون فلولا إذ ~~جاءهم بأسنا تضرعوا ) أي فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا فحقهم عند مجيء البأس ~~التضرع وقال تعالى ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما أستكانوا لربهم وما يتضرعون ~~) قال عمر بن عبد العزيز ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة ولهذا قال ~~تعالى ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم PageV08P163 فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ~~لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله PageV08P164 ينصركم الله فلا غالب ~~لكم وأن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ~~وقال تعالى ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا إلى الله راغبون ) وقال تعالى ( الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ( حسبنا ~~الله ونعم الوكيل ) # فهؤلاء قالوا ms2438 حسبنا الله أى كافينا الله في دفع البلاء وأولئك أمروا أن ~~يقولوا حسبنا في جلب النعماء فهو سبحانه كاف عبده في إزالة الشر وفى إنالة ~~الخير أليس الله بكاف عبده ومن توكل على غير الله ورجاه خذل من جهته وحرم ( ~~مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت إتخذت بيتا وان أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت ) ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ) ( لا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ) وقال الخليل ( فابتغوا عند الله الرزق ~~واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ) # فمن عمل لغير الله رجاء أن ينتفع بما عمل له كانت صفقته خاسرة قال الله ~~تعالى ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) وقال تعالى ( ~~مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد إشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ~~PageV08P165 مما كسبوا على شيء ) وقال تعالى ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباءا منثورا ) وقال تعالى ( كل شيء هلك إلا وجهه ) كما قيل في ~~تفسيرها كل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه فمن عمل لغير الله ورجاه بطل سعيه ~~والراجي يكون راجيا تارة بعمل يعمله لمن يرجوه وتارة بإعتماد قلبه عليه ~~والتجائه إليه وسؤاله فذاك نوع من العبادة له وهذا نوع من الإستعانة به وقد ~~قال تعالى ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وقال ( فاعبده وتوكل عليه ) وقال ( ~~قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ) # ( # ومما يوضح ذلك أن كل خير ونعمة تنال العبد فإنما هي من الله وكل شر ~~ومصيبة تندفع عنه أو تكشف عنه فإنما يمنعها الله وإنما يكشفها الله وإذا ~~جرى ما جرى من أسبابها على يد خلقه فالله سبحانه هو خالق الأسباب كلها سواء ~~كانت الأسباب حركة حى بإختياره وقصده كما يحدثه ms2439 تعالى بحركة الملائكة والجن ~~والإنسن والبهائم أو حركة جماد بما جعل الله فيه من الطبع أو بقاسر يقسره ~~كحركة الرياح والمياه ونحو ذلك فالله خالق ذلك كله فإنه لا حول ولا قوة إلا ~~به وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فالرجاء يجب أن يكون كله للرب والتوكل ~~عليه والدعاء له فإنه إن شاء ذلك ويسره كان وتيسر ولو لم يشأ الناس وإن لم ~~يشأه ولم ييسره ولم يكن وإن شاءه الناس # وهذا واجب لو كان شيء من الأسباب مستقلا بالمطلوب فأنه لو قدر مستقلا ~~بالمطلوب وإنما يكون بمشيئة الله وتيسيره لكان الواجب أن PageV08P166 لا ~~يرجى إلا الله ولا يتوكل إلا عليه ولا يسأل إلا هو ولا يستعان إلا به ولا ~~يستغاث إلا هو فله الحمد وإليه المشتكي وهو المستعان وهو المستغاث ولا حو ل ~~والقو ة إلا به فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلا بمطلوب بل لابد من إنضمام ~~أسباب أخر إليه ولا بد أيضا من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل ~~المقصود # فكل سبب فله شريك وله ضد فان لم يعاو نه شريكه ولم يصرف عنه ضده لم يحصل ~~سببه فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهو اء والتراب ~~وغير ذلك ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الأفات المفسده له والطعام والشراب ~~لايغذى إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقو ى ومجمو ع ذلك لا يفيد إن لم ~~تصرف المفسدات والمخلو ق الذي يعطيك أو ينصرك فهو مع أن الله يخلق فيه ~~الإرادة والقو ة والفعل فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته ~~تعاونه على مطلو به ولو كان ملكا مطاعا ولا به أن يصرف عن الأسباب المعاو ~~نه ما يعارضها ويمانعها فلا يتم المطلو ب إلا بو جو د المقتضى وعدم المانع ~~وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضى فليس في الوجود شيء واحد هو مقتضيا ~~وإن سمى مقتضيا وسميى سائر ما يعينه شروطا فهذا نزاع ms2440 لفظي وحينئذ فيقال ~~لابد من وجود المقتضى والشروط وإنتفاء الموانع وإما أن يكون في المخلوقات ~~علة تامة تستلزم معلولها فهذا باطل PageV08P167 ومن عرف هذا حق المعرفة ~~إنفتح له باب توحيد الله وعلم أنه لا يستحق لأن يدعى غيره فضلا عن أن يعبد ~~غيره ولا يتوكل على غيره ولا يرجى غيره وهذا مبرهن بالشرع والعقل ولا فرق ~~في ذلك بين الأسباب العلوية والسفلية وأفعال الملائكة والأنبياء والمؤمنين ~~وشفاعتهم وغير ذلك من الأسباب فإن من توكل في الشفاعة أو الدعاء على ملك أو ~~نبى أو رجل صالح أو نحو ذلك قيل له هذا أيضا سبب من الأسباب فهذا الشافع ~~والداعى لا يفعل ذلك إلا بمشيئة الله وقدرته بل شفاعة أهل طاعته # لا تكون إلا لمن يرضاه كما قال تعالى ( ولا يشفعون إلا لمن إرتضى ) فليس ~~أحد يشفع عنده إلا بإذنه الإذن القدري الكونى فإن شفاعته من جهة أفعال ~~العباد لا تكون إلا بمشيئته وقدرته فليس كالمخلوق الذي يشفع إليه شافع تكون ~~شفاعته بغير حول المشفوع إليه وقوته بل هو سبحانه خالق شفاعة الشافع كسائر ~~التحولات ولا حول ولا قوة إلا به ( الحول ( يتضمن التحول من حال إلى حال ~~بحركة أو إرادة أو غير ذلك فالشافع لا حول له في الشفاعة ولا غيرها إلا به ~~ثم أهل طاعته الذين تقبل شفاعتهم لا يشفعون إلا لمن إرتضى فلا يطلبون منه ~~ما لايحب أن يطلب منه بل الملائكة الذين هم ملائكته كما قال فيهم ( وقالوا ~~اتخذوا الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن إرتضى وهم من ~~خشيته مشفقون ) PageV08P168 # والصادرعنهم إما قول وإما عمل فالقول لا يسبقونه به بل لا يقولون حتى ~~يقول ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وعلينا أن نكون معه ومع رسله هكذا فلا نقول ~~في الدين حتى يقول ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله ولا نعبده إلا بما أمر ~~وأعلى من هذا أن لا نعمل إلا بما أمر ms2441 فلا تكون أعمالنا إلا واجبة أومستحبة ~~وإذا كان هكذا في مثل هذه الأسباب فكيف بمن توكل أ ورجا أسبابا غير هذه من ~~الكواكب أو غيرها أو من أفعال الآدميين من الملوك والرؤساء والأصحاب ~~والأصدقاء والمماليك والأتباع وغير ذلك # ومما ينبغى أن يعلم ما قاله طائفة من العلماء قالوا الإلتفات إلى الأسباب ~~شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن ~~الأسباب بالكلية قدح في الشرع وإنما التوكل والرجاءمعنى يتألف من موجب ~~التوحيد والعقل والشرع # وبيان ذلك أن الإلتفات إلى السبب هو إعتماد القلب عليه ورجاؤه والإستناد ~~إليه وليس في الخلوقات ما يستحق هذا لانه ليس مستقلا لا بد له من شركاء ~~وأضداد ومع هذا كله فان لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر وهذا مما يبين أن ~~الله رب كل شيء ومليكه وأن السماوات والأرض وما بينهما والأفلاك وما حوته ~~لها خالق مدبر غيرها وذلك أن كل ما يصدر عن فلك أوكوكب أو ملك أو غير ذلك ~~فإنك تجده ليس مستقلا بإحداث شيء PageV08P169 من الحوادث بل لابد من مشارك ~~ومعاون وه ومع ذلك له معارضات وممانعات # ومن أعظم ذلك ( الفلك الآطلس التاسع ( االذي يظن كثير من المتفلسفة ~~الإلهيين والمنجمين وغيرهم أن حركته هي السبب في حدوث الحوادث كلها وإليها ~~إنتهى علمهم بأسباب الحوادث ثم هم إما أن يجعلوه معلولا لواجب الوجود بتوسط ~~عقل أ ونفس أ وبغير توسط ذلك وإما أن ينكروا أن يكون معلولا ويجعلونه واجب ~~الوجود بنفسه فقولهم هذا من أعظم الأقوال فسادا وأن كانوا مع ذكائهم ~~لايهتدون لذلك ولا يهتدي كثير من الناس للرد عليهم في ذلك # وكل من نظر إلى السماء علم أن حركته ليست هي السبب في جميع الحركات ~~العلوية فإن كثيرا ما يقال إنه بحركته المشرقية يتحرك كل ما فيه من الأفلاك ~~من المشرق إلى المغرب لكن مع هذا لكل فلك حركة أخرى تخصه تخالف هذه الحركة ~~فلك الثوابت وفلك الشمس والقمر وغيرهما من الخنس الجوارى الكنس وهذه ~~الحركات المختلفة ليست ms2442 عن تلك الحركة تخالفها ولا أفلاكها معلولة عن ذلك ~~الفلك التاسع # فلو قدر أن الحوادث تكون بحركة الكواكب وما يحدث من الأشكال المختلفة ~~بالتثليث والتربيع والتسديس والقرآن وغير ذلك فمن المعلوم أن تلك ~~PageV08P170 الأشكال المختلفة ليست معلولة عن حركة التاسع بل حركة التاسع ~~جزء السبب كما أن حركة كل فلك جزء السبب والشكل الفلكي حادث عن مجموع ~~الحركتين بل أكثر من ذلك عندهم بحسب الأفلاك الآخر الزوائد المستدل عليها ~~بالحركات المختلفة كالأفلاك البدرية وغيرها مما تكون به إستقامة الكواكب ~~ورجوعها وغير ذلك من حركاته وإذا كان كذلك فمن جعل حركة التاسع هي السبب في ~~جميع الحوادث كان قوله مخالفا لما هو معلوم عند هؤلاء الفلاسفة والمنجمين ~~وعند كل عاقل ثم إذا قدر ( أنها سبب ) حركة جميع الأفلاك فليست مستقلة ~~بإحداث شيء من السحب والرعود والبروق والأمطار والنبات وأحوال الحيوان ~~والمعدن لأن حركات هذه الأجسام ليست كلها عن حركات الأفلاك بل فيها قوى ~~وأسباب توجب لها حركات آخر كما في كل فلك مبتدأ حركة ليست عن الفلك الآخر # والحركات كلها إما ( طبيعية ( وإما ( إرادية ( وإما ( قسرية ( فالقسرية ~~تابعة للقاسر والطبيعية هي التى لا إحساس للمتحرك بها كحركة التراب إلى ~~أسفل والإرادية هي التى للمتحرك بها حس كحركة الحيوان فما كان من هذه ~~متحركا بطبع فيه أ وإرادة فمبدأ حركته منه وما كان مقسورا فقاسره من ~~المخلوقات إنما يقسره لما فيه من الإستعداد لقبول قسره وذلك معنى ليس ~~PageV08P171 من القاسر فحركات الأفلاك إذا إجتمعت ليست مستقلة بتحريك هذه ~~الأجسام وإن جاز أن تكون جزءا للسبب كما نشهد أن الشمس جزء سبب في نمو بعض ~~الأجسام ورطوبتها ويبسها ونحو ذلك ثم بتقدير أن تكون أسبابا فلها موانع ~~ومعارضات إذ ما من سبب يقدر إلا وله مانع إرادي أ وطبيعى أ وغير ذلك ~~كالدعاء والصدقة والأعمال الصالحة فاإنها من أعظم الأسباب في دفع البلاء ~~النازل من السماء ولهذا أمرنا بذلك عند الكسوف وغيره من الآيات السماوية ~~التى تكون سببا للعذاب كما قال النبى ( إن ms2443 الشمس والقمر لا ينكسفان لموت ~~أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك ~~فافزعوا إلى الصلاة ( وأمر عند الكسوف بالصلاة والذكر والإستغفار والصدقة ~~والعتاقة # وإذا عرف أن كل واحد من الموجودات المشهودة إذا نظرت إليها واحدا واحدا ~~من الفلك التاسع وغيره وجدته غير مستقل بأحداث شيء أصلا بل لابد للحوادث من ~~أسباب آخر وإن كان هو جزء سبب ولها معارضات آخر علم بذلك أنه ليس في هذه ~~الأمور ما يجوز أن يقال هو المحدث للحوادث المشهودة فضلا عن أن يقال هو ~~المبدع للأجسام المتحركة حركة تخالف حركته وتدفع موجبها فإن الشيء لا يوجب ~~ما يضاده ويخالفه وإذا كان في الأجسام المتحركة ما يخالف مقتضاه موجب الفلك ~~التاسع ومقتضاه PageV08P172 ويضاده إمتنع أن يكون أحدهما علة الآخر لأن ~~المعلول لا يضاد علته كما لا يجوز أن يكون فاعلا لها كما أن الشيء لا يكون ~~ضدا لنفسه ولا فاعلا لنفسه فإن مضادته لنفسه توجب أن يكون وجوده # تابعا لوجوده فيكون موجودا معدوما وفعله لنفسه مع كون العلة متقدمة على ~~المعلول يوجب أن تكون نفسه موجودة معدومة ومن المعلوم أن ( الفلك التاسع ( ~~إذا لم تكن الحوادث والحركات التى عن قوى الأجسام منه وإنما منه حركة عرضية ~~لها فان لا تكون نفس الأجسام وقواها منه أولى وأحرى ويعلم بذلك أن المحرك ~~للأفلاك وغيرها من الأجسام المشهودة والمبدع لهذه الأجسام بسبب آخر رب ~~غيرها هو الذي أبدعها على صورها المختلفة وحركها بالحركات المختلفة وهو ~~المطلوب # ثم هذه الكواكب اذا كانت جزء السبب من بعض الحوادث فإنما تكون جزء السبب ~~في حال دون حال فإنها في حال ظهورها على وجه الأرض يظهر نورها وأثرها فإذا ~~أفلت إنقطع نورها وأثرها فلا تبقى حينئذ سببا ولا جزءا من السبب ولهذا قال ~~الخليل ( لا أحب الآفلين ) فإنها في حال أفولها قد إنقطع أثرها عنا بالكلية ~~فلم تبق شبهة يستند إليها المتعلق بها والرب الذي يدعى ويسأل ويرجى ويتوكل ~~عليه لا بد أن يكون قيوما ms2444 يقيم العبد في جميع الأوقات والأحوال كما قال ( ~~وتوكل على الحي الذي لايموت ) وقال ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) ~~فهذا وغيره من أنواع PageV08P173 النظر والإعتبار يوجب أن العبد لا يرجو ~~إلا الله ولا يتوكل إلا عليه وأما كونه لا يخاف إلا ذنبه فلما علم من أنه ~~لا تصيبه مصيبة إلا بذنوبه وهذا يعلم بآيات الآفاق والأنفس وبما أخبر في ~~كتابه كما هو مبسوط في غير هذا الموضع وبينا سر ذلك بما لا يحتمله هذا ~~الموضع # وهذا تحقيق ما ثبت في الحديث الصحيح الإلهي حديث أبى ذر عن النبى عن ربه ~~أنه قال ( ياعبادى أنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أو فيكم إياها فمن وجد ~~خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( فبين أن كل ما يجده ~~العبد من الخير فليحمد الله عليه فإن الله هو الذي أنعم به وأن ما يجده من ~~الشر فلا يلومن فيه إلا نفسه # وفى الصحيح أيضا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( سيد الإستغفار أن ~~يقول العبد اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ~~ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى ~~فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ( فقوله ( أبوء لك بنعمتك علي ( ~~إعتراف وإقرار بالنعمة وقوله ( وأبوء بذنبى ( إقرار بالذنب ولهذا قال من ~~قال من السلف أنى أصبح بين نعمة وذنب فأريد أن أحدث للنعمة شكرا وللذنب ~~إستغفارا لكن الشكر يكون بعد النعمة والتوكل والرجاء يكون قبل النعمة كما ~~قال الخليل ( فابتغوا عند الله PageV08P174 الرزق واعبدوه واشكروا له ) وفي ~~خطبة النبى ( الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا ( فجمع بين حمده والاستعانه به والإستغفار له فقد تبين أن ~~الإلتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد وهو ظلم وجهل وهذه حال من دعا غير ~~الله وتوكل عليه # وأما قولهم محو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل فهو ms2445 كذلك وهو طعن في ~~الشرع أيضا فإن كثيرا من أهل الكلام أنكروا الأسباب بالكلية وجعلوا وجودها ~~كعدمها كما أن أولئك الطبعيين جعلوها عللا مقتضية وكما أن المعتزلة فرقوا ~~بين أفعال الحيوان وغيرها والأقول الثلاثة باطلة فإن الله يقول ( وهو الذي ~~يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته حتى إذا اقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) وقال تعالى ( وما أنزل الله ~~من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ) وقال تعالى ( يهدى به الله من ~~اتبع رضوانه سبل السلام ) وقال تعالى ( يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا ) ~~وأمثال ذلك فمن قال يفعل عندها لابها فقد خالف لفظ القرآن مع أن الحس ~~والعقل يشهد أنها أسباب ويعلم الفرق بين الجبهة وبين العين في إختصاص ~~أحدهما بقوة ليست في الآخر وبين الخبز والحصى في أن أحدهما يحصل به الغذاء ~~دون الآخر # وأما قولهم الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع بل هو أيضا قدح في ~~العقل فإن أفعال العباد من أقوى الأسباب لما نيط بها فمن جعل PageV08P175 ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أ ويجعل المتقين كالفجار ~~فهو من أعظم الناس جهلا وأشدهم كفرا بل ما أمر الله به من العبادات ~~والدعوات والعلوم والأعمال من أعظم الأسباب فيما نيط بها من العبادات وكذلك ~~ما نهى عنه من الكفر والفسوق والعصيان هي من أعظم الأسباب لما علق بها من ~~الشقاوات # ومع هذا فقد قال خير الخلق ( أنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا ~~أنت يارسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل ( ولما ~~قال لهم ( ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعدة من النار ~~قالوا يارسول الله أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل قال لا إعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له إما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما كان من ~~أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ( # وكذلك الدعاء والتوكل من أعظم ms2446 الأسباب لما جعله الله سببا له فمن قال ما ~~قدر لي فهو يحصل لي دعوت أو لم أدع وتوكلت أو لم أتوكل فهو بمنزلة من يقول ~~ما قسم لي من السعادة والشقاوة فهو يحصل لي آمنت أو لم أؤمن وأطعت أم عصيت ~~ومعلوم أن هذا ضلال وكفر وأن كان الأول ليس مثل هذا في الضلال إذ ليس تعليق ~~المقاصد بالدعاء والتوكل كتعليق سعادة الآخرة بالإيمان لكن لاريب أن ما جعل ~~الله سببا له بمنزلة ما جعل العمل PageV08P176 الصالح سببا له وهو قادر على ~~أن يفعله سبحانه بدون هذا السبب وقد يفعله بسبب آخر # وكذلك من ترك الأسباب المشروعة المأمور بها أمر إيجاب أوامر إستحباب من ~~جلب المنافع أ ودفع المضار قادح في الشرع خارج عن العقل ومن هنا غلطوا في ~~ترك الأسباب المأمور بها وظنوا أن هذا من تمام التوكل والتوكل مقرون ~~بالعبادة في قوله ( فاعبده وتوكل عليه ) والعبادة فعل المأمور فمن ترك ~~العبادة المأمور بها وتوكل لم يكن أحسن حالا ممن عبده ولم يتوكل عليه بل ~~كلاهما عاص لله تارك لبعض ما أمر به # والتوكل يتناول التوكل عليه ليعينه على فعل ما أمر والتوكل عليه ليعطيه ~~مالا يقدر العبد عليه فالإستعانه تكون على الأعمال وأما التوكل فأعم من ذلك ~~ويكون التوكل عليه لجلب المنفعة ودفع المضرة قال تعالى ( ولوأنهم رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى ~~الله راغبون ) وقال تعالى ( الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم ~~فاحشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) # فمن لم يفعل ما أمر به لم يكن مستعينا بالله على ذلك فيكون قد ترك ~~العبادة والإستعانة عليها بترك التوكل في هذا الموضع أيضا وآخر يتوكل بلا ~~فعل مأمور وهذا هوالعجز المذموم كما في سنن أبي داود أن رجلين إختصما ~~PageV08P177 إلى النبى فحكم على أحدهما فقال المقضيى عليه حسبى الله ونعم ~~الوكيل فقال النبى ( إن الله يلوم على العجر ولكن عليك بالكيس فإن غلبك ms2447 أمر ~~فقل حسبى الله ونعم الوكيل ( وفى صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( المؤمن ~~القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير أحرص على ما ينفعك ~~واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لوأنى فعلت كذا لكان كذا ~~ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن ( لو ( تفتح عمل الشيطان ( # فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر عند ما يؤمر به من الأفعال ~~ولكن عندما يجرى عليه من المصائب التى لا حيلة له في دفعها فما أصابك بفعل ~~الآدميين أ وبغير فعلهم أصبر عليه وارض وسلم قال تعالى ( ماأصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) قال بعض السلف إما إبن مسعود وإما ~~علقمة هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم # ولهذا قال آدم لموسى أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين ~~سنة فحج آدم موسى لأن موسى قال له لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة فلأمه على ~~المصيبة التى حصلت بسبب فعله لا لأجل كونها ذنبا ولهذا إحتج عليه آدم ~~بالقدر وأما كونه لأجل الذنب كما يظنه طوائف من الناس فليس مرادا بالحديث ~~لأن آدم عليه السلام كان قد تاب من الذنب والتائب من الذنب PageV08P178 كمن ~~لا ذنب له ولا يجور لوم التائب بإتفاق الناس # و ( أيضا ( فإن آدم إحتج بالقدر وليس لأحد أن يحتج لأحد أن يحتج بالقدر ~~على الذنب بإتفاق المسلمين وسائر أهل الملل وسائر العقلاء فإن هذا لو كان ~~مقبولا لأمكن كل واحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال وسائر ~~أنواع الفساد في الأرض ويحتح بالقدر ونفس المحتج بالقدر إذا إعتدى عليه ~~وإحتج المعتدى بالقدر لم يقبل منه بل يتناقض وتناقض القول يدل على فساده ~~فالإحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول # ومن ظن أن الإيمان بالقدر أن الله خالق أفعال العباد كما يظنه المباحية ~~المشركية الذين يقرون بالقدر دون الأمر والقدرية المجوسية الذين يقرون ~~بالأمر دون ms2448 القدر أ وظن أن التكليف مع ذلك غير معقول ولكن الشارع أطيع فيه ~~لمحض المشيئة الإلهية وأن الله يفعل وجعل ذلك حجة له في الأفعال لم يتضمن ~~أسبابا مناسبة للأمر والنهي بل أنكر ما إشتملت عليه الشريعة من المصالح ~~والمحاسن والمقاصد التى للعباد في المعاش والمعاد وجعل ذلك الشرع مجرد ~~إضافة من غير أن يكون من العلة والمعلول مناسبة وملائمة وأنكر أن تكون ~~الأفعال على وجوه لأجلها كانت حسنة مأمورا بها وكانت سيئة منهيا عنها ~~إحتجاجا على ذلك بالقدر وانه مع كون الرب هو الخالق يمتنع هذا كله ~~PageV08P179 فهو مخطيء ضال يعلم فساد قوله بالضرورة وبما إتفق عليه العقلاء ~~مع دلالة الكتاب والسنة والإجماع على فساد قوله # فإن عامة بنى آدم يؤمنون بالقدر ويقولون أنه لابد من عقوبة المعتدين حتى ~~المجانين والبهائم يؤدبون لكف عدوانهم وأن كانت أفعالهم مقدرة وبعفو كمل ~~الآدميين عن عدوانهم وإن كانت أفعالهم مقدرة فالعبد عليه أن يصبر وينبغي له ~~أن يرضي بما قدر من المصائب ويستغفر من الذنوب والمعائب ولا يحتج لها ~~بالقدر ويشكر ما قدر الله له من النعم والمواهب فيجمع بين الشكر والصبر ~~وإستغفار والإيمان بالقدر والشرع والله أعلم ( # PageV08P180 --- PageV08P181 # أما ( المسألة الأولى ( فهي مبنية على أصلين # ( أحدهما ) الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلا من ~~المخاطب بل هو الذى يكون المخاطب به ويخلفه بدون فعل من المخاطب أو قدرة أو ~~إرادة أو وجود له وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من المأمور فعلا أو تركا ~~يفعله بقدرة وإرادة وإن كان ذلك جميعه بحول الله وقوته إذ لا حول ولا قوة ~~إلا بالله وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس هل يصح أن يخاطب به المعدوم ~~بشروط وجوده أم لايصح أن يحاطب به إلا بعد وجوده ولا نزاع بينهم أنه لا ~~يتعلق به حكم الخطاب إلا بعد وجوده # وكذلك تنازعوا في الأول هل هو خطاب حقيقى أم هو عبارة عن الإقتدار وسرعة ~~التكوين بالقدرة والأول هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة # و ms2449 ( الأصل الثاني ) أن المعدوم في حال عدمه هل هو شيء أم لا فإنه قد ذهب ~~طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شيء في الخارج وذات وعين وزعموا ~~أن الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة وأن وجودها زائد على حقيقتها وكذلك ذهب ~~إلى هذا طوائف من المتفلسفة والإتحادية وغيرهم من الملاحدة PageV08P182 # والذى عليه جماهير الناس وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى ~~السنة والجماعة أنه في الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا ولا ذات ~~ولا عين وأنه ليس في الخارج شيئان أحدهما حقيقة والآخر وجوده الزائد على ~~حقيقته فإن الله أبدع الذوات التى هي الماهيات فكل ما سواه سبحانه فهو ~~مخلوق ومجعول ومبدع ومبدوء له سبحانه وتعالى لكن في هؤلاء من يقول المعدوم ~~ليس بشيء أصلا وإنما سمى شيئا بإعتبار ثبوته في العلم فكان مجازا # ومنهم من يقول لاريب أن له ثبوتا في العلم ووجودا فيه فهو بإعتبار هذا ~~الثبوت والوجود هو شيء وذات وهؤلاءلا يفرقون بين الوجود والثبوت كما فرق من ~~قال المعدوم شيء ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع ~~كما فرق أولئك إذ قد إتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في ~~الممكن # وعمدة من جعله شيئا إنما هو لأنه ثابت في العلم وبإعتبار ذلك صح أن يخص ~~بالقصد والخلق والخبر عنه والأمر به والنهي عنه وغير ذلك قالوا وهذه ~~التخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم المحض فإن خص الفرق بين الوجود الذي هو ~~الثبوت العيني وبين الوجود الذي هو الثبوت العلمى زالت الشبهة في هذا الباب ~~PageV08P183 # وقوله تعالى ( إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) ذلك ~~الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقبل توجيه هذا الخطاب إليه وبذلك كان مقدرا ~~مقضيا فإن الله سبحانه وتعالى يقول ويكتب من ما يعلمه ما شاء كما قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ~~( أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات ms2450 والأرض بخمسين ألف سنة ~~( وفي صحيح البخارى عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( كان الله ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم ~~خلق السماوات والأرض ( وفى سنن أبى داود وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( أول ما خلق الله القلم فقال له أكتب فقال ما أكتب قال ما هو كائن ~~إلى يوم القيامة ( # إلى أمثال ذلك من النصوص التى تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان معلوما ~~مخبرا عنه مكتوبا فهو شيء بإعتبار وجوده العلمي الكلامى الكتابي وان كانت ~~حقيقته التى هي وجوده العينى ليس ثابتا في الخارج بل هو عدم محض ونقى صرف ~~وهذه المراتب الأربعة المشهورة للموجودات وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في ~~أول سورة أنزلها على نبيه في قوله ( إقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من ~~علق إقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) وقد بسطنا ~~الكلام من ذلك في غير هذا الموضع # وإذا كان كذلك كان الخطاب موجها إلى من توجهت إليه الإرادة وتعلقت ~~PageV08P184 به القدرة وخلق وكون وكما قال ( إنما قولنا لشيىءإذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون ) فالذي يقال له كن هو الذي يراد وهو حين يراد قبل أن ~~يخلق له ثبوت وتميز في العلم والتقدير ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق ~~من غيره وبهذا يحصل الجواب عن التقسيم # فإن قول السائل إن كان المخاطب موجودا فتحصيل الحاصل محال # يقال له هذا إذا كان موجودا في الخارج وجوده الذي ه وو جوده ولا ريب أن ~~المعدوم ليس موجودا ولا هو في نفسه ثابت وأما ما علم وأريد وكان شيئا في ~~العلم والإرادة والتقدير فليس وجوده في الخارج محالا بل جميع المخلوقات لا ~~توجد إلا بعد وجودها في العلم والإرادة وقول السائل أن كان معدوما فكيف ~~يتصور خطاب المعدوم يقال له أما إذا قصد أن يخاط بالمعدوم في الخطاب بخطاب ~~يفهمه ويمتثله فهذا محال ms2451 إذا من شرط المخاطب أن يتمكن من الفهم والفعل ~~والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه بمعنى ~~أنه يطلب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل وكذلك أيضا يمتنع أن يخاطب المعدوم في ~~الخارج خطاب تكوين بمعنى أن يعتقد أنه شيء ثابت في الخارج وأنه يخاطب بأن ~~يكون PageV08P185 # وأما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه خطاب التكوين إليه مثل ~~توجيه الإرادة إليه فليس ذلك محالا بل هو أمر ممكن بل مثل ذلك يجده الإنسان ~~في نفسه فيقدر أمر في نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك ~~المراد المطلوب الذي قدره في نفسه ويكون حصول المراد المطلوب بحسب قدرته ~~فإن كان قادرا على حصوله حصل مع الإرادة والطلب الجازم وإن كان عاجزا لم ~~يحصل وقد يقول الإنسان ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب فيكون المطلوب بحسب ~~قدرته عليه والله سبحانه على كل شيء قدير وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ### ||| فصل # وأما ( المسألة الثانية ) فقول السائل قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون ) إن كانت هذه الام للصيرورة في عاقبة الأمر فما صار ذلك وإن ~~كانت اللام للغرض لزم أن لا يتخلف أحد من المخلوقين عن عبادته وليس الأمر ~~كذلك فما التخلص من هذا المضيق # فيقال هذه اللام ليست هي اللام التى يسميها النحاة لام العاقبة والصيرورة ~~ولم يقل ذلك أحد هنا كما ذكره السائل من أن ذلك لم يصر إلا PageV08P186 على ~~قول من يفسر ( يعبدون ) بمعنى يعرفون يعنى المعرفة التى أمر بها المؤمن ~~والكافر لكن هذا قول ضعيف وإنما زعم بعض الناس ذلك في قوله ( ولذلك خلقهم ) ~~التى في آخر سورة هود فإن بعض القدرية زعم أن تلك اللام لام العاقبة ~~والصيرورة أى صارت عاقبتهم إلى الرحمة وإلى الإختلاف وإن كم يقصد ذلك ~~الخالق وجعلوا ذلك كقوله ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) وقول ~~الشاعر # # لدوا للموت وابنوا ms2452 للخراب %~% # وهذا أيضا ضعيف هنا لأن لام العاقبة إنما تجيء في حق من لا يكون عالما ~~بعواقب الأمور ومصايرها فيفعل الفعل الذي له عاقبة لا يعلمها كآل فرعون ~~فأما من يكون عالما بعواقب الأفعال ومصايرها فلا يتصور منه أن يفعل فعلا له ~~عاقبة لا يعلم عاقبته وإذا علم أن فعله له عاقبة فلا يقصد بفعله ما يعلم ~~أنه لا يكون فإن ذلك تمن وليس بإرادة # وأما اللام فهي اللام المعروفة وهي لام كي ولام التعليل التى إذا حذفت ~~إنتصب المصدر المجرور بها على المفعول له وتسمى العلة الغائية وهي متقدمة ~~في العلم والإرادة متأخرة في الوجود والحصول وهذه العلة هي المراد المطلوب ~~المقصود من الفعل # لكن ينبغي أن يعرف أن الإرادة في كتاب الله PageV08P187 # على نوعين ( أحدهما ) الإرادة الكونية وهي الإرادة المستلزمة لوقوع ~~االمراد التى يقال فيها ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذه الإرادة في ~~مثل قوله ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدروه للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا ) وقوله ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم أن كان الله ~~يريد أن يغويكم ) وقال تعالى ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن االله يفعل ما ~~يريد ) وقال تعالى ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ~~) وأمثال ذلك وهذه الإرادة هي مدلول اللام في قوله ( ولا يزالون مختلفين ~~إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) قال السلف خلق فريقا للإختلاف وفريقا للرحمة ~~ولما كانت الرحمة هنا الإرادة وهناك كونية وقع المراد بها فقوم إختلفوا ~~وقوم رحموا # وأما ( النوع الثانى ) فهو الإادة الدينية الشرعية وهي محبة المراد ورضاه ~~ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاهم بالحسنى كما قال تعالى ( يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقوله تعالى ( مايريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) وقوله ( يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن ~~يتوب عليكم ويريد ms2453 الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن ~~يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد إلا أن ~~يتعلق به النوع الأول ومن الإرادة ولهذا كانت الأقسام أربعة PageV08P188 # ( أحدها ) ما تعلقت به الإرادتان وهو ما وقع في الوجود من الأعمال ~~الصالحة فإن الله أراده إرادة دين وشرع فأمر به واحبه ورضيه وأراده إرادة ~~كون فوقع ولولا ذلك لما كان # و ( الثاني ) ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط وهو ما أمر الله به من ~~الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو ~~يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع # و ( الثالث ) ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما قدره وشاءه من ~~الحوادث التى لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ~~ولم يحبها إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولولا مشيئته ~~وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم ~~يكن # و ( الرابع ) مالم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه فهذا ما لم يكن من أنواع ~~المباحات والمعاصي وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله ( وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون ) هذه الإرادة الدينية الشرعية وهذه قد يقع مرادها وقد ~~لا يقع والمعنى أن الغاية التى يجب لهم ويرضى لهم والتى أمروا بفعلها هي ~~العبادة فهو العمل الذي خلق العباد له أى هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي ~~به يكونون مرضيين محبوبين فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادما لما يحب ~~ويرضى ويراد له الإرادة الدينية التى فيها سعادته ونجاته وعادما ~~PageV08P189 لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه وقول من الله قال ~~العبادة هي العزيمة ( أو ) الفطرية فقولان ضعيفان فاسدان يظهر فسادهما من ~~وجوه متعددة ### ||| فصل # و ( أما المسألة الثانية ) فقوله فيما ورد من الأخبار والآيات في الرضا ~~بقضاء الله فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله فهو محال وقدح في التوحيد وإن ~~كانت بقضاءالله تعالى فكراهتها وبغضها كراهة ms2454 وبغض لقضاء الله تعالى # فيقال ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله آية ولا حديث يأمر العباد ~~أن يرضوا بكل مقضى مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها فهذا أصل يجب أن ~~يعتنى به ولكن على الناس أن يرضوا بما أمر الله به فليس لأحد أن يسخط ما ~~أمر الله به قال تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) وقال تعالى ( ذلك بأنهم ~~اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ) وقال ( ولو أنهم رضوا ~~ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا ~~إلى الله راغبون ) وذكر الرسول هنا يبين أن الإيتاء هو الإيتاء الدينى ~~الشرعى لا الكونى القدرى وقال صلى الله عليه وسلم في PageV08P190 الحديث ~~الصحيح ( ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا ( # وينبغي للإنسان أن يرضى مما يقدره الله عليه من المصائب التى ليست ذنوبا ~~مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له فإن الصبر على المصائب واجب ~~وأما الرضا بها فهو مشروع لكن هل هو واجب أو مستحب على ( قولين ( لأصحاب ~~أحمد وغيرهم أصحهما أنه مستحب ليس بواجب # ومن المعلوم أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وقد أمرنا ~~الله أن نأمر بالمعروف ونحبه ونرضاه ونحب أهله ونهى عن المنكر ونبغضه ~~ونسخطه ونبغض أهله ونجاهدهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا فكيف نتوهم أنه ليس ~~في المخلوقات ما نبغضه ونكرهه وقد قال تعالى لما ذكر ما ذكر من المنهيات ( ~~كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ) فإذا كان الله يكرهها وهو المقدر لها ~~فكيف لا يكرهها من أمر الله أن يكرهها ويبغضها وهو القائل ( وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) وقال تعالى ( ذلك بأنهم اتبعوا ~~ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ) وقد قال تعالى ( فلما آسفونا ~~إنتقمنا منهم ) وقال تعالى ( وغضب الله عليهم ولعنهم ) وقال تعالى ( ~~يستخفون من ms2455 الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من ~~القول ) فأخبر أن من القول الواقع مالا يرضاه PageV08P191 # وقال تعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما إستخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي إرتضى لهم ) وقال ~~تعالى ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) وقال ( وإن تشكروا يرضه لكم ) فبين أنه ~~يرضى الدين الذي أمر به فلو كان يرضى كل شيءلما كان له خصيصة وفى الصحيحين ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه قال لا أحد أغير من الله أن يزنى عبده ~~أوتزنى أمته ( وقال ( إن الله يغار والمؤمن يغار وغيرة الله أن يأتى العبد ~~ما حرم عليه ( ولابد في الغيرة من كراهة ما يغار منه وبغضه وهذا باب وسع ### ||| فصل # وأما ( المسألة الرابعة ( فقوله إذا جف القلم بما هو كائن فما معنى قوله ~~( ادعونى استجب لكم ) وإن كان الدعاءأيضا مما هو كائن فما فائدة الأمر به ~~ولا بد من وقوعه # فيقال الدعاء في إقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة في إقتضائها ~~الإثابة وكسائر الأسباب في إقتضائها المسببات ومن قال إن الدعاء علامة ~~ودلالة محضة على حصول المطلوب المسئول ليس بسبب أو هو عبادة محضة لا أثر له ~~في حصول المطلوب وجودا ولا عدما بل ما يحصل بالدعاء يحصل PageV08P192 بدونه ~~فهما قولان ضعيفان فإن الله علق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب كقوله ( ~~وقال ربكم أدعونى استجب لكم ) وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~أنه قال ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه ~~بها إحدى خصال ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها ~~وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر ~~( فعلق العطايا بالدعاء تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به وقال عمر بن ~~الخطاب أنى لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن ~~الإجابة معه وأمثال ذلك كثير # وأيضا فالواقع ms2456 المشهود يدل على ذلك ويبينه كما يدل على ذلك مثله في سائر ~~الأسباب وقد أخبر سبحانه من ذلك ما أخبر به في مثل قوله ( ولقد نادانا نوح ~~فلنعم المجيبون ) وقوله تعالى ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين ~~فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) وقوله ( أمن يجيب ~~المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاءالأرض ) وقوله تعالى عن زكريا ( ~~رب لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له ~~زوجه ) وقال تعالى ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) وقال تعالى ( ومن آياته الجوار في البحر ~~كالأعلام ان يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره أن في ذلك PageV08P193 ~~لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون ~~في آياتنا مالهم من محيص ) # فأخبر أنه إن شاء أوبقهن فإجتمع أخذهم بذنوبهم وعفوه عن كثير منها مع علم ~~المجادلين في آياته أنه ما لهم من محيص لأنه في مثل هذا الحال يعلم المورد ~~للشبهات في الدلائل الدالة على ربوبية الرب وقدرته ومشيئته ورحمته أنه لا ~~مخلص له مما وقع فيه كقوله في الآية الأخرى ( وهم يجادلون في الله وهو شديد ~~المحال ) # فإن المعارف التى تحصل في النفس بالأسباب الإضطرارية أثبت وأرسخ من ~~المعارف التى ينتجها مجرد النظر القياسى الذى ينزاح عن النفوس في مثل هذه ~~الحال هل الرب موجب بذاته فلا يكون هوالمحدث للحوادث إبتداء ولا يمكنه أن ~~يحدث شيئا ولا يغير العالم حتى يدعى ويسأل وهل هو عالم بالتفصيل والإجمال ~~وقادر على تصريف الأحوال حتى يسأل التحويل من حال إلى حال أو ليس كذلك كما ~~يزعمه من يزعمه من المتفلسفة وغيرهم من الضلال فيجتمع مع العقوبة والعفو من ~~ذي الجلال علم أهل المراء والجدال أنه لا محيص لهم عما أوقع بمن جادلوا في ~~آياته وهو شديد ms2457 المحال وقد تكلمنا على هذا وأشباهه وما يتعلق به من ~~المقالات والديانات في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن يعلم أن الدعاء والسؤال هو سبب لنيل المطلوب المسؤل ~~PageV08P194 ليس وجوده كعدمه في ذلك ولا هو علامة محضه كما دل عليه الكتاب ~~والسنة وإن كان قد نازع في ذلك طوائف من أهل القبلة وغيرهم مع أن ذلك يقربه ~~جماهير بنى آدم من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين ~~لكن طوائف من المشركين والصابئين من المتفلسفة المشائين إتباع أرسطو ومن ~~تبعه من متفلسفة أهل الملل كالفارابى وإبن سينا ومن سلك سبيلهما ممن خلط ~~ذلك بالكلام والتصوف والفقه ونحو هؤلاء يزعمون أن تأثير الدعاءفى نيل ~~المطلوب كما يزعمونه في تأثير الممكنات المخلوقات من القوى الفلكية ~~والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية فيجعلون ما يترتب على الدعاء هو من ~~تأثير النفوس البشرية من غير أن يثبتوا للخالق سبحانه بذلك علما مفصلا أو ~~قدرة على تغيير العالم أو أن يثبتوا أنه لو شاء أن يفعل غير ما فعل لأمكنه ~~ذلك فليس هو عندهم قادرا على أن يجمع عظام الإنسان ويسوي بنانه وهو سبحانه ~~هو الخالق لها ولقواها فلا حول ولا قوه إلا بالله وأما قوله وإن كان الدعاء ~~مما هو كائن فما فائدة الأمر به ولابد من وقوعه # فيقال الدعاء المأمور به لا يجب كونا بل إذا أمر الله العباد بالدعاء ~~فمنهم من يطيعه فيستجاب له دعاؤه وينال طلبته ويدل ذلك على أن المعلوم ~~المقدور هو الدعاء والإجابة ومنهم من يعصيه فلا يدعو فلا يحصل ما علق ~~بالدعاء فيدل ذلك على أنه ليس في المعلوم المقدور الدعاء ولا الإجابه ~~فالدعاء الكائن هو PageV08P195 الذى تقدم العلم بأنه كائن ( والدعاء الذي ~~لا يكون هو الذي تقدم العلم بأنه ) لايكون # فإن قيل فما فائدة الأمر فيما علم أنه يكون من الدعاء قيل الأمر هو سبب ~~أيضا في إمتثال المأمور به كسائر الأسباب فالدعاء سبب يدفع البلاء فإذا كان ~~أقوى منه دفعه وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه لكن يخففه ms2458 ويضعفه ولهذا ~~أمر عند الكسوف والآيات بالصلاة والدعاء الإستغفار والصدقة والعتق والله ~~أعلم # PageV08P196 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى # عن الأقضية هل هي مقتضية للحكمة أم لا فإذا كانت مقتضية للحكمة فهل أراد ~~من الناس ما هم فاعلوه وإذا كانت الإرادة قد تقدمت فما معنى وجود العذر ~~والحالة هذه أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين قد أحاط ربنا سبحانه وتعالى بكل شيء علما ~~وقدرة وحكما ووسع كل شيء رحمة وعلما فما من ذرة في السماوات والأرض ولا ~~معنى من المعاني إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة وكمال القدرة ~~والحكمة وما خلق الخلق باطلا ولا فعل شيئا عبثا بل هو الحكيم في أفعاله ~~وأقواله سبحانه وتعالى ثم من حكمته ما أطلع بعض خلقه عليه ومنه ما إستأثر ~~سبحانه بعلمه # إرادته ( قسمان ( إردة أمر وتشريع وإرادة قضاء وتقدير # فالقسم الأول إنما يتعلق بالطاعات دون المعاصي سواء وقعت أو لم تقع # كما في قوله ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم ) وقوله ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) PageV08P197 # وأما القسم الثاني وهو إرادة التقدير فهي شاملة لجميع الكائنات محيطة ~~بجميع الحادثات وقد أراد من العالم ما هم فاعلوه بهذا المعنى لا بالمعنى ~~الأول كما في قوله تعالى ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) وفى قوله ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن ~~أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ) وفي قول المسلمين ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن نظائره كثيرة # وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث كما أن ~~الأولى تتناول الطاعات حدثت أو لم تحدث والسعيد من أراد منه تقديرا ما أراد ~~به تشريعا والعبد الشقى من أراد به تقديرا ما لم يرد به تشريعا والحكم يجري ~~على وفق هاتين الإرادتين فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيرا ومن ~~نظر إلى القدر ms2459 دون الشرع أو الشرع دون القدر كان أعور مثل قريش الذين قالوا ~~( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) قال الله تعالى ( ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وان أنتم الا تخرصون ) # فإن هؤلاء إعتقدوا أن كل ما شاء الله وجوده وكونه وهي الإرادة القدرية ~~فقد أمر به ورضيه دون الارادة الشرعية ثم رأوا أن شركهم بغير شرع مما قد ~~شاء الله وجوده قالوا فيكون قد رضيه وأمر به قال الله ( كذلك كذب الذين من ~~قبلهم ) بالشرائع من الأمر والنهي ( حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من ~~PageV08P198 علم فتخرجوه لنا ) بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرمتموه ( إن ~~تتبعون ) في هذا ( إلا الظن ) وهو توهمكم أن كل ما قدره فقد شرعه ( وان ~~أنتم الا تخرصون ) أي تكذبون وتفترون بإبطال شريعته ( قل فلله الحجة ~~البالغة ) على خلقه حين أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته ومع ~~هذا فلو شاء هدى الخلق أجمعين إلى متابعة شريعته لكنه يمن على من يشاء ~~فيهديه فضلا منه وإحسانا ويحرم من يشاء لأن المتفضل له أن يتفضل له أن لا ~~يتفضل فترك تفضله على من حرمه عدل منه وقسط وله في ذلك حكمة بالغة # وهو يعاقب الخلق على مخالفة أمره وإراته الشرعية وإن كان ذلك بإرادته ~~القدرية فإن القدر كما جرى بالمعصية جرى أيضا بعقابها كما أنه سبحانه قد ~~يقدر على العبد أمراضا تعقبه آلاما فالمرض بقدره والألم بقدره فإذا قال ~~العبد قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب كان بمنزلة قول المريض قد تقدمت ~~الإرداة بالمرض فلا أتألم وقد تقدمت الإرادة بأكل الحار فلا يحم مزاجي أو ~~قد تقدمت بالضرب فلا يتألم المضروب وهذا مع أنه جهل فإنه لا ينفع صاحبه بل ~~إعتلاله بالقدر ذنب بان يعاقب عليه أيضا وإنما إعتل بالقدر إبليس حيث قال ( ~~فبما أغويتني لازينن لهم الأرض ) وأما آدم فقال ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر ms2460 لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) # فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم عليه السلام أو نحوه ~~PageV08P199 و من أراد شقاوته إعتل بعلة إبليس أو نحوها فيكون كالمستجير من ~~الرمضاء بالنار مثله مثل رجل طار إلى داره شرارة نار فقال له العقلاء ~~أطفئها لئلا تحرق المنزل فأخذ يقول من أين كانت هذه ريح ألقتها وأنا لا ذنب ~~لي في هذه النار فما زال يتعلل بهذه العلل حتى استعرت وانتشرت واحرقت الدار ~~وما فيها هذه حال من شرع يحيل الذنوب على المقادير ولا يردها بالإستغفار ~~والمعاذير بل حاله أسوأ من ذلك بالذنب الذي فعله بخلاف الشرارة فإنه لا فعل ~~له فيها والله سبحانه يوفقنا وإياكم وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه فإنها ~~لا تنال طاعته إلا بمعونته ولا تترك معصيته إلا بعصمته والله أعلم ( # PageV08P200 ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن الأقضية هل هي مقتضية للحكمة أم لا وإذا كانت مقتضية للحكمة فهل أراد من ~~الناس ما هم فاعلوه أم لا وإذا كانت الإرادة قد تقدمت فما معنى ووجود العذر ~~والحالة هذه ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين # نعم لله حكمة بالغة في أقضيته وأقداره وإن لم يعلمه العباد فإن الله علم ~~علما وعلمه لعباده أو لمن يشاء منهم وعلم علما لم يعلمه لعباده ( ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده ~~حفظهما ) # وهو سبحانه أراد من العباد ما هم فاعلوه إرادة تكوين كما إتفق المسلمون ~~على أنه ما شاءالله كان وما لم يشأ لم يكن وكما قال ( فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) وكما قال ( ~~ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) وكما قال ( ولو شاءالله ~~ما إقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) وكما قال ( يثبت الله الذين آمنوا ~~PageV08P201 بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ~~ويفعل الله ما يشاء ) # ولكن لم يرد المعاصي من أصحابها إرادة أمر وشرع ومحبة ورضى ms2461 ودين ( بل ذلك ~~كما قال تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) # وكما قال تعالى ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) ( ~~والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ~~يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) وقال تعالى ( ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) وكما قال تعالى ( وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون ) # وبالتقسيم والتفصيل في المقال يزول الإشتباه ويندفع الضلال وقد بسطت ~~الكلام في ذلك بما يليق به في غير موضع من القواعد اذ ليس هذا موضع بسط ذلك # وأما قول السائل ما معنى وجود العذر فالمعذور الذي يعرف أنه معذور هو من ~~كان عاجزا عن الفعل مع إرادته له كالمريض العاجز عن القيام والصيام والجهاد ~~والفقير العاجز عن الإنفاق ونحو ذلك وهؤلاء ليسوا مكلفين ولا معاقبين على ~~ماتركوه وكذلك العاجز عن السماع والفهم كالصبى والمجنون ومن لم تبلغه ~~الدعوة PageV08P202 # وأما من جعل محبا مختارا راضيا بفعل السيئات حتى فعلها فليس مجبورا على ~~خلاف مراده ولا مكرها على ما يرضاه فكيف يسمى هذا معذورا بل ينبغى أن يسمى ~~مغرورا ولكن بسط ذلك يحتاج إلى الحكمة في الخلق والأمر فهذا مذكور في موضعه ~~وهذا المكان لا يسعه والله أعلم وصلى الله على محمد PageV08P203 ### || 1 ( الكلام على أن الحسنة من الله والسيئة من النفس ) 1 # قال شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى في الفروق التى ~~يتبين بها كون الحسنة من الله والسيئة من النفس وقوله ( إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء ) وقوله ( قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها وما بطن ) إلى ~~قوله ( وإن تقولوا على الله مالا تعلمون ) فإنه ينفي التحريم عن غيرها ~~ويثبته لها لكن هل أثبتها للجنس أو لكل واحد من العلماء كما يقال إنما يحج ~~المسلمون وذلك أن المستثنى هل هو مقتضى أو شرط ( # ففي الآية وأمثالها هو مقتضى فهو عام فإن العلم بما أنذرت به الرسل يوجب ms2462 ~~الخوف فإذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة على فعل الحسنات وترك السيئات ~~وكل عاص فهو جاهل ليس بتام العلم تبين ما ذكرنا من أن أصل السيئات الجهل ~~وعدم العلم # وإذا كان كذلك فعدم العلم ليس شيئا موجودا بل هو مثل عدم القدرة وعدم ~~السمع وعدم البصر والعدم ليس شيئا وإنما الشيء الموجود # والله خالق كل شيء فلا يضاف العدم المحض إلى الله تعالى لكن قد ~~PageV08P204 يقترن به موجود فإذا لم يكن عالما والنفس بطبعها تحركة فإنها ~~حية والحركة الإرادية من لوازم الحياة ولهذا أصدق الأسماء الحارث والهمام ~~وفى الحديث ( مثل القلب مثل ريشة ملقاة ( إلخ وفيه ( القلب أشد تقلبا من ~~القدر إذا إستجمعت غليانا ( فإذا كان كذلك فإن هداها الله علمها ما ينفعها ~~وما يضرها فأرادت ما ينفعها وتركت مايضرها ( # والله سبحانه تفضل على بني آدم بأمرين هما أصل السعادة # ( أحدهما ) أن كل مولود يولد على الفطرة كما في الصحيحين ولمسلم عن عياض ~~بن حمار مرفوعا ( إنى خلقت عبادى حنفاء ( الحديث فالنفس بفطرتها إذا تركت ~~كانت محبة لله تعبده لا تشرك به شيئا ولكن يفسدها من يزين لها من شياطين ~~الإنس والجن قال تعالى ( وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم ) الآية ~~وتفسير هذه الآية مبسوط في غير هذا الموضع # ( الثانى ) أن الله تعالى هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم من العقل ~~وبما أنزل إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل قال تعالى ( إقرأ باسم ربك ~~الذي خلق إلى قوله مالم يعلم ) وقال تعالى ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان ~~علمه البيان ) وقال تعالى ( سبح إسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر ~~فهدى ) وقال ( وهديناه النجدين ) ففي كل واحد ما يقتضي معرفته بالحق ومحبته ~~له وقد هداه إلى أنواع من العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة الآخرة وجعل ~~في فطرته محبة لذلك PageV08P205 # لكن قد يعرض الإنسان عن طلب علم ما ينفعه وذلك الاعراض أمر عدمي لكن ~~النفس من لوازمها الإرادة والحركة فإنها حية حياة طبيعية لكن ms2463 سعادتها أن ~~تحيا الحياة النافعة فتعبد الله ومتى لم تحيى هذه الحياة كانت ميتة وكان ~~مالها من الحياة الطبيعية موجبا لعذابها فلا هي حية متنعمة بالحياة ولا ~~ميتة مستريحة من العذاب قال تعالى ( ثم لا يموت فيها ولا يحيى ) فالجزاء من ~~جنس العمل لما كان في الدنيا ليس بحي الحياة النافعة ولا ميتا عديم الإحساس ~~كان في الآخرة كذلك والنفس إن علمت الحق وأرادته فذلك من تمام إنعام الله ~~عليها وإلا فهي بطبعها لابد لها من مراد معبود غير الله ومرادات سيئة فهذا ~~تركب من كونها لم تعرف الله ولم تعبده وهذا عدم # والقدرية يعترفون بهذا وبأن الله خلق الإنسان مريدا لكن يجعلونه مريدا ~~بالقوة والقبول أي قابلا لأن يريد هذا وهذا وأما كونه مريدا لهذا المعين ~~وهذا المعين فهذا عندهم ليس مخلوقا لله وغلطوا بل الله خالق هذا كله وهو ~~الذي ألهم النفس فجورها وتقواها وكان صلى الله عليه وسلم يقول ( اللهم آت ~~نفسي تقواها إلخ ( والله سبحانه جعل إبراهيم وأهل بيته أئمة يدعون بأمره ~~وجعل آل فرعون أئمة يدعون إلى النار ولكن هذا إلى الله لوجهين من جهة علته ~~الغائية ومن جهة سببه PageV08P206 # أما العلة الغائية فإنه أنما خلقه لحكمة هو بإعتبارها خير وإن كان شرا ~~إضافيا فإذا أضيف مفردا توهم المتوهم مذهب جهم بن صفوان أن الله خلق الشر ~~المحض الذي لا خير فيه لأحد لا لحكمة ولا لرحمة والكتاب والسنة والإعتبار ~~يبطل هذا كما إذا قيل محمد وأمته يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض كان هذا ~~ذما لهم وكان باطلا وإذا قيل يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا ويقتلون من ~~منعهم من ذلك كان هذا مدحا لهم وكان حقا # فإذا قيل أن الرب تعالى حكيم رحيم أحسن كل شيء خلقه وهو أرحم الراحمين ~~والخير بيديه والشر ليس إليه لا يفعل إلا خيرا وما خلقه من ألم لبعض ~~الحيوان ومن أعماله المذمومة فله فيه حكمة عظيمة ونعمة جسيمة كان هذا حقا ~~وهو مدح للرب # وأما إذا قيل يخلق ms2464 الشر الذي لاخير فيه ولا منفعة لأحد ولا له فيه حكمه ~~ولا رحمة ويعذب الناس بلا ذنب لم يكن مدحا له بل العكس وقد بينا بعض ما في ~~خلق جهنم وإبليس والسيئات من الحكمة والرحمة وما لم نعلم أعظم والله سبحانه ~~وتعالى يستحق الحمد والحب والرضا لذاته ولإ حسانه هذا حمد شكر وذاك حمد ~~مطلقا # وقد ذكرنا في غير هذا أن ما خلقه فهو نعمة يستحق عليها الشكر وهو من ~~آلائه ولهذا قال في آخر سورة النجم ( فبأى آلاء ربك تتمارى PageV08P207 و ~~في سورة الرحمن يذكر ( كل من عليها فان ) ونحو ذلك ويقول عقبه ( فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان ) قال طائفة واللفظ للبغوي ثم ذكر قوله ( يطوفون بينها وبين ~~حميم آن ) قال كلما ذكر الله عز وجل من قوله ( كل من عليها فان ) فإنه ~~مواعظ وهو نعمة لأنه يزجر عن المعاصي وقال آخرون منهم الزجاج وإبن الجوزي ~~في الآيات أي ( فبأى آلاء ربكما تكذبان ) بهذه الأشياءلانها كلها نعم في ~~دلالتها إياكم على توحيده ورزقه إياكم ما به قوامكم هذا قالوه في سورة ~~الرحمن # ( # وقالوا في قوله ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) فبأي نعم ربك التى تدل على ~~وحدانيته تشكك وقيل تشك وتجادل وقال بن عباس تكذب # قلت ضمن تتمارى معنى تكذب ولهذا عداه بالتاء فإنه تفاعل من المراء يقال ~~تمارينا في الهلال ومرآء في القرآن كفر وهو يكون لتكذيب وتشكيك ويقال لما ~~كان الخطاب لهم قال تتمارى أى يتمارون ولم يقل تمتري لأن التفاعل يكون بين ~~إثنين قالوا ( وإن ليس للإنسان إلا ما ما سعى ) قيل الوليد بن المغيرة فإنه ~~قال ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى أن لا تزز وازرة وزر ~~أخرى ) ثم إلتفت إليه فقال ( وإن ليس للإنسان إلا ماسعى ) كما قال ( خلق ~~الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان ) # ففي كل ما خلقه إحسان إلى عباده يشكر عليه وله فيه حكمة تعود إليه ~~PageV08P208 يستحق أن يحمد عليها لذاته ms2465 فجميع المخلوقات فيها إنعام إلى ~~عباده كالثقلين المخاطبين بقوله ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) من جهة أنها ~~آيات يحصل بها هدايتهم وتدل على وحدانيته وصدق أنبيائه ولهذا قال عقيبه ( ~~هذا نذير من النذر الأولى ) قيل محمد وقيل القرآن وهما متلازمان يقول هذا ~~نذير أنذر بما أنذرت به الرسل والكتب الأولى وقوله من النذر الأولى أي من ~~جنسها فأفضل النعم نعمة الإيمان وكل مخلوق فهو من الآيات التى يحصل بها ما ~~يحصل من هذه النعمة قال تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) ~~وقال ( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) # وما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينة وإن كان يسوءه فهو نعمة لأنه ~~يكفر خطاياة ويثاب عليه بالصبر ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد ~~( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) الآية ~~وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر أما الضراء فظاهر وأما نعمة ~~السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها كما قال بعض السلف إبتلينا ~~بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر فلهذا كان أكثر من يدخل الجنة ~~المساكين لكن لما كان في السراء اللذة وفى الضراء الألم إشتهر ذكر الشكر في ~~السراء والصبر في الضراء قال تعالى ( ولئن اذقنا الإنسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه إلى قوله إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) الآية PageV08P209 # وأيضا صاحب السراء أحوج إلى الشكر وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر فإن صبر ~~هذا وشكر هذا واجب وأما صبر السراء فقد يكون مستحبا وصاحب الضراء قد يكون ~~الشكر في حقه مستحبا وإجتماع الشكر والصبر يكون مع تألم النفس وتلذذها وهذا ~~حال يعسر على كثير وبسطه له موضع آخر # والمقصود أن الله تعالى منعم بهذا كله وإن كان لا يظهر في الإبتداء لأكثر ~~الناس فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون وأما ذنوب الإنسان فهي من نفسه ومع ~~هذا فهي مع حسن العاقبة نعمة وهي نعمة على غيره لما يحصل له بها من ~~الإعتبار ومن هذا قوله ( اللهم ms2466 لا تجعلنى عبرة لغيري ولا تجعل غيري أسعد ~~بما علمتنى منى ( وفى دعاء القرآن ( ربنا لا تجعلنا فتنة للظلمين ) وكما ~~فيه ( واجعلنا للمتقين إماما ) واجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا ولا تجعلنا فتنة ~~لمن يضل بنا والآلاء في اللغة هي النعم وهي تتضمن القدرة # والله تعالى في القرآن يذكر آياته الدالة على قدرته وربوبيته ويذكر آياته ~~التى فيها نعمه إلى عباده ويذكر آياته المبينة لحكمته وهي متلازمة لكن نعمة ~~الإنتفاع بالمآكل والمشارب والمساكن والملابس ظاهرة لكل أحد فلهذا إستدل ~~بها في ( سورة النحل ( وتسمى ( سورة النعم ( كما قاله قتادة وغيره وعلى هذا ~~فكثير من الناس يقول الحمد أعم من الشكر من جهة أسبابه فإنه يكون على نعمة ~~وغيرها والشكر أعم من جهة أنواعه فإنه يكون PageV08P210 بالقلب واللسان ~~واليد فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة لم يكن الحمد إلاعلى نعمة والحمد لله على ~~كل حال # لكن هذا فهم من عرف ما في المخلوقات من النعم والجهمية والجبرية بمعزل عن ~~هذا وكذلك القدرية الذين يقولون لا تعود الحكمة إليه بل ما ثم إلا نفع ~~الخلق فما عندهم إلا شكر كما ليس عند الجهمية إلا قدرة والقدرة المجردة عن ~~نعمة وحكمة لا يظهر فيها وصف حمد وحقيقة مذهبهم أنه لا يستحق الحمد فله ملك ~~بلا حمد كما أن عند المعتزلة له نوع من الحمد بلا ملك وعند السلف له الملك ~~والحمد تامين # قال تعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) فله الوحدانية في إلهيته وله العدل ~~وله العزة والحكمة وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم فمن قصر عن ~~معرفة السنة نقص الرب بعض حقه # والجهمى الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة ولا توحيد إلهيته بل توحيد ربوبيته ~~والمعتزلي لا يثبت توحيد إلهيته ولا عدلا ولا عزة ولا حكمة وإن قال أنه ~~يثبت حكمة ما معناها يعود إلى غيره فتلك لا تكون حكمة فمن فعل لا لأمر يرجع ~~إليه بل لغيره فهذا عند ms2467 العقلاء قاطبة ليس بحكيم وإذا كان الحمد لا يقع إلا ~~على نعمة فقد ثبت أنه رأس الشكر فهو أول الشكر والحمد PageV08P211 و إن كان ~~على نعمة وعلى حكمة فالشكر بالأعمال هو على نعمته وهو عبادة له لإلهيته ~~التى تتضمن حكمته فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر # ولهذا عظم القرآن أمر الشكر ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من ~~الشكر وشرع الحمد الذي هو الشكر مقولا أمام كل خطاب مع التوحيد ففي الفاتحة ~~الشكر مع التوحيد والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد والباقيات ~~الصالحات نوعان فسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم ولا إله ~~إلاالله والله أكبر فيها التوحيد والتكبير وقد قال تعالى ( فادعوا الله ~~مخلصين له الدين ) الحمد لله رب العالمين ) وهل الحمد على الأمور ~~الإختيارية كما قيل في العزم أم عام فيه نظر ليس هذا موضعه # وفى الصحيح ( أنه صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول ربنا ~~ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد ~~أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ~~ينفع ذا الجد منك الجد ( هذا لفظ الحديث و ( أحق ( أفعل التفضيل وقد غلط ~~فيه طائفة فقالوا ( حق ما قال العبد ) وهذا ليس بسديد فإن العبد يقول الحق ~~والباطل بل حق ما يقوله الرب كما قال ( فالحق والحق أقول ) ولكن أحق خبر ~~مبتدأ محذوف أي الحمد أحق ما قال العبد ففيه أن الحمد أحق ما قاله العبد ~~ولهذ وجب في كل صلاة PageV08P212 # وإذا قيل يخلق ما هو شر محض لم يكن هذا موجبا لمحبة العباد له وحمدهم بل ~~العكس ولهذا كثير من هؤلاء ينطقون بالذم والشتم نظما ونثرا وكثير من شيوخهم ~~وعلمائهم يذكر ذلك وإن لم يقله بلسانه فقلبه ممتلىء به لكن يرى أن ليس في ~~ذكره منفعة أو يخاف من المسلمين وفى شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو هذا ~~ويقيمون حجج إبليس ms2468 واتباعه على الله وهو خلاف ما وصف به نفسه في قوله ( وما ~~ربك بظلام للعبيد ) ( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ) فقوله ( أحق ما قال ~~العبد ( يقتضي أن حمده أحق ما قاله العبد لأنه سبحانه لا يفعل إلا الخير ~~وهو سبحانه # ونفسه متحركة بالطبع حركة لا بد فيها من الشر حكمة بالغة ونعمة سابغة # فإذا قيل فلم لا خلقها على غير هذا الوجه # قيل كان يكون ذلك خلقا غير الإنسان وكانت الحكمة بخلقه لا تحصل وهذا سؤال ~~الملائكة حيث قالوا ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء إلى قوله إني ~~أعلم ما لاتعلمون ) فعلم من الحكمة في خلق هذا ما لم تعلمه الملائكة فكيف ~~يعلمه آحاد الناس # ونفس الإنسان خلقت كما قال تعالى PageV08P213 ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا ~~مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ) وقال ( خلق الإنسان من عجل ) فقد ~~خلق خلقة تستلزم وجود ما خلق منها لحكمة عظيمة ورحمة عميمة فهذا من جهة ~~الغاية مع أن الشر لا يضاف إليه سبحانه # وأما ( الوجه الثانى ) من جهة السبب فإن هذا الشر إنما وجد لعدم العلم ~~والإرادة التى تصلح النفس فإنها خلقت بفطرتها تقتضى معرفة الله ومحبته وقد ~~هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك وهذا كله من فضل الله وإحسانه لكن ~~النفس المدنية لما حصل لها من زين لها السيئات من شياطين الإنس والجن مالت ~~إلى ذلك وكان ذلك مركبا من عدم ما ينفع وهذا الأصل ووجود هذا العدم لا يضاف ~~إلى الله تعالى وهؤلاء القول فيهم كالقول فيها خلقهم لحكمة فلما كان عدم ما ~~تصلح به هو أحد السببين والشر المحض هو العدم المحض وهو ليس شيئا والله ~~خالق كل شيء فكانت السيئات منها بإعتبار أنها مستلزمة للحركة الإرادية # والعبد إذا إعترف أن الله خالق افعاله فإن اعترف إقرارا بخلق الله لكل ~~شيء وبكلماته التامات وإعترافا بفقره إليه وأنه أن لم يهده فهو ضال فخضع ~~لعزته وحكمته فهذا حال المؤمنين وإن إعترف إحتجاجا بالقدر فهذا الذنب أعظم ~~من الأول ms2469 وهذا من أتباع الشيطان # وهنا سؤال سأله طائفة وهو أنه لا يقضى للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا ~~PageV08P214 له وقد قضى عليه السيئات وعنه جوابان # ( أحدهما ) أن أعمال العباد لم تدخل في الحديث ولكن ما يصيبه من النعم ~~والمصائب ولهذا قال ( إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ( إلخ وهذا ظاهر ~~اللفظ فلا إشكال # و ( الثانى ) إن قدر دخولها فقد قال صلى الله عليه وسلم ( من سرته حسنته ~~وساءته سيئته فهو المؤمن ( فإذا قضى له بأن يحسن فهو مما يسره فإذا قضى له ~~بسيئة فهو إنما يستحق العقوبة إذا لم يتب فإن تاب أبدلت حسنة فيشكر عليها ~~وإن لم يتب إبتلى بمصائب تكفرها فيصبر عليها فيكون ذلك خيرا له وهو قال لا ~~يقضى الله للمؤمن والمؤمن المطلق هو الذى لا يضره الذنب بل يتوب منه فيكون ~~حينئذ كما جاء في عدة آثار ( إن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة يعمله ~~فلا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة ) والذنب يوجب ذل العبد ~~وخضوعه وإستغفاره وشهوده لفقره وفاقته إليه سبحانه # وفى قوله ( من نفسك ) من الفوائد أن العبد لا يطمئن إلى نفسه فإن الشر ~~لايجيء إلا منها ولا يشتغل بملام الناس وذمهم ولكن يرجع إلى الذنوب فيتوب ~~منها ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله ويسأل الله أن يعينه على طاعته ~~فبذلك يحصل له الخير ويدفع عنه الشر لهذا كان أنفع PageV08P215 الدعاء ~~وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة ( إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين # فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شر لافى ~~الدنيا ولا في الآخرة والذنوب من لوازم النفس وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة ~~وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب ويدخل في ذلك من أنواع الحاجات ~~مالا يمكن إحصاؤه ولهذا أمر به في كل صلاة لفرط الحاجة إليه وإنما يعرف بعض ~~قدره من إعتبر أحوال نفسه ونفوس الإنس والجن المأمورين بهذا الدعاء ورأى ما ~~فيها من ms2470 الجهل والظلم الذي يقتضى شقاءها في الدنيا والآخرة فيعلم أن الله ~~تعالى بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخيرالمانعة ~~من الشر ( # ومما يبين ذلك أن الله تعالى لم يقص علينا في القرآن قصة أحد إلا ~~لنعتبرها وإنما يكون الإعتبار إذا قسنا الثاني بالأول وكانا مشتركين في ~~المقتضى والحكم فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان في نفوس المكذبين ~~للرسل فرعون ومن قبله لم يكن بنا حاجة إلى الإعتبار بمن لا نشبهه قط لكن ~~الأمر كما قال تعالى ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) وقال ( ~~كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أومجنون ) وقال تعالى ( ~~كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ) وقال ( يضاهئون قول ~~الذين كفروا من قبل ) ولهذا قال صلى الله عليه وسلم PageV08P216 ( لتسلكن ~~سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا ~~يارسول الله اليهود والنصارى قال فمن ( وقال ( لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا يا رسول الله فارس والروم قال فمن ( وكلا ~~الحديثين في الصحيحين # ولما كان في ( غزوة حنين ( كان للمشركين سدرة يعلقون عليها أسلحتهم فقال ~~بعض الناس يا رسول الله إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال صلى ~~الله عليه وسلم ( الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال أصحاب موسى ( ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) إنها سنن لتركبن سنن من كان قبلكم ( ( # وقد بين القرآن أن السيئات من النفس وإن كانت بقدرالله فأعظمها جحود ~~الخالق والشرك به وطلب النفس أن تكون شريكة له سبحانه أو إلها من دونه وكل ~~هذين وقع فإن فرعون وإبليس كل واحد منهما يطلب أن يعبد ويطاع من دون الله ~~وهذا الذي في فرعون وإبليس غاية الظلم والجهل وفى نفوس سائر الإنس والجن ~~شعبة من هذا وهذا إن لم يعن الله العبد ويهده وإلا وقع في بعض ما وقع فيه ~~فرعون وإبليس بحسب الإمكان ms2471 قال بعض العارفين ما من نفس إلا وفيها ما في نفس ~~فرعون إلا أنه قدر فأظهر وغيره عجز فأضمر PageV08P217 # وذلك أن الإنسان إذا إعتبر وتعرف نفسه والناس رأى الواحد يريد نفسه أن ~~تطاع وتعلو بحسب الإمكان والنفوس مشحونة بحب العلو والرئاسة بحسب إمكانها ~~فتجده يوالي من يوافقه على هواه ويعادي من يخالفه في هواه وإنما معبوده ما ~~يهواه ويريده قال تعالى ( أرأيت من إتخذ الهه هواه أفانت تكون عليه وكيلا ) ~~والناس عنده كما هم عند ملوك الكفار من الترك وغيرهم ( يال ياغي ( أي صديقى ~~وعدوي فمن وافق هواهم كان وليا وإن كان كافرا وإن لم يوافقه كان عدوا وأن ~~كان من المتقين وهذه حال فرعون # والواحد من هؤلاء يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه لكنه لا يتمكن مما تمكن ~~منه فرعون من دعوى الإلهية وجحود الصانع وهؤلاء وإن أقروا بالصانع فإذا ~~جاءهم من يدعوهم إلى عبادة الله المتضمنة ترك طاعتهم عادوه كما عادى فرعون ~~موسى عليه السلام وكثير من الناس عنده عقل وإيمان لايطلب هذا الحد بل تطلب ~~نفسه ما هو عنده فإذا كان مطاعا مسلما طلب أن يطاع في اغراضه وأن كان فيها ~~ما هو ذنب ومعصية لله ويكون من أطاعه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله ~~وخالف هواه وهذه شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل # وإن كان عالما أو شيخا أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره وربما أبغض نظيره ~~حسدا وبغيا كما فعلت اليهود لما بعث الله تعالى من يدعو إلى مثل مادعى إليه ~~PageV08P218 موسى قال تعالى ( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن ~~بما أنزل علينا ) الآية وقال ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة ) وقال ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) ~~ولهذا أخبر عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون وسلط عليهم من إنتقم به منهم ~~فقال تعالى عن فرعون ( إن فرعون علا في الأرض ) الآية ولهذا قال تعالى ( ~~تلك الدار الآخرة نجعلها ms2472 للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة ~~للمتقين ) # والله سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته ليذكروه ويشكروه ويعبدوه وأرسل ~~الرسل وأنزل الكتب ليعبدوه وحده ويكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي ~~العليا قال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون ) وقال ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون ) وقد أمر الرسل كلهم بهذا وأن لا يتفرقوا فيه فقال ( ~~إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) وقال ( يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا اني بما تعملون عليم وأن هذه أمتكم أمة واحدة ) ~~الآية # قال قتادة أى دينكم واحد وربكم واحد والشريعة مختلفة وكذلك قال الضحاك ~~وعن بن عباس أي دينكم دين واحد قال إبن أبي حاتم وروي عن سعيد بن جبير ~~وقتادة وعبد الرحمن نحو ذلك قال الحسن بين لهم ما يتقون وما يأتون ثم قال ~~إن هذه سنتكم سنة واحدة وهكذا قال PageV08P219 جمهور المفسرين والأمة الملة ~~والطريقة كما قال ( إنا وجدنا آباءنا على أمة ) كما تسمى الطريق إماما لأن ~~السالك فيها يؤتم به فكذلك السالك يؤمه ويقصده والأمة أيضا معلم الخير الذي ~~يأتم به الناس وإبراهيم عليه السلام جعله الله إماما وأخبر أنه كان أمة # وأمر الله تعالى الرسل أن تكون ملتهم ودينهم واحدا لا يتفرقون فيه كما في ~~الصحيحين ( إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد ( وقال تعالى ( شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا ) الآية ولهذا كان يصدق بعضهم بعضا لا يختلفون مع تنوع ~~شرائعهم فمن كان من المطاعين من الأمراء والعلماء والمشايخ متبعا للرسول ~~صلى الله عليه وسلم أمر بما أمر به ودعا إليه واحب من دعا إلى مثل ما دعا ~~إليه فإن الله يحب ذلك فيحب ما يحبه الله لأن قصده عبادة الله وحده وأن ~~يكون الدين لله ومن كره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك فهذا يطلب أن يكون هو ~~المطاع المعبود وله نصيب من ms2473 حال فرعون وأشباهه فمن طلب أن يطاع دون الله ~~فهذا حال فرعون ومن طلب أن يطاع مع الله فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والله سبحانه أمر أن لا يعبد إلا إياه ~~ولا يكون الدين إلا له وتكون الموالاة فيه والمعاداة فيه ولا يتوكل إلا ~~عليه ولا يستعان إلا به # فالمتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ليكون الدين لله لا له ~~PageV08P220 فإذا أمر غيره بمثل ذلك أحبه وأعانه وسر به وإذا أحسن إلى ~~الناس فإنما يحسن إليهم إبتغاء وجه ربه الأعلى ويعلم أن الله قد من عليه ~~بأن جعله محسنا فيرى أن عمله لله وبالله وهذا مذكور في الفاتحة ( إياك نعبد ~~وإياك نستعين ) فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا ولا يمن عليه بذلك ~~فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ إستعمله في الإحسان فعليه أن يشكر ~~الله إذ يسره لليسرى وعلى ذلك أن يشكر الله إذ يسر له ما ينفعه ومن الناس ~~من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو ليجزيه بطاعته له وتعظيمه إياه أو نفع آخر ~~وقد يمن عليه فيقول أنا فعلت وفعلت بفلان فلم يشكر ونحو ذلك فهذا لم يعبد ~~الله ولم يستعنه فلا عمل لله ولا عمل به فهو كالمرائي # وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائى فقال تعالى ( يا أيها الذين ~~آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا ~~يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم إبتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل ~~فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ) قال قتادة ~~تثبيتا من أنفسهم إحتسابا من عند أنفسهم وقال الشعبي يقينا وتصديقا من ~~أنفسهم وقيل يخرجونها طيبة بها أنفسهم على يقين بالثواب وتصديق بوعد الله ~~يعلمون أن ما أخرجوه ms2474 خير لهم مما تركوه قلت إذا كان المعطي محتسبا للأجر من ~~الله لا من الذي أعطاه فلا يمن عليه PageV08P221 # ( الفرق السادس ) أنما يبتلى به من الذنوب وإن كان خلقا لله فهو عقوبة له ~~على عدم فعل ما خلقة الله له وفطره عليه فإنه خلقه لعبادته وحده ودل عليه ~~الفطرة فلما لم يفعل ما خلق له وما فطر عليه عوقب على ذلك بأن زين له ~~الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي قال تعالى ( إذهب فمن تبعك منهم فإن ~~جهنم جزاؤكم جزاء موفورا إلى قوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) وقال ~~تعالى ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه ) الآية وقال تعالى ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ) # فتبين أن الإخلاص يمنع من تسلط الشيطان كما قال تعالى ( كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) فكان إلهامه لفجوره عقوبة له وعدم ~~فعل الحسنات ليس أمرا موجودا حتى يقال إن الله خلقه ومن تدبر القرآن تبين ~~له أن عامة ما يذكر الله في خلق الكفر والمعاصي يجعله جزاء لذلك العمل ~~كقوله تعالى ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا ) الآية وقال تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ~~وقال ( وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) وهذا وأمثاله ~~يذكر فيه أعمالا عاقبهم بها على فعل محظور وترك مأمور ولا بد لهم من حركة ~~وإرادة فلما لم يتحركوا بالحسنات حركوا PageV08P222 بالسيئات عدلا من الله ~~كما قيل نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل # وهذا الوجه إذا حقق يقطع مادة كلام طائفتى القدرية المكذبة والمجبرة ~~الذين يقولون خلقها لذلك والتعذيب لهم ظلم يقال لهم إنما أوقعهم فيها وطبع ~~على قلوبهم عقوبة لهم فما ظلمهم ولكن ظلموا أنفسهم يقال ظلمته إذا نقصته ~~حقه قال تعالى ( كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ms2475 ) # وكثير منهم يسلمون أن الله خلق من الأعمال ما يكون جزاء على عمل متقدم ~~ويقولون خلق طاعة المطيع لكن ما خلق شيئا من الذنوب إبتداء بل جزاء فيقولون ~~أول ما يفعل العبد لم يحدثه الله وما ذكرنا يوجب أن يكون الله خالق كل شيء ~~لكن أولها عقوبة على عدم فعله لما خلق له والعدم لا يضاف إلى الله فما ~~أحدثه فأوله عقوبة على هذا العدم وسائرها قد يكون عقوبة على ما وجد وقد ~~يكون عقوبة على إستمراره على العدم فما دام لا يخلص لله لا يزال مشركا ~~والشيطان مسلط عليه ثم تخصيصه سبحانه لمن هداه بأن إستعمله إبتداء فيما خلق ~~له تخصيص بفضله وهذا منه لا يوجب الظلم ولا يمنع العدل ولهذا يقول تعالى ( ~~والله يختص برحمته من يشاء ) وكذلك الفضل هو أعلم به كما خص بعض الأبدان ~~PageV08P223 بقوى لا توجد في غيرها وبسبب عدم القوة قد تحصل له أمراض ~~وجودية وغير ذلك من حكمته وتحقيق هذا يدفع شبهات هذا الباب # ومما ذكر فيه العقوبة على عدم الإيمان قوله تعالى ( ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) هذا من تمام قوله ( وما يشعركم أنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون ) فذكر أن هذا التقليب يكون لمن لم يؤمنوا به أول مرة ~~وهذا عدم الإيمان لكن يقال هذا بعد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهم وقد ~~كذبوا وتركوا الإيمان وهذه أمور وجودية لكن الموجب هو عدم الإيمان وما ذكر ~~شرط في التعذيب كإرسال الرسول فإنه قد يشتغل عن الإيمان بما جنسه مباح لا ~~يستحق به العقوبة إلا لأنه شغله عن الإيمان ومن الناس من يقول ضد الإيمان ~~هو تركه وهو أمر وجودى لا ضد له إلا ذلك ( # ( الفرق السابع ) أن السيئات التى هي المصائب ليس لها سبب إلا ذنبه الذي ~~من نفسه وما يصير من الخير لا تنحصر أسبابه لأنه من فضل الله يحصل بعمله ~~وبغير عمله وعمله من إنعام الله عليه وهو سبحانه لا يجزيه بقدر العمل بل ~~يضاعفه ms2476 فلا يتوكل إلا على الله ولا يرجع إلا إليه فهو يستحق الشكر المطلق ~~العام التام وإنما يستحق غيره من الشكر ما يكون جزاء على ما يسره الله على ~~يديه من الخير كشكر الوالدين فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس لكن لا ~~يبلغ من قول أحد وإنعامه أن يشكر بمعصية الله أو يطاع بمعصيته فإنه هو ~~PageV08P224 المنعم قال تعالى ( وما بكم من نعمة فمن الله ) وقال ( وسخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) وجزاؤه على الطاعة والشكر ~~وعلى المعصية والكفر لا يقدر أحد على مثله فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في ~~معصية الخالق وقال تعالى ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك ~~بي ماليس لك به علم فلا تطعهما ) الآية وفى الآية الأخرى ( وإن جاهداك على ~~أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) # والمقصود أنه إذا عرف أن النعم كلها من الله صار توكله ورجاؤه له سبحانه ~~وإذا علم ما يستحقه من الشكر الذي لا يستحقه غيره صا # والشر إنحصر سببه في النفس فعلم من إين يأتى فاستغفر واستعان بالله ~~واستعاذ به مما لم يعمل بعد كما قال من قال من السلف لا يرجون عبد إلا ربه ~~ولا يخافن إلا ذنبه وهذا خلاف قول الجهمية الذين يقولون يعذب بلا ذنب ~~ويخافونه ولو لم يذنبوا فإذا صدق بقوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك ) علم بطلان هذا القول وقد تقدم قول إبن عباس وغيره ~~إنما أصابهم يوم أحد كان بذنوبهم لم يستثن من ذلك أحدا وهذا من فوائد تخصيص ~~الخطاب لئلا يظن أنه عام مخصوص PageV08P225 # ( الفرق الثامن ) أن السيئة إذا كانت من النفس والسيئة خبيثة مذمومة ~~ووصفها بالخبث في مثل قوله ( الخبيثات للخبيثين ) قال جمهور السلف الكلمات ~~الخبيثة للخبيثين وقال بعضهم الأقوال والأفعال الخبيثة للخبيثين وقال تعالى ~~( ضرب الله مثلا كلمة طيبة إلى قوله ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ) وقال ( ~~إليه يصعد الكلم ms2477 الطيب والعمل الصالح يرفعه ) والأقوال والأفعال صفات ~~القائل الفاعل فإذا كانت النفس متصفة بالسوء والخبث لم يكن محلها إلا ما ~~يناسبها فمن أراد أن يجعل الحيات والعقارب يعاشرون الناس كالسنانير لم يصلح ~~ومن أراد أن يجعل الكذاب شاهدا لم يصلح وكذلك من أراد أن يجعل الجاهل معلما ~~أو الأحمق سائسا فالنفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة بل إذا ~~كان في النفس خبث طهرت وهذبت كما في الصحيح ( إن المؤمنين إذا نجوا من ~~النار وقفوا على قنطرة ( الحديث وإذا علم أن السيئة من نفسه لم يطمع في ~~السعادة التامة مع ما فيه من الشر بل علم تحقيق قوله ( من يعمل سوءا يجز به ~~) وقوله ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) وعلم ~~أن الرب جارية أفعاله على قانون العدل والإحسان وفى الصحيح ( يمين الله ~~ملأى ( الحديث وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ~~وهو سبحانه قد شهد أن لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ~~وهم قصدوا مناقضة PageV08P226 المعتزلة في القدر والوعيد فلهذا سلك مسلك ~~جهم من ينتسب إلى السنة والحديث وإتباع السلف وكذلك سلكوا في ( الإيمان ~~والوعيد ( مسلك المرجئة الغلاة جهم وأتباعه وجهم إشتهر عنه ( نوعان ( من ~~البدعة # نوع في ( الأسماء والصفات ) فغلا في النفي ووافقه على ذلك الباطنية ~~والفلاسفة ونحوهم والمعتزلة في الصفات دون الأسماء والكلابية ومن وافقهم من ~~الفقهاء وأهل الحديث في نفي الصفات الإختيارية والكرامية ونحوهم وافقوه على ~~أصل ذلك وهو إمتناع دوام مالا يتناهى وأنه يمتنع أن يكون لم يزل متكلما إذا ~~شاء وفعالا إذا يشاء لإمتناع حوادث لا أول لها وعن هذا الأصل نفى وجود ما ~~لا يتناهى في المستقبل وقال بفناء الجنة والنار ووافقه أبوالهذيل إمام ~~المعتزلة على هذا لكن قال تتناهى الحركات # فالمعتزلة في الصفات مخانيث الجهمية وأما الكلابية في الصفات وكذلك ~~الأشعرية ولكنهم كما قال أبو إسماعيل الأنصارى الأشعرية الإناث هم مخانيث ~~المعتزلة ومن الناس من يقول المعتزلة مخانيث ms2478 الفلاسفة لأنه لم يعلم أن جهما ~~سبقهم إلى هذا الأصل أولأنهم مخانيثهم من بعض الوجوه والشهرستاني يذكر أنهم ~~أخذوا ما أخذوا عن الفلاسفة لأنه إنما يرى مناظرة أصحابه الأشعرية معهم ~~بخلاف أئمة السنة فإن مناظرتهم إنما كانت مع الجهمية وهم المشهورون عند ~~PageV08P227 السلف بنفي الصفات وبهذا تميزوا عند السلف عن سائر الطوائف # وأما المعتزلة فإمتازوا بالمنزلة بين المنزلتين لما أحدثه عمرو بن عبيد ~~وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين للجماعة فيقول قتادة وغيره أولئك المعتزلة ~~وكان ذلك بعد موت الحسن # وبدعة القدرية حدثت قبل ذلك بعد موت معاوية ولهذا تكلم فيهم إبن عمر وإبن ~~عباس وغيرهما وإبن عباس مات قبل إبن الزبير وإبن عمر مات عقب موته وعقب ذلك ~~تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز ~~والشام والعراق وأكثره كان بالشام والعراق والبصرة وأقله كان بالحجاز فلما ~~حدثت المعتزلة وتكلموا بالمنزلة بين المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود ~~أهل التوحيد وأن النار لا يخرج منها من دخلها ضموا إلى ذلك القدر فإنه به ~~يتم # ولم يكن الناس إذ ذاك أحدثوا شيئا من نفي الصفات إلى أن ظهر ( الجعد إبن ~~درهم ( وهو أولهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال أيها الناس ضحوا ~~تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ~~ثم نزل فذبحه وهذا كان بالعراق PageV08P228 # ثم ظهر ( جهم ( من ناحية المشرق من ترمذ ومنها ظهر رأي جهم ولهذا كان ~~علماءالسنة بالمشرق أكثر كلاما في رد مذهبهم من أهل الحجاز والشام والعراق ~~مثل إبراهيم بن طهمان وخارجة بن مصعب ومثل عبد الله بن المبارك وأمثالهم ~~وقد تكلم في ذمهم مالك وإبن الماجشون وغيرهما وكذلك الأوزاعي وحماد بن زيد ~~وغيرهم # وإنما إشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد وغيره من علماء السنة ~~فإنهم في إمارة المأمون قووا وكثروا فإنه قد كان بخراسان مدة وإجتمع بهم ثم ~~كتب بالمحنة ms2479 من طرسوس سنة ثمانية عشرة ومائتين وفيها مات وردوا أحمد إلى ~~الحبس ببغداد إلى سنة عشرين ومائتين وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته ~~لهم فلما رد عليهم ما إحتجوا به وذكر أن طلبهم من الناس أن يوافقوهم ~~وإمتحانهم إياهم جهل وظلم وأراد المعتصم إطلاقه أشار عليه من أشار بأن ~~المصلحة ضربه لئلا تنكسر حرمة الخلافة فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة ~~وخافوا فأطلقوه وكان إبن أبى دؤاد قد جمع له نفاة الصفات من جميع الطوائف ~~وعلماء السنة كإبن المبارك وأحمد وإسحاق والبخاري يسمون هؤلاء جميعهم جهمية ~~وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم يظنون أن خصومه كانوا هم ~~المعتزلة وليس كذلك بل المعتزلة نوع منهم # والمقصود هنا أن جهما إشتهر عنه بدعتان ( أحداهما ) نفي الصفات ( ~~والثانية ) الغلو في القدر والإرجاء فجعل PageV08P229 الإيمان مجرد معرفة ~~القلب وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة وهذان مما غلت المعتزلة في خلافه ~~فيهما وأما الأشعري فوافقه على أصل قوله ولكن قد ينازعه منازعات لفظية # وجهم لا يثبت شيئا من الصفات لا الإرادة ولا غيرها فإذا قال أن الله يحب ~~الطاعات ويبغض المعاصي فمعناه الثواب والعقاب والأشعري يثبت الصفات ~~كالإرادة فإحتاج إلى الكلام فيها هل هي المحبة أم لا فقال المعاصى يحبها ~~الله ويرضاها كما يريدها وذكر أبو المعالي أنه أول من قال ذلك وأهل السنة ~~قبله على أن الله لا يحب المعاصي # وشاع هذا القول في كثير من الصوفية فوافقوا جهما في مسائل الأفعال والقدر ~~وخالفوه في الصفات كأبي إسماعيل الأنصارى صاحب ذم الكلام فإنه من المبالغين ~~في ذم الجهمية في نفي الصفات وله كتاب في تكفير الجهمية ويبالغ في ذم ~~الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة وربما كان يلعنهم وقال بعض ~~الناس بحضرة نظام الملك أتلعن الأشعرية فقال ألعن من يقول ليس في السماوات ~~إله ولا في المصحف قرآن ولا في القبر نبى وقام من عنده مغضبا وهو مع هذا في ~~مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال أبلغ من الأشعرية ms2480 لا يثبت سببا ولا حكمة ~~بل يقول أن مشاهدة العارف الحكم لا يبقى له إستحسان حسنة ولا إستقباح سيئة ~~والحكم عنده هو المشيئة لأن العارف عنده من يصل إلى مقام الفناء والحسنة ~~والسيئة يفترقان في حظ العبد PageV08P230 لكونه ينعم بهذه ويعذب بهذه ~~والإلتفات إلى هذا من حظوظ النفس ومقام الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد ~~الحق # والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا من جهة المخلوق كان أعقل منهم ~~فإنهم يدعون أن العارف لا يفرق وغلطوا في حق العبد وحق الرب أما العبد ~~فيلزمهم أن يستوى عنده جميع الحوادث وهذا محال قطعا فعزلوا الفرق الرحماني ~~وفرقوا بالطبعي الهوائى الشيطانى ومن هنا وقع خلق منهم في المعاصي وآخرون ~~في الفسوق وأخرون في الكفر حتى جوزوا عبادة الأصنام ثم كثير منهم ينتقل إلى ~~الوحدة ويصرحون بعبادة كل موجود # والمقصود الكلام على من نفى الحكم والأسباب والعدل في القدر موافقة لجهم ~~وهي بدعته الثانية بخلاف الارجاء فإنه منسوب إلى طوائف غيره فهؤلاء يقولون ~~أن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه ولهذا تجد من إتبعهم غير معظم للأمر ~~والنهي والوعد والوعيد بل ينحل عنه أو عن بعضه ويتكلف لما يعتقده فإنهم إذا ~~وافقوا جهما والأشعري في أن الحسن والقبيح كونه مأمورا أو محظورا وذلك فرق ~~يعود إلى حظ العبد وهم يدعون الفناء عن الحظوظ فتارة يقولون في إمتثال ~~الأمر والنهي أنه من مقام التلبيس وتارة يقولون يفعل هذا لأجل أهل ~~المارستان أي العامة كما يقوله الشيخ المغربى إلى أنواع آخر PageV08P231 # ومن سلك مسلكهم إذا عظم الأمر والنهي غايته أن يقول كما نقل عن الشاذلي ~~يكون الجمع في قلبك مشهودا والفرق على لسانك موجودا كما يوجد في كلامه ~~وكلام غيره أقوال وأدعية وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي مثل دعوى أن ~~الله يعطيه على المعصية أعظم مما يعطيه على الطاعة ونحو هذا مما يوجب أنه ~~يجوز عنده أن يجعل الذين إجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات أو ~~أفضل ويدعون بأدعية فيها إعتداء كما يوجد ms2481 في حزب الشاذلي # وآخرون من عوامهم يجوزون أن يكرم الله بكرامات أكبر الأولياء من يكون ~~فاجرا بل كافرا ويقولون هذه موهبة وعطية ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء ~~وتكون من الأحوال الشيطانية التى يكون مثلها للسحرة والكهان قال تعالى ( ~~ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب ~~كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من ~~أحد إلا باذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن إشتراه ما ~~له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون PageV08P232 # وقد قال صلى الله عليه وسلم ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ~~حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ( الحديث # والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله القرآن عدل كثير ممن أضله الشيطان من ~~المنتسبين إليهم إلى أن نبذ كتاب الله وراء ظهره وإتبع ما تتلوه الشياطين ~~فلا يعظم من أمر القرآن بموالاته ويعادى من أمر القرآن بمعاداته بل يعظم من ~~رآه يأتى ببعض الخوارق التى تأتي بمثلها السحرة والكهان بإعانة الشياطين ~~لهم وهي تحصل بما تتلوه الشياطين # ثم منهم من يعرف أن هذا من الشياطين ولكن يعظمه لهواه ويفضله على طريقة ~~القرآن وهؤلاء كفار كالذين قال الله تعالى فيهم ( ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من ~~الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ~~) وهؤلاء ضاهوا الذين قال الله تعالى فيهم ( ولما جاءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم إلى قوله ولكن الشياطين كفروا ) # ومنهم من ms2482 لايعرف أنه من الشياطين وقد يقع في هذا طوائف من أهل الكلام ~~والعلم وأهل العبادة والتصوف حتى جوزوا عبادة الكواكب والأصنام لما رأوه ~~فيها من الأحوال العجيبة التى تعينهم عليها الشياطين لما يحصل بها بعض ~~أغراضهم من الظلم والفواحش فلم يبالوا بشركهم بالله وبكفرهم به وبكتابه إذا ~~PageV08P233 نالوا ذلك ولم يبالوا بتعليم ذلك للناس وتعظيمهم له لرئاسة أو ~~مال ينالونه وإن كانوا قد علموا الكفر والشرك ودعوا إليه بل حصل عندهم ريب ~~وشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإعتقاد أنه خاطب الجمهور بمالا ~~حقيقة له في الباطن للمصلحة كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة الباطنية ~~ودخل في رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء وهؤلاء وهذا مما ضاهوا به فارس والروم # فإن فارس كانت تعظم الأنوار وتسجد للشمس وللنار والروم كانوا قبل ~~النصرانية مشركين يعبدون الكواكب والأصنام فهؤلاء شر من الذين إشبهوا ~~اليهود والنصارى فإن هؤلاء ضاهوا أهل الكتاب فيما بدل أو نسخ وهولاء ضاهوا ~~من لا كتاب له # وقال رحمة الله تعالى فالنفوس مفطورة على علم ضروري موجود فيها بالخالق ~~الذي خلق السماوات وأنه خلق السماوات والأرض ليس شيء منها خلق الناس كما ~~قال موسى لفرعون لما قال له ( وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما إن كنتم موقنين ) وقال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذى أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى PageV08P234 ### |||| سئل رحمه الله تعالى # عمن يعتقد أن الخير من الله والشر من الشيطان وأن الشر هو بيد العبد إن ~~شاء فعله وإن شاء لم يفعله فإذا أنكر عليه في هذه يقول قال الله تعالى ( إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء ) ( وإن الله لا يرضى لعباده الكفر ) وأن عقيدة هذا ~~أن الخير من الله وأن الشر بيده فإذا أراد أن يفعل الشر فعله فإنه قال إن ~~لي مشيئة فإذا أردت أن أفعل الشر فعلته فهل له مشيئة فعالة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أصل هذا الكلام له مقدمتان # ( إحداهما ) أن يعلم العبد أن الله ms2483 يأمر بالإيمان والعمل الصالح ويحب ~~الحسنات ويرضاها ويكرم أهلها ويثيبهم ويواليهم ويرضى عنهم ويحبهم ويحبونه ~~وهم جند الله المنصورون وحزب الله الغالبون وهم أولياؤه المتقون وحزبه ~~المفلحون وعباده الصالحون أهل الجنة وهم النبيون والصديقون والشهداء ~~والصالحون وهم أهل الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين وأن الله نهي عن السيئات من الكفر والفسوق والعصيان وهو ~~يبغض ذلك ويمقت أهله ويلعنهم ويغضب عليهم ويعاقبهم ويعاديهم وهم أعداء الله ~~ورسوله وهم أولياء الشيطان وهم أهل النار PageV08P235 و هم الأشقياء لكنهم ~~يتقاربون في هذا ما بين كافر وفاسق وعاص ليس بكافر ولا فاسق # و ( المقدمه الثانية ) أن يعلم العبد أن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه ~~لارب غيره ولا خالق سواه وإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا حول ولا قوة ~~إلا به ولا ملجأ منه إلا إليه وأنه على كل شيء قدير فجميع ما في السماوات ~~والأرض من الأعيان وصفاتها وحركاتها فهي مخلوقة له مقدورة له مصرفة بمشيئته ~~لا يخرج شيء منها عن قدرته وملكه ولا يشركه في شيء من ذلك غيره بل هو ~~سبحانه لا إله إلا هو وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير فالعبد فقير إلى الله في كل شيء يحتاج إليه في كل شيء لا يستغنى عن ~~الله طرفة عين فمن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # فإذا ثبتت هاتان ( المقدمتان ( فنقول إذا ألهم العبد أن يسأل الله ~~الهداية ويستعينه على طاعته أعانه وهداه وكان ذلك سبب سعادته في الدنيا ~~والآخرة وإذا خذل العبد فلم يعبد الله ولم يستعن به ولم يتوكل عليه وكل إلى ~~حوله وقوته فيوليه الشيطان وصد عن السبيل وشقي في الدنيا والآخرة وكل ما ~~يكو ن في الوجود هو بقضاء الله وقدره لا يخرج أحد عن القدر المقدور ولا ~~يتجاوز ما خط له في اللوح المحفوظ وليس لأحد على الله PageV08P236 حجة بل ( ~~لله الحجة البالغة فلو شاء ms2484 لهداكم أجمعين ) كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه ~~عدل # وعلى العبد أن يؤمن بالقدر وليس له أن يحتج به على الله فالإيمان به هدى ~~والإحتجاج به على الله ضلال وغي بل الإيمان بالقدر يو جب أن يكون العبد ~~صبارا شكورا صبورا على البلاء شكو را على الرخاء إذا أصابته نعمة علم أنها ~~من عند الله فشكره سو اء كانت النعمة حسنة فعلها أو كانت خيرا حصل بسبب ~~سعيها فإن الله هو الذي يسر عمل الحسنات وهو الذي تفضل بالثو اب عليها فله ~~الحمد في ذلك كله وإذا أصابته مصيبة صبر عليها وإن كانت تلك المصيبة قد جرت ~~على يد غيره فالله هو الذي سلط ذلك الشخص وهو الذي خلق أفعاله وكانت مكتو ~~بة على العبد كما قال تعالى ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبراها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ~~ولا تفرحوا بما آتاكم ) وقال تعالى ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن ~~يؤمن بالله يهد قلبه ) قالو ا هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند ~~الله فيرضى ويسلم # وعليه إذا أذنب أن يستغفر ويتو ب ولا يحتج على الله بالقدر ولا يقو ل أي ~~ذنب لي وقد قدر علي هذا الذنب بل يعلم أنه هو المذنب العاصي الفاعل للذنب ~~وإن كان ذلك كله بقضاءالله وقدره ومشيئته إذ لا يكو ن شيء إلا بمشيئته ~~وقدرته وخلقه لكن العبد هو الذي أكل الحرام وفعل الفاحشة PageV08P237 و هو ~~الذي ظلم نفسه كما أنه هو الذي صلى وصام وحج وجاهد فهو الموصوف بهذه ~~الأفعال وهو المتحرك بهذه الحركات وهو الكاسب بهذه المحدثات له ما كسب ~~وعليه ما إكتسب والله خالق ذلك وغيره من الأشياء لما له في ذلك من الحكمة ~~البالغة بقدرته التامة ومشيئته النافذة قال تعالى ( فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك ) فعلى العبد أن يصبر على المصائب وأن يستغفر من المعائب ~~والله تعالى ms2485 لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولايحب الفساد وهو ~~سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فمن يهده ~~الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ومشيئة العبد للخير والشر موجودة فإن ~~العبد له مشيئة للخير والشر وله قدرة على هذا وهذا وهو العامل لهذا وهذا ~~والله خالق ذلك كله وربه ومليكه لا خالق غيره ولا رب سواه ما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن # وقد أثبت الله ( المشيئتين ( مشيئة الرب ومشيئة العبد وبين أن مشيئة ~~العبد تابعة لمشيئة الرب في قو له تعالى ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ) وقال ~~تعالى ( إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن إلا أن ~~يشاء الله رب العالمين ) وقد قال تعالى ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو ~~كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا PageV08P238 هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~) # وبعض الناس يظن أن المراد هنا بالحسنات والسيئات الطاعات والمعاصي ~~فيتنازعون هذا يقول قل كل من عند الله وهذا يقول الحسنة من الله والسيئة من ~~نفسك وكلاهما أخطأ في فهم الآية فإن المراد هنا بالحسنات والسيئات النعم ~~والمصائب كما في قوله ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) أي ~~إمتحناهم وإختبرناهم بالسراء والضراء # ومعنى الآية في المنافقين كانوا إذا اصابتهم حسنة مثل النصر والرزق ~~والعافية قالوا هذا من الله وإذا أصابتهم سيئة مثل ضرب ومرض وخوف من العدو ~~قالوا هذا من عندك يامحمد أنت الذي جئت بهذا الدين الذي عادانا لأجله الناس ~~وإبتلينا لأجله بهذه المصائب فقال الله تعالى ( فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا ) أنت إنما أمرتهم بالمعروف ونهيتهم عن المنكر وما أصابك من ~~نعمة ms2486 نصر وعافية ورزق فمن الله نعمة أنعم الله بها عليك وما أصابك من سيئة ~~فقر وذل وخوف ومرض وغير ذلك فمن نفسك وذنوبك وخطاياك كما قال في الآية ~~الأخرى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم وقال تعالى ( أو لما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم PageV08P239 أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم ) وقال تعالى ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ) # فالإنسان إذا أصابته المصائب بذنوبه وخطاياه كان هو الظالم لنفسه فإذا ~~تاب واستغفر جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا ~~يحتسب والذنوب مثل أكل السم فهو إذا أكل السم مرض أو مات فهو الذي يمرض ~~ويتألم ويتعذب ويموت والله خالق ذلك كله وإنما مرض بسبب أكله وهو الذي ظلم ~~نفسه بأكل السم فإن شرب الترياق النافع عافاه الله فالذنوب كأكل السم ~~والترياق النافع كالتوبة النافعة والعبد فقير إلى الله تعالى في كل حال فهو ~~بفضله ورحمته يلهمه التوبة فإذا تاب تاب عليه فإذا سأله العبد ودعاه إستجاب ~~دعاءه كما قال ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ) # ومن قال لا مشيئة له في الخير ولا في الشر فقد كذب ومن قال أنه يشاء شيئا ~~من الخير أو الشر بدون مشيئة الله فقد كذب بل له مشيئة لكل ما يفعله ~~بإختياره من خير وشر وكل ذلك إنما يكون بمشيئة الله وقدرته فلا بد من ~~الإيمان بهذا وهذا ليحصل الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد والإيمان ~~بالقدر خيره وشره وأنما أصاب العبد لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ~~PageV08P240 # ومن إحتج بالقدر على المعاصي فحجته داحضة ومن إعتذر به فعذره غير مقبول ~~بل هؤلاء الضالون كما قال فيهم بعض العلماء أنت عند الطاعة قدري وعند ~~المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به فإن هؤلاء إذا ظلمهم ظالم بل لو ~~فعل الإنسان ما يكرهونه وإن كان حقا لم يعذروه بالقدر ms2487 بل يقابلوه بالحق ~~والباطل فإن كان القدر حجة لهم فهو حجة لهؤلاء وإن لم يكن حجة لهؤلاء لم ~~يكن حجة لهم وإنما يحتج أحدهم بالقدر عند هواه ومعصية مولاه لا عند ما ~~يؤذيه الناس ويظلمونه وأما المؤمن فهو بالعكس في ذلك إذا آذاه الناس نظر ~~إلى القدر فصبر واحتسب وإذا أساء هو تاب واستغفر كما قال تعالى ( فاصبر إن ~~وعد الله حق واستغفر لذنبك ) فالمؤمن يصبر على المصائب ويستغفر من الذنوب ~~والمعايب والمنافق بالعكس لا يستغفر من ذنبه بل يحتج بالقدر ولا يصبر على ~~ما أصابه فلهذا يكون شقيا في الدنيا والآخرة والمؤمن سعيدا في الدنيا ~~والآخرة والله سبحانه أعلم PageV08P241 ### |||| سئل أبو العباس بن تيمية # عن الخير والشر والقدر الكوني والأمر والنهي الشرعي ### ||||| فأجاب # الحمد لله إعلم أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لارب غيره ولا ~~خالق سواه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم ~~والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله منهي عن معصية الله ومعصية رسوله فإن ~~أطاع كان ذلك نعمة من الله أنعم بها عليه وكان له الأجر والثواب بفضل الله ~~ورحمته وإن عصى كان مستحقا للذم والعقاب وكان لله عليه الحجة البالغة ولا ~~حجة لأحد على الله وكل ذلك كأئن بقضاءالله وقدره ومشيئته وقدرته لكنه يحب ~~الطاعة ويأمر بها ويثيب أهلها عليها ويكرمهم ويبغض المعصية وينهي عنها ~~ويعاقب أهلها عليها ويهينهم # وما يصيب العبد من النعم فإن الله أنعم بها عليه وما يصيبه من الشر ~~فبذنوبه ومعاصيه كما قال تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) ~~وقال تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) أي ~~ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم بها عليك وما أصابك من جدب وذل وشر ~~فبذنوبك وخطاياك وكل الأشياء كائنة بمشيئته وقدرته وخلقه PageV08P242 فلابد ~~أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره وأن يؤمن بشرع الله وأمره # فمن نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي ms2488 والوعد والوعيد كان ~~مشابها للمشركين ومن نظر إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشابها ~~للمجوسيين ومن آمن بهذا وهذا وإذا أحسن حمد الله وإذا أساء إستغفر الله ~~وعلم أن ذلك كله بقضاء الله وقدره فهو من المؤمنين # فإن آدم علية السلام لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه وإبليس أصر واستكبر ~~وإحتج بالقدر فلعنه وأقصاه فمن تاب كا آدميا ومن أصر وإحتج بالقدر كان ~~إبليسيا فالسعداء يتبعون أباهم آدم والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس # فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والله أعلم PageV08P243 ### |PARATEXT| # وقال الشيخ رحمه الله ### || # حديث علي رضي الله عنه المخرج في الصحيح لما طرقه النبى صلى الله عليه ~~وسلم وفاطمة وهما نائمان فقال ( ألا تصليان ( فقال على يا رسول الله إنما ~~انفسنا بيد الله إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يرسلها فولى النبى صلى الله ~~عليه وسلم وهو يضرب بيده على فخذه وهو يقول ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) ~~هذا الحديث نص في ذم من عارض الأمر بالقدر فإن قوله ( إنما أنفسنا بيد الله ~~( إلى آخره إستناد إلى القدر في ترك إمتثال الأمر وهي في نفسها كلمة حق لكن ~~لا تصلح لمعارضة الأمر بل معارضة الأمر فيها من باب الجدل المذموم الذي قال ~~الله فيه ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) وهؤلاء أحد أقسام ( القدرية ( وقد ~~وصفهم الله في غير هذا الموضع بالمجادلة الباطلة PageV08P244 ### || 1 ( المنظومة التائية في القدر ) 1 ### |||| سؤال # عن القدر # أورده أحد علماء الذميين فقال # أيا علماء الدين ذمي دينكم %~% تحير دلوه بأوضح حجة # إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم %~% ولم يرضه منى فما وجه حيلتى # دعانى وسد الباب عنى فهل إلى %~% دخولى سبيل بينوا لى قضيتى # قضى بضلالى ثم قال إرض بالقضا %~% فما أنا راض بالذى فيه شقوتى # فإن كنت بالمقضى يا قوم راضيا %~% فربى لا يرضى بشؤم بليتى # فهل لى رضا ماليس يرضاه سيدى %~% فقد حرت دلونى على كشف حيرتى # إذا شاء ربى ms2489 الكفر منى مشيئة %~% فهل أنا عاص في إتباع المشيئة # وهل لى إختيار أن أخالف حكمه %~% فبالله فاشفوا بالبراهين غلتى ### ||||| ! 8 < فأجاب شيخ الإسلام الشيخ الإمام العالم العلامة أحمد بن تيمية مرتجلا # الحمد لله رب العالمين PageV08P245 # سؤالك ياهذا سؤال معاند %~% مخاصم رب العرش بارى البرية # فهذا سؤال خاصم الملأ العلا %~% قديما به إبليس أصل البلية # ومن يك خصما للمهيمن يرجعن %~% على أم رأس هاويا في الحفيرة # ويدعى خصوم الله يوم معادهم %~% إلى النار طرا معشر القدرية # سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا %~% به الله أو ماروا به للشريعة # وأصل ضلال الخلق من كل فرقة %~% هو الخوض في فعل إلاله بعلة # فإنهمو لم يفهموا حكمة له %~% فصاروا على نوع من الجاهلية # فإن جميع الكون أوجب فعله %~% مشيئة رب الخلق بارى الخليقة # وذات إله الخلق واجبة بما %~% لها من صفات واجبات قديمة # مشيئته مع علمه ثم قدرة %~% لوازم ذات الله قاضي القضية # وإبداعه ما شاء من مبدعاته %~% بها حكمة فيه وأنواع رحمة # ولسنا إذا قلنا جرت بمشيئة %~% من المنكري آياته المستقيمة # بل الحق أن الحكم لله وحده %~% له الخلق والأمر الذي في الشريعة # هو الملك المحمود في كل حالة %~% له الملك من غير إنتقاص بشركة # فما شاء مولانا إلا %~% له فإنه يكون ومالا لا يكون بحيلة # وقدرته لانقص فيها وحكمه %~% يعم فلا تخصيص في ذي القضية PageV08P246 # أريد بذا أن الحوادث كلها %~% بقدرته كانت ومحض المشيئة # ومالكنا في كل ماقد أراده %~% له الحمد حمدا يعتلى كل مدحة # فإن له في الخلق رحمته سرت %~% ومن حكم فوق العقول الحكيمة # أمورا يحار العقل فيها إذا رأى %~% من الحكم العليا وكل عجيبة # فنؤمن أن الله عز بقدرة %~% وخلق وإبرام لحكم المشيئة # فنثبت هذا كله لا لهنا %~% ونثبت مافى ذاك من كل حكمة # وهذا مقام طالما عجز الأولى %~% نفوه وكروا راجعين بحيرة # وتحقيق ما فيه بتبيين غوره %~% وتحرير حق الحق في ذي الحقيقة # هو المطلب الأقصى لوراد بحره %~% وذا عسر في نظم هذى القصيدة # لحاجته إلى بيان محقق %~% لأوصاف ms2490 مولانا إلاله الكريمة # وأسمائه الحسنى وأحكام دينه %~% وأفعاله في كل هذى الخليقة # وهذا بحمد الله قد بان ظاهرا %~% وإلهامه للخلق أفضل نعمة # وقد قيل في هذا وخط كتابه %~% بيان شفاء للنفوس السقيمة # فقولك لم قد شاء مثل سؤال من %~% يقول فلم قد كان في الأزلية # وذاك سؤال يبطل العقل وجهه %~% وتحريمه قد جاء في كل شرعة # وفى الكون تخصيص كثير يدل من %~% له نوع عقل أنه بإرادة PageV08P247 # و إصداره عن واحد بعد واحد %~% أو القول بالتجويز رمية حيرة # ولا ريب في تعليق كل مسبب %~% بما قبله من علة موجبية # بل الشأن في الأسباب أسباب ماترى %~% وإصدارها عن حكم محض المشيئة # وقولك لم شاء الاله هو الذي %~% أزل عقول الخلق في قعر حفرة # فإن المجوس القائلين بخالق %~% لنفع ورب مبدع للمضرة # سؤالهم عن علة السر أو قعت %~% أوائلهم في شبهة الثنوية # وأن ملاحيد الفلاسفة الأولى %~% يقولون بالفعل القديم لعلة # بغوا علة للكون بعد إنعدامه %~% فلم يجدوا ذاكم فضلوا بضلة # وأن مبادى الشر في كل أمة %~% ذوى ملة ميمونة نبوية # بخوضهمو في ذاكم صار شركهم %~% وجاء دروس البينات بفترة # ويكفيك نقضا أن ما قد سألته %~% من العذر مردود لدى كل فطرة # فأنت تعيب الطاعنين جميعهم %~% عليك وترميهم بكل مذمة # وتنحل من والاك صفو مودة %~% كحالك ياهذا وتبغض من ناواك من كل فرقة # وحالهم في كل قول وفعلة %~% كحالك ياهذا بأرجح حجة # وهبك كففت اللوم عن كل كافر %~% وكل غوى خارج عن محجة # فيلزمك الاعراض عن كل ظالم %~% على الناس في نفس ومال وحرمة PageV08P248 # و لا تغضبن يوما على سافك دما %~% ولا سارق مالا لصاحب فاقة # ولا شاتم عرضا مصونا وإن علا %~% ولا ناكح فرجا على وجه غية # ولا قاطع للناس نهج سبيلهم %~% ولا مفسد في الأرض في كل وجهة # ولا شاهد بالزور إفكا وفرية %~% ولا قاذف للمحصنات بزنية # ولا مهلك للحرث والنسل عامدا %~% ولا حاكم للعالمين برشوة # وكف لسان اللوم عن كل مفسد %~% ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة # وسهل سبيل الكاذبين تعمدا ms2491 %~% على ربهم من كل جاء بفرية # وإن قصدوا إضلال من يستجيبهم %~% بروم فساد النوع ثم الرياسة # وجادل عن الملعون فرعون إذ طغى %~% فأغرق في أليم إنتقاما بغضبة # وكل كفور مشرك بإلهه %~% وآخر طاغ كافر بنبوة # كعاد ونمروذ وقوم لصالح %~% وقوم لنوح ثم أصحاب أيكة # وخاصم لموسى ثم سائر من أتى %~% من الأنبياء محييا للشريعة # على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا %~% ونالوا من المعاصى بليغ العقوبة PageV08P249 # وإلا فكل الخلق في كل لفظة %~% ولحظة عين أو تحرك شعرة # وبطشة كف أو تخطى قديمة %~% وكل حراك بل وكل سكينة # همو تحت أقدار الإله وحكمه %~% كما أنت فيما قد أتيت بحجة # وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل %~% فعال ردى طردا لهذى المقيسة # فهل يمكن رفع الملام جميعه %~% عن الناس طرا عند كل قبيحة # وترك عقوبات الذين قد إعتدوا %~% وترك الورى الإنصاف بين الرعية # فلا تضمنن نفس ومال بمثله %~% ولا يعقبن عاد بمثل الجريمة # وهل في عقول الناس أو في طباعهم %~% قبول لقول النذل ما وجه حيلتى # ويكفيك نقضا ما بجسم بن آدم صبى %~% ومجنون وكل بهيمة # من الألم المقضى في غير حيلة %~% وفيما يشاء الله أكمل حكمة # إذا كان في هذا له حكمة فما %~% يظن بخلق الفعل ثم العقوبة # وكيف ومن هذا عذاب مولد %~% عن الفعل فعل العبد عند الطبيعة # كآكل سم أوجب الموت أكله %~% وكل بتقدير لرب البرية PageV08P250 # فكفرك ياهذا كسم أكلته %~% وتعذيب نار مثل جرعة غصة # ألست ترى في هذه الدار من جنى %~% يعاقب إما بالقضا أو بشرعة # ولاعذر للجاني بتقدير خالق %~% كذلك في الأخرى بلا مثنوية # وتقدير رب الخلق للذنب موجب %~% لتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة # وما كان من جنس المتاب لرفعه %~% عواقب أفعال العباد الخبيثة # كخير به تمحى الذنوب ودعوة %~% تجاب من الجاني ورب شفاعة # وقول حليف الشر إنى مقدر %~% علي كقول الذئب هذى طبيعتى # وتقديره للفعل يجلب نقمة %~% كتقديره الأشياء طرا بعلة # فهل ينفعن عذر الملوم بأنه %~% كذا طبعه أم هل يقال لعثرة # أم الذم والتعذيب أوكد للذي ms2492 طبيعته %~% فعل الشرور الشنيعة # فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى %~% ينجيك من نار الإله العظيمة PageV08P251 # فدونك رب الخلق فاقصده ضارعا %~% مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة # وذلل قياد النفس للحق واسمعن %~% ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة # وما بان من حق فلا تتركنه %~% ولا تعص من يدعو لأقوم شرعة # ودع دين ذا العادات لاتتبعنه %~% وعج عن سبيل الأمة الغضبية # ومن ضل عن حق فلا تقفونه %~% وزن ما عليه الناس بالمعدلية # هنالك تبدو طالعات من الهدى %~% تبشر من قد جاء بالحنيفية # بملة إبراهيم ذاك إمامنا %~% ودين رسول الله خير البرية # فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذى %~% به جاءت الرسل الكرام السجية # وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي %~% حوى كل خير في عموم الرسالة # وأخبر عن رب العباد بأن من %~% غدا عنه في الأخرى بأقبح خيبة # فهذى دلالات العباد لحائر %~% وأما هداه فهو فعل الربوبة # وفقد الهدى عند الورى لايفيد من %~% غدا عنه بل يجزى بلا وجه حجة PageV08P252 # وحجة محتج بتقدير ربه %~% تزيد عذابا كإحتجاج مريضة # وأما رضانا بالقضاء فإنما %~% أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة # كسقم وفقر ثم ذل وغربة %~% وما كان من مؤذ بدون جريمة # فأما الأفاعيل التى كرهت لنا %~% فلا ترتضى مسخوطة لمشيئة # وقد قال قوم من أولى العلم لأرضا %~% بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة # وقال فريق نرتضى بقضائه %~% ولا نرتضي المقضى أقبح خصلة # وقال فريق نرتضي بإضافة %~% إليه وما فينا فنلقى بسخطة # كما أنها للرب خلق وأنها %~% لمخلوقة ليست كفعل الغريزة # فنرضى من الوجه الذي هو خلقه %~% ونسخط من وجه إكتساب الخطيئة # ومعصية العبد المكلف تركه %~% لما أمر المولى وإن بمشيئة # فإن إله الخلق حق مقاله %~% بأن العباد في جحيم وجنة # كما أنهم في هذه الدار هكذا %~% بل البهم في الآلام أيضا ونعمة # وحكمته العليا إقتضت ما إقتضت من %~% الفروق بعلم ثم أيد ورحمة # يسوق أولى التعذيب بالسبب الذي %~% يقدره نحو العذاب بعزة PageV08P253 # و يهدي أولى التنعيم نحو نعيمهم %~% بأعمال صدق في رجاء وخشية # وأمر إله الخلق بين مابه يسوق %~% أولى ms2493 التنعيم نحو السعادة # فمن كان من أهل السعادة أثرت %~% أوامره فيه بتيسير صنعة # ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل %~% بأمر ولا نهى بتقدير شقوة # ولامخرج للعبد عما به قضى %~% ولكنه مختار حسن وسوأة # فليس بمجبور عديم الإرادة %~% ولكنه شاء بخلق الإرادة # ومن أعجب الأشياء خلق مشيئة %~% بها صار مختار الهدى بالضلالة # فقولك هل إختار تركا لحكمة %~% كقولك هل إختار ترك المشيئة # وإختار أن لا إختار فعل ضلالة %~% ولو نلت هذا الترك فزت بتوبة # وذا ممكن لكنه متوقف %~% على ما يشاء الله من ذي المشيئة PageV08P254 # فدونك فافهم مابه قد أجبت من %~% معان إذا إنحلت بفهم غريزة # أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى %~% ولله رب ~~الخلق أكمل مدحة # وصلى إله الخلق جل جلاله %~% على المصطفى المختار خير البرية PageV08P255 ### |PARATEXT| # قال شيخ الإسلام ### ||| فصل # قد ذكرت في غير موضع أن القدرية ( ثلاثة أصناف ( قدرية مشركية ( و ( ~~قدرية مجوسية ( و ( قدرية إبليسية ( # فأما الأولون فهم الذين إعترفوا بالقضاء والقدر وزعموا أن ذلك يوافق ~~الأمر والنهي وقالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه ~~من شيء ) إلى آخر الكلام في سورة الأنعام ( وقالوا لو شاءالله ما عبدنا من ~~دونه من شيء ) في سورة النحل وفى سورة الزخرف ( وقالوا لوشاء الرحمن ما ~~عبدناهم ) # فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الإعتراف ~~بالربوبية العامة لكل مخلوق وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها وهو الذي ~~يبتلي به كثيرا إما إعتقادا وإما حالا طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج ~~من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات وإسقاط الواجبات ورفع PageV08P256 ~~العقوبات وإن كان ذلك لا يستتب لهم وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل ~~المشركين من العرب ثم إذا خولف هوى أحد منهم قام في دفع ذلك متعديا للحدود ~~غير واقف عند حد كما كانت تفعل المشركون أيضا إذ هذه الطريقة تتناقض عند ~~تعارض إرادات البشر فهذا يريد أمرا والآخر يريد ضده وكل من الإرادتين مقدرة ~~فلا بد من ترجيح أحداهما أو غيرهما ms2494 أو كل منهما من وجه وإلالزم الفساد # وقد يغلوا أصحاب هذا الطريق حتى يجعلوا عين الموجودات هي الله كما قد ذكر ~~في غير هذا الموضع ويتمسكون بموافقة الإرادة القدرية في السيئات الواقعة ~~منهم ومن غيرهم كقول الحريري أنا كافر برب يعصى وقول بعض أصحابه لما دعاه ~~مكاس فقيل له هو مكاس فقال إن كان قد عصى الأمر فقد أطاع الإرادة وقول بن ~~إسرائيل # أصبحت منفعلا لما يختاره %~% منى ففعلي كله طاعات # وقد يسمون هذا حقيقة بإعتبار أنه حقيقة الربوبية والحقيقة الموجودة ~~الكائنة أو الحقيقة الخبرية ولما كان في هؤلاء شوب من النصارى والنصارى ~~فيهم شوب من الشرك تابعوا المشركين في ما كانوا عليه من التمسك بالقدر ~~المخالف للشرع هذا مع أنهم يعبدون غير الله الذي قدر الكائنات كما أن هؤلاء ~~فيهم شوب من ذلك PageV08P257 # وإذا إتسع زنادقتهم الذين هم رؤساؤهم قالوا ما نعبد إلا الله إذ لا موجود ~~غيره وقال رئيس لهم إنما كفر النصارى لأنهم خصصوا فيشرعون عبادة كل موجود ~~بهذا الإعتبار ويقررون ما كان عليه المشركون من عبادة الأوثان والأحجار ~~لكنهم يستقصرونهم حيث خصصوا العبادة ببعض المظاهر والأعيان ومعلوم أن هذا ~~حاصل في جميع المشركين فإنهم متفننون في الآلهة التى يعبدونها وأن إشتركوا ~~في الشرك هذا يعبد الشمس وهذا يعبد القمر وهذا يعبد اللاة وهذا يعبد العزى ~~وهذا يعبد مناة الثالثة الأخرى فكل منهم يتخذ إلهه هواه ويعبد ما يستحسن ~~وكذلك في عبادة قبور البشر كل يعلق على تمثال من أحسن به الظن # و ( القدرية الثانية ( المجوسية الذين يجعلون لله شركاء في خلقه كما جعل ~~الأولون لله شركاء في عبادته فيقولون خالق الخير غير خالق الشر ويقول من ~~كان منهم في ملتنا أن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى وربما ~~قالوا ولا يعلمها أيضا ويقولون أن جميع أفعال الحيوان واقع بغير قدرته ولا ~~صنعه فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة ولهذا قال بن عباس القدر نظام ~~التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده ومن وحد الله وكذب ms2495 بالقدر نقض ~~تكذيبه توحيده ويزعمون أن هذا هو العدل ويضمون إلى ذلك سلب الصفات ويسمونه ~~التوحيد كما يسمى الأولون التلحيد التوحيد فيلحد كل منهما في أسماء الله ~~وصفاته وهذا يقع كثيرا إما إعتقادا وإما PageV08P258 حالا في كثير من ~~المتفقهة والمتكلمة كما وقع إعتقاد ذلك في المعتزلة والشيعة المتأخرين ~~وابتلى ببعض ذلك طوائف من المتقدمين من البصريين والشاميين وقد يبتلي به ~~حالا لا إعتقادا بعض من يغلب عليه تعظيم الأمر والنهي من غير ملاحظة للقضاء ~~والقدر # ولما بين الطائفتين من التنافي تجد المعتزلة أبعد الناس عن الصوفية ~~ويميلون إلى اليهود وينفرون عن النصارى ويجعلون إثبات الصفات هو قول ~~النصارى بالأقانيم ولهذا تجدهم يذمون النصارى أكثر كما يفعل الجاحظ وغيره ~~كما أن الأولين يميلون إلى النصارى أكثر # ولهذا كان هؤلاء في الحروف والكلام المبتدع كما كان الأولون في الأصوات ~~والعمل المبتدع كما إقتسم ذلك اليهود والنصارى واليهود غالبهم قدرية بهذا ~~الإعتبار فإنهم أصحاب شريعة وهم معرضون عن الحقيقة القدرية ولهذا تجد أرباب ~~الحروف والكلام المبتدع كالمعتزلة يوجبون طريقتهم ويحرمون ما سواها ~~ويعتقدون أن العقوبة الشديدة لاحقة من خالفها حتى أنهم يقولون بتخليد فساق ~~أهل الملل ويكفرون من خرج عنهم من فرق الأمة وهذا التشديد والآصار والأغلال ~~شبه دين اليهود # وتجد أرباب الصوت والعمل المبتدع لا يوجبون ولا يحرمون وإنما يستحبون ~~ويكرهون فيعظمون طريقهم ويفضلونه ويرغبون فيه حتى يرفعوه PageV08P259 فوق ~~قدره بدرجات فطريقهم رغبة بلا رهبة إلا قليلا كما أن الأول رهبة في الغالب ~~برغبة يسيرة وهذا يشبه ما علية النصارى من الغلو في العبادات التى يفعلونها ~~مع إنحلالهم من الإيجاب والإستحباب لكنهم يتعبدون بعبادات كثيرة ويبقون ~~أزمانا كثيرة على سبيل الإستحباب والفلاسفة يغلب عليهم هذا الطريق كما أن ~~المتكلمين يغلب عليهم الطريق الأول # و ( القسم الثالث ) القدرية الإبليسية الذين صدقوا بأن الله صدر عنه ~~الأمران لكن عندهم هذا تناقض وهم خصماء الله كما جاء في الحديث وهؤلاء كثير ~~في أهل الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة كقول إبى ~~العلاء المعري ms2496 # أنهيت عن قتل النفوس تعمدا %~% وزعمت أن لها معادا آتيا # ما كان أغناها عن الحالين %~% # وقول بعض السفهاء الزنادقة يخلق نجوما ويخلق بينها أقمار يقول يا قوم ~~غضوا عنهم الأبصار ترمي النسوان وتزعق معشر الحضار إطفوا الحريق وبيدك قد ~~رميت النار # ونحو ذلك مما يوجب كفر صاحبه وقتله PageV08P260 # فتدبر كيف كانت الملل الصحيحة الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئون ليس فيها في الأصل قدرية وإنما حدثت القدرية من الملتين ~~الباطلتين المجوس والذين إشركوا لكن النصارى ومن ضارعهم مالوا إلى الصابئة ~~واليهود ومن ضارعهم PageV08P261 ### || 1 ( رسالة في الاحتجاج بسابق القدر ) 1 ### |||| سئل شيخ الإسلام مفتى الأنام بقية السلف أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى # عن أقوام يحتجون بسابق القدر ويقولون إنه قد مضى الأمر والشقى شقى ~~والسعيد سعيد محتجين بقول الله سبحانه ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون ) قائلين بأن الله قدر الخير والشر والزنا مكتوب علينا ~~ومالنا في الأفعال قدرة وإنما القدرة لله ونحن نتوقى ما كتب لنا وأن آدم ما ~~عصى وأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم ~~( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق ( فبينوا لنا فساد قول ~~هذه الطائفة بالبراهين القاطعة ### ||||| فأجاب رحمه الله تعالى # الحمد لله رب العالمين هؤلاء القوم إذا أصروا على ~~هذا الإعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى فإن اليهود والنصارى يؤمنون ~~بالأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب لكن حرفوا وبدلوا وآمنوا ~~ببعض وكفروا ببعض كما قال الله تعالى ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ~~ويريدون أن يفرقون بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم PageV08P262 الكافرون حقا وإعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف ~~يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ) فإذا كان من آمن ببعض وكفر ببعض فهو ~~كافر حقا فكيف بمن كفر بالجميع ولم يقر بأمرالله ونهيه ووعده ووعيده ms2497 بل ترك ~~ذلك محتجا بالقدر فهو أكفر ممن آمن ببعض وكفر ببعض # وقول هؤلاء يظهر بطلانه من وجوه # ( أحدها ) أن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد وإما أن لا ~~يراه حجة للعبد فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس فإنهم كلهم ~~مشتركون في القدر وحينئذ فيلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ماله ~~ويفسد حريمه ويضرب عنقه ويهلك الحرث والنسل وهؤلاء جميعهم كذابون متناقضون ~~فإن أحدهم لا يزال يذم هذا ويبغض هذا ويخالف هذا حتى أن الذي ينكر عليهم ~~يبغضونه ويعادونه وينكرون عليه فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك ~~الواجبات لزمهم أن لا يذموا أحدا ولا يبغضوا أحدا ولا يقولوا في أحد أنه ~~ظالم ولو فعل ما فعل ومعلوم أن هذا لايمكن أحدا فعله ولو فعل الناس هذا ~~لهلك العالم فتبين أن قولهم فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع وأنهم ~~كذابون مفترون في قولهم أن القدر حجة للعبد # ( الوجه الثاني ) أن هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون وقوم نوح ~~PageV08P263 و عاد وكل من أهلكه الله بذنوبه معذورا وهذا من الكفر الذي ~~إتفق عليه أرباب الملل # ( الوجه الثالث ) أن هذا يلزم منه أن لا يفرق بين أولياء الله وأعداء ~~الله ولا بين المؤمنين والكفار ولا أهل الجنة وأهل النار وقد قال تعالى ( ~~وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما ~~يستوى الأحياء ولا الأموات ) وقال تعالى ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) وقال تعالى ( أم ~~حسب الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) # وذلك أن هؤلاء جميعهم سبقت لهم عند الله السوابق وكتب الله مقاديرهم قبل ~~أن يخلقهم وهم مع هذا قد إنقسموا إلى سعيد بالإيمان والعمل الصالح وإلى شقي ~~بالكفر والفسق والعصيان فعلم بذلك أن القضاء والقدر ليس بحجة لأحد على ~~معاصي الله # ( الوجه الرابع ) أن القدر نؤمن ms2498 به ولا نحتج به فمن إحتج بالقدر فحجته ~~داحضة ومن إعتذر بالقدر فعذره غير مقبول ولو كان الإحتجاج مقبولا لقبل من ~~إبليس وغيره من العصاة ولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحد من الخلق لا ~~في الدنيا ولا في الآخرة ولو كان القدر حجة لم تقطع يد PageV08P264 سارق ~~ولا قتل قاتل ولا أقيم حد على ذي جريمة ولا جوهد في سبيل الله ولا أمر ~~بالمعروف ولا نهي عن المنكر # ( الوجه الخامس ) أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا فإنه قال ( ما ~~منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ( فقيل يا رسول ~~الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب قال ( لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له ~~( رواه البخاري ومسلم وفى حديث آخر في الصحيح ( أنه قيل يا رسول الله أرأيت ~~ما يعمل الناس فيه ويكدحون أفيما جفت به الأقلام وطويت به الصحف أم فيما ~~يستأنفون مما جاءهم به أو كما قيل فقال بل فيما جفت به الأقلام وطويت به ~~الصحف فقيل ففيم العمل فقال إعملوا فكل ميسر لما خلق له ( الوجه السادس ) ~~أن يقال أن الله علم الأمور وكتبها على ما هي عليه فهو سبحانه قد كتب أن ~~فلانا يؤمن ويعمل صالحا فيدخل الجنة وفلانا يعصي ويفسق فيدخل النار كما علم ~~وكتب أن فلانا يتزوج إمرأة ويطؤها فيأتيه ولد وأن فلانا يأكل ويشرب فيشبع ~~ويروى وأن فلانا يبذر البذر فينبت الزرع فمن قال إن كنت من أهل الجنة فأنا ~~أدخلها بلا عمل صالح كان قوله قولا باطلا متناقضا لآنه علم أنه يدخل الجنة ~~بعمله الصالح فلو دخلها بلا عمل كان هذا مناقضا لما علمه الله وقدره ~~PageV08P265 # ومثال ذلك من يقول أنا لا أطأ إمرأة فإن كان قد قضى الله لي بولد فهو ~~يولد فهذا جاهل فإن الله إذا قضى بالولد قضى أن أباه يطأ إمرأة فتحبل فتلد ~~وأما الولد بلا حبل ولا وطىء فإن الله لم يقدره ولم يكتبه كذلك الجنة إنما ms2499 ~~أعدها الله للمؤمنين فمن ظن أنه يدخل الجنة بلا إيمان كان ظنه باطلا وإذا ~~إعتقد أن الأعمال التى أمر الله بها لا يحتاج إليها ولا فرق بين أن يعملها ~~أو لا يعملها كان كافرا والله قد حرم الجنة على الكافرين فهذا الإعتقاد ~~يناقض الإيمان الذي لا يدخل صاحبه النار # ) ### ||| فصل # وأما قوله تعالى ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) فمن ~~سبقت له من الله الحسنى فلا بد أن يصير مؤمنا تقيا فمن لم يكن من المؤمنين ~~لم يسبق له من الله حسنى ولكن إذا سبقت للعبد من الله سابقة إستعمله بالعمل ~~الذي يصل به إلى تلك السابقة كمن سبق له من الله أن يولد له ولد فلا بد أن ~~يطأ امرأة يحبلها فإن الله سبحانه قدر الأسباب والمسببات فسبق منه هذا وهذا ~~فمن ظن أن أحدا سبق له من الله حسنى بلا سبب فقد ضل بل هو سبحانه ميسر ~~الأسباب والمسببات وهو قد قدر فيما مضى هذا وهذا PageV08P266 ### ||| فصل # وأما قول القائل ما لنا في جميع أفعالنا قدرة فقد كذب فإن الله سبحانه ~~فرق بين المستطيع القادر وغيرالمستطيع فقال ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ~~وقال ( ولله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا ) وقال تعالى ( الله ~~الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ) ~~والله قد أثبت للعبد مشيئة وفعلا كما قال تعالى ( لمن شاء منكم أن يستقيم ~~وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) وقال ( جزاء بما كنتم تعملون ) ~~لكن الله سبحانه خالقه وخالق كل ما فيه من قدرة ومشيئة وعمل فإنه لا رب ~~غيره ولا إله سواه وهو خالق كل شيء وربه ومليكه PageV08P267 ### ||| فصل # وأما قول القائل الزنى وغيره من المعاصي مكتوب علينا فهو كلام صحيح لكن ~~هذا لا ينفعه الإحتجاج به فإن الله كتب أفعال العباد خيرها وشرها وكتب ما ~~يصيرون إليه من الشقاوة والسعادة وجعل الأعمال سببا للثواب والعقاب وكتب ~~ذلك كما كتب ms2500 الأمراض وجعلها سببا للموت وكما كتب أكل السم وجعله سببا للمرض ~~والموت فمن أكل السم فإنه يمرض أو يموت والله قدر وكتب هذا وهذا كذلك من ~~فعل ما نهي عنه من الكفر والفسق والعصيان فإنه يعمل ما كتب عليه وهو مستحق ~~لما كتبه الله من الجزاء لمن عمل ذلك # وحجة هؤلاء بالقدر على المعاصي من جنس حجة المشركين الذين قال الله عنهم ~~( وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم ) وقال تعالى ( سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) قال ~~الله تعالى ( كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم الا تخرصون قل فلله الحجة البالغة ~~فلو شاء لهداكم أجمعين PageV08P268 ### ||| فصل # ومن قال أن آدم ما عصى فهو مكذب للقرآن ويستتاب فإن تاب وإلا قتل فإن ~~الله قال ( وعصى آدم ربه فغوى ) والمعصية هي مخالفة الأمر الشرعي فمن خالف ~~أمر الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه فقد عصى وإن كان داخلا فيما قدره ~~الله وقضاه وهؤلاء ظنوا أن المعصية هي الخروج عن قدر الله وهذا لا يمكن فإن ~~أحدا من المخلوقات لا يخرج عن قدر الله فإن لم تكن المعصية إلا هذا فلا يكو ~~ن إبليس وفرعون وقوم نوح وعاد وثمود وجميع الكفار عصاة أيضا لانهم داخلون ~~في قدر الله ثم قائل هذا يضرب ويهان وإذا تظلم ممن فعل هذا به قيل له هذا ~~الذي فعل هذا ليس بعاص فإنه داخل في قدر الله كسائر الخلق وقائل هذا القو ل ~~متناقض لا يثبت على حال PageV08P269 ### ||| فصل # وأما قو ل القائل من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإحتجاجه بالحديث ~~المذكو ر # فيقال له لاريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد وقد قال الله تعالى ( ~~إن الذين يأكلون أموال اليتامى ms2501 ظلما إنما يأكلو ن في بطو نهم نارا وسيصلو ن ~~سعيرا ) وقال الله تعالى ( ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكو ن تجارة عن تراض منكم ولا تقتلو ا أنفسكم إن الله كان ~~بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسو ف نصليه نارا وكان ذلك على الله ~~يسيرا ) ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة والعبد عليه أن يصدق بهذا وبهذا لا ~~يؤمن ببعض ويكفر ببعض فهؤلاء المشركون أرادوا أن يصدقوا بالوعد ويكذبوا ~~بالوعيد # ( والحرو رية والمعتزلة ( أرادو ا أن يصدقوا بالوعيد دون الوعد وكلاهما ~~أخطأ والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بالوعد والوعيد فكما أن ما ~~توعد الله به العبد من العقاب قد بين سبحانه أنه بشروط بأن لا يتوب فإن تاب ~~تاب الله عليه وبأن لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه فإن الحسنات يذهبن ~~PageV08P270 السيئات وبأن لا يشاء الله أن يغفر له ( فإن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فهكذا الوعد له تفسير وبيان فمن قال ~~بلسانه لاإله إلا الله وكذب الرسول فهو كافر بإتفاق المسلمين وكذلك إن جحد ~~شيئا مما أنزل الله # فلابد من الإيمان بكل ما جاء به الرسول ثم إن كان من أهل الكبائر فأمره ~~إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له فإن إرتد عن الإسلام ومات مرتدا كان ~~في النار فالسيئات تحبطها التوبة والحسنات تحبطها الردة ومن كان له حسنات ~~وسيئات فإن الله لا يظلمه بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره والله تعالى قد يتفضل عليه ويحسن إليه بمغفرته ورحمته # ومن مات على الإيمان فإنه لا يخلد في النار فالزاني والسارق لا يخلد في ~~النار بل لا بد أن يدخل الجنة فإن النار يخرج منها من كان في قلبه مثقال ~~ذرة من إيمان وهؤلاء المسؤول عنهم يسمون القدرية المباحية المشركين وقد جاء ~~في ذمهم من الآثارما يضيق عنه هذا المكان والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى ms2502 ~~الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV08P271 ### || 1 ( رسالة في القضاء والقدر ) 1 ### |||| سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # عن قوم قد خصوا بالسعادة وقوم قد خصوا بالشقاوة والسعيد لا يشقى ~~والشقي لا يسعد وفى الأعمال لا تراد لذاتها بل لجلب السعادة ودفع الشقاوة ~~وقد سبقنا وجود الأعمال فلا وجه لإتعاب النفس في عمل ولا كفها عن ملذوذ فإن ~~المكتوب في القدم واقع لامحالة بينوا ذلك ### ||||| فأجاب رحمه الله # الحمد لله # هذه ( المسألة ( قد أجاب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير حديث ~~ففي الصحيحين عن عمران بن حصين قال ( قيل يا رسول الله اعلم أهل الجنة من ~~أهل النار قال نعم قيل ففيم يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له ( وفى ~~رواية البخاري ( قلت يارسول الله كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له ( رواه ~~مسلم في صحيحه عن أبى الأسود الدؤلي قال قال لي عمران بن حصين أرأ يت ما ~~يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو ~~فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقلت بل شيء قضى ~~عليهم ومضى عليهم قال فقال أفلا يكون ذلك ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا ~~وقلت PageV08P272 كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~فقال يرحمك الله أني لم أرد بما سألتك إلا لأجود عقلك أن رجلين من مزينة ~~أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يارسول الله أرأيت ما يعمل الناس ~~اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون ~~به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال لا بل شيء قضى عليهم ومضى ~~فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) # وروى مسلم في صحيحه عن زهير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال جاء ~~سراقة بن مالك بن جعشم فقال ( يارسول الله ms2503 بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ~~فيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل قال ~~لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير قال ففيم العمل قال زهير ثم ~~تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه فسألت عما قال فقال إعملوا فكل ميسر ( وفي ~~لفظ آخر ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عامل ميسر بعمله ( # وفى الصحيحين عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال ( كنا في جنازة في ~~بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه ~~مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا ~~وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة فقال رجل ~~يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل من كان PageV08P273 من أهل ~~السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل ~~أهل الشقاوة فقال إعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل ~~السعادة وأما أهل الشقاوة فسييسرون إلى عمل أهل الشقاوة ثم قرأ ( فأما من ~~أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسرى ) وفى رواية البخاري ( أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن ~~كان منا من أهل السعادة سيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة ~~سيصيرالى عمل أهل الشقاوة وقال أما عمل أهل السعادة ( الحديث # وفى رواية في الصحيحين عن علي قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم وفى يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلا وقد علم ~~منزلها من الجنة والنار فقالوا يا رسول الله فلم نعمل أولا نتكل قال لا ~~إعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ) ~~إلى قوله ( فسنيسره للعسرى ) # فقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث وغيرها بما دل عليه ~~القرآن ms2504 أيضا من أن الله سبحانه وتعالى تقدم علمه وكتابه وقضاؤه بما سيصير ~~إليه العباد من السعادة والشقاوة كما تقدم علمه وكتابه بغير ذلك من أحوال ~~العباد وغيرهم كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال ( حدثنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في PageV08P274 ~~بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ~~يبعث الله ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله واجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ ~~فيه الروح فوالذى لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ( وفى الصحيحين عن أنس بن مالك ورفع ~~الحديث قال ( إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب ~~مضغة فإذا أراد أن يقضي خلقه قال الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد فما ~~الرزق فما الأجل فيكتب ذلك في بطن أمه ( # وهذا المعنى في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري أيضا # والنصوص والآثار في تقدم علم الله وكتابته وقضائه وتقديره الأشياء قبل ~~خلقها وأنواعها كثيرة جدا # وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا ينافى وجود الأعمال التى بها ~~تكون السعادة والشقاوة وإن من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل أهل ~~السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة وقد نهي أن ~~يتكل الإنسان على القدر السابق ويدع العمل ولهذا كان من إتكل PageV08P275 ~~على القدر السابق وترك ما أمر به من الأعمال هو من الأخسرين أعمالا الذين ~~ضل سعيهم في الحياة الدنيا وكان تركهم لما يجب عليهم من العمل من جملة ~~المقدور الذي يسروا به لعمل أهل الشقاوة فإن أهل السعادة هم الذين يفعلون ~~المأمور ويتركون ms2505 المحظور فمن ترك العمل الواجب الذي أمر به وفعل المحظور ~~متكلا على القدر كان من جملة أهل الشقاوة الميسرين لعمل أهل الشقاوة # وهذا الجواب الذي أجاب به النبى صلى الله عليه وسلم في غاية السداد ~~والإستقامة وهو نظير ما أجاب به في الحديث الذي رواه الترمذي ( أنه قيل ~~يارسول الله أريت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقيها هل ترد من ~~قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله ( وذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو يعلم ~~الأشياء على ما هي عليه وكذلك يكتبها فإذا كان قد علم أنها تكون بأسباب من ~~عمل وغيره وقضى أنها تكون كذلك وقدر ذلك لم يجز أن يظن أن تلك الأمور تكون ~~بدون الأسباب التى جعلها الله أسبابا وهذا عام في جميع الحوادث # مثال ذلك إذا علم الله وكتب أنه سيولد لهذين ولد وجعل الله سبحانه ذلك ~~معلقا بإجتماع الأبوين على النكاح وإنزال الماء المهين الذي ينعقد منه ~~الولد فلا يجوز أن يكون وجود الولد بدون السبب الذي علق به وجود الولد ~~والأسباب وإن كانت ( نوعين ( معتادة وغريبة PageV08P276 # فالمعتادة كولادة الآدمى من أبوين والغريبة كولادة الإنسان من أم فقط كما ~~ولد عيسى أو من أب فقط كما ولدت حواء أو من غير أبوين كما خلق آدم أبو ~~البشر من طين # فجميع الأسباب قد تقدم علم الله بها وكتابته لها وتقديره إياها وقضاؤه ~~بها كما تقدم ( ربط ) ذلك بالمسببات كذلك أيضا الأسباب التى بها يخلق ~~النبات من إنزال المطر وغيره من هذا الباب كما قال تعالى ( وما أنزل الله ~~من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ) # وقال ( فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) وقال ( وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي ) وأمثال ذلك فجميع ذلك مقدر معلوم مقضى مكتوب قبل تكوينه ~~فمن ظن أن الشيء إذا علم وكتب أنه يكفى ذلك في وجوده ولا يحتاج إلى ما به ~~يكون من الفاعل الذي يفعله وسائر الأسباب فهو جاهل ms2506 ضال ضلالا مبينا من ~~وجهين # ( أحدهما ) من جهة كونه جعل العلم جهلا فإن العلم يطابق المعلوم ويتعلق ~~به على ما هو عليه وهو سبحانه قد علم أن المكونات تكون بما يخلقه من ~~الأسباب لأن ذلك هو الواقع فمن قال أنه يعلم شيئا بدون الأسباب فقد قال على ~~الله الباطل وهو بمنزلة من قال أن الله يعلم أن هذا الولد ولد بلا أبوين ~~وأن هذا النبات نبت بلا ماء فإن تعلق العلم بالماضي والمستقبل سواء فكما أن ~~من أخبر عن الماضي بعلم الله بوقوعه بدو ن الأسباب يكو ن مبطلا فكذلك من ~~أخبر عن المستقبل كقو ل القائل إن الله علم أنه خلق آدم من غير طين وعلم ~~PageV08P277 أنه يتناسل الناس من غير تناكح وأنه أنبت الزرو ع من غير ماء ~~ولا تراب فهو باطل ظاهر بطلانه لكل أحد وكذلك إخباره عن المستقبل # وكذلك ( الأعمال ( هي سبب في الثو اب والعقاب فلو قال قائل إن الله أخرج ~~آدم من الجنة بلا ذنب وأنه قدر ذلك أو قال إنه غفر لآدم بلا تو بة وإنه علم ~~ذلك كان هذا كذبا وبهتانا بخلاف ما إذا قال ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب ~~عليه ) ( فأكلا منها فبدت لهما سو آتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~) فإنه يكو ن صادقا في ذلك والله سبحانه علم مايكون من آدم قبل أن يكون وهو ~~عالم به بعد أن كان # وكذلك كل ما أخبربه من ( قصص الأنبياء ( فإنه علم أنه أهلك قوم نوح وعاد ~~وثمود وفرعون ولوط ومدين وغيرهم بذنوبهم وأنه نجى الأنبياء ومن إتبعهم ~~بإيمانهم وتقواهم كما قال ( فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ) وقال ( فكلا أخذنا ~~بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به ~~الأرض ومنهم من أغرقنا ) الآية وقال ( ذلك جزيناهم ببغيهم ) وقال ( فأخذهم ~~الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ) وقال ( فأهلكناهم بذنوبهم ms2507 ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) وقال ( فتلك بيو تهم خاوية بما ظلموا إن في ~~ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) وقال ( وكذلك اخذ ~~ربك إذا اخذ القرى وهي ظالمة إن اخذه أليم شديد ) وقال PageV08P278 ( وكذلك ~~مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع ~~أجر المحسنين ) وقال ( ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ) وقال ( ~~إلا آل لو ط نجيناهم بسحر نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر ) وقال ( وتمت ~~كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) وأمثال ذلك في القرآن كثير # وكذلك خبره عما يكون من السعادة والشقاوة بالأعمال كقوله ( كلوا واشربوا ~~هنيئا بما اسلفتم في الأيام الخالية ) وقوله تعالى ( وتلك الجنة التى ~~أورثتموها بما كنتم تعملون ) وقوله ( والذين آمنوا وأتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ) وقو له ( إني جزيتهم ~~اليوم بما صبرو ا إنهم هم الفائزون وقوله ( وجزاهم بما صبرو ا جنة وحريرا ) ~~الآيات وقو له ( هل ثو ب الكفار ما كانوا يفعلون وقوله ( ما سلككم في سقر ~~قالو ا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخو ض مع الخائضين وكنا ~~نكذب بيو م الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) وأمثال هذا ~~في القرآن كثير جدا # بين سبحانه فيما يذكره من سعادة الآخرة وشقاوتها أن ذلك كان بالأعمال ~~المأمو ر بها والمنهي عنها كما يذكر نحو ذلك فيما يقضيه من العقوبات ~~والمثوبات في الدنيا أيضا PageV08P279 # و ( الوجة الثاني ) أن العلم بأن الشيء سيكون والخبر عنه بذلك وكتابة ذلك ~~لا يوجب إستغناء ذلك عما به يكون من الأسباب التى لا يتم إلا بها كالفاعل ~~وقدرته ومشيئته فإن إعتقاد هذا غاية في الجهل إذ هذا العلم ليس موجبا بنفسه ~~لوجود المعلوم بإتفاق العلماء بل هو مطابق له على ما هو عليه لا يكسبه صفة ~~ولا يكتسب منه صفة بمنزلة علمنا بالأمور التى ( قبلنا ) كالموجودات التى ~~كانت قبل وجودنا ms2508 مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته فإن هذا العلم ليس مؤثرا ~~في وجود المعلوم بإتفاق العلماء وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في ~~وجود المعلوم كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل ويعرفنا صفته وقدره فإن الأفعال ~~الإختيارية لاتصدر إلا ممن له شعور وعلم إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم ~~وهذا التفصيل الموجود في علمنا بحيث ينقسم إلى علم فعلي له تأثير في ~~المعلوم وعلم إنفعالي لا تأثير له في وجود المعلوم هو فصل الخطاب في العلم ~~فإن من الناس من يقول ( العلم ( صفة إنفعالية لا تأثير له في المعلوم كما ~~يقوله طوائف من أهل الكلام ومنهم من يقول بل هو صفة فعلية له تأثير في ~~المعلوم كما يقوله طوائف من أهل الفلسفة والكلام # والصواب أنه ( نوعان ( كما بيناه وهكذا علم الرب تبارك وتعالى فإن علمه ~~بنفسه سبحانه لا تأثير له في وجود المعلوم وأما علمه بمخلوقاته التى خلقها ~~بمشيئته وإرادته فهو مما له تأثير في وجود معلوماته والقول في PageV08P280 ~~الكلام والكتاب كالقول في العلم فإنه سبحانه وتعالى إذا خلق الشيءخلقه ~~بعلمه وقدرته ومشيئته ولذلك كان الخلق مستلزما للعلم ودليلا عليه كما قال ~~تعالى ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) وأما إذا أخبر بما سيكون قبل ~~أن يكون فعلمه وخبره حينئذ ليس هو المؤثر في وجوده لعلمه وخبره به بعد ~~وجوده لثلاثة أوجه # ( أحدها ) أن العلم والخبر عن المستقبل كالعلم والخبر عن الماضي # ( الثانى ) أن العلم المؤثر هو المستلزم للإرادة المستلزمة للخلق ليس هو ~~ما يستلزم الخبر وقد بينا الفرق بين العلم العملي والعلم الخبري # ( الثالث ) أنه لو قدر أن العلم والخبر بما سيكون له تأثير في وجود ~~المعلوم المخبر به فلا ريب أنه لا بد مع ذلك من القدرة والمشيئة فلا يكون ~~مجرد العلم موجبا له بدون القدرة والإرادة فتبين أن العلم والخبر والكتاب ~~لا يوجب الإكتفاء بذلك عن الفاعل القادر المريد مما يدل على ذلك أن الله ~~سبحانه وتعالى يعلم ويخبر بما سيكون من مفعولات الرب كما يعلم أنه ms2509 سيقيم ~~القيامة ويخبر بذلك ومع ذلك فمعلوم أن هذا العلم والخبر لا يوجب وقوع ~~المعلوم المخبر به بدون الأسباب التى جعلها الله أسبابا له # إذا تبين ذلك فقول السائل السعيد لايشقى والشقي لايسعد PageV08P281 كلام ~~صحيح أى من قدر الله أن يكون سعيدا يكون سعيدا لكن بالأعمال التى جعله يسعد ~~بها والشقي لا يكون شقيا إلا بالأعمال التى جعله يشقى بها التى من جملتها ~~الإتكال على القدر وترك الأعمال الواجبة # وأما قوله والأعمال لاتراد لذاتها بل لجلب السعادة ودفع الشقاوة وقد ~~سبقنا وجود الأعمال فيقال له السابق نفس السعادة والشقاوة أو تقدير السعادة ~~والشقاوة علما وقضاء وكتابا هذا موضع يشتبه ويغلط فيه كثير من الناس حيث لا ~~يميزون بين ثبوت الشيء في العلم والتقدير وبين ثبوته في الوجود والتحقيق # فإن الأول هو العلم به والخبر عنه وكتابته وليس شيء من ذلك داخلا في ذاته ~~ولا في صفاته القائمة به # ولهذا يغلط كثيرمن الناس في قول النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح الذى رواه ميسرة قال ( قلت يارسول الله متى كنت نبيا وفى رواية متى ~~كتبت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد ( فيظنون أن ذاته ونبوته وجدت حينئذ ~~وهذا جهل فإن الله إنما نبأه على رأس أربعين من عمره وقد قال له ( وكذلك ~~أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) وقال ( ووجدك ضالا ~~فهدى ) وفي الصحيحين ( أن الملك قال له حين جاءه إقرأ فقال لست بقارئ ثلاث ~~مرات PageV08P282 ومن قال أن النبى صلى الله عليه وسلم كان نبيا قبل أن ~~يوحى إليه فهو كافر بإتفاق المسلمين وإنما المعنى أن الله كتب نبوته ~~فأظهرها وأعلنها بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه كما أخبر أنه يكتب رزق ~~المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته بعد خلق جسده وقبل نفخ الروح فيه كما ~~في حديث العرباض بن سارية الذي رواه أحمد وغيره عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( إني عبد الله وخاتم النبيين ( وفى رواية أني عبد الله ms2510 ~~لمكتوب خاتم النبيين وأن آدم لمجندل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي ~~إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي رأت حين ولدتني أنه خرج منها نور أضاءت له ~~قصور الشام ( # وكثير من الجهال المصنفين وغيرهم يرويه ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ~~( وآدم لا ماء ولا طين ( ويجعلون ذلك وجوده بعينه وآدم لم يكن بين الماء ~~والطين بل الماء بعض الطين لا مقابله # وإذا كان كذلك فإن قال السابق نفس السعادة والشقاوة فقد كذب فإن السعادة ~~إنما تكون بعد وجود الشخص الذي هو السعيد وكذلك الشقاوة لا تكون إلا بعد ~~وجود الشقى كما أن العمل والرزق لا يكون إلا بعد وجود العامل ولا يصير رزقا ~~إلا بعد وجود المرتزق وإنما السابق هو العلم بذلك وتقديره لانفسه وعينه ~~وإذا كان كذلك فالعمل أيضا سابق كسبق السعادة والشقاوة وكلاهما معلوم مقدر ~~وهما PageV08P283 متأخران في الوجود والله سبحانه علم وقدر أن هذا يعمل كذا ~~فيسعد به وهذا يعمل كذا فيشقى به وهو يعلم أن هذا العمل الصالح يجلب ~~السعادة كما يعلم سائر الأسباب والمسببات كما يعلم أن هذا يأكل السم فيموت ~~وأن هذا يأكل الطعام فيشبع ويشرب الشراب فيروى وظهر فساد قول السائل فلا ~~وجه لإتعاب النفس في عمل ولا لكفها عن ملذوذات والمكتوب في القدم وأقع ~~لامحالة # وذلك أن المكتوب في القدم هو سعادة السعيد لما يسر له من العمل الصالح ~~وشقاوة الشقي لما يسر له من العمل السيء ليس المكتوب أحدهما دون الآخر فما ~~أمر به العبد من عمل فيه تعب أو إمتناع عن شهوة هو من الأسباب التى تنال ~~بها السعادة والمقدر المكتوب هو السعادة والعمل الذي به ينال السعادة وإذا ~~ترك العبد ما أمر به متكلا على الكتاب كان ذلك من المكتوب المقدور الذي ~~يصير به شقيا وكان قوله ذلك بمنزلة من يقول أنا لا آكل ولا أشرب فإن كان ~~الله قضى بالشبع والري حصل وإلا لم يحصل أو يقول لا أجامع إمرأتى فإن كان ~~الله قضى لي بولد فأنه ms2511 يكون # وكذلك من غلط فترك الدعاء أو ترك الإستعانة والتوكل ظانا أن ذلك من ~~مقامات الخاصة ناظرا إلى القدر فكل هؤلاء جاهلون ضالون ويشهد لهذا ما رواه ~~مسلم في صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المؤمن القوي خير من ~~المؤمن الضعيف وفى كل خير احرص على ما ينفعك واستعن PageV08P284 بالله ولا ~~تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله ~~وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ( # فأمره بالحرص على ما ينفعه والإستعانه بالله ونهاه عن العجز الذي هو ~~الإتكال على القدر ثم أمره إذا أصابه شيء أن لا ييأس على ما فاته بل ينظر ~~إلى القدر ويسلم الأمر لله فإنه هنا لا يقدر على غير ذلك كما قال بعض ~~العقلاء الأمور ( أمران ( أمر فيه حيلة وأمر لاحيلة فيه فما فيه حيلة لا ~~يعجز عنه وما لا حيلة فيه لا يجزع منه # وفى سنن أبى داود أن رجلين إختصما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى على ~~أحدهما فقال المقضي عليه حسبنا الله ونعم الوكيل فقال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبى ~~الله ونعم الوكيل ( وفى الحديث الآخر ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد ~~الموت والعاجز من إتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى ( رواه بن ماجه ~~والترمذى وقال حديث حسن # وعن شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الكيس من دان ~~نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من إتبع نفسه هواها وتمنى على الله عز وجل ~~( ومن الناس من يصحفه فيقول الفاجر وإنما هو العاجز PageV08P285 في مقابلة ~~الكيس كما في الحديث الآخر ( كل شيء بقدر حتى العجز والكيس ( # وهنا سؤال يعرض لكثير من الناس وهو أنه إذا كان المكتوب واقعا لا محالة ~~فلو لم يأت العبد بالعمل هل كان المكتوب يتغير وهذا السؤال يقال في مسألة ~~المقتول يقال لو لم يقتل ms2512 هل كان يموت ونحو ذلك # فيقال هذا لو لم يعمل عملا صالحا لما كان سعيدا ولو لم يعمل عملا سيئا ~~لما كان شقيا وهذا كما يقال إن الله يعلم ما كان وما يكون وما لايكون لو ~~كان كيف كان يكون فإن هذا من باب العلم والخبر بما لا يكون لو كان كيف يكون ~~كقوله ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) وقوله ( ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه ) وقوله ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) وقوله ( ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ) وأمثال ذلك كما روى أنه يقال للعبد في قبره حين ~~يفتح له باب إلى الجنة وإلى النار ويقال هذا منزلك ولو عملت كذا وكذا أبدلك ~~الله به منزلا آخر # وكذلك يقال هذا لو لم يقتله هذا لم يمت بل كان يعيش إلا أن يقدر له سبب ~~آخر يموت به واللآزم في هذه الجملة خلاف الواقع المعلوم والمقدور والتقدير ~~للممتنع قد يلزمه حكم ممتنع ولا محذور في ذلك PageV08P286 # ومما يشبه هذه المسألة أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج يوم بدر فأخبر ~~أصحابه بمصارع المشركين فقال ( هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ثم أنه دخل ~~العريش وجعل يجتهد في الدعاء ويقول اللهم أنجز لي ما وعدتني ( وذلك لأن ~~علمه بالنصر لايمنع أن يفعل السبب الذي به ينصر وهو الإستغاثة بالله # وقد غلط بعض الناس هنا وظن أن الدعاء الذي علم وقوع مضمونه كالدعاء الذي ~~في آخر سورة البقرة لا يشرع إلا عبادة محضة وهذا كقول بعضهم إن الدعاء ليس ~~هو إلا عبادة محضة لأن المقدور كائن دعا أو لم يدع # فيقال له إذا كان الله قد جعل الدعاء سببا لنيل المطلوب المقدر فكيف يقع ~~بدون الدعاء وهو نظير قولهم أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب # ومما يوضح ( ذلك ) أن الله قد علم وكتب أنه يخلق الخلق ويرزقهم ويميتهم ~~ويحييهم فهل يجوز أن يظن أن تقدم العلم والكتاب مغن لهذه الكائنات عن خلقه ~~وقدرته ومشيئته فكذلك علم الله بما ms2513 يكون من أفعال العباد وأنهم يسعدون بها ~~ويشقون كما يعلم مثلا أن الرجل يمرض أو يموت بأكله السم أو جرحه نفسه ونحو ~~ذلك PageV08P287 # وهذا الذي ذكرناه مذهب سلف الأمة وأئمتها وجمهور ( الطوائف ( من أهل ~~الفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم وإنما نازع في ذلك غلاة القدرية ~~وظنوا أن تقدم العلم يمنع الأمر والنهي وصاروا فريقين # ( فريق ) أقروا بالأمر والنهي والثواب والعقاب وأنكروا أن يتقدم بذلك ~~قضاء وقدر وكتاب وهؤلاء نبغوا في أواخر عصر الصحابة فلما سمع الصحابة بدعم ~~تبرؤا منهم كما تبرؤا منهم ورد عليهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ~~وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وغيرهم وقد نص ( الأئمة ( كمالك ~~والشافعي وأحمد على كفر هؤلاء الذين ينكرو ن علم الله القديم # و ( الفريق الثانى ) من يقر بتقدم علم الله وكتابه لكن يزعم أن ذلك يغني ~~عن الأمر والنهي والعمل وأنه لايحتاج إلى العمل بل من قضى له بالسعادة دخل ~~الجنة بلا عمل أصلا ومن قضى عليه بالشقاو ة شقى بلا عمل فهؤلاء ليسو ا ~~طائفة معدودة من طو ائف أهل المقالات وإنما يقو له كثير من جهال الناس ~~وهؤلاء أكفر من أو لئك وأضل سبيلا ومضمون قول هؤلاء تعطيل الأمر والنهي ~~والحلال والحرام والوعد والوعيد وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بكثير ~~وهؤلاء هم الذين سأل السائل عن مقالتهم # وأما ( جمهور القدرية ( فهم يقرون بالعلم والكتاب المتقدم لكن ينكرون ~~PageV08P288 أن الله خلق أفعال العباد وأرادة الكائنات وتعارضهم القدرية ~~المجبرة الذين يقولون ليس للعبد قدرة ولا إرادة حقيقية ولا هو فاعل حقيقة ~~وكل هؤلاء مبتدعة ضلال # وشر من هؤلاء من يجعل خلق الأفعال وإرادة الله الكائنات مانعة من الأمر ~~والنهي كالمشركين الذين قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء ) فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى ومضمون قولهم تعطيل جميع ما ~~جاءت به الرسل كلهم من الأمر والنهي # ثم قولهم متناقض معلوم الفساد بالضرورة لا يمكن أن يحيى معه بنو آدم ~~لإستلزامه فساد العباد فإنه ms2514 إذا لم يكن على العباد أمر ونهي كان لكل أحد أن ~~يفعل ما يهواه كما قال تعالى ( ولو إتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ) فإذا قيل أنه يمكن كل أحد مما يهواه من قتل النفوس وفعل الفواحش ~~وأخذ الأموال وغير ذلك كان ذلك غاية الفساد ولهذا لا تعيش أمة من بني آدم ~~إلا بنوع من الشريعة التى فيها أمر ونهي ولو كانت بوضع بعض الملوك مع ما ~~فيها من فساد من وجوه أخرى # فإن قيل هذا الذي ذكرتموه يبين أن تقدم علم الله وكتابه بالسعادة ~~والشقاوة وغير ذلك من الأمور لا يمنع توقف ذلك على الأعمال والأسباب التى ~~PageV08P289 جعل الله بها تلك الأمور وذلك يبين أن ذلك لا يمنع أن يكون ~~العبد عاملا للعمل الصالح الذي به يسعده الله وأن يكون قادرا على ذلك مريدا ~~له وإن كان ذلك كله بتيسير الله للعبد وإن تنازع الناس في تسمية ذلك جبرا # لكن هل يكون العبد قادرا على غير الفعل الذي فعله الذي سبق به العلم ~~والكتاب فهذا مما تنازع فيه الناس كما تنازعوا في أن الإستطاعة هل يجب أن ~~تكون مع الفعل أو يجب أن تتقدمه فمن قال من أهل الإثبات # أن الإستطاعة لا تكون إلا مع الفعل يقول العبد لا يستطيع غير ما يفعله ~~وهو ما تقدم به العلم والكتاب ومن قال أن الإستطاعة قد تتقدم الفعل وقد ~~توجد دون الفعل فإنه يقول أنه يكون مستطيعا لما لم يفعله ولما علم وكتب أنه ~~لا يفعله # وفصل الخطاب أن ( الإستطاعة ( جاءت في كتاب الله على نوعين # الإستطاعة المشترطة للفعل وهي مناط الأمر والنهي كقوله تعالى ( ولله على ~~الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا ) وقوله ( فاتقوا الله ما إستطعتم ) ~~وقوله ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ) الآية ( فمن ~~لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) وقوله ( ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) وقول النبى صلى الله عليه وسلم ~~لعمران بن حصين ( صل قائما فإن ms2515 لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ) ~~فإن الإستطاعة في هذه النصوص لو كانت لا توجد إلا مع الفعل لوجب ألا يجب ~~الحج إلا على من حج ولا يجب صيام شهرين إلا على من PageV08P290 صام ولا ~~القيام في الصلاة إلا على من قام وكان المعنى على الذين يصومون الشهر طعام ~~مسكين والآ ية إنما أنزلت لما كانوا مخيرين بين الصيام والإطعام في شهر ~~رمضان # والإستطاعة التى يكون معها الفعل قد يقال هي المقترنة بالفعل الموجبة له ~~وهي النوع الثاني وقد ذكروا فيها قوله تعالى ( الذين كانت أعينهم في غطاء ~~عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا ) وقوله تعالى ( يضاعف لهم العذاب ما ~~كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) ونحو ذلك قوله ( إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) # فإن الإستطاعة المنفية هنا سواء كان نفيها خبرا أو إبتداء ليست هي ~~الإستطاعة المشروطة في الأمر والنهي فإن تلك إذا إنتفت إنتفى الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد والحمد والذم والثواب والعقاب ومعلوم أن هؤلاء في هذه الحال ~~مأمورون منهيون موعودون متوعدون فعلم أن المنفية هنا ليست المشروطة في ~~الأمر والنهي المذكورة في قوله ( فاتقوا الله ما استطعتم ) # لكن قد يقال الإستطاعة هنا كالإستطاعة المنفية في قول الخضر لموسى ( إنك ~~لن تستطيع معي صبرا ) فإن هذه الإستطاعة المنفية لو كان المراد بها مجرد ~~المقارنة في الفاعل والتارك لم يكن فرق بين هؤلاء المذمومين وبين المؤمنين ~~PageV08P291 و لا بين الخضر وموسى فإن كل أحد فعل أو لم يفعل لاتكون ~~المقارنة موجودة قبل فعله والقرآن يدل على أن هذه الإستطاعة إنما نفيت عن ~~التارك لا عن الفاعل فعلم أنها مضادة لما يقوم بالعبد من الموانع التى تصد ~~قلبه عن إرادة الفعل وعمله وبكل حال فهذه الإستطاعة منتفية في حق من كتب ~~عليه أنه لايفعل بل وقضى عليه بذلك # وإذا عرف هذا التقسيم أن إطلاق القول بأن العبد لا يستطيع غير ما ms2516 فعل ولا ~~يستطيع خلاف المعلوم المقدر وإطلاق القول بأن إستطاعة الفاعل والتارك سواء ~~وأن الفاعل لايختص عن التارك بإستطاعة خاصة ( عرف أن ) كلا الإطلاقين خطأ ~~وبدعة # ولهذا إتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور طوائف أهل الكلام على أن الله قادر ~~على ما علم وأخبر أنه لا يكون وعلى ما يمتنع صدوره عنه لعدم إرادته لالعدم ~~قدرته عليه وإنما خالف في ذلك طوائف من أهل الضلال من الجهمية والقدرية ~~والمتفلسفة الصابئة الذين يزعمون إنحصار المقدور في الموجود ويحصرون قدرته ~~فيما شاءه وعلم وجوده دون ما أخبر أنه لا يكون كما رجحه النظام والاسواري ~~وكما يقوله من يزعم أنه ليس من المقدور غير هذا العالم ولا في المقدور ما ~~يمكن أن يهدى به الضال وقد قال الله تعالى ( أيحسب الأنسان ألن نجمع عظامه ~~بلى قادرين على أن نسوي بنانة ) مع أنه سبحانه لايسوي بنانه وقال تعالى ( ~~قل هو القادر على أن يبعث عليكم PageV08P292 عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) # وقد ثبت في الصحيح عن جابر ( أنه لما نزلت هذه الآية ( قل هو القادر على ~~أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال النبى صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك ( ~~أو من تحت أرجلكم ) قال أعوذ بوجهك ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) ~~قال هاتان أهون ( وقال الله تعالى ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) # ومن حكى من أهل الكلام عن أهل السنة والجماعة أنهم يقولون أن العبد ليس ~~قادرا على غير ما فعل الذي هو خلاف المعلوم فإنه مخطيء فيما نقله عنهم من ~~نفى القدرة مطلقا وهو مصيب فيما نقله عنهم من نفي القدرة التى إختص بها ~~الفاعل دون التارك وهذا من أصول نزاعهم في جواز تكليف ما لا يطاق # فإن من يقول الإستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فالتارك لا إستطاعة له بحال ~~يقول إن كل من عصى الله فقد كلفه الله ما لا يطيقه كما قد يقولون إن جميع ~~العباد كلفوا مالا يطيقون ms2517 ومن يقول إن إستطاعة الفعل هي إستطاعة الترك يقول ~~أن العباد لم يكلفوا إلا بما هم مستوون في طاقته وقدرته واستطاعته لايختص ~~الفاعل دون التارك بإستطاعة خاصة فإطلاق القول بأن العبد كلف بما لايطيقه ~~كإطلاق القول بأنه مجبور على أفعاله PageV08P293 إذ سلب القدرة في المأمور ~~نظير إثبات الجبر في المحظور وإطلاق القول بأن العبد قادر مستطيع على خلاف ~~معلوم الله ومقدوره # وسلف الأمة وأئمتها ينكرون هذه الإطلاقات كلها لاسيما كل واحد من طرفي ~~النفي والإثبات على باطل وإن كان فيه حق أيضا بل الو اجب إطلاق العبارات ~~الحسنة وهي المأثورة التى جاءت بها النصو ص والتفصيل في العبارات المجملة ~~المشتبهة وكذلك الو اجب نظير ذلك في سائر أبواب أصول الدين أن يجعل ما يثبت ~~بكلام الله عز وجل ورسو له وإجماع سلف الأمة هي النص المحكم وتجعل العبارات ~~المحدثة المتقابلة بالنفي والإثبات المشتملة في كل من الطرفين في حق وباطل ~~من باب المجمل المشتبه المحتاج إلى تفصيل الممنو ع من إطلاق طرفيه # وقد كتبنا في غير هذا المو ضع ما قاله الأو زاعي وسفيان الثو ري وعبد ~~الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة من كراهة إطلاق الجبر ومن ~~منع إطلاق نفيه أيضا # وكذلك أيضا القول بتكليف ما لا يطاق لم تطلق الأئمة فيه واحدا من الطرفين ~~قال أبو بكر عبد العزيز صاحب الخلال في ( كتاب القدر ( الذي في مقدمة ( ~~كتاب المقنع ( له لم يبلغنا عن أبي عبد الله في هذه المسألة قو ل فنتبعه ~~والناس فيه قد إختلفوا فقال قائلون بتكليف مالا يطاق ونفاه PageV08P294 ~~آخرون ومنعوا منه قال والذي عندنا فيه أن القرآن شهد بصحة ما إليه قصدناه ~~وهو أن الله عز وجل يتعبد خلقه بما يطيقون وما لا يطيقون ثم قال في آخر ~~الفصل ولعل قائلا أن يعارض قولنا فيقول لو جاز أن يكلف الله العبد مالا ~~يطيق جاز أن يكلف الأعمى صنعة الألوان والمقعد المشي ومن لا يد له البطش ~~وما أشبه ذلك فيقال له ms2518 قد قال بن عباس في قو له تعالى ( ونحشرهم يو م ~~القيامة على وجو ههم ) هو مشيهم على وجو ههم وسقط السؤال في كل ما سألوا ~~عنه على جواب بن عباس في المشي على الوجوه # ثم قال وقد أبان أبو الحسن يعني الأشعري فيما قدمنا ذكره عنه في هذه ~~المعاني بما فيه كفاية قال القاضي أبو يعلي لما حكى كلام أبي الحسن يعنى ~~أبا الحسن الأشعري قد فصل بين ما يقدر على فعله لا لإستحالته فيجو ز تكليفه ~~وما يستحيل لا يجوز قال وظاهر كلام أبي الحسن الأشعري الإحتمال فيما يستحيل ~~وجو ده هل يصح تكليفه أم لا قال والصحيح ما ذكرناه من التفصيل وهو أن ما لا ~~يقدر على فعله لإستحالته كالأمر بالمحال وكالجمع بين الضدين وجعل المحدث ~~قديما والقديم محدثا أو كان مما لايقدر عليه للعجز عنه كالمقعد الذي لايقدر ~~على القيام والأخرس الذي لايقدر على الكلام فهذا الوجه لايجوز تكليفه و # و ( الو جه الثانى ) مالا يقدر على فعله لالإستحالته ولا للعجز عنه لكن ~~PageV08P295 لتركه والإشتغال بضده كالكافر كلفه الإيمان في حال كفره لأنه ~~غير عاجز عنه ولا مستحيل منه فهو كالذي لايقدر على العلم لإشتغاله بالمعيشة ~~فهذا الذي ذكره القاضي أبو يعلي قول جمهور الناس من الفقهاء والمتكلمين وهو ~~قول جمهور أصحاب الإمام أحمد وذكر القاضي المنصوص عن الأشعري فيما ذكره ~~القاضي عنه وقد ذكر أن أبا بكر عبد العزيز ذكر كلام أبى الحسن في ذلك كما ~~يذكر المصنف كلام أبي الحسن في ذلك وكما يذكر المصنف كلام مو افقيه وأصحابه ~~لأنه كان من جملة المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد وسائر أئمة السنة ~~كما ذكر ذلك في كتبه وأما إتباع أبى الحسن فمنهم من وافق نفس الذي ذكره ~~القاضي كأبي علي بن شاذان وأتباعه ومنهم من خالفه كأبي محمد اللبان والرازي ~~وطو ائف قالوا أنه يجوز تكليف الممتنع كالجمع بين الضدين والمعجوز عنه و ( ~~القول الثالث ) الذي ذكره أبو بكر عبد العزيز وهو أنه يجو ز ms2519 تكليف كل ما ~~يمكن وإن كان ممتنعا في العادة كالمشي على الوجوه ونقط الأعمى المصحف # وذكر أبو عبد الله بن حامد شيخ القاضي أبى يعلى في أصوله قولي التفريق ~~والإطلاق عن أصحاب أحمد فقال PageV08P296 ### ||| فصل # لأنه ما وجد في الأمر ولو وجد بالفكر وهذا مثل ما لم ترد الشريعة به كأمر ~~الأطفال ومن لاعقل له والأعمى البصر والفقير النفقة والزمن أن أن يسير إلى ~~مكة فكل ذلك ما جاءت به الشريعة ولو جاءت به لزم الإيمان به والتصديق فلا ~~يقيد الكلام فيه قال وذهبت طائفة من أصحابنا إلى إطلاق الإسم من جواز تكليف ~~مالا يطاق من زمن وأعمى وغيرهم وهو مذهب جهم وبرغوث # و ( الوجه الثانى ) سلامة الآله لكن عدم الطاقة لعدم التوفيق والقبول ~~وذلك يجوز وجها واحدا في معنى هذا أنه يجوز التكليف لمن قدر علم الله فيه ~~أنه لايفعله وأبى ذلك المعتزلة والدليل عليه قوله تعالى لإبليس ( مامنعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي ) وقوله ( أن لاتسجد إذ أمرتك ) الآيات فأمر وقد سبق من ~~علمه أنه لايقع منه فعله فكان الأمر متوجها إلى ما قد سبق من علم الله أنه ~~لايطيقه # ( القول الثاني ) منقول عن أبي الحسن أيضا وزعم أبو المعالي الجويني أنه ~~الذي مال إليه أكثر أجوبة أبي الحسن وأنه الذي إرتضاه كثير من أصحابه ~~PageV08P297 و قد توقف أبو الحسن عن الجواب في هذه المسألة في الموجز وكان ~~أبو المعالي يختاره أولا ثم رجع عنه وقطع أن تكليف مالا يطاق محال وهذا ~~القول الأول قول بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وأبى عبد الله الرازي وغيره ~~وهذا ( الثاني ) هو مذهب أبي إسحاق الإسفرائيني وأبى بكر بن فورك وأبي ~~القاسم الأشعري والغزالي وادعى أبو إسحاق الإسفرائيني أنه مذهب شيخه أبي ~~الحسن وأنه مذهب أهل الحق فأما القاضي أبو بكر فقد قال بجوازه في بعض كتبه ~~وأكثر كلامه على التفريق بين تكليف العاجز وبين تكليف القادر على الترك كما ~~هو قول الجمهور # وفى المسألة ( قول ثالث ) وهو الذي ذكره أبو ms2520 بكر عبد العزيز أنه يجوز ~~تكليف كل ما يمكن وإن كان ممتنعا في العادة كالمشي على الوجه ونقط الأعمى ~~المصحف دون الممتنع كالجمع بين الضدين # وفصل الخطاب في ( هذه المسألة ( أن النزاع فيها في أصلين # أحدهما التكليف الواقع الذي إتفق المسلمون على وقوعه في الشريعة وهو أمر ~~العباد كلهم بما أمرهم الله به ورسوله من الإيمان به وتقواه هل يسمى هذا أو ~~شيء منه تكليف مالا يطاق فمن قال بأن القدرة لاتكون إلا مع الفعل يقول إن ~~العاصي كلف مالا يطيقه ويقول إن كل أحد كلف حين كان غير مطيق وكذلك من زعم ~~أن تقدم العلم والكتاب بالشيء يمنع PageV08P298 أن يقدر على خلافه قال إن ~~كلف خلاف المعلوم فقد كلف مالا يطيقه وكذلك من يقول أن العرض لايبقى زمانين ~~يقول أن الإستطاعة المتقدمة لاتبقى إلى حين الفعل # وهذا في الحقيقة ليس نزاعا في الأفعال التى أمر الله بها ونهى عنها هل ~~يتناولها التكليف وإنما هو نزاع في كونها غير مقدورة للعبد التارك لها وغير ~~مقدورة قبل فعلها وقد قدمنا أن القدرة نوعان وأن من أطلق القول بأن ~~الإستطاعة لاتكون إلا مع الفعل فإطلاقه مخالف لما ورد في الكتاب والسنة وما ~~إتفق عليه سلف الأمة وأئمتها كإطلاق القول بالجبر وإن كان قد أطلق ذلك ~~طوائف من المنتسبين إلى السنة في ردهم على القدرية من المنتسبين إلى الإمام ~~أحمد وغيره من أئمة السنة كأبى الحسن وأبى بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن ~~حامد والقاضي أبى بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وأبي الحسن بن ~~الزاغوني وغيرهم فقد منع من هذا الإطلاق جمهور أهل العلم كأبى العباس بن ~~سريج وأبى العباس القلانسي وغيرهما ونقل ذلك عن أبى حنيفة نفسه وهو مقتضى ~~قول جميع الأمة # ولهذا إمتنع أبو إسحاق بن شاقلا من إطلاق ذلك وحكى فيه القولين فقال فيما ~~ذكره عنه القاضي أبو يعلي الإستطاعة مع الفعل أو قبله حجة من قال إن الصلاة ~~والحج والجهاد لايجوز أن يأمر به غير مستطيع PageV08P299 و ms2521 حجة من قال أن ~~الفعل خلق من خلق الله عز وجل فإذا خلق فيه فعلا فعله # وهذا كما أن من قال إنه ليس للعبد إلا قدرة واحدة يقدر بها على الفعل ~~والترك وأنه مستغن في حال الفعل عن معونة من الله تعالى يفعل بها وسوى بين ~~نعمته على المؤمن والكافر والبر والفاجر فهو مبطل وهم من القدرية الذين حاد ~~منهم في الأيام المشهورة حيث كان قولهم إن العبد لا يفتقر إلى الله تعالى ~~حال الفعل بالبر عما وجد قبل الفعل وأنه ليس لله تعالى نعمة أنعم بها على ~~من آمن به وأطاعه أكبر من نعمته على من كفر به وعصاه فهذا القول خطأ قطعا ~~ولهذا إتفق أهل السنة والجماعة على تضليل صاحب هذا القول # ثم النزاع بينهم بعد ذلك في هذه الأمور كثير منه لفظي ومنه ما هو إعتباري ~~كتنازعهم في أن العرض هل يبقى أم لايبقى وبنوا على ذلك بقاء الإستطاعة ولكن ~~أحسن الألفاظ والإعتبارات ما يطابق الكتاب والسنة وإتفاق سلف الأمة وأئمتها ~~والواجب أن يجعل نصوص الكتاب والسنة هي الأصل المعتمد الذي يجب إتباعه ~~ويسوغ إطلاقه ويجعل الألفاظ حتى تنازع فيها الناس نفيا أو إثباتا موقوفة ~~على الإستفسار والتفصيل ويمنع PageV08P300 من إطلاق نفي ما أثبته الله ~~ورسوله وإطلاق إثبات ما نفى الله ورسوله # و ( الأصل الثاني ( فيما إتفق الناس على أنه غير مقدور للعبد وتنازعوا في ~~جواز تكليفه وهو ( نوعان ( ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه والطيران ~~ونحو ذلك وما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين فهذا في جوازه عقلا ثلاثة ~~أقوال كما تقدم وأما وقوعه في الشريعة وجوازه شرعا فقد إتفق حملة الشريعة ~~على أن مثل هذا ليس بواقع في الشريعة وقد حكى إنعقاد الإجماع على ذلك غير ~~واحد منهم أبو الحسن بن الزاغونى فقال ### ||| فصل # تكليف مالا يطاق وهو على ضربين # ( أحدهما ) تكليف ما لا يطاق لوجود ضده من العجز وذلك مثل أن يكلف المقعد ~~القيام والأعمى الخط ونقط الكتاب وأمثال ذلك فهذا مما ms2522 لا يجوز تكليفه وهو ~~مما إنعقد الإجماع عليه وذلك لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل ~~وذلك يوجب خروجه عن المقدور فامتنع تكليف مثله # و ( الثانى ) تكليف مالا يطاق لالوجود ضده من العجز مثل أن يكلف الكافر ~~الذي سبق في علمه أنه لايستحب التكليف كفرعون وأبى جهل PageV08P301 و ~~أمثالهم فهذا جائز وذهبت المعتزلة إلى أن تكليف مالا يطاق غير جائز قال ~~وهذه المسألة كالأصل لهذه # قلت وهذا الإجماع هو إجماع الفقهاء وأهل العلم فإنه قد ذهب طائفة من أهل ~~الكلام إلى أن تكليف الممتنع لذاته واقع في الشريعة وهذا قول الرازى وطائفة ~~قبله وزعموا أن تكليف أبى لهب وغيره من هذا الباب حيث كلف أن يصدق بالأخبار ~~التى من جملتها الإخبار بأنه لايؤمن وهذا غلط فأنه من أخبر الله أنه لايؤمن ~~وأنه يصلى النار بعد دعاء النبى صلى الله عليه وسلم له إلى الإيمان فقد حقت ~~عليه كلمة العذاب كالذي يعاين الملائكة وقت الموت لم يبق بعد هذا مخاطبا من ~~جهة الرسول بهذين الأمرين المتناقضين # وكذلك من قال تكليف العاجز واقع محتما بقوله ( يوم يكشف عن ساق ويدعون ~~إلى السجود فلا يستطيعون ) فإنه يناقض هذا الإجماع ومضمون الإجماع نفي وقوع ~~ذلك في الشريعة و ( أيضا ( فإن مثل هذا الخطاب إنما هو خطاب تعجيز على وجه ~~العقوبة لهم لتركهم السجود وهم سالمون يعاقبون على ترك العبادة في حال ~~قدرتهم بإن أمروا بها حال عجزهم على سبيل العقوبة لهم وخطاب العقوبة ~~والجزاء من جنس خطاب التكوين لايشترط فيه قدرة المخاطب إذ ليس المطلوب فعله ~~وإذا تبينت الأنواع والأقسام زال الإشتباه والإبهام PageV08P302 ### || 1 ( الاحتجاج بالقدر ) 1 # قال شيخ الاسلام قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له واشهد أن ~~لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم تسليما ms2523 كثيرا ### ||| فصل # في قوله صلى الله عليه وسلم ( فحج آدم موسى ) لما احتج عليه بالقدر وبيان ~~ان ذلك في المصائب لا في الذنوب وان الله امر بالصبر والتقوى فهذا في الصبر ~~لا في التقوى وقال ( فاصبر ان وعد الله حق واستغفر PageV08P303 لذنبك ) ~~فامر بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب # وذلك أن بنى آدم اضطربوا في ( هذا المقام مقام تعارض الامر والقدر وقد ~~بسطنا الكلام على ذلك في مواضع و ( المقصود هنا ( انه قد ثبت في الصحيحين ~~حديث ابى هريرة عن النبى قال ( احتج ادم وموسى فقال موسى يا ادم انت أبو ~~البشر الذى خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته فلماذا ~~اخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم انت موسى الذى كلمك الله تكليما وكتب ~~لك التوراة فبكم تجد فيها مكتوبا ( وعصى آدم ربه فغوى ( قبل ان أخلق قال ~~باربعين سنة قال فحج آدم موسى ( وهو مروى ايضا من طريق عمر بن الخطاب ~~باسناد حسن # وقد ظن كثير من الناس ان ادم احتج بالقدر السابق على نفى الملام على ~~الذنب ثم صاروا لأجل هذا الظن ( ثلاثة احزاب ( # ( فريق ) كذبوا بهذا الحديث كابى على الجبائى وغيره لانه من المعلوم ~~بالاضطرار ان هذا خلاف ما جاءت به الرسل ولا ريب أنه يمتنع ان يكون هذا ~~مراد الحديث ويجب تنزيه النبى صلى الله عليه وسلم بل وجميع الانبياء واتباع ~~الانبياء ان يجعلوا القدر حجة لمن عصى الله ورسوله PageV08P304 # و ( فريق ) تاولوه بتاويلات معلومة الفساد كقول بعضهم انما حجة لانه كان ~~اباه والابن لا يلوم اباه وقول بعضهم لان الذنب كان في شريعة والملام في ~~اخرى وقول بعضهم لان الملام كان بعد التوبة وقول بعضهم لان هذا تختلف فيه ~~دار الدنيا ودار الاخرة # و ( فريق ثالث ) جعلوه عمدة في سقوط الملام عن المخالفين لامر الله ~~ورسوله ثم لم يمكنهم طرد ذلك فلا بد في نفس معاشهم في الدنيا ان يلام من ~~فعل ما يضر نفسه وغيره لكن منهم من صار يحتج ms2524 بهذا عند اهوائه واغراضه لا ~~عند اهواء غيره كما قيل في مثل هؤلاء انت عند الطاعة قدرى وعند المعصية ~~جبرى أي مذهب وافق هواك تمذهبت به فالواحد من هؤلاء إذا أذنب أخذ يحتج ~~بالقدر ولو أذنب غيره أو ظلمه لم يعذره وهؤلاء ظالمون معتدون # ومنهم من يقول هذا في حق اهل الحقيقة الذين شهدوا توحيد الربوبية ~~وفنواعما سوى الله فيرون ان لا فاعل الا الله فهؤلاء لا يستحسنون حسنة ولا ~~يستقبحون سيئة فانهم لا يرون لمخلوق فعلا بل لا يرون فاعلا الا الله بخلاف ~~من شهد لنفسه فعلا فانه يذم ويعاقب وهذا قول كثير من متاخرى الصوفية ~~المدعين للحقيقة وقد يجعلون هذا نهاية التحقيق وغاية العرفان والتوحيد وهذا ~~قول طائفة من اهل العلم PageV08P305 # قال أبو المظفر السمعانى واما الكلام فيما جرى بين ادم وموسى من المحاجة ~~في هذا الشان فانما ساغ لهما الحجاج في ذلك لانهما نبيان جليلان خصا بعلم ~~الحقائق واذن لهما في استكشاف السرائر وليس سبيل الخلق الذين امروا بالوقوف ~~عندما حد لهم والسكوت عما طوى عنهم سبيلها وليس قوله ( فحج آدم موسى ) ~~ابطال حكم الطاعة ولا اسقاط العمل الواجب ولكن معناه ترجيح أحد الامرين ~~وتقديم رتبة العلة على السبب فقد تقع الحكمة بترجيح معنى أحد الامرين فسبيل ~~قوله فحج ادم موسى هذا السبيل وقد ظهر هذا في قضية ادم قال الله تعالى ( ~~انى جاعل في الأرض خليفة ) # إلى ان قال فجاء من هذا ان ادم لم يتهيا له ان يستديم سكنى الجنة ( الا ) ~~بان لا يقرب الشجرة لسابق القضاء المكتوب عليه في الخروج منها وبهذا صال ~~على موسى عند المحاجة وبهذا المعنى قضى له على موسى فقال فحج ادم موسى # قلت ولهذا يقول الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كثير من الرجال اذا وصلوا ~~إلى القضاء والقدر امسكوا وانا انفتحت لى فيه روزنة فنازعت اقدار الحق ~~بالحق للحق والرجل من يكون منازعا للقدر لا موافقا له وهو رضى الله عنه كان ~~يعظم الامر والنهى ويوصى باتباع ذلك ms2525 وينهى عن الاحتجاج بالقدر وكذلك شيخه ~~حماد الدباس وذلك لما راوه في PageV08P306 كثير من السالكين من الوقوف عند ~~القدر المعارض للامر والنهى والعبد مامور بان يجاهد في سبيل الله ويدفع ما ~~قدر من المعاصى بما يقدر من الطاعة فهو منازع للمقدور المحظور بالمقدور ~~المامور لله تعالى وهذا هو دين الله الذى بعث به الاولين والاخرين من الرسل ~~صلوات الله عليهم اجمعين # وممن يشبه هؤلاء كثير من الفلاسفة كقول بن سينا بأن يشهد سر القدر ~~والرازى يقرر ذلك لأنه كان جبريا محضا # وفى الجملة فهذا المعنى دائر في نفوس كثير من الخاصة من اهل العلم ~~والعبادة فضلا عن العامة وهو مناقض لدين الاسلام # ومن هؤلاء من يقول الخضر انما سقط عنه الملام لأنه كان مشاهدا لحقيقة ~~القدر ومن شيوخ هؤلاء من كان يقول لو قتلت سبعين نبيا لما كنت مخطئا ومنهم ~~من يقول بطرد قوله بحسب الامكان فيقول كل من قدر على فعل شيء وفعله فلا ~~ملام عليه فان قدر انه خالف غرض غيره فذلك ينازعه والاقوى منهما يقمر الآخر ~~فأيهما اعانه القدر فهو المصيب باعتبار انه غالب والا فما ثم خطا # ومن هؤلاء ( الاتحاديه ) الذين يقولون الوجود واحد ثم يقولون PageV08P307 ~~بعضه افضل من بعض والافضل يستحق ان يكون ربا للمفضول ويقولون ان فرعون كان ~~صادقا في قوله ( انا ربكم الاعلى ) وهذا قول طائفة من ملاحدة المتصوفة ~~المتفلسفة الاتحادية كالتلمسانى والقول بالاتحاد العام المسمى وحدة الوجود ~~هو قول بن عربى الطائى وصاحبه القونوى وبن سبعين وبن الفارض وأمثالهم لكن ~~لهم في المعاد والجزاء نزاع كما ان لهم نزاعا في ان الوجود هل هو شيء غير ~~الذوات أم لا وهؤلاء ضلوا من وجوه منها جهة عدم الفرق بين الوجود الخالق ~~والمخلوق # وأما شهود القدر فيقال لا ريب أن الله تعالى خالق كل شيء ومليكه والقدر ~~هو قدرة الله كما قال الإمام أحمد وهو المقدر لكل ما هو كائن لكن ( هذا لا ~~ينفى ) حقيقة الامر والنهى والوعد والوعيد وأن من الافعال ما ينفع ms2526 صاحبه ~~فيحصل له به نعيم ومنها ما يضر صاحبه فيحصل له به عذاب فنحن لا ننكر اشتراك ~~الجميع من جهة المشيئة والربوبية وابتداء الامور لكن نثبت فرقا آخر من جهة ~~الحكمة والاوامر الالهية ونهاية الامور فان العاقبة للتقوى لا لغير المتقين ~~وقد قال تعالى ( افنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار ) وقال تعالى ( افنجعل المسلمين كالمجرمين ) # وإذا كان كذلك فحقيقة الفرق ان من الامور ما هو ملائم للانسان نافع له ~~فيحصل له به اللذة ومنها ما هو مضاد له ضار له يحصل به الالم فرجع ~~PageV08P308 الفرق إلى الفرق بين اللذة والالم واسباب هذا وهذا وهذا الفرق ~~معلوم بالحس والعقل والشرع مجمع عليه بين الاولين والاخرين بل هو معلوم عند ~~البهائم بل هذا موجود في جميع المخلوقات واذا اثبتنا الفرق بين الحسنات ~~والسيئات وهو الفرق بين الحسن والقبيح فالفرق يرجع إلى هذا # والعقلاء متفقون على ان كون بعض الافعال ملائما للانسان وبعضها منافيا له ~~اذا قيل هذا حسن وهذا قبيح فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق ~~العقلاء وتنازعوا في الحسن والقبح بمعنى كون الفعل سببا للذم والعقاب هل ~~يعلم بالعقل أم لا يعلم الا بالشرع وكان من اسباب النزاع انهم ظنوا ان هذا ~~القسم مغاير للاول وليس هذا خارجا عنه فليسفى الوجود حسن إلا بمعنى الملائم ~~ولا قبيح الا بمعنى المنافى والمدح والثواب ملائم والذم والعقاب مناف فهذا ~~نوع من الملائم والمنافى # يبقى الكلام في بعض انواع الحسن والقبيح لا في جميعه ولا ريب ان من ~~انواعه مالا يعلم الا بالشرع ولكن النزاع فيما قبحه معلوم لعموم الخلق ~~كالظلم والكذب ونحو ذلك # والنزاع في امور # ( منها ) هل للفعل صفة صار بها حسنا وقبيحا وان الحسن العقلى هو كونه ~~موافقا لمصلحة العالم والقبح العقلى بخلافة فهل في الشرع زيادة على ~~PageV08P309 ذلك وفى ان العقاب في الدنيا والاخره هل يعلم بمجرد العقل وبسط ~~هذا له موضع # آخر ومن الناس من اثبت قسما ثالثا للحسن والقبح وادعى الاتفاق ms2527 عليه وهو ~~كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص وهذا القسم لم يذكره عامة المتقدمين ~~المتكلمين في هذه المسالة ولكن ذكره بعض المتأخرين كالرازى واخذه عن ~~الفلاسفة # والتحقيق ان هذا القسم لا يخالف الاول فان الكمال الذى يحصل للانسان ببعض ~~الافعال هو يعود إلى الموافقة والمخالفة وهو اللذة أو الألم فالنفس تلتذ ~~بما هو كمال لها وتتألم بالنقص فيعود الكمال والنقص إلى الملائم والمنافى ~~وهذا مبسوط في موضع آخر # و ( المقصود هنا ) ان الفرق بين الافعال الحسنة التى يحصل لصاحبها بها ~~لذة وبين السيئة التى يحصل له بها ألم امر حسى يعرفه جميع الحيوان # فمن قال من المدعين للحقيقة القدرية والفناء في توحيد الربوبية والاصطلام ~~انه يبقى في عين الجمع بحيث لا يفرق بين ما يؤلم أو ما يلذ كان هذا مما ~~يعلم كذبه فيه ان كان يفهم ما يقول والا كان ضالا يتكلم بما لا يعرف حقيقته ~~وهو الغالب على من يتكلم في هذا # فإن القوم قد يحصل لاحدهم هذا المشهد ( مشهد الفناء في توحيد PageV08P310 ~~الربوبية ) فلا يشهد فرقا ما دام في هذا المشهد وقد يغيب عنه الاحساس بما ~~يوجب الفرق مدة من الزمان فيظن هذا الفناء مقاما محمودا ويجعله اما غاية ~~واما لازما للسالكين وهذا غلط فان عدم الفرق بين ما ينعم ويعذب احيانا هو ~~مثل عدم الفرق بين النوم والنسيان والغفلة والاشتغال بشيء عن آخر وهو لا ~~يزيل الفرق الثابت في نفس الامر ولا يزيل الاحساس به اذا وجد سببه والواحد ~~من هؤلاء لا بد أن يجوع أو يعطش فلا يسوى بين الخبز والشراب وبين الملح ~~الاجاج والعذب الفرات بل لا بد أن يفرق بينهما ويقول هذا طيب وهذا ليس بطيب ~~وهذا هو الفرق بين كل ما أمر الله ورسوله به ونهى عنه فإنه أمر بالطيب من ~~القول والعمل ونهى عن الخبيث وإذا عرف أن المراد بالفرق هو أن من الأمور ما ~~ينفع ويوجب اللذة والنعيم ومنها ما يضر ويوجب الالم والعذاب فبعض هذه ~~الامور تدرك بالحس ms2528 وبعضها يدركه الناس بعقولهم لأمور الدنيا فيعرفون ما ~~يجلب لهم منفعة في الدنيا وما يجلب لهم مضرة وهذا من العقل الذى ميز به ~~الانسان فانه يدرك من عواقب الافعال ما لا يدركه الحس ولفظ العقل في القران ~~يتضمن ما يجلب به المنفعة وما يدفع به المضرة PageV08P311 والله تعالى بعث ~~الرسل بتكميل الفطرة فدلوهم على ما ينالون به النعيم في الاخرة وينجون من ~~عذاب الاخرة فالفرق بين المأمور والمحظور هو كالفرق بين الجنة والنار ~~واللذة والالم والنعيم والعذاب ومن لم يدرك هذا الفرق فان كان لسبب ازال ~~عقله هو به معذور والا كان مطالبا بما فعله من الشر وتركه من الخير # ولا ريب ان في الناس من قد يزول عقله في بعض الاحوال ومن الناس من يتعاطى ~~ما يزيل العقل كالخمر وكسماع الاصوات المطربة فان ذلك قد يقوى حتى يسكر ~~اصحابها ويقترن بهم شياطين فيقتل بعضهم بعضا في السماع المسكر كما يقتل ~~شراب الخمر بعضهم بعضا اذا سكروا وهذا مما يعرفه كثير من اهل الاحوال لكن ~~منهم من يقول المقتول شهيد و ( التحقيق ( ان المقتول يشبه المقتول في شرب ~~الخمر فانهم سكروا سكرا غير مشروع لكن غالبهم يظن ان هذا من أحوال أولياء ~~الله المتقين فيبقى القتيل فيهم كالقتيل في الفتنة وليس هو كالذي تعمد قتله ~~ولا هو كالمقتول ظلما من كل وجه # فإن قيل فهل هذا الفناء يزول به التكليف # قيل ان حصل للانسان سبب يعذر فيه زال به عقله الذى يميز به فكان بمنزلة ~~النائم والمغمى عليه والسكران سكرا لا يأثم به كمن سكر قبل التحريم أو اوجر ~~الخمر أو اكره على شربها عند الجمهور واما ان كان السكر لسبب محرم فهذا فيه ~~نزاع معروف بين العلماء PageV08P312 # والذين يذكرون عن أبى يزيد وغيره كلمات من الإتحاد الخاص ونفي الفرق ~~ويعذرونه في ذلك يقولون أنه غاب عقله حتى قال أنا الحق وسبحاني وما في ~~الجبة إلا الله ويقولون إن الحب إذا قوي على صاحبه وكان قلبه ضعيفا يغيب ~~بمحبوبه عن ms2529 حبه وبموجوده عن وجده وبمذكوره عن ذكره حتى يفنى من لم يكن ~~ويبقى من لم يزل ويحكون أن شخصا ألقى بنفسه في الماء فألقى محبه نفسه خلفه ~~فقال أنا وقعت فلم وقعت أنت فقال غبت بك عني فظننت أنك أنى فمثل هذا الحال ~~التى يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد وبين المأمور والمحظور ليست علما ~~ولا حقا بل غايته أنه نقص عقله الذي يفرق به بين هذا وهذا وغايته أن يعذر ~~لا أن يكون قوله تحقيقا # وطائفة من الصوفية المدعين للتحقيق يجعلون هذا تحقيقا وتوحيدا كما فعله ~~صاحب منازل السائرين وبن العريف وغيرهما كما أن الإتحاد العام جعله طائفة ~~تحقيقا وتوحيدا كإبن عربى الطائى # وقد ظن طائفة أن الحلاج كان من هؤلاء ثم صاروا حزبين # ( حزب ( يقول وقع في ذلك الفناء فكان معذورا في الباطن ولكن قتله واجب في ~~الظاهر ويقولون القاتل مجاهد والمقتول شهيد ويحكون عن بعض الشيوخ أنه قال ~~عثر عثرة لو كنت في زمنه لأخذت بيده ويجعلون حاله من جنس حال أهل الإصطلام ~~والفناء PageV08P313 # و ( حزب ثان ( وهم الذين يصوبون حال أهل الفناء في توحيد الربوبية ~~ويقولون هو الغاية يقولون بل الحلاج كان في غاية التحقيق والتوحيد # ثم هؤلاء في قتله فريقان # ( فريق ( يقول قتل مظلوما وما كان يجوز قتله ويعادون الشرع وأهل الشرع ~~لقتلهم الحلاج ومنهم من يعادى جنس الفقهاء وأهل العلم ويقولون هم قتلوا ~~الحلاج وهؤلاء من جنس الذين يقولون لنا شريعة ولنا حقيقة تخالف الشريعة ~~والذين يتكلمون بهذا الكلام لا يميزون ما المراد بلفظ الشريعة في كلام الله ~~ورسوله وكلام سائر الناس ولا المراد بلفظ الحقيقة أو الحق أو الذوق أو ~~الوجد أو التوحيد في كلام الله ورسوله وكلام سائر الناس بل فيهم من يظن ~~الشرع عبارة عما يحكم به القاضي # ومن هؤلاء من لا يميز بين القاضي العالم العادل والقاضي الجاهل والقاضي ~~الظالم بل ما حكم به حاكم سماه شريعة ولا ريب أنه قد تكون الحقيقة في نفس ~~الأمر التى يحبها الله ورسوله ms2530 خلاف ما حكم به الحاكم كما قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ~~وإنما أقضى على نحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه PageV08P314 شيئا فلا ~~يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ( فالحاكم يحكم بما يسمعه من البينة ~~والإقرار وقد يكون للآخر حجج لم يبينها وأمثال هذا # فالشريعة في نفس الأمر هي الأمر الباطن وما قضى به القاضي ينفذ ظاهرا ~~وكثير من الأمور قد يكون باطنها بخلاف ما يظهر لبعض الناس ومن هذا قصة موسى ~~والخضر فإنه كان الذي فعله مصلحة وهو شريعة أمره الله بها ولم يكن مخالفا ~~لشرع الله لكن لما لم يعرف موسى الباطن كان في الظاهر عنده أن هذا لا يجوز ~~فلما بين له الخضر الأمور وافقه فلم يكن ذلك مخالفا للشرع وهذا الباب يقال ~~فيه قد يكون الأمر في الباطن بخلاف ما يظهر # وهذا صحيح لكن تسمية الباطن حقيقة والظاهر شريعة أمر إصطلاحي # ومن الناس من يجعل الحقيقة هي الأمر الباطن مطلقا والشريعة الأمور ~~الظاهرة # وهذا كما أن لفظ ( الإسلام ( إذا قرن بالإيمان أريد به الأعمال الظاهرة ~~ولفظ ( الإيمان ( يراد به الإيمان الذي في القلب كما في حديث جبريل فإذا ~~جمع بينهما فقيل شرائع الإسلام وحقائق الإيمان كان هذا كلاما صحيحا لكن متى ~~PageV08P315 أفرد أحدهما تناول الآخر فكل شريعة ليس لها حقيقة باطنة فليس ~~صاحبها من المؤمنين حقا وكل حقيقة لا توافق الشريعة التى بعث الله بها ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فصاحبها ليس بمسلم فضلا عن أن يكون من أولياء ~~الله المتقين # وقد يراد بلفظ الشريعة ما يقوله فقهاء الشريعة بإجتهادهم وبالحقيقة ما ~~يذوقه ويجده الصوفية بقلوبهم ولاريب أن كلا من هؤلاء مجتهدون تارة مصيبون ~~وتارة مخطئون وليس لواحد منهما تعمد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ~~إن إتفق إجتهاد الطائفتين وإلا فليس على واحدة أن تقلد الأخرى إلا أن تأتى ~~بحجة شرعية توجب موافقتها # فمن الناس من يظهر أن الحلاج ms2531 قتل بإجتهاد فقهي يخالف الحقيقة الذوقية ~~التى عليها هؤلاء وهذا ظن كثير من الناس وليس كذلك بل الذي قتل عليه إنما ~~هو الكفر وقتل بإتفاق الطائفتين مثل دعواه أنه يقدر أن يعارض القرآن بخير ~~منه ودعواه أنه من فاته الحج أنه يبني بيتا يطوف به ويتصدق بشيء قدره وذلك ~~يسقط الحج عنه إلى أمور أخرى توجب الكفر بإتفاق المسلمين الذين يشهدون أن ~~محمدا رسول الله علماؤهم وعبادهم وفقهاؤهم وفقراؤهم وصوفيتهم # و ( فريق ) يقولون قتل لأنه باح بسر التوحيد والتحقيق الذى ما ~~PageV08P316 كان ينبغي أن يبوح به فإن هذا من الأسرار التى لا يتكلم بها ~~إلا مع خواص الناس وهي مما تطوى ولا تروى وينشدون # من باح بالسر كان القتل شيمته %~% من الرجال ولم يأخذ له ثار # باحوا بالسر تباح دماؤهم %~% وكذا دماء البائحين تباح # وحقيقة قول هؤلاء يشبه قول قائل إنما قاله النصارى في المسيح حق وهو ~~موجود لغيره من الأنبياء والأولياء لكن ما يمكن التصريح به لأن صاحب الشرع ~~لم يأذن في ذلك وكلام صاحب منازل السائرين وأمثاله يشير إلى هذا وتوحيده ~~الذي قال فيه # ما وحد الواحد من واحد %~% إذ كل من وحده جاحد # توحيد من يخبر عن نعته %~% عارية ابطلها الواحد # توحيده إياه توحيده %~% ونعت من ينعته لأحد # فإن حقيقة قول هؤلاء أن الموحد هو الموحد وأن الناطق بالتوحيد على لسان ~~العبد هو الحق وأنه لايوحده إلا نفسه فلا يكون الموحد إلا الموحد ويفرقون ~~بين قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) وبين قول الحلاج أنا الحق وسبحانى فإن ~~فرعون قال ذلك وهو يشهد نفسه فقال عن نفسه وأما أهل الفناء فغابوا عن ~~نفوسهم وكان الناطق على لسانهم غيرهم PageV08P317 # وهذا مما وقع فيه كثير من المتصوفة المتأخرين ولهذا رد الجنيد رحمه الله ~~على هؤلاء لما سئل عن التوحيد فقال هو الفرق بين القديم والمحدث فبين ~~الجنيد سيد الطائفة أن التوحيد لايتم إلا بأن يفرق بين الرب القديم والعبد ~~المحدث لا كما يقوله هؤلاء الذين يجعلون هذا هو هذا وهؤلاء ms2532 أهل الإتحاد ~~والحلول الخاص والمقيد وأما القائلون بالحلول والإتحاد العام المطلق فأولئك ~~هم الذين يقولون أنه بذاته في كل مكان أو أنه وجود المخلوقات وقد بسط ~~الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضوع # و ( المقصود هنا ) أن الحلاج لم يكن مقيدا بصنف من هذه الأصناف بل كان قد ~~قال من الأقوال التى توجب الكفر والقتل بإتفاق طوائف المسلمين ما قد ذكر في ~~غير هذا الموضع وكذلك أنكره أكثر المشايخ وذموه كالجنيد وعمر بن عثمان ~~المكي وأبى يعقوب النهرجوري # ومن التبس عليه حاله منهم فلم يعرف حقيقة ماقاله إلا من كان يقول بالحلول ~~والإتحاد مطلقا أو معينا فإنه يظن أن هذا كان قول الحلاج وينصر ذلك ولهذا ~~كانت فرقة بن سبعين فيها من رجال الظلم جماعة منهم الحلاج وعند جماهير ~~المشايخ الصوفية وأهل العلم أن الحلاج لم يكن من المشايخ الصالحين بل كان ~~زنديقا وزهده لأسباب متعددة يطو ل وصفها ولم يكن من أهل الفناء في ( تو حيد ~~الربوبية ( بل كان قد PageV08P318 تعلم السحر وكان له شياطين تخدمه إلى أمو ~~ر أخرى مبسو طة في غير هذا المو ضع # وبكل حال آدم لما أكل هو وحو اء من الشجرة لم يكن زائل العقل ولا فانيا ~~في شهو د القدر العام ولا إحتج على مو سى بذلك بل قال لم تلو مني على أمر ~~كتبه الله علي قبل أن أخلق فإحتج بالقدر السابق لا بعدم تمييزه بين المأمو ~~ر والمحظور ### ||| فصل # إذا عرف هذا فنقول الصواب في قصة آدم وموسى أن موسى لم يلم آدم إلا من ~~جهة المصيبة التى أصابته وذريته بما فعل لالأجل أن تارك الأمر مذنب عاص ~~ولهذا قال لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة لم يقل لماذا خالفت الأمر ولماذا ~~عصيت والناس مأمورون عند المصائب التى تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم ~~بالتسليم للقدر وشهود الربو بية كما قال تعالى ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن ~~الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) قال بن مسعو د أو غيره هو ms2533 الرجل تصيبه ~~المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم وفى الحديث الصحيح عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( إحرص على PageV08P319 ما ينفعك واستعن بالله ولا ~~تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله ~~وما شاء فعل فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان ( # فأمره بالحرص على ما ينفعه وهو طاعة الله ورسوله فليس للعباد أنفع من ~~طاعة الله ورسو له وأمره إذا أصابته مصيبة مقدرة أن لا ينظر إلى القدر ولا ~~يتحسر بتقدير لا يفيد ويقو ل قدر الله وما شاء فعل ولا يقو ل لو أني فعلت ~~لكان كذا فيقدر ما لم يقع يتمنى أن لو كان وقع فإن ذلك إنما يورث حسرة ~~وحزنا لا يفيد والتسليم للقدر هو الذي ينفعه كما قال بعضهم الأمر أمران أمر ~~فيه حيلة فلا تعجز عنه وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه # وما زال أئمة الهدى من الشيو خ وغيرهم يو صون الإنسان بأن يفعل المأمو ر ~~ويترك المحظو ر ويصبر على المقدور وإن كانت تلك المصيبة بسبب فعل آدمي # فلو أن رجلا أنفق ماله في المعاصي حتى مات ولم يخلف لو لده مالا أو ظلم ~~الناس بظلم صارو ا لأجله يبغضو ن أولاده ويحرمو نهم ما يعطو نه لأمثالهم ~~لكان هذا مصيبة في حق الأولاد حصلت بسبب فعل الأب فإذا قال أحدهم لأبيه أنت ~~فعلت بنا هذا قيل للإبن هذا كان مقدو را PageV08P320 عليكم وأنتم مأمورون ~~بالصبر على ما يصيبكم والأب عاص لله فيما فعله من الظلم والتبذير ملو م على ~~ذلك لا يرتفع عنه ذم الله وعقابه بالقدر السابق فإن كان الأب قد تاب توبة ~~نصوحا وتاب الله عليه وغفر له لم يجز ذمه ولا لو مه بحال لا من جهة حق الله ~~فإن الله قد غفر له ولا من جهة المصيبة التى حصلت لغيره بفعله إذ لم يكن هو ~~ظالما لأولئك فإن تلك كانت مقدرة عليهم # وهذا مثال ( قصة آدم ( فإن آدم ms2534 لم يظلم أولاده بل إنما ولدوا بعد هبوطه ~~من الجنة وإنما هبط آدم وحواء ولم يكن معهما ولد حتى يقال أن ذنبهما تعدى ~~إلى ولدهما ثم بعد هبوطهما إلى الأرض جاءت الأولاد فلم يكن آدم قد ظلم ~~أولاده ظلما يستحقون به ملامه وكونهم صاروا في الدنيا دون الجنة أمر كان ~~مقدرا عليهم لا يستحقون به لوم آدم وذنب آدم كان قد تاب منه قال الله تعالى ~~( وعصى آدم ربه فغو ى ثم إجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) وقال ( فتلقى آدم من ~~ربه كلمات فتاب عليه ) فلم يبق مستحقا لذم ولا عقاب # وموسى كان أعلم من أن يلومه لحق الله على ذنب قد علم أنه تاب منه فموسى ~~أيضا قد تاب من ذنب عمله وقد قال موسى ( أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الغافرين ) وآدم أعلم من أن يحتج بالقدر على أن المذنب لا ملام عليه ~~فكيف وقد علم أن إبليس لعنه الله بسبب PageV08P321 ذنبه وهو أيضا كان مقدرا ~~عليه وآدم قد تاب من الذنب وإستغفر فلو كان الإحتجاج بالقدر نافعا له عند ~~ربه لإحتج ولم يتب ويستغفر # وقد رو ى في الإسرائيليات أنه إحتج به وهذا مما لا يصدق به لو كان محتملا ~~فكيف إذا خالف أصول الإسلام بل أصو ل الشرع والعقل نعم إن كان ذكر القدر مع ~~التوبة فهذا ممكن لكن ليس فيما أخبر الله به عن آدم شيء من هذا ولا يجوز ~~الإحتجاج في الدين بالإسرائيليات إلا ما ثبت نقله بكتاب الله أو سنة رسوله ~~فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد قال ( إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقو هم ~~ولا تكذبوهم وأيضا ) فلو كان الإحتجاج بالقدر نافعا له فلماذا أخرج من ~~الجنة وأهبط إلى الأرض # فإن قيل وهو قد تاب فلماذا بعد التوبة أهبط إلى الأرض # قيل التوبة قد يكو ن من تمامها عمل صالح يعمله فيبتلى بعد التو بة لينظر ~~دوام طاعته قال الله تعالى ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله ms2535 ~~غفور رحيم ) في التائب من الردة وقال في كاتم العلم ( إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) وقال ( أنه من عمل ~~منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ) وقال في القذف ( ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا PageV08P322 فإن الله غفور رحيم ) وقال ~~( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأو لئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان ~~الله غفو را رحيما ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتو ب إلى الله متابا ) وقال ( ~~وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم إهتدى ) # ولما تاب كعب بن مالك وصاحباه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ~~بهجرهم حتى نسائهم ثمانين ليلة وقال النبى صلى الله عليه وسلم في الغامدية ~~لما رجمها ( لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له وهل وجدت أفضل من أن ~~جادت بنفسها لله ( وقد أخبر الله عن توبته على بنى إسرائيل حيث قال لهم ~~موسى ( ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم بإتخاذكم العجل فتوبو ا إلى بارئكم فاقتلوا ~~أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ) # وإذا كان الله تعالى قد يبتلى العبد من الحسنات والسيئات والسراء والضراء ~~بما يحصل معه شكره وصبره أم كفره وجزعه وطاعته أم معصيته فالتائب أحق ~~بالإبتلاء فآدم أهبط إلى الأرض إبتلاء له وو فقه الله في هبو طه لطاعته ~~فكان حاله بعد الهبو ط خيرا من حاله قبل الهبو ط وهذا بخلاف ما لو كان ~~الإحتجاج بالقدر نافعا له فإنه لا يكو ن عليه ملام البتة ولا هناك تو بة ~~تقتضي أن يبتلى صاحبها ببلاء # و ( أيضا ( فإن الله قد أخبر في كتابه بعقوبات الكفار مثل قوم ~~PageV08P323 نوح وهود وصالح وقوم لوط وأصحاب مدين وفرعون وقومه ما يعرف بكل ~~واحدة من هذه الو قائع أن لاحجة لأحد في القدر وأيضا فقد شرع الله من عقوبة ~~المحاربين من الكفار وأهل القبلة وقتل المرتد وعقوبة الزانى والسارق ~~والشارب ما يبين ذلك ### ||| فصل # فقد تبين أن آدم حج موسى ms2536 لما قصد موسى أن يلوم من كان سببا في مصيبتهم ~~وبهذا جاء الكتاب والسنة قال الله تعالى ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ~~ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) وقال تعالى ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ) # وسواء في ذلك المصائب السمائية والمصائب التى تحصل بأفعال الآدميين قال ~~تعالى ( واصبر على ما يقولون وأهجرهم هجرا جميلا ) ( ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ) وقال في سورة الطور بعد ~~قوله ( فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين إلى قوله أم يقولون تقوله بل ~~لا يؤمنون إلى قوله أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم ~~يكتبون ) ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا PageV08P324 و سبح بحمد ربك حين ~~تقوم ) وقال تعالى في سورة ( ن ) ( أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو ~~مكظوم ) # وقد قيل في معناه أصبر لما يحكم به عليك وقيل أصبر على أذاهم لقضاء ربك ~~الذي هو آت والأول أصح # وحكم الله نوعان خلق وأمر # ( فالأول ) مايقدره من المصائب و ( الثانى ) ما يأمر به وينهى عنه والعبد ~~مأمور بالصبر على هذا وعلى هذا فعليه أن يصبر لما أمر به ولما نهى عنه ~~فيفعل المأمور ويترك المحظور وعليه أن يصبر لما قدره الله عليه # وبعض المفسرين يقول هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا يتوجه إن كان في ~~الآية النهي عن القتال فيكون هذا النهي منسوخا ليس جميع أنواع الصبر منسوخة ~~كيف والآية لم تتعرض لذلك هنا لا بنفي ولا إثبات بل الصبر واجب لحكم الله ~~مازال واجبا وإذا أمر بالجهاد فعليه ( أيضا ( أن يصبر لحكم الله فإنه يبتلى ~~من قتالهم بما هو أعظم من كلامهم كما إبتلى به يوم ms2537 أحد والخندق وعليه حينئذ ~~أن يصبر ويفعل ما أمر به من الجهاد PageV08P325 # و ( المقصود هنا ( قوله ( وأصبر لحكم ربك ) فإن مافعلوه من الأذى هو مما ~~حكم به عليك قدرا فاصبر لحكمه وإن كانوا ظالمين في ذلك وهذا الصبر أعظم من ~~الصبر على ما جرى وفعل بالأنبياء وقوله ( فاصبر لحكم ربك ولاتكن كصاحب ~~الحوت إذ نادى وهو مكظوم ) وقال ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه فنادى في الظلمات ) وسواء كان مغاضبا لقومه أو لربه فكانت مغاضبته من ~~أمر قدر عليه وبصبره صبر لحكم ربه الذي قدره وقضاه وإن كان إنما تأذى من ~~تكذيب الناس له # وقالت الرسل لقومهم ( وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ~~ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) وقال موسى لقومه ~~لما قال فرعون ( سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى ~~لقومه إستعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~والعاقبة للمتقين ) وقال ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ) # وقال تعالى ( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) ~~فهؤلاء ظلموا فصبروا على ظلم الظالم لهم وسبب نزولها المهاجرون إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهي عامة في كل من إتصف بهذه الصفة PageV08P326 # وأصل ( المهاجر ( من هجر ما نهى الله عنه كما ثبت ذلك عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم فكل من هجر السوء فظلمه الناس على ترك الكفر والفسوق والعصيان ~~حتى أخرجوه لا هجر بعض أمور في الدنيا فصبر على ظلمهم فإن الله يبوئه في ~~الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر كيوسف الصديق فإنه هجر الفاحشة حتى ألجأه ~~ذلك هجر منزله واللبث في السجن بعد ما ظلم فمكنه الله حتى تبوأ من الأرض ~~حيث يشاء # وقال الذين لقوا الكفار ( ربنا أفرغ علينا صبرا ) وقال ( إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا ms2538 من الذين كفروا ~~بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم إن فيكم ضعفا فإن يكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفا يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين ) وقال ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين ) فهذا كله صبر على ما قدر من أفعال الخلق والله سبحانه مدح في ~~كتابه الصبار الشكور قال تعالى ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) في غير ~~موضع # فالصبر والشكر على ما يقدره الرب على عبده من السراء والضراء من النعم ~~والمصائب من الحسنات التى يبلوه بها والسيئات فعليه أن يتلقى المصائب ~~بالصبر والنعم بالشكر ومن النعم ما ييسره له من أفعال الخير ومنها ما هي ~~خارجة عن أفعاله فيشهد القدر عند فعله للطاعات وعند إنعام الله عليه فيشكره ~~PageV08P327 و يشهده عند المصائب فيصبر وأما عند ذنوبه فيكون مستغفرا تائبا ~~كما قال ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ) # وأما من عكس هذا فشهد القدر عند ذنوبه وشهد فعله عند الحسنات فهو من أعظم ~~المجرمين ومن شهد فعله فيهما فهو قدري ومن شهد القدر فيهما ولم يعترف ~~بالذنب ويستغفره فهو من جنس المشركين # وأما المؤمن فيقول أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى فاغفر لي كما في ~~الحديث الصحيح الإلهي ( ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( # وكان نبينا صلى الله عليه وسلم متبعا ما أمر به من الصبر على أذى الخلق ~~ففي الصحيحين عن عائشة قالت ( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~خادما له ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه شيء ~~قط فإنتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا إنتهكت محارم الله لم يقم ~~لغضبه شيء حتى ينتقم لله ( وقال أنس خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ~~سنين فما قال لشيء فعلته لم فعلته ولا ms2539 لشيء لم أفعله لم لا فعلته وكان بعض ~~أهله إذا عتبني على شيء يقول دعوه دعوه فلو قضى شيء لكان وفى السنن عن بن ~~مسعود رضى الله عنه أنه ذكر للنبى PageV08P328 صلى الله عليه وسلم قول بعض ~~من آذاه ( فقال دعنا منك فقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ( فكان يصبر على ~~أذى الناس له من الكفار والمنافقين وأذى بعض المؤمنين كما قال تعالى ( إن ~~ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيي منكم ) وكان يذكر أن هذا مقدر # والمؤمن مأمور بأن يصبر على المقدور ولذلك قال وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا ) فالتقوى فعل المأمور وترك المحظور والصبر على أذاهم ثم ~~أنه حيث أباح المعاقبة قال ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ~~ضيق مما يمكرون ) # فأخبر أن صبره بالله فالله هو الذي يعينه عليه فإن الصبر على المكاره ~~بترك الإنتقام من الظالم ثقيل على الأنفس لكن صبره بالله كما أمره أن يكون ~~لله في قوله ( ولربك فاصبر ) لكن هناك ذكره في الجملة الطلبية الأمرية لأنه ~~مأمور أن يصبر لله لا لغيره وهنا ذكره في الخبرية فقال ( وما صبرك إلا ~~بالله ) فإن الصبر وسائر الحوادث لا تقع إلا بالله ثم قد يكون ذلك وقد لا ~~يكون فما لايكون بالله لا يكون وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم ولا يقال ~~واصبر بالله فإن الصبر لا يكون إلا بالله لكن يقال إستعينوا بالله واصبروا ~~فنستعين بالله على الصبر PageV08P329 # وكما أن الإنسان مأمور بشهود القدر وتوحيد الربوبية عند المصائب فهو ~~مأمور بذلك عند ما ينعم الله عليه من فعل الطاعات فيشهد قبل فعلها حاجته ~~وفقره إلى إعانة الله له وتحقق قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) # ويدعو بالأدعية التى فيها طلب اعانة الله له على فعل الطاعات كقوله ( ~~أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ( وقوله ( يامقلب القلوب ثبت قلبى على ~~دينك ويا مصرف القلوب أصرف قلبى إلى ms2540 طاعتك وطاعة رسولك ( وقوله ( ربنا لا ~~تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) وقوله ( ~~ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا ) ومثل قوله ( اللهم ~~الهمني رشدي واكفني شر نفسي ( # ورأس هذه الأدعية وأفضلها قوله ( إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فهذا الدعاء أفضل الأدعية وأوجبها ~~على الخلق فإنه يجمع صلاح العبد في الدين والدنيا والآخرة وكذلك الدعاء ( ~~بالتوبة ( فإنه يتضمن الدعاء بأن يلهم العبد التوبة وكذلك دعاء ( الإستخارة ~~( فإنه طلب تعليم العبد ما لم يعلمه وتيسيره له وكذلك الدعاء الذي كان ~~النبى صلى الله عليه وسلم يدعو به إذا قام من الليل وهو في الصحيح ( اللهم ~~رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون إهدني لما إختلف فيه ~~PageV08P330 من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ( # وكذلك الدعاء الذي فيه ( اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ~~ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ( ~~وكذلك الدعاء باليقين والعافية كما في حديث أبي بكر وكذلك قوله اللهم أصلح ~~لي قلبى ونيتى ومثل قول الخليل وإسماعيل ( واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك ) # وهذه أدعية كثيرة تتضمن إفتقار العبد إلى الله في أن يعطيه الإيمان ~~والعمل الصالح فهذا إفتقار وإستعانه بالله قبل حصول المطلوب فإذا حصل بدعاء ~~أو بغير دعاء شهد إنعام الله فيه وكان في مقام الشكر والعبودية لله وإن هذا ~~حصل بفضله وإحسانه لابحول العبد وقوته # فشهود القدر في الطاعات من أنفع الأمور للعبد وغيبته عن ذلك من أضر ~~الأمور به فإنه يكون قدريا منكرا لنعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح ~~وإن لم يكن قدري الإعتقاد كان قدري الحال وذلك يورث العجب والكبر ودعوى ~~القوة والمنة بعمله وإعتقاد إستحقاق الجزاء على الله به فيكون من يشهد ~~العبودية مع الذنوب والإعتراف بها لا ms2541 مع الإحتجاج بالقدر عليها خيرا من هذا ~~الذي يشهد الطاعة منه لا من إحسان الله إليه ويكون أولئك المذنبون بما معهم ~~من الإيمان أفضل من طاعة بدون هذا الإيمان PageV08P331 # وأما من أذنب وشهد أن لاذنب له أصلا لكون الله هو الفاعل وعند الطاعة ~~يشهد أنه الفاعل فهذا شر الخلق وأما الذي يشهد نفسه فاعلا للأمرين والذي ~~يشهد ربه فاعلا للأمرين ولا يرى له ذنبا فهذا أسوء عاقبة من القدري والقدري ~~أسوء بداية منه كما هو مبسوط في موضع آخر # والناس في هذا المقام ( أربعة أقسام ( من يغضب لربه لا لنفسه وعكسه ومن ~~يغضب لهما ومن لايغضب لهما كما أنهم في شهود القدر ( أربعة أقسام ( من يشهد ~~الحسنة من فعل الله والسيئة من فعل نفسه وعكسه ومن يشهد الثنتين من فعل ربه ~~ومن يشهد الثنتين من فعل نفسه فهذه الأقسام الأربعة في شهود الربوبية نظير ~~تلك الأقسام الأربعة في شهود الإلهية فهذا تقسيم العباد فيما لله ولهم وذاك ~~تقسيمهم فيما هو بالله وبهم والقسم المحض أن يعمل لله بالله فلا يعمل لنفسه ~~ولا بنفسه # والمقصود هنا تقسيمهم فيما لله فأعلاهم حال النبى صلى الله عليه وسلم ومن ~~إتبعه أن يصبروا على أذى الناس لهم باليد واللسان ويجاهدون في سبيل الله ~~فيعاقبون ويغضبون وينتقمون لله لا لنفوسهم يعاقبون لأن الله يأمر بعقوبة ~~ذلك الشخص ويجب الإنتقام منه كما في جهاد الكفار وإقامة الحدود وأدناهم عكس ~~هؤلاء يغضبون وينتقمون ويعاقبون لنفوسهم لا لربهم فإذا أوذي أحدهم أو خولف ~~هواه غضب وانتقم وعاقب ولو إنتهكت محارم الله أو ضيعت حقوقه لم يهمه ذلك ~~وهذا حال الكفار والمنافقين PageV08P332 # وبين هذين وهذين قسمان ( قسم ( يغضبون لربهم ولنفوسهم و ( قسم ( يميلون ~~إلى العفو في حق الله وحقوقهم فموسى في غضبه على قومه لما عبدوا العجل كان ~~غضبه لله وقد مثل النبى صلى الله عليه وسلم في حقوق الله أبا بكر وعمر ~~بإبراهيم وعيسى ونوح وموسى فقال ( إن الله يلين قلوب رجال فيه حتى تكون ~~ألين من اللبن ms2542 ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجر ومثلك يا أبا بكر ~~كمثل إبراهيم وعيسى ومثلك يا عمر كمثل نوح وموسى ( # وأما عفو الإنسان عن حقوقه فهذا أفضل وإن كان الإقتصاص جائزا وكذلك غضبه ~~لنفسه تركه أفضل وإن كان الإقتصاص جائزا وأما ما كان من باب المصائب ~~الحاصلة بقدر الله ولم يبق فيها مذنب يعاقب فليس فيها إلا الصبر والتسليم ~~للقدر # وقصة آدم ومو سى كانت من هذا الباب فإن موسى لأمه لأجل ما أصابه والذرية ~~وآدم كان قد تاب من الذنب وغفر له والمصيبة كانت مقدرة فحج آدم موسى # وهكذا قد يصيب الناس مصائب بفعل أقوام مذنبين تابوا مثل كافر يقتل مسلما ~~ثم يسلم ويتوب الله عليه أو يكون متأولا لبدعة ثم يتوب من البدعة أو يكون ~~مجتهدا أو مقلدا مخطئا فهؤلاء إذا أصاب العبد أذى بفعلهم فهو من جنس ~~المصائب السماوية التى لايطلب فيها قصاص من آدمي PageV08P333 # ومن هذا الباب القتال في ( الفتنة ( قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول ~~الله متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر ~~وكذلك ( قتال البغاة المتأولين ( حيث أمر الله بقتالهم إذا قاتلهم أهل ~~العدل فأصابوا من أهل العدل نفوسا وأموالا لم تكن مضمونة عند جماهير ~~العلماء كأبي حنيفة ومالك والشافعى في أحد قوليه وهذا ظاهر مذهب أحمد وكذلك # ( المرتدون ( إذا صار لهم شوكة فقتلوا المسلمين وأصابوا من دمائهم ~~وأموالهم كما إتفق الصحابة في قتال أهل الردة أنهم لا يضمنون بعد إسلامهم ~~ما أتلفوه من النفوس والأموال فإنهم كانوا متأولين وإن كان تأويلهم باطلا ~~كما أن سنة رسول الله المتواترة عنه مضت بأن الكفار إذا قتلوا بعض المسلمين ~~وأتلفوا أموالهم ثم أسلموا لم يضمنوا ما أصابوه من النفوس والأموال وأصحاب ~~تلك النفوس والأموال كانوا يجاهدون قد إشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة فعوض ما أخذ منهم على الله لا على أولئك الظالمين الذين قاتلهم ~~المؤمنون # وإذا كان هذا في الدماء والأموال فهو في الأعراض ms2543 أولى فمن كان مجاهدا في ~~سبيل الله باللسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان الدين وتبليغ ما ~~في الكتاب والسنة من الأمر والنهي والخير وبيان الأقوال المخالفة لذلك ~~والرد على من خالف الكتاب والسنة أو باليد كقتال الكفار فإذا PageV08P334 ~~أوذي على جهاده بيد غيره أو لسانه فأجره في ذلك على الله لا يطلب من هذا ~~الظالم عوض مظلمته بل هذا الظالم إن تاب وقبل الحق الذي جوهد عليه فالتوبة ~~تجب ما قبلها ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) وإن لم يتب ~~بل أصر على مخالفة الكتاب والسنة فهو مخالف لله ورسوله والحق في ذنوبه لله ~~ولرسوله وإن كان ( أيضا ( للمؤمنين حق تبعا لحق الله وهذا إذا عوقب عوقب ~~لحق الله ولتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله لا لأجل القصاص ~~فقط # والكفار إذا إعتدوا على المسلمين مثل أن يمثلوا بهم فللمسلمين أن يمثلوا ~~بهم كما مثلوا والصبر أفضل وإذا مثلوا كان ذلك من تمام الجهاد والدعاء على ~~جنس الظالمين الكفار مشروع مأمور به وشرع القنوت والدعاء للمؤمنين والدعاء ~~على الكافرين # وأما الدعاء على معينين كما كان النبى يلعن فلانا وفلانا فهذا قد روي أنه ~~منسوخ بقوله ( ليس لك من الأمر شيء ) كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا ~~الموضع فيما كتبته في قلعة مصر وذلك لأن المعين لا يعلم أن رضى الله عنه أن ~~يهلك بل قد يكون ممن يتوب الله عليه بخلاف الجنس فإنه إذا دعي عليهم بما ~~فيه عز الدين وذل عدوه وقمعهم كان هذا دعاء بما يحبه الله ويرضاه فإن الله ~~يحب الإيمان وأهل الإيمان وعلو أهل الإيمان وذل الكفار فهذا دعاء بما يحب ~~الله وأما الدعاء على المعين بما لايعلم أن الله PageV08P335 يرضاه فغير ~~مأمور به وقد كان يفعل ثم نهى عنه لأن الله قد يتوب عليه أو يعذبه # ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك كان بعد أن أعلمه الله أنه لايؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن ms2544 ومع هذا فقد ثبت في حديث الشفاعة في الصحيح أنه يقول ~~أنى دعوت على أهل الأرض دعوة لم أومر بها فإنه وإن لم ينه عنها فلم يؤمر ~~بها فكان الأولى أن لا يدعو إلا بدعاء مأمور به واجب أو مستحب فإن الدعاء ~~من العبادات فلا يعبد الله إلا بمأمور به واجب أو مستحب وهذا لو كان مأمورا ~~به لكان شرعا لنوح ثم ننظر في شرعنا هل نسخه أم لا # وكذلك دعاء موسى بقوله ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) إذا كان دعاء مأمورا به بقي النظر في ~~موافقة شرعنا له والقاعدة الكلية في شرعنا أن الدعاء إن كان واجبا أو ~~مستحبا فهو حسن يثاب عليه الداعي وإن كان محرما كالعدوان في الدماء فهو ذنب ~~ومعصية وإن كان مكروها فهو ينقص مرتبة صاحبه وإن كان مباحا مستوي الطرفين ~~فلا له ولا عليه فهذا هذا والله سبحانه أعلم PageV08P336 ### ||| فصل # وكلا الطائفتين الذين يسلكون إلى الله محض الإرادة والمحبة والدنو والقرب ~~منه من غير إعتبار بالأمر والنهي المنزلين من عند الله الذين ينتهون إلى ~~الفناء في توحيد الربوبية يقولون بالجمع والإصطلام في توحيد الربوبية ولا ~~يصلون إلى الفرق الثاني ويقولون أن صاحب الفناء لايستحسن حسنة ولا يستقبح ~~سيئة ويجعلون هذا غاية السلوك # والذين يفرقون بين ما يستحسنونه ويستقبحونه ويحبونه ويكرهونه ويأمرون به ~~وينهون عنه لكن بإرادتهم ومحبتهم وهواهم لا بالكتاب المنزل من عند الله كلا ~~الطائفتين متبع لهواه بغير هدى من الله وكلا الطائفتين لم يحققوا شهادة أن ~~لاإله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد ~~يقتضى أن لا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله ولا يوالى إلا لله ولا يعادي إلا ~~لله وأن يحب ما يحبه الله ويبغض ما أبغضه ويأمر بما أمر الله به وينهي عما ~~نهي الله عنه وإنك لاترجو إلا الله ولا تخاف إلا الله ولا تسأل إلا الله ~~وهذا ملة إبراهيم وهذا الإسلام الذي بعث الله ms2545 به جميع المرسلين PageV08P337 # والفناء في هذا هو ( الفناء ( المأمور به الذي جاءت به الرسل وهو أن يفنى ~~بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن ~~التوكل على ما سواه وبرجائه وخوفه عن رجاء ما سواه وخوفه فيكون مع الحق بلا ~~خلق كما قال الشيخ عبد القادر كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس # وتحقيق الشهادة بأن محمدا رسول الله يوجب أن تكون طاعته طاعة الله ~~وإرضاؤه إرضاء الله ودين الله ما أمر به فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه ~~والدين ما شرعه ولهذا طالب الله المدعين لمحبته بمتابعته فقال ( قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) وضمن لمن إتبعه أن الله يحبه بقوله ( ~~يحببكم الله ) # وصاحب هذه المتابعة لايبقى مريدا إلا ما أحبه الله ورسوله ولا كارها إلا ~~لما كرهه الله ورسوله وهذا هو الذي يحبه الحق كما قال ( ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها فبى يسمع وبى يبصر وبى ~~يبطش وبى يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن إستعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء ~~أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره المو ت وأكره مساءته ولا بد ~~له منه PageV08P338 # فهذا محبو ب الحق ومن إتبع الرسو ل فهو محبو ب الحق وهو المتقرب إلى الله ~~بما دعا إليه الرسو ل من فرض ونفل ومعلو م أن من كان هكذا فهو يحب طاعة ~~الله ورسو له ويبغض معصية الله ورسو له فإن الفرائض والنو افل كلها من ~~العبادات التى يحبها الله ورسو له ليس فيها كفر ولا فسو ق والرب تعالى أحبه ~~لما قام بمحبو ب الحق فإن الجزاء من جنس العمل فلما لم يزل متقربا إلى الحق ~~بما يحبه من النو افل بعد الفرائض أحبه الحق فإنه إستفرغ وسعه في محبو ب ~~الحق فصار الحق يحبه المحبة التامة التى ms2546 لا يصل إليها من هو دو نه في ~~التقرب إلى الحق بمحبوباته حتى صار يعلم بالحق ويعمل بالحق فصار به يسمع ~~وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي # وأما الذي لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة فهذا لم تبق عنده الأمور نوعان ~~محبوب للحق ومكروه بل كل مخلوق فهو عنده محبوب للحق كما أنه مراد فإن هؤلاء ~~أصل قولهم هو قول جهم بن صفوان من القدرية فهم من غلاة الجهمية الجبرية في ~~القدر وإن كانوا في الصفات يكفرون الجهمية نفاة الصفات كحال أبى سماعيل ~~الأنصارى صاحب ( منازل السائرين ( و ( ذم الكلام ( و ( الفاروق ( و ( تكفير ~~الجهمية ( وغير ذلك فإنه في باب إثبات الصفات في غاية المقابلة للجهمية ~~والنفاة وفى باب الأفعال والقدر قوله يوافق الجهم ومن إتبعه من غلاة ~~الجبرية وهو قول الأشعرى وأتباعه وكثير من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة ~~ومن أهل الحديث والصوفية PageV08P339 # فإن هؤلاء أقروا بالقدر موافقة للسلف وجمهور الأئمة وهم مصيبون في ذلك ~~وخالفوا ( القدرية ( من المعتزلة وغيرهم في نفى القدر ولكن سلكوا في ذلك ~~مسلك الجهم بن صفوان وأتباعه فزعموا أن الأمور كلها لم تصدر إلا عن إرادة ~~تخصيص أحد المتماثلين بلا سبب وقالوا الإرادة والمحبة والرضا سواء فوافقوا ~~في ذلك القدرية فإن الجهمية والمعتزلة كلاهما يقول أن القادر المختار يرجح ~~أحد المتماثلين بلا مرجح وكلاهما يقول لا فرق بين الإرادة والمحبة والرضا # ثم قالت ( القدرية ( وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الله يحب ~~الإيمان والعمل الصالح ولايحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ويكره الكفر ~~والفسوق والعصيان قالوا فيلزم من ذلك أن يكون كل ما في الوجود من المعاصي ~~واقعا بدون مشيئته وإرادته كما هو واقع على خلاف أمره وخلاف محبته ورضاه ~~وقالو ا أن محبته ورضاه لأعمال عباده هو بمعنى أمره بها فكذلك إرادته لها ~~بمعنى أمره بها فلا يكو ن قط عندهم مريدا لغير ما أمر به وأخذ هؤلاء ~~يتأولون ما في القرآن من إرادته لكل ما يحدث ومن خلقه لأفعال العباد بتأو ~~يلات ms2547 محرفة # وقالت الجهمية ومن إتبعها من الأشعرية وأمثالهم قد علم بالكتاب والسنة ~~والإجماع أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ولا يكو ن خالقا إلا بقدرته ~~ومشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما في الوجود فهو PageV08P340 ~~بمشيئته وقدرته وهو خالقه سواء في ذلك أفعال العباد وغيرها ثم قالوا وإذا ~~كان مريدا لكل حادث والإرادة هي المحبة والرضا فهو محب راض لكل حادث وقالوا ~~كل ما في الوجود من كفر وفسوق وعصيان فإن الله راض به محب له كما هو مريد ~~له # فقيل لهم فقد قال تعالى ( لايحب الفساد ) ( ولا يرضى لعباده الكفر ) ~~فقالوا هذا بمنزلة أن يقال لا يريد الفساد ولا يريد لعباده الكفر وهذا يصح ~~على وجهين # إما أن يكو ن خاصا بمن لم يقع منه الكفر والفساد ولا ريب أن الله لا يريد ~~ولا يحب ما لم يقع عندهم فقالوا معناه لا يحب الفساد لعباده المؤمنين ولا ~~يرضاه لهم # وحقيقة قو لهم أن الله أيضا لا يحب الإيمان ولا يرضاه من الكفار فالمحبة ~~والرضا عندهم كالإرادة عندهم متعلقة بما وقع دون ما لم يقع سواء كان مأمورا ~~به أو منهيا عنه وسواء كان من أسباب سعادة العباد أو شقاوتهم وعندهم أن ~~الله يحب ما وجد من الكفر والفسو ق والعصيان ولا يحب ما لم يو جد من ~~الإيمان والطاعة كما أراد هذا دو ن هذا # و ( الو جه الثانى ) قالوا لا يحب الفساد دينا ولا ير ضاه دينا وحقيقة ~~هذا القو ل أنه لايريده دينا فإنه إذا أراد وقوع الشيء على صفة لم يكن ~~مريدا له على خلاف تلك الصفة وهو إذا أراد وقو ع شيء مع شيء PageV08P341 لم ~~يرد وقوعه وحده فإنه إذا أراد أن يخلق زيدا من عمرو لم يرد أن يخلقه من ~~غيره وإذا أراد أن ينزل مطرا فتنبت الأرض به فإنه أراد إنزاله على تلك ~~الصفة وإذا أراد أن يركب البحر قو م فيغرق بعضهم ويسلم بعضهم ويربح بعضهم ~~فإنما ms2548 أراده على تلك الصفة فكذلك الإيمان والكفر قرن بالإيمان نعيم أصحابه ~~وبالكفر عذاب أصحابه وإن لم يكن عندهم جعل شيء لشيء سببا ولا خلق شيء لحكمة ~~لكن جعل هذا مع هذا # وعندهم جعل السعادة مع الإيمان لابه كما يقولون أنه خلق الشبع عند الأكل ~~لابه فالدين الذي أمر به هو ما قرن به سعادة صاحبه في الآخرة والكفر والفسو ~~ق والعصيان عندهم أحبه ورضيه كما أراده لكن لم يحبه مع سعادة صاحبه فلم ~~يحبه دينا كما أنه لم يرده مع سعادة صاحبه دينا # وهذا المشهد الذي شهده أهل الفناء في تو حيد الربوبيه فإنهم رأوا الرب ~~تعالى خلق كل شيء بإرادته وعلم أن سيكو ن ما أراد ولا سبب عندهم لشيء ولا ~~حكمة بل كل الحوادث تحدث بالإرادة ثم الجهم بن صفو ان ونفاة الصفات من ~~المعتزلة ونحو هم لا يثبتون إرادة قائمة بذاته بل إما أن ينفوها وإما أن ~~يجعلو ها بمعنى الخلق والأمر وإما أن يقولوا إحدث إرادة لا في محل # وإما مثبتة الصفات كإبن كلاب والأشعري وغيرهما ممن يثبت PageV08P342 ~~الصفات ولا يثبت إلا واحدا معينا فلا يثبت إلا إرادة واحدة تتعلق بكل حادث ~~وسمعا واحدا معينا متعلقا بكل مسمو ع وبصرا واحدا معينا متعلقا بكل مرئي ~~وكلاما واحدا بالعين يجمع جميع أنواع الكلام كما قد عرف من مذهب هؤلاء ~~فهؤلاء يقولون جميع الحادثات صادرة عن تلك الإرادة الواحدة العين المفردة ~~التى ترجح أحد المتماثلين لا بمرجح وهي المحبة والرضا وغير ذلك # وهؤلاء إذا شهدوا هذا لم يبق عندهم فرق بين جميع الحوادث في الحسن والقبح ~~إلا من حيث موافقتها للإنسان ومخالفة بعضها له فما وافق مراده ومحبو به كان ~~حسنا عنده وما خالف ذلك كان قبيحا عنده فلا يكون في نفس الأمر حسنة يحبها ~~الله ولا سيئة يكرهها إلا بمعنى أن الحسنة هي ما قرن بها لذة صاحبها ~~والسيئة ما قرن بها ألم صاحبها من غير فرق يعود إليه ولا إلى الأفعال أصلا ~~ولهذا كان هؤلاء لا ms2549 يثبتون حسنا ولا قبيحا لا بمعنى الملائم للطبع والمنافى ~~له والحسن والقبح الشرعي هو مادل صاحبه على أنه قد يحصل لمن فعله لذة أو ~~حصول ألم له # ولهذا يجوز عندهم أن يأمر الله بكل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان وينهى ~~عن كل شيء حتى عن الإيمان والتوحيد ويجوز نسخ كل ما أمر به بكل ما نهى عنه ~~ولم يبق عندهم في الوجود خير ولا شر ولا حسن ولا قبيح إلا بهذا الإعتبار ~~فما في الوجود ضر ولا نفع والنفع PageV08P343 والضر أمران إضافيان فربما ~~نفع هذا ما ضر هذا كما يقال # مصائب قوم عند قوم فوائد # فلما كان هذا حقيقة قو لهم الذي يعتقدونه ويشهدو نه صاروا حزبين # ( حزبا ) من أهل الكلام والرأي أقروا بالفرق الطبيعى وقالوا ما ثم فوق ~~إلا الفرق الطبيعى ليس هنا فرق يرجع إلى الله بأنه يحب هذا ويبغض هذا ثم ~~منهم من يضعف عنده الوعد والوعيد إما لقوله بالإرجاء وإما لظنه أن ذلك ~~لمصالح الناس في الدنيا إقامة للعدل كمايقول ذلك من يقوله من المتفلسفة فلا ~~يبقى عنده فرق بين فعل وفعل إلا ما يحبه هو ويبغضه فما أحبه هو كان الحسن ~~الذي ينبغي فعله وما أبغضه كان القبيح الذي ينبغي تركه وهذا حال كثير من ~~أهل الكلام والرأي الذين يرون رأي جهم والأشعرى ونحوهما في القدر تجدهم لا ~~ينتهون في المحبة والبغضة والموالاة والمعاداة إلا إلى محض أهوائهم ~~وإرادتهم وهو الفرق الطبيعي ومن كان منهم مؤمنا بالوعد فإنه قد يفعل ~~الواجبات ويترك المحرمات لكن لأجل ماقرن بهما من الأمور الطبيعية في الآخرة ~~من أكل وشرب ونكاح وهؤلاء ينكرون محبة الله والتلذذ بالنظر إليه وعندهم إذا ~~قيل أن PageV08P344 العباد يتلذذون بالنظر إليه فمعناه أنهم عند النظر يخلق ~~لهم من اللذات بالمخلوقات ما يتلذذون به لا أن نفس النظر إلى الله يوجب لذة ~~وقد ذكر هذا غير واحد منهم أبو المعالي في ( الرسالة النظامية ( وجعل هذا ~~من أسرار التوحيد وهو من إشراك التوحيد الذي يسميه هؤلاء النفاة ms2550 توحيدا ~~لامن أسرار التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فإن المحبة لا ~~تكون إلا لمعنى في المحبوب يحبه المحب وليس عندهم في الموجودات شيء يحبه ~~الرب إلا بمعنى يريده وهو مريد لكل الحوادث ولا في الرب عندهم معنى يحبه ~~العبد وإنما يحب العبد ما يشتهيه وإنما يشتهي الأمور الطبعية الموافقة ~~لطبعه ولا يوافق طبعه عندهم إلا اللذات البدنية كالأكل والشرب والنكاح # و ( الحزب الثانى ) من الصوفية الذي كان هذا المشهد هو منتهى سلوكهم ~~عرفوا الفرق الطبيعى وهم قد سلكوا على ترك هذا الفرق الطبيعي وأنهم يزهدون ~~في حظوظ النفس وأهوائها لا يريدون شيئا لأنفسهم وعندهم أن من طلب شيئا ~~للأكل والشرب في الجنة فإنما طلب هواه وحظه وهذا كله نقص عندهم ينافى حقيقة ~~الفناء في توحيد الربوبية وهو بقاء مع النفس وحظوظها # والمقامات كلها عندهم التوكل والمحبة وغير ذلك إنما هي منازل أهل الشرع ~~السائرين إلى عين الحقيقة فإذا شهدوا توحيد الربوبية كان ذلك عندهم عللا في ~~الحقيقة إما لنقص المعرفة والشهود وإما لأنه ذب عن PageV08P345 النفس وطلب ~~حظوظها فإنه من شهد أن كل ما في الوجود فالرب يحبه ويرضاه ويريده لا فرق ~~عنده بين شيء وشيء إلا أن من الأمور ما معه حظ لبعض الناس من لذة يصيبها ~~ومنها ما معه ألم لبعض الناس فمن كان هذا مشهده فإنه قطعا يرى أن كل من فرق ~~بين شيء وشيء لم يفرق إلا لنقص معرفته وشهوده أن الله رب كل شيء ومريد لكل ~~شيء ومحب على قولهم لكل شيء وإنما لفرق يرجع إلى حظه وهواه فيكون طالبا ~~لحظه ذابا عن نفسه وهذا علة وعيب عندهم فصار # عندهم كل من فرق إما ناقص المعرفة والشهادة وإما ناقص القصد والإرادة ~~وكلاهما علة بخلاف صاحب الفناء في مشهد الربوبية فإنه يشهد كل ما في الوجود ~~بإرادته ومحبته ورضاه عندهم لا فرق بين شيء وشيء فلا يستحسن حسنة ولا ~~يستقبح سيئة كما قاله صاحب منازل السائرين # ولهذا في الكلام المنقول عن الذبيلي ms2551 وأبي يزيد أنه قال إذا رأيت أهل ~~الجنة يتنعمون في الجنة وأهل النار يعذبون في النار فوقع في قلبك فرق خرجت ~~عن حقيقة التوكل أو قال عن التوحيد الذي هو أصل التوكل ومعلوم أن هذا الفرق ~~لا يعدم من الحيوان دائما بل لابد له منه يميل إلى مالا بد له منه من أكل ~~وشرب لكنه في حال الفناء قد يكون مستغرقا في ذلك المشهد ولكن لابد أن يميل ~~إلى أمور يحتاج إليها فيريدها وأمور تضره فيكرهها وهذا فرق طبيعى لا يخلو ~~منه بشر PageV08P346 لكن قد يقولون بالفرق في الأمور الضرورية التى لا يقوم ~~الإنسان إلا بها من طعام ولباس ونحو ذلك فيكتفون في الدنيا والآخرة بما لا ~~بد منه من طعام ولباس ويرون هذا الزهد هو الغاية فيزهدون في كل شيء بمعنى ~~أنهم لا يريدونه ولا يكرهونه ولا يحبونه ولا يبغضونه ويكون زهدهم في ~~المساجد كزهدهم في الحانات ولهذا إذا قدم الشيخ الكبير منهم بلدا يبدأ ~~بالبغايا في الحانات ويقول كيف أنتم في قدر الله فإنه لافرق عنده في هذا ~~المشهد بين المساجد والكنائس والحانات وبين أهل الصلاة والإحرام وقراءة ~~القرآن وأهل الكفر وقطاع الطريق والمشركين بالرحمن # ولا ريب أن فناءهم وغيبتهم عن شهود ( الإلهية والنبوة ( شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله وما تضمنه من الفرق يرجع إلى نقص العلم ~~والشهود والإيمان والتوحيد فشهدوا نعتا من نعوت الرب وغابوا عن آخر وهذا ~~نقص # وقد يرون أن شهود الذات مجردة عن الصفات أكمل ويقولون شهود الأفعال ثم ~~شهود الصفات ثم شهود الذات المجردة وربما جعلوا الأول للنفس والثاني للقلب ~~والثالث للروح ويجعلون هذا النقص من إيمانهم ومعرفتهم وشهودهم هو الغاية ~~فيكونون مضاهين للجهمية نفاة الصفات حيث أثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات ~~وقالوا هذا هو الكمال لكن أولئك يقولون بإنتفائها في الخارج فيقولون أنهم ~~يشهدون أنها منتفية وهؤلاء يثبتونها في في PageV08P347 الخارج علما ~~وإعتقادا ولكن يقولون الكمال في أن يغيب عن شهودها ولا يشهدون نفيها لكن لا ~~يشهدون ms2552 ثبوتها وهذا نقص عظيم وجهل عظيم # أما # ( أولا ) فلأنهم شهدوا الأمر على خلاف ما هو عليه فذات مجردة عن الصفات ~~لا حقيقة لها في الخارج # وأما ( الثانى ( فهو مطلوب الشيطان من التجهم ونفى الصفات فإن عدم العلم ~~والشهود لثبوتها يوافق فيه الجهمي المعتقد لإنتفائها ومن قال إعتقد أن ~~محمدا ليس برسول وقال الآخر وإن كنت أعلم رسالته فأنا أفنى عنها فلا أذكرها ~~ولا أشهدها فهذا كافر كالأول فالكفر عدم تصديق الرسول سواء كان معه إعتقاد ~~تكذيب أم لا بل وعدم الإقرار بما جاء به والمحبة له فمن الزم قلبه أن يغيب ~~عن معرفة صفات الله كما يعرف ذاته وإلزم قلبه أن يشهد ذاتا مجردة عن الصفات ~~فقد ألزم قلبه أن لايحصل له مقصود الإيمان بالصفات وهذا من أعظم الضلال # وأهل الفناء في توحيد الربوبية قد يظن أحدهم أنه إذا لم يشهد إلا فعل ~~الرب فيه فلا إثم عليه وهم في ذلك بمنزلة من أكل السموم القاتلة وقال أنا ~~أشهد أن الله هو الذي أطعمني فلا يضرني وهذا جهل عظيم فإن الذنوب والسيئات ~~تضر الإنسان أعظم مما تضره السموم وشهوده أن الله فاعل ذلك PageV08P348 لا ~~يدفع ضررها ولو كان هذا دافعا لضررها لكان أنبياء الله وأولياؤه المتقون ~~أقدر على هذا الشهود الذي يدفعون به عن أنفسهم ضرر الذنوب # ومن هؤلاء من يظن أن الحق إذا وهبه حالا يتصرف به وكشفا لم يحاسبه على ~~تصرفه به وهذا بمنزلة من يظن أنه إذا أعطاه ملكا لم يحاسبه على تصرفه فيه ~~وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما ~~منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( فبين أنه مع أنه المعطى المانع فلا ينفع ~~المجدود جده إنما ينفعه الإيمان والعمل الصالح # فهذا أصل عظيم ضل بالخطأ فيه خلق كثير حتى آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ~~أن جعلوا أولياء الله المتقين يقاتلون أنبياءه ويعاونون أعداءه وأنهم ~~مأمورون بذلك وهو أمر شيطاني قدري ولهذا يقول من يقول منهم ms2553 أن الكفار لهم ~~خفراء من أولياء الله كما للمسلمين خفراء من أولياء الله ويظن كثير منهم أن ~~أهل الصفة قاتلوا النبى صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي فقال ( يا ~~أصحابى تخلونى وتذهبون عني ( فقالوا نحن مع الله من كان مع الله كنا معه # ويجوزون قتال الأنبياء وقتلهم كما قال شيخ مشهور منهم كان بالشام لو قتلت ~~سبعين نبيا ما كنت مخطئا فانه ليس في مشهدهم لله محبوب مرضي مراد إلا ما ~~وقع فما وقع فالله يحبه ويرضاه وما لم يقع فالله لايحبه ولا يرضاه ~~PageV08P349 و الواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته فما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن فهم من غلب كانوا معه لأن من غلب كان القدر معه والمقدور عندهم ~~هو محبوب الحق فإذا غلب الكفار كانوا معهم وإذا غلب المسلمون كانوا معهم ~~وإذا كان الرسول منصورا كانوا معه وإذا غلب أصحابه كانوا مع الكفار الذين ~~غلبوهم # وهؤلاء الذين يصلون إلى هذا الحد غالبهم لا يعرف وعيد الآخرة فإن من أقر ~~بوعيد الآخرة وأنه للكفار لم يمكنه أن يكون معاونا للكفار مواليا لهم على ~~ما يوجب وعيد الآخرة لكن قد يقولون بسقوطه مطلقا وقد يقولون بسقوطه عمن شهد ~~توحيد الربوبية وكان في هذه الحقيقة القدرية وهذا يقوله طائفة من شيوخهم ~~كالشيخ المذكور وغيره فلهذا يوجد هؤلاء الذين يشهدون القدر المحض وليس ~~عندهم غيره إلا ما هو قدر أيضا من نعيم أهل الطاعة وعقوبة أهل المعصية لا ~~يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ولا يجاهدون في سبيل الله بل ولا ~~يدعون الله بنصر المؤمنين على الكفار بل إذا رأى أحدهم من يدعوا قال الفقير ~~أو المحقق أو العارف ما له يفعل الله ما يشاء وينصر من يريد فإن عنده أن ~~الجميع واحد بالنسبة إلى الله وبالنسبة إليه أيضا فإنه ليس له غرض في نصر ~~إحدى الطائفتين لا من جهة ربه فإنه لافرق على رأيه عند الله تعالى بينهما ~~ولا من جهة نفسه فإن حظوظه لا تنقص بإستيلاء ms2554 الكفار بل كثير منهم تكون ~~PageV08P350 حظوظه الدنيوية مع إستيلاء الكفار والمنافقين والظالمين أعظم ~~فيكون هواه أعظم # وعامة من معهم من الخفراء هم من هذا الضرب فإن لهم حظوظا ينالونها ~~بإستيلائهم لا تحصل لهم بإستيلاء المؤمنين وشياطينهم تحب تلك الحظوظ ~~المذمومة وتغريهم بطلبهم وتخاطبهم الشياطين بأمر ونهي وكشف يظنونه من جهة ~~الله وأن الله هو أمرهم ونهاهم وأنه حصل لهم من المكاشفة ما حصل لأولياء ~~الله المتقين ويكون ذلك كله من الشياطين وهم لا يفرقون بين الأحوال ~~الرحمانية والشيطانية لأن الفرق مبني على شهود الفرق من جهة الرب تعالى ~~وعندهم لا فرق بين الأمور الحادثة كلها من جهة الله تعالى إنما هو مشيئة ~~محضة تناولت الأشياء تناولا واحدا فلا يحب شيئا ولا يبغض شيئا # ولهذا يشترك هؤلاء في جنس السماع الذي يثير ما في النفوس من الحب والوجد ~~والذوق فيثير من قلب كل أحد حبه وهواه وأهواؤهم متفرقة فإنهم لم يجتمعوا ~~على محبة ما يحبه الله ورسوله إذ كان محبوب الحق على أصل قولهم هو ما قدره ~~فوقع وإذا إختلفت أهواؤهم في الوجد إختلفت أهواء شياطينهم فقد يقتل بعضهم ~~بعضا بشياطينه لأنها أقوى من شياطين ذاك وقد يسلبه ما معه من الحال الذي هو ~~التصرف والمكاشفة الحاصلة له بسبب شياطينهم فتكون شياطينه هربت من شياطين ~~ذلك فيضعف أمره ويسلب حاله كمن كان ملكا له أعوان فأخذت أعوانه فيبقى ذليلا ~~لا ملك له PageV08P351 # فكثير من هؤلاء كالملوك الظلمة الذين يعادي بعضهم بعضا إما مقتول وإما ~~مأسور وإما مهزوم فإن منهم من يأسر غيره فيبقى تحت تصرفه ومنهم من يسلبه ~~غيره فيبقى لاحال له كالملك المهزوم فهذا كله من تفريع أصل الجهمية الغلاة ~~في الجبر في القدر # وإنما يخلص من هذا كله من أثبت لله محبته لبعض الأمور وبغضه لبعضها وغضبا ~~من بعضها وفرحا ببعضها وسخطا لبعضها كما أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب ~~وهذا هو الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويعلم أن ~~التوحيد الذي بعثت به ms2555 الرسل أن يعبد الله وحده لاشريك له فيعبد الله دون ما ~~سواه # وعبادته تجمع كمال محبته وكمال الذل له كما قال تعالى ( وانيبوا إلى ربكم ~~واسلموا له ) فينيب قلبه إلى الله ويسلم له ويتبع ملة إبراهيم حنيفا ( ومن ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا ) ويعلم أن ما أمر الله ورسوله به فإن الله يحبه ويرضاه وما ~~نهى عنه فإنه يبغضه وينهى عنه ويمقت عليه ويسخط على فاعله فصار يشهد الفرق ~~من جهة الحق تعالى # ويعلم أن الله تعالى يحب أن يعبد وحده لا شريك له ويبغض من يجعل له ~~أندادا يحبونهم كحب الله وإن كانوا مقرين بتوحيد الربوبية كمشركي ~~PageV08P352 العرب وغيرهم وأن هؤلاء القدرية الجبرية الجهمية أهل الفناء في ~~توحيد الربوبية حقيقة قولهم من جنس قول المشركين الذين قالوا ( لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) قال الله تعالى ( كذلك كذب الذين ~~من قبلهم حتى ذاقو ا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجو ه لنا أن تتبعو ن إلا ~~الظن وإن أنتم إلا تخرصو ن قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ) # فإن هؤلاء المشركين لما أنكروا ما بعثت به الرسل من الأمر والنهي وأنكروا ~~التوحيد الذي هو عبادة الله وحده لاشريك له وهم يقرون بتوحيد الربوبية وأن ~~الله خالق كل شيء ما بقي عندهم من فرق من جهة الله تعالى بين مأمور ومحظور ~~فقالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) وهذا حق فإن ~~الله لوشاء أن لايكون هذا لم يكن لكن أي فائدة لهم في هذا هذا غايته أن هذا ~~الشرك والتحريم بقدر ولا يلزم إذا كان مقدورا أن يكون محبوبا مرضيا لله ولا ~~علم عندهم بأن الله أمر به ولا أحبه ولا رضيه بل ليسوا في ذلك إلا على ظن ~~وخرص # فإن إحتجوا بالقدر فالقدر عام لايختص بحالهم # وإن قالوا نحن نحب هذا ونسخط هذا فنحن نفرق ms2556 الفرق الطبيعى لإنتفاء الفرق ~~من جهة الحق قال تعالى لاعلم عندكم بإنتفاء الفرق من جهة الله تعالى ~~والجهمية المثبتة للشرع تقول بأن الفرق الثابت هو أن التوحيد PageV08P353 ~~قرن به النعيم والشرك قرن به العذاب وهو الفرق الذي جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهو عندهم يرجع إلى علم الله بما سيكون واخباره بل هؤلاء لا يرجع ~~الفرق عندهم إلى محبة منه لهذا وبغض لهذا # وهولاء يوافقون المشركين في بعض قولهم لا في كله كما أن القدرية من الأمة ~~الذين هم مجوس الأمة يوافقون المجوس المحضة في بعض قولهم لا في كله وإلا ~~فالرسول قد دعاهم إلى عبادة الله وحده لاشريك له وإلى محبة الله دون ما ~~سواه وإلى أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما والمحبة تتبع الحقيقة ~~فإن لم يكن المحبوب في نفسه مستحقا أن يحب لم يجز الأمر بمحبته فضلا عن أن ~~يكون أحب إلينا من كل ما سواه وإذا قيل ( محبته ( محبة عبادته وطاعته قيل ~~محبة العبادة والطاعة فرع على محبة المعبود المطاع وكل من لم يحب في نفسه ~~لم تحب عبادته وطاعته ولهذا كان الناس يبغضون طاعة الشخص الذى يبغضونه ولا ~~يمكنهم مع بغضه محبة طاعته إلا لغرض آخر محبوب مثل عوض يعطيهم على طاعته ~~فيكون المحبوب في الحقيقة هو ذلك العوض فلا يكون الله ورسوله أحب إليهم مما ~~سواهما إلا بمعنى أن العوض الذي يحصل من المخلوقات أحب إليهم من كل شيء ~~ومحبة ذلك العوض مشروط بالشعور به فما لايشعر به تمتنع محبته فإذا قيل هم ~~قد وعدوا على محبة الله ورسوله بأن يعطوا أفضل محبوباتهم المخلوقة ~~PageV08P354 قيل لا معنى لمحبة الله ورسوله عندكم إلا محبة ذلك العوض ~~والعوض غير مشعور به حتى يحب وإذا قيل بل إذا قال من قال لا يحب غيره إلا ~~لذاته المعنى أنك إذا أطعتني أعطيتك اعظم ما تحبه صار محبا لذلك الآمر له ~~قيل ليس الأمر كذلك بل يكون قلبه فارغا من محبة ذلك الآمر وإنما هو ms2557 معلق ~~بما وعده من العوض على عمله كالفعلة الذين يعملون من البناء والخياطة ~~والنساجة وغير ذلك ما يطلبون به أجورهم فهم قد لا يعرفون صاحب العمل أو لا ~~يحبونه ولا لهم غرض فيه إنما غرضهم في العوض الذي يحبونه # وهذا أصل قول الجهمية القدرية والمعتزلة الذين ينكرون محبة الله تعالى ~~ولهذا قالت المعتزلة ومن اتبعها من الشيعة أن معرفة الله وجبت لكونها لطفا ~~في إداء الواجبات العقلية فجعلوا أعظم المعارف تبعا لما ظنوه واجبا بالعقل ~~وهم ينكرون محبة الله والنظر إليه فضلا عن لذة النظر # وبن عقيل لما كان في كثير من كلامه طائفة من كلام المعتزلة سمع رجلا يقول ~~اللهم أنى أسالك لذة النظر إلى وجهك فقال يا هذا هب أن له وجها أفتتلذذ ~~بالنظر إليه وهذا اللفظ مأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ~~رواه النسائى وغيره عن عمار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال في الدعاء ~~( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما كانت الحياة خيرا لي وتوفنى ~~إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إنى اسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك ~~كلمة الحق في الغضب والرضا واسألك القصد في الفقر والغنى واسألك نعيما لا ~~ينفد واسألك قرة عين لاتنقطع وأسألك PageV08P355 الرضا بعد القضاء وبرد ~~العيش بعد الموت واسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك من غير ~~ضراء مضرة ولا فتنة مضله اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ( # وقد روي هذا اللفظ من وجه آخر عن النبى صلى الله عليه وسلم أظنه من رواية ~~زيد بن ثابت ومعناه في الصحيح من حديث صهيب عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال ( إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة ( يعنى قوله ( للذين ms2558 احسنوا ~~الحسنى وزيادة ) # فقد أخبر أنه ليس فيما أعطوه من النعيم أحب إليهم من النظر وإذا كان ~~النظر إليه أحب الأشياء إليهم علم أنه نفسه أحب الأشياء إليهم وإلا لم يكن ~~النظر أحب أنواع النعيم إليهم فإن محبة الرؤية تتبع محبة المرئى ومالا يحب ~~ولا يبغض في نفسه لا تكون رؤيته أحب إلى الإنسان من جميع أنواع النعيم # و ( في الجملة ( فإنكار الرؤية والمحبة والكلام أيضا معروف من كلام ~~الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم والأشعرية ومن تابعهم يوافقونهم على ~~PageV08P356 نفي المحبة ويخالفونهم في إثبات الرؤية ولكن الرؤية التى ~~يثبتونها لاحقيقة لها # وأول من عرف عنه في الإسلام أنه أنكر أن الله يتكلم وأن الله يحب عباده ( ~~الجعد بن درهم ( ولهذا أنكر أن يكون إتخذ الله إبراهيم خليلا أو كلم موسى ~~تكليما فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال ضحوا أيها الناس تقبل الله ~~ضحاياكم فإنى مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقوله الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحة # وأما ( الصوفية ( فهم يثبتون المحبة بل هذا أظهر عندهم من جميع الأمور ~~وأصل طريقتهم إنما هي الإرادة والمحبة وإثبات محبة الله مشهور في كلام ~~أوليهم وآخريهم كما هو ثابت بالكتاب والسنة وإتفاق السلف # والمحبة جنس تحته أنواع كثيرة فكل عابد محب لمعبوده فالمشركون يحبون ~~آلهتهم كما قال الله تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله # والذين آمنوا أشد حبا لله وفيه قولان # ( أحدهما ) يحبونهم كحب المؤمنين لله و ( الثانى ) يحبونهم كما ~~PageV08P357 يحبون الله لأنه قد قال ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) فلم يمكن ~~أن يقال إن المشركين يعبدون آلهتهم كما يعبد الموحدون الله بل كما يحبون هم ~~الله فإنهم يعدلون آلهتهم برب العالمين كما قال ( ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون ) وقال ( تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ) # وقد قال بعض من نصر القول الأول في الجواب عن حجة ( القول الثاني ms2559 ) قال ~~المفسرون قوله ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) أي أشد حبا لله من المشركين ~~لآلهتهم فيقال له ما قاله هؤلاء المفسرون مناقض لقولك فإنك تقول إنهم يحبون ~~الأنداد كحب المؤمنين لله وهذا يناقض أن يكون المؤمنون أشد حبا لله من ~~المشركين لأربابهم فتبين ضعف هذا القول وثبت أن المؤمنين يحبون الله أكثر ~~من محبة المشركين لله ولآلهتهم لأن أولئك أشركوا في المحبة والمؤمنون ~~أخلصوها كلها لله # و ( أيضا ) فقوله ( كحب الله ) أضيف فيه المصدر إلى المحبوب المفعول وحذف ~~فاعل الحب فإما أن يراد كما يحب الله من غير تعيين فاعل فيبقي عاما في حق ~~الطائفتين وهذا يناقض قوله ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) وإما أن يراد ~~كحبهم لله ولا يجوز أن يراد كما يحب غيرهم لله إذ ليس في الكلام ما يدل على ~~هذا بخلاف حبهم فإنه قد دل عليه قوله ( ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله ) فأضاف الحب المشبه إليهم PageV08P358 فكذلك الحب ~~المشبه لهم إذ كان سياق الكلام يدل عليه إذا قال يحب زيدا كحب عمرو أو يحب ~~عليا كحب أبي بكر أو يحب الصالحين من غير أهله كحب الصالحين من أهله أو قيل ~~يحب الباطل كحب الحق أو يحب سماع المكاء والتصدية كحب سماع القرآن وأمثال ~~ذلك لم يكن المفهوم إلا أنه هو المحب للمشبه والمشبه به وأنه يحب هذا كما ~~يحب هذا لا يفهم منه أنه يحب هذا كما يحب غيره هذا إذ ليس في الكلام ما يدل ~~على محبة غيره أصلا # والمقصود أن المحبة تكون لما يتخذ إلها من دون الله وقد قال تعالى ( ~~أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ) فمن كان يعبد ما يهواه فقد ~~إتخذ إلهه هواه فما هويه ( هوية ) إلهه فهو لا يتأله من يستحق التأله بل ~~يتأله ما يهواه وهذا المتخذ إلهه هواه له محبة كمحبة المشركين لآلهتهم ~~ومحبة عباد العجل له وهذه محبة مع الله لا محبة لله وهذه محبة أهل الشرك # والنفوس ms2560 قد تدعي محبة الله وتكون في نفس الأمر محبة شرك تحب ما تهواه وقد ~~أشركته في الحب مع الله وقد يخفى الهوى على النفس فإن حبك الشيء يعمى ويصم # وهكذا الأعمال التى يظن الإنسان أنه يعملها لله وفى نفسه شرك قد خفي ~~PageV08P359 عليه وهو يعمله إما لحب رياسة وإما لحب مال وإما لحب صورة ~~ولهذا قالوا يارسول الله الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء فأي ذلك في سبيل ~~الله فقال ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ( # فلما صار كثير من الصوفية النساك المتأخرين يدعون المحبة ولم يزنوها ~~بميزان العلم والكتاب والسنة دخل فيها نوع من الشرك وإتباع الأهواء والله ~~تعالى قد جعل محبته موجبة لإتباع رسوله فقال ( قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعونى يحببكم الله ) وهذا لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله ~~وليس شيء يحبه الله إلا والرسول يدعو إليه وليس شيء يدعو إليه الرسول إلا ~~والله يحبه فصار محبوب الرب ومدعو الرسول متلازمين بل هذا هو هذا في ذاته ~~وإن تنوعت الصفات # فكل من إدعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب ليست محبته لله وحده ~~بل إن كان يحبه فهي محبة شرك فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى ~~محبة الله فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب فكانوا يتبعون ~~الرسول فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة ~~المشركين # وهكذا أهل البدع فمن قال أنه من المريدين لله المحبين له وهو لايقصد ~~PageV08P360 إتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه فمحبته فيها ~~شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدعة فإن البدع ~~التى ليست مشروعة وليست مما دعا إليه الرسول لايحبها الله فإن الرسول دعا ~~إلى كل ما يحبه الله فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر # و ( أيضا ) فمن تمام محبة الله ورسوله بغض من حاد الله ورسوله والجهاد في ~~سبيله لقو له تعالى ( لا ms2561 تجد قو ما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادو ن من ~~حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أو لئك ~~كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) وقال تعالى ( ترى كثيرا منهم ~~يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم إن سخط الله عليهم وفي العذاب ~~هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما أتخذوهم أولياء ~~ولكن كثيرا منهم فاسقون ) وقال تعالى ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم أنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا ~~بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) # فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومن معه حيث أبدوا العداوة والبغضاء ~~لمن أشرك حتى يؤمنو ا بالله وحده فأين هذا من حال من لا يستحسن حسنة ولا ~~يستقبح سيئة PageV08P361 # وهؤلاء سلكوا طريق الإرادة والمحبة مجملا من غير إعتصام بالكتاب والسنة ~~كما سلك أهل الكلام والرأي طريق النظر والبحث من غير إعتصام بالكتاب والسنة ~~فوقع هؤلاء في ضلالات وهؤلاء في ضلالات كما قال تعالى ( فإما يأتينكم منى ~~هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يو م القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) وقال ( وإن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعو ه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) وقال ( إن هذا القرآن يهدي ~~للتى هي أقوم ) وقال ( قد جاءكم الحق من ربكم فمن إهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ومن ضل فإنما يضل عليها ) ومثل هذا كثير في القرآن # وقد بسط الكلام على هذا الأصل في غير هذا الموضع # فإن قيل صاحب الفناء في توحيد الربوبية قد شهد أن الرب خلق كل شيء وقد ~~يكون ممن يثبت الحكمة فيقول إنما خلق المخلوقات لحكمة وهو يحب تلك الحكمة ~~ويرضاها وإنما خلق ما يكرهه لما يحبه والذين فرقوا بين المحبة والإرادة ~~قالوا المريض يريد ms2562 الدواء ولا يحبه وإنما يحب ما يحصل به وهو العافية وزوال ~~المرض فالرب تعالى خلق الأشياء كلها بمشيئته فهو مريد لكل ما خلق ولما أحبه ~~من الحكمة وإن كان لا يحب بعض المخلوقات من الأعيان والأفعال لكنه يحب ~~الحكمة التى خلق لأجلها فالعارف إذا شهد PageV08P362 هذا أحب أيضا أن يخلق ~~لتلك الحكمة وتكون الأشياء مرادة محبوبة له كما هي للحق فهو وإن كره الكفر ~~والفسوق والعصيان لكن ما خلقه الله منه خلقه لحكمة وإرادة فهو مراد محبو ب ~~بإعتبار غايته لا بإعتباره في نفسه قيل من شهد هذا المشهد فهو يستحسن ما ~~حسنه الله وأحبه ورضيه ويستقبح ما كرهه الله وسخطه ولكن إذا كان الله خلق ~~هذا المكروه لحكمة يحبها فالعارف هو أيضا يكرهه ويبغضه كما كرهه الله ولكن ~~يحب الحكمة التى خلق لأجلها فيكون حبه وعلمه موافقا لعلم الله وحبه لا ~~مخالفا والله عليم حكيم فهو يعلم الأشياء على ما هي عليه وهو حكيم فيما ~~يحبه ويريده ويتكلم به وما يأمر به ويفعله فإن كان يعلم أن الفعل الفلانى ~~والشيء الفلانى متصف بما هو مذموم لأجله مستحق للبغض والكراهة كان من حكمته ~~أن يبغضه ويكرهه وإذا كان يعلم أن في وجوده حصول حكمة محبوبة محمودة كان من ~~حكمته أنه يخلقه ويريده لأجل تلك الحكمة المحبوبة التى هي وسيلة إلى حصوله # وإذا قيل أن هذا ( الوسط ( يحب بإعتبار أنه وسيلة إلى محبوب لذاته ويبغض ~~بإعتبار ما إتصف به من الصفات المذمومة كان هذا حسنا كما تقول إن الإنسان ~~قد يبغض الدواء من وجه ويحبه من وجه وكذلك أمور كثيرة تحب من وجه وتبغض من ~~وجه PageV08P363 و ( أيضا ) يجب الفرق بين أن يكون مضرا بالشخص مكروها له ~~بكل إعتبار وبين أن يكون الله خلقه لحكمة في ذلك # وإذا كان الله خلق كل شيء لحكمة له في ذلك فإذا شهد العبد أن له حكمة ~~ورأى هذا مع الجمع الذي يشترك فيه المخلوقات فلا يمنعه ذلك أن يشهد ما ~~بينهما من الفرق الذي ms2563 فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار بل لا بد من ~~شهود هذا الفرق في ذلك الجمع وهذا الشهود مطابق لعلم الله وحكمته والله ~~أعلم # وقد قال تعالى ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال إقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم ~~الفاسقين ) فأخبر أن من كانت محبوباته أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في ~~سبيله فهو من أهل الوعيد وقال في الذين يحبهم ويحبونه ( فسوف يأتى الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ) # فلا بد لمحب الله من متابعة الرسول والمجاهدة في سبيل الله بل هذا لازم ~~لكل مؤمن قال تعالى ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله PageV08P364 و رسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) ~~فهذا حب المؤمن لله # وأما ( المحبة الشركية ( فليس فيها متابعة للرسول ولا بغض لعدوه ومجاهدة ~~له كما يوجد في اليهود والنصارى والمشركين يدعون محبة الله ولا يتابعون ~~الرسول ولا يجاهدون عدوه # وكذلك ( أهل البدع ( المدعون للمحبة لهم من الإعراض عن إتباع الرسول بحسب ~~بدعتهم وهذا من حبهم لغير الله وتجدهم من أبعد الناس عن موالاة أولياء ~~الرسول ومعاداة أعدائه والجهاد في سبيله لما فيهم من البدع التى هي شعبة من ~~الشرك # والذين إدعوا المحبة من ( الصوفية ( وكان قولهم في القدر من جنس قول ~~الجهمية المجبرة هم في آخر الأمر لا يشهدون للرب محبوبا إلا ما وقع وقدر ~~وكل ما وقع من كفر وفسوق وعصيان فهو محبوبه عندهم فلا يبقى في هذا الشهود ~~فرق بين موسى وفرعون ولا بين محمد وأبى جهل ولا بين أولياء الله وأعدائه ~~ولا بين عبادة الله وحده وعبادة الأوثان بل هذا كله عند الفاني في توحيد ~~الربوبية سواء ولا يفرق بين حادث وحادث إلا من جهة ما يهواه ويحبه وهذا هو ~~الذى إتخذ إلهه هواه ms2564 إنما يأله ويحب ما يهواه وهو وإن كان عنده محبة لله ~~فقد إتخذ من دون الله أندادا يحبهم كحب الله وهم PageV08P365 من يهواه هذا ~~مادام فيه محبة لله وقد ينسلخ منها حتى يصير إلى التعطيل كفرعون وأمثاله ~~الذي هو أسوء حالا من مشركي العرب ونحوهم # ولهذا هؤلاء يحبون بلا علم ويبغضون بلا علم والعلم ما جاء به الرسول كما ~~قال ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) وهو الشرع المنزل ولهذا كان ~~الشيوخ العارفون كثيرا ما يوصون المريدين بإتباع العلم والشرع كما قد ذكرنا ~~قطعة من كلامهم في غير هذا الموضع لأن الأرادة والمحبة إذا كانت بغير علم ~~وشرع كانت من جنس محبة الكفار وإرادتهم فهؤلاء السالكون المريدون الصوفية ~~والفقراء الزاهدون العابدون الذين سلكوا طريق المحبة والأرادة أن لم يتبعوا ~~الشرع المنزل والعلم الموروث عن النبى صلى الله عليه وسلم فيحبون ماأحب ~~الله ورسوله ويبغضون ما أبغض الله ورسوله وإلا أفضى بهم الأمر إلى شعب من ~~شعب الكفر والنفاق # ولا يتم الإيمان والمحبة لله إلا بتصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما ~~أمر # ومن الإيمان بما أخبر الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فمن نفى ~~الصفات فقد كذب خبره # ومن الإيمان بما أمر فعل ما أمر وترك ما حظر ومحبة الحسنات وبغض ~~PageV08P366 السيئات ولزوم هذا الفرق إلى الممات فمن لم يستحسن الحسن ~~المأمور به ولم يستقبح السيء المنهي عنه لم يكن معه من الإيمان شيء كما قال ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن ~~لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ( وكما قال في ~~الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ~~ما من نبى بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب ~~يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ~~ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم ms2565 بلسانه فهو مؤمن ~~ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ( رواه مسلم # فأضعف الإيمان الإنكار بالقلب فمن لم يكن في قلبه بغض المنكر الذي يبغضه ~~الله ورسوله لم يكن معه من الإيمان شيء # ولهذا يوجد المبتدعون الذين يدعون المحبة المجملة المشتركة التى تضاهي ~~محبة المشركين يكرهون من ينكر عليهم شيئا من أحوالهم ويقولون فلان ينكر ~~وفلان ينكر وقد يبتلون كثيرا بمن ينكر ما معهم من حق وباطل فيصير هذا يشبه ~~النصرانى الذي يصدق بالحق والباطل ويحب الحق والباطل كالمشرك الذي يحب الله ~~ويحب الأنداد وهذا كاليهودي الذي يكذب بالحق والباطل ويبغض الحق والباطل ~~فلا يحب الله ولا يحب الأنداد بل يستكبر عن عبادة الله كما إستكبر فرعون ~~وأمثاله PageV08P367 # وهذا موجود كثيرا في أهل البدع من أهل الإرادة والبدع من أهل الكلام ~~هؤلاء يقرون بالحق والباطل مضاهاة للنصارى وهؤلاء يكذبون بالحق والباطل ~~مضاهاة لليهود وإنما دين الإسلام وطريق أهل القرآن والإيمان إنكار ما يبغضه ~~الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله والتصديق بالحق والتكذيب بالباطل ~~فهم في تصديقهم ومحبتهم معتدلون يصدقون بالحق ويكذبون بالباطل ويحبون الحق ~~ويبغضون الباطل يصدقون بالحق الموجود ويكذبون بالباطل المفقود ويحبون الحق ~~الذي يحبه الله ورسوله وهو المعروف الذي أمر الله ورسوله به ويبغضون المنكر ~~الذي نهى الله ورسوله عنه وهذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين لا طريق المغضوب عليهم ~~الذين يعرفون الحق فلا يصدقون به ولا يحبونه ولا الضالين الذين يعتقدون ~~ويحبون ما لم ينزل الله به سلطانا # و ( المقصود ) هنا أن المحبة الشركية البدعية هي التى أوقعت هؤلاء في أن ~~آل أمرهم إلى أن لايستحسنوا حسنة ولا يستقبحوا سيئة لظنهم إن الله لا يحب ~~مأمورا ولا يبغض محظورا فصاروا في هذا من جنس من أنكر أن الله يحب شيئا ~~ويبغض شيئا كما هو قول الجهمية نفاة الصفات وهؤلاء قد يكون أحدهم مثبتا ~~لمحبة الله ورضاه وفى أصل إعتقاده إثبات الصفات لكن إذا ms2566 جاء إلى القدر لم ~~يثبت شيئا غير الإرادة الشاملة وهذا وقع فيه PageV08P368 طو ائف من مثبتة ~~الصفات تكلمو ا في القدر بما يوافق رأى جهم والأشعرية فصاروا مناقضين لما ~~أثبتوه من الصفات كحال صاحب ( منازل السائرين ( وغيره # وأما أئمة الصو فية والمشايخ المشهورون من القدماء مثل الجنيد بن محمد ~~وأتباعه ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله فهؤلاء من أعظم الناس لزو ما للأمر ~~والنهي وتوصية بإتباع ذلك وتحذيرا من المشي مع القدر كما مشى أصحابهم أولئك ~~وهذا هو ( الفرق الثاني ( الذي تكلم فيه الجنيد مع أصحابه والشيخ عبد ~~القادر كلامه كله يدو ر على إتباع المأمور وترك المحظو ر والصبر على ~~المقدور ولا يثبت طريقا تخالف ذلك أصلا لاهو ولا عامة المشايخ المقبولين ~~عند المسلمين ويحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون إتباع الأمر والنهي كما ~~أصاب أو لئك الصوفية الذين شهدوا القدر وتوحيد الربوبية وغابوا عن الفرق ~~الإلهي الديني الشرعي المحمدي الذي يفرق بين محبو ب الحق ومكروهة ويثبت أنه ~~لا إله إلا هو # وهذا من أعظم ما تجب رعايته على أهل الإرادة والسلوك فإن كثيرا من ~~المتأخرين زاغ عنه فضل سواء السبيل وإنما يعرف هذا من تو جه بقلبه وإنكشفت ~~له حقائق الأمور وصار يشهد الربوبية العامة والقيومية الشاملة فإن لم يكن ~~معه نور الإيمان والقرآن الذي يحصل به الفرقان حتى يشهد الإلهية التى تميز ~~بين أهل التوحيد والشرك وبين ما يحبه الله وما يبغضه وبين PageV08P369 ما ~~أمر به الرسول وبين ما نهى عنه وإلا خرج عن دين الإسلام بحسب خرو جه عن هذا ~~فإن الربو بية العامة قد أقر بها المشركو ن الذين قال فيهم ( وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركو ن ) # وإنما يصير الرجل مسلما حنيفا موحدا إذا شهد أن لا إله إلا الله فعبد ~~الله وحده بحيث لا يشرك معه أحدا في تألهه ومحبته له وعبو ديته وإنابته ~~إليه وإسلامه له ودعائه له والتو كل عليه وموالاته فيه ومعاداته فيه ومحبته ~~ما يحب وبغضه ما يبغض ms2567 ويفنى بحق التو حيد عن باطل الشرك وهذا فناء يقارنه ~~البقاء فيفنى عن تأله ماسوى الله بتأله الله تحقيقا لقو له لا إله إلا الله ~~فينفي ويفنى من قلبه تأله ما سواه ويثبت ويبقي في قلبه تأله الله وحده وقد ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( من مات وهو يعلم أن لا ~~إله إلا الله دخل الجنة ( وفى الحديث الآخر ( من كان آخر كلامه لا إله إلا ~~الله دخل الجنة ( وقال في الصحيح ( لقنوا مو تاكم لا إله إلا الله ( فإنها ~~حقيقة دين الإسلام فمن مات عليها مات مسلما ( # والله تعالى قد أمرنا ألا نمو ت إلا على الإسلام في غير موضع كقوله تعالى ~~( إتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمو ن ) وقال الصديق ( توفني ~~مسلما والحقني بالصالحين ) والصحيح من القولين أنه لم يسأل الموت ولم يتمنه ~~وإنما سأل أنه إذا مات يموت على الإسلام فسأل الصفة لا المو صوف كما أمر ~~الله بذلك وأمر به خليله إبراهيم وإسرائيل وهكذا قال غير واحد من العلماء ~~منهم بن عقيل وغيره والله تعالى أعلم PageV08P370 و قال شيخ الإسلام أحمد ~~بن تيمية رحمه الله تعالى ### ||| فصل # قد تكلم الناس من أصحابنا وغيرهم في ( إستطاعة العبد ( هل هي مع فعله أم ~~قبله وجعلوها قولين متناقضين فقوم جعلوا الأستطاعة مع الفعل فقط وهذا هو ~~الغالب على مثبتة القدر المتكلمين من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحابنا ~~وغيرهم # وقوم جعلوا الإستطاعة قبل الفعل وهو الغالب على النفاة من المعتزلة ~~والشيعة وجعل الأولون القدرة لاتصلح إلا لفعل واحد إذ هي مقارنة له لا تنفك ~~عنه وجعل الآخرون الإستطاعة لا تكون إلا صالحة للضدين ولا تقارن الفعل أبدا ~~والقدرية أكثر إنحرافا فإنهم يمنعون أن يكون مع الفعل قدرة بحال فإن عندهم ~~أن المؤثر لا بد أن يتقدم على الأثر لا يقارنه بحال سواء في ذلك القدرة ~~والإرادة والأمر PageV08P371 # والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الإستطاعة متقدمة على الفعل ~~ومقارنة له أيضا وتقارنه ms2568 أيضا إستطاعة أخرى لا تصلح لغيره # فالإستطاعة ( نوعان ( متقدمة صالحة للضدين ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل ~~فتلك هي المصححة للفعل المجوزة له وهذه هي الموجبة للفعل المحققة له # قال الله تعالى في الأولى ( ولله على الناس حج البيت من إستطاع إليه ~~سبيلا ) ولو كانت هذه الإستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على ~~من حج ولما عصى أحد بترك الحج ولا كان الحج واجبا على أحد قبل الإحرام به ~~بل قبل فراغه وقال تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) فأمر بالتقوى بمقدار ~~الإستطاعة ولو أراد الإستطاعة المقارنة لما وجب على أحد من التقوى إلا ما ~~فعل فقط إذ هو الذي قارنته تلك الإستطاعة وقال تعالى ( لايكلف الله نفسا ~~إلا وسعها ) و ( الوسع ( الموسوع وهو الذي تسعه وتطيقه فلو أريد به المقارن ~~لما كلف أحد إلا الفعل الذي أتى به فقط دون ما تركه من الواجبات وقال تعالى ~~( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) ~~والمراد به الإستطاعة المتقدمة وإلا كان المعنى فمن لم يفعل الصيام فإطعام ~~ستين فيجوز حينئذ الإطعام لكل من لم يصم ولا يكون الصوم واجبا على أحد حتى ~~يفعله وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما ~~استطعتم ( ولو أريد به المقارنة فقط لكان المعنى فاتوا منه ما فعلتم ~~PageV08P372 فلا يكونون مأمورين إلا بما فعلوه وكذلك قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم لعمران بن حصين ( صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع ~~فعلى جنب ( ولو أريد المقارن لكان المعنى فإن لم تفعل فتكون مخيرا ونظائر ~~هذا متعددة فإن كل أمر علق في الكتاب والسنة وجوبه بالإستطاعة وعدمه بعدمها ~~لم يرد به المقارنة وإلا لما كان الله قد أوجب الواجبات إلا على من فعلها ~~وقد أسقطها عمن لم يفعلها فلا يأثم أحد بترك الواجب المذكور # وأما ( الإستطاعة المقارنة الموجبة ( فمثل قوله تعالى ( ما كانوا ~~يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) وقوله ( الذين كانت أعينهم في ms2569 غطاء عن ~~ذكرى وكانوا لايستطيعون سمعا ) فهذه الإستطاعة هي المقارنة الموجبة إذ ~~الأخرى لابد منها في التكليف # ( فالأولى ( هي الشرعية التى هي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب ~~وعليها يتكلم الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس # و ( الثانية ( هي الكونية التى هي مناط القضاء والقدر وبها يتحقق وجود ~~الفعل فالأولى للكلمات الأمريات الشرعيات و ( الثانية ( للكلمات الخلقيات ~~الكونيات كما قال ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه # وقد اختلف الناس في قدره العبد على خلاف معلوم الحق أو مراده PageV08P373 ~~و التحقيق أنه قد يكون قادرا بالقدرة الأولى الشرعية المتقدمة على الفعل ~~فإن الله قادر أيضا على خلاف المعلوم والمراد وإلا لم يكن قادرا إلا على ما ~~فعله وليس العبد قادرا على ذلك بالقدرة المقارنة للفعل فإنه لا يكون إلا ما ~~علم الله كونه وأراد كونه فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكذلك ~~قول الحواريين ( هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ) إنما ~~إستفهموا عن هذه القدرة وكذلك ظن يونس أن لن نقدر عليه أي فسر بالقدرة كما ~~يقال للرجل هل تقدر أن تفعل كذا أي هل تفعله وهو مشهور في كلام الناس # ولما إعتقدت القدرية أن الأولى كافية في حصول الفعل وأن العبد يحدث ~~مشيئته جعله مستغنيا عن الله حين الفعل كما أن الجبرية لما إعتقدت أن ~~الثانية موجبة للفعل وهي من غيره راوه مجبورا على الفعل وكلاهما خطأ قبيح ~~فإن العبد له مشيئة وهي تابعة لمشيئة الله كما ذكر الله ذلك في عدة مواضع ~~من كتابه ( فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) ( فمن شاء إتخذ إلى ~~ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) ( لمن شاء منكم أن يستقيم وما ~~تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) # فإذا كان الله قد جعل العبد مريدا مختارا شائيا إمتنع أن يقال هو مجبور ~~مقهور مع كونه قد جعل مريدا وإمتنع أن يكون هو الذي إبتدع لنفسه المشيئة ~~فإذا قيل هو مجبور على أن يختار مضطر إلى ms2570 أن يشاء فهذا لا نظير له ~~PageV08P374 و ليس هو المفهوم من الجبر بالإضطرار ولا يقدر على ذلك إلا ~~الله # ولهذا إفترق القدرية والجبرية على طرفى نقيض وكلاهما مصيب فيما أثبته دون ~~ما نفاه فأبو الحسين البصري ومن وافقه من القدرية يزعمون أن العلم بأن ~~العبد يحدث أفعاله وتصرفاته علم ضروري وإن جحد ذلك سفسطة وبن الخطيب ونحوه ~~من الجبرية يزعمون أن العلم بإفتقار رجحان فعل العبد على تركه إلى مرجح من ~~غير العبد ضروري لأن الممكن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ~~إلا بمرجح وكلا القولين صحيح لكن دعوى إستلزام أحدهما نفي الآخر ليس بصحيح ~~فإن العبد محدث لأفعاله كاسب لها وهذا الإحداث مفتقر إلى محدث فالعبد فاعل ~~صانع محدث وكونه فاعلا صانعا محدثا بعد أن لم يكن لابد له من فاعل كما قال ~~( لمن شاء منكم أن يستقيم ) فإذا شاء الإستقامة صار مستقيما ثم قال ( وما ~~تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) # فما علم بالإضطرار وما دلت عليه الأدلة السمعية والعقلية كله حق ولهذا ~~كان لا حول ولا قوة إلا بالله والعبد فقير إلى الله فقرا ذاتيا له في ذاته ~~وصفاته وأفعاله مع أن له ذاتا وصفات وأفعالا فنفي أفعاله كنفي صفاته وذاته ~~وهو جحد للحق شبيه بغلو غالية الصوفية الذين يجعلونه هو الحق أو جعل شيء ~~منه مستغنيا عن الله أو كائنا بدونه جحد للحق شبيه بغلو الذي قال ~~PageV08P375 ( أنا ربكم الأعلى ) وقال إنه خلق نفسه وإنما الحق ما عليه أهل ~~السنة والجماعة # وإنما الغلط في إعتقاد تناقضه بطريق التلازم وأن ثبوت أحدهما مستلزم لنفي ~~الآخر فهذا ليس بحق وسببه كون العقل يزيد على المعلوم المدلول عليه ما ليس ~~كذلك وتلك الزيادة تناقض ما علم ودل عليه PageV08P376 و قال الشيخ قدس الله ~~روحه ### ||| فصل # وأما السؤال عن ( تعليل أفعال الله ( # فالذي عليه جمهور المسلمين من السلف والخلف أن الله تعالى يخلق لحكمة ~~ويأمر لحكمة وهذا مذهب أئمة الفقه والعلم ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكلام ms2571 ~~من المعتزلة والكرامية وغيرهم # وذهب طائفة من أهل الكلام ونفاة القياس إلى نفي التعليل في خلقه وأمره ~~وهو قول الأشعري ومن وافقه وقالوا ليس في القرآن لام تعليل في فعل الله ~~وأمره ولا يأمر الله بشيء لحصول مصلحة ولا دفع مفسدة بل ( ما ) يحصل من ~~مصالح العباد ومفاسدهم بسبب من الأسباب فإنما خلق ذلك عندها لا أنه يخلق ~~هذا لهذا ولا هذا لهذا وإعتقدوا أن التعليل يستلزم الحاجة والإستكمال ~~بالغير وأنه يفضي إلى التسلسل # والمعتزلة أثبتت التعليل لكن على أصولهم الفاسدة في التعليل والتجويز ~~PageV08P377 و أما أهل الفقة والعلم وجمهور المسلمين الذين يثبتون التعليل ~~فلا يثبتونه على قاعدة القدرية ولا ينفونه نفي الجهمية وقد بسطت الكلام على ~~هذه المسألة في مواضع # لكن قول الجمهور هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والمعقول الصريح وبه ~~يثبت أن الله حكيم فإنه من لم يفعل شيئا لحكمة لم يكن حكيما والكلام في هذا ~~يبنى على أصول # ( أحدها ) إثبات محبة الله ورضاه وأنه يستحق أن يعبد لذاته ويحب لذاته ~~وليس شيء سواه يستحق أن يحب إلا هو وكل محبة لغيره فهي فاسدة وهذا من معاني ~~الإلهية فإن ( الإله ( هو المألوه الذي يستحق أن يؤله فيعبد والعبادة تجمع ~~غاية الذل وغاية الحب وهذا لا يستحقه إلا هو وهو سبحانه يحمد نفسه ويثنى ~~على نفسه ويمجد نفسه ويفرح بتو بة التائبين ويرضى عن عباده المؤمنين # و ( الحمد ( هو الإخبار بمحاسن المحمو د مع المحبة لها فلو أخبر مخبر ~~بمحاسن غيره من غير محبة لها لم يكن حامدا ولو أحبها ولم يخبر بها لم يكن ~~حامدا والرب سبحانه وتعالى إذا حمد نفسه فذكر أسماءه الحسنى وصفاته العلى ~~وأفعاله الجميلة وأحب نفسه المقدسة فكان هو الحامد والمحمود والمثني ~~والمثنى عليه والممجد والممجد والمحب والمحبو ب كان هذا غاية PageV08P378 ~~الكمال الذي لايستحقه غيره ولا يو صف به إلا هو # وهو سبحانه رب كل شيء فلا يكو ن شيء إلا به وهو الإله الذي لا إله إلا هو ~~ولا يجو ز ms2572 أن نعبد إلا هو فما لا يكون به لا يكون وما لا يكون له لا ينفع ~~ولا يدوم وكل عمل لم يرد به وجهه فهو باطل ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه ) # وهو الذي جعل المسلم مسلما والمصلي مصليا والتائب تائبا والحامد حامدا ~~فإذا يسر عبده لليسرى فتاب إليه وفرح الله بتو بته وشكره فرضي بشكره وعمل ~~صالحا فأحبه لم يكن المخلو ق هو الذي جعل الخالق راضيا محبا فرحا بتو بته # بل الرب هو الذي جعل المخلو ق فاعلا لما يفرحه ويرضيه ويحبه وكل ذلك حاصل ~~بمشيئته وقدرته لا شريك له في إحداث شيء من المحدثات ولا هو مفتقر إلى غيره ~~بو جه من الوجوه بل هو الغنى عن كل ما سواه من كل وجه وكل ما سو اه فقير ~~إليه من كل وجه فإذا خلق شيئا لحكمة يحبها ويرضاها لم يجز أن يقال هو مفتقر ~~إلى غيره إلا إذا كان هناك خالق غيره يفعل ما يحبه ويرضاه وهذا يجيء على قو ~~ل القدرية الذين يزعمو ن أنه لم يخلق أفعال العباد وأن الطاعات وجدت بدو ن ~~قدرته وخلقه فإذا قيل أنه يحبها ويرضاها لزم أن يكون المخلوق جعله كذلك # وأما على قو ل أهل السنة الذين يقولون أنه خالق كل شيء من PageV08P379 ( ~~أفعال ) العباد وغيرها فلم يو جد إلا ما خلقه هو وله في ذلك من الحكمة ~~البالغة ما يعلمه هو على وجه التفصيل وقد يعلم بعض عبادة من ذلك ما يعلمه ~~إياه إذ لا يحيطو ن بشيء من علمه إلا بما شاء # وأما كون ذلك يستلزم قيام الأمو ر الإختيارية بذاته فهذا قو ل السلف ~~وأئمة الحديث والسنة وكثير من أهل الكلام # وأما كو ن ذلك يستلزم التسلسل في المستقبل فإنه إذا خلق شيئا لحكمة توجد ~~بعد وجوده وتلك الحكمة لحكمة أخرى لزم التسلسل في المستقبل فهذا جائز عند ~~المسلمين وغيرهم ممن يقول بدوام نعيم أهل الجنة وإنما يخالف في ذلك من شك ~~كالجهم بن صفوان ms2573 الذي يقول بفناء الجنة والنار وكأبي الهذيل الذي يقول ~~بإنقطاع حركات أهل الجنة والنار فإن هذين أدعيا إمتناع وجود ما لا يتناهى ~~في الماضي والمستقبل وخالفهم جماهير المسلمين # والجواب الثانى ) أن يقال التسلسل نوعان # ( أحدهما ) في الفاعلين وهو أن يكو ن لكل فاعل فاعل فهذا باطل بصريح ~~العقل وإتفاق العقلاء # و ( الثاني ) التسلسل في الآثار مثل أن يقال أن الله لم يزل متكلما إذا ~~شاء ويقال أن كلمات الله لا نهاية لها فهذا التسلسل يجو زه أئمة ~~PageV08P380 أهل الملل وأئمة الفلاسفة ولكن الفلاسفة يدعو ن قدم الأفلاك ~~وأن حركات الفلك لابداية لها ولا نهاية لها هذا كفر مخالف لدين الرسل وهو ~~باطل في صريح المعقول # وكذلك القو ل بأن الرب لم يكن يمكنه أن يتكلم ولا يفعل بمشيئته ثم صار ~~يمكنه الكلام والفعل بمشيئته كما يقول ذلك الجهمية والقدرية ومن وافقهم من ~~أهل الكلام قول باطل وهو الذي أو قع الإضطراب بين ملاحدة المتفلسفة ومبتدعة ~~أهل الكلام في هذا الباب والكلام على هذه الأمور مبسوط في موضعه وهذه مطالب ~~غالية إنما يعرف قدرها من عرف مقالات الناس والإشكالات اللازمة على كل قول ~~حتى أو قعت كثيرا من فحول النظار في بحور الشك والإرتياب وهي مبسوطة في غير ~~هذا المو ضع PageV08P381 قال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # حدثنى بعض ثقات أصحابنا أن شيخنا أبا عبد الله محمد بن عبد الوهاب عاد ~~شيخنا أبا زكريا بن الصرمي وعنده جماعة فسألوه الدعاء # فقال في دعائه اللهم بقدرتك التى قدرت بها أن تقول بها للسموات والأرض ~~إئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين أفعل كذا وكذا قال أبو عبد الوهاب ~~ولم أخاطبه فيه بحضرة الناس حتى خلوت به وقلت له هذا لا يقال لو قلت قدرت ~~بها على خلقك جاز فإما قدرت بها أن تقول فلا يجوز لأن هذا يقتضى أن يكون ~~قوله مقدورا له مخلوقا وذكر لي الحاكي وهو من فضلاء أصحاب الشافعي أنه بلغ ~~الإمام أبا زكريا النواوي فلم يتفطن لوجه الإنكار ms2574 في هذا الدعاء حتى تبين ~~له فعرف ذلك # قلت هذه المسألة مثل مسألة المشيئة وهو قولنا يتكلم إذا شاء فإن ~~PageV08P382 ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة فإن ما شاء الله كان ولا ~~يكون شيء إلا بقدرته وما تعلقت به القدرة من الموجودات تعلقت به المشيئة ~~فإنه لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن ~~تتعلق به المشيئة وكذلك بالعكس ومالا فلا ولهذا قال ( إن الله على كل شيء ~~قدير ) # والشيء في الأصل مصدر شاء يشاء شيئا كنال ينال نيلا ثم وضعوا المصدر موضع ~~المفعول فسموا المشيء شيئا كما يسمى المنيل نيلا فقالوا نيل المعدن وكما ~~يسمي المقدور قدرة والمخلوق خلقا فقوله ( على كل شيء قدير ) أي على كل ما ~~يشاء فمنه ما قد شيء فوجد ومنه ما لم يشأ لكنه شيء في العلم بمعنى أنه قابل ~~لأن يشاء وقوله ( على كل شيء ) يتناول ما كان شيئا في الخارج والعلم أو ما ~~كان شيئا في العلم فقط بخلاف مالا يجوز أن تتناوله المشيئة وهو الحق تعالى ~~وصفاته أو الممتنع لنفسه فإنه غير داخل في العموم ولهذا إتفق الناس على أن ~~الممتنع لنفسه ليس بشيء # وتنازعوا في المعدوم الممكن فذهب فريقمن أهل الكلام من المعتزلة والرافضة ~~وبعض من وافقهم من ضلال الصوفية إلى أنه شيء في الخارج لتعلق الإرادة ~~والقدرة به وهذا غلط وإنما هو معلوم لله ومراد له إن كان مما يوجد وليس له ~~في نفسه لا موت ولا وجود ولا حقيقة أصلا بل وجوده وثبوته وحصوله شيء واحد ~~وما هيته وحقيقته في الخارج هي نفس وجوده وحصوله وثبوته ليس في PageV08P383 ~~الخارج شيئان وإن كان العقل يميز الماهية المطلقة عن الوجود المطلق # إذا عرف ذلك فهذه المسألة مبنية على ( مسألة كلام الله ونحو ذلك من صفاته ~~هل هي قديمة لازمة لذاته لايتعلق شيء منها بفعله وبمشيئته ولا قدرته أو ~~يقال أنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء وأنها مع ذلك صفات فعلية وهذا فيه ms2575 ~~قولان لأصحابنا وغيرهم من أهل السنة ( قلت ( وهذا الدعاء الذي دعا به الشيخ ~~أبو زكريا مأثور عن الإمام أحمد ومن هناك حفظه الشيخ والله أعلم فإنه كان ~~كثير المحبة لأحمد وآثاره والنظر في مناقبه وأخباره وقد ذكروه في مناقبه ~~ورواه الحافظ البيهقي في مناقب أحمد وهي رواية الشيخ أبى زكريا عن الحافظ ~~عبد القادر الرهاوي أجازة وقد سمعوها عليه عنه إجازة قال البيهقي وفيما ~~أنبأنى أبو عبد الله الحافظ اجازة حدثنى أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس ~~حدثنى أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوى حدثنا أبو جعفر محمد ~~بن يعقوب الصفار قال كنا عند أحمد بن حنبل فقلنا إدع الله لنا فقال اللهم ~~إنك تعلم أنا نعلم انك لنا على أكثر ما نحب فاجعلنا نحن لك على ما تحب قال ~~ثم جلست ساعة فقيل له يا أبا عبد الله زدنا فقال اللهم إنا نسألك بالقدرة ~~التى قلت للسموات والأرض إئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين اللهم ~~وفقنا لمرضاتك اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ونعوذ بك من الذل إلا ~~لك اللهم لا تكثر فنطغى ولا تقل علينا فننسى PageV08P384 و هب لنا من رحمتك ~~وسعة من رزقك تكون بلاغا في دنياك وغنى من فضلك قلت هذا على المعنى المتقدم ~~موافق لقوله يتكلم إذا شاء فجعله معلقا بالقدرة والمشيئة وإن جعل القول هنا ~~عبارة عن سرعة التكوين بلا قول حقيقي فهذا خلاف ما إحتج به أحمد في كتاب ~~الرد على الجهمية في هذه فإنه إحتج بهذه الآية على أن الكلام لا يقف على ~~لسان وأدوات PageV08P385 ### || 1 ( أفعال العبد الاختيارية ) 1 ### || ما قول أهل الإسلام # الراسخين في جذر الكلام الباسقين في فن الأحكام حياكم العلام في صدور دار ~~السلام وحباكم القيام بتوضيح ما إستبهم على الأفهام في معتقد أهل السنة ~~والجماعة نضر الله أرواح السلف وكثر إعداد الخلف وأمدهم بأنواع اللطف بأن ~~الأفعال الإختيارية من العباد تحصل بخلق الله تعالى وبخلق العبد فحقيقة كسب ~~العبد ما ms2576 هي وبعد هذا هل هو مؤثر في وجود الفعل أم غير مؤثر فإن كان فيصير ~~العبد مشاركا للخالق في خلق الفعل فلا يكون العبد كاسبا بل شريكا خالقا ~~وأهل السنة بررة برآء من هذا القول وإن لم يكن مؤثرا في وجود الفعل فقد وجد ~~الفعل بكماله بالحق سبحانه وتعالى وليس للعبد في ذلك شيء ( فلزم ) ~~الجبرالذي يطوي بساط الشرع وأهل السنة الغراء والمحجة البيضاء فارون من هذه ~~الكلمة الشنعاء والعقيدة العوراء ولم ينسب إلى العبد الطاعة والعصيان ~~والكفر والإيمان حتى يستحق الغضب والرضوان فكيف السلوك أيها الهداة الأدلاء ~~على اللحب المستقيم والمنهج القويم وطرفى قصد الأمور ذميم # فبينوا بيانا يطلق العقول من هذا العقال ويشفى القلوب من هذا الداء ~~العضال أيدكم بروح القدس من له صفات الكمال PageV08P386 ### ||||| فأجاب الشيخ الإمام العالم الرباني المقذوف في قلبه النور الألهي الجامع أشتات الفضائل مفتى المسلمين تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية رحمه الله تعالى # قال رضي الله عنه # تلخيص الجواب أن الكسب هو الفعل الذى يعود على فاعله بنفع أو ضر كما قال ~~تعالى ( لها ما كسبت وعليها ما إكتسبت ) فبين سبحانه أن كسب النفس لها ~~أوعليها والناس يقولون فلان كسب مالا أو حمدا أو شرفا كما أنه ينتفع بذلك ~~ولما كان العباد يكملون بأفعالهم ويصلحون بها إذ كانوا في أول الخلق خلقوا ~~ناقصين صح إثبات السبب إذ كمالهم وصلاحهم عن أفعالهم والله سبحانه وتعالى ~~فعله وصنعه عن كماله وجلاله فأفعاله عن أسمائه وصفاته ومشتقة منها كما قال ~~سبحانه وتعالى ( أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من إسمى ( والعبد أسماؤه ~~وصفاته عن أفعاله فيحدث له إسم العالم والكامل بعد حدوث العلم والكمال فيه # ومن هنا ضلت ( القدرية ( حيث شبهوا أفعاله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا بأفعال العباد وكانوا هم المشبهة في الأفعال فإعتقدوا إنما حسن منهم ~~حسن منه مطلقا وما قبح منهم قبح منه مطلقا بقدر علمهم وعقلهم أو ما علموا ( ~~أنها ms2577 ) إنما حسنت منهم لإفضائها إلى ما فيه صلاحهم PageV08P387 و فلاحهم ~~وقبحت لإفضائها إلى ما فيه فسادهم والله سبحانه متعال عن أن يلحقه مالا ~~يليق به سبحانه # وأما قوله هل هو مؤثر في وجود الفعل أو غير مؤثر فالكلام في مقامين # ( أحدهما ) أن هذا سؤال فاسد إن أخذ على ظاهره لأن كسب العبد هو نفس فعله ~~وصنعه فكيف يقال هل يؤثر كسبه في فعله أو هل يكون الشيء مؤثرا في نفسه وإن ~~حسب حاسب أن الكسب هو التعاطي والمباشرة وقصد الشيء ومحاولته فهذه كلها ~~أفعال يقال فيها ما يقال في أفعال البدن من قيام وقعود و # أظن السائل فهم هذا وتشبث بقول من يقول أن فعل العبد يحصل بخلق الله ~~عزوجل وكسب العبد # وتحقيق الكلام أن يقال فعل العبد خلق لله عز وجل وكسب للعبد إلا أن يراد ~~أن أفعال بدنه تحصل بكسبه أي بقصده وتأخيه وكأنه قال أفعاله الظاهرة تحصل ~~بأفعاله الباطنة وغير مستنكر عدم تجديد هذا السؤال فإنه مزلة أقدام ومضلة ~~إفهام وحسن المسألة نصف العلم إذا كان السائل قد تصور السؤال وإنما يطلب ~~إثبات الشيء أو نفيه ولو حصل التصور التام لعلم أحد الطرفين PageV08P388 # و ( المقام الثاني ) في تحرير السؤال وجوابه وهو أن يقال هل قدرة العبد ~~المخلوقة مؤثرة في وجود فعله فإن كانت مؤثرة لزم الشرك وإلا لزم الجبر ~~والمقام مقام معروف وقف فيه خلق من الفاحصين والباحثين والبصراء والمكاشفين ~~وعامتهم فهموا صحيحا ولكن قل منهم من عبر فصيحا # فنقول التأثير إسم مشترك قد يراد بالتأثير الإنفراد بالإبتداع والتوحيد ~~بالإختراع فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشا لله لم يقله سني ~~وإنما هو المعزو إلى أهل الضلال # وإن أريد بالتأثير نوع معاونة إما في صفة من صفات الفعل أو في وجه من ~~وجوهه كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات فهو أيضا باطل بما به بطل ~~التأثير في ذات الفعل إذ لا فرق بين إضافة الإنفراد بالتأثير إلى غير الله ~~سبحانه في ذرة أو فيل وهل ms2578 هو إلا شرك دون شرك وإن كان قائل هذه المقالة ~~مانحا إلا نحو الحق # وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة ~~المحدثة بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق الله سبحانه وتعالى ~~الفعل بهذه القدرة كما خلق النبات بالماء وكما خلق الغيث بالسحاب وكما خلق ~~جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب فهذا حق PageV08P389 و هذا شأن ~~جميع الأسباب والمسببات وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد ~~شركا وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا وقد قال الحكيم الخبير ( فأنزلنا ~~به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) ( أنبتنا به حدائق ذات بهجة ) وقال ~~تعالى ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) # فبين أنه المعذب وإن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في وصول العذاب ~~إليهم وقال صلى الله عليه وسلم ( لايموتن أحد منكم إلا آذنتموني حتى أصلي ~~عليه فإن الله جاعل بصلاتى عليه بركة ورحمة ( فالله سبحانه هو الذي يجعل ~~الرحمة وذلك إنما يجعله بصلاة نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى هذا التحرير ~~فنقول # خلق الله سبحانه أعمال الأبدان بأعمال القلوب ويكون لأحد الكسبين تأثير ~~في الكسب الآخر بهذا الإعتبار ويكون ذلك الكسب من جملة القدرة المعتبرة في ~~الكسب الثانى فإن القدرة هنا ليست إلا عبارة عما يكون الفعل به لامحالة من ~~قصد وإرادة وسلامة الأعضاء والقوى المخلوقة في الجوارح وغير ذلك ولهذا وجب ~~أن تكون مقارنة للفعل وإمتنع تقديمها على الفعل بالزمان # وأما القدرة التى هي مناط الأمر والنهي فذاك حديث آخر ليس هذا موضعه ~~PageV08P390 # وبالتمييز بين هاتين القدرتين يظهر لك قول من قال القدرة مع الفعل ومن ~~قال قبله ومن قال الأفعال كلها تكليف مالا يطاق ومن منع ذلك وتقف على أسرار ~~المقالات وإذا أشكل عليك هذا البيان فخذ مثلا من نفسك أنت إذا كتبت بالقلم ~~وضربت بالعصا ونجرت بالقدوم هل يكون القلم شريكك أو يضاف إليه شيء من نفس ~~الفعل وصفاته أم هل يصلح أن تلغى أثره وتقطع خبره وتجعل وجوده كعدمه أم ~~يقال به ms2579 فعل وبه صنع ولله المثل الأعلى فإن الأسباب بيد العبد ليست من فعله ~~وهو محتاج إليها لا يتمكن إلا بها والله سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها وجعل ~~خلق البعض شرطا وسببا في خلق غيره وهو مع ذلك غنى عن الإشتراط والتسبب ونظم ~~بعضها ببعض لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها والله عزيز حكيم # وأما قوله إذا نفينا التأثير لزم إنفراد الله سبحانه بالفعل ولزم الجبر ~~وطي بساط الشرع الأمر والنهي # فنقول إن أردت بالتأثير المنفى التأثير على سبيل الإنفراد في نفس الفعل ~~أو في شيء من صفاته فلقد قلت الحق وإن كان بعض أهل الإستنان يخالفك في ~~القسم الثاني # وإن أردت به أن القدرة وجودها كعدمها وأن الفعل لم يكن بها PageV08P391 و ~~لم يصنع بها فهذا باطل كما تقدم بيانه وحينئذ لايلزم الجبر بل ينبسط بساط ~~الشرع وينشر علم الأمر والنهي ويكون لله الحجة البالغة # فقد بإن لك أن إطلاق القول بإثبات التأثير أو نفيه دون الإستفصال وبيان ~~معنى التأثير ركوب جهالات وإعتقاد ضلالات ولقد صدق القائل أكثر إختلاف ~~العقلاء من جهة إشتراك الأسماء وبأن لك إرتباط الفعل المخلوق بالقدرة ~~المخلوقة إرتباط الأسباب بمسبباتها ويدخل في عموم ذلك جميع ما خلقه الله ~~تعالى في السماوات والأرض والدنيا والآخرة فإن إعتقاد تأثير الأسباب على ~~الإستقلال دخول في الضلال وإعتقاد نفى أثرها وإلغاؤه ركوب المحال وإن كان ~~لقدرة الإنسان شأن ليس لغيرها كما سنومئ إليه إن شاء الله تعالى # فلعلك أن تقول بعد هذا البيان أنا لا أفهم الأسباب ولا أخرج عن دائرة ~~التقسيم والمطالبة بأحد القسمين وما أنت إن قلت هذا إلا مسبوق بخلق من ~~الضلال ( كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ) وموقفك هذا ~~مفرق طرق إما إلى الجنة وإما إلى النار فيعاد عليك البيان بأن لها تأثيرا ~~من حيث هي سبب كتأثير القلم وليس لها تأثير من حيث الإبتداع والإختراع ~~ونضرب لك الأمثال لعلك تفهم صورة الحال ويبين لك أن إثبات الأسباب مبتدعات ~~هو الإشراك وإثباتها أسبابا موصولات ms2580 هو عين تحقيق التوحيد عسى الله أن يقذف ~~بقلبك نورا ترى هذا PageV08P392 البيان ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور ) # فإن قلت إثبات القدرة سبب نفي للتأثير في الحقيقة فما بال الفعل يضاف إلى ~~العبد وما باله يؤمر وينهى ويثاب ويعاقب وهل هذا إلا محض الجبر وإذا كنت ~~مشبها لقدرة الإنسان بقلم الكاتب وعصا الضارب فهل رأيت القلم يثاب أو العصا ~~تعاقب وأقول لك الآن إن شاء الله وجب هداك بمعونة مولاك وإن لم تطلع من ~~أسرار القدر إلا على مثل ضرب الأثر وألق السمع وأنت شهيد عسى الله أن يمدك ~~بالتأييد # اعلم أن العبد فاعل على الحقيقة وله مشيئة ثابتة وله إرادة جازمة وقوة ~~صالحة وقد نطق القرآن بإثبات مشيئة العباد في غير ما آية كقوله ( لمن شاء ~~منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاءالله رب العالمين ) ( فمن شاء إتخذ ~~إلى ربه سبيلا ) ( فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوي ~~وأهل المغفرة ) # ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن ( يعملون ) ( يفعلون ) ( يؤمنون ) ~~( يكفرون ) ( يتفكرون ) ( يحافظون ) ( يتقون ) # وكما أنا فارقنا مجوس الأمة بإثبات أنه تعالى خالق فارقنا الجبرية بإثبات ~~أن العبد كاسب فاعل صانع عامل والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة وعلماء ~~السنة هو أن يكون الفعل صادرا على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة ~~PageV08P393 و لا إختيار مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح وحركة بإطباق ~~الأيدي ومثله في الاناسي حركة المحموم والمفلوج والمرتعش فإن كل عاقل يجد ~~تفرقة بديهية بين قيام الإنسان وقعوده وصلاته وجهاده وزناه وسرقته وبين ~~إنتعاش المفلوج وإنتفاض المحموم ونعلم أن الأول قادر على الفعل مريد له ~~مختار وأن الثانى غير قادر عليه ولامريد له ولا مختار # والمحكي عن جهم وشيعته ( الجبرية ( أنهم زعموا أن جميع أفاعيل العباد قسم ~~واحد وهو قول ظاهر الفساد وبما بين القسمين من الفرقان إنقسمت الأفعال إلى ~~إختياري وإضطراري وإختص المختار منها بإثبات الأمر والنهي عليه ولم يجيء في ~~الشرائع ولا في كلام ms2581 حكيم أمر الأعمى بنقط المصحف والمقعد بالإشتداد أو ~~المحموم بالسكون وشبه ذلك وإن إختلفوا في تجويزه عقلا أو سمعا فإنما منع ~~وقوعه بإجماع العقلاء أولى العقل من جميع الأصناف # فإن قيل هب أن فعلي الذي أردته واخترته هو واقع بمشيئتى وإرادتي أليست ~~تلك الإرادة وتلك المشيئة من خلق الله تعالى وإذا خلق الأمر الموجب للفعل ~~فهل يتأتى ترك الفعل معه أقصى مافى الباب أن الأول جبر بغير توسط الإرادة ~~من العبد وهذا جبر بتوسط الإرادة PageV08P394 # فنقول الجبر المنفي هو الأول كما فسرناه وأما إثبات القسم الثانى فلا ريب ~~فيه عند أهل الاستنان والآثار وأولي الألباب والأبصار لكن لا يطلق عليه إسم ~~الجبر خشية الإلتباس بالقسم الأول وفرارا من تبادر الأفهام إليه وربما سمي ~~( جبرا ) إذا أمن من اللبس وعلم القصد قال علي رضي الله عنه في الدعاء ~~المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم داحي المدحوات ~~وباري المسموكات جبار القلوب على فطراتها شقاها أو سعدها # فبين أنه سبحانه جبر القلوب على ما فطرها عليه من شقاوة أو سعادة وهذه ~~الفطرة الثانية ليست الفطرة الأولى وبكلا الفطرتين فسر قوله صلى الله عليه ~~وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة ( وتفسيره بالأولى واضح قاله محمد بن كعب ~~القرظي وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم وربما فضل على أكثرهم في ~~قوله ( الجبار ) قال جبر العباد على ما أراد وروي ذلك عن غيره وشهادة ~~القرآن والأحاديث ورؤية أهل البصائر والإستدلال التام لتقليب الله سبحانه ~~وتعالى قلوب العباد وتصريفه إياها وإلهامه فجورها وتقواها وتنزيل القضاء ~~النافذ من عند العزيز الحكيم في أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين حتى ~~تتحرك الجوارح بما قضى لها وعليها بين غاية البيان إلا لمن أعمى الله بصره ~~وقلبه # فإن قلت أنا أسألك على هذا التقدير بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نفوه ~~وأبطلوه وثباتي على ما قالوه وبينوه كيف إنبنى الثواب والعقاب PageV08P395 ~~على فعله وصح تسميته فاعلا على حقيقته وإنبنى فعله على قدرته فأقول والله ms2582 ~~الهادي إلى سواء الصراط أعلم أن الله تعالى خلق فعل العبد سببا مقتضيا ~~لآثار محمودة أو مذمومة والعمل الصالح مثل صلاة أقبل عليها بقلبه ووجهه ~~وأخلص فيها وراقب وفقه ما بنيت عليه من الكلمات الطيبات والأعمال الصالحات ~~يعقبه في عاجل الأمر نور في قلبه وإنشراح في صدره وطمأنينة في نفسه ومزيد ~~في علمه وتثبيت في يقينه وقوة في عقله إلى غير ذلك من قوة بدنه وبهاء وجهه ~~وإنتهائه عن الفحشاء والمنكر وإلقاء المحبة له في قلوب الخلق ودفع البلاء ~~عنه وغير ذلك مما يعلمه ولا نعلمه # ثم هذه الآثار التى حصلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك أسباب ~~مفضية إلى آثار آخر من جنسها ومن غير جنسها أرفع منها وهلم جرا ولهذا قيل ~~أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وأن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وكذلك ~~العمل السيء مثل الكذب مثلا يعاقب صاحبه في الحال بظلمة في القلب وقسوة ~~وضيق في صدره ونفاق وإضطراب ونسيان ما تعلمه وإنسداد باب علم كان يطلبه ~~ونقص في يقينه وعقله وإسوداد وجهه وبغضه في قلوب الخلق وإجترائه على ذنب ~~آخر من جنسه أو غير جنسه وهلم جرا إلا أن يتداركه الله برحمته PageV08P396 ~~فهذه الآثار هي التى تورثها الأعمال هي الثواب والعقاب وإفضاءالعمل إليها ~~وإقتضاؤه إياها كإفضاء جميع الأسباب التى جعلها الله سبحانه وتعالى ( ~~أسبابا إلى ) مسبباتها والإنسان إذا أكل أو شرب حصل له الري والشبع وقد ربط ~~الله سبحانه وتعالى الري والشبع بالشرب والأكل ربطا محكما ولو شاء أن ~~لايشبعه ويرويه مع وجود الأكل والشرب فعل أما أن لا يجعل في الطعام قوة أو ~~يجعل في المحل قوة مانعة أو بما يشاء سبحانه وتعالى ولو شاء أن يشبعه ~~ويرويه بلا أكل ولا شرب أو بأكل شيء غير معتاد فعل # كذلك في الأعمال المثوبات والعقوبات حذو القذة بالقذة فإنه إنما سمي ~~الثواب ثوابا لأنه يثوب إلى العامل من عمله أى يرجع والعقاب عقابا لأنه ~~يعقب العمل أي يكون بعده ولو شاء الله أن لا ms2583 يثيبه على ذلك العمل إما بأن ~~لا يجعل في العمل خاصة تفضي إلى الثواب أو لوجود أسباب تنفي ذلك الثواب أو ~~غير ذلك لفعل سبحانه وتعالى وكذلك في العقوبات # وبيان ذلك أن نفس الأكل والشرب بإختيار العبد ومشيئته التى هي من فعل ~~الله سبحانه وتعالى أيضا وحصول الشبع عقب الأكل ليس للعبد فيه صنع البتة ~~حتى لوأراد دفع الشبع بعد تعاطي الأسباب الموجبة له لم يطق وكذلك نفس العمل ~~هو بإرادته وإختياره فلو شاء أن يدفع أثر ذلك العمل وثوابه بعد وجود موجبه ~~لم يقدر PageV08P397 # فهذه حكمة الله تعالى ومشيئته في جميع الأسباب في الدنيا والآخرة لكن ~~العلم بالأعمال النافعة في الدار الآخرة والأعمال الضارة أكثره غيب عن عقول ~~الخلق وكذلك مصير العباد ومنقلبهم بعد فراق هذه الدار فبعث الله سبحانه ~~وتعالى رسله وأنزل كتبه مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل وحكمته في ذلك تضارع حكمته في جميع خلق الأسباب والمسببات # وما ذاك إلا أن علمه الأزلي ومشيئته النافذة وقدرته القاهرة إقتضت ما ~~إقتضته واوجبت ما أوجبته من مصير أقوام إلى الجنة بأعمال موجبة لذلك منهم ~~وخلق أعمالهم وساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه وكذلك أهل النار كما قال ~~الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لما قيل له ( ألاندع العمل ونتكل على ~~الكتاب فقال لا إعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة ~~فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة ~~( # فبين صلى الله عليه وسلم أن السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله تعالى ~~به إلى السعادة وكذلك الشقى وتيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل وتهيئة ~~أسبابه وهذا هو تفسير خلق أفعال العباد فنفس خلق ذلك العمل هو السبب المفضي ~~إلى السعادة أو الشقاوة ولو شاء لفعله بلا عمل بل هو فاعله فإنه ينشيء ~~للجنة خلقا لما يبقى فيها من الفضل # يبقى أن يقال فالحكمة الكلية التى إقتضت ما إقتضته من الأسباب الأول ~~PageV08P398 و حقائق ms2584 ما الأمر صائر إليه في العواقب والتخصيصات والتمييزات ~~الواقعة في الأشخاص والاعيان إلى غير ذلك من كليات القدر التى لاتختص ~~بمسألة خلق أفعال العباد وليس هذا الإستفتاء معقودا لها وتفسير جمل ذلك لا ~~يليق بهذا الموضع فضلا عن بعض تفصيله # ويكفى العاقل أن يعلم أن الله عز وجل عليم حكيم رحيم بهرت الألباب حكمته ~~ووسعت كل شيء رحمته وأحاط بكل شيء علمه وأحصاه لوحه وقلمه وأن لله تعالى في ~~قدره سرا مصونا وعلما مخزونا إحترز به دون جميع خلقه وإستأثر به على جميع ~~بريته وإنما يصل به أهل العلم وأرباب ولا يته إلى جمل من ذلك وقد لا يؤذن ~~لهم في ذكر ما وربما كلم الناس في ذلك على قدر عقولهم وقد سأل موسى وعيسى ~~وعزير ربنا تبارك وتعالى عن شيء من سر القدر وأنه لو شاء أن يطاع لا طيع ~~وأنه مع ذلك يعصى فأخبرهم سبحانه وتعالى أن هذا سره # وفى هذا المقام تاهت عقول كثير من الخلائق وفيه ضل القائلون ( بقدم ~~العالم ) وأن صانعه موجب بذاته ومقتضى بنفسه إقتضاءالعلة للمعلول وأنه ليس ~~في الإمكان أبدع مما صنع ودب بعض هذا الداء إلى بعض أهل الكتاب وإتباع ~~الرسل فقد قرروا إنحصار الممكن في الموجود وكل ذلك طلبا للإستراحة من مؤمنة ~~تعليل الأفعال الإلهية ووجود الأسباب الحادثة للأمور الحادثة وعلله أهل ~~القدر بعللهم العائلة في التعديل والتجويز ووجوب رعاية الصالح PageV08P399 ~~أو الأصلح ولم يستقم لواحد من الفريقين أصلهم ولم يطرد لهم # ومن هنا ذهب أهل التثنية والتمجس إلى الأصلين والقول بقدم النور والظلمة ~~وسلم بعض السلامة وإن كان فيه نوع من ظن السوء بالله وضرب من الجفاء أكثر ~~متكلي أهل الإثبات حيث ردوا الأمر إلى محض المشيئة وصرف الأرادة وإن ~~أنشاءها جميع الجائزات وإقتضاءها كل الممكنات على نحو واحد ووتيرة واحدة ~~وإنها بذاتها تخصص وتميز # ولو خلط بهذا الكلام ضرب من وجوه الرحمة وأنواع الحكمة علمناها أو ~~جهلناها لكان أقرب إلى القبول # وبكل حال فلام التعليل في فعله سبحانه وتعالى ms2585 ليست على ما يعقله أكثر ~~الخلق من لام التعليل في أفعالهم ووراء ما يعلمه هؤلاء ويقولون مما أنار ~~الله سبحانه وتعالى به قلوب أوليائه وقذف في أفئدة أصفيائه ممن إستمسك فيما ~~يظهر من الكلام بسبيل أهل الآثار وإعتصم فيما يبطن عن الإفهام بحبل أهل ~~الأبصار # وفي هذا المقام تعرف أولوا الألباب سر قوله ( سبقت رحمتى غضبى ( وقوله ( ~~الشر ليس إليك ( وقوله ( بيدك الخير ( وقوله ( من شر ما PageV08P400 خلق ) ~~وقوله ( وإذا مرضت فهو يشفين ) ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم ~~أراد بهم ربهم رشدا ) وما شاكل ذلك من أن الشر إما أن يحذف فاعله أو يضاف ~~إلى الأسباب أو يندرج في العموم وأما إفراده بالذكر مضافا إلى خالق كل شيء ~~فلا يقتضيه كلام حكيم لما توجبه الحقيقة المقتضية للأدب المؤسس لا لمحض ~~متميز # وهنا يعرف سبب دخول خلق كثير الجنة بلا عمل وإنشاء خلق لها وأما النار ~~فلا تدخل إلا بعمل ولن يدخلها إلا أهل الدنيا ويعرف حقيقة ( وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك ) ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) مع أن السيئة من ~~القدر وقول الصديق وغيره من الصحابة إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطئا ~~فمني ومن الشيطان إلى غير ذلك مما فيه ما قد لحظ كل ناظر منه شعبة من الحق ~~وتعلق بسبب من الصواب وما يتبع وجوه الحق ويؤمن بالكتاب كله إلا أولوا ~~الألباب وقليل ما هم فهذه إشارة يسيرة إلى كلى التقدير # وأما كون قدرة العبد وكسبه له شأن من بين سائر الأسباب فإن الله عز وجل ~~خص الإنسان بأن علمه يورثه في الدنيا أخلاقا وأحوالا وآثارا وفى الآخرة ~~أيضا أمورا أخر لم يحصل هذا لغيره من مخلوقاته والوجوه التى خص PageV08P401 ~~بها الإنسان في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله شخصا ونوعا أكثر من أن تحصى ~~وما من عاقل إلا وعنده منها طرف ولهذا حسن توجيه الأمر والنهي إليه وصح ~~إضافة الفعل إليه حقيقة وكسبا مع أنه خلق الله تعالى فإن الله تعالى ms2586 خلق ~~العبد وعمله وجعل هذا العمل له عملا قام به وصدر عنه وحدث بقدرته الحادثة # وأدنى أحو ال ( الفعل ( أن يكو ن بمنزلة الصفات والأخلاق المخلو قة في ~~العبد إذا جعلت مفضية إلى أمو ر آخر فهل يصح تجريد العبد عنها كلا ولما # وأما ( الأمر ( فإنه في حق المطيعين من الأسباب التى بها يكون الفعل منهم ~~فإنه يبعث داعيتهم ثم أنه يو جب لهم الطاعة ومحض الإنقياد والإستسلام فهو ~~من جملة القدر السابق لهم إلى السعادة وفى حق العاصين هو السبب الذي يستحقو ~~ن به العصيان إذ لو لا هو لما تميز مطيع من عاص # و ( أيضا ( في حقهم من القدر السابق لهم إلى المعصية ليضل به كثيرا ويهدي ~~به كثيرا عن إدخال الأمر والنهي في جملة المقادير يحل عقدة كثيرة هذا ~~سبحانه وتعالى لعلمه بالعو اقب وأما أمر العباد فظاهر العدم من المعاصى في ~~علمهم وأن قصدهم نفس صدو ر الفعل من الجميع فهو في ظاهر الأمر الشرعي على ~~لسان المرسلين بالكتب المنزلة والله PageV08P402 كله مظهر أمر وحكم يمضيه ~~فالإرادة والأمر كل منهما منقسم عام الوقوع جامع للقسمين وإلى شرع وبما بعد ~~وربما وقف القدر له والخير كل الخير في نفو ذه وهو خاص الوقوع بفرق إلى ~~القسمين واضع الأشياء في مراتبها وإذا صح نسبة الطاعة والمعصية إلى من خلقت ~~فيه ولو أنه بخلق الصفات أفيحسن بالإنسان أن يقول أسود وأحمر وطويل وقصير ~~وذكي وبليد وعربي وعجمي فيضيف إليه جميع الصفات التى ليس للإنسان فيها ~~إرادة أصلا البتة لقيامها به وتأثيرها فيه تارة بما يلائمه وتارة بما ~~ينافره ثم يستبعد أن يضاف إليه ما خلق فيه من الفعل بواسطة قصده وإرادته ~~المخلو قين أيضا ثم يقو ل ليس للعبد في السيء شيء فهل الجميع إلا له بل ~~ليست لأحد غيره لكن الله سبحانه وتعالى خلقها له وإضافة الفعل إلى خالقه ~~ومبدعه لاتنافي إضافته إلى صاحبه ومحله الذي هو فاعله وكاسبه وقد بينا ~~الجبر المذمو م ما هو # ونختم الكلام ms2587 بكلام وجيز في سبب الفرق بين الخلق والكسب فنقول # الخلق يجمع معنيين ( إحدهما ) الإبداع والبرء ( والثاني ) التقدير ~~والتصوير PageV08P403 # فإذا قيل خلق فلا بد أن يكو ن أبدع إبداعا مقدرا ولما كان سبحانه وتعالى ~~أبدع جميع الأشياء من العدم وجعل لكل شيءقدرا صح إضافة الخلق إليه بالقول ~~المطلق والتقدير في المخلوق لازم إذ هو عبارة عن تحديده والإحاطة به وهذا ~~لازم لجميع الكائنات لا كما زعم من حسب أن الخلق في ذوات المساحة وهي ~~الأجسام مفرقا بين الخلق والأمر بذلك فإنه قول باطل مبتدع والأمر هو كلامه ~~كما فسره الأولون والخلق مفسر يجعل الخلق بإزاء إبداع الصو ر الذهنية ~~وتقديرها ومنه تسمية إختلافا إذ هو صو ر ذهنية ليس لها حقيقة خارجة عن ~~الذهن وجعل الخلق بمعنى التقدير فقط مقطوعا عنه النظر إلى الإبداع بما قال ~~سدى ما خلقت وكما قال علي في تمثال صنعه أنا خلقته والفرق الأو لى من حيث ~~أن تلك الصو رة مبتدعة لكان قولا يكون إلا الله سبحانه وتعالى صح وصفه ~~سبحانه بأنه خالق كل شيء # وأما الكسب فقد ذكرنا أنه إنما ينظر فيه إلى تأثيره في محله ولو لم يكن ~~له عليه قدرة حتى يقال الثوب قد إكتسب من ريح المسك والمسجد قد إكتسب ~~الحرمة من أفعال العابدين والجلد قد إكتسب الحرمة لمجاورة المصحف والثمرة ~~قد إكتسبت لونا وريحا وطعما فكل محل تأثر عن شيء مؤثرا وملائما ومنافرا صح ~~وصفه بالإكتساب بناء على تأثره وتغيره وتحوله PageV08P404 من حال إلى حال ~~والإنسان يتأثر عن الأفعال الإختيارية ولا يتأثر عن الأفعال الإضطرارية ~~فتورثه أخلاقا وأحوالا على أي حال كان حتى على رأي من يطلق إسم الجبر على ~~مجموع أفعاله فإنه يستيقن تأثير الأفعال الإختيارية في نفسه بخلاف ~~الإضطرارية اللهم إلا من حيث قد تو جب الأفعال الإضطرارية أمرا في نفسه ~~فيكون ذلك إختيارا # ثم إعلم أن الإضطرار إنما يكون في بدنه دون قلبه إما بفعل الله تعالى ~~كالأمراض والأسقام وإما بفعل العباد كالقيد والحبس وإما أفعال رو ms2588 حه ~~المنفوخة فيه إذا حركت يديه فهي كلها إختيارية ومن وجه قد بيناه كلها ~~إضطرارية فإضطرارها هو عين وإختيارها إنما هو بالإضطرار وحقيقة الإضطرار هو ~~أن إضطرار وربما أحبت من وجه وكرهت من وجه آخر وهذا كله لا يمنع ورود ~~التكليف وإقتضاء الثو اب والعقاب # هذا الذي تيسر كتابته في الحال ( والله يقو ل الحق وهو يهدي السبيل ) ~~والحمد لله وحده PageV08P405 ### || 1 ( رسالة في أفعال العباد ) 1 ### |||| سئل شيخ الإسلام # تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه ~~الله ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في ( أفعال ~~العباد ( هل هي قديمة أم مخلوقة حين خلق الإنسان وما الحجة على من يقول أن ~~سائر أفعال العباد من الحركات وغيرها من القدرالذي قدر قبل خلق السماوات ~~والأرض وفيمن لم يستثن في الأفعال الماضية كقول القائل هذه نخلة أو شجرة ~~زيتون قطعا لم يقل شيءإلا ويسترجع فيه المشيئة ويسأل البسط في ذلك ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله رب العالمين ( أفعال العباد ( مخلوقة ~~بإتفاق سلف الأمة وأئمتها كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام الإمام أحمد ~~ومن قبله وبعده حتى قال بعضهم من قال أن أفعال العباد غير مخلوقة فهو ~~بمنزلة من قال أن السماء والأرض غير مخلوقة وقال يحيى بن سعيد العطار ما ~~زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة # وكان السلف قد أظهروا ذلك لما أظهرت القدرية أن أفعال العباد غير ~~PageV08P406 مخلوقة لله وزعموا أن العبد يحدثها أو يخلقها دون الله فبين ~~السلف والأئمة أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها # ثم لما أظهر طائفة من المنتسبين إلى السنة أن ألفاظ العباد ( بالقرآن ) ~~غير مخلوقة وأنكر الإمام أحمد ذلك وبدع من قاله ثم لما مات قام بعده صاحبه ~~أبو بكر المروذي فصنف في ذلك مصنفا ذكره أبو بكر الخلال في ( كتاب السنة ( ~~وذكر مسألة أبي طالب لما أنكر عليه أحمد القول بأن لفظى بالقرآن غير مخلوق ~~والجهمية أول من ms2589 قال اللفظ بالقرآن مخلوق ورواه عنه أبناه صالح وعبد الله ~~وحنبل بن عمه والمروذي وفوران وغيرهم من أجلاء أصحابه # وأنكر الأئمة من أصحاب أحمد وغيرهم من علماء السنة من قال أن أصوات ~~العباد وأفعالهم غير مخلوقة وصنف البخاري في ذلك مصنفا كما أنهم بدعوا ~~وجهموا من قال أن الله لايتكلم بصوت أو أن حروف القرآن مخلوقة أو قالوا أن ~~اللفظ بالقرآن مخلوق فرد الأئمة هذه البدعة كما ذكرنا ذلك مبسوطا في غير ~~هذا الموضع ولم يقل قط أحد لا من أصحاب أحمد المعروفين ولا من غيرهم من ~~العلماء المعروفين أن أفعال العباد قديمة # وإنما رأيت هذا ( قولا ) لبعض المتأخرين بأرض العجم وأرض مصر من ~~المنتسبين إلى مذهب الشافعي أو أحمد فرأيت بعض المصريين يقولون PageV08P407 ~~أن أفعال العباد من خير وشر قديمة ويقولون ليس مرادنا بالأفعال نفس الحركات ~~ولكن مرادنا الثواب الذي يكون عليها كما جاء في الحديث ( أن المؤمن يرى ~~عمله في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح ( # وإحتجوا على ذلك بأن الأفعال من القدر والقدر سر الله وصفة من صفاته ~~وصفاته قديمة # وإحتجوا بأن الشرائع غير مخلوقة لأنها أمر الله وكلامه والأفعال هي ~~الشرائع فتكون قديمة وهذا قول في غاية الفساد وهو مخالف لنصوص أئمة الإسلام ~~كلهم وأحدهم الإمام أحمد فأنه نص هو وغيره من الأئمة على أن الثواب الذي ~~يعطيه الله على قراءة القرآن مخلوق فكيف بالثواب الذي يعطيه على سائر أعمال ~~العباد # ولما إحتج الجهمية على الإمام أحمد وغيره من أهل السنة على أن القرآن ~~مخلوق بقول النبى صلى الله عليه وسلم ( تأتي البقرة وآل عمران كأنهما ~~غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف ويأتي القرآن في صورة الرجل ~~الشاحب ( ونحو ذلك قالوا ومن يأتى ويذهب لا يكون إلا مخلوقا أجابهم الإمام ~~أحمد بأن الله تعالى قد وصف نفسه بالمجيء والإتيان بقوله ( هل ينظرون إلا ~~أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ) وقال ( وجاء ربك ~~والملك صفا صفا ) ومع هذا فلم يكن ms2590 هذا دليلا على أنه مخلوق PageV08P408 ~~بالإتفاق بل قد يقول القائل جاء أمره وهكذا تقوله المعتزلة الذين يقولون ~~القرآن مخلوق يتأولون هذه الآية على أن المراد بمجيئه مجيء أمره فلم لايجوز ~~أن يتأول مجيء القرآن على مجيء ثوابه ويكون المراد بقوله تجيء البقرة وآل ~~عمران بمجيء ثوابها وثوابها مخلوق # وقد ذكر هذا المعنى غير واحد وبينوا أن المراد بقوله ( تجيء البقرة وآل ~~عمران ( أي ثوابهما ليجيبوا الجهمية الذين إحتجوا بمجيءالقرآن وإتيانه على ~~أنه مخلوق فلو كان الثواب أيضا الذي يجيء في صورة غمامة أو صورة شاب غير ~~مخلوق لم يكن فرق بين القرآن والثواب ولا كان حاجة إلى أن يقولوا يجيء ~~ثوابه ولا كان جوابهم للجهمية صحيح بل كانت الجهمية تقول أنتم تقولون أنه ~~غير مخلوق وأن ثوابه غير مخلوق فلا ينفعكم هذا الجواب # فعلم أن أئمة السنة مع الجهمية كانوا متفقين على أن ثواب قراءة القرآن ~~مخلوق فكيف يكون ثواب سائر الأعمال وهذا بين فإن الثواب والعقاب هو ما وعد ~~الله به عباده وأوعدهم به فالثواب هو الجنة بما فيها والعقاب هو النار بما ~~فيها والجنة بما فيها مخلوق والنار بما فيها مخلوق وقد ذكر الإمام أحمد هذه ~~الحجة فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فقال # ( باب ) ما إدعت الجهمية أن القرآن مخلوق من الأحاديث التى رويت ~~PageV08P409 ( أن القرآن يجيء في صورة الشاب الشاحب فيأتى صاحبه فيقول هل ~~تعرفني فيقول له من أنت فيقول أنا القرآن الذي أظمأت نهارك وأسهرت ليلك قال ~~فيأتي به الله فيقول يارب ( فادعوا أن القرآن مخلوق فقلنا لهم إن القرآن ~~لايجيء بمعنى أنه قد جاء ( من قرأ ( قل هو الله أحد ) فله كذا وكذا ( ألا ~~ترون من قرأ ( قل هو الله أحد ) لايجيئه بل يجيء ثوابه لأنا نقرأ القرآن ~~فنقول لايجيء ولا يتغير من حال إلى حال # فبين أحمد أن الثواب هو الذي يجيء وهو المخلوق من العمل فكيف بعقوبة ~~الأعمال الذي تتغير من حال إلى حال فإذا كان هذا ثواب ( قل هو الله ms2591 أحد ) ~~وهو ثواب القرآن فكيف ثواب غيره # وأما إحتجاج المحتج بأن الأفعال قدر الله فيقال له لفظ ( القدر ( يراد به ~~التقدير ويراد به المقدر فإن أردت أن أفعال العباد نفس تقدير الله الذي هو ~~علمه وكلامه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته فهذا غلط وباطل فإن أفعال العباد ~~ليست شيئا من صفات الله تعالى وإن أردت أنها مقدرة قدرها الله تعالى فهذا ~~حق فإنها مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة وقد ثبت في الصحيح أن الله قدر ~~مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكل تلك ~~المقدورات مخلوقة PageV08P410 # وثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر ~~بأربع كلمات فيقال أكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ( ~~فالرزق والأجل قدره كما قدر عمله ومعلوم أن الرزق الذي يأكله مخلوق مع أنه ~~مقدر فكذلك عمله وكذلك سعادته وشقاؤه وسعادته وشقاؤه هي ثواب العمل وعقابه ~~وكل ذلك مقدر كما أن الرزق مقدر والمقدر مخلوق # وأما قولهم أن الأعمال هي الشرائع والشرائع غير مخلوقه فيقال لهم أيضا ~~لفظ الشرع يراد به كلام الله الذي شرع به الدين ويراد به الأعمال المشروعة ~~فإن هذه الألفاظ يراد بها المصدر ويراد بها المفعول كلفظ ( الخلق ( ونحو ه # فإن قلتم أن أعمال العباد هي الشرع الذي هو كلام الله فهذا باطل ظاهر ~~البطلان # وإن أردتم أن الأعمال هي المشرو عة بأمر الله بها فهذا حق لكن أمر الله ~~غير مخلو ق وأما المأمو ر به المكو ن بأمر الله أو الممتثل بأمر الله فإنه ~~مخلو ق كما أن العبد المأمور مخلوق PageV08P411 # ولفظ ( الأمر ( يراد به المصدر والمفعول فالمفعول مخلوق كما قال ( أتى ~~أمر الله ) وقال ( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) فهنا المراد به المأمور به ~~ليس ms2592 المراد به أمره الذي هو كلامه وهذه الآية التى إحتج بها هؤلاء تضمنت ~~الشرع وهو الأمر والقدر وقد ضل في هذا الموضع فريقان # ( الجهمية ( الذين يقولون كلام الله مخلوق ويحتجون بقوله ( وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا ) ويقولون ما كان مقدورا فهو مخلوق وهؤلاء ( الحلولية ( ~~الضالون الذين يجعلون فعل العباد قديما بأنه أمر الله وقدره وأمره وقدره ~~غير مخلوق # ومثار الشبهة أن إسم ( القدر ( و ( الأمر ( و ( الشرع ( يراد به المصدر ~~ويراد به المفعو ل ففي قو له ( وكان أمر الله قدرا مقدو را ) المراد به ~~المأمو ر به المقدور وهذا مخلوق وأما في قوله ( ذلك أمر الله أنزله إليكم ) ~~فأمره كلامه إذ لم ينزل إلينا الأفعال التى أمرنا بها وإنما أنزل القرآن ~~وهذا كقو له ( إن الله يأمركم أن تؤدو ا الأمانات إلى أهلها ) فهذا الأمر ~~هو كلامه # فإذا إحتج الجهمي الذي يؤو ل أمره إلى أن يجعله حالا في المخلوقات بقوله ~~( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) قيل له المراد به المأمور به كما في قوله ( ~~أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) وكما يقال عن الحوادث التى يحدثها الله هذا ~~أمر عظيم وإذا إحتج الحلو لي الذي يجعل صفات الرب تقارن ذاته وتحل في ~~PageV08P412 المخلوقات بقو له ( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) وقال الأفعال ~~قدره وأمره وأمره غير مخلوق وقدره غير مخلوق قيل له أمره وقدره الذي هو ~~صفته كمشيئته وكلامه غير مخلوق فأما أمره الذي هو قدر مقدور فمخلوق ~~فالمقدور مخلوق والمأمور به مخلوق وإن سميا أمرا وقدرا # ثم يقال لهؤلاء الضالين هب أن المأمور به يسمى أمرا وشرعا فالمنهي عنه ~~ليس هو مأمورا به ولا مشروعا وإنما هو مخالفة للأمر والشرع وهو منهي عنه ~~فكيف سميتم الكفر والفسوق والعصيان شرائع وليست من الشرائع ولكن هي مما نهت ~~عنه الشريعة ولما قال سبحانه ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ) هل ~~دخل في هذه الشريعة الكفر والفسوق والعصيان وهل أمر الرسول بإتباع ذلك ~~وباجتنابه وإتقائه # وأما قول السائل ما الحجة ms2593 على من يقول أن أفعال العباد من الحركات وغيرها ~~من القدر الذي قدر قبل خلق السماوات والأرض فيقال له من قال هذا القول فقد ~~أحسن وأصاب وليس عليه حجة بل هذا الكلام حجة على نقيض مطلوبه فإن لفظ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي رو اه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو عنه ~~صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات ~~والأرض بخمسين ألف سنة ( فقدر أعمالهم وأرزاقهم وصورهم وألوانهم وكل ذلك ~~مخلوق فدل ذلك على أن الأعمال من المقدورات المخلوقة وهل يقول عاقل أن عمل ~~العبد كان مو جودا PageV08P413 قبل وجوده وعمل العبد حركته التى نشأت عنه ~~فكيف يكون ذلك موجودا قبله ومن فسر كلامه وقال أنا لم نرد الحركة ولكن ~~أردنا ثوابها فيقال له كل ما سوى الله فهو مخلوق وكلامه وصفاته ليست خارجة ~~عن مسماه بل كلامه داخل في مسمى إسمه ولو قال قائل ما سو ى الله وصفاته فهو ~~مخلوق ليزيل هذه الشبهة كان قد قصد معنى صحيحا وكذلك إذ قال كما قال من قال ~~من السلف الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله منزل غير ~~مخلوق منه بدا وإليه يعود فهؤلاء إستثنوا القرآن لئلا يتوهم المستمع أن ~~القرآن المنزل مخلوق # فإن الجهمية كانوا يقولون للناس القرآن هو الله أو غير الله فيجيبهم من ~~لا يفهم مقصو دهم بأنه غير الله فيقولون كل ما سوى الله مخلوق فقال من قال ~~من السلف هذه العبارة لئلا يظن من لم يعرف مقاصد الجهمية أن القرآن مخلو ق ~~لظنه أن ذلك يدخل في عموم قوله وما سوى الله مخلوق فقالوا أن ذلك لا يدخل ~~في عموم قوله وما سوى الله مخلوق فقالوا إلا القرآن فإنه ليس بمخلوق وإن ~~أدخله من أدخله في قول القائل وما سوى الله مخلوق فلما كان لفظ الغير ~~والسوى فيهما إشتراك فصفة الشيء تدخل تارة في لفظ الغير والسوى وتارة لا ~~تدخل والمخاطب ms2594 ممن يفهم دخول القرآن في لفظ السوى إستثناه السلف ~~PageV08P414 # فأما أفعال العباد فلم يستثنها أحد من عموم المخلوقات إلا القدرية الذين ~~يقولون أن الله لم يخلقها من المعتزلة ونحو هم # لكن هؤلاء يقولون إنها محدثة كائنة بعد أن لم تكن إلا هؤلاء الحلولية وما ~~علمت أحدا من المتقدمين قال إن أفعال العباد من الخير أو الشر قديمة لامن ~~أهل السنة ولا من أهل البدعة إلا عن بعض متأخري المصريين وبلغني نحو ذلك عن ~~بعض متأخري الأعاجم ورأيت بعض شيو خ هؤلاء من الشاميين توقفوا عنها فقالوا ~~نقول هي مقضية مقدرة ولا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة وبعض الناس فرق بإن ~~أفعال الخير من الإيمان وكلام السلف في ( الإيمان ( مذكو ر في غير هذا ~~الموضع # وهذه ( الأقوال الثلاثة ( بقدمها أو قدم أفعال الخير والتوقف في ذلك أقو ~~ال فاسدة باطلة لم يقلها أحد من الأئمة المشهورين ولا يقولها من يتصور ما ~~يقول وإنما أوقع هؤلاء فيها ما ظنوه في ( مسألة اللفظ بالقرآن ( و ( مسألة ~~التلاوة والمتلو ( و ( مسألة الإيمان ( وقد أو ضحنا مذاهب الناس في ( مسألة ~~القرآن ( وبينا القو ل الحق والو سط الذي كان عليه السلف والأئمة الموافق ~~للمنقول والمعقول وبينا إنحراف المنحرفين من المثبتة والنفاة في غير هذا ~~المو ضع PageV08P415 # وقد آل الأمر بطائفة ممن يجعلون بعض صفات العبد قديما إلى أن جعلوا الروح ~~التى فيه قديمة وقالوا بقدم النور القائم بالشمس والقمر ونحو ذلك من ~~المقالات التى بينا فسادها ومخالفتها للسلف والأئمة في غير هذا # الموضع وهولاء يشتركون في القول بحلول بعض صفات الخالق في المخلوق وأما ~~الجهمية الذين هم شر من هؤلاء فيؤول الأمر بهم إلى أن يجعلوا الخالق نفسه ~~يحل في المخلوقات كلها أو يجعلونه عين وجود المخلوقات وكان قد إجتمع شيخ ~~هؤلاء الحلولية الجهمية بشيوخ أولئك الحلولية الصفاتية # وبسبب هذه البدع وأمثالها وغيرها من مخالفة الشريعة جرى ما جرى من ~~المصائب على الأئمة # والإمام ( أحمد ( وغيره من الأئمة أنكروا القول بالحلول وشبهوا هؤلاء ~~بالنصارى وقال ms2595 فيما كتبه من ( الرد على الزنادقة والجهمية ( قال فكان مما ~~بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ وكان له ~~خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله فلقي إناسا من المشركين يقال لهم ~~السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا ~~وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا ألست ~~تزعم أن لك إلها قال الجهم PageV08P416 نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا ~~قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له ~~حسا قال لا قالوا فوجدت له مجسا قال لا قالوا فما يدريك أنه إله قال فتحير ~~الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم أنه إستدرك حجة مثل حجة زنادقة ~~النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى بن مريم هو ~~روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على ~~لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهى عما يشاء وهو روح غائب عن الأبصار # فإستدرك الجهم حجة فقال للسمنى الست تزعم أن فيك روحا قال نعم قال فهل ~~رأيت روحك قال لا قال فهل سمعت كلامه قال لا قال فوجدت له حسا أو مجسا قال ~~لا قال فكذلك الله لا ترى له وجها ولا تسمع له صوتا ولا تشم له رائحة وهو ~~غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان وتكلم في الرد عليهم إلى أن قال # ثم أن الجهم إدعى أمرا آخر فقال إنا وجدنا آية من كتاب الله تدل على ~~القرآن أنه مخلوق فقلنا إي آية فقال قول الله ( إنما المسيح عيسى بن مريم ~~رسول الله وكلمته ) وعيسى مخلوق فقلنا إن الله منعك الفهم في القرآن عيسى ~~تجري عليه ألفاظ لاتجرى على القرآن لأنه PageV08P417 يسميه مولودا وطفلا ~~وصبيا وغلاما يأكل ويشرب وهو مخاطب بالأمر والنهي يجرى عليه الوعد والوعيد ~~ثم هو من ms2596 ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم ولا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول ~~في عيسى هل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى # ولكن المعنى في قول الله جل ثناؤه ( إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم ) فالكلمة التى ألقاها إلى مريم حين قال له كن فكان ~~عيسى بكن وليس عيسى هو الكن ولكن كان بكن فالكن من الله قول وليس الكن من ~~الله مخلوقا # وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا عيسى ~~روح الله وكلمته إلا أن الكلمة مخلوقة وقالت النصارى عيسى روح الله من ذات ~~الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال أن هذه الخرقة من هذا الثوب وقلنا ~~نحن أن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة وأما قول الله وروح منه يقول ~~من أمره كان الروح فيه كقوله ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه ) يقول من أمره وتفسير روح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقها ~~الله كما يقال عبد الله وسماء الله # وبين أحمد أن كلام الآدميين مخلوق فضلا عن أعمالهم فقال PageV08P418 بيان ~~ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى فقلنا لم أنكرتم ذلك قالوا إن ~~الله لم يتكلم ولا يتكلم إنما كون شيئا فعبر عن الله وخلق صوتا فأسمع ~~وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين فقلنا فهل يجوز لمكون ~~غير الله أن يقول يا موسى أنا ربك أو يقول ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) فمن زعم أن ذلك غير الله فقد إدعى الربوبية ~~ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئا كان يقول ذلك المكون ( ياموسى ان ~~الله رب العالمين ) لا يجوز له أن يقول ( إني أنا الله رب العالمين ) وقد ~~قال الله تعالى ( وكلم الله موسى تكليما ) وقال ( ولما جاء موسى لميقاتنا ~~وكلمه ربه ) وقال ( أني إصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) فهذا ms2597 منصوص ~~القرآن # فأما ما قالوا أن الله لا يتكلم ولا يكلم فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن ~~خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما ~~منكم من أحد إلا سيكلم ربه ليس بينه وبينه ترجمان ( وبسط الكلام عليهم إلى ~~أن قال # قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام ~~التى تعبد من دون الله لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان ~~إلى مكان فلما ظهرت عليه الحجة قال أن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا ~~وكذلك بنوا آدم كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله بخلقه حين PageV08P419 زعمتم ~~أن كلامه مخلوق ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق ~~التكلم فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة بل نقول إن الله ~~لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول أنه كان ولا يتكلم حتى خلق وذكر تمام كلامه # فقد بين أن كلام الآدميين مخلوق خلقه الله وذلك أبلغ من نصه على أن أفعال ~~العباد مخلوقة مع نصه على الأمرين # وقال إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان ~~ولا يكون في مكان دون مكان فقل أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له حين ~~خلق خلقه خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل واحدة ~~منها إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس ~~والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا ~~كفرا حين زعم أنه دخل في مكان وحش قذر رديء وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم ~~لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة # فقد بين أحمد أن كلام الآدميين مخلوق ونص في غير موضع على أن أفعالهم ~~مخلوقة والنص على كلامهم أبلغ فإن الشبه فيه أظهر فمن قال أن PageV08P420 ~~كلام ms2598 الآدميين أو أفعالهم قديمة فهو مبتدع مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف ~~الأمة وأئمتها ### ||| فصل # وأما الإستثناء في الماضي المعلوم المتيقن مثل قوله هذه شجرة إن شاء الله ~~أو هذا إنسان إن شاء الله أو السماء فوقنا إن شاء الله أو لا إله إلا الله ~~إن شاء الله أو محمد رسول الله إن شاءالله أو الإمتناع من أن يقول محمد ~~رسول الله قطعا وأن يقول هذه شجرة قطعا فهذه بدعة مخالفة للعقل والدين # ولم يبلغنا عن أحد من أهل ( الإسلام ( إلا عن طائفة من المنتسبين إلى ~~الشيخ أبى عمرو بن مرزوق ولم يكن الشيخ يقول بذلك ولا عقلاء أصحابه ولكن ~~حدثني بعض الخبيرين أنه بعد موته تنازع صاحبان له حازم وعبد الملك فإبتدع ~~حازم هذه البدعة في الإستثناء في الأمور الماضية المقطوع بها وترك القطع ~~بذلك وخالفه عبد الملك في ذلك موافقة لجماعة المسلمين وأئمة الدين # وأما ( الشيخ أبوعمرو ( فكان أعقل من أن يدخل في مثل هذا PageV08P421 ~~الهذيان فإنه كان له علم ودين وإن كان ما تقدم من مسألة قدم أفعال العباد ~~من خير وشر يعزى إليه وقد أرانى بعضهم خطه بذلك فقد قيل أنه رجع عن ذلك ~~وكان يسلك طريقة الشيخ أبى الفرج المقدسى الشيرازي ونقل عنه أنه كان يقف ~~ويقول هي مقضية مقدرة وأمسك # والشيخ أبو الفرج كان أحد أصحاب القاضي أبى يعلى ولكن القاضي أبو يعلى لا ~~يرضى بمثل هذه المقالات بل هو ممن يجزم بأن أفعال العباد مخلوقة ولو سمع ~~أحدا يتوقف في الكفر والفسوق والعصيان أنه مخلوق فضلا عن أن يقول أن أفعال ~~العبد من خير وشر قديمة لأنكر عليه أعظم الأنكار # وإن كان في كلام القاضي مواضع إضطرب فيها كلامه وتناقص فيها وذكر في موضع ~~كلاما بنى عليه من وافقه فيه من أبنية فاسدة فالعالم قد يتكلم بالكلمة التى ~~يزل فيها فيفرع إتباعه عليها فروعا كثيرة كما جرى في مسألة اللفظ و ( كلام ~~الآدميين ( ومسألة ( الإيمان ( و ( أفعال العباد ( # فإن السلف والأئمة الإمام أحمد وغيره ms2599 لم يقل أحد منهم أن كلام الآدميين ~~غير مخلوق ولا قالوا إنه قديم ولا أن أفعال العباد غير مخلوقة ولا أنها ~~قديمة ولا قالوا أيضا أن الإيمان قديم ولا أنه غير مخلوق ولا قالوا إن لفظ ~~العباد بالقرآن مخلوق ولا أنه غير مخلوق ولكن منعوا من إطلاق PageV08P422 ~~القول بأن الإيمان مخلوق وأن اللفظ بالقرآن مخلوق لما يدخل في ذلك من صفات ~~الله تعالى ولما يفهمه هذا اللفظ من أن نفس كلام الخالق مخلوق وأن نفس هذه ~~الكلمة مخلوق ومنعوا أن يقال حروف الهجاء مخلوقة لأن القائل هذه المقالات ~~يلزمه أن لا يكون القرآن كلام الله وأنه لم يكلم موسى # فجاء أقوام أطلقوا نقيض ذلك فقال بعضهم لفظي بالقرآن غير مخلوق فبدع ~~الإمام أحمد وغيره من الأئمة من قال ذلك # وكذلك أطلق بعضهم القول بأن الإيمان غير مخلوق حتى صار يفهم من ذلك أن ( ~~أفعال العباد ( التى هي إيمان غير مخلوقة فجاء آخرون فزادوا على ذلك فقالوا ~~كلام الآدميين مؤلف من الحروف التى هي غير مخلوقة فيكون غير مخلوق وقال ~~آخرون فأفعال العباد كلها غير مخلوقة والبدعة كلما فرع عليها وذكر لوازمها ~~زادت قبحا وشناعة وأفضت بصاحبها إلى أن يخالف ما يعلم بالإضطرار من العقل ~~والدين # وقد بسطنا الكلام في هذا وبينا إضطراب الناس في هذا في مسألة القرآن ~~وغيرها # وهذا كما أن أقواما إبتدعوا أن حروف القرآن ليست من كلام الله ~~PageV08P423 و أن كلام الله إنما هو معنى قائم بذاته هو الأمر والنهي ~~والخبر وهذا الكلام فاسد بالعقل الصريح والنقل الصحيح فإن المعنى الواحد لا ~~يكون هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر ولا يكون معنى التوراة والإنجيل ~~والقرآن واحدا وهم يقولون إذا عبر عن ذلك الكلام بالعربية صار قرآنا وإذا ~~عبر عنه بالعبرية صار توراة وهذا غلط فإن التوراة يعبر عنها بالعربية ~~ومعانيها ليست هي معاني القرآن والقرآن يعبر عنه بالعبرية وليست معانيه هي ~~معاني التوراة # وهذا القول أول من أحدثه بن كلاب ولكنه هو ومن إتبعه عليه ms2600 كالأشعري وغيره ~~يقولون مع ذلك أن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة متلو بالألسن حقيقة مكتوب في ~~المصاحف حقيقة # ومنهم من يمثل ذلك بأنه محفوظ بالقلوب كما أن الله معلوم بالقلوب ومتلو ~~بالألسن كما أن الله مذكور بالألسن ومكتوب في المصاحف كما أن الله مكتوب في ~~المصاحف وهذا غلط في تحقيق مذهب بن كلاب والأشعري فإن القرآن عندهم معنى ~~عبارة عنه والحقائق لها أربع مراتب وجود عينى وعلمى ولفظي ورسمي فليس العلم ~~بالمعنى له المرتبة الثانية وليس ثبوته في الكتاب كثبوت الأعيان في الكتاب ~~فزاد هؤلاء قول بن كلاب والأشعري قبحا PageV08P424 ثم تبع أقوام من أتباعهم ~~أحد أهل المذهب وأن القرآن معنى قائم بذات الله فقط وأن الحروف ليست من ~~كلام الله بل خلقها الله في الهواء أو صنفها جبريل أو محمد فضموا إلى ذلك ~~أن المصحف ليس فيه إلا مداد وورق وأعرضوا عما قاله سلفهم من أن ذلك دليل ~~على كلام الله فيجب إحترامه لما رأوا أن مجرد كونه دليلا لا يوجب الإحترام ~~كالدليل على الخالق المتكلم بالكلام فإن الموجودات كلها أدلة عليه ولا يجب ~~إحترامها فصار هؤلاء يمتهنون المصحف حتى يدوسوه بأرجلهم ومنهم من يكتب ~~إسماء الله بالعذرة إسقاطا لحرمه ما كتب في المصاحف والورق من أسماء الله ~~وآياته # وقد إتفق المسلمون على أن من إستخف بالمصحف مثل أن يلقيه في الحش أو ~~يركضه برجله إهانة له أنه كافر مباح الدم # فالبدع تكون في أولها شبرا ثم تكثر في الإتباع حتى تصير أذرعا وأميالا ~~وفراسخ # وهذا الجواب لايحتمل بسط هذا الباب فإنه مبسوط في غيره # وهؤلاء الذين يستثنون في هذه الأشياء الماضية المقطوع بها مبتدعة ضلال ~~جهال وأحدهم يحتج على ذلك فإذا قيل له هذه شجرة قال إن شاء الله أن يقلبها ~~حيوانا فعل PageV08P425 # فيقال له هي الآن شجرة قطعا وإما إذا قلت قد إنتقلت كما أن الإنسان يكون ~~نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما ثم يحيى فبعد نفخ الروح فيه حي قطعا وإذا شاء ~~الله أن يميته أماته ms2601 فالله إذا كان قادرا على تحويل الخلق من حال إلى حال ~~لم يمنع ذلك أن يكونوا في كل وقت على الحال التى خلقهم عليها فالسماء سماء ~~بمشيئة الله وقدرته وخلقه والإنسان إنسان بمشيئة الله وقدرته وخلقه والفرس ~~فرس بمشيئة الله وقدرته وخلقه وإذا شاء الله أن يغير ما شاء غيره بمشيئته ~~إن شاء وقدرته وخلقه # ولم يجيء في الكتاب والسنة إستثناء في الماضي بل في المستقبل كقوله ( ولا ~~تقولن لشيء إنى فاعل ذلك غدا إلا إن يشاء الله ) وقو له ( لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله ) وقو ل النبى صلى الله عليه وسلم ( وإنا إن شاء الله ~~بكم لاحقون وقوله ( أن سليمان قال لأطو فن الليلة على سبعين إمرأة تأتي كل ~~إمرأة بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له صاحبه قل إن شاء الله فلم يقل فلم ~~تلد منهن إلا إمرأة جاءت بشق ولد قال فلو قال إن شاء الله لقاتلو ا في سبيل ~~الله فرسانا أجمعين ( وقال صلى الله عليه وسلم ( من حلف فقال إن شاء الله ~~فإن شاء فعل وإن شاء ترك ( لأن الحالف يحلف على مستقبل ليفعلن هو أو غيره ~~كذا أو لا يفعل هو أو غيره كذا فيقو ل إن شاء الله لأنه ما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن فإن وقع الفعل كان الله شاءه فلا حنث عليه وإن لم يقع لم ~~يكن الله شاءه فلا حنث عليه لأنه إنما إلتزمه إن أشاء الله فإذا لم يشأه ~~الله لم يكن قد إلتزمه فلا يحنث PageV08P426 # و ( الإستثناء في الإيمان ( مأثو ر عن بن مسعو د وغيره من السلف والأئمة ~~لا شكا فيما يجب عليهم الإيمان به فإن الشك في ذلك كفر ولكنهم إستثنو ا في ~~الإيمان خو فا ألا يكو نوا قاموا بواجباته وحقائقه وقد قال تعالى ( والذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) قال النبى صلى الله عليه وسلم ( هو الرجل ~~يصوم ويصلى ويتصدق ويخاف أن لا يتقبل منه ( # وإستثنو ا أيضا لعدم علمهم ms2602 بالعاقبة والإيمان النافع هو الذي يمو ت المرء ~~عليه # واستثنوا خوفا من تزكية النفس ونحو ذلك من المعانى الصحيحة # وكذلك من إستثنى في أعمال البر كقوله صليت إن شاء الله ونحو ذلك فهذا كله ~~إستثناء في أفعال لم يعلم وقوعها على الوجه المأمور المقبول فهو إستثناء ~~فيما لم تعلم حقيقته أو في مستقبل علق بمشيئة الله ليبين أن الأمو ر كلها ~~بمشيئة الله فأما الإستثناء في ماض معلوم فهذه بدعة بخلاف العقل والدين ~~PageV08P427 ### || 1 ( مسألة تحسين العقل و تقبيحه ) 1 # وقال رحمه الله ! 8 < فصل # وأما ( مسألة تحسين العقل وتقبيحه ( ففيها نزاع مشهور بين أهل السنة ~~والجماعة من الطوائف الأربعة وغيرهم فالحنفية وكثير من المالكية والشافعية ~~والحنبلية يقولون بتحسين العقل وتقبيحه وهو قول الكرامية والمعتزلة وهو قول ~~أكثر الطوائف من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم وكثير من ~~الشافعية والمالكية والحنبلية ينفون ذلك وهو قول الأشعرية لكن أهل السنة ~~متفقون على إثبات القدر وأن الله على كل شيء قدير خالق كل شيء من أفعال ~~العباد وغيرها وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن # والمعتزلة وغيرهم من القدرية يخالفون في هذا فإنكار القدر بدعة منكرة وقد ~~ظن بعض الناس أن من يقول بتحسين العقل وتقبيحه ينفي القدر ويدخل مع ~~المعتزلة في مسائل التعديل والتجويز وهذا غلط # بل جمهور المسلمين لا يوافقون المعتزلة على ذلك ولا يوافقون الأشعرية على ~~نفى PageV08P428 الحكم والأسباب بل جمهور طوائف المسلمين يثبتون القدر ~~ويقولون أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها ويقولون ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن # وأما الإقرار بتقدم علم الله وكتابه لأفعال العباد فهذا لم ينكره إلا ~~الغلاة من القدرية وغيرهم وإلا فجمهور القدرية من المعتزلة وغيرهم يقرون ~~بأن الله علم ما العباد فاعلون قبل أن يفعلوه ويصدقون بما أخبر به الصادق ~~المصدوق من أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن خلقهم كما ثبت في صحيح مسلم ~~عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم ms2603 قال ( إن الله قدر مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ( ~~وفي صحيح البخارى وغيره عن عمران بن حصين ( عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال ( كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ~~وخلق السماوات والأرض ( وفي لفظ ( ثم خلق السماوات والأرض ( # وفى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو الصادق المصدوق أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ~~ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع ~~كلمات فيقال أكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالذي ~~نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل ~~PageV08P429 أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة ( والآثار مثل هذا كثيره # فهذا يقر به أكثر القدرية وإنما ينكره غلاتهم كالذين ذكروا لعبد الله بن ~~عمر في الحديث الذي رواه مسلم في أول صحيحه بحيث قيل له ( قبلنا أقوام ~~يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف قال فإذا ~~لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم مني برءاء ( ولهذا كفر الأئمة ~~كمالك والشافعي وأحمد من قال أن الله لم يعلم أفعال العباد حتى يعملوها ~~بخلاف غيرهم من القدرية # والمقصود هنا أن جماهير المسلمين يخالفون القدرية من المعتزلة وغيرهم ~~وجماهير المسلمين أيضا يقرون بالأسباب التى جعلها الله أسبابا في خلقه ~~وأمره ويقرون بحكمة الله التى يريدها في خلقه وأمره ويقولون كما قال الله ~~في القرآن حيث قال ( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها ) وقال ( فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) ومثل هذا كثير ~~في الكتاب والسنة وجمهور ms2604 المسلمين على ذلك يقولون أن هذا فعل بهذا لا ~~يقولون كما يقول نفاة الأسباب فعل عندها لا بها وهذه الأمور مبسوطة في غير ~~هذا الموضع PageV08P430 # والمقصود هنا أن ( مسألة التحسين والتقبيح ( ليست ملازمة لمسألة القدر ~~وإذا عرف هذا فالناس في ( مسألة التحسين والتقبيح ( على ثلاثة أقوال طرفان ~~ووسط # ( الطرف الواحد ) قول من يقول بالحسن والقبح ويجعل ذلك صفات ذاتية للفعل ~~لازمة له ولا يجعل الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لاسببا لشيء من الصفات ~~فهذا قول المعتزلة وهو ضعيف وإذا ضم إلى ذلك قياس الرب على خلقه فقيل ما ~~حسن من المخلوق حسن من الخالق وما قبح من المخلوق قبح من الخالق ترتب على ~~ذلك أقوال القدرية الباطلة وما ذكروه في التجويز والتعديل وهم مشبهة ~~الأفعال يشبهون الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الأفعال وهذا قول باطل ~~كما أن تمثيل الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الصفات باطل # فاليهود وصفوا الله بالنقائص التى يتنزه عنها فشبهوه بالمخلوق كما وصفوه ~~بالفقر والبخل واللغوب وهذا باطل فإن الرب تعالى منزه عن كل نقص وموصوف ~~بالكمال الذي لا نقص فيه وهو منزه في صفات الكمال أن يماثل شيء من صفاته ~~شيئا من صفات المخلوقين فليس له كفؤا أحد في شيء من صفاته لا في علمه ولا ~~قدرته ولا إرادته ولا رضاه ولا غضبه ولا خلقه ولا إستوائه ولا إتيانه ولا ~~PageV08P431 نزوله ولا غير ذلك مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله بل مذهب ~~السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا ~~تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل فلا ينفون عنه ما أثبته لنفسه من الصفات ولا ~~يمثلون صفاته بصفات المخلوقين فالنافى معطل والمعطل يعبد عدما والمشبه ممثل ~~والممثل يعبد صنما # ومذهب السلف إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل كما قال تعالى ( ليس كمثله ~~شيء ) وهذا رد على الممثلة وقوله ( وهو السميع البصير ) رد على المعطلة ~~وأفعال الله لا تمثل بأفعال المخلوقين فإن المخلوقين عبيده يظلمون ويأتون ms2605 ~~الفواحش وهو قادر على منعهم ولو لم يمنعهم لكان ذلك قبيحا منه وكان مذموما ~~على ذلك والرب تعالى لا يقبح ذلك منه لما له في ذلك من الحكمة البالغة ~~والنعمة السابغة هذا على قول السلف والفقهاء والجمهور الذين يثبتون الحكمة ~~في خلق الله وأمره # ومن قال أنه لا يخلق شيئا بحكمة ولا يأمر بشيء بحكمة فإنه لا يثبت إلا ~~محض الإرادة التى ترجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح كما هو أصل بن ~~كلاب ومن تابعه وهو أصل قولي القدرية والجهمية # وأما الطرف الآخر في ( مسألة التحسين والتقبيح ( فهو قول من يقول ~~PageV08P432 إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل ~~للأحكام بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر لمحض الإرادة لا لحكمة ~~ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر # ويقولون أنه يجوز أن يأمر الله بالشرك بالله وينهى عن عبادته وحده ويجوز ~~أن يأمر بالظلم والفواحش وينهى عن البر والتقوى والأحكام التى توصف بها ~~الأحكام مجرد نسبة وإضافة فقط وليس المعروف في نفسه معروفا عندهم ولا ~~المنكر في نفسه منكرا عندهم بل إذا قال ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) فحقيقة ذلك عندهم أنه ~~يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم ويحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما ~~يحرم عليهم بل الأمر والنهي والتحليل والتحريم ليس في نفس الأمر عندهم لا ~~معروف ولا منكر ولا طيب ولا خبيث الا أن يعبر عن ذلك بما يلائم الطباع وذلك ~~لا يقتضى عندهم كون الرب يحب المعروف ويبغض المنكر # فهذا القول ولوازمه هو أيضا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف ~~والفقهاء مع مخالفته أيضا للمعقول الصريح فإن الله نزه نفسه عن الفحشاء ~~فقال ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) كما نزه نفسه عن التسوية بين الخير ~~والشر فقال تعالى ( أم حسب الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم PageV08P433 ساء ما يحكمون ) وقال ( ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ms2606 ) وقال ( أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) # وعلى قول النفاة لا فرق في التسوية بين هؤلاء وهؤلاء وبين تفضيل بعضهم ~~على بعض ليس تنزيهه عن أحدهما بأولى من تنزيهه عن الآخر وهذا خلاف المنصوص ~~والمعقول وقد قال الله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) وعندهم تعلق ~~الإرسال بالرسول كتعلق الخطاب بالأفعال لا يستلزم ثبوت صفة لا قبل التعلق ~~ولا بعده والفقهاء وجمهور المسلمين يقولون الله حرم المحرمات فحرمت وأوجب ~~الواجبات فوجبت فمعنا شيئان إيجاب وتحريم وذلك كلام الله وخطابه والثاني ~~وجوب وحرمة وذلك صفة للفعل والله تعالى عليم حكيم علم بما تتضمنه الأحكام ~~من المصالح فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور والمحظور من ~~مصالح العباد ومفاسدهم وهو أثبت حكم الفعل وأما صفته فقد تكون ثابتة بدون ~~الخطاب وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع # ( أحدها ) أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع ~~بذلك كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم والظلم PageV08P434 يشتمل ~~على فسادهم فهذا النوع هو حسن وقبيح وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه ~~أثبت للفعل صفة لم تكن لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبا ~~في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين ~~والتقبيح فإنهم قالوا إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث ~~إليهم رسولا وهذا خلاف النص قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ~~وقال تعالى ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~) وقال تعالى ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم ~~آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) وقال تعالى ( كلما ألقى ~~فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما ms2607 كنا في أصحاب السعير # وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما أحد أحب إليه ~~العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ( والنصوص الدالة على ~~أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرة ترد على من قال من أهل التحسين ~~والتقبيح أن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم # ( النوع الثاني ) أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا وإذا نهى PageV08P435 ~~عن شيء صار قبيحا وإكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع # و ( النوع الثالث ) أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه ~~ولا يكون المراد فعل المأمور به كما أمر إبراهيم بذبح إبنه فلما أسلما وتله ~~للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى لما بعث الله ~~إليهم من سألهم الصدقة فلما أجاب الأعمى قال الملك أمسك عليك مالك فإنما ~~إبتليتم فرضي عنك وسخط على صاحبيك # فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به وهذا النوع والذي قبله ~~لم يفهمه المعتزلة وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك ~~بدون أمر الشارع والأشعرية إدعوا أن جميع الشريعة من قسم الإمتحان وأن ~~الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع وأما الحكماء والجمهور ~~فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو الصواب PageV08P436 ### |||| سئل شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى # عن العبد هل يقدر أن يفعل الطاعة إذا أراد أم لا وإذا أراد أن يترك ~~المعصية يكون قادرا على تركها أم لا وإذا فعل الخير نسبه إلى الله وإذا فعل ~~الشر نسبه إلى نفسه ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم إذا أراد العبد الطاعة التى أوجبها الله عليه إرادة ~~جازمة كان قادرا عليها وكذلك إذا أراد ترك المعصية التى حرمت عليه إرادة ~~جازمة كان قادرا على ذلك وهذا مما إتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل حتى ~~أئمة الجبرية بل هذا معلوم بالإضطرار من دين الإسلام وإنما ينازع في ذلك ~~بعض غلاة ( الجبرية ( الذين يقولون أن الأمر ms2608 الممتنع لذاته واقع في الشريعة ~~ويحتجون بأمره أبا لهب بأنه يؤمن بما يستلزم عدم إيمانه وهذا القول خلاف ما ~~أجمع عليه أئمة الإسلام كالأئمة الأربعة وغيرهم وأئمة الحديث والتصوف ~~وغيرهم وخلاف ما أجمع عليه أئمة الكلام من أهل النفي والإثبات # فأما إجماع المعتزلة ونحوهم على ذلك فظاهر وكذلك أئمة المتكلمين المثبتة ~~PageV08P437 كأبي محمد بن كلاب وأبى العباس القلانسي وأبى الحسن الأشعري ~~والقاضي أبى بكر البقلانى وأبى بكر بن فورك وأبي إسحاق الأسفرائيني ~~والأستاذ أبي المعالى الجوينى وأبى حامد الغزالى وكذلك أبو عبد الله محمد ~~بن كرام وأصحابه كإبن الهيصم وسائر متكلمي أصحاب أبى حنيفة كأبى منصور ~~الماتريدي وغيره وأمثال هؤلاء كلهم متفقون وقد حكى إجماع المسلمين على ذلك ~~غير واحد كأبي الحسن بن الزاغونى # وإنما نازع في ذلك بعضهم واتبعه أبو عبد الله الرازي # وإحتجاجهم بقصة أبى لهب حجة باطلة فإن الله أمر أبا لهب بالإيمان قبل أن ~~تنزل السورة فلما أصر وعاند إستحق الوعيد كما إستحق قوم نوح حين قيل له ( ~~أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) وحين إستحق الوعيد أخبر الله بالوعيد ~~الذي يلحقه ولم يكن حينئذ مأمورا أمرا يطلب به منه ذلك والشريعة طافحة بأن ~~الأفعال المأمور بها مشروطة بالإستطاعة والقدرة كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم لعمران بن حصين ( صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع ~~فعلى جنب ) # وقد إتفق المسلمون على أن المصلي إذا عجز عن بعض واجباتها كالقيام أو ~~القراءة أو الركوع أو السجود أو ستر العورة أو إستقبال القبلة أو غير ذلك ~~سقط عنه ما عجز عنه وإنما يجب عليه ما إذا أراد فعله إرادة جازمة أمكنه ~~فعله وكذلك الصيام إتفقوا على أنه يسقط بالعجز عن مثل PageV08P438 الشيخ ~~الكبير والعجوز الكبيرة الذين يعجزون عنه أداء وقضاء وإنما تنازعوا هل على ~~مثل ذلك الفدية بالإطعام فأوجبها الجمهور كأبى حنيفة والشافعي وأحمد ولم ~~يوجبها مالك وكذلك الحج فإنهم أجمعوا على أنه لا يجب على العاجز عنه وقد ~~قال تعالى ms2609 ( ولله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا ) وقد تنازعوا ~~هل الإستطاعة مجرد وجود المال كما هو مذهب الشافعي وأحمد أو مجرد القدرة ~~ولو بالبدن كما هو مذهب مالك أو لابد منهما كمذهب أبى حنيفة والأولون ~~يوجبون على المغصوب أن يستنيب بماله بخلاف الآخرين # بل مما ينبغي أن يعرف أن الإستطاعة الشرعية المشروطة في الأمر والنهي لم ~~يكتف الشارع فيها بمجرد المكنة ولو مع الضرر بل متى كان العبد قادرا على ~~الفعل مع ضرر يلحقه جعل كالعاجز في مواضع كثيرة من الشريعة كالتطهر بالماء ~~والصيام في المرض والقيام في الصلاة وغير ذلك تحقيقا لقوله تعالى ( يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ولقوله تعالى ( ما جعل عليكم في الدين ~~من حرج ) ولقوله تعالى ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) وفى الصحيح عن ~~أنس ( عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الأعرابى لما بال في المسجد قال لا ~~تزرموه أي لا تقطعوا عليه بوله فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ( ~~وكذلك في الصحيح ( أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبى موسى حين ~~بعثهما إلى اليمن يسرا ولا PageV08P439 تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا ~~تختلفا ( وهذا وأمثاله في الشريعة أكثر من أن يحصر # فمن قال أن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد ~~كذب على الله ورسوله وهو من المفترين الذين قال الله فيهم ( إن الذين ~~إتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين ) قال أبو قلابة هذا لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة # لكن مع قوله ذلك فيجب أن تعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأنه ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن الله خالق كل شيء فهو خالق العباد وقدرتهم ~~وإرادتهم وأفعالهم فهو رب كل شيء ومليكه لا يكون شيء إلا بمشيئته وإذنه ~~وقضائه وقدره وقدرته وفعله # وقد جاءت الإرادة في كتاب الله على نوعين # ( أحدهما ) الإرادة الدينية كما ms2610 قال تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر ) ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم إلى قوله تعالى والله يريد أن يتوب عليكم ) وقال تعالى ( ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ~~) # و ( الثانى ) الإرادة الكونية كما قال تعالى ( فمن يرد الله أن يهديه ~~PageV08P440 يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما ~~يصعد في السماء ) وقال تعالى ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ~~مايريد ) وقال نوح ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم ) وقال ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وهذا ~~التقسيم تقسيم شريف وهو أيضا وأرد في كتاب الله في الاذن والأمر والكلمات ~~والتحريم والحكم والقضاء كما قد بيناه في غير هذا الموضع وبمعرفته تندفع ~~شبهات عظيمة # ومن مواقع الشبهة ومثارات الغلط تنازع الناس في ( القدرة ( هل يجب أن ~~تكون مقارنة للفعل أو يجب أن تكون متقدمة عليه والتحقيق الذي عليه أئمة ~~الفقهاء أن الإستطاعة المشروطة في الأمر والنهي وهي التى تقدم الكلام فيها ~~لايجب أن تقارن الفعل فإن الله إنما أوجب الحج على من إستطاعه فمن لم يحج ~~من هؤلاء كان عاصيا بإتفاق المسلمين ولم يوجد في حقه إستطاعة مقارنة وكذلك ~~سائر من عصى الله من المأمورين المنهيين وجد في حقه الإستطاعة المشروطة في ~~الأمر والنهي # وأما المقارنة فإنما توجد في حق من فعل والفاعل لابد أن يريد الفعل إرادة ~~جازمة وأن يكون قادرا عليه وإذا وجد ذلك في حقه وجب وجود الفعل فمن قال ~~الإستطاعة هي المقارنة فهي مجموع ما يحب من الفعل ويدخل في ذلك الإرادة ~~وغيرها وعلى هذا الإصطلاح يقال إذا لم يرد الفعل فليس PageV08P441 بقادر ~~عليه وقد تبين أن مثل هذا النزاع لفظي فمن فسر عدم القدرة بذلك ظهر مقصوده ~~فإذا حقق الأمر وقيل هل يكون العبد إذا أراد ما أمر به إرادة جازمة ms2611 عاجزا ~~عنه تبين الحق وظهر لكل أحد أنه إذا أراد ما أمر به لم يكن عاجزا بل قادرا ~~عليه وأن ما كان عاجزا عنه إذا أراده فإن الله لم يكلفه إياه فإن الله لا ~~يكلف نفسا إلا وسعها أي ماوسعته النفس # ويجب أن يعلم العبد أن عمله من الحسنات هو بفضل الله ورحمته ومن نعمته ~~كما قال أهل الجنة ( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله ) وقال تعالى ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) وقال تعالى ( أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ~~) وقال ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله ~~في الظلمات ليس بخارج منها ) وقال تعالى ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا ) # وكذلك إضافة السيئات إلى نفسه هو الذي ينبغي أن يفعله مع علمه بأن الله ~~خالق كل موجود من الأعيان والصفات والحركات والسكنات كما قال آدم ( ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكو نن من الخاسرين ) وقال موسى ( ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) وقال الخليل ( والذي اطمع أن PageV08P442 يغفر ~~لي خطيئتى يوم الدين ) وقال لخاتم الرسل ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) وقد قال تعالى في حق من عذبهم ( وما ~~ظلمناهم ولكن كانو ا هم الظالمين ) ( وما كان دعو اهم إذ جاءهم بأسنا إلا ~~أن قالو ا انا كنا ظالمين ) وأمثال هذا كثير في الكتاب والسنة # وفي الحديث الصحيح الإلهي الذي رواه مسلم وغيره عن أبي ذر عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم فيما يرو ي عن ربه تعالى ( يا عبادي انى حرمت الظلم على ~~نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادى إنكم تخطئون بالليل والنهار ~~وأنا أغفر الذنو ب جميعا ولا أبالي ms2612 فاستغفروني أغفر لكم يا عبادى كلكم ضال ~~إلا من هديته فاستهدو نى أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعمو ~~نى أطعمكم ياعبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسونى أكسكم ياعبادى لو أن أو ~~لكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي ~~شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم إجتمعوا في صعيد واحد ~~فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم مسألته لم ينقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص ~~البحر إذ يغمس فيه المخيط غمسة واحدة ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ~~ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه ) # فقد بين هذا الحديث أن من وجد خيرا بالعمل الصالح فليحمد الله فإنه هو ~~الذي أنعم بذلك وإن وجد غير ذلك إما شرا له عقاب وإما عبثا PageV08P443 ~~لافائدة فيه فلا يلومن إلا نفسه فإنه هو الذي ظلم نفسه وكل حادث فبقدرة ~~الله ومشيئته وكذلك في سيد الإستغفار الذي رواه البخاري وغيره عن شداد بن ~~أوس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( سيد الإستغفار أن يقول العبد ~~اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما ~~استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى فاغفر لي ~~فإنه لا يغفرالذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل ~~الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة # قوله ( أبوء لك بنعمتك علي ( يتناول نعمته عليه من الحسنات وغيرها وقوله ~~و ( أبوء بذنبى ( إعتراف منه بذنبه وهذه الطريقة هي طريقة المؤمنين ومن ~~عداهم ثلاثة أصناف فإن القسمة رباعية # ( قسم ) يجعلون أنفسهم هي الخالقة المحدثة للحسنات والسيئات وأن نعمة ~~الله الدينية على المؤمن والكافر سواء وأنه لم يعط العبد إلا قدرة واحدة ~~تصلح للضدين وليس بيد الله هداية خص بها المؤمن أو تطلب منه بقول العبد ( ~~إهدنا الصراط ms2613 المستقيم ) وأنه لا يقدر على هداية ضال ولا أ ضلال مهتد ~~فهؤلاء القدرية المجوسية # و ( قسم ) يسلبون العبد إختياره وقدرته ويجعلونه مجبورا على حركاته ~~PageV08P444 من جنس حركات الجمادات ويجعلون أفعاله الإختيارية والإضطرارية ~~من نمط واحد حتى يقول أحدهم أن جميع ما أمر الله به ورسوله فإنما هو أمر ~~بما لا يقدر عليه ولا يطيقه فيسلبونه القدرة مطلقا إذ لا يثبتون له إلا ~~قدرة واحدة مقارنة للفعل ولا يجعلون للعاصى قدرة أصلا # فهذه المقالات وأمثالها من ( مقالات الجبرية القدرية ( الذين أنكر قولهم ~~كما أنكروا قول الأولين أئمة الهدى مثل عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وسفيان ~~بن سعيد الثوري ومحمد بن الوليد الزبيدي وعبد الرحمن بن مهدى وأحمد بن محمد ~~بن حنبل وغيرهم # فإن ضموا إلى ذلك إقامة العذر للعصاة بالقدر وقالوا أنهم معذورون لذلك لا ~~يستحقون اللوم والعذاب أو جعلوا عقوبتهم ظلما فهؤلاء كفار كما أن من أنكر ~~علم الله القديم من غلاة القدرية فهو كافر # وإن جعلوا ثبوت القدر موجبا لسقوط الأمر والنهي والوعد والوعيد كفعل ~~المباحية فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من جنس المشركين الذين قالوا ( لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم ~~حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن ~~أنتم الا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ) فإن هذا ~~القول يستلزم طي بساط كل أمر ونهي PageV08P445 و هذا مما يعلم بالإضطرار من ~~العقل والدين أنه يوجب الفساد في أمر الدنيا والمعاد # وأما ( القسم الرابع ) فهو شر الأقسام كما قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ~~قال أنت عند الطاعة قدري وأنت عند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت ~~به فهؤلاء شر أتباع الشيطان وليس هو مذهبا لطائفة معروفة ولكن هو حال عامة ~~المحلولين عن الأمر والنهي أن فعل طاعة أخذ يضيفها إلى نفسه ويعجب حتى يحبط ~~عمله وإن فعل معصية أخذ يعتذر بالقدر ويحتج بالقضاء وتلك حجة داحضة ms2614 وعذر ~~غير مقبول # وتراه إذا أصابته مصيبة بفعل العباد أو غيرهم لا يستسلم للقدر وتراه إذا ~~ظلم نفسه أو غيره إحتج بالقدر ويقول العبد مسكين لا قادر ولا معذور ويقول # ألقاه في البحر مكتوفا وقال له %~% إياك إياك أن تبتل بالماء # وإن ظلمه غيره ظلما دون ذلك أو توهم أنه ظلمه أحد سعى في الإنتقام من ذلك ~~بأضعاف ذلك ولا يعذر غيره بمثل ما عذر به نفسه من القدر وهما سواء فهذه ~~الجمل يجب إعتقادها # وأما الكلام على الحقيقة الموجبة لإ ضافة الذنوب إلى العبد مع عموم الخلق ~~PageV08P446 و في سرد وقوع هذه الشرور في القدر وأنه مع ذلك لم يضف إلى ~~الله في كتابه إلاعلى أحد وجوه ثلاثة # أما على ( طريق العموم ) كقوله تعالى ( خالق كل شيء ) # وأما أن يضاف إلى السبب كقوله تعالى ( من شر ما خلق ) وأما أن يحذف ~~الفاعل كقول الجن ( وأنا لاندرى أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا ) # والكلام على أن أسماء الله الحسنى لابد أن تتضمن إضافة الخير والشر داخل ~~في مفعولاته كقوله تعالى ( نبىء عبادي اني أنا الغفور الرحيم وإن عذابى هو ~~العذاب الأليم ) وقوله ( اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ) ~~فتحرير هذه الحقائق الشريفة التى هي شرف الأولين والآخرين يحتاج إلى بسط ~~وأطناب في غير هذا الجواب والله الموفق للصواب ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~ولاملجأ منه إلا إليه وهو حسبنا ونعم الوكيل PageV08P447 ### || 1 ( مسألة في الجبر ) 1 ### |||| سئل شيخ الإسلام بقية السلف الكرام العلامة الربانى والحجة النورانى أوحد عصره وفريد دهره حلية الطالبين ونخبة الراسخين تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى رضي الله عنه وأثابه الجنة بمنه وكرمه # فقيل # يا أيها الحبر الذي علمه %~% وفضله في الناس مذكور # كيف إختيار العبد أفعاله %~% والعبد في الأفعال مجبور # لأنهم قد صرحوا أنه %~% على الإرادات لمقسور # ولم يكن فاعل أفعاله %~% حقيقة والحكم مشهور # ومن هنا لم يكن للفعل في %~% ما ms2615 يلحق الفاعل تأثير # ( وما تشاءون ) دليل %~% له في صحة المحكى تقرير # و ( كل شيء ) ثم لو سلمت لم %~% يك للخالق تقدير # أو كان فاللازم من كونه %~% حدوثه والقول مهجور # ولا يقال علم الله ما يختار %~% فالمختار مسطور PageV08P448 # والجبر إن صح يكن مكرها %~% وعندك المكره معذور # نعم ذلك الجبر كنت امرأ %~% له إلى نحوك تشمير # سيقمن الشوق ولكنني %~% لأنهم قد صرحوا انه ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين # أصل ( هذه المسألة ( أن يعلم الإنسان أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا ~~الباب وغيره مادل عليه الكتاب والسنة وكان عليه السابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين إتبعوهم بإحسان وهو أن الله خالق كل شيء وربه ~~ومليكه وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها ~~من أفعال العباد وغيرأفعال العباد # وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلا يكون في الوجود شيء إلا ~~بمشيئته وقدرته لا يمتنع عليه شيء شاءه بل هو قادر على كل شيء ولا يشاء ~~شيئا إلا وهو قادر عليه # وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وقد دخل في ~~ذلك أفعال العباد وغيرها وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم قدر ~~آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة ~~فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء PageV08P449 وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما ~~كان وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون ~~وغلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم وكتابته السابقة ويزعمون أنه أمر ونهى ~~وهو لايعلم من يطيعه ممن يعصيه بل الأمر أنف أى مستأنف # وهذا القول أول ماحدث في الإسلام بعد إنقراض عصر الخلفاء الراشدين وبعد ~~إمارة معاوية بن أبى سفيان في زمن الفتنة التى كانت بين بن الزبير وبين بنى ~~أمية في أواخر عصر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة ~~وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء ms2616 ~~تبرءوا منهم وأنكروا مقالتهم كما قال عبد الله بن عمر لما أخبر عنهم إذا ~~لقيت أولئك فأخبرهم أنى بريء منهم وأنهم برءاء مني وكذلك كلام بن عباس ~~وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير حتى قال فيهم الأئمة كمالك والشافعي ~~وأحمد بن حنبل وغيرهم أن المنكرين لعلم الله المتقدم يكفرون # ثم كثر خوض الناس في القدر فصار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم والكتاب ~~السابق لكن ينكرون عموم مشيئة الله وعموم خلقه وقدرته ويظنون أنه لا معنى ~~لمشيئته إلا أمره فما شاءه فقد أمر به وما لم يشأه لم يأمر به فلزمهم أن ~~يقولوا أنه قد يشاء ما لا يكون ويكون مالا يشاء وأنكروا PageV08P450 أن ~~يكون الله تعالى خالقا لأفعال العباد أو قادرا عليها أو أن يخص بعض عبادة ~~من النعم بما يقتضي إيمانهم به وطاعتهم له # وزعموا أن نعمته التى يمكن بها الإيمان والعمل الصالح على الكفار كأبى ~~لهب وأبى جهل مثل نعمته بذلك على أبى بكر وعمر وعثمان وعلي بمنزلة رجل دفع ~~لأولاده مالا فقسمه بينهم بالسوية لكن هؤلاءأحدثوا أعمالهم الصالحة ~~وهؤلاءأحدثوا اعمالهم الفاسدة من غير نعمة خص الله بها المؤمنين وهذا قول ~~باطل وقد قال تعالى ( يمنون عليك أن اسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) وقال تعالى ( واعلموا أن ~~فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون ) # وقد أمرنا الله أن نقول في صلاتنا ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) وقال أهل الجنة ( الحمد لله ~~الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا إن هدانا الله ) وقال الخليل صلوات ~~الله وسلامه عليه ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) وقال ~~( رب إجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتى ) وقال تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما ms2617 صبروا ) وقال ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) ونصوص الكتاب ~~والسنة وسلف الأمة المبينة لهذه PageV08P451 الأصول كثيرة مع ما في ذلك من ~~الدلائل العقلية الكثيرة على ذلك ### ||| فصل # وسلف الأمة وأئمتها متفقون أيضا على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به ~~منهيون عما نهاهم الله عنه ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به ~~الكتاب والسنة ومتفقون أنه لا حجة لأحد على الله في واجب تركه ولا محرم ~~فعله بل لله الحجة البالغة على عباده ومن إحتج بالقدر على ترك مأمور أو فعل ~~محظور أو دفع ما جاءت به النصوص في الوعد والوعيد فهو أعظم ضلالا وإفتراء ~~على الله ومخالفة لدين الله من أولئك القدرية فإن أولئك مشبهون بالمجوس وقد ~~جاءت الآثار فيهم أنهم مجوس هذه الأمة كما روى ذلك عن بن عمر وغيره من ~~السلف وقد رويت في ذلك أحاديث مرفوعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم منها ما ~~رواه أبو داود والترمذي ولكن طائفة من أئمة الحديث طعنوا في صحة الأحاديث ~~المرفوعة في ذلك وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا أن القدرية النافية يشبهون المجوس في كونهم أثبتوا غير الله ~~يحدث أشياء من الشر بدون مشيئته وقدرته وخلقه PageV08P452 # وأما المحتجون على القدر بإسقاط الأمر والنهى والوعد والوعيد فهؤلاء ~~يشبهون المشركين الذين قال الله فيهم ( وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا قل هل عندهم من علم فتخرجوه لنا أن تتبعون إلا الظن وإن أنتم الا ~~تخرصون ) وقال تعالى ( وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من ~~شيء نحن ولا آباءنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل ~~على الرسل إلا البلاغ المبين ) وقال تعالى ( وإذا قيل لهم انفقوا مما رزقكم ~~الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاءالله اطعمه إن أنتم إلا ~~في ضلال مبين ) وقال تعالى ( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما ms2618 لهم بذلك ~~من علم إن هم الا يخرصون ) # فهؤلاء المحتجون بالقدر على سقوط الأمر والنهي من جنس المشركين المكذبين ~~للرسل وهم أسوأ حالا من المجوس وهؤلاء حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ~~ولهم عذاب شديد # ومن هؤلاء من يظن أن آدم إحتج على موسى بالقدر على الذنب وأن ذلك جائز ~~لخاصة الأولياء المشاهدين للقدر وهذا ضلال عظيم فإن موسى إنما لام آدم على ~~المعصية التى لحقت الذرية بسبب أكله من الشجرة فقال ( لماذا أخرجتنا ونفسك ~~من الجنة # والعبد مأمور عند المصائب أن يرجع للقدر فإن سعادة العبد أن يفعل المأمور ~~ويترك المحظور ويسلم للمقدور قال الله تعالى PageV08P453 ( ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) قال بن مسعود هو الرجل ~~تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم # فالسعيد يستغفر من المعائب ويصبر على المصائب كما قال تعالى ( فاصبر إن ~~وعد الله حق واستغفر لذنبك ) والشقي يجزع عند المصائب ويحتج بالقدر على ~~المعائب وإلا فآدم صلى الله عليه وسلم قد تاب من الذنب وقد إجتباه ربه ~~وهداه وموسى أجل قدرا من أن يلوم أحدا على ذنب قد تاب منه وغفر الله له ~~فضلا عن آدم وهو أيضا قد تاب مما فعل حيث قال ( رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~فغفر له ) وقال ( إنا هدنا إليك ) وقال ( أنت ولينا فاغفر لنا وأرحمنا ) ~~وموسى وآدم أعلم بالله من أن يظن واحد منهما أن القدر عذر لمن عصى الله وقد ~~علما ما حل بإبليس وغير إبليس وآدم نفسه قد أخرج من الجنة وطفق هو وإمرأته ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة وقد عاقب الله قوم نوح وهود وصالح وغيرهم من ~~الأمم وقد شرع الله عقوبة المعتدين وأعد جهنم للكافرين فكيف يكون القدر ~~عذرا للذنب # وهؤلاء لايحتجون بالقدر إلا إذا كانوا متبعين لأهوائهم بغير علم ولا ~~يطردون حجتهم فإن القدر لو كان عذرا للخلق للزم أن لا يلام أحد ولا يذم ولا ~~يعاقب لا في الدنيا والآخرة ولا يقتص من ms2619 ظالم أصلا بل يمكن الناس أن يفعلوا ~~ما يشتهون مطلقا ومعلوم أن هذا لا يتصور أن يقوم عليه مصلحة أحد لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة بل هو موجب الفساد العام وصاحب PageV08P454 هذا لا ~~يكون إلا ظالما متناقضا فإذا آذاه غيره أو ظلمه طلب معاقبته وجزاه ولم ~~يعذره بالقدر وإذا كان هو الظالم إحتج لنفسه بالقدر فلا يحتج أحد بالقدر ~~إلا لإتباع هواه بغير علم ولا يكون إلا مبطلا لا حق معه كما إحتج به ~~المشركون فقال تعالى ( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ~~وإن أنتم الا تخرصون ) وقال ( كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين # ولهذا كان هؤلاء المشركون المحتجون بالقدر إذا عاداهم أحد قابلوه وقاتلوه ~~وعاقبوه ولم يقبلوا حجته إذا قال لو شاءالله ما عاديتكم بل هم دائما يعيبون ~~من ظلم وإعتدى ولا يقبلون إحتجاجه بالقدر فلما جاءهم الحق من ربهم أخذوا ~~يدافعون ذلك بالقدر فصاروا يحتجون على دفع أمر الله ونهيه بما لا يجوزون أن ~~يحتج به عليهم في دفع أمرهم ونهيهم بل ولا يجوز أحد من العقلاء أن يحتج به ~~عليه في دفع حقه فعارضوا ربهم ورسل ربهم بما لا يجوزون أن يعارض به أحد من ~~الناس ولا رسل أحد من الناس فكان أمر المخلوق ونهيه وحقه أعظم على قولهم من ~~أمر الله ونهيه وحقه على عباد الله وكان أمر الله ونهيه وحقه على عباده أخف ~~حرمة عندهم من أمر المخلوق ونهيه وحقه على غيره فإن حق الله على عباده أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا كما ثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل قال ( كنت ~~رديف النبى صلى الله عليه وسلم على حمار فقال يا معاذ أتدري ما حق الله على ~~عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه PageV08P455 عليهم أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله ~~أعلم قال حقهم عليه أن لايعذبهم ( # فكان هؤلاء المشركون ms2620 من أعظم الناس جهلا وعداوة لله ورسوله فإحتجوا على ~~إسقاط حقه وأمره ونهيه بما لا يجوزون لاهم ولا أحد من العقلاء أن يحتج به ~~على إسقاط حق مخلوق ولا أمره ولا نهيه # وهذا كما جعلوا لله شركاء وبنات وهم لا يرضى أحدهم أن يكون مملوكه شريكه ~~ولا يرضى البنات لنفسه قال تعالى ( ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم ~~الكذب إن لهم الحسنى لا جرم إن لهم النار وأنهم مفرطون ) وقال تعالى ( وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) وقال تعالى ( ضرب ~~لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت إيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم ~~فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) أي كخيفة بعضكم بعضا # وقوله تعالى ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) ~~وقوله ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) وقوله ( ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) فالمكذبون للرسل دائما حجتهم داحضة ~~متناقضة فهم في قو ل مختلف يؤفك عنه من أفك قال الله تعالى ( ولا يأتونك ~~بمثل PageV08P456 إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) وقال تعالى ( وكذلك جعلنا ~~لكل نبى عدو ا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ) وقال تعالى ( وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قو مه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ) ~~فحجة المشركين في شركهم بالله وجعلهم له ولدا وفى دفع أمره ونهيه بالقدر ( ~~داحضة ) وقد بسط الكلام على هذه الأمو ر وما يناسبها في غير هذا المو ضع # وبين أن قو ل الفلاسفة القائلين بقدم العالم وأنه صادر عن مو جب بالذات ~~متو لد عن العقول والنفوس الذين يعبدون الكو اكب العلوية ويصنعون لها ~~التماثيل السفلية كأرسطو وأتباعه أعظم كفرا وضلالا من مشركى العرب الذين ~~كانوا يقرون بأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام بمشيئته ~~وقدرته ولكن خرقو ا له بنين وبنات بغير علم وأشركوا به ما لم ينزل به ~~سلطانا # وكذلك المباحية الذين يسقطو ن الأمر والنهي مطلقا ويحتجو ن بالقضاء ~~والقدر أسوأ حالا من اليهود ms2621 والنصارى ومشركي العرب فإن هؤلاء مع كفرهم يقرو ~~ن بنوع من الأمر والنهي والوعد والوعيد ولكن كان لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله بخلاف المباحية المسقطة للشرائع مطلقا فإنما ~~يرضون بما تهواه أنفسهم ويغضبون لما تهواه أنفسهم لا يرضون لله ولا يغضبون ~~لله ولا يحبون لله ولا يغضبون لله ولا يأمرون بما أمر الله به ولا ~~PageV08P457 ينهون عما نهى عنه إلا إذا كان لهم في ذلك هوى فيفعلونه لأجل ~~هواهم لا عبادة لمو لاهم # ولهذا لا ينكرون ما وقع في الوجود من الكفر والفسوق والعصيان إلا إذا ~~خالف أغراضهم فينكرونه إنكارا طبيعيا شيطانيا لا إنكارا شرعيا رحمانيا ~~ولهذا تقترن بهم الشياطين إخوانهم فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون وقد تتمثل ~~لهم الشياطين وتخاطبهم وتعينهم على بعض أهوائهم كما كانت الشياطين تفعل ~~بالمشركين عباد الأصنام وهؤلاء يكثرون في الطوائف الخارجين عما بعث الله به ~~رسوله من الكتاب والسنة الذين يسلكون طرقا في العبادات والإعتقادات مبتدعة ~~في الدين ولا يتحرون في عباداتهم وإعتقاداتهم موافقة الرسول والإعتصام ~~بالكتاب والسنة فتكثر فيهم الأهواء والشبهات وتغويهم الشياطين وتصير فيهم ~~شبهة من المشركين بحسب بعدهم عن الرسول # وكما يجب إنكار قول القدرية المضاهين للمجوس فإنكار قول هؤلاء أولى والرد ~~عليهم أحرى # وهؤلاء لم يكونوا موجودين في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان فإن البدع ~~إنما يظهر منها أولا فأولا الأخف فالأخف كما حدث في آخر عصر الخلفاء ~~الراشدين بدعة الخوارج والشيعة ثم في آخر عصر الصحابة بدعة المرجئة ~~والقدرية ثم في آخر عصر التابعين بدعة الجهمية معطلة الصفات وأما هؤلاء ~~المباحية المسقطون للأمر والنهي محتجين على ذلك بالقدر فهم شر من جميع هذه ~~الطوائف وإنما حدثوا بعد هؤلاء كلهم PageV08P458 ### ||| فصل # ومما إتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله ~~خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله ms2622 ~~عليه مع قولهم أن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله كما قال الله تعالى ( ~~كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاءالله ) الآية وقال ~~تعالى ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء ~~الله إن الله كان عليما حكيما ) وقال ( إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء ~~منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) # والقرآن قد أخبر بأن العباد يؤمنون ويكفرون ويفعلون ويعملون ويكسبون ~~ويطيعون ويعصون ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون ويعتمرون ويقتلون ~~ويزنون ويسرقون ويصدقون ويكذبون ويأكلون ويشربون ويقاتلون ويحاربون فلم يكن ~~من السلف والأئمة من يقول أن العبد ليس بفاعل ولا مختار ولا مريد ولا قادر ~~ولا قال أحد منهم أنه فاعل PageV08P459 مجازا بل من تكلم منهم بلفظ الحقيقة ~~والمجاز متفقون على أن العبد فاعل حقيقة والله تعالى خالق ذاته وصفاته ~~وأفعاله # وأول من ظهر عنه إنكار ذلك هو الجهم بن صفوان وأتباعه فحكى عنهم أنهم ~~قالوا أن العبد مجبور وأنه لافعل له أصلا وليس بقادر أصلا وكان الجهم غاليا ~~في تعطيل الصفات فكان ينفي أن يسمى الله تعالى بإسم يسمى به العبد فلا يسمى ~~شيئا ولا حيا ولا عالما ولا سميعا ولا بصيرا إلا على وجه المجاز وحكي عنه ~~أنه كان يسمى الله تعالى قادرا لأن العبد عنده ليس بقادر فلا تشبيه بهذا ~~الإسم على قوله # وكان هو وأتباعه ينكرون أن يكون لله حكمة في خلقه وأمره وأن يكون له رحمة ~~ويقولون إنما فعل بمحض مشيئة لا رحمة معها وحكى عنه أنه كان ينكر أن يكون ~~الله أرحم الراحمين وأنه كان يخرج إلى الجذمى فينظر إليهم ويقول أرحم ~~الراحمين يفعل مثل هذا بهؤلاء وكان يقول العباد مجبورون على أفعالهم ليس ~~لهم فعل ولا إختيار # وكان ظهور جهم ومقالته في تعطيل الصفات وفى الجبر والارجاء في أواخر دولة ~~بني أمية بعد حدوث القدرية والمعتزلة وغيرهم فإن القدرية حدثوا قبل ذلك في ~~أواخر عصر الصحابة ms2623 # فلما حدثت مقالته المقابلة لمقالة القدرية أنكرها السلف والأئمة كما ~~أنكروا قول القدرية من المعتزلة وغيرهم PageV08P460 و بدعوا الطائفتين حتى ~~في لفظ ( الجبر ( أنكروا على من قال جبر وعلى من قال لم يجبر # والآثار بذلك معروفة عن الأوزاعي وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي ~~وأحمد بن حنبل وغيرهم من سلف الأمة وأئمتها كما ذكر طرفا من ذلك أبو بكر ~~الخلال في ( كتاب السنة ( هو وغيره ممن يجمع أقوال السلف وقال الأوزاعي ~~والزبيدي وغيرهما ليس في الكتاب والسنة لفظ جبر وإنما في السنة لفظ جبل كما ~~في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس لما قدم عليه ~~وفد عبد القيس من البحرين فقالوا يارسول الله بيننا وبينك هذا الحي من كفار ~~مضر وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل نعمل به ونأمر به من ~~وراءنا فقال ( آمركم بالإيمان بالله أتدرون ما الإيمان شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما ~~غنمتم ( # ونهاهم عن الإنتباذ في الأوعية التى يسرع إليها السكر حتى قد يشرب الرجل ~~ولا يدري أنه شرب مسكرا بخلاف الظروف التى توكأ فانها إذا إشتد الشراب ~~إنشقت ونهي عن الدباء وهو القرع والحنتم وهو ما يصنع من المدر كالجرار ~~والمزفت وهي الظروف المزفتة والنقير وهو الخشب المنقور ثم قد قيل أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أباح ذلك بعد هذا النهي # ولهذا تنازع العلماء في هذا النهي هل هو منسوخ أم لا على قولين ~~PageV08P461 مشهورين للعلماء هما روايتان عند أحمد والقول بالنسخ مذهب أبى ~~حنيفة والشافعي والقول بأن هذا كان لم ينسخ مذهب مالك لكن مالك لا ينهي إلا ~~عن صنفين فإنه ثبت في صحيح البخاري أنه حرم ذينك الصنفين وأباح الآخرين بعد ~~النهي # وأما مسلم فروى في صحيحه النسخ في الجميع فلهذا إختلف قول أحمد لأن ~~الأحاديث بالنهي متواترة وحديث النسخ ليس مثلها فلهذا صار للناس فيها ثلاثة ~~أقوال وهؤلاء وفد ms2624 عبد القيس كانوا بالبحرين أسلموا طوعا كما أسلم أهل ~~المدينة وأول جمعة جمعت في الإسلام في قرية عندهم من قرى البحرين # والمقصود أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس ( إن فيك ~~لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت ~~عليهما فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال الحمد لله الذي جبلنى على ما يحب ( ~~فقال الأوزاعي والزبيدي وغيرهما من السلف لفظ ( الجبل ( جاءت به السنة ~~فيقال جبل الله فلانا على كذا وأما لفظ ( الجبر ( فلم يرد وأنكر الأوزاعي ~~والزبيدي والثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم لفظ ( الجبر ( في النفي والإثبات # وذلك لأن لفظ ( الجبر ( مجمل فإنه يقال جبر الأب إبنته على النكاح ~~PageV08P462 و جبر الحاكم الرجل على بيع ماله لوفاء دينه ومعنى ذلك إكرهه ~~ليس معناه أنه جعله مريدا لذلك مختارا محبا له راضيا به قالوا ومن قال إن ~~الله تعالى جبر العباد بهذا المعنى فهو مبطل فإن الله أعلى وأجل قدرا من أن ~~يجبر أحدا وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله مريدا للفعل مختارا له محبا ~~له راضيا به والله سبحانه قادر على ذلك فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له ~~الراضي به مريدا له محبا له راضيا به فكيف يقال أجبره وأكرهه كما يجبر ~~المخلوق المخلوق مثل ما يجبر السلطان والحاكم والأب وغيرهم من يجبرو نه إما ~~بحق وإما بباطل وإجبارهم هو إكراههم لغيرهم على الفعل والإ كراه قد يكو ن ~~إكراها بحق وقد يكو ن إكراها بباطل # ( فالأو ل ) كإكراه من إمتنع من الواجبات على فعلها مثل إكراه الكافر ~~الحربي على الإسلام أو أداء الجزية عن يد وهم صاغرو ن وإكراه المرتد على ~~العو د إلى الإسلام وإكراه من أسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصو م ~~رمضان وحج البيت وعلى قضاء الديو ن التى يقدر على قضائها وعلى أداء الأمانة ~~التى يقدر على أدائها وإعطاء النفقة الو اجبة عليه التى يقدر على إعطائها # وأما الإكراه بغير حق فمثل إكراه الإنسان ms2625 على الكفر والمعاصي وهذا ~~الإجبار الذي هو الإكراه يفعله العباد بعضهم مع بعض لأنهم لا يقدرو ن على ~~إحداث الإرادة والإختيار في قلو بهم وعلى جعلهم فاعلين PageV08P463 ~~لأفعالهم والله تعالى قادر على إحداث إرادة للعبد ولإختياره وجعله فاعلا ~~بقدرته ومشيئته فهو أعلا وأقدر من أن يجبر غيره ويكرهه على أمر شاءه منه بل ~~إذا شاء جعله فاعلا له بمشيئته كما أنه قادر على أن يجعله فاعلا للشيء مع ~~كراهته له فيكو ن مريدا له حتى يفعله مع بغضه له كما قد يشرب المريض الدو ~~اء مع كراهته له قال الله تعالى ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طو عا ~~وكرها ) وقال ( وله أسلم من في السماوات والأرض طو عا وكرها ) # فكل ما يقع من العباد بإرادتهم ومشيئتهم فهو الذي جعلهم فاعلين له ~~بمشيئتهم سواء كانوا مع ذلك فعلوه طوعا أو كانو ا كارهين له فعلو ه كرها ~~وهو سبحانه لا يكرههم على ما لا يريدوه كما يكره المخلوق المخلوق حيث يكرهه ~~على أمر وإن لم يرده وليس هو قادرا أن يجعله مريدا له فاعلا له لامع ~~الكراهة ولا مع عدمها فلهذا يقال للعبد إنه جبر غيره على الفعل والله أعلى ~~وأجل وأقدر من أن يقال بأنه جبر بهذا المعنى # وقد يستعمل لفظ ( الجبر ( في أعم من ذلك بحيث يتناو ل كل من قهر غيره ~~وقدر عليه فجعله فاعلا لما يشاء منه وإن كان هو المحدث لإرادته وقدرته عليه # قال محمد بن كعب القرظي في إسم الله ( الجبار ( قال هو الذي جبر ~~PageV08P464 العباد على ما أراد وكذلك ينقل عن أمير المؤمنين على بن أبي ~~طالب أنه قال في الدعاء المأثور اللهم داحي المدحو ات وباري المسمو كات ~~جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها والجبر من الله بهذا الإعتبار معناه ~~القهر والقدرة وأنه يقدر أن يفعل ما يشاء ويجبر على ذلك ويقهرهم عليه فليس ~~كالمخلوق العاجز الذي يشاء مالا يكون ويكون ما لا يشاء ومن جبره وقهره ~~وقدرته أن يجعل العباد مريدين ms2626 لما يشاء منهم إما مختارين له طوعا وإما ~~مريدين له مع كراهتهم له ويجعلهم فاعلين له وهذا الجبر الذي هو قهره بقدرته ~~لا يقدر عليه غيره وليس هو كإجبار غيره وإكراهه من وجوه # ( منها ) أن ما سواه عاجز لايقدر أن يجعل العباد مريدين لما يشاؤه ولا ~~فاعلين له # ومنها أن غيره قد يجبر الغير ويكرهه إكراها يكو ن ظالما به والله تعالى ~~عادل لا يظلم مثقال ذرة # ومنها أن غيره قد يكو ن جاهلا أو سفيها لايعلم ما يفعله وما يجبر عليه ~~ولا يقصد حكمة تكون غير ذلك والله عليم حكيم ما خلقه وأمر به له فيه حكمة ~~بالغة صادرة من علمه وحكمته وقدرته PageV08P465 ### ||| فصل # وأما السلف والأئمة كما أنهم متفقون على الإيمان بالقدر وأنه ماشاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها وهم متفقون على ~~إثبات أمره ونهيه ووعده ووعيده وأنه لا حجة لأحد على الله في ترك مأمور ولا ~~فعل محظور فهم أيضا متفقون على أن الله حكيم رحيم وأنه أحكم الحاكمين وأرحم ~~الراحمين # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( الله أرحم ~~بعباده من الوالدة بولدها ( وقد أخبر عن حكمته في خلقه وأمره بما أخبر به ~~في كتابه وسنة رسوله # والجهم بن صفوان ومن إتبعه ينكرون حكمته ورحمته ويقولون ليس في أفعاله ~~وأوامره لام كي لايفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لشيء وكثير من المتأخرين من ~~المثبتين للقدر من أهل الكلام ومن وافقهم سلكوا مسلك جهم في كثير من مسائل ~~هذا الباب وإن خالفوه في بعض PageV08P466 ذلك إما نزاعا لفظيا وإما نزاعا ~~لا يعقل وإما نزاعا معنويا وذلك كقول من زعم أن العبد كاسب ليس بفاعل حقيقة ~~وجعل الكسب مقدورا للعبد وأثبت له قدرة لاتأثير لها في المقدور ولهذا قال ~~جمهور العقلاء إن هذا كلام متناقض غير معقول فإن القدرة إذا لم يكن لها ~~تأثير أصلا في الفعل كان وجودها كعدمها ولم تكن قدرة بل ms2627 كان إقترانها ~~بالفعل كإقتران سائر صفات الفاعل في طوله وعرضه ولونه # ولما قيل لهؤلاء ما الكسب قالوا ما وجد بالفاعل وله عليه قدرة محدثه أو ~~ما يوجد في محل القدرة المحدثه فاذا قيل لهم ما القدرة قالوا ما يحصل به ~~الفرق بين حركة المرتعش وحركة المختار فقال لهم جمهور العقلاء حركة المختار ~~حاصلة بإرادته دون حركة المرتعش وهي حاصلة بقدرته أيضا فإن جعلتم الفرق ~~مجرد الإرادة فالإنسان قد يريد فعل غيره ولا يكون فاعلا له وإن أردتم أنه ~~قادر عليه فقد عاد الأمر إلى معنى القدرة والمعقول من القدرة معنى به يفعل ~~الفاعل ولا تثبت قدرة لغير فاعل ولا قدرة يكون وجودها أو عدمها بالنسبة إلى ~~الفاعل سواء # وهؤلاء المتبعون لجهم يقولون أن العبد ليس بفاعل حقيقة وإنما هو كاسب ~~حقيقة ويثبتون مع الكسب قدرة لاتأثير لها في الكسب بل وجودها وعدمها ~~بالنسبة إليه سواء ولكن قرنت به من غير تأثير فيه وزعموا أن كل ما في ~~الوجود من القوى والطبائع والأسباب العلوية والسفلية PageV08P467 كقدرة ~~العبد لا تأثير لشيء منها فيما إقترنت به من الحوادث والأفعال والمسببات بل ~~قرن الخالق هذا بهذا لا لسبب ولا لحكمة أصلا # وقالوا أن الطاعات والمعاصي مع الثواب والعقاب كذلك ليس في الطاعة معنى ~~يناسب الثواب ولا في المعصية معنى يناسب العقاب ولا كان في الأمر والنهي ~~حكمة لأجلها أمر ونهى ولاأراد بإرسال الرسل رحمة العباد ومصلحتهم بل أراد ~~أن ينعم طائفة ويعذب طائفة لا لحكمة والسبب هو جعل الأمر والنهي والطاعة ~~والمعصية علامة على ذلك لالسبب ولا لحكمة وأنه يجوز أن يأمر بكل شيء حتى ~~بالشرك وتكذيب الرسل والظلم والفواحش وينهى عن كل شيء حتى التوحيد والإيمان ~~بالرسل وطاعتهم # وكثير من هؤلاء كأبي الحسن وأتباعه ومن وافقهم من متأخري أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد مثل بن عقيل وبن الجوزي وأمثالهما يقولون إن الخلق هو ~~المخلوق والفعل هو المفعول وقد جعلوا أفعال العباد فعلا لله والفعل عندهم ~~هو المفعول فإمتنع مع هذا أن يكون فعلا للعبد ms2628 لئلا يكون فعل واحد له فاعلان # وأما الجمهور فيقولون أنها مخلوقة لله مفعولة له وهي فعل للعبد قائمة به ~~وليست فعلا لله قائما به بل مفعوله غير فعله والرب PageV08P468 تعالى ~~لايوصف بما هو مخلوق له وإنما يوصف بما هو قائم به فلم يلزم هؤلاء أن يكون ~~الرب ظالما وأما أولئك فإذا قالوا أنه يوصف بالمخلوق المنفصل عنه فيسمى ~~عادلا وخالقا لوجود مخلوق منفصل عنه خلقه فإنهم ألزموهم أن يكون ظالما ~~لخلقه ظلما منفصلا عنه إذ كانوا لا يفرقون فيما إنفصل عنه بين ما يكون صفة ~~لغيره وفعلا له وبين مالا يكون إذ الجميع عندهم نسبته واحدة إلى قدرته ~~ومشيئته وخلقه # وهؤلاء أطلقوا القول بتكليف مالا يطاق وليس في السلف والأئمة من أطلق ~~القول بتكليف مالا يطاق كما أنه ليس فيهم من أطلق القول بالجبر وإطلاق ~~القول بإنه يجبر العباد كإطلاق القول بأنه يكلفهم مالا يطيقون هذا سلب ~~قدرتهم على ما أمروا به وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين # ولهذا كان المقتصدون من هؤلاء كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأكثر أصحاب ~~أبى الحسن وكالجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل كالقاضي أبى ~~يعلى وأمثاله يفصلون في القول بتكليف مالا يطاق كما تقدم القول في تفصيل ~~الجبر فيقولون تكليف مالا يطاق لعجز العبد عنه لا يجوز وأما ما يقال أنه لا ~~يطاق للإشتغال بضده فيجوز تكليفه وهذا لأن الإنسان لا يمكنه في حال واحدة ~~أن يكون قائما قاعدا ففي حال القيام لايقدر أن يفعل معه القعود ويجوز أن ~~يؤمر حال القعود بالقيام PageV08P469 و هذا متفق على جوازه بين المسلمين بل ~~عامة الأمر والنهي هو من هذا النوع لكن هل يسمى هذا تكليف مالا يطاق فيه ~~نزاع # قيل أن العبد لايكون قادرا إلا حين الفعل وأن القدرة لا تكون إلا مع ~~الفعل كما يقوله أبو الحسن الأشعري وكثير من نظار المثبتة للقدر فعلى قول ~~هؤلاء كل مكلف فهو حين التكليف قد كلف مالا يطيقه حينئذ وإن كان قد يطيقه ~~حين الفعل بقدرة يخلقها ms2629 الله له وقت الفعل ولكن هذا لا يطيقه لإ شتغاله ~~بضده وعدم القدرة المقارنة للفعل لا لكونه عاجزا عنه وأما العاجز عن الفعل ~~كالزمن العاجز عن المشى والأعمى العاجز عن النظر ونحو ذلك فهؤلاء لم يكلفوا ~~بما يعجزون عنه ومثل هذا التكليف لم يكن واقعا في الشريعة بإتفاق طوائف ~~المسلمين الأشرذمة قليلة من المتأخرين إدعوا وقوع مثل هذا التكليف في ~~الشريعة ونقلوا ذلك عن الأشعري وأكثر أصحابه وهو خطأ عليهم # وأما جواز هذا التكليف عقلا فأكثر الأمة نفت جوازه مطلقا وجوزه عقلا ~~طائفة من المثبتة للقدر من أصحاب أبى الحسن الأشعري ومن وافقهم من أصحاب ~~مالك والشافعى وأحمد كإبن عقيل وبن الجوزي وغيرهما # و ( طائفة ثالثة ( فرقت في الجواز العقلي بين الممكن لذاته الذي ~~PageV08P470 يتصور وجوده في الخارج كالطيران وبين الممتنع عقلا كالجمع بين ~~النقيضين # والذين زعموا وقوع التكليف بالممتنع لذاته كالرازي وغيره إحتجوا بإن الله ~~كلف أبا لهب بالإيمان مع علمه بأنه لا يؤمن وإخباره بإنه لايؤمن فكلفه ~~بالجمع بين النقيضين بأن يفعل الشيء وبأن يصدق أنه لا يكون مصدقا بذلك وهو ~~صادق في تصديقه إذا لم يكن وإحتجوا بأنه كلف خلاف المعلوم وخلاف المعلوم ~~محال فيكون حقيقة التكليف أنه يجعل علم الله جهلا وهذا ممتنع لذاته # وهؤلاء جعلوا لفظ مالا يطاق لفظا عاما يدخل فيه كل فعل لكون القدرة عندهم ~~لا تكون إلا مع الفعل ويدخل فيه خلاف المعلوم ويدخل فيه المعجوز عنه ويدخل ~~فيه الممتنع لذاته ثم ذكروا نحو ( عشر حجج ( يستدلون بها على جواز هذا ~~الجنس فإذا فصل الأمر عليهم ثبت أن دعواهم جواز ما لايطاق للعجز عنه سواء ~~كان ممتنعا لذاته أو ممكنا باطلة لادليل عليها وأما جواز تكليف ما يقدر ~~العبد عليه من العبادة ويقولون هم أنه لا يكون قادرا عليه إلا حين الفعل ~~فهذا مما إتفق الناس على جواز التكليف به لكن ثم نزاع لفظي ومعنوى في كونه ~~يدخل فيما لا يطاق فصار ما أدخلوه في هذا الأسم أنواعا مختلفة ( منها ) ما ~~ينازعون ms2630 في جوازه أو وقوعه و ( منها ) ما ينازعون في إسمه وصفته لا في ~~وقوعه PageV08P471 # أما تكليف أبى لهب وغيره بالإيمان فهذا حق وهو إذا أمر أن يصدق الرسول في ~~كل ما يقوله وأخبر مع ذلك أنه لا يصدقه بل يموت كافرا لم يكن هذا متناقضا ~~ولا هو مأمور أن يجمع بين النقيضين فإنه مأمور بتصديق الرسول في كل ما بلغ ~~وهذا التصديق لا يصدر منه فإذا قيل له أمرناك بأمر ونحن نعلم أنك لا تفعله ~~لم يكن هذا تكليفا للجمع بين النقيضين فإن قال تصديقكم في كل ما تقولون ~~يقتضى أن أكون مؤمنا إذا صدقتكم وإذا صدقتكم لم أكن مؤمنا لأنكم أخبرتم أنى ~~لا أؤمن بكل ما أخبر به ( قيل له ) لو وقع منك لم يكن فيه هذا الخبر ولم ~~يكن يخبر أنك لا تؤمن فأنت قادر على تصديقنا وبتقدير وجوده لا يحصل هذا ~~الخبر ( و ) إنما وقع لأنك أنت لم تفعل ما قدرت عليه من تصديقنا بهذا الخبر ~~فوقع بعد تكذيبك وتركك ما كنت قادرا عليه لم نقل لك حين أمرناك بالتصديق ~~العام وأنت قادر عليه # ولو قيل لك آمن ونحن نعلم أنك لا تؤمن بهذا الخبر فالذي أمرت أن تؤمن به ~~هو الإخبار بأن محمدا رسول الله وهذا أنت قادر عليه ولا تفعله وإذا صدقتنا ~~في خبرنا أنك لا تؤمن لم يكن هنا تناقض لكن لايمكن الجمع بين الإيمان ~~والتصديق فإنه لم يقع ونحن لم نأمرك بهذا بل أمرناك بإيمان مطلق تقدر عليه ~~وأخبرنا مع ذلك أنك لا تفعل ذلك المقدور عليه ولم نقل لك صدقنا في هذا وهذا ~~في حال واحدة لكن الواجب عليك هو PageV08P472 التصديق المطلق والتصديق بهذا ~~لايجب عليك حينئذ ولو وقع منك التصديق المطلق إمتنع منا هذا الخبر بل هذا ~~الخبر إنما وقع لما علمنا أنه لايقع منك التصديق المطلق # وهذا كله لو قدر أن أبا لهب أسمع هذه الآية وأمر بالتصديق بها وليس الأمر ~~كذلك لكن لما أنزل الله قوله ( سيصلى نارا ذات ms2631 لهب ) لم يسلم لهم أن الله ~~أمر نبيه بإسماع هذا الخطاب لأبي لهب وأمر أبا لهب بتصديقه بل لا يقدر أحد ~~أن ينقل أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أبالهب أن يصدق بنزول هذه السورة ~~فقوله أنه أمر أن يصدق بأنه لايؤمن قول باطل لم ينقله أحد من علماء ~~المسلمين فنقله عن النبى صلى الله عليه وسلم قول بلا علم بل كذب عليه # فإن قيل فقد كان الإيمان واجبا على أبي لهب ومن الإيمان أن يؤمن بهذا قيل ~~له لانسلم أنه بعد نزول هذه السورة وجب على الرسول أن يبلغه إياها بل ولا ~~غيرها بل حقت عليه كلمة العذاب كما حقت على قوم نوح إذ قيل له ( لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ) وبعد ذلك لا يبقى الرسول ~~مأمور بتبليغهم الرسالة فإنه قد بلغهم فكفروا حتى حقت عليهم كلمة العذاب ~~باعيانهم # وقد يخبر الله الرسول عن معين أنه لا يؤمن ولكن لا يأمره أن يعلمه ~~PageV08P473 بذلك بل هو مأمور بتبليغه وإن كان الرسول يعلم أنه لايؤمن ~~كالذين قال الله فيهم ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لايؤمنون ولو جاءتهم ~~كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) وقوله ( إن الذين كفروا سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون ) # فهؤلاء قد يعلم بعض الملائكة وبعض البشر من الأنبياء وغيرهم في معين منهم ~~أنه لايؤمن وإن كانوا مأمورين بتبليغه أمر الله ونهيه وليس في ذلك تكليفه ~~بالجمع بين النقيضين وذلك خلاف المعلوم فإن الله يفعل ما يشاء بقدرته وما ~~لايشاء يعلم أنه لا يفعله وأنه قادر عليه لو شاء لفعله وعلمه أنه لا يفعله ~~لايمنع أن يكون قادرا عليه # والعباد الذين علم الله أنهم يطيعونه بإرادتهم ومشيئتهم وقدرتهم وإن كان ~~خالقا لذلك فخلقه لذلك أبلغ في علمه به قبل أن يكون كما قال تعالى ( ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) وما لم يفعلوه فما أمرهم به يعلم أنه لا ~~يكون لعدم إرادتهم له لالعدم قدرتهم ms2632 عليه وليس الأمر به أمرا بما يعجزون ~~عنه بل هو أمر بما لو أرادوه لقدروا على فعله لكنهم لا يفعلونه لعدم ~~إرادتهم له # وجهم ومن وافقه من المعتزلة إشتركوا في أن مشيئة الله ومحبته ورضاه بمعنى ~~واحد ثم قالت المعتزلة وهو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان فلا يشاؤه فقالوا ~~إنه يكون بلا مشيئة وقالت الجهمية بل هو يشاء PageV08P474 ذلك فهو يحبه ~~ويرضاه وأبو الحسن وأكثر أصحابه وافقوا هؤلاء فذكر أبو المعالي الجويني أن ~~أبا الحسن أول من خالف السلف في هذه المسألة ولم يفرق بين المشيئة والمحبة ~~والرضا # وأما سلف الأمة وأئمتها وأكابر أهل الفقه والحديث والتصوف وكثير من طوائف ~~النظار كالكلابية والكرامية وغيرهم فيفرقون بين هذا وهذا ويقولون أن الله ~~يحب الإيمان والعمل الصالح ويرضى به كما لايأمر ولا يرضى بالكفر والفسوق ~~والعصيان ولا يحبه كما لا يأمر به وإن كان قد شاءه ولهذا كان حملة الشريعة ~~من الخلف والسلف متفقين على أنه لو حلف ليفعلن واجبا أو مستحبا كقضاء دين ~~يضيق وقته أو عبادة يضيق وقتها وقال إن شاء الله ثم لم يفعله لم يحنث وهذا ~~يبطل قول القدرية ولو قال إن كان الله يحب ذلك ويرضاه فإنه يحنث كما لو قال ~~إن كان يندب إلى ذلك ويرغب فيه أو يأمر به أمر إيجاب أو إستحباب وهذا يرد ~~على الجهمية ومن إتبعهم كأبى الحسن الأشعري ومن وافقه من المتأخرين وبسط ~~هذه الأمور له موضع آخر # والمقصود هنا جواب هذه ( المسألة ( فإن هذه الإشكالات المذكو رة إنما ترد ~~على قو ل جهم ومن وافقه من المتأخرين من أصحاب أبى الحسن الأشعري وغيرهم ~~وطائفة من متأخري أصحاب مالك والشافعي وأحمد PageV08P475 وأما أئمة اصحاب ~~مالك والشافعى وأحمد وعامة اصحاب ابى حنيفة فانهم لا يقولون بقول هؤلاء بل ~~يقولون بما اتفق عليه السلف من انه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~ويثبتون الفرق بين مشيئته وبين محبته ورضاة فيقولون ان الكفر والفسوق ~~والعصيان وان وقع بمشيئته فهو لا يحبه ms2633 ولا يرضاه بل يسخطه ويبغضه # ويقولون ارادة الله في كتابه نوعان # ( نوع ( بمعنى المشيئة لما خلق كقوله ( فمن يرد الله ان يهدية يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء ( # ( ونوع ( بمعنى محبته ورضاه لما امر به وإن لم يخلقه كقوله ( يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ( مايريد الله ليجعل علكيم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته علكيم لعلكم تشكرون ( يريد الله لبيين لكم ويهديكم سنن ~~الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد ان يتوب عليكم ~~ويريد الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا ميلا عظيما يريد الله ان يخفف عنكم ~~وخلق الانسان ضعيفا # وبهذا يفصل النزاع في مسألة ( الامر ( هل هو مستلزم للإرادة أم لا فان ~~القدرية تزعم انه مستلزم للمشيئة فيكون قد شاء المأمور به ولم يكن والجهمية ~~قالوا انه غير مستلزم لشيء من الإرادة لا لحبه له ولا رضاه PageV08P476 به ~~الا اذا وقع فانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكذلك عندهم ما احبه ورضيه ~~كان وما لم يحبه ولم يرضه لم يكن وتأولوا قوله ( ولا يرضى لعباده الكفر ( ~~على ان المراد ممن لم يقع منه الكفر أو لا يرضاه دينا كما يقولون لم يشاه ~~ممن لم يقع منه أو لا يشاءه دينا إذ كانوا موافقين للجهمية والقدرية في انه ~~لا فرق بين المحبة والمشيئة وقد قال الله تعالى ( ان تكفروا فان الله غني ~~عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم ( فاخبر انه اذا وقع الكفر ~~من عباده لم يرضه لعباده كما قال ( إذ يبيتون مالا يرضى من القول ( وقال ( ~~والله لا يحب الفساد ( مع قوله ( ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ( # و ( فصل الخطاب ( ان الأمر ليس مستلزما لمشيئة ان يخلق الرب الآمر الفعل ~~المامور به ولا ارادة ان يفعله بل قد يأمر بما لا يخلقه وذلك مستلزم لمحبه ~~الرب ورضاه من العبد ان يفعله بمعنى انه اذا فعل ms2634 ذلك احبه ورضيه وهو يريده ~~منه ارادة الآمر من المأمور بما امره به لمصلحته وان لم يرد ان يخلقه وان ~~يعينه عليه لما له في ترك ذلك من الحكمة فان له حكمه بالغة فيما خلقه وفيما ~~لم يخلقه # وفرق بين ان يريد ان يخلق هو الفعل ويجعل غيره فاعلا يحسن إليه ويتفضل ~~عليه بالإعانه له على مصلحته وبين ان يأمر غيره بما يصلحة ويبين له ما ~~ينفعه اذا فعله وان كان لا يريد هو نفسه ان يعينه لما في ترك اعانته ~~PageV08P477 من الحكمة لكون الاعانه قد تستلزم مايناقض حكمتة والمنهى عنه ~~الذي خلقة هو يبغضه ويمقته كما يمقت ما خلقه من الاعيان الخبيثة كالشياطين ~~والخبائث ولكنه خلقها لحكمه يحبها ويرضاها # ونحن نعلم ان العبد يريد ان يفعل ما لا يحبه لافضائه إلى ما يحبه كما ~~يشرب المريض الدواء الكريه لافضائه إلى ما يحبه من العافية ويفعل ما يكرهه ~~من الاعمال لافضائه إلى مطلوبه المحبوب له ولا منافاة بين كون الشيء بغيضا ~~إليه مع كونه مخلوقا له لحكمه يحبها وكذلك لا منافاة بين ان يحبه اذا كان ~~ولا يفعله لان فعله قد يستلزم تفويت ما هو احب إليه منه أو وجود ما هو ابغض ~~إليه من عدمه ### ||| فصل # اذا عرف هذا فنقول # اما قول القائل كيف يكون العبد مختارا لافعاله وهو مجبور عليها انما ~~يتوجه على الجهمية الذين يقولون باطلاق الجبر ونفى قدرة العبد واختياره ~~وتأثير قدرته في الفعل وقد بينا ان اطلاق ( الجبر ( مما انكره أئمة السنة ~~كالاوزاعي والزبيدي والثوري وعبد الرحمن بن مهدى واحمد بن حنبل PageV08P478 ~~وغيرهم وما علمت احدا من الائمة اطلقه بل ما علمت احدا من الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان اطلقوه في ( مسائل القدر والجبر ( # ولا قال أحد من ائمة المسلمين لا الائمة الاربعة ولا غيرهم لا مالك ولا ~~أبو حنيفة ولا الشافعي ولا أحمد بن حنبل ولا الاوزاعي ولا الثورى ولا الليث ~~ولا امثال هؤلاء ان الله يكلف العباد ما لا يطيقونه ولا قال أحد منهم ms2635 ان ~~العبد ليس بفاعل لفعله حقيقة بل هو فاعل مجازا ولا قال أحد منهم ان قدرة ~~العبد لا تأثير لها في فعله أو لا تأثير لها في كسبه ولا قال أحد منهم ان ~~العبد لا يكون قادرا الا حين الفعل وان الاستطاعة على الفعل لا تكون الا ~~معه وان العبد لا استطاعة له على الفعل قبل ان يفعله # بل نصوصهم مستفيضة بما دل عليه الكتاب والسنة من اثبات استطاعة لغير ~~الفاعل كقوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ~~وقوله تعالى ( فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ) وقول النبى صلى الله عليه ~~وسلم لعمران بن حصين ( صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنب ~~( # واتفقوا على ان العبادات لا تجب الا على مستطيع وان المستطيع يكون ~~مستطيعا مع معصيته وعدم فعله كمن استطاع ما امر به من الصلاة والزكاة ~~PageV08P479 والصيام والحج ولم يفعله فانه مستطيع باتفاق سلف الامة وائمتها ~~وهو مستحق للعقاب على ترك المأمور الذى استطاعه ولم يفعله لا على ترك ما لم ~~يستطعه # وصرحوا بما صرح به أبو حنيفة وابو العباس بن سريج وغيرهما من ان ~~الاستطاعة المتقدمة على الفعل تصلح للضدين وان كان العبد حين الفعل مستطيعا ~~ايضا عندهم فهو مستطيع عندهم قبل الفعل ومع الفعل وهو حين الفعل لا يمكنه ~~ان يكون فاعلا تاركا فلا يقولون ان الاستطاعة لا تكون الا قبل الفعل كقول ~~المعتزلة ولا بأنها لا تكون الا مع الفعل كقول المجبرة بل يكون مستطيعا قبل ~~الفعل وحين الفعل # وأما قوله العلماء قد صرحوا بأن العبد يفعلها قسرا # يقال له لم يصرح بهذا أحد من علماء السلف وائمة الاسلام المشهورين ولا ~~أحد من اكابر اتباع الائمة الأربعة وإنما يصرح بهذا بعض المتأخرين الذين ~~سلكوا مسلك جهم ومن وافقه وليس هو لاهل علماء السنة بل ولا جمهورهم ولا ~~ائمتهم بل هم عند ائمة السلف من اهل البدع المنكرة PageV08P480 ### ||| فصل # وأما قول الناظم السائل # لأنهم قد صرحوا انه %~% على الارادات ms2636 لمقسور # فيقال له القسر على الارادة منه اذا اريد به انه جعله مريدا فهذا حق لكن ~~تسمية مثل هذا قسرا واكراها وجبرا تناقض لفظا ومعنى فان المقسور المكره ~~المجبور لا يكون مريدا مختارا محبا راضيا والذي جعل مختارا محبا راضيا لا ~~يقال انه مقسور مكره مجبور # وإذا قيل المراد بذلك انه جعل مريدا بمشيئة الله وقدرته بدون ارادة منه ~~متقدمة اختار بها ان يكون مريدا قيل لهم هذا المعنى حق سواء سمي قسرا أو لم ~~يسم ولكن هذا لا يناقض كونه مختارا فان من جعل مريدا مختارا قد اثبت له ~~الارادة والاختيار والشيء لا يناقض ذاته ولا ملازمه فلا يجوز ان يقال كيف ~~يكون المختار قد جعل مختارا والمريد جعل مريدا # وإذا قيل يخير على ان يكون مختارا قيل معنى ذلك ان الله جعله PageV08P481 ~~مختارا بغير إرادة منه سابقة لأن يكون مختارا كما جعله قادرا وجعله عالما ~~وجعله حيا وجعله اسود وابيض وطويلا وقصيرا ومعلوم ان الله اذا جعله موصوفا ~~بصفة لم يناقض ذلك اتصافه بتلك الصفة فإن الله اذا جعله على صفة كان كونه ~~على تلك الصفة لان ما جعل الله له فانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن واذا ~~كان كونه مختارا وعالما وقادرا امرا ملازما لمشيئة الله وجعله والمتلازمان ~~لا يناقض احدهما الآخر بل يجامعه ولا يفارقه فيكون اختيار العبد مع اطلاق ~~الجبر الذي يعنى به ان الله جعله مختارا امرين متلازمين لا امرين متناقضين ~~ولا عجب من اجتماع المتلازمين انما العجب من تناقضهما ### ||| فصل # وأما قول السائل # لأنهم قد صرحوا انه %~% على الارادات لمقسور # ولم يكن فاعل افعاله %~% حقيقة والحكم مشهور # فيقال له المصرح بأنه غير فاعل حقيقة هم الجهمية اتباع الجهم بن صفوان ~~ومن وافقهم من المتأخرين ولم يصرح بهذا أحد من الصحابة والتابعين لهم ~~PageV08P482 باحسان ولا ائمة المسلمين لا الائمة الاربعة ولا غيرهم بل ~~الذين تكلموا بلفظ الحقيقة والمجاز واتبعوا السلف في هذا الاصل كلهم يقولون ~~انه فاعل حقيقة كما صرح بذلك ms2637 ائمة اصحاب الائمة الاربعة اصحاب أبي حنيفة ~~ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهم وكتبهم مشحونة بذلك # وأما الذين قالوا انه فاعل مجازا وقالوا ان الفعل لا يقوم بالفاعل بل ~~الفعل هو المفعول فهؤلاء يلزمهم ان لا يكون لافعال العباد فاعل لا الرب ولا ~~العبد اما العبد فانها وان قامت به الافعال فانه غير فاعل لها عندهم واما ~~الرب فعندهم لم يقم به فعل لا هذه ولا غيرها والفاعل المعقول من قام به ~~الفعل كما ان المتكلم المعقول من قام به الكلام والمريد المعقول من قامت به ~~الارادة والحي والعالم والقادر من قامت به الحياة والعلم والقدرة والمتحرك ~~من قامت به الحركة فاثبات هؤلاء فاعلا لا يقوم به فعل كاثبات متقدميهم من ~~الجهمية والمعتزلة متكلما لا يقوم به كلام ومريدا لا تقوم به ارادة وعالما ~~لا يقوم به علم وقادرا لا تقوم به قدرة وهذا كله باطل كما قرروه في مسألة ( ~~كلام الله ( واثبات ( صفاته ( كما قد بسط في موضعه # فإن الاصل الذي وافقوا به ائمة السنة واحتجوا به على المعتزلة هو ان ~~المعنى اذا قام بمحل عاد حكمه على ذلك المحل واشتق لذلك المحل منه اسم ولم ~~يشتق لغيره منه اسم وعاد حكمه على ذلك المحل ولم يعد على غيره كما ان ~~الحركة والسواد والبياض والحرارة والبرودة اذا قامت بمحل كان هو ~~PageV08P483 المتحرك الاسود الابيض الحار البارد دون غيره قالوا فكذلك ~~الكلام والارادة اذا قاما بمحل كان ذلك المحل هو المتكلم المريد دون غيره ~~قالوا فلا يكون المتكلم متكلما الا بكلام يقوم به ولا مريدا الا بارادة ~~تقوم به وكذلك لا يكون حيا عالما قادرا الا بحياة وعلم وقدرة تقوم به وطرد ~~هذا انه لا يكون فاعلا الا بفعل يقوم به # ولهذا استعاذ النبى بصفات الله تعالى وأفعاله وذاته فقال ( اللهم انى ~~اعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا احصى ثناء عليك انت كما ~~اثنيت على نفسك ( وهذا مما استدل به الائمة أحمد بن حنبل وغيره على ms2638 ان كلام ~~الله ليس بمخلوق قالوا لانه استعاذ به ولا يستعاذ بمخلوق ### ||| فصل # واما قول السائل # ومن هنا لم يكن للفعل في %~% ما يلحق الفاعل تأثير # فإن اراد بذلك انه لا تأثير للفعل فيما يلحق الفاعل من المدح والذم ~~والثواب والعقاب فهذا انما يقوله منكروا الاسباب كجهم ومن PageV08P484 ~~وافقه والا فالسلف والائمة متفقون على اثبات الاسباب والحكم خلقا وامرا # ففي ( الامر مثل ( ما يقول الفقهاء الاسباب المثبتة للارث ( ثلاثة ( نسب ~~ونكاح وولاء عتق واختلفوا في المحالفة والاسلام على يديه وكونهما من اهل ~~الديوان منهم من يجعل ذلك سببا للارث كأبى حنيفة ومنهم من لا يجعله سببا ~~كمالك والشافعى وعن أحمد روايتان ومثل ما يقولون ملك النصاب سبب لوجوب ~~الزكاة والقتل العمد العدوان المحض سبب للقود والسرقة سبب للقطع # ومذهب الفقهاء ان السبب له تأثير في مسببه ليس علامة محضة وانما يقول انه ~~علامة محضة طائفة من اهل الكلام الذين بنوا على قول جهم وقد يطلق ما ~~يطلقونه طائفة من الفقهاء وجمهور من يطلق ذلك من الفقهاء يتناقضون تارة ~~يقولون بقول السلف والائمة وتارة يقولون بقول هؤلاء # وكذلك الحكمة وشرع الاحكام للحكم مما اتفق عليه الفقهاء مع السلف # وكذلك الحكمة في ( الخلق ( والقرآن مملوء بذلك في ( الخلق والامر ~~PageV08P485 ومملوء بأنه يخلق الاشياء بالاسباب لا كما يقوله اتباع جهم انه ~~يفعل عندها لا بها كقوله تعالى ( انزل من السماء ماء فاحيا به الأرض بعد ~~موتها ) وقوله ( وانزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ~~والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد واحيينا به بلدة ميتا ) وقوله ( ~~وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته حتى اذا اقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) وقوله ( يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) وقوله ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) ~~ونحو ذلك # وأما دخول لام كي في الخلق والأمر فكثير جدا وهذا مبسوط في موضعه # وقد بسط حجج نفاة الحكمة والتعليل العقلية والشرعية وبين فسادها كما ms2639 بين ~~فساد حجج المعتزلة والقدرية # وحينئذ فالأفعال سبب للمدح والذم والثواب والعقاب # والفقهاء المثبتون للأسباب والحكم قسموا خطاب الشرع وأحكامه إلى ( قسمين ~~( خطاب تكليف وخطاب وضع وإخبار كجعل الشيء سببا وشرطا ومانعا فإعترض عليهم ~~نفاة ذلك بأنكم إن أردتم بكون الشيء PageV08P486 سببا أن الحكم يوجد إذا ~~وجد فليس هنا حكم آخر وإن أردتم معنى آخر فهو ممنوع # وجوابهم أن المراد أن الأسباب تضمنت صفات مناسبة للحكم شرع الحكم لأجلها ~~وشرع لإفضائه إلى الحكمة كما قال تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر ) وقال تعالى ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) الآية # وكذلك أيضا الذين قالوا لا تأثير لقدرة العبد في أفعاله هم هؤلاء أتباع ~~جهم نفاة الأسباب والإ فالذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور ~~أهل الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب وإن قدرة ~~العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها والله تعالى خلق ~~الأسباب والمسببات والأسباب ليست مستقلة بالمسببات بل لابد لها من أسباب ~~أخر تعاونها ولها مع ذلك أضداد تمانعها والمسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع ~~أسبابه ويدفع عنه أضداده المعارضة له وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته ~~وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات فقدره العبد سبب من الأسباب وفعل العبد ~~لايكون بها وحدها بل لابد من الإرادة الجازمة مع القدرة # وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالإنسان فلابد من إزالة الموانع كإزالة ~~PageV08P487 القيد والحبس ونحو ذلك والصاد عن السبيل كالعدو وغيره ### ||| فصل # وقوله تعالى ( وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) لايدل على أن العبد ليس ~~بفاعل لفعله الإختيارى ولا أنه ليس بقادر عليه ولا أنه ليس بمريد بل يدل ~~على أنه لا يشاؤه إلا أن يشاء الله وهذه الآية رد على الطائفتين المجبرة ~~الجهمية والمعتزلة القدرية فإنه تعالى قال ( لمن شاء منكم أن يستقيم ) ~~فأثبت للعبد مشيئة وفعلا ثم قال ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ~~) فبين أن مشيئة العبد معلقة بمشيئة الله ms2640 والأولى رد ( على الجبرية وهذه رد ~~على القدرية الذين يقولون قد يشاء العبد مالا يشاؤه الله كما يقولون إن ~~الله يشاء مالا يشاؤون # وإذا قالوا المراد بالمشيئة هنا الأمر على أصلهم والمعنى وما يشاؤون فعل ~~ما أمر الله به إن لم يأمر الله به قيل سياق الآية يبين أنه ليس المراد هذا ~~بل المراد وما تشاؤون بعد أن أمرتم بالفعل أن تفعلوه إلا أن يشاء الله فإنه ~~تعالى ذكر الأمر والنهي والوعد والوعيد ثم قال بعد ذلك ( أن هذه تذكرة فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) وقوله ( وما تشاؤون ~~) نفي لمشيئتهم في المستقبل وكذلك قوله ( إلا أن يشاء الله PageV08P488 ~~تعليق لها بمشيئة الرب في المستقبل فإن حرف ( أن ) تخلص الفعل المضارع ~~للإستقبال فالمعنى إلا أن يشاء بعد ذلك والأمر متقدم على ذلك وهذا كقول ~~الإنسان لا أفعل هذا إلا أن يشاء الله # وقد إتفق السلف والفقهاء على أن من حلف فقال لأصلين غدا إن شاء الله ~~أولأقضين ديني غدا إن شاء الله ومضى الغد ولم يقضه أنه لا لايحنث ولو كانت ~~المشيئة هي الأمر لحنث لأن الله أمره بذلك وهذا مما إحتج به على القدرية ~~وليس لهم عنه جواب ولهذا خرق بعضهم الإجماع القديم وقال أنه يحنث # و ( أيضا ) فقوله ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) سيق لبيان مدح الرب ~~والثناء عليه ببيان قدرته وبيان حاجة العباد إليه ولو كان المراد لا تفعلون ~~إلا أن يأمركم لكان كل أمر بهذه المثابة فلم يكن ذلك من خصائص الرب التى ~~يمدح بها وإن أريد أنهم لا يفعلون إلا بأمره كان هذا مدحا لهم لا له ~~PageV08P489 ### ||| فصل # وقوله # وكل شيء ثم لو سلمت %~% لم يك للخالق تقدير # إن أراد به أنه لو سلم أن العبد فاعل أفعاله حقيقة ونحو ذلك من أقوال ~~السلف لزم نفي التقدير فهذا التلازم ممنوع # وإن أراد أنه لو سلم أن يشاء ما لم يشأ الله لزم إنتفاء مشيئة الله عن ~~المحرمات والمباحات ms2641 بإتفاق الناس بل يلزم إنتفاء مشيئته في الحقيقة لأفعال ~~العباد كلها كما يلزم إنتفاء قدرته على أفعال العباد كلها وإنتفاء خلقه ~~لشيء منها وفى ذلك نفي هذا التقدير الذي هو بمعنى المشيئة والقدرة والخلق # وأما التقدير الذي هو بمعنى تقديرها في نفسه وعلمه بها وخبره عنها ~~وكتابته لها فهذا إنما يلزم لزوما بينا على قول من ينكر العلم المتقدم ~~وجمهور القدرية لاتنكره لكن إذا جوزوا حدوث حوادث كثيرة بدون مشيئته وقدرته ~~وخلقه أثبتوا في العالم حوادث كثيرة يحدثها غيره وهو غير قادر على إحداثها ~~وحينئذ فلا يمكنهم الإستدلال بقوله ( ألا يعلم من خلق PageV08P490 على أنه ~~عالم بها فإنه لم يخلقها عندهم فقد ينازعهم إخوانهم القدرية في علمه بها ~~قبل أن تكون ولا يمكنهم الإحتجاج عليهم بهذه الآية وقد يقولون علمه بها مع ~~أمره بخلاف المعلوم يقتضي تكليف مالا يطاق لأن خلاف المعلوم ممتنع فلا يكون ~~عالما بها فيلزمونهم بنفي التقدير السابق ### ||| فصل # وقوله # أو كان فاللازم من كونه %~% حدوثه والقول مهجور # كأنه يريد والله أعلم أو كان الله مقدرا لها عالما بها فيلزم من كونه ~~عالما بها مقدرا لها بعد أن تكون حدوث العلم بها بعد أن كانت ويلزم أن لا ~~يكون الرب عالما بأفعال العباد ولا مقدرا لها حتى فعلت وهذا القول مهجور ~~باطل مما إتفق على بطلانه سلف الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر علماء ~~المسلمين بل كفروا من قاله والكتاب والسنة مع الأدلة العقلية تبين فساده # فإن الله قد أخبر عما يكون من أفعال العباد قبل أن تكون بل أعلم بذلك من ~~شاء من ملائكته وغير ملائكته قال تعالى ( وإذ قال ربك PageV08P491 للملائكة ~~إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون ) فالملائكة حكموا بإن ~~الآدميين يفسدون ويسفكون الدماء قبل أن يخلق الإنس ولا علم لهم إلا ما ~~علمهم الله كما قالوا ( لاعلم لنا إلا ماعلمتنا ) ثم قال ( إنى أعلم ما ~~لاتعلمون ) وتضمن هذا ms2642 ما يكون فيما بعد من آدم وإبليس وذريتهما وما يترتب ~~على ذلك # ودلت هذه الآية على أنه يعلم أن آدم يخرج من الجنة فإنه لولا خروجه من ~~الجنة لم يصر خليفة في الأرض فإنه أمره أن يسكن الجنة ولا يأكل من الشجرة ~~بقوله ( وقلنا ياآدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) وقال تعالى ( وقلنا ياآدم إن هذا ~~عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ان لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ~~وانك لاتظمأ فيها ولا تضحى ) نهاه أن يخرجها من الجنة وهو نهي عن طاعة ~~إبليس التى هي سبب الخروج وقد علم قبل ذلك أنه يخرج من الجنة وأنه إنما ~~يخرج منها بسبب طاعته إبليس وأكله من الشجرة لأنه قال قبل ذلك ( أنى جاعل ~~في الأرض خليفة ) # ولهذا قال من قال من السلف أنه قدر خروجه من الجنة قبل أن يأمره بدخولها ~~بقوله ( أنى جاعل في الأرض خليفة ) وقال بعد هذا ( وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين PageV08P492 و قال تعالى ( قال ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين قال فيها تحيون ~~وفيها تموتون ومنها تخرجون ) وهذا خبر عما سيكون من عداوة بعضهم بعضا وغير ~~ذلك وقال تعالى ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لايؤمنون ولو جاءتهم كل آية ~~) وقال ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) ~~وهذا خبر عن المستقبل وأنهم لايؤمنون وقال تعالى ( لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين ) وقال ( ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين ) وهذا قسم منه على ذلك وهو الصادق البار في قسمه وصدقه مستلزم ~~لعلمه بما أقسم عليه وهو دليل على أنه قادر على ذلك # وقد يستدل به على أنه خالق أفعال العباد إذ لو كانت أفعالهم غير مقدورة ~~له لم يمكنه أن يملأ جهنم بل كان ذلك إليهم إن شاؤا عصوه فملأها وإن ms2643 شاؤا ~~أطاعوه فلم يملأها # لكن قد يقال أنه علم أنهم يعصونه فأقسم على جزائهم على ذلك وقد يجاب عن ~~ذلك بأن علمه بالمستقبل قبل أن يكون مستلزم لخلقه له فإنه سبحانه لايستفيد ~~العلم من غيره كالملائكة والبشر ولكن علمه من لوازم نفسه فلو كانت أفعاله ~~خارجة عن مقدوره ومراده لم يجب أن يعلمها كما يعلم مخلوقاته وبسط هذا له ~~موضع آخر PageV08P493 # وقال تعالى عن المنافقين ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأ وضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة ) وهذا خبر عما سيكون منهم من الذنوب قبل أن يفعلوها ~~وقال تعالى ( قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون ) وهذا خبر عن دعاء من يدعوهم إلى جهاد هؤلاء ودعاؤه ~~لهم من جملة أفعال العباد ومثل هذا في القرآن كثير # بل العلم بالمستقبل من أفعال العباد يحصل لآحاد المخلوقين من الملائكة ~~والأنبياء وغيرهم فكيف لايكون حاصلا لرب العالمين وقد أخبر النبى صلى الله ~~عليه وسلم عما سيكون من الأفعال المستقبلة من أمته وغير أمته مما يطول ذكره ~~كإخباره بأن إبنه الحسن يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ~~وإخباره بأنه تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين ~~بالحق وإخباره بإن قوما يرتدون بعده على أعقابهم وإخباره بإن خلافة النبوة ~~تكون ثلاثين سنة ثم تصير ملكا وإخباره بإن الجبل ليس عليه إلا نبى وصديق ~~وشهيد وكان أكثرهم شهداء وإخباره يوم بدر بقتل صناديد قريش قبل أن يقتلوا ~~وإخباره بخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام على المنارة البيضاء شرقى ~~دمشق وقتل عيسى عليه السلام له على باب لد # وإخباره بخروج يأجوج ومأجوج وإخباره بخروج الخوارج الذين قال فيهم ( يخرج ~~من ضئضىء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه PageV08P494 مع صيامهم ~~يقرؤون القرآن لايجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ~~آيتهم أن فيهم رجلا مخدج اليد على يده مثل البضعة من اللحم تدردر ( وكان ~~الأمر كما أخبر به لما قاتلهم علي بن أبى ms2644 طالب بالنهروان ووجد هذا الشخص ~~كما وصفه النبى صلى الله عليه وسلم وإخباره بقتال الترك وصفتهم حيث قال ( ~~لاتقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الخدود دلف الأنف ينتعلون ~~الشعر كان وجوههم المجان المطرقة ( وقد قاتل المسلمون هؤلاء الترك وغيرهم ~~لما ظهروا ومثل هذا من أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تذكر وهو ~~إنما يعلم ماعلمه الله وإذا كان هو يعلم كثيرا مما يكون من أعمال العباد ~~فكيف الذي خلقه وعلمه ما لم يكن يعلم # وهو سبحانه لايحيط أحد من علمه إلا بما شاء ولا يعلم أحد لانبى ولا غيره ~~إلا ماعلمه الله وقال الخضر لموسى إنني على علم من علم الله علمنيه الله لا ~~تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه ولما نقر العصفور في ~~البحر قال له ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ~~هذا البحر وهو سبحانه القائل في حق موسى ( وكتبنا له في الألواح من كل ~~شيءموعظة وتفصيلا لكل شيء ) # والمقصود أن نفي علم الله بالحوادث أفعال العباد وغيرها قبل أن تكون باطل ~~وغلاة القدرية ينفون ذلك PageV08P495 # وأما قوله تعالى ( وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) وقوله ( لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا ~~أمدا ) ونحو ذلك فهذا هو العلم الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده وهو العلم ~~الذي يترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب والأول هو العلم بأنه سيكون ~~ومجرد ذلك العلم لا يترتب عليه مدح ولا ذم ولا ثواب ولاعقاب فإن هذا إنما ~~يكون بعد وجود الأفعال وقد روي عن بن عباس أنه قال في هذا لنري وكذلك ~~المفسرون قالوا لنعلمه موجودا بعد أن كنا نعلم أنه سيكون وهذا المتجدد فيه ~~قولان مشهوران للنظار # منهم من يقول المتجدد هو نسبة وإضافة بين العلم والمعلوم فقط وتلك نسبة ~~عدمية # ومنهم من يقول بل المتجدد علم بكون الشيء ووجوده وهذا العلم غير العلم ~~بأنه سيكون ms2645 وهذا كما في قوله ( وقل إعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون ) فقد أخبر بتجدد الرؤية فقيل نسبة عدمية وقيل المتجدد أمر ثبوتى ~~والكلام على القولين ومن قال هذا وهذا وحجج الفريقين قد بسط في موضع آخر # وعامة السلف وأئمة السنة والحديث على أن المتجدد أمر ثبوتي كما دل عليه ~~النص وهذا مما هجر أحمد بن حنبل الحارث المحاسبى على نفيه فإنه كان يقول ~~PageV08P496 بقول بن كلاب فر من تجدد أمر ثبوتى وقال بلوازم ذلك فخالف من ~~نصو ص الكتاب والسنة وآثار السلف ما أوجب ظهور بدعة إقتضت أن يهجره الإمام ~~أحمد ويحذر منه وقد قيل أن الحارث رجع عن ذلك # والمتأخرو ن من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة على قو لين ~~منهم من سلك طريقة بن كلاب وأتباعه ومنهم من سلك طريقة أئمة السنة والحديث ~~وهذا مبسو ط في مو ضعه # والمقصود هنا أن تقدم علم الله وكتابته لأعمال العباد حق والقول بحدوث ~~ذلك قول مهجور كما قاله الناظم إن كان قد أراد ذلك وليس في ذلك ما ينافي ~~أمر الله ونهيه فإن كو نه خالقا لأفعال العباد لاينافى الأمر والنهى فكيف ~~العلم المتقدم وليس في ذلك ما يقتضي كون العبد مجبورا لا قدرة له ولا فعل ~~كما تقوله الجهمية المجبرة ### ||| فصل # وأما قوله # ولايقال علم الله ما %~% يختار فالمختار مسطور PageV08P497 # فهو يتضمن إيراد سؤال من القدرية وجوابه منهم فإنهم قد يقولون نحن نقول ~~أنه يعلم وإذا قلنا ذلك لم نكن قد نفينا القدر بل أثبتنا القدر بمعنى العلم ~~مع نفي كون الرب تعالى شائيا جميع الحوادث خالقا لأفعال العباد قال الناظم ~~فإن الذي يختاره العبد مسطور قبل ذلك فلا يمكن بغيره فيلزم الجبر # وقد يعترض على هذا الجواب بأن يقال اللازم هنا بمنزلة الملزوم فإن علمه ~~بأنه يختاره موافق لما كتبه من أنه يختاره وتغيير العلم أعظم من تغيير ~~المسطور # وقد يقال أنه أراد جعل السطر من تمام القول أي لايقال علم ما يختاره وسطر ~~ذلك ms2646 اي فتقدم العلم والكتاب كاف في الإيمان بالقدر فإن مجرد ذلك لايكفي في ~~الإيمان بالقدر وهذا من حجة القائلين بالجبر قالوا خلاف المعلوم ممتنع ~~فالأمر به أمر بممتنع لأنه لو وقع المأمور للزم إنقلاب العلم جهلا # وجوابهم أن الممتنع لفظ مجمل فإن أرادوا أن خلاف المعلوم لا يقع ولا يكون ~~فهذا صحيح ولكن التكليف بما لا يكون لايكون تكليفا بما يعجز عنه الفاعل فإن ~~مالا يفعله الفاعل قد لا يفعله لعجزه عنه وقد لا يفعله لعدم إرادته فإنما ~~كلف بما يطيقه مع علم الرب PageV08P498 أنه لايكون كما يعلم أن مالا يشاؤه ~~هو لايكون مع أنه لو شاء لفعله # وقول المحتج لو وقع لإنقلب العلم جهلا # قيل هذا صحيح وهو يدل على أنه لايقع لكن لايدل على أن المكلف عاجز عنه لو ~~أراده لم يقدر على فعله فإنه لايقع لعدم إرادته له لالعدم قدرته عليه كالذي ~~لايقع من مقدورات الرب التى لو شاء لفعلها وهو يعلم أنه لايفعلها # ولا يجوز أن يقال أنه غير قادر عليها كما قاله بعض غلاة أهل البدع بل قد ~~قال سبحانه ( أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ~~) وقال تعالى ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم أويلبسكم شيعا ) مع أنه قد ثبت في الصحيحين عن جابر أنه لما نزل ~~قوله ( قل هوالقادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم أعوذ بوجهك ( أو من تحت أرجلكم ) قال أعوذ بوجهك ( أو يلبسكم ~~شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال هاتان أهون ( فهذا الذي أخبر أنه قادر عليه ~~منه مالا يكون وهو إرسال عذاب من فوق الأمة أو من تحت أرجلهم ومنه ما يكون ~~وهو لبسهم شيعا وإذاقة بعضهم بأس بعض كما ثبت في الصحيح PageV08P499 عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( سألت ربى ثلاثا فأعطانى إثنتين ومنعني ~~واحدة سألته أن لايسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لايهلكهم ms2647 ~~بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لايجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ( # وقد ذكر في غير موضع من القرآن مالا يكون أنه لو شاء لفعله كقوله ( ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها ) وقوله ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ~~من بعد ما جاءتهم البينات ولكن إختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل مايريد ) وقوله ( ولو شاء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة ) وأمثال هذه الآيات تبين أنه لو شاء أن يفعل أمورا لم تكن ~~لفعلها وهذا يدل على أنه قادر على ما علم أنه لايكون فإنه لولا قدرته عليه ~~لكان إذا شاء لايفعله فإنه لايمكن فعله إلا بالقدرة عليه فلما أخبر وهو ~~الصادق في خبره أنه لو شاء لفعله علم أنه قادر عليه # وإن علم سبحانه أنه لايكون وعلم أيضا أن خلاف المعلوم قد يكون مقدورا ~~وإذا قيل هو ممتنع فهو من باب الممتنع لعدم مشيئة الرب له لالكونه ممتنعا ~~في نفسه ولا لكونه معجوزا عنه # ولفظ ( الممتنع ( فيه إجمال كما تقدم وما سمي ممتنعا بمعنى أنه لايكون مع ~~PageV08P500 أنه لوشاء العبد لفعله لقدرته عليه فهذا يجوز تكليفه بلا نزاع ~~وإن سماه بعضهم بما لا يطاق فهذا نزاع لفظي ونزاع في أن القدرة هل يجوز أن ~~تتقدم الفعل أم لا ### ||| فصل # وأما قوله # والجبر إن صح يكن مكرها %~% وعندك المكره معذور # فيقال قد تقدم بيان معنى ( الجبر ( وأن الجبر إذا أريد به الإكراه كما ~~يجبر الإنسان غيره ويكرهه على خلاف مراده فالله تعالى أجل وأعلا وأقدر من ~~أن يحتاج إلى مثل هذا الجبر والإكراه فإن هذا أنما يكون من عاجز يعجز عن ~~جعل غيره مريدا لفعله مختارا له محبا له راضيا به والله سبحانه على كل شيء ~~قدير فإذا شاء أن يجعل العبد محبا لما يفعله مختارا له جعله كذلك وإن شاء ~~أن يجعله مريدا له بلا محبة بل مع كراهة فيفعله كارها له جعله كذلك # وليس هذا كإكراه المخلوق للمخلوق فإن المخلوق لايقدر ms2648 أن يجعل في قلب غيره ~~لا إرادة وحبا ولا كراهة وبغضا بل غايته أن يفعل ما يكون PageV08P501 سببا ~~لرغبته أو رهبته فإذا أكرهه فعل به من العقاب أو الوعيد ما يكون سببا ~~لرهبته وخوفه فيفعل مالا يختار فعله ولا يفعله راضيا بفعله ويكون مراده دفع ~~الشر عنه فهو مريد للفعل لكن المقصود دفع الشر عنه لا نفس الفعل ولهذا قد ~~يسمى مختارا ويسمى غير مختار بإعتبار ويسمى مريدا ويسمى غير مريد بإعتبار # ولكن اللغة العربية لايسمى فيها مختارا بل مكرها وهي لغة الفقهاء كما ثبت ~~في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا دعا أحدكم فلا يقل ~~اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمنى إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله ~~لامكره له ( فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن من يفعل بمشيئته لايكون ~~مكرها والمكره يفعل بمشيئة غيره وهو المكره له فإنه وإن كان قاصدا لما ~~يفعله ليس هو بمنزلة المفعول به الذي لا قدرة له ولا إرادة له في الفعل ~~بحال فإن مقصوده بالقصد الأول دفع الشيء لا نفس الفعل فالمراتب ثلاثة # ( أحدها ) من يفعل به الفعل من غير قدرة له على الإمتناع كالذي يحمل بغير ~~إختياره ويدخل إلى مكان أو يضرب به غيره أو تضجع المرأة وتفعل بها الفاحشة ~~بغير إختيارها من غير قدرة على الإمتناع فهذا ليس له فعل إختياري ولا قدرة ~~ولا إرادة ومثل هذا الفعل ليس فيه أمر ولانهى ولا عقاب بإتفاق العقلاء ~~وإنما يعاقب إذا أمكنه الإمتناع فتركه لأنه إذا لم PageV08P502 يمتنع كان ~~مطاوعا لا مكرها ولهذا فرق بين المرأة المطاوعة على الزنى والمكرهة عليه # و ( الثانية ) أن يكره بضرب أو حبس أو غير ذلك حتى يفعل فهذا الفعل يتعلق ~~به التكليف فإنه يمكنه أن لا يفعل وإن قتل ولهذا قال الفقهاء إذا أكره على ~~قتل المعصوم لم يحل له قتله وإن قتل فقد إختلفوا في القود فقال أكثرهم ~~كمالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه يجب القود على المكره والمكره ms2649 لأنهما ~~جميعا يشتركان في القتل وقال أبو حنيفه يجب على المكره الظالم لأن المكره ~~قد صار كالآلة وقال زفر بل على المكره المباشر لأنه مباشر وذاك متسبب وقال ~~لو كان كالآلة لما كان آثما وقد إتفقوا على أنه آثم وقال أبو يوسف لاتجب ~~على واحد منهما وأما إن أكره على الشرب للخمر ونحوه من الأفعال فأكثرهم ~~يجوز ذلك له وهو مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه لقوله تعالى ~~( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ~~ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) وأما إن أكره الرجل على ~~الزنى ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره # ( أحدهما ) لايكون مكرها عليه كقول أبى حنيفة وهو منصوص أحمد PageV08P503 # و ( الثاني ) قد يكون مكرها عليه كقول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد # وإذا أكره على كلمة الكفر جاز له التكلم بها مع طمأنينة قلبه بالإيمان # وإذا أكره على ( العقود ( كالبيع والنكاح والطلاق والظهار والايلاء ~~والعتق ونحو ذلك فمذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد أن كل قول أكره عليه ~~بغير حق فهو باطل فلا يقع به طلاق ولاعتاق ولا يلزمه نذر ولا يمين ولا غير ~~ذلك وأما أبوحنيفة فيفرق بين ما يقبل الفسخ عنده ويثبت فيه الخيار كالبيع ~~ونحوه فلا يلزم مع الإ كراه وما ليس كذلك كالنكاح والطلاق والعتاق فيلزم مع ~~الإكراه # وأما المكره بحق كالحربي على الإسلام فهذا يلزمه ما أكره عليه بإتفاق ~~العلماء # فقول الناظم # والجبر أن صح يكن مكرها %~% وعندك المكره معذور # قول مؤلف من مقدمتين باطلتين PageV08P504 # ( الأولى ) إن صح الجبر كان مكرها وقد عرف أن لفظ ( الجبر ( إذا أريد به ~~الجبر المعروف من إجبار الإنسان غيره على مالا يريده فهذا الجبر لم يصح وإن ~~أريد به أن الله يخلق إرادته فهذا الجبر إذا صح لم يكن مكرها # و ( المقدمة الثانية ) قوله والمكره عندك معذور فليس الأمر كذلك بل ~~المكره نوعان # ( نوع ) أكرهه المكره بحق فهذا ليس بمعذور والله تعالى لا يكره أحدا إلا ~~بحق ms2650 سواء قدر إلا كراه بخلقه وقدره أو شرعه وأمره وإنما المكره المعذور هو ~~المظلوم المكره بغير حق والله تعالى لا يظلم أحدا مثقال ذرة بل هو الحكم ~~العدل القائم بالقسط كما قال تعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) # وقد إتفق المسلمون وغيرهم على أن الله منزه عن الظلم لكن تنازع الناس في ~~معنى ( الظلم ( الذي يجب تنزيه الرب عنه فجعلت القدرية من المعتزلة وغيرهم ~~( الظلم ( الذي ينزه عنه الخالق من جنس ( الظلم ( الذي ينهي عنه المخلوق ~~وشبهوا الله تعالى بخلقه فأوجبوا عليه من جنس مايجب على PageV08P505 ~~المخلوق وتكلموا في التعديل والتجويز بكلام متناقض كما هو معروف عنهم ~~وألزموا الناس إلزامات كثيرة # ( منها ) أن قالوا أن العبد لو رأى رفقة يظلم بعضهم بعضا وهو يقدر على ~~منعهم من الظلم ولم يمنعهم لكان ظالما ومثل هذا ليس ظلما من الله فقالوا هو ~~قد نهاهم عن ذلك وعرضهم للثواب إذا أطاعوه وللعقاب إذا عصوه وهم قد ظلموا ~~بإختيارهم ولم يمكن منعهم من ذلك إلا بإلجائهم إلى الترك والإلجاء يزيل ~~التكليف الذي عرضهم به للثواب # فقال لهم الجمهور الواحد منا لو فعل ذلك مع علمه بأن عباده لا يطيعون ~~أمره ولا يمتنعون عن الظلم بل يزدادون عصيانا وظلما لم يكن ذلك حكمة ولا ~~عدلا وإنما يحمد ذلك من الواحد منا لعدم علمه بالعاقبة أو لعجزه عن المنع ~~والله عليم بالعواقب وهو على كل شيء قدير وإلا فإذا كان الواحد منا يعلم ~~أنه إذا أمرهم ليعرضهم للثواب عصوه وظلم بعضهم بعضا وجب عليه أن يمنعهم من ~~الظلم بالإلجاء # وتمام الكلام في ذلك مبسوط في موضع آخر فإن هذا الجواب لا يحتمل إلا ~~التنبية # وقالت طائفة من مثبتة القدر من المتقدمين والمتأخرين من الجهمية ~~PageV08P506 و أهل الكلام والفقهاء وأهل الحديث الظلم منه ممتنع لذاته فكل ~~ممكن يدخل تحت القدرة ليس فعله ظلما وقالوا الظلم التصرف في ملك الغير أو ~~الخروج عن طاعة من ms2651 تجب طاعته وكل من هذين ممتنع في حق الله # وقال كثير من أهل السنة والحديث والنظار بل الظلم هو وضع الشيء في غير ~~موضعه ومن ذلك أن يبخس المحسن شيئا من حسناته أو يحمل عليه من سيئات غيره ~~وهذا من الظلم الذي نزه الله نفسه عنه كقوله تعالى ( ومن يعمل من الصالحات ~~وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ) قال غير واحد من السلف ( الهضم ( أن ~~يهضم من حسناته والظلم أن يزاد في سيئاته وقد قال تعالى ( أم لم ينبأ بما ~~في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى أن لاتزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان ~~إلا ماسعى ) وقال ( لاتختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول ~~لدي وما أنا بظلام للعبيد ) # وفى حديث البطاقة الذي رواه الترمذي وغيره وحسنه ورواه الحاكم في صحيحه ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يجاء يوم القيامة برجل من أمتى على ~~رؤوس الخلائق فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم يقول الله ~~تعالى له أتنكر من هذا شيئا فيقول لا يارب فيقول الله عز وجل ألك عذر أو ~~حسنة فيهاب الرجل فيقول لا يا رب فيقول الله تعالى بلى إن لك عندنا حسنات ~~وأنه لا ظلم عليك فتخرج PageV08P507 له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا رسول الله فيقول يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول ~~أنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت ~~البطاقة ( # وقال تعالى ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب ) وقال تعالى ( وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ) وقال ( وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ) ومثل هذه النصوص كثيرة ومعلوم أن الله تعالى ~~لم ينف بها الممتنع الذى لايقبل الوجود كالجمع بين الضدين فإن هذا لم يتوهم ~~أحد وجوده وليس في مجرد نفيه ما يحصل به مقصود الخطاب فإن المراد بيان عدل ~~الله وأنه لا يظلم أحدا كما ms2652 قال تعالى ( ووجدوا ماعملوا حاضرا ولا يظلم ربك ~~أحدا ) بل يجازيهم بأعمالهم ولا يعاقبهم إلا بعد إقامه الحجة عليهم كما قال ~~الله تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وقال ( رسلا مبشرين ومنذرين ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) وقال تعالى ( وما كان ربك مهلك ~~القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا ~~وأهلها ظالمون ) وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما أحد ~~أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل وأنزل الكتب PageV08P508 # ومثل هذه النصوص كثيرة وهي تبين أن الظلم الذي نزه الله نفسه عنه ليس هو ~~ما تقوله القدرية ولا ما تقوله الجبرية ومن وافقهم وقد بسط الكلام على ~~تحقيق هذا المقام في مواضع آخر وبين فيها حكمة الله وعدله فإن هذا المقام ~~هو من أعظم المقامات التى أضطرب فيها كثير من الأولين والآخرين والبسط ~~الكثير الذي ينتهي به إلى تفصيل أقوال الناس وحقيقة الأمر في ذلك ببيان ~~الدلائل والجواب عن المعارضات لا يناسب جواب هذا النظم وهو مذكور في موضع ~~آخر # وفى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبى ذر عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال ( يا عبادي إنى حرمت ~~الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادى كلكم ضال إلا من ~~هديته فاستهدونى أهدكم يا عبادى كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ~~يا عبادى كلكم عار إلا من كسوته فاستكسونى أكسكم يا عبادى إنكم تخطئون ~~بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى أغفر لكم يا عبادى إنكم ~~لن تبلغوا ضري فتضرونى ولن تبلغوا نفعي فتنفعونى ياعبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكى ~~شيئا يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل ~~واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا يا عبادى لو ms2653 أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك ~~مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا PageV08P509 أدخل البحر يا عبادى إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( قال سعيد كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا ~~الحديث جثا على ركبتيه # فذكر في أول هذا الحديث الإلهي الذي قال فيه الإمام أحمد هو أشرف حديث ~~لأهل الشام أنه حرم الظلم على نفسه و ( التحريم ( ضد الإيجاب وبين في ~~القرآن أنه كتب على نفسه الرحمة وهذا على قول الطائفة الثانية المراد به ~~مجرد خبره بمجرد الوعد والوعيد وعلى قول الأخرين بل هو سبحانه كتب على نفسه ~~الرحمة وحرم على نفسه الظلم كما أخبر عن نفسه فقال تعالى ( وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين ) فهو حق أحقه سبحانه على نفسه لا أن أحدا من الخلق يوجب عليه ~~حقا ولا يحرم عليه شيئا # وختم الحديث بقوله ( إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد ~~خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( كما ثبت في الحديث ~~الصحيح الذى رواه البخارى وغيره عن شداد بن أوس عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( سيد الإستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت ~~خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من ~~قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا ~~بها فمات من ليلته دخل الجنة PageV08P510 # وفى هذا الحديث قوله ( أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى ( ومن نعمه على ~~عبده المؤمن ما ييسره له من الإيمان والحسنات فإنها من فضله وإحسانه ورحمته ~~وحكمته وسيئات العبد من عدله وحكمته إذ كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ms2654 ~~وهو لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته ورحمته وعدله لا لمجرد قهره وقدرته كما ~~يقوله جهم وأتباعه وقد بسط الكلام على هذا وبين حقيقة قوله ( والخير بيديك ~~والشر ليس إليك ( وإن كان خالق كل كل شيء # وبين أن الشر لم يضف إلى الله في الكتاب والسنة إلا على أحد وجوه ثلاثة # إما بطريق العموم كقوله ( الله خالق كل شيء ) وأما بطريقة إضافته إلى ~~السبب كقوله ( من شر ما خلق ) # وإما أن يحذف فاعله كقول الجن ( وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم ~~أراد بهم ربهم رشدا ) # وقد جمع في الفاتحة ( الأصناف الثلاثة ( فقال ( الحمد لله رب العالمين ) ~~وهذا عام وقال ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ) فحذف فاعل ~~الغضب وقال ( ولا الضالين ) فأضاف الضلال إلى المخلوق ومن هذا قول الخليل ( ~~وإذا مرضت فهو يشفين PageV08P511 و قول الخضر ( فأردت أن أعيبها ) ( فأردنا ~~أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ) ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ~~) # وقد بسط الكلام على حقائق هذه الأمور وبين أن الله لم يخلق شيئا إلا ~~لحكمة قال تعالى ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) وقال ( صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء ) فالمخلوق بإعتبار الحكمة التى خلق لأجلها خير وحكمة وإن كان فيه شر ~~من جهة أخرى فذلك أمر عارض جزئي ليس شرا محضا بل الشر الذي يقصد به الخير ~~الأرجح هو خير من الفاعل الحكيم وإن كان شرا لمن قام به # وظن الظان أن الحكمة المطلوبة التامة قد تحصل مع عدمه إنما يقوله لعدم ~~علمه بحقائق الأمور وإرتباط بعضها ببعض فإن الخالق إذا خلق الشيء فلا بد من ~~خلق لوازمه فإن وجود الملزوم بدون وجود اللازم ممتنع ولا بد من ترك خلق ~~أضداده التى تنافيه فإن إجتماع الضدين المتنافيين في وقت واحد ممتنع # وهو سبحانه على كل شيء قدير لايستثنى من هذا العموم شيء لكن مسمى ( الشيء ~~) ما تصور وجوده فأما الممتنع لذاته فليس شيئا بإتفاق العقلاء PageV08P512 # والقدرة على خلق المتضادات قدرة على خلقها على ms2655 البدل فهو سبحانه إذا شاء ~~أن يجعل العبد متحركا جعله وإن شاء أن يجعله ساكنا جعله وكذلك في الإيمان ~~والكفر وغيرهما لكن لايتصور أن يكون العبد في الوقت الواحد متصفا ~~بالمتضادات فيكون مؤمنا صديقا من أولياء الله المتقين كافرا منافقا من ~~أعداء الله وإن كان يمكن أن يجتمع فيه شعبة من الإيمان وشعبة من النفاق # والذي يجب على العبد أن يعلم أن علم الله وقدرته وحكمته ورحمته في غاية ~~الكمال الذي لا يتصور زيادة عليها بل كلما أمكن من الكمال الذي لا نقص فيه ~~فهو واجب للرب تعالى وقد يعلم بعض العباد بعض حكمته وقد يخفى عليهم منها ما ~~يخفى # والناس يتفاضلون في العلم بحكمته ورحمته وعدله وكلما إزداد العبد علما ~~بحقائق الأمور إزداد علما بحكمة الله وعدله ورحمته وقدرته وعلم أن الله ~~منعم عليه بالحسنات عملها وثوابها وأن ما يصيبه من عقوبات ذنوبه فبعدل الله ~~تعالى وأن نفس صدور الذنوب منه وإن كان من جملة مقدورات الرب فهو لنقص نفسه ~~وعجزها وجهلها الذي هو من لوازمها وأن ما في نفسه من الحسنات فهو من فعل ~~الله وإحسانه وجوده وأن الرب مع أنه قد خلق النفس وسواها وألهمها فجورها ~~وتقواها فإلهام الفجور والتقوى وقع PageV08P513 بحكمة بالغة لو إجتمع ~~الأولون والآخرون من عقلاء الآدميين على أن يروا حكمة أبلغ منها لم يروا ~~حكمة أبلغ منها # لكن تفصيل حكمة الرب مما يعجز كثير من الناس عن معرفتها ومنها ما يعجز عن ~~معرفته جميع الخلق حتى الملائكة ولهذا قالت الملائكة لما قال الله تعالى ~~لهم ( إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ~~) قال ( إني أعلم ما لا تعلمون ) فتكفيهم المعرفة المجملة والإيمان العام # والله سبحانه قد أمرهم أن يطلبوا منه جميع ما يحتاجون إليه من هدى ورشاد ~~وصلاح في المعاش والمعاد ومغفرة ورحمة وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول ~~في الحديث الصحيح ( اللهم إني أسالك الهدى والتقى والعفة والغنى ( ويقول ( ~~اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت ms2656 خير من زكاها أنت وليها ومولاها ( ويقول ( ~~اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التى فيها معاشي ~~واصلح لي آخرتى التى فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل ~~الموت راحة لي من كل شر ( وكل هذا في الأحاديث التى في الصحيح # وفى صحيح مسلم أنه كان يقول إذا قام من الليل ( اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت PageV08P514 تحكم ~~بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون إهدنى لما إختلف فيه من الحق بإذنك إنك ~~تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ( # وقد أمرنا الله تعالى أن نقول في صلاتنا ( إهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) وهذا أفضل الأدعية ~~وأوجبها على العباد # ومن تحقق بهذا الدعاء جعله الله من أهل الهدى والرشاد فإنه سميع الدعاء ~~لا يخلف الميعاد والله أعلم PageV08P515 ### |||| وسئل # عن المقتول هل مات بأجله أم قطع القاتل أجله ### ||||| فأجاب # المقتول كغيره من الموتى لا يموت أحد قبل أجله ولا يتأخر أحد عن ~~أجله بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر فإن أجل الشيء ~~هو نهاية عمره وعمره مدة بقائة فالعمر مدة البقاء والأجل نهاية العمر ~~بالإنقضاء # وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( قدر ~~الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه ~~على الماء ( وثبت في صحيح البخاري أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( كان ~~الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق ~~السماوات والأرض وفى لفظ ثم خلق السماوات والأرض ( وقد قال تعالى ( فإذا ~~جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) # والله يعلم ما كان قبل أن يكون وقد كتب ذلك فهو يعلم أن هذا يموت ~~PageV08P516 بالبطن أو ذات الجنب أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب ~~وهذا يموت مقتولا إما بالسم وإما بالسيف وإما بالحجر وإما ms2657 بغير ذلك من ~~أسباب القتل # وعلم الله بذلك وكتابته له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع ~~المدح والذم والثواب والعقاب بل القاتل إن قتل قتيلا أمر الله به ورسوله ~~كالمجاهد في سبيل الله إثابه الله على ذلك وإن قتل قتيلا حرمه الله ورسوله ~~كقتل القطاع والمعتدين عاقبه الله على ذلك وإن قتل قتيلا مباحا كقتيل ~~المقتص لم يثب ولم يعاقب إلا أن يكون له نية حسنة أو سيئة في أحدهما # والأجل أجلان ( أجل مطلق ( يعلمه الله ( وأجل مقيد ( وبهذا يتبين معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم ( من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره ~~فليصل رحمه ( فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلا وقال إن وصل رحمه زدته ~~كذا وكذا ( والملك لايعلم أيزداد أم لا لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر ~~فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر # ولو لم يقتل المقتول فقد قال بعض القدرية أنه كان يعيش وقال بعض نفاة ~~الأسباب أنه يموت وكلاهما خطأ فإن الله علم أنه يموت بالقتل فإذا قدر خلاف ~~معلومه كان تقديرا لما لايكون لو كان كيف كان يكون وهذا قد يعلمه بعض الناس ~~وقد لا يعلمه فلو فرضنا أن الله علم أنه لايقتل أمكن أن PageV08P517 يكون ~~قدر موته في هذا الوقت وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر فالجزم بأحد ~~هذين على التقدير الذى لا يكون جهل # وهذا كمن قال لو لم يأكل هذا ما قدر له من الرزق كان يموت أو يرزق شيئا ~~آخر وبمنزلة من قال لو لم يحبل هذا الرجل لهذه المرأة هل تكون عقيما أو ~~يحبلها رجل آخر ولو لم تزدرع هذه الأرض هل كان يزدرعها غيره أم كانت تكون ~~مواتا لا يزرع فيها وهذا الذى تعلم القرآن من هذا لو لم يعلمه هل كان يتعلم ~~من غيره أم لم يكن يتعلم القرآن البتة ومثل هذا كثير PageV08P518 ### |||| سئل شيخ الإسلام # عن الغلاء والرخص هل هما من الله تعالى أم ms2658 لا ### ||||| فأجاب # جميع ما سوى الله من الأعيان وصفاتها وأحوالها مخلوقة لله مملوكة ~~لله هو ربها وخالقها ومليكها ومدبرها لا رب لها غيره ولا إله سواه له الخلق ~~والأمر لا شريك له في شيء من ذلك ولا معين بل هو # كما قال سبحانه ( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) # أخبر سبحانه أن ما يدعى من دونه ليس له مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ولا شرك في ملك ولا إعانة على شيء وهذه الوجوه الثلاثة هي التى ثبت ~~بها حق الغير فإنه إما أن يكون مالكا للشيء مستقلا بملكه أو يكون مشاركا له ~~فيه نظير أو لا ذا ولا ذاك فيكون معينا لصاحبه كالوزير والمشير والمعلم ~~والمنجد والناصر فبين سبحانه أنه ليس لغيره ملك لمثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض ولا لغيره شرك في ذلك لا قليل ولا كثير فلا PageV08P519 يملكون ~~شيئا ولا لهم شرك في شيء ولا له سبحانه ظهير وهو المظاهر المعاون فليس له ~~وزير ولا مشير ولا ظهير # وهذا كما قال سبحانه ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك ~~في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ) فإن المخلوق يوالي المخلوق ~~لذله فإذا كان له من يواليه عز بوليه والرب تعالى لا يوالي أحدا لذلته ~~تعالى بل هو العزيز بنفسه و ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ) وإنما ~~يوالي عباده المؤمنين لرحمته ونعمته وحكمته وإحسانه وجوده وفضله وإنعامه # وحينئذ فالغلاء بإرتفاع الأسعار والرخص بإنخفاضها هما من جملة الحوادث ~~التى لا خالق لها إلا الله وحده ولا يكون شيء منها إلا بمشيئته وقدرته # لكن هو سبحانه قد جعل بعض أفعال العباد سببا في بعض الحوادث كما جعل قتل ~~القاتل سببا في موت المقتول # وجعل إرتفاع الأسعار قد يكون بسبب ظلم العباد ms2659 وإنخفاضها قد يكون بسبب ~~إحسان بعض الناس ولهذا أضاف من أضاف من القدرية المعتزلة وغيرهم الغلاء ~~والرخص إلى بعض الناس وبنوا على ذلك أصولا فاسدة # ( أحدها ) أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى PageV08P520 # و ( الثاني ) إنما يكون فعل العبد سببا له يكون العبد هو الذي أحدثه و ( ~~الثالث ) أن الغلاء والرخص إنما يكون بهذا السبب # وهذه الأصول باطلة فإنه قد ثبت أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد ~~وغيرها ودلت على ذلك الدلائل الكثيرة السمعية والعقلية وهذا متفق عليه بين ~~سلف الأمة وأئمتها وهم مع ذلك يقولون أن العباد لهم قدرة ومشيئة وأنهم ~~فاعلون لأفعالهم ويثبتون ما خلقه الله من الأسباب وما خلق الله من الحكم # و ( مسألة القدر ( مسألة عظيمة ضل فيها طائفتان من الناس ( طائفة ( أنكرت ~~أن يكون الله خالقا لكل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما أنكرت ~~ذلك المعتزلة و ( طائفة ( أنكرت أن يكون العبد فاعلا لأفعاله وأن تكون لهم ~~قدرة لها تأثير في مقدورها أو أن يكون في المخلوقات ما هو سبب لغيره وأن ~~يكون الله خلق شيئا لحكمة كما أنكر ذلك الجهم بن صفوان ومن إتبعه من ~~المجبرة الذي نسب كثير منهم إلى السنة والكلام على هذه المسألة مبسوط في ~~مواضع آخر # و ( الأصل الثاني ) وهو إنما كان فعل العبد أحد أسبابه كالشبع ~~PageV08P521 الذى يكون بسبب الأكل وزهوق النفس الذي يكون بالقتل فهذا قد ~~جعله أكثر المعتزلة فعلا للعبد والجبرية لم يجعلوا لفعل العبد فيه تأثيرا ~~بل ما تيقنوا أنه سبب قالوا أنه عنده لابه وأما السلف والأئمة فلا يجعلون ~~العبد فاعلا لذلك كفعله لما قام به من الحركات فلا يمنعون أن يكون مشاركا ~~في أسبابه وأن يكون الله جعل فعل العبد مع غيره أسبابا في حصول مثل ذلك # وقد ذكر الله في كتابه النوعين بقوله ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ~~ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو ~~نيلا إلا ms2660 كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون ~~نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما ~~كانوا يعملون ) والإنفاق والسير هو نفس أعمالهم القائمة بهم فقال فيها إلا ~~كتب لهم ولم يقل إلا كتب لهم به عمل صالح فإنها نفسها عمل فنفس كتابتها ~~يحصل به المقصود بخلاف الظمأ والنصب والجوع الحاصل بغير الجهاد بخلاف غيظ ~~الكفار بما نيل منهم فإن هذه ليست نفس أفعالهم وإنما هي حادثة عن أسباب ~~منها أفعالهم فلهذا قال تعالى ( إلا كتب لهم به عمل صالح ) # فتبين إنما يحدث من الآثار عن أفعال العباد لهم بها عمل لأن أفعالهم كانت ~~سببا فيها كما قال صلى الله عليه وسلم ( من دعا إلى هدى كان له من ~~PageV08P522 الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن دعا ~~إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم ~~شيء ( # و ( الأصل الثالث ) أن الغلاء والرخص لا تنحصر أسبابه في ظلم بعض بل قد ~~يكون سببه قلة ما يخلق أو يجلب من ذلك المال المطلوب فإذا كثرت الرغبات في ~~الشيء وقل المرغوب فيه إرتفع سعره فإذا كثر وقلت الرغبات فيه إنخفض سعره ~~والقلة والكثرة قد لاتكون بسبب من العباد وقد تكون بسبب لا ظلم فيه وقد ~~تكون بسبب فيه ظلم والله تعالى يجعل الرغبات في القلوب فهو سبحانه كما جاء ~~في الأثر قد تغلوا الأسعار والأهواء غرار وقد ترخص الأسعار والأهواء فقار ~~PageV08P523 ### || 1 ( تعليقة على كلام الغزالي في مسألة طلب الرزق ) 1 ### |||| و سئل شيخ الإسلام # أحمد بن تيمية قدس الله روحه عما قاله أبو حامد الغزالي في كتابه المعروف ~~( بمنهاج العابدين ( في زاد الآخرة من العقبة الرابعة وهي العوارض بعد كلام ~~تقدم في التوكل بأن الرزق مضمون قال فإن قيل هل يلزم العبد طلب الرزق بحال ~~فاعلم أن الرزق المضمون هو الغذاء والقوام فلا يمكن طلبه إذ هو ms2661 شيء من فعل ~~الله بالعبد كالحياة والموت لا يقدر العبد على تحصيله ولا دفعه # وما المقسوم من الأسباب فلا يلزم العبد طلبه إذ لا حاجة للعبد إلى ذلك ~~إنما حاجته إلى المضمون وهو من الله وفي ضمان الله # وأما قوله تعالى ( وابتغوا من فضل الله ) المراد به العلم والثواب وقيل ~~بل هو رخصة إذ هو أمر وارد بعد الحظر فيكون بمعنى الإباحة لابمعنى الإيجاب ~~والإلزام # فإن قيل لكن هذا الرزق المضمون له أسباب هل يلزم منا طلب الأسباب قيل لا ~~يلزم منك طلب ذلك إذ لا حاجة بالعبد إليه إذ الله سبحانه يفعل PageV08P524 ~~بالسبب وبغيرالسبب فمن أين يلزمنا طلب السبب ثم أن الله ضمن ضمانا مطلقا من ~~غير شرط الطلب والكسب قال تعالى ( وما من دابة في الأرض إلاعلى الله رزقها ~~) # ثم كيف يصح أن يأمر العبد بطلب مالا يعرف مكانه فيطلبه إذ لا يعرف أي سبب ~~منها رزقة يتناوله لا عرف الذي صير سبب غذائه وتربيته لاغير فالواحد منا لا ~~يعرف ذلك السبب بعينه من أين حصل له فلا يصح تكليفه فتأمل راشدا فإنه بين ~~ثم حسبك أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والأولياء المتوكلين لم ~~يطلبوا الرزق في الأكثر والأعم وتجردوا للعبادة وبإجماع أنهم لم يكونوا ~~تاركين لأمر الله تعالى ولا عاصين له في ذلك فليس لك أن تطلب الرزق وأسبابه ~~بأمر لازم للعبد # فما الفرق بين هذا الكلام من هذا الإمام والمنصوص عليه في كتب الأئمة ~~كالفقة وغيره وهو أن العبد يجب عليه طلب الرزق وطلب سببه وأبلغ من ذلك أن ~~العبد لو إحتاج إلى الرزق ووجده عند غيره فاضلا عنه وجب عليه طلبه منه فإن ~~منعه قهره وأن قتله فهل هذا الذي نص عليه في المنهاج يختص بأحد دون أحد ~~فأوضحوا لنا ما أشكل علينا من تناقض الكلامين مثابين مأجورين وأبسطوا لنا ~~القول ### ||||| فأجاب رضى الله عنه PageV08P525 # الحمد لله رب العالمين هذا الذي ذكره أبو حامد قد ذهب إليه طائفة من ~~الناس ولكن أئمة المسلمين وجمهورهم ms2662 على خلاف هذا وأن الكسب يكون واجبا تارة ~~ومستحبا تارة ومكروها تارة ومباحا تارة ومحرما تارة فلا يجوز إطلاق القول ~~بإنه لم يكن منه شيء واجب كما أنه لا يجوز إطلاق القول بإنه ليس منه شيء ~~محرم # والسبب الذي أمر العبد به أمر إيجاب أو أمر إستحباب هو عبادة الله وطاعته ~~له ولرسوله والله فرض على العباد أن يعبدوه ويتوكلوا عليه كما قال تعالى ( ~~فاعبده وتوكل عليه ) وقال ( واذكر إسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق ~~والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) وقال ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) والتقوي تجمع فعل ما ~~أمرالله به وترك مانهي الله عنه ويروى عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( ياأبا ذر لو عمل الناس كلهم بهذه الآية لوسعتهم # ولهذا قال بعض السلف ما احتاج تقى قط يقول أن الله ضمن للمتقين أن يجعل ~~لهم مخرجا مما يضيق على الناس وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون فيدفع عنهم ما ~~يضرهم ويجلب لهم ما يحتاجون إليه فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى ~~خللا فليستغفر الله وليتب إليه ولهذا جاء في الحديث المرفوع إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم الذي رواه الترمذى أنه قال ( من PageV08P526 أكثر الإستغفار ~~جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ( # و ( المقصود ) أن الله لم يأمر بالتوكل فقط بل أمر مع التوكل بعبادته ~~وتقواه التى تتضمن فعل ما أمر وترك ما حذر فمن ظن أنه يرضى ربه بالتوكل ~~بدون فعل ما أمر به كان ضالا كما أن من ظن أنه يقوم بما يرضى الله عليه دون ~~التوكل كان ضالا بل فعل العبادة التى أمر الله بها فرض # وإذا أطلق لفظ العبادة دخل فيها التوكل وإذا قرن أحدهما بالآخر كان ~~للتوكل إسم يخصه كما في نظائر ذلك مثل التقوى وطاعة الرسول فإن ( التقوي ( ~~إذا ms2663 أطلقت دخل فيها طاعة الرسول وقد يعطف أحدهما على الآخر كقول نوح عليه ~~السلام ( اعبدوا الله ) وكذلك قوله ( اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) ~~وأمثال ذلك # وقد جمع الله بين عبادته والتوكل عليه في مواضع كقوله تعالى ( قل هو ربي ~~لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ) وقول شعيب ( عليه توكلت وإليه أنيب ~~) فإن الإنابة إلى الله والمتاب هو الرجوع إليه بعبادته وطاعته وطاعة رسوله ~~والعبد لايكون مطيعا لله ورسوله فضلا أن يكون من خواص أوليائه المتقين إلا ~~بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ويدخل في ذلك التوكل PageV08P527 و أما من ~~ظن أن التوكل يغني عن الأسباب المأمور بها فهو ضال وهذا كمن ظن أنه يتوكل ~~على ما قدر عليه من السعادة والشقاوة بدون أن يفعل ما أمره الله # وهذه ( المسألة ( مما سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال ( ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده ~~من الجنة والنار فقيل يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب فقال ~~لا إعملوا فكل ميسر لما خلق له ( وكذلك في الصحيحين عنه أنه قيل له ( أرأيت ~~ما يعمل الناس فيه ويكدحون أفيما جفت الأقلام وطويت الصحف ( ولما قيل له ~~أفلا نتكل على الكتاب قال لا إعملوا فكل ميسر لما خلق له # وبين صلى الله عليه وسلم أن الأسباب المخلوقة والمشروعة هي من القدر فقيل ~~له ( أرأيت رقى نسترقى بها وتقى نتقي بها وأدوية نتداوي بها هل ترد من قدر ~~الله شيئا فقال هي من قدر الله ( # فالإلتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص ~~في العقل والأعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع فعلى العبد أن يكون ~~قلبه معتمدا على الله لا على سبب من الأسباب والله ييسر له من الأسباب ما ~~يصلحه في الدنيا والأخرة فإن كانت الأسباب PageV08P528 مقدورة له وهو مأمور ~~بها فعلها مع التوكل على الله كما يؤدى الفرائض وكما ms2664 يجاهد العدو ويحمل ~~السلاح ويلبس جنة الحرب ولا يكتفى في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن ~~يفعل ما أمر به من الجهاد ومن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط مذموم ~~و # في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ~~( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير احرص على ما ~~ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا ~~وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ( وفى سنن أبي ~~داود ( أن رجلين تحاكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى على أحدهما فقال ~~المقضي عليه حسبنا الله ونعم الوكيل فقال صلى الله عليه وسلم ( إن الله ~~يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإن غلبك أمر فقل حسبنا الله ونعم الوكيل ~~( # وقد تكلم الناس في حمل الزاد في الحج وغيره من الأسفار فالذي مضت عليه ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وأصحابه والتابعين ~~لهم بإحسان وأكابر المشائخ هو حمل الزاد لما في ذلك من طاعة الله ورسوله ~~وإنتفاع الحامل ونفعه للناس # وزعمت ( طائفة ( أن من تمام التوكل أن لا يحمل الزاد وقد رد PageV08P529 ~~الأكابر هذا القول كما رده الحارث المحاسبى في ( كتاب التوكل ) وحكاه عن ~~شقيق البلخي وبالغ في الرد على من قال بذلك وذكر من الحجج عليهم ما يبين به ~~غلطهم وأنهم غالطون في معرفة حقيقة التوكل وأنهم عاصون لله بما يتركون من ~~طاعته # وقد حكي لأحمد بن حنبل أن بعض الغلاة الجهال بحقيقة التوكل كان إذا وضع ~~له الطعام لم يمد يده حتى يوضع في فمه وإذا وضع يطبق فمه حتى يفتحوه ~~ويدخلوا فيه الطعام فأنكر ذلك أشد الإنكار ومن هؤلاء من حرم المكاسب # وهذا وأمثاله من قلة العلم بسنة الله في خلقه وأمره فإن الله خلق ~~المخلوقات بأسباب وشرع للعباد أسبابا ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في ~~الدنيا ms2665 والآخرة فمن ظن أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب ~~يحصل مطلوبه وأن المطالب لاتتوقف على الأسباب التى جعلها الله أسبابا لها ~~فهو غالط فالله سبحانه وإن كان قد ضمن للعبد رزقه وهو لابد أن يرزقه ماعمر ~~فهذا لا يمنع أن يكون ذلك الرزق المضمون له أسباب تحصل من فعل العبد وغير ~~فعله # و ( أيضا ( فقد يرزقه حلالا وحراما فإذا فعل ما أمره به رزقه حلالا وإذا ~~ترك ما أمره به فقد يرزقه من حرام # ومن هذا الباب الدعاء والتوكل فقد ظن بعض الناس أن ذلك لاتأثير ~~PageV08P530 له في حصول مطلوب ولا دفع مرهوب ولكنه عبادة محضة ولكن ما حصل ~~به حصل بدونه وظن آخرون أن ذلك مجرد علامة والصواب الذي عليه السلف والأئمة ~~والجمهور أن ذلك من أعظم الأسباب التى تنال بها سعادة الدنيا والآخرة # وما قدره الله بالدعاء والتوكل والكسب وغير ذلك من الأسباب إذا قال ~~القائل فلو لم يكن السبب ماذا يكون بمنزلة من يقول هذا المقتول لو لم يقتل ~~هل كان يعيش وقد ظن بعض القدرية أنه كان يعيش وظن بعض المنتسبين إلى السنة ~~أنه كان يموت والصواب أن هذا تقدير لأمر علم الله أنه يكون فالله قدر مو ته ~~بهذا السبب فلا يمو ت إلا به كما قدر الله سعادة هذا في الدنيا والآخرة ~~بعبادته ودعائه وتو كله وعمله الصالح وكسبه فلا يحصل إلا به وإذا قدر عدم ~~هذا السبب لم يعلم ما يكون المقدر وبتقدير عدمه فقد يكون المقدر حينئذ أنه ~~يمو ت وقد يكون المقدر أنه يحيى والجزم بإحدهما خطأ # ولو قال القائل أنا لا آكل ولا أشرب فإن كان الله قدر حياتى فهو يحييني ~~بدون الأكل والشرب كان أحمق كمن قال أنا لا أطأ إمرأتى فإن كان الله قدر لي ~~ولدا تحمل من غير ذكر PageV08P531 ### ||| فصل # إذا عرف هذا فالسالكون طريق الله منهم من يكو ن مع قيامه بما أمره الله ~~به من الجهاد والعلم والعبادة وغير ذلك ms2666 عاجزا عن الكسب كالذين ذكرهم الله ~~في قوله ( للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ) ~~والذين ذكرهم الله في قو له ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجو ا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرو ن الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون ) # ( فالصنف الأو ل ( أهل صدقات و ( الصنف الثاني ( أهل الفيء كما قال تعالى ~~في الصنف الأو ل ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير إلى قوله ( ~~للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) وقال في ( الصنف الثاني ( ما أفاء ~~الله على رسو له من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين ~~وإبن السبيل ) إلى قوله ( للفقراء المهاجرين ) ثم قال ( والذين تبوؤا الدار ~~والإيمان من قبلهم ) فذكر المهاجرين والأنصار وكان المهاجرو ن تغلب ~~PageV08P532 عليهم التجارة والأنصار تغلب عليهم الزراعة وقد قال للطائفتين ~~( انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ) فذكر زكاة التجارة # وزكاة الخارج من الأرض وهو العشر أو نصف العشر أو ربع العشر ومن السالكين ~~من يمكنه الكسب مع ذلك وقد قال تعالى لما أمرهم بقيام الليل ( علم أن سيكون ~~منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله ) فجعل المسلمين أربعة أصناف صنفا أهل القرآن والعلم والعبادة ~~وصنفا يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وصنفا يجاهدون في سبيل الله ~~والرابع المعذورون # وأما قول القائل أن الغذاء والقوام هو من فعل الله فلا يمكن طلبه كالحياة ~~فليس كذلك هو بل ما فعل الله بأسباب يمكن طلبه بطلب الأسباب كما مثله في ~~الحياة والموت فإن الموت يمكن طلبه ودفعه بالأسباب التى قدرها الله فإذا ~~أردنا أن يموت عدو الله سعينا في قتله وإذا أردنا دفع ذلك عن المؤمنين ~~دفعناه بما شرع الله الدفع به قال تعالى في داود عليه السلام ( وعلمناه ~~صنعة ms2667 لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ) وقال تعالى ( سرابيل تقيكم الحر وسرابيل ~~تقيكم بأسكم ) وقال تعالى ( فليصلو ا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) وهذا ~~مثل دفع الحر والبرد عنا هو من فعل الله فاللباس والإكتساب ومثل دفع الجوع ~~والعطش هو من فعل الله بالطعام والشراب PageV08P533 و هذا كما أن إزهاق ~~الرو ح هو من فعل الله ويمكن طلبه بالقتل وحصول العلم والهدى في القلب هو ~~من فعل الله ويمكن طلبه بأسبابه المأمور بها وبالدعاء # وقول القائل أن الله يفعل بسبب وبغير سبب فمن أين يلزمنا طلب السبب جوابه ~~أن يقال له ليس الأمر كذلك بل جميع ما يخلقه الله ويقدرة إنما يخلقه ويقدرة ~~بأسباب لكن من الأسباب ما يخرج عن قدرة العبد ومنها ما يكو ن مقدورا له ومن ~~الأسباب ما يفعله العبد ومنها مالا يفعله # والأسباب منها ( معتاد ( ومنها ( نادر ( فإنه في بعض الأعوام قد يمسك ~~المطر ويغذي الزرع بريح يرسلها وكما يكثر الطعام والشراب بدعاء النبى صلى ~~الله عليه وسلم والرجل الصالح فهو أيضا سبب من الأسباب ولاريب أن الرزق قد ~~يأتى على أيدي الخلق فمن الناس من يأتيه برزقه جنى أو ملك أو بعض الطير ~~والبهائم وهذا نادر والجمهور إنما يرزقون بواسطة بنى آدم مثل أكثر الذين ~~يعجزون عن الأسباب يرزقون على أيدي من يعطيهم إما صدقة وإما هدية أو نذرا ~~وإما غير ذلك مما يؤتيه الله على أيدي من ييسره لهم PageV08P534 # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يا بن آدم إن ~~تنفق الفضل خير لك وان تمسك الفضل شر لك ولا يلام على كفاف واليد العليا ~~خير من اليد السفلى ( وفى حديث آخر صحيح ( يد الله هي العليا ويد المعطى ~~التى تليها ويد السائل السفلى ( # وبعض الناس يزعم أن يد السائل الآخذ هي العليا لأن الصدقة تقع بيد الحق ~~وهذا خلاف نص رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر أن يد الله هي العليا ~~ويد المعطى التى تليها ويد السائل السفلى ms2668 # وقول القائل إن الله ضمن ضمانا مطلقا فيقال له هذا لا يمنع وجوب الأسباب ~~على ما يجب فإن فيما ضمنه رزق الأطفال والبهائم والزوجات ومع هذا فيجب على ~~الرجل أن ينفق على ولده وبهائمه وزوجته بإجماع المسلمين ونفقته على نفسه ~~أوجب عليه # وقول القائل كيف يطلب مالا يعرف مكانه جوابه أنه يفعل السبب المأمور به ~~ويتوكل على الله فيما يخرج عن قدرته مثل الذي يشق الأرض ويلقى الحب ويتوكل ~~على الله في إنزال المطر وإنبات الزرع ودفع المؤذيات وكذلك التاجر غاية ~~قدرته تحصيل السلعة ونقلها وأما إلقاء الرغبة في قلب من يطلبها وبذل الثمن ~~الذي يربح به فهذا PageV08P535 ليس مقدورا للعبد ومن فعل ما قدر عليه لم ~~يعاقبه الله بما عجز عنه والطلب لايتوجه إلى شيء معين بل إلى ما يكفيه من ~~الرزق كالداعي الذي يطلب من الله رزقه وكفايته من غير تعيين ### ||| فصل # فإذا عرف ذلك فمن الكسب ما يكون واجبا مثل الرجل المحتاج إلى نفقته على ~~نفسه أو عياله أو قضاء دينه وهو قادر على الكسب وليس هو مشغولا بأمر أمره ~~الله به هو أفضل عند الله من الكسب فهذا يجب عليه الكسب بإتفاق العلماء ~~وإذا تركه كان عاصيا آثما # ومنه ما يكون مستحبا مثل هذا إذا إكتسب ما يتصدق به فقد ثبت في الصحيحين ~~عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( على كل مسلم صدقة قالوا ~~يا رسول الله فمن لم يجد قال يعمل بيده ينفع نفسه ويتصدق قالوا فإن لم يجد ~~قال يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا فإن لم يجد قال فليأمر بالمعروف وليمسك ~~عن الشر فإنها له صدقة PageV08P536 ### ||| فصل # وأما قول القائل أن الأنبياء والأولياء لم يطلبوا رزقا # فليس الأمر كذلك بل عامة الأنبياء كانوا يفعلون أسبابا يحصل بها الرزق ~~كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في المسند عن ~~بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة ~~حتى ms2669 يعبد الله وحده لاشريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على ~~من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم ( وقد ثبت في الصحيح قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه ( وكان داود يأكل من كسبه وكان ~~يصنع الدروع وكان زكريا نجارا وكان الخليل له ماشية كثيرة حتى أنه كان يقدم ~~للضيف الذين لايعرفهم عجلا سمينا وهذا إنما يكون مع اليسار # وخيار الأولياء المتوكلين المهاجرون والأنصار وأبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه أفضل الأولياء المتوكلين بعد الأنبياء وكان عامتهم يرزقهم الله بأسباب ~~يفعلونها كان الصديق تاجرا وكان يأخذ ما يحصل له من المغنم ولما ولى ~~PageV08P537 الخلافة جعل له من بيت المال كل يوم درهمان وقد أخرج ماله كله ~~وقال له النبى صلى الله عليه وسلم ( ما تركت لأهلك قال تركت لهم الله ~~ورسوله ( ومع هذا فما كان يأخذ من أحد شيئا لا صدقة ولا فتوحا ولا نذرا بل ~~إنما كان يعيش من كسبه # بخلاف من يدعى التوكل ويخرج ماله كله ظانا أنه يقتدي بالصديق وهو يأخذ من ~~الناس إما بمسألة وإما بغير مسألة فإن هذه ليست حال أبى بكر الصديق بل في ~~المسند ( أن الصديق كان إذا وقع من يده سوط ينزل فيأخذه ولا يقول لأحد ~~ناولني إياه ويقول إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئا ( فأين هذا ممن ~~جعل الكدية وسؤال الناس طريقا إلى الله حتى أنهم يأمرون المريد بالمسألة ~~للخلق # وقد تواترت الأحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم بتحريم مسألة الناس إلا ~~عند الضرورة وقال ( لاتحل المسألة إلا لذي غرم مقطع أو دم موجع أو فقر مدقع ~~( وقال تعالى ( فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ) فأمره أن تكون رغبته إلى ~~الله وحده # ومن هؤلاء من يجعل دعاء الله ومسألته نقصا وهو مع ذلك يسأل الناس ويكديهم ~~وسؤال العبد لربه حاجته من أفضل العبادات وهو طريق أنبياء الله وقد أمر ~~العباد بسؤاله فقال ( واسالوا الله من فضله ) ومدح PageV08P538 الذين يدعون ms2670 ~~ربهم رغبة ورهبة ومن الدعاء ما هو فرض على كل مسلم كالدعاء المذكور في ~~فاتحة الكتاب # ومن هؤلاء من يحتج بما يروى عن الخليل أنه لما ألقي في النار قال له ~~جبرائيل هل لك من حاجة فقال أما اليك فلا قال سل قال حسبى من سؤالي علمه ~~بحالي وأول هذا الحديث معروف وهو قوله أما إليك فلا وقد ثبت في صحيح ~~البخاري عن بن عباس رضي الله عنهما في قوله حسبنا الله ونعم الوكيل أنه ~~قالها إبراهيم حين ألقى في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال ~~له الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم # وأما قوله حسبى من سؤالي علمه بحالي فكلام باطل خلاف ما ذكره الله عن ~~إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم لله ومسألتهم إياه وهو خلاف ما ~~أمر الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة كقولهم ( ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) ودعاء الله وسؤاله والتوكل ~~عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها فكيف يكون مجرد العلم مسقطا ~~لما خلقه وأمر به والله أعلم وصلى الله على محمد وسلم PageV08P539 ### |||| سئل شيخ الإسلام # عن الرزق هل يزيد أو ينقص وهل هو ما أكل أو ما ملكه العبد ### ||||| فأجاب # الرزق نوعان # ( أحدهما ) ما علمه الله أنه يرزقه فهذا لا يتغير # والثاني ما كتبه وأعلم به الملائكة فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب فإن ~~العبد يأمر الله الملائكة أن تكتب له رزقا وإن وصل رحمه زاده الله على ذلك ~~كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من سره أن يبسط ~~له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ( وكذلك عمر داود زاد ستين سنة ~~فجعله الله مائة بعد أن كان أربعين ومن هذا الباب قول عمر اللهم إن كنت ~~كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت # ومن هذا الباب قوله تعالى عن نوح ( أن أعبدوا الله واتقوه واطيعون يغفر ~~لكم ms2671 من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ) وشواهده كثيرة والأسباب التى يحصل ~~بها الرزق هي من جملة ما قدره الله وكتبه فإن كان قد تقدم بأنه يرزق العبد ~~بسعيه واكتسابه ألهمه السعي والإكتساب PageV08P540 و ذلك الذي قدره له ~~بالإكتساب لايحصل بدون الإكتساب وما قدره له بغير إكتساب كموت موروثه يأتيه ~~به بغير إكتساب والسعى سعيان سعي فيما نصب للرزق كالصناعة والزراعة ~~والتجارة وسعى بالدعاء والتوكل والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك فإن الله في ~~عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ### ||| فصل # والرزق يراد به شيئان # ( أحدهما ) ما ينتفع به العبد # و ( الثانى ) ما يملكه العبد فهذا الثانى هو المذكور في قوله ( ومما ~~رزقناهم ينفقون ) وقوله ( وانفقوا مما رزقناكم ) وهذا هو الحلال الذي ملكه ~~الله إياه # وأما الأول فهو المذكور في قوله ( وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها ) وقوله ( إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها ( ونحو ذلك # والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزق بهذا الإعتبار لا بالإعتبار ~~الثانى وما إكتسبه ولم ينتفع به هو رزق بالإعتبار الثانى دون الأول فإن هذا ~~في الحقيقة مال وارثه لاماله والله أعلم PageV08P541 ### |||| سئل شيخ الإسلام # مفتى الأنام أوحد عصره فريد دهره تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد ~~الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله ورضي عنه # عن الرجل إذا قطع الطريق وسرق أو أكل الحرام ونحو ذلك هل هو رزقه الذي ~~ضمنه الله تعالى له أم لا أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس هذا هو الرزق الذي أباحه الله له ولا يحب ذلك ولا ~~يرضاه ولا أمره أن ينفق منه كقوله تعالى ( ومما رزقناهم ينفقون ) وكقوله ~~تعالى ( وانفقوا مما رزقناكم ) ونحو ذلك لم يدخل فيه الحرام بل من أنفق من ~~الحرام فإن الله تعالى يذمه ويستحق بذلك العقاب في الدنيا والآخرة بحسب ~~دينه وقد قال الله ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) وهذا أكل المال ~~بالباطل # ولكن هذا الرزق الذي سبق به علم الله وقدره كما في الحديث الصحيح ms2672 عن بن ~~مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يجمع خلق أحدكم في بطن أمه ~~أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل PageV08P542 ذلك ~~ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو ~~سعيد ( فكما أن الله كتب ما يعمله من خير وشر وهو يثيبه على الخير ويعاقبه ~~على الشر فكذلك كتب ما يرزقه من حلال وحرام مع أنه يعاقبه على الرزق الحرام # ولهذا كل ما في الوجود واقع بمشيئة الله وقدره كما تقع سائر الأعمال لكن ~~لاعذر لأحد بالقدر بل القدر يؤمن به وليس لأحد أن يحتج على الله بالقدر بل ~~لله الحجة البالغة ومن إحتج بالقدر على ركوب المعاصي فحجته داحضة ومن إعتذر ~~به فعذره غير مقبول كالذين قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) ~~والذين قالوا ( لو شاء الرحمن ماعبدناهم ) كما قال تعالى ( إن تقول نفس يا ~~حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله ~~هداني لكنت من المتقين ) # وأما الرزق الذي ضمنه الله لعباده فهو قد ضمن لمن يتقيه أن يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب وأما من ليس من المتقين فضمن له ما يناسبه بأن ~~يمنحه ما يعيش به في الدنيا ثم يعاقبه في الآخرة كما قال عن الخليل ( وارزق ~~أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال الله ومن كفر فامتعه ~~قليلا ثم إضطره إلى عذاب النار وبئس المصير PageV08P543 # والله إنما أباح الرزق لمن يستعين به على طاعته لم يبحه لمن يستعين به ~~على معصيته بل هؤلاء وإن أكلوا ما ضمنه لهم من الرزق فإنه يعاقبهم كما قال ~~( ومن كفر فامتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) وقال تعالى ~~( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم ) ~~فإنما أباح الأنعام لمن يحرم عليه الصيد في الإحرام # وقال تعالى ( ليس على الذين آمنوا وعملوا ms2673 الصالحات جناح فيما طعموا إذا ~~ما اتقوا وأمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله ~~يحب المحسنين ) فكما أن كل حيوان يأكل ما قدر له من الرزق فإنه يعاقب على ~~أخذ ما لم يبح له سواء كان محرم الجنس أو كان مستعينا به على معصية الله ~~ولهذا كانت أموال الكفار غير مغصوبة بل مباحة للمؤمنين وتسمى فيئا إذا عادت ~~إلى المؤمنين لأن الأموال إنما يستحقها من يطيع الله لا من يعصيه بها ~~فالمؤمنون يأخذونها بحكم الإستحقاق والكفار يعتدون في إنفاقها كما أنهم ~~يعتدون في أعمالهم فإذا عادت إلى المؤمنين فقد فاءت إليهم كما يفيء المال ~~إلى مستحقه PageV08P544 ### |||| و سئل # عن الخمر والحرام هل هو رزق الله للجهال أم يأكلون ما قدر لهم ### ||||| فأجاب # أن لفظ ( الرزق ( يراد به ما أباحه الله تعالى للعبد وملكه إياه ~~ويراد به مايتغذى به العبد # ( فالأول ) كقوله ( وانفقوا مما رزقناكم ) ( ومما رزقناهم ينفقون ) فهذا ~~الرزق هو الحلال والمملوك لايدخل فيه الخمر والحرام # و ( الثانى ) كقوله ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) والله ~~تعالى يرزق البهائم ولا توصف بأنها تملك ولا بأنه أباح الله ذلك لها إباحة ~~شرعية فإنه لا تكليف على البهائم وكذلك الأطفال والمجانين لكن ليس بمملوك ~~لها وليس بمحرم عليها وإنما المحرم ( بعض ) الذي يتغذى به العبد وهو من ~~الرزق الذي علم الله أنه يتغذى به وقدر ذلك ( بخلاف ) ما أباحه وملكه كما ~~في الصحيحين عن بن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يجمع خلق ~~أحدكم في بطن أمه PageV08P545 أربعين يوما نطفة ثم يكون علقه مثل ذلك ثم ~~يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال أكتب رزقه وأجله ~~وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح قال فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل النار فيدخلها وإن احدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه ms2674 ~~وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ( # والرزق الحرام مما قدره الله وكتبته الملائكة وهو مما دخل تحت مشيئة الله ~~وخلقه وهو مع ذلك قد حرمه ونهي عنه فلفاعله من غضبه وذمه وعقوبته ما هو ~~أهله والله أعلم PageV08P546 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عن قول الشيخ عبد القادر نازعت أقدار الحق بالحق للحق ### ||||| فأجاب # الحمد لله جميع الحوادث كائنة بقضاء الله وقدره وقد أمرنا الله ~~سبحانه أن نزيل الشر بالخير بحسب الإمكان ونزيل الكفر بالإيمان والبدعة ~~بالسنة والمعصية بالطاعة من أنفسنا ومن عندنا فكل من كفر أو فسق أو عصى ~~فعليه أن يتوب وإن كان ذلك بقدر الله وعليه أن يأمر غيره بالمعروف وينهاه ~~عن المنكر بحسب الإمكان ويجاهد في سبيل الله وإن كان ما يعمله من المنكر ~~والكفر والفسوق والعصيان بقدر الله ليس للإنسان أن يدع السعي فيما ينفعه ~~الله به متكلا على القدر بل يفعل ما أمر الله ورسوله كما روى مسلم في صحيحه ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف وفى كل خير إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن ~~أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ~~فإن لو تفتح عمل الشيطان ( # فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يحرص على ما ينفعه والذي ينفعه ~~PageV08P547 يحتاج إلى منازعة شياطين الإنس والجن ودفع ما قدر من الشر بما ~~قدره الله من الخير وعليه مع ذلك أن يستعين بالله فإنه لا حول ولا قوة إلا ~~به وأن يكون عمله خالصا لله فإن الله لايقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه ~~وهذا حقيقة قولك ( إياك نعبد ) والذي قبله حقيقة ( وإياك نستعين ) فعليه أن ~~يعبد الله بفعل المأمور وترك المحظور وأن يكون مستعينا بالله على ذلك # وفى عبادة الله وطاعته فيما أمر إزالة ما قدر من الشر بما قدر من الخير ~~ودفع ما يريده الشيطان ms2675 ويسعى فيه من الشر قبل أن يصل بما يدفعه الله به من ~~الخير # قال الله تعالى ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) كما ~~يدفع شر الكفار والفجار الذي في نفوسهم والذي سعوا فيه بالحق كإعداد القوة ~~ورباط الخيل وكالدعاء والصدقة الذين يدفعان البلاء كما جاء في الحديث ( أن ~~الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض ( فالشر تارة يكون قد ~~إنعقد سببه وخيف فيدفع وصوله فيدفع الكفار إذا قصدوا بلاد الإسلام وتارة ~~يكون قد وجد فيزال وتبدل السيئات بالحسنات وكل هذا من باب دفع ما قدر من ~~الشر بما قدر من الخير وهذا واجب تارة ومستحب تارة فالذى ذكره الشيخ رحمه ~~الله هو الذى أمر الله به ورسوله PageV08P548 # والمقصود من ذلك أن كثيرا من أهل السلوك والإرادة يشهدون ربوبية الرب وما ~~قدره من الأمور التى ينهى عنها فيقفون عند شهود هذه الحقيقة الكونية ويظنون ~~أن هذا من باب الرضا بالقضاء والتسليم وهذا جهل وضلال قد يؤدى إلى الكفر ~~والإنسلاخ من الدين فإن الله لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق ~~والعصيان بل أمرنا أن نكره ذلك وندفعه بحسب الإمكان كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ( # والله تعالى قد قال ( ولا يرضى لعباده الكفر ) وقال ( والله لايحب الفساد ~~) فكيف يأمرنا أن نرضى لأنفسنا مالا يرضاه لنا وهو جعل ما يكون من الشر ~~محنة لنا وإبتلاءا كما قال تعالى ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) وقال ~~تعالى بعد أمره بالقتال ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ~~ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم وفى صحيح مسلم عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( والذي نفسي بيده لايقضى الله للمؤمن قضاء إلا ~~كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن ~~أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ( # فالمؤمن إذا كان ms2676 صبورا شكورا يكون ما يقضى عليه من المصائب خيرا ~~PageV08P549 له وإذا كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر مجاهدا في سبيله ~~كان ما قدر له من كفر الكفار سبب للخير في حقه وكذلك إذا دعاه الشيطان ~~والهوى كان ذلك سببا لما حصل له من الخير فيكون ما يقدر من الشر إذا نازعه ~~ودافعه كما أمره الله ورسوله سببا لما يحصل له من البر والتقوي وحصول الخير ~~والثواب وارتفاع الدرجات # فهذا وأمثاله مما يبين معنى هذا الكلام والله أعلم PageV08P550 ### |||| و سئل # عن قول الخطيب بن نباته ~~أبرأ من الحول والقوة إلا إليه فأنكر بعض الناس عليه وقال ما يصح ذلك ~~إلابحذف الإستثناء بأن تقول أبرأ من الحول والقوة إليه فاستدل من نصر قول ~~الخطيب بقوله تعالى ( انني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ) ~~فهل أصاب المنكر أم لا ### ||||| فأجاب # ما ذكر الخطيب صحيح بإعتبار المعنى الذي قصده وما ذكره الآخر من ~~حذف الإستثناء له معنى آخر صحيح فإنه إذا قال برئت من الحول والقوة إليه ~~كان المعنى برئت إليه من حولى وقوتي أي من دعوى حولى وقوتى كما يقال برئت ~~إلى فلان من الدين ذكره ثعلب في فصيحه والمعنى برئت إليه من هذا ومنه قوله ~~تعالى ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون ) ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم ( اللهم إنى أبرا ~~إليك مما صنع خالد ( وقول الأنصارى يوم أحد اللهم أنى أبرا إليك مما صنع ~~هؤلاء يعني المشركين PageV08P551 و هذا الصنيع يتضمن نفي الدين المعنى ~~أوصلته إليه وفى غيره إعتذرت إليه أو ألقيت إليه وضمن معنى ألقيت إليه ~~البراءة كما يقال ألقى إليه القول ( والقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ~~والقوا إلى الله يومئذ السلم ) ومنه قوله تعالى ( وكلمته ألقاها إلى مريم ) ~~فالتبري قول يلقى إلى المخاطب فعلى هذا يكون الجار والمجرور متعلقا ~~بالبراءة # والخطيب لم يرد هذا المعنى بل ms2677 أراد أنه بريء من أن يلجيء ظهره إلا إلى ~~الله ويفوض أمره إلا إلى الله ويتوجه في أمره إلا إلى الله ويرغب في أمره ~~إلا إلى الله قال النبى صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب ( إذا أويت إلى ~~مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم قل اللهم إنى أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك ~~وفوضت أمري إليك وألجأت ظهرى إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجأ منك ~~إلا إليك ( فمعنى قوله وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه أبرأ من أن أثبت ~~لغيره حولا وقوة التجيء إليه لأجل ذلك والمعنى لأاتوكل إلا عليه ولاأعتمد ~~إلا عليه # وهنا معنى ثالث وهو أن يقال أبرأ من الحول والقوة إلا به أي أبرأ من أن ~~أتبرأ وأعتقد وأدعي حولا أو قوة إلا به فإنه لاحول ولا قوة إلا به وهذا ~~معنى صحيح لكن الخطيب قصد المعنى الأوسط الذي يدل لفظه ( عليه ) فإنه من له ~~حول وقوة يلجأ إليه ويستند إليه فضمن معنى الحول والقوة معنى الإلتجاء فصار ~~التقدير أبرأ من الإلتجاء إلا إليه وعلى PageV08P552 هذا الحال فالجار ~~والمجرور متعلق بمعنى الالتجاء الذي دل عليه لفظ الحول والقوة لا معنى أبرأ ~~ولما ظن المنكر على الخطيب أن الجار والمجرور متعلق بلفظ أبرأ أنكر ~~الإستثناء ولو أراد الخطيب هذا لكان حذف حرف الإستثناء هو الواجب لكن لم ~~يرده بل أراد مالا يصح إلا مع الإستثناء والإستثناء مفرغ فرغ ما قبل ~~الإستثناء لما بعده والمفرغ يكون من غير الموجب لفظا أو معنى # ولفظ ( البراءة ( وإن كان مثبتا ففيه معنى السلب فهو كقوله ( والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) # فالحفظ لفظ مثبت لكن تضمن معنى ما سوى المذكور فالتقدير لا يكشفونها إلا ~~على أزواجهم وكذلك لفظ البراءة وقول الخليل ( انني براء مما تعبدون إلا ~~الذي فطرنى ) إستثناء تام ذكر فيه المستثنى منه لكنه يدل على أنه تبرأ من ~~شيء لا من لاشيء والمطابق له أن يقال برئت من الحول والقوة ms2678 إلى كل شيء إلا ~~إليه لكن المستدل بالآية أخذ قدرا مشتركا وهو التبري مما سوى الله وهذا ~~المعنى الذي قصده المستدل بالآية معنى صحيح بإعتبار دلالته على التوحيد وهو ~~البراءة مما سوى الله وقد ذكر الله هذا المعنى في مواضع كقوله تعالى ( قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا PageV08P553 لقومهم إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) وهذا يناسب مقصود الخطيب # فإن مقصوده أن يتبرأ مما سوى الله ليس مقصوده أن يتبرأ إليه لكن الخطيب ~~قصد البراءة من الإلتجاء إلا إليه والإلتجاء إليه داخل في عبادته فهو بعض ~~ما دل عليه قول إبراهيم فإن الواجب أن يتبرؤا من أن يعبدوا إلا الله أو ~~يتوكلوا إلا عليه وهذا تحقيق التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به ~~الكتب لكن الإنسان قد يكون مقصوده إخلاص العبادة في مسألته ودعائه والتوكل ~~عليه والإلتجاء إليه وهذا هو المعنى الذي قصده الخطيب وهو معنى صحيح يدل ~~عليه لفظه بحقائق دلالات الألفاظ والمنكر قصد معنى صحيحا والمستدل قصد معنى ~~صحيحا لكن الإنسان لاينوى كثيرا من نفى ما لا يعلم إلا من إثبات ما يعلم ~~والله سبحانه وتعالى أعلم PageV08P554 ### | 1 ( كتاب المنطق ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده ### |||| ! 8 < سئل شيخ الاسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه # ما تقولون في المنطق وهل من قال انه ~~فرض كفاية مصيب أم مخطئ ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما المنطق فمن قال إنه فرض كفاية ~~وان من ليس له به خبرة فليس له ثقة بشيء من علومه فهذا القول في غاية ~~الفساد من وجوه PageV09P005 كثيرة التعداد مشتمل على أمور فاسدة ودعاو ~~باطلة كثيرة لايتسع هذا الموضع لاستقصائها # بل الواقع قديما وحديثا أنك لا تجد من يلزم نفسه أن ينظر في علومه به ~~ويناظر به إلا وهو فاسد النظر والمناظرة كثير العجز عن تحقيق علمه وبيانه ms2679 # فأحسن ما يحمل عليه كلام المتكلم في هذا أن يكون قد كان هو وأمثاله في ~~غاية الجهالة والضلالة وقد فقدوا اسباب الهدى كلها فلم يجدوا مايردهم عن ~~تلك الجهالات إلا بعض ما في المنطق من الامور التى هي صحيحة فإنه بسبب بعض ~~ذلك رجع كثير من هؤلاء عن بعض باطلهم وان لم يحصل لهم حق ينفعهم وان وقعوا ~~في باطل آخر ومع هذا فلايصح نسبة وجوبه إلى شريعة الإسلام بوجه من الوجوه ~~إذ من هذه حاله فإنما أتى من نفسه بترك ما أمر الله به من الحق حتى احتاج ~~إلى الباطل # ومن المعلوم ان القول بوجوبه قول غلاته وجهال أصحابه ونفس الحذاق منهم ~~لايلتزمون قوانينه في كل علومهم بل يعرضون عنها اما لطولها واما لعدم ~~فائدتها وامالفسادها واما لعدم تميزها وما فيها من الاجمال والاشتباه فإن ~~فيه مواضع كثيرة هي لحم جمل غث على رأس جبل وعر لاسهل فيرتقى ولاسمين ~~فينتقل PageV09P006 ولهذا مازال علماء المسلمين وائمة الدين يذمونه ويذمون ~~اهله وينهون عنه وعن اهله حتى رأيت للمتأخرين فتيافيها خطوط جماعة من اعيان ~~زمانهم من ائمة الشافعية والحنفية وغيرهم فيها كلام عظيم في تحريمه وعقوبة ~~اهله حتى ان من الحكايات المشهورة التى بلغتنا ان الشيخ أبا عمروبن الصلاح ~~امر بانتزاع مدرسة معروفة من ابى الحسن الآمدي وقال اخذها منه افضل من اخذ ~~عكا مع ان الآمدي لم يكن أحد في وقته اكثر تبحرا في العلوم الكلامية ~~والفلسفية منه وكان من احسنهم اسلاما وامثلهم اعتقادا # ومن المعلوم ان الأمور الدقيقة سواء كانت حقا أو باطلا ايمانا أو كفرا لا ~~تعلم إلا بذكاء وفطنة فكذلك اهله قد يستجهلون من لم يشركهم في علمهم وان ~~كان ايمانه احسن من ايمانهم اذا كان فيه قصور في الذكاء والبيان وهم كما ~~قال الله تعالى @QB@ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا ~~مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا ~~إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من ms2680 الكفار ~~يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون @QE@ # فاذا تقلدوا عن طواغيتهم ان كل ما لم يحصل بهذه الطريق القياسية فليس ~~بعلم وقد لايحصل لكثير منهم من هذه الطريق القياسية ما يستفيد PageV09P007 ~~به الايمان الواجب فيكون كافرا زنديقا منافقا جاهلا ضالا مضلا ظلوما كفورا ~~ويكون من اكابر اعداء الرسل الذين قال الله فيهم @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا وقال الذين كفروا لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ # وربما حصل لبعضهم ايمان اما من هذه الطريق اومن غيرها ويحصل له ايضا منها ~~نفاق فيكون فيه ايمان ونفاق ويكون في حال مؤمنا وفى حال منافقا ويكون مرتدا ~~اما عن اصل الدين أو عن بعض شرائعه اما ردة نفاق واما ردة كفر وهذا كثير ~~غالب لاسيما في الأعصار والأمصار التى تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق # فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع ~~لذكره المقام # ولهذا لما تفطن كثير منهم لما في هذاالنفى من الجهل والضلال صاروا يقولون ~~النفوس القدسية كنفوس الأنبياء والاولياء تفيض عليها المعارف بدون الطريق ~~القياسية # وهم متفقون جميعهم على أن من النفوس من تستغني عن وزن علومها PageV09P008 ~~بالموازين الصناعية في المنطق لكن قد يقولون هو حكيم بالطبع # والقياس ينعقد في نفسه بدون تعلم هذه الصناعة كما ينطق العربي بالعربية ~~بدون النحو وكما يقرض الشاعر الشعر بدون معرفة العروض لكن استغناء بعض ~~الناس عن هذه الموازين لا يوجب استغناء الاخرين فاستغناء كثير من النفوس عن ~~هذه الصناعة لا ينازع فيه أحد منهم # والكلام هنا هل تستغنى النفوس في علومها بالكلية عن نفس القياس المذكور ~~ومواده المعينة فالاستغناء عن جنس هذا القياس شيء وعن الصناعة القانونية ~~التى يوزن بها القياس شيء آخر فإنهم يزعمون أنه آلة قانونية تمنع مراعاتها ~~الذهن أن يزل في فكره وفساد هذا مبسوط مذكور في موضع غير هذا # ونحن بعد ms2681 ان تبينا عدم فائدته وان كان قد يتضمن من العلم ما يحصل بدونه ~~ثم تبينا انا لو قدرنا انه قد يفيد بعض الناس من العلم مايفيده هو فلا يجوز ~~ان يقال ليس إلى ذلك العلم لذلك الشخص ولسائر بني ادم طريق الابمثل القياس ~~المنطقى فإن هذا قول بلا علم وهو كذب محقق ولهذا ما زال متكلموا المسلمين ~~وان كان فيهم نوع من البدعة لهم من الرد عليه وعلى اهله وبيان الاستغناء ~~عنه وحصول الضرر والجهل به والكفرما PageV09P009 ليس هذا موضعه دع غيرهم من ~~طوائف المسلمين وعلمائهم وأئمتهم كما ذكره القاضي أبو بكربن الباقلاني في ~~كتاب ( الدقائق ( # فأما الشعرى وهو مايفيد مجرد التخييل وتحريك النفس وذلك يظهر بأنهم جعلوا ~~الأقيسة خمسة البرهانى والخطابى والجدلى والشعري والمغلطى السوفسطائى وهو ~~مايشبه الحق وهو باطل وهو الحكمة المموهة فلا غرض لنا فيه هنا ولكن غرضنا ~~تلك الثلاثة # قالوا ( الجدلي ( ماسلم المخاطب مقدماته و ( الخطابى ( ماكانت مقدماته ~~مشهورة بين الناس و ( البرهانى ( ماكانت مقدماته معلومة # وكثير من المقدمات تكون مع كونها خطابية أو جدلية يقينية برهانية بل ~~وكذلك مع كونها شعرية ولكن هي من جهة التيقن بها تسمى برهانية ومن جهة ~~شهرتها عند عموم الناس وقبولهم لها تسمى خطابية ومن جهة تسليم الشخص المعين ~~لها تسمى جدلية # وهذا كلام أولئك المبتدعة من الصابئة الذين لم يذكروا النبوات ولا تعرضوا ~~لها بنفى ولا إثبات وعدم التصديق للرسل واتباعهم كفر وضلال وان لم يعتقد ~~تكذيبهم فالكفر والضلال أعم من التكذيب PageV09P010 # واما قول بعض المتأخرين في المشهورات هي المقبولات لكون صاحبها مؤيدا ~~بأمر يوجب قبول قوله ونحو ذلك فهذه من الزيادات التى الزمتهم اياها الحجة ~~ورأوا وجوب قبولها على طريقة الاولين ولهذا كان غالب صابئة المتأخرين الذين ~~هم الفلاسفة ممتزجين بالحنيفية كما ان غالب من دخل في الفلسفة من الحنفاء ~~مزج الحنيفية بالصبء ولبس الحق بالباطل اعني بالصبء المبتدع الذي ليس فيه ~~ايمان بالنبوات كصبء صاحب المنطق وأتباعه # واما الصبء القديم فذاك اصحابه منهم المؤمنون بالله واليوم الآخر ms2682 الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون كما ان التهود والتنصر ~~منه ما اهله مبتدعون ضلال قبل ارسال محمد ومنه ماكان اهله متبعين للحق وهم ~~الذين آمنوا بالله واليوم والاخر وعملوا الصالحات فلا خوف عليهم ولاهم ~~يحزنون # ومن قال من العلماء المصنفين في المنطق ان القياس الخطابى هو مايفيد الظن ~~كما ان البرهاني مايفيد العلم فلم يعرف مقصود القوم ولا قال حقا فان كل ~~واحد من الخطابى والجدلي قد يفيد الظن كما ان البرهانى قد تكون مقدماته ~~مشهورة ومسلمة # فالتقسيم لمواد القياس وقع باعتبار الجهات التى يقبل منها فتارة يقبل ~~PageV09P011 القول لانه معلوم اذ العلم يوجب القبول واما كونه لايفيد العلم ~~فلا يوجب قبوله الالسبب فان كان لشهرته فهو خطابى ولو لم يفد علما ولا ظنا ~~وهو ايضا خطابى اذا كانت قضيته مشهورة وان افاد علما أو ظنا والقول في ~~الجدلي كذلك # ثم انهم قد يمثلون المشهورات المقبولات التى ليست علمية بقولنا ( العلم ~~حسن والجهل قبيح والعدل حسن والظلم قبيح ( ونحو ذلك من الاحكام العلمية ~~العقلية التى يثبتها من يقول بالتحسين والتقبيح ويزعمون انا اذا رجعنا إلى ~~محض العقل لم نجد فيه حكما بذلك وقد يمثلونها بأن الموجود لا بد أن يكون ~~مباينا للموجود الآخر أو محايثا له أو ان الموجود لا بد ان يكون بجهة من ~~الجهات أو يكون جائز الرؤية ويزعمون ان هذا من احكام الوهم لا الفطرة ~~العقلية # قالوا لأن العقل يسلم مقدمات يعلم بها فساد الحكم الاول وهذا كله تخليط ~~ظاهر لمن تدبره # فأما تلك القضايا التى سموها مشهورات غير معلومة فهي من العلوم العقلية ~~البديهية التى جزم العقول بها اعظم من جزمها بكثير من العلوم الحسابية ~~والطبيعية وهى كما قال اكثر المتكلمين من اهل الاسلام بل لكثر متكلمى اهل ~~الأرض من جميع الطوائف انها قضايا بديهية عقلية لكن PageV09P012 قد لا ~~يحسنون تفسير ذلك فان حسن ذلك وقبحة هو حسن الافعال وقبحها وحسن الفعل هو ~~كونه مقتضيا لما يطلبه الحي لذاته ويريده من ms2683 المقاصد وقبحه بالعكس والامر ~~كذلك # فان العلم والصدق والعدل هي كذلك محصلة لما يطلب لذاته ويراد لنفسة من ~~المقاصد فحسن الفعل وقبحه هو لكونه محصلا للمقصود المراد بذاته أو منافيا ~~لذلك # ولهذا كان الحق يطلق تارة بمعنى النفي والاثبات فيقال هذا حق اي ثابت ~~وهذا باطل اي منتف وفى الافعال بمعنى التحصيل للمقصود فيقال هذا الفعل حق ~~اي نافع أو محصل للمقصود ويقال باطل اي لا فائدة فيه ونحو ذلك # وأما زعمهم أن البديهة والفطرة قد تحكم بما يتبين لها بالقياس فساده فهذا ~~غلط لأن القياس لا بد له من مقدمات بديهية فطرية فان جوز ان تكون المقدمات ~~الفطرية البديهية غلطا من غير تبيين غلطها إلا بالقياس لكان قد تعارضت ~~المقدمات الفطرية بنفسهاومقتضى القياس الذي مقدماته فطرية فليس رد هذه ~~المقدمات الفطرية لأجل تلك بأولى من العكس بل الغلط فيما تقل مقدماته أولى ~~فما يعلم بالقياس وبمقدمات فطرية اقرب إلى الغلط مما يعلم بمجرد الفطرة ~~PageV09P013 وهذا يذكرونه في نفى علو الله على العرش ونحو ذلك من أباطيلهم # والمقصود هنا ان متقدميهم لم يذكروا المقدمات المتلقاة من الأنبياء ولكن ~~المتأخرون رتبوه على ذلك إما بطريق الصابئة الذين لبسوا الحنيفية بالصابئة ~~كابن سينا ونحوه وإما بطريق المتكلمين الذين احسنوا الظن بما ذكره ~~المنطقيون وقرروا إثبات العلم بموجب النبوات به # أما الاول فانه جعل علوم الأنبياء من العلوم الحدسية لقوة صفاء تلك ~~النفوس القدسية وطهارتها وان قوى النفوس في الحدس لاتقف عند حد ولا بد ~~للعالم من نظام ينصبه حكيم فيعطى النفوس المؤيدة من القوة ما تعلم به ما لا ~~يعلمه غيرها بطريق الحدس ويتمثل لها ما تسمعه وتراه في نفسها من الكلام ومن ~~الملائكة ما لا يسمعه غيرها ويكون لها من القوة العملية التى تطيعها بها ~~هيولى العالم ما ليس لغيرها فهذه الخوارق في قوى العلم مع السمع والبصر ~~وقوة العمل والقدرة هي النبوة عندهم # ومعلوم ان الحدس راجع إلى قياس التمثيل كما تقدم وأما ما يسمع ويرى في ~~نفسه فهو من ms2684 جنس الرؤيا وهذا القدر يحصل مثله لكثير من عوام الناس وكفارهم ~~فضلا عن اولياء الله وانبيائه فكيف يجعل ذلك هو غاية النبوة وان كان الذي ~~يثبتونه للأنبياء اكمل وأشرف فهو كملك اقوى من ملك ولهذا صاروا يقولون ~~النبوة مكتسبة ولم يثبتوا نزول PageV09P014 ملائكة من عند الله إلى من ~~يختاره ويصطفيه من عباده ولا قصد إلى تكليم شخص معين من رسله كما يذكر عن ~~بعض قدمائهم انه قال لموسى بن عمران انا أصدقك في كل شيء إلا في ان علة ~~العلل كلمك ما اقدر ان اصدقك في هذا ولهذا صار من ضل بمثل هذا الكلام يدعي ~~مساواة الأنبياء والمرسلين أو التقدم عليهم وهذا كثير في كثير من الناس ~~الذين يعتقدون في انفسهم انهم أكمل النوع وهم من اجهل الناس واظلمهم ~~واكفرهم واعظمهم نفاقا # واما المتكلمون المنطقيون فيقولون يعلم بهذا القياس ثبوت الصانع وقدرته ~~وجواز ارسال الرسل وتأييد الله لهم بما يوجب تصديقهم فيما يقولونه وهذه ~~الطريقة اقرب إلى طريقة العلماء المؤمنين وان كان قد يكون فيها انواع من ~~الباطل تارة من جهة ما تقلدوه عن المنطقيين وتارة من جهة ما ابتدعوه هم مما ~~ليس هذا موضعه # ومنطقية اليهود والنصاري كذلك لكن الهدى والعلم والبيان في فلاسفة ~~المسلمين ومتكلميهم اعظم منه في اهل الكتابين لما في تينك الملتين من ~~الفساد # ولكن الغرض تقرير جنس النبوات فان أهل الملل متفقون عليها لكن اليهود ~~والنصارى آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض والصابئة الفلاسفة ونحوهم آمنوا ~~ببعض صفات الرسالة دون بعض فاذا اتفق متفلسف من اهل PageV09P015 الكتاب جمع ~~الكفرين الكفر بخاتم المرسلين والكفر بحقائق صفات الرسالة في جميع المرسلين ~~فهذا هذا # فيقال لهم مع علمهم بتفاوت قوى بنى آدم في الادراك ما المانع من ان يخرق ~~سمع احدهم وبصرهحتى يسمع ويرى من الامور الموجودة في الخارج مالا يراه غيره ~~كما قال النبى ? < إنى أرى مالا ترون وأسمع مالا تسمعون أطت السماء وحق لها ~~ان تئط ما فيها موضع اربع اصابع إلا وملك قائم أو قاعد أو ms2685 راكع أو ساجد > ? ~~فهذا احساس بالظاهر أو بالباطن لما هو في الخارج # وكذلك العلوم الكلية البديهية قد علمتم انها ليس لها حد في بني آدم فمن ~~اين لكم ان بعض النفوس يكون لها من العلوم البديهية ما يختص بها وحدها أو ~~بها وبأمثالها مالا يكون من البديهيات عندكم وإذا كان هذا ممكنا وعامة اهل ~~الأرض على أنه واقع لغير الأنبياء دع الأنبياء فمثل هذه العلوم ليس في ~~منطقكم طريق اليها إذ ليست من المشهورات ولا الجدليات ولا موادها عندكم ~~يقينية وأنتم لا تعلمون نفيها وجمهور اهل الأرض من الأولين والآخرين على ~~إثباتها فان كذبتم بها كنتم مع الكفر والتكذيب بالحق وخسارة الدنيا والآخرة ~~تاركين لمنطقكم ايضا وخارجين عما اوجبتموه على انفسكم انكم لاتقولون إلا ~~بموجب القياس إذ ليس لكم بهذا النفي قياس PageV09P016 ولا حجة تذكر ولهذا ~~لم تذكروا عليه حجة وأنما اندرج هذا النفي في كلامكم بغير حجة # وان قلتم بل هي حق اعترفتم بان من الحق مالا يوزن بميزان منطقكم وان قلتم ~~لاندري احق هي أم باطل اعترفتم بان اعظم المطالب واجلها لايوزن بميزان ~~المنطق # فان صدقتم لم يوافقكم المنطق وإن كذبتم لم يوافقكم المنطق وان ارتبتم لم ~~ينفعكم المنطق # ومن المعلوم ان موازين الأموال لا يقصد أن يوزن بها الحطب والرصاص دون ~~الذهب والفضة وامر النبوات وما جاءت به الرسل اعظم في العلوم من الذهب في ~~الأموال فاذا لم يكن في منطقكم ميزان له كان الميزان مع انه ميزان عائلا ~~جائرا وهو ايضا عاجز فهو ميزان جاهل ظالم إذ هو اما ان يرد الحق ويدفعه ~~فيكون ظالما اولا يزنه ولا يبين امره فيكون جاهلا أو يجتمع فيه الأمران ~~فيرد الحق ويدفعه وهو الحق الذي ليس للنفوس عنه عوض ولالها عنه مندوحة ~~وليست سعادتها الا فيه ولا هلاكها إلا بتركه فكيف يستقيم مع هذا ان تقولوا ~~انه وما وزنتموه به من المتاع الخسيس الذي أنتم في وزنكم اياه به ظالمون ~~عائلون لم تزنوا بالقسطاس المستقيم ولم تستدلوا بالآيات البينات ms2686 هو ( معيار ~~) العلوم الحقيقية والحكمة اليقينية PageV09P017 التى فاز بالسعادة عالمها ~~وخاب بالشقاوة جاهلها ورأس مال السادة وغاية العالم المنصف منكم ان يعترف ~~بعجز ميزانكم عنه # واما عوام علمائكم فيكذبون به ويردونه وان كان منطقكم يرد عليهم فلستم ~~بتحريف امر منطقكم احسن حالا من اليهود والنصارى في تحريف كتاب الله الذي ~~هو في الأصل حق هاد لاريب فيه # فهذا هذا ولا حول ولا قوة الا بالله # وايضا هم متفقون على انه لايفيد الا امورا كلية مقدرة في الذهن لا يفيد ~~العلم بشيء موجود محقق في الخارج الا بتوسط شيء آخر غيره والأمور الكلية ~~الذهنية ليست هي الحقائق الخارجية ولا هي ايضا علما بالحقائق الخارجية اذ ~~لكل موجود حقيقة يتميزبها عن غيره هو بها هو وتلك ليست كلية فالعلم بالأمر ~~المشترك لايكون علما بها فلا يكون في القياس المنطقى علم تحقيق شيء من ~~الأشياء وهو المطلوب # وأيضا هم يطعنون في قياس التمثيل أنه لا يفيد الا الظن وربما تكلموا على ~~بعض الاقيسة الفرعية أو الأصلية التى تكون مقدماتها ضعيفة أو مظنونة # مثل كلام السهروردي المقتول على الزندقة صاحب ( التلويحات ( و ( الألواح ~~( و ( حكمة الأشراق ( وكان في فلسفته مستمدا من الروم الصابئين والفرس ~~PageV09P018 المجوس وهاتان المادتان هما مادتا القرامطة الباطنية ومن دخل ~~ويدخل فيهم من الاسماعيلية والنصيرية وامثالهم وهم ممن دخل في قوله في ~~الحديث الصحيح ( لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو ~~دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا فارس والروم قال فمن ) # والمقصود ان ذكر كلام السهروردي هذا على قياس ضربه وهو ان يقال السماء ~~محدثة قياسا على البيت بجامع مايشتركان فيه من التأليف فيحتاج ان يثبت ان ~~علة حدوث البناء هو التأليف وانه موجود في الفرع # والتحقيق ان ( قياس التمثيل ( ابلغ في افادة العلم واليقين من ( قياس ~~الشمول ( وان كان علم قياس الشمول اكثر فذاك اكبر فقياس التمثيل في القياس ~~العقلي كالبصر في العلم الحسى وقياس الشمول كالسمع في العلم الحسى ولاريب ~~ان البصر اعظم واكمل والسمع اوسع واشمل ms2687 فقياس التمثيل بمنزلة البصر كما قيل ~~من قاس مالم يره بما رأى ( 1 ) وقياس الشمول يشابه السمع من جهة العموم # ثم ان كل واحد من القياسين في كونه علميا أو ظنيا يتبع مقدماته ~~PageV09P019 فقياس التمثيل في الحسيات وكل شيء اذا علمنا ان هذا مثل هذا ~~علمنا ان حكمه حكمه وان لم نعلم علة الحكم وان علمنا علة الحكم استدللنا ~~بثبوتها على ثبوت الحكم فبكل واحد من العلم بقياس التمثيل وقياس التعليل ~~يعلم الحكم # وقياس التعليل هو في الحقيقة من نوع قياس الشمول لكنه امتاز عنه بان الحد ~~الأوسط الذي هو الدليل فيه هو علة الحكم ويسمى قياس العلة وبرهان العلة ~~وذلك يسمى قياس الدلالة وبرهان الدلالة وان لم نعلم التماثل والعلة بل ~~ظنناها ظنا كان الحكم كذلك # وهكذا الأمر في قياس الشمول ان كانت المقدمتان معلومتين كانت النتيجة ~~معلومة والا فالنتيجة تتبع اضعف المقدمات # فأما دعواهم ان هذا لا يفيد العلم فهو غلط محض محسوس بل عامة علوم بني ~~آدم العقلية المحضة هي من قياس التمثيل # وايضا فان علومهم التى جعلوا هذه الصناعة ميزانا لهابالقصد الاول لايكاد ~~ينتفع بهذه الصناعه المنطقية في هذة العلوم الاقليلا فان العلوم الرياضية ~~من حساب العدد وحساب المقدار الذهنى والخارجى قد علم ان الخائضين فيها من ~~الاولين والآخرين مستقلون بها من غير التفات إلى هذه PageV09P020 الصناعة ~~المنطقية واصطلاح اهلها وكذلك ما يصح من العلوم الطبيعية الكلية والطبية ~~تجد الحاذقين فيها لم يستعينوا عليها بشيء من صناعة المنطق بل امام صناعة ~~الطب بقراط له فيها من الكلام الذى تلقاه اهل الطب بالقبول ووجدوا مصداقة ~~بالتجارب وله فيها من القضايا الكليه التى هي عند عقلاء بنى آدم من اعظم ~~الامور ومع هذا فليس هو مستعينا بشيء من هذة الصناعة بل كان قبل واضعها وهم ~~وان كان العلم الطبيعي عندهم اعلم واعلى من علم الطب فلا ريب انه متصل به ~~فبالعلم بطبائع الاجسام المعينة المحسوسه تعلم طبائع سائر الأجسام ومبدأ ~~الحركة والسكون الذى في الجسم ويستدل بالجزء على ms2688 الكل ولهذا كثيرا ما ~~يتناظرون في مسائل ويتنازع فيها هؤلاء وهؤلاء كتناظر الفقهاء والمتكلمين في ~~مسائل كثيرة تتفق فيها الصناعتان وأولئك يدعون عموم النظر ولكن الخطأوالغلط ~~عند المتكلمين والمتفلسفة اكثر مما هو عند الفقهاء والاطباء وكلامهم وعلمهم ~~انفع واولئك اكثر ضلالا واقل نفعا لانهم طلبوا بالقياس مالا يعلم بالقياس ~~وزاحموا الفطره والنبوة مزاحمة اوجبت من مخالفتهم للفطرة والنبوة ما صاروا ~~به من شياطين الانس والجن الذين يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا بخلاف ~~الطب المحض فانه علم نافع وكذلك الفقه المحض # وأما علم ما بعد الطبيعة وان كانوا يعظمونه ويقولون هوالفلسفة الاولى # وهو العلم الكلى الناظرفى الوجود ولواحقه ويسميه متاخروهم العلم ~~PageV09P021 الالهى وزعم المعلم الاول لهم انه غاية فلسفتهم ونهاية حكمتهم ~~فالحق فيه من المسائل قليل نزر وغالبه علم باحكام ذهنية لاحقائق خارجية ~~وليس على اكثره قياس منطقى فان الوجود المجرد والوجوب والامكان والعلة ~~المجردة والمعلول وانقسام ذلك إلى جزء الماهية وهو المادة والصورة والى ~~علتى وجودها وهما الفاعل والغاية والكلام في انقسام الوجود إلى الجواهر ~~والاعراض التسعة التى هي الكم والكيف والاضافة والاين ومتى والوضع والملك ~~وان يفعل وان ينفعل كما انشد بعضهم فيها زيد الطويل الاسود بن مالك في داره ~~بالامس كان يتكي في يده سيف نضاه فانتضى فهذه عشر مقولات سواء # ليس عليها ولا على اقسامها قياس منطقى بل غالبها مجرد استقراء قد نوزع ~~صاحبه في كثير منه # فاذا كانت صناعتهم بين علوم لا يحتاج فيها إلى القياس المنطقى وبين مالا ~~يمكنهم أن يستعملوا فيه القياس المنطقى كان عديم الفائدة في علومهم بل كان ~~فيه من شغل القلب عن العلوم والاعمال النافعه ما ضر كثيرا من الناس ~~PageV09P022 كما سد على كثير منهم طريق العلم وأوقعهم في اودية الضلال ~~والجهل فما الظن بغير علومهم من العلوم التى لا تحد للأولين والآخرين # وايضا لاتجد احدا من أهل الأرض حقق علما من العلوم وصار اماما فيه ~~مستعينا بصناعة المنطق لا من العلوم الدينية ولا غيرها فالأطباء والحساب ~~والكتاب ونحوهم ms2689 يحققون ما يحققون من علومهم وصناعاتهم بغير صناعة المنطق # وقد صنف في الاسلام علوم النحو واللغه والعروض والفقه وأصوله والكلام ~~وغير ذلك وليس في أئمة هذة الفنون من كان يلتفت إلى المنطق بل عامتهم كانوا ~~قبل أن يعرب هذا المنطق اليونانى # وأما العلوم الموروثه عن الأنبياء صرفا وأن كان الفقه وأصوله متصلا بذلك ~~فهي اجل واعظم من ان يظن ان لأهلها التفات إلى المنطق إذ ليس في القرون ~~الثلاثه من هذة الأمه التى هي خير امة اخرجت للناس وافضلها القرون الثلاثه ~~من كان يلتفت إلى المنطق أو يعرج عليه مع انهم في تحقيق العلوم وكمالها ~~بالغاية التى لا يدرك أحد شأوها كانوا اعمق الناس علما واقلهم تكلفا وأبرهم ~~قلوبا ولا يوجد لغيرهم كلام فيما تكلموا فيه إلا وجدت بين الكلامين من ~~الفرق اعظم مما بين القدم والفرق # بل الذى وجدناه بالاستقراء ان من المعلوم ان من الخائضين في العلوم من ~~اهل هذة PageV09P023 الصناعه اكثر الناس شكا واضطرابا وأقلهم علما وتحقيقا ~~وابعدهم عن تحقيق علم موزون # وإن كان فيهم من قد يحقق شيئا من العلم فذلك لصحة المادة والأدلة التى ~~ينظر فيها وصحة ذهنه وادراكه لا لأجل المنطق بل إدخال صناعة المنطق في ~~العلوم الصحيحة يطول العبارة ويبعد الاشارة ويجعل القريب من العلم بعيدا ~~واليسير منه عسيرا ولهذا تجدمن أدخله في الخلاف والكلام واصول الفقه وغير ~~ذلك لم يفد إلا كثرة الكلام والتشقيق مع قلة العلم والتحقيق # فعلم انه من اعظم حشو الكلام وأبعد الأشياء عن طريقة ذوى الأحلام # نعم لا ينكران في المنطق ما قد يستفيد ببعضه من كان في كفر وضلال وتقليد ~~ممن نشأ بينهم من الجهال كعوام النصارى واليهود والرافضة ونحوهم فأورثهم ~~المنطق ترك ماعليه اولئك من تلك العقائد ولكن يصير غالب هؤلاء مداهنين ~~لعوامهم مضلين لهم عن سبيل الله أو يصيرون منافقين زنادقة لا يقرون بحق ولا ~~بباطل بل يتركون الحق كما تركوا الباطل # فأذكياء طوائف الضلال إما مضللون مداهنون وإما زنادقة منافقون لا يكاد ~~يخلو أحد ms2690 منهم عن هذين PageV09P024 فاما ان يكون المنطق وقفهم على حق ~~يهتدون به فهذا لا يقع بالمنطق # ففى الجملة ما يحصل به لبعض الناس من شحذ ذهن أو رجوع عن باطل أو تعبير ~~عن حق فإنما هو لكونه كان في اسوأ حال لا لما في صناعة المنطق من الكمال ~~ومن المعلوم ان المشرك إذا تمجس والمجوسى إذا تهود حسنت حالة بالنسبة إلى ~~ما كان فيه قبل ذلك لكن لا يصلح أن يجعل ذلك عمدة لأهل الحق المبين # وهذا ليس مختصا به بل هذا شأن كل من نظر في الأمور التى فيها دقة ولها ~~نوع إحاطة كماتجد ذلك في علم النحو فانه من المعلوم ان لأهله من التحقيق ~~والتدقيق والتقسيم والتحديد ما ليس لأهل المنطق وان اهله يتكلمون في صورة ~~المعانى المعقوله على اكمل القواعد فالمعانى فطريه عقليه لا تحتاج إلى وضع ~~خاص بخلاف قوالبها التى هي الألفاظ فانها تتنوع فمتى تعلموا أكمل الصور ~~والقوالب للمعانى مع الفطرة الصحيحة كان ذلك اكمل وانفع واعون على تحقيق ~~العلوم من صناعة اصطلاحية في امور فطرية عقلية لا يحتاج فيها إلى اصطلاح ~~خاص # هذا لعمرى عن منفعته في سائر العلوم PageV09P025 وأما منفعته في علم ~~الاسلام خصوصا فهذا ابين من ان يحتاج إلى بيان ولهذا تجد الذين اتصلت اليهم ~~علوم الأوائل فصاغوها بالصيغة العربية بعقول المسلمين جاء فيها من الكمال ~~والتحقيق والاحاطة والاختصار ما لا يوجد في كلام الاوائل وان كان في هؤلاء ~~المتأخرين من فيه نفاق وضلال لكن عادت عليهم في الجملة بركة ما بعث به رسول ~~الله من جوامع الكلم وما أوتيتة امته من العلم والبيان الذى لم يشركهافيه ~~أحد # وايضا فان صناعة المنطق وضعها معلمهم الاول ارسطو صاحب التعاليم التى ~~لمبتدعة الصابئة يزن بها ما كان هو وامثاله يتكلمون فية من حكمتهم وفلسفتهم ~~التى هى غاية كمالهم # وهى قسمان نظرية وعملية # فأصح النظرية وهى المدخل إلى الحق هي الامور الحسابية الرياضية # واما العملية فاصلاح الخلق والمنزل والمدينة ولا ريب ان في ذلك من ms2691 نوع ~~العلوم والأعمال الذى يتميزون بها عن جهال بنى آدم الذين ليس لهم كتاب منزل ~~ولا نبى مرسل ما يستحقون به التقدم على ذلك وفيه من منفعة صلاح الدنيا ~~وعمارتها ما هو داخل في ضمن ما جاءت به الرسل # وفيها ايضا من قول الحق واتباعة والامر بالعدل والنهى عن الفساد ما هو ~~داخل في ضمن ما جاءت به الرسل PageV09P026 فهم بالنسبة إلى جهال الأمم ~~كبادية الترك ونحوهم امثل إذا خلوا عن ضلالهم فأما مع ضلالهم فقد يكون ~~الباقون على الفطرة من جهال بنى آدم امثل منهم # فاما أضل اهل الملل مثل جهال النصارى وسامرة اليهود فهم اعلم منهم واهدى ~~واحكم واتبع للحق وهذا قد بسطته بسطا كثيرا في غير هذا الموضع # وإنما المقصود هنا بيان ان هذه الصناعة قليلة المنفعة عظيمة الحشو # وذلك ان الأمور العمليه الخلقية قل ان ينتفع فيها بصناعة المنطق اذ ~~القضايا الكلية الموجبة وان كانت توجد في الامور العملية لكن اهل السياسة ~~لنفوسهم ولاهلهم ولملكهم إنما ينالون تلك الآراء الكلية من امور لا يحتاجون ~~فيها إلى المنطق ومتى حصل ذلك الرأى كان الانتفاع به بالعمل # ثم الامور العملية لا تقف على رأى كلي بل متى علم الانسان انتفاعة بعمل ~~عملة واى عمل تضرر به تركه وهذا قد يعلمه بالحس الظاهر أو الباطن لا يقف ~~ذلك على رأى كلى # فعلم ان اكثر الامور العملية لا يصح استعمال المنطق فيها ولهذا كان ~~PageV09P027 المؤدبون لنفوسهم ولاهلهم السائسون لملكهم لا يزنون آراءهم ~~بالصناعة المنطقية إلا ان يكون شيئا يسيرا والغالب على من يسلكه التوقف ~~والتعطيل # ولو كان اصحاب هذه الآراء تقف معرفتهم بها واستعمالهم لها على وزنها بهذة ~~الصناعة لكان تضررهم بذلك اضعاف انتفاعهم به مع ان جميع ما يأمرون به من ~~العلوم والاخلاق والاعمال لا تكفى في النجاة من عذاب الله فضلا عن ان يكون ~~محصلا لنعيم الآخره قال تعالى @QB@ حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ms2692 ولكن لا ~~تعلمون @QE@ كذلك قال @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون @QE@ إلى قولة @QB@ الكافرون @QE@ فأخبر هنا بمثل ما اخبر به ~~في الأعراف أن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل لما رأوا بأس الله وحدوا ~~الله وتركوا الشرك فلم ينفعهم ذلك # وكذلك اخبر عن فرعون وهو كافر بالتوحيد وبالرسالة انه لما ادركه الغرق ~~قال ( آمنت انه لا اله الا الذى آمنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين ( ~~قال الله @QB@ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين @QE@ PageV09P028 # وقال ~~تعالى @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ~~أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا ~~أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا ~~إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم ~~من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين @QE@ # وهذا في القرآن في مواضع أخر يبين فيها أن الرسل كلهم امروا بالتوحيد ~~بعبادة الله وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه أو ~~اتخاذه الها ويخبر ان اهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل ~~الشقاوة وذكر هذا عن عامة الرسل ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون # فعلم أن التوحيد والايمان بالرسل متلازمان وكذلك الايمان باليوم الآخر هو ~~والايمان بالرسل متلازمان فالثلاثة متلازمة ولهذا يجمع بينها في مثل قوله ~~@QB@ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم ~~بربهم يعدلون @QE@ PageV09P029 ولهذا أخبر ان ms2693 الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~مشركون فقال تعالى @QB@ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة @QE@ # وأخبر عن جميع الأشقياء ان الرسل انذرتهم باليوم الآخر كما قال تعالى ~~@QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا ~~نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير @QE@ ( ~~فأخبر ان الرسل أنذرتهم وانهم كذبوا بالرسالة وقال تعالى @QB@ وسيق الذين ~~كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها @QE@ الآية فأخبر عن اهل ~~النار انهم قد جاءتهم الرسالة وانذروا باليوم الآخر # وقال تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ~~وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ~~قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم وكذلك نولي ~~بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والإنس @QE@ إلى قوله ~~@QB@ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين @QE@ الآية # فأخبر عن جميع الجن والانس ان الرسل بلغتهم رسالة الله وهى آياته ~~PageV09P030 وأنهم انذروهم اليوم الآخر وكذلك قال @QB@ قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا @QE@ إلى قوله @QB@ ~~أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه @QE@ فأخبر انهم كفروا بآياته وهى ~~رسالته وبلقائه وهو اليوم الآخر # وقد اخبرايضا في غير موضع بأن الرسالة عمت بنى آدم وان الرسل جاؤوا ~~مبشرين ومنذرين كما قال تعالى @QB@ إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من ~~أمة إلا خلا فيها نذير @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده @QE@ إلى قوله @QB@ وكان الله عزيزا حكيما @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا ~~يفسقون @QE@ فأخبر ان من آمن بالرسل واصلح من الأولين والآخرين فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون # وقال تعالى @QB@ قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع ~~هداي فلا خوف عليهم ولا هم ms2694 يحزنون @QE@ ومثل ذلك قوله @QB@ إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا @QE@ إلى قوله @QB@ فلهم أجرهم عند ربهم @QE@ الآيه # فذكر ان المؤمنين بالله وباليوم الآخر من هؤلاء هم اهل النجاة والسعادة ~~وذكر في تلك الآية الايمان بالرسل وفى هذه الايمان باليوم الآخر لأنهما ~~PageV09P031 متلازمان وكذلك الا يمان بالرسل كلهم متلازم فمن آمن بواحد ~~منهم فقد آمن بهم كلهم ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم كما قال تعالى ~~@QB@ إن الذين يكفرون بالله ورسله @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك هم الكافرون ~~حقا @QE@ الآيه والتى بعدها فأخبر ان المؤمنين بجميع الرسل هم اهل السعادة ~~وان المفرقين بينهم بالايمان ببعضهم دون بعض هم الكافرون حقا # وقال تعالى @QB@ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا من اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا @QE@ فهذة الأصول الثلاثة توحيد الله والايمان برسله ~~وباليوم الآخر هي امور متلازمة # والحاصل ان توحيد الله والايمان برسله واليوم الآخر هي امور متلازمة مع ~~العمل الصالح فأهل هذا الايمان والعمل الصالح هم اهل السعادة من الأولين ~~والآخرين والخارجون عن هذا الايمان مشركون اشقياء فكل من كذب الرسل فلن ~~يكون الا مشركا وكل مشرك مكذب للرسل وكل مشرك وكافر بالرسل فهو كافر باليوم ~~الآخر وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافر بالرسل وهو مشرك ولهذا قال سبحانه ~~وتعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون @QE@ ~~PageV09P032 # فأخبر ان جميع الأنبياء لهم اعداء وهم شياطين الانس والجن يوحى بعضهم إلى ~~بعض القول المزخرف وهو المزين المحسن يغررون به والغرور هو التلبيس ~~والتمويه وهذا شأن كل كلام وكل عمل يخالف ما جاءت به الرسل من امر ~~المتفلسفه والمتكلمه وغيرهم من الأولين والآخرين ثم قال ( ولتصغى ms2695 إليه ~~افئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوة ( فأخبر ان كلام اعداء الرسل تصغى ~~إليه افئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة # فعلم ان مخالفة الرسل وترك الايمان بالآخرة متلازمان فمن لم يؤمن بالآخرة ~~اصغى إلى زخرف اعدائهم فخالف الرسل كما هو موجود في اصناف الكفار ~~والمنافقين في هذة الأمه وقال تعالى @QB@ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ~~هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين ~~نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا @QE@ ~~الآيه فأخبر ان الذين تركوا اتباع الكتاب وهو الرساله يقولون اذا جاء ~~تأويله وهو ما اخبر به جاءت رسل ربنا بالحق وهذا كقوله @QB@ ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد ~~كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ PageV09P033 ~~اخبر ان الذين تركوا اتباع آياته يصيبهم ما ذكرنا فقد تبين ان اصل السعادة ~~واصل النجاة من العذاب هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له والايمان ~~برسله واليوم الآخر والعمل الصالح # وهذه الأمور ليست في حكمتهم وفلسفتهم المبتدعه ليس فيها الأمر بعبادة ~~الله وحدة والنهى عن عبادة المخلوقات بل كل شرك في العالم انما حدث برأى ~~جنسهم اذ بنوة على ما في الأرواح والأجسام من القوى والطبائع وان صناعة ~~الطلاسم والأصنام والتعبد لها يورث منافع ويدفع مضار فهم الأمرون بالشرك ~~والفاعلون له ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء وان ~~رجح الموحدين ترجيحا ما فقد يرجح غيره المشركين وقد يعرض عن الأمرين جميعا ~~فتدبر هذا فانه نافع جدا # ولهذا كان رؤوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون بالشرك فالاولون يسمون ~~الكواكب الآلهه الصغرى ويعبدونها بأصناف العبادات كذلك كانوا في ملة ~~الاسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد بل يسوغون الشرك أو يأمرون به ~~أو لا يوجبون التوحيد PageV09P034 وقد رايت من مصنفاتهم في عبادة الكواكب ~~والملائكة وعبادة الانفس المفارقه انفس الانبياء وغيرهم ما هو اصل ms2696 الشرك # وهم اذا ادعوا التوحيد فانما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل والتوحيد ~~الذى جاءت به الرسل لابد فيه من التوحيد باخلاص الدين لله وعبادته وحده لا ~~شريك له وهذا شيء لا يعرفونه والتوحيد الذى يدعونه انماهو تعطيل حقائق ~~الاسماء والصفات وفيه من الكفر والضلال ما هو من اعظم اسباب الاشراك # فلو كانوا موحدين بالقول والكلام وهو ان يصفوا الله بما وصفته به رسله ~~لكان معهم التوحيد دون العمل وذلك لا يكفى في السعادة والنجاة بل لا بد من ~~ان يعبد الله وحده ويتخذ إلها دون ما سواه وهو معنى قول ( لا اله الا الله ~~( فكيف وهم في القول والكلام معطلون جاحدون لا موحدون ولا مخلصون # وأما الايمان بالرسل فليس فيه للمعلم الاول وذويه كلام معروف والذين ~~دخلوا في الملل منهم آمنوا ببعض صفات الرسل وكفروا ببعض وأما اليوم الاخر ~~فأحسنهم حالا من يقر بمعاد الارواح دون الاجساد PageV09P035 ومنهم من ينكر ~~المعادين جميعا ومنهم من يقر بمعاد الأرواح العالمة دون الجاهلة وهذه ~~الاقوال الثلاثة لمعلمهم الثانى أبي نصر الفارابى ولهم فيه من الاضطراب ما ~~يعلم به انهم لم يهتدوا فيه ( إلى ) الصواب # وقد أضلوا بشبهاتهم من المنتسبين إلى الملل من لا يحصى عدده الا الله # فإذا كان ما به تحصل السعادة والنجاة من الشقاوة ليس عندهم أصلا كان ما ~~يأمرون به من الاخلاق والاعمال والسياسات كما قال الله تعالى @QB@ يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون @QE@ # وأما ما يذكرونه من العلوم النظرية فالصواب منها منفعتة في الدنيا واما ( ~~العلم الالهي ( فليس عندهم منه ما تحصل به النجاة والسعادة بل وغالب ما ~~عندهم منه ليس بمتيقن معلوم بل قد صرح أساطين الفلسفة أن العلوم الالهية لا ~~سبيل فيها إلى اليقين وانما يتكلم فيها بالاحرى والاخلق فليس معهم فيها الا ~~الظن ( وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ) ولهذا يوجد عندهم من المخالفة ~~للرسل امر عظيم باهر حتى قيل مرة لبعض الاشياخ الكبار ممن يعرف الكلام ~~والفلسفة والحديث وغير ذلك ms2697 ما الفرق الذى بين الانبياء والفلاسفة فقال ~~السيف الاحمر يريد أن الذي يسلك طريقتهم يريد أن يوفق بين ما يقولونه وبين ~~ما جاءت به الرسل فيدخل من السفسطة والقرمطة في أنواع من المحال الذى لا ~~يرضاه عاقل كما فعل اصحاب رسائل اخوان الصفا وأمثالهم ومن هنا PageV09P036 ~~ضلت القرامطة والباطنية ومن شاركهم في بعض ذلك وهذا باب يطول وصفه ليس ~~الغرض هنا ذكره # وإنما ( الغرض ) ان معلمهم وضع منطقهم ليزن به ما يقولونه من هذه الامور ~~التى يخوضون فيها والتى هي قليلة المنفعة واكثر منفعتها انما هي في الامور ~~الدنيوية وقد يستغنى عنها في الامور الدنيوية ايضا # فأما ان يوزن بهذه الصناعة ما ليس من علومهم وما هو فوق قدرهم أو يوزن ~~بها ما يوجب السعادة والنعيم والنجاة من العذاب الاليم فهذا أمر ليس هو ~~فيها و ( قد جعل الله لكل شيء قدرا ) والقوم وان كان لهم ذكاء وفطنة وفيهم ~~زهد وأخلاق فهذا القدر لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب الا بالاصول ~~المتقدمة من الايمان بالله وتوحيده واخلاص عبادته والايمان برسله واليوم ~~الاخر والعمل الصالح # وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن وقوة الارادة فالذى يؤتي فضائل علمية ~~وارادية بدون هذه الاصول يكون بمنزلة من يؤتى قوة في جسمه وبدنه بدون هذه ~~الاصول # وأهل الرأي والعلم بمنزلة اهل الملك والامارة وكل من هؤلاء PageV09P037 ~~وهؤلاء لا ينفعه ذلك شيئا الا ان يعبد الله وحده لا شريك له ويؤمن برسله ~~وباليوم الآخر وهذه الامور متلازمة فمن عبد الله وحده لزم ان يؤمن برسله ~~ويؤمن باليوم الاخر فيستحق الثواب والا كان من اهل الوعيد يخلد في العذاب ~~هذا اذا قامت عليه الحجة بالرسل # ولما كان كل واحد من اهل الملك والعلم قد يعارضون الرسل وقد يتابعونهم ~~ذكر الله ذلك في كتابه في غير موضع فذكر فرعون والذى حاج إبراهيم في ربه ~~لما آتاه الله الملك والملا من قوم نوح وعاد وغيرهم من المستكبرين المكذبين ~~للرسل وذكر قول علمائهم كقوله @QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ms2698 ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ~~سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد كذبت ~~قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب @QE@ إلى قوله @QB@ الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ والسلطان هو الوحي المنزل من ~~عند الله كما ذكر ذلك في غير PageV09P038 موضع كقوله @QB@ أم أنزلنا عليهم ~~سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون @QE@ وقوله @QB@ ما أنزل الله بها من ~~سلطان @QE@ وقال بن عباس ( كل سلطان في القران فهو الحجة ( ذكره البخارى في ~~صحيحه # وقد ذكر في هذه السورة سورة حم غافر من حال مخالفي الرسل من الملوك ~~والعلماء مثل مقول الفلاسفة وعلمائهم ومجادلتهم واستكبارهم ما فيه عبرة # مثل قوله @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ ومثل قوله @QB@ ألم تر إلى الذين يجادلون في ~~آيات الله أنى يصرفون الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف ~~يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار ~~يسجرون @QE@ إلى قوله @QB@ ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما ~~كنتم تمرحون @QE@ وختم السورة بقوله تعالى @QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فرحوا بما عندهم من العلم @QE@ # وكذلك في سورة الانعام والأعراف وعامة السور المكية وطائفة من السور ~~المدنية فانها تشتمل على خطاب هؤلاء وضرب الامثال والمقاييس لهم وذكر قصصهم ~~وقصص الانبياء واتباعهم معهم فقال سبحانه @QB@ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم ~~فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق ms2699 بهم ما كانوا به يستهزؤون ~~@QE@ PageV09P039 # فأخبر بما مكنهم فيه من اصناف الادراكات والحركات واخبر ان ذلك لم يغن ~~عنهم حيث جحدوا بآيات الله وهى الرساله التي بعث بها رسله ولهذا حدثنى بن ~~الشيخ الحصيرى عن والده الشيخ الحصيرى شيخ الحنفية في زمنه قال كان فقهاء ~~بخارى يقولون في بن سينا كان كافرا ذكيا # وقال الله تعالى @QB@ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض @QE@ الآية والقوة ~~تعم قوة الادراك النظرية وقوة الحركه العمليه وقال في الآية الأخرى @QB@ ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض @QE@ فأخبر بفضلهم في الكم ~~والكيف وانهم اشد في انفسهم وفى آثارهم في الأرض وقال تعالى @QB@ فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ وقال تعالى @QB@ وعد الله لا يخلف الله ~~وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون @QE@ إلى قوله @QB@ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ~~ترجعون @QE@ # وقال تعالى @QB@ فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ~~به يستهزؤون @QE@ إلى قوله @QB@ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين @QE@ ~~PageV09P040 وقد قال سبحانه عن اتباع هؤلاء الائمه من اهل الملك والعلم ~~المخالفين للرسل @QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ ~~يتحاجون في النار @QE@ إلى قوله @QB@ إن الله قد حكم بين العباد @QE@ # ومثل هذا في القرآن كثير يذكر فيه من اقوال اعداء الرسل وأفعالهم وما ~~اوتوه من قوى الادراكات والحركات التى لم تنفعهم لما خالفوا الرسل # وقد ذكر الله سبحانه ما في المنتسبين إلى اتباع الرسل من العلماء والعباد ~~والملوك من النفاق والضلال في مثل قوله ( يا ايها الذين آمنوا ان كثيرا من ~~الاحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون ms2700 عن سبيل الله والذين ~~يكنزون الذهب والفضه ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم ( # ( ويصدون عن سبيل الله ( يستعمل لازما يقال صد صدودا أي اعرض كما قال ~~تعالى @QB@ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا @QE@ ويقال صد غيره يصده والوصفان يجتمعان فيهم ~~ومثل قوله @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا @QE@ ~~PageV09P041 # وفى الصحيحين عن ابى موسى عن النبى قال ( مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن ~~مثل الاترجه طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل ~~التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن مثل الريحانه ~~ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن مثل الحنظله طعمها ~~مر ولا ريح لها ( فبين ان في الذين يقرؤون القرآن مؤمنين ومنافقين ### ||| فصل # وهذا المقام لا اذكر فيه مواردالنزاع فيقال هو الاستدلال على المختلف ~~بالمختلف لكن انا اصف جنس كلامهم فاقول لا ريب ان كلامهم كله منحصر في ~~الحدود التى تفيد التصورات سواء كانت الحدود حقيقيه أو رسميه أو لفظيه وفى ~~الأقيسه التى تفيد التصديقات سواء كانت أقيسه عموم وشمول أو شبه وتمثيل ~~اواستقراء وتتبع # وكلامهم غالبة لا يخلومن تكلف اما في العلم واما في القول فاما ~~PageV09P042 ان يتكلفوا علم مالا يعلمونه فيتكلمون بغير علم أو يكون الشيء ~~معلوما لهم فيتكلفون من بيانه ما هو زيادة وحشو وعناءوتطويل طريق وهذا من ~~المنكر المذموم في الشرع والعقل قال تعالى @QB@ قل ما أسألكم عليه من أجر ~~وما أنا من المتكلفين @QE@ وفى الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال ( ايها ~~الناس من علم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل لا اعلم فان من العلم ان ~~يقول الرجل لما لا يعلم لا اعلم ( # وقد ذم الله القول بغير علم في كتابه كقولة تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك ~~به علم @QE@ لا سيما القول على الله كقولة تعالى @QB@ قل ms2701 إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ وكذلك ذم الكلام ~~الكثير الذى لا فائدة فيه وامر بأن نقول القول السديد والقول البليغ # وهؤلاء كلامهم في الحدود غالبة من الكلام الكثير الذى لا فائدة فيه بل قد ~~يكثر كلامهم في الأقيسة والحجج كثير منه كذلك وكثير منه باطل وهوقول بغير ~~علم وقول بخلاف الحق # اما ( الاول ( فانهم يزعمون ان الحدود التى يذكرونها يفيدون بها تصور ~~الحقائق وان ذلك انما يتم بذكر الصفات الذاتية المشتركة والمميزة حتى يركب ~~الحد من الجنس المشترك والفصل المميز وقد يقولون ان التصورات PageV09P043 ~~لا تحصل الا بالحدود ويقولون الحدود المركبة لا تكون الا للأنواع المركبة ~~من الجنس والفصل دون الانواع البسيطه # وقد ذكرت في غير هذا الموضع ملخص المنطق ومضمونه واشرت إلى بعض ما دخل به ~~على كثير من الناس من الخطأ والضلال وليس هذا موضع بسط ذلك لكن نذكر ( هنا ~~) وجوها ### || الوجه الأول # قولهم ( ان التصور الذى ليس ببديهى لاينال الا بالحد ( باطل لان الحد هو ~~قول الحاد فان الحد هنا هو القول الدال على ما هيه المحدود فالمعرفه بالحد ~~لا تكون الا بعد الحد فان الحاد الذى ذكر الحد ان كان عرف المحدود بغير حد ~~بطل قولهم ( لا يعرف الا بالحد ( وان كان عرفه بحد آخر فالقول فيه كالقول ~~في الأول فان كان هذا الحاد عرفه بعد الحد الاول لزم الدور وان كان تأخر ~~لزم التسلسل # PageV09P044 ### || الوجه الثانى # انهم إلى الان لم يسلم لهم حد لشيء من الاشياء الا ما يدعيه بعضهم ~~وينازعه فيه آخرون فان كانت الاصول لا تتصور الا بالحدود لزم ان لا يكون ~~إلى الآن أحد عرف شيئا من الامور ولم يبق أحد ينتظر صحته لان الذى يذكرة ~~يحتاج إلى معرفة بغير حد وهى متعددة فلا يكون لبنى آدم شيء من المعرفة وهذه ~~سفسطة ومغالطة ### || الوجه الثالث # ان المتكلمين بالحدود طائفة ms2702 قليلة في بنى آدم لا سيما الصناعة المنطقية ~~فان واضعها هو أرسطو وسلك خلفه فيها طائفة من بنى آدم # ومن المعلوم أن علوم بنى آدم عامتهم وخاصتهم حاصلة بدون ذلك فبطل قولهم ( ~~ان المعرفة متوقفة عليها ) أما الانبياء فلا ريب في استغنائهم عنها وكذلك ~~أتباع الانبياء من العلماء والعامة فان القرون الثلاثة من PageV09P045 هذه ~~الامة الذين كانوا أعلم بنى آدم علوما ومعارف لم يكن تكلف هذه الحدود من ~~عادتهم فانهم لم يبتدعوها ولم تكن الكتب الاعجمية الرومية عربت لهم وانما ~~حدثت بعدهم من مبتدعة المتكلمين والفلاسفة ومن حين حدثت صار بينهم من ~~الاختلاف والجهل مالا يعلمه الا الله # وكذلك علم ( الطب ( و ( الحساب ( وغير ذلك لاتجد ائمة هذه العلوم يتكلفون ~~هذه الحدود المركبة من الجنس والفصل الا من خلط ذلك بصناعتهم من اهل المنطق # وكذلك ( النحاة ( مثل سيبويه الذى ليس في العالم مثل كتابه وفيه حكمة ~~لسان العرب لم يتكلف فيه حد الاسم والفاعل ونحو ذلك كما فعل غيره ولما تكلف ~~النحاة حد الاسم ذكروا حدودا كثيرة كلها مطعون فيها عندهم وكذلك ما تكلف ~~متاخروهم من حد الفاعل والمبتدا والخبر ونحو ذلك لم يدخل فيها عندهم من ~~هوامام في الصناعة ولا حاذق فيها # وكذلك الحدود التى يتكلفها بعض الفقهاء للطهارة والنجاسة وغير ذلك من ~~معانى الاسماء المتداولة بينهم وكذلك الحدود التى يتكلفها الناظرون في اصول ~~الفقه لمثل الخبر والقياس والعلم وغير ذلك لم يدخل فيها الا من ليس بامام ~~في الفن والى الساعة لم يسلم لهم حد وكذلك حدود اهل الكلام PageV09P046 ~~فإذا كان حذاق بنى ادم في كل فن من العلم احكموه بدون هذه الحدود المتكلفة ~~بطل دعوى توقف المعرفة عليها # وأما علوم بنى ادم الذين لا يصنفون الكتب فهي ممالا يحصيه الا الله ولهم ~~من البصائر والمكاشفات والتحقيق والمعارف ماليس لاهل هذه الحدود المتكلفة ~~فكيف يجوز ان تكون معرفة الاشياء متوقفة عليها ### || الوجه الرابع # ان الله جعل لابن آدم من الحس الظاهر والباطن ما يحس به الاشياء ويعرفها ~~فيعرف ms2703 بسمعه وبصره وشمه وذوقة ولمسه الظاهر ما يعرف ويعرف ايضا بما يشهده ~~ويحسه بنفسه وقلبه ما هو اعظم من ذلك فهذه هي الطرق التى تعرف بها الاشياء ~~فاما الكلام فلا يتصور ان يعرف بمجرده مفردات الاشياء الا بقياس تمثيل أو ~~تركيب الفاظ وليس شيء من ذلك يفيد تصور الحقيقه # فالمقصود ان الحقيقه ان تصورها بباطنه أو ظاهره استغنى عن الحد القولى ~~وان لم يتصورها بذلك امتنع ان يتصور حقيقتها بالحد القولى وهذا امر محسوس ~~يجده الانسان من نفسه فان من عرف المحسوسات المذوقة PageV09P047 مثلا ~~كالعسل لم يفده الحد تصورها ومن لم يذق ذلك كمن اخبر عن السكر وهو لم يذقه ~~لم يمكن ان يتصور حقيقته بالكلام والحد بل يمثل له ويقرب إليه ويقال له ~~طعمه يشبه كذا أو يشبه كذا وكذا وهذا التشبيه والتمثيل ليس هو الحد الذى ~~يدعونه # وكذلك المحسوسات الباطنة مثل الغضب والفرح والحزن والغم والعلم ونحو ذلك ~~من وجدها فقد تصورها ومن لم يجد ها لم يمكن ان يتصورها بالحد ولهذا لا ~~يتصور الأكمه الألوان بالحد ولا العنين الوقاع بالحد فاذن القائل بأن ~~الحدود هي التى تفيد تصور الحقائق قائل للباطل المعلوم بالحس الباطن ~~والظاهر ### || الوجه الخامس # إن الحدود إنما هي اقوال كليه كقولنا ( حيوان ناطق ( و ( لفظ يدل على ~~معنى ( ونحوذلك فتصور معناها لا يمنع من وقوع الشركه فيها وان كانت الشركه ~~ممتنعه لسبب آخر فهي اذن لا تدل على حقيقة معينه بخصوصها وانما تدل على ~~معنى كلى والمعانى الكلية وجودها في الذهن لا في الخارج فما في الخارج لا ~~يتعين ولا يعرف بمجرد الحد وما في الذهن ليس هو حقائق الأشياء فالحد لا ~~يفيد تصور حقيقة اصلا PageV09P048 ### || الوجه السادس # ان الحد من باب الالفاظ واللفظ لا يدل المستمع على معناه ان لم يكن قد ~~تصور مفردات اللفظ بغير اللفظ لان اللفظ المفرد لا يدل المستمع على معناه ~~ان لم يعلم ان اللفظ موضوع للمعنى ولا يعرف ذلك حتى يعرف المعنى فتصور ~~المعانى المفردة يجب ان ms2704 يكون سابقا على فهم المراد بالالفاظ فلو استفيد ~~تصورها من الالفاظ لزم الدور وهذا امر محسوس فان المتكلم باللفظ المفرد ان ~~لم يبين للمستمع معناه حتى يدركه بحسه اوبنظره والا لم يتصور ادراكه له ~~بقول مؤلف من جنس وفصل ### || الوجه السابع # ان الحد هو الفصل والتمييز بين المحدود وغيره يفيد ما تفيده الاسماء من ~~التمييز والفصل بين المسمى وبين غيره فهذا لا ريب في انه يفيد التمييز فأما ~~تصور حقيقة فلا لكنها قد تفصل ما دل عليه الاسم بالاجمال وليس ذلك من ادراك ~~الحقيقة في شيء والشرط في ذلك ان تكون الصفات ذاتية بل هو بمنزلة التقسيم ~~والتحديد للكل كالتقسيم لجزئياته ويظهر ذلك PageV09P049 ### || الوجه الثامن # وهو ان الحس الباطن والظاهر يفيدتصور الحقيقة تصورا مطلقا اماعمومها ~~وخصوصها فهو من حكم العقل فان القلب يعقل معنى من هذا المعين ومعنى يماثله ~~من هذا المعين فيصير في القلب معنى عاما مشتركا وذلك هوعقله أي عقله ~~للمعاني الكليه فاذا عقل معنى الحيوانية الذى يكون في هذا الحيوان وهذا ~~الحيوان ومعنى الناطق الذى يكون في هذا الانسان وهذا الانسان وهومختص به ~~عقل ان في نوع الانسان معنى يكون نظيره في الحيوان ومعنى ليس له نظير في ~~الحيوان # فالاول هو الذي يقال له الجنس والثانى الذى يقال له الفصل وهما موجودان ~~في النوع # فهذا حق ولكن لم يستفد من هذا اللفظ ما لم يكن يعرفه بعقله من ان هذا ~~المعنى عام للانسان ولغيره من الحيوان بمعنى ان ما في هذا نظير ما في هذا ~~إذ ليس في الاعيان الخارجة عموم وهذا المعنى يختص بالانسان فلا فرق بين ~~قولك الانسان حيوان ناطق وقولك الانسان هو الحيوان الناطق الا من جهة ~~الاحاطة والحصر في الثانى لا من جهة تصوير PageV09P050 حقيقته باللفظ ~~والاحاطه والحصر هو التمييز الحاصل بمجرد الاسم وهو قولك انسان وبشر فان ~~هذا الاسم اذا فهم مسماه افاد من التمييز ما افاده الحيوان الناطق في ~~سلامته عن المطاعن # وأما تصور ان فيه معنى عاما ومعنى خاصا فليس ms2705 هذا من خصائص الحد كما تقدم ~~والذى يختص بالحد ليس الا مجرد التمييز الحاصل بالأسماء وهذا بين لمن تأمله # وأما ادراك صفات فيه بعضها مشترك وبعضها مختص فلا ريب ان هذا قد لا يتفطن ~~له بمجرد الاسم لكن هذا يتفطن له بالحد وبغير الحد فليس في الحد الا ما ~~يوجد في الاسماء أو في الصفات التى تذكر للمسمى وهذان نوعان معروفان # ( الاول ( معنى الاسماء المفردة ( والثانى ( معرفة الجمل المركبة الاسمية ~~والفعليه التى يخبر بها عن الاشياء وتوصف بها الاشياء وكلا هذين النوعين لا ~~يفتقر إلى الحد المتكلف فثبت ان الحد ليس فيه فائدة الا وهى موجودة في ~~الاسماء والكلام بلا تكلف فسقطت فائدة خصوصية الحد PageV09P051 ### || الوجه التاسع # ان العلم بوجود صفات مشتركة ومختصة حق لكن التمييز بين تلك الصفات بجعل ~~بعضها ذاتيا تتقوم منه حقيقة المحدود وبعضها لازما لحقيقة المحدود تفريق ~~باطل بل جميع الصفات الملازمة للمحدود طردا وعكسا هي جنس واحد فلا فرق بين ~~الفصل والخاصة ولا بين الجنس والعرض العام # وذلك أن الحقيقة المركبة من تلك الصفات اما ان يعني بها الخارجة أو ~~الذهنية أو شيء ثالث فإن عنى بها الخارجة فالنطق والضحك في الانسان حقيقتان ~~لازمتان يختصان به وان عنى الحقيقة التي في الذهن فالذهن يعقل اختصاص هاتين ~~الصفتين به دون غيره # وإن قيل بل إحدى الصفتين يتوقف عقل الحقيقة عليها فلا يعقل الانسان في ~~الذهن حتى يفهم النطق وأما الضحك فهو تابع لفهم الانسان وهذا معنى قولهم ( ~~الذاتي ما لا يتصور فهم الحقيقة بدون فهمه أو ما تقف الحقيقة في الذهن ~~والخارج عليه PageV09P052 # قيل إدراك الذهن أمر نسبي اضافي فان كون الذهن لا يفهم هذا إلا بعد هذا ~~أمر يتعلق بنفس إدراك الذهن ليس هو شيئا ثابتا للموصوف في نفسه فلا بد أن ~~يكون الفرق بين الذاتي والعرضي بوصف ثابت في نفس الأمر سواء حصل الادراك له ~~أو لم يحصل إن كان أحدهما جزءا للحقيقة دون الآخر وإلا فلا ### || الوجه العاشر # أن يقال كون الذهن لا ms2706 يعقل هذا إلا بعد هذا إن كان إشارة إلى أذهان معينة ~~وهي التي تصورت هذا لم [ يكن ] هذا حجة لأنهم هم وضعوها هكذا فيكون التقدير ~~أن ما قدمناه في أذهاننا على الحقيقة فهو الذاتي وما اخرناه فهو العرضي ~~ويعود الأمر إلى أنا تحكمنا بجعل بعض الصفات ذاتيا وبعضها عرضيا لازما وغير ~~لازم وإن كان الأمر كذلك كان هذا الفرقان مجرد تحكم بلا سلطان ولا يستنكر ~~من هؤلاء أن يجمعوا بين المفترقين ويفرقوا بين المتماثلين فما اكثر هذا في ~~مقاييسهم التي ضلوا بها وأضلوا وهم أول من أفسد دين المسلمين وابتدع ما غير ~~به الصابئة مذاهب أهل الايمان المهتدين # وأن قالوا بل جميع اذهان بني آدم والأذهان الصحيحة لا تدرك الانسان ~~PageV09P053 الا بعد خطور نطقه ببالها دون ضحكه # قيل لهم ليس هذا بصحيح ولا يكاد يوجد هذا الترتيب الا فيمن يقلد عنكم هذه ~~الحدود من المقلدين لكم في الأمور التي جعلتموها ميزان المعقولات والا فبنو ~~آدم قد لا يخطر لأحدهم أحد الوصفين وقد يخطر له هذا دون هذا وبالعكس ولو ~~خطر له الوصفان وعرف ان الانسان حيوان ناطق ضاحك لم يكن بمجرد معرفته هذه ~~الصفات مدركا لحقيقة الانسان اصلا وكل هذا امر محسوس معقول # فلا يغالط العاقل نفسه في ذلك لهيبة التقليد لهؤلاء الذين هم من اكثر ~~الخلق ضلالا مع دعوى التحقيق فهم في الأوائل كمتكلمة الاسلام في الأواخر ~~ولما كان المسلمون خيرا من اهل الكتابين والصابئين كانوا خيرا منهم واعلم ~~واحكم فتدبر هذا فأنه نافع جدا # ومن هنا يقولون الحدود الذاتية عسرة وادراك الصفات الذاتية صعب وغالب ما ~~بأيدي الناس حدود رسمية وذلك كله لانهم وضعوا تفريقا بين شيئين بمجرد ~~التحكم الذي هم ادخلوه # ومن المعلوم ان ما لا حقيقة له في الخارج ولا في المعقول وانما هو ابتداع ~~مبتدع وضعه وفرق به بين المتماثلين فيما تماثلا فيه لا تعقله القلوب ~~PageV09P054 الصحيحة اذ ذاك من باب معرفة المذاهب الفاسدة التي لا ضابط لها ~~واكثر ما تجد هؤلاء الاجناس يعظمونه من ms2707 معارفهم ويدعون اختصاص فضلائهم به ~~هو من الباطل الذي لا حقيقة له كما نبهنا على هذا فيما تقدم ### || الوجه الحادي عشر # قولهم الحقيقة مركبة من الجنس والفصل والجنس هو الجزء المشترك والفصل هو ~~الجزء المميز # يقال لهم هذا التركيب إما أن يكون في الخارج أو في الذهن فان كان في ~~الخارج فليس في الخارج نوع كلي يكون محدودا بهذا الحد الا الاعيان المحسوسة ~~والاعيان في كل عين صفة يكون نظيرها لسائر الحيوانات كالحس والحركة ~~الارادية وصفة ليس مثلها لسائر الحيوان وهي النطق وفي كل عين يجتمع هذان ~~الوصفان كما يجتمع سائر الصفات والجواهر القائمة لامور مركبة من الصفات ~~المجعولة فيها # وإن اردتم بالحيوانية والناطقية جوهرا فليس في الانسان جوهران أحدهما حي ~~والآخر ناطق بل هو جوهر واحد له صفتان فان كان PageV09P055 الجوهر مركبا من ~~عرضين لم يصح وان كان من جوهر عام وخاص فليس فيه ذلك فبطل كون الحقيقة ~~الخارجة مركبة # وان جعلوها تارة جوهرا وتارة صفة كان ذلك بمنزلة قول النصارى في الاقانيم ~~وهو من اعظم الاقوال تناقضا باتفاق العلماء # وان قالوا المركب الحقيقة الذهنية المعقولة # قيل اولا تلك ليست هي المقصودة بالحدود الا ان تكون مطابقة للخارج فان لم ~~يكن هناك تركيب لم يصح ان يكون في هذه تركيب وليس في الذهن الا تصور الحي ~~الناطق وهو جوهر واحد له صفتان كما قدمنا فلا تركيب فيه بحال # واعلم انه لا نزاع ان صفات الأنواع والاجناس منها ما هو مشترك بينها وبين ~~غيرها كالجنس والعرض العام ومنها ما هو لازم للحقيقة ومنها ما هو عارض لها ~~وهو ما ثبت لها في وقت دون وقت كالبطيء الزوال وسريعه وإنما الشأن في ~~التفريق بين الذاتي والعرضي اللازم فهذا هو الذي مداره على تحكم ذهن الحاد # ولا تنازع في أن بعض الصفات قد يكون اظهر واشرف فإن النطق اشرف من الضحك ~~ولهذا ضرب الله به المثل في قوله @QB@ إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون @QE@ ~~ولكن الشأن في جعل هذا ذاتيا تتصور به ms2708 الحقيقة دون الآخر PageV09P056 ### || الوجه الثاني عشر # ان هذه الصفات الذاتية قد تعلم ولا يتصور بها كنه المحدود كما في هذا ~~المثال وغيره فعلم ان ذلك ليس بموجب لفهم الحقيقة ### || الوجه الثالث عشر # ان الحد إذا كان له جزءان فلا بد لجزءيه من تصور كالحيوان والناطق فان ~~احتاج كل جزء إلى حد لزم التسلسل أو الدور # فان كانت الأجزاء متصورة بنفسها بلا حد وهو تصور الحيوان أو الحساس أو ~~المتحرك بالارادة أو النامي أو الجسم فمن المعلوم أن هذه أعم وإذا كانت اعم ~~لكون إدراك الحس لأفرادها اكثر فان كان ادراك الحس لافرادها كافيا في ~~التصور فالحس قد ادرك افراد النوع وان لم يكن كافيا في ذلك لم تكن الأجزاء ~~معروفة فيحتاج المعرف إلى معرف واجزاء الحد إلى حد PageV09P057 ### || الوجه الرابع عشر # أن الحدود لا بد فيها من التمييز وكلما قلت الافراد كان التمييز أيسر ~~وكلما كثرت كان اصعب فضبط العقل الكلي تقل أفراده مع ضبط كونه كليا أيسر ~~عليه مما كثرت افراده وأن كان ادراك الكلي الكثير الافراد أيسر عليه فذاك ~~اذا ادركه مطلقا لأن المطلق يحصل بحصول كل واحد من الافراد # واذا كان ذلك كذلك فأقل ما في اجزاء المحدود ان تكون متميزة تمييزا كليا ~~ليعلم كونها صفة للمحدود أو محمولة عليه أم لا فإذا كان ضبطها كلية اصعب ~~واتعب من ضبط افراد المحدود كان ذلك تعريفا للأسهل معرفة بالأصعب مفردة ~~وهذا عكس الواجب ### || الوجه الخامس عشر # أن الله سبحانه علم آدم الاسماء كلها وقد ميز كل مسمى باسم يدل على ما ~~يفصله من الجنس المشترك ويخصه دون ما سواه ويبين به ما يرسم معناه ~~PageV09P058 في النفس ومعرفة حدود الاسماء واجبة لأنه بها تقوم مصلحة بني ~~آدم في النطق الذي جعله الله رحمة لهم لا سيما حدود ما أنزل الله في كتبه ~~من الاسماء كالخمر والربا # فهذه الحدود هي الفاصلة المميزة بين ما يدخل في المسمى ويتناوله ذلك ~~الاسم وما دل عليه من الصفات وبين ما ليس كذلك ولهذا ms2709 ذم الله من سمى ~~الاشياء بأسماء ما انزل الله بها من سلطان فأنه اثبت للشيء صفة باطلة ~~كالهية الاوثان # فالاسماء النطقية سمعية واما نفس تصور المعاني ففطري يحصل بالحس الباطن ~~والظاهر وبادراك الحس وشهوده ببصر الانسان بباطنه وبظاهره وبسمعه يعلم ~~اسماءها وبفؤاده يعقل الصفات المشتركة والمختصة # والله اخرجنا من بطون امهاتنا لا نعلم شيئا وجعل لنا السمع والابصار ~~والافئدة # فأما الحدود المتكلفة فليس فيها فائدة لا في العقل ولا في الحس ولا في ~~السمع الا ما هو كالاسماء مع التطويل أو ما هو كالتمييز كسائر الصفات # ولهذا لما رأوا ذلك جعلوا الحد نوعين نوعا بحسب الاسم وهو بيان ما يدخل ~~فيه ونوعا بحسب الصفة أو الحقيقة أو المسمى وزعموا كشف PageV09P059 الحقيقة ~~وتصويرها والحقيقة المذكورة أن ذكرت بلفظ دخلت في القسم الأول وان لم تذكر ~~بلفظ فلا تدرك بلفظ ولا تحد بمقال الا كما تقدم # وهذه نكت تنبه على جمل المقصود وليس هذا موضع بسط ذلك ### || الوجه السادس عشر # أن في الصفات الذاتية المشتركة والمختصة كالحيوانية والناطقية ان ارادوا ~~بالاشتراك ان نفس الصفة الموجودة في الخارج مشتركة فهذا باطل اذ لا اشتراك ~~في المعينات التي يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها # وان ارادوا بالاشتراك ان مثل تلك الصفة حاصلة للنوع الآخر # قيل لهم لا ريب ان بين حيوانية الانسان وحيوانية الفرس قدرا مشتركا وكذلك ~~بين صوتيهما وتمييزهما قدرا مشتركا فان الانسان له تمييز وللفرس تمييز ~~ولهذا صوت هو النطق ولذاك صوت هو الصهيل فقد خص كل صوت باسم يخصه فإذا كان ~~حقيقة أحد هذين يخالف الآخر ويختص بنوعه فمن أين جعلتم حيوانية احدهما ~~مماثلة لحيوانية الآخر في الحد والحقيقة # وهلاقيل ان بين حيوانيتهما قدرا مشتركا ومميزا كما ان بين صوتيهما ~~PageV09P060 كذلك وذلك ان الحس والحركة الارادية إما ان توجد للجسم أو ~~للنفس فإن الجسم يحس ويتحرك بالارادة والنفس تحس وتتحرك بالارادة وان كان ~~بين الوصفين من الفرق ما بين الحقيقتين وكذلك النطق هو للنفس بالتمييز ~~والمعرفة والكلام النفساني وهو للجسم أيضا ms2710 بتمييز القلب ومعرفته والكلام ~~اللساني فكل من جسمه ونفسه يوصف بهذين الوصفين وليست حركة نفسه وارادتها ~~ومعرفتها ونطقها مثل ما للفرس وان كان بينهما قدر مشترك وكذلك ما يقوم ~~بجسمه من الحس والحركة الارادية ليس مثل ما للفرس وان كان بينهما قدر مشترك ~~فان الذي يلائم جسمه من مطعم ومشرب وملبس ومنكح ومشموم ومرئي ومسموع بحيث ~~يحسه ويتحرك إليه حركة ارادية ليس هو مثل ما للفرس # فالحس والحركة الارادية هي بالمعنى العام لجميع الحيوان وبالمعنى الخاص ~~ليس إلا للانسان وكذلك التمييز سواء ولهذا قال النبي ( أحب الأسماء إلى ~~الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدق الأسماء حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة ( ~~رواه مسلم # فالحارث هو العامل الكاسب المتحرك والهمام هو الدائم الهم الذي هو مقدم ~~الارادة فكل إنسان حارث فاعل بارادته وكذلك مسبوق باحساسه PageV09P061 ~~فحيوانية الانسان ونطقه كل منهما فيه ما يشترك مع الحيوان فيه وفيه ما يختص ~~به عن سائر الحيوان وكذلك بناء بنيته فان نموه واغتذاءه وان كان بينه وبين ~~النبات فيه قدر مشترك فليس مثله هو إذ هذا يغتذى بما يلذ به ويسر نفسه ~~وينمو بنمو حسه وحركته وهمه وحرثه وليس النبات كذلك # وكذلك أصناف النوع وأفراده فنطق العرب بتمييز قلوبهم وبيان ألسنتهم أكمل ~~من نطق غيرهم حتى ليكون في بني آدم من هو دون البهائم في النطق والتمييز ~~ومنهم من لا تدرك نهايته # وهذا كله يبين أن اشتراك افراد الصنف واصناف النوع وانواع الجنس والأجناس ~~السافلة في مسمى الجنس الأعلى لا يقتضي ان يكون المعنى المشترك فيها ~~بالسواء كما أنه ليس بين الحقائق الخارجة شيء مشترك ولكن الذهن فهم معنى ~~يوجد في هذا ويوجد نظيره في هذا وقد تبين انه ليس نظيرا له على وجه ~~المماثلة لكن على وجه المشابهة وان ذلك المعنى المشترك هو في أحدهما على ~~حقيقة تخالف حقيقة ما في الآخر # ومن هنا يغلط القياسيون الذين يلحظون المعنى المشترك الجامع دون الفارق ~~المميز # والعرب من اصناف الناس والمسلمون من اهل الاديان اعظم الناس PageV09P062 ~~إدراكا ms2711 للفروق وتمييزا للمشتركات وذلك يوجد في عقولهم ولغاتهم وعلومهم ~~واحكامهم ولهذا لما ناظر متكلموا الاسلام العرب هؤلاء المتكلمة الصابئة عجم ~~الروم وذكروا فضل منطقهم وكلامهم على منطق اولئك وكلامهم ظهر رجحان كلام ~~الاسلاميين كما فعله القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب الدقائق الذي رد ~~فيه على الفلاسفة كثيرا من مذاهبهم الفاسدة في الأفلاك والنجوم والعقول ~~والنفوس وواجب الوجود وغير ذلك وتكلم على منطقهم وتقسيمهم الموجودات ~~كتقسيمهم الموجود إلى الجوهر والعرض ثم تقسيم الاعراض إلى المقولات التسعة ~~وذكر تقسيم متكلمة المسلمين الذي فيه من التمييز والجمع والفرق ما ليس في ~~كلام اولئك # وذلك ان الله علم الانسان البيان كما قال تعالى @QB@ الرحمن علم القرآن ~~خلق الإنسان علمه البيان @QE@ وقال تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ ~~وقال @QB@ علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ والبيان بيان القلب واللسان كما أن ~~العمى والبكم يكون في القلب واللسان كما قال تعالى @QB@ صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون @QE@ وقال @QB@ صم بكم عمي فهم لا يعقلون @QE@ وقال النبي ( هلا ~~سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال ( وفي الاثر ( العي عي القلب لا ~~عي اللسان أو قال ( شر العي عي القلب ( وكان بن مسعود يقول ( إنكم في زمان ~~كثير فقهاؤه قليل خطباؤه وسيأتي عليكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه ~~PageV09P063 # وتبين الأشياء للقلب ضد اشتباهها عليه كما قال ( الحلال بين والحرام بين ~~وبينهما امور مشتبهات الحديث ( وقد قرئ قوله تعالى @QB@ ولتستبين سبيل ~~المجرمين @QE@ بالرفع والنصب أي ولتتبين انت سبيلهم # فالانسان يستبين الأشياء وهم يقولون قد بان الشيء وبينته وتبين الشيء ~~وتبينته واستبان الشيء واستبنته كل هذا يستعمل لازما ومتعديا ومنه قوله ~~تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ وهو هنا متعد ومنه قوله @QB@ ~~بفاحشة مبينة @QE@ أي متبينة فهنا هو لازم والبيان كالكلام يكون مصدر بان ~~الشيء بيانا ويكون اسم مصدر لبين كالكلام والسلام لسلم وبين فيكون البيان ~~بمعنى تبين الشيء ويكون بمعنى بينت الشيء أي اوضحته وهذا هو الغالب عليه ~~ومنه قوله ( ان من البيان لسحرا ( # والمقصود ببيان الكلام حصول ms2712 البيان لقلب المستمع حتى يتبين له الشيء ~~ويستبين كما قال تعالى @QB@ هذا بيان للناس @QE@ الآية ومع هذا فالذي لا ~~يستبين له كما قال تعالى @QB@ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى @QE@ وقال @QB@ وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ وقال @QB@ وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم @QE@ وقال @QB@ وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين @QE@ وقال @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ~~ما يتقون @QE@ وقال @QB@ يبين الله لكم أن تضلوا @QE@ PageV09P064 # وقال ~~@QB@ قل إني على بينة من ربي @QE@ الآية وقال @QB@ أفمن كان على بينة من ~~ربه @QE@ وقال @QB@ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات @QE@ وقال @QB@ يبين ~~الله لكم الآيات لعلكم تعقلون @QE@ # فأما الأشياء المعلومة التي ليس في زيادة وصفها إلا كثرة كلام وتفيهق ~~وتشدق وتكبر والافصاح بذكر الأشياء التي يستقبح ذكرها فهذا مما ينهى عنه ~~كما جاء في الحديث ( أن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما ~~تتخلل البقرة بلسانها ( وفي الحديث ( الحياء والعي شعبتان من الايمان ~~والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ( ولهذا قال ( إن طول صلاة الرجل وقصر ~~خطبته مئنة من فقهه ( وفي حديث سعد لما سمع ابنه أو لما وجد ابنه يدعو وهو ~~يقول ( اللهم أني اسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا وأعوذ بك من النار ~~وسلاسلها واغلالها وكذا وكذا قال يا بني إني سمعت رسول الله يقول ( سيكون ~~قوم يعتدون في الدعاء فاياك ان تكون منهم إنك إن أعطيت الجنة اعطيتها وما ~~فيها من الخير وان اعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر ( # وعامة الحدود المنطقية هي من هذا الباب حشو لكلام كثير يبينون به الأشياء ~~وهي قبل بيانهم ابين منها بعد بيانهم فهي مع كثرة ما فيها من تضييع الزمان ~~وإتعاب الفكر واللسان لا توجب إلا العمى والضلال وتفتح باب PageV09P065 ~~المراء والجدال إذ كل منهم يورد على حد الآخر من الأسئلة ما يفسد به ويزعم ~~سلامة حده منه ms2713 وعند التحقيق تجدهم متكافئين أو متقاربين ليس لأحدهم على ~~الآخر رجحان مبين فأما أن يقبل الجميع أو يرد الجميع أو يقبل من وجه [ ويرد ~~من وجه ] # هذا في الحدود التي تشترك في تمييز المحدود وفصله عما سواه واما متى ادخل ~~احدهما في الحد ما أخرجه الآخر أو بالعكس فالكلام في هذا علم يستفاد به حد ~~الاسم ومعرفة عمومه وخصوصه مثل الكلام في حد الخمر هل هي عصير العنب المشتد ~~أم هي كل مسكر وحد الغيبة ونحو ذلك # وهذا هو الذي يتكلم فيه العلماء كما قيل للنبي ( ما الغيبة قال ذكرك اخاك ~~بما يكره الحديث ) وكذلك قوله ( كل مسكر خمر ( وقول عمر على المنبر ( الخمر ~~ما خامر العقل ( وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما قال ( لا يدخل الجنة من ~~كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال له رجل يا رسول الله الرجل يحب ان يكون ~~نعله حسنا وثوبه حسنا افمن الكبر ذلك فقال لا إن الله جميل يحب الجمال ~~الكبر بطر الحق وغمط الناس ( ومنه تفسير الكلام وشرحه وبيانه # فكل من شرح كلام غيره وفسره وبين تاويله فلا بد له من معرفة حدود الأسماء ~~التي فيه PageV09P066 فكل ما كان من حد بالقول فإنما هو حد للاسم بمنزلة ~~الترجمة والبيان فتارة يكون لفظا محضا إن كان المخاطب يعرف المحدود وتارة ~~يحتاج إلى ترجمة المعنى وبيانه إذا كان المخاطب لم يعرف المسمى وذلك يكون ~~بضرب المثل أو تركيب صفات وذلك لا يفيد تصوير الحقيقة لمن لم يتصورها بغير ~~الكلام فليعلم ذلك # واما ما يذكرونه من حد الشيء أو الحد بحسب الحقيقة أو حد الحقائق فليس ~~فيه من التمييز إلا ذكر بعض الصفات التي للمحدود كما تقدم وفيه من التخليط ~~ما قد نبهنا على بعضه # وأما ( مسألة القياس ) فالكلام عليه في مقامين # ( احدهما ) في القياس المطلق الذى جعلوه ميزان العلوم وحرروه في المنطق # و ( الثانى ) في جنس الأقيسة التى يستعملونها في العلوم # أما ( الأول ) فنقول لا نزاع ان المقدمتين اذا كانتا معلومتين ms2714 والفتا على ~~الوجه المعتدل انه يفيد العلم بالنتيجة وقد جاء في صحيح مسلم مرفوعا ( كل ~~مسكر خمر وكل خمر حرام ) لكن هذا لم يذكره النبى صلى الله عليه وسلم ليستدل ~~به على منازع ينازعه بل التركيب في هذا كما قال ايضا PageV09P067 في الصحيح ~~( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ) اراد ان يبين لهم ان جميع المسكرات داخلة في ~~مسمى الخمر الذى حرمه الله فهو بيان لمعنى الخمر وهم قد علموا ان الله حرم ~~الخمر وكانوا يسألونه عن أشربة من عصير العنب كما في الصحيحين عن ابى موسى ~~انه ( سئل عن شراب يصنع من الذرة يسمى المزر وشراب يصنع من العسل يسمى ~~البتع وكان قد اوتى جوامع الكلم فقال كل مسكر حرام فاراد ان يبين لهم ~~بالكلمة الجامعة وهى القضية الكلية ان كل مسكر خمر ثم جاء بما كانوا ~~يعلمونه من أن ( كل خمر حرام ) حتى يثبت تحريم المسكر في قلوبهم كما صرح به ~~في قوله ( كل مسكر حرام ولو اقتصر على قوله ( كل مسكر حرام ) لتأوله متأول ~~على انه اراد القدح الاخير كما تأوله بعضهم ولهذا قال أحمد قوله ( كل مسكر ~~خمر ) ابلغ فانهم لا يسمون القدح الاخير خمرا ولو قال 0 كل مسكر خمر ) فقط ~~لتأوله بعضهم على انه يشبه الخمر في التحريم فلما زاد ( وكل خمر حرام ) علم ~~انه أراد دخوله في إسم الخمر التى حرمها الله # والغرض هنا ان صورة القياس المذكورة فطرية لا تحتاج إلى تعلم بل هي عند ~~الناس بمنزلة الحساب ولكن هؤلاء يطولون العبارات ويغربونها PageV09P068 ~~وكذلك انقسام المقدمة التى تسمى ( القضية ) وهى الجملة الخبرية إلى خاص ~~وعام ومنفى ومثبت ونحو ذلك وان القضية الصادقة يصدق عكسها وعكس نقيضها ~~ويكذب نقيضها وان جملتها تختلف ونحوذلك # وكذلك تقسيم القياس إلى الحملى الافرادى والاستثنائى التلازمي والتعاندي ~~وغير ذلك غالبه وإن كان صحيحا ففيه ما هو باطل والحق الذى هو فيه فيه من ~~تطويل الكلام وتكثيرة بلا فائدة ومن سوء التعبير والعي في البيان ومن ~~العدول عن الصراط ms2715 المستقيم القريب إلى الطريق المستدير البعيد ماليس هذا ~~موضع بيانه # فحقه النافع فطرى لا يحتاج إليه وما يحتاج إليه ليس فيه منفعة إلا معرفة ~~اصطلاحهم وطريقهم أو خطئهم # وهذا شأن كل ذى مقالة من المقالات الباطلة فانه لابد منه في معرفة لغته ~~وضلاله فاحتيج إليه لبيان ضلاله الذى يعرف به الموقنون حاله ويستبين لهم ما ~~بين الله من حكمه جزاءا وامرا وان هؤلاء داخلون فيمايذم به من تكلف القول ~~الذى لا يفيد وكثرة الكلام الذى لا ينفع # والمقصود هنا ذكر وجوه PageV09P069 ### || الوجه الأول # ان القياس المذكور لا يفيد علما الا بواسطة قضية كلية موجبه فلا بد من ~~كلية جامعة ثابتة في كل قياس وهذا متفق عليه معلوم ايضا ولهذا قالوا لا ~~قياس عن سالبتين ولا عن جزئيتين واذا كان كذلك وجب ان تكون العلوم الكلية ~~الكلمات الجامعة هي أصول الأقيسة والأدلة وقواعدها التى تبنى عليها وتحتاج ~~اليها # ثم قالوا ان مبادئ القياس البرهانى هي العلوم اليقينية التى هي الحسيات ~~الباطنة والظاهرة والعقليات والبديهيات والمتواترات والمجربات وزاد بعضهم ~~الحدسيات وليس في شيء من الحسيات الباطنة والظاهرة قضايا كلية اذ الحس ~~الباطن والظاهر لا يدرك الا أمورا معينة لا تكون الا اذا كان المخبر ادرك ~~ما أخبر به بالحس فهي تبع للحسيات وكذلك التجربة انما تقع على أمور معينة ~~محسوسة وانما يحكم العقل على النظائر بالتشبية وهو قياس التمثيل والحدسيات ~~عند من يثبتها منهم من جنس التجريبيات # لكن الفرق ان التجربة تتعلق بفعل المجرب كالاطعمة والاشربه والادوية ~~PageV09P070 والحدس يتعلق بغير فعل كاختلاف اشكال القمر عند اختلاف مقابلته ~~للشمس وهو في الحقيقة تجربة علمية بلا عمل فالمستفاد به ايضا أمور معينة ~~جزئية لا تصير عامة الا بواسطة قياس التمثيل وأما البديهيات وهى العلوم ~~الاولية التى يجعلها الله في النفوس ابتداء بلا واسطة مثل الحساب وهى ~~كالعلم بان الواحد نصف الاثنين فإنها لا تفيد العلم بشيء معين موجود في ~~الخارج مثل الحكم على العدد المطلق والمقدار المطلق وكالعلم بأن الأشياء ~~المساوية لشيء واحد هي ms2716 متساوية في انفسها فانك اذا حكمت على موجود في ~~الخارج لم يكن الا بواسطة الحس مثل العقل فان العقل انما هو عقل ما علمته ~~بالاحساس الباطن أو الظاهر بعقل المعانى العامة أو الخاصة # فأما ان العقل الذى هو عقل الأمور العامة التى افرادها موجوده في الخارج ~~يحصل بغير حس فهذا لا يتصور واذا رجع الانسان إلى نفسه وجد انه لا يعقل ذلك ~~مستغنيا عن الحس الباطن والظاهر لكليات مقدرة في نفسه مثل الواحد والاثنين ~~والمستقيم والمنحنى والمثلث والمربع والواجب والممكن والممتنع ونحو ذلك مما ~~يفرضه هو ويقدره فاما العلم بمطابقة ذلك المقدر للموجود في الخارج والعلم ~~بالحقائق الخارجية فلابد فيه من الحس الباطن أو الظاهر فاذا اجتمع الحس ~~والعقل كاجتماع البصر والعقل امكن أن يدرك الحقائق الموجودة المعينة ويعقل ~~حكمها العام PageV09P071 الذى يندرج فيه أمثالها [ لا ] أضدادها ويعلم ~~الجمع والفرق وهذا هو اعتبار العقل وقياسه # وإذا انفرد الاحساس الباطن أو الظاهر ادرك وجود الموجود المعين واذا ~~انفرد المعقول المجرد علم الكليات المقدرة فيه التى قد يكون لها وجود في ~~الخارج وقد لا يكون ولا يعلم وجود اعيانها وعدم وجود أعيانها الا باحساس ~~باطن أو ظاهر فانك اذا قلت موجود [ ان ] المائة عشر الالف لم تحكم على شيء ~~في الخارج بل لو لم يكن في العالم ما يعد بالمائة والالف لكنت عالما بأن ~~المائة المقدرة في عقلك عشرالالف ولكن اذا أحسست بالرجال والدواب والذهب ~~والفضة واحسست بحسك أو بخبر من احس ان هناك مائة رجل أودرهم وهناك الف ونحو ~~ذلك حكمت على أحد المعدودين بانه عشر الآخر فأما المعدودات فلا تدرك الا ~~بالحس والعدد المجرد يعقل بالقلب وبعقل القلب والحس يعلم العدد والمعدود ~~جميعا وكذلك المقادير الهندسية هي من هذا الباب فالعلوم الاولية البديهية ~~العقلية المحضة ليست الا في المقدرات الذهنية كالعدد والمقدار لا في الأمور ~~الخارجية الموجودة PageV09P072 فإذا كانت مواد القياس البرهانى لا يدرك ~~بعامتها الا أمور معينة ليست كلية وهى الحس الباطن والظاهر والتواتر ~~والتجربة والحدس والذى يدرك الكليات ms2717 البديهية الأولية انما يدرك امورا ~~مقدرة ذهنية لم يكن في مبادئ البرهان ومقدماته المذكورة ما يعلم به قضية ~~كلية عامة للأمور الموجودة في الخارج والقياس لا يفيد العلم الابواسطة قضية ~~كلية فامتنع حينئذ أن يكون فيما ذكروه من صورة القياس ومادته حصول علم ~~يقينى وهذا بين لمن تأمله وبتحريره وجودة تصوره تنفتح علوم عظيمة ومعارف ~~وسنبين إن شاء الله من أى وجه وقع عليهم اللبس # فتدبر هذا فانه من أسرار عظائم العلوم التى يظهر لك به ما يجل عن الوصف ~~من الفرق بين الطريقة الفطرية العقلية السمعية الشرعية الإيمانية وبين ~~الطريقة القياسية المنطقية الكلامية وقد تبين لك باجماعهم وبالعقل أن ~~القياس المنطقى لا يفيد إلا بواسطة قضية وتبين لك أن القضايا التى [ هي ] ~~عندهم مواد البرهان وأصوله ليس فيها قضية كلية للأمور الموجودة وليس فيها ~~ما تعلم به القضية الكلية إلا العقل المجرد الذى يعقل المقدرات الذهنية ~~واذا لم يكن في أصول برهانهم علم بقضية عامة للأمور الموجودة لم يكن في ذلك ~~علم PageV09P073 وليس فيما ذكرناه ما يمكن النزاع فيه الا القضايا البديهية ~~فان فيها عموما وقد يظن أن به تعلم الامور الخارجة فيفرض انها تفيد العلوم ~~الكلية لكن بقية المبادئ ليس فيها علم كلي # فكان الواجب ان لا يجعل مقدمة البرهان الا القضايا العقلية البديهية ~~المحضة اذ هي الكلية وأما بقية القضايا فهي جزئية فكيف يصلح أن تجعل من ~~مقدمات البرهان الا أن يقال تعلم بها أمور جزئية وبالعقل امور كلية ~~فبمجموعهما يتم البرهان كما يعلم بالحس أن مع هذا ألف درهم ومع هذاالفان ~~ويعلم بالعقل ان الاثنين اكثر من الواحد فيعلم أن مال هذا أكثر # فيقال هذا صحيح لكن هذا انما يفيد قضية جزئية معينة وهو كون مال هذا اكثر ~~من مال هذا والأمور الجزئية المعينة لا تحتاج في معرفتها إلى قياس بل قد ~~تعلم بلا قياس وتعلم بقياس التمثيل وتعلم بالقياس عن جزئيتين فانك تعلم ~~بالحس أن هذا مثل هذا وتعلم أن هذا من نعته كيت وكيت ms2718 فتعلم ان الآخر مثله ~~وتعلم ان حكم الشيء حكم مثله وكذلك قد يعلم أن زيدا اكبر من عمرو وعمرا ~~أكبر من خالد وامثال هذه الأمور المعينة التى تعلم بدون قياس الشمول الذى ~~اشترطوا فيه ما اشترطوا PageV09P074 فقد تبين ان هذا القياس العقلى المنطقي ~~الذى وضعوه وحددوه لا يعلم بمجرده شيء من العلوم الكلية الثابتة في الخارج ~~فبطل قولهم ( انه ميزان العلوم الكلية البرهانية ) ولكن يعلم به امور معينة ~~شخصية جزئية وتلك تعلم بغيره اجود مما تعلم به وهذا هو ### || الوجة الثانى # فنقول اما الأمور الموجودة المحققة فتعلم بالحس الباطن والظاهر وتعلم ~~بالقياس التمثيلى وتعلم بالقياس الذى ليس فيه قضية كلية ولا شمول ولا عموم ~~بل تكون الحدود الثلاثة فيه الأصغر والأوسط والأكبر اعيانا جزئية ~~والمقدمتان والنتيجة قضايا جزئية وعلم هذه الأمور المعينة بهذه الطرق أصح ~~وأوضح واكمل فان من رأى بعينه زيدا في مكان وعمرا في مكان آخر استغنى عن ان ~~يستدل على ذلك بكون الجسم الواحد لا يكون في مكانين وكذلك من وزن دراهم كل ~~منها ألف درهم استغنى عن ان يستدل على ألف درهم منها بأنها مساوية للصنجة ~~وهى شيء واحد والاشياء المساوية لشيء واحد متساوية وأمثال ذلك كثير ولهذا ~~يسمى هؤلاء اهل كلام أى لم يفيدوا علما لم يكن معروفا وانما اتوا بزيادة ~~كلام قد لايفيد وهو ما ضربوه من القياس لايضاح ماعلم بالحس وان كان هذا ~~PageV09P075 ضربوه من القياس لايضاح ما علم بالحس وان كان هذا القياس ~~وأمثاله ينتفع به في موضع آخر ومع من ينكر الحس كما سنذكره إن شاء الله # وكذلك اذا علم الانسان ان هذا الدينار مثل هذا وهذا الدرهم مثل هذا وأن ~~هذه الحنطة والشعير مثل هذا ثم علم شيئا من صفات احدهما واحكامه الطبيعية ~~مثل الاغتذاء والانتفاع أو العادية مثل القيمة والسعر أو الشرعية مثل الحل ~~والحرمة علم ان حكم الآخر مثله فأقيسة التمثيل تفيد اليقين بلا ريب اعظم من ~~اقيسة الشمول ولا يحتاج مع العلم بالتماثل إلى ان يضرب لهما ms2719 قياس شمول بل ~~يكون من زيادة الفضول وبهذ ا الطريق عرفت القضايا الجزئية بقياس التمثيل # ومن قال إنذلك بواسطة قياس شمول ينعقد في النفس وهو ان هذا لوكان اتفاقيا ~~لما كان اكثريا فقد قال الباطل فان الناس العالمين بما جربوه لا يخطر ~~بقلوبهم هذا ولكن بمجرد علمهم بالتماثل يبادرون إلى التسوية في الحكم لأن ~~نفس العلم بالتماثل يوجب ذلك بالبديهة العقلية فكما علم بالبديهة العقلية ~~ان الواحد نصف الاثنين علم بها ان حكم الشيء PageV09P076 حكم مثله وان ~~الواحد مثل الواحد كما علم ان الاشياء المساوية لشيء واحد متساوية # فالتماثل والاختلاف في الصفة أو القدر قد يعلم بالاحساس الباطن والظاهر ~~والعلم بأن المثلين سواء وإن الأكثر والأكبر اعظم وأرجح يعلم ببديهة العقل # وكذلك القياس المؤلف من قضايا معينة مثل العلم بأن زيدا اخو عمرو وعمرا ~~أخو بكر فزيد اخوبكر ومثل العلم بأن أبا بكر افضل من عمر وعمر أفضل من ~~عثمان وعلى فأبو بكر افضل من عثمان وعلى وان المدينة افضل من بيت المقدس ~~والمدينة لا يجب ان يحج اليها فبيت المقدس لا يحج إليه وقبر الرسول افضل ~~القبور ولا يشرع استلامة ولا تقبيلة فقبر فلان وفلان وفلان لا يشرع استلامه ~~ولا تقبيله وأمثال هذه الاقيسة ملء العالم وهذا ابلغ في افادة حكم المعين ~~من ذكر العام فدلالة الاسم الخاص على المعين ابلغ من الدلالة عليه بالاسم ~~العام وان كان في العام أمور اخرى ليست في الخاص # فتبين ان المعلوم من الأمور المعينة يعلم بالحس وبقياس التمثيل والاقيسة ~~المعينة اعظم مما يعلم اعيانها بقياس الشمول فاذا كان قياس الشمول الذى ~~حرروه لا يفيد الأمور الكلية كما تقدم ولا تحتاج إليه الامور المعينة ~~PageV09P077 كما تبين لم يبق فيه فائدة اصلا ولم يحتج إليه في علم كلي ولا ~~علم معين بل صار كلامهم في القياس الذى حرروه كالكلام في الحدود وهذا هذا ~~فتدبره فانه عظيم القدر ### || الوجه الثالث # ان يقال اذا كان لابد في القياس من قضية كلية والحس لا يدرك الكليات ~~وانما ms2720 تدرك بالعقل ولا يجوز أن تكون معلومة بقياس آخر لما يلزم من الدور أو ~~التسلسل فلابد من قضايا كلية تعقل بلا قياس كالبديهيات التى جعلوها # فنقول اذ وجب الاعتراف بأن من العلوم الكلية العقلية ما يبتدئ في النفوس ~~ويبدهها بلا قياس وجب الجزم بأن العلوم الكلية العقلية قد تستغنى عن القياس ~~وهذا مما اعترفوا به هم وجميع بنى آدم ان من التصور والتصديق ما هو بديهى ~~لا يحتاج إلى كسب بالحد والقياس والا لزم الدور أو التسلسل واذا كان كذلك ~~فنقول اذا جاز هذا في علم كلى جاز في آخر إذ ليس بين ما يمكن ان يعلم ~~ابتداء من العلوم البديهية وما لا يجوز أن يعلم PageV09P078 فصل يطرد بل ~~هذا يختلف باختلاف قوة العقل وصفائه وكثرة ادراك الجزئيات التى تعلم ~~بواسطتها الامور الكلية فما من علم من الكليات إلا وعلمه يمكن بدون القياس ~~المنطقى فلا يجوز الحكم بتوقف شيء من العلوم الكلية عليه وهذا يتبين ### || بالوجه الرابع # وهو ان نقول هب أن صورة القياس المنطقي ومادته تفيد علوما كلية لكن من ~~اين يعلم ان العلم الكلي لا ينال حتى يقول هؤلاء المتكلفون القافون ما ليس ~~لهم به علم هم ومن قلدهم من أهل الملل وعلمائهم إن ما ليس ببديهي من ~~التصورات والتصديقات لا يعلم الا بالحد والقياس وعدم العلم ليس علما بالعدم ~~فالقائل لذلك لم يمتحن احوال نفسه ولو امتحن احوال نفسه لوجد له علوما كلية ~~بدون القياس المنطقي وتصورات كثيرة بدون الحد وأن علم ذلك من نفسه أو بني ~~جنسه فمن أين له ان جميع بني آدم مع تفاوت فطرهم وعلومهم ومواهب الحق لهم ~~هم بمنزلته وان الله لا يمنح احدا علما الا بقياس منطقي ينعقد في نفسه حتى ~~يزعم هؤلاء ان الأنبياء كانوا كذلك بل صعدوا إلى رب العالمين وزعموا ان ~~علمه بأمور خلقه انما هو بواسطة القياس المنطقي وليس معهم بهذا النفي الذي ~~لم يحيطوا بعلمه من حجة الاعدم PageV09P079 العلم فيدعون العلم وقد تكلموا ~~بهذه القضية الكلية ms2721 السالبة التي تعم ما لا يحصى عدده إلا الله بلا علم لهم ~~بها اصلا ونزيد هذا بيانا ### || بالوجه الخامس # وهو ان المبادئ المذكورة التي جعلوها مفيدة لليقين وهي الحسيات الباطنة ~~والظاهرة والبديهيات والتجريبيات والحدسيات لا ريب انها تفيد اليقين الحسي ~~فمن أين لهم ان اليقين لا يحصل بغيرها لابد من دليل على النفي حتى يصح ~~قولهم لا يحصل اليقين بدونها # فهذا صحيح لكنه ليس هو قول رؤوسهم # ولا ريب ان من له عقل وإيمان يجب ان يخالفهم في تكذيبهم بالحق الخارج عن ~~هذا الطريق # ومن هذا الموضع صار منافقا وتزندق من نافق منهم وصار عند عقلاء الناس من ~~أهل الملل وغيرهم ان المنطق مظنة التكذيب بالحق والعناد والزندقة والنفاق ~~حتى حكى لنا بعض الناس ان شخصا من الاعاجم جاء ليقرأ على بعض شيوخهم منطقا ~~فقرأ منه قطعة ثم قال حواجا أي باب ترك الصلاة فضحكوا منه PageV09P080 # وهذا موجود بالاستقراء ان من حسن الظن بالمنطق واهله إن لم يكن له مادة ~~من دين وعقل يستفيد بها الحق الذي ينتفع به وإلا فسد عقله ودينه # ولهذا يوجد فيهم من الكفر والنفاق والجهل والضلال وفساد الأقوال والأفعال ~~ما هو ظاهر لكل ناظر من الرجال ولهذا كان أول من خلطه بأصول الفقه ونحوه من ~~العلوم الاسلامية كثير الاضطراب # فانه كان كثير من فضلاء المسلمين وعلمائهم يقولون المنطق كالحساب ونحوه ~~مما لا يعلم به صحة الاسلام ولا فساده ولا ثبوته ولا انتفاؤه # فهذا كلام من رأي ظاهره وما فيه من الكلام على الامور المفردة لفظا ومعنى ~~ثم على تأليف المفردات وهو القضايا ونقيضها وعكسها المستوى وعكس النقيض ثم ~~على تاليفها بالحد والقياس وعلى مواد القياس وإلا فالتحقيق أنه مشتمل على ~~امور فاسدة ودعاوى باطلة كثيرة لا يتسع هذا الموضع لاستقصائها والله اعلم ~~والحمد لله رب العالمين # وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله محمد الداعي إلى الهدى والرشاد وعلى ~~آله ومن اتبع هداه PageV09P081 ### || 1 ( مختصر الرد على منطق اليونان ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام أحمد ms2722 بن تيمية قدس الله روحه # أما بعد فأني كنت دائما اعلم ان المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ~~ينتفع به البليد ولكن كنت احسب ان قضاياه صادقة لما رأينا من صدق كثير منها ~~ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئا ولما كنت ~~بالاسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد فذكرت له ~~بعض ما يستحقونه من التجهيل والتضليل واقتضى ذلك اني كتبت في قعدة بين ~~الظهر والعصر من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة # ولم يكن ذلك من همتي لأن همتي كانت فيما كتبته عليهم في ( الالهيات ( ~~وتبين لي ان كثيرا مما ذكروه في المنطق هو من اصول فساد قولهم في الالهيات ~~PageV09P082 مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات ~~وما ذكروه من حصر طرق العلم فيما ذكروه من الحدود والأقيسة البرهانيات بل ~~ما ذكروه من الحدود التي بها تعرف التصورات بل ما ذكروه من صور القياس ~~ومواده اليقينيات # فأراد بعض الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم في المنطق ~~فأذنت في ذلك لأنه يفتح باب معرفة الحق وإن كان ما فتح من باب الرد عليهم ~~يحتمل اضعاف ما علقته فاعلم أنهم بنوا ( المنطق ) على الكلام في الحد ونوعه ~~والقياس البرهانى ونوعه قالوا لان العلم إما تصور وإما تصديق فالطريق الذى ~~ينال به التصور هو الحد والطريق الذى ينال به التصديق هو القياس فنقول # الكلام في ( اربع مقامات ) مقامين سالبين ومقامين موجبين فالاولان ( ~~احدهما ) في قولهم ان التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد # و ( الثانى ) أن التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس # والآخران في ان الحد يفيد العلم بالتصورات وان القياس أو البرهان الموصوف ~~يفيد العلم بالتصديقات PageV09P083 ### || المقام الأول # في قولهم ( أن التصور لا ينال إلا بالحد ( والكلام عليه من وجوه # ( الأول ) لا ريب أن النافي عليه الدليل كالمثبت والقضية سلبية أو ~~إيجابية إذا لم تكن بديهية لا بد لها من دليل واما السلب بلا ms2723 علم فهو قول ~~بلا علم فقولهم لا تحصل التصورات إلا بالحد قضية سالبة وليست بديهية فمن ~~أين لهم ذلك وإذا كان هذا قولا بلا علم وهو أول ما اسسوه فكيف يكون القول ~~بلا علم اساسا لميزان العلم ولما يزعمون أنها آله قانونية تعصم مراعاتها ~~الذهن عن ان يزل في فكره # ( الثاني ) أن يقال الحد يراد به نفس المحدود وليس مرادهم هنا ويراد به ~~القول الدال على ما هية المحدود وهو مرادهم هنا وهو تفصيل ما دل عليه الاسم ~~بالاجمال فيقال اذا كان الحد قول الحاد فالحاد إما أن يكون عرف المحدود بحد ~~أو بغير حد فإن كان الأول فالكلام في الحد الثاني كالكلام في الأول وهو ~~مستلزم للدور أو التسلسل وإن كان الثاني بطل سلبهم وهو قولهم إنه لا يعرف ~~إلا بالحد # ( الثالث ) أن الأمم جميعهم من أهل العلوم والمقالات واهل الأعمال ~~PageV09P084 والصناعات يعرفون الامور التي يحتاجون إلى معرفتها ويحققون ما ~~يعانونه من العلوم والاعمال من غير تكلم بحد ولا نجد احدا من ائمة العلوم ~~يتكلم بهذه الحدود لا ائمة الفقه ولا النحو ولا الطب ولا الحساب ولا أهل ~~الصناعات مع أنهم يتصورون مفردات علمهم فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود # ( الرابع ) إلى الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم على اصلهم بل اظهر ~~الاشياء الانسان وحده بالحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورة وكذا حد ~~الشمس وامثاله حتى ان النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود ذكروا للاسم بضعة ~~وعشرين حدا وكلها معترضة على اصلهم والاصوليون ذكروا للقياس بضعة وعشرين ~~حدا وكلها أيضا معترضة وعامة الحدود المذكورة في كتب الفلاسفة والاطباء ~~والنحاة وأهل الأصول والكلام معترضة لم يسلم منها الا القليل فلو كان تصور ~~الاشياء موقوفا على الحدود ولم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئا من هذه ~~الامور والتصديق موقوف على التصور فإذا لم يحصل تصور لم يحصل تصديق فلا ~~يكون عند بني آدم علم من عامة علومهم وهذا من أعظم السفسطة # ( الخامس ) أن تصور الماهية إنما يحصل عندهم بالحد الحقيقي المؤلف ms2724 من ~~الذاتيات المشتركة والمميزة وهو المركب من الجنس والفصل وهذا الحد إما ~~متعذر أو متعسر كما قد اقروا بذلك وحينئذ فلا يكون قد تصور PageV09P085 ~~حقيقة من الحقائق دائما أو غالبا وقد تصورت الحقائق فعلم استغناء التصور عن ~~الحد # ( السادس ) ان الحدود عندهم إنما تكون للحقائق المركبة وهي الانواع التي ~~لها جنس وفصل فأما ما لا تركيب فيه وهو ما لا يدخل مع غيره تحت جنس كما ~~مثله بعضهم بالعقل فليس له حد وقد عرفوه وهو من التصورات المطلوبة عندهم ~~فعلم استغناء التصور عن الحد بل إذا امكن معرفة هذا بلا حد فمعرفة تلك ~~الانواع اولى لأنها اقرب إلى الجنس واشخاصها مشهورة # وهم يقولون أن التصديق لا يتوقف على التصور التام الذي يحصل بالحد ~~الحقيقي بل يكفي فيه أدنى تصور ولو بالخاصة وتصور العقل من هذا الباب وهذا ~~اعتراف منهم بأن جنس التصور لا يتوقف على الحد الحقيقي # ( السابع ) أن سامع الحد أن لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات الفاظه ~~ودلالتها على معانيها المفردة لم يمكنه فهم الكلام والعلم بأن اللفظ دال ~~على المعنى وموضوع له مسبوق بتصور المعنى وان كان متصورا لمسمى اللفظ ~~ومعناه قبل سماعه امتنع أن يقال إنما تصوره بسماعه # ( الثامن ) إذا كان الحد قول الحاد فمعلوم أن تصور المعاني PageV09P086 ~~لا يفتقر إلى الألفاظ فإن المتكلم قد يصور معنى ما يقوله بدون لفظ والمستمع ~~يمكنه ذلك من غير مخاطب بالكلية فكيف يقال لا تتصور المفردات الا بالحد # ( التاسع ) ان الموجودات المتصورة اما أن يتصورها الانسان بحواسه الظاهرة ~~كالطعم واللون والريح والاجسام التي تحمل هذه الصفات أو الباطنة كالجوع ~~والحب والبغض والفرح والحزن واللذة والالم والارادة والكراهة وامثال ذلك ~~وكلها غنية عن الحد # ( العاشر ) انهم يقولون للمعترض ان يطعن على الحد بالنقض في الطرد أو في ~~المنع وبالمعارضة بحد آخر فإذا كان المستمع للحد يبطله بالنقض تارة ~~وبالمعارضة اخرى ومعلوم ان كليهما لا يمكن الا بعد تصور المحدود علم أنه ~~يمكن تصور المحدود بدون الحد وهو المطلوب # ( الحادي عشر ms2725 ) أنهم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج ~~إلى حد وحينئذ فيقال كون العلم بديهيا أو نظريا من الامور النسبية الاضافية ~~فقد يكون النظري عند رجل بديهيا عند غيره لوصوله إليه بأسبابه من مشاهدة أو ~~تواتر أو قرائن والناس يتفاوتون في الادراك تفاوتا لا ينضبط فقد يصير ~~البديهي عند هذا دون ذاك بديهيا كذلك أيضا بمثل الاسباب التي حصلت لهذا ولا ~~يحتاج إلى حد PageV09P087 ### || المقام الثاني # وهو ( الحد يفيد تصور الأشياء ( فنقول المحققون من النظار على ان الحد ~~فائدته التمييز بين المحدود وغيره كالاسم ليس فائدته تصوير المحدود وتعريف ~~حقيقته وإنما يدعى هذا أهل المنطق اليونانيون أتباع ارسطو ومن سلك سبيلهم ~~تقليدا لهم من الإسلاميين وغيرهم فأما جماهير أهل النظر والكلام من ~~المسلمين وغيرهم فعلى خلاف هذا وإنما ادخل هذا من تكلم في اصول الدين ~~والفقه بعد أبي حامد في اواخر المائة الخامسة وهم الذين تكلموا في الحدود ~~بطريقة أهل المنطق اليوناني وأما سائر النظار من جميع الطوائف الأشعرية ~~والمعتزلة والكرامية والشيعة وغيرهم فعندهم إنما يفيد الحد التمييز بين ~~المحدود وغيره وذلك مشهور في كتب أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي ~~إسحاق وبن فورك والقاضي أبي يعلى وبن عقيل وإمام الحرمين والنسفى وأبي علي ~~وأبي هاشم وعبد الجبار والطوسي ومحمد بن الهيصم وغيرهم # ثم إن ما ذكره أهل المنطق من صناعة الحد لا ريب أنهم وضعوها وضعا وقد ~~كانت الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع وعامة الأمم ~~PageV09P088 بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم وهم إذا تدبروا وجدوا ~~انفسهم يعلمون حقائق الأشياء بدون هذه الصناعة الوضعية # ثم أن هذه الصناعة الوضعية زعموا أنها تفيد تعريف حقائق الأشياء ولا تعرف ~~الا بها وكلا هذين غلط ولما راموا ذلك لم يكن بد من أن يفرقوا بين بعض ~~الصفات وبعض اذ جعلوا التصور بما جعلوه ذاتيا فلا بد ان يفرقوا بين ما هو ~~ذاتي عندهم وما ليس كذلك فأدى ذلك إلى التفريق بين المتماثلات حيث جعلوا ~~صفة ذاتية دون ms2726 اخرى مع تساويهما أو تقاربهما وطلب الفرق بين المتماثلات ~~ممتنع وبين المتقاربات عسر فالمطلوب أما متعذر أو متعسر فإن كان متعذرا بطل ~~بالكلية وأن كان متعسرا فهو بعد حصوله ليس فيه فائدة زائدة على ما كان يعرف ~~قبل حصوله فصاروا بين ان يمتنع عليهم ما شرطوه أوينالوه ولا يحصل به ما ~~قصدوه على التقديرين فليس ما وضعوه من الحد طريقا لتصور الحقائق في نفس من ~~لا يتصورها بدون الحد وان كان قد يفيد من تمييز المحدود ما تفيده الأسماء # وقد تفطن الفخر الرازي لما عليه ائمة الكلام وقرر في ( محصله ( وغيره ان ~~التصورات لا تكون مكتسبة وهذا هو حقيقة قولنا ان الحد لا يفيد تصور المحدود # وهذا ( مقام شريف ( ينبغي أن يعرف فإنه لسبب اهماله دخل الفساد ~~PageV09P089 في العقول أو الأديان على كثير من الناس اذ خلطوا ما ذكره أهل ~~المنطق في الحدود بالعلوم النبوية التي جاءت بها الرسل التي عند المسلمين ~~واليهود والنصارى وسائر العلوم الطب والنحو وغير ذلك وصاروا يعظمون امر ~~الحدود ويزعمون أنهم هم المحققون لذلك وان ما ذكره غيرهم من الحدود إنما هي ~~لفظية لا تفيد تعريف الماهية والحقيقة بخلاف حدودهم ويسلكون الطرق الصعبة ~~الطويلة والعبارات المتكلفة الهائلة وليس لذلك فائدة الا تضييع الزمان ~~واتعاب الأذهان وكثرة الهذيان ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان وشغل النفوس ~~بما لا ينفعها بل قد يصدها عما لا بد منه واثبات الجهل الذي هو اصل النفاق ~~في القلوب وأن ادعت أنه اصل المعرفة والتحقيق وهذا من توابع الكلام الذي ~~كان السلف ينهون عنه وأن كان الذي ينهى عنه السلف خيرا واحسن من هذا اذ هو ~~كلام في ادلة واحكام # ولم يكن قدماء المتكلمين يرضون أن يخوضوا في الحدود على طريقة المنطقيين ~~كما جد في ذلك متأخروهم الذين ظنوا ذلك من التحقيق وإنما هو زيغ عن سواء ~~الطريق ولهذا لما كانت هذه الحدود ونحوها لا تفيد الانسان علما لم يكن عنده ~~وإنما تفيده كثرة كلام سموهم ( أهل الكلام ( وهذا لعمري في الحدود التي ms2727 ليس ~~فيها باطل فاما حدود المنطقيين التي يدعون PageV09P090 أنهم يصورون بها ~~الحقائق فأنها باطلة يجمعون بها بين المختلفين ويفرقون بين المتماثلين # والدليل على أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق من وجوه # ( إحدها ) أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه فقوله مثلا حد الانسان حيوان ~~ناطق قضية خبرية ومجرد دعوى خلية عن حجة فإما أن يكون المستمع لها عالما ~~بصدقها بدون هذا القول أولا فإن كان الأول ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة ~~بهذا الحد وأن كان الثاني عنده فمجرد قول المخبر الذي لا دليل معه لا يفيده ~~العلم وكيف وهو يعلم إنه ليس بمعصوم في قوله فتبين على التقديرين أن الحد ~~لا يفيد معرفة المحدود # فان قيل يفيده مجرد تصور المسمى من غير ان يحكم أنه هو ذلك المسئول عنه ~~مثلا أو غيره # قلنا فحينئذ يكون كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه وهو دلالة الاسم ~~على مسماه وهذا تحقيق ما قلناه من أن دلالة الحد كدلالة الاسم ومجرد الاسم ~~لا يوجب تصور المسمى لمن لم يتصوره دون ذلك بلا نزاع فكذلك الحد # ( الثاني ) أنهم يقولون الحد لا يمنع ولا يقام عليه دليل وإنما يمكن ~~PageV09P091 إبطاله بالنقض والمعارضة فيقال إذا لم يكن الحاد قد اقام دليلا ~~على صحة الحد امتنع أن يعرف المستمع المحدود به إذا جوز عليه الخطأ فإنه ~~إذا لم يعرف صحة الحد بقوله وقوله محتمل الصدق والكذب امتنع ان يعرفه بقوله # ومن العجب ان هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية ويجعلون العلم ~~بالمفرد اصل العلم بالمركب ويجعلون العمدة في ذلك على الحد الذي هو قول ~~الحاد بلا دليل وهو خبر واحد عن امر عقلي لا حسي يحتمل الصواب والخطا ~~والصدق والكذب ثم يعيبون على من يعتمد على الأمور السمعية على نقل الواحد ~~الذي معه من القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني زاعمين أن ~~خبر الواحد لا يفيد العلم وخبر الواحد وان لم يفد العلم لكن هذا بعينه ~~قولهم في الحد فإنه خبر واحد لا دليل على ms2728 صدقه بل ولا يمكن عندهم إقامة ~~الدليل على صدقه فلم يكن الحد مفيدا لتصور المحدود ولكن إن كان المستمع قد ~~تصور المحدود قبل هذا أو تصوره معه أو بعده بدون الحد وعلم أن ذلك حده علم ~~صدقه في حده وحينئذ فلا يكون الحد أفاد التصور وهذا بين # وتلخيصه أن تصور المحدود بالحد لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد وصدق ~~قوله لا يعلم بمجرد الخبر فلا يعلم المحدود بالحد # ( الثالث ) أن يقال لو كان الحد مفيدا لتصور المحدود لم يحصل PageV09P092 ~~ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد فإنه دليل التصور وطريقه وكاشفه فمن الممتنع ~~أن يعلم المعرف المحدود قبل العلم بصحة المعرف والعلم بصحة الحد لا يحصل ~~إلا بعد العلم بالمحدود اذ الحد خبر عن مخبر هو المحدود فمن الممتنع ان ~~يعلم صحة الخبر وصدقه قبل تصور المخبر عنه من غير تقليد للخبر وقبول قوله ~~فيما يشترك في العلم به المخبر والمخبر ليس هو من باب الاخبار عن الأمور ~~الغائبة # ( الرابع ) أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية والعرضية ~~ويسمونها اجزاء الحد واجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها ونحو ذلك ~~من العبارات فإن لم يعلم المستمع إن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع تصوره ~~وان علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد فثبت أنه على التقديرين لا ~~يكون قد تصوره بالحد وهذا بين # فإنه إذا قيل الانسان هو الحيوان الناطق ولا يعلم أنه الانسان احتاج إلى ~~العلم بهذه النسبة وان لم يكن متصورا لمسمى الحيوان الناطق احتاج إلى شيئين ~~تصور ذلك والعلم بالنسبة المذكورة وان عرف ذلك كان قد تصور الانسان بدون ~~الحد نعم الحد قد ينبه على تصور المحدود كما ينبه الاسم فإن الذهن قد يكون ~~غافلا عن الشيء فإذا سمع اسمه وحده اقبل بذهنه إلى الشيء الذي اشير إليه ~~بالاسم أو الحد فيتصوره فتكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم وتكون الحدود ~~للأنواع بالصفات كالحدود PageV09P093 للأعيان بالجهات كما اذا قيل حد الأرض ~~من الجانب القبلي كذا ومن الجانب ms2729 الشرقي كذا ميزت الأرض باسمها وحدها وحد ~~الأرض يحتاج إليه اذا خيف من الزيادة في المسمى أو النقص منه فيفيد ادخال ~~المحدود جميعه واخراج ما ليس منه كما يفيد الاسم وكذلك حد النوع وهذا يحصل ~~بالحدود اللفظية تارة وبالوضعية اخرى وحقيقة الحد في الموضعين بيان مسمى ~~الاسم فقط وتمييز المحدود عن غيره لا تصور المحدود # وإذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم والتسمية أمر لغوي وضعي رجع في ذلك ~~إلى قصد ذلك المسمى ولغته ولهذا يقول الفقهاء من الاسماء ما يعرف حده ~~بالشرع ومنها ما يعرف حده بالعرف # ومن هذا ( تفسير الكلام وشرحه ( اذا اريد به تبيين مراد المتكلم فهذا ~~يبنى على معرفة حدود كلامه واذا أريد به تبيين صحته وتقريره فإنه يحتاج إلى ~~معرفة دليل بصحته فالأول فيه بيان تصوير كلامه أو تصوير كلامه لتصوير ~~مسميات الاسماء بالترجمة تارة لمن يكون قد تصور المسمى ولم يعرف أن ذلك ~~اسمه وتارة لمن لم يكن قد تصور المسمى فيشار إلى المسمى بحسب الامكان اما ~~إلى عينه وأما إلى نظيره ولهذا يقال الحد تارة يكون للاسم وتارة يكون ~~للمسمى # وائمة المصنفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند ~~PageV09P094 التحقيق بهذا كما ذكره الغزالي في ( كتاب المعيار ( الذي صنفه ~~في المنطق وكذا يوجد في كلام بن سينا والرازي والسهروردي وفي غيرهم أن ~~الحدود فائدتها من جنس فائدة الاسماء وان ذلك من جنس الترجمة بلفظ عن لفظ ~~ومن هذا الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما بل تفسير القرآن وغيره من ~~انواع الكلام هو في اول درجاته من هذا الباب فإن المقصود ذكر مراد المتكلم ~~بتلك الاسماء وبذلك الكلام # وهذا الحد هم متفقون على انه من الحدود اللفظية مع ان هذا هو الذي يحتاج ~~إليه في اقراء العلوم المصنفة بل في قراءة جميع الكتب بل في جميع انواع ~~المخاطبات فإن من قرأ كتب النحو أو الطب أو غيرهما لا بد أن يعرف مراد ~~اصحابها بتلك الأسماء ويعرف مرادهم بالكلام المؤلف وكذلك من قرأ كتب ms2730 الفقه ~~والكلام والفلسفة وغير ذلك وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو في ~~كتاب الله تعالى وسنة رسوله ثم قد تكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية ~~ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله @QB@ الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله @QE@ والذي انزله على ~~رسوله فيه ما قد يكون الاسم ( غريبا ( بالنسبة إلى المستمع كلفظ ( ضيزى ) و ~~( قسورة و ( عسعس ) وامثال ذلك وقد يكون ( مشهورا ( لكن لا يعلم حده بل ~~يعلم معناه على سبيل الاجمال كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ~~PageV09P095 فتبين ان تعريف الشيء انما هو بتعريف عينه أو ما يشبهه فمن عرف ~~عين الشيء لا يفتقر في معرفته إلى حد ومن لم يعرفه فإنما يعرف به إذا عرف ~~ما يشبهه ولو من بعض الوجوه فيؤلف له من الصفات المشتبهة المشتركة بينه ~~وبين غيره ما يخص المعرف ومن تدقق هذا وجد حقيقته وعلم معرفة الخلق بما ~~اخبروا به من الغيب من الملائكة واليوم الآخر وما في الجنة والنار من أنواع ~~النعيم والعذاب وبطل قولهم في الحد # ( الخامس ) ان التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة فيمتنع أن يعلم ~~بالحد لأن الذهن أن كان شاعرا بها امتنع الطلب لأن تحصيل الحاصل ممتنع وان ~~لم يكن شاعرا بها امتنع من النفس طلب ما لا تشعر به فإن الطلب والقصد مسبوق ~~بالشعور # فإن قيل فالانسان يطلب تصور الملك والجن والروح واشياء كثيرة وهو لا يشعر ~~بها قيل قد سمع هذه الاسماء فهو يطلب تصور مسماها كما يطلب من سمع الفاظا ~~لا يفهم معانيها تصور معانيها وهو إذا تصور مسمى هذه الاسماء فلا بد أن ~~يعلم أنها مسماة بهذا الاسم اذ لو تصور حقيقة ولم يكن ذلك الاسم فيها لم ~~يكن تصور مطلوبه فهنا المتصور ذات وأنها مسماة بكذا وهذا ليس تصورا بالمعنى ~~فقط بل للمعنى ولاسمه وهذا لا ريب أنه يكون مطلوبا ولكن لا يوجب أن يكون ~~المعنى المفرد مطلوبا PageV09P096 # و ( أيضا ms2731 ) فأن المطلوب هنا لا يحصل بمجرد الحد بل لا بد من تعريف ~~المحدود بالاشارة إليه أو غير ذلك مما لا يكتفي فيه بمجرد اللفظ وإذا ثبت ~~امتناع الطلب للتصورات المفردة فإما أن تكون حاصلة للانسان فلا تحصل بالحد ~~فلا يفيد الحد التصور واما أن تكون حاصلة فمجرد الحد لا يوجب تصور المسميات ~~لمن لا يعرفها ومتى كان له شعور بها لم يحتج إلى الحد في ذلك الشعور الا من ~~جنس ما يحتاج إلى الاسم والمقصود هوالتسوية بين فائدة الحد وفائدة الاسم # ( السادس ) أن يقال المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد العام المؤلف من ~~الذاتيات دون العرضيات ومبنى هذا الكلام على الفرق بين الذاتي والعرضي وهم ~~يقولون الذاتي ما كان داخل الماهية والعرضي ما كان خارجا عنها وقسموه إلى ~~لازم للماهية ولازم لوجودها # وهذا الكلام الذي ذكروه مبني على اصلين فاسدين الفرق بين الماهية ووجودها ~~ثم الفرق بين الذاتي لها واللازم لها # ( فالأصل الأول ) قولهم أن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها ~~وهذا شبيه بقول من يقول المعدوم شيء وهو من افسد ما يكون واصل ضلالهم انهم ~~رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه ونحو ~~ذلك فقالوا لو لم يكن ثابتا لما كان كذلك كما انا نتكلم في حقائق ~~PageV09P097 الاشياء التي هي ماهياتها مع قطع النظر عن وجودها في الخارج ~~فتخيل الغالط أن هذه الحقائق والماهيات امور ثابتة في الخارج # والتحقيق أن ذلك كله امر ثابت في الذهن والمقدر في الأذهان أوسع من ~~الموجود في الأعيان وهو موجود وثابت في الذهن وليس هو في نفس الأمر لا ~~موجودا ولا ثابتا فالتفريق بين الوجود [ والثبوت وكذلك التفريق بين الوجود ~~] والماهية مع دعوى أن كليهما في الخارج غلط عظيم # وهؤلاء ظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة الانسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة ~~في الخارج غير الأعيان الموجودة في الخارج وانها أزلية لا تقبل الاستحالة ~~وهذه التي تسمى ( المثل الأفلاطونية ( ولم يقتصروا على ذلك بل أثبتوا أيضا ~~ذلك في ms2732 المادة والماهية والمكان فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ثابتة في ~~الخارج وهي الهيولى الأولية التي بنوا عليها قدم العالم وغلطهم فيها جمهور ~~العقلاء والكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط في غير هذا الموضع ~~والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ~~ووجودها في الخارج هو مبنى على هذا الأصل الفاسد وحقيقة الفرق الصحيح أن ~~الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء والوجود ما يكون في الخارج منه ~~PageV09P098 وهذا فرق صحيح فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت ~~معلوم لا ريب فيه وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود ~~فهو باطل # و ( الأصل الثاني ( وهو الفرق بين اللازم للماهية والذاتي لا حقيقة له ~~فإنه إن جعلت الماهية التي في الخارج مجردة عن الصفات اللازمة وامكن أن ~~يجعل الوجود الذي في الخارج مجردا عن هذه الصفات اللازمة وإن جعل هذا هو ~~نفس الماهية بلوازمها كان هذا بمنزلة أن يقال هذا ( الوجود بلوازمه ( وهما ~~باطلان فإن الزوجية والفردية للعدد مثلا مثل الحيوانية والنطق للانسان ~~وكلاهما إذا خطر بالبال منه الموصوف مع الصفة لم يمكن تقدير الموصوف دون ~~الصفة وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي يتقدم بصورة في الذهن فباطل من ~~وجهين # ( أحدهما ) أن هذا خبر عن وضعهم إذ هم يقدمون هذا في أذهانهم ويؤخرون هذا ~~وهذا حكم محض وكل من قدم هذا دون ذا فإنما قلدهم في ذلك # ومعلوم أن الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا فليس ~~إذا فرضنا هذا مقدما وهذا مؤخرا يكون هذا في الخارج كذلك وسائر بني آدم ~~الذين يقلدونهم في هذا الموضع لا يستحضرون هذا التقديم PageV09P099 ~~والتأخير ولو كان هذا فطريا كانت الفطرة تدركه بدون التقليد كما تدرك سائر ~~الأمور الفطرية والذي في الفطرة ان هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف وقد ~~يخطر بالبال وقد لا يخطر أما أن يكون هذا خارجا عن الذات وهذا داخلا في ~~الذات فهذا تحكم محض ms2733 ليس له شاهد لا في الخارج ولا في الفطرة # و ( الثاني ) أن كون الوصف ذاتيا للموصوف هو امر تابع لحقيقته التي هو ~~بها سواء تصورته اذهاننا أو لم تتصوره فلا بد إذا كان أحد الوصفين ذاتيا ~~دون الآخر أن يكون الفرق بينهما امرا يعود إلى حقيقتهما الخارجة الثابتة ~~بدون الذهن وإما أن يكون بين الحقائق الخارجة ما لا حقيقة له إلا مجرد ~~التقدم والتأخر في الذهن فهذا لا يكون إلا ان تكون الحقيقة والماهية هي ما ~~يقدر في الذهن لا ما يوجد في الخارج وذلك امر يتبع تقدير صاحب الذهن وحينئذ ~~فيعود حاصل هذا الكلام إلى امور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج ~~وهي التخيلات والتوهمات الباطلة وهذا كثير في أصولهم # ( السابع ) أن يقال هل يشترطون في الحد التام وكونه يفيد تصور الحقيقة ان ~~تتصور جميع صفاته الذاتية المشتركة بينه وبين غيره أم لا فإن شرطوا لزم ~~استيعاب جميع الصفات وإن لم يشترطوا واكتفوا بالجنس القريب دون غيره فهو ~~تحكم محض وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع PageV09P100 الأجناس أو يحذف جميع ~~الأجناس لم يكن لهم جواب إلا أن هذا وضعهم واصطلاحهم ومعلوم أن العلوم ~~الحقيقية لا تختلف باختلاف الأوضاع فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع ~~والاصطلاح الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف وهذا عين الضلال ~~والاضلال كمن يجيء إلى شخصين متماثلين فيجعل هذا مؤمنا وهذا كافرا وهذا ~~عالما وهذا جاهلا وهذا سعيدا وهذا شقيا من غير افتراق بين ذاتيهما بل بمجرد ~~وضعه واصطلاحه فهم مع دعواهم القياس العقلي يفرقون بين المتماثلات ويسوون ~~بين المختلفات # ( الثامن ) ان اشتراطهم ذكر الفصول المميزة مع تفريقهم بين الذاتي ~~والعرضي غير ممكن إذ ما من مميز هو من خواص المحدود المطابقة له في العموم ~~والخصوص إلا ويمكن الآخر أن يجعله عرضيا لازما للماهية # ( التاسع ) ان فيما قالوه دورا فلا يصح وذلك أنهم يقولون أن المحدود لا ~~يتصور الا بذكر صفاته الذاتية ثم يقولون الذاتي هو ما لا يمكن تصور ms2734 الماهية ~~بدون تصوره فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود حتى يتصور صفاته الذاتية ولا ~~يعرف ان الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي هو المحدود ولا يتصور الموصوف ~~حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين غيرها فتتوقف معرفة الذات على ~~معرفة PageV09P101 الذاتيات ويتوقف معرفة الذاتيات على معرفة الذات فلا ~~يعرف هو ولا تعرف الذاتيات وهذا كلام متين يجتاح اصل كلامهم ويبين أنهم ~~متحكمون فيما وضعوه لم يبنوه على اصل علمي تابع للحقائق لكن قالوا هذا ذاتي ~~وهذا غير ذاتي بمجرد التحكم ولم يعتمدوا على امر يمكن الفرق به بين الذاتي ~~وغيره فإذا لم يعرف المحدود الا بالحد والحد غير ممكن لم يعرف وذلك باطل # ( العاشر ) انه يحصل بينهم في هذا الباب نزاع لا يمكن فصله على هذا الأصل ~~وما استلزم تكافؤ الأدلة فهو باطل ### ||| فصل # قولهم ( أنه لا يعلم شيء من التصديقات الا بالقياس الذي ذكروا صورته ~~ومادته قضية سلبية ليست معلومة بالبديهة ولم يذكروا عليها دليلا اصلا ~~وصاروا مدعين ما لم يثبتوه قائلين بغير علم اذ العلم بهذا السلب متعذر على ~~اصلهم فمن اين لهم انه لا يمكن احدا من بني آدم أن يعلم شيئا من التصديقات ~~التي ليست بديهة عندهم الا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وصفوا مادته ~~وصورته PageV09P102 # ثم هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها نظري وانه ~~يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي وحينئذ فيأتي ما تقدم ~~في التصورات من ان الفرق بينهما إنما هو بالنسبة والاضافة فقد يكون النظري ~~عند شخص بديهيا عند غيره والبديهي من التصديقات ما يكفي تصور طرفيه موضوعه ~~ومحموله في حصول تصديقه فلا يتوقف على وسط يكون بينهما وهو الدليل الذي هو ~~الحد الأوسط سواء كان تصورالطرفين بديهيا أم لا ومعلوم أن الناس يتفاوتون ~~في قوى الأذهان اعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان # فمن الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية يباين بها غيره مباينة ~~كثيرة وحينئذ فيتصور الطرفين تصورا تاما بحيث ms2735 يتبين بذلك التصور التام ~~اللوازم التي لا تتبين لمن لم يتصوره وكون الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر ~~إليه في بعض القضايا بعض الناس دون بعض امر بين فإن كثيرا من الناس تكون ~~عنده القضية حسية أو مجربة أو برهانية أو متواترة وغيره أنما عرفها بالنظر ~~والاستدلال ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول للموضوع إلى دليل ~~لنفسه بل لغيره ويبين ذلك لغيره بأدلة هو غنى عنها حتى يضرب له امثالا ~~PageV09P103 # وقد ذكر المناطقة ان القضايا المعلومه بالتواتر والتجربه والحواس يختص ~~بها من علمها ولا تكون حجة على غيره بخلاف غيرها فإنها مشتركة يحتج بها على ~~المنازع وهذا تفريق فاسد وهو اصل من اصول الالحاد والكفر فإن المنقول عن ~~الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها يقول أحد هؤلاء بناء على هذا الفرق ~~هذا لم يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة علي وليس ذلك بشرط ومن هذا الباب ~~انكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل الحديث من الآثار ~~النبوية فإن هؤلاء يقولون أنها غير معلومة لنا كما يقول من يقول من الكفار ~~أن معجزات الأنبياء غير معلومة له وهذا لكونهم لم يعلموا السبب الموجب ~~للعلم بذلك والحجة قائمة عليهم تواتر عندهم أم لا # وقد ذهب الفلاسفة اهل المنطق إلى جهالات قولهم أن الملائكة هي العقول ~~العشرة وأنها قديمة ازلية وان العقل رب ما سواه وهذا شيء لم يقل مثله أحد ~~من اليهود والنصارى ومشركي العرب ولم يقل أحد ان ملكا من الملائكة رب ~~العالم كله ويقولون إن العقل الفعال مبدع كل ما تحت فلك القمر وهذا أيضا ~~كفر لم يصل إليه أحد من كفار أهل الكتاب ومشركي العرب ويقولون إن الرب لا ~~يفعل بمشيئته وقدرته وليس عالما بالجزئيات ولا يقدر أن يغير العالم بل ~~العالم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه PageV09P104 وانه إذا توجه ~~المستشفع إلى من يعظمه من الجواهر العالية كالعقول والنفوس والكواكب والشمس ~~والقمر فإنه يتصل بذلك المعظم المستشفع به فإذا فاض على ذلك ms2736 ما يفيض من جهة ~~الرب فاض على هذا من جهة شفيعه ويمثلونه بالشمس إذا طلعت على مرآة فانعكس ~~الشعاع الذي على المرآة على موضع آخر فأشرق بذلك الشعاع فذلك الشعاع حصل له ~~من مقابلة المرآة وحصل للمرآة بمقابلة الشمس # ويقولون إن الملائكة هي العقول العشرة أو القوى الصالحة في النفس وأن ~~الشياطين هي القوى الخبيثة وغير ذلك مما عرف فساده بالدلائل العقلية بل ~~بالضرورة من دين الرسول فإذا كان شرك هؤلاء وكفرهم أعظم من شرك مشركي العرب ~~وكفرهم فأي كمال للنفس في هذه الجهالات وهذا وأمثاله مفتقر إلى بسط كثير ~~والمقصود ذكر ما ادعوا في البرهان المنطقي # و ( أيضا ) فإذا قالوا إن العلوم لا تحصل الا بالبرهان الذي هو عندهم ~~قياس شمولي وعندهم لا بد فيه من قضية كلية موجبة ولهذا قالوا إنه لانتاج عن ~~قضيتين سالبتين ولا جزئيتين في شيء من أنواع القياس لا بحسب صورته كالحملي ~~والشرطي المتصل والمنفصل ولا بحسب مادته لا البرهاني ولا الخطابي ولا ~~الجدلي بل ولا الشعري PageV09P105 # فيقال إذا كان لا بد في كل ما يسمونه برهانا من قضية كلية فلا بد من ~~العلم بتلك القضية الكلية أي من العلم بكونها كلية والا فمتى جوز عليها ان ~~لا تكون كلية بل جزئية لم يحصل العلم بموجبها والمهملة والمطلقة التي يحتمل ~~لفظها ان تكون كلية وجزئية في قوة الجزئية وإذا كان لا بد في العلم الحاصل ~~بالقياس الذي يخصونه باسم البرهان من العلم بقضية كلية موجبة فيقال العلم ~~بتلك القضية ان كان بديهيا امكن ان يكون كل واحد من أفرادها بديهيا بطريق ~~الأولى وان كان نظريا احتاج إلى علم بديهي فيفضى إلى الدور المعيي أو ~~التسلسل في المتواترات وكلاهما باطل # وهكذا يقال في سائر القضايا الكلية التي يجعلونها مبادئ البرهان ويسمونها ~~( الواجب قبولها ( سواء كانت حسية ظاهرة أو باطنة وهي التي يحسها بنفسه أو ~~كانت من التجريبيات أو المتواترات أو الحدسيات عند من يجعل منها ما هو من ~~النفسيات الواجب قبولها مثل العلم بكون نور ms2737 القمر مستفادا من الشمس اذا رأى ~~اختلاف اشكاله عند اختلاف محاذاته للشمس كما يختلف اذا قاربها بعد الاجتماع ~~كما في ليلة الهلال وإذا كان ليلة الاستقبال عند الابدار # وهم متنازعون هل الحدس قد يفيد اليقين أم لا ومثل العقليات المحضة ومثل ~~قولنا الواحد نصف الاثنين والكل اعظم من الجزء PageV09P106 والأشياء ~~المساوية لشيء واحد متساوية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يرتفعان ولا ~~يجتمعان فما من قضية من هذه القضايا الكلية تجعل مقدمة في البرهان الا ~~والعلم بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان بل هو الواقع كثيرا فإذا علم ~~أن كل واحد فهو نصف كل اثنين وان كل اثنين نصفهم واحد فإنه يعلم أن هذا ~~الواحد نصف هذين الاثنين وهلم جرا في سائر القضايا الأخر من غير استدلال ~~على ذلك بالقضية الكلية وكذلك كل جزء يعلم ان هذا الكل اعظم من جزئه بدون ~~توسط القضية الكلية وكذلك هذان النقيضان من تصورهما نقيضين فأنه يعلم إنهما ~~لا يجتمعان وكل أحد يعلم ان هذا المعين لا يكون موجودا معدوما كما يعلم ~~المعين الآخر ولا يحتاج ذلك إلى أن يستدل عليه بأن كل شيء لا يكون موجودا ~~معدوما معا وكذلك الضدان فإن الانسان يعلم أن هذا الشيء لا يكون اسود ابيض ~~ولا يكون متحركا ساكنا كما يعلم ان الآخر كذلك ولا يحتاج في العلم بذلك إلى ~~قضية كلية بأن كل شيء لا يكون اسود ابيض ولا يكون متحركا ساكنا # وكذلك في سائر ما يعلم تضادهما فإن علم تضاد المعينين علم إنهما لا ~~يجتمعان فإن العلم بالقضية الكلية يفيد العلم بالمقدمة الكبرى المشتملة على ~~الحد الأكبر وذلك لا يغنى دون العلم بالمقدمة الصغرى المشتملة على الحد ~~الأصغر والعلم بالنتيجة وهو ان هذين المعنيين ضدان فلا يجتمعان يمكن بدون ~~العلم PageV09P107 بالمقدمة الكبرى وهو أن كل ضدين لا يجتمعان فلا يفتقر ~~العلم بذلك إلى القياس الذي خصوه باسم البرهان وإن كان البرهان في كلام ~~الله ورسوله وكلام سائر اصناف العلماء لا يختص بما سموه هم البرهان وإنما ~~خصوا ms2738 هم لفظ البرهان بما اشتمل عليه القياس الذي خصوا صورته ومادته بما ~~ذكروه # مثال ذلك إنه إذا اريد ابطال قول من يثبت الأحوال ويقول إنها لا موجودة ~~ولا معدومة فقيل هذان نقيضان وكل نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان فإن هذا ~~جعل للواحد لا موجودا ولا معدوما ولا يمكن جعل الحال للواحد لا موجودة ولا ~~معدومة كان العلم بأن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ممكنا بدون هذه ~~القضية الكلية فلا يفتقر العلم بالنتيجة إلى البرهان # وكذلك إذا قيل أن هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح لوجوده على عدمه ~~على اصح القولين أو لأحد طرفيه على قول طائفة من الناس # أو قيل هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث فتلك القضية الكلية وهي ~~قولنا كل محدث لا بد له من محدث وكل ممكن لا بد له من مرجح يمكن العلم ~~بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهاني عندهم بدون العلم PageV09P108 بالقضية ~~الكلية التي لا يتم البرهان عندهم الا بها فيعلم ان هذا الحدث لا بد له من ~~محدث وهذا الممكن لا بد له من مرجح فإن شك عقله وجوز أن يحدث هو بلا محدث ~~احدثه أو ان يكون وهو ممكن يقبل الوجود والعدم بدون مرجح يرجح وجوده جوز ~~ذلك في غيره من المحدثات والممكنات بطريق الأولى وان جزم بذلك في نفسه لم ~~يحتج علمه بالنتيجة المعينة وهو قولنا وهذا محدث فله محدث أو هذا ممكن فله ~~مرجح إلى القياس البرهاني # ومما يوضح هذا انك لا تجد احدا من بني آدم يريد ان يعلم مطلوبا بالنظر ~~ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته الا ويمكنه العلم به بدون ذلك القياس ~~البرهاني المنطقي ولهذا لا تجد احدا من سائر أصناف العقلاء غير هؤلاء ينظم ~~دليله من المقدمتين كما ينظمه هؤلاء بل يذكرون الدليل المستلزم للمدلول ثم ~~الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون مقدمتين وقد يكون ثلاث مقدمات بحسب ~~حاجة الناظر المستدل اذ حاجة الناس تختلف وقد بسطنا ذلك في الكلام على ms2739 ~~المحصل وبينا تخطئة جمهور العقلاء لمن قال انه لا بد في كل علم نظري من ~~مقدمتين لا يستغنى عنهما ولا يحتاج إلى اكثر منهما وهذا ينبغي ان تأخذه من ~~المواد العقلية التي لا يستدل عليها بنصوص الأنبياء فإنه يظهر بها فساد ~~منطقهم وأما اذا أخذته من المواد المعلومة بنصوص الأنبياء فإنه يظهر ~~الاحتياج إلى القضية الكلية كما اذا أردنا تحريم PageV09P109 النبيذ ~~المتنازع فيه فقلنا النبيذ مسكر وكل مسكر حرام أو قلنا هو خمر وكل خمر حرام ~~فقولنا النبيذ المسكر خمر يعلم بالنص وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~كل مسكر خمر ( وقولنا ( كل خمر حرام ( يعلم بالنص والاجماع وليس في ذلك ~~نزاع وإنما النزاع في المقدمة الصغرى وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي أنه ~~قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام وفي لفظ ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ( # وقد يظن بعض الناس أن النبي ذكر هذا على النظم المنطقي لتبيين النتيجة ~~بالمقدمتين كما يفعله المنطقيون وهذا جهل عظيم ممن يظنه فإنه اجل قدرا من ~~ان يستعمل مثل هذا الطريق في بيان العلم بل من هو اضعف عقلا وعلما من آحاد ~~علماء امته لا يرضى لنفسه ان يسلك طريقة هؤلاء المنطقيين بل يعدونهم من ~~الجهال الذين لا يحسنون الا الصناعات كالحساب والطب ونحو ذلك # وأما العلوم البرهانية الكلية اليقينية والعلوم الالهية فلم يكونوا من ~~رجالها وقد بين ذلك نظار المسلمين في كتبهم وبسطوا الكلام عليهم وذلك ان ~~كون كل خمر حراما هو مما علمه المسلمون فلا يحتاجون إلى معرفة ذلك بالقياس ~~وإنما شك بعضهم في انواع من الاشربة المسكرة كالنبيذ المصنوع من العسل ~~والحبوب وغير ذلك كما في الصحيحين عن أبي موسى الاشعري PageV09P110 أنه قال ~~لرسول الله عندنا شراب مصنوع من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة ~~يقال له المزر قال وكان اوتي جوامع الكلم فقال ( كل مسكر حرام ( فأجابهم ~~بقضية كلية بين بها ان كل ما يسكر فهو محرم وبين أيضا أن كل ما يسكر ms2740 فهو ~~خمر وهاتان قضيتان كليتان صادقتان متطابقتان العلم بأيهما كان يوجب العلم ~~بتحريم كل مسكر اذ ليس العلم بتحريم كل مسكر يتوقف على العلم بهما جميعا ~~فإن من علم ان النبي قال ( كل مسكر حرام ( وهو من المؤمنين به علم ان ~~النبيذ المسكر حرام ولكن قد يحصل الشك هل أراد القدر المسكر أو اراد جنس ~~المسكر وهذا شك في مدلول قوله فإذا علم مراده صلى الله عليه وسلم علم ~~المطلوب # وكذلك إذا علم أن النبيذ خمر والعلم بهذا أوكد في التحريم فإن من يحلل ~~النبيذ المتنازع فيه لا يسميه خمرا فإذا علم بالنص ان ( كل مسكر خمر ( كان ~~هذا وحده دليلا على تحريم كل مسكر عند أهل الايمان الذين يعلمون ان الخمر ~~محرم وأما من لم يعلم تحريم الخمر لكونه لم يؤمن بالرسول فهذا لا يستدل ~~بنصه وان علم أن محمدا رسول الله ولكن لم يعلم انه حرم الخمر فهذا لا ينفعه ~~قوله ( كل مسكر خمر ( بل ينفعه قوله ( كل مسكر حرام ( وحينئذ يعلم بهذا ~~تحريم الخمر لأن الخمر والمسكر اسمان لمسمى واحد عند PageV09P111 الشارع ~~وهما متلازمان عنده في العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين يحرمون كل ~~مسكر # وليس المقصود هنا الكلام في تقرير ( المسألة الشرعية ( بل التنبيه على ~~التمثيل فإن هذا المثال كثيرا ما يمثل به من صنف في المنطق من علماء ~~المسلمين والمنطقيون يمثلون بصورة مجردة عن المواد لا تدل على شيء معين ~~لئلا يستفاد العلم بالمثال من صورة معينة كما يقولون كل ا ب وكل ب ج فكل ا ~~ج ولكن المقصود هو العلم المقصود من المواد المعينة فإذا جردت يظن الظان أن ~~هذا يحتاج إليه في المعينات وليس الأمر كذلك بل إذا طولبوا بالعلم ~~بالمقدمتين الكليتين في جميع مطالبهم العقلية التي لم تؤخذ عن المعصومين ~~تجدهم يحتجون بما يمكن معه العلم فيها بالمعينات المطلوبة بدون العلم ~~بالقضية الكلية فلا يكون العلم بها موقوفا على البرهان فالقضايا النبوية لا ~~تحتاج إلى القياس العقلي الذي سموه برهانا وما ms2741 يستفاد بالعقل من العلوم ~~أيضا لا يحتاج إلى قياسهم البرهاني فلا يحتاج إليه لا في السمعيات ولا في ~~العقليات فامتنع ان يقال لا يحصل علم إلا بالقياس البرهاني الذي ذكروه # ومما يوضح ذلك أن القضايا الحسية لا تكون الا جزئية فنحن لم ندرك بالحس ~~الا احراق هذه النار وهذه النار لم ندرك ان كل نار محرقة فإذا جعلنا هذه ~~قضية كلية وقلنا كل نار محرقة لم يكن لنا طريق PageV09P112 نعلم به صدق هذه ~~القضية الكلية علما يقينيا الا والعلم بذلك ممكن في الأعيان المعينة بطريق ~~الأولى # وان قيل ليس المراد العلم بالأمور المعينة فإن البرهان لا يفيد الا العلم ~~بقضية كلية فالنتائج المعلومة بالبرهان لا تكون الا كلية كما يقولون هم ذلك ~~والكليات انما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان # قيل فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشيء موجود بل بأمور مقدرة ~~في الأذهان لا يعلم تحققها في الأعيان وإذا لم يكن في البرهان علم بموجود ~~فيكون قليل المنفعة جدا بل عديم المنفعة وهم لا يقولون بذلك بل يستعملونه ~~في العلم بالموجودات الخارجية والالهية ولكن حقيقة الأمر كما بيناه في غير ~~هذا الموضع ان المطالب الطبيعية التي ليست من الكليات اللازمة بل الأكثرية ~~لا تفيد مقصود البرهان # وأما ( الالهيات ( فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعية وغالب كلامهم ~~فيها ظنون كاذبة فضلا عن أن تكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان ولهذا ~~حدثونا باسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب ( كشف اسرار ~~المنطق ( و ( الموجز ( وغيرهما أنه قال عند الموت أموت وما عرفت ~~PageV09P113 شيئا الا علمي بان الممكن يفتقر إلى المؤثر ثم قال الافتقار ~~وصف سلبي فأنا أموت وما عرفت شيئا وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم وهذا أمر ~~يعرفه كل من خبرهم ويعرف أنهم اجهل أهل الأرض بالطرق التي تنال بها العلوم ~~العقلية والسمعية إلا من علم منهم علما من غير الطرق المنطقية فتكون علومه ~~من تلك الجهة لا من جهتهم مع كثرة تعبهم في البرهان ms2742 الذي يزعمون أنهم يزنون ~~به العلوم ومن عرف منهم شيئا من العلوم لم يكن ذلك بواسطة ما حرروه في ~~المنطق # ومما يبين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر إلى برهانهم ~~من قضية كلية ان العلم بتلك القضية الكلية لا بد له من سبب فإن عرفوها ~~باعتبار الغائب بالشاهد وان حكم الشيء حكم مثله كما إذا عرفنا أن هذه النار ~~محرقة فالنار الغائبة محرقة لأنها مثلها وحكم الشيء حكم مثله فيقال هذا ~~استدلال بالقياس التمثيلي وهم يزعمون انه لا يفيد اليقين بل الظن فإذا ~~كانوا إنما علموا القضية الكلية بقياس التمثيل رجعوا في اليقين إلى ما ~~يقولون إنه لا يفيد الا الظن وإن قالوا بل عند الاحساس بالجزئيات يحصل في ~~النفس علم كلي من واهب العقل أو تستعد النفس عند الاحساس بالجزئيات لأن ~~يفيض عليها الكلي من واهب العقل أو قالوا من العقل الفعال عندهم أو نحو ذلك ~~قيل لهم الكلام فيها به يعلم ان الحكم الكلي الذي في النفس علم لا ظن ولا ~~جهل PageV09P114 # فإن قالوا هذا العلم بالبديهة أو الضرورة كان هذا قولا بأن هذه القضايا ~~الكلية معلومة بالبديهة والضرورة وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم وهذا إن ~~كان حقا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضا في النفس ~~بالبديهة والضرورة كما هو الواقع فإن جزم العقلاء بالشخصيات من الحسيات ~~أعظم من جزمهم بالكليات وجزمهم بكلية الأنواع اعظم من جزمهم بكلية الأجناس ~~والعلم بالجزئيات أسبق إلى الفطرة فجزم الفطرة بها اقوى ثم كلما قوى العقل ~~اتسعت الكليات وحينئذ فلا يجوز ان يقال ان العلم بالأشخاص موقوف على العلم ~~بالأنواع والأجناس ولا ان العلم بالأنواع موقوف على العلم بالأجناس بل قد ~~يعلم الانسان أنه حساس متحرك بالارادة قبل ان يعلم ان كل انسان كذلك ويعلم ~~ان الانسان كذلك قبل ان يعلم ان كل حيوان كذلك فلم يبق علمه بأن غيره من ~~الحيوان حساس متحرك بالارادة موقوفا على البرهان وإذا علم حكم سائر الناس ~~وسائر الحيوان فالنفس تحكم بذلك ms2743 بواسطة علمها ان ذلك الغائب مثل هذا الشاهد ~~أو انه يساويه في السبب الموجب لكونه حساسا متحركا بالارادة ونحو ذلك من ~~قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في اثبات الأحكام الشرعية # وهؤلاء يزعمون ان ذلك القياس إنما يفيد الظن وقياسهم هو الذى يفيد اليقين ~~وقد بينا في غير هذا الموضع ان قولهم هذا من أفسد الأقوال وأن PageV09P115 ~~قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلفان بالمادة المعينة فان كانت ~~يقينية في احدهما كانت يقينية في الآخر وان كانت ظنية في احدهما كانت ظنية ~~في الآخر وذلك ان قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة الأصغر والأوسط ~~والأكبر والحد الأوسط فيه هو الذى يسمى في قياس التمثيل علة ومناطا وجامعا # فإذا قال في مسألة النبيذ كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فلابد له من اثبات ~~المقدمة الكبرى وحينئذ يتم البرهان وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر ~~فيكون حراما قياسا على خمر العنب بجامع ما يشتركان فيه من الاسكار فان ~~الاسكار هو مناط التحريم في الأصل وهو موجود في الفرع فبما به يقرر أن كل ~~مسكر حرام به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى بل التفريق في قياس ~~التمثيل اسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم فيكون الحكم قد علم ثبوته في ~~بعض الجزئيات ولا يكفى في قياس التمثيل اثباته في أحد الجزأين لثبوته في ~~الجزء الآخر لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم كما يظنه ~~بعض الغالطين بل لابد أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك ~~بينهما هو الحد الأوسط # وهذا يسميه الفقهاء واهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم وهذا ~~السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هوالذى يحتاج إليه غالبا ~~PageV09P116 في تقدير صحة القياس فان المعترض قد يمنع الوصف في الأصل وقد ~~يمنع الحكم في الأصل وقد يمنع الوصف في الفرع وقد يمنع كون الوصف علة في ~~الحكم ويقول لا نسلم ان ما ذكرته في الوصف المشترك هو العلة أو دليل العلة ~~فلابد من دليل يدل ms2744 على ذلك من نص أو إجماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو ~~الدوران عند من يستدل بذلك فما دل على ان الوصف المشترك مستلزم للحكم إما ~~علة وإما دليل العلة هو الذى يدل على أن الحد الأوسط مستلزم للأكبر وهو ~~الدال على صحة المقدمة الكبرى فان أثبت العلة كان برهان علة وإن اثبت ~~دليلها كان برهان دلالة وإن لم يفد العلم بل أفاد الظن فكذلك المقدمة ~~الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية وهذا أمر بين ولهذا صار كثير من ~~الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولي كما يستعمل في العقليات القياس ~~التمثيلى وحقيقة احدهما هو حقيقة الآخر # ومن قال من متأخري اهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي ~~وأبي محمد المقدسي وغيرهم من أن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في ~~الشرعيات ولكن الاعتمادفى العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقا فقولهم ~~مخالف لقول نظار المسلمين بل وسائر العقلاء فان القياس يستدل به في ~~العقليات كما يستدل به في الشرعيات فانه اذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم ~~للحكم كان هذا PageV09P117 دليلا في جميع العلوم وكذلك اذا ثبت انه ليس بين ~~الفرع والأصل فرق مؤثر كان هذا دليلا في جميع العلوم وحيث لا يستدل بالقياس ~~التمثيلي لا يستدل بالقياس الشمولي # وأبو المعالي ومن قبله من النظار لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا يرضونها ~~بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها غير ان المنطقيين وجمهور ~~النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزما للحكم كما يمثلون ~~به من الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل ومنازعهم يقول لم يثبت الحكم في ~~الغائب لأجل ثبوته في الشاهد بل نفس القضية الكلية كافية في المقصود من غير ~~احتياج إلى التمثيل فيقال لهم وهكذا في الشرعيات فانه متى قام الدليل على ~~أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج إلى الأصل بل نفس الدليل الدال على أن ~~الحكم يتعلق بالوصف كاف لكن لما كان هذا كليا والكلي لا يوجد الا معينا كان ~~تعيين الأصل مما يعلم به ms2745 تحقق هذا الكلي وهذا أمر نافع في الشرعيات ~~والعقليات فعلمت ان القياس حيث قام الدليل على ان الجامع مناط الحكم أو على ~~إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فهو قياس صحيح ودليل صحيح في أى شيء كان # وقد تنازع الناس في مسمى ( القياس ) فقالت طائفة من أهل الأصول هو حقيقة ~~في قياس التمثيل مجاز في قياس الشمول كأبى حامد الغزالي وابى محمد المقدسى ~~وقالت طائفة بل هو بالعكس حقيقة في الشمول مجاز في التمثيل PageV09P118 ~~كابن حزم وغيره وقال جمهور العلماء بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي ~~يتناولهما جميعا وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين واصول الفقه وانواع ~~العلوم العقلية وهو الصواب فان حقيقة احدهما هو حقيقة الآخر وانما تختلف ~~صورة الاستدلال # و ( القياس في اللغة ( تقدير الشيء بغيره وهذا يتناول تقدير الشيء المعين ~~بنظيره المعين وتقديره بالأمر الكلي المتناول له ولأمثاله فإن الكلي هو ~~مثال في الذهن لجزئياته ولهذا كان مطابقا موافقا له وقياس الشمول ) هو ~~إنتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره ~~والحكم عليه بمايلزم المشترك الكلى بان ينتقل من ذلك الكلى اللازم إلى ~~الملزوم الأول وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام ثم انتقال من ذلك ~~العام إلى الخاص من جزئى إلى كلى ثم من ذلك الكلي إلى الجزئى الأول فيحكم ~~عليه بذلك الكلي # ولهذا كان الدليل اخص من مدلوله الذي هو الحكم فانه يلزم من وجود الدليل ~~وجود الحكم واللازم لا يكون اخص من ملزومه بل أعم منه أو مساويه وهو المعنى ~~بكونه أعم PageV09P119 والمدلول الذى هو محل الحكم وهو المحكوم عليه المخبر ~~عنه الموصوف الموضوع اما أخص من الدليل أو مساويه فيطلق عليه القول بأنه ~~اخص منه لا يكون اعم من الدليل اذ لو كان اعم منه لم يكن الدليل لازما له ~~فلا يعلم ثبوت الحكم له فلا يكون الدليل دليلا وانما يكون اذا كان لازما ~~للمحكوم عليه الموصوف المخبر عنه الذى يسمى الموضوع والمبتدأ مستلزما للحكم ~~الذى هو ms2746 صفة وخبر وحكم وهو الذى يسمى المحمول والخبر وهذا كالسكر الذى هو ~~اعم من النبيذ المتنازع فيه واخص من التحريم وقد يكون الدليل مساويا في ~~العموم والخصوص للحكم لازما للمحكوم عليه فهذا هو جهة دلالته سواء صور قياس ~~شمول وتمثيل أو لم يصور كذلك وهذا أمر يعقله القلب وأن لم يعبر عنه اللسان ~~ولهذا كانت اذهان بنى آدم تستدل بالأدلة على المدلولات وأن لم يعبروا عن ~~ذلك بالعبارات المبينة لما في نفوسهم وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم ~~وان لم يسلكوا اصطلاح طائفة معينة من اهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم ~~فالعلم بذلك الملزوم لابد أن يكون بينا بنفسه أو بدليل آخر # وأما ( قياس التمثيل ) فهو انتقال الذهن من حكم معين إلى حكم معين ~~لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلي لأن ذلك الحكم يلزم المشترك الكلى ~~ثم العلم بذلك اللزوم لابد له من سبب اذا لم يكن بينا كما تقدم فهو يتصور ~~المعينين أولا وهما الأصل والفرع ثم ينتقل إلى لازمهما PageV09P120 وهو ~~المشترك ثم إلى لازم اللازم وهو الحكم ولابد أن يعرف أن الحكم لازم المشترك ~~وهو الذى يسمى هناك قضية كبرى ثم ينتقل إلى إثبات هذا اللازم للملزوم الأول ~~المعين فهذا هو هذا في الحقيقة وإنما يختلفان في تصوير الدليل ونظمه وإلا ~~فالحقيقة التى بها صاردليلا وهو أنه مستلزم للمدلول حقيقة واحدة # ومن ظلم هؤلاء وجهلهم أنهم يضربون المثل في قياس التمثيل بقول القائل ~~السماء مؤلفة فتكون محدثة قياسا على الانسان ثم يوردون على هذا القياس ما ~~يختص به فانه لو قيل السماء مؤلفة وكل مؤلف محدث لورد عليه هذه الأسئلة ~~وزيادة ولكن إذا أخذ قياس الشمول في مادة بينة لم يكن فرق بينه وبين قياس ~~التمثيل فإن الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته ولهذا كان مطابقا موافقا له ~~بل قد يكون التمثيل أبين ولهذا كان العقلاء يقيسون به وكذلك قولهم في الحد ~~إنه لا يحصل بالمثال إنما ذلك في المثال الذي يحصل به التمييز بين المحدود ~~وغيره بحيث يعرف ms2747 به مايلازم المحدود طردا وعكسا بحيث يوجد حيث وجد وينتفى ~~حيث انتفى فان الحد المميز للمحدود هو ما به يعرف الملازم المطابق طردا ~~وعكسا فكلما حصل هذا فقد ميز المحدود من غيره وهذا هو الحد عند جماهير ~~النظار ولا يسوغون ادخال الجنس العام في الحد فاذا كان المقصودالحد بحسب ~~الاسم فسأل بعض العجم عن مسمى الخبز فأرى رغيفا وقيل له هذا فقد يفهم أن ~~هذا لفظ يوجد PageV09P121 فيه كل ما هو خبز سواء كان على صورة الرغيف أو ~~غير صورته # وقد بسط الكلام على ما ذكروه وذكره المنطقيون في الكلام على المحصل وغير ~~ذلك وجد هذا في الأمثله المجردة اذا كان المقصود اثبات الجيم للألف والحد ~~الأوسط هو الباء فقيل كل ألف باء وكل باء جيم أنتج كل ألف جيم واذا قيل كل ~~الف جيم قياسا على الدال لأن الدال هي جيم وانما كانت جيما لأنها باء ~~والألف ايضا باء فيكون الألف جيما لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء ~~كان هذا صحيحا في معنى الأول لكن فيه زيادة مثال قيست عليه الألف مع ان ~~الحد الأوسط وهو الباء موجود فيها # فإن قيل ما ذكرتموه من كون البرهان لابد فيه من قضية كلية صحيح ولهذا لا ~~يثبتون به الا مطلوبا كليا # ويقولون البرهان لا يفيد الا الكليات ثم اشرف الكليات هي العقليات المحضة ~~التى لا تقبل التغيير والتبديل وهى التى تكمل بها النفس فتصير عالما معقولا ~~موازيا للعالم الموجود بخلاف القضايا التى تبدل وتتغير # وإذا كان المطلوب به هو الكليات العقلية التى لا تقبل التبديل والتغيير ~~PageV09P122 فتلك انما تحصل بالقضايا العقلية الواجب قبولها بل انما تكون ~~في القضايا التى جهتها الوجوب كما يقال كل انسان حيوان وكل موجود فاما واجب ~~واما ممكن ونحو ذلك من الكلية التى لا تقبل التغيير # ولهذا كانت العلوم ( ثلاثة ) اما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا ~~في الخارج وهو ( الطبيعى ) وموضوعه الجسم واما مجرد عن المادة في الذهن لا ~~في الخارج وهو ( الرياضى ms2748 ) كالكلام في المقدار والعدد وأما ما يتجرد عن ~~المادة منها وهو ( الالهى ) وموضوعه الوجود المطلق بلواحقه التى تلحقه من ~~حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض وانقسام الجوهرالى ما هو ~~حال والى ما هو محل وما ليس بحال ولا محل بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير ~~والى ما ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك # ( فالأول ) هو الصورة و ( الثانى ) هو المادة وهو الهيولى ومعناه في ~~لغتهم المحل و ( الثالث ) هو النفس و ( الرابع ) هو العقل # و ( الأول ) يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر ولكن طائفة من متأخريهم كابن ~~سينا امتنعوا من تسمية جوهرا وقالوا الجوهر ما اذا وجد كان وجوده لا في ~~الموضوع أى لا في محل يستغنى عن الحال فيه وهذا انما يكون فيما وجوده غير ~~ماهيته والأول ليس كذلك فلا يكون جوهرا وهذا مما PageV09P123 خالفوا فيه ~~سلفهم ونازعوهم فيه نزاعا لفظيا ولم يأتوا بفرق صحيح معقول فان تخصيص اسم ~~الجوهر بما ذكروه امر اصطلاحى واولئك يقولون بل هو كل ما ليس في موضوع كما ~~يقول المتكلمون كل ما هو قائم بنفسه أو كل ما هو متحيز أو كل ما قامت به ~~الصفات أو كل ما حمل الأعراض ونحو ذلك # وأما الفرق المعنوى فدعواهم أو وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج ~~باطل ودعواهم أن الأول وجود مقيد بالسلوب ايضا باطل كما هو مبسوط في موضعه # والمقصود هنا الكلام على البرهان # فيقال هذا الكلام وان ضل به طوائف فهو كلام مزخرف وفيه من الباطل ما يطول ~~وصفه لكن ننبه هنا على بعض ما فيه وذلك من وجوه # ( الأول ) أن يقال اذا كان البرهان لا يفيد الا العلم بالكليات والكليات ~~انما تتحقق في الاذهان لا في الأعيان وليس في الخارج الا موجود معين لم ~~يعلم بالبرهان شيء من المعينات فلا يعلم به موجود اصلا بل انما يعلم به ~~أمور مقدرة في الاذهان ومعلوم أن النفس لو قدر ان كمالها في العلم فقط وان ~~كانت هذه قضية كاذبة ms2749 كما بسط في موضعه فليس هذا علما تكمل به النفس اذ لم ~~تعلم شيئا من PageV09P124 الموجودات ولا صارت عالما معقولا موازيا للعالم ~~الموجود بل صارت عالما لامور كلية مقدرة لا يعلم بها شيء من العالم الموجود ~~وأى خير في هذا فضلا عن ان يكون كمالا # ( والثانى ) أن يقال أشرف الموجودات هو ( واجب الوجود ) ووجوده معين لا ~~كلي فإن الكلي لا يمنع تصوره من قوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع تصوره من ~~وقوع الشركة فيه وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه بل إنما ~~علم امر كلي مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب الوجود وكذلك ( ~~الجواهر العقلية ) عندهم وهى العقول العشرة أو أكثر من ذلك عند من يجعلها ~~اكثر من ذلك عندهم كالسهروردى المقتول وأبى البركات وغيرهما كلها جواهر ~~معينة لا أمور كلية فاذا لم نعلم إلا بالكليات لم نعلم شيئا منها وكذلك ~~الأفلاك التى يقولون انها أزلية ابدبة فاذا لم نعلم الا الكليات لم تكن ~~معلومة فلا نعلم واجب الوجود ولا العقول ولا شيئا من النفوس ولا الأفلاك ~~ولا العناصر والا المولدات وهذه جملة الموجودات عندهم فاى علم هنا تكمل به ~~النفس # ( الثالث ) أن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والرياضي والالهي وجعلهم [ ~~الرياضى ] أشرف من الطبيعى والالهى أشرف من ارياضى هو مما قبلوا به الحقائق ~~فان العلم الطبيعى وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ ~~PageV09P125 حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع اشرف من ~~مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجرده فان كون الانسان لا يتصور الا شكلا ~~مدورا أو مثلثا أو مربعا لو تصور كل ما في اقليدس اولا يتصور الا اعدادا ~~مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج وليس ذلك كمال النفس ولولا ان ذلك طلب ~~فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التى هي أجسام واعراض لما جعل علما ~~وانما جعلوا علم الهندسة مبدأ تعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة ~~أو ينتفعوا به في عمارة الدنيا هذا مع ان براهينهم ms2750 القياسية لا تدل على شيء ~~دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية # فإن ( علم الحساب ) الذى هو علم بالكم المنفصل و ( الهندسة ) التى هي علم ~~بالكم المتصل علم يقينى لا يحتمل النقيض البته مثل جمع الأعداد وقسمتها ~~وضربها ونسبه بعضهاالى بعض فانك اذا جمعت مائة إلى مائة علمت أنهما مائتان ~~فاذا قسمتهما على عشرة كان لكل واحد عشرة كان لكل واحد عشرة واذا ضربتها في ~~عشرة كان المرتفع مائة والضرب مقابل للقسمة فان ضرب الاعداد الصحيحة تضعيف ~~آحاد أحد العددين بآحاد العدد الآخر فاذا قسم المرتفع بالضرب على أحد ~~العددين خرج المضروب الآخر واذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه خرج ~~المقسوم فالمقسوم نظير المرتفع بالضرب فكل واحد من المضروبين نظير المقسوم ~~المقسوم عليه والنسبة PageV09P126 تجمع هذه كلها فنسبة أحد المضروبين إلى ~~المرتفع كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر ونسبه المرتفع إلى أحد المضروبين ~~نسبة الآخر إلى الواحد فهذه الأمور وأمثالها مما يتكلم فيه الحساب أمر ~~معقول مما يشترك فيه ذووا العقول وما من أحد من الناس إلا يعرف منه شيئا ~~فانه ضرورى في العلم ولهذا يمثلون به في قولهم الواحد نصف الاثنين ولا ريب ~~ان قضاياه كلية واجبة القبول لا تنتقض ألبته # وهذا كان مبدا فلسفتهم التى وضعها ( فيثاغورس ) وكانوا يسمون أصحابه ~~أصحاب العدد وكانوا يظنون ان الأعداد المجردة موجودة خارجة عن الذهن ثم ~~تبين لأفلاطون وأصحابه غلط ذلك وظنوا أن الماهيات المجردة كالانسان والفرس ~~المطلق موجودات خارج الذهن وأنهاأزلية أبدية ثم تبين لأرسطو وأصحابه غلط ~~ذلك فقالوا بل هذه الماهيات المطلقة موجودة في الخارج مقارنة لوجود الأشخاص ~~ومشى من مشى من أتباع أرسطو من المتأخرين على هذا وهو ايضا غلط فان ما في ~~الخارج ليس بكلي أصلا وليس في الخارج إلا ما هو معين مخصوص واذا قيل الكلى ~~الطبيعي في الخارج فمعناه إنما هو كلي في الذهن يوجد في الخارج لكن إذا وجد ~~في الخارج لا يكون إلا معينا لا يكون كليا فكونه كليا مشروط ms2751 بكونه في الذهن ~~ومن أثبت ماهية لا في الذهن PageV09P127 ولا في الخارج فتصور قوله تصورا ~~تاما يكفى في العلم بفساد قوله وهذه الأمور مبسوطة في غير هذاالموضع # و ( المقصود هنا ) ان هذا العلم هو الذى تقوم عليه براهين صادقة لكن لا ~~تكمل بذلك نفس ولا تنجو به من عذاب ولا تنال به سعادة ولهذا قال ابوحامد ~~الغزالى وغيره في علوم هؤلاء هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله ~~من علم لا ينفع ربين ظنون كاذبة لاثقة بها وإن بعض الظن إثم يشيرون بالأول ~~إلى العلوم الرياضية وبالثانى إلى ما يقولونه في الالهيات وفى احكام النجوم ~~ونحو ذلك لكن قد تلتذ النفس بذلك كما تلتذ بغير ذلك فان الانسان يلتذ بعلم ~~ما لم يكن علمه وسماع مالم يكن سمعه غذا لم يكن مشغولا عن ذلك بما هو اهم ~~عنده منه مكما قد يلتذ بأنواع من الأفعال التى هي من جنس اللهو واللعب # و ( ايضا ) ففى الادمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح والقضايا ~~الصحيحة الصادقة والقياس المستقيم فيكون في ذلك تصحيح الذهن والادراك وتعود ~~النفس انها تعلم الحق وتقوله لنستعين بذلك على المعرفة التى هي فوق ذلك ~~ولهذا يقال انه كان أوائل الفلسفة أول ما يعلمون أولادهم العلم الرياضى ~~وكثير من شيوخهم في آخر امره انما يشتغل بذلك لأنه لما نظر في طرقهم وطرق ~~من عارضهم من اهل الكلام الباطل ولم PageV09P128 يجد في ذلك ما هو حق اخذ ~~يشغل نفسه بالعلم الرياضى كما كان يتحرى مثل ذلك من هو من أئمة الفلاسفة ~~مابن واصل وغيره وكذلك كثير منمتأخرى أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم ~~الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك لأن فيه تفريجا للنفس ~~وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط # وقد جاء عن عمر بن الخطاب انه قال اذا لهوتم فالهوا بالرمى واذا تحدثتم ~~فتحدثوا بالفرائض فان حساب الفرائض علم معقول مبنى على اصل مشروع فتبقى فيه ~~رياضة العقل وحفظ الشرع لكن ليس هو علما يطلب لذاته ms2752 ولا تكمل به النفس # واولئك المشركون كانوا يعبدون الكواكب ويبينون لها الهياكل يدعونها ~~بأنواع الدعوات كما هو معروف من اخبارهم وما صنف على طريقهم من الكتب ~~الموضوعة في الشرك والسحر ودعوة الكواكب والعزائم والأقسام التى بها يعظم ~~ابليس وجنوده وكان الشيطان بسبب الشرك والسحر يغويهم بأشياء هي التى دعتهم ~~إلى ذلك الشرك والسحر وكانوا يرصدون الكواكب ليتعلموا مقاديرها ومقادير ~~جحركاتها وما بين بعضها من الاتصالات مستعين بذلك على ما يرونه مناسبا لها ~~PageV09P129 ولما كانت الأفلاك مستديرة ولم يكن معرفة حسابها الا بمعرفة ~~الهندسة واحكام الخطوط المستقيمة والمنحنية تكلموا في ( الهندسة ) لذلك ~~ولعمارة الدنيا فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك والافلو لم يتعلق بذلك غرض إلا ~~مجرد تصور الأعداد والمقادير لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعى ~~المذكور وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين يتلذذون بذلك فان لذات ~~النفوس أنواع ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد والقمار حتى يشغله ذلك هعما هو ~~أنفع له منه # وكان مبدا وضع ( المنطق ) من الهندسة وسموه حدودا لحدود تلك الأشكال ~~لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى الشكل المعقول وهذا لضعف عقولهم وتعذر ~~المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة والله تعالى يسر للمسلمين من العلم ~~والبيان والعمل الصالح والايمان ما برزوا به على كل نوع من أنواع جنس ~~الانسان والحمد لله رب العالمين # وأما ( العلم الالهى ) الذى هو عندهم مجرد عن المادة في الذهن والخارج ~~فقد تبين لك أنه ليس له معلوم في الخارج وانما هوعلم بأمور كلية مطلقة لا ~~توجد كلية إلا في الذهن وليس في هذا من كمال النفس شيء وان عرفوا واجب ~~الوجود بخصوصه فهو علم بمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة [ فيه ] وهذا مما ~~لا يدل عليه القياس الذى يسمونه البرهان فبرهانهم لا يدل على شيء معين ~~بخصوصه ولا واجب الوجود ولا غيره PageV09P130 وإنما يدل على أمر كلي والكلي ~~لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع العلم به من وقوع ~~الشركة فيه ومن لم يتصور ما يمنع الشركة فيها لم يكن ms2753 قد عرف الله ومن لم ~~يثبت للرب إلا معرفة الكليات كما يزعمه بن سينا وأمثاله وظن أن ذلك كما ~~للرب فكذلك يظنه كمالا للنفس بطريق الاولى لا سيما اذا قال إن النفس لا ~~تدرك إلا الكليات وإنما يدرك الجزئيات البدن فهذا في غاية الجهل وهذه ~~الكليات التى لا تعرف بها الجزئيات الموجودة لا كمال فيها البته والنفس ~~انما تحب معرفة الكليات لتحيط بها معرفة الجزئيات فاذا لم يحصل ذلك لم تفرح ~~النفس بذلك # ( الوجه الرابع ) ان يقال هب ان النفس تكمل بالكليات المجردة كما يزعمون ~~فما يذكرونه في العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولواحقه ليس كذلك فان ~~تصور معنى الوجود فقط أمر ظاهر حتى يستغنى عن الحد عندهم لظهوره فليس هو ~~المطلوب وإنما المطلوب اقسامه ونفس اقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض وعلة ~~ومعلول وقديم وحادث هو أخص من مسمى الوجود وليس في مرجد انقسام الامر العام ~~في الذهن إلى اقسام بدون معرفة الاقسام ما يقتضى علما كليا عظيما عالياعلى ~~تصور الوجود # فإذا عرفت الاقسام فليس ما هو علم بمعلوم لا يقبل التغيير والاستحالة ~~وليس معهم دليل اصلا يدلهم ان االعالم لم يزل ولا يزال هكذا وجميع ~~PageV09P131 ما يحتجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة ~~وتوابع ذلك فانما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه لاقدم شيء معين ولا دوام شيء ~~معين فالجزم أن مدلول تلك الادلة هو هذا العالم أو شيء منه جهل محض لا ~~مستند له الاعدم العلم بموجود غير هذا العالم وعدم العلم ليس علما بالعدم # ولهذا لم يكن عند القوم ايمان بالغيب الذى اخبرت به الانبياء فهم لا ~~يؤمنون لابالله ولا بملائكته ولا البعث كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت ~~واذا قالوا نحن نثبت العالم العقلي أو المعقول الخارج عن المحسوس وذلك هو ~~الغيب فان هذا وان كان قد ذكره طائفة من المتكلمة والمتفلسفة خطأ وضلال فان ~~ما يثبتونه من المعقولات أنما يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الاذهان ~~لا موجودة في الاعيان ms2754 # والرسل اخبرت عما هو موجود في الخارج وهو اكمل واعظم وجودا مما نشهده في ~~الدنيا فأين هذا من هذا وهم لما كانوا مكذبين بما اخبرت به الرسل قالوا ان ~~الرسل قصدوا اخبار الجمهور بما يتخيل اليهم لينتفعوا بذلك في العدل الذى ~~اقاموه لهم # ثم منهم من يقول ان الرسل عرفت ما عرفناه من نفى هذه الامور ومنهم من ~~يقول بل لم يكونوا يعرفون هذا وأمنا كان كماله في القوة العملية لا النظرية ~~PageV09P132 # وأقل اتباع الرسل اذا تصور حقيقة ما عندهم وجده مما لا يرضى به اقل اتباع ~~الرسل واذا علم بالادلة العقلية ان هذا العالم يمتنع ان يكون شيء منه قديما ~~ازليا وعلم بأخبار الانبياء المؤيدة بالعقل انه قبله عالم آخر منه خلق وانه ~~سوف يستحيل وتقوم القيامة ونحو ذلك علم ان غابة ما عندهم من الاحكام الكلية ~~ليست مطابقة بل هي جهل لا علم # وهب انهم لا يعلمون ما اخبرت به الرسل فليس في العقل ما يوجب ما ادعوه من ~~كون هذه الانواع الكلية في هذا العالم ازلية ابداية لم تزل ولا تزال فلا ~~يكون العلم بذلك علما بكليات ثابتة وعامة ( فلسفتهم الاولى ) و ( حكمتهم ~~العليا ) من هذا النمط وكذلك من صنف على طريقتهم كصاحب ( المباحث المشرقية ~~) وصاحب ( حكمة الاشراق ) وصاحب ( دقائق الحقائق ) و ( رموز الكنوز ) ~~ووصاحب ( الاسرار الخفية في العلوم العقلية ) وامثال هؤلاء ممن لم يجرى ~~القول لنصر مذهبهم مطلقا ولا تخلص من اشراك ضلالهم مطلقا بل شاركهم في كثير ~~من ضلالهم وشاركهم في كثير من محالهم وتخلص من بعض وبالهم وان كان ايضا لم ~~ينصفهم في بعض ما اصابوا واخطأ لعدم علمه بمرادهم أو لعدم معرفته ان ما ~~قالوا صواب ثم أم هؤلاء انما يتبعون كلام بن سينا # و ( بن سينا ) تكلم في اشياء من الالهيات والنبوات والمعاد والشرائع لم ~~يتكلم فيها سلفه ولا وصلت اليها عقولهم ولا بلغتها وعلومهم فانه استفادها ~~من PageV09P133 المسلمين وان كان امنا اخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى ~~المسلمين كالاسماعيلية وكان هو واهل ms2755 بيته واتباعهم معروفين عند المسلمين ~~بالالحاد واحسن ما يظهرون دين الرفض وهم في الباطن يبطنون الكفر المحض وقد ~~صنف المسلمون في كشف اسرارهم وهتك أسرارهم كتبا كبارا وصغارا وجاهدوهم ~~باللسان واليد اذ كانوا بذلك أحق من اليهود والنصارى ولو لم يكن الا كتاب ( ~~كشف الاسرار وهتك الاستار ) للقاضى ابى بكر محمد بن الطبي وكتاب عبد الجبار ~~بن أحمد وكتاب أبى حامد الغزالى وكلام أبى إسحاق وكلم بن فورك والقاضي ابى ~~بعلى والشهر ستاتى وغير هذا مما يطول وصفة # والمقصود هنا ان بن سينا أخبر عن نفسه ان اهل بيته وأباه وأخاه كانوا من ~~هؤلاء الملاحدة وانه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذلك فانه كانيسعهم يذكرون ~~العقل والنفس وهؤلاء المسلمون الذين ينتسب اليهم هم مع الالحاد الظاهر ~~والكفر الباطن أعلم بالله من سلفة الفلاسفة كأرسطو واتباعه فان أولئك ليس ~~عندهم من العلم بالله إلا ما عند عباد مشركى العرب ما هو خير منه # وقد ذكرت كلام ارسطو نفسه الذي ذكره في ( علم ما بعد الطبيعة ( في ( ~~مقالة الام ( وغيرها وهو آخر منتهى فلسفته وبينت بعض ما فيه من الجهل فانه ~~ليس في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الالهي مع الخطأ والضلال ~~مثل علماء اليهود والنصارى واهل البدع من المسلممين وغيرهم اجهل ~~PageV09P134 من هؤلاء ولا ابعد عن العلم بالله تعالى منهم نعم لهم الطبيعات ~~كلام غالبه جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها ذلك وهم قد يقصدون ~~الحق لا يظهر عليهم لكنهم جهال بالعلم الالهي إلى الغاية ليس عندهم منه الا ~~قليل كثير الخطأ # وبن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين وكان قد تلقى ما تلقاه عن ~~الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة اراد ان يجمع بين ما عرفه ~~بعقله من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه ومما احدثه مثل كلامه في النبوات ~~واسرار الآيات والمنامات بل وكلامه في بعض الطبيعيات وكلامه في واجب الوجود ~~ونحو ذلك وإلا فأرسطو واتباعه ليس في كلامهم ذكر واجب الوجود ولا ms2756 شيء من ~~الأحكام التى لواجب الوجود وانما يذكرون ( العلة الأولى ) ويثبتونه من حيث ~~هو علة غائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك لتشبيه به # فابن سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض اصلاح حتى راجت على من يعرف دين ~~الاسلام من الطلبة النظار وصار يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض فيتكلم كل ~~منهم بحسب ما عنده ولكن سلموا لهم اصولا فاسدة في المنطق والطبيعيات ~~والالهيات ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببا إلى ضلالهم في ~~مطالب عالية ايمانية ومقاصد سامية قرآنية خرجوا بها PageV09P135 عن حقيقة ~~العلم والايمان وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون بل يسفسطون ~~في العقليات ويقرمطون في السمعيات # والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم كما ~~زعموه مع أنه قول باطل فان النفس لها قوتان قوة علمية نظرية وقوة ارادية ~~عملية فلابد لها من كمال القوتين بمعرفة الله وعبادته وعبادته تجمع محبته ~~والذل له فلا تكمل نفس فقط الا بعبادة الله وحده لا شريك له # والعبادة تجمع معرفته ومحبتة والعبودية له بهذا بعث الله الرسل وانزل ~~الكتب الالهية كلها تدعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك وهؤلاء يجعلون ~~العبادات التى امرت بهاالرسل مقصودها اصلاح اخلاق النفس لتسعد للعلم الذى ~~زعموا انه كمال النفس أو مقصودها اصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة العملية ~~فيجعلون العبادات وسائل محضة إلى ما يدعونه من العلم ولذلك يرون هذا ساقطا ~~عمن حصل المقصود كما تفعل الملاحدة الاسماعيلية ومن دخل في الالحاد أو بعضه ~~اونتسب إلى الصوفية أو المتكلمين أو الشيعة أو غيرهم # فالجهمية قالوا الايمان مجرد معرفة الله وهذا القول وان كان خيرا من ~~قولهم فإنه جعله معرفه الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله ~~وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولواحقه وهذا امر PageV09P136 لو ~~كان له حقيقة في الخارج لم يكن كمالا للنفس إلا بمعرفة خالقها سبحانه ~~وتعالى فهؤلاء الجهمية من أعظم المبتدع بل جعلهم غير واحد خارجين عن ~~الثنتين وسبعين ms2757 فرقة كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن اسباط ~~وهو قول طائفة من المتأخرين من اصحاب أحمد وغيرهم وقد كفر غير واحد من ~~الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من يقول هذا القول وقالوا ~~هذا يلزم منه ان يكون ابليس وفرعون واليهود الذين يعرفونه كما يعرفون ~~ابناءهم مؤمنين # فقول الجهمية خير من قول هؤلاء فان ما ذكروه هو اصل ماتكمل به النفوس لكن ~~لم يجمعوا بين علم النفس وبين ارادتها التى هي مبدأ القوة العملية وجعلوا ~~الكمال في نفس العلم وان لم يصدقة قول ولا عمل ولا اقترن به من الخشية ~~والمحبة والتعظيم وغير ذلك مما هو من اصول الايمان ولوازمه واما هؤلاء ~~فبعدوا عن الكمال غاية البعد # والمقصود هنا الكلام على برهانهم فقط وإنما ذكرنا بعض ما لزمهم بسبب ~~اصولهم الفاسدة # واعلم ان بيان ما في كلامهم من الباطل والنقض لايستلزم كونهم اشقياء في ~~الآخرة الا اذا بعث الله اليهم رسولا فلم يتبعوه بل يعرف به ان من جاءته ~~الرسل بالحق فعدل عن طريقهم إلى طريق هؤلاء كان من الاشقياء في الآخرة ~~PageV09P137 والقوم لولا الأنبياء لكانوا أعقل من غيرهم لكن الأنبياء جاؤوا ~~بالحق وبقاياه في الأمم وان كفروا ببعضه حتى مشركي العرب كان عندهم بقايا ~~من دين إبراهيم فكانوا خيرا من الفلاسفة المشركين الذين يوافقون أرسطو ~~وأمثاله على أصولهم # ( الوجه الخامس ) أنه ان كان المطلوب بقياسهم البرهانى معرفة الموجودات ~~الممكنة فتلك ليس فيها ما هو واجب البقاء على حال واحدة ازلا وأبدا بل هي ~~قابلة للتغير والاستحالة وما قدر أنه من اللازم لموصوفه فنفس الموصوف ليس ~~واجب البقاء فلا يكون العلم به علما بموجود واجب الوجود وليس لهم على أزلية ~~شيء من العالم دليل صحيح كما بسط في موضعه وانما غاية أدلتهم تستلزم دوام ~~نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة وذلك ممكن بوجود عين بعد عين من ذلك النوع ~~أبدا مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم كما هو مقتضى العقل الصريح ~~والنقل الصحيح ms2758 فان القول بأن المفعول المعين مقارن لفاعله أزلا وابدا مما ~~يقضى صريح العقل بامتناعه أى شيء قدر فاعله لا سيما اذا كان فاعلا باختياره ~~كما دلت عليه الدلائل اليقينية ليست التى يذكرها المقصرون في معرفة أصول ~~العلم والدين كالرازي وأمثاله كما بسط في موضعه # وما يذكرون من اقتران المعلول بعلته فاذا اريد بالعلة ما يكون مبدعا ~~للمعلوم فهذا باطل بصريح العقل ولهذا تقر بذلك جميع الفطر السليمة التى ~~PageV09P138 لم تفسد بالتقليد الباطل ولما كان هذا مستقرا في الفطر كان نفس ~~الاقرار بأنه خالق كل شيء موجبا لأن يكون كل مال سواه محدثا مسبوقا بالعدم ~~وان قدر دوام الخالقيه لمخلوق بعد مخلوق فهذا لا ينافى ان يكون خالقا لكل ~~شيء وما سواه محدث مسبوق بالعدم ليس شيء معه سواه قديم بقدمه بل ذلك اعظم ~~في الكمال والوجود والافضال # وأما اذا تريد بالعلة ما ليس كذلك كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة ~~اليد وحصول الشعاع عن الشمس فليس هذا من باب الفاعل في شيء بل هو من باب ~~المشروط والشرط قد يقارن المشروط واما الفاعل فيمتنع ان يقارنه مفعوله ~~المعين وان لم يمتنع ان يكون فاعلا لشيء بعد شيء فقدم نوع الفعل كقدم نوع ~~الحركة وذلك لا ينافى حدوث كل جزء من أجزائها بل يستلزمه لامتناع قدم شيء ~~منها بعينه وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الأمم حتى ارسطو واتباعه ~~فانهم وان قالوا بقدم العالم فهم لم يثبتوا له مبدعا ولا علة فاعليه بل علة ~~غائية يتحرك الفلك للتشبه بها لأن حركة الفلك ارادية # وهذا القول وهو ان الأول ليس مبدعا للعلم وانما هوعلة غائية للتشبيه به ~~وان كان في غاية الجهل والكفر فالمقصود انهم وافقوا سائر العقلاء في ان ~~الممكن المعلول لا يكون قديما بقدم علته كما يقول ذلك بن سينا وموافقوه ~~ولهذا انكر هذا القول بن رشد وامثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا طريقة ~~PageV09P139 ارسطو وسائر العقلاء في ذلك وبينوا ان ما ذكره بن سينا مما ~~خالف به سلفه ms2759 وجماهير العقلاء وكان قصده ان يركب مذهبا منمذاهب المتكلمين ~~ومذهب سلفه فيجعل الموجود الممكن معلول الواجب مع كونه ازليا قديما بقدمه ~~واتبعه على امكان ذلك اتباعه في ذلك كالسهروردى الحلبى والرازى والآمدي ~~والطوسى وغيرهم وزعم الرازي فيما ذكره في محصلة ان القول بكون المفعول ~~المعلول يكون قديما للموجب بالذات مما اتفق عليه الفلاسفة المتقدمون الذين ~~نقلت الينا اقوالهم كأرسطو وامثاله وانما قاله بن سينا وامثاله والمتكلمون ~~اذ قالوا بقدم مايقوم بالقديم من الصفات ونحوها فلا يقولون انها مفعولة ولا ~~معلولة لعلة فاعله بل الذات القديمة هي الموصوفة بتلك الصفات عندهم فصفاتهم ~~من لوازمها يمتنع تحقق كون الواجب واجبا قديما الا بصفاته اللازمة كما قد ~~بسط في موضعه ويمتنع عندهم قدم ممكن يقبل الوجود والعدم مع قطع النظر عن ~~فاعله # وكذلك اساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم ويمتنع ان يكون ~~الممكن لم يزل واجباسواء قيل انه واجب بنفسه أو بغيره ولمن ما ذكره بن سينا ~~وامثاله في ان الممكن قد يكون واجبا بغيره ازليا ابديا كما يقولونه في ~~الفلك هو الذى فتح عليهم في ( الامكان ( من الاسئلة القادحة في قولهم ما لا ~~يمكنهم ان يجيبوا عنه كما بسط في موضعه فان هذا ليس موضع PageV09P140 تقرير ~~هذا ولكن نبهنا به على ان برهانهم القياسى لايفيدوا امورا كليه واجبة ~~البقاء في الممكنات # وأما واجب الوجود تبارك وتعالى فالقياس لا يدل على ما يختص به وإنما يدل ~~على امر مشترك كلى بينه وبين غيرة اذ كان مدلول القياس الشمولى عندهم ليس ~~الامورا كلية مشتركة وتلك لا تختص بواجب الوجود رب العالمين سبحانه وتعالى ~~فلم يعرفوا ببرهانهم شيئا من الأمور التى يجب دوامها لا من ال واجب ولا من ~~الممكنات # وإذا كانت النفس انما تكمل بالعلم الذى يبقى ببقاء معلومه لم يستفيدوا ~~ببرهانهم ما تكمل به النفس من العلم فضلا عن ان يقال ان ما تكمل به النفس ~~من العلم لا يحصل الا ببرهانهم ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات الله عليهم ~~وسلامه الاستدلال على ms2760 الرب تعالى بذكر آياته # وإن استعملوا في ذلك ( القياس ( استعملوا قياس الأولى لم يستعملوا قياس ~~شمول تستوى افراده ولاقياس تمثيل محض فان الرب تعالى لا مثيل له ولا يجتمع ~~هو وغيره تحت كلي تستوي افراده بل ما ثبت لغيره من كمال لا نقص فيه فثبوته ~~له بطريق الأولى وما تنزه غيره عنه من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى ~~ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة PageV09P141 في القرآن من ~~هذا الباب كما يذكره في دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته ~~وإمكان المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السنية والمعالم الالهية التى ~~هي اشرف العلوم واعظم ما تكمل به النفوس من المعارف وان كان كمالها لابد ~~فيه من كمال علمها وقصدها جميعا فلا بد من عبادة الله وحده المتضمنة ~~لمعرفته ومحبته والذل له # وأما الاستدلاله تعالى بالآيات فكثير في القرآن # والفرق بين الايات وبين القياس ان ( الآية ( هي العلامة وهي الدليل الذى ~~يستلزم عين المدلول لا يكون مدلولة امرا كليا مشتركا بين المطلوب وغيره بل ~~نفس العلم به يوجب العلم بعين المدلول كما ان الشمس آية النهار قال الله ~~تعالى @QB@ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار ~~مبصرة @QE@ فنفس العلم بطلوع الشمس يوجب العلم بوجود النهار وكذلك نبوة ~~محمد العلم بنبوته بعينه لا يوجب امرا مشتركا بينه وبين غيره # وكذلك آيات الرب تعالى نفس العلم بها يوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى لا ~~يوجب علما كليا مشتركا بينه وبين غيره والعلم بكون هذا مستلزما لهذا هو جهة ~~الدليل فكل دليل في الوجود لا بد ان يكون مستلزما للمدلول والعلم باستلزام ~~المعين للمعين المطلوب اقرب إلى الفطرة من العلم بأن كل معين PageV09P142 ~~من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة والقضايا الكلية هذا شأنها # فإن القضايا الكلية ان لم تعلم معيناتها بغير التمثيل والا لم تعلم الا ~~بالتمثيل فلا بد من معرفة لزوم المدلول للدليل الذى هو الحد الأوسط فاذا ~~كان كليا فلا بد ان يعرف ان كل فرد من افراد الحكم الكلي المطلوب ms2761 يلزم كل ~~فرد من افراد الدليل كما اذا قيل كل اب وكل ب ج فكل ج 1 فلا بد ان يعرف ان ~~كل فرد من افراد الجيم يلزم كل فرد من افراد الباء وكل فرد من افراد الباء ~~يلزم كل فرد من افراد الألف ومعلوم ان العلم بلزوم المعين للباء المعين ~~والباء المعين للألف المعين اقرب إلى الفطرة من هذا واذا قيل تلك القضية ~~الكلية تحصل في الذهن ضرورة أو بديهة من واهب العقل قيل حصول تلك القضية ~~المعينة في الذهن من واهب العقل اقرب ومعلوم ان كل ما سوى الله من الممكنات ~~فإنه مستلزم لذات الرب تعالى يمتنع وجوده بدون وجود ذات الرب تعالى وتقدس ~~وان كان مستلزما ايضا لأمور كلية مشتركة وبين غيره فلانه يلزم من وجوده ~~وجود لوازمه # وتلك الكليات المشتركة من لوازم المعين اعنى يلزمه ما يخصه من ذلك الكلي ~~العام والكلي المشترك يلزمه بشرط وجوده ووجود العالم الذى يتصور القدر ~~المشترك وهو سبحانه يعلم الامور على ماهى عليه فيعلم نفسه المقدسة بما ~~يخصها ويعلم الكليات انها كليات فيلزم من وجود الخاص وجود العام المطلق كما ~~يلزم من وجود هذا الانسان وجود الانسانية والحيوانية فكل ما PageV09P143 ~~سوى الرب مستلزم لنفسه المقدسة بع نها يمتنع وجود شيء سواه بدون وجود نفسه ~~المقدسة فان الوجود المطلق الكلى لا تحقق له في الاعيان فضلا عن ان يكون ~~خالقا لها مبدعا ثم يلزم وجود المعين وحود المطلق المطابق فاذا تحقق ~~الموجود الواجب تحقق الوجود المطلق المطابق واذا تحقق الفاعل لكل شيء تحقق ~~الفاعل المطلق المطابق واذا تحقق القديم الازلى تحقق القديم المطلق المطابق ~~واذا تحقق الغنى عن كل شيء تحقق الغنى المطلق المطابق واذا تحقق رب كل شيء ~~تحقق الرب المطابق كما ذكرنا انه اذا تحقق هذا الانسان وهذا الحيوان تحقق ~~الانسان المطلق المطابق والحيوان المطلق المطابق لكن المطلق لا يكون مطلقا ~~الا في الاذهان لا في الاعيان فاذا علم انسان وجود انسان مطلق وحيوان مطلق ~~لم يكن عالما بنفس ms2762 العين # كذلك اذا علم واجبا مطلقا وفاعلا مطلقا وغنيا مطلقا لم يكن عالما بنفس رب ~~العالمين وما يختص به من غيره وذلك هو مدلول آياته تعالى فآياته تستلزم ~~عينة التى يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها وكل ما سواه دليل على عينه واية ~~له فانه ملزوم لعينة وكل ملزوم فانه دليل على ملزوم ويمتنع تحقق شيء من ~~الممكنات والا مع تحقق عينه فكلها لازمة لنفسه دليل عليه آية له ودلالتها ~~بطريق قياسهم على الأمر المطلق الكلى الذى لا يتحقق الا في الذهن فلم ~~يعلموا ببرهانهم ما يختص بالرب تعالى # PageV09P144 وأما ( قياس الأولى ( الذى كان يسلكه السلف اتباعا للقرآن ~~فيدل على انه يثبت له من صفات الكمال التى لا نقص فيها أكمل مما علموه ~~ثابتا لغيره مع التفاوت الذى لا يضبطه العقل كمالا يضبط التفاوت بين الخالق ~~وبين المخلوق بل اذا كان العقل يدرك من التفاضل الذى بين مخلوق ومخلوق ما ~~لا ينحصر قدره وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق أعظم من فضل مخلوق على ~~مخلوق كان هذا مما بين له ان ما يثبت لرب أعظم من كل ما يثبت لكل ما سواه ~~بما لا يدرك قدره # فكان ( قياس الأولى ( يفيده أمرا يختص به الرب مع علمه بجنس ذلك الأمر ~~ولهذا كان الحذاق يختارون ان الأسماء المقولة عليه وعلى غيره مقولة بطريق ~~التشكيك ليست بطريق الاشتراك اللفظي ولا بطريق الاشتراك المعنوي الذى ~~تتماثل افراده بل بطريق الاشتراك المعنوى الذى تتفاضل أفراده كما يطلق لفظ ~~البياض والسواد على الشديد كبياض الثلج وعلى ما دونه كبياض العاج فكذلك لفظ ~~الوجود يطلق على الواجب والممكن وهو في الواجب أكمل وافضل من فضل هذا ~~البياض على هذا البياض لكن هذا التفاضل في الاسماء المشككة لا يمنع أن يكون ~~أصل المعنى مشتركا كليا فلابد في الاسماء المشككة من معنى كلى مشترك وان ~~كان ذلك لا يكون الا في الذهن # وذلك هو مورد ( التقسيم ( تقسيم الكلي إلى جزئياته اذا قيل الموجود ينقسم ~~إلى واجب وممكن ms2763 فان مورد التقسيم مشترك بين الأقسام ثم كون PageV09P145 ~~وجود هذا الواجب أكمل من وجود الممكن لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنى ~~كليا مشتركا بينهما وهكذا في سائر الاسماء والصفات المطلقة على الخالق ~~والمخلوق كاسم الحى والعليم والقدير والسميع والبصير وكذلك في صفاته كعلمه ~~وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته # والناس تنازعوا في هذا الباب فقالت طائفة كأبي العباس الناشى من شيوخ ~~المعتزلة الذين كانوا أسبق من أبى علي هي حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق ~~وقالت طائفة من الجهمية والباطنية والفلاسفة بالعكس هي مجاز في الخالق ~~حقيقة في المخلوق وقال جماهير الطوائف هي حقيقة فيهما وهذا قول طوائف ~~النظار من المعتزلة الاشعرية والكرامية والفقهاء وأهل الحديث والصوفية وهو ~~قول الفلاسفة لكن كثيرا من هؤلاء يتناقض فيقر في بعضها بأنها حقيقة كاسم ~~الموجود والنفس والذات والحقيقة ونحو ذلك وينازع في بعضها لشبه نفاة الجميع ~~والقول فيما نفاه نظير القول فيما أثبته ولكن هو لقصورة فرق بين المتماثلين ~~ونفى الجميع يمنع أن يكون موجودا وقد علم أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن ~~وقد يم وحادث وغني وفقير ومفعول وغير مفعول وأن وجود الممكن يستلزم وجود ~~الواجب ووجود المحدث يستلزم وجود القديم ووجود الفقير يستلزم وجود الغنى ~~ووجود المفعول يستلزم وجود PageV09P146 غير المفعول وحينئذ فبين الوجودين ~~امر مشترك والواجب يختص بما يتميز به فكذلك القول في الجميع # والأسماء المشككة هي متواطئة باعتبار القدر المشترك ولهذا كان المتقدمون ~~من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم بل لفظ المتواطئة يتناول ~~ذلك كله فالمشككة قسم من المتواطئة العامة وقسيم المتواطئة الخاصة واذا كان ~~كذلك فلابد من اثبات قدر مشترك كلي وهو مسمى المتواطئة العامة وذلك لا يكون ~~مطلقا الا في الذهن وهذا مدلول قياسهم البرهانى ولابد من اثبات التفاضل وهو ~~مدلول المشككة التى هي قسيم المتواطئة الخاصة وذلك هو مدلول الاقيسة ~~البرهانية القرآنية وهى قياس الاولى ولابد من اثبات خاصة الرب التى بها ~~يتميز عما سواه وذلك ms2764 مدلول آياته سبحانه التى يستلزم ثبوتها ثبوت نفسه لا ~~يدل على هذه قياس لا برهانى ولا غير برهانى # فتبين بذلك ان قياسهم البرهانى لا يحصل المطلوب الذى به تكمل النفس في ~~معرفة الموجودات ومعرفة خالقها فضلا عن ان يقال لا تعلم المطالب الا به ~~وهذا باب واسع لكن المقصود في هذا المقام التنبيه على بطلان ( قضيتهم ~~السالبة ( وهى قولهم ان العلوم النطرية لا تحصل الا بواسطة برهانهم ~~PageV09P147 ثم لم يكفهم هذا السلب العام تحجروا فيه واسعا وقصروا العلوم ~~على طريق ضيقة لا تحصل الا مطلوبا لا طائل فيه حتى زعموا أن علم الله تعالى ~~وعلم أنبيائه وأوليائه انما يحصل بواسطة القياس المشتمل على الحد الأوسط ~~كما يذكر ذلك بن سينا وأتباعه وهم في اثبات ذلك خير ممن نفى علمه وعلم ~~أنبيائه من سلفهم الذين هم من أجهل الناس برب العالمين وأنبيائه وكتبه فابن ~~سينا لما تميز عن أولئك بمزيد علم وعقل سلك طريقهم المنطقى في تقرير ذلك ~~وصار سالكوا هذه الطريق وان كانوا أعلم من سلفهم وأكمل فهم أضل من اليهود ~~والنصارى وأجهل اذ كان أولئك حصل لهم من الايمان بواجب الوجود وصفاته ما لم ~~يحصل لهؤلاء الضلال لما في صدورهم من الكبر والخيال وهم من اتباع فرعون ~~وامثاله ولهذا تجدهم لموسى ومن معه من اهل الملل والشرائع متنقصين أو ~~معادين # قال الله تعالى @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ وقال تعالى @QB@ كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ وقال @QB@ فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ~~فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر ~~هنالك الكافرون @QE@ PageV09P148 # وقد بسط الكلام على قول فرعون ومتابعة هؤلاء له والنمرود بن كنعان ~~وأمثالهم من رؤوس الكفر والضلال ومحالفتهم ms2765 لموسى وابراهيم وغيرهما من رسل ~~الله صلوات الله عليهم في مواضع # وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للمؤمنين اهل الجنة وآل فرعون ائمة لأهل ~~النار قال تعالى @QB@ واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم ~~في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ولقد آتينا موسى الكتاب ~~من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس @QE@ إلى قوله @QB@ قل فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين @QE@ وقال في آل ~~إبراهيم ( وجعلنا منهم ائمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون ~~( # والمقصود ان متأخريهم الذين هم اعلم منهم جعلوا علم الرب يحصل بواسطة ~~القياس البرهانى وكذلك علم انبيائه وقد بسطنا الكلام في الرد عليهم في غير ~~هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على فساد قولهم انه لا يحصل العلم الا بالبرهان ~~الذى وصفوه واذا كان هذا السلب باطلا في PageV09P149 أولى في علم رب ~~العالمين سبحانه وتعالى ثم ملائكته وانبيائه صلوات اله عليهم اجمعين ### ||| فصل # و ( أيضا ) فانهم قسموا جنس الدليل إلى القياس والاستقراء والتمثيل قالوا ~~لأن الاستدلال اما أن يكون بالكلى على الجزئى أو بالجزئى على الكلى أو بأحد ~~الجزئيين على الاخر وربما عبروا عن ذلك بالخاص والعام فقالوا اما أن يستدل ~~بالعام على الخاص أو بالخاص على العام أو باحد الخاصين على الاخر # قالوا والاول هو القياس يعنون به قياس الشمول فانهم يخصونه باسم القياس ~~وكثير من أهل الاصول والكلام يخصون باسم القياس التمثيل واما جمهور العقلاء ~~فاسم القياس عندهم يتناول هذا وهذا قالوا والاستدلال بالجزئيات على الكلى ~~هو الاستقراء فان كان تاما فهو الاستقراء التام وهو يفيد اليقين وان كان ~~ناقصا لم يفد اليقين ( فالاول ) هو استقراء جميع الجزئيات والحكم عليه بما ~~وجد في جزئياته والثانى استقراء أكثرها وذلك كقول القائل الحيوان اذا أكل ~~حرك فكه الاسفل لأنا استقريناها فوجدناها هكذا ms2766 فيقال له التمساح يحرك ~~الاعلى PageV09P150 ثم قالوا ان القياس ينقسم إلى ( اقترانى واستثنائى ) ~~فالاستثنائى ما تكون النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل والاقترانى ما ~~تكون فيه بالقوة كالمؤلف من القضايا الحملية كقولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر ~~حرام والاستثنائى ما يؤلف من الشرطيات وهو نوعان # ( أحدهما ) متصلة كقولنا ان كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر واستثناء ~~عين المقدم ينتج عين التالى واستثناء نقيض التالى ينتج نقيض المقدم # والثانى المنفصلة وهى اما مانعة الجمع والخلو كقولنا العدد اما زوج واما ~~فرد فان هذين لا يجتمعان ولا يخلوالعدد عن أحدهما وإما مانعة الجمع فقط ~~كقولنا هذا اما أسود واما أبيض أى لا يجتمع السواد والبياض وقديخلو المحل ~~عنهما واما مانعة الخلو فهي التى يمتنع فيها عدم الجزأين جميعا ولا يمتنع ~~اجتماعهما وقديقولون مانعة الجمع والخلو هي الشرطية الحقيقية وهى مطابقة ~~للنقيضين في العموم والخصوص ومانعة الجمع هي أخص من النقيضين فان الضدين لا ~~يجتمعان وقد يرتفعان وهما أخص من النقيضين واما مانعة الخلو فانها أعم من ~~النقيضين وقد يصعب عليهم تمثيل ذلك بخلاف النوعين الاولين فان أمثالهما ~~كثيرة # ويمثلونه بقول القائل هذا ركب البحر اولا يغرق فيه أ ى لا يخلو ~~PageV09P151 منهما فانه لا يغرق الا اذا كان في البحر فاما أن لا يغرق فيه ~~وحينئذ لا يكون راكبه واما أن يكون راكبه وقد يجتمع أن يركب ويغرق والامثال ~~كثيرة كقولنا هذا حى أو ليس بعالم أو قادر أو سميع أو بصير أو متكلم فانه ~~ان وجدت الحياة فهو أحد القسمين وان عدمت عدمت هذه الصفات وقد يكون حيا من ~~لا يوصف بذلك فكذلك اذا قيل هذا متطهر أو ليس بمصل فانه ان عدمت الصلاة ~~عدمت الطهارة وان وجدت الطهارة فهو القسم الاخر فلا يخلو الامر منهما وكذلك ~~كل عدم شرط ووجود مشروطه فانه اذا ردد الامر بين وجود المشروط وعدم الشرط ~~كان ذلك مانعا من الخلو فإنه لا يخلو الأمر من وجود الشرط وعدمه واذا عدم ~~الشرط فصار الامر لا يخلو من ms2767 وجود المشروط وعدم الشرط # ثم قسموا الاقترانى إلى الاشكال الاربعة لكون الحد الاوسط اما محمولا في ~~الكبرى موضوعا في الصغرى وهو الشكل الطبيعى وهو ينتج المطالب الاربعة ~~الجزئى والكلى والايجابى والسلبى واما ان يكون الاوسط محمولا فيهما وهو ~~الثانى ولا ينتج الا السلب واما ان يكون موضوعا فيهما ولا ينتج الا ~~الجزئيات والرابع ينتج الجزئيات والسلب الكلي لكنه بعيد عن الطبع ثم إذا ~~أرادوا بيان الانتاج الثانى والثالث وغير ذلك من المطالب احتاجوا إلى ~~الاستدلال بالنقيض والعكس وعكس النقيض فانه يلزم من صدق PageV09P152 القضية ~~كذب نقيضها وصدق عكسها المستوى وعكس نقيضها فاذا صدق قولنا ليس أحد من ~~الحجاج بكافر صح قولنا ليس أحد من الكفار بحاج # فنقول هذا الذى قالوه اما ان يكون باطلا واما ان يكون تطويلا يبعد الطريق ~~على المستدل فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق أو طريق طويل يتعب صاحبه حتى يصل ~~إلى الحق مع امكان وصوله بطريق قريب كما كان يمثله بعض سلفنا بمنزلة من قيل ~~له اين اذنك فرفع يده رفعا شديدا ثم ادارها إلى اذنه اليسرى وقد كان يمكنه ~~الاشارة إلى اليمنى أو اليسرى من طريق مستقيم وما احسن ما وصف الله به ~~كتابه بقوله ( ان هذا القرآن يهدى للتى هي اقوم ( فأقوم الطريق إلى اشرف ~~المطالب ما بعث الله به رسوله واما طريق هؤلاء فهي مع ضلالهم في البعض ~~واعوجاج طريقهم وطولها في البعض الآخر انما توصلهم إلى امر لا ينجى من عذاب ~~الله فضلا عن ان يوجب لهم السعادة فضلا عن حصول الكمال للأنفس البشرية ~~بطريقهم # بيان ذلك ان ما ذكروه من حصر الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل حصر ~~لا دليل عليه بل هو باطل فقولهم ايضا ان العلم المطلوب لا يحصل الا ~~بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص قول لا دليل عليه بل هو باطل واستدلالهم على ~~الحصر بقولهم اما ان يستدل بالكلى على الجزئى أو بالجزئى على الكلي ~~PageV09P153 او بأحد الجزأين على الآخر والاول هو القياس والثانى هو ~~الاستقراء والثالث ms2768 هو التمثيل فيقال لم تقيموا دليلا على انحصار الاستدلال ~~في الثلاثة فانكم اذا عنيتم بالاستدلال بجزئى على جزئى قياس التمثيل لم يكن ~~ما ذكرتموه حاصرا وقد بقى الاستدلال بالكلى على الكلي الملازم له وهو ~~المطابق له في العموم والخصوص وكذلك الاستدلال بالجزئى على الجزئى الملازم ~~له بحيث يلزم من وجود احدهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه فان هذا ليس مما ~~سميتموه قياسا ولا استقراء ولا تمثيلا وهذه هي الآيات # وهذا كالاستدلال بطلوع الشمس على النهار وبالنهار على طلوع الشمس فليس ~~هذا استدلالا بكلى على جزئى بل الاستدلال بطلوع معين على نهار معين استدلال ~~بجزئى على جزئى وبجنس النهار على جنس الطلوع استدلال بكلي على كلي وكذلك ~~الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة استدلال بجزئى على جزئى كالاستدلال ~~بالجدي وبنات نعش والكوكب الصغير القريب من القطب الذى يسميه بعض الناس ~~القطب وكذلك بظهور كوكب على ظهور نظيره في العرض والاستدلال بطلوعه على ~~غروب آخر وتوسط آخر ونحو ذلك من الأدلة التى اتفق عليها الناس قال تعالى ~~@QB@ وبالنجم هم يهتدون @QE@ PageV09P154 والاستدلال على المواقيت والأمكنة ~~بالامكنة امر اتفق عليه العرب والعجم واهل الملل والفلاسفة فاذا استدل ~~بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقا ومغربا ويمينا وشمالا من الكواكب ~~كان استدلالا بجزئى على جزئى لتلازمهما وليس ذلك من قياس التمثيل فان قضى ~~به قضاء كليا كان استدلالا بكلى على كلى وليس استدلالا بكلى على جزئى بل ~~باحد الكليين المتلازمين على الاخر ومن عرف مقدار ابعاد الكواكب بعضها عن ~~بعض وعلم ما يقارن منها طلوع الفجر استدل بما رآه منها على ما مضى من الليل ~~وما بقى منه وهو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر ومن علم الجبال ~~والانهار والرياح استدل بها على ما يلازمها من الامكنة ثم اللزوم ان كان ~~دائما لا يعرف له ابتداء بل هو منذ خلق الله الأرض كوجود الجبال والانهار ~~العظيمة النيل والفرات وسيحان وجيحان والبحر كان الاستدلال مطردا وإن كان ~~اللزوم اقل من ذلك مدة مثل الكعبة شرفها الله تعالى ms2769 فإن الخليل بناها ولم ~~تزل معظمة لم يعل عليها جبار قط استدل بها بحسب ذلك فيستدل بها وعليها فان ~~اركان الكعبة مقابلة لجهات الأرض الاربع الحجر الاسود يقابل المشرق والغربى ~~الذى يقابله ويقال له الشامى يقابل المغرب واليمانى يقابل الجنوب وما ~~يقابله يقال له العراقى اذا قيل PageV09P155 للذي يليه من ناحية الحجر ~~الشامى وان قيل لذاك الشامى قيل لهذا العراقى فهذا الشامى العراقى يقابل ~~الشمال وهو يقابل القطب وحينئذ فيستدل بها على الجهات ويستدل بالجهات عليها # وما كان مدته اقصر من مدة الكعبة كالابنية التى في الأمصار والاشجار كان ~~الاستدلال بها بحسب ذلك فيقال علامة الدار الفلانية ان على بابها شجرة من ~~صفتها كذا وكذا وهما متلازمان مدة من الزمان فهذا وامثاله استدلال باحد ~~المتلازمين على الآخر وكلاهما معين جزئى وليس هو من قياس التمثيل # ولهذا عدل نظار المسلمين عن طريقهم فقالوا الدليل هو المرشد إلى المطلوب ~~وهو الموصل إلى المقصود وهو ما يكون العلم به مستلزما للعلم بالمطلوب أو ما ~~يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو إلى اعتقاد راجح ولهم نزاع اصطلاحى ~~هل يسمى هذا الثانى دليلا أو يخص باسم الامارة والجمهور يسمون الجميع دليلا ~~ومن اهل الكلام من لا يسمى بالدليل الا الأول # ثم الضابط في الدليل ان يكون مستلزما للمدلول فكلما كان مستلزما لغيره ~~أمكن ان يستدل به عليه فإن كان التلازم من الطرفين امكن ان يستدل بكل منهما ~~على الآخر فيستدل المستدل بما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه ثم إن ~~كان اللزوم قطعيا كان الدليل قطعيا وان كان ظاهرا PageV09P156 وقد يتخلف ~~كان الدليل ظنيا # فالأول كدلالة المخلوقات على خالقها سبحانه وتعالى وعلمه وقدرته ومشيئته ~~ورحمته وحكمته فان وجودها مستلزم لوجود ذلك ووجودها بدون ذلك ممتنع فلا ~~توجد الادالة على ذلك ومثل دلالة خبر الرسول على ثبوت ما اخبر به عن الله ~~فانه لا يقول عليه الا الحق اذ كان معصوما في خبره عن الله لا يستقر في ~~خبره عنه خطأ البتة فهذا ms2770 دليل مستلزم لمدلوله لزوما واجبا لا ينفك عنه بحال ~~وسواء كان الملزوم المستدل به وجودا أو عدما فقد يكون الدليل وجودا وعدما ~~ويستدل بكل منهما على وجود وعدم فانه يستدل بثبوت الشيء على انتفاء نقيضه ~~وضده ويستدل بانتفاء نقيضه على ثبوته ويستدل بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم ~~وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم بل كل دليل يستدل به فانه ملزوم ~~لمدلوله وقد دخل في هذا كل ما ذكروه وما لم يذكروه فان ما يسمونه الشرطى ~~المتصل مضمونه الاستدلال بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتفاء اللازم ~~على انتفاء الملزوم سواء عبر عن هذا بصيغة الشرط أو بصيغة الجزم فاختلاف ~~صيغ الدليل مع اتحاد معناه لا يغير حقيقته والكلام انما هو في المعانى ~~العقلية لا في الالفاظ # فإذا قال القائل اذا كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر وان كانت الشمس ~~طالعة فالنهار موجود وإن كان الفاعل عالما قادرا فهو حى ونحو ذلك ~~PageV09P157 فهذا معنى قوله صحة الصلاة تستلزم صحة الطهارة وقوله يلزم من ~~صحة الصلاة ثبوت الطهارة وقوله لا يكون مصليا الا مع الطهارة وقوله الطهارة ~~شرط في صحة الصلاة واذا عدم الشرط عدم المشروط وقوله كل مصل متطهر فمن ليس ~~بمتطهر فليس بمصل وامثال ذلك من انواع التأليف للالفاظ والمعانى التى تتضمن ~~هذا الاستدلال من حصر الناس في عبارة واحدة واذا اتسعت العقول وتصوراتها ~~اتسعت عباراتها واذا ضاقت العقول والعبارات والتصورات بقى صاحبها كأنه ~~محبوس العقل واللسان كما يصيب اهل المنطق اليونانى تجدهم من اضيق الناس ~~علما وبيانا واعجزهم تصورا وتعبيرا ولهذا من كان ذكيا اذا تصرف في العلوم ~~وسلك مسلك اهل المنطق طول وضيق وتكلف وتعسف وغايته بيان البين وايضاح ~~الواضح من العي وقد يوقعه ذلك في انواع من السفسطه التى عافى الله منها من ~~لم يسلك طريقهم # وكذلك تكلفاتهم في حدودهم مثل حدهم للانسان وللشمس بأنها كوكب يطلع نهارا ~~وهل من يجد الشمس مثل هذا الحد ونحوه الا من اجهل الناس وهل عند الناس شيء ~~اظهر من الشمس ومن لم يعرف ms2771 الشمس فإما ان يجهل اللفظ فيترجم له وليس هذا من ~~الحد الذى ذكروه وإما ان لا يكون رآها لعماه فهذا لا يرى النهار ولا ~~الكواكب بطريق الأولى PageV09P158 مع أنه لا بد ان يسمع من الناس ما يعرف ~~ذلك بدون طريقهم وهم معترفون بأن الشكل الأول من الحمليات يغنى عن جميع صور ~~القياس وتصويره فطرى لا يحتاج إلى تعلمه منهم مع ان الاستدلال لا يحتاج إلى ~~تصوره على الوجه الذى يزعمونه ### ||| فصل # وأما قولهم الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين بلا زيادة ولا نقصان فهذا قول ~~باطل طردا وعكسا وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال ~~الناس فمن الناس من لا يحتاج الا إلى مقدمة واحدة لعلمه بما سوى ذلك كما أن ~~منهم من لا يحتاج في علمه بذلك إلى استدلال بل قد يعلمه بالضرورة ومنهم من ~~يحتاج إلى مقدمتين ومنهم من يحتاج إلى ثلاث ومنهم من يحتاج إلى أربع واكثر ~~فمن أراد أن يعرف ان هذا المسكر المعين محرم فان كان يعرف ان كل مسكر محرم ~~ولكن لا يعرف هل هذا المسكر المعين يسكر أم لا لم يحتج الا إلى مقدمة واحدة ~~وهو أن يعلم ان هذا مسكر فاذا قيل له هذا حرام فقال ما الدليل عليه فقال ~~المستدل الدليل على ذلك أنه مسكر تم المطلوب # وكذلك لو تنازع اثنان في بعض أنواع الاشربة هل هو مسكر أم لا PageV09P159 ~~كما يسأل الناس كثيرا عن بعض الاشربة ولا يكون السائل ممن يعلم أنها تسكر ~~أو لا تسكر ولكن قد علم أن كل مسكر حرام فاذا ثبت عنده بخبر من يصدقه أو ~~بغير ذلك من الادلة أنه مسكر علم تحريمه وكذلك سائر ما يقع الشك في اندراجه ~~تحت قضية كلية من الانواع والاعيان مع العلم بحكم تلك القضية كتنازع الناس ~~في النرد والشطرنج هل هما من الميسر أم لا وتنازعهم في النبيذ المتنازع فيه ~~هل هو من الخمر أم لا وتنازعهم في الحلف بالنذر والطلاق والعتاق هل هو داخل ms2772 ~~في قوله ( قدفرض الله لكم تحلة ايمانكم ) أم لا وتنازعهم في قوله ( أو يعفو ~~الذي بيده عقدة النكاح ) هل هو الزوج أو الولى المستقل وأمثال ذلك # وقد يحتاج الاستدلال إلى مقدمتين لمن لم يعلم أن النبيذ المسكر المتنازع ~~فيه محرم ولم يعلم أن هذا المعين مسكر فهو لا يعلم أنه محرم حتى يعلم أنه ~~مسكر ويعلم أن كل مسكر حرام وقد يعلم أن هذا مسكر ويعلم أن كل مسكر خمر لكن ~~لم يعلم ان النبى صلى الله عليه وسلم حرم الخمر لقرب عهده بالاسلام أو ~~لنشأته بين جهال أو زنادقة يشكون في ذلك أو يعلم أن النبى قال ( كل مسكر ~~حرام ) أو يعلم أن هذا خمر وان النبى حرم الخمر لكن لم يعلم ان محمدا رسول ~~الله أو لم يعلم أنه حرمها على جميع المؤمنين بل ظن أنه أباحها لبعض الناس ~~فظن أنه منهم كمن ظن أنه اباح شربها للتداوى أو غير ذلك فهذا لا يكفيه في ~~العلم PageV09P160 بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريما عاما الا أن يعلم أنه ~~مسكر وانه خمر وان النبى حرم كل مسكر وأنه رسول الله حقا فما حرمه حرمه ~~الله وانه حرمه تحريما عاما لم يبحه للتداوى أو للتلذذ # ومما يبين أن تخصيص الاستدلال بمقدمتين باطل أنهم قالوا في حد القياس ~~الذى يشمل البرهاني والخطابي والجدلي والشعري والسوفسطائي انه قول مؤلف من ~~اقوال أو عبارة عما ألف من اقوال اذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر قالوا ~~واحترزنا بقولنا من اقوال عن القضية الواحدة التى تستلزم لذاتها صدق عكسها ~~وعكس نقيضها وكذب نقيضها وليست قياسا قالوا ولم نقل مؤلف من مقدمات لأنا لا ~~يمكننا تعريف المقدمة من حيث هي مقدمة الا بكونها جزء القياس فلو أخذناها ~~في حد القياس كان دورا والقضية الخبرية اذا كانت جزء القياس سموها مقدمة ~~وان كانت مستفادة بالقياس سموها نتيجة وإن كانت مجردة عن ذلك سموها قضية ~~وتسمى أيضا قضية مع تسميتها نتيجة ومقدمة وهي الخبر وليست هي المبتدأ ~~والخبر في ms2773 اصطلاح النحاة بل أعم منه فان المبتدأ والخبر لا يكون الا جملة ~~اسمية والقضية تكون جملة اسمية وفعلية كما لو قيل قد كذب زيد ومن كذب استحق ~~التعزير # والمقصود هنا أنهم أرادوا بالقول في قولهم القياس قول مؤلف من اقوال ~~القضية التى هي جملة تامة خبرية لم يريدوا بذلك المفرد الذى هو PageV09P161 ~~الحد فإن القياس مشتمل على ثلاثة حدود أصغر واوسط واكبر كما اذا قيل النبيذ ~~المتنازع فيه مسكر وكل مسكر حرام فالنبيذ والمسكر والحرام كل منها مفرد وهى ~~الحدود في القياس فليس مرادهم بالقول هذا بل مرادهم ان كل قضية قول كما ~~فسروا مرادهم بذلك # ولهذا قالوا القياس قول مؤلف من اقوال اذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر ~~واللازم انما هي النتيجة وهى قضية وخبر وجملة تامة وليست مفردا ولذلك قالوا ~~القياس قول مؤلف فسموا مجموع القضيتين قولا واذا كانوا قد جعلوا القياس ~~مؤلفا من اقوال وهى القضايا لم يجب ان يراد بذلك قولان فقط لان لفظ الجمع ~~اما أن يكون متناولا للاثنين فصاعدا كقوله ( فان كان له اخوة فلامه السدس ) ~~واما أن يراد به الثلاثة فصاعدا وهو الاصل عند الجمهور ولكن قد يراد به جنس ~~العدد فيتناول الاثنين فصاعدا ولا يكون الجمع مختصا باثنين فاذا قالوا هو ~~مؤلف من اقوال ان ارادوا جنس العدد كان هذا المعنى من اثنين فصاعدا فيجوز ~~ان يكون مؤلفا من ثلاث مقدمات واربع مقدمات فلا يختص بالاثنين وان أرادوا ~~الجمع الحقيقى لم يكن مؤلفا الا من ثلاث فصاعدا وهم قطعا ما ارادوا هذا فلم ~~يبق الا الاول # فإذا قيل هم يلتزمون ذلك ويقولون نحن نقول اقل ما يكون القياس ~~PageV09P162 من مقدمتين وقد يكون من مقدمات فيقال هذا خلاف ما في كتبكم ~~فانكم لا تلتزمون الا مقدمتين فقط وقد صرحوا ان القياس الموصل إلى المطلوب ~~سواء كان اقترانيا أو استثنائيا لا ينقص عن مقدمتين ولا يزيد عليهما وعللوا ~~ذلك بأن المطلوب المتحد لا يزيد على جزأين مبتدأ وخبر فان كان القياس ~~اقترانيا فكل ms2774 واحد من جزأي المطلوب لا بد وان يناسب مقدمة منه أي يكون فيها ~~اما مبتدا واما خبرا ولا يكون هونفس المقدمة # قالوا وليس للمطلوب اكثر من جزأين فلا يفتقر إلى اكثر من مقدمتين وانكان ~~القياس استثنائيا فلا بد فيه من مقدمة شرطية متصلة أو منفصلة تكون مناسبة ~~لكل المطلوب أو نقيضه فلا بد من مقدمة استثنائية فلا حاجة إلى ثالثة قالوا ~~لكن ربما ادرج في القياس قول زائد على مقدمتى القياس اما غير متعلق بالقياس ~~أو متعلق به والمتعلق بالقياس اما لترويج الكلام وتحسينه أو لبيان ~~المقدمتين أو احداهما ويسمون هذا القياس المركب قالوا وحاصلة يرجع إلى ~~اقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد الا ان القياس المبين للمطلوب بالذات ~~منها ليس الا واحدا والباقى PageV09P163 لبيان مقدمات القياس قالوا ربما ~~حذفوا بعض مقدمات القياس اما تعويلا على فهم الذهن لها أو لترويج المغلطة ~~حتى لا يطلع على كذبها عند التصريح بها # قالوا ثم ان كانت الاقيسة لبيان المقدمات قد صرح فيها بنتائجها فيسمى ~~القياس مفصولا والا فموصول ومثلوا الموصول بقول القائل كل انسان حيوان وكل ~~حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان جوهر والمفصول بقولهم كل إنسان حيوان وكل ~~حيوان جسم فكل إنسان جسم ثم يقول كل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل انسان ~~حيوان فيلزم منهما ان كل انسان جوهر # فيقال لهم اما المطلوب الذى لا يزيد على جزأين فذاك في المنطوق به ~~والمطلوب في العقل انما هو شيء واحد لا اثنان وهو ثبوت النسبة الحكمية أو ~~انتفاؤها وان شئت قلت اتصاف الموصوف بالصفة نفيا أو اثباتا وان شئت قلت ~~نسبة المحمول إلى الموضوع والخبر إلى المبتدأ نفيا واثباتا وأمثال ذلك من ~~العبارات الدالة على المعنى الواحد المقصود بالقضية فإذا كانت النتيجة ان ~~النبيذ حرام أو ليس بحرام أو الانسان حساس أو ليس بحساس ونحو ذلك فالمطلوب ~~ثبوت التحريم للنبيذ أو انتفاؤه وكذلك ثبوت الحس للانسان أو انتفاؤه ~~والمقدمة الواحدة اذا ناسبت ذلك PageV09P164 المطلوب حصل بها المقصود ~~وقولنا النبيذ خمر ms2775 يناسب المطلوب وكذلك قولنا الانسان حيوان # فإذا كان الانسان يعلم أن كل خمر حرام ولكن يشك في النبيذ المتنازع فيه ~~هل يسمى في لغة الشارع خمرا فقيل النبيذ حرام لانه قدثبت في الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( كل مسكر خمر ) كانت القضية وهى قولنا قد قال النبى ( ان كل ~~مسكر خمر ) يفيد تحريم النبيذ وإن كان نفس قوله قد تضمن قضية اخرى ~~والاستدلال بذلك مشروط بتقديم مقدمات معلومة عند المستمع وهى أن ما صححه ~~اهل العلم بالحديث فقد وجب التصديق بأن النبى قاله وان ما حرمه الرسول فهو ~~حرام ونحو ذلك فلو لزم ان نذكر كل ما يتوقف عليه العلم وان كان معلوما كانت ~~المقدمات اكثر من اثنتين بل قد تكون اكثر من عشر # وعلى ما قالوه فينبغي لكل من استدل بقول النبى ان يقول النبى حرم ذلك وما ~~حرمه فهو حرام فهذا حرام وكذلك يقول النبى أوجبه وما اوجبه النبى فقد وجب ~~فاذا احتج على تحريم الامهات والبنات ونحو ذلك يحتاج ان يقول ان الله حرم ~~هذا في القرآن وما حرمه الله فهو حرام واذا احتج على وجوب الصلاة والزكاة ~~والحج بمثل قول الله ( ولله على الناس حج البيت ( يقول ان الله أوجب الحج ~~في PageV09P165 كتابه وما أوجبه الله فهو واجب وأمثال ذلك مما يعتبره ~~العقلاء لكنة وعيا وايضاحا للواضح وزيادة قول لا حاجة اليها # وهذا التطويل الذي لا يفيد في قياسهم نظير تطويلهم في حدودهم كقولهم في ~~حد الشمس انهاكوكب تطلع نهارا وأمثال ذلك من الكلام الذى لا يفيد الا تضييع ~~الزمان واتعاب الاذهان وكثرة الهذيان ثم ان الذين يتبعونهم في حدودهم ~~وبراهينهم لا يزالون مختلفين في تحديد الامور المعروفة بدون تحديدهم ~~ويتنازعون في البرهان على امور مستغنية عن براهينهم # وقولهم ليس للمطلوب اكثر من جزأين فلا يفتقر إلى اكثر من مقدمتين فيقال ~~ان اردتم ليس له الا اسمان مفردان فليس الامر كذلك بل قد يكون التعبير عنه ~~بأسماء متعددة مثل من شك في النبيذ هل هو حرام ms2776 بالنص أم ليس حراما لا بنص ~~ولا قياس فاذا قال المجيب النبيذ حرام بالنص كان المطلوب ثلاثة اجزاء وكذلك ~~لو سأل هل الاجماع دليل قطعى فقال الاجماع دليل قطعى كان المطلوب ثلاثة ~~اجزاء واذا قال هل الانسان جسم حساس نام متحرك بالارادة ناطق أم لا ~~فالمطلوب هنا ستة اجزاء # وفى الجملة فالموضوع والمحمول الذى هو مبتدا وخبر وهو جملة خبرية قد تكون ~~جملة مركبة من لفظين وقد تكون من الفاظ متعددة اذا كان PageV09P166 مضمونها ~~مقيدا بقيود كثيرة مثل قوله تعالى @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة ~~الله @QE@ وقوله @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم @QE@ وأمثال ذلك من القيود التى يسميها النحاة الصفات والعطف والاحوال ~~وظرف المكان وظرف الزمان ونحو ذلك # وإذا كانت القضية مقيدة بقيود كثيرة لم تكن مؤلفة من لفظين بل من الفاظ ~~متعددة ومعان متعددة وان اريد ان المطلوب ليس الا معنيان سواء عبر عنهما ~~بلفظين أو الفاظ متعددة قيل وليس الامر كذلك بل قد يكون المطلوب معنى واحدا ~~وقد يكون معنيين وقد يكون معان متعددة فإن المطلوب بحسب طلب الطالب وهو ~~الناظر المستدل والسائل المتعلم المناظر وكل منهما قد يطلب معنى واحدا وقد ~~يطلب معنيين وقد يطلب معانى والعبارة عن مطلوبة قد تكون بلفظ واحد وقد تكون ~~بلفظين وقد تكون باكثر فاذا قال النبيذ حرام فقيل له نعم كان هذا اللفظ ~~وحده كافيا في جوابه كما لو قيل له هو حرام # فإن قالوا القضية الواحدة قد تكون في تقدير قضايا كما ذكرتموه من التمثيل ~~بالانسان فان هذه القضية الواحدة في تقدير خمس قضايا وهي خمس مطالب ~~والتقدير هل هو جسم أم لا وهل هو حساس أم لا وهل PageV09P167 هو نام أم لا ~~وهل هو متحرك أم لا وهل هو ناطق أم لا وكذلك فيما تقدم هل النبيذ حرام أم ~~لا واذا كان حراما ms2777 فهل تحريمه بالنص أو بالقياس فيقال اذا رضيتم بمثل هذا ~~وهو ان تجعلوا الواحد في تقدير عدد فالمفرد قد يكون في معنى قضية فاذا قال ~~النبيذ المسكر حرام فقال المجيب نعم فلفظ نعم في تقدير قوله هو حرام وان ~~قال ما الدليل عليه فقال تحريم كل مسكر أو ان كل مسكر حرام وقول النبى ( كل ~~مسكر حرام ( ونحو ذلك من العبارات التى جعل الدليل فيها اسما مفردا وهو جزء ~~واحد لم يجعله قضية مؤلفة من اسمين مبتدأ وخبر فان قوله تحريم كل مسكر اسم ~~مضاف وقوله ان كل مسكر حرام بالفتح مفرد ايضا فان ان وما في خبرها في تقدير ~~المصدر المفرد وان المكسورة وما في خبرها جملة تامة # وكذلك اذا قلت الدليل عليه قول النبى أو الدليل عليه النص أو اجماع ~~الصحابة أو الدليل عليه الآية الفلانية أو الحديث الفلانى أو الدليل عليه ~~قيام المقتضى للتحريم السالم عن المعارض المقاوم أو الدليل عليه انه مشارك ~~لخمر العنب فيما يستلزم التحريم وامثال ذلك فيما يعبر فيه عن الدليل باسم ~~مفرد لا بالقضية التى هي جملة تامة # ثم هذا الدليل الذى عبر عنه باسم مفرد هو اذا فصل عبر عنه بألفاظ متعددة ~~PageV09P168 # والمقصود ان قولكم ان الدليل الذى هو القياس لا يكون الا جزأين فقط ان ~~اردتم لفظين فقط وان ما زاد على لفظين فهو أدلة لا دليل واحد لان ذلك اللفظ ~~الموصوف بصفات تحتاج كل صفة إلى دليل قيل لكم وكذلك يمكن ان يقال في ~~اللفظين هما دليلان لا دليل واحد فان كل مقدمة تحتاج إلى دليل وحينئذ ~~فتخصيص العدد باثنين دون ما زاد تحكم لا معنى له فإنه اذا كان المقصود قد ~~يحصل بلفظ مفرد وقد لا يحصل الا بلفظين وقد لا يحصل الا بثلاثة أو بأربعة ~~واكثر فجعل الجاعل اللفظين هما الاصل الواجب دون ما زاد وما نقص وان الزائد ~~ان كان في المطلوب جعل مطالب متعددة وان كان في الدليل تذكر مقدمات جعل ذلك ~~في تقدير اقيسة ms2778 متعددة تحكم محض ليس هو اولى من ان يقال بل الاصل في ~~المطلوب ان يكون واحدا ودليله جزءا واحدا فاذا زاد المطلوب على ذلك جعل ~~مطلوبين أو ثلاثة أو اربعة بحسب دلالته وهذا اذا قيل فهو احسن من قولهم لان ~~اسم الدليل مفرد فيجعل معناه مفردا والقياس هو الدليل # ولفظ ( القياس ( يقتضى التقدير كما يقال قست هذا بهذا والتقدير يحصل ~~بواحد واذا قدر باثنين وثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرا واحدا فتكون ~~تلك التقديرات اقيسة لا قياسا واحدا فجعلهم ما زاد على الاثنين من المقدمات ~~في معنى اقيسة متعددة وما نقص عن الاثنين نصف PageV09P169 قياس تام اصطلاح ~~محض لا يرجع إلى معنى معقول كما فرقوا بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة ~~للماهية والوجود بمثل هذا التحكم # وحينئذ فيعلم ان القوم لم يرجعوا فيما سموه حدا وبرهانا إلى حقيقة موجودة ~~ولا امر معقول بل إلى اصطلاح مجرد كتنازع الناس في ( العلة ( هل هي اسم لما ~~يستلزم المعلول بحيث لا يتخلف عنها بحال فلا يقبل النقيض والتخصيص أو هو ~~اسم لما يكون مقتضيا للمعلول وقد يتخلف عنه المعلول لفوات شرط أو وجود مانع ~~وكاصطلاح بعض اهل النظر والجدل في تسمية احدهم ( الدليل ( لما هو مستلزم ~~للمدلول مطلقا حتى يدخل في ذلك عدم المعارض والآخر يسمى الدليل لما كان من ~~شأنه ان يستلزم المدلول وانما يتخلف استلزامه لفوات شرط أو وجود مانع ~~وتنازع اهل الجدل هل على المستدل ان يتعرض في ذكر الدليل لتبيين المعارض ~~جملة أو تفصيلا حيث يمكن التفصيل أو لا يتعرض لا جملة ولا تفصيلا أو يتعرض ~~لتبيينه جملة لا تفصيلا # وهذه امور وضعية اصطلاحية بمنزلة الالفاظ التى يصطلح عليها الناس للتعبير ~~عما في انفسهم ليست حقائق ثابته في انفسها لامور معقولة تتفق فيها الامم ~~كما يدعيه هؤلاء في منطقهم بل هؤلاء الذين يجعلون العلة والدليل يراد به ~~هذا أو هذا اقرب إلى المعقول من جعل هؤلاء الدليل لا يكون الا من مقدمتين ~~فإن هذا تخصيص لعدد دون عدد بلا موجب ms2779 واولئك PageV09P170 لحظوا صفات ثابتة ~~في العلة والدليل وهو وصف التمام أو مجرد الاقتضاء فكان ما اعتبره اولئك ~~اولى بالحق والعقل مما اعتبره هؤلاء الذين لم يرجعوا الا إلى مجرد التحكم # ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم بأنه امر اصطلاحى وضعه رجل من ~~اليونان لا يحتاج إليه العقلاء ولا طلب العقلاء للعلم موقوفا عليه كما ليس ~~موقوفا على التعبير بلغاتهم مثل فيلاسوفيا وسوفسطيقا وأنولوطيقا وأثولوجيا ~~وقاطيغورياس ونحو ذلك من لغاتهم التى يعبرون بها عن معانيهم فلا يقول احدان ~~سائر العقلاء محتاجون إلى هذه اللغة لا سيما من كرمه الله بأشرف اللغات ~~الجامعه لا كمل مراتب البيان المبينة لما تتصوره الاذهان بأوجز لفظ واكمل ~~تعريف وهذا مما احتج به أبو سعيد السيرافى في مناظرته المشهورة ( لمتى ( ~~الفيلسوف لما اخذ ( متى ( يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء إليه ورد عليه ~~أبو سعيد بعدم الحاجة إليه وان الحاجة انما تدعو إلى تعلم العربية لان ~~المعانى فطرية عقليه لا تحتاج إلى اصطلاح خاص بخلاف اللغة المتقدمه التى ~~يحتاج اليها في معرفة ما يجب معرفته من المعانى فانه لا بد فيها من التعلم ~~ولهذا كان تعلم العربية التى يتوقف فهم القرآن والحديث عليها فرضا على ~~الكفاية بخلاف المنطق PageV09P171 ومن قال من المتأخرين ان تعلم المنطق فرض ~~على الكفاية أو انه من شروط الاجتهاد فانه يدل على جهله بالشرع وجهله ~~بفائدة المنطق وفساد هذا القول معلوم بالاضطرار من دين الاسلام فان افضل ~~هذه الامة من الصحابة والتابعين لهم باحسان وائمة المسلمين عرفوا ما يجب ~~عليهم ويكمل علمهم وايمانهم قبل ان يعرف المنطق اليونانى فكيف يقال انه لا ~~يوثق بالعلم ان لم يوزن به أو يقال ان فطر بنى آدم في الغالب لم تستقم الا ~~به # فإن قالوا نحن لا نقول ان الناس يحتاجون إلى اصطلاح المنطقيين بل إلى ~~المعانى التى توزن بها العلوم # قيل لا ريب ان المجهول لا يعرف الا بالمعلومات والناس يحتاجون إلى ان ~~يزنوا ما جهلوه بما علموه وهذا من الموازين التى انزلها الله حيث ms2780 قال ( ~~الله الذى انزل الكتاب بالحق والميزان ( وقال ( لقد ارسلنا رسلنا بالبينات ~~وانزلنا معهم الكتاب والميزان ( وهذا موجود عند امتنا وغير امتنا ممن لم ~~يسمع قط بمنطق اليونان فعلم ان الامم غير محتاجة إلى المعانى المنطقية التى ~~عبروا عنها بلسانهم وهو كلامهم في المعقولات الثانيه # فان ( موضوع المنطق ( هو المعقولات من حيث يتوصل بها إلى علم ما لم يعلم ~~فانه ينظر في احوال المعقولات الثانية وهى النسب الثانية للماهيات من حيث ~~هي مطلقة عرض لها ان كانت موصلة إلى تحصيل ما ليس بحاصل أو معينة في ذلك لا ~~على وجه جزئى بل على قانون كلى ويدعون ان صاحب المنطق ينظر في جنس الدليل ~~كما PageV09P172 ان صاحب اصول الفقه ينظر في الدليل الشرعى ومرتبته فيميز ~~ما هو دليل شرعى وما ليس بدليل شرعى وينظر في مراتب الادلة حتى يقدم الراجح ~~على المرجوح عند التعارض وهم يزعمون أن صاحب المنطق ينظر في الدليل المطلق ~~الذى هو اعم من الشرعى ويميز بين ما هو دليل وما ليس بدليل ويدعون ان نسبة ~~منطقهم إلى المعانى كنسبة العروض إلى الشعر وموازين الاموال إلى الاموال ~~وموازين الاوقات إلى الاوقات وكنسبة الذراع إلى المذروعات # وهذا هو الذى قال جمهور علماء المسلمين وغيرهم من العقلاء انه باطل فان ~~منطقهم لا يميز بين الدليل وغير الدليل لافى صورة الدليل ولا في مادته ولا ~~يحتاج ان توزن به المعانى بل ولا يصح وزن المعانى به بل هذه الدعوى من اكذب ~~الدعاوى # والكلام معهم انما هو في المعاني التى وضعوها في المنطق وزعموا ان ~~التصورات المطلوبة لا تنال الا بها والتصديقات المطلوبة لا تنال الا بها ~~فذكروا لمنطقهم ( اربع دعاوى ( دعوتان سالبتان ودعوتان موجبتان # ادعوا انه لا تنال التصورات بغير ما ذكروه فيه من الطريق وان التصديقات ~~لا تنال بغير ما ذكروه فيه من الطريق وهاتان الدعوتان من اظهر الدعاوى كذبا ~~وادعوا ان ما ذكروه من الطريق يحصل به تصور الحقائق التى لم تكن متصورة ~~وهذا ايضا باطل وقد تقدم التنبيه ms2781 على هذه الدعاوى الثلاثة وسيأتى ~~PageV09P173 الكلام على دعواهم الرابعة التى هي امثل من غيرها وهى دعواهم ~~ان برهانهم يفيد العلم التصديقى # وإن قالوا ان العلم التصديقى أو التصورى ايضا لا ينال بدونه فهم ادعوا ان ~~طرق العلم على عقلاء بنى آدم مسدودة الا من الطريقتين اللتين ذكروهما من ~~الحد وما ذكروه من القياس وادعوا أن ما ذكروه من الطريقتين توصلان إلى ~~العلوم التي ينالها بنو آدم بعقولهم بمعنى أن ما يوصل لا بد أن يكون على ~~الطريق الذى ذكروه لا على غيره فما ذكروه آله قانونية بها توزن الطرق ~~العلمية ويميز بها بين الطريق الصحيحة والفاسدة فمراعاة هذا القانون تعصم ~~الذهن ان يزل في الفكر الذى ينال به تصور أو تصديق # هذا ملخص ما قالوه # وكل هذه الدعاوى كذب في النفى والاثبات فلا ما نفوه من طرق غيرهم كلها ~~باطل ولا ما اثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه الذى ادعوا فيه وان كان في ~~طرقهم ما هو حق كما ان في طرق غيرهم ما هو باطل فما من أحد منهم ولا من ~~غيرهم يصنف كلاما الا ولابد ان يتضمن ما هو حق فمع اليهود والنصارى من الحق ~~بالنسبة إلى مجموع ما معهم اكثر مما مع هؤلاء من الحق بل ومع المشركين عباد ~~الاصنام من العرب ونحوهم من الحق اكثرمما مع PageV09P174 هؤلاء بالنسبة إلى ~~ما معهم في مجموع فلسفتهم النظرية والعملية للأخلاق والمنازل والمدائن # ولهذا كان اليونان مشركين كفارا يعبدون الكواكب والأصنام شرا من اليهود ~~والنصارى بعد النسخ والتبديل بكثير ولولا ان الله من عليهم بدخول دين ~~المسيح اليهم فحصل لهم من الهدى والتوحيد ما استفادوه من دين المسيح ما ~~داموا متمسكين بشريعته قبل النسخ والتبديل لكانوا من جنس امثالهم من ~~المشركين ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا في دين مركب من حنيفية وشرك بعضه حق ~~وبعضه باطل وهو خير من الدين الذى كان عليه اسلافهم # وكلامنا هنا في ( بيان ضلال هؤلاء المتفلسفة ( الذين يبنون ضلالهم بضلال ~~غيرهم فيتعلقون بالكذب ms2782 في المنقولات وبالجهل في المعقولات كقولهم ان ارسطو ~~وزير ذي القرنين المذكور في القرآن لأنهم سمعوا انه كان وزير الاسكندر وذو ~~القرنين يقال له الاسكندر وهذا من جهلهم فان الاسكندر الذي وزر له ارسطو هو ~~بن فيلبس المقدونى الذى يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى ~~وهو انما ذهب إلى ارض القدس لم يصل إلى السد عند من يعرف اخباره وكان مشركا ~~يعبد الأصنام وكذلك ارسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الاصنام وذو القرنين ~~كان موحدا مؤمنا بالله وكان متقدما على هذا ومن يسميه الاسكندر يقول هو ~~الاسكندر بن دارا PageV09P175 ولهذا كان هؤلاء المتفلسفة انما راجو على ~~ابعد الناس عن العقل والدين ( كالقرامطة والباطنية ( الذين ركبوا مذهبهم من ~~فلسفة اليونان ودين المجوس واظهروا الرفض وكجهال المتصوفة واهل الكلام ~~وانما ينفقون في دولة جاهلية بعيدة عن العلم والإيمان إما كفارا واما ~~منافقين كما نفق من نفق منهم على المنافقين الملاحدة ثم نفق على المشركين ~~الترك وكذلك انما ينفقون دائما على اعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين # وكلامنا الآن فيما احتجوا به على انه لابد في الدليل من مقدمتين لا اكثر ~~ولا اقل وقد علم ضعفه 3 ثم انهم لما علموا ان الدليل قد يحتاج إلى مقدمات ~~وقد تكفي فيه مقدمة واحدة قالوا إنه ربما أدرج في القياس قول زائد أي مقدمة ~~ثالثة زائدة على مقدمتين لغرض فاسد أو صحيح كبيان المقدمتين ويسمونه المركب ~~قالوا ومضمونه اقيسة متعددة سيقت لبيان اكثر من مطلوب واحد الا ان المطلوب ~~منها بالذات ليس الا واحدا قالوا وربما حذفت احدى المقدمات اما للعلم بها ~~أو لغرض فاسد وقسموا المركب إلى مفصول وموصول # فيقال هذا اعتراف منكم بأن من المطالب ما يحتاج إلى مقدمات وما يكفى فيه ~~مقدمة واحدة ثم قلتم ان ذلك الذى يحتاج إلى مقدمات هو في معنى PageV09P176 ~~اقيسة متعددة فيقال لكم اذا ادعيتم ان الذى لابد منه انما هو قياس واحد ~~مشتمل على مقدمتين وان ما زاد على ذلك هو في معنى اقيسة كل ms2783 قياس لبيان ~~مقدمة من المقدمات فقولوا ان الذى لا بد منه هو مقدمة واحدة وان ما زاد على ~~تلك المقدمة من المقدمات فانما هو لبيان تلك المقدمة وهذا اقرب إلى المعقول ~~فانه اذا لم يعلم ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت الحكم للمحكوم عليه وهو ثبوت ~~الخبر للمبتدأ أو المحمول للموضوع الا بوسط بينهما هو الدليل فالذى لا بد ~~منه هو مقدمة واحدة وما زاد على ذلك فقد يحتاج إليه وقد لا يحتاج إليه # وأما دعوى الحاجة إلى القياس الذي هو المقدمتان للاحتياج إلى ذلك في بعض ~~المطالب فهو كدعوى الاحتياج في بعضها إلى ثلاث مقدمات واربع وخمس للاحتياج ~~إلى ذلك في بعض المطالب وليس تقدير عدد بأولى من عدد # وما يذكرونه من حذف احدى المقدمتين لوضوحها أو لتغليط يوجد مثله في حذف ~~الثالثة والرابعة ومن احتج على مسألة بمقدمة لا تكفى وحدها لبيان المطلوب ~~أو مقدمتين أو ثلاثة لا تكفى طولب بالتمام الذى تحصل به كفاية واذا ذكرت ~~المقدمات منع منها ما يقبل المنع وعورض منها ما يقبل المعارضة حتى يتم ~~الاستدلال فمن طلب منه الدليل على تحريم شراب خاص قال هذا حرام فقيل له لم ~~قال لأنه نبيذ مسكر فهذه PageV09P177 المقدمة كافية ان كان المستمع يعلم ان ~~كل مسكر حرام اذا سلم له تلك المقدمة وان منعه اياها وقال لا نسلم ان هذا ~~مسكر احتاج إلى بيانها بخبر من يوثق بخبره أو بالتجربة في نظيرها وهذا قياس ~~تمثيل وهو مفيد لليقين فان الشراب الكثير اذا جرب بعضه وعلم انه مسكر علم ~~ان الباقى منه مسكر لأن حكم بعضه مثل بعضه وكذلك سائر القضايا التجريبية ~~كالعلم بأن الخبز يشبع والماء يروي وامثال ذلك انما مبناها على قياس ~~التمثيل بل وكذلك سائر الحسيات التى علم انها كلية انما هو بواسطة قياس ~~التمثيل # وإن كان ممن ينازعه في ان النبيذ المسكر حرام احتاج إلى مقدمتين إلى ~~اثبات ان هذا مسكر والى ان كل مسكر حرام فيثبت الثانية بأدلة متعددة كقول ~~النبى ( كل ms2784 مسكر حرام ( ( وكل شراب اسكر فهو حرام ( وبانه سئل عن شراب يصنع ~~من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر وكان قد اوتى ~~جوامع الكلم فقال ( كل مسكر حرام ( وهذه الاحاديث في الصحيح وهي واضعافها ~~معروفة عن النبى تدل على انه حرم كل شراب اسكر # فإن قال انا اعلم انه خمر لكن لا اسلم ان الخمر حرام أو لا اسلم انه حرام ~~مطلقا اثبت هذه المقدمة الثالثة وهلم جرا # وما يبين لك ان المقدمة الواحدة قد تكفى في حصول المطلوب ان PageV09P178 ~~الدليل هو ما يستلزم الحكم المدلول عليه كما تقدم بيانه ولما كان الحد ~~الاول مستلزما للاوسط والأوسط للثالث ثبت ان الاول مستلزم للثالث فان ملزوم ~~الملزوم ملزوم ولازم اللازم لازم فإن الحكم لازم من لوازم الدليل لكن لم ~~يعرف لزومه اياه الا بوسط بينهما فالوسط ما يقرن بقولك لأنه وهذا مما ذكره ~~المنطقيون وبن سينا وغيره ذكروا الصفات اللازمة للموصوف وان منها ما يكون ~~بين اللزوم وردوا بذلك على من فرق من اصحابهم بين الذاتى واللازم للماهية ~~بأن اللازم ما افتقر إلى وسط بخلاف الذاتى فقالوا له كثير من الصفات ~~اللازمه لا تفتقر إلى وسط وهى البينة اللزوم والوسط عند هؤلاء هو الدليل # وأما ما ظنه بعض الناس ان الوسط هو ما يكون متوسطا في نفس الأمر بين ~~اللازم القريب واللازم البعيد فهذا خطأ ومع هذا يستبين حصول المراد على ~~التقديرين فنقول اذا كانت اللوازم منها ما لزومه للملزوم بين بنفسه لا ~~يحتاج إلى دليل يتوسط بينهما فهذا نفس تصوره وتصور الملزوم يكفى في العلم ~~بثبوته له وان كان بينهما وسط فذلك الوسط إن كان لزومه للملزوم الاول ولزوم ~~الثانى له بينا لم يفتقر إلى وسط ثان وان كان أحد الملزومين غير بين بنفسه ~~احتاج إلى وسط وان لم يكن واحد منهما بينا احتاج إلى وسطين وهذا الوسط هو ~~حد يكفى فيه مقدمة واحدة فاذا طلب الدليل على تحريم النبيذ المسكر فقيل له ~~لانه قد ms2785 صح عن النبى انه قال PageV09P179 ( كل مسكر خمر ( أو ( كل مسكر ~~حرام ( فهذا الأوسط وهو قول النبى لا يفتقر عند المؤمن لزوم تحريم المسكر ~~له إلى وسط ولا يفتقر لزوم تحريم النبيذ المتنازع فيه لتحريم المسكر إلى ~~وسط فان كل أحد يعلم انه اذا حرم كل مسكر حرم النبيذ المسكر المتنازع فيه ~~وكل مؤمن يعلم ان النبى اذا حرم شيئا حرم ولو قال الدليل على تحريمه انه ~~مسكر فالمخاطب ان كان يعرف ان ذلك مسكر والمسكر محرم سلم له التحريم ولكنه ~~غافل عن كونه مسكرا أو جاهل بكونه مسكرا وكذلك اذا قال لأنه خمر فان اقرانه ~~خمر ثبت التحريم واذا اقر بعد انكاره فقد يكون جاهلا فعلم أو غافلا فذكر ~~فليس كل من علم شيئا كان ذاكرا له # ولهذا تنازع هؤلاء المنطقيون في العلم بالمقدمتين هل هو كاف في العلم ~~بالنتيجة أم لا بد من التفطن لأمر ثالث وهذا الثانى هو قول بن سينا وغيره ~~قالوا لأن الانسان قد يكون عالما بأن البغلة لا تلد ثم يغفل عن ذلك ويرى ~~بغلة منتفخة البطن فيقول اهذه حامل أم لا فيقال له اما تعلم انها بغلة ~~فيقول بلى ويقال له اما تعلم ان البغلة لا تلد فيقول بلى قال فحينئذ يتفطن ~~لكونها لا تلد ونازعه الرازى وغيره وقالوا هذا ضعيف لأن اندراج احدى ~~المقدمتين تحت الاخرى ان كان مغايرا للمقدمتين كان ذلك مقدمة اخرى لا بد ~~فيها من الإنتاج ويكون الكلام في كيفية التئامها مع الأوليين كالكلام في ~~PageV09P180 كيفية التئام الأوليين ويفضى ذلك إلى اعتبار ما لا نهاية له من ~~المقدمات وان لم يكن ذلك معلوما مغايرا للمقدمتين استحال ان يكون شرطا في ~~الانتاج لأن الشرط مغاير للمشروط وهنا لا مغايرة فلا يكون شرطا وأما حديث ~~البغلة فذلك انما يمكن اذا كان الحاضر في الذهن احدى المقدمتين فقط اما ~~الصغرى واما الكبرى اما عند اجتماعهما في الذهن فلا نسلم انه يمكن الشك ~~اصلا في النتيجة # قلت و ( حقيقة الامر ( ان هذا النزاع ms2786 ألزمهم في ظنهم الحاجة إلى مقدمتين ~~لا في الانتاج لأن الشرط مغاير للمشروط وليس الامر كذلك بل المحتاج إليه ما ~~به يعلم المطلوب سواء كان مقدمة أو اثنين أو ثلاثا والمغفول عنه ليس بمعلوم ~~حال الغفلة فاذا تذكر صار معلوما بالفعل وهنا الدليل هو العلم بأن البغلة ~~لا تلد وهذه المقدمة كان ذاهلا عنها فلم يكن عالما بها العلم الذى تحصل به ~~الدلالة فان المغفول عنه لا يدل حينما يكون مغفولا عنه بل انما يدل حال ~~كونه مذكورا اذ هو بذلك يكون معلوما علما حاضرا # والرب تعالى منزه عن الغفلة والنسيان لان ذلك يناقض حقيقة العلم كما انه ~~منزه عن السنة والنوم لان ذلك يناقض كمال الحياة والقيومية فان النوم اخو ~~الموت ولهذا كان اهل الجنة لا ينامون كما لا يموتون ويلهمون التسبيح كما ~~يلهم احدنا النفس PageV09P181 والمقصود هنا ان وجه الدليل العلم بلزوم ~~المدلول له سواء سمى استحضارا أو تفطنا أو غير ذلك فمتى استحضر في ذهنه ~~لزوم المدلول له علم انه دال عليه وهذا اللزوم ان كان بينا له والا فقد ~~يحتاج في بيانه إلى مقدمة أو اثنتين أو ثلاث أو اكثر والاوساط تتنوع بتنوع ~~الناس فليس ما كان وسطا مستلزما للحكم في حق هذا هو الذى يجب ان يكون وسطا ~~في حق الآخر بل قد يحصل له وسط آخر فالوسط هو الدليل وهو الواسطة في العلم ~~بين اللازم والملزوم وهما المحكوم والمحكوم عليه فان الحكم لازم للمحكوم ~~عليه ما دام حكما له والأواسط التى هي الأ دلة مما يتنوع ويتعدد بحسب ما ~~يفتحه الله للناس من الهداية كما اذا كان الوسط خبرا صادقا فقد يكون الخبر ~~لهذا غير الخبر لهذا واذا رؤي الهلال وثبت عند دار السلطان وتفرق الناس ~~فأشاعوا ذلك في البلد فكل قوم يحصل لهم العلم بخبر من غير المخبرين الذين ~~اخبروا غيرهم والقرآن والسنة الذى بلغه الناس عن الرسول بلغ كل قوم بوسائط ~~غير وسائط غيرهم لا سيما في القرن الثانى والثالث فهؤلاء لهم ms2787 مقرئون ~~ومعلمون ولهؤلاء مقرئون ومعلمون وهؤلاء كلهم وسائط وهم الأوساط بينهم وبين ~~معرفة ما قاله الرسول وفعله وهم الذين دلوهم على ذلك بأخبارهم وتعليمهم # وكذلك المعلومات التى تنال بالعقل أو الحس اذا نبه عليها منبه أو ارشد ~~اليها مرشد واما من جعل الوسط في اللوازم هو الوسط في نفس ثبوتها ~~PageV09P182 للموصوف فهذا باطل من وجوه كما قد بسط في موضعه وبتقدير صحته ~~فالوسط الذهنى اعم من الخارجى كما ان الدليل اعم من العلة فكل علة يمكن ~~الاستدلال بها على المعلول وليس كل دليل يكون علة في نفس الامر وكذلك ما ~~كان متوسطا في نفس الامر امكن جعله متوسطا في الذهن فيكون دليلا ولا ينعكس ~~لأن الدليل هو ما كان مستلزما للمدلول فالعلة المستلزمة للمعلول يمكن ~~الاستدلال بها والوسط الذى يلزم الملزوم ويلزمه اللازم البعيد هو مستلزم ~~لذلك اللازم فيمكن الاستدلال به فتبين انه على كل تقدير يمكن الاستدلال على ~~المطلوب بمقدمة واحدة اذا لم يحتج إلى غيرها وقد لا يمكن الا بمقدمات ~~فيحتاج إلى معرفتهن فان تخصيص الحاجة بمقدمتين دون ما زاد وما نقصتحكم محض ~~ولهذا لا تجد في سائر طوائف العقلاء ومصنفى العلوم من يلتزم في استدلاله ~~البيان بمقدمتين لا اكثر ولا اقل ويجتهد في رد الزيادة إلى اثنتين وفى ~~تكميل النقص بجعله مقدمتين الا اهل منطق اليونان ومن سلك سبيلهم دون من كان ~~باقيا على فطرته السليمة أو سلك مسلك غيرهم كالمهاجرين والأنصار والتابعين ~~لهم باحسان وسائر ائمة المسلمين وعلمائهم ونظارهم وسائر طوائف الملل # وكذلك اهل النحو والطب والهندسة لا يدخل في هذا الباب الا من اتبع في ذلك ~~هؤلاء المنطقيين كما قلدوهم في الحدود المركبة من الجنس والفصل وما ~~استفادوا بما تلقوه عنهم علما الا عما يستغنى عن باطل كلامهم PageV09P183 ~~أو ما يضر ولا ينفع لما فيه من الجهل أو التطويل الكثير ولهذا لما كان ~~الاستدلال تارة يقف على مقدمة وتارة على مقدمتين وتارة على مقدمات كانت ~~طريقة نظار المسلمين ان يذكروا من الآدلة على المقدمات ما ms2788 يحتاجون إليه ولا ~~يلتزمون في كل استدلال ان يذكروا مقدمتين كما يفعله من يسلك سبيل المنطقيين ~~بل كتب نظار المسلمين وخطبائهم وسلوكهم في نظرهم لأنفسهم ومناظرتهم لغيرهم ~~تعليما وارشادا ومجادلة على ما ذكرت وكذلك سائر اصناف العقلاء من اهل الملل ~~وغيرهم الا من سلك طريق هؤلاء # وما زال نظار المسلمين يعيبون طريق اهل المنطق ويبينون ما فيها من العى ~~واللكنة وقصور العقل وعجز النطق ويبينون انها إلى افساد المنطق العقلى ~~واللسانى اقرب منها إلى تقويم ذلك ولا يرضون ان يسلكوها في نظرهم ومناظرتهم ~~لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه # وإنما كثر استعمالها من زمن ( ابى حامد ( فانه ادخل مقدمة من المنطق ~~اليونانى في اول كتابة ( المستصفى ( وزعم انه لا يثق بعلمه الا من عرف هذا ~~المنطق وصنف فيه ( معيار العلم ( ( ومحك النظر ( وصنف كتابا سماه ( القسطاس ~~المستقيم ( ذكر فيه خمس موازين الثلاث الحمليات والشرطي المتصل والشرطى ~~المنفصل وغير عباراتها إلى امثلة اخذها من كلام المسلمين PageV09P184 وذكر ~~انه خاطب بذلك بعض اهل التعليم وصنف كتابا في تهافتهم وبين كفرهم بسبب ~~مسألة قدم العالم وانكار العلم بالجزئيات وانكار المعاد وبين في آخر كتبه ~~ان طريقهم فاسدة لا توصل إلى يقين وذمها اكثر مما ذم طريقة المتكلمين وكان ~~اولا يذكر في كتبه كثيرا من كلامهم اما بعبارتهم وإما بعبارة اخرى ثم في ~~آخر امره بالغ في ذمهم وبين ان طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها ~~وفسادها اعظم من طريق المتكلمين ومات وهو مشتغل بالبخاري ومسلم والمنطق ~~الذى كان يقول فيه ما يقول ما حصل له مقصوده ولا أزال عنه ما كان فيه من ~~الشك والحيرة ولم يغن عنه المنطق شيئا # ولكن بسبب ما وقع منه في اثناء عمره وغير ذلك صار كثير من النظار يدخلون ~~المنطق اليونانى في علومهم حتى صار من يسلك طريق هؤلاء من المتأخرين يظن ~~انه لا طريق الا هذا وان ما ادعوه من الحد والبرهان هو امر صحيح مسلم عند ~~العقلاء ولا يعلم انه ما ms2789 زال العقلاء والفضلاء من المسلمين وغيرهم يعيبون ~~ذلك ويطعنون فيه وقد صنف نظار المسلمين في ذلك مصنفات متعددة وجمهور ~~المسلمين يعيبونه عيبا مجملا لما يرونه من آثاره ولوازمه الدالة على ما في ~~اهله مما يناقض العلم والايمان ويفضى بهم الحال إلى انواع من الجهل والكفر ~~والضلال # والمقصود هنا ان ما يدعونه من توقف كل مطلوب على مقدمتين لا اكثر ~~PageV09P185 ليس كذلك وهم يسمون القياس الذي حذفت احدى مقدمتيه قياس الضمير ~~ويقولون انها قد تحذف اما للعلم بها وأما غلطا أو تغليطا فيقال اذا كانت ~~معلومة كانت كغيرها من المقدمات المعلومة وحينئذ فليس اضمار مقدمة بأولى من ~~اضمار ثنتين وثلاث واربع فان جاز ان يدعى في الدليل الذى لا يحتاج الا إلى ~~مقدمة ان الأخرى تضمر محذوفة جاز ان يدعى فيما يحتاج إلى ثنتين ان الثالثة ~~محذوفة وكذلك فيما يحتاج إلى ثلاث وليس لذلك حد ومن تدبر هذا وجد الأمر ~~كذلك ولهذا لا يوجد في كلام البلغاء اهل البيان الذين يقيمون البراهين ~~والحجج اليقينية بأبين العبارات من استعمال المقدمتين في كلامهم ما يوجد في ~~كلام اهل المنطق بل من سلك طريقهم كان من المضيقين في طريق العلم عقولا ~~وألسنة ومعانيهم من جنس الفاظهم تجد فيها من الركة والعي ما لا يرضاه عاقل # وكان يعقوب بن إسحاق الكندى فيلسوف الاسلام في وقته اعني الفيلسوف الذى ~~في الاسلام والا فليس الفلاسفة من المسلمين كما قالوا لبعض اعيان القضاة ~~الذين كانوا في زماننا بن سينا من فلاسفة الاسلام فقال ليس للاسلام فلاسفة ~~كان يعقوب يقول في اثناء كلامه العدم فقد وجود كذا وانواع هذه الاضافات ومن ~~وجد في بعض كلامه فصاحة أو بلاغة كما يوجد في بعض كلام بن سينا وغيره فلما ~~استفاده من المسلمين من عقولهم وألسنتهم والا فلو مشى على طريقة سلفه واعرض ~~عما تعلمه من المسلمين PageV09P186 لكان عقله ولسانه يشبه عقولهم والسنتهم ~~وهم اكثر ما ينفقون على من لم يفهم ما يقولونه ويعظمهم بالجهل والوهم أو ~~يفهم بعض ما يقولونه أو ms2790 اكثره أو كله مع عدم تصوره في تلك الحال لحقيقة ما ~~جاء به الرسول وما يعرف بالعقول السليمة وما قاله سائر العقلاء مناقضا لما ~~قالوه وهو انما وصل إلى منتهى امرهم بعد كلفة ومشقة واقترن بها حسن ظن ~~فتورط من ضلالهم فيما لا يعلمه الا الله ثم ان تداركه الله بعد ذلك كما ~~اصاب كثيرا من الفضلاء الذين احسنوا بهم الظن ابتداء ثم انكشف لهم من ~~ضلالهم ما اوجب رجوعهم عنهم وتبرؤهم منهم بل وردهم عليهم والا بقى من ~~الضلال وضلالهم في الألهيات ظاهر لأكثر الناس ولهذا كفرهم فيها نظار ~~المسلمين قاطبة # وإنما المنطق التبس الأمر فيه على طائفة لم يتصوروا حقائقة ولوازمه ولم ~~يعرفوا ما قال سائر العقلاء في تناقضهم فيه واتفق ان فيه امورا ظاهرة مثل ~~الشكل الأول ولا يعرفون ان ما فيه من الحق لا يحتاج اليهم فيه بل طولوا فيه ~~الطريق وسلكوا الوعر والضيق ولم يهتدوا فيه إلى ما يفيد التحقيق وليس ~~المقصودفى هذا المقام بيان ما اخطأوا في اثباته بل ما اخطأوا في نفيه حيث ~~زعموا ان العلم النظرى لا يحصل الا ببرهانهم وهومن القياس # وجعلوا اصناف الحجج ( ثلاثة ( القياس والاستقراء والتمثيل وزعموا ان ~~التمثيل لا يفيد اليقين وانما يفيد القياس الذى تكون مادته PageV09P187 من ~~القضايا التى ذكروها وقد بينا في غيرهذا الموضع ان قياس التمثيل وقياس ~~الشمول متلازمان وإنما حصل بأحدهما عن علم أو ظن حصل بالآخر مثله اذا كانت ~~المادة واحدة والاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية بل اذا كانت المادة ~~يقينيه سواء كانت صورتها في صورة قياس التمثيل أو صورة قياس الشمول فهي ~~واحدة وسواء كانت صورة القياس اقترانيا اواستثنائيا بعبارتهم أو بأي عبارة ~~شئت لا سيما في العبارات التى هي خير من عباراتهم وأبين في العقل وأوجزفي ~~اللفظ والمعنى واحد # وجد هذا في اظهر الأمثلة اذا قلت هذا انسان وكل انسان مخلوق أو حيوان أو ~~حساس أو متحرك بالارادة أو ناطق أو ما شئت من لوازم الانسان فان شئت صورت ~~الدليل ms2791 على هذه الصورة وان شئت قلت هو انسان فهو مخلوق أو حساس أو حيوان أو ~~متحرك كغيره من الناس لاشتراكهما في الانسانية المستلزمة لهذه الصفات وان ~~شئت قلت هذا انسان والانسانية مستلزمة لهذه الأحكام فهي لازمة له وان شئت ~~قلت ان كان انسانا فهو متصف بهذه الصفات اللازمة للأنسان وان شئت قلت اما ~~ان يتصف بهذه الصفات واماان لا يتصف والثانى باطل فتعين الأول لأن هذه ~~لازمة للانسان لا يتصور وجوده بدونها # وأما الاستقراء فانما يكون يقينيا اذا كان استقراء تاما وحينئذ فتكون قد ~~حكمت على القدر المشترك بما وجدته في جميع الافراد وهذا PageV09P188 ليس ~~استدلالا بجزئى على كلى ولا بخاص على عام بل استدلال بأحد المتلازمين على ~~الآخر فإن وجود ذلك الحكم في كل فرد من افراد الكلي العام يوجب ان يكون ~~لازما لذلك الكلي العام فقولهم ان هذا استدلال بخاص جزئى على عام كلى ليس ~~بحق وكيف ذلك والدليل لا بد أن يكون ملزوما للمدلول فانه لو جاز وجود ~~الدليل مع عدم المدلول عليه ولم يكن المدلول لازما له لم يكن اذا علمنا ~~ثبوت ذلك الدليل نعلم ثبوت المدلول معه اذا علمنا انه تارة يكون معه وتارة ~~لا يكون معه فإنا اذا علمنا ذلك ثم قلنا انه معه دائما كنا قد جمعنا بين ~~النقيضين # وهذا اللزوم الذى نذكره ها هنا يحصل به الاستدلال بأى وجه حصل اللزوم ~~وكلما كان اللزوم اقوى واتم واظهر كانت الدلالة اقوى وأتم وأظهر كالمخلوقات ~~الدالة على الخالق سبحانه وتعالى فانه ما منها مخلوق الا وهو ملزوم لخالقه ~~لا يمكن وجوده بدون وجود خالقه بل ولا بدون علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ~~ورحمته وكل مخلوق دال على ذلك كله # وإذا كان المدلول لازما للدليل فمعلوم ان اللازم اما ان يكون مساويا ~~للملزوم واما ان يكون اعم منه فالدليل لا يكون الا اعم منه واذا قالوا في ~~القياس يستدل بالكلى على الجزئى فليس الجزئى هوالحكم المدلول عليه وانما ~~الجزئى هوالموصوف المخبر عنه بمحل الحكم فهذا قديكون ms2792 اخص من الدليل وقديكون ~~مساويا له بخلاف الحكم الذى هو صيغة هذا وحكمه الذى اخبر به عنه فانه لا ~~يكون الا اعم من الدليل أو مساويا له فان ذلك هو المدلول اللازم للدليل ~~والدليل هولازم للمخبر عنه الموصوف PageV09P189 فإذا قيل النبيذ حرام لأنه ~~خمر فكونه خمرا هوالدليل وهو لازم للنبيذ والتحريم لازم للخمر والقياس ~~المؤلف من المقدمتين اذا قلت كل النبيذ المتنازع فيه مسكر أو خمر وكل خمر ~~حرام فأنت لم تستدل بالمسكر اوالخمر الذى هوكلى على نفس محل النزاع الذى هو ~~اخص من الخمر والنبيذ فليس هواستدلالا بذلك الكلى على الجزئى بل استدللت به ~~على تحريم هذا النبيذ فلما كان تحريم هذا النبيذ مندرجا في تحريم كل مسكر ~~قال من قال انه استدلال بالكلى على الجزئى # و ( التحقيق ( انما ثبت للكلى فقد ثبت لكل واحد من جزئياته والتحريم هو ~~اعم من الخمر وهوثابت لها فهو ثابت لكل فرد من جزئياتها فهو استدلال بكلى ~~على ثبوت كلى آخر لجزئيات ذلك الكلى وذلك الدليل هوكالجزئى بالنسبة إلى ذلك ~~الكلى وهوكلى بالنسبة إلى تلك الجزئيات وهذا مما ما لا ينازعون فيه فان ~~الدليل هو الحد الأوسط وهو أعم من الاصغر أو مساو له والأكبر اعم منه أو ~~مساو له والاكبر هوالحكم والصفة والخبر وهومحمول النتيجة والاصغر هو ~~المحكوم عليه الموصوف المبتدأ وهوموضوع النتيجة # وأما قولهم في التمثيل انه استدلال بجزئى على جزئي فإن اطلق ذلك وقيل انه ~~استدلال بمجرد الجزئى على الجزئى فهذا غلط فان ( قياس التمثيل ( انما يدل ~~بحداوسط وهو اشتراكهما في علة الحكم اودليل الحكم مع العلة فانه قياس علة ~~أو قياس دلالة PageV09P190 # وأما ( قياس الشبه ( فاذا قيل به لم يخرج عن احدهما فان الجامع المشترك ~~بين الأصل والفرع اما ان يكون هو العلة أو ما يستلزم العلة وما استلزمها لم ~~يكن الاشتراك فيه مقتضيا للاشتراك في الحكم بل كان المشترك قد تكون معه ~~العلة وقد لا تكون فلا نعلم صحة القياس بل لا يكون صحيحا الا اذا اشتركا ~~فيها ms2793 ونحن لا نعلم الاشتراك فيها الا اذا علمنا اشتراكهما فيها اوفى ~~ملزومها فان ثبوت الملزوم يقتضى ثبوت اللازم فاذا قدرنا انهما لم يشتركا في ~~الملزوم ولا فيها كان القياس باطلا قطعا لأنه حينئذ تكون العلة مختصة ~~بالأصل وان لم يعلم ذلك لم تعلم صحة القياس وقد يعلم صحة القياس بانتفاء ~~الفارق بين الأصل والفرع وأن لم تعلم عين العلة ولا دليلها فإنه يلزم من ~~انتفاء الفارق اشتراكهما في الحكم وإذا كان قياس التمثيل انما يكون تاما ~~بانتفاء الفارق أو بإبداء جامع وهوكلى يجمعهما يستلزم الحكم وكل منهما يمكن ~~تصويره بصورة قياس الشمول وهويتضمن لزوم الحكم للكلى ولزوم الكلي لجزئياته ~~وهذا حقيقة قياس الشمول ليس ذلك استدلالا بمجردثبوته لجزئي على ثبوته لجزئى ~~آخر # فأما اذا قيل بم يعلم ان المشترك مستلزم للحكم قيل بما تعلم به القضية ~~الكبرى في القياس فبيان الحد الأوسط هو المشترك الجامع ولزوم الحد الأكبر ~~له هو لزوم الحكم للجامع المشترك كما تقدم التنبيه على هذا وقد يستدل بجزئى ~~على جزئى اذا كانا متلازمين أو كان احدهما ملزوم PageV09P191 الآخر من غير ~~عكس فإن كان اللزوم عن الذات كانت الدلالة على الذات وان كان في صفة أو حكم ~~كانت الدلالة على الصفة أو الحكم فقد تبين مافى حصرهم من الخلل # وأما تقسيمهم إلى الأنواع الثلاثة فكلها تعود إلى ما ذكر في استلزام ~~الدليل للمدلول وما ذكروه في ( الاقترانى ( يمكن تصويره بصورة ( الاستثنائى ~~( وكذلك ( الاستثنائى ( يمكن تصويره بصورة ( الاقترانى ( فيعود الأمر إلى ~~معنى واحد وهو مادة الدليل والمادة لا تعلم من صورة القياس الذى ذكروه بل ~~من عرف المادة بحيث يعلم ان هذا مستلزم لهذا علم الدلالة سواء صورت بصورة ~~قياس أو لم تصور وسواء عبر عنها بعباراتهماو بغيرها بل العبارات التى ~~صقلتها عقول المسلمين والسنتهم خير من عباراتهم بكثير كثير # و ( الاقترانى ( كله يعود إلى لزوم هذا لهذا وهذا لهذا كما ذكر وهذا ~~بعينه هو ( الاستثنائى ( المؤلف من المتصل والمنفصل # فإن الشرطى المتصل استدلال باللزوم بثبوت الملزوم الذى ms2794 هو المقدم وهو ~~الشرط على ثبوت اللازم الذى هو التالى وهو الجزاء أو بانتفاء اللازم وهو ~~التالي الذى هو الجزاء على انتفاء الملزوم الذى هو المقدم وهو الشرط # وأما ( الشرطي المنفصل ( وهو الذى يسميه الاصوليون ( السبر PageV09P192 ~~والتقسيم ( وقد يسميه ايضا الجدليون ( التقسيم والترديد ( فمضمونه ~~الاستدلال بثبوت أحد النقيضين على انتفاء الآخر وبانتفائه على ثبوته و ( ~~اقسامه اربعة ( ولهذا كان في مانعة الجمع والخلو الاستثناءات الاربعة وهو ~~انه ان ثبت هذا انتفى نقيضه وكذا الآخر وان انتفى هذا ثبت نقيضه وكذا الاخر ~~ومانعة الجمع الاستدلال بثبوت أحد الضدين على انتفاء الآخر والامران ~~متنافيان ومانعة الخلو فيها تناقض ولزوم والنقيضان لا يرتفعان فمنعت الخلو ~~منهما ولكن جزاءها وجود شيء وعدم آخر ليس هو وجود الشيء وعدمه ووجود شيء ~~وعدم آخر قد يكون احدهما لازما للآخر وإن كانا لا يرتفعان لان ارتفاعهما ~~يقتضى ارتفاع وجود شيء وعدمه معا # وبالجملة ما من شيء الا وله لازم لا يوجد بدونه وله مناف مضاد لوجوده ~~فيستدل عليه بثبوت ملزومه وعلى انتفائه بانتفاء لازمه ويستدل على انتفائه ~~بوجود منافيه ويستدل بانتفاء منافيه على وجوده اذا انحصر الامر فيهما فلم ~~يمكن عدمهما جميعا كما لم يمكن وجودهما جميعا وهذا الاستدلال يحصل من العلم ~~بأحوال الشيء وملزومها ولازمها واذا تصورته الفطرة عبرت عنه بأنواع من ~~العبارات وصورته في انواع صور الادلة لا يختص شيء من ذلك بالصورة التى ~~ذكروها في القياس فضلا عما سموه البرهان فإن البرهان شرطوا له مادة معينة ~~وهى القضايا التى ذكروها وأخرجوا من الاوليات ما سموه وهميات وما سموه ~~مشهورات وحكم الفطرة بهما لا سيما بما سموه وهميات اعظم من حكمها بكثير من ~~اليقينيات التي جعلوها مواد البرهان PageV09P193 وقد بسطت القول على هذا ~~وبينت كلامهم في ذلك وتناقضهم وأنما أخرجوه يخرج به ما ينال به أشرف العلوم ~~من العلوم النظرية والعلوم العملية ولا يبقى بأيديهم إلا أمور مقدرة في ~~الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان ولولا أن هذا الموضع لا يتسع لحكاية ~~ألفاظهم في هذا ms2795 وما أوردته عليهم لذكرته فقد ذكرت ذلك كله في مواضعه من ~~العلوم الكلية والالهية فانها هي المطلوبة # والكلام في ( المنطق ( إنما وقع لما زعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها ~~الذهن ان يزل في فكره فاحتجنا ان ننظر في هذه الآلة هل هي كما قالوا أو ليس ~~الأمر كذلك ومن شيوخهم من إذا بين له من فساد أقوالهم ما يتبين به ضلالهم ~~وعجز عن دفع ذلك يقول هذه علوم قد صقلتها الأذهان اكثر من الف سنة وقبلها ~~الفضلاء فيقال له عن هذا اجوبة # ( احدها ( انه ليس الأمر كذلك فما زال العقلاء الذين هم افضل من هؤلاء ~~ينكرون عليهم ويبينون خطأهم وضلالهم فأما القدماء فالنزاع بينهم كثير معروف ~~وفى كتب اخبارهم ومقالاتهم من ذلك ما ليس هذا موضع ذكره فأما ايام الاسلام ~~فان كلام نظار المسلمين في بيان فساد ما افسدوه من اصولهم المنطقية ~~والألهية بل والطبيعية والرياضية كثير قد صنف فيه كل طائفة من طوائف نظار ~~المسلمين حتى الرافضة PageV09P194 وأما شهادة سائر طوائف اهل الايمان ~~والعلماء بضلالهم وكفرهم فهذا البيان عام لا يدفعه إلا معاند والمؤمنون ~~شهداء الله في الآرض فاذا كان اعيان الأذكياء الفضلاء من الطوائف وسائر اهل ~~العلم والايمان معلنين بتخطئتهم وتضليلهم إما جملة وإما تفصيلا امتنع ان ~~يكون العقلاء قاطبة تلقوا كلامهم بالقبول # ( الوجه الثانى ( ان هذا ليس بحجة فان الفلسفة التى كانت قبل ارسطو ~~وتلقاها من قبله بالقبول طعن ارسطو في كثير منها وبين خطأهم وبن سينا ~~وأتباعه خالفوا القدماء في طائفة من اقاويلهم وبينوا خطأهم ورد الفلاسفة ~~بعضهم على بعض اكثر من رد كل طائفة بعضهم على بعض وابو البركات وأمثاله قد ~~ردوا على ارسطو ما شاء الله لأنهم يقولون إنما قصدنا الحق ليس قصدنا التعصب ~~لقائل معين ولا لقول معين # و ( الثالث ( ان دين عباد الأصنام اقدم من فلسفتهم وقد دخل فيه من ~~الطوائف اعظم ممن دخل في فلسفتهم وكذلك دين اليهود المبدل اقدم من فلسفة ~~ارسطو ودين النصارى المبدل قريب من زمن ارسطو فان ms2796 ارسطو كان قبل المسيح ~~بنحو ثلاثمائة سنة فانه كان في زمن الاسكندر بن فيلبس الذى يؤرخ به تاريخ ~~الروم الذى يستعمله اليهود والنصارى PageV09P195 الرابع ان يقال فهب ان ~~الامر كذلك فهذه العلوم عقلية محضة ليس فيها تقليد لقائل وأنما تعلم بمجرد ~~العقل فلا يجوز ان تصحح بالنقل بل ولا يتكلم فيها إلا بالمعقول المجرد فاذا ~~دل المعقول الصريح على بطلان الباطل منها لم يجز رده فان اهلها لم يدعوا ~~انها مأخوذه عن شيء يجب تصديقه بل عن عقل محض فيجب التحاكم فيها إلى موجب ~~العقل الصريح ### ||| فصل # وقد احتجوا بما ذكروه من ان الاستقراء دون القياس الذى هو قياس الشمول ~~وإن قياس التمثيل دون الاستقراء فقالوا إن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن ~~وان المحكوم عليه قد يكون جزئيا بخلاف الاستقراء فإنه قد يفيد اليقين ~~والمحكوم عليه لا يكون الا كليا قالوا وذلك ان الاستقراء هو الحكم على كلى ~~بما تحقق في جزئياته فان كان في جميع الجزئيات كان الاستقراء تاما كالحكم ~~على المتحرك بالجسمية لكونها محكوما بها على جميع جزئيات المتحرك من الجماد ~~والحيوان والنبات والناقص كالحكم على الحيوان بانه إذا اكل تحرك فكه الاسفل ~~عند المضغ لوجود ذلك في اكثر جزئياته ولعله فيما لم يستقرأ على خلافه ~~PageV09P196 كالتمساح والاول ينتفع به في اليقينيات بخلاف الثانى وإن كان ~~منتفعا به في الجدليات # وأما ( قياس التمثيل ( فهو الحكم على شيء بما حكم به على غيره بناء على ~~جامع مشترك بينهما كقولهم العالم موجود فكان قديما كالباري أو هوجسم فكان ~~محدثا كالانسان وهو مشتمل على فرع واصل وعلة وحكم فالفرع ما هو مثل العالم ~~في هذا المثال والاصل ما هو مثل البارى أو الانسان والعلة الموجود أو الجسم ~~والحكم القديم أو المحدث # قالوا ويفارق الاستقراء من جهة ان المحكوم عليه فيه قد يكون جزئيا ~~والمحكوم عليه في الاستقراء لا يكون إلا كليا قالوا وهو غير مفيد لليقين ~~فانه ليس من ضرورة اشتراك امرين فيما يعمهما اشتراكهما فيما حكم به على ~~احدهما ms2797 إلا ان يبين ان ما به الاشتراك علة لذلك الحكم وكل ما يدل عليه فظنى ~~فان المساعد على ذلك في العقليات عند القائلين به لا يخرج عن الطرد والعكس ~~والسبر والتقسيم اما الطرد والعكس فلا معنى له غير تلازم الحكم والعلة ~~وجودا وعدما ولا بد في ذلك من الاستقراء ولا سبيل إلى دعواه في الفرع اذ هو ~~غير PageV09P197 المطلوب فيكون الاستقراءناقصا لا سيما ويجوز ان تكون علة ~~الحكم في الاصل مركبة من اوصاف المشترك ومن غيرها ويكون وجودها في الاوصاف ~~متحققا فيها فاذا وجد المشترك في الاصل ثبت الحكم لكمال علته وعند انتفائه ~~فينتفى لنقصان العلة وعند ذلك فلا يلزم من وجود المشترك في الفرع ثبوت ~~الحكم لجواز تخلف باقي الاوصاف أو بعضها # وأما ( السبر والتقسيم ( فحاصله يرجع إلى دعوى حصر اوصاف الأصل في جملة ~~معينة وإبطال كل ما عدا المستبقى وهو ايضا غير يقينى لجواز ان يكون الحكم ~~ثابتافى الاصل لذات الاصل لا لخارج وإلالزم التسلسل وان ثبت لخارج فمن ~~الجائز ان يكون لغيرها ابدا وإن لم يطلع عليه مع البحث عنه وليس الامر كذلك ~~في العاديات فانا لا نشك مع سلامة البصر وارتفاع الموانع في عدم بحر زئبق ~~وجبل من ذهب بين ايدينا ونحن لا نشاهده وان كان منحصرا فمن الجائز ان يكون ~~معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع وثبوت الحكم مع المشترك ~~في صورة مع تخلف غيره من الأوصاف المقارنة له في الأصل مما لا يوجب ~~استقلاله بالتعليل لجواز ان يكون في تلك معللا بعلة اخرى ولا امتناع فيه ~~وان كان لا علة له سواه فجائز ان يكون علة لخصوصه لا لعمومه وان بين ان ذلك ~~الوصف يلزم لعموم ذاته الحكم فمع بعده يستغنى عن التمثيل PageV09P198 قالوا ~~والفراسة البدنية هي عين التمثيل غير ان الجامع فيها بين الأصل والفرع دليل ~~العلة لانفسها وهو المسمى في عرف الفقهاء بقياس الدلالة فانها استدلال ~~بمعلول العلة على ثبوتها ثم الاستدلال بثبوتها على معلولها الآخر اذ مبناها ms2798 ~~على ان المزاج علة لخلق باطن وخلق ظاهر فيستدل بالخلق الظاهر على المزاج ثم ~~بالمزاج على الخلق الباطن كالاستدلال بعرض الأعلى على الشجاعة بناء على ~~كونهما معلولى مزاج واحد كما يوجد مثل ذلك في الأسد ثم اثبات العلة في ~~الأصل لابد فيها من الدوران أو التقسيم كما تقدم وان قدر ان علة الحكمين في ~~الأصل واحدة فلا مانع من ثبوت احدهما في الفرع بغير علة الاصل وعند ذلك فلا ~~يلزم الحكم الآخر # هذا كلامهم # فيقال تفريقهم بين قياس الشمول وقياس التمثيل بأن الاول قد يفيد اليقين ~~والثانى لا يفيد الا الظن فرق باطل بل حيث افاد احدهما اليقين افاد الآخر ~~اليقين وحيث لا يفيداحدهما الا الظن لا يفيد الآخر الا الظن فان افادة ~~الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه على صورة احدهما دون الآخر بل باعتبار ~~تضمن احدهما لما يفيد اليقين فإن كان احدهما اشتمل على امر مستلزم للحكم ~~يقينا حصلبه اليقين وان لم يشتمل الا على ما يفيد الحكم ظنا لم يفد الا ~~الظن والذى يسمى في احدهما حدا اوسط هو في الآخر الوصف المشترك والقضية ~~الكبرى المتضمنة لزوم الحد الاكبر للأوسط هو بيان تأثير الوصف PageV09P199 ~~المشترك بين الاصل والفرع فما به يتبين صدق القضية الكبرى به يتبين ان ~~الجامع المشترك مستلزم للحكم فلزوم الاكبر للأوسط هو لزوم الحكم للمشترك # فإذا قلت النبيذ حرام قياسا على الخمر لأن الخمر انما حرمت لكونها مسكرة ~~وهذا الوصف موجود في النبيذ كان بمنزلة قولك كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام ~~فالنتيجة قولك النبيذ حرام والنبيذ هو موضوعها وهو الحد الاصغر والحرام ~~محمولها وهو الحد الاكبر والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو الحد ~~الاوسط المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى # فإذا قلت النبيذ حرام قياسا على خمر العنب لان العلة في الاصل هو الاسكار ~~وهو موجود في الفرع فثبت التحريم لوجود علته فانما استدللت على تحريم ~~النبيذ بالسكر وهو الحد الاوسط لكن زدت في قياس التمثيل ذكر الاصل الذى ~~يثبت به الفرع ms2799 وهذا لان شعور النفس بنظير الفرع أقوى في المعرفة من مجرد ~~دخوله في الجامع الكلى واذا قام الدليل على تأثير الوصف المشترك لم يكن ذكر ~~الاصل محتاجا إليه # والقياس لا يخلو اما أن يكون بابداء الجامع أو بإلغاء الفارق و ( الجامع ~~( إما العلة وإما دليلها وأما القياس بالغاء الفارق فهنا الغاء الفارق هو ~~الحد الأوسط PageV09P200 فإذا قيل هذا مساو لهذا ومساوى المساوى مساو كانت ~~المساواة هي الحد الاوسط والغاء الفارق عبارة عن المساواة # فإذا قيل لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وهو متعذر فهو بمنزلة قولك هذا ~~مساو لهذا وحكم المساوى حكم مساويه وأما قولهم كل ما يدل على أن ما به ~~الاشتراك علة للحكم فظنى # فيقال لا نسلم فان هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلا ثم نقول الذى ~~يدل به على علية المشترك هو الذى يدل به على صدق القضية الكبرى وكل ما يدل ~~به على صدق الكبرى في قياس الشمول يدل به على علية المشترك في قياس التمثيل ~~سواء كان علميا أو ظنيا فان الجامع المشترك في التمثيل هو الحد الأوسط ~~ولزوم الحكم له هو لزوم الأكبر للأوسط ولزوم الأوسط للأصغر هو لزوم الجامع ~~المشترك للأصغر وهو ثبوت العلة في الفرع # فاذا كان الوصف المشترك وهو المسمى بالجامع والعلة أو دليل العلة أو ~~المناط أو ما كان من الأسماء اذا كان ذلك الوصف ثابتا في الفرع لازما له ~~كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الصغرى واذا كان الحكم ثابتا للوصف لازما له ~~كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الكبرى وذكر الأصل يتوصل به إلى اثبات ~~PageV09P201 احدى المقدمتين فإن كان القياس بالغاء الفارق فلابد من الاصل ~~المعين فإن المشترك هو المساواة بينهما وتماثلهما وهو الغاء الفارق هو الحد ~~الأوسط وان كان القياس بابداء العلة فقد يستغنى عن ذكر الأصل اذا كان ~~الاستدلال على علية الوصف لا يفتقر إليه وأما اذا احتاج اثبات علية الوصف ~~إليه فيذكر الأصل لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك وهو الحد الأكبر ~~وهؤلاء ms2800 الذين فرقوا بين قياس التمثيل وقياس الشمول اخذوا يظهرون كون احدهما ~~ظنيا في مواد معينة وتلك المواد التى لا تفيد الا الظن في قياس التمثيل لا ~~تفيد الا الظن في قياس الشمول والا فإذا اخذوه فيما يستفاد به اليقين من ~~قياس الشمول افاد اليقين في قياس التمثيل ايضا وكان ظهور اليقين به هناك ~~أتم فاذا قيل في قياس الشمول كل انسان حيوان وكل حيوان جسم فكل انسان جسم ~~كان الحيوان هو الحد الأوسط وهو المشترك في قياس التمثيل بأن يقال الانسان ~~جسم قياسا على الفرس وغيره من الحيوانات فإن كون تلك الحيوانات حيوانا هو ~~مستلزم لكونها اجساما واذا نوزع في علية الحكم في الاصل فقيل له لا نسلم ان ~~الحيوانية تستلزم الجسمية كان هذا نزاعا في قوله كل حيوان جسم وذلك أن ~~المشترك بين الأصل والفرع إذا سمي علة فإنما يراد به ما يستلزم الحكم سواء ~~كان هو العلة الموجبة لوجوده في الخارج أو كان مستلزما لذلك ومن ~~PageV09P202 الناس من يسمى الجميع علة لا سيما من يقول ان العلة انما يراد ~~بها المعرف وهو الامارة والعلامة والدليل لا يراد بها الباعث والداعى ومن ~~قال انه قد يراد بها الداعى وهو الباعث فانه يقول ذلك في علل الافعال وأما ~~غير الافعال فقد تفسر العلة فيها بالوصف المستلزم كاستلزام الانسانية ~~للحيوانية والحيوانية للجسمية وإن لم يكن أحد الوصفين هو المؤثر في الآخر ~~على أنا قد بينا في غير هذا الموضع ان ما به يعلم كون الحيوان جسما يعلم أن ~~الانسان جسم حيث بينا ان قياس الشمول الذى يذكرونه قليل الفائدة أو عديمها ~~وأن ما به يعلم صدق الكبرى في العقليات يعلم صدق أفرادها التى منها الصغرى ~~بل وبذلك يعلم صدق النتيجة ثم قال وتناقضهم وفساد قولهم اكثر من ان يذكر ~~والمقصود هنا الكلام على ( المنطق ( وما ذكروه من البرهان وانهم يعظمون ~~قياس الشمول ويستخفون بقياس التمثيل ويزعمون أنه انما يفيد الظن وأن العلم ~~لا يحصل الا بذاك وليس الامر كذلك بل هما ms2801 في الحقيقة من جنس واحد وقياس ~~التمثيل الصحيح اولى بافادة المطلوب علما كان أو ظنا من مجرد قياس الشمول ~~ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون بقياس التمثيل اكثر مما يستدلون بقياس ~~الشمول بل لا يصح قياس الشمول في الأمر العام إلا بتوسط قياس التمثيل وكل ~~ما يحتج به على صحة قياس الشمول في بعض الصور فإنه يحتج به على صحة قياس ~~التمثيل في تلك PageV09P203 الصورة ومثلنا هذا بقولهم الواحد لا يصدر عنه ~~إلا واحد فانه من أشهر اقوالهم الفاسدة الالهية وأما الأقوال الصحيحة فهذا ~~ايضا ظاهر فيها فإن قياس الشمول لا بد فيه من قضية كلية موجبة فلا نتاج عن ~~سالبتين ولا عن جزئيتين باتفاقهم # والكلي لا يكون كليا الا في الذهن فإذا عرف تحقق بعض افراده في الخارج ~~كان ذلك مما يعين على العلم بكونه كليا موجبا فانه اذا احس الانسان ببعض ~~الأفراد الخارجية انتزع منه وصفا كليا لا سيما اذا كثرت افراده والعلم ~~بثبوت الوصف المشترك لأصل في الخارج هو اصل العلم بالقضية الكلية # وحينئذ فالقياس التمثيلي اصل للقياس الشمولى اما ان يكون سببا في حصوله ~~واما ان يقال لا يوجد بدونه فكيف يكون وحده اقوى منه وهؤلاء يمثلون الكليات ~~بمثل قول القائل الكل اعظم من الجزء والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ~~والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وما من كلى من هذه الكليات ~~الا وقد علم من افراده الخارجة أمور كثيرة وإذا أريد تحقيق هذه الكلية في ~~النفس ضرب لها المثل بفرد من افرادها وبين انتفاء الفارق بينه وبين غيره أو ~~ثبوت الجامع وحينئذ يحكم العقل بثبوت الحكم لذلك المشترك الكلى وهذا حقيقة ~~قياس التمثيل PageV09P204 ولو قدرنا أن قياس الشمول لا يفتقر إلى التمثيل ~~وان العلم بالقضايا الكلية لا يفتقر إلى العلم بمعين أصلا فلا يمكن أن يقال ~~إذا علم الكلي مع العلم بثبوت بعض افراده في الخارج كان انقص من ان يعلمه ~~بدون العلم بذلك المعين فان العلم بالمعين ما زاده إلا كمالا فتبين ان ~~مانفوه ms2802 من صورة القياس أكمل مما اثبتوه # واعلم انهم في ( المنطق الالهى ( بل و ( الطبيعى ( غيروا بعض ما ذكره ~~ارسطو لكن ما زادوه في الالهى هو خير من كلام ارسطو فانى قد رأيت الكلامين ~~وارسطو واتباعه في الالهيات اجهل من اليهود والنصارى بكثير كثير واما في ~~الطبيعيات فغالب كلامه جيد واما المنطق فكلامه فيه خيرمن كلامه في الالهي # وما ذكروه من تضعيف ( قياس التمثيل ( انما هومن كلام متأخريهم لما رأوا ~~استعمال الفقهاء له غالبا والفقهاء يستعملونه كثيرا في المواد الظنية وهناك ~~الظن حصل من المادة لامن صورة القياس فلو صوروا تلك المادة بقياس الشمول لم ~~يفد ايضا الا الظن لكن هؤلاء ظنوا ان الضعف من جهة الصورة فجعلوا صورة ~~قياسهم يقينيا وصورة قياس الفقهاء ظنيا ومثلوه بأمثلة كلامية ليقرروا أن ~~المتكلمين يحتجون علينا بالأقيسة الظنية كما مثلوه من الاحتجاج عليهم بأن ~~الفلك جسم مؤلف فكان محدثا قياسا على الانسان وغيره من المولدات ثم اخذوا ~~يضعفون هذا القياس لكن انما PageV09P205 ضعفوه بضعف مادته فان هذا الدليل ~~الذى ذكره الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم على حدوث ~~الأجسام ادلة ضعيفة لأجل مادتها لا لكون صورتها ظنية ولهذا لا فرق بين ان ~~يصوروها بصورة التمثيل اوالشمول ### ||| فصل # وأما ( المقام الرابع ( وهو قولهم ان القياس أو البرهان يفيد العلم ~~بالتصديقات فهو ادق المقامات # وذلك ان خطأ المنطقيين في المقامات الثلاثة وهي منع امكان التصور الا ~~بالحد وحصول التصور بالحد ومنع حصول التصديق بالحد ومنع حصول التصديق ~~بالقياس واضح بأدنى تدبر ومدركه قريبوالعلم به ظاهر وانما يلبسون على الناس ~~بالتهويل والتطويل واظهرها خطأ دعواهم ان التصورات المطلوبة لا تحصل الا ~~بماذكروه من الحدويليه قولهم ان شيئا من التصديقات المطلوبة لاتنال الا بما ~~ذكروه من القياس فان هذا النفي العام امر لا سبيل إلى العلم به ولا يقوم ~~عليه دليل اصلا مع انه معلوم البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون ~~ما ذكروه من القياس كما تحصل تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد بخلاف ~~هذا ms2803 المقام PageV09P206 الرابع ) فان كون القياس المؤلف من المقدمتين يفيد ~~النتيجة هو امر صحيح في نفسه # لكن الذى بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليونانى المنسوب ~~إلى ارسطو ان ما ذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه ~~فائدة علمية بل كل ما يمكن علمه بقياسهم يمكن علمه بدون قياسهم فلم يكن في ~~قياسهم ما يحصل العلم بالمجهول الذى لا يعلم بدونه ولا حاجة إلى ما يمكن ~~العلم بدونه فصار عديم التأثير في العلم وجودا وعدما وفيه تطويل كثير متعب ~~فهو مع انه لا ينفع في العلم فيه اتعاب الأذهان وتضييع الزمان وكثرة ~~الهذيان والمطلوب من الادلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية إلى ~~العلم # قالوا وهذا لا يفيد العلم المطلوب بل قد يكون من الاسباب المعوقة له لما ~~فيه من كثرة تعب الذهن كمن يريد ان يسلك الطريق ليذهب الي مكة أو غيرها من ~~البلاد فاذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة بسعي معتدل فاذا ~~قيض له من يسلك به التعاسيف والعسف في اللغة الاخذ على غير طريق بحيث يدور ~~به طرقا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة فانه يتعب تعبا كثيرا حتى يصل إلى ~~الطريق المستقيمة ان وصل والا فقد يصل إلى غير المطلوب فيعتقد اعتقادات ~~فاسدة وقد يعجز بسبب PageV09P207 ما يحصل له من التعب والاعياء فلا هو نال ~~مطلوبه ولا هواستراح هذا اذا بقي في الجهل البسيط وهكذا هؤلاء # ولهذا حكي من كان حاضرا عند موت امام المنطقيين في زمانه الخونجي انه قال ~~عند موته اموت ولااعلم شيئا الا علمي بان الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال ~~الافتقار وصف سلبى اموت وما علمت شيئا # فهذا حالهم اذا كان منتهي احدهم الجهل البسيط واما من كان منتهاه الجهل ~~المركب فكثير والواصل منهم إلى علم يشبهونه بمن قيل له اين اذنك فأدار يده ~~على رأسه ومدها إلى اذنه بكلفة وقد كان يمكنه ان يوصلها إلى اذنه من تحت ~~رأسه وهو اقرب واسهل # والأمور الفطرية ms2804 متى جعل لها طرق غير الفطرية كان تعذيبا للنفوس بلا ~~منفعة لها كما لو قيل لرجل اقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية فإن ~~هذا ممكن بلا كلفة فلو قال له قائل اصبر فإنه لا يمكنك القسمة حتى تعرف ~~حدها وتميز بينها وبين الضرب فان القسمة عكس الضرب فإن الضرب هو تضعيف آحاد ~~أحد العددين بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع آحاد أحد العددين على آحاد ~~العدد الآخر ولهذا اذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه عاد المقسوم ~~وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر ثم يقال ما ~~ذكرته في حد الضرب لا يصح فانه انما PageV09P208 يتناول ضرب العدد الصحيح ~~دون المكسور بل الحد الجامع لهما ان يقال الضرب طلب جملة تكون نسبتها إلى ~~أحد المضروبين كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر فاذا قيل اضرب النصف في ~~الربع فالخارج هو الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد فهذا وان ~~كان كلاما صحيحا لكن من المعلوم ان من معه مال يريد ان يقسمه بين عدد ~~يعرفهم بالسوية اذا ألزم نفسه ان لا يقسمه حتى يتصور هذا كله كان هذا ~~تعذيبا له بلا فائدة وقد لا يفهم هذا الكلام وقد تعرض له فيه اشكالات # فكذلك الدليل والبرهان هوالمرشد إلى المطلوب والموصل إلى المقصود وكلما ~~كان مستلزما لغيرة فانه يمكن ان يستدل به عليه ولهذا قيل الدليل ما يكون ~~النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن # فالمقصود ان كل ما كان مستلزما لغيره بحيث يكون ملزوماله فانه يكون دليلا ~~عليه وبرهانا له سواءكانا وجوديين أو عدميين أو احدهما وجوديا والآخر عدميا ~~فأبدا الدليل ملزوم للمدلول عليه والمدلول لازم للدليل # ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة متى علمت علم المطلوب وقد يحتاج المستدل ~~إلى مقدمتين وقد يحتاج إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس واكثر ليس لذلك حد مقدر ~~يتساوى فيه جميع الناس في جميع المطالب بل ذلك PageV09P209 بحسب علم ~~المستدل الطالب بأحوال المطلوب والدليل ولوازم ذلك وملزوماته فاذا قدر انه ~~قد عرف ms2805 ما به يعلم المطلوب مقدمة واحدة كان دليله الذي يحتاج إلى بيانه له ~~تلك المقدمة كمن علم ان الخمر محرم وعلم ان النبيذ المتنازع فيه مسكر لكن ~~لم يعلم ان كل مسكر هو خمر فهو لا يحتاج الا إلى هذه المقدمة # فإذا قيل ثبت في الصحيح عن النبى انه قال كل مسكر خمر حصل مطلوبه ولم ~~يحتج إلى ان يقال كل نبيذ مسكر وكل مسكر خمر ولا ان يقال كل مسكر خمر وكل ~~خمر حرام فان هذا كله معلوم له لم يكن يخفى عليه الا ان اسم الخمر هل هو ~~مختص ببعض المسكرات كما ظنه طائفة من علماء المسلمين أو هو شامل لكل مسكر ~~فاذا ثبت له عن صاحب الشرع انه جعله عاما لا خاصا حصل مطلوبه وهذا الحديث ~~في صحيح مسلم ويروى بلفظين ( كل مسكر خمر ( وكل مسكرحرام ( ولم يقل كل مسكر ~~خمر وكل خمر حرام كالنظم اليونانى فإن النبى صلى الله عليه وسلم اجل قدرا ~~في علمه وبيانه من ان يتكلم بمثل هذيانهم فإنه ان قصد مجرد تعريف الحكم لم ~~يحتج مع قوله إلى دليل وان قصد بيان الدليل كما بين الله في القرآن عامة ~~المطالب الالهية التى تقرر الايمان بالله ورسله واليوم الآخر فهو اعلم ~~الخلق بالحق واحسنهم بيانا له # فعلم انه ليس جميع المطالب تحتاج إلى مقدمتين ولا يكفى في جميعها ~~PageV09P210 مقدمتان بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة سواء كان مقدمة أو ~~مقدمتين أو اكثر وما قصدبه هدى عام كالقرآن الذى انزله الله بيانا للناس ~~يذكر فيه ( من ) الأدلة ما ينتفع به الناس عامة وهذا انما يمكن بيان ~~انواعها العامة واما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام بل ~~هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب ~~حالة ونظره فيما يخص حاله ونحو ذلك # وأيضا فما يذكرونه من القياس لا يفيد العلم بشيء معين من الموجودات ثم ~~تلك الأمور الكلية يمكن العلم بكل واحدمنها بما ms2806 هو ايسر من قياسهم فلا تعلم ~~كلية بقياسهم الا والعلم بجزئياتها ممكن بدون قياسهم وربما كان أيسر فان ~~العلم بالمعينات قد يكون أبين من العلم بالكليات وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا أن المطلوب هو العلم والطريق إليه هو الدليل فمن عرف دليل ~~مطلوبه عرف مطلوبه سواء نظمه بقياسهم أم لا ومن لم يعرف دليله لم ينفعه ~~قياسهم ولا يقال ان قياسهم يعرف صحيح الأدلة من فاسدها فان هذا انما يقوله ~~جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم فان حقيقة قياسهم ليس فيه الا شكل الدليل وصورته # وأما كون الدليل المعين مستلزما لمدلوله فهذا ليس في قياسهم ما يتعرض ~~PageV09P211 له بنفي ولا اثبات وانما هذا بحسب علمه بالمقدمات التى اشتمل ~~عليها الدليل وليس في قياسهم بيان صحة شيء من المقدمات ولا فسادها وانما ~~يتكلمون في هذا اذا تكلموا في مواد القياس وهو الكلام في المقدمات من جهة ~~ما يصدق بها وكلامهم في هذا فيه خطأ كثير كما نبه عليه في موضع آخر # والمقصود هنا ان الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو اللزوم ~~فمن عرف ان هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم وان لم يذكر لفظ ~~اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ بل من عرف ان كذا لابد له من كذا أو انه ~~اذا كان كذا كان كذا وامثال هذا فقد علم اللزوم كما يعرف ان كل ما في ~~الوجود آية لله فانه مفتقر إليه محتاج إليه لابد له من محدث كما قال تعالى ~~@QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون @QE@ قال جبير بن مطعم لما سمعت ~~هذه الاية احسست بفؤادى قد انصدع فان هذا تقسيم حاصر يقول اخلقوا من غير ~~خالق خلقهم فهذا ممتنع في بداهة العقول أم خلقوا انفسهم فهذا أشد امتناعا ~~فعلم أن لهم خالقا خلقهم # وهو سبحانه ذكر الدليل بصيغة استفهام الانكار ليبين أن هذه القضية التى ~~استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن لاحد انكارها فلا يمكن ~~صحيح الفطرة ان يدعى ms2807 وجودحادث بدون محدث احدثه ولا يمكنه ان يقول هذا أحدث ~~نفسه PageV09P212 # وكثير من النظار يسلك طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول لا يوصل إلى ~~مطلوب الا بهذا الطريق ولا يكون الامر كما قاله في النفى وان كان مصيبا في ~~صحة ذلك الطريق فان المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته احوج يسر الله على ~~عقول الناس معرفة ادلته فأدلة اثبات الصانع وتوحيده واعلام النبوة وادلتها ~~كثيرة جدا وطرق الناس في معرفتها كثيرة # وكثير من الطرق لا يحتاج إليه اكثر الناس وانما يحتاج إليه من لم يعرف ~~غيره أو من اعرض عن غيره وبعض الناس يكون كلما كان الطريق ادق واخفى واكثر ~~مقدمات واطول كان أنفع له لان نفسه اعتادت النظر في الامور الدقيقة فاذا ~~كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به ومثل هذا قد تستعمل ~~معه الطرق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته لا لكون العلم ~~بالمطلوب متوقفا عليها مطلقا فان من الناس من اذا عرف ما يعرفه جمهور الناس ~~وعمومهم أو ما يمكن غير الاذكياء معرفته لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم ~~بعلم فيحب معرفة الامور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات ولهذا يرغب كثير ~~من علماء السنة في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص ~~الفرائض والوصايا والدور وهو علم صحيح في نفسه # وعلم الفرائض نوعان احكام وحساب فالاحكام ثلاثة أنواع علم الاحكام على ~~مذهب بعض الفقهاء وهذا اولها ويليه علم اقاويل الصحابة فيما PageV09P213 ~~اختلف فيه منها ويليه علم ادلة ذلك من الكتاب والسنة واما حساب الفرائض ~~فمعرفة اصول المسائل وتصحيحها والمناسخات وقسمة التركات وهذا الثانى كله ~~علم معقول يعلم بالعقل كسائر حساب المعاملات وغير ذلك من الانواع التى ~~يحتاج اليها الناس # ثم قد ذكروا حساب المجهول الملقب بحساب الجبر والمقابلة في ذلك وهو علم ~~قديم لكن ادخاله في الوصايا والدور ونحو ذلك اول من عرف انه ادخله فيها ~~محمد بن موسى الخوارزمى وبعض الناس يذكر عن على بن ابى طالب انه تكلم فيه ~~وانه تعلم ms2808 ذلك من يهودى وهذا كذب على علي # ولفظ الدور يقال على ثلاثة أنواع الدور الكونى الذى يذكر في الادلة ~~العقلية انه لا يكون هذا حتى يكون هذا ولا يكون هذا حتى يكون هذا وطائفة من ~~النظار كانوا يقولون هو ممتنع والصواب انه نوعان كما يقوله الامدى وغيره ~~دور قبلى ودور معى فالقبلى ممتنع وهو الذى يذكر في العلل وفى الفاعل ~~والمؤثر ونحو ذلك مثل أن يقال لا يجوز ان يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر ~~لأنه يفضى إلى الدور وهو انه يكون هذا قبل ذاك وذاك قبل هذا والمعى ممكن ~~وهو دور الشرط مع المشروط واحد المتضايفين مع الاخر مثل ان لا يكون الابوة ~~الا مع البنوة ولا يكون البنوة الا مع الابوة PageV09P214 النوع الثانى ~~الدور الحكمى الفقهى المذكور في المسالة السريجية وغيرها وقد افردنا فيه ~~مؤلفا وبينا انه باطل عقلا وشرعا وبينا هل في الشريعة شيء من هذا الدور أم ~~لا # الثالث الدور الحسابى وهو ان يقال لا يعلم هذا حتى يعلم هذا فهذا هو الذي ~~يطلب حله بالحساب والجبر والمقابلة وقدبينا انه يمكن الجواب عن كل مسالة ~~شرعية جاء بها الرسول بدون حساب الجبر والمقابلة وان كان حساب الجبر ~~والمقابلة صحيحا فنحن قد بينا ان شريعة الاسلام ومعرفتها ليست موقوفة على ~~شيء يتعلم من غير المسلمين اصلا وان كان طريقا صحيحا بل طرق الجبر ~~والمقابلة فيها تطويل يغنى الله عنه بغيره كما ذكرنا في المنطق # وهكذا كل ما بعث به النبى صلى الله عليه وسلم مثل العلم بجهة القبلة ~~والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال فكل هذا يمكن ~~العلم به بالطرق التى كان الصحابة والتابعون لهم باحسان يسلكونها ولا ~~يحتاجون معها إلى شيء اخر وان كان كثير من الناس قد احدثوا طرقا اخر وكثير ~~منهم يظن أنه لا يمكن معرفة الشريعة الا بها وهذا من جهلهم كما يظن طائفة ~~من الناس ان العلم بالقبلة لا يمكن الا بمعرفة اطوال البلاد وعروضها وهو ~~وان كان علما صحيحا ms2809 حسابيا يعرف بالعقل لكن معرفة المسلمين بقبلتهم ليست ~~موقوفة على هذا بل قدثبت عن صاحب الشرع PageV09P215 صلى الله عليه وسلم انه ~~قال ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) قال الترمذى حديث صحيح # ولهذا كان عندجماهير العلماء ان المصلى ليس عليه ان يستدل بالقطب ولا ~~بالجدى ولا غير ذلك بل اذا جعل من في الشام ونحوها المغرب عن يمينه والمشرق ~~عن شماله صحت صلاته # وكذلك لا يمكن ضبط وقت طلوع الهلال بالحساب فانهم وان عرفوا ان نور القمر ~~مستفاد من الشمس وانه اذا اجتمع القرصان عند الاستسرار لا يرى له ضوء فاذا ~~فارق الشمس صار فيه النور فهم اكثر ما يمكنهم ان يضبطوا بالحساب كم بعده ~~عند غروب الشمس عن الشمس هذا اذا قدر صحة تقويم الحساب وتعديله فانهم ~~يسمونه علم التقويم والتعديل لانهم يأخذون أعلى مسير الكواكب وادناه ~~فيأخذون معدله فيحسبونه فاذا قدر انهم حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس لم يكن ~~في هذا ما يدل على ثبوت الرؤية ولا انتفائها لان الرؤية امر حسى لها اسباب ~~متعددة من صفاء الهواء وكدره وارتفاع النظر وانخفاضه وحدة البصر وكلاله فمن ~~الناس من لا يراه ويراه من هو أحدبصرا منه ونحو ذلك # فلهذا كان قدماء علماء الهيئة كبطليموس صاحب المجسطى وغيره لم يتكلموا في ~~ذلك بحرف وانما تكلم فيه بعض المتأخرين مثل كوشيار الديلمى ونحوه لما رأوا ~~الشريعة جاءت باعتبار الرؤية فأحبوا ان يعرفوا ذلك بالحساب PageV09P216 # فضلوا واضلوا ومن قال انه لا يرى على اثنتي عشرة درجة أو عشر ونحو ذلك ~~فقد أخطأ فان من الناس من يراه على أقل من ذلك ومنهم من لا يراه على ذلك ~~فلا العقل اعتبروا ولا الشرع عرفوا ولهذا انكر ذلك عليهم حذاق صناعتهم # ثم قال فصورة القياس لا تدفع صحتها لكن نبين انه لا يستفاد به علم ~~بالموجودات كما ان اشتراطهم للمقدمتين دون الزيادة والنقص شرط باطل فهو وان ~~حصل به يقين فلا يستفاد بخصوصه يقين مطلوب بشيء من الموجودات فنقول ان صورة ~~القياس اذا كانت مواده ms2810 معلومة لا ريب انه يفيد اليقين فإذا قيل كل اب وكل ب ~~ج وكانت المقدمتان معلومتين فلا ريب أن هذا التأليف يفيد العلم بان كل ا ج ~~لكن يقال ما ذكروه من كثرة الاشكال وشرط نتاجها تطويل قليل الفائدة كثير ~~التعب # فإنه متى كانت المادة صحيحة امكن تصويرها بالشكل الاول الفطرى فبقية ~~الاشكال لا يحتاج اليها وهى انما تفيد بالرد إلى الشكل الاول اما بابطال ~~النقيض الذى يتضمنه قياس الخلف واما بالعكس المستوى أو عكس النقيض فان ثبوت ~~أحد المتناقضين يستلزم نفي الاخر اذا رد على التناقض من كل وجه فهم يستدلون ~~بصحة القضية على بطلان نقيضها وعلى ثبوت عكسها المستوى وعكس نقيضها بل تصور ~~الذهن PageV09P217 لصورة الدليل يشبه حساب الانسان لما معه من الرقيق ~~والعقار والفطرة تتصور القياس الصحيح من غير تعليم والناس بفطرهم يتكلمون ~~بالانواع الثلاثة التداخل والتلازم والتقسيم كما يتكلمون بالحساب ونحوه ~~والمنطقيون قد يسلمون ذلك # والحاصل انا لا ننكر ان القياس يحصل به علم اذا كانت مواده يقينية لكن ~~نقول ان العلم الحاصل به لا يحتاج فيه إلى القياس المنطقى بل يحصل بدون ذلك ~~فلا يكون شيء من العلم متوقفا على هذا القياس # ثم المواد اليقينية التى ذكروها لا يحصل بها علم بالأمور الموجودة فلا ~~يحصل بها مقصود تزكو به النفوس بل ولا علم بالحقائق الموجودة في الخارج على ~~ما هي عليه الا من جنس ما يحصل بقياس التمثيل فلا يمكن قط ان يتحصل بالقياس ~~الشمولي المنطقي الذي يسمونه البرهاني علم الا وذلك يحصل بقياس التمثيل ~~الذي يستضعفونه فان ذلك القياس لا بد فيه من قضية كلية والعلم بكون الكلية ~~كلية لا يمكن الجزم به الا مع الجزم بتماثل افراده في القدر المشترك وهذا ~~يحصل بقياس التمثيل ونحن نبين ذلك بوجوه # ( الاول ) ان المواد اليقينية قد حصروها في الاصناف المعروفة عندهم ~~PageV09P218 ( أحدها ) الحسيات ومعلوم ان الحس لا يدرك امرا كليا عاما اصلا ~~فليس في الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح ان تكون مقدمة في البرهان ~~اليقينى ms2811 واذا مثلوا ذلك بأن النار تحرق ونحو ذلك لم يكن لهم علم بعموم هذه ~~القضية وانما معهم التجربة والعادة التى هي من جنس قياس التمثيل وان علم ~~ذلك بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من ~~هذه القوة هو أيضا حكم كلي وإن قيل أن الصورة النارية لا بد أن تشتمل على ~~هذه القوة وإن ما لا قوة فيه ليس بنار فهذا الكلام إن صح لا يفيد الجزم بأن ~~كل ما فيه هذه القوة يحرق ما لا قاه وان كان هذا هو الغالب فهذا يشترك فيه ~~قياس التمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص اذا سلم لهم ذلك كيف وقد ~~علم انها لا تحرق السمندل والياقوت والاجسام المطلية بأمور مصنوعة ولا أعلم ~~في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها مع ان القضية الكلية ليست حسية وانما ~~القضية الحسية ان هذه النار تحرق فان الحس لا يدرك إلا شيئا خاصا # وأما الحكم العقلي فيقولون ان النفس عند رؤيتها هذه المعينات مستعدة لأن ~~تفيض عليها قضية كلية بالعموم ومعلوم ان هذا من جنس قياس التمثيل ولا يوثق ~~بعمومه ان لم يعلم ان الحكم العام لازم للقدر المشترك وهذا اذا علم علم في ~~جميع المعينات فلم يكن العلم بالمعينات موقوفا على هذا مع انه ليس من ~~القضايا العاديات قضية كلية لا يمكن نقضها باتفاق العقلاء PageV09P219 # ( الثاني ) ( الوجدانيات الباطنية ( كادراك كل أحد جوعه وألمه ولذته وهذه ~~كلها جزئيات بل هذه لا يشترك الناس في ادراك كل جزئي منها كما قد يشتركون ~~في ادراك بعض الحسيات المنفصلة كالشمس والقمر ففيها من الخصوص في المدرك ~~والمدرك ما ليس في الحسيات المنفصلة وان اشتركوا في نوعها فهي تشبه ~~العاديات ولم يقيموا حجة على وجوب تساوى النفوس في هذه الاحوال بل ولا على ~~النفس الناطقة أنها مستوية الافراد # ( الثالث ) ( المجربات ( وهي كلها جزئية فان التجربة انما تقع على امور ~~معينة وكذلك ( المتواترات ( فان المتواتر انما هو ما علم بالحس من مسموع أو ~~مرئى فالمسموع ms2812 قول معين والمرئى جسم معين أو لون معين أو عمل معين أو ~~أمرمعين واما ( الحدسيات ( ان جعلت يقينية فهي نظير المجربات اذ الفرق ~~بينهما لا يعود إلى العموم والخصوص وانما يعود إلى ان ( المجربات ( تتعلق ~~بما هو من أفعال المجربين والحدسيات تكون عن افعالهم وبعض الناس يسمى الكل ~~تجريبيات فلم يبق معهم الا الأوليات التى هي البديهيات العقلية والاوليات ~~الكلية انما هي قضايا مطلقة في الأعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم الواحد ~~نصف الاثنين والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وهذه مقدرات في ~~الذهن ليست في الخارج كلية PageV09P220 فقد تبين ان القضايا الكلية ~~البرهانية التى يجب القطع بكليتها التى يستعملونها في قياسهم لا تستعمل في ~~شيء من الأمور الموجودة وإنما تستعمل في مقدرات ذهنية فاذن لا يمكنهم معرفة ~~الأمور الموجودة بالقياس البرهاني وهذا هو المطلوب ولهذا لم يكن لهم علم ~~بحصر اقسام الموجود بل ارسطو لما حصر اجناس الموجودات في ( المقولات العشر ~~( الجوهر والكم والكيف والاين ومتى والوضع وان يفعل وان ينفعل والملك ~~والاضافة اتفقوا على انه لا سبيل إلى معرفة صحة هذا الحصر # ( الوجه الثانى ) ان يقال اذا كان لا بد في كل قياس من قضية كلية فتلك ~~القضية الكلية لا بد ان تنتهى إلى أن تعلم بغير قياس والا لزم الدور ~~والتسلسل فاذا كان لا بد أن تكون لهم قضايا كلية معلومة بغير قياس فنقول ~~ليس في الموجودات ما تعلم له الفطرة قضية كلية بغير قياس الا وعلمها ~~بالمفردات المعينة من تلك القضية الكلية اقوى من علمها بتلك القضية الكلية ~~مثل قولنا الواحد نصف الاثنين والجسم لا يكون في مكانين والضدان لا يجتمعان ~~فان العلم بأن هذا الواحد نصف الاثنين في الفطرة اقوى من العلم بأن كل واحد ~~نصف كل اثنين وهكذا كل ما يفرض من الآحاد # فيقال المقصود بهذه القضايا الكلية إما ان يكون العلم بالموجود الخارجي ~~PageV09P221 او العلم بالمقدرات الذهنية اما الثانى ففائدته قليلة واما ~~الأول فما من موجود معين الا وحكمه بعلم تعينه أظهر وأقوى ms2813 من العلم به عن ~~قياس كلي يتناوله فلا يتحصل بالقياس كثير فائدة بل يكون ذلك تطويلا وإنما ~~استعمل القياس في مثل ذلك لأجل الغالط والمعاند فيضرب له المثل وتذكر ~~الكلية ردا لغلطه وعناده بخلاف من كان سليم الفطرة # وكذلك قولهم الضدان لا يجتمعان فأى شيئين علم تضادهما فانه يعلم انهما لا ~~يجتمعان قبل استحضار قضية كلية بأن كل ضدين لايجتمعان وما من جسم معين الا ~~يعلم انه لا يكون في مكانين قبل العلم بأن كل جسم لا يكون في مكانين وامثال ~~ذلك كثير # فما من معين مطلوب علمه بهذه القضايا الكلية الا وهو يعلم قبل أن تعلم ~~هذه القضية ولا يحتاج في العلم به اليها وانما يعلم بها ما يقدر في الذهن ~~من امثال ذلك مما لم يوجد في الخارج # وأما الموجودات الخارجية فتعلم بدون هذا القياس وإذا قيل ان من الناس من ~~يعلم بعض الاعيان الخارجية بهذا القياس فيكون مبناه على قياس التمثيل الذى ~~ينكرون انه يقينى فهم بين أمرين أن اعترفوا بأن قياس التمثيل من جنس قياس ~~الشمول ينقسم إلى يقينى وظني بطل تفريقهم وان ادعوا الفرق بينهما وان قياس ~~الشمول يكون يقينيا دون التمثيل منعوا ذلك وبين لهم ان اليقين لا يحصل ~~PageV09P222 في هذه الأمور الا ان يحصل بالتمثيل فيكون العلم بما لم يعلم ~~من المفردات الموجودة في الخارج قياسا على ما علم منها وهذا حق لا ينازع ~~فيه عاقل بل هذا من اخص صفات العقل التى فارق بها الحس إذ الحس لا يعلم الا ~~معينا والعقل يدركه كليا مطلقا لكن بواسطة التمثيل ثم العقل يدركها كلها مع ~~عزوب الامثلة المعينة عنه لكن هي في الاصل انما صارت في ذهنه كلية عامة بعد ~~تصوره لامثال معينة من افرادها واذا بعد عهد الذهن بالمفردات المعينة فقد ~~يغلط كثيرا بأن يجعل الحكم اما أعم واما اخص وهذا يعرض للناس كثيرا حيث يظن ~~ان ما عنده من القضايا الكلية صحيح ويكون عند التحقيق ليس كذلك وهم يتصورون ~~الشيء بعقولهم ويكون ms2814 ما تصوروه معقولا بالعقل فيتكلمون عليه ويظنون انهم ~~تكلموا في ما هية مجردة بنفسها من حيث هي هي من غير ان تكون ثابتة في ~~الخارج ولا في الذهن فيقولون الانسان من حيث هو هو والوجود من حيث هو هو ~~والسواد من حيث هو هو ونحو ذلك # ويظنون ان هذه الماهية التى جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية ~~محققة في الخارج على هذا التجريد وذلك غلط كغلط اوليهم فيما جردوه من العدد ~~والمثل الافلاطونية وغيرها بل هذه المجردات لا تكون الا مقدرة في الذهن ~~وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده في الخارج وهذا الذى يسمى الامكان الذهني # فان الامكان على وجهين PageV09P223 ( ذهني ( وهو ان يعرض الشيء على الذهن ~~فلا يعلم امتناعه بل يقول يمكن هذا لا لعلمه بإمكانه بل لعدم علمه بامتناعه ~~مع ان ذلك الشيء قد يكون ممتنعا في الخارج # و ( خارجي ( وهو ان يعلم امكان الشيء في الخارج وهذا يكون بأن يعلم وجوده ~~في الخارج أو وجود نظيره أو وجود ما هو ابعد عن الوجود منه فاذا كان الابعد ~~عن قبول الوجود موجودا ممكن الوجود فالأقرب إلى الوجود منه أولى # وهذه طريقة القرآن في بيان ( امكان المعاد ( فقد بين ذلك بهذه الطريقة ~~فتارة يخبر عمن اماتهم ثم احياهم كما اخبر عن قوم موسى الذين قالوا ( أرنا ~~الله جهرة ) قال ( فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم ) ~~وعن ( الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم ~~احياهم ) وعن ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) وعن إبراهيم اذ قال ( ~~رب أرنى كيف تحي الموتى ) القصة وكما أخبر عن المسيح أنه كان يحيى الموتى ~~باذن الله وعن اصحاب الكهف أنهم بعثوا بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين # وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الاولى فان الاعادة اهون من الابتداء كما في ~~قوله ( ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم ms2815 من تراب ) الآية PageV09P224 ~~وقوله ( قل يحييها الذي انشأها اول مرة ) ( قل الذي فطركم اول مرة ) ( وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) # وتارة يستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض فإن خلقهما اعظم من اعادة ~~الانسان كما في قوله ( أو لم يروا أن الله الذى خلق السماوات والأرض ولم ~~يعي بخلقهن بقادر على ان يحيى الموتى ) # وتارة يستدل على امكانه بخلق النبات كما في قوله ( وهو الذي يرسل الرياح ~~بشرا ) إلى قوله ( كذلك نخرج الموتى ) # فقد تبين ان ما عند أئمة النظار اهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية ~~على المطالب الالهية فقد جاء القرآن الكريم بما فيها من الحق وما هو ابلغ ~~واكمل منها على أحسن وجه مع تنزهه عن الاغاليط الكثيرة الموجودة عند هؤلاء ~~فان خطأهم فيها كثير جدا ولعل ضلالهم اكثر من هداهم وجهلهم أكثر من علمهم ~~ولهذا قال أبو عبد الله الرازي في آخر عمره في كتابه ( اقسام الذات ( لقد ~~تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا تروى ~~غليلا ورأيت اقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الاثبات ( الرحمن على العرش ~~استوى ) ( إليه يصعد الكلم الطيب ) واقرأ في النفى ( ليس كمثله شيء ) ( ولا ~~يحيطون به علما ) ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى PageV09P225 والمقصود ~~ان الامكان الخارجى يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم بالامتناع كما يقوله ~~طائفة منهم الآمدى وابعد من اثباته الامكان الخارجى بالامكان الذهنى ما ~~يسلكه المتفلسفة كابن سينا في اثبات الامكان الخارجى بمجرد امكان تصوره في ~~الذهن كما انهم لما ارادوا اثبات موجود في الخارج معقول لا يكون محسوسا ~~بحال استدلوا على ذلك بتصور الانسان الكلى المطلق المتناول للافراد ~~الموجودة في الخارج وهذا انما يفيد امكان وجود هذه المعقولات في الذهن فان ~~الكلي لا يوجد كليا الا في الذهن فأين طرق هؤلاء في اثبات الامكان الخارجى ~~من طريقة القرآن # ثم إنهم يمثلون بهذه الطرق الفاسدة يريدون خروج الناس عما فطروا عليه من ~~المعارف اليقينية والبراهين العقلية وما جاءت به الرسل من ms2816 الاخبار الالهية ~~عن الله واليوم الآخر ويريدون ان يجعلوا مثل هذه القضايا الكاذبة والخيالات ~~الفاسدة أصولا عقلية يعارض بها ما ارسل الله به رسله وأنزل به كتبه من ~~الآيات وما فطر الله عليه عباده وما تقوم عليه الأدلة العقلية التى لا شبهة ~~فيها وافسدوا بأصولهم العلوم العقلية والسمعية فان مبنى العقل على صحة ~~الفطرة وسلامتها ومبنى السمع على تصديق الانبياء صلوات الله عليهم ثم ~~الانبياء صلوات الله عليهم كملوا للناس الامرين فدلوهم على الادلة العقلية ~~التى بها تعلم المطالب التى يمكنهم علمهم بها بالنظر والاستدلال وأخبروهم ~~مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته بمجرد نظرهم واستدلالهم ~~PageV09P226 # وليس تعليم الانبياء عليهم الصلاة والسلام مقصورا على مجرد الخبر كما ~~يظنه كثير بل هم بينوا من البراهين العقلية التى بها تعلم العلوم الالهية ~~مالا يوجد عند هؤلاء البتة فتعليمهم صلوات الله عليهم جامع للادلة العقلية ~~والسمعية جميعا بخلاف الذين خالفوهم فان تعليمهم غير مفيد للادلة العقلية ~~والسمعية مع ما في نفوسهم من الكبر الذي ما هم بالغيه كما قال تعالى @QB@ ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير @QE@ وقال @QB@ الذين يجادلون ~~في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك ~~يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ وقال @QB@ فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ ~~ومثل هذا كثير في القرآن وقد ألفت كتاب ( دفع تعارض الشرع والعقل ( ولهذا ~~لما كانوا يتصورون في أذهانهم ما يظنون وجوده في الخارج كان أكثر علومهم ~~مبنيا على ذلك في ( الالهي ( و ( الرياضي ( وإذا تأمل الخبير بالحقائق ~~كلامهم في انواع علومهم لم يجد عندهم علما بمعلومات موجودة في الخارج الا ~~القسم الذي يسمونه ( الطبيعي ( وما يتبعه من ( الرياضي ( واما ( الرياضي ( ~~المجرد في الذهن فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها في الخارج والذى سموه ~~( علم ما بعد الطبيعة ( اذا ms2817 تدبر PageV09P227 لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود ~~في الخارج وإنما تصوروا أمورا مقدرة في أذهانهم لا حقيقة لها في الخارج ~~ولهذا منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم وحكمتهم هو الوجود المطلق الكلى والمشروط ~~بسلب جميع الأمور الوجودية # والمقصود انهم كثيرا ما يدعون في المطالب البرهانية والأمور العقلية ما ~~يكونون قدروه في اذهانهم ويقولون نحن نتكلم في الامور الكلية والعقليات ~~المحضة واذا ذكر لهم شيء قالوا نتكلم فيما هو أعم من ذلك وفى الحقيقة من ~~حيث هي هي ونحو هذه العبارات فيطالبون بتحقيق ما ذكروه في الخارج ويقال ~~بينوا هذا أي شيء هو فهنالك يظهر جهلهم وان ما يقولونه هو أمر مقدر في ~~الاذهان لا حقيقة له في الأعيان مثل ان يقال لهم اذكروا مثال ذلك والمثال ~~امر جزئى فاذا عجزوا عن التمثيل وقالوا نحن نتكلم في الامور الكلية فاعلم ~~انهم يتكلمون بلا علم وفيما لا يعلمون أن له معلوما في الخارج بل فيما ليس ~~له معلوم في الخارج وفيما يمتنع ان يكون له معلوم في الخارج والا فالعلم ~~بالامور الموجودة اذا كان كليا كانت معلوماته ثابتة في الخارج وقد كان ~~الخسرو شاهى من اعيانهم ومن اعيان اصحاب الرازى وكان يقول ما عثرنا الا على ~~هذه الكليات وكان قد وقع في حيرة وشك حتى كان يقول والله ما أدري ما اعتقد ~~والله ما ادرى ما اعتقد PageV09P228 و ( المقصود ان الذى يدعونه من الكليات ~~هو اذا كان علما فهو مما يعرف بقياس التمثيل لا يقف على القياس المنطقى ~~الشمولى اصلا بل ما يدعون ثبوته بهذا القياس تعلم أفراده التى يستدل عليها ~~بدون هذا القياس وذلك أيسر واسهل ويكون الاستدلال عليها بالقياس الذى ~~يسمونه البرهانى استدلالا على الاجلى بالاخفى وهم يعيبون في صناعة الحد ان ~~يعرف الجلى بالخفى وهذا في صناعة البرهان اشد عيبا فإن البرهان لا يراد به ~~الا بيان المدلول عليه وتعريفه وكشفه وايضاحه فإذا كان هو اوضح وأظهر كان ~~بيانا للجلى بالخفي # قال ثم إن الفلاسفة اصحاب هذا المنطق البرهانى الذى وضعه ms2818 ارسطو وما يتبعه ~~من الطبيعى والالهى ليسوا امة واحدة بل اصناف متفرقون وبينهم من التفرق ~~والاختلاف مالا يحصيه الا الله أعظم مما بين الملة الواحدة كاليهود ~~والنصارى اضعافا مضاعفة فان القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب كان ~~اعظم في تفرقهم واختلافهم فانهم يكونون اضل كما في الحديث الذي رواه ~~الترمذي عن ابى امامة عن النبى انه قال ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا ~~اوتوا الجدل ( ثم قرأ قوله تعالى @QB@ ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم ~~خصمون @QE@ اذ لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا فيه الا كتاب منزل ونبى مرسل ~~كما قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ ~~PageV09P229 الآية وقال @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط @QE@ وقال @QB@ فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول @QE@ الآية # وقد بين الله في كتابه من الامثال المضروبة والمقاييس العقلية ما يعرف به ~~الحق والباطل وأمر الله بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف ~~واخبران أهل الرحمة لا يختلفون فقال ( ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ) ~~ولهذا يوجد اتبع الناس للرسول اقل اختلافا من جميع الطوائف المنتسبة للسنة ~~وكل من قرب للسنة كان اقل اختلافا ممن بعد عنها كالمعتزلة والرافضة فنجدهم ~~اكثر الطوائف اختلافا # وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد وقد ذكر الامام أبو الحسن الاشعرى في ~~كتاب المقالات ( مقالات غير الاسلاميين ( فاتى بالجم الغفير سوى ما ذكره ~~الفارابي وبن سينا وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب في كتاب ( الدقائق ( الذي ~~رد فيه على الفلاسفة والمنجمين ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق ~~اليونان وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة وصنف ~~الغزالي كتاب ( التهافت ( في الرد عليهم # وما زال نظار المسلمين يصنفون في الرد عليهم في المنطق ويبينون خطأهم ~~PageV09P230 فيما ذكروه في الحد والقياس جميعا كما يبينون خطأهم في ~~الالهيات وغيرها ولم يكن أحد من نظار المسلمين ms2819 يلتفت إلى طريقهم بل ~~الاشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وسائر الطوائف من اهل النظر كانوا ~~يعيبونها ويبينون فسادها وأول من خلط منطقهم باصول المسلمين أبو حامد ~~الغزالى وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره وهذا الرد عليهم مذكور في ~~كثير من كتب الكلام # وفي كتاب ( الآراء والديانات ( لابى محمد الحسن بن موسى النوبختى فصل جيد ~~من ذلك فانه بعد ان ذكر طريقة ارسطو في المنطق قال # وقد اعترض قوم من متكلمى اهل الاسلام على اوضاع المنطق هذه وقالوا اما ~~قول صاحب المنطق ان القياس لا يبنى من مقدمة واحدة فغلط لان القائل اذا ~~اراد مثلا ان يستدل على ان الانسان جوهر فله ان يستدل على نفس الشيء ~~المطلوب من غير تقديم المقدمتين بأن يقول الدليل على ان الانسان جوهر انه ~~يقبل المتضادات في أزمان مختلفة وليس يحتاج إلى مقدمة ثانية وهي ان يقول إن ~~كل قابل للمتضادات في ازمان مختلفة جوهر لان الخاص داخل في العام فعلى ~~ايهما دل استغنى عن الآخر وقد يستدل الانسان اذا شاهد الاثر ان له مؤثرا ~~والكتابة ان لها كاتبا من غير ان يحتاج في استدلاله على صحة ذلك إلى ~~مقدمتين PageV09P231 قالوا فنقول أنه لابد من مقدمتين فاذا ذكرت احداهما ~~استغنى بمعرفة المخاطب عن الاخرى فترك ذكرها لانه مستغن عنها قلنا لسنا نجد ~~مقدمتين كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة لان القائل اذا قال الجوهر لكل حي ~~والحياة لكل انسان فتكون النتيجة ان الجوهر لكل انسان فسواء في العقول قول ~~القائل الجوهر لكل حي وقوله لكل انسان ولا يجدون من المطالب العملية ان ~~المطلوب يقف على مقدمتين بينتين بأنفسهما واذا كان الامر كذلك كانت احداهما ~~كافية ونقول لهم ارونا مقدمتين اوليين لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما يستدل ~~بهما على شيء مختلف فيه وتكون المقدمتان في العقول اولى بالقبول من النتيجة ~~فاذا كنتم لا تجدون ذلك بطل ما ادعيتموه # قال النوبختى وقد سألت غير واحد من رؤسائهم ان يوجد نية فما أوجد نية فما ~~ذكره أرسطاطاليس غير ms2820 موجود ولا معروف قال فأما ما ذكره بعد ذلك من الشكلين ~~الباقيين فهما غير مستعملين على ما بناهما عليه واذا كانا يصحان بقلب ~~مقدمتيهما حتى يعودا إلى الشكل الاول فالكلام في الشكل الاول هو الكلام ~~فيها انتهى # قال بن تيمية ومقصوده ان سائر الاشكال انما تنتج بالرد إلى الشكل الاول ~~على ما تقدم بيانه فسائر الاشكال ونتاجها فيه كلفة ومشقة مع انه لا حاجة ~~اليها فإن الشكل الاول يمكن ان يستعمل جميع المواد الثبوتية والسلبية ~~PageV09P232 الكلية والجزئية وقد علم انتفاء فائدته فانتفاء فائدة فروعه ~~التى لا تفيد الا بالرد إليه اولى وأحرى # والمقصود ان هذه الامة ولله الحمد لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام اهل ~~الباطل من الباطل ويرده وهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق ورد ~~الباطل رأيا ورواية من غير تشاعر ولا تواطؤ وهذا الذى نبه عليه هؤلاء ~~النظار يوافق ما نبهنا عليه ويبين انه يمكن الاستغناء عن القياس المنطقي بل ~~يكون استعماله تطويلا وتكثيرا للفكر والنظر والكلام بلا فائدة # ( الوجه الثالث ) ان القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة ~~وانما تكون كلية في الاذهان لا في الاعيان واما الموجودات في الخارج فهي ~~امور معينة كل موجود له حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه لا يشركه فيها غيره ~~فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجود معين وهم معترفون بذلك ~~وقائلون ان القياس لا يدل على امر معين وقد يعبرون عن ذلك بانه لا يدل على ~~جزئي وانما يدل على كلي فاذا القياس لا يفيد معرفة امر موجود بعينه وكل ~~موجود فانما هو موجود بعينه فلا يفيد معرفة شيء من حقائق الموجودات وانما ~~يفيد أمورا كلية مطلقة مقدرة في الاذهان لا محققة في الاعيان فما يذكره ~~النظار من الادلة القياسية التى يسمونها براهين على اثبات الصانع سبحانه لا ~~يدل شيء منها على عينه وانما يدل على امر مطلق لا يمنع تصوره من وقوع ~~الشركة فيه PageV09P233 فإذا قال هذا محدث وكل محدث فلا ms2821 بد له من محدث إنما ~~يدل هذا على محدث مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وانما تعلم ~~عينه بعلم آخر يجعله الله في القلوب وهم معترفون بهذا لان النتيجة لا تكون ~~ابلغ من المقدمات والمقدمات فيها قضية كلية لا بد من ذلك والكلى لا يدل على ~~معين وهذا بخلاف ما يذكره الله في كتابه من الآيات كقوله تعالى @QB@ إن في ~~خلق السماوات والأرض @QE@ الآية إلى غير ذلك يدل على المعين كالشمس التى هي ~~آية النهار والدليل اعم من القياس فان الدليل قد يكون بمعين على معين كما ~~يستدل بالنجم وغيره من الكواكب على الكعبة فالآيات تدل على نفس الخالق ~~سبحانه لا على قدر مشترك بينه وبين غيره فان كل ما سواه مفتقر إليه نفسه ~~فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه # ( الوجه الرابع ) ان الحد الاوسط المكرر في قياس الشمول وهو الخمر من ~~قولك كل مسكر خمر وكل خمر حرام هو مناط الحكم في قياس التمثيل وهو القدر ~~المشترك الجامع بين الاصل والفرع فالقياسان متلازمان كل ما علم بهذا القياس ~~يمكن علمه بهذا القياس ثم ان كان الدليل قطعيا فهو قطعي في القياسين أو ~~ظنيا فظنى فيهما # وأما دعوى من يدعى من المنطقيين واتباعهم ان اليقين انما يحصل بقياس ~~الشمول دون قياس التمثيل فهو قول في غاية الفساد وهو قول PageV09P234 من لم ~~يتصور حقيقة القياسين وقد يعلم بنص ان كل مسكر حرام كما ثبت في الحديث ~~الصحيح واذا كان كذلك لم يتعين قياس الشمول لافادة الحكم بل ولا قياس من ~~الاقيسة فانه قد يعلم بلا قياس فبطل قولهم لا علم تصديقى الا بالقياس ~~المنطقي كما تقدم # والمقصود هنا بيان قلة منفعته أو عدمها فان المطلوب ان كان ثم قضية علمت ~~من جهة الرسول تفيد العموم وهو ان كل مسكر حرام حصل مدعاه فالقضايا الكلية ~~المتلقاة عن الرسول تفيد العلم في المطالب الالهية واما ما يستفاد من ~~علومهم فالقضايا الكلية فيه اما منتقضة واما انها بمنزلة قياس التمثيل ms2822 واما ~~انها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة بل بالمقدرات الذهنية كالحساب ~~والهندسة فانه وان كان ذلك يتناول ما وجد على ذلك المقدار فدخول المعين فيه ~~لا يعلم بالقياس بل بالحس فلم يكن القياس محصلا للمقصود أو تكون مما لا ~~اختصاص لهم بها بل يشترك فيها سائر الامم بدون خطور منطقهم بالبال مع ~~استواء قياس التمثيل وقياس الشمول # واثبات العلم بالصانع والنبوات ليس موقوفا على الأقيسة بل يعلم بالآيات ~~الدالة على معين لا شركة فيه يحصل بالعلم الضرورى الذي لا يفتقر إلى نظر ~~وما يحصل منها بالشمول فهو بمنزلة ما يحصل بالتمثيل امر كلي لا يحصل به ~~العلم بما يختص به الرب وما يختص به الرسول الا بانضمام علم آخر إليه ~~PageV09P235 ( الوجه الخامس ) ان يقال هذا القياس الشمولى وهو العلم بثبوت ~~الحكم لكل فرد من الافراد فنقول قد علم وسلموا انه لا بد ان يكون العلم ~~بثبوت بعض الاحكام لبعض الافراد بديهيا فان النتيجة اذا افتقرت إلى مقدمتين ~~فلا بد ان ينتهى الامر إلى مقدمتين تعلمان بدون مقدمتين والا لزم الدور أو ~~التسلسل الباطلان واذا فرض مقدمتان طريق العلم بهما واحد لم يحتج إلى ~~القياس كالعلم بان كل انسان حيوان وكل حيوان حساس متحرك بالارادة فالعلم ~~بأن كل انسان متحرك بالارادة ابين واظهر فالمقدمتان ان كان طريق العلم بهما ~~واحدا وقد علمتا فلا حاجة إلى بيانهما وان كان طريق العلم بهما مختلفا فمن ~~لم يعلم احداهما احتاج إلى بيانها ولم يحتج إلى بيان الاخرى التى علمها ~~وهذا ظاهر في كل ما يقدره فتبين ان منطقهم يعطى تضييع الزمان وكثرة الهذيان ~~واتعاب الاذهان # ( الوجه السادس ) لا ريب ان المقدمة الكبرى اعم من الصغرى أو مثلها ولا ~~تكون اخص منها والنتيجة اخص من الكبرى أو مساوية لها وأعم من الصغرى أو ~~مثلها ولا تكون اخص منها والحس يدرك المعينات اولا ثم ينتقل منها إلى ~~القضايا العامة فيرى هذا الانسان وهذاالانسان وكل مما رآه حساس متحرك ~~بالإرادة فنقول العلم بالقضية العامة اما ان يكون ms2823 بتوسط قياس والقياس لا بد ~~فيه من قضية عامة فلزم ان لا يعلم العام الا بعام وذلك يستلزم الدور أو ~~التسلسل فلا بد ان ينتهى الامر إلى قضية كلية عامة PageV09P236 معلومة ~~بالبديهة وهم يسلمون ذلك وان امكن علم القضية العام بغير توسط قياس امكن ~~علم الاخرى فان كون القضية بديهية أو نظرية ليس وصفا لازما لها يجب استواء ~~جميع الناس فيه بل هو امر نسبى إضافى بحسب حال الناس فمن علمها بلا دليل ~~كانت بديهية له ومن احتاج إلى نظر واستدلال كانت نظرية له وهكذا سائر ~~الامور فاذا كانت القضايا الكلية منها ما يعلم بلا دليل ولا قياس وليس لذلك ~~حد في نفس القضايا بل ذلك بحسب احوال بنى آدم لم يمكن ان يقال فيما علمه ~~زيد بالقياس انه لا يمكن غيره ان يعلمه بلا قياس بل هذا نفى كاذب # ( الوجه السابع ) قد تبين فيما تقدم أن قياس الشمول يمكن جعله قياس تمثيل ~~وبالعكس # فإن قيل من أين تعلم بأن الجامع يستلزم الحكم # قيل من حيث نعلم القضية الكبرى في قياس الشمول # فإذا قال القائل هذا فاعل محكم لفعله وكل محكم لفعله فهو عالم فأي شيء ~~ذكر في علة هذه القضية الكلية فهو موجود في قياس التمثيل وزيادة أن هناك ~~أصلا يمثل به قد وجد فيه الحكم مع المشترك وفي الشمول لم يذكر شيء من ~~الافراد التى ثبت الحكم فيها PageV09P237 ومعلوم ان ذكر الكلي المشترك مع ~~بعض افراده أثبت في العقل من ذكره مجردا عن جميع الافراد باتفاق العقلاء # ولهذا قالوا ان العقل تابع للحس فإذا أدرك الحس الجزئيات أدرك العقل منها ~~قدرا مشتركا كليا فالكليات تقع في النفس بعد معرفة الجزئيات المعينة فمعرفة ~~الجزئيات المعينة من أعظم الاسباب في معرفة الكليات فكيف يكون ذكرها مضعفا ~~للقياس وعدم ذكرها موجبا لقوته وهذه خاصة العقل فإن خاصة العقل معرفة ~~الكليات بتوسط معرفة الجزئيات فمن أنكرها انكر خاصة عقل الانسان ومن جعل ~~ذكرها بدون شيء من محالها المعينة اقوى من ذكرها مع ms2824 التمثيل بمواضعها ~~المعينة كان مكابرا # وقد اتفق العقلاء على ان ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات وانه ليس ~~الحال اذا ذكر مع المثال كالحال اذا ذكر مجردا عنه ومن تدبر جميع ما يتكلم ~~فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل في الطب والحساب والصناعات والتجارات ~~وغير ذلك وجد الامر كذلك والانسان قد ينكر امرا حتى يرى واحدا من جنسه فيقر ~~بالنوع ويستفيد بذلك حكما كليا ولهذايقول سبحانه ( كذبت قوم نوح المرسلين ) ~~( كذبت عاد المرسلين ) ونحو ذلك وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد ولكن ~~كانوا مكذبين بجنس الرسل لم يكن تكذيبهم بالواحد بخصوصه PageV09P238 ومن ~~اعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف فاذا رأى الشيئين المتماثلين علم ~~ان هذا مثل هذا فجعل حكمهما واحدا كما اذا رأى الماء والماء والتراب ~~والتراب والهواء والهواء ثم حكم بالحكم الكلي على القدر المشترك واذا حكم ~~على بعض الاعيان ومثله بالنظير وذكر المشترك كان احسن في البيان فهذا قياس ~~الطرد واذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما وهذا قياس العكس # وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس ~~فانه لما اهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم كان من الاعتبار ان يعلم ان من فعل ~~مثل ما فعلوا اصابه مثل ما اصابهم فيتقى تكذيب الرسل حذرا من العقوبة وهذا ~~قياس الطرد ويعلم ان من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك وهذا قياس العكس وهو ~~المقصود من الاعتبار بالمعذبين فان المقصود أن ما ثبت في الفرع عكس حكم ~~الاصل لا نظيره والاعتبار يكون بهذا وبهذا قال تعالى @QB@ لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب @QE@ وقال @QB@ قد كان لكم آية في فئتين @QE@ إلى قوله ~~@QB@ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار @QE@ وقد قال تعالى @QB@ الله الذي ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان @QE@ وقال @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط @QE@ # ( والميزان ( فسره السلف بالعدل وفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان ~~وقد أخبر تعالى انه انزل ذلك كما انزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط فما يعرف ms2825 ~~PageV09P239 به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان وكذلك ~~ما يعرف به اختلاف المختلفات فاذا علمنا ان الله تعالى حرم الخمر لما ذكره ~~من انها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء ~~ثم رأينا النبيذ يماثلها في ذلك كان القدر المشترك الذي هو العلة هو ~~الميزان الذي انزله الله في قلوبنا لنزن به هذا ونجعله مثل هذا فلا نفرق ~~بين المتماثلين فالقياس الصحيح هو من العدل الذي امر الله به ومن علم ~~الكليات من غير معرفة المعين فمعه الميزان فقط والمقصود بها وزن الامور ~~الموجودة في الخارج وإلا فالكليات لولا جزئياتها المعينة لم يكن بها اعتبار ~~كما انه لولا الموزونات لم يكن إلى الميزان من حاجة ولا ريب أنه إذا حضر ~~أحد الموزونين واعتبر بالآخر بالميزان كان اتم في الوزن من ان يكون الميزان ~~وهو الوصف الكلي المشترك في العقل أي شيء حضر من الاعيان المفردة وزن بها ~~مع مغيب الآخر # ولا يجوز لعاقل ان يظن ان الميزان العقلى الذي انزله الله هو منطق ~~اليونان لوجوه ( أحدها ) ان الله انزل الموازين مع كتبه قبل ان يخلق ~~اليونان من عهد نوح وابراهيم وموسى وغيرهم وهذا المنطق اليوناني وضعه ارسطو ~~قبل المسيح بثلاثمائة سنة فكيف كانت الامم المتقدمة تزن به PageV09P240 ( ~~الثانى ) أن أمتنا أهل الاسلام ما زالوا يزنون بالموازين العقلية ولم يسمع ~~سلفا بذكر هذا المنطق اليونانى وإنما ظهر في الاسلام لما عربت الكتب ~~الرومية في عهد دولة المأمون أو قريبا منها # ( الثالث ) انه ما زال نظار المسلمين بعد ان عرب وعرفوه يعيبونه ويذمونه ~~ولا يلتفتون إليه ولا إلى أهله في موازينهم العقلية والشرعية ولا يقول ~~القائل ليس فيه مما انفردوا به إلا إصطلاحات لفظية وإلا فالمعانى العقلية ~~مشتركة بين الامم فانه ليس الأمر كذلك بل فيه معانى كثيرة فاسدة # ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التى هي الأقيسة العقلية وزعموا أنه ~~آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن ان يزل في فكره وليس الامر كذلك فانه لو ~~احتاج ms2826 الميزان إلى ميزان لزم التسلسل # و ( أيضا ) فالفطرة ان كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي وان كانت بليدة ~~أو فاسدة لم يزدها المنطق الا بلادة وفسادا ولهذا يوجد عامة من يزن به ~~علومه لابد ان يتخبط ولا يأتى بالادلة العقلية على الوجه المحمود ومتى أتى ~~بها على الوجه المحمود اعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز والتطويل ~~وتبعيد الطريق وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغليط فانهم اذا عدلوا ~~عن المعرفة الفطرية العقلية للمعينات إلى أقيسة كلية وضعوا PageV09P241 ~~الفاظها وصارت مجملة تتناول حقا وباطلا حصل بها من الضلال ما هو ضد المقصود ~~من الموازين وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة وكانوا فيها من المطففين ( ~~الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون واذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ) واين ~~البخس في الاموال من البخس في العقول والأديان مع أن أكثرهم لا يقصدون ~~البخس بل هم بمنزلة من ورث موازين من أبيه يزن بها تارة له وتارة عليه ولا ~~يعرف أهي عادلة أم عائلة # والميزان التى انزلها الله مع الكتاب ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء ~~بمثله وخلافه فتسوى بين المتماثلين وتفرق بين المختلفين بما جعله الله في ~~فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف # فإذا قيل إن كان هذا مما يعرف بالعقل فكيف جعله الله مما ارسل به الرسل # قيل لأن الرسل ضربت للناس الامثال العقلية التى يعرفون بها التماثل ~~والاختلاف فان الرسل دلت الناس وارشدتهم إلى ما به يعرفون العدل ويعرفون ~~الأقيسة العقلية الصحيحة التى يستدل بها على المطالب الدينية فليست العلوم ~~النبوية مقصورة على الخبر بل الرسل صلوات الله عليهم بينت العلوم العقلية ~~التى بها يتم دين الله علما وعملا وضربت الأمثال فكملت الفطرة بما نبهتها ~~عليه وارشدتها لما كانت الفطرة معرضة عنه PageV09P242 أو كانت الفطرة قد ~~فسدت بما يحصل لها من الآراء والاهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد والقرآن ~~والحديث مملوءان من هذا يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية والامثال ~~المضروبة ويبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين وينكر ~~على من يخرج عن ms2827 ذلك كقوله ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ) الآية وقوله ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم ~~كيف تحكمون ) اي هذا حكم جائر لا عادل فان فيه تسوية بين المختلفين ومن ~~التسوية بين المتماثلين قوله ( اكفاركم خير من أولئكم ) وقوله ( أم حسبتم ~~ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) الآية # و ( المقصود ) التنبيه على ان الميزان العقلى حق كما ذكر الله في كتابه ~~وليس هو مختصا بمنطق اليونان بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين ~~المتماثلين والفرق بين المختلفين سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة ~~قياس التمثيل وصيغ التمثيل هي الاصل وهي الحمل والميزان هو القدر المشترك ~~وهو الجامع # الوجه الثامن انهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة ~~التى ذكروها من القضايا الحسيات والاوليات والمتواترات والمجربات والحدسيات ~~ومعلوم أنه لا دليل على نفي ما سوى هذه القضايا ثم مع ذلك انما اعتبروا في ~~الحسيات والعقليات وغيرها ما جرت العادة باشتراك PageV09P243 بنى آدم فيه ~~وتناقضوا في ذلك فإن بني آدم إنما يشتركون كلهم في بعض المرئيات وبعض ~~المسموعات فانهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب ويرون جنس السحاب ~~والبرق وإن لم يكن ما يراه هؤلاء عين ما يراه هؤلاء وكذلك يشتركون في سماع ~~صوت الرعد وأما ما يسمعه بعضهم من كلام بعض وصوته فهذا لا يشترك بنو آدم في ~~عينه بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم وكذا أكثر المرئيات # وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء معين فيه بل ~~الذي يشمه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء ~~لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة ~~والحدس فانه قد يتواتر عند هؤلاء ويجرب هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ~~ويجربوه ولكن قد يتفقان في الجنس كما يجرب قوم بعض الادوية ويجرب آخرون جنس ~~تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب # ثم هم ms2828 مع هذا يقولون في المنطق ان المتواترات والمجربات والحدسيات تختص ~~بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره فيقال لهم وكذلك المشمومات ~~والمذوقات والملموسات بل اشتراك PageV09P244 الناس في المتواترات اكثر فان ~~الخبر المتواتر ينقله عدد كثير فيكثر السامعون له ويشتركون في سماعه من ~~العدد الكثير بخلاف ما يدرك بالحواس فانه يختص بمن احسه فاذا قال رأيت أو ~~سمعت أو ذقت أو لمست أو شممت فكيف يمكنه ان يقيم من هذا برهانا على غيره ~~ولو قدر انه شاركه في تلك الحسيات عدد فلا يلزم من ذلك ان يكون غيرهم أحسها ~~ولا يمكن علمها لمن لم يحسها الا بطريق الخبر # وعامة ما عندهم من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هي من العلم بعادة ذلك ~~الموجود وهو ما يسمونه ( الحدسيات ( وعامة ما عندهم من العلوم العقلية ~~الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة فهو من قسم المجربات وهذه لا يقوم ~~فيها برهان فان كون هذه الاجسام الطبيعية جربت وكون الحركات جربت لا يعرفه ~~اكثر الناس الا بالنقل والتواتر في هذا قليل # وغاية الامر ان تنقل التجربة في ذلك عن بعض الاطباء أو بعض اهل الحساب ~~وغاية ما يوجد ان يقول بطليموس هذا مما رصده فلان وان يقول جالينوس هذا مما ~~جربته أو ذكر لي فلان انه جربه وليس في هذا شيء من المتواتر وان قدر ان ~~غيره جربه ايضا فذاك خبر واحد واكثر الناس لم يجربوا جميع ما جربوه ولا ~~علموا بالارصاد ما ادعوا انهم PageV09P245 علموه وان ذكروا جماعة رصدوا ~~فغايته انه من المتواتر الخاص الذي تنقله طائفة # فمن زعم انه لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن الانبياء كيف يمكنه ان يقيم ~~على غيره برهانا بمثل هذا التواتر ويعظم علم الهيئة والفلسفة ويدعي انه علم ~~عقلي معلوم بالبرهان وهذا اعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم هذا حاله ~~فما الظن بالالهيات التى اذا نظر فيها كلام معلمهم الاول ارسطو وتدبره ~~الفاضل العاقل لم يفده الا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين ~~وأن كفار ms2829 اليهود والنصارى اعلم منهم بهذه الامور # ( الوجه التاسع ) # ان الانبياء والاولياء لهم من علم الوحي والالهام ما هو خارج عن قياسهم ~~الذي ذكروه بل الفراسة ايضا وأمثالها فان ادخلوا ذلك فيما ذكروه من الحسيات ~~والعقليات لم يمكنهم نفي ما لم يذكروه ولم يبق لهم ضابط وقد ذكر بن سينا ~~وأتباعه ان القضايا الواجب قبولها التى هي مادة البرهان الاوليات والحسيات ~~والمجربات والحدسيات والمتواترات وربما ضموا إلى ذلك قضايا معها حدودها ولم ~~يذكروا دليلا على هذا الحصر ولهذا اعترف المنتصرون لهم ان هذا التقسيم ~~منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه واذا كان كذلك لم يلزم ان كل ما لم ~~يدخل في قياسهم لا يكون معلوما وحينئذ فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم ~~مراعاتها من الخطأ فإنه PageV09P246 اذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها بغير ~~هذا الطريق لم يمكن وزنها بهذه الادلة # وعامة هؤلاء المنطقيين يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم وهذا في غاية ~~الجهل لاسيما إن كان الذي كذبوا به من اخبار الانبياء # فإذا كان اشرف العلوم لا سبيل إلى معرفته بطريقهم لزم امران # ( احدهما ) ان لا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس في قياسهم دليل عليه ~~و ( الثانى ) ان ما علموه خسيس بالنسبة إلى ما جهلوه فكيف اذا علم انه لا ~~يفيد النجاة ولا السعادة # ( الوجه العاشر ) # انهم يجعلون ما هو علم يجب تصديقه ليس علما وما هو باطل وليس بعلم ~~يجعلونه علما فزعموا أن ما جاءت به الانبياء في معرفة الله وصفاته والمعاد ~~لا حقيقة له في الواقع وانهم انما اخبروا الجمهور بما يتخيلونه في ذلك ~~لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا بذلك الحق وانه من جنس الكذب ~~لمصلحة الناس ويقولون ان النبى حاذق بالشرائع العملية دون العلمية ومنهم من ~~يفضل الفيلسوف على كل نبى وعلى نبينا عليه افضل الصلاة والسلام ولا يوجبون ~~اتباع نبى بعينه لا محمد ولا PageV09P247 غيره ولهذا لما ظهرت التتار واراد ~~بعضهم الدخول في الاسلام قيل إن ( هولاكو ( اشار عليه ms2830 بعض من كان معه من ~~الفلاسفة بأن لا يفعل قال ذاك لسانه عربي ولا تحتاجون إلى شريعته # ومن تبع النبى منهم في الشرائع العملية لا يتبعه في أصول الدين والاعتقاد ~~بل النبى عندهم بمنزلة أحد الائمة الاربعة عند المتكلمين فان أئمة الكلام ~~اذا قلدوا مذهبا من المذاهب الاربعة اقتصروا في تقليده على القضايا الفقهية ~~ولا يلتزمون موافقته في الاصول ومسائل التوحيد بل قد يجعلون شيوخهم ~~المتكلمين افضل منهم في ذلك # وقد أخبر النبى عن الله بأسمائه وصفاته المعينة وعن الملائكة والعرش ~~والكرسي والجنة والنار وليس في ذلك شيء يمكن معرفته بقياسهم وكذا أخبر عن ~~امور معينة مما كان وسيكون وليس شيء من ذلك يمكن معرفته بقياسهم لا ~~البرهاني ولا غيره فان اقيستهم لا تفيد الا امورا كلية وهذه امور خاصة وقد ~~اخبر بما يكون من الحوادث المعينة حتى اخبر عن التتر الذين جاؤوا بعد ~~ستمائة سنة من اخباره وكذلك عن النار التى خرجت قبل مجيء التتر سنة خمس ~~وخمسين وستمائة ه فهل يتصور ان قياسهم وبرهانهم يدل على آدمى معين أو امة ~~معينة فضلا عن موصوف بالصفات التى ذكرها PageV09P248 ثم من بلاياهم ~~وكفرياتهم انهم قالوا ان الباري تعالى لا يعلم الجزئيات ولا يعرف عين موسى ~~وعيسى ولا غيرهما ولا شيئا من تفاصيل الحوادث والكلام والرد عليهم في ذلك ~~مبسوط في موضعه # والمقصود أن يعرف الانسان انهم يقولون من الجهل والكفر ما هو في غاية ~~الضلال فرارا من لازم ليس لهم قط دليل على نفيه # ( الوجه الحادي عشر ) انهم معترفون بالحسيات الظاهرة والباطنة كالجوع ~~والألم واللذة ونفوا وجود ما يمكن ان يختص برؤيته بعض الناس كالملائكة ~~والجن وما تراه النفس عند الموت والكتاب والسنة ناطقان باثبات ذلك ولبسط ~~هذه الامور موضع آخر وانما المقصود ان ما تلقوه من القواعد الفاسدة ~~المنطقية من نفي ما لم يعلم نفيه أوجب لهم من الجهل والكفر ما صار حاجبا ~~وأنهم به أسوأ حالا من كفار اليهود والنصارى # ( الوجه الثانى عشر ) # ان يقال كون القضية ( برهانية ms2831 ( معناه عندهم انها معلومة للمستدل بها ~~وكونها ( جدلية ( معناه كونها مسلمة وكونها ( خطابية ( معناه كونها مشهورة ~~أو مقبولة أو مظنونة وجميع هذه الفروق هي نسب واضافات عارضة للقضية ليس ~~فيها ما هو صفة ملازمة لها فضلا PageV09P249 عن ان تكون ذاتية لها على ~~اصلهم بل ليس فيها ما هو صفة لها في نفسها بل هذه صفات نسبية باعتبار شعور ~~الشاعر بها ومعلوم ان القضية قد تكون حقا والانسان لا يشعر بها فضلا عن ان ~~يظنها أو يعلمها وكذلك قد تكون خطابية أو جدلية وهي حق في نفسها بل تكون ~~برهانية ايضا كما قد سلموا ذلك واذا كان كذلك فالرسل صلوات الله عليهم ~~اخبروا بالقضايا التى هي حق في نفسها لا تكون كذبا باطلا قط وبينوا من ~~الطرق العلمية التى يعرف بها صدق القضايا ما هو مشترك فينتفع به جنس بني ~~آدم وهذا هو العلم النافع للناس # وأما هؤلاء المتفلسفة فلم يسلكوا هذا المسلك بل سلكوا في القضايا ~~الأمرالنسبى فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل وغير ذلك لم يجعلوه برهانيا ~~وان علمه مستدل آخر وعلى هذا فيكون من البرهانيات عند انسان وطائفة ما ليس ~~من البرهانيات عند آخرين فلا يمكن ان تحد القضايا العلمية بحد جامع بل ~~تختلف باختلاف احوال من علمها ومن لم يعلمها حتى ان اهل الصناعات عند اهل ~~كل صناعة من القضايا التى يعلمونها مالا يعلمها غيرهم وحينئذ فيمتنع ان ~~تكون طريقتهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب باعتبار ما هو الأمر ~~عليه في نفسه عند أهل كل صناعة من الحق والباطل ومن الصدق والكذب ويمتنع ان ~~تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين بخلاف طريقة الانبياء فانهم اخبروا ~~بالقضايا الصادقة التى تفرق بين الحق والباطل PageV09P250 والصدق والكذب ~~فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ما ناقض الحق فهو باطل فلهذا جعل الله ما ~~أنزله من الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه وأنزل ايضا الميزان وما ~~يوزن به ويعرف به الحق من الباطل ولكل حق ميزان يوزن به بخلاف ما ms2832 فعله ~~الفلاسفة المنطقيون فانه لا يمكن ان يكون هاديا للحق ولا مفرقا بين الحق ~~والباطل ولا هو ميزان يعرف به الحق من الباطل # وأما المتكلمون فما كان في كلامهم موافقا لما جاءت به الانبياء فهو منه ~~وما خالفه فهو من البدع الباطلة شرعا وعقلا # فإن قيل نحن نجعل البرهانيات اضافية فكل ما علمه الانسان بمقدماته فهو ~~برهاني عنده وان لم يكن برهانيا عند غيره قيل لم يفعلوا ذلك فان من سلك هذا ~~السبيل لم يجد مواد البرهان في اشياء معينة مع امكان علم كثير من الناس ~~لامور اخرى بغير تلك المواد المعينة التى عينوها واذا قالوا نحن لا نعين ~~المواد فقد بطل أحد اجزاء المنطق وهو المطلوب # ( الوجه الثالث عشر ) # انهم لما ظنوا ان طريقهم كلية محيطة بطرق العلم الحاصل لبني آدم مع ان ~~الامر ليس كذلك وقد علم الناس اما بالحس وأما PageV09P251 بالعقل وأما ~~بالأخبار الصادقة معلومات كثيرة لا تعلم بطرقهم التي ذكروها ومن ذلك ما ~~علمه الانبياء صلوات الله عليهم من العلوم ارادوا اجراء ذلك على قانونهم ~~الفاسد فقالوا النبى له قوة اقوى من قوة غيره وهو ان يكون بحيث ينال الحد ~~الاوسط من غير تعليم معلم فاذا تصور ادرك بتلك القوة الحد الذي قد يتعسر أو ~~يتعذر على غيره ادراكه بلا تعليم لان قوى الانفس في الادراك غير محدودة ~~فجعلوا ما يخبر به الانبياء من انباء الغيب انما هو بواسطة القياس المنطقى ~~وهذا في غاية الفساد فان القياس المنطقي انما تعرف به امور كلية كما تقدم ~~وهم يسلمون ذلك والرسل اخبروا بأمور معينة شخصية جزئية ماضية وحاضرة ~~ومستقبلة فعلم بذلك ان ما علمته الرسل لم يكن بواسطة القياس المنطقي بل جعل ~~بن سينا علم الرب بمفعولاته في هذا الباب تعالى الله عن قوله علوا كبيرا # وقد تبين بما تقرر فساد ما ذكروه في المنطق من حصر طريق العلم مادة وصورة ~~وتبين انهم اخرجوا من العلوم الصادقة اجل واعظم وأكثر مما اثبتوه وان ما ~~ذكروه من الطريق انما ms2833 يفيد علوما قليلة خسيسة لا كثيرة ولا شريفة وهذه ~~مرتبة القوم فانهم من اخس الناس علما وعملا وكفار اليهود والنصارى اشرف ~~علما وعملا منهم من وجوه كثيرة والفلسفة كلها لا يصير صاحبها في درجة ~~اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل PageV09P252 فضلا عن درجتهم قبل ذلك ~~وقد أنشد بن القشيري في الرد على ( الشفاء ( لابن سينا قطعنا الأخوة من ~~معشر بهم مرض من كتاب الشفا وكم قلت ياقوم أنتم على شفا جرف من كتاب الشفا ~~فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله حتى كفى فماتوا على دين رسطالس ~~وعشنا على ملة المصطفى # فإن قيل ما ذكره أهل المنطق من حصر طرق العلم يوجد نحو منه في كلام ~~متكلمي المسلمين بل منهم من يذكره بعينه اما بعباراتهم واما بتغيير العبارة # فالجواب أن ليس كل ما يقوله المتكلمون حقا بل كل ما جاءت به الرسل فهو حق ~~وما قاله المتكلمون وغيرهم مما يوافق ذلك فهو حق وما قالوه مما يخالفه فهو ~~باطل وقد عرف ذم السلف والائمة لاهل الكلام المحدث # قال والعجب من قوم ارادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة وأقيستهم ~~الفاسدة فكان ما فعلوه مما جرأ الملحدين اعداء الدين PageV09P253 عليه فلا ~~الاسلام نصروا ولا الأعداء كسروا ثم من العجائب انهم يتركون أتباع الرسل ~~المعصومين الذين لا يقولون الا الحق ويعرضون عن تقليدهم ويقلدون ويساكنون ~~مخالف ما جاؤوا به من يعلمون أنه ليس بمعصوم وانه يخطئ تارة ويصيب اخرى ~~والله الموفق للصواب قال ( السيوطي ( # هذا آخر ما لخصته من كتاب بن تيمية وقد أوردت عبارته بلفظه من غير تصرف ~~في الغالب وحذفت من كتابه الكثير فانه في عشرين كراسا ولم أحذف من المهم ~~شيئا ولله الحمد والمنة PageV09P254 ### || 1 ( رسالة في ضبط كليات المنطق ) 1 # قال شيخ الاسلام قدس الله روحه ! 8 < فصل ! 8 < في ضبط كليات ( المنطق ( ~~والخلل فيه بنوه على ان مدارك العلم منحصرة في ( الحد ( وجنسه من الرسم ~~ونحوه وفى القياس ونحوه من الاستقراء والتمثيل لان العلم اما ( تصور ( وهو ~~معرفة المفردات وإما ms2834 تصديق وهو العلم بنسبة بعضها إلى بعض بالنفى أو ~~الإثبات وكل من العلمين اما ( بديهي ( لايحتاج إلى طريق وأما ( نظري ( ~~مفتقر إلى الطريق وطريق التصور هو ( الحد ( وطريق التصديق هو ( القياس ( ~~الذي يسمونه البرهان ان كانت مقدماته يقينية # ثم قالوا ( الحد ( هو القول الدال على ماهية الشيء وان كان يراد به نفس ~~المحدود كما ان الاسم هو القول الدال على المسمى ويراد به المسمى ~~PageV09P255 اذ المفهوم من الحد والاسم هو المحدود والمسمى كما ان ( ~~الماهية ( هي المقولة في جواب ما هو ويعبر عنها بانها جواب ما يقال في ~~السؤال بصيغة ما هو فتكون الماهية هي الحد وهي ذات الشيء ايضا وهذه المصادر ~~المشتقة من الجمل الاستفهامية مولدة مثل الماهية والمائية والكيفية ~~والحيثية والأينية واللمية بمنزلة المصادر من الجمل الخبرية كالحوقلة ~~والقلحدة والبسملة والحمدلة ونحو ذلك # ثم قالوا ( الماهية ( مركبة من الصفات الذاتية وتكلموا على الفرق بين ~~الصفات الذاتية والعرضية بأن ( الذاتية ( هي التى يمتنع تصور الموصوف الا ~~بتصورها فالذات متوقفة عليها في الوجود والذهن كالتجسيم للحيوان وما ليس ~~كذلك فهو ( العرضي ( # ثم هو ينقسم إلى لازم وعارض مفارق واللازم اما لازم للماهية كالزوجية ~~للاربعة والفردية للثلاثة واما لازم لوجودها دون ما هيتها كالسواد للقار ~~والحدوث للحيوان # والعارض المفارق اما بطيء الزوال كالشباب والمشيب واما سريع الزوال كحمرة ~~الخجل وصفرة الوجل والمشكل هو الفرق بين الذاتي واللازم للماهية فان كلاهما ~~لا يفارق الذات لا في الوجود العينى ولا الذهني PageV09P256 ففرقوا بينهما ~~بأن الذاتى يسبق تصوره تصور الماهية بحيث لا تفهم الذات بدونه بخلاف لازم ~~الماهية # ثم كل من الذاتي والعرضي اما ان يشترك فيه الجنس وهو الجنس العام والعرض ~~العام وأما ينفرد به نوع وهو الفصل والخاصة واما ان يجمع بين المشترك ~~والمميز وهو النوع فهذه ( الكليات الخمس ( الجنس والفصل والنوع والخاصة ~~والعرض العام فالكلام في هذه الصفات واقسامها غالب منفعته في الحدود ~~والحقائق # واما القياس فانه قول مؤلف من أقوال اذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر ~~ولابد فيه من ms2835 مقدمتين و ( المقدمة ( هي القضية وهي الجملة الخبرية ولابد ~~فيها من مفردين # فكان الكلام فيه في ثلاث مراتب # ( الاولى ) الكلام في المفردات الفاظها ومعانيها لدلالة المطابقة والتضمن ~~والالتزام والاسماء المترادفة والمتباينة والمشتركة والمتواطئة والمفردة ~~والمركبة والكلي والجزئى و # ( المرتبة الثانية ( الكلام في القضايا واقسامها من الخاص والعام والمطلق ~~والايجاب والسلب وجهات القضايا وفى احكام القضايا مثل كذب النقيض وصدق ~~العكس وعكس النقيض PageV09P257 و ( المرتبة الثالثة ( الكلام في القياس ~~وضروبه وشروط نتاجه من أنه لابد فيه من قضية عامة ايجابية وان النتاج لا ~~يحصل عن سالبتين ولا خاصيتين جزئيتين ولا سالبة صغرى وجزئية كبرى بل اما ~~موجبتان فيهما كلية واما صغرى سالبة وكبرى جزئية وغير ذلك من احكام صور ~~القياس وانواعه التى تتبين ببرهان الخلف المردود إلى حكم نقيض القضية أو ~~بالرد إلى عكس القضية أو عكس نقيضها # ثم بينوا بعد ذلك مواد القياس فقسموه إلى ( برهاني ( وهو ما كانت مواده ~~يقينية وحصروا اليقينيات فيما ذكروه من الحسيات الباطنة والظاهرة ~~والبديهيات والمتواترات والمجربات وزاد بعضهم الحدسيات # والى ( خطابى ( وهو ما كانت مواده مشهورة يقينية أو غير يقينية # والى ( جدلي ( وهو ما كانت مواده مسلمة من المنازع يقينية أو مشهورة أو ~~غير ذلك # وإلى ( شعري ( وهو ما كانت مواده مشعورا بها غير معتقدة كالمفرحة ~~والمحزنة والمضحكة # وإلى ( مغلطي سوفسطائي ( وهو ما كانت مواده مموهة بشبه الحق PageV09P258 ### ||| فصل # الناس في مسمى القياس على ثلاثة اقوال # ( أحدها ) انه حقيقة في التمثيل مجاز في الشمول وهو قول الغزالى وابى ~~محمد # و ( الثانى ) العكس وهو قول بن حزم # و ( الثالث ( انه حقيقة فيهما وهو الاصح الذي عليه الجمهور فان القياس ~~عند اصحابنا والجمهور ينقسم إلى عقلي وهو ما يكتفى فيه بالعقل والى شرعي ~~وهو ما لابد فيه من اصل معلوم بالشرع وكل من العقلي والشرعى وكل ما يسمى ~~قياسا ينقسم إلى قياس تمثيل وقياس شمول فالاول الحاق الشيء بنظيره والثانى ~~ادخال الشيء تحت حكم المعنى العام الذي يشمله ثم كل منهما متصل بالآخر لانه ~~لابد بين ms2836 المثلين من معنى مشترك يكون شاملا لهما ولابد في المعنى الشامل ~~لاثنين فصاعدا من تسوية أحد الاثنين بالآخر في ذلك المعنى فالقياس ثابت ~~فيهما وهو التقدير والاعتبار والحسبان PageV09P259 ### ||| فصل # الفساد في المنطق في البرهان وفى الحد # اما ( البرهان ( فصورته صورة صحيحة واذا كانت مواده صحيحة فلا ريب انه ~~يفيد علما صحيحا لكن الخطأ من وجهين # ( احدهما ) ان حصر مواده فيما ذكروه من الاجناس المذكورة لا دليل عليه ~~البتة فاصابوا فيما اثبتوه دون ما نفوه فمن اين يحكم بانه لايقين الا من ~~هذه الجهات المعينة فان رجع فيه الانسان إلى ما يجده من نفسه فمن اين له ان ~~سائر النوع حتى الانبياء والاولياء لا يحصل لهم يقين بغير ذلك ثم الواقع ~~خلاف ذلك # ( الثاني ) ان هذا البرهان يفيد العلم لكن من اين علم انه لا يحصل لقلب ~~بشر علم الا بهذا البرهان الموصوف بل قد رأينا علوما كثيرة هي لقوم ضرورية ~~أو حسية ولآخرين نظرية قياسية فلهذا كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وهو ما حصل ~~من العلوم بغير هذه المواد المحصورة أو بغير قياس اصلا بل زعم افضل ~~المتأخرين منهم ان علوم الانبياء والاولياء لا تحصل إلا PageV09P260 بواسطة ~~القياس وكلامهم يقتضي أن علم الرب كذلك ولا دليل له على ذلك اصلا سوى محض ~~قياس الانبياء والاولياء على نفسه وقياس الرب والملائكة على البشر # فهذا موضع ينبغي للمؤمن ان يتيقنه ويعلم ان هؤلاء القوم وغيرهم انما ضلوا ~~غالبا من جهة ما نفوه وكذبوا به لا من جهة ما اثبتوه وعلموه ولهذا كان ~~المنطق مظنة الزندقة لمن لم يقو الايمان في قلبه حيث اعتقد انه لا علم الا ~~بهذه المواد المعينة وهذه الصورة وذلك مفقود عنده في غالب ما اخبرت به ~~الانبياء فيشك في ذلك أو يكذب به أو يعرض عن اعتقاده والتصديق به فيكون عدم ~~ايمانه وعلمه من اعتقاده الفاسد انه لا علم الا من هذه المواد المعينة ولا ~~دليل عليه البتة وان كانت مفيدة للعلم فالفرق ظاهر بين كونها تفيده وبين ms2837 ~~كونها تفيده ولا يحصل بغيرها # ومما يبين ذلك ان القياس لا يدل الا على علم كلي وهم معترفون بذلك لانه ~~لابد فيه من مقدمة كلية ايجابية والكلي لا يدل إلا على القدر المشترك وهو ~~الكلي فجميع الحقائق المعينة لا يدل عليها القياس باعيانها وانما يعلم به ~~ان علم صفة مشتركة بينها وبين غيرها فلا يعلم به شيء من خواص الربوبية ~~البتة ولا شيء من خواص ملك من الملائكة ولا نبى من الانبياء ولا ولى من ~~الاولياء بل ولا ملك من الملوك ولا أحد من الموجودات العلوية ولا السفلية ~~فاذا العلم بهذه الاشياء اما ان يكون منتفيا أو حاصلا PageV09P261 بغير ~~القياس وكلا القسمين واقع فانه منتف عندهم اذ لا طريق لهم غير القياس وحاصل ~~ذلك عند الانبياء واتباعهم بل حاصل ذلك في الجملة عند جميع اولى العلم من ~~الملائكة والنبيين وسائر الآدميين # و ( ايضا ( فاذا كان لابد فيه من مقدمة كلية فان كانت نظرية افتقرت إلى ~~اخرى وان كانت بديهية فاذا جاز ان يحصل العلم بجميع افرادها بديهة فما ~~المانع ان يحصل ببعض الافراد وهو اسهل # وأما ( الحد ( فالكلام عليه في مواضع # ( أحدها ) دعواهم ان التصورات النظرية لا تعلم الا بالحد الذي ذكروه ~~فالقول فيه كالقول في ان التصديقات النظرية لا تحصل الا بالبرهان الذي ~~حصروا مواده ولا دليل على ذلك ويدل على ضعفه ان الحادان عرف المحدود بحد ~~غيره فقد لزم الدور أو التسلسل وان عرفه بغير حد بطل المدعى فان قيل بل ~~عرفه بالحد الذي انعقد في نفسه كما عرف التصديق بالبرهان الذي انعقد في ~~نفسه قبل ان يتكلم به قيل البرهان مباين للنتيجة فان العلم بالمقدمتين ليس ~~هو عين العلم بالنتيجة واما الحد المنعقد في النفس فهو نفس العلم بالمحدود ~~وهو المطلوب فأين الحد المفيد للعلم بالمحدود وهذا أحد ما يبين PageV09P262 ~~( الموضع الثاني ) وهو انه قد يقال ان الحد لا تعرف به ماهية المحدود بحال ~~بخلاف البرهان فانه دليل على المطلوب اما بالنسبة إلى الحاد فلأنه عرف ~~الشيء ms2838 قبل ان يحده والالم يصح حده لان الحد يجب ان يطابقه عموما وخصوصا ~~ولولا معرفته به قبل ان يحده لم تصح معرفته بالمطابقة واما بالنسبة إلى ~~المستمع فلان معرفته بذلك اذا لم تكن بديهية ولم يقم الحاد عليه دليلا ~~امتنع ان يحصل له علم بمجرد دعوى الحاد المتكلم بالحد ولهذا تجد المستمع ~~يعارض الحد ويناقضه في طرده وعكسه ولولا تصوره المحدود بدون الحد لامتنعت ~~المعارضة والمناقضة # وإنما فائدة الحد التمييز بين المحدود وغيره لا تصويره وهو مطابق لاسم ~~الحد في اللغة فانه الفاصل بينه وبين غيره وذلك انه قد يتصور ماهية الشيء ~~مطلقا مثل من يتصور الامر والخبر والعلم فيتصوره مطلقا لا عاما فالحد يميز ~~العام الذي يدخل فيه كل خبر وعلم وامر ومن هنا يتبين لك ان الذي يتصور ~~بالبديهة من مسميات هذه الاسماء وهو الحقيقة المطلقة غير المطلوب بالحد وهو ~~الحقيقة العامة ثم التمييز للاسماء تارة وللصفات اخرى فالحد اما بحسب الاسم ~~وهو الحد اللفظي الذي يحتاج إليه في الاستدلال بالكتاب والسنة وكلام كل ~~عالم واما بحسب الوصف وهو تفهيم الحقيقة التى عرفت صفتها وهذا يحصل بالرسم ~~والخواص وغير ذلك # ( الموضع الثالث ) الفرق بين الذاتى والعرضي اللازم للماهية بحيث يدعى ~~PageV09P263 ان هذا لاتفهم الماهية بدونه بخلاف الآخر فان العاقل اذا رجع ~~إلى ذهنه لم يجد احدهما سابقا والآخر لاحقا ثم اذا كان المرجع في معرفة ~~الذاتى إلى تصور الذات والمرجع في تصورها إلى معرفة الذاتى كان دورا لانا ~~لا نعرف الماهية الا بالصفات الذاتية ولا نعرف الصفات الذاتية حتى نتصور ~~الذات فان الصفات الذاتية ما تقف معرفة الذات عليها فلا تعرف الذاتية الا ~~بان نعرف ان فهم الذات موقوف عليها فلا تريد ان تفهم الذات حتى تعرف ~~الذاتية وبسط هذا كثير # ( الموضع الرابع ) دعواهم ان الماهيات مركبة ولا تركيب في الذهن ~~PageV09P264 ### || 1 ( مسائل في المنطق ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ! 8 < فصل ! 8 < # قد كتبت فيما تقدم ملخص المنطق ( المعرب الذي بلغته العرب عن اليونانيين ms2839 ~~وعربته لفظا ومعنى فانها احسنت الفاظه وحررت معانيه وهو المنسوب إلى ارسطو ~~اليونانى الذي يسميه اتباعه من الصابئين الفلاسفة المبتدعين ( المعلم الاول ~~( لانه وضع التعاليم التى يتعلمونها من المنطق والطبيعي وما بعد الطبيعة # فإن هذه التعاليم لما اتصلت بالمسلمين وعربت كتبها مع ما عرب من كتب الطب ~~والحساب والهيئة وغير ذلك وكان انتشار تعريبها في دولة الخليفة ابى العباس ~~الملقب بالمأمون اخذها المسلمون فحرروها لفظا ومعنى لكن فيها من الباطل ~~والضلال شيء كثير PageV09P265 فمنهم من اتبعها مع ما ينتحله من الاسلام وهم ~~صابئة المسلمين المسمون بالفلاسفة فصاروا مؤمنين ببعض الكتاب دون بعض ~~بمنزلة المبتدعة من اليهود والنصارى قبل النسخ لما بدلوا بعض الكتب التى ~~بأيديهم ومنهم # من لم يقصد اتباعها لكن تلقى عنهم اشياء يظن انها جميعها توافق الاسلام ~~وتنصره وكثير منها تخالفه وتخذله وهذه حال كثير من أهل الكلام المعتزلة ~~ولهذا قيل هم مخانيث الفلاسفة # ومنهم من اعرض عنها اعراضا مجملا ولم يتبع من القرآن والاسلام ما يغنى عن ~~كل حقها ويدفع باطلها ولم يجاهدهم الجهاد المشروع وهذه حال كثير من اهل ~~الحديث والفقه وغير ذلك وقد كتبت فيما تقدم بعض ما يتعلق بذلك في مواضع من ~~القواعد # وذكرت ( في ) تلخيص جمل المنطق ما وقع من الجهل والضلال بسببه وبعض ما ~~وقع فيه من الخلل وهنا تلخيص ذلك فأقول # مقصود الكلام في طرق العلم بالتصورات والتصديقات ( فالأول ) كالحد والرسم ~~و ( الثاني ) كالقياس بأنواعه من البرهان وغيره وكالتمثيل والاستقراء # وقد يزعمون ان المطلوب من التصورات لاينال الا بجنس الحد PageV09P266 ~~والمطلوب من التصديقات لا ينال الابجنس القياس وقد يسمى جنس القياس ( ~~بالنسبة ) كما يسمى جنس القول الشارح حدا واما البديهي من النوعين فمستغن ~~عن الحد والبرهان فتضمن هذا الكلام ان الحدود تفيد تصوير الحقائق وان ذلك ~~لا يحصل بغيرها وان القياس يفيد التصديق بالحقائق وان ذلك لا يحصل بغيره ~~وفى كلا الأمرين وقع الخطأ # اما في الحد ففى كلا القضيتين السلب والايجاب فيما اثبتوه وفيما نفوه # اما ( الأول ) فان الحد لا ms2840 يفيد تصور الحقائق وانما يفيد التمييز بين ~~المحدود وغيره وتصور الحقائق لا يحصل بمجرد الحد الذي هو كلام الحاد بل ~~لابد من ادراكها بالباطن والظاهر واذا لم تدرك ضرب المثل لها فيحصل بالمثال ~~الذي هو قياس التصوير لا قياس التصديق نوع من الادراك كادراكنا لما وعد ~~الله به في الآخرة من الثواب والعقاب والامثال المضروبة في القرآن تارة ~~تكون للتصوير وتارة تكون للتصديق وهذا الوجه مقرر بوجوه متعددة وإنما الغرض ~~هنا تلخيص المقصود # وأما ( الثانى ) وهو النفي فان ادراك الحقائق المتصورة المطلقة ليس ~~موقوفا على الحد لو فرض انها تعرف بالحد بل تحصل باسباب الادراك المعروفة ~~PageV09P267 وقد تحصل من الكلام بالاسماء المفردة كما تحصل بالحد وربما كان ~~الاسم فيها انفع من الحد وهذا ايضا مقرر # وأما القياس فلا ريب انه يفيد التصديق اذا صحت مقدماته وتأليفها لكن ~~الخطأ فيه من النفي من وجهين ايضا # ( احدهما ) ان حصول العلم التصديقي في النفس ليس موقوفا على القياس بل ~~يحصل بغير القياس # ( الثاني ) ان القياس البرهاني ليست مواده منحصرة فيما ذكروه في الحسيات ~~والوجديات والبديهيات والنظريات والمتواترات والتجريبيات والحدسيات كما ~~بينت هذا في غير هذا الموضع والله أعلم PageV09P268 ### |||| وسئل # عن ( كتب المنطق ( ### ||||| فأجاب # أما ( كتب المنطق ( فتلك لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا وان كان قد ادى ~~اجتهاد بعض الناس إلى انه فرض على الكفاية وقال بعض الناس ان العلوم لا ~~تقوم الا به كما ذكر ذلك أبو حامد فهذا غلط عظيم عقلا وشرعا # أما ( عقلا ( فان جميع عقلاء بني آدم من جميع اصناف المتكلمين في العلم ~~حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني وأما ( شرعا ( فانه من المعلوم ~~بالاضطرار من دين الاسلام ان الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على ~~أهل العلم والايمان # وأما هو في نفسه فبعضه حق وبعضه باطل والحق الذي فيه كثير منه أو اكثره ~~لا يحتاج إليه والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به ~~والبليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه ومضرته على PageV09P269 من ms2841 لم ~~يكن خبيرا بعلوم الانبياء اكثر من نفعه فان فيه من القواعد السلبية الفاسدة ~~ما راجت على كثير من الفضلاء وكانت سبب نفاقهم وفساد علومهم وقول من قال ~~انه كله حق كلام باطل بل في كلامهم في الحد والصفات الذاتية والعرضية ~~واقسام القياس والبرهان ومواده من الفساد ما قد بيناه في غير هذا الموضع ~~وقد بين ذلك علماء المسلمين والله أعلم PageV09P270 ### || 1 ( رسالة في العقل والروح ) 1 ### |||| سئل شيخ الاسلام الامام العلامة تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رضي الله عنه # عن ( العقل ( الذي للانسان هل هو عرض وما هي ~~( الروح ( المدبرة لجسده هل هي النفس وهل لها كيفية تعلم وهل هي عرض أو ~~جوهر وهل يعلم مسكنها من الجسد ومسكن العقل ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ( العقل ( في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة ~~والتابعين وسائر ائمة المسلمين هو امر يقوم بالعاقل سواء سمي عرضا أو صفة ~~ليس هو عينا قائمة بنفسها سواء سمي جوهرا أو جسما أو غير ذلك # وانما يوجد التعبير باسم ( العقل ( عن الذات العاقلة التى هي جوهر قائم ~~بنفسه في كلام طائفة من المتفلسفة الذين يتكلمون في العقل والنفس ويدعون ~~ثبوت عقول عشرة كما يذكر ذلك من يذكره من اتباع ارسطو أو غيره من المتفلسفة ~~المشائين ومن تلقى ذلك عنهم من المنتسبين إلى الملل # وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع وبين ان ما يذكرونه ~~PageV09P271 من العقول والنفوس والمجردات والمفارقات والجواهر العقلية لا ~~يثبت لهم منه الا نفس الانسان وما يقوم بها من العلوم وتوابعها فان اصل ~~تسميتهم لهذه الامور مفارقات هو مأخوذ من مفارقة النفس البدن بالموت # وهذا امر صحيح فان نفس الميت تفارق بدنه بالموت وهذا مبنى على ان النفس ~~قائمة بنفسها تبقى بعد فراق البدن بالموت منعمة أو معذبة وهذا مذهب اهل ~~الملل من المسلمين وغيرهم وهو قول الصحابة والتابعين لهم باحسان وسائر ائمة ~~المسلمين وان كان كثير من اهل الكلام يزعمون ان النفس هي ms2842 الحياة القائمة ~~بالبدن # ويقول بعضهم هي جزء من اجزاء البدن كالريح المترددة في البدن أو البخار ~~الخارج من القلب # ففي الجملة النفس المفارقة للبدن بالموت ليست جزءا من اجزاء البدن ولا ~~صفة من صفات البدن عند سلف الامة وأئمتها وانما يقول هذا وهذا من يقوله من ~~اهل الكلام المبتدع المحدث من اتباع الجهمية والمعتزلة ونحوهم # والفلاسفة المشاءون يقرون بأن النفس تبقى اذا فارقت البدن لكن يصفون ~~النفس بصفات باطلة فيدعون انها اذا فارقت البدن كانت عقلا والعقل عندهم هو ~~المجرد عن المادة وعلائق المادة والمادة عندهم هي الجسم وقد يقولون هو ~~المجرد عن التعلق بالهيولى والهيولى في لغتهم هو بمعنى المحل ويقولون ~~المادة والصورة PageV09P272 والعقل عندهم جوهر قائم بنفسه لا يوصف بحركة ~~ولا سكون ولا تتجدد له احوال البتة # فحقيقة قولهم ان النفس اذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الاحوال لا ~~علوم ولا تصورات ولا سمع ولا بصر ولا ارادات ولا فرح وسرور ولا غير ذلك مما ~~قد يتجدد ويحدث بل تبقى عندهم على حال واحدة ازلا وابدا كما يزعمونه في ~~العقل والنفس ثم منهم من يقول ان النفوس واحدة بالعين ومنهم من يقول هي ~~متعددة وفى كلامهم من الباطل ما ليس هذا موضع بسطه # وإنما المقصود التنبيه على ما يناسب هذا الموضع فهم يسمون ما اقترن ~~بالمادة التى هي الهيولى وهي الجسم في هذا الموضع نفسا كنفس الانسان ~~المدبرة لبدنه ويزعمون ان للفلك نفسا تحركه كما للناس نفوس لكن كان قدماؤهم ~~يقولون ان نفس الفلك عرض قائم بالفلك كنفوس البهائم وكما يقوم بالانسان ~~الشهوة والغضب لكن طائفة منهم كابن سينا وغيره زعموا ان النفس الفلكية جوهر ~~قائم بنفسه كنفس الانسان وما دامت نفس الانسان مدبرة لبدنه سموها نفسا فاذا ~~فارقت سموها عقلا لان العقل عندهم هو المجرد عن المادة وعن علائق المادة ~~وأما النفس فهي المتعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصريف PageV09P273 # وأصل تسميتهم هذه مجردات هو مأخوذ من كون الانسان يجرد الأمور العقلية ~~الكلية عن الامور الحسية المعينة ms2843 فانه اذا رأى افرادا للانسان كزيد وعمرو ~~عقل قدرا مشتركا بين الاناسي وبين الانسانية الكلية المشتركة المعقولة في ~~قلبه واذا رأى الخيل والبغال والحمير وبهيمة الانعام وغير ذلك من أفراد ~~الحيوان عقل من ذلك قدرا كليا مشتركا بين الأفراد وهي الحيوانية الكلية ~~المعقولة واذا رأى مع ذلك الحيوان والشجر والنبات عقل من ذلك قدرا مشتركا ~~كليا وهو الجسم النامي المغتذي وقد يسمون ذلك النفس النباتية واذا رأى مع ~~ذلك سائر الاجسام العلوية الفلكية والسفلية العنصرية عقل من ذلك قدرا ~~مشتركا كليا هو الجسم العام المطلق واذا رأى ما سوى ذلك من الموجودات عقل ~~من ذلك قدرا مشتركا كليا وهو الوجود العام الكلي الذي ينقسم إلى جوهر وعرض ~~وهذا الوجود هو عندهم موضوع ( العلم الأعلى ( الناظر في الوجود ولواحقه وهي ~~( الفلسفة الأولى ( و ( الحكمة العليا ( عندهم # وهم يقسمون الوجود إلى جوهر وعرض والاعراض يجعلونها ( تسعة أنواع ( هذا ~~هو الذي ذكره ارسطو واتباعه يجعلون هذا من جملة المنطق لان فيه المفردات ~~التى تنتهى اليها الحدود المؤلفة وكذلك من سلك سبيلهم ممن صنف في هذا الباب ~~كابن حزم وغيره # وأما بن سينا واتباعه فقالوا ( الكلام في هذا لا يختص بالمنطق ~~PageV09P274 فأخرجوها منه وكذلك من سلك سبيل بن سينا كابى حامد والسهروردي ~~المقتول والرازى والآمدي وغيرهم وهذه هي ( المقولات العشر ( التى يعبرون ~~عنها بقولهم الجوهر والكم والكيف والاين ومتى والاضافة والوضع والملك وان ~~يفعل وأن ينفعل وقد جمعت في بيتين # وهي زيد الطويل الاسود بن مالك في داره بالامس كان متكي في يده سيف نضاه ~~فانتضا فهذه عشر مقولات سوا # وأكثر الناس من اتباعه وغير اتباعه انكروا حصر الاعراض في تسعة اجناس ~~وقالوا ان هذا لا يقوم عليه دليل ويثبتون امكان ردها إلى ثلاثة والى غير ~~ذلك من الاعداد وجعلوا الجواهر ( خمسة انواع ( الجسم والعقل والنفس والمادة ~~والصورة # فالجسم جوهر حسي والباقية جواهر عقلية لكن ما يذكرونه من الدليل على ~~اثبات الجواهر العقلية انما يدل على ثبوتها في الاذهان لا في الاعيان وهذه ~~التى ms2844 يسمونها ( المجردات العقلية ( ويقولون الجواهر تنقسم إلى ماديات ~~ومجردات فالماديات القائمة بالمادة وهي الهيولى وهي الجسم والمجردات هي ~~المجردات عن المادة وهذه التى يسمونها المجردات اصلها هي هذه الامور ~~PageV09P275 الكلية المعقولة في نفس الانسان كما ان المفارقات أصلها مفارقة ~~النفس البدن وهذان امران لا ينكران لكن ادعوا في صفات النفس وأحوالها امورا ~~باطلة # وادعوا ايضا ثبوت جواهر عقلية قائمة بانفسها ويقولون فيها العاقل ~~والمعقول والعقل شيء واحد كما يقولون مثل ذلك في رب العالمين فيقولون هو ~~عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق ولذيذ وملتذ ولذة # ويجعلون الصفة عين الموصوف ويجعلون كل صفة هي الاخرى فيجعلون نفس العقل ~~الذي هو العلم نفس العاقل العالم ونفس العشق الذي هو الحب نفس العاشق المحب ~~ونفس اللذة هي نفس العلم ونفس الحب ويجعلون القدرة والارادة هي نفس العلم ~~فيجعلون العلم هو القدرة وهو الارادة وهو المحبة وهو اللذة ويجعلون العالم ~~المريد المحب الملتذ هو نفس العلم الذى هو نفس الارادة وهو نفس المحبة وهو ~~نفس اللذة فيجعلون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا ويجعلون نفس الصفات ~~المتنوعة هي نفس الذات الموصوفة ثم يتناقضون فيثبتون له علما ليس هو نفس ~~ذاته كما تناقض بن سينا في اشاراته وغيره من محققيهم وبسط الكلام في الرد ~~عليهم بموضع آخر # والمقصود أنهم يعبرون بلفظ العقل عن جوهر قائم بنفسه ويثبتون جواهر عقلية ~~يسمونها المجردات والمفارقات للمادة واذا حقق الامر عليهم لم يكن عندهم غير ~~نفس الانسان التى يسمونها الناطقة وغير ما يقوم بها من المعنى الذى يسمى ~~عقلا PageV09P276 وكان ارسطو واتباعه يسمون ( الرب ( عقلا وجوهرا وهو عندهم ~~لا يعلم شيئا سوى نفسه ولا يريد شيئا ولا يفعل شيئا ويسمونه ( المبدأ ( و ( ~~العلة الاولى ( لان الفلك عندهم متحرك للتشبه به أو متحرك للشبه بالعقل ~~فحاجة الفلك عندهم إلى العلة الاولى من جهة انه متشبه بها كما يتشبه المؤتم ~~بالامام والتلميذ بالاستاذ وقد يقول انه يحركه كما يحرك المعشوق عاشقه ليس ~~عندهم انه ابدع شيئا ولا فعل شيئا ولا كانوا يسمونه واجب ms2845 الوجود ولا يقسمون ~~الوجود إلى واجب وممكن ويجعلون الممكن هو موجودا قديما أزليا كالفلك عندهم # وإنما هذا فعل بن سينا وأتباعه وهم خالفوا في ذلك سلفهم وجميع العقلاء ~~وخالفوا انفسهم ايضا فتناقضوا فانهم صرحوا بما صرح به سلفهم وسائر العقلاء ~~من ان الممكن الذي يمكن ان يكون موجودا وان يكون معدوما لا يكون الا محدثا ~~مسبوقا بالعدم # وأما الازلى الذي لم يزل ولا يزال فيمتنع عندهم وعند سائر العقلاء ان ~~يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم بل كل ما قبل الوجود والعدم لم يكن الا ~~محدثا وهذا مما يستدل به على ان كل ما سوى الله فهو محدث مسبوق بالعدم كائن ~~بعد ان لم يكن كما بسط في موضعه # لكن بن سينا ومتبعوه تناقضوا فذكروا في موضع آخر ان الوجود ينقسم إلى ~~واجب وممكن وان الممكن قد يكون قديما ازليا لم يزل ولا يزال يمتنع ~~PageV09P277 عدمه ويقولون هو واجب بغيره وجعلوا الفلك من هذا النوع فخرجوا ~~عن اجماع العقلاء الذين وافقوهم عليه في اثبات شيء ممكن يمكن ان يوجد وان ~~لا يوجد وانه مع هذا يكون قديما ازليا ابديا ممتنع العدم واجب الوجود بغيره ~~فان هذا ممتنع عند جميع العقلاء وذلك بين في صريح العقل لمن تصور حقيقة ~~الممكن الذي يقبل الوجود والعدم كما بسط في موضعه # وهؤلاء المتفلسفة انما تسلطوا على المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن سلك ~~سبيلهم لان هؤلاء لم يعرفوا حقيقة ما بعث الله به رسوله ولم يحتجوا لما ~~نصروه بحجج صحيحة في المعقول فقصر هؤلاء المتكلمون في معرفة السمع والعقل ~~حتى قالوا ان الله لم يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيئته ثم حدث ما حدث من ~~غير تجدد سبب حادث وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلما بمشيئته ثم حدث ما ~~حدث من غير تجدد سبب حادث وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلما بمشيئته ~~فعالا لما يشاء لزعمهم امتناع دوام الحوادث ثم صار أئمتهم كالجهم بن صفوان ~~وأبي الهذيل العلاف إلى امتناع دوامها في المستقبل والماضى فقال الجهم ms2846 ~~بفناء الجنة والنار وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهما وانهم يبقون دائما في ~~سكون ويزعم بعض من سلك هذه السبيل ان هذا هو مقتضى العقل وان كل ماله ~~ابتداء فيجب ان يكون له انتهاء # ولما رأوا الشرع قد جاء بدوام نعيم اهل الجنة كما قال تعالى @QB@ أكلها ~~دائم وظلها @QE@ PageV09P278 # وقال @QB@ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد @QE@ ~~ظنوا انه يجب تصديق الشرع فيما خالف فيه اهل العقل ولم يعلموا ان الحجة ~~العقلية الصريحة لا تناقض الحجة الشرعية الصحيحة بل يمتنع تعارض الحجج ~~الصحيحة سواء كانت عقلية أو سمعية أو سمعية وعقلية بل اذا تعارضت حجتان دل ~~على فساد احداهما أو فسادهما جميعا وصار كثير منهم إلى جواز دوام الحوادث ~~في المستقبل دون الماضى وذكروا فروعا عرف حذاقهم ضعفها كما بسط في غير هذا ~~الموضع وهو لزومهم ان يكون الرب كان غير قادر ثم صار قادرا من غير تجدد سبب ~~يوجب كونه قادرا وانه لم يكن يمكنه ان يفعل ولا يتكلم بمشيئته ثم صار الفعل ~~ممكنا له بدون سبب يوجب تجدد الامكان واذا ذكر لهم هذا قالوا كان في الازل ~~قادرا على ما لم يزل فقيل لهم القادر لا يكون قادرا مع كون المقدور ممتنعا ~~بل القدرة على الممتنع ممتنعة وانما يكون قادرا على ما يمكنه ان يفعله فإذا ~~كان لم يزل قادرا فلم يزل يمكنه ان يفعل # ولما كان اصل هؤلاء هذا صاروا في كلام الله على ثلاثة اقوال # ( فرقة ) قالت الكلام لا يقوم بذات الرب بل لا يكون كلامه الا مخلوقا ~~لانه اما قديم واما حادث ويمتنع ان يكون قديما لانه متكلم بمشيئته وقدرته ~~والقديم لا يكون بالقدرة والمشيئة واذا كان الكلام PageV09P279 بالقدرة ~~والمشيئة كان مخلوقا لا يقوم بذاته اذ لو قام بذاته كانت قد قامت به ~~الحوادث والحوادث لا تقوم به لانها لو قامت به لم يخل منها وما لم يخل من ~~الحوادث فهو حادث قالوا اذ بهذا الاصل اثبتنا حدوث الاجسام وبه ثبت حدوث ~~العالم قالوا ومعلوم ان ms2847 ما لم يسبق الحادث لم يكن قبله اما معه واما بعده ~~وما كان مع الحادث أو بعده فهو حادث # وكثير منهم لم يتفطن للفرق بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين فان ~~الحادث المعين والحوادث المحصورة يمتنع ان تكون ازلية دائمة وما لم يكن ~~قبلها فهو اما معها واما بعدها وما كان كذلك فهو حادث قطعا وهذا لا يخفى ~~على أحد ولكن # موضع النظر والنزاع ( نوع الحوادث ( وهو انه هل يمكن ان يكون النوع دائما ~~فيكون الرب لا يزال يتكلم أو يفعل بمشيئته وقدرته أم يمتنع ذلك فلما تفطن ~~لهذا الفرق طائفة قالوا وهذا ايضا ممتنع لامتناع حوادث لا أول لها وذكروا ~~على ذلك حججا كحجة التطبيق وحجة امتناع انقضاء مالا نهاية له وأمثال ذلك ~~وقد ذكر عامة ماذكر في هذا الباب وما يتعلق به في مواضع غير هذا الموضع ~~ولكل مقام مقال # وأولئك المتفلسفة لما رأوا ان هذا القول مما يعلم بطلانه بصريح العقل ~~وأنه يمتنع حدوث الحوادث بدون سبب حادث ويمتنع كون الرب يصير فاعلا بعد ~~PageV09P280 ان لم يكن وان المؤثر التام يمتنع تخلف اثره عنه ظنوا انهم اذا ~~ابطلوا هذا القول فقد سلم لهم ما ادعوه عن ( قدم العالم ( كالأفلاك وجنس ~~المولدات ومواد العناصر وضلوا ضلالا عظيما خالفوا به صرائح العقول وكذبوا ~~به كل رسول # فإن الرسل مطبقون على ان كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد ان لم يكن ~~ليس مع الله شيء قديم بقدمه وانه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~ايام والعقول الصريحة تعلم ان الحوادث لا بد لها من محدث فلو لم تكن الا ~~العلة القديمة الازلية المستلزمة لمعلولها لم يكن في العالم شيء من الحوادث ~~فإن حدوث ذلك الحادث عن علة قديمة ازلية مستلزمة لمعلولها ممتنع فإنه اذا ~~كان معلولها لازما لها كان قديما معها لم يتاخر عنها فلا يكون لشيء من ~~الحوادث سبب اقتضى حدوثه فتكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث وهؤلاء فروا من ~~ان يحدثها القادر بغير سبب حادث ms2848 وذهبوا إلى انها تحدث بغير محدث اصلا لا ~~قادر ولا غير قادر فكان ما فروا إليه شرا مما فروا منه وكانوا شرا من ~~المستجير من الرمضاء بالنار # واعتقد هؤلاء ان المفعول المصنوع المبتدع المعين كالفلك يقارن فاعله ازلا ~~وابدا لا يتقدم الفاعل عليه تقدما زمانيا وأولئك قالوا بل المؤثر التام ~~يتراخى عنه أثره ثم يحدث الاثر من غير سبب اقتضى حدوثه فأقام الاولون ~~الادلة العقلية الصريحة على بطلان هذا كما اقام هؤلاء الادلة العقلية ~~الصريحة PageV09P281 على بطلان قول الآخرين ولاريب ان قول هؤلاء أهل ~~المقارنة أشد فسادا ومناقضة لصريح المعقول وصحيح المنقول من قول اولئك اهل ~~التراخي # و ( القول الثالث ) الذي يدل عليه المعقول الصريح ويقر به عامة العقلاء ~~ودل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف والائمة لم يهتد له الفريقان وهو ان ~~المؤثر التام يستلزم وقوع اثره عقب تأثره التام لا يقترن به ولا يتراخى كما ~~اذا طلقت المرأة فطلقت واعتقت العبد فعتق وكسرت الاناء فانكسر وقطعت الحبل ~~فانقطع فوقوع العتق والطلاق ليس مقارنا لنفس التطليق والاعتاق بحيث يكون ~~معه ولا هو ايضا متراخ عنه بل يكون عقبه متصلا به وقد يقال هو معه ومفارق ~~له باعتبار انه يكون عقبه متصلا به كما يقال هو بعده متأخر عنه باعتبار انه ~~انما يكون عقب التأثير التام ولهذا قال تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون @QE@ فهو سبحانه يكون ما يشاء تكوينه فاذا كونه كان ~~عقب تكوينه متصلا به لا يكون مع تكوينه في الزمان ولا يكون متراخيا عن ~~تكوينه بينهما فصل في الزمان بل يكون متصلا بتكوينه كاتصال أجزاء الحركة ~~والزمان بعضها ببعض # وهذا مما يستدل به على ان كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن وان ~~قيل مع ذلك بدوام فاعليته ومتكلميته وهذه الامور مبسوطة في غير هذا الموضع ~~PageV09P282 # و ( المقصود هنا ) ان هذا هو اصل من قال القرآن محدث ومن قال ان الرب لم ~~يقم به كلام ولا ارادة بل ولا علم ms2849 بل ولا حياة ولا قدرة ولا شيء من الصفات ~~فلما ظهر فساد هذا القول شرعا وعقلا قالت طائفة ممن وافقتهم على اصل مذهبهم ~~هو لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل كلامه امر لازم لذاته كما تلزم ذاته الحياة ~~ثم منهم من قال هو معنى واحد لامتناع اجتماع معان لا نهاية لها في آن واحد ~~وامتناع تخصيصه بعدد دون عدد وقالوا ذلك المعنى هو الامر بكل مأمور والخبر ~~عن كل مخبر عنه ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرية كان ~~توراة وان عبرعنه بالسريانية كان انجيلا وقالوا ان الامر والنهي صفات ~~للكلام لا انواع له فان معنى ( آية الكرسي ( و ( آية الدين ( و ( قل هو ~~الله أحد ) و ( تبت يدا أبى لهب ) معنى واحد # فقال جمهور العقلاء لهم تصور هذا القول يوجب العلم بفساده وقالوا لهم ~~موسى سمع كلام الله كله أو بعضه ان قلتم كله لزم ان يكون قد علم علم الله ~~وإن قلتم بعضه فقد تبعض وقالوا لهم اذا جوزتم ان تكون حقيقة الخبر هي حقيقة ~~الامر وحقيقة النهي عن كل منهى عنه والامر بكل مأمور به هو حقيقة الخبر عن ~~كل مخبر عنه فجوزوا ان تكون حقيقة العلم هي حقيقة القدرة وحقيقة القدرة هي ~~حقيقة الارادة فاعترف حذاقهم بأن هذا لازم لهم لا محيد لهم عنه ولزمهم ~~امكان ان تكون حقيقة الذات هي حقيقة الصفات وحقيقة الوجود الواجب هي حقيقة ~~الوجوب الممكن والتزم ذلك طائفة منهم فقالوا PageV09P283 الوجود واحد وعين ~~الوجود الواجب القديم الخالق هو عين الوجود الممكن المخلوق المحدث # وهذا اصل قول القائلين بوحدة الوجود كابن عربي الطائي وبن سبعين ~~واتباعهما كما بسط في مواضع # ومن هؤلاء القائلين بأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته مع قيام الكلام به من ~~قال كلامه المعين حروف واصوات معينة قديمة ازلية لم تزل ولا تزال وزعموا ان ~~كلا من القرآن والتوراة والانجيل حروف واصوات قديمة ازلية لم تزل ولا تزال ~~فقال لهم جمهور العقلاء معلوم بالاضطرار ان الباء قبل السين ms2850 والسين قبل ~~الميم فكيف يكونان معا ازلا وابدا ومعلوم ان الصوت المعين لا يبقى زمانين ~~فكيف يكون ازليا لم يزل ولا يزال # فقالت ( الطائفة الثالثة ) ممن سلك مسلك اولئك المتكلمين بل نقول انه ~~يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما بذاته كما دل على ذلك الكتاب والسنة ~~وإجماع السلف والائمة وان لزم من ذلك قيام الحوادث به فلا محذور في ذلك ~~لاشرعا ولا عقلا بل هذا لازم لجميع طوائف العقلاء وعليه دلت النصوص الكثيرة ~~واقوال السلف والائمة ونقول انه يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي وانه ~~نادى موسى بصوت سمعه موسى كما دلت على ذلك النصوص واقوال السلف لكن نقول ~~انه لم يكن في الازل متكلما ويمتنع ان PageV09P284 يكون لم يزل متكلما ~~بمشيئته وقدرته لان ذلك يستلزم حوادث لا اول لها وهو اصل هؤلاء # فقيل لهم معلوم ان الكلام صفة كمال لا صفة نقص وان من يتكلم بمشيئته ~~وقدرته اكمل ممن لا يكون قادرا على الكلام بمشيئته وقدرته وحينئذ فمن لم ~~يزل متكلما بمشيئته اكمل ممن صار قادرا على الكلام بعد ان كان لا يمكنه ان ~~يتكلم # وقالوا لهم اذا قلتم تكلم بعد ان كان الكلام ممتنعا من غير ان يكون هناك ~~سبب اوجب تجدد قدرته وتجدد إمكان الكلام له قلتم انه لم يزل غير قادر على ~~الكلام ولم يزل الكلام غير ممكن له ثم صار قادرا يمكنه ان يتكلم بمشيئته من ~~غير حدوث شيء وهذا مخالفة لصريح العقل وسلب لصفات الكمال عن الباري وجعله ~~مثل المخلوق الذي صار قادرا على الكلام بعد ان لم يكن قادرا عليه # والسلف والائمة نصوا على ان الرب تعالى لم يزل متكلما اذا شاءوكما شاء ~~كما نص على ذلك عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الدين ~~وسلف المسلمين وهم الذين قالوا بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق لم يقل ~~أحد منهم انه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا قال أحد منهم انه مخلوق بائن ~~PageV09P285 عنه ولا قال أحد منهم انه صار متكلما أو ms2851 قادرا على الكلام بعد ~~ان لم يكن كذلك وقد بسطت هذه الامور في موضع آخر # و ( المقصود ) ان هذه الاقوال التى قالها هؤلاء المتكلمون من الجهمية ~~والمعتزلة والكلابية والكرامية والسالمية ومن وافقهم من المتأخرين الذين ~~انتسبوا إلى بعض الائمة الأربعة وخالفوا بها إجماع السلف والائمة وما جاء ~~به الكتاب والسنة وخالفوا بها صريح المعقول الذي فطر الله عليه عبادة هي ~~التى سلطت اولئك المتفلسفة الدهرية عليهم لكن قول الفلاسفة اعظم فسادا في ~~المعقول والمنقول ### ||| فصل # و ( المقصود هنا ) ان اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة ~~وهو الذي يسمى عرضا قائما بالعاقل وعلى هذا دل القرآن في قوله تعالى @QB@ ~~لعلكم تعقلون @QE@ وقوله @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون ~~بها @QE@ وقوله @QB@ قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون @QE@ ونحو ذلك مما ~~يدل على ان العقل مصدر عقل يعقل عقلا وإذا كان كذلك فالعقل لا يسمى به مجرد ~~العلم الذي لم يعمل به صاحبه ولا العمل بلا علم بل إنما يسمى به العلم ~~PageV09P286 الذي يعمل به والعمل بالعلم ولهذا قال أهل النار ( لو كنا نسمع ~~أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) وقال تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها @QE@ # والعقل المشروط في التكليف لا بد أن يكون علوما يميز بها الانسان بين ما ~~ينفعه وما يضره فالمجنون الذي لا يميز بين الدراهم والفلوس ولا بين أيام ~~الاسبوع ولا يفقه ما يقال له من الكلام ليس بعاقل أما من فهم الكلام وميز ~~بين ما ينفعه وما يضره فهو عاقل ثم من الناس من يقول العقل هو علوم ضرورية ~~ومنهم من يقول العقل هو العمل بموجب تلك العلوم # والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التى ~~في الانسان التى بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار كما قال أحمد بن ~~حنبل والحارث المحاسبى وغيرهما ان العقل غريزة وهذه الغريزة ثابتة عند ~~جمهور العقلاء كما أن في العين قوة بها يبصر وفى ms2852 اللسان قوة بها يذوق وفى ~~الجلد قوة بها يلمس عند جمهور العقلاء # ومن الناس من ينكر القوى والطبائع كما هو قول أبى الحسن ومن اتبعه من ~~أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهؤلاء المنكرون للقوى والطبائع ~~PageV09P287 ينكرون الاسباب أيضا ويقولون ان الله يفعل عندها لا بها ~~فيقولون ان الله لا يشبع بالخبز ولا يروى بالماء ولا ينبت الزرع بالماء بل ~~يفعل عنده لابه وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنة واجماع السلف مع مخالفة صريح ~~العقل والحس فان الله قال في كتابه ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته حتى اذا أقلت سحابا ثقالا سقناة لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا ~~به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) فأخبر أنه ينزل الماء ~~بالسحاب ويخرج الثمر بالماء وقال تعالى @QB@ وما أنزل الله من السماء من ~~ماء فأحيا به الأرض بعد موتها @QE@ وقال @QB@ ونزلنا من السماء ماء مباركا ~~فأنبتنا به جنات وحب الحصيد @QE@ وقال @QB@ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ~~@QE@ وقال @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام @QE@ وقال @QB@ فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا @QE@ ومثل هذا في القرآن كثير والناس يعلمون بحسهم ~~وعقلهم أن بعض الأشياء سبب لبعض كما يعلمون أن الشبع يحصل بالأكل لا بالعد ~~ويحصل بأكل الطعام لا بأكل الحصى وأن الماء سبب لحياة النبات والحيوان كما ~~قال @QB@ وجعلنا من الماء كل شيء حي @QE@ وان الحيوان يروى بشرب الماء لا ~~بالمشي ومثل ذلك كثير ولبسط هذه المسائل موضع آخر PageV09P288 ### ||| فصل # والروح المدبرة للبدن التى تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه وهي ~~النفس التى تفارقه بالموت قال النبى لما نام عن الصلاة ( ان الله قبض ~~ارواحنا حيث شاء وردها حيث شاء وقال له بلال يا رسول الله أخذ بنفسي الذي ~~اخذ بنفسك وقال تعالى @QB@ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى @QE@ # قال بن عباس وأكثر المفسرين ms2853 يقبضها قبضين قبض الموت وقبض النوم ثم في ~~النوم يقبض التى تموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى حتى يأتى أجلها وقت الموت # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا نام ( ~~باسمك ربي وضعت جنبى وبك أرفعه ان امسكت نفسي فاغفر لها وارحمها وان ~~ارسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ( وقد ثبت في الصحيح ( أن ~~الشهداء جعل الله ارواحهم في حواصل طير خضر تسرح PageV09P289 في الجنة ثم ~~تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش ( وثبت ايضا بأسانيد صحيحة ( ان الانسان اذا ~~قبضت روحه فتقول الملائكة اخرجي ايتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ~~اخرجي راضية مرضيا عنك ويقال اخرجي ايتها النفس الخبيثة كانت في الجسد ~~الخبيث اخرجي ساخطة مسخوطا عليك ( وفى الحديث الآخر ( نسمة المؤمن طائر ~~تعلق من ثمر الجنة ثم تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش ( فسماها نسمة # وكذلك في الحديث الصحيح حديث المعراج ( ان آدم عليه السلام قبل يمينه ~~أسودة وقبل شماله أسودة فاذا نظر قبل يمينه ضحك واذا نظر قبل شماله بكى ( ~~وان جبريل قال للنبى ( هذه الاسودة نسم بنيه عن يمينه السعداء وعن يساره ~~الأشقياء ( وفي حديث على ( والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ( وفى الحديث ~~الصحيح ( إن الروح إذا قبض تبعه البصر ( فقد سمى المقبوض وقت الموت ووقت ~~النوم روحا ونفسا وسمى المعروج به إلى السماء روحا ونفسا لكن يسمى نفسا ~~باعتبار تدبيره للبدن ويسمى روحا باعتبار لطفه فان لفظ ( الروح ( يقتضى ~~اللطف ولهذا تسمى الريح روحا وقال النبى ( الريح من روح الله ( اي من الروح ~~التى خلقها الله فاضافة الروح إلى الله إضافة ملك لا إضافة وصف إذ كل ما ~~يضاف إلى الله ان كان عينا قائمة بنفسها فهو ملك له وان كان صفة قائمة ~~بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله PageV09P290 فالاول كقوله ( ناقة ~~الله وسقياها ) وقوله ( فأرسلنا إليها روحنا ) وهو جبريل ( فتمثل لها بشرا ~~سويا قالت إني اعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما انا رسول ms2854 ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا ) وقال ( ومريم ابنة عمران التى احصنت فرجها فنفخنا فيه من ~~روحنا ) وقال عن آدم ( فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) # والثانى كقولنا علم الله وكلام الله وقدرة الله وحياة الله وامر الله لكن ~~قد يعبر بلفظ المصدر عن المفعول به فيسمى المعلوم علما والمقدور قدرة ~~والمأمور به أمرا والمخلوق بالكلمة كلمة فيكون ذلك مخلوقا كقوله ( أتى امر ~~الله فلا تستعجلوه ) وقوله ( إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن ~~مريم وجيها في الدنيا والآخرة ) وقوله ( إنما المسيح عيسى بن مريم رسول ~~الله وكلمته القاها إلى مريم وروح منه ) ومن هذا الباب قوله ( إن الله خلق ~~الرحمة يوم خلقها مائة رحمة انزل منها رحمة واحدة وامسك عنده تسعة وتسعين ~~رحمة فاذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها عباده ( ومنه قوله في ~~الحديث الصحيح للجنة ( انت رحمتى ارحم بك من اشاء من عبادي ( كما قال للنار ~~( انت عذابي اعذب بك من اشاء ولكل واحدة منكما ملؤها PageV09P291 ### ||| فصل # ولكن لفظ ( الروح والنفس ( يعبر بهما عن عدة معان فيراد بالروح الهواء ~~الخارج من البدن والهواء الداخل فيه ويراد بالروح البخار الخارج من تجويف ~~القلب من سويداه الساري في العروق وهو الذي تسميه الأطباء الروح ويسمى ~~الروح الحيواني فهذان المعنيان غير الروح التى تفارق بالموت التى هي النفس # ويراد بنفس الشيء ذاته # وعينه كما يقال رأيت زيدا نفسه وعينه وقد قال تعالى @QB@ تعلم ما في نفسي ~~ولا أعلم ما في نفسك @QE@ وقال @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ويحذركم الله نفسه @QE@ وفى الحديث الصحيح انه قال لأم المؤمنين ~~( لقد قلت بعدك اربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه ~~سبحان الله زنة عرشه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله مداد كلماته ( وفي ~~الحديث الصحيح الالهي عن النبى صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تعالى أنا ~~عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني ان ذكرنى في نفسه ذكرته في ms2855 نفسي وان ~~ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ( # فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه ~~PageV09P292 التى هي ذاته المتصفة بصفاته ليس المراد بها ذاتا منفكة عن ~~الصفات ولا المراد بها صفة للذات وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات ~~كما يظن طائفة انها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ # وقد يراد بلفظ النفس الدم الذي يكون في الحيوان كقول الفقهاء ( ماله نفس ~~سائلة وما ليس له نفس سائلة ( ومنه يقال نفست المرأة اذا حاضت ونفست إذا ~~نفسها ولدها ومنه قيل النفساء ومنه قول الشاعر # تسيل على حدالظباة نفوسنا وليست على غير الظباة تسيل فهذان المعنيان ~~بالنفس ليساهما معنى الروح ويراد بالنفس عند كثير من المتأخرين صفاتها ~~المذمومة فيقال فلان له نفس ويقال اترك نفسك ومنه قول أبي مرثد ( رأيت رب ~~العزة في المنام فقلت اي رب كيف الطريق اليك فقال اترك نفسك ( ومعلوم انه ~~لا يترك ذاته وانما يترك هواها وافعالها المذمومة ومثل هذا كثير في الكلام ~~يقال فلان له لسان فلان له يد طويلة فلان له قلب يراد بذلك لسان ناطق ويد ~~عاملة صانعة وقلب حي عارف بالحق مريد له قال تعالى @QB@ إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد @QE@ # كذلك النفس لما كانت حال تعلقها بالبدن يكثر عليها إتباع هواها صار ~~PageV09P293 لفظ ( النفس ( يعبر به عن النفس المتبعه لهواها أو عن اتباعها ~~الهوى بخلاف لفظ ( الروح ( فانها لا يعبر بها عن ذلك إذ كان لفظ ( الروح ( ~~ليس هو باعتبار تدبيرها للبدن # ويقال النفوس ثلاثة انواع وهى ( النفس الامارة بالسوء ( التى يغلب عليها ~~اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصى # و ( النفس اللوامة ( وهى التى تذنب وتتوب فعنها خير وشر لكن اذا فعلت ~~الشر تابت وأنابت فتسمى لوامة لانها تلوم صاحبها على الذنوب ولانها تتلوم ~~أي تتردد بين الخير والشر # ( والنفس المطمئنه ( وهى التى تحب الخير والحسنات وتريده وتبغض الشر ~~والسيئات وتكره ذلك وقد صار ذلك لها خلقا وعاده ms2856 وملكه فهذه صفات واحوال ~~لذات واحده والافالنفس التى لكل انسان هي نفس واحدة وهذا امر يجده الانسان ~~من نفسه # وقد قال طائفة من المتفلسفة الاطباء ان النفوس ثلاثه نباتية محلها الكبد ~~وحيوانية محلها القلب وناطقية محلها الدماغ وهذا ان ارادوا به انها ثلاث ~~قوى تتعلق بهذه الاعضاء فهذا مسلم وان ارادوا انها ثلاثة اعيان قائمة ~~بانفسها فهذا غلط بين PageV09P294 ### ||| فصل # وأما قول السائل ( هل لها كيفية تعلم ( # فهذا سؤال مجمل إن اراد انه يعلم ما يعلم من صفاتها واحوالها فهذا مما ~~يعلم وان اراد انها هل لها مثل من جنس ما يشهده من الأجسام أو هل لها من ~~جنس شيء من ذلك فان اراد ذلك فليس كذلك فانها ليست من جنس العناصر الماء ~~والهواء والنار والتراب ولا من جنس ابدان الحيوان والنبات والمعدن ولا من ~~جنس الأفلاك والكواكب فليس لها نظير مشهود ولا جنس معهود ولهذا يقال انه لا ~~يعلم كيفيتها # ويقال انه ( من عرف نفسه عرف ربه ( من جهة الاعتبار ومن جهة المقابلة ومن ~~جهة الامتناع فأما ( الاعتبار ( فانه يعلم الانسان انه حى عليم قدير سميع ~~بصير متكلم فيتوصل بذلك إلى ان يفهم ما اخبر الله به عن نفسه من انه حى ~~عليم قدير سميع بصير فانه لو لم يتصور لهذه المعانى من نفسه ونظره إليه لم ~~يمكن ان يفهم ما غاب عنه كما انه لو لا تصوره لما في الدنيا من العسل ~~واللبن PageV09P295 والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما امكنه ان ~~يتصور ما اخبر به من ذلك من الغيب لكن لا يلزم ان يكون الغيب مثل الشهادة ~~فقد قال بن عباس رضى الله عنه ( ليس في الدنيا مما في الجنة الا الأسماء ( ~~فان هذه الحقائق التى اخبر بها انها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات ~~في الدنيا بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك ويجب لها ما يجب لها ويمتنع ~~عليها ما يمتنع عليها وتكون مادتها مادتها وتستحيل استحالتها فإنا نعلم ان ~~ماء الجنة لا يفسد ويأسن ms2857 ولبنها لا يتغير طعمه وخمرها لا يصدع شاربها ولا ~~ينزف عقله فان ماءها ليس نابعا من تراب ولا نازلا من سحاب مثل ما في الدنيا ~~ولبنها ليس مخلوقا من انعام كما في الدنيا وأمثال ذلك فإذا كان ذلك المخلوق ~~يوافق ذلك المخلوق في الإسم وبينهما قدر مشترك وتشابه علم به معني ما ~~خوطبنا به مع ان الحقيقة ليست مثل الحقيقة فالخالق جل جلاله ابعد عن مماثلة ~~مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا فإذا وصف نفسه بأنه حى عليم سميع بصير ~~قدير لم يلزم ان يكون مماثلا لخلقة إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه اعظم من ~~بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق وكل واحد من صغار الحيوان لها حياة وقوة ~~وعمل وليست مماثلة للملائكة المخلوقين فكيف يماثل رب العالمين شيئا من ~~المخلوقين # والله سبحانه وتعالى سمى نفسه وصفاته بأسماء وسمى بها بعض المخلوقات فسمى ~~نفسه حيا عليما سميعا بصيرا عزيزا جبارا متكبرا PageV09P296 ملكا رءوفا ~~رحيما وسمى بعض عباده عليما وبعضهم حليما وبعضهم رءوفا رحيما وبعضهم سميعا ~~بصيرا وبعضهم ملكا وبعضهم عزيزا وبعضهم جبارا متكبرا ومعلوم انه ليس العليم ~~كالعليم ولا الحليم كالحليم ولا السميع كالسميع وهكذا في سائر الاسماء قال ~~سبحانه وتعالى @QB@ إن الله كان عليما حكيما @QE@ وقال @QB@ وبشروه بغلام ~~عليم @QE@ وقال @QB@ إنه كان حليما غفورا @QE@ وقال @QB@ فبشرناه بغلام ~~حليم @QE@ وقال @QB@ إن الله بالناس لرؤوف رحيم @QE@ وقال ( @QB@ بالمؤمنين ~~رؤوف رحيم @QE@ وقال @QB@ إن الله كان سميعا بصيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا @QE@ وكذلك سائر ما ذكر لكن الانسان ~~يعتبر ( بما عرفه ما لم يعرفه ولولا ذلك لا نسدت عليه طرق المعارف للأمور ~~الغائبة وأما من جهة ( المقابلة ( فيقال من عرف نفسه بالعبودية عرف ربه ~~بالربوبية ومن عرف نفسه بالفقر عرف ربه بالغنى ومن عرف نفسه بالعجز عرف ربه ~~بالقدرة ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالعلم ومن عرف نفسه بالذل عرف ربه ~~بالعز وهكذا أمثال ذلك لأن العبد ليس له من نفسه الا العدم وصفات النقص ~~كلها ترجع إلى ms2858 العدم وأما الرب تعالى فله صفات الكمال وهى من لوازم ذاته ~~يمتنع انفكاكه عن صفات الكمال أزلا وأبدا ويمتنع عدمها لأنه واجب الوجود ~~ازلا وابدا وصفات كماله من لوازم ذاته ويمتنع ارتفاع اللازم الا بارتفاع ~~الملزوم فلا يعد شيء من صفات كماله إلا بعد ذاته PageV09P297 وذاته يمتنع ~~عليها العدم فيمتنع على شيء من صفات كماله العدم # وأما من جهة ( العجز والامتناع ( فانه يقال إذا كانت نفس الانسان التى هي ~~اقرب الأشياء إليه بل هي هويته وهو لايعرف كيفيتها ولا يحيط علما بحقيقتها ~~فالخالق جل جلاله أولى أن لا يعلم العبد كيفيته ولا يحيط علما بحقيقته ~~ولهذا قال افضل الخلق واعلمهم بربه صلى الله عليه وسلم ( اللهم انى اعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا احصى ثناء عليك انت كما ~~اثنيت على نفسك ( وثبت في صحيح مسلم وغيره انه كان يقول هذا في سجوده وقد ~~روى الترمذى وغيره انه كان يقوله في قنوت الوتر ( وان كان في هذا الحديث ~~نظر فالآول صحيح ثابت ### ||| فصل # وأما سؤال السائل هل هو جوهر أو عرض # فلفظ ( الجوهر ( فيه اجمال ومعلوم انه لم يرد بالسؤال الجوهر في اللغة مع ~~انه قد قيل إن لفظ ( الجوهر ( ليس من لغة العرب وانه معرب وإنما اراد ~~السائل الجوهر في الاصطلاح من تقسيم الموجودات إلى جوهر وعرض PageV09P298 ~~وهؤلاء منهم من يريد بالجوهر المتحيز فيكون الجسم المتحيز عندهم جوهرا وقد ~~يريدون به الجوهر الفرد وهو الجزء الذى لايتجزأ والعقلاء متنازعون في إثبات ~~هذا وهو أن الأجسام هل هي مركبة من الجواهر المفردة أم من المادة والصورة ~~أم ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا على ثلاثة اقوال أصحها ( الثالث ( انها ~~ليست مركبة لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة وهذا قول كثير من ~~طوائف اهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من ~~الكرامية وهو قول جمهور الفقهاء واهل الحديث والصوفية وغيرهم بل هوقول اكثر ~~العقلاء كما قد بسط في موضعه # والقائلون بأن لفظ ( الجوهر ( يقال ms2859 على المتحيز متنازعون هل يمكن وجود ~~جوهر ليس بمتحيز ثم هؤلاء منهم من يقول كل موجود فاما جوهر واما عرض ويدخل ~~الموجود الواجب في مسمى الجوهر ومن هؤلاء من يقول كل موجود فاما جسم أو عرض ~~ويدخل الموجود الواجب في مسمى الجسم وقد قال بهذا وبهذا طائفة من نظار ~~المسلمين وغيرهم ومن المتفلسفة والنصارى من يسميه جوهرا ولا يسميه جسما ~~وحكى عن بعض نظار المسلمين أنه يسميه جسما ولا يسميه جوهرا إلا أن الجسم ~~عنده PageV09P299 هو المشار إليه أو القائم بنفسه والجوهر عنده هو الجوهر ~~الفرد # ولفظ ( العرض ( في اللغة له معنى وهو ما يعرض ويزول كما قال تعالى @QB@ ~~يأخذون عرض هذا الأدنى @QE@ وعند أهل الإصطلاح الكلامي قد يراد بالعرض ما ~~يقوم بغيره مطلقا وقد يراد بهما يقوم بالجسم من الصفاتويراد به في غير هذا ~~الاصطلاح امور اخرى ومعلوم ان مذهب السلف والأئمة وعامة اهل السنة والجماعة ~~اثبات صفات الله وان له علما وقدرة وحياة وكلاما ويسمون هذه الصفات ثم منهم ~~من يقول هي صفات وليست أعراضا لأن العرض لا يبقى زمانين وهذه باقية ومنهم ~~من يقول بل تسمى اعراضا لان العرض قد يبقى وقول من قال ان كل عرض لا يبقى ~~زمانين قول ضعيف واذا كانت الصفات الباقية تسمى اعراضا جاز ان تسمى هذه ~~اعراضا ومنهم من يقول انا لا اطلق ذلك بناء على ان الاطلاق مستنده الشرع # والناس متنازعون هل يسمى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع وإن ~~لم يرد باطلاقه نص ولا اجماع أم لا يطلق إلا ما أطلق نص أو اجماع على قولين ~~مشهورين # وعامة النظار يطلقون مالا نص في إطلاقه ولا اجماع كلفظ القديم والذات ~~PageV09P300 ونحو ذلك ومن الناس من يفصل بين الأسماء التى يدعى بها وبين ما ~~يخبر به عنه للحاجة فهو سبحانه انما يدعى بالاسماء الحسنى كما قال ( ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها ( # وأما إذا احتيج إلى الاخبار عنه مثل ان يقال ليس هو بقديم ولا موجود ولا ~~ذات قائمة بنفسها ms2860 ونحو ذلك فقيل في تحقيق الاثبات بل هو سبحانه قديم موجود ~~وهو ذات قائمة بنفسها وقيل ليس بشيء فقيل بل هو شيء فهذا سائغ وان كان لا ~~يدعى بمثل هذه الأسماء التى ليس فيها ما يدل على المدح كقول القائل يا شيء ~~إذ كان هذا لفظا يعم كل موجود وكذلك لفظ ذات وموجود ونحو ذلك إلا إذا سمى ~~بالموجود الذى يجده من طلبه كقوله ( ووجد الله عنده ( فهذا اخص من الموجود ~~الذى يعم الخالق والمخلوق # إذا تبين هذا فالنفس وهى الروح المدبرة لبدن الانسان هي من باب ما يقوم ~~بنفسه التى تسمى جوهرا وعينا قائمة بنفسها ليست من باب الأعراض التى هي ~~صفات قائمة بغيرها # وأما التعبير عنها بلفظ ( الجوهر ( والجسم ( ففيه نزاع بعضه اصطلاحى ~~وبعضه معنوى فمن عنى بالجوهر القائم بنفسه فهي جوهر ومن عنى بالجسم ما يشار ~~إليه وقال انه يشار إليها فهي عنده جسم ومن عنى بالجسم المركب PageV09P301 ~~من الجواهر المفردة أو المادة والصورة فبعض هؤلاء قال انها جسم ايضا ومن ~~عنى بالجوهر المتحيز القابل للقسمة فمنهم من يقول إنها جوهر والصواب أنها ~~ليست مركبة من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة وليست من جنس الاجسام ~~المتحيزات المشهودة المعهودة واما الاشارة إليها فإنه يشار إليها وتصعد ~~وتنزل وتخرج من البدن وتسل منه كما جاءت بذلك النصوص ودلت عليه الشواهد ~~العقلية ### ||| فصل # وأما قول القائل اين مسكنها من الجسد فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد بل ~~هي سارية في الجسد كما تسرى الحياة التى هي عرض في جميع الجسد فان الحياة ~~مشروطة بالروح فاذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة وإذا فارقته الروح ~~فارقته الحياة PageV09P302 ### ||| فصل # وأما قوله اين مسكن العقل فيه فالعقل قائم بنفس الانسان التى تعقل وأما ~~من البدن فهو متعلق بقلبه كما قال تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فتكون ~~لهم قلوب يعقلون بها @QE@ وقيل لابن عباس بماذا نلت العلم قال ( بلسان سئول ~~وقلب عقول ( لكن لفظ ( القلب ( قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التى ms2861 في ~~الجانب الأيسر من البدن التى جوفها علقة سوداء كما في الصحيحين عن النبي ( ~~ان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد ( وقد يراد بالقلب باطن الا نسان مطلقا فإن قلب الشيء باطنه كقلب ~~الحنطة واللوزة والجوزة ونحو ذلك ومنه سمى القليب قليبا لأنه اخرج قلبه وهو ~~باطنه وعلى هذا فاذا اريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه ايضا ولهذا قيل ~~ان العقل في الدماغ كما يقوله كثير من الاطباء ونقل ذلك عن الامام أحمد ~~ويقول طائفة من اصحابة ان اصل العقل في القلب فاذا كمل انتهى إلى الدماغ # والتحقيق ان الروح التى هي النفس لها تعلق بهذا وهذا وما يتصف ~~PageV09P303 من العقل به يتعلق بهذا وهذا لكن مبدا الفكر والنظر في الدماغ ~~ومبدا الاراده في القلب والعقل يراد به العلم ويراد به العمل فالعلم والعمل ~~الاختيارى اصله الاراده وأصل الاراده في القلب والمريد لايكون مريدا إلا ~~بعد تصور المراد فلا بد ان يكون القلب متصورا فيكون منه هذا وهذا ويبتدئ ~~ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء وكلا ~~القولين له وجه صحيح وهذا مقدار ما وسعته هذه الاوراق والله اعلم ~~PageV09P304 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # أيما افضل العلم أو العقل ### ||||| فأجاب # ان اريد بالعلم علم الله تعالى الذى أنزله الله تعالى وهو الكتاب ~~كما قال تعالى @QB@ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم @QE@ فهذا افضل ~~من عقل الانسان لأن هذا صفة الخالق والعقل صفة المخلوق وصفة الخالق أفضل من ~~صفة المخلوق # وإن أريد بالعقل ان يعقل العبد امره ونهيه فيفعل ما امر به ويترك ما نهى ~~عنه فهذا العقل يدخل صاحبه به الجنة وهو أفضل من العلم الذى لا يدخل صاحبه ~~به الجنة كمن يعلم ولا يعمل وإن اريد العقل الغريزة التى جعلها الله في ~~العبد التى ينال بها العلم والعمل فالذى يحصل به افضل لأن العلم هو المقصود ~~به وغريزة العقل وسيلة إليه والمقاصد افضل من ms2862 وسائلها # وإن اريد بالعقل العلوم التى تحصل بالغريزة فهذه من العلم فلا يقال أيما ~~PageV09P305 افضل العلم اوالعقل ولكن يقال ايما افضل هذا العلم أو هذا ~~العلم فالعلوم بعضها افضل من بعض فالعلم بالله افضل من العلم بخلقه ولهذا ~~كانت آية الكرسى افضل آية في القرآن لأنها صفة الله تعالى وكانت @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ تعدل ثلث القرآن لأن القرآن ( ثلاثة اثلاث ( ثلث توحيد وثلث ~~قصص وثلث امر ونهى وثلث التوحيد افضل من غيره # والجواب في هذه المسألة مسألة العلم والعقل لا بد فيه من التفصيل لأن كل ~~واحد من الاسمين يحتمل معان كثيرة فلا يجوز إطلاق الجواب بلا تفصيل ولهذا ~~كثر النزاع فيها لمن لم يفصل ومن فصل الجواب فقد اصاب والله اعلم ~~PageV09P306 ### || 1 ( رسالة في عمل القلب ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام ! 8 < # العالم العلامة شيخ الاسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحرانى ~~قدس الله روحه ونور ضريحه ! 8 < فصل ! 8 < # ثم إن الله سبحانه وتعالى خلق القلب للانسان يعلم به الأشياء كما خلق له ~~العين يرى بها الأشياء والاذن يسمع بها الاشياءكما خلق له سبحانه كل عضو من ~~أعضائه لامر من الامور وعمل من الاعمال فاليد للبطش والرجل للسعى واللسان ~~للنطق والفم للذوق والانف للشم والجلد للمس وكذلك سائر الأعضاء الباطنة ~~والظاهرة # فإذا استعمل الإنسان العضو فيما خلق له واعد لاجله فذلك هو الحق القائم ~~والعدل الذى قامت به السماوات والأرض وكان ذلك خيرا وصلاحا لذلك العضو ~~ولربه وللشيء الذى استعمل فيه وذلك الانسان الصالح PageV09P307 هو الذى ~~استقام حاله و @QB@ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ # وإذا لم يستعمل العضو في حقه بل ترك بطالا فذلك خسران وصاحبه مغبون وإن ~~استعمل في خلاف ما خلق له فهو الضلال والهلاك وصاحبه من الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا # ثم ان سيد الاعضاء ورأسها هو القلب كما سمى قلبا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد ms2863 الجسد كله ~~الا وهى القلب ( وقال صلى الله عليه وسلم ( الاسلام علانيه والايمان في ~~القلب ثم اشار بيده إلى صدره وقال الا إن التقوى ها هنا الا إن التقوى ها ~~هنا ( # وإذ قد خلق القلب لان يعلم به فتوجهه نحو الاشياء ابتغاء العلم بها هو ~~الفكر والنظر كما ان اقبال الاذن على الكلام ابتغاء سمعه هو الاصغاء ~~والاستماع وانصراف الطرف إلى الاشياء طلبا لرؤيتها هو النظر فالفكر للقلب ~~كالاصغاء للأذن ومثله نظر العينين فيما سبق وإذا علم ما نظر فيه فذاك ~~مطلوبه كما أن الأذن كذلك إذا سمعت ما اصغت إليه أو العين إذا ابصرت ما ~~نظرت إليه وكم من ناظر مفكر لم يحصل العلم ولم ينله كما انه كم من ناظر إلى ~~الهلال لايبصره ومستمع إلى صوت لا يسمعه PageV09P308 وعكسه من يؤتى علما ~~بشيء لم ينظر فيه ولم تسبق منه إليه سابقة تفكير فيه كمن فاجأته رؤية ~~الهلال من غير قصد إليه أو سمع قولا من غير أن يصغى إليه وذلك كله لا لأن ~~القلب بنفسه يقبل العلم وإنما الأمر موقوف على شرائط واستعداد قد يكون فعلا ~~من الانسان فيكون مطلوبا وقد يأتى فضلا من الله فيكون موهوبا # فصلاح القلب وحقه والذى خلق من أجله هو ان يعقل الأشياء لااقول أن يعلمها ~~فقط فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلا له بل غافلا عنه ملغيا له والذى يعقل ~~الشيء هو الذى يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه فيكون وقت الحاجة إليه ~~غنيا فيطابق عمله قوله وباطنه ظاهره وذلك هو الذى أوتى الحكمة ( ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وقال أبو الدرداء إن من الناس من يؤتى علما ولا ~~يؤتى حكما وان شداد بن أوس ممن اوتى علما وحكما وهذا مع أن الناس متباينون ~~في نفس عقلهم الأشياء من بين كامل وناقصوفيما يعقلونه من بين قليل وكثير ~~وجليل ودقيق وغير ذلك # ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي امهات ماينال به العلم ويدرك أعنى العلم الذى ~~يمتاز به البشر عن سائر ms2864 الحيوانات دون ما يشاركها فيه من الشم والذوق ~~PageV09P309 واللمس وهنا يدرك به ما يحب ويكره وما يميز به بين من يحسن ~~إليه ومن يسيء إليه إلى غير ذلك قال الله تعالى @QB@ والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ~~@QE@ وقال @QB@ ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون @QE@ وقال @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ وقال @QB@ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة @QE@ وقال @QB@ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ~~@QE@ # وقال فيما لكل عضو من هذه الاعضاء من العمل والقوة ( ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم ~~آذان لا يسمعون بها ( # ثم ان العين تقصر عن القلب والأذن وتفارقهما في شيء وهو انها إنما يرى ~~صاحبها بها الأشياء الحاضرة والامور الجسمانية مثل الصور والاشخاص فاما ~~القلب والاذن فيعلم الانسان بهما ما غاب عنه ومالا مجال للبصر فيه من ~~الاشياء الروحانية والمعلومات المعنوية ثم بعد ذلك يفترقان فالقلب يعقل ~~الاشياء بنفسه إذ كان العلم هو غذاءه وخاصيته اما الاذن فإنها تحمل الكلام ~~المشتمل على العلم إلى القلب فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام فإذا وصل ~~ذلك إلى القلب اخذ منه ما فيه من العلم فصاحب العلم في حقيقة الامر هو ال ~~قلب وإنما سائر الاعضاء حجبه له توصل إليه من الاخبار مالم PageV09P310 يكن ~~ليأخذه بنفسه حتى ان من فقد شيئا من هذه الاعضاء فإنه يفقد بفقده من العلم ~~ما كان هو الواسطة فيه # فالأصم لا يعلم ما في الكلام من العلم والضرير لا يدرى ما تحتوى عليه ~~الاشخاص من الحكمة البالغة وكذلك من نظر إلى الاشياء بغير قلب أو استمع إلى ~~كلمات اهل العلم بغير قلب فإنه لا يعقل شيئا فمدار الامر على القلب وعند ~~هذا تستبين الحكمة في قوله تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فتكون ms2865 لهم قلوب ~~يعقلون بها أو آذان يسمعون بها @QE@ حتى لم يذكر هنا العين كما في الآيات ~~السوابق فإن سياق الكلام هنا في امور غائبة وحكمة معقولة من عواقب الامور ~~لا مجال لنظر العين فيها ومثله قوله @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو ~~يعقلون @QE@ وتتبين حقيقة الامر في قوله @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد @QE@ # فإن من يؤتى الحكمة وينتفع بالعلم على منزلتين اما رجل رأى الحق بنفسه ~~فقبله فاتبعه ولم يحتج إلى من يدعوه إليه فذلك صاحب القلب أو رجل لم يعقله ~~بنفسه بل هو محتاج إلى من يعلمه ويبينه له ويعظه ويؤدبه فهذا اصغى ف ( القى ~~السمع وهو شهيد ( أي حاضر القلب ليس بغائبه كما قال مجاهد أوتي العلم وكان ~~له ذكرى # ويتبين قوله @QB@ ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون @QE@ ~~PageV09P311 وقوله @QB@ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا @QE@ # ثم إذا كان حق القلب ان يعلم الحق فان الله هو الحق المبين @QB@ فذلكم ~~الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال @QE@ إذ كان كل ما يقع عليه لمحة ~~ناظر أو يجول في لفتة خاطر فالله ربه ومنشئه وفاطره ومبدئه لا يحيط علما ~~إلا بما هو من آياته البينة في ارضه وسمائه واصدق كلمة قالها الشاعر كلمة ~~لبيد # الا كل شيء ما خلا الله باطل # أي ما من شيء من الأشياء إذا نظرت إليه من جهة نفسه إلا وجدته إلى العدم ~~وما هو فقير إلى الحي القيوم فإذا نظرت إليه وقد تولته يد العناية بتقدير ~~من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى رأيته حينئذ موجودا مكسوا حلل الفضل والاحسان ~~فقد استبان ان القلب إنما خلق لذكر الله سبحانه ولذلك قال بعض الحكماء ~~المتقدمين من أهل الشام اظنه سليمان الخواص رحمه الله قال الذكر للقلب ~~بمنزلة الغذاء للجسد فكما لا يجد الجسد لذة ms2866 الطعام مع السقم فكذلك القلب لا ~~يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا أو كما قال # فإذا كان القلب مشغولا بالله عاقلا للحق متفكرا في العلم فقد PageV09P312 ~~وضع في موضعه كما ان العين إذا صرفت إلى النظر في الأشياء فقد وضعت في ~~موضعها إما إذا لم يصرف إلى العلم ولم يوع فيه الحق فقد نسي ربه فلم يوضع ~~في موضع بل هو ضائع ولا يحتاج ان نقول قد وضع في موضع غير موضعه بل لم يوضع ~~اصلا فإن موضعه هو الحق وما سوى الحق باطل فإذا لم يوضع في الحق لم يبق إلا ~~الباطل والباطل ليس بشيء أصلا وما ليس بشيء احرى أن لا يكون موضعا # والقلب هو نفسه لا يقبل الا الحق فإذا لم يوضع فيه فأنه لا يقبل غير ما ~~خلق له @QB@ سنة الله @QE@ @QB@ ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ وهو مع ذلك ~~ليس بمتروك مخل فأنه لا يزال في أودية الأفكار وأقطار الأماني لا يكون على ~~الحال التي تكون عليها العين والأذن من الفراغ والتخلي فقد وضع في غير موضع ~~لا مطلق ولا معلق موضوع لا موضع له وهذا من العجب فسبحان ربنا العزيز ~~الحكيم وإنما تنكشف للانسان هذه الحال عند رجوعه إلى الحق اما في الدنيا ~~عند الانابة أو عند المنقلب إلى الآخرة فيرى سوء الحال التي كان عليها وكيف ~~كان قلبه ضالا عن الحق هذا إذا صرف في الباطل # فأما لو ترك وحاله التي فطر عليها فارغا عن كل ذكر خاليا عن كل فكر فقد ~~كان يقبل العلم الذي لا جهل فيه ويرى الحق الذي لا ريب فيه فيؤمن بربه ~~وينيب إليه فإن كل مولود يولد على الفطرة فابواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء لا يحس فيها من جدع PageV09P313 @QB@ ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم @QE@ ~~وإنما يحول بينه وبين الحق في غالب الحال شغله بغيره من فتن الدنيا ومطالب ~~الجسد وشهوات النفس فهو في هذه ms2867 الحال كالعين الناظرة إلى وجه الأرض لا ~~يمكنها أن ترى مع ذلك الهلال أو هو يميل إليه فيصده عن اتباع الحق فيكون ~~كالعين التي فيها قذى لا يمكنها رؤية الأشياء # ثم الهوى قد يعترض له قبل معرفة الحق فيصده عن النظر فيه فلا يتبين له ~~الحق كما قيل حبك الشيء يعمى ويصم فيبقى في ظلمة الأفكار وكثيرا ما يكون ~~ذلك عن كبر يمنعه عن ان يطلب الحق ( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ~~وهم مستكبرون ) # وقد يعرض له الهوى بعد أن عرف الحق فيجحده ويعرض عنه كما قال ربنا سبحانه ~~فيهم @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل ~~آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا @QE@ # ثم القلب للعلم كالاناء للماء والوعاء للعسل والوادي للسيل كما قال تعالى ~~@QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها @QE@ الآية وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( ان مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث اصاب ~~ارضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير PageV09P314 ~~وكانت منها اجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا واصاب منها طائفة إنما ~~قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما ~~ارسلت به ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي ارسلت به ( وفي ~~حديث كميل بن زياد عن علي رضي الله عنه قال القلوب اوعية فخيرها اوعاها ~~وبلغنا عن بعض السلف قال القلوب آنية الله في ارضه فأحبها إلى الله تعالى ~~أرقها واصفاها وهذا مثل حسن فان القلب إذا كان رقيقا لينا كان قبوله للعلم ~~سهلا يسيرا ورسخ العلم فيه وثبت واثر وأن كان قاسيا غليظا كان قبوله للعلم ~~صعبا عسيرا # ولا بد مع ذلك أن يكون زكيا صافيا سليما حتى يزكو فيه العلم ويثمر ثمرا ~~طيبا والا فلو قبل العلم وكان فيه كدر وخبث افسد ذلك العلم وكان كالدغل في ms2868 ~~الزرع ان لم يمنع الحب من ان ينبت منعه من أن يزكو ويطيب وهذا بين لأولى ~~الأبصار # و ( تلخيص هذه الجملة ) أنه إذا استعمل في الحق فله وجهان # ( وجه ) مقبل على الحق ومن هذا الوجه يقال له وعاء واناء لأن ذلك يستوجب ~~ما يوعى فيه ويوضع فيه وهذه الصفة صفة وجود وثبوت # و ( وجه ) معرض عن الباطل ومن هذا الوجه يقال له زكي وسليم PageV09P315 # وطاهر لأن هذه الأسماء تدل على عدم الشر وانتفاء الخبث والدغل وهذه الصفة ~~صفة عدم ونفي # وبهذا يتبين أنه إذا صرف إلى الباطل فله وجهان كذلك # ( وجه الوجود ) أنه منصرف إلى الباطل مشغول به # و ( وجه العدم ) أنه معرض عن الحق غير قابل له وهذا يبين من البيان ~~والحسن والصدق ما في قوله # إذا ما وضعت القلب في غير موضع %~% بغير إناء فهو قلب مضيع # فإنه لما اراد أن يبين حال من ضيع قلبه فظلم نفسه بإن اشتغل ~~بالباطل وملأ به قلبه حتى لم يبق فيه متسع للحق ولا سبيل له إلى الولوج فيه ~~ذكر ذلك منه فوصف حال هذا القلب بوجهيه ونعته بمذهبيه فذكر اولا وصف الوجود ~~منه فقال # إذا ما وضعت القلب في غير موضع %~% # يقول إذا شغلته بما لم يخلق له فصرفته إلى الباطل حتى صار موضوعا فيه ثم ~~الباطل على منزلتين PageV09P316 # ( أحداهما ) تشغل عن الحق ولا تعانده مثل الأفكار والهموم التي في علائق ~~الدنيا وشهوات النفس # و ( الثانية ) تعاند الحق وتصد عنه مثل الآراء الباطلة والأهواء المردية ~~من الكفر والنفاق والبدع وشبه ذلك بل القلب لم يخلق الا لذكر الله فما سوى ~~ذلك فليس موضعا له # ثم ذكر ( ثانيا ( وصف العدم فيه فقال بغير إناء ثم يقول إذا وضعته بغير ~~اناء ضيعته ولا اناء معك كما تقول حضرت المجلس بلا محبرة فالكلمة حال من ~~الواضع لا من الموضوع والله أعلم # وبيان هذه الجملة والله أعلم أنه يقول إذا ما وضعت قلبك في غير موضع فقد ~~شغل بالباطل ولم يكن معك اناء يوضع ms2869 فيه الحق وينزل إليه الذكر والعلم الذي ~~هو حق القلب فقلبك إذا مضيع ضيعته من وجهي التضييع وان كانا متحدين من جهة ~~انك وضعته في غير موضع ومن جهة أنه لا اناء معك يكون وعاء للحق الذي يجب ان ~~يعطاه كما لو قيل لملك قد اقبل على اللهو إذا اشتغل بغير المملكة وليس في ~~المملكة من يدبرها فهو ملك ضائع لكن الاناء هنا هو القلب بعينه وإنما كان ~~ذلك كذلك لأن القلب لا ينوب عنه غيره فيما يجب أن يوضع فيه @QB@ ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى @QE@ PageV09P317 # وإنما خرج الكلام في صورة اثنين بذكر نعتين لشيء واحد كما جاء نحوه في ~~قوله تعالى @QB@ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان @QE@ قال قتادة والربيع هو القرآن ~~فرق فيه بين الحلال والحرام والحق والباطل وهذا لأن الشيء الواحد إذا كان ~~له وصفان كبيران فهو مع وصف واحد كالشيء الواحد ومع الوصفين بمنزلة الاثنين ~~حتى لو كثرت صفاته لتنزل منزلة اشخاص ألا ترى أن الرجل الذي يحسن الحساب ~~والطب يكون بمنزلة حاسب وطبيب والرجل الذي يحسن النجارة والبناء بمنزلة ~~نجار وبناء # والقلب لما كان يقبل الذكر والعلم فهو بمنزلة الاناء الذي يوضع فيه الماء ~~وإنما ذكر في هذا البيت الاناء من بين سائر اسماء القلب لأنه هو الذي يكون ~~رقيقا وصافيا وهو الذي يأتي به المستطعم المستعطى في منزلة البائس الفقير ~~ولما كان ينصرف عن الباطل فهو زكي وسليم فكأنه اثنان # وليتبين في الصورة أن الاناء غير القلب فهو يقول # إذا وضعت قلبك في غير موضع %~% # وهو الذي يوضع فيه الذكر والعلم ولم يكن معك اناء يوضع فيه المطلوب فمثلك ~~مثل رجل بلغه ان غنيا يفرق على الناس طعاما وكان له زبدية PageV09P318 أو ~~سكرجة فتركها ثم اقبل يطلب طعاما فقيل له هات اناء نعطيك طعاما فأما إذا ~~اتيت وقد وضعت زبديتك مثلا في البيت وليس معك اناء نعطيك فلا تاخذ شيئا ~~فرجعت بخفي حنين ms2870 # وإذا تأمل من له بصيرة بأساليب البيان وتصاريف اللسان وجد موقع هذا ~~الكلام من العربية والحكمة كليهما موقعا حسنا بليغا فإن نقيض هذه الحال ~~المذكورة ان يكون القلب مقبلا على الحق والعلم والذكر معرضا عن غير ذلك ~~وتلك هي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام فإن الحنف هو اقبال القدم وميلها ~~إلى اختها فالحنف الميل عن الشيء بالاقبال على آخر فالدين الحنيف هو ~~الاقبال على الله وحده والاعراض عما سواه وهو الاخلاص الذي ترجمته كلمة ~~الحق والكلمة الطيبة ( لا إله إلا الله ( # اللهم ثبتنا عليها في الدنيا والآخرة ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا آخر ~~ما حضر في هذا الوقت والله أعلم وصلى الله على محمد PageV09P319 ### | 1 ( كتاب علم السلوك ) ### || 1 ( التحفة العراقية في الأعمال القلبية ) 1 # قال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده الحمد لله نستعينه ~~ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا ~~مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ~~ونشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم # اما بعد فهذه كلمات مختصرات في اعمال القلوب التى قد تسمى ( المقامات ~~والاحوال ( وهي من اصول الايمان وقواعد الدين مثل PageV10P005 محبة الله ~~ورسوله والتوكل على الله واخلاص الدين له والشكر له والصبر على حكمه والخوف ~~منه والرجاء له وما يتبع ذلك اقتضى ذلك بعض من اوجب الله حقه من اهل ~~الايمان واستكتبها # وكل منا عجلان فأقول هذه الاعمال جميعها واجبة على جميع الخلق المأمورين ~~في الاصل باتفاق أئمة الدين والناس فيها على ( ثلاث درجات ( كما هم في ~~اعمال الابدان على ( ثلاث درجات ( ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات # فالظالم لنفسه العاصي بترك مأمور أو فعل محظور # والمقتصد المؤدي الواجبات والتارك المحرمات # والسابق بالخيرات المتقرب بما يقدر عليه من فعل واجب ومستحب والتارك ~~للمحرم والمكروه وان كان كل من ms2871 المقتصد والسابق قد يكون له ذنوب تمحى عنه ~~اما بتوبة والله يحب التوابين ويحب المتطهرين واما بحسنات ماحية واما ~~بمصائب مكفرة واما بغير ذلك وكل من الصنفين المقتصدين والسابقين من اولياء ~~الله الذين ذكرهم في كتابه بقوله ( الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ( فحد اولياء الله هم المؤمنون المتقون ~~ولكن ذلك ينقسم إلى ( عام ( وهم المقتصدون PageV10P006 # و ( خاص ( وهم السابقون وان كان السابقون هم اعلى درجات كالانبياء ~~والصديقين # وقد ذكر النبى صلى الله عليه وآله وسلم ( القسمين ( في الحديث الذي رواه ~~البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم انه قال ( يقول الله من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب ~~الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى ~~احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التى يبطش ~~بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبي يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى ~~لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء انا فاعله ترددي عن قبض ~~نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه ( # واما الظالم لنفسه من اهل الايمان فمعه من ولاية الله بقدر ايمانه وتقواه ~~كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره اذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات ~~المقتضية للثواب والسيئات المقتضية للعقاب حتى يمكن ان يثاب ويعاقب وهذا ~~قول جميع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الاسلام واهل ~~السنة والجماعة الذين يقولون انه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من ~~ايمان PageV10P007 واما # القائلون بالتخليد كالخوارج والمعتزلة القائلين انه لا يخرج من النار من ~~دخلها من اهل القبلة وانه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في اهل الكبائر لا قبل ~~دخول النار ولا بعده فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب وحسنات ~~وسيئات بل من اثيب لا يعاقب ومن ms2872 عوقب لم يثب ودلائل هذا الأصل من الكتاب ~~والسنة وإجماع سلف الامة كثير ليس هذا موضعه وقد بسطناه في مواضعه # وينبنى على هذا امور كثيرة ولهذا من كان معه ايمان حقيقى فلا بد ان يكون ~~معه من هذه الاعمال بقدر إيمانه وإن كان له ذنوب كما روى البخارى في صحيحه ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( ان رجلا كان يسمى حمارا وكان يضحك النبى ~~وكان يشرب الخمر ويجلده النبى صلى الله عليه وسلم فأتى به مرة فقال رجل ~~لعنة الله ما اكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له ~~النبى لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله ( # فهذا يبين ان المذنب بالشرب وغيره قد يكون محبا لله ورسوله وحب الله ~~ورسوله اوثق عرى الايمان كما ان العابد الزاهد قد يكون لما في قلبه من بدعة ~~ونفاق مسخوطا عليه عند الله ورسوله من ذلك الوجه كما استفاض في الصحاح ~~وغيرها من حديث امير المؤمنين على بن ابى طالب وابي سعيد الخدري وغيرهما عن ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم انه ذكر الخوارج فقال ( يحقر PageV10P008 ~~أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن ~~لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية اينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم اجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن ~~ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد ( # وهؤلاء قاتلهم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع امير المؤمنين على ~~بن ابى طالب بأمر النبى وقال النبي فيهم في الحديث الصحيح تمرق مارقة على ~~حين ( فرقة من المسلمين يقتلهم ادنى الطائفتين إلى الحق ( # ولهذا قال ائمة الاسلام كسفيان الثوري وغيره ان البدعة احب إلى ابليس من ~~المعصية لان البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها ومعنى قولهم ان البدعة ~~لا يتاب منها ان المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زين له ~~سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا لان اول ms2873 التوبة العلم بأن ~~فعله سىء ليتوب منه أو بأنه ترك حسنا مأمورا به امر ايجاب أو استحباب ليتوب ~~ويفعله فما دام يرى فعله حسنا وهو سيء في نفس الامر فانه لا يتوب # ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق ~~كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من اهل ~~PageV10P009 البدع والضلال وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه فمن عمل بما ~~علم اورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى ( والذين اهتدوا زادهم هدى ~~وآتاهم تقواهم ( وقال تعالى ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~واشد تثبيتا واذا لآتيناهم من لدنا اجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ( ~~وقال تعالى ( يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم ( وقال تعالى ( ~~الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ( وقال تعالى ( قد جاءكم ~~من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من ~~الظلمات إلى النور باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ( وشواهد هذا كثيرة في ~~الكتاب والسنة # وكذلك من اعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعا لهواه فان ذلك يورثه الجهل ~~والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح كما قال تعالى ( فلما زاغوا ازاغ ~~الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفاسقين ( وقال تعالى ( في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ) وقال تعالى ( واقسموا بالله جهد ايمانهم لئن جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها قل انما الآيات عند الله وما يشعركم انها اذا جاءت لا يؤمنون ~~ونقلب افئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ~~( وهذا استفهام نفى وانكار اي وما يدريكم انها اذا جاءت لا يؤمنون وانا ~~نقلب افئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة على قراءة من قرأ ( انها ( ~~بالكسر تكون PageV10P010 جزما بأنها اذا جاءت لا يؤمنون ونقلب افئدتهم ~~وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ولهذا قال ms2874 من قال من السلف كسعيد بن ~~جبير ان من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وان من عقوبة السيئة السيئة بعدها # وقد ثبت في الصحيحين عن بن مسعود رضي الله عنه عن النبى انه قال ( عليكم ~~بالصدق فان الصدق يهدى إلى البر وان البر يهدى إلى الجنة ولا يزال الرجل ~~يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا واياكم والكذب فان الكذب يهدى ~~إلى الفجور وان الفجور يهدى إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب ~~حتى يكتب عند الله كذابا ( فأخبر النبى ان الصدق اصل يستلزم البر وان الكذب ~~يستلزم الفجور # وقد قال تعالى ( ان الابرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم ( ولهذا كان ~~بعض المشائخ اذا امر بعض متبعيه بالتوبة واحب ان لا ينفره ولا يشعب قلبه ~~امره بالصدق ولهذا كان يكثر في كلام مشايخ الدين وائمته ذكر الصدق والاخلاص ~~حتى يقولون قل لمن لا يصدق لا يتبعني ويقولون الصدق سيف الله في الأرض وما ~~وضع على شيء الا قطعه ويقول يوسف بن اسباط وغيره ما صدق الله عبد الا صنع ~~له وأمثال هذا كثير # والصدق والاخلاص هما في الحقيقة تحقيق الايمان والاسلام فان PageV10P011 ~~المظهرين للإسلام ينقسمون إلى مؤمن ومنافق والفارق بين المؤمن والمنافق هو ~~الصدق فان اساس النفاق الذي يبنى عليه هو الكذب ولهذا اذا ذكر الله حقيقة ~~الايمان نعتة بالصدق كما في قوله تعالى ( قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا اسلمنا ( إلى قوله ( انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وانفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون ( ~~وقال تعالى ( للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ( # فأخبر ان الصادقين في دعوى الايمان هم المؤمنون الذين لم يتعقب ايمانهم ~~ريبة وجاهدوا في سبيله باموالهم وانفسهم وذلك ان هذا هو العهد المأخوذ على ~~الأولين والآخرين كما قال تعالى ( واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما ms2875 معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم اصري قالوا اقررنا قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين ( ~~قال بن عباس ما بعث الله نبيا الا اخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ~~ليؤمنن به ولينصرنه وامره ان يأخذ الميثاق على امته لئن بعث محمد وهم احياء ~~ليؤمنن به ولينصرنه # وقال تعالى ( لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله ~~من PageV10P012 ينصره ورسله بالغيب ان الله قوي عزيز ( فذكر تعالى انه انزل ~~الكتاب والميزان وانه انزل الحديد لاجل القيام بالقسط وليعلم الله من ينصره ~~ورسله ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدى وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا ~~والكتاب والحديد وان اشتركا في الانزال فلا يمنع ان يكون احدهما نزل من حيث ~~لم ينزل الآخر حيث نزل الكتاب من الله كما قال تعالى ( تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم ) وقال تعالى ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير ) وقال تعالى ( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) والحديد ~~أنزل من الجبال التي خلق فيها # وكذلك وصف الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع الدين في قوله تعالى ( ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ) الي قوله ( اولئك الذين صدقوا وأؤلئك ~~هم المتقون ) وأما المنافقون فوصفهم سبحانه بالكذب في آيات متعددة كقوله ~~تعالى ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) ~~وقوله تعالى ( اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلم ~~أنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون ) وقوله تعالى ( فأعقبهم نفاقا ~~في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) ~~ونحو ذلك في القرآن كثير ومما ينبغي ان يعرف ان الصدق والتصديق يكون في ~~الاقوال وفى PageV10P013 الاعمال كقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الحديث الصحيح ( كتب على بن آدم حظه من الزنى ms2876 فهو مدرك ذلك لا محالة ~~فالعينان تزنيان وزناهما النظر والاذنان تزنيان وزناهما السمع واليدان ~~تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والقلب يتمنى ويشتهي ~~والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ( ويقال حملوا على العدو حملة صادقة اذا كانت ~~ارادتهم للقتال ثابتة جازمة ويقال فلان صادق الحب والمودة ونحو ذلك ولهذا ~~يريدون بالصادق الصادق في ارادته وقصده وطلبه وهو الصادق في عمله ويريدون ~~الصادق في خبره وكلامه والمنافق ضد المؤمن الصادق وهو الذي يكون كاذبا في ~~خبره أو كاذبا في عمله كالمرائي في عمله قال الله تعالى ( ان المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم واذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ) ~~الايتين # واما الاخلاص فهو حقيقة الاسلام اذ ( الاسلام ( هو الاستسلام لله لا ~~لغيره كما قال تعالى ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما ~~لرجل هل يستويان ) الآية فمن لم يستسلم لله فقد استكبر ومن استسلم لله ~~ولغيره فقد اشرك وكل من الكبر والشرك ضد الاسلام والاسلام ضد الشرك والكبر ~~ويستعمل لازما ومتعديا كما قال تعالى ( اذ قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب ~~العالمين ) وقال تعالى ( بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله اجره عند ربه ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وامثال ذلك في القرآن كثير PageV10P014 # ولهذا كان رأس الاسلام ( شهادة ان لا اله الا الله ( وهى متضمنة عبادة ~~الله وحده وترك عبادة ما سواه وهو الاسلام العام الذي لا يقبل الله من ~~الاولين والاخرين دينا سواه كما قال تعالى ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) وقال تعالى ( شهد الله انه لا اله ~~الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم ~~ان الدين عند الله الاسلام ) وهذا الذي ذكرناه مما يبين ان اصل الدين في ~~الحقيقة هو الامور الباطنة من العلوم والاعمال وان الاعمال الظاهرة لا تنفع ~~بدونها كما قال النبى في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده ( الاسلام علانية ~~والايمان في القلب ( ولهذا قال ms2877 النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق ~~عليه عن النعمان بن بشير عن النبى ( الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور ~~مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ~~ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك ان يقع فيه ~~ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة اذا ~~صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد الا وهي القلب وعن ~~ابى هريرة قال القلب ملك والاعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده واذا ~~خبث الملك خبثت جنوده PageV10P015 ### ||| فصل # وهذه الاعمال الباطنة كمحبة الله والاخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ~~ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودا في حال ~~أحد وان ارتقى مقامه # واما ( الحزن ) فلم يأمر الله به ولا رسوله بل قد نهى عنه في مواضع وان ~~تعلق بأمر الدين كقوله تعالى ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون ان كنتم ~~مؤمنين ) وقوله ( ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ) وقوله ( اذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا ) وقوله ( ولا يحزنك قولهم ) وقوله ( ~~لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) وامثال ذلك كثير # وذلك لانه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه ومالا فائدة فيه لا ~~يأمر الله به نعم لا يأثم صاحبه اذا لم يقترن بحزنه محرم كما يحزن على ~~المصائب كما قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم ( ان الله لا يؤاخذ على دمع ~~العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا أو يرحم واشار بيده إلى لسانه ~~( وقال ( تدمع العين ويحزن القلب PageV10P016 ولا نقول الا ما يرضي الرب ( ~~ومنه قوله تعالى ( وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن ~~فهو كظيم ) # وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محمودا من تلك ~~الجهة لا من جهة الحزن كالحزين ms2878 على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين ~~عموما فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك ولكن ~~الحزن على ذلك اذا افضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع ~~مضرة نهى عنه والا كان حسب صاحبه رفع الاثم عنه من جهة الحزن # واما ان افضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما امر الله # ورسوله به كان مذموما عليه من تلك الجهة وان كان محمودا من جهة اخرى واما ~~المحبة لله والتوكل عليه والاخلاص له ونحو ذلك فهذه كلها خير محض وهى حسنة ~~محبوبة في حق كل أحد من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ومن قال ان ~~هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك ان اراد خروج الخاصة ~~عنها فان هذه لا يخرج عنها مؤمن قط وانما يخرج عنها كافر أو منافق وقد تكلم ~~بعضهم في ذلك بكلام بينا غلطه فيه وانه تقصير في تحقيق هذه المقامات بكلام ~~مبسوط وليس هذا موضعه PageV10P017 ولكن هذه ( المقامات ( ينقسم الناس فيها ~~إلى خصوص وعموم فللخاصة خاصها وللعامة عامها مثال ذلك ان هؤلاء قالوا ( ان ~~التوكل مناضلة عن النفس في طلب القوت والخاص لا يناضل عن نفسه وقالوا ~~المتوكل يطلب بتوكله امرا من الامور والعارف يشهد الامور بفروعها منها فلا ~~يطلب شيئا ( فيقال اما الاول فان التوكل اعم من التوكل في مصالح الدنيا فان ~~المتوكل يتوكل على الله في صلاح قلبه ودينه وحفظ لسانه وارادته وهذا اهم ~~الامور إليه ولهذا يناجي ربه في كل صلاة بقوله ( اياك نعبد واياك نستعين ) ~~كما في قوله تعالى ( فاعبده وتوكل عليه ) وقوله ( عليه توكلت واليه انيب ) ~~وقوله ( قل هو ربي لا اله الا هو عليه توكلت واليه متاب ) # فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع لان هذين يجمعان الدين كله ~~ولهذا قال من قال من السلف ان الله جمع الكتب المنزلة في القرآن وجمع علم ~~القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب وجمع علم ms2879 فاتحة الكتاب ~~في قوله ( اياك نعبد واياك نستعين ) # وهاتان الكلمتان هما الجامعتان اللتان للرب والعبد كما في الحديث الذي في ~~صحيح مسلم عن ابى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( يقول الله ~~سبحانه قسمت الصلاة بيني وبين عبدى نصفين نصفها لي ونصفها لعبدى ولعبدى ما ~~سأل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول العبد الحمد لله رب العالمين ~~يقول الله حمدنى عبدي يقول العبد الرحمن PageV10P018 الرحيم يقول الله اثنى ~~علي عبدي يقول العبد مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدى يقول العبد اياك ~~نعبد واياك نستعين يقول الله فهذه الآية بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما ~~سأل يقول العبد اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين يقول الله فهؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل ( فالرب سبحانه له ~~نصف الثناء والخير والعبد له نصف الدعاء والطلب وهاتان جامعتان ما للرب ~~سبحانه وما للعبد فاياك نعبد للرب واياك نستعين للعبد # وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه قال كنت رديفا للنبى صلى الله عليه ~~وسلم على حمار فقال ( يا معاذ اتدري ما حق الله على العباد قلت الله ورسوله ~~أعلم قال حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق ~~العباد على الله اذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله اعلم قال حقهم عليه ان لا ~~يعذبهم ( والعبادة هي الغاية التى خلق الله لها العباد من جهة امر الله ~~ومحبته ورضاه كما قال تعالى ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ) وبها ~~ارسل الرسل وانزل الكتب وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته وكمال الذل لله ~~ونهايته فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة وانما العبادة ~~ما يجمع كمال الأمرين ولهذا كانت العبادة لا تصلح الا لله وهي وان كانت ~~منفعتها للعبد والله غني عن العالمين فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها ~~ولهذا كان الله اشد فرحا بتوبة العبد من PageV10P019 الفاقد لراحلته عليها ~~طعامه وشرابه في ms2880 ارض دوية مهلكة اذا نام آيسا منها ثم استيقظ فوجدها فالله ~~أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته وهذا يتعلق به امور جليلة قد بسطناها ~~وشرحناها في غير هذا الموضع # والتوكل والاستعانة للعبد لانه هو الوسيلة والطريق الذي ينال به مقصوده ~~ومطلوبه من العبادة فالاستعانة كالدعاء والمسئلة وقد روى الطبراني في كتاب ~~الدعاء عن النبى قال ( يقول الله عز وجل يا بن آدم إنما هي أربع واحدة لي ~~وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقى فاما التى لي فتعبدنى ~~لا تشرك بي شيئا واما التى هي لك فعملك اجازيك به احوج ما تكون إليه واما ~~التى بينى وبينك فمنك الدعاء وعلى الاجابة واما التى بينك وبين خلقى فأت ~~للناس ما تحب ان يأتوا اليك ( # وكون هذا لله وهذا للعبد هو باعتبار تعلق المحبة والرضا ابتداء فان العبد ~~ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائما له والله تعالى يحب ويرضى ما هو الغاية ~~المقصودة في رضاه ويحب الوسيلة تبعا لذلك والا فكل مأمور به فمنفعته عائدة ~~على العبد وكل ذلك يحبه الله ويرضاه وعلى هذا فالذي ظن ان التوكل من ~~المقامات العامة ظن ان التوكل لا يطلب به الا حظوظ الدنيا وهو غلط بل ~~التوكل في الامور الدينية اعظم PageV10P020 وايضا التوكل من الامور الدينية ~~التى لا تتم الواجبات والمستحبات الا بها والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ~~ويأمر به ويرضاه # و ( الزهد المشروع ( هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو ~~فضول المباح التى لا يستعان بها على طاعة الله كما ان ( الورع المشروع ( هو ~~ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ترك المحرمات والشبهات التى لا يستلزم ~~تركها ترك ما فعله ارجح منها كالواجبات فاما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه ~~أو يعين على ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس من الدين بل صاحبه ~~داخل في قوله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ~~ولا تعتدوا ان الله لا ms2881 يحب المعتدين ) كما ان الاشتغال بفضول المباحات هو ~~ضد الزهد المشروع فان اشتغل بها عن فعل واجب أو فعل محرم كان عاصيا والا ~~كان منقوصا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين # و ( ايضا ) فان التوكل هو محبوب لله مرضي له مأمور به دائما وما كان ~~محبوبا لله مرضيا له مأمورا به دائما لا يكون من فعل المقتصدين دون ~~المقربين فهذه ثلاثة اجوبة عن قولهم المتوكل يطلب حظوظه # واما قولهم ان الامور قد فرغ منها فهذا نظير ما قاله بعضهم في الدعاء انه ~~لا حاجة إليه لان المطلوب ان كان مقدرا فلا حاجة إليه وان لم يكن ~~PageV10P021 مقدرا لم ينفع الدعاء وهذا القول من افسد الاقوال شرعا وعقلا # وكذلك قول من قال التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة ولا يدفع به مضرة ~~وانما هو عبادة محضة وان حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض وهذا وان ~~كان قاله طائفة من المشائخ فهو غلط ايضا وكذلك قول من قال ان الدعاء انما ~~هو عبادة محضة # فهذه الاقوال وما اشبهها يجمعها اصل واحد وهو ان هؤلاء ظنوا ان كون ~~الامور مقدرة مقضية يمنع ان تتوقف على اسباب مقدرة ايضا تكون من العبد ولم ~~يعلموا ان الله سبحانه يقدر الامور ويقضيها بالأسباب التى جعلها معلقة بها ~~من افعال العباد وغير افعالهم ولهذا كان طرد قولهم يوجب تعطيل الاعمال ~~بالكلية # وقد سئل النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الاصل مرات فأجاب عنه كما ~~اخرجا في الصحيحين عن عمران بن حصين قال ( قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يا رسول الله أعلم اهل الجنة من اهل النار قال نعم قالوا ففيم ~~العمل قال كل ميسر لما خلق له ( وفى الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال ( كنا ~~في جنازة فيها رسول الله فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم ~~رفع رأسه وقال ما من نفس منفوسة الا وقد كتب مكانها من النار أو الجنة الا ~~وقد كتبت شقية أو سعيدة قال ms2882 PageV10P022 فقال رجل من القوم يا نبى الله ~~افلا نمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من اهل السعادة ليكونن إلى ~~السعادة ومن كان من اهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له اما اهل السعادة فييسرون للسعادة واما اهل الشقاوة فييسرون ~~للشقاوة ثم قال نبى الله ( فأما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ~~واما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) أخرجه الجماعة في ~~الصحاح والسنن والمسانيد # وروى الترمذى ( ان النبى صلى الله عليه وآله وسلم سئل فقيل يا رسول الله ~~ارأيت ادوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله ~~شيئا فقال هي من قدر الله ( # وقد جاء هذا المعنى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم في عدة احاديث # فبين صلى الله عليه وآله وسلم ان تقدم العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ~~ينافى ان تكون سعادة هذا بالاعمال الصالحة وشقاوة هذا بالاعمال السيئة فانه ~~سبحانه يعلم الامور على ما هي عليه وكذلك يكتبها فهو يعلم ان السعيد يسعد ~~بالاعمال الصالحة والشقي يشقى بالاعمال السيئة فمن كان سعيدا ييسر للاعمال ~~الصالحة التى تقتضي السعادة ومن كان شقيا ييسر للاعمال السيئة PageV10P023 ~~التى تقتضي الشقاوة وكلاهما ميسر لما خلق له وهو ما يصير إليه من مشيئة ~~الله العامة الكونية التى ذكرها الله سبحانه في كتابه في قوله تعالى ( ولا ~~يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) # واما ما خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية التى امروا ~~بموجبها فذلك مذكور في قوله ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ) # والله سبحانه قد بين في كتابه في كل واحدة من ( الكلمات ( و ( الامر ( و ~~( الارادة ( و ( الاذن ( و ( الكتاب ( و ( الحكم ( و ( القضاء ( و ( ~~التحريم ( ونحو ذلك ما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه وامره الشرعى وما هو ~~كوني موافق لمشيئته الكونية # مثال ذلك انه قال في ( الامر الدينى ( ان الله يأمر بالعدل والاحسان ~~وايتاء ذي القربى ) وقال تعالى ( ان الله ms2883 يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى ~~اهلها ) ونحو ذلك وقال في ( الكونى ( انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له ~~كن فيكون ) وكذلك قوله ( واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا ~~فيها فحق عليها القول ) على احدى الاقوال في هذه الاية # وقال في ( الارادة الدينية ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~PageV10P024 ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم ) ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) ~~وقال في ( الارادة الكونية ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما ~~يريد ) وقال ( فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) وقال نوح عليه السلام ( ولا ~~ينفعكم نصحي ان اردت ان انصح لكم ان كان الله يريد ان يغويكم ) وقال تعالى ~~( انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ) # وقال تعالى في ( الاذن الديني ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فباذن الله وليخزى الفاسقين ) وقال تعالى في ( الكونى ( وما هم ~~بضارين به من أحد الا باذن الله ) # وقال تعالى في ( القضاء الدينى ( وقضي ربك الا تعبدوا الا اياه ) اي امر ~~وقال تعالى في ( الكونى ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) # وقال تعالى في ( الحكم الدينى ( أحلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم ان الله يحكم ما يريد ) # وقال تعالى ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم ) وقال تعالى في ( الكونى ( عن بن ~~يعقوب ( فلن ابرح الأرض حتى يأذن لي ابى أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ~~PageV10P025 # وقال تعالى ( قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما ~~تصفون ) # وقال تعالى في ( التحريم الدينى ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~) ( حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم ) الآية وقال تعالى في ( التحريم الكونى ( ~~فانها محرمة عليهم اربعين سنة يتيهون في الأرض ) # وقال تعالى ( والذين في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) وقال تعالى ~~في ( الكلمات ms2884 الدينية ( واذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) وقال تعالى ~~في ( الكونية ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا ) ومنه ~~قوله المستفيض عنه من وجوه في الصحاح والسنن والمسانيد انه كان يقول في ~~استعاذته ( اعوذ بكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ( ومن ~~المعلوم ان هذا هو الكونى الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته وتكوينه واما ~~الكلمات الدينية فقد خالفها الفجار بمعصيته # والمقصود هنا انه بين ان العواقب التى خلق لها الناس من سعادة وشقاوة ~~ييسرون لها بالاعمال التى يصيرون بها إلى ذلك كما ان سائر المخلوقات كذلك ~~فهو سبحانه يخلق الولد وسائر الحيوان في الارحام بما يقدره من اجتماع ~~الابوين على النكاح واجتماع المائين في الرحم فلو قال الانسان انا اتوكل ~~ولا أطأ زوجتى فان كان قد PageV10P026 قضي لى بولد وجد والا لم يوجد ولا ~~حاجة إلى وطء كان احمق بخلاف ما اذا وطىء وعزل الماء فان عزل الماء لا يمنع ~~انعقاد الولد اذا شاء الله اذ قد يسبق الماء بغير اختياره # ومن هذا ما ثبت في الصحيحين عن ابى سعيد الخدري قال ( خرجنا مع رسول الله ~~في غزوة بنى المصطلق فاصبنا سبيا من العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا ~~العزبة واحببنا العزل فسألنا عن ذلك رسول الله فقال ما عليكم الا تفعلوا ~~فان الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة ( وفى صحيح مسلم عن جابر ( ان ~~رجلا أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال ان لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا ~~في النخل وانا اطوف عليها واكره ان تحمل فقال اعزل عنها ان شئت فانه ~~سيأتيها ما قدر لها ( # وهذا مع ان الله سبحانه قادر على ما قد فعله من خلق الانسان من غير ابوين ~~كما خلق آدم ومن خلقه من اب فقط كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن خلقه ~~من أم فقط كما خلق المسيح بن مريم عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب اخرى غير ~~معتادة # وهذا الموضع وان كان انما ms2885 يجحده الزنادقة المعطلون للشرائع فقد وقع في ~~كثير من دقه كثير من المشائخ المعظمين يسترسل احدهم مع القدر PageV10P027 ~~غير محقق لما امر به ونهى عنه ويجعل ذلك من باب التفويض والتوكل والجري مع ~~الحقيقة القدرية ويحسب ان قول القائل ينبغي للعبد ان يكون مع الله كالميت ~~بين يدي الغاسل يتضمن ترك العمل بالامر والنهي حتى يترك ما امر به ويفعل ما ~~نهى عنه وحتى يضعف عنده النور والفرقان الذى يفرق به بين ما امر الله به ~~واحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وابغضه وسخطه فيسوى بين ما فرق الله بينه كما ~~قال تعالى ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) وقال تعالى ( افنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ) وقال تعالى ( أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) وقال تعالى ~~( قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وقال تعالى ( وما يستوي ~~الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوى ~~الاحياء ولا الاموات ان الله يسمع من يشاء وما انت بمسمع من في القبور ) ~~وامثال ذلك # حتى يفضي الامر بغلاتهم إلى عدم التمييز بين الامر بالمأمور النبوى ~~الالهي الفرقاني الشرعى الذي دل عليه الكتاب والسنة وبين ما يكون في الوجود ~~من الاحوال التى تجري على ايدي الكفار والفجار فيشهدون وجه الجمع من جهة ~~كون الجميع بقضاء الله وقدره وربوبيته وارادته العامة PageV10P028 وأنه ~~داخل في ملكه ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين اوليائه واعدائه ~~والابرار والفجار والمؤمنين والكافرين واهل الطاعة الذين اطاعوا امره ~~الدينى واهل المعصية الذين عصوا هذا الامر ويستشهدون في ذلك بكلمات مجملة ~~نقلت عن بعض الاشياخ أو ببعض غلطات بعضهم # وهذا ( اصل عظيم ( من اعظم ما يجب الاعتناء به على اهل طريق الله ~~السالكين سبيل الارادة ارادة الذين يريدون وجهه فانه قد دخل بسبب اهمال ذلك ~~على طوائف منهم من الكفر والفسوق والعصيان مالا يعلمه ms2886 الا الله حتى يصيروا ~~معاونين على البغي والعدوان للمسلطين في الأرض من اهل الظلم والعلو كالذين ~~يتوجهون بقلوبهم في معاونة من يهوونه من اهل العلو في الأرض والفساد ظانين ~~انهم اذا كانت لهم احوال اثروابها في ذلك كانوا بذلك من اولياء الله فان ~~القلوب لها من التأثير اعظم مما للابدان لكن ان كانت صالحة كان تأثيرها ~~صالحا وان كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا فالاحوال يكون تأثيرها محبوبا لله ~~تارة ومكروها لله اخرى وقد تكلم الفقهاء على وجوب القود على من يقتل غيره ~~في الباطن حيث يجب القود في ذلك ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الامر الكوني ~~ويعدون مجرد خرق العادة لاحدهم بكشف يكشف له أو بتأثير يوافق ارادته هو ~~كرامة من الله له ولا يعلمون انه في الحقيقة اهانة وان الكرامة لزوم ~~الاستقامة وان PageV10P029 الله لم يكرم عبده بكرامة اعظم من موافقته فيما ~~يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة اوليائه ومعاداة اعدائه وهؤلاء ~~هم اولياء الله الذين قال الله فيهم ( الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون ) # فإن كانوا موافقين له فيما اوجبه عليهم فهم من المقتصدين وان كانوا ~~موافقين فيما اوجبه واحبه فهم من المقربين مع ان كل واجب محبوب وليس كل ~~محبوب واجبا واما ما يبتلي الله به عبده من السراء بخرق العادة أو بغيرها ~~أو بالضراء فليس ذلك لاجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه بل قد يسعد ~~بها قوم اذا اطاعوه في ذلك وقد يشقى بها قوم اذا عصوه في ذلك # قال الله تعالى ( فاما الانسان اذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~اكرمن واما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى اهانن كلا ) ولهذا كان ~~الناس في هذه الامور على ( ثلاثة اقسام ( # ( قسم ) ترتفع درجاتهم بخرق العادة اذا استعملوها في طاعة الله # وقوم يتعرضون بها لعذاب الله اذا استعملوها في معصية الله كبلعام وغيره ~~وقوم تكون في حقهم بمنزلة المباحات PageV10P030 # والقسم الاول هم المؤمنون حقا المتبعون لنبيهم سيد ولد آدم ms2887 الذي انما ~~كانت خوارقه لحجة يقيم بها دين الله أو لحاجة يستعين بها على طاعة الله ~~ولكثرة الغلط في هذا الاصل نهى رسول الله عن الاسترسال مع القدر بدون الحرص ~~على فعل المأمور الذي ينفع العبد فروى مسلم في صحيحه عن ابى هريرة قال قال ~~رسول الله ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير ~~احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وان اصابك شيء فلا تقل لو انى ~~فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فان لو تفتح عمل الشيطان ( ~~وفي سنن ابى داود ( ان رجلين اختصما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضي على ~~احدهما فقال المقضى عليه حسبى الله ونعم الوكيل فقال رسول الله ان الله ~~يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فاذا غلبك امر فقل حسبى الله ونعم الوكيل ~~( فأمر النبى صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يحرص على ما ينفعه وأن يستعين ~~بالله وهذا مطابق لقوله تعالى ( اياك نعبد واياك نستعين وقوله تعالى ( ~~فاعبده وتوكل عليه ) فان الحرص على ما ينفع العبد هو طاعة الله وعبادته اذ ~~النافع له هو طاعة الله ولا شيء انفع له من ذلك وكل ما يستعان به على ~~الطاعة فهو طاعة وان كان من جنس المباح # قال النبى في الحديث الصحيح لسعد ( انك لن PageV10P031 تنفق نفقة تبتغي ~~بها وجه الله الا ازددت بها درجة ورفعه حتى اللقمة تضعها في في امرأتك ( ~~فأخبر النبى ان الله يلوم على العجز الذي هو ضد الكيس وهو التفريط فيما ~~يؤمر بفعله فان ذلك ينافى القدرة المقارنة للفعل وان كان لا ينافى القدرة ~~المتقدمة التى هي مناط الامر والنهي # فإن الاستطاعة التى توجب الفعل تكون مقارنة له ولا تصلح الا لمقدورها كما ~~ذكرها الله تعالى في قوله ( ما كانوا يستطيعون السمع ) وفى قوله ( وكانوا ~~لا يستطيعون سمعا ) واما الاستطاعة التى يتعلق بها الامر والنهي فتلك قد ~~يقترن بها الفعل وقد لا يقترن كما في قوله تعالى ms2888 ( ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ) وقول النبى لعمران بن حصين ( صل قائما فان لم تستطع ~~فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنب ( # فهذا الموضع قد انقسم الناس فيه إلى ( اربعة اقسام ( # قوم ينظرون إلى جانب الامر والنهي والعبادة والطاعة شاهدين لالهية الرب ~~سبحانه الذي امروا ان يعبدوه ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر والتوكل ~~والاستعانة وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم ~~لحرمات الله ولشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان لان الاستعانة ~~بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التى تقوى العبد وتيسر عليه ~~الامور PageV10P032 ولهذا قال بعض السلف من سره ان يكون اقوى الناس فليتوكل ~~على الله وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ( ان رسول الله صفته في التوراة ~~انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين انت عبدى ورسولي سميتك ~~المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالاسواق ولا يجزئ بالسيئة السيئة ولكن ~~يجزى بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ولن اقبضه حتى اقيم به الملة العوجاء ~~فأفتح به اعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا بان يقولوا لا اله الا الله ( # ولهذا روى ان حملة العرش انما اطاقوا حمل العرش بقولهم لا حول ولا قوة ~~الا بالله وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ( انها كنز من ~~كنوز الجنة ( قال تعالى ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) وقال تعالى ( ~~الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل ) إلى قوله ( فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين ) ~~وفى صحيح البخارى عن بن عباس رضي الله عنه في قوله ( وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل ) قالها إبراهيم الخليل حين القى في النار وقالها محمد صلى ~~الله عليه وسلم حين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم # و ( قسم ثان ) يشهدون ربوبية الحق وافتقارهم إليه ويستعينون به لكن على ~~اهوائهم واذواقهم غير ناظرين إلى حقيقة امره ونهيه ورضاه وغضبه ومحبته وهذا ~~حال كثير من ms2889 المتفقرة والمتصوفة ولهذا كثيرا PageV10P033 ما يعملون على ~~الاحوال التى يتصرفون بها في الوجود ولا يقصدون ما يرضى الرب ويحبه وكثيرا ~~ما يغلطون فيظنون ان معصيته هي مرضاته فيعودون إلى تعطيل الامر والنهي ~~ويسمون هذا حقيقة ويظنون ان هذه الحقيقة القدرية يجب الاسترسال معها دون ~~مراعاة الحقيقة الأمرية الدينية التى هي تحوى مرضاة الرب ومحبته وامره ~~ونهيه ظاهرا وباطنا # وهؤلاء كثيرا ما يسلبون احوالهم وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق ~~بل كثير منهم يرتد عن الاسلام لان العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند امر الله ~~ونهيه فليس من المتقين فهم يقعون في بعض ما وقع المشركون فيه تارة في بدعة ~~يظنونها شرعة وتارة في الاحتجاج بالقدر على الامر والله تعالى لما ذكر ما ~~ذم به المشركين في سورة الانعام والاعراف ذكر ما ابتدعوه من الدين وجعلوه ~~شرعه كما قال تعالى ( واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~امرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء ) وقد ذمهم على ان حرموا مالم يحرمه ~~الله وان شرعوا مالم يشرعه الله وذكر احتجاجهم بالقدر في قوله تعالى ( وقال ~~الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا اباؤنا ولا حرمنا من شيء ) ونظيرها ~~في النحل ويس والزخرف وهؤلاء يكون فيهم شبه من هذا وهذا # واما ( القسم الثالث ) وهو من اعرض عن عبادة الله واستعانته به فهؤلاء شر ~~الاقسام PageV10P034 # و ( القسم الرابع ) هو القسم المحمود وهو حال الذين حققوا ( اياك نعبد ~~واياك نستعين ) وقوله ( فاعبده وتوكل عليه ) فاستعانوا به على طاعته وشهدوا ~~انه الههم الذي لا يجوز ان يعبد الا اياه بطاعته وطاعة رسوله وانه ربهم ~~الذي ( ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع ) وانه ( ما يفتح الله للناس من رحمة ~~فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) ( وان يمسسك الله بضر فلا ~~كاشف له الا هو وان يردك بخير فلا راد لفضله ) ( قل افرأيتم ما تدعون من ~~دون الله ان ارادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ارادني برحمة ms2890 هل هن ~~ممسكات رحمته ) # ولهذا قال طائفة من العلماء الالتفات إلى الاسباب شرك في التوحيد ومحو ~~الاسباب ان تكون اسبابا نقص في العقل والاعراض عن الاسباب بالكلية قدح في ~~الشرع وانما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع # فقد تبين ان من ظن التوكل من مقامات عامة اهل الطريق فقد غلط غلطا شديدا ~~وان كان من اعيان المشائخ كصاحب ( علل المقامات ( وهو من اجل المشائخ واخذ ~~ذلك عنه صاحب ( محاسن المجالس ( وظهر ضعف حجة من قال ذلك لظنه ان المطلوب ~~به حظ العامة فقط وظنه انه لا فائدة له في تحصيل المقصود وهذه حال من جعل ~~الدعاء كذلك وذلك بمنزلة من جعل الاعمال المأمور بها كذلك كمن اشتغل ~~بالتوكل عن ما يجب عليه من PageV10P035 الاسباب التى هي عبادة وطاعة مأمور ~~بها فان غلط هذا في ترك الاسباب المأمور بها التى هي داخلة في قوله تعالى ( ~~فاعبده وتوكل عليه ) كغلط الاول في ترك التوكل المأمور به الذي هو داخل في ~~قوله تعالى ( فاعبده وتوكل عليه # لكن يقال من كان توكله على الله ودعاؤه له هو في حصول مباحات فهو من ~~العامة وان كان في حصول مستحبات وواجبات فهو من الخاصة كما ان من دعاه ~~وتوكل عليه في حصول محرمات فهو ظالم لنفسه ومن اعرض عن التوكل فهو عاص لله ~~ورسوله بل خارج عن حقيقة الايمان فكيف يكون هذا المقام للخاصة قال الله ~~تعالى ( وقال موسى يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين ~~) وقال تعالى ( ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم ~~من بعده ) وقال تعالى ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وقال تعالى ( قل ~~افرأيتم ما تدعون من دون الله ان ارادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ) إلى ~~قوله ( قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ) # وقد ذكر الله هذه الكلمة ( حسبى الله ) في جلب المنفعة تارة وفى دفع ~~المضرة اخرى ( فالأولى ) في قوله تعالى ( ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ms2891 ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) الآية # و ( الثانية ) في قوله ( الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم ~~PageV10P036 فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) وفى ~~قوله تعالى ( وان يريدوا ان يخدعوك فان حسبك الله هو الذي ايدك بنصره ) ~~وقوله ( ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله ) يتضمن الامر بالرضا والتوكل والرضا والتوكل يكتنفان ~~المقدور فالتوكل قبل وقوعه والرضا بعد وقوعه ولهذا كان النبى يقول في ~~الصلاة ( اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق احيني ما كانت الحياة خيرا ~~لي وتوفنى اذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم انى اسألك خشيتك في الغيب ~~والشهادة واسألك كلمة الحق في الغضب والرضا واسألك القصد في الفقر والغنى ~~واسألك نعيما لا ينفد واسألك قرة عين لا تنقطع اللهم اني اسالك الرضا بعد ~~القضاء واسألك برد العيش بعد الموت واسألك لذة النظر إلى وجهك واسألك الشوق ~~إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان ~~واجعلنا هداة مهتدين ( رواه أحمد والنسائى من حديث عمار بن ياسر # واما ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضا لا حقيقة الرضا ولهذا كان ~~طائفة من المشائخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء فاذا وقع انفسخت ~~عزائمهم كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره كما قال تعالى ( ولقد كنتم تمنون ~~الموت من قبل ان تلقوه فقد رايتموه وأنتم تنظرون ) وقال تعالى ( يا ايها ~~الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا مالا ~~تفعلون ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كانهم بنيان PageV10P037 ~~مرصوص ) نزلت هذه الآية لما قالوا لو علمنا أى الاعمال احب إلى الله ~~لعملناه فانزل الله سبحانه وتعالى آية الجهاد فكرهه من كرهه # ولهذا كره للمرء ان يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه مالا يوجبه الشارع ~~عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك أو يطلب ولاية أو يقدم على بلد فيه طاعون كما ~~ثبت في الصحيحين من ms2892 غير وجه عن النبى انه نهى عن النذر وقال ( انه لا ياتى ~~بخير وانما يستخرج به من البخيل ( وثبت عنه في الصحيحين انة قال لعبد ~~الرحمن بن سمرة ( لا تسأل الامارة فانك ان اعطيتها عن مسألة وكلت اليها وان ~~اعطيتها من غير مسألة اعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها ~~فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك ( وثبت عنة في الصحيحين انة قال في الطاعون ~~( اذا سمعتم بة بأرض فلا تقدموا علية واذا وقع بأرض وأنتم بها فلآ تخرجوا ~~فرارا منة ( وثبت عنة في الصحيحين انة قال ( لا تتمنوا لقاء العدو واسالوا ~~الله العافية ولكن اذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا ان الجنة تحت ظلآل السيوف ~~( وامثال ذلك مما يقتضى ان الإنسان لا ينبغي له ان يسعى فيما يوجب علية ~~اشياء ويحرم علية اشياء فيبخل بالوفاء كما يفعل كثير ممن يعاهد الله عهودا ~~على امور وغالب هؤلآء يبتلون بنقض العهود # ويقتضى ان الانسان إذا ابتلى فعلية ان يصبر ويثبت ولا ينكل حتى يكون من ~~الرجال الموقنين القائمين بالواجبات ولا بد في جميع ذلك من PageV10P038 ~~الصبر ولهذا كان الصبر واجبا باتفاق المسلمين على اداء الواجبات وترك ~~المحظورات ويدخل في ذلك الصبر على المصائب عن ان يجزع فيها والصبر عن اتباع ~~اهواء النفوس فيما نهى الله عنة # وقد ذكر الله الصبر في كتابه في اكثر من تسعين موضعا وقرنه بالصلاة في ~~قوله تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشعين ( ~~واستعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين ( وقوله ( واقم الصلاة طرفى ~~النهار وزلفا من الليل ( إلى قوله ( واصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين ( ~~فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ( فاصبر ان ~~وعد الله حق واستغفر لذنبك ( الآية # وجعل ( الامامة في الدين ( موروثة عن الصبر واليقين بقوله ( وجعلنا هم ~~أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ( فان الدين كله علم ~~بالحق وعمل به والعمل به لا بد فيه من الصبر بل وطلب علمه ms2893 يحتاج إلى الصبر ~~كما قال معاذ بن جبل رضى الله عنه عليكم بالعلم فان طلبه لله عبادة ومعرفته ~~خشية والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ومذاكرته تسبيح به يعرف ~~الله ويعبد وبه يمجد الله ويوحد يرفع الله بالعلم اقواما يجعلهم للناس قادة ~~وائمة يهتدون بهم وينتهون إلى رأيهم # فجعل البحث عن العلم من الجهاد ولا بد في الجهاد من الصبر ولهذا ~~PageV10P039 قال تعالى ( والعصر إن الإنسان لفى خسر الا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ( وقال تعالى ( واذكر عبادنا ~~إبراهيم واسحاق ويعقوب اولى الايدى والأبصار ( # فالعلم النافع هو اصل الهدى والعمل بالحق هو الرشاد وضد الاول الضلال وضد ~~الثانى الغى فالضلال العمل بغير علم والغى اتباع الهوى قال تعالى ( والنجم ~~إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ( فلا ينال الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد ~~الا بالصبر ولهذا قال على ألا ان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ~~فاذا انقطع الرأس بان الجسد ثم رفع صوته فقال ألا لا إيمان لمن لا صبر له # وأما ( الرضا ( فقد تنازع العلماء والمشائخ من اصحاب الامام أحمد وغيرهم ~~في الرضا بالقضاء هل هو واجب أو مستحب على قولين فعلى الأول يكون من أعمال ~~المقتصدين وعلى الثانى يكون من أعمال المقربين قال عمر بن عبد العزيز الرضا ~~عزيز ولكن الصبر معول المؤمن وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ~~لابن عباس ( إن استطعت ان تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل فان لم تستطع ~~فان في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا PageV10P040 ولهذا لم يجئ في القرآن ~~الا مدح الراضين لا ايجاب ذلك وهذا في الرضا بما يفعله الرب بعبده من ~~المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى ( والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس ( وقال تعالى ( أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم ~~مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ( فالبأساء في ~~الأموال والضراء في الأبدان والزلزال في القلوب # وأما ( الرضا بما امر الله به ms2894 ( فأصله واجب وهو من الايمان كما قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا ~~وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا ( وهو من توابع المحبة كما سنذكره ان شاء الله ~~تعالى قال تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ( وقال تعالى ( ولو أنهم ~~رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ( الآية وقال تعالى ( ذلك ~~بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ( وقال تعالى ( وما ~~منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة ~~الا وهم كسالى ولا ينفقون الا وهم كارهون ( # ومن ( النوع الأول ( ما رواه أحمد والترمذى وغيرهما عن سعد عن النبى أنه ~~قال ( من سعادة بن آدم استخارته PageV10P041 لله ورضاه بما قسم الله له ومن ~~شقاوة بن آدم ترك استخارته لله وسخطه بما يقسم الله له ( # وأما ( الرضا بالمنهيات ( من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء ~~يقولون لا يشرع الرضا بها كما لا تشرع محبتها فان الله سبحانه لا يرضاها ~~ولا يحبها وان كان قد قدرها وقضاها كما قال سبحانه ( والله لا يحب الفساد ( ~~وقال تعالى ( ولا يرضى لعباده الكفر ( وقال تعالى ( وهو معهم إذ يبيتون ~~مالا يرضى من القول بل يسخطها كما قال تعالى ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ) ~~الله وكرهوا رضوانه فأحبط اعمالهم ( # وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقا وتسخط من جهة كونها ~~مضافة إلى العبد فعلا وكسبا وهذا القول لا ينافي الذي قبله بل هما يعودان ~~إلى اصل واحد وهو سبحانه انما قدر الأشياء لحكمة فهي باعتبار تلك الحكمة ~~محبوبة مرضية وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة إذ الشيء الواحد يجتمع فيه ~~وصفان يحب من احدهما ويكره من الآخر كما في الحديث الصحيح ( ما ترددت عن ~~شيء انا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا ~~بد له منه ( # وأما من قال بالرضا ms2895 بالقضاء الذى هو وصف الله وفعله لا بالمقضي الذى ~~PageV10P042 هو مفعوله فهو خروج منه عن مقصود الكلام فان الكلام ليس في ~~الرضا فيما يقوم بذات الرب تعالى من صفاته وافعاله وانما الكلام في الرضا ~~بمفعولاته والكلام فيما يتعلق بهذا قد بيناه في غير هذا الموضع # والرضا وان كان من اعمال القلوب فكماله هو الحمد حتى ان بعضهم فسر الحمد ~~بالرضا ولهذا جاء في الكتاب والسنة حمد الله على كل حال وذلك يتضمن الرضا ~~بقضائه وفى الحديث ( اول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله في ~~السراء والضراء ( وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ( انه كان إذا اتاه ~~الأمر يسره قال الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات واذا اتاه الأمر الذى ~~يسوءه قال الحمد لله على كل حال ( وفى مسند الامام أحمد عن ابى موسى ~~الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إذا قبض ولد العبد يقول الله ~~لملائكته اقبضتم ولد عبدى فيقولون نعم فيقول اقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم ~~فيقول ماذا قال عبدى فيقولون حمدك واسترجع فيقول ابنوا لعبدى بيتا في الجنة ~~وسموه بيت الحمد ( ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو صاحب لواء الحمد ~~وامته هم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء والحمد على الضراء ~~يوجبه مشهدان # ( احدهما ( علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك مستحق له لنفسه فانه ~~احسن كل شيء خلقه واتقن كل شيء وهو العليم الحكيم الخبير الرحيم ~~PageV10P043 # و ( الثانى ( علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه ~~كما روى مسلم في صحيحه وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( والذى ~~نفسى بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له وليس ذلك لأحد الا ~~للمؤمن ان اصابته سراء شكر فكان خيرا له وان اصابته ضراء صبر فكان خيرا له ~~( # فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم ان كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذى يصبر ~~على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له قال تعالى ( ان في ذلك ms2896 لايات لكل ~~صبار شكور ( وذكرهما في اربعة مواضع من كتابه # فأما من لا يصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء فلا يلزم ان يكون القضاء ~~خيرا له ولهذا اجيب من اورد هذا على ما يقضى على المؤمن من المعاصى بجوابين # ( احدهما ( ان هذا انما يتناول ما اصاب العبد لا ما فعله العبد كما في ~~قوله تعالى ( ما اصابك من حسنة فمن الله ( أي من سراء ( وما اصابك من سيئة ~~فمن نفسك ( أي من ضراء وكقوله تعالى ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون ) أي بالسراء والضراء كما قال تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ( ~~وقال تعالى ( ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم PageV10P044 سيئة يفرحوا بها ~~( فالحسنات والسيئات يراد بها المسار والمضار ويراد بها الطاعات والمعاصى # ( والجواب الثانى ( ان هذا في حق المؤمن الصبار الشكور والذنوب تنقص ~~الايمان فاذا تاب العبد أحبه الله وقد ترتفع درجته بالتوبة قال بعض السلف ~~كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فمن قضى له بالتوبة كان كما قال ~~سعيد بن جبير أن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار وان العبد ليعمل ~~السيئة فيدخل بها الجنة وذلك انه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه ويعجب بها ~~ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستغفر الله ويتوب إليه منها وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( الاعمال بالخواتيم ( والمؤمن ~~اذا فعل سيئة فان عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب # أن يتوب فيتوب الله عليه فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له أو يستغفر ~~فيغفر له أو يعمل حسنات تمحوها فان الحسنات يذهبن السيئات أو يدعو له ~~اخوانه المؤمنون ويستغفرون له حيا وميتا أو يهدون له من ثواب أعمالهم ما ~~ينفعه الله به أو يشفع فيه نبيه محمد أو يبتليه الله تعالى في الدنيا ~~بمصائب تكفر عنه أو يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه أو يبتليه في ~~عرصات القيامة من اهوالها بما يكفر عنه أو يرحمه ارحم الراحمين PageV10P045 ~~فمن اخطأته هذه العشرة فلا يلومن الا نفسه كما ms2897 قال تعالى فيما يروى عنه ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ( يا عبادى انما هي اعمالكم احصيها لكم ثم أوفيكم ~~اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه ( # فإذا كان المؤمن يعلم أن القضاء خير له اذا كان صبارا شكورا أو كان قد ~~استخار الله وعلم ان من سعادة بن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له ~~كان قد رضى بما هو خير له وفى الحديث الصحيح عن على رضى الله عنه قال ( ان ~~الله يقضى بالقضاء فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط ( ففى هذا الحديث ~~الرضا والاستخارة فالرضا بعد القضاء والاستخارة قبل القضاء وهذا اكمل من ~~الضراء والصبر فلهذا ذكر في ذاك الرضا وفى هذا الصبر # ثم اذا كان القضاء مع الصبر خيرا له فكيف مع الرضا ولهذا جاء في الحديث ( ~~المصاب من حرم الثواب ( في الاثر الذى رواه الشافعي في مسنده ( أن النبى ~~لما مات سمعوا قائلا يقول يا آل بيت رسول الله ان في الله عزاء من كل مصيبة ~~وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا واياه فارجوا فان المصاب ~~من حرم الثواب ( ولهذا لم يؤمر بالحزن المنافى للرضا قط مع انه لا فائدة ~~فيه فقد يكون فيه مضرة لكنه يعفى عنه اذا لم يقترن به ما يكرهه الله ~~PageV10P046 لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب وذلك لا ينافي ~~الرضا بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه وبهذا يعرف معنى قول النبى لما بكى ~~على الميت وقال ( إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عبادة وانما يرحم الله من ~~عباده الرحماء ( فان هذا ليس كبكاء من يبكى لحظه لا لرحمة الميت فان الفضيل ~~بن عياض لما مات ابنه على فضحك وقال رأيت ان الله قد قضى فأحببت ان ارضى ~~بما قضى الله به حاله حال حسن بالنسبة إلى اهل الجزع واما رحمة الميت مع ~~الرضا بالقضاء وحمد الله تعالى كحال النبى فهذا اكمل كما قال ms2898 تعالى ( ثم ~~كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ( فذكر سبحانه التواصى ~~بالصبر والمرحمة # والناس ( أربعة أقسام ( منهم من يكون فيه صبر بقسوة ومنهم من يكون فيه ~~رحمة بجزع ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع والمؤمن المحمود الذى يصبر على ~~ما يصيبه ويرحم الناس # وقد ظن طائفة من المصنفين في هذا الباب ان الرضا عن الله من توابع المحبة ~~له وهذا انما يتوجه على ( المأخذ الأول ( وهو الرضا عنه لاستحقاقه ذلك ~~بنفسه مع قطع العبد النظر عن حظه بخلاف ( المأخذ الثانى ( وهو الرضا لعلمه ~~بأن المقضى خير له ثم ان المحبة متعلقة به والرضا متعلق بقضائه لكن قد يقال ~~في تقرير ما قال هذا المصنف ونحوه إن المحبة لله نوعان PageV10P047 محبة له ~~نفسه ومحبة له لما فيه من الاحسان وكذلك الحمد له نوعان حمد له على ما ~~يستحقه نفسه وحمد على احسانه إلى عبده فالنوعان للرضا كالنوعين للمحبة # واما الرضا به وبدينه وبرسوله فذلك من حظ المحبة ولهذا ذكر النبى صلى ~~الله عليه وسلم ذوق طعم الايمان كما ذكر في المحبة وجود حلاوة الايمان ~~وهذان الحديثان الصحيحان هما اصل فيما يذكر من الوجد والذوق الايمانى ~~الشرعى دون الضلالى البدعى ففى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا ( وفى ~~الصحيحين عن النبى انه قال ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان أن يكون ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن ~~كان يكره أن يرجع في الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره ان يلقى في ~~النار ( وهذا مما يبين من الكلام على المحبة فنقول ### ||| فصل # محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الايمان وأكبر اصوله وأجل ~~قواعده بل هي اصل كل عمل من اعمال الايمان والدين كما ان PageV10P048 ~~التصديق به اصل كل قول من أقوال الايمان والدين فان كل حركة في الوجود انما ~~تصدر ms2899 عن محبة إما عن محبة محمودة أو عن محبة مذمومة كما قد بسطنا ذلك في ( ~~قاعدة المحبة ( من القواعد الكبار # فجميع الاعمال الايمانية الدينية لا تصدر الا عن المحبة المحمودة وأصل ~~المحبة المحمودة هي محبة الله سبحانه وتعالى إذ العمل الصادر عن محبة ~~مذمومة عند الله لا يكون عملا صالحا بل جميع الاعمال الايمانية الدينية لا ~~تصدر إلا عن محبة الله فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما اريد به ~~وجهه كما ثبت في الصحيح عن النبى انه قال ( يقول الله تعالى أنا أغنى ~~الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا فأشرك فيه غيرى فانا منه بريء وهو كله للذى ~~أشرك ( وثبت في الصحيح حديث الثلاثة الذين هم اول من تسعر بهم النار ( ~~القارئ المرائى والمجاهد المرائى والمتصدق المرائى ( # بل اخلاص الدين لله هو الدين الذى لا يقبل الله سواه وهو الذى بعث به ~~الأولين والأخرين من الرسل وأنزل به جميع الكتب واتفق عليه أئمة اهل ~~الايمان وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القرآن الذى تدور عليه رحاه # قال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم انا انزلنا اليك الكتاب ~~بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين الا لله الدين الخالص ( والسورة كلها ~~عامتها في هذا المعنى كقوله ( قل انى امرت ان أعبد الله مخلصا له الدين ~~وامرت لان اكون اول المسلمين ( إلى قوله PageV10P049 ( قل الله أعبد مخلصا ~~له دينى ( إلى قوله ( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ( إلى ~~قوله ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله ان ارادنى الله بضر هل هن كاشفات ~~ضره ( الآية إلى قوله ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل اولو كانوا لا ~~يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم ~~إليه ترجعون واذ ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون ( إلى قوله ( قل افغير الله تأمرونى ~~اعبد ايها الجاهلون ( إلى قوله ( بل الله فاعبد وكن من ms2900 الشاكرين ( # وقال تعالى فيما قصه من قصة آدم وابليس انه قال ( فبعزتك لاغوينهم اجمعين ~~الا عبادك منهم المخلصين ( وقال تعالى ( ان عبادى ليس لك عليهم سلطان الا ~~من اتبعك من الغاوين ( وقال ( انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ( فبين ان ~~سلطان الشيطان واغواءه انما هو لغير المخلصين ولهذا قال في قصة يوسف ( كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين ( واتباع الشيطان هم ~~اصحاب النار كما قال تعالى ( لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين ( # وقد قال سبحانه ( إن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~( وهذه الآية في حق من لم يتب ولهذا خصص الشرك وقيد ما PageV10P050 سواه ~~بالمشيئة فأخبر انه لا يغفر الشرك لمن لم يتب منه ومادونه يغفره لمن يشاء ~~واما قوله ( قل ياعبادى الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا ( فتلك في حق التائبين ولهذا عم واطلق وسياق الآية ~~يبين ذلك مع سبب نزولها # وقد اخبر سبحانه ان الآولين والآخرين انما امروا بذلك في غير موضع ~~كالسورة التى قرأها النبى على ابى لما امره الله تعالى ان يقرأ عليه قراءة ~~إبلاغ وإسماع بخصوصه فقال ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ( الآية # وهذا حقيقة قول لا اله إلا الله وبذلك بعث جميع الرسل قال الله تعالى ( ~~وما ارسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه انه لا إله إلا انا فاعبدون ( ~~وقال ( واسأل من ارسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ~~( وقال تعالى ( ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت ( # وجميع الرسل افتتحوا دعوتهم بهذا الاصل كما قال نوح عليه السلام ( اعبدوا ~~الله ما لكم من اله غيره ( وكذلك هود وصالح وشعيب عليهم السلام وغيرهم كل ~~يقول ( اعبدوا الله ms2901 مالكم من اله غيره ( لاسيما افضل PageV10P051 الرسل ~~الذين اتخذ الله كلاهما خليلا إبراهيم ومحمدا عليهما السلام فان هذا الاصل ~~بينه الله بهما وأيدهما فيه ونشره بهما فابراهيم هو الإمام الذى قال الله ~~فيه ( انى جاعلك للناس اماما ( وفى ذريته جعل النبوة والكتاب والرسل فأهل ~~هذه النبوة والرسالة هم من آله الذين بارك الله عليهم قال سبحانه ( واذ قال ~~إبراهيم لأبيه وقومه اننى براء مما تعبدون الا الذى فطرني فانه سيهدين ~~وجعلها كلمة باقية في عقبة لعلهم يرجعون ( # فهذه الكلمة هي كلمة الاخلاص لله وهى البراءة من كل معبود الامن الخالق ~~الذى فطرنا كما قال صاحب يس ( وما لي لا اعبد الذى فطرنى واليه ترجعون ~~أأتخذ من دونه آلهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ~~انى إذا لفى ضلال مبين ( وقال تعالى في قصته بعد ان ذكر ما يبين ضلال من ~~اتخذ بعض الكواكب ربا يعبده من دون الله قال ( فلما افلت قال ياقوم انى ~~بريء مما تشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفا وما انا من ~~المشركين ( إلى قوله ( ولا تخافون انكم اشركتم بالله مالم ينزل به عليكم ~~سلطانا ( وقال إبراهيم الخليل عليه السلام ( افرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون فانهم عدو لي الا رب العالمين الذى خلقنى فهو يهدين والذى ~~هو يطعمني ويسقين واذا مرضت فهو يشفين والذى يميتنى ثم يحيين ( وقال تعالى ~~( قد كانت لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا PageV10P052 ~~لقومهم انا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ( الآية # ونبينا صلى الله عليه وسلم هو الذى اقام الله به الدين الخالص لله دين ~~التوحيد وقمع به المشركين من كان مشركا في الأصل ومن الذين كفروا من اهل ~~الكتب وقال فيما رواه الامام أحمد وغيره ( بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى ~~يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحى وجعل الذلة والصغار على ~~من خالف امرى ومن تشبه بقوم فهو منهم ( وقد ms2902 تقدم بعض ما انزل الله عليه من ~~الآيات المتضمنة للتوحيد # وقال تعالى ايضا ( والصافات صفا ( إلى قوله ( ان الهكم لواحد ( إلى قوله ~~( انهم كانوا اذا قيل لهم لا اله الا الله يستكبرون ويقولون ائنا لتاركوا ~~الهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين ( إلى قوله ( اولئك لهم رزق ~~معلوم فواكه وهم مكرمون ( إلى ما ذكره من قصص الأنبياء في التوحيد واخلاص ~~الدين لله إلى قوله ( سبحان الله عما يصفون الا عباد الله المخلصين ( وقال ~~تعالى ( ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا الا ~~الذين تابوا واصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين ~~وسوف يؤتى الله المؤمنين اجرا عظيما ( # وفى الجملة فهذا الأصل في سورة الأنعام والأعراف والنور وآل طسم ~~PageV10P053 وآل حم وآل المر وسور المفصل وغير ذلك من السور المكية ومواضع ~~من السور المدنية كثير ظاهر فهو اصل الأصول وقاعدة الدين حتى في سورتى ~~الاخلاص ( قل يا ايها الكافرون ( وقل هو الله أحد ( وهاتان السورتان كان ~~النبى يقرأ بهما في صلاة التطوع كركعتى الطواف وسنة الفجر وهما متضمنتان ~~للتوحيد # فاما ( قل يا ايها الكافرون ( فهي متضمنة للتوحيد العملى الأرادى وهو ~~إخلاص الدين لله بالقصد والارادة وهو الذى يتكلم به مشايخ التصوف غالبا ~~واما سورة ( قل هو الله أحد ( فمتضمنة للتوحيد القولى العملى كما ثبت في ~~الصحيحين عن عائشة ( ان رجلا كان يقرأ قل هو الله أحد في صلاته فقال النبى ~~سلوه لم يفعل ذلك فقال لانها صفة الرحمن فانا احب ان اقرأ بها فقال اخبروه ~~ان الله يحبه ( # ولهذا تضمنت هذه السورة من وصف الله سبحانة وتعالى الذى ينفى قول اهل ~~التعطيل وقول اهل التمثيل ما صارت به هي الأصل المعتمد في مسائل الذات كما ~~قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وذكرنا اعتماد الأئمة عليها مع ما تضمنته ~~من تفسير الأحد الصمد كما جاء تفسيره عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعين وما دل على ذلك من الدلائل # لكن المقصود هنا هو ms2903 ( التوحيد العملى ( وهو اخلاص الدين لله وان ~~PageV10P054 كان أحد النوعين مرتبطا بالأخر فلا يوجد أحد من اهل التعطيل ~~الجهمية وأهل التمثيل المشبهة الا وفيه نوع من الشرك العملى اذ اصل قولهم ~~فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه أو بينه وبين المعدومات كما يسوى ~~المعطلة بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التى لا تستلزم مدحا ولا ~~ثبوت كمال أو يسوون بينه وبين الناقص من الموجودات في صفات النقص وكما ~~يسوون اذا اثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة بينه وبين المخلوقات في حقائقها ~~حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له اندادا ويسوون المخلوقات برب ~~العالمين # واليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله ~~بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التى يجب تنزيهه عنها وهى من ~~صفات خلقه والنصارى كثيرا ما يعدلون المخلوق بالخالق حتى يجعلوا في ~~المخلوقات من نعوت الربوبية وصفات الالهية ويجوزون له مالا يصلح الا للخالق ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # والله سبحانه وتعالى قد امرنا ان نسأله ان يهدينا الصراط المستقيم صراط ~~الذين انعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين وقد قال النبى ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( ~~وفى هذه الأمة من فيه شبه من هؤلاء وهؤلاء كما قال النبى ( لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو PageV10P055 دخلوا جحر ضب لدخلتموه ~~قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن ( والحديث في الصحيحين # فاذا كان اصل العمل الدينى هو اخلاص الدين لله وهو ارادة الله وحده ~~فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته وهذا كمال المحبة لكن اكثر ما جاء ~~المطلوب مسمى باسم العبادة كقوله ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ( ~~وقوله ( يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم ( وامثال ~~هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته فالمحبوب الذى لا ~~يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا والمعظم الذى لا يحب لا يكون معبودا ولهذا ~~قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ ms2904 من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا اشد حبا لله ( فبين سبحانه ان المشركين بربهم الذين يتخذون من دون ~~الله اندادا وان كانوا يحبونهم كما يحبون الله فالذين آمنوا اشد حبا لله ~~منهم لله ولأوثانهم لأن المؤمنين اعلم بالله والحب يتبع العلم ولأن ~~المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده واولئك جعلوا بعض حبهم لغيره واشركوا ~~بينه وبين الأنداد في الحب ومعلوم أن ذلك اكمل قال تعالى ( ضرب الله مثلا ~~رجلا فيه شركاء متشا كسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل ~~اكثرهم لا يعلمون ( # واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فان المؤمن يحب الله ويحب رسله وانبياءه ~~وعباده المؤمنين وان كان ذلك من محبة الله وان كانت المحبة التى لله ~~PageV10P056 لا يستحقها غيره ولهذا جاءت محبة الله سبحانه وتعالى مذكورة ~~بما يختص به سبحانه من العبادة والانابة إليه والتبتل له ونحو ذلك فكل هذه ~~الاسماء تتضمن محبة الله سبحانه وتعالى # ثم انه كما بين ان محبته اصل الدين فقد بين ان كمال الدين بكمالها ونقصه ~~بنقصها فان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( رأس الأمر الاسلام وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ( فاخبر ان الجهاد ذروة سنام العمل ~~وهو اعلاه واشرفه وقد قال تعالى ( اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ( إلى ~~قوله ( اجر عظيم ( والنصوص في فضائل الجهاد واهله كثيره # وقد ثبت انه افضل ما تطوع به العبد والجهاد دليل المحبة الكاملة قال ~~تعالى ( قل ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم ( الآية ~~وقال تعالى في صفة المحبين المحبوبين ( يا أيها الذين أمنوا من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين اعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ( فوصف المحبوبين ~~المحبين بأنهم اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين وانهم يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم PageV10P057 فإن المحبة مستلزمة للجهاد لأن ms2905 ~~المحب يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغض محبوبه ويوالى من يواليه ويعادي من ~~يعاديه ويرضى لرضاه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما ينهى عنه فهو ~~موافق له في ذلك وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم ويغضب لغضبهم إذ هم انما ~~يرضون لرضاه ويغضبون لما يغضب له كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى ~~بكر في طائفة فيهم صهيب وبلال ( لعلك أغضبتهم لأن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ~~ربك فقال لهم يا إخوتى هل أغضبتكم قالوا لا يغفر الله لك يا أبا بكر ( وكان ~~قد مر بهم أبو سفيان بن حرب فقالوا ما اخذت السيوف من عدو الله مأخذها فقال ~~لهم أبو بكر اتقولون هذا لسيد قريش وذكر أبو بكر ذلك للنبى فقال له ما تقدم ~~لأن اولئك إنما قالوا ذلك غضبا لله لكمال ما عندهم من الموالاة لله ورسوله ~~والمعاداة لأعداء الله ورسوله # ولهذا قال النبى في الحديث الصحيح فيما يروى عن ربه ( لا يزال عبدى يتقرب ~~إلى بالنوافل حتى احبه فإذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر ~~به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبي يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى ~~يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء انا فاعله ~~ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وانا اكره مساءته ولا بد له منه ( ~~فبين سبحانه انه يتردد لأن التردد تعارض إرادتين وهو سبحانه يحب ما يحب ~~عبده PageV10P058 ويكره ما يكرهه وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال وانا ~~اكره مساءته وهو سبحانه قد قضى بالموت فهو يريد ان يموت فسمى ذلك ترددا ثم ~~بين انه لا بد من وقوع ذلك # وهذا اتفاق واتحاد في المحبوب المرضى المأمور به والمبغض المكروه المنهى ~~عنه وقد يقال له اتحاد نوعى وصفى وليس ذلك اتحاد الذاتين فان ذلك محال ~~ممتنع والقائل به كافر وهو قول النصارى والغالية من الرافضة والنساك ~~كالحلاجية ونحوهم وهو ( الاتحاد المقيد ( في شيء بعينه # واما ms2906 ( الاتحاد المطلق ( الذى هو قول اهل وحدة الوجود الذين يزعمون ان ~~وجود المخلوق هو عين وجود الخالق فهذا تعطيل للصانع وجحود له وهو جامع لكل ~~شرك فكما ان الاتحاد نوعان فكذلك الحلول نوعان قوم يقولون بالحلول المقيد ~~في بعض الأشخاص وقوم يقولون بحلوله في كل شيء وهم الجهمية الذين يقولون ان ~~ذات الله في كل مكان # وقد يقع لبعض المصطلمين من اهل الفناء في المحبة ان يغيب بمحبوبه عن نفسه ~~وحبه ويغيب بمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته وبموجوده عن وجوده حتى لا ~~يشهد الا محبوبه فيظن في زوال تمييزه ونقص عقله وسكره انه هو محبوبه كما ~~قيل ان محبوبا وقع في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال PageV10P059 انا ~~وقعت فأنت ما الذى اوقعك فقال غبت بك عنى فظننت انك انى فلا ريب ان هذا خطأ ~~وضلال # لكن ان كان هذا لقوة المحبة والذكر من غير ان يحصل عن سبب محظور زال به ~~عقله كان معذورا في زوال عقله فلا يكون مؤاخذا بما يصدر منه من الكلام في ~~هذه الحال التى زال فيها عقله بغير سبب محظور كما قيل في عقلاء المجانين ~~إنهم قوم آتاهم الله عقولا واحوالا فسلب عقولهم وابقى احوالهم وأسقط ما فرض ~~بما سلب # واما اذا كان السبب الذى به زوال العقل محظورا لم يكن السكران معذورا وان ~~كان لا يحكم بكفره في اصح القولين كما لا يقع طلاقة في اصح القولين وان كان ~~النزاع في الحكم مشهورا وقد بسطنا الكلام في هذا وفيمن يسلم له حاله ومن لا ~~يسلم في ( قاعدة ( ذلك # وبكل حال فالفناء الذى يفضى بصاحبه إلى مثل هذا حال ناقص وإن كان صاحبه ~~غير مكلف ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة الذين هم افضل هذه الأمة ولا عن ~~نبينا محمد وهو افضل الرسل وإن كان لهؤلاء في صعق موسى نوع تعلق وإنما حدث ~~زوال العقل عند الواردات الالهية على بعض التابعين ومن بعدهم وأن كانت ~~المحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ms2907 ومكروهه وولايته وعداوته ~~فمن المعلوم ان من PageV10P060 احب الله المحبة الواجبة فلا بد ان يبغض ~~اعداءه ولا بد ان يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى ( إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ( # والمحب التام لا يؤثر فيه لوم اللأئم وعذل العاذل بل ذلك يغريه بملازمة ~~المحبة كما قد قال اكثر الشعراء في ذلك وهؤلاء هم اهل الملام المحمود وهم ~~الذين لا يخافون من يلومهم على ما يحب الله ويرضاه من جهاد اعدائه فان ~~الملام على ذلك كثير واما الملام على فعل ما يكرهه الله أو ترك ما احبه فهو ~~لوم بحق وليس من المحمود الصبر على هذا الملام بل الرجوع إلى الحق خير من ~~التمادى في الباطل وبهذا يحصل الفرق بين ( الملامية ( الذين يفعلون ما يحبه ~~الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك وبين ( الملامية ( الذين يفعلون ~~ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام في ذلك ### ||| فصل # وإذا كانت المحبة اصل كل عمل دينى فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ~~ويرجع اليها فان الراجى الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه والخائف ~~يفر من الخوف لينال المحبوب قال تعالى ( اولئك الذين يدعون PageV10P061 ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة ايهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ( الآية ~~وقال ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله اولئك يرجون ~~رحمة الله ( # و ( رحمته ( اسم جامع لكل خير ( وعذابه ( اسم جامع لكل شر ودار الرحمة ~~الخالصة هي الجنة ودار العذاب الخالص هي النار واما الدنيا فدار امتزاج ~~فالرجاء وإن تعلق بدخول الجنة فالجنة اسم جامع لكل نعيم واعلاه النظر إلى ~~وجه الله كما في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن ابى ليلى عن صهيب عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال ( اذا دخل اهل الجنة الجنة نادى مناد يا اهل الجنة ان ~~لكم عند الله موعدا يريد ان ينجزكموه فيقولون ما هو الم يبيض وجوهنا الم ~~يثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون ~~إليه ms2908 فما اعطاهم شيئا احب اليهم من النظر إليه ( وهو الزيادة # ومن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول من قال ما عبدتك شوقا إلى جنتك ولا ~~خوفا من نارك وانما عبدتك شوقا إلى رؤيتك فان هذا القائل ظن هو ومن تابعه ~~ان الجنة لا يدخل في مسماها الا الأكل والشرب واللباس والنكاح والسماع ونحو ~~ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات كما يوافقه على ذلك من ينكر رؤية الله من ~~الجهمية أو من يقر بها ويزعم انه لا تمتع بنفس رؤية الله كما يقوله طائفة ~~من المتفقهة فهؤلاء متفقون على ان مسمى الجنة والآخرة PageV10P062 لا يدخل ~~فيه الا التمتع بالمخلوقات ولهذا قال بعض من غلط من المشائخ لما سمع قوله ( ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ( قال فأين من يريد الله وقال ~~آخر في قوله تعالى ( ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم ~~الجنة ( قال اذا كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر إليه وكل هذا ~~لظنهم ان الجنة لا يدخل فيها النظر # و ( التحقيق ( ان الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم واعلى ما فيها النظر ~~إلى وجه الله وهو من النعيم الذى ينالونه في الجنة كما اخبرت به النصوص ~~وكذلك اهل النار فانهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار مع ان قائل هذا القول ~~اذا كان عارفا بما يقول فانما قصده انك لو لم تخلق نارا أو لو لم تخلق جنة ~~لكان يجب ان تعبد ويجب التقرب اليك والنظر اليك ومقصوده بالجنة هنا ما ~~يتمتع فيه المخلوق # واما عمل الحى بغير حب ولا ارادة اصلا فهذا ممتنع وان تخيله بعض الغالطين ~~من النساك وظن ان كمال العبد ان لا تبقى له ارادة اصلا فذاك لانه تكلم في ~~حال الفناء والفانى الذى يشتغل بمحبوبه له ارادة ومحبة ولكن لا يشعر بها ~~فوجود المحبة شيء والارادة شيء والشعور بها شيء آخر فلما لم يشعروا بها ~~ظنوا انتفاءها وهو غلط فالعبد لا يتصور ان يتحرك قط إلا عن حب وبغض وارادة ~~ولهذا قال ms2909 النبى صلى الله عليه وسلم ( اصدق الاسماء حارث وهمام ( فكل انسان ~~له حرث وهو العمل وله هم وهو اصل PageV10P063 الارادة ولكن تارة يقوم ~~بالقلب من محبة الله ما يدعوه إلى طاعته ومن اجلاله والحياء منه ما ينهاه ~~عن معصيته كما قال عمر رضى الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ~~أي هو لم يعصه ولو لم يخفه فكيف اذا خافه فان اجلاله واكرامه لله يمنعه من ~~معصيته # فالراجى الخائف اذا تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب باحتجاب الرب عنه والتنعم ~~بتجليه له فمعلوم ان هذا من توابع محبته له فالمحبة هي التى اوجبت محبة ~~التجلى والخوف من الاحتجاب وان تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب بمخلوق والتنعم به ~~فهذا انما يطلب ذلك بعبادة الله المستلزمة محبته ثم اذا وجد حلاوة محبة ~~الله وجدها احلى من كل محبة ولهذا يكون اشتغال اهل الجنة بذلك اعظم من كل ~~شيء كما في الحديث ( إن اهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس ( وهو ~~يبين غاية تنعمهم بذكر الله ومحبته فالخوف من التعذب بمخلوق والرجاء له ~~يسوقه إلى محبة الله التى هي الأصل وهذا كله ينبنى على ( اصل المحبة ( ~~فيقال قد نطق الكتاب والسنة بذكر محبة العباد المؤمنين كما في قوله ( ~~والذين آمنوا اشد حبا لله ( وقوله تعالى ( يحبهم ويحبونه ( وقوله تعالى ( ~~احب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ( وفى الصحيحين عن النبى انه قال ~~( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان ان يكون الله ورسوله احب إليه مما ~~سواهما وأن يحب المرء لا يحبه الا لله وان يكره أن يرجع في الكفر بعد اذ ~~انقذه الله منه كما يكره ان يلقى في النار PageV10P064 بل محبة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجبت لمحبة الله كما في قوله تعالى ( أحب اليكم من الله ~~ورسوله ( وكما في الصحيحين عن النبى انه قال والذى نفسى بيده لا يؤمن احدكم ~~حتى اكون احب إليه من ولده ووالده والناس اجمعين ( وفى صحيح البخارى عن عمر ~~بن الخطاب انه ms2910 قال والله يارسول الله لانت احب إلى من كل شيء الا من نفسى ~~فقال لا ياعمر حتى اكون احب اليك من نفسك فقال والله لانت احب إلى من نفسى ~~قال الآن يا عمر ( # وكذلك محبة صحابته وقرابته كما في الصحيح عن النبى انه قال ( آية الايمان ~~حب الأنصار وآية النفاق بغض الانصار ( وقال ( لا يبغض الانصار رجل يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ( وقال على رضى الله عنه ( انه لعهد النبى الأمي إلي ~~انه لا يحبنى الا مؤمن ولا يبغضنى الا منافق ( وفى السنن انه قال للعباس ( ~~والذى نفسى بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتى ( يعنى بنى هاشم ~~وقد روى حديث عن بن عباس مرفوعا انه قال ( احبوا الله لما يغذوكم به من ~~نعمه واحبونى بحب الله واحبوا اهل بيتى لاجلى ( # واما محبة الرب سبحانه لعبده فقال تعالى ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ( ~~وقال تعالى ( يحبهم ويحبونه ( وقال تعالى ( واحسنوا ان الله يحب المحسنين ( ~~واقسطوا ان الله يحب المقسطين ( فاتموا اليهم عهدهم إلى PageV10P065 مدتهم ~~ان الله يحب المتقين ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب المتقين ~~( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ( بلى من اوفى ~~بعهده واتقى فان الله يحب المتقين ( # واما الأعمال التى يحبها الله من الواجبات والمستحبات الظاهرة والباطنة ~~فكثيرة معروفة وكذلك حبه لأهلها وهم المؤمنون أولياء الله المتقون # وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة والذى عليه سلف الأمة وأئمتها ~~واهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين المتبعون وائمة التصوف ان الله ~~سبحانه محبوب لذاته محبة حقيقية بل هي اكمل محبة فانها كما قال تعالى ( ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ( وكذلك هو سبحانه يحب عباده المؤمنين محبة ~~حقيقية # وانكرت الجهمية حقيقة المحبة من الطرفين زعما منهم ان المحبة لا تكون الا ~~لمناسبة بين المحب والمحبوب وانه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة ~~وكان اول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم في اوائل المائة ~~الثانية فضحى به خالد بن ms2911 عبد الله القسرى امير العراق والمشرق بواسط خطب ~~الناس يوم الأضحى فقال ايها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد ~~بن درهم انه زعم ان الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم PageV10P066 موسى ~~تكليما ثم نزل فذبحه وكان قد اخذ هذا المذهب عنه الجهم بن صفوان فأظهره ~~وناظر عليه واليه اضيف قول الجهمية فقتله سلم بن احوز امير خراسان بها ثم ~~انتقل ذلك إلى المعتزلة اتباع عمرو بن عبيد وظهر قولهم اثناء خلافة المأمون ~~حتى امتحن ائمة الاسلام ودعوا إلى الموافقة لهم على ذلك # واصل قولهم هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ~~ومبتدعة اهل الكتاب الذين يزعمون ان الرب ليس له صفة ثبوتية اصلا وهؤلاء هم ~~اعداء إبراهيم الخليل عليه السلام وهم يعبدون الكواكب ويبنون الهياكل ~~للعقول والنجوم وغيرها وهم ينكرون في الحقيقة ان يكون إبراهيم خليلا وموسى ~~كليما لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب كما قيل # قد تخللت مسلك الروح منى %~% وبذا سمى الخليل خليلا # ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيح عن ابى ~~سعيد عن النبى انه قال ( لو كنت متخذا من اهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ( يعنى نفسه وفى رواية ( انى أبرأ إلى كل خليل ~~من خلته ولو كنت متخذا من اهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا ( وفى ~~رواية ( ان الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم PageV10P067 خليلا ( فبين ~~انه لا يصلح له ان يتخذ من المخلوقين خليلا وانه لو امكن ذلك لكان احق ~~الناس بها أبو بكر الصديق رضى الله عنه # مع انه صلى الله عليه وسلم قد وصف نفسه بانه يحب اشخاصا كما قال لمعاذ ( ~~والله انى لأحبك ( وكذلك قوله للانصار وكان زيد بن حارثة حب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكذلك ابنه اسامة حبه وامثال ذلك وقال له عمرو بن العاص ( ~~أى الناس احب اليك قال عائشة قال فمن الرجال قال ابوها ( وقال لفاطمة ابنته ~~رضى الله عنها ( ألا تحبين ما احب قالت ms2912 بلى قال فأحبى عائشة ( وقال للحسن ( ~~اللهم انى احبه فأحبه وأحب من يحبه ( وامثال هذا كثير # فوصف نفسه بمحبة اشخاص وقال ( انى ابرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت ~~متخذا من اهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا فعلم أن الخلة اخص من مطلق ~~المحبة بحيث هي من كمالها وتخللها المحب حتى يكون المحبوب بها محبوبا لذاته ~~لا لشيء آخر إذ المحبوب لشيء غيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير ومن كمالها ~~لا تقبل الشركة والمزاحمة لتخللها المحب ففيها كمال التوحيد وكمال الحب ~~فالخلة تنافي المزاحمة وتقدم الغير بحيث يكون المحبوب محبوبا لذاته ~~PageV10P068 محبة لا يزاحمه فيها غيره وهذه محبه لا تصلح الا لله فلا يجوز ~~ان يشركه غيره فيما يستحقه من المحبة وهو محبوب لذاته وكل ما يحب غيره إذا ~~كان محبوبا بحق فانما يحب لاجله وكل ما احب لغيره فمحبته باطلة فالدنيا ~~ملعونة ملعون ما فيها الا ما كان لله تعالى واذا كانت الخلة كذلك فمن ~~المعلوم ان من انكر ان يكون الله محبوبا لذاته ينكر مخاللته وكذلك ايضا ان ~~انكر محبته لاحد من عباده فهو ينكر ان يتخذه خليلا بحيث يحب الرب ويحبه ~~العبد على اكمل ما يصلح للعباد # وكذلك تكليمه لموسى انكروه لانكارهم ان تقوم به صفة من الصفات أو فعل من ~~الافعال فكما ينكرون ان يتصف بحياة أو قدرة أو علم أو ان يستوى أو أن يجيء ~~فكذلك ينكرون ان يتكلم أو يكلم فهذا حقيقة قولهم ( كذلك قال الذين من قبلهم ~~مثل قولهم تشابهت قلوبهم ( # لكن لما كان الاسلام ظاهرا والقرآن متلوا لا يمكن جحده لمن اظهر الاسلام ~~اخذوا يلحدون في اسماء الله ويحرفون الكلم عن مواضعه فتأولوا محبة العباد ~~له بمجرد محبتهم لطاعته أو التقرب إليه وهذا جهل عظيم فان محبة المتقرب إلى ~~المتقرب إليه تابع لمحبته وفرع عليه فمن لا يحب الشيء لا يمكن أن يحب ~~التقرب إليه إذ التقرب وسيلة ومحبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود فيمتنع ان ~~تكون الوسيلة إلى ms2913 الشيء المحبوب هي المحبوب دون الشيء المقصود بالوسيلة ~~PageV10P069 وكذلك ( العبادة والطاعة ( اذا قيل في المطاع المعبود ان هذا ~~يحب طاعته وعبادته فان محبته ذلك تبع لمحبته والا فمن لا يحب لا يحب طاعته ~~وعبادته ومن كان لا يعمل لغيره الا لعوض يناله منه أو لدفع عقوبة فانه يكون ~~معاوضا له أو مفتديا منه لا يكون محبا له ولا يقال ان هذا يحبه ويفسر ذلك ~~بمحبة طاعته وعبادته فان محبة المقصود وان استلزمت محبة الوسيلة أو غير ~~محبة الوسيلة فان ذلك يقتضى ان يعبر بلفظين محبة العوض والسلامة عن محبة ~~العمل أما محبة الله فلا تعلق لها بمجرد محبة العوض ألا ترى ان من استأجر ~~اجيرا بعوض لا يقال ان الاجير يحبه بمجرد ذلك بل قد يستأجر الرجل من لا ~~يحبه بحال بل من يبغضه وكذلك من افتدى نفسه بعمل من عذاب معذب لا يقال انه ~~يحبه بل يكون مبغضا له فعلم ان ما وصف الله به عباده المؤمنين من انهم ~~يحبونه يمتنع ان لا يكون معناه الا مجرد محبة العمل الذى ينالون به بعض ~~الأغراض المخلوقة من غير ان يكون ربهم محبوبا اصلا # وايضا فلفظ ( العبادة ( متضمن للمحبة مع الذل كما تقدم ولهذا كانت محبة ~~القلب للبشر على طبقات # احدها ( العلاقة ( وهو تعلق القلب بالمحبوب ثم ( الصبابة ( وهو انصباب ~~القلب إليه ثم ( الغرام ( وهو الحب اللازم ثم ( العشق ( وآخر PageV10P070 ~~المراتب هو ( التتيم ( وهو التعبد للمحبوب والمتيم المعبود وتيم الله عبد ~~الله فان المحب يبقى ذاكرا معبدا مذللا لمحبوبه # و ( ايضا ( فاسم الانابة إليه يقتضى المحبة ايضا وما اشبه ذلك من الاسماء ~~كما تقدم # و ( ايضا ( فلو كان هذا الذى قالوه حقا من كون ذلك مجازا لما فيه من ~~الحذف والاضمار فالمجاز لا يطلق إلا بقرينه تبين المراد ومعلوم ان ليس في ~~كتاب الله وسنة رسوله ما ينفى ان يكون الله محبوبا وان لا يكون المحبوب إلا ~~الاعمال لا في الدلالة المتصلة ولا المنفصلة بل ولا في العقل ايضا و ( ايضا ms2914 ~~( فمن علامات المجاز صحة إطلاق نفيه فيجب ان يصح اطلاق القول بان الله لا ~~يحب ولا يحب كما اطلق امامهم الجعد بن درهم ان الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم يكلم موسى تكليما ومعلوم ان هذا ممتنع باجماع المسلمين فعلم دلالة ~~الاجماع على أن هذا ليس مجازا بل هي حقيقة # و ( ايضا ( فقد فرق بين محبته ومحبة العمل له في قوله تعالى ( احب اليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله ( كما فرق بين محبته ومحبة رسوله في قوله ~~تعالى ( احب اليكم من الله ورسوله ( فلو كان المراد بمحبته ليس الا محبة ~~العمل لكان هذا تكريرا أو من باب عطف الخاص على العام وكلاهما على خلاف ~~ظاهر الكلام الذى لا يجوز المصير إليه الا بدلالة تبين المراد وكما ان ~~PageV10P071 محبته لا يجوز ان تفسر بمجرد محبة رسوله فكذلك لا يجوز تفسيرها ~~بمجرد محبة العمل له وان كانت محبته تستلزم محبة رسوله ومحبة العمل له # و ( ايضا ( فالتعبير بمحبة الشيء عن مجرد محبة طاعته لا عن محبة نفسه امر ~~لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازا فحمل الكلام عليه تحريف محض ايضا وقد ~~قررنا في مواضع من القواعد الكبار انه لا يجوز ان يكون غير الله محبوبا ~~مرادا لذاته كما لا يجوز ان يكون غير الله موجودا بذاته بل لا رب الا الله ~~ولا اله الا هو المعبود الذى يستحق ان يحب لذاته ويعظم لذاته كمال المحبة ~~والتعظيم # وكل مولود يولد على الفطرة فانه سبحانه فطر القلوب على انه ليس في ~~محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهى إليه الا الله وحده وان كل ما ~~احبه المحبوب من مطعوم وملبوس ومنظور ومسموع وملموس يجد من نفسه ان قلبه ~~يطلب شيئا سواه ويحب امرا غيره يتألهه ويصمد إليه ويطمئن إليه ويرى ما ~~يشبهه من هذه الاجناس ولهذا قال الله تعالى في كتابه ( الا بذكر الله تطمئن ~~القلوب ( وفى الحديث الصحيح عن عياض بن حمار عن النبى عن الله تعالى انه ~~قال ( انى خلقت ms2915 عبادى حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما احللت لهم ~~وامرتهم ان يشركوا بى ما لم انزل به سلطانا ( كما في الصحيحين عن ابى هريرة ~~عن النبى انه قال ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ( ثم يقول ~~أبو هريرة اقرؤوا PageV10P072 ان شئتم ( فطرة الله التى فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ( # و ( أيضا ( فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو ~~المستحق له على الكمال وكل ما في غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى فهو ~~المستحق لأن يحب على الحقيقة والكمال وانكار محبة العبد لربه هو في الحقيقة ~~انكار لكونه إلها معبودا كما ان انكار محبته لعبده يستلزم انكار مشيئته وهو ~~يستلزم انكار كونه ربا خالقا فصار انكارها مستلزما لانكار كونه رب العالمين ~~ولكونه إله العالمين وهذا هو قول اهل التعطيل والجحود # ولهذا اتفقت الأمتان قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن موسى وعيسى ~~صلوات الله عليهما وسلامه ان أعظم الوصايا ان تحب الله بكل قلبك وعقلك ~~وقصدك وهذا هو حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم التى هي اصل شريعه التوراة ~~والانجيل والقرآن وانكار ذلك هو مأخوذ عن المشركين والصابئين أعداء إبراهيم ~~الخليل ومن وافقهم على ذلك من متفلسف ومتكلم ومتفقه ومبتدع أخذه عن هؤلاء ~~وظهر ذلك في القرامطة الباطنية من الاسماعيلية ولهذا قال الخليل امام ~~الحنفاء صلوات الله وسلامه عليه ( افرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون فانهم عدو لى إلا رب العالمين ( وقال ايضا ( لا أحب PageV10P073 ~~الآفلين ( وقال تعالى ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب ~~سليم ( وهو السليم من الشرك # وأما قولهم ( انه لا مناسبة بين المحدث والقديم توجب محبته له وتمتعه ~~بالنظر إليه ( فهذا الكلام مجمل فان أرادوا بالمناسبة انه ليس بينهما توالد ~~فهذا حق وان ارادوا انه ليس بينهما من المناسبة ما بين الناكح والمنكوح ~~والآكل والمأكول أو نحو ذلك فهذا ايضا ms2916 حق وإن أرادوا أنه لا مناسبة بينهما ~~توجب أن يكون احدهما محبا عابدا والآخر معبودا محبوبا فهذا هو رأس المسأله ~~فالاحتجاج به مصادرة على المطلوب ويكفى في ذلك المنع # ثم يقال بل لا مناسبة تقتضى المحبة الكاملة إلا المناسبة التى بين ~~المخلوق والخالق الذى لا إله غيره الذى هو في السماء إله وفى الآرض إله وله ~~المثل الأعلى في السماوات والأرض وحقيقة قول هؤلاء جحد كون الله معبودا في ~~الحقيقة ولهذا وافق على هذه المسأله طوائف من الصوفية المتكلمين الذين ~~ينكرون ان يكون الله محبا في الحقيقة فأقروا بكونه محبوبا ومنعوا كونه محبا ~~لأنهم تصوفوا مع ما كانوا عليه من قول اولئك المتكلمة فأخذوا عن الصوفية ~~مذهبهم في المحبة وإن كانوا قد يخلطون فيه واصل انكارها إنما هو قول ~~المعتزلة ونحوهم من الجهمية فأما محبة الرب عبده فهم لها اشد انكارا ~~ومنكروها قسمان PageV10P074 ( قسم ( يتأولونها بنفس المفعولات التى يحبها ~~العبد فيجعلون محبته نفس خلقه # و ( قسم ( يجعلونها نفس إرادته لتلك المفعولات وقد بسطنا الكلام في ذلك ~~في ( قواعد الصفات والقدر ( وليس هذا موضعها ومن المعلوم انه قد دل الكتاب ~~والسنة واتفاق سلف الأمة على ان الله يحب ويرضى ما امر بفعله من واجب ~~ومستحب وإن لم يكن ذلك موجودا وعلى انه قد يريد وجود امور يبغضها ويسخطها ~~من الأعيان والأفعال كالفسق والكفر وقد قال الله تعالى ( والله لا يحب ~~الفساد ( وقال تعالى ( ولا يرضى لعبادة الكفر ( # والمقصود هنا انما هو ذكر محبة العباد لإلههم # وقد تبين ان ذلك هو اصل اعمال الايمان ولم يتبين بين أحد من سلف الأمة من ~~الصحابة والتابعين لهم باحسان نزاع في ذلك وكانوا يحركون هذه المحبة بما ~~شرع الله ان تحرك به من انواع العبادات الشرعية كالعرفان الايمانى والسماع ~~الفرقانى قال تعالى ( وكذلك اوحينا إليك روحا من امرنا ما كنت تدرى ما ~~الكتاب ولا الايمان ( إلى آخر السورة PageV10P075 ثم انه لما طال الأمد صار ~~في طوائف المتكلمة من المعتزلة وغيرهم من ينكر هذه المحبة # وصار ms2917 في بعض المتصوفة من يطلب تحريكها بأنواع من سماع الحديث كالتغيير ~~وسماع المكاء والتصدية فيسمعون من الأقوال والأشعار ما فيه تحريك جنس الحب ~~الذى يحرك من كل قلب ما فيه من الحب بحيث يصلح لمحب الأوثان والصلبان ~~والاخوان والاوطان والمردان والنسوان كما يصلح لمحب الرحمن ولكن كان الذين ~~يحضرونه من الشيوخ يشترطون له المكان والامكان والخلان وربما اشترطوا له ~~الشيخ الذى يحرس من الشيطان ثم توسع في ذلك غيرهم حتى خرجوا فيه إلى أنواع ~~من المعاصى بل إلى أنواع من الفسوق بل خرج فيه طوائف إلى الكفر الصريح بحيث ~~يتواجدون على أنواع من الأشعار التي فيها الكفر والالحاد مما هو من أعظم ~~أنواع الفساد وينتج ذلك لهم من الأحوال بحسبه كما تنتج لعباد المشركين واهل ~~الكتاب عباداتهم بحسبها # والذى عليه محققوا المشائخ انه كما قال الجنيد رحمه الله من تكلف السماع ~~فتن به ومن صادفه السماع استراح به ومعنى ذلك انه لا يشرع الاجتماع لهذا ~~السماع المحدث ولا يؤمر به ولا يتخذ ذلك دينا وقربة فان القرب والعبادات ~~انما تؤخذ عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فكما انه لا حرام الا ما حرمه ~~الله ولا دين إلا ما شرعه الله قال الله تعالى ( ام PageV10P076 لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ( ولهذا قال تعالى ( قل ان كنتم ~~تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ( فجعل محبتهم لله موجبة ~~لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الله لهم قال أبى بن كعب رضى ~~الله عنه عليكم بالسبيل والسنة فانه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله ~~فاقشعر جلده من مخافة الله الا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن ~~الشجرة وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من خشية ~~الله إلا لم تمسه النار ابدا وان اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في ~~خلاف سبيل وسنة فاحرصوا ان تكون اعمالكم اقتصادا واجتهادا على منهاج ~~الأنبياء وسنتهم وهذا مبسوط في ms2918 غير هذا الموضع # فلو كان هذا مما يؤمر به ويستحب وتصلح به القلوب للمعبود المحبوب لكان ~~ذلك مما دلت الأدلة الشرعية عليه ومن المعلوم انه لم يكن في القرون الثلاثة ~~المفضلة التى قال فيها النبى ( خير القرون قرني الذي بعثت فيه ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم ( لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في ~~العراق ولا في مصر ولا في خراسان أحد من اهل الخير والدين يجتمع على السماع ~~المبتدع لصلاح القلوب ولهذا كرهه الأئمة كالامام أحمد وغيره حتى عده ~~الشافعى من احداث الزنادقة حين قال خلفت ببغداد شيئا أحدثه الزنادقة يسمونه ~~التغبير يصدون به الناس عن القرآن PageV10P077 # واما ما لم يقصده الانسان من الاستماع فلا يترتب عليه لا نهى ولا ذم ~~باتفاق الائمة ولهذا إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا على السماع ~~فالمستمع للقرآن يثاب عليه والسامع له من غير قصد وإرادة لا يثاب على ذلك ~~اذ الاعمال بالنيات وكذلك ما ينهى عن استماعه من الملاهى لو سمعه السامع ~~بدون قصده لم يضره ذلك فلو سمع السامع بيتا يناسب بعض حاله فحرك ساكنه ~~المحمود وازعج قاطنه المحبوب أو تمثل بذلك ونحو ذلك لم يكن هذا مما ينهى ~~عنه وكان المحمود الحسن حركة قلبه التى يحبها الله ورسوله إلى محبته التى ~~تتضمن فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه الله كالذى اجتاز بيتا فسمع قائلا ~~يقول # كل يوم تتلون %~% غير هذا بك اجمل # فاخذ منه اشارة تناسب حاله فإن ~~الاشارات من باب القياس والاعتبار وضرب الامثال ومسأله ( السماع ) كبيرة ~~منتشرة قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع والمقصود هنا ان المقاصد ~~المطلوبة للمريدين تحصل بالسماع الايمانى القرأنى النبوى الدينى الشرعى ~~الذى هو سماع النبيين وسماع العالمين وسماع العارفين وسماع المؤمنين قال ~~الله تعالى ( أولئك الذين انعم الله عليهم PageV10P078 من النبيين من ذرية ~~آدم ( إلى قوله ( اذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ( وقال تعالى ~~( ان الذين أوتوا العلم من قبله اذا يتلى عليهم يخرون ms2919 للاذقان سجدا ( إلى ~~قوله ( ويزيدهم خشوعا ( وقال تعالى ( واذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى ~~اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ( وقال تعالى ( إنما المؤمنون ~~الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون ( وقال تعالى ( الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها مثانى ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ( الآية # وكما مدح المقبلين على هذا السماع فقد ذم المعرضين عنه في مثل قوله ( ومن ~~الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ( إلى ~~قوله ( واذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في اذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب اليم ( وقال تعالى ( والذين اذا ذكروا بأيات ربهم لم يخروا ~~عليها صما وعميانا ( وقال تعالى ( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة ( # وقال تعالى ( ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ( الاية وقال تعالى ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهذا القرأن والغوا فيه لعلكم تغلبون ( وقال تعالى ( فما لهم PageV10P079 ~~عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ( ومثل هذا كثير في ~~القرآن # وهذا كان سماع سلف الامة واكابر مشائخها وائمتها كالصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم من المشائخ كابراهيم بن ادهم والفضيل بن عياض وابى سليمان الدارانى ~~ومعروف الكرخى ويوسف بن اسباط وحذيفة المرعشى وامثال هؤلاء وكان عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه يقول لابى موسى الأشعرى يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ ~~وهم يسمعون ويبكون وكان اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اذا اجتمعوا امروا ~~واحدا منهم ان يقرأ القرآن والباقى يستمعون وقد ثبت في الصحيح ( ان النبى ~~مر بأبى موسى الاشعرى وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته وقال لقد أوتي هذا ~~مزمارا من مزامير آل داود ( وقال ( مررت بك البارحة وانت تقرأ فجعلت استمع ~~لقراءتك فقال لو علمت انك تسمع لحبرته لك تحبرا ( أي لحسنته لك تحسينا وقال ~~صلى الله عليه وسلم ( زينوا القرآن باصواتكم ms2920 ( وقال ( الله اشد اذنا إلى ~~الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ( اذنا أي استماعا ~~كقوله ( واذنت لربها وحقت ( أي استمعت وقال صلى الله عليه وسلم ( ما اذن ~~الله لشيء ما اذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ( وقال ( ليس منا ~~من لم يتغن بالقرآن PageV10P080 ولهذا السماع من المواجيد العظيمة والأذواق ~~الكريمة ومزيد المعارف والاحوال الجسيمة مالا يتسع له خطاب ولا يحويه كتاب ~~كما ان في تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والايمان مالا يحيط به بيان # ومما ينبغى التفطن له ان الله سبحانه قال في كتابه ( قل ان كنتم تحبون ~~الله فاتبعونى يحببكم الله ( قال طائفة من السلف ادعى قوم على عهد النبى ~~صلى الله عليه وسلم انهم يحبون الله فانزل الله هذه الآية ( قل ان كنتم ~~تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ( الآية فبين سبحانه ان محبته توجب اتباع ~~الرسول وان اتباع الرسول يوجب محبة الله للعبد وهذه محبة امتحن الله بها ~~اهل دعوى محبة الله فان هذا الباب تكثر فيه الدعاوى والاشتباه ولهذا يروى ~~عن ذى النون المصرى انهم تكلموا في مسألة المحبة عنده فقال اسكتوا عن هذه ~~المسالة لئلا تسمعها النفوس فتدعيها # وقال بعضهم من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبد الله بالخوف وحده ~~فهو حرورى ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبده بالحب والخوف والرجاء ~~فهو مؤمن موحد وذلك لأن الحب المجرد تنبسط النفوس فيه حتى تتوسع في أهوائها ~~اذا لم يزعها وازع الخشية لله حتى قالت اليهود والنصارى ( نحن ابناء الله ~~واحباؤه ( ويوجد في مدعى المحبة من مخالفة الشريعة مالا يوجد في أهل الخشية ~~ولهذا قرن الخشية بها في قوله PageV10P081 ( هذا ما توعدون لكل اواب حفيظ ~~من خشى الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ( # وكان المشائخ المصنفون في السنة يذكرون في عقائدهم مجانبة من يكثر دعوى ~~المحبة والخوض فيها من غير خشية لما في ذلك من الفساد الذى وقع فيه طوائف ~~من المتصوفة وما وقع ms2921 في هؤلاء من فساد الإعتقاد والاعمال أوجب انكار طوائف ~~لأصل طريقة المتصوفة بالكلية حتى صار المنحرفون صنفين # صنف يقر بحقها وباطلها وصنف ينكر حقها وباطلها كما عليه طوائف من أهل ~~الكلام والفقه والصواب إنما هو الاقرار بما فيها وفى غيرها من موافقة ~~الكتاب والسنة والانكار لما فيها وفى غيرها من مخالفة الكتاب والسنة # وقال تعالى ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم ( فاتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وشريعته باطنا وظاهرا هي ~~موجب محبة الله كما ان الجهاد في سبيله وموالاة اوليائه ومعاداة اعدائه هو ~~حقيقتها كما في الحديث ( اوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله ( ~~PageV10P082 وفى الحديث ( من احب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد ~~استكمل الايمان ( # وكثير ممن يدعى المحبة هو أبعد من غيره عن اتباع السنة وعن الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد في سبيل الله ويدعى مع هذا ان ذلك اكمل ~~لطريق المحبة من غيره لزعمه ان طريق المحبة لله ليس فيه غيره ولا غضب لله ~~وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة ولهذا في الحديث المأثور ( يقول الله ~~تعالى يوم القيامة اين المتحابون بجلالى اليوم اظلهم في ظلى يوم لا ظل إلا ~~ظلى ( فقوله اين المتحابون بجلال الله تنبيه على ما في قلوبهم من اجلال ~~الله وتعظيمه مع التحاب فيه وبذلك يكونون حافظين لحدوده دون الذين لا ~~يحفظون حدوده لضعف الايمان في قلوبهم وهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث ( حقت ~~محبتى للمتحابين في وحقت محبتى للمتجالسين في وحقت محبتى للمتزاورين في ~~وحققت محبتى للمتباذلين في ( والاحاديث في المتحابين في الله كثيرة # وفى الصحيحين عن النبى من حديث ابى هريرة رضى الله عنه سبعة يظلهم الله ~~في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق ~~بالمسجد اذا خرج منه حتى يرجع إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا وتفرقا ~~عليه ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ms2922 ورجل ذكر ~~الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة PageV10P083 ذات منصب وجمال فقال ~~انى اخاف الله رب العالمين ( # واصل المحبة هو معرفة الله سبحانه وتعالى ولها اصلان # ( احدهما ( وهو الذى يقال له محبة العامة لأجل احسانه إلى عباده وهذه ~~المحبة على هذا الاصل لا ينكرها أحد فان القلوب مجبولة على حب من احسن ~~اليها وبغض من أساء اليها والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة ~~فانه المتفضل بجميع النعم وان جرت بواسطة إذ هو ميسر الوسائط ومسبب الاسباب ~~ولكن هذه المحبة في الحقيقة اذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسه فما أحب ~~العبد في الحقيقة الا نفسه وكذلك كل من احب شيئا لاجل احسانه إليه فما أحب ~~في الحقيقة الا نفسه وهذا ليس بمذموم بل محمود # وهذه المحبة هي المشار اليها بقوله ( احبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ~~وأحبونى لحب الله واحبوا اهلى بحبى ( والمقتصر على هذه المحبة هو لم يعرف ~~من جهة الله ما يستوجب انه يحبه الا احسانه إليه وهذا كما قالوا ان الحمد ~~لله على ( نوعين ( # ( حمد ( هو شكر وذلك لا يكون إلا على نعمته # و ( حمد ( هو مدح وثناء عليه ومحبة له وهو بما يستحقه لنفسه سبحانه ~~PageV10P084 فكذلك الحب فإن الأصل الثانى فيه هو محبته لما هو له اهل وهذا ~~حب من عرف من الله ما يستحق ان يحب لاجله وما من وجه من الوجوه التى يعرف ~~الله بها مما دلت عليه اسماؤه وصفاته الا وهو يستحق المحبة الكاملة من ذلك ~~الوجه حتى جميع مفعولاته اذ كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ولهذا استحق ~~ان يكون محمودا على كل حال ويستحق ان يحمد على السراء والضراء وهذا اعلى ~~وأكمل وهذا حب الخاصة # وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم ويتلذذون بذكره ~~ومناجاته ويكون ذلك لهم أعظم من الماء للسمك حتى لو انقطعوا عن ذلك لوجدوا ~~من الألم ما لا يطيقون وهم السابقون كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة ms2923 رضى ~~الله عنه قال ( مر النبى بجبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق ~~المفردون قالوا يا رسول الله من المفردون قال الذاكرون الله كثيرا ~~والذاكرات ( وفى رواية اخرى قال ( المستهترون بذكر الله يضع الذكر عنهم ~~أثقالهم فيأتون الله يوم القيامة خفافا ( والمستهتر بذكر الله يتولع به ~~ينعم به كلف لا يفتر منه # وفى حديث هارون بن عنترة عن أبيه عن بن عباس رضي الله عنهما قال ( قال ~~موسى يا رب أي عبادك أحب اليك قال الذى يذكرنى ولا ينسانى قال أى عبادك ~~أعلم قال الذى يطلب علم الناس إلى علمه ليجد كلمة تدله على PageV10P085 هدى ~~أو ترده عن ردى قال أى عبادك احكم قال الذى يحكم على نفسه كما يحكم على ~~غيره ويحكم لغيره كما يحكم لنفسه ( فذكر في هذا الحديث الحب والعلم والعدل ~~وذلك جماع الخير # ومما ينبغى التفطن له أنه لا يجوز ان يظن في باب محبة الله تعالى ما يظن ~~في محبة غيره مما هو من جنس التجنى والهجر والقطيعة لغير سبب ونحو ذلك مما ~~قد يغلط فيه طوائف من الناس حتى يتمثلون في حبه بجنس ما يتمثلون به في حب ~~من يصد ويقطع بغير ذنب أو يبعد من يتقرب إليه وان غلط في ذلك من غلط من ~~المصنفين في رسائلهم حتى يكون مضمون كلامهم اقامة الحجة على الله بل لله ~~الحجة البالغة # وقد ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( يقول الله تعالى من ~~ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى ومن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن ~~تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا ومن ~~أتانى يمشى أتيته هرولة ( وفى بعض الآثار يقول الله تعالى ( أهل ذكرى أهل ~~مجالستى وأهل شكرى أهل زيارتى وأهل طاعتى أهل كرامتى وأهل معصيتى لا أؤيسهم ~~من رحمتى وان تابوا فانا حبيبهم لأن الله يحب التوابين وان لم يتوبوا فانا ~~طبيبهم ابتليهم بالمصائب حتى اطهرهم من المعائب ms2924 PageV10P086 وقد قال تعالى ~~( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ( قالوا الظلم أن ~~يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن ينقص من حسنات نفسه وقال تعالى ( وما ~~ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( وفى الحديث الصحيح عن أبى ذر رضى الله ~~عنه عن النبى قال ( يقول الله تعالى ياعبادى انى حرمت الظلم على نفسى ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ياعبادى كلكم ضال الا من هديته فاستهدونى ~~اهدكم يا عبادى كلكم جائع إلا من اطعمته فاستطعمونى اطعمكم ياعبادى كلكم ~~عار الا من كسوته فاستكسونى اكسكم ياعبادى انكم تذنبون بالليل والنهار وأنا ~~اغفر الذنوب ولا ابالى فاستغفرونى اغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري ~~فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو ان اولكم وأخركم وانسكم ~~وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا ياعبادى ~~لو ان اولكم وأخركم وانسكم وجنكم كانوا على افجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ~~ذلك من ملكى شيئا ياعبادى لو ان اولكم وآخركم وانسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد ~~واحد فسألونى فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكى الا كما ينقص ~~المخيط الا اذا غمس في البحر يا عبادى انما هي اعمالكم احصيها لكم ثم ~~اوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه ~~( # ومن ذلك ما رواه البخارى في صحيحة عن شداد بن اوس قال PageV10P087 قال ~~رسول الله سيد الاستغفار ان يقول العبد اللهم انت ربى لا إله الا الله أنت ~~خلقتنى وأنا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~ابوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى فانه لا يغفر الذنوب الا انت من ~~قالها اذا اصبح موقنا بها فمات في يومه دخل الجنة ومن قالها اذا أمسى موقنا ~~بها فمات من ليلته دخل الجنة ( # فالعبد دائما بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر وذنب منه يحتاج فيه ~~إلى الاستغفار ms2925 وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائما فانه لا يزال ~~يتقلب في نعم الله وآلائه ولا يزال محتاجا إلى التوبة والاستغفار # ولهذا كان سيد ولد آدم وامام المتقين محمد يستغفر في جميع الاحوال وقال ~~في الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ( ايها الناس توبوا إلى ربكم فانى ~~لأستغفر الله واتوب إليه في اليوم اكثر من سبعين مرة ( وفى صحيح مسلم انه ~~قال ( انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله في اليوم مائة مرة ( وقال عبد ~~الله بن عمر ( كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد ~~يقول رب اغفر لى وتب على انك انت التواب الغفور مائة مرة PageV10P088 ولهذا ~~شرع الاستغفار في خواتيم الأعمال قال تعالى ( والمستغفرين بالأسحار ( وقال ~~بعضهم احيوا الليل بالصلاة فلما كان وقت السحر امروا بالاستغفار وفى الصحيح ~~( ان النبى كان اذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم انت السلام ~~ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام ( وقال تعالى ( فاذا افضتم من ~~عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ( إلى قوله ( واستغفروا الله إن الله ~~غفور رحيم ( وقد امر الله نبيه بعد ان بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده ~~واتى بما امر الله به مما لم يصل إليه أحد غيره فقال تعالى ( اذا جاء نصر ~~الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره ~~انه كان توابا ( ولهذا كان قوام الدين بالتوحيد والاستغفار كما قال الله ~~تعالى ( الر كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير الا تعبدوا الا ~~الله اننى لكم منه نذير وبشير وان استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم ~~متاعا حسنا ( الآية وقال تعالى ( فاستقيموا إليه واستغفروه ( وقال تعالى ( ~~فاعلم انه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ( # ولهذا جاء في الحديث ( يقول الشيطان اهلكت الناس بالذنوب واهلكونى بلا ~~إله إلا الله والاستغفار ( وقد قال يونس ( لا إله إلا أنت سبحانك ~~PageV10P089 انى كنت من الظالمين ( وكان النبى ( إذا ركب دابته يحمد الله ~~ثم يكبر ms2926 ثلاثا ويقول لا اله الا أنت سبحانك ظلمت نفسى فاغفر لى ( وكفارة ~~المجلس التى كان يختم بها المجلس ( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان لا اله الا ~~أنت استغفرك واتوب اليك ( والله اعلم وصلى الله على محمد وسلم PageV10P090 ### || 1 ( أمراض القلوب وشفاؤها ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام تقى الدين أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات ~~اعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له واشهد ان لا اله الا ~~الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~واصحابه وسلم تسليما ### ||| فصل في مرض القلوب وشفائها # ( قال الله تعالى عن المنافقين ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ( وقال ~~تعالى ( ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ~~PageV10P091 # وقال ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون ~~في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها الا قليلا ( وقال ( ولا يرتاب ~~الذين اوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا ( وقال تعالى ( قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ( وقال ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين الا خسارا ( وقال ( ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب ~~غيظ قلوبهم ( # و ( مرض البدن ( خلاف صحته وصلاحه وهو فساد يكون فيه يفسد به إدراكه ~~وحركته الطبيعية فادرا كه إما ان يذهب كالعمى والصمم واما أن يدرك الأشياء ~~على خلاف ما هي عليه كما يدرك الحلو مرا وكما يخيل إليه أشياء لا حقيقة لها ~~في الخارج # وأما فساد حركته الطبيعية فمثل ان تضعف قوته عن الهضم أو مثل ان يبغض ~~الأغذية التى يحتاج اليها ويحب الأشياء التى تضره ويحصل له من الآلام بحسب ~~ذلك ولكن مع ذلك المرض لم يمت ولم يهلك بل فيه نوع قوة على إدراك الحركة ~~الارادية في الجملة [ فيتولد من ذلك ] ألم يحصل في البدن ms2927 إما بسبب فساد ~~الكمية أو الكيفية # ( فالأول ( اما نقص المادة فيحتاج إلى غذاء واما بسبب زياداتها ~~PageV10P092 فيحتاج إلى استفراغ # و ( الثانى ( كقوة في الحرارة والبرودة خارج عن الاعتدال فيداوى ### ||| فصل # وكذلك ( مرض القلب ( هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته فتصوره ~~بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه ~~وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار فلهذا يفسر المرض تارة ~~بالشك والريب كما فسر مجاهد وقتادة قوله ( في قلوبهم مرض ( أي شك وتارة ~~يفسر بشهوة الزنى كما فسر به قوله ( فيطمع الذى في قلبه مرض ( # ولهذا صنف الخرائطى ( كتاب اعتلال القلوب ( أي مرضها واراد به مرضها ~~بالشهوة والمريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح فيضره يسير الحر والبرد والعمل ~~ونحو ذلك من الأمور التى لا يقوى عليها لضعفه بالمرض # والمرض في الجملة يضعف المريض بجعل قوته ضعيفة لا تطيق ما يطيقه ~~PageV10P093 القوى والصحة تحفظ بالمثل وتزال بالضد والمرض يقوى بمثل سببه ~~ويزول بضده فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وزاد ضعف قوته حتى ربما ~~يهلك وان حصل له ما يقوى القوة ويزيل المرض كان بالعكس # و ( مرض القلب ( ألم يحصل في القلب كالغيظ من عدو استولى عليك فان ذلك ~~يؤلم القلب قال الله تعالى ( ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ( ~~فشفاؤهم بزوال ما حصل في قلوبهم من الألم ويقال فلان شفى غيظه وفى القود ~~استشفاء اولياء المقتول ونحو ذلك فهذا شفاء من الغم والغيظ والحزن وكل هذه ~~آلام تحصل في النفس # وكذلك ( الشك والجهل ( يؤلم القلب قال النبى هلا سألوا إذا لم يعلموا ~~فانما شفاء العى السؤال ( والشاك في الشيء المرتاب فيه يتألم قلبه حتى يحصل ~~له العلم واليقين ويقال للعالم الذى أجاب بما يبين الحق قد شفانى # بالجواب والمرض دون الموت فالقلب يموت بالجهل المطلق ويمرض بنوع من الجهل ~~فله موت ومرض وحياة وشفاء وحياته وموته ومرضه وشفاؤه أعظم من حياة البدن ~~وموته ومرضه وشفائه فلهذا مرض ms2928 القلب اذا ورد عليه شبهة أو شهوة قوت مرضه ~~وان حصلت له حكمة وموعظة كانت من PageV10P094 أسباب صلاحة وشفائه قال تعالى ~~( ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ( لأن ذلك أورث شبهة ~~عندهم والقاسية قلوبهم ليبسها فاولئك قلوبهم ضعيفة بالمرض فصار ما ألقى ~~الشيطان فتنة لهم وهؤلاء كانت قلوبهم قاسية عن الايمان فصار فتنة لهم # وقال ( 0 لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة ( كما قال ( وليقول الذين في قلوبهم مرض ( لم تمت قلوبهم كموت ~~الكفار والمنافقين وليست صحيحة صالحة كصالح قلوب المؤمنين بل فيها مرض شبهة ~~وشهوات وكذلك ( فيطمع الذى في قلبه مرض ( وهو مرض الشهوة فان القلب الصحيح ~~لو تعرضت له المرأة لم يلتفت اليها بخلاف القلب المريض بالشهوة فانه لضعفه ~~يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه فإذا خضعن بالقول طمع ~~الذى في قلبه مرض # والقرآن شفاء لما في الصدور ومن في قلبه امراض الشبهات والشهوات ففيه من ~~البينات ما يزيل الحق من الباطل فيزيل امراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور ~~والأدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة ~~بالترغيب والترهيب والقصص التى فيها عبرة ما يوجب صلاح القلب فيرغب القلب ~~فيما ينفعه ويرغب عما يضره فيبقى القلب محبا للرشاد مبغضا للغى بعد ان كان ~~مريدا للغى مبغضا للرشاد PageV10P095 فالقرآن مزيل للامراض الموجبة ~~للارادات الفاسده حتى يصلح القلب فتصلح ارادته ويعود إلى فطرته التى فطر ~~عليها كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي ويغتذى القلب من الايمان والقرآن ~~بما يزكيه ويؤيده كما يغتذى البدن بما ينميه ويقومه فإن زكاة القلب مثل ~~نماء البدن # و ( الزكاة في اللغة ( النماء والزيادة في الصلاح يقال زكا الشيء اذا نما ~~في الصلاح فالقلب يحتاج ان يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح كما يحتاج ~~البدن ان يربى بالأغذية المصلحة له ولا بد مع ذلك من منع ما يضره فلا ينمو ~~البدن إلا باعطاء ما ينفعه ومنع ما يضره كذلك ms2929 القلب لا يزكو فينمو ويتم ~~صلاحه إلا بحصول ما ينفعه ودفع ما يضره وكذلك الزرع لا يزكو إلا بهذا # و ( الصدقة ( لما كانت تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار صار القلب يزكو ~~بها وزكاته معنى زائد على طهارته من الذنب قال الله تعالى ( خذ من اموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ( # وكذلك ترك الفواحش يزكو بها القلب # وكذلك ترك المعاصى فانها بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن ومثل الدغل في ~~الزرع فاذا استفرغ البدن من الأخلاط الرديئة كاستخراج الدم الزائد تخلصت ~~القوة الطبيعية واستراحت فينمو البدن وكذلك القلب اذا PageV10P096 تاب من ~~الذنوب كان استفراغا من تخليطاته حيث خلط عملا صالحا وآخر سيئا فاذا تاب من ~~الذنوب تخلصت قوة القلب وإراداته للاعمال الصالحة واستراح القلب من تلك ~~الحوادث الفاسدة التى كانت فيه # فزكاة القلب بحيث ينمو ويكمل # قال تعالى ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد ابدا ( وقال ~~تعالى ( وان قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم ( وقال ( قل للمؤمنين ~~يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم ان الله خبير بما يصنعون ( ~~وقال تعالى ( قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ( وقال تعالى ( قد افلح من ~~زكاها وقد خاب من دساها ( وقال تعالى ( وما يدريك لعله يزكى ( وقال تعالى ( ~~فقل هل لك إلى أن تزكى واهديك إلى ربك فتخشى ( فالتزكية وان كان أصلها ~~النماء والبركة وزيادة الخير فانما تحصل بازالة الشر فلهذا صار التزكى يجمع ~~هذا وهذا # وقال ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ( وهى التوحيد والايمان الذى ~~به يزكو القلب فانه يتضمن نفى إلهية ما سوى الحق من القلب وإثبات إلهية ~~الحق في القلب وهو حقيقة لا إله إلا الله وهذا أصل ما تزكو به القلوب # والتزكية جعل الشيء زكيا إما في ذاته وإما في الإعتقاد والخبر ~~PageV10P097 كما يقال عدلته إذا جعلته عدلا في نفسه أو في اعتقاد الناس قال ~~تعالى ( فلا تزكوا انفسكم ( أى تخبروا بزكاتها وهذا غير قوله ( قد افلح من ~~زكاها ( ولهذا قال ( هو ms2930 اعلم بمن اتقى ( وكان اسم زينب برة فقيل تزكى نفسها ~~فسماها رسول الله زينب # واما قوله ( الم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ( أي ~~يجعله زاكيا ويخبر بزكاته كما يزكى المزكى الشهود فيخبر بعدلهم # و ( العدل ( هو الاعتدال والاعتدال هو صلاح القلب كما ان الظلم فساده ~~ولهذا جميع الذنوب يكون الرجل فيها ظالما لنفسه والظلم خلاف العدل فلم يعدل ~~على نفسه بل ظلمها فصلاح القلب في العدل وفساده في الظلم واذا ظلم العبد ~~نفسه فهو الظالم وهو المظلوم كذلك إذا عدل فهو العادل والمعدول عليه فمنه ~~العمل وعليه تعود ثمرة العمل من خير وشر قال تعالى ( لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ( # والعمل له اثر في القلب من نفع وضر وصلاح قبل اثره في الخارج فصلاحها عدل ~~لها وفسادها ظلم لها قال تعالى ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ( ~~وقال تعالى ( ان احسنتم احسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها ( قال بعض السلف ان ~~للحسنة لنورا في القلب وقوة في البدن وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة ~~في قلوب الخلق وان للسيئة لظلمة في PageV10P098 القلب وسوادا في الوجه ~~ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضا في قلوب الخلق # وقال تعالى ( كل امرئ بما كسب رهين ( وقال تعالى ( كل نفس بما كسبت رهينة ~~( وقال ( وذكر به ان تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع ~~وان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها اولئك الذين ابسلوا بما كسبوا ( و ( تبسل ( ~~أى ترتهن وتحبس وتؤسر كما ان الجسد إذا صح من مرضه قيل قد اعتدل مزاجه ~~والمرض انما هو باخراج المزاج مع أن الاعتدال المحض السالم من الأخلاط لا ~~سبيل إليه لكن الأمثل فالأمثل فهكذا صحة القلب وصلاحه في العدل ومرضه من ~~الزيغ والظلم والانحراف والعدل المحض في كل شيء متعذر علما وعملا ولكن ~~الامثل فالأمثل ولهذا يقال هذا أمثل ويقال للطريقة السلفية الطريقة المثلى ~~وقال تعالى ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ms2931 ( وقال تعالى ( ~~وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا الا وسعها ( # والله تعالى بعث الرسل وانزل الكتب ليقوم الناس بالقسط واعظم القسط عبادة ~~الله وحده لا شريك له ثم العدل على الناس في حقوقهم ثم العدل على النفس ~~PageV10P099 والظلم ( ثلاثة أنواع ( والظلم كله من امراض القلوب والعدل ~~صحتها وصلاحها قال أحمد بن حنبل لبعض الناس لو صححت لم تخف احدا أى خوفك من ~~المخلوق هو من مرض فيك كمرض الشرك والذنوب # وأصل صلاح القلب هو حياته واستنارته قال تعالى ( أو من كان ميتا فاحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ( # لذلك ذكر الله حياة القلوب ونورها وموتها وظلمتها في غير موضع كقوله ( ~~لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ( وقوله تعالى ( يا ايها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم ( ثم قال ( واعلموا ان ~~الله يحول بين المرء وقلبه وانه إليه تحشرون ( وقال تعالى ( يخرج الحى من ~~الميت ويخرج الميت من الحى ( ومن انواعه انه يخرج المؤمن من الكافر والكافر ~~من المؤمن وفى الحديث الصحيح مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا ~~يذكر الله فيه مثل الحى والميت وفى الصحيح ايضا ( اجعلوا من صلاتكم في ~~بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ( # وقد قال تعالى ( والذين كذبوا باياتنا صم وبكم في الظلمات ( وذكر سبحانه ~~آية النور وآية الظلمة فقال ( الله نور السماوات والأرض PageV10P100 مثل ~~نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كانها كوكب درى يوقد من ~~شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ~~نور على نور ( فهذا مثل نور الايمان في قلوب المؤمنين ثم قال ( والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه ~~موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها ومن لم ms2932 يجعل الله له نورا فما له من نور ( # فالأول ( مثل الاعتقادات الفاسدة والأعمال التابعة لها يحسبها صاحبها ~~شيئا ينفعه فاذا جاءها لم يجدها شيئا ينفعه فوفاه الله حسابه على تلك ~~الاعمال # و ( الثانى ( مثل للجهل البسيط وعدم الايمان والعلم فان صاحبها في ظلمات ~~بعضها فوق بعض لا يبصر شيئا فان البصر إنما هو بنور الايمان والعلم # قال تعالى ( ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم ~~مبصرون ( وقال تعالى ( ولقد همت به وهم بها لولا ان رآى برهان ربه ( وهو ~~برهان الايمان الذى حصل في قلبه فصرف الله به ما كان هم به وكتب له حسنة ~~كاملة ولم يكتب PageV10P101 عليه خطيئة اذا فعل خيرا ولم يفعل سيئة وقال ~~تعالى ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ( وقال ( الله ولى الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياءهم الطاغوت يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات ( وقال ( يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ~~يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ( # ولهذا ضرب الله للايمان ( مثلين ( مثلا بالماء الذى به الحياة وما يقترن ~~به من الزبد ومثلا بالنار التى بها النور وما يقترن بما يوقد عليه من الزبد # وكذلك ضرب الله للنفاق ( مثلين ( قال تعالى ( انزل من السماء ماء فسالت ~~أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء ~~حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فاما الزبد فيذهب جفاء ~~واما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الامثال ( وقال تعالى في ~~المنافقين ( مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلما اضاءت ما حوله ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمى فهم لا يرجعون أو كصيب من ~~السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ~~والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف ابصارهم كلما اضاء لهم مشوا فيه وإذا ~~أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ان الله على كل ms2933 شيء ~~قدير PageV10P102 فضرب لهم مثلا كالذى اوقد النار كلما اضاءت اطفأها الله ~~والمثل المائى كالمثل النازل من السماء وفيه ظلمات ورعد وبرق يرى ولبسط ~~الكلام في هذه الأمثال موضع آخر # وإنما المقصود هنا ذكر حياة القلوب وإنارتها وفى الدعاء المأثور ( اجعل ~~القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا ( و ( الربيع ( هوالمطر الذى ينزل من ~~السماء فينبت به النبات قال النبى صلى الله عليه وسلم ( إن مما ينبت الربيع ~~ما يقتل حبطا أو يلم ( والفصل الذى ينزل فيه اول المطر تسمية العرب الربيع ~~لنزول المطر الذى ينبت الربيع فيه وغيرهم يسمى الربيع الفصل الذى يلى ~~الشتاء فان فيه تخرج الأزهار التى تخلق منها الثمار وتنبت الأوراق على ~~الأشجار # والقلب الحى المنور فانه لما فيه من النور يسمع ويبصر ويعقل والقلب الميت ~~فانه لا يسمع ولا يبصر قال تعالى ( ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون ( وقال تعالى ( ومنهم من ~~يستمعون إليك افأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر اليك ~~افأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون ( وقال تعالى ( ومنهم من يستمع إليك ~~PageV10P103 وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفى آذانهم وقرا وإن يروا كل ~~آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا ان هذا الا ~~اساطير الاولين ( الآيات # فأخبر انهم لا يفقهون بقلوبهم ولا يسمعون بآذانهم ولا يؤمنون بما رأوه من ~~النار كما اخبر عنهم حيث قالوا ( قلوبنا في اكنة مما تدعونا إليه وفى ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ( فذكروا الموانع على القلوب والسمع ~~والابصار وابدانهم حية تسمع الاصوات وترى الاشخاص لكن حياة البدن بدون حياة ~~القلب من جنس حياة البهائم لها سمع وبصر وهى تأكل وتشرب وتنكح ولهذا قال ~~تعالى ( ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء ( # فشبههم بالغنم الذى ينعق بها الراعى وهى لا تسمع الا نداء كما قال في ~~الآية الأخرى ( أم تحسب ان اكثرهم يسمعون أو ms2934 يعقلون إن هم الا كالانعام بل ~~هم اضل سبيلا ( وقال تعالى ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اولئك ~~كالانعام بل هم اضل PageV10P104 # فطائفة من المفسرين تقول في هذه الآيات وما اشبهها كقوله ( واذا مس ~~الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنا إلى ضر مسه ( وأمثالها مما ذكر الله في عيوب الانسان وذمها فيقول ~~هؤلاء هذه الاية في الكفار والمراد بالانسان هنا الكافر فيبقى من يسمع ذلك ~~يظن انه ليس لمن يظهر الاسلام في هذا الذم والوعيد نصيب بل يذهب وهمه إلى ~~من كان مظهرا للشرك من العرب أو إلى من يعرفهم من مظهرى الكفر كاليهود ~~والنصارى ومشركى الترك والهند ونحو ذلك فلا ينتفع بهذه الآيات التى أنزلها ~~الله ليهتدى بها عباده # فيقال اولا المظهرون للاسلام فيهم مؤمن ومنافق والمنافقون كثيرون في كل ~~زمان والمنافقون في الدرك الاسفل من النار # ويقال ( ثانيا ( الانسان قد يكون عنده شعبة من نفاق وكفر وان كان معه ~~ايمان كما قال النبى في الحديث المتفق عليه ( أربع من كن فيه كان منافقا ~~خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها اذا حدث ~~كذب واذا اؤتمن خان واذا عاهد غدر واذا خاصم فجر ( فأخبر أنه من كانت فيه ~~خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق PageV10P105 وقد ثبت في الحديث الصحيح ~~أنه قال لابى ذر رضى الله عنه ( انك امرؤ فيك جاهلية ( وابو ذر رضى الله ~~عنه من أصدق الناس ايمانا وقال في الحديث الصحيح ( أربع في امتى من امر ~~الجاهلية الفخر بالاحساب والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم ( ~~وقال في الحديث الصحيح ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذه حتى لو ~~دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى قال فمن ( وقال أيضا في ~~الحديث الصحيح ( لتأخذن أمتى ما أخذت الامم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع ~~قالوا ms2935 فارس والروم قال ومن الناس الا هؤلاء ( # وقال بن أبى مليكة أدركت ثلاثين من اصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه ~~وعن على أو حذيفة رضى الله عنهما 0 قال القلوب ( اربعة ( قلب اجرد فيه سراج ~~يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب اغلف فذاك قلب الكافر وقلب منكوس فذاك قلب ~~المنافق وقلب فيه مادتان مادة تمده الإيمان ومادة تمده النفاق فأولئك قوم ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا # وإذا عرف هذا علم ان كل عبد ينتفع بما ذكر الله في الايمان من مدح شعب ~~الايمان وذم شعب الكفر وهذا كما يقول بعضهم في قوله ( اهدنا الصراط ~~المستقيم ( فيقولون المؤمن قد هدى إلى الصراط المستقيم فأى PageV10P106 ~~فائدة في طلب الهدى ثم يجيب بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى كما تقول ~~العرب للنائم نم حتى آتيك أو يقول بعضهم الزم قلوبنا الهدى فحذف الملزوم ~~ويقول بعضهم زدنى هدى وإنما يوردون هذا السؤال لعدم تصورهم الصراط المستقيم ~~الذى يطلب العبد الهداية إليه فان المراد به العمل بما امر الله به وترك ما ~~نهى الله عنه في جميع الأمور # والانسان وإن كان أقر بأن محمدا رسول الله وان القرآن حق على سبيل ~~الاجمال فاكثر ما يحتاج إليه من العلم بما ينفعه ويضره وما امر به وما نهى ~~عنه في تفاصيل الأمور وجزئياتها لم يعرفه وما عرفه فكثير منه لم يعمل بعلمه ~~ولو قدر أنه بلغه كل أمر ونهى في القرآن والسنة فالقرآن والسنة إنما تذكر ~~فيهما الامور العامة الكلية لا يمكن غير ذلك لا تذكر ما يخص به كل عبد ~~ولهذا امر الانسان في مثل ذلك بسؤال الهدى إلى الصراط المستقيم # والهدى إلى الصراط المستقيم يتناول هذا كله يتناول التعريف بما جاء به ~~الرسول مفصلا ويتناول التعريف بما يدخل في اوامره الكليات ويتناول الهام ~~العمل بعلمه فإن مجرد العلم بالحق لا يحصل به الإهتداء أن لم يعمل بعلمه ~~ولهذا قال لنبيه بعد صلح الحديبية ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك ms2936 وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك PageV10P107 صراطا ~~مستقيما ( وقال في حق موسى وهارون ( واتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما ~~الصراط المستقيم ( # والمسلمون قد تنازعوا فيما شاء الله من الامور الخبرية والعلمية الا ~~عتقادية والعملية مع أنهم كلهم متفقون على أن محمدا حق والقرآن حق فلو حصل ~~لكل منهم الهدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه لم يختلفوا ثم الذين ~~علموا ما أمر الله به أكثرهم يعصونه و [ لا ] يحتذون حذوه فلو هدوا إلى ~~الصراط المستقيم في تلك الأعمال لفعلوا ما أمروا به وتركوا ما نهو عنه ~~والذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقين كان من ~~أعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة مع علمهم بحاجتهم ~~وفاقتهم إلى الله دائما في أن يهديهم الصراط المستقيم # فبدوام هذا الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله المتقين قال سهل بن ~~عبد الله التسترى ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار وما ~~حصل فيه الهدى في الماضى فهو محتاج إلى حصول الهدى فيه في المستقبل وهذا ~~حقيقة قول من يقول ثبتنا واهدنا لزوم الصراط # وقول من قال زدنا هدى يتناول ما تقدم لكن هذا كله هدى منه في المستقبل ~~إلى الصراط المستقيم فان العمل في المستقبل بالعلم لم يحصل بعد ولا يكون ~~مهتديا حتى يعمل في المستقبل بالعلم وقد لا يحصل العلم في PageV10P108 ~~المستقبل بل يزول عن القلب وان حصل فقد لا يحصل العمل فالناس كلهم مضطرون ~~إلى هذا الدعاء ولهذا فرضه الله عليهم في كل صلاة فليسوا إلى شيء من الدعاء ~~احوج منهم إليه وإذا حصل الهدى إلى الصراط المستقيم حصل النصر والرزق وسائر ~~ما تطلب النفوس من السعادة والله اعلم # واعلم ان حياة القلب وحياة غيره ليست مجرد الحس والحركة الارادية أو مجرد ~~العلم والقدرة كما يظن ذلك طائفة من النظار في علم الله وقدرته كابى الحسين ~~البصرى قالوا إن حياته انه بحيث يعلم ويقدر بل الحياة صفة قائمة بالموصوف ~~وهى شرط في العلم ms2937 والارادة والقدرة على الافعال الاختيارية وهى ايضا ~~مستلزمة لذلك فكل حى له شعور وارادة وعمل اختيارى بقدرة وكل ما له علم ~~وإرادة وعمل اختيارى فهو # حى والحياء مشتق من الحياة فان القلب الحى يكون صاحبه حيا فيه حياء يمنعه ~~عن القبائح فان حياة القلب هي المانعة من القبائح التى تفسد القلب ولهذا ~~قال النبى ( الحياء من الايمان ( وقال ( الحياء والعى شعبتان من الايمان ~~والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ( # فإن الحى يدفع ما يؤذيه بخلاف الميت الذى لا حياة فيه [ فانه ] يسمى وقحا ~~والوقاحة الصلابة وهو اليبس المخالف لرطوبة الحياة فاذا كان وقحا يابسا ~~صليب الوجه لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه وامتناعه من القبح كالأرض ~~PageV10P109 اليابسة لا يؤثر فيها وطء الاقدام بخلاف الأرض الخضرة # ولهذا كان الحى يظهر عليه التأثر بالقبح وله ارادة تمنعه عن فعل القبح ~~بخلاف الوقح الذى ليس بحى فلا حياء معه ولا إيمان يزجره عن ذلك فالقلب إذا ~~كان حيا فمات الانسان بفراق روحه بدنه كان موت النفس فراقها للبدن ليست هي ~~في نفسها ميتة بمعنى زوال حياتها عنها # ولهذا قال تعالى ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله اموات بل احياء ( ~~وقال تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء ( مع ~~انهم موتى داخلون في قوله ( كل نفس ذائقة الموت ( وفى قوله ( إنك ميت وانهم ~~ميتون ( وقوله ( وهو الذى احياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ( فالموت المثبت غير ~~الموت المنفى المثبت هو فراق الروح البدن والمنفى زوال الحياة بالجملة عن ~~الروح والبدن # وهذا كما ان النوم اخو الموت فيسمى وفاة ويسمى موتا وان كانت الحياة ~~موجودة فيهما قال الله تعالى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت ~~في منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى اجل مسمى ( وكان ~~النبى صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ من منامه يقول ( الحمد لله الذى ~~أحيانا بعد ما اماتنا وإليه النشور ( وفى حديث آخر PageV10P110 ( الحمد لله ~~الذى رد على روحى وعافانى في جسدى ms2938 وأذن لى بذكره وفضلنى على كثير ممن خلق ~~تفضيلا ( وإذا أوى إلى فراشه يقول ( اللهم انت خلقت نفسى وأنت توفاها لك ~~مماتها ومحياها إن امسكتها فارحمها وان ارسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك ~~الصالحين ( ويقول ( باسمك اللهم اموت واحيا ( ### ||| فصل # ومن امراض القلوب ( الحسد ( كما قال بعضهم في حده انه اذى يلحق بسبب ~~العلم بحسن حال الأغنياء فلا يجوز ان يكون الفاضل حسودا لأن الفاضل يجرى ~~على ما هو الجميل وقد قال طائفة من الناس إنه تمنى زوال النعمة عن المحسود ~~وان لم يصر للحاسد مثلها بخلاف الغبطة فانه تمنى مثلها من غير حب زوالها عن ~~المغبوط # والتحقيق ان الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود وهو ~~نوعان # ( احدهما ( كراهة للنعمة عليه مطلقا فهذا هو الحسد المذموم واذا ابغض ذلك ~~فانه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه فيكون ذلك مرضا في قلبه ويلتذ بزوال ~~النعمة عنه وان لم يحصل له نفع بزوالها لكن نفعه PageV10P111 زوال الألم ~~الذى كان في نفسه ولكن ذلك الألم لم يزل إلا بمباشرة منه وهو راحة واشده ~~كالمريض الذى عولج بما يسكن وجعه والمرض باق فإن بغضه لنعمة الله على عبده ~~مرض فان تلك النعمة قد تعود على المحسود واعظم منها وقد يحصل نظير تلك ~~النعمة لنظير ذلك المحسود # والحاسد ليس له غرض في شيء معين لكن نفسه تكره ما انعم به على النوع ~~ولهذا قال من قال انه تمنى زوال النعمة فان من كره النعمة على غيره تمنى ~~زوالها بقلبه # و ( النوع الثانى ( ان يكره فضل ذلك الشخص عليه فيحب أن يكون مثله أو ~~افضل منه فهذا حسد وهو الذى سموه الغبطة وقد سماه النبى حسدا في الحديث ~~المتفق عليه من حديث بن مسعود وبن عمر رضى الله عنهما انه قال ( لا حسد الا ~~في اثنتين رجل اتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها ورجل اتاه الله مالا ~~وسلطه على هلكته في الحق ( هذا لفظ بن مسعود # ولفظ بن عمر ( رجل اتاه الله ms2939 القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار ورجل ~~اتاه الله مالا فهو ينفق منه في الحق آناء الليل والنهار ( رواه البخارى من ~~حديث أبى هريرة ولفظه ( لا حسد الا في اثتين رجل اتاه الله القرآن فهو ~~يتلوه الليل والنهار فسمعه رجل فقال يا ليتني أوتيت مثل ما اوتى هذا ~~PageV10P112 فعملت فيه مثل ما يعمل هذا ورجل اتاه الله مالا فهو يهلكه في ~~الحق فقال رجل يا ليتني اوتيت مثل ما اوتى هذا فعملت فيه مثل ما يعمل هذا ( ~~فهذا الحسد الذى نهى عنه النبى الا في موضعين هو الذى سماه اولئك الغبطة ~~وهو ان يحب مثل حال الغير ويكره ان يفضل عليه # فإن قيل اذا لم سمى حسدا وإنما أحب أن ينعم الله عليه قيل مبدأ هذا الحب ~~هو نظره إلى إنعامه على الغير وكراهته ان يتفضل عليه ولولا وجود ذلك الغير ~~لم يحب ذلك فلما كان مبدأ ذلك كراهته ان يتفضل عليه الغير كان حسدا لأنه ~~كراهة تتبعها محبة واما من احب ان ينعم الله عليه مع عدم التفاته إلى احوال ~~الناس فهذا ليس عنده من الحسد شيء # ولهذا يبتلى غالب الناس بهذا القسم الثانى وقد تسمى المنافسة فيتنافس ~~الاثنان في الأمر المحبوب المطلوب كلاهما يطلب ان يأخذه وذلك لكراهية ~~أحدهما ان يتفضل عليه الآخر كما يكره المستبقان كل منهما ان يسبقه الآخر ~~والتنافس ليس مذموما مطلقا بل هو محمود في الخير قال تعالى ( إن الأبرار ~~لفى نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نظرة النعيم يسقون من رحيق ~~مختوم ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون ( # فأمر المنافس ان ينافس في هذا النعيم لا ينافس في نعيم الدنيا ~~PageV10P113 الزائل وهذا موافق لحديث النبى فانه نهى عن الحسد إلا فيمن ~~اوتى العلم فهو يعمل به ويعلمه ومن اوتى المال فهو ينفقه فاما من اوتى علما ~~ولم يعمل به ولم يعلمه أو أوتى مالا ولم ينفقه في طاعة الله فهذا لا يحسد ~~ولا يتمنى مثل حاله فانه ليس في خير يرغب ms2940 فيه بل هو معرض للعذاب ومن ولي ~~ولاية فيأتيها بعلم وعدل أدى الأمانات إلى اهلها وحكم بين الناس بالكتاب ~~والسنة فهذا درجته عظيمة لكن هذا في جهاد عظيم كذلك المجاهد في سبيل الله # والنفوس لا تحسد من هو في تعب عظيم فلهذا لم يذكره وإن كان المجاهد في ~~سبيل الله أفضل من الذى ينفق المال بخلاف المنفق والمعلم فان هذين ليس لهم ~~في العادة عدو من خارج فان قدر أنهما لهما عدو يجاهدانه فذلك أفضل لدرجتهما ~~وكذلك لم يذكر النبى المصلى والصائم والحاج لأن هذه الأعمال لا يحصل منها ~~في العادة من نفع الناس الذى يعظمون به الشخص ويسودونه ما يحصل بالتعليم ~~والانفاق # والحسد في الأصل إنما يقع لما يحصل للغير من السؤدد والرياسة وإلا ~~فالعامل لا يحسد في العادة ولو كان تنعمه بالأكل والشرب والنكاح اكثر من ~~غيره بخلاف هذين النوعين فانهما يحسدان كثيرا ولهذا يوجد بين أهل ~~PageV10P114 العلم الذين لهم أتباع من الحسد ما لا يوجد فيمن ليس كذلك ~~وكذلك فيمن له اتباع بسبب إنفاق ماله فهذا ينفع الناس بقوت القلوب وهذا ~~ينفعهم بقوت الأبدان والناس كلهم محتاجون إلى ما يصلحهم من هذا وهذا # ولهذا ضرب الله سبحانه ( مثلين ( مثلا بهذا ومثلا بهذا فقال ( ضرب الله ~~مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه ~~سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهما ابكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل ~~يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ( # و ( المثلان ( ضربهما الله سبحانه لنفسه المقدسة ولما يعبد من دونه فان ~~الأوثان لا تقدر لا على عمل ينفع ولا على كلام ينفع فاذا قدر عبد مملوك لا ~~يقدر على شيء وأخر قد رزقه الله رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوى ~~هذا المملوك العاجز عن الاحسان وهذا القادر على الاحسان المحسن إلى الناس ~~سرا وجهرا ms2941 وهو سبحانه قادر على الاحسان إلى عباده وهو محسن إليهم دائما ~~فكيف يشبه به العاجز المملوك الذي لا يقدر على شيء حتى يشرك به معه وهذا ~~مثل الذى اعطاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل والنهار PageV10P115 و ~~المثل الثانى ( إذا قدر شخصان أحدهما ابكم لا يعقل ولا يتكلم ولا يقدر على ~~شيء وهو مع هذا كل على مولاة اينما يوجهه لا يأت بخير فليس فيه من نفع قط ~~بل هو كل على من يتولى أمره وآخر عالم عادل يأمر بالعدل ويعمل بالعدل فهو ~~على صراط مستقيم وهذا نظير الذى اعطاه الله الحكمة فهو يعمل بها ويعلمها ~~الناس # وقد ضرب ذلك مثلا لنفسه فانه سبحانه عالم عادل قادر يأمر بالعدل وهو قائم ~~بالقسط على صراط مستقيم كما قال تعالى ( شهد الله انه لا إله إلا هو ~~والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ( وقال ~~هود ( إن ربى على صراط مستقيم ( # ولهذا كان الناس يعظمون دار العباس كان عبد الله يعلم الناس واخوه يطعم ~~الناس فكانوا يعظمون على ذلك ورأى معاوية الناس يسألون بن عمر عن المناسك ~~وهو يفتيهم فقال هذا والله الشرف أو نحو ذلك # هذا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه نافس أبا بكر رضى الله عنه الانفاق كما ~~ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ( امرنا رسول الله ان ~~نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم اسبق أبا بكر ان سبقته يوما قال فجئت ~~بنصف مالى قال فقال لى رسول PageV10P116 الله ما ابقيت لاهلك قلت مثله واتى ~~أبو بكر رضى الله عنه بكل ما عنده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~ابقيت لاهلك قال ابقيت لهم الله ورسوله فقلت لا اسابقك إلى شيء ابدا ( # فكان ما فعله عمر من المنافسة والغبطة المباحة لكن حال الصديق رضى الله ~~عنه افضل منه وهو انه خال من المنافسة مطلقا لا ينظر إلى حال غيره # وكذلك موسى في حديث المعراج ( حصل ms2942 له منافسة وغبطة للنبى حتى بكى لما ~~تجاوزه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له ما يبكيك فقال ابكى لان غلاما بعث ~~بعدى يدخل الجنة من امته اكثر ممن يدخلها من امتى ( اخرجاه في الصحيحين ~~وروى في بعض الالفاظ المروية غير الصحيح ( مررنا على رجل وهو يقول ويرفع ~~صوته اكرمته وفضلته قال فرفعناه إليه فسلمنا عليه فرد السلام فقال من هذا ~~معك ياجبريل قال هذا أحمد قال مرحبا بالنبى الامى الذى بلغ رسالة ربه ونصح ~~لامته قال ثم اندفعنا فقلت من هذا يا جبريل قال هذا موسى بن عمران قلت ومن ~~يعاتب قال يعاتب ربه فيك قلت ويرفع صوته على ربه قال إن الله عز وجل قد عرف ~~صدقه PageV10P117 وعمر رضى الله عنه كان مشبها بموسى ونبينا حاله افضل من ~~حال موسى فانه لم يكن عنده شيء من ذلك # وكذلك كان في الصحابة أبو عبيدة بن الجراح ونحوه كانوا سالمين من جميع ~~هذه الامور فكانوا ارفع درجة ممن عنده منافسة وغبطة وإن كان ذلك مباحا ~~ولهذا استحق أبو عبيدة رضي الله عنه أن يكون امين هذه الأمة فإن المؤتمن ~~إذا لم يكن في نفسه مزاحمة على شيء مما اؤتمن عليه كان احق بالامانة ممن ~~يخاف مزاحمته ولهذا يؤتمن على النساء والصبيان الخصيان ويؤتمن على الولاية ~~الصغرى من يعرف انه لا يزاحم على الكبرى ويؤتمن على المال من يعرف انه ليس ~~له غرض في اخذ شيء منه وإذا اؤتمن من في نفسه خيانة شبه بالذئب المؤتمن على ~~الغنم فلا يقدر ان يؤدى الامانة في ذلك لما في نفسه من الطلب لما اؤتمن ~~عليه وفى الحديث الذى رواه الامام أحمد في مسنده عن أنس رضي الله عنه ( قال ~~كنا يوما جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم الآن من ~~هذا الفج رجل من اهل الجنة قال فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوء قد ~~علق نعليه في يده الشمال فسلم فلما كان الغد قال النبى مثل ذلك ms2943 فطلع ذلك ~~الرجل على مثل حاله فلما كان اليوم الثالث قال النبى صلى الله عليه وسلم ~~مقالته فطلع ذلك الرجل على مثل حاله فلما قام النبى صلى الله عليه وسلم ~~اتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضى PageV10P118 الله عنه فقال انى لاحيت ~~ابى فاقسمت ان لا ادخل عليه ثلاثا فان رأيت ان تؤينى اليك حتى تمضي الثلاث ~~فعلت قال نعم قال أنس رضى الله عنه فكان عبد الله يحدث انه بات عنده ثلاث ~~ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا غير انه إذا تعار انقلب على فراشه ذكر ~~الله عز وجل وكبر حتى يقوم إلى صلاة الفجر فقال عبد الله غير انى لم اسمعه ~~يقول إلا خيرا فلما فرغنا من الثلاث وكدت ان احقر عمله قلت يا عبد الله لم ~~يكن بيني وبين والدى غضب ولا هجرة ولكن سمعت رسول الله يقول ثلاث مرات يطلع ~~عليكم رجل من اهل الجنة فطلعت انت الثلاث مرات فأردت أن آوى اليك لأنظر ما ~~عملك فاقتدى بذلك فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذى بلغ بك ما قال رسول الله ~~قال ما هو إلا ما رأيت غير أنني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسى غشا ~~ولا حسدا على خير أعطاه الله إياه قال عبد الله هذه التى بلغت بك وهى التى ~~لا نطيق ( فقول عبد الله بن عمرو له هذه التى بلغت بك وهى التى لا نطيق ~~يشير إلى خلوه وسلامته من جميع أنواع الحسد # وبهذا أثنى الله تعالى على الأنصار فقال ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ( أي مما أوتي إخوانهم ~~المهاجرون قال المفسرون لا يجدون في صدورهم حاجة أي حسدا وغيظا مما اوتى ~~المهاجرون ثم قال بعضهم من مال الفيء وقيل من الفضل والتقدم PageV10P119 ~~فهم لا يجدون حاجة مما اوتوا من المال ولا من الجاه والحسد يقع على هذا # وكان بين الأوس والخزرج منافسة على الدين فكان هؤلاء إذا فعلوا ما ms2944 يفضلون ~~به عند الله ورسوله احب الآخرون ان يفعلوا نظير ذلك فهو منافسة فيما يقربهم ~~إلى الله كما قال ( وفى ذلك فليتنافس المتنافسون ( # واما الحسد المذموم كله فقد قال تعالى في حق اليهود ( ود كثير من اهل ~~الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين ~~لهم الحق ( يودون أي يتمنون ارتدادكم حسدا فجعل الحسد هو الموجب لذلك الود ~~من بعد ما تبين لهم الحق لأنهم لما رأوا انكم قد حصل لكم من النعمة ما حصل ~~بل ما لم يحصل لهم مثله حسدوكم وكذلك في الآية الاخرى ( أم يحسدون الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله فقد أتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ~~ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ( وقال تعالى ~~( قل اعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في ~~العقد ومن شر حاسد إذا حسد ( # وقد ذكر طائفة من المفسرين انها ( نزلت ( بسبب حسد اليهود للنبى صلى الله ~~عليه وسلم حتى سحروه سحره لبيد بن الاعصم اليهودى فالحاسد PageV10P120 ~~المبغض للنعمة على من انعم الله عليه بها ظالم معتد والكاره لتفضيله المحب ~~لمماثلته منهى عن ذلك إلا فيما يقربه إلى الله فاذا احب ان يعطى مثل ما ~~اعطى مما يقربه إلى الله فهذا لا بأس به واعراض قلبه عن هذا بحيث لا ينظر ~~إلى حال الغير افضل # ثم هذا الحسد ان عمل بموجبه صاحبه كان ظالما معتديا مستحقا للعقوبة الا ~~ان يتوب وكان المحسود مظلوما مأمورا بالصبر والتقوى فيصبر على اذى الحاسد ~~ويعفو ويصفح عنه كما قال تعالى ( ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~ايمانكم كفارا حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا ~~حتى يأتى الله بامره ( وقد ابتلى يوسف بحسد اخوته له حيث قالوا ( ليوسف ~~واخوه احب إلى ابينا منا ونحن عصبة ان ابانا لفى ضلال مبين ( فحسدوهما على ~~تفضيل ms2945 الأب لهما ولهذا قال يعقوب ليوسف ( لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا ~~لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين ( # ثم إنهم ظلموه بتكلمهم في قتله وإلقائه في الجب وبيعه رقيقا لمن ذهب به ~~إلى بلاد الكفر فصار مملوكا لقوم كفار ثم إن يوسف ابتلى بعد ان ظلم بمن ~~يدعوه إلى الفاحشة ويراود عليها ويستعين عليه بمن يعينه على ذلك فاستعصم ~~واختار السجن على الفاحشة وآثر عذاب PageV10P121 الدنيا على سخط الله فكان ~~مظلوما من جهة من احبه لهواه وغرضه الفاسد # فهذه المحبة احبته لهوى محبوبها شفاؤها وشفاؤه إن وافقها واولئك المبغضون ~~ابغضوه بغضة اوجبت ان يصير ملقى في الجب ثم اسيرا مملوكا بغير إختياره ~~فأولئك أخرجوه من إطلاق الحرية إلى رق العبودية الباطلة بغير اختياره وهذه ~~الجأته إلى ان اختار ان يكون محبوسا مسجونا باختياره فكانت هذه أعظم في ~~محنته وكان صبره هنا صبرا إختياريا إقترن به التقوى بخلاف صبره على ظلمهم ~~فان ذلك كان من باب المصائب التى من لم يصبر عليها صبر الكرام سلا سلو ~~البهائم والصبر الثانى افضل الصبرين ولهذا قال ( إنه من يتق ويصبر فان الله ~~لا يضيع اجر المحسنين ( # وهكذا إذا اوذى المؤمن على إيمانه وطلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان ~~وإن لم يفعل أوذى وعوقب فاختار الأذى والعقوبة على فراق دينه اما الحبس ~~واما الخروج من بلده كما جرى للمهاجرين حيث اختاروا فراق الأوطان على فراق ~~الدين وكانوا يعذبون ويؤذون # وقد أوذى النبى بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبرا إختياريا فانه إنما ~~يؤذى لئلا يفعل ما يفعله PageV10P122 باختياره وكان هذا أعظم من صبر يوسف ~~لآن يوسف إنما طلب منه الفاحشة وإنما عوقب إذا لم يفعل بالحبس والنبى صلى ~~الله عليه وسلم واصحابه طلب منهم الكفر وإذا لم يفعلوا طلبت عقوبتهم بالقتل ~~فما دونه وأهون ما عوقب به الحبس فان المشركين حبسوه وبنى هاشم بالشعب مدة ~~ثم لما مات أبو طالب اشتدوا عليه فلما بايعت الأنصار وعرفوا بذلك صاروا ~~يقصدون منعه من الخروج ويحبسونه ms2946 هو واصحابه عن ذلك ولم يكن أحد يهاجر الا ~~سرا إلا عمر بن الخطاب ونحوه فكانوا قد الجاؤهم إلى الخروج من ديارهم ومع ~~هذا منعوا من منعوه منهم عن ذلك وحبسوه # فكان ما حصل للمؤمنين من الاذى والمصائب هو باختيارهم طاعة لله ورسوله لم ~~يكن من المصائب السماويه التى تجرى بدون اختيار العبد من جنس حبس يوسف لا ~~من جنس التفريق بينه وبين أبيه وهذا اشرف النوعين واهلها اعظم درجة وإن كان ~~صاحب المصائب يثاب على صبره ورضاه وتكفر عنه الذنوب بمصائبه فان هذا اصيب ~~واوذى باختياره طاعة لله يثاب على نفس المصائب ويكتب له بها عمل صالح قال ~~تعالى ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن ~~موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله ~~لا يضيع اجر المحسنين PageV10P123 بخلاف المصائب التى تجري بلا اختيار ~~العبد كالمرض وموت العزيز عليه واخذ اللصوص ماله فان تلك إنما يثاب على ~~الصبر عليها لا على نفس ما يحدث من المصيبة لكن المصيبة يكفر بها خطاياه ~~فان الثواب إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما يتولد عنها # والذين يؤذون على الايمان وطاعة الله ورسوله ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو ~~مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال واهل أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال هم ~~في ذلك على طريقة الانبياء واتباعهم كالمهاجرين الاولين فهؤلاء يثابون على ~~ما يؤذون به ويكتب لهم به عمل صالح كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع ~~والعطش والتعب وعلى غيظه الكفار وان كانت هذه الآثار ليست عملا فعله يقوم ~~به لكنها متسببة عن فعله الاختيارى وهى التى يقال لها متولدة # وقد اختلف الناس هل يقال انها فعل لفاعل السبب أو لله أو لا فاعل لها ~~والصحيح انها مشتركة بين فاعل السبب وسائر الاسباب ولهذا كتب له بها عمل ~~صالح # والمقصود ان ( الحسد ( مرض من امراض النفس وهو مرض غالب فلا يخلص ms2947 منه الا ~~قليل من الناس ولهذا يقال ما خلا PageV10P124 جسد من حسد لكن اللئيم يبديه ~~والكريم يخفيه وقد قيل للحسن البصرى ايحسد المؤمن فقال ما انساك اخوة يوسف ~~لا ابالك ولكن عمه في صدرك فانه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولسانا # فمن وجد في نفسه حسدا لغيره فعليه ان يستعمل معه التقوى والصبر فيكره ذلك ~~من نفسه وكثير من الناس الذين عندهم دين لا يعتدون على المحسود فلا يعينون ~~من ظلمه ولكنهم ايضا لا يقومون بما يجب من حقه بل اذا ذمه أحد لم يوافقوه ~~على ذمه ولا يذكرون محامده وكذلك لو مدحه أحد لسكتوا وهؤلاء مدينون في ترك ~~المأمور في حقه مفرطون في ذلك لا معتدون عليه وجزاؤهم انهم يبخسون حقوقهم ~~فلا ينصفون ايضا في مواضع ولا ينصرون على من ظلمهم كما لم ينصروا هذا ~~المحسود واما من اعتدى بقول أو فعل فذلك يعاقب # ومن اتقى الله وصبر فلم يدخل في الظالمين نفعه الله بتقواه كما جرى لزينب ~~بنت جحش رضى الله عنها فانها كانت هي التى تسامى عائشة من ازواج النبى وحسد ~~النساء بعضهن لبعض كثير غالب لا سيما المتزوجات بزوج واحد فان المرأة تغار ~~على زوجها لحظها منه فانه بسبب المشاركة يفوت بعض حظها PageV10P125 وهكذا ~~الحسد يقع كثيرا بين المتشاركين في رئاسة أو مال اذا اخذ بعضهم قسطا من ذلك ~~وفات الآخر ويكون بين النظراء لكراهة أحدهما ان يفضل الآخر عليه كحسد اخوة ~~يوسف كحسد ابني آدم احدهما لاخيه فانه حسده لكون ان الله تقبل قربانه ولم ~~يتقبل قربان هذا فحسده على ما فضله الله من الايمان والتقوى كحسد اليهود ~~للمسلمين وقتله على ذلك ولهذا قيل اول ذنب عصي الله به ثلاثة الحرص والكبر ~~والحسد فالحرص من آدم والكبر من ابليس والحسد من قابيل حيث قتل هابيل # وفى الحديث ( ثلاث لا ينجو منهن أحد الحسد والظن والطيرة وسأحدثكم بما ~~يخرج من ذلك اذا حسدت فلا تبغض واذا ظننت فلا تحقق واذا تطيرت فامض ( رواه ~~بن ms2948 ابى الدنيا من حديث ابى هريرة # وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم ( دب اليكم داء الامم قبلكم الحسد ~~والبغضاء وهى الحالقة لا اقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ( فسماه داء كما ~~سمى البخل داء في قوله ( وأى داء ادوا من البخل ( فعلم ان هذا مرض وقد جاء ~~في حديث آخر ( اعوذ بك من منكرات الأخلاق والاهواء والادواء فعطف الأدواء ~~على الاخلاق والاهواء PageV10P126 فإن ( الخلق ( ما صار عادة للنفس وسجية ~~قال تعالى ( وانك لعلى خلق عظيم ( قال بن عباس وبن عيينة واحمد بن حنبل رضى ~~الله عنهم على دين عظيم وفى لفظ عن بن عباس على دين الاسلام وكذلك قالت ~~عائشة رضى الله عنها كان خلقه القرآن وكذلك قال الحسن البصري أدب القرآن هو ~~الخلق العظيم # واما ( الهوى ( فقد يكون عارضا والداء هوالمرض وهو تالم القلب والفساد ~~فيه وقرن في الحديث الاول الحسد بالبغضاء لان الحاسد يكره اولا فضل الله ~~على ذلك الغير ثم ينتقل إلى بغضه فان بغض اللازم يقتضى بغض الملزوم فان ~~نعمة الله اذا كانت لازمة وهو يحب زوالها وهى لا تزول الا بزواله أبغضه ~~واحب عدمه والحسد يوجب البغى كما أخبر الله تعالى عمن قبلنا انهم اختلفوا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيابينهم فلم يكن اختلافهم لعدم العلم بل علموا ~~الحق ولكن بغى بعضهم على بعض كما يبغى الحاسد على المحسود # وفى الصحيحين عن انس بن مالك رضى الله عنه ان النبى قال ( لا تحاسدوا ولا ~~تباغضوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله اخوانا ولا يحل لمسلم ان ~~يهجر اخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذى يبدأ ~~بالسلام ( وقد قال في الحديث المتفق على صحته من رواية انس ايضا ( والذى ~~PageV10P127 نفسى بيده لا يؤمن احدكم حتى يحب لآخيه ما يحب لنفسه ( # وقد قال تعالى ( وان منكم لمن ليبطئن فان اصابتكم مصيبة قال قد انعم الله ~~على إذ لم اكن معهم شهيدا ولئن اصابكم فضل من الله ليقولن كان لم تكن ms2949 بينكم ~~وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فافوز فوزا عظيما ( # فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لأخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم بل ان ~~اصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم وان اصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها بل ~~أحبوا ان يكون لهم منها حظ فهم لا يفرحون الا بدنيا تحصل لهم أو شر دنيوى ~~ينصرف عنهم إذا كانوا لا يحبون الله ورسوله والدار الآخرة ولو كانوا كذلك ~~لأحبوا اخوانهم واحبوا ما وصل اليهم من فضله وتألموا بما يصيبهم من المصيبة ~~ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوءه ما يسوء المؤمنين فليس منهم # ففى الصحيحين عن عامر قال سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول ( سمعت رسول ~~الله يقول مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا ~~اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ( وفي الصحيحين عن ابى ~~موسى الأشعري رضى الله عنه قال ( قال رسول الله المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد ~~بعضه بعضا وشبك بين اصابعه ( # والشح مرض والبخل مرض والحسد شر من البخل كما في الحديث PageV10P128 الذى ~~رواه أبو داود عن النبى أنه قال ( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ~~والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ( وذلك ان البخيل يمنع نفسه ~~والحسود يكره نعمة الله على عباده وقد يكون في الرجل اعطاء لمن يعينه على ~~اغراضه وحسد لنظرائه وقد يكون فيه بخل بلا حسد لغيره والشح اصل ذلك # وقال تعالى ( ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون ( وفى الصحيحين عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( إياكم والشح فانه اهلك من كان قبلكم ~~امرهم بالبخل فبخلوا وامرهم بالظلم فظلموا وامرهم بالقطيعة فقطعوا وكان عبد ~~الرحمن بن عوف يكثر من الدعاء في طوافه يقول اللهم قنى شح نفسى فقال له رجل ~~ما اكثر ما تدعو بهذا فقال إذا وقيت شح نفسى وقيت الشح والظلم والقطيعة ~~والحسد يوجب الظلم ### ||| فصل # فالبخل والحسد مرض يوجب بغض النفس لما ينفعها بل وحبها لما يضرها ولهذا ~~يقرن الحسد بالحقد والغضب واما مرض الشهوة والعشق ms2950 فهو حب النفس لما يضرها ~~وقد يقترن به بغضها لما ينفعها والعشق مرض نفسانى واذا قوى اثر في البدن ~~فصار مرضا في الجسم إما من امراض الدماغ PageV10P129 كالماليخوليا ولهذا ~~قيل فيه هو مرض وسواسى شبيه بالماليخوليا واما من امراض البدن كالضعف ~~والنحول ونحو ذلك # والمقصود هنا ( مرض القلب ( فانه اصل محبة النفس لما يضرها كالمريض البدن ~~الذى يشتهى ما يضره وإذا لم يطعم ذلك تألم وأن اطعم ذلك قوى به المرض وزاد # كذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة وسماعا بل ويضره التفكر ~~فيه والتخيل له وهو يشتهى ذلك فإن منع من مشتهاه تألم وتعذب وان اعطى ~~مشتهاه قوى مرضه وكان سببا لزيادة الالم # وفي الحديث ( ان الله يحمى عبده المؤمن الدنيا كما يحمى احدكم مريضه ~~الطعام والشراب ( وفى مناجاة موسى المأثورة عن وهب التى رواها الامام أحمد ~~في كتاب الزهد يقول الله تعالى أنى لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها ~~كما يذود الراعى الشفيق ابله عن مراتع الهلكة وأني لأجنبهم سكونها وعيشها ~~كما يجنب الراعي الشفيق أبله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم على ولكن ~~ليستكملوا نصيبهم من كرامتى سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطفئه الهوى ( ~~وانما شفاء المريض بزوال مرضه بل بزوال ذلك الحب المذموم من قلبه # والناس في العشق على قولين PageV10P130 قيل انه من باب الارادات وهذا هو ~~المشهور # وقيل من باب التصورات وانه فساد في التخييل حيث يتصور المعشوق على ما هو ~~به قال هؤلاء ولهذا لا يوصف الله بالعشق ولا انه يعشق لأنه منزه عن ذلك ولا ~~يحمد من يتخيل فيه خيالا فاسدا # واما الاولون فمنهم من قال يوصف بالعشق فانه المحبة التامة والله يحب ~~ويحب وروى في اثر عن عبد الواحد بن زيد انه قال ( لا يزال عبدى يتقرب إلى ~~يعشقنى وأعشقه ( وهذا قول بعض الصوفية # والجمهور لا يطلقون هذا اللفظ في حق الله لان العشق هو المحبة المفرطة ~~الزائدة على الحد الذى ينبغى والله تعالى محبته لا نهاية لها فليست تنتهى ~~إلى ms2951 حد لا تنبغى مجاوزته # قال هؤلاء والعشق مذموم مطلقا لا يمدح لا في محبة الخالق ولاالمخلوق لأنه ~~المحبة المفرطة الزائدة على الحد المحمود و ( ايضا ( فان لفظ ( العشق إنما ~~يستعمل في العرف في محبة الإنسان لامرأة أو صبى لا يستعمل في محبة كمحبة ~~الأهل والمال والوطن والجاه ومحبة الأنبياء والصالحين وهو مقرون كثيرا ~~بالفعل المحرم إما بمحبة امرأة أجنبية أوصبى يقترن به النظر المحرم واللمس ~~المحرم وغير ذلك من الافعال المحرمة وأما PageV10P131 محبة الرجل لامرأته ~~أو سريته [ محبة ] تخرجه عن العدل بحيث يفعل لأجلها ما لا يحل ويترك ما يجب ~~كما هو الواقع كثيرا حتى يظلم ابنه من امرأته العتيقة لمحبته الجديدة وحتى ~~يفعل من مطالبها المذمومة ما يضره في دينه ودنياه مثل ان يخصها بميراث لا ~~تستحقه أو يعطي أهلها من الولاية والمال ما يتعدى به حدود الله أو يسرف في ~~الإنفاق عليها أو يملكها من امور محرمة تضره في دينه ودنياه وهذا في عشق من ~~يباح له وطؤها فكيف عشق الأجنبية والذكران من العالمين ففيه من الفساد ما ~~لا يحصيه إلا رب العباد وهو من الامراض التي تفسد دين صاحبها وعرضه ثم قد ~~تفسد عقله ثم جسمه قال تعالى ( ولا تخضعن بالقول فيطمع الذى في قلبه مرض ( ~~ومن في قلبه مرض الشهوة وارادة الصورة متى خضع المطلوب طمع المريض والطمع ~~الذى يقوى الارادة والطلب طمع بخلاف ما اذا كان آيسا من المطلوب فان اليأس ~~يزيل الطمع فتضعف الارادة فيضعف الحب فان الانسان لا يريد ان يطلب ما هو ~~آيس منه فلا يكون مع الارادة عمل اصلا بل يكون حديث نفس الا ان يقترن بذلك ~~كلام أو نظر ونحو ذلك فيأثم بذلك PageV10P132 فأما إذا ابتلى بالعشق وعف ~~وصبر فانه يثاب على تقواه لله وقد روى في الحديث ( أن من عشق فعف وكتم وصبر ~~ثم مات كان شهيدا ( وهو معروف من رواية يحيى القتات عن مجاهد عن بن عباس ~~مرفوعا وفيه نظر ولا يحتج بهذا # لكن من المعلوم بأدلة الشرع ms2952 انه إذا عف عن المحرمات نظرا وقولا وعملا ~~وكتم ذلك فلم يتكلم به حتى لا يكون في ذلك كلام محرم اما شكوى إلى المخلوق ~~واما إظهار فاحشة واما نوع طلب للمعشوق وصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى ~~ما في قلبه من الم العشق كما يصبر المصاب عن الم المصيبة فان هذا يكون ممن ~~اتقى الله وصبر ( ومن يتق ويصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين ( # وهكذا مرض الحسد وغيره من امراض النفوس واذا كانت النفس تطلب ما يبغضه ~~الله فينهاها خشية من الله كان ممن دخل في قوله ( واما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ( # فالنفس إذا أحبت شيئا سعت في حصوله بما يمكن حتى تسعى في امور كثيرة تكون ~~كلها مقامات لتلك الغاية فمن احب محبة مذمومة أو أبغض بغضا مذموما وفعل ذلك ~~كان آثما مثل ان يبغض شخصا لحسده له فيؤذى من له به تعلق اما بمنع حقوقهم ~~أو بعدوان عليهم أو لمحبة PageV10P133 له لهواه معه فيفعل لأجله ما هو محرم ~~أو ما هو مأمور به لله فيفعله لأجل هواه لا لله وهذه امراض كثيرة في النفوس ~~والانسان قد يبغض شيئا فيبغض لأجله امورا كثيرة بمجرد الوهم والخيال # وكذلك يحب شيئا فيحب لأجله امورا كثيرة لأجل الوهم والخيال كما قال ~~شاعرهم # احب لحبها السودان حتى %~% احب لحبها سود الكلاب # فقد احب سوداء ~~فاحب جنس السواد حتى في الكلاب وهذا كله مرض في القلب في تصوره وارادته ~~فنسأل الله تعالى ان يعافى قلوبنا من كل داء ونعوذ بالله من منكرات الأخلاق ~~والأهواء والادواء # والقلب إنما خلق لأجل ( حب الله تعالى ( وهذه الفطرة التي فطر الله عليها ~~عباده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة فابواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها ~~من جدعاء ( ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه اقرأوا ان شئتم ( فطرة الله ~~التى فطر الناس عليها لا ms2953 تبديل لخلق الله ( أخرجه البخارى ومسلم ~~PageV10P134 فالله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده فاذا تركت ~~الفطرة بلا فساد كان القلب عارفا بالله محبا له عابدا له وحده لكن تفسد ~~فطرته من مرضه كابويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وهذه كلها تغير فطرته ~~التى فطره عليها وان كانت بقضاء الله وقدره كما يغير البدن بالجدع ثم قد ~~يعود إلى الفطرة اذا يسر الله تعالى لها من يسعى في اعادتها إلى الفطرة # والرسل صلى الله عليهم وسلم بعثوا لتقرير الفطرة وتكميلها لا لتغيير ~~الفطرة وتحويلها واذا كان القلب محبا لله وحده مخلصا له الدين لم يبتل بحب ~~غيره [ اصلا ] فضلا أن يبتلى بالعشق وحيث ابتلى بالعشق فلنقص محبته لله ~~وحده # ولهذا لما كان يوسف محبا لله مخلصا له الدين لم يبتل بذلك بل قال تعالى ( ~~كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين ( واما امرأة العزيز ~~فكانت مشركة هي وقومها فلهذا ابتليت بالعشق وما يبتلى بالعشق أحد الا لنقص ~~توحيده وايمانه وإلا فالقلب المنيب إلى الله الخائف منه فيه صار فان يصر ~~فانه عن العشق # ( احدهما ( انابته إلى الله ومحبته له فان ذلك ألذ واطيب من كل شيء فلا ~~تبقى مع محبة الله محبة مخلوق تزاحمه PageV10P135 # و ( الثانى ( خوفه من الله فإن الخوف المضاد للعشق يصرفه وكل من احب شيئا ~~بعشق أو غير عشق فإنه يصرف عن محبته بمحبة ما هو احب إليه منه اذا كان ~~يزاحمه وينصرف عن محبته بخوف حصول ضرر يكون ابغض إليه من ترك ذاك الحب فاذا ~~كان الله احب إلى العبد من كل شيء واخوف عنده من كل شيء لم يحصل معه عشق ~~ولا مزاحمة الا عند غفلة أو عند ضعف هذا الحب والخوف بترك بعض الواجبات ~~وفعل بعض المحرمات فان الايمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فكلما فعل ~~العبد الطاعة محبة لله وخوفا منه وترك المعصية حبا له وخوفا منه قوى حبه له ~~وخوفه منه فيزيل ما في القلب من محبة غيره ومخافة غيره # وهكذا ms2954 امراض الأبدان فان الصحة تحفظ بالمثل والمرض يدفع بالضد فصحة القلب ~~بالايمان تحفظ بالمثل وهو ما يورث القلب ايمانا من العلم النافع والعمل ~~الصالح فتلك اغذية له كما في حديث بن مسعود مرفوعا وموقوفا ( ان كل آدب يحب ~~أن تؤتى مأدبته وان مأدبة الله هي القرآن ( والآدب المضيف فهو ضيافة الله ~~لعباده # مثل آخر الليل واوقات الأذان والاقامة وفى سجوده وفي أدبار الصلوات ويضم ~~إلى ذلك الاستغفار فإنه من استغفر الله ثم تاب إليه متعه متاعا حسنا إلى ~~اجل مسمى PageV10P136 وليتخذ وردا من ( الاذكار في النهار ووقت النوم ~~وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف فانه لا يلبث ان يؤيده الله ~~بروح منه ويكتب الايمان في قلبه وليحرص على اكمال الفرائض من الصلوات الخمس ~~باطنة وظاهرة فانها عمود الدين وليكن هجيراه لا حول ولا قوة الا بالله ~~فانها بها تحمل الاثقال وتكابد الاهوال وينال رفيع الاحوال # ولا يسأم من الدعاء والطلب فان العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول قد دعوت ~~ودعوت فلم يستجب لى وليعلم ان النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع ~~العسر يسرا ولم ينل أحد شيئا من ختم الخير نبي فمن دونه الا بالصبر # والحمد لله رب العالمين وله الحمد والمنة على الاسلام والسنة حمدا يكافئ ~~نعمه الظاهرة والباطنة وكما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله واصحابه وازواجه امهات المؤمنين ~~والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا PageV10P137 ### || 1 ( رسالة في مرض القلوب وشفائها أيضا ) 1 # قال شيخ الاسلام رحمه الله ايضا الحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~نبينا محمد وصحبه وسلم ! 8 < ### ||| فصل في مرض القلوب وشفائها # قد ذكرنا في غير موضع ان صلاح حال الانسان في العدل كما ان فساده في ~~الظلم وان الله سبحانه عدله وسواه لما خلقه وصحة جسمه وعافيته من اعتدال ~~اخلاطه واعضائه ومرض ذلك الانحراف والميل # وكذلك استقامة القلب واعتداله واقتصاده وصحته وعافيته وصلاحه متلازمة ~~PageV10P138 # وقد ذكر الله ( مرض ms2955 القلوب وشفاءها ( في مواضع من كتابه وجاء ذلك في سنة ~~رسوله كقوله تعالى عن المنافقين ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ( وقال ( ~~فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ( وقال تعالى ( ويشف صدور قوم ~~مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ( وقال ( قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور ( وقال تعالى ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ( وقال ~~تعالى ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ( وقال تعالى ( ولا تخضعن بالقول ~~فيطمع الذى في قلبه مرض ( وقال ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ( وقال ( وإذ يقول المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ( # وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( هلا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العى ~~السؤال ( وقال الرشيد الآن شفيتنى يا مالك وفى صحيح البخارى عن بن مسعود ( ~~ان احدا لا يزال بخير ما اتقى الله واذا شك في تفسير شيء سأل رجلا فشفاه ~~واوشك ان لا يجده والذى لا اله الا هو ( # وما ذكر الله من مرض القلوب وشفائها بمنزلة ما ذكر من موتها PageV10P139 ~~وحياتها وسمعها وبصرها وعقلها وصممها وبكمها وعماها # لكن المقصود معرفة مرض القلب فنقول المرض نوعان # فساد الحس # وفساد الحركة الطبيعية وما يتصل بها من الارادية # وكل منهما يحصل بفقده الم وعذاب فكما انه مع صحة الحس والحركة الارادية ~~والطبيعية تحصل اللذة والنعمة فكذلك بفسادها يحصل الالم والعذاب ولهذا كانت ~~النعمة من النعيم وهو ما ينعم الله به على عباده مما يكون فيه لذة ونعيم ~~وقال ( لتسألن يومئذ عن النعيم ( أي عن شكره فسبب اللذة احساس الملائم وسبب ~~الألم احساس المنافي ليس اللذة والألم نفس الاحساس والإدراك وانما هو ~~نتيجته وثمرته ومقصوده وغايته فالمرض فيه الم لا بد منه وان كان قد يسكن ~~احيانا لمعارض راجح فالمقتضي له قائم يهيج بأدنى سبب فلا بد في المرض من ~~وجود سبب الالم وانما يزول الالم بوجود المعارض الراجح # ولذة القلب وألمه اعظم من لذة الجسم ms2956 وألمه اعنى المه ولذته النفسانيتان ~~PageV10P140 وان كان قد يحصل فيه من الالم من جنس ما يحصل في سائر البدن ~~بسبب مرض الجسم فذلك شيء آخر فلذلك كان مرض القلب وشفاؤه اعظم من مرض الجسم ~~وشفائه فتارة يكون من جملة الشبهات كما قال ( فيطمع الذي في قلبه مرض ( ~~وكما صنف الخرائطى ( كتاب اعتلال القلوب بالاهواء ( ففى قلوب المنافقين ~~المرض من هذا الوجه ومن هذا الوجه من جهة فساد الاعتقادات وفساد الارادات ~~والمظلوم في قلبه مرض وهو الالم الحاصل بسبب ظلم الغير له فإذا استوفى حقه ~~اشتفى قلبه كما قال تعالى ( ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ( فان ~~غيظ القلب انما هو لدفع الاذى والألم عنه فاذا اندفع عنه الاذى واستوفى حقه ~~زال غيظة فكما ان الانسان اذا صار لا يسمع بأذنه ولا يبصر بعينه ولا ينطق ~~بلسانه كان ذلك مرضا مؤلما له يفوته من المصالح ويحصل له من المضار فكذلك ~~اذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم بقلبه الحق من الباطل ولم يميز بين الخير ~~والشر والغى والرشاد كان ذلك من اعظم امراض قلبه والمه وكما انه اذا اشتهى ~~ما يضره مثل الطعام الكثير في الشهوة الكلية ومثل اكل الطين ونحوه كان ذلك ~~مرضا فانه يتألم حتى يزول المه PageV10P141 بهذا الا كل الذى يوجد الما ~~اكثر من الاول فهو يتألم ان اكل ويتألم ان لم يأكل # فكذلك اذا بلى بحب من لا ينفعه العشق ونحوه سواء كان لصورة أو لرئاسة أو ~~لمال ونحو ذلك فان لم يحصل محبوبه ومطلوبه فهو متألم ومريض سقيم وان حصل ~~محبوبه فهو اشد مرضا والما وسقما ولذلك كما ان المريض اذا كان يبغض ما ~~يحتاج إليه من الطعام والشراب كان ذلك الالم حاصلا وكان دوامه على ذلك يوجب ~~من الالم اكثر من ذلك حتى يقتله حتى يزول ما يوجب بغضه لما ينفعه ويحتاج ~~إليه فهو متألم في الحال وتألمه فيما بعد ان لم يعافه الله اعظم واكبر # فبغض الحاسد لنعمة الله على المحسود كبغض المريض ms2957 لا كل الاصحاء لأطعمتهم ~~واشربتهم حتى لا يقدر ان يراهم يأكلون ونفرته عن ان يقوم بحقه كنفرة المريض ~~عما يصلح له من طعام وشراب فالحب والبغض الخارج عن الاعتدال والصحة في ~~النفس كالشهوة والنفرة الخارج عن الاعتدال والصحة في الجسم وعمى القلب ~~وبكمه ان يبصر الحقائق ويميز ما ينفعه ويضره كعمى الجسم وخرسه عن ان يبصر ~~الامور المرتبة ويتكلم بها ويميز بين ما ينفعه ويضره وكما أن الضرير إذا ~~ابصر وجد ان الراحة والعافية والسرور امرا PageV10P142 عظيما فبصر القلب ~~ورؤيته الحقائق بينه وبين بصر الرأس من التفاوت ما لا يحصيه الا الله وانما ~~الغرض هنا تشبيه أحد المرضين بالآخر فطب الاديان يحتذى حذو طب الابدان # وقد كتب سليمان إلى ابى الدرداء اما بعد فقد بلغنى انك قعدت طبيبا فاياك ~~ان تقتل والله انزل كتابه شفاء لما في الصدور وقال تعالى ( وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين الا خسارا ( ذلك ان الشفاء ~~انما يحصل لمن يتعمد الدواء وهم المؤمنون وضعوا دواء القرآن على داء قلوبهم # فمرض الجسم يكون بخروج الشهوة والنفرة الطبيعية عن الاعتدال اما شهوة ما ~~لا يحصل أو يفقد الشهوة النافعة وينفر به عما يصلح ويفقد النفرة عما يضر ~~ويكون بضعف قوة الادراك والحركة كذلك مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين ~~عن الاعتدال وهى الاهواء التى قال الله فيها ( ومن اظلم ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله ( وقال ( بل اتبع الذين ظلموا اهواءهم بغير علم ( كما يكون ~~الجسد خارجا عن الاعتدال إذا فعل ما يشتهيه الجسم بلا قول الطبيب ويكون ~~لضعف ادراك القلب وقوته حتى لا يستطيع ان يعلم ويريد ما ينفعه ويصلح له ~~وكما ان المرضى الجهال قد يتناولون ما يشتهون فلا PageV10P143 يحتمون ولا ~~يصبرون على الأدوية الكريهة لما في ذلك من تعجيل نوع من الراحة واللذة ولكن ~~ذلك يعقبهم من الآلام ما يعظم قدره أو يعجل الهلاك # فكذلك بنوا آدم هم جهال ظلموا انفسهم يستعجل احدهم ما ترغبه لذته ويترك ~~ما ms2958 تكرهه نفسه مما هو لا يصلح له فيعقبهم ذلك من الالم والعقوبات اما في ~~الدنيا واما في الآخرة ما فيه عظم العذاب والهلاك الاعظم # و ( التقوى ( هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه فان الاحتماء عن الضار ~~يستلزم استعمال النافع وأما استعمال النافع فقد يكون معه ايضا استعمالا ~~لضار فلا يكون صاحبه من المتقين # واما ترك استعمال الضار والنافع فهذا لا يكون فان العبد إذا عجز عن تناول ~~الغذاء كان مغتذيا بما معه من المواد التى تضره حتى يهلك ولهذا كانت ~~العاقبة للتقوى وللمتقين لأنهم المحتمون عما يضرهم فعاقبتهم الاسلام ~~والكرامة وان وجدوا المافى الابتداء لتناول الدواء والاحتماء كفعل الاعمال ~~الصالحة المكروهة كما قال تعالى ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ( # ولكثرة الاعمال الباطلة المشتهاة كما قال تعالى ( واما من خاف مقام ~~PageV10P144 ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى ( وكما قال ( ~~وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم ( فأما من لم يحتم فان ذلك سبب لضرره في ~~العاقبة ومن تناول ما ينفعه مع يسير من التخليط فهو اصلح ممن احتمى حمية ~~كاملة ولم يتناول الأشياء سرا فان الحمية التامة بلا اغتذاء تمرض فهكذا من ~~ترك السيئات ولم يفعل الحسنات # وقد قدمنا في ( قاعدة كبيرة ( ان جنس الحسنات انفع من جنس ترك السيئات ~~كما ان جنس الاغتذاء من جنس الاحتماء وبينا ان هذا مقصود لنفسه وذلك مقصود ~~لغيره بالانضمام إلى غيره وكما ان الواجب الاحتماء عن سبب المرض قبل حصوله ~~وازالته بعد حصوله فهكذا امراض القلب يحتاج فيها إلى حفظ الصحة ابتداء والى ~~اعادتها بان [ عرض ] له المرض دواما والصحة تحفظ بالمثل والمرض يزول بالضد ~~فصحة القلب تحفظ باستعمال امثال ما فيها أو هو ما يقوى العلم والايمان من ~~الذكر والتفكر والعبادات المشروعة وتزول بالضد فتزال الشبهات بالبينات ~~وتزال محبة الباطل ببغضه ومحبة الحق # ولهذا قال يحيى بن عمار العلوم خمسة فعلم هو حياة الدنيا ms2959 وهو علم التوحيد ~~وعلم هو غذاء الدين وهو علم التذكر بمعاني القرآن والحديث وعلم هو دواء ~~الدين وهو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من PageV10P145 يشفيه ~~منها كما قال بن مسعود وعلم هو داء الدين وهو الكلام المحدث وعلم هو هلاك ~~الدين وهو علم السحر ونحوه # فحفظ الصحة بالمثل وازالة المرض بالضد في مرض الجسم الطبيعى ومرض القلب ~~النفسانى الدينى الشرعى قال النبى ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها ~~من جدعاء ( ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا ان شئتم ( فطرة الله التى فطر الناس ~~عليها ( اخرجاه في الصحيحين قال الله تعالى ( وله من في السماوات والأرض كل ~~له قانتون وهو الذي يبدئ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض ( إلى قوله ( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ( إلى ~~قوله ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون # فأخبر انه فطر عباده على اقامة الوجه حنيفا وهو عبادة الله وحده لا شريك ~~له فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب وتركها ظلم ~~عظيم اتبع اهله اهواءهم بغير علم ولا بد لهذه الفطرة والخلقة وهى صحة ~~الخلقة من قوت وغذاء يمدها بنظير ما فيها مما فطرت عليه علما وعملا ولهذا ~~كان تمام الدين بالفطرة المكملة بالشريعة المنزلة وهى مأدبة الله كما قال ~~النبى في حديث بن مسعود ( ان كل آدب يحب أن PageV10P146 تؤتى مأدبته وان ~~مأدبة الله هي القرآن ( ومثله كماء أنزله الله من السماء كما جرى تمثيله ~~بذلك في الكتاب والسنة والمحرفون للفطرة المغيرون للقلب عن استقامته هم ~~ممرضون القلوب مسقمون لها وقد انزل الله كتابه شفاء لما في الصدور # وما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب هي بمنزلة ما تصيب الجسم من الألم ~~يصح بها الجسم وتزول اخلاطه الفاسدة كما قال النبى ( ما يصيب المؤمن ms2960 من وصب ~~ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا اذى حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها ~~خطاياه ( وذلك تحقيق لقوله ( من يعمل سوءا يجز به ( # ومن لم يطهر في هذه الدنيا من هذه الأمراض فيؤب صحيحا والا احتاج ان يطهر ~~منها في الآخرة فيعذبه الله كالذى اجتمعت فيه اخلاطه ولم يستعمل الأدوية ~~لتخفيفها عنه فتجتمع حتى يكون هلاكه بها ولهذا جاء في الأثر ( اذا قالوا ~~للمريض اللهم ارحمه يقول الله كيف أرحمه من شيء به أرحمه ( وقال النبى ( ~~المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها ( # وكما ان امراض الجسم ما إذا مات الانسان منه كان شهيدا كالمطعون والمبطون ~~وصاحب ذات الجنب وكذلك الميت بغرق أو حرق أو هدم فمن PageV10P147 أمراض ~~النفس ما اذا اتقى العبد ربه فيه وصبر عليه حتى مات كان شهيدا كالجبان الذى ~~يتقى الله ويصبر للقتال حتى يقتل فان البخل والجبن من امراض النفوس ان ~~اطاعة أوجب له الألم وان عصاه تألم كامراض الجسم # وكذلك العشق فقد روى ( من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات مات شهيدا ( فانه مرض ~~في النفس يدعو إلى ما يضر النفس كما يدعو المريض إلى تناول ما يضر فان اطاع ~~هواه عظم عذابه في الآخرة وفي الدنيا ايضا وان عصى الهوى بالعفة والكتمان ~~صار في نفسه من الألم والسقم ما فيها فاذا مات من ذلك المرض كان شهيدا هذا ~~يدعوه إلى النار فيمنعه كالجبان تمنعه نفسه عن الجنة فيقدمها # فهذه الأمراض إذا كان معها ايمان وتقوى كانت كما قال النبى ( لا يقضى ~~الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له ان اصابته سراء فشكر كان خيرا له وان ~~اصابته ضراء فصبر كان خيرا له ( # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه اجمعين وسلم ~~تسليما PageV10P148 ### || 1 ( العبودية ) 1 ### |||| ! 8 < سئل الشيخ رحمه الله # عن قوله عز وجل ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ( ~~فما العبادة وفروعها وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا وما ms2961 حقيقة العبودية ~~وهل هي اعلا المقامات في الدنيا والآخرة أم فوقها شيء من المقامات وليبسطوا ~~لنا القول في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين # ( العبادة ( هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والاعمال ~~الباطنة والظاهرة فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الامانة ~~وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والامر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والاحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وبن ~~السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وامثال ذلك ~~من العبادة # وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والانابة إليه واخلاص الدين له والصبر ~~لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه PageV10P149 والرجاء لرحمته ~~والخوف لعذابه وامثال ذلك هي من العبادة لله # وذلك ان العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التى خلق الخلق ~~لها كما قال تعالى ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ( وبها ارسل جميع ~~الرسل كما قال نوح لقومه ( اعبدوا الله مالكم من إله غيره ( وكذلك قال هود ~~وصالح وشعيب وغيرهم لقوههم # وقال تعالى ( ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله اجتنبوا الطاغوت ~~فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ( وقال تعالى ( وما ارسلنا من ~~قبلك من رسول الا نوحى إليه انه لا اله الا انا فاعبدون ( وقال تعالى ( وان ~~هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون ( كما قال في الآية الاخرى ( يا ~~ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا انى بما تعملون عليم ( وجعل ذلك ~~لازما لرسوله إلى الموت قال ( واعبد ربك حتى يأيتك اليقين ( # وبذلك وصف ملائكته وانبياءه فقال تعالى ( وله من في السماوات والأرض ومن ~~عنده لايستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ( ~~وقال تعالى ( ان الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ~~( وذم المستكبرين عنها بقوله ( وقال PageV10P150 ربكم ادعونى استجب لكم ان ~~الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين ( # ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى ( عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا ( وقال ( وعباد الرحمن الذين ms2962 يمشون على الأرض هونا ( ~~الآيات ولما قال الشيطان ( فبما اغويتنى لازينن لهم في الأرض ولا غوينهم ~~اجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ( قال الله تعالى ( ان عبادى ليس لك عليهم ~~سلطان الا من اتبعك من الغاوين ( # وقال في وصف الملائكة بذلك ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ( إلى قوله ( وهم من خشيته ~~مشفقون ( وقال تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا ان دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغى للرحمن ان يتخذ ولدا ان كل من في السماوات الأرض الا آتى الرحمن لقد ~~احصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيمامة فردا ( # وقال تعالى عن المسيح الذى ادعيت فيه الالهية والنبوة ( ان هو الاعبد ~~انعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى السرائيل ( ولهذا قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح ( لا تطرونى كما اطرت النصارى عيسى PageV10P151 بن ~~مريم فانما انا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ( # وقد نعته الله ( بالعبودية ( في اكمل احواله فقال في الاسراء ( سبحان ~~الذى اسرى بعبده ليلا ( وقال في الايحاء ( فأوحى لى عبده ما اوحى ( وقال في ~~الدعوة ( وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ( وقال في ~~التحدى ( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ( ~~فالدين كله داخل في العبادة # وقد ثبت في الصحيح ان جبريل لما جاء إلى النبى في صورى اعرابى وسأله عن ~~الاسلام قال ( ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم ~~الصلاو وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا قال فما ~~الايمان قال ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه وورسله والبعث بعد الموت وتؤمن ~~بالقدر خيره وشره قال فما الإحسان قال ان نعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك ( ثم قال في آخر الحديث ( هذا جبريل جاءكم يعلمكم دنيكم ( ~~فجعل هذا كله من الدين # و ( الدين ( يتضمن معنى الخضوع والذل يقال ms2963 دنته فدان أي ذللته فذل ويقال ~~يدين الله ويدين لله أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له فدين الله عبادته وطاعته ~~والخضوع له # و ( العبادة ( اصل معناها الذل ايضا يقال طريق معبد اذا كان مذللا ~~PageV10P152 قد وطئته الاقدام # لكن العبادة المأمور تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله ~~بغاية المحبة له فإن آخر مراتب الحب هوالتتيم واوله ( العلاقة ( لتعلق ~~القلب بالمحبوب ثم ( الصبابة ( لا نصباب القلب إليه ثم ( الغرام ( وهو الحب ~~اللازم للقلب ثم ( العشق ( وآخرها ( التتيم ( يقال تيم الله أى عبد الله ~~فالمتيم المعبد لمحبوبه # ومن خضع لانسان مع بعضه له لايكون عابدا له ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم ~~يكن عابدا له كما قد يحب ولده وصديقه ولهذا لا يكفى أحدهما في عبادة الله ~~تعالى بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شئ وأن يكون الله أعظم عنده ~~من كل شئ بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله # وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم بغير أمر الله كان تعظيمه ~~باطلا قال الله تعالى ( قل إن كان آباؤكم وابناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره ( فجنس المحبة ~~تكون لله ورسوله كالطاعة فإن الطاعة لله ورسوله PageV10P153 والارضاء لله ~~ورسوله ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ( والايتاء لله ورسوله ( ولو أنهم رضوا ~~ما آتاهم الله ورسوله # وأما ( العبادة ( وما يناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك فلا يكون إلا ~~لله وحده كما قال تعالى ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ( إلى قوله ( فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بانا مسلمون ( وقال تعالى ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا إلى الله راغبون ( ~~فالايتاء لله والرسول كقوله ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا ( وأما الحسب وهو ms2964 الكافى فهوالله وحده كما قال تعالى ( الذين قال ~~لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل ( وقال تعالى ( يا ايها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ~~أي حسبك وحسب من اتبعك الله # ومن ظن ان المعنى حسبك الله والمؤمنون معه فقد غلط غلطا فاحشا كما قد ~~بسطناه في غير هذا الموضع وقال تعالى ( أليس الله بكاف عبده ( # ( تحرير ذلك ( ان العبد يراد به ( المعبد ( الذى عبده الله فذلله ودبره ~~PageV10P154 وصرفه وبهذا الاعتبار المخلوقون كلهم عباد الله من الابرار ~~والفجار والمؤمنين والكفار وأهل الجنة واهل النار اذ هو ربهم كلهم ومليكهم ~~لا يخرجون عن مشيئته وقدرته وكلماته التامات التى لا يجاوزهن برولا فاجر ~~فمال شاء كان وان لم يشاؤا وما شاؤا ان لم يشأه لم يكن كما قال تعالى ( ~~أفغير دين الله يبغون وله اسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها واليه ~~يرجعون ( # فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قلوبهم ~~ومصرف امورهم لا رب لهم غيره ولا مالك لهم سواه ولا خالق الا هو سواء ~~اعترفوا بذلك أو انكروه وسواء علموا ذلك أو جهلوه لكن أهل الإيمان منهم ~~عرفوا ذلك واعترفوا به بخلاف من كان جاهلا بذلك أو جاحدا له مستكبرا على ~~ربه لا يقر ولا يخضع له مع علمه بأن الله ربه وخالقه # فالمعرفة بالحق اذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والحجد له كان عذابا على ~~صاحبه كما قال تعالى ( وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسرين ( وقال تعالى ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون ابناءهم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ( وقال تعالى ( ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ( PageV10P155 فإن اعترف ~~العبد ان الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتاج إليه عرف العبودية ~~المتعلقة بربوبية الله وهذا العبد يسأل ربه فيتضرع إليه ويتوكل عليه لكن قد ~~يطيع امره وقد يعصيه وقد يعبده مع ذلك وقد يعبد الشيطان والاصنام # ومثل هذه العبودية ms2965 لاتفرق بين اهل الجنة والنار ولا يصير بها الرجل مؤمنا ~~كما قال تعالى ( وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون ( فإن المشركين ~~كانوا يقرون ان الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره قال تعالى ( ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ( وقال تعالى ( قل لمن الأرض ~~ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولن لله قل افلا تذكرون إلى قوله [ قل فأنى ~~تسحرون ] ( # وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة وهى ( الحقيقة ~~الكونية ( التى يشترك فيها وفى شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر والبر ~~والفاجر وابليس معترف بهذه الحقيقة واهل النار قال ابليس ( رب فانظرنى إلى ~~يوم يبعثون ( وقال ( رب بما اغويتنى لا زينن لهم في الأرض ولا غوينهم ~~اجمعين ( وقال ( فبعزتك لا غوينهم اجمعين ( وقال ( أرأيتك هذا الذى كرمت ~~على ( وامثال هذا من الخطاب الذى يقر فيه بان الله ربه وخالقه وخالق غيره ~~وكذلك اهل النار قالوا ( ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا PageV10P156 قوما ~~ضالين ( وقال تعالى ( ولو ترى اذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا ~~بلى وربنا ( # فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ولم يقم بما امر به من الحقيقة ~~الدينية التى هي عبادته المتعلقة بالهيته وطاعة امره وامر رسوله كان من جنس ~~ابليس واهل النار وان ظن مع ذلك انه خواص اولياء الله واهل المعرفة ~~والتحقيق الذين يسقط عنهم الأمر والنهى الشرعيان كان من اشر اهل الكفر ~~والالحاد # ومن ظن ان الخضر وغيره سقط عنهم الامر لمشاهدة الارادة ونحو ذلك كان قوله ~~هذا من شر اقوال الكافرين بالله ورسوله حتى يدخل في ( النوع الثانى ( من ~~معنى العبد وهو العبد العابد فيكون عابدا لله لا يعبد الا اياه فيطيع امره ~~وأمر رسله ويوالى أولياءه المؤمنين المتقين ويعادى اعداءه وهذا العبادة ~~متعلقة بالهيته ولهذا كان عنوان التوحيد ( لا اله الا الله ( بخلاف من يقر ~~بوبوبيته ولا يعبده أو يعبد معه الها آخر فالاله الذى يألهه القلب بكمال ~~الحب والتعظيم والاجلال والاكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك وهذه العبادة هي ~~التى ms2966 يحبها الله ويرضاها بها وصف المصطفين من عباده وبها بعث رسله # وأما ( العبد ( بمعنى المعبد سواء اقر بذلك أو أنكره فتلك يشترك ~~PageV10P157 فيها المؤمن والكافر وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين ~~( المقائق الدينية ( الداخلة في عبادة الله ودينه وامره الشرعى التى يحبها ~~ويرضاها ويوالى اهلها ويكرمهم بجنته وبين ( الحقائق الكونية ( التى يشترك ~~فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر التى من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق ~~الدينية كان من أتباع ابليس اللعين والكافرين برب العالمين ومن اكتفى بها ~~في بعض الأمور دون بعض أو في مقام أو حال نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ~~ما نقص من الحقائق الدينية # وهذا مقام عظيم فيه غلط الغالطون وكره فيه الاشتباه على السالكين حتى زلق ~~فيه من اكابر الشيوخ المدعين التحقيق والتوحيد والعرفان مالا يحصيهم الا ~~الله الذى يعلم السر والاعلان والى هذا اشار الشيخ ( عبد القادر ( رحمه ~~الله فيما ذكر عنه فبين ان كثيرا من الرجال إذا وصلوا إلى إلى القضاء ~~والقدر أمسكوا الا انا فإنى انفتحت لى فيه روزنة فنازعت اقدار الحق بالحق ~~للحق والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا للقدر # والذى ذكره الشيخ رحمه الله هو الذى امر الله به ورسوله لكن كثير من ~~الرجال غلطوا فإنهم قد يشهدون ما يقدر على احدهم من المعاصى والذنوب أو ما ~~يقدر على الناس من ذلك بل من الكفر ويشهدون ان هذا جار بمشيئة الله وقضائه ~~وقدرة داخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته PageV10P158 فيظنون الاستسلام ~~لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك دينا وطريقا وعبادة فيضاهون المشركين ~~الذين قالوا @QB@ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ ~~وقالوا @QB@ أنطعم من لو يشاء الله @QE@ وقالوا @QB@ لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم @QE@ # ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا ان نرضى به ونصبر على موجبه في المصائب ~~التى تصيبنا كالفقر والمرض والخوف قال تعالى ( ما اصاب من مصيبة الا باذن ~~الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ( قال بعض السلف هو الرجل تصيبه المصيبة ms2967 ~~فيعلم انها من عند الله فيرضى ويسلم وقال تعالى ( ما اصاب من مصيبة في ~~الأرض ولافى انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك على الله يسير ~~لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم ( # وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( احتج آدم وموسى فقال انمت آدم الذى خلقك ~~الله بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته وعلمك اسماء كل شئ فلماذا ~~أخرجتنا ونفسك مكن الجنة فقال أدم أنت موسى الذى اصطفاك الله برسالته ~~وبكلامه فهل وجدت ذلك مكتوبا على قبل ان أخلق قال نعم قال فحج آدم موسى ( ~~PageV10P159 وأدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر ظنا أن المذنب يحتج ~~بالقدر قان هذا لايقوله مسلم ولا عاقل ولو كان هذا عذرا لكان عذرا لابليس ~~وقوم هود وكل كافر ولا موسى لام آدم أيضا لأجل الذنب فان آدم قد تاب إلى ~~ربه فاجتباه وهدى ولكن لامه لأجله المصيبة التى لحقتهم بالخطيئة ولهذا قال ~~فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة فأجابه آدم أن أن هذا كان مكتوبا قبل أن ~~أخلق فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدار وما قدر من المصائب يجب ~~لاستسلام له فإنه من تمام الرضا بالله ربا # واما الذنوب فليس للعبد ان يذنب واذا اذنب فعليه ان يستغفر وفيتوب من ~~المعائب ويصبر على المصائب قال تعالى ( فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك ~~( وقال تعالى ( وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ( وقال ( وان تصبروا ~~وتتقوا فان ذلك من عزم الامور ( وقال يوسف ( انه من يتق ويصبر فان الله لا ~~يضيع اجر المحسنين ( # وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها ان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~بحسب قدرته ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين ويوالي اولياء الله ~~ويعادي اعداء الله ويحب في الله ويبغض في الله كما قال تعالى ( يا ايها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم PageV10P160 ولياء تلقون اليهم بالمودة ~~( إلى قوله ( قد كانت لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم ~~انا ms2968 برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده ( وقال تعالى ( لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ( إلى قوله ( اولئك ~~كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ( وقال تعالى ( افنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ( وقال ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ( وقال تعالى ( أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون ( وقال تعالى ( وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ~~ولا الظل ولا الحرور وما يستوى الأحياء ولا الاموات ( وقال تعالى ( ضرب ~~الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ( وقال ~~تعالى ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ( إلى قوله ( بل اكثرهم ~~لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين احدهما ابكم لا يقدر على شيء ( إلى قوله ( ~~وهو على صراط مستقيم ( وقال تعالى ( لا يستوى اصحاب النار واصحاب الجنة ~~اصحاب الجنة هم الفائزون ( ونظائر ذلك مما يفرق الله فيه بين اهل الحق ~~والباطل واهل الطاعة واهل PageV10P161 المعصية واهل البر واهل الفجور واهل ~~الهدى والضلال واهل الغي والرشاد واهل الصدق والكذب # فمن شهد ( الحقيقة الكونية ( دون ( الدينية ( سوى بين هذه الأجناس ~~المختلفة التى فرق الله بينها غاية التفريق حتى يؤل به الأمر إلى ان يسوى ~~الله بالاصنام كما قال تعالى عنهم ( الله ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم ~~برب العالمين ( بل قد آل الامر بهؤلاء إلى ان سووا الله بكل موجود وجعلوا ~~ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود اذ جعلوه هو وجود المخلوقات ~~وهذا من اعظم الكفر والالحاد برب العباد # وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى انهم لا يشهدون انهم عباد لا بمعنى انهم معبدون ~~ولا بمعنى انهم عابدون اذ يشهدون انفسهم هي الحق كما صرح بذلك طواغيتهم ~~كابن عربي صاحب ( الفصوص ( وامثاله من الملحدين المفترين كابن سبعين ~~وامثاله ويشهدون انهم هم ms2969 العابدون والمعبودون وهذا ليس بشهود لحقيقة لا ~~كونية ولا دينية بل هو ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية حيث جعلوا وجود ~~الخالق هو وجود المخلوق وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتا للخالق والمخلوق ~~اذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم PageV10P162 واما المؤمنون بالله ورسوله ~~عوامهم وخواصهم الذين هم اهل الكتاب كما قال النبى ( ان لله اهلين من الناس ~~قيل من هم يا رسول الله قال اهل القرآن هم اهل الله وخاصته ( فهؤلاء يعلمون ~~ان الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وان الخالق سبحانه مباين للمخلوق ليس هو ~~حالا فيه ولا متحدا به ولا وجوده وجوده # و ( النصاري ( كفرهم بأن قالوا بالحلول والاتحاد بالمسيح خاصة فكيف من ~~جعل ذلك عاما في كل مخلوق # ويعلمون مع ذلك ان الله امر بطاعته وطاعة رسوله ونهى عن معصيته ومعصية ~~رسوله وانه لا يحب الفساد ولا يرضي لعباده الكفر وان على الخلق ان يعبدوه ~~فيطيعوا امره ويستعينوا به على ذلك كما قال ( إياك نعبد واياك نستعين ( # ومن عبادته وطاعته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الامكان والجهاد ~~في سبيله لاهل الكفر والنفاق فيجتهدون في اقامة دينه مستعينين به دافعين ~~مزيلين بذلك ما قدر من السيئات دافعين بذلك ما قد يخاف من ذلك كما يزيل ~~الانسان الجوع الحاضر بالاكل ويدفع به الجوع المستقبل وكذلك اذا آن اوان ~~البرد PageV10P163 دفعه باللباس وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه كما قالوا ~~للنبى ( يا رسول اله ارأيت ادوية نتداوى بها ورقى نسترقى بها وتقاة نتقى ~~بها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله ( وفى الحديث ( ان الدعاء ~~والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض ( فهذا حال المؤمنين بالله ~~ورسوله العابدين لله وكل ذلك من العبادة # وهؤلاء الذين يشهدون ( الحقيقة الكونية ( وهي ربوبيته تعالى لكل شيء ~~ويجعلون ذلك مانعا من اتباع امره الدينى الشرعي على مراتب في الضلال # فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقا عاما فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه ~~الشيعة وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى ms2970 وهو من جنس قول المشركين ~~الذين قالوا ( لو شاء اله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ( وقالوا ~~( لو شاء الرحمن ما عبدناهم ( # وهؤلاء من اعظم اهل الأرض تناقضا بل كل من احتج بالقدر فانه متناقض فانه ~~لا يمكن ان يقر كل آدمى على ما فعل فلا بد اذا ظلمه ظالم أو ظلم الناس ظالم ~~وسعى في الأرض بالفساد واخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ويهلك الحرث ~~والنسل ونحو ذلك من PageV10P164 انواع الضرر التى لا قوام للناس بها ان ~~يدفع هذا القدر وان يعاقب الظالم بما يكف عدوان امثاله يقال له ان كان ~~القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك وان لم يكن حجة بطل اصل قولك ~~حجة واصحاب هذا القول ( الذين ( يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا ~~القول ولا يلتزمونه وانما هم بحسب آرائهم واهوائهم كما قال فيهم بعض ~~العلماء انت عند الطاعة قدرى وعند المعصية جبرى أي مذهب وافق هواك تمذهبت ~~بة # ومنهم ( صنف ( يدعون التحقيق والمعرفة فيزعمون ان الامر والنهى لازم لمن ~~شهد لنفسة فعلآ واثبت لة صنعا اما من شهدا أن افعالة مخلوقة أو انة مجبور ~~على ذلك وان الله هو المتصرف فية كما تحرك سائر المتحركات فانة يرتفع عنة ~~الأمر والنهى والوعد والوعيد # وقد يقولون من شهد ( الارادة ( سقط عنة التكليف ويزعم احدهم ان الخضر سقط ~~عنة التكليف لشهودة الارادة فهؤلاء لا يفرق بين العامة والخاصة الذين شهدوا ~~الحقيقة الكونية فشهدوا ان الله خالق أفعال العباد وانة يدبر جميع الكائنات ~~وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علما وبين من يراة شهودا فلآ يسقطون التكليف ~~عمن يؤمن بذلك ويعلمة فقط ولكن عمن PageV10P165 يشهدة فلآ يرى لنفسة فعلآ ~~أصلآ وهؤلآء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعا من التكليف على هذا الوجة # وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد # وسبب ذلك أنة ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر علية خلآفة كما ضاق ~~نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ms2971 ذلك ثم المعتزلة اثبتت الامر والنهى ~~الشرعيين دون القضاء والقدر الذى هو إرادة الله العامة وحلقة لآفعال العباد ~~وهؤلآء اثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهى في حق من سهد القدر إذا لم ~~يمكنهم نفى ذلك مطلقا وقول هؤلآء شر من قولة المعتزلة ولهذا لم يكن في ~~السلف من هؤلآء أحد وهؤلآء يجعلون الامر والنهى للمحجوبين الذين لم يشهدوا ~~هذة الحقيقة الكونية ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذة الحقيقة يسقط عنة ~~الامر والنهى وصار من الخاصة # وربما تأولوا على ذلك قولة تعالى ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ( وجعلوا ~~اليقين هو معرفة هذه الحقيقة وقول هؤلاء كفر صريح وان وقع فيه طوائف لم ~~يعلموا انه كفر فانه قد علم بالاضطرار من دين الاسلام ان الأمر والنهي لازم ~~لكل عبد ما دام عقله حاضرا PageV10P166 إلى ان يموت لا يسقط عنه الامر ~~والنهي لا بشهوده القدر ولا بغير ذلك فمن لم يعرف ذلك عرفه وبين له فإن اصر ~~على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فانه يقتل # وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين # واما المستقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم # وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله ومعاداة له وصد عن سبيله ومشاقة له ~~وتكذيب لرسله ومضادة له في حكمه وان كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك ~~ويعتقد ان هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول وطريق اولياء الله المحققين فهو ~~في ذلك بمنزلة من يعتقد ان الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له ~~من الأحوال القلبية أو ان الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم ~~شرب الخمر أو ان الفاحشة حلال له لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب ونحو ذلك # ولا ريب ان المشركين الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة لشرع ~~الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة امر الله فهؤلاء الأصناف PageV10P167 ~~فيهم شبه من المشركين اما ان يبتدعوا واما ان يحتجوا بالقدر واما ان يجمعوا ~~بين الأمرين كما قال تعالى عن المشركين ( واذا ms2972 فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا والله امرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء اتقولون على ~~الله ما لا تعلمون ( وكما قال تعالى عنهم ( وقال الذين اشركوا لو شاء الله ~~ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ( # وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام والعبادة ~~التى لم يشرعها الله بمثل قوله تعالى ( وقالوا هذه انعام وحرث حجر لا ~~يطعمها الا من نشاء بزعمهم وانعام حرمت ظهورها وانعام لا يذكرون اسم الله ~~عليها افتراء عليه ( إلى آخر السورة وكذلك في سورة الاعراف في قوله ( يا ~~بنى آدم لا يفتتنكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ( إلى قوله ( واذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها قل ان الله لا يأمر ~~بالفحشاء ( إلى قوله ( قل امر ربى بالقسط واقيموا وجوهكم عند كل مسجد ( إلى ~~قوله ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله ~~التى اخرج لعبادة والطيبات من الرزق ( إلى قوله ( قل انما حرم ربى الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ( PageV10P168 # وهؤلاء قد يسمون ما احدثوه من البدع ( حقيقة ( كما يسمون ما يشهدون من ~~القدر ( حقيقة ( وطريق الحقيقة عندهم هو السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر ~~الشارع ونهيه ولكن بما يراه ويذوقه ويجده ونحو ذلك وهؤلاء لا يحتجون بالقدر ~~مطلقا بل عمدتهم اتباع آرائهم واهوائهم وجعلهم لما يرونه ويهوونه حقيقة ~~وامرهم باتباعها دون اتباع امر الله ورسوله نظير بدع اهل الكلام من الجهمية ~~وغيرهم الذين يجعلون ما ابتدعوه من الاقوال المخالفة للكتاب والسنة حقائق ~~عقلية يجب اعتقادها دون ما دلت عليه السمعيات ثم الكتاب والسنة اما ان ~~يحرفوه عن مواضعه واما ان يعرضوا عنه بالكلية فلا يتدبرونه ولا يعقلونه بل ~~يقولون نفوض معناه إلى الله مع اعتقادهم نقيض مدلوله واذا حقق على هؤلاء ما ~~يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب ms2973 والسنة وجدت جهليات واعتقادات فاسدة # وكذلك اولئك اذا حقق عليهم ما يزعمونه من حقائق اولياء الله المخالفة ~~للكتاب والسنة وجدت من الاهواءالتى يتبعها اعداء الله لا اولياؤه # واصل ضلال من ضل هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله واختياره ~~الهوى على اتباع امر الله فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد ~~فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته فأهل الايمان لهم من الذوق والوجد مثل ما ~~بينه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح ( ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الايمان من كان الله ورسوله احب إليه مما PageV10P169 سواهما ومن ~~كان يحب المرء لا يحبه الا الله ومن كان يكره ان يرجع في الكفر بعد اذا ~~انقذه الله منه كما يكره ان يلقى في النار ( وقال في الحديث الصحيح ( ذاق ~~طعم الايمان من رضى باله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا ( # وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه قيل لسفيان بن عيينة ما بال ~~أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم فقال أنسيت قوله تعالى ( واشربوا في ~~قلوبهم العجل بكفرهم ) أو نحو هذا من الكلام فعباد الاصنام يحبون آلهتهم ~~كما قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ) وقال ( فان لم يستجيبوا لك فاعلم انما يتبعون ~~أهواءهم ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله وقال أن يتبعون الا الظن ~~وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) ولهذا يميل هؤلاء إلى سماع ~~الشعر والأصوات التى تهيج المحبة المطلقة التى لا تختص بأهل الايمان بل ~~يشترك فيها محب الرحمن ومحب الاوثان ومحب الصلبان ومحب الاوطان ومحب ~~الاخوان ومحب المردان ومحب النسوان وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم ~~من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة # فالمخالف لما بعث به رسوله من عبادته وطاعته وطاعة رسوله لا يكون متبعا ~~لدين شرعه الله كما قال تعالى ( ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ~~PageV10P170 ولا ms2974 تتبع أهواء الذين لا يعلمون أنهم لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا ) إلى قوله ( والله ولى المتقين ) بل يكون متبعا لهواه بغير هدى من ~~الله قال تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ~~وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة يقدمونها على ما شرعه الله ~~وتارة يحتجون بالقدر الكونى على الشريعة كما أخبر الله به عن المشركين كما ~~تقدم # ومن هؤلاء طائفة هم اعلاهم قدرا وهم مستمسكون بالدين في اداء الفرائض ~~المشهوره واجتناب المحرمات المشهوره لكن يغلطون في ترك ما امروا به من ~~الاسباب التى هي عبادة ظانين ان العارف اذا شهد ( القدر ( اعرض عن ذلك مثل ~~من يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة بناء ~~على ان من شهد القدر علم ان ما قدر سيكون فلا حاجة إلى ذلك وهذا غلط عظيم ~~فان الله قدر الاشياء باسبابها كما قدر السعادة والشقاوة باسبابها كما قال ~~النبى صلى الله عله وسلم ( ان الله خلق للجنة اهلا خلقها لهم وهم في اصلاب ~~آبائهم وبعمل اهل الجنة يعملون ( وكما قال النبى لما أخبرهم بان الله كتب ~~المقادير فقالوا يا رسول الله افلا ندع العمل ونتكل على الكتاب فقال لا ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له اما من كان من اهل السعادة فسييسر لعمل اهل ~~السعادة واما من كان من اهل الشقاوة فسييسر لعمل اهل الشقاوة ( PageV10P171 ~~فما امر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة والتوكل مقرون بالعبادة كما في ~~قوله تعالى ( فاعبده وتوكل عليه ) وفى قوله ( قل هو ربي لا اله الا هو عليه ~~توكلت واليه متاب وقول شعيب عليه السلام @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ # ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الاعمال دون الواجبات فتنقص بقدر ذلك # ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة أو استجابة دعوة ~~مخالفة للعادة العامة ونحو ذلك فيشتغل احدهم عما امر به من العبادة والشكر ~~ونحو ذلك # فهذه الأمور ونحوها كثيرا ms2975 ما تعرض لاهل السلوك والتوجه وانما ينجو العبد ~~منها بملازمة امر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت كما قال الزهري كان من ~~مضى من سلفنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة وذلك ان السنة كما قال مالك رحمه ~~الله مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق والعبادة والطاعة # والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك الاسماء مقصودها واحد ولها ~~اصلان PageV10P172 ( احدهما ( الا يعبد الا الله # و ( الثاني ( اني يعبد بما امر وشرع لا بغير ذلك من البدع قال تعالى ( ~~فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) وقال ~~تعالى ( بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله اجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون ) وقال تعالى ( ومن احسن دينا ممن اسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) فالعمل الصالح هو الاحسان ~~وهو فعل الحسنات و ( الحسنات ) هي ما احبه الله ورسوله وهو ما امر به امر ~~ايجاب أو استحباب فما كان من البدع في الدين التى ليست مشروعة فان الله لا ~~يحبها ولا رسوله فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح كما ان يعمل مالا ~~يجوز كالفواحش والظلم ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح # واما قوله ( ولا يشرك بعبادة ربه احدا ) وقوله ( اسلم وجهه لله ) فهو ~~اخلاص الدين لله وحده وكان عمر بن الخطاب يقول اللهم اجعل عملي كله صالحا ~~واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لاحد فيه شيئا # وقال الفضيل بن عياض في قوله ( ليبلوكم أيكم احسن عملا ) قال اخلصه ~~واصوبه قالوا يا أبا علي ما اخلصه واصوبه قال PageV10P173 ان العمل اذا كان ~~خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل واذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى ~~يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون لله والصواب ان يكون على السنة # فإن قيل فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلا في اسم العبادة لماذا عطف ~~عليها غيرها كقوله ( اياك نعبد واياك نستعين ) وقوله ( فاعبده ms2976 وتوكل عليه ) ~~وقول نوح ( اعبدوا الله واتقوه واطيعون ) وكذلك قول غيره من الرسل قيل هذا ~~له نظائر كما في قوله ( ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) والفحشاء من ~~المنكر وكذلك قوله ( ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى ~~عن الفحشاء والمنكر والبغي ) وايتاء ذي القربى هو من العدل والاحسان كما ان ~~الفحشاء والبغي من المنكر وكذلك قوله ( والذين يمسكون بالكتاب واقاموا ~~الصلاة ) واقامة الصلاة من اعظم التمسك بالكتاب وكذلك قوله انهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا ) ودعاؤهم رغبا ورهبا من الخيرات ~~وامثال ذلك في القرآن كثير # وهذا الباب يكون تارة مع كون احدهما بعض الاخر فيعطف عليه تخصيصا له ~~بالذكر لكونه مطلوبا بالمعنى العام والمعنى الخاص وتارة تكون دلالة الاسم ~~تتنوع بحال الانفراد والاقتران فاذا افرد عم واذا قرن بغيره خص كاسم ( ~~الفقير ( و ( المسكين ( لما PageV10P174 افرد احدهما في مثل قوله ( للفقراء ~~الذين احصروا في سبيل الله ) وقوله ( أو طعام عشرة مساكين ) دخل فيه الاخر ~~ولما قرن بينهما في قوله ( انما الصدقات للفقراء والمساكين ) صارا نوعين # وقد قيل ان الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال اقتران بل يكون ~~من هذا الباب والتحقيق ان هذا ليس لازما قاال تعالى ( من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) وقال تعالى ( واذ اخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم ) # وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة تارة لكونه له خاصية ليست لسائر ~~أفراد العام كما في نوح وابراهيم وموسى وعيسى وتارة لكون العام فيه اطلاق ~~قد لا يفهم منه العموم كما في قوله ( هدى للمتقين والذين يؤمنون الغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل ~~من قبلك ) فقوله يؤمنون بالغيب يتناول الغيب الذي يجب الايمان به لكن فيه ~~اجمال فليس فيه دلالة على ان من الغيب ما انزل اليك وما انزل من قبلك وقد ~~يكون المقصود انهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب وبالاخبار بالغيب وهو ما ms2977 ~~انزل إليك وما انزل من قبلك PageV10P175 ومن هذا الباب قوله تعالى ( اتل ما ~~اوحى اليك من الكتاب واقم الصلاة ) وقوله ( والذين يمسكون بالكتاب واقاموا ~~الصلاة ) و ( تلاوة الكتاب ( هي اتباعه كما قال بن مسعود في قوله تعالى ( ~~الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) قال يحللون حلاله ويحرمون حرامه ~~ويؤمنون بمتشابهة ويعملون بمحكمه فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها لكن ~~خصها بالذكر لمزيتها وكذلك قوله لموسى ( اننى انا الله لا اله الا انا ~~فاعبدني واقم الصلاة لذكرى ) واقامة الصلاة لذكره من اجل عبادته وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة @QE@ وقوله @QB@ اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين @QE@ فإن هذه الامور هي ايضا من تمام تقوى الله وكذلك ~~قوله ( فاعبده وتوكل عليه ) فان التوكل والاستعانة هي من عبادة الله لكن ~~خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصها فانها هي العون على سائر انواع العبادة ~~اذ هو سبحانه لا يعبد الا بمعونته اذا تبين هذا فكمال المخلوق في تحقيق ~~عبوديته لله وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن ~~توهم ان المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه أو ان الخروج عنها اكمل ~~فهو من اجهل الخلق واضلهم قال تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل ~~عياد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ( PageV10P176 إلى قوله ( ~~وهم من خشيتة مشفقون ( وقال تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~ادا ( إلى قوله ( ان كل من في السماوات والأرض الا آتى الرحمن عبدا لقد ~~احصاهم وعدهم عدا وكلهم آتية يوم القيامة فردا ( وقال تعالى في المسيح ( ان ~~هو الا عبد انعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى اسرائيل ( وقال تعالى ( وله من ~~في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون ( وقال تعالى لن يستنكف المسيح ان يكون عبدا لله ~~والملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا إلى ~~قوله ( ولا يجدون لهم دون وليا ولا نصيرا ( وقال تعالى ( وقال ربكم ادعونى ~~استجب لكم ان الذين يستكبرون عن ms2978 عبادتى سيدخلون جهنم داخرين وقال تعالى ( ~~ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا ~~لله الذى خلقهن ان كنتم اياه تعبدون فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون ( وقال تعالى ( واذكر ربك في نفس تضرعا وخيفة ~~( إلى قوله ( ان الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحون وله يسجدون ( # وهذا ونحوه مما فيه وصف اكابر المخلوقات بالعبادة وذم من خرج عن ذلك ~~متعدد في القرآن وقد اخبر انه ارسل جميع الرسل بذلك PageV10P177 فقال تعالى ~~( وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحي إليه انه لا اله الا انا فاعبدون ( ~~وقال ( ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدواواجتنبوا الطاغوت ( وقال تعالى ~~لبنى اسرائيل يا عبادى الذين آمنوا ان ارضي واسعة فاياى فاعبدون ( واياي ~~فاتقون ( وقال ( يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون ( وقال ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ( وقال تعالى ( قل ~~انى امرت ان اعبد الله مخلصا له الدين وامرت لأن اكون اول المسلمين قل انى ~~اخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله اعبد مخلصا له دينى فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه ( # وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله كقول نوح ومن بعده ~~عليم السلام ( اعبدوا الله ما لكم من اله غيره ( وفى المسند عن بن عمر عن ~~النبى انه قال ( بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له ~~وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعل الذلة والصغار على من خالف امرى ( # وقد بين ان عباده هم الذين ينجون من السيئات قال الشيطان ( فبما اغويتنى ~~لازينن لهم في الأرض ولاغوينهم اجمعين الاعبادك منهم المخلصين ( قال تعالى ~~( ان عبادى ليس عليهم سلطان الا PageV10P178 من اتبعك من الغاوين ( وقال ( ~~فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين ( وقال في حق يوسف ( كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين ( وقال ( سبحان الله عما ~~يصفون الا عباد الله المخلصين ( وقال ms2979 ( انه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ( ~~وبها نعت كل من اصطفى من خلقه كقوله ( واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب ~~اولي الايدى والأبصار انا اخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وانهم عندنا لمن ~~المصطفين الاخيار ( وقوله ( واذكر عبدنا داود ذا الايد انه أواب ( وقال عن ~~سليمان ( نعم العبد انه أواب ( وعن أيوب ( نعم العبد ( وقال ( واذكر عبدنا ~~ايوب اذ نادى ربه ( وقال نوح عليه السلام ( ذرية من حملنا مع نوح انه كان ~~عبدا شكورا ( وقال ( سبحان الذى اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى ( وقال ( وانه لما قام عبد الله يدعوه ( وقال ( وان كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا ( وقال ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ( وقال ( عينا ~~يشرب بها عباد الله ( وقال ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ( ~~ومثل هذا كثير متعدد في القرآن PageV10P179 ### ||| فصل # اذا تبين ذلك فمعلوم ان هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلا عظيما وهو تفاضلهم ~~في حقيقة الايمان وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص ولهذا كانت ربوبية الرب لهم ~~فيها عموم وخصوص ولهذا كان الشرك في هذه الامة أخفى من دبيب النمل وفى ~~الصحيح عن النبى صلى اله عليه وسلم انه قال ( تعس عبد الدرهم تعس عبد ~~الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس واذا شيك فلا انتقش ان ~~اعطى رضى وان منع سخط ( # فسماه النبى عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة وذكر ما ~~فيه دعاء وخبر وهو قوله ( تعس وانتكس واذا شيك فلا انتقش ( والنقش اخراج ~~الشوكة من الرجل والمنقاش ما يخرج به الشوكة وهذه حال من اذا اصابه شر لم ~~يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه ~~وهذه حال من عبد المال وقد وصف ذلك بانه ( اذا اعطى رضى واذا منع خط ( كما ~~قال تعالى ( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن PageV10P180 اعطوا منها رضوا ~~وان لم يعطوا منها اذا هم ms2980 يسخطون ( فراضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله ~~وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من اهواء نفسه ان حصل له ~~رضي وان لم يحصل له سخط فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو رقيق له اذا الرق ~~والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته فما استرق القلب واستعبده فهو ~~عبده ولهذا يقال # العبد حر ما قنع %~% والحر عبد ما طمع # وقال القائل # اطعت مطامعى فاستعبدتنى %~% ولو انى قنعت لكنت حرا # ويقال الطمع غل في العنق ~~قيد في الرجل فاذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل ويروى عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه انه قال الطمع فقر واليأس غنى وان احدكم اذا يئس من ~~شيء استغنى عنه وهذا امر يجده الانسان من نفسه فان الامر الذى ييأس منه لا ~~يطلبه ولا يطمع به ولا يبقى قلبه فقيرا إليه ولا إلى من يفعله واما اذا طمع ~~في امر من الامور ورجاه تعلق قلبه به فصار فقيرا إلى حصوله والى من يظن انه ~~سبب في حصوله وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك قال الخليل ( فابتغوا ~~عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ( PageV10P181 فالعبد لا بد ~~له من الرزق وهو محتاج إلى ذلك اذا طلب رزقه من الله صار عبدا لله فقيرا ~~إليه وان طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه # ولهذا كانت ( مسألة المخلوق ( محرمة في الاصل وانما ابيحت للضرورة وفى ~~النهى عنها احاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد كقوله ( لا تزال ~~المسألة بأحدكم حتى يأتى يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ( وقوله ( من ~~سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا ~~في وجهه ( وقوله ( لا تحل المسألة الا لذى غرم مفظع أو دمع موجع أو فقر ~~مدقع ( هذا المعنى في الصحيح وفيه ايضا ( لأن يأخذ احدكم حبله فيذهب فيحتطب ~~خير له من ان يسأل الناس اعطوه أو منعوه ( وقال ( ما اتاك من هذا المال ~~وانت ms2981 غير سائل ولا مشرف فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك ( فكره اخذه من سؤال ~~اللسان واستشراف القلب وقال في الحديث الصحيح ( من يستغن يغنه الله ومن ~~يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله ما اعطى أحد عطاء خيرا واوسع من ~~الصبر ( واوصى خواص اصحابه ان لا يسألوا الناس شيئا وفى المسند ( ان أبا ~~بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنى اياه ويقول ان خليلي امرنى ~~ان لا اسأل الناس شيئا ( وفى صحيح مسلم وغيره عن عوف بن مالك ( ان ~~PageV10P182 النبى بايعه في طائفة واسر اليهم كلمة خفية ان لا تسألوا الناس ~~شيئا فكان بعض اولئك النفر يسقط السوط من يد احدهم ولا يقول لاحد ناولنى ~~اياه ( # وقد دلت النصوص على الامر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير ~~موضع كقوله تعالى ( فإذا فرغت انصب والى ربك فارغب ( وقول النبى لابن عباس ~~( اذا سألت فاسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله ( ومنه قول الخليل ( ~~فابتغوا عند الله الرزق ( ولم يقل فابتغوا الرزق عند الله لأن تقديم الظرف ~~يشعر بالاختصاص والحصر كانه قال لا تبتغوا الرزق الا عند الله وقد قال ~~تعالى ( واسألوا الله من فضله ( والانسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه ~~من الرزق ونحوه ودفع ما يضره وكلا الامرين شرع له ان يكون دعاؤه لله فله ان ~~يسأل الله واليه يشتكى كما قال يعقوب عليه السلام ( انما اشكو بثي وحزنى ~~إلى الله ( # والله تعالى ذكر في القرآن ( الهجر الجميل ( و ( الصفح الجميل ( و ( ~~الصبر الجميل ( # وقد قيل ان ( الهجر الجميل ( هو هجر بلا اذى والصفح الجميل صفح بلا ~~معاتبة والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق ولهذا قرئ على أحمد بن ~~حنبل في مرضه ان طاوسا كان يكره انين PageV10P183 المريض ويقول انه شكوى ~~فما ان أحمد حتى مات # واما الشكوى إلى الخالق فلا تنافى الصبر الجميل فان يعقوب قال ( فصبر ~~جميل ( وقال ( انما اشكو بثي وحزنى إلى الله ( وكان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه يقرأ ms2982 في الفجر بسورة ( يونس ) و ( يوسف ) و ( النحل ) فمر بهذه الآية ~~في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف ومن دعاء موسى ( اللهم لك ~~الحمد واليك المشتكى وانت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا ~~قوة الا بك ( وفى الدعاء الذي دعا به النبى لما فعل به اهل الطائف ما فعلوا ~~( اللهم اليك اشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس انت رب المستضعفين ~~وانت ربي اللهم إلى من تكلنى إلى بعيد يتجهمنى أم إلى عدو ملكته امري ان لم ~~يكن بك غضب علي فلا ابالي غير ان عاقبتك اوسع لي اعوذ بنور وجهك الذي اشرقت ~~به الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والآخرة ان ينزل بي سخطك أو يحل على غضبك ~~لك العتبى حتى ترضى فلا حول ولا قوة الا بك وفى بعض الروايات ولا حول ولا ~~قوة الا بك ( # وكلما طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته قويت ~~عبوديته له وحريته مما سواه فكما ان طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له فيأسه ~~منه يوجب غنى قلبه عنه كما قيل استغن PageV10P184 عمن شئت تكن نظيره وافضل ~~على من شئت تكن اميره واحتج إلى من شئت تكن اسيره فكذلك طمع العبد في ربه ~~ورجاؤه له يوجب عبوديته له واعراض قلبه عن الطلب من غير الله والرجاء له ~~يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو ~~الخالق بحيث يكون قلبه معتمدا اما على رئاسته وجنوده واتباعه ومماليكه واما ~~على اهله واصدقائه واما على امواله وذخائره واما على ساداته وكبرائه كمالكه ~~وملكه وشيخه ومخدومه وغيرهم ممن هو قد مات أو يموت قال تعالى ( وتوكل على ~~الحى الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا ( # وكل من علق قلبه بالمخلوقات ان ينصروه أو يرزقوه أو ان يهدوه خضع قلبه ~~لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك وان كان في الظاهر اميرا لهم مدبرا ~~لهم متصرفا بهم فالعاقل ينظر إلى ms2983 الحقائق لا إلى الظواهر فالرجل اذا تعلق ~~قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلب اسيرا لها تحكم فيه وتتصرف بما ~~تريد وهو في الظاهر سيدها لانه زوجها وفي الحقيقة هو اسيرها ومملوكها لا ~~سيما اذا درت بفقره اليها وعشقه لها وانه لا يعتاض عنها بغيرها انها حينئذ ~~تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذى لا يستطيع الخلاص ~~PageV10P185 منه بل اعظم فإن اسر القلب اعظم من اسر البدن واستعباد القلب ~~اعظم من استعباد البدن فان من استعبد بدنه واسترق لا يبالى اذا كان قلبه ~~متريحا من ذلك مطمئنا بل يمكنه الاحتيال في الخلاص واما اذا كان القلب الذي ~~هو الملك رقيقا مستعبدا متيما لغير الله هذا هو الذل والاسر المحض ~~والعبودية لما استعبد القلب # وعبودية القلب واسره هي التى يترتب عليها الثواب والعقاب ان المسلم لو ~~اسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك اذا كان قائما بما يقدر علي ~~من الواجبات ومن استعبد بحق اذا ادى حق الله وحق مواليه له اجران ولو اكره ~~على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالايمان لم يضره ذلك واما من ~~استعبد قلبه صار عبدا لغير الله فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس # فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما ان الغنى غنى النفس قال ~~النبى ( ليس الغنى عن كثرة العرض وانما الغنى غنى النفس ( وهذا لعمري اذا ~~كان قد استعبد قلبه صورة مباحة فاما من استعبد قلبه صورة محرمة امرأة اوصبى ~~فهذا هو العذاب الذي لا يدان فيه وهؤلاء من اعظم الناس عذابا واقلهم ثوابا ~~فإن العاشق لصورة اذا بقى قلبه متعلقا بها مستعبدا لها اجتمع له من ~~PageV10P186 انواع الشر والفساد ما لا يحصيه الا رب العباد ولو سلم من فعل ~~الفاحشة الكبرى فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة اشد ضررا عليه ممن ~~يفعل ذنبا ثم يتوب منه ويزول اثره من قلبه وهؤلاء يشبهون بالسكارى ~~والمجانين كما قيل # سكران سكر هوى وسكر مدامة ms2984 %~% ومتى افاقة من به سكران # وقيل قالوا # جننت بمن تهوى فقلت لهم %~% العشق اعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه %~% وانما يصرع المجنون في الحين # ومن اعظم اسباب هذا البلاء اعراض ~~القلب عن الله فان القلب اذا ذاق طعم عبادة الله والاخلاص له لم يكن عنده ~~شيء قط احلى من ذلك ولا ألذ ولا اطيب والانسان لا يترك محبوبا الا بمحبوب ~~آخر يكون أحب إليه منه أو خوفا من مكروه فالحب الفاسد انما ينصرف القلب عنه ~~بالحب الصالح أو بالخوف من الضرر PageV10P187 قال تعالى في حق يوسف ( كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين ( فالله يصرف عن عبده ما ~~يسوءه من الميل إلى الصورة والتعلق بها ويصرف عنه الفحشاء باخلاصه لله # ولهذا يكون قبل ان يذوق حلاوة العبودية لله والاخلاص له تغلبه نفسه على ~~اتباع هواها فاذا ذاق طعم الاخلاص وقوى في قلبه انقهر له هواء بلا علاج قال ~~تعالى ( ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر ( فان الصلاة ~~فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر الله ~~وحصول هذا المحبوب اكبر من مندفع المكروه فان ذكر الله عبادة لله وعبادة ~~القلب لله مقصودة لذاتها واما اندفاع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل ~~التبع # والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه فلما عرضت له ارادة الشر طلب دفع ذلك ~~فانه يفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل ولهذا قال تعالى ( ~~قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها ( وقال تعالى ( قد افلح من تزكى وذكر ~~اسم ربه فصلى ( وقال ( قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ~~ازكى لهم ( وقال تعالى ( ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد ~~ابدا ( فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو ازكى PageV10P188 للنفس وبين ان ~~ترك الفواحش من زكاة النفوس وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من ~~الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض ~~قلبه ms2985 رقيق لمن يعينه عليها ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم فهو في ~~الحقيقة يرجوهم ويخافهم فيبذل لهم الأموال والولايات ويعفو عنهم ليطيعوه ~~ويعينوه فهو في الظاهر رئيس مطاع وفى الحقيقة عبد مطيع لهم والتحقيق ان ~~كلاهما فيه عبودية للآخر وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله واذا كان تعاونهما ~~على العلو في الأرض بغير الحق كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع ~~الطريق فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقه يستعبده الآخر ~~وهكذا ايضا طالب المال فان ذلك يستعبده ويسترقه وهذه الأمور نوعان # ( منها ( ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إليه من طعامه وشرابه ومسكنه ~~ومنكحه ونحو ذلك هذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه يكون المال عنده يستعمله ~~في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطة الذي يجلس عليه بل بمنزة الكنيف ~~الذي يقضى فيه حاجته من غير ان يستعبده فيكون هلوعا PageV10P189 اذا مسه ~~الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا # و ( منها ( ما لا يحتاج العبد إليه فهذه لا ينبغى له ان يعلق قلبه بها ~~فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها وربما صار معتمدا على غير الله فلا ~~يبقى معه حقيقة العبادة لله ولا حقيقة التوكل عليه بل فيه شعبة من العبادة ~~لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله وهذا من احق الناس بقوله صلى الله ~~عليه وسم ( تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد ~~الخميصة ( وهذا هو عبد هذه الأمور فلو طلبها من الله فإن الله اذا اعطاه ~~اياها رضي واذا منعه اياها سخط وانما عبد الله من يرضيه ما يرضى الله ~~ويسخطه ما يسخط الله ويحب ما احبه الله ورسوله ويبغض ما ابغضه الله ورسوله ~~ويوالي اولياء الله ويعادى اعداء الله تعالى وهذا هو الذى استكمل الايمان ~~كما في الحديث ( من احب لله وابغض لله واعطى لله ومنع لله فقد استكمل ~~الايمان ( وقال ( اوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله ( # وفى الصحيح عنه ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان ms2986 من كان الله ورسوله ~~احب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره ان ~~يرجع في الكفر بعد اذ انقذه الله منه كما يكره ان يلقى في النار ( فهذا ~~وافق ربه فيما يحبه وما PageV10P190 يكرهه فكان الله ورسوله احب إليه مما ~~سواهما واحب المخلوق لله لا لغرض آخر فكان هذا فكان من تمام حبه لله فان ~~محبة محبوب من تمام محبة المحبوب فاذا احب أنبياء الله واولياء الله لأجل ~~قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر فقد احبهم لله لا لغيره وقد قال تعالى ( ~~فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين ( # ولهذا قال تعالى ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ( فان ~~الرسول يأمر بما يحب الله وينهى عما يبغضه الله ويفعل ما يحبه الله ويخبر ~~بما يحب الله التصديق به فمن كان محبا لله لزم ان يتبع الرسول فيصدقه فيما ~~اخبر ويطيعه فيما امر ويتأسى به فيما فعل ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله ~~فيحبه الله فجعل الله لأهل محبته علامتين اتباع الرسول والجهاد في سبيله # وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحب الله من الايمان والعمل ~~الصالح ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان وقد قال تعالى ( ~~قل ان كان آباؤكم وانباؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم إلى قوله حتى يأتى ~~الله بأمره ( فتوعد من كان اهله وماله احب إليه من الله ورسوله والجهاد في ~~سبيله بهذا الوعيد بل قد ثبت نه في الصحيح انه قال ( والذى نفسى بيده لا ~~يؤمن PageV10P191 احدكم حتى اكون احب إليه من ولده ووالده والناس اجمعين ( ~~وفى الصحيح ان عمر بن الخطاب ( قال له يا رسول الله والله لأنت احب الي من ~~كل شيء الا من نفسى فقال لا يا عمر حتى اكون احب اليك من نفسك فقال فوالله ~~لأنت احب الي من نفسي فقال الأن يا عمر ( # فحقيقة المحبة لا تتم الا بموالاة المحبوب وهو موافقته في ms2987 حب ما يحب وبغض ~~ما يبغض والله يحب الايمان والتقوى ويبغض الكفر والفسوق والعصيان ومعلوم ان ~~الحب يحرك ارادة القلب فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات ~~فاذا كانت المحبة تامة استلزمت ارادة جازمة في حصول المحبوبات فاذا كان ~~العبد قادرا عليها حصلها وان كان عاجزا عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك كان ~~له كأجر الفاعل كما قال النبى ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل اجور ~~من اتبعه من غير ان ينقص من اجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من ~~الوزر مثل اوزار من اتبعه من غير ان ينقص من اوزارهم شيئا ( وقال ( ان ~~بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم قالوا وهم ~~بالمدينة قال هم بالمدينة حبسهم العذر ( # و ( الجهاد ( هو بذل الوسع وهو القدرة في حصول محبوب الحق PageV10P192 ~~ودفع ما يكرهه الحق فاذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلا على ~~ضعف محبة الله ورسوله في قلبه ومعلوم ان المحبوبات لا تنال غالبا الا ~~باحتمال المكروهات سواء كانت محبة صالحة فاسدة فالمحبون للمال والرئاسة ~~والصور لا ينالون مطالبهم الا بضرر يلحقهم في الدنيا مع ما يصيبهم من الضرر ~~في الدنيا والآخرة فالمحب لله ورسوله اذا لم يتحمل ما يرى ذو الرأى من ~~المحبين لغير الله مما يحتملون في حصول محبوبهم دل ذلك على ضعف محبتهم لله ~~اذا كان ما يسلكه اولئك هو الطريق الذي يشير به العقل # ومن المعلوم ان المؤمن اشد حبا لله كما قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله ( نعم قد يسلك ~~المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقا لالا يحصل بها المطلوب فمثل هذه الطريق ~~لا تحمد اذا كانت المحبة صالحة محمودة فكيف اذا كانت المحبة فاسدة والطريق ~~غير موصل كما يفعله المتهورون في طلب المال والرئاسة والصور في حب امور ~~توجب لهم ضرر ولا تحصل لهم مطلوبا وانما المقصود ms2988 الطرق التى يسلكها العقل ~~حصول مطلوبه # واذا تبين هذا فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية وكلما ازداد له ~~عبودية ازداد له حبا وحرية عما سواه والقلب فقير بالذات PageV10P193 إلى ~~الله من وجهين من جهة العبادة وهى العلة الغائبة ومن جهة الاستعانة والتوكل ~~وهى العلة الفاعلية فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ولا يسر لا يطيب ولا ~~يسكن ولا يطمئن الا بعبادة ربه وحبه والانابة إليه ولو حصل له كل ما يلتذ ~~به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن اذ فيه فقر ذاتى إلى ربه ومن حيث هو ~~معبوده ومحبوبه ومطلوبه وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة ~~والسكون والطمأنينة # وهذا لا يحصل له إلا باعانة الله له لا يقدر على تحصيل ذلك له الا الله ~~فهو دائما مفتقر إلى حقيقة ( اياك نعبد واياك نستعين ( فانه لو أعين على ~~حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده ولم يحصل له عبادته لله بحيث يكون هو ~~غاية مراده ونهاية مقصودة وهو الحبوب له بالقصد الأول وكل ما سوا انما يحبه ~~لأجله لا يحب شيئا لذاته الا الله متى لم يحصل له هدا لم يكن قد حقق حقيقة ~~( لا اله الا الله ( ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة وكان فيه من النقص ~~والعيب بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك # ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعينا بالله متوكلا عليه مفتقرا إليه ~~في ى حصوله لم يحصل له فانه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهو مفتقر ~~إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود ومن PageV10P194 حيث هو ~~المسؤول المستعان به المتوكل عليه فهو الهه لا اله له غيره وهو ربه لا رب ~~سواه # ولا تتم عبوديته لله الا بهذين فمتى كان يحب غير الله لذاته أو يلتفت إلى ~~غير الله انه يعينه كان عبدا لما احبه وعبدا لما رجاه بحسب حبه له ورجائه ~~اياه واذا لم يحب لذاته الا الله وكلما احب سواه فانما احبه له ولم ms2989 يرج قط ~~شيئا الا الله واذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصل ما حصل منها كان مشاهدا ~~ان الله هو الذي خلقها وقدرها وان كل ما في السماوات والأرض فالله ربه ~~ومليكه وخالقه وهو مفتقر إليه كان قد حصل له من تمام عبوديته لله بحسب ما ~~قسم له من ذلك # والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصى طرفيها الا الله # فأكمل الخالق وأفضلهم واعلاهم واقربهم إلى الله واقواهم واهداهم اتمهم ~~عبودية لله من هذا الوجه # وهذا هو حقيقة دين الاسلام الذى أسل به رسله وانزل به كتبه وهو ان يستسلم ~~العبد لله لا لغيره فالمستسلم له ولغيره مشرك والممتنع عن الاستسلام له ~~مستكبر وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( ان الجنه لا يدخلها من في قلبه مثقال ~~ذره من كبر كما PageV10P195 النار لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من ~~الايمان فجعل الكبر مقابلا للايمان فان الكبر ينافى حقيقة العبودية كما ثبت ~~في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( يقول الله العظمة ازارى ~~والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته ( فالعظمة والكبرياء من ~~خصائص الربوبية والكبرياء اعلى من العظمة ولهذا جعلها بمنزلة الرداء كما ~~جعل العظمة بمنزلة الازار # ولهذا كان شعار الصلوات والاذان والاعيا هو التكبير وكان مستحبا في ~~الامكنة العالية كالصفا والمروة واذا علا الانسان شرفا أو ركب دابة ونحو ~~ذلك وبه يطفأ الحريق وان عظم وعند الاذان يهرب الشيطان قال تعالى ( وقال ~~بكم ادعونى استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين ) # وكل من استكبر عن عبادة الابد ان يعبد غيره فإن الانسان حساس يتحرك ~~بالارادة وقد ثبت في الصحيح عن النبى انه قال ( اصدق الاسماء حارث وهمام ( ~~فالحارث الكاسب الفاعل والهمام فعال من الهم والهم اول الارادة فالانسان له ~~ارادة دائما وكل ارادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه فلا بد لكل عبد من ~~مراد محبوب هو منتهى حبه وارادته فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه ~~وارادته بل ms2990 استكبر عن ذلك فلا بد ان يكون له مراد محبوب PageV10P196 ~~يستعبده غير الله فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب اما المال واما الجاه ~~واما الصور واما ما يتخذه الها من دون الله كالشمس والقمر والكواكب ~~والاوثان وقبور الانبياء والصالحين أو من الملائكة والانبياء الذين يتخذهم ~~اربابا أو غير ذلك مما عبد من دون الله # واذا كان عبدا لغير الله يكون مشركا وكل مستكبر فهو مشرك ولهذا كان فرعون ~~من اعظم الخلق استكبارا عن عبادة الله وكان مشركا قال تعالى ( ولقد ارسلنا ~~موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب إلى ~~قوله وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب إلى ~~قوله كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) وقال تعالى ( وقارون وفرعون ~~وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين ) ~~وقال تعالى ( ان فرعون علا في الأرض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح ابناءهم ويستحى نساءهم ) إلى قوله ( فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) # ومثل هذا في القرآن كثير # وقد وصف فرعون بالشرك في قوله ( وقال الملأ من قوم فرعون اتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ) PageV10P197 بل الاستقراء يدل على انه ~~كلما كان الرجل اعظم استكبارا عن عبادة الله كان الرجل اعظم اشراكا بالله ~~لانه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره أو حاجته إلى المراد المحبوب ~~الذي هو المقصود مقصود القلب بالقصد الاول فيكون مشركا بما استعبده من ذلك # ولن يستغنى القلب عن جميع المخلوقات الا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا ~~يعبد إلا اياه ولا يستعين الا به ولا يتوكل الا عليه ولا يفرح الا بما يحبه ~~ويرضاه ولا يكره الا ما يبغضه الرب ويكرهه ولا يوالي الا من والاه الله ولا ~~يعادى الا من عاداه الله ولا يحب إلا الله ولا يبغض شيئا الا لله ولا يعطى ~~الا الله ولا يمنع الا الله فكلما قوى اخلاص دينه لله كملت عبوديته ~~واستغناؤه عن المخلوقات ms2991 وبكمال عبوديته لله يبرئه من الكبر والشرك # والشرك غالب على النصارى والكبر غالب على اليهود قال تعالى في النصارى ( ~~اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما امروا الا ~~ليعبدوا الها واحدا لا اله الا هو سبحانه عما يشركون ) وقال في اليهود ( ~~أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى انفسكم استكبرتم ففريق كذبتم وفريق تقتلون ) ~~وقال تعالى ( سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وان يروا ~~PageV10P198 كل آية لا يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ) # ولما كان الكبر مستلزما للشرك والشرك ضد الاسلام وهو الذنب الذى لا يغفره ~~الله ( ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك ~~بالله فقد افترى اثما عظيما وقال ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء ومن يشك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) كان الانبياء جميعهم ~~مبعوثين بدين الاسلام فهو الدين الذى لا يقبل الله غيره لا من الاولين ولا ~~من الآخرين قال نوح ( فان توليتم فما سألتكم من اجر أن اجرى الا على الله ~~وامرت ان اكون من المسلمين وقال في حق إبراهيم ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم ~~الا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وانه في الاخرة لمن الصالحين اذ ~~قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين ) إلى قوله ( فلا تموتن الا وأنتم ~~مسلمون ) وقال يوسف ( توفنى مسلما والحقنى بالصالحين ) وقال موسى ( يا قوم ~~ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ) ~~وقال تعالى ( انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا ) وقالت بلقيس ( رب انى ظلمت نفسى واسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين ) وقال PageV10P199 ( واذا اوحيت إلى الحواريين ان آمنوا بى ~~وبرسولى قالوا امنا واشهد بأننا مسلمون وقال ( ان الدين عند الله الاسلام ) ~~وقال ( من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ) # وقال تعالى ( افغير ms2992 دين الله يبغون وله اسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها ) فذكر اسلام الكائنات طوعا وكرها لان المخلوقات جميعها متعبدة له ~~التعبد العام سواء اقر المقر بذلك أو انكره وهم مدينون مدبرون فهم مسلمون ~~له طوعا وكرها ليس لاحد من المخلوقات خروج عما شاءه وقدره ولا حول ولا قوة ~~الا به وهو رب العالمين ومليكهم يصرفهم كيف يشاء وهو خالقهم كلهم وبارئهم ~~ومصورهم وكل من سواه فهو مربوب مصنوع ومفطور فقير محتاج معبد مقهور وهو ~~الواحد القهار الخالق البارى المصور وهو ان كان قد خلق ما خلقه بأسباب فهو ~~خالق السبب والمقدر له وهو مفتقر إليه كافتقار هذا وليس في المخلوقات سبب ~~مستقل بفعل ولا دفع ضرر بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب اخر يعاونه والى ~~ما يدفع عنه الضد الذي يعارضه ويمانعه # وهو سبحانه وحده الغنى عن كل ما سواه ليس له شريك يعاونه ولا ضد يناوئه ~~ويعارضه قال تعالى ( قل ارايتم ما تدعون من دون PageV10P200 الله ان ارادنى ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ارادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبى ~~الله عليه يتوكل المتوكلون ) وقال تعالى ( وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~الا هو وان يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ) وقال تعالى عن الخليل ( يا ~~قوم انى بريء مما تشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~انا من المشركين وحاجة قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدان ولا اخاف ما ~~تشركون به الا ان يشاء ربي شيئا إلى قوله تعالى ( الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~ايمانهم بظلم اولئك لهما الامن وهو مهتدون # وفى الصحيحين عن بن مسعود رضى الله عنه ( ان هذه الاية لما نزلت شق ذلك ~~على اصحاب النبى وقالوا يا رسول الله اينا لم يلبس ايمانا بظلم فقال انما ~~هو الشرك الم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ( ان الشرك لظلم عظيم ) # وابراهيم الخليل امام الحنفاء المخلصين حيث بعث وقد طبق الأرض دين ~~المشركين قال الله ms2993 تعالى ( واذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال انى ~~جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدى الظالمين ) فبين ان عهده ~~بالامامة لا يتناول الظالم فلم يأمر الله سبحانه ان يكون الظالم اماما ~~واعظم الظلم الشرك PageV10P201 # وقال تعالى ( ان إبراهيم كان امة قانتا لله ~~حنيفا ولم يكن من المشرؤكين ) و ( الامة ( هو معلم الخير الذي يؤتم به كما ~~ان ( القدوة ( الذي يقتدى به # والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب وانما بعث الانبياء بعده بملته ~~قال تعالى ( ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~) وقال تعالى ( ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين ~~آمنوا والله ولى المؤمنين ) وقال تعالى ( وما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ) وقال تعالى ( وقالوا ~~كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~قولوا امنا بالله وما انزل الينا وما انزل إلى إبراهيم واسماعيل واسحاق ~~ويعقوب والاسباط إلى قوله ونحن له مسلمون # وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( ان إبراهيم خير البرية ( فهو افضل الانبياء ~~بعد النبى وهو خليل الله تالى وقد ثبت في الصحيح عن النبى من غير وجه انه ~~قال ( ان الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ( وقال ( لو كنت متخذا ~~من اهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ( يعنى ~~نفسه وقال ( لا يبقين PageV10P202 في المسجد خوخة الا سدت الا خوخة ابى بكر ~~( وقال ( ان من كان قبلكم يتخذون القبور مساجد الا فلا تتخذوا القبور مساجد ~~فانى انهاكم عن ذلك ( وكل هذا في الصحيح وفيه انه قال ذلك قبل موته بايام ~~وذلك من تمام رسالته # فإن في ذلك تحقيق تمام مخالقه لله التى اصلها محبة الله تعالى للعبد ~~ومحبة العبد لله خلافا للجهمية # وفي ذلك تحقيق توحيد الله ان لا يعبدوا الا اياه ورد على اشباه المشركين # وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق حقه وهم اعظم ms2994 المنتسبين إلى ~~القبلة اشراكا بالبشر # و ( الخلة ( هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله ومن ~~الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه ولفظ العبودية يتضمن ~~كمال الذل وكمال الحب فانهم يقولون قلب متيم اذا كان متعبدا للمحبوب ~~والمتيم المتعبد وتيم الله عبده وهذا على الكمال حصل لابراهيم ومحمد ولهذا ~~لم يكن له ان اهل الأرض خليل اذ الخلة لاتحتمل الشركة فانه كما قيل في ~~المعنى PageV10P203 # قد تخللت مسلك الروح منى %~% وبذا سمى الخليل خليلا # بخلاف اصل الحب فانه قد قال في الحديث الصحيح في الحسن واسامة ( اللهم انى ~~احبهما فأحبهما واحب من يحبهما ( وسأله عمرو بن العاص ( اي الناس احب اليك ~~قال عائشة قال فمن الرجال قال ابوها ( وقال لعلي رضي الله عنه ( لاعطين ~~الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ( وامثال ذلك كثير # وقد اخبر تعالى انه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب ~~التوابين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص وقال ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) فقد اخبر بمحبته لعباده ~~المؤمنين ومحبة المؤمنين له حتى قال ( والذين آمنوا اشد حبا لله ) # واما الخلة فخاصة وقول بعض الناس ان محمدا حبيب الله وابراهيم خليل الله ~~وظنه ان المحبة فوق الخلة قول ضعيف فان محمدا ايضا خليل الله كما ثبت ذلك ~~في الاحاديث الصحيحة المستفيضة وما يروى ( ان العباس يحشر بين حبيب وخليل ( ~~وامثال ذلك فاحاديث موضوعة لا تصلح ان يعتمد عليها PageV10P204 # وقد قدمنا ان من محبة الله تعالى محبة ما احب كما في الصحيحين عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم انه قال ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان ~~الله ورسوله احب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن ~~كان يكره ان يرجع في الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره ان يلقى في ~~النار ( اخبرالنبى ان هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان لان وجد ~~الحلاوة بالشئ يتبع المحبة ms2995 له فمن احب شيئا أو اشتهاه إذا حصل له مراده ~~فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك واللذة امر يحصل عقب ارداك الملائم ~~الذى هو المحبوب أو المشتهى # ومن قال ان اللذة إدراك الملائم كما يقوله من يقوله من المتفلسفة ~~والأطباء فقد غلط في ذلك غلطا بينا فان الادراك يتوسط بين المحبة واللذة ~~فإن الإنسان مثلا يشتهى الطعام فإذا كله حصل له عقيب ذلك اللذة فاللذة تتبع ~~النظر إلى الشيء فإذا نظر إليه التذ فاللذة تتبع النظر ليست نفس النظر ~~وليست هي رؤية الشئ بل تحصل عقيب رؤيته وقال تعالى ( وفيها ما تشتهيه وتلذ ~~الاعين ( وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام من فرح وحزن ونحو ذلك ~~يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه وليس نفس الشعور هو PageV10P205 ~~والفرح ولا الحزن فحلاوة الايمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده ~~المؤمن الواجد من حلاوة الايمان تتبع كمال محبة العبد لله وذلك بثلاثة أمور # تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها # ( فتكميلها ( أن يكون الله ورسوله احب إليه مما سواهما فان محبة الله ~~ورسوله لا يكتفى فيها باصل الحب بل لا بد ان يكون الله ورسوله احب إليه مما ~~سواهما كما تقدم # و ( تفريعها ( أن يحب المرء لا يحبه الا لله # و ( دفع ضدها ( ان يكره ضد الايمان اعظم من كراهته الالقاء في النار فاذا ~~كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحب المؤمنين الذين يحبهم الله أنه اكمل الناس محبة لله واحقهم بأن ~~يحب ما يحبه الله ويبغض ما يغضه الله و ( الخلة ( ليس لغير الله فيها نصيب ~~بل قال ( لوكنت متخذا من اهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا ( علم مزيد ~~مرتبة الخلة على مطلق المحبة # والمقصود ( هو ان ( ا لخلة ( و ( المحبة لله ( تحقيق عبوديته وانما يغلط ~~من يغلط في هذه من حيث يتوهمون ان العبودية مجرد ذل PageV10P206 وخضوع فقط ~~لا محبة معه أو ان المحبة فيها انبساط في الأهواء أو ادلال ms2996 لا تحتمله ~~الربوبية ولهذا يذكر عن ( ذى النون ( انهم تكلموا عنده في مسألة المحبة ~~فقال امسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها وكره من كره من اهل ~~المعرفة والعلم مجالسة اقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية وقال من قال ~~من السلف من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالرجاء وحده فهو ~~مرجىء ومن عبده بالخوف وحده فهو حرورى ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو ~~مؤمن موحد ولهذا وجد في المستأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك ~~إلى نوع من الرعونة والدعوى التى تنافى العبودية وتدخل العبد في نوع من ~~الربوبية التى لا تصلح الا الله ويدعى احدهم دعاوى تتجاوز حدود الأنبياء ~~والمرسلين أو يطلبون من الله ما لا يصلح بكل وجه الا الله لا يصلح للأنبياء ~~والمرسلين # وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ # وسببه ضعف تحقيق العبودية التى بينتها الرسل وحررها الامر والنهى الذى ~~جاؤا به بل ضعف العقل الذى به يعرف العبد حقيقته واذا ضعف العقل وقل العلم ~~بالدين وفى النفس محبة انبسطت النفس بحمقها في ذلك كما ينبسط الانسان في ~~محبة الانسان مع حمقه وجهله ويقول انا محب فلا أؤاخذ بما افعله من انواع ~~يكون فيها عدوان وجهل فهذا PageV10P207 عين الضلال وهو شبيه بقول اليهود ~~والنصارى ( نحن ابناء الله واحباؤه ( قال الله تعالى ( قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ( فان تعذيبه لهم ~~بذنوبهم يقتضى انهم غير محبوبين ولا منسوبين إليه بنسبه البنوة بل يقتضى ~~انهم مربوبون مخلوقون # فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه محبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ~~ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان ومن فعل الكبائر واصر عليها ولم يتب منها ~~فان الله يبغض منه ذلك كما يحب منه ما يفعله من الخير اذ حبه للعبد بحسب ~~ايمانه وتقواه ومن ظن ان الذنوب لا تضره يكون الله يحبه مع اصراره عليها ~~كان بمنزلة من زعم ان تناول السم لا يضره ms2997 مع مداومته عليه وعدم تداويه منه ~~بصحة مزاجه # ولو تدبر الاحمق ما قص الله في كتابه من قصص انبيائه وما جرى لهم من ~~التوبه والاستغفار ومااصيبوا به من انواع البلاء الذى فيه تمحيص لهم وتطهير ~~بحسب احوالهم على بعض ضرر الذنوب باصحابها ولو كان ارفع الناس مقاما فان ~~المحب للمخلوق اذا لم يكن عارفا بمصلحته ولا مريدا لها بل يعمل بمقتضى الحب ~~وان كان جهلا وظلما كان ذلك سببا لبغض المحبوب له ونفوره عنه بل لعقوبته ~~PageV10P208 وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله انواعا من أمور الجهل ~~بالدين اما من تعدى حدود الله واما من تضييع حقوق الله واما من ادعاء ~~الدعاوى الباطلة التى لا حقيقة لها كقول بعضهم أي مريد لى ترك في النار ~~احدا فأنا منه بريء فقال الآخر أي مريد لى ترك احدا من المؤمنين يدخل النار ~~فأنا منه بريء فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار والثانى جعل مريده ~~يمنع اهل الكبائر من دخول النار ويقول بعضهم اذا كان يوم القيامة نصبت ~~خيمتى على جهنم حتى لا يدخلها أحد وامثال ذلك من الاقوال التى تؤثر عن بعض ~~المشايخ المشهورين وهى اما كذب عليهم اما غلط منهم ومثل هذا قد يصدر في حال ~~سكر وغلبة وفناء يسقط فيها تمييز الانسان أو يضعف حتى لا يدرى ما قال و ( ~~السكر ( هو لذة مع عدم تمييز ولهذا كان بين هؤلاء من اذا صحا استغفر من ذلك ~~الكلام # والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم ~~والعذل والغرام كان هذا اصل مقصدهم ولهذا انزل الله للمحبة محنة يمتحن بها ~~المحب فقال ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحبكم الله ( فلا يكون محبا ~~لله الا من يتبع رسوله وطاعة الرسول ومتابعته تحقيق العبودية # وكثير ممن يدعى المحبة يخرج عن شريعته وسنته ويدعى من PageV10P209 ~~الخيالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره حتى قد يظن احدهم سقوط الأمر وتحليل ~~الحرام له وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول ms2998 وسنته وطاعته بل قد جعل ~~محبة الله ومحبة رسول الجهاد في سبيله و ( الجهاد ( يتضمن كمال محبة ما امر ~~الله به وكمال بغض ما نهى الله عنه ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه ( ~~اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدن في سبيل الله ( # ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله اكمل من محبة من قبلها وعبوديتهم لله اكمل ~~من عبودية من قبلهم واكمل هذه الأمة في ذلك اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومن كان بهم اشبه كان ذلك فيه اكمل فأين هذا من قوم يدعون المحبة # و ( في ) كلام بعض الشيوخ المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مرادالمحبوب ~~وارادوا ان الكون كله قد اراد الله وجوده فظنوا ان كمال المحبة انيحب العبد ~~كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان ولا يمكن احدا ان يحب كل موجود بل يحب ~~ما يلائمه وينفعه وببغض ما ينافيه ويضره ولكن استفادوا بهذا الضلال اتباع ~~اهوائهم فهم يحبون ما يهونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة ~~زاعمين ان هذا من محبة الله ومن محبة الله بغض ما ببغضه الله ورسوله وجهاد ~~اهله بالنفس والمال PageV10P210 واصل ضلالهم ان هذا القائل الذى قال ( ان ~~المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب ( قصد بمراد الله تعالى الارادة ~~الدينية الئشرعية التى هي بمعنى محبته ورضاه فكأنه قال تحرق من القلب ما ~~سوى المحبوب لله وهذا معنى صحيح فان من تمام الحب ان لا يحب الا ما يحبه ~~الله فاذا احببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة واما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ~~ويكرهه ويسخطه وينهى عنه فان لم اوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم اكن محبا ~~له بل محبا لما يبغضه فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من اعظم الفروق بين ~~اهل محبة الله واوليائه الذين يحبهم ويحبونه وبين من يدعى محبة اللهم ناظرا ~~إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض البدع المخالفة لشريعته فإن دعوى هذه ~~المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله بل قد تكون دعوى هؤلاء ~~شرا ms2999 من دعوى اليهود والنصارى لما فيهم من النفاق الذين هم به في الدرك ~~الاسفل من النار كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شرا من دعواهم اذا لم ~~يصلوا إلى مثل كفرهم وفى التوراة والانجيل من محبة الله ماهم متفقون عليه ~~حتى كذلك عندهم اعظم وصايا الناموس # ففى الانجيل ان المسيح قال ( اعظم وصايا المسيح ان تحب الله بكل قلبك ~~وعقلك ونفسك ( والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة وان ماهم فيه صل الزهد ~~والعبادة هو من ذلك وهم برآء من محبة الله اذ لم PageV10P211 يتبعوا ما ~~احبه بل اتبعوا ما اسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط اعمالهم والله يبغض ~~الكافرين ويمقتهم ويلعنهم وهو سبحانه يحب من يحبه لا يمكن ان يكون العبد ~~محبا لله والله تعالى غير محب له بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له ~~وان كان جزاء الله لعبده اعظم كما في الحديث الصحيح الالهى عن الله تعالى ~~انه قال ( من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلى ذراعا تقربت ~~إليه باعا ومن اتانى يمشى اتيته هرولة ( # وقد اخبر سبحانه انه يحب المتقين والمحسنين والصابرين ويحب التوابين ويحب ~~التوابين ويحب المتطهرين بل هو يحب من فعل ما امر به من واجب ومستحب كما في ~~الحديث الصحيح ( لايزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت ~~سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ( الحديث # وكثير من المخطئين الذين اتبعوا اشياخا في ( الزهد والعبادة ( وقعوا في ~~بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته وترك المجاهدة ~~في سبيله ونحو ذلك ويتمسكون في الدين الذى يتقربون به إلى الله بنحو ما ~~تمسك به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التى لايعرف صدق قائلها ~~معصوما فيجعلون متبوعيهم لهم دينا كما جعل النصار قسيسيهم ورهانهم شارعين ~~PageV10P212 لهم دينا ثم انهم ينتقصون العبودية ويدعون ان الخاصة يتعدونها ~~كما يدعى النصارى في المسيح ويثبتون للخاصة من المشاركة في الله من جنس ما ~~تثبته النصارى في المسيح وامه إلى انواع ms3000 اخر يطول شرحها في هذا الموضع # وانما دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه وهو تحقيق محبة الله بكل ~~درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده ~~وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه ~~عبودية لغير الله بحسب ذلك وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير ~~الله بحسب ذلك وكل محبة لاتكون لله فهي باطلة وكل عمل لا يراد به وجه الله ~~فهو باطل فالدينا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله ولا يكون لله الا ما ~~أحبه الله ورسوله وهو المشروع فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله وكل عمل ~~لا يوافق شرع الله لم يكن لله بل لا يكون لله الا ما جمع الوصفين ان يكون ~~لله وان يكون موافقا لمحبة الله ورسوله وهو الواجب والمستحب كما قال ( فمن ~~كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا ( # فلا بد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب ولا بد ان يكون خالصا لوجه ~~الله تعالى كما قال تعالى ( بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله اجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( وقال PageV10P213 النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد ( وقال النبى ( انما الاعمال ~~بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ~~الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه # وهذا الأصل هو اصل الدين وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين وبه ارسل الله ~~الرسل وانزل الكتب واليه دعا الرسول وعليه جاهد وبه امر وفيه رغب وهو قطب ~~الدين الذى تدور عليه رحاه # والشرك غالب على النفوس وهو كما جاء في الحديث ( وهو في هذه الأمة احفى ~~من دبيب النمل ( وفى حديث آخر ( قال أبو بكر يارسول الله كيف ننجو منه وهو ~~اخفى من دبيب النمل ms3001 فقال النبى لأبى بكر الا اعلمك كلمة اذا قلتها نجوت من ~~دقة وجلة قل اللهم انى اعوذ بك ان اشرك بك وانا اعلم واستغفرك لما لا اعلم ~~( وكان عمر يقول في دعائه اللهم اجعل عملى كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ~~ولا تجعل لأحد فيه شيئا # وكثيرا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق ~~PageV10P214 محبتها لله وعبوديتها له وإخلاص دينها له كما قال شداد بن اوس ~~يا بقايا العرب ان اخوف ما اخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية قيل لأبى داود ~~السجستانى وما الشهوة الخفية قال حب الرئاسة وعن كعب بن مالك عن النبى انه ~~قال ( ما ذئبان جائعان ارسلا في زريبة غنم بافسد لها من حرص المرء على ~~المال والشرف لدينه ( قال الترمذى حديث حسن صحيح # فبين ان الحرص على المال والشرف في فساد الدين لا ينقص عن فساد الذئبين ~~الجائعين لزريبة الغنم وذلك بين فان الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص ~~وذلك ان القلب اذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له لم يكن شيء احب إليه من ~~ذلك حتى يقدمه عليه وبذلك يصرف عن اهل الاخلاص لله السوء والفحشاء كما قال ~~تعالى ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين ( # فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره ومن ~~حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره اذ ليس عند القلب لا احلى ولا الذ ~~ولا اطيب ولا ألين ولا انعم من حلاوة الايمان المتضمن عبوديته لله ومحبته ~~له واخلاصه الدين له وذلك يقتضى انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب منيبا ~~إلى الله خائفا منه راغبا راهبا كما قال تعالى ( من خشى الرحمن بالغيب وجاء ~~بقلب منيب ( اذ المحب يخاف من زوال مطلوبة وحصول PageV10P215 مرغوبة فلا ~~يكون عبد الله ومحبة الا بين خوف ورجاء قال تعالى ( اولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة ايهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه أن عذاب ربك ~~كان محذورا ( # واذا كان العبد مخلصا له اجتباه ms3002 ربه فيحيي قلبه واجتذبه إليه فينصرف عنه ~~ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء ويخاف من حصول ضد ذلك بخلاف القلب الذى لم ~~يخلص لله فانه في طلب وارادة وحب مطلق فيهوى ما يسنح له ويتشبث بما يهواه ~~كالغصن أي نسيم مر بعطفه اماله فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة ~~فيبقى اسيرا عبدا لمن لو اتخذه هو عبدا له لكان ذلك عيبا ونقصا وذما وتارة ~~يجتذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة ويستعبده من يثنى عليه ~~ولو بالباطل ويعادى من يذمه ولو بالحق وتارة يستعبده الدرهم والدينار ~~وامثال ذلك من الأمور التى تستعبد القلوب والقلوب تهواها فيتخذ الهه هواه ~~ويتبع هواه بغير هدى من الله ومن لم يكن خالصا لله عبدا له قد صار قلبه ~~معبدا لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله احب إليه من كل ما سواه ويكون ~~ذليلا له خاضعا والا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين وكان من ~~الغاوين اخوان الشياطين وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه الا الله ~~وهذا امر ضرورى لا حيلة فيه فالقلب ان لم يكن حنيفا مقبلا على الله معرضا ~~عما PageV10P216 سواه والا كان مشركا قال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا ~~فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون ( إلى قوله ( كل حزب بما لديهم فرحون ( # وقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين ~~اهل محبة الله وعبادته واخلاص الدين له كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة ~~المشركين المتبعين اهواءهم قال تعالى في إبراهيم ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا واوحينا اليهم فعل ~~الخيرات واقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ( وقال في فرعون ~~وقومه ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون واتبعناهم ~~في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ( # ولهذا يصير اتباع فرعون اولا إلى ان لا يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه ~~وبين ما قدر ms3003 الله وقضاه بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة ثم في آخر ~~الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود هذا وجود هذا ويقول ~~محققوهم الشريعة فيها طاعة ومعصية والحقيقة فيها معصية بلا طاعة والتحقيق ~~ليس فيه طاعة ولا معصية وهذا تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين انكروا الخالق ~~وانكروا تكليمه لعبده موسى وما ارسله به من الأمر والنهى PageV10P217 وأما ~~إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء والأنبياء فهم يعلمون انه لا بد من الفرق بين ~~الخالق والمخلوق ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية وان العبد كلما ازداد ~~تحقيقا ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له واعراضه عن عبادة غيره ~~ومحبة غيره وطاعة غيره وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه ~~والخليل يقول ( افرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فانهم عدو لى ~~الا رب العالمين ( ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى # مثال ذلك اسم ( الفناء ( فان ( الفناء ثلاثة انواع ( نوع للكاملين من ~~الأنبياء والأولياء ونوع للقاصدين من الاولياء والصالحين ونوع للمنافقين ~~الملحدين المشبهين ( فاما الأول ( فهو ( الفناء عن ارادة ما سوى الله ( ~~بحيث لا يحب الا الله ولا يعبد الا اياه ولا يتوكل الا عليه ولا يطلب غيره ~~وهو المعنى الذى يجب ان يقصد بقول الشيخ ابى يزيد حيث قال اريد ان لا اريد ~~الا ما يريد أي المراد المحبوب المرضى وهو المراد بالارادة الدينية وكمال ~~العبد ان لا يريد ولا يحب ولا يرضى الا ما اراده الله ورضيه واحبه وهو ما ~~أمر به أمر إيجاب أو استحباب ولا يحب الا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء ~~والصالحين وهذا معنى قولهم في قوله ( الا من أتى الله بقلب سليم ( قالوا هو ~~السليم مما سوى الله أو مما سوى عبادة الله أو مما سوى PageV10P218 ارادة ~~الله أو مما سوى محبة الله فالمعنى واحد وهذا المعنى أن سمى فناء أو لم يسم ~~هو اول الاسلام وآخره وباطن الدين وظاهره # ( واما النوع الثانى ( فهو ( الفناء عن شهود السوى ( وهذا يحصل لكثير من ~~السالكين ms3004 فانهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف ~~قلوبهم عن ان تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد لا يخطر بقلوبهم غير الله ~~بل ولا يشعرون كما قيل في قوله ( واصبح فؤاد أم موسى فارغا ان كادت لتبدى ~~به لولا أن ربطنا على قلبها ( قالوا فارغا من كل شيء الا من ذكر موسى وهذا ~~كثير يعرض لمن فقمه أمر من الأمور إما حب وإما خوف واما رجاء يبقى قلبه ~~منصرفا عن كل شيء الا عما قد احبه أو خافه أو طلبه بحيث يكون عند استغراقه ~~في ذلك لا يشعر بغيره فإذا قوى على صاحب الفناء هذا فانه يغيب بموجوده عن ~~وجوده وبمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته حتى يفنى من ~~لم يكن وهى المخلوقات المعبدة ممن سواه ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى ~~والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره وفناؤه عن ان يدركها أو يشهدها واذا ~~قوى هذا ضعف المحب حتى اضطرب في تمييزه فقد يظن انه هو محبوبه كما يذكر ان ~~رجلا القى نفسه في اليم فألقى محبه نفسه خلفه فقال أنا وقعت فما اوقعك خلفى ~~قال غبت بك عنى فظننت انك انى PageV10P219 و هذا الموضع ( زل فيه اقوام ~~وظنوا انه اتحاد وان المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق في نفس ~~وجودهما وهذا غلط فان الخالق لا يتحد به شيء اصلا بل لا يتحد شيء بشيء الا ~~إذا استحالا وفسدا وحصل من اتحادهما امر ثالث لا هو هذا ولا هذا كما اذا ~~اتحد الماء واللبن والماء والخمر ونحو ذلك ولكن يتحد المراد والمحبوب ~~والمكروه ويتفقان في نوع الارادة والكراهة فيحب هذا ما يحب هذا ويبغض هذا ~~ما يبغض هذا ويرضى ما يرضى ويسخط ما يسخط ويكره ما يكره ويوالى من يوالى ~~ويعادى من يعادى وهذا الفناء كله فيه نقص واكابر الأولياء كأبى بكر وعمر ~~والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يقعوا في هذا الفناء فضلا عمن ~~هو فوقهم من الأنبياء ms3005 وانما وقع شيء من هذا بعد الصحابة وكذلك كل ما كان من ~~هذا النمط مما فيه غيبة العقل والتمييز لما يرد على القلب من احوال الإيمان ~~فإن الصحابة رضى الله عنهم كانوا اكمل واقوى واثبت في الأحوال الايمانية من ~~ان تغيب عقولهم أو يحصل لهم غشى أو صعق أو سكر أو فناء أو وله أو جنون ~~وانما كان مبادئ هذه الأمور في التابعين من عباد البصرة فانه كان فيهم من ~~يغشى عليه إذا سمع القرآن ومنهم من يموت كأبى جهير الضرير وزرارة بن اوفى ~~قاضى البصرة # وكذلك صار في شيوخ الصوفية من يعرض له من الفناء والسكر ما PageV10P220 ~~يضعف معه تمييزه حتى يقول في تلك الحال من الأقوال ما إذا صحا عرف انه غالط ~~فيه كما يحكى نحو ذلك عن مثل ابى يزيد وابى الحسن النورى وابى بكر الشبلى ~~وامثالهم # بخلاف ابى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى والفضيل بن عياض بل وبخلاف ~~الجنيد وامثالهم ممن كانت عقولهم وتمييزهم يصحبهم في احوالهم فلا يقعون في ~~مثل هذا الفناء والسكر ونحوه بل الكمل تكون قلوبهم ليس فيها سوى محبة الله ~~وارادته وعبادته وعندهم من سعة العلم والتمييز ما يشهدون الأمور على ما هي ~~عليه بل يشهدون المخلوقات قائمة بأمر الله مدبرة بمشيئته بل مستجيبة له ~~قانتة له فيكون لهم فيها تبصرة وذكرى ويكون ما يشهدونه من ذلك مؤيدا وممدا ~~لما في قلوبهم من اخلاص الدين وتجريد التوحيد له والعبادة له وحده لا شريك ~~له # وهذه ( الحقيقة ( التى دعا اليها القرآن وقام بها اهل تحقيق الايمان ~~والكمل من اهل العرفان ونبينا صلى الله عليه وسلم امام هؤلاء واكملهم ولهذا ~~لما عرج به إلى السماوات وعاين ما هنالك من الآيات واوحى إليه ما اوحى من ~~انواع المناجاة اصبح فيهم وهو لم يتغير حاله ولا ظهر عليه ذلك بخلاف ما كان ~~يظهر على موسى من التغشى صلى الله عليهم وسلم أجمعين PageV10P221 ( واما ~~النوع الثالث ( مما قد يسمى فناء فهو ان يشهد أن لا موجود الا الله ms3006 وان ~~وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرب والعبد فهذا فناء اهل الضلال ~~والالحاد الواقعين في الحلول والاتحاد # والمشائخ المستقيمون اذا قال احدهم ما أرى غير الله أو لا انظر إلى غير ~~الله ونحو ذلك فمرادهم بذلك ما ارى ربا غيره ولا خالقا غيره ولا مدبرا غيره ~~ولا الها غيره ولا انظر إلى غيره محبة له أو خوفا منه أو رجاء له فإن العين ~~تنظر إلى ما يتعلق به القلب فمن احب شيئا أو رجاه أو خافه التفت إليه واذا ~~لم يكن في القلب محبة له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له ولا غير ذلك ~~من تعلق القلب له لم يقصد القلب ان يلتفت إليه ولا ان ينظر إليه ولا أن ~~يراه وان رأه اتفاقا رؤية مجردة كان كما لو رأى حائطا ونحوه مما ليس في ~~قلبه تعلق به والمشائخ # الصالحون رضى الله عنهم يذكرون شيئا من تجريد التوحيد وتحقيق اخلاص الدين ~~كله بحيث لا يكون العبد ملتفتا إلى غير الله ولا ناظرا إلى ما سواه لا حبا ~~له ولا خوفا منه ولا رجاء له بل يكون القلب فارغا من المخلوقات خاليا منها ~~لا ينظر اليها الا بنور الله فبالحق يسمع وبالحق يبصر وبالحق يبطش وبالحق ~~يمشى فيحب منها ما يحبه الله ويبغض منها ما يبغضه الله ويوالى منها ما ~~والاه الله ويعادى منها ما عاداه PageV10P222 الله ويخاف الله فيها ولا ~~يخافها في الله ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله فهذا هو القلب السليم ~~الحنيف الموحد المسلم المؤمن العارف المحقق الموحد بمعرفة الانبياء ~~والمرسلين وبحقيقتهم وتوحيدهم # ( واما النوع الثالث ( وهو الفناء في الموجود فهو تحقيق آل فرعون ~~ومعرفتهم وتوحيدهم كالقرامطة وامثالهم # وهذا النوع الذى عليه اتباع الانبياء هو ( الفناء المحمود ( الذى يكون ~~صاحبه به ممن اثنى الله عليهم من اوليائه المتقين وحزبه المفلحين وجنده ~~الغالبين # وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول ان الذى أراه بعينى من المخلوقات ~~هو رب الأرض والسموات فإن هذا لا ms3007 يقوله الا من هو في غاية الضلال والفساد ~~إما فساد العقل وإما فساد الإعتقاد فهو متردد بين الجنون والالحاد # وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الامة ~~وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات وليس في مخلوقاته شيء من ذاته ~~ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وانه يجب افراد القديم عن الحادث وتمييز ~~الخالق عن المخلوق وهذا في كلامهم PageV10P223 اكثر من ان يمكن ذكره هنا ~~وهم قد تكلموا على ما يعرض للقلوب من الامراض والشبهات وان بعض الناس قد ~~يشهد وجود المخلوقات فيظنه خالق الأرض والسموات لعدم التمييز والفرقان في ~~قلبه بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن ان ذلك هو الشمس التى في السماء # وهم قد يتكلمون في ( الفرق والجمع ( ويدخل في ذلك من العبارات المتلفة ~~نظير ما دخل في الفناء فان العبد اذا شهد التفرقة والكثرة في المخلوقات ~~يبقى قلبه متعلقا بها متشتتا ناظرا اليها متعلقا بها اما محبة واما خوفا ~~واما رجاء فاذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا ~~شريك له فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين فصارت محبته لربه ~~وخوفه من ربه ورجاؤه لربه واستعانته بربه وهو في هذا الحال قد لا يسع قلبه ~~النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق فقد يكون مجتمعا على الحق ~~معرضا عن الخلق نظرا وقصدا وهو نظير النوع الثاني من الفناء # ولكن بعد ذلك ( الفرق الثانى ( وهو ان يشهد ان المخلوقات قائمة بالله ~~مدبرة بامره ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله سبحانه وتعالى وانه سبحانه ~~رب المصنوعات والهها وخالقها ومالكها فيكون مع اجتماع قلبه على الله اخلاصا ~~له ومحبة وخوفا ورجاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة فيه PageV10P224 ~~ومعاداة فيه وامثال ذلك ناظرا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق مميزا بين هذا ~~وهذا يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته ان الله رب كل شيء ومليكة ~~وخالقه وانه هو الله لا اله الا هو وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم وذلك ~~واجب في ms3008 علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته في حال القلب وعبادته وقصده ~~وارادته ومحبته وموالاته وطاعته # وذلك تحقيق ( شهادة ان لا اله الا الله ( فانه ينفى عن قلبه الوهية ما ~~سوى الحق ويثبت في قلبه الوهية الحق فيكون نافيا لألوهية كل شيء من ~~المخلوقات مثبتا لألوهية رب العالمين رب الأرض والسموات وذلك يتضمن اجتماع ~~القلب على الله وعلى مفارقة ما سواه فيكون مفرقا في علمه وقصده في شهادته ~~وارادته في معرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق بحيث يكون عالما بالله تعالى ~~ذاكرا له عارفا به وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه وانفراده عنهم وتوحده ~~دونهم ويكون محبا لله معظما له عابدا له راجيا له خائفا منه مواليا فيه ~~معاديا فيه مستعينا به متوكلا عليه ممتنعا عن عبادة غيره والتوكل عليه ~~والاستعانة به والخوف منه والرجاء له والموالاة فيه والمعاداة فيه والطاعة ~~لأمره وأمثال ذلك مما هو من خصائص الهية الله سبحانه وتعالى # وإقراره بألوهية الله تعالى دون ما سواه يتضمن اقراره بربوبيته وهو انه ~~رب كل شيء ومليكه وخالقة ومدبرة فحينئذ يكون موحدا لله # ويبين ذلك ان افضل الذكر ( لا اله الا الله ( كما رواه الترمذى وبن ابي ~~PageV10P225 الدنيا وغيرهما مرفوعا إلى النبى انه قال ( افضل الذكر لا اله ~~الا الله وافضل الدعاء الحمد لله ( وفى الموطأ وغيره عن طلحة بن عبد الله ~~بن كثير ان النبى قال ( افضل ما قلت انا والنبيون من قبلى لا اله الا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ( # ومن زعم ان هذا ذكرالعامة وان ذكر الخاصة هو الاسم المفرد وذكر خاصة ~~الخاصة هو الاسم المضمر فهم ضالون غالطون واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله ( قل ~~الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( من ابين غلط هؤلاء فان الاسم هو مذكور في ~~الأمر بجواب الاستفهام وهو قوله ( قل من انزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا ~~وهدى للناس ( إلى قوله ( قل الله ( أي الله الذى أنزل الكتاب الذى جاء به ~~موسى فالاسم ms3009 مبتدأ وخبره قد دل عليه الاستفهام كما في نظائر ذلك تقول من ~~جاره فيقول زيد # واما الاسم المفرد مظهرا أو مضمرا فليس بكلام تام ولا جملة مفيدة ولا ~~يتعلق به ايمان ولا كفر ولا امر ولا نهى ولم يذكر ذلك أحد من سلف الامه ولا ~~شرع ذلك رسول الله ولا يعطى القلب بنفسه معرفة مفيدة ولا حالا نافعا وانما ~~يعطيه تصورا مطلقا لا يحكم عليه بنفى ولا اثبات فان لم يقترن به من معرفة ~~القلب وحالة ما يفيد بنفسه PageV10P226 والا لم يكن فيه فائدة والشريعة ~~انما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره # وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الالحاد وانواع من الاتحاد ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع # وما يذكر عن بعض الشيوخ من انه قال اخاف ان اموت بين النفي والاثبات حال ~~لا يقتدى فيها بصاحبها فان في ذلك من الغلط ما لا خفاء به اذ لو مات العبد ~~في هذه الحال لم يمت الا على ما قصده ونواه اذ الأعمال بالنيات وقد ثبت ان ~~النبى امر بتلقين الميت لا اله الا الله وقال ( من كان آخر كلامه لا اله ~~الا الله دخل الجنة ( ولو كان ما ذكره محذورا لم يلقن الميت كلمة يخاف ان ~~يموت في اثنائها موتا غير محمود بل كان يلقن ما اختاره من ذكر الاسم المفرد # والذكر بالاسم المضمر المفرد ابعد عن السنة وادخل في البدعة واقرب إلى ~~اضلال الشيطان فان من قال يا هو ياهو أو هو هو ونحو ذلك لم يكن الضمير ~~عائدا الا إلى ما يصوره قلبه والقلب قد يهتدى وقد يضل وقد صنف صاحب ( ~~الفصوص ( كتابا سماه ( كتاب الهو ( وزعم بعضهم ان قوله ( وما يعلم تأويله ~~الا الله ( معناه وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو ( الهو ( وقيل هذا وان ~~كان مما اتفق المسلمون بل PageV10P227 العقلاء على انه من ابين الباطل فقد ~~يظن ذلك من يظنه من هؤلاء حتى ms3010 قلت مره لبعض من قال شيئا من ذلك لو كان هذا ~~كما قلته لكتبت ( وما يعلم تأويل هو ( منفصلة # ثم كثيرا ما يذكر بعض الشيوخ انه يحتج على قول القائل ( الله ( بقوله ( ~~قل الله ثم ذرهم ( ويظن ان الله امر نبيه بان يقول الاسم المفرد وهذا غلط ~~باتفاق اهل العلم فان قوله ( قل الله ( معناه الله الذى انزل الكتاب الذى ~~جاء به موسى وهو جواب لقوله ( قل من انزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا ~~وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ~~ولا آباؤكم قل الله ( أي الله الذى انزل الكتاب الذى جاء به موسى رد بذلك ~~قول من قال ما انزل الله على بشر من شيء فقال من انزل الكتاب الذى جاء به ~~موسى ( ثم قال ( قل الله ( انزله ( ثم ذر ( هؤلاء المكذبين ( في خوضهم ~~يلعبون ( # ومما يبين ما تقدم ما ذكره سيبويه وغيره من ائمة النحو أن العرب يحكون ~~بالقول ما كان كلاما لا يحكون به ما كان قولا فالقول لا يحكي به الا كلام ~~تام أو جملة اسمية أو فعلية ولهذا يكسرون ان إذا جاءت بعد القول فالقول لا ~~يحكى به اسم والله تعالى لا يأمر احدا بذكر اسم مفرد ولا شرع للمسلمين اسما ~~مفردا مجردا والاسم المجرد لا يفيد الايمان PageV10P228 باتفاق اهل الاسلام ~~ولا يؤمر به في شيء من العبادات ولا في شيء من المخاطبات # ونظير من اقتصر على الاسم المفرد ما يذكر ان بعض الأعراب مر بمؤذن يقول ( ~~اشهد أن محمدا رسول الله ( بالنصب فقال ماذا يقول هذا هذا الاسم فاين الخبر ~~عنه الذى يتم به الكلام # وما في القرآن من قوله ( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ( وقوله ( سبح ~~اسم ربك الأعلى ( وقوله ( قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ( وقوله ( ~~فسبح باسم ربك العظيم ( ونحو ذلك لا يقتضى ذكره مفردا بل في السنن انه لما ~~نزل قوله ( فسبح باسم ربك العظيم ( قال ( اجعلوها في ركوعكم ولما نزل ms3011 قوله ~~( سبح اسم ربك الأعلى ( قال اجعلوها في سجودكم ( فشرع لهم ان يقولوا في ~~الركوع سبحان ربي العظيم وفى السجود سبحان ربي الأعلى وفى الصحيح ( انه كان ~~يقول في ركوعه سبحان ربى العظيم وفى سجوده سبحان ربى الأعلى ( وهذا هو معنى ~~قوله ( اجعلوها في ركوعكم ( وسجودكم ( باتفاق المسلمين # فتسبيح اسم ربه الأعلى وذكر اسم ربه ونحو ذلك هو بالكلام التام المفيد ~~كما في الصحيح عنه انه قال ( افضل الكلام بعد القرآن اربع وهن من القرآن ~~سبحان PageV10P229 الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ( وفى ~~الصحيح عنه انه قال ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ~~حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وفى الصحيحين ~~عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ( من قال في يومه مائة مره لا اله الا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كتب الله له حرزا ~~من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به الا رجل قال ~~مثل ما قال أو زاد عليه ومن قال في يومه مائة مره سبحان الله وبحمده سبحان ~~الله العظيم حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ( وفى الموطأ وغيره عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( افضل ما قلته انا والنبيون من قبلى لا ~~اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ( ~~وفى سنن بن ماجة وغيره عنه انه قال ( افضل الذكر لا اله الا الله وافضل ~~الدعاء الحمد لله ( # ومثل هذه الأحاديث كثيرة في انواع ما يقال من الذكر والدعاء # وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه ( وقوله ( فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ( انما هو ~~قوله بسم الله وهذا جملة تامة اما اسمية على اظهر PageV10P230 قولى النحاة ~~أو فعلية والتقدير ذبحى باسم الله أو اذبح باسم الله وكذلك قول القارىء ( ~~بسم ms3012 الله الرحمن الرحيم ( فتقديره قراءتى بسم الله أو اقرأ بسم الله # ومن الناس من يضمر في مثل هذا ابتدائى بسم الله أو ابتدأت بسم الله ~~والأول احسن لأن الفعل كله مفعول بسم الله ليس مجرد ابتدائه كما اظهر ~~المضمر في قوله ( اقرأ بسم ربك الذى خلق ( وفى قوله ( بسم الله مجريها ~~ومرساها ( وفى قول النبى ( من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها اخرى ومن ~~لم يكن ذبح فليذبح بسم الله ( ومن هذا الباب قول النبى في الحديث الصحيح ~~لربيبة عمر بن ابى سلمة ( سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ( فالمراد ان ~~يقول بسم الله ليس المراد ان يذكر الاسم مجردا وكذلك قوله في الحديث الصحيح ~~لعدى بن حاتم ( اذا ارسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ( وكذلك قوله ( ~~اذا دخل الرجل منزله فذكر اسم الله عند دخوله وعند خروجه وعند طعامه قال ~~الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء ( وامثال ذلك كثير # وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاتهم واذانهم وحجهم واعيادهم من ذكر الله ~~تعالى انما هو بالجملة التامة كقول المؤذن الله اكبر الله PageV10P231 اكبر ~~اشهد ان لا اله الا الله اشهد ان محمدا رسول الله وقول المصلى الله اكبر ~~سبحان ربى العظيم سبحان ربى الاعلى سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ~~التحيات لله وقول الملبى لبيك اللهم لبيك وامثال ذلك فجميع ما شرعه الله من ~~الذكر انما هو كلام تام لا اسم مفرد لا مظهر ولا مضمر وهذا هو الذى يسمى في ~~اللغة كلمة كقوله ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان ~~إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقوله ( افضل كلمة قالها ~~الشاعر كلمة لبيد الا كل شيء ما خلا الله باطل ( ومنه قوله تعالى ( كبرت ~~كلمة تخرج من افواههم ( الآية وقوله ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ( وامثال ~~ذلك مما استعمل فيه لفظ الكلمة في الكتاب والسنة بل وسائر كلام العرب فانما ~~يراد به الجملة التامة كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم فيقولون هذا حرف ms3013 ~~غريب أي لفظ الاسم غريب # وقسم سيبوية الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم وفعل وكل من ~~هذه الأقسام يسمى حرفا لكن خاصة الثالث انه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ~~وسمى حروف الهجاء باسم الحرف وهى اسماء ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء ~~وغيرها كما قال النبى ( من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف PageV10P232 عشر ~~حسنات اما انى لا اقول ( الم ( حرف ولكن الف حرف ولام حرف وميم حرف ( وقد ~~سأل الخليل اصحابه عن النطق بحرف الزاى من زيد فقالوا زاي فقال جئتم بالاسم ~~وانما الحرف ( ز ( # ثم ان النحاة اصطلحوا على ان هذا المسمى في اللغة بالحرف يسمى كلمة وان ~~لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل كحروف الجر ونحوها واما ~~الفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ وتارة باسم ذلك ~~الحرف ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده انه هكذا في لغة العرب ~~ومنهم من يجعل لفظ الكلمة في اللغة لفظا مشتركا بين الاسم مثلا وبين الجملة ~~ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ الكلمة الا الجملة التامة # والمقصود هنا ان المشروع في ذكر الله سبحانه هو ذكره ( بجملة تامة ( وهو ~~المسمى بالكلام والواحد منه بالكلمة وهو الذى ينفع القلوب ويحصل به الثواب ~~والأجر والقرب إلى الله ومعرفته ومحبته وخشيته وغير ذلك من المطالب العالية ~~والمقاصد السامية واما الاقتصار على ( الاسم المفرد ( مظهرا أو مضمرا فلا ~~اصل له فضلا عن ان يكون من ذكر الخاصة والعارفين بل هو وسيلة إلى انواع من ~~البدع والضلالات وذريعة إلى تصورات احوال فاسدة من احوال اهل الالحاد واهل ~~الاتحاد كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع PageV10P233 وجماع الدين ~~( اصلان ( ان لانعبد الا الله ولا نعبده الا بما شرع لا نعبده بالبدع كما ~~قال تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعباده ربه ~~احدا ( وذلك تحقيق ( الشهادتين ( شهادة ان لا اله الا الله وشهادة ان محمدا ms3014 ~~رسول الله ففى الأولى ان لا نعبد الا اياه وفى الثانية ان محمدا هو رسوله ~~المبلغ عنه فعلينا ان نصدق خبره ونطيع امره وقد بين لنا ما نعبد الله به ~~ونهانا عن محدثات الأمور واخبر انها ضلالة قال تعالى ( بلى من اسلم وجهه ~~لله وهو محسن فله اجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( # كما انا مأمورون ان لا نخاف الا الله ولا نتوكل الا على الله ولا نرغب ~~الا إلى الله ولا نستعين الا الله وان لا تكون عبادتنا الا لله فكذلك نحن ~~مأمورون ان نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه ~~والدين ما شرعه قال تعالى ( ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا إلى الله راغبون ( فجعل ~~الايتاء لله والرسول كما قال ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا ( وجعل التوكل على الله وحده بقوله ( وقالوا حسبنا الله ( ولم يقل ~~ورسوله كما قال في ( الآية الأخرى ( الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ( ومثله قوله ( ~~يا ايها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ( أي PageV10P234 حسبك وحسب ~~المؤمنين كما قال ( اليس الله بكاف عبده ( # ثم قال سيؤتينا الله من فضله ورسوله ( فجعل الايتاء لله والرسول وقدم ذكر ~~الفضل لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وله الفضل ~~على رسوله وعلى المؤمنين وقال ( انا إلى الله راغبون ( فجعل الرغبة إلى ~~الله وحده كما في قوله ( فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب ( وقال النبى لابن ~~عباس ( اذا سألت فاسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله ( والقرآن يدل على ~~مثل هذا في غير موضع # فجعل العبادة والخشية والتقوى لله وجعل الطاعة والمحبة لله ورسوله كما في ~~قول نوح عليه السلام ( ان اعبدوا الله واتقوه واطيعون ( وقوله ( ومن يطع ~~الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ( وامثال ذلك # فالرسل امروا بعبادته وحده ms3015 والرغبة إليه والتوكل عليه والطاعة لهم فأضل ~~الشيطان النصارى واشباههم فأشركوا بالله وعصوا الرسول فاتخذوا احبارهم ~~ورهبانهم اربابا من دون الله والمسيح بن مريم ( فجعلوا يرغبون اليهم ~~ويتوكلون عليهم ويسألونهم مع معصيتهم لأمرهم ومخالفاتهم لسنتهم وهدى الله ~~المؤمنين المخلصين لله اهل الصراط المستقيم الذين عرفوا الحق واتبعوه ~~PageV10P235 فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين فأخلصوا دينهم لله ~~واسلموا وجوههم لله وانابوا إلى ربهم واحبوه ورجوه وخافوه وسألوه ورغبوا ~~إليه وفوضوا امورهم إليه وتوكلوا عليه واطاعوا رسله وعزروهم ووقروهم ~~واحبوهم ووالوهم واتبعوهم واقتفوا آثارهم واهتدوا بمنارهم # وذلك هو دين الاسلام الذى بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل وهو ~~الدين الذى لا يقبل الله من أحد دينا الا اياه وهو حقيقة العباده لرب ~~العالمين # فنسأل الله العظيم ان يثبتنا عليه ويكمله لنا ويميتنا عليه وسائر اخواننا ~~المسلمين # والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم PageV10P236 ### || 1 ( الكلام على دعوة ذى النون ) 1 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الاسلام بن تيمية قدس الله روحه # عن قول النبى ( دعوة أخي ~~ذى النون ( لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين ( ما دعا بها مكروب ~~الا فرج الله كربته ( ما معنى هذه الدعوة ولم كانت كاشفة للكرب وهل لها ~~شروط باطنة عند النطق بلفظها وكيف مطابقة اعتقاد القلب لمعناها حتى يوجب ~~كشف ضره وما مناسبة ذكره ( انى كنت من الظالمين ( مع ان التوحيد يوجب كشف ~~الضر وهل يكفيه اعترافه أم لا بد من التوبة والعزم في المستقبل وما هو السر ~~في ان كشف الضر وزواله يكون عند انقطاع الرجاء عن الخلق والتعلق بهم وما ~~الحيلة في انصراف القلب عن الرجاء للمخلوقين والتعلق بهم بالكلية وتعلقه ~~بالله تعالى ورجائه وانصرافه إليه بالكلية وما السبب المعين على ذلك ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين # لفظ ( الدعاء والدعوة ( في القرآن يتناول معنيين # دعاء العبادة PageV10P237 ودعاء المسألة # قال الله تعالى ( فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ( # وقال تعالى ( ومن يدع مع الله إلها آخر ms3016 لا برهان له به فانما حسابه عند ~~ربه انه لا يفلح الكافرون ( وقال تعالى ( ولا تدع مع الله الها آخر لا اله ~~الا هو ( وقال ( وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ( ~~وقال ( ان يدعون من دونه الا اناثا وان يدعون الا شيطانا مريدا ( وقال ~~تعالى ( له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء الا كباسط ~~كفيه إلى الماء ليبلغ فاة وما هو ببالغه ( وقال تعالى ( والذين لا يدعون مع ~~الله الها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله الا بالحق ولا يزنون ( وقال ~~في آخر السورة # ( قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم ( # قيل لولا دعاؤكم اياه وقيل لولا دعاؤه اياكم فان المصدر يضاف إلى الفاعل ~~تارة والى المفعول تارة ولكن اضافته إلى الفاعل اقوى لأنه لا بد له من فاعل ~~فلهذا كان هذا اقوى القولين أي ما يعبأ بكم لولا انكم تدعونه فتعبدونه ~~وتسألونه ( فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ( أي عذاب لازم للمكذبين ولفظ الصلاة ~~في اللغه ( اصله الدعاء وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى الدعاء وهو العبادة ~~والمسألة PageV10P238 وقد فسر قوله تعالى ( ادعونى استجب لكم ( بالوجهين ~~قيل اعبدونى وامتثلوا امرى استجب لكم كما قال تعالى ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ( أي يستجيب لهم وهو معروف في اللغه يقال استجابة واستجاب ~~له كما قال الشاعر # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى %~% فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقيل سلونى اعطكم # وفى الصحيحين عن النبى انه قال ( ينزل ربنا كل ~~ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعونى فأستجيب ~~له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له ( فذكر اولا لفظ الدعاء ثم ذكر ~~السؤال والاستغفار والمستغفر سائل كما ان السائل داع لكن ذكر السائل لدفع ~~الشر بعد السائل الطالب للخير وذكرهما جميعا بعد ذكر الداعى الذى يتناولهما ~~وغيرهما فهو من باب عطف الخاص على العام # وقال تعالى ( وإذا سألك عبادى عنى فانى قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان ( # وكل سائل ms3017 راغب راهب فهو عابد للمسؤول وكل عابد له PageV10P239 فهو ايضا ~~راغب وراهب يرجو رحمته ويخاف عذابه فكل عابد سائل وكل سائل عابد فاحد ~~الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه ولكن اذا جمع بينهما فانه يراد بالسائل ~~الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب ويراد بالعابد من ~~يطلب ذلك بامتثال الامر وان لم يكن في ذلك صيغ سؤال # والعابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه هو ايضا راج خائف راغب راهب يرغب ~~في حصول مراده ويرهب من فواته قال تعالى ( انهم كانوا يسارعون في الخيرات ~~ويدعوننا رغبا ورهبا ( وقال تعالى ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ) ولا يتصور ان يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب ~~والرهب من الخوف والطمع # وما يذكر عن بعض الشيوخ انه جعل الخوف والرجاء من مقامات العامة فهذا قد ~~يفسر مراده بان المقربين يريدون وجه الله فيقصدون التلذذ بالنظر إليه وان ~~لم يكن هناك مخلوق يتلذذون به وهؤلاء يرجون حصول هذا المطلوب ويخافون ~~حرمانه فلم يخلوا عن الخوف والرجاء لكن مرجوهم ومخوفهم بحسب مطلوبهم # ومن قال من هؤلاء لم اعبدك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك PageV10P240 ~~فهو يظن ان الجنة اسم لما يتمتع فيه بالمخلوقات والنار اسم لما لا عذاب فيه ~~الا الم المخلوقات وهذا قصور وتقصير منهم عن فهم مسمى الجنة بل كل ما اعده ~~الله لاوليائه فهو من الجنة والنظر إليه هو من الجنة ولهذا كان افضل الخلق ~~يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار ولما سأل بعض اصحابه عما يقول في ~~صلاته ( قال انى اسأل الله الجنة واعوذ بالله من النار اما انى لا احسن ~~دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولها ندندن ( # وقد انكر على من قال هذا الكلام يعنى أسألك لذة النظر إلى وجهك فريق من ~~اهل الكلام ظنوا ان الله لا يتلذذ بالنظر إليه وانه لا نعيم الا بمخلوق ~~فغلط هؤلاء في معنى الجنة كما غلط اولئك لكن اولئك طلبوا ما يستحق ان ms3018 يطلب ~~وهؤلاء انكروا ذلك واما التألم بالنار فهو امر ضرورى ومن قال لو ادخلنى ~~النار لكنت راضيا فهو عزم منه على الرضا والعزائم قد تنفسخ عند وجود ~~الحقائق ومثل هذا يقع في كلام طائفة مثل سمنون الذي قال # وليس لي في سواك حظ %~% فكيف ما شئت فامتحني # فابتلى بعسر البول فجعل يطوف على صبيان المكاتب ~~ويقول ادعوا لعمكم الكذاب قال تعالى ( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان ~~تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون PageV10P241 وبعض من تكلم في علل المقامات ~~جعل الحب والرضا والخوف والرجاء من مقامات العامة بناء على مشاهدة القدر ~~وان من شهد القدر فشهد توحيد الافعال حتى فني من لم يكن وبقي من لم يزل ~~يخرج عن هذه الامور وهذا كلام مستدرك حقيقة وشرعا اما الحقيقة فان الحي لا ~~يتصور ان لا يكون حساسا محبا لما يلائمه مبغضا لما ينافره ومن قال ان الحي ~~يستوى عنده جميع المقدورات فهو أحد رجلين اما انه لا يتصور ما يقول بل هو ~~جاهل واما انه مكابر معاند ولو قدر ان الانسان حصل له حال ازال عقله سواء ~~سمي اصطلاما أو محوا أو فناء أو غشيا أو ضعفا فهذا لم يسقط احساس نفسه ~~بالكلية بل له احساس بما يلائمه وما ينافره وان سقط احساسه ببعض الأشياء ~~فإنه لم يسقط بجميعها # فمن زعم ان المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا ~~يشهد فرقا فانه غالط بل لا بد من الفرق فانه امر ضرورى # لكن اذا خرج عن الفرق الشرعي بقي في الفر ق الطبعي فيبقي متبعا لهواه لا ~~مطيعا لمولاه PageV10P242 ولهذا لما وقعت ( هذه المسألة ) بين الجنيد ~~واصحابه ذكر لهم ( الفرق الثاني ( وهو ان يفرق بين المأمور والمحظور وبين ~~ما يحبه الله وما يكرهه مع شهوده للمقدر الجامع فيشهد الفرق في القدر ~~الجامع ومن لم يفرق بين المأمور والمحظور خرج عن دين الاسلام # وهؤلاء الذين يتكلمون في الجمع لا يخرجون عن الفرق الشرعي بالكلية وان ~~خرجوا عنه كانوا كفارا من شر ms3019 الكفار وهم الذين يخرجون إلى التسوية بين ~~الرسل وغيرهم ثم يخرجون إلى القول بوحدة الوجود فلا يفرقون بين الخالق ~~والمخلوق ولكن ليس كل هؤلاء ينتهون إلى هذا الالحاد بل يفرقون من وجه دون ~~وجه فيطيعون الله ورسوله تارة ويعصون الله ورسوله تارة كالعصاة من اهل ~~القبلة وهذه الامور مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا ان لفظ ( الدعوة والدعاء ( يتناول هذا وهذا قال الله تعالى ~~( وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين ) وفى الحديث ( افضل الذكر لا اله ~~الا الله وافضل الدعاء الحمد لله ( رواه بن ماجة وبن أبي الدنيا وقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره ( دعوة أخي ذي النون ~~( لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين ) ما دعا بها مكروب الا فرج ~~الله كربته ( سماها ( دعوة ( لانها تتضمن نوعي الدعاء فقوله لا اله الا انت ~~اعتراف بتوحيد الالهية PageV10P243 وتوحيد الالهية يتضمن أحد نوعي الدعاء ~~فان الاله هو المستحق لان يدعى دعاء عبادة ودعاء مسألة وهو الله لا اله الا ~~هو # وقوله ( إنى كنت من الظالمين ( اعتراف بالذنب وهو يتضمن طلب المغفرة فان ~~الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب وتارة يسأل بصيغة الخبر اما بوصف حاله ~~واما بوصف حال المسؤول وإما بوصف الحالين كقول نوح عليه السلام ( رب إنى ~~اعوذ بك ان اسألك ما ليس لى به علم والا تغفر لى وترحمنى اكن من الخاسرين ( ~~فهذا ليس صيغة طلب وانما هو إخبار عن الله انه ان لم يغفر له ويرحمه خسر # ولكن هذا الخبر يتضمن سؤال المغفرة وكذلك قول آدم عليه السلام ( ربنا ~~ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( هو من هذا ~~الباب ومن ذلك قول موسى عليه السلام ( رب انى لما انزلت إلى من خير فقير ( ~~فان هذا وصف لحاله بانه فقير إلى ما انزل الله إليه من الخير وهو متضمن ~~لسؤال الله انزال الخير إليه # وقد روى الترمذى وغيره عن النبى انه قال ( من شغله قراءة ms3020 القرآن عن ذكرى ~~ومسألتى اعطيته افضل ما اعطى السائلين ( رواه الترمذى وقال حديث حسن ورواه ~~مالك بن الحويرث وقال ( من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى ~~السائلين PageV10P244 وأظن البيهقى رواه مرفوعا بهذا اللفظ # وقد سئل سفيان بن عيينة عن قوله ( أفضل الدعاء يوم عرفة لا اله الا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # فذكر هذا الحديث وأنشد قول أمية بن ابى الصلت يمدح بن جدعان # أأذكر ~~حاجتى أم قد كفانى %~% حباؤك ان شيمتك الحباء # اذا اثنى عليك المرء يوما %~% كفاه من تعرضه الثناء # قال فهذا مخلوق يخاطب مخلوقا فكيف بالخالق تعالى # ومن هذا الباب الدعاء المأثور عن موسى عليه السلام ( اللهم لك الحمد ~~وإليك المشتكى وانت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ( فهذا خبر يتضمن ~~السؤال # ومن هذا الباب قول ايوب عليه السلام ( انى مسنى الضر وأنت ارحم الراحمين ~~( فوصف نفسه ووصف ربه بوصف يتضمن سؤال رحمته بكشف ضره وهى صيغة خبر تضمنت ~~السؤال وهذا من باب حسن الأدب في السؤال والدعاء فقول القائل لمن يعظمه ~~ويرغب إليه انا جائع انا PageV10P245 مريض حسن ادب في السؤال وان كان في ~~قوله اطعمنى وداونى ونحو ذلك مما هو بصيغة الطلب طلب جازم من المسؤول فذاك ~~فيه اظهار حاله وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال وهذا ~~فيه الرغبة التامة والسؤال المحض بصيغة الطلب وهذه الصيغة ( صيغة الطلب ~~والاستدعاء ( إذا كانت لمن يحتاج إليه الطالب أو ممن يقدر على قهر المطلوب ~~منه ونحو ذلك فإنها تقال على وجه الأمر إما لما في ذلك من حاجة الطالب واما ~~لما فيه من نفع المطلوب فاما اذا كانت من الفقير من كل وجه للغنى من كل وجه ~~فانها سؤال محض بتذلل وافتقار واظهار الحال # ووصف الحاجة والافتقار هو سؤال بالحال وهو ابلغ من جهة العلم والبيان # وذلك اظهر من جهة القصد والارادة فلهذا كان غالب الدعاء من القسم الثانى ~~لأن الطالب السائل يتصور مقصوده ومراده فيطلبه ms3021 ويسأله فهو سؤال بالمطابقة ~~والقصد الأول وتصريح به باللفظ وان لم يكن فيه وصف لحال السائل والمسؤل فان ~~تضمن وصف حالهما كان اكمل من النوعين فانه يتضمن الخبر والعلم المقتضى ~~للسؤال والإجابة ويتضمن القصد والطلب الذى هو نفس السؤال فيتضمن السؤال ~~والمقتضى له والاجابة PageV10P246 كقول النبى صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ~~الصديق رضى الله عنه ( لما قال له علمنى دعاء ادعو به في صلاتى فقال ( قل ~~اللهم انى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب الا انت فاغفر لى مغفرة من ~~عندك وارحمنى انك انت الغفور الرحيم ( اخرجاه في الصحيحين # فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضى حاجته إلى المغفرة وفيه وصف ربه ~~الذى يوجب انه لا يقدر على هذا المطلوب غيره وفيه التصريح بسؤال العبد ~~لمطلوبه وفيه بيان المقتضى للاجابه وهو وصف الرب بالمغفره والرحمه فهذا ~~ونحوه اكمل انواع الطلب # وكثير من الادعية يتضمن بعض ذلك 0 كقول موسى عليه السلام ( انت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وانت خير الغافرين ( فهذا طلب ووصف للمولى بما يقتضى ~~الاجابه 0 وقوله ( رب انى ظلمت نفسى فاغفر لى ( فيه وصف حال النفس والطلب 0 ~~وقوله ( انى لما انزلت إلى من خير فقير ( فيه الوصف المتضمن للسؤال بالحال ~~فهذه انواع لكل نوع منها خاصه يبقى ان يقال فصاحب الحوت ومن اشبهه لماذا ~~ناسب حالهم صيغة الوصف والخبر دون صيغة الطلب PageV10P247 فيقال لان المقام ~~مقام اعتراف بان ما اصابنى من الشر كان بذنبى فأصل الشر هو الذنب والمقصود ~~دفع الضر والاستغفار جاء بالقصد الثاني فلم يذكر صيغة طلب كشف الضر ~~لاستشعاره انه مسيء ظالم وهو الذي ادخل الضر على نفسه فناسب حاله ان يذكر ~~ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه ولم يذكر صيغة طلب المغفرة لانه مقصود ~~للعبد المكروب بالقصد الثاني بخلاف كشف الكرب فانه مقصود له في حال وجوده ~~بالقصد الاول اذ النفس بطبعها تطلب ما هي محتاجة إليه من زوال الضرر الحاصل ~~من الحال قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر ms3022 في المستقبل بالقصد الثاني ~~والمقصود الاول في هذا المقام هو المغفرة وطلب كشف الضر فهذا مقدم في قصده ~~وارادته وابلغ ما ينال به رفع سببه فجاء بما يحصل مقصوده # وهذا يتبين بالكلام على قوله ( سبحانك ) فإن هذا اللفظ يتضمن تعظيم الرب ~~وتنزيهه والمقام يقتضي تنزيهه عن الظلم والعقوبة بغير ذنب يقول انت مقدس ~~ومنزه عن ظلمي وعقوبتى بغير ذنب بل انا الظالم الذي ظلمت نفسي قال تعالى ( ~~وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون ) وقال تعالى ( وما ظلمناهم ولكن ~~ظلموا انفسهم ) وقال وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ) وقال آدم عليه ~~السلام ( ربنا ظلمنا انفسنا PageV10P248 وكذلك قال النبى في الحديث الصحيح ~~الذي في مسلم في دعاء الاستفتاح ( اللهم انت الملك لا اله الا انت انت ربي ~~وانا عبدك ظلمت نفسى واعترفت بذنبى فاغفر لي ذنوبى جميعا فانه لا يغفر ~~الذنوب الا انت ( وفى صحيح البخاري ( سيد الاستغفار ان يقول العبد اللهم ~~انت ربى لا اله الا انت خلقتنى وانا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت ~~اعوذ بك من شر ما صنعت ابوء لك بنعمتك علي وابوء بذنبى فاغفر لي فانه لا ~~يغفر الذنوب الا انت من قالها اذا اصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ~~ومن قالها اذا امسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة ( # فالعبد عليه ان يعترف بعدل الله واحسانه فانه لا يظلم الناس شيئا فلا ~~يعاقب احدا الا بذنبه وهو يحسن اليهم فكل نقمة منه عدل وكل نعمة منه فضل # فقوله ( لا اله الا انت ) فيه اثبات انفراده بالالهية والالهية تتضمن ~~كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته ففيها اثبات احسانه إلى العباد فان ( الإله ~~( هو المألوه والمألوه هو الذي يستحق ان يعبد وكونه يستحق ان يعبد هو بما ~~اتصف به من الصفات التى تستلزم ان يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له ~~غاية الخضوع والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل PageV10P249 وقوله ( ~~سبحانك ) يتضمن تعظيمه وتنزيهه عن الظلم وغيره من النقائض فان التسبيح وان ~~كان يقال يتضمن ms3023 نفي النقائص وقد روى في حديث مرسل من مراسيل موسى بن طلحة ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم في قول العبد سبحان الله ( انها براءة الله من ~~السوء ( فالنفي لا يكون مدحا الا اذا تضمن ثبوتا والا فالنفى المحض لا مدح ~~فيه ونفي السوء والنقص عنه يستلزم اثبات محاسنه وكماله ولله الاسماء الحسنى # وهكذا عامة ما يأتى به القرآن في نفى السوء والنقص عنه يتضمن إثبات ~~محاسنه وكماله كقوله تعالى ( الله لا اله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ~~ولا نوم ) فنفى اخذ السنة والنوم له يتضمن كمال حياته وقيوميته وقوله ( وما ~~مسنا من لغوب ) يتضمن كمال قدرته ونحو ذلك فالتسبيح المتضمن تنزيهه عن ~~السوء ونفي النقص عنه يتضمن تعظيمه ففي قوله ( سبحانك ) تبرئته من الظلم ~~واثبات العظمة الموجبة له براءته من الظلم فان الظالم انما يظلم لحاجته إلى ~~الظلم أو لجهله والله غني عن كل شيء عليم بكل شيء وهو غنى بنفسه وكل ما ~~سواه فقير إليه وهذا كمال العظمة # وايضا ففي هذا الدعاء التهليل والتسبيح فقوله ( لا اله الا انت ) تهليل ~~وقوله ( سبحانك ) تسبيح وقد ثبت في الصحيح عن PageV10P250 النبى انه قال ( ~~افضل الكلام بعد القرآن اربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا اله ~~الا الله والله أكبر ( والتحميد مقرون بالتسبيح وتابع له والتكبير مقرون ~~بالتهليل وتابع له وفى الصحيح عن النبى انه سئل اي الكلام افضل قال ( ما ~~اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده ( وفى الصحيحين عن النبى انه قال ( ~~كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان ~~الله وبحمده سبحان الله العظيم وفى القرآن ( فسبح بحمد ربك ) وقالت ~~الملائكة ( ونحن نسبح بحمدك ) # وهاتان الكلمتان احداهما مقرونة بالتحميد والاخرى بالتعظيم فانا قد ذكرنا ~~ان التسبيح فيه نفي السوء والنقائص المتضمن اثبات المحاسن والكمال والحمد ~~انما يكون على المحاسن وقرن بين الحمد والتعظيم كما قرن بين الجلال ~~والاكرام اذ ليس كل معظم محبوبا محمودا ولا كل محبوب محمودا معظما وقد تقدم ~~ان ms3024 العبادة تتضمن كمال الحب المتضمن معنى الحمد وتتضمن كمال الذل المتضمن ~~معنى التعظيم ففي العبادة حبه وحمده على المحاسن وفيها الذل له الناشيء عن ~~عظمته وكبريائه ففيها اجلاله واكرامه وهو سبحانه المستحق للجلال والاكرام ~~فهو مستحق غاية الاجلال وغاية الاكرام PageV10P251 ومن الناس من يحسب ان ( ~~الجلال ( هو الصفات السلبية و ( الاكرام ( الصفات الثبوتية كما ذكر ذلك ~~الرازي ونحوه والتحقيق ان كليهما صفات ثبوتية واثبات الكمال يستلزم نفي ~~النقائص لكن ذكر نوعي الثبوت وهو ما يستحق ان يحب وما يستحق ان يعظم كقوله ~~( ان الله هو الغني الحميد ) وقول سليمان عليه السلام ( فان ربي غني كريم ) ~~وكذلك قوله ( له الملك وله الحمد ) فان كثيرا ممن يكون له الملك والغنى لا ~~يكون محمودا بل مذموما اذ الحمد يتضمن الاخبار عن المحمود بمحاسنه المحبوبة ~~فيتضمن اخبارا بمحاسن المحبوب محبة له # وكثير ممن له نصيب من الحمد والمحبة يكون فيه عجز وضعف وذل ينافى العظمة ~~والغنى والملك فالاول يهاب ويخاف ولا يحب وهذا يحب ويحمد ولا يهاب ولا يخاف ~~والكمال اجتماع الوصفين كما ورد في الاثر ( ان المؤمن رزق حلاوة ومهابة ( ~~وفى نعت النبى ( كان من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة احبه فقرن التسبيح ~~بالتحميد وقرن التهليل بالتكبير كما في كلمات الاذان ثم ان كل واحد من ~~النوعين يتضمن الاخر اذا افرد فان التسبيح والتحميد يتضمن التعظيم ويتضمن ~~اثبات ما يحمد عليه وذلك يستلزم الالهية فان الالهية تتضمن كونه محبوبا بل ~~تتضمن انه لا يستحق كمال الحب الا هو والحمد هو الاخبار عن المحمود بالصفات ~~التى يستحق ان يحب فالالهية PageV10P252 تتضمن كمال الحمد ولهذا كان ( ~~الحمد لله ( مفتاح الخطاب وكل امر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو اجذم ~~( وسبحان الله ( فيها اثبات عظمته كما قدمناه ولهذا قال ( فسبح باسم ربك ~~العظيم ) وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( اجعلوها في ركوعكم ( رواه اهل ~~السنن وقال ( اما الركوع فعظموا فيه الرب واما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ~~فقمن ان يستجاب لكم ( رواه مسلم ms3025 فجعل التعظيم في الركوع اخص منه بالسجود ~~والتسبيح يتضمن التعظيم # ففي قوله ( سبحان الله وبحمده ( اثبات تنزيهه وتعظيمه والهيته وحمده واما ~~قوله ( لا اله الا الله والله أكبر ( ففي لا اله الا الله ( اثبات ) محامده ~~فانها كلها داخلة في اثبات الهيته وفى قوله ( الله اكبر ( اثبات عظمته فان ~~الكبرياء تتضمن العظمة ولكن الكبرياء اكمل # ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول ( الله اكبر ( فان ~~ذلك اكمل من قول الله اعظم كما ثبت في الصحيح عن النبى انه قال ( يقول الله ~~تعالى الكبرياء ردائى والعظمة إزارى فمن نازعنى واحدا منهما عذبته ( فجعل ~~العظمة كالازار والكبرياء كالرداء ومعلوم ان الرداء اشرف فلما كان التكبير ~~ابلغ من التعظيم صرح بلفظه وتضمن ذلك التعظيم وفى قوله سبحان الله صرح فيها ~~بالتنزيه من السوء المتضمن للتعظيم فصار كل من الكلمتين PageV10P253 متضمنا ~~معنى الكلمتين الأخريين اذا افردتا وعند الاقتران تعطى كل كلمة خاصيتها # وهذا كما ان كل اسم من اسماء الله فانه يستلزم معنى الآخر فانه يدل على ~~الذات والذات تستلزم معنى الاسم الآخر لكن هذا باللزوم واما دلالة كل اسم ~~على خاصيته وعلى الذات بمجموعهما فبالمطابقة ودلالتها على احدهما بالتضمن # فقول الداعى ( لا اله الا انت سبحانك ( يتضمن معنى الكلمات الأربع اللاتى ~~هن افضل الكلام بعد القرآن وهذه الكلمات تتضمن معانى اسماء الله الحسنى ~~وصفاته العليا ففيها كمال المدح # وقوله ( انى كنت من الظالمين ( فيه اعتراف بحقيقة حاله وليس لأحد من ~~العباد ان يبرىء نفسه عن هذا الوصف لا سيما في مقام مناجاته لربه وقد ثبت ~~في الصحاح عن النبى انه قال ( لا ينبغى لعبد ان يقول انا خير من يونس بن ~~متى ( وقال ( من قال انا خير من يونس بن متى فقد كذب فمن ظن انه خير من ~~يونس بحيث يعلم انه ليس عليه ان يعترف بظلم نفسه فهو كاذب ولهذا كان سادات ~~الخلائق لا يفضلون انفسهم على يونس في هذا المقام بل يقولون كما قال ابوهم ~~آدم وخاتمهم محمد صلى الله عليه ms3026 وسلم PageV10P254 ### ||| فصل # واما قول السائل لم كانت موجبة لكشف الضر فذلك لأن الضر لا يكشفه الا ~~الله كما قال تعالى ( وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وان يردك بخير ~~فلا راد لفضله ( والذنوب سبب للضر والاستغفار يزيل اسبابه كما قال تعالى ( ~~وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ( فاخبر ~~انه سبحانه لا يعذب مستغفرا وفى الحديث ( من اكثر الاستغفار جعل الله له من ~~كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ( وقال تعالى ( وما ~~اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير ( # فقوله ( انى كنت من الظالمين ( اعتراف بالذنب وهو استغفار فان هذا ~~الاعتراف متضمن طلب المغفرة # وقوله ( لا اله الا انت ( تحقيق لتوحيد الالهية فان الخير لا موجب له الا ~~مشيئة الله فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والمعوق له PageV10P255 من العبد ~~هو ذنوبه وما كان خارجا عن قدرة العبد فهو من الله وان كانت افعال العباد ~~بقدر الله تعالى لكن الله جعل فعل المأمور وترك المحظور سببا للنجاة ~~والسعادة فشهادة التوحيد تفتح باب الخير والاستغفار من الذنوب يغلق باب ~~الشر # ولهذا ينبغى للعبد ان لا يعلق رجاءه الا بالله ولا يخاف من الله ان يظلمه ~~فان الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس انفسهم يظلمون بل يخاف ان يجزيه ~~بذنوبه وهذا معنى ما روى عن على رضى الله عنه انه قال لا يرجون عبد الا ربه ~~ولا يخافن الا ذنبه # وفى الحديث المرفوع إلى النبى ( انه دخل على مريض فقال كيف تجدك فقال ~~ارجو الله واخاف ذنوبى فقال ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن الا ~~اعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف ( # فالرجاء ينبغى ان يتعلق بالله ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا عمله ~~فان تعليق الرجاء بغير الله اشراك وان كان الله قد جعل لها اسبابا فالسبب ~~لا يستقل بنفسه بل لابد له من معاون ولا بد ان ms3027 يمنع المعارض المعوق له وهو ~~لا يحصل ويبقى الا بمشيئة الله تعالى PageV10P256 ولهذا قيل الالتفات إلى ~~الاسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب ان تكون اسبابا نقص في العقل والاعراض ~~عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ولهذا قال الله تعالى ( فاذا فرغت فانصب ~~والى ربك فارغب ( فامر بأن تكون الرغبة إليه وحده وقال ( وعلى الله فتوكلوا ~~ان كنتم مؤمنين ( فالقلب لا يتوكل الا على من يرجوه فمن رجا قوته أو عمله ~~أو علمه أو حاله أو صديقه أو قرابته أو شيخة أو ملكة أو ماله غير ناظر إلى ~~الله كان فيه نوع توكل على ذلك السبب وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه الا ~~خاب ظنه فيه فانه مشرك ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير ~~أو تهوي به الريح في مكان سحيق ( # وكذلك المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب كما قال تعالى ( سنلقى ~~في قلوب الذين كفروا الرعب بما اشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ( ~~والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى ( الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~ايمانهم بظلم اولئك لهم الأمن وهم مهتدون ( وقد فسر النبى الظلم هنا بالشرك ~~ففى الصحيح عن بن مسعود ( ان هذه الآية لما نزلت شق ذلك على اصحاب النبى ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا اينا لم يظلم نفسه فقال النبى انما هذا الشرك ~~الم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ( ان الشرك لظلم عظيم PageV10P257 # وقال ~~تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا اشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا اذ يرون العذاب ان القوة لله جميعا ~~وان الله شديد العذاب اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الاسباب وقال الذين اتبعوا لو ان لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا ~~منا كذلك يريهم الله اعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ( وقال ~~تعالى ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ~~اولئك الذين يدعون ms3028 يبتغون إلى ربهم الوسيلة ايهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه ان عذاب ربك كان محذورا ( ولهذا يذكر الله الاسباب ويأمر بأن لا ~~يعتمد عليها ولا يرجى الا الله قال تعالى لما انزل الملائكة ( وما جعله ~~الله الا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر الا من عند الله العزيز ~~الحكيم ( وقال ( ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذى ~~ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون # وقد قدمنا ان الدعاء نوعان # دعاء عبادة ودعاء مسألة # وكلاهما لا يصلح الا لله فمن جعل مع الله الها آخر قعد مذموما مخذولا ~~والراجى سائل طالب فلا يصلح ان يرجو الا الله ولا يسأل PageV10P258 غيره ~~ولهذا قال النبى في الحديث الصحيح ( ما أتاك من هذا المال وانت غير سائل ~~ولا مشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك ( فالمشرف الذى يستشرف بقلبه والسائل ~~الذى يسأل بلسانه وفى الحديث الذى في الصحيحين عن ابى سعيد الخدرى ( قال ~~اصابتنا فاقة فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسأله فوجدته يخطب الناس ~~وهو يقول ( ايها الناس والله مهما يكن عندنا من خير فلن ندخره عنكم وانه من ~~يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله وما اعطى أحد ~~عطاء خيرا واوسع من الصبر # و ( الاستغناء ( ان لا يرجو بقلبه احدا فيتشرف إليه و ( الاستعفاف ( ان ~~لا يسأل بلسانه احدا ولهذا لما سئل أحمد بن حنبل عن التوكل فقال قطع ~~الاستشراف إلى الخلق أي لا يكون في قلبك ان احدا يأتيك بشيء فقيل له فما ~~الحجة في ذلك فقال قول الخليل لما قال له جبرائيل هل لك من حاجة فقال ( اما ~~اليك فلا ( # فهذا وما يشبهه مما يبين ان العبد في طلب ما ينفعه ودفع ما يضره لا يوجه ~~قلبه الا إلى الله فلهذا قال المكروب ( لا اله الا انت ( ومثل هذا ما في ~~الصحيحين عن بن عباس ان النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب ( لا ~~اله الا الله العظيم ms3029 الحليم لا اله الا الله رب العرش العظيم PageV10P259 ~~لا اله الا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم ( فان هذه الكلمات ~~فيها تحقيق التوحيد وتأله العبد ربه وتعلق رجائه به وحده لا شريك له وهى ~~لفظ خبر يتضمن الطلب والناس وان كانوا يقولون بألسنتهم لا اله الا الله ~~فقول العبد لها مخلصا من قلبه له حقيقة اخرى وبحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة ~~الله قال تعالى ( افرأيت من اتخذ الهه هواه افأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب ~~ان اكثرهم يسمعون أو يعقلون ان هم الا كالأنعام بل هم اضل سبيلا ( فمن جعل ~~ما يألهه هو ما يهواه فقد اتخذ الهه هواه أي جعل معبوده هو ما يهواه وهذا ~~حال المشركين الذين يعبد احدهم ما يستحسنه فهم يتخذون اندادا من دون الله ~~يحبونهم كحب الله ولهذا قال الخليل ( لا احب الآفلين ( # فإن قومه لم يكونوا منكرين للصانع ولكن كان احدهم يعبد ما يستحسنه ويظنه ~~نافعا له كالشمس والقمر والكواكب والخليل بين ان الآفل يغيب عن عابده ~~وتحجبه عنه الحواجب فلا يرى عابده ولا يسمع كلامه ولا يعلم حاله ولا ينفعه ~~ولا يضره بسبب ولا غيره فأى وجه لعبادة من يأفل وكلما حقق العبد الاخلاص في ~~قول لا اله الا الله خرج من قلبه PageV10P260 تأله ما يهواه وتصرف عنه ~~المعاصى والذنوب كما قال تعالى ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من ~~عبادنا المخلصين ( فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عباد الله المخلصين ~~وهؤلاء هم الذين قال فيهم ( ان عبادى ليس لك عليهم سلطان ( وقال الشيطان ( ~~فبعزتك لأغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين ( وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبى انه قال ( من قال لا اله الا الله مخلصا من قلبه حرمه الله على النار ~~( # فإن الاخلاص ينفى اسباب دخول النار فمن دخل النار من القائلين لا اله الا ~~الله لم يحقق اخلاصها المحرم له على النار بل كان في قلبه نوع من الشرك ~~الذى اوقعه فيما ادخله النار والشرك في هذه الأمة ms3030 اخفى من دبيب النمل ولهذا ~~كان العبد مأمورا في كل صلاة ان يقول ( اياك نعبد واياك نستعين ( والشيطان ~~يأمر بالشرك والنفس تطيعه في ذلك فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله اما ~~خوفا منه واما رجاء له فلا يزال العبد مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب ~~الشرك وفى الحديث الذى رواه بن أبي عاصم وغيره عن النبى انه قال ( يقول ~~الشيطان اهلكت الناس بالذنوب واهلكونى بلا اله الا الله والاستغفار فلما ~~رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون لأنهم يحسبون انهم ~~يحسنون صنعا PageV10P261 فصاحب الهوى الذى اتبع هواه بغير هدى من الله له ~~نصيب ممن اتخذ الهه هواه فصار فيه شرك منعه من الاستغفار واما من حقق ~~التوحيد والاستغفار فلا بد ان يرفع عنه الشر فلهذا قال ذو النون ( لا اله ~~الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين ( # ولهذا يقرن الله بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله تعالى ( فاعلم ~~انه لا اله الا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ( وقوله ( الا ~~تعبدوا الا الله اننى لكم منه نذير وبشير وان استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~وقوله ( والى عاد اخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره ( ~~إلى قوله ( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ( وقوله ( فاستقيموا إليه ~~واستغفروه ( # وخاتمة المجلس ( سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت استغفرك ~~واتوب اليك ( ان كان مجلس رحمه كانت كالطابع عليه وان كان مجلس لغو كانت ~~كفارة له وقد روى ايضا انها تقال في آخر الوضوء بعد ان يقال ( اشهد ان لا ~~اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلنى من ~~التوابين واجعلنى من المتطهرين ( # وهذا الذكر يتضمن التوحيد والاستغفار فان صدره الشهادتان PageV10P262 ~~اللتان هما اصلا الدين وجماعة فان جميع الدين داخل في ( الشهادتين ( اذ ~~مضمونها ان لا نعبد الا الله وان نطيع رسوله و ( الدين ( كله داخل في هذا ~~في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله وكل ما ms3031 يجب أو يستحب داخل في طاعة ~~الله ورسوله # وقد روى انه يقول ( سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت استغفرك ~~واتوب اليك ( وهذا كفارة المجلس فقد شرع في آخر المجلس وفى آخر الوضوء ~~وكذلك كان النبى يختم الصلاة كما في الحديث الصحيح انه كان يقول في آخر ~~صلاته ( اللهم اغفر لى ما قدمت وما اخرت وما اسررت وما اعلنت وما انت اعلم ~~به منى انت المقدم وانت المؤخر لا اله الا انت ( وهنا قدم الدعاء وختمه ~~بالتوحيد لأن الدعاء مأمور به في آخر الصلاة وختم بالتوحيد ليختم الصلاة ~~بأفضل الأمرين وهو التوحيد بخلاف ما لم يقصد فيه هذا فان تقديم التوحيد ~~افضل فإن جنس الدعاء الذى هو ثناء وعبادة افضل من جنس الدعاء الذى هو سؤال ~~وطلب وان كان المفضول قد يفضل على الفاضل في موضعه الخاص بسبب وبأشياء اخر ~~كما ان الصلاة افضل من القراءة والقراءة افضل من الذكر الذى هو ثناء والذكر ~~افضل من الدعاء الذى هو سؤال ومع هذا فالمفضول له امكنة وازمنة PageV10P263 ~~واحوال يكون فيها أفضل من الفاضل لكن اول الدين وآخره وظاهره وباطنه هو ~~التوحيد واخلاص الدين كله لله هو تحقيق قول لا اله الا الله # فإن المسلمين وان اشتركوا في الاقرار بها فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلا ~~لا نقدر ان نضبطه حتى ان كثيرا منهم يظنون ان التوحيد المفروض هو الاقرار ~~والتصديق بان الله خالق كل شيء وربه ولا يميزون بين الاقرار بتوحيد ~~الربوبية الذى اقر به مشركو العرب وبين توحيد الالهية الذى دعاهم إليه رسول ~~الله ولا يجمعون بين التوحيد القولى والعملى # فإن المشركين ما كانوا يقولون ان العالم خلقه اثنان ولا ان مع الله ربا ~~ينفرد دونه بخلق شيء بل كانوا كما قال الله عنهم ( ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله ( وقال تعالى ( وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم ~~مشركون ( وقال تعالى ( قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون ( لله ~~قل افلا تذكرون قل من رب ms3032 السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل ~~افلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون ( # وكانوا مع اقرارهم بان الله هو الخالق وحده يجعلون معه آلهة PageV10P264 ~~اخرى يجعلونهم شفعاء لهم إليه ويقولون ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله ~~زلفى ويحبونهم كحب الله # والاشراك في الحب والعبادة والدعاء والسؤال غير الإشراك في الإعتقاد ~~والاقرار كما قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله ( فمن احب مخلوقا كما يحب الخالق فهو ~~مشرك به قد اتخذ من دون الله اندادا يحبهم كحب الله وان كان مقرى بان الله ~~خالقه # ولهذا فرق الله ورسوله بين من احب مخلوقا لله وبين من احب مخلوقا مع الله ~~فالأول يكون الله هو محبوبه ومعبوده الذى هو منتهى حبه وعبادته لا يحب معه ~~غيره لكنه لما علم ان الله يحب انبياءه وعباده الصالحين احبهم لأجله وكذلك ~~لما علم ان الله يحب فعل المأمور وترك المحظور احب ذلك فكان حبه لما يحبه ~~تابعا لمحبة الله وفرعا عليه وداخلا فيه # بخلاف من احب مع الله فجعله ندا لله يرجوه ويخافه أو يطيعه من غير ان ~~يعلم ان طاعته طاعة لله ويتخذه شفيعا له من غير ان يعلم أن الله يأذن له ان ~~يشفع فيه قال تعالى ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله PageV10P265 # وقال تعالى ( اتخذوا احبارهم ورهبانهم ~~اربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا الا ليعبدوا الها واحدا لا ~~اله الا هو سبحانه عما يشركون ( وقد قال عدى بن حاتم للنبى صلى الله عليه ~~وسلم ( ما عبدوهم قال احلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال ~~فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم اياهم ( قال تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله ( وقال تعالى ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ~~ليتني اتخذت مع ms3033 الرسول سبيلا يا ويلتى ليتنى لم اتخذ فلانا خليلا لقد اضلنى ~~عن الذكر بعد اذ جاءنى وكان الشيطان للانسان خذولا ( # فالرسول وجبت طاعته لأنه من يطع الرسول فقد اطاع الله فالحلال ما حلله ~~والحرام ما حرمه والدين ما شرعه ومن سوى الرسول من العلماء والمشايخ ~~والأمراء والملوك انما تجب طاعتهم اذا كانت طاعتهم طاعة لله وهم اذا امر ~~الله ورسوله بطاعتهم فطاعتهم داخلة في طاعة الرسول قال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ # فلم يقل واطيعوا الرسول واطيعوا اولى الأمر منكم بل جعل طاعة أولى الأمر ~~داخلة في طاعة الرسول وطاعة الرسول طاعة لله واعاد الفعل في طاعة الرسول ~~دون طاعة اولى الامر فإنه من يطع الرسول PageV10P266 فقد اطاع الله فليس ~~لاحد اذا امره الرسول بأمر ان ينظر هل امر الله به أم لا بخلاف اولى الامر ~~فانهم قد يأمرون بمعصية الله فليس كل من اطاعهم مطيعا لله بل لا بد فيما ~~يأمرون به ان يعلم انه ليس معصية لله وينظر هل امر الله به أم لا سواء كان ~~اولى الامر من العلماء أو الامراء ويدخل في هذا تقليد العلماء وطاعة امراء ~~السرايا وغير ذلك وبهذا يكون الدين كله لله قال تعالى ( وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين كله لله وقال النبى ( لما قيل له يا رسول الله الرجل ~~يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأى ذلك في سبيل الله فقال من قاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ( # ثم ان كثيرا من الناس يحب خليفة أو عالما أو شيخا أو اميرا فيجعله ندا ~~لله وان كان قد يقول انه يحبه لله # فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه وان خالف امر ~~الله ورسوله فقد جعله ندا وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح ويدعوه ~~ويستغيث به ويوالى اولياءه ويعادى اعداءه مع ايجابه طاعته في كل ما يأمر به ~~وينهى عنه ويحلله ويحرمه ويقيمه ms3034 مقام الله ورسوله فهذا من الشرك الذى يدخل ~~اصحابه في قوله تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا اشد حبا لله PageV10P267 فالتوحيد والاشراك يكون في ~~اقوال القلب ويكون في اعمال القلب ولهذا قال الجنيد التوحيد قول القلب ~~والتوكل عمل القلب اراد بذلك التوحيد الذى هو التصديق فإنه لما قرنه ~~بالتوكل جعله اصله واذا افرد لفظ التوحيد فهو يتضمن قول القلب وعمله ~~والتوكل من تمام التوحيد # وهذا كلفظ ( الايمان ( فانه اذا افرد دخلت فيه الاعمال الباطنة والظاهرة ~~وقيل الايمان قول وعمل أي قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح ومنه قول ~~النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه ( الايمان بضع وستون شعبة ~~اعلاها قول لا اله الا الله وادناها اماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من ~~الايمان ( ومنه قوله تعالى ( انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وانفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون ( وقوله ~~( انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~اولئك هم المؤمنون حقا ( وقوله ( انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~واذا كانوا معه على امر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ( # و ( الايمان المطلق ( يدخل فيه الاسلام كما في الصحيحين عن النبى انه قال ~~لوفد عبد القيس ( آمركم بالايمان بالله اتدرون ما الايمان بالله شهادة ان ~~لا اله الا الله وان محمدا رسول الله PageV10P268 واقام الصلاة وايتاء ~~الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ولهذا قال من قال من السلف كل مؤمن مسلم ~~وليس كل مسلم مؤمنا ( # واما اذا قرن لفظ الايمان بالعمل أو بالاسلام فانه يفرق بينهما كما في ~~قوله تعالى ( ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات ( وهو في القرآن كثير وكما في ~~قول النبى في الحديث الصحيح لما سأله جبريل عن الاسلام والايمان والاحسان ~~فقال ( الاسلام ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم ~~الصلاة وتؤتى الزكاة ms3035 وتصوم رمضان وتحج البيت قال فما الايمان قال ان تؤمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره قال ~~فما الاحسان قال ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك ( ففرق ~~في هذا النص بين الاسلام والايمان لما قرن بين الاسمين وفى ذلك النص ادخل ~~الاسلام في الايمان لما افرده بالذكر # وكذلك لفظ ( العمل ( فان الاسلام المذكور هو من العمل والعمل الظاهر هو ~~موجب ايمان القلب ومقتضاه فاذا حصل ايمان القلب حصل ايمان الجوارح ضرورة ~~وايمان القلب لا بد فيه من تصديق القلب وانقياده والا فلو صدق قلبه بان ~~محمدا رسول الله وهو يبغضه ويحسده ويستكبر عن متابعته لم يكن قد آمن قلبه # و ( الايمان ( وان تضمن التصديق فليس هو مرادفا له فلا يقال PageV10P269 ~~لكل مصدق بشيء انه مؤمن به فلو قال انا اصدق بأن الواحد نصف الاثنين وان ~~السماء فوقنا والأرض تحتنا ونحو ذلك مما يشاهده الناس ويعلمونه لم يقل لهذا ~~انه مؤمن بذلك بل لا يستعمل الا فيمن اخبر بشيء من الأمور الغائبة كقول ~~اخوة يوسف ( وما انت بمؤمن لنا ( فانهم اخبروه بما غاب عنه وهم يفرقون بين ~~من آمن له وآمن به فالاول يقال للمخبر والثانى يقال للمخبر به كما قال اخوة ~~يوسف ( وما انت بمؤمن لنا ( وقال تعالى ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ( # وقال تعالى ( ومنهم الذين يؤذون النبى ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم ~~يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ( ففرق بين ايمانه بالله وايمانه للمؤمنين لان ~~المراد يصدق المؤمنين اذا اخبروه واما ايمانه بالله فهو من باب الاقرار به # ومنه قوله تعالى عن فرعون وملائة ( انؤمن لبشرين مثلنا ( أي نقر لهما ~~ونصدقهما ومنه قوله ( أفتطمعون ان يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون ~~كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ( ومنه قوله تعالى ( فآمن ~~له لوط وقال انى مهاجر إلى ربى ( ومن المعنى الآخر قوله تعالى ( يؤمنون ~~بالغيب ( وقوله آمن الرسول بما انزل إليه ms3036 من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ( وقوله ( ولكن البر من آمن ~~PageV10P270 بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ( أي اقر بذلك ~~ومثل هذا في القرآن كثير # و ( المقصود هنا ( ان لفظ ( الايمان ( انما يستعمل في بعض الاخبار وهو ~~مأخوذ من الأمن كما ان الاقرار مأخوذ من قر فالمؤمن صاحب امن كما ان المقر ~~صاحب اقرار فلا بد في ذلك من عمل القلب بموجب تصديقه فاذا كان عالما بأن ~~محمدا رسول الله ولم يقترن بذلك حبه وتعظيمه بل كان يبغضه ويحسده ويستكبر ~~عن اتباعه فان هذا ليس بمؤمن به بل كافر به # ومن هذا الباب كفر ابليس وفرعون واهل الكتاب الذين يعرفونه كما يعرفون ~~ابناءهم وغير هؤلاء فان ابليس لم يكذب خبرا ولا مخبرا بل استكبر عن امر ربه ~~وفرعون وقومه قال الله فيهم ( وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا ( ~~وقال له موسى ( لقد علمت ما انزل هؤلاء الا رب السماوات والأرض بصائر ( ~~وقال تعالى ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم # فمجرد علم القلب بالحق ان لم يقترن به عمل القلب بموجب علمه مثل محبة ~~القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه بل اشد الناس عذابا يوم القيامة ~~عالم لم ينفعه الله بعلمه وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم PageV10P271 ~~يقول ( اللهم انى اعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع وقلب ~~لا يخشع ( # ولكن الجهمية ظنوا ان مجرد علم القلب وتصديقه هو الايمان وان من دل الشرع ~~على انه ليس بمؤمن فان ذلك يدل على عدم علم قلبه وهذا من اعظم الجهل شرعا ~~وعقلا وحقيقته توجب التسوية بين المؤمن والكافر ولهذا اطلق وكيع بن الجراح ~~واحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة كفرهم بذلك فانه من المعلوم ان الانسان ~~يكون عالما بالحق ويبغضه لغرض آخر فليس كل من كان مستكبرا عن الحق يكون غير ~~عالم به وحينئذ فالايمان لا بد فيه من تصديق القلب وعمله وهذا معنى ms3037 قول ~~السلف الايمان قول وعمل # ثم انه اذا تحقق القلب بالتصديق والمحبة التامة المتضمنة للارادة لزم ~~وجود الأفعال الظاهرة فان الارادة الجازمة اذا اقترنت بها القدرة التامة ~~لزم وجود المراد قطعا وانما ينتفى وجود الفعل لعدم كمال القدرة أو لعدم ~~كمال الارادة والا فمع كمالها يجب وجود الفعل الاختيارى فاذا اقر القلب ~~اقرارا تاما بان محمدا رسول الله واحبه محبة تامة امتنع مع ذلك ان لا يتكلم ~~بالشهادتين مع قدرته على ذلك لكن ان كان عاجزا لخرس ونحوه أو لخوف ونحوه لم ~~يكن قادرا على النطق بهما PageV10P272 و أبو طالب ( وان كان عالما بان ~~محمدا رسول الله وهو محب له فلم تكن محبته له لمحبته لله بل كان يحبه لأنه ~~بن اخيه فيحبه للقرابة واذا احب ظهوره فلما يحصل له بذلك من الشرف والرئاسة ~~فأصل محبوبه هو الرئاسة فلهذا لما عرض عليه الشهادتين عند الموت رأى ان ~~بالاقرار بهما زوال دينه الذى يحبه فكان دينه احب إليه من بن اخيه فلم يقر ~~بهما فلو كان يحبه لأنه رسول الله كما كان يحبه أبو بكر الذى قال الله فيه ~~( وسيجنبها الأتقى الذى يؤتى ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى الا ~~ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ( وكما كان يحبه سائر المؤمنين به كعمر ~~وعثمان وعلى وغيرهم لنطق بالشهادتين قطعا فكان حبه حبا مع الله لا حبا لله ~~ولهذا لم يقبل الله ما فعله من نصر الرسول وموازرته لأنه لم يعمله لله ~~والله لا يقبل من العمل الا ما اريد به وجهه بخلاف الذى فعل ما فعل ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى # وهذا مما يحقق ان ( الايمان والتوحيد ( لا بد فيهما من عمل القلب كحب ~~القلب فلا بد من اخلاص الدين لله والدين لا يكون دينا الا بعمل فان الدين ~~يتضمن الطاعة والعبادة وقد انزل الله عز وجل سورتى الاخلاص ( قل يا ايها ~~الكافرون ( وقل هو الله أحد ( احداهما في توحيد القول والعلم والثانية في ~~توحيد العمل PageV10P273 والارادة فقال في الأول ms3038 ( قل هو الله أحد الله ~~الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( فأمره ان يقول هذا التوحيد ~~وقال في الثانى ( قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ~~ما اعبد ولا انا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما اعبد لكم دينكم ولى دين ~~( فأمره ان يقول ما يوجب البراءة من عباده غير الله واخلاص العبادة لله # و ( العبادة ( اصلها القصد والارادة والعبادة اذا افردت دخل فيها التوكل ~~ونحوه واذا قرنت بالتوكل صار التوكل قسيما لها كما ذكرناه في لفظ الايمان ~~قال تعالى ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ) وقال تعالى ( يا ايها ~~الناس اعبدوا ربكم ) فهذا ونحوه يدخل فيه فعل المأمورات وترك المحظورات ~~والتوكل من ذلك وقد قال في موضع آخر ( اياك نعبد واياك نستعين ) وقال ( ~~فاعبده وتوكل عليه ) # ومثل هذا كثيرا ما يجيء في القرآن تتنوع دلالة اللفظ في عمومه وخصوصه ~~بحسب الافراد والاقتران كلفظ ( المعروف والمنكر ( فانه قد قال ( كنتم خير ~~امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) وقال ( والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) وقال ( ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر PageV10P274 فالمنكر يدخل فيه ما كرهه ~~الله كما يدخل في المعروف ما يحبه الله # وقد قال في موضع آخر ( ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) فعطف المنكر ~~على الفحشاء ودخل في المنكر هنا البغي وقال في موضع آخر ( ان الله يأمر ~~بالعدل والاحسان وايتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) فقرن ~~بالمنكر الفحشاء والبغي # ومن هذا الباب لفظ ( الفقراء والمساكين ( اذا افرد احدهما دخل فيه الاخر ~~واذا قرن احدهما بالآخر صار بينهما فرق لكن هناك أحد الاسمين اعم من الآخر ~~وهنا بينهما عموم وخصوص فمحبة الله وحده والتوكل عليه وحده وخشية الله وحده ~~ونحو هذا كل هذا يدخل في توحيد الله تعالى قال تعالى في المحبة ( ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله ) ~~وقال تعالى ( قل ms3039 ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب اليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بامره ) وقال تعالى ( ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ) فجعل الطاعة لله والرسول وجعل ~~الخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى ( ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من PageV10P275 فضله ورسوله انا إلى الله ~~راغبون ( وقال تعالى ( فاذا فرغت فانصب والى ربك فارغب ) فجعل التحسب ~~والرغبة إلى الله وحده # وهذه الامور مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا ان قول القائل لا اله الا انت فيه افراد الالهية لله وحده ~~وذلك يتضمن التصديق لله قولا وعملا فالمشركون كانوا يقرون بان الله رب كل ~~شيء لكن كانوا يجعلون معه آلهة اخرى فلا يخصونه بالالهية وتخصيصه بالالهية ~~يوجب ان لا يعبد الا اياه وان لا يسأل غيره كما في قوله ( اياك نعبد واياك ~~نستعين ) فان الانسان قد يقصد سؤال الله وحده والتوكل عليه لكن في امور لا ~~يحبها الله بل يكرهها وينهى عنها فهذا وان كان مخلصا له في سؤاله والتوكل ~~عليه لكن ليس هو مخلصا في عبادته وطاعته وهذا حال كثير من اهل التوجهات ~~الفاسدة اصحاب الكشوفات والتصرفات المخالفة لامر الله ورسوله فانهم يعانون ~~على هذه الامور # وكثير منهم يستعين الله عليها لكن لما لم تكن موافقة لامر الله ورسوله ~~حصل لهم نصيب من العاجلة وكانت عاقبتهم عاقبة سيئة قال تعالى ( واذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون الا اياه فلما نجاكم إلى البر اعرضتم وكان ~~الانسان كفورا ) وقال تعالى ( واذا مس الانسان PageV10P276 الضر دعانا ~~لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) # وطائفة اخرى قد يقصدون طاعة الله ورسوله لكن لا يحققون التوكل عليه ~~والاستعانة به فهؤلاء يثابون على حسن نيتهم وعلى طاعتهم لكنهم مخذولون فيما ~~يقصدونه اذ لم يحققوا الاستعانة بالله والتوكل عليه ولهذا يبتلى الواحد ms3040 من ~~هؤلاء بالضعف والجزع تارة وبالاعجاب اخرى فان لم يحصل مراده من الخير كان ~~لضعفه وربما حصل له جزع فان حصل مراده نظر إلى نفسه وقوته فحصل له اعجاب ~~وقد يعجب بحاله فيظن حصول مراده فيخذل قال تعالى ( ويوم حنين اذ اعجبتكم ~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) ~~إلى قوله ( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) # وكثيرا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب فالرياء من باب الاشراك بالخلق ~~والعجب من باب الاشراك بالنفس وهذا حال المستكبر فالمرائي لا يحقق قوله ( ~~اياك نعبد والمعجب لا يحقق قوله ( اياك نستعين ) فمن حقق قوله اياك نعبد ) ~~خرج عن الرياء ومن حقق قوله ( اياك نستعين ) خرج عن الاعجاب وفى الحديث ~~المعروف ( ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه PageV10P277 ~~وشر من هؤلاء وهؤلاء من لا تكون عبادته لله ولا استعانته بالله بل يعبد ~~غيره ويستعين غيره وهؤلاء المشركون من الوجهين # ومن هؤلاء من يكون شركه بالشياطين كاصحاب الاحوال الشيطانية فيفعلون ما ~~تحبه الشياطين من الكذب والفجور ويدعونه بأدعية تحبها الشياطين ويعزمون ~~بالعزائم التى تطيعها الشياطين مما فيها اشراك بالله كما قد بسط الكلام ~~عليهم في مواضع اخر وهؤلاء قد يحصل لهم من الخوارق ما يظن انه من كرامات ~~الاولياء وانما هو من احوال السحرة والكهان ولهذا يجب الفرق بين الاحوال ~~الايمانية القرآنية والاحوال النفسانية والأحوال الشيطانية # واما القسم الرابع فهم اهل التوحيد الذين اخلصوا دينهم لله فلم يعبدوا ~~الا اياه ولم يتوكلوا الا عليه # وقول المكروب ( لا اله الا انت ( قد يستحضر في ذلك أحد النوعين دون الآخر ~~فمن أتم الله عليه النعمة استحضر التوحيد في النوعين فان المكروب همته ~~منصرفة إلى دفع ضره وجلب نفعه فقد يقول ( لا اله الا الله ( مستشعرا أنه لا ~~يكشف الضر غيرك ولا يأتى بالنعمة إلا أنت فهذا مستحضر توحيد الربوبية ~~ومستحضر توحيد السؤال والطلب والتوكل عليه معرض عن توحيد الالهية الذى يحبه ~~الله ms3041 ويرضاه ويأمر PageV10P278 به وهو أن لا يعبد الا اياه ولا يعبده الا ~~بطاعته وطاعة رسوله فمن استشعر هذا في قوله ( لا اله الا انت ( كان عابدا ~~لله متوكلا عليه وكان ممتثلا قوله ( فاعبده وتوكل عليه ( وقوله ( عليه ~~توكلت واليه أنيب ( وقوله ( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق ~~والمغرب لا اله الا هو فاتخذه وكيلا ( # ثم ان كان مطلوبه محرما أثم وان قضيت حاجته وان كان طالبا مباحا لغير قصد ~~الاستعانة به على طاعة الله وعبادته لم يكن آثما ولا مثابا وان كان طالبا ~~ما يعينه على طاعة الله وعبادته لقصد الاستعانة به على ذلك كان مثابا ~~مأجورا # وهذا مما يفرق به بين العبد الرسول وخلفائه وبين النبى الملك فان نبينا ~~محمدا خير بين ان يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا فاختار ان يكون عبدا رسولا ~~فان العبد الرسول هو الذى لا يفعل الا ما امر به ففعله كله عبادة لله فهو ~~عبد محض منفذ امر مرسله كما ثبت عنه في صحيح البخارى انه قال ( انى والله ~~لا اعطى احدا ولا امنع احدا وانما انا قاسم اضع حيث امرت ( وهو لم يرد ~~بقوله ( لا اعطى احدا ولا امنع ( افراد الله بذلك قدرا وكونا فان جميع ~~المخلوقين يشاركونه في هذا فلا يعطي أحدا ولا يمنع الا بقضاء الله وقدره ~~وانما اراد افراد الله بذلك شرعا ودينا أي لا اعطى الا من امرت PageV10P279 ~~باعطائه ولا امنع الا من امرت بمنعه فأنا مطيع لله في اعطائى ومنعى فهو ~~يقسم الصدقة والفيء والغنائم كما يقسم المواريث بين اهلها لأن الله امره ~~بهذه القسمة # ولهذا كان المال حيث اضيف إلى الله ورسوله فالمراد به ما يجب ان يصرف في ~~طاعة الله ورسوله ليس المراد به انه ملك للرسول كما ظنه طائفة من الفقهاء ~~ولا المراد به كونه مملوكا لله خلقا وقدرا فان جميع الأموال بهذه المثابة ~~وهذا كقوله ( قل الأنفال لله والرسول ( وقوله ( واعلموا انما غنمتم من شيء ~~فان لله خمسة وللرسول ( الآية وقوله ms3042 ( وما افاء الله على رسوله منهم فما ~~اوجفتم عليه من خيل ولا ركاب إلى قوله ( ما افاء الله على رسوله من اهل ~~القرى فلله وللرسول ولذي القربى ( الآية فذكر في الفيء ما ذكر في الخمس # فظن طائفة من الفقهاء ان الاضافة إلى الرسول تقتضى انه يملكه كما يملك ~~الناس املاكهم ثم قال بعضهم ان غنائم بدر كانت ملكا للرسول وقال بعضهم ان ~~الفيء واربعة اخماسه كان ملكا للرسول وقال بعضهم ان الرسول انما كان يستحق ~~من الخمس خمسة وقال بعض هؤلاء وكذلك كان يستحق من خمس الفيء خمسه وهذه ~~الأقوال توجد في كلام طوائف من اصحاب الشافعى واحمد وابى حنيفة وغيرهم وهذا ~~غلط من وجوه PageV10P280 # ( منها ( ان الرسول لم يكن يملك هذه الاموال كما يملك الناس اموالهم ولا ~~كما يتصرف الملوك في ملكهم فان هؤلاء وهؤلاء لهم ان يصرفوا اموالهم في ~~المباحات فأما ان يكون مالكا له فيصرفه في اغراضه الخاصة واما ان يكون ملكا ~~له فيصرفه في مصلحة ملكه وهذه حال النبى الملك كداود وسليمان قال تعالى ( ~~فامنن أو امسك بغيرحساب ( أي اعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك ونبينا ~~كان عبدا رسولا لا يعطى إلا من امر باعطائه ولا يمنع الا من امر بمنعه فلم ~~يكن يصرف الأموال الا في عبادة الله وطاعه له # ( ومنها ( ان النبى لا يورث ولو كان ملكا فإن الأنبياء لا يورثون فاذا ~~كان ملوك الأنبياء لم يكونوا ملاكا كما يملك الناس اموالهم فكيف يكون صفوة ~~الرسل الذى هو عبد رسول مالكا # ( ومنها ( ان النبى كان ينفق على نفسه وعياله قدر الحاجة ويصرف سائر ~~المال في طاعة الله لا يستفضله وليست هذه حال الملاك بل المال الذى يتصرف ~~فيه كله هو مال الله ورسوله بمعنى ان الله امر رسوله ان يصرف ذلك المال في ~~طاعته فتجب طاعته في قسمة كما تجب طاعته في سائر ما يأمر به فانه من يطع ~~الرسول فقد اطاع الله وهو في ذلك مبلغ عن الله PageV10P281 والأموال التى ms3043 ~~كان يقسمها النبى صلى الله عليه وسلم على وجهين ( منها ( ما تعين مستحقه ~~ومصرفه كالمواريث # ومنها ( ما يحتاج إلى اجتهاده ونظره ورأيه فان ما امر الله به منه ما هو ~~محدود بالشرع كالصلوات الخمس وطواف الاسبوع بالبيت ومنه ما يرجع في قدره ~~إلى اجتهاد المأمور فيزيده وينقصه بحسب المصلحة التى يحبها الله # فمن هذا ما اتفق عليه الناس ومنه ما تنازعوا فيه كتنازع الفقهاء فيما يجب ~~للزوجات من النفقات هل هي مقدرة بالشرع أم يرجع فيها إلى العرف فتختلف في ~~قدرها وصفتها باختلاف احوال الناس وجمهور الفقهاء على القول الثانى وهو ~~الصواب لقول النبى لهند ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ( وقال ايضا في ~~خطبته المعروفة ( للنساء كسوتهن ونفقتهن بالمعروف ( # وكذلك تنازعوا ايضا فيما يجب من الكفارات هل هو مقدر بالشرع أو بالعرف # فما اضيف إلى الله والرسل من الأموال كان المرجع في قسمته إلى أمر ~~PageV10P282 النبى بخلاف ما سمى مستحقوه كالمواريث ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم عام حنين ( ليس لى مما افاء الله عليكم الا الخمس والخمس ~~مردود عليكم ( أي ليس له بحكم القسم الذى يرجع فيه إلى اجتهاده ونظره الخاص ~~الا الخمس ولهذا قال وهو مردود عليكم ( بخلاف اربعة اخماس الغنيمة فانه لمن ~~شهد الوقعة # ولهذا كانت الغنائم يقسمها الأمراء بين الغانمين والخمس يرفع إلى الخلفاء ~~الراشدين المهديين الذين خلفوا رسول الله في امته فيقسمونها بأمرهم فاما ~~اربعة الاخماس فانما يرجعون فيها ليعلم حكم الله ورسوله كما يستفتى ~~المستفتى وكما كانوا في الحدود لمعرفة الامر الشرعى والنبى اعطى المؤلفة ~~قلوبهم من غنائم حنين ما اعطاهم فقيل ان ذلك كان من الخمس وقيل انه كان من ~~اصل الغنيمة وعلى هذا القول فهو فعل ذلك لطيب نفوس المؤمنين بذلك ولهذا ~~اجاب من عتب من الأنصار بما أزال عتبه واراد تعويضهم عن ذلك # ومن الناس من يقول الغنيمة قبل القسمة لم يملكها الغانمون وان للامام ان ~~يتصرف فيها باجتهاده كما هو مذكور في غير هذا الموضع # فإن المقصود هنا بيان ms3044 حال العبد المحض لله الذى يعبده ويستعينه فيعمل له ~~ويستعينه ويحقق قوله ( اياك نعبد واياك نستعين ( # توحيد الالهية وتوحيد الربوبية وان كانت PageV10P283 الالهية تتضمن ~~الربوبية والربوبية تستلزم الالهية فان احدهما اذا تضمن الآخر عند الانفراد ~~لم يمنع ان يختص بمعناه عند الاقتران كما في قوله ( قل اعوذ برب الناس ملك ~~الناس اله الناس ( وفى قوله ( الحمد لله رب العالمين ( فجمع بين الاسمين ~~اسم الاله واسم الرب فان ( الاله ( هو المعبود الذى يستحق ان يعبد و ( الرب ~~( هو الذى يرب عبده فيدبره # ولهذا كانت العبادة متعلقة باسمه الله والسؤال متعلقا باسمه الرب فإن ~~العبادة هي الغاية التى لها خلق الخلق والالهية هي الغاية والربوبية تتضمن ~~خلق الخلق وانشاءهم فهو متضمن ابتداء حالهم والمصلى اذا قال ( اياك نعبد ~~واياك نستعين ( فبدأ بالمقصود الذى هو الغاية على الوسيلة التى هي البداية ~~فالعبادة غاية مقصوده والاستعانة وسيلة اليها تلك حكمة وهذا سبب والفرق بين ~~العلة الغائية والعلة الفاعلية معروف ولهذا يقال اول الفكرة آخر العمل واول ~~البغية آخر الدرك فالعلة الغائية متقدمة في التصور والارادة وهى متأخرة في ~~الوجود فالمؤمن يقصد عباده الله ابتداء وهو يعلم ان ذلك لا يحصل الا ~~باعانته فيقول اياك نعبد واياك نستعين ( # ولما كانت العبادة متعلقة باسم الله تعالى جاءت الأذكار المشروعة بهذا ~~الاسم مثل كلمات الأذان الله اكبر الله اكبر ومثل الشهادتين PageV10P284 ~~اشهد ان لا اله الاالله ( اشهد ان محمدا رسول الله ( ومثل التشهد التحيات ~~لله ومثل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير سبحان الله والحمدلله ولا اله ~~الا الله والله اكبر # واما السؤال فكثيرا ما يجيء باسم الرب كقول آدم وحواء ( ربنا ظلمنا ~~انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( وقول نوح ( رب انى ~~اعوذ بك ان اسألك ما ليس لى به علم ( وقول موسى ( رب انى ظلمت نفسى فاغفر ~~لى ( وقول الخليل ( ربنا انى اسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك ~~المحرم ربنا ليقيموا الصلاة ( الآية وقوله مع إسماعيل ( ربنا تقبل منا انك ~~انت ms3045 السميع العليم ( وكذلك قول الذين قالوا ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ( ومثل هذا كثير # وقد نقل عن مالك انه قال اكره للرجل ان يقول في دعائه يا سيدي يا سيدي يا ~~حنان يا حنان ولكن يدعو بما دعت به الأنبياء ربنا ربنا نقله عنه العتبى في ~~العتبية وقال تعالى عن اولى الألباب ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~فقنا عذاب النار ( الآيات PageV10P285 # فإذا سبق إلى قلب العبد قصد السؤال ناسب ان يسأله باسمه الرب وان سأله ~~باسمه الله لتضمنه اسم الرب كان حسنا واما اذا سبق إلى قلبه قصد العبادة ~~فاسم الله اولى بذلك اذا بدأ بالثناء ذكر اسم الله واذا قصد الدعاء دعا ~~باسم الرب ولهذا قال يونس ( لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين ( ~~وقال آدم ( ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ~~( فان يونس عليه السلام ذهب مغاضبا وقال تعالى ( واصبر لحكم ربك ولا تكن ~~كصاحب الحوت ( وقال تعالى ( فالتقمه الحوت وهو مليم ( ففعل ما يلام عليه ~~فكان المناسب لحاله ان يبدأ بالثناء على ربه والاعتراف بانه لا اله الا هو ~~فهو الذى يستحق ان يعبد دون غيره فلا يطاع الهوى فإن اتباع الهوى يضعف ~~عبادة الله وحده وقد روى ان يونس عليه السلام ندم على ارتفاع العذاب عن ~~قومه بعد ان اظلهم وخاف ان ينسبوه إلى الكذب فغاضب وفعل ما اقتضى الكلام ~~الذى ذكره الله تعالى وان يقال ( لا اله الا انت ( وهذا الكلام يتضمن براءة ~~ما سوى الله من الالهية سواء صدر ذلك ( عن ( هوى النفس أو طاعة الخلق أو ~~غير ذلك ولهذا قال ( سبحانك انى كنت من الظالمين ( والعبد يقول مثل هذا ~~الكلام فيما يظنه وهو غير مطابق وفيما يريده وهو غير حسن PageV10P286 واما ~~آدم عليه السلام فانه اعترف أولا بذنبه فقال ( ظلمنا انفسنا ( ولم يكن عند ~~آدم من ينازعه ms3046 الارادة لما امر الله به مما يزاحم الالهية بل ظن صدق ~~الشيطان الذى ( قاسمهما انى لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور ( فالشيطان ~~غرهما واظهر نصحهما فكانا في قبول غروره وما اظهر من نصحه حالهما مناسبا ~~لقولهما ( ربنا ظلمنا انفسنا ( لما حصل من التفريط لا لأجل هوى وحظ يزاحم ~~الالهية وكانا محتاجين إلى ان يربهما ربوبية تكمل علمهما وقصدهما حتى لا ~~يغترا بمثل ذلك فهما يشهدان حاجتهما إلى الله ربهما الذى لا يقضي حاجتهما ~~غيره # وذو النون شهد ما حصل من التقصير في حق الالهية بما حصل من المغاضبه ~~وكراهة انجاء اولئك ففى ذلك من المعارضة في الفعل لحب شيء آخر ما يوجب ~~تجريد محبته لله وتألهه له وان يقول ( لا اله الا انت ( فإن قول العبد لا ~~اله الا انت يمحو ان يتخذ الهه هواه وقد روى ( ما تحت اديم السماء إله يعبد ~~اعظم عند الله من هوى متبع ( فكمل يونس صلوات الله عليه تحقيق الهيته لله ~~ومحو الهوى الذى يتخذ الها من دونه فلم يبق له صلوات الله عليه وسلامه عند ~~تحقيق قوله لا اله الا انت ارادة تزاحم الهية الحق بل كان مخلصا لله الدين ~~اذ كان من افضل عباد الله المخلصين # و ( ايضا ( فمثل هذه الحال تعرض لمن تعرض له فيبقى فيه PageV10P287 نوع ~~مغاضبة للقدر ومعارضة له في خلقه وامره ووساوس في حكمته ورحمته فيحتاج ~~العبد ان ينفى عنه شيئين الآراء الفاسدة والآهواء الفاسدة فيعلم ان الحكمة ~~والعدل فيما اقتضاه علمه وحكمته لا فيما اقتضاه علم العبد وحكمته ويكون ~~هواه تبعا لما أمر الله به فلا يكون له مع امر الله وحكمه هوى يخالف ذلك ~~قال الله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ( وقد روى عنه انه قال ( ~~والذى نفسى بيده لا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ( رواه أبو ~~حاتم في صحيحه وفى الصحيح ( ان عمر قال له يا رسول ms3047 الله والله لأنت احب إلى ~~من نفسى قال الآن يا عمر ( وفى الصحيح عنه انه قال ( لا يؤمن احدكم حتى ~~اكون احب إليه من ولده ووالده والناس اجمعين ( وقال تعالى @QB@ قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم @QE@ من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتى الله بأمره ( فإذا كان الايمان لا يحصل حتى يحكم العبد ~~رسوله ويسلم له ويكون هواه تبعا لما جاء به ويكون الرسول والجهاد في سبيله ~~مقدما على حب الانسان نفسه وماله واهله فكيف في تحكيمه الله تعالى والتسليم ~~له PageV10P288 فمن راى قوما يستحقون العذاب في ظنه وقد غفر الله لهم ~~ورحمهم وكره هو ذلك فهذا اما ان يكون عن ارادة تخالف حكم الله واما عن ظن ~~يخالف علم الله والله عليم حكيم واذا علمت انه عليم وانه حكيم لم يبق ~~لكراهية ما فعله وجه وهذا يكون فيما امر به وفيما خلقه ولم يأمرنا ان نكرهه ~~ونغضب عليه # فأما ما امرنا بكراهته من الموجودات كالكفر والفسوق والعصيان فعلينا ان ~~نطيعه في امره بخلاف توبته على عباده وانجائه اياهم من العذاب فان هذا من ~~مفعولاته التى لم يأمرنا ان نكرهها بل هي مما يحبها فانه يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين فكراهة هذا من نوع اتباع الارادة المزاحمة للالهية فعلى صاحبها ~~ان يحقق توحيد الالهية فيقول لا اله الا انت # فعلينا ان نحب ما يحب ونرضى ما يرضى ونأمر بما يأمر وننهى عما ينهى فاذا ~~كان ( يحب التوابين ويحب المتطهرين ( فعلينا ان نحبهم ولا نأله مراداتنا ~~المخالفة لمحابه # والكلام في هذا المقام مبنى على ( اصل ( وهو ان الأنبياء صلوات الله ~~عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه وفى تبليغ رسالاته باتفاق ~~الأمة ولهذا وجب الايمان بكل ما اوتوه كما PageV10P289 قال تعالى ( قولوا ~~امنا بالله وما أنزل الينا وما انزل إلى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب ~~والاسباط وما اوتى موسي وعيسى وما اوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ms3048 ~~منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وان تولوا ~~فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ( وقال ( ولكن البر من ~~آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ( وقال ( آمن الرسول ~~بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق ~~بين أحد من رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير ( # بخلاف غير الأنبياء فانهم ليسوا معصومين كما عصم الأنبياء ولو كانوا ~~اولياء لله ولهذا من سب نبيا من الأنبياء قتل باتفاق الفقهاء ومن سب غيرهم ~~لم يقتل # وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التى يحصل بها مقصود النبوة والرسالة ~~فان ( النبى ( هو المنبأ عن الله و ( الرسول ( هو الذى ارسله الله تعالى ~~وكل رسول نبى وليس كل نبى رسولا والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا ~~يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين PageV10P290 # ولكن هل يصدر ما يستدركه الله فينسخ ما يلقى الشيطان ويحكم الله آياته ~~هذا فيه قولان والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك والذين منعوا ذلك من ~~المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله ( تلك الغرانيق ~~العلى وان شفاعتهن لترتجى ) وقالوا ان هذا لم يثبت ومن علم انه ثبت قال هذا ~~القاه الشيطان في مسامعهم ولم يلفظ به الرسول ولكن السؤال وارد على هذا ~~التقدير ايضا وقالوا في قوله ( الا اذا تمنى القى الشيطان في امنيته ) هو ~~حديث النفس # واما الذين قرروا ما نقل عن السلف فقالوا هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن ~~القدح فيه والقرآن يدل عليه بقوله ( وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبى ~~الا اذا تمنى القى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم ~~الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم ~~مرض والقاسية قلوبهم وان الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين اوتوا العلم ~~انه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وان الله لهادى الذين امنوا ~~إلى صراط مستقيم ) فقالوا الاثار ms3049 في تفسير هذة الاية معروفة ثابتة في كتب ~~التفسير والحديث والقرآن يوافق ذلك فإن نسخ الله لما يلقى الشيطان واحكامه ~~آياته انما يكون لرفع ما وقع في آياته وتمييز الحق من الباطل حتى لا تختلط ~~آياته PageV10P291 بغيرها وجعل ما القى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية قلوبهم انما يكون اذا كان ذلك ظاهرا يسمعه الناس لا باطنا في ~~النفس والفتنة التى تحصل بهذا النوع من النسخ من جنس الفتنة التى تحصل ~~بالنوع الاخر من النسخ # وهذا النوع ادل على صدق الرسول وبعده عن الهوى من ذلك النوع فانه اذا كان ~~يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه وكلاهما من عند الله وهو مصدق في ذلك فاذا قال عن ~~نفسه ان الثانى هو الذى من عند الله وهو الناسخ وان ذلك المرفوع الذي نسخه ~~الله ليس كذلك كان ادل على اعتماده للصدق وقوله الحق وهذا كما قالت عائشة ~~رضي الله عنها لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الاية ( وتخفى في ~~نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه ) الا ترى ان الذي يعظم ~~نفسه بالباطل يريد ان ينصر كل ما قاله ولو كان خطأ فبيان الرسول ان الله ~~احكم آياته ونسخ ما القاه الشيطان هو ادل على تحريه للصدق وبراءته من الكذب ~~وهذا هو المقصود بالرسالة فإنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم تسليما ~~ولهذا كان تكذيبه كفرا محضا بلا ريب # واما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت ~~بالعقل أو بالسمع ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من ~~PageV10P292 بعضها أم هل العصمة انما هي في الاقرار عليها لا في فعلها أم ~~لا يجب القول بالعصمة الا في التبليغ فقط وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب ~~قبل المبعث أم لا والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع # والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للاثار المنقولة عن السلف ~~اثبات العصمة من الا قرار على الذنوب مطلقا والرد على من ms3050 يقول انه يجوز ~~اقرارهم عليها وحجج القائلين بالعصمة اذا حررت انما تدل على هذا القول # وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب اقر عليه الانبياء فان القائلين بالعصمة ~~احتجوا بأن التأسي بهم مشروع وذلك لا يجوز الا مع تجويز كون الافعال ذنوبا ~~ومعلوم ان التأسي بهم انما هو مشروع فيما اقروا عليه دون ما نهوا عنه ~~ورجعوا عنه كما ان الامر والنهي انما تجب طاعتهم فيما لم ينسخ منه فأما ما ~~نسخ من الامر والنهي فلا يجوز جعله مأمورا به ولا منهيا عنه فضلا عن وجوب ~~اتباعه والطاعة فيه # وكذلك ما احتجوا به من ان الذنوب تنافى الكمال أو انها ممن عظمت عليه ~~النعمة اقبح أو انها توجب التنفير أو نحو ذلك من الحجج العقلية فهذا انما ~~يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع والا فالتوبة النصوح التى يقبلها الله ~~يرفع بها صاحبها إلى اعظم مما كان عليه كما قال PageV10P293 بعض السلف كان ~~داود عليه السلام بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة وقال آخر لو لم تكن ~~التوبة احب الاشياء إليه لما ابتلى بالذنب اكرم الخلق عليه وقد ثبت في ~~الصحاح حديث التوبة ( لله افرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا ( الخ # وقد قال تعالى ( ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) وقال تعالى ( الا ~~من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) وقد ثبت في ~~الصحيح حديث الذي يعرض الله صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها وهو مشفق من ~~كبارها ان تظهر فيقول الله له ( اني قد غفرتها لك وابدلتك مكان كل سيئة ~~حسنة فيقول أي رب ان لي سيئات لم ارها ( اذا رأى تبديل السيئآت بالحسنات ~~طلب رؤية الذنوب الكبار التى كان مشفقا منها ان تظهر ومعلوم ان حاله هذه مع ~~هذا التبديل اعظم من حاله لو لم تقع السيئات ولا التبديل # وقال طائفة من السلف منهم سعيد بن جبير ان العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها ~~النار وان العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة يعمل الحسنة فيعجب بها ms3051 ~~ويفتخر بها حتى تدخله النار ويعمل السيئة فلا يزال خوفه منها وتوبته منها ~~حتى تدخله الجنة وقد قال تعالى ( وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا ليعذب ~~الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات PageV10P294 ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما ) فغاية كل انسان ان يكون من ~~المؤمنين والمؤمنات الذين تاب الله عليهم # وفى الكتاب والسنة الصحيحة والكتب التى انزلت قبل القرآن مما يوافق هذا ~~القول ما يتعذر إحصاؤه # والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص ~~( الاسماء والصفات ( ونصوص ( القدر ( ونصوص ( المعاد ( وهى من جنس تأويلات ~~القرامطة الباطنية التى يعلم بالاضطرار انها باطلة وانها من باب تحريف ~~الكلم عن مواضعه وهؤلاء يقصد احدهم تعظيم الانبياء فيقع في تكذيبهم ويريد ~~الايمان بهم فيقع في الكفر بهم # ثم ان العصمة المعلومة بدليل الشرع والعقل والاجماع وهي ( العصمة في ~~التبليغ ( لم ينتفعوا بها اذ كانوا لا يقرون بموجب ما بلغته الانبياء وانما ~~يقرون بلفظ حرفوا معناه أو كانوا فيه كالاميين الذين لا يعلمون الكتاب الا ~~اماني والعصمة التى كانوا ادعوها لو كانت ثابتة لم ينتفعوا بها ولا حاجة ~~بهم اليها عندهم فانها متعلقة بغيرهم لا بما امروا بالايمان به فيتكلم ~~احدهم فيها على الانبياء بغير سلطان من الله ويدع ما يجب عليه من تصديق ~~الانبياء وطاعتهم وهو الذي تحصل به السعادة وبضده تحصل الشقاوة قال تعالى ( ~~فانما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) الاية PageV10P295 والله تعالى لم ~~يذكر في القرآن شيئا من ذلك عن نبي من الانبياء الا مقرونا بالتوبة ~~والاستغفار كقول آدم وزوجته ( ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين ) وقول نوح ( رب انى اعوذ بك ان اسألك ما ليس لي به علم ~~والا تغفر لى وترحمنى اكن من الخاسرين ) وقول الخليل عليه السلام ( ربنا ~~اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) وقوله ( والذي اطمع ان يغفر ~~لي خطيئتى يوم الدين ) وقول موسى ( انت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وانت خير ~~الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا ms3052 حسنة وفى الاخرة انا هدنا اليك ) وقوله ( ~~رب انى ظلمت نفسي فاغفر لي ) وقوله فلما افاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول ~~المؤمنين ) وقوله تعالى عن داود ( فاستغفر ربه وخر راكعا واناب فغفرنا له ~~ذلك وان له عندنا لزلفى وحسن مآب ) وقوله تعالى عن سليمان ( رب اغفرلي وهب ~~لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدى انك انت الوهاب ) # واما يوسف الصديق فلم يذكر الله عنه ذنبا فلهذا لم يذكر الله عنه ما ~~يناسب الذنب من الاستغفار بل قال ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من ~~عبادنا المخلصين ) فاخبر انه صرف عنه السوء والفحشاء وهذا يدل على انه لم ~~يصدر منه سوء ولا فحشاء # واما قوله ( ولقد همت به وهم بها لولا ان راى برهان ربه PageV10P296 ~~فالهم اسم جنس تحته ( نوعان ( كما قال الامام أحمد الهم همان هم خطرات وهم ~~اصرار وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( ان العبد اذا هم بسيئة لم تكتب عليه ~~واذا تركها لله كتبت له حسنة وان عملها كتبت له سيئة واحدة ( وان تركها من ~~غير ان يتركها لله لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة ويوسف هم هما تركه ~~لله ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه وذلك إنما يكون إذا قام ~~المقتضى للذنب وهو الهم وعارضه الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله # فيوسف عليه السلام لم يصدر منه الا حسنة يثاب عليها وقال تعالى ( ان ~~الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون ) واما ما ~~ينقل من انه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة وانه رأى صورة يعقوب ~~عاضا على يده وامثال ذلك فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله وما لم يكن ~~كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من اعظم الناس كذبا على الانبياء ~~وقدحا فيهم وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله لم ينقل من ذلك أحد عن ~~نبينا حرفا واحدا PageV10P297 وقوله ( وما أبرئ نفسي ان النفس لامارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي ms3053 ) فمن كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك ~~دلالة بينة لا يرتاب فيها من تدبر القرآن حيث قال تعالى ( وقال الملك ~~ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن ايديهن ان ربى بكيدهن عليم قال ما خطبكن اذ راودتن يوسف عن نفسه قلن ~~حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق انا راودته ~~عن نفسه وانه لمن الصادقين ذلك ليعلم اني لم اخنه بالغيب وان الله لا يهدى ~~كيد الخائنين وما أبرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربى ان ربي ~~غفور رحيم ) فهذا كله كلام امرأة العزيز ويوسف اذ ذاك في السجن لم يحضر بعد ~~إلى الملك ولا سمع كلامه ولا رآه ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت ~~امرأة العزيز ( ذلك ليعلم انى لم اخنه بالغيب ) اي لم اخنه في حال مغيبة ~~عني وان كنت في حال شهوده راودته فحينئذ ( قال الملك ائتونى به استخلصه ~~لنفسي فلما كلمه قال انك اليوم لدينا مكين امين ) وقد قال كثير من المفسرين ~~ان هذا من كلام يوسف ومنهم من لم يذكر الا هذا القول وهو قول في غاية ~~الفساد ولا دليل عليه بل الادلة تدل على نقيضه وقد PageV10P298 بسط الكلام ~~على هذه الامور في غير هذا الموضع # و ( المقصود هنا ان ما تضمنته ( قصة ذي النون ( مما يلام عليه كله مغفور ~~بدله الله به حسنات ورفع درجاته وكان بعد خروجه من بطن الحوت وتوبته اعظم ~~درجة منه قبل ان يقع ما وقع قال تعالى ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب ~~الحوت اذ نادى وهو مكظوم لولا ان تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء وهو ~~مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ) وهذا بخلاف حال التقام الحوت فانه ~~قال ( فالتقمه الحوت وهو مليم ) فاخبر انه في تلك الحال مليم و ( المليم ( ~~الذي فعل ما يلام عليه فالملام في تلك الحال لا في حال نبذه بالعراء وهو ~~سقيم ms3054 فكانت حاله بعد قوله ( لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين ) ~~ارفع من حاله قبل ان يكون ما كان والاعتبار بكمال النهاية لا بما جرى في ~~البداية والاعمال بخواتيمها # والله تعالى خلق الانسان وأخرجه من بطن امه لا يعلم شيئا ثم علمه فنقله ~~من حال النقص إلى حال الكمال فلا يجوز ان يعتبر قدر الانسان بما وقع منه ~~قبل حال الكمال بل الاعتبار بحال كماله ويونس وغيره من الانبياء في حال ~~النهاية حالهم اكمل الاحوال PageV10P299 ومن هنا غلط من غلط في تفضيل ~~الملائكة على الانبياء والصالحين فإنهم اعتبروا كمال الملائكة مع بداية ~~الصالحين ونقصهم فغلطوا ولو اعتبروا حال الأنبياء والصالحين بعد دخول ~~الجنان ورضي الرحمن وزوال كل ما فيه نقص وملام وحصول كل ما فيه رحمة وسلام ~~حتى استقر بهم القرار والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما ~~صبرتم فنعم عقبى الدار ) فاذا اعتبرت تلك الحال ظهر فضلها على حال غيرهم من ~~المخلوقين والا فهل يجوز لعاقل ان يعتبر حال احدهم قبل الكمال في مقام ~~المدح والتفضيل والبراءة من النقائص والعيوب # ولو اعتبر ذلك لاعتبر احدهم وهو نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حين نفخت فيه ~~الروح ثم هو وليد ثم رضيع ثم فطيم إلى احوال اخر فعلم ان الواحد في هذه ~~الحال لم تقم به صفات الكمال التى يستحق بها كمال المدح والتفضيل وتفضيله ~~بها على كل صنف وجيل وانما فضله باعتبار المآل عند حصول الكمال # وما يظنه بعض الناس انه من ولد على الاسلام فلم يكفر قط افضل ممن كان ~~كافرا فأسلم ليس بصواب بل الإعتبار بالعاقبة وايهما كان اتقى لله في عاقبته ~~كان افضل فانه من المعلوم ان السابقين الاولين من المهاجرين والأنصار الذين ~~آمنوا بالله ورسوله بعد كفرهم هم افضل ممن ولد على الاسلام من اولادهم وغير ~~اولادهم بل من عرف الشر وذاقه ثم عرف الخير وذاقه PageV10P300 فقد تكون ~~معرفته بالخير ومحبته له ومعرفته بالشر وبغضه له اكمل ممن لم يعرف الخير ms3055 ~~والشر ويذقهما كما ذاقهما بل من لم يعرف الا الخير فقد يأتيه الشر فلا يعرف ~~انه شر فاما ان يقع فيه واما ان لا ينكره كما انكره الذي عرفه # ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه انما تنقض عرى الاسلام عروة عروة ~~اذا نشأ في الاسلام من لم يعرف الجاهلية وهو كما قال عمر فان كمال الاسلام ~~هو بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتمام ذلك بالجهاد في سبيل الله ومن ~~نشأ في المعروف لم يعرف غيره فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما ~~عند من علمه ولا يكون عنده من الجهاد لاهله ما عند الخبير بهم ولهذا يوجد ~~الخبير بالشر واسبابه اذا كان حسن القصد عنده من الاحتراز عنه ومنع اهله ~~والجهاد لهم ما ليس عند غيره # ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم اعظم ايمانا وجهادا ممن بعدهم لكمال ~~معرفتهم بالخير والشر وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر لما علموه من حسن حال ~~الاسلام والايمان والعمل الصالح وقبح حال الكفر والمعاصى ولهذا يوجد من ذاق ~~الفقر والمرض والخوف احرص على الغني والصحة والامن ممن لم يذق ذلك ولهذا ~~يقال # والضد يظهر حسنه الضد PageV10P301 ويقال وبضدها تتبين الاشياء # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لست بخب ولا يخدعنى الخب فالقلب ~~السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر وكمال ذلك بان يعرف الخير والشر ~~فاما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح به # وليس المراد ان كل من ذاق طعم الكفر والمعاصي يكون اعلم بذلك واكره له ~~ممن لم يذقه مطلقا فان هذا ليس بمطرد بل قد يكون الطبيب اعلم بالامراض من ~~المرضى والانبياء عليهم الصلاة والسلام اطباء الاديان فهم اعلم الناس بما ~~يصلح القلوب ويفسدها وان كان احدهم لم يذق من الشر ما ذاقه الناس # ولكن المراد ان من الناس من يحصل له بذوقه الشر من المعرفة به والنفور ~~عنه والمحبة للخير اذا ذاقه ما لا يحصل لبعض الناس مثل من كان مشركا أو ms3056 ~~يهوديا أو نصرانيا وقد عرف ما في الكفر من الشبهات والاقوال الفاسدة ~~والظلمة والشر ثم شرح الله صدره للاسلام وعرفه محاسن الاسلام فانه قد يكون ~~ارغب فيه واكره للكفر من بعض من لم يعرف حقيقة الكفر والاسلام بل هو معرض ~~عن بعض حقيقة هذا وحقيقة هذا أو مقلد في مدح هذا وذم هذا PageV10P302 ومثال ~~ذلك من ذاق طعم الجوع ثم ذاق طعم الشبع بعده أو ذاق المرض ثم ذاق طعم ~~العافية بعده أو ذاق الخوف ثم ذاق الامن بعده فان محبة هذا ورغبته في ~~العافية والامن والشبع ونفوره عن الجوع والخوف والمرض اعظم ممن لم يبتل ~~بذلك ولم يعرف حقيقته # وكذلك من دخل مع اهل البدع والفجور ثم بين الله له الحق وتاب عليه توبة ~~نصوحا ورزقه الجهاد في سبيل الله فقد يكون بيانه لحالهم وهجره لمساويهم ~~وجهاده لهم اعظم من غيره قال نعيم بن حماد الخزاعي وكان شديدا على الجهمية ~~انا شديد عليهم لانى كنت منهم وقد قال الله تعالى ( والذين هاجروا من بعد ~~ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا ان ربك من بعدها لغفور رحيم ) نزلت هذه الاية في ~~طائفة من الصحابة كان المشركون فتنوهم عن دينهم ثم تاب الله عليهم فهاجروا ~~إلى الله ورسوله وجاهدوا وصبروا # وكان عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما من اشد الناس على ~~الاسلام فلما اسلما تقدما على من سبقهما إلى الاسلام وكان ( بعض من سبقهما ~~) دونهما في الايمان والعمل الصالح بما كان عندهما من كمال الجهاد للكفار ~~والنصر لله ورسوله وكان عمر لكونه اكمل ايمانا واخلاصا وصدقا ومعرفة وفراسة ~~ونورا ابعد عن هوى النفس واعلى همة PageV10P303 في اقامة دين الله مقدما ~~على سائر المسلمين غير أبي بكر رضي الله عنهم اجمعين # وهذا وغيره مما يبين ان الاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية # وما يذكر في الاسرائيليات ( ان الله قال لداود اما الذنب فقد غفرناه واما ~~الود فلا يعود ( فهذا لو عرفت صحته لم يكن شرعا لنا وليس لنا ان نبني ms3057 ديننا ~~على هذا فان دين محمد في التوبة جاء بما لم يجئ به شرع من قبله ولهذا قال ( ~~انا نبى الرحمة وانا نبى التوبة ( وقد رفع به من الآصار والاغلال ما كان ~~على من قبلنا # وقد قال تعالى في كتابه ( ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) واخبر ~~انه تعالى يفرح بتوبة عبده التائب اعظم من فرح الفاقد لما يحتاج إليه من ~~الطعام والشراب والمركب اذا وجده بعد اليأس فاذا كان هذا فرح الرب بتوبة ~~التائب وتلك محبته كيف يقال انه لا يعود لمودته ( وهو الغفور الودود ذو ~~العرش المجيد فعال لما يريد ) ولكن وده وحبه بحسب ما يتقرب إليه العبد بعد ~~التوبة فان كان ما يأتي به من محبوبات الحق بعد التوبة افضل مما كان ياتي ~~به قبل ذلك كانت مودته له بعد التوبة اعظم من مودته له قبل التوبة وان كان ~~انقص PageV10P304 كان الامر انقص فإن الجزاء من جنس العمل وما ربك بظلام ~~للعبيد # وقد ثبت في الصحيح عن النبى انه قال ( يقول الله تعالى من عادى لي وليا ~~فقد آذنته بالحرب وما تقرب الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدى يتقرب الي بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها فبى يسمع وبى يبصر ~~وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألني لاعطينه ولئن استعاذنى لاعيذنه وما ترددت عن ~~شيء انا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا ~~بد له منه ( ومعلوم ان افضل الاولياء بعد الانبياء هم السابقون الاولون من ~~المهاجرين والانصار وكانت محبة الرب لهم ومودته لهم بعد توبتهم من الكفر ~~والفسوق والعصيان اعظم محبة ومودة وكلما تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ~~احبهم وودهم # وقد قال تعالى ( عسى الله ان يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ~~والله قدير والله غفور رحيم ) نزلت في المشركين الذين عادوا الله ورسوله ~~مثل ( اهل الاحزاب ( كأبي سفيان بن حرب ms3058 وابى سفيان بن الحارث والحارث بن ~~هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن ابى جهل وصفوان بن امية وغيرهم فانهم بعد ~~معاداتهم لله ورسوله PageV10P305 جعل الله بينهم وبين الرسل والمؤمنين مودة ~~وكانوا في ذلك متفاضلين وكان عكرمة وسهيل والحارث بن هشام اعظم مودة من ابى ~~سفيان بن حرب ونحوه وقد ثبت في الصحيح ( ان هند امرأة ابى سفيان أم معاوية ~~قالت والله يا رسول الله ما كان على وجه الأرض اهل خباء احب الي ان يذلوا ~~من اهل خبائك وقد اصبحت وما على وجه الأرض اهل خباء احب إلى ان يعزوا من ~~اهل خبائك فذكر النبى صلى الله عليه وسلم لها نحو ذلك ( # ومعلوم ان المحبة والمودة التى بين المؤمنين انما تكون تابعة لحبهم لله ~~تعالى فان اوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله فالحب لله من كمال ~~التوحيد والحب مع الله شرك قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~اندادا يحبونهم كحب الله والذين امنوا اشد حبا لله ) فتلك المودة التى صارت ~~بين الرسول والمؤمنين وبين الذين عادوهم من المشركين انما كانت مودة لله ~~ومحبة لله ومن احب الله احبه الله ومن ود الله وده الله فعلم ان الله احبهم ~~وودهم بعد التوبة كما احبوه وودوه فكيف يقال ان التائب انما تحصل له ~~المغفرة دون المودة # وان قال قائل اولئك كانوا كفارا لم يعرفوا ان ما فعلوه محرم بل كانوا ~~جهالا بخلاف من علم ان الفعل محرم واتاه PageV10P306 قيل الجواب من وجهين # ( احدهما ) انه ليس الامر كذلك بل كان كثير من الكفار يعلمون ان محمدا ~~رسول الله ويعادونه حسدا وكبرا وابو سفيان قد سمع من اخبار نبوة النبى ما ~~لم يسمع غيره كما سمع من امية بن أبي الصلت وما سمعه من هرقل ملك الروم وقد ~~اخبر عن نفسه انه لم يزل موقنا ان امر النبى صلى الله عليه وسلم سيظهر حتى ~~ادخل الله عليه الاسلام وهو كاره له وقد سمع منه عام اليرموك وغيره ما ms3059 دل ~~على حسن اسلامه ومحبته لله ورسوله بعد تلك العداوة العظيمة # وقد قال تعالى ( والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التى ~~حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم ~~القيامة ويخلد فيه مهانا الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فاولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات ) فاذا كان الله يبدل سيئاتهم حسنات فالحسنات توجب مودة الله ~~لهم وتبديل السيئات حسنات ليس مختصا بمن كان كافرا وقد قال تعالى ( انما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما ) قال أبو العالية سالت اصحاب رسول الله ~~عن هذه الاية فقالوا لى كل من عصى الله فهو PageV10P307 جاهل وكل من تاب ~~قبل الموت فقد تاب من قريب # ( الوجه الثانى ) ان ما ذكر من الفرق بين تائب وتائب في محبة الله تعالى ~~للتائبين فرق لا أصل له بل الكتاب والسنة يدل على ان الله يحب التوابين ~~ويفرح بتوبة التائبين سواء كانوا عالمين بان ما اتوه ذنبا أو لم يكونوا ~~عالمين بذلك # ومن علم ان ما اتاه ذنبا ثم تاب فلا بد ان يبدل وصفه المذموم بالمحمود ~~فاذا كان يبغض الحق فلا بد ان يحبه وإذا كان يحب الباطل فلا بد ان يبغضه ~~فما يأتى به التائب من معرفة الحق ومحبته والعمل به ومن بغض الباطل ~~واجتنابه هو من الامور التى يحبها الله تعالى ويرضاها ومحبة الله كذلك بحسب ~~ما ياتى به العبد من محابه فكل من كان اعظم فعلا لمحبوب الحق كان الحق اعظم ~~محبة له وانتقاله من مكروه الحق إلى محبوبه مع قوة بغض ما كان عليه من ~~الباطل وقوة حب ما انتقل إليه من حب الحق فوجب زيادة محبة الحق له ومودته ~~اياه بل يبدل الله سيئاته حسنات لانه بدل صفاته المذمومة بالمحمودة فيبدل ~~الله سيئاته حسنات فان الجزاء من جنس العمل وحينئذ فاذا كان اتيان التائب ~~بما يحبه الحق اعظم ms3060 من اتيان غيره كانت محبة الحق له اعظم واذا كان فعله ~~لما يوده الله منه أعظم من فعله له قبل التوبة كانت PageV10P308 مودة الله ~~له بعد التوبة اعظم من مودته له قبل التوبة فكيف يقال الود لا يعود # وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول ان الله لا يبعث نبيا الا من كان معصوما ~~قبل النبوة كما يقول ذلك طائفة من الرافضة وغيرهم وكذلك من قال انه لا يبعث ~~نبيا الا من كان مؤمنا قبل النبوة فان هؤلاء توهموا ان الذنوب تكون نقصا ~~وان تاب التائب منها وهذا منشأ غلطهم فمن ظن ان صاحب الذنوب مع التوبة ~~النصوح يكون ناقصا فهو غالط غلطا عظيما فان الذم والعقاب الذى يلحق اهل ~~الذنوب لا يلحق التائب منه شيء اصلا لكن ان قدم التوبة لم يلحقه شيء وان ~~اخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله # والانبياء صلوات الله عليهم وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة بل يسارعون ~~اليها ويسابقون اليها لا يؤخرون ولا يصرون على الذنب بل هم معصومون من ذلك ~~ومن اخر ذلك زمنا قليلا كفر الله ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون صلى ~~الله عليه وسلم هذا على المشهور ان القاءه كان بعد النبوة واما من قال ان ~~القاءه كان قبل النبوة فلا يحتاج إلى هذا PageV10P309 والتائب من الكفر ~~والذنوب قد يكون افضل ممن لم يقع في الكفر والذنوب واذا كان قد يكون افضل ~~فالأفضل احق بالنبوة ممن ليس مثله في الفضيلة وقد اخبر الله عن أخوه يوسف ~~بما اخبر من ذنوبهم وهم الاسباط الذين نبأهم الله تعالى وقد قال تعالى ( ~~فآمن له لوط وقال اني مهاجر إلى ربي ) فآمن لوط لابراهيم عليه السلام ثم ~~ارسله الله تعالى إلى قوم لوط وقد قال تعالى في قصة شعيب ( قال الملا الذين ~~استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ~~ملتنا قال أو لو كنا كارهين قد افترينا على الله ms3061 كذبا ان عدنا في ملتكم بعد ~~اذ نجانا الله منها وما يكون لنا ان نعود فيها الا ان يشاء الله ربنا وسع ~~ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت ~~خير الفاتحين ) وقال تعالى ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ارضنا أو ~~لتعودن في ملتنا فاوحى اليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) # واذا عرف ان الاعتبار بكمال النهاية وهذا الكمال انما يحصل بالتوبة ~~والاستغفار ولا بد لكل عبد من التوبة وهي واجبة على الاولين والاخرين كما ~~قال تعالى ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب ~~الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما PageV10P310 وقد اخبر ~~الله سبحانه بتوبة آدم ونوح ومن بعدهما إلى خاتم المرسلين محمد صلى الله ~~عليه وسلم وآخر ما نزل عليه أو من أخر ما نزل عليه قوله تعالى ( اذا جاء ~~نصر الله والفتح ورايت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك ~~واستغفره انه كان توابا ) وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ان النبى ~~كان يكثر ان يقول في ركوعه وسجوده ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر ~~لي ( يتأول القرآن # وقد انزل الله عليه قبل ذلك ( لقد تاب الله على النبى والمهاجرين ~~والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~ثم تاب عليهم انه بهم رؤوف رحيم ) وفى صحيح البخاري عن النبى انه كان يقول ~~( يا ايها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسى بيده انى لاستغفر الله واتوب ~~إليه في اليوم اكثر من سبعين مرة ( وفى صحيح مسلم عن الاغر المزنى عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم انه قال انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله في اليوم ~~مائة مرة ( وفى السنن عن بن عمر انه قال كنا نعد لرسول الله في المجلس ~~الواحد يقول ( رب اغفر لي وتب علي انك انت التواب الغفور ( مائة مرة # وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي أنه ms3062 كان PageV10P311 يقول ( اللهم ~~اغفر لي خطيئتى وجهلى واسرافي في امري وما انت اعلم به منى اللهم اغفر لي ~~هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما اخرت وما ~~اسررت وما اعلنت وما انت اعلم به مني انت المقدم وانت المؤخر وانت على كل ~~شيء قدير ( وفى الصحيحين عن أبي هريرة انه قال ( يا رسول الله ارايت سكوتك ~~بين التكبير والقراءة ماذا تقول قال اقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما ~~باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الابيض من ~~الدنس اللهم اغسلنى من خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد ( # وفى صحيح مسلم وغيره انه كان يقول نحو هذا اذا رفع راسه من الركوع وفى ~~صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه عن النبى انه كان يقول في دعاء الاستفتاح ( ~~اللهم انت الملك لا اله الا انت انت ربي وانا عبدك ظلمت نفسي وعملت 2 سوءا ~~فاغفر لي فانه لا يغفر الذنوب الا انت واهدنى لاحسن الاخلاق لا يهدى ~~لاحسنها الا انت واصرف عنى سيئها لا يصرف عنى سيئها الا انت ( وفى صحيح ~~مسلم عن النبى انه كان يقول في سجوده ( اللهم اغفر لي ذنبى كله دقه وجله ~~علانيته وسره اوله وآخره PageV10P312 وفى السنن عن على ( ان النبى اتى ~~بدابة ليركبها وانه حمد الله وقال ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وانا إلى ربنا لمنقلبون ) ثم كبره وحمده ثم قال سبحانك ظلمت نفسي ~~فاغفر لي فانه لا يغفر الذنوب الا انت ثم ضحك وقال ان الرب يعجب من عبده ~~اذا قال اغفر لي فانه لا يغفر الذنوب الا انت يقول علم عبدي انه لا يغفر ~~الذنوب الا انا ( # وقد قال تعالى ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) وقال ( انا فتحنا ~~لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) وثبت في الصحيحين ~~في حديث الشفاعة ( ان المسيح يقول اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم ~~من ذنبه ms3063 وما تأخر ( وفى الصحيح ( ان النبى كان يقوم حتى ترم قدماه فيقال له ~~اتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال افلا اكون عبدا ~~شكورا # ونصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة والآثار في ذلك عن ~~الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة # لكن المنازعون يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية كما ~~فعل ذلك من صنف في هذا الباب وتأويلاتهم تبين لمن PageV10P313 تدبرها انها ~~فاسدة من باب تحريف الكلم عن مواضعه كتأويلهم قوله ( ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر ) المتقدم ذنب آدم والمتأخر ذنب امته وهذا معلوم البطلان ~~ويدل على ذلك وجوه # ( احدها ) أن آدم قد تاب الله عليه قبل ان ينزل إلى الأرض فضلا عن عام ~~الحديبية الذي انزل الله فيه هذه السورة قال تعالى ( وعصى آدم ربه فغوى ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) وقال ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه ~~هو التواب الرحيم ) وقد ذكر انه قال ( ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) # و ( الثاني ) ان يقال فآدم عندكم من جملة موارد النزاع ولا يحتاج ان يغفر ~~له ذنبه عند المنازع فانه نبى ايضا ومن قال انه لم يصدر من الانبياء ذنب ~~يقول ذلك عن آدم ومحمد وغيرهما # 2 الوجه ( الثالث ) ان الله لا يجعل الذنب ذنبا لمن لم يفعله فانه هو ~~القائل ( ولا تزر وازرة وزر اخرى ) فمن الممتنع ان يضاف إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم ذنب آدم أو امته أو غيرهما وقد قال تعالى ( فانما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم ) وقال تعالى ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف الا نفسك ) ولو ~~جاز هذا لجاز PageV10P314 ان يضاف إلى محمد ذنوب الانبياء كلهم ويقال ان ~~قوله ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) المراد ذنوب الانبياء ~~واممهم قبلك فانه يوم القيامة يشفع للخلائق كلهم وهو سيد ولد آدم وقال ( ~~انا سيد ولد آدم ولا فخر وآدم فمن ms3064 دونه تحت لوائي يوم القيامة انا خطيب ~~الانبياء اذا وفدوا وامامهم اذا اجتمعوا ( وحينئذ فلا يختص آدم باضافة ذنبه ~~إلى محمد بل تجعل ذنوب الاولين والاخرين على قول هؤلاء ذنوبا له فان قال ان ~~الله لم يغفر ذنوب جميع الامم قيل وهو ايضا لم يغفر ذنوب جميع امته # ( الوجه الرابع ) انه قد ميز بين ذنبه وذنوب المؤمنين بقوله ( واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) فكيف يكون ذنب المؤمنين ذنبا له ( الوجه ~~الخامس ) انه ثبت في الصحيح ان هذه الآية لما نزلت قال الصحابة يا رسول ~~الله هذا لك فما لنا فأنزل الله ( هو الذي انزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم ) فدل ذلك على ان الرسول والمؤمنين علموا ان ~~قوله ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) مختص به دون امته # ( الوجه السادس ) ان الله لم يغفر ذنوب جميع امته بل قد ثبت PageV10P315 ~~ان من امته من يعاقب بذنوبه اما في الدنيا واما في الآخرة وهذا مما تواتر ~~به النقل واخبر به الصادق المصدوق واتفق عليه سلف الامة وائمتها وشوهد في ~~الدنيا من ذلك ما لا يحصية الا الله وقد قال الله تعالى ( ليس بأمانيكم ولا ~~اماني اهل الكتاب من يعمل سوء يجزبه ) والاستغفار والتوبة قد يكونان من ترك ~~الافضل فمن نقل إلى حال افضل مما كان عليه قد يتوب من الحال الاول لكن الذم ~~والوعيد لا يكون الا على ذنب ### ||| فصل # وأما قول السائل هل الاعتراف بالخطيئة بمجرده مع التوحيد موجب لغفرانها ~~وكشف الكربة الصادرة عنها أم يحتاج إلى شيء آخر # فجوابه ان الموجب للغفران مع التوحيد هو التوبة المامور بها فان الشرك لا ~~يغفره الله الا بتوبة كما قال تعالى ( ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء ( في موضعين من القرآن وما دون الشرك فهو مع التوبة مغفور ~~وبدون التوبة معلق بالمشيئة كما قال تعالى ( قل يا عبادى الذين اسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من PageV10P316 رحمة الله ان الله يغفر ms3065 الذنوب جميعا ( ~~فهذا في حق التائبين ولهذا عمم واطلق وحتم انه يغفر الذنوب جميعا وقال في ~~تلك الاية ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( فخص ما دون الشرك وعلقه بالمشيئة ~~فاذا كان الشرك لا يغفر الا بتوبة وأما ما دونه فيغفره الله للتائب وقد ~~يغفره بدون التوبة لمن يشاء فالاعتراف بالخطيئة مع التوحيد ان كان متضمنا ~~للتوبة أوجب المغفرة واذا غفر الذنب زالت عقوبته فان المغفرة هي وقاية شر ~~الذنب # ومن الناس من يقول الغفر الستر ويقول انما سمى المغفرة والغفار لما فيه ~~من معنى الستر وتفسير اسم الله الغفار بانه الستار وهذا تقصير في معنى ~~الغفر فان المغفرة معناها وقاية شر الذنب بحيث لا يعاقب على الذنب فمن غفر ~~ذنبه لم يعاقب عليه واما مجرد ستره فقد يعاقب عليه في الباطن ومن عوقب على ~~الذنب باطنا أو ظاهرا فلم يغفر له وانما يكون غفران الذنب اذا لم يعاقب ~~عليه العقوبة المستحقة بالذنب # وأما اذا ابتلى مع ذلك بما يكون سببا في حقه لزيادة اجره فهذا لا ينافى ~~المغفرة PageV10P317 وكذلك اذا كان من تمام التوبة أن يأتى بحسنات يفعلها ~~فان من يشترط في التوبة من تمام التوبة وقد يظن الظان أنه تائب ولا يكون ~~تائبا بل يكون تاركا والتارك غير التائب فانه قد يعرض عن الذنب لعدم خطوره ~~بباله أو المقتضى لعجزه عنه أو تنتفى ارادته له بسبب غير دينى وهذا ليس ~~بتوبة بل لا بد من ان يعتقد أنه سيئة ويكره فعله لنهى الله عنه ويدعه لله ~~تعالى لا لرغبة مخلوق ولا لرهبة مخلوق فان التوبة من أعظم الحسنات والحسنات ~~كلها يشترط فيها الاخلاص لله وموافقة امره كما قال الفضيل بن عياض في قوله ~~( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ( قال أخلصه واصوبه قالوا يا أبا على ما اخلصه ~~واصوبه قال ان العمل اذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل واذا كان صوابا ~~ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا 2 والخالص أن يكون لله والصواب ~~ان يكون ms3066 على السنة # وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول في دعائه اللهم اجعل عملى كله ~~صالحا واجعله لوجهك 8 خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا # وبسط الكلام في التوبة له موضع آخر # وأما الاعتراف بالذنب على وجه الخضوع لله من غير اقلاع عنه فهذا في نفس ~~الاستغفار المجرد الذي لا توبة معه وهو كالذي يسأل PageV10P318 الله تعالى ~~ان يغفر له الذنب مع كونه لم يتب منه وهذا يأس من رحمة الله ولا يقطع ~~بالمغفرة له فانه داع دعوة مجردة وقد ثبت في الصحيحين عن النبى انه قال ( ~~ما من داع يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم الا كان بين احدى ثلاث ~~اما ان يعجل له دعوته واما ان يدخر له من الجزاء مثلها واما ان يصرف عنه من ~~الشر مثلها قالوا يا رسول الله اذا نكثر قال الله اكثر ( فمثل هذا الدعاء ~~قد تحصل معه المغفرة واذا لم تحصل فلا بد ان يحصل معه صرف شر آخر أو حصول ~~خير آخر فهو نافع كما ينفع كل دعاء وقول من قال من العلماء الاستغفار مع ~~الاصرار توبة الكذابين فهذا اذا كان المستغفر يقوله على وجه التوبة أو يدعى ~~ان استغفاره توبة وانه تائب بهذا الاستغفار فلا ريب انه مع الاصرار لا يكون ~~تائبا فان التوبة والاصرار ضدان الاصرار يضاد التوبة لكن لا يضاد الاستغفار ~~بدون التوبة # وقول القائل هل الاعتراف بالذنب المعين يوجب دفع ما حصل بذنوب متعددة أم ~~لا بد من استحضار جميع الذنوب # فجواب هذا مبنى على اصول PageV10P319 ( احدهما ) ان التوبة تصح من ذنب مع ~~الاصرار على ذنب آخر اذا كان المقتضي للتوبة من احدهما اقوى من المقتضى ~~للتوبة من الآخر أو كان المانع من احدهما اشد وهذا هو القول المعروف عند ~~السلف # والخلف وذهب طائفة من اهل الكلام كأبى هاشم إلى ان التوبة لا تصح من قبيح ~~مع الاصرار على الاخر قالوا لأن الباعث على التوبة ان لم يكن من خشية الله ~~لم يكن توبة ms3067 صحيحة والخشية مانعة من جميع الذنوب لا من بعضها وحكى القاضي ~~أبو يعلى وبن عقيل هذا رواية عن أحمد لان المروذي نقل عنه انه سئل عمن تاب ~~من الفاحشة وقال لو مرضت لم اعد لكن لا يدع النظر فقال أحمد أي توبة ذه ~~جرير بن عبد الله سألت رسول الله عن نظرة الفجأة فقال ( اصرف بصرك ( # والمعروف عن أحمد وسائر الائمة هو القول بصحة التوبة واحمد في هذه ~~المسألة انما اراد ان هذه ليست توبة عامة يحصل بسببها من التائبين توبة ~~مطلقا لم يرد ان ذنب هذا كذنب المصر على الكبائر فان نصوصه المتواترة عنه ~~واقواله الثابتة تنافى ذلك وحمل كلام الامام على ما يصدق بعضه بعضا اولى من ~~حمله على التناقض لا سيما اذا كان القول الاخر مبتدعا لم يعرف عن أحد من ~~السلف واحمد يقول PageV10P320 اياك ان تتكلم في مسألة ليس لك فيها امام ~~وكان في المحنة يقول كيف اقول ما لم يقل واتباع أحمد للسنة والاثار وقوة ~~رغبته في ذلك وكراهته لخلافه من الامور المتواترة عنه يعرفها من يعرف حاله ~~من الخاصة والعامة # وما ذكروه من ان الخشية توجب العموم # فجوابه انه قد يعلم قبح أحد الذنبين دون الاخر وانما يتوب مما يعلم قبحه ~~و ( ايضا ) فقد يعلم قبحها ولكن هواه يغلبه في احدهما دون الاخر فيتوب من ~~هذا دون ذاك كمن ادى بعض الواجبات دون بعض فان ذلك يقبل منه # ولكن المعتزلة لهم اصل فاسد وافقوا فيه الخوارج في الحكم وان خالفوهم في ~~الاسم فقالوا ان اصحاب الكبائر يخلدون في النار ولا يخرجون منها بشفاعة ولا ~~غيرها وعندهم يمتنع ان يكون الرجل الواحد ممن يعاقبة الله ثم يثيبه ولهذا ~~يقولون بحبوط جميع الحسنات بالكبيرة # واما الصحابة واهل السنة والجماعة فعلى ان اهل الكبائر يخرجون ~~PageV10P321 من النار ويشفع فيهم وان الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات ~~ولكن قد يحبط ما يقابلها عند اكثر اهل السنة ولا يحبط جميع الحسنات الا ~~الكفر كما لا يحبط جميع السيئات الا ms3068 التوبة فصاحب الكبيرة اذا اتى بحسنات ~~يبتغي بها رضا الله اثابه الله على ذلك وان كان مستحقا للعقوبة على كبيرته # وكتاب الله عز وجل يفرق بين حكم السارق والزاني وقتال المؤمنين بعضهم ~~بعضا وبين حكم الكفار في ( الاسماء والاحكام ( والسنة المتواترة عن النبى ~~واجماع الصحابة يدل على ذلك كما هو مبسوط في غير هذا الموضع # وعلى هذا تنازع الناس في قوله ( انما يتقبل الله من المتقين ) فعلى قول ~~الخوارج والمعتزلة لا تقبل حسنة الا ممن اتقاه مطلقا فلم يأت كبيرة وعند ~~المرجئة انما يتقبل ممن اتقى الشرك فجعلوا اهل الكبائر داخلين في اسم ( ~~المتقين ( وعند اهل السنة والجماعة يتقبل العمل ممن اتقى الله فيه فعمله ~~خالصا لله موافقا لأمر الله فمن اتقاه في عمل تقبله منه وان كان عاصيا في ~~غيره ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه وان كان مطيعا في غيره # والتوبة من بعض الذنوب دون بعض كفعل بعض الحسنات المامور PageV10P322 بها ~~دون بعض اذا لم يكن المتروك شرطا في صحة المفعول كالايمان المشروط في غيره ~~من الاعمال كما قال الله تعالى ( ومن اراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فاولئك كان سعيهم مشكورا ) وقال تعالى ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) وقال ( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت ~~وهو كافر فاولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والاخرة واولئك اصحاب النار هم ~~فيها خالدون ) # ( الاصل الثانى ) ان من له ذنوب فتاب من بعضها دون بعض فان التوبة إنما ~~تقتضي مغفرة ما تاب منه اما ما لم يتب منه فهو باق فيه على حكم من لم يتب ~~لا على حكم من تاب وما علمت في هذا نزاعا إلا في الكافر اذا اسلم فان ~~اسلامه يتضمن التوبة من الكفر فيغفر له بالاسلام الكفر الذي تاب منه وهل ~~تغفر له الذنوب التى فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الاسلام هذا فيه ~~قولان معروفان # ( احدهما ) يغفر له الجميع لاطلاق قوله ( الاسلام يهدم ما كان ms3069 قبله ( ~~رواه مسلم مع قوله تعالى ( قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) # ( والقول الثانى ) انه لا يستحق ان يغفر له بالاسلام الا ما تاب منه ~~PageV10P323 فاذا اسلم وهو مصر على كبائر دون الكفر فحكمه في ذلك حكم ~~امثاله من اهل الكبائر وهذا القول هو الذي تدل عليه الاصول والنصوص فان في ~~الصحيحين ان النبى صلى الله عليه وسلم ( قال له حكيم بن حزام يا رسول الله ~~انؤاخذ بما عملنا في الجاهلية فقال من احسن منكم في الاسلام لم يؤاخذ بما ~~عمل في الجاهلية ومن اساء في الاسلام اخذ بالاول والاخر ( فقد دل هذا النص ~~على انه انما ترفع المؤاخذة بالاعمال التى فعلت في حال الجاهلية عمن احسن ~~لاعمن لايحسن وان لم يحسن اخذ بالأول والاخر ومن لم يتب منها فلم يحسن # وقوله تعالى ( قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) يدل على ان ~~المنتهى عن شيء يغفر له ما قد سلف منه لا يدل على ان المنتهي عن شيء يغفر ~~له ما سلف من غيره وذلك لان قول القائل لغيره ان انتهيت غفرت لك ما تقدم ~~ونحو ذلك يفهم منه عند الاطلاق انك ان انتهيت عن هذا الامر غفر لك ما تقدم ~~منه واذا انتهيت عن شيء غفر لك ما تقدم منه كما يفهم مثل ذلك في قوله ( ان ~~تبت ( لا يفهم منه انك بالانتهاء عن ذنب يغفر لك ما تقدم من غيره # واما قول النبى صلى الله عليه وسلم ( الاسلام يهدم ما قبله ( وفى رواية ( ~~يجب ما كان قبله ( فهذا قاله لما اسلم عمرو بن العاص وطلب PageV10P324 ان ~~يغفر له ما تقدم من ذنبه فقال له ( يا عمرو أما علمت ان الاسلام يهدم ما ~~كان قبله وان التوبة تهدم ما كان قبلها وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها ( ~~ومعلوم ان التوبة انما توجب مغفرة ما تاب منه لا توجب التوبة غفران جميع ~~الذنوب # ( الاصل الثالث ) ان الانسان قد يستحضر ذنوبا فيتوب منها ms3070 وقد يتوب توبة ~~مطلقة لا يستحضر معها ذنوبه لكن اذا كانت نيته التوبة العامة فهي تتناول كل ~~ما يراه ذنبا لأن التوبة العامة تتضمن عزما عاما بفعل المأمور وترك المحظور ~~وكذلك تتضمن ندما عاما على كل محظور # و ( الندم ( سواء قيل انه من باب الاعتقادات أو من باب الارادات أو قيل ~~انه من باب الآلام التى تلحق النفس بسبب فعل ما يضرها فاذا استشعر القلب ~~انه فعل ما يضره حصل له معرفة بان الذي فعله كان من السيئات وهذا من باب ~~الاعتقادات وكراهية لما كان فعله وهو من جنس الارادات وحصل له اذى وغم لما ~~كان فعله وهذا من باب الالام كالغموم والاحزان كما ان الفرح والسرور هو من ~~باب اللذات ليس هو من باب الاعتقادات والارادات # ومن قال من المتفلسفة ومن اتبعهم ان اللذه هي ادراك الملائم PageV10P325 ~~من حيث هو ملائم وان الالم هو ادراك المنافر من حيث هو منافر فقد غلط في ~~ذلك فان اللذه والالم حالان يتعقبان ادراك الملائم والمنافر فان الحب لما ~~يلائمه كالطعام المشتهى مثلا له ثلاثة احوال # احدها ) الحب كالشهوة للطعام # و ( الثانى ) ادراك المحبوب كأكل الطعام # والثالث ) اللذه الحاصلة بذلك واللذة امر مغاير للشهوة ولذوق المشتهى بل ~~هي حاصلة لذوق المشتهي ليست نفس ذوق المشتهى # وكذلك ( المكروه ( كالضرب مثلا فان كراهته شيء وحصوله شيء اخر والالم ~~الحاصل به ثالث وكذلك ما للعارفين اهل محبة الله من النعيم والسرور بذلك ~~فان حبهم لله شيء ثم ما يحصل من ذكر المحبوب شيء ثم اللذة الحاصلة بذلك امر ~~ثالث ولا ريب ان الحب مشروط بشعور المحبوب كما ان الشهوة مشروطة بشعور ~~المشتهى لكن الشعور المشروط في اللذة غير الشعور المشروط في المحبة فهذا ~~الثاني يسمى ادراكا وذوقا ونيلا ووجدا ووصالا ونحو ذلك مما يعبر به عن ~~ادراك المحبوب PageV10P326 سواء كان بالباطن أو الظاهر ثم هذا الذوق يستلزم ~~اللذة واللذة امر يحسه الحي باطنا وظاهرا # وقد قال النبى في الحديث الصحيح ( ذاق طعم الايمان من رضي بالله ms3071 ربا ~~وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا ( وفى الصحيحين عنه انه قال ( ثلاث من كن فيه ~~وجد بهن حلاوة الايمان من كان الله ورسوله احب إليه من سواهما ومن كان يحب ~~المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره ان يرجع في الكفر بعد اذ انقذه الله ~~منه كما يكره ان يلقى في النار ( فبين صلى الله عليه وسلم ان ذوق طعم ~~الايمان لمن رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا وان وجد حلاوة ~~الايمان حاصل لمن كان حبه لله ورسوله اشد من حبه لغيرهما ومن كان يحب شخصا ~~لله لا لغيره ومن كان يكره ضد الايمان كما يكره ان يلقى في النار فهذا الحب ~~للايمان والكراهية للكفر استلزم حلاوة الايمان كما استلزم الرضى المتقدم ~~ذوق طعم الايمان وهذا هو اللذه وليس هو نفس التصديق والمعرفة الحاصلة في ~~القلب ولا نفس الحب الحاصل في القلب بل هذا نتيجة ذاك وثمرته ولازم له وهي ~~امور متلازمة فلا توجد اللذة الا بحب وذوق والا فمن احب شيئا ولم يذق منه ~~PageV10P327 شيئا لم يجد لذة كالذي يشتهي الطعام ولم يذق منه شيئا ولو ذاق ~~ما لا يحبه لم يجد لذه كمن ذاق ما لا يريده فاذا اجتمع حب الشيء وذوقه حصلت ~~اللذة بعد ذلك # وان حصل بغضه وذوق البغيض حصل الالم فالذي يبغض الذنب ولا يفعله لايندم ~~والذي لا يبغضه لا يندم على فعله فاذا فعله وعرف ان هذا مما يبغضه ويضره ~~ندم على فعله اياه وفي المسند عن بن مسعود عن النبى انه قال ( الندم توبة ( ~~اذا تبين هذا فمن تاب توبة عامة كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها ~~وان لم يستحضر اعيان الذنوب إلا أن يعارض هذا العام معارض يوجب التخصيص مثل ~~ان يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب منه لقوة ارادته اياه أو لاعتقاده ~~انه حسن ليس بقبيح فما كان لو استحضره لم يتب منه لم يدخل في التوبة واما ~~ما كان لو حضر بعينه لكان مما يتوب منه فان ms3072 التوبة العامة شاملته # واما ( التوبة المطلقة ( وهي ان يتوب توبة مجملة ولا تستلزم التوبة من كل ~~ذنب فهذه لا توجب دخول كل فرد من افراد الذنوب فيها ولا تمنع دخوله كاللفظ ~~المطلق لكن هذه تصلح ان تكون سببا لغفران المعين كما تصلح ان تكون سببا ~~لغفران الجميع بخلاف PageV10P328 العامة فانها مقتضية للغفران العام كما ~~تناولت الذنوب تناولا عاما # وكثير من الناس لا يستحضر عند التوبة الا بعض المتصفات بالفاحشة أو ~~مقدماتها أو بعض الظلم باللسان أو اليد وقد يكون ما تركه من المأمور الذي ~~يجب لله عليه في باطنه وظاهرة من شعب الايمان وحقائقه اعظم ضررا عليه مما ~~فعله من بعض الفواحش فان ما امر الله به من حقائق الايمان التى بها يصير ~~العبد من المؤمنين حقا اعظم نفعا من نفع ترك بعض الذنوب الظاهرة كحب الله ~~ورسوله فان هذا اعظم الحسنات الفعلية حتى ثبت في الصحيح ( انه كان على عهد ~~النبى رجل يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان كلما اتي به إلى النبى جلده ~~الحد فلما كثر ذلك منه اتى به مرة فأمر بجلده فلعنه رجل فقال النبى ( لا ~~تلعنه فانه يحب الله ورسوله ( # فنهى عن لعنه مع اصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله مع انه صلى الله ~~عليه وسلم لعن في الخمر عشرة ( لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها ~~وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها ( # ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذى قام به ما يمنع لحوق اللعنة ~~له PageV10P329 وكذلك ( التكفير المطلق ( و ( الوعيد المطلق ( ولهذا كان ~~الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع فلا يلحق ~~التائب من الذنب باتفاق المسلمين ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته ولا ~~يلحق المشفوع له والمغفور له فان الذنوب تزول عقوبتها التى هي جهنم بأسباب ~~التوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة لكنها من عقوبات الدنيا وكذلك ما ~~يحصل في البرزخ من الشدة وكذلك ما يحصل في عرصات القيامة وتزول ايضا بدعاء ~~المؤمنين كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع ms3073 المطاع كمن يشفع فيه سيد الشفعاء محمد ~~تسليما # وحينئذ فأى ذنب تاب منه ارتفع موجبه وما لم يتب منه فله حكم الذنوب التى ~~لم يتب منها فالشدة اذا حصلت بذنوب وتاب من بعضها خفف منه بقدر ما تاب منه ~~بخلاف ما لم يتب منه بخلاف صاحب التوبة العامة والناس في غالب احوالهم لا ~~يتوبون توبة عامة مع حاجتهم إلى ذلك فان التوبة واجبة على كل عبد في كل حال ~~لانه دائما يظهر له ما فرط فيه من ترك مأمور أو ما اعتدى فيه من فعل محظور ~~فعليه ان يتوب دائما والله اعلم PageV10P330 # واما قول السائل ما السبب في ان الفرج ياتى عند انقطاع الرجاء عن الخلق ~~وما الحيلة في صرف القلب عن التعلق بهم وتعلقه بالله # فيقال سبب هذا تحقيق التوحيد ( توحيد الربوبية ( و ( توحيد الالهية ( # ( فتوحيد الربوبية ( أنه لا خالق الا الله فلا يستقل شيء سواه باحداث أمر ~~من الامور بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فكل ما سواه اذا قدر سببا فلا ~~بد له من شريك معاون وضد معوق فاذا طلب مما سواه احداث امر من الامور طلب ~~منه ما لا يستقل به ولا يقدر وحده عليه حتى ما يطلب من العبد من الافعال ~~الاختيارية لا يفعلها الا باعانة الله له كأن يجعله فاعلا لها بما يخلقه ~~فيه من الارادة الجازمة ويخلقه له من القدرة التامة وعند وجود القدرة ~~التامة والارادة الجازمة يجب وجود المقدور # فمشيئة الله وحده مستلزمة لكل ما يريده فما شاء الله كان وما لم يشأ لم ~~يكن وما سواه لا تستلزم ارادته شيئأ بل ما أراده لا يكون الا بأمور خارجة ~~عن مقدوره ان لم يعنه الرب بها لم يحصل مراده ونفس ارادته لا تحصل الا ~~بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى ( لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون الا ~~أن يشاء الله رب العالمين ) وقال PageV10P331 تعالى ( فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا وما تشاءون الا ان يشاء الله ان الله ms3074 كان عليما حكيما يدخل من يشاء ~~في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) وقال ( فمن شاء ذكره وما يذكرون ~~الا ان يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) # والراجي لمخلوق طالب بقلبه لما يريده من ذلك المخلوق وذلك المخلوق عاجز ~~عنه ثم هذا من الشرك الذي لا يغفره الله فمن كمال نعمته واحسانه إلى عباده ~~المؤمنين ان يمنع حصول مطالبهم بالشرك حتى يصرف قلوبهم إلى التوحيد ثم ان ~~وحده العبد توحيد الالهية حصلت له سعادة الدنيا والاخرة # وان كان ممن قيل فيه ( واذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما ~~كانوا يعملون ) وفى قوله ( واذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون الا اياه ~~فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفورا ) كان ما حصل له من ~~وحدانيته حجة عليه كما احتج سبحانه على المشركين الذين يقرون بأنه خالق كل ~~شيء ثم يشركون ولا يعبدونه وحده لا شريك له قال تعالى ( قل لمن الأرض ومن ~~فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل افلا تذكرون PageV10P332 قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل افلا تتقون قل من بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل فانى ~~تسحرون ) وقال تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس ~~والقمر ليقولن الله فانى يؤفكون ) وهذا قد ذكر في القرآن في غير موضع # فمن تمام نعمة الله على عباده المؤمنين ان ينزل بهم الشدة والضر وما ~~يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون احدا سواه ~~وتتعلق قلوبهم به لا بغيره فيحصل لهم من التوكل عليه والانابة إليه وحلاوة ~~الايمان وذوق طعمه والبراءة من الشرك ما هو اعظم نعمة عليهم من زوال المرض ~~والخوف أو الجدب أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة فان ذلك لذات بدنية ~~ونعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما ms3075 يحصل للمؤمن # واما ما يحصل لاهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من ان يعبر عن كنهه ~~مقال أو يستحضر تفصيله بال ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر ايمانه ولهذا قال ~~بعض السلف يا بن آدم لقد بورك لك في حاجة اكثرت فيها من قرع باب سيدك وقال ~~بعض الشيوخ انه ليكون لي إلى الله حاجة فادعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته ~~وحلاوة مناجاته ما لا احب معه ان يعجل قضاء حاجتى خشية ان تنصرف نفسى ~~PageV10P333 عن ذلك لان النفس لا تريد إلا حظها فاذا قضى انصرفت وفى بعض ~~الاسرائيليات يا بن آدم البلاء يجمع بينى وبينك والعافية تجمع بينك وبين ~~نفسك # وهذا المعنى كثير وهو موجود مذوق محسوس بالحس الباطن للمؤمن وما من مؤمن ~~الا وقد وجد من ذلك ما يعرف به ما ذكرناه فان ذلك من باب الذوق والحس لا ~~يعرفه الا من كان له ذوق وحس بذلك # ولفظ الذوق ( وان كان قد يظن انه في الاصل مختص بذوق اللسان فاستعماله في ~~الكتاب والسنة يدل على انه اعم من ذلك مستعمل في الاحساس بالملائم والمنافر ~~كما ان لفظ ( الاحساس ( في عرف الاستعمال عام فيما يحس بالحواس الخمس بل ~~وبالباطن # واما في اللغة فأصلة ( الرؤية ( كما قال ( هل تحس منهم من أحد ) # و ( المقصود ) لفظ ( الذوق ( قال تعالى ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ~~) فجعل الخوف والجوع مذوقا واضاف اليهما اللباس ليشعر انه لبس الجائع ~~والخائف فشمله واحاط به احاطة اللباس باللابس PageV10P334 بخلاف من كان ~~الالم لا يستوعب مشاعره بل يختص ببعض المواضع وقال تعالى ( فذوقوا العذاب ~~الاليم ) وقال تعالى ( ذق انك انت العزيز الكريم ) وقال تعالى ( ذوقوا مس ~~سقر ) وقال ( لا يذوقون فيها الموت ) وقال تعالى ( لا يذوقون فيها بردا ولا ~~شرابا الا حميما وغساقا ) وقال ( ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب ~~الاكبر ) وقد قال النبى ( ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا ~~وبمحمد نبيا ( # فاستعمال لفظ ( الذوق ( في ادراك الملائم والمنافر كثير وقال النبى صلى ~~الله عليه ms3076 وسلم ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان ( كما تقدم ذكر الحديث ~~فوجود المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه وذوق طعم الايمان امر يعرفه من حصل له ~~هذا الوجد وهذا الذوق اصحابه فيه يتفاوتون فالذي يحصل لاهل الايمان عند ~~تجريد توحيد قلوبهم إلى الله واقبالهم عليه دون ما سواه بحيث يكونون حنفاء ~~له مخلصين له الدين لا يحبون شيئا الا له ولا يتوكلون الا عليه ولا يوالون ~~الا فيه ولا يعادون الا له ولا يسألون الااياه ولا يرجون الا اياه ولا ~~يخافون الااياه يعبدونه ويستعينون له وبه بحيث يكونون عند الحق بلا خلق ~~وعند الخلق بلاهوى قد فنيت عنهم ارادة ما سواه بارادته ومحبة ما سواه ~~بمحبته وخوف PageV10P335 ما سواه بخوفه ورجاء ما سواه برجائه ودعاء ما سواه ~~بدعائه هو امر لا يعرفه بالذوق والوجد الا من له نصيب وما من مؤمن إلا له ~~منه نصيب # وهذا هو حقيقة الاسلام الذي بعث الله به الرسل وانزل به الكتب وهو قطب ~~القرآن الذي تدور عليه رحاه والله سبحانه اعلم PageV10P336 ### || 1 ( التصوف والسلوك ) 1 # ! 8 < قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ! 8 < ### ||| فصل الفناء الذي يوجد في كلام الصوفية يفسر بثلاثة امور # ( احدها ) فناء القلب عن ارادة ما سوى الرب والتوكل عليه وعبادته وما ~~يتبع ذلك فهذا حق صحيح وهو محض التوحيد والاخلاص وهو في ( الحقيقة ( عبادة ~~القلب وتوكله واستعانته وتألهه وانابته وتوجهه إلى الله وحده لا شريك له ~~وما يتبع ذلك من المعارف والاحوال وليس لاحد خروج عن هذا # وهذا هو ( القلب السليم ( الذي قال الله فيه ( الا من أتى الله بقلب سليم ~~) وهو سلامة القلب عن الإعتقادات الفاسدة والإرادات الفاسدة وما يتبع ذلك ~~PageV10P337 # وهذا ( الفناء ( لا ينافيه البقاء بل يجتمع هو والبقاء فيكون العبد فانيا ~~عن ارادة ما سواه وان كان شاعرا بالله وبالسوى وترجمته قول لا إله الا الله ~~وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول ( لا اله الا الله ولا نعبد الااياه له ~~النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ms3077 ( وهذا في ( الجملة ( هو اول الدين ~~وآخره # الامر الثانى فناء القلب عن شهود ما سوى الرب فذاك فناء عن الارادة وهذا ~~فناء عن الشهاده ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه وهذا فناء عن العلم ~~بالغير والنظر إليه فهذا الفناء فيه نقص فان شهود الحقائق على ما هي عليه ~~وهو شهود الرب مدبرا العباده امرا بشرائعه اكمل من شهود وجوده أو صفة من ~~صفاته أو اسم من اسمائه والفناء بذلك عن شهود ما سوى ذلك # ولهذا كان الصحابة اكمل شهودا من ان ينقصهم شهود للحق مجملا عن شهوده ~~مفصلا ولكن عرض كثير من هذا لكثير من المتاخرين من هذه الامة كما عرض لهم ~~عند تجلى بعض الحقائق الموت والغشي والصياح والاضطراب وذلك لضعف القلب عن ~~شهود الحقائق على ما هي عليه وعن شهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة ~~حتى اختلفوا في امكان ذلك وكثير منهم يرى انه لا يمكن سوى ذلك لما راى انه ~~اذا ذكر الخلق أو الامر اشتغل عن الخالق الامر واذا عورض بالنبى ~~PageV10P338 وخلفائه ادعى الاختصاص أو اعرض عن الجواب أو تحير في الامر # وسبب ذلك انه قاس جميع الخلق على ما وجده من نفسه ولهذا يقول بعض هؤلاء ~~انه لا يمكن حين تجلي الحق سماع كلامه ويحكى عن بن عربي انه لما ذكر له عن ~~الشيخ شهاب الدين السهروردي انه جوز اجتماع الامرين قال نحن نقول له عن ~~شهود الذات وهو يخبرنا عن شهود الصفات والصواب مع شهاب الدين فانه كان صحيح ~~الإعتقاد في امتياز الرب عن العبد وانما بنى بن عربى على اصله الكفرى في ان ~~الحق هو الوجود الفائض على الممكنات ومعلوم ان شهود هذا لا يقع فيه خطاب ~~وانما الخطاب في مقام العقل وفي هذا الفناء قد يقول انا الحق أو سبحانى أو ~~ما في الجبة الا الله اذا فني بمشهوده عن شهوده وبموجوده عن وجوده وبمذكوره ~~عن ذكره وبمعروفه عن عرفانه كما يحكون ان رجلا كان مستغرقا في محبة آخر ~~فوقع ms3078 المحبوب في اليم فألقى الاخر نفسه خلفه فقال ما الذي اوقعك خلفي فقال ~~غبت بك عني فظننت انك انى # وفى مثل هذا المقام يقع السكر الذي يسقط التمييز مع وجود PageV10P339 ~~حلاوة الايمان كما يحصل بسكر الخمر وسكر عشيق الصور وكذلك قد يحصل الفناء ~~بحال خوف أو رجاء كما يحصل بحال حب فيغيب القلب عن شهود بعض الحقائق ويصدر ~~منه قول أو عمل من جنس امور السكارى وهي شطحات بعض المشائخ كقول بعضهم انصب ~~خيمتى على جهنم ونحو ذلك من الاقوال والاعمال المخالفة للشرع وقد يكون ~~صاحبها غير مأثوم وان لم يكن فيشبه هذا الباب امر خفراء العدو ومن يعين ~~كافرا أو ظالما بحال ويزعم انه مغلوب عليه ويحكم ( على ) هؤلاء ان احدهم ~~اذا زال عقله بسبب غير محرم فلا جناح عليهم فيما يصدر عنهم من الاقوال ~~والافعال المحرمة بخلاف ما اذا كان سبب زوال العقل والغلبة امرا محرما # وهذا كما قلنا في عقلاء المجانين والمولهين الذين صار ذلك لهم مقاما ~~دائما كما انه يعرض لهؤلاء في بعض الاوقات كما قال بعض العلماء ذلك في من ~~زال عقله حتى ترك شيئا من الواجبات ان كان زواله بسبب غير محرم مثل الاغماء ~~بالمرض أو اسقى مكرها شيئا يزيل عقله فلا اثم عليه وان زال بشرب الخمر ونحو ~~ذلك من الاحوال المحرمة اثم بترك الواجب وكذلك الامر في فعل المحرم # وكما انه لا جناح عليهم فلا يجوز الاقتداء بهم ولا حمل كلامهم وفعالهم ~~على الصحة بل هم في الخاصة مثل الغافل والمجنون في التكاليف PageV10P340 ~~الظاهرة وقال فيهم بعض العلماء هؤلاء قوم اعطاهم الله عقولا واحوالا فسلب ~~عقولهم وترك احوالهم واسقط ما فرض بما سلب # ولهذا اتفق العارفون على ان حال البقاء افضل من ذلك وهو شهود الحقائق ~~باشهاد الحق كما قال الله تعالى فيما روى عنه رسوله ( ولا يزال عبدي يتقرب ~~الي بالنوافل حتى احبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر ~~به ويده التي يبطش بها ورجله التى يمشي ms3079 بها ولئن سألنى لاعطينه ولئن ~~استعاذني لاعيذنه فبى يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ( وفي رواية ( وبى ~~ينطق وبى يعقل ( فاذا سمع بالحق وراى به سمع الامر على ما هو عليه وشهد ~~الحق على ما هو عليه # وعامة ما تجده في كتب اصحاء الصوفية مثل شيخ الاسلام ومن قبله من الفناء ~~هو هذا مع انه قد يغلط بعضهم في بعض احكامه كما تكلمت عليه في غير هذا ~~الموضع # وفى الجملة فهذا الفناء صحيح وهو في عيسوية المحمدية وهو شبيه بالصعق ~~والصياح الذي حدث في التابعين ولهذا يقع كثير من هؤلاء في نوع ضلال لأن ~~الفناء عن شهود الحقائق مرجعه إلى عدم العلم والشهود وهو وصف نقص لا وصف ~~كمال وانما يمدح من جهة PageV10P341 عدم ارادة ما سواه لأن ذكر المخلوق قد ~~يدعو إلى ارادته والفتنة به ولهذا غالب عباد ( العيسوية ( في عدم العلم ~~بالسوى وارادته والفتنه به ويوصفون بسلامة القلوب وغالب علماء ( الموسوية ( ~~في العلم بالسوى وارادته والفتنة به ويوصفون بالعلم لكن الاولون موصفون ~~بالجهل والعدل والاخرون موصفون بالظلم وكلاهما صحيح # فاما العلم بالحق والخلق وارادة الله وحده لا شريك له فهذا نعت المحمدية ~~الكاملون في العلم والارادة وسلامة القلب المحمودة هي سلامة اذ الجهل لا ~~يكون بنفسه صفة مدح الا انه قد يمدح لسلامته به عن الشرور فان اكثر النفوس ~~اذا عرفت الشر الذي تهواه اتبعته أو فزعت منه أو فتنها # ( الثالث ) فناء عن وجود السوى بمعنى انه يرى ان الله هو الوجود وانه لا ~~وجود لسواه لا به ولا بغيره وهذا القول والحال للإتحادية الزنادقة من ~~المتاخرين كالبليانى والتلمساني والقونوني ونحوهم الذين يجعلون الحقيقة انه ~~عين الموجودات وحقيقة الكائنات وانه PageV10P342 لا وجود لغيره لا بمعنى ان ~~قيام الاشياء به ووجودها به كما قال النبى ( اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة ~~لبيد ) # الا كل شيء ما خلا الله باطل # وكما قيل في قوله ( كل شيء هالك الا وجهه ) فانهم لو ارادوا ذلك لكان ذلك ~~هو الشهود الصحيح لكنهم يريدون ms3080 انه هو عين الموجودات فهذا كفر وضلال ربما ~~تمسك اصحابه بالفاظ متشابهة توجد في كلام بعض المشايخ كما تمسك النصارى ~~بألفاظ متشابهة تروى عن المسيح ويرجعون إلى وجد فاسد أو قياس فاسد فتدبر ~~هذا التقسيم فانه بيان الصراط المستقيم PageV10P343 ### || 1 ( رسالة في عوارض التكليف ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ! 8 < فصل # ( الامر والنهي ( الذي يسميه بعض العلماء ( التكليف الشرعي ( هو مشروط ~~بالممكن من العلم والقدرة فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون ~~والطفل ولا تجب على من يعجز كالاعمى والاعرج والمريض في الجهاد وكما لا تجب ~~الطهارة بالماء والصلاة قائما والصوم وغير ذلك على من يعجز عنه # سواء قيل يجوز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز فانه لا خلاف ان تكليف العاجز ~~الذي لا قدرة له على الفعل بحال غير واقع في PageV10P344 الشريعة بل قد ~~تسقط الشريعة التكليف عمن لم تكمل فيه اداة العلم والقدرة تخفيفا عنه وضبطا ~~لمناط التكليف وان كان تكليفه ممكنا كما رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم وان ~~كان له فهم وتمييز لكن ذاك لانه لم يتم فهمه ولان العقل يظهر في الناس شيئا ~~فشيئا وهم يختلفون فيه فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ # وكما لا يجب الحج إلا على من ملك زادا وراحلة عند جمهور العلماء مع امكان ~~المشي لما فيه من المشقة وكما لا يجب الصوم على المسافر مع امكانه منه ~~تخفيفا عليه وكما تسقط الواجبات بالمرض الذي يخاف معه زيادة المرض وتاخر ~~البرء وان كان فعلها ممكنا # لكن هذه المواضع هي مما تختلف فيها الشرائع فقد يوجب الله في شريعة ما ~~يشق ويحرم ما يشق تحريمه كالاصار والاغلال التى كانت على بني اسرائيل وقد ~~يخفف في شريعة اخرى كما قال المؤمنون ( ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو اخطأنا ~~ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) وكما قال الله ~~تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقال ( ما يريد الله ~~ليجعل ms3081 عليكم من حرج ) وقال ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقال ( يريد ~~الله ان يخفف عنكم PageV10P345 # وقال النبى لاصحابه في قصة الاعرابي ( انما ~~بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ( وقال لمعاذ وابي موسى ( يسرا ولا تعسرا ( ~~وقال ( ان هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد الا غلبه ( وقال ( لا تشددوا ~~على انفسكم فيشدد الله عليكم فان اقواما شددوا على انفسهم فشدد الله عليهم ~~فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ( ~~وقال ( لا رهبانية في الاسلام ( وقال ( لكني اصوم وافطر واقوم وانام واتزوج ~~النساء واكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس مني ( وقال ( ان الله يحب ان يؤخذ ~~برخصه كما يكره ان تؤتى معصيته ( وروى عنه انه قال ( بعثت بالحنيفية السمحة ~~( # واما كون الانسان مريدا لما امر به أو كارها له فهذا لا تلتفت إليه ~~الشرائع بل ولا امر عاقل بل الانسان مأمور بمخالفة هواه # و ( الارادة ( هي الفارقة بين اهل الجنة واهل النار كما قال تعالى ( من ~~كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها ~~مذموما مدحورا ومن اراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كان سعيهم ~~مشكورا ) وقال تعالى ( تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض ولا فسادا ) وقال تعالى ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~اليهم PageV10P346 اعمالهم فيها ) الاية وقال تعالى ( ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) ونظائره كثيرة فان هذه الاصول ممهدة في ~~الكتاب والسنة وكلام العلماء والعارفين وليس الغرض هنا تقريرها # وانما الغرض شيء آخر وهو انه اذا كان التكليف مشروطا بالتمكن من العلم ~~الذي اصله العقل وبالقدرة على الفعل فنقول كل من هذين قد يزول باسباب ~~محظورة وباسباب غير محظوره فاذا ازال عقله بشرب الخمر أو البنج ونحوهما لم ~~يزل عنه بذلك إثم بما يتركه من الواجبات ويفعله من المحرمات اذا كان السكر ~~يقتضي ذلك بخلاف ما اذا زال بسبب غير محرم كالاغماء لمرض أو خوف أو ms3082 سكر ~~بشرب غير محرم مثل ان يجرع الخمر مكرها فان هذا لا اثم عليه # واما قضاء الصلاة عليه عند أحمد وعند من يقول يقضى صلاة يوم وليلة فذاك ~~نظير وجوب قضائها على النائم والناسى ولا اثم عليهما كما قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( ليس في النوم تفريط وانما التفريط في اليقظة ( وقال ( من ~~نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها فان ذلك وقتها لا كفارة لها الا ~~ذلك PageV10P347 وكذلك ( قدرة العبد ( فانه لو فرط بعد وجوب الحج عليه حتى ~~ضيع ماله بقي الحج في ذمته وكذلك في استحلال المحرمات قال الله تعالى ( فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ) فالضرورة بسبب محظور لا تستباح بها ~~المحرمات بخلاف الضرورة التى هي بسبب غير محظور # وقد اختلف العلماء في العاصي بسفره هل يترخص ترخص المسافر ومذهب الشافعي ~~واحمد انه لا يترخص # فالاحوال التى ترد على العباد واهل المعرفة والزهاد ونحوهم مما توجب زوال ~~عقل احدهم وعلمه حتى تجعله كالمجنون والموله والسكران والنائم أو زوال ~~قدرته حتى تجعله كالعاجز أو تجعله كالمضطر الذي يصدر عنه القول والفعل بغير ~~ارادته واختياره فان زوال العقل والقدرة قد يوجب عجزه عن اداء واجبات وقد ~~يوجب وقوعه في محرمات # فهؤلاء يقال فيهم ان كان زوال ذلك بسبب غير محرم فلا حرج عليهم فيما ~~يتركونه من الواجبات ويفعلونه من المحرمات ولا يجوز ايضا اتباعهم فيما هو ~~خارج عن الشريعة من اقوالهم وافعالهم ولا نذمهم على ذلك بل قد يمدحون على ~~ما وافقوا فيه الشريعة من PageV10P348 الاقوال والاعمال ويرفع عنهم اللوم ~~فيما عذرهم فيه الشارع كما يقال في المجتهد المخطيء سواء بل المجتهد المخطئ ~~نوع من هذا الجنس حيث سقط عنه اللوم لعجزه عن العلم # وان كان زوال ذلك بسبب محرم استحقوا الذم والعقاب على ما يتركونه من واجب ~~ويفعلونه من محرم # مثال ( الاول ( من يسمع القران على الوجه المشروع فهاج له وجد يحبه أو ~~مخافة أو رجاء فضعف عن حمله حتى مات أو صعق ms3083 أو صاح صياحا عظيما أو اضطرب ~~اضطرابا كثيرا فتولد عن ذلك ترك صلاة واجبة أو تعدى على بعض الناس فان هذا ~~معذور في ذلك فان هذا في هذه الحال بمنزلة عقلاء المجانين المولهين الذين ~~حصل لهم الجنون مع انهم من الصالحين واهل المعرفة اما لقوة الوارد الذي ورد ~~عليهم واما لضعف قلوبهم عن حمله واما لانحراف امزجتهم وقوة الخلط واما ~~لعارض من الجن فان هؤلاء كما بلغنا عن الامام ابى محمد المقدسي حيث سئل ~~عنهم فقال هؤلاء قوم اعطاهم الله عقولا واحوالا فسلب عقولهم وابقى احوالهم ~~واسقط ما فرض بما سلب # ولهذا كان هذا الصنف والذي قبله موجودا في التابعين ومن PageV10P349 ~~بعدهم لا سيما في عباد البصريين فان فيهم من مات من سماع القرآن كزرارة بن ~~اوفى وابى جهير الضرير وغيرهما # واما الصحابة فان حالهم كان اكمل من ان يكون فيهم مجنون أو مصعوق ومن ~~هؤلاء ايضا من غلب عليه الذكر لله والتوحيد له والمحبة حتى غاب بالمذكور ~~المشهود المحبوب المعبود عما سواه كما يحصل لبعض العاشقين في غيبته بمعشوقه ~~عما سواه فيقول احدهم في هذه الحال انا الحق أو سبحانى أو ما في الجبة إلا ~~الله ومنهم من غلب عليه حال الرجاء والرحمة حتى قال ابسط سجادتي على جهنم ~~فمن قال هذا في حال زوال عقله بحيث يكون كالسكران أو الموله وكان السبب ~~الذي اوجب ذلك غير منهى عنه شرعا فلا اثم عليه # ومثال ( الثانى ( ما قد يحصل عند سماع المكاء والتصدية لكثير من اهل ~~السماع فانه قد ينشد اشعارا فيها ما يخالف الشرع باصوات مخالفة للشرع ويكون ~~الانسان فيه استعداد فيوجب ذلك اختلاطا وزوال عقل حتى يقتل بعضهم بعضا اما ~~ظاهرا واما باطنا بالهمة والقلوب ويوجب ايضا من ترك واجبات الشريعة ومن ~~الاعتداء على المؤمنين في الدين والدنيا ما الله به عليم PageV10P350 وكذلك ~~قد يسلك احدهم عبادات غير شرعية في الاعتقادات والاعمال فتورثه تلك ~~العبادات والاعمال احوالا قوية قاهرة يترك بها الواجبات ويفعل بها المحرمات ~~أعظم مما يفعله ms3084 الملك الجبار اذا سكر بشرب الخمر بالنفوس والاموال # واذا خوطب احدهم في حال صحوه وعقله قال كنت مغلوبا وورد علي وارد فعل بى ~~هذا والحكم للوارد وهذه حال كثير من خفراء العدو وكثير ممن يعين الكفرة ~~والظلمة ويعتدي على المسلمين والمؤمنين من اهل الاحوال ويقول انه مغلوب في ~~ذلك وانه ورد عليه وارد اوجب ذلك وانه خوطب بذلك الفعل # فيقال اما زوال عقلك حتى صرت لا تفهم امر الله ونهيه وزوال قدرتك حتى صرت ~~مضطرا إلى تلك الافعال وان كنت صادقا في ذلك فسببه تفريطك وعدوانك اولا حتى ~~صرت في حال المجانين والسكارى فانت بمنزلة شارب الخمر الذي سكر منها ~~والمتعرض للعشق حتى يعشق فيفعل فيه العشق الافاعيل اذ لا فرق بين سكر ~~الاصوات والصور والشراب فان هذا سكر الاجسام وهذا سكر النفوس وهذا سكر ~~الارواح فاذا كان السبب محظور لم يكن السكران معذورا في دين الإسلام ~~PageV10P351 ولهذا انما تقع هذه الاحوال ممن فيه نصرانية يميل بسببها إلى ~~السكر كما يفعله النصارى في الشراب والاصوات والصور ولهذا كان هؤلاء في ~~عالم الضلال # واما قولك انك خوطبت بذلك وامرت فمن اي الجهتين امن جهة الكلمات الدينية ~~أم من جهة الكلمات الكونية # فالاولى مثل قوله ( ان الله يامر بالعدل والاحسان ) وقوله ( هو الذي بعث ~~في الأميين ) وقوله ( ولقد ارسلنا رسلنا بالبينات ) # والثانية مثل قوله ( امرنا متر فيها ) وقوله ( بعثنا عليكم عبادا لنا ) ~~وقوله ( انا ارسلنا الشياطين ) فان ذكرت انه من الجهة ( الاولى ( فباطل ~~بخلاف الكتاب والسنة # وان اقررت انه من ( الثانية ( فصحيح لكن هذا حال الكفار والمنافقين مثل ~~ابليس وفرعون ونمرود وسائر من اطاع الاوامر الكونية وتبع الارادة القدرية ~~واعرض عن الاوامر الشرعية ولم يقف عند الارادة الدينية # فتدبر هذا الاصل فانه عظيم نافع جدا فتنكشف به الاحوال المخالفة للشرع ~~وانقسام اهلها إلى معذور وموزور كانقسامها إلى PageV10P352 # مسطور على صاحبه ومغفور بمنزلة الاحوال الصادرة عن غير اهل العبادات ~~والزهادات من العقل والصحو ومن الاغماء والسكر والجنون ومن الاضطرار ~~والاختيار فان احوال الملوك ms3085 والامراء واحوال الهداة والعلماء واحوال ~~المشايخ والفقراء تشترك في هذه القاعدة الشريفة وتحكم الشريعة فيها ~~بالفرقان # وإذا ضم إلى ذلك ان ما يصدر عن ذوى الاحوال من كشف علمي أو تأثير قدري ~~ليس بمستلزم لولاية الله بل ولا للصلاح بل ولا للايمان اذ قد يكون هذا ~~الجنس في كافر ومنافق وفاسق وعاص وانما اولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون # ففرق بين ولاية الله وبين الاحوال كما فرق بين خلافة النبوة وبين جنس ~~الملك وفرق بين العلم الذي ورثته الانبياء وبين جنس الكلام فبين هذين ~~النوعين خصوص وعموم فقد يكون الرجل وليا لله له حال تأثير وكشف وقد يكون ~~وليا ليس له تلك الحال بكمالها وقد يكون له شيء من هذه الأحوال وليس وليا ~~لله كما قد يكون خليفة نبى مطاعا وقد يكون خليفة نبى مستضعفا وقد يكون ~~جبارا مطاعا ليس من النبوة في شيء وقد يكون عالما ليس متكلما بما يخالف ~~كلام الانبياء وقد يكون عالما متكلما بكلام الانبياء PageV10P353 ### ||| فصل # واعلم ان عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات في هذا القدر وغيره إنما ~~وقع في الامة في اواخر خلافة الخلفاء الراشدين كما اخبر به النبى حيث قال ( ~~من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين من بعدي ( # ومعلوم انه اذا استقام ( ولاة الامور ( الذين يحكمون في النفوس والاموال ~~استقام عامة الناس كما قال أبو بكر الصديق فيما رواه البخارى في صحيحه ~~للمرأة الاحمسية لما سالته فقالت ( ما بقاؤنا على هذا الامر الصالح ( قال ( ~~ما استقامت لكم ائمتكم ( وفى الاثر ( صنفان اذا صلحوا صلح الناس العلماء ~~والامراء ( اهل الكتاب واهل الحديد كما دل عليه قوله ( ولقد ارسلنا ) الآية # وهم ( اولوا الامر ( في قوله ( اطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الامر ~~منكم PageV10P354 وكذلك من جهتهم يقع الفساد كما جاء في الحديث مرفوعا وعن ~~جماعة من الصحابة ( ان اخوف ما خاف عليكم زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ~~وائمة مضلون ( فالائمة المضلون هم الامراء ms3086 والعالم والمجادل هم العلماء لكن ~~( احدهما ) صحيح الإعتقاد يزل وهو العالم كما يقع من ائمة الفقهاء اهل ~~السنة والجماعة # و ( الثاني ) كالمتفلسفة والمتكلمين الذين يجادلون بشبهات القرآن مع انهم ~~في الحقيقة منسلخون من آيات الله وانما احتجاجهم به دفعا للخصم لا اهتداء ~~به واعتمادا عليه ولهذا قال ( جدال منافق بالقرآن ( فان السنة والاجماع ~~تدفع شبهته # والدين القائم بالقلب من الايمان علما وحالا هو ( الاصل ( والاعمال ~~الظاهرة هي ( الفروع ( وهي كمال الايمان # فالدين اول ما يبنى من اصوله ويكمل بفروعه كما انزل الله بمكة اصوله من ~~التوحيد والامثال التى هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد ثم انزل ~~بالمدينة لما صار له قوة فروعه الظاهرة من الجمعه والجماعة والأذان ~~والاقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ~~ومحرماته PageV10P355 فأصوله تمد فروعة وتثبتها وفروعه تكمل اصوله وتحفظها ~~فاذا وقع فيه نقص ظاهر فانما يقع ابتداء من جهة فروعة ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم ( اول ما تفقدون من دينكم الامانه واخر ما تفقدون من دينكم ~~الصلاة ( وروى عنه انه قال ( اول ما يرفع الحكم بالامانه ( والحكم ( هو عمل ~~الامراء وولاة الامور كما قال تعالى ( ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات ~~إلى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ( وأما ( الصلاة فهي أول ~~فرض وهي من اصول الدين والايمان مقرونة بالشهادتين فلا تذهب إلا في الاخر ~~كما قال ( بدا الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء ( فاخبر ~~ان عوده كبدئه فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين وصار ملكا ظهر النقص في ~~الامراء فلا بد ان يظهر ايضا في اهل العلم والدين فحدث في اخر خلافة علي ~~بدعتا الخوارج والرافضة اذ هي متعلقة بالإمامة والخلافة وتوابع ذلك من ~~الاعمال والاحكام الشرعية # وكان ملك ( معاوية ( ملكا ورحمة فلما ذهب معاوية رحمة الله عليه وجاءت ~~امارة ( يزيد ( وجرت فيها فتنة قتل ( الحسين ( بالعراق وفتنة اهل ( الحرة ( ~~بالمدينة وحصروا مكة لما قام عبد الله بن الزبير PageV10P356 1 ثم مات يزيد ~~وتفرقت الامة بن الزبير ms3087 بالحجاز وبنوا الحكم بالشام ووثب المختار بن أبي ~~عبيد وغيرة بالعراق وذلك في اواخر عصر الصحابه وقد بقى فيهم مثل عبد الله ~~بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وغيرهم حدثت ~~( بدعة القدرية والمرجئة ( فردها بقايا الصحابه كابن عباس وبن عمر وجابر ~~وواثلة بن الاسقع وغيرهم رضي الله عنهم مع ما كانوا يردونه هم وغيرهم من ~~بدعة الخوارج والروافض # وعامه ما كانت القدرية اذ ذاك يتكلمون فيه اعمال العباد كما يتكلم فيها ~~المرجئة فصار كلامهم في الطاعة والمعصية والمؤمن والفاسق ونحو ذلك من مسائل ~~( الاسماء والاحكام ( و ( الوعد ( و ( الوعيد ( ولم يتكلموا بعد في ربهم ~~ولا في صفاته إلا ( في ) اواخر عصر صغار التابعين من حين اواخر ( الدولة ~~الأموية ( حين شرع ( القرن الثالث ( تابعوا التابعين ينقرض اكثرهم فان ~~الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهم وسطه وجمهور الصحابة ~~انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الاربعة حتى انه لم يكن بقى من اهل بدر الا ~~نفر قليل وجمهور التابعين باحسان انقرضوا في اواخر عصر اصاغر الصحابة في ~~امارة ابن الزبير وعبد الملك وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في اواخر ~~الدوله الاموية واوائل الدولة العباسية وصار PageV10P357 في ولاة الأمور ~~كثير من الاعاجم وخرج كثير من الامر عن ولاية العرب وعربت بعض الكتب ~~العجمية من كتب الفرس والهند والروم وظهر ما قاله النبي ( ثم يفشو الكذب ~~حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف ولا يستحلف ( حدث ثلاثة اشياء # ( الراي ( و ( الكلام ( و ( التصوف ( # وحدث ( التجهم ( وهو نفى الصفات وبازائه التمثيل ( فكان جمهور الرأى من ~~الكوفة اذ هو غالب على أهلها مع ما كان فيهم من التشيع الفاحش وكثرة الكذب ~~في الرواية مع ان في خيار اهلها من العلم والصدق والسنة والفقه والعبادة ~~امر عظيم لكن الغرض ان فيها نشأ كثرة الكذب في الرواية وكثرة الآراء في ~~الفقه والتشيع في الاصول وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة # فإنه بعد موت الحسن وبن سيرين بقليل ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء ms3088 ومن ~~اتبعهما من اهل الكلام والاعتزال وظهر أحمد بن علي الهجيمي الذي صحب عبد ~~الواحد بن زيد PageV10P358 وعبد الواحد صحب الحسن البصرى ومن اتبعه من ~~المتصوفة وبنى دويرة للصوفية هي اول ما بنى في الاسلام وكان عبد الرحمن بن ~~مهدي وغيره يسمونهم ( الفقرية ( وكانوا يجتمعون في دويرة لهم وصار لهؤلاء ~~من الكلام المحدث طريق يتدينون به مع تمسكهم بغالب الدين # ولهؤلاء من التعبد المحدث طريق يتمسكون به مع تمسكهم بغالب التعبد ~~المشروع وصار لهؤلاء حال من السماع والصوت حتى ان احدهم يموت أو يغشى عليه # ولهؤلاء حال في الكلام والحروف حتى خرجوا به إلى تفكير اوقعهم في تحير # وهؤلاء اصل امرهم ( الكلام ( # وهؤلاء اصل امرهم ( الارادة ( # وهؤلاء يقصدون ( بالكلام ( التوحيد ويسمون نفوسهم الموحدين # وهؤلاء يقصدون ( بالارادة ( التوحيد ويسمون نفوسهم اهل PageV10P359 ~~التوحيد والتجريد # وقد كتبت قبل هذا في ( القواعد ( ما في طريقي اهل الكلام والنظر واهل ~~الإرادة والعمل من الانحراف اذا لم يقترن بمتابعة الرسول كما بينت في ( ~~قاعدة كبيرة ( ان اصل العلم والهدى والدين هو الايمان بالله ورسوله ~~واستصحاب ذلك في جميع الاقوال والاحوال # وكان ( اهل المدينة ( اقرب من هؤلاء وهؤلاء في القول والعمل اذ لم ~~ينحرفوا انحراف الطائفتين من الكوفيين والبصريين هوى ورواية ورأيا وكلاما ~~وسماعا وان كان في بعضهم نوع انحراف لكن هم اقرب # واما ( الشاميون ( فكان غالبهم مجاهدين واهل اعمال قلبية اقرب إلى الحال ~~المشروع من صوفية البصريين اذ ذاك # ولهذا تجد كتب ( الكلام والتصوف ( انما خرجت في الاصل من البصرة فمتكلمة ~~المعتزلة ائمتهم بصريون مثل ابى الهذيل العلاف وابى علي الجبائي وابنه ابى ~~هاشم وابى عبد الله وابى الحسين PageV10P360 البصرى وكذلك متكلمة الكلابية ~~والاشعرية كعبد الله بن سعيد بن كلاب وابى الحسن الاشعري وصاحبه ابى الحسن ~~الباهلى والقاضي ابى بكر بن الباقلانى وغيرهم وكذلك كتب ( المتصوفة ومن خلط ~~التصوف بالحديث والكلام ( ككتب الحارث بن اسد المحاسبى وأبي الحسن بن سالم ~~وابى سعيد الاعرابي وابى طالب المكي # وقد شرك هؤلاء من البغداديين والخراسانيين والشاميين خلق # لكن الغرض ms3089 ان الاصول من ثم # كما ان ( علم النبوة ( من الايمان والقرآن وما يتبع ذلك من الفقه والحديث ~~واعمال القلوب انما خرجت من الامصار التى يسكنها جمهور اصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهي الحرمان والعراقان والشام المدينة ومكة والكوفة والبصرة ~~والشام وسائر الامصار تبع # فالقراء السبعة من هذه الامصار وكذلك ائمة اهل الحديث واثبتهم اهل ~~المدينة واهل البصرة كالزهرى ومالك وكقتادة وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد ~~الرحمن بن مهدي PageV10P361 واهل الكوفة فيهم الصادق والكاذب واهل الشام لم ~~يكن فيهم كثير كاذب ولا ائمة كبار في القراءة والحديث وكذلك ائمة الفقهاء ~~فمالك عالم اهل المدينة والثورى وابو حنيفة وغيرهما من اهل الكوفة وبن جريج ~~وغيره من اهل مكة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد من اهل البصرة والاوزاعي ~~وطبقته بالشام وقد قيل ان مالكا انما احتذى موطأه على كتاب حماد بن سلمة ~~وقيل ان كتاب بن جريج قبل ذلك # ثم الشافعي وان كان اصله مكيا فانه تفقه على طريقة اهل الحديث غير متقيد ~~بمصره # وكذلك الامام أحمد وان كان اجداده بصريين فانه تفقه على طريقة اهل الحديث ~~غير متقيد بالبصريين ولا غيرهم كما ان عبد الله بن المبارك واسحاق بن ~~إبراهيم ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهم من الخراسانيين وكذلك ائمة الزهاد ~~والعباد من هذه الامصار كما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في ( صفوة الصفوة ( # فالعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن اصحاب رسول الله واما ما جاء عمن ~~بعدهم فلا ينبغي ان يجعل PageV10P362 اصلا وان كان صاحبه معذورا بل مأجورا ~~لاجتهاد أو تقليد # فمن بنى الكلام في العلم الاصول والفروع على الكتاب والسنة والاثار ~~المأثورة عن السابقين فقد اصاب طريق النبوة وكذلك من بنى الارادة والعبادة ~~والعمل والسماع المتعلق باصول الاعمال وفروعها من الاحوال القلبية والاعمال ~~البدنية على الايمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد واصحابه فقد اصاب ~~طريق النبوة وهذه طريق ائمة الهدى # تجد ( الامام أحمد ( اذا ذكر اصول السنة قال هي التمسك بما كان عليه ~~أصحاب رسول الله # وكتب ms3090 كتب التفسير المأثور عن النبى والصحابة والتابعين وكتب الحديث ~~والاثار المأثورة عن النبى والصحابة والتابعين وعلى ذلك يعتمد في اصوله ~~العلمية وفروعه حتى قال في رسالته إلى خليفة وقته ( المتوكل ( لا احب ~~الكلام في شيء من ذلك الا ما كان في كتاب الله أو في حديث عن رسول الله أو ~~الصحابة أو التابعين فاما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود PageV10P363 وكذلك ~~في ( الزهد ( و ( الرقاق ( وز ( الاحوال ( فانه اعتمد في ( كتاب الزهد ( ~~على المأثور عن الانبياء صلوات الله عليهم من آدم إلى محمد ثم على طريق ~~الصحابة والتابعين ولم يذكر من بعدهم وكذلك وصفه لاخذ العلم ان يكتب ما جاء ~~عن النبى ثم عن الصحابة ثم عن التابعين وفى رواية اخرى ثم انت في التابعين ~~مخير # وله كلام في ( الكلام الكلامي ( و ( الرأي الفقهي ( وفي ( الكتب الصوفية ~~( و ( السماع الصوفى ( ليس هذا موضعه يحتاج تحريره إلى تفصيل وتبيين كيفية ~~استعماله في حال دون حال # فانه ينبني على الاصل الذي قدمناه من انه قد يقترن بالحسنات سيئات اما ~~مغفورة أو غير مغفورة وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة ~~المحضة الا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علما وعملا فاذا ~~لم يحصل النور الصافى بان لم يوجد الا النور الذى ليس بصاف والا بقى ~~الانسان في الظلمة فلا ينبغي ان يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة الا اذا ~~حصل نور لا ظلمة فيه والا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية اذا ~~خرج غيره عن ذلك لما رآه في طرق الناس من الظلمة PageV10P364 وانما قررت ~~هذه ( القاعدة ( ليحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه ويعرف ان العدول ~~عن كمال خلافه النبوة المأمور به شرعا تارة يكون لتقصير بترك الحسنات علما ~~وعملا وتارة بعدوان بفعل السيئات علما وعملا وكل من الامرين قد يكون عن ~~غلبة وقد يكون مع قدرة # فالأول ( قد يكون لعجز وقصور وقد يكون مع قدرة وامكان # والثاني ( قد يكون مع حاجة وضرورة وقد ms3091 يكون مع غنى وسعة وكل واحد من ~~العاجز عن كمال الحسنات والمضطر إلى بعض السيئات معذور فان الله يقول ( ~~فاتقوا الله ما استطعتم ) وقال ( لا يكلف الله نفسا الا وسعها ) في البقرة ~~والطلاق وقال ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا الا وسعها اولئك ~~اصحاب الجنة هم فيها خالدون ) وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم إذا امرتكم ~~بأمر فاتوا منه ما استطعتم ( وقال سبحانه ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) ~~وقال ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) وقال ( يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر ) وقال ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ) وقال ( ~~ولا جناح عليكم فيما أخطأتم به PageV10P365 وهذا ( اصل عظيم ) وهو ان تعرف ~~الحسنة في نفسها علما وعملا سواء كانت واجبة أو مستحبة وتعرف السيئة في ~~نفسها علما وقولا وعملا محظورة كانت أو غير محظورة ان سميت غير المحظورة ~~سيئة وان الدين تحصيل الحسنات والمصالح وتعطيل السيئات والمفاسد # وانه كثيرا ما يجتمع في الفعل الواحد أو في الشخص الواحد الامران فالذم ~~والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه احدهما فلا يغفل عما فيه من النوع ~~الاخر كما يتوجه المدح والامر والثواب إلى ما تضمنه احدهما فلا يغفل عما ~~فيه من النوع الاخر وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية والفجورية لكن ~~قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية # فهذا طريق الموازنة والمعادلة ومن سلكه كان قائما بالقسط الذي انزل الله ~~له الكتاب والميزان ### ||| فصل # ثم المتقدمون الذين وضعوا طرق ( الرأي ( و ( الكلام ( و ( التصوف ( وغير ~~ذلك كانوا يخلطون ذلك بأصول من الكتاب PageV10P366 والسنة والاثار اذ العهد ~~قريب وانوار الاثار النبوية بعد فيها ظهور ولها برهان عظيم وان كان عند بعض ~~الناس قد اختلط نورها بظلمة غيرها # فأما المتأخرون فكثير منهم جرد ما وضعه المتقدمون مثل من صنف في ( الكلام ~~) من المتأخرين فلم يذكر الا الاصول المبتدعة واعرض عن الكتاب والسنة ~~وجعلهما اما فرعين أو آمن ms3092 بهما مجملا أو خرج به الامر إلى نوع من الزندقة ~~ومتقدموا المتكلمين خير من متأخريهم وكذلك من صنف في ( الرأى ( فلم يذكر ~~الا راى متبوعه واصحابه واعرض عن الكتاب والسنة ووزن ما جاء به الكتاب ~~والسنة على رأى متبوعه ككثير من اتباع أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد ~~وغيرهم # وكذلك من صنف في ( التصوف ( و ( الزهد ( جعل الاصل ما روي عن متأخري ~~الزهاد واعرض عن طريق الصحابة والتابعين كما فعل صاحب ( الرسالة ( أبو ~~القاسم القشيرى وأبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي وبن خميس الموصلي في ( ~~مناقب الابرار ( وابو عبد الرحمن السلمى في تاريخ الصوفية لكن أبو عبد ~~الرحمن صنف ايضا ( سير السلف ( من الاولياء والصالحين وسير الصالحين من ~~السلف كما صنف في سير الصالحين من الخلف ونحوهم من ذكرهم لاخبار اهل ~~PageV10P367 الزهد والاحوال ( من بعد القرون الثلاثة من عند إبراهيم بن ~~ادهم والفضيل بن عياض وابي سليمان الداراني ومعروف الكرخي ومن بعدهم ~~واعراضهم عن حال الصحابة والتابعين الذين نطق الكتاب والسنة بمدحهم والثناء ~~عليهم والرضوان عنهم # وكان احسن من هذا ان يفعلوا كما فعله أبو نعيم الأصبهاني في ( الحلية ( ~~من ذكره للمتقدمين والمتأخرين وكذلك أبو الفرج بن الجوزي في ( صفوة الصفوة ~~( وكذلك أبو القاسم التيمي في ( سير السلف ( وكذلك بن اسد بن موسى ان لم ~~يصعدوا إلى طريقة عبد الله بن المبارك واحمد بن حنبل وهناد بن السرى وغيرهم ~~في كتبهم 1 في الزهد فهذا هذا والله أعلم واحكم # فان معرفة اصول الاشياء ومبادئها ومعرفة الدين واصله واصل ما تولد فيه من ~~اعظم العلوم نفعا اذ المرء ما لم يحط علما بحقائق الاشياء التى يحتاج اليها ~~يبقى في قلبه حسكة # وكان ( للزهاد ( عدة اسماء يسمون بالشام ( الجوعية ( ويسمون بالبصرة ( ~~الفقرية ( و ( الفكرية ) ( ويسمون بخراسان ( المغاربة ( ويسمون ايضا ( ~~الصوفية والفقراء PageV10P368 ( والنسبة في ( الصوفية ( إلى الصوف لانه ~~غالب لباس الزهاد وقد قيل هو نسبة إلى ( صوفة ( بن مراد بن اد بن طابخة ~~قبيلة من العرب كانوا يجاورون حول البيت واما من قال هم ms3093 نسبة إلى ( الصفة ( ~~فقد قيل كان حقه ان يقال صفية وكذلك من قال نسبة إلى الصفا قيل له كان حقه ~~ان يقال صفائية ولو كان مقصورا لقيل صفوية وان نسب إلى الصفوة قيل صفوية ~~ومن قال نسبة إلى الصف المقدم بين يدي الله قيل له كان حقه ان يقال صفية ~~ولا ريب ان هذا يوجب النسبة والاضافة اذا اعطى الاسم حقه من جهة العربية # لكن ( التحقيق ( ان هذه النسب انما اطلقت على طريق الاشتقاق الاكبر ~~والاوسط دون الاشتقاق الاصغر كما قال أبو جعفر ( العامة ( اسم مشتق من ~~العمى فراعوا الاشتراك في الحروف دون الترتيب وهو الاشتقاق الأوسط أو ~~الإشتراك في جنس الحروف دون اعيانها وهو الاكبر # وعلى الاوسط قول نحاة الكوفيين ( الاسم ( مشتق من السمة # وكذلك اذا قيل الصوفي من ( الصفا ( واما اذا قيل هو من ( الصفة ( أو ( ~~الصف ( فهو على الاكبر # وقد تكلم بهذا الاسم قوم من الائمة كأحمد بن حنبل وغيره PageV10P369 وقد ~~تكلم به أبو سليمان الد اراني وغيره واما الشافعي فالمنقول عنه ذم الصوفية ~~وكذلك مالك فيما اظن وقد خاطب به أحمد لابي حمزة الخرساني وليوسف بن الحسين ~~الرازى ولبدر بن ابى بدر المغازلي وقد ذم طريقهم طائفة من اهل العلم ومن ~~العباد ايضا من اصحاب أحمد ومالك والشافعي وابى حنيفة واهل الحديث والعباد ~~ومدحه آخرون # والتحقيق ( فيه انه مشتمل على الممدوح والمذموم كغيره من الطريق وان ~~المذموم منه قد يكون اجتهاديا وقد لا يكون وانهم في ذلك بمنزلة الفقهاء في ~~( الرأي ( فانه قد ذم الرأي من العلماء والعباد طوائف كثيرة و ( القاعدة ( ~~التى قدمتها تجمع ذلك كله وفى المتسمين بذلك من اولياء الله وصفوته وخيار ~~عباده ما لا يحصى عده كما في اهل ( الرأي من اهل العلم والإيمان من لا يحصى ~~عدده الا الله والله سبحانه اعلم # وبهذا يتبين لك ان البدعة في الدين وان كانت في الاصل مذمومة كما دل عليه ~~الكتاب والسنة سواء في ذلك البدع القولية والفعليه وقد كتبت في غير هذا ~~الموضع ms3094 ان المحافظة على عموم قول النبى ( كل بدعة ضلالة ( متعين وانه يجب ~~العمل بعمومه وان من اخذ يصنف ( البدع ( إلى حسن وقبيح ويجعل ذلك ~~PageV10P370 ذريعة إلى ان لا يحتج بالبدعة على النهي فقد أخطأ كما يفعل ~~طائفة من المتفقهة والمتكلمة والمتصوفة والمتعبدة اذا نهوا عن ( العبادات ~~المبتدعة ( و ( الكلام في التدين المبتدع ( ادعوا ان لا بدعة مكروهة الا ما ~~نهى عنه فيعود الحديث إلى ان يقال ( كل ما نهى عنه ( أو ( كل ما حرم ( أو ( ~~كل ما خالف نص النبوة فهو ضلاله ( وهذا اوضح من ان يحتاج إلى بيان بل كلما ~~لم يشرع من الدين فهو ضلالة # وما سمى ( بدعة ) وثبت حسنه بادلة الشرع فأحد ( الامرين ) فيه لازم اما ~~ان يقال ليس ببدعة في الدين وان كان يسمى بدعة من حيث اللغة كما قال عمر ( ~~نعمت البدعة هذه ) # واما ان يقال هذا عام خصت منه هذه الصورة لمعارض راجح كما يبقى فيما ~~عداها على مقتضى العموم كسائر عمومات الكتاب والسنة وهذا قد قررته في ( ~~اقتضاء الصراط المستقيم ) وفى ( قاعدة السنة والبدعة ) وغيره # وانما ( المقصود هنا ) ان ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهى عنه ~~في الكتاب والسنة أو المخالف للكتاب والسنة اذا صدر عن شخص من الاشخاص فقد ~~يكون على وجه يعذر فيه اما PageV10P371 لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه واما ~~لعدم قدرته كما قد قررته في غير هذا الموضع وقررته ايضا في اصل ( التكفير ~~والتفسيق ) المبنى على اصل الوعيد فإن نصوص ( الوعيد ) التى في الكتاب ~~والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في ~~حق المعين الا اذا وجدت الشروط وانتفت الموانع لا فرق في ذلك بين الاصول ~~والفروع هذا في عذاب الاخرة فان المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه ~~في الدار الأخرة خالد في النار أو غير خالد واسماء هذا الضرب من الكفر ~~والفسق يدخل في هذه ( القاعدة ) سواء كان بسبب بدعة اعتقادية أو عبادية أو ~~بسبب فجور في الدنيا وهو الفسق بالأعمال ms3095 # فأما احكام الدنيا فكذلك ايضا فان جهاد الكفار يجب ان يكون مسبوقا ~~بدعوتهم اذ لا عذاب الا على من بلغته الرسالة وكذلك عقوبة الفساق لا تثبت ~~الا بعد قيام الحجة PageV10P372 ### || وهنا قاعدة شريفة # ينبغى التفطن لها وهو ان ما عاد من الذنوب باضرار الغير في دينه ودنياه ~~فعقوبتنا له في الدنيا اكبر واما ما عاد من الذنوب بمضرة الانسان في نفسه ~~فقد تكون عقوبته في الاخرة اشد وان كنا نحن لا نعاقبه في الدنيا # واضرار العبد في دينه ودنياه هو ظلم الناس فالظلم للغير يستحق صاحبه ~~العقوبة في الدنيا لا محالة لكف ظلم الناس بعضهم عن بعض ثم هو نوعان # ( احدهما ) منع ما يجب لهم من الحقوق وهو التفريط # و ( الثانى ) فعل ما يضر به وهو العدوان فالتفريط في حقوق العباد ~~PageV10P373 ولهذا يعاقب الداعية إلى البدع بما لا يعاقب به الساكت ويعاقب ~~من اظهر المنكر بما لا يعاقب به من استخفى به وتمسك عن عقوبة المنافق في ~~الدين وان كان في الدرك الاسفل من النار # وهذا لأن الاصل ان تكون العقوبة من فعل الله تعالى فانه الذى يجزى الناس ~~على اعمالهم في الاخرة وقد يجزيهم ايضا في الدنيا واما نحن فعقوبتنا للعباد ~~بقدر ما يحصل به اداء الواجبات وترك المحرمات بحسب امكاننا كما قال صلى ~~الله عليه وسلم ( أمرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله وان ~~محمدا رسول الله فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم واموالهم الا بحقها ~~وحسابهم على الله ) وقال تعالى ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~كله لله ) وقال ( والفتنة اكبر من القتل ) # ولهذا من تاب من الكفار والمحاربين وسائر الفساق قبل القدرة عليه سقطت ~~عنه العقوبة التى لحق الله فإذا اسلم الحربى قبل القدرة عليه عصم دمه واهله ~~وماله وكذلك قاطع الطريق والزانى والسارق والشارب اذا تابوا قبل القدرة ~~عليهم لحصول المقصود بالتوبة واما اذا تابوا بعد القدرة لم تسقط العقوبة ~~كلها لأن ذلك يفضى إلى تعطيل الحدود وحصول الفساد ولأن ms3096 هذه التوبة غير ~~موثوق بها ولهذا إذا أسلم الحربي عند القتال صح إسلامه لأنه أسلم قبل ~~القدرة عليه PageV10P374 بخلاف من اسلم بعد الاسر فانه لا يمنع استرقاقه ~~وان عصم دمه # ويبنى على هذه ( القاعدة ) انه قد يقر من الكفار والمنافقين بلا عقوبة من ~~يكون عذابه في الاخرة اشد اذا لم يتعد ضرره إلى غيره كالذين يؤتون الجزية ~~عن يد وهم صاغرون والذين اظهروا الاسلام والتزموا شرائعه ظاهرا مع نفاقهم ~~لأن هذين الصنفين كفوا ضررهم في الدين والدنيا عن المسلمين ويعاقبون في ~~الاخرة على ما اكتسبوه من الكفر والنفاق واما من اظهر ما فيه مضرة فانه ~~تدفع مضرته ولو بعقابه وان كان مسلما فاسقا أو عاصيا أو عدلا مجتهدا مخطئا ~~بل صالحا أو عالما سواء في ذلك المقدور عليه والممتنع # مثال المقدور عليه انما يعاقب من اظهر الزنى والسرقة وشرب الخمر وشهادة ~~الزور وقطع الطريق وغير ذلك لما فيه من العدوان على النفوس والاموال ~~والابضاع وان كان ( مع ) هذا حال الفاسق في الاخرة خيرا من حال اهل العهد ~~الكفار ومن حال المنافقين اذ الفاسق خير من الكافر والمنافق بالكتاب والسنة ~~والاجماع # وكذلك يعاقب من دعا إلى بدعة تضر الناس في دينهم وان كان قد يكون معذورا ~~فيها في نفس الأمر لاجتهاد أو تقليد PageV10P375 # وكذلك يجوز قتال ( البغاة ) وهم الخارجون على الامام أو غير الامام ~~بتاويل سائغ مع كونهم عدولا ومع كوننا ننفذ احكام قضائهم ونسوغ ما قبضوه من ~~جزية أو خراج أو غير ذلك اذ الصحابة لا خلاف في بقائهم على العدالة وذلك ان ~~التفسيق انتفى للتأويل السائغ وأما القتال فليؤدوا ما تركوه من الواجب ~~وينتهوا عما ارتكبوه من المحرم وان كانوا متأولين # وكذلك نقيم الحد على من شرب النبيذ المختلف فيه وان كانوا قوما صالحين ~~فتدبر كيف عوقب اقوام في الدنيا على ترك واجب أو فعل محرم بين في الدين أو ~~الدنيا وان كانوا معذورين فيه لدفع ضرر فعلهم في الدنيا كما يقام الحد على ~~من تاب بعد رفعه إلى ms3097 الامام وان كان قد تاب توبة نصوحا وكما يغزو هذا البيت ~~جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض اذ خسف بهم وفيهم المكره فيحشرون ~~على نياتهم وكما يقاتل جيوش الكفار وفيهم المكره كأهل بدر لما كان فيهم ~~العباس وغيره وكما لو تترس الكفار بمسلمين ولم يندفع ضرر الكفار الا ~~بقتالهم فالعقوبات المشروعة والمقدورة قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها ~~في الاخرة وتكون في حقه من جملة المصائب كما قيل في بعضهم القاتل مجاهد ~~والمقتول شهيد # وعلى هذا فما امر به آخر اهل السنة من ان داعية اهل البدع PageV10P376 ~~يهجر فلا يستشهد ولا يروى عنه ولا يستفتى ولا يصلى خلفه قد يكون من هذا ~~الباب فان هجرة تعزير له وعقوبة له جزاء لمنع الناس من ذلك الذنب الذى هو ~~بدعة أو غيرها وان كان في نفس الامر تائبا أو معذورا اذ الهجرة مقصودها أحد ~~شيئين اما ترك الذنوب المهجورة واصحابها واما عقوبة فاعلها ونكاله فأما ~~هجرة بترك في غير هذا الموضع # ومن هذا الباب هجر الامام أحمد للذين اجابوا في المحنة قبل القيد ولمن ~~تاب بعد الاجابة ولمن فعل بدعة ما مع ان فيهم ائمة في الحديث والفقه ~~والتصوف والعبادة فان هجره لهم والمسلمين معه لا يمنع معرفة قدر فضلهم كما ~~ان الثلاثة الذين خلفوا لما امر النبى المسلمين بهجرهم لم يمنع ذلك ما كان ~~لهم من السوابق حتى قد قيل ان اثنين منهما شهدا بدرا وقد قال الله لاهل بدر ~~( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) وأحدهم كعب بن مالك شاعر النبى وأحد أهل ~~العقبة فهذا ( اصل عظيم ) ان عقوبة الدنيا المشروعة من الهجران إلى القتل ~~لا يمنع ان يكون المعاقب عدلا أو رجلا صالحا كما بينت من الفرق بين عقوبة ~~الدنيا المشروعة والمقدورة وبين عقوبة الاخرة والله سبحانه اعلم ~~PageV10P377 ### ||| فصل # ومما يناسب ( هذا الباب ) قولهم فلان يسلم إليه حاله أو لا يسلم إليه ~~حاله فان هذا كثيرا ما يقع فيه النزاع فيما قد يصدر عن بعض المشائخ ms3098 الفقراء ~~والصوفية من أمور يقال إنها تخالف الشريعة فمن يرى أنها منكرة وان انكار ~~المنكر من الدين ينكر تلك الامور وينكر على ذلك الرجل وعلى من احسن به الظن ~~ويبغضه ويذمه ويعاقبه ومن راى ما في ذلك الرجل من صلاح وعبادة كزهد واحوال ~~وورع وعلم لا ينكرها بل يراها سائغة أو حسنة أو يعرض عن ذلك # وقد يغلو كل واحد من هذين حتى يخرج ( بالاول ) انكاره إلى التكفير ~~والتفسيق في مواطن الاجتهاد متبعا لظاهر من ادلة الشريعة ويخرج ( بالثانى ) ~~اقراره إلى الإقرار بما يخالف دين الاسلام مما يعلم بالاضطرار ان الرسول ~~جاء بخلافه اتباعا في زعمه لما يشبه قصة موسى والخضر و ( الاول ) يكثر في ~~الموسوية ومن انحرف منهم إلى يهودية و ( الثانى ) يكثر في العيسوية ومن ~~انحرف منهم إلى نصرانية PageV10P378 والاول ) كثيرا ما يقع في ذوى العلم ~~لكن مقرونا بقسوة وهوى # و ( الثانى ) كثيرا ما يقع في ذوى الرحمة لكن مقرونا بضلال وجهل # فأما ( الامة الوسط ) فلهم العلم والرحمة كما اخبر عن نفسه بقوله ( ربنا ~~وسعت كل شيء رحمة وعلما ) وقال تعالى ( ورحمتي وسعت كل شيء ) وقال ( انما ~~الهكم الله الذى لا اله الا هو وسع كل شيء علما ) وكذلك وصف العبد الذى ~~لقيه موسى حيث قال ( آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) # والعدل في ( هذا الباب ) قولا وفعلا ان تسليم الحال له معنيان # ( احدهما ) رفع اللوم عنه بحيث لا يكون مذموما ولا مأثوما # ( والثانى ) تصويبه على ما فعل بحيث يكون محمودا مأجورا ( فالاول ) عدم ~~الذم والعقاب و ( الثانى ) وجود الحمد والثواب ( الاول ) عدم سخط الله ~~وعقابه و ( الثانى ) وجود رضاه وثوابه ولهذا PageV10P379 تجد المنكرين ~~غالبا في اثبات السخط والذم والعقاب والمقرين في اثبات الرضا والحمد ~~والثواب وكلاهما قد يكون مخطئا ويكون الصواب في ( امر ثالث وسط ) وهو انه ~~لا حمد ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب # وبيان ذلك ان ذلك الأمر الصادر عنه سواء كان قولا أو فعلا اذا علم انه ~~مخالف للكتاب والسنة بحيث يكون ms3099 قولا باطلا أو عملا محرما فانه يعذر في ~~موضعين # ( احدهما ) عدم تمكنه من العلم به # و ( الثانى ) عدم قدرته على الحق المشروع # مثال ( الاول ان يكون صاحب الحال مولها مجنونا قد سقط عنه القلم فهذا اذا ~~قيل فيه يسلم له حاله بمعنى انه لا يذم ولا يعاقب لا بمعنى تصويبه فيه كما ~~يقال في سائر المجانين فهو صحيح # وان عنى به ان ذلك القول صواب فهذا خطا # وكذلك اذا كان ذلك الحال صادرا عنه باجتهاد كمسائل الاجتهاد المتنازع ~~فيها بين اهل العلم والدين فان هذا اذا قيل يسلم إليه حاله كما يقال يقر ~~على اجتهاده بمعنى أنه لا يذم ولا يعاقب فهو صحيح واما PageV10P380 إذا قيل ~~ذلك بمعنى انه صواب أو صحيح فلا بد من دليل على تصويبه والا فمجرد القول أو ~~الفعل الصادر من غير الرسول ليس حجة على تصويب القائل أو الفاعل فإذا علم ~~ان ذلك الاجتهاد خطا كان تسليم حاله بمعنى رفع الذم عنه لا بمعنى اصابته ~~وكذلك اذا اريد بتسليم حاله واقراره انه يقر على حكمه فلا ينقض أو على ~~فتياه فلا تنكر أو على جواز اتباعه لمن هو من اهل تقليده واتباعه بأن ~~للقاصرين ان يقلدوا ويتبعوا من يسوغ تقليده واتباعه من العلماء والمشايخ ~~فيما لم يظهر لهم انه خطا لكن بعض هذا يدخل في القسم الثانى الذى لم يعلم ~~مخالفته للشريعة # وتسليم الحال في مثل هذا اذا عرف انه معذور أو عرف انه صادق في طريقة وان ~~هذا الامر قد يكون اجتهادا منه فهذه ( ثلاثة مواضع ) يسلم إليه فيها حاله ~~لعدم تمكنه من العلم وخفاء الحق عليه فيها على وجه يعذر به # ومثال ( الثانى ) عدم قدرته ان يرد عليه من الأحوال ما يضطره إلى ان يخرق ~~ثيابه أو يلطم وجهه أو يصيح صياحا منكرا أو يضطرب اضطرابا شديدا فهذا اذا ~~عرف ان سبب ذلك لم يكن محرما وانه مغلوب عليه سلم إليه حاله وان شك هل هو ~~مغلوب أو متصنع فان عرف منه الصدق ms3100 قيل هذا يسلم إليه حاله PageV10P381 وان ~~عرف كذبه انكر عليه وان شك فيه توقف في التسليم والانكار حتى يتبين امره ~~كما يفعل بمن شهد شهادة أو اتهم بسرقة فان ظهر صدقه وعدله قبلت الشهادة ~~ودفعت اليهم وان ظهر كذبه وخيانته ردت الشهادة وعوقب على السرقة وان اشتبه ~~الامر توقف فيه فان المؤمن وقاف متبين هكذا قال الحسن البصرى وكذلك اذا ترك ~~الواجبات مظهرا انه مغلوب لا يقدر على فعلها مثل ان يترك الصلاة مظهرا انه ~~بمنزلة المغمى عليه والنائم الذى لا يتمكن من فعلها كما قد يعترى بعض ~~المصعوقين من وارد خوف الله أو محبته أو نحو ذلك بحيث يسقط تمييزه فلا ~~يمكنه الصلاة فهو فيما يتركه من الواجبات نظير ما يرتكبه من المحرمات ~~فتسليم الحال بمعنى عدم اللوم قد يراد به الحكم بأنه معذور وقد يراد به ترك ~~الحكم بأنه ملوم # هذا فيما يعلم من الاقوال والافعال انه مخالف للشرع بلا ريب كالشطحات ~~المأثورة عن بعض المشايخ كقول بن هود اذا كان يوم القيامة نصبت خيمتى على ~~جهنم وكون الشبلى كان يحلق لحيته ويمزق ثيابه حتى ادخلوه المارستان مرتين ~~وما يحكى عن بعضهم انه قال اذا كانت لك حاجة فتعال إلى قبرى واستغث به ~~وكترك آخر صلاة الجمعة خلف امام صالح لكونه دعا لسلطان وقته وسماه العادل ~~وترك آخر الصلاة خلف امام لما كوشف به من حديث نفسه وما يحكى عن عقلاء ~~المجانين الذين قيل فيهم ان الله اعطاهم عقولا واحوالا فسلب عقولهم وترك ~~PageV10P382 احوالهم واسقط ما فرض بما سلب # فجماع هذا ان هذه الامور تعطى حقها من الكتاب والسنة فما جاء به الكتاب ~~والسنة من الخبر والامر والنهى وجب اتباعه ولم يلتفت إلى من خالفه كائنا من ~~كان ولم يجز اتباع أحد في خلاف ذلك كائنا من كان كما دل عليه الكتاب والسنة ~~واجماع الامة من اتباع الرسول وطاعته وان الرجل الذى صدر عنه ذلك يعطى عذره ~~حيث عذرته الشريعة بأن يكون مسلوب العقل أو ساقط التمييز أو ms3101 مجتهدا مخطئا ~~اجتهادا قوليا أو عمليا أو مغلوبا على ذلك الفعل أو الترك بحيث لا يمكنه رد ~~ما صدر عنه من الفعل المنكر بلا ذنب فعله ولا يمكنه اداء ذلك الواجب بلا ~~ذنب فعله ويكون هذا الباب نوعه محفوظا بحيث لا يتبع ما خالف الكتاب والسنة ~~ولا يجعل ذلك شرعة ولا منهاجا بل لا سبيل إلى الله ولا شرعة الا ما جاء به ~~محمد رسول الله # واما الاشخاص الذين خالفوا بعض ذلك على الوجوه المتقدمة فيعذرون ولا ~~يذمون ولا يعاقبون فان كل أحد من الناس قد يؤخذ من قوله وافعاله ويترك الا ~~رسول الله وما من الائمة الا من له اقوال وافعال لا يتبع عليها مع انه لا ~~يذم عليها واما الاقوال والافعال التى لم يعلم قطعا مخالفتها للكتاب والسنة ~~بل PageV10P383 هي من موارد الاجتهاد التى تنازع فيها اهل العلم والايمان ~~فهذه الامور قد تكون قطعية عند بعض من بين الله له الحق فيها لكنه لا يمكنه ~~ان يلزم الناس بما بان له ولم يبن لهم فيلتحق من وجه بالقسم الاول ومن وجه ~~بالقسم الثانى # وقد تكون اجتهادية عنده ايضا فهذه تسلم لكل مجتهد ومن قلده طريقهم تسليما ~~نوعيا بحيث لا ينكر ذلك عليهم كما سلم في القسم الاول تسليما شخصيا # واما الذي لا يسلم إليه حاله فمثل ان يعرف منه انه عاقل يتوله ليسقط عنه ~~اللوم ككثير من المنتسبة إلى الشيخ أحمد بن الرفاعي و ( اليونسية ( فيما ~~يأتونه من المحرمات ويتركونه من الواجبات أو يعرف منه انه يتواجد ويتساكر ~~في وجده ليظن به خيرا ويرفع عنه الملام فيما يقع من الامور المنكرة أو يعرف ~~منه أن الحق قد تبين له وأنه متبع لهواه أو يعرف منه تجويز الانحراف عن ~~موجب الشريعة المحمدية وانه قد يتفوه بما يخالفها وان من الرجال من قد ~~يستغنى عن الرسول أو له ان يخالفه أو ان يجرى مع القدر المحض المخالف للدين ~~كما يحكى بعض الكذابين الضالين ان اهل الصفة قاتلوا النبى مع الكفار ms3102 لما ~~انهزم اصحابه وقالوا نحن مع الله من غلب كنا معه وانه صبيحة الاسراء سمع ~~منه ما جرى بينة وبين ربه من المناجاة PageV10P384 وانه تواجد في السماء ~~حتى وقع الرداء عنه وان السر الذي اوصى إليه اودعه في ارض نبت فيها اليراع ~~فصار في الشبابة بمعنى ذلك السر أو يسوغ لاحد بعد محمد الخروج عن شريعته ~~كما ساغ للخضر الخروج عن امر موسى فانه لم يكن مبعوثا إليه كما بعث محمد ~~إلى الناس كافة فهؤلاء ونحوهم ممن يخالف الشريعة ويبين له الحق فيعرض عنه ~~يجب الانكار عليهم بحسب ما جاءت به الشريعة من اليد واللسان والقلب # وكذلك ايضا ينكر على من اتبع الاولين المعذورين في اقوالهم وافعالهم ~~المخالفة للشرع فان العذر الذي قام بهم منتف في حقه فلا وجه لمتابعتة فيه # ومن اشتبه امره من اي القسمين هو توقف فيه فان الامام ان يخطئ في العفو ~~خير من ان يخطئ في العقوبة لكن لا يتوقف في رد ما خالف الكتاب والسنة فان ~~النبى قال ( من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد ( فلا يسوغ الخروج عن موجب ~~العموم والاطلاق في الكتاب والسنة بالشبهات ولا يسوغ الذم والعقوبة ~~بالشبهات ولا يسوغ جعل الشيء حقا أو باطلا أو صوابا أو خطأ بالشبهات والله ~~يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين انعم عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين PageV10P385 # وبقيت هنا ( المسألة ( التى تشتبه غالبا وهو ان يظهر من بعض الرجال ~~المجهول الحال امر مخالف للشرع في الظاهر ويجوز ان يكون معذورا فيه عذرا ~~شرعيا مثل وجد خرج فيه عن الشرع لا يدري اهو صادق فيه أم متصنع واخذ مال ~~بغير اذن صاحبه في الظاهر مع تجويز ان يكون علم طيب قلب صاحبه به فهذا ان ~~قيل ينكر عليه جاز ان يكون معذورا وان قيل لا ينكر عليه لزم اقرار ~~المجهولين على مخالفة الشرع في الظاهر فالواجب في مثل هذا ان يخاطب صاحبه ~~اولا برفق ويقال له هذا في الظاهر منكر ms3103 واما في الباطن فأنت امين الله على ~~نفسك فاخبرنا بحالك فيه أو لا تظهره حيث يكون اظهاره فتنة وتسلك في ذلك ~~طريقة لا تفضي إلى اقرار المنكرات ولا لوم البرآء # والضابط ان من عرف من عادته الصدق والامانة اقر على ما لم يعلم انه كذب ~~وحرام ومن عرف منه الكذب أو الخيانة لم يقر على المجهول وأما المجهول ~~فيتوقف فيه PageV10P386 ### || 1 ( رسالة في العبادات والفرق بين شرعيها وبدعيها ) 1 # ! 8 < وقال الشيخ الامام العالم العلامة # شيخ الاسلام بقية السلف الكرام العالم الربانى المقذوف في قلبه النور ~~القرآنى أبو العباس أحمد بن تيمية الحرانى قدس الله روحه ونور ضريحه واسكنه ~~فسيح الجنان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من ~~شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي ~~له # ونشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ونشهد ان محمدا عبده ورسوله ~~أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا فبلغ ~~الرسالة وادى الامانة ونصح الامة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد ~~الله مخلصا حتى اتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا إلى ~~يوم الدين PageV10P387 ### ||| فصل # في ( العبادات ) و ( الفرق بين شرعيها وبدعيها ( # فان هذا باب كثر فيه الاضطراب كما كثر في باب الحلال والحرام فان اقواما ~~استحلوا بعض ما حرمه الله واقواما حرموا بعض ما احل الله تعالى وكذلك ~~اقواما احدثوا عبادات لم يشرعها الله بل نهى عنها # و ( اصل الدين ( ان الحلال ما احله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ~~ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ليس لاحد ان يخرج عن الصراط المستقيم ~~الذى بعث الله به رسوله قال الله تعالى ( وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) # وفى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~انه خط خطأ وخط خطوطا عن يمينه وشماله ms3104 ثم قال ( هذه سبيل الله وهذه سبل على ~~كل سبيل منها شيطان يدعو PageV10P388 إليه ( ثم قرأ ( وان هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) # وقد ذكر الله تعالى في سورة الانعام والاعراف وغيرهما ما ذم به المشركين ~~حيث حرموا ما لم يحرمه الله تعالى كالبحيرة والسائبة واستحلوا ما حرمه الله ~~كقتل اولادهم وشرعوا دينا لم يأذن به الله فقال تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا ~~لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ومنه اشياء هي محرمة جعلوها عبادات ~~كالشرك والفواحش مثل الطواف بالبيت عراة وغير ذلك # والكلام في ( الحلال والحرام ( له مواضع أخر # والمقصود هنا ( العبادات ( فنقول # العبادات التى يتقرب بها إلى الله تعالى منها ما كان محبوبا لله ورسوله ~~مرضيا لله ورسوله اما واجب واما مستحب كما في الصحيح عن النبى انه قال فيما ~~يروى عن ربه تبارك وتعالى ( ما تقرب الي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا ~~يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به ~~وبصره الذي يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها PageV10P389 ~~فبى يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشى ولئن سألني لاعطينه ولئن استعاذني ~~لاعيذنه وما ترددت عن شيء انا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره ~~الموت واكره مساءته ولا بد له منه ( # ومعلوم ان الصلاة منها فرض وهي الصلوات الخمس ومنها نافلة كقيام الليل ~~وكذلك الصيام فيه فرض وهو صوم شهر رمضان ومنه نافلة كصيام ثلاثة ايام من كل ~~شهر وكذلك السفر إلى المسجد الحرام فرض والى المسجدين الاخرين مسجد النبى ~~وبيت المقدس مستحب # وكذلك الصدقة منها ما هو فرض ومنها ما هو مستحب وهو العفو كما قال تعالى ~~( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) # وفى الحديث الصحيح عن النبى انه قال ( يا بن آدم انك ان تنفق الفضل خير ~~لك وان تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف واليد العليا خير من اليد السفلى ~~وابدأ بمن تعول ( والفرق ms3105 بين الواجب والمستحب له موضع آخر غير هذا والمقصود ~~هنا الفرق بين ما هو مشروع سواء كان واجبا أو مستحبا وما ليس بمشروع # فالمشروع هو الذي يتقرب به إلى الله تعالى وهو سبيل الله PageV10P390 وهو ~~البر والطاعة والحسنات والخير والمعروف وهو طريق السالكين ومنهاج القاصدين ~~والعابدين وهو الذي يسلكه كل من اراد الله هدايته وسلك طريق الزهد والعبادة ~~وما يسمى بالفقر والتصوف ونحو ذلك # ولا ريب ان هذا يدخل فيه الصلوات المشروعة واجبها ومستحبها ويدخل في ذلك ~~قيام الليل المشروع وقراءة القرآن على الوجه المشروع والاذكار والدعوات ~~الشرعية وما كان من ذلك موقتا بوقت كطرفي النهار وما كان متعلقا بسبب كتحية ~~المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف وصلاة الاستخارة وما ورد من الاذكار ~~والادعية الشرعية في ذلك وهذا يدخل فيه امور كثيرة وفى ذلك من الصفات ما ~~يطول وصفه وكذلك يدخل فيه الصيام الشرعي كصيام نصف الدهر وثلثه أو ثلثيه أو ~~عشره وهو صيام ثلاثة ايام من كل شهر ويدخل فيه السفر الشرعي كالسفر إلى مكة ~~والى المسجدين الاخرين ويدخل فيه الجهاد على اختلاف انواعه واكثر الاحاديث ~~النبوية في الصلاة والجهاد ويدخل فيه قراءة القرآن على الوجه المشروع و # ( والعبادات الدينية ( اصولها الصلاة والصيام والقراءة التى جاء ذكرها في ~~الصحيحين في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص لما اتاه النبى صلى الله عليه ~~وسلم وقال ( ألم احدث انك قلت لاصومن PageV10P391 النهار ولأقومن الليل ~~ولاقرأن القرأن في ثلاث قال بلى قال فلا تفعل فانك اذا فعلت ذلك هجمت له ~~العين ونفهت له النفس ثم امره بصيام ثلاثة ايام من كل شهر فقال اني اطيق ~~اكثر من ذلك فانتهى به إلى صوم يوم وفطر يوم فقال اني اطيق اكثر من ذلك ~~فقال لا أفضل من ذلك وقال افضل الصيام صيام داود عليه السلام كان يصوم يوما ~~ويفطر يوما ولا يفر اذا لاقى وافضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ~~ويقوم ثلثه وينام سدسه وأمره ان يقرأ القرآن في سبع ( # ولما كانت ms3106 هذه العبادات هي المعروفة قال في حديث الخوارج الذي في ~~الصحيحين ( يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية ( فذكر اجتهادهم بالصلاة والصيام والقراءة وانهم يغلون في ذلك حتى ~~تحقر الصحابة عبادتهم في جنب عبادة هؤلاء # وهؤلاء غلوا في العبادات بلا فقه فآل الامر بهم إلى البدعة فقال ( يمرقون ~~من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما وجدتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم ~~اجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ( فانهم قد استحلوا دماء المسلمين ~~وكفروا من خالفهم وجاءت فيهم الاحاديث PageV10P392 الصحيحة قال الامام أحمد ~~بن حنبل رحمه الله تعالى صح فيهم الحديث من عشرة اوجه وقد اخرجها مسلم في ~~صحيحه واخرج البخاري قطعة منها # ثم هذه الاجناس الثلاثة مشروعة ولكن يبقى الكلام في القدر المشروع منها ~~وله صنف ( كتاب الاقتصاد في العبادة ( وقال أبي بن كعب وغيره اقتصاد في سنة ~~خير من اجتهاد في بدعة # والكلام في سرد الصوم وصيام الدهر سوى يومي العيدين وايام التشريق وقيام ~~جميع الليل هل هو مستحب كما ذهب إلى ذلك طائفة من الفقهاء والصوفية والعباد ~~أو هو مكروه كما دلت عليه السنة وان كان جائزا لكن صوم يوم وفطر يوم افضل ~~وقيام ثلث الليل افضل ولبسطه موضع آخر # اذ المقصود هنا الكلام في اجناس عبادات غير مشروعة حدثت في المتأخرين ~~كالخلوات فانها تشتبه بالاعتكاف الشرعي والاعتكاف الشرعي في المساجد كما ~~كان النبى يفعله هو واصحابه من العبادات الشرعية # واما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه بغار حراء قبل الوحي وهذا خطأ ~~PageV10P393 فان ما فعله قبل النبوة ان كان قد شرعه بعد النبوة فنحن ~~مأمورون باتباعه فيه والا فلا وهو من حين نبأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك ~~إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون وقد اقام صلوات الله عليه بمكة قبل ~~الهجرة بضع عشرة سنة ودخل مكة في عمرة القضاء وعام الفتح أقام بها قريبا من ~~عشرين ليلة واتاها ms3107 في حجة الوداع واقام بها اربع ليال وغار حراء قريب منه ~~ولم يقصده # وذلك ان هذا كانوا يأتونه في الجاهلية ويقال ان عبد المطلب هو سن لهم ~~اتيانه لانه لم تكن لهم هذه العبادات الشرعية التى جاء بها بعد النبوة ~~صلوات الله عليه كالصلاة والاعتكاف في المساجد فهذه تغني عن اتيان حراء ~~بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي فانه لم يكن يقرأ بل قال له الملك عليه ~~السلام ( اقرأ ( قال صلوات الله عليه وسلامه ( فقلت لست بقارئ ( ولا كانوا ~~يعرفون هذه الصلاة ولهذا لما صلاها النبى نهاه عنها من نهاه من المشركين ~~كابي جهل قال الله تعالى ( أرأيت الذي ينهى عبدا اذا صلى أرأيت ان كان على ~~الهدى أو امر بالتقوى ارأيت ان كذب وتولى الم يعلم بان الله يرى كلا لئن لم ~~ينته لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا ~~تطعه واسجد واقترب ) و # ( وطائفة ( يجعلون الخلوة اربعين يوما ويعظمون امر الاربعينية ~~PageV10P394 ويحتجون فيها بان الله تعالى واعد موسى عليه السلام ثلاثين ~~ليلة واتمها بعشر وقد روى ان موسى عليه السلام صامها وصام المسيح ايضا ~~اربعين لله تعالى وخوطب بعدها فيقولون يحصل بعدها الخطاب والتنزل كما ~~يقولون في غار حراء حصل بعده نزول الوحى # وهذا ايضا غلط فان هذه ليست من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بل شرعت ~~لموسى عليه السلام كما شرع له السبت والمسلمون لا يسبتون وكما حرم في شرعه ~~اشياء لم تحرم في شرع محمد صلى الله عليه وسلم فهذا تمسك بشرع منسوخ وذاك ~~تمسك بما كان قبل النبوة # وقد جرب ان من سلك هذه العبادات البدعية اتته الشياطين وحصل له تنزل ~~شيطاني وخطاب شيطاني وبعضهم يطير به شيطانه واعرف من هؤلاء عددا طلبوا ان ~~يحصل لهم من جنس ما حصل للانبياء من التنزل فنزلت عليهم الشياطين لانهم ~~خرجوا عن شريعة النبى التى امروا بها قال تعالى ( ثم جعلناك على شريعة من ~~الامر فأتبعها ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون ms3108 انهم لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا وان الظالمين بعضهم اولياء بعض والله ولي المتقين ) # وكثير منهم لا يحد للخلوة مكانا ولا زمانا بل يأمر الانسان ان يخلو في ~~الجملة PageV10P395 ثم صار اصحاب الخلوات فيهم من يتمسك بجنس العبادات ~~الشرعية الصلاة والصيام والقراءة والذكر واكثرهم يخرجون إلى اجناس غير ~~مشروعة فمن ذلك طريقة ابى حامد ومن تبعه وهؤلاء يأمرون صاحب الخلوة ان لا ~~يزيد على الفرض لا قراءة ولا نظرا في حديث نبوي ولا غير ذلك بل قد يأمرونه ~~بالذكر ثم قد يقولون ما يقوله أبو حامد ذكر العامة ( لا اله الا الله ( ~~وذكر الخاصة ( الله الله ( وذكر خاصة الخاصة ( هو ( ( هو ( # والذكر بالاسم المفرد مظهرا ومضمرا بدعة في الشرع وخطأ في القول واللغة ~~فان الاسم المجرد ليس هو كلاما لا ايمانا ولا كفرا # وقد ثبت في الصحيح عن النبى انه قال ( افضل الكلام بعد القرآن اربع وهن ~~من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ( وفي حديث ~~آخر ( افضل الذكر لا اله الا الله ( وقال ( افضل ما قلت انا والنبيون من ~~قبلي لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير ( والاحاديث في فضل هذه الكلمات كثيرة صحيحة # واما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع وليس هو بكلام يعقل ولا فيه ايمان ~~ولهذا صار بعض من يأمر به من المتأخرين يبين انه ليس PageV10P396 # قصدنا ذكر الله تعالى ولكن جمع القلب على شيء معين حتى تستعد النفس لما ~~يرد عليها فكان يأمر مريده بأن يقول هذا الاسم مرات فاذا اجتمع قلبه القى ~~عليه حالا شيطانيا فيلبسه الشيطان ويخيل إليه انه قد صار في الملأ الاعلى ~~وانه اعطي ما لم يعطه محمد ليلة المعراج ولا موسى عليه السلام يوم الطور ~~وهذا واشباهه وقع لبعض من كان في زماننا # وابلغ من ذلك من يقول ليس مقصودنا الا جمع النفس بأي شيء كان حتى يقول لا ~~فرق بين قولك يا حي ms3109 وقولك يا جحش وهذا مما قاله لي شخص منهم وانكرت ذلك ~~عليه ومقصودهم بذلك ان تجتمع النفس حتى يتنزل عليها الشيطان # ومنهم من يقول اذا كان قصد وقاصد ومقصود فاجعل الجميع واحدا فيدخله في ~~اول الامر في وحده الوجود # واما أبو حامد وأمثاله ممن امروا بهذه الطريقة فلم يكونوا يظنون انها ~~تفضي إلى الكفر لكن ينبغى ان يعرف ان البدع بريد الكفر ولكن امروا المريد ~~ان يفرغ قلبه من كل شيء حتى قد يأمروه ان يقعد في مكان مظلم ويغطي رأسه ~~ويقول الله الله وهم يعتقدون انه اذا فرغ قلبه استعد بذلك فينزل على قلبه ~~من المعرفة ما هو المطلوب بل PageV10P397 قد يقولون انه يحصل له من جنس ما ~~يحصل للانبياء # ومنهم من يزعم انه حصل له اكثر مما حصل للانبياء وابو حامد يكثر من مدح ~~هذه الطريقة في ( الاحياء ( وغيره كما انه يبالغ في مدح الزهد وهذا من ~~بقايا الفلسفة عليه فإن المتفلسفة كابن سينا وأمثاله يزعمون ان كل ما يحصل ~~في القلوب من العلم للانبياء وغيرهم فانما هو من العقل الفعال ولهذا يقولون ~~النبوة مكتسبة فاذا تفرغ صفى قلبه عندهم وفاض على قلبه من جنس ما فاض على ~~الانبياء وعندهم ان موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم كلم من سماء عقله لم ~~يسمع الكلام من خارج فلهذا يقولون انه يحصل لهم مثل ما حصل لموسى واعظم مما ~~حصل لموسى # و ( أبو حامد ( يقول انه سمع الخطاب كما سمعه موسى عليه السلام وان لم ~~يقصد هو بالخطاب وهذا كله لنقص ايمانهم بالرسل وانهم آمنوا ببعض ما جاءت به ~~الرسل وكفروا ببعض وهذا الذي قالوه باطل من وجوه # ( احدها ) ان هذا الذي يسمونه ( العقل الفعال ( باطل لا حقيقة له كما قد ~~بسط هذا في موضع آخر # ( الثاني ) ان ما يجعله الله في القلوب يكون تارة بواسطة الملائكة ~~PageV10P398 ان كان حقا وتارة بواسطة الشياطين اذا كان باطلا والملائكة ~~والشياطين احياء ناطقون كما قد دلت على ذلك الدلائل الكثيرة من جهة ms3110 ~~الانبياء وكما يدعى ذلك من باشره من اهل الحقائق وهم يزعمون ان الملائكة ~~والشياطين صفات لنفس الانسان فقط وهذا ضلال عظيم # ( الثالث ) ان الانبياء جاءتهم الملائكة من ربهم بالوحي ومنهم من كلمه ~~الله تعالى فقربه وناداه كما كلم موسى عليه السلام لم يكن ما حصل لهم مجرد ~~فيض كما يزعمه هؤلاء # ( الرابع ) ان الانسان اذا فرغ قلبه من كل خاطر فمن اين يعلم ان ما يحصل ~~فيه حق هذا إما ان يعلم بعقل أو سمع وكلاهما لم يدل على ذلك # ( الخامس ) ان الذي قد علم بالسمع والعقل انه اذا فرغ قلبه من كل شيء حلت ~~فيه الشياطين ثم تنزلت عليه الشياطين كما كانت تتنزل على الكهان فان ~~الشيطان انما يمنعه من الدخول إلى قلب بن آدم ما فيه من ذكر الله الذي ارسل ~~به رسله فاذا خلا من ذلك تولاة الشيطان قال الله تعالى ( ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم ~~مهتدون ) وقال الشيطان فيما اخبر الله عنه ( فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا ~~عبادك منهم PageV10P399 المخلصين ) وقال تعالى ( ان عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان الا من اتبعك من الغاوين ) والمخلصون هم الذين يعبدونه وحده لا ~~يشركون به شيئا وانما يعبد الله بما امر به على السنة رسله فمن لم يكن كذلك ~~تولته الشياطين # وهذا باب دخل فيه امر عظيم على كثير من السالكين واشتبهت عليهم الاحوال ~~الرحمانية بالاحوال الشيطانية وحصل لهم من جنس ما يحصل للكهان والسحرة ~~وظنوا ان ذلك من كرامات اولياء الله المتقين كما قد بسط الكلام على هذا في ~~غير هذا الموضع # ( السادس ) ان هذه الطريقة لو كانت حقا فانما تكون في حق من لم يأته رسول ~~فاما من اتاه رسول وامر بسلوك طريق فمن خالفه ضل وخاتم الرسل قد امر امته ~~بعبادات شرعية من صلاة وذكر ودعاء وقراءة لم يأمرهم قط بتفريغ القلب من كل ~~خاطر وانتظار ما ينزل # فهذه الطريقة لو قدر انها طريق لبعض الانبياء ms3111 لكانت منسوخة بشرع محمد ~~فكيف وهي طريقة جاهلية لا توجب الوصول إلى المطلوب الا بطريق الاتفاق بان ~~يقذف الله تعالى في قلب PageV10P400 العبد الهاما ينفعه وهذا قد يحصل لكل ~~أحد ليس هو من لوازم هذه الطريق # ولكن التفريغ والتخلية التى جاء بها الرسول ان يفرغ قلبه مما لا يحبه ~~الله ويملؤه بما يحبه الله فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله ~~وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ويملؤه بمحبة الله وكذلك يخرج عنه خوف غير ~~الله ويدخل فيه خوف الله تعالى وينفي عنه التوكل على غير الله ويثبت فيه ~~التوكل على الله وهذا هو الاسلام المتضمن للايمان الذي يمده القرآن ويقويه ~~لا يناقضه وينافيه كما قال جندب وبن عمر ( تعلمنا الايمان ثم تعلمنا القرآن ~~فازددنا ايمانا ( # واما الاقتصار على الذكر المجرد الشرعي مثل قول لا اله الا الله فهذا قد ~~ينتفع به الانسان احيانا لكن ليس هذا الذكر وحده هو الطريق إلى الله تعالى ~~دون ما عداه بل افضل العبادات البدنية الصلاة ثم القراءة ثم الذكر ثم ~~الدعاء والمفضول في وقته الذي شرع فيه افضل من الفاضل كالتسبيح في الركوع ~~والسجود فانه افضل من القراءة وكذلك الدعاء في آخر الصلاة افضل من القراءة ~~ثم قد يفتح على الانسان في العمل المفضول ما لا يفتح عليه في العمل الفاضل ~~وقد ييسر عليه هذا دون هذا فيكون هذا افضل في حقه لعجزه عن الافضل كالجائع ~~اذا وجد الخبز المفضول متيسرا عليه والفاضل متعسرا PageV10P401 عليه فانه ~~ينتفع بهذا الخبز المفضول وشبعه واغتذاؤه به حينئذ اولى به # ( السابع ) ان أبا حامد يشبه ذلك بنقش ( اهل ) الصين والروم على تزويق ~~الحائط واولئك صقلوا حائطهم حتى تمثل فيه ما صقله هؤلاء وهذا قياس فاسد لان ~~هذا الذي فرغ قلبه لم يكن هناك قلب آخر يحصل له به التحلية كما حصل لهذا ~~الحائط من هذا الحائط بل هو يقول ان العلم منقوش في النفس الفلكية ويسمى ~~ذلك ( اللوح المحفوظ ( تبعا لابن سينا # وقد بينا في غير ms3112 هذا الموضع ان ( اللوح المحفوظ ( الذي ذكره الله ورسوله ~~ليس هو النفس الفلكية وبن سينا ومن تبعه اخذوا اسماء جاء بها الشرع فوضعوا ~~لها مسميات مخالفة لمسميات صاحب الشرع ثم صاروا يتكلمون بتلك الاسماء فيظن ~~الجاهل انهم يقصدون بها ما قصده صاحب الشرع فأخذوا مخ الفلسفة وكسوه لحاء ~~الشريعة # وهذا كلفظ ( الملك ( و ( الملكوت ( و ( الجبروت ( و ( اللوح المحفوظ ( و ~~( الملك ( و ( الشيطان ( و ( الحدوث ( و ( القدم ( وغير ذلك PageV10P402 # وقد ذكرنا من ذلك طرفا في الرد على ( الاتحادية ( لما ذكرنا قول بن سبعين ~~وبن عربى وما يوجد في كلام ابى حامد ونحوه من اصول هؤلاء الفلاسفة الملاحدة ~~الذين يحرفون كلام الله ورسوله عن مواضعه كما فعلت طائفة القرامطة الباطنية # ( والمقصود هنا ) انه لو كانت العلوم تنزل على القلوب من النفس الفلكية ~~كما يزعم هؤلاء فلا فرق في ذلك بين الناظر والمستدل والمفرغ قلبه فتمثيل ~~ذلك بنقش اهل الصين والروم تمثيل باطل # ومن اهل هذه الخلوات من لهم أذكار معينة وقوت معين ولهم تنزلات معروفة ~~وقد بسط الكلام عليها بن عربي الطائي ومن سلك سبيله كالتلمسانى وهي تنزلات ~~شيطانية قد عرفتها وخبرت ذلك من وجوه متعددة لكن ليس هذا موضع بسطها وانما ~~المقصود التنبيه على هذا الجنس # ومما يأمرون به الجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية بل سهر ~~مطلق وجوع مطلق وصمت مطلق مع الخلوة كما ذكر ذلك بن عربى وغيره وهى تولد ~~لهم احوالا شيطانية وأبو طالب قد ذكر بعض ذلك لكن أبو طالب اكثر اعتصاما ~~بالكتاب والسنة من هؤلاء ولكن يذكر احاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة ~~PageV10P403 من جنس احاديث المسبعات التى رواها عن الخضر عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم وهو كذب محض وان كان ليس فيه الا قراءة قرآن ويذكر احيانا عبادات ~~بدعية من جنس ما بالغ في مدح الجوع هو وابو حامد وغيرهما وذكروا انه يزن ~~الخبز بخشب رطب كلما جف نقص الاكل # وذكروا صلوات الايام والليالي وكلها كذب موضوعة ولهذا قد يذ كرون مع ms3113 ذلك ~~شيئا من الخيالات الفاسدة وليس هذا موضع بسط ذلك # وانما الغرض التنبيه بهذا على جنس من العبادات البدعية وهي ( الخلوات ~~البدعية ( سواء قدرت بزمان أو لم تقدر لما فيها من العبادات البدعية اما ~~التى جنسها مشروع ولكن غير مقدرة واما ما كان جنسه غير مشروع فأما الخلوة ~~والعزلة والانفراد المشروع فهو ما كان مأمورا به امر ايجاب أو استحباب ( # فألاول ( كاعتزال الامور المحرمة ومجانبتها كما قال تعالى ( واذا رأيت ~~الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ( ومنه قوله ~~تعالى عن الخليل ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ( وقوله عن اهل PageV10P404 الكهف ( وإذ اعتزلتموهم ~~وما يعبدون الا الله فأوا إلى الكهف ( فان اولئك لم يكونوا في مكان فيه ~~جمعة ولا جماعة ولا من يأمر بشرع نبى فلهذا أووا إلى الكهف وقد قال موسى ( ~~وان لم تؤمنوا لي فاعتزلون ( # واما اعتزال الناس في فضول المباحات وما لا ينفع وذلك بالزهد فيه فهو ~~مستحب وقد قال طاووس نعم صومعة الرجل بيته يكف فيه بصره وسمعه # واذا اراد الانسان تحقيق علم أو عمل فتخلى في بعض الاماكن مع محافظته على ~~الجمعة والجماعة فهذا حق كما في الصحيحين ( ان النبى سئل أي الناس افضل قال ~~رجل اخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة طار اليها يتتبع الموت ~~مظانه ورجل معتزل في شعب من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويدع الناس ~~إلا من خير وقولة ( يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ( دليل على ان له مالا يزكيه ~~وهو ساكن مع ناس يؤذن بينهم وتقام الصلاة فيهم فقد قال صلوات الله عليه ( ~~ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة جماعة إلا وقد استحوذ ~~عليهم الشيطان ( وقال ( عليكم بالجماعة فانما ياخذ الذئب القاصية من الغنم ~~PageV10P405 ### ||| فصل # وهذه ( الخلوات ) قد يقصد أصحابها الاماكن التى ليس فيها أذان ولا اقامة ~~ولا مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس اما مساجد مهجورة واما غير مساجد مثل ms3114 ~~الكهوف والغيران التى في الجبال ومثل المقابر لا سيما قبر من يحسن به الظن ~~ومثل المواضع التى يقال ان بها اثر نبى أو رجل صالح ولهذا يحصل لهم في هذه ~~المواضع احوال شيطانية يظنون انها كرامات رحمانية # فمنهم من يرى أن صاحب القبر قد جاء إليه وقد مات من سنين كثيرة ويقول انا ~~فلان وربما قال له نحن اذا وضعنا في القبر خرجنا كما جرى للتونسى مع نعمان ~~السلامى # والشياطين كثيرا ما يتصورون بصورة الانس في اليقظة والمنام وقد تأتى لمن ~~لا يعرف فتقول انا الشيخ فلان أو العالم فلان وربما قالت انا أبو بكر وعمر ~~وربما أتى في اليقظة دون المنام وقال انا المسيح انا موسى انا محمد وقد جرى ~~مثل ذلك انواع اعرفها PageV10P406 وثم من يصدق بان الانبياء يأتون في ~~اليقظة في صورهم وثم شيوخ لهم زهد وعلم وورع ودين يصدقون بمثل هذا # ومن هؤلاء من يظن أنه حين يأتى إلى قبر نبى ان النبى يخرج من قبره في ~~صورته فيكلمه ومن هؤلاء من رأى في دائرة ذرى الكعبة صورة شيخ قال انه ~~إبراهيم الخليل ومنهم من يظن أن النبى خرج من الحجرة وكلمه وجعلوا هذا من ~~كراماته ومنهم من يعتقد أنه اذا سأل المقبور أجابه # وبعضهم كان يحكى ان بن منده كان اذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة ~~النبوية ودخل فسأل النبى عن ذلك فأجابه وآخر من أهل المغرب حصل له مثل ذلك ~~وجعل ذلك من كراماته حتى قال بن عبد البر لمن ظن ذلك ويحك أترى هذا افضل من ~~السابقين الاولين من المهاجرين والانصار فهل في هؤلاء من سأل النبى صلى ~~الله عليه وسلم بعد الموت وأجابه وقد تنازع الصحابة في أشياء فهلا سألوا ~~النبى فأجابهم وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلا سألته فأجابها ~~PageV10P407 ### ||| فصل # ( والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين قد امرنا أن نؤمن بما أوتوه ~~وأن نقتدى بهم وبهداهم قال تعالى ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ms3115 وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما ~~أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ( وقال تعالى ( ~~أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ( ومحمد خاتم النبيين لا نبى بعده وقد ~~نسخ بشرعه ما نسخه من شرع غيره فلم يبق طريق إلى الله إلا بإتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم فما أمر به من العبادات أمر إيجاب أو إستحباب فهو مشروع و [ ~~كذلك ] ما رغب فيه وذكر ثوابه وفضله # ولا يجوز أن يقال أن هذا مستحب أو مشروع إلا بدليل شرعى ولا يجوز أن يثبت ~~شريعة بحديث ضعيف لكن إذا ثبت أن العمل مستحب بدليل شرعى وروى له فضائل ~~بأسانيد ضعيفة جاز أن تروى إذا لم يعلم أنها كذب وذلك أن مقادير الثواب غير ~~معلومة فإذا روى في مقدار الثواب حديث لا يعرف أنه كذب لم يجز أن يكذب ~~PageV10P408 به وهذا هو الذى كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره يرخصون فيه وفى ~~روايات أحاديث الفضائل واما أن يثبتوا أن هذا عمل مستحب مشروع بحديث ضعيف ~~فحاشا لله كما أنهم إذا عرفوا أن الحديث كذب فإنهم لم يكونوا يستحلون ~~روايته إلا أن يبينوا أنه كذب لقول النبى في الحديث الصحيح ( من روى عنى ~~حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ( # وما فعله النبى على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسى به فيه فإذا خصص ~~زمان أو مكان بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سنة كتخصيصه العشر الأواخر ~~بالإعتكاف فيها وكتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه فالتأسى به أن يفعل مثل ~~ما فعل على الوجه الذى فعل لأنه فعل # وذلك إنما يكون بأن يقصد مثلما قصد فإذا سافر لحج أو عمرة أو جهاد ~~وسافرنا كذلك كنا متبعين له وكذلك إذا ضرب لإقامة حد بخلاف من شاركه في ~~السفر وكان قصده غير قصده أو شاركه في الضرب وكان قصده غير قصده فهذا ليس ~~بمتابع له ولو فعل فعلا بحكم الإتفاق مثل نزوله في السفر بمكان أو أن يفضل ~~في إداوته ماء ms3116 فيصبه في أصل شجرة أو أن تمشى راحلته في أحد جانبى الطريق ~~ونحو ذلك فهل يستحب قصد متابعته في ذلك كان إبن عمر يحب أن PageV10P409 ~~يفعل مثل ذلك وأما الخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة فلم يستحبوا ذلك لأن ~~هذا ليس بمتابعة له إذ المتابعة لا بد فيها من القصد فإذا لم يقصد هو ذلك ~~الفعل بل حصل له بحكم الإتفاق كان في قصده غير متابع له وإبن عمر رضى الله ~~عنه يقول وإن لم يقصده لكن نفس فعله حسن على أى وجه كان فأحب ان أفعل مثله ~~أما لأن ذلك زيادة في محبته وإما لبركة مشابهته له # ومن هذا الباب إخراج التمر في صدقة الفطر لمن ليس ذلك قوته وأحمد قد وافق ~~إبن عمر على مثل ذلك ويرخص في مثل ما فعله إبن عمر وكذلك رخص أحمد في ~~التمسح بمقعده من المنبر إتباعا لإبن عمر وعن أحمد في التمسح بالمنبر ~~روايتان # أشهرهما أنه مكروه كقول الجمهور وأما مالك وغيره من العلماء فيكرهون هذه ~~الأمور وأن فعلها إبن عمر فإن اكابر الصحابة كأبى بكر وعمر وعثمان وغيرهم ~~لم يفعلها فقد ثبت بالإسناد الصحيح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه كان ~~في السفر فرآهم ينتابون مكانا يصلون فيه فقال ما هذا قالوا مكان صلى فيه ~~رسول الله فقال أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد إنما هلك من كان ~~قبلكم بهذا من أدركته فيه الصلاة فليصل فيه وإلا فليمض PageV10P410 وهكذا ~~للناس قولان فيما فعله من المباحات على غير وجه القصد هل متابعته فيه مباحة ~~فقط أو مستحبة على قولين في مذهب أحمد وغيره كما قد بسط ذلك في موضعه ولم ~~يكن إبن عمر ولا غيره من الصحابة يقصدون الأماكن التى كان ينزل فيها ويبيت ~~فيها مثل بيوت أزواجه ومثل مواضع نزوله في مغازيه وإنما كان الكلام في ~~مشابهته في صورة الفعل فقط وإن كان هو لم يقصد التعبد به فاما الأمكنة ~~نفسها فالصحابة متفقون على أنه لا يعظم منها إلا ما عظمه ms3117 الشارع ### ||| فصل # ( وأهل العبادات البدعية ( يزين لهم الشيطان تلك العبادات ويبغض إليهم ~~السبل الشرعية حتى يبغضهم في العلم والقرآن والحديث فلا يحبون سماع القرآن ~~والحديث ولا ذكره وقد يبغض إليهم حتى الكتاب فلا يحبون كتاب ولا من معه ~~كتاب ولو كان مصحفا أو حديثا كما حكى النصرباذى أنهم كانوا يقولون يدع علم ~~الخرق ويأخذ علم الورق قال وكنت أستر الواحى منهم فلما كبرت إحتاجوا إلى ~~علمى # وكذلك حكى السرى السقطى أن واحدا منهم دخل عليه فلما رأى عنده محبرة ~~وقلما خرج ولم يقعد عنده ولهذا قال سهل بن عبد PageV10P411 الله التسترى يا ~~معشر الصوفية لا تفارقوا السواد على البياض فما فارق أحد السواد على البياض ~~إلا تزندق وقال الجنيد علمنا هذا مبنى على الكتاب والسنة فمن لم يقرأ ~~القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن # وكثير من هؤلاء ينفر ممن يذكر الشرع أو القرآن أو يكون معه كتاب أو يكتب ~~وذلك لأنهم إستشعروا أن هذا الجنس فيه ما يخالف طريقهم فصارت شياطينهم ~~تهربهم من هذا كما يهرب اليهودى والنصرانى إبنه أن يسمع كلام المسلمين حتى ~~لا يتغير إعتقاده في دينه وكما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في آذانهم ~~ويستغشون ثيابهم لئلا يسمعوا كلامه ولا يروه وقال الله تعالى عن المشركين ( ~~وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ( وقال ~~تعالى ( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ( وهم ~~من أرغب الناس في السماع البدعى سماع المعازف ومن أزهدهم في السماع الشرعى ~~سماع آيات الله تعالى # وكان مما زين لهم طريقهم أن وجدوا كثيرا من المشتغلين بالعلم والكتب ~~معرضين عن عبادة الله تعالى وسلوك سبيله أما إشتغالا بالدنيا وإما بالمعاصى ~~وإما جهلا وتكذيبا بما يحصل لأهل التأله والعبادة فصار وجود هؤلاء مما ~~ينفرهم وصار بين الفريقين نوع تباغض يشبه PageV10P412 من بعض الوجوه ما بين ~~أهل الملتين هؤلاء يقولون ليس هؤلاء على شيء وهؤلاء يقولون ليس هؤلاء على ~~شيء وقد يظنون أنهم يحصل ms3118 لهم بطريقهم أعظم مما يحصل في الكتب # فمنهم من يظن أنه يلقن القرآن بلا تلقين ويحكون أن شخصا حصل له ذلك وهذا ~~كذب نعم قد يكون سمع آيات الله فلما صفى نفسه تذكرها فتلاها فإن الرياضة ~~تصقل النفس فيذكر أشياء كان قد نسيها ويقول بعضهم أو يحكى أن بعضهم قال ~~اخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحى الذى لا يموت وهذا يقع لكن ~~منهم من يظن إنما يلقى إليه من خطاب أو خاطر هو من الله تعالى بلا واسطة ~~وقد يكون من الشيطان وليس عندهم فرقان يفرق بين الرحمانى والشيطانى فإن ~~الفرق الذى لا يخطىء هو القرآن والسنة فما وافق الكتاب والسنة فهو حق وما ~~خالف ذلك فهو خطأ # وقد قال تعالى ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وأنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بينى ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ( # وذكر الرحمن هو ما أنزله على رسوله قال تعالى ( وهذا ذكر مبارك أنزلناه ( ~~وقال تعالى ( وما هو إلا ذكر للعالمين وقال تعالى PageV10P413 ( فأما ~~يأتينكم 2 منى هدى فمن إتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى قال رب لما حشرتنى اعمى وقد كنت بصيرا ~~قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ( وقال تعالى ( أن هذا ~~القرآن يهدى للتى هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة إعتدنا لهم عذابا اليما ( # ) وقال تعالى ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى ~~صراط مستقيم صراط الله الذى له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله ~~تصير الأمور ( وقال تعالى ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ( وقال تعالى ( فالذين آمنوا به ~~وعزروه ms3119 ونصروه وإتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون ( # ثم إن هؤلاء لما ظنوا ان هذا يحصل لهم من الله بلا واسطة صاروا عند ~~أنفسهم أعظم من اتباع الرسول يقول أحدهم فلان عطيته على يد محمد وأنا عطيتى ~~من الله بلا واسطة ويقول أيضا فلان يأخذ عن الكتاب وهذا الشيخ يأخذ عن الله ~~ومثل هذا # وقول القائل ( يأخذ عن الله وأعطانى الله ( لفظ مجمل فإن PageV10P414 ~~أراد به الإعطاء والأخذ العام وهو ( الكونى الخلقى ( أى بمشيئة الله وقدرته ~~حصل لى هذا فهو حق ولكن جميع الناس يشاركونه في هذا وذلك الذى أخذ عن ~~الكتاب هو أيضا عن الله أخذ بهذا الإعتبار والكفار من المشركين وأهل الكتاب ~~أيضا هم كذلك وإن أراد أن هذا الذى حصل له هو مما يحبه الله ويرضاه ويقرب ~~إليه وهذا الخطاب الذى يلقى إليه هو كلام الله تعالى فهنا طريقان # ( أحدهما ( أن يقال له من أين لك أن هذا إنما هو من الله لا من الشيطان ~~والقائه ووسوسته فإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم وينزلون عليهم كما أخبر ~~الله تعالى بذلك في القرآن وهذا موجود كثيرا في عباد المشركين وأهل الكتاب ~~وفى الكهان والسحرة ونحوهم وفى أهل البدع بحسب بدعتهم فإن هذه الأحوال قد ~~تكون شيطانية وقد تكون رحمانية فلا بد من الفرقان بين أولياء الرحمن ~~وأولياء الشيطان والفرقان إنما هو الفرقان الذى بعث الله به محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فهو ( الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ( وهو ~~الذى فرق الله به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الرشاد والغى ~~وبين طريق الجنة وطريق النار وبين سبيل أولياء الرحمن وسبيل أولياء الشيطان ~~كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع PageV10P415 # و ( المقصود هنا ( أنه يقال لهم إذا كان جنس هذه الأحوال مشتركا بين أهل ~~الحق وأهل الباطل فلا بد من دليل يبين أن ما حصل لكم هو الحق # ( الطريق الثانى ( أن يقال بل هذا من الشيطان لأنه مخالف لما بعث الله به ms3120 ~~محمدا وذلك أنه ينظر فيما حصل له وإلى سببه وإلى غايته فإن كان السبب عبادة ~~غير شرعية مثل أن يقال له إسجد لهذا الصنم حتى يحصل لك المراد أو إستشفع ~~بصاحب هذه الصورة حتى يحصل لك المطلوب أو ادع هذا المخلوق وإستغث به مثل أن ~~يدعو الكواكب كما يذكرونه في كتب دعوة الكواكب أو أن يدعو مخلوقا كما يدعو ~~الخالق سواء كان المخلوق ملكا أو نبيا أو شيخا فإذا دعاه كما يدعو الخالق ~~سبحانه أما دعاء عبادة وأما دعاء مسألة صار مشركا به فحينئذ ما حصل له بهذا ~~السبب حصل بالشرك كما كان يحصل للمشركين # وكانت الشياطين تتراءى لهم أحيانا وقد يخاطبونهم من الصنم ويخبرونهم ببعض ~~الأمور الغائبة أو يقضون لهم بعض الحوائج فكانوا يبذلون لهم هذا النفع ~~القليل بما إشتروه منهم من توحيدهم وإيمانهم الذى هلكوا بزواله كالسحر قال ~~الله تعالى ( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون ~~منهما ما يفرقون PageV10P416 به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد ~~إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن إشتراه ما له ~~في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به انفسهم لو كانوا يعلمون ( # وكذلك قد يكون سببه سماع المعازف وهذا كما يذكر عن عثمان إبن عفان رضى ~~الله عنه أنه قال ( إتقوا الخمر فإنها أم الخبائث وأن رجلا سأل أمرأة فقالت ~~لا أفعل حتى تسجد لهذا الوثن فقال لا أشرك بالله فقالت أو تقتل هذا الصبى ~~فقال لا أقتل النفس التى حرم الله فقالت أو تشرب هذا القدح فقال هذا أهون ~~فلما شرب الخمر قتل الصبى وسجد للوثن وزنا بالمرأة ( # و ( المعازف ( هي خمر النفوس تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس ~~فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك ومالوا إلى الفواحش وإلى الظلم فيشركون ~~ويقتلون النفس التى حرم الله ويزنون # وهذه ( الثلاثة ( موجودة كثيرا في أهل سماع المعازف سماع المكاء والتصدية ~~أما ( الشرك ( فغالب عليهم بأن يحبوا شيخهم أو غيره ms3121 مثل ما يحبون الله ~~ويتواجدون على حبه PageV10P417 # واما ( الفواحش ( فالغناء رقية الزنى وهو من أعظم الأسباب لوقوع الفواحش ~~ويكون الرجل والصبى والمرأة في غاية العفة والحرية حتى يحضره فتنحل نفسه ~~وتسهل عليه الفاحشة ويميل لها فاعلا أو مفعولا به أو كلاهما كما يحصل بين ~~شاربى الخمر وأكثر وأما ( القتل ( # فإن قتل بعضهم بعضا في السماع كثير يقولون قتله بحاله ويعدون ذلك من قوته ~~وذلك ان معهم شياطين تحضرهم فأيهم كانت شياطينه أقوى قتل الآخر كالذين ~~يشربون الخمر ومعهم أعوان لهم فإذا شربوا عربدوا فأيهم كانت أعوانه أقوى ~~قتل الآخر وقد جرى مثل هذا لكثير منهم ومنهم من يقتل إما شخصا وإما فرسا أو ~~غير ذلك بحاله ثم يقوم صاحب الثأر ويستغيث بشيخه فيقتل ذلك الشخص وجماعة ~~معه إما عشرة وإما أقل أو أكثر كما جرى مثل هذا لغير واحد وكان الجهال ~~يحسبون هذا من ( باب الكرامات ( # فلما تبين لهم أن هذه أحوال شيطانية وأن هؤلاء معهم شياطين تعينهم على ~~الإثم والعدوان عرف ذلك من بصره الله تعالى وإنكشف التلبيس والغش الذى كان ~~لهؤلاء # وكنت في أوائل عمرى حضرت مع جماعة من أهل ( الزهد والعبادة والإرادة ( ~~فكانوا من خيار أهل هذه الطبقة فبتنا بمكان وأرادوا أن PageV10P418 يقيموا ~~سماعا وأن أحضر معهم فإمتنعت من ذلك فجعلوا لى مكانا منفردا قعدت فيه فلما ~~سمعوا وحصل الوجد والحال صار الشيخ الكبير يهتف بى في حال وجده ويقول يا ~~فلان قد جاءك نصيب عظيم تعال خذ نصيبك فقلت في نفسى ثم أظهرته لهم لما ~~إجتمعنا أنتم في حل من هذا النصيب فكل نصيب لا يأتى عن طريق محمد بن عبد ~~الله فإنى لا آكل منه شيئا وتبين لبعض من كان فيهم ممن له معرفة وعلم انه ~~كان معهم الشياطين وكان فيهم من هو سكران بالخمر # والذى قلته معناه أن هذا النصيب وهذه العطية والموهبة والحال سببها غير ~~شرعى ليس هو طاعة لله ورسوله ولا شرعها الرسول فهو مثل من يقول تعال اشرب ~~معنا الخمر ونحن ms3122 نعطيك هذا المال أو عظم هذا الصنم ونحن نوليك هذه الولاية ~~ونحو ذلك # وقد يكون سببه نذرا لغير الله سبحانه وتعالى مثل أن ينذر لصنم أو كنيسة ~~أو قبر أو نجم أو شيخ ونحو ذلك من النذور التى فيها شرك فإذا أشرك بالنذر ~~فقد يعطيه الشيطان بعض حوائجه كما تقدم في السحر # وهذا بخلاف النذر لله تعالى فإنه ثبت في الصحيحين عن إبن عمر عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال ( أنه لا يأتى PageV10P419 بخير ~~وإنما يستخرج به من البخيل ( وفى الصحيحين عن ابى هريرة عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم نحوه وفى رواية فإن النذر يلقى إبن آدم إلى القدر ( فهذا المنهى ~~عنه هو النذر الذى يجب الوفاء به منهى عن عقده ولكن إذا كان قد عقده فعليه ~~الوفاء به كما في صحيح البخارى عن النبى أنه قال ( من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( # وإنما نهى عنه لأنه لا فائدة فيه إلا إلتزام ما إلتزمه وقد لا يرضى به ~~فيبقى آثما وإذا فعل تلك العبادات بلا نذر كان خيرا له والناس يقصدون ~~بالنذر تحصيل مطالبهم فبين النبى أن النذر لا يأتى بخير فليس النذر سببا في ~~حصول مطلوبهم وذلك أن الناذر إذا قال لله على إن حفظنى الله القرآن أن أصوم ~~مثلا ثلاثة أيام أو إن عافانى الله من هذا المرض أو أن دفع الله هذا العدو ~~أو إن قضى عنى هذا الدين فعلت كذا فقد جعل العبادة التى التزمها عوضا عن ~~ذلك المطلوب والله سبحانه لا يقضي تلك الحاجة بمجرد تلك العبادة المنذورة ~~بل ينعم على عبده بذلك المطلوب ليبتليه أيشكر أم يكفر وشكره يكون بفعل ما ~~أمره به وترك ما نهاه عنه # وأما تلك العبادة المنذورة فلا تقوم بشكر تلك النعمة ولا ينعم الله تلك ~~النعمة ليعبده العبد تلك العبادة المنذورة التى كانت مستحبة فصارت ~~PageV10P420 واجبة لأنه سبحانه لم يوجب تلك العبادة إبتداء بل هو يرضى ms3123 من ~~العبد بأن يؤدى الفرائض ويجتنب المحارم لكن هذا الناذر يكون قد ضيع كثيرا ~~من حقوق الله ثم بذل ذلك النذر لأجل تلك النعمة وتلك النعمة أجل من أن ينعم ~~الله بها لمجرد ذلك المبذول المحتقر # وإن كان المبذول كثيرا والعبد مطيع لله فهو أكرم على الله من أن يحوجه ~~إلى ذلك المبذول الكثير فليس النذر سببا لحصول مطلوبه كالدعاء فإن الدعاء ~~من أعظم الأسباب وكذلك الصدقة وغيرها من العبادات جعلها الله تعالى أسبابا ~~لحصول الخير ودفع الشر إذا فعلها العبد إبتداء وأما ما يفعله على وجه النذر ~~فإنه لا يجلب منفعة ولا يدفع عنه مضرة لكنه كان بخيلا فلما نذر لزمه ذلك ~~فالله تعالى يستخرج بالنذر من البخيل فيعطى على النذر ما لم يكن يعطيه ~~بدونه والله أعلم PageV10P421 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # ما عمل أهل الجنة وما عمل أهل النار ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين # ( عمل أهل الجنة ( الإيمان والتقوى وعمل أهل النار الكفر والفسوق ~~والعصيان فأعمال أهل الجنة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره والشهادتان شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وإن تعبد ~~الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك # ومن ( أعمال أهل الجنة ( صدق الحديث واداء الأمانة والوفاء بالعهد وبر ~~الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من ~~الآدميين والبهائم PageV10P422 # ومن ( أعمال أهل الجنة ( الإخلاص لله والتوكل عليه والمحبة له ولرسوله ~~وخشية الله ورجاء رحمته والإنابة إليه والصبر على حكمه والشكر لنعمه # ومن ( أعمال أهل الجنة ( قراءة القرآن وذكر الله ودعاؤه ومسألته والرغبة ~~إليه # ومن ( أعمال اهل الجنة ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد في ~~سبيل الله للكفار والمنافقين # ومن ( أعمال أهل الجنة ( أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك ~~فإن الله أعد الجنة للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين # ومن ( أعمال أهل الجنة ms3124 ( العدل في جميع الأمور وعلى جميع الخلق حتى ~~الكفار وأمثال هذه الأعمال # وأما ( عمل أهل النار ( فمثل الإشراك بالله والتكذيب بالرسل والكفر ~~والحسد والكذب والخيانة والظلم والفواحش والغدر وقطيعة الرحم والجبن عن ~~الجهاد والبخل وإختلاف السر والعلانية واليأس من PageV10P423 روح الله ~~والأمن من مكر الله والجزع عند المصائب والفخر والبطر عند النعم وترك فرائض ~~الله وإعتداء حدوده وإنتهاك حرماته وخوف المخلوق دون الخالق ورجاء المخلوق ~~دون الخالق والتوكل على المخلوق دون الخالق والعمل رياء وسمعة ومخالفة ~~الكتاب والسنة وطاعة المخلوق في معصية الخالق والتعصب بالباطل والإستهزاء ~~بآيات الله وجحد الحق والكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة # ومن ( عمل أهل النار ( السحر وعقوق الوالدين وقتل النفس التى حرم الله ~~بغير الحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والفرار من الزحف وقذف المحصنات ~~الغافلات المؤمنات # وتفصيل ( الجملتين ( لا يمكن لكن ( أعمال أهل الجنة ( كلها تدخل في طاعة ~~الله ورسوله و ( أعمال أهل النار ( كلها تدخل في معصية الله ورسوله ( ومن ~~يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ~~العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب ~~مهين ( والله أعلم PageV10P424 ( وقال الشيخ رحمه الله ### ||| فصل # ( # وأما قوله هل الأفضل للسالك العزلة أو الخلطة # فهذه ( المسألة ( وإن كان الناس يتنازعون فيها أما نزاعا كليا وإما حاليا ~~فحقيقة الأمر أن ( الخلطة ( تارة تكون واجبة أو مستحبة والشخص الواحد قد ~~يكون مأمورا بالمخالطة تارة وبالإنفراد تارة وجماع ذلك أن ( المخالطة ( إن ~~كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها وإن كان فيها تعاون على ~~الإثم والعدوان فهي منهى عنها فالإختلاط بالمسلمين في جنس العبادات ~~كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والإستسقاء ونحو ذلك هو مما ~~أمر الله به ورسوله # وكذلك الإختلاط بهم في الحج وفى غزو الكفار والخوارج المارقين وإن كان ~~أئمة ذلك فجارا وإن كان في تلك الجماعات فجار PageV10P425 # وكذلك الإجتماع الذى يزداد العبد به إيمانا أما لإنتفاعه به وإما لنفعه ~~له ونحو ذلك ms3125 # ولا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ~~ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه وما يختص به من الأمور التى لا يشركه فيها غيره ~~فهذه يحتاج فيها إلى إنفراده بنفسه إما في بيته كما قال طاووس نعم صومعة ~~الرجل بيته يكف فيها بصره ولسانه واما في غير بيته # فإختيار المخالطة مطلقا خطأ وإختيار الإنفراد مطلقا خطأ وأما مقدار ما ~~يحتاج إليه كل إنسان من هذا وهذا وما هو الأصلح له في كل حال فهذا يحتاج ~~إلى نظر خاص كما تقدم # وكذلك ( السبب وترك السبب ( فمن كان قادرا على السبب ولا يشغله عما هو ~~أنفع له في دينه فهو مأمور به مع التوكل على الله وهذا خير له من ان يأخذ ~~من الناس ولو جاءه بغير سؤال وسبب مثل هذا عبادة الله وهو مأمور أن يعبد ~~الله ويتوكل عليه فإن تسبب بغير نية صالحة أو لم يتوكل على الله فهو مطيع ~~في هذا وهذا وهذه طريق الأنبياء والصحابة # وأما من كان من الفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ~~PageV10P426 ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف فهذا أما أن ~~يكون عاجزا عن الكسب أو قادرا عليه بتفويت ما هو فيه أطوع لله من الكسب ~~ففعل ما هو فيه أطوع هو المشروع في حقه وهذا يتنوع بتنوع أحوال الناس # وقد تقدم أن الأفضل يتنوع ) ( تارة ) بحسب أجناس العبادات كما ان جنس ~~الصلاة أفضل من جنس القراءة وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر وجنس الذكر ~~افضل من جنس الدعاء و ) ( تارة ( يختلف بإختلاف الأوقات كما أن القراءة ~~والذكر والدعاء بعد الفجر والعصر هو المشروع دون الصلاة # و ( تارة ( بإختلاف عمل الإنسان الظاهر كما ان الذكر والدعاء في الركوع ~~والسجود هو المشروع دون القراءة وكذلك الذكر والدعاء في الطواف مشروع ~~بالإتفاق وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع معروف # و ( تارة ( بإختلاف الأمكنة كما أن المشروع بعرفة ومزدلفة وعند الجمار ~~وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة ونحوها والطواف ms3126 بالبيت ~~للوارد أفضل من الصلاة والصلاة للمقيمين بمكة أفضل PageV10P427 وتارة ~~بإختلاف مرتبة جنس العبادة فالجهاد للرجال أفضل من الحج وأما النساء ~~فجهادهن الحج والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضل من طاعتها لأبويها بخلاف ~~الأيمة فإنها مأمورة بطاعة أبويها # و ( تارة ( يختلف بإختلاف حال قدرة العبد وعجزه فما يقدر عليه من ~~العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل وهذا باب ~~واسع يغلو فيه كثير من الناس ويتبعون أهواءهم # فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبة له ولكونه ~~أنفع لقلبه وأطوع لربه يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس ويأمرهم بمثل ذلك # والله بعث محمدا بالكتاب والحكمة وجعله رحمة للعباد وهديا لهم يأمر كل ~~إنسان بما هو اصلح له فعلى المسلم ان يكون ناصحا للمسلمين يقصد لكل إنسان ~~ما هو أصلح له # وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له ومنهم من يكون ~~تطوعه بالجهاد أفضل ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات PageV10P428 البدنية ~~كالصلاة والصيام أفضل له والأفضل المطلق ما كان اشبه بحال النبى صلى الله ~~عليه وسلم باطنا وظاهرا # فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV10P429 ### || 1 ( مسألة في اتباع الرسول بصريح المعقول ) 1 # ! 8 < ( وقال الشيخ ( # [ الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~ان محمدا عبده ورسوله تسليما كثيرا ] # أما بعد أعلم أنه يجب على كل بالغ عاقل من الإنس والجن أن يشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله وكفى بالله شهيدا أرسله إلى جميع الخلق إنسهم وجنهم وعربهم وعجمهم ~~وفرسهم وهندهم وبربرهم ورومهم وسائر أصناف العجم أسودهم وأبيضهم والمراد ~~بالعجم من ليس بعربى على إختلاف السنتهم # فمحمد أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن كتابيهم وغير كتابيهم في كل ما ~~يتعلق بدينه من الأمور الباطنة والظاهرة في عقائده وحقائقه وطرائقه وشرائعه ms3127 ~~فلا عقيدة إلا عقيدته ولا حقيقة إلا حقيقته ولا طريقة إلا طريقته ولا شريعة ~~إلا شريعته ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته ~~PageV10P430 وولايته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا في الأقوال والأعمال ~~الباطنة والظاهرة في أقوال القلب وعقائده وأحوال القلب وحقائقه واقوال ~~اللسان وأعمال الجوارح # وليس لله ولى إلا من إتبعه باطنا وظاهرا فصدقه فيما أخبر به من الغيوب ~~والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات فمن لم ~~يكن له مصدقا فيما أخبر ملتزما طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة ~~التى في القلوب والأعمال الظاهرة التى على الأبدان لم يكن مؤمنا فضلا عن أن ~~يكون وليا لله ولو حصل له من خوارق العادات ماذا عسى أن يحصل فإنه لا يكون ~~مع تركه لفعل المأمور وترك المحظور من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها ~~بطهارتها وواجباتها إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله ~~المقربة إلى سخطه وعذابه # لكن من ليس بمكلف من الأطفال والمجانين قد رفع القلم عنهم فلا يعاقبون ~~وليس لهم من الإيمان بالله وتقواه باطنا وظاهرا ما يكونون به من أولياء ~~الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين لكن يدخلون في الإسلام تبعا ~~لآبائهم كما قال تعالى ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان الحقنا بهم ~~ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل إمرىء بما كسب رهين PageV10P431 وهم ~~مع عدم العقل لا يكونون ممن في قلوبهم حقائق الإيمان ومعارف أهل ولاية الله ~~وأحوال خواص الله لأن هذه الأمور كلها مشروطة بالعقل فالجنون مضاد العقل ~~والتصديق والمعرفة واليقين والهدى والثناء وإنما يرفع الله الذين آمنوا ~~والذين أوتوا العلم درجات فالمجنون وإن كان الله لا يعاقبه ويرحمه في ~~الآخرة فإنه لا يكون من أولياء الله المقربين والمقتصدين الذين يرفع الله ~~درجاتهم # ومن ظن أن احدا من هؤلاء الذين لا يؤدون الواجبات ولا يتركون المحرمات ~~سواء كان عاقلا أو مجنونا أو مولها أو متولها فمن إعتقد أن أحدا من هؤلاء ~~من أولياء الله المتقين ms3128 وحزبه المفلحين وعباده الصالحين وجنده الغالبين ~~السابقين المقربين والمقتصدين الذين يرفع الله درجاتهم بالعلم والإيمان مع ~~كونه لا يؤدى الواجبات ولا يترك المحرمات كان المعتقد لولاية مثل هذا كافرا ~~مرتدا عن دين الإسلام غير شاهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ~~هو مكذب لمحمد فيما شهد به لأن محمدا أخبر عن الله أن أولياء الله هم ~~المتقون المؤمنون قال تعالى ( ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ( وقال تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم ~~من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~PageV10P432 # و ( التقوى ( أن يعمل الرجل بطاعة الله على نور من الله يرجو رحمة الله ~~وأن يترك معصية الله على نور من الله يخاف عذاب الله ولا يتقرب ولى الله ~~إلا بأداء فرائضه ثم بأداء نوافله قال تعالى ( وما تقرب إلي عبدى بمثل أداء ~~ما إفترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ( كما جاء في ~~الحديث الصحيح الإلهى الذى رواه البخارى ### ||| فصل # ومن أحب الأعمال إلى الله وأعظم الفرائض عنده الصلوات الخمس في مواقيتها ~~وهى أول ما يحاسب عليها العبد من عمله يوم القيامة وهى التى فرضها الله ~~تعالى بنفسه ليلة المعراج لم يجعل فيها بينه وبين محمد واسطة وهى عمود ~~الإسلام الذى لا يقوم إلا به وهى أهم أمر الدين كما كان أمير المؤمنين عمر ~~بن الخطاب يكتب إلى عماله إن أهم أمركم عندى الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها ~~حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة ( ~~وقال ( العهد الذى بيننا وبينهم PageV10P433 الصلاة فمن تركها فقد كفر ( ~~فمن لم يعتقد وجوبها على كل عاقل بالغ غير حائض ونفساء فهو كافر مرتد ~~بإتفاق أئمة المسلمين وإن إعتقد أنها عمل صالح وأن الله يحبها ويثيب عليها ~~وصلى مع ذلك وقام الليل وصام النهار وهو مع ذلك ms3129 لا يعتقد وجوبها على كل ~~بالغ فهو أيضا كافر مرتد حتى يعتقد أنها فرض واجب على كل بالغ عاقل # ومن إعتقد أنها تسقط عن بعض الشيوخ العارفين والمكاشفين والواصلين أو أن ~~لله خواصا لا تجب عليهم الصلاة بل قد سقطت عنهم لوصولهم إلى حضرة القدس أو ~~لإستغنائهم عنها بما هو أهم منها أو أولى أو أن المقصود حضور القلب مع الرب ~~أو أن الصلاة فيها تفرقة فإذا كان العبد في جمعيته مع الله فلا يحتاج إلى ~~الصلاة بل المقصود من الصلاة هي المعرفة فإذا حصلت لم يحتج إلى الصلاة فإن ~~المقصود أن يحصل لك خرق عادة كالطيران في الهواء والمشى على الماء أو ملء ~~الأوعية ماء من الهواء أو تغوير المياه وإستخراج ما تحتها من الكنوز وقتل ~~من يبغضه بالأحوال الشيطانية فمتى حصل له ذلك إستغنى عن الصلاة ونحو ذلك # أو أن لله رجالا خواصا لا يحتاجون إلى متابعة محمد بل إستغنوا عنه كما ~~إستغنى الخضر عن موسى أو أن كل PageV10P434 # من كاشف وطار في الهواء أو مشى على الماء فهو ولى سواء صلى أو لم يصل # أو إعتقد أن الصلاة تقبل من غير طهارة أو أن المولهين والمتولهين ~~والمجانين الذين يكونون في المقابر والمزابل والطهارات والخانات والقمامين ~~وغير ذلك من البقاع وهم لا يتوضؤون ولا يصلون الصلوات المفروضات فمن إعتقد ~~أن هؤلاء أولياء الله فهو كافر مرتد عن الإسلام بإتفاق أئمة الإسلام ولو ~~كان في نفسه زاهدا عابدا فالرهبان أزهد وأعبد وقد آمنوا بكثير مما جاء به ~~الرسول وجمهورهم يعظمون الرسول ويعظمون أتباعه ولكنهم لم يؤمنوا بجميع ما ~~جاء به بل آمنوا ببعض وكفروا ببعض فصاروا بذلك كافرين كما قال تعالى ( إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا ~~وإعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد ~~منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما # ومن ms3130 كان مسلوب العقل أو مجنونا فغايته أن يكون القلم قد رفع عنه فليس ~~عليه عقاب ولا يصح إيمانه ولا صلاته ولا صيامه ولا شيء من أعماله فإن ~~الأعمال كلها لا تقبل إلا مع العقل فمن لا عقل PageV10P435 له لا يصح شيء ~~من عباداته لا فرائضه ولا نوافله ومن لا فريضة له ولا نافلة ليس من أولياء ~~الله ولهذا قال تعالى ( أن في ذلك لآيات لأولى النهى ( أى العقول وقال ~~تعالى ( هل في ذلك قسم لذى حجر ( أى لذى عقل وقال تعالى ( فاتقوا يا أولى ~~الألباب ( وقال ( أن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ( وقال ~~تعالى ( أنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ( فإنما مدح الله وأثنى على ~~من كان له عقل فأما من لا يعقل فإن الله لم يحمده ولم يثن عليه ولم يذكره ~~بخير قط بل قال تعالى عن أهل النار ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير ( وقال تعالى ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ( وقال ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون ~~أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ( # فمن لا عقل له لا يصح إيمانه ولا فرضه ولا نفله ومن كان يهوديا أو ~~نصرانيا ثم جن وأسلم بعد جنونه لم يصح إسلامه لا باطنا ولا ظاهرا ومن كان ~~قد آمن ثم كفر وجن بعد ذلك فحكمه حكم الكفار ومن كان مؤمنا ثم جن بعد ذلك ~~أثيب على إيمانه الذى كان في PageV10P436 حال عقله ومن ولد مجنونا ثم إستمر ~~جنونه لم يصح منه إيمان ولا كفر وحكم المجنون حكم الطفل إذا كان أبواه ~~مسلمين كان مسلما تبعا لأبويه بإتفاق المسلمين وكذلك إذا كانت أمه مسلمة ~~عند جمهور العلماء كأبى حنيفة والشافعى وأحمد # وكذلك من جن بعد إسلامه يثبت لهم حكم الإسلام تبعا لآبائهم وكذلك المجنون ~~الذى ms3131 ولد بين المسلمين يحكم له بالإسلام ظاهرا تبعا لأبويه أو لأهل الدار ~~كما يحكم بذلك للأطفال لا لأجل إيمان قام به فأطفال المسلمين ومجانينهم يوم ~~القيامة تبع لآبائهم وهذا الإسلام لا يوجب له مزية على غيره ولا أن يصير به ~~من أولياء الله المتقين الذين يتقربون إليه بالفرائض والنوافل # وقد قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا ( فنهى الله عز وجل ~~عن قربان الصلاة إذا كانوا سكارى حتى يعلموا ما يقولون # وهذه الآية نزلت بإتفاق العلماء قبل أن تحرم الخمر بالآية التى أنزلها ~~الله في ( سورة المائدة ( وقد روى أنه كان سبب نزولها أن بعض الصحابة صلى ~~بأصحابه وقد شرب الخمر قبل أن تحرم فخلط في القراءة فأنزل الله هذه الآية ~~فإذا كان قد حرم الله الصلاة مع السكر والشرب الذى لم يحرم حتى يعلموا ما ~~يقولون علم أن ذلك يوجب أن لا يصلي PageV10P437 أحد حتى يعلم ما يقول فمن ~~لم يعلم ما يقول لم تحل له الصلاة وأن كان عقله قد زال بسبب غير محرم ولهذا ~~إتفق العلماء على أنه لا تصح صلاة من زال عقله بأى سبب زال فكيف بالمجنون # وقد قال بعض المفسرين وهو يروى عن الضحاك لا تقربوها وأنتم سكارى من ~~النوم وهذا إذا قيل أن الآية دلت عليه بطريق الإعتبار أو شمول معنى اللفظ ~~العام وإلا فلا ريب أن سبب نزول الآية كان السكر من الخمر واللفظ صريح في ~~ذلك والمعنى الآخر صحيح أيضا وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( إذا قام أحدكم يصلى بالليل فإستعجم القرآن على لسانه فليرقد ~~فإنه لا يدرى لعله يريد أن يستغفر فيسب نفسه وفى لفظ إذا قام يصلى فنعس ~~فليرقد ( # فقد نهى النبى عن الصلاة مع النعاس الذى يغلط معه الناعس وقد إحتج ~~العلماء بهذا على أن النعاس لا ينقض الوضوء إذ لو نقض بذلك لبطلت الصلاة أو ms3132 ~~لوجب الخروج منها لتجديد الطهارة والنبى إنما علل ذلك بقوله ( فإنه لا يدرى ~~لعله يريد أن يستغفر فيسب نفسه ( فعلم أنه قصد النهى عن الصلاة لمن لا يدرى ~~ما يقول وإن كان ذلك بسبب النعاس وطرد ذلك أنه ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( ~~لا يصلى PageV10P438 أحدكم وهو يدافع الأخبثين ولا بحضرة طعام ( لما في ذلك ~~من شغل القلب وقال أبو الدرداء من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته فيقضيها ثم ~~يقبل على صلاته وقلبه فارغ # فإذا كانت الصلاة محرمة مع ما يزيل العقل ولو كان بسبب مباح حتى يعلم ما ~~يقول كانت صلاة المجنون ومن يدخل في مسمى المجنون وإن سمى مولها أو متولها ~~أولى أن لا تجوز صلاته # ومعلوم أن الصلاة ( أفضل العبادات ( كما في الصحيحين عن إبن مسعود أنه ~~قال ( قلت للنبى صلى الله عليه وسلم أى العمل أحب إلى الله قال الصلاة على ~~وقتها قلت ثم أى قال بر الوالدين قلت ثم أى قال الجهاد قال حدثنى بهن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولو إستزدته لزادنى ( وثبت أيضا في الصحيحين عنه ~~أنه جعل أفضل الأعمال إيمان بالله وجهاد في سبيله ثم الحج المبرور ولا ~~منافاة بينهما فإن الصلاة داخلة في مسمى الإيمان بالله كما دخلت في قوله ~~تعالى ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ( قال البراء إبن عازب وغيره من السلف ~~أى صلاتكم إلى بيت المقدس # ولهذا كانت الصلاة كالإيمان لا تدخلها النيابة بحال فلا يصلى أحد عن أحد ~~الفرض لا لعذر ولا لغير عذر كما لا يؤمن أحد عنه ولا PageV10P439 تسقط بحال ~~كما لا يسقط الإيمان بل عليه الصلاة ما دام عقله حاضرا وهو متمكن من فعل ~~بعض أفعالها فإذا عجز عن جميع الأفعال ولم يقدر على الأقوال فهل يصلى ~~بتحريك طرفه ويستحضر الأفعال بقلبه فيه قولان للعلماء وإن كان الأظهر أن ~~هذا غير مشروع # فإذا كان كذلك تبين أن من زال عقله فقد حرم ما يتقرب به إلى الله من فرض ~~ونفل و ( الولاية ( هي ms3133 الإيمان والتقوى المتضمنة للتقرب بالفرائض والنوافل ~~فقد حرم ما به يتقرب أولياء الله إليه لكنه مع جنونه قد رفع القلم عنه فلا ~~يعاقب كما لا يعاقب الأطفال والبهائم إذ لا تكليف عليهم في هذه الحال ثم إن ~~كان مؤمنا قبل حدوث الجنون به وله أعمال صالحة وكان يتقرب إلى الله ~~بالفرائض والنوافل قبل زوال عقله كان له من ثواب ذلك الإيمان والعمل الصالح ~~ما تقدم وكان له من ولاية الله تعالى بحسب ما كان عليه من الإيمان والتقوى ~~كما لا يسقط ذلك بالموت بخلاف ما لو إرتد عن الإسلام فإن الردة تحبط ~~الأعمال وليس من السيئات ما يحبط الأعمال الصالحة إلا الردة كما أنه ليس من ~~الحسنات ما يحبط جميع السيئات إلا التوبة فلا يكتب للمجنون حال جنونه مثل ~~ما كان يعمل في حال إفاقته كما لا يكون مثل ذلك لسيئاته في زوال عقله ~~بالأعمال المسكرة والنوم لأنه في هذه الحال ليس له قصد صحيح ولكن في الحديث ~~PageV10P440 الصحيح عن أبى موسى عن النبى أنه قال ( إذا مرض العبد أو سافر ~~كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ( # وفى الصحيح عن النبى أنه قال في غزوة تبوك ( إن بالمدينة لرجالا ما سرتم ~~مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة ~~حبسهم العذر ( فهؤلاء كانوا قاصدين للعمل الذى كانوا يعملونه راغبين فيه ~~لكن عجزوا فصاروا بمنزلة العامل بخلاف من زال عقله فإنه ليس له قصد صحيح ~~ولا عبادة أصلا بخلاف أولئك فإن لهم قصدا صحيحا يكتب لهم به الثواب # وأما إن كان قبل جنونه كافرا أو فاسقا أو مذنبا لم يكن حدوث الجنون به ~~مزيلا لما ثبت من كفره وفسقه ولهذا كان من جن من اليهود والنصارى بعد تهوده ~~وتنصره محشورا معهم وكذلك من جن من المسلمين بعد إيمانه وتقواه محشورا مع ~~المؤمنين من المتقين وزوال العقل بجنون أو غيره سواء سمى صاحبه مولها أو ~~متولها لا يوجب مزيد حال صاحبه من الإيمان ms3134 والتقوى ولا يكون زوال عقله سببا ~~لمزيد خيره ولا صلاحه ولا ذنبه ولكن الجنون يوجب زوال العقل فيبقى على ما ~~كان عليه من خير وشر لا أنه يزيده ولا ينقصه لكن جنونه يحرمه الزيادة من ~~الخير كما أنه يمنع عقوبته على الشر PageV10P441 # وأما إن كان زوال عقله بسبب محرم كشرب الخمر وأكل الحشيشة أو كان يحضر ~~السماع الملحن فيستمع حتى يغيب عقله أو الذى يتعبد بعبادات بدعية حتى يقترن ~~به بعض الشياطين فيغيروا عقله أو يأكل بنجا يزيل عقله فهؤلاء يستحقون الذم ~~والعقاب على ما أزالوا به العقول وكثير من هؤلاء يستجلب الحال الشيطانى بأن ~~يفعل ما يحبه فيرقص رقصا عظيما حتى يغيب عقله أو يغط ويخور حتى يجيئه الحال ~~الشيطانى وكثير من هؤلاء يقصد التوله حتى يصير مولها فهؤلاء كلهم من حزب ~~الشيطان وهذا معروف عن غير واحد منهم وإختلف العلماء هل هم ( مكلفون ( في ~~حال زوال عقلهم والأصل ( مسألة السكران ) والمنصوص عن الشافعى وأحمد ~~وغيرهما أنه مكلف حال زوال عقله وقال كثير من العلماء ليس مكلفا وهو أحد ~~القولين في مذهب الشافعى وأحمد وإحدى الروايتين عن أحمد أن طلاق السكران لا ~~يقع وهذا أظهر القولين ولم يقل أحد من العلماء أن هؤلاء الذين زال عقلهم ~~بمثل هذا يكونون من أولياء الله الموحدين المقربين وحزبه المفلحين ومن ذكره ~~العلماء من عقلاء المجانين الذين ذكروهم بخير فهم من القسم الأول الذين كان ~~فيهم خير ثم زالت عقولهم PageV10P442 @ ومن ( علامة هؤلاء ( أنهم إذا حصل ~~لهم في جنونهم نوع من الصحو تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان لا بالكفر ~~والبهتان بخلاف غيرهم ممن يتكلم إذا حصل له نوع إفاقه بالكفر والشرك ويهذى ~~في زوال عقله بالكفر فهذا إنما يكون كافرا لا مسلما ومن كان يهذى بكلام لا ~~يعقل بالفارسية أو التركية أو البربرية وغير ذلك مما يحصل لبعض من يحضر ~~السماع ويحصل له وجد يغيب عقله حتى يهذى بكلام لا يعقل أو بغير العربية ~~فهؤلاء إنما يتكلم على ألسنتهم الشيطان كما ms3135 يتكلم على لسان المصروع # ومن قال أن هؤلاء أعطاهم الله عقولا وأحوالا فأبقى أحوالهم وأذهب عقولهم ~~وأسقط ما فرض عليهم بما سلب # قيل قولك وهب الله لهم أحوالا كلام مجمل فإن الأحوال تنقسم إلى حال ~~رحمانى وحال شيطانى وما يكون لهؤلاء من خرق عادة بمكاشفة وتصرف عجيب ( ~~فتارة ( يكون من جنس ما يكون للسحرة والكهان وتارة يكون من الرحمن من جنس ~~ما يكون من أهل التقوى والإيمان فإن كان هؤلاء في حال عقولهم كانت لهم ~~مواهب إيمانية وكانوا من المؤمنين المتقين فلا ريب أنه إذا زالت عقولهم ~~سقطت عنهم الفرائض بما سلب من العقول وإن كان ما أعطوه من الأحوال ~~الشيطانية كما يعطاه المشركون وأهل الكتاب والمنافقون فهؤلاء إذا زالت ~~عقولهم لم يخرجوا بذلك مما كانوا عليه من الكفر والفسوق كما لم يخرج ~~الأولون عما كانوا عليه من الإيمان PageV10P443 والتقوى كما أن نوم كل واحد ~~من الطائفتين وموته وإغماءه لا يزيل حكم ما تقدم قبل زوال عقله من إيمانه ~~وطاعته أو كفره وفسقه بزوال العقل غايته أن يسقط التكليف # ورفع القلم لا يوجب حمدا ولا مدحا ولا ثوابا ولا يحصل لصاحبه بسبب زوال ~~عقله موهبة من مواهب أولياء الله ولا كرامة من كرامات الصالحين بل قد رفع ~~القلم عنه كما قد يرفع القلم عن النائم والمغمى عليه والميت ولا مدح في ذلك ~~ولا ذم بل النائم أحسن حالا من هؤلاء ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام ~~ينامون وليس فيهم مجنون ولا موله والنبى يجوز عليه النوم والإغماء ولا يجوز ~~عليه الجنون وكان نبينا محمد تنام عيناه ولا ينام قلبه وقد أغمى عليه في ~~مرضه # وأما ( الجنون ( فقد نزه الله انبياءه عنه فإنه من أعظم نقائص الإنسان إذ ~~كمال الإنسان بالعقل ولهذا حرم الله إزالة العقل بكل طريق وحرم ما يكون ~~ذريعة إلى إزالة العقل كشرب الخمر فحرم القطرة منها وإن لم تزل العقل لأنها ~~ذريعة إلى شرب الكثير الذى يزيل العقل فكيف يكون مع هذا زوال العقل سببا أو ~~شرطا أو ms3136 مقربا إلى ولاية الله كما يظنه كثير من أهل الضلال حتى قال قائلهم ~~في هؤلاء PageV10P444 # هم معشر حلوا النظام وخرقوا %~% السياج فلا فرض لديهم ولا نفل # مجانين إلا أن سر جنونهم %~% عزيز على أبوابه يسجد العقل # فهذا ~~كلام ضال بل كافر يظن أن للمجنون سرا يسجد العقل على بابه وذلك لما رآه من ~~بعض المجانين من نوع مكاشفة أو تصرف عجيب خارق للعادة ويكون ذلك بسبب ما ~~إقترن به من الشياطين كما يكون للسحرة والكهان فيظن هذا الضال أن كل من ~~كاشف أو خرق عادة كان وليا لله ومن إعتقد هذا فهو كافر بإجماع المسلمين ~~واليهود والنصارى فإن كثيرا من الكفار والمشركين فضلا عن أهل الكتاب يكون ~~لهم من المكاشفات وخرق العادات بسبب شياطينهم أضعاف ما لهؤلاء لأنه كلما ~~كان الرجل أضل وأكفر كان الشيطان إليه أقرب لكن لا بد في جميع مكاشفة هؤلاء ~~من الكذب والبهتان ولا بد في أعمالهم من فجور وطغيان كما يكون لإخوانهم من ~~السحرة والكهان قال الله تعالى ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على ~~كل أفاك أثيم ( # فكل من تنزلت عليه الشياطين لا بد أن يكون فيه كذب PageV10P445 وفجور من ~~أى قسم كان والنبى قد أخبر أن أولياء الله هم الذين يتقربون إليه بالفرائض ~~وحزبه المفلحون وجنده الغالبون وعباده الصالحون فمن إعتقد فيمن لا يفعل ~~الفرائض ولا النوافل أنه من أولياء الله المتقين إما لعدم عقله أو جهله أو ~~لغير ذلك فمن إعتقد في مثل هؤلاء أنه من أولياء الله المتقين وحزبه ~~المفلحين وعباده الصالحين فهو كافر مرتد عن دين رب العالمين وإذا قال أنا ~~اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله كان من الكاذبين الذين ~~قيل فيهم ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك ~~لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون إتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ~~فهم لا يفقهون ( # وقد ms3137 ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من ترك ثلاث ~~جمع تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه ( فإذا كان طبع على قلب من ترك ~~الجمع وإن صلى الظهر فكيف بمن لا يصلى ظهرا ولا جمعة ولا فريضة ولا نافلة ~~ولا يتطهر للصلاة لا الطهارة الكبرى ولا الصغرى فهذا لو كان قبل مؤمنا وكان ~~قد طبع على قلبه كان كافرا مرتدا بما تركه ولم يعتقد وجوبه من هذه الفرائض ~~وإن إعتقد أنه مؤمن كان كافرا مرتدا فكيف يعتقد أنه من أولياء PageV10P446 ~~الله المتقين وقد قال تعالى في صفة المنافقين ( إستحوذ عليهم الشيطان ~~فأنساهم ذكر الله ( أى إستولى يقال حاذ الإبل حوذا إذا إستاقها فالذين ~~إستحوذ عليهم الشيطان فساقهم إلى خلاف ما أمر الله به ورسوله قال تعالى ( ~~ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ( أى تزعجهم إزعاجا ~~فهؤلاء ( إستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان إلا أن ~~حزب الشيطان هم الخاسرون ( # وفى السنن عن أبى الدرداء عن النبى أنه قال ( ما من ثلاثة في قرية لا ~~يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا إستحوذ عليهم الشيطان ( فأى ثلاثة كانوا من ~~هؤلاء لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة كانوا من حزب الشيطان الذين إستحوذ ~~عليهم لا من أولياء الرحمن الذين أكرمهم فإن كانوا عبادا زهادا ولهم جوع ~~وسهر وصمت وخلوة كرهبان الديارات والمقيمين في الكهوف والمغارات كأهل جبل ~~لبنان وأهل جبل الفتح الذى باسون وجبل ليسون ومغارة الدم بجبل قاسيون وغير ~~ذلك من الجبال والبقاع التى يقصدها كثير من العباد الجهال الضلال ويفعلون ~~فيها خلوات ورياضات من غير أن يؤذن وتقام فيهم الصلاة الخمس بل يتعبدون ~~بعبادات لم يشرعها الله ورسوله بل يعبدونه بأذواقهم ومواجيدهم من غير ~~إعتبار لأحوالهم بالكتاب والسنة PageV10P447 ولا قصد المتابعة لرسول الله ~~الذى قال الله فيه ( قل إن كنتم تحبون الله فإتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم ( الآية فهؤلاء أهل البدع والضلالات من حزب الشيطان لا من أولياء ~~الرحمن ms3138 فمن شهد لهم بولاية الله فهو شاهد زور كاذب وعن طريق الصواب ناكب # ثم إن كان قد عرف أن هؤلاء مخالفون للرسول وشهد مع ذلك أنهم من أولياء ~~الله فهو مرتد عن دين الإسلام وإما مكذب للرسول وإما شاك فيما جاء به مرتاب ~~وإما غير منقاد له بل مخالف له إما جحودا أو عنادا أو إتباعا لهواه وكل من ~~هؤلاء كافر # وإما إن كان جاهلا بما جاء به الرسول وهو معتقد مع ذلك أنه رسول الله إلى ~~كل أحد في الأمور الباطنة والظاهرة وأنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته لكن ~~ظن أن هذه العبادات البدعية والحقائق الشيطانية هي مما جاء بها الرسول ولم ~~يعلم أنها من الشيطان لجهله بسنته وشريعته ومنهاجه وطريقته وحقيقته لا لقصد ~~مخالفته ولا يرجو الهدى في غير متابعته فهذا يبين له الصواب ويعرف ما به من ~~السنة والكتاب فإن تاب وأناب وإلا الحق بالقسم الذى قبله وكان كافرا مرتدا ~~ولا تنجيه عبادته ولا زهادته من عذاب الله كما لم ينج من ذلك الرهبان وعباد ~~الصلبان وعباد النيران وعباد الأوثان مع كثرة من فيهم ممن له خوارق شيطانية ~~ومكاشفات شيطانية قال PageV10P448 تعالى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( # قال سعد بن أبى وقاص وغيره من السلف نزلت في أصحاب الصوامع والديارات وقد ~~روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه وغيره أنهم كانوا يتأولونها في ~~الحرورية ونحوهم من أهل البدع والضلالات وقال تعالى ( هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ( فالأفاك هو الكذاب والأثيم الفاجر ~~كما قال ( لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة ( # ومن تكلم في الدين بلا علم كان كاذبا وإن كان لا يتعمد الكذب كما ثبت في ~~الصحيحين عن النبى لما قالت له سبيعة الأسلمية وقد توفى عنها زوجها سعد بن ~~خولة في حجة الوداع فكانت حاملا فوضعت بعد موت زوجها بليال قلائل فقال لها ~~أبوالسنابل بن بعكك ما أنت ms3139 بناكحة حتى يمضى عليك آخر الأجلين فقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( كذب أبوالسنابل بل حللت فإنكحى ( وكذلك لما قال سلمة ~~بن الأكوع أنهم يقولون أن عامرا قتل نفسه وحبط عمله فقال كذب من قالها أنه ~~لجاهد مجاهد ( وكان قائل ذلك لم يتعمد الكذب فإنه كان رجلا صالحا وقد روى ~~أنه كان أسيد بن الحضير لكنه لما تكلم بلا علم كذبه النبى PageV10P449 وقد ~~قال أبوبكر وإبن مسعود وغيرهما من الصحابة فيما يفتون فيه بإجتهادهم إن يكن ~~صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فهو منى ومن الشيطان والله ورسوله بريآن منه ~~فإذا كان خطأ المجتهد المغفور له هو من الشيطان فكيف بمن تكلم بلا إجتهاد ~~يبيح له الكلام في الدين ) فهذا خطؤه ايضا من الشيطان مع أنه يعاقب عليه ~~إذا لم يتب والمجتهد خطؤه من الشيطان وهو مغفور له كما أن الإحتلام ~~والنسيان وغير ذلك من الشيطان وهو مغفور بخلاف من تكلم بلا إجتهاد يبيح له ~~ذلك فهذا كاذب آثم في ذلك وإن كانت له حسنات في غير ذلك فإن الشيطان ينزل ~~على كل إنسان ويوحى إليه بحسب موافقته له ويطرد بحسب إخلاصه لله وطاعته له ~~قال تعالى ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ( # وعباده هم الذين عبدوه بما أمرت به رسله من اداء الواجبات والمستحبات ~~وأما من عبده بغير ذلك فإنه من عباد الشيطان لا من عباد الرحمن قال تعالى ( ~~ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو مبين وإن ~~أعبدونى هذا صراط مستقيم ولقد اضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ( # والذين يعبدون الشيطان أكثرهم لا يعرفون أنهم يعبدون الشيطان بل قد يظنون ~~أنهم يعبدون الملائكة أو الصالحين كالذين يستغيثون بهم PageV10P450 ويسجدون ~~8 لهم فهم في الحقيقة إنما عبدوا الشيطان وان ظنوا أنهم يتوسلون ويستشفعون ~~بعباد الله الصالحين قال تعالى ( ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ( # ولهذا ms3140 نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت ~~غروبها فإن الشيطان يقارنها حينئذ حتى يكون سجود عباد الشمس له وهم يظنون ~~أنهم يسجدون للشمس وسجودهم للشيطان وكذلك أصحاب دعوات الكواكب الذين يدعون ~~كوكبا من الكواكب ويسجدون له ويناجونه ويدعونه ويصنعون له من الطعام ~~واللباس والبخور والتبركات ما يناسبه كما ذكره صاحب ( السر المكتوم ( ~~المشرقى وصاحب ( الشعلة النورانية ( البونى المغربى وغيرهما فإن هؤلاء تنزل ~~عليهم أرواح تخاطبهم وتخبرهم ببعض الأمور وتقضى لهم بعض الحوائج ويسمون ذلك ~~روحانية الكواكب ومنهم من يظن أنها ملائكة وإنما هي شياطين تنزل عليهم قال ~~تعالى # ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ( وذكر الرحمن هو ~~الذي أنزله وهو الكتاب والسنة اللذان قال الله فيهما ( وإذكروا نعمة الله ~~عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة PageV10P451 يعظكم به ( وقال تعالى ~~( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ( وقال تعالى ( هو الذى بعث في الأميين ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ( وهو الذكر ~~الذى قال الله فيه ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( فمن أعرض عن ~~هذا الذكر وهو الكتاب والسنة قيض له قرين من الشياطين فصار من أولياء ~~الشيطان بحسب ما تابعه # وإن كان مواليا للرحمن تارة وللشيطان أخرى كان فيه من الإيمان وولاية ~~الله بحسب ما والى فيه الرحمن وكان فيه من عداوة الله والنفاق بحسب ما والى ~~فيه الشيطان كما قال حذيفة بن اليمان القلوب ( أربعة ( قلب أجرد فيه سراج ~~يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أغلف فذلك قلب الكافر و ( الأغلف ( الذى يلف ~~عليه غلاف كما قال تعالى عن اليهود ( وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم ( وقد تقدم قوله ( من ترك ثلاث جمع طبع الله على قلبه ( وقلب منكوس ~~فذلك قلب المنافق وقلب فيه مادتان مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق ~~فأيهما غلب كان الحكم له وقد روى هذا في ( مسند ms3141 الإمام أحمد ( مرفوعا # وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى صلى PageV10P452 ~~الله عليه وسلم انه قال ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه ~~خصله منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب ~~وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ( # فقد بين النبى أن القلب يكون فيه شعبة نفاق وشعبة إيمان فإذا كان فيه ~~شعبة نفاق كان فيه شعبة من ولايته وشعبة من عداوته ولهذا يكون بعض هؤلاء ~~يجرى على يديه خوارق من جهة إيمانه بالله وتقواه تكون من كرامات الأولياء ~~وخوارق من جهة نفاقه وعداوته تكون من أحوال الشياطين ولهذا أمرنا الله ~~تعالى أن نقول كل صلاة ( إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين ( # و ( المغضوب عليهم ( هم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه و ( الضالون ( ~~الذين يعبدون الله بغير علم فمن إتبع هواه وذوقه ووجده مع علمه أنه مخالف ~~للكتاب والسنة فهو من ( المغضوب عليهم ( وإن كان لا يعلم ذلك فهو من ( ~~الضالين ( # نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله على محمد PageV10P453 ### |||| ( وسئل # عمن يقول ( الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق هل قوله صحيح ### |||| ( فأجاب ( # إن أراد بذلك الأعمال المشروعة الموافقة للكتاب والسنة كالصلاة ~~والصدقة والجهاد والذكر والقراءة وغير ذلك فهذا صحيح # وإن أراد إلى الله طريقا مخالفا للكتاب والسنة PageV10P454 ### || 1 ( تعليقة على فتوح الغيب لعبد القادر ) 1 # فهو باطل والله أعلم ! 8 < ( قال شيخ الإسلام # علامة الزمان ( أبو العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه الحمد ~~لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~تسليما كثيرا # قال الشيخ أبومحمد ( عبدالقادر ms3142 ( في كتاب ( فتوح الغيب ( لا بد لكل مؤمن ~~في سائر أحواله من ثلاثة أشياء # ( أمر يمتثله ( # ( ونهى يجتنبه # ( وقدر يرضى به PageV10P455 فاقل حالة لا يخلو المؤمن فيها من أحد هذه ~~الأشياء الثلاثة فينبغى له ان يلزم بها قلبه ويحدث بها نفسه وياخذ بها ~~الجوارح في كل أحواله # ( قلت ( هذا كلام شريف جامع يحتاج إليه كل أحد وهو تفصيل لما يحتاج إليه ~~العبد وهى مطابقة لقوله تعالى ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين ( ولقوله تعالى ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ( ولقوله ~~تعالى ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ( فإن ( التقوى ( تتضمن ~~فعل المأمور وترك المحظور و ( الصبر ( يتضمن الصبر على المقدور ( فالثلاثة ~~( ترجع إلى هذين الأصلين والثلاثة في الحقيقة ترجع إلى إمتثال الأمر وهو ~~طاعة الله ورسوله # فحقيقة الأمر أن كل عبد فإنه محتاج في كل وقت إلى طاعة الله ورسوله وهو ~~أن يفعل في ذلك الوقت ما أمر به في ذلك الوقت وطاعة الله ورسوله هي عبادة ~~الله التى خلق لها الجن والإنس كما قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ( وقال تعالى ( وإعبد ربك حتى يأتيك اليقين ( وقال تعالى ( يا أيها ~~الناس إعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون PageV10P456 ~~والرسل كلهم امروا قومهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وقال تعالى ( ~~ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن إعبدوا الله وإجتنبوا الطاغوت ( وقال تعالى ~~( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا إجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ( # وإنما كانت ( الثلاثة ( ترجع إلى إمتثال الأمر لأنه في الوقت الذى يؤمر ~~فيه بفعل [ شيء ] من الفرائض كالصلوات الخمس والحج ونحو ذلك يحتاج إلى فعل ~~ذلك المأمور وفى الوقت الذى تحدث أسباب المعصية يحتاج إلى الإمتناع ~~والكراهة والإمساك عن ذلك وهذا فعل لما أمر به في هذا الوقت وأما من لم ~~تخطر له المعصية ببال فهذا لم يفعل شيئا يؤجر عليه ولكن عدم ذنبه مستلزم ~~لسلامته من عقوبة الذنب والعدم ms3143 المحض المستمر لا يؤمر به وإنما يؤمر بأمر ~~يقدر عليه 2 العبد وذاك لا يكون إلا حادثا سواء كان أحداث إيجاد أمر أو ~~إعدام أمر # وأما ( القدر ( الذى يرضى به فإنه إذا إبتلى بالمرض أو الفقر أو الخوف ~~فهو مأمور بالصبر أمر إيجاب ومأمور بالرضا إما أمر إيجاب وأما أمر إستحباب ~~وللعلماء من أصحابنا وغيرهم في ذلك قولان ونفس الصبر والرضا بالمصائب هو ~~طاعة لله ورسوله فهو من إمتثال الأمر وهو عبادة لله PageV10P457 لكن هذه ( ~~الثلاثة ( وإن دخلت في إمتثال الأمر عند الإطلاق فعند التفصيل والإقتران ~~أما أن تخص بالذكر وأما أن يقال يراد بهذا ما لا يراد بهذا كما في قوله ( ~~فإعبده وتوكل عليه ( وقوله ( فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى ( فإن هذا داخل في ~~العبادة إذا أطلق إسم العبادة وعند ( الإقتران ( إما أن يقال ذكره عموما ~~وخصوصا وأما أن يقال ذكره خصوصا يغنى عن دخوله في العام # ومثل هذا قوله تعالى ( إياك نعبد وإياك نستعين ( وقوله ( وإذكر إسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فإتخذه وكيلا وإصبر على ~~ما يقولون وإهجرهم هجرا جميلا ( وقد يقال لفظ ( التبتيل ( لا يتناول هذه ~~الأمور المعطوفة كما يتناولها لفظ العبادة والطاعة # و ( بالجملة ( فرق ما بين ما يؤمر به الإنسان إبتداء وبين ما يؤمر به عند ~~حاجته إلى جلب المنفعة ودفع المضرة أو عند حب الشيء وبغضه وكلام الشيخ قدس ~~الله روحه يدور على هذا القطب وهو أن يفعل المأمور ويترك المحظور ويخلو ~~فيما سواهما عن إرادة PageV10P458 لئلا يكون له مراد غير فعل ما أمر الله ~~به وما لم يؤمر به العبد بل فعله الرب عز وجل بلا واسطة العبد أو فعله ~~بالعبد بلا هوى من العبد فهذا هو القدر الذى عليه أن يرضى به # وسيأتى في كلام الشيخ ما يبين مراده وأن العبد في كل حال عليه أن يفعل ما ~~أمر به ويترك ما نهى عنه وأما إذا لم يكن هو أمر العبد بشيء من ذلك فما ~~فعله ms3144 الرب كان علينا التسليم فيما فعله وهذه هي ( الحقيقة ( في كلام الشيخ ~~وأمثاله وتفصيل الحقيقة الشرعية في هذا المقام أن هذا ( نوعان ( # ( أحدهما ( أن يكون العبد مأمورا فيما فعله الرب إما بحب له وإعانة عليه ~~وأما ببغض له ودفع له # و ( الثانى ( أن لا يكون العبد مأمورا بواحد منهما # ( فالأول ( مثل البر والتقوى الذى يفعله غيره فهو مأمور بحبه وإعانته ~~عليه كإعانة المجاهدين في سبيل الله على الجهاد وإعانة سائر الفاعلين ~~للحسنات على حسناتهم بحسب الإمكان وبمحبة ذلك والرضا به وكذلك هو مأمور عند ~~مصيبة الغير إما بنصر مظلوم وإما بتعزية مصاب وإما بإغناء فقير ونحو ذلك ~~PageV10P459 وأما ما هو مأمور ببغضه ودفعه فمثل ما إذا أظهر الكفر والفسوق ~~والعصيان فهو مأمور ببغض ذلك ودفعه وإنكاره بحسب الإمكان كما قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم ~~يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ( # وأما ما لا يؤمر العبد فيه بواحد منهما فمثل ما يظهر له من فعل الإنسان ~~للمباحات التى لم يتبين له أنه يستعان بها على طاعة ولا معصية فهذه لا يؤمر ~~بحبها ولا ببغضها وكذلك مباحات نفسه المحضة التى لم يقصد الإستعانة بها على ~~طاعة ولا معصية # مع أن هذا نقص منه فإن الذى ينبغى أنه لا يفعل من المباحات إلا ما يستعين ~~به على الطاعة ويقصد الإستعانة بها على الطاعة فهذا سبيل المقربين السابقين ~~الذين تقربوا إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض ولم يزل أحدهم يتقرب ~~إليه بذلك حتى أحبه فكان سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى ~~يبطش بها ورجله التى يمشى بها وأما من فعل المباحات مع الغفلة أو فعل فضول ~~المباح التى لا يستعان بها على طاعة مع أداء الفرائض وإجتناب المحارم باطنا ~~وظاهرا فهذا من المقتصدين أصحاب اليمين PageV10P460 # و ( بالجملة ( الأفعال التى يمكن دخولها تحت الأمر والنهى لا تكون مستوية ~~من كل وجه بل إن فعلت على الوجه ms3145 المحبوب كان وجودها خيرا للعبد وإلا كان ~~تركها خيرا له وإن لم يعاقب عليها ففضول المباح التى لا تعين على الطاعة ~~عدمها خير من وجودها إذا كان مع عدمها يشتغل بطاعة الله فإنها تكون شاغلة ~~له عن ذلك وأما إذا قدر أنها تشغله عما دونها فهي خير له مما دونها وإن ~~شغلته عن معصية الله كانت رحمة في حقه وإن كان إشتغاله بطاعة الله خيرا له ~~من هذا وهذا # وكذلك افعال الغفلة والشهوة التى يمكن الإستعانة بها على الطاعة كالنوم ~~الذى يقصد به الإستعانة على العبادة والأكل والشرب واللباس والنكاح الذى ~~يمكن الإستعانة به على العبادة إذا لم يقصد به ذلك كان ذلك نقصا من العبد ~~وفوات حسنة وخير يحبه الله ففى الصحيحين عن النبى أنه قال لسعد ( أنك لن ~~تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا إزددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها ~~في فى إمرأتك ( وقال في الصحيح ( نفقة المسلم على أهله يحتسبها صدقة ( # فما لا يحتاج إليه من المباحات أو يحتاج إليه ولم يصحبه إيمان يجعله حسنة ~~فعدمه خير من وجوده إذا كان مع عدمه يشتغل بما هو PageV10P461 خير منه وقد ~~قال النبى ( في بضع أحدكم صدقة ( قالوا يا رسول الله يأتى أحدنا شهوته ~~ويكون له أجر قال أرأيتم لو وضعها في الحرام إما كان عليه وزر قالوا بلى ~~قال فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له بها أجر فلم تعتدون بالحرام ولا ~~تعتدون بالحلال ( # وذلك أن المؤمن عند شهوة النكاح يقصد أن يعدل عما حرمه الله إلى ما أباحه ~~الله ويقصد فعل المباح معتقدا أن الله أباحه ( والله يحب أن يأخذ برخصه كما ~~يكره أن تؤتى معصيته ( كما رواه الإمام أحمد في المسند ورواه غيره ولهذا ~~أحب القصر والفطر فعدول المؤمن عن الرهبانية والتشديد وتعذيب النفس الذى لا ~~يحبه الله إلى ما يحبه الله من الرخصة هو من الحسنات التى يثيبه الله عليها ~~وإن فعل مباحا لما إقترن به من الإعتقاد والقصد الذين كلاهما طاعة لله ms3146 ~~ورسوله فإنما الإعمال بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى # و ( أيضا ( فالعبد مأمور بفعل ما يحتاج إليه من المباحات هو مأمور بالأكل ~~عند الجوع والشرب عند العطش ولهذا يجب على المضطر إلى الميتة أن يأكل منها ~~ولو لم يأكل حتى مات كان مستوجبا للوعيد كما هو قول جماهير العلماء من ~~الأئمة الأربعة وغيرهم وكذلك هو مأمور بالوطء عند حاجته إليه بل وهو مأمور ~~PageV10P462 بنفس عقد النكاح إذا إحتاج إليه وقدر عليه فقول النبى ( في بضع ~~أحدكم صدقة ( فإن المباضعة مأمور بها لحاجته ولحاجة المرأة إلى ذلك فإن ~~قضاء حاجتها التى لا تنقضى إلا به بالوجه المباح صدقة # و ( السلوك ( سلوكان # سلوك الأبرار أهل اليمين وهو أداء الواجبات وترك المحرمات باطنا وظاهرا و ~~( الثانى ( سلوك المقربين السابقين وهو فعل الواجب والمستحب بحسب الإمكان ~~وترك المكروه والمحرم كما قال النبى ( إذا نهيتكم عن شيء فإجتنبوه وإذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما إستطعتم ( # وكلام الشيوخ الكبار كالشيخ ( عبد القادر ( وغيره يشير إلى هذا السلوك ~~ولهذا يأمرون بما هو مستحب غير واجب وينهون عما هو مكروه غير محرم فإنهم ~~يسلكون بالخاصة مسلك الخاصة وبالعامة ملك العامة وطريق الخاصة طريق ~~المقربين أن لا يفعل العبد إلا ما أمر به ولا يريد إلا ما أمر الله ورسوله ~~بإرادته وهو ما يحبه PageV10P463 الله ويرضاه ويريده إرادة دينية شرعية ~~وإلا فالحوادث كلها مرادة له خلقا وتكوينا # والوقوف مع الإرادة الخلقية القدرية مطلقا غير مقدور عقلا ولا مأمور شرعا ~~وذلك لأن من الحوادث ما يجب دفعه ولا تجوز إرادته كمن أراد تكفير الرجل أو ~~تكفير أهله أو الفجور به أو بأهله أو أراد قتل النبى وهو قادر على دفعه أو ~~أراد إضلال الخلق وإفساد دينهم ودنياهم فهذه الأمور يجب دفعها وكراهتها لا ~~تجوز إرادتها # وأما الإمتناع عقلا فلان الإنسان مجبول على حب ما يلائمه وبغض ما ينافره ~~فهو عند الجوع يحب ما يغنيه كالطعام ولا يحب ما لا يغنيه كالتراب فلا يمكن ~~أن تكون إرادته لهذين سواء # وكذلك يحب ms3147 الإيمان والعمل الصالح الذى ينفعه ويبغض الكفر والفسوق الذى ~~يضره بل ويحب الله وعبادته وحده ويبغض عبادة ما دونه كما قال الخليل ( ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لى إلا رب ~~العالمين ( وقال تعالى ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى PageV10P464 تؤمنوا بالله وحده ( # فقد أمرنا الله أن نتأسى بإبراهيم والذين معه إذ تبرؤا من المشركين ومما ~~يعبدونه من دون الله وقال الخليل ( إننى براء مما تعبدون إلا الذى فطرنى ~~فإنه سيهدين ( والبراءة ضد الولاية وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب ~~وهذا لأن حقيقة التوحيد أن لا يحب إلا الله ويحب ما يحبه الله لله فلا يحب ~~إلا لله ولا يبغض إلا لله قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ( # والفرق ثابت بين الحب لله والحب مع الله فأهل التوحيد والإخلاص يحبون غير ~~الله لله والمشركون يحبون غير الله مع الله كحب المشركين لآلهتهم وحب ~~النصارى للمسيح وحب أهل الأهواء رؤوسهم # فإذا عرف أن العبد مفطور على حب ما ينفعه وبغض ما يضره لم يمكن أن تستوى ~~إرادته لجميع الحوادث فطرة وخلقا ولا هو مأمور من جهة الشرع أن يكون مريدا ~~لجميع الحوادث بل قد أمره الله بإرادة أمور وكراهة أخرى PageV10P465 # والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل ~~الفطرة وتغييرها وقد قال النبى ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه ( قال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~( وفى الحديث الصحيح عن النبى ( يقول الله تعالى إنى خلقت عبادى حنفاء ~~فإجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم ~~أنزل به سلطانا ( # والحنيفية ( هي الإستقامة بإخلاص الدين لله ms3148 وذلك يتضمن حبه تعالى والذل ~~له لا يشرك به شيء لا في الحب ولا في الذل فإن العبادة تتضمن غاية الحب ~~بغاية الذل وذلك لا يستحقه إلا الله وحده وكذلك الخشية والتقوى لله وحده ~~والتوكل على الله وحده # والرسول يطاع ويحب فالحلال ما أحله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه قال ~~تعالى ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ( وقال ~~تعالى ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون PageV10P466 وهذا حقيقة دين ~~الإسلام # والرسل بعثوا بذلك كما قال تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه ( وقال تعالى ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وإعملوا صالحا ~~إنى بما تعملون عليم وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فإتقون ( فهذا هو ~~الأصل الذى يجب على كل أحد أن يعتصم به فلا بد أن يكون مريدا محبا لما أمره ~~الله بإرادته ومحبته كارها مبغضا لما امره الله بكراهته وبغضه # والناس في هذا الباب ( أربعة أنواع ( # أكملهم الذين يحبون ما أحبه الله ورسوله ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله ~~فيريدون ما أمرهم الله ورسوله بإرادته ويكرهون ما أمرهم الله ورسوله ~~بكراهته وليس عندهم حب ولا بغض لغير ذلك فيأمرون بما أمر الله به ورسوله ~~ولا يأمرون بغير ذلك وينهون عما نهى الله عنه ورسوله ولا ينهون عن غير ذلك ~~وهذه حال الخليلين أفضل البرية محمد وإبراهيم صلى الله عليهما وسلم وقد ~~PageV10P467 ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( أن الله إتخذنى خليلا كما ~~إتخذ إبراهيم خليلا ( وقال في الحديث الصحيح ( إنى والله لا أعطى أحدا ولا ~~أمنع أحدا وإنما أنا قاسم اضع حيث أمرت ( # وذكر أن ربه خيره بين أن يكون نبيا ملكا وبين أن يكون عبدا رسولا فإختار ~~أن يكون عبدا رسولا فإن ( النبى الملك ( مثل داود وسليمان قال تعالى ( هذا ~~عطاؤنا فامنن ms3149 أو أمسك بغير حساب ( قالوا معناه أعط من شئت وإمنع من شئت لا ~~نحاسبك # ( فالنبى الملك ( يعطى بإرادته لا يعاقب على ذلك كالذى يفعل المباحات ~~بإرادته وأما ( العبد الرسول ( فلا يعطى ولا يمنع إلا بأمر ربه وهو محبته ~~ورضاه وإرادته الدينية والسابقون المقربون إتباع العبد الرسول والمقتصدون ~~أهل اليمين إتباع النبى الملك وقد يكون للإنسان حال هو فيها خال عن ~~الإرادتين وهو أن لا تكون له إرادة في عطاء ولا منع لا إرادة دينية هو ~~مأمور بها ولا إرادة نفسانية سواء كان منهيا عنها أو غير منهى عنها بل ما ~~وقع كان مرادا له ومهما فعل به كان مرادا له من غير أن يفعل المأمور به ~~شرعا في ذلك PageV10P468 فهذا بمنزلة من له أموال يعطيها وليس له إرادة في ~~إعطاء معين لا إرادة شرعية ولا إرادة مذمومة بل يعطى كل أحد فهذا إذا قدر ~~أنه قام بما يجب عليه بحسب إمكانه ولكنه خفى عليه الإرادة الشرعية في تفصيل ~~أفعاله فإنه لا يذم على ما فعل ولا يمدح مطلقا بل يمدح لعدم هواه ولو علم ~~تفصيل المأمور به وإرادة إرادة شرعية لكان أكمل بل هذا مع القدرة أما واجب ~~وأما مستحب وحال هذا خير من حال من يريد بحكم هواه ونفسه وإن كان ذلك مباحا ~~له وهو دون من يريد بأمر ربه لا بهواه ولا بالقدر المحض # فمضمون هذا المقام أن الناس في المباحات من الملك والمال وغير ذلك على ( ~~ثلاثة أقسام ( # ( قوم ( لا يتصرفون فيها إلا بحكم الأمر الشرعى وهو حال نبينا وهو حال ~~العبد الرسول ومن إتبعه في ذلك # و ( قوم ( يتصرفون فيها بحكم إرادتهم والشهوة التى ليست محرمة وهذا حال ~~النبى الملك وهو حال الأبرار أهل اليمين # و ( قوم ( لا يتصرفون بهذا ولا بهذا أما ( الأول ( فلعدم PageV10P469 ~~علمهم به وأما الثانى فلزهدهم فيه بل يتصرفون فيها بحكم القدر المحض إتباعا ~~لإرادة الله الخلقية القدرية حين تعذر معرفة الإرادة الشرعية الأمرية وهذا ~~كالترجيح بالقرعة إذا تعذر الترجيح بسبب شرعى ms3150 معلوم وقد يتصرف هؤلاء في هذا ~~المقام بالهام يقع في قلوبهم وخطاب # وكلام ( الشيخ عبد القادر ( قدس الله روحه كثيرا ما يقع في هذا المقام ~~فإنه يأمر بالزهد في إرادة النفس وهواها حتى لا يتصرف بحكم الإرادة والنفس ~~وهذا رفع له عن حال الأبرار أهل اليمين وعن طريق الملوك مطلقا ومن حصل هذا ~~وتصرف بالأمر الشرعى المحمدى القرآنى فهو أكمل الخلق لكن هذا قد يخفى عليه ~~فإن معرفة هذا على التفصيل قد يتعذر أو يتعسر في كثير من المواضع ألا ترى ~~أن النبى لما حكم سعد بن معاذ في بنى قريظة فحكم بقتل مقاتلتهم وبسبى ~~ذراريهم وغنيمة أموالهم قال لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ( ~~وذلك أن تخيير ولى الأمر بين القتل والإسترقاق والمن والفداء ليس تخيير ~~شهوة بل تخيير رأى ومصلحة فعليه أن يختار الأصلح فإن إختار ذلك فقد وافق ~~حكم الله وإلا فلا # ولما كان هذا يخفى كثيرا قال النبى في الحديث PageV10P470 الصحيح إذا ~~حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك ~~لا تدرى ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ( والحاكم الذى ~~ينزل أهل الحصن على حكمه عليه أن يحكم بإجتهاده فلما أمر سعد بما هو الأرضى ~~لله والأحب إليه حكم بحكمه ولو حكم بغير ذلك لنفذ حكمه فإنه حكم بإجتهاده ~~وإن لم يكن ذلك هو حكم الله في الباطن # ففى مثل هذه الحال التى لا يتبين الأمر الشرعى في الواقعة المعينة يأمر ~~الشيخ عبد القادر وأمثاله من الشيوخ ( تارة ( بالرجوع إلى الأمر الباطن ~~والإلهام إن أمكن ذلك و ( تارة ( بالرجوع إلى القدر المحض لتعذر الأسباب ~~المرجحة من جهة الشرع كما يرجح الشارع بالقرعة فهم يأمرون أن لا يرجح بمجرد ~~إرادته وهواه فإن هذا إما محرم وإما مكروه وإما منقص فهم في هذا النهى ~~كنهيهم عن فضول المباحات # ثم أن تبين لهم الأمر الشرعى وجب الترجيح به وإلا رجحوا إما ( بسبب باطن ~~( من الإلهام ms3151 والذوق وإما ( بالقضاء والقدر ( الذى لا يضاف إليهم ومن يرجح ~~في مثل هذه الحال ( بإستخارة الله ( كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلم ~~أصحابه الإستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن فقد أصاب ~~PageV10P471 وهذا كما أنه إذا تعارضت أدلة ( المسألة الشرعية ( عند الناظر ~~المجتهد وعند المقلد المستفتى فإنه لا يرجح شيئا بل ما جرى به القدر اقروه ~~ولم ينكروه وتارة يرجح أحدهم إما بمنام وإما برأى مشير ناصح وإما برؤية ~~المصلحة في أحد الفعلين # وإما الترجيح بمجرد الإختيار بحيث إذا تكافأت عنده الأدلة يرجح بمجرد ~~إرادته وإختياره فهذا ليس قول أحد من أئمة الإسلام وإنما هو قول طائفة من ~~أهل الكلام ولكن قاله طائفة من الفقهاء في العامى المستفتى أنه يخير بين ~~المفتين المختلفين وهذا كما أن طائفة من السالكين إذا إستوى عنده الأمران ~~في الشريعة رجح بمجرد ذوقه وإرادته فالترجيح بمجرد الإرادة التى لا تستند ~~إلى أمر علمى باطن ولا ظاهر لا يقول به أحد من أئمة العلم والزهد فأئمة ~~الفقهاء والصوفية لا يقولون هذا # ولكن من جوز لمجتهد أو مقلد الترجيح بمجرد إختياره وإرادته فهو نظير من ~~شرع للسالك الترجيح بمجرد إرادته وذوقه # لكن قد يقال القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بإرادته فهو ترجيح شرعى وعلى ~~هذا التقدير ليس من هذا فمن غلب على قلبه إرادة ما يحبه الله وبغض ما يكرهه ~~الله إذا لم يدر في الأمر المعين PageV10P472 هل هو محبوب لله أو مكروه ~~ورأى قلبه يحبه أو يكرهه كان هذا ترجيحا عنده كما لو أخبره من صدقه اغلب من ~~كذبه فإن الترجيح بخبر هذا عند إنسداد وجوه الترجيح ترجيح بدليل شرعى # ففى ( الجملة ( متى حصل ما يظن معه ان أحد الأمرين أحب إلى الله ورسوله ~~كان هذا ترجيحا بدليل شرعى والذين أنكروا كون الإلهام طريقا على الإطلاق ~~أخطأوا كما أخطأ الذين جعلوه طريقا شرعيا على الإطلاق # ولكن إذا إجتهد السالك في الأدله الشرعية الظاهرة فلم ير فيها ترجيحا ~~وألهم حينئذ رجحان أحد الفعلين ms3152 مع حسن قصده وعمارته بالتقوى فالهام مثل هذا ~~دليل في حقه قد يكون أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والأحاديث الضعيفة ~~والظواهر الضعيفة والإستصحابات الضعيفة التى يحتج بها كثير من الخائضين في ~~المذهب والخلاف وأصول # الفقه وفى الترمذى عن أبى سعيد عن النبى أنه قال ( أتقوا فراسة المؤمن ~~فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ قوله تعالى ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ( وقال ~~عمر بن الخطاب اقتربوا من افواه المطيعين وإسمعوا منهم ما يقولون فإنه ~~تتجلى لهم أمور PageV10P473 صادقة وقد ثبت في الصحيح قول الله تعالى ( ولا ~~يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به ~~وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى ~~يبصر وبى يبطش وبى يمشي ( # و ( أيضا ( فالله سبحانه وتعالى فطر عباده على الحنيفية وهو حب المعروف ~~وبغض المنكر فإذا لم تستحل الفطرة فالقلوب مفطورة على الحق فإذا كانت ~~الفطرة مقومة بحقيقة الإيمان منورة بنور القرآن وخفى عليها دلالة الأدلة ~~السمعية الظاهرة ورأى قلبه يرجح أحد الأمرين كان هذا من أقوى الإمارات عند ~~مثله وذلك أن الله علم القرآن والإيمان قال الله تعالى ( وما كان لبشر ان ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ( الآية ثم قال ( وكذلك ~~اوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ( وقال جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر ~~تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فإزددنا إيمانا # وفى الصحيحين عن حذيفة عن النبى أنه قال ( إن الله أنزل الأمانة في جذر ~~قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ( وفى الترمذى وغيره حديث ~~النواس عن النبى صلى الله عليه PageV10P474 وسلم أنه قال ( ضرب الله مثلا ~~صراطا مستقيما وعلى جنبتى الصراط سوران وفى السورين أبواب مفتحة وعلى ~~الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو من فوق الصراط ~~فالصراط المستقيم هو الإسلام ms3153 والستور حدود الله والأبواب المفتحة محارم ~~الله فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه المنادى أو كما ~~قال يا عبد الله لا تفتحه فإنك أن تفتحه تلجه والداعى على رأس الصراط كتاب ~~الله والداعى فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن ( # فقد بين أن في قلب كل مؤمن واعظ والواعظ الأمر والنهى بترغيب وترهيب فهذا ~~الأمر والنهى الذى يقع في قلب المؤمن مطابق لأمر القرآن ونهيه ولهذا يقوى ~~احدهما بالآخر كما قال تعالى ( نور على نور ( قال بعض السلف في الآية ( هو ~~المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر فإذا سمع بالأثر كان نورا على ~~نور نور الإيمان الذى في قلبه يطابق نور القرآن كما أن الميزان العقلى ~~يطابق الكتاب المنزل فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط # وقد يؤتى العبد أحدهما ولا يؤتى الآخر كما في الصحيحين عن أبى موسى ~~الأشعرى عن النبى أنه قال ( مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن كمثل الأترجة ~~طعمها طيب وريحها طيب ومثل PageV10P475 المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل ~~التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن كمثل الريحانة ~~ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس ~~لها ريح وطعمها مر ( # والإلهام في القلب تارة يكون من جنس القول والعلم والظن والإعتقاد وتارة ~~يكون من جنس العمل والحب والإرادة والطلب فقد يقع في قلبه أن هذا القول ~~أرجح وأظهر واصوب وقد يميل قلبه إلى أحد الأمرين دون الآخر وفى الصحيحين عن ~~النبى أنه قال ( قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد فعمر ( ~~والمحدث الملهم المخاطب وفى مثل هذا قول النبى في حديث وابصة ( البر ما ~~اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس ~~وأفتوك ( وهو في السنن وفى صحيح مسلم عن النواس عن النبى قال البر حسن ~~الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ( وقال إبن مسعود ms3154 ~~الإثم حزاز القلوب # و ( أيضا ( فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن يقينا أو ظنا ~~فالأمور الدينية كذلك بطريق الأولى فإنه إلى كشفها أحوج لكن هذا في الغالب ~~لا بد أن يكون كشفا بدليل وقد يكون PageV10P476 بدليل ينقدح في قلب المؤمن ~~ولا يمكنه التعبير عنه وهذا أحد ما فسر به معنى ( الإستحسان ( # وقد قال من طعن في ذلك كأبى حامد وأبى محمد ما لا يعبر عنه فهو هوس وليس ~~كذلك فإنه ليس كل أحد يمكنه إبانة المعانى القائمة بقلبه وكثير من الناس ~~يبينها بيانا ناقصا وكثير من أهل الكشف يلقى في قلبه أن هذا الطعام حرام أو ~~أن هذا الرجل كافر أو فاسق من غير دليل ظاهر وبالعكس قد يلقى في قلبه محبة ~~شخص وأنه ولى لله أو أن هذا المال حلال # وليس المقصود هنا بيان أن هذا وحده دليل على الأحكام الشرعية لكن أن مثل ~~هذا يكون ترجيحا لطالب الحق إذا تكافأت عنده الأدلة السمعية الظاهرة ~~فالترجيح بها خير من التسوية بين الأمرين المتناقضين قطعا فإن التسوية ~~بينهما باطلة قطعا كما قلنا أن العمل بالظن الناشىء عن ظاهر أو قياس خير من ~~العمل بنقيضه إذا إحتيج إلى العمل بأحدهما والصواب الذى عليه السلف ~~والجمهور أنه لا بد في كل حادثة من دليل شرعى فلا يجوز تكافؤ الأدلة في نفس ~~الأمر لكن قد تتكافأ عند الناظر لعدم ظهور الترجيح له وأما من قال أنه ليس ~~في نفس الأمر حق معين بل كل مجتهد عالم بالحق الباطن في المسألة وليس ~~لأحدهما على الآخر مزية في علم ولا عمل فهؤلاء PageV10P477 قد يجوزون أو ~~بعضهم تكافؤ الأدلة ويجعلون الواجب التخيير بين القولين وهؤلاء يقولون ليس ~~على الظن دليل في نفس الأمر وإنما رجحان أحد القولين هو من باب الرجحان ~~بالميل والإرادة كترجيح النفس الغضبية للإنتقام والنفس الحليمة للعفو وهذا ~~القول خطأ فإنه لا بد في نفس الأمر من حق معين يصيبه المستدل تارة ويخطئه ~~أخرى كالكعبة في حق من إشتبهت عليه القبلة ms3155 والمجتهد إذا أداه إجتهاده إلى ~~جهة سقط عنه الفرض بالصلاة اليها كالمجتهد إذا أداه إجتهاده إلى قول فعمل ~~بموجبه كلاهما مطيع لله وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله وله أجر على ذلك وليس ~~مصيبا بمعنى أنه علم الحق المعين فإن ذلك لا يكون إلا واحدا ومصيبة له ~~أجران وهذا في كشف الأنواع التى يكون عليها دليل شرعى لكن قد يخفى على ~~العبد فإن الشارع بين ( الأحكام الكلية ( # وأما ( الأحكام المعينات ( التى تسمى ( تنقيح المناط ( مثل كون الشخص ~~المعين عدلا أو فاسقا أو مؤمنا أو منافقا أو وليا لله أو عدوا له وكون هذا ~~المعين عدوا للمسلمين يستحق القتل وكون هذا العقار ليتيم أو فقير يستحق ~~الإحسان إليه وكون هذا المال يخاف عليه من ظلم ظالم فإذا زهد فيه الظالم ~~إنتفع به أهله فهذه PageV10P478 الأمور لا يجب أن تعلم بالأدلة الشرعية ~~العامة الكلية بل تعلم بأدلة خاصة تدل عليها # ومن طرق ذلك ( الإلهام ( فقد يلهم الله بعض عباده حال هذا المال المعين ~~وحال هذا الشخص المعين وإن لم يكن هناك دليل ظاهر يشركه فيه غيره # وقصة موسى مع الخضر هي من هذا الباب ليس فيها مخالفة لشرع الله تعالى ~~فإنه لا يجوز قط لأحد لا نبى ولا ولى أن يخالف شرع الله لكن فيها علم حال ~~ذاك المعين بسبب باطن يوجب فيه الشرع ما فعله الخضر كمن دخل إلى دار واخذ ~~ما فيها من المال لعلمه بأن صاحبها أذن له وغيره لم يعلم ومثل من رأى ضالة ~~أخذها ولم يعرفها لعلمه بأنه أتى بها هدية له ونحو ذلك ومثل هذا كثير عند ~~أهل الإلهام الصحيح # و ( النوع الثانى ( عكس هذا وهو أنهم يتبعون هواهم لا أمر الله فهؤلاء لا ~~يفعلون ولا يأمرون إلا بما يحبونه بهواهم ولا يتركون وينهون إلا عن ما ~~يكرهونه بهواهم وهؤلاء شر الخلق قال تعالى ( أفرأيت من إتخذ إلهه هواه ~~افأنت تكون عليه وكيلا ( قال الحسن هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه وقال ~~تعالى PageV10P479 ( ومن أضل ms3156 ممن إتبع هواه بغير هدى من الله ( وقال عمر بن ~~عبد العزيز لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه ويخالفه إذا خالف هواه فإذا ~~أنت لا تثاب على ما إتبعته من الحق وتعاقب على ما خالفته وهو كما قال رضى ~~الله عنه لأنه في الموضعين إنما قصد إتباع هواه لم يعمل لله # ألا ترى أن ( أبا طالب ( نصر النبى صلى الله عليه وسلم وذب عنه أكثر من ~~غيره لكن فعل ذلك لأجل القرابة لا لأجل الله تعالى فلم يتقبل الله ذلك منه ~~ولم يثبه على ذلك وأبو بكر الصديق رضى الله عنه اعانه بنفسه وماله لله فقال ~~الله فيه ( وسيجنبها الأتقى الذى يؤتى ماله يتزكى وما لاحد عنده من نعمة ~~تجزى إلا إبتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ( # ( القسم الثالث ( الذى يريد تارة إرادة يحبها الله وتارة أرادة يبغضها ~~الله وهؤلاء أكثر المسلمين فإنهم يطيعون الله تارة ويريدون ما أحبه ويعصونه ~~تارة ويريدون ما يهوونه وأن كان يكرهه # و ( القسم الرابع ( أن يخلو عن الإرادتين فلا يريد لله ولا لهواه وهذا ~~يقع لكثير من الناس في بعض الأشياء ويقع لكثير PageV10P480 من الزهاد ~~والنساك في كثير من الأمور # واما خلو الإنسان عن الإرادة مطلقا فممتنع فإنه مفطور على ارادة ما لا بد ~~له منه وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه والزاهد الناسك إذا كان مسلما فلا بد أن ~~يريد أشياء يحبها الله مثل أداء الفرائض وترك المحارم بل وكذلك عموم ~~المؤمنين لا بد أن يريد أحدهم أشياء يحبها الله وإلا فمن لم يحب الله ولا ~~أحب شيئا لله فلم يحب شيئا من الطاعات لا الشهادتين ولا غيرهما ولا يريد ~~ذلك فإنه لا يكون مؤمنا فلا بد لكل مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه ~~الله وأما أرادة العبد لما يهواه ولا يحبه الله فهذا لازم لكل من عصى الله ~~فإنه أراد المعصية والله لا يحبها ولا يرضاها وأما الخلو عن الإرادتين ~~المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين # ( أحدهما ( مع إعراض ms3157 العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وأن علم بها فإنه ~~قد يعلم كثيرا من الأمور أنه مأمور بها وهو لا يريدها ولا يكره من غيره ~~فعلها وإذا إقتتل المسلمون والكفار لم يكن مريدا لإنتصار هؤلاء الذى يحبه ~~الله ولا لإنتصار هؤلاء الذى يبغضه الله # و ( الوجه الثانى ( يقع من كثير من الزهاد العباد الممتثلين لما ~~PageV10P481 يعلمون أن الله أمر به المجتنبين لما يعلمون أن الله نهى عنه ~~وأمور اخرى لا يعلمون أنها مأمور بها ولا منهى عنها فلا يريدونها ولا ~~يكرهونها لعدم العلم وقد يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدرة وقد يعاونون ~~عليها ويرون هذا موافقة لله وأنهم لما خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين ~~بالرضا بكل حادث بل والمعاونة عليه وهذا موضع يقع فيه الغلط فإن ما أحبه ~~الله ورسوله علينا أن نحب ما أحبه الله ورسوله وما أبغضه الله ورسوله ~~فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله ورسوله وأما ما لا يحبه الله ورسوله ولا ~~يبغضه الله ورسوله كالأفعال التى لا تكليف فيها مثل أفعال النائم والمجنون ~~فهذا إذا كان الله لا يحبها ويرضاها ولا يكرهها ويذمها فالمؤمن أيضا لا ~~ينبغى أن يحبها ويرضاها ولا يكرهها # وأما كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختص بها بل هو شامل لجميع ~~المخلوقات والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته وقد أحسن كل شيء خلقه ~~والرضا بالقضاء ( ثلاثة أنواع ( # ( أحدها ( الرضا بالطاعات فهذا طاعة مأمور بها # و ( الثانى ( الرضا بالمصائب فهذا مأمور به إما مستحب وإما واجب ~~PageV10P482 # والثالث ( الكفر والفسوق والعصيان فهذا لا يؤمر بالرضا به بل يؤمر ببغضه ~~وسخطه فإن الله لا يحبه ولا يرضاه كما قال تعالى ( إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول ( وقال ( والله لا يحب الفساد ( وقال ( ولا يرضى لعباده الكفر ( وقال ~~( إن الله لا يحب الكافرين ( وقال ( إن الله لا يحب المعتدين ( # وهو وإن خلقه لما له في ذلك من الحكمة فلا يمتنع أن يخلق ما لا يحبه ~~لإفضائه إلى الحكمة التى يحبها كما ms3158 خلق الشياطين فنحن راضون عن الله في ان ~~يخلق ما يشاء وهو محمود على ذلك # وأما نفس هذا الفعل المذموم وفاعله فلا نرضى به ولا نحمده وفرق بين ما ~~يحب لنفسه وما يراد لإفضائه إلى المحبوب مع كونه مبغضا من جهة أخرى فإن ~~الأمر الواحد يراد من وجه ويكره من وجه آخر كالمريض الذى يتناول الدواء ~~الكريه فإنه يبغض الدواء ويكرهه وهو مع هذا يريد إستعماله لإفضائه إلى ~~المحبوب لا لأنه في نفسه محبوب # وفى الحديث الصحيح يقول الله تعالى ( وما ترددت عن شيء انا فاعله ترددى ~~عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ( فهو ~~سبحانه لما كره مساءة عبده المؤمن الذى PageV10P483 يكره الموت كان هذا ~~مقتضيا أن يكره إماتته مع أنه يريد اماتته لما له في ذلك من الحكمة سبحانه ~~وتعالى فالأمور التى يبغضها الله تعالى وينهى عنها لا تحب ولا ترضى لكن ~~نرضى بما يرضى الله به حيث خلقها لما له في ذلك من الحكمة فكذلك الأفعال ~~التى لا يحبها ولا يبغضها لا ينبغى أن تحب ولا ترضى كما لا ينبغى أن تبغض # والرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ~~وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبمحمد نبيا كان حقا على الله أن يرضيه ( وأما بالنسبة إلى القدر فيرضى عن ~~الله إذ له الحمد على كل حال ويرضى بما يرضاه من الحكمة التى خلق لأجلها ما ~~خلق وإن كنا نبغض ما يبغضه من المخلوقات فحيث إنتفى الأمر الشرعى أو خفى ~~الأمر الشرعى لا يكون الإمتثال والرضا والمحبة كما يكون في الأمر الشرعى ~~وإن كان ذلك مقدورا # وهذا موضع يغلط فيه كثير من خاصة ( السالكين ( وشيوخهم فضلا عن عامتهم ~~ويتفاوتون في ذلك بحسب معرفتهم بالأمر الشرعى وطاعتهم له # فمنهم من هو أعرف من غيره بالأمر الشرعى وأطوع له فهذا PageV10P484 # تكون حاله أحسن ممن يقصر عنه في المعرفة بالأمر الشرعى والطاعة ms3159 له # ومنهم من يبعد عن الأمر الشرعى ويسترسل حتى ينسلخ من الإسلام بالكلية ~~ويبقى واقفا مع هواه والقدر # ومن هؤلاء من يموت كافرا ومنهم من يتوب الله عليه ومنهم من يموت فاسقا ~~ومنهم من يتوب الله عليه # وهؤلاء ينظرون إلى الحقيقة القدرية معرضين عن الأمر الشرعى ولا بد مع ذلك ~~من إتباع أمر ونهى غير الأمر الشرعى أما من انفسهم وأما من غير الله ورسوله ~~إذ الإسترسال مع القدر مطلقا ممتنع لذاته لما تقدم من أن العبد مفطور على ~~محبة أشياء وبغض أشياء # وقول من قال ( أن العبد يكون مع الله كالميت مع الغاسل ( لا يصح ولا يسوغ ~~على الإطلاق عن أحد من المسلمين وإنما يقال ذلك في بعض المواضع ومع هذا ~~فإنما ذلك لخفاء أمر الله عليه وإلا فإذا علم ما أمر الله به واحبه فلا بد ~~أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه PageV10P485 ### ||| فصل # وكما أن الطريقة العلمية بصحة النظر في الأدلة والأسباب هي الموجبة للعلم ~~كتدبر القرآن والحديث فالطريقة العملية بصحة الإرادة والأسباب هي الموجبة ~~للعمل ولهذا يسمون السالك في ذلك ( المريد ( كما يسميه أولئك ( الطالب ( و ~~( النظر ( جنس تحته حق وباطل ومحمود ومذموم وكذلك ( الإرادة ( # فكما أن طريق العلم لا بد فيه من العلم النبوى الشرعى بحيث يكون معلومك ~~المعلومات الدينية النبوية ويكون علمك بها مطابقا لما أخبرت به الرسل وإلا ~~فلا ينفعك أى معلوم علمته ولا أى شيء إعتقدته فيما أخبرت به الرسل بل لا بد ~~من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فكذلك ( الإرادة ( لا ~~بد فيها من تعيين ( المراد ( وهو الله و ( الطريق إليه ( وهو ما أمرت به ~~الرسل فلا بد أن تعبد الله وتكون عبادتك إياه بما شرع على ألسنة رسله إذ لا ~~بد من تصديق الرسول فيما أخبر علما ولا بد من طاعته فيما أمر عملا ~~PageV10P486 ولهذا كان ( الإيمان ( قولا وعملا مع موافقة السنة فعلم الحق ~~ما وافق علم الله والإرادة الصالحة ما وافقت محبة الله ورضاه وهو حكمه ms3160 ~~الشرعى والله عليم حكيم # فالأمور الخبرية لا بد أن تطابق علم الله وخبره والأمور العملية لا بد أن ~~تطابق حب الله وأمره فهذا حكمه وذاك علمه # وأما من جعل حكمه مجرد القدر كما فعل صاحب ( منازل السائرين ( وجعل ~~مشاهدة العارف الحكم يمنعه أن يستحسن حسنة أو يستقبح سيئة فهذا فيه من ~~الغلط العظيم ما قد نبهنا عليه في غير هذا الموضع فلا ينفع المريد القاصد ~~أن يعبد أي معبود كان ولا أن يعبد الله بأى عبادة كانت بل هذه طريقة ~~المشركين المبتدعين الذين لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ~~كالنصارى ومن اشبههم من أهل البدع الذين يعبدون غير الله بغير أمر الله ~~وأما أهل الإسلام والسنة فهم يعبدون الله وحده ويعبدونه بما شرع لا يعبدونه ~~بالبدع إلا ما يقع من أحدهم خطأ # فالسالكون طريق الإرادة قد يغلطون تارة في المراد وتارة في الطريق إليه ~~وتارة يألهون غير الله بالخوف منه والرجاء له والتعظيم والمحبة له وسؤاله ~~والرغبة إليه فهذا حقيقة الشرك المحرم فإن حقيقة PageV10P487 التوحيد أن لا ~~يعبد إلا الله # و ( العبادة ( تتضمن كمال الحب وكمال التعظيم وكمال الرجاء والخشية ~~والإجلال والإكرام و ( الفناء ( في هذا التوحيد فناء المرسلين وأتباعهم وهو ~~أن تفنى بعبادته عن عبادة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبسؤاله عن سؤال ~~ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبحبه والحب فيه عن ~~محبة ما سواه والحب فيه # وأما الغالطون في الطريق فقد يريدون الله لكن لا يتبعون الأمر الشرعى في ~~إرادته لكن ( تارة ( يعبده أحدهم بما يظنه يرضيه ولا يكون كذلك و ( تارة ( ~~ينظرون القدر لكونه مراده فيفنون في القدر الذى ليس لهم فيه غرض وأما ~~الفناء المطلق فيه فممتنع وهؤلاء يفنى أحدهم متبعا لذوقه ووجده المخالف ~~للأمر الشرعى أو ناظرا إلى القدر وهذا يبتلى به كثير من خواصهم # و ( الشيخ عبدالقادر ( ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم أمرا بالتزام الشرع ~~والأمر والنهى وتقديمه على الذوق ms3161 والقدر ومن أعظم المشائخ أمرا بترك الهوى ~~والإرادة النفسية فإن الخطأ في الإرادة من حيث هي ارادة إنما تقع من هذه ~~الجهة فهو يأمر السالك PageV10P488 إن لا تكون له إرادة من جهة هواه أصلا ~~بل يريد ما يريده الرب عز وجل أما إرادة شرعية أن تبين له ذلك وإلا جرى مع ~~الإرادة القدرية فهو إما مع أمر الرب وأما مع خلقه وهو سبحانه له الخلق ~~والأمر # وهذه ( طريقة شرعية صحيحة ( إنما يخاف على صاحبها من ترك إرادة شرعية لا ~~يعلم إنها شرعية أو من تقديم إرادة قدرية على الشرعية فإنه إذا لم يعلم ~~أنها شرعية فقد يتركها وقد يريد ضدها فيكون ترك مأمورا أو فعل محظورا وهو ~~لايعلم فإن ( طريقة الإرادة ( يخاف على صاحبها من ضعف العلم وما يقترن ~~بالعلم من العمل والوقوع في الضلال كما أن طريقة العلم يخاف على صاحبها من ~~ضعف العمل وضعف العلم الذى يقترن بالعمل لكن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~من هذا وهذا قال تعالى ( فإتقوا الله ما إستطعتم ( فإذا تفقه السالك وتعلم ~~الأمر والنهى بحسب إجتهاده وكان علمه وإرادته بحسب ذاك فهذا مستطاعه وإذا ~~أدى الطالب ما أمر به وترك ما نهى عنه وكان علمه مطابقا لعمله فهذا مستطاعه ~~PageV10P489 ### ||| فصل # قال ( الشيخ عبد القادر ( قدس الله روحه ( أفن عن الخلق بحكم الله وعن ~~هواك بأمره وعن إرادتك بفعله فحينئذ يصلح أن تكون وعاء لعلم الله ( # قلت فحكمه يتناول خلقه وأمره أى أفن عن عبادة الخلق والتوكل عليهم بعبادة ~~الله والتوكل عليه فلا تطعهم في معصية الله تعالى ولا تتعلق بهم في جلب ~~منفعة ولا دفع مضرة وأما الفناء عن الهوى بالأمر وعن الإرادة بالفعل بأن ~~يكون فعله موافقا للأمر الشرعى لا لهواه وأن تكون إرادته لما يخلق تابعة ~~لفعل الله لا لإرادة نفسه فالإرادة تارة تتعلق بفعل نفسه وتارة بالمخلوقات # فا ( الأول ( يكون بالأمر و ( الثانى ( لا تكون له إرادة ولا بد في هذا ~~أن يقيد بأن لا تكون له إرادة لم ms3162 يؤمر بها وإلا فإذا أمر بأن يريد من ~~المقدورات شيئا دون شيء فليرد ما أمر بإرادته سواء كان موافقا للقدر أم لا ~~وهذا الموضع قد يغلط فيه طائفة من السالكين PageV10P490 والغالب على ~~الصادقين منهم أنهم لم يعرفوا الإرادة الشرعية في ذلك المعين وهم ليس لهم ~~إرادة نفسانية فتركوا إرادتهم لغير المقدور # قال الشيخ ( فعلامة فنائك عن خلق الله إنقطاعك عنهم وعن التردد إليهم ~~واليأس مما في ايديهم ( وهو كما قال # فإذا كان القلب لا يرجوهم ولا يخافهم لم يتردد إليهم لطلب شيء منهم وهذا ~~يشبه بما يكون مأمورا به من المشى إليهم لأمرهم بما امر الله به ونهيهم عما ~~نهاهم الله عنه كذهاب الرسل وإتباع الرسل إلى من يبلغون رسالات الله فإن ~~التوكل إنما يصح مع القيام بما امر به العبد ليكون عابدا لله متوكلا عليه ~~وإلا فمن توكل عليه ولم يفعل ما امر به فقد يكون ما اضاعه من الأمر أولى به ~~مما قام به من التوكل أو مثله أو دونه كما أن من قام بأمر ولم يتوكل عليه ~~ولم يستعن به فلم يقم بالواجب بل قد يكون ما تركه من التوكل والإستعانة ~~اولى به مما فعله من الأمر أو مثله أو دونه # قال الشيخ ( وعلامة فنائك عنك وعن هواك ترك التكسب والتعلق بالسبب في جلب ~~النفع ودفع الضر فلا تتحرك فيك بك ولا تعتمد عليك لك ولا تنصر نفسك ولا تذب ~~عنك لكن تكل ذلك كله PageV10P491 إلى من تولاه أولا فيتولاه آخرا كما كان ~~ذلك موكولا إليه في حال كونك مغيبا في الرحم وكونك رضيعا طفلا في مهدك ( # قلت وهذا لأن النفس تهوى وجود ما تحبه وينفعها ودفع ما تبغضه ويضرها فإذا ~~فنى عن ذاك بالأمر فعل ما يحبه الله وترك ما يبغضه الله فإعتاض بفعل محبوب ~~الله عن محبوبه وبترك ما يبغضه الله عما يبغضه وحينئذ فالنفس لا بد لها من ~~جلب المنفعة ودفع المضرة فيكون في ذلك متوكلا على الله # و ( الشيخ رحمه الله ( ذكر هنا ms3163 التوكل دون الطاعة لأن النفس لا بد لها من ~~جلب المنفعة ودفع المضرة فإن لم تكن متوكلة على الله في ذلك واثقة به لم ~~يمكن إن تنصرف عن ذلك فتمتثل الأمر مطلقا بل لا بد أن تعصى الأمر في جلب ~~المنفعة ودفع المضرة فلا تصح العبادة لله وطاعة أمره بدون التوكل عليه كما ~~أن التوكل عليه لا يصح بدون عبادته وطاعته قال تعالى ( فإعبده وتوكل عليه ( ~~وقال تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه ( وقال تعالى ( وإذكر إسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب ~~المشرق والمغرب لا إله إلا هو فإتخذه وكيلا ( # و ( المقصود ( أن إمتثال الأمر على الإطلاق لا يصح بدون PageV10P492 ~~التوكل والإستعانة ومن كان واثقا بالله أن يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما ~~يضره أمكن ان يدع هواه ويطيع أمره وإلا فنفسه لا تدعه أن يترك ما يقول أنه ~~محتاج فيه إلى غيره قال الشيخ ( رضى الله عنه ( وعلامة فناء إرادتك بفعل ~~الله إنك لا تريد مرادا قط فلا يكن لك غرض ولا تقف لك حاجة ولا مرام لأنك ~~لا تريد مع إرادة الله سواها بل يجرى فعله فيك فتكون انت إرادة الله تعالى ~~وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان مشروح الصدر منور الوجه عامر الباطن غنيا ~~عن الأشياء بخالقها تقلبك يد القدرة ويدعوك لسان الأزل ويعلمك رب الملك ~~ويكسوك نورا منه والحلل وينزلك منازل من سلف من أولى العلم الأول فتكون ~~منكسرا أبدا # فلا تثبت فيك شهوة ولا إرادة كالإناء المتثلم الذى لا يثبت فيه مائع ولا ~~كدر فتفنوا عن أخلاق البشرية فلن يقبل باطنك ساكنا غير إرادة الله فحينئذ ~~يضاف إليك التكوين وخرق العادات فيرى ذلك منك في ظاهر العقل والحكم وهو فعل ~~الله تبارك وتعالى حقا في العلم فتدخل حينئذ في زمرة المنكسرة قلوبهم الذين ~~كسرت إرادتهم البشرية وازيلت شهواتهم الطبيعية واستوثقت لهم إرادات ربانية ~~وشهوات إضافية كما قال النبى ( حبب إلى من PageV10P493 دنياكم النساء ms3164 ~~والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة ( فاضيف ذلك إليه بعد أن خرج منه وزال عنه ~~تحقيقا لما أشرت إليه وتقدم قال الله تعالى ( أنا عند المنكسرة قلوبهم من ~~أجلى ( وساق كلامه وفيه ( ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل ( الحديث # قلت هذا المقام هو آخر ما يشير إليه الشيخ عبد القادر رضى الله عنه ~~وحقيقته أنه لا يريد كون شيء إلا أن يكون مأمورا بإرادته فقوله علامة فناء ~~إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط أى لا تريد مرادا لم تؤمر بإرادته ~~فأما ما أمرك الله ورسوله بإرادتك إياه فإرادته إما واجب وإما مستحب وترك ~~إرادة هذا أما معصية وأما نقص # وهذا الموضع يلتبس على كثير من السالكين فيظنون أن الطريقة الكاملة أن لا ~~يكون للعبد إرادة أصلا وإن قول أبى يزيد ( أريد أن لا أريد ( لما قيل له ~~ماذا تريد ( نقص وتناقض لأنه قد أراد ويحملون كلام المشائخ الذين يمدحون ~~بترك الإرادة على ترك الإرادة مطلقا وهذا غلط منهم على الشيوخ المستقيمين ~~وأن كان من الشيوخ من يأمر بترك الإرادة مطلقا فإن هذا غلط ممن قاله فإن ~~ذلك ليس بمقدور ولا مأمور PageV10P494 فإن الحى لابد له من ارادة فلا يمكن ~~حيا أن لا تكون له إرادة فإن الإرادة التى يحبها الله ورسوله ويأمر بها أمر ~~إيجاب أو أمر إستحباب لا يدعها إلا كافر أو فاسق أو عاص إن كانت واجبة وإن ~~كانت مستحبة كان تاركها تاركا لما هو خير له # والله تعالى قد وصف الأنبياء والصديقين بهذه ( الإرادة ( فقال تعالى ( ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ( وقال تعالى ( وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى إلا إبتغاء وجه ربه الأعلى ( وقال تعالى ( إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ( وقال تعالى ( وإن كنتن ~~تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ( ~~وقال تعالى ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا ( وقال تعالى ( فإعبد الله مخلصا ms3165 له الدين إلا لله الدين الخالص ( ~~وقال تعالى ( قل الله إعبد مخلصا له دينى ( وقال تعالى ( وإعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا ( وقال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( ولا ~~عبادة إلا بإرادة الله ولما أمر به وقال تعالى ( بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن ( أى أخلص قصده لله وقال تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ~~له الدين ( وإخلاص الدين له PageV10P495 هو إرادته وحده بالعبادة وقال ~~تعالى ( يحبهم ويحبونه ( وقال تعالى ( والذين آمنوا أشد حبا لله ( وقال ~~تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فإتبعونى يحببكم الله ( وكل محب فهو مريد ~~وقال الخليل عليه السلام ( لا أحب الآفلين ( ثم قال ( إنى وجهت وجهى للذى ~~فطر السماوات والأرض ( # ومثل هذا كثير في القرآن يأمر الله بإرادته وإرادة ما يأمر به وينهى عن ~~إرادة غيره وأرادة ما نهى عنه وقد قال النبى ( إنما الأعمال بالنيات وإنما ~~لكل إمرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ~~ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ( ~~فهما ( إرادتان ( إرادة يحبها الله ويرضاها وارادة لا يحبها الله ولا ~~يرضاها بل أما نهى عنها وإما لم يأمر بها ولا ينهى عنها والناس في الإرادة ~~( ثلاثة أقسام ( # ( قوم ( يريدون ما يهوونه فهؤلاء عبيد أنفسهم والشيطان # و ( قوم ( يزعمون أنهم فرغوا من الإرادة مطلقا ولم يبق لهم مراد إلا ما ~~يقدره الرب وأن هذا المقام هو أكمل المقامات ويزعمون أن من قام بهذا فقد ~~قام بالحقيقة وهى الحقيقة القدرية الكونية وأنه PageV10P496 شهد القيومية ~~العامة ويجعلون الفناء في شهود توحيد الربوبية هو الغاية وقد يسمون هذا ~~الجمع والفناء والإصطلام ونحو ذلك وكثير من الشيوخ زلقوا في هذا الموضع # وفى ( هذا المقام ( كان النزاع بين الجنيد بن محمد وبين طائفة من أصحابه ~~الصوفيه فإنهم إتفقوا على شهود توحيد الربوبية وإن الله خالق كل شيء وربه ~~ومليكه وهو شهود القدر وسموا هذا مقام الجمع فإنه خرج به عن الفرق ms3166 الأول ~~وهو الفرق الطبيعى بإرادة هذا وكراهة هذا ورؤية فعل هذا وترك هذا فإن ~~الإنسان قبل أن يشهد هذا التوحيد يرى للخلق فعلا يتفرق به قلبه في شهود ~~أفعال المخلوقات ويكون متبعا لهواه فيما يريده فإذا أراد الحق خرج بإرادته ~~عن إرادة الهوى والطبع ثم شهد أنه خالق كل شيء فخرج بشهود هذا الجمع عن ذاك ~~الفرق فلما إتفقوا على هذا ذكر لهم الجنيد بن محمد ( الفرق الثانى ( وهو ~~بعد هذا الجمع وهو الفرق الشرعى ألا ترى أنك تريد ما أمرت به ولا تريد ما ~~نهيت عنه وتشهد أن الله يستحق العبادة دون ما سواه وأن عبادته هي بطاعة ~~رسله فتفرق بين المأمور والمحظور وبين أوليائه وأعدائه وتشهد توحيد ~~الألوهية فنازعوه في هذا ( الفرق PageV10P497 # و ( منهم ( من لم يفهمه و ( منهم ( من إدعى أن المتكلم فيه لم يصل إليه # ثم أنك تجد كثيرا من الشيوخ إنما ينتهى إلى ذلك الجمع وهو ( توحيد ~~الربوبية ( والفناء فيه كما في كلام صاحب ( منازل السائرين مع جلالة قدره ~~مع أنه قطعا كان قائما بالأمر والنهى المعروفين لكن قد يدعون أن هذا لأجل ~~العامة # و ( منهم ( من يتناقض # و ( منهم ( من يقول الوقوف مع الأمر لأجل مصلحة العامة وقد يعبر عنهم ~~بأهل المارستان و ( # منهم ( من يسمى ذلك مقام التلبيس و ( منهم ( من يقول التحقيق أن يكون ~~الجمع في قلبك مشهودا والفرق على لسانك موجودا فيشهد بقلبه إستواء المأمور ~~والمحظور مع تفريقه بينهما # ومنهم ( من يرى أن هذه هى الحقيقة التى هي منتهى سلوك PageV10P498 ~~العارفين وغاية منازل الأولياء الصديقين # ومنهم ( من يظن أن الوقوف مع إرادة الأمر والنهى يكون في السلوك والبداية ~~وأما في النهاية فلا تبقى إلا إرادة القدر وهو في الحقيقة قول بسقوط ~~العبادة والطاعة فإن العبادة لله والطاعة له ولرسوله إنما تكون في إمتثال ~~الأمر الشرعى لا في الجرى مع المقدور وإن كان كفرا أو فسوقا أو عصيانا ومن ~~هنا صار كثير من السالكين من أعوان الكفار والفجار وخفرائهم حيث شهدوا ~~القدر ms3167 معهم ولم يشهدوا الأمر والنهى الشرعيين ومن هؤلاء من يقول من شهد ~~القدر سقط عنه الملام ويقولون ان الخضر إنما سقط عنه الملام لما شهد القدر # وأصحاب شهود القدر قد يؤتى أحدهم ملكا من جهة خرق العادة بالكشف والتصرف ~~فيظن ذلك كمالا في الولاية وتكون تلك ( الخوارق ( إنما حصلت بأسباب شيطانية ~~وأهواء نفسانية وإنما الكمال في الولاية أن يستعمل خرق العادات في إقامة ~~الأمر والنهى الشرعيين مع حصولهما بفعل المأمور وترك المحظور فإذا حصلت ~~بغير الأسباب الشرعية فهي مذمومة وأن حصلت بالأسباب الشرعية لكن إستعملت ~~ليتوصل بها إلى محرم كانت مذمومة وإن توصل بها إلى مباح PageV10P499 لا ~~يستعان بها على طاعة كانت للأبرار دون المقربين وأما أن حصلت بالسبب الشرعى ~~وأستعين بها على فعل الأمر الشرعى فهذه خوارق المقربين ( السابقين # فلا بد أن ينظر في ( الخوارق في أسبابها وغاياتها من أين حصلت وإلى ماذا ~~أوصلت كما ينظر في الأموال في مستخرجها ومصروفها ومن إستعملها أعنى الخوارق ~~في إرادته الطبيعية كان مذموما ومن كان خاليا عن الإرادتين الطبيعية ~~والشرعية فهذا حسبه أن يعفى عنه لكونه لم يعرف الإرادة الشرعية # وأما إن عرفها وأعرض عنها فإنه يكون مذموما مستحقا للعقاب أن لم يعف عنه ~~وهو يمدح بكون إرادته ليست بهواه لكن يجب مع ذلك أن تكون موافقة لأمر الله ~~تعالى ورسوله لا يكفيه أن تكون لا من هذا ولا من هذا مع أنه لا يمكن خلوه ~~عن الإرادة مطلقا بل لا بد له من إرادة فإن لم يرد ما يحبه الله ورسوله ~~أراد ما لا يحبه الله ورسوله لكن إذا جاهد نفسه على ترك ما تهواه بقى مريدا ~~لما يظن أنه مأمور به فيكون ضالا # فإن هذا يشبه حال الضالين من النصارى وقد قال تعالى ( إهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم PageV10P500 ولا ~~الضالين ( وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ~~ضالون ( # فاليهود لهم إرادات فاسدة منهى عنها كما أخبر عنهم بأنهم عصوا وكانوا ~~يعتدون ms3168 وهم يعرفون الحق ولا يعملون به فلهم علم لكن ليس لهم عمل بالعلم وهم ~~في الإرادة المذمومة المحرمة يتبعون أهواءهم ليسوا في الإرادة المحمودة ~~المأمور بها وهى إرادة ما يحبه الله ورسوله # والنصارى لهم قصد وعبادة وزهد لكنهم ضلال يعملون بغير علم فلا يعرفون ~~الإرادة التى يحبها الله ورسوله بل غاية أحدهم تجريد نفسه عن الإرادات فلا ~~يبقى مريدا لما أمر الله به ورسوله كما لا يريد كثيرا مما نهى الله عنه ~~ورسوله وهؤلاء ضالون عن مقصودهم فإن مقصودهم إنما هو في طاعة الله ورسوله ~~ولهذا كانوا ملعونين أى بعيدين عن الرحمة التى تنال بطاعة الله عز وجل # و ( العالم الفاجر ( يشبه اليهود و ( العابد الجاهل ( يشبه النصارى ومن ~~أهل العلم من فيه شيء من الأول ومن أهل العبادة من فيه شيء من الثانى ~~PageV10P501 # وهذا الموضع تفرق فيه بنوا آدم وتباينوا تباينا عظيما لا يحيط به إلا ~~الله ففيهم من لم يخلق الله خلقا أكرم عليه منه وهو خير البرية ومنهم من هو ~~شر البرية وأفضل الأحوال فيه حال الخليلين إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما ~~وسلم ومحمد سيد ولد آدم وأفضل الأولين والآخرين وخاتم النبيين وإمامهم إذا ~~إجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا وهو المعروج به إلى ما فوق الأنبياء كلهم ~~إبراهيم وموسى وغيرهما # وأفضل الأنبياء بعده ( إبراهيم ( كما ثبت في الصحيح عن أنس عن النبى ( إن ~~إبراهيم خير البرية ( وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقول في خطبة الجمعة ( خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى ~~محمد ( وكذلك كان عبد الله بن مسعود يخطب بذلك يوم الخميس كما رواه البخارى ~~في صحيحه # وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت ( ما ضرب رسول ~~الله خادما له ولا إمرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ~~وما نيل منه قط شيء فإنتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا إنتهكت ~~محارم الله لم يقم لغضبه شيء ms3169 حتى ينتقم لله PageV10P502 # وقال أنس خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لى أف قط ~~وما قال لى لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته ( وكان بعض ~~أهله إذا عنفنى على شيء قال ( دعوه فلو قضى شيء لكان ( # ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو أفضل الخلائق وسيد ولد آدم وله الوسيلة ~~في المقامات كلها ولم يكن حاله أنه لا يريد شيئا ولا أنه يريد كل واقع كما ~~أنه لم يكن حاله أنه يتبع الهوى بل هو منزه عن هذا وهذا قال الله تعالى ( ~~وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ( وقال تعالى ( وأنه لما قام عبد ~~الله يدعوه ( وقال تعالى ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ( وقال ( ~~سبحان الذى اسرى بعبده ليلا ( والمراد بعبده عابده المطيع لأمره وإلا فجميع ~~المخلوقين عباد بمعنى أنهم معبدون مخلوقون مدبرون # وقد قال الله لنبيه ( وإعبد ربك حتى يأتيك اليقين ( قال الحسن البصرى لم ~~يجعل الله لعمل المؤمن أجلا دون الموت وقد قال الله تعالى له ( وإنك لعلى ~~خلق عظيم ( قال إبن عباس ومن وافقه كإبن عيينة وأحمد بن حنبل على دين عظيم ~~و ( الدين ( فعل ما أمر به وقالت عائشة ( كان خلقه القرآن ( رواه مسلم وقد ~~أخبرت أنه لم يكن يعاقب لنفسه ولا ينتقم لنفسه لكن يعاقب لله PageV10P503 ~~وينتقم لله وكذلك أخبر أنس أنه كان يعفو عن حظوظه وأما حدود الله فقد قال ( ~~والذى نفسى بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ( أخرجاه في ~~الصحيحين # وهذا هو كمال الإرادة فإنه أراد ما يحبه الله ويرضاه من الإيمان والعمل ~~الصالح وأمر بذلك وكره ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان ونهى عن ~~ذلك كما وصفه الله تعالى بقوله ( ورحمتى وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى الأمى ~~الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم ms3170 الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم أصرهم والأغلال ~~التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه وإتبعوا النور الذى أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون ( # وأما لحظ نفسه فلم يكن يعاقب ولا ينتقم بل يستوفى حق ربه ويعفو عن حظ ~~نفسه وفى حظ نفسه ينظر إلى القدر فيقول ( لو قضى شيء لكان ( وفى حق الله ~~يقوم بالأمر فيفعل ما أمر الله به ويجاهد في سبيل الله أكمل الجهاد الممكن ~~فجاهدهم أولا بلسانه بالقرآن الذى أنزل عليه كما قال تعالى ( ولو شئنا ~~لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ( ثم لما ~~PageV10P504 هاجر إلى المدينة واذن له في القتال جاهدهم بيده وهذا مطابق ~~لما أخرجاه في الصحيحين عن أبى هريرة وهو معروف ايضا من حديث عمر بن الخطاب ~~عن النبى في حديث إحتجاج آدم وموسى لما لام موسى آدم لكونه أخرج نفسه ~~وذريته من الجنة بالذنب الذى فعله فأجابه آدم بان هذا كان مكتوبا على قبل ~~أن أخلق بمدة طويلة قال النبى ( فحج آدم موسى ( # وذلك لأن ملام موسى لآدم لم يكن لحق الله وإنما كان لما لحقه وغيره من ~~الآدميين من المصيبة بسبب ذلك الفعل فذكر له آدم أن هذا كان أمرا مقدرا لا ~~بد من كونه والمصائب التى تصيب العباد يؤمرون فيها بالصبر فإن هذا هو الذى ~~ينفعهم واما لومهم لمن كان سببا فيها فلا فائدة لهم في ذلك وكذلك ما فاتهم ~~من الأمور التى تنفعهم يؤمرون في ذلك بالنظر إلى القدر وأما التأسف والحزن ~~فلا فائدة فيه فما جرى به القدر من فوت منفعة لهم أو حصول مضرة لهم ~~فلينظروا في ذلك إلى القدر وأما ما كان بسبب أعمالهم فليجتهدوا في التوبة ~~من المعاصى والإصلاح في المستقبل فإن هذا الأمر ينفعهم وهو مقدور لهم ~~بمعونة الله لهم PageV10P505 وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ~~( المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير إحرص على ما ~~ينفعك وإستعن بالله ms3171 ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا ~~وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ( أمر النبى ~~بحرص العبد على ما ينفعه والإستعانة بالله ونهاه عن العجز وأنفع ما للعبد ~~طاعة الله ورسوله وهى عبادة الله تعالى وهذان الأصلان هما حقيقة قوله تعالى ~~( إياك نعبد وإياك نستعين ( ونهاه عن العجز وهو الإضاعة والتفريط والتوانى ~~كما قال في الحديث الآخر الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من ~~إتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى ( رواه الترمذى # وفى سنن ابى داود ( أن رجلين تحاكما إلى النبى فقضى على أحدهما فقال ~~المقضى عليه حسبى الله ونعم الوكيل فقال النبى إن الله يلوم على العجز ولكن ~~عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبى الله ونعم الوكيل ( فالكيس ضد العجز ~~وفى الحديث ( كل شيء بقدر حتى العجز والكيس ( رواه مسلم وليس المراد بالعجز ~~في كلام النبى ما يضاد PageV10P506 القدرة فإن من لا قدرة له بحال لا يلام ~~ولا يؤمر بما لا يقدر عليه بحال # ثم لما أمره بالإجتهاد والإستعانة بالله ونهاه عن العجز أمره إذا غلبه ~~أمر أن ينظر إلى القدر ويقول قدر الله وما شاء فعل ولا يتحسر ويتلهف ويحزن ~~ويقول لو أنى فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان # وقد قال بعض الناس في هذا المعنى الأمر أمران أمر فيه حيلة وأمر لا حيلة ~~فيه فما فيه حيلة لا يعجز عنه وما لا حيلة فيه لا يجزع منه وهذا هو الذى ~~يذكره أئمة الدين كما ذكر ( الشيخ عبد القادر ( وغيره فإنه لا بد من فعل ~~المأمور وترك المحظور والرضا والصبر على المقدور وقد قال تعالى حكاية عن ~~يوسف ( أنا يوسف وهذا اخى قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين ( # ( فالتقوى ( تتضمن فعل المأمور وترك المحظور و ( الصبر ( يتضمن الصبر على ~~المقدور وقد قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا ms3172 تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا إلى قوله وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ( فبين ~~سبحانه انه مع التقوى والصبر لا يضر PageV10P507 المؤمنين كيد أعدائهم ~~المنافقين وقال تعالى ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ~~ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ( فبين أنه مع الصبر والتقوى يمدهم ~~بالملائكة وينصرهم على أعدائهم الذين يقاتلونهم # وقال تعالى ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا اذى كثيرا وأن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور ( فأخبرهم أن أعداءهم من المشركين وأهل الكتاب لا بد أن يؤذوهم ~~بألسنتهم وأخبر أنهم إن يصبروا ويتقوا فإن ذلك من عزم الأمور فالصبر ~~والتقوى يدفع شر العدو المظهر للعداوة المؤذين بألسنتهم والمؤذين بأيديهم ~~وشر العدو المبطن للعداوة وهم المنافقون وهذا الذى كان خلق النبى وهديه هو ~~أكمل الأمور # فأما من أراد ما يحبه الله تارة وما لا يحبه تارة أو لم يرد لا هذا ولا ~~هذا فكلاهما دون خلق رسول الله وأن لم يكن على واحد منهما إثم كالذى يريد ~~ما أبيح له من نيل الشهوة المباحة والغضب والإنتقام المباح كما هو خلق بعض ~~الأنبياء والصالحين فهو وإن كان جائزا لا إثم فيه فخلق رسول الله أكمل منه ~~PageV10P508 وكذلك من لم يرد الشهوات المباحة وإن كان يستعان بها على أمر ~~مستحب ولم يرد أن يغضب وينتقم ويجاهد إذا جاز العفو وإن كان الإنتقام لله ~~أرضى لله كما هو أيضا خلق بعض الأنبياء والصالحين فهذا وإن كان جائزا لا ~~إثم فيه فخلق رسول الله أكمل منه # وهذا والذى قبله إذا كان شريعة لنبى فلا عيب على نبى فيما شرع الله له ~~لكن قد فضل الله بعض النبيين على بعض وفضل بعض الرسل على بعض والشريعة التى ~~بعث الله بها محمدا أفضل الشرائع إذ كان محمد أفضل الأنبياء والمرسلين ~~وامته خير أمة أخرجت للناس قال أبو هريرة في قوله تعالى ( كنتم خير أمة ~~اخرجت للناس ( كنتم خير الناس للناس ms3173 تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى ~~تدخلوهم الجنة يبذلون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس فهم خير الأمم ~~للخلق والخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله وأما غير الأنبياء ~~فمنهم من يكون ذلك شرعة لاتباعه لذلك النبى وأما من كان من أهل شريعة محمد ~~ومنهاجه فإن كان ما تركه واجبا عليه وما فعله محرما عليه كان مستحقا للذم ~~والعقاب إلا أن يكون متأولا مخطئا فالله قد وضع عن هذه الأمة PageV10P509 ~~الخطأ والنسيان وذنب أحدهم قد يعفو الله عنه باسباب متعددة # ومن أسباب هذا الإنحراف أن من الناس من تغلب عليه ( طريقة الزهد ( في ~~إرادة نفسه فيزهد في موجب الشهوة والغضب كما يفعل ذلك من يفعله من عباد ~~المشركين وأهل الكتاب كالرهبان وأشباههم وهؤلاء يرون الجهاد نقصا لما فيه ~~من قتل النفوس وسبى الذرية وأخذ الأموال ويرون أن الله لم يجعل عمارة بيت ~~المقدس على يد داود لأنه جرى على يديه سفك الدماء # ومنهم من لا يرى ذبح شيء من الحيوان كما عليه البراهمة ومنهم من لا يحرم ~~ذلك لكنه هو يتقرب إلى الله بأنه لا يذبح حيوانا ولا يأكل لحمه ولا ينكح ~~النساء ويقول مادحه فلان ما نكح ولا ذبح # وقد أنكر النبى على هؤلاء كما في الصحيحين عن أنس ( أن نفرا من أصحاب ~~النبى سألوا أزواج النبى عن عمله في السر فقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال ~~بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أنام على فراش فبلغ ذلك النبى فحمد الله ~~وأثنى عليه وقال ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكنى اصلى وأنام PageV10P510 ~~واصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى وقد قال ~~تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ( نزلت في ~~عثمان بن مظعون وطائفة معه كانوا قد عزموا على التبتل ونوع من الترهب وفى ~~الصحيحين عن سعد قال رد رسول الله على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لا ~~إختصينا # و ( الزهد ( النافع المشروع الذى ms3174 يحبه الله ورسوله هو الزهد فيما لا ينفع ~~في الآخرة فاما ما ينفع في الآخرة وما يستعان به على ذلك فالزهد فيه زهد في ~~نوع من عبادة الله وطاعته والزهد إنما يراد لأنه زهد فيما يضر أو زهد فيما ~~لا ينفع فأما الزهد في النافع فجهل وضلال كما قال النبى ( أحرص على ما ~~ينفعك وإستعن بالله ولا تعجزن ( # والنافع للعبد هو عبادة الله وطاعته وطاعة رسوله وكلما صده عن ذلك فإنه ~~ضار لا نافع ثم الأنفع له أن تكون كل أعماله عبادة لله وطاعة له وان أدى ~~الفرائض وفعل مباحا لا يعينه على الطاعة فقد فعل ما ينفعه وما لا ينفعه ولا ~~يضره # وكذلك ( الورع ( المشروع هو الورع عما قد تخاف عاقبته وهو PageV10P511 ما ~~يعلم تحريمه وما يشك في تحريمه وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله مثل محرم ~~معين مثل من يترك أخذ الشبهة ورعا مع حاجته إليها ويأخذ بدل ذلك محرما بينا ~~تحريمه أو يترك واجبا تركه أعظم فسادا من فعله مع الشبهة كمن يكون على أبيه ~~أو عليه ديون هو مطالب بها وليس له وفاء إلا من مال فيه شبهة فيتورع عنها ~~ويدع ذمته أو ذمة أبيه مرتهنة # وكذلك من ( الورع ( الإحتياط بفعل ما يشك في وجوبه لكن على هذا الوجه ~~وتمام ( الورع ( أن يعم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين ويعلم أن الشريعة ~~مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فمن لم ~~يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع ~~واجبات ويفعل محرمات ويرى ذلك من الورع كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ~~ويرى ذلك ورعا ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ~~ويرى ذلك من الورع ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في ~~صاحبه من بدعة خفية ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذى يجب سماعه من الورع ~~PageV10P512 # وكذلك ( الزهد والرغبة ( من لم يراع ما يحبه الله ورسوله من الرغبة ~~والزهد وما يكرهه من ms3175 ذلك وإلا فقد يدع واجبات ويفعل محرمات مثل من يدع ما ~~يحتاج إليه من الأكل أو أكل الدسم حتى يفسد عقله أو تضعف قوته عما يجب عليه ~~من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده أو يدع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~والجهاد في سبيل الله لما في فعل ذلك من أذى بعض الناس والإنتقام منهم حتى ~~يستولى الكفار والفجار على الصالحين الأبرار فلا ينظر المصلحة الراجحة في ~~ذلك # وقد قال تعالى ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد ~~عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل ( # يقول سبحانه وتعالى ( وإن كان قتل النفوس فيه شر فالفتنة الحاصلة بالكفر ~~وظهور أهله أعظم من ذلك فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما # وكذلك الذى يدع ذبح الحيوان أو يرى أن في ذبحه ظلما له هو جاهل فإن هذا ~~الحيوان لا بد ان يموت فإذا قتل لمنفعة الآدميين PageV10P513 وحاجتهم كان ~~خيرا من أن يموت موتا لا ينتفع به أحد والآدمى أكمل منه ولا تتم مصلحته إلا ~~بإستعمال الحيوان في الأكل والركوب ونحو ذلك لكن ما لا يحتاج إليه من ~~تعذيبه نهى الله عنه كصبر البهائم وذبحها في غير الحلق واللبة مع القدرة ~~على ذلك وأوجب الله الإحسان بحسب الإمكان فيما أباحه من القتل والذبح كما ~~في صحيح مسلم عن شداد بن أوس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن ~~الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا ~~الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ( # وهؤلاء الذين زهدوا في ( الإرادات ( حتى فيما يحبه الله ورسوله من ~~الإرادات بازائهم ( طائفتان ( # ( طائفة ( رغبت فيما كره الله ورسوله الرغبة فيه من الكفر والفسوق ~~والعصيان ( # و ( طائفة ( رغبت فيما أمر الله ورسوله لكن لهواء أنفسهم لا لعبادة الله ~~تعالى وهؤلاء الذين يأتون بصور الطاعات مع فساد النيات كما في الصحيحين عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه قيل له يا رسول ms3176 الله الرجل يقاتل شجاعة ~~ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأى ذلك في سبيل الله فقال من قاتل لتكون كلمة ~~الله هي العليا PageV10P514 فهو في سبيل الله ( قال تعالى ( إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا ( # وهؤلاء أهل إرادات فاسدة مذمومة فهم مع تركهم الواجب فعلوا المحرم وهم ~~يشبهون اليهود كما يشبه أؤلئك النصارى قال تعالى ( ضربت عليهم الذلة أينما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون ( وقال تعالى ( سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ( وقال تعالى ( وإتل عليهم ~~نبأ الذى آتيناه آياتنا فإنسلخ منها فإتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو ~~شئنا لرفعناه بها ( إلى قوله ( وإتبع هواه فمثله كمثل الكلب أن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم ~~يتفكرون ( # فهؤلاء يتبعون أهواءهم غيا مع العلم بالحق وأولئك يتبعون اهواءهم مع ~~الضلال والجهل بالحق كما قال تعالى ( لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل PageV10P515 وكلا الطائفتين تاركة ما ~~أمر الله ورسوله به من الإرادات والأعمال الصالحة مرتكبة لما نهى الله ~~ورسوله عنه من الإرادات والأعمال الفاسدة ) ### ||| فصل # فأمر الشيخ عبد القادر وشيخه حماد الدباس وغيرهما من المشائخ اهل ~~الإستقامة رضى الله عنهم بأنه لا يريد السالك مرادا قط وأنه لا يريد مع ~~إرادة الله عز وجل سواها بل يجرى فعله فيه فيكون هو مراد الحق إنما قصدوا ~~به فيما لم يعلم العبد أمر الله ورسوله فيه فأما ما علم ان الله أمر به ~~فعليه أن يريده ويعمل به وقد صرحوا بذلك في غير موضع وإن كان غيرهم من ~~الغالطين ms3177 يرى القيام بالإرادة الخلقية هو الكمال وهو ( الفناء في توحيد ~~الربوبية ( وأن السلوك إذا إنتهى إلى هذا الحد فصاحبه إذا قام بالأمر فلأجل ~~غيره أو أنه لا يحتاج أن يقوم بالأمر فتلك أقوال وطرائق فاسدة قد تكلم ~~عليها في غير هذا الموضع # فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض ~~وإبراهيم بن أدهم وأبى سليمان الدارانى ومعروف PageV10P516 الكرخى والسرى ~~السقطى والجنيد بن محمد وغيرهم من المتقدمين ومثل الشيخ عبد القادر والشيخ ~~حماد والشيخ أبى البيان وغيرهم من المتأخرين فهم لا يسوغون للسالك ولو طار ~~في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهى الشرعيين بل عليه أن ~~يفعل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت وهذا هو الحق الذى دل عليه الكتاب ~~والسنة وإجماع السلف # وهذا كثير في كلامهم كقول الشيخ عبد القادر في كتاب ( فتوح الغيب ( أخرج ~~من نفسك وتنح عنها وإنعزل عن ملكك وسلم الكل إلى الله تبارك وتعالى وكن ~~بوابه على باب قلبك وإمتثل امره تبارك وتعالى في إدخال من يأمرك بإدخاله ~~وإنته نهيه في صد من يأمرك بصده فلا تدخل الهوى قلبك بعد أن خرج منه واخراج ~~الهوى من القلب بمخالفته وترك متابعته في الأحوال كلها وإدخاله في القلب ~~بمتابعته وموافقته فلا ترد إرادة غير إرادته تبارك وتعالى وغير ذلك منك غير ~~وهو واد الحمقى وفيه حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه تبارك وتعالى وحجابك عنه # إحفظ أبدا أمره وإنته أبدا نهيه وسلم إليه ابدا مقدوره ولا تشركه بشيء من ~~خلقه فإرادتك وهواك وشهواتك خلقه فلا ترد ولا تهوى ولا تشته لئلا يكون شركا ~~قال الله تعالى ( فمن كان PageV10P517 يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا ( ليس الشرك عبادة الأصنام فحسب بل هو أيضا متابعتك ~~لهواك وأن تختار مع ربك شيئا سواه من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها فما ~~سواه تبارك وتعالى غيره فإذا ركنت إلى غيره فقد أشركت به غيره فإحذر ولا ~~تركن وخف ولا تأمن وفتش ms3178 ولا تغفل فتطمئن ولا تضف إلى نفسك حالا ولا مقاما ~~ولا تدع شيئا من ذلك # وقال ( الشيخ عبد القادر ( أيضا ( إنما هو الله ونفسك وأنت المخاطب ~~والنفس ضد الله وعدوته والأشياء كلها تابعة لله فإذا وافقت الحق في مخالفة ~~النفس وعداوتها كنت خصما له على نفسك إلى أن قال # ( فالعبادة ( في مخالفتك نفسك وهواك قال تعالى ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله ( إلى أن قال # ( والحكاية المشهورة عن أبى يزيد البسطامى رحمه الله تعالى لما رأى رب ~~العزة في المنام فقال له كيف الطريق إليك فقال أترك نفسك وتعال قال أبوزيد ~~فإنسلخت من نفسى كما تنسلخ الحية من جلدها # فإذا ثبت أن الخير كله في معاداتها في الجملة في الأحوال كلها فإن ~~PageV10P518 كنت في حال التقوى فخالف النفس بان تخرج من أجرام الخلق وشبههم ~~ومنتهم والإتكال عليهم والثقة بهم والخوف منهم والرجاء لهم والطمع فيما ~~عندهم من حطام الدنيا فلا ترج عطاءهم على طريق الهدية أو الزكاة أو الصدقة ~~أو الكفارة أو النذر فإقطع همك منهم من سائر الوجوه والأسباب فإخرج من ~~الخلق جدا وإجعلهم كالباب يرد ويفتتح وكالشجرة يوجد فيها ثمرة تارة وتحيل ~~أخرى كل ذلك بفعل فاعل وتدبير مدبر وهو الله تبارك وتعالى # فإذا صح لك هذا كنت موحدا له تبارك وتعالى ولا تنس مع ذلك كسبهم لتتخلص ~~من مذهب الجبرية وإعتقد ان الأفعال لا تتم لهم دون الله تبارك وتعالى لكيلا ~~تعبدهم وتنسى الله تعالى ولا تقبل فعلهم دون الله فتكفر وتكون قدريا ولكن ~~قل هي لله خلقا وللعباد كسبا كما جاءت به الآثار لبيان موضع الجزاء من ~~الثواب والعقاب وإمتثل أمر الله فيهم وخلص قسمك منهم بأمره ولا تجاوزه ~~فحكمه قائم يحكم عليك وعليهم فلا تكن أنت الحاكم وكونك معهم قدر والقدر ~~ظلمة فإدخل في الظلمة بالمصباح وهو ( الحكم ( كتاب الله وسنة رسوله لا تخرج ~~عنهما # فإن خطر خاطر أو وجدت إلهاما فإعرضهما على الكتاب والسنة فإن وجدت فيهما ~~تحريم ذلك مثل ان تلهم بالزنى ms3179 أو الربا أو مخالطة PageV10P519 أهل الفسوق ~~والفجور وغير ذلك من المعاصى فإدفعه عنك وإهجره ولا تقبله ولا تعمل به ~~وإقطع بأنه من الشيطان اللعين وإن وجدت فيهما إباحته كالشهوات المباحة من ~~الأكل والشرب واللبس والنكاح فإهجره أيضا ولا تقبله وإعلم أنه من إلهام ~~النفس وشهواتها وقد أمرت بمخالفتها وعداوتها # ( قلت ومراده بهجر المباح إذا لم يكن مامورا به كما قد بين مراده في غير ~~هذا الموضع فإن المباح المأمور به إذا فعله بحكم الأمر كان ذلك من أعظم ~~نعمة الله عليه وكان واجبا عليه وقد قدمت أنه يدعو إلى طريقة السابقين ~~المقربين لا يقف عند طريقة الأبرار أصحاب اليمين # قال ( وإن لم تجد في الكتاب والسنة تحريمه ولا أباحته بل هو أمر لا تعقله ~~مثل ان يقال لك أئت موضع كذا وكذا الق فلانا الصالح ولا حاجة لك هناك ولا ~~في الصالح لإستغنائك عنه بما أولاك الله تعالى من نعمة من العلم والمعرفة ~~فتوقف في ذلك ولا تبادر إليه فتقول هل هذا الهام إلا من الحق فإعمل به بل ~~أنتظر الخير في ذلك وفعل الحق بأن يتكرر ذلك الإلهام وتؤمر بالسعى أو علامة ~~تظهر لأهل العلم بالله تبارك وتعالى يفعلها العقلاء من أولياء الله ~~والمؤيدون من الإبدال # وإنما لم تبادر إلى ذلك لأنك لا تعلم عاقبته وما يؤول الأمر إليه وربما ~~PageV10P520 كان فيه فتنة وهلاك ومكر من الله وإمتحان فإصبر حتى يكون عز ~~وجل هو الفاعل فيك فإذا تجرد الفعل وحملت إلى هناك وإستقبلتك فتنة كنت ~~محمولا محفوظا فيها لأن الله تعالى لا يعاقبك على فعله وإنما تتطرق ~~العقوبات نحوك لكونك في الشيء ( # قلت فقد أمر رضى الله عنه بأن ما كان محظورا في الشرع يجب تركه ولا بد ~~وما كان معلوما أنه مباح بعينه لكونه يفعل بحكم الهوى لا بأمر الشارع فيترك ~~أيضا وأما ما لم يعلم هل هو بعينه مباح لا مضرة فيه أو فيه مضرة مثل السفر ~~إلى مكان معين أو شخص معين والذهاب إلى مكان معين ms3180 أو شخص معين فإن جنس هذا ~~العمل ليس محرما ولا كل افراده مباحة بل يحرم على الإنسان أن يذهب إلى حيث ~~يحصل له ضرر في دينه فأمره بالكف عن الذهاب حتى يظهر أو يتبين له في الباطن ~~أن هذا مصلحة لأنه إذا لم يتبين له أن الذهاب واجب أو مستحب لم ينبغ له ~~فعله وإذا خاف الضرر ينبغى له تركه فإذا أكره على الذهاب لم يكن عليه حرج ~~فلا يؤاخذ بالفعل بخلاف ما إذا فعله بإختياره أو شهوته وإذ تبين له أنه ~~مصلحة راجحة كان حسنا # وقد جاءت شواهد السنة بأن من إبتلى بغير تعرض منه أعين ومن تعرض للبلاء ~~خيف عليه مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة ( لا تسأل ~~الإمارة فإنك أن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها PageV10P521 عن ~~غير مسألة أعنت عليها ( ومنه قوله ( لا تتمنوا لقاء العدو وإسألوا الله ~~العافية فإذا لقيتموهم فإصبروا ( وفى السنن ( من سأل القضاء وإستعان عليه ~~بالشفعاء وكل إليه ومن لم يسأل القضاء ولم يستعن عليه انزل الله عليه ملكا ~~يسدده وفى رواية وإن أكره عليه ( وفى الصحيحين أنه قال في الطاعون ( إذا ~~سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا ~~منه ( وعنه أنه ( نهى عن النذر ( ومنه قوله ( ذرونى ما تركتم فإنما هلك من ~~كان قبلكم بكثرة سؤالهم وإختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء ~~فإجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما إستطعتم ### ||| فصل # قال ( الشيخ عبد القادر ( وإن كنت في حال الحقيقة وهى حال الولاية فخالف ~~هواك وإتبع الأمر في الجملة وإتباع الأمر على ( قسمين ( # ( أحدهما ( أن تأخذ من الدنيا القوت الذى هو حق النفس وتترك الحظ وتؤدى ~~الفرض وتشتغل بترك الذنوب ما ظهر منها وما بطن PageV10P522 # و ( القسم الثانى ( ما كان بأمر باطن وهو أمر الحق تبارك وتعالى يأمر ~~عبده وينهاه وإنما يتحقق هذا الأمر في المباح الذى ليس حكما في الشرع على ~~معنى انه ليس من قبيل النهى ms3181 ولا من قبيل الأمر الواجب بل هو مهمل ترك العبد ~~يتصرف فيه بإختياره فسمى مباحا فلا يحدث العبد فيه شيئا من عنده بل ينتظر ~~الأمر فيه فإذا أمر إمتثل فيصير جميع حركاته وسكناته بالله تعالى ما في ~~الشرع حكمه فبالشرع وما ليس له حكم في الشرع فبالأمر الباطن فحينئذ يصير ~~محققا من أهل الحقيقة وما ليس فيه أمر باطن فهو مجرد الفعل حالة التسليم # وإن كنت في حالة حق الحق وهى حالة المحق والفناء حالة الإبدال المنكسرى ~~القلوب لأجل الحق الموحدين العارفين أرباب العلوم والفعل السادة الأمراء ~~السخى الخفراء للحق خلفاء الرحمن وأجلائه واعيانه وأحبابه عليهم السلام ~~فإتباع الأمر فيها بمخالفتك إياك بالتبرى من الحول والقوة وان لا تكون لك ~~إرادة وهمة في شيء البتة دنيا وأخرى عبد الملك لا عبد الملك وعبد الأمر لا ~~عبد الهوى كالطفل مع الظئر والميت الغسيل مع الغاسل والمريض المغلوب على ~~حسه مع الطبيب فيما سوى الأمر والنهى # وقال أيضا ( إتبع الشرع في جميع ما ينزل بك إن كنت في PageV10P523 حال ~~التقوى التى هي القدم الأولى وإتبع الأمر في حاله الولاية ووجود الهوى ولا ~~تتجاوزه وهى القدم الثانية وأرض بالفعل ووافق وافن في حالة البدلية ~~والعينية والصديقية وهى المنتهى تنح عن الطريق القذر خل عن سبيله رد نفسك ~~وهواك كف لسانك عن الشكوى فإذا فعلت ذلك إن كان خيرا زادك المولى طيبة ولذة ~~وسرورا وإن كان شرا حفظك في طاعته فيه وأزال عنك الملامة واقعدك فيه حتى ~~يتجاوز ويريحك عند إنقضاء أجله كما ينقضى الليل فيسفر عن النهار والبرد في ~~الشتاء فيسفر عن الصيف ذلك النموذج عندك فإعتبر به ثم ذنوب وآثام وأجرام ~~وتلويث بأنواع المعاصى والخطايا ولا يصلح لمجالسة الكريم إلا طاهر عن أنجاس ~~الذنوب والزلات ولا يقبل على شدته إلا طيب من دون الدعوى والهواشات كما لا ~~يصلح لمجالسة الملوك إلا الطاهر من الأنجاس وأنواع النتن والأوساخ فالبلايا ~~مكفرات قال النبى ( حمى يوم كفارة سنة ( # قلت ( فقد بين الشيخ عبد القادر رضى ms3182 الله عنه أن لزوم الأمر والنهى لا بد ~~منه في كل مقام وذكر الأحوال الثلاث التى جعلها حال صاحب التقوى وحال ~~الحقيقة وحال حق الحق وقد فسر مقصوده بأنه لا بد للعبد في كل حال من أن ~~يريد فعل ما أمر به PageV10P524 في الشرع وترك ما نهى عنه في الشرع وأنه ~~إذا أمر العبد بترك إرادته فهو فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه وهذا حق فإنه ~~لم يؤمر به فتكون له إرادة في وجوده ولا نهى عنه فتكون له إرادة في عدمه ~~فيخلو في مثل هذا عن إرادة النقيضين # وقد بين ان صاحب الحقيقة عليه أن يلزم الأمر دائما الأمر الشرعى الظاهر ~~أن عرفه أو الأمر الباطن وبين ان الأمر الباطن إنما يكون فيما ليس بواجب في ~~الشرع ولا محرم وأن مثل هذا ينتظر فيه الأمر الخاص حتى يفعله بحكم الأمر # فإن قلت فما الفرق بين هذا وبين صاحب التقوى الذى قبله وصاحب الحق الذى ~~بعده # قيل أما الذى بعده الذين سماهم ( الإبدال ( فهم الذين لا يفعلون إلا بأمر ~~الحق ولا يفعلون إلا به فلا يشهدون لأنفسهم فعلا فيما فعلوه من الطاعة بل ~~يشهدون أنه هو الفاعل بهم ما قام بهم من طاعة أمره ولهذا قال فإتباع الأمر ~~فيها مخالفتك إياك بالتبرى من الحول والقوة # فهؤلاء يشهدون توحيد الربوبية مع توحيد الإلهية فيشهدون PageV10P525 أن ~~الله هو الذى خلق ما قام بهم من أفعال البر والخير فلا يرون لأنفسهم حمدا ~~ولا منة على أحد ويرون ان الله خالق أفعال العباد فلا يرون احدا مسيئا ~~إليهم ولا يرون لهم حقا على أحد إذ قد شهدوا أن الله خالق كل شيء من افعال ~~العباد وغيرها وهم يعلمون أن العباد لا يستحقون من أنفسهم ولا بأنفسهم على ~~الله شيئا بل هو الذى كتب على نفسه الرحمة ويشهدون انه يستحق ان يعبد ولا ~~يشرك به شيء وانه يستحق ان يتقى حق تقاته وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى ويذكر ~~فلا ينسى ويشكر فلا يكفر ms3183 فيرون أن ما قام بهم من العمل الصالح فهو جوده ~~وفضله وكرمه له الحمد في ذلك # ويشهدون أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأما ما قام بالعباد من أذاهم فهو ~~خلقه وهو من عدله وما تركه الناس من حقوقهم التى يستحقونها على الناس فهو ~~الذى لم يخلقه وله الحمد على كل حال على ما فعل وما لم يفعل ولهذا كانوا ~~منكسرة قلوبهم لشهودهم وجوده الكامل وعدمهم المحض ولا أعظم إنكسارا ممن لم ~~ير لنفسه إلا العدم لا يرى له شيئا ولا يرى به شيئا # وصاحب الحقيقة الذى هو دون هذا قد شاركه في إخلاص الدين لله وأنه لا يفعل ~~إلا ما أمر به فلا يفعل إلا لله لكن قصر عنه في شهود توحيد الربوبية ورؤيته ~~وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله PageV10P526 وأنه ليس له في الحقيقة شيء بل ~~الرب هو الخالق الفاعل لكل ما قام به وإن كمال هذا الشهود لا يبقى شيئا من ~~العجب ولا الكبر ونحو ذلك فكلاهما قائم بالأمر مطيع لله لكن هذا يشهد أن ~~الله هو الذى جعله مسلما مصليا وأنه في الحقيقة لم يحدث شيئا وذاك وإن كان ~~يؤمن بهذا ويصدق به إذ كان مقرى بأن الله خالق أفعال العباد لكن قد لا ~~يشهده شهودا يجعله فيه بمنزلة المعدوم # و ( أيضا ( بينهما فرق من جهة ثانية وهى ان الأول تكون له إرادة وهمة في ~~أمور فيتركها فهو يميز في مراداته بينما يؤمر به وما ينهى عنه وما لا يؤمر ~~به ولا ينهى عنه ولهذا لم يبق له مراد أصلا إلا ما أراده الرب أما أمرا به ~~فيمتثله هو بالله وإما فعلا فيه فيفعله الله به ولهذا شبهه بالطفل مع الظئر ~~في غير الأمر والنهى # وأما ( الأول ( الذى هو في مقام التقوى العامة فإن له شهوات للمحرمات وله ~~إلتفات إلى الخلق وله رؤية نفسه فيحتاج إلى المجاهدة بالتقوى بأن يكف عن ~~المحرمات وعن تناول الشهوات بغير الأمر فهذا يحتاج أن يميز بين ما يفعله ms3184 ~~وما لا يفعله وهو التقوى وصاحب الحقيقة لم يبق له ما يفعله إلا ما يؤمر به ~~فقط فلا يفعل إلا ما أمر به في الشرع وما كان مباحا لم يفعل إلا ما أمر به ~~PageV10P527 # وأما ( الثالث ( فقد تم شهوده في أنه لا يفعل إلا لله وبالله فلا يفعل ~~إلا ما أمر الله به لله ويشهد أن الله هو الذى فعل ذلك في الحقيقة ولا تكون ~~له همة إرادة أن يفعل لنفسه ولا لغير الله ولا يفعل بنفسه ولا بغير الله ~~تعالى # و ( الثلاثة ( مشتركون في الطريق في أن كلا منهم لا يفعل إلا الطاعة لكن ~~يتفاوتون بكمال المعرفة والشهادة وبصفاء النية والإرادة والله أعلم # فإن قيل كلام الشيخ كله يدور على أنه يتبع الأمر مهما أمكن معرفته باطنا ~~وظاهرا وما ليس فيه أمر باطنا ولا ظاهرا يكون فيه مسلما لفعل الرب بحيث لا ~~يكون له إختيار لا في هذا ولا في هذا بل إن عرف الأمر كان معه وإن لم يعرفه ~~كان مع القدر فهو مع أمر الرب ان عرف وإلا فمع خلقه فإنه سبحانه له الخلق ~~والأمر وهذا يقتضى أن من الحوادث ما ليس فيه أمر ولا نهى فلا يكون لله فيه ~~حكم لا بإستحباب ولا كراهة وقد صرح بذلك هو والشيخ حماد الدباس وأن السالك ~~يصل إلى أمور لا يكون فيها حكم شرعى بأمر ولا نهى بل يقف العبد مع القدر ~~وهذا الموضع هو الذى يكون السالك فيه عندهم مع ( الحقيقة القدرية ( المحضة ~~إذ ليس هنا حقيقة شرعية PageV10P528 وهذا مما ينازعهم فيه أهل العلم ~~بالشريعة ويقولون ( الفعل ( أما أن يكون بالنسبة إلى الشرع وجوده راجحا على ~~عدمه وهو الواجب والمستحب وإما ان يكون عدمه راجحا على وجوده وهو المحرم ~~والمكروه وأما أن يستوى الأمران وهو المباح وهذا التقسيم بحسب الأمر المطلق # ثم ( الفعل المعين ( الذى يقال هو مباح إما أن تكون مصلحته راجحة للعبد ~~لإستعانته به على طاعته ولحسن نيته فهذا يصير أيضا محبوبا راجح الوجود بهذا ~~الإعتبار ms3185 وإما أن يكون مفوتا للعبد ما هو أفضل له كالمباح الذى يشغله عن ~~مستحب فهذا عدمه خير له # والسالك المتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض لا يكون المباح المعين في ~~حقه مستوى الطرفين فإنه إذا لم يستعن به على طاعته كان تركه وفعل الطاعة ~~مكانه خيرا له وإنما قدر وجوده وعدمه سواء إذا كان مع عدمه يشتغل بمباح ~~مثله فيقال لا فرق بين هذا وهذا فهذا يصلح للأبرار اهل اليمين الذين ~~يتقربون إلى الله بالفرائض كأداء الواجبات وترك المحرمات ويشتغلون مع ذلك ~~بمباحات فهؤلاء قد يكون المباح المعين يستوى وجوده وعدمه في حقهم إذا كانوا ~~عند عدمه يشتغلون بمباح آخر ولا سبيل إلى أن تترك النفس فعلا أن ~~PageV10P529 لم تشتغل بفعل آخر يضاد الأول إذ لا تكون معطلة عن جميع ~~الحركات والسكنات # ومن هذا أنكر الكعبى ( المباح ( في الشريعة لأن كل مباح فهو يشتغل به عن ~~محرم وترك المحرم واجب ولا يمكنه تركه إلا أن يشتغل بضده وهذا المباح ضده ~~والأمر بالشيء نهى عن ضده والنهى عنه أمر بضده إن لم يكن له إلا ضد واحد ~~وإلا فهو أمر بأحد أضداده فأى ضد تلبس به كان واجبا من باب الواجب المخير # وسؤال الكعبى هذا أشكل على كثير من النظار فمنهم من إعترف بالعجز عن ~~جوابه كأبى الحسن الآمدى وقواه طائفة بناء على أن النهى عن الشيء امر بضده ~~كأبى المعالى ومنهم من قال هذا فيما إذا كانت أضداده محصورة فأما ما ليست ~~اضداده محصورة فلا يكون النهى عنه امرا بأحدهما كما يفرق بين الواجب المطلق ~~والواجب المخير فيقال في المخير هو أمر بأحد الثلاثة ويقال في المطلق هو ~~أمر بالقدر المشترك وجدنا أبو البركات يميل إلى هذا # وقد ألزموا ( الكعبى ( إذا ترك الحرام بحرام آخر وهو قد يقول عليه ترك ~~المحرمات كلها إلى ما ليس بمحرم بل إما مباح وإما مستحب وإما واجب ~~PageV10P530 # و ( تحقيق الأمر ( أن قولنا الأمر بالشيء نهى عن ضده واضداده والنهى عنه ~~أمر بضده أو بأحد ms3186 أضداده من جنس قولنا الأمر بالشيء امر بلوازمه وما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب والنهى عن الشيء نهى عما لا يتم إجتنابه إلا به فإن ~~وجود المأمور يستلزم وجود لوازمه وإنتفاء اضداده بل وجود كل شيء هو كذلك ~~يستلزم وجوده وانتفاء أضداده وعدم النهي عنه بل وعدم كل شيء يستلزم عدم ~~ملزوماته وإذا كان لا يعدم إلا بضد يخلقه كالأكوان فلا بد عند عدمه من وجود ~~بعض اضداده فهذا حق في نفسه لكن هذه اللوازم جاءت من ضرورة الوجود وأن لم ~~يكن مقصوده الأمر والفرق ثابت بين ما يؤمر به قصدا وما يلزمه في الوجود # ( فالأول ( هو الذى يذم ويعاقب على تركه بخلاف ( الثانى ( فإن من أمر ~~بالحج أو الجمعة وكان مكانه بعيدا فعليه أن يسعى من المكان البعيد والقريب ~~يسعى من المكان القريب فقطع تلك المسافات من لوازم المأمور به ومع هذا فإذا ~~ترك هذان الجمعة والحج لم تكن عقوبة البعيد أعظم من عقوبة القريب بل ذلك ~~بالعكس أولى مع أن ثواب البعيد أعظم فلو كانت اللوازم مقصوده للأمر لكان ~~يعاقب بتركها فكان يكون عقوبة البعيد أعظم وهذا باطل قطعا # وهكذا إذا فعل المأمور به فإنه لا بد من ترك أضداده لكن PageV10P531 # ترك الأضداد هو من لوازم فعل المأمور به ليس مقصودا للأمر بحيث أنه إذا ~~ترك المأمور به عوقب على تركه لا على فعل الإضداد التى إشتغل بها وكذلك ~~المنهى عنه مقصود الناهى عدمه ليس مقصوده فعل شيء من اضداده وإذا تركه ~~متلبسا بضد له كان ذلك من ضرورة الترك # وعلى هذا إذا ترك حراما بحرام آخر فإنه يعاقب على الثانى ولا يقال فعل ~~واجبا وهو ترك الأول لأن المقصود عدم الأول فالمباح الذى إشتغل به عن محرم ~~لم يؤمر به ولا بأمتثاله أمرا مقصودا لكن نهى عن الحرام ومن ضرورة ترك ~~المنهى عنه الإشتغال بضد من أضداده فذاك يقع لازما لترك المنهى عنه فليس هو ~~الواجب المحدود بقولنا ( الواجب ما يذم تاركه ويعاقب تاركه ( أو ms3187 ( يكون ~~تركه سببا للذم والعقاب ( # فقولنا ( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ( أو لا يجب التوصل إلى ~~الواجب بما ليس بواجب ( يتضمن إيجاب اللوازم والفرق ثابت بين الواجب ( ~~الأول ( و ( الثانى ( فإن الأول يذم تاركه ويعاقب والثانى واجب وقوعا أى لا ~~يحصل إلا به ويؤمر به أمرا بالوسائل ويثاب عليه لكن العقوبة ليست على تركه ~~PageV10P532 ومن هذا الباب إذا إشتبهت الميتة بالمذكى فإن المحرم الذى ~~يعاقب على فعله أحدهما بحيث إذا أكلهما جميعا لم يعاقب عقوبة من أكل ميتتين ~~بل عقوبة من أكل ميتة واحدة والأخرى وجب تركها وجوب الوسائل فقول من قال ~~كلاهما محرم صحيح بهذا الإعتبار وقول من قال المحرم في نفس الأمر أحدهما ~~صحيح أيضا بذلك الإعتبار وهذا نظير قول من قال يجب التوصل إلى الواجب بما ~~ليس بواجب # وإنكار أبى حامد الغزالى وأبى محمد المقدسى على من قال هذا ومن قال ~~المحرم أحدهما لا يناسب طريقة الفقهاء وحاصله يرجع إلى ( نزاع لفظى ( فإن ~~الوجوب والحرمة الثابتة لأحدهما ليست ثابتة للآخر بل نوع آخر حتى لو إشتبهت ~~مملوكته بأجنبية بالليل ووطئها يعتقد حل وطء أحداهما وتحريم وطء الأخرى كان ~~ولده من مملوكته ثابتا نسبه بخلاف الأخرى ولو قدرنا أنها إشتبهت بأجنبية ~~وتزوج أحداهما فحد مثلا ثم تزوج الأخرى لم يحد حدين مع أنه لا حد في ذلك ~~لجواز أن تكون المنكوحة هي الأجنبية # وبهذا تنحل ( شبهة الكعبى ( فإن المحرم تركه مقصود وأما الإشتغال بضد من ~~أضداده فهو وسيلة فإذا قيل المباح واجب بمعنى وجوب الوسائل أى قد يتوسل به ~~إلى فعل واجب وترك محرم فهذا حق PageV10P533 ثم أن هذا يعتبر فيه القصد فإن ~~كان الإنسان يقصد أن يشتغل بالمباح ليترك المحرم مثل من يشتغل بالنظر إلى ~~امرأته ووطئها ليدع بذلك النظر إلى الأجنبية ووطئها أو يأكل طعاما حلالا ~~ليشتغل به عن الطعام الحرام فهذا يثاب على هذه النية والفعل كما بين ذلك ~~النبى بقوله ( وفى بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتى أحدنا شهوته ms3188 ~~ويكون له أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام اما كان عليه وزر فلم تحتسبون ~~بالحرام ولا تحتسبون بالحلال ( ومنه قوله ( إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما ~~يكره ان تؤتى معصيته ( رواه أحمد وإبن خزيمه في صحيحه # وقد يقال المباح يصير واجبا بهذا الإعتبار وأن تعين طريقا صار واجبا ~~معينا وإلا كان واجبا مخيرا لكن مع هذا القصد إما مع الذهول عن ذلك فلا ~~يكون واجبا اصلا إلا وجوب الوسائل إلى الترك وترك المحرم لا يشترط فيه ~~القصد فكذلك ما يتوسل به إليه فإذا قيل هو مباح من جهة نفسه وأنه قد يجب ~~وجوب المخيرات من جهة الوسيلة لم يمنع ذلك فالنزاع في هذا الباب نزاع لفظى ~~إعتبارى وإلا فالمعانى الصحيحة لا ينازع فيها من فهمها # و ( المقصود هنا ( أن الأبرار وأصحاب اليمين قد يشتغلون بمباح ~~PageV10P534 عن مباح آخر فيكون كل من المباحين يستوى وجوده وعدمه في حقهم ~~اما السابقون المقربون فهم إنما يستعملون المباحات إذا كانت طاعة لحسن ~~القصد فيها والإستعانة على طاعة الله وحينئذ فمباحاتهم طاعات وإذا كان كذلك ~~لم تكن الأفعال في حقهم إلا ما يترجح وجوده فيؤمرون به شرعا أمر إستحباب أو ~~ما يترجح عدمه فالأفضل لهم أن لا يفعلوه وإن لم يكن فيه إثم والشريعة قد ~~بينت أحكام الأفعال كلها فهذا ( سؤال ( # و ( سؤال ثان ( وهو أنه إذا قدر أن من الأفعال ما ليس فيه أمر ولا نهى ~~كما في حق الأبرار فهذا الفعل لا يحمد ولا يذم ولا يحب ولا يبغض ولا ينظر ~~فيه إلا وجود القدر وعدمه بل إن فعلوه لم يحمدوا وإن لم يفعلوه لم يحمدوا ~~فلا يجعل مما يحمدون عليه أنهم يكونون في هذا الفعل كالميت بين يدى الغاسل ~~مع كون هذا الفعل صدر بإختيارهم وإرادتهم إذ الكلام في ذلك # وأما غير ( الأفعال الإختيارية ( وهو ما فعل بالإنسان كما يحمل الإنسان ~~وهو لا يستطيع الإمتناع فهذا خارج عن التكليف مع أن العبد مأمور في مثل هذا ~~أن يحبه أن كان ms3189 حسنة ويبغضه إن كان سيئة ويخلو عنهما أن لم يكن حسنة ولا ~~سيئة فمن جعل الإنسان فيما يستعمله فيه القدر من الأفعال الإختيارية كالميت ~~بين PageV10P535 يدى الغاسل فقد رفع الأمر والنهى عنه في الأفعال ~~الإختيارية وهذا باطل # و ( سؤال ثالث ( وهو أن حقيقة هذا القول طى بساط الأمر والنهى عن العبد ~~في هذه الأحوال مع كون افعاله إختيارية وهب أنه ليس له هوى فليس كل ما لا ~~هوى فيه يسقط عنه فيه الأمر والنهى بل عليه أن يحب ما أحبه الله ورسوله ~~ويبغض ما أبغضه الله ورسوله # قيل هذه الأسولة أسئلة صحيحة # وفصل الخطاب أن السالك قد يخفى عليه الأمر والنهى بحيث لا يدرى هل ذلك ~~الفعل مأمور به شرعا أو منهى عنه شرعا فيبقى هواه لئلا يكون له هوى فيه ثم ~~يسلم فيه للقدر وهو فعل الرب لعدم معرفته برضا الرب وأمره وحبه في ذلك ~~الفعل # وهذا يعرض لكثير من أئمة العباد وأئمة العلماء فإنه قد يكون عندهم أفعال ~~وأقوال لا يعرفون حكم الله الشرعى فيها بل قد تعارضت عندهم فيها الأدلة أو ~~خفيت الأدلة بالكلية فيكونون معذورين لخفاء الشرع عليهم وحكم الشرع إنما ~~يثبت في حق العبد إذا تمكن من PageV10P536 معرفته وأما ما لم يبلغه ولم ~~يتمكن من معرفته فلا يطالب به وإنما عليه أن يتقى الله ما إستطاع وهذا خطأ ~~في العلم وليس خطأ في العمل وهو كالمجتهد المخطىء له اجر على قصده وإجتهاده ~~وخطأه مرفوع عنه # فإن قيل فإذا كان الأمر هكذا فالواجب على العبد أن يتوقف في مثل هذه ~~الحال إذا لم يتبين له أن ذلك الفعل مأمور به أو منهى عنه وهو لا يريد أن ~~يفعل شيئا لا مدح فيه ولا ذم فيقف لا يستسلم للقدر ويصير محلا لما يستعمل ~~فيه من الأفعال اللهم إلا إذا فعل غيره فعلا فهو لا يمدحه ولا يذمه ولا ~~يرضاه ولا يسخطه إذا لم يتبين له حكمه # فأما كونه هو من أفعاله الإختيارية يصير مستسلما لما يستعمله القدر ms3190 فيه ~~كالطفل مع الظئر والميت مع الغاسل فهذا مما لم يأمر الله به ولا رسوله بل ~~هذا محرم وإن عفى عن صاحبه وحسب صاحبه أن يعفى عنه لإجتهاده وحسن قصده أما ~~كونه يحمد على ذلك ويجعل هذا أفضل المقامات فليس الأمر كذلك وكونه مجردا عن ~~هواه ليس مسوغا له ان يستسلم لكل ما يفعل به # ثم يقال الأمور مع هذا نوعان PageV10P537 # ( أحدهما ( أن يفعل به بغير إختياره كما يحمل الإنسان ولا يمكنه الإمتناع ~~وكما تضجع المرأة قهرا وتوطأ فهذا لا إثم فيه بإتفاق العلماء وإما أن يكره ~~بالإكراه الشرعى حتى يفعل فهذا أيضا معفو عنه في الأفعال عند الجمهور وهو ~~أصح الروايتين عن أحمد لقوله تعالى ( ومن يكرهن فإن الله بعد إكراههن غفور ~~رحيم ( # وأما إذا لم يكره الإكراه الشرعى فإستسلامه للفعل المطلق الذى لا يعرف ~~أخير هو أم شر ليس هو مأمورا به وإن جرى على يده خرق عادة أو لم يجر فليس ~~هو مأمورا أن يفعل إلا ما هو خير عند الله ورسوله # قيل هذا السؤال صحيح وحقيقة الأمر أن السالكين إذا وصلوا إلى هذا المقام ~~فيحسن قصدهم وتسليمهم وخضوعهم لربهم وطلبهم منه أن يختار لهم ما هو الأصلح ~~إذا إستعملوا في أمورهم لا يعرفون حكمه في الشرع رجوا ان يكون خيرا لأن ~~معرفتهم بحكمه قد تعذرت عليهم والإنسان غير عالم في كل حال بما هو الأصلح ~~له في دينه وبما هو أرضى لله ورسوله فيبقى حالهم حال المستخير لله فيما لم ~~يعلم عاقبته إذا قال ( اللهم إنى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من ~~فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن ~~كنت تعلم ان هذا الأمر خير لى في دينى PageV10P538 ومعاشى وعاقبة أمرى ~~فأقدره لى ويسره لى ثم بارك لى فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى في ~~دينى ومعاشى وعاقبة أمرى فإصرفه عنى وأصرفنى عنه وأقدر لى الخير حيث كان ثم ~~رضنى به ( # فإذا إستخار الله كان ما ms3191 شرح له صدره وتيسر له من الأمور هو الذى إختاره ~~الله له إذ لم يكن معه دليل شرعى على أن عين هذا الفعل هو مأمور به في هذه ~~الحال فإن الأدلة الشرعية إنما تأمر بأمر مطلق عام لا بعين كل فعل من كل ~~فاعل إذ كان هذا ممتنعا وإن كان ذلك المعين يمكن إدراجه تحت بعض خطاب ~~الشارع العام إذا كانت الأفراد المعينة داخلة تحت الأمر العام الكلى لكن لا ~~يقدر كل أحد على إستحضار هذا ولا على إستحضار أنواع الخطاب # ولهذا كان الفقهاء يعدلون إلى القياس عند خفاء ذلك عليهم # ثم ( القياس ( أيضا قد لا يحصل في كل واقعة فقد يخفى على الأئمة ~~المجتهدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان دخول الواقعة المعينة تحت خطاب ~~عام أو إعتبارها بنظير لها فلا يعرف لها أصل ولا نظير هذا مع كثرة نظرهم في ~~خطاب الشارع ومعرفة معانيه ودلالته على الأحكام فكيف من لم يكن كذلك ~~PageV10P539 # ثم السالك ليس قصده معرفة الحلال والحرام بل مقصوده أن هذا الفعل المعين ~~خير من هذا وهذا خير من هذا وأيهما أحب إلى الله في حقه في تلك الحال وهذا ~~باب واسع لا يحيط به إلا الله ولكل سالك حال تخصه قد يؤمر فيها بما ينهى ~~عنه غيره ويؤمر في حال بما ينهى عنه في أخرى # فقالوا نحن نفعل الخير بحسب الإمكان وهو فعل ما علمنا أنا أمرنا به ونترك ~~أصل الشر وهو هوى النفس ونلجأ إلى الله فيما سوى ذلك أن يوفقنا لما هو أحب ~~إليه وارضى له فما إستعملنا فيه رجونا أن يكون من هذا الباب ثم إن اصبنا ~~فلنا أجران وإلا فلنا أجر وخطؤنا محطوط عنا فهذا هذا # وحينئذ فمن قدر أنه علم المشروع وفعله فهو افضل من هذا ولكن كثير ممن ~~يعلم المشروع لا يفعله ولا يقصد أحب الأمور إلى الله وكثير منهم يفعله بشوب ~~من الهوى فيبقى هذا فعل المشروع بهوى وهذا ترك ما لم يعلم أنه مشروع بلا ~~هوى فهذا نقص ms3192 في العلم وذاك نقص في العمل إذ العمل بهوى النفس نقص في العمل ~~ولو كان المفعول واجبا # فيقال إن تاب صاحب الهوى من هواه كان أرفع بعلمه وأن PageV10P540 لم يتب ~~فله نصيب من عالم السوء ولهذا تشاجر رجلان من المتقدمين عام الحكمين في مثل ~~هذا فقال أحدهما لصاحبه إنما مثلك مثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه ~~يلهث وقال الآخر أنت كالحمار يحمل أسفارا فهذا أحسن قصدا وأقوى علما # ولهذا تجد أصحاب حسن القصد إنما يعيبون على هؤلاء إتباع الهوى وحب الدنيا ~~والرئاسة وأهل العلم يعيبون على أولئك نقص علمهم بالشرع وعدولهم عن الأمر ~~والنهى فهذا هذا # والله تعالى المسؤول أن يهدينا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # وقد قال بعض ( أهل الفقه والزهد ( من الناس من سلك ( الشريعة ( ومنهم من ~~سلك ( الحقيقة ( ولعله أراد هؤلاء وهؤلاء فإن هؤلاء يرجحون بما ييسره الله ~~مع حسن القصد وإتباع الأمر والنهى المعلوم لهم مع خفاء الأدلة الشرعية في ~~ذلك المتيسر لهم وهؤلاء يرجحون بالأدلة الشرعية من الظواهر والأقيسة وأخبار ~~الآحاد وأقوال العلماء مع خفاء الأمر المتيسر لهم # و ( أيضا ( فهؤلاء قد يشهدون ما في ذلك الفعل المقدر من PageV10P541 ~~المصلحة والخير فيرجحونه بحكم الإيمان وإن لم يعرفوا دليلا من النص على ~~حسنه وأولئك إنما يرجحون من النصوص وما إستنبط منها فهؤلاء لهم القرآن ~~وهؤلاء لهم الإيمان وسبب هذا أن كلا من الطائفتين خفى عليه ما مع الأخرى من ~~الحق وكل من الطائفتين في طريقها حق وباطل # فأما المدعون للحقيقة بدون مراعاة الأمر والنهى الشرعيين فهم ضالون ~~كالذين يعرفون الأمر والنهى ولا يفعلون إلا ما يهوونه من الكبائر فإنهم ~~فساق وهؤلاء الذين قيل فيهم ( احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل ~~فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ( و ( الحقيقة ( قد تكون قدرية وقد تكون ذوقية ~~وقد تكون شرعية ولفظ ( الشرع ( يتناول المنزل والمؤول والمبدول # و ( المقصود هنا ( ذكر أهل الإستقامة من الطائفتين والكلام على حال أهل ms3193 ~~العبادة والإرادة الذين خرجوا عن الهوى وهو الفرق الطبعى وقاموا بما علموه ~~من الفرق الشرعى # وبقى ( قسم ثالث ( ليس لهم فيه فرق طبعي ولا عندهم فيه فرق شرعى فهو الذى ~~جروا فيه مع الفعل والقدر # وأما من جرى مع الفرق الطبعى إما عالما بأنه عاص وهو العالم PageV10P542 ~~الفاجر أو محتجا بالقدر أو بذوقه ووجده معرضا عن الكتاب والسنة وهو العابد ~~الجاهل فهذا خارج عن الصراط المستقيم # وهذا مما بين حال كمال الصحابة رضى الله عنهم وأنهم خير قرون هذه الأمة ~~إذ كانوا في خلافة النبوة يقومون بالفروق الشرعية في جليل الأمور ودقيقها ~~مع إتساع الأمر والواحد من المتأخرين قد يعجز عن معرفة الفروق الشرعية فيما ~~يخصه كما أن الواحد من هؤلاء يتبع هواه في امر قليل فأولئك مع عظيم ما ~~دخلوا فيه من الأمر والنهى لهم العلم الذى يميزون به بين الحسنات والسيئات ~~ولهم القصد الحسن الذى يفعلون به الحسنات والكثير من المتأخرين العالمين ~~والعابدين يفوت أحدهم العلم في كثير من الحسنات والسيئات حتى يظن السيئة ~~حسنة وبالعكس أو يفوته القصد في كثير من الأعمال حتى يتبع هواه فيما وضح له ~~من الأمر والنهى # فنسأل الله ان يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين # هذا لعمرى إذا كان عند العالم ما هو أمر الشارع ونهيه حقيقة وعند العابد ~~حسن القصد الخالى عن الهوى حقيقة فأما من خلط الشرع المنزل بالمبدل والمؤول ~~وخلط القصد الحسن بإتباع الهوى فهؤلاء PageV10P543 وهؤلاء مخلطون في علمهم ~~وعملهم وتخليط هؤلاء في العلم سوى تخليطهم وتخليط غيرهم في القصد وتخليط ~~هؤلاء في القصد سوى تخليطهم وتخليط غيرهم في العلم # فإنه من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم و ( حسن القصد ( من أعون ~~الأشياء على نيل العلم ودركه و ( العلم الشرعى ( من أعون الأشياء على حسن ~~القصد والعمل الصالح فإن العلم قائد والعمل سائق والنفس حرون فإن ونى ~~قائدها لم تستقم لسائقها وإن ونى سائقها لم تستقم لقائدها فإذا ضعف ms3194 العلم ~~حار السالك ولم يدر إين يسلك فغايته أن يستطرح للقدر وإذا ترك العمل حار ~~السالك عن الطريق فسلك غيره مع علمه أنه تركه فهذا حائر لا يدرى أين يسلك ~~مع كثرة سيره وهذا حائر عن الطريق زائغ عنه مع علمه به # قال تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ( هذا جاهل وهذا ظالم قال تعالى ~~( وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا ( مع أن الجهل والظلم متقاربان لكن ~~الجاهل لا يدرى أنه ظالم والظالم جهل الحقيقة المانعة له من العلم قال ~~تعالى ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~( # قال أبو العالية سألت اصحاب محمد فقالوا كل من عصى الله PageV10P544 فهو ~~جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب # وقد روى الخلال عن أبى حيان التيمي قال ( العلماء ثلاثة ( فعالم بالله ~~ليس عالما بأمر الله وعالم بأمر الله ليس عالما بالله وعالم بالله وبأمر ~~الله # فالعالم بالله الذى يخشاه والعالم بأمر الله الذى يعرف أمره ونهيه # قلت والخشية تمنع إتباع الهوى قال تعالى ( وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ( # والكمال في عدم الهوى وفى العلم هو لخاتم الرسل الذى قال فيه ( والنجم ~~إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ( فنفى ~~عنه الضلال والغى ووصفه بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى فنفى ~~الهوى وأثبت العلم الكامل وهو الوحى فهذا كمال العلم وذاك كمال القصد # ووصف أعداءه بضد هذين فقال تعالى ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى ( فالكمال المطلق للإنسان هو تكميل العبودية لله ~~علما وقصدا قال تعالى ( وما خلقت PageV10P545 الجن والإنس إلا ليعبدون ( ~~وقال تعالى ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه ( وقال تعالى فيما حكاه عن إبليس ~~( قال ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ( قال تعالى ( إن ~~عبادى ليس لك عليهم سلطان ( وقال تعالى ( كذلك لنصرف عنه السوء ms3195 والفحشاء ~~أنه من عبادنا المخلصين ( وقال تعالى ( أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ( # و ( عبادته ( طاعة أمره وأمره لنا ما بلغه الرسول عنه فالكمال في كمال ~~طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا ومن كان لم يعرف ما أمر الله به فترك هواه ~~وإستسلم للقدر أو إجتهد في الطاعة فاخطأ فعل المأمور به إلى ما إعتقده ~~مأمورا به أو تعارضت عنده الأدلة فتوقف عما هو طاعة في نفس الأمر فهؤلاء ~~مطيعون لله مثابون على ما أحسنوه من القصد لله واستفرغوه من وسعهم في طاعة ~~الله وما عجزوا عن علمه فأخطئوه إلى غيره فمغفور لهم # وهذا من اسباب فتن تقع بين الأمة فإن أقواما يقولون ويفعلون أمورا هم ~~مجتهدون فيها وقد اخطؤا فتبلغ أقواما يظنون أنهم تعمدوا فيها الذنب أو ~~يظنون أنهم لا يعذرون بالخطأ وهم أيضا مجتهدون مخطئون فيكون هذا مجتهدا ~~مخطئا في فعله وهذا مجتهدا مخطئا PageV10P546 في إنكاره والكل مغفور لهم ~~وقد يكون أحدهما مذنبا كما قد يكونان جميعا مذنبين # وخير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ~~ضلالة # والواحد من هؤلاء قد يعطى طرفا بالأمر والنهى فيولى ويعزل ويعطى ويمنع ~~فيظن الظان أن هذا كمال وإنما يكون كمالا إذا كان موافقا للأمر فيكون طاعة ~~لله وإلا فهو من جنس الملك وأفعال الملك أما ذنب وأما عفو وأما طاعة # فالخلفاء الراشدون أفعالهم طاعة وعبادة وهم أتباع العبد الرسول وهى طريقة ~~السابقين المقربين # وأما طريقة الملوك العادلين فأما طاعة وأما عفو وهى طريقة الأنبياء ~~الملوك وطريقة الأبرار أصحاب اليمين # وأما طريقة الملوك الظالمين فتتضمن المعاصى وهى طريقة الظالمين لأنفسهم ~~قال تعالى ( ثم أورثنا الكتاب الذين إصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ( فلا يخرج ~~الواحد من المؤمنين عن أن يكون PageV10P547 من أحد هذه الأصناف اما ظالم ~~لنفسه وأما مقتصد وأما سابق الخيرات و ( خوارق ms3196 العادات ( أما مكاشفة وهى من ~~جنس العلم الخارق وأما تصرف وهى من جنس القدرة الخارقة وأصحابها لا يخرجون ~~عن الأقسام الثلاثة PageV10P548 قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ### ||| فصل # ( حدثنى أبى عن محي الدين بن النحاس وأظنى سمعتها منه أنه رأى الشيخ عبد ~~القادر في منامه وهو يقول أخبارا عن الحق تعالى ( من جاءنا تلقيناه من ~~البعيد ومن تصرف بحولنا ألنا له الحديد ومن إتبع مرادنا أردنا ما يريد ومن ~~ترك من اجلنا أعطيناه فوق المزيد ( # قلت هذا من جهة الرب تبارك وتعالى # ( فالأولتان ( العبادة والإستعانة ( والآخرتان ( الطاعة والمعصية فالذهاب ~~إلى الله هي عبادته وحده كما قال تعالى ( من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ~~ذراعا ومن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا ومن آتانى يمشى أتيته هرولة ( # والتقرب بحوله هو الإستعانة والتوكل عليه فإنه لا حول ولا PageV10P549 ~~قوة إلا بالله وفى الأثر ( من سره ان يكون اقوى الناس فليتوكل على الله ( ~~وعن سعيد بن جبير ( التوكل جماع الإيمان ( وقال تعالى ( ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه ( وقال ( إذ تستغيثون ربكم فإستجاب لكم ( وهذا على أصح القولين في ~~أن التوكل عليه بمنزلة الدعاء على أصح القولين أيضا سبب لجلب المنافع ودفع ~~المضار فإنه يفيد قوة العبد وتصريف الكون ولهذا هو الغالب على ذوى الأحوال ~~متشرعهم وغير متشرعهم وبه يتصرفون ويؤثرون ( تارة ( بما يوافق الأمر و ( ~~تارة ( بما يخالفه # وقوله ( ومن إتبع مرادنا ( يعنى المراد الشرعى كقوله ( يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر ( وقوله ( يريد الله أن يخفف عنكم ( وقوله ( ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ( هذا ~~هو طاعة أمره وقد جاء في الحديث ( وأنت يا عمر لو أطعت الله لأطاعك ( وفى ~~الحديث الصحيح ( ولئن سألنى لأعطينه ولئن إستعاذنى لأعيذنه ( وقد قال تعالى ~~( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ( # وقوله ( ومن ترك من أجلنا أعطيناه فوق المزيد ( يعنى ترك ما كره الله من ~~المحرم والمكروه لأجل الله رجاء ومحبة وخشية أعطيناه فوق ms3197 المزيد لأن هذا ~~مقام الصبر وقد قال تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ~~PageV10P550 ### |||| سئل ( # عن ( إحياء علوم الدين ( وقوت القلوب ( إلخ ### |||| ( فأجاب ( # أما ( كتاب قوت القلوب ( و ( كتاب الأحياء ( تبع له فيما يذكره ~~من أعمال القلوب مثل الصبر والشكر والحب والتوكل والتوحيد ونحو ذلك وأبو ~~طالب أعلم بالحديث والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبى ~~حامد الغزالى وكلامه أسد وأجود تحقيقا وأبعد عن البدعة مع أن في ( قوت ~~القلوب ( أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة # وأما ما في ( الأحياء ( من الكلام في ( المهلكات ( مثل الكلام على الكبر ~~والعجب والرياء والحسد ونحو ذلك فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبى في ~~الرعاية ومنه ما هو مقبول ومنه ما هو مردود ومنه ما هو متنازع فيه # و ( الأحياء ( فيه فوائد كثيرة لكن فيه مواد مذمومة فإنه فيه مواد فاسدة ~~من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد فإذا PageV10P551 ذكر ~~معارف الصوفيه كان بمنزلة من أخذ عدوا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين # وقد أنكر أئمة الدين على ( أبى حامد ( هذا في كتبه وقالوا مرضه ( الشفاء ~~( يعنى شفاء إبن سينا في الفلسفة # وفيه أحاديث وآثار ضعيفة بل موضوعة كثيرة # وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم # وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في اعمال ~~القلوب الموافق للكتاب والسنة ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق ~~للكتاب والسنة ما هو أكثر مما يرد منه فلهذا إختلف فيه إجتهاد الناس ~~وتنازعوا فيه PageV10P552 ### || 1 ( رسالة في الذكر البدعي ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ! 8 < ( فصل ( # قد دل الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة على ( جنس المشروع المستحب في ذكر ~~الله ودعائه ( كسائر العبادات وبين النبى مراتب الأذكار كقوله في الحديث ~~الصحيح الذى رواه مسلم وغيره عن سمرة بن جندب ( أفضل الكلام بعد القرآن ~~اربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا ~~يضرك بأيهن بدأت ( وفى صحيحه عن أبى ذر قال سئل رسول الله ms3198 أى الكلام أفضل ~~قال ما إصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده ( # وفى كتاب الذكر ( لإبن أبى الدنيا وغيره مرفوعا إلى النبى ( أفضل الذكر ~~لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد PageV10P553 لله ( وفى الموطأ وغيره ~~حديث طلحة بن عبد الله بن كريز عن النبى ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من ~~قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير ( وفى السنن حديث الذى قال يا رسول الله إنى لا أستطيع أن آخذ من ~~القرآن شيئا فعلمنى ما يجزئنى في صلاتى فقال قل ( سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر ( ولهذا قال الفقهاء إن من عجز عن القراء ة في ~~الصلاة إنتقل إلى هذه الكلمات الباقيات الصالحات وفضائل هذه الكلمات ونحوها ~~كثير ليس هذا موضعه # وإنما ( الغرض # من الذكر والدعاء ما ليس بمشروع الجنس أو هو منهى عنه أو عن صفته كما قال ~~تعالى ( إدعوا ربكم تضرعا وخفية أنه لا يحب المعتدين ( وقال تعالى ( ولله ~~الأسماء الحسنى فإدعوه بها ( فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى # ومن المنهى عنه ما كانوا يقولونه في الجاهليه في تلبيتهم لبيك لا شريك لك ~~إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ومثل قول بعض الأعراب للنبى ( إنا نستشفع ~~بالله عليك فقال النبى صلى الله عليه وسلم شأن الله أعظم من ذلك إن الله لا ~~يستشفع به على أحد من خلقه ( ومثل ما كانوا يقولون في أول الإسلام ~~PageV10P554 السلام على الله قبل عباده فقال النبى ( إن الله هو السلام ~~فإذا قعد أحدكم فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات ( # أشار بذلك إلى أن ( السلام ( إنما يطلب لمن يحتاج إليه والله هو ( السلام ~~( فالسلام يطلب منه لا يطلب له بل يثنى عليه فإنه له فيقال التحيات لله ~~والصلوات والطيبات فالحق سبحانه يثنى عليه ويطلب منه وأما المخلوق فيطلب له ~~فيقال السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ms3199 ليعبدون ما أريد منهم ~~من رزق وما أريد أن يطعمون ( والرزق يعم كلما ينتفع به المرتزق فالإنسان ~~يرزق الطعام والشراب واللباس وما ينتفع بسمعه وبصره وشمه ويرزق ما ينتفع به ~~باطنه من علم وإيمان وفرح وسرور وقوة ونور وتأييد وغير ذلك والله سبحانه ما ~~يريد من الخلق من رزق فإنهم لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه ~~بل هو الغنى وهم الفقراء و ( قد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ~~ونحن أغنياء ( وهو الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد # وكذلك الدعاء المكروه مثل الدعاء ببغى أو قطيعة رحم أو دعاء منازل ~~الأنبياء أو دعاء الأعرابى الذى قال اللهم ما كنت معذبى به في PageV10P555 ~~الآخرة فعجله لى في الدنيا ومثل قوله صلى الله عليه وسلم للمصابين بميت لما ~~صاحوا ( لا تدعوا على انفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ( ~~وقد قال تعالى ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم ~~أجلهم ( وقال تعالى ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ~~( وهذا باب واسع ليس الغرض هنا إستيعابه وإنما نبهنا على جنس المكروه وإنما ~~( الغرض هنا ( أن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلاما تاما مفيدا مثل ~~( لا إله إلا الله ومثل ( الله أكبر # ) ومثل سبحان الله والحمد لله ( ومثل لا حول ولا قوة إلا بالله ومثل ( ~~تبارك إسم ربك ( تبارك الذى بيده الملك ( سبح لله ما في السماوات والأرض ( ~~تبارك الذى نزل الفرقان ( # فأما ( الإسم المفرد ( مظهرا مثل ( الله ( الله ( أو مضمرا ( مثل ( هو ( ~~هو ( فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة ولا هو مأثور ايضا عن أحد من سلف ~~الأمة ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم وإنما لهج به قوم من ضلال المتأخرين # وربما إتبعوا فيه حال شيخ مغلوب فيه مثلما يروى عن الشبلى أنه كان يقول ( ~~الله الله ( فقيل له لم لا تقول لا إله إلا الله PageV10P556 فقال أخاف أن ~~أموت بين النفى والإثبات ms3200 وهذه من زلات الشبلى التى تغفر له لصدق إيمانه ~~وقوة وجده وغلبة الحال عليه فإنه كان ربما يجن ويذهب به إلى المارستان ~~ويحلق لحيته وله أشياء من هذا النمط التى لا يجوز الإقتداء به فيها وإن كان ~~معذورا أو مأجورا فإن العبد لو أراد أن يقول ( لا إله إلا الله ( ومات قبل ~~كمالها لم يضره ذلك شيئا إذ الأعمال بالنيات بل يكتب له ما نواه # وربما غلا بعضهم في ذلك حتى يجعلوا ذكر الإسم المفرد للخاصة وذكر الكلمة ~~التامة للعامة وربما قال بعضهم ( لا إله إلا الله ( للمؤمنين و ( الله ( ~~للعارفين و ( هو ( للمحققين وربما إقتصر أحدهم في خلوته أو في جماعته على ( ~~الله الله الله ( أو على ( هو ( أو ( يا هو ( أو ( لا هو إلا هو # ( وربما ذكر بعض المصنفين في الطريق تعظيم ذلك وإستدل عليه تارة بوجد ~~وتارة برأى وتارة بنقل مكذوب كما يروى بعضهم أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~لقن على بن أبى طالب أن يقول ( الله الله الله ( فقالها النبى ثلاثا ثم أمر ~~عليا فقالها ثلاثا وهذا حديث موضوع بإتفاق أهل العلم بالحديث PageV10P557 ~~وإنما كان تلقين النبى للذكر المأثور عنه ورأس الذكر ( لا إله إلا الله ( ~~وهى الكلمة التى عرضها على عمه أبى طالب حين الموت وقال يا عم قل لا إله ~~إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ( وقال ( أنى لأعلم كلمة لا يقولها عبد ~~عند الموت إلا وجد روحه لها روحا ( وقال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ~~دخل الجنة ( وقال ( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ( وقال ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ( ~~والأحاديث كثيرة في هذا المعنى # وقد كتبت فيما تقدم من ( القواعد ( بعض ما يتعلق بهاتين ( الكلمتين ( ~~العظيمتين الجامعتين الفارقتين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا ~~عبده ورسوله ms3201 صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما # فأما ذكر ( الإسم المفرد ( فلم يشرع بحال وليس في الأدلة الشرعية ما يدل ~~على إستحبابه # وأما ما يتوهمه طائفة من غالطى المتعبدين في قوله تعالى ( قل PageV10P558 ~~الله ثم ذرهم ( ويتوهمون أن المراد قول هذا الإسم فخطأ واضح ولو تدبروا ما ~~قبل هذا تبين مراد الآية فإنه سبحانه قال ( وما قدروا الله حق قدره إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى ~~نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا ~~أنتم ولا آباؤكم قل الله ( أى قل الله أنزل الكتاب الذى جاء به موسى فهذا ~~كلام تام وجملة إسمية مركبة من مبتدأ وخبر حذف الخبر منها لدلالة السؤال ~~على الجواب # وهذا قياس مطرد في مثل هذا في كلام العرب كقوله ( ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ( الآية وقوله ( أم من خلق ~~السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها أإله مع ~~الله ( وكذلك ما بعدها وقوله ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون الله ( على قراءة أبى عمرو وتقول في الكلام من جاء فتقول زيد ومن ~~أكرمت فتقول زيدا وبمن مررت فتقول بزيد فيذكرون الإسم الذى هو جواب من ~~ويحذفون المتصل به لأنه قد ذكر في السؤال مرة فيكرهون تكريره من غير فائدة ~~بيان لما في ذلك من التطويل والتكرير PageV10P559 واغرب من هذا ما قاله لى ~~مرة شخص من هؤلاء الغالطين في قوله ( وما يعلم تأويله إلا الله ( قال ~~المعنى وما يعلم تأويل ( هو ( أى إسم ( هو ( الذى يقال فيه ( هو هو ( وصنف ~~إبن عربى كتابا في ( الهو ( فقلت له وأنا إذ ذاك صغير جدا لو كان كما تقول ~~لكتبت في المصحف مفصولة ( تأويل هو ( ولم تكتب موصولة وهذا الكلام الذى ~~قاله هذا معلوم الفساد بالإضطرار وإنما كثير من غالطى المتصوفة لهم مثل هذه ~~التأويلات الباطلة في الكتاب والسنة # وقد يكون المعنى ms3202 الذى يعنونه صحيحا لكن لا يدل عليه الكلام وليس هو مراد ~~المتكلم وقد لا يكون صحيحا فيقع الغلط ( تارة ( في الحكم و ( تارة ( في ~~الدليل كقول بعضهم ( أن رآه إستغنى ( أى أن رأى ربه إستغنى والمعنى أنه ~~ليطغى أن رأى نفسه إستغنى وكقول بعضهم ( فإن لم تكن تراه ( يعنى فإن فنيت ~~عنك رأيت ربك وليس هذا معنى الحديث فإنه لو أريد هذا لقيل فإن لم تكن تره ~~وقد قيل ( تراه ( ثم كيف يصنع بجواب الشرط وهو قوله فإنه يراك ثم أنه على ~~قولهم الباطل تكون كان تامة فالتقدير فإن لم تكن أى لم تقع ولم تحصل وهذا ~~تقدير محال فإن العبد كائن موجود ليس بمعدوم ولو أريد فناؤه عن هواه أو ~~فناء شهوده للأغيار لم يعبر بنفى كونه فإن هذا محال ومتى كان المعنى صحيحا ~~والدلالة ليست مرادة فقد يسمى ذلك ( إشارة PageV10P560 وقد اودع الشيخ أبو ~~عبد الرحمن السلمى ( حقائق التفسير ( من هذا قطعة # وليس المقصود الآن الكلام في هذا فإنه باب آخر # وإنما الغرض بيان حكم ذكر الإسم وحده من غير كلام تام وقد ظهر بالأدلة ~~الشرعية أنه غير مستحب # وكذلك بالأدلة العقلية الذوقية فإن الإسم وحده لا يعطى إيمانا ولا كفرا ~~ولا هدى ولا ضلالا ولا علما ولا جهلا وقد يذكر الذاكر إسم نبى من الأنبياء ~~أو فرعون من الفراعنة أو صنم من الأصنام ولا يتعلق بمجرد إسمه حكم إلا أن ~~يقرن به ما يدل على نفى أو إثبات أو حب أو بغض وقد يذكر الموجود والمعدوم # ولهذا إتفق أهل العلم بلغة العرب وسائر اللغات على أن الإسم وحده لا يحسن ~~السكوت عليه ولا هو جملة تامة ولا كلاما مفيدا ولهذا سمع بعض العرب مؤذنا ~~يقول أشهد أن محمدا رسول الله قال فعل ماذا فإنه لما نصب الإسم صار صفة ~~والصفة من تمام الإسم الموصوف فطلب بصحة طبعه الخبر المفيد ولكن المؤذن قصد ~~الخبر ولحن PageV10P561 ولو كرر الإنسان إسم ( الله ( ألف ألف مرة لم يصر ~~بذلك مؤمنا ولم ms3203 يستحق ثواب الله ولا جنته فإن الكفار من جميع الأمم يذكرون ~~الإسم مفردا سواء اقروا به وبوحدانيته أم لا حتى أنه لما أمرنا بذكر إسمه ~~كقوله ( فكلوا مما أمسكن عليكم وإذكروا إسم الله عليه ( وقوله ( ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر إسم الله عليه ( وقوله ( سبح إسم ربك الأعلى ( وقوله ( فسبح ~~بإسم ربك العظيم ( ونحو ذلك كان ذكر إسمه بكلام تام مثل أن يقول بسم الله ~~أو يقول سبحان ربى الأعلى وسبحان ربى العظيم ونحو ذلك ولم يشرع ذكر الإسم ~~المجرد قط ولا يحصل بذلك إمتثال أمر ولا ( حل صيد ) ولا ذبيحة ولا غير ذلك # فإن قيل فالذاكر أو السامع للإسم المجرد قد يحصل له وجد محبة وتعظيم لله ~~ونحو # ذلك قلت نعم ويثاب على ذلك الوجد المشروع والحال الإيمانى لا لأن مجرد ~~الإسم مستحب وإذا سمع ذلك حرك ساكن القلب وقد يتحرك الساكن بسماع ذكر محرم ~~أو مكروه حتى قد يسمع المسلم من يشرك بالله أو يسبه فيثور في قلبه حال وجد ~~ومحبة لله بقوة نفرته PageV10P562 وبغضه لما سمعه وقد قال الصحابة للنبى ( ~~أن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى ~~الأرض أحب إليه من أن يتكلم به قال أو قد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح ~~الإيمان ( وفى رواية ( قال الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة ( فالشيطان ~~لما قذف في قلوبهم وسوسة مذمومة تحرك الإيمان الذى في قلوبهم بالكراهة لذلك ~~والإستعظام له فكان ذلك صريح الإيمان ولا يقتضى ذلك أن يكون السبب الذى هو ~~الوسوسة مأمورا به # والعبد أيضا قد يدعوه داع إلى الكفر أو المعصية فيستعصم ويمتنع ويورثه ~~ذلك إيمانا وتقوى وليس السبب مأمورا به وقد قال تعالى ( الذين قال لهم ~~الناس أن الناس قد جمعوا لكم فإخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل فإنقلبوا بنعمة من الله وفضل ( الآية فهذا الإيمان الزائد والتوكل ~~كان سبب تخويفهم بالعدو وليس ذلك مشروعا بل العبد يفعل ذنبا فيورثه ذلك ~~توبة ms3204 يحبه الله بها ولا يكون الذنب مأمورا به وهذا باب واسع جدا # ففرق بين أن يكون نفس السبب موجبا للخير ومقتضيا وبين PageV10P563 أن لا ~~يكون وإنما نشأ الخير من المحل فالمأمور به من الكلمات الطيبات والأعمال ~~الصالحات هي موجبة للخير والرحمة والثواب وإذا إقترن بها قوة إيمان العبد ~~وما يجده من حلاوة الإيمان وتذوقه من طعمه تضاعف الخير والرحمة والبركة وما ~~ليس مأمورا به أما من فعل العبد محرمه ومكروهه ومباحه وأما من فعل غيره معه ~~من الإنس والجن وإما من الحوادث السمائية التى يصيبه بها الرب إذا صادفت ~~منه إيمانا ويقينا فحركت ذلك الإيمان واليقين وإزداد العبد بذلك [ إيمانا ] ~~لم يكن ذلك مما يوجب أن تحب تلك الأسباب أو تحمد أو يؤمر بها إذا لم يكن ~~كذلك فإنها ليست مقتضية لذلك الخير وإنما مقتضاها تحريك الساكن وطال ما جرت ~~إلى شر وضرر # ويشبه هذا الباب ذكر الحب المطلق والشوق المطلق والوجل المطلق وما يتضمن ~~ذلك من نظم ونثر فإن هذا من المجمل أيضا يشترك فيه المؤمن والكافر والبر ~~والفاجر فلذلك لم يشرعها الله ورسوله ولم يأمر بها فإن الله إنما يأمر ~~بالخير والعمل الصالح والبر وذلك ليس من هذا الباب فإن شعر المحبين مشترك ~~بين محب الإيمان ومحب الأوثان ومحب النسوان ومحب المردان ومحب الأوطان ومحب ~~الأخدان PageV10P564 # فثبت بما ذكرناه أن ذكر الإسم المجرد ليس مستحبا فضلا عن أن يكون هو ذكر ~~الخاصة # وأبعد من ذلك ذكر ( الإسم المضمر ( وهو ( هو ( فإن هذا بنفسه لا يدل على ~~معين وإنما هو بحسب ما يفسره من مذكور أو معلوم فيبقى معناه بحسب قصد ~~المتكلم ونيته ولهذا قد يذكر به من يعتقد [ أن ] الحق الوجود المطلق وقد ~~يقول ( لا هو إلا هو ( ويسرى قلبه في ( وحدة الوجود ( ومذهب فرعون ~~والإسماعيلية وزنادقة هؤلاء المتصوفة المتأخرين بحيث يكون قوله ( هو ) ~~كقوله ( وجوده ( وقد يعنى بقوله ( لا هو إلا هو ( أى أنه هو الوجود وأنه ما ~~ثم خلق أصلا وان الرب والعبد والحق والخلق شيء ms3205 واحد كما بينته من مذهب ( ~~الإتحادية ( في غير هذا الموضع # ومن أسباب هذه الإعتقادات والأحوال الفاسدة الخروج عن الشرعة والمنهاج ~~الذى بعث به الرسول إلينا صلى الله عليه وسلم فإن البدع هي مبادىء الكفر ~~ومظان الكفر كما أن السنن المشروعة هي مظاهر الإيمان ومقوية للإيمان فإنه ~~يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما أخبر الله عن زيادته في مثل قوله ( الذين ~~قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم فزادهم إيمانا ( وقوله ( أيكم ~~زادته هذه إيمانا PageV10P565 # وقوله ( هو الذى أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم ( وغير ذلك # فإن قيل إذا لم يكن هذا الذكر مشروعا فهل هو مكروه # قلت اما في حق المغلوب فلا يوصف بكراهة فإنه قد يعرض للقلب أحوال يتعسر ~~عليه فيها نطق اللسان مع إمتلاء القلب بأحوال الإيمان وربما تيسر عليه ذكر ~~الإسم المجرد دون الكلمة التامة وهؤلاء يأتون على ما في قلوبهم من أحوال ~~الإيمان وما قدروا عليه من نطق اللسان فإن الناس في الذكر أربع طبقات # ( أحداها ( الذكر بالقلب واللسان وهو المأمور به # ( الثانى ( الذكر بالقلب فقط فإن كان مع عجز اللسان فحسن وإن كان مع ~~قدرته فترك للأفضل # ( الثالث ( الذكر باللسان فقط وهو كون لسانه رطبا بذكر الله وفيه حكاية ~~التى لم تجد الملائكة فيه خيرا إلا حركه لسانه بذكر الله ويقول الله تعالى ~~( أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه # ( الرابع ( عدم الأمرين وهو حال الخاسرين PageV10P566 # وأما مع تيسر الكلمة التامة فالإقتصار على مجرد الإسم مكررا بدعة والأصل ~~في البدع الكراهة # وما نقل عن ( أبى يزيد ( و ( النورى ( و ( الشبلى ( وغيرهم من ذكر الإسم ~~المجرد فمحمول على أنهم مغلوبون فإن احوالهم تشهد بذلك مع أن المشائخ الذين ~~هم أصح من هؤلاء وأكمل لم يذكروا إلا الكلمة التامة وعند التنازع يجب الرد ~~إلى الله والرسول وليس فعل غير الرسول حجة على الإطلاق # والله أعلم PageV10P567 ### || 1 ( قاعدة في الزهد والورع ) 1 # ! 8 < وقال الشيخ رحمه الله ! 8 < ( فصل ( في الصراط المستقيم في ms3206 ( الزهد ~~( و ( العبادة ( و ( الورع ( في ترك المحرمات والشهوات و ( الإقتصاد ( في ~~العبادة وأن لزوم السنة هو يحفظ من شر النفس والشيطان بدون الطرق المبتدعة ~~فإن أصحابها لا بد أن يقعوا في الآصار والأغلال وإن كانوا متأولين فلا بد ~~لهم من إتباع الهوى ولهذا سمى أصحاب البدع أصحاب الأهواء فإن طريق السنة ~~علم وعدل وهدى وفى البدعة جهل وظلم وفيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس # و ( الرسول ( ما ضل وما غوى و ( الضلال ( مقرون بالغى فكل غاو ضال والرشد ~~ضد الغى والهدى ضد الضلال وهو مجانبة طريق الفجار وأهل البدع كما كان السلف ~~ينهون عنهما قال تعالى ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة وإتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا PageV10P568 والغي ( في الأصل مصدر غوى يغوى غيا كما يقال ~~لوى يلوى ليا وهو ضد الرشد كما قال تعالى ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه ~~سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ( # ( والرشد ( العمل الذى ينفع صاحبه والغى العمل الذى يضر صاحبه فعمل الخير ~~رشد وعمل الشر غى ولهذا قالت الجن وأنا لا ندرى أشر أريد بمن في الأرض أم ~~أراد بهم ربهم رشدا ( فقابلوا بين الشر وبين الرشد وقال في آخر السورة ( قل ~~إنى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ( ومنه ( الرشيد ( الذى يسلم إليه ماله وهو ~~الذى يصرف ماله فيما ينفع لا فيما يضر # وقال الشيطان ( لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ( وهو أن يأمرهم ~~بالشر الذى يضرهم فيطيعونه كما قال تعالى ( وما كان لى عليكم من سلطان إلا ~~أن دعوتكم فإستجبتم لى ( وقال ( وبرزت الجحيم للغاوين ( إلى أن قال ( ~~فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون ( وقال ( قال الذين حق عليهم ~~القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ( وقال ( ما ضل صاحبكم ~~وما غوى ( # ثم إن ( الغى ( إذا كان إسما لعمل الشر الذى يضر صاحبه فإن عاقبة العمل ~~أيضا تسمى غيا كما أن عاقبة الخير تسمى رشدا كما PageV10P569 يسمى عاقبة ~~الشر شرا وعاقبة الخير خيرا وعاقبة الحسنات حسنات وعاقبة ms3207 السيئات سيئات # ( فالحسنات والسيئات ( في كتاب الله يراد بها أعمال الخير وأعمال الشر ~~كما يراد بها النعم والمصائب والجزاء من جنس العمل فمن عمل خيرا وحسنات لقى ~~خيرا وحسنات ومن عمل شرا وسيئات لقى شرا وسيئات كذلك من عمل غيا لقى غيا ~~وترك الصلاة وإتباع الشهوات غى يلقى صاحبه غيا فلهذا قال الزمخشرى كل شر ~~عند العرب غى وكل خير رشاد كما قيل # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره %~% ومن يغو لا يعدم على الغى لأئما # وقال الزجاج جزاؤه غي لقوله ( يلق إثاما ( أى ~~مجازات آثام وفى الحديث المأثور ( إن غيا واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها ( ~~وهذا تعبير عن ملاقات الشر وقال سبحانه ( أضاعوا الصلاة وإتبعوا الشهوات ( ~~فإن الصلاة فيها إرادة وجه الله كما قال تعالى ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشى يريدون وجهه ( أى يصلون صلاة الفجر والعصر والداعى يقصد ربه ~~ويريده فتكون القلوب في هذه الأشياء مريدة لربها محبة له PageV10P570 ~~واتباع الشهوات ( هو إتباع ما تشتهيه النفس فإن ( الشهوات ( جمع شهوة ~~والشهوة هي في الأصل مصدر ويسمى المشتهى شهوة تسمية للمفعول باسم المصدر ~~قال تعالى ( ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ( فجعل ~~التوبة في مقابلة إتباع الشهوات فإنه يريد أن يتوب علينا أى فالله يحب لنا ~~ذلك ويرضاه ويأمر به ( ويريد الذين يتبعون الشهوات ( وهم الغاوون ( أن ~~تميلوا ميلا عظيما ( يعدل بكم عن الصراط المستقيم إلى إتباع الشهوات عدولا ~~عظيما فإن أصل ( الميل ( العدول فلا بد منه للذين يتبعون الشهوات كما قال ( ~~إستقيموا ولن تحصوا وإعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء ~~إلا مؤمن ( رواه أحمد وبن ماجه من حديث ثوبان # فأخبر أنا لا نطيق الإستقامة أو ثوابها إذا إستقمنا وقال ( ولن تستطيعوا ~~أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ( ~~فقوله ( كل الميل ( أى يريد نهاية الميل يريد الزيغ عن الطريق والعدول عن ~~سواء الصراط إلى نهاية الشر بل إذا بليت بذلك فتوسط وعد إلى الطريق بالتوبة ms3208 # كما في الحديث عن النبى ( ميل المؤمن كميل الفرس في أخيته يحول ثم يرجع ~~إلى أخيته كذلك المؤمن يحول ثم يرجع PageV10P571 إلى ربه ( قال تعالى ( ~~وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ( إلى ~~قوله ( ونعم أجر العاملين ( فلم يقل لا يظلمون ولا يذنبون بل قال ( إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ( أى بذنب آخر غير الفاحشة فعطف العام على ~~الخاص كما قال موسى ( رب إنى ظلمت نفسى ( وقالت بلقيس ( رب إنى ظلمت نفسى ( ~~وقال تعالى عموما عن أهل القرى المهلكة ( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ( ~~فظلموا أنفسهم بإرتكابهم ما نهوا عنه وبعصيانهم لأنبيائهم وبتركهم التوبة ~~إلى ربهم وقوله تعالى ( ذكروا الله فإستغفروا لذنوبهم ( ولهذا قال ( والله ~~يريد أن يتوب عليكم ( ثم قال ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ~~( قال مجاهد وغيره يتبعون الشهوات الزنى وقال إبن زيد هم أهل الباطل وقال ~~السدى هم اليهود والنصارى والجميع حق فإنهم قد يتبعون الشهوات مع الكفر وقد ~~يكون مع الإعتراف بأنها معصية ( # ثم ذكر أنه ( خلق الإنسان ضعيفا ( وسياق الكلام يدل على أنه ضعيف عن ترك ~~الشهوات فلا بد له من شهوة مباحة يستغنى بها عن المحرمة ولهذا قال طاووس ~~ومقاتل ضعيف في قلة الصبر عن النساء وقال الزجاج وإبن كيسان ضعيف العزم عن ~~قهر الهوى وقيل ضعيف في أصل الخلقة لأنه خلق من ماء مهين يروى ذلك ~~PageV10P572 عن الحسن لكن لا بد أن يوجد مع ذلك أنه ضعيف عن الصبر ليناسب ~~ما ذكر في الآية فإنه قال ( يريد الله أن يخفف عنكم ( وهو تسهيل التكليف ~~بأن يبيح لكم ما تحتاجون إليه ولا تصبروا عنه كما أباح نكاح الفتيات وقد ~~قال قبل ذلك ( لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ( # فهو سبحانه مع إباحته نكاح الإماء عند عدم الطول وخشية العنت قال ( وإن ~~تصبروا خير لكم ( فدل ذلك على أنه يمكن الصبر مع خشية العنت وأنه ليس ~~النكاح كإباحة الميتة عند المخمصة فإن ms3209 ذلك لا يمكن الصبر عنه # وكذلك من أباح ( الإستمناء ( عند الضرورة فالصبر عن الإستمناء أفضل فقد ~~روى عن إبن عباس إن نكاح الإماء خير منه وهو خير من الزنى فإذا كان الصبر ~~عن نكاح الإماء أفضل فعن الإستمناء بطريق الأولى أفضل ( # لا سيما وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقا وهو أحد ~~الأقوال في مذهب أحمد وإختاره إبن عقيل في المفردات والمشهور عنه يعنى عن ~~أحمد أنه محرم إلا إذا خشى العنت والثالث أنه مكروه إلا إذا خشى العنت فإذا ~~كان الله قد قال في نكاح الإماء ( وأن PageV10P573 تصبروا خير لكم ( ففيه ~~أولى وذلك يدل على أن الصبر عن كلاهما ممكن # فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل التكليف كما قال تعالى ( ~~يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ( و ( الإستمناء ( لا يباح عند ~~أكثر العلماء سلفا وخلفا سواء خشى العنت أو لم يخش ذلك وكلام إبن عباس وما ~~روى عن أحمد فيه إنما هو لمن خشى ( العنت ( وهو الزنى واللواط خشية شديدة ~~خاف على نفسه من الوقوع في ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة عنته وشهوته # وأما من فعل ذلك تلذذا أو تذكرا أو عادة بأن يتذكر في حال إستمنائه صورة ~~كأنه يجامعها فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره وقد اوجب فيه بعضهم ~~الحد والصبر عن هذا من [ الواجبات ] لا [ من ] المستحبات ] وأما الصبر عن ~~المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها قال تعالى ( وليستعفف الذين ~~لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ( والاستعفاف هو ترك المنهى عنه ~~كما في الحديث PageV10P574 الصحيح عن أبى سعيد الخدرى عن النبى أنه قال ( ~~من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطى ~~أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ( # ( فالمستغنى ( لا يستشرف بقلبه و ( المستعف ( هو الذى لا يسأل الناس ~~بلسانه و ( المتصبر ( هو الذى لا يتكلف الصبر فأخبر أنه من يتصبر يصبره ~~الله وهذا كانه في سياق الصبر ms3210 على الفاقة بأن يصبر على مرارة الحاجة لا ~~يجزع مما إبتلى به من الفقر وهو الصبر في البأساء والضراء قال تعالى ( ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ( # و ( الضراء ( المرض وهو الصبر على ما إبتلى به من حاجة ومرض وخوف والصبر ~~على ما إبتلى به بإختياره كالجهاد فإن الصبر عليه أفضل من الصبر على المرض ~~الذى يبتلى به بغير إختياره ولذلك إذا إبتلى بالعنت في الجهاد فالصبر على ~~ذلك افضل من الصبر عليه في بلدة لأن هذا الصبر من تمام الجهاد وكذلك لو ~~إبتلى في الجهاد بفاقة أو مرض حصل بسببه كان الصبر عليه افضل كما قد بسط ~~هذا في مواضع # وكذلك ما يؤذى الإنسان به في فعله للطاعات كالصلاة والأمر بالمعروف ~~PageV10P575 والنهى عن المنكر وطلب العلم من المصائب فصبره عليها أفضل من ~~صبره على ما إبتلى به بدون ذلك وكذلك إذا دعته نفسه إلى محرمات من رئاسة ~~واخذ مال وفعل فاحشة كان صبره عنه أفضل من صبره على ما هو دون ذلك فإن ~~أعمال البر كلما عظمت كان الصبر عليها أعظم مما دونهما # فإن في ( العلم ( و ( الإمارة ( و ( الجهاد ( و ( الأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر ( و ( الصلاة ( و ( الحج ( والصوم ( والزكاة ( من الفتن النفسية ~~وغيرها ما ليس في غيرها ويعرض في ذلك ميل النفس إلى الرئاسة والمال والصور ~~فإذا كانت النفس غير قادرة على ذلك لم تطمع فيه كما تطمع مع القدرة فإنها ~~مع القدرة تطلب تلك الأمور المحرمة بخلاف حالها بدون القدرة فإن الصبر مع ~~القدرة جهاد بل هو من أفضل الجهاد واكمل من ثلاثة اوجه # ( أحدها ( أن الصبر عن المحرمات أفضل من الصبر على المصائب # الثانى ( ان ترك المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس لها أفضل من تركها ~~بدون ذلك # ( الثالث ( أن طلب النفس لها إذا كان بسبب أمر دينى كمن PageV10P576 خرج ~~لصلاة أو طلب علم أو جهاد فإبتلى بما يميل إليه من ذلك فإن صبره عن ذلك ~~يتضمن فعل المأمور وترك المحظور بخلاف ما إذا ms3211 مالت نفسه إلى ذلك بدون عمل ~~صالح ولهذا كان يونس بن عبيد يوصى بثلاث يقول لا تدخل على سلطان وإن قلت ~~آمره بطاعة الله ولا تدخل على إمرأة وإن قلت اعلمها كتاب الله ولا تصغ أذنك ~~إلى صاحب بدعة وإن قلت أرد عليه # فأمره بالإحتراز من ( أسباب الفتنة ( فإن الإنسان إذا تعرض لذلك فقد ~~يفتتن ولا يسلم # فإذا قدر أنه ابتلى بذلك بغير إختياره أو دخل فيه بإختياره وإبتلى فعليه ~~أن يتقى الله ويصبر ويخلص ويجاهد وصبره على ذلك وسلامته مع قيامه بالواجب ~~من افضل الأعمال كمن تولى ولاية وعدل فيها أو رد على أصحاب البدع بالسنة ~~المحضة ولم يفتنوه أو علم النساء الدين على الوجه المشروع من غير فتنة # لكن الله إذا إبتلى العبد وقدر عليه أعانه وإذا تعرض العبد بنفسه إلى ~~البلاء وكله الله إلى نفسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن ~~بن سمرة ( لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن ~~أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ( وكذلك PageV10P577 قال في الطاعون ( إذا ~~وقع ببلد وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا ~~عليه ( فمن فعل ما أمره الله به فعرضت له فتنة من غير إختياره فإن الله ~~يعينه عليها بخلاف من تعرض لها # لكن باب التوبة مفتوح فإن الرجل قد يسأل الإمارة فيوكل إليها ثم يندم ~~فيتوب من سؤاله فيتوب الله عليه ويعينه أما على إقامة الواجب وإما على ~~الخلاص منها وكذلك سائر الفتن كما قال ( قل يا عبادى الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ( وهذه الأمور ~~تحتاج إلى بسط لا يتسع له هذا الموضع # و ( المقصود ( أن الله سبحانه يريد أن يبين لنا ويهدينا سنن الذين من ~~قبلنا الذين قال فيهم ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ( وهم الذين ~~امرنا ان نسأله الهداية لسبيلهم في قوله ( إهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين انعمت عليهم ( فهو يحب لنا ويأمرنا ان ms3212 نتبع صراط هؤلاء وهو سبيل من ~~أناب إليه فذكر هنا ثلاثة أمور البيان والهداية والتوبة # وقيل المراد بالسنن هنا سنن أهل الحق والباطل أي يريد أن يبين لنا سنن ~~هؤلاء وهؤلاء فيهدى عباده المؤمنين إلى الحق PageV10P578 ويضل آخرين فإن ~~الهدى والضلال إنما يكون بعد البيان كما قال ( وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم ( ~~وقال ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ( # فتكون ( سنن ( متعلقا بيبين يعنى سنن أهل الباطل لا بيهدى وأهل الحق ~~متعلق بقوله ( ويهديكم وقال الزجاج السنن الطرق فالمعنى يدلكم على طاعته ~~كما دل الأنبياء وتابعيهم وهذا اولى لأنه قد يقدم فعلين فلا يجعل الأول هو ~~العامل وحده بل العامل إما الثانى وحده وإما الإثنان كقوله ( آتونى أفرغ ~~عليه قطرا ( # أو إذا أريد هذا التقدير يبين لكم سنن الذين من قبلكم ويهديكم سننا فدل ~~على أنه يهدينا سننهم والمراد بذلك سنن أهل الحق بخلاف قوله ( قد خلت من ~~قبلكم سنن ( فإنه قال بعدها ( فسيروا في الأرض فإنظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين ( فإنه أراد تعريف عقوبة الظالمين بالعيان وهنا فأنزل علينا من ~~القرآن ما يهدينا به سنن الذين من قبلنا وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر ~~ثلاثة امور # ( التبيين ( و ( الهدى ( و ( التوبة ( لأن الإنسان أو لا يحتاج إلى معرفة ~~الخير والشر وما امر به وما نهى عنه ثم يحتاج بعد ذلك PageV10P579 إلى أن ~~يهدى فيقصد الحق ويعمل به دون الباطل وهو سنن الأنبياء والصالحين ثم لا بد ~~له بعد ذلك من الذنوب فيريد أن يتطهر منها بالتوبة فهو محتاج إلى العلم ~~والعمل به وإلى التوبة مع ذلك فلا بد له من التقصير أو الغفلة في سلوك تلك ~~السنن التى هداه الله إليها فيتوب منها بما وقع من تفريط في كل سنة من تلك ~~السنن وهذه ( السنن ( تدخل فيها الواجبات والمستحبات فلا بد للسالك فيها من ~~تقصير وغفلة فيستغفر الله ms3213 ويتوب إليه فإن العبد لو إجتهد مهما إجتهد لا ~~يستطيع ان يقوم لله بالحق الذى أوجبه عليه فما يسعه إلا الإستغفار والتوبة ~~عقيب كل طاعة # وقد يقال ( الهداية ( هنا البيان والتعريف أى يعرفكم سنن الذين من قبلكم ~~من أهل السعادة والشقاوة لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه كما قال تعالى ( وهديناه ~~النجدين ( قال على وإبن مسعود سبيل الخير والشر وعن إبن عباس سبيل الهدى ~~والضلال وقال مجاهد سبيل السعادة والشقاوة أى فطرناه على ذلك وعرفناه إياه ~~والجميع واحد والنجدان الطريقان الواضحان والنجد المرتفع من الأرض فالمعنى ~~ألم نعرفه طريق الخير والشر ونبينه له كتبيين الطريقين العاليين لكن الهدى ~~والتبيين والتعريف في هذه الآية يشترك PageV10P580 فيه بنوا آدم ويعرفونه ~~بعقولهم وأما طريق من تقدم من الأنبياء فلا بد من إخبار الله تعالى عنها ~~كما قال ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا ( لكن يجاب عن هذا بأنه لو أريد هذا المعنى لقال يريد الله ليبين ~~لكم سنن الذين من قبلكم ولم يحتج ان يذكر الهدى إذا كان المعنى واحدا فلما ~~ذكر أنه يريد التبيين والهدى علم أن هذا غير هذا فا ( لتبيين ( التعريف ~~والتعليم و ( الهدى ( هو الأمر والنهى وهو الدعاء إلى الخير كما قال تعالى ~~( ولكل قوم هاد ( أى داع يدعوهم إلى الخير كما قال تعالى ( وإنك لتهدى إلى ~~صراط مستقيم ( أى تدعوهم إليه دعاء تعليم # وهداه هنا ( يتعدى ( بنفسه لأن التقدير ويلزمكم سنن الذين من قبلكم فلا ~~تعدلوا عنها وليس المراد هنا بالهدى الإلهام كما في قوله ( إهدنا الصراط ~~المستقيم ( لكونه لو أراد ذلك لوقع ولم يكن فينا ضال بل هذه إرادة شرعية ~~أمرية بمعنى المحبة والرضا ولهذا قال الزجاج يريد ان يدلكم على ما يكون ~~سببا لتوبتكم فعلق الإرادة بفعل نفسه فإن الزجاج ظن الإرادة في القرآن ليست ~~إلا كذلك وليس كما ظن بل الإرادة المتعلقة بفعله يكون مرادها كذلك فإنه ~~PageV10P581 ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأما الإرادة الموجودة ms3214 في أمره ~~وشرعه فهو كقوله ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ( ~~الآية ( وقوله ) ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ( ونحو ذلك # فهذه إرادته لما أمر به بمعنى انه يحبه ويرضاه ويثيب فاعله لا بمعنى أنه ~~أراد ان يخلقه فيكون كما قال ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ( الآية # وكما قال نوح ( ولا ينفعكم نصحى إن اردت ان أنصح لكم ان كان الله يريد أن ~~يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ( # فهذه إرادة لما يخلقه ويكونه كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن وهذه الإرادة متعلقة بكل حادث والإرادة الشرعية الأمرية لا ~~تتعلق إلا بالطاعات كما يقول الناس لمن يفعل القبيح يفعل شيئا ما يريده ~~الله مع قولهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإن هذه الإرادة نوعان ~~كما قد بسط في موضع آخر # وقد يراد بالهدى الإلهام ويكون الخطاب للمؤمنين المطيعين الذين ~~PageV10P582 هداهم الله إلى طاعته فإن الله تعالى أراد أن يتوب عليهم ~~ويهديهم فإهتدوا ولولا إرادته لهم ذلك لم يهتدوا كما قالوا ( الحمد لله ~~الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق # لكن الخطاب في الآية لجميع المسلمين كالخطاب بآية الوضوء والخطاب لأهل ~~البيت بقوله ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ( ولهذا يهدد من لم يطعه ~~وكما في الصيام ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ( فهذه إرادة ~~شرعية أمرية بمعنى المحبة والرضا لا إرادة الخلق المستلزمة للمراد لأنه لو ~~كان كذلك لم تكن الآية خطابا إلا لمن أخذ باليسر ولمن فعل ما أمر به وكان ~~من تخلف عن ذلك لا يدخل تحت الأمر والنهى الذى في الآية وليس كذلك بل الحكم ~~الشرعى لازم لجميع المسلمين فمن أطاع أثيب ومن عصى عوقب والذين أطاعوه إنما ~~أطاعوه بهداه لهم هدى الإلهام والإعانة بأن جعلهم مهتدين كما أنه هو الذى ms3215 ~~جعل المصلى مصليا والمسلم مسلما # ولو كانت الإرادة هنا من الإنسان مستلزمة لوقوع المراد لم يقل ( ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات إن تميلوا ميلا عظيما ( فإنه حينئذ لا تأثير لإرادة ~~هؤلاء بل وجودها وعدمها سواء كما في قول نوح ( ولا ينفعكم نصحى إن أردت ان ~~أنصح لكم إن كان الله يريد أن PageV10P583 يغويكم ( فإن ما شاء الله كان ~~وإن لم يشاء الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس # والمقصود بالآية تحذيرهم من متابعة الذين يتبعون الشهوات والمعنى إنى ~~أريد لكم الخير الذى ينفعكم وهؤلاء يريدون لكم الشر الذى يضركم كالشيطان ~~الذى يريد أن يغويكم وأتباعه هم أهل الشهوات فلا تتخذوه وذريته أولياء من ~~دونى بل أسلكوا طرق الهدى والرشاد وإياكم وطرق الغى والفساد كما قال تعالى ~~فمن إتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ( الآيات # وقوله ( يتبعون الشهوات ( في الموضعين فإتباع الشهوة من جنس اتباع الهوى ~~كما قال تعالى ( إنما يتبعون أهواءهم ومن اضل ممن إتبع هواه بغير هدى من ~~الله ( وقال ( ولو إتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ( ~~وقال تعالى ( ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ( وقال تعالى ( أفمن كان ~~على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وإتبعوا أهواءهم ( وقال تعالى ( ولا ~~تتبع أهواء الذين لا يعلمون ( وهذا في القرآن كثيرا # و ( الهوى ( مصدر هوى يهوى هوى ونفس المهوى يسمى هوى ما يهوى فإتباعه ~~كإتباع السبيل كما قال تعالى ( ولا تتبعوا PageV10P584 أهواء قوم قد ضلوا ~~من قبل ( وكما في لفظ الشهوة فإتباع الهوى يراد به نفس مسمى المصدر أى ~~إتباع إرادته ومحبته التى هي هواه وإتباع الإرادة هو فعل ما تهواه النفس ~~كقوله تعالى ( وإتبع سبيل من أناب إلي ( وقوله ( وإن هذا صراطى مستقيما ~~فإتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( وقال ( ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء فلفظ الإتباع يكون للآمر الناهى وللأمر والنهى وللمأمور به والمنهي ~~عنه وهو الصراط المستقيم # كذلك يكون للهوى أمر ونهى وهو أمر النفس ونهيها كما قال ms3216 تعالى ( إن النفس ~~لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم ( ولكن ما يأمر به من ~~الأفعال المذمومة فأحدها مستلزم للآخر فإتباع الأمر هو فعل المأمور وإتباع ~~أمر النفس هو فعل ما تهواه فعلى هذا يعلم أن إتباع الشهوات وإتباع الأهواء ~~هو إتباع شهوة النفس وهواها وذلك بفعل ما تشتهيه وتهواه # بل قد يقال هذا هو الذى يتعين في لفظ إتباع الشهوات والأهواء لأن الذى ~~يشتهى ويهوى إنما يصير موجودا بعد أن يشتهى ويهوى وإنما يذم الإنسان إذا ~~فعل ما يشتهى ويهوى عند وجوده PageV10P585 فهو حينئذ قد فعل ولا ينهى عنه ~~بعد وجوده ولا يقال لصاحبه لا تتبع هواك وأيضا فالفعل المراد المشتهى الذى ~~يهواه الإنسان هو تابع لشهوته وهواه فليست الشهوة والهوى تابعة له فإتباع ~~الشهوات هو إتباع شهوة النفس وإذا جعلت الشهوة بمعنى المشتهى كان مع مخالفة ~~الأصل يحتاج إلى ان يجعل في الخارج ما يشتهى والإنسان يتبعه كالمرأة ~~المطلوبة أو الطعام المطلوب وإن سميت المرأة شهوة والطعام أيضا كما في قوله ~~( كل عمل إبن آدم له إلا الصيام فإنه لى وأنا أجزى به يدع طعامه وشرابه ~~وشهوته من أجلى ( أى يترك شهوته وهو إنما يترك ما يشتهيه كما يترك الطعام ~~لا أنه يدع طعامه بترك الشهوة الموجودة في نفسه فإن تلك مخلوقة فيه مجبول ~~عليها وإنما يثاب إذا ترك ما تطلبه تلك الشهوة # و ( حقيقة الأمر ( أنهما متلازمان فمن إتبع نفس شهوته القائمة بنفسه إتبع ~~ما يشتهيه وكذلك من إتبع الهوى القائم بنفسه إتبع ما يهواه فإن ذلك من آثار ~~الإرادة وإتباع الإرادة هو إمتثال أمرها وفعل ما تطلبه كالمأمور الذى يتبع ~~أمر أميره ولا بد أن يتصور مراده الذى يهواه ويشتهيه في نفسه ويتخيله قبل ~~فعله فيبقى ذلك المثال كالإمام مع المأموم يتبعه حيث كان وفعله في الظاهر ~~PageV10P586 تبع لإتباع الباطن فتبقى صورة المراد المطلوب المشتهى التى في ~~النفس هي المحركة للإنسان الآمرة له # ولهذا يقال العلة الغائية علة فاعلية فإن الإنسان للعلة الغائية ms3217 بهذا ~~التصور والإرادة صار فاعلا للفعل وهذه الصورة المرادة المتصورة في النفس هي ~~التى جعلت الفاعل فاعلا فيكون الإنسان متبعا لها والشيطان يمده في الغى فهو ~~يقوى تلك الصورة ويقوى أثرها ويزين للناس أتباعها وتلك الصورة تتناول صورة ~~العين المطلوبة كالمحبوب من الصور والطعام والشراب ويتناول نفس الفعل الذى ~~هو المباشرة لذلك المطلوب المحبوب والشيطان والنفس تحب ذلك وكلما تصور ذلك ~~المحبوب في نفسه أراد وجوده في الخارج فإن اول الفكر آخر العمل وأول البغية ~~آخر الدرك # ولهذا يبقى الإنسان عند شهوته وهواه أسيرا لذلك مقهورا تحت سلطان الهوى ~~أعظم من قهر كل قاهر فإن هذا القاهر الهوائى القاهر للعبد هو صفة قائمة ~~بنفسه لا يمكنه مفارقته البتة والصورة الذهنية تطلبها النفس فإن المحبوب ~~تطلب النفس أن تدركه وتمثله لها في نفسها فهو متبع للإرادة وإن كانت ~~الذهنية والتزين من الزين والمراد التصور في نفسه والمشتهى الموجود في ~~الخارج له ( محركان ( التصور والمشتهى هذا يحركه تحريك طلب وأمر وهذا يأمره ~~أن يتبع PageV10P587 طلبه وأمره فإتباع الشهوات والأهواء يتناول هذا كله ~~بخلاف كل قاهر ينفصل عن الإنسان فإنه يمكنه مفارقته مع بقاء نفسه على حالها ~~وهذا إنما يفارقه بتغير صفة نفسه # ولهذا قال النبى ( ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ~~وثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الفقر والغنا وكلمة ~~الحق في الغضب والرضا ( # وقوله في الحديث ( هوى متبع ( فيه دليل على أن المتبع هو ما قام في النفس ~~كقوله في الشح المطاع وجعل الشح مطاعا لأنه هو الآمر وجعل الهوى متبعا لأن ~~المتبع قد يكون إماما يقتدى به ولا يكون آمرا وفى الصحيحين عن النبى أنه ~~قال ( إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم ~~بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ( فبين أن الشح يأمر بالبخل والظلم ~~والقطيعة ( فالبخل ( منع منفعة الناس بنفسه وماله و ( الظلم ( هو الإعتداء ~~عليهم # فالأول هو التفريط فيما يجب فيكون قد فرط فيما يجب وإعتدى عليهم بفعل ms3218 ما ~~يحرم وخص قطيعة الرحم بالذكر إعظاما لها لأنها تدخل PageV10P588 في الأمرين ~~المتقدمين قبلها # وقال المفسرون في قوله تعالى ( ومن يوق شح نفسه ( هو أن لا يأخذ شيئا مما ~~نهاه الله عنه ولا يمنع شيئا أمره الله بأدائه ( فالشح ( يأمر بخلاف أمر ~~الله ورسوله فإن الله ينهى عن الظلم ويأمر بالإحسان والشح يأمر بالظلم ~~وينهى عن الإحسان # وقد كان عبد الرحمن بن عوف يكثر في طوافه بالبيت وبالوقوف بعرفة أن يقول ~~( اللهم قنى شح نفسى فسئل عن ذلك فقال إذا وقيت شح نفسى وقيت الظلم والبخل ~~والقطيعة وفى رواية عنه قال إنى أخاف أن أكون قد هلكت قال وما ذاك قال أسمع ~~الله يقول ( ومن يوق شح نفسه ( وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدى شيء فقال ~~ليس ذاك بالشح الذى ذكره الله في القرآن إنما الشح إن تأكل مال أخيك ظلما ~~وإنما يكن بالبخل وبئس الشيء البخل # وقد ذكر تعالى ( الشح ( في سياق ذكر الحسد والإيثار في قوله ( ولا يجدون ~~في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ( ثم قال ( ~~ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ( فمن وقى شح نفسه لم يكن حسودا باغيا ~~على المحسود و ( الحسد ( أصله بغض المحسود PageV10P589 و الشح ( يكون في ~~الرجل مع الحرص وقوة الرغبة في المال وبغض للغير وظلم له كما قال تعالى ( ~~قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس ~~إلا قليلا اشحه عليكم ( الآيات إلى قوله ( أشحه على الخير أولئك لم يؤمنوا ~~فأحبط الله أعمالهم ( فشحهم على المؤمنين وعلى الخير يتضمن كراهيته وبغضه ~~وبغض الخير يأمر بالشر وبغض الإنسان يأمر بظلمه وقطيعته كالحسد فإن الحاسد ~~يأمر حاسده بظلم المحسود وقطيعته كإبنى آدم وأخوة يوسف # فالحسد والشح ( يتضمنان بغضا وكراهية فيأمران بمنع الواجب وبظلم ذلك ~~الشخص فإن الفعل صدر فيه عن بغض بخلاف الهوى فإن الفعل صدر فيه عن حب أحب ~~شيئا فإتبعه ففعله وذلك مقصوده أمر عدمى والعدم لا ينفع ولكن ms3219 ذاك القصد أمر ~~بأمر وجودى فأطيع أمره # وإبن مسعود جعل البخل خارجا عن الشح والنبى جعل الشح يأمر بالبخل # ومن الناس من يقول ( الشح و ( البخل ( سواء كما قال إبن جرير الشح في ~~كلام العرب هو البخل ومنع الفضل من المال وليس PageV10P590 كما قال بل ما ~~قاله النبى صلى الله عليه وسلم وبن مسعود أحق أن يتبع فإن البخيل ( قد يبخل ~~بالمال محبة لما يحصل له به من اللذة والتنعم وقد لا يكون متلذذا به ولا ~~متنعما بل نفسه تضيق عن إنفاقه وتكره ذلك حتى يكون يكره أن ينفع نفسه منه ~~مع كثرة ماله وهذا قد يكون مع التذاذه بجمع المال ومحبته لرؤيته وقد لا ~~يكون هناك لذة أصلا بل يكره ان يفعل إحسانا إلى أحد حتى لو أراد غيره ان ~~يعطى كره ذلك منه بغضا للخير لا للمعطى ولا للمعطى بل بغضا منه للخير وقد ~~يكون بغضا وحسدا للمعطى أو للمعطى وهذا هو ( الشح ( وهذا هو الذى يأمر ~~بالبخل قطعا ولكن كل بخل يكون عن شح فكل شحيح بخيل وليس كل بخيل شحيحا # قال الخطابى ( الشح ( أبلغ في المنع من البخل والبخل إنما هو من أفراد ~~الأمور وخواص الأشياء والشح عام فهو كالوصف اللازم للانسان من قبل الطبع ~~والجبلة # وحكى الخطابى عن بعضهم أنه قال ( البخل ( أن يظن الإنسان بماله و ( الشح ~~( أن يظن بماله ومعروفه وقيل ( الشح ( أن يشح بمعروف غيره على غيره و ( ~~البخل ( ان يبخل بمعروفه على غيره والذين يتبعون الشهوات ويتبعون أهواءهم ~~يحبون ذلك ويريدونه فإتبعوا PageV10P591 محبتهم وإرادتهم من غير علم فلم ~~ينظروا هل ذلك نافع لهم في العاقبة أو ضار # ولهذا قال ( فإعلم أنما يتبعون أهواءهم ( ثم قال ( ومن أضل ممن إتبع هواه ~~بغير هدى من الله ( و ( إتباع الهوى ( درجات فمنهم المشركون والذين يعبدون ~~من دون الله ما يستحسنون بلا علم ولا برهان كما قال ( أفرأيت من إتخذ الهه ~~هواه ( أى يتخذ إلهه الذى يعبده وهو ما يهواه من آلهة ولم يقل إن ms3220 هواه نفس ~~إلهه فليس كل من يهوى شيئا يعبده فإن الهوى أقسام بل المراد أنه جعل ~~المعبود الذى يعبده هو ما يهواه فكانت عبادته تابعة لهوى نفسه في العبادة ~~فإنه لم يعبد ما يحب أن يعبد ولا عبد العبادة التى أمر بها # وهذه حال ( أهل البدع ( فإنهم عبدوا غير الله وإبتدعوا عبادات زعموا أنهم ~~يعبدون الله بها فهم إنما اتبعوا أهواءهم فإن أحدهم يتبع محبة نفسه وذوقها ~~ووجدها وهواها من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير # فلو إتبع العلم والكتاب المنير لم يعبد إلا الله بما شاء لا بالحوادث ~~والبدع PageV10P592 # والمقصود ان الآلهة كثيرة والعبادات لها متنوعة وبالجملة فكل ما يريده ~~الإنسان ويحبه لا بد أن يتصوره في نفسه فتلك الصورة العلمية محركة له إلى ~~محبوبه ولوازم الحب فمن عبده عبد غير الله وتمثلت له الشياطين في صورة من ~~يعبده وهذا كثير ما زال ولم يزل ولهذا كان كل من عبد شيئا غير الله فإنما ~~يعبد الشيطان ولهذا يقارن الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها وإستوائها ~~ليكون سجود من يعبدها له # وقد كانت ( الشياطين ( تتمثل في صورة من يعبد كما كانت تكلمهم من الأصنام ~~التى يعبدونها وكذلك في وقتنا خلق كثير من المنتسبين إلى الإسلام والنصارى ~~والمشركين ممن أشرك ببعض من يعظمه من الأحياء والأموات من المشايخ وغيرهم ~~فيدعوه ويستغيث به في حياته وبعد مماته فيراه قد أتاه وكلمه وقضى حاجته ~~وإنما هو شيطان تمثل على صورته ليغوى هذا المشرك # والمبتلون ( بالعشق ( لا يزال الشيطان يمثل لأحدهم صورة المعشوق أو يتصور ~~بصورته فلا يزال يرى صورته مع مغيبه عنه بعد موته فإنما جلاه الشيطان على ~~قلبه ولهذا إذا ذكر العبد الله الذكر الذى يخنس منه الوسواس الخناس خنس هذا ~~المثال الشيطانى وصورة المحبوب تستولى على المحب أحيانا حتى لا يرى غيرها ~~ولا يسمع غير كلامها فتبقى PageV10P593 نفسه مشتغله بها # والذين يسلكون في محبة الله مسلكا ناقصا يحصل لأحدهم نوع من ذلك يسمى ( ~~الإصطلام ( و ( الفناء ( يغيب بمحبوبه عن محبته وبمعروفه ms3221 عن معرفته ~~وبمذكوره عن ذكره حتى لا يشعر بشيء من أسماء الله وصفاته وكلامه وأمره ~~ونهيه # و ( منهم ( من قد ينتقل من هذا إلى ( الإتحاد ( فيقول ( أنا هو وهو أنا ~~وأنا الله ويظن كثير من السالكين أن هذا هو غاية السالكين وان هذا هو ( ~~التوحيد ( الذى هو نهاية كل سالك وهم غالطون في هذا بل هذا من جنس قول ~~النصارى ولكن ضلوا لأنهم لم يسلكوا الطريق الشرعية في الباطن في خبر الله ~~وأمره # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود ( أن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس ~~يستولى على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه ويبقى أسيرا ما يهواه ~~يصرفه كيف تصرف ذلك المطلوب ولهذا قال بعض السلف ما انا على الشاب الناسك ~~بأخوف منى عليه من سبع ضار يثب عليه من صبى حدث يجلس إليه PageV10P594 وذلك ~~أن النفس الصافية التى فيها رقة ( الرياضة ( ولم تنجذب إلى محبة الله ~~وعبادته إنجذابا تاما ولا قام بها من خشية الله التامة ما يصرفها عن هواها ~~متى صارت تحت صورة من الصور إستولت تلك الصورة عليها كما يستولى السبع على ~~ما يفترسه فالسبع يأخذ فريسته بالقهر ولا تقدر الفريسة على الإمتناع منه ~~كذلك ما يمثله الإنسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قلبه وتقهره فلا ~~يقدر قلبه على الإمتناع منه فيبقى قلبه مستغرقا في تلك الصورة اعظم من ~~إستغراق الفريسة في جوف الأسد لأن المحبوب المراد هو غاية النفس له عليها ~~سلطان قاهر # و ( القلب ( يغرق فيما يستولى عليه أما من محبوب وإما من مخوف كما يوجد ~~من محبة المال والجاه والصور والخائف من غيره يبقى قلبه وعقله مستغرقا فيه ~~كما يغرق الغريق في الماء فلا بد أن يستولى عليها ما يحيط بها من الأجسام ~~والقلوب يستولى عليها ما يتمثل لها من المخاوف والمحبوبات والمكروهات ~~فالمحبوب يطلبه والمكروه يدفعه والرجاء يتعلق بالمحبوب والخوف يتعلق ~~بالمكروه ولا يأتى بالحسنات إلا الله ولا يذهب السيئات إلا الله ( وإن ~~يمسسك الله ms3222 بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من ~~يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ( وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم ~~الضر فاليه تجئرون ( PageV10P595 وإذا دعا العبد ربه بإعطاء المطلوب ودفع ~~المرهوب جعل له من الإيمان بالله ومحبته ومعرفته وتوحيده ورجائه وحياة قلبه ~~وإستنارته بنور الإيمان ما قد يكون أنفع له من ذلك المطلوب إن كان عرضا من ~~الدنيا وأما إذا طلب منه أن يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته وما يتبع ذلك ~~فهنا المطلوب قد يكون أنفع من الطلب وهو الدعاء والمطلوب الذكر والشكر ~~وقيام العبادة على أحسن الوجوه وغير ذلك وهذا لبسطه موضع آخر # و ( المقصود ( أن القلب قد يغمره فيستولى عليه ما يريده العبد ويحبه وما ~~يخافه ويحذره كائنا من كان ولهذا قال تعالى ( بل قلوبهم في غمرة من هذا ~~ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ( فهي فيما يغمرها عما أنذرت به ~~فيغمرها ذلك عن ذكر الله والدار الاخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم ~~قال الله تعالى ( فذرهم في غمرتهم حتى حين ( أي فيما يغمر قلوبهم من حب ~~المال والبنين المانع لهم من المسارعة في الخيرات والأعمال الصالحة وقال ~~تعالى ( قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون ( الآيات أى ساهون عن أمر ~~الآخرة فهم في غمرة عنها أى فيما يغمر قلوبهم من حب الدنيا ومتاعها ساهون ~~عن أمر الآخرة وما خلقوا له ( وهذا يشبه قوله ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا وإتبع PageV10P596 هواه وكان أمره فرطا ( فالغمرة تكون من إتباع ~~الهوى والسهو من جنس الغفلة ولهذا قال من قال ( السهو ( الغفلة عن الشيء ~~وذهاب القلب عنه وهذا جماع الشر ( الغفلة ( و ( الشهوة ( فالغفلة ( عن الله ~~والدار الآخرة تسد باب الخير الذى هو الذكر واليقظة # و ( الشهوة ( تفتح باب الشر والسهو والخوف فيبقى القلب مغمورا فيما يهواه ~~ويخشاه غافلا عن الله رائدا غير الله ساهيا عن ذكره قد إشتغل بغير الله قد ~~إنفرط أمره قد ms3223 ران حب الدنيا على قلبه كما روى في صحيح البخارى وغيره عن ~~ابى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( تعس عبد الدينار تعس عبد ~~الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وإنتكس وإذا شيك فلا إنتقش ان ~~اعطى رضى وإن منع سخط ( # جعله عبد ما يرضيه وجوده ويسخطه فقده حتى يكون عبد الدرهم وعبد ما وصف في ~~هذا الحديث و ( القطيفة ( هي التى يجلس عليها فهو خادمها كما قال بعض السلف ~~ألبس من الثياب ما يخدمك ولا تلبس منها ما تكن أنت تخدمه وهى كالبساط الذى ~~تجلس عليه و ( الخميصة ( هي التى يرتدى بها وهذا من أقل المال وإنما ~~PageV10P597 # نبه به النبى على ما هو أعلى منه فهو عبد لذلك فيه أرباب متفرقون وشركاء ~~متشاكسون # ولهذا قال ( أن أعطى رضى وإن منع سخط ( فما كان يرضى الإنسان حصوله ~~ويسخطه فقده فهو عبده إذ العبد يرضى بإتصاله بهما ويسخط لفقدهما و ( ~~المعبود الحق ( الذى لا إله إلا هو إذا عبده المؤمن واحبه حصل للمؤمن بذلك ~~في قلبه إيمان وتوحيد ومحبة وذكر وعبادة فيرضى بذلك وإذا منع من ذلك غضب # وكذلك من أحب شيئا فلا بد أن يتصوره في قلبه ويريد إتصاله به بحسب ~~الإمكان # قال الجنيد لا يكون العبد عبدا حتى يكون مما سوى الله تعالى حرا وهذا ~~مطابق لهذا الحديث فإنه لا يكون عبدا لله خالصا مخلصا دينه لله كله حتى لا ~~يكون عبدا لما سواه ولا فيه شعبة ولا أدنى جزء من عبودية ما سوى الله فإذا ~~كان يرضيه ويسخطه غير الله فهو عبد لذلك الغير ففيه من الشرك بقدر محبته ~~وعبادته لذلك الغير زيادة # قال ( الفضيل بن عياض ( والله ما صدق الله في عبوديته من PageV10P598 ~~لأحد من المخلوقين عليه ربانية وقال زيد بن عمرو بن نفيل # أربا واحدا أم ألف رب %~% أدين إذا إنقسمت الأمور # روى الإمام أحمد والترمذى والطبرانى من ~~حديث أسماء بنت عميس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بئس ms3224 العبد ~~عبد تخيل وإختال ونسى الكبير المتعال بئس العبد عبد تجبر وإعتدى ونسى ~~الجبار الأعلى بئس العبد عبد سهى ولهى ونسى المقابر والبلى بئس العبد عبد ~~بغى وإعتدى ونسى المبدأ والمنتهى بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين بئس ~~العبد عبد يختل الدين بالشبهات بئس العبد عبد رغب يذله ويزيله عن الحق بئس ~~العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى يضله ( قال الترمذى غريب وفى الحديث ~~الصحيح المتقدم ما يقويه والله أعلم # وكذلك أحاديث وآثار كثيرة رويت في معنى ذلك كما قال تعالى ( ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ( ~~وطالب الرئاسة ولو بالباطل ترضيه الكلمة التى فيها تعظيمه وإن كانت باطلا ~~وتغضبه الكلمة التى فيها ذمه وإن كانت حقا PageV10P599 # والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه وتغضبه كلمة الباطل له وعليه لأن الله ~~تعالى يحب الحق والصدق والعدل ويبغض الكذب والظلم # فإذا قيل الحق والصدق والعدل الذى يحبه الله أحبه وأن كان فيه مخالفة ~~هواه لأن هواه قد صار تبعا لما جاء به الرسول وإذا قيل الظلم والكذب فالله ~~يبغضه والمؤمن يبغضه ولو وافق هواه # وكذلك طالب ( المال ( ولو بالباطل كما قال تعالى ( ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ( وهؤلاء هم ~~الذين قال [ فيهم ] تعس عبد الدينار ( الحديث فكيف إذا إستولى على القلب ما ~~هو أعظم إستعبادا من الدرهم والدينار من الشهوات والأهواء والمحبوبات التى ~~تجذب القلب عن كمال محبته لله وعبادته لما فيها من المزاحمة والشرك ~~بالمخلوقات كيف تدفع القلب وتزيغه عن كمال محبته لربه وعبادته وخشيته لأن ~~كل محبوب يجذب قلب محبه إليه ويزيغه عن محبة غير محبوبه وكذلك المكروه ~~يدفعه ويزيله ويشغله عن عبادة الله تعالى # ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده وغيره أن النبى صلى الله عليه ~~PageV10P600 وسلم قال لأصحابه ( الفقر تخافون لا أخاف عليكم الفقر إنما ~~أخاف عليكم الدنيا حتى أن قلب أحدكم إذا زاغ لا ms3225 يزيغه إلا هي ( # وكذلك الذين يحبون العبد كأصدقائه والذين يبغضونه كأعدائه فالذين يحبونه ~~يجذبونه إليهم فإذا لم تكن المحبة منهم له لله كان ذلك مما يقطعه عن الله ~~والذين يبغضونه يؤذونه ويعادونه فيشغلونه بأذاهم عن الله ولو أحسن إليه ~~اصدقاؤه الذين يحبونه لغير الله أوجب إحسانهم إليه محبته لهم وإنجذاب قلبه ~~إليهم ولو كان على غير الإستقامة واوجب مكافأته لهم فيقطعونه عن الله ~~وعبادته # فلا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كله لله عز وجل فيكون ~~حبه لله ولما يحبه الله وبغضه لله ولما يبغضه الله وكذلك موالاته ومعاداته ~~وإلا فمحبة المخلوق تجذبه وحب الخلق له سبب يجذبهم به إليه ثم قد يكون هذا ~~أقوى وقد يكون هذا أقوى فإذا كان هو غالبا لهواه لم يجذبه مغلوب مع هواه ~~ولا محبوباته إليها لكونه غالبا لهواه ناهيا لنفسه عن الهوى لما في قلبه من ~~خشية الله ومحبته التى تمنعه عن إنجذابه إلى المحبوبات # وأما حب الناس له فإنه يوجب أن يجذبوه هم بقوتهم إليهم فإن لم يكن فيه ~~قوة يدفعهم بها عن نفسه من محبة الله وخشيته PageV10P601 وإلا جذبوه وأخذوه ~~إليهم كحب امرأة العزيز ليوسف فإن قوة ( يوسف ( ومحبته لله وإخلاصه وخشيته ~~كانت أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه لها هذا إذا أحب أحدهم صورته ~~مع أن هنا الداعى قوى منه ومنهم فهنا المعصوم من عصمه الله وإلا فالغالب ~~على الناس في المحبة من الطرفين أنه يقع بعض الشر بينهم # ولهذا قال رسول الله ( لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان ( # وقد يحبونه لعلمه أو دينه أو إحسانه أو غير ذلك فالفتنة في هذا أعظم إلا ~~إذا كانت فيه قوة إيمانية وخشية وتوحيد تام فإن فتنة العلم والجاه والصور ~~فتنة لكل مفتون وهم مع ذلك يطلبون منه مقاصدهم إن لم يفعلها وإلا نقص الحب ~~أو حصل نوع بغض وربما زاد أو أدى إلى الأنسلاخ من حبه فصار مبغوضا بعد أن ~~كان محبوبا فأصدقاء الإنسان يحبون إستخدامه ms3226 وإستعماله في أغراضهم حتى يكون ~~كالعبد لهم وأعداؤه يسعون في أذاه وأضراره وأولئك يطلبون منه إنتفاعهم وإن ~~كان مضرا له مفسدا لدينه لا يفكرون في ذلك وقليل منهم الشكور # فالطائفتان في الحقيقة لا يقصدون نفعه ولا دفع ضرره وإنما PageV10P602 ~~يقصدون أغراضهم به فإن لم يكن الإنسان عابدا الله متوكلا عليه مواليا له ~~ومواليا فيه ومعاديا وإلا اكلته الطائفتان وأدى ذلك إلى هلاكه في الدنيا ~~والآخرة # وهذا هو المعروف من أحوال بنى آدم وما يقع بينهم من المحاربات والمخاصمات ~~والإختلاف والفتن قوم يوالون زيدا ويعادون عمرا وآخرون بالعكس لأجل اغراضهم ~~فإذا حصلوا على أغراضهم ممن يوالونه وما هم طالبونه من زيد إنقلبوا إلى ~~عمرو وكذلك أصحاب عمرو كما هو الواقع بين اصناف الناس # وكذلك ( الرأس ( من الجانبين يميل إلى هؤلاء الذين يوالونه وهم إذا لم ~~تكن الموالاة لله أضر عليه من أولئك فإن اولئك إنما يقصدون إفساد دنياه إما ~~بقتله أو بأخذ ماله وإما بإزالة منصبه وهذا كله ضرر دنيوى لا يعتد به إذا ~~سلم العبد وهو عكس حال أهل الدنيا ومحبيها الذين لا يعتدون بفساد دينهم مع ~~سلامة دنياهم فهم لا يبالون بذلك وإما ( دين العبد ( الذى بينه وبين الله ~~فهم لا يقدرون عليه # واما اولياؤه الذين يوالونه للأغراض فإنما يقصدون منه فساد دينه بمعاونته ~~على أغراضهم وغير ذلك فإن لم يفعل إنقلبوا أعداء فدخل بذلك عليه الأذى من ( ~~جهتين PageV10P603 # من جهة مفارقتهم # ومن جهة عداوتهم # وعداوتهم أشد عليه من عداوة اعدائه لأنهم قد شاهدوا منه وعرفوا ما لم ~~يعرفه اعداؤه فإستجلبوا بذلك عداوة غيرهم فتتضاعف العداوة # وإن لم يحب مفارقتهم إحتاج إلى مداهنتهم ومساعدتهم على ما يريدونه وإن ~~كان فيه فساد دينه فإن ساعدهم على نيل مرتبة دنيوية ناله مما يعملون فيها ~~نصيبا وافرا وحظا تاما من ظلمهم وجورهم وطلبوا منه أيضا أن يعاونهم على ~~أغراضهم ولو فاتت أغراضه الدنيوية فكيف بالدينية أن وجدت فيه أو عنده فإن ~~الإنسان ظالم جاهل لا يطلب إلا هواه # فإن لم يكن هذا ms3227 في الباطن يحسن إليهم ويصبر على اذاهم ويقضى حوائجهم لله ~~وتكون إستعانته عليهم بالله تامة وتوكله على الله تام وإلا افسدوا دينه ~~ودنياه كما هو الواقع المشاهد من الناس ممن يطلب الرئاسة الدنيوية فإنه ~~يطلب منه من الظلم والمعاصى ما ينال به تلك الرئاسة ويحسن له هذا الرأى ~~ويعاديه أن لم يقم معه كما قد PageV10P604 جرى ذلك مع غير واحد # وذلك يجرى فيمن يحب شخصا لصورته فإنه يخدمه ويعظمه ويعطيه ما يقدر عليه ~~ويطلب منه من المحرم ما يفسد دينه # وفيمن يحب صاحب ( بدعة ( لكونه له داعية إلى تلك البدعة يحوجه إلى أن ~~ينصر الباطل الذى يعلم أنه باطل وإلا عاداه ولهذا صار علماء الكفار وأهل ~~البدع مع علمهم بأنهم على الباطل ينصرون ذلك الباطل لأجل الإتباع والمحبين ~~ويعادون أهل الحق ويهجنون طريقهم # فمن أحب غير الله ووالى غيره كره محب الله ووليه ومن أحب أحدا لغير الله ~~كان ضرر أصدقائه عليه اعظم من ضرر اعدائه فإن أعداءه غايتهم أن يحولوا بينه ~~وبين هذا المحبوب الدنيوى والحيلولة بينه وبينه رحمة في حقه وأصدقاؤه ~~يساعدونه على نفى تلك الرحمة وذهابها عنه فأى صداقة هذه ويحبون بقاء ذلك ~~المحبوب ليستعملوه في أغراضهم وفيما يحبونه وكلاهما ضرر عليه # قال تعالى ( إذ تبرأ الذين إتبعوا من الذين إتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت ~~بهم الأسباب ( قال الفضيل بن عياض عن ليث PageV10P605 عن مجاهد هي المودات ~~التى كانت لغير الله والوصلات التى كانت بينهم في الدنيا ( وقال الذين ~~إتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ( فالأعمال التى أراهم الله حسرات ~~عليهم هي الأعمال التى يفعلها بعضهم مع بعض في الدنيا كانت لغير الله ومنها ~~الموالاة والصحبة والمحبة لغير الله فالخير كله في أن يعبد الله وحده لا ~~يشرك به شيئا ولا حول ولا قوة إلا بالله ### ||| فصل # ( ومما يحقق هذه الأمور أن المحب يجذب والمحبوب يجذب فمن أحب شيئا جذبه ~~إليه بحسب قوته ms3228 ومن أحب صورة جذبته تلك الصورة إلى المحبوب الموجود في ~~الخارج بحسب قوته فإن المحب علته فاعلية والمحبوب علته غائية وكل منهما له ~~تأثير في وجود المعلول والمحب إنما يجذب المحبوب بما في قلب المحب من صورته ~~التى يتمثلها فتلك الصورة تجذبه بمعنى إنجذابه إليها لا أنها هي في نفسها ~~قصد وفعل فإن في المحبوب من المعنى المناسب ما يقتضى إنجذاب المحب إليه كما ~~ينجذب الإنسان إلى الطعام ليأكله وإلى أمرأة ليباشرها وإلى PageV10P606 ~~صديقه ليعاشره وكما تنجذب قلوب المحبين لله ورسوله إلى الله ورسوله ~~والصالحين من عباده لما إتصف به سبحانه من الصفات التى يستحق لأجلها أن يحب ~~ويعبد # بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته إلا هو سبحانه وبحمده فكل ~~محبوب في العالم إنما يجوز أن يحب لغيره لا لذاته والرب تعالى هو الذى يجب ~~أن يحب لنفسه وهذا من معانى الهيته و ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~( فإن محبة الشيء لذاته شرك فلا يحب لذاته إلا الله فإن ذلك من خصائص ~~إلهيته فلا يستحق ذلك إلا الله وحده وكل محبوب سواه إن لم يحب لأجله أو لما ~~يحب لأجله فمحبته فاسدة # والله تعالى خلق في النفوس حب الغذاء وحب النساء لما في ذلك من حفظ ~~الأبدان وبقاء الإنسان فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس ففسدت أبدانهم ~~ولولا حب النساء لما تزوجوا فإنقطع النسل والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ~~ليعبدوا الله وحده ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذى لا يستحق ذلك غيره # وإنما تحب الأنبياء والصالحون تبعا لمحبته فإن من تمام حبه حب ما يحبه ~~وهو يحب الأنبياء والصالحين ويحب الأعمال الصالحة فحبها PageV10P607 # لله هو من تمام حبه وأما الحب معه فهو حب المشركين الذين يحبون اندادهم ~~كحب الله فالمخلوق إذا أحب لله كان حبه جاذبا إلى حب الله وإذا تحاب ~~الرجلان في الله إجتمعا على ذلك وتفرقا عليه كان كل منهما جاذبا للآخر إلى ~~حب الله كما قال تعالى ( حقت محبتى للمتحابين ms3229 في وحقت محبتى للمتجالسين في ~~وحقت محبتى للمتباذلين في وإن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم ~~الأنبياء والشهداء بقربهم من الله وهم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال ~~يتباذلونها ولا أرحام يتواصلون بها أن لوجوههم لنورا وانهم لعلى كراس من ~~نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ( فإنك إذا أحببت ~~الشخص لله كان الله هو المحبوب لذاته فكلما تصورته في قلبك تصورت محبوب ~~الحق فأحببته فإزداد حبك لله كما إذا ذكرت النبى والأنبياء قبله والمرسلين ~~واصحابهم الصالحين وتصورتهم في قلبك فإن ذلك يجذب قلبك إلى محبة الله ~~المنعم عليهم وبهم إذا كنت تحبهم لله فالمحبوب لله يجذب إلى محبة الله ~~والمحب لله إذا أحب شخصا لله فإن الله هو محبوبه فهو يحب أن يجذبه إلى الله ~~تعالى وكل من المحب لله والمحبوب لله يجذب إلى الله # وهكذا إذا كان الحب لغير الله كما إذا أحب كل من الشخصين PageV10P608 ~~الآخر بصورة كالمرأة مع الرجل فإن المحب يطلب المحبوب والمحبوب يطلب المحب ~~بإنجذاب المحبوب فإذا كانا متحابين صار كل منهما جاذبا مجذوبا من الوجهين ~~فيجب الإتصال ولو كان الحب من أحد الجانبين لكان المحب يجذب المحبوب ~~والمحبوب يجذبه لكن المحبوب لا يقصد جذبه والمحب يقصد جذبه وينجذب وهذا ( ~~سبب التأثير في المحبوب ( أما تمثل يحصل في قلبه فينجذب وإما أن ينجذب بلا ~~محبة كما يأكل الرجل الطعام ويلبس الثوب ويسكن الدار ونحو ذلك من المحبوبات ~~التى لا إرادة لها # وأما ( الحيوان ( فيحب بعضه بعضا بكونه سببا للإحسان إليه وقد جبلت ~~النفوس على حب من أحسن إليها لكن هذا في الحقيقة إنما هو محبة الإحسان لا ~~نفس المحسن ولو قطع ذلك لإضمحل ذلك الحب وربما اعقب بغضا فإنه ليس لله عز ~~وجل # فإن من أحب إنسانا لكونه يعطيه فما احب إلا العطاء ومن قال أنه يحب من ~~يعطيه لله فهذا كذب ومحال وزور من القول وكذلك من أحب إنسانا لكونه ينصره ~~إنما أحب النصر لا الناصر وهذا ms3230 كله من إتباع ما تهوى الأنفس فإنه لم يحب في ~~الحقيقة إلا ما يصل إليه من جلب منفعة أو دفع مضرة فهو إنما أحب تلك ~~المنفعة ودفع المضرة وإنما PageV10P609 أحب ذلك لكونه وسيلة إلى محبوبه ~~وليس هذا حبا لله ولا لذات المحبوب # وعلى هذا تجرى عامة محبة الخلق بعضهم مع بعض وهذا لا يثابون عليه في ~~الآخرة ولا ينفعهم بل ربما أدى ذلك إلى النفاق والمداهنة فكانوا في الآخرة ~~من الإخلاء الذين بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وإنما ينفعهم في الآخرة الحب ~~في الله ولله وحده وأما من يرجو النفع والنصر من شخص ثم يزعم أنه يحبه لله ~~فهذا من دسائس النفوس ونفاق الأقوال # وإنما ينفع العبد الحب لله لما يحبه الله من خلقه كالأنبياء والصالحين ~~لكون حبهم يقرب إلى الله ومحبته وهؤلاء هم الذين يستحقون محبه الله لهم # ونبينا كان يعطى المؤلفة قلوبهم ويدع آخرين هم أحب إليه من الذي يعطى ~~يكلهم إلى ما في قلوبهم من الإيمان وإنما كان يعطى المؤلفة قلوبهم لما في ~~قلوبهم من الهلع والجزع ليكون ما يعطيهم سببا لجلب قلوبهم إلى أن يحبوا ~~الإسلام فيحبوا الله فكان مقصوده بذلك دعوة القلوب إلى حب الله عز وجل ~~وصرفها عن ضد ذلك ولهذا كان يعطى أقواما خشية أن يكبهم الله على وجوههم في ~~النار فمنعهم بذلك العطاء عما PageV10P610 يكرهه منهم فكان يعطى لله ويمنع ~~لله وقد قال ( من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد إستكمل الإيمان ~~( وفى صحيح البخارى عنه أنه قال ( أنى والله إنما أنا قاسم لا أعطى احدا ~~ولا أمنع أحدا ولكن أضع حيث أمرت ( # وصورة المحبوب المتمثلة في النفس يتحرك لها المحب ويريد لها ويحب ويبغض ~~ويبتهج وينشرح عند ذكرها من أى جنس كانت فتبقى هي كالآمر الناهى له ولهذا ~~يجد في نفسه كأنها تخاطبه بأمر ونهى وغير ذلك كما يرى كثير من الناس من ~~يحبه ويعظمه في منامه وهو يأمره وينهاه ويخبره بأمور # والمشركون تتمثل لهم الشياطين في صور ms3231 من يعبدونه تأمرهم وتنهاهم # والقائلون بالشاهد والمنتسبون إلى السلوك يقول أحدهم أنه يخاطب في باطنه ~~على لسان الشاهد فمنهم من يصلى بالليل وذاك بإزائه ليشاهده في الضوء ومنهم ~~من يشاهده في حال السماع في غيره ويظنون أنهم يخاطبون ويجدون المريد في ~~قلوبهم بذلك وذلك لأنهم يتمثلونه في أنفسهم وربما كان الشيطان يتمثل في ~~صورته فيجدون في نفوسهم خطابا من تلك الصورة فيقولون خوطبنا من جهته وهذا ~~وإن كان موجودا في PageV10P611 المخاطب فمن المخاطب له فالفرقان هنا فإنما ~~ذلك المخاطب من وسواس الشيطان والنفس # وقد يخاطبون بأشياء حسنة رشوة منه لهم ولا يخاطبون بما يعرفون أنه باطل ~~لئلا ينفرون منه بل الشيطان يخاطب أحدهم بما يرى أنه حق والراهب إذا راض ~~نفسه فمرة يرى في نفسه صورة التثليث وربما خوطب منها لأنه كان قد يتمثلها ~~قبل ذلك فلما إنصقلت نفسه بالرياضة ظهرت له والمؤمن الذى يحب الله ورسوله ~~يرى الرسول في منامه بحسب إيمانه وكذلك يرى الله تعالى في منامه بحسب ~~إيمانه كما قد بسط في غير هذا الموضع # ولهذا كثير من أهل الزهد والعبادة يكون من أعوان الكفار ويزعم انه مأمور ~~بذلك ويخاطب به ويظن أن الله هو الذى أمره بذلك والله منزه عن ذلك وإنما ~~الآمر له بذلك النفس والشيطان وما في نفسه من الشرك إذ لو كان مخلصا لله ~~الدين لما عرض له شيء من ذلك فإن هذا لا يكون إلا لمن فيه شرك في عبادته أو ~~عنده بدعة ولا يقع هذا لمخلص متمسك بالسنة البتة # وإذا كانت ( الرؤيا ( على ثلاثة أقسام # رؤيا من الله PageV10P612 ورؤيا من حديث النفس # ورؤيا من الشيطان فكذلك ما يلقى في نفس الإنسان في حال يقظته ( ثلاثة ~~أقسام ( # ولهذا كانت الأحوال ( ثلاثة ( رحمانى ونفسانى وشيطانى # وما يحصل من نوع المكاشفة والتصرف ( ثلاثة اصناف ( ملكى ونفسى وشيطانى ~~فإن الملك له قوة والنفس لها قوة والشيطان له قوة وقلب المؤمن له قوة فما ~~كان من الملك ومن قلب المؤمن فهو حق وما كان من الشيطان ms3232 ووسوسة النفس فهو ~~باطل # وقد إشتبه هذا بهذا على طوائف كثيرة فلم يفرقوا بين أولياء الله وأعداء ~~الله بل صاروا يظنون في من هو من جنس المشركين والكفار أهل الكتاب من وجوه ~~كثيرة أنه من أولياء الله المتقين والكلام في هذا مبسوط في موضع آخر # ولهذا في هؤلاء من يرى جواز قتال الأنبياء ومنهم من يرى أنه أفضل من ~~الأنبياء إلى أنواع أخر وذلك لأنه حصل لهم من الأنواع الشيطانية والنفسانية ~~ما ظنوا أنها من كرامات الأولياء فظنوا PageV10P613 أنهم منهم فكان الأمر ~~بالعكس واصل هذا أنهم تعبدوا بما تحبه النفس وأما العبادة بما يحبه الله ~~ويرضاه فلا يحبونه ولا يريدونه وحده ويرون أنهم إذا عبدوا الله بما أمر به ~~ورسله حط لهم عن منصب الولاية فيحدثون محبة قوية وتألها وعبادة وشوقا وزهدا ~~ولكن فيه شرك وبدعة # ومحبة ( التوحيد ( إنما تكون لله وحده على متابعة رسوله كما قال تعالى ( ~~قل إن كنتم تحبون الله فإتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ( فلهذا يكون ~~أهل الإتباع فيهم جهاد ونية في محبتهم يحبون لله ويبغضون له وهم على ملة ~~إبراهيم والذين معه ( إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم وبدى بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~وحده ( وأولئك محبتهم فيها شرك وليسوا متابعين للرسول ولا مجاهدين في سبيل ~~الله فليست هي المحبة الإخلاصية فإنها مقرونة بالتوحيد ولهذا سمى أبو طالب ~~المكى كتابه ( قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام ~~التوحيد ( # والله سبحانه أعلم PageV10P614 ( قال شيخ الإسلام رحمه الله أيضا ### ||| فصل # ( # قد كتبت في كراسة الحوادث فصلا في ( جماع الزهد والورع ( وأن ( الزهد ( ~~هو عما لا ينفع إما لإنتفاء نفعه أو لكونه مرجوحا لأنه مفوت لما هو أنفع ~~منه أو محصل لما يربو ضرره على نفعه وأما المنافع الخالصة أو الراجحة ~~فالزهد فيها حمق # وأما ( الورع ( فإنه الإمساك عما قد يضر فتدخل فيه المحرمات والشبهات ~~لأنها قد تضر فإنه من إتقى الشبهات إستبرأ لعرضه ms3233 ودينه ومن وقع في الشبهات ~~وقع في الحرام كالراعى حول الحمى يوشك أن يواقعه # وأما ( الورع ( عما لا مضرة فيه أو فيه مضرة مرجوحة لما PageV10P615 ~~تقترن به من جلب منفعة راجحة أو دفع مضرة أخرى راجحة فجهل وظلم وذلك يتضمن ~~( ثلاثة أقسام ( لا يتورع عنها المنافع المكافأة والراجحة والخالصة كالمباح ~~المحض أو المستحب أو الواجب فإن الورع عنها ضلالة # وأنا أذكر هنا تفصيل ذلك فأقول # ( الزهد ( خلاف الرغبة يقال فلان زاهد في كذا وفلان راغب فيه ( والرغبة ( ~~هي من جنس الإرادة فالزهد في الشيء إنتفاء الإرادة له أما مع وجود كراهته ~~وإما مع عدم الإرادة والكراهة بحيث لا يكون لا مريدا له ولا كارها له وكل ~~من لم يرغب في الشيء ويريده فهو زاهد فيه # وكما أن سبيل الله يحمد فيه الزهد فيما زهد الله فيه من فضول الدنيا ~~فتحمد فيه الرغبة والإرادة لما حمد الله إرادته والرغبة فيه ولهذا كان أساس ~~الطريق الإرادة كما قال تعالى ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى ~~يريدون وجهه ( وقال تعالى ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فاولئك كان سعيهم مشكورا ( ونظائرة متعددة PageV10P616 # كما رغب في ( الزهد ( وذم ضده في قوله ( من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار ( وقال تعالى ( الهكم التكاثر ( السورة وقال تعالى ( ~~وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما ( وقال ( إن الإنسان لربه ~~لكنود وأنه على ذلك لشهيد وأنه لحب الخير لشديد ( وقال تعالى ( إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ( الآية وهذا باب واسع # وإنما المقصود هنا تميز ( الزهد الشرعى ( من غيره وهو الزهد المحمود ~~وتميز ( الرغبة الشرعية ( من غيرها وهى الرغبة المحمودة فإنه كثيرا ما ~~يشتبه الزهد بالكسل والعجز والبطالة عن الأوامر الشرعية وكثيرا ما تشتبه ~~الرغبة الشرعية بالحرص والطمع والعمل الذى ضل سعى صاحبه # وأما ( الورع ( فهو إجتناب الفعل وإتقاؤه والكف والإمساك عنه والحذر منه ~~وهو يعود إلى ms3234 كراهة الأمر والنفرة منه والبغض له وهو أمر وجودى أيضا وإن ~~كان قد إختلف في المطلوب بالنهى هل هو عدم المنهى عنه أو فعل ضده وأكثر أهل ~~الإثبات على الثانى فلا ريب أنه لا يسمى ورعا ومتورعا ومتقيا إلا إذا وجد ~~منه الإمتناع والإمساك الذى هو فعل ضد المنهى عنه PageV10P617 و ( التحقيق ~~( أنه مع عدم المنهى عنه يحصل له عدم مضرة الفعل المنهى عنه وهو ذمه وعقابه ~~ونحو ذلك ومع وجود الإمتناع والإتقاء والإجتناب يكون قد وجد منه عمل صالح ~~وطاعة وتقوى فيحصل له منفعة هذا العمل من حمده وثوابه وغير ذلك فعدم المضرة ~~لعدم السيئات ووجود المنفعة لوجود الحسنات # فتلخص أن ( الزهد ( من باب عدم الرغبة والإرادة في المزهود فيه و ( الورع ~~( من باب وجود النفرة والكراهة للمتورع عنه وإنتفاء الإرادة إنما يصلح فيما ~~ليس فيه منفعة خالصة أو راجحة وأما وجود الكراهة فإنما يصلح فيما فيه مضرة ~~خالصة أو راجحة فأما إذا فرض ما لا منفعة فيه ولا مضرة أو منفعته ومضرته ~~سواء من كل وجه فهذا لا يصلح أن يراد ولا يصلح أن يكره فيصلح فيه الزهد ولا ~~يصلح فيه الورع فظهر بذلك أن كل ما يصلح فيه الورع يصلح فيه الزهد من غير ~~عكس وهذا بين فإن ما صلح ان يكره وينفر عنه صلح أن لا يراد ولا يرغب فيه ~~فإن عدم الإرادة أولى من وجود الكراهة ووجود الكراهة مستلزم عدم الإرادة من ~~غير عكس وليس كل ما صلح أن لا يراد يصلح أن يكره بل قد يعرض من الأمور ما ~~لا تصلح إرادته ولا كراهته ولا حبه ولا بغضه ولا الأمر به ولا النهى عنه ~~PageV10P618 وبهذا يتبين ان الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا ورع ~~وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع وأما المباحات فيصلح ~~فيها الزهد دون الورع وهذا القدر ظاهر تعرفه بأدنى تأمل # وإنما الشأن فيما إذا تعارض في الفعل هل هو مأمور به أو منهى عنه أو مباح ~~وفيما إذا إقترن ms3235 بما جنسه مباح ما يجعله مأمورا به أو منهيا عنه أو إقترن ~~بالمأمور به ما يجعله منهيا عنه وبالعكس # فعند إجتماع المصالح والمفاسد والمنافع والمضار وتعارضها يحتاج إلى ~~الفرقان PageV10P619 ( وقال ### ||| فصل # ( # قول بعض الناس الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق كما قد ~~يستدل به طوائف على أنواع من ( الرهبانيات والعبادات المبتدعة ( التى لم ~~يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات ~~ومثل التعمق والتنطع الذى ذمه النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال ( هلك ~~المتنطعون ( وقال ( لو مد لى الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ( ~~مثل الجوع أو العطش المفرط الذى يضر العقل والجسم ويمنع أداء واجبات أو ~~مستحبات أنفع منه وكذلك الإحتفاء والتعري والمشى الذى يضر الإنسان بلا ~~فائدة مثل حديث أبى اسرائيل الذى نذر أن يصوم وأن يقوم قائما ولا يجلس ولا ~~يستظل ولا يتكلم فقال النبى ( مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم ~~PageV10P620 صومه ( رواه البخارى وهذا باب واسع # وأما الأجر على قدر الطاعة فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسر كما ~~يسر الله على أهل الإسلام ( الكلمتين ( وهما أفضل الأعمال ولذلك قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ~~حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( أخرجاه في ~~الصحيحين ولو قيل الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته لكان صحيحا إتصاف ( ~~الأول ( بإعتبار تعلقه بالأمر ( و ( الثانى ( بإعتبار صفته في نفسه والعمل ~~تكون منفعته وفائدته تارة من جهة الأمر فقط وتارة من جهة صفته في نفسه ~~وتارة من كلا الأمرين فبالإعتبار الأول ينقسم إلى طاعة ومعصية وبالثانى ~~ينقسم إلى حسنة وسيئة والطاعة والمعصية إسم له من جهة الأمر والحسنة ~~والسيئة إسم له من جهة نفسه وإن كان كثير من الناس لا يثبت إلا ( الأول ( ~~كما تقوله الأشعرية وطائفة من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم # ومن الناس من لا يثبت إلا ( الثانى ( كما تقوله المعتزلة وطائفة ~~PageV10P621 من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم والصواب إثبات الإعتبارين كما ~~تدل ms3236 عليه نصوص الأئمة وكلام السلف وجمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم # فأما كونه مشقا فليس هو سببا لفضل العمل ورجحانه ولكن قد يكون العمل ~~الفاضل مشقا ففضله لمعنى غير مشقته والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره ~~فيزداد الثواب بالمشقة كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر ~~يكون أجره أعظم من القريب كما قال النبى لعائشة في العمرة ( أجرك على قدر ~~نصبك ( لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة وبالبعد يكثر النصب فيكثر ~~الأجر وكذلك الجهاد وقوله صلى الله عليه وسلم ( الماهر بالقرآن مع السفرة ~~الكرام البررة والذى يقرأة ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ( # فكثيرا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب لا لأن التعب والمشقة مقصود ~~من العمل ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب هذا في شرعنا الذي رفعت عنا ~~فيه الآصار والأغلال ولم يجعل علينا فيه حرج ولا اريد بنا فيه العسر وأما ~~في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة منهم وكثير من العباد يرى جنس ~~المشقة والألم والتعب مطلوبا مقربا إلى الله لما فيه من نفرة النفس عن ~~اللذات والركون PageV10P622 إلى الدنيا وإنقطاع القلب عن علاقة الجسد وهذا ~~من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم # ولهذا تجد هؤلاء مع من شابههم من الرهبان يعالجون الأعمال الشاقة الشديدة ~~المتعبة من أنواع العبادات والزهادات مع أنه لا فائدة فيها ولا ثمرة لها ~~ولا منفعة إلا ان يكون شيئا يسيرا لا يقاوم العذاب الأليم الذى يجدونه # ونظير هذا الأصل الفاسد مدح بعض الجهال بأن يقول فلان ما نكح ولا ذبح ~~وهذا مدح الرهبان الذين لا ينكحون ولا يذبحون وأما الحنفاء فقد قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( لكنى أصوم وافطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن ~~سنتى فليس منى ( # وهذه الأشياء هي من الدين الفاسد وهو مذموم كما أن الطمأنينة إلى الحياة ~~الدنيا مذموم # والناس أقسام ( # ( أصحاب ( دنيا محضة ( وهم المعرضون عن الآخرة # وأصحاب ( دين فاسد ( وهم الكفار والمبتدعة الذين يتدينون بما لم ms3237 ~~PageV10P623 يشرعه الله من أنواع العبادات والزهادات # و ( القسم الثالث ( ( وهم أهل الدين الصحيح أهل الإسلام المستمسكون ~~بالكتاب والسنة والجماعة والحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا ~~أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق PageV10P624 ### || 1 ( قاعدة في تزكية النفوس ) 1 # ! 8 < ( وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله # ) # ! 8 < ( فصل # في ( تزكية النفس ( وكيف تزكو بترك المحرمات مع فعل المأمورات قال تعالى ~~( قد أفلح من زكاها ( وقد أفلح من تزكى ( # قال قتادة وإبن عيينة وغيرهما قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح ~~الأعمال وقال الفراء والزجاج قد أفلحت نفس زكاها الله وقد خابت نفس دساها ~~الله وكذلك ذكره الوالبى عن إبن عباس وهو منقطع و [ ليس ] هو مراد من الآية ~~بل المراد بها الأول قطعا لفظا ومعنى # أما ( اللفظ ( فقوله من زكاها إسم موصول ولا بد فيه من عائد PageV10P625 ~~على ( من ) فإذا قيل قد أفلح الشخص الذى زكاها كان ضمير الشخص في زكاها ~~يعود على ( من ) هذا وجه الكلام الذى لا ريب في صحته كما يقال قد أفلح من ~~إتقى الله وقد افلح من أطاع ربه # وأما إذا كان المعنى قد أفلح من زكاه الله لم يبق في الجملة ضمير يعود ~~على ( من ( فإن الضمير على هذا يعود على الله وليس هو ( من ( وضمير المفعول ~~يعود على النفس المتقدمة فلا يعود على ( من ( لا ضمير الفاعل ولا المفعول ~~فتخلو الصلة من عائد وهذا لا يجوز # نعم لو قيل قد أفلح من زكى الله نفسه أو من زكاها الله له ونحو ذلك صح ~~الكلام وخفاء هذا على من قال به من النحاة عجب وهو لم يقل قد أفلحت نفس ~~زكاها فإنه هنا كانت تكون زكاها صفة لنفس لا صلة بل قال ( قد أفلح من زكاها ~~( فالجملة صلة ل ( من ( لا صفة لها # ولا قال أيضا قد أفلحت النفس التى زكاها فإنه لو قيل ذلك وجعل في ( زكاها ~~( ضمير يعود على إسم الله صح فإذا تكلفوا وقالوا التقدير ms3238 ( قد أفلح من ~~زكاها ( هي النفس التى زكاها وقالوا في زكى ضمير المفعول يعود على ( من ( ~~وهى تصلح للمذكر والمؤنث PageV10P626 والواحد والعدد فالضمير عائد على ~~معناها المؤنث وتأنيثها غير حقيقي ولهذا قيل ( قد أفلح ( ولم يقل قد أفلحت ~~قيل لهم هذا مع أنه خروج من اللغة الفصيحة فإنما يصح إذا دل الكلام على ذلك ~~في مثل ومن على أن المراد لنا وكذا قوله ( ومنهم من يستمعون إليك ( ونحو ~~ذلك # وأما هنا فليس في لفظ ( من ( وما بعدها ما يدل على أن المراد به النفس ~~المؤنثة فلا يجوز أن يراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته فإن مثل هذا ~~مما يصان كلام الله عز وجل عنه فلو قدر إحتمال عود ضمير ( زكاها ( إلى نفس ~~وإلى ( من ( مع أن لفظ ( من ( لا دليل يوجب عوده عليه لكان إعادته إلى ~~المؤنث أولى من إعادته إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث وهو في التذكير أظهر ~~لعدم دلالته على التأنيث فإن الكلام إذا إحتمل معنيين وجب حمله على اظهرهما ~~ومن تكلف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف والقرآن منزه عن ذلك ~~والعدول عما يدل عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز ~~البتة فكيف إذا كان نصا من جهة المعنى فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى ~~والفجور ولبسط هذا موضع آخر PageV10P627 # ( والمقصود هنا ( أمر الناس بتزكية أنفسهم والتحذير من تدسيتها كقوله ( ~~قد أفلح من تزكى ( فلو قدر أن المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه لم يكن فيه ~~أمر لهم ولا نهى ولا ترغيب ولا ترهيب والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد ~~( القدر ( فلا يقول من جعله الله مؤمنا بل يقول ( قد أفلح المؤمنون ( ( قد ~~أفلح من تزكى ( إذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود ولا يليق هذا بأضعف ~~الناس عقلا فكيف بكلام الله ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهى والترغيب ~~والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد والوعيد والمدح والذم وإنما يذكر القدر ~~عند بيان ms3239 نعمه عليهم إما بما ليس من أفعالهم وإما بإنعامه بالإيمان والعمل ~~الصالح ويذكره في سياق قدرته ومشيئته وأما في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند ~~النعم كقوله ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى ( الآية فهذا مناسب ~~وقوله ( قد أفلح من تزكى ( وهذه الآية من جنس الثانية لا الأولى # والمقصود ( ذكر التزكية ( قال تعالى ( قل للمؤمنين يغضوا ( الآية وقال ( ~~فإرجعوا هو أزكى لكم ( وقال الذين لا يؤتون الزكاة ( وقال ( وما عليك ألا ~~يزكى و ( اصل ( الزكاة ( الزيادة في الخير ومنه يقال زكا الزرع وزكا ~~PageV10P628 المال إذا نما ولن ينمو الخير إلا بترك الشر والزرع لا يزكو ~~حتى يزال عنه الدغل فكذلك النفس والأعمال لا تزكوا حتى يزال عنها ما ~~يناقضها ولا يكون الرجل متزكيا إلا مع ترك الشر فإنه يدنس النفس ويدسيها ~~قال الزجاج ( دساها ( جعلها ذليلة حقيرة خسيسة وقال الفراء دساها لأن ~~البخيل يخفى نفسه ومنزله وماله قال إبن قتيبة أى أخفاها بالفجور والمعصية ~~فالفاجر دس نفسه أى قمعها وخباها وصانع المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت ~~أجواد العرب تنزل الربى لتشهر أنفسها واللئام تنزل الأطراف والوديان # فالبر والتقوى يبسط النفس ويشرح الصدر بحيث يجد الإنسان في نفسه إتساعا ~~وبسطا عما كان عليه قبل ذلك فإنه لما إتسع بالبر والتقوى والإحسان بسطه ~~الله وشرح صدره والفجور والبخل يقمع النفس ويضعها ويهينها بحيث يجد البخيل ~~في نفسه أنه ضيق وقد بين النبى ذلك في الحديث الصحيح فقال ( مثل البخيل ~~والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد إضطرت أيديهما إلى تراقيهما ~~فجعل المتصدق كلما هم بصدقة إتسعت وإنبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره ~~وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها وأنا رأيت رسول الله ~~يقول باصبعه في جيبه فلو رأيتها يوسعها فلا تتسع ( أخرجاه PageV10P629 ~~وإخفاء المنزل وإظهاره تبعا لذلك قال تعالى ( يتوارى من القوم من سوء ما ~~بشر به ( الآية فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد دسها صاحبها في بدنه بعضها ~~في بعض ولهذا وقت الموت تنزع من ms3240 بدنه كما ينزع السفود من الصوف المبتل ~~والنفس البرة التقية النقية التى قد زكاها صاحبها فإرتفعت وإتسعت ومجدت ~~ونبلت فوقت الموت تخرج من البدن تسيل كالقطرة من في السقاء وكالشعرة من ~~العجين قال إبن عباس ( إن للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في ~~البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب وسوادا ~~في الوجه ووهنا في البدن وضيقا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق قال تعالى ( ~~والبلد الطيب ( الآية وهذا مثل البخيل والمنفق قال ( فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره ( الآية وقال ( الله ولى الذين آمنوا ( الآية # وقال له في سياق الرمى بالفاحشة وذم من أحب إظهارها في المؤمنين والمتكلم ~~بما لا يعلم ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ( ~~الآية فبين ان الزكاة إنما تحصل بترك الفاحشة ولهذا قال ( قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم ( الآية وذلك أن ترك السيئات هو من أعمال النفس فإنها ~~تعلم أن السيئات مذمومة ومكروه فعلها ويجاهد نفسه إذا دعته إليها إن كان ~~مصدقا لكتاب PageV10P630 ربه مؤمنا بما جاء عن نبيه ولهذا التصديق والإيمان ~~والكراهة وجهاد النفس أعمال تعملها النفس المزكاة فتزكو بذلك أيضا بخلاف ما ~~إذا عملت السيئات فإنها تتدنس وتندس وتنقمع كالزرع إذا نبت معه الدغل # والثواب إنما يكون على عمل موجود وكذلك العقاب فأما العدم المحض فلا ثواب ~~فيه ولا عقاب لكن فيه عدم الثواب والعقاب والله سبحانه أمر بالخير ونهى عن ~~الشر وإتفق الناس على أن المطلوب بالأمر فعل موجود وإختلفوا في النهى هل ~~المطلوب أمر وجودى أم عدمى فقيل وجودى وهو الترك وهذا قول الأكثر وقيل ~~المطلوب عدم الشر وهو أن لا يفعله # و ( التحقيق ( أن المؤمن إذا نهى عن المنكر فلابد أن لا يقربه ويعزم على ~~تركه ويكره فعله وهذا أمر وجودى بلا ريب فلا يتصور أن المؤمن الذى يعلم أنه ~~وجودى لكن قد لا يكون مريدا له كما يكره أكل الميتة طبعا ومع ذلك فلا بد ms3241 له ~~من إعتقاد التحريم والعزم على تركه لطاعة الشارع وهذا قدر زائد على كراهة ~~الطبع وهو أمر وجودى يثاب عليه ولكن ليس كثواب من كف نفسه وجاهدها عن طلب ~~PageV10P631 المحرم ومن كانت كراهته للمحرمات كراهة إيمان وقد غمر إيمانه ~~حكم طبعه فهذا أعلى الأقسام الثلاثة وهذا صاحب النفس المطمئنة وهو أرفع من ~~صاحب اللوامة التى تفعل الذنب وتلوم صاحبها عليه وتتلوم وتتردد هل تفعله أم ~~لا # وأما من لم يخطر بباله أن الله حرمه ولا هو مريد له بل لم يفعله فهذا لا ~~يعاقب ولا يثاب إذ لم يحصل منه أمر وجودى يثاب عليه أو يعاقب فمن قال ~~المطلوب أن لا يفعل لان أراد أن هذا المطلوب يكفي في عدم العقاب فقد صدق ~~وإن أراد أنه يثاب على هذا العدم فليس كذلك والكافر إذا لم يؤمن بالله ~~ورسوله فلا بد لنفسه من أعمال يشتغل بها عن الإيمان وترك الأعمال كفر يعاقب ~~عليها # ولهذا لما ذكر الله عقوبة الكفار في النار ذكر امورا وجودية وتلك تدس ~~النفس ولهذا كان التوحيد والإيمان أعظم ما تزكو به النفس وكان الشرك أعظم ~~ما يدسيها وتتزكى بالأعمال الصالحة والصدقة هذا كله مما ذكره السلف قالوا ~~في ( قد أفلح من تزكى ( تطهر من الشرك ومن المعصية بالتوبة وعن أبى سعيد ~~وعطاء وقتادة صدقة الفطر ولم يريدوا أن الآية لم تتناول إلا هي بل مقصودهم ~~أن من أعطى صدقة الفطر وصلى صلاة العيد فقد تناولته وما بعدها ولهذا ~~PageV10P632 كان يزيد بن حبيب كلما خرج إلى الصلاة خرج بصدقة ويتصدق بها ~~قبل الصلاة ولو لم يجد إلا بصلا قال الحسن ( قد أفلح من تزكى ( من كان عمله ~~زاكيا وقال أبو الأحوص زكاة الأمور كلها وقال الزجاج تزكى بطاعة الله عز ~~وجل ومعنى الزاكى النامى الكثير # وكذلك قالوا في قوله ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ( قال إبن ~~عباس لا يشهدون أن لا إله إلا الله وقال مجاهد لا يزكون أعمالهم أى ليست ~~زاكية وقيل لا يطهرونها بالإخلاص كأنه ms3242 اراد والله أعلم أهل الريا فإنه شرك ~~وعن الحسن لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها وعن الضحاك لا يتصدقون ولا ~~ينفقون في الطاعة وعن إبن السائب لا يعطون زكاة أموالهم قال كانوا يحجون ~~ويعتمرون ولا يزكون # و ( التحقيق ( أن الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من التوحيد ~~والأعمال الصالحة كقوله ( هل لك إلى أن تزكى ( وقوله ( قد أفلح من تزكى ( ~~والصدقة المفروضة لم تكن فرضت عند نزولها # فإن قيل ( يؤتى ( فعل متعد # قيل هذا كقوله ( ثم سئلوا الفتنة لأتوها ( وتقدم قبلها أن PageV10P633 ~~الرسول دعاهم وهو طلب منه فكان هذا اللفظ متضمنا قيام الحجة عليهم بالرسل ~~والرسل إنما يدعونهم لما تزكو به أنفسهم # ومما يليق أن الزكاة تستلزم الطهارة لأن معناها معنى الطهارة قوله ( خذ ~~من أموالهم صدقة تطهرهم ( من الشر ( وتزكيهم ( بالخير قال ( اللهم طهرنى ~~بالماء والبرد والثلج ( كان يدعو به في الإستفتاح وفى الإعتدال من الركوع ~~والغسل # فهذه الأمور توجب تبريد المغسول بها و ( البرد ( يعطى قوة وصلابة وما يسر ~~يوصف بالبرد وقرة العين ولهذا كان دمع السرور باردا ودمع الحزن حارا لأن ما ~~يسوء النفس يوجب حزنها وغمها وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرد ~~الباطن # فسأل النبى أن يغسل الذنوب على وجه يبرد القلوب أعظم برد يكون بما فيه من ~~الفرح والسرور الذي أزال عنه ما يسوء النفس من الذنوب # وقوله ( بالثلج والبرد والماء البارد ( تمثيل بما فيه من هذا الجنس والا ~~فنفس الذنوب لا تغسل بذلك كما يقال أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك ولما قضى ~~أبو قتادة دين المدين قال صلى الله عليه وسلم ( الآن PageV10P634 بردت ~~جلدته ( ويقال برد اليقين وحرارة الشك ويقال هذا الأمر يثلج له الصدر إذا ~~كان حقا يعرفه القلب ويفرح به حتى يصير في مثل برد الثلج ومرض النفس أما ~~شبهة وأما شهوة أو غضب والثلاثة توجب السخونة ويقال لمن نال مطلوبه برد ~~قلبه فإن الطالب فيه حرارة الطلب # وقوله ( خذ من أموالهم ( دليل على أن عمل الحسنات يطهر النفس ms3243 ويزكيها من ~~الذنوب السالفة فإنه قاله بعد قوله ( وآخرون إعترفوا ) الآية فالتوبه ~~والعمل الصالح يحصل بهما التطهير والتزكية ولهذا قال في سياق قوله ( قل ~~للمؤمنين يغضوا ( الآيات ( وتوبوا إلى الله ) الآية فأمرهم جميعا بالتوبة ~~في سياق ما ذكره لأنه لا يسلم أحد من هذا الجنس كما في الصحيح إن الله كتب ~~على بن آدم حظه من الزنى الحديث وكذلك في الصحيح ( أن قوله ( أن الحسنات ~~يذهبن السيئات ( نزلت بسبب رجل نال من إمرأة كل شيء إلا الجماع ثم ندم ~~فنزلت ( # ويحتاج المسلم في ذلك إلى أن يخاف الله وينهى النفس عن الهوى ونفس الهوى ~~والشهوة لا يعاقب عليه بل على إتباعه والعمل به فإذا كانت النفس تهوى وهو ~~ينهاها كان نهيه عبادة لله وعملا صالحا وثبت عنه أنه قال ( المجاهد من جاهد ~~نفسه في ذات الله ( فيؤمر بجهادها PageV10P635 # كما يؤمر بجهاد من يأمر بالمعاصى ويدعو اليها وهو إلى جهاد نفسه أحوج فإن ~~هذا فرض عين وذاك فرض كفاية والصبر في هذا من أفضل الأعمال فإن هذا الجهاد ~~حقيقة ذلك الجهاد فمن صبر عليه صبر على ذلك الجهاد كما قال ( والمهاجر من ~~هجر السيئات # ( ثم هذا لا يكون محمودا فيه إلا إذا غلب بخلاف الأول فإنه من ( يقتل أو ~~يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ( ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( ليس الشديد ~~بالصرعة إلخ ( وذلك لأن الله أمر الإنسان أن ينهى النفس عن الهوى وأن يخاف ~~مقام ربه فحصل له من الإيمان ما يعينه على الجهاد فإذا غلب كان لضعف إيمانه ~~فيكون مفرطا بترك المأمور بخلاف العدو الكافر فإنه قد يكون بدنه أقوى # فالذنوب إنما تقع إذا كانت النفس غير ممتثلة لما أمرت به ومع إمتثال ~~المأمور لا تفعل المحظور فإنهما ضدان قال تعالى ( كذلك لنصرف عنه السوء ( ~~الآية وقال ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ( فعباد الله المخلصون لا يغويهم ~~الشيطان و ( الغى ( خلاف الرشد وهو إتباع الهوى فمن مالت نفسه إلى محرم ~~فليأت بعبادة الله كما أمر الله مخلصا ms3244 له الدين فإن ذلك يصرف عنه السوء ~~والفحشاء خشية ومحبة والعبادة له PageV10P636 وحده وهذا يمنع من السيئات # فإذا كان تائبا فإن كان ناقصا فوقعت السيئات من صاحبه كان ماحيا لها بعد ~~الوقوع فهو كالترياق الذى يدفع آثر السم ويرفعه بعد حصوله وكالغذاء من ~~الطعام والشراب وكالإستمتاع بالحلال الذى يمنع النفس عن طلب الحرام فإذا ~~حصل له طلب إزالته وكالعلم الذى يمنع من الشك ويرفعه بعد وقوعه وكالطب الذى ~~يحفظ الصحة ويدفع المرض وكذلك ما في القلب من الإيمان يحفظ بأشباهة مما ~~يقوم به # وإذا حصل منه مرض من الشبهات والشهوات أزيل بهذه ولا يحصل المرض إلا لنقص ~~أسباب الصحة كذلك القلب لا يمرض إلا لنقص إيمانه وكذلك الإيمان والكفران ~~متضادان فكل ضدين فأحدهما يمنع الآخر تارة ويرفعه أخرى كالسواد والبياض حصل ~~موضعه ويرفعه إذا كان حاصلا كذلك الحسنات والسيئات والأحباط والمعتزلة إن ~~الكبيرة تحبط الحسنات حتى الإيمان وإن من مات عليها لم يكن الجبائى وإبنه ~~بالموازنة لكن قالوا من رجحت سيئاته خلد في النار والموازنه بلا تخليد قول ~~الأحباط ما أجمع عليه وهو حبوط الحسنات كلها بالكفر كما قال ( ومن يرتدد ~~منكم عن دينه ( الآية وقوله ( ومن يكفر بالإيمان PageV10P637 فقد حبط عمله ~~( الآية وقال ( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ( وقال ( لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ( الآية # وما إدعته المعتزلة مخالف لأقوال السلف فإنه سبحانه ذكر حد الزانى وغيره ~~ولم يجعلهم كفارا حابطى الأعمال ولا أمر بقتلهم كما أمر بقتل المرتدين ~~والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم والنبى أمر بالصلاة على الغال وعلى قاتل ~~نفسه ولو كانوا كفارا ومنافقين لم تجز الصلاة عليهم فعلم أنهم لم يحبط ~~إيمانهم كله وقال عمن شرب الخمر ( لا تلعنة فإنه يحب الله ورسوله وذلك الحب ~~من أعظم شعب الإيمان فعلم أن إدمانه لا يذهب الشعب كلها وثبت من وجوه كثيرة ~~( يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولو حبط لم يكن في قلوبهم ~~شيء منه ( وقال تعالى ( ثم أورثنا الكتاب ( الآية فجعل ms3245 من المصطفين # فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات فهل تحبط بقدرها وهل يحبط بعض ~~الحسنات بذنب دون الكفر فيه قولان للمنتسبين إلى السنة منهم من ينكره ومنهم ~~من يثبته كما دلت عليه النصوص مثل قوله ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ( ~~الآية دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة وضرب مثله بالمرائى وقالت عائشة ( ~~أبلغى زيدا أن جهاده بطل ( الحديث PageV10P638 # وأما قوله أن تحبط أعمالكم ( وحديث صلاة العصر ففى ذلك نزاع وقال تعالى ( ~~ولا تبطلوا أعمالكم ( قال الحسن ( بالمعاصى والكبائر وعن عطاء بالشرك ~~والنفاق وعن إبن السائب بالرياء والسمعة وعن مقاتل بالمن وذلك أن قوما منوا ~~بإسلامهم فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصى والكبائر تحبط الأعمال # فإن قيل لم يرد إلا إبطالها بالكفر # قيل ذلك منهى عنه في نفسه وموجب للخلود الدائم فالنهى عنه لا يعبر عنه ~~بهذا بل يذكره على وجه التغليظ كقوله ( من يرتد منكم عن دينه ( ونحوها ~~والله سبحانه في هذه وفى آية المن سماها إبطالا ولم يسمه إحباطا ولهذا ذكر ~~بعدها الكفر بقوله ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار ~~( الآية # فإن قيل المراد إذا دخلتم فيها فأتموها وبها إحتج من قال يلزم التطوع ~~بالشروع فيه # قيل ( لو قدر أن الآية تدل على أنه منهى عن إبطال بعض العمل فإبطاله كله ~~أولى بدخوله فيها فكيف وذلك قبل فراغه لا يسمى صلاة ولا صوما PageV10P639 ~~ثم يقال الإبطال يوجد قبل الفراغ أو بعده وما ذكروه أمر بالإتمام والإبطال ~~هو إبطال الثواب ولا نسلم أن من لم يتم العبادة يبطل جميع ثوابه بل يقال ~~إنه يثاب على ما فعل من ذلك وفى الصحيح حديث المفلس الذى يأتى بحسنات أمثال ~~الجبال PageV10P640 ### |||| ( سئل شيخ الإسلام ( قدس الله روحه # عن رجل تفقه وعلم ما أمر الله به وما نهى عنه ثم تزهد وترك الدنيا والمال ~~والأهل والأولاد خائفا من كسب الحرام والشبهات وبعث الآخرة وطلب رضا الله ~~ورسوله وساح في أرض الله والبلدان فهل يجوز له ms3246 أن يقطع الرحم ويسيح كما ذكر ~~أم لا ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله وحده # ( الزهد المشروع هو ترك [ كل ] شيء لا ينفع في الدار الآخرة وثقة القلب ~~بما عند الله كما في الحديث الذى في الترمذى ( ليس الزهد في الدنيا بتحريم ~~الحلال ولا إضاعه المال ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق بما في يدك ~~وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك لأن الله ~~تعالى يقول ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ( فهذا صفة ~~القلب PageV10P641 # وأما في الظاهر فترك الفضول التى لا يستعان بها على طاعة الله من مطعم ~~وملبس ومال وغير ذلك كما قال الإمام أحمد إنما هو طعام دون طعام ولباس دون ~~لباس وصبر أيام قلائل # وجماع ذلك خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الصحيح أنه ~~كان يقول ( خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها ~~وكل بدعة ضلالة ( وكان عادته في المطعم أنه لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا ~~ويلبس من اللباس ما تيسر من قطن وصوف وغير ذلك وكان القطن أحب إليه وكان ~~إذا بلغه أن بعض أصحابه يريد أن يعتدى فيزيد في الزهد أو العبادة على ~~المشروع ويقول أينا مثل رسول الله يغضب لذلك ويقول ( والله إنى لأخشاكم لله ~~وأعلمكم بحدود الله تعالى ( وبلغه أن بعض أصحابه قال أما أنا فأصوم فلا ~~أفطر وقال الآخر أما أنا فأقوم فلا أنام وقال آخر أما أنا فلا أتزوج النساء ~~وقال آخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال لكنى أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج ~~النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى # فأما الإعراض عن الأهل والأولاد فليس مما يحبه الله ورسوله ولا هو من دين ~~الأنبياء بل قد قال تعالى ( ولقد أرسلنا رسلا من PageV10P642 قبلك وجعلنا ~~لهم أزواجا وذرية ( والإنفاق على العيال والكسب لهم يكون واجبا تارة ~~ومستحبا أخرى فكيف يكون ترك الواجب أو المستحب من الدين # وكذلك ms3247 السياحة في البلاد لغير مقصود مشروع كما يعانيه بعض النساك أمر ~~منهى عنه قال الإمام أحمد ليست السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل ~~النبيين ولا الصالحين # وأما السياحة المذكورة في القرآن من قوله ( التائبون العابدون الحامدون ~~السائحون ( ومن قوله ( مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات ~~وأبكارا ( فليس المراد بها هذه السياحة المبتدعة فإن الله قد وصف النساء ~~اللاتى يتزوجهن رسوله بذلك والمرأة المزوجة لا يشرع لها أن تسافر في ~~البرارى سائحة بل المراد بالسياحة شيئان # ( أحدهما ( الصيام كما روى عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا ~~يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات فقد إستبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه إلا وإن لكل ~~PageV10P643 ملك حمى إلا وأن حمى الله محارمه إلا وأن في الجسد مضغه إذا ~~صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب ( متفق عليه # لكن إذا ترك الإنسان الحرام أو الشبهة بترك واجب أو مستحب وكان الإثم أو ~~النقص الذى عليه في الترك أعظم من الإثم الذى عليه في الفعل لم يشرع ذلك ~~كما ذكر أبو طالب المكى وأبو حامد الغزالى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل ~~عمن ترك ما لا شبهة فيه وعليه دين فسأله ولده اترك هذا المال الذى فيه شبهة ~~فلا أقضيه فقال له اتدع PageV10P644 ### |||| ( سئل شيخ الإسلام أبو العباس ( أحمد بن تيمية رحمه الله # عن قوله تعالى ( حق اليقين ( و ( عين اليقين ( و ~~( علم اليقين ( فما معنى كل مقام منها وأى مقام اعلى ( ### ||||| فأجاب # ( الحمد لله رب العالمين للناس في هذه الأسماء مقالات معروفة # ( منها ( أن يقال ( علم اليقين ( ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر ~~و ( عين اليقين ( ما شاهده وعاينه بالبصر و ( حق اليقين ( ما باشره ووجده ~~وذاقه وعرفه بالإعتبار # ( فالأولى ( مثل من أخبر أن هناك عسلا وصدق ms3248 المخبر أو رأى آثار العسل ~~فإستدل على وجوده # و ( الثانى ( مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه وهذا أعلى كما قال النبى ( ~~ليس المخبر كالمعاين PageV10P645 # و ( الثالث ( مثل من ذاق العسل ووجد طعمه وحلاوته ومعلوم أن هذا أعلى مما ~~قبله ولهذا يشير أهل المعرفة إلى ما عندهم من الذوق والوجد كما قال النبى ~~في الحديث الصحيح ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله ~~أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره ان ~~يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ( وقال ( ~~ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ( فالناس ~~فيما يجده أهل الإيمان ويذوقونه من حلاوة الإيمان وطعمه على ثلاث درجات ( # الأولى ( من علم ذلك مثل من يخبره به شيخ له يصدقه أو يبلغه ما أخبر به ~~العارفون عن أنفسهم أو يجد من آثار أحوالهم ما يدل على ذلك # و ( الثانية ( من شاهد ذلك وعاينه مثل أن يعاين من أحوال أهل المعرفة ~~والصدق واليقين ما يعرف به مواجيدهم وأذواقهم وإن كان هذا في الحقيقة لم ~~يشاهد ما ذاقوه ووجدوه ولكن شاهد ما دل عليه لكن هو ابلغ من المخبر ~~والمستدل بآثارهم # و ( الثالثة ( أن يحصل له من الذوق والوجد في نفسه ما كان PageV10P646 ~~سمعه كما قال بعض الشيوخ لقد كنت في حال أقول فيها إن كان أهل الجنة في ~~الجنة في مثل هذا الحال أنهم لفى عيش طيب وقال آخر أنه ليمر على القلب ~~اوقات يرقص منها طربا وقال الاخر لأهل الليل في ليلهم الذ من أهل اللهو في ~~لهوهم # والناس فيما أخبروا به من أمر الآخرة على ثلاث درجات # ( إحداها ( العلم بذلك لما أخبرتهم الرسل وما قام من الأدلة على وجود ذلك # ( الثانية ( إذا عاينوا ما وعدوا به من الثواب والعقاب والجنة والنار # و ( الثالثة ( إذا باشروا ذلك فدخل أهل الجنة الجنة وذاقوا ما كانوا ~~يوعدون ودخل أهل النار ms3249 النار وذاقوا ما كانوا يوعدون فالناس فيما يوجد في ~~القلوب وفيما يوجد خارج القلوب على هذه الدرجات الثلاث # وكذلك في أمور الدنيا فإن من أخبر بالعشق أو النكاح ولم يره ولم يذقه كان ~~له علم به فإن شاهده ولم يذقه كان له معاينة له فإن ذاقه بنفسه كان له ذوق ~~وخبرة به ومن لم يذق الشيء لم يعرف حقيقته فإن PageV10P647 العبارة إنما ~~تفيد التمثيل والتقريب وأما معرفة الحقيقة فلا تحصل بمجرد العبارة إلا لمن ~~يكون قد ذاق ذلك الشيء المعبر عنه وعرفه وخبره ولهذا يسمون أهل المعرفة ~~لأنهم عرفوا بالخبرة والذوق ما يعلمه غيرهم بالخبر والنظر وفى الحديث ~~الصحيح ( أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان بن حرب فيما سأله عنه من أمور ~~النبى قال فهل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه قال لا قال ~~وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلب لا يسخطه أحد ( # فالإيمان إذا باشر القلب وخالطته بشاشته لا يسخطه القلب بل يحبه ويرضاه ~~فإن له من الحلاوة في القلب واللذة والسرور والبهجة ما لا يمكن التعبير عنه ~~لمن لم يذقه والناس متفاوتون في ذوقه والفرح والسرور الذى في القلب له من ~~البشاشة ما هو بحسبه وإذا خالطت القلب لم يسخطه قال تعالى ( قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ( وقال تعالى ( والذين آتيناهم ~~الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه ( وقال تعالى ( وإذا ~~ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ( فأخبر سبحانه أنهم يستبشرون بما أنزل من ~~القرآن والإستبشار هو الفرح والسرور وذلك لما يجدونه في قلوبهم من الحلاوة ~~واللذة والبهجة بما انزل الله PageV10P648 و اللذة ( أبدا تتبع المحبة فمن ~~احب شيئا ونال ما احبه وجد اللذة به فالذوق هو ادراك المحبوب اللذه الظاهرة ~~كالأكل مثلا حال الإنسان فيها انه يشتهى الطعام ويحبه ثم يذوقه ويتناوله ~~فيجد حينئذ لذته وحلاوته وكذلك النكاح وامثال ذلك # وليس للخلق ms3250 محبة أعظم ولا اكمل ولا اتم من محبة المؤمنين لربهم وليس في ~~الوجود ما يستحق ان يحب لذاته من كل وجه الا الله تعالى وكل ما يحب سواه ~~فمحبته تبع لحبه فان الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يحب لأجل الله ويطاع ~~لأجل الله ويتبع لأجل الله كما قال تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى ~~يحببكم الله ( وفى الحديث ( احبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبونى لحب ~~الله وأحبوا اهل بيتى لحبى ( وقال تعالى ( قل إن كان آباؤكم ( إلى قوله ( ~~احب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين ( وقال النبى ( لا يؤمن احدكم حتى اكون احب ~~إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ( وفى حديث الترمذى وغيره ( من أحب لله ~~وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ( وقال تعالى ( ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله ( ~~فالذين آمنوا أشد حبا لله من كل محب لمحبوبه وقد بسطنا الكلام على هذا في ~~مواضع متعددة PageV10P649 # ( والمقصود هنا ( ان اهل الايمان يجدون بسبب محبتهم لله ولرسوله من حلاوة ~~الايمان ما يناسب هذه المحبة ولهذا علق النبى صلى الله عليه وسلم ما يجدونه ~~بالمحبة فقال ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان ان يكون الله ورسوله احب ~~إليه مما سواهما وان يحب المرء لا يحبه الا لله وان يكره ان يعود في الكفر ~~كما يكرة ان يقذف في النار ( # ومن ذلك ما يجدونه من ثمرة التوحيد والإخلاص والتوكل والدعاء لله وحده ~~فان الناس في هذا الباب على ثلاث درجات # ( منهم ( من علم ذلك سماعا واستدلالا # ( ومنهم ( من شاهد وعاين ما يحصل لهم # ( ومنهم ( من وجد حقيقة الاخلاص والتوكل على الله والالتجاء إليه ~~والاستعانه به وقطع التعلق بما سواه وجرب من نفسه انه اذا تعلق بالمخلوقين ~~ورجاهم وطمع فيهم ان يجلبوا له منفعة أو يدفعوا عنه مضره فانه يخذل من ~~جهتهم ولا يحصل مقصوده ms3251 بل قد يبذل لهم من الخدمة والأموال وغير ذلك ما يرجو ~~ان ينفعوه وقت حاجته إليهم فلا ينفعونه إما لعجزهم واما لانصراف قلوبهم عنه ~~وإذا PageV10P650 توجه إلى الله بصدق الافتقار إليه واستغاث به مخلصا له ~~الدين أجاب دعاءه وأزال ضرره وفتح له ابواب الرحمه فمثل هذا قد ذاق ( من ) ~~حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره وكذلك من ذاق طعم إخلاص الدين لله ~~وإرادة وجهة دون ما سواه يجد من الأحوال والنتائج والفوائد ما لا يجده من ~~لم يكن كذلك # بل من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة أو ~~جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق ~~الصدر ما لا يعبر عنه وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى ولا يحصل له ما ~~يسره بل هو في خوف وحزن دائما إن كان طالبا لما يهواه فهو قبل إدراكه حزين ~~متألم حيث لم يحصل فاذا ادركه كان خائفا من زواله وفراقه # واولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فاذا ذاق هذا أو غيره حلاوة ~~الاخلاص لله والعبادة له وحلاوة ذكره ومناجاته وفهم كتابه واسلم وجهه لله ~~وهو محسن بحيث يكون عمله صالحا ويكون لوجه الله خالصا فانه يجد من السرور ~~واللذة والفرح ما هو اعظم مما يجده الداعى المتوكل الذى نال بدعائه وتوكله ~~ما ينفعه من الدنيا أو اندفع عنه ما يضره فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له ~~من PageV10P651 المنفعة أو اندفع عنه من المضرة ولا أنفع للقلب من التوحيد ~~وإخلاص الدين لله ولا اضر عليه من الاشراك # فاذا وجد حقيقة الاخلاص التى هي حقيقة ( اياك نعبد ( مع حقيقة التوكل ~~التى هي حقيقة ( إياك نستعين ( كان هذا فوق ما يجده كل أحد لم يجد مثل هذا ~~والله اعلم PageV10P652 ### || 1 ( الوصية الصغرى ) 1 ### |||| ! 8 < سؤال أبى القاسم المغربى # يتفضل الشيخ الإمام بقية السلف وقدوة الخلف أعلم من لقيت ببلاد المشرق ~~والمغرب تقى الدين أبو العباس ( أحمد بن تيمية ( بأن يوصينى ms3252 بما يكون فيه ~~صلاح دينى ودنياى ويرشدنى إلى كتاب يكون عليه إعتمادى في علم الحديث وكذلك ~~في غيره من العلوم الشرعية وينبهنى على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات ~~ويبين لى أرجح المكاسب كل ذلك على قصد الإيماء والإختصار والله تعالى يحفظه ~~( والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين # أما ( الوصية ( فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها ~~PageV10P653 وإتبعها قال تعالى ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن إتقوا الله ( # ووصى النبى معاذا لما بعثه إلى اليمن فقال ( يا معاذ إتق الله حيثما كنت ~~وإتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ( # وكان معاذ رضى الله عنه من النبى بمنزلة علية فإنه قال له ( يا معاذ ~~والله إنى لأحبك ( وكان يردفه وراءه وروى فيه ( أنه أعلم الأمة بالحلال ~~والحرام وأنه يحشر إمام العلماء برتوة أى بخطوة ( ومن فضله أنه بعثه النبى ~~مبلغا عنه داعيا ومفقها ومفتيا وحاكما إلى أهل اليمن # وكان يشبهه بإبراهيم الخليل عليه السلام وإبراهيم إمام الناس وكان إبن ~~مسعود رضى الله عنه يقول إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين تشبيها له بإبراهيم # ثم إنه وصاه هذه الوصية فعلم أنها جامعة وهى كذلك لمن عقلها مع أنها ~~تفسير الوصية القرآنية # أما بيان جمعها فلأن العبد عليه ( حقان ( PageV10P654 حق لله عز وجل وحق ~~لعباده ثم الحق الذى عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانا إما بترك مأمور به أو ~~فعل منهى عنه فقال النبى ( إتق الله حيثما كنت ) وهذه كلمة جامعة وفى قوله ~~( حيثما كنت ( تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية ثم قال ( وإتبع ~~السيئة الحسنة تمحها ( فإن الطبيب متى تناول المريض شيئا مضرا أمره بما ~~يصلحه والذنب للعبد كأنه أمر حتم فالكيس هو الذى لا يزال يأتى من الحسنات ~~بما يمحو السيئات وإنما قدم في لفظ الحديث ( السيئة ( وإن كانت مفعولة لأن ~~المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة فصار كقوله في بول الأعرابى ( صبوا ms3253 عليه ~~ذنوبا من ماء ( # وينبغى أن تكون الحسنات من جنس السيئات فإنه أبلغ في المحو والذنوب يزول ~~موجبها بأشياء ( # أحدها ( التوبة # و ( الثانى ( الإستغفار من غير توبة فإن الله تعالى قد يغفر له إجابة ~~لدعائه وإن لم يتب فإذا إجتمعت التوبة والإستغفار فهو الكمال # ( الثالث ( الأعمال الصالحة المكفرة إما ( الكفارات المقدرة PageV10P655 ~~كما يكفر المجامع في رمضان والمظاهر والمرتكب لبعض محظورات الحج أو تارك ~~بعض واجباته أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة وهى ( أربعة أجناس ( هدى وعتق ~~وصدقة وصيام # وإما ( الكفارات ( المطلقة كما قال حذيفة لعمر فتنة الرجل في أهله وماله ~~وولده يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقد ~~دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحاح في التكفير بالصلوات الخمس والجمعة ~~والصيام والحج وسائر الأعمال التى يقال فيها من قال كذا وعمل كذا غفر له أو ~~غفر له ما تقدم من ذنبه وهى كثيرة لمن تلقاها من السنن خصوصا ما صنف في ~~فضائل الأعمال # وإعلم ان العناية بهذا من أشد ما بالإنسان الحاجة إليه فإن الإنسان من ~~حين يبلغ خصوصا في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة الفترات التى تشبه الجاهلية ~~من بعض الوجوه فإن الإنسان الذى ينشأ بين أهل علم ودين قد يتلطخ من أمور ~~الجاهلية بعدة أشياء فكيف بغير هذا # وفى الصحيحين عن النبى من حديث أبى سعيد رضى الله عنه ( لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم حذو القذة بالقذة PageV10P656 حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ~~قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن هذا خبر تصديقه في قوله تعالى ~~( فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذى خاضوا ~~( ولهذا شواهد في الصحاح والحسان # وهذا أمر قد يسرى في المنتسبين إلى الدين من الخاصة كما قال غير واحد من ~~السلف منهم إبن عيينة فإن كثيرا من أحوال اليهود قد إبتلى به بعض المنتسبين ~~إلى العلم وكثيرا من أحوال النصارى قد ابتلى به بعض المنتسبين إلى الدين ~~كما يبصر ذلك من فهم دين الإسلام الذى بعث الله به محمدا ms3254 ثم نزله على أحوال ~~الناس # وإذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكان ~~ميتا فأحياه الله وجعل له نورا يمشى به في الناس لا بد أن يلاحظ أحوال ~~الجاهلية وطريق الأمتين المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى فيرى أن ~~قد إبتلى ببعض ذلك # فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه الورطات وهو إتباع ~~السيئات الحسنات والحسنات ما ندب الله إليه على لسان خاتم النبيين من ~~الأعمال والأخلاق والصفات PageV10P657 ومما يزيل موجب الذنوب ( المصائب ~~المكفرة ( وهى كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ~~ذلك لكن ليس هذا من فعل العبد # فلما قضى بهاتين الكلمتين حق الله من عمل الصالح وإصلاح الفاسد قال ( ~~وخالق الناس بخلق حسن ( وهو حق الناس # وجماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له ~~والإستغفار والثناء عليه والزيارة له وتعطى من حرمك من التعليم والمنفعة ~~والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض وبعض هذا واجب وبعضه مستحب # وأما الخلق العظيم الذى وصف الله به محمدا فهو الدين الجامع لجميع ما أمر ~~الله به مطلقا هكذا قال مجاهد وغيره وهو تأويل القرآن كما قالت عائشة رضى ~~الله عنها ( كان خلقه القرآن ( وحقيقته المبادرة إلى إمتثال ما يحبه الله ~~تعالى بطيب نفس وإنشراح صدر # وأما بيان أن هذا كله في وصية الله فهو أن إسم تقوى الله يجمع فعل كل ما ~~أمر الله به إيجابا وإستحبابا وما نهى عنه تحريما PageV10P658 وتنزيها وهذا ~~يجمع حقوق الله وحقوق العباد لكن لما كان تارة يعنى بالتقوى خشية العذاب ~~المقتضية للإنكفاف عن المحارم جاء مفسرا في حديث معاذ وكذلك في حديث أبى ~~هريرة رضى الله عنهما الذى رواه الترمذى وصححه ( قيل يا رسول الله ما أكثر ~~ما يدخل الناس الجنة قال تقوى الله وحسن الخلق قيل وما أكثر ما يدخل الناس ~~النار قال الأجوفان الفم والفرج ms3255 ( # وفى الصحيح عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله ( أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ( فجعل كمال الإيمان في كمال حسن الخلق ومعلوم ~~أن الإيمان كله تقوى الله وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضع ~~فإنها الدين كله لكن ينبوع الخير وأصله إخلاص العبد لربه عبادة وإستعانة ~~كما في قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ( وفى قوله ( فإعبده وتوكل عليه ( ~~وفى قوله ( عليه توكلت وإليه أنيب ( وفى قوله ( فإبتغوا عند الله الرزق ~~وإعبدوه وإشكروا له ( بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين إنتفاعا بهم ~~أو عملا لأجلهم ويجعل همته ربه تعالى وذلك بملازمة الدعاء له في كل مطلوب ~~من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك PageV10P659 والعمل له بكل محبوب ومن أحكم ~~هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك # وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض فإنه يختلف بإختلاف الناس ~~فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد ~~لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره أن ملازمة ذكر الله دائما هو ~~أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة وعلى ذلك دل حديث أبى هريرة الذى رواه ~~مسلم ( سبق المفردون قالوا يا رسول الله ومن المفردون قال الذاكرون الله ~~كثيرا والذاكرات ( وفيما رواه أبو داود عن أبى الدرداء رضى الله عنه عن ~~النبى أنه قال ( ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في ~~درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا ~~أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله ( # والدلائل القرآنية والإيمانية بصرا وخبرا ونظرا على ذلك كثيرة وأقل ذلك ~~أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين كالأذكار ~~المؤقتة في أول النهار وآخره PageV10P660 وعند أخذ المضجع وعند الإستيقاظ ~~من المنام وادبار الصلوات والأذكار المقيدة مثل ما يقال عند الأكل والشرب ~~واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك وعند المطر ~~والرعد إلى غير ذلك وقد صنفت ms3256 له الكتب المسماة بعمل اليوم والليلة # ثم ملازمة الذكر مطلقا وأفضله ( لا إله إلا الله ( وقد تعرض أحوال يكون ~~بقية الذكر مثل ( سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله ( أفضل منه ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب ~~إلى الله من تعلم علم وتعليمه وأمر بمعروف ونهى عن منكر فهو من ذكر الله ~~ولهذا من إشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض أو جلس مجلسا يتفقه أو ~~يفقه فيه الفقه الذى سماه الله ورسوله فقها فهذا أيضا من أفضل ذكر الله ~~وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير ~~إختلاف # وما أشتبه أمره على العبد فعليه بالإستخارة المشروعة فما ندم من إستخار ~~الله تعالى وليكثر من ذلك ومن الدعاء فإنه مفتاح كل خير ولا يعجل فيقول قد ~~دعوت فلم يستجب لى وليتحر الأوقات PageV10P661 الفاضلة كآخر الليل وأدبار ~~الصلوات وعند الأذان ووقت نزول المطر ونحو ذلك # وأما ارجح المكاسب فالتوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به وذلك ~~أنه ينبغى للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه كما قال سبحانه ~~فيما ياثر عنه نبيه ( كلكم جائع إلا من أطعمته فإستطعمونى أطعمكم يا عبادى ~~كلكم عار إلا من كسوته فإستكسونى أكسكم ( وفيما رواه الترمذى عن أنس رضى ~~الله عنه قال قال رسول الله ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا ~~إنقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر ( # وقد قال الله تعالى في كتابه ( وإسألوا الله من فضله ( وقال سبحانه ( ~~فإذا قضيت الصلاة فإنتشروا في الأرض وإبتغوا من فضل الله ( وهذا وأن كان في ~~الجمعة فمعناه قائم في جميع الصلوات ولهذا والله أعلم أمر النبى الذى يدخل ~~المسجد أن يقول ( اللهم إفتح لى أبواب رحمتك ( وإذا خرج أن يقول ( اللهم ~~أنى أسالك من فضلك ( وقد قال الخليل ( فإبتغوا عند الله الرزق وإعبدوه ~~وإشكروا له ( وهذا امر والأمر يقتضى الإيجاب فالإستعانة بالله واللجأ إليه ms3257 ~~في أمر الرزق وغيره أصل عظيم PageV10P662 ثم ينبغى له ان يأخذ المال بسخاوة ~~نفس ليبارك له فيه ولا يأخذه باشراف وهلع بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء ~~الذى يحتاج إليه من غير ان يكون له في القلب مكانة والسعى فيه إذا سعى ~~كإصلاح الخلاء وفى الحديث المرفوع الذى رواه الترمذى وغيره ( من أصبح ~~والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله وفرق عليه ضيعته ولم يأته من الدنيا ~~إلا ما كتب له ومن أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله عليه شمله وجعل غناه في ~~قلبه وأتته الدنيا وهى راغمة ( وقال بعض السلف أنت محتاج إلى الدنيا وأنت ~~إلى نصيبك من الآخرة أحوج فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من ~~الدنيا فإنتظمه إنتظاما قال الله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ~~( # فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو بناية أو حراثة أو غير ~~ذلك فهذا يختلف بإختلاف الناس ولا أعلم في ذلك شيئا عاما لكن إذا عن ~~للإنسان جهة فليستخر الله تعالى فيها الإستخارة المتلقاة عن معلم الخير فإن ~~فيها من البركة ما لا يحاط به ثم ما تيسر له فلا يتكلف غيره إلا أن يكون ~~منه كراهة شرعية PageV10P663 # وأما ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم فهذا باب واسع وهو أيضا يختلف ~~بإختلاف نشء الإنسان في البلاد فقد يتيسر له في بعض البلاد من العلم أو من ~~طريقه ومذهبه فيه ما لا يتيسر له في بلد آخر لكن جماع الخير أن يستعين ~~بالله سبحانه في تلقى العلم الموروث عن النبى فإنه هو الذى يستحق أن يسمى ~~علما وما سواه إما أن يكون علما فلا يكون نافعا وإما أن لا يكون علما وإن ~~سمى به ولئن كان علما نافعا فلا بد أن يكون في ميراث محمد ما يغنى عنه مما ~~هو مثله وخير منه ولتكن همته فهم مقاصد الرسول في ms3258 أمره ونهيه وسائر كلامه ~~فإذا اطمأن قلبه إن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله ~~تعالى ولا مع الناس إذا أمكنه ذلك # وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبى وإذا ~~اشتبه عليه مما قد إختلف فيه الناس فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ~~رضى الله عنها أن رسول الله كان يقول إذا قام يصلى من الليل ( اللهم رب ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون إهدنى لما إختلف فيه من الحق بإذنك ~~إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ( فإن الله تعالى PageV10P664 قد قال ~~فيما رواه عنه رسوله ( يا عبادى كلكم ضال إلا من هديته فإستهدونى أهدكم ( # وأما وصف ( الكتب ( والمصنفين ( فقد سمع منا في اثناء المذاكرة ما يسره ~~الله سبحانه وما في الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من ( صحيح محمد بن ~~إسماعيل البخارى ( لكن هو وحده لا يقوم بأصول العلم ولا يقوم بتمام المقصود ~~للمتبحر في أبواب العلم إذ لا بد من معرفة أحاديث اخر وكلام أهل الفقه وأهل ~~العلم في الأمور التى يختص بعلمها بعض العلماء وقد أوعبت الأمة في كل فن من ~~فنون العلم ايعابا فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك ومن أعماه لم ~~تزده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالا كما قال النبى لأبى لبيد الأنصارى ( أو ~~ليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغنى عنهم # فنسأل الله العظيم أن يرزقنا الهدى والسداد ويلهمنا رشدنا ويقينا شر ~~انفسنا وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو ~~الوهاب والحمد لله رب العالمين وصلواته على أشرف المرسلين PageV10P665 ### || 1 ( قاعدة في الصبر الجميل والهجر الجميل والصفح الجميل ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل الشيخ الإمام العالم العامل ( الحبر الكامل شيخ الإسلام ومفتى الأنام تقى الدين ( إبن تيمية ( أيده الله وزاده من فضله العظيم # عن ( الصبر ~~الجميل ( و ( الصفح الجميل ( و ( الهجر الجميل ms3259 ( وما أقسام التقوى والصبر ~~الذى عليه الناس ### |||| ( فأجاب رحمه الله ( # الحمد لله أما بعد فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل ~~والصفح الجميل والصبر الجميل ( فالهجر الجميل ( هجر بلا أذى و ( الصفح ~~الجميل ( صفح بلا عتاب و ( الصبر الجميل ( صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام ( إنما اشكو بثى وحزنى إلى الله ( مع قوله ( فصبر جميل ~~والله المستعان على ما تصفون ( فالشكوى إلى الله لا تنافى الصبر الجميل ~~ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول ( اللهم لك الحمد وإليك ~~المشتكى وأنت المستعان وبك PageV10P666 المستغاث وعليك التكلان ( ومن دعاء ~~النبى ( اللهم إليك اشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس أنت رب ~~المستضعفين وانت ربى اللهم إلى من تكلنى إلى بعيد يتجهمنى أم إلى عدو ملكته ~~أمرى أن لم يكن بك غضب على فلا أبالى غير ان عافيتك هي أوسع لى أعوذ بنور ~~وجهك الذى اشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بى سخطك ~~أو يحل على غضبك لك العتبى حتى ترضى ( # وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقرأ في صلاة الفجر ( إنما اشكو بثى ~~وحزنى إلى الله ( ويبكى حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف بخلاف الشكوى إلى ~~المخلوق قرئ على الإمام أحمد في مرض موته إن طاووسا كره انين المريض وقال ~~أنه شكوى فما أن حتى مات وذلك ان المشتكى طالب بلسان الحال إما إزالة ما ~~يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه كما قال تعالى ( ~~فإذا فرغت فإنصب وإلى ربك فإرغب ( وقال صلى الله عليه وسلم لإبن عباس ( إذا ~~سألت فاسأل الله وإذا إستعنت فإستعن بالله ( # ولا بد للإنسان من شيئين طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما ~~يصيبه من القضاء المقدور فالأول هو التقوى والثانى هو الصبر قال تعالى ( يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من PageV10P667 دونكم لا يألونكم خبالا ( ~~إلى قوله ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ~~( وقال ms3260 تعالى ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ( وقال تعالى ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ( وقد قال يوسف ( إنا يوسف وهذا أخى ~~قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( # ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشائخ المستقيمين يوصون في عامة ~~كلامهم بهذين الأصلين المسارعة إلى فعل المأمور والتقاعد عن فعل المحظور ~~والصبر والرضا بالأمر المقدور وذلك أن هذا الموضع غلط فيه كثير من العامة ~~بل ومن السالكين فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد ( الحقيقة الكونية ( دون ( ~~الدينية ( فيرى أن الله خالق كل شيء وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه ~~وبين ما يسخطه ويبغضه وإن قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية وبين ~~توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذى يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها ~~مشهد الجمع الذى يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والنبى الصادق ~~والمتنبىء الكاذب وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه والملائكة ~~المقربون والمردة الشياطين PageV10P668 فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا ~~الجمع وهذه ) ( الحقيقة الكونية ( وهو أن الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب ~~لهم غيره ولا يشهد الفرق الذى فرق الله [ به ] بين أوليائه وأعدائه وبين ~~المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية ~~وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله وفعل ما يحبه ويرضاه وهو ما ~~أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو أمر إستحباب وترك ما نهى الله عنه ورسوله ~~وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد ~~الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان فمن لم يشهد هذه ( الحقيقة الدينية ~~( الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء ويكون مع أهل ( الحقيقة الدينية ( وإلا فهو من ~~جنس المشركين وهو شر من اليهود والنصارى # فإن المشركين يقرون بالحقيقة الكونية إذ هم يقرون بأن الله رب كل شيء كما ~~قال ms3261 تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ( وقال تعالى ~~( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من ~~رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فإنى ~~تسحرون ( ولهذا قال سبحانه ( وما يؤمن أكثرهم PageV10P669 بالله إلا وهم ~~مشركون ( قال بعض السلف تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله وهم مع ~~هذا يعبدون غيره # فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر والنهى الشرعيين فهو أكفر من اليهود ~~والنصارى فإن أولئك يقرون بالملائكة والرسل الذين جاؤوا بالأمر والنهى ~~الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما قال تعالى ( إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا ( # وأما الذى يشهد ( الحقيقة الكونية ( وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة ويقر ~~أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر ويسلك هذه الحقيقة فلا يفرق بين المؤمنين ~~والمتقين الذين اطاعوا أمر الله الذى بعث به رسله وبين من عصى الله ورسوله ~~من الكفار والفجار فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى لكن من الناس من قد ~~لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق ~~بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار ولا يفرق بين ~~آخرين إتباعا لظنه وما يهواه فيكون ناقص الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار ~~والفجار ويكون معه من الإيمان بدين الله تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين ~~أوليائه واعدائه PageV10P670 ومن اقر بالأمر والنهى الدينيين دون القضاء ~~والقدر كان من القدرية كالمعتزلة وغيرهم الذين هم مجوس هذه الأمة فهؤلاء ~~يشبهون المجوس وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس # ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من إتباع إبليس الذى إعترض على الرب ~~سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه # فهذا التقسيم في القول والإعتقاد # وكذلك ms3262 هم في الأحوال والأفعال ( فالصواب منها حالة المؤمن الذى يتقى الله ~~فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه من المقدور فهو عند الأمر ~~والنهى والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما قال تعالى ( إياك نعبد ~~وإياك نستعين ( # وإذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى ~~للمخلوق حجة على رب الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث ~~الصحيح الذى فيه ( سيد الإستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربى لا إله إلا ~~أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما إستطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فإغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا انت ( ~~فيقر بنعمة PageV10P671 الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره ~~لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم أطعتك بفضلك ~~والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك على وإنقطاع حجتى إلا ~~غفرت لى وفى الحديث الصحيح الإلهى ( يا عبادى إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ~~ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه ( # وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع # وآخرون قد يشهدون الأمر فقط فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الإستطاعة لكن ~~ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة الإستعانة والتوكل والصبر ~~وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من الإستعانة والتوكل والصبر ما ليس ~~عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر الله ورسوله وإتباع شريعته وملازمة ما جاء ~~به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من ~~قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينه # و ( القسم الرابع ( شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو مع ~~الشريعة الأمرية ولا مع القدر الكونى وإنقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما ~~يكون قبل وقوع المقدور من توكل وإستعانة ونحو PageV10P672 ذلك وما يكون ~~بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم في التقوى وهى ms3263 طاعة الأمر الدينى والصبر على ~~ما يقدر عليه من القدر الكونى أربعة أقسام # ( أحدها ( أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة ~~في الدنيا والآخرة # و ( الثانى ( الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون ما ~~عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن إذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ~~ونحوه أو في ماله أو في عرضه أو إبتلى بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه # و ( الثالث ( قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ~~ما يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ~~ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ~~ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرئاسة ~~والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التى لا يصبر عليها ~~أكثر الناس وكذلك اهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون في ~~مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم الذين ~~يريدون علوا في الأرض PageV10P673 أو فسادا من طلاب الرئاسة والعلو على ~~الخلق ومن طلاب الأموال بالبغى والعدوان والإستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو ~~مباشرة وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما ~~تركوه من المأمور وفعلوه من المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من ~~المصائب كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر # وأما القسم الرابع ( فهو شر الأقسام لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ~~إبتلوا بل هم كما قال الله تعالى ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر ~~جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ( فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم إذا ~~قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا إن قهرتهم ذلوا لك ونافقوك وحابوك ~~وإسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم ~~المسؤول وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة وإحسانا ~~وعفوا كما قد ms3264 جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الإيمان أبعد مثل التتار ~~الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وإن كان متظاهرا بلباس ~~جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالإعتبار بالحقائق ( فإن ~~الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ~~PageV10P674 فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها لهم ~~من هذا الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من ~~الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين ~~للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق ~~الإسلامية من التتار # وفى الصحيح عن النبى أنه كان يقول في خطبته ( خير الكلام كلام الله وخير ~~الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ( وإذا كان خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدى هدى محمد فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان ~~إلى الكمال أقرب وهو به أحق ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف كان عن ~~الكمال أبعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله أطوع وعلى ما يصيبه أصبر ~~فكلما كان إتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه ~~وصبرا على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص عن هذين كان فيه من ~~النقص بحسب ذلك # وقد ذكر الله تعالى ( الصبر والتقوى ( جميعا في غير موضع من كتابه وبين ~~أنه ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين والمنافقين وعلى ~~من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة PageV10P675 قال الله تعالى ( ~~بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين ( وقال الله تعالى ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا ~~فإن ذلك من عزم الأمور ( وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة ~~من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم ms3265 قد بدت البغضاء من أفواههم وما ~~تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ~~ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا ~~عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم أن الله عليم بذات الصدور إن ~~تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ( وقال أخوة يوسف له ( أإنك لأنت يوسف ~~قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين ( # وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى ( وإتبع ما يوحى ~~إليك وإصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ( # وفى إتباع ما أوحى إليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله وطاعة لأمره وقال ~~تعالى ( وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات PageV10P676 ~~يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين وإصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( ~~وقال تعالى ( فإصبر إن وعد الله حق وإستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى ~~والأبكار ( وقال تعالى ( فإصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها ومن آناء الليل ( وقال تعالى ( وإستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين ( وقال تعالى ( وإستعينوا بالصبر والصلاة إن الله ~~مع الصابرين ( فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين ( الرحمة والصبر ~~( في مثل قوله تعالى ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ( وفى الرحمة ~~الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضا رباعية إذ من الناس من ~~يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف ~~واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل ~~القسوة والهلع والمحمود هو الذى يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولى ~~ينبغى أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم ~~وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال ~~النبي صلى الله عليه ms3266 وسلم إنما يرحم الله من عباده الرحماء ( وقال ( من لا ~~يرحم لا يرحم ( وقال ( لا تنزع الرحمة إلا من شقى ( وقال ( الراحمون يرحمهم ~~الرحمن إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ( والله أعلم إنتهى ~~PageV10P677 ### || 1 ( سؤال عما ذكر عن أبي سليمان في تعريف الرضا ) 1 ### |||| ! 8 < ( وسئل شيخ الإسلام رحمه الله ( # عما ذكر الأستاذ القشيرى في ( باب الرضا ( عن الشيخ أبى سليمان أنه قال ( ~~الرضا أن لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ من النار فهل هذا الكلام صحيح ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين الكلام على هذا القول من وجهين ( أحدهما ~~( من جهة ثبوته عن الشيخ والثاني ( من جهة صحته في نفسه وفساده # أما ( المقام الأول ( فينبغى أن يعلم ان الأستاذ أبا القاسم لم يذكر هذا ~~عن الشيخ أبى سليمان بإسناد وإنما ذكره مرسلا عنه وما يذكره أبو القاسم في ~~رسالته عن النبى صلى الله عليه والصحابة والتابعين والمشائخ وغيرهم تارة ~~يذكره بإسناد وتارة يذكره مرسلا وكثيرا ما يقول وقيل كذا ثم الذى يذكره ~~بإسناد تارة يكون إسناده PageV10P678 صحيحا وتارة يكون ضعيفا بل موضوعا وما ~~يذكره مرسلا ومحذوف القائل أولى وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات الفقهاء فإن ~~فيها من الأحاديث والآثار ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع # فالموجود في ( كتب الرقائق والتصوف ( من الآثار المنقولة فيها الصحيح ~~وفيها الضعيف وفيها الموضوع وهذا الأمر متفق عليه بين جميع المسلمين لا ~~يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا بل نفس الكتب المصنفة في ( ~~التفسير ( فيها هذا وهذا مع أن أهل الحديث أقرب إلى معرفة المنقولات وفى ~~كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم # والمصنفون قد يكونون أئمة في الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة ~~لأنهم لم يعلموا انه كذب وهو الغالب على أهل الدين فإنهم لا يحتجون بما ~~يعلمون أنه كذب وتارة يذكرونه وإن علموا أنه كذب إذ قصدهم رواية ما روى في ~~ذلك الباب ورواية الأحاديث المكذوبة مع بيان كونها كذبا جائز وأما روايتها ms3267 ~~مع الإمساك عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء كما ثبت في الصحيح عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من حدث عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو ~~أحد الكاذبين ( وقد فعل كثير من العلماء PageV10P679 متأولين أنهم لم ~~يكذبوا وإنما نقلوا ما رواه غيرهم وهذا يسهل إذ رووه لتعريف أنه روى لا ~~لأجل العمل به ولا الإعتماد عليه # و ( المقصود هنا ( إن ما يوجد في ( الرسالة ( وأمثالها من كتب الفقهاء ~~والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبى وغيره من السلف فيه الصحيح ~~والضعيف والموضوع فالصحيح الذى قامت الدلالة على صدقه والموضوع الذى قامت ~~الدلالة على كذبه والضعيف الذى رواه من لم يعلم صدقه أما لسوء حفظه وإما ~~لاتهامه ولكن يمكن أن يكون صادقا فيه فإن الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ # وغالب أبواب الرسالة ( فيها الأقسام الثلاثة ومن ذلك ( باب الرضا ( فإنه ~~ذكر عن النبى انه قال ( ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبمحمد نبيا ( وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وإن كان الأستاذ لم يذكر أن ~~مسلما رواه لكنه رواه بإسناد صحيح # وذكر في أول هذا الباب حديثا ضعيفا بل موضوعا وهو حديث جابر الطويل الذى ~~رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشى عن محمد بن المنكدر عن جابر فهو وإن ~~كان اول حديث ذكره في الباب PageV10P680 فإن أحاديث الفضل بن عيسى من أوهى ~~الأحاديث وأسقطها ولا نزاع بين الأئمة أنه لا يعتمد عليها ولا يحتج بها فإن ~~الضعف ظاهر عليها وإن كان هو لا يتعمد الكذب فإن كثيرا من الفقهاء لا يحتج ~~بحديثهم لسوء الحفظ لا لإعتماد الكذب وهذا الرقاشى إتفقوا على ضعفه كما ~~يعرف ذلك أئمة هذا الشأن حتى قال أيوب السختيانى لو ولد أخرس لكان خيرا له ~~وقال سفيان بن عيينة لا شيء وقال الإمام أحمد والنسائى هو ضعيف وقال يحيى ~~بن معين رجل سوء وقال أبو حاتم وأبو زرعة منكر الحديث # وكذلك ما ذكره من الآثار فإنه قد ذكر ms3268 آثارا حسنة بأسانيد حسنة مثل ما ~~رواه عن الشيخ ابى سليمان الدارانى أنه قال ( إذا سلا العبد عن الشهوات فهو ~~راض ( فإن هذا رواه عن شيخه أبى عبد الرحمن السلمى بإسناده والشيخ أبو عبد ~~الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء المشائخ وحكاياتهم وصنف [ في ] ~~الأسماء ( كتاب طبقات الصوفية ( و ( كتاب زهاد السلف ( وغير ذلك وصنف في ~~الأبواب ( كتاب مقامات الأولياء ( وغير ذلك ومصنفاته تشتمل على الأقسام ~~الثلاثة # وذكر عن الشيخ أبى عبد الرحمن أنه قال سمعت النصر آبادى يقول من أراد أن ~~يبلغ محل الرضا فيلزم ما جعل الله رضاه فيه فإن هذا الكلام في غاية الحسن ~~فإنه من لزم ما يرضى الله من إمتثال PageV10P681 أوامره وإجتناب نواهيه لا ~~سيما إذا قام بواجبها ومستحبها فإن الله يرضى عنه كما أن من لزم محبوبات ~~الحق أحبه الله كما قال في الحديث الصحيح الذى في البخارى ( من عادى لى ~~وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل اداء ما إفترضت عليه ولا ~~يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته ( الحديث وذلك أن الرضا ~~نوعان # ( أحدهما ( الرضا بفعل ما امر به وترك ما نهى عنه ويتناول ما إباحه الله ~~من غير تعد إلى المحظور كما قال ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ( وقال تعالى ~~( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ( وهذا الرضا واجب ولهذا ذم من تركه بقوله ~~( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله ~~من فضله ورسوله ( # ( والنوع الثانى ( الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل فهذا الرضا مستحب ~~في أحد قولى العلماء وليس بواجب وقد قيل أنه واجب والصحيح أن الواجب هو ~~الصبر كما قال الحسن الرضا غريزة ولكن الصبر معول المؤمن وقد روى في حديث ~~إبن عباس PageV10P682 أن النبى قال ( إن إستطعت ان تعمل بالرضا ms3269 مع اليقين ~~فإفعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ) # وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان فالذى عليه أئمة الدين أنه لا يرضى ~~بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال ( ولا يرضى لعباده الكفر ( وقال ( إن الله ~~لا يحب الفساد ( وقال تعالى ( فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين ( وقال تعالى ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما ( وقال ( ذلك بأنهم إتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ~~فأحبط أعمالهم ( وقال تعالى ( وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار ~~جهنم خالدين فيها هي حسبهم ( وقال تعالى ( لبئس ما قدمت لهم انفسهم أن سخط ~~الله عليهم وفى العذاب هم خالدون ( وقال تعالى ( فلما آسفونا إنتقمنا منهم ~~( فإذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ~~ويغضب عليهم فكيف يشرع للمؤمن ان يرضى ذلك وان لا يسخط ويغضب لما يسخط الله ~~ويغضبه # وإنما ضل هنا ( فريقان ( من الناس # ( قوم ( من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في مناظرة القدرية ظنوا أن ~~محبة الحق ورضاه وغضبه وسخطه يرجع إلى إرادته وقد PageV10P683 علموا أنه ~~مريد لجميع الكائنات خلافا للقدرية وقالوا هو أيضا محب لها مريد لها ثم ~~أخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه فقالوا لا يحب الفساد بمعنى لا يريد الفساد ~~أى لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر أى لا يريده لعباده المؤمنين ~~وهذا غلط عظيم فإن هذا عندهم بمنزلة أن يقال لا يحب الإيمان ولا يرضى ~~لعباده الإيمان أى لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين وقد إتفق أهل ~~الإسلام على أن ما امر الله به فإنه يكون مستحبا يحبه ثم قد يكون مع ذلك ~~واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب سواء فعل أو لم يفعل والكلام على هذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع # والفريق الثانى ( من غالطى المتصوفة شربوا من هذه العين فشهدوا أن الله ~~رب الكائنات جميعها وعلموا أنه قدر على كل شيء وشاءه وظنوا أنهم لا يكونون ms3270 ~~راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى قال ~~بعضهم المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب قالوا والكون كله ~~مراد المحبوب وضل هؤلاء ضلالا عظيما حيث لم يفرقوا بين الإرادة الدينية ~~والكونية والإذن الكونى والدينى والأمر الكونى والدينى والبعث الكونى ~~والدينى والإرسال الكونى والدينى كما بسطناه في غير هذا الموضع PageV10P684 ~~وهؤلاء يؤول الأمر بهم إلى أن لا يفرقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله ~~وأعدائه والأنبياء والمتقين ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ~~في الأرض ويجعلون المتقين كالفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويعطلون ~~الأمر والنهى والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذا ( حقيقة ( ولعمرى أنه ~~حقيقة كونية لكن هذه الحقيقة الكونية قد عرفها عباد الأصنام كما قال ( ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ( وقال تعالى ( قل لمن الأرض ~~ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون ( الآيات فالمشركون ~~الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه فمن ~~كان هذا منتهى تحقيقه كان أقرب أن يكون كعباد الأصنام # و ( المؤمن ( إنما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما ~~اخبروا وطاعتهم فيما امروا وإتباع ما يرضاه الله ويحبه دون ما يقدره ويقضيه ~~من الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما أصابه من المصائب لا بما فعله من ~~المعائب فهو من الذنوب يستغفر وعلى المصائب يصبر فهو كما قال تعالى ( فإصبر ~~إن وعد الله حق وإستغفر لذنبك ( فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على المصائب ~~كما PageV10P685 قال تعالى ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ( وقال ~~تعالى ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ( وقال يوسف ( أنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين # ( والمقصود هنا ( ان ما ذكره القشيرى عن النصر آبادى من أحسن الكلام حيث ~~قال من أراد ان يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه وكذلك قول ~~الشيخ ابى سليمان إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض وذلك أن العبد إنما ~~يمنعه من الرضا ms3271 والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها فإذا لم يحصل سخط فإذا سلا ~~عن شهوات نفسه رضى بما قسم الله له من الرزق وكذلك ما ذكره عن الفضيل إبن ~~عياض أنه قال لبشر الحافى الرضا أفضل من الزهد في الدنيا لأن الراضى لا ~~يتمنى فوق منزلته كلام حسن لكن أشك في سماع بشر الحافى من الفضيل # وكذلك ما ذكره معلقا قال قال الشبلى بين يدى الجنيد لا حول ولا قوة إلا ~~بالله فقال الجنيد قولك ذا ضيق صدر وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء فإن هذا ~~من أحسن الكلام وكان الجنيد رضى الله عنه سيد الطائفة ومن احسنهم تعليما ~~وتأديبا وتقويما وذلك أن هذه الكلمة كلمة إستعانة لا كلمة إسترجاع وكثير من ~~الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الإسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا فالجنيد ~~PageV10P686 أنكر على الشبلى حاله في سبب قوله لها إذ كانت حالا ينافى ~~الرضا ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه # وفيما ذكره آثار ضعيفة مثل ما ذكره معلقا ( قال ( وقيل قال موسى ( الهى ~~دلنى على عمل إذا عملته رضيت عنى فقال إنك لا تطيق ذلك فخر موسى ساجدا ~~متضرعا فأوحى الله إليه يا إبن عمران رضائى في رضاك عنى ( فهذه الحكاية ~~الإسرائيلية فيها نظر فإنه قد يقال لا يصلح أن يحكى مثلها عن موسى بن عمران ~~ومعلوم أن هذه الإسرائيليات ليس لها إسناد ولا يقوم بها حجة في شيء من ~~الدين إلا إذا كانت منقولة لنا نقلا صحيحا مثل ما ثبت عن نبينا أنه حدثنا ~~به عن بنى إسرائيل ولكن منه ما يعلم كذبه مثل هذه فإن موسى من أعظم أولى ~~العزم وأكابر المسلمين فكيف يقال أنه لا يطيق أن يعمل ما يرضى الله به عنه ~~والله تعالى راض عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين إتبعوهم ~~بإحسان أفلا يرضى عن موسى بن عمران كليم الرحمن وقال تعالى ( إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ms3272 رضى الله عنهم ورضوا عنه ( ومعلوم أن ~~موسى بن عمران عليه السلام من أفضل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~PageV10P687 ثم إن الله خص موسى بمزية فوق الرضا حيث قال ( والقيت عليك ~~محبة منى ولتصنع على عينى ( ثم إن قوله له في الخطاب يا إبن عمران مخالف ~~لما ذكره الله من خطابه في القرآن حيث قال يا موسى وذلك الخطاب فيه نوع غض ~~منه كما يظهر ومثل ما ذكر أنه قيل كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أبى ~~موسى الأشعرى أما بعد فإن الخير كله في الرضا فإن إستطعت أن ترضى وإلا ~~فاصبر فهذا الكلام كلام حسن وإن لم يعلم إسناده # وإذا تبين أن فيما ذكره مسندا ومرسلا ومعلقا ما هو صحيح وغيره فهذه ~~الكلمة لم يذكرها عن أبى سليمان إلا مرسلة وبمثل ذلك لا تثبت عن أبى سليمان ~~بإتفاق الناس فإنه وإن قال بعض الناس إن المرسل حجة فهذا لم يعلم أن المرسل ~~هو مثل الضعيف وغير الضعيف فأما إذا عرف ذلك فلا يبقى حجة بإتفاق العلماء ~~كمن علم أنه تارة يحفظ الإسناد وتارة يغلط فيه # والكتب المسندة في أخبار هؤلاء المشائخ وكلامهم مثل كتاب ( حلية الأولياء ~~( لأبى نعيم و ( طبقات الصوفية ( لأبى عبد الرحمن و ( صفوة الصفوف ( لإبن ~~الجوزى وأمثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ أبى سليمان ألا ترى ~~الذى رواه عنه مسندا حيث قال قال لأحمد بن أبى الحوارى يا أحمد لقد أوتيت ~~من الرضا PageV10P688 نصيبا لو القانى في النار لكنت بذلك راضيا فهذا ~~الكلام مأثور عن أبى سليمان بالإسناد ولهذا أسنده عنه القشيرى من طريق شيخه ~~أبى عبد الرحمن بخلاف تلك الكلمة فإنها لم تسند عنه فلا أصل لها عن الشيخ ~~أبى سليمان # ثم إن القشيرى قرن هذه الكلمة الثانية عن أبى سليمان بكلمة أحسن منها ~~فإنه قبل أن يرويها قال وسئل أبو عثمان الحيرى النيسابورى عن قول النبى ( ~~اسألك الرضا بعد القضاء ( فقال ( لأن الرضا بعد القضاء هو الرضا فهذا الذى ~~قاله ms3273 الشيخ أبو عثمان كلام حسن سديد ثم أسند بعد هذا عن الشيخ أبى سليمان ~~أنه قال أرجو أن أكون قد عرفت طرفا من الرضا لو أنه أدخلنى النار لكنت بذلك ~~راضيا # فتبين بذلك إن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا وإنما هو عزم على الرضا ~~وإنما الرضا ما يكون بعد القضاء وإن كان هذا عزما فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ ~~وما أكثر إنفساخ العزائم خصوصا عزائم الصوفية ولهذا قيل لبعضهم بماذا عرفت ~~ربك قال بفسخ العزائم ونقض الهمم وقد قال تعالى لمن هو أفضل من هؤلاء ~~المشائخ ( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ~~( وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا PageV10P689 تفعلون ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ( وفى الترمذى أن بعض الصحابة قالوا للنبى ( ~~لو علمنا أى العمل أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى هذه الآية ( وقد ~~قال تعالى ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد ~~خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ( الآية ~~فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد وأحبوه لما إبتلوا به كرهوه وفروا ~~منه وأين ألم الجهاد من ألم النار وعذاب الله الذى لا طاقة لأحد به ومثل ~~هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب أنه كان يقول # وليس لي في سواك حظ %~% فكيفما شئت فإختبرنى # فأخذه العسر من ساعته أى حصر بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق الجوز على ~~الصبيان ويقول أدعوا لعمكم الكذاب # وحكى أبو نعيم الأصبهانى عن أبى بكر الواسطى انه قال سمنون يا رب قد رضيت ~~بكل ما تقضيه على فإحتبس بوله أربعة عشر يوما فكان يتلوى كما تتلوى الحية ~~يتلوى يمينا وشمالا فلما PageV10P690 أطلق بوله قال رب قد تبت إليك قال أبو ~~نعيم فهذا ms3274 الرضا الذى إدعى سمنون ظهر غلطه فيه بأدنى بلوى مع أن سمنونا هذا ~~كان يضرب به المثل وله في المحبة مقام مشهور حتى روى عن إبراهيم إبن فإتك ~~أنه قال رأيت سمنونا يتكلم على الناس في المسجد الحرام فجاء طائر صغير فلم ~~يزل يدنو منه حتى جلس على يده ثم لم يزل يضرب بمنقاره الأرض حتى سقط منه دم ~~ومات الطائر وقال رأيته يوما يتكلم في المحبة فإصطفقت قناديل المسجد وكسر ~~بعضها بعضا # وقد ذكر القشيرى في ( باب الرضا ( عن رويم المقرئ رفيق سمنون حكاية تناسب ~~هذا حيث قال قال رويم إن الراضى لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله أن ~~يحولها عن يساره فهذا يشبه قول سمنون فكيف ما شئت فإمتحنى وإذا لم يطق ~~الصبر على عسر البول أفيطيق أن تكون النار عن يمينه # والفضيل بن عياض كان أعلى طبقة من هؤلاء وإبتلى بعسر البول فغلبه الألم ~~حتى قال بحبى لك إلا فرجت عنى ففرج عنه # و ( رويم ( وإن كان من رفقاء الجنيد فليس هو عندهم من هذه الطبقة بل ~~الصوفية يقولون أنه رجع إلى الدنيا وترك التصوف حتى روى عن جعفر الخلدى ~~صاحب الجنيد أنه قال من أراد أن يستكتم سرا PageV10P691 فليفعل كما فعل ~~رويم كتم حب الدنيا أربعين سنة فقيل وكيف يتصور ذلك قال ولى إسماعيل بن ~~إسحاق القاضي قضاء بغداد وكان بينهما مودة أكيدة فجذبه إليه وجعله وكيلا ~~على بابه فترك لبس التصوف ولبس الخز والقصب والديبقى وأكل الطيبات وبنى ~~الدور وإذا هو كان يكتم حب الدنيا ما لم يجدها فلما وجدها أظهر ما كان يكتم ~~من حبها هذا مع أنه رحمه الله كان له من العبادات ما هو معروف وكان على ~~مذهب داود # وهذه الكلمات التى تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله وعواقبها لا ~~تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلا ولكن قد يستدل بها على ما لصاحبها من الرضا ~~والمحبة ونحو ذلك وما معه من التقصير في معرفة حقوق الطريق وما يقدر ms3275 عليه ~~من التقوى والصبر وما لا يقدر عليه من التقوى والصبر والرسل صلوات الله ~~عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح فمن خرج عن سنتهم وسبيلهم كان ~~منقوصا مخطئا محروما وإن لم يكن عاصيا أو فاسقا أو كافرا # ويشبه هذا الأعرابى الذى دخل عليه النبى وهو مريض كالفرخ فقال هل كنت ~~تدعو الله بشيء قال كنت أقول اللهم ما كنت معذبنى به في الآخرة فإجعله في ~~الدنيا فقال سبحان الله لا تستطيعه ولا تطيقه هلا قلت ربنا آتنا في ~~PageV10P692 الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ( فهذا أيضا حمله ~~خوفه من عذاب النار ومحبته لسلامة عاقبته على أن يطلب تعجيل ذلك في الدنيا ~~وكان مخطئا في ذلك غالطا والخطأ والغلط مع حسن القصد وسلامته وصلاح الرجل ~~وفضله ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فليس من شرط ولى الله أن يكون ~~معصوما من الخطأ والغلط بل ولا من الذنوب وأفضل اولياء الله بعد الرسل أبو ~~بكر الصديق رضى الله عنه وقد ثبت عن النبى أنه قال ( له لما عبر الرؤيا ( ~~أصبت بعضا وأخطأت بعضا ( # ويشبه والله أعلم أن أبا سليمان لما قال هذه الكلمة لو ألقانى في النار ~~لكنت بذلك راضيا أن يكون بعض الناس حكاه بما فهمه من المعنى أنه قال الرضا ~~أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار وتلك الكلمة التى قالها أبو ~~سليمان مع أنها لا تدل على رضاه بذلك ولكن تدل على عزمه بالرضا بذلك فنحن ~~نعلم أن هذا العزم لا يستمر بل ينفسخ وإن هذه الكلمة كان تركها أحسن من ~~قولها وإنها مستدركة كما إستدركت دعوى سمنون ورويم وغير ذلك فإن بين هذه ~~الكلمة وتلك فرقا عظيما فإن تلك الكلمة مضمونها أن من سأل الله الجنة ~~وإستعاذ من النار لا يكون راضيا # وفرق بين من يقول أنا إذا فعل كذا كنت راضيا وبين PageV10P693 من يقول لا ~~يكون راضيا إلا من لا يطلب خيرا ولا يهرب من شر وبهذا وغيره يعلم أن الشيخ ~~أبا ms3276 سليمان كان أجل من أن يقول مثل هذا الكلام فإن الشيخ أبا سليمان من ~~اجلاء المشائخ وساداتهم ومن أتبعهم للشريعة حتى أنه قال أنه ليمر بقلبى ~~النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين الكتاب والسنة فمن لا يقبل نكت ~~قلبه إلا بشاهدين يقول هذا مثل الكلام وقال الشيخ أبو سليمان أيضا ليس لمن ~~الهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فإذا سمع فيه بأثر كان نورا ~~على نور بل صاحبه أحمد بن أبى الحوارى كان من أتبع المشائخ للسنة فكيف ~~أبوسليمان # وتمام تزكية أبى سليمان من هذا الكلام تظهر بالكلام في ( المقام الثانى ( ~~وهو قول القائل كائنا من كان الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من ~~النار # ونقدم قبل ذلك مقدمة يتبين بها أصل ما وقع في مثل هذه الكلمات من ~~الإشتباه والإضطراب وذلك ان قوما كثيرا من الناس من المتفقهة والمتصوفة ~~والمتكلمة وغيرهم ظنوا ان الجنة التنعم بالمخلوق من اكل وشرب ونكاح ولباس ~~وسماع اصوات طيبة وشم روائح طيبة ولم يدخلوا في مسمى الجنة نعيما غير ذلك ~~ثم صاروا ضربين PageV10P694 ( ضرب ( أنكروا أن يكون المؤمنون يرون ربهم كما ~~ذهب إلى ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم # ( ومنهم ( من أقر بالرؤية إما الرؤية التى أخبر بها النبى صلى الله عليه ~~وسلم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وإما برؤية فسروها بزيادة كشف أو علم ~~أو جعلها بحاسة سادسة ونحو ذلك من الأقوال التى ذهب إليها ضرار بن عمرو ~~وطوائف من أهل الكلام المنتسبين إلى نصر اهل السنة في مسألة الرؤية وإن كان ~~ما يثبتونه من جنس ما تنفيه المعتزلة والضرارية والنزاع بينهم لفظى ونزاعهم ~~مع أهل السنة معنوى ولهذا كان بشر وامثاله يفسرون الرؤية بنحو من تفسير ~~هؤلاء # و ( المقصود ( هنا أن مثبتة ( الرؤية ( منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم ~~بنفس رؤيته ربه قالوا لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر ذلك ~~الأستاذ أبو المعالي الجوينى في ( الرسالة النظامية وكما ذكره أبو الوفاء ms3277 ~~بن عقيل في بعض كتبه ونقلوا عن إبن عقيل أنه سمع رجلا يقول اسألك لذة النظر ~~إلى وجهك فقال يا هذا هب أن له وجها اله وجه يتلذذ بالنظر إليه وذكر أبو ~~المعالى أن الله يخلق لهم نعيما ببعض المخلوقات مقارنا للرؤية فأما النعيم ~~بنفس الرؤية فأنكره وجعل هذا من أسرار التوحيد PageV10P695 وأكثر مثبتى ~~الرؤية يثبتون تنعم المؤمنين برؤية ربهم وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها ومشائخ ~~الطريق كما في الحديث الذى في النسائى وغيره عن النبى ( اللهم بعلمك الغيب ~~وقدرتك على الخلق أحينى إذا كانت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة ~~خيرا لى اللهم أنى أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في ~~الغضب والرضا واسألك القصد في الفقر والغنى واسألك نعيما لا ينفد وقرة عين ~~لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت واسألك لذة النظر ~~إلى وجهك وأسالك الشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم ~~زينا بزينة الإيمان وإجعلنا هداة مهتدين ( وفى صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل ~~الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض ~~وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب ~~فينظرون إليه فما اعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه ( # وكلما كان الشيء أحب كانت اللذة بنيله أعظم وهذا متفق عليه بين السلف ~~والأئمة ومشائخ الطريق كما روى عن الحسن البصرى أنه قال لو علم العابدون ~~بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في PageV10P696 الدنيا شوقا ~~إليه وكلامهم في ذلك كثير # ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف والأئمة والمشائخ على التنعم بالنظر إلى ~~الله تعالى تنازعوا في ( مسألة المحبة ( التى هي اصل ذلك فذهب طوائف من ~~والفقهاء إلى أن الله لا يحب نفسه وإنما المحبة محبة طاعته وعبادته وقالوا ~~هو أيضا لا يحب عباده المؤمنين وإنما محبته إرادته للإحسان إليهم وولايتهم ~~ودخل ms3278 في هذا القول من إنتسب إلى نصر السنة من أهل الكلام حتى وقع فيه طوائف ~~من اصحاب مالك والشافعى وأحمد كالقاضى ابى بكر والقاضى أبى يعلى وأبى ~~المعالى الجوينى وامثال هؤلاء # وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم والإعتزال فإن أول من أنكر ( المحبة ( في ~~الإسلام الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبد الله ~~القسرى وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإنى مضح بالجعد بن درهم ~~فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه # والذى دل عليه الكتاب والسنة وإتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ومشائخ الطريق ~~إن الله يحب ويحب ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من PageV10P697 أهل الكلام ~~كابى القاسم القشيرى وابى حامد الغزالى وأمثالهما ونصر ذلك أبو حامد في ( ~~الإحياء ( وغيره وكذلك أبو القاسم ذكر ذلك في ( الرسالة ( على طريق الصوفية ~~كما في كتاب أبى طالب المسمى ب ( قوت القلوب ( وأبو حامد مع كونه تابع في ~~ذلك الصوفية استند في ذلك لما وجده من كتب الفلاسفة من إثبات نحو ذلك حيث ~~قالوا يعشق ويعشق وقد بسط الكلام على هذه المسألة العظيمة في القواعد ~~الكبار بما ليس هذا موضعه وقد قال تعالى ( يحبهم ويحبونه ( وقال تعالى ( ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ( وقال ( أحب إليكم من الله ورسوله ( وفى ~~الصحيحين عن النبى أنه قال ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان ~~يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره ان يلقى في النار ( # و ( المقصود هنا ( أن هؤلاء المتجهمة من المعتزلة ومن وافقهم الذين ~~ينكرون حقيقة المحبة يلزمهم أن ينكروا التلذذ بالنظر إليه ولهذا ليس في ~~الحقيقة عندهم إلا التنعم بالأكل والشرب ونحو ذلك وهذا القول باطل بالكتاب ~~والسنة وإتفاق سلف الأمة ومشائخها فهذا أحد الحزبين الغالطين # و ( الضرب الثانى ( طوائف من المتصوفة والمتفقرة والمتبتلة PageV10P698 ~~وافقوا ms3279 هؤلاء على ان المحبة ليست إلا هذه الأمور التى يتنعم بها المخلوق ~~ولكن وافقوا السلف والأئمة على إثبات رؤية الله والتنعم بالنظر إليه ~~وأصابوا في ذلك وجعلوا يطلبون هذا النعيم وتسمو إليه همتهم ويخافون فوته ~~وصار احدهم يقول ما عبدتك شوقا إلى جنتك أو خوفا من نارك ولكن لأنظر إليك ~~وإجلالا لك وأمثال هذه الكلمات مقصودهم بذلك هو أعلى من الأكل والشرب ~~والتمتع بالمخلوق لكن غلطوا في إخراج ذلك من الجنة وقد يغلطون أيضا في ظنهم ~~أنهم يعبدون الله بلا حظ ولا إرادة وإن كل ما يطلب منه فهو حظ النفس ~~وتوهموا أن البشر يعمل بلا إرادة ولا مطلوب ولا محبوب وهو سوء معرفة بحقيقة ~~الإيمان والدين والآخرة # وسبب ذلك أن همة أحدهم المتعلقة بمطلوبه ومحبوبه ومعبوده تفنيه عن نفسه ~~حتى لا يشعر بنفسه وإرادتها فيظن أنه يفعل لغير مراده والذى طلب وعلق به ~~همته غاية مراده ومطلوبه ومحبوبه وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين ~~وأرباب الأحوال والمقامات يكون لأحدهم وجد صحيح وذوق سليم لكن ليس له عبارة ~~تبين كلامه فيقع في كلامه غلط وسوء أدب مع صحة مقصوده وإن كان من الناس من ~~يقع منه في مراده وإعتقاده # فهؤلاء الذين قالوا مثل هذا الكلام إذا عنوا به طلب رؤية الله ~~PageV10P699 تعالى أصابوا في ذلك في لكن أخطؤا من جهة أنهم جعلوا ذلك خارجا ~~عن الجنة فاسقطوا حرمة إسم الجنة ولزم من ذلك أمور منكرة نظير ما ذكر عن ~~الشبلى رحمه الله أنه سمع قارئا يقرأ ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد ~~الآخرة ( فصرخ وقال أين مريد الله فيحمد منه كونه أراد الله ولكن غلط في ~~ظنه أن الذين ارادوا الآخرة ما أرادوا الله وهذه الآية في أصحاب النبى ~~الذين كانوا معه بأحد وهم أفضل الخلق فإن لم يريدوا الله أفيريد الله من هو ~~دونهم كالشبلى وأمثاله # ومثل ذلك ما اعرفه عن بعض المشائخ انه سأل مره عن قوله تعالى ( إن الله ~~إشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ms3280 الجنة يقاتلون في سبيل الله ~~فيقتلون ويقتلون ( قال فإذا كانت الأنفس والأموال في ثمن الجنة فالرؤية بم ~~تنال فأجابه مجيب بما يشبه هذا السؤال # والواجب أن يعلم أن كل ما اعده الله للأولياء من نعيم بالنظر إليه وما ~~سوى ذلك هو في الجنة كما أن كل ما وعد به أعداءه هو في النار وقد قال تعالى ~~( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( وفى ~~الحديث الصحيح عن النبى ( يقول ( الله أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتهم عليه ( وإذا علم أن ~~PageV10P700 جميع ذلك داخل في الجنة فالناس في الجنة على درجات متفاوتة كما ~~قال ( إنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ( وكل ~~مطلوب للعبد بعبادة أو دعاء أو غير ذلك من مطالب الآخرة هو في الجنة # وطلب الجنة والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله ورسله وجميع اوليائه ~~السابقين المقربين واصحاب اليمين كما في السنن أن النبى سأل بعض اصحابه ( ~~كيف تقول في دعائك قال أقول اللهم إنى أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما ~~أنى لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولهما ندندن ( فقد أخبر أنه هو ~~ومعاذ وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبى إنما يدندنون حول ~~الجنة ( أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله ومعاذ ومن يصلى خلفهما من ~~المهاجرين والأنصار ولو طلب هذا العبد ما طلب كان في الجنة # وأهل الجنة نوعان سابقون مقربون وأبرار أصحاب يمين قال تعالى ( كلا أن ~~كتاب الأبرار لفى عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إن ~~الأبرار لفى نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من ~~رحيق مختوم PageV10P701 ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من ~~تسنيم عينا يشرب بها المقربون ( قال إبن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجا ~~ويشربها المقربون صرفا # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ms3281 ( إذا سمعتم ~~المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه ~~عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغى إلا لعبد من ~~عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتى يوم القيامة ( فقد أخبر أن الوسيلة التى لا تصلح إلا لعبد واحد من ~~عباد الله ورجا ان يكون هو ذلك العبد هي درجة في الجنة فهل بقى بعد الوسيلة ~~شيء أعلى منها يكون خارجا عن الجنة يصلح للمخلوقين # وثبت في الصحيح ايضا في حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس في مجالس ~~الذكر قال ( فيقولون للرب تبارك وتعالى وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك ~~قال فيقول وما يطلبون قالوا يطلبون الجنة قال فيقول وهل رأوها قال فيقولون ~~لا قال فيقول فكيف لو رأوها قال فيقولون لو رأوها لكانوا أشد لها طلبا قال ~~ومم يستعيذون قالوا يستعيذون من النار قال فيقول وهل رأوها قال فيقولون لا ~~قال فيقول PageV10P702 فكيف لو رأوها قالوا لو رأوها لكانوا أشد منها ~~إستعاذة قال فيقول أشهدكم إنى أعطيتهم ما يطلبون وأعذتهم مما يستعيذون أو ~~كما قال قال فيقولون فيهم فلان الخطآء جاء لحاجة فجلس معهم قال فيقول هم ~~القوم لا يشقى بهم جليسهم ( فهؤلاء الذين هم من أفضل اولياء الله كان ~~مطلوبهم الجنة ومهربهم من النار # والنبى لما بايع الأنصار ليلة العقبة وكان الذين بايعوه من أفضل السابقين ~~الأولين الذين هم أفضل من هؤلاء المشائخ كلهم قالوا للنبى إشترط لربك ~~ولنفسك ولأصحابك قال ( أشترط لنفسى أن تنصرونى مما تنصرون منه أنفسكم ~~وأهليكم وأشترط لأصحابى أن تواسوهم قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا قال لكم ~~الجنة قالوا مد يدك فوالله لا نقيلك ولا نستقيلك ( وقد قالوا له في اثناء ~~البيعة ( إن بيننا وبين القوم حبالا وعهودا وأنا ناقضوها ( # فهؤلاء الذين [ بايعوه ] من أعظم خلق الله محبة لله ورسوله وبذلا لنفوسهم ~~وأموالهم في رضا الله ورسوله على وجه لا يلحقهم فيه أحد من ms3282 هؤلاء المتأخرين ~~قد كان غاية ما طلبوه بذلك الجنة فلو كان هناك مطلوب أعلى من ذلك لطلبوه ~~ولكن علموا ان في الجنة كل محبوب ومطلوب بل وفى الجنة ما لا تشعر به النفوس ~~لتطلبه فإن PageV10P703 الطلب والحب والإرادة فرع عن الشعور والإحساس ~~والتصور فما لا يتصوره الإنسان ولا يحسه ولا يشعر به يمتنع أن يطلبه ويحبه ~~ويريده فالجنة فيها هذا وهذا كما قال تعالى ( لهم ما يشاءون فيها ولدينا ~~مزيد ( وقال ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ( ففيها ما يشتهون وفيها ~~مزيد على ذلك وهو ما لم يبلغه علمهم ليشتهوه كما قال ( ما لا عين رأت ولا ~~اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( وهذا باب واسع # فإذا عرفت هذه ( المقدمة ( فقول القائل ( الرضا ان لا تسأل الله الجنة ~~ولا تستعيذه من النار إن أراد بذلك أن لا تسأل الله ما هو داخل في مسمى ~~الجنة الشرعية فلا تسأله النظر إليه ولا غير ذلك مما هو مطلوب جميع ~~الأنبياء والأولياء وإنك لا تستعيذ به من إحتجابه عنك ولا من تعذيبك في ~~النار فهذا الكلام مع كونه مخالفا لجميع الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين ~~فهو متناقض في نفسه فاسد في صريح العقول وذلك ان الرضا الذى لا يسأل إنما ~~لا يسأله لرضاه عن الله ورضاه عنه إنما هو بعد معرفته به ومحبته له وإذا لم ~~يبق معه رضا عن الله ولا محبة لله فكأنه قال يرضى أن لا يرضى وهذا جمع بين ~~النقيضين ولا ريب أنه كلام من لم يتصور ما يقول ولا عقله يوضح ذلك أن ~~الراضى إنما يحمله على إحتمال المكاره والآلام PageV10P704 ما يجده من لذة ~~الرضا وحلاوته فإذا فقد تلك الحلاوة واللذة إمتنع أن يتحمل الما ومرارة ~~فكيف يتصور أن يكون راضيا وليس معه من حلاوة الرضا ما يحمل به مرارة ~~المكاره وإنما هذا من جنس كلام السكران والفانى الذى وجد في نفسه حلاوة ~~الرضا فظن ان هذا يبقى معه على أى حال كان وهذا غلط عظيم منه كغلط ms3283 سمنون ~~كما تقدم # وأن أراد بذلك أن لا يسأل التمتع بالمخلوق بل يسأل ما هو أعلى من ذلك فقد ~~غلط من وجهين # من جهة أنه لم يجعل ذلك المطلوب من الجنة وهو أعلى نعيم الجنة # ومن جهة أنه أيضا اثبت أنه طالب مع كونه راضيا فإذا كان الرضا لا ينافى ~~هذا الطلب فلا ينافى طلبا آخر إذا كان محتاجا إلى مطلوبه ومعلوم أن تمتعه ~~بالنظر لا يتم إلا بسلامته من النار وبتنعمه من الجنة بما هو دون النظر وما ~~لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب فيكون طلبه للنظر طلبا للوازمه التى منها ~~النجاة من النار فيكون رضاه لا ينافى طلب حصول المنفعة ودفع المضرة عنه ولا ~~طلب حصول الجنة ودفع النار ولا غيرهما مما هو من لوازم النظر فتبين تناقض ~~قوله PageV10P705 ( وأيضا ( فإذا لم يسأل الله الجنة ولم يستعذ به من النار ~~فأما أن يطلب من الله ما هو دون ذلك مما يحتاج إليه من طلب منفعة ودفع مضرة ~~وإما أن لا يطلبه فإن طلب ما هو دون ذلك وإستعاذ مما هو دون ذلك فطلبه ~~للجنة أولى وإستعاذته من النار أولى وإن كان الرضا أن لا يطلب شيئا قط ولو ~~كان مضطرا إليه ولا يستعيذ من شيء قط وإن كان مضرا فلا يخلو أما أن يكون ~~ملتفتا بقلبه إلى الله في أن يفعل به ذلك وأما أن يكون معرضا عن ذلك فإن ~~التفت بقلبه إلى الله فهو طالب مستعيذ بحاله ولا فرق بين الطلب بالحال ~~والقال وهو بهما أكمل وأتم فلا يعدل عنه # وإن كان معرضا عن جميع ذلك فمن المعلوم أنه لا يحى ويبقى إلا بما يقيم ~~حياته ويدفع مضاره بذلك والذى به يحى من المنافع ودفع المضار إما أن يحبه ~~ويطلبه ويريده من أحد أو لا يحبه ولا يطلبه ولا يريده فإن أحبه وطلبه ~~وأراده من غير الله كان مشركا مذموما فضلا عن ان يكون محمودا وإن قال لا ~~أحبه وأطلبه وأريده لا من الله ولا من ms3284 خلقه قيل هذا ممتنع في الحى فإن الحى ~~ممتنع عليه أن لا يحب ما به يبقى وهذا أمر معلوم بالحس ومن كان بهذه ~~المثابة إمتنع أن يوصف بالرضا فإن الراضى موصوف بحب وإرادة خاصة إذ الرضا ~~مستلزم لذلك فكيف يسلب عنه ذلك كله PageV10P706 فهذا وأمثاله مما يبين فساد ~~هذا الكلام # وأما في سبيل الله وطريقه ودينه فمن وجوه # ( أحدها ( أن يقال الراضى لا بد أن يفعل ما يرضاه الله وإلا فكيف يكون ~~راضيا عن الله من لا يفعل ما يرضاه الله وكيف يسوغ رضا ما يكرهه الله ~~ويسخطه ويذمه وينهى عنه # وبيان هذا أن الرضا المحمود إما أن يكون الله يحبه ويرضاه وأما أن لا ~~يحبه ويرضاه فإن لم يكن يحبه ويرضاه لم يكن هذا الرضا مأمورا به لا أمر ~~إيجاب ولا أمر إستحباب فإن من الرضا ما هو كفر كرضا الكفار بالشرك وقتل ~~الأنبياء وتكذيبهم ورضاهم بما يسخطه الله ويكرهه قال تعالى ( ذلك بأنهم ~~إتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ( فمن إتبع ما أسخط الله ~~برضاه وعمله فقد أسخط الله وقال النبى ( أن الخطيئة إذا عملت في الأرض كان ~~من غاب عنها ورضيها كمن حضرها ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها ( ~~وقال ( سيكون بعدى امرأء تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد بريء ومن كره فقد سلم ~~ولكن من رضى وتابع هلك ( وقال تعالى ( يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله PageV10P707 لا يرضى عن القوم الفاسقين ( فرضانا عن القوم ~~الفاسقين ليس مما يحبه الله ويرضاه وهو لا يرضى عنهم وقال تعالى ( أرضيتم ~~بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ( ~~فهذا رضا قد ذمه الله وقال تعالى ( إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها ( فهذا أيضا رضا مذموم وسوى هذا وهذا كثير # فمن رضى بكفره وكفر غيره وفسقه وفسق غيره ومعاصيه ومعاصى غيره فليس هو ~~متبعا لرضا الله ولا هو مؤمن بالله بل هو مسخط لربه وربه غضبان ms3285 عليه لاعن ~~له ذام له متوعد له بالعقاب # وطريق الله التى يأمر بها المشائخ المهتدون إنما هي الأمر بطاعة الله ~~والنهى عن معصيته فمن أمر أو إستحب أو مدح الرضا الذى يكرهه الله ويذمه ~~وينهى عنه ويعاقب أصحابه فهو عدو لله لا ولي لله وهو يصد عن سبيل الله ~~وطريقه ليس بسالك لطريقه وسبيله وإذا كان الرضا الموجود في بنى آدم منه ما ~~يحبه الله ومنه ما يكرهه ويسخطه ومنه ما هو مباح لا من هذا ولا من هذا ~~كسائر أعمال القلوب من الحب والبغض وغير ذلك كلها تنقسم إلى محبوب لله ~~ومكروه لله مباح PageV10P708 فإذا كان الأمر كذلك فالراضى الذى لا يسأل ~~الله الجنة ولا يستعيذه من النار يقال له سؤال الله الجنة وإستعاذته من ~~النار إما أن تكون واجبة وإما أن تكون مستحبة وإما أن تكون مباحة وإما أن ~~تكون مكروهة ولا يقول مسلم أنها محرمة ولا مكروهة وليست أيضا مباحة مستوية ~~الطرفين ولو قيل أنها كذلك ففعل المباح المستوى الطرفين لا ينافى الرضا إذ ~~ليس من شرط الراضى أن لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفعل أمثال هذه الأمور ~~فإذا كان ما يفعله من هذه الأمور لا ينافى رضاه أينافى رضاه دعاء وسؤال هو ~~مباح وإذا كان السؤال والدعاء كذلك واجبا أو مستحبا فمعلوم أن الله يرضى ~~بفعل الواجبات والمستحبات فكيف يكون الراضى الذى من أولياء الله لا يفعل ما ~~يرضاه ويحبه بل يفعل ما يسخطه ويكرهه وهذه صفة أعداء الله لا أولياء الله # والقشيرى قد ذكره في اوائل ( باب الرضا ( فقال ( إعلم أن الواجب على ~~العبد أن يرضى بقضاء الله الذى أمر بالرضا به إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز ~~للعبد أو يجب على العبد الرضا به كالمعاصى وفنون محن المسلمين وهذا الذى ~~قاله قاله قبله وبعده ومعه غير واحد من العلماء كالقاضى أبى بكر والقاضى ~~أبى يعلى وأمثالهما لما إحتج عليهم القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به ~~فلو كانت المعاصى PageV10P709 بقضاء الله ms3286 لكنا مأمورين بالرضا بها والرضا ~~بما نهى الله عنه لا يجوز فأجابهم أهل السنة عن ذلك بثلاثة أجوبة ( # أحدها ( وهو جواب هؤلاء وجماهير الأئمة أن هذا العموم ليس بصحيح فلسنا ~~مأمورين أن نرضى بكل ما قضى وقدر ولم يجيء في الكتاب والسنة أمر بذلك ولكن ~~علينا أن نرضى بما أمرنا أن نرضى به كطاعة الله ورسوله وهذا هو الذى ذكره ~~أبو القاسم # و ( الجواب الثانى ( أنهم قالوا إنا نرضى بالقضاء الذى هو صفة الله أو ~~فعله لا بالمقضى الذى هو مفعولة وفى هذا الجواب ضعف قد بيناه في غير هذا ~~الموضع # ( الثالث ( أنهم قالوا هذه المعاصى لها وجهان وجه إلى العبد من حيث هي ~~فعله وصنعه وكسبه ووجه إلى الرب من حيث هو خلقها وقضاها وقدرها فيرضى من ~~الوجه الذي يضاف به إلى الله ولا يرضى من الوجه الذى يضاف به إلى العبد إذ ~~كونها شرا وقبيحة ومحرما وسببا للعذاب والذم ونحو ذلك إنما هو من جهة كونها ~~مضافة إلى العبد وهذا مقام فيه من كشف الحقائق والأسرار ما قد ذكرنا منه ما ~~قد ذكرناه في غير هذا الموضع ولا يحتمله هذا المكان فإن PageV10P710 هذا ~~متعلق بمسائل ( الصفات والقدر ( وهى من أعظم مطالب الدين وأشرف علوم ~~الأولين والآخرين وأدقها على عقول أكثر العالمين # والمقصود هنا أن مشايخ الصوفية والعلماء وغيرهم قد بينوا أن من الرضا ما ~~يكون جائزا ومنه ما لا يكون جائزا فضلا عن كونه مستحبا أو من صفات المقربين ~~وإن أبا القاسم ذكر ذلك في ( الرسالة ( أيضا # ( فإن قيل ( هذا الذى ذكرتموه أمر بين واضح فمن أين غلط من قال الرضا أن ~~لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار وغلط من يستحسن مثل هذا الكلام ~~كائنا من كان # ( قيل ( غلطوا ( في ذلك لأنهم رأوا أن الراضى بأمر لا يطلب غير ذلك الأمر ~~فالعبد إذا كان في حال من الأحوال فمن رضاه أن لا يطلب غير تلك الحال ثم ~~أنهم رأوا أن أقصى المطالب الجنة وأقصى المكاره النار ms3287 فقالوا ينبغى أن لا ~~يطلب شيئا ولو أنه الجنة ولا يكره ما يناله ولو أنه النار وهذا وجه غلطهم ~~ودخل عليهم الضلال من وجهين # ( أحدهما ( ظنهم أن الرضا بكل ما يكون أمر يحبه الله ويرضاه PageV10P711 ~~وأن هذا من أعظم طرق أولياء الله فجعلوا الرضا بكل حادث وكائن أو بكل حال ~~يكون فيها للعبد طريقا إلى الله فضلوا ضلالا مبينا والطريق إلى الله إنما ~~هي أن ترضيه بأن تفعل ما يحبه ويرضاه ليس أن ترضى بكل ما يحدث ويكون فإنه ~~هو لم يأمرك بذلك ولا رضيه لك ولا أحبه بل ( هو ) سبحانه يكره ويسخط ويبغض ~~على أعيان أفعال موجودة لا يحصيها إلا هو وولاية الله موافقته بأن تحب ما ~~يحب وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ما يسخط وتوالى من يوالى وتعادى من ~~يعادى فإذا كنت تحب وترضى ما يكرهه ويسخطه كنت عدوه لا وليه وكان كل ذم نال ~~من رضى ما أسخط الله قد نالك # فتدبر هذا فإنه ينبه على أصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك والصوفية ~~والعباد والعامة من لا يحصيهم إلا الله # ( الوجه الثانى ( أنهم لا يفرقون بين الدعاء الذى امروا به أمر إيجاب ~~وأمر إستحباب وبين الدعاء الذى نهوا عنه أو لم يؤمروا به ولم ينهوا عنه فإن ~~دعاء العبد لربه ومسألته إياه ثلاثة أنواع # ( نوع ( امر العبد به أما أمر إيجاب وإما أمر إستحباب مثل PageV10P712 # قوله ( إهدنا الصراط المستقيم ( ومثل دعائه في آخر الصلاة كالدعاء الذى ~~كان النبى يأمر به أصحابه فقال ( إذا قعد أحدكم في الصلاة فليستعذ بالله من ~~أربع من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ( ~~فهذا دعاء أمرهم النبى أن يدعوا به في آخر صلاتهم وقد إتفقت الأمة على أنه ~~مشروع يحبه الله ورسوله ويرضاه وتنازعوا في وجوبه فأوجبه طاووس وطائفة وهو ~~قول في مذهب أحمد رضى الله عنه والأكثرون قالوا هذا مستحب والأدعية التى ~~كان النبى يدعو بها لا تخرج عن أن تكون واجبة أو مستحبة ms3288 وكل واحد من الواجب ~~والمستحب يحبه الله ويرضاه ومن فعله رضى الله عنه وأرضاه فهل يكون من الرضا ~~ترك ما يحبه ويرضاه # ونوع من الدعاء ينهى عنه كالإعتداء مثل أن يسأل الرجل ما لا يصلح من ~~خصائص الأنبياء وليس هو بنبى وربما هو من خصائص الرب سبحانه وتعالى مثل أن ~~يسأل لنفسه الوسيلة التى لا تصلح إلا لعبد من عباده أو يسأل الله تعالى أن ~~يجعله بكل شيء عليما أو على كل شيء قديرا وأن يرفع عنه كل حجاب يمنعه من ~~مطالعة الغيوب وأمثال ذلك أو مثل من يدعوه ظانا انه محتاج إلى عباده وأنهم ~~يبلغون ضره ونفعه فيطلب منه ذلك الفعل ويذكر انه إذا لم يفعله PageV10P713 ~~حصل له من الخلق ضير وهذا ونحوه جهل بالله وإعتداء في الدعاء وأن وقع في ~~ذلك طائفة من الشيوخ ومثل أن يقولوا اللهم أغفر لى أن شئت فيظن أن الله قد ~~يفعل الشيء مكرها وقد يفعل مختارا كالملوك فيقول إغفر لى إن شئت وقد نهى ~~النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال ( لا يقل أحدكم اللهم إغفر لى إن شئت ~~اللهم إرحمنى إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له ( ومثل أن ~~يقصد السجع في الدعاء ويتشهق ويتشدق وامثال ذلك فهذه الأدعية ونحوها منهي ~~عنها # ومن الدعاء ما هو مباح كطلب الفضول التى لا معصية فيها و ( المقصود ( أن ~~الرضا الذى هو من طريق الله لا يتضمن ترك واجب ولا ترك مستحب فالدعاء الذى ~~هو واجب أو مستحب لا يكون تركه من الرضا كما أن ترك سائر الواجبات لا يكون ~~من الرضا المشروع ولا فعل المحرمات من المشروع فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ~~ظنهم أن الرضا مشروع بكل مقدور ومن جهة أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع ~~إيجابا وإستحبابا والدعاء غير المشروع # وقد علم بالإضطرار من دين الإسلام ان طلب الجنة من الله والإستعاذة به من ~~النار هو من اعظم الأدعية المشروعة لجميع المرسلين PageV10P714 والنبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وان ms3289 ذلك لا يخرج عن كونه واجبا أو مستحبا ~~وطريق أولياء الله التى يسلكونها لا تخرج عن فعل واجبات ومستحبات إذ ما سوى ~~ذلك محرم أو مكروه أو مباح لا منفعة فيه في الدين # ثم انه لما اوقع هؤلاء في هذا الغلط انهم وجدوا كثيرا من الناس لا يسألون ~~الله جلب المنافع ودفع المضار حتى طلب الجنة والإستعاذة من النار من جهة ~~كون ذلك عبادة وطاعة وخيرا بل من جهة كون النفس تطلب ذلك فرأوا ان من ~~الطريق ترك ما تختاره النفس وتريده وان لا يكون لأحدهم إرادة أصلا بل يكون ~~مطلوبه الجريان تحت القدر كائنا من كان وهذا هو الذى ادخل كثيرا منهم في ~~الرهبانية والخروج عن الشريعة حتى تركوا من الأكل والشرب واللباس والنكاح ~~ما يحتاجون إليه وما لا تتم مصلحة دينهم إلا به فإنهم رأوا العامة تعد هذه ~~الأمور بحكم الطبع والهوى والعادة ومعلوم أن الأفعال التى على هذا الوجه لا ~~تكون عبادة ولا طاعة ولا قربة فرأى اولئك الطريق إلى الله ترك هذه العبادات ~~والأفعال الطبعيات فلازموا من الجوع والسهر والخلوة والصمت وغير ذلك مما ~~فيه ترك الحظوظ وإحتمال المشاق ما أوقعهم في ترك واجبات ومستحبات وفعل ~~مكروهات ومحرمات PageV10P715 وكلا الأمرين غير محمود ولا مأمور به ولا طريق ~~إلى الله طريق المفرطين الذين فعلوا هذه الأفعال المحتاج إليها على غير وجه ~~العبادة والتقرب إلى الله وطريق المعتدين الذين تركوا هذه الأفعال بل ~~المشروع أن تفعل بنية التقرب إلى الله وأن يشكر الله قال الله تعالى ( كلوا ~~من الطيبات واعملوا صالحا ( وقال تعالى ( كلوا من طيبات ما رزقناكم وإشكروا ~~لله ( فأمر بالأكل والشرب فمن أكل ولم يشكر كان مذموما ومن لم يأكل ولم ~~يشكر كان مذموما وفى الصحيح عن النبى انه قال ( إن الله ليرضى عن العبد أن ~~يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها ( وقال النبى لسعد ( ~~إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا إزددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة ~~تضعها في فى أمرأتك ms3290 ) وفى الصحيح أيضا أنه قال ( نفقة المؤمن على اهله ~~يحتسبها صدقة ( فكذلك الأدعية هنا من الناس من يسأل الله جلب المنفعة له ~~ودفع المضرة عنه طبعا وعادة لا شرعا وعبادة فليس من المشروع ان أدع الدعاء ~~مطلقا لتقصير هذا وتفريطه بل أفعله أنا شرعا وعبادة # ثم إعلم أن الذى يفعله شرعا وعبادة إنما يسعى في مصلحة نفسه وطلب حظوظه ~~المحمودة فهو يطلب مصلحة دنياه وآخرته بخلاف PageV10P716 الذى يفعله طبعا ~~فإنه إنما يطلب مصلحة دنياه فقط كما قال تعالى ( فمنهم من يقول ربنا آتنا ~~في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا ~~حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع ~~الحساب ( وحينئذ فطالب الجنة والمستعيذ من النار إنما يطلب حسنة الآخرة فهو ~~محمود # ومما يبين الأمر في ذلك ان يرد قول هؤلاء بأن العبد لا يفعل مأمورا ولا ~~يترك محظورا فلا يصلى ولا يصوم ولا يتصدق ولا يحج ولا يجاهد ولا يفعل شيئا ~~من القربات فإن ذلك إنما فائدته حصول الثواب ودفع العقاب فإذا كان هو لا ~~يطلب حصول الثواب الذى هو الجنة ولا دفع العقاب الذى هو النار فلا يفعل ~~مأمورا ولا يترك محظورا ويقول انا راض بكل ما يفعله بى وإن كفرت وفسقت ~~وعصيت بل يقول أنا أكفر وأفسق وأعصى حتى يعاقبنى وأرضى بعقابه فانال درجة ~~الرضا بقضائه وهذا قول من ( هو من ) أجهل الخلق وأحمقهم واضلهم واكفرهم # أما جهله وحمقه فلان الرضى بذلك ممتنع متعذر لأن ذلك يستلزم الجمع بين ~~النقيضين PageV10P717 # وأما كفره فلانه مستلزم لتعطيل دين الله الذى بعث به رسله وأنزل به كتبه ~~ولا ريب أن ملاحظة القضاء والقدر أوقعت كثيرا من اهل الإرادة من المتصوفة ~~في أن تركوا من المأمور وفعلوا من المحظور ما صاروا به إما ناقصين محرومين ~~وأما عاصين فاسقين وإما كافرين وقد رأيت من ذلك ألوانا ( ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور ( # وهؤلاء المعتزلة ونحوهم ms3291 من القدرية طرفا نقيض هؤلاء يلاحظون القدر ~~ويعرضون عن الأمر وأولئك يلاحظون الأمر ويعرضون عن القدر والطائفتان تظن أن ~~ملاحظة الأمر والقدر متعذر كما ان طائفة تجعل ذلك مخالفا للحكمة والعدل ~~وهذه الأصناف الثلاثة هي القدرية المجوسية والقدرية المشركية والقدرية ~~الإبليسية وقد بسطنا الكلام عليهم في غير هذا الموضع # واصل ما يبتلى به السالكون أهل الإرادة والعامة في هذا الزمان هي ( ~~القدرية المشركية ( فيشهدون القدر ويعرضون عن الأمر كما قال فيهم بعض ~~العلماء أنت عند الطاعة قدرى وعند المعصية جبرى أى مذهب وافق هواك تمذهبت ~~به وإنما المشروع العكس وهو أن يكون عند الطاعة يستعين الله عليها قبل ~~الفعل ويشكره عليها بعد الفعل PageV10P718 ويجتهد أن لا يعصى فإذا اذنب ~~وعصى بادر إلى التوبة والإستغفار كما في حديث سيد الإستغفار ( أبوء لك ~~بنعمتك على وابوء بذنبى ( وكما في الحديث الصحيح الإلهى ( يا عبادى إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم اوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( # ومن هذا الباب دخل قوم من أهل الإرادة في ترك الدعاء وآخرون جعلوا التوكل ~~والمحبة من مقامات العامة وأمثال هذه الأغاليط التى تكلمنا عليها في غير ~~هذا الموضع وبينا الفرق بين الصواب والخطأ في ذلك ولهذا يوجد في كلام هؤلاء ~~المشايخ الوصية بإتباع العلم والشريعة حتى قال سهل بن عبد الله التسترى كل ~~وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل وقال الجنيد بن محمد علمنا مقيد ~~بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصح أن يتكلم في علمنا ~~والله أعلم PageV10P719 ### || 1 ( مسألة العزم على الفعل المحرم ) 1 # ما تقول السادة العلماء # في من عزم على ( فعل محرم ( كالزنا والسرقة وشرب الخمر عزما جازما فعجز ~~عن فعله أما بموت أو غيره هل ياثم بمجرد العزم أم لا وإن قلتم يأثم فما ~~جواب من يحتج على عدم الإثم بقوله ( إذا هم عبدى بسيئة ولم يعملها لم تكتب ~~عليه ( وبقوله ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به ms3292 أنفسها ما لم تعمل أو ~~تتكلم ( وإحتج به من وجهين # ( أحدهما ( أنه اخبر بالعفو عن حديث النفس والعزم داخل في العموم والعزم ~~والهم واحد قاله إبن سيده # ( الثانى ( انه جعل التجاوز ممتدا إلى أن يوجد كلام أو عمل وما قبل ذلك ~~داخل في حد التجاوز ويزعم أن لا دلالة في قول النبى ( إذ إلتقى المسلمان ~~بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ( لأن الموجب لدخول المقتول في النار ~~مواجهته أخيه لأنه عمل لا مجرد قصد وأن لا دلالة في قوله صلى الله عليه ~~وسلم في الذى قال ( لو أن لى ما لا لفعلت وفعلت أنهما في الإثم سواء وفى ~~الأجر سواء ( لأنه تكلم PageV10P720 والنبى قال ( ما لم تعمل به أو تتكلم ( ~~وهذا قد تكلم وقد وقع في هذه المسألة كلام كثير وإحتيج إلى بيانها مطولا ~~مكشوفا مستوفا ### ||||| فأجاب شيخ الإسلام إبن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه # الحمد لله هذه المسألة ونحوها تحتاج قبل الكلام في حكمها إلى حسن التصور ~~لها فإن إضطراب الناس في هذه المسائل وقع عامته من أمرين # ( أحدهما ( عدم تحقيق أحوال القلوب وصفاتها التى هي مورد الكلام # و ( الثانى ( عدم إعطاء الأدلة الشرعية حقها ولهذا كثر إضطراب كثير من ~~الناس في هذا الباب حتى يجد الناظر في كلامهم أنهم يدعون إجماعات متناقضة ~~في الظاهر # فينبغى أن يعلم أن كل واحد من صفات الحى التى هي العلم والقدرة والإرادة ~~ونحوها له من المراتب ما بين أوله وآخره ما لا يضبطه العباد كالشك ثم الظن ~~ثم العلم ثم اليقين ومراتبه وكذلك الهم والإرادة والعزم وغير ذلك ولهذا كان ~~الصواب عند جماهير أهل السنة وهو PageV10P721 ظاهر مذهب أحمد وهو أصح ~~الروايتين عنه وقول أكثر اصحابه ان العلم والعقل ونحوهما يقبل الزيادة ~~والنقصان بل وكذلك الصفات التى تقوم بغير الحى كالألوان والطعوم والأرواح ~~فنقول أولا الإرادة الجازمة هي التى يجب وقوع الفعل معها إذا كانت القدرة ~~حاصلة فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل ~~لكمال وجود المقتضى السالم ms3293 عن المعارض المقاوم ومتى وجدت الإرادة والقدرة ~~التامة ولم يقع الفعل لم تكن الإرادة جازمة وهو أرادات الخلق لما يقدرون ~~عليه من الأفعال ولم يفعلوه وإن كانت هذه الإرادات متفاوتة في القوة والضعف ~~تفاوتا كثيرا لكن حيث لم يقع الفعل المراد مع وجود القدرة التامة فليست ~~الإرادة جازمة جزما تاما # وهذه ( المسألة ( إنما كثر فيها النزاع لأنهم قدروا إرادة جازمة للفعل لا ~~يقترن بها شيء من الفعل وهذا لا يكون وإنما يكون ذلك في العزم على أن يفعل ~~فقد يعزم على الفعل في المستقبل من لا يفعل منه شيئا في الحال والعزم على ~~أن يفعل في المستقبل لا يكفى في وجود الفعل بل لا بد عند وجوده من حدوث ~~تمام الإرادة المستلزمة للفعل وهذه هي الإرادة الجازمة # والإرادة الجازمة ( إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليه كان في الشرع ~~بمنزلة الفاعل التام له ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام PageV10P722 ~~الذى فعل جميع الفعل المراد حتى يثاب ويعاقب على ما هو خارج عن محل قدرته ~~مثل المشتركين والمتعاونين على أفعال البر ومنها ما يتولد عن فعل الإنسان ~~كالداعى إلى هدى أو إلى ضلالة والسان سنة حسنة وسنة سيئة كما ثبت في ~~الصحيحين عن النبى أنه قال ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من ~~تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر ~~مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص أوزارهم شيء ( وثبت عنه في الصحيحين أنه ~~قال ( من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير ~~أن ينقص من أجورهم شيء فالداعى إلى الهدى وإلى الضلالة هو طالب مريد كامل ~~الطلب والإرادة لما دعا إليه لكن قدرته بالدعاء والأمر وقدرة الفاعل ~~بالإتباع والقبول ولهذا قرن الله تعالى في كتابه بين الأفعال المباشرة ~~والمتولدة فقال ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ~~ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ms3294 ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل ~~صالح أن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا ~~يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ( # فذكر في الآية الأولى ما يحدث عن أفعالهم بغير قدرتهم المنفردة ~~PageV10P723 وهو ما يصيبهم من العطش والجوع والتعب وما يحصل للكفار بهم من ~~الغيظ وما ينالونه من العدو وقال ( كتب لهم به عمل صالح ( فأخبر أن هذه ~~الأمور التى تحدث وتتولد من فعلهم وفعل آخر منفصل عنهم يكتب لهم بها عمل ~~صالح وذكر في الآية الثانية نفس أعمالهم المباشرة التى باشروها بأنفسهم وهى ~~الإنفاق وقطع المسافة فلهذا قال فيها ( إلا كتب لهم ( فإن هذه نفسها عمل ~~صالح وإرادتهم في الموضعين جازمة على مطلوبهم الذى هو أن يكون الدين كله ~~لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فما حدث مع هذه الإرادة الجازمة من ~~الأمور التى تعين فيها قدرتهم بعض الإعانة هي لهم عمل صالح # وكذلك ( الداعى إلى الهدى والضلالة ( لما كانت إرادته جازمة كاملة في هدى ~~الأتباع وضلالهم وأتى من الإعانة على ذلك بما يقدر عليه كان بمنزلة العامل ~~الكامل فله من الجزاء مثل جزاء كل من إتبعه للهادى مثل أجور المهتدين ~~وللمضل مثل أوزار الضالين وكذلك السان سنة حسنة وسنة سيئة فإن السنة هي ما ~~رسم للتحرى فإن السان كامل الإرادة لكل ما يفعل من ذلك وفعله بحسب قدرته # ومن هذا قوله في الحديث المتفق عليه عن إبن مسعود عن النبى أنه قال ( لا ~~تقتل نفس ظلما إلا كان على بن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ~~( فالكفل PageV10P724 النصيب مثل نصيب القاتل كما فسره الحديث الآخر وهو ~~كما استباح جنس قتل المعصوم لم يكن مانع يمنعه من قتل نفس معصومة فصار ~~شريكا في قتل كل نفس ومنه قوله تعالى ( من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل ~~أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن ms3295 ~~أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا ( # ويشبه هذا أنه من كذب رسولا معينا كان كتكذيب جنس الرسل كما قيل فيه ( ~~كذبت قوم نوح المرسلين ( كذبت عاد المرسلين ( ونحو ذلك # ومن هذا الباب قوله تعالى ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا إتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء أنهم لكاذبون وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ( فأخبر ~~أن أئمة الضلال لا يحملون من خطايا الإتباع شيئا وأخبر أنهم يحملون أثقالهم ~~وهى أوزار الإتباع من غير أن ينقص من أوزار الأتباع شيء لأن إرادتهم كانت ~~جازمة بذلك وفعلوا مقدورهم فصار لهم جزاء كل عامل لأن الجزاء على العمل ~~يستحق مع الإرادة الجازمة وفعل المقدور منه # وهو كما ثبت في الصحيحين من حديث إبن عباس عن أبى سفيان PageV10P725 أن ~~النبى كتب إلى هرقل ( فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ( فأخبر أن هرقل ~~لما كان امامهم المتبوع في دينهم أن عليه إثم الأريسيين ( وهم الأتباع وإن ~~كان قد قيل إن أصل هذه الكلمة من الفلاحين والإكرة كلفظ الطاء بالتركى فإن ~~هذه الكلمة تقلب إلى ما هو أعم من ذلك ومعلوم أنه إذا تولى عن أتباع الرسول ~~كان عليه ( مثل ( آثامهم من غير أن ينقص من آثامهم شيء كما دل عليه سائر ~~نصوص الكتاب والسنة # ومن هذا قوله تعالى ( وإلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم ~~منكرة وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون أنه لا يحب ~~المستكبرين وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ليحملوا ~~أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ( # فقوله ( ومن أوزار الذين يضلونهم ( هي الأوزار الحاصلة لضلال الأتباع وهى ~~حاصلة من جهة الآمر ومن جهة المأمور الممتثل فالقدرتان مشتركتان في حصول ~~ذلك الضلال فلهذا كان على هذا بعضه وعلى هذا بعضه إلا أن كل بعض من هذين ~~البعضين هو مثل وزر عامل كامل كما دلت عليه سائر النصوص مثل قوله ~~PageV10P726 ( من دعا إلى ms3296 الضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة ( # ومن هذا الباب قوله تعالى ( قال إدخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار كل ما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا أداركوا فيها جميعا ~~قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ~~ضعف ولكن لا تعلمون ( # فأخبر سبحانه أن الأتباع دعوا على أئمة الضلال بتضعيف العذاب كما أخبر ~~عنهم بذلك في قوله تعالى ( وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ( وأخبر سبحانه أن ~~لكل من المتبعين والأتباع تضعيفا من العذاب ولكن لا يعلم الأتباع التضعيف # ولهذا وقع عظيم المدح والثناء لأئمة الهدى وعظيم الذم واللعنة لأئمة ~~الضلال حتى روى في أثر لا يحضرنى إسناده ( أنه ما من عذاب في النار إلا ~~يبدأ فيه بابليس ثم يصعد بعد ذلك إلى غيره وما من نعيم في الجنة إلا يبدأ ~~فيه بالنبى ثم ينتقل إلى غيره ( فإنه هو الإمام المطلق في الهدى لأول بنى ~~آدم وآخرهم كما قال ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر آدم ومن دونه تحت لوائى يوم ~~القيامة PageV10P727 ولا فخر ( وهو شفيع الأولين والآخرين في الحساب بينهم ~~وهو أول من يستفتح باب الجنة ( # وذلك أن جميع الخلائق أخذ الله عليهم ميثاق الإيمان به كما أخذ على كل ~~نبى أن يؤمن بمن قبله من الأنبياء ويصدق بمن بعده قال تعالى ( وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه ( الآية فإفتتح الكلام باللام الموطئة للقسم التى يؤتى ~~بها إذا إشتمل الكلام على قسم وشرط وأدخل اللام على ما الشرطية ليبين ~~العموم ويكون المعنى مهما آتيكم من كتاب وحكمة فعليكم إذا جاءكم ذلك النبى ~~المصدق الإيمان به ونصره كما قال إبن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه ~~الميثاق لئن بعث محمد وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه # والله تعالى قد نوه ms3297 بذكره وأعلنه في الملأ الأعلى ما بين خلق جسد آدم ~~ونفخ الروح فيه كما في حديث ميسرة الفجر قال ( قلت يا رسول الله متى كنت ~~نبيا وفى رواية متى كتبت نبيا فقال وآدم بين الروح والجسد ( رواه أحمد ~~وكذلك في حديث العرباض بن سارية الذى رواه أحمد وهو حديث حسن عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( أنى عند الله لخاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في ~~طينته ( الحديث PageV10P728 فكتب الله وقدر في ذلك الوقت وفى تلك الحال أمر ~~إمام الذرية كما كتب وقدر حال المولود من ذرية آدم بين خلق جسده ونفخ الروح ~~فيه كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث بن مسعود # فمن آمن به من الأولين والآخرين أثيب على ذلك وإن كان ثواب من آمن به ~~وأطاعه في الشرائع المفصلة أعظم من ثواب من لم يأت إلا بالإيمان المجمل على ~~أنه إمام مطلق لجميع الذرية وأن له نصيبا من إيمان كل مؤمن من الأولين ~~والآخرين كما أن كل ضلال وغواية في الجن والإنس لإبليس منه نصيب فهذا يحقق ~~الأثر المروى ويؤيد ما في نسخة شعيب بن أبى حمزة عن الزهري عن النبى مرسلا ~~أما من مراسيل الزهري وإما من مراسيل من فوقه من التابعين قال ( بعثت داعيا ~~وليس إلى من الهداية شيء وبعث إبليس مزينا ومغويا وليس إليه من الضلالة شيء ~~( # ومما يدخل في هذا الباب من بعض الوجوه قوله في الحديث الذى في السنن ( ~~وزنت بالأمة فرجحت ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح ثم وزن عمر بالأمة فرجح ثم ~~رفع الميزان ( # فأما كون النبى راجحا بالأمة فظاهر لأن له مثل أجر جميع الأمة مضافا إلى ~~أجره وأما أبو بكر وعمر فلأن لهما PageV10P729 معاونة مع الإرادة الجازمة ~~في إيمان الأمة كلها وأبو بكر كان في ذلك سابقا لعمر وأقوى إرادة منه ~~فإنهما هما اللذان كانا يعاونان النبى على إيمان الأمة في دقيق الأمور ~~وجليلها في محياه وبعد وفاته # ولهذا سأل أبو سفيان يوم أحد ( أفى القوم محمد ms3298 افى القوم إبن ابى قحافة ~~أفى القوم بن الخطاب فقال النبى ( لا تجيبوه فقال أما هؤلاء فقد كفيتموهم ~~فلم يملك عمر نفسه أن قال ( كذبت يا عدو الله إن الذى ذكرت لأحياء وقد بقى ~~لك ما يسوءك ( رواه البخارى ومسلم حديث البراء بن عازب فأبو سفيان رأس ~~الكفر حينئذ لم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لأنهم قادة المؤمنين كما ثبت في ~~الصحيحين ان على بن أبى طالب لما وضعت جنازة عمر قال ( والله ما على وجه ~~الأرض أحد أحب أن ألقى الله بعمله من هذا المسجى والله إنى لأرجو أن يحشرك ~~الله مع صاحبيك فإنى كثيرا ما كنت اسمع النبى يقول ( دخلت أنا وأبو بكر ~~وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر ( # وأمثال هذه النصوص كثيرة تبين سبب إستحقاقهما إن كان لهما مثل أعمال جميع ~~الأمة لوجود الإرادة الجازمة مع التمكن من القدرة PageV10P730 على ذلك كله ~~بخلاف من أعان على بعض ذلك دون بعض ووجدت منه إرادة في بعض ذلك دون بعض # و ( أيضا ( فالمريد إرادة جازمة مع فعل المقدور هو بمنزلة العامل الكامل ~~وإن لم يكن إماما وداعيا كما قال سبحانه ( لا يستوى القاعدون من المؤمنين ~~غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله ~~غفورا رحيما ( # فالله تعالى نفى المساواة بين المجاهد والقاعد الذى ليس بعاجز ولم ينف ~~المساواة بين المجاهد وبين القاعد العاجز بل يقال دليل الخطاب يقتضى ~~مساواته إياه ولفظ الآية صريح إستثنى أولو الضرر من نفى المساواة ~~فالإستثناء هنا هو من النفى وذلك يقتضى أن أولى الضرر قد يساوون القاعدين ~~وإن لم يساووهم في الجميع ويوافقه ما ثبت عن النبى أنه قال في غزوة تبوك ( ~~إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا وهم ~~بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر ( فأخبر ms3299 أن القاعد بالمدينة الذى لم ~~يحبسه إلا العذر هو مثل من معهم في هذه الغزوة ومعلوم أن الذى معه في ~~الغزوة يثاب كل واحد منهم ثواب غاز على قدر نيته PageV10P731 فكذلك ~~القاعدون الذين لم يحبسهم إلا العذر # ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيحين عن أبى موسى عن النبى أنه قال ( إذا ~~مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ( فإنه إذا كان يعمل ~~في الصحة والإقامة عملا ثم لم يتركه إلا لمرض أو سفر ثبت أنه إنما ترك ~~لوجود العجز والمشقة لا لضعف النية وفتورها فكان له من الإرادة الجازمة ~~التى لم يتخلف عنها الفعل إلا لضعف القدرة ما للعامل والمسافر وإن كان ~~قادرا مع مشقة كذلك بعض المرض إلا أن القدرة الشرعية هي التى يحصل بها ~~الفعل من غير مضرة راجحة كما في قوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت من ~~إستطاع إليه سبيلا ( وقوله ( ومن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ( ونحو ذلك ~~ليس المعتبر في الشرع القدرة التي يمكن وجود الفعل بها على أى وجه كان بل ~~لا بد أن تكون المكنة خالية عن مضرة راجحة بل أو مكافية # ومن هذا الباب ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ( من جهز غازيا فقد ~~غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا ( وقوله ( من فطر صائما فله مثل أجره من ~~غير أن ينقص من أجره شيء ( فإن الغزو يحتاج إلى جهاد بالنفس وجهاد بالمال ~~فإذا بذل هذا بدنه وهذا ماله مع وجود الإرادة الجازمة في كل منهما كان كل ~~منهما مجاهدا PageV10P732 بإرادته الجازمة ومبلغ قدرته وكذلك لا بد للغازى ~~من خليفة في الأهل فإذا خلفه في أهله بخير فهو أيضا غاز وكذلك الصيام لا بد ~~فيه من إمساك ولا بد فيه من العشاء الذى به يتم الصوم وإلا فالصائم الذى لا ~~يستطيع العشاء لا يتمكن من الصوم # وكذلك قوله في الحديث الصحيح ( إذا انفقت المرأة من مال زوجها غير مفسدة ~~كان لها ms3300 أجرها بما أنفقت ولزوجها مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجور بعض شيئا ( ~~وكذلك قوله في حديث أبى موسى ( الخازن الأمين الذى يعطى ما امر به كاملا ~~موفرا طيبة به نفسه أحد المتصدقين ( أخرجاه وذلك ان اعطاء الخازن الأمين ~~الذى يعطى ما أمر به موفرا طيبة به نفسه لا يكون إلا مع الإرادة الجازمة ~~الموافقة لإرادة الآمر وقد فعل مقدوره وهو الإمتثال فكان أحد المتصدقين ومن ~~هذا الباب حديث أبى كبشة الأنمارى الذي رواه أحمد وبن ماجه عن النبى قال ( ~~إنما الدنيا لأربعة رجل آتاه الله علما ومالا فهو يعمل فيه بطاعة الله فقال ~~رجل لو أن لى مثل فلان لعملت بعمله فقال النبى فهما في الأجر سواء ( وقد ~~رواه الترمذى مطولا وقال حديث حسن صحيح فهذا التساوى مع ( الأجر والوزر ( ~~هو في حكاية حال من قال ذلك PageV10P733 وكان صادقا فيه وعلم الله منه ~~إرادة جازمة لا يتخلف عنها الفعل إلا لفوات القدرة فلهذا إستويا في الثواب ~~والعقاب # وليس هذه الحال تحصل لكل من قال ( لو أن لى ما لفلان لفعلت مثل ما يفعل ( ~~إلا إذا كانت إرادته جازمة يجب وجود الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة وإلا ~~فكثير من الناس يقول ذلك عن عزم لو إقترنت به القدرة لأنفسخت عزيمته كعامة ~~الخلق يعاهدون وينقضون وليس كل من عزم على شيء عزما جازما قبل القدرة عليه ~~و ( عدم ) الصوارف عن الفعل تبقى تلك الإرادة عند القدرة المقارنة للصوارف ~~كما قال تعالى ( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون وكما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ~~@QE@ وكما قال ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ( # وحديث أبى كبشة في النيات مثل حديث البطاقة في الكلمات وهو الحديث الذى ~~رواه الترمذى وغيره عن عبد الله بن عمرو عن النبى ( أن رجلا من أمة النبي ~~ينشر الله له يوم ms3301 القيامة تسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مدى البصر ويقال له ~~هل تنكر من هذا شيئا هل ظلمتك فيقول PageV10P734 لا يا رب فيقال له لا ظلم ~~عليك اليوم فيؤتى ببطاقة فيها التوحيد فتوضع في كفة والسجلات في كفة فطاشت ~~السجلات وثقلت البطاقة ( فهذا لما إقترن بهذه الكلمة من الصدق والإخلاص ~~والصفاء وحسن النية إذ الكلمات والعبادات وإن إشتركت في الصورة الظاهرة ~~فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتا عظيما # ومثل هذا الحديث الذى في حديث المرأة البغى التى سقت كلبا فغفر الله لها ~~فهذا لما حصل في قلبها من حسن النية والرحمة إذ ذاك ومثله قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت ~~يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط ~~الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة ### ||| فصل # وبهذا تبين أن الأحاديث التى بها التفريق بين الهام والعامل وأمثالها ~~إنما هي فيما دون الإرادة الجازمة التى لا بد أن يقترن بها الفعل كما في ~~الصحيحين عن أبى رجاء العطاردى عن إبن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال PageV10P735 ( إن الله كتب الحسنات ~~والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ~~فإن هم بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات ومن هم بسيئة ولم يعملها ~~كتبها له الله له حسنة كاملة فإن هم بها وعملها كتبها الله له عنده سيئة ~~واحدة ( وفى الصحيحين نحوه من حديث أبى هريرة # فهذا التقسيم هو في رجل يمكنه الفعل ولهذا قال ( فعملها ( فلم يعملها ( ~~ومن أمكنه الفعل فلم يفعل لم تكن إرادته جازمة فإن الإرادة الجازمة مع ~~القدرة مستلزمة للفعل كما تقدم أن ذلك كاف في وجود الفعل وموجب له إذ لو ~~توقف على شيء آخر لم تكن الإرادة الجازمة مع القدرة تامة كافية في وجود ~~الفعل ms3302 ومن المعلوم المحسوس ان الأمر بخلاف ذلك ولا ريب ان ( الهم ( و ( ~~العزم ( و ( الإرادة ( ونحو ذلك قد يكون جازما لا يتخلف عنه الفعل إلا ~~للعجز وقد لا يكون هذا على هذا الوجه من الجزم # فهذا ( القسم الثانى ( يفرق فيه بين المريد والفاعل بل يفرق بين إرادة ~~وإرادة إذ الإرادة هي عمل القلب الذى هو ملك الجسد كما قال أبو هريرة القلب ~~ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده ~~وتحقيق ذلك ما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم PageV10P736 ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا ~~فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهى القلب ( فإذا هم بحسنة فلم يعملها كان قد ~~أتى بحسنة وهى الهم بالحسنة فتكتب له حسنة كاملة فإن ذلك طاعة وخير وكذلك ~~هو في عرف الناس كما # # قيل لأشكرنك معروفا هممت به %~% إن إهتمامك بالمعروف معروف # ولا ألومك ان لم يمضه قدر %~% فالشيء بالقدر المحتوم مصروف # فان عملها كتبها الله له ~~عشر حسنات لما مضى من رحمته إن من جاء بالحسنة فله عشر امثالها إلى سبعمائة ~~ضعف كما قال تعالى ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت ~~سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ( وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح لمن جاء بناقة ( لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة ~~مزمومة ( إلى أضعاف كثيرة وقد روى عن أبى هريرة مرفوعا ( أنه يعطى به ألف ~~ألف حسنة ( # وأما الهام بالسيئة الذي لم يعملها وهو قادر عليها فإن الله لا يكتبها ~~عليه كما أخبر به في الحديث الصحيح وسواء سمى همه إرادة أو عزما أو لم يسم ~~متى كان قادرا على الفعل وهم به وعزم عليه ولم يفعله مع القدرة فليست ~~إرادته جازمة وهذا موافق لقوله في الحديث الصحيح PageV10P737 حديث أبى ~~هريرة عن النبى ( إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به ms3303 أو ~~تعمل به ( فإن ما هم به العبد من الأمور التى يقدر عليها من الكلام والعمل ~~ولم يتكلم بها ولم يعملها لم تكن إرادته لها جازمة فتلك مما لم يكتبها الله ~~عليه كما شهد به قوله ( من هم بسيئة فلم يعملها ( ومن حكى الإجماع كإبن عبد ~~البر وغيره في هذه المسألة على هذا الحديث فهو صحيح بهذا الإعتبار # وهذا الهام بالسيئة فأما إن يتركها لخشية الله وخوفه أو يتركها لغير ذلك ~~فإن تركها لخشية الله كتبها الله له عنده حسنة كاملة كما قد صرح به في ~~الحديث وكما قد جاء في الحديث الآخر ( إكتبوها له حسنة فإنما تركها من أجلى ~~( أو قال ( من جرائى ( وأما أن تركها لغير ذلك لم تكتب عليه سيئة كما جاء ~~في الحديث الآخر ( فإن لم يعملها لم تكتب عليه ( وبهذا تتفق معانى الأحاديث ~~وإن عملها لم تكتب عليه إلا سيئة واحدة فإن الله تعالى لا يضعف السيئات ~~بغير عمل صاحبها ولا يجزى الإنسان في الآخرة إلا بما عملت نفسه ولا تمتلىء ~~جهنم إلا من إتباع إبليس من الجنة والناس كما قال تعالى ( لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين ( ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث ابى هريرة وأنس ( ~~أن الجنة يبقى فيها فضل فينشىء الله لها أقواما في الآخرة وأما النار فإنه ~~ينزوى بعضها إلى PageV10P738 بعض حتى يضع عليها قدمه فتمتلىء بمن دخلها من ~~أتباع إبليس ( # ولهذا كان الصحيح المنصوص عن أئمة العدل كأحمد وغيره الوقف في أولاد ~~المشركين وأنه لا يجزم لمعين منهم بجنة ولا نار بل يقال فيهم كما قال النبى ~~في الحديثين الصحيحين حديث أبى هريرة وإبن عباس ( الله أعلم بما كانوا ~~عاملين ( فحديث أبى هريرة في الصحيحين وحديث إبن عباس في البخارى وفى حديث ~~سمرة بن جندب الذى رواه البخارى ) ( أن منهم من يدخل الجنة ( وثبت ( أن ~~منهم من يدخل النار ( كما في صحيح مسلم في قصة الغلام الذى قتله الخضر وهذا ~~يحقق ما روى من وجوه أنهم يمتحنون يوم القيامة ms3304 فيظهر على علم الله فيهم ~~فيجزيهم حينئذ على الطاعة والمعصية وهذا هو الذى حكاه الأشعرى عن أهل السنة ~~والحديث وإختاره # وأما أئمة الضلال الذين عليهم أوزار من أضلوه ونحوهم فقد بينا أنهم إنما ~~عوقبوا لوجود الإرادة الجازمة مع التمكن من الفعل بقوله في حديث أبى كبشة ( ~~فهما في الوزر سواء ( وقوله ( من دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل ~~أوزار من تبعه ( فإذا وجدت الإرادة الجازمة والتمكن من الفعل صاروا بمنزلة ~~الفاعل التام والهام بالسيئة التى لم يعملها مع قدرته عليها لم توجد منه ~~إرادة جازمة وفاعل PageV10P739 السيئة التى تمضى لا يجزى بها إلا سيئة ~~واحدة كما شهد به النص وبهذا يظهر قول الأئمة حيث قال الإمام أحمد ( الهم ( ~~همان ( هم خطرات وهم إصرار فهم الخطرات يكون من القادر فإنه لو كان همه ~~إصرارا جازما وهو قادر لوقع الفعل ومن هذا الباب ( هم يوسف ( حيث قال تعالى ~~( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ( الآية وأما هم المرأة التى ~~راودته فقد قيل أنه كان هم إصرار لأنها فعلت مقدورها وكذلك ما ذكره عن ~~المنافقين في قوله تعالى ( وهموا بما لم ينالوا ( فهذا الهم المذكور عنهم ~~هم مذموم كما ذمهم الله عليه ومثله يذم وإن لم يكن جازما كما سنبينه في آخر ~~الجواب من الفرق بين ما ينافى الإيمان وبين ما لا ينافيه وكذلك الحريص على ~~السيئات الجازم بإرادة فعلها إذا لم يمنعه إلا مجرد العجز فهذا يعاقب على ~~ذلك عقوبة الفاعل لحديث أبى كبشة ولما في الحديث الصحيح ( إذا إلتقى ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل هذا القاتل فما بال ~~المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه ( وفى لفظ ( أنه أراد قتل صاحبه ( # فهذه ( الإرادة ( هي الحرص وهى الإرادة الجازمة وقد وجد معها المقدور وهو ~~القتال لكن عجز عن القتل وليس هذا من الهم الذى لا يكتب ولا يقال أنه إستحق ~~ذلك بمجرد قوله لو أن لى ما لفلان PageV10P740 لعملت مثل ما عمل فإن ms3305 تمنى ~~الكبائر ليس عقوبته كعقوبة فاعلها بمجرد التكلم بل لا بد من أمر آخر وهو لم ~~يذكر انه يعاقب على كلامه وإنما ذكر أنهما في الوزر سواء # وعلى هذا فقوله ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به ~~أو تعمل ( لا ينافى العقوبة على الإرادة الجازمة التى لا بد أن يقترن بها ~~الفعل ( فإن الإرادة الجازمة ( هي التى يقترن بها المقدور من الفعل وإلا ~~فمتى لم يقترن بها المقدور من الفعل لم تكن جازمة فالمريد الزنى والسرقة ~~وشرب الخمر العازم على ذلك متى كانت إرادته جازمة عازمة فلا بد أن يقترن ~~بها من الفعل ما يقدر عليه ولو أنه يقربه إلى جهة المعصية مثل تقرب السارق ~~إلى مكان المال المسروق ومثل نظر الزانى وإستماعه إلى المزنى به وتكلمه معه ~~ومثل طلب الخمر والتماسها ونحو ذلك فلا بد مع الإرادة الجازمة من شيء من ~~مقدمات الفعل المقدور بل مقدمات الفعل توجد بدون الإرادة الجازمة عليه كما ~~قال النبي في الحديث المتفق عليه ( العينان تزنيان وزناهما النظر واللسان ~~يزنى وزناه النطق واليد تزنى وزناها البطش والرجل تزنى وزناها المشى والقلب ~~يتمنى ويشتهى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ( وكذلك حديث أبى بكرة المتفق عليه ~~( إذا إلتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله ~~هذا القاتل فما بال المقتول PageV10P741 قال أنه أراد قتل صاحبه ( وفى ~~رواية في الصحيحين أنه كان حريصا على قتل صاحبه ( # فإنه اراد ذلك إرادة جازمة فعل معها مقدوره منعه منها من قتل صاحبه العجز ~~وليست مجرد هم ولا مجرد عزم على فعل مستقبل فإستحق حينئذ النار كما قدمنا ~~من ان الإرادة الجازمة التى أتى معها بالممكن يجرى صاحبها مجرى الفاعل ~~التام # و ( الإرادة التامة ( قد ذكرنا انه لا بد أن يأتى معها بالمقدور أو بعضه ~~وحيث ترك الفعل المقدور فليست جازمة بل قد تكون جازمة فيما فعل دون ما ترك ~~مع القدرة مثل الذى يأتى بمقدمات الزنى من اللمس والنظر والقبلة ويمتنع عن ms3306 ~~الفاحشة الكبرى ولهذا قال في حديث أبى هريرة الصحيح ( العين تزنى والأذن ~~تزنى واللسان يزنى إلى أن قال والقلب يتمنى ويشتهى ( أى يتمنى الوطء ~~ويشتهيه ولم يقل ( يريد ( ومجرد الشهوة والتمنى ليس إرادة جازمة ولا يستلزم ~~وجود الفعل فلا يعاقب على ذلك وإنما يعاقب إذا أراد إرادة جازمة مع القدرة ~~والإرادة الجازمة ( التى ( يصدقها الفرج # ومن هذا الحديث الذى في الصحيحين عن إبن مسعود ( أن رجلا اصاب من إمرأة ~~قبلة فأتى رسول الله فذكر ذلك PageV10P742 له فأنزل الله تعالى ( أقم ~~الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ( الآية فقال ~~الرجل إلى هذه فقال لمن عمل بها من أمتى ( فمثل هذا الرجل وأمثاله لا بد في ~~الغالب أن يهم بما هو أكبر من ذلك كما قال ( والقلب يتمنى ويشتهى والفرج ~~يصدق ذلك أو يكذبه ( لكن إرادته القلبية للقبلة كانت إرادة جازمة فإقترن ~~بها فعل القبلة بالقدرة وأما إرادته للجماع فقد تكون غير جازمة وقد تكون ~~جازمة لكن لم يكن قادرا والأشبه في الذى نزلت فيه الاية انه كان متمكنا ~~لكنه لم يفعل # فتفريق أحمد وغيره بين هم الخطرات وهم الإصرار هو الذى عليه الجواب فمن ~~لم يمنعه من الفعل إلا العجز فلا بد أن يفعل ما يقدر عليه من مقدماته وإن ~~فعله وهو عازم على العود متى قدر فهو مصر ولهذا قال إبن المبارك المصر الذى ~~يشرب الخمر اليوم ثم لا يشربها إلى شهر وفى رواية إلى ثلاثين سنة ومن نيته ~~أنه إذا قدر على شربها [ شربها ] وقد يكون مصرا إذا عزم على الفعل في وقت ~~دون وقت كمن يعزم على ترك المعاصى في شهر رمضان دون غيره فليس هذا بتائب ~~مطلقا ولكنه تارك للفعل في شهر رمضان ويثاب إذا كان ذلك الترك لله وتعظيم ~~شعائر الله وإجتناب محارمه في ذلك الوقت ولكنه ليس من التائبين الذين يغفر ~~لهم بالتوبة مغفرة مطلقة ولا هو مصر مطلقا وأما الذى PageV10P743 وصفه إبن ~~المبارك فهو مصر إذا كان من نيته العود ms3307 إلى شربها # قلت والذى قد ترك المعاصى في شهر رمضان من نيته العود إليها في غير شهر ~~رمضان مصر أيضا لكن نيته أن يشربها إذا قدر عليها غير النية مع وجود القدرة ~~فإذا قدر قد تبقى نيته وقد لا تبقى ولكن متى كان مريدا إرادة جازمة لا ~~يمنعه إلا العجز فهو معاقب على ذلك كما تقدم # وتقدم ان مثل هذا لا بد ان يقترن بإرادته ما يتمكن من الفعل معه وبهذا ~~يظهر ما يذكر عن الحارث المحاسبى أنه حكى الإجماع على ان الناوى للفعل ليس ~~بمنزلة الفاعل له فهذا الإجماع صحيح مع القدرة فإن الناوى للفعل القادر ~~عليه ليس بمنزلة الفاعل وأما الناوى الجازم الآتى بما يمكن فإنه بمنزلة ~~الفاعل التام كما تقدم # ومما يوضح هذا أن الله سبحانه في القرآن رتب الثواب والعقاب على مجرد ~~الإرادة كقوله تعالى ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ~~ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ( وقال ( من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم اعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار ( وقال من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان ~~يريد حرث PageV10P744 الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ( # فرتب الثواب والعقاب على كونه يريد العاجلة ويريد الحياة الدنيا ويريد ~~حرث الدنيا وقال في آية هود ( نوف إليهم أعمالهم فيها إلى أن قال ( وباطل ~~ما كانوا يعملون ( فدل على أنه كان لهم أعمال بطلت وعوقبوا على أعمال أخرى ~~عملوها وإن الإرادة هنا مستلزمة للعمل ولما ذكر إرادة الآخرة قال ( ومن ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ( وذلك لأن إرادة الآخرة وإن إستلزمت ~~عملها فالثواب إنما هو على العمل المأمور به لا كل سعى ولا بد مع ذلك من ~~الإيمان # ومنه قوله ( يا ايها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها ) الآية ( وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ( فهذا نظير ~~تلك الآية التى ms3308 في سورة هود وهذا يطابق قوله ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~( إلا أنه قال ( فإنه أراد قتل صاحبه ( أو ( أنه كان حريصا على قتل صاحبه ( ~~فذكر الحرص والإرادة على القتل وهذا لا بد ان يقترن به فعل وليس هذا مما ~~دخل في حديث العفو ( إن الله عفا لأمتى عما حدثت به أنفسها ( # ومما يبنى على هذا مسألة معروفة بين أهل السنة وأكثر العلماء PageV10P745 ~~وبين بعض القدرية # وهي ( توبة العاجز عن الفعل ( كتوبة المجبوب عن الزنى وتوبة الأقطع ~~العاجز عن السرقة ونحوه من العجز فإنها توبة صحيحة عند جماهير العلماء من ~~أهل السنة وغيرهم وخالف في ذلك بعض القدرية بناء على أن العاجز عن الفعل لا ~~يصح أن يثاب على تركه الفعل بل يعاقب على تركه وليس كذلك بل إرادة العاجز ~~عليها الثواب والعقاب كما بينا وبينا أن الإرادة الجازمة مع القدرة تجرى ~~مجرى الفاعل التام فهذا العاجز إذا أتى بما يقدر عليه من مباعدة اسباب ~~المعصية بقوله وعمله وهجرانها وتركها بقلبه كالتائب القادر عليها سواء ~~فتوبة هذا العاجز عن كمال الفعل كإصرار العاجز عن كمال الفعل # ومما يبنى على هذا ( المسألة المشهورة في الطلاق ( وهو أنه لو طلق في ~~نفسه وجزم بذلك ولم يتكلم به فإنه لا يقع به الطلاق عند جمهور العلماء وعند ~~مالك في إحدى الروايتين يقع وقد إستدل أحمد وغيره من الأئمة على ترك الوقوع ~~بقوله ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها فقال المنازع هذا المتجاوز ~~عنه إنما هو حديث النفس والجازم بذلك في النفس ليس من حديث النفس ( # فقال المنازع لهم قد قال ( ما لم تكلم به أو تعمل به ( فأخبر أن التجاوز ~~عن حديث النفس إمتد إلى هذه الغاية التى هي الكلام به PageV10P746 والعمل ~~به كما ذكر ذلك في صدر السؤال من إستدلال بعض الناس وهو إستدلال حسن فإنه ~~لو كان حديث النفس إذا صار عزما ولم يتكلم به أو يعمل يؤاخذ به لكان خلاف ~~النص لكن يقال هذا في المأمور ( صاحب ) المقدرة التى ms3309 يمكن فيها الكلام ~~والعمل إذا لم يتكلم ولم يعمل وأما الإرادة الجازمة المأتى فيها بالمقدور ~~فتجرى مجرى التى أتى معها بكمال العمل بدليل الأخرس لما كان عاجزا عن ~~الكلام وقد يكون عاجزا عن العمل باليدين ونحوهما لكنه إذا أتى بمبلغ طاقته ~~من الإشارة جرى ذلك مجرى الكلام من غيره والأحكام والثواب والعقاب وغير ذلك # وأما الوجه الآخر الذى إحتج به وهو أن العزم والهم داخل في حديث النفس ~~المعفو عنه مطلقا فليس كذلك بل إذا قيل إن الإرادة الجازمة مستلزمة لوجود ~~فعل ما يتعلق به الذم والعقاب وغير ذلك يصح ذلك فإن المراد إن كان مقدورا ~~مع الإرادة الجازمة وجب وجوده وإن كان ممتنعا فلا بد مع الإرادة الجازمة من ~~فعل بعض مقدماته وحيث لم يوجد فعل أصلا فهو هم وحديث النفس ليس إرادة جازمة ~~ولهذا لم يجيء في النصوص العفو عن مسمى الإرادة والحب والبغض والحسد والكبر ~~والعجب وغير ذلك من أعمال القلوب إذ كانت هذه الأعمال حيث وقع عليهم ذم ~~وعقاب فلأنها تمت حتى صارت قولا وفعلا PageV10P747 وحينئذ قوله ( إن الله ~~تجاوز لأمتى ( الحديث حق والمؤاخذة بالإرادات المستلزمة لأعمال الجوارح حق ~~ولكن طائفة من الناس قالوا إن الإرادة الجازمة قد تخلو عن فعل أو قول ثم ~~تنازعوا في العقاب عليها فكان القاضي أبو بكر ومن تبعه كابى حامد وابى ~~الفرج إبن الجوزى يرون العقوبة على ذلك وليس معهم دليل على أنه يؤاخذ إذا ~~لم يكن هناك قول أو عمل والقاضى بناها على اصله في ( الإيمان ( الذى إتبع ~~فيه جهما والصالحى وهو المشهور عن أبى الحسن الأشعرى وهو ان الإيمان مجرد ~~تصديق القلب ولو كذب بلسانه وسب الله ورسوله بلسانه وإن سب الله ورسوله ~~إنما هو كفر في الظاهر وأن كلما كان كفرا في نفس الأمر فإنه يمتنع أن يكون ~~معه شيء من تصديق القلب وهذا اصل فاسد في الشرع والعقل حتى أن الأئمة كوكيع ~~بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبى عبيدة وغيرهم كفروا من قال في ( الإيمان ( ~~بهذا ms3310 القول بخلاف المرجئة من الفقهاء الذين يقولون هو تصديق القلب واللسان ~~فإن هؤلاء لم يكفرهم أحد من الأئمة وإنما بدعوهم # وقد بسط الكلام في ( الإيمان ( وما يتعلق بذلك في غير هذا الموضع وبين أن ~~من الناس من يعتقد وجود الأشياء بدون لوازمها فيقدر ما لا وجود له ~~PageV10P748 وأصل جهم في ( الإيمان ( تضمن غلطا من وجوه # ( منها ( ظنه انه مجرد تصديق القلب ومعرفته بدون أعمال القلب كحب الله ~~وخشيته ونحو ذلك # ومنها ظنه ثبوت إيمان قائم في القلب بدون شيء من الأقوال والأعمال ومنها ~~( ظنه أن من حكم الشرع بكفره وخلوده في النار فإنه يمتنع أن يكون في قلبه ~~شيء من التصديق وجزموا بأن إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن في قلوبهم ~~شيء من ذلك وهذا كلامهم في الإرادة والكراهة والحب والبغض ونحو ذلك فإن هذه ~~الأمور إذا كانت هما وحديث نفس فإنه معفو عنها وإذا صارت إرادة جازمة وحبا ~~وبغضا لزم وجود الفعل ووقوعه وحينئذ فليس لأحد ( أن ) يقدر وجودها مجردة ثم ~~يقول ليس فيها إثم وبهذا يظهر الجواب عن حجة السائل # فإن الأمة مجمعة على أن الله يثيب على محبته ومحبة رسوله والحب فيه ~~والبغض فيه ويعاقب على بغضه وبغض رسوله وبغض أوليائه وعلى محبة الأنداد من ~~دونه وما يدخل في هذه المحبة من الإرادات PageV10P749 والعزوم فإن المحبة ~~سواء كانت نوعا من الإرادة أو نوعا آخر مستلزما للإرادة فلا بد معها من ~~إرادة وعزم فلا يقال هذا من حديث النفس المعفو عنه بل كما جاء في الحديث ~~الذى رواه الترمذى ( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ( وفى ~~الصحيحين عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( والذى نفسى بيده لا ~~يؤمن أحدكم حتى أكون احب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ( وفى صحيح ~~البخارى عن عبد الله بن هشام قال ( كنا مع رسول الله وهو آخذ بيد عمر بن ~~الخطاب فقال عمر لأنت يا رسول الله أحب إلى من كل شيء إلا من نفسى ms3311 فقال ~~النبى لا والذى نفسى بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر فإنك الآن ~~أحب إلى من نفسى فقال النبى الآن يا عمر بل قد قال تعالى ( قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال إقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين # ( فإنظر إلى هذا الوعيد الشديد الذى قد توعد الله به من كان أهله وماله ~~أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله فعلم أنه يجب PageV10P750 أن يكون ~~الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إلى المؤمن من الأهل والمال والمساكن ~~والمتاجر والأصحاب والأخوان وإلا لم يكن مؤمنا حقا ومثل هذا ما في الصحيحين ~~عن انس قال قال رسول الله ( لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا ~~يحبه إلا لله وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من ان يرجع في الكفر وحتى ~~يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ( وهذا لفظ البخارى فأخبر أنه لا يجد ~~أحد حلاوة الإيمان إلا بهذه المحبات الثلاث # ( أحدها ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما وهذا من اصول الإيمان ~~المفروضة التى لا يكون العبد مؤمنا بدونها # ( الثانى ( أن يحب العبد لا يحبه إلا لله وهذا من لوازم الأول # و ( الثالث ( أن يكون القاؤه في النار أحب إليه من الرجوع إلى الكفر # وكذلك التائب من الذنوب من أقوى علامات صدقة في التوبة هذه الخصال محبة ~~الله ورسوله ومحبة المؤمنين فيه وإن كانت متعلقة بالأعيان ليست من أفعالنا ~~كالإرادة المتعلقة بأفعالنا فهي مستلزمة لذلك فإن من كان الله ورسوله أحب ~~إليه من نفسه وأهله وماله لا بد PageV10P751 أن يريد من العمل ما تقتضيه ~~هذه المحبة مثل إرادته نصر الله ورسوله ودينه والتقريب إلى الله ورسوله ~~ومثل بغضه لمن يعادى الله ورسوله # ومن هذا الباب ما إستفاض عنه صلى الله عليه وسلم في الصحاح من حديث إبن ~~مسعود وأبى موسى وأنس أن النبى ms3312 صلى الله عليه وسلم قال ( المرء مع من أحب ( ~~وفى رواية ( الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ( أى ولما يعمل بأعمالهم فقال ( ~~المرء مع من أحب ( قال أنس فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا ~~الحديث فأنا أحب النبى وأبا بكر وعمر وأرجو أن يجعلنى الله معهم وأن لم ~~أعمل عملهم وهذا الحديث حق فإن كون المحب مع المحبوب أمر فطرى لا يكون غير ~~ذلك وكونه معه هو على محبته إياه فإن كانت المحبة متوسطة أو قريبا من ذلك ~~كان معه بحسب ذلك وإن كانت المحبة كاملة كان معه كذلك والمحبة الكاملة تجب ~~معها الموافقة للمحبوب في محابه إذا كان المحب قادرا عليها فحيث تخلفت ~~الموافقة مع القدرة يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك وإن كانت موجودة # وحب الشيء وإرادته يستلزم بغض ضده وكراهته مع العلم بالتضاد ولهذا قال ~~تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم PageV10P752 الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ( والموادة من أعمال القلوب # فإن الإيمان بالله يستلزم مودته ومودة رسوله وذلك يناقض موادة من حاد ~~الله ورسوله وما ناقض الإيمان فإنه يستلزم العزم والعقاب لأجل عدم الإيمان ~~فإن ما ناقض الإيمان كالشك والاعراض وردة القلب وبغض الله ورسوله يستلزم ~~الذم والعقاب لكونه تضمن ترك المأمور مما أمر الله به رسوله فإستحق تاركه ~~الذم والعقاب وأعظم الواجبات إيمان القلب فما ناقضه إستلزم الذم والعقاب ~~لتركه هذا الواجب بخلاف ما إستحق الذم لكونه منهيا عنه كالفواحش والظلم فإن ~~هذا هو الذى يتكلم في الهم به وقصده إذا كان هذا لا يناقض أصل الإيمان وإن ~~كان يناقض كماله بل نفس فعل الطاعات يتضمن ترك المعاصى ونفس ترك المعاصى ~~يتضمن فعل الطاعات ولهذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فالصلاة ~~تضمنت شيئين # ( أحدهما ( نهيها عن الذنوب # و ( الثانى ( تضمنها ذكر الله وهو أكبر الأمرين فما فيها من ذكر الله ~~أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر و ( لبسط ( هذا موضع آخر ~~PageV10P753 و المقصود هنا ( إن المحبة التامة لله ورسوله ms3313 تستلزم وجود ~~محبوباته ولهذا جاء في الحديث الذى في الترمذى ( من احب لله وأبغض لله ~~وأعطى لله ومنع لله فقد إستكمل الإيمان ( فإنه إذا كان حبه لله وبغضه لله ~~وهما عمل قلبه وعطاؤه لله ومنعه لله وهما عمل بدنه دل على كمال محبته لله ( ~~و ( دل ( ذلك على كمال الإيمان وذلك ان كمال الإيمان أن يكون الدين كله لله ~~وذلك عبادة الله وحده لا شريك له والعبادة تتضمن كمال الحب وكمال الذل ~~والحب مبدأ جميع الحركات الإرادية ولا بد لكل حى من حب وبغض فإذا كانت ~~محبته لمن يحبه الله وبغضه لمن يبغضه الله دل ذلك على صحة الإيمان في قلبه ~~لكن قد يقوى ذلك وقد يضعف بما يعارضه من شهوات النفس واهوائها الذى يظهر في ~~بذل المال الذى هو مادة النفس فإذا كان حبه لله وعطاؤه لله ومنعه لله دل ~~على كمال الإيمان باطنا وظاهرا # واصل الشرك في المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا إنما هو إتخاذ ~~أنداد يحبونهم كحب الله كما قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله ( ومن كان حبه لله وبغضه لله لا يحب إلا لله ولا ~~يبغض إلا لله ولا يعطى إلا لله ولا يمنع إلا لله فهذه حال السابقين من ~~أولياء الله كما روى البخارى PageV10P754 في صحيحه عن أبى هريرة عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يقول الله من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب ~~وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما إفترضته عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ~~ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى ~~يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن إستعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ( ~~فهؤلاء الذين أحبوا الله محبة كاملة تقربوا بما يحبه من النوافل ms3314 بعد تقربهم ~~بما يحبه من الفرائض أحبهم الله محبة كاملة حتى بلغوا ما بلغوه وصار أحدهم ~~يدرك بالله ويتحرك بالله بحيث أن الله يجيب مسألته ويعيذه مما إستعاذ منه # وقد ذم في كتابه من أحب أندادا من دونه قال تعالى ( وإشربوا في قلوبهم ~~العجل بكفرهم ( وذم من إتخذ الهه هواه وهو أن يتأله ما يهواه ويحبه وهذا قد ~~يكون فعل القلب فقط وقد مدح تعالى وذم في كتابه في غير موضع على المحبة ~~والإرادة والبغض والسخط والفرح والغم ونحو ذلك من أفعال القلوب كقوله ( ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ( وقوله ( كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ~~PageV10P755 وقوله ( يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ( # وقوله ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ( وقوله ( وإذا ~~ذكر الله وحده إشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه ~~إذا هم يستبشرون ( وقوله ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ( وقوله ( ود ~~كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ( ~~وقوله ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من ~~خير من ربكم ( وقوله ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ( # وقوله ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ( وقوله ( ذلك ~~بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط أعمالهم ( وقوله ( وإذا ما أنزلت سورة ~~فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ( الآية وقوله ( والذين آتيناهم ~~الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه ( وقوله ( قل بفضل ~~الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ( # وقال ( إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب PageV10P756 الفرحين ( ~~وقال ( ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ( وقال ( ~~إن الله لا يحب كل مختال فخور ( وقال ( وإذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح ~~بها ( وقال ( ولئن أذقنا الإنسان ms3315 منا رحمة ثم نزعناها منه أنه ليؤوس كفور ~~ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى أنه لفرح فخور إلا ~~الذين صبروا وعملوا الصالحات ( وقال ( وتحبون المال حبا جما ( وقال ( إن ~~الإنسان لربه لكنود وأنه على ذلك لشهيد وأنه لحب الخير لشديد ( وقال ( ولا ~~تيأسوا من روح الله أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ( وقال ( ~~ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون وقال ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ( وقال ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما ~~بورا ( وقال ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ( وقال ( ومن شر ~~حاسد إذا حسد ( وقال ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ( وقال ( لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من ~~افواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم ~~اولاء تحبونهم ولا يحبونكم ( وقال ( إن PageV10P757 يسألكموها فيحفكم ~~تبخلوا ويخرج أضغانكم ( وقال ( إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ( ~~وقال ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ( وقال ( فيطمع الذى في قلبه مرض ( ~~وقال ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ( وقال ) ( أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم ( وقال ( قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين # ( ومثل هذا كثير في كتاب الله وسنة رسوله وإتفاق المؤمنين يحمد ويذم على ~~ما شاء الله من مساعى القلوب واعمالها مثل قوله في الحديث الصحيح المتفق ~~عليه لا تباغضوا ولا تحاسدوا وقوله ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ~~ما يحب لنفسه ( وقوله ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل ~~الجسد الواحد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ( وقوله ~~( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ( و ( لا يدخل النار من في ~~قلبه مثقال ذرة من ms3316 الإيمان ( وقوله ( لا تسموا العنب الكرم وإنما الكرم قلب ~~المؤمن ( وأمثال هذا كثير # بل قول القلب وعمله هو الأصل مثل تصديقه وتكذيبه وحبه وبغضه من ذلك ما ~~يحصل به مدح وذم وثواب وعقاب بدون فعل الجوارح الظاهرة ومنه ما لا يقترن به ~~ذلك إلا مع الفعل بالجوارح الظاهرة PageV10P758 إذا كانت مقدورة وأما ما ~~ترك فيه فعل الجوارح الظاهرة للعجز عنه فهذا حكم صاحبه حكم الفاعل فأقوال ~~القلب وأفعاله ثلاثة اقسام # ( أحدها ( ما هو حسنة وسيئة بنفسه # و ( ثانيها ( ما ليس سيئة بنفسه حتى يفعل وهو السيئة المقدورة كما تقدم # و ( ثالثها ( ما هو مع العجز كالحسنة والسيئة المفعولة وليس هو مع القدرة ~~كالحسنة والسيئة المفعولة كما تقدم # ( فالقسم الأول ( هو ما يتعلق بأصول الإيمان من التصديق والتكذيب والحب ~~والبغض وتوابع ذلك فإن هذه الأمور يحصل فيها الثواب والعقاب وعلو الدرجات ~~وأسفل الدركات بما يكون في القلوب من هذه الأمور وإن لم يظهر على الجوارح ~~بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال الصالحة وإنما عقابهم ~~وكونهم في الدرك الأسفل من النار على ما في قلوبهم من الأمراض وإن كان ذلك ~~قد يقترن به احيانا بغض القول والفعل لكن ليست العقوبة مقصورة على ذلك ~~البغض اليسير وإنما ذلك البغض دلالة كما قال تعالى ( ولو PageV10P759 نشاء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ( فأخبر أنهم لا بد أن ~~يعرفوا في لحن القول # وأما ( القسم الثانى ( و ( الثالث ( فمظنة الأفعال التى لا تنافى أصول ~~الإيمان مثل المعاصي الطبعية مثل الزنى والسرقة وشرب الخمر كما ثبت في ~~الصحاح عن النبى انه قال ( من مات يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر ( وكما شهد النبى صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح للرجل الذي كان يكثر شرب الخمر وكان يجلده كلما ~~جيء به فلعنه رجل فقال ( لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ( وفى رواية قال ~~بعضهم ( أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به في شرب ms3317 الخمر فقال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( لا تكونوا أعوانا للشيطان على اخيكم ( وهذا في صحيح البخارى من ~~حديث أبى هريرة # ولهذا قال ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو ~~تعمل به ( والعفو عن حديث النفس إنما وقع لأمة محمد المؤمنين بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فعلم أن هذا العفو هو فيما يكون من ~~الأمور التى لا تقدح في الإيمان فأما ما نافى الإيمان فذلك لا يتناوله لفظ ~~الحديث لأنه إذا نافى الإيمان لم يكن صاحبه من PageV10P760 أمة محمد في ~~الحقيقة ويكون بمنزلة المنافقين فلا يجب أن يعفى عما في نفسه من كلامه أو ~~عمله وهذا فرق بين يدل عليه الحديث وبه تأتلف الأدلة الشرعية وهذا كما عفا ~~الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة فمن صح ~~إيمانه عفى له عن الخطأ والنسيان وحديث النفس كما يخرجون من النار بخلاف من ~~ليس معه الإيمان فإن هذا لم تدل النصوص على ترك مؤاخذته بما في نفسه وخطئه ~~ونسيانه ولهذا جاء ( نية المؤمن خير من عمله ( هذا الأثر رواه أبو الشيخ ~~الأصبهانى في ( كتاب الأمثال ( من مراسيل ثابت البنانى وقد ذكره بن القيم ~~في النية من طرق عن النبى ثم ضعفها فالله أعلم # فإن النية يثاب عليها المؤمن بمجردها وتجرى مجرى العمل إذا لم يمنع من ~~العمل بها إلا العجز ويمكنه ذلك في عامة أفعال الخير وأما عمل البدن فهو ~~مقيد بالقدرة وذلك لا يكون إلا قليلا ولهذا قال بعض السلف قوة المؤمن في ~~قلبه وضعفه في بدنه وقوة المنافق في بدنه وضعفه في قلبه # وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى ( وإن تبدوا ما في أنفسكم PageV10P761 ~~أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ( الآية وهذه الآية ~~وإن كان قد قال طائف من السلف أنها منسوخة كما روى البخارى في صحيحه عن ~~مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وهو إبن عمر أنها ms3318 ~~نسخت فالنسخ في لسان السلف أعم مما هو في لسان المتأخرين يريدون به رفع ~~الدلالة مطلقا وإن كان تخصيصا للعام أو تقييدا للمطلق وغير ذلك كما هو ~~معروف في عرفهم وقد أنكر آخرون نسخها لعدم دليل ذلك وزعم قوم ان ذلك خبر ~~والخبر لا ينسخ ورد آخرون بأن هذا خبر عن حكم شرعى كالخبر الذى بمعنى الأمر ~~والنهى # والقائلون بنسخها يجعلون الناسخ لها الآية التى بعدها وهى قوله ( لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها ( كما روى مسلم في صحيحه من حديث أنس في هذه الآية ~~فيكون المرفوع عنهم ما فسرت به الأحاديث وهو ما هموا به وحدثوا به أنفسهم ~~من الأمور المقدورة ما لم يتكلموا به أو يعملوا به ورفع عنهم الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه كما روى إبن ماجه وغيره بإسناد حسن ( إن الله ~~تجاوز لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ( # و ( حقيقة الأمر ( أن قوله سبحانه ( إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ( لم ~~يدل على المؤاخذة بذلك بل دل على المحاسبة به ولا PageV10P762 يلزم من كونه ~~يحاسب أن يعاقب ولهذا قال ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ( لا يستلزم أنه ~~قد يغفر ويعذب بلا سبب ولا ترتيب ولا أنه يغفر كل شيء أو يعذب على كل شيء ~~مع العلم بأنه لا يعذب المؤمنين وأنه لا يغفر أن يشرك به إلا مع التوبة ~~ونحو ذلك والأصل ان يفرق بين ما كان مجامعا لأصل الإيمان وما كان منافيا له ~~ويفرق أيضا بين ما كان مقدورا عليه فلم يفعل وبين ما لم يترك إلا للعجز عنه ~~فهذان الفرقان هما فصل في هذه المواضيع المشتبهة وقد ظهر بهذا التفصيل أن ~~أصل النزاع في ( المسألة ( إنما وقع لكونهم رأوا عزما جازما لا يقترن به ~~فعل قط وهذا لا يكون إلا إذا كان الفعل مقارنا للعزم وإن كان العجز مقارنا ~~للإرادة إمتنع وجود المراد لكن لا تكون تلك إرادة جازمة فإن الإرادة ~~الجازمة لما هو عاجز عنه ممتنعة أيضا فمع الإرادة الجازمة ms3319 يوجد ما يقدر ~~عليه من مقدمات الفعل ولوازمه وإن لم يوجد الفعل نفسه # والإنسان يجد من نفسه إن مع قدرته على الفعل يقوى طلبه والطمع فيه ~~وإرادته ومع العجز عنه يضعف ذلك الطمع وهو لا يعجز عما يقوله ويفعله [ على ~~] السواء ولا عما يظهر على صفحات وجهه PageV10P763 وفلتات لسانه مثل بسط ~~الوجه وتعبسه وإقباله على الشيء والإعراض عنه وهذه ما يشبهها من أعمال ~~الجوارح التى يترتب عليها الذم والعقاب كما يترتب عليها الحمد والثواب # وبعض الناس يقدر عزما جازما لا يقترن به فعل قط وهذا لا يكون إلا لعجز ~~يحدث بعد ذلك من موت أو غيره فسموا التصميم على الفعل في المستقبل عزما ~~جازما ولا نزاع في إطلاق الألفاظ فإن من الناس من يفرق بين العزم والقصد ~~فيقول ما قارن الفعل فهو قصد وما كان قبله فهو عزم ومنهم من يجعل الجميع ~~سواء وقد تنازعوا هل تسمى إرادة الله لما يفعله في المستقبل [ عزما ] وهو ~~نزاع لفظى لكن ما عزم الإنسان عليه أن يفعله في المستقبل فلا بد حين فعله ~~من تجدد إرادة غير العزم المتقدم وهى الإرادة المستلزمة لوجود الفعل مع ~~القدرة وتنازعوا ايضا هل يجب وجود الفعل مع القدرة والداعى وقد ذكروا أيضا ~~في ذلك قولان # والأظهر ان القدرة مع الداعى التام تستلزم وجود المقدور والإرادة مع ~~القدرة تستلزم وجود المراد والمتنازعون في هذه أراد أحدهم إثبات العقاب ~~مطلقا على كل عزم على فعل مستقبل وإن لم يقترن به فعل وأراد الآخر رفع ~~العقاب PageV10P764 مطلقا عن كل ما في النفس من الإرادات الجازمة ونحوها مع ~~ظن الإثنين أن ذلك الواحد لم يظهر بقول ولا عمل وكل من هذين إنحراف عن ~~الوسط # فإذا عرف أن الإرادة الجازمة لا يتخلف عنها الفعل مع القدرة إلا لعجز ~~يجرى صاحبها مجرى الفاعل التام في الثواب والعقاب وأما إذا تخلف عنها ما ~~يقدر عليها فذلك المتخلف لا يكون مرادا إرادة جازمة بل هو الهم الذى وقع ~~العفو عنه وبه إئتلفت النصوص والأصول # ثم ms3320 هنا ( مسائل كثيرة ( فيما يجتمع في القلب من الإرادات المتعارضة ~~كالإعتقادات المتعارضة وإرادة الشيء وضده مثل شهوة النفس للمعصية وبغض ~~القلب لها ومثل حديث النفس الذى يتضمن الكفر إذا قارنه بعض ذلك والتعوذ منه ~~كما شكا أصحاب رسول الله إليه فقالوا أن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق ~~حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به فقال أو ~~قد وجدتموه فقالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان ( رواه مسلم من حديث إبن مسعود ~~وابى هريرة وفيه ( الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة ( وحين كتبت هذا ~~الجواب لم يكن عندى من الكتب ما يستعان PageV10P765 به على الجواب فإن له ~~موارد واسعة فهنا لما إقترن بالوسواس هذا البغض وهذه الكراهة كان هو صريح ~~الإيمان وهو خالصه ومحضه لأن المنافق والكافر لا يجد هذا البغض وهذه ~~الكراهة مع الوسوسة بذلك بل إن كان في الكفر البسيط وهو الإعراض عما جاء به ~~الرسول وترك الإيمان به وإن لم يعتقد تكذيبه فهذا قد لا يوسوس له الشيطان ~~بذلك إذ الوسوسة بالمعارض المنافى للإيمان إنما يحتاج إليها عند وجود ~~مقتضيه فإذا لم يكن معه ما يقتضي الإيمان لم يحتج إلى معارض يدفعه وإن كان ~~في الكفر المركب وهو التكذيب فالكفر فوق الوسوسة وليس معه إيمان يكره به ~~ذلك # ولهذا لما كانت هذه الوسوسة عارضة لعامة المؤمنين كما قال تعالى ( أنزل ~~من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فإحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون ~~عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) الآيات فضرب الله المثل لما ~~ينزله من الإيمان والقرآن بالماء الذى ينزل في أودية الأرض وجعل القلوب ~~كالأودية منها الكبير ومنها الصغير كما في الصحيحين عن أبى موسى عن النبى ~~أنه قال ( مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت ~~منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت ~~الماء فسقى الناس وشربوا وكانت منها طائفة إنما هي PageV10P766 قيعان ms3321 لا ~~تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثنى ~~به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى ~~أرسلت به ( فهذا أحد المثلين # و ( المثل الآخر ( ما يوقد عليه لطلب الحلية والمتاع من معادن الذهب ~~والفضة والحديد ونحوه وأخبر ان السيل يحتمل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في ~~النار زبد مثله ثم قال ( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ( الرابى ~~على الماء وعلى الموقد عليه فهو نظير ما يقع في قلوب المؤمنين من الشك ~~والشبهات في العقائد والأرادات الفاسدة كما شكاه الصحابة إلى النبى قال ~~تعالى ( فيذهب جفاء ( يجفوه القلب فيرميه ويقذفه كما يقذف الماء الزبد ~~ويجفوه ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ( وهو مثل ما ثبت في القلوب من ~~اليقين والإيمان كما قال تعالى ( ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ( الآية إلى ~~قوله ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة ~~ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ( # فكل ما وقع في قلب المؤمن من خواطر الكفر والنفاق فكرهه وألقاه ازداد ~~إيمانا ويقينا كما أن كل من حدثته نفسه بذنب فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله ~~ازداد صلاحا وبرا وتقوى PageV10P767 وأما المنافق فإذا وقعت له الأهواء ~~والآراء المتعلقة بالنفاق لم يكرهها ولم ينفها فإنه قد وجدت منه سيئه الكفر ~~من غير حسنة إيمانية تدفعها أو تنفيها والقلوب يعرض لها الإيمان والنفاق ~~فتارة يغلب هذا وتارة يغلب هذا # وقوله ( إن الله تجاوز لأمتى عما وسوست أو حدثت به انفسها ( كما في بعض ~~ألفاظه في الصحيح هو مقيد بالتجاوز للمؤمنين دون من كان مسلما في الظاهر ~~وهو منافق في الباطن وهم كثيرون في المتظاهرين بالإسلام قديما وحديثا وهم ~~في هذه الأزمان المتأخرة في بعض الأماكن أكثر منهم في حال ظهور الإيمان في ~~أول الأمر فمن أظهر الإيمان وكان صادقا مجتنبا ما يضاده أو يضعفه يتجاوز له ~~عما يمكنه التكلم به والعمل به دون ms3322 ما ليس كذلك كما دل عليه لفظ الحديث # فالقسمان اللذان بينا أن العبد يثاب فيهما ويعاقب على أعمال القلوب خارجة ~~من هذا الحديث وكذلك قوله ( من هم بحسنة ( و ( من هم بسيئة ( إنما هو في ~~المؤمن الذى يهم بسيئة أو حسنة يمكنه فعلها فربما فعلها وربما تركها لأنه ~~أخبر أن الحسنة تضاعف بسبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة PageV10P768 وهذا إنما ~~هو لمن يفعل الحسنات لله كما قال تعالى ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله ( و ( وإبتغاء مرضاة الله ( و ( إبتغاء وجه ربه ( وهذا للمؤمنين فإن ~~الكافر وإن كان الله يطعمه بحسناته في الدنيا وقد يخفف عنه بها في الآخرة ~~كما خفف عن أبى طالب لإحسانه إلى النبى وبشفاعة النبى فلم يوعد لكافر على ~~حسناته بهذا التضعيف وقد جاء ذلك مقيدا في حديث آخر أنه في المسلم الذى هو ~~حسن الإسلام والله سبحانه أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا ~~محمد وآله وصحبه وسلم PageV10P769 ### | 1 ( كتاب التصوف ) ### || 1 ( قاعدة في الصوفية والفقراء ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم ( الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى ~~بعده ### |||| ! 8 < ( سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه ( # عن ( الصوفية ( وانهم أقسام ~~( والفقراء ( أقسام فما صفة كل قسم وما يجب عليه ويستحب له ان يسلكه ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما لفظ ( الصوفية ( فانه لم يكن مشهورا في القرون ~~الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من ~~الأئمة والشيوخ كالامام أحمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما وقد روى ~~عن سفيان الثورى أنه تكلم به وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى # وتنازعوا في ( المعنى الذى PageV11P005 أضيف إليه الصوفي فانه من أسماء ~~النسب كالقرشى والمدنى وأمثال ذلك فقيل أنه نسبة إلى ( أهل الصفة ( وهو غلط ~~لأنه لو كان كذلك لقيل صفى وقيل نسبة إلى الصف المقدم بين يدى الله وهو ~~أيضا غلط فانه لو كان كذلك لقيل صفى وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله وهو ~~غلط لأنه لو ms3323 كان كذلك لقيل صفوى وقيل نسبة إلى صوفة بن بشر بن أد بن طابخة ~~قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم ينسب إليهم النساك وهذا ~~وإن كان موافقا للنسب من جهة اللفظ فانه ضعيف أيضا لأن هؤلاء غير مشهورين ~~ولا معروفين عند أكثر النساك ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب ~~في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى ولأن غالب من تكلم باسم ( الصوفى ( ~~لا يعرف هذه القبيلة ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة في الجاهلية لا وجود ~~لها في الاسلام # وقيل وهو المعروف أنه نسبة إلى لبس الصوف فانه أول ما ظهرت الصوفية من ~~البصرة وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد وعبد الواحد ~~من أصحاب الحسن وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ~~ذلك PageV11P006 ما لم يكن في سائر أهل الامصار ولهذا كان يقال فقه كوفى ~~وعبادة بصرية وقد روى أبو الشيخ الاصبهانى باسناده عن محمد بن سيرين أنه ~~بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف فقال أن قوما يتخيرون الصوف يقولون أنهم ~~متشبهون بالمسيح بن مريم وهدى نبينا أحب الينا وكان النبى يلبس القطن وغيره ~~أو كلاما نحوا من هذا # ولهذا غالب ما يحكى من المبالغة في هذا الباب إنما هو عن عباد أهل البصرة ~~مثل حكاية من مات أو غشى عليه في سماع القرآن ونحوه كقصة زرارة بن أوفى ~~قاضى البصرة فانه قرأ في صلاة الفجر ( فإذا نقر في الناقور ) فخر ميتا ~~وكقصة ابى جهير الأعمى الذى قرأ عليه صالح المرى فمات وكذلك غيره ممن روى ~~أنهم ماتوا باستماع قراءته وكان فيهم طوائف يصعقون عند سماع القرآن ولم يكن ~~في الصحابة من هذا حاله فلما ظهر ذلك أنكر ذلك طائفة من الصحابة والتابعين ~~كأسماء بنت ابى بكر وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم # والمنكرون لهم مأخذان منهم من ظن ذلك تكلفا وتصنعا يذكر عن محمد بن سيرين ~~انه قال ما بيننا وبين هؤلاء الذين ms3324 يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على ~~PageV11P007 احدهم وهو على حائط فان خر فهو صادق ومنهم من انكر ذلك لأنه ~~رآه بدعة مخالفا لما عرف من هدى الصحابة كما نقل عن اسماء وابنها عبد الله # والذي عليه جمهور العلماء ان الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ~~ينكر عليه وان كان حال الثابت أكمل منه ولهذا لما سئل الامام أحمد عن هذا ~~فقال قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشى عليه ولو قدر أحد أن يدفع ~~هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد فما رأيت أعقل منه ونحو هذا وقد نقل عن ~~الشافعى أنه اصابه ذلك وعلى بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة وبالجملة فهذا ~~كثير ممن لا يستراب في صدقه لكن الأحوال التى كانت في الصحابة هي المذكورة ~~في القرآن وهي وجل القلوب ودموع العين واقشعرار الجلود كما قال تعالى @QB@ ~~إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون @QE@ وقال تعالى @QB@ الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ وقال تعالى @QB@ إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا @QE@ وقال @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق @QE@ PageV11P008 # وقال @QB@ ويخرون ~~للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا @QE@ وقد يذم حال هؤلاء من فيه من قسوة القلوب ~~والرين عليها والجفاء عن الدين ما هو مذموم وقد فعلوا ومنهم من يظن أن ~~حالهم هذا أكمل الأحوال واتمها واعلاها وكلا طرفى هذه الامور ذميم # بل المراتب ثلاث ( احدها ) حال الظالم لنفسه الذى هو قاسى القلب لا يلين ~~للسماع والذكر وهؤلاء فيهم شبه من اليهود قال الله تعالى @QB@ ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ~~وما الله بغافل عما تعملون @QE@ وقال ms3325 تعالى @QB@ ألم يأن للذين آمنوا أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من ~~قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون @QE@ و ( الثانية ( ~~حال المؤمن التقى الذى فيه ضعف عن حمل ما يرد على قلبه فهذا الذى يصعق صعق ~~موت أو صعق غشى فان ذلك PageV11P009 إنما يكون لقوة الوارد وضعف القلب عن ~~حمله وقد يوجد مثل هذا في من يفرح أو يخاف أو يحزن أو يحب امورا دنيوية ~~يقتله ذلك أو يمرضه أو يذهب بعقله ومن عباد الصور من امرضه العشق أو قتله ~~أو جننه وكذلك في غيره ولا يكون هذا إلا لمن ورد عليه امر ضعفت نفسه عن ~~دفعه بمنزلة ما يرد على البدن من الاسباب التى تمرضه أو تقتله أو كان احدهم ~~مغلوبا على ذلك فإذا كان لم يصدر منه تفريط ولا عدوان لم يكن فيه ذنب فيما ~~اصابه فلا وجه للريبة كمن سمع القرآن السماع الشرعى ولم يفرط بترك ما يوجب ~~له ذلك # وكذلك ما يرد على القلوب مما يسمونه السكر والفناء ونحو ذلك من الامور ~~التى تغيب العقل بغير اختيار صاحبها فانه إذا لم يكن السبب محظورا لم يكن ~~السكران مذموما بل معذورا فان السكران بلا تمييز وكذلك قد يحصل ذلك بتناول ~~السكر من الخمر والحشيشة فانه يحرم بلا نزاع بين المسلمين ومن استحل السكر ~~من هذه الأمور فهو كافر وقد يحصل بسبب محبة الصور وعشقها كما قيل # سكران ~~سكر هوى وسكر مدامة %~% ومتى إفاقة من به سكران PageV11P010 # وهذا مذموم لأن ~~سببه محظور وقد يحصل بسبب سماع الأصوات المطربة التى تورث مثل هذا السكر ~~وهذا أيضا مذموم فانه ليس للرجل أن يسمع من الأصوات التى لم يؤمر بسماعها ~~ما يزيل عقله إذ إزالة العقل محرم ومتى افضى إليه سبب غير شرعى كان محرما ~~وما يحصل في ضمن ذلك من لذة قلبية أو روحية ولو بأمور فيها نوع من الايمان ~~فهي مغمورة بما يحصل معها من زوال العقل ولم ms3326 يأذن لنا الله ان نمتع قلوبنا ~~ولا أرواحنا من لذات الايمان ولا غيرها بما يوجب زوال عقولنا بخلاف من زال ~~عقله بسبب مشروع أو بأمر صادفه لا حيلة له في دفعه وقد يحصل السكر بسبب لا ~~فعل للعبد فيه كسماع لم يقصده يهيج قاطنه ويحرك ساكنه ونحو ذلك وهذا لاملام ~~عليه فيه وما صدر عنه في حال زوال عقله فهو فيه معذور لأن القلم مرفوع عن ~~كل من زال عقله بسبب غير محرم كالمغمى عليه والمجنون ونحوهما ومن زال عقله ~~بالخمر فهل هو مكلف حال زوال عقله فيه قولان مشهوران وفى طلاق من هذه حاله ~~نزاع مشهور # ومن زال عقله بالبنج يلحق به كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعى واحمد ~~وقيل يفرق بينه وبين الخمر لأن هذا يشتهى وهذا لا يشتهى ولهذا PageV11P011 ~~أوجب الحد في هذا دون هذا وهذا هو المنصوص عن أحمد ومذهب أبى حنيفة ومن ~~هؤلاء من يقوى عليه الوارد حتى يصير مجنونا إما بسبب خلط يغلب عليه واما ~~بغير ذلك ومن هؤلاء عقلاء المجانين الذين يعدون في النساك وقد يسمون ~~المولهين قال فيهم بعض العلماء هؤلاء قوم اعطاهم الله عقولا واحوالا فسلب ~~عقولهم وأسقط ما فرض بما سلب فهذه الاحوال التى يقترن بها الغشى أو الموت ~~أو الجنون أو السكر أو الفناء حتى لا يشعر بنفسه ونحو ذلك إذا كانت اسبابها ~~مشروعة وصاحبها صادقا عاجزا عن دفعها كان محمودا على ما فعله من الخير وما ~~ناله من الايمان معذورا فيما عجز عنه واصابه بغير اختياره وهم اكمل ممن لم ~~يبلغ منزلتهم لنقص إيمانهم وقسوة قلوبهم ونحو ذلك من الأسباب التى تتضمن ~~ترك ما يحبه الله أو فعل ما يكرهه الله ولكن من لم يزل عقله مع انه قد حصل ~~له من الايمان ما حصل لهم أو مثله أو اكمل منه فهو افضل منهم # وهذه حال الصحابة رضى الله عنهم وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم فانه ~~اسرى به إلى السماء واراه الله ما اراه واصبح ms3327 كبائت لم يتغير عليه حاله ~~فحاله أفضل من PageV11P012 حال موسى الذى خر صعقا لما تجلى ربه للجبل وحال ~~موسى حال جليلة علية فاضلة لكن حال محمد أكمل واعلا وأفضل # والمقصود أن هذه الأمور التى فيها زيادة في العبادة والاحوال خرجت من ~~البصرة وذلك لشدة الخوف فان الذى يذكرونه من خوف عتبة الغلام وعطاء السليمى ~~وامثالهما امر عظيم ولا ريب ان حالهم أكمل وأفضل ممن لم يكن عنده من خشية ~~الله ما قابلهم أو تفضل عليهم ومن خاف الله خوفا مقتصدا يدعوه إلى فعل ما ~~يحبه الله وترك ما يكرهه الله من غير هذه الزيادة فحاله أكمل وأفضل من حال ~~هؤلاء وهو حال الصحابة رضى الله عنهم وقد روى ان عطاء السليمى رضى الله عنه ~~رؤى بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال قال لى يا عطاء اما استحيت منى ~~أن تخافني كل هذا اما بلغك أنى غفور رحيم # وكذلك ما يذكر عن أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة ~~وأمثال ذلك قد ينقل فيها من الزيادة على حال الصحابة رضى الله عنهم وعلى ما ~~سنه الرسول أمور توجب ان يصير الناس طرفين # قوم يذمون هؤلاء وينتقصونهم وربما اسرفوا في ذلك PageV11P013 وقوم يغلون ~~فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق واعلاها والتحقيق انهم في هذه ~~العبادات والأحوال مجتهدون كما كان جيرانهم من أهل الكوفة مجتهدين في مسائل ~~القضاء والامارة ونحو ذلك وخرج فيهم الرأى الذى فيه من مخالفة السنة ما ~~انكره جمهور الناس وخيار الناس من ( أهل الفقه والرأى ( في أولئك الكوفيين ~~على طرفين # قوم يذمونهم ويسرفون في ذمهم وقوم يغلون في تعظيمهم ويجعلونهم أعلم ~~بالفقه من غيرهم وربما فضلوهم على الصحابة كما أن الغلاة في أولئك العباد ~~قد يفضلونهم على الصحابة وهذا باب يفترق فيه الناس # والصواب للمسلم أن يعلم أن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى ~~الله عليه وسلم وخير القرون القرن الذى بعث فيهم وان أفضل الطرق والسبل إلى ~~الله ما كان ms3328 عليه هو وأصحابه ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله ~~بحسب اجتهادهم ووسعهم كما قال الله تعالى ( فاتقوا الله ما أستطعتم ( وقال ~~PageV11P014 إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ( وقال ( لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها ) وان كثيرا من المؤمنين المتقين اولياء الله قد لا يحصل ~~لهم من كمال العلم والايمان ما حصل للصحابة فيتقى الله ما استطاع ويطيعه ~~بحسب اجتهاده فلابد أن يصدر منه خطأ اما في علومه وأقواله وأما في اعماله ~~واحواله ويثابون على طاعتهم ويغفر لهم خطاياهم فان الله تعالى قال @QB@ آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ~~@QE@ إلى قوله @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ قال الله ~~تعالى قد فعلت فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء أو طريق أحد من العباد ~~والنساك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطئ ضال مبتدع ومن جعل كل مجتهد في طاعة ~~اخطأ في بعض الأمور مذموما معيبا ممقوتا فهو مخطئ ضال مبتدع ثم الناس في ~~الحب والبغض والموالاة # والمعاداة هم أيضا مجتهدون يصيبون تارة ويخطئون تارة وكثير من الناس إذا ~~علم من الرجل ما يحبه أحب الرجل مطلقا وأعرض عن سيئاته وإذا علم منه ما ~~يبغضه أبغضه مطلقا واعرض عن حسناته محاط ( ) وحال من PageV11P015 يقول ~~بالتحافظ ( ) وهذا من اقوال أهل البدع والخوارج والمعتزلة والمرجئة وأهل ~~السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والاجماع وهو ان المؤمن ~~يستحق وعد الله وفضله الثواب على حسناته ويستحق العقاب على سيئاته وإن ~~الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه وما يعاقب عليه وما يحمد عليه وما يذم ~~عليه وما يحب منه وما يبغض منه فهذا هذا # وإذا عرف ان منشأ ( التصوف ( كان من البصرة وأنه كان فيها من يسلك طريق ~~العبادة والزهد مما له فيه اجتهاد كما كان في الكوفة من يسلك من طريق الفقه ~~والعلم ما له فيه اجتهاد ms3329 وهؤلاء نسبوا إلى اللبسة الظاهرة وهى لباس الصوف ~~فقيل في احدهم ( صوفى ( وليس طريقهم مقيدا بلباس الصوف ولا هم اوجبوا ذلك ~~ولا علقوا الأمر به لكن اضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال # ثم ( التصوف ( عندهم له حقائق وأحوال معروفة قد تكلموا في حدوده وسيرته ~~وأخلاقه كقول بعضهم ( الصوفى ( من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر واستوى ~~عنده الذهب والحجر التصوف كتمان المعانى وترك الدعاوى واشباه ذلك وهم ~~يسيرون بالصوفى إلى PageV11P016 معنى الصديق وأفضل الخلق بعد الأنبياء ~~الصديقون كما قال الله تعالى @QB@ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ ولهذا ليس ~~عندهم بعد الأنبياء أفضل من الصوفى لكن هو في الحقيقة نوع من الصديقين فهو ~~الصديق الذى اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذى اجتهدوا فيه فكان الصديق ~~من أهل هذه الطريق كما يقال صديقو العلماء وصديقو الأمراء فهو اخص من ~~الصديق المطلق ودون الصديق الكامل الصديقية من الصحابة والتابعين وتابعيهم ~~فإذا قيل عن أولئك الزهاد والعباد من البصريين أنهم صديقون فهو كما يقال عن ~~أئمة الفقهاء من أهل الكوفة أنهم صديقون أيضا كل بحسب الطريق الذى سلكه من ~~طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده وقد يكونون من أجل الصديقين بحسب زمانهم فهم ~~من أكمل صديقى زمانهم والصديق في العصر الأول أكمل منهم والصديقون درجات ~~وانواع ولهذا يوجد لكل منهم صنف من الأحوال والعبادات حققه واحكمه وغلب ~~عليه وان كان غيره في غير ذلك الصنف أكمل منه وأفضل منه # ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس في ~~طريقهم فطائفة ذمت ( الصوفية والتصوف ( وقالوا أنهم PageV11P017 مبتدعون ~~خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف ~~وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام وطائفة غلت فيهم وادعوا انهم ~~افضل الخلق واكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفى هذه الأمور ذميم # والصواب ( أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ~~ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم ms3330 المقتصد الذى هو من أهل اليمين وفى ~~كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب # ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه وقد انتسب اليهم طوائف من ~~أهل البدع والزندقة ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج ~~مثلا فان أكثر مشايخ الطريق انكروه واخرجوه عن الطريق مثل الجنيد بن محمد ~~سيد الطائفة وغيره كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى في ( طبقات ~~الصوفية ( وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد فهذا أصل التصوف ثم ~~انه بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت PageV11P018 الصوفية ( ثلاثة أصناف ( صوفية ~~الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم فأما ( صوفية الحقائق ( فهم الذين ~~وصفناهم وأما ( صوفية الأرزاق ( فهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانك فلا ~~يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق فان هذا عزيز وأكثر أهل الحقائق ~~لا يتصفون بلزوم الخوانك ولكن يشترط فيم ثلاثة شروط # ( أحدها ) العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم و ( ~~الثانى ) التأدب بآداب أهل الطريق وهى الآداب الشرعية في غالب الأوقات وأما ~~الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها و ( الثالث ( ان لا يكون احدهم ~~متمسكا بفضول الدنيا فاما من كان جماعا للمال أو كان غير متخلق بالأخلاق ~~المحمودة ولا يتأدب بالآداب الشرعية أو كان فاسقا فانه لا يستحق ذلك وأما ( ~~صوفية الرسم ( فهم المقتصرون على النسبة فهمهم في اللباس PageV11P019 ~~والآداب الوضعية ونحو ذلك فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذى يقتصر على زى أهل ~~العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة امره ~~أنه منهم وليس منهم # وأما اسم ( الفقير ( فانه موجود في كتاب الله وسنة رسوله لكن المراد به ~~في الكتاب والسنة الفقير المضاد للغنى كما قال النبى ( ) ( والفقراء والفقر ~~( أنواع فمنه المسوغ لأخذ الزكاة وضده الغنى المانع لأخذ الزكاة كما قال ~~النبى ( لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى مكتسب ( والغنى الموجب للزكاة غير هذا ~~عند جمهور العلماء كمالك والشافعى واحمد وهو ملك النصاب وعندهم قد تجب على ms3331 ~~الرجل الزكاة ويباح له أخذ الزكاة خلافا لأبى حنيفة والله سبحانه قد ذكر ~~الفقراء في مواضع لكن ذكر الله الفقراء المستحقين للزكاة في آية والفقراء ~~المستحقين للفيء في آية فقال في الأولى @QB@ إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم @QE@ إلى قوله @QB@ للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا @QE@ PageV11P020 # وقال في ~~الثانية ( ما افاء الله على رسوله من أهل القرى الآية إلى قوله للفقراء ~~المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) وهؤلاء ( الفقراء ( قد يكون فيهم ~~من هو أفضل من كثير من الأغنياء وقد يكون من الأغنياء من هو أفضل من كثير ~~منهم # وقد تنازع الناس أيما أفضل الفقير الصابر أو الغنى الشاكر والصحيح أن ~~أفضلهما اتقاهما فان استويا في التقوى استويا في الدرجة كما قد بيناه في ~~غير هذا الموضع فان الفقراء يسبقون الاغنياء إلى الجنة ( لأنه ) لا حساب ~~عليهم ثم الأغنياء يحاسبون فمن كانت حسناته أرجح من حسنات فقير كانت درجته ~~في الجنة أعلى وان تأخر عنه في الدخول ومن كانت حسناته دون حسناته كانت ~~درجته دونه لكن لما كان جنس الزهد في الفقراء اغلب صار الفقر في اصطلاح ~~كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد وهو من جنس التصوف فإذا قيل هذا فيه فقر ~~أو ما فيه فقر لم يرد به عدم المال PageV11P021 ولكن يراد به ما يراد باسم ~~الصوفى من المعارف والأحوال والأخلاق والآداب ونحو ذلك # وعلى هذا الاصطلاح قد تنازعوا أيما أفضل الفقير أو الصوفى فذهب طائفة إلى ~~ترجيح الصوفى كأبى جعفر السهروردي ونحوه وذهب طائفة إلى ترجيح الفقير ~~كطوائف كثيرين وربما يختص هؤلاء بالزوايا وهؤلاء بالخوانك ونحو ذلك وأكثر ~~الناس قد رجحوا الفقير والتحقيق أن أفضلهما اتقاهما فان كان الصوفى اتقى ~~لله كان أفضل منه وهو أن يكون أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا ms3332 يحبه فهو ~~أفضل من الفقير وان كان الفقير أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا يحبه كان ~~أفضل منه فان استويا في فعل المحبوب وترك غير المحبوب استويا في الدرجة و ( ~~أولياء الله ( هم المؤمنون المتقون سواء سمى أحدهم فقيرا أو صوفيا أو فقيها ~~أو عالما أو تاجرا أو جنديا أو صانعا أو أميرا أو حاكما أو غير ذلك # قال الله تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ PageV11P022 وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة ~~عن النبى قال ( يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما ~~تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل ~~حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى ~~يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن ~~سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن ~~قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه ( وهذا الحديث ~~قد بين فيه أولياء الله المقتصدين أصحاب اليمين والمقربين السابقين # فالصنف الأول الذين تقربوا إلى الله بالفرائض والصنف الثانى الذى تقربوا ~~إليه بالنوافل بعد الفرائض وهم الذين لم يزالوا يتقربون إليه بالنوافل حتى ~~احبهم كما قال تعالى وهذان الصنفان قد ذكرهم الله في غير موضع من كتابه كما ~~قال @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات @QE@ وكما قال الله تعالى @QB@ إن الأبرار لفي ~~نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ~~ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها ~~المقربون @QE@ قال بن عباس يشرب PageV11P023 بها المقربون صرفا وتمزج ~~لأصحاب اليمين مزجا وقال تعالى @QB@ ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا ~~عينا فيها تسمى سلسبيلا @QE@ وقال تعالى @QB@ فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون ms3333 السابقون أولئك ~~المقربون @QE@ وقال تعالى @QB@ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة ~~نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين @QE@ وهذا ~~الجواب فيه جمل تحتاج إلى تفصيل طويل لم يتسع له هذا الموضع والله أعلم ~~PageV11P024 ### || 1 ( مسأله في الفقر والتصوف ) 1 ### |||| ( وسئل # ( ما تقول الفقهاء رضى الله عنهم في رجل يقول ان الفقر لم نتعبد ~~به ولم نؤمر به ولا جسم له ولا معنى وأنه غير سبيل موصل إلى رضا الله تعالى ~~وإلى رضا رسوله وإنما تعبدنا بمتابعة أمر الله واجتناب نهيه من كتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وان اصل كل شيء العلم والتعبد به والعمل به ~~والتقوى والورع عن المحارم ( والفقر ( المسمى على لسان الطائفة والأكابر هو ~~الزهد في الدنيا والزهد في الدنيا يفيده العلم الشرعى فيكون الزهد في ~~الدنيا العمل بالعلم وهذا هو الفقر فإذا الفقر فرع من فروع العلم والأمر ~~على هذا وما ثم طريق أو صل من العلم والعمل بالعلم على ما صح وثبت عن النبى ~~ويقول ان الفقر المسمى المعروف عند أكثر أهل الزى المشروع في هذه الاعصار ~~من الزى والألفاظ والاصطلاحات المعتادة غير مرضى لله ولا لرسوله فهل الأمر ~~كما قال أو غير ذلك افتونا مأجورين PageV11P025 ### ||||| فأجاب الشيخ تقى الدين بن تيمية رضى الله عنه # الحمد لله أصل هذه ( المسألة ( ان الألفاظ التى جاء بها الكتاب والسنة ~~علينا ان نتبع ما دلت عليه مثل لفظ الايمان والبر والتقوى والصدق والعدل ~~والاحسان والصبر والشكر والتوكل والخوف والرجاء والحب لله والطاعة لله ~~وللرسول وبر الوالدين والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه الله ~~ورسوله من القلب والبدن فهذه الأمور التى يحبها الله ورسوله هي الطريق ~~الموصل إلى الله مع ترك ما نهى الله عنه ورسوله كالكفر والنفاق والكذب ~~والاثم والعدوان والظلم والجزع والهلع والشرك والبخل والجبن وقسوة القلب ~~والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك فعلى كل مسلم ان ينظر فيما أمر الله به ~~ورسوله فيفعله وما نهى ms3334 الله عنه ورسوله فيتركه هذا هو طريق الله وسبيله ~~ودينه الصراط المستقيم صراط الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين # وهذا ( الصراط المستقيم ( يشتمل على علم وعمل علم شرعى وعمل شرعى فمن علم ~~ولم يعمل بعلمه كان فاجرا ومن عمل بغير علم كان ضالا وقد امرنا الله سبحانه ~~ان نقول ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين ( قال النبى ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى PageV11P026 ضالون ~~وذلك ان اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به والنصارى عبدوا الله بغير علم # ولهذا كان السلف يقولون احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فان ~~فتنتهما فتنة لكل مفتون وكانوا يقولون من فسد من العلماء ففيه شبه من ~~اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى فمن دعا إلى العلم دون العمل ~~المأمور به كان مضلا ومن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلا واضل منهما من ~~سلك في العلم طريق أهل البدع فيتبع امورا تخالف الكتاب والسنة يظنها علوما ~~وهى جهالات وكذلك من سلك في العبادة طريق أهل البدع فيعمل أعمالا تخالف ~~الأعمال المشروعة يظنها عبادات وهي ضلالات فهذا وهذا كثير في المنحرف ~~المنتسب إلى فقه أو فقر يجتمع فيه انه يدعو إلى العلم دون العمل والعمل دون ~~العلم ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة وطريق الله لا تتم إلا ~~بعلم وعمل يكون كلاهما موافقا الشريعة فالسالك طريق ( الفقر والتصوف والزهد ~~والعبادة ( ان لم يسلك بعلم يوافق الشريعة والا كان ضالا عن الطريق وكان ما ~~يفسده اكثر مما يصلحه والسالك من ( الفقه والعلم والنظر والكلام ( ان لم ~~يتابع الشريعة ويعمل بعلمه والا كان فاجرا ضالا عن الطريق فهذا هو ~~PageV11P027 الأصل الذى يجب اعتماده 2 على كل مسلم وأما التعصب لأمر من ~~الامور بلا هدى من الله فهو من عمل الجاهلية @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله @QE@ # ولا ريب ان لفظ ( الفقر ( في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم لم يكونوا يريدون به نفس ms3335 طريق الله وفعل ما أمر به وترك ما نهى ~~عنه والأخلاق المحمودة ولا نحو ذلك بل الفقر عندهم ضد الغنى و ( الفقراء ( ~~هم الذين ذكرهم الله في قوله ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ( وفى قوله ~~( للفقراء الذين احصروا في سبيل الله ( وفى قوله ( للفقراء المهاجرين الذين ~~اخرجوا من ديارهم وأموالهم ) و ( الغنى ( هو الذى لا يحل له اخذ الزكاة أو ~~الذى تجب عليه الزكاة أو ما يشبه ذلك لكن لما كان الفقر مظنة الزهد طوعا أو ~~كرها إذ من العصمة ان لا تقدر وصار المتأخرون كثيرا ما يقرنون بالفقر معنى ~~الزهد والزهد قد يكون مع الغنى وقد يكون مع الفقر ففى الأنبياء والسابقين ~~الأولين ممن هو زاهد مع غناه كثير # و ( الزهد ( المشروع ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة وأما كل ما يستعين ~~به العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع PageV11P028 بل ترك ~~الفضول التى تشغل عن طاعة الله ورسوله هو المشروع # وكذلك في اثناء المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ ( الصوفى ( لان ~~لبس الصوف يكثر في الزهاد ومن قال ان الصوفى نسبة إلى الصفة أو الصفا أو ~~الصف الأول أو صوفة بن بشر بن اد بن طابخة أو صوفة القفا فهؤلاء أكفر من ~~اليهود والنصارى لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض ~~بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض ~~الأبرار وبين بعض الفجار ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه فيكون ~~ناقص الايمان بحسب ما سوى بين الابرار والفجار ويكون معه من الايمان بدين ~~الله تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين أوليائه واعدائه # ومن أقر بالامر والنهى الدينيين دون القضاء والقدر وكان من القدرية ~~كالمعتزلة ونحوهم الذين هم مجوس هذه الامة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك ~~يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو ~~من اتباع ابليس الذى اعترض على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه ms3336 فهذا ~~التقسيم في القول والاعتقاد وكذلك هم في ( الأحوال والأفعال ( فالصواب منها ~~حالة المؤمن الذى يتقى الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما ~~يصيبه PageV11P029 من المقدور فهو عند الأمر والدين والشريعة ويستعين بالله ~~على ذلك كما قال تعالى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وإذا أذنب استغفر ~~وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى المخلوق حجة على رب ~~الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث الصحيح الذى فيه سيد ~~الاستغفار أن يقول العبد ( اللهم انت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ابوء لك بنعمتك علي ~~وأبوء بذنبى فاغفر لى فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت ( فيقر بنعمة الله عليه ~~في الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب ~~منها كما قال بعضهم اطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فاسألك ~~بوجوب حجتك على وانقطاع حجتى إلا غفرت لى # وفى الحديث الصحيح الالهى ( يا عبادى إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ~~( وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع # وآخرون قد يشهدون ( الأمر ( فقط فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة ~~لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب PageV11P030 لهم حقيقة الاستعانة ~~والتوكل والصبر وآخرون يشهدون ( القدر ( فقط فيكون عندهم من الاستعانة ~~والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر الله ورسوله واتباع ~~شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون الله ولا ~~يعبدونه والذين من قبلهم يريدون ان يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ~~ويستعينه ( والقسم الرابع ( شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو ~~مع الشريعة الأمرية ولا مع القدر الكونى وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما ~~يكون قبل المقدور من توكل واستعانة ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ~~ونحو ذلك فهم ms3337 في التقوى وهى طاعة الأمر الدينى والصبر على ما يقدر عليه من ~~القدر الكونى أربعة أقسام # ( أحدها ) أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم أهل السعادة في ~~الدنيا والآخرة # ( والثانى ( الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون ما عليهم ~~من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن إذا اصيب أحدهم PageV11P031 في بدنه ~~بمرض ونحوه أو ماله أو في عرضه أو ابتلى بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه # ( والثالث ( قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ~~ما يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ~~ما يطلبونه من الغصب واخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ~~ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرياسة ~~والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الاذى التى لا يصبر عليها ~~كثير من الناس وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون ~~في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الاذى والآلام وهؤلاء هم الذين ~~يريدون علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرياسة والعلو على الخلق ومن طلاب ~~الأموال بالبغى والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ~~ذلك يصبرون على انواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من ~~المأمور وفعلوه من المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب ~~كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر PageV11P032 # وأما ( القسم الرابع ( فهو شر الاقسام لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ~~ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر ~~جزوعا وإذا مسه الخير منوعا @QE@ فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس واجبرهم إذا ~~قدروا ومن اذل الناس وأجزعهم إذا قهروا ان قهرتهم ذلوا لك ونافقوك وحبوك ~~واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن انفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم ~~المسئول وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا واقلهم رحمة واحسانا ~~وعفوا كما قد ms3338 جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الايمان أبعد مثل التتار ~~الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وان كان متظاهرا بلباس ~~جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق فان ~~الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم # فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من هذا ~~الوجه وكان ما معه من الاسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الاسلام ~~وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للاسلام من ~~هو أعظم ردة واولى بالاخلاق الجاهلية وابعد عن الأخلاق الاسلامية من التتار ~~وفى الصحيح عن النبى أنه كان يقول في خطبه ( خير الكلام كلام الله وخير ~~PageV11P033 الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ~~ضلالة ( وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد فكل من كان إلى ~~ذلك أقرب وهو به اشبه كان إلى الكمال اقرب وهو به احق ومن كان عن ذلك ابعد ~~وشبهه اضعف كان عن الكمال ابعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله اطوع ~~وعلى ما يصيبه اصبر فكلما كان اتبع لما يأمر الله به ورسوله واعظم موافقة ~~لله فيما يحبه ويرضاه وصبر على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص عن ~~هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك # وقد ذكر 2 الله تعالى الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه وبين أنه ~~ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين والمعاهدين والمنافقين وعلى من ~~ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة قال الله تعالى ( بلى ان تصبروا ~~وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ( ~~وقال الله تعالى @QB@ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ~~عزم الأمور @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا ms3339 ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي ~~صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن ~~الله بما يعملون محيط @QE@ PageV11P034 # وقال أخوة يوسف له @QB@ أئنك لأنت ~~يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين @QE@ # وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى @QB@ واتبع ما ~~يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين @QE@ وفى اتباع ما اوحى ~~إليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله وطاعة لامره وقال تعالى @QB@ وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ وقال تعالى @QB@ فاصبر ~~إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~ومن آناء الليل @QE@ وقال تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين @QE@ وقال تعالى @QB@ استعينوا بالصبر والصلاة إن ~~الله مع الصابرين @QE@ فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر PageV11P035 وقرن ~~بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ( ~~وفى الرحمة الاحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فان القسمة ايضا رباعية اذ من ~~الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل ~~الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ولا يرحم ~~كأهل القسوة والهلع والمحمود هو الذى يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في صفة ~~المتولى ينبغى ان يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه ~~يرحم وبالصبر ينصر العبد فان النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما ~~قال ms3340 النبى إنما يرحم الله من عباده الرحماء ( وقال ( من لم يرحم لا يرحم ( ~~وقال ( لا تنزع الرحمة إلا من شقى الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في ~~الأرض يرحمكم من في السماء ( والله أعلم انتهى PageV11P036 ### || 1 ( رسالة في أهل الصفة ) 1 ### |||| ! 8 < ( سئل شيخ الاسلام ( وقدوة الانام ومفتى الفرق وناصر السنة تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رضى الله عنه # عن ( أهل الصفة ( كم كانوا وهل كانوا بمكة أو بالمدينة واين موضعهم الذى ~~كانوا يقيمون فيه وهل كانوا مقيمين باجمعهم لا يخرجون إلا خروج حاجة أو كان ~~منهم من يقعد بالصفة ومنهم من يتسبب في القوت وما كان تسببهم هل يعملون ~~بأبدانهم أم يشحذون بالزنبيل وفى من يعتقد ان ( أهل الصفة ( قاتلوا ~~المؤمنين مع المشركين وفيمن يعتقد ان ( أهل الصفة ( أفضل من أبى بكر وعمر ~~وعثمان وعلى رضى الله عنهم ومن الستة الباقين من العشرة ومن جميع الصحابة ~~وهل كان فيهم أحد من العشرة وهل كان في ذلك الزمان أحد ينذر لأهل الصفة وهل ~~تواجدوا على دف أو شبابة أو كان لهم حاد ينشد الاشعار ويتحركون عليها ~~بالتصدية ويتواجدون وعن هذه الآية وهى قوله تعالى @QB@ واصبر نفسك مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي @QE@ هل هي مخصوصة بأهل الصفة أم هي PageV11P037 ~~عامة وهل الحديث الذى يرويه كثير من العامة ويقولون إن رسول الله قال ( ما ~~من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولى لله لا الناس يعرفونه ولا الولى يعرف انه ~~ولى ( صحيح ) وهل تخفى حالة الأولياء أو طريقتهم على أهل العلم أو غيرهم ~~ولماذا سمى الولى وليا وما المراد بالولى وما الفقراء الذين يسبقون ~~الأغنياء إلى الجنة وما الفقراء الذين أوصى بهم في كلامه وذكرهم سيد خلقه ~~وخاتم أنبيائه ورسله محمد في سنته هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل ~~الفاقة والحاجة أم لا ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضى الله عنه بقلمه ما صورته # الحمد لله رب العالمين # أما ( الصفة ms3341 ( التى ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبى فكانت في مؤخر ~~مسجد النبى في شمالى المسجد بالمدينة النبوية كان يأوى إليها من فقراء ~~المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوى إليه وذلك ان الله سبحانه وتعالى أمر ~~نبيه PageV11P038 والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن من آمن ~~من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى وصار ~~للمؤمنين دار عز ومنعة جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة # وكان المؤمنون السابقون بها صنفين المهاجرين الذين هاجروا إليها من ~~بلادهم والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم ~~من المسلمين لهم حكم آخر وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم ~~بالقيد والحبس وآخرون كانوا مقيمين بين ظهرانى الكفار المستظهرين عليهم فكل ~~هذه ( الأصناف مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ~~ونظرائهم قال الله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في ~~الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ~~والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم @QE@ فهذا في السابقين ثم ذكر من اتبعهم ~~إلى يوم القيامة فقال @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم ~~فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء ~~عليم @QE@ PageV11P039 # وقال الله تعالى @QB@ والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ ~~الآية وذكر في السورة الاعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة ومن ~~حولها وقال سبحانه وتعالى @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا ms3342 فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن ~~يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا @QE@ # فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على ~~الأنصار بأهله أو بغير أهله لأن المبايعة كانت على ان يؤووهم ويواسوهم وكان ~~في بعض الأوقات اذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل ( عنده ( منهم ~~وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم ~~ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئا بعد شيء فان الاسلام صار ينتشر ~~والناس يدخلون فيه والنبى يغزو الكفار تارة بنفسه وتارة بسراياه ~~PageV11P040 فيسلم خلق تارة ظاهرا وباطنا وتارة ظاهرا فقط ويكثر المهاجرون ~~إلى المدينة من الفقراء والأغنياء والاهلين والعزاب فكان من لم يتيسر له ~~مكان يأوى إليه يأوى إلى تلك الصفة التى في المسجد ولم يكن جميع أهل الصفة ~~يجتمعون في وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ~~ويجيء ناس بعد ناس فكانوا تارة يقلون وتارة يكثرون فتارة يكونون عشرة أو ~~أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين # وأما جملة من أوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد قيل كانوا نحو أربعمائة من ~~الصحابة وقد قيل كانوا أكثر من ذلك ولم يعرف كل واحد منهم وقد جمع اسماءهم ~~( الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ( في ( كتاب تاريخ أهل الصفة ( جمع ذكر من ~~بلغه أنه كان من ( أهل الصفة ( وكان معتنيا بذكر اخبار النساك والصوفية ~~والآثار التى يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم وجمع اخبار زهاد السلف ~~واخبار جميع من بلغه انه كان من أهل الصفة وكم بلغوا واخبار الصوفية ~~المتأخرين بعد القرون الثلاثة وجمع أيضا في الأبواب مثل حقائق التفسير ومثل ~~أبواب التصوف الجارية على ابواب الفقه ومثل كلامهم في التوحيد والمعرفة ~~والمحبة ومسألة السماع وغير ذلك من الاحوال وغير ذلك من الابواب وفيما جمعه ~~فوائد كثيرة ومنافع جليلة PageV11P041 وهو في نفسه رجل من ms3343 أهل الخير والدين ~~والصلاح والفضل وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير ويروى أحيانا ~~أخبارا ضعيفة بل موضوعة يعلم العلماء أنها كذب # وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه # وكان البيهقى إذا روى عنه يقول حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وما ~~يظن به وبأمثاله أن شاء الله تعمد الكذب لكن لعدم الحفظ والاتقان يدخل ~~عليهم الخطأ في الرواية فان النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ~~ثابت البنانى والفضيل بن عياض وامثالهما ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط ~~وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد السبخى ونحوهما # وكذلك ما يأثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له ~~من الأقوال والأفعال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير وفيه احيانا من ~~الخطأ اشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطل قطعا مثل ما ذكر في ~~حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن ~~بعض طائفة أنواعا من الاشارات التى بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة ~~وبعضها من نوع الباطل واللغو PageV11P042 فالذى جمعه ( الشيخ أبو عبد ~~الرحمن ( ونحوه في ( تاريخ أهل الصفة ( واخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية ~~يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب منه ما فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما ~~فيه من الروايات الضعيفة # وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد ~~والمتكلمين وغيرهم يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له ~~شيء كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذى بعث الله به رسوله ويوجد ~~أحيانا عندهم من جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة ومن جنس الآراء والأذواق ~~الفاسدة أو المحتملة شيء كثير # ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس ~~الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم ~~وعامته من موارد الاجتهاد التى يعذرون فيها وهم الذين يتبعون العلم والعدل ~~فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن اتباع الظن وما تهوى ms3344 الأنفس PageV11P043 ### ||| فصل # وأما حال ( أهل الصفة ( هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في ~~الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الاوقات فكما وصفهم الله تعالى في كتابه حيث ~~بين مستحقى الصدقة منهم ومستحقى الفيء منهم فقال @QB@ إن تبدوا الصدقات ~~فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم ~~والله بما تعملون خبير @QE@ إلى قوله @QB@ للفقراء الذين أحصروا في سبيل ~~الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم ~~بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا @QE@ وقال في أهل الفيء @QB@ للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون @QE@ # وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند امكان الاكتساب ~~الذى لا يصدهم عما هو أوجب أو احب إلى الله ورسوله من الكسب وأما إذا ~~احصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله ~~وكان أهل الصفة ضيوف PageV11P044 الاسلام يبعث إليهم النبى بما يكون عنده ~~فان الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون ~~إليه من الرزق # وأما ( المسألة ( فكانوا فيها كما أدبهم النبى صلى الله عليه وسلم حيث ~~حرمها على المستغنى عنها وأباح منها ان يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا ~~السلطان أن يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لابد سائلا الصالحين ~~الموسرين إذا احتاج إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقا حتى كان ~~السوط يسقط من يد احدهم فلا يقول لاحد ناولنى إياه # وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل وكلام العلماء لا يسعه هذا المكان مثل قوله ~~لعمر بن الخطاب ( ما أتاك من هذا المال وانت غير سائل ولا مشرف فخذه وما لا ~~فلا تتبعه نفسك ( ومثل قوله ( من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن ~~يتصبر يصبره الله وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ( ومثل قوله ( من ~~سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشا أو ms3345 خموشا أو كدوشا في وجهه ( ~~ومثل قوله ( لان يأخذ احدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس ~~اعطوه أو منعوه ( إلى غير ذلك من الأحاديث PageV11P045 وأما الجائز منها ~~فمثل ما أخبر الله تعالى عن موسى والخضر انهما اتيا أهل قرية فاستطعما ~~أهلها ومثل قوله ( لا تحل المسألة الا لذى دم موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع ~~( ومثل قوله لقبيصة إبن مخارق الهلالى ( يا قبيصة لا تحل المسألة الا ~~لثلاثة رجل اصابته جائحة اجتاحت ماله فسأل حتى يجد سدادا من عيش أو قواما ~~من عيش ثم يمسك ورجل اصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجا من قومه ~~فيقولون لقد أصابت فلانا فاقة فسأل حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش ~~ثم يمسك ورجل تحمل حمالة فسأل حتى يجد حمالته ثم يمسك وما سوى ذلك من ~~المسألة فانما هي سحت يأكله صاحبه سحتا ( # ولم يكن في الصحابة لا أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس ولا ~~الالحاف في المسألة بالكدية والشحاذة لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة ~~بحيث لا يبتغى الرزق الا بذلك كما لم يكن في الصحابة أيضا أهل فضول من ~~الاموال يتركون لا يؤدون الزكاة ولا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولا يعطون ~~في النوائب بل هذان الصنفان الظالمان المصران على الظلم الظاهر من مانعى ~~الزكاة والحقوق الواجبة والمتعدين حدود الله تعالى في أخذ اموال الناس كانا ~~معدومين في الصحابة المثنى عليهم PageV11P046 ### ||| فصل # ( وأما من قال إن احدا من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم أو التابعين أو ~~تابعى التابعين قاتل مع الكفار أو قاتلوا النبى أو أصحابه أو انهم كانوا ~~يستحلون ذلك أو أنه يجوز ذلك فهذا ضال غاو بل كافر يجب ان يستتاب من ذلك ~~فان تاب وإلا قتل @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ بل كان أهل الصفة ~~وغيرهم كالقراء الذين قنت النبى يدعو على من قتلهم ms3346 من أعظم الصحابة إيمانا ~~وجهادا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرا لله ورسوله كما أخبر الله ~~تعالى عنهم بقوله @QB@ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون @QE@ ~~وقال @QB@ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا @QE@ إلى قوله ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطأه فآزره فاستغلظ ~~فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وقال @QB@ من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم @QE@ PageV11P047 # وقد غزا النبى غزوات متعددة وكان القتال منها في تسع مغاز مثل بدر واحد ~~والخندق وخيبر وحنين وانكسر المسلمون يوم أحد وانهزموا ثم عادوا يوم حنين ~~ونصرهم الله ببدر وهم أذلة وحصروا في الخندق حتى دفع الله عنهم أولئك ~~الاعداء وفى جميع المواطن كان يكون المؤمنون من أهل الصفة وغيرهم مع النبى ~~لم يقاتلوا مع الكفار قط وإنما يظن هذا ويقوله من الضلال والمنافقين قسمان # ( قسم ) منافقون وان اظهروا الاسلام وكان في بعضهم زهادة وعبادة يظنون ان ~~إلى الله طريقا غير الايمان بالرسول ومتابعته وان من اولياء الله من يستغنى ~~عن متابعة الرسول كاستغناء الخضر عن متابعة موسى وفى هؤلاء من يفضل شيخه أو ~~عالمه أو ملكه على النبى صلى الله عليه وسلم اما تفضيلا مطلقا أو في بعض ~~صفات الكمال وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم # فإن الله تعالى بعث محمدا إلى جميع الثقلين انسهم وجنهم وزهادهم وملوكهم ~~وموسى عليه السلام انما بعث إلى PageV11P048 قومه لم يكن مبعوثا إلى الخضر ~~ولا كان يجب على الخضر اتباعه بل قال له انى على علم من علم الله تعالى ~~علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا اعلمه وقد ~~قال النبى ( وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت ms3347 إلى الناس عامة ( وقال ~~الله تعالى @QB@ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا @QE@ # و ( القسم الثانى ( من يشاهد ربوبية الله تعالى لعباده التى عمت جميع ~~البرايا ويظن أن دين الله الموافقة للقدر سواء كان في ذلك عبادة الله وحده ~~لا شريك له أو كان فيه عبادة الاوثان واتخاذ الشركاء والشفعاء من دونه ~~وسواء كان فيه الايمان بكتبه ورسله أو الأعراض عنهم والكفر بهم وهؤلاء ~~يسوون بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض وبين ~~المتقين والفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويجعلون الايمان والتقوى ~~والعمل الصالح بمنزلة الكفر والفسوق والعصيان وأهل الجنة كأهل النار ~~وأولياء الله كأعداء الله وربما جعلوا هذا من ( باب الرضا بالقضاء ) وربما ~~جعلوه ( التوحيد والحقيقة ( بناء على انه توحيد الربوبية الذى يقربه ~~المشركون وأنه ( الحقيقة الكونية PageV11P049 ( وهؤلاء يعبدون الله على حرف ~~فان أصابهم خير اطمأنوا به وان اصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم خسروا ~~الدنيا والآخرة وغالبهم يتوسعون في ذلك حتى يجعلوا قتال الكفار قتالا لله ~~ويجعلون اعيان الكفار والفجار والأوثان من نفس الله وذاته ويقولون ما في ~~الوجود غيره ولا سواه بمعنى ان المخلوق هو الخالق والمصنوع هو الصانع وقد ~~يقولون @QB@ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ ~~ويقولون @QB@ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه @QE@ إلى نحو ذلك من الأقوال ~~والأفعال التى هي شر من مقالات اليهود والنصارى بل ومن مقالات المشركين ~~والمجوس وسائر الكفار من جنس مقالة فرعون والدجال ونحوهما ممن ينكر الصانع ~~الخالق البارىء رب العالمين أو يقولون إنه هو أو أنه حل فيه # وهؤلاء كفار بأصلى الاسلام وهما شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول ~~الله فان التوحيد الواجب أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا ولا نجعل له ~~ندا في إلهيته لا شريكا ولا شفيعا فأما ( توحيد الربوبية ( وهو الاقرار ~~بأنه خالق كل شيء فهذا قد اقربه المشركون الذين قال ms3348 الله فيهم @QB@ وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ قال بن عباس تسألهم من خلق السماوات ~~والأرض فيقولون PageV11P050 الله وهم يعبدون غيره وقال تعالى @QB@ ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لمن ~~الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى ~~تسحرون @QE@ فالكفار المشركون مقرون ان الله خالق السماوات والأرض وليس في ~~جميع الكفار من جعل لله شريكا مساويا له في ذاته وصفاته وافعاله هذا لم ~~يقله أحد قط لا من المجوس الثنوية ولا من أهل التثليث ولا من الصابئة ~~المشركين الذين يعبدون الكواكب والملائكة ولا من عباد الأنبياء والصالحين ~~ولا من عباد التماثيل والقبور وغيرهم فان جميع هؤلاء وان كانوا كفارا ~~مشركين متنوعين في الشرك فهم مقرون بالرب الحق الذى ليس له مثل في ذاته ~~وصفاته وجميع أفعاله ولكنهم مع هذا مشركون به في الوهيته بأن يعبدوا معه ~~آلهة أخرى يتخذونها شفعاء أو شركاء أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب بعض ~~الكائنات دونه مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب وخالق ذلك الخلق وقد أرسل الله ~~جميع الرسل وأنزل جميع الكتب بالتوحيد PageV11P051 الذى هو عبادة الله وحده ~~لا شريك له كما قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى ( ولقد ~~بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة ) وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاتقون @QE@ # وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح وهود وصالح وغيرهم @QB@ أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون ms3349 @QE@ فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له والى ~~طاعتهم والايمان بالرسل هو ( الاصل الثانى ( من أصلى الاسلام فمن لم يؤمن ~~بأن محمدا رسول الله إلى جميع العالمين وانه يجب على جميع الخلق متابعته ~~وان الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين ما شرعه # فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم ممن يجوز الخروج عن دينه وشرعته ~~وطاعته إما عموما واما خصوصا ويجوز اعانة الكفار والفجار على افساد دينه ~~وشرعته PageV11P052 ويحتجون بما يفترونه ان أهل الصفة قاتلوه وانهم قالوا ~~نحن مع الله من كان الله معه كنا معه يريدون بذلك القدر و ( الحقيقة ~~الكونية ( دون الأمر و ( الحقيقة الدينية ( ويحتج بمثل هذا من ينصر الكفار ~~والفجار ويخفرهم بقلبه وهمته وتوجهه من ذوى الفقر ويعتقدون مع هذا انهم من ~~أولياء الله وان الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم وكل هذا ضلال وباطل ~~وان كان لأصحابه زهد وعبادة فهم في العباد مثل اوليائهم من التتار ونحوهم ~~في الاجناد فان ( المرء على دين خليله ( و ( المرء مع من احب ) هكذا قال ~~النبى وقد جعل الله المؤمنين بعضهم أولياء بعض والكافرين بعضهم أولياء بعض # وقد أمر النبى بقتال المارقين من الاسلام مع عبادتهم العظيمة الذين قال ~~فيهم النبى صلى الله عليه وسلم ( يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع ~~صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من ~~الاسلام كما يمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم ~~أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد ( ~~وهؤلاء قاتلهم امير المؤمنين على بن أبى طالب لما خرجوا عن شريعة رسول الله ~~PageV11P053 وسنته وفارقوا جماعة المسلمين فكيف بمن يعتقد ان المؤمنين ~~كانوا يقاتلون النبى # ومثل هذا ما يرويه بعض هؤلاء المفترين ان أهل الصفة سمعوا ما خاطب الله ~~به رسوله ليلة المعراج وان الله امره ان لا يعلم به احدا فلما اصبح وجدهم ~~يتحدثون فانكر ذلك فقال الله تعالى انا امرتك ان لا تعلم به ms3350 احدا لكن أنا ~~الذى اعلمتهم به إلى امثال هذه الا كاذيب التى هي من أعظم الكفر وهى كذب ~~واضح فان ( أهل الصفة ( لم يكونوا الا بالمدينة لم يكن بمكة أهل صفة ~~والمعراج انما كان من مكة كما قال سبحانه وتعالى @QB@ سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى @QE@ # ومما يشبه هذا من بعض الوجوه رواية بعضهم عن عمر انه قال كان النبى يتحدث ~~هو وأبو بكر وكنت كالزنجى بينهما وهذا من الافك المختلق ثم انهم مع هذا ~~يجعلون عمر الذى سمع كلام النبى وصديقه وهو أفضل الخلق بعد الصديق لم يفهم ~~ذلك الكلام بل كان كالزنجى ويدعون انهم هم سمعوه وعرفوه ثم كل منهم يفسره ~~بما يدعيه من الضلالات الكفرية التى يزعم انها ( علم الاسرار والحقائق ( ~~ويريدون بذلك ( اما الاتحاد واما تعطيل الشرائع ونحو ذلك مثل ما تدعى ~~النصيرية PageV11P054 والاسماعيلية والقرامطة والباطنية الثنوية والحاكمية ~~وغيرهم من الضلالات المخالفة لدين الاسلام وما ينسبونه إلى على بن أبى طالب ~~أو جعفر الصادق أو غيرهما من أهل البيت كالبطاقة والهفت والجدول والجفر ~~وملحمة بن عنضب وغير ذلك من الا كاذيب المفتراة باتفاق جميع أهل المعرفة ~~وكل هذا باطل فانه لما كان لآل رسول الله به اتصال النسب والقرابة ~~وللأولياء الصالحين منهم ومن غيرهم به اتصال الموالاة والمتابعة وصار كثير ~~ممن يخالف دينه وشريعته وسنته يموه باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته ~~وأهل موالاته ومتابعته وصار كثير من الناس يغلو إما في قوم من هؤلاء أو من ~~هؤلاء حتى يتخذهم آلهة أو يقدم ما يضاف إليهم على شريعة النبى وسنته وحتى ~~يخالف كتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السلف الطيب من أهل بيته ومن أهل ~~الموالاة له والمتابعة وهذا كثير في أهل الضلال PageV11P055 ### ||| فصل # ( واما تفضيل ( أهل الصفة ( على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال بل خير هذه ~~الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن امير المؤمنين على بن ابى ~~طالب موقوفا ومرفوعا وكما دل على ذلك ms3351 الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة ~~وأئمة العلم والسنة وبعدهما عثمان وعلى وكذلك سائر أهل الشورى مثل طلحة ~~والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء مع أبى عبيدة بن الجراح امين هذه ~~الأمة ومع سعيد بن زيد هم العشرة المشهود لهم بالجنة قال الله عز وجل في ~~كتابه @QB@ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى @QE@ ففضل الله السابقين ~~قبل فتح الحديبية إلى الجهاد بأموالهم وانفسهم على التابعين بعدهم وقال ~~الله تعالى @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ فرضى الله سبحانه عن السابقين الأولين ~~من المهاجرين والانصار PageV11P056 # وقد ثبت في فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم وهؤلاء الذين فضلهم الله ~~ورسوله فمنهم من هو من أهل الصفة وأكثرهم لم يكونوا من أهل الصفة والعشرة ~~لم يكن فيهم من هو من أهل الصفة الا سعد بن أبى وقاص فقد قيل إنه اقام ~~بالصفة مرة واما أكابر المهاجرين والانصار مثل الخلفاء الأربعة ومثل سعد بن ~~معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر وأبى أيوب الانصارى ومعاذ بن جبل وابى ~~بن كعب ونحوهم فلم يكونوا من ( أهل الصفة ( بل عامة أهل الصفة إنما كانوا ~~من فقراء المهاجرين لأن الانصار كانوا في ديارهم ولم يكن أحد ينذر لأهل ~~الصفة ولا لغيرهم ### ||| فصل # واما سماع المكاء والتصدية وهو الاجتماع لسماع القصائد الربانية سواء كان ~~بكف أو بقضيب أو بدف أو كان مع ذلك شبابة فهذا لم يفعله أحد من الصحابة لا ~~من أهل الصفة ولا من غيرهم بل ولا من التابعين بل القرون المفضلة التى قال ~~فيها النبى ( خير القرون الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ~~( لم يكفن فيهم أحد يجتمع على هذا السماع لا في الحجاز ولا في الشام ~~PageV11P057 ولا في اليمن ولا العراق ولا مصر ولا خراسان ms3352 ولا المغرب # وإنما كان السماع الذى يجتمعون عليه سماع القرآن وهو الذى كان الصحابة من ~~أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه فكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا أمروا واحدا ~~منهم يقرأ والباقى يستمعون وقد روى ( ان النبى خرج على أهل الصفة وفيهم ~~قارئ يقرأ فجلس معهم ( وكان عمر بن الخطاب يقول لأبى موسى يا أبا موسى ~~ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون ( وكان وجدهم على ذلك وكذلك ارادة قلوبهم ( ~~وكل من نقل انهم كان لهم حاد ينشد القصائد الربانية بصلاح القلوب أو أنهم ~~لما انشد بعض القصائد تواجدوا على ذلك أو أنهم مزقوا ثيابهم أو ان قائلا ~~أنشدهم # قد لسعت حية الهوى كبدى %~% فلا طبيب لها ولا راقي # إلا الطبيب الذى شغفت به %~% فعنده رقيتى وترياقى # أو أن النبى صلى الله عليه وسلم لما ~~قال ( ان الفقراء يدخلون PageV11P058 الجنة قبل الاغنياء بنصف يوم ( أنشدوا ~~شعرا وتواجدوا عليه فكل هذا وأمثاله إفك مفترى وكذب مختلق باتفاق أهل ~~الاتفاق من أهل العلم والايمان لا ينازع في ذلك الا جاهل ضال وان كان قد ~~ذكر في بعض الكتب شيء من ذلك فكله كذب باتفاق أهل العلم والإيمان ### ||| فصل # وأما قوله ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ~~( فهي عامة فيمن تناوله هذا الوصف مثل الذين يصلون الفجر والعصر في جماعة ~~فانهم يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه سواء كانوا من ( أهل الصفة ( ~~أو غيرهم أمر الله نبيه بالصبر مع عباده الصالحين الذين يريدون وجهه والا ~~تعد عيناه عنهم تريد زينة الحياة الدنيا وهذه الآية في الكهف وهى سورة مكية ~~وكذلك الآية التى في سورة الأنعام @QB@ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ~~فتطردهم فتكون من الظالمين @QE@ PageV11P059 # وقد روى ان هاتين الآيتين نزلتا في المؤمنين المستضعفين لما طلب ~~المتكبرون ان يبعدهم النبى عنه فنهاه الله عن طرد من يريد وجه الله وان كان ~~مستضعفا ثم امره بالصبر معهم وكان ذلك ms3353 قبل الهجرة إلى المدينة وقبل وجود ~~الصفة لكن هي متناولة لكل من كان بهذا الوصف من أهل الصفة وغيرهم # والمقصود بذلك ان يكون مع المؤمنين المتقين الذين هم أولياء الله وان ~~كانوا فقراء ضعفاء ولا يتقدم أحد عند الله بسلطانه وماله ولا بذله وفقره ~~وإنما يتقدم عنده بالايمان والعمل الصالح فنهى الله نبيه ان يطيع أهل ~~الرياسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ضعيفا أو فقيرا وامره ان لا يطرد ~~من كان منهم يريد وجهه وان يصبر نفسه معهم في الجماعة التى امر فيها ~~بالاجتماع بهم كصلاة الفجر والعصر ولا يطيع امر الغافلين عن ذكر الله ~~المتبعين لأهوائهم ### ||| فصل # وأما الحديث المروى ( ما من جماعة يجتمعون الا وفيهم ولى لله ( فمن ~~الأكاذيب ليس في شيء من دواوين الاسلام وكيف والجماعة ( قد ) يكونون كفارا ~~أو فساقا يموتون على ذلك PageV11P060 ### ||| فصل # و ( اولياء الله ( هم ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) كما ذكر الله تعالى ~~في كتابه وهم ( قسمان ( المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون # فولى الله ضد عدو الله قال الله تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا @QE@ إلى قوله @QB@ ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء @QE@ وقال @QB@ ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم ~~يوزعون @QE@ وقال @QB@ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو @QE@ ~~وقد روى البخارى في صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ( ~~يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى ~~بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فإذا ~~احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله ~~التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لاعطينه ~~ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى ms3354 عن قبض نفس عبدى ~~المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه PageV11P061 و ( الولى ( مشتق ~~من الولاء وهو القرب كما ان العدو من العدو وهو البعد فولى الله من والاه ~~بالموافقة له في محبوباته ومرضياته وتقرب إليه بما امر به من طاعاته وقد ~~ذكر النبى في هذا الحديث الصحيح الصنفين المقتصدين من أصحاب اليمين وهم ~~المتقربون إلى الله بالواجبات والسابقين المقربين وهم المتقربون إليه ~~بالنوافل بعد الواجبات # وذكر الله ( الصنفين ( في ( سورة فاطر ( و ( الواقعة ( و ( الانسان ( و ( ~~المطففين ( واخبر ان الشراب الذى يروى به المقربون بشربهم إياه صرفا يمزج ~~لأصحاب اليمين # و ( الولى المطلق ( هو من مات على ذلك فاما ان قام به الايمان والتقوى ~~وكان في علم الله انه يرتد عن ذلك فهل يكون في حال ايمانه وتقواه وليا لله ~~أو يقال لم يكن وليا لله قط لعلم الله بعاقبته هذا فيه قولان للعلماء وكذلك ~~عندهم الايمان الذى يعقبه الكفر هل هو ايمان صحيح ثم يبطل بمنزلة ما يحبط ~~من الاعمال بعد كماله أو هو ايمان باطل بمنزلة من افطر قبل غروب الشمس في ~~صيامه ومن احدث قبل السلام في صلاته فيه ايضا قولان للفقهاء والمتكلمين ~~والصوفية PageV11P062 # والنزاع في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الامام أحمد وغيرهم وكذلك ~~يوجدالنزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعى وغيرهم لكن أكثر أصحاب ابى حنيفة ~~لا يشترطون سلامة العاقبة وكثير من أصحاب مالك والشافعى واحمد يشترط سلامة ~~العاقبة وهو قول كثير من متكلمى أهل الحديث كالأشعرى ومن متكلمى الشيعة ~~ويبنون على هذا النزاع ان ولى الله هل يصير عدوا لله وبالعكس ومن أحبه الله ~~ورضى عنه هل ابغضه وسخط عليه في وقت ما وبالعكس ومن أبغضه الله وسخط عليه ~~هل أحبه الله ورضى عنه في وقت ما على القولين # و ( التحقيق ( هو الجمع بين القولين فان علم الله القديم الأزلى وما ~~يتبعه من محبته ورضاه وبغضه وسخطه وولايته وعداوته لا يتغير فمن علم الله ~~منه انه يوافى حين موته بالايمان والتقوى ms3355 فقد تعلق به محبة الله وولايته ~~ورضاه عنه ازلا وأبدا وكذلك من علم الله منه انه يوافى حين موته بالكفر فقد ~~تعلق به بغض الله وعداوته وسخطه أزلا وابدا لكن مع ذلك فان الله تعالى يبغض ~~ما قام بالأول من كفر وفسوق قبل موته وقد يقال إنه يبغضه ويمقته على ذلك ~~كما ينهاه عن ذلك وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثانى من الايمان ~~والتقوى ويحب ما يأمر به ويرضاه وقد يقال إنه يواليه حينئذ على ذلك والدليل ~~على ذلك اتفاق الأئمة على ان من كان مؤمنا ثم ارتد PageV11P063 فإنه لا ~~يحكم بأن إيمانه الاول كان فاسدا بمنزلة من افسد الصلاة والصيام والحج قبل ~~الاكمال وانما يقال كما قال الله تعالى @QB@ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط ~~عمله @QE@ وقال @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ وقال @QB@ ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون @QE@ ولو كان فاسدا في نفسه لوجب الحكم بفساد انكحته ~~المتقدمة وتحريم ذبائحه وبطلان إرثه المتقدم وبطلان عباداته جميعها حتى لو ~~كان قد حج عن غيره كان حجه باطلا ولو صلى مدة بقوم ثم ارتد كان عليهم ان ~~يعيدوا صلاتهم خلفه ولو شهد أو حكم ثم ارتد ( لوجب ) أن تفسد شهادته وحكمه ~~ونحو ذلك وكذلك أيضا الكافر اذا تاب من كفره لو كان محبوبا لله وليا له في ~~حال كفره لوجب ان يقضى بعدم احكام ذلك الكفر وهذا كله خلاف ما ثبت بالكتاب ~~والسنة والاجماع # والكلام في هذه ( المسألة ( نظير الكلام في الارزاق والآجال وهى أيضا ~~مبنية على ( قاعدة الصفات الفعلية ( وهى قاعدة كبيرة # وعلى هذا يخرج جواب السائل فمن قال ان ولى الله لا يكون الا من وافاه حين ~~الموت بالايمان والتقوى فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره ومن قال قد يكون ~~وليا لله من كان مؤمنا تقيا وان لم تعلم عاقبته فالعلم به اسهل PageV11P064 ~~ومع هذا يمكن العلم بذلك للولى نفسه ولغيره ولكنه قليل ولا يجوز لهم القطع ~~على ذلك فمن ثبتت ولايته بالنص وانه من أهل الجنة كالعشرة ms3356 وغيرهم فعامة أهل ~~السنة يشهدون له بما شهد له به النص واما من شاع له لسان صدق في الامة بحيث ~~اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل يشهد له بذلك هذا فيه نزاع بين أهل السنة ~~والاشبه ان يشهد له بذلك هذا في الأمر العام # وأما ( خواص الناس ( فقد يعلمون عواقب اقوام بما كشف الله لهم لكن هذا ~~ليس ممن يجب التصديق العام به فان كثيرا ممن يظن به أنه حصل له هذا الكشف ~~يكون ظانا في ذلك ظنا لا يغنى من الحق شيئا وأهل المكاشفات والمخاطبات ~~يصيبون تارة ويخطئون اخرى كأهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد ولهذا ~~وجب عليهم جميعهم ان يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وان ~~يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآرائهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله ولا ~~يكتفوا بمجرد ذلك فان سيد المحدثين والمخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو ~~عمر بن الخطاب وقد كانت تقع له وقائع فيردها عليه رسول الله أو صديقه ~~التابع له الآخذ عنه الذى هو أكمل من المحدث الذى يحدثه قلبه عن ربه # ولهذا وجب على جميع الخلق اتباع الرسول PageV11P065 وطاعته في جميع أموره ~~الباطنة والظاهرة ولو كان أحد يأتيه من الله ما لا يحتاج إلى عرضه على ~~الكتاب والسنة لكان مستغنيا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض دينه وهذا ~~من أقوال المارقين الذين يظنون ان من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع ~~موسى ومن قال هذا فهو كافر # وقد قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته والله عليم حكيم @QE@ فقد ضمن الله للرسول وللنبى أن ينسخ ما يلقى ~~الشيطان في أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث ولهذا كان في الحرف الآخر الذى كان ~~يقرأ به بن عباس وغيره / < وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى ولا محدث ~~الا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته > / # ويحتمل والله اعلم ان ms3357 ( لا ) يكون هذا الحرف متلوا حيث لم يضمن نسخ ما ~~ألقى الشيطان ( في أمنية المحدث ( فان نسخ ما ألقى الشيطان ليس الا ~~للأنبياء والمرسلين إذ هم معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى ان يستقر فيه ~~شيء من القاء الشيطان وغيرهم لا تجب عصمته من ذلك وان كان من أولياء الله ~~المتقين فليس من شرط اولياء الله المتقين ان لا يكونوا مخطئين في بعض ~~الأشياء خطأ مغفورا لهم بل PageV11P066 ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقا بل ~~ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذى تعقبه التوبة # وقد قال الله تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ~~ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون @QE@ فقد وصفهم الله بأنهم هم ~~المتقون و ( المتقون ( هم أولياء الله ومع هذا فأخبر انه يكفر عنهم اسوأ ~~الذى عملوا وهذا امر متفق عليه بين أهل العلم والايمان # وانما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة واشباه الرافضة من الغالية في بعض ~~المشائخ ومن يعتقدون انه من الأولياء فالرافضة تزعم ان ( الاثنى عشر ( ~~معصومون من الخطأ والذنب ويرون هذا من أصول دينهم والغالية في المشائخ قد ~~يقولون ان الولى محفوظ والنبى معصوم وكثير منهم ان لم يقل ذلك بلسانه فحاله ~~حال من يرى ان الشيخ والولى لا يخطئ ولا يذنب وقد بلغ الغلو بالطائفتين إلى ~~ان يجعلوا بعض من غلوا فيه بمنزلة النبى وافضل منه وان زاد الامر جعلوا له ~~نوعا من الالهية وكل هذا من الضلالات الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية ~~فان في النصارى من الغلو في المسيح والأحبار والرهبان ما ذمهم الله عليه في ~~القرآن وجعل ذلك عبرة لنا لئلا PageV11P067 نسلك سبيلهم ولهذا قال سيد ولد ~~آدم ( لا تطرونى كما اطرت النصارى عيسى بن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد ~~الله ورسوله ( ### ||| فصل # ( وأما ( الفقراء ( الذين ذكرهم الله في كتابه فهم صنفان مستحقوا الصدقات ~~ومستحقوا الفيء # أما مستحقوا الصدقات فقد ذكرهم الله في ms3358 كتابه في قوله @QB@ إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم @QE@ وفى قوله ~~@QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ وإذا ذكر في القرآن اسم ( الفقير ~~( وحده و ( المسكين ( وحده كقوله @QB@ إطعام عشرة مساكين @QE@ فهما شيء ~~واحد وإذا ذكرا جميعا فهما صنفان والمقصود بهما أهل الحاجة وهم الذين لا ~~يجدون كفايتهم لا من مسألة ولا من كسب يقدرون عليه فمن كان كذلك من ~~المسلمين استحق الأخذ من الصدقات المفروضة والموقوفة والمنذورة والموصى بها ~~وبين الفقهاء نزاع في بعض فروع المسألة معروف عند أهل العلم # وضد هؤلاء ( الاغنياء ( الذين تحرم عليهم الصدقة ثم هم PageV11P068 نوعان ~~نوع تجب عليهم الزكاة وان كانت الزكاة تجب على من قد تباح له عند جمهور ~~العلماء # ونوع لا تجب عليه الزكاة # وكل منهما قد يكون له فضل عن نفقاته الواجبة وهم الذين قال الله فيهم ~~@QB@ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو @QE@ وقد لا يكون له فضل وهؤلاء الذين ~~رزقهم قوت وكفاف هم اغنياء باعتبار غناهم عن الناس وهم فقراء باعتبار انه ~~ليس لهم فضول يتصدقون بها # وإنما يسبق الفقراء الأغنياءإلى الجنة بنصف يوم لعدم فضول الأموال التى ~~يحاسبون على مخارجها ومصارفها فمن لم يكن له فضل كان من هؤلاء وإن لم يكن ~~من أهل الزكاة ثم ارباب الفضول إن كانوا محسنين في فضول اموالهم فقد يكونون ~~بعد دخول الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم كما تقدم أغنياء ~~الأنبياء والصديقين من السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم ومن هنا ~~قال الفقراء ( ذهب أهل الدثور بالأجور ( وقيل لما ساواهم الأغنياء في ~~العبادات البدنية وامتازوا عنهم بالعبادات المالية ( ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء ( فهذا هو ( الفقير ( في عرف الكتاب والسنة PageV11P069 # وقد يكون الفقراء سابقين وقد يكونون مقتصدين وقد يكونون ظالمى أنفسهم ~~كالاغنياء وفى كلا الطائفتين المؤمن الصديق والمنافق الزنديق # وأما المستأخرون ف ( الفقير ( في عرفهم عبارة عن السالك إلى الله تعالى ~~كما هو ( الصوفى ( في عرفهم أيضا ثم منهم من يرجح مسمى ( الصوفى ( على مسمى ms3359 ~~( الفقير ( لأنه عنده الذى قام بالباطن والظاهر ومنهم من يرجح مسمى الفقير ~~لأنه عنده الذى قطع العلائق ولم يشتغل في الظاهر بغير الأمور الواجبة وهذه ~~منازعات لفظية اصطلاحية و ( التحقيق ( ان المراد المحمود بهذين الاسمين ~~داخل في مسمى الصديق والولى والصالح ونحو ذلك من الأسماء التى جاء بها ~~الكتاب والسنة فمن حيث دخل في الأسماء النبوية يترتب عليه من الحكم ما جاءت ~~به الرسالة واما ما تميز به مما يعده صاحبه فضلا وليس بفضل أو مما يوالى ~~عليه صاحبه غيره ونحو ذلك من الأمور التى يترتب عليها زيادة الدرجة في ~~الدين والدنيا فهي امور مهدرة في الشريعة إلا إذا جعلت من المباحات ~~كالصناعات فهذا لا بأس به بشرط ان لا يعتقد ان تلك المباحات من الأمور ~~المستحبات وأما ما يقترن بذلك من الأمور المكروهة في دين الله من أنواع ~~البدع والفجور فيجب النهى عنه كما جاءت به الشريعة PageV11P070 ### |||| ( وسئل ( # عن ~~قوم يقولون إن النبى صلى الله عليه وسلم جاء إلى باب أهل الصفة ( فاستأذن ~~فقالوا من انت قال أنا محمد قالوا ماله عندنا موضع الذى يقول أنا فرجع ثم ~~استأذن ثانية وقال أنا محمد مسكين فأذنوا له فهل يجوز التكلم بهذا أم هو ~~كفر ### ||||| فأجاب # هذا الكلام من أعظم الكذب على النبى وعلى ( أهل الصفة ( فان ( أهل ~~الصفة ( لم يكن لهم مكان يستأذن عليهم فيه إنما كانت الصفة في شمالى مسجد ~~رسول الله يأوى إليها من لا أهل له من المؤمنين ولم يكن يقيم بها ناس ~~معينون بل يذهب قوم ويجيء آخرون ولم يكن ( أهل الصفة ( خيار الصحابة بل ~~كانوا من جملة الصحابة ولم يكن أحد من الصحابة يستخف بحرمة النبى كما ذكر ~~ومن فعل ذلك فهو كافر ومن اعتقد هذا بالنبى فهو كافر فانه يستتاب فان تاب ~~والا قتل والله أعلم PageV11P071 ### |||| ( سئل رحمه الله ( # عن قوم يروون عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحاديث لا سند لهم بها فيقولون قال رسول الله صلى ~~2 الله عليه وسلم ( أنا ms3360 من الله والمؤمنون مني يتسمون بالأهوية منه ( فهل ~~هذا صحيح أم لا ويقرأون بينهم أحاديث ويزعمون ان عمر رضى الله عنه قال كان ~~أبو بكر ورسول الله يتحدثان بحديث ابقى بينهما كأنى زنجى لا افقه فهل يصح ~~هذا أم لا ويتحدثون عن أصحاب الصفة بأحاديث كثيرة منها انهم يقولون ان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وجدهم على الاسلام من قبل ان يبعث فوجدهم على ~~الطريق وانهم لم يكونوا يغزون معه حقيقة وانه الزمهم النبى صلى الله عليه ~~وسلم مرة فلما فر المسلمون منهزمين ضربوا بسيوفهم في عسكر النبى وقالوا نحن ~~حزب الله الغالبون وزعموا انهم لم يقتلوا الا منافقين في تلك المرة فهل يصح ~~ذلك أم لا # والمسؤول تعيين ( أصحاب الصفة ( كم هم من رجل ومن كانوا من PageV11P072 ~~الصحابة رضى الله عنهم ويزعمون ان الله سبحانه وتعالى لما عرج بنبيه صلى ~~الله عليه وسلم أوحى الله إليه مائة الف سر وأمره ان لا يظهرها على أحد من ~~البشر فلما نزل إلى الأرض وجد أصحاب الصفة يتحدثون بها فقال يارب اننى لم ~~أظهر على هذا السر احدا فأوحى الله إليه انهم كانوا شهودا بينى وبينك فهل ~~لهذه الأشياء صحة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين جميع هذه الاحاديث اكاذيب مختلقة ليتبوأ ~~مفتريها مقعده من النار لا خلاف بين جميع علماء المسلمين اهل المعرفة ~~وغيرهم انها مكذوبة مخلوقة ليس لشيء منها أصل بل من اعتقد صحة مجموع هذه ~~الاحاديث فانه كافر يجب ان يستتاب فان تاب والا قتل وليس لشيء من هذه ~~الأحاديث أصل ألبتة ولا توجد في كتاب ولا رواها قط أحد ممن يعرف الله ~~ورسوله # فأما ( الحديث الأول ( قوله ( أنا من الله والمؤمنون منى ( فلا يحفظ هذا ~~اللفظ عن رسول الله لكن قال النبي لعلي أنت مني وأنا منك كما قال الله ~~سبحانه ( بعضكم من بعض ) أى أنتم نوع واحد متفقون في القصد والهدى كالروحين ~~اللتين تتفقان في صفاتهما وهى الجنود المجندة التى PageV11P073 قال النبى ( ~~الأرواح جنود مجندة ms3361 فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ( # واما ان يكون الخلق جزءا من الخالق تعالى فهذا كفر صريح يقوله اعداء الله ~~النصارى ومن غلا من الرافضة وجهال المتصوفة ومن اعتقده فهو كافر نعم ~~للمؤمنين العارفين بالله المحبين له من مقامات القرب ومنازل اليقين ما لا ~~تكاد تحيط به العبارة ولا يعرفه حق المعرفة الا من ادركه وناله والرب رب ~~والعبد عبد ليس في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته وليس ~~أحد من أهل المعرفة بالله يعتقد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات ~~ولا اتحاده به # وان سمع شيء من ذلك منقول عن بعض اكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب اختلقه ~~الافاكون من الاتحادية المباحية الذين أضلهم الشيطان والحقهم بالطائفة ~~النصرانية # والذى يصح منه عن الشيوخ له معان صحيحة ومنه ما صدر عن بعضهم في حال ~~استيلاء حال عليه الحقه تلك الساعة بالسكران الذى لا يميز ما يخرج منه من ~~القول ثم اذا ثاب عليه عقله وتمييزه ينكر ذلك القول ويكفر من يقوله وما ~~يخرج من القول في حال غيبة PageV11P074 عقل الانسان لا يتخذه هو ولا غيره ~~عقيدة ولا حكم له بل القلم مرفوع عن النائم والمجنون والمغمى عليه والسكران ~~الذى سكر بغير سبب محرم مثل من يسقى الخمر وهو لا يعرفها أو اوجرها حتى سكر ~~أو أطعم البنج وهو لا يعرفه فكذلك # وقد يشاهد كثير من المؤمنين من جلال الله وعظمته وجماله أمورا عظيمة ~~تصادف قلوبا رقيقة فتحدث غشيا واغماء ومنها ما يوجب الموت ومنها ما يخل ~~العقل وان كان الكاملون منهم لا يعتريهم هذا كما لا يعترى الناقصين عنهم ~~لكن يعتريهم عند قوة الوارد على قلوبهم وضعف المحل المورود عليه فمن اغتر ~~بما يقولونه أو يفعلونه في تلك الحال كان ضالا مضلا # وإنما ( الاحوال الصحيحة ( مثل ما دل عليه ما رواه البخارى في صحيحه من ~~قول النبى فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال ( من عادى لى وليا فقد ~~بارزنى بالمحاربة وما ms3362 تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره ~~الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر ~~وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولأن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن ~~شيء أنا فاعله ترددى عن PageV11P075 قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره ~~مساءته ولابد له منه ( فانظر كيف قال في تمام الحديث ( فبى يسمع وبى يبصر ~~ولئن سألنى ولئن استعاذنى ( فميز بين الرب وبين العبد ألا تسمع إلى قوله ~~تعالى ( لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بنى ~~إسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ( # وقال @QB@ وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم @QE@ إلى قوله @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام @QE@ وقال @QB@ يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ إلى قوله @QB@ ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا @QE@ # وكذلك روى مسلم في صحيحه عن أبى هريرة أن رسول الله قال ( يقول الله ~~تعالى يا بن آدم مرضت فلم تعدنى فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول ~~أما علمت أن عبدى فلانا مرض فلوعدته لوجدتنى عنده ( وذكر في الجوع والعرى ~~مثل ذلك فانظر كيف عبر في أول الحديث بلفظ PageV11P076 مرضت ثم فسره في ~~تمامه بأن عبدى فلانا مرض فلو عدته لوجدتنى عنده فميز بين الرب والعبد ~~والعبد العارف بالله تتحد إرادته بارادة الله بحيث لا يريد إلا ما يريده ~~الله امرا به ورضا ولا يحب الا ما يحبه الله ولا يبغض إلا ما يبغضه الله ~~ولا يلتفت إلى عذل ms3363 العاذلين ولوم اللائمين كما قال سبحانه @QB@ فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ # والكلام في مقامات العارفين طويل # وانما الغرض ان يتفطن المؤمن للفرق بين هؤلاء الزنادقة الذين ضاهوا ~~النصارى وسلكوا سبيل أهل ( الحلول والاتحاد ( وكذبوا على الله ورسوله ~~وكذبوا الله ورسوله وبين العالمين بالله والمحبين له أولياء الله الذين لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون فانه قد يشتبه هؤلاء بهؤلاء كما اشتبه على كثير من ~~الضالين حال مسيلمة الكذاب المتنبى بمحمد بن عبد الله رسول الله حقا حتى ~~صدقوا الكاذب وكذبوا الصادق والله قد جعل على الحق آيات وعلامات وبراهين ~~ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # وأما حديث عمر أنه كان كالزنجى بين النبى PageV11P077 وبين أبى بكر ( ~~فكذب مختلق نعم كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه اقرب الناس إلى رسول الله ~~وأولاهم به واعلمهم بمراده لما يسألونه عنه فكان النبى يتكلم بالكلام ~~العربى الذى يفهمه الصحابة رضى الله عنهم ويزداد الصديق بفهم آخر يوافق ما ~~فهموه ويزيد عليهم ولا يخالفه مثل ما في الصحيحين عن أبى سعيد ان رسول الله ~~خطب الناس فقال ( إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد ~~ما عند الله فبكى أبو بكر وقال بل نفديك بأنفسنا وأموالنا فجعل بعض الناس ~~يعجب ويقول عجبا لهذا الشيخ يبكى ان ذكر رسول الله عبدا خيره الله بين ~~الدنيا والآخرة قال فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر اعلمنا به ( ~~فالنبى ذكر عبدا مطلقا وهذا كلام عربى لا لغز فيه ففهم الصديق لقوة معرفته ~~بمقاصد النبى أنه هو العبد المخير ومعرفة أن المطلق هذا المعين خارج عن ~~دلالة اللفظ لكن يوافقه ولا يخالفه ولهذا قال أبو سعيد كان أبو بكر اعلمنا ~~به # ومن هذا ان الصديق رضى الله عنه لما عزم على قتال PageV11P078 مانعى ~~الزكاة قال له عمر كيف تقاتل الناس وقد قال النبى ( امرت ان اقاتل ms3364 الناس ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فاذا فعلوا ذلك عصموا ~~منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله عز وجل ( فقال أبو بكر ~~الزكاة من حقها والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فان الزكاة حق ~~المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على ~~منعها فرجع عمر وغيره إلى قول أبى بكر وكان هو افهم لمعنى كلام رسول الله ~~وفى الصحيحين عنه انه قال ( امرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا ~~الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك ~~عصموا منى دماءهم واموالهم الا بحق الاسلام ( فهذا النص الصريح موافق لفهم ~~أبى بكر # وكذلك قوله في صلح الحديبية لعمر مثل ما كان النبى قال له وأمثال ذلك ~~كثير فأما ان النبى كان يتكلم بكلام لا يفهمه عمر وامثاله بل يكون عندهم ~~ككلام الزنجى فمن اعتقد هذا فهو جاهل ضال عليه من الله ما يستحقه # واما كون أهل الصفة كانوا قبل المبعث مهتدين فعلى من قال PageV11P079 هذا ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين بل لا خلاف بين المسلمين انهم كانوا ~~جاهلين بل لا خلاف بين المسلمين انهم كانوا كافرين جاهلين بالله وبدينه ~~وإنما هداهم الله بكتابه وبرسوله محمد ولم يكن بين أهل الصفة وسائر الصحابة ~~فرق في الكفر والضلالة قبل ايمانهم برسول الله ولقد كان بعد الاسلام كثير ~~ممن لم يكن من ( أهل الصفة ( كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم أعلم ~~بالله وأعظم يقينا من عامة أهل الصفة # واما ما ذكر من تخلفهم عنه في الجهاد فقول جاهل ضال بل هم الذين كانوا ~~أعظم الناس قتالا وجهادا كما وصفهم القرآن في قوله @QB@ للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال في صفتهم @QB@ للفقراء الذين أحصروا في ~~سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ~~تعرفهم بسيماهم لا يسألون ms3365 الناس إلحافا @QE@ ولقد قتل منهم في يوم واحد يوم ~~بئر معونة سبعون حتى وجد عليهم النبى موجدة وقنت شهرا يدعو على الذين ~~قتلوهم واخبر عنهم ( انهم بهم تتقى المكاره وتسد بهم الثغور وانهم أول ~~الناس ورودا على الحوض وانهم الشعث رؤوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون ~~المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب الملوك PageV11P080 # وأما ( عددهم ( فقد جمع أبو عبد الرحمن السلمى تاريخهم وهم نحو من ستمائة ~~أو سبعمائة أو نحو ذلك ولم يكونوا مجتمعين في وقت واحد بل كان في شمال ~~المسجد صفة يأوى اليها فقراء المهاجرين فمن تأهل منهم أو سافر أو خرج غازيا ~~خرج منها وقد كان يكون في الوقت الواحد فيها السبعون أو أقل أو أكثر ومنهم ~~سعد بن ابى وقاص أحد العشرة وأبو هريرة وخبيب وسلمان وغيرهم # واما ما ذكر من انهم عرفوا ما اوحاه الله إلى نبيه ليلة المعراج فكذب ~~ملعون قائله وكيف يكون ذلك والمعراج كان بمكة قبل الهجرة وأهل الصفة إنما ~~كانوا بالمدينة بعد الهجرة وبناء مسجد الرسول بالمدينة الطيبة وهذا كله ~~واضح عند من عرف الله ورسوله وكان مسلما حنيفا أو كان عالما بسيرة رسول ~~الله وسيرة أصحابه معه وانما يقع في هذه الجهالات اقوام نقص إيمانهم وقل ~~علمهم واستكبرت انفسهم حتى صاروا بمنزلة فرعون وصاروا أسوأ حالا من النصارى # والله يتوب علينا وعليهم وعلى سائر اخواننا المسلمين ويهدينا واياهم ~~صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين والله ~~تعالى أعلم PageV11P081 ### |||| وسئل # ( عن ( الفتوة ( المصطلح عليها الخ ### ||||| فأجاب رضى الله عنه قائلا # أما ما ذكره من ( الفتوة ( التى يلبس فيها ~~الرجل لغيره سراويل ويسقيه ماء وملحا فهذا لا أصل له ولم يفعلها أحد من ~~السلف لا علي ولا غيره والاسناد الذى يذكرونه في ( الفتوة ( إلى أمير ~~المؤمنين على بن أبى طالب من طريقة الخليفة الناصر وغيره اسناد مظلم عامة ~~رجاله مجاهيل لا يعرفون وليس لهم ذكر عند أهل العلم # وقد ذكر ان أصل ذلك أنه وضع سراويل عند قبر على ms3366 فأصبح مسدودا وهذا يجرى ~~عند غير على كما يجرى أمثال ذلك من الأمور التى يظن انها كرامة في الكنائس ~~وغيرها مثل دخول مصروع اليها فيبرأ بنذر يجعل للكنيسة ونحو ذلك وهذا إذا لم ~~يكن كذبا فانه من فعل الشياطين كما يفعل مثل ذلك عند الأوثان وانا أعرف من ~~ذلك وقائع متعددة PageV11P082 و ( المقصود هنا ( أن سراويل الفتوة لا أصل ~~له عن على ولا غيره من السلف وما يشترطه بعضهم من الشروط إن كان مما أمر ~~الله به ورسوله فانه يفعل لأن الله أمر به ورسوله وما نهى عنه مثل التعصب ~~لشخص على شخص والاعانة على الأثم والعدوان فهو مما ينهى عنه ولو شرطوه # ولفظ ( الفتى ( في اللغة هو الشاب كما ذكر ذلك أهل اللغة ومنه قوله تعالى ~~( ودخل معه السجن فتيان ( وقوله ( إنهم فتية آمنوا بربهم ( وإذ قال موسى ~~لفتاه ( وقد فتى يفتى فهو فتى أى بين الفتا والأفتا من الدواب خلاف المسان ~~وقد يعبر بالفتى عن المملوك مطلقا كما قال تعالى @QB@ من فتياتكم المؤمنات ~~@QE@ ولما كان الشاب الين عريكة من الشيخ صار في طبعه من السخاء والكرم ~~مالا يوجد في الشيوخ فصاروا يعبرون بلفظ الفتى عن السخى الكريم يقال هو فتى ~~بين الفتوة وقد يفتى ويفاتى والجمع فتيان وفتية # واستعمال لفظ الفتى بمعنى المتصف بمكارم الأخلاق موجود في كلام كثير من ~~المشائخ وقد يظن ان لفظ القرآن يدل على هذا ومنه قول بعض الشيوخ طريقنا ~~تفتى وليس تنصر يعنى هو استعمال مكارم PageV11P083 الأخلاق ليس هو النسك ~~اليابس ومنه قول أبى إسماعيل الأنصارى الفتوة ان تقرب من يقصدك وتكرم من ~~يؤذيك وتحسن إلى من يسيء اليك سماحة لا كظما وموادة لا مصابرة # ونقل عن أحمد بن حنبل رضى الله عنه انه قال الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى ~~كما قال تعالى @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى @QE@ فمن ~~دعاإلى ما دعا إليه الله ورسوله من مكارم الأخلاق كان محسنا سواء سمى ذلك ~~فتوة أو لم يسمه ومن ms3367 احدث في دين الله ما ليس منه فهو رد # والغالب أنهم يدخلون في الفتوة امورا ينهى عنها فينهون عن ذلك ويؤمرون ~~بما أمر الله به ورسوله كما ينهون عن الالباس والاسقاء واسناد ذلك إلى على ~~رضى الله عنه وأمثال ذلك PageV11P084 ### || 1 ( رسالة في لباس الفتوة ) 1 ### |||| ! 8 < ( سئل الشيخ الامام العالم العلامة ( إمام الوقت فريد الدهر جوهر العلم لب الايمان قطب الزمان مفتى الفرق شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الامام شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الامام العلامة مؤيد السنة مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحرانى رضى الله عنه ونفع به آمين # في جماعة يجتمعون في مجلس ويلبسون لشخص منهم لباس ( الفتوة ( ويديرون ~~بينهم في مجلسهم شربة فيها ملح وماء يشربونها ويزعمون ان هذا من الدين ~~ويذكرون في مجلسهم ألفاظا لا تليق بالعقل والدين # فمنها انهم يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم البس على إبن أبى ~~طالب رضى الله تعالى عنه لباس الفتوة ثم امره ان يلبس من شاء ويقولون إن ~~اللباس أنزل على النبى صلى الله عليه وسلم في صندوق ويستدلون عليه بقوله ~~تعالى @QB@ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم @QE@ الآية فهل ~~هو كما زعموا أم PageV11P085 كذب مختلق وهل هو من الدين أم لا وإذا لم يكن ~~من الدين فما يجب على من يفعل ذلك أو يعين عليه ومنهم من ينسب ذلك إلى ~~الخليفة الناصر لدين الله إلى عبد الجبار ويزعم ان ذلك من الدين فهل لذلك ~~أصل أم لا وهل الأسماء التى يسمون بها بعضهم بعضا من اسم الفتوة ورؤوس ~~الاحزاب والزعماء فهل لهذا أصل أم لا ويسمون المجلس الذى يجتمعون فيه ( ~~دسكرة ( ويقوم للقوم نقيب إلى الشخص الذى يلبسونه فينزعه اللباس الذى عليه ~~بيده ويلبسه اللباس الذى يزعمون أنه لباس الفتوة بيده فهل هذا جائز أم لا ~~وإذا قيل لا يجوز فعل ذلك ولا الاعانة عليه فهل يجب على ولى الأمر منعهم من ~~ذلك # وهل للفتوة أصل ms3368 في الشريعة أم لا وإذا قيل لا أصل لها في الشريعة فهل يجب ~~على غير ولى الأمر ان ينكر عليهم ويمنعهم من ذلك أم لا مع تمكنه من الانكار ~~وهل أحد من الصحابة رضى الله تعالى عنهم أو التابعين أو من بعدهم من أهل ~~العلم فعل هذه الفتوة المذكورة أو أمر بها أم لا # وهل خلق النبى صلى الله عليه وسلم من النور أم خلق من الأربع عناصر أم من ~~غير ذلك وهل الحديث الذى يذكره بعض الناس ( لولاك ما خلق الله عرشا ولا ~~كرسيا ولا ارضا ولا سماء PageV11P086 ولا شمسا ولا قمرا ولا غير ذلك ( صحيح ~~هو أم لا # وهل ( الأخوة ( التى يواخيها المشائخ بين الفقراء في السماع وغيره يجوز ~~فعلها في السماع ونحوه أم لا وهل آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~المهاجرين والأنصار أم بين كل مهاجرى وانصارى وهل آخى رسول الله على بن أبى ~~طالب كرم الله وجهه أم لا بينوا لنا ذلك بالتعليل والحجة المبينة وابسطوا ~~لنا الجواب في ذلك بسطا شافيا مأجورين أثابكم الله تعالى ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما ما ذكر من إلباس لباس ( الفتوة ( السراويل أو غيره ~~واسقاء الملح والماء فهذا باطل لا أصل له ولم يفعل هذا رسول الله ولا أحد ~~من أصحابه لا على بن أبى طالب ولا غيره ولا من التابعين لهم باحسان # والاسناد الذى يذكرونه من طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار إلى ثمامة ~~فهو اسناد لا تقوم به حجة وفيه من لا يعرف ولا يجوز لمسلم أن ينسب إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الاسناد المجهول PageV11P087 الرجال ~~امرا من الأمور التى لا تعرف عنه فكيف إذا نسب إليه ما يعلم انه كذب ~~وافتراء عليه فان العالمين بسنته واحواله متفقون على ان هذا من الكذب ~~المختلق عليه وعلى علي بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه وما ذكروه من نزول ~~هذا اللباس في صندوق هو من اظهر الكذب باتفاق العارفين بسنته # و ( اللباس الذى يوارى ms3369 السوءة ( هو كل ما ستر العورة من جميع أصناف ~~اللباس المباح أنزل الله تعالى هذه الآية لما كان المشركون يطوفون بالبيت ~~عراة ويقولون ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية وانزل قوله @QB@ خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ # والكذب في هذا اظهر من الكذب فيما ذكر من لباس الخرقة وان النبى صلى الله ~~عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن ردائه وانه فرق الخرق على أصحابه وان ~~جبريل أتاه وقال له ان ربك يطلب نصيبه من زيق الفقر وانه علق ذلك بالعرش ~~فهذا ايضا كذب باتفاق أهل المعرفة فان النبى صلى الله عليه وسلم لم يجتمع ~~هو وأصحابه على سماع كف ولا سماع دفوف وشبابات ولا رقص ولا سقط عنه ثوب من ~~ثيابه في ذلك ولا قسمه على أصحابه وكل ما يروى من ذلك فهو كذب مختلق باتفاق ~~أهل المعرفة بسنته PageV11P088 ### ||| فصل # والشروط التى تشترطها شيوخ ( الفتوة ( ما كان منها مما امر الله به ~~ورسوله كصدق الحديث وأداء الامانة وأداء الفرائض واجتناب المحارم ونصر ~~المظلوم وصلة الأرحام والوفاء بالعهد أو كانت مستحبة كالعفو عن الظالم ~~واحتمال الاذى وبذل المعروف الذى يحبه الله ورسوله وان يجتمعوا على السنة ~~ويفارق احدهما الآخر إذا كان على بدعة ونحو ذلك فهذه يؤمن بها كل مسلم سواء ~~شرطها شيوخ الفتوة أو لم يشرطوها وما كان منها مما نهى الله عنه ورسوله مثل ~~التحالف الذى يكون بين أهل الجاهلية ان كلا منهما يصادق صديق الآخر في الحق ~~والباطل ويعادى عدوه في الحق والباطل وينصره على كل من يعاديه سواء كان ~~الحق معه أو كان مع خصمه فهذه شروط تحلل الحرام وتحرم الحلال وهى شروط ليست ~~في كتاب الله # وفى السنن عنه أنه قال ( المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم ~~حلالا ) وكل ما كان من الشروط التى بين القبائل والملوك والشيوخ والأحلاف ~~وغير ذلك فانها على هذا الحكم باتفاق علماء المسلمين ما كان من الأمر ~~المشروط الذى قد أمر الله ms3370 به ورسوله PageV11P089 فإنه يؤمر به كما أمر الله ~~به ورسوله وان كان مما نهى الله عنه ورسوله فانه ينهى عنه كما نهى الله عنه ~~ورسوله وليس لبنى آدم أن يتعاهدوا ولا يتعاقدوا ولا يتحالفوا ولا يتشارطوا ~~على خلاف ما أمر الله به ورسوله بل على كل منهم ان يوفوا بالعقود والعهود ~~التى عهدها الله إلى بنى آدم كما قال الله تعالى @QB@ وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم @QE@ وكذلك ما يعقده المرء على نفسه كعقد النذر أو يعقده الاثنان ~~كعقد البيع والاجارة والهبة وغيرهما أو ما يكون تارة من واحد وتارة من ~~اثنين كعقد الوقف والوصية فانه في جميع هذه العقود متى اشترط العاقد شيئا ~~مما نهى الله عنه ورسوله كان شرطه باطلا وفى الصحيح عن عائشة رضى الله عنها ~~عن النبى أنه قال ( من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصى الله فلا ~~يعصه ( والعقود المخالفة لما أمر الله به ورسوله هي من جنس دين الجاهلية ~~وهى شعبة من دين المشركين وأهل الكتاب الذين عقدوا عقودا امروا فيها بما ~~نهى الله عنه ورسوله ونهوا فيها عما أمر الله به ورسوله # فهذا أصل عظيم يجب على كل مسلم ان يتجنبه PageV11P090 ### ||| فصل # واما لفظ ( الفتى ( فمعناه في اللغة الحدث كقوله تعالى @QB@ إنهم فتية ~~آمنوا بربهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ~~@QE@ ومنه قوله تعالى @QB@ وإذ قال موسى لفتاه @QE@ لكن لما كانت اخلاق ~~الأحداث اللين صار كثير من الشيوخ يعبرون بلفظ ( الفتوة ( عن مكارم الأخلاق ~~كقول بعضهم طريقنا تفتى وليس تنصر وقول بعضهم ( الفتوة ( ان تقرب من يقصيك ~~وتكرم من يؤذيك وتحسن إلى من يسيء إليك سماحة لا كظما ومودة لا مضارة وقول ~~بعضهم ( الفتوة ( ترك ما تهوى لما تخشى وأمثال هذه الكلمات التى توصف فيها ~~الفتوة بصفات محمودة محبوبة سواء سميت فتوة أو لم تسم وهى لم تستحق المدح ~~في الكتاب والسنة إلا لدخولها فيما حمده الله ورسوله من الأسماء كلفظ ~~الاحسان والرحمة والعفو والصفح والحلم وكظم الغيظ والبر ms3371 والصدقة والزكاة ~~والخير ونحو ذلك من الأسماء الحسنة التى تتضمن هذه المعانى فكل اسم علق ~~الله به المدح والثواب في الكتاب والسنة كان أهله ممدوحين وكل اسم علق به ~~الذم والعقاب في الكتاب والسنة كان أهله مذمومين كلفظ الكذب والخيانة ~~PageV11P091 والفجور والظلم والفاحشة ونحو ذلك # واما لفظ ( الزعيم ( فانه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين قال تعالى @QB@ ~~ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم @QE@ فمن تكفل بأمر طائفة فانه يقال هو ~~زعيم فان كان قد تكفل بخير كان محمودا على ذلك وان كان شرا كان مذموما على ~~ذلك # واما ( رأس الحزب ( فانه رأس الطائفة التى تتحزب أي تصير حزبا فان كانوا ~~مجتمعين على ماأمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ~~ما لهم وعليهم ما عليهم وان كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن ~~دخل في حزبهم بالحق والباطل والأعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على ~~الحق والباطل فهذا من التفرق الذى ذمه الله تعالى ورسوله فان الله ورسوله ~~امرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على ~~البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الاثم والعدوان # وفى الصحيحين عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال ( مثل المؤمنين ~~في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر ( وفى الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال ~~( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ( وشبك بين PageV11P092 أصابعه وفى ~~الصحيح عنه انه قال ( المسلم اخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله ( وفى الصحيح ~~عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ( قيل ~~يا رسول الله انصره مظلوما فكيف انصره ظالما قال ( تمنعه من الظلم فذلك ~~نصرك اياه ( وفى الصحيح عنه أنه قال ( خمس تجب للمسلم على المسلم يسلم عليه ~~إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس ويجيبه اذا دعاه ويشيعه إذا مات ( ~~وفى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم ms3372 انه قال ( والذى نفسى بيده لا ~~يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه من الخير ما يحب لنفسه ( # فهذه الأحاديث وأمثالها فيها أمر الله ورسوله بما أمر به من حقوق ~~المؤمنين بعضهم على بعض وفى الصحيحين عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ~~انه قال ( لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد ~~الله اخوانا ( وفى الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال ( ان ~~الله يرضى لكم ثلاثا ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وان تعتصموا بحبل الله ~~جميعا ولا تفرقوا وان تناصحوا من ولاه الله امركم ( # وفى السنن عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال ( الا أنبئكم بأفضل من ~~درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ( قالوا بلى ~~يا رسول الله قال ( صلاح ذات البين فان PageV11P093 فساد ذات البين هي ~~الحالقة لا اقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ( فهذه الأمور مما نهى الله ~~ورسوله عنها # واما لفظ ( الدسكرة ( فليست من الألفاظ التى لها أصل في الشريعة فيتعلق ~~بها حمد أو ذم ولكن هي في عرف الناس يعبر بها عن المجامع كما في حديث هرقل ~~أنه جمع الروم في دسكرة ويقال للمجتمعين على شرب الخمر انهم في دسكرة فلا ~~يتعلق بهذا اللفظ حمد ولا ذم وهو إلى الذم اقرب لأن الغالب في عرف الناس ~~انهم يسمون بذلك الاجتماع على الفواحش والخمر والغناء # والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض على كل مسلم لكنه من فروض الكفايات ~~فإن قام بهما من يسقط به الفرض من ولاة الأمر أو غيرهم والا وجب على غيرهم ~~ان يقوم من ذلك بما يقدر عليه ### ||| فصل # ( والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم خلق مما يخلق منه البشر ولم يخلق أحد ~~من البشر من نور بل قد ثبت في الصحيح عن النبى PageV11P094 صلى الله تعالى ~~عليه وسلم أنه قال ( ان الله خلق الملائكة من نور وخلق ابليس من مارج من ~~نار وخلق آدم مما وصف لكم ( وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض باعتبار ms3373 ما ~~خلقت منه فقط بل قد يخلق المؤمن من كافر والكافر من مؤمن كابن نوح منه ~~وكابراهيم من آزر وآدم خلقه الله من طين فلما سواه ونفخ فيه من روحه واسجد ~~له الملائكة وفضله عليهم بتعليمه اسماء كل شيء وبأن خلقه بيديه وبغير ذلك ~~فهو وصالحوا ذريته افضل من الملائكة وان كان هؤلاء مخلوقين من طين وهؤلاء ~~من نور وهذه ( مسألة كبيرة ) مبسوطة في غير هذا الموضع فان فضل بنى آدم هو ~~بأسباب يطول شرحها هنا وانما يظهر فضلهم اذا دخلوا دار القرار @QB@ ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ~~@QE@ والآدمى خلق من نطفة ثم من مضغة ثم من علقة ثم انتقل من صغر إلى كبر ~~ثم من دار إلى دار فلا يظهر فضله وهو في ابتداء احواله وإنما يظهر فضله عند ~~كمال أحواله بخلاف الملك الذى تشابه أول امره وآخره ومن هنا غلط من فضل ~~الملائكة على الأنبياء حيث نظر إلى أحوال الأنبياء وهم في اثناء الأحوال ~~قبل ان يصلوا إلى ما وعدوا به في الدار الآخرة من نهايات الكمال ~~PageV11P095 وقد ظهر فضل نبينا على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى ~~يسمع فيه # صريف الأقلام وعلا على مقامات الملائكة والله تعالى اظهر من عظيم قدرته ~~وعجيب حكمته من صالحى الآدميين من الأنبياء والأولياء ما لم يظهر مثله من ~~الملائكة حيث جمع فيهم ما تفرق في المخلوقات فخلق بدنه من الأرض وروحه من ~~الملأ الأعلى ولهذا يقال هو العالم الصغير وهو نسخة العالم الكبير # ومحمد سيد ولد آدم وافضل الخلق وأكرمهم عليه ومن هنا قال من قال ان الله ~~خلق من أجله العالم أو انه لولا هو لما خلق عرشا ولا كرسيا ولا سماء ولا ~~ارضا ولا شمسا ولا قمرا لكن ليس هذا حديثا عن النبى صلى الله تعالى عليه ~~وسلم لا صحيحا ولا ضعيفا ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وسلم بل ولا يعرف عن الصحابة ms3374 بل هو كلام لا يدرى قائله ~~ويمكن ان يفسر بوجه صحيح كقوله ( سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ( ~~وقوله ( وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم ~~الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وان ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها ( وامثال ذلك من الآيات التى يبين فيها انه # خلق المخلوقات لبنى آدم ومعلوم أن لله فيها حكما عظيمة غير ذلك ~~PageV11P096 وأعظم من ذلك ولكن يبين لبنى آدم ما فيها من المنفعة وما أسبغ ~~عليهم من النعمة # فإذا قيل فعل كذا لكذا لم يقتض ان لا يكون فيه حكمة اخرى وكذلك قول ~~القائل لو لا كذا ما خلق كذا لا يقتضى ان لا يكون فيه حكم اخرى عظيمة بل ~~يقتضى إذا كان أفضل صالحى بنى آدم محمد وكانت خلقته غاية مطلوبة وحكمة ~~بالغة مقصودة ( اعظم ) من غيره صار تمام الخلق ونهاية الكمال حصل بمحمد صلى ~~الله تعالى عليه وسلم # والله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان آخر الخلق يوم ~~الجمعة وفيه خلق آدم وهو آخر ما خلق خلق يوم الجمعة بعد العصر في آخر يوم ~~الجمعة وسيد ولد آدم هو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم آدم فمن دونه تحت ~~لوائه قال صلى الله تعالى عليه وسلم ( إنى عند الله لمكتوب خاتم النبيين ~~وان آدم لمنجدل في طينته ( أى كتبت نبوتى واظهرت لما خلق آدم قبل نفخ الروح ~~فيه كما يكتب الله رزق العبد واجله وعمله وشقى أو سعيد إذا خلق الجنين قبل ~~نفخ الروح فيه فاذا كان الانسان هو خاتم المخلوقات وآخرها PageV11P097 وهو ~~الجامع لما فيها وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقا ومحمد انسان هذا العين ~~وقطب هذه الرحى وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات في المخلوقات فما ~~ينكر ان يقال انه لاجله خلقت جميعها وانه لولاه لما خلقت فاذا فسر هذا ~~الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قبل ذلك # واما إذا حصل في ذلك ms3375 غلو من جنس غلو النصارى باشراك بعض المخلوقات في شيء ~~من الربوبية كان ذلك مردودا غير مقبول فقد صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم ~~انه قال ( لا تطرونى كما اطرت النصارى عيسى بن مريم فانما أنا عبد فقولوا ~~عبد الله ورسوله ( وقد قال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم إنما الله إله واحد @QE@ # والله قد جعل له حقا لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح العبادة إلا له ولا ~~الدعاء إلا له ولا التوكل الا عليه ولا الرغبة الا إليه ولا الرهبة إلا منه ~~ولا ملجأ ولا منجأ منه إلا إليه ولا يأتى بالحسنات الا هو ولا يذهب السيئات ~~الا هو ولا حول ولا قوة إلا به @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~@QE@ @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ PageV11P098 @QB@ إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه ~~يوم القيامة فردا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فجعل الطاعة لله وللرسول وجعل الخشية ~~والتقوى لله وحده وكذلك في قوله @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ ~~فالايتاء لله والرسول وأما التوكل فعلى الله وحده والرغبة إلى الله وحده ### ||| فصل # ( وأما ( المؤاخاة ( فان النبى صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين ~~والأنصار لما قدم المدينة كما آخى بين سلمان الفارسى وبين أبى الدرداء وبين ~~عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة حتى أنزل ~~الله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله @QE@ فصاروا ~~يتوارثون بالقرابة وفى ذلك أنزل الله تعالى ( والذين عقدت إيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم ) وهذا هو المحالفة ) # واختلف العلماء هل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة والولاء ms3376 محكم أو ~~منسوخ على قولين PageV11P099 احدهما ) ان ذلك منسوخ وهو مذهب مالك والشافعى ~~وأحمد في اشهر الروايتين عنه ولما ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال ( لا حلف ~~في الاسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الاسلام الا شدة # و ( الثانى ) ان ذلك محكم وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد في الرواية الاخرى ~~عنه # واما ( المؤاخاة ( بين المهاجرين كما يقال أنه آخى بين أبى بكر وعمر وانه ~~آخى عليا ونحو ذلك فهذا كله باطل وان كان بعض الناس ذكر انه فعل بمكة ~~وبعضهم ذكر انه فعل بالمدينة وذلك نقل ضعيف اما منقطع واما باسناد ضعيف ~~والذى في الصحيح هو ما تقدم ومن تدبر الأحاديث الصحيحة والسيرة النبوية ~~الثابتة تيقن ان ذلك كذب # واما عقد ( الأخوة ( بين الناس في زمامنا فان كان المقصود منها التزام ~~الأخوة الايمانية التى اثبتها الله بين المؤمنين بقوله ( انما المؤمنون ~~اخوة ( وقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ( المسلم اخو المسلم لا يسلمه ~~ولا يظلمه ( وقوله ( لا يبع احدكم على بيع اخيه ولا يستام على سوم اخيه ولا ~~يخطب على خطبة اخيه ( وقوله ( والذى PageV11P100 نفسى بيده لا يؤمن احدكم ~~حتى يحب لاخيه من الخير ما يحبه لنفسه ( ونحو ذلك من الحقوق الايمانية التى ~~تجب للمؤمن على المؤمن فهذه الحقوق واجبة بنفس الايمان والتزامها بمنزلة ~~التزام الصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما ~~اوجب الله ورسوله وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن وان لم يحصل بينهما عقد ~~مؤاخاة وان كان المقصود منها اثبات حكم خاص كما كان بين المهاجرين والأنصار ~~فهذه فيها للعلماء قولان بناء على أن ذلك منسوخ أم لا فمن قال أنه منسوخ ~~كمالك والشافعى وأحمد في المشهور عنه قال إن ذلك غير مشروع ومن قال انه لم ~~ينسخ كما قال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى قال انه مشروع # وأما ( الشروط ( التى يلتزمها كثير من الناس في ( السماع ( وغيره مثل أن ~~يقول على المشاركة في الحسنات وأينا خلص يوم القيامة ms3377 خلص صاحبه ونحو ذلك ~~فهذه كلها شروط باطلة فان الأمر يومئذ لله هو @QB@ يوم لا تملك نفس لنفس ~~شيئا @QE@ وكما قال تعالى @QB@ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون @QE@ # وكذلك يشترطون شروطا من الأمور الدنيوية ولا يوفون بها PageV11P101 وما ~~أعلم احدا ممن دخل في هذه الشروط الزائدة على ما شرطه الله ورسوله وفى بها ~~بل هو كلام يقولونه عند غلبة الحال لا حقيقة له في المآل واسعد الناس من ~~قام بما اوجبه الله ورسوله فضلا عن ان يوجب على نفسه زيادات على ذلك # وهذه المسائل قد بسطت في غير هذا الموضع والله أعلم PageV11P102 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### ||| فصل # والشيخ ( عدى بن مسافر بن صخر ( كان رجلا صالحا وله اتباع صالحون ومن ~~أصحابه من فيه غلو عظيم يبلغ بهم غليظ الكفر وقد رأيت جزءا اتى بيد اتباعه ~~فيه نسبه وسلسلة طريقه فرأيت كليهما مضطربا # أما ( النسب ( فقالوا عدى بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن أحمد ~~بن مروان بن الحكم بن مروان الأموى وهذا كذب قطعا فانه يمتنع ان يكون بينه ~~وبين مروان بن الحكم خمسة انفس # وأما ( الخرقة ( فقالوا دخل على الشيخ العارف عقيل المنبجى والبسه الخرقة ~~بيده والشيخ عقيل لبس الخرقة من يد الشيخ مسلمة المردجى والشيخ مسلمة لبس ~~الخرقة من يد الشيخ أبى سعيد الخراز PageV11P103 # قلت هذا كذب واضح فان مسلمة لم يدرك أبا سعيد بل بينهما أكثر من مائة سنة ~~بل قريبا من مائتي سنة # ثم قالوا والشيخ أبو سعيد الخراز لبس الخرقة من يد الشيخ أبى محمد العنسى ~~والعنسى لبسها من يد الشيخ على بن عليل الرملى والشيخ على بن عليل لبسها من ~~يد والده الشيخ عليل الرملى والشيخ عليل لبس الخرقة من يد الشيخ عمار ~~السعدى والشيخ عمار السعدى لبس الخرقة من يد الشيخ يوسف الغسانى والشيخ ~~يوسف الغسانى لبس الخرقة ms3378 من يد والده الشيخ يعقوب الغسانى والشيخ يعقوب ~~الغسانى لبس الخرقة من يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يوم خطب الناس ~~بالجابية وعمر بن الخطاب لبس الخرقة من يد رسول الله ورسول الله لبس الخرقة ~~من يد جبرائيل وجبرائيل من الله تعالى # قلت لبس عمر للخرقة والباسه ولبس رسول الله صلى الله عليه وسلم للخرقة ~~والباسه يعرف كل من له ادنى معرفة انه كذب واما الاسناد المذكور ما بين أبى ~~سعيد إلى عمر فمجهول وما أعرف لهؤلاء ذكرا لا في كتب الزهد والرقائق ولا في ~~كتب الحديث والعلم ومن الممكن ان يكون بعض هؤلاء كانوا شيوخا وقد ركب هذا ~~الاسناد عليهم من لم يعرف ازمانهم والله اعلم بحقيقة امرهم PageV11P104 ثم ~~ذكروا بعد هذا ( عقيدته ( وقالوا هذه عقيدة السنة من إملاء الشيخ عدى و ( ~~العقيدة ( من ( كتاب التبصرة ( للشيخ أبى الفرج المقدسى بألفاظه نقل ~~المسطرة لكن حذفوا منها تسمية المخالفين وأقوالهم وذكروا ما ذكره من الادلة ~~وزادوا فيها من ذكر يزيد وغيره أشياء لم يقلها الشيخ أبو الفرج وفيها ~~أحاديث موضوعة وقال في آخرها فهذا اعتقادنا وما نقلناه عن مشايخنا نقله ~~جبرائيل عن الله ونقله النبى عن جبرائيل ونقله الصحابة عن النبى وسمى من ~~سماه اللالكائى في أول كتاب ( شرح أصول السنة ) كما ذكروا ان هذا أملاه ~~الشيخ عدى من حفظه وأمر بكتابته ورووا ذلك بالسماع من الشيخ حسن بن عدى بن ~~أبى البركات بسماعه من والده عدى بن أبى البركات بن صخر بن مسافر وهو عدى ~~PageV11P105 ### |||| ( وسئل ( # هل تخلل أبو بكر بالعباءة وتخللت الملائكة لأجله بالعباءة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لم يتخلل أبو بكر بالعباءة ولا الملائكة تخللوا بالعباءة ~~وذلك كذب والله أعلم PageV11P106 ### |||| وسئل # ( عن معنى قول من يقول ( حب الدنيا ~~رأس كل خطيئة ) فهل هي من جهة المعاصى أو من جهة جمع المال ### ||||| فأجاب # ليس هذا محفوظا عن النبى ولكن هو معروف عن جندب بن عبد الله البجلى ~~من الصحابة ويذكر عن المسيح بن مريم عليه السلام وأكثر ms3379 ما يغلو في هذا ~~اللفظ المتفلسفة ومن حذا حذوهم من الصوفية على أصلهم في تعلق النفس إلى ~~امور ليس هذا موضع بسطها # وأما حكم الإسلام في ذلك فالذى يعاقب الرجل عليه الحب الذى يستلزم ~~المعاصى فانه يستلزم الظلم والكذب والفواحش ولا ريب ان الحرص على المال ~~والرئاسة يوجب هذا كما في الصحيحين أنه قال ( إياكم والشح فان الشح اهلك من ~~كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وامرهم بالقطيعة ~~فقطعوا ( وعن كعب عن النبى أنه قال ( ما ذئبان جائعان ارسلا في غنم ~~PageV11P107 بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ( قال الترمذى ~~حديث حسن # فحرص الرجل على المال والشرف يوجب فساد الدين فاما مجرد الحب الذى في ~~القلب إذا كان الانسان يفعل ما امره الله به ويترك ما نهى الله عنه ويخاف ~~مقام ربه وينهى النفس عن الهوى فان الله لا يعاقبه على مثل هذا إذا لم يكن ~~معه عمل وجمع المال إذا قام بالواجبات فيه ولم يكتسبه من الحرام لا يعاقب ~~عليه لكن اخراج فضول المال والاقتصار على الكفاية أفضل وأسلم وافرغ للقلب ~~واجمع للهم وانفع في الدنيا والآخرة وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( من ~~اصبح والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما كتب له ومن اصبح والآخرة اكبر همه جعل الله غناه في قلبه ~~وجمع عليه ضيعته وأتته الدنيا وهى راغمة PageV11P108 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عما يذكر من قولهم اتخذوا مع الفقير أيادى فان لهم دولة واى دولة وقول عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه إن النبى كان يتحدث مع أبى بكر رضى الله عنه وكنت ~~بينهما كالزنجى ما معنى ذلك وقول بعض الناس لبعض نحن في بركتك أو من وقت ~~حللت عندنا حلت علينا البركة ونحن في بركة هذا الشيخ المدفون عندنا هل هو ~~قول مشروع أم لا أفتونا مأجورين ### ||||| فاجاب # الحمد لله # أما الحديثان الأولان فكلاهما كذب وما قال عمر بن الخطاب ما ذكر ms3380 عنه قط ~~ولا روى هذا أحد باسناد صحيح ولا ضعيف وهو كلام باطل فان من كان دون عمر ~~كان يسمع كلام النبى ويفهم ما ينفعه الله به فكيف بعمر وعمر أفضل الخلق بعد ~~أبى بكر فكيف يكون كلام النبى وأبى بكر بمنزلة كلام الزنجى PageV11P109 ثم ~~الذين يذكرون هذا الحديث من ملاحدة الباطنية يدعون انهم علموا ذلك السر ~~الذى لم يفهمه عمر وحمله كل قوم على رأيهم الفاسد والنجادية يدعون انه ~~قولهم وأهل الحقيقة الكونية الذين ينفون الأمر والنهى والوعيد يدعون انه ~~قولهم # وأهل الحلول الخاص اشباه النصارى يدعون انه قولهم إلى أصناف أخر يطول ~~تعدادها # فهل يقول عاقل ان عمر وهو شاهد لم يفهم ما قالا وان هؤلاء الجهال الضلال ~~أهل الزندقة والالحاد والمحال علموا معنى ذلك الخطاب ولم ينقل أحد لفظه ~~وإنما وضع مثل هذا الكذب ملاحدة الباطنية حتى يقول الناس إن ما أظهره الرسل ~~من القرآن والايمان والشريعة له باطن يخالف ظاهره وكان أبو بكر يعلم ذلك ~~الباطن دون عمر ويجعلون هذا ذريعة عند الجهال إلى ان يسلخوهم من دين ~~الاسلام # ونظير هذا ما يروونه ان عمر تزوج امرأة أبى بكر ليعرف حاله في الباطن ~~فقالت كنت اشم رائحة الكبد المشوية فهذا ايضا كذب وعمر لم يتزوج امرأة ابى ~~بكر بل تزوجها على بن أبى طالب وكانت قبل أبى بكر عند جعفر وهى اسماء بنت ~~عميس وكانت من PageV11P110 عقلاء النساء وعمر كان أعلم بأبى بكر من نسائه ~~وغيرهم # واما الحديث الآخر وهو قوله ( اتخذوا مع الفقراء أيادى فان لهم دولة وأى ~~دولة ( فهذا أيضا كذب ما رواه أحد من الناس # والاحسان إلى الفقراء الذين ذكرهم الله في القرآن قال الله فيهم @QB@ إن ~~تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم @QE@ إلى ~~قوله @QB@ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله @QE@ وأهل الفيء وهم الفقراء ~~المجاهدون الذين قال الله فيهم @QB@ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم @QE@ الآية والمحسن إليهم وإلى غيرهم عليه ان يبتغى بذلك ~~وجه الله ms3381 ولا يطلب من مخلوق لا في الدنيا ولا في الآخرة كما قال تعالى @QB@ ~~وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ~~ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى @QE@ وقال @QB@ ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله @QE@ الآية # ومن طلب من الفقراء الدعاء أو الثناء خرج من هذه الآية فان في الحديث ~~الذى في سنن أبى داود ( من اسدى إليكم معروفا فكافئوه فان لم تجدوا ما ~~تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا انكم قد كافأتموه ( ولهذا كانت عائشة إذا ~~أرسلت إلى قوم بهدية تقول للرسول اسمع ما دعوا به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما ~~دعوا ويبقى اجرنا على الله PageV11P111 # وقال بعض السلف إذا اعطيت المسكين ~~فقال بارك الله عليك فقل بارك الله عليك اراد انه إذا اثابك بالدعاء فادع ~~له بمثل ذلك الدعاء حتى لا تكون اعتضت منه شيئا هذا والعطاء لم يطلب منهم ~~وقد قال النبى ( ما نفعنى مال كمال أبى بكر ( انفقه يبتغى به وجه الله كما ~~اخبر الله عنه لا يطلب الجزاء من مخلوق لا نبى ولا غيره لا بدعاء ولا شفاعة # وقول القائل لهم في الآخرة دولة واى دولة فهذا كذب بل الدولة لمن كان ~~مؤمنا تقيا فقيرا كان أو غنيا وقال تعالى @QB@ ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ الآيتين وقال تعالى @QB@ إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم @QE@ وقال تعالى @QB@ أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ ~~ونظير هذا في القرآن كثير ومع هذا فالمؤمنون الانبياء وسائر الأولياء لا ~~يشفعون لاحد إلا باذن الله كما قال تعالى ( من ذا الذى يشفع عنده إلا باذنه ~~) وقال ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) وقال تعالى ( والأمر يومئذ لله ) فمن ~~احسن إلى مخلوق يرجو ان ذلك المخلوق يجزيه يوم القيامة كان من الاخسرين ~~اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا بل ~~إنما يجزى على الأعمال يومئذ ms3382 الواحد القهار PageV11P112 الذى إليه الاياب ~~والحساب الذى لا يظلم مثقال ذرة وان تكن حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا ~~عظيما ولا يقبل من العمل إلا ما اريد به وجهه ### ||| فصل # وأما قول القائل نحن في بركة فلان أو من وقت حلوله عندنا حلت البركة فهذا ~~الكلام صحيح باعتبار باطل باعتبار فأما الصحيح فأن يراد به أنه هدانا ~~وعلمنا وامرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر فببركة اتباعه وطاعته حصل لنا من ~~الخير ما حصل فهذا كلام صحيح كما كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبى في ~~بركته لما آمنوا به واطاعوه فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة بل كل ~~مؤمن آمن بالرسول واطاعه حصل له من بركة الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير ~~الدنيا والآخرة مالا يعلمه إلا الله و ( أيضا ( إذا اريد بذلك انه ببركة ~~دعائه وصلاحه دفع الله الشر وحصل لنا رزق ونصر فهذا حق كما قال النبى ( وهل ~~تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم ( وقد يدفع العذاب ~~عن الكفار والفجار لئلا يصيب من بينهم من المؤمنين ممن PageV11P113 لا ~~يستحق العذاب ومنه قوله تعالى @QB@ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات @QE@ ~~إلى قوله @QB@ لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما @QE@ فلولا ~~الضعفاء المؤمنون الذين كانوا بمكة بين ظهرانى الكفار عذب الله الكفار ~~وكذلك قال النبى ( لولا ما في البيوت من النساء والذرارى لأمرت بالصلاة ~~فتقام ثم انطلق معى برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة معنا ~~فأحرق عليهم بيوتهم ( وكذلك ترك رجم الحامل حتى تضع جنينها وقد قال المسيح ~~عليه السلام ( واجعلنى مباركا اينما كنت ) فبركات اولياء الله الصالحين ~~باعتبار نفعهم للخلق بدعائهم إلى طاعة الله وبدعائهم للخلق وبما ينزل الله ~~من الرحمة ويدفع من العذاب بسببهم حق موجود فمن أراد بالبركة هذا وكان ~~صادقا فقوله حق # واما ( المعنى الباطل ( فمثل ان يريد الاشراك بالخلق مثل ان يكون رجل ~~مقبور بمكان فيظن ان الله يتولاهم لأجله وإن لم يقوموا بطاعة الله ورسوله ~~فهذا جهل فقد كان ms3383 الرسول صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم مدفون بالمدينة ~~عام الحرة وقد أصاب أهل المدينة من القتل والنهب والخوف ما لا يعلمه إلا ~~الله وكان ذلك لأنهم بعد الخلفاء الراشدين احدثوا اعمالا اوجبت ذلك وكان ~~على عهد الخلفاء يدفع الله عنهم بايمانهم وتقواهم لأن الخلفاء الراشدين ~~كانوا يدعونهم إلى ذلك PageV11P114 وكان ببركة طاعتهم للخلفاء الراشدين ~~وبركة عمل الخلفاء معهم ينصرهم الله ويؤيدهم وكذلك الخليل مدفون بالشام وقد ~~استولى النصارى على تلك البلاد قريبا من مائة سنة وكان اهلها في شر فمن ظن ~~ان الميت يدفع عن الحى مع كون الحى عاملا بمعصية الله فهو غالط # وكذلك إذا ظن ان بركة الشخص تعود على من اشرك به وخرج عن طاعة الله ~~ورسوله مثل ان يظن ان بركة السجود لغيره وتقبيل الأرض عنده ونحو ذلك يحصل ~~له السعادة وان لم يعمل بطاعة الله ورسوله وكذلك إذا اعتقد ان ذلك الشخص ~~يشفع له ويدخله الجنة بمجرد محبته وانتسابه إليه فهذه الأمور ونحوها مما ~~فيه مخالفة الكتاب والسنة فهو من احوال المشركين واهل البدع باطل لا يجوز ~~اعتقاده ولا اعتماده والله سبحانه وتعالى أعلم PageV11P115 ### |||| ( وسئل ( # عن رجل ~~( متصوف ( قال لانسان في كلام جرى بينهم فقراء الأسواق فقال له الرجل ~~اليهودى والنصرانى والمسلم في السوق قال تعالى @QB@ وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم @QE@ فقال ( الصوفى ( قال رسول الله ( الفقر إلى الله ( والأولياء ~~مفتقرون للخاتمة والأشقياء تحت القضاء ( قال الصوفى للرجل تعرف الفقر فقال ~~له لا قال الصوفى الفقر هو الله فأنكروا عليه هذا اللفظ ثم في ثانى يوم قال ~~رجل أنت قلت الفقر هو الله فقال الصوفى أنا قرأت في كتاب عن رسول الله أنه ~~قال ( من رآنى آمن بى ( وأنا رأيت الفقر فآمنت به والفقر هو الله ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما الحديث كذب على رسول الله وهو مع كونه كذبا مناقض ~~للعقل والدين فانه ليس كل من رآه آمن به بل قد رآه كثير مثل الكفار ~~والمنافقين وقول القائل آمنت بالفقر أو كفرت بالفقر هو من ms3384 الكلام الباطل بل ~~هو PageV11P116 كفر يجب أن يستتاب صاحبه فان تاب والا قتل والله سبحانه هو ~~الغنى والخلق هم الفقراء إليه # وقد قال تعالى @QB@ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن ~~أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ~~@QE@ فاذا كان الذين قالوا انه فقير قد توعدهم بهذا فكيف بمن يقول له الفقر ~~و ( المصدر ( ابلغ من الصفة وإذا كان منزها على ان يوصف بذلك فكيف يجعل ~~المصدر اسما له # ولو قال القائل اردت بذلك الفقر هو إرادة الله ولم يكن في السياق ما ~~يقتضى تصديقه لم يقبل ذلك منه وإن كان في السياق ما يقبل تصديقه نهى عن ~~العبارة الموهومة وأمر بالعبارة الحسنة # واما قوله الحديث المذكور وهو قوله ( الفقر فخرى وبه افتخر ( فهو كذب ~~موضوع لم يروه أحد من أهل المعرفة بالحديث عن النبى ومعناه باطل فان النبى ~~لم يفتخر بشيء بل قال ( انا سيد ولد آدم ولا فخر ( وقال في الحديث ( انه ~~أوحى إلى ان تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد ( ولو ~~افتخر بشيء لافتخر بما فضله الله به على سائر الخلق PageV11P117 و ( الفقر ~~( وصف مشترك بينه وبين سائر الفقراء سواء اريد به الشرعى وهو عدم المال أو ~~الفقر الاصطلاحى وهو مكارم الأخلاق والزهد مع ان لفظه في كلامه وكلام ~~اصحابه لا يراد به إلا الفقر الشرعى دون الاصطلاحى والله اعلم PageV11P118 ### |||| ( وسئل ( # عمن قال ان ( الفقير والغنى ( لا يفضل أحدهما صاحبه الا بالتقوى ~~فمن كان أتقى لله كان أفضل وأحب إلى الله تعالى وان الحديث الصحيح الذى قال ~~فيه ( يدخل فقراء امتى الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ( هذا في حق ضعفاء ~~المسلمين وصعاليكهم القائمين بفرائض الله تعالى وليس مختصا بمجرد ما عرف ~~واشتهر في هذه الأعصار المتأخرة من السجاد والمرقعة والعكاز والألفاظ ~~المنمقة بل هذه الهيئات المعتادة في هذه الأزمنة مخترعة مبتدعة فهل الأمر ~~على ما ذكر أم لا ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد ms3385 لله رب العالمين # قد تنازع كثير من متأخرى المسلمين في ( الغنى الشاكر والفقير الصابر ( ~~ايهما أفضل فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد ورجح هذا طائفة من العلماء ~~والعباد وقد حكى في ذلك عن الامام أحمد روايتان وأما الصحابة والتابعون فلم ~~ينقل عنهم تفضيل أحد الصنفين PageV11P119 على الآخر وقال طائفة ثالثة ليس ~~لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى فأيهما كان اعظم إيمانا وتقوى كان ~~أفضل وان استويا في ذلك استويا في الفضيلة وهذا أصح الأقوال لأن الكتاب ~~والسنة إنما تفضل بالايمان والتقوى وقد قال الله تعالى @QB@ إن يكن غنيا أو ~~فقيرا فالله أولى بهما @QE@ # وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر ~~الفقراء وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الأغنياء والكاملون ~~يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا وحال أبى ~~بكر وعمر رضى الله عنهما ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس انفع من الغنى ~~والغنى انفع لآخرين كما تكون الصحة لبعضهم انفع كما في الحديث الذى رواه ~~البغوى وغيره ( ان من عبادى من لا يصلحه الا الغنى ولو افقرته لافسده ذلك ~~وان من عبادى من لايصلحه إلا الفقر ولو اغنيته لافسده ذلك وان من عبادى من ~~لا يصلحه الا السقم ولو أصححته لافسده ذلك إنى إدبر عبادى إنى بهم خبير ~~بصير ( # وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( إن فقراء المسلمين يدخلون ~~الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم ( وفى الحديث الآخر لما علم الفقراء الذكر عقب ~~الصلوات سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل PageV11P120 ما قالوا فذكر ذلك ~~الفقراء للنبى فقال ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ( فالفقراء متقدمون في ~~دخول الجنة لخفة الحساب عليهم والأغنياء مؤخرون لأجل الحساب ثم إذا حوسب ~~احدهم فان كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه وإن ~~تأخر في الدخول كما أن السبعين الفا يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم عكاشة بن ~~محصن وقد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من احدهم وصلى ms3386 الله وسلم على محمد ~~PageV11P121 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ### ||| فصل # قد كثر تنازع الناس ايهما افضل ( الفقير الصابر أو الغنى الشاكر ( وأكثر ~~كلامهم فيها مشوب بنوع من الهوى أو بنوع من قلة المعرفة والنزاع فيها بين ~~الفقهاء والصوفية والعامة والرؤساء وغيرهم وقد ذكر القاضي أبو الحسين بن ~~القاضي أبى يعلى في كتاب ( التمام لكتاب الروايتين والوجهين ( لأبيه فيها ~~عن أحمد روايتين # ( احداهما ) إن الفقير الصابر أفضل وذكر انه اختار هذه الرواية أبو إسحاق ~~بن شاقلا ووالده القاضي أبو يعلى ونصرها هو # و ( الثانية ( أن الغنى الشاكر أفضل اختاره جماعة منهم بن قتيبة و ( ~~القول الأول ( يميل إليه كثير من أهل المعرفة والفقه PageV11P122 والصلاح ~~من الصوفية والفقراء ويحكى هذا القول عن الجنيد وغيره و ( القول الثانى ( ~~يرجحه طائفة منهم كأبى العباس بن عطاء وغيره وربما حكى بعض الناس في ذلك ~~اجماعا وهو غلط # وفى المسألة ( قول ثالث ( وهو الصواب انه ليس هذا أفضل من هذا مطلقا ولا ~~هذا أفضل من هذا مطلقا بل أفضلهما اتقاهما كما قال تعالى @QB@ إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم @QE@ وقال عمر بن الخطاب الغنى والفقر مطيتان لا أبالى ~~ايتهما ركبت وقد قال تعالى @QB@ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما @QE@ ~~وهذا القول اختيار طائفة منهم الشيخ بن حفص السهروردى وقد يكون هذا أفضل ~~لقوم وفى بعض الأحوال وهذا أفضل لقوم وفى بعض الأحوال فان استويا في سبب ~~الكرامة استويا في الدرجة وإن فضل احدهما الآخر في سببها ترجح عليه هذا هو ~~الحكم العام # والفقر والغنى حالان يعرضان للعبد باختياره تارة وبغير اختياره اخرى ~~كالمقام والسفر والصحة والمرض والامارة والائتمار والامامة والائتمام وكل ~~جنس من هذه الأجناس لا يجوز إطلاق القول بتفضيله على الآخر بل قد يكون هذا ~~أفضل في حال وهذا في حال وقد يستويان في حال كما في الحديث المرفوع في ( ~~شرح السنة ) للبغوى عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه ~~تعالى ( وان من عبادى من PageV11P123 لا يصلحه ms3387 إلا الغنى ولو افقرته لأفسده ~~ذلك وإن من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو اغنيته لأفسده ذلك وإن من ~~عبادى من لا يصلحه إلا الصحة ولو اسقمته لأفسده ذلك وإن من عبادى من لا ~~يصلحه إلا السقم ولو اصححته لأفسده ذلك انى ادبر عبادى إنى بهم خبير بصير ( # وفى هذا المعنى ما يروى ( إن الله يحمى عبده المؤمن الدنيا كما يحمى ~~احدكم مريضه الطعام والشراب ( ويروى في مناجاة موسى نحو هذا ذكره أحمد في ~~الزهد فهذا فيمن يضره الغنى ويصلحه الفقر كما في الحديث الآخر ( نعم المال ~~الصالح للرجل الصالح ( # وكما ان الأقوال في المسألة ( ثلاثة ( فالناس ( ثلاثة أصناف ( غنى وهو من ~~ملك ما يفضل عن حاجته وفقير وهو من لا يقدر على تمام كفايته وقسم ثالث وهو ~~من يملك وفق كفايته ولهذا كان في اكابر الأنبياء والمرسلين والسابقين ~~الاولين من كان غنيا كابراهيم الخليل وأيوب وداود وسليمان وعثمان بن عفان ~~وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن معاذ واسيد بن الحضير واسعد بن ~~زرارة وأبى أيوب الأنصارى وعبادة بن الصامت ونحوهم ممن هو من أفضل الخلق من ~~النبيين والصديقين PageV11P124 وفيهم من كان فقيرا كالمسيح عيسى بن مريم ~~ويحيى بن زكريا وعلى بن أبى طالب وأبى ذر الغفارى ومصعب بن عمير وسلمان ~~الفارسى ونحوهم ممن هو من أفضل الخلق من النبيين والصديقين وقد كان فيهم من ~~اجتمع له الأمران الغنى تارة والفقر أخرى واتى باحسان الأغنياء وبصبر ~~الفقراء كنبينا صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر والنصوص الواردة في ~~الكتاب والسنة حاكمة بالقسط فان الله في القرآن لم يفضل احدا بفقر ولا غنى ~~كما لم يفضل أحدا بصحة ولا مرض ولا إقامة ولا سفر ولا امارة ولا ائتمار ولا ~~امامة ولا ائتمام بل قال @QB@ إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ وفضلهم ~~بالأعمال الصالحة من الايمان ودعائمه وشعبه كاليقين والمعرفة ومحبة الله ~~والانابة إليه والتوكل عليه ورجائه وخشيته وشكره والصبر له وقال في آية ~~العدل @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا ms3388 قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا @QE@ # ولذلك كان النبى وخلفاؤه يعدلون بين المسلمين غنيهم وفقيرهم في امورهم ~~ولما طلب بعض الأغنياء من النبى ابعاد الفقراء نهاه الله عن ذلك وأثنى ~~عليهم بأنهم يريدون وجهه فقال ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ) الآية ~~PageV11P125 # وقال @QB@ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم @QE@ ولما طلب بعض ~~الفقراء من النبى صلى الله عليه وسلم ما لا يصلح له نهاه عن ذلك وقال ( يا ~~أبا ذر انى اراك ضعيفا وانى احب لك ما احب لنفسى لاتأمرن على اثنين ولا ~~تولين مال يتيم ( # وكانوا يستوون في مقاعدهم عنده وفى الاصطفاف خلفه وغير ذلك ومن اختص منهم ~~بفضل عرف النبى له ذلك الفضل كما قنت للقراء السبعين وكان يجلس مع أهل ~~الصفة وكان ايضا لعثمان وطلحة والزبير وسعد بن معاذ واسيد بن الحضير وعباد ~~بن بشر ونحوهم من ساداة المهاجرين والأنصار الأغنياء منزلة ليست لغيرهم من ~~الفقراء وهذه سيرة المعتدلين من الأئمة في الأغنياء والفقراء وهذا هو العدل ~~والقسط الذى جاء به الكتاب والسنة وهى طريقة عمر بن عبد العزيز والليث بن ~~سعد وبن المبارك ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم في معاملتهم للأقوياء والضعفاء ~~والأغنياء والفقراء # وفى الأئمة كالثورى ونحوه من كان يميل إلى الفقراء ويميل على الأغنياء ~~مجتهدا في ذلك طالبا به رضا الله حتى عتب عليه ذلك في آخر عمره ورجع عنه ~~PageV11P126 وفيهم من كان يميل مع الأغنياء والرؤساء كالزهرى ورجاء بن حيوة ~~وأبى الزناد وأبى يوسف ومحمد واناس آخرين وتكلم فيهم من تكلم بسبب ذلك ولهم ~~في ذلك تأويل واجتهاد والأول هو العدل والقسط الذى دل عليه الكتاب والسنة # ونصوص النبى معتدلة فانه قد روى ( ان الفقراء قالوا له يا رسول الله ذهب ~~أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلى ويصومون كما نصوم ولهم فضول اموال ~~يتصدقون بها ولا نتصدق فقال ألا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه ادركتم به من ~~سبقكم ms3389 ولم يلحقكم من بعدكم إلا من عمل مثل عملكم فعلمهم التسبيح المائة في ~~دبر كل صلاة فجاؤا إليه فقالوا ان اخواننا من الأغنياء سمعوا ذلك ففعلوه ~~فقال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ( وهذه الزيادة في صحيح مسلم من مراسيل ~~أبى صالح فهذا فيه تفضيل للأغنياء الذين عملوا مثل عمل الفقراء من العبادات ~~البدنية بالقلب والبدن وزادوا عليهم بالانفاق في سبيل الله ونحوه من ~~العبادات المالية # وثبت عنه أيضا في الصحيح انه قال ( يدخل فقراء امتى الجنة قبل الأغنياء ~~بنصف يوم خمسمائة عام وفى رواية بأربعين خريفا ( فهذا فيه تفضيل الفقراء ~~المؤمنين بأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء المؤمنين وكلاهما حق فان الفقير ~~ليس معه مال كثير يحاسب على PageV11P127 قبضه وصرفه فلا يؤخر عن دخول الجنة ~~لأجل الحساب فيسبق في الدخول وهو احوج إلى سرعة الثواب لما فاته في الدنيا ~~من الطيبات والغنى يحاسب فان كان محسنا في غناه غير مسيء وهو فوقه رفعت ~~درجته عليه بعد الدخول وان كان مثله ساواه وان كان دونه نزل عنه وليست ~~حاجته إلى سرعة الثواب كحاجة الفقير # ونظير هذا قوله في ( حوضه ( الذى طوله شهر وعرضه شهر ( ماؤه أبيض من ~~اللبن وأحلى من العسل أول الناس على وردا فقراء المهاجرين الدنسين ثيابا ~~الشعث رؤوسا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم ابواب الملوك يموت ~~احدهم وحاجته تختلج في صدره لا يجد لها قضاء ( فكانوا اسبق إلى الذى يزيل ~~ما حصل لهم في الدنيا من اللأواء والشدة وهذا موضع ضيافة عامة فانه يقدم ~~الاشد جوعا في الاطعام وان كان لبعض المستأخرين نوع اطعام ليس لبعض ~~المتقدمين لاستحقاقه ذلك ببذله عنده أو غير ذلك وليس في المسألة عن النبى ~~اصح من هذين الحديثين وفيها الحكم الفصل إن الفقراء لهم السبق والاغنياء ~~لهم الفضل وهذا قد يترجح تارة وهذا كالسبعين الفا الذين يدخلون الجنة بغير ~~حساب ومع كل الف سبعين الفا وقد يحاسب بعدهم من إذا دخل رفعت درجته عليهم # وما روى ان بن عوف يدخل الجنة ms3390 حبوا ( كلام موضوع لا أصل له PageV11P128 ~~فإنه قد ثبت بأدلة الكتاب والسنة ان أفضل الأمة أهل بدر ثم أهل بيعة ~~الرضوان والعشرة مفضلون على غيرهم والخلفاء الأربعة أفضل الأمة وقد ثبت في ~~الصحاح انه قال ( اطلعت في الجنة فرأيت اكثر اهلها الفقراء واطلعت في النار ~~فرأيت اكثر أهلها النساء ( وثبت في الصحاح ايضا انه قال ( احتجت الجنة ~~والنار فقالت الجنة مالى لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار ~~مالى لا يدخلنى إلا الجبارون والمتكبرون ( وقوله ( وقفت على باب الجنة فاذا ~~عامة من يدخلها المساكين وإذا اصحاب الجد محبوسون إلا أهل النار فقد أمر ~~بهم إلى النار ( هذا مع قوله في الحديث الصحيح ( المؤمن القوى خير وأحب إلى ~~الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير ( # فهذه الأحاديث فيها معنيان أحدهما ان الجنة دار المتواضعين الخاشعين لا ~~دار المتكبرين الجبارين سواء كانوا أغنياء أو فقراء فانه قد ثبت في الصحيح ~~( أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في ~~قلبه مثقال ذرة من ايمان فقيل يا رسول الله الرجل يحب ان يكون ثوبه حسنا ~~ونعله حسنا أفمن الكبر ذاك فقال لا ان الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر ~~الحق وغمط الناس ( فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله يحب التجمل في اللباس ~~PageV11P129 الذى لايحصل إلا بالغنى وأن ذلك ليس من الكبر وفى الحديث ~~الصحيح ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم فقير مختال وشيخ زان وملك كذاب ( وكذلك الحديث المروى ( لا يزال ~~الرجل يذهب بنفسه ثم يذهب بنفسه ثم يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله جبارا وما ~~يملك إلا أهله ( # فعلم بهذين الحديثين أن من الفقراء من يكون مختالا لا يدخل الجنة وأن من ~~الأغنياء من يكون متجملا غير متكبر يحب الله جماله مع قوله في الحديث ~~الصحيح ( إن الله لاينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم # ومن هذا الباب قول هرقل ms3391 لأبى سفيان أفضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم قال ~~بل ضعفاؤهم قال وهم اتباع الأنبياء وقد قالوا لنوح ( أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون ( فهذا فيه أن أهل الرئاسة والشرف يكونون ابعد عن الانقياد إلى ~~عبادة الله وطاعته لأن حبهم للرئاسة يمنعهم ذلك بخلاف المستضعفين وفى هذا ~~المعنى الحديث المأثور إن كان محفوظا ( اللهم احينى مسكينا وامتنى مسكينا ~~واحشرنى في زمرة المساكين ( فالمساكين ضد المتكبرين وهم الخاشعون لله ~~المتواضعون لعظمته الذين لا يريدون علوا في الأرض سواء كانوا أغنياء أو ~~فقراء PageV11P130 # ومن هذا الباب إن الله خيره بين أن يكون عبدا رسولا وبين ان يكون نبيا ~~ملكا فاختار ان يكون عبدا رسولا لأن العبد الرسول يتصرف بأمر سيده لا لأجل ~~حظه واما الملك فيتصرف لحظ نفسه وإن كان مباحا كما قيل لسليمان ( هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ( ففى هذه الاحاديث انه اختار العبودية ~~والتواضع وان كان هو الأعلى هو ومن اتبعه كما قال ( ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون ) وقال ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ( ولم يرد العلو وان ~~كان قد حصل له وقد اعطى مع هذا من العطاء ما لم يعطه غيره وإنما يفضل الغنى ~~لأجل الاحسان إلى الخلق والانفاق في سبيل الله والاستعانة به على طاعة الله ~~وعبادته والا فذات ملك المال لا ينفع بل قد يضر وقد صبر مع هذا من اللأواء ~~والشدة على ما لم يصبر عليه غيره فنال أعلى درجات الشاكرين وأفضل مقامات ~~الصابرين وكان سابقا في حالي الفقر والغنى لم يكن ممن لا يصلحه إلا احدهما ~~كبعض اصحابه وامته # ( المعنى الثانى ( أن الصلاح في الفقراء اكثر منه في الأغنياء كما أنه ~~إذا كان في الأغنياء فهو أكمل منه في الفقراء فهذا في هؤلاء أكثر وفى هؤلاء ~~أكثر لأن فتنة الغنى اعظم من فتنة الفقر فالسالم منها اقل ومن سلم منها كان ~~أفضل ممن سلم من فتنة الفقر فقط ولهذا PageV11P131 صار الناس يطلبون الصلاح ~~في الفقراء لأن المظنة فيهم أكثر فهذا هذا والله أعلم # فلهذا السبب صارت ms3392 المسكنة نسبته وكذلك لما رأوا المسكنة والتواضع في ~~الفقراء اكثر اعتقدوا أن التواضع والمسكنة هو الفقر وليس كذلك بل الفقر هنا ~~عدم المال والمسكنة خضوع القلب وكان النبى يستعيذ من فتنة الفقر وشر فتنة ~~الغنى وقال بعض الصحابة ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر ~~وقد قال ( والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما ~~بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها ( ولهذا كان الغالب على المهاجرين الفقر ~~والغالب على الأنصار الغنى والمهاجرون أفضل من الأنصار وكان في المهاجرين ~~أغنياءهم من أفضل المهاجرين مع أنهم بالهجرة تركوا من أموالهم ما صاروا به ~~فقراء بالنسبة إلى ما كانوا عليه PageV11P132 ### |||| ( وسئل ( # عن ( الحمد والشكر ( ~~ما حقيقتهما هل هما معنى واحد أو معنيان وعلى أى شيء يكون الحمد وعلى أى ~~شيء يكون الشكر ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين # ( الحمد ( يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الاحسان ~~إلى الحامد أو لم يكن والشكر لا يكون إلا على احسان المشكور إلى الشاكر فمن ~~هذا الوجه الحمد أعم من الشكر لأنه يكون على المحاسن والاحسان فان الله ~~تعالى يحمد على ماله من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى وما خلقه في الآخرة ~~والأولى ولهذا قال تعالى @QB@ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور @QE@ وقال @QB@ الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض وله الحمد في الآخرة @QE@ وقال @QB@ الحمد لله فاطر السماوات والأرض ~~جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء ~~@QE@ PageV11P133 وأما ( الشكر ( فانه لا يكون إلا على الانعام فهو اخص من ~~الحمد من هذا الوجه لكنه يكون بالقلب واليد واللسان كما قيل أفادتكم ~~النعماء منى ثلاثة يدى ولسانى والضمير المحجبا ولهذا قال تعالى @QB@ اعملوا ~~آل داود شكرا @QE@ # و ( الحمد ( إنما يكون بالقلب واللسان فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة ~~انواعه والحمد أعم من جهة أسبابه ومن هذا الحديث ( الحمد لله رأس الشكر فمن ~~لم يحمد الله لم يشكره ( وفى الصحيح عن النبى ms3393 صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~ان الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده ~~عليها ) والله أعلم PageV11P134 ### || 1 ( تلخيص مناظرة المؤلف وابن المرحل ) 1 ### || تلخيص مناظرة في الحمد والشكر # بحث جرى بين شيخ الاسلام تقى الدين بن تيمية رحمه الله وبين بن المرحل # كان الكلام في الحمد والشكر وان الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح ~~والحمد لا يكون الا باللسان فقال بن المرحل قد نقل بعض المصنفين وسماه أن ~~مذهب أهل السنة والجماعة ان الشكر لا يكون الا بالاعتقاد ومذهب الخوارج انه ~~يكون بالاعتقاد والقول والعمل وبنوا على هذا ان من ترك الاعمال يكون كافرا ~~لان الكفر نقيض الشكر فاذا لم يكن شاكرا كان كافرا # قال الشيخ تقى الدين هذا المذهب المحكى عن أهل السنة خطأ والنقل عن أهل ~~السنة خطأ فان مذهب اهل السنة ان الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل قال ~~الله تعالى PageV11P135 @QB@ اعملوا آل داود شكرا @QE@ وقام النبى حتى ~~تورمت قدماه فقيل له ( أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأ ~~خر قال افلا أكون عبدا شكورا ) # قال بن المرحل انا لا اتكلم في الدليل واسلم ضعف هذا القول لكن أنا أنقل ~~أنه مذهب أهل السنة # قال الشيخ تقى الدين نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ فان القول اذا ثبت ضعفه ~~كيف ينسب إلى أهل الحق # ثم قد صرح من شاء الله من العلماء المعروفين بالسنة ان الشكر يكون ~~بالاعتقاد والقول والعمل وقد دل على ذلك الكتاب والسنة # قلت وباب سجود الشكر في الفقه اشهر من ان يذكر وقد قال النبى عن سجدة ~~سورة ( ص ) ( سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا ( ثم من الذى قال من أئمة ~~السنة إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد # قال بن المرحل هذا قد نقل والنقل لا يمنع لكن يستشكل ويقال هذا مذهب مشكل ~~PageV11P136 # قال الشيخ تقى الدين بن تيمية النقل نوعان أحدهما أن ينقل ما سمع أو رأى ~~والثانى ما ينقل باجتهاد واستنباط وقول القائل ms3394 مذهب فلان كذا أو مذهب أهل ~~السنة كذا قد يكون نسبه إليه لاعتقاده ان هذا مقتضى أصوله وإن لم يكن فلان ~~قال ذلك ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرا ألا ترى ان كثيرا من المصنفين يقولون ~~مذهب الشافعى أو غيره كذا ويكون منصوصه بخلافه وعذرهم في ذلك أنهم رأوا أن ~~أصوله تقتضى ذلك القول فنسبوه إلى مذهبه من جهة الاستنباط لا من جهة النص ~~وكذلك هذا لما كان أهل السنة لا يكفرون بالمعاصى والخوارج يكفرون بالمعاصى ~~ثم رأى المصنف الكفر ضد الشكر اعتقد أنا إذا جعلنا الأعمال شكرا لزم انتفاء ~~الشكر بانتفائها ومتى انتفى الشكر خلفه الكفر ولهذا قال إنهم بنوا على ذلك ~~التكفير بالذنوب # فلهذا عزى إلى أهل السنة اخراج الأعمال عن الشكر # قلت كما ان كثيرا من المتكلمين أخرج الأعمال عن الايمان لهذه العلة قال ~~وهذا خطأ لأن التكفير نوعان احدهما كفر النعمة والثانى الكفر بالله والكفر ~~الذى هو ضد الشكر إنما هو كفر النعمة لاالكفر بالله فاذا زال الشكر خلفه ~~كفر PageV11P137 النعمة لا الكفر بالله # قلت على انه لو كان ضد الكفر بالله فمن ترك الأعمال شاكرا بقلبه ولسانه ~~فقد اتى ببعض الشكر واصله والكفر إنما يثبت إذا عدم الشكر بالكلية كما قال ~~أهل السنة إن من ترك فروع الايمان لا يكون كافرا حتى يترك أصل الايمان وهو ~~الإعتقاد ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة التى هي ذات شعب وأجزاء زوال اسمها ~~كالانسان إذا قطعت يده أو الشجرة إذا قطع بعض فروعها # قال الصدر بن المرحل فان اصحابك قد خالفوا الحسن البصرى في تسمية الفاسق ~~كافر النعمة كما خالفوا الخوارج في جعله كافرا بالله # قال الشيخ تقى الدين أصحابى لم يخالفوا الحسن في هذا فعمن تنقل من اصحابى ~~هذا بل يجوز عندهم ان يسمى الفاسق كافر النعمة حيث اطلقته الشريعة # قال بن المرحل إنى أنا ظننت ان أصحابك قد قالوا هذا لكن اصحابى قد خالفوا ~~الحسن في هذا # قال الشيخ تقى الدين ولا أصحابك خالفوه فإن اصحابك PageV11P138 قد ms3395 تأولوا ~~أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم التى أطلق فيها الكفر على بعض الفسوق مثل ~~ترك الصلاة وقتال المسلمين على ان المراد به كفر النعمة فعلم انهم يطلقون ~~على المعاصى في الجملة انها كفر النعمة فعلم انهم موافقوا الحسن لا مخالفوه # ثم عاد بن المرحل فقال أنا انقل هذا عن المصنف والنقل ما يمنع لكن يستشكل # قال الشيخ تقى الدين إذا دار الامر بين ان ينسب إلى أهل السنة مذهب باطل ~~أو ينسب الناقل عنهم إلى تصرفه في النقل كان نسبة الناقل إلى التصرف أولى ~~من نسبة الباطل إلى طائفة أهل الحق مع أنهم صرحوا في غير موضع ان الشكر ~~يكون بالقول والعمل والاعتقاد وهذا اظهر من أن ينقل عن واحد بعينه # ثم أنا نعلم بالاضطرار انه ليس من أصول أهل الحق اخراج الأعمال أن تكون ~~شكرا لله بل قد نص الفقهاء على ان الزكاة شكر نعمة المال وشواهد هذا أكثر ~~من أن تحتاج إلى نقل # وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول والعمل في الكتب التى يتكلم فيها على لفظ ~~( الحمد ( والشكر ( مثل كتب التفسير واللغة PageV11P139 وشروح الحديث يعرفه ~~آحاد الناس والكتاب والسنة قد دلا على ذلك فخرج إبن المرحل إلى شيء غير هذا ~~فقال الحسن البصرى يسمى الفاسق منافقا واصحابك لا يسمونه منافقا # قال الشيخ تقى الدين له بل يسمى منافقا النفاق الأصغر لا النفاق الأكبر ~~والنفاق يطلق على النفاق الأكبر الذى هو إضمار الكفر وعلى النفاق الاصغر ~~الذى هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات # قال له بن المرحل ومن أين قلت إن الاسم يطلق على هذا وعلى هذا # قال الشيخ تقى الدين هذا مشهور عند العلماء وبذلك فسروا قول النبى ( آية ~~المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا أئتمن خان ( وقد ذكر ذلك ~~الترمذى وغيره وحكوه عن العلماء وقال غير واحد من السلف ( كفر دون كفر ~~ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك ( وإذا كان النفاق جنسا تحته نوعان فالفاسق ~~داخل في أحد نوعيه PageV11P140 # قال بن المرحل كيف ms3396 تجعل النفاق اسم جنس وقد جعلته لفظا مشتركا وإذا كان ~~اسم جنس كان متواطئا والأسماء المتواطئة غير المشتركة فكيف تجعله مشتركا ~~متواطئا ( # قال الشيخ تقى الدين انا لم أذكر انه مشترك وإنما قلت يطلق على هذا وعلى ~~هذا والاطلاق اعم # ثم لو قلت إنه مشترك لكان الكلام صحيحا فان اللفظ الواحد قد يطلق على ~~شيئين بطريق التواطؤ وبطريق الاشتراك فأطلقت لفظ النفاق على إبطان الكفر ~~وإبطان المعصية تارة بطريق الاشتراك وتارة بطريق التواطؤ كما أن لفظ الوجود ~~يطلق على الواجب والممكن عند قوم باعتبار الاشتراك وعند قوم باعتبار ~~التواطؤ ولهذا سمى مشككا # قال بن المرحل كيف يكون هذا وأخذ في كلام لا يحسن ذكره # قال له الشيخ تقى الدين المعانى الدقيقة تحتاج إلى إصغاء وإستماع وتدبر ~~وذلك ان الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز واللفظ يطلق على كل ~~منهما فقد يطلق عليهما باعتبار ما به PageV11P141 تمتاز كل ماهية عن الأخرى ~~فيكون مشتركا كالاشتراك اللفظى وقد يكون مطلقا باعتبار القدر المشترك بين ~~الماهيتين فيكون لفظا متواطئا # قلت ثم إنه في اللغة يكون موضوعا للقدر المشترك ثم يغلب عرف الاستعمال ~~على استعماله في هذا تارة وفى هذا تارة فيبقى دالا بعرف الاستعمال على ما ~~به الاشتراك والامتياز وقد يكون قرينة مثل لام التعريف أو الاضافة تكون هي ~~الدالة على ما به الإمتياز # مثال ذلك ( اسم الجنس ( إذا غلب في العرف على بعض انواعه كلفظ الدابة إذا ~~غلب على الفرس قد نطلقه على الفرس باعتبار القدر المشترك بينها وبين سائر ~~الدواب فيكون متواطئا وقد نطلقه باعتبار خصوصية الفرس فيكون مشتركا بين ~~خصوص الفرس وعموم سائر الدواب ويصير استعماله في الفرس تارة بطريق التواطؤ ~~وتارة بطريق الاشتراك وهكذا إسم الجنس إذا غلب على بعض الأشخاص وصار علما ~~بالغلبة مثل بن عمرو والنجم فقد نطلقه عليه باعتبار القدر المشترك بينه ~~وبين سائر النجوم وسائر بنى عمرو فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ وقد ~~نطلقه عليه باعتبار ما به يمتاز عن غيره من النجوم ومن ms3397 بنى عمرو فيكون ~~بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصى وبين المعنى النوعى وهكذا كل اسم عام ~~غلب على بعض افراده PageV11P142 يصح استعماله في ذلك الفرد بالوضع الأول ~~العام فيكون بطريق التواطؤ بالوضع الثانى فيصير بطريق الاشتراك # ولفظ ( النفاق ) من هذا الباب فانه في الشرع اظهار الدين وابطان خلافه ~~وهذا المعنى الشرعى اخص من مسمى النفاق في اللغة فانه في اللغة اعم من ~~اظهار الدين # ثم ابطان ما يخالف الدين اما ان يكون كفرا أو فسقا فاذا أظهر انه مؤمن ~~وابطن التكذيب فهذا هو النفاق الأكبر الذى اوعد صاحبه بأنه في الدرك الاسفل ~~من النار وان أظهر انه صادق أو موف أو أمين وابطن الكذب والغدر والخيانة ~~ونحو ذلك فهذا هو النفاق الاصغر الذى يكون صاحبه فاسقا # فاطلاق النفاق عليهما في الاصل بطريق التواطؤ # وعلى هذا فالنفاق اسم جنس تحته نوعان ثم انه قد يراد به النفاق في أصل ~~الدين مثل قوله @QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل @QE@ و @QB@ إذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون @QE@ والمنافق هنا الكافر # وقد يراد به النفاق في فروعه مثل قوله PageV11P143 ( آية المنافق ثلاث ( ~~وقوله ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ( وقول بن عمر فيمن يتحدث عند ~~الامراء بحديث ثم يخرج فيقول بخلافه ( كنا نعد هذا على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم نفاقا ( # فإذا أردت به أحد النوعين فأما ان يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام ~~العهد والاضافة فهذا لا يخرجه عن ان يكون متواطئا كما إذا قال الرجل جاء ~~القاضي وعنى به قاضى بلده لكون اللام للعهد كما قال سبحانه ( فعصى فرعون ~~الرسول ) ان اللام هي أوجبت قصر الرسول على موسى لا نفس لفظ ( رسول ( واما ~~ان يكون لغلبة الاستعمال عليه فيصير مشتركا بين اللفظ العام والمعنى الخاص ~~فكذلك قوله ( إذا جاءك المنافقون ) فان تخصيص هذا اللفظ بالكافر إما أن ~~يكون لدخول اللام التى تفيد العهد والمنافق المعهود هو الكافر أو تكون ~~لغلبة ms3398 هذا الاسم في الشرع على نفاق الكفر وقوله صلى الله عليه وسلم ( ثلاث ~~من كن فيه كان منافقا ( يعنى به منافقا بالمعنى العام وهو إظهاره من الدين ~~خلاف ما يبطن # فاطلاق لفظ ( النفاق ( على الكافر وعلى الفاسق إن اطلقته باعتبار ما ~~يمتاز به عن الفاسق كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك وكذلك ~~يجوز أن يراد به الكافر خاصة ويكون متواطئا إذا كان الدال على الخصوصية غير ~~لفظ ( منافق ( بل لام التعريف PageV11P144 وهذا البحث الشريف جار في كل لفظ ~~عام استعمل في بعض أنواعه إما لغلبة الاستعمال أو لدلالة لفظية خصته بذلك ~~النوع مثل تعريف الاضافة أو تعريف اللام فان كان لغلبة الاستعمال صح أن ~~يقال إن اللفظ مشترك وإن كان لدلالة لفظية كان اللفظ باقيا على مواطأته # فلهذا صح أن يقال ( النفاق ) اسم جنس تحته نوعان لكون اللفظ في الأصل ~~عاما متواطئا # وصح ان يقال هو مشترك بين النفاق في اصل الدين وبين مطلق النفاق في الدين ~~لكونه في عرف الاستعمال الشرعى غلب على نفاق الكفر PageV11P145 ### || بحث ثان # ( وهو ) ان الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص # فالحمد اعم من جهة أسبابه التى يقع عليها فانه يكون على جميع الصفات ~~والشكر لا يكون الا على الاحسان والشكر اعم من جهة ما به يقع فانه يكون ~~بالاعتقاد والقول والفعل والحمد 2 يكون بالفعل أو بالقول أو بالاعتقاد # أورد الشيخ الامام زين الدين بن المنجا الحنبلى ان هذا الفرق انما هو من ~~جهة متعلق الحمد والشكر لان كونه يقع على كذا ويقع بكذا خارج عن ذاته فلا ~~يكون فرقا في الحقيقة والحدود انما يتعرض فيها لصفات الذات لا لما خرج عنها # فقال شيخ الاسلام تقى الدين بن تيمية # المعانى على قسمين مفردة ومضافة فالمعانى المفردة حدودها لا توجد فيها ~~بتعلقاتها واما المعانى الاضافية فلابد ان يوجد في PageV11P146 حدودها تلك ~~الاضافات فانها داخلة في حقيقتها ولا يمكن تصورها الا بتصور تلك المتعلقات ~~فتكون المتعلقات جزءا من حقيقتها فتعين ذكرها في الحدود # والحمد والشكر معلقان ms3399 بالمحمود عليه والمشكور عليه فلا يتم ذكر حقيقتهما ~~إلا بذكر م 4 تعلقهما فيكون متعلقهما داخلا في حقيقتهما # فاعترض الصدر بن المرحل بأنه ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية فلا يكون ~~للحمد والشكر من متعلقهما صفة ثبوتية فان المتعلق صفة نسبية والنسب امور ~~عدمية وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة لان العدم لا يكون ~~جزءا من الوجود # فقال الشيخ تقى الدين قولك ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية ليس على ~~العموم بل قد يكون للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية وقد لا يكون وإنما الذى ~~يقوله أكثر المتكلمين ليس لمتعلق القول من القول صفة ثبوتية # ثم الصفات المتعلقة نوعان احدهما اضافة محضة مثل الابوة والبنوة والفوقية ~~والتحتية ونحوها فهذه الصفة هي التى يقال فيها هي مجرد نسبة وإضافة والنسب ~~أمور عدمية والثانى صفة ثبوتية مضافة PageV11P147 إلى غيرها كالحب والبغض ~~والارادة والكراهة والقدرة وغير ذلك من الصفات فإن الحب صفة ثبوتية متعلقة ~~بالمحبوب فالحب معروض للاضافة بمعنى أن الاضافة صفة عرضت له لا أن نفس الحب ~~هو الاضافة ففرق بين ما هو إضافة وبين ما هو صفة مضافة فالاضافة يقال فيها ~~إنها عدمية قال وأما الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب # قال إبن المرحل الحب أمر عدمى لأن الحب نسبة والنسب عدمية # قال الشيخ تقى الدين كون الحب والبغض والارادة والكراهة أمرا عدميا باطل ~~بالضرورة وهو خلاف اجماع العقلاء # ثم هو مذهب بعض المعتزلة في ارادة الله فانه زعم أنها صفة سلبية بمعنى ~~أنه غير مغلوب ولا مستكره وأطبق الناس على بطلان هذا القول وأما ارادة ~~المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحدا من العقلاء قال انه عدمى # فأصر إبن المرحل على أن الحب الذى هو ميل القلب إلى المحبوب أمر عدمى ~~وقال المحبة أمر وجودى PageV11P148 # قال الشيخ تقى الدين المحبة هي الحب فانه يقال أحبه وحبه حبا ومحبة ولا ~~فرق وكلاهما مصدر # قال بن المرحل وأنا اقول انهما اذا كانا مصدرين فهما أمر عدمى # قال له الشيخ تقى ms3400 الدين الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد ~~انتهى وتم وكون الحب والبغض امرا وجوديا معلوم بالاضطرار فإن كل أحد يعلم ~~ان الحى ان كان خاليا عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية فإذا صار محبا فقد ~~تغير الموصوف وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل ان يقوم به الحب ومن ~~يحس ذلك من نفسه يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه # ودليل ذلك أنك تقول أحب يحب محبة ونقيض احب لم يحب ولم يحب صفة عدمية ~~ونقيض العدم الاثبات # قال بن المرحل هذا ينتقض بقولهم امتنع يمتنع فان نقيض الامتناع لا امتناع ~~وامتناع صفة عدمية # قال الشيخ تقى الدين الامتناع امر اعتبارى عقلى فان الممتنع ليس له وجود ~~خارجى حتى تقوم به صفة وانما هو معلوم بالعقل PageV11P149 وباعتبار كونه ~~معلوما له ثبوت علمى وسلب هذا الثبوت العلمى عدم هذا الثبوت فلم ينقض هذا ~~قولنا نقيض العدم ثبوت واما الحب فانه صفة قائمة بالمحب فانك تشير إلى عين ~~خارجة وتقول هذا الحى صار محبا بعد ان لم يكن محبا فتخبر عن الوجود الخارجى ~~فإذا كان نقيضها عدما خارجيا كانت وجودا خارجيا # وفى الجملة فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة فلا يقبل ~~فيه نزاع ولا يناظر صاحبه الا مناظرة السوفسطائية # قلت وإذا كان الحب والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلقة بالغير ~~صفات وجودية ظهر الفرق بين الصفات التى هي اضافة ونسبة وبين الصفات التى هي ~~مضافة منسوبة فالحمد والشكر من القسم الثانى فان الحمد أمر وجودى متعلق ~~بالمحمود عليه وكذلك الشكر أمر وجودى متعلق بالمشكور عليه فلا يتم فهم ~~حقيقتهما الا بفهم الصفة الثبوتية لهما التى هي متعلقة بالغير وتلك الصفة ~~داخلة في حقيقتهما فاذا كان متعلق أحدهما أكبر من متعلق الآخر وذلك التعلق ~~انما هو عارض لصفة ثبوتية لهما وجب ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكر حقيقتهما # والدليل على هذا ان من لم يفهم الاحسان امتنع ان يفهم الشكر PageV11P150 ~~فعلم ان تصور متعلق الشكر ms3401 داخل في تصور الشكر # قلت ولو قيل أنه ليس هذا إلا امرا عدميا فالحقيقة ان كانت مركبة من وجود ~~وعدم وجب ذكرهما في تعريف الحقيقة كما أن من عرف الأب من حيث هو اب فان ~~تصوره موقوف على تصور الأبوة التى هي نسبة واضافة وان كان الأب امرا وجوديا # فالحمد والشكر متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه وان لم يكن هذا ~~المتعلق عارضا لصفة ثبوتية فلا يفهم الحمد والشكر الا بفهم هذا المتعلق كما ~~لا يفهم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوة الذى هو التعلق وكذلك الحمد والشكر ~~امران متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه # وهذا التعلق جزء من هذا المسمى بدليل ان من لم يفهم الصفات الجميلة لم ~~يفهم الحمد ومن لم يفهم الاحسان لم يفهم الشكر # فإذا كان فهمها موقوفا على فهم متعلقهما فوقوفه على فهم التعلق أولى فان ~~التعلق فرع على المتعلق وتبع له فإذا توقف فهمهما على فهم المتعلق الذى هو ~~ابعد عنهما من التعلق فتوقفه على فهم التعلق أولى وإن كان التعلق أمرا ~~عدميا والله أعلم PageV11P151 قال له الشيخ تقى الدين بن تيمية قوله @QB@ ~~وأحل الله البيع @QE@ قد اتبع بقوله @QB@ وحرم الربا @QE@ وعامة انواع ~~الربا يسمى بيعا والربا وإن كان اسما مجملا فهو مجهول واستثناء المجهول من ~~المعلوم يوجب جهالة المستثنى فيبقى المراد احلال البيع الذى ليس بربا فما ~~لم يثبت ان الفرد المعين ليس بربا لم يصح إدخاله في البيع الحلال وهذا يمنع ~~دعوى العموم وان كان الربا اسما عاما فهو مستثنى من البيع ايضا فيبقى البيع ~~لفظا مخصوصا فلا يصح ادعاء العموم على الاطلاق # قال بن المرحل هذا من باب التخصيص وهنا عمومان تعارضا وليس من باب ~~الاستثناء فان صيغ الاستثناء معلومة وإذا كان هذا تخصيصا لم يمنع ادعاء ~~العموم فيه # قال الشيخ تقى الدين هذا كلام متصل بعضه ببعض وهو من باب التخصيص المتصل ~~وتسميه الفقهاء استثناءا كقوله له هذه الدار ولى منها هذا البيت فان هذا ~~بمنزلة قوله الا هذا البيت وكذلك لو ms3402 قال اكرم هؤلاء القوم ولا تكرم فلانا ~~وهو منهم كان بمنزلة قوله الا فلانا واذا كان كذلك صار بمنزلة قوله أحل ~~الله البيع الا ما كان منه ربا PageV11P152 # فمن ادعى بعد هذا انه عام في كل ما يسمى بيعا فهو مخطئ # قال إبن المرحل أنا اسلم أنه انما هو عام في كل بيع لا يسمى ربا # قال له الشيخ تقى الدين وهذا كان المقصود ولكن بطل بهذا دعوى عمومه على ~~الاطلاق فان دعوى العموم على الاطلاق ينافى دعوى العموم في بعض الأنواع دون ~~بعض وهذا كلام بين # وادعى مدع ان فيه قولين أحدهما أنه عام مخصوص والثانى أنه عموم مراد # فقال الشيخ تقى الدين فان دعوى انه عموم مراد باطل قطعا فانا نعلم أن ~~كثيرا من افراد البيع حرام # فاعترض بن المرحل بان تلك الأفراد حرمت بعد ما أحلت فيكون # نسخا قال الشيخ تقى الدين فيلزم من هذا ان لا نحرم شيئا من البيوع بخبر ~~واحد ولا بقياس فان نسخ القرآن لا يجوز بذلك وانما يجوز تخصيصه به وقد اتفق ~~الفقهاء على التحريم بهذه الطريقة PageV11P153 قال بن المرحل رجعت عن هذا ~~السؤال لكن اقول هو عموم مراد في كل ما يسمى بيعا في الشرع فان البيع من ~~الأسماء المنقولة إلى كل بيع صحيح شرعى # قال الشيخ تقى الدين البيع ليس من الأسماء المنقولة فان مسماه في الشرع ~~والعرف هو المسمى اللغوى لكن الشارع اشترط لحله وصحته شروطا كما قد كان أهل ~~الجاهلية لهم شروط ايضا بحسب اصطلاحهم وهكذا سائر اسماء العقود مثل الاجارة ~~والرهن والهبة والقرض والنكاح اذا اريد به العقد وغير ذلك هي باقية على ~~مسمياتها والنقل انما يحتاج إليه إذا أحدث الشارع معانى لم تكن العرب ~~تعرفها مثل الصلاة والزكاة والتيمم فحينئذ يحتاج إلى النقل ومعانى هذه ~~العقود ما زالت معروفة # قال بن المرحل اصحابى قد قالوا انها منقولة # قال الشيخ تقى الدين لو كان لفظ البيع في الآية المراد به البيع الصحيح ~~الشرعى لكان التقدير أحل الله ms3403 البيع الصحيح الشرعى أو أحل الله البيع الذى ~~هو عنده حلال وهذا مع انه مكرر فانه يمنع الاستدلال بالآية فانا لا نعلم ~~دخول بيع من البيوع في الآية حتى نعلم انه بيع صحيح شرعى ومتى علمنا ذلك ~~استغنينا عن الاستدلال بالآية PageV11P154 # قال بن المرحل متى ثبت ان هذا الفرد يسمى بيعا في اللغة # قلت هو بيع في الشرع لأن الأصل عدم النقل وإذا كان بيعا في الشرع دخل في ~~الآية # قال الشيخ تقى الدين هذا انما يصح لو لم يثبت ان الاسم منقول أما اذا ثبت ~~انه منقول لم يصح ادخال فرد فيه حتى يثبت ان الاسم المنقول واقع عليه والا ~~فيلزم من هذا ان كل ما سمى في اللغة صلاة وزكاة وتيمما وصوما وبيعا واجارة ~~ورهنا أنه يجوز ادخاله في المسمى الشرعى بهذا الاعتبار وعلى هذا التقدير ~~فلا يبقى فرق بين الاسماء المنقولة وغيرها وانما يقال الاصل عدم النقل إذا ~~لم يثبت بل متى ثبت النقل فالأصل عدم دخول هذا الفرد في الاسم المنقول حتى ~~يثبت أنه داخل فيه بعد النقل PageV11P155 ### || 1 ( الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) 1 # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ( بسم الله الرحمن الرحيم ( الحمد لله ~~الذى نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من ~~يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد ان محمدا عبده ورسوله ~~أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا أرسله بين ~~يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا فهدى به من ~~الضلالة وبصر به من العمى وارشد به من الغى وفتح به أعينا عميا وآذانا صما ~~وقلوبا غلفا وفرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغى ~~والمؤمنين PageV11P156 والكفار والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار ~~وبين أولياء الله واعداء الله فمن شهد له محمد بأنه من أولياء الله فهو من ~~أولياء الرحمن ومن شهد له بأنه ms3404 من اعداء الله فهو من أولياء الشيطان # وقد بين سبحانه وتعالى في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ان لله ~~أولياء من الناس وللشيطان أولياء ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ~~فقال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل ~~لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم @QE@ وقال تعالى @QB@ الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ~~بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين ~~في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين ~~آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم ~~فأصبحوا خاسرين يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ~~@QE@ PageV11P157 # وقال تعالى ( هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير ~~عقبا ) # وذكر ( أولياء الشيطان ( فقال تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ms3405 ربه ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين @QE@ PageV11P158 # وقال تعالى ~~@QB@ إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا @QE@ إلى قوله @QB@ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله ويحسبون أنهم مهتدون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم @QE@ وقال الخليل عليه السلام @QB@ يا أبت إني أخاف أن ~~يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة @QE@ الآيات ~~إلى قوله @QB@ إنك أنت العزيز الحكيم @QE@ ### ||| فصل # وإذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فيجب أن يفرق بين ~~هؤلاء وهؤلاء كما فرق الله ورسوله بينهما فأولياء الله هم المؤمنون المتقون ~~كما قال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون @QE@ # وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي قال يقول الله من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة أو فقد آذنته ~~بالحرب وما تقرب ألي PageV11P159 عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر ~~وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه وما ترددت عن ~~شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا ~~بد له منه وهذا أصح حديث يروي في الأولياء فبين النبي أنه من عادى وليا لله ~~فقد ms3406 بارز الله بالمحاربة # وفي حديث آخر وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب أي آخذ ثأرهم ممن ~~عاداهم كما يأخذ الليث الحرب ثأره وهذا لأن أولياء الله هم الذين أمنوا به ~~ووالوه فأحبوا ما يحب وأبغضوا ما يبغض ورضوا بما يرضى وسخطوا بما يسخط ~~وأمروا بما يأمر ونهوا عما نهى وأعطوا لمن يحب أن يعطى ومنعوا من يحب أن ~~يمنع كما في الترمذي وغيره عن النبي أنه قال أوثق عرى الإيمان الحب في الله ~~والبغض في الله وفي حديث آخر رواه أبو داود قال ومن أحب لله وأبغض لله ~~وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان و ( الولاية ( ضد العداوة وأصل ~~الولاية المحبة والقرب وأصل PageV11P160 العداوة البغض والبعد وقد قيل أن ~~الولى سمى وليا من موالاته للطاعات أي متابعته لها والأول اصح والولى ~~القريب فيقال هذا يلى هذا أى يقرب منه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~ألحقوا الفرائض بأهلها فما ابقت الفرائض فلأولى رجل ذكر ( أى لأقرب رجل إلى ~~الميت واكده بلفظ ( الذكر ( ليبين انه حكم يختص بالذكور ولا يشترك فيها ~~الذكور والاناث كما قال في الزكاة ( فابن لبون ذكر ( فاذا كان ولى الله هو ~~الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه كان ~~المعادى لوليه معاديا له كما قال تعالى ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة ( فمن عادى اولياء الله فقد عاداه ومن عاداه فقد حاربه ~~فلهذا قال ( ومن عادى لي وليا فقد بارزنى بالمحاربة ( 2 # وأفضل اولياء الله هم أنبياؤه وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم وأفضل ~~المرسلين اولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~وقال تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ( وقال تعالى ( ~~وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن ~~PageV11P161 مريم واخذنا منهم ميثاقا غليظا ليسأل الصادقين عن صدقهم واعد ~~للكافرين عذابا أليما # وأفضل ms3407 أولي العزم محمد خاتم النبيين وامام المتقين وسيد ولد آدم وامام ~~الأنبياء اذا اجتمعوا وخطيبهم اذا وفدوا صاحب المقام المحمود الذى يغبطه به ~~الأولون والآخرون وصاحب لواء الحمد وصاحب الحوض المورود وشفيع الخلائق يوم ~~القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة الذى بعثه بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع ~~دينه وجعل أمته خير أمة اخرجت للناس وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما ~~فرقه فيمن قبلهم وهم آخر الأمم خلقا وأول الامم بعثا كما قال في الحديث ~~الصحيح ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد انهم اوتوا الكتاب من قبلنا ~~وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذى اختلفوا فيه يعنى يوم الجمعة فهدانا ~~الله له الناس لنا تبع فيه غدا لليهود وبعد غد للنصارى ( # وقال صلى الله عليه وسلم ( أنا اول من تنشق عنه الأرض ( وقال صلى الله ~~عليه وسلم ( آتى باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول أنا محمد ~~فيقول بك امرت ان لا أفتح لأحد قبلك PageV11P162 وفضائله صلى الله عليه ~~وسلم وفضائل أمته كثيرة ومن حين بعثه الله جعله الله الفارق بين أوليائه ~~وبين أعدائه فلا يكون وليا لله إلا من آمن به وبما جاء به واتبعه باطنا ~~وظاهرا ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله بل من ~~خالفه كان من اعداء الله واولياء الشيطان قال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ قال الحسن البصرى رحمه الله ادعى قوم انهم ~~يحبون الله فانزل الله هذه الآية محنة لهم وقد بين الله فيها ان من اتبع ~~الرسول فان الله يحبه ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول فليس من اولياء ~~الله وان كان كثير من الناس يظنون في انفسهم أو في غيرهم انهم من أولياء ~~الله ولا يكونون من أولياء الله فاليهود والنصارى يدعون انهم أولياء الله ~~واحباؤه قال تعالى @QB@ قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق @QE@ ~~الآية وقال تعالى @QB@ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك ~~أمانيهم @QE@ إلى ms3408 قوله @QB@ ولا هم يحزنون @QE@ # وكان مشركوا العرب يدعون انهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت ~~وكانوا يستكبرون به على غيرهم كما قال تعالى @QB@ قد كانت آياتي تتلى عليكم ~~فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك @QE@ إلى قوله @QB@ وهم يصدون ~~عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون @QE@ ~~PageV11P163 فبين سبحانه ان المشركين ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته انما ~~أولياؤه المتقون # وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول جهارا من غير سر ( ان آل فلان ليسوا لى باولياء يعنى ~~طائفة من اقاربه انما ولى الله وصالح المؤمنين ) وهذا موافق لقوله تعالى ~~@QB@ فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين @QE@ الآية وصالح المؤمنين ~~هو من كان صالحا من المؤمنين وهم المؤمنون المتقون أولياء الله ودخل في ذلك ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة ~~وكانوا الفا وأربعمائة وكلهم في الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ~~( لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ( ومثل هذا الحديث الآخر ( ان أوليائى ~~المتقون ايا كانوا وحيث كانوا ( # كما ان من الكفار من يدعي انه ولي الله وليس وليا لله بل عدو له فكذلك من ~~المنافقين الذين يظهرون الاسلام يقرون في الظاهر بشهادة ان لا إله إلا الله ~~وان محمدا رسول الله وانه مرسل إلى جميع الانس بل إلى الثقلين الإنس والجن ~~ويعتقدون في الباطن PageV11P164 ما يناقض ذلك مثل ان لا يقروا في الباطن ~~بأنه رسول الله وإنما كان ملكا مطاعا ساس الناس برأيه من جنس غيره من ~~الملوك أو يقولون انه رسول الله إلى الاميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير ~~من اليهود والنصارى أو أنه مرسل إلى عامة الخلق وان لله اولياء خاصة لم ~~يرسل إليهم ولا يحتاجون إليه بل لهم طريق إلى الله من غير جهته كما كان ~~الخضر مع موسى أو ms3409 أنهم يأخذون عن الله كل ما يحتاجون إليه وينتفعون به من ~~غير واسطة أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة وهم موافقون له فيها واما الحقائق ~~الباطنة فلم يرسل بها أو لم يكن يعرفها أو هم اعرف بها منه أو يعرفونها مثل ~~ما يعرفها من غير طريقته # وقد يقول بعض هؤلاء ان ( أهل الصفة ( كانوا مستغنين عنه ولم يرسل إليهم ~~ومنهم من يقول ان الله اوحى إلى أهل الصفة في الباطن ما أوحى إليه ليلة ~~المعراج فصار أهل الصفة بمنزلته وهؤلاء من فرط جهلهم لا يعلمون ان الاسراء ~~كان بمكة كما قال تعالى @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ~~إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله @QE@ وان الصفة لم تكن الا بالمدينة ~~وكانت صفة في شمالى مسجده ينزل بها الغرباء الذين ليس لهم أهل وأصحاب ~~ينزلون عندهم فان المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبى صلى PageV11P165 الله ~~عليه وسلم إلى المدينة فمن امكنه ان ينزل في مكان نزل به ومن تعذر ذلك عليه ~~نزل في المسجد إلى ان يتيسر له مكان ينتقل إليه # ولم يكن ( أهل الصفة ( ناسا بأعيانهم يلازمون الصفة بل كانوا يقلون تارة ~~ويكثرون اخرى ويقيم الرجل بها زمانا ثم ينتقل منها والذين ينزلون بها من ~~جنس سائر المسلمين ليس لهم مزية في علم ولا دين بل فيهم من ارتد عن الاسلام ~~وقتله النبى كالعرنيين الذين اجتووا المدينة أي استوخموها فأمر لهم النبى ~~بلقاح أى ابل لها لبن وامرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا ~~قتلوا الراعى واستاقوا الذود فأرسل النبى في طلبهم فأتى بهم فأمر بقطع ~~ايديهم وارجلهم وسمرت أعينهم وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون وحديثهم في ~~الصحيحين من حديث انس وفيه انهم نزلوا الصفة فكان ينزلها مثل هؤلاء ونزلها ~~من خيار المسلمين سعد بن أبي وقاص وهو أفضل من نزل بالصفة ثم انتقل عنها ~~ونزلها أبو هريرة وغيره # وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمى تاريخ من نزل الصفة # واما ( الانصار ( فلم يكونوا من أهل الصفة وكذلك اكابر ms3410 المهاجرين كأبى ~~بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن PageV11P166 بن عوف وأبى ~~عبيدة وغيرهم لم يكونوا من أهل الصفة # وقد روى انه بها غلام للمغيرة بن شعبة وان النبى صلى الله عليه وسلم قال ~~( هذا واحد من السبعة ( وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم وان كان قد رواه ~~أبو نعيم في الحلية وكذا كل حديث يروى عن النبى في عدة ( الاولياء ( و ( ~~الابدال ( و ( النقباء ( و ( النجباء ( و ( الاوتاد ( و ( الاقطاب ( مثل ~~أربعة أو سبعة أو اثني عشر أو اربعين أو سبعين أو ثلاثمائة وثلاثة عشر أو ~~القطب الواحد فليس في ذلك شيء صحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ولم ينطق ~~السلف بشيء من هذه الالفاظ الا بلفظ ( الابدال ( وروى فيهم حديث انهم ~~أربعون رجلا وانهم بالشام وهو في المسند من حديث على رضى الله عنه وهو حديث ~~منقطع ليس بثابت ومعلوم ان عليا ومن معه من الصحابة كانوا أفضل من معاوية ~~ومن معه بالشام فلا يكون افضل الناس في عسكر معاوية دون عسكر على وقد اخرجا ~~في الصحيحين عن ابى سعيد عن النبى انه قال ( تمرق مارقة من الدين على حين ~~فرقة من المسلمين يقتلهم اولى الطائفتين بالحق ( وهؤلاء المارقون هم ~~الخوارج الحرورية الذين مرقوا لما حصلت الفرقة بين المسلمين في خلافة على ~~فقتلهم على بن أبى طالب وأصحابه فدل هذا الحديث الصحيح على ان على ~~PageV11P167 بن أبى طالب أولى بالحق من معاوية واصحابه وكيف يكون الابدال ~~في ادنى العسكرين دون اعلاهما # وكذلك ما يرويه بعضهم عن النبى ( انه انشد # منشد قد لسعت حية الهوى كبدى %~% فلا طبيب لها ولا راقى # الا الحبيب الذى شغفت به %~% فعنده رقيتى وترياقى # وان النبى تواجد حتى سقطت البردة عن منكبه ( فانه كذب باتفاق أهل العلم ~~بالحديث وأكذب منه ما يرويه بعضهم ( انه مزق ثوبه وان جبريل أخذ قطعة منه ~~فعلقها على العرش ( فهذا وأمثاله مما يعرف أهل العلم والمعرفة برسول الله ~~انه من اظهر الأحاديث كذبا عليه # وكذلك ما يروونه ms3411 عن عمر رضى الله عنه انه قال ( كان النبى وأبو بكر ~~يتحدثان وكنت بينهما كالزنجى ( وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث # والمقصود هنا ان فيمن يقر برسالته العامة في الظاهر من يعتقد في الباطن ~~ما يناقض ذلك فيكون منافقا وهو يدعى في نفسه وأمثاله PageV11P168 انهم ~~اولياء الله مع كفرهم في الباطن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إما ~~عنادا وإما جهلا كما ان كثيرا من النصارى واليهود يعتقدون انهم اولياء الله ~~وان محمدا رسول الله ولكن يقولون إنما ارسل إلى غير أهل الكتاب وانه لايجب ~~علينا اتباعه لأنه ارسل إلينا رسلا قبله فهؤلاء كلهم كفار مع انهم يعتقدون ~~في طائفتهم انهم اولياء الله وانما اولياء الله الذين وصفهم الله تعالى ~~بولايته بقوله @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون @QE@ # ولابد في الايمان من ان يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~ويؤمن بكل رسول أرسله الله وكل كتاب انزله الله كما قال تعالى @QB@ قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ إلى آخر السورة وقال في أول السورة ~~@QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ ~~PageV11P169 # فلابد في الايمان من ان تؤمن ان محمدا خاتم النبيين لا نبى بعده وان الله ~~ارسله إلى جميع الثقلين الجن والانس فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن ~~فضلا عن ms3412 ان يكون من أولياء الله المتقين ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض ~~فهو كافر ليس بمؤمن كما قال الله تعالى @QB@ إن الذين يكفرون بالله ورسله ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ~~والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ~~وكان الله غفورا رحيما @QE@ ومن الايمان به الايمان بأنه الواسطة بين الله ~~وبين خلقه في تبليغ امره ونهيه ووعده ووعيده وحلاله وحرامه فالحلال ما أحله ~~الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله فمن ~~اعتقد ان لاحد من الأولياء طريقا إلى الله من غير متابعة محمد فهو كافر من ~~اولياء الشيطان PageV11P170 # واما خلق الله تعالى للخلق ورزقه اياهم واجابته ~~لدعائهم وهدايته لقلوبهم ونصرهم على اعدائهم وغير ذلك من جلب المنافع ودفع ~~المضار فهذا لله وحده يفعله بما يشاء من الأسباب لا يدخل في مثل هذا وساطة ~~الرسل # ثم لو بلغ الرجل في ( الزهد والعبادة والعلم ( ما بلغ ولم يؤمن بجميع ما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فليس بمؤمن ولا ولى لله تعالى كالاحبار ~~والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعبادهم وكذلك المنتسبين إلى العلم ~~والعبادة من المشركين مشركى العرب والترك والهند وغيرهم ممن كان من حكماء ~~الهند والترك وله علم أو زهد وعبادة في دينه وليس مؤمنا بجميع ما جاء به ~~فهو كافر عدو لله وان ظن طائفة انه ولى لله كما كان حكماء الفرس من المجوس ~~كفارا مجوسا # وكذلك حكماء ( اليونان ( مثل ارسطو وأمثاله كانوا مشركين يعبدون الأصنام ~~والكواكب وكان ارسطو قبل المسيح عليه السلام بثلاثمائة سنة وكان وزيرا ~~للاسكندر بن فيلبس المقدونى وهو الذى تؤرخ به تواريخ الروم واليونان وتؤرخ ~~به اليهود والنصارى وليس هذا هو ذو القرنين الذى ذكره الله في كتابه كما ~~يظن بعض الناس ان ارسطو كان وزيرا لذى القرنين لما رأوا ان ذاك اسمه ms3413 ~~الاسكندر وهذا قد يسمى بالاسكندر ظنوا ان هذا ذاك كما يظنه بن سينا وطائفة ~~معه PageV11P171 وليس الأمر كذلك بل هذا الاسكندر المشرك الذى قد كان ارسطو ~~وزيره متأخر عن ذاك ولم يبن هذا السد ولا وصل إلى بلاد يأجوج ومأجوج وهذا ~~الاسكندر الذى كان ارسطو من وزرائه يؤرخ له تاريخ الروم المعروف # وفى اصناف المشركين من مشركى العرب ومشركى الهند والترك واليونان وغيرهم ~~من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة ولكن ليس بمتبع للرسل ولا يؤمن بما ~~جاؤوا به ولا يصدقهم بما اخبروا به ولا يطيعهم فيما امروا فهؤلاء ليسوا ~~بمؤمنين ولا اولياء لله وهؤلاء تقترن بهم الشياطين وتنزل عليهم فيكاشفون ~~الناس ببعض الأمور ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر وهم من جنس الكهان ~~والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين قال تعالى ( @QB@ هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ # وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات وخوارق العادات إذا لم يكونوا ~~متبعين للرسل فلابد ان يكذبوا وتكذبهم شياطينهم ولابد ان يكون في أعمالهم ~~ما هو إثم وفجور مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع ~~في العبادة ولهذا تنزلت عليهم الشياطين واقترنت بهم فصاروا من اولياء ~~الشيطان لا من اولياء الرحمن قال الله تعالى ( ومن يعش عن ذكرالرحمن نقيض ~~له شيطانا PageV11P172 @QB@ فهو له قرين @QE@ وذكر الرحمن هو الذكر الذى ~~بعث به رسوله مثل القرآن فمن لم يؤمن بالقرآن ويصدق خبره ويعتقد وجوب امره ~~فقد اعرض عنه فيقيض له الشيطان فيقترن به قال تعالى ( وهذا ذكر مبارك ~~انزلناه ( وقال تعالى ( ومن اعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة اعمى قال رب لم حشرتنى اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) فدل ذلك على ان ذكره هو آياته التى انزلها ~~ولهذا لو ذكر الرجل الله سبحانه وتعالى دائما ليلا ونهارا مع غاية الزهد ~~وعبده مجتهدا في عبادته ولم يكن متبعا لذكره الذى انزله وهو ms3414 القرآن كان من ~~اولياء الشيطان ولو طار في الهواء أو مشى على الماء فان الشيطان يحمله في ~~الهواء وهذا مبسوط في غير هذا الموضع ### ||| فصل # ومن الناس من يكون فيه إيمان وفيه شعبة من نفاق كما جاء في الصحيحين عن ~~عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما عن النبى انه قال ( اربع من كن فيه كان ~~منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ~~إذا حدث كذب PageV11P173 وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر ( وفى ~~الصحيحين أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى أنه قال الايمان بضع ~~وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق والحياء شعبة من الايمان ( فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن من ~~كان فيه خصلة من هذه الخصال ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها وقد ثبت في ~~الصحيحين أنه قال لأبى ذر وهو من خيار المؤمنين ( انك امرؤ فيك جاهلية ( ~~فقال يا رسول الله اعلى كبر سنى قال ( نعم ( # وثبت في الصحيح عنه انه قال ( اربع في امتى من أمر الجاهلية الفخر في ~~الاحساب والطعن في الانساب والنياحة على الميت والاستسقاء بالنجوم ( وفى ~~الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ( وفى صحيح ~~مسلم ( وان صام وصلى وزعم انه مسلم ( وذكر البخارى عن بن أبى مليكة قال ~~ادركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه وقد قال الله تعالى ~~( وما اصابكم يوم التقى الجمعان فبأذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين ~~نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم هم للكفر يومئذ اقرب PageV11P174 منهم للإيمان ( فقد جعل هؤلاء ~~إلى الكفر أقرب منهم للايمان فعلم انهم مخلطون وكفرهم اقوى وغيرهم يكون ~~مخلطا وإيمانه اقوى وإذا كان ( أولياء الله ( هم المؤمنين المتقين ms3415 فبحسب ~~ايمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى فمن كان اكمل ايمانا وتقوى كان ~~اكمل ولاية لله فالناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم في ~~الايمان والتقوى وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر ~~والنفاق قال الله تعالى ( واذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول ايكم زادته هذه ~~ايمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون واما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ( وقال تعالى @QB@ إنما ~~النسيء زيادة في الكفر @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين اهتدوا زادهم هدى ~~وآتاهم تقواهم @QE@ وقال تعالى في المنافقين @QB@ في قلوبهم مرض فزادهم ~~الله مرضا @QE@ فبين سبحانه وتعالى ان الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ~~ولاية الله بحسب ايمانه وقد يكون فيه قسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه ~~وقال تعالى @QB@ ويزداد الذين آمنوا إيمانا @QE@ وقال تعالى @QB@ ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم @QE@ PageV11P175 ### ||| فصل # وأولياء الله على ( طبقتين ( سابقون مقربون وأصحاب يمين مقتصدون ذكرهم ~~الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وآخرها وفى سورة ~~الانسان والمطففين وفى سورة فاطر فانه سبحانه وتعالى ذكر في الواقعة ~~القيامة الكبرى في أولها وذكر القيامة الصغرى في آخرها فقال في أولها @QB@ ~~إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست ~~الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك ~~المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين @QE@ فهذا تقسيم ~~الناس إذا قامت القيامة الكبرى التى يجمع الله فيها الأولين والآخرين كما ~~وصف الله سبحانه ذلك في كتابه في غير موضع ثم قال تعالى في آخر السورة ( ~~فلولا ( أى فهلا @QB@ إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين ~~فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب ~~اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ms3416 وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من ~~حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم @QE@ ~~PageV11P176 # وقال تعالى في سورة الانسان @QB@ إنا هديناه السبيل إما شاكرا ~~وإما كفورا إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من ~~كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون ~~بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ~~ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ~~وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا @QE@ الآيات وكذلك ذكر في سورة المطففين فقال ~~@QB@ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين @QE@ إلى ان قال @QB@ كلا إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إن ~~الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من ~~رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا ~~يشرب بها المقربون @QE@ # وعن بن عباس رضى الله عنهما وغيره من السلف قالوا يمزج PageV11P177 ~~لأصحاب اليمين مزجا ويشرب بها المقربون صرفا وهو كما قالوا فإنه تعالى قال ~~( يشرب بها ( ولم يقل يشرب منها لأنه ضمن ذلك قوله يشرب يعنى يروى بها فان ~~الشارب قد يشرب ولا يروى فاذا قيل يشربون منها لم يدل على الرى فاذا قيل ~~يشربون بها كان المعنى يروون بها فالمقربون يروون بها فلا يحتاجون معها إلى ~~مادونها فلهذا يشربون منها صرفا بخلاف اصحاب اليمين فانها مزجت لهم مزجا ~~وهو كما قال تعالى في سورة الانسان @QB@ كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها ~~عباد الله يفجرونها تفجيرا @QE@ # فعباد الله هم المقربون المذكورون في تلك السورة وهذا لأن الجزاء من جنس ~~العمل في الخير والشر كما قال النبى ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ~~نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في ~~الدنيا والآخرة ومن ستر ms3417 مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون ~~العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له ~~به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ~~ويتدارسونه بينهم الا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة ~~وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ( رواه مسلم في ~~صحيحه وقال صلى الله PageV11P178 عليه وسلم ( الراحمون يرحمهم الرحمن ~~ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ( قال الترمذى حديث صحيح # وفى الحديث الآخر الصحيح الذى في السنن ( يقول الله تعالى انا الرحمن ~~خلقت الرحم وشققت لها إسما من اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته ( وقال ~~( ومن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ( ومثل هذا كثير # وأولياء الله تعالى على نوعين مقربون واصحاب يمين كما تقدم وقد ذكر النبى ~~عمل القسمين في حديث الأولياء فقال ( يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد ~~بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل اداء ما افترضته عليه ولا يزال ~~عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره ~~الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ( # فالابرار اصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض يفعلون ما أوجب الله ~~عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم ولا يكلفون انفسهم بالمندوبات ولا الكف عن ~~فضول المباحات # وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا ~~PageV11P179 الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فلما تقربوا ~~إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم احبهم الرب حبا تاما كما قال تعالى ~~( ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه ( يعنى الحب المطلق كقوله ~~تعالى @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين @QE@ أي انعم عليهم الانعام المطلق التام المذكور في ~~قوله تعالى @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ فهؤلاء ~~المقربون صارت ms3418 المباحات في حقهم طاعات يتقربون بها إلى الله عز وجل فكانت ~~اعمالهم كلها عبادات لله فشربوا صرفا كما عملوا له صرفا والمقتصدون كان في ~~اعمالهم ما فعلوه لنفوسهم فلا يعاقبون عليه ولا يثابون عليه فلم يشربوا ~~صرفا بل مزج لهم من شراب المقربين بحسب ما مزجوه في الدنيا # ونظير هذا انقسام الانبياء عليهم السلام إلى عبد رسول ونبى ملك وقد خير ~~الله سبحانه محمدا بين ان يكون عبدا رسولا وبين ان يكون نبيا ملكا فاختار ~~ان يكون عبدا رسولا فالنبى الملك مثل داود وسليمان ونحوهما عليهما الصلاة ~~والسلام قال الله تعالى في قصة سليمان الذى @QB@ قال رب اغفر لي وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجري بأمره ~~رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب @QE@ PageV11P180 ) أي اعط من شئت واحرم من ~~شئت لا حساب عليك فالنبى الملك يفعل ما فرض الله عليه ويترك ما حرم الله ~~عليه ويتصرف في الولاية والمال بما يحبه ويختار من غير اثم عليه # وأما العبد الرسول فلا يعطى احدا إلا بأمر ربه ولا يعطى من يشاء ويحرم ( ~~من يشاء بل روى عنه ) انه قال ( انى والله لا اعطى احدا ولا امنع احدا انما ~~انا قاسم اضع حيث امرت ولهذا يضيف الله الاموال الشرعية إلى الله والرسول ~~كقوله تعالى ( قل الانفال لله والرسول ( وقوله تعالى ( وما افاء الله على ~~رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ( وقوله تعالى ( واعلموا انما غنمتم من ~~شيء فأن لله خمسه وللرسول ( # ولهذا كان اظهر أقوال العلماء ان هذه الاموال تصرف فيما يحبه الله ورسوله ~~بحسب اجتهاد ولى الامر كما هو مذهب مالك وغيره من السلف ويذكر هذا رواية عن ~~أحمد وقد قيل في الخمس انه يقسم على خمسة كقول الشافعى وأحمد في المعروف ~~عنه وقيل على ثلاثة كقول أبى حنيفة رحمه الله PageV11P181 # و ( المقصود هنا ( ان العبد الرسول هو أفضل من النبى الملك ms3419 كما ان ~~إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم الصلاة والسلام أفضل من يوسف وداود ~~وسليمان عليهم السلام كما ان المقربين السابقين أفضل من الابرار أصحاب ~~اليمين الذين ليسوا مقربين سابقين فمن ادى ما أوجب الله عليه وفعل من ~~المباحات ما يحبه فهو من هؤلاء ومن كان إنما يفعل ما يحبه الله ويرضاه ~~ويقصد ان يستعين بما ابيح له على ما امره الله فهو من أولئك ### ||| فصل # ( وقد ذكر الله تعالى ( اولياءه ( المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في ~~قوله تعالى @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات ~~عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وقالوا ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة ~~من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب @QE@ لكن هذه الاصناف ~~الثلاثة في هذه الآية هم أمة محمد خاصة كما قال تعالى @QB@ ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير @QE@ PageV11P182 # وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين اورثوا الكتاب بعد الامم المتقدمة ~~وليس ذلك مختصا بحفاظ القرآن بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء وقسمهم إلى ~~ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بخلاف الآيات التى في الواقعة والمطففين والانفطار ~~فانه دخل فيها جميع الامم المتقدمة كافرهم ومؤمنهم وهذا التقسيم لامة محمد ~~ف ( الظالم لنفسه ( اصحاب الذنوب المصرون عليها ومن تاب من ذنبه أي ذنب كان ~~توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين و ( المقتصد ( المؤدى للفرائض المجتنب ~~للمحارم و ( السابق للخيرات ( هو المؤدى للفرائض والنوافل كما في تلك ~~الآيات ومن تاب من ذنبه أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين ~~والمقتصدين كما في قوله تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض اعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن ms3420 الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم اجر PageV11P183 العاملين ( و ( المقتصد ( ~~المؤدى للفرائض المجتنب للمحارم و ( السابق بالخيرات ( هو المؤدى للفرائض ~~والنوافل كما في تلك الآيات # وقوله ( جنات عدن يدخلونها ) مما يستدل به أهل السنة على انه لا يخلد في ~~النار أحد من أهل التوحيد # واما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم كما تواترت بخروجهم من النار وشفاعة نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم في اهل الكبائر واخراج من يخرج من النار بشفاعة نبينا ~~وشفاعة غيره فمن قال ان أهل الكبائر مخلدون في النار وتأول الآية على ان ~~السابقين هم الذين يدخلونها وان المقتصد أو الظالم لنفسه لا يدخلها كما ~~تأوله من المعتزلة فهو مقابل بتأويل المرجئة الذين لا يقطعون بدخول أحد من ~~أهل الكبائر النار ويزعمون انه اهل الكبائر قد يدخل جميعهم الجنة من غير ~~عذاب وكلاهما مخالف للسنة المتواترة عن النبى ولاجماع سلف الأمة وأئمتها # وقد دل على فساد قول ( الطائفتين ( قول الله تعالى في آيتين من كتابه وهو ~~قوله تعالى ( ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ~~فأخبر تعالى انه لا يغفر الشرك واخبر انه يغفر ما دونه لمن يشاء ولا يجوز ~~ان يراد بذلك التائب كما يقوله من يقوله من PageV11P184 المعتزلة لان الشرك ~~يغفره الله لمن تاب وما دون الشرك يغفره الله ايضا للتائب فلا تعلق ~~بالمشيئة ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال تعالى @QB@ قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ~~هو الغفور الرحيم @QE@ فهنا عمم المغفرة واطلقها فان الله يغفر للعبد أي ~~ذنب تاب منه فمن تاب من الشرك غفر الله له ومن تاب ms3421 من الكبائر غفر الله له ~~واى ذنب تاب العبد منه غفر الله له ففى آية التوبة عمم واطلق وفى تلك الآية ~~خصص وعلق فخص الشرك بأنه لا يغفره وعلق ما سواه على المشيئة ومن الشرك ~~التعطيل للخالق وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة لكل مذنب ونبه ~~بالشرك على ما هو اعظم منه كتعطيل الخالق أو يجوز ان لا يعذب بذنب فانه لو ~~كان كذلك لما ذكر انه يغفر البعض دون البعض ولو كان كل ظالم لنفسه مغفورا ~~له بلا توبة ولا حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة # وقوله تعالى @QB@ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ دليل على انه يغفر ~~البعض دون البعض فبطل النفى والوقف العام PageV11P185 ### ||| فصل # ( واذا كان ( اولياء الله عز وجل ( هم المؤمنون المتقون والناس يتفاضلون ~~في الايمان والتقوى فهم متفاضلون في ولاية الله بحسب ذلك كما انهم لما ~~كانوا متفاضلين في الكفر والنفاق كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك # واصل الايمان والتقوى الايمان برسل الله وجماع ذلك الايمان بخاتم الرسل ~~محمد فالايمان به يتضمن الايمان بجميع كتب الله ورسله واصل الكفر والنفاق ~~هو الكفر بالرسل وبما جاؤوا به فان هذا هو الكفر الذى يستحق صاحبه العذاب ~~في الآخرة فان الله تعالى اخبر في كتابه انه لا يعذب احدا إلا بعد بلوغ ~~الرسالة قال الله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم ~~عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل @QE@ PageV11P186 # وقال تعالى عن أهل النار @QB@ كلما ألقي ~~فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير @QE@ فأخبر انه كلما ~~القى في النار فوج اقروا بأنهم ms3422 جاءهم النذير فكذبوه فدل ذلك على انه لا ~~يلقى فيها فوج الا من كذب النذير وقال تعالى في خطابه لا بليس @QB@ لأملأن ~~جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ فاخبر انه يملؤها بابليس ومن اتبعه ~~فاذا ملئت بهم لم يدخلها غيرهم فعلم انه لا يدخل النار الا من تبع الشيطان ~~وهذا يدل على انه لا يدخلها من لا ذنب له فانه ممن لم يتبع الشيطان ولم يكن ~~مذنبا وما تقدم يدل على انه لا يدخلها الا من قامت عليه الحجة بالرسل ### ||| فصل # ( ومن الناس من يؤمن بالرسل ايمانا مجملا واما الايمان المفصل فيكون قد ~~بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك فيؤمن بما بلغه عن الرسل ~~وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لآمن به ولكن آمن بما جاءت به الرسل ايمانا ~~مجملا فهذا اذا عمل بما علم ان الله امره به مع PageV11P187 ايمانه وتقواه ~~فهو من اولياء الله تعالى له من ولاية الله بحسب ايمانه وتقواه وما لم تقم ~~عليه الحجة فان الله تعالى لم يكلفه معرفته والايمان المفصل به فلا يعذبه ~~على تركه لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته من ذلك فمن علم بما ~~جاء به الرسل وآمن به ايمانا مفصلا وعمل به فهو أكمل ايمانا وولاية لله ممن ~~لم يعلم ذلك مفصلا ولم يعمل به وكلاهما ولى لله تعالى # والجنة درجات متفاضلة تفاضلا عظيما واولياء الله المؤمنون المتقون في تلك ~~الدرجات بحسب ايمانهم وتقواهم قال تبارك وتعالى ( من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن ~~اراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم ~~على بعض وللآخرة اكبر درجات واكبر تفضيلا ) # فبين الله سبحانه وتعالى انه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من ~~عطائه وان عطاءه ما كان محظورا من بر ولا ms3423 فاجر ثم قال تعالى @QB@ انظر كيف ~~فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا @QE@ فبين الله ~~سبحانه أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا وان ~~درجاتها أكبر من درجات الدنيا وقد بين PageV11P188 تفاضل انبيائه عليهم ~~السلام كتفاضل سائر عباده المؤمنين فقال تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على ~~بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات ~~وأيدناه بروح القدس وقال تعالى ( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داود زبورا ( وفى صحيح مسلم عن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم انه قال ( المؤمن القوى خير واحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى ~~كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وان اصابك شيء فلا تقل لو ~~انى فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدرالله وما شاء فعل فان لو تفتح عمل ~~الشيطان ( وفى الصحيحين عن أبى هريرة وعمرو بن العاص رضى الله عنهما عن ~~النبى انه قال ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران وإذا اجتهد فأخطأ فله ~~اجر ( وقد قال الله تعالى @QB@ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما @QE@ PageV11P189 # وقال ~~تعالى @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند ~~الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم ~~مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم @QE@ وقال تعالى @QB@ أم من ~~هو قانت آناء ms3424 الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما ~~تعملون خبير @QE@ ### ||| فصل # ( وإذا كان العبد لا يكون وليا لله الا اذا كان مؤمنا تقيا لقوله تعالى ( ~~الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ) ~~وفى صحيح البخارى الحديث المشهور وقد تقدم يقول الله تبارك وتعالى فيه ( ~~ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه ( ولا يكون مؤمنا تقيا حتى ~~يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الابرار PageV11P190 اهل اليمين ثم بعد ~~ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين # فمعلوم ان احدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله # وكذلك من لا يصح ايمانه وعباداته وان قدر انه لا إثم عليه مثل اطفال ~~الكفار ومن لم تبلغه الدعوة وان قيل انهم لا يعذبون حتى يرسل اليهم رسول ~~فلا يكونون من اولياء الله الا اذا كانوا من المؤمنين المتقين فمن لم يتقرب ~~إلى الله لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات لم يكن من اولياء الله وكذلك ~~المجانين والأطفال فان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( رفع القلم عن ثلاثة ~~عن المجنون حتى يفيق وعن الصبى حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ ( وهذا ~~الحديث قد رواه أهل السنن من حديث على وعائشة رضى الله عنهما واتفق أهل ~~المعرفة على تلقيه بالقبول لكن الصبى المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند ~~جمهور العلماء واما المجنون الذى رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته ~~باتفاق العلماء ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من ~~العبادات بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة ~~فلا يصلح ان يكون بزازا ولا عطارا ولا حدادا ولا نجارا ولا تصح عقوده ~~باتفاق العلماء فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا اقراره ولا ~~شهادته ولا غير ذلك من ms3425 PageV11P191 اقواله بل اقواله كلها لغو لا يتعلق بها ~~حكم شرعى ولا ثواب ولا عقاب بخلاف الصبى المميز فان له اقوالا معتبرة في ~~مواضع بالنص والاجماع وفى مواضع فيها نزاع # وإذا كان المجنون لا يصح منه الايمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله ~~بالفرائض والنوافل وامتنع ان يكون وليا لله فلا يجوز لاحد ان يعتقد انه ولى ~~لله لا سيما ان تكون حجته على ذلك اما مكاشفة سمعها منه أو نوع من تصرف مثل ~~ان يراه قد اشار إلى واحد فمات أو صرع فانه قد علم ان الكفار والمنافقين من ~~المشركين وأهل الكتاب لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعباد ~~المشركين وأهل الكتاب فلا يجوز لاحد ان يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا ~~لله وان لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية ~~الله مثل ان يعلم انه لا يعتقد وجوب اتباع النبى صلى الله عليه وسلم باطنا ~~وظاهرا بل يعتقد انه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة أو يعتقد ان ~~لأولياء الله طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم السلام أو يقول إن ~~الأنبياء ضيقوا الطريق أو هم على قدوة العامة دون الخاصة ونحو ذلك مما ~~يقوله بعض من يدعى الولاية فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الايمان فضلا عن ~~ولاية الله عز وجل فمن احتج بما يصدر عن احدهم من خرق عادة على ولايتهم كان ~~اضل من اليهود والنصارى PageV11P192 وكذلك المجنون فان كونه مجنونا يناقض ~~ان يصح منه الايمان والعبادات التى هي شرط في ولاية الله ومن كان يجن ~~احيانا ويفيق احيانا إذا كان في حال افاقته مؤمنا بالله ورسوله ويؤدى ~~الفرائض ويجتنب المحارم فهذا إذا جن لم يكن جنونه مانعا من ان يثيبه الله ~~على إيمانه وتقواه الذى اتى به في حال افاقته ويكون له من ولاية الله بحسب ~~ذلك وكذلك من طرأ عليه الجنون بعد إيمانه وتقواه فإن الله يثيبه ويأجره على ~~ما تقدم من إيمانه وتقواه ولا يحبطه بالجنون ms3426 الذى ابتلى به من غير ذنب فعله ~~والقلم مرفوع عنه في حال جنونه # فعلى هذا فمن اظهر الولاية وهو لا يؤدى الفرائض ولا يجتنب المحارم بل قد ~~يأتى بما يناقض ذلك لم يكن لاحد ان يقول هذا ولى لله فإن هذا ان لم يكن ~~مجنونا بل كان متولها من غير جنون أو كان يغيب عقله بالجنون تارة ويفيق ~~اخرى وهو لا يقوم بالفرائض بل يعتقد انه لا يجب عليه اتباع الرسول فهو كافر ~~وان كان مجنونا باطنا وظاهرا قد ارتفع عنه القلم فهذا وان لم يكن معاقبا ~~عقوبة الكافرين فليس هو مستحقا لما يستحقه أهل الايمان والتقوى من كرامة ~~الله عز وجل فلا يجوز على التقديرين ان يعتقد فيه أحد انه ولى لله ولكن ان ~~كان له حالة في افاقته كان فيها مؤمنا بالله متقيا كان له من ولاية الله ~~بحسب ذلك PageV11P193 وان كان له في حال افاقته فيه كفر أو نفاق أو كان ~~كافرا أو منافقا ثم طرأ عليه الجنون فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب ~~عليه وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال افاقته من كفر أو نفاق ### ||| فصل # ( وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور ~~المباحات فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا ولا بحلق شعر أو ~~تقصيره أو ظفره إذا كان مباحا كما قيل كم من صديق في قباء وكم من زنديق في ~~عباء بل يوجدون في جميع اصناف امة محمد إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة ~~والفجور فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم ويوجدون في أهل الجهاد والسيف ~~ويوجدون في التجار والصناع والزراع وقد ذكر الله اصناف امة محمد في قوله ~~تعالى @QB@ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من ~~الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما ~~تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من ~~فضل الله ms3427 وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه @QE@ ~~PageV11P194 # وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم ( القراء ( فيدخل فيهم العلماء ~~والنساك ثم حدث بعد ذلك اسم ( الصوفية والفقراء ( واسم ( الصوفية ( هو نسبة ~~إلى لباس الصوف هذا هو الصحيح وقد قيل إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء وقيل إلى ~~صوفة بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك وقيل إلى أهل ~~الصفة وقيل إلى الصفا وقيل إلى الصفوة وقيل إلى الصف المقدم بين يدي الله ~~تعالى وهذه اقوال ضعيفة فانه لو كان كذلك لقيل صفى أو صفائى أو صفوى أو صفى ~~( ولم يقل صوفى # وصار ايضا اسم ( الفقراء ( يعنى به أهل السلوك وهذا عرف حادث # وقد تنازع الناس أيما افضل مسمى ( الصوفى ( أو مسمى ( الفقير ( ويتنازعون ~~ايضا أيما افضل الغنى الشاكر أو الفقير الصابر # وهذه المسألة فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين ابى العباس بن عطاء وقد روى ~~عن أحمد بن حنبل فيها روايتان والصواب في هذا كله ما قاله الله تبارك ~~وتعالى حيث قال @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ وفى الصحيح عن ابى ~~هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله PageV11P195 عليه وسلم أنه سئل ( أى ~~الناس أفضل قال اتقاهم قيل له ليس عن هذا نسألك فقال يوسف نبى الله بن ~~يعقوب نبى الله بن إسحاق نبى الله بن إبراهيم خليل الله فقيل له ليس عن هذا ~~نسألك فقال عن معادن العرب تسألونى الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم ~~في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا ( # فدل الكتاب والسنة ان اكرم الناس عند الله اتقاهم # وفى السنن عن النبى أنه قال ( لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ~~ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على اسود إلا بالتقوى كلكم لآدم وآدم من تراب ~~( # وعنه ايضا انه قال ( ان الله تعالى اذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها ~~بالآباء الناس رجلان مؤمن تقى وفاجر شقى ( فمن كان من هذه ms3428 الاصناف أتقى لله ~~فهو اكرم عند الله وإذا استويا في التقوى استويا في الدرجة # ولفظ ( الفقر ( في الشرع يراد به الفقر من المال ويراد به فقر المخلوق ~~إلى خالقه كما قال تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ ~~PageV11P196 # وقال تعالى @QB@ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله @QE@ وقد ~~مدح الله تعالى في القرآن صنفين من الفقراء أهل الصدقات وأهل الفيء فقال في ~~الصنف الأول @QB@ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس ~~إلحافا @QE@ وقال في الصنف الثانى وهم افضل الصنفين @QB@ للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولئك هم الصادقون @QE@ # وهذه صفة المهاجرين الذين هجروا السيئات وجاهدوا أعداء الله باطنا وظاهرا ~~كما قال النبى ( المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم والمسلم من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه والمجاهد من جاهد ~~نفسه في ذات الله ( # أما الحديث الذى يرويه بعضهم انه قال في غزوة تبوك ( رجعنا من الجهاد ~~الأصغر إلى الجهاد الأكبر ( فلا أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال ~~النبى وافعاله وجهاد الكفار من أعظم الأعمال بل هو أفضل ما تطوع به الانسان ~~قال الله تعالى ( لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير اولى الضرر والمجاهدون ~~في سبيل الله بأموالهم وانفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~PageV11P197 @QB@ القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين ~~على القاعدين أجرا عظيما @QE@ وقال تعالى @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون ~~عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ~~ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله ~~عنده أجر عظيم @QE@ # وثبت في صحيح مسلم وغيره عن النعمان بن بشير رضى الله عنه ms3429 قال كنت عند ~~النبى فقال رجل ماابالى ألا أعمل عملا بعد الإسلام الا ان اسقى الحاج وقال ~~آخر ما ابالى ان اعمل عملا بعد الإسلام إلا ان اعمر المسجد الحرام وقال على ~~بن أبى طالب الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتما فقال عمر لا ترفعوا ~~اصواتكم عند منبر رسول الله ولكن إذا قضيت الصلاة سألته فسأله فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية # وفى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله أى ~~الأعمال أفضل عند الله عز وجل قال ( الصلاة على وقتها ( قلت ثم أي قال ( بر ~~الوالدين ( قلت ثم أي قال ( الجهاد في سبيل الله ( قال حدثنى بهن رسول الله ~~PageV11P198 ولو استزدته لزادنى وفى الصحيحين عنه انه سئل أى الأعمال أفضل ~~قال ( إيمان بالله وجهاد في سبيله قيل ثم ماذا قال حج مبرور ( # وفى الصحيحين ان رجلا قال له يا رسول الله اخبرنى بعمل يعدل الجهاد في ~~سبيل الله قال ( لا تستطيعه أو لا تطيقه ( قال فأخبرنى به قال ( هل تستطيع ~~إذا خرج المجاهد ان تصوم ولا تفطر وتقوم ولا تفتر ( # وفى السنن عن معاذ رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم انه وصاه ~~لما بعثه إلى اليمن فقال ( يا معاذ اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة ~~تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) وقال ( يا معاذ إنى لأحبك فلا تدع ان تقول في ~~دبر كل صلاة اللهم اعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وقال له وهو رديفه يا ~~معاذ ( أتدرى ما حق الله على عباده ) قلت الله ورسوله أعلم قال ( حقه عليهم ~~ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا اتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ) ~~قلت الله ورسوله أعلم قال ( حقهم عليه الا يعذبهم ) # وقال أيضا لمعاذ ( رأس الأمر الاسلام وعموده الصلاة وذروة PageV11P199 ~~سنامه الجهاد في سبيل الله ) وقال ( يا معاذ الا أخبرك بأبواب البر الصوم ~~جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وقيام الرجل في جوف الليل ms3430 ~~ثم قرأ @QB@ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ~~ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون @QE@ ~~ثم قال يا معاذ الا اخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى فقال امسك عليك لسانك هذا ~~فأخذ بلسانه قال يا رسول الله وانا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك امك ~~يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم الا حصائد ألسنتهم ) # وتفسير هذا ما ثبت في الصحيحين عنه انه قال ( من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه والصمت عن ~~الشر خير من التكلم به فاما الصمت الدائم فبدعة منهى عنها وكذلك الامتناع ~~عن اكل الخبز واللحم وشرب الماء فذلك من البدع المذمومة ايضا كما ثبت في ~~صحيح البخارى عن بن عباس رضى الله عنهما ان النبى رأى رجلا قائما في الشمس ~~فقال ( ما هذا ) فقالوا أبو اسرائيل نذر ان يقوم في الشمس ولا يستظل ولا ~~يتكلم ويصوم فقال النبى ( مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه ~~PageV11P200 وثبت في الصحيحين عن انس ان رجالا سألوا عن عبادة رسول الله ~~فكأنهم تقالوها فقالوا واينا مثل رسول الله ثم قال احدهم اما أنا فأصوم ولا ~~افطر وقال الآخر اما أنا فأقوم ولا أنام وقال الآخر اما أنا فلا آكل اللحم ~~وقال الآخر اما انا فلا اتزوج النساء فقال رسول الله ( ما بال رجال يقول ~~احدهم كذا وكذا ولكنى اصوم وافطر واقوم وانام وآكل اللحم واتزوج النساء فمن ~~رغب عن سنتى فليس منى ) أي سلك غيرها ظانا ان غيرها خير منها فمن كان كذلك ~~فهو بريء من الله ورسوله قال تعالى @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه @QE@ بل يجب على كل مسلم ان يعتقد ان خير الكلام كلام الله وخير ~~الهدى هدى محمد كما ثبت عنه في الصحيح انه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة ### ||| فصل # ( وليس من شرط ولى الله ان يكون معصوما لا يغلط ms3431 ولا يخطئ بل يجوز ان يخفى ~~عليه بعض علم الشريعة ويجوز ان يشتبه عليه بعض امور الدين حتى يحسب بعض ~~الأمور مما امر الله به ومما نهى PageV11P201 الله عنه ويجوز ان يظن في بعض ~~الخوارق انها من كرامات اولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبسها عليه ~~لنقص درجته ولا يعرف انها من الشيطان وان لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى ~~فان الله سبحانه وتعالى تجاوز لهذه الامة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه فقال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ~~ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا ~~كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين @QE@ # وقد ثبت في الصحيحين ان الله سبحانه استجاب هذا الدعاء وقال قد فعلت ففى ~~صحيح مسلم عن بن عباس رضى الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية @QB@ وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~والله على كل شيء قدير @QE@ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها قبل ذلك شيء ~~أشد منه فقال النبى ( قولوا سمعنا واطعنا وسلمنا ( قال فألقى الله الايمان ~~في قلوبهم فأنزل الله تعالى ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها PageV11P202 إلى ~~قوله ( أو اخطأنا ( قال الله قد فعلت @QB@ ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا @QE@ قال قد فعلت @QB@ ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم ~~الكافرين @QE@ قال قد فعلت وقد قال تعالى @QB@ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم ~~به ولكن ما تعمدت قلوبكم @QE@ # وثبت في الصحيحين عن النبى من حديث أبى هريرة وعمرو ms3432 بن العاص رضى الله ~~عنهما مرفوعا انه قال ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران وان أخطأ فله اجر ~~( فلم يؤثم المجتهد المخطئ بل جعل له اجرا على اجتهاده وجعل خطأه مغفورا له ~~ولكن المجتهد المصيب له اجران فهو أفضل منه ولهذا لما كان ولى الله يجوز ان ~~يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولى لله لئلا يكون ~~نبيا بل ولا يجوز لولى الله ان يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون ~~موافقا ( للشرع ( وعلى ما يقع له مما يراه الهاما ومحادثة وخطابا من الحق ~~بل يجب عليه ان يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد فإن وافقه قبله وان ~~خالفه لم يقبله وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه # والناس في هذا الباب ( ثلاثة أصناف ( طرفان ووسط فمنهم من اذا اعتقد في ~~شخص انه ولى لله وافقه في كل ما يظن انه حدث PageV11P203 به قلبه عن ربه ~~وسلم إليه جميع ما يفعله ومنهم من اذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق ~~للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وان كان مجتهدا مخطئا وخيار الامور ~~اوساطها وهو ان لا يجعل معصوما ولا مأثوما إذا كان مجتهدا مخطئا فلا يتبع ~~في كل ما يقوله ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده # والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله واما إذا خالف قول بعض ~~الفقهاء ووافق قول آخرين لم يكن لأحد ان يلزمه بقول المخالف ويقول هذا خالف ~~الشرع # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى انه قال ( قد كان في الامم قبلكم محدثون ~~فان يكن في امتى أحد فعمر منهم ( وروى الترمذى وغيره عن النبى انه قال ( لو ~~لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ( وفى حديث آخر ان الله ضرب الحق على لسان عمر ~~وقلبه ( وفيه ( لو كان نبى بعدى لكان عمر وكان على بن ابى طالب رضى الله ~~عنه يقول ما كنا نبعد ان السكينة تنطق على لسان ms3433 عمر ثبت هذا عنه من رواية ~~الشعبى وقال بن عمر ما كان عمر يقول في شيء انى لأراه كذا إلا كان كما يقول ~~وعن قيس بن طارق قال كنا نتحدث ان عمر ينطق على لسانه ملك وكان عمر يقول ~~PageV11P204 اقتربوا من افواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فانه تتجلى ~~لهم أمور صادقة # وهذه الأمور الصادقة التى اخبر بها عمر بن الخطاب رضى الله عنه انها ~~تتجلى للمطيعين هي الامور التى يكشفها الله عز وجل لهم فقد ثبت أن لأولياء ~~الله مخاطبات ومكاشفات فأفضل هؤلاء في هذه الامة بعد ابى بكر عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنهما فان خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر # وقد ثبت في الصحيح تعيين عمر بانه محدث في هذه الأمة فاى محدث ومخاطب فرض ~~في امة محمد فعمر أفضل منه ومع هذا فكان عمر رضى الله عنه يفعل ما هو ~~الواجب عليه فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول فتارة يوافقه فيكون ذلك ~~من فضائل عمر كما نزل القرآن بموافقته غير مرة وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ~~ذلك كما رجع يوم الحديبية لما كان قد رأى محاربة المشركين والحديث معروف في ~~البخارى وغيره فان النبى قد اعتمر سنة ست من الهجرة ومعه المسلمون نحو الف ~~واربعمائة وهم الذين بايعوه تحت الشجرة وكان قد صالح المشركين بعد مراجعة ~~جرت بينه وبينهم على ان يرجع في ذلك العام ويعتمر من العام القابل وشرط لهم ~~شروطا فيها نوع غضاضة على المسلمين في PageV11P205 الظاهر فشق ذلك على كثير ~~من المسلمين وكان الله ورسوله اعلم واحكم بما في ذلك من المصلحة وكان عمر ~~فيمن كره ذلك حتى قال للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يا رسول الله ألسنا ~~على الحق وعدونا على الباطل قال ( بلى ( قال أفليس قتلانا في الجنة وقتلاهم ~~في النار قال ( بلى ( قال فعلام نعطى الدنية في ديننا فقال له النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( انى رسول الله وهو ناصرى ولست اعصيه ( ثم ms3434 قال أفلم تكن ~~تحدثنا أنا نأتى البيت ونطوف به قال ( بلى ( قال ( أقلت لك انك تأتيه العام ~~( قال لا قال ( انك آتيه ومطوف به ( فذهب عمر إلى ابى بكر رضى الله عنهما ~~فقال له مثل ما قال النبى صلى الله عليه وسلم ورد عليه أبو بكر مثل جواب ~~النبى ولم يكن أبو بكر يسمع جواب النبى فكان أبو بكر رضى الله عنه اكمل ~~موافقة لله وللنبى من عمر وعمر رضى الله عنه رجع عن ذلك وقال فعملت لذلك ~~اعمالا # وكذلك لما مات النبى انكر عمر موته اولا فلما قال أبو بكر أنه مات رجع ~~عمر عن ذلك # وكذلك في ( قتال ما نعى الزكاة ( قال عمر لأبى بكر كيف نقاتل الناس وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( امرت PageV11P206 ان اقاتل الناس حتى ~~يشهدوا أن لا إله إلا الله وانى رسول الله فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم ~~واموالهم إلا بحقها ( فقال له أبو بكر رضى الله عنه ألم يقل ( إلا بحقها ( ~~فان الزكاة من حقها والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر فوالله ما هو إلا ان رأيت الله ~~قد شرح صدر ابى بكر للقتال فعلمت انه الحق # ولهذا نظائر تبين تقدم ابى بكر على عمر مع ان عمر رضى الله عنه محدث فإن ~~مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدث لان الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما ~~يقوله ويفعله والمحدث يأخذ عن قلبه اشياء وقلبه ليس بمعصوم فيحتاج ان يعرضه ~~على ما جاء به النبى ولهذا كان عمر رضى الله عنه يشاور الصحابة رضى الله ~~عنهم ويناظرهم ويرجع اليهم في بعض الأمور وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ~~ويحتجون عليه بالكتاب والسنة ويقررهم على منازعته ولا يقول لهم أنا محدث ~~ملهم مخاطب فينبغى لكم ان تقبلوا منى ولا تعارضونى فأى أحد ادعى أو ادعى له ~~أصحابه انه ولى لله وانه مخاطب يجب على اتباعه ان يقبلوا منه كل ما ms3435 يقوله ~~ولا يعارضوه ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب والسنة فهو وهم مخطئون ~~ومثل هذا من أضل الناس فعمر بن الخطاب رضى الله عنه افضل منه وهو ~~PageV11P207 امير المؤمنين وكان المسلمون ينازعونه فيما يقوله وهو وهم على ~~الكتاب والسنة وقد اتفق سلف الامة وأئمتها على ان كل أحد يؤخذ من قوله ~~ويترك إلا رسول الله # وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم فان الأنبياء صلوات الله عليهم ~~وسلامه يجب لهم الايمان بجميع ما يخبرون به عن الله عز وجل وتجب طاعتهم ~~فيما يأمرون به بخلاف الاولياء فانهم لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به ولا ~~الايمان بجميع ما يخبرون به بل يعرض امرهم وخبرهم على الكتاب والسنة فما ~~وافق الكتاب والسنة وجب قبوله وماخالف الكتاب والسنة كان مردودا وان كان ~~صاحبه من اولياء الله وكان مجتهدا معذورا فيما قاله له اجر على اجتهاده ~~لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئا وكان من الخطأ المغفور إذا كان ~~صاحبه قد اتقى الله ما استطاع فان الله تعالى يقول @QB@ فاتقوا الله ما ~~استطعتم @QE@ وهذا تفسير قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~حق تقاته @QE@ قال بن مسعود وغيره حق تقاته ان يطاع فلا يعصى وان يذكر فلا ~~ينسى وان يشكر فلا يكفر أى بحسب استطاعتكم فان الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها كما قال تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ~~ما اكتسبت @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون @QE@ وقال تعالى @QB@ وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ PageV11P208 # وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الايمان بما جاءت به الانبياء في غير موضع ~~كقوله تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون @QE@ ( وقال تعالى ( @QB@ الم ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ms3436 للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ # وهذا الذى ذكرته من ان اولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة ~~وانه ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار ~~بالكتاب والسنة هو مما اتفق عليه اولياء الله عز وجل من خالف في هذا فليس ~~من اولياء الله سبحانه الذين أمر الله PageV11P209 باتباعهم بل اما ان يكون ~~كافرا واما ان يكون مفرطا في الجهل # وهذا كثير في كلام المشايخ كقول الشيخ ابى سليمان الدارانى أنه ليقع في ~~قلبى النكتة من نكت القوم فلا اقبلها إلا بشاهدين الكتاب والسنة و # قال أبو القاسم الجنيد رحمة الله عليه علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن ~~لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لايصلح له ان يتكلم في علمنا أو قال لا يقتدى ~~به وقال أبو عثمان النيسابورى من امر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق ~~بالحكمة ومن امر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لأن الله تعالى ~~يقول في كلامه القديم ( وان تطيعوه تهتدوا ) وقال أبو عمرو بن نجيد كل وجد ~~لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل # وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص انه ولى لله ويظن ان ولى ~~الله يقبل منه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يفعله ~~وان خالف الكتاب والسنة فيوافق ذلك الشخص له ويخالف ما بعث الله به رسوله ~~الذى فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما اخبر وطاعته ms3437 فيما امر وجعله ~~الفارق بين اوليائه واعدائه وبين أهل الجنة وأهل النار وبين السعداء ~~والأشقياء PageV11P210 فمن اتبعه كان من اولياء الله المتقين وجنده ~~المفلحين وعباده الصالحين ومن لم يتبعه كان من اعداء الله الخاسرين ~~المجرمين فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص اولا إلى البدعة والضلال ~~وآخرا إلى الكفر والنفاق ويكون له نصيب من قوله تعالى @QB@ ويوم يعض الظالم ~~على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ ~~فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا ~~أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن ~~الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما ~~تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ~~@QE@ # وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ وفى PageV11P211 المسند وصححه ~~الترمذى عن عدى بن حاتم في تفسيره هذه الآية لما سأل النبى صلى الله عليه ~~وسلم عنها فقال ما عبدوهم فقال النبى ( احلوا لهم الحرام وحرموا عليهم ~~الحلال فاطاعوهم وكانت هذه عبادتهم اياهم ( ولهذا قيل في مثل هؤلاء انما ~~حرموا الوصول بتضييع الأصول فان اصل الأصول تحقيق الايمان بما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فلابد من الايمان بالله ورسوله وبما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فلابد من الايمان بأن محمدا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى جميع الخلق ms3438 انسهم وجنهم وعربهم وعجمهم علمائهم وعبادهم ~~ملوكهم وسوقتهم وانه لا طريق إلى الله عز وجل لأحد من الخلق الا بمتابعته ~~باطنا وظاهرا حتى لو ادركه موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء لوجب عليهم ~~اتباعه كما قال تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى ~~بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون @QE@ # قال بن عباس رضى الله عنهما ما بعث الله نبيا الا اخذ عليه الميثاق لئن ~~بعث محمد وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه وامره ان يأخذ على امته الميثاق لئن ~~بعث محمد وهم احياء ليؤمنن به ولينصرنه وقد قال PageV11P212 تعالى @QB@ ألم ~~تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون ~~بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ~~فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر ~~لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ # وكل من خالف شيئا مما جاء به الرسول مقلدا في ذلك لمن يظن انه ولى الله ~~فانه بنى امره على انه ولى لله وان ولى الله لا يخالف في شيء ولو كان هذا ~~الرجل من اكبر اولياء الله كأكابر الصحابة والتابعين لهم باحسان لم يقبل ~~منه ما خالف الكتاب والسنة فكيف اذا لم يكن كذلك وتجد كثيرا من هؤلاء ~~عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله انه ms3439 قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو ~~بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل ان يشير إلى شخص فيموت أو يطير في الهواء ~~إلى مكة أو غيرها PageV11P213 او يمشى على الماء احيانا أو يملأ ابريقا من ~~الهواء أو ينفق بعض الأوقات من الغيب أو ان يختفى احيانا عن اعين الناس أو ~~ان بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته أو يخبر ~~الناس بما سرق لهم أو بحال غائب لهم أو مريض أو نحو ذلك من الأمور وليس في ~~شيء من هذه الأمور ما يدل على ان صاحبها ولى لله بل قد اتفق اولياء الله ~~على ان الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر ~~متابعته لرسول الله وموافقته لأمره ونهيه # وكرامات اولياء الله تعالى اعظم من هذه الأمور وهذه الأمور الخارقة ~~للعادة وان كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله فان هذه الخوارق ~~تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع ~~وتكون من الشياطين فلا يجوز ان يظن ان كل من كان له شيء من هذه الأمور انه ~~ولى لله بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التى دل عليها ~~الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الايمان الباطنة ~~وشرائع الاسلام الظاهرة # مثال ذلك ان هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم ~~لا يتوضأ ولا يصلى الصلوات المكتوبة بل يكون PageV11P214 ملابسا للنجاسات ~~معاشرا للكلاب يأوى إلى الحمامات والقمامين والمقابر والمزابل رائحته خبيثة ~~لا يتطهر الطهارة الشرعية ولا يتنظف وقد قال النبى ( لا تدخل الملائكة بيتا ~~فيه جنب ولا كلب ( وقال عن هذه الاخلية ( ان هذه الحشوش محتضرة ( أى يحضرها ~~الشيطان وقال ( من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا فان ~~الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ) # وقال ( ان الله طيب لا يقبل الا طيبا ( وقال ( ان الله نظيف يحب النظافة ~~( وقال ( خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم ms3440 الحية والفأرة والغراب ~~والحدأة والكلب العقور ( وفى رواية ( الحية والعقرب ( وامر صلوات الله ~~وسلامه عليه بقتل الكلاب وقال ( من اقتنى كلبا لا يغنى عنه زرعا ولا ضرعا ~~نقص من عمله كل يوم قيراط ( وقال ( لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب ( وقال ~~( اذا ولغ الكلب في اناء احدكم فليغسله سبع مرات احداهن بالتراب ( # وقال تعالى ( ورحمتى وسعت كل شيء فسأ كتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى الامى الذى يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه PageV11P215 واتبعوا النور الذى انزل معه ~~اولئك هم المفلحون ) # فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التى يحبها الشيطان أو يأوى إلى ~~الحمامات والحشوش التى تحضرها الشياطين أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير ~~وإذ ان الكلاب التى هي خبائث وفواسق أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التى ~~يحبها الشيطان أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه إليها أو يسجد ~~إلى ناحية شيخه ولا يخلص الدين لرب العالمين أو يلابس الكلاب أو النيران أو ~~يأوى إلى المزابل والمواضع النجسة أو يأوى إلى المقابر ولا سيما إلى مقابر ~~الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين أو يكره سماع القرآن وينفر عنه ~~ويقدم عليه سماع الأغانى والاشعار ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام ~~الرحمن فهذه علامات اولياء الشيطان لا علامات اولياء الرحمن # قال بن مسعود رضى الله عنه لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فان كان يحب ~~القرآن فهو يحب الله وان كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله وقال عثمان ~~بن عفان رضى الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله عز وجل وقال بن ~~مسعود الذكر ينبت الايمان في القلب كما ينبت الماء البقل والغناء ينبت ~~النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل PageV11P216 وان كان الرجل خبيرا ~~بحقائق الايمان الباطنة فارقا بين الأحوال الرحمانية والأحوال الشيطانية ~~فيكون قد ms3441 قذف الله في قلبه من نوره كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ~~ويغفر لكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ~~@QE@ فهذا من المؤمنين الذين جاء فيهم الحديث الذى رواه الترمذى عن ابى ~~سعيد الخدرى عن النبى قال ( اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ) قال ~~الترمذى حديث حسن وقد تقدم الحديث الصحيح الذى في البخارى وغيره قال فيه ( ~~لا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع ~~به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع ~~وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لاعطينه ولئن استعاذنى لاعيذنه وما ~~ترددت في شيء أنا فاعله ترددى في قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره ~~مساءته ولابد له منه ( # فاذا كان العبد من هؤلاء فرق بين حال أولياء الرحمن واولياء الشيطان كما ~~يفرق الصير في بين الدرهم الجيد والدرهم الزيف وكما يفرق من يعرف الخيل بين ~~الفرس الجيد والفرس الردىء وكما يفرق من يعرف PageV11P217 الفروسية بين ~~الشجاع والجبان وكما انه يجب الفرق بين النبى الصادق وبين المتنبىء الكذاب ~~فيفرق بين محمد الصادق الأمين رسول رب العالمين وموسى والمسيح وغيرهم وبين ~~مسيلمة الكذاب والاسود العنسى وطليحة الاسدى والحارث الدمشقى وباباه الرومى ~~وغيرهم من الكذابين وكذلك يفرق بين أولياء الله المتقين وأولياء الشيطان ~~الضالين ### ||| فصل # ( و ( الحقيقة ( حقيقة الدين دين رب العالمين هي ما اتفق عليها الأنبياء ~~والمرسلون وان كان لكل منهم شرعة ومنهاج ف ( الشرعة ( هي الشريعة قال الله ~~تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ وقال تعالى ( ثم جعلناك على ~~شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون انهم لن يغنوا عنك ~~من الله شيئا وان الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين ) # و ( المنهاج ( هو الطريق قال ms3442 تعالى @QB@ وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا @QE@ ~~PageV11P218 فالشرعة بمنزلة الشريعة للنهر والمنهاج هو الطريق الذى سلك فيه ~~والغاية المقصودة هي حقيقة الدين وهى عبادة الله وحده لا شريك له وهى حقيقة ~~دين الاسلام وهو ان يستسلم العبد لله رب العالمين لا يستسلم لغيره فمن ~~استسلم له ولغيره كان مشركا والله ( لا يغفر أن يشرك به ( ومن لم يستسلم ~~لله بل استكبر عن عبادته كان ممن قال الله فيه ( ان الذين يستكبرون عن ~~عبادتى سيدخلون جهنم داخرين ( # ودين الاسلام هو دين الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين وقوله تعالى ~~@QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه @QE@ عام في كل زمان ومكان # فنوح وإبراهيم ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى والحواريون كلهم دينهم ~~الاسلام الذى هو عبادة الله وحده لا شريك له قال الله تعالى عن نوح @QB@ يا ~~قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا ~~أمركم @QE@ إلى قوله @QB@ وأمرت أن أكون من المسلمين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ PageV11P219 # وقال السحرة @QB@ ربنا أفرغ علينا ~~صبرا وتوفنا مسلمين @QE@ وقال يوسف عليه السلام @QB@ توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين @QE@ وقالت بلقيس @QB@ وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون ~~والأحبار @QE@ وقال الحواريون @QB@ آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون @QE@ # فدين الأنبياء واحد وان تنوعت شرائعهم كما في الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال ( انا معشر الأنبياء ديننا واحد ( قال تعالى ( شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذى اوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ms3443 ~~ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ( وقال ~~تعالى ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا انى بما تعملون عليم ~~وان هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فاتقون فتقطعوا امرهم بينهم زبرا كل حزب ~~بما لديهم فرحون PageV11P220 ### ||| فصل # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على ان الأنبياء ~~أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء وقد رتب الله عباده السعداء المنعم ~~عليهم ( أربع مراتب ( فقال تعالى ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ~~) # وفى الحديث ( ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين افضل ~~من أبى بكر ( وأفضل الامم امة محمد قال تعالى ( كنتم خير امة اخرجت للناس ) ~~وقال تعالى ( ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) وقال النبى في ~~الحديث الذى في المسند ( أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها واكرمها على # الله ( وأفضل أمة محمد القرن الأول # وقد ثبت عن النبى من غير وجه انه قال PageV11P221 ( خير القرون القرن ~~الذى بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( وهذا ثابت في الصحيحين من ~~غير وجه # وفى الصحيحين ايضا عنه انه قال ( لا تسبوا اصحابى فو الذى نفسى بيده لو ~~انفق احدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه ( # والسابقون الأولون من المهاجرين والانصار أفضل من سائر الصحابة قال تعالى ~~@QB@ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه @QE@ والسابقون الأولون الذين انفقوا من قبل الفتح وقاتلوا ~~والمراد بالفتح صلح الحديبية فانه كان أول فتح مكة وفيه انزل الله تعالى ~~@QB@ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر @QE@ ~~فقالوا يا رسول الله أو فتح هو قال نعم # وافضل السابقين الأولين ( الخلفاء الأربعة ( وافضلهم أبو ms3444 بكر ثم عمر وهذا ~~هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم باحسان وأئمة الأمة وجماهيرها وقد دلت ~~على ذلك دلائل بسطناها في ( منهاج PageV11P222 أهل السنة النبوية في نقض ~~كلام أهل الشيعة والقدرية ( # وبالجملة اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها ~~واحد من الخلفاء ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة وأفضل اولياء ~~الله تعالى اعظمهم معرفة بما جاء به الرسول واتباعا له كالصحابة الذين هم ~~أكمل الامة في معرفة دينه واتباعه وأبو بكر الصديق اكمل معرفة بما جاء به ~~وعملا به فهو أفضل اولياء الله إذ كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل ~~الأمم وأفضلها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وافضلهم أبو بكر رضى الله عنه # وقد ظن طائفة غالطة ان ( خاتم الأولياء ( أفضل الأولياء قياسا على خاتم ~~الأنبياء ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن ~~على الحكيم الترمذى فانه صنف مصنفا غلط فيه في مواضع ثم صار طائفة من ~~المتأخرين يزعم كل واحد منهم انه خاتم الأولياء ومنهم من يدعى ان خاتم ~~الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله وان الأنبياء يستفيدون ~~العلم بالله من جهته كما يزعم ذلك بن عربى صاحب ( كتاب الفتوحات المكية ( و ~~( كتاب الفصوص ( فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى ~~واوليائه كما يقال لمن قال ( فخر عليهم السقف من تحتهم ) لا عقل ولا قرآن # PageV11P223 ذلك ان الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة ~~والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء فكيف الأنبياء كلهم ~~والأولياء انما يستفيدون معرفة الله ممن يأتى بعدهم ويدعى انه خاتم ~~الأولياء وليس آخر الأولياء افضلهم كما أن آخر الأنبياء أفضلهم فان فضل ~~محمد ثبت بالنصوص الدالة على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم ( أنا سيد ولد ~~آدم ولا فخر ( وقوله ( آتى باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول ~~محمد فيقول بك امرت ان لا أفتح لاحد قبلك ( # و ( ليلة المعراج ( رفع الله درجته ms3445 فوق الأنبياء كلهم فكان احقهم بقوله ~~تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ~~( إلى غير ذلك من الدلائل كل منهم يأتيه الوحى من الله لا سيما محمد لم يكن ~~في نبوته محتاجا إلى غيره فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق بخلاف ~~المسيح احالهم في اكثر الشريعة على التوراة وجاء المسيح فكملها ولهذا كان ~~النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح كالتوراة والزبور وتمام ~~الاربع وعشرين نبوة وكان الامم قبلنا محتاجين إلى محدثين بخلاف امة محمد ~~فان الله اغناهم به فلم يحتاجوا معه إلى نبى ولا إلى محدث بل جمع له من ~~الفضائل والمعارف PageV11P224 والأعمال الصالحة وما فرقه في غيره من ~~الأنبياء فكان ما فضله الله به من الله بما أنزله إليه وأرسله إليه لا ~~بتوسط بشر # وهذا بخلاف ( الأولياء ( فان كل من بلغه رسالة محمد لا يكون وليا لله إلا ~~باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط ~~محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله ~~إلا اذا اتبع ذلك الرسول الذى أرسل إليه # ومن ادعى ان من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد من له طريق إلى الله لا ~~يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد وإذا قال انا محتاج إلى محمد في علم ~~الظاهر دون علم الباطن أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود ~~والنصارى الذين قالوا ان محمدا رسول إلى الاميين دون اهل الكتاب فان أولئك ~~آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفارا بذلك وكذلك هذا الذى يقول ان محمدا ~~بعث بعلم الظاهر دون على الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر وهو ~~اكفر من أولئك لأن علم الباطن الذى هو على إيمان القلوب ومعارفها واحوالها ~~هو علم بحقائق الايمان الباطنة وهذا اشرف من العلم بمجرد اعمال الإسلام ~~الظاهرة PageV11P225 فإذا ادعى المدعى ان محمدا انما علم هذه الأمور ms3446 ~~الظاهرة دون حقائق الايمان وانه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة فقد ~~ادعى ان بعض الذى آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الآخر وهذا شر ممن ~~يقول أو من ببعض واكفر ببعض ولا يدعى ان هذا البعض الذى آمن به ادنى ~~القسمين # وهؤلاء الملاحدة يدعون ان ( الولاية ( أفضل من ( النبوة ( ويلبسون على ~~الناس فيقولون ولايته أفضل من نبوته وينشدون # مقام النبوة في برزخ %~% فويق الرسول ودون الولى # ويقولون نحن شار كناه في ولايته التى هي اعظم من ~~رسالته وهذا من اعظم ضلالهم فان ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ~~ولا موسى فضلا عن ان يماثله هؤلاء الملحدون # وكل رسول نبى ولى فالرسول نبى ولى ورسالته متضمنة لنبوته ونبوته متضمنة ~~لولايته وإذا قدروا مجرد انباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع ~~فانه حال انبائه اياه ممتنع ان يكون الا وليا لله ولا تكون مجردة عن ولايته ~~ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول في ولايته # PageV11P226 # وهؤلاء قد يقولون كما يقول صاحب ( الفصوص ( بن عربى انهم يأخذون من ~~المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى به إلى الرسول وذلك انهم اعتقدوا ( ~~عقيدة المتفلسفة ( ثم اخرجوها في قالب ( المكاشفة ( وذلك ان المتفلسفة ~~الذين قالوا ان الأفلاك قديمة أزلية لها علة تتشبه بها كما يقوله ارسطو ~~واتباعه أو لها موجب بذاته كما يقوله متأخروهم كابن سينا وأمثاله ولا ~~يقولون انها لرب خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولا خلق ~~الأشياء بمشيئته وقدرته ولا يعلم الجزئيات بل اما ان ينكروا علمه مطلقا ~~كقول ارسطو أو يقولوا إنما يعلم في الأمور المتغيرة كلياتها كما يقوله بن ~~سينا وحقيقة هذا القول انكار علمه بها فان كل موجود في الخارج فهو معين ~~جزئى الافلاك كل معين منها جزئى وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وافعالها فمن ~~لم يعلم الا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات والكليات انما توجد كليات ~~في الاذهان لا في الاعيان # والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع ms3447 آخر في ( رد تعارض العقل والنقل ( وغيره ~~فان كفر هؤلاء اعظم من كفر اليهود والنصارى بل ومشركى العرب فان جميع هؤلاء ~~يقولون ان الله خلق السماوات والأرض وأنه خلق المخلوقات بمشيئته وقدرته ~~وارسطو ونحوه من المتفلسفة PageV11P227 واليونان كانوا يعبدون الكواكب ~~والاصنام وهم لا يعرفون الملائكة والأنبياء وليس في كتب ارسطو ذكر شيء من ~~ذلك وانما غالب علوم القوم الامور الطبيعية واما الامور الالهية فكل منهم ~~فيها قليل الصواب كثير الخطأ واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل اعلم ~~بالالهيات منهم بكثير ولكن متأخروهم كابن سينا أرادوا ان يلفقوا بين كلام ~~اولئك وبين ما جاءت به الرسل فأخذوا اشياء من أصول الجهمية والمعتزلة ~~وركبوا مذهبا قد يعتزى إليه متفلسفة أهل الملل وفيه من الفساد والتناقض ما ~~قد نبهنا على بعضه في غير هذا الموضع # وهؤلاء لما رأوا امر الرسل كموسى وعيسى ومحمد قد بهر العالم واعترفوا بأن ~~الناموس الذى بعث به محمد أعظم ناموس طرق العالم ووجدوا الأنبياء قد ذكروا ~~الملائكة والجن أرادوا ان يجمعوا بين ذلك وبين اقوال سلفهم اليونان الذين ~~هم ابعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأولئك قد ~~اثبتوا عقولا عشرة يسمونها ( المجردات ( والمفارقات ( وأصل ذلك مأخوذ من ~~مفارقة النفس للبدن وسموا تلك ( المفارقات ( لمفارقتها المادة وتجردها عنها ~~وأثبتوا الأفلاك لكل فلك نفسا وأكثرهم جعلوها اعراضا وبعضهم جعلها جواهر # وهذه ( المجردات ( التى اثبتوها ترجع عند التحقيق إلى امور PageV11P228 ~~موجودة في الأذهان لا في الأعيان كما اثبت اصحاب افلاطون ( الأمثال ~~الأفلاطونية المجردة ( اثبتوا هيولى مجردة عن الصورة ومدة وخلاء مجردين وقد ~~اعترف حذاقهم بأن ذلك انما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان فلما اراد هؤلاء ~~المتأخرون منهم كابن سينا ان يثبت امر النبوات على اصولهم الفاسدة وزعموا ~~ان النبوة لها خصائص ثلاثة من اتصف بها فهو نبى # ( الأول ( أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال بها من العلم ~~بلا تعلم # ( الثانى ( أن يكون له قوة تخيلية تخيل له ما يعقل في نفسه بحيث يرى في ms3448 ~~نفسه صورا أو يسمع في نفسه اصواتا كما يراه النائم ويسمعه ولا يكون لها ~~وجود في الخارج وزعموا ان تلك الصور هي ملائكة الله وتلك الأصوات هي كلام ~~الله تعالى # ( الثالث ( أن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولى العالم وجعلوا معجزات ~~الأنبياء وكرامات الاولياء وخوارق السحرة هي قوى النفس فأقروا من ذلك بما ~~يوافق اصولهم من قلب العصا حية دون انشقاق القمر ونحو ذلك فانهم ينكرون ~~وجود هذا PageV11P229 وقد بسطناالكلام على هؤلاء في مواضع وبينا ان كلامهم ~~هذا افسد الكلام وان هذا الذى جعلوه من الخصائص يحصل ما هو اعظم منه لآحاد ~~العامة ولاتباع الانبياء وان الملائكة التى اخبرت بها الرسل احياء ناطقون ~~أعظم مخلوقات الله وهم كثيرون كما قال تعالى @QB@ وما يعلم جنود ربك إلا هو ~~@QE@ وليسوا عشرة وليسوا أعراضا لاسيما وهؤلاء يزعمون ان الصادر الاول هو ( ~~العقل الاول ( وعنه صدر كل ما دونه و ( العقل الفعال العاشر ( رب كل ما تحت ~~فلك القمر # وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل فليس أحد من الملائكة مبدع ~~لكل ما سوى الله وهؤلاء يزعمون انه العقل المذكور في حديث يروى ( ان أول ما ~~خلق الله العقل فقال له اقبل فأقبل فقال له ادبر فأدبر فقال وعزتى ما خلقت ~~خلقا أكرم على منك فبك آخذ وبك أعطى ولك الثواب وعليك العقاب ( ويسمونه ~~ايضا ( القلم ( لما روى ( إن أول ما خلق الله القلم ( الحديث رواه الترمذى # والحديث الذى ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث كما ذكر ~~ذلك أبو حاتم البستى والدار قطنى وبن الجوزى وغيرهم وليس في شيء من دواوين ~~الحديث التى يعتمد عليها ومع هذا PageV11P230 فلفظه لوكان ثابتا حجة عليهم ~~فان لفظه ( أول ما خلق الله تعالى العقل قال له ويروى لما خلق الله العقل ~~قال له ( فمعنى الحديث أنه خاطبه في أول اوقات خلقه ليس معناه انه اول ~~المخلوقات و ( اول ( منصوب على الظرف كما في اللفظ الآخر ( لما ( وتمام ~~الحديث ( ما خلقت خلقا أكرم ms3449 على منك ( فهذا يقتضى انه خلق قبله غيره ثم قال ~~( فبك آخذ وبك أعطى ولك الثواب وعليك العقاب ( فذكر اربعة انواع من الأعراض ~~وعندهم ان جميع جواهر العالم العلوى والسفلى صدر عن ذلك العقل فأين هذا من ~~هذا # وسبب غلطهم ان لفظ ( العقل ( في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة ~~هؤلاء اليونان فان ( العقل ) في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا كما في ~~القرآن @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ ) ( ~~@QB@ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون @QE@ @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فتكون ~~لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها @QE@ ) ويراد ( بالعقل ) الغريزة ~~التى جعلها الله تعالى في الانسان يعقل بها واما أولئك ف ( بالعقل ) عندهم ~~جوهر قائم بنفسه كالعاقل وليس هذا مطابقا للغة الرسل والقرآن وعالم الخلق ~~عندهم كما يذكره أبو حامد عالم الاجسام العقل والنفوس فيسميها عالم الأمر ~~وقد يسمى ( العقل ( عالم الجبروت ( والنفوس ( عالم الملكوت و ( الاجسام ( ~~PageV11P231 عالم الملك ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معنى الكتاب ~~والسنة ان ما في الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا ~~وليس الأمر كذلك # وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيسا كثيرا كاطلاقهم ان ( الفلك ( محدث أي ~~معلول مع انه قديم عندهم والمحدث لا يكون إلا مسبوقا بالعدم ليس في لغة ~~العرب ولا في لغة أحد انه يسمى القديم الازلى محدثا والله قد اخبر انه خالق ~~كل شيء وكل مخلوق فهو محدث وكل محدث كائن بعد ان لم يكن لكن ناظرهم أهل ~~الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما اخبرت به الرسل ~~ولا احكموا فيها قضايا العقول فلا للاسلام نصروا ولا للأعداء كسروا وشاركوا ~~أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة ونازعوهم في بعض المعقولات الصحيحة فصار قصور ~~هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من اسباب قوة ضلال اولئك كما قد بسط في ~~غير هذا الموضع # وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون ( جبريل ( هو الخيال الذى يتشكل في نفس النبى ~~والخيال تابع للعقل فجاء ms3450 الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة ~~وزعموا انهم ( أولياء الله ( وان أولياء الله أفضل من انبياء الله وانهم ~~يأخذون عن الله بلا واسطة كابن عربى صاحب ( الفتوحات ( و ( الفصوص ( فقال ~~PageV11P232 انه يأخذ من المعدن الذى اخذ منه الملك الذى يوحى به إلى ~~الرسول و ( المعدن ( عنده هو العقل و ( الملك ( هو الخيال و ( الخيال ( ~~تابع للعقل وهو بزعمه يأخذ عن الذى هو أصل الخيال والرسول يأخذ عن الخيال ~~فلهذا صار عند نفسه فوق النبى ولو كان خاصة النبى ما ذكروه لم يكن هو من ~~جنسه فضلا عن ان يكون فوقه فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين والنبوة امر ~~وراء ذلك قال بن عربى وأمثاله وان ادعوا انهم من الصوفية فهم من صوفية ~~الملاحدة الفلاسفة ليسوا من صوفية أهل العلم فضلا عن ان يكونوا من مشايخ ~~أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبى سليمان الدارانى ~~ومعروف الكرخى والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التسترى وامثالهم رضوان ~~الله عليهم اجمعين # والله سبحانه وتعالى قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلاء ~~كقوله تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم انى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ~~كذلك نجزى الظالمين ( وقال تعالى ( وكم من ملك في السماوات لا تغنى شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد ان يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) وقال تعالى @QB@ قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له @QE@ PageV11P233 # وقال تعالى @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن عنده ~~لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون @QE@ # وقد اخبر ان الملائكة جاءت لإبراهيم عليه السلام في صورة البشر وأن الملك ~~تمثل لمريم بشرا ms3451 سويا وكان جبريل عليه السلام يأتى النبى في صورة دحية ~~الكلبى وفى صورة أعرابى ويراهم الناس كذلك # وقد وصف الله تعالى جبريل عليه السلام بأنه ذو قوة عند ذى ذى العرش مكين ~~مطاع ثم امين وان محمدا رآه بالافق المبين ووصفه بأنه @QB@ شديد القوى ذو ~~مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى ~~إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة ~~أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ ~~البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى @QE@ PageV11P234 وقد ثبت في ~~الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها عن النبى ( أنه لم ير جبريل في صورته التى ~~خلق الله عليها غير مرتين ( يعنى المرة الأولى بالافق الاعلى والنزلة ~~الاخرى عن سدرة المنتهى ووصف جبريل عليه السلام في موضع آخر بانه الروح ~~الامين وانه روح القدس إلى غير ذلك من الصفات التى تبين انه من أعظم ~~مخلوقات الله تعالى الاحياء العقلاء وانه جوهر قائم بنفسه ليس خيالا في نفس ~~النبى كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة والمدعون ولاية الله وانهم اعلم من ~~الأنبياء # وغاية حقيقة هؤلاء إنكار ( أصول الايمان ( بأن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر وحقيقة امرهم جحد الخالق فانهم جعلوا وجود المخلوق هو ~~وجود الخالق وقالوا الوجود واحد ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد ~~بالنوع فان الموجودات تشترك في مسمى الوجود كما تشترك الاناسى في مسمى ~~الانسان والحيوانات في مسمى الحيوان ولكن هذا المشترك الكلى لا يكون مشتركا ~~كليا الا في الذهن والا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية ~~القائمة بالفرس ووجود السماوات ليس هو بعينه وجود الانسان فوجود الخالق جل ~~جلاله ليس هو كوجود مخلوقاته # PageV11P235 # وحقيقة قولهم قول فرعون الذى عطل الصانع فانه لم يكن منكرا هذا الوجود ~~المشهود لكن زعم انه موجود بنفسه لا صانع له وهؤلاء وافقوه في ذلك لكن ~~زعموا بأنه هو الله فكانوا أضل ms3452 منه وان كان قوله هذا هو اظهر فسادا منهم ~~ولهذا جعلوا عباد الاصنام ما عبدوا إلا الله وقالوا ( لما كان فرعون في ~~منصب التحكم صاحب السيف وان جار في العرف الناموسى كذلك قال أنا ربكم ~~الأعلى أى وان كان الكل اربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منكم بما اعطيته في ~~الظاهر من الحكم فيكم ( # قالوا ( ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله اقروا له بذلك وقالوا ( ~~اقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا ) قالوا فصح قول فرعون @QB@ ~~أنا ربكم الأعلى @QE@ وكان فرعون عين الحق ( ثم أنكروا حقيقة اليوم الآخر ~~فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة فصاروا كافرين بالله واليوم ~~الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم انهم خلاصة خاصة الخاصة من أهل ~~ولاية الله وأنهم أفضل من الأنبياء وان الأنبياء إنما يعرفون الله من ~~مشكاتهم # وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء ولكن لما كان الكلام في ( اولياء الله ( ~~والفرق بين ( اولياء الرحمن واولياء الشيطان ( وكان هؤلاء من أعظم الناس ~~ادعاء لولاية الله وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان نبهنا على ذلك ولهذا ~~عامة كلامهم إنما هو في الحالات PageV11P236 الشيطانية ويقولون ما قاله ~~صاحب الفتوحات ( باب أرض الحقيقة ) ويقولون هي أرض الخيال فتعرف بأن ~~الحقيقة التى يتكلم فيها هي خيال ومحل تصرف الشيطان فان الشيطان يخيل ~~للانسان الأمور بخلاف ما هي عليه قال تعالى ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض ~~له شيطانا فهو له قرين وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون حتى ~~إذا جاءنا قال ياليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم ~~اذ ظلمتم انكم في العذاب مشتركون ) وقال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا @QE@ ~~إلى قوله @QB@ يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ~~وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا ms3453 تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ~~وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على ~~عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد ~~العقاب @QE@ # وقد روى عن النبى في الحديث الصحيح PageV11P237 ( أنه رأى جبريل يزع ~~الملائكة ) والشياطين إذا رأت ملائكة الله التى يؤيد بها عباده هربت منهم ~~والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته قال تعالى @QB@ إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ~~تروها @QE@ ) وقال تعالى ( @QB@ إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل ~~الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها @QE@ وقال تعالى @QB@ إذ تقول ~~للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن ~~تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين @QE@ # وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم وهى جن وشياطين فيظنونها ملائكة ~~كالأرواح التى تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام وكان من أول ما ظهر من هؤلاء ~~في الاسلام المختار بن أبي عبيد الذى اخبر به النبى في الحديث الصحيح الذى ~~رواه مسلم في صحيحه عن النبى أنه قال ( سيكون في ثقيف كذاب ومبير ( وكان ~~الكذاب المختار بن أبي عبيد والمبير الحجاج بن يوسف فقيل لابن عمر وبن عباس ~~ان المختار يزعم انه ينزل إليه فقالا صدق قال الله تعالى @QB@ هل أنبئكم ~~على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ وقال الآخر وقيل له ان ~~PageV11P238 المختار يزعم انه يوحى إليه فقال قال الله تعالى @QB@ وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم @QE@ # وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذى يزعم صاحب ( الفتوحات ( انه ألقى ~~إليه ذلك الكتاب ولهذا يذكر انواعا من الخلوات بطعام معين وشىء معين وهذه ~~مما تفتح ms3454 لصاحبها اتصالا بالجن والشياطين فيظنون ذلك من كرامات الأولياء ~~وانما هو من الأحوال الشيطانية واعرف من هؤلاء عددا ومنهم من كان يحمل في ~~الهواء إلى مكان بعيد ويعود ومنهم من كانت يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين ~~وتأتيه به ومنهم من كانت تدله على السرقات بجعل يحصل له من الناس أو بعطاء ~~يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك # ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله تعالى ~~وسلامه عليهم كما يوجد في كلام صاحب ( الفتوحات المكية ( و ( الفصوص ( ~~واشباه ذلك يمدح الكفار مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم ويتنقص الأنبياء ~~كنوح وإبراهيم وموسى وهارون ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين ~~كالجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التسترى ويمدح المذمومين عند المسلمين ~~كالحلاج ونحوه كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية فان الجنيد قدس الله ~~روحه كان من أئمة الهدى فسئل عن التوحيد PageV11P239 فقال ( التوحيد ( ~~افراد الحدوث عن القدم فبين ان التوحيد ان تميز بين القديم والمحدث وبين ~~الخالق والمخلوق وصاحب ( الفصوص ( انكر هذا وقال في مخاطبته الخيالية الشي ~~له يا جنيد هل يميز بين المحدث والقديم الا من يكون غيرهما فخطأ الجنيد في ~~قوله ( افراد الحدوث عن القدم ) لأن قوله هو ان وجود المحدث هو عين وجود ~~القديم كما قال في فصوصه ( ومن اسمائه الحسنى ( العلى ( على من وما ثم الا ~~هو وعن ماذا وما هو الا هو فعلوه لنفسه وهو عين الموجودات فالمسمى محدثات ~~هي العلية لذاته وليست الا هو ( إلى ان قال # ( هو عين ما بطن وهو عين ما ظهر وما ثم من يراه غيره وما ثم من ينطق عنه ~~سواه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الاسماء المحدثات ( # فيقال لهذا الملحد ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول ان يكون ~~ثالثا غيرهما فان كل واحد من الناس يميز بين نفسه وغيره وليس هو ثالث ~~فالعبد يعرف انه عبد ويميز بين نفسه وبين خالقه والخالق جل جلاله يميز بين ~~نفسه وبين مخلوقاته ويعلم ms3455 انه ربهم وانهم عباده كما نطق بذلك القرآن في غير ~~موضع والاستشهاد بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطنا وظاهرا وأما ~~هؤلاء PageV11P240 الملاحدة فيزعمون ما كان يزعمه التلمسانى منهم وهو ~~احذقهم في اتحادهم لما قرئ عليه ( الفصوص ( فقيل له القرآن يخالف فصوصكم ~~فقال القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا فقيل له فاذا كان الوجود ~~واحدا فلم كانت الزوجة حلالا والأخت حراما فقال الكل عندنا حلال ولكن هؤلاء ~~المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم # وهذا مع كفره العظيم متناقض ظاهر فان الوجود اذا كان واحدا فمن المحجوب ~~ومن الحاجب ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده من قال لك ان في الكون سوى الله ~~فقد كذب فقال له مريده فمن هو الذى يكذب وقالوا لآخر هذه مظاهر فقال لهم ~~المظاهر غير الظاهر أم هي فان كانت غيرها فقد قلتم بالنسبة وان كانت اياها ~~فلا # فرق وقد بسطنا الكلام على كشف اسرار هؤلاء في موضع آخر وبينا حقيقة قول ~~كل واحد منهم وان صاحب ( الفصوص ( يقول المعدوم شيء ووجود الحق فاض عليه ~~فيفرق بين الوجود والثبوت والمعتزلة الذين قالوا المعدوم شيء ثابت في ~~الخارج مع ضلالهم خير منه فان أولئك قالوا ان الرب خلق لهذه الأشياء ~~الثابتة في العدم وجودا ليس هو وجود الرب وهذا زعم ان عين وجود الرب فاض ~~عليه فليس PageV11P241 عنده وجود مخلوق مباين لوجود الخالق وصاحبه الصدر ~~القونوى يفرق بين المطلق والمعين لأنه كان اقرب إلى الفلسفة فلم يقر بأن ~~المعدوم شيء لكن جعل الحق هو الوجود المطلق وصنف ( مفتاح غيب الجمع والوجود ~~( # وهذا القول ادخل في تعطيل الخالق وعدمه فان المطلق بشرط الاطلاق وهو ~~الكلى العقلى لا يكون الا في الاذهان لا في الاعيان والمطلق لا بشرط وهو ~~الكلى الطبيعى وان قيل انه موجود في الخارج فلا يوجد في الخارج إلا معينا ~~وهو جزء من المعين عند من يقول بثبوته في الخارج فيلزم ان يكون وجود الرب ~~إما منتفيا في الخارج واما ان يكون جزءا من وجود المخلوقات ms3456 واما ان يكون ~~عين وجود المخلوقات وهل يخلق الجزء الكل أم يخلق الشيء نفس أم العدم يخلق ~~الوجود أو يكون يعض الشيء خالقا لجميعه # وهؤلاء يفرون من لفظ ( الحلول ( لأنه يقتضى حالا ومحلا ومن لفظ ( الاتحاد ~~( لأنه يقتضى شيئين اتحد احدهما بالآخر وعندهم الوجود واحد ويقولون النصارى ~~انما كفروا لما خصصوا المسيح بانه هو الله ولو عمموا لما كفروا # وكذلك يقولون في عباد الأصنام انما اخطأوا لما عبدوا بعض PageV11P242 ~~المظاهر دون بعض فلو عبدوا الجميع لما أخطأوا عندهم والعارف المحقق عندهم ~~لا يضره عبادة الاصنام # وهذا مع ما فيه من الكفر العظيم ففيه ما يلزمهم دائما من التناقض لأنه ~~يقال لهم فمن المخطىء لكنهم يقولون ان الرب هو الموصوف بجميع النقائض التى ~~يوصف بها المخلوق ويقولون ان المخلوقات توصف بجميع الكمالات التى يوصف بها ~~الخالق ويقولون ما قاله صاحب ( الفصوص ( فالعلى لنفسه هو الذى يكون له ~~الكمال الذى يستوعب به جميع النعوت الوجودية والنسب العدمية سواء كانت ~~محمودة عرفا أو عقلا أو شرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا ~~لمسمى الله خاصة ( # وهم مع كفرهم هذا لا يندفع عنهم التناقض فانه معلوم بالحسن والعقل ان هذا ~~ليس هو ذاك وهؤلاء يقولون ما كان يقوله التلمسانى انه ثبت عندنا في الكشف ~~ما يناقض صريح العقل ويقولون من اراد التحقيق يعنى تحقيقهم فليترك العقل ~~والشرع # وقد قلت لمن خاطبته منهم ومعلوم ان كشف الأنبياء اعظم واتم من كشف غيرهم ~~وخبرهم اصدق من خبر غيرهم والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يخبرون بما ~~تعجز عقول الناس عن معرفته لا بما PageV11P243 يعرف الناس بعقولهم انه ~~ممتنع فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول ويمتنع ان يكون في اخبار ~~الرسول ما يناقض صريح العقول ويمتنع ان يتعارض دليلان قطعيان سواء كانا ~~عقليين أو سمعيين أو كان أحدهما عقليا والآخر سمعيا فكيف بمن ادعى كشفا ~~يناقض صريح الشرع والعقل # وهؤلاء قد لا يتعمدون الكذب لكن يخيل لهم اشياء تكون في نفوسهم ويظنونها ~~في الخارج وأشياء يرونها ms3457 تكون موجودة في الخارج لكن يظنونها من كرامات ~~الصالحين وتكون من تلبيسات الشياطين # وهؤلاء الذين يقولون بالوحدة قد يقدمون الأولياء على الأنبياء ويذكرون ان ~~النبوة لم تنقطع كما يذكر عن بن سبعين وغيره ويجعلون المراتب ( ثلاثة ( ~~يقولون العبد يشهد اولا طاعة معصية ثم طاعة بلا معصية ثم لا طاعة ولا معصية ~~و ( الشهود الأول ( هو الشهود الصحيح وهو الفرق بين الطاعات والمعاصى واما ~~( الشهود الثانى ( فيريدون به شهود القدر كما ان بعض هؤلاء يقول ( انا كافر ~~برب يعصى وهذا يزعم ان المعصية مخالفة الارادة التى هي المشيئة والخلق كلهم ~~داخلون تحت حكم المشيئة ويقول شاعرهم PageV11P244 # أصبحت منفعلا لما تختاره %~% منى ففعلى كله طاعات # ومعلوم ان هذا خلاف ما ارسل الله به رسله وأنزل به كتبه فان المعصية التى ~~يستحق صاحبها الذم والعقاب مخالفة امر الله ورسوله كما قال تعالى @QB@ تلك ~~حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها وله عذاب مهين @QE@ وسنذكر الفرق بين الارادة الكونية والدينية والامر ~~الكونى والدينى # وكانت هذه ( المسألة ( قد اشتبهت على طائفة من الصوفية فبينها الجنيد ~~رحمه الله لهم ومن اتبع الجنيد فيها كان على السداد ومن خالفه ضل لأنهم ~~تكلموا في ان الأمور كلها بمشيئة الله وقدرته وفى شهود هذا التوحيد وهذا ~~يسمونه الجمع الأول فبين لهم الجنيد انه لابد من شهود الفرق الثانى وهو انه ~~مع شهود كون الأشياء كلها مشتركة في مشيئة الله وقدرته وخلقه يجب الفرق بين ~~ما يأمر به ويحبه ويرضاه وبين ما ينهى عنه ويكرهه ويسخطه ويفرق بين أوليائه ~~واعدائه كما قال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ وقال تعالى @QB@ أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون @QE@ PageV11P245 # وقال تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير ms3458 ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون @QE@ ولهذا كان ~~مذهب سلف الأمة وأئمتها والنصارى وسائر الكفار اولياء وقد قال تعالى @QB@ ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ ولا يتبرأ من الشرك والاوثان فيخرج عن ملة ~~إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه قال الله تعالى @QB@ قد كانت لكم ~~أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده @QE@ وقال الخليل عليه PageV11P246 السلام لقومه ~~المشركين @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ~~أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ وهؤلاء قد ~~صنف بعضهم كتبا وقصائد على مذهبه مثل قصيدة بن الفارض المسمات ب ( نظم ~~السلوك ( يقول فيها # لها صلاتى بالمقام اقيمها %~% واشهد فيها انها لى صلت # ~~كلانا مصل واحد ساجد إلى %~% حقيقته بالجمع في كل سجدة # وماكان لى صلى سوائى ~~ولم تكن %~% صلاتى لغيرى في ادا كل ركعة # ( إلى ان قال ) # ومازلت اياها واياى لم تزل %~% ولا فرق بل ذاتى لذاتى أحبت # إلى رسولا كنت منى مرسلا %~% وذاتى بآياتى على استدلت # فان دعيت كنت المجيب وان أكن %~% منادى أجابت من دعانى ولبت # إلى امثال هذا الكلام ولهذ كان هذا القائل عند الموت ينشد يقول ~~PageV11P247 # ان كان منزلتى في الحب عندكم %~% ما قد لقيت فقد ضيعت ايامى # امنية ظفرت نفسى بها زمنا %~% واليوم احسبها اضغاث احلام # فانه كان يظن انه ~~هو الله فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين له بطلان ما كان يظنه وقال ~~الله تعالى @QB@ سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ ~~فجميع ما في السماوات والأرض يسبح لله ليس هو الله ثم قال تعالى @QB@ له ~~ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر ~~والظاهر ms3459 والباطن وهو بكل شيء عليم @QE@ # وفى صحيح مسلم عن النبى أنه كان يقول في دعائه ( اللهم رب السماوات السبع ~~ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل ~~والقرآن اعوذ بك من شر كل دابة انت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء ~~وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك ~~شيء اقض عنى الدين وأغننى من الفقر ( ثم قال @QB@ هو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون ~~بصير @QE@ PageV11P248 فذكر أن السماوات والأرض وفى موضع آخر ( وما بينهما ~~) مخلوق مسبح له واخبر سبحانه أنه يعلم كل شيء # وأما قوله ( وهو معكم ) فلفظ ( مع ) لا تقتضى في لغة العرب أو يكون أحد ~~الشيئين مختلطا بالآخر كقوله تعالى @QB@ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ~~@QE@ # ولفظ ( مع ) جاءت في القرآن عامة وخاصة ف ( العامة ( في هذه الآية وفى ~~آية المجادلة @QB@ ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن ~~الله بكل شيء عليم @QE@ ) فافتتح الكلام بالعلم وختمه بالعلم ولهذا قال بن ~~عباس والضحاك وسفيان الثورى واحمد بن حنبل هو معهم بعلمه # وأما ( المعية الخاصة ( ففى قوله تعالى ( إن الله مع الذين اتقوا والذين ~~هم محسنون ) وقوله تعالى لموسى ( إننى معكما اسمع وارى ) وقال تعالى ( إذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) يعنى النبى PageV11P249 وأبا بكر رضى ~~الله عنه فهو مع موسى وهارون دون فرعون ومع محمد وصاحبه دون أبى جهل وغيره ms3460 ~~من أعدائه ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين # فلو كان معنى ( المعية ( انه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر ~~العام بل المعنى انه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون اولئك وقوله تعالى @QB@ ~~وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله @QE@ أى هو إله من في السماوات وإله ~~من في الأرض كما قال الله تعالى @QB@ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض @QE@ كما فسره أئمة العلم كالامام أحمد وغيره انه المعبود في ~~السماوات والأرض # واجمع سلف الأمة وأئمتها على ان الرب تعالى بائن من مخلوقاته يوصف بما ~~وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل يوصف بصفات الكمال دون صفات النقص ويعلم انه ليس كمثله شيء في صفات ~~الكمال كما قال الله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد ) قال بن عباس ( الصمد ) العليم الذى كمل في علمه ~~العظيم الذى كمل في عظمته القدير الكامل في قدرته الحكيم الكامل في حكمته ~~السيد الكامل في سؤدده PageV11P250 # وقال بن مسعود وغيره هو الذى لا جوف له ~~و ( الاحد ) الذى لا نظير له فاسمه ( الصمد ) يتضمن اتصافه بصفات الكمال ~~ونفى النقائص عنه واسمه ( الاحد ) يتضمن اتصافه انه لا مثل له وقد بسطنا ~~الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة وفى كونها تعدل ثلث القرآن ### ||| فصل # ( وكثير من الناس تشتبه عليهم الحقائق الأمرية الدينية الايمانية ~~بالحقائق الخلقية القدرية الكونية فان الله سبحانه 2 وتعالى له الخلق ~~والأمر كما قال تعالى ( إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) فهو سبحانه ~~خالق كل شيء وربه ومليكه لا خالق غيره ولا رب سواه ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم ms3461 يكن فكل ما في الوجود من حركة وسكون فبقضائه وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه ~~وهو سبحانه أمر بطاعته وطاعة رسله ونهى عن معصيته ومعصية رسله # أمر بالتوحيد والاخلاص ونهى عن الاشراك بالله فأعظم الحسنات PageV11P251 ~~التوحيد وأعظم السيئات الشرك قال الله تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ # وفى الصحيحين عن بن مسعود رضى الله عنه قال ( قلت يا رسول الله أي الذنب ~~أعظم قال ان تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي قال ان تقتل ولدك مخافة ان ~~يطعم معك قلت ثم أي قال ان تزنى بحليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك @QB@ ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد ~~فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ~~وكان الله غفورا رحيما @QE@ # وأمر سبحانه بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى ونهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغى واخبر انه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب التوابين ~~ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وهو ~~يكره ما نهى عنه كما قال في سورة سبحان ( كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ) ~~وقد نهى عن الشرك وعقوق الوالدين وامر بايتاء ذى القربى الحقوق PageV11P252 ~~ونهى عن التبذير وعن التقتير وان يجعل يده مغلولة إلى عنقه وان يبسطها كل ~~البسط ونهى عن قتل النفس بغير الحق وعن الزنى وعن قربان مال اليتيم الا ~~بالتى هي احسن إلى ان قال @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها @QE@ وهو ~~سبحانه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر # والعبد مأمور ان يتوب إلى الله تعالى دائما قال الله تعالى @QB@ وتوبوا ~~إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون @QE@ وفى صحيح البخارى عن النبى ~~انه قال ms3462 ( أيها الناس توبوا إلى ربكم فو الذى نفسى بيده انى لا ستغفر الله ~~واتوب إليه في اليوم اكثر من سبعين مرة ) وفى صحيح مسلم عنه صلى الله عليه ~~وسلم انه قال ( إنه ليغان على قلبى وانى لا ستغفر الله في اليوم مائة مرة ( ~~وفى السنن عن بن عمر قال كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس ~~الواحد يقول ( رب اغفر لى وتب على انك انت التواب الرحيم مائة مرة ( أو قال ~~( أكثر من مائة مرة ( # وقد أمر الله سبحانه عباده ان يختموا الأعمال الصالحات بالاستغفار فكان ~~النبى إذا سلم من الصلاة يستغفر ثلاثا ويقول ( اللهم انت السلام ومنك ~~السلام تباركت ياذا الجلال والاكرام PageV11P253 كماثبت ذلك في الحديث ~~الصحيح عنه وقد قال تعالى @QB@ والمستغفرين بالأسحار @QE@ فأمرهم ان يقوموا ~~بالليل ويستغفروا بالاسحار وكذلك ختم سورة المزمل وهى سورة قيام الليل ~~بقوله تعالى @QB@ واستغفروا الله إن الله غفور رحيم @QE@ وكذلك قال في الحج ~~@QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما ~~هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا ~~الله إن الله غفور رحيم @QE@ بل انزل سبحانه وتعالى في آخر الأمر لما غزا ~~النبى صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وهي آخر غزواته @QB@ لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ ~~قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا ~~حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم @QE@ وهى آخر ~~ما نزل من القرآن # وقد قيل ان آخر سورة نزلت قوله تعالى @QB@ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت ~~الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ~~@QE@ فأمره تعالى أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار وفى الصحيحين عن عائشة ~~رضى الله عنها انه كان PageV11P254 يقول ms3463 في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك اللهم اغفر لى يتأول القرآن ( # وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم انه كان يقول ( اللهم اغفر لى ~~خطيئتى وجهلى واسرافى في امرى وما انت اعلم به منى اللهم اغفر لى هزلى وجدى ~~وخطئى وعمدى وكل ذلك عندى اللهم اغفر لى ما قدمت وما اخرت وما اسررت وما ~~أعلنت لا إله إلا انت ( # وفى الصحيحين أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال يا رسول الله علمنى ~~دعاء أدعو به في صلاتى قال ( قل اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر ~~الذنوب إلا أنت فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى انك أنت الغفور الرحيم ( ~~وفى السنن عن أبى بكر رضى الله عنه قال يا رسول الله علمنى دعاء ادعو به ~~إذا أصبحت وإذا أمسيت فقال ( قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسى ومن ~~2 شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسى سوءا أو أجره إلى مسلم قله إذا ~~أصبحت وإذا أمسيت وإذا اخذت مضجعك ( # فليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب بل ~~كل أحد محتاج إلى ذلك دائما قال الله تبارك وتعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما @QE@ PageV11P255 ~~فالانسان ظالم جاهل وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة وقد اخبر الله تعالى ~~في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم وثبت في الصحيح عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم انه قال لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا ولا أنت يا رسول ~~الله قال ولا أنا الا ان يتغمدنى الله برحمة منه وفضل ( وهذا لا ينافى قوله ~~@QB@ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية @QE@ فان الرسول نفى ~~باء المقابلة والمعادلة والقرآن اثبت باء السبب # وقول من قال إذا احب الله عبدا لم تضره الذنوب معناه انه إذا أحب عبدا ~~الهمه ms3464 التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب ومن ظن ان الذنوب لا تضر من ~~اصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة واجماع السلف والأئمة بل من يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره # وانما عباده الممدوحين هم المذكورون في قوله تعالى @QB@ وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في ~~السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون @QE@ PageV11P256 # ومن ظن ان ( القدر ( حجة لأهل الذنوب فهو من جنس المشركين الذين قال الله ~~تعالى عنهم @QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء @QE@ قال الله تعالى رادا عليهم @QB@ كذلك كذب الذين من قبلهم ~~حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن ~~أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ # ولو كان ( القدر ( حجة لأحد لم يعذب الله المكذبين للرسل كقوم نوح وعاد ~~وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون ولم يأمر باقامة الحدود على المعتدين ولا يحتج ~~أحد بالقدر إلا إذا كان متبعا لهواه بغير هدى من الله ومن رأى القدر حجة ~~لأهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب فعليه ان لا يذم احدا ولا يعاقبه إذا ~~اعتدى عليه بل يستوى عنده ما يوجب اللذة وما يوجب الألم فلا يفرق بين من ~~يفعل معه خيرا وبين من يفعل معه شرا وهذا ممتنع طبعا وعقلا وشرعا وقد قال ~~تعالى ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار ) وقال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ PageV11P257 # وقال تعالى ~~@QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ أيحسب الإنسان أن يترك سدى @QE@ أى مهملا لا يؤمر ms3465 ولا ينهى # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه قال ( احتج آدم وموسى قال موسى يا آدم ~~أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته لماذا ~~اخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم أنت موسى الذى اصطفاك الله بكلامه وكتب ~~لك التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبا على قبل ان اخلق @QB@ وعصى آدم ربه فغوى ~~@QE@ قال باربعين سنة ( قال ) فلم تلومنى على امر قدره الله على قبل ان ~~اخلق بأربعين سنة قال فحج آدم موسى ( أى غلبه بالحجة # وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان ( # طائفة ( كذبت به لما ظنوا انه يقتضى رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل ~~القدر # و ( طائفة ( شر من هؤلاء جعلوه حجة وقد يقولون القدر PageV11P258 حجة ~~لأهل الحقيقة الذين شهدوه أو الذين لا يرون ان لهم فعلا ومن الناس من قال ~~إنما حج آدم موسى لأنه أبوه أو لأنه كان قد تاب أو لأن الذنب كان في شريعة ~~واللوم في اخرى أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الاخرى وكل هذا باطل # ولكن وجه الحديث ان موسى عليه السلام لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التى ~~لحقتهم من أجل اكله من الشجرة فقال له لماذا اخرجتنا ونفسك من الجنة لم ~~يلمه لمجرد كونه اذنب ذنبا وتاب منه فان موسى يعلم ان التائب من الذنب لا ~~يلام وهو قد تاب منه ايضا ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم ~~يقل @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ~~@QE@ والمؤمن مأمور عند المصائب ان يصبر ويسلم وعند الذنوب ان يستغفر ويتوب ~~قال الله تعالى @QB@ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك @QE@ فأمره بالصبر ~~على المصائب والاستغفار من المعائب # وقال تعالى @QB@ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~@QE@ قال بن مسعود هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم انها من عند الله فيرضى ~~ويسلم فالمؤمنون إذا اصابتهم مصيبة مثل المرض والفقر والذل صبروا لحكم الله ~~وان كان ms3466 ذلك بسبب ذنب غيرهم كمن انفق ابوه ماله في المعاصى فافتقر اولاده ~~لذلك فعليهم ان يصبروا لما PageV11P259 اصابهم وإذا لاموا الاب لحظوظهم ذكر ~~لهم القدر # و ( الصبر ( واجب باتفاق العلماء وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله و ( الرضا ~~( قد قيل أنه واجب وقيل هو مستحب وهو الصحيح واعلى من ذلك ان يشكر الله على ~~المصيبة لما يرى من انعام الله عليه بها حيث جعلها سببا لتكفير خطاياه ورفع ~~درجاته وانابته وتضرعه إليه وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه دون ~~المخلوقين وأما أهل البغى والضلال فتجدهم يحتجون بالقدر اذا اذنبوا واتبعوا ~~اهواءهم ويضيفون الحسنات إلى أنفسهم إذا انعم عليهم بها كما قال بعض ~~العلماء أنت عند الطاعة قدرى وعند المعصية جبرى أي مذهب وافق هواك تمذهبت ~~به # واهل الهدى والرشاد اذا فعلوا حسنة شهدوا انعام الله عليهم بها وانه هو ~~الذى انعم عليهم وجعلهم مسلمين وجعلهم يقيمون الصلاة وألهمهم التقوى وأنه ~~لا حول ولا قوة إلا به فزال عنهم بشهود القدر العجب والمن والأذى وإذا ~~فعلوا سيئة استغفروا الله وتابوا إليه منها ففى صحيح البخارى عن شداد بن ~~أوس قال ( قال رسول الله ( سيد الاستغفار ان يقول العبد اللهم انت ربى لا ~~إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ~~ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى PageV11P260 فإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت من قالها إذا اصبح موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة ( # وفى الحديث الصحيح عن ابى ذر رضى الله عنه عن النبى فيما يروى عن ربه ~~تبارك وتعالى انه قال ( يا عبادى انى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم ~~محرما فلا تظالموا ياعبادى انكم تخطئون بالليل والنهار وأنا اغفر الذنوب ~~جميعا ولا أبالى فاستغفرونى اغفر لكم يا عبادى كلكم جائع الا من اطعمته ~~فاستطعموني اطعمكم يا عبادى كلكم عار إلا من كسوته فاستكسونى أكسكم يا ~~عبادى كلكم ضال الا من هديته فاستهدونى اهدكم يا عبادى انكم لن ms3467 تبلغوا ضرى ~~فتضرونى ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى يا عبادى لو ان اولكم وآخركم وانسكم ~~وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا يا عبادى ~~لو ان أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ~~ذلك من ملكى شيئا يا عبادى لو ان اولكم وآخركم وانسكم وجنكم اجتمعوا في ~~صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل انسان مسألته ما نقص ذلك مما عندى الا كما ~~ينقص البحر اذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة يا عبادى انما هي اعمالكم احصيها ~~لكم ثم اوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن ~~الا نفسه PageV11P261 فأمر سبحانه بحمد الله على ما يجده العبد من خير وانه ~~اذا وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه # وكثير من الناس يتكلم بلسان ( الحقيقة ( ولا يفرق بين الحقيقة الكونية ~~القدرية المتعلقة بخلقه ومشيئته وبين الحقيقة الدينية الأمرية المتعلقة ~~برضاه ومحبته ولا يفرق بين من يقوم بالحقيقة الدينية موافقا لما أمر الله ~~به على ألسن رسله وبين من يقوم بوجده وذوقه غير معتبر ذلك بالكتاب والسنة ~~كما ان لفظ ( الشريعة ( يتكلم به كثير من الناس ولا يفرق بين الشرع المنزل ~~من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذى بعث الله به رسوله فان هذا الشرع ~~ليس لأحد من الخلق الخروج عنه ولا يخرج عنه إلا كافر وبين الشرع الذى هو ~~حكم الحاكم فالحاكم تارة يصيب وتارة يخطئ هذا إذا كان عالما عادلا وإلا ففى ~~السنن عن النبى انه قال ( القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل ~~علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل ~~علم الحق فقضى بغيره فهو في النار ( # وأفضل القضاة العالمين العادلين سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم فقد ~~ثبت عنه في الصحيحين انه قال ( انكم تختصمون إلى ولعل بعضكم يكون ألحن ~~بحجته من بعض وإنما اقضى بنحو مما اسمع فمن PageV11P262 قضيت ms3468 له من حق اخيه ~~شيئا فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من النار ( فقد اخبر سيد الخلق انه إذا ~~قضى بشيء مما سمعه وكان في الباطن بخلاف ذلك لم يجز للمقضى له ان يأخذ ما ~~قضى به له وانه إنما يقطع له به قطعة من النار وهذا متفق عليه بين العلماء ~~في الأملاك المطلقة إذا حكم الحاكم بما ظنه حجة شرعية كالبينة والاقرار ~~وكان الباطن بخلاف الظاهر لم يجز للمقضى له ان يأخذ ما قضى به له بالاتفاق ~~وان حكم في العقود والفسوخ بمثل ذلك فأكثر العلماء يقول ان الأمر كذلك وهو ~~مذهب مالك والشافعى واحمد بن حنبل وفرق أبو حنيفة رضى الله عنه بين النوعين # فلفظ ( الشرع والشريعة ( إذا اريد به الكتاب والسنة لم يكن لاحد من ~~اولياء الله ولا لغيرهم ان يخرج عنه ومن ظن ان لأحد من اولياء الله طريقا ~~إلى الله غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا فلم يتابعه ~~باطنا وظاهرا فهو كافر # ومن احتج في ذلك بقصة موسى مع الخضر كان غالطا من وجهين ( أحدهما أن موسى ~~لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا كان على الخضر اتباعه فان موسى كان مبعوثا إلى ~~بنى اسرائيل وأما محمد فرسالته عامة لجميع الثقلين الجن والانس ولو ~~PageV11P263 ادركه من هو أفضل من الخضر كابراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم ~~اتباعه فكيف بالخضر سواء كان نبيا أو وليا ولهذا قال الخضر لموسى ( أنا على ~~علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله ~~لا اعلمه ( وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ان يقول مثل هذا # ( الثانى ( ان ما فعله الخضر لم يكن مخالفا لشريعة موسى عليه السلام ~~وموسى لم يكن علم الأسباب التى تبيح ذلك فلما بينها له وافقه على ذلك فان ~~خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفا من الظالم ان يأخذها إحسان إليهم ~~وذلك جائز وقتل الصائل جائز وان كان صغيرا ومن كان ms3469 تكفيره لابويه لا يندفع ~~إلا بقتله جاز قتله قال بن عباس رضى الله عنهما لنجدة الحرورى لما سأله عن ~~قتل الغلمان قال له إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم ~~وإلا فلا تقتلهم رواه البخارى وأما الاحسان إلى اليتيم بلا عوض والصبر على ~~الجوع فهذا من صالح الاعمال فلم يكن في ذلك شيء مخالفا شرع الله # وأما إذا أريد بالشرع حكم الحاكم فقد يكون ظالما وقد يكون عادلا وقد يكون ~~صوابا وقد يكون خطأ وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه كأبى حنيفة والثورى ~~ومالك بن أنس والاوزاعى والليث بن PageV11P264 سعد والشافعى واحمد واسحاق ~~وداود وغيرهم فهؤلاء اقوالهم يحتج لها بالكتاب والسنة وإذا قلد غيره حيث ~~يجوز ذلك كان جائزا أي ليس اتباع احدهم واجبا على جميع الأمة كاتباع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولا يحرم تقليد أحدهم كما يحرم اتباع من يتكلم بغير علم # وأما ان اضاف أحد إلى الشريعة ما ليس منها من أحاديث مفتراة أو تأول ~~النصوص بخلاف مراد الله ونحو ذلك فهذا من نوع التبديل فيجب الفرق بين الشرع ~~المنزل والشرع المؤول والشرع المبدل كما يفرق بين الحقيقة الكونية والحقيقة ~~الدينية الأمرية وبين ما يستدل عليها بالكتاب والسنة وبين ما يكتفى فيها ~~بذوق صاحبها ووجده ### ||| فصل # ( وقد ذكر الله في كتابه الفرق بين ( الارادة ( و ( الأمر ( و ( القضاء ( ~~و ( الاذن ( و ( التحريم ( و ( البعث ( و ( الارسال ( و ( الكلام ( و ( ~~الجعل ( بين الكونى الذى خلقه وقدره وقضاه وان كان لم يأمر به ولا يحبه ولا ~~يثيب اصحابه ولا يجعلهم من أوليائه المتقين وبين الدينى الذى امر به وشرعه ~~واثاب عليه واكرمهم وجعلهم من اوليائه المتقين PageV11P265 وحزبه المفلحين ~~وجنده الغالبين وهذا من أعظم الفروق التى يفرق بها بين اولياء الله واعدائه ~~فمن استعمله الرب سبحانه وتعالى فيما يحبه ويرضاه ومات على ذلك كان من ~~اوليائه ومن كان عمله فيما يبغضه الرب ويكرهه ومات على ذلك كان من اعدائه ف ~~( الارادة الكونية ( هي مشيئته لما خلقه ms3470 وجميع المخلوقات داخلة في مشيئته ~~وإرادته الكونية والارادة الدينية هي المتضمنة لمحبته ورضاه المتناولة لما ~~امر به وجعله شرعا ودينا وهذه مختصة بالايمان والعمل الصالح قال الله تعالى ~~@QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء @QE@ وقال نوح عليه السلام لقومه @QB@ ولا ~~ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ~~@QE@ وقال تعالى في الثانية @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وقال في آية الطهارة @QB@ ~~ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون @QE@ ولما ذكر ما احله وما حرمه من النكاح قال @QB@ يريد الله ~~ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله ~~يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد ~~الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ PageV11P266 # وقال لما ذكر ما ~~امر به ازواج النبى وما نهاهم عنه ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا ) والمعنى انه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا فمن اطاع امره كان مطهرا قد اذهب عنه الرجس بخلاف من عصاه # وأما ( الأمر ( فقال في الامر الكونى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس @QE@ واما ( الامر الدينى ( فقال تعالى @QB@ إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون @QE@ ) وقال تعالى ( @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن ~~الله كان سميعا بصيرا @QE@ # واما ( الاذن ( فقال ms3471 في الكونى لما ذكر السحر ( وما هم بضارين به من أحد ~~الا باذن الله ) أي بمشيئته وقدرته والا فالسحر لم يبحه الله عز وجل وقال ~~في ( الاذن الدينى @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ~~الله @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى ~~الله بإذنه @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ~~@QE@ PageV11P267 # وقال تعالى @QB@ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله @QE@ # واما ( القضاء ( فقال في الكونى @QB@ فقضاهن سبع سماوات في يومين @QE@ ~~وقال سبحانه @QB@ إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ وقال في الدينى ~~@QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ أي امر وليس المراد به قدر ذلك ~~فانه قد عبد غيره كما اخبر في غير موضع كقوله تعالى @QB@ ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله @QE@ وقول ~~الخليل عليه السلام لقومه @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ قد كانت لكم ~~أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله ~~من شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم ~~دينكم ولي دين @QE@ وهذه كلمة تقتضى براءته من دينهم ولا تقتضى رضاه بذلك ~~كما قال تعالى في الآية الآخرى @QB@ وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون @QE@ PageV11P268 ومن ظن من الملاحدة ~~ان هذا رضا منه بدين الكفار فهو من اكذب الناس واكفرهم كمن ظن ان قوله @QB@ ~~وقضى ربك @QE@ بمعنى قدر وان الله سبحانه ما قضى بشيء إلا وقع وجعل عباد ~~الأصنام ما عبدوا إلا الله فان هذا ms3472 من أعظم الناس كفرا بالكتب # وأما لفظ ( البعث فقال تعالى في البعث الكونى @QB@ فإذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ~~@QE@ ) وقال في البعث الدينى ( @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة @QE@ قال تعالى @QB@ ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ ) # واما لفظ ( الارسال ( فقال في الارسال الكونى @QB@ ألم تر أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا @QE@ وقال تعالى @QB@ وهو الذي أرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته @QE@ وقال في الدينى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا أرسلنا نوحا إلى قومه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ~~@QE@ وقال تعالى ( الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس ) # واما لفظ ( الجعل ( فقال في الكونى @QB@ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ~~@QE@ PageV11P269 # وقال في الدينى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام @QE@ # واما لفظ ( التحريم ( فقال في الكونى @QB@ وحرمنا عليه المراضع من قبل ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض @QE@ ~~وقال في الدينى @QB@ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ~~الله به @QE@ وقال تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم ~~وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت @QE@ الآية # واما لفظ ( الكلمات ( فقال في الكلمات الكونية @QB@ وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه @QE@ وثبت في الصحيح عن النبى انه كان يقول ( اعوذ بكلمات الله ~~التامة كلها من شر ما خلق ومن غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين ~~وان يحضرون ( وقال ( من نزل منزلا فقال اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما ~~خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ( وكان يقول ( أعوذ بكلمات الله ~~التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما ~~يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير ms3473 يا ~~PageV11P270 رحمن ) و ( كلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ( ~~هي التى كون بها الكائنات فلا يخرج بر ولا فاجر عن تكوينه ومشيئته وقدرته ~~وأما ( كلماته الدينية ( وهى كتبه المنزلة وما فيها من امره ونهيه فأطاعها ~~الأبرار وعصاها الفجار # واولياء الله المتقون هم المطيعون لكلماته الدينية وجعله الدينى واذنه ~~الدينى وارادته الدينية # واما كلماته الكونية التي لا يجاوزها بر ولا فاجر فانه يدخل تحتها جميع ~~الخلق حتى ابليس وجنوده وجميع الكفار وسائر من يدخل النار فالخلق وان ~~اجتمعوا في شمول الخلق والمشيئة والقدرة والقدر لهم فقد افترقوا في الأمر ~~والنهى والمحبة والرضا والغضب # واولياء الله المتقون هم الذين فعلوا المأمور وتركوا المحظور وصبروا على ~~المقدور فأحبهم واحبوه ورضى عنهم ورضوا عنه واعداؤه اولياء الشياطين وان ~~كانوا تحت قدرته فهو يبغضهم ويغضب عليهم ويلعنهم ويعاديهم # وبسط هذه الجمل له موضع آخر وانما كتبت هنا تنبيها على مجامع ( الفرق بين ~~اولياء الرحمن واولياء الشيطان ( وجمع الفرق بينهما PageV11P271 اعتبارهم ~~بموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه هو الذى فرق الله تعالى به بين ~~اوليائه السعداء واعدائه الاشقياء وبين اوليائه أهل الجنة واعدائه أهل ~~النار وبين اوليائه أهل الهدى والرشاد وبين اعدائه أهل الغى والضلال ~~والفساد واعدائه حزب الشيطان واوليائه الذين كتب في قلوبهم الايمان وايدهم ~~بروح منه قال تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق ~~الأعناق واضربوا منهم كل بنان @QE@ # وقال في اعدائه @QB@ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم @QE@ ~~وقال @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا @QE@ وقال @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على ~~كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وذكروا الله ms3474 كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ~~إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ~~ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين وإنه لتذكرة ~~للمتقين وإنا لنعلم أن منكم مكذبين وإنه لحسرة على الكافرين وإنه لحق ~~اليقين فسبح باسم ربك العظيم @QE@ PageV11P272 # وقال تعالى @QB@ فذكر فما ~~أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون @QE@ إلى قوله @QB@ إن كانوا صادقين @QE@ # فنزه سبحانه وتعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم عمن تقترن به ~~الشياطين من الكهان والشعراء والمجانين وبين ان الذى جاءه بالقرآن ملك كريم ~~اصطفاه قال الله تعالى @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك ~~لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين @QE@ وقال تعالى @QB@ قل من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ إلى قوله @QB@ وبشرى للمسلمين ~~@QE@ فسماه الروح الامين وسماه روح القدس # وقال تعالى @QB@ فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس @QE@ يعنى الكواكب التى ~~تكون في السماء خانسة أي مختفية قبل طلوعها فاذا ظهرت رآها الناس جارية في ~~السماء فاذا غربت ذهبت إلى كناسها الذى يحجبها @QB@ والليل إذا عسعس @QE@ ~~أى إذا ادبر واقبل الصبح @QB@ والصبح إذا تنفس @QE@ PageV11P273 أي اقبل ~~@QB@ إنه لقول رسول كريم @QE@ وهو جبريل عليه السلام @QB@ ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين مطاع ثم أمين @QE@ أي مطاع في السماء امين ثم قال @QB@ وما ~~صاحبكم بمجنون @QE@ أي صاحبكم الذى من الله عليكم به إذ بعثه إليكم رسولا ~~من جنسكم يصحبكم إذ كنتم لا تطيقون ان تروا الملائكة كما قال تعالى @QB@ ~~وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ولقد رآه ms3475 بالأفق ~~المبين @QE@ أى رأى جبريل عليه السلام @QB@ وما هو على الغيب بضنين @QE@ أي ~~بمتهم وفى القراءة الاخرى @QB@ بضنين @QE@ أي ببخيل يكتم العلم ولا يبذله ~~إلا بجعل كما يفعل من يكتم العلم إلا بالعوض @QB@ وما هو بقول شيطان رجيم ~~@QE@ فنزه جبريل عليه السلام عن ان يكون شيطانا كما نزه محمدا عن ان يكون ~~شاعرا أو كاهنا # فأولياء الله المتقون هم المقتدون بمحمد صلى الله عليه وسلم فيفعلون ما ~~امر به وينتهون عما عنه زجر ويقتدون به فيما بين لهم ان يتبعوه فيه فيؤيدهم ~~بملائكته وروح منه ويقذف الله في قلوبهم من انواره ولهم الكرامات التى يكرم ~~الله بها اولياءه المتقين وخيار اولياء الله كراماتهم لحجة في الدين أو ~~لحاجة بالمسلمين كما كانت معجزات نبيهم كذلك PageV11P274 وكرامات ~~أولياءالله إنما حصلت ببركة اتباع رسوله # فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول مثل انشقاق القمر وتسبيح الحصا في ~~كفه واتيان الشجر إليه وحنين الجذع إليه واخباره ليلة المعراج بصفة بيت ~~المقدس واخباره بما كان وما يكون واتيانه بالكتاب العزيز وتكثير الطعام ~~والشراب مرات كثيرة كما اشبع في الخندق العسكر من قدر طعام وهو لم ينقص في ~~حديث أم سلمة المشهور واروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص ~~وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص وهم نحو ثلاثين الفا ~~ونبع الماء من بين اصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين كانوا معه كما ~~كانوا في غزوة الحديبية نحو الف واربعمائة أو خمسمائة ورده لعين ابى قتادة ~~حين سالت على خده فرجعت احسن عينيه ولما ارسل محمد بن مسلمة لقتل كعب بن ~~الاشرف فوقع وانكسرت رجله فمسحها فبرئت واطعم من شواء مائة وثلاثين رجلا ~~كلا منهم حز له قطعة وجعل منها قطعتين فأكلوا منها جميعهم ثم فضل فضلة ودين ~~عبد الله ابى جابر لليهودى وهو ثلاثون وسقا قال جابر فامر صاحب الدين ان ~~يأخذ التمر جميعه بالذى كان له فلم يقبل فمشى فيها رسول الله ثم قال لجابر ~~جد له ms3476 فوفاه الثلاثين وسقا وفضل سبعة عشر وسقا ومثل هذا كثير قد جمعت نحو ~~ألف معجزة PageV11P275 وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين ~~كثيرة جدا مثل ما كان ( اسيد بن حضير ( يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل ~~الظلة فيها امثال السرج وهى الملائكة نزلت لقراءته وكانت الملائكة تسلم على ~~عمران بن حصين وكان سلمان وابو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ~~ما فيها وعباد بن بشر واسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله في ليلة مظلمة ~~فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما رواه البخارى ~~وغيره # وقصة ( الصديق ( في الصحيحين لما ذهب بثلاثة اضياف معه إلى بيته وجعل لا ~~يأكل لقمة الا ربى من اسفلها اكثر منها فشبعوا وصارت اكثر مما هي قبل ذلك ~~فنظر اليها أبو بكر وامرأته فاذا هي اكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجاء إليه اقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا و ( خبيب بن ~~عدى ( كان اسيرا عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله ~~وليس بمكة عنبة # و ( عامر بن فهيرة ( قتل شهيدا فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه ~~PageV11P276 وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع وقال عروة فيرون ~~الملائكة رفعته # وخرجت ( أم ايمن ( مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش ~~فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسا على رأسها فرفعته فاذا دلو معلق ~~فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها # و ( سفينة ( مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبر الاسد بأنه رسول ~~رسول الله فمشى معه الاسد حتى اوصله مقصده # و ( البراء بن مالك ( كان إذا اقسم على الله تعالى أبر قسمه وكان الحرب ~~إذا اشتد على المسلمين في الجهاد يقولون يا براء اقسم على ربك فيقول يا رب ~~اقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم فيهزم العدو فلما كان يوم ( القادسية ( قال ~~اقسمت عليك يا رب لما منحتنا اكتافهم وجعلتنى اول شهيد فمنحوا اكتافهم وقتل ms3477 ~~البراء شهيدا # و ( خالد بن الوليد ( حاصر حصنا منيعا فقالوا لا نسلم حتى تشرب ~~PageV11P277 السم فشربه فلم يضره # و ( سعد بن أبى وقاص ( كان مستجاب الدعوة ما دعى قط الا استجيب له وهو ~~الذى هزم جنود كسرى وفتح العراق # و ( عمر بن الخطاب ) لما أرسل جيشا امر عليهم رجلا يسمى ( سارية ( فبينما ~~عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر يا سارية الجبل يا سارية الجبل فقدم رسول ~~الجيش فسأل فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدوا فهزمونا فاذا بصائح يا سارية ~~الجبل يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله # ولما عذبت ( الزبيرة ( على الاسلام في الله فأبت الا الاسلام وذهب بصرها # قال المشركون اصاب بصرها اللات والعزى قالت كلا والله فرد الله عليها ~~بصرها ودعا ( سعيد بن زيد ( على اروى بنت الحكم فأعمى بصرها لما كذبت عليه ~~فقال اللهم ان كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في ارضها فعميت ووقعت في حفرة ~~من أرضها فماتت # ( والعلاء بن الحضرمى ( كان عامل رسول الله على البحرين وكان يقول في ~~دعائه يا عليم يا حليم يا على يا عظيم PageV11P278 فيستجاب له ودعا الله ~~بأن يسقوا ويتوضئوا لما عدموا الماء والاسقاء لما بعدهم فأجيب ودعا الله ~~لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا كلهم على الماء ما ~~ابتلت سروج خيولهم ودعا الله ان لا يروا جسده اذا مات فلم يجدوه في اللحد ~~وجرى مثل ذلك # ( لأبى مسلم الخولانى ( الذى القى في النار فانه مشى هو ومن معه من ~~العسكر على دجلة وهى ترمى بالخشب من مدها ثم التفت إلى اصحابه فقال تفقدون ~~من متاعكم شيئا حتى أدعو الله عز وجل فيه فقال بعضهم فقدت مخلاة فقال ~~اتبعنى فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها وطلبه الاسود العنسى لما ادعى ~~النبوة فقال له أتشهد أنى رسول الله قال ما اسمع قال أتشهد ان محمدا رسول ~~الله قال نعم فأمر بنار فألقى فيها فوجدوه قائما يصلى فيها وقد صارت عليه ~~بردا وسلاما وقدم المدينة بعد موت النبى ms3478 فأجلسه عمر بينه وبين ابى بكر ~~الصديق رضى الله عنهما وقال الحمد لله الذى لم يمتنى حتى ارى من أمة محمد ~~من فعل به كما فعل بابراهيم خليل الله ووضعت له جارية السم في طعامه فلم ~~يضره وخببت امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت وجاءت وتابت فدعا لها فرد ~~الله عليها بصرها # وكان ( عامر بن عبد قيس ( يأخذ عطاءه ألفى درهم في كمه وما PageV11P279 ~~يلقاه سائل في طريقه الا اعطاه بغير عدد ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ~~ولا وزنها ومر بقافلة قد حبسهم الاسد فجاء حتى مس بثيابه الاسد ثم وضع رجله ~~على عنقه وقال إنما انت كلب من كلاب الرحمن وانى استحى ان اخاف شيئا غيره ~~ومرت القافلة ودعا الله تعالى ان يهون عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى ~~بالماء له بخار ودعا ربه ان يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة فلم يقدر ~~عليه # وتغيب ( الحسن البصرى ( عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عز وجل ~~فلم يروه ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخر ميتا # و ( صلة بن أشيم ( مات فرسه وهو في الغزو فقال اللهم لا تجعل لمخلوق على ~~منة ودعا الله عز وجل فأحيا له فرسه فلما وصل إلى بيته قال يا بنى خذ سرج ~~الفرس فانه عارية فأخذ سرجه فمات الفرس وجاع مرة بالاهواز فدعا الله عز وجل ~~واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير فاكل التمر وبقى الثوب عند ~~زوجته زمانا وجاء الاسد وهو يصلى في غيضة بالليل فلما سلم قال له اطلب ~~الرزق من غير هذا الموضع فولى الاسد وله زئير # وكان ( سعيد بن المسيب ( في ايام الحرة يسمع الأذان من قبر PageV11P280 ~~رسول الله اوقات الصلوات وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره # ورجل من ( النخع ( كان له حمار فمات في الطريق فقال له اصحابه هلم نتوزع # متاعك على رحالنا فقال لهم أمهلونى هنيهة ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ~~ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره فحمل عليه ms3479 متاعه ولما مات ( أويس ~~القرنى ( وجدوا في ثيابه اكفانا لم تكن معه قبل ووجدوا له قبرا محفورا فيه ~~لحد في صخرة فدفنوه فيه وكفنوه في تلك الاثواب # وكان ( عمرو بن عقبة بن فرقد ( يصلى يوما في شدة الحر فأظلته غمامة وكان ~~السبع يحميه وهو يرعى ركاب اصحابه لأنه كان يشترط على اصحابه في الغزو انه ~~يخدمهم # وكان ( مطرف بن عبد الله بن الشخير ( اذا دخل بيته سبحت معه آنيته وكان ~~هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط # ولما مات الاحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره فأهوى PageV11P281 # ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر # وكان ( إبراهيم التيمي ( يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا وخرج يمتار ~~لأهله طعاما فلم يقدر عليه فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله ~~ففتحها فإذا هي حنطة حمراء فكان اذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى ~~فرعها حبا متراكبا # وكان ( عتبة الغلام ( سأل ربه ثلاث خصال صوتا حسنا ودمعا غزيرا وطعاما من ~~غير تكلف فكان اذا قرأ بكى وأبكى ودموعه جارية دهره وكان يأوى إلى منزله ~~فيصيب فيه قوته ولا يدرى من أين يأتيه # وكان ( عبد الواحد بن زيد ( أصابه الفالج فسأل ربه ان يطلق له اعضاءه وقت ~~الوضوء فكان وقت الوضوء تطلق له اعضاؤه ثم تعود بعده # وهذا باب واسع قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع # واما ما نعرفه عن اعيان ونعرفه في هذا الزمان فكثير PageV11P282 # ومما ينبغى ان يعرف ان الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج ~~اليها الضعيف الايمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوى ايمانه ويسد حاجته ~~ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك فلا يأتيه مثل ذلك لعلو ~~درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته ولهذا كانت هذه الامور في التابعين أكثر ~~منها في الصحابة بخلاف من يجرى على يديه الخوارق لهدى الخلق ولحاجتهم ~~فهؤلاء اعظم درجة # وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال ( عبد الله بن ms3480 صياد ( الذى ظهر في ~~زمن النبى وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال وتوقف النبى في أمره حتى تبين ~~له فيما بعد انه ليس هو الدجال لكنه كان من جنس الكهان قال له النبى قد ~~خبأت لك خبأ قال الدخ الدخ وقد كان خبأ له سورة الدخان فقال له النبى ( ~~اخسأ فلن تعدو قدرك ) يعنى إنما أنت من اخوان الكهان والكهان كان يكون ~~لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع ~~وكانوا يخلطون الصدق بالكذب كما في الحديث الصحيح الذى رواه البخارى وغيره ~~ان النبى قال ( ان الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضى في ~~السماء فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من ~~عند انفسهم PageV11P283 ( وفى الحديث الذى رواه مسلم عن بن عباس رضى الله ~~عنهما قال ( بينما النبى في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم فاستنار فقال النبى ~~ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه قالوا كنا نقول يموت عظيم ~~أو يولد عظيم قال رسول الله فانه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ~~ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء ثم يسأل أهل ~~السماء السابعة حملة العرش ماذا قال ربنا فيخبرونهم ثم يستخبر أهل كل سماء ~~حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا وتخطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه ~~إلى اوليائهم فما جاؤا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون ( # وفى رواية قال معمر قلت للزهرى أكان يرمى بها في الجاهلية قال نعم ولكنها ~~غلظت حين بعث النبى # و ( الاسود العنسى ( الذى ادعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض ~~الأمور المغيبة فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين ان يخبروه ~~بما يقولون فيه حتى اعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره فقتلوه ~~PageV11P284 وكذلك ( مسيلمة الكذاب ( كان معه من الشياطين من يخبره ~~بالمغيبات ويعينه على بعض الأمور وأمثال هؤلاء ms3481 كثيرون مثل ( الحارث الدمشقى ~~( الذى خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة وكانت الشياطين ~~يخرجون رجليه من القيد وتمنع السلاح ان ينفذ فيه وتسبح الرخامة إذا مسحها ~~بيده وكان يرى الناس رجالا وركبانا على خيل في الهواء ويقول هي الملائكة ~~وإنما كانوا جنا ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ ~~فيه فقال له عبد الملك انك لم تسم الله فسمى الله فطعنه فقتله # وهكذا أهل ( الأحوال الشيطانية ( تنصرف عنهم شياطينهم اذا ذكر عندهم ما ~~يطردها مثل آية الكرسى فانه قد ثبت في الصحيح عن النبى في حديث أبى هريرة ~~رضى الله عنه لما وكله النبى بحفظ زكاة الفطر فسرق منه الشيطان ليلة بعد ~~ليلة وهو يمسكه فيتوب فيطلقه فيقول له النبى صلى الله عليه وسلم ( ما فعل ~~اسيرك البارحة ( فيقول زعم أنه لا يعود فيقول ( كذبك وانه سيعود ( فلما كان ~~في المرة الثالثة قال دعنى حتى اعلمك ما ينفعك إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ~~آية الكرسى @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ إلى آخرها فانه لن ~~يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فلما اخبر النبى قال ( ~~صدقك PageV11P285 وهو كذوب ( واخبره انه شيطان # ولهذا إذا قرأها الانسان عند الأحوال الشيطانية بصدق ابطلتها مثل من يدخل ~~النار بحال شيطانى أو يحضر سماع المكاء والتصدية فتنزل عليه الشياطين ~~وتتكلم على لسانه كلاما لا يعلم وربما لا يفقه وربما كاشف بعض الحاضرين بما ~~في قلبه وربما تكلم بألسنة مختلفة كما يتكلم الجنى على لسان المصروع ~~والانسان الذى حصل له الحال لا يدرى بذلك بمنزلة المصروع الذى يتخبطه ~~الشيطان من المس ولبسه وتكلم على لسانه فاذا افاق لم يشعر بشيء مما قال ~~ولهذا قد يضرب المصروع وذلك الضرب لا يؤثر في الانسى ويخبر اذا افاق انه لم ~~يشعر بشيء لان الضرب كان على الجنى الذى لبسه # ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ~~ذلك الموضع ومنهم من يطير بهم ms3482 الجنى إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما ومنهم ~~من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته فلا يحج حجا شرعيا بل يذهب بثيابه ~~ولا يحرم إذا حاذى الميقات ولا يلبى ولا يقف بمزدلفة ولا يطوف بالبيت ولا ~~يسعى بين الصفا والمروة ولا يرمى الجمار بل يقف بعرفة بثيابه ثم يرجع من ~~ليلته وهذا ليس بحج ( ولهذا رأى بعض هؤلاء الملائكة تكتب الحجاج ( فقال الا ~~تكتبونى فقالوا لست من الحجاج يعنى حجا شرعيا PageV11P286 وبين كرامات ~~الأولياء وما يشبهها من الأحوال 4 الشيطانية فروق متعددة # منها ان ( كرامات الأولياء ( سببها الايمان والتقوى و ( الأحوال ~~الشيطانية ( سببها ما نهى الله عنه ورسوله وقد قال تعالى @QB@ قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ فالقول على ~~الله بغير علم والشرك والظلم والفواحش قد حرمهاالله تعالى ورسوله فلا تكون ~~سببا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها فاذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر ~~وقراءة القرآن بل تحصل بما يحبه الشيطان وبالامور التى فيها شرك كالاستغاثة ~~بالمخلوقات أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش فهي من ~~الاحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية # ومن هؤلاء من اذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله ~~في الهواء ويخرجه من تلك الدار فاذا حصل رجل من أولياء الله تعالى طرد ~~شيطانه فيسقط كما جرى هذا لغير واحد # ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حى أو ميت سواء كان ذلك الحى مسلما أو ~~نصرانيا أو مشركا فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث PageV11P287 به ويقضى ~~بعض حاجة ذلك المستغيث فيظن انه ذلك الشخص أو هو ملك على صورته وانما هو ~~شيطان اضله لما اشرك بالله كما كانت الشياطين تدخل الأصنام وتكلم المشركين ~~ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له أنا الخضر وربما اخبره ببعض الامور ~~واعانه على بعض مطالبه كما قد جرى ذلك لغير واحد من ms3483 المسلمين واليهود ~~والنصارى وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب يموت لهم الميت فيأتى ~~الشيطان بعد موته على صورته وهم يعتقدون أنه ذلك الميت ويقضى الديون ويرد ~~الودائع ويفعل اشياء تتعلق بالميت ويدخل على زوجته ويذهب وربما يكونون قد ~~أحرقوا ميتهم بالنار كما تصنع كفار الهند فيظنون أنه عاش بعد موته # ومن هؤلاء شيخ كان بمصر اوصى خادمه فقال إذا انا مت فلا تدع أحدا يغسلنى ~~فانا أجيء واغسل نفسى فلما مات رآى خادمه شخصا في صورته فاعتقد أنه هو دخل ~~وغسل نفسه فلما قضى ذلك الداخل غسله أى غسل الميت غاب وكان ذلك شيطانا وكان ~~قد أضل الميت وقال انك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك فلما مات جاء ايضا في ~~صورته ليغوى الاحياء كما اغوى الميت قبل ذلك PageV11P288 ومنهم من يرى عرشا ~~في الهواء وفوقه نور ويسمع من يخاطبه ويقول أنا ربك فان كان من أهل المعرفة ~~علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول ومنهم من يرى اشخاصا في ~~اليقظة يدعى احدهم انه نبى أو صديق أو شيخ من الصالحين وقد جرى هذا لغير ~~واحد ومنهم من يرى في منامه ان بعض الاكابر اما الصديق رضى الله عنه أو ~~غيره قد قص شعره أو حلقه أو البسه طاقيته أو ثوبه فيصبح وعلى رأسه طاقية ~~وشعره محلوق أو مقصر وإنما الجن قد حلقوا شعره أو قصروه وهذه الأحوال ~~الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات والجن الذين يقترنون ~~بهم من جنسهم وهم على مذهبهم والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطئ فان كان ~~الانسى كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال وقد ~~يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر مثل الاقسام عليهم بأسماء من ~~يعظمونه من الجن وغيرهم ومثل ان يكتب اسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة أو ~~يقلب فاتحة الكتاب أو سورة الاخلاص أو آية الكرسى أو غيرهن ويكتبهن بنجاسة ~~فيغورون له الماء وينقلونه بسبب ما يرضيهم به من الكفر وقد يأتونه بما ~~يهواه ms3484 من امرأة أو صبى اما في الهواء واما مدفوعا ملجأ إليه # إلى امثال هذه الأمور التى يطول وصفها والايمان بها ايمان PageV11P289 ~~بالجبت والطاغوت والجبت السحر والطاغوت الشياطين والاصنام وان كان الرجل ~~مطيعا لله ورسوله باطنا وظاهرا لم يمكنهم الدخول معه في ذلك أو مسالمته # ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التى هي بيوت الله ~~كان عمار المساجد ابعد عن الأحوال الشيطانية وكان أهل الشرك والبدع يعظمون ~~القبور ومشاهد الموتى فيدعون الميت أو يدعون به أو يعتقدون ان الدعاء عنده ~~مستجاب اقرب إلى الأحوال الشيطانية فانه ثبت في الصحيحين عن النبى انه قال ~~( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مس 4 اجد ( # وثبت في صحيح مسلم عنه انه قال قبل ان يموت بخمس ليال ( ان من امن الناس ~~على في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا من أهل الأرض لاتخذت ~~أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله لا يبقين في المسجد خوخة الا سدت الا ~~خوخة ابى بكر ان من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد الا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فانى انهاكم عن ذلك ( # وفى الصحيحين عنه انه ذكر له في مرضه كنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها ~~وتصاوير فيها فقال ( ان أولئك إذا مات فيهم PageV11P290 الرجل الصالح بنوا ~~على قبره مسجدا وصوروا فيها تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم ~~القيامة ( # وفى المسند وصحيح ابى حاتم عنه قال ( ان من شرار الخلق من تدركهم الساعة ~~وهم احياء والذين اتخذوا القبور مساجد ( # وفى الصحيح عنه انه قال ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها ( وفى ~~الموطأ عنه انه قال ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم ~~اتخذوا قبور انبيائهم مساجد ( # وفى السنن عنه انه قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيثما كنتم فان ~~صلاتكم تبلغنى ( # وقال ( ما من رجل يسلم على الا رد الله على روحى حتى ارد عليه السلام ( ~~وقال صلى الله عليه وسلم ( ان الله وكل ms3485 بقبرى ملائكة يبلغونى عن امتى ~~السلام ( وقال ( أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فان صلاتكم ~~معروضة على قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد PageV11P291 ارمت ~~أي بليت فقال ان الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ( # وقد قال الله تعالى في كتابه عن المشركين من قوم نوح عليه السلام ( ~~وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ( قال ~~بن عباس وغيره من السلف هؤلاء قوم كانوا صالحين من قوم نوح فلما ماتوا ~~عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم فكان هذا مبدأ عبادة الاوثان ~~فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد ليسد باب الشرك # كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لأن المشركين يسجدون للشمس ~~حينئذ والشيطان يقارنها وقت الطلوع ووقت الغروب فتكون في الصلاة حينئذ ~~مشابهة لصلاة المشركين فسد هذا الباب # والشيطان يضل بنى آدم بحسب قدرته فمن عبد الشمس والقمر والكواكب ودعاها ~~كما يفعل أهل دعوة الكواكب فانه ينزل عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور ~~ويسمون ذلك روحانية الكواكب وهو شيطان والشيطان وان اعان الانسان على بعض ~~مقاصده فانه يضره اضعاف ما ينفعه وعاقبة من اطاعه إلى شر الا ان يتوب الله ~~عليه وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم الشياطين PageV11P292 وكذلك من استغاث ~~بميت أو غائب وكذلك من دعا الميت أو دعا به أو ظن ان الدعاء عند قبره أفضل ~~منه في البيوت والمساجد ويروون حديثا هو كذب باتفاق أهل المعرفة وهو ( إذا ~~اعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور ( وإنما هذا وضع من فتح باب الشرك # ويوجد لأهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بهم من عباد الأصنام والنصارى ~~والضلال من المسلمين احوال عند المشاهد يظنونها كرامات وهى من الشياطين مثل ~~أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد انعقد أو يوضع عنده مصروع فيرون ~~شيطانه قد فارقه يفعل الشيطان هذا ليضلهم وإذ قرأت آية الكرسى هناك بصدق ~~بطل هذا فان التوحيد يطرد الشيطان ولهذا حمل بعضهم في ms3486 الهواء فقال لا إله ~~إلا الله فسقط ومثل ان يرى احدهم ان القبر قد انشق وخرج منه انسان فيظنه ~~الميت وهو شيطان # وهذا باب واسع لا يتسع له هذا الموضع # ولما كان الانقطاع إلى المغارات والبوادى من البدع التى لم يشرعها الله ~~ولا رسوله صارت الشياطين كثيرا ما تأوى إلى المغارات والجبال مثل مغارة ~~الدم التي بجبل قاسيون وجبل لبنان الذى بساحل الشام وجبل الفتح بأسوان بمصر ~~وجبال بالروم وخراسان وجبال بالجزيرة وغير ذلك PageV11P293 وجبل اللكام ~~وجبل الاحيش وجبل سولان قرب أردبيل وجبل شهنك عند تبريز وجبل ماشكو عند ~~أقشوان وجبل نهاوند وغير ذلك من الجبال التى يظن بعض الناس ان بها رجالا من ~~الصالحين من الانس ويسمونهم رجال الغيب وانما هناك رجال من الجن فالجن رجال ~~كما أن الانس رجال قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا @QE@ # ومن هؤلاء من يظهر بصورة رجل شعرانى جلده يشبه جلد الماعز فيظن من لا ~~يعرفه أنه انسى وانما هو جنى ويقال بكل جبل من هذه الجبال الأربعون الابدال ~~وهؤلاء الذين يظن انهم الأبدال هم جن بهذه الجبال كما يعرف ذلك بطرق متعددة # وهذا باب لا يتسع هذا الموضع لبسطه وذكر ما نعرفه من ذلك فانا قد رأينا ~~وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه في هذا المختصر الذى كتب لمن سأل ان نذكر له من ~~الكلام على اولياء الله تعالى ما يعرف به جمل ذلك # والناس في خوارق العادات على ثلاثة أقسام # ( قسم ( يكذب بوجود ذلك لغير الأنبياء وربما صدق به مجملا PageV11P294 ~~وكذب ما يذكر له عن كثير من الناس لكونه عنده ليس من الأولياء # ومنهم من يظن ان كل من كان له نوع من خرق العادة كان وليا لله وكلا ~~الأمرين خطأ ولهذا تجد ان هؤلاء يذكرون ان للمشركين وأهل الكتاب نصراء ~~يعينونهم على قتال المسلمين وانهم من اولياء الله وأولئك يكذبون ان يكون ~~معهم من له خرق عادة والصواب القول الثالث وهو ان معهم من ms3487 ينصرهم من جنسهم ~~لا من اولياء الله عز وجل كما قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~@QE@ وهؤلاء العباد والزهاد الذين ليسوا من اولياء الله المتقين المتبعين ~~للكتاب والسنة تقترن بهم الشياطين فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله ~~لكن خوارق هؤلاء يعارض بعضها بعضا وإذا حصل من له تمكن من اولياء الله ~~تعالى ابطلها عليهم ولا بد ان يكون في أحدهم من الكذب جهلا أو عمدا ومن ~~الأثم ما يناسب حال الشياطين المقترنة بهم ليفرق الله بذلك بين اوليائه ~~المتقين وبين المتشبهين بهم من أولياء الشياطين قال الله تعالى ( هل انبئكم ~~على من تنزل الشياطين تنزل على كل افاك أثيم ( والافاك الكذاب والأثيم ~~الفاجر # ومن أعظم ما يقوى الاحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهى وهو سماع ~~المشركين قال الله تعالى @QB@ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ~~@QE@ PageV11P295 قال بن عباس وبن عمر رضى الله عنهم وغيرهما من السلف ( ~~التصدية ( التصفيق باليد و ( المكاء ( مثل الصفير فكان المشركون يتخذون هذا ~~عبادة وأما النبى وأصحابه فعبادتهم ما امر الله به من الصلاة والقراءة ~~والذكر ونحو ذلك والاجتماعات الشرعية ولم يجتمع النبى وأصحابه على استماع ~~غناء قط لا بكف ولا بدف ولا تواجد ولا سقطت بردته بل كل ذلك كذب باتفاق أهل ~~العلم بحديثه # وكان أصحاب النبى إذا اجتمعوا امروا واحدا منهم ان يقرأ والباقون يستمعون ~~وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول لابى موسى الاشعرى ذكرنا ربنا فيقرأ ~~وهم يستمعون ومر النبى بأبى موسى الأشعرى وهو يقرأ فقال له ( مررت بك ~~البارحة وانت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال لو علمت انك تستمع لحبرته لك ~~تحبيرا ) أي لحسنته لك تحسينا كما قال النبى ( زينوا القرآن باصواتكم ) ~~وقال صلى الله عليه وسلم ( لله اشهد اذنا أي استماعا إلى الرجل الحسن الصوت ~~بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ) وقال لابن مسعود ( اقرأ على القرآن ~~فقال اقرأ عليك وعليك انزل فقال ms3488 انى احب ان اسمعه من غيرى فقرأت عليه سورة ~~النساء حتى انتهيت إلى PageV11P296 هذه الآية @QB@ فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا @QE@ قال حسبك فاذا عيناه تذرفان من البكاء ~~) # ومثل هذا السماع هو سماع النبيين واتباعهم كما ذكره الله في القرآن فقال ~~@QB@ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع ~~نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا @QE@ وقال في اهل المعرفة @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل ~~إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق @QE@ ومدح سبحانه ~~اهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الايمان واقشعرار الجلد ودمع العين ~~فقال تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم @QE@ # واما السماع المحدث سماع الكف والدف والقصب فلم تكن الصحابة والتابعون ~~لهم باحسان وسائر الأكابر من أئمة الدين يجعلون هذا طريقا إلى الله تبارك ~~وتعالى ولا يعدونه من القرب والطاعات PageV11P297 بل يعدونه من البدع ~~المذمومة حتى قال الشافعى خلفت ببغداد شيئا احدثته الزنادقة يسمونه التغبير ~~يصدون به الناس عن القرآن واولياء الله العارفون يعرفون ذلك ويعلمون ان ~~للشيطان فيه نصيبا وافرا ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم # ومن كان ابعد عن المعرفة وعن كمال ولاية الله كان نصيب الشيطان منه أكثر ~~وهو بمنزلة الخمر يؤثر في النفوس أعظم من تأثير الخمر # ولهذا اذا قويت سكرة أهله نزلت عليهم الشياطين وتكلمت على ألسنة بعضهم ~~وحملت بعضهم في الهواء وقد تحصل عداوة بينهم # كما تحصل بين شراب الخمر فتكون شياطين أحدهم أقوى من شياطين الآخر ~~فيقتلونه ويظن الجهال ان هذا من كرامات أولياء ms3489 الله المتقين وإنما هذا مبعد ~~لصاحبه عن الله وهو من أحوال الشياطين فان قتل المسلم لا يحل الا بما أحله ~~الله فكيف يكون قتل المعصوم مما يكرم الله به أولياءه وإنما غاية الكرامة ~~لزوم الاستقامة فلم يكرم الله عبدا بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه ~~ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته # وذلك أن الخوارق منها ما هو من جنس العلم كالمكاشفات ومنها ما هو من جنس ~~القدرة والملك كالتصرفات الخارقة للعادات ومنها ما هو PageV11P298 من جنس ~~الغنى عن جنس ما يعطاه الناس في الظاهر من العلم والسلطان والمال والغنى # وجميع ما يؤتيه الله لعبده من هذه الأمور ان استعان به على ما يحبه الله ~~ويرضاه ويقربه إليه ويرفع درجته ويأمره الله به ورسوله ازداد بذلك رفعة ~~وقربا إلى الله ورسوله وعلت درجته وان استعان به على ما نهى الله عنه ~~ورسوله كالشرك والظلم والفواحش استحق بذلك الذم والعقاب فان لم يتداركه ~~الله تعالى بتوبة أو حسنات ما حية وإلا كان كامثاله من المذنبين ولهذا ~~كثيرا ما يعاقب اصحاب الخوارق تارة بسلبها كما يعزل الملك عن ملكه ويسلب ~~العالم علمه وتارة بسلب التطوعات فينقل من الولاية الخاصة إلى العامة وتارة ~~ينزل إلى درجة الفساق وتارة يرتد عن الاسلام وهذا يكون فيمن له خوارق ~~شيطانية فان كثيرا من هؤلاء يرتد عن الاسلام وكثير منهم لا يعرف ان هذه ~~شيطانية بل يظنها من كرامات اولياء الله ويظن من يظن منهم ان الله عز وجل ~~اذا اعطى عبدا خرق عادة لم يحاسبه على ذلك كمن يظن ان الله ( اذا ) اعطى ~~عبدا ملكا ومالا وتصرفا لم يحاسبه عليه ومنهم من يستعين بالخوارق على أمور ~~مباحة لا مأمورا بها ولا منهيا عنها فهذا يكون من عموم الأولياء وهم ~~الابرار المقتصدون واما السابقون المقربون فأعلى من هؤلاء كما ان العبد ~~PageV11P299 الرسول أعلى منالنبى الملك # ولما كانت الخوارق كثيرا ما تنقص بها درجة الرجل كان كثير من الصالحين ~~يتوب من مثل ذلك ويستغفرالله تعالى كما يتوب ms3490 من الذنوب كالزنا والسرقة ~~وتعرض على بعضهم فيسأل الله زوالها وكلهم يأمر المريد السالك ان لا يقف ~~عندها ولا يجعلها همته ولا يتبجح بها مع ظنهم انها كرامات فكيف إذا كانت ~~بالحقيقة من الشياطين تغويهم بها فاني اعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من ~~المنافع وإنما يخاطبه الشيطان الذى دخل فيها واعرف من يخاطبهم الحجر والشجر ~~وتقول هنيئا لك يا ولى الله فيقرأ آية الكرسى فيذهب ذلك واعرف من يقصد صيد ~~الطير فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول خذنى حتى يأكلنى الفقراء ويكون ~~الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الانس ويخاطبه بذلك ومنهم من يكون في ~~البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح وبالعكس وكذلك في ابواب ~~المدينة وتكون الجن قد ادخلته واخرجته بسرعة أو تمر به انوار أو تحضر عنده ~~من يطلبه ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه فإذا قرأ آية 2 الكرسى ~~مرة بعد مرة ذهب ذلك كله واعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له انا من امر الله ~~ويعده بانه المهدى الذى بشر به النبى صلى الله عليه وسلم ويظهر له الخوارق ~~PageV11P300 مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء فإذا خطر ~~بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يمينا أو شمالا ذهب حيث اراد وإذا خطر بقلبه ~~قيام بعض المواشى أو نومه أو ذهابه حصل له ما اراد من غير حركة منه في ~~الظاهر وتحمله إلى مكة وتأتى به وتأتيه باشخاص في صورة جميلة وتقول له هذه ~~الملائكة الكروبيون ارادوا زيارتك فيقول في نفسه كيف تصوروا بصورة المردان ~~فيرفع رأسه فيجدهم بلحى ويقول له علامة انك انت المهدى انك تنبت في جسدك ~~شامة فتنبت ويراها وغير ذلك وكله من مكر الشيطان # وهذا باب واسع لو ذكرت ما اعرفه منه لا حتاج إلى مجلد كبير وقد قال تعالى ~~@QB@ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن @QE@ قال الله تبارك وتعالى ~~@QB@ كلا @QE@ ولفظ ( كلا ms3491 ( فيها زجر وتنبيه زجر عن مثل هذا القول وتنبيه ~~على ما يخبر به ويومر به بعده وذلك انه ليس كل من حصل له نعم دنيوية تعد ~~كرامة يكون الله عز وجل مكرما له بها ولا كل من قدر عليه ذلك يكون مهينا له ~~بذلك بل هو سبحانه يبتلى عبده بالسراء والضراء فقد يعطى النعم الدنيوية لمن ~~لا يحبه ولا هو كريم عنده ليستدرجه بذلك وقد يحمى منها من يحبه ويواليه ~~لئلا تنقص بذلك مرتبته عنده أو يقع بسببها فيما يكرهه منه PageV11P301 ~~وأيضا ( كرامات الأولياء ) لابد ان يكون سببها الايمان والتقوى فما كان ~~سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق اعداء الله لا من كرامات اولياء ~~الله فمن كانت خوارقه لا تحصل بالصلاة والقراءة والذكر وقيام الليل والدعاء ~~وإنما تحصل عند الشرك مثل دعاء الميت والغائب أو بالفسق والعصيان واكل ~~المحرمات كالحيات والزنابير والخنافس والدم وغيره من النجاسات ومثل الغناء ~~والرقص لا سيما مع النسوة الاجانب والمردان وحالة خوارقه تنقص عند سماع ~~القرآن وتقوى عند سماع مزامير الشيطان فيرقص ليلا طويلا فاذا جاءت الصلاة ~~صلى قاعدا أو ينقر الصلاة نقر الديك وهو يبغض سماع القرآن وينفر عنه ~~ويتكلفه ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده ويحب سماع المكاء ~~والتصدية ويجد عنده مواجيد فهذه احوال شيطانية وهو ممن يتناوله قوله تعالى ~~( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) # فالقرآن هو ذكر الرحمن قال الله تعالى ( ومن اعرض عن ذكرى فان له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال ~~كذلك آتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) يعنى تركت العمل بها قال بن ~~عباس رضى الله عنهما تكفل الله لمن قرأ كتابه وعمل بما فيه ان لا يضل في ~~الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية PageV11P302 ### ||| فصل # ( ومما يجب ان يعلم ان الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الانس ~~والجن فلم يبق انسى ولا ms3492 جنى الا وجب عليه الايمان بمحمد واتباعه فعليه ان ~~يصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ومن قامت عليه الحجة برسالته فلم يؤمن به ~~فهو كافر سواء كان انسيا أو جنيا # ومحمد مبعوث إلى الثقلين باتفاق المسلمين وقد استمعت الجن القرآن وولوا ~~إلى قومهم منذرين لما كان النبى يصلى بأصحابه ببطن نخلة لما رجع من الطائف ~~وأخبره الله بذلك في القرآن بقوله @QB@ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ~~قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي ~~إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم ~~من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ~~وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين @QE@ PageV11P303 # وأنزل الله تعالى بعد ذلك @QB@ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وأنه ~~تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ~~وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وأنه كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ أي السفيه منا في اظهر قولى ~~العلماء وقال غير واحد من السلف كان الرجل من الانس إذا نزل بالوادى قال ~~أعوذ بعظيم هذا الوادى من شر سفهاء قومه فلما استغاثت الانس بالجن ازدادت ~~الجن طغيانا وكفرا كما قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال ~~من الجن فزادوهم رهقا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا وأنا ~~لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا @QE@ وكانت الشياطين ترمى ~~بالشهب قبل ان ينزل القرآن لكن كانوا احيانا يسترقون السمع قبل ان يصل ~~الشهاب إلى أحدهم فلما بعث محمد ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا وصارت الشهب ~~مرصدة لهم قبل ان يسمعوا كما قالوا ( وإنا ms3493 كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا PageV11P304 # وقال تعالى في الآية الاخرى @QB@ ~~وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون ~~@QE@ قالوا @QB@ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ~~وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا @QE@ أى على مذاهب شتى كما ~~قال العلماء منهم المسلم والمشرك والنصرانى والسنى والبدعى @QB@ وأنا ظننا ~~أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا @QE@ أخبروا أنهم لا يعجزونه لا ~~ان اقاموا في الأرض ولا إن هربوا منه @QB@ وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به ~~فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ~~@QE@ أى الظالمون يقال اقسط إذا عدل وقسط اذا جار وظلم @QB@ فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا وأن لو استقاموا على ~~الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا ~~صعدا وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ~~@QE@ أى ملجأ ومعاذا @QB@ إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ~~ناصرا وأقل عددا @QE@ PageV11P305 ثم لما سمعت الجن القرآن اتوا إلى النبى ~~وآمنوا به وهم جن نصيبين كما ثبت ذلك في الصحيح من حديث بن مسعود وروى انه ~~قرأ عليهم سورة الرحمن وكان اذا قال @QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان @QE@ ~~قالوا ( ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد ولما اجتمعوا بالنبى سألوه ~~الزاد لهم ولدوابهم فقال ( لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه اوفر ما ~~يكون لحما وكل بعرة علفا لدوابكم قال النبى ( فلا تستنجوا بهما فانهما زاد ~~لاخوانكم من ms3494 الجن ( وهذا النهى ثابت عنه من وجوه متعددة وبذلك احتج العلماء ~~على النهى عن الاستنجاء بذلك وقالوا فاذا منع من الاستنجاء بما للجن ~~ولدوابهم فما اعد للانس ولدوابهم من الطعام والعلف اولى واحرى # ومحمد أرسل إلى جميع الانس والجن وهذا أعظم قدرا عند الله تعالى من كون ~~الجن سخروا لسليمان عليه السلام فانهم سخروا له يتصرف فيهم بحكم الملك ~~ومحمد أرسل اليهم يأمرهم بما أمر الله به ورسوله لأنه عبد الله ورسوله ~~ومنزلة العبد الرسول فوق منزلة النبى الملك # وكفار الجن يدخلون النار بالنص والاجماع وأما مؤمنوهم فجمهور PageV11P306 ~~العلماء على انهم يدخلون الجنة وجمهور العلماء على ان الرسل من الانس ولم ~~يبعث من الجن رسول لكن منهم النذر وهذه المسائل لبسطها موضع آخر # والمقصود هنا ان الجن مع الانس على احوال # فمن كان من الانس يأمر الجن بما أمر الله به رسوله من عبادة الله وحده ~~وطاعة نبيه ويأمر الانس بذلك فهذا من أفضل اولياء الله تعالى وهو في ذلك من ~~خلفاء الرسول ونوابه # ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل الانس في أمور ~~مباحة له وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم ~~في مباحات له فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك وهذا اذا قدر انه ~~من اولياء الله تعالى فغايته ان يكون في عموم اولياء الله مثل النبى الملك ~~مع العبد الرسول كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين # ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك واما في قتل ~~معصوم الدم أو في العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه PageV11P307 وانسائه ~~العلم وغير ذلك من الظلم واما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة فهذا قد ~~استعان بهم على الاثم والعدوان ثم ان استعان بهم على الكفر فهو كافر وان ~~استعان بهم على المعاصى فهو عاص إما فاسق وإما مذنب غير فاسق وان لم يكن ~~تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن ms3495 انه من الكرامات مثل ان يستعين ~~بهم على الحج أو ان يطيروا به عند السماع البدعى أو ان يحملوه إلى عرفات ~~ولا يحج الحج الشرعى الذى امره الله به ورسوله وأن يحملوه من مدينة إلى ~~مدينة ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكروا به # وكثير من هؤلاء قد لا يعرف ان ذلك من الجن بل قد سمع ان اولياء الله لهم ~~كرامات وخوارق للعادات وليس عنده من حقائق الايمان ومعرفة القرآن ما يفرق ~~به بين الكرامات الرحمانية وبين التلبيسات الشيطانية فيمكرون به بحسب ~~اعتقاده فان كان مشركا يعبد الكواكب والاوثان اوهموه انه ينتفع بتلك ~~العبادة ويكون قصده الاستشفاع والتوسل ممن صور ذلك الصنم على صورته من ملك ~~أو نبى أو شيخ صالح فيظن انه صالح وتكون عبادته في الحقيقة للشيطان قال ~~الله تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم ~~مؤمنون @QE@ PageV11P308 ولهذا كان الذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب ~~يقصدون السجود لها فيقارنها الشيطان عند سجودهم ليكون سجودهم له ولهذا ~~يتمثل الشيطان بصورة من يستغيث به المشركون فان كان نصرانيا واستغاث بجرجس ~~أو غيره جاء الشيطان في صورة جرجس أو من يستغيث به وان كان منتسبا إلى ~~الاسلام واستغاث بشيخ يحسن الظن به من شيوخ المسلمين جاء في صورة ذلك الشيخ ~~وان كان من مشركى الهند جاء في صورة من يعظمه ذلك المشرك # ثم ان الشيخ المستغاث به ان كان ممن له خبرة بالشريعة لم يعرفه الشيطان ~~انه تمثل لأصحابه المستغيثين به وان كان الشيخ ممن لا خبرة له بأقوالهم نقل ~~اقوالهم له فيظن أولئك ان الشيخ سمع اصواتهم من البعد واجابهم وإنما هو ~~بتوسط الشيطان # ولقد أخبر بعض الشيوخ الذين كان قد جرى لهم مثل هذا بصورة مكاشفة ومخاطبة ~~فقال يروننى الجن شيئا براقا مثل الماء والزجاج ويمثلون له فيه ما يطلب منه ~~الاخبار به قال فأخبر الناس به ويوصلون إلى كلام من استغاث بى من ms3496 أصحابى ~~فأجيبه فيوصلون جوابى إليه # وكان كثير من الشيوخ الذين حصل لهم كثير من هذه الخوارق اذا كذب بها من ~~لم يعرفها وقال انكم تفعلون هذا بطريق الحيلة كما PageV11P309 يدخل النار ~~بحجر الطلق وقشور النارنج ودهن الضفادع وغير ذلك من الحيل الطبيعية فيعجب ~~هؤلاء المشايخ ويقولون نحن والله لا نعرف شيئا من هذه الحيل فلما ذكر لهم ~~الخبير انكم لصادقون في ذلك ولكن هذه الأحوال شيطانية اقروا بذلك وتاب منهم ~~من تاب الله عليه لما تبين لهم الحق وتبين لهم من وجوه انها من الشيطان ~~ورأوا انها من الشياطين لما رأوا انها تحصل بمثل البدع المذمومة في الشرع ~~وعند المعاصى لله فلا تحصل عندما يحبه الله ورسوله من العبادات الشرعية ~~فعلموا انها حينئذ من مخارق الشيطان لأوليائه لا من كرامات الرحمن لأوليائه # والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب وصلى الله وسلم ~~على محمد سيد رسله وانبيائه وعلى آله وصحبه وانصاره واشياعه وخلفائه صلاة ~~وسلاما نستوجب بهما شفاعته ( آمين PageV11P310 ! 8 < ( وقال الشيخ الامام ~~العالم العلامة ( العارف الربانى المقذوف في قلبه النور القرآنى شيخ ~~الاسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضى الله عنه وارضاه الحمد لله ~~رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضاه واشهد ان لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له ولا إله سواه واشهد ان محمدا عبده ورسوله ~~الذى اصطفاه واجتباه وهداه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا إلى ~~يوم الدين ! 8 < ( ### || قاعدة شريفة في المعجزات والكرامات # ( وإن كان اسم ( المعجزة ( يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة ~~المتقدمين كالامام أحمد بن حنبل وغيره ويسمونها الآيات لكن كثير من ~~المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما فيجعل ( المعجزة PageV11P311 للنبى و ( ~~الكرامة ( للولي وجماعهما الأمر الخارق للعادة # فنقول صفات الكمال ترجع إلى ( ثلاثة ( العلم والقدرة والغنى وان شئت ان ~~تقول العلم والقدرة والقدرة إما على الفعل وهو التأثير وإما على الترك وهو ~~الغنى والأول اجود وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه ms3497 الكمال الا لله وحده فانه ~~الذى احاط بكل شيء علما وهو على كل شيء قدير وهو غنى عن العالمين # وقد امر الرسول ان يبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله @QB@ قل لا أقول لكم ~~عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي @QE@ وكذلك قال نوح عليه السلام فهذا أول أولى العزم واول رسول بعثه ~~الله تعالى إلى أهل الأرض وهذا خاتم الرسل وخاتم اولى العزم كلاهما يتبرأ ~~من ذلك وهذا لأنهم يطالبون الرسول تارة بعلم الغيب كقوله @QB@ ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين @QE@ و @QB@ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل ~~إنما علمها عند ربي @QE@ وتارة بالتأثير كقوله ( وقالوا لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار ~~خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة ~~قبيلا PageV11P312 إلى قوله قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا ( وتارة ~~يعيبون عليه الحاجة البشرية كقوله @QB@ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو ~~تكون له جنة يأكل منها @QE@ # فأمره ان يخبر انه لا يعلم الغيب ولا يملك خزائن الله ولا هو ملك غنى عن ~~الاكل والمال إن هو الا متبع لما اوحى إليه واتباع ما اوحى إليه هو الدين ~~وهو طاعة الله وعبادته علما وعملا بالباطن والظاهر # وانما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى فيعلم منه ما علمه ~~اياه ويقدر منه على ما اقدره الله عليه ويستغنى عما اغناه الله عنه من ~~الامور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة غالب الناس # 2 فما كان من الخوارق من ( باب العلم ( فتارة بأن يسمع العبد مالا يسمعه ~~غيره وتارة بأن يرى مالا يراه غيره يقظة ومناما وتارة بأن يعلم مالا يعلم ~~غيره وحيا وإلهاما أو انزال علم ضرورى أو فراسة صادقة ويسمى كشفا ومشاهدات ~~ومكاشفات ومخاطبات فالسماع ms3498 مخاطبات والرؤية مشاهدات والعلم مكاشفة ويسمى ~~ذلك كله ( كشفا ( و ( مكاشفة ( أي كشف له عنه PageV11P313 وما كان من ( باب ~~القدرة ( فهو التأثير وقد يكون همة وصدقا ودعوة مجابة وقد يكون من فعل الله ~~الذى لا تأثير له فيه بحال مثل هلاك عدوه بغير أثر منه كقوله ( من عادى لى ~~وليا فقد بارزنى بالمحاربة وانى لأثأر لأوليائى كما يثأر الليث الحرب ( ~~ومثل تذليل النفوس له ومحبتها اياه ونحو ذلك # وكذلك ما كان من ( باب العلم والكشف ( قد يكشف لغيره من حاله بعض امور ~~كما قال النبى في المبشرات ( هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى ~~له ( وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( أنتم شهداء الله في الأرض ( # وكل واحد ( من الكشف والتأثير ( قد يكون قائما به وقد لا يكون قائما به ~~بل يكشف الله حاله ويصنع له من حيث لا يحتسب كما قال يوسف بن اسباط ( ما ~~صدق الله عبد إلا صنع له ( وقال أحمد بن حنبل ( لو وضع الصدق على جرح لبرأ ~~( لكن من قام بغيره له من الكشف والتأثير فهو سببه ايضا وان كان خرق عادة ~~في ذلك الغير فمعجزات الأنبياء واعلامهم ودلائل نبوتهم تدخل في ذلك ~~PageV11P314 وقد جمع لنبينا محمد جميع انواع ( المعجزات والخوارق ( أما ~~العلم والاخبار الغيبية والسماع والرؤية فمثل اخبار نبينا عن الأنبياء ~~المتقدمين وأممهم ومخاطباته لهم واحواله معهم وغير الأنبياء من الأولياء ~~وغيرهم بما يوافق ما عند أهل الكتاب الذين ورثوه بالتواتر أو بغيره من غير ~~تعلم له منهم وكذلك اخباره عن أمور الربوبية والملائكة والجنة والنار بما ~~يوافق الأنبياء قبله من غير تعلم منهم ويعلم ان ذلك موافق لنقول الأنبياء ~~تارة بما في ايديهم من الكتب الظاهرة ونحو ذلك من النقل المتواتر وتارة بما ~~يعلمه الخاصة من علمائهم وفى مثل هذا قد يستشهد أهل الكتاب وهو من حكمة ~~ابقائهم بالجزية وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه # فاخباره عن الأمور الغائبة ماضيها وحاضرها هو من ( باب العلم الخارق ( ~~وكذلك اخباره عن الامور المستقبلة مثل ms3499 مملكة امته وزوال مملكة فارس والروم ~~وقتال الترك وألوف مؤلفة من الاخبار التى اخبر بها مذكور بعضها في كتب ~~دلائل النبوة ( و ( سيرة الرسول ( و ( فضائله ( و ( كتب التفسير ( و ( ~~الحديث ( و ( المغازى ( مثل دلائل النبوة لابى نعيم والبيهقى وسيرة بن ~~إسحاق وكتب الاحاديث المسندة كمسند الامام أحمد والمدونة كصحيح البخارى ~~وغير ذلك مما PageV11P315 هو مذكور أيضا في ( كتب أهل الكلام والجدل ( ~~كاعلام النبوة للقاضى عبد الجبار وللماوردى والرد على النصارى للقرطبى ~~ومصنفات كثيرة جدا وكذلك ما أخبر عنه غيره مما وجد في كتب الأنبياء ~~المتقدمين وهى في وقتنا هذا اثنان وعشرون نبوة بايدى اليهود والنصارى ~~كالتوراة والانجيل والزبور وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال وأرميا وكذلك اخبار ~~غير الانبياء من الاحبار والرهبان وكذلك اخبار الجن والهواتف المطلقة ~~واخبار الكهنة كسطيح وشق وغيرهما وكذلك المنامات وتعبيرها كمنام كسرى ~~وتعبير الموبذان وكذا اخبار الأنبياء المتقدمين بما مضى وما عبر هو من ~~أعلامهم # وأما ( القدرة والتأثير ( فاما ان يكون في العالم العلوى أو ما دونه وما ~~دونه إما بسيط أو مركب والبسيط إما الجو وإما الأرض والمركب اما حيوان وإما ~~نبات واما معدن والحيوان إما ناطق وإما بهيم فالعلوى كانشقاق القمر ورد ~~الشمس ليوشع بن نون وكذلك ردها لما فاتت عليا الصلاة والنبى نائم في حجره ~~إن صح الحديث فمن الناس من صححه كالطحاوى والقاضى عياض ومنهم من جعله ~~موقوفا كابى الفرج بن الجوزى وهذا اصح وكذلك معراجه إلى السماوات ~~PageV11P316 وأما ( الجو ( فاستسقاؤه واستصحاؤه غير مرة كحديث الاعرابى ~~الذى في الصحيحين وغيرهما وكذلك كثرة الرمى بالنجوم عند ظهوره وكذلك اسراؤه ~~من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى # واما ( الأرض والماء ( فكاهتزاز الجبل تحته وتكثير الماء في عين تبوك ~~وعين الحديبية ونبع الماء من بين اصابعه غير مرة ومزادة المرأة # وأما ( المركبات ( فتكثيره للطعام غير مرة في قصة الخندق من حديث جابر ~~وحديث أبى طلحة وفى أسفاره وجراب أبى هريرة ونخل جابر بن عبد الله وحديث ~~جابر وبن الزبير في انقلاع النخل له وعوده إلى مكانه ms3500 وسقياه لغير واحد من ~~الأرض كعين أبى قتادة # وهذا باب واسع لم يكن الغرض هنا ذكر أنواع معجزاته بخصوصه وإنما الغرض ~~التمثيل # وكذلك من باب ( القدرة ( عصا موسى صلى الله عليه وسلم وفلق البحر والقمل ~~والضفادع والدم وناقة صالح وابراء الا كمه والأبرص واحياء الموتى لعيسى كما ~~ان من باب العلم اخبارهم بما يأكلون PageV11P317 وما يدخرون في بيوتهم وفى ~~الجملة لم يكن المقصود هنا ذكر المعجزات النبوية بخصوصها وإنما الغرض ~~التمثيل بها # وأما المعجزات التى لغير الأنبياء من ( باب الكشف والعلم ( فمثل قول عمر ~~في قصة سارية وأخبار ابى بكر بان ببطن زوجته أنثى واخبار عمر بمن يخرج من ~~ولده فيكون عادلا وقصة صاحب موسى في علمه بحال الغلام # و ( القدرة ( مثل قصة الذى عنده علم من الكتاب وقصة أهل الكهف وقصة مريم ~~وقصة خالد بن الوليد وسفينة مولى رسول الله وابى مسلم الخولانى واشياء يطول ~~شرحها فان تعداد هذا مثل المطر وإنما الغرض التمثيل بالشيء الذى سمعه أكثر ~~الناس واما القدرة التى لم تتعلق بفعله فمثل نصر الله لمن ينصره وأهلاكه ~~لمن يشتمه PageV11P318 ### ||| فصل # ( الخارق كشفا كان أو تأثيرا أن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من ~~الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا إما واجب واما مستحب وان حصل به ~~أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التى تقتضى شكرا وان كان على وجه يتضمن ~~ما هو منهى عنه نهى تحريم أو نهى تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض كقصة الذى ~~اوتى الآيات فانسلخ منها بلعام بن باعوراء لكن قد يكون صاحبها معذورا ~~لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو عجز أو ضرورة فيكون من ~~جنس برح العابد # و ( النهى ( قد يعود إلى سبب الخارق وقد يعود إلى مقصوده فالأول مثل أن ~~يدعو الله دعاء منهيا عنه اعتداء عليه وقد قال تعالى ( ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية أنه لا يحب المعتدين ( ومثل الأعمال المنهى عنها إذا أورثت كشفا أو ~~تأثيرا والثانى ان يدعو على ms3501 غيره بما لا يستحقه أو يدعو للظالم بالاعانة ~~ويعينه بهمته كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوى الاحوال فإن كان صاحبه من ~~عقلاء المجانين والمغلوبين غلبة PageV11P319 بحيث يعذرون والناقصين نقصا لا ~~يلامون عليه كانوا برحية وقد بينت في غير هذا الموضع ما يعذرون فيه وما لا ~~يعذرون فيه وان كانوا عالمين قادرين كانوا بلعامية فان من أتى بخارق على ~~وجه منهى عنه أو لمقصود منهى عنه فاما ان يكون معذورا معفوا عنه كبرح أو ~~يكون متعمدا للكذب كبلعام # فتلخص أن الخارق ( ثلاثة أقسام ( محمود في الدين ومذموم في الدين ومباح ~~لا محمود ولا مذموم في الدين فان كان المباح فيه منفعة كان نعمة وان لم يكن ~~فيه منفعة كان كسائر المباحات التى لا منفعة فيها كاللعب والعبث # قال أبو على الجوزجانى كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة فان نفسك ~~منجبلة على طلب الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة قال الشيخ السهروردى في ~~عوارفه وهذا الذى ذكره أصل عظيم كبير في الباب وسر غفل عن حقيقته كثير من ~~أهل السلوك والطلاب وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين ~~المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات فأبدا نفوسهم لا تزال ~~تتطلع إلى شيء من ذلك ويحبون ان يرزقوا شيئا من ذلك ولعل احدهم يبقى منكسر ~~القلب متهما لنفسه في صحة عمله حيث لم يكاشف بشيء من ذلك ولو علموا سر ذلك ~~لهان عليهم الامر فيعلم ان الله PageV11P320 يفتح على بعض المجاهدين ~~الصادقين من ذلك بابا والحكمة فيه ان يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار ~~القدرة تفننا فيقوى عزمه على هذا الزهد في الدنيا والخروج من دواعى الهوى ~~وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ويرفع عن قلبه الحجاب ومن كوشف بصدق ~~اليقين أغنى بذلك عن رؤية خرق العادات لأن المراد منها كان حصول اليقين وقد ~~حصل اليقين فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينا فلا ~~تقتضى الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به وتقتضى ~~الحكمة ms3502 كشف ذلك لآخر لموضع حاجته وكان هذا الثانى يكون اتم استعدادا وأهلية ~~من الأول فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة فهي كل الكرامة ثم إذا وقع ~~في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع فما يبالى ولا ينقص بذلك وإنما ينقص ~~بالاخلال بواجب حق الاستقامة # فتعلم هذا لأنه أصل كبير للطالبين والعلماء الزاهدين ومشايخ الصوفية ~~PageV11P321 ### ||| فصل # ( كلمات الله تعالى ( نوعان ( كلمات كونية وكلمات دينية فكلماته الكونية ~~هي التى استعاذ بها النبى صلى الله عليه وسلم في قوله ( أعوذ بكلمات الله ~~التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ( وقال سبحانه @QB@ إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ وقال تعالى @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا @QE@ والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق الكشفية ~~التأثيرية # و ( النوع الثانى ( الكلمات الدينية وهى القرآن وشرع الله الذى بعث به ~~رسوله وهى أمره ونهيه وخبره وحظ العبد منها العلم بها والعمل والأمر بما ~~أمر الله به كما أن حظ العبد عموما وخصوصا من الأول العلم بالكونيات ~~والتأثير فيها أى بموجبها # فالأولى قدرية كونية والثانية شرعية دينية وكشف الأولى العلم بالحوادث ~~الكونية وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية وقدرة الأولى التأثير في ~~الكونيات وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات وكما PageV11P322 أن الأولى ~~تنقسم إلى تأثير في نفسه كمشيه على الماء وطيرانه في الهواء وجلوسه على ~~النار وإلى تأثير في غيره باسقام وإصحاح وأهلاك وإغناء وافقار فكذلك ~~الثانية تنقسم إلى تأثير في نفسه بطاعته لله ورسوله والتمسك بكتاب الله ~~وسنة رسوله باطنا وظاهرا وإلى تأثير في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله ~~فيطاع في ذلك طاعة شرعية بحيث تقبل النفوس ما يأمرها به من طاعة الله ~~ورسوله في الكلمات الدينيات كما قبلت من الأول ما أراد تكوينه فيها ~~بالكلمات الكونيات # وإذا تقرر ذلك فاعلم ان عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه ~~فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات ولم يسخر له شيء من الكونيات لا ينقصه ذلك ~~في مرتبته عند الله بل قد يكون ms3503 عدم ذلك انفع له في دينه إذا لم يكن وجود ~~ذلك في حقه مأمورا به امر إيجاب ولا استحباب واما عدم الدين والعمل به ~~فيصير الانسان ناقصا مذموما اما ان يجعله مستحقا للعقاب واما ان يجعله ~~محروما من الثواب وذلك لأن العلم بالدين وتعليمه والأمر به ينال به العبد ~~رضوان الله وحده وصلاته وثوابه وأما العلم بالكون والتأثير فيه فلا ينال به ~~ذلك إلا إذا كان داخلا في الدين بل قد يجب عليه شكره وقد يناله به إثم # إذا عرف هذا فالأقسام ثلاثة اما ان يتعلق بالعلم والقدرة ( أو ( بالدين ~~PageV11P323 فقط أو بالكون فقط # ( فالأول ( كما قال لنبيه ( وقل رب ادخلنى مدخل صدق وإخرجنى مخرج صدق ~~واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا ( فان السلطان النصير يجمع الحجة والمنزلة ~~عند الله وهو كلماته الدينية والقدرية والكونية عند الله بكلماته الكونيات ~~ومعجزات الأنبياء عليهم السلام تجمع الأمرين فانها حجة على النبوة من الله ~~وهى قدرية وابلغ ذلك القرآن الذى جاء به محمد فانه هو شرع الله وكلماته ~~الدينيات وهو حجة محمد على نبوته ومجيئه من الخوارق للعادات فهو الدعوة وهو ~~الحجة والمعجزة # ( واما القسم الثانى ( فمثل من يعلم بما جاء به الرسول خبرا وأمرا ويعمل ~~به ويأمر به الناس ويعلم بوقت نزول المطر وتغير السعر وشفاء المريض وقدوم ~~الغائب ولقاء العدو وله تأثير إما في الأناسى واما في غيرهم باصحاح واسقام ~~واهلاك أو ولادة أو ولاية أو عزل وجماع التأثير أما جلب منفعة كالمال ~~والرياسة واما دفع مضرة كالعدو والمرض اولا واحد منهما مثل ركوب اسد بلا ~~فائدة أو اطفاء نار ونحو ذلك # و ( اما الثالث ( فمن يجتمع له الأمران بأن يؤتى من الكشف PageV11P324 ~~والتأثير الكونى ما يؤيد به الكشف والتأثير الشرعى وهو علم الدين والعمل به ~~والأمر به ويؤتى من علم الدين والعمل به ما يستعمل به الكشف والتأثير ~~الكونى بحيث تقع الخوارق الكونية تابعة للاوامر الدينية أو ان تخرق له ~~العادة في الأمور الدينية بحيث ينال من العلوم الدينية ومن ms3504 العمل بها ومن ~~الأمر بها ومن طاعة الخلق فيها ما لم ينله غيره في مطرد العادة فهذه أعظم ~~الكرامات والمعجزات وهو حال نبينا محمد وأبى بكر الصديق وعمر وكل المسلمين # فهذا القسم الثالث هو مقتضى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ إذ الاول ~~هو العبادة والثانى هو الاستعانة وهو حال نبينا محمد والخواص من أمته # المتمسكين بشرعته ومنهاجه باطنا وظاهرا فان كراماتهم كمعجزاته لم يخرجها ~~الا لحجة أو حاجة فالحجة ليظهر بها دين الله ليؤمن الكافر ويخلص المنافق ~~ويزداد الذين آمنوا إيمانا فكانت فائدتها اتباع دين الله علما وعملا ~~كالمقصود بالجهاد والحاجة كجلب منفعة يحتاجون إليها كالطعام والشراب وقت ~~الحاجة إليه أو دفع مضرة عنهم ككسر العدو بالحصى الذى رماهم به فقيل له ( ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ( وكل من هذين يعود إلى منفعة الدين كالأكل ~~والشرب وقتال العدو والصدقة على PageV11P325 المسلمين فان هذا من جملة ~~الدين والأعمال الصالحة # وأما ( القسم الأول ( وهو المتعلق بالدين فقط فيكون منه ما لا يحتاج إلى ~~الثانى ولا له فيه منفعة كحال كثير من الصحابة والتابعين وصالحى المسلمين ~~وعلمائهم وعبادهم مع أنه لابد ان يكون لهم حاجة أو انتفاعا بشيء من الخوارق ~~وقد يكون منهم من لا يستعمل أسباب الكونيات ولا عمل بها فانتفاء الخارق ~~الكونى في حقه إما لانتفاء سببه وإما لانتفاء فائدته وانتفاؤه لانتفاء ~~فائدته لا يكون نقصا وأماانتفاؤه لانتفاء سببه فقد يكون نقصا وقد لا يكون ~~نقصا فان كان لاخلاله بفعل واجب وترك محرم كان عدم الخارق نقصا وهو سبب ~~الضرر وان كان لاخلاله بالمستحبات فهو نقص عن رتبة المقربين السابقين وليس ~~هو نقصا عن رتبة اصحاب اليمين المقتصدين وان لم يكن كذلك بل لعدم اشتغاله ~~بسبب بالكونيات التى لا يكون عدمها ناقصا لثواب لم يكن ذلك نقصا مثل من ~~يمرض ولده ويذهب ماله فلا يدعو ليعافى أو يجيء ماله أو يظلمه ظالم فلا ~~يتوجه عليه لينتصر عليه # وأما ( القسم الثانى ( وهو صاحب الكشف والتأثير الكونى فقد تقدم انه تارة ~~يكون ms3505 زيادة في دينه وتارة يكون نقصا وتارة لا له ولا عليه وهذا غالب حال ~~أهل الاستعانة كما ان الأول غالب حال أهل العبادة PageV11P326 وهذا الثانى ~~بمنزلة الملك والسلطان الذى قد يكون صاحبه خليفة نبيا فيكون خير أهل الأرض ~~وقد يكون ظالما من شر الناس وقد يكون ملكا عادلا فيكون من أوساط الناس فان ~~العلم بالكونيات والقدرة على التأثير فيها بالحال والقلب كالعلم باحوالها ~~والتأثير فيها بالملك وأسبابه فسلطان الحال والقلب كسلطان الملك واليد إلا ~~أن اسباب هذا باطنة روحانية وأسباب هذا ظاهرة جثمانية وبهذا تبين لك أن ~~القسم الأول إذا صح فهو أفضل من هذا القسم وخير عند الله وعند رسوله وعباده ~~الصالحين المؤمنين العقلاء # وذلك من وجوه # ( أحدها ( أن علم الدين طلبا وخبرا لا ينال إلا من جهة الرسول وأما العلم ~~بالكونيات فأسبابه متعددة وما اختص به الرسل وورثتهم أفضل مما شركهم فيه ~~بقية الناس فلا ينال علمه إلا هم وأتباعهم ولا يعلمه إلا هم وأتباعهم # ( الثانى ( ان الدين لا يعمل به إلا المؤمنون الصالحون الذين هم أهل ~~الجنة واحباب الله وصفوته وأحباؤه وأولياؤه ولا يأمر به إلا هم PageV11P327 ~~وأما ( التأثير الكونى ( فقد يقع من كافر ومنافق وفاجر تأثيره في نفسه وفى ~~غيره كالأحوال الفاسدة والعين والسحر وكالملوك والجبابرة المسلطين ~~والسلاطين الجبابرة وما كان من العلم مختصا بالصالحين أفضل مما يشترك فيه ~~المصلحون والمفسدون # ( الثالث ( ان العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه في الآخرة ولا يضره ~~واما الكشف والتأثير فقد لا ينفع في الآخرة بل قد يضره كما قال تعالى ( ولو ~~أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ) # ( الرابع ( ان الكشف والتأثير إما ان يكون فيه فائدة أو لا يكون فان لم ~~يكن فيه فائدة كالاطلاع على سيئات العباد وركوب السباع لغير حاجة والاجتماع ~~بالجن لغير فائدة والمشى على الماء مع امكان العبور على الجسر فهذا لا ~~منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو بمنزلة العبث واللعب وإنما ~~يستعظم هذا من لم ينله ms3506 وهو تحت القدرة والسلطان في الكون مثل من يستعظم ~~الملك أو طاعة الملوك لشخص وقيام الحالة عند الناس بلا فائدة فهو يستعظمه ~~من جهة سببه لا من جهة منفعته كالمال والرياسة ودفع مضرة كالعدو والمرض ~~فهذه المنفعة تنال غالبا بغير الخوارق أكثر مما تنال بالخوارق ولا يحصل ~~بالخوارق منها إلا القليل ولا تدوم الا بأسباب اخرى PageV11P328 واما الآخر ~~أيضا فلا يحصل بالخوارق إلا مع الدين والدين وحده موجب للآخرة بلا خارق بل ~~الخوارق الدينية الكونية ابلغ من تحصيل الآخرة كحال نبينا محمد وكذلك المال ~~والرياسة التى تحصل لأهل الدين بالخوارق إنما هو مع الدين وإلا فالخوارق ~~وحدها لا تؤثر في الدنيا الا أثرا ضعيفا # فإن قيل مجرد الخوارق ان لم تحصل بنفسها منفعة لا في الدين ولا في الدنيا ~~فهي علامة طاعة النفوس له فهو موجب الرياسة والسلطان ثم يتوسط ذلك فتجتلب ~~المنافع الدينية والدنيوية وتدفع المضار الدينية والدنيوية # قلت نحن لم نتكلم إلا في منفعة الدين أو الخارق في نفسه من غير فعل الناس ~~وأما ان تكلمنا فيما يحصل بسببها من فعل الناس فنقول اولا الدين الصحيح ~~أوجب لطاعة النفوس وحصول الرياسة من الخارق المجرد كما هو الواقع فانه لا ~~نسبة لطاعة من اطيع لدينه إلى طاعة من أطيع لتأثيره إذ طاعة الاول اعم ~~واكثر والمطيع بها خيار بنى آدم عقلا ودينا واما الثانية فلا تدوم ولا تكثر ~~ولا يدخل فيها الاجهال الناس كأصحاب مسيلمة الكذاب وطليحة الاسدى ونحوهم ~~وأهل البوادى والجبال ونحوهم ممن لا عقل له ولا دين PageV11P329 ثم نقول ~~ثانيا لو كان الخارق يناله من الرياسة والمال أكثر من صاحب الدين لكان ~~غايته ان يكون ملكا من الملوك بل ملكه أن لم يقرنه بالدين فهو كفرعون ~~وكمقدمى الاسماعيلية ونحوهم وقد قدمنا أن رياسة الدنيا التى ينالها الملوك ~~بسياستهم وشجاعتهم واعطائهم اعظم من الرياسة بالخارق المجرد فان هذه أكثر ~~ما يكون مدة قريبة # ( الخامس ( ان الدين ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة ويدفع عنه مضرة الدنيا ~~والآخرة من غير ms3507 ان يحتاج معه إلى كشف أو تأثير # وأما الكشف أو التأثير فان لم يقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا ~~والآخرة اما في الآخرة فلعدم الدين الذى هو اداء الواجبات وترك المحرمات ~~واما في الدنيا فان الخوارق هي من الامور الخطرة التى لا تنالها النفوس إلا ~~بمخاطرات في القلب والجسم والأهل والمال فانه إن سلك طريق الجوع والرياضة ~~المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ودينه وربما زال عقله ومرض جسمه وذهب دينه وإن ~~سلك طريق الوله والاختلاط بترك الشهوات ليتصل بالأرواح الجنية وتغيب النفوس ~~عن اجسامها كما يفعل مولهوا الاحمدية فقد ازال عقله وأذهب ماله ومعيشته ~~وأشقى نفسه شقاء لا مزيد عليه وعرض نفسه لعذاب الله في الآخرة لما تركه من ~~الواجبات وما فعله من المحرمات وكذلك إن قصد تسخير الجن بالاسماء والكلمات ~~من الاقسام والعزائم فقد عرض نفسه لعقوبتهم PageV11P330 ومحاربتهم بل لو لم ~~يكن الخارق الا دلالة صاحب المال المسروق والضال على ماله أو شفاء المريض ~~أو دفع العدو من السلطان والمحاربين فهذا القدر إذا فعله الانسان مع الناس ~~ولم يكن عمله دينا يتقرب به إلى الله كان كأنه قهرمان للناس يحفظ أموالهم ~~أو طبيب أو صيدلى يعالج أمراضهم أو أعوان سلطان يقاتلون عنه إذ عمله من جنس ~~عمل أولئك سواء # ومعلوم ان من سلك هذا المسلك على غير الوجه الدينى فإنه يحابى بذلك ~~أقواما ولا يعدل بينهم وربما اعان الظلمة بذلك كفعل بلعام وطوائف من هذه ~~الأمة وغيرهم وهذا يوجب له عداوة الناس التى هي من أكثر اسباب مضرة الدنيا ~~ولا يجوز ان يحتمل المرء ذلك الا إذا امر الله به ورسوله لأن ما أمر الله ~~به ورسوله وان كان فيه مضرة فمنفعته غالبة على مضرته والعاقبة للتقوى # ( السادس ( ان للدين علما وعملا اذا صح فلا بد ان يوجب خرق العادة اذا ~~احتاج إلى ذلك صاحبه قال الله تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ وقال تعالى @QB@ إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا @QE@ وقال ms3508 تعالى @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ ~~PageV11P331 # وقال رسول الله ( اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ( ثم قرأ قوله ~~تعالى @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ رواه الترمذى وحسنه من رواية ~~أبى سعيد وقال الله تعالى فيما روى عنه رسول الله ( من عادى لى وليا فقد ~~بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره ~~الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر ~~وبي يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذ بي لاعيذنه وما ترددت في ~~شيء انا فاعله ترددى في قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا ~~بدله منه ( فهذا فيه محاربة الله لمن حارب وليه وفيه ان محبوبه به يعلم ~~سمعا وبصرا وبه يعمل بطشا وسعيا وفيه انه يجيبه إلى ما يطلبه منه من ~~المنافع ويصرف عنه ما يستعيذ به من المضار وهذا باب واسع # واما الخوارق فقد تكون مع الدين وقد تكون مع عدمه أو فساده أو نقصه ~~PageV11P332 ( السابع ( ان الدين هو اقامة حق العبودية وهو فعل ما عليك وما ~~امرت به واما الخوارق فهي من حق الربوبية إذا لم يؤمر العبد بها وان كانت ~~بسعى من العبد فان الله هو الذى يخلقها بما ينصبه من الاسباب والعبد ينبغى ~~له ان يهتم بما عليه وما امر به واما اهتمامه بما يفعله الله إذا لم يؤمر ~~بالاهتمام به فهو إما فضول فتكون لما فيها من المنافع كالمنافع السلطانية ~~المالية التى يستعان بها على الدين كتكثير الطعام والشراب وطاعة الناس إذا ~~رأوها ولما فيها من دفع المضار عن الدين بمنزلة الجهاد الذى فيه دفع ms3509 العدو ~~وغلبته # ثم هل الدين محتاج اليها في الأصل ولان الايمان بالنبوة لا يتم إلا ~~بالخارق أو ليس بمحتاج في الخاصة بل في حق العامة هذا نتكلم عليه # وانفع الخوارق الخارق الدينى وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال ~~( ما من نبى إلا وقد أعطى من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذى ~~أوتيته وحيا أوحاه الله إلى فارجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ( ~~اخرجاه في الصحيحين وكانت آيته هي دعوته وحجته بخلاف غيره من الأنبياء ~~ولهذا نجد كثيرا من المنحرفين منا إلى العيسوية يفرون من القرآن والقال إلى ~~الحال كما أن المنحرفين منا إلى الموسوية يفرون من الايمان والحال إلى ~~PageV11P333 القال ونبينا صاحب القال والحال وص 4 احب القرآن والايمان # ثم بعده الخارق المؤيد للدين المعين له لأن الخارق في مرتبة @QB@ وإياك ~~نستعين @QE@ والدين في مرتبة @QB@ إياك نعبد @QE@ فأما الخارق الذى لم يعن ~~الدين فاما متاع دنيا أو مبعد صاحبه عن الله تعالى # فظهر بذلك ان الخوارق النافعة تابعة للدين حادثة له كما ان الرياسة ~~النافعة هي التابعة للدين وكذلك المال النافع كما كان السلطان والمال بيد ~~النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر رضى الله عنهما فمن جعلها هي ~~المقصودة وجعل الدين تابعا لها ووسيلة اليها لا لأجل الدين في الاصل فهو ~~يشبه بمن يأكل الدنيا بالدين وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب أو رجاء ~~الجنة فان ذلك مأمور به وهو على سبيل نجاة وشريعة صحيحة # والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع وارتقى عن ان يكون دينه خوفا ~~من النار أو طلبا للجنة يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا ولعله ~~يجتهد اجتهادا عظيما في مثله وهذا خطأ ولكن منهم من يكون قصده بهذا تثبيت ~~قلبه وطمأنينته وايقانه بصحة طريقه وسلوكه فهو يطلب الآية علامة وبرهانا ~~على صحة دينه كما PageV11P334 تطلب الامم من الانبياء الآيات دلالة على ~~صدقهم فهذا اعذر لهم في # ذلك ولهذا لما كان الصحابة ms3510 رضى الله عنهم مستغنين في علمهم بدينهم وعملهم ~~به عن الآيات بما رأوه من حال الرسول ونالوه من علم صار كل من كان عنهم ~~أبعد مع صحة طريقته يحتاج إلى ما عندهم في علم دينه # وعمله فيظهر مع الافراد في أوقات الفترات واماكن الفترات من الخوارق مالا ~~يظهر لهم ولا لغيرهم من حال ظهور النبوة والدعوة ### ||| فصل # ( العلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة حسية وعقلية وكشفية وسمعية ~~ضرورية ونظرية وغير ذلك وينقسم إلى قطعى وظنى وغيرذلك وسنتكلم إن شاء الله ~~تعالى على ما يتبع منها وما لا يتبع في الأحكام الشرعية اعنى الاحكام ~~الشرعية على العلم بالكائنات من طريق الكشف يقظة ومناما كما كتبته في ~~الجهاد # أما العلم بالدين وكشفه فالدين نوعان أمور خبرية اعتقادية وأمور ~~PageV11P335 طلبية عملية فالأول كالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر ويدخل في ذلك اخبار الأنبياء واممهم ومراتبهم في الفضائل وأحوال ~~الملائكة وصفاتهم وأعمالهم ويدخل في ذلك صفة الجنة والنار وما في الاعمال ~~من الثواب والعقاب وأحوال الأولياء والصحابة وفضائلهم ومراتبهم وغير ذلك # وقد يسمى هذا النوع أصول دين ويسمى العقد الاكبر ويسمى الجدال فيه بالعقل ~~كلاما ويسمى عقائد واعتقادات ويسمى المسائل العلمية والمسائل الخبرية ويسمى ~~علم المكاشفة # ( والثانى ( الأمور العملية الطلبية من أعمال الجوارح والقلب كالواجبات ~~والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات فان الأمر والنهى قد يكون ~~بالعلم والاعتقاد فهو من جهة كونه علما واعتقادا أو خبرا صادقا أو كاذبا ~~يدخل في القسم الأول ومن جهة كونه مأمورا به أو منهيا عنه يدخل في القسم ~~الثانى مثل شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فهذه الشهادة من ~~جهة كونها صادقة مطابقة لمخبرها فهي من القسم الاول ومن جهة انها فرض واجب ~~وان صاحبها بها يصير مؤمنا يستحق الثواب وبعدمها يصير كافرا يحل دمه وماله ~~فهي من القسم الثانى PageV11P336 وقد يتفق المسلمون على بعض الطرق الموصلة ~~إلى القسمين كاتفاقهم على أن القرآن دليل فيهما في الجملة وقد يتنازعون في ~~بعض الطرق كتنازعهم في أن ms3511 الاحكام العملية من الحسن والقبيح والوجوب والحظر ~~هل تعلم بالعقل كما تعلم بالسمع أم لا تعلم إلا بالسمع وان السمع هل هو ~~منشأ الاحكام أو مظهر لها كما هو مظهر للحقائق الثابتة بنفسها وكذلك ~~الاستدلال بالكتاب والسنة والاجماع على المسائل الكبار في القسم الاول مثل ~~مسائل الصفات والقدر وغيرهما مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع ~~الطوائف وابى ذلك كثير من أهل البدع المتكلمين بما عندهم على أن السمع لا ~~تثبت به تلك المسائل فاثباتها بالعقل حتى يزعم كثير من القدرية والمعتزلة ~~انه لا يصح الاستدلال بالقرآن على حكمة الله وعدله وانه خالق كل شيء وقادر ~~على كل شيء وتزعم الجهمية من هؤلاء ومن اتبعهم من بعض الاشعرية وغيرهم انه ~~لا يصح الاستدلال بذلك على علم الله وقدرته وعبادته وأنه مستو على العرش # ويزعم قوم من غالية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن والحديث على ~~المسائل القطعية مطلقا بناء على أن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين بما ~~زعموا # ويزعم كثير من أهل البدع أنه لا يستدل بالاحاديث المتلقاة بالقبول على ~~مسائل الصفات والقدر ونحوهما مما يطلب فيه القطع واليقين PageV11P337 # ويزعم قوم من غالية المتكلمين أنه لا يستدل بالاجماع على شيء ومنهم من ~~يقول لا يصح الاستدلال به على الأمور العلمية لانه ظنى وانواع من هذه ~~المقالات التى ليس هذا موضعها # فإن طرق العلم والظن وما يتوصل به اليهما من دليل أو مشاهدة باطنة أو ~~ظاهرة عام أو خاص فقد تنازع فيه بنو آدم تنازعا كثيرا # وكذلك كثير من أهل الحديث والسنة قد ينفى حصول العلم لاحد بغير الطريق ~~التى يعرفها حتى ينفى أكثر الدلالات العقلية من غير حجة على ذلك وكذلك ~~الأمور الكشفية التى للاولياء من أهل الكلام من ينكرها ومن أصحابنا من يغلو ~~فيها وخيار الأمور أوساطها # فالطريق العقلية والنقلية والكشفية والخبرية والنظرية طريقة أهل الحديث ~~وأهل الكلام وأهل التصوف قد تجاذبها الناس نفيا واثباتا فمن الناس من ينكر ~~منها ما لا يعرفه ومن الناس من يغلو ms3512 فيما يعرفه فيرفعه فوق قدره وينفى ما ~~سواه فالمتكلمة والمتفلسفة تعظم الطرق العقلية وكثير منها فاسد متناقض وهم ~~أكثر خلق الله تناقضا واختلافا وكل فريق يرد على الآخر فيما يدعيه قطعيا ~~وطائفة PageV11P338 ممن تدعى السنة والحديث يحتجون فيها بأحاديث موضوعة ~~وحكايات مصنوعة يعلم انها كذب وقد يحتجون بالضعيف في مقابلة القوى وكثير من ~~المتصوفة والفقراء يبنى على منامات واذواق وخيالات يعتقدها كشفا وهى خيالات ~~غير مطابقة واوهام غير صادقة ( إن يتبعون إلا الظن وان الظن لا يغنى من ~~الحق شيئا ) فنقول # اما طرق الاحكام الشرعية التى نتكلم عليها في أصول الفقه فهي بإجماع ~~المسلمين ( الكتاب ( لم يختلف أحد من الأئمة في ذلك كما خالف بعض أهل ~~الضلال في الاستدلال على بعض المسائل الاعتقادية # ( والثانى ( السنة المتواترة ( التى لا تخالف ظاهر القرآن بل تفسره مثل ~~اعداد الصلاة واعداد ركعاتها ونصب الزكاة وفرائضها وصفة الحج والعمرة وغير ~~ذلك من الاحكام التى لم تعلم إلا بتفسير السنة وأما السنة المتواترة التى ~~لا تفسر ظاهر القرآن أو يقال تخالف ظاهره كالسنة في تقدير نصاب السرقة ورجم ~~الزانى وغير ذلك فمذهب جميع السلف العمل بها أيضا إلا الخوارج فان من قولهم ~~أو قول بعضهم مخالفة السنة حيث قال أولهم للنبى في وجهه ان هذه القسمة ما ~~اريد بها وجه الله ويحكى عنهم انهم لا يتبعونه إلا فيما بلغه عن الله من ~~PageV11P339 القرآن والسنة المفسرة له واما ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول ~~فلا يعملون إلا بظاهره ولهذا كانوا مارقة مرقوا من الاسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية وقال النبى لأولهم ( لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ( فإذا جوز ان ~~الرسول يجوز ان يخون ويظلم فيما ائتمنه الله عليه من الأموال وهو معتقد أنه ~~امين الله على وحيه فقد اتبع ظالما كاذبا وجوز ان يخون ويظلم فيما ائتمنه ~~من المال من هو صادق أمين فيما ائتمنه الله عليه من خبر السماء ولهذا قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( أيأمننى من في السماء ولا تأمنونى ( أو كما قال ms3513 ~~يقول صلى الله عليه وسلم ان اداء الأمانة في الوحى أعظم والوحى الذى اوجب ~~الله طاعته هو الوحى بحكمه وقسمه # وقد ينكر هؤلاء كثيرا من السنن طعنا في النقل لا ردا للمنقول كما ينكر ~~كثير من أهل البدع السنن المتواترة عند أهل العلم كالشفاعة والحوض والصراط ~~والقدر وغير ذلك # ( الطريق الثالث ( السنن المتواترة ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إما متلقاة بالقبول بين أهل العلم بها أو برواية الثقات لها وهذه أيضا مما ~~اتفق أهل العلم على اتباعها من أهل الفقه والحديث والتصوف وأكثر أهل العلم ~~وقد انكرها بعض أهل الكلام وانكر كثير منهم ان يحصل العلم بشيء منها وإنما ~~يوجب العلم فلم PageV11P340 يفرقوا بين المتلقى بالقبول وغيره وكثير من أهل ~~الرأى قد ينكر كثيرا منها بشروط اشترطها ومعارضات دفعها بها ووضعها كما يرد ~~بعضهم بعضا لأنه بخلاف ظاهر القرآن فيما زعم أو لأنه خلاف الأصول أو قياس ~~الأصول أو لأن عمل متأخرى أهل المدينة على خلافه أو غير ذلك من المسائل ~~المعروفة في كتب الفقه والحديث وأصول # الفقه ( الطريق الرابع ( الاجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من ~~الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة وانكره بعض أهل ~~البدع من المعتزلة والشيعة لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة واما ما ~~بعد ذلك فتعذر العلم به غالبا ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من ~~الاجماعات الحادثة بعد الصحابة واختلف في مسائل منه كاجماع التابعين على ~~أحد قولي الصحابة والاجماع الذى لم ينقرض عصر أهله حتى خالفهم بعضهم ~~والاجماع السكوتى وغير ذلك # ( الطريق الخامس ( القياس على النص والاجماع ( وهو حجة ايضا عند جماهير ~~الفقهاء لكن كثيرا من أهل الرأى اسرف فيه حتى استعمله قبل البحث عن النص ~~وحتى رد به النصوص وحتى استعمل منه الفاسد ومن أهل الكلام وأهل الحديث وأهل ~~القياس من ينكره رأسا وهى مسألة كبيرة والحق فيها متوسط بين الاسراف والنقص ~~PageV11P341 الطريق السادس ( الاستصحاب ( وهو البقاء على الاصل فيما لم ~~يعلم ثبوته وانتفاؤه بالشرع ms3514 وهو حجة على عدم الإعتقاد بالاتفاق وهل هو حجة ~~في اعتقاد العدم فيه خلاف ومما يشبهه الاستدلال بعدم الدليل السمعى على عدم ~~الحكم الشرعى مثل ان يقال لو كانت الاضحية أو الوتر واجبا لنصب الشرع عليه ~~دليلا شرعيا إذ وجوب هذا لا يعلم بدون الشرع ولا دليل فلا وجوب # فالاول يبقى على نفى الوجوب والتحريم المعلوم بالعقل حتى يثبت المغير له ~~وهذا استدلال بعدم الدليل السمعى المثبت على عدم الحكم إذ يلزم من ثبوت مثل ~~هذا الحكم ثبوت دليله السمعى كما يستدل بعدم النقل لما تتوفر الهمم ~~والدواعى على نقله وما توجب الشريعة نقله وما يعلم من دين اهلها وعادتهم ~~انهم ينقلونه على انه لم يكن كالاستدلال بذلك على عدم زيادة في القرآن وفى ~~الشرائع الظاهرة وعدم النص الجلى بالامامة على علي أو العباس أو غيرهما ~~ويعلم الخاصة 2 من أهل العلم بالسنن والآثار وسيرة النبى وخلفائه انتفاء ~~امور من هذا لا يعلم انتفاءها غيرهم ولعلمهم بما ينفيها من أمور منقولة ~~يعلمونها هم ولعلمهم بانتفاء لوازم نقلها فان وجود أحد الضدين ينفى الآخر ~~وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم # ( الطريق السابع ( المصالح المرسلة ( وهو ان يرى المجتهد ان هذا ~~PageV11P342 الفعل يجلب منفعة راجحة وليس في الشرع ما ينفيه فهذه الطريق ~~فيها خلاف مشهور فالفقهاء يسمونها ( المصالح المرسلة ( ومنهم من يسميها ~~الرأى وبعضهم يقرب إليها الاستحسان وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم ~~وإلهاماتهم فان حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم ~~واديانهم ويذوقون طعم ثمرته وهذه مصلحة لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة ~~بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان وليس كذلك بل المصالح ~~المرسلة في جلب المنافع وفى دفع المضار وما ذكروه من دفع المضار عن هذه ~~الأمور الخمسة فهو أحد القسمين # وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفى الدين ففى الدنيا كالمعاملات والأعمال ~~التى يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعى وفى الدين ككثير من المعارف ~~والأحوال والعبادات والزهادات التى يقال فيها مصلحة للانسان من غير منع ~~شرعى فمن ms3515 قصر المصالح على العقوبات التى فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ~~ليحفظ الجسم فقط فقد قصر # وهذا فصل عظيم ينبغى الاهتمام به فان من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم ~~وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا ~~الاصل وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه PageV11P343 وربما ~~قدم على المصالح المرسلة كلاما بخلاف النصوص وكثير منهم من أهمل مصالح يجب ~~اعتبارها شرعا بناء على ان الشرع لم يرد بها ففوت واجبات ومستحبات أو وقع ~~في محظورات ومكروهات وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه # وحجة الاول ان هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح بل قد دل الكتاب والسنة ~~والاجماع على اعتبارها وحجة الثانى ان هذا امر لم يرد به الشرع نصا ولا ~~قياسا # والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين مالم يأذن به الله ( غالبا ) وهى ~~تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلى والرأى ونحو ذلك فان ~~الاستحسان طلب الحسن والاحسن كالاستخراج وهو رؤية الشيء حسنا كما أن ~~الاستقباح رؤيته قبيحا والحسن هو المصلحة فالاستحسان والاستصلاح متقاربان ~~والتحسين العقلى قول بأن العقل يدرك الحسن لكن بين هذه فروق # والقول الجامع ان الشريعة لا تهمل مصلحة قط بل الله تعالى قد أكمل لنا ~~الدين وأتم النعمة فما من شيء يقرب إلى الجنة الا وقد حدثنا به النبى صلى ~~الله عليه وسلم وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا ~~هالك لكن ما اعتقده العقل مصلحة وان كان PageV11P344 الشرع لم يرد به فأحد ~~الأمرين لازم له إما ان الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر أو أنه ~~ليس بمصلحة وان اعتقده مصلحة لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة ~~وكثيرا ما يتوهم الناس ان الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة ~~مرجوحة بالمضرة كما قال تعالى في الخمر والميسر @QB@ قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ # وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل ms3516 ~~التصوف وأهل الرأى وأهل الملك حسبوه منفعة أو مصلحة نافعا وحقا وصوابا ولم ~~يكن كذلك بل كثير من الخارجين عن الاسلام من اليهود والنصارى والمشركين ~~والصابئين والمجوس يحسب كثير منهم ان ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات ~~والعبادات مصلحة لهم في الدين والدنيا ومنفعة لهم فقد @QB@ ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا @QE@ وقد زين لهم سوء عملهم ~~فرأوه حسنا فإذا كان الانسان يرى حسنا ما هو سيء كان استحسانه أو استصلاحه ~~قد يكون من هذا الباب وهذا بخلاف الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا فان باب جحود الحق ومعاندته غير باب جهله والعمى عنه والكفار فيهم ~~هذا وفيهم هذا 2 وكذلك في أهل الاهواء من المسلمين القسمان فان الناس كما ~~أنهم في باب الفتوى والحديث PageV11P345 يخطئون تارة ويتعمدون الكذب اخرى ~~فكذلك هم في أحوال الديانات وكذلك في الافعال قد يفعلون ما يعلمون أنه ظلم ~~وقد يعتقدون أنه ليس بظلم هو ظلم فان الانسان كما قال الله تعالى @QB@ ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا @QE@ فتارة يجهل وتارة يظلم ذلك في قوة ~~علمه وهذا في قوة عمله # وأعلم ان هذا الباب مشترك بين أهل العلم والقول وبين أهل الارادة والعمل ~~فذلك يقول هذا جائز أو حسن بناء على ما رآه وهذا يفعله من غير اعتقاد ~~تحريمه أو اعتقاد أنه خير له كما يجد نفعا في مثل السماع المحدث سماع ~~المكاء والتصدية واليراع التى يقال لها الشبابة والصفارة والاوتار وغير ذلك ~~وهذا يفعله لما يجده من لذته وقد يفعله لما يجده من منفعة دينه بزيادة ~~أحواله الدينية كما يفعل مع القرآن وهذا يقول هذا جائز لما يرى من تلك ~~المصلحة والمنفعة # وهو نظير المقالات المبتدعة وهذا يقول هو حق لدلالة القياس العقلى عليه ~~وهذا يقول يجوز ويجب اعتقادها وادخالها في الدين اذا كانت كذلك وكذلك ~~سياسات ولاة الأمور من الولاة والقضاة وغير ذلك # واعلم أنه لا يمكن العاقل أن يدفع عن نفسه أنه قد يميز بعقله بين الحق ms3517 ~~والباطل والصدق والكذب وبين النافع والضار PageV11P346 والمصلحة والمفسدة ~~ولا يمكن المؤمن ان يدفع عن إيمانه ان الشريعة جاءت بما هو الحق والصدق في ~~المعتقدات وجاءت بما هو النافع والمصلحة في الأعمال التى تدخل فيها ~~الاعتقادات ولهذا لم يختلف الناس ان الحسن أو القبيح إذا فسر بالنافع ~~والضار والملائم للانسان والمنافى له واللذيذ والاليم فانه قد يعلم بالعقل ~~هذا في الافعال # وكذلك اذا فسر حسنه بانه موجود أو كمال الموجود يوصف بالحسن ومنه قوله ~~تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى @QE@ وقوله @QB@ الذي أحسن كل شيء خلقه ~~@QE@ كما نعلم ان الحى اكمل من الميت في وجوده وان العالم أكمل من الجاهل ~~وان الصادق أكمل من الكاذب فهذا أيضا قد يعلم بالعقل وإنما اختلفوا في ان ~~العقل هل يعتبر المنفعة والمضرة وأنه هل ( باب التحسين ( واحد في الخالق ~~والمخلوق # فأما الوجهان الأولان فثابتان في أنفسهما ومنهما ما يعلم بالعقل الأول في ~~الحق المقصود والثانى في الحق الموجود # ( الأول ( متعلق بحب القلب وبغضه وارادته وكراهته وخطابه بالأمر والنهى و ~~( الثانى ( متعلق بتصديقه وتكذيبه واثباته ونفيه وخطابه الخبرى المشتمل على ~~النفى والاثبات والحق والباطل يتناول النوعين فإن الحق يكون بمعنى الموجود ~~الثابت والباطل بمعنى المعدوم المنتفى والحق بازاء ما ينبغى قصده وطلبه ~~وعمله وهو النافع والباطل بازاء ما لا ينبغى قصده ولا طلبه ولا عمله ~~PageV11P347 # وهو غير النافع والمنفعة تعود إلى حصول النعمة واللذة والسعادة التى هي ~~حصول اللذة ودفع الألم هو حصول المطلوب وزوال المرهوب حصول النعيم وزوال ~~العذاب وحصول الخير وزوال الشر ثم الموجود والنافع قد يكون ثابتا دائما وقد ~~يكون منقطعا لا سيما اذا كان زمنا يسيرا فيستعمل الباطل كثيرا بازاء ما لا ~~يبقى من المنفعة وبازاء ما لا يدوم من الوجود كما يقال الموت حق والحياة ~~باطل وحقيقته انه يستعمل بازاء ما ليس من المنافع خالصا أو راجحا كما تقدم ~~القول فيه فيما يزهد فيه وهو ما ليس بنافع والمنفعة المطلقة هي الخالصة أو ~~الراجحة واما ما يفوت ارجح منها أو يعقب ضررا ms3518 ليس هو دونها فانها باطل في ~~الاعتبار والمضرة احق باسم الباطل من المنفعة واما ما يظن فيه منفعة وليس ~~كذلك أو يحصل به لذة فاسدة فهذا لا منفعة فيه بحال فهذه الأمور التى يشرع ~~الزهد فيها وتركها وهى باطل ولذلك ما نهى الله عنه ورسوله باطل ممتنع ان ~~يكون مشتملا على منفعة خالصة أو راجحة ولهذا صارت أعمال الكفار والمنافقين ~~باطلة لقوله @QB@ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء ~~الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب @QE@ الآية ~~اخبر ان صدقة المرائى والمنان باطلة لم يبق فيها منفعة له وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ~~@QE@ وكذلك الاحباط في PageV11P348 مثل قوله @QB@ ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله @QE@ ولهذا تسميه الفقهاء العقود # ( والعبادات ( بعضها صحيح وبعضها باطل وهو ما لم يحصل به مقصوده ولم ~~يترتب عليه اثره فلم يكن فيه المنفعة المطلوبة منه ومن هذا قوله ( والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ( الآية وقوله @QB@ مثل ما ~~ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته @QE@ وقوله @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ~~@QE@ ولذلك وصف الاعتقادات والمقالات بانها باطلة ليست مطابقة ولا حقا كما ~~أن الأعمال ليست نافعة # وقد توصف الاعتقادات والمقالات بانها باطلة إذا كانت غير مطابقة ان لم ~~يكن فيها منفعة كقوله ( اللهم انى أعوذ بك من علم لا ينفع ( فيعود الحق ~~فيما يتعلق بالانسان إلى ما ينفعه من علم وقول وعمل وحال قال الله تعالى ~~@QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها @QE@ إلى قوله @QB@ كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على ~~محمد @QE@ إلى قوله كذلك يضرب الله للناس أمثالهم PageV11P349 وإذا كان ~~كذلك وقد علم ان ms3519 كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل حابط لا ينفع صاحبه ~~وقت الحاجة إليه فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لأن ما لم يرد به ~~وجهه إما أن لا ينفع بحال وإما أن ينفع في الدنيا أو في الآخرة فالأول ظاهر ~~وكذلك منفعته في الآخرة بعد الموت فانه قد ثبت بنصوص المرسلين أنه بعد ~~الموت لا ينفع الانسان من العمل إلا ما أراد به وجه الله وأما في الدنيا ~~فقد يحصل له لذات وسرور وقد يجزى بأعماله في الدنيا لكن تلك اللذات إذا ~~كانت تعقب ضررا أعظم منها وتفوت أنفع منها وابقى فهي باطلة أيضا فثبت أن كل ~~عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل وان كان فيه لذة ما # واما الكائنات فقد كانت معدومة منتفية فثبت ان أصدق كلمة قالها شاعر كلمة ~~لبيد ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ( وكما قال ( أصدق كلمة قالها شاعر قول ~~لبيد ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ( وانها تجمع الحق الموجود والحق ~~المقصود وكل موجود بدون الله باطل وكل مقصود بدون قصد الله فهو باطل وعلى ~~هذين فقد فسر قوله ( كل شيء هالك إلا وجهه ( الا ما اريد به وجهه وكل شيء ~~معدوم الا من جهته هذا على قول واما القول الآخر وهو المأثور عن طائفة من ~~السلف وبه فسره الامام أحمد رحمه PageV11P350 الله تعالى في رده على ~~الجهمية والزنادقة قال أحمد واما قوله ( كل شيء هالك إلا وجهه ( وذلك ان ~~الله أنزل ( كل من عليها فان ( فقالت الملائكة هلك أهل الأرض وطمعوا في ~~البقاء فأنزل الله تعالى أنه يخبر عن أهل السماوات والأرض انكم تموتون فقال ~~كل شيء من الحيوان هالك يعنى ميتا إلا وجهه فانه حى لا يموت فلما ذكر ذلك ~~ايقنوا عند ذلك بالموت ( ذكر ذلك في رده على الجهمية قولهم ان الجنة والنار ~~تفنيان # وقد تبين مما ذكرناه ان الحسن هو الحق والصدق والنافع والمصلحة والحكمة ~~والصواب وان الشيء القبيح هو ms3520 الباطل والكذب والضار والمفسدة والسفه والخطأ # واما مواضع الاشتباه والنزاع واختلاف الخلائق فموضع واحد وذلك ان فعل ~~الله كله حسن جميل قال الله عز وجل @QB@ الذي أحسن كل شيء خلقه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ صنع الله الذي أتقن كل شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ~~@QE@ # وقال النبى ( ان الله جميل يحب الجمال ( وهو حكم عدل قال الله تعالى @QB@ ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا ~~هو العزيز الحكيم @QE@ PageV11P351 # وقال تعالى @QB@ إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة وإن تك حسنة يضاعفها @QE@ وقال تعالى @QB@ وهو الحكيم الخبير @QE@ وهذا ~~كله متفق عليه بين الأمة مجملا غير مفسر فإذا فسر تنازعوا فيه وذلك ان هذه ~~الأعمال الفاسدة والآلام وهذا الشر الوجودى المتعلق بالحيوان وانه لا يخلو ~~عن ان يكون عملا من الأعمال أو ان يكون الما من الآلام الواقعة بالحيوان ~~وذلك العمل القبيح والألم شره من ضرره وهذا العمل والتألم المعتزلة ومن ~~اتبعها من الشيعة تزعم أن الأعمال ليست من خلقه ولا كونها شيء وان الآلام ~~لا يجوز ان يفعلها الا جزاء على عمل سابق أو تعوض بنفع لاحق وكثير من أهل ~~الاثبات ومن اتبعهم من الجبرية يقولون بل الجميع خلقه وهو يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد ولا فرق بين خلق المضار والمنافع والخير والشر بالنسبة إليه ~~ويقول هؤلاء أنه لا يتصور ان يفعل ظلما ولا سفها اصلا بل لو فرض انه فعل أي ~~شيء كان فعله حكمة وعدلا وحسنا اذ لا قبيح الا ما نهى عنه وهو لم ينهه أحد ~~ويسوون بين تنعيم الخلائق وتعذيبهم وعقوبة المحسن ورفع درجات الكفار ~~والمنافقين # والفريقان متفقان على انه لا ينتفع بطاعات العباد ولا يتضرر بمعصيتهم ~~PageV11P352 لكن الأولون يقولون الاحسان إلى الغير حسن لذاته وان لم يعد ~~إلى المحسن منه فائدة # والآخرون يقولون ما حسن منا حسن منه وما قبح منا قبح منه والآخرون مع ~~جمهور الخلائق ينكرون والأولون ms3521 يقولون إذا أمر بالشيء فقد اراده منا لا ~~يعقل الحسن والقبيح إلا ما ينفع أو يضر كنحو ما يأمر الواحد منا غيره بشيء ~~فانه لابد ان يريده منه ويعينه عليه وقد اقدر الكفار بغاية القدرة ولم يبق ~~يقدر على ان يجعلهم يؤمنون اختيارا وانما كفرهم وفسوقهم وعصيانهم بدون ~~مشيئته واختياره وآخرون يقولون الامر ليس بمستلزم الارادة اصلا وقد بينت ~~التوسط بين هذين في غير هذا الموضع وكذلك امره والأولون يقولون لا يأمر إلا ~~بما فيه مصلحة العباد والآخرون يقولون أمره لا يتوقف على المصلحة # وهنا مقدمات تكشف هذه المشكلات # ( أحداها ) أنه ليس ما حسن منه حسن منا وليس ما قبح منه يقبح منا فان ~~المعتزلة شبهت الله بخلقه وذلك ان الفعل يحسن منا لجلبه المنفعة ويقبح ~~لجلبه المضرة ويحسن لانا امرنا به ويقبح لأنا نهينا عنه وهذان الوجهان ~~منتفيان في حق الله تعالى قطعا ولو كان PageV11P353 الفعل يحسن باعتبار آخر ~~كما قال بعض الشيوخ # ويقبح من سواك الفعل عندى %~% وتفعله فيحسن منك ذا كا # ( المقدمة الثانية ) ان الحسن والقبح قد يكونان صفة لأفعالنا وقد يدرك بعض ~~ذلك بالعقل وان فسر ذلك بالنافع والضار والمكمل والمنقص فان أحكام الشارع ~~فيما يأمر به وينهى عنه تارة تكون كاشفة للصفات الفعلية ومؤكدة لها وتارة ~~تكون مبينة للفعل صفات لم تكن له قبل ذلك وان الفعل تارة يكون حسنه من جهة ~~نفسه وتارة من جهة الأمر به وتارة من الجهتين جميعا ومن انكر ان يكون للفعل ~~صفات ذاتية لم يحسن الا لتعلق الأمر به وان الأحكام بمجرد نسبة الخطاب إلى ~~الفعل فقط فقد انكر ما جاءت به الشرائع من المصالح والمفاسد والمعروف ~~والمنكر وما في الشريعة من المناسبات بين الاحكام وعللها وانكر خاصة الفقه ~~في الدين الذى هو معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها # ( المقدمة الثالثة ( ان الله خلق كل شيء وهو على كل شيء قدير ومن جعل ~~شيئا من الأعمال خارجا عن قدرته ومشيئته فقد الحد في أسمائه وآياته بخلاف ~~ما عليه القدرية ( المقدمة ms3522 الرابعة ( ان الله إذا أمر العبد بشيء فقد اراده ~~منه PageV11P354 # إرادة شرعية دينية وان لم يرده منه إرادة قدرية كونية فاثبات إرادته في ~~الأمر مطلقا خطأ ونفيها عن الأمر مطلقا خطأ وانما الصواب التفصيل كما جاء ~~في التنزيل @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ @QB@ يريد ~~الله أن يخفف عنكم @QE@ @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج @QE@ وقال ~~@QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا @QE@ وقال @QB@ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم @QE@ ~~وقال @QB@ ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد @QE@ وأمثال ذلك ~~كثير # ( المقدمة الخامسة ( ان محبته ورضاه مستلزم للارادة الدينية والأمر ~~الدينى وكذلك بغضه وغضبه وسخطه مستلزم لعدم الارادة الدينية فالمحبة والرضا ~~والغضب والسخط ليس هو مجرد الارادة هذا قول جمهور أهل السنة ومن قال ان هذه ~~الامور بمعنى الارادة كما يقوله كثير من القدرية وكثير من أهل الاثبات فانه ~~يستلزم أحد الأمرين إما ( ان ( الكفر والفسوق والمعاصى مما يكرهها دينا فقد ~~كره كونها وانها واقعة بدون مشيئته وارادته وهذا قول القدرية أو يقول انه ~~لما كان مريدا لها شاءها فهو محب لها راض بها كما تقوله طائفة من أهل ~~الاثبات وكلا القولين فيه ما فيه فان الله تعالى يحب المتقين ويحب المقسطين ~~وقد رضى عن المؤمنين ويحب ما أمر به أمر ايجاب أو استحباب وليس هذا ~~PageV11P355 المعنى ثابتا في الكفار والفجار والظالمين ولا يرضى لعباده ~~الكفر ولا يحب كل مختال فخور ومع هذا فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # واحسن ما يعتذر به من قال هذا القول من أهل الاثبات ان المحبة بمعنى ~~الارادة انه أحبها كما ارادها كونا فكذلك احبها ورضيها كونا وهذا فيه نظر ~~مذكور في غير هذا الموضع # ( فان قيل ( تقسيم الارادة لا يعرف في حقنا بل ان الامر منه بالشيء اما ~~أن يريده أو لا يريده واما الفرق بين الارادة والمحبة فقد يعرف في حقنا ( ~~فيقال ms3523 ( وهذا هو الواجب فان الله تعالى ليس كمثله شيء وليس امره لنا كامر ~~الواحد منا لعبده وخدمه وذلك ان الواحد منا إذا أمر عبده فاما ان يأمره ~~لحاجته إليه أو إلى المأمور به أو لحاجته إلى الأمر فقط فالاول كأمر ~~السلطان جنده بما فيه حفظ ملكه ومنافعهم له فان هداية الخلق وارشادهم ~~بالامر والنهى هي من باب الاحسان اليهم والمحسن من العباد يحتاج إلى احسانه ~~قال الله تعالى @QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ وقال ~~@QB@ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها @QE@ # والله تعالى لم يأمر عباده لحاجته إلى خدمتهم ولا هو محتاج إلى أمرهم ~~وإنما أمرهم احسانا منه ونعمة أنعم بها PageV11P356 عليهم فامرهم بما فيه ~~صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم وارسال الرسل وانزال الكتب من أعظم نعمه على ~~خلقه كما قال @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ لقد ~~من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم @QE@ وقال @QB@ يا أيها ~~الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا @QE@ فمن أنعم الله عليه مع الأمر ~~بالامتثال فقد تمت النعمة في حقه كما قال @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي @QE@ وهؤلاء هم المؤمنون ومن لم ينعم عليه بالامتثال بل ~~خذله حتى كفر وعصى فقد شقى لما بدل نعمة الله كفرا كما قال @QB@ ألم تر إلى ~~الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار @QE@ والأمر والنهى ~~الشرعيان لما كانا نعمة ورحمة عامة لم يضر ذلك عدم انتفاع بعض الناس بهما ~~من الكفار كانزال المطر وإنبات الرزق هو نعمة عامة وان تضرر بها بعض الناس ~~لحكمة اخرى كذلك مشيئته لما شاءه من المخلوقات واعيانها وافعالها لا يوجب ~~ان يحب كل شيء منها فاذا امر العبد بأمر فذاك ارشاد ودلالة فان فعل المأمور ~~به صار محبوبا لله وإلا لم يكن محبوبا له وان كان مرادا له وإرادته له ~~تكوينا لمعنى آخر فالتكوين غير التشريع # ( فان قيل ( المحبة والرضا ms3524 يقتضيان ملاءمة ومناسبة بين المحب PageV11P357 ~~والمحبوب ويوجب للمحب بدرك محبوبه فرحا ولذة وسرورا وكذلك البغض لا يكون ~~إلا عن منافرة بين المبغض والمبغض وذلك يقتضى للمبغض بدرك المبغض أذى وبغضا ~~ونحو ذلك والملاءمة والمنافرة تقتضى الحاجة إذ مالا يحتاج الحى إليه لا ~~يحبه وما لا يضره كيف يبغضه والله غنى لا تجوز عليه الحاجة إذ لو جازت عليه ~~الحاجة للزم حدوثه وإمكانه وهو غنى عن العالمين وقد قال تعالى ( أى في ~~الحديث القدسى ( يا عبادى انكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى ولن تبلغوا نفعى ~~فتنفعونى ( فلهذا فسرت المحبة والرضا بالارادة إذ يفعل النفع والضر فيقال ~~الجواب من وجهين # ( احدهما ( الالزام وهو ان نقول الارادة لا تكون إلا للمناسبة بين المريد ~~والمراد وملاءمته في ذلك تقتضى الحاجة والا فما لا يحتاج إليه الحى لا ~~ينتفع به ولا يريده ولذلك اذا اراد به # العقوبة والاضرار لا يكون إلا لنفرة وبغض والا فما لم يتألم به الحى اصلا ~~لا يكرهه ولا يدفعه وكذلك نفس نفع الغير وضرره هو في الحى متنافر من الحاجة ~~فان الواحد منا إنما يحسن إلى غيره لجلب منفعة أو لدفع مضرة وإنما يضر غيره ~~لجلب منفعة أو دفع مضرة فاذا كان الذى يثبت صفة وينفى اخرى يلزمه فيما ~~اثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه لم يكن اثبات احداهما ونفى الأخرى اولى من ~~العكس ولو عكس عاكس فنفى ما اثبته من الارادة PageV11P358 واثبت ما نفاه من ~~المحبة لما ذكره لم يكن بينهما فرق وحينئذ فالواجب إما نفى الجميع ولا سبيل ~~إليه للعلم الضرورى بوجود نفع الخلق والاحسان إليهم وان ذلك يستلزم الارادة ~~واما اثبات الجميع كما جاءت به النصوص وحينئذ فمن توهم انه يلزم من ذلك ~~محذور فاحد الأمرين لازم اما ان ذلك المحذور لا يلزم أو انه ان لزم فليس ~~بمحذور # ( الجواب الثانى ( ان الذى يعلم قطعا ( هو ( ان الله قديم واجب الوجود ~~كامل وأنه لا يجوز عليه الحدوث ولا الامكان ولا النقص لكن كون هذه الأمور ~~التى جاءت بها ms3525 النصوص مستلزمة للحدوث والامكان أو النقص هو موضع النظر فان ~~الله غنى واجب بنفسه وقد عرف ان قيام الصفات به لا يلزم حدوثه ولا امكانه ~~ولا حاجته وان قول القائل بلزوم افتقاره إلى صفاته اللازمة بمنزلة قوله ~~مفتقر إلى ذاته ومعلوم انه غنى بنفسه وانه واجب الوجود بنفسه وانه موجود ~~بنفسه فتوهم حاجة نفسه إلى نفسه إن عنى به ان ذاته لا تقوم الا بذاته فهذا ~~حق فان الله غنى عن العالمين وعن خلقه وهو غنى بنفسه # واما اطلاق القول بانه غنى عن نفسه فهو باطل فانه محتاج إلى نفسه وفى ~~اطلاق كل منهما ايهام معنى فاسد ولا خالق الا الله تعالى فإذا كان سبحانه ~~عليما يحب العلم عفوا يحب العفو جميلا يحب PageV11P359 الجمال نظيفا يحب ~~النظافة طيبا يحب الطيب وهو يحب المحسنين والمتقين والمقسطين وهو سبحانه ~~الجامع لجميع الصفات المحبوبة والأسماء الحسنى والصفات العلى وهو يحب نفسه ~~ويثنى بنفسه على نفسه والخلق لا يحصون ثناء عليه بل هو كما اثنى على نفسه ~~فالعبد المؤمن يحب نفسه ويحب في الله من احب الله واحبه الله فالله سبحانه ~~أولى بأن يحب نفسه ويحب في نفسه عباده المؤمنين ويبغض الكافرين ويرضى عن ~~هؤلاء ويفرح بهم ويفرح بتوبة عبده التائب من أولئك ويمقت الكفار ويبغضهم ~~ويحب حمد نفسه والثناء عليه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم للاسود بن ~~سريع لما قال اننى حمدت ربى بمحامد فقال ( ان ربك يحب الحمد ( وقال ( لا ~~أحد احب إليه المدح من الله ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك ~~أرسل الرسل ولا أحد اصبر على أذى من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو ~~يعافيهم ويرزقهم ( فهو يفرح بما يحبه ويؤذيه ما يبغضه ويصبر على ما يؤذيه ~~وحبه ورضاه وفرحه وسخطه وصبره على ما يؤذيه كل ذلك من كماله وكل ذلك من ~~صفاته وأفعاله وهو الذى خلق الخلائق وأفعالهم وهم لن يبلغوا ضره فيضروه ولن ~~يبلغوا نفعه فينفعوه وإذا فرح ورضى بما فعله بعضهم ms3526 فهو سبحانه الذى خلق ~~فعله كما انه اذا فرح ورضى بما يخلقه فهو الخالق وكل الذين يؤذون الله ~~ورسوله هو الذى مكنهم وصبر على اذاهم بحكمته PageV11P360 فلم يفتقر إلى ~~غيره ولم يخرج شيء عن مشيئته ولم يفعل أحد ما لا يريد وهذا قول عامة ~~القدرية ونهاية الكمال والعزة # واما الامكان لو افتقر وجوده إلى فرح غيره واما الحدوث فيبنى على قيام ~~الصفات فيلزم منه حدوثه وقد ذكر في غير هذا الموضع ان ما سلكه الجهمية في ~~نفى الصفات فمبناه على القياس الفاسد المحض وله شرح مذكور في غير هذا ~~الموضع # ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها في غاية الاحكام والاتقان وانها ~~مشتملة على التقديس لله عن كل نقص والاثبات لكل كمال وانه تعالى ليس له ~~كمال ينتظر بحيث يكون قبله ناقصا بل من الكمال انه يفعل ما يفعله بعد ان لم ~~يكن فاعله وأنه إذا كان كاملا بذاته وصفاته وافعاله لم يكن كاملا بغيره ولا ~~مفتقرا إلى سواه بل هو الغنى ونحن الفقراء وقال تعالى @QB@ لقد سمع الله ~~قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء ~~بغير حق @QE@ وهو سبحانه في محبته ورضاه ومقته وسخطه وفرحه واسفه وصبره ~~وعفوه ورأفته له الكمال الذى لا تدركه الخلائق وفوق الكمال اذ كل كمال فمن ~~كماله يستفاد وله الثناء الحسن الذى لا تحصيه العباد وإنما هو كما اثنى على ~~نفسه له الغنى الذى لا يفتقر إلى سواه @QB@ إن كل من في السماوات والأرض ~~إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ~~@QE@ PageV11P361 فهذا الأصل العظيم وهو مسألة خلقه وأمره وما يتصل به من ~~صفاته وأفعاله من محبته ورضاه وفرحه بالمحبوب وبغضه وصبره على ما يؤذيه هي ~~متعلقة بمسائل القدر ومسائل الشريعة والمنهاج الذى هو المسئول عنه ومسائل ~~الصفات ومسائل الثواب والعقاب والوعد والوعيد وهذه الأصول الأربعة كلية ~~جامعة وهى متعلقة به وبخلقه # وهى في عمومها وشمولها وكشفها للشبهات تشبه مسألة الصفات الذاتية ~~والفعلية ومسألة ms3527 الذات والحقيقة والحد وما يتصل بذلك من مسائل الصفات ~~والكلام في حلول الحوادث ونفى الجسم وما في ذلك من تفصيل وتحقيق # فإن المعطلة والملحدة في اسمائه وآياته كذبوا بحق كثير جاءت به الرسل ~~بناء على ما اعتقدوه من نفى الجسم والعرض ونفى حلول الحوادث ونفى الحاجة # وهذه الأشياء يصح نفيها باعتبار ولكن ثبوتها يصح باعتبار آخر فوقعوا في ~~نفى الحق الذى لا ريب فيه الذى جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وفطرت عليه ~~الخلائق ودلت عليه الدلائل السمعية والعقلية والله أعلم PageV11P362 ### || 1 ( رسالة في خاتم الأولياء ) 1 # قال شيخ الإسلام # قدس الله روحه # ! 8 < ( فصل ( تكلم طائفة من الصوفية في ( خاتم الأولياء ( وعظموا أمره ~~كالحكيم الترمذى وهو من غلطاته فان الغالب على كلامه الصحة بخلاف بن عربى ~~فانه كثير التخليط لا سيما في الاتحاد وبن عربى وغيرهم # وادعى جماعة كل واحد انه هو كابن عربى وربما قيده بأنه ختم الولاية ~~المحمدية أو الكاملة أو نحو ذلك لئلا يلزمه ان لا يخلق بعده لله ولى وربما ~~غلوا فيه كما فعل بن عربى في فصوصه فجعلوه ممدا في الباطن لخاتم الأنبياء ~~تبعا لغلوهم الباطل حيث قد يجعلون الولاية فوق النبوة # موافقة لغلاة المتفلسفة الذين قد يجعلون الفيلسوف الكامل فوق النبى # وكذلك جهال القدرية والأحمدية واليونسية قد يفضلون شيخهم PageV11P363 على ~~النبى أو غيره من الأنبياء وربما ادعوا في شيخهم نوعا من الألهية # وكذلك طائفة من السعدية يفضلون الولى على النبى وقال بعضهم يقلد الشافعى ~~ولا يقلد أبو بكر وعمر وكذلك غالية الرافضة الذين قد يجعلون الامام كان ~~ممدا للنبى في الباطن كما قد يجعلونه إلها فأما الغلو في ولى غير النبى حتى ~~يفضل على النبى سواء سمى وليا أو إماما أو فيلسوفا وانتظارهم للمنتظر الذى ~~هو محمد بن الحسن أو إسماعيل بن جعفر نظير إرتباط الصوفية على الغوث وعلى ~~خاتم الأولياء فبطلانه ظاهر بما علم من نصوص الكتاب والسنة وما عليه إجماع ~~الأمة فان الله جعل الذين أنعم عليهم أربعة النبيين والصديقين والشهداء ms3528 ~~والصالحين فغاية من بعد النبى ان يكون صديقا كما كان خير هذه الأمة بعد ~~نبيها صديقا # ولهذا كانت غاية مريم ذلك في قوله @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل وأمه صديقة @QE@ # وبهذا استدللت على ما ذكره طائفة كالقاضى ابى يعلى وغيره من أصحابنا وابى ~~المعالى وأظن الباقلانى من الاجماع على انها لم تكن نبية ليقرروا كرامات ~~الأولياء بما جرى على يديها فان بعض الناس زعم أنها كانت نبية فاستدللت ~~بهذه الآية ففرح مخاطبى بهذه الحجة فان الله ذكر ذلك في بيان غاية فضلها ~~دفعا لغلو النصارى فيها كما PageV11P364 يقال لمن ادعى في رجل أنه ملك من ~~الملوك أو غنى من الأ غنياء ونحو ذلك فيقال ما هو إلا رئيس قرية أو صاحب ~~بستان فيذكر غاية ماله من الرئاسة والمال فلو كان للمسيح مرتبة فوق الرسالة ~~أولها مرتبة فوق الصديقية لذكرت # ولهذا كان أصل الغلو في النصارى ويشابههم في بعضه غالية المتصوفة والشيعة ~~ومن انضم إليهم من الصابئة المتفلسفة فالرد عليهم من جهة واحدة وقال النبى ~~في أبى بكر وعمر ( هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا ~~النبيين والمرسلين ( فهذه المسألة لشرحها موضع غير هذا وهى ان كل من سوى ~~الانبياء دونهم # وإنما الكلام هنا فيما يذكرونه من خاتم الأولياء فنقول هذه تسمية باطلة ~~لا أصل لها في كتاب ولا سنة ولا كلام مأثور عمن هو مقبول عند الأمة قبولا ~~عاما لكن يعلم من حيث الجملة ان آخر من بقى من المؤمنين المتقين في العالم ~~فهو آخر اولياء الله # ونقول ثانيا أن آخر الاولياء أو خاتمهم سواء كان المحقق أو فرض مقدر ليس ~~يجب أن يكون أفضل من غيره من الاولياء فضلا عن ان يكون أفضلهم وإنما نشأ ~~هذا من مجرد القياس على خاتم الأنبياء لما رأوا خاتم الانبياء هو سيدهم ~~توهموا من ذلك قياسا بمجرد الاشتراك في لفظ خاتم فقالوا خاتم PageV11P365 ~~الاولياء أفضلهم وهذا خطأ في الاستدلال فان فضل خاتم الانبياء عليهم لم ms3529 يكن ~~لمجرد كونه خاتما بل لادلة اخرى دلت على ذلك # ثم نقول بل اول الأولياء في هذه الأمة وسابقهم هو أفضلهم فان أفضل الأمة ~~خاتم الانبياء وأفضل الاولياء سابقهم إلى خاتم الأنبياء وذلك لان الولى ~~مستفيد من النبى وتابع له فكلما قرب ( من النبى كان أفضل ( وكلما بعد عنه ~~كان بالعكس بخلاف خاتم الانبياء فان استفادته إنما هي من الله فليس في ~~تأخره زمانا ما يوجب تأخر مرتبته بل قد يجمع الله له ما فرقه في غيره من ~~الانبياء فهذا الامر الذى ذكرناه من ان السابقين من الاولياء هم خيرهم هو ~~الذى دل عليه الكتاب والسنن المتواترة واجماع السلف ويتصل بهذا ظن طوائف ان ~~من المتأخرين من قد يكون أفضل من أفاضل الصحابة ويوجد هذا في المنتسبين إلى ~~العلم وإلى العبادة وإلى الجهاد والامارة والملك حتى في المتفقهة من قال ~~أبو حنيفة افقه من على وقال بعضهم يقلد الشافعى ولا يقلد أبو بكر وعمر # ويتمسكون تارة بشبه عقلية أو ذوقية من جهة ان متأخرى كل فن يحكمونه أكثر ~~من المتقدمين فانهم يستفيدون علوم الاولين مع العلوم التى اختصوا بها كما ~~هو موجود في أهل الحساب والطبائعيين والمنجمين وغيرهم PageV11P366 ومن جهة ~~الذوق وهو ما وجدوه لأواخر الصالحين من المشاهدات العرفانية والكرامات ~~الخارقة مالم ينقل مثله عن السلف وتارة يستدلون بشبه نقلية مثل قوله ( ~~للعامل منهم أجر خمسين منكم ( وقوله ( أمتى كالغيث لا يدرى أوله خير أم ~~آخره ( وهذا خلاف السنن المتواترة عن النبى من حديث بن مسعود وعمران بن ~~حصين ومما هو في الصحيحين أو احدهما من قوله ( خير القرون القرن الذى بعثت ~~فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( وقوله ( والذى نفسى بيده لو انفق ~~احدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( وغير ذلك من الأحاديث # وخلاف اجماع السلف كقول بن مسعود ( إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب ~~محمد خير قلوب العباد ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب اصحابه ~~خير قلوب ms3530 العباد ( وقول حذيفة ( يا معشر القراء استقيموا وخذوا سبيل من كان ~~قبلكم فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا بعيدا ) ولئن اخذتم يمينا ~~وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا وقول بن مسعود ( من كان منكم مستنا فليستن ~~بمن قد مات أولئك اصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا PageV11P367 واعمقها علما ~~واقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه واقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم ~~وتمسكوا بهديهم فانهم كانوا على الهدى المستقيم ( وقول جندب وغيره مما هو ~~كثير مكتوب في غير هذا الموضع بل خلاف نصوص القرآن في مثل قوله @QB@ ~~والسابقون الأولون @QE@ الآية وقوله @QB@ لا يستوي منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل @QE@ الآية وقوله @QB@ والذين جاؤوا من بعدهم @QE@ الآية وغير ~~ذلك فانه لم يكن الغرض بهذا الموضع هذه المسألة وإنما الغرض الكلام على ~~خاتم الأولياء # ومما يشبه هذا ظن طائفة كابن هود وبن سبعين والنفرى والتلمسانى ان الشيء ~~المتأخر ينبغى ان يكون أفضل من المتقدم لاعتقادهم ان العالم متنقل من ~~الابتداء إلى الانتهاء كالصبى الذى يكبر بعد صغره والنبات الذى ينمو بعد ~~ضعفه ويبنون على ذلك ان المسيح أفضل من موسى ويبعدون ذلك إلى ان يجعلوا بعد ~~محمد واحد من البشر أكمل منه كما تقوله الاسماعيلية والقرامطة والباطنية ~~فليس على هذا دليل أصلا ان كل من تأخر زمانه من نوع يكون أفضل ذلك النوع ~~فلا هو مطرد ولا منعكس بل إبراهيم الخليل قد ثبت بقول النبى ( أنه خير ~~البرية ( أي بعد النبى وكذلك قال الربيع بن خيثم ( لا أفضل على نبينا احدا ~~PageV11P368 ولا أفضل على إبراهيم بعد نبينا احدا وبعده جميع الأنبياء ~~المتبعين لملته مثل موسى وعيسى وغيرهما ( وكذلك أنبياء بنى اسرائيل كلهم ~~بعد موسى وقد اجمع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى على ان موسى ~~أفضل من غيره من أنبياء بنى اسرائيل إلا ما يتنازعون فيه من المسيح # والقرآن قد شهد في آيتين لأولى العزم فقال في قوله ( وإذ اخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ( وقال ( شرع ~~لكم ms3531 من الدين ما وصى به نوحا والذى اوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى ( فهؤلاء الخمسة اولوا العزم وهم الذين قد ثبت في احاديث الشفاعة ~~الصحاح أنهم يترادون الشفاعة في أهل الموقف بعد آدم فيجب تفضيلهم على بنيهم ~~وفيه تفضيل لمتقدم على متأخر ولمتأخر على متقدم # وأصل الغلط في هذا الباب ان تفضيل الأنبياء أو الأولياء أو العلماء أو ~~الأمراء بالتقدم في الزمان أو التأخر أصل باطل فتارة يكون الفضل في متقدم ~~النوع وتارة في متأخر النوع ولهذا يوجد في أهل النحو والطب والحساب ما يفضل ~~فيه المتقدم كبطليموس وسيبويه وبقراط وتارة بالعكس PageV11P369 وأما توهمهم ~~ان متأخرى كل فن أحذق من متقدميه لأنهم كملوه فهذا منتقض أولا ليس بمطرد ~~فان كتاب سيبويه في العربية لم يصنف بعده مثله بل وكتاب بطليموس بل نصوص ~~بقراط لم يصنف بعدها أكمل منها # ثم نقول هذا قد يسلم في الفنون التى تنال بالقياس والرأى والحيلة أما ~~الفضائل المتعلقة باتباع الأنبياء فكل من كان إلى الأنبياء اقرب مع كمال ~~فطرته كان تلقيه عنهم أعظم وما يحسن فيه هو من الفضائل الدينية المأخوذة عن ~~الأنبياء ولهذا كان من يخالف ذلك هو من المبتدعة الخارج عن سنن الأنبياء ~~المعتقد ان له نصيبا من العلوم والأحوال خارجا عن طور الأنبياء فكل من كان ~~بالنبوة وقدرها أعظم كان رسوخه في هذه المسألة أشد # وأما الأذواق والكرامات فمنها ما هو باطل والحق منه كان للسلف أكمل وأفضل ~~بلا شك وخرق العادة تارة يكون لحاجة العبد إلى ذلك وقد يكون أفضل منه لا ~~تخرق له تلك العادة فان خرقها له سبب وله غاية فالكامل قد يرتقى عن ذلك ~~السبب وقد لا يحتاج إلى تلك الغاية المقصودة بها ومع هذا فما للمتأخرين ~~كرامة الا وللسلف من نوعها ما هو أكمل منها PageV11P370 # وأما قوله ( لهم أجر خمسين منكم لأنكم تجدون على الخير اعوانا ولا يجدون ~~على الخير أعوانا ( فهذا صحيح إذا عمل الواحد من المتأخرين مثل عمل عمله ~~بعض المتقدمين كان له ms3532 أجر خمسين لكن لا يتصور ان بعض المتأخرين يعمل مثل ~~عمل بعض أكابر السابقين كأبى بكر وعمر فانه ما بقى يبعث نبى مثل محمد يعمل ~~معه مثلما عملوا مع محمد # وأما قوله ( امتى كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره ( مع ان فيه لينا ~~فمعناه في المتأخرين من يشبه المتقدمين ويقاربهم حتى يبقى لقوة المشابهة ~~والمقارنة لا يدرى الذى ينظر إليه اهذا خير أم هذا وإن كان أحدهما في نفس ~~الامر خيرا فهذا فيه بشرى للمتأخرين بأن فيهم من يقارب السابقين كما جاء في ~~الحديث الآخر ( خير امتى اولها وآخرها وبين ذلك ثبج أو عوج وددت انى رأيت ~~اخوانى قالوا أو لسنا إخوانك قال أنتم اصحابى ( هو تفضيل للصحابة فان لهم ~~خصوصية الصحبة التى هي أكمل من مجرد الاخوة # وكذلك قوله ( أي الناس اعجب إيمانا ( إلى قوله ( قوم يأتون بعدى يؤمنون ~~بالورق المعلق ( هو يدل على ان إيمانهم عجب أعجب من إيمان غيرهم ولا يدل ~~على انهم أفضل فان في الحديث أنهم PageV11P371 ذكروا الملائكة والأنبياء ~~ومعلوم ان الأنبياء أفضل من هؤلاء الذين يؤمنون بالورق المعلق # ونظيره كون الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء فانه لا يدل على أنهم بعد ~~الدخول يكونون ارفع مرتبة من جميع الاغنياء وإنما سبقوا لسلامتهم من الحساب # وهذا باب التفضيل بين الانواع في الاعيان والاعمال والصفات أو بين اشخاص ~~النوع باب عظيم يغلط فيه خلق كثير والله يهدينا سواء الصراط PageV11P372 ~~وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # ( تكلم أبو عبد الله محمد بن على الحكيم الترمذى في كتاب ( ختم الولاية ( ~~بكلام مردود مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة حيث غلا في ذكر ~~الولاية وما ذكره من خاتم الأولياء وعصمة الأولياء ونحو ذلك مما هو مقدمة ~~لضلال بن عربى وأمثاله الذين تكلموا في هذا الباب بالباطل والعدوان منها ~~قوله # فيقال لهذا المسكين صف لنا منازل الأولياء إذا استفرغوا مجهود الصدق كم ~~عدد منازلهم واين منازل أهل الفرية وأين الذين جازوا العساكر بأى شيء جازوا ~~وإلى اين منتهاهم واين ms3533 مقام أهل المجالس والحديث وكم عددهم وبأى شيء ~~استوجبوا هذا على ربهم وما حديثهم ونجواهم وبأى شيء يفتتحون المناجاة وبأى ~~PageV11P373 شيء يختمونها وماذا يخافون وكيف يكون صفة سيرهم ومن ذا الذى ~~يستحق خاتم الولاية كما استحق محمد خاتم النبوة وبأى صفة يكون ذلك المستحق ~~لذلك وما سبب وكم مجالس هذه الابدان حتى ترد إلى مالك الملك إلى مسائل اخر ~~كثيرة ذكرها من هذا النمط # ومنها فيه قال له قائل فهل يجوز أن يكون في هذا الزمان من يوازى أبا بكر ~~وعمر رضى الله عنهما قال ان كنت تعنى في العمل فلا وإن كنت تعنى في الدرجات ~~فغير مدفوع وذلك ان الدرجات بوسائل القلوب وتسمية ما في الدرجات بالأعمال ~~فمن الذى حول رحمة الله عن أهل هذا الزمان حتى لا يكون فيهم سابق ولا مقرب ~~ولا مجتبى ولا مصطفى أو ليس المهدى كائنا في آخر الزمان فهو في الفتنة يقوم ~~بالعدل فلا يعجز عنها أو ليس كائنا في آخر الزمان من له ختم الولاية وهو ~~حجة الله على جميع الأولياء يوم الموقف فكما ان محمدا آخر الأنبياء فاعطى ~~ختم النبوة وهو حجة الله على جميع الأنبياء فكذلك هذا الولى آخر الأولياء ~~في آخر الزمان PageV11P374 قال له قائل فاين حديث النبى ( خرجت من باب ~~الجنة فأتيت بالميزان فوضعت في كفة وأمتى في كفة فرجحت بالأمة ثم وضع أبو ~~بكر مكانى فرجح بالأمة ثم وضع عمر مكان أبى بكر فرجح بالأمة ( فقال هذا وزن ~~الأعمال لا وزن ما في القلوب أين يذهب بكم ياعجم ما هذا إلا من غباوة ~~افهامكم ألا ترى انه يقول خرجت من باب الجنة والجنة للأعمال والدرجات ~~للقلوب والوزن للأعمال لا لما في القلوب إن الميزان لا يتسع لما في القلوب # وقال فيه ( ثم لما قبض الله نبيه صير فيهم أربعين صديقا بهم تقوم الأرض ~~فهم أهل بيته وهم آله فكلما مات منهم رجل خلفه من يقوم مقامه حتى إذا انقرض ~~عددهم واتى وقت زوال الدنيا بعث الله وليا ms3534 اصطفاه واجتباه وقربه وأدناه ~~واعطاه ما أعطى الأولياء وخصه بخاتم الولاية فيكون حجة الله يوم القيامة ~~على سائر الاولياء فيوجد عنده ذلك الختم صدق الولاية على سبيل ما وجد عند ~~محمد صدق النبوة لم ينله القدر ولا وجدت النفس سبيلا إلى الاخذ بحظها من ~~الولاية فاذا برز الاولياء يوم القيامة واقبضوا صدق الولاية والعبودية وجد ~~الوفا عند هذا الذى ختم الولاية تماما فكان حجة الله عليهم وعلى سائر ~~الموحدين من بعدهم PageV11P375 وكان شفيعهم يوم القيامة فهو سيدهم ساد ~~الاولياء كما ساد محمد صلى الله عليه وسلم الأنبياء فينصب له مقام الشفاعة ~~ويثنى على الله ثناء ويحمده بمحامد يقر الأولياء بفضله عليهم في العلم ~~بالله فلم يزل هذا الولى مذكورا أولا في البدء أولا في الذكر وأولا في ~~العلم ثم الأول في المسألة ثم الأول في الموازنة ثم الأول في اللوح المحفوظ ~~ثم الأول في الميثاق ثم الأول في الحشر ثم الأول في الخطاب ثم الأول في ~~الوفادة ثم الأول في الشفاعة ثم الأول في الجواز وفى دخول الدار ثم الأول ~~في الزيارة فهو في كل مكان اول الأولياء كما كان محمد أول الأنبياء فهو من ~~محمد عند الاذن والاولياء عند القفا # فهذا عند مقامه بين يديه في ملك الله ونجواه مثال في المجلس الاعظم فهو ~~في منصته والاولياء من خلفه درجة درجة ومنازل الأنبياء مثال بين عينيه ~~فهؤلاء الاربعون في كل وقت هم أهل بيته ولست أعنى من النسب إنما أهل بيت ~~الذكر PageV11P376 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ### ||| فصل # ( قال القاضي أبو يعلى في عيون المسائل ( مسألة ( ومثبتوا النبوات حصل ~~لهم المعرفة بالله تعالى بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول ~~خلافا للأشعرية في قولهم لا تحصل حتى تنظر وتستدل بدلائل العقول # وقال نحن لا نمنع صحة النظر ولا نمنع حصول المعرفة به وإنما خلافنا هل ~~تحصل بغيره واستدل بأن النبوة إذا ثبتت بقيام المعجزة علمنا أن هناك مرسلا ~~أرسله إذ لا يكون هناك نبى إلا ms3535 وهناك مرسل وإذا ثبت ان هناك مرسل اغنى ذلك ~~عن النظر والاستدلال في دلائل العقول على إثباته # وقال البيهقى في كتاب الإعتقاد ما ذكره الخطابى ايضا في ( الغنية ~~PageV11P377 عن الكلام وأهله ( وقد سلك بعض من بحث في إثبات الصانع وحدوث ~~العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة لأن دلائلها مأخوذة ~~من طريق الحس لمن شاهدها ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها فلما ثبتت ~~النبوة صارت اصلا في وجوب قبول ما دعا إليه النبى وعلى هذا الوجه كان إيمان ~~أكثر المستجيبين للرسول وذكر قصة جعفر وأصحابه مع النجاشى وقصة الاعرابى ~~الذى قال من خلق السماء وغير ذلك # قلت كثير من المتكلمين يقولون لابد أن تتقدم المعرفة اولا بثبوت الرب ~~وصفاته التى يعلم بها انه هو ويظهر المعجزة وإلا تعذر الاستدلال بها على ~~صدق الرسول فضلا عن وجود الرب # وأما الطريقة التى ذكرها المتقدمون فصحيحة إذا حررت وقد جاء القرآن بها ~~في قصة فرعون فانه كان منكرا للرب قال تعالى @QB@ فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا @QE@ ~~إلى قوله @QB@ قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما ~~بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال ~~أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ~~ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين @QE@ PageV11P378 # فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة التى جعلها دليلا على صدقه في كونه ~~رسول رب العالمين وفى أن له إلها غير فرعون يتخذه وكذلك قال تعالى @QB@ فإن ~~لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو @QE@ فبين ~~أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة وذلك لأن المعجزة التى هي فعل خارق ~~للعادة تدل بنفسها على ثبوت ms3536 الصانع كسائر الحوادث بل هي أخص من ذلك لأن ~~الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة ولهذا يسبح الرب عندها ~~ويمجد ويعظم ما لا يكون عند المعتاد ويحصل في النفوس ذلة ( من ذكر ( عظمته ~~ما لا يحصل للمعتاد إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها وتدل بظهورها على الرسول ~~وإذا تبين أنها تدعو إلى الاقرار بأنه رسول الله فتتقرر بها الربوبية ~~والرسالة لا سيما عند من يقول دلالة المعجزة على صدق الرسول ضرورية كما هو ~~قول طائفة من متكلمى المعتزلة كالجاحظ وطوائف من غيرهم كالأشعرية والحنبلية ~~الذين يقولون يحصل الفرق بين المعجزة والسحر والكرامة بالضرورة PageV11P379 ~~ومن يقول ان شهادة المعجزة على صدق النبى معلوم بالضرورة وهم كثير من ~~الأشعرية والحنبلية وكثير من هؤلاء يقول لأن عدم دلالتها على الصدق مستلزم ~~عجز البارئ إذ لا طريق سواها # وأما المعتزلة فلأن عندهم أن ذلك قبيح لا يجوز من البارى فعله والأولون ~~يقولون ليس كأمور كثيرة جدا وقد بينت في غير هذا الموضع ان العلم موجود ~~ضرورى وهو الذى عليه جمهور PageV11P380 ### |||| ( وسئل ( # أيما اولى معالجة ما يكره ~~الله من قلبك مثل الحسد والحقد والغل والكبر والرياء والسمعة ورؤية الأعمال ~~وقسوة القلب وغير ذلك مما يختص بالقلب من درنه وخبثه أو الاشتغال بالاعمال ~~الظاهرة من الصلاة والصيام وانواع القربات من النوافل والمنذورات مع وجود ~~تلك الامور في قلبه أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب رحمه الله # الحمد لله من ذلك ما هو عليه واجب وأن للأوجب فضل وزيادة ~~كما قال تعالى فيما يرويه عنه رسوله ( ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما ~~افترضت عليه ( ثم قال ( ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ( ~~والأعمال الظاهرة لا تكون صالحة مقبولة الا بتوسط عمل القلب فان القلب ملك ~~والاعضاء جنوده فاذا خبث الملك خبثت جنوده ولهذا قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( الا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله ( وكذلك أعمال القلب لابد ان تؤثر في عمل الجسد واذا كان المقدم ms3537 هو ~~الاوجب ( سواء ( سمى PageV11P381 باطنا أو ظاهرا فقد يكون ما يسمى باطنا ~~أوجب مثل ترك الحسد والكبر فانه أوجب عليه من نوافل الصيام وقد يكون ما سمى ~~ظاهرا أفضل مثل قيام الليل فانه أفضل من مجرد ترك بعض الخواطر التى تخطر في ~~القلب من جنس الغبطة ونحوها وكل واحد من عمل الباطن والظاهر يعين الآخر ~~والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتورث الخشوع ونحو ذلك من الآثار العظيمة ~~هي أفضل الأعمال والصدقة والله أعلم PageV11P382 ### |||| ( وسئل ( # هل قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( زدنى فيك تحيرا ( وقال بعض العارفين اول المعرفة الحيرة ~~وآخرها الحيرة قيل من اين تقع الحيرة قيل من معنيين # ( أحدهما ( كثرة اختلاف الأحوال عليه والآخر شدة الشر وحذر الاياس وقال ~~الواسطى نازلة تنزل بقلوب العارفين بين الاياس والطمع لا تطمعهم في الوصل ~~فيستريحون ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحون وقال بعضهم متى أصل إلى طريق ~~الراجين وأنا مقيم في حيرة المتحيرين وقال محمد بن الفضل العارف كلما انتقل ~~من حال إلى حال استقبلته الدهشة والحيرة وقال اعرف الناس بالله اشدهم فيه ~~تحيرا وقال الجنيد انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة وقال ذو النون غاية ~~العارفين التحير وأنشد بعضهم # قد تحيرت فيك خذ بيدي %~% يا دليلا لمن تحير فيه # فبينوا لنا القول في ذلك بيانا شافيا PageV11P383 ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله ( هذا الكلام المذكور ( زدنى فيك تحيرا ( من الأحاديث ~~المكذوبة على النبى ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث وإنما يرويه جاهل أو ~~ملحد فان هذا الكلام يقتضى أنه كان حائرا وأنه سأل الزيادة في الحيرة ~~وكلاهما باطل فان الله هداه بما أوحاه إليه وعلمه مالم يكن يعلم وأمره ~~بسؤال الزيادة من العلم بقوله ( رب زدنى علما ( وهذا يقتضى أنه كان عالما ~~وانه أمر بطلب المزيد من العلم ولذلك أمر هو والمؤمنون بطلب الهداية في ~~قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ وقد قال تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم @QE@ فمن يهدى الخلق كيف يكون حائرا والله قد ذم الحيرة في ~~القرآن في قوله @QB@ قل أندعو من ms3538 دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى @QE@ # وفى الجملة فالحيرة من جنس الجهل والضلال ومحمد صلى الله عليه وسلم أكمل ~~الخلق علما بالله وبأمره وأكمل الخلق اهتداء في نفسه وهديا لغيره وأبعد ~~الخلق عن الجهل والضلال قال تعالى @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما ~~غوى وما ينطق عن الهوى @QE@ وقال تعالى PageV11P384 @QB@ كتاب أنزلناه إليك ~~لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~@QE@ إلى قوله @QB@ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ فالله قد هدى المؤمنين به وقال ~~تعالى @QB@ اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا ~~تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم @QE@ فقد كفل الله لمن آمن به أن يجعل ~~له نورا يمشى به كما قال تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ~~@QE@ ومثل هذا كثير في القرآن والحديث # ولم يمدح الحيرة أحد من أهل العلم والايمان ولكن مدحها طائفة من الملاحدة ~~كصاحب ( الفصوص ( بن عربى وأمثاله من الملاحدة الذين هم حيارى فمدحوا ~~الحيرة وجعلوها أفضل من الاستقامة وادعوا أنهم أكمل الخلق وان خاتم ~~الاولياء منهم يكون أفضل في العلم بالله من خاتم الانبياء وان الانبياء ~~يستفيدون العلم بالله منهم وكانوا في PageV11P385 ذلك كما يقال فيمن قال ( ~~فخر عليهم السقف من تحتهم ( لا عقل ولا قرآن فان الأنبياء أقدم فكيف يستفيد ~~المتقدم من المتأخر وهم عند المسلمين واليهود والنصارى ( ليسوا ( أفضل من ms3539 ~~الأنبياء فخرج هؤلاء عن العقل والدين دين المسلمين واليهود والنصارى وهؤلاء ~~قد بسطنا الرد عليهم في غير هذا الموضع ولهم في ( وحدة الوجود والحلول ~~والاتحاد ( كلام من شر كلام أهل الالحاد وأما غير هؤلاء من الشيوخ الذين ~~يذكرون الحيرة فان كان الرجل منهم يخبر عن حيرته فهذا لا يقتضى مدح الحيرة ~~بل الحائر مأمور بطلب الهدى كما نقل عن الامام أحمد انه علم رجلا ان يدعو ~~يقول يا دليل الحائرين دلنى على طريق الصادقين واجعلنى من عبادك الصالحين # فاما الذى قال أول المعرفة الحيرة وآخرها الحيرة فقد يريد بذلك معنى ~~صحيحا مثل ان يريد ان الطالب السالك يكون حائرا قبل حصول المعرفة والهدى ~~فان كل طالب للعلم والهدى هو قبل حصول مطلوبه في نوع من الحيرة وقوله آخرها ~~الحيرة قد يراد به انه لا يزال طالب الهدى والعلم فهو بالنسبة إلى ما لم ~~يصل إليه حائرا وليس في ذلك مدح الحيرة ولكن يراد به انه لابد ان يعترى ~~الانسان نوع من الحيرة التى يحتاج معها إلى العلم والهدى PageV11P386 وقوله ~~والحيرة من معنيين # ( أحدهما ( كثرة اختلاف الاحوال و ( الآخر ( شدة الشر وحذر الاياس إخبار ~~عن سلوك معين فانه ليس كل سالك يعتريه هذا ولكن من السالكين من تختلف عليه ~~الاحوال حتى لا يدرى ما يقبل وما يرد وما يفعل وما يترك والواجب على من كان ~~كذلك دوام الدعاء لله سبحانه وتعالى والتضرع إليه والاستهداء بالكتاب ~~والسنة # وكذلك بشدة الشر وحذر الاياس فان في السالكين من يبتلى بأمور من ~~المخالفات يخاف معها ان يصير إلى اليأس من رحمة الله لقوة خوفه وكثرة ~~المخالفة عند نفسه ومثل هذا ينبغى ان يعلم سعة رحمة الله وقبول التوبة من ~~عباده وفرحه بذلك # وقول الآخر نازلة تنزل بقلوب العارفين بين اليأس والطمع فلا تطمعهم في ~~الوصول فيستريحون ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحون فيقال هذا أيضا حال عارض ~~لبعض السالكين ليس هذا امرا لازما لكل من سلك طريق الله ولا هو أيضا غاية ~~محمودة ( ولكن بعض السالكين ms3540 يعرض له هذا كما يذكر عن الشبلى أنه كان ينشد ~~في هذا المعنى PageV11P387 # أظلت علينا منك يوما سحابة %~% أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها # فلاغيمها يجلو فييأس طامع %~% ولا غيثها يأتى فيروى عطاشها # وصاحب هذا الكلام إلى أن يعفو الله عنه ويغفر له مثل هذا الكلام احوج منه ~~إلى أن يمدح عليه أو يقتدى به فيه ومثل هذا كثير قد تكلمنا عليه في غير هذا ~~الموضع لما تكلمنا على ما يعرض لطائفة من كلام فيه معاتبة لجانب الربوبية ~~وإقامة حجة عليه بالمجنون المتحير واقامة عذر المحب وأمور تشبه هذا قد تحيز ~~من قال بموجبها إلى الكفر والالحاد إذ الواجب الاقرار لله بفضله وجوده ~~واحسانه وللنفس بالتقصير والذنب كما في الحديث الصحيح ( سيد الاستغفار أن ~~يقول العبد اللهم انت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ~~ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ابوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى ~~فاغفر لى أنه لا يغفر الذنوب الا أنت من قالها إذا اصبح موقنا بها فمات من ~~يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة # وفى الحديث الصحيح الالهى ( يقول الله تعالى يا عبادى انما هي أعمالكم ~~أحصيها لكم ثم أوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا ~~يلومن الا نفسه ( وفى الحديث الصحيح PageV11P388 يقول الله من تقرب إلى ~~شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب إلى ذراعا تقربت منه باعا ومن أتانى يمشى ~~أتيته هروله ( وفى الحديث الصحيح ( أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه إذا ذكرنى ~~( وقد ثبت أن الله تعالى كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وقد ثبت من ~~حكمته ورحمته وعدله ما يبهر العقول لأن هذه المسألة تتعلق بأصول كبار من ~~مسائل ( القدر ( و ( الامر ( و ( الوعد ( و ( الوعيد ( و ( الاسماء والصفات ~~( قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع # والمقصود هنا الكلام على ما ذكر عن هؤلاء الشيوخ فقول القائل لا تطمعهم ms3541 ~~في الوصول فيستريحون ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحون هي حال عارض لشخص قد ~~تعلقت همته بمطلوب معين وهو يتردد فيه بين اليأس والطمع وهذا حال مذموم لأن ~~العبد لا ينبغى له أن يقترح على الله شيئا معينا بل تكون همته فعل المأمور ~~وترك المحظور والصبر على المقدور فمتى أعين على هذه الثلاثة جاء بعد ذلك من ~~المطالب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولو تعلقت همته ~~بمطلوب فدعا الله به فان الله يعطيه احدى خصال ثلاث اما ان يعجل له دعوته ~~واما ان يدخر له من الخير مثلها واما ان يصرف عنه من الشر مثلها # ولفظ ( الوصول ( لفظ مجمل فانه ما من سالك الا وله غاية PageV11P389 يصل ~~إليها وإذا قيل وصل إلى الله أو إلى توحيده أو معرفته أو نحو ذلك ففى ذلك ~~من الأنواع المتنوعة والدرجات المتباينة ما لا يحصيه الا الله تعالى # ويأس الانسان ان يصل إلى ما يحبه الله ويرضاه من معرفته وتوحيده كبيرة من ~~الكبائر بل عليه ان يرجو ذلك ويطمع فيه لكن من رجا شيئا طلبه ومن خاف من ~~شيء هرب منه وإذا اجتهد واستعان بالله تعالى ولازم الاستغفار والاجتهاد ~~فلابد ان يؤتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال وإذا رأى انه لا ينشرح صدره ~~ولا يحصل له حلاوة الايمان ونور الهداية فليكثر التوبة والاستغفار وليلازم ~~الاجتهاد بحسب الامكان فان الله يقول @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا @QE@ وعليه باقامة الفرائض ظاهرا وباطنا ولزوم الصراط المستقيم ~~مستعينا بالله متبرئا من الحول والقوة إلا به # ففى الجملة ليس لاحد ان ييأس بل عليه ان يرجو رحمة الله كما انه ليس له ~~ان لا ييأس بل عليه ان يخاف عذابه قال تعالى @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا @QE@ قال بعضهم من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف ~~وحده فهو PageV11P390 حرورى ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ms3542 ومن عبده بالحب ~~والرجاء والخوف فهو مؤمن موحد # واما قول القائل متى أصل إلى طريق الراجين وأنا مقيم في حيرة المتحيرين ~~فهذا اخبار منه عن حال مذموم هو فيها كما يخبر الرجل عن نقص إيمانه وضعف ~~عرفانه وريب في يقينه وليس مثل هذا مما يطلب بل هو مما يستعاذ بالله منه # وأما قول محمد بن الفضل أنه قال العارف كلما انتقل من حال إلى حال ~~استقبلته الدهشة والحيرة فهذا قد يراد به انه كلما انتقل إلى مقام من ~~المعرفة واليقين حصل له تشوق إلى مقام لم يصل إليه من المعرفة فهو حائر ~~بالنسبة إلى ما لم يصل إليه دون ما وصل إليه # وقوله أعرف الناس بالله اشدهم فيه تحيرا أى أطلبهم لزيادة العلم والمعرفة ~~فان كثرة علمه ومعرفته توجب له الشعور بأمور لم يعرفها بعد بل هو حائر فيها ~~طالب لمعرفتها والعلم بها ولا ريب ان أعلم الخلق بالله قد قال ( لا أحصى ~~ثناء عليك أنت كماأثنيت على نفسك ( والخلق ما أوتوا من العلم الا قليلا # وما نقل عن ( الجنيد ( أنه قال انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة PageV11P391 ~~فهذا ما أعرفه من كلام الجنيد وفيه نظر هل قاله ولعل الاشبه انه ليس من ~~كلامه المعهود فان كان قد قال هذا فأراد عدم العلم بما لم يصل إليه لم يرد ~~بذلك ان الأنبياء والاولياء لم يحصل لهم يقين ومعرفة وهدى وعلم فان الجنيد ~~أجل من أن يريد هذا وهذا الكلام مردود على من قاله لكن إذا قيل أن أهل ~~المعرفة مهما حصلوا من المعرفة واليقين والهدى فهناك أمور لم يصلوا إليها ~~فهذا صحيح كما في الحديث الذى رواه الامام أحمد في المسند وأبو حاتم في ~~صحيحه ( اللهم أنى اسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو ~~علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ان تجعل القرآن ربيع ~~قلبى ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب همى وغمى ( قال ( من قال هذا اذهب الله ~~همه وغمه ms3543 وأبدله مكانه فرحا ( فقد أخبر أن لله اسماء استأثر بها في علم ~~الغيب عنده وهذه لا يعلمها ملك ولا بشر # فاذا أراد المريد ان عقول العقلاء لم تصل إلى معرفة مثل هذه الأمور فهذا ~~صحيح واما إذا أراد أن العقلاء ليس عندهم علم ولا يقين بل حيرة وريب فهذا ~~باطل قطعا # وما ذكر عن ( ذى النون ( في هذا الباب مع أن ذا النون قد وقع منه كلام ~~انكر عليه وعزره الحارث بن مسكين وطلبه PageV11P392 المتوكل إلى بغداد ~~واتهم بالزندقة وجعله الناس من الفلاسفة فما أدري هل قال هذا أم لا بخلاف ~~الجنيد فان الاستقامة والمتابعة غالبة عليه وان كان كل أحد يؤخذ من قوله ~~ويترك الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ثم معصوم من الخطأ غير الرسول ~~لكن الشيوخ الذين عرف صحة طريقتهم علم أنهم لا يقصدون ما يعلم فساده ~~بالضرورة من العقل والدين # وهذا قدر ما احتملته هذه الورقة والله أعلم PageV11P393 ### |||| ( سئل # عن رجل يحب ~~رجلا عالما فاذا التقيا ثم افترقا حصل لذلك الرجل شبه الغشى من أجل ~~الافتراق وإذا كان الرجل العالم مشغولا بحيث لا يلتفت إليه لم يحصل له هذا ~~الحال فهل هذا من الرجل المحب أم هو تأثير الرجل العالم ### ||||| فأجاب # الحمد لله سببه من هذا ومن هذا مثل الماء إذا شربه العطشان حصل له ~~لذة وطيب وسببها عطشه وبرد الماء وكذلك النار إذا وقعت في القطن سببه منها ~~ومن القطن والعالم المقبل على الطالب يحصل له لذة وطيب وسرور بسبب إقبال ~~هذا وتوجهه وهذا حال المحب مع المحبوب والله أعلم PageV11P394 ### |||| ( سئل ( # ما ~~الحكمة في أن المشتغلين بالذكر والفكر والرياضة ومجاهدة النفس وما اشبهه ~~يفتح عليهم من الكشوفات والكرامات وما سوى ذلك من الاحوال مع قلة علمهم ~~وجهل بعضهم ما لا يفتح على المشتغلين بالعلم ودرسه والبحث عنه حتى لو بات ~~الانسان متوجها مشتغلا بالذكر والحضور لابد أن يرى واقعة أو يفتح عليه شيء ~~ولو بات ليلة يكرر على باب من أبواب الفقه لا ms3544 يجد ذلك حتى أن كثيرا من ~~المتعبدين يجد للذكر حلاوة ولذة ولا يجد ذلك عند قراءة القرآن مع أنه قد ~~وردت السنة بتفضيل العالم على العابد لا سيما اذا كان العابد محتاجا إلى ~~علم هو مشتغل به عن العبادة # ففى الحديث ( أن الملائكة تضع اجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وان ~~العلماء ورثة الانبياء وان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر ~~الكواكب ( وفى الحديث عن النبى انه قال ( إذا كان يوم القيامة يقول الله عز ~~وجل للعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة فيقول العلماء بفضل علمنا عبدوا ~~وجاهدوا فيقول الله عز وجل PageV11P395 لهم أنتم عندى كملائكتى اشفعوا ~~فيشفعون ثم يدخلون الجنة ( وغير ذلك من الاحاديث والآثار # ثم أن كثيرا من المتعبدين يؤثر العبادة على طلب العلم مع جهله بما يبطل ~~كثيرا من عبادته كنواقض الوضوء أو مبطلات الصلاة والصوم وربما يحكى بعضهم ~~حكاية في هذا المعنى بأن ( رابعة العدوية ( رحمها الله أتت ليلة بالقدس ~~تصلى حتى الصباح وإلى جانبها بيت فيه فقيه يكرر على باب الحيض إلى الصباح ~~فلما اصبحت رابعة قالت له يا هذا وصل الواصلون إلى ربهم وانت مشتغل بحيض ~~النساء أو نحوها فما المانع أن يحصل للمشتغلين بالعلم ما يحصل للمشتغلين ~~بالعبادة مع فضله عليه ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لا ريب ان الذى أوتى العلم والايمان أرفع ~~درجة من الذين أوتوا الايمان فقط كما دل على ذلك الكتاب والسنة والعلم ~~الممدوح الذى دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذى ورثته الانبياء كما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( إن العلماء ورثة الانبياء إن الانبياء لم ~~يورثوا درهما ولا دينارا وانما ورثوا العلم فمن اخذه اخذ بحظ وافر ( # وهذا العلم ثلاثة أقسام PageV11P396 ( علم بالله وأسمائه وصفاته ( وما ~~يتبع ذلك وفى مثله أنزل الله سورة الاخلاص وآية الكرسى ونحوهما # و ( القسم الثانى ( العلم بما أخبر الله به مما كان من الامور الماضية ~~وما يكون من الامور المستقبلة وما هو كائن من الامور الحاضرة وفى مثل هذا ~~أنزل الله ms3545 آيات القصص والوعد والوعيد وصفة الجنة والنار ونحو ذلك # و ( القسم الثالث ( العلم بما أمر الله به من الأمور المتعلقة بالقلوب ~~والجوارح من الايمان بالله من معارف القلوب واحوالها واقوال الجوارح ~~واعمالها وهذا العلم يندرج فيه العلم بأصول الإيمان وقواعد الاسلام ويندرج ~~فيه العلم بالاقوال والافعال الظاهرة وهذا العلم يندرج فيه ما وجد في كتب ~~الفقهاء من العلم بأحكام الافعال الظاهرة فان ذلك جزء من جزء من جزء من علم ~~الدين كما ان المكاشفات التى تكون لأهل الصفا جزء من جزء من جزء من علم ~~الأمور الكونية # والناس انما يغلطون في هذه المسائل لأنهم يفهمون مسميات الأسماء الواردة ~~في الكتاب والسنة ولا يعرفون حقائق الامور الموجودة فرب رجل يحفظ حروف ~~العلم التى اعظمها حفظ حروف القرآن ولا يكون له من الفهم بل ولا من الايمان ~~ما يتميز به على من أوتى PageV11P397 القرآن ولم يؤت حفظ حروف العلم كما ~~قال النبى في الحديث المتفق عليه ( مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل الا ~~ترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل التمرة ~~طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها ~~طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ~~ريح لها ( فقد يكون الرجل حافظا لحروف القرآن وسوره ولا يكون مؤمنا بل يكون ~~منافقا فالمؤمن الذى لا يحفظ حروفه وسوره خير منه وان كان ذلك المنافق ~~ينتفع به الغير كما ينتفع بالريحان واما الذى أوتى العلم والايمان فهو مؤمن ~~عليم فهو أفضل من المؤمن الذى ليس مثله في العلم مثل اشتراكهما في الايمان ~~فهذا أصل تجب معرفته # وههنا ( أصل آخر ( وهو أنه ليس كل عمل اورث كشوفا أو تصرفا في الكون يكون ~~أفضل من العمل الذى لا يورث كشفا وتصرفا فان الكشف والتصرف ان لم يكن مما ~~يستعان به على دين الله والا كان من متاع الحياة الدنيا وقد يحصل ذلك ~~للكفار من المشركين وأهل الكتاب وان لم ms3546 يحصل لأهل الايمان الذين هم أهل ~~الجنة وأولئك أصحاب النار PageV11P398 ففضائل الأعمال ودرجاتها لا تتلقى من ~~مثل هذا وإنما تتلقى من دلالة الكتاب والسنة ولهذا كان كثير من الاعمال ~~يحصل لصاحبه في الدنيا رئاسة ومال فأكرم الخلق عند الله أتقاهم ومن عبد ~~الله بغير علم فقد أفسد أكثر مما يصلح وان حصل له كشف وتصرف وان اقتدى به ~~خلق كثير من العامة وقد بسطنا الكلام في هذا الباب في مواضعه فهذا ( أصل ~~ثان ( # و ( أصل ثالث ( أن تفضيل العمل على العمل قد يكون مطلقا مثل تفضيل أصل ~~الدين على فرعه وقد يكون مقيدا فقد يكون أحد العملين في حق زيد أفضل من ~~الآخر والآخر في حق عمرو أفضل وقد يكونان متماثلين في حق الشخص وقد يكون ~~المفضول في وقت أفضل من الفاضل وقد يكون المفضول في حق من يقدر عليه وينتفع ~~به أفضل من الفاضل في حق من ليس كذلك # مثال ذلك ان قراءة القرآن أفضل من مجرد الذكر بسنة رسول الله واجماع ~~الأمة ولا اعتبار بمن يخالف ذلك من جهال العباد ثم الركوع والسجود ينهى فيه ~~عن قراءة القرآن ويؤمر فيه بالذكر وكذلك الذكر والدعاء في الطواف وعرفة ~~ونحوهما أفضل من قراءة القرآن وكذلك الاذكار المشروعة مثل ما يقال عند سماع ~~النداء ودخول المسجد والمنزل والخروج منهما وعند سماع PageV11P399 الديكة ~~والحمر ونحو ذلك أفضل من قراءة القرآن في هذا الموطن وأيضا فأكثر السالكين ~~إذا قرؤا القرآن لا يفهمونه وهم بعد لم يذوقوا حلاوة الايمان الذى يزيدهم ~~بها القرآن إيمانا فاذا اقبلوا على الذكر اعطاهم الذكر من الايمان ما يجدون ~~حلاوته ولذته فيكون الذكر انفع لهم حينئذ من قراءة لا يفهمونها ولا معهم من ~~الايمان ما يزداد بقراءة القرآن أما إذا أوتى الرجل الايمان فالقرآن يزيده ~~من الايمان ما لا يحصل بمجرد الذكر فهذا ( أصل ثالث ( # و ( أصل رابع ( وهو أن الرجل قد يأتى بالعمل الفاضل من غير قيام بشروطه ~~ولا إخلاص فيه فيكون بتفويت شرائطه دون من أتى بالمفضول ms3547 المكمل # فهذه الأصول ونحوها تبين جواب هذا السائل وان كان تفصيل ذلك لا تتسع له ~~الورقة والله أعلم PageV11P400 ### || 1 ( مسألة سقوط التكليف عن المرتاضين ) 1 ### |||| ! 8 < ( سئل الشيخ رحمه الله ( # عن قوم داوموا على ( الرياضة ( مرة فرأوا ~~أنهم قد تجوهروا فقالوا لا نبالى الآن ما عملنا وإنما الاوامر والنواهى ~~رسوم العوام ولو تجوهروا لسقطت عنهم وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة ~~والمراد منها ضبط العوام ولسنا نحن من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد ~~تجوهرنا وعرفنا الحكمة فهل هذا القول كفر من قائله أم يبدع من غير تكفير ~~وهل يصير ذلك عمن في قلبه خضوع للنبى ### ||||| فأجاب # لا ريب عند أهل العلم والايمان ان هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه ~~وهو شر من قول اليهود والنصارى فان اليهودى والنصرانى آمن ببعض الكتاب وكفر ~~ببعض وأولئك هم الكافرون حقا كما ذكر أنهم يقرون بان لله أمرا ونهيا ووعدا ~~ووعيدا وان ذلك متناول لهم إلى حين الموت هذا ان كانوا متمسكين باليهودية ~~والنصرانية المبدلة المنسوخة # وأما ان كانوا من منافقى أهل ملتهم كما هو الغالب على متكلمهم ~~PageV11P401 ومتفلسفهم كانوا شرا من منافقى هذه الأمة حيث كانوا مظهرين ~~للكفر ومبطنين للنفاق فهم شر ممن يظهر إيمانا ويبطن نفاقا # والمقصود ان المتمسكين بجملة منسوخة فيها تبديل خير من هؤلاء الذين ~~يزعمون سقوط الأمر والنهى عنهم بالكلية فان هؤلاء خارجون في هذه الحال عن ~~جميع الكتب والشرائع والملل لا يلتزمون لله امرا ولا نهيا بحال بل هؤلاء شر ~~من المشركين المستمسكين ببقايا من الملل كمشركى العرب الذين كانوا مستمسكين ~~ببقايا من دين إبراهيم عليه السلام فان أولئك معهم نوع من الحق يلتزمونه ~~وان كانوا مع ذلك مشركين وهؤلاء خارجون عن التزام شيء من الحق بحيث يظنون ~~أنهم قد صاروا سدى لا أمر عليهم ولا نهى # فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمر ونهى بحيث لا ~~يجب عليها شيء ولا يحرم عليها شيء فهؤلاء أكفر أهل الأرض وهم ms3548 من جنس فرعون ~~وذويه وهم مع هذا لا بد أن يلتزموا بشيء يعيشون به إذ لا يمكن النوع ~~الانسانى ان يعيش الا بنوع امر ونهى فيخرجون عن طاعة الرحمن وعبادته إلى ~~طاعة الشيطان وعبادته ففرعون هو الذى قال لموسى ( وما رب العالمين ) ثم ~~كانت له آلهة يعبدها كما قال له قومه ( ويذرك وآلهتك PageV11P402 ولكن كثير ~~من هؤلاء لا يطلقون السلب العام ويخرجون عن ربقة العبودية مطلقا بل يزعمون ~~سقوط بعض الواجبات عنهم أو حل بعض المحرمات لهم فمنهم من يزعم أنه سقطت عنه ~~الصلوات الخمس لوصوله إلى المقصود وربما قد يزعم سقوطها عنه إذا كان في حال ~~مشاهدة وحضور وقد يزعمون سقوط الجماعات عنهم استغناء عنها بما هو فيه من ~~التوجه والحضور ومنهم من يزعم سقوط الحج عنه مع قدرته عليه لأن الكعبة تطوف ~~به أو لغير هذا من الحالات الشيطانية ومنهم من يستحل الفطر في رمضان لغير ~~عذر شرعى زعما منه استغناؤه عن الصيام ومنهم من يستحل الخمر زعما منه انها ~~انما تحرم على العامة الذين إذا شربوها تخاصموا وتضاربوا دون الخاصة ~~العقلاء ويزعمون انها تحرم على العامة الذين ليس لهم اعمال صالحة فأما أهل ~~النفوس الزكية والاعمال الصالحة فتباح لهم دون العامة # وهذه ( الشبهة ( كانت قد وقعت لبعض الأولين فاتفق الصحابة على قتلهم ان ~~لم يتوبوا من ذلك فان قدامة بن عبد الله شر بها هو وطائفة وتأولوا قوله ~~تعالى @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات @QE@ فلما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب اتفق هو ~~وعلى بن أبى طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا وان ~~اصروا على استحلالها قتلوا وقال عمر PageV11P403 لقدامة اخطأت استك الحفرة ~~اما أنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر وذلك ان هذه الآية ~~نزلت بسبب ان الله سبحانه لما حرم الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد قال بعض ~~الصحابة فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر فأنزل الله هذه الآية ~~يبين ms3549 فيها ان من طعم الشيء في الحال التى لم تحرم فيها فلا جناح عليه إذا ~~كان من المؤمنين المتقين المصلحين # وهذا كما انه لما صرف القبلة وامرهم باستقبال الكعبة بعد ان كانوا ~~مأمورين باستقبال بيت المقدس فقال الله تعالى @QB@ وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم @QE@ أى صلاتكم إلى بيت المقدس فبين سبحانه ان من عمل بطاعة الله ~~أثابه الله على ذلك وإن نهى عن ذلك في وقت آخر ومن استحل ما لم يحرمه لم ~~يكن عليه جناح إذا كان من المؤمنين المتقين وإن حرم الله ذلك في وقت آخر ~~فأما بعد ان حرم الخمر فاستحلالها بمنزلة الصلاة إلى الصخرة بعد تحريم ذلك ~~وبمنزلة التعبد بالسبت واستحلال الزنى وغير ذلك مما استقرت الشريعة على ~~خلاف ما كان والا فليس لأحد ان يستمسك من شرع منسوخ بأمر ومن فعل ذلك كان ~~بمنزلة المستمسك بما نسخ من الشرائع فلهذا اتفق الصحابة على ان من استحل ~~الخمر قتلوه ثم ان أولئك الذين فعلوا ذلك ندموا وعلموا انهم اخطأوا وايسوا ~~من التوبة فكتب PageV11P404 عمر إلى قدامة يقول له @QB@ حم تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب @QE@ ما أدري أى ~~ذنبيك أعظم استحلالك المحرم اولا أم يأسك من رحمة الله ثانيا # وهذا الذى اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الاسلام لا يتنازعون ~~في ذلك ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة كالصلوات الخمس وصيام ~~شهر رمضان وحج البيت العتيق أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة ~~كالفواحش والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك أو جحد حل بعض المباحات ~~الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح فهو كافر مرتد يستتاب فان تاب ~~والا قتل وان اضمر ذلك كان زنديقا منافقا لا يستتاب عند اكثر العلماء بل ~~يقتل بلا استتابة إذا ظهر ذلك منه # ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش كاستحلال مؤاخاة النساء الأجانب والخلو ~~بهن زعما منه انه يحصل لهن البركة بما يفعله معهن وإن كان محرما في الشريعة ~~وكذلك من يستحل ذلك ms3550 من المردان ويزعم ان التمتع بالنظر إليهم ومباشرتهم هو ~~طريق لبعض السالكين حتى يترقى من محبة المخلوق ( إلى محبة الخالق ) ويأمرون ~~بمقدمات الفاحشة الكبرى وقد يستحلون الفاحشة الكبرى كما يستحلها من يقول ان ~~التلوط مباح بملك اليمين فهؤلاء كلهم كفار باتفاق المسلمين وهم بمنزلة ~~PageV11P405 من يستحل قتل المسلمين بغير حق ويسبى حريمهم ويغنم أموالهم ~~وغير ذلك من المحرمات التى يعلم انها من المحرمات تحريما ظاهرا متواترا # لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جهلا يعذر به فلا يحكم بكفر ~~أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى @QB@ لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ وقال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا @QE@ ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم ان الصلاة واجبة عليه أو لم ~~يعلم ان الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد ايجاب هذا وتحريم هذا بل ولم يعاقب ~~حتى تبلغه الحجة النبوية # بل قد اختلف العلماء فيمن أسلم بدار الحرب ولم يعلم ان الصلاة واجبة ثم ~~علم هل يجب عليه قضاء ما تركه في حال الجهل على قولين في مذهب الامام أحمد ~~وغيره # ( أحدهما ( لا يجب عليه القضاء وهو مذهب أبي حنيفة # و ( الثانى ( يجب عليه القضاء وهو المشهور عند أصحاب الشافعى بل النزاع ~~بين العلماء في كل من ترك واجبا قبل بلوغ الحجة مثل ترك الصلاة عند عدم ~~الماء يحسب ان الصلاة لا تصح بتيمم أو من أكل حتى تبين له الخيط الابيض من ~~الخيط الأسود ويحسب ان ذلك هو المراد بالآية كما جرى ذلك PageV11P406 لبعض ~~الصحابة أو مس ذكره أو أكل لحم الابل ولم يتوضأ ثم تبين له وجوب ذلك وامثال ~~هذه المسائل هل يجب عليه القضاء على قولين في مذهب أحمد وغيره ) # وأصل ذلك هل يثبت حكم الخطاب في حق المكلف قبل التمكن من سماعه على ( ~~ثلاثة أقوال ( في مذهب أحمد وغيره قيل يثبت مطلقا # وقيل لا يثبت مطلقا وقيل يفرق بين الخطاب الناسخ والخطاب المبتدأ كأهل ~~القبلة والصحيح ms3551 الذى تدل عليه الادلة الشرعية أن الخطاب لا يثبت في حق أحد ~~قبل التمكن من سماعه فان القضاء لا يجب عليه في الصور المذكورة ونظائرها مع ~~اتفاقهم على إنتفاء الاثم لأن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان فإذا ~~كان هذا في التأثيم فكيف في التكفير # وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذى يندرس فيها كثير من ~~علوم النبوات حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة ~~فلا يعلم كثيرا مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك ومثل ~~هذا لا يكفر ولهذا اتفق الأئمة على ان من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم ~~والايمان وكان حديث العهد بالاسلام فأنكر شيئا من هذه الأحكام الظاهرة ~~المتواترة فانه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول ولهذا جاء في ~~الحديث ( يأتى على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا PageV11P407 ~~صوما ولا حجا إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقول ادركنا آباءنا وهم ~~يقولون لا إله إلا الله وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجا فقال ولا صوم ~~ينجيهم من النار ( وقد دل على هذا الأصل ما اخرجاه في الصحيحين عن أبى ~~هريرة ان رسول الله قال ( قال رجل لم يعجل حسنة قط لأهله اذا مات فحرقوه ثم ~~اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا ~~لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فأمر الله البر ~~فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب ~~وأنت أعلم فغفر الله له ( وفى لفظ آخر ( اسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت ~~أوصى بنيه فقال إذا انامت فأحرقونى ثم اسحقونى ثم أذرونى في البحر فوالله ~~لئن قدر على ربى ليعذبنى عذابا ما عذبه أحدا قال ففعلوا ذلك به فقال للأرض ~~أد ما اخذت فاذا هو قائم فقال له ما حملك على ما ms3552 صنعت قال خشيتك يا رب أو ~~قال مخافتك فغفر له بذلك ( وفى طريق آخر ( قال الله لكل شيء اخذ منه شيئا ~~أد ما اخذت منه ( # وقد أخرج البخارى هذه القصة من حديث حذيفة وعقبة بن عمرو أيضا عن حذيفة ~~عن النبى قال ( كان PageV11P408 رجل فيمن كان قبلكم كان يسيء الظن بعمله ~~فقال لأهله إذا أنامت فخذونى فذرونى في البحر في يوم صائف ففعلوا فجمعه ~~الله ثم قال ما حملك على الذى فعلت فقال ما حملنى الا مخافتك فغفر له ( # وفى طريق آخر ( ان رجلا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله أذا ~~انامت فاجمعوا لى حطبا كثيرا واوقدوا فيه نارا حتى إذا أكلت لحمى ووصلت إلى ~~عظمى فامتحشت فخذوها فاطحنوها ثم أنظروا يوما فذرونى في اليم فجمعه الله ~~فقال له لم فعلت ذلك قال من خشيتك فغفر الله له ( قال عقبة بن عمرو أنا ~~سمعته يعنى النبى يقول ذلك وكان نباشا فهذا الرجل ظن ان الله لا يقدر عليه ~~اذا تفرق هذا التفرق فظن انه لا يعيده اذا صار كذلك وكل واحد من انكار قدرة ~~الله تعالى وانكار معاد الابدان وان تفرقت كفر لكنه كان مع إيمانه بالله ~~وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلا بذلك ضالا في هذا الظن مخطئا فغفر الله له ~~ذلك والحديث صريح في ان الرجل طمع ان لا يعيده إذا فعل ذلك وأدنى هذا ان ~~يكون شاكا في المعاد وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره هو ~~بين في عدم ايمانه PageV11P409 بالله تعالى ومن تأول قوله لئن قدر الله على ~~بمعنى قضى أو بمعنى ضيق فقد أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه فانه إنما ~~امر بتحريقه وتفريقه لئلا يجمع ويعاد وقال إذا انامت فأحرقونى ثم اسحقونى ~~ثم ذرونى في الريح في البحر فوالله لئن قدر على ربى ليعذبنى عذابا ما عذبه ~~أحدا # فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقيب الاولى يدل على انه سبب لها ~~وانه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه اذا ms3553 فعل ذلك فلو كان مقرى بقدرة الله ~~عليه اذا فعل ذلك كقدرته عليه اذا لم يفعل لم يكن في ذلك فائدة له ولان ~~التقدير عليه والتضييق موافقان للتعذيب وهو قد جعل تفريقه مغايرا لان يقدر ~~الرب قال فوالله لئن قدر الله على ليعذبنى عذابا ما عذبه احدا من العالمين ~~فلا يكون الشرط هو الجزاء ولانه لو كان مراده ذلك لقال فوالله لئن جازانى ~~ربى أو لئن عاقبنى ربى ليعذبنى عذابا كما هو الخطاب المعروف في مثل ذلك ~~ولان لفظ ( قدر ) بمعنى ضيق لا أصل له في اللغة # ومن استشهد على ذلك بقوله ( وقدر في السرد ) وقوله ( ومن قدر عليه رزقه ) ~~فقد استشهد بمالا يشهد له فان اللفظ كان بقوله ( وقدر في السرد ) أى اجعل ~~ذلك بقدر ولا تزد ولا تنقص وقوله ( ومن قدر عليه رزقه ) أى جعل رزقه قدر ما ~~يغنيه PageV11P410 من غير فضل إذ لو ينقص الرزق عن ذلك لم يعش # واما ( قدر ) بمعنى قدر أى اراد تقدير الخير والشر فهو لم يقل إن قدر على ~~ربى العذاب بل قال لئن قدر على ربى والتقدير يتناول النوعين فلا يصح ان ~~يقال لئن قضى الله على لأنه قد مضى وتقرر عليه ما ينفعه وما يضره ولأنه لو ~~كان المراد التقدير أو التضييق لم يكن ما فعله مانعا من ذلك في ظنه ودلائل ~~فساد هذا التحريف كثيرة ليس هذا موضع بسطها فغاية ما في هذا انه كان رجلا ~~لم يكن عالما بجميع ما يستحقه الله من الصفات وبتفصيل انه القادر وكثير من ~~المؤمنين قد يجهل مثل ذلك فلا يكون كافرا # ومن تتبع الاحاديث الصحيحة وجد فيها من هذا الجنس ما يوافقه كما روى مسلم ~~في صحيحه عن عائشة رضى الله عنها قالت ( الا احدثكم عنى وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قلنا بلى قالت لما كانت ليلتى التى النبى فيها عندى انقلب ~~فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعها عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه واضطجع ~~فلم يثبت الا ريثما ظن ms3554 انى رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتقل رويدا وفتح الباب ~~رويدا فخرج ثم اجافه رويدا فجعلت درعى في رأسى واختمرت وتقنعت ازارى ثم ~~انطلقت على أثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه PageV11P411 ~~ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت واسرع فأسرعت فهرول وهرولت وأحضر وأحضرت فسبقته ~~فدخلت فليس الا ان اضطجعت فقال مالك يا عائشة حشيى رابية قالت لا شيء قال ~~لتخبرينى أو ليخبرنى اللطيف الخبير قالت قلت يا رسول الله بأبى أنت وأمى ~~فأخبرته قال فأنت السواد الذى رأيت أمامى قلت نعم فلهزنى في صدرى لهزة ~~اوجعتنى ثم قال أظننت ان يحيف الله عليك ورسوله قالت قلت مهما يكتم الناس ~~يعلمه الله قال نعم قال فان جبريل عليه السلام أتانى حين رأيت فنادانى ~~فأخفاه منك فأجبته واخفيته منك ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت انك ~~رقدت وكرهت ان أوقظك وخشيت ان تستوحشى فقال ان ربك يأمرك ان تأتى أهل ~~البقيع فتستغفر لهم قلت كيف أقول يا رسول الله قال قولى السلام على أهل ~~الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وانا ~~ان شاء الله للاحقون # فهذه عائشة أم المؤمنين سألت النبى هل يعلم الله كل ما يكتم الناس فقال ~~لها النبى نعم وهذا يدل على انها لم تكن تعلم ذلك ولم تكن قبل معرفتها بأن ~~الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة وان كان الاقرار ( بذلك PageV11P412 ~~بعد قيام الحجة من أصول الايمان وانكار علمه بكل شيء كانكار قدرته على كل ~~شيء هذا مع انها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب ولهذا لهزها النبى وقال ~~أتخافين ان يحيف الله عليك ورسوله وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع # فقد تبين أن هذا القول كفر ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه ~~من العلم ما تقوم به عليه الحجة التى يكفر تاركها ودلائل فساد هذا القول ~~كثيرة في الكتاب والسنة واتفاق سلف الامة وأئمتها ومشائخها لا يحتاج إلى ~~بسطها بل قد علم بالاضطرار من ms3555 دين الاسلام ان الأمر والنهى ثابت في حق ~~العباد إلى الموت # وأما قول القائل هل يصدر ذلك عمن في قلبه خضوع للنبى # فيقال هذا لا يصدر عمن هو مقر بالنبوات مطلقا بل قائل ذلك كافر بجميع ~~الأنبياء والمرسلين لأنهم جميعا أتوا بالأمر والنهى للعباد إلى حين الموت ~~بل لا يصدر هذا القول ممن في قلبه خضوع لله واقرار بأنه اله العالم فان هذا ~~الاقرار يستلزم ان يكون الانسان عبدا لله خاضعا له ومن سوغ لانسان ان يفعل ~~ما يشاء من غير تعبد بعبادة الله فقد انكر ان يكون الله الهه PageV11P413 # ما عملنا فيقال لهم ماذا تعنون بقولكم فان أرادوا ان النفس بقيت صافية ~~طاهرة لاتنازع إلى الشهوات والاهواء المردية فهذا لو كان حقا لكان معناه ان ~~النفس قد صارت مطيعة ليس فيها دواعى المعصية فتكون منقادة إلى فعل المأمور ~~ولا تميل إلى المحظور وهذا غايته ان تكون معصومة لا تطلب فعل القبيح وهذا ~~ما يخرجها أن تكون مأمورة منهية كالملائكة # واذا قال مثل هؤلاء لا ينافى ما عملنا قيل لهم الذى تعملونه ان كان من ~~جنس الاهواء المردية فقد تناقضتم في زعمكم ان نفوسكم لم يبق لها هوى وان ~~كان من جنس الاعمال الصالحة فهذا جنس لا ينكر فعلم انهم متناقضون في هذا ~~الكلام إذا أرادوا بتجوهر النفس صفاءها وطهارتها عن الاكدار البشرية مع ان ~~هذا الكمال ممتنع في حق البشر ما دامت الارواح في الأجسام ولهذا انكر ~~المشائخ ذلك على من ادعاه كالآثار المعروفة في ذلك عن الشيخ ابى على ~~الروذبارى وغيرهم وأعظم الناس درجة الانبياء عليهم السلام وقد امرهم الله ~~بالتوبة والاستغفار حتى خاتم الرسل أمره الله في أواخر ما أنزل عليه من ~~القرآن ما أمره به بقوله @QB@ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون ~~في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا @QE@ ولهذا كان ~~الذى عليه سلف الأمة وأئمتها ان الأنبياء انما هم معصومون من الاقرار على ~~الذنوب وان الله يستدركهم بالتوبة التى ms3556 يحبها الله @QB@ يحب التوابين @QE@ ~~PageV11P414 وان كانت حسنات الابرار سيئات المقربين وان ما صدر منهم من ذلك ~~انما كان لكمال النهاية بالتوبة لا لنقص البداية بالذنب وأما غيرهم فلا تجب ~~له العصمة وإنما يدعى العصمة المطلقة لغير الأنبياء الجهال من الرافضة ~~وغالية النساك وهذا مبسوط في موضعه # وأما قولهم حاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة فلا ريب ان الله يبعث ~~الأنبياء لما فيه صلاح العباد في المعاش والمعاد ولا ريب ان الله امر ~~العباد بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم ولا ريب ان الحكمة هي العلم ~~والعمل بها كما فسرها بذلك مالك بن أنس وغيره من الأئمة لكن أي شيء في هذا ~~مما يوجب سقوطها عن بعض العباد وانما يخرج عن الحكمة والمصلحة من يكون ~~سفيها مفسدا @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه @QE@ @QB@ والله ~~لا يحب الفساد @QE@ # وأما قولهم المراد منها ضبط العوام ولسنا نحن من العوام # فالكلمة الأولى زندقة ونفاق والثانية كذب واختلاق فانه ليس المراد من ~~الشرائع مجرد ضبط العوام بل المراد منهاالصلاح باطنا PageV11P415 وظاهرا ~~للخاصة والعامة في المعاش والمعاد ولكن في بعض فوائد العقوبات المشروعة في ~~الدنيا ضبط العوام كما قال عثمان بن عفان رضى الله عنه ( ان الله ليزع ~~بالسلطان مالا يزع بالقرآن ( فان من يكون من المنافقين والفجار فانه ينزجر ~~بما يشاهده من العقوبات وينضبط عن انتهاك المحرمات فهذا بعض فوائد العقوبات ~~السلطانية المشروعة واما فوائد الأمر والنهى فأعظم من ان يحصيها خطاب أو ~~كتاب بل هي الجامعة لكل خير يطلب ويراد وفى الخروج عنها كل شر وفساد # ودعوى هؤلاء انهم من الخواص يوجب انهم من حثالة منافقى العامة وهم داخلون ~~فيما نعت الله به المنافقين في قوله @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما ~~كانوا يكذبون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ms3557 ألا ~~إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون @QE@ إلى قوله ~~@QB@ صم بكم عمي فهم لا يرجعون @QE@ وفى مثل قوله @QB@ ألم تر إلى الذين ~~يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا ~~قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك ~~صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن ~~أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم ~~وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ PageV11P416 ولبسط ~~الكلام على أمثال هؤلاء موضع غير هذا # ومن هؤلاء من يحتج 2 بقوله ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ( ويقول معناها ~~أعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة فاذا حصل ذلك سقطت العبادة وربما قال ~~بعضهم اعمل حتى يحصل لك حال فإذا حصل لك حال تصوفى ( سقطت عنك العبادة ( ~~وهؤلاء فيهم من إذا ظن حصول مطلوبة من المعرفة والحال استحل ترك الفرائض ~~وارتكاب المحارم وهذا كفر كما تقدم # ومنهم من يظن استغناءه عن النوافل حينئذ وهذا مغبون منقوص جاهل ضال خاسر ~~باعتقاد الاستغناء عن النوافل واستخفافه بها حينئذ PageV11P417 بخلاف من ~~تركها معتقدا كمال من فعلها حينئذ معظما لحاله فان هذا ليس مذموما وان كان ~~الفاعل لها مع ذلك أفضل منه أو يكون هذا من المقربين السابقين وهذا من ~~المقتصدين أصحاب اليمين # ومن هؤلاء من يظن ان الاستمساك بالشريعة أمرا ونهيا إنما يجب عليه ما لم ~~يحصل له من المعرفة أو الحال فاذا حصل له ms3558 لم يجب عليه حينئذ الاستمساك ~~بالشريعة النبوية بل له حينئذ أن يمشى مع الحقيقة الكونية القدرية أو يفعل ~~بمقتضى ذوقه ووجده وكشفه ورأيه من غير اعتصام بالكتاب والسنة وهؤلاء منهم ~~من يعاقب بسلب حاله حتى يصير منقوصا عاجزا محروما ومنهم من يعاقب بسلب ~~الطاعة حتى يصير فاسقا ومنهم من يعاقب بسلب الايمان حتى يصير مرتدا منافقا ~~أو كافرا ملعنا وهؤلاء كثيرون جدا وكثير من هؤلاء يحتج بقصة موسى والخضر ~~فأما استدلالهم بقوله تعالى @QB@ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ فهي ~~عليهم لا لهم قال الحسن البصرى ان الله لم يجعل لعمل المؤمنين اجلا دون ~~الموت وقرأ قوله @QB@ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ وذلك ان اليقين هنا ~~الموت وما بعده باتفاق علماء المسلمين وهؤلاء من المستيقنين وذلك مثل قوله ~~@QB@ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا ~~نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين @QE@ PageV11P418 ~~فهذا قالوه وهم في جهنم واخبروا أنهم كانوا ( على ( ما هم عليه من ترك ~~الصلاة والزكاة والتكذيب بالآخرة والخوض مع الخائضين حتى اتاهم اليقين ~~ومعلوم انهم مع هذا الحال لم يكونوا مؤمنين بذلك في الدنيا ولم يكونوا مع ~~الذين قال الله فيهم @QB@ وبالآخرة هم يوقنون @QE@ وإنما اراد بذلك انه ~~أتاهم ما يوعدون وهو اليقين ومنه قول النبى في الحديث الصحيح لما توفي ~~عثمان بن مظعون وشهدت له بعض النسوة بالجنة فقال لها النبى ( وما يدريك انى ~~والله وانا رسول الله ما أدري ما يفعل بى ( وقال ( اما عثمان فقد جاءه ~~اليقين من ربه ( أى اتاه ما وعده وهو اليقين # و ( يقين ( على وزن فعيل وسواء كان فعيل بمعنى مفعول أى الموت كالحبيب ~~والنصيح والذبيح أو كان مصدرا وضع موضع المفعول كقوله ( هذا خلق الله ( ~~وقوله ( أتى امر الله ( وقوله ضرب الامير وغفر الله لك قيل وقولهم قدرة ~~عظيمة وامثال ذلك فانه كثير فعلى التقديرين المعنى لا يختلف بل اليقين هو ~~ما وعد به العباد من أمر الآخرة وقوله @QB@ حتى ms3559 يأتيك اليقين @QE@ كقولك ~~يأتيك ما توعد PageV11P419 فأما ان يظن ان المراد اعبده حتى يحصل لك ايقان ~~ثم لاعبادة عليك فهذا كفر باتفاق أئمة المسلمين ولهذا لما ذكر للجنيد بن ~~محمد ان قوما يزعمون انهم يصلون من طريق البر إلى ترك العبادات فقال الزنى ~~والسرقة وشرب الخمر خير من قول هؤلاء وما زال أئمة الدين ومشائخه يعظمون ~~النكير على هؤلاء المنافقين وان كانوا من الزهاد العابدين واهل الكشف ~~والتصرف في الكون وارباب الكلام والنظر في العلوم فان هذه الأمور قد يكون ~~بعضها في أهل الكفر والنفاق ومن المشركين وأهل الكتاب وإنما الفاصل بين اهل ~~الجنة وأهل النار الايمان والتقوى الذى هو نعت اولياء الله كما قال ( الا ~~ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ( # وأما احتجاجهم بقصة موسى والخضر فيحتجون بها على وجهين # ( أحدهما ( أن يقولوا إن الخضر كان مشاهدا الارادة الربانية الشاملة ~~والمشيئة الالهية العامة وهى ( الحقيقة الكونية ( فلذلك سقط عنه الملام ~~فيما خالف فيه الامر والنهى الشرعى وهو من عظيم الجهل والضلال بل من عظيم ~~النفاق والكفر فان مضمون هذا الكلام ان من آمن بالقدر وشهد ان الله رب كل ~~شيء لم يكن عليه امر ولا نهى وهذا كفر بجميع كتب الله ورسله وما جاؤوا به ~~من الامر والنهى وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا @QB@ لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ قال الله PageV11P420 تعالى @QB@ ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون @QE@ ونظير هذا في سورة النحل وفى ~~سورة يس @QB@ وإذا قيل لهم أنفقوا من ما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ~~آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين @QE@ وكذلك في ~~سورة الزخرف @QB@ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن ~~هم إلا يخرصون @QE@ # وهؤلاء هم ( القدرية المشركية ( الذين يحتجون بالقدر على ms3560 دفع الامر ~~والنهى هم شر من القدرية الذين هم مجوس هذه الامة الذين روى فيهم ( أن ~~مرضوا فلا تعودوهم وان ماتوا فلا تشهدوهم ( لأن هؤلاء يقرون بالأمر والنهى ~~والثواب والعقاب لكن أنكروا عموم الارادة والقدرة والخلق وربما أنكروا سابق ~~العلم # وأما ( القدرية المشركية ( فانهم ينكرون الأمر والنهى والثواب والعقاب ~~لكن ( وان لم ينكروا ( عموم الارادة والقدرة والخلق فانهم ينكرون الأمر ~~والنهى والوعد والوعيد ويكفرون بجميع الرسل والكتب فان الله انما ارسل ~~الرسل مبشرين من اطاعهم بالثواب ومنذرين من عصاهم بالعقاب وقد بسطنا الكلام ~~على هؤلاء في مواضع غير هذا ( وأيضا ( فان موسى PageV11P421 عليه السلام ~~كان مؤمنا بالقدر وعالما به بل اتباعه من بنى اسرائيل كانوا ايضا مؤمنين ~~بالقدر فهل يظن من له ادنى عقل ان موسى طلب ان يتعلم من الخضر الايمان ~~بالقدر وان ذلك يدفع الملام مع أن موسى أعلم بالقدر من الخضر بل عموم أصحاب ~~موسى يعلمون ذلك # و ( أيضا ( فلو كان هذا هو السر في قصة الخضر بين ذلك لموسى وقال انى كنت ~~شاهدا للارادة والقدر وليس الامر كذلك بل بين له اسبابا شرعية تبيح له ما ~~فعل كما سنبينه ان شاء الله تعالى # واما ( الوجه الثانى ( فان من هؤلاء من يظن ان من الأولياء من يسوغ له ~~الخروج عن الشريعة النبوية كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى وانه قد ~~يكون للولى في المكاشفة والمخاطبة ما يستغنى به عن متابعة الرسول في عموم ~~احواله أو بعضها وكثير منهم يفضل الولى في زعمه اما مطلقا وأما من بعض ~~الوجوه على النبى زاعمين ان في قصة الخضر حجة لهم وكل هذه المقالات من أعظم ~~الجهالات والضلالات بل من أعظم أنواع النفاق والالحاد والكفر # فإنه قد علم بالاضطرار من دين الاسلام ان رسالة محمد بن عبد PageV11P422 ~~الله لجميع الناس عربهم وعجمهم وملوكهم وزهادهم وعلمائهم وعامتهم وانها ~~باقية دائمة إلى يوم القيامة بل عامة الثقلين الجن والانس وانه ليس لاحد من ~~الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما يشرعه لامته ms3561 من الدين وما سنه ~~لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله ~~احياء لوجب عليهم متابعتة ومطاوعته # وقال الله تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين @QE@ قال ~~إبن عباس ما بعث الله نبيا الا اخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حى ~~ليؤمنن به ولينصرنه وامره بأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهو حى ~~ليؤمنن به ولينصرنه # وفى سنن النسائى عن جابر ان النبى رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة ~~فقال ( امتهوكون يا بن الخطاب لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ما ~~وسعه الا اتباعى ( هذا أو نحوه ورواه أحمد في المسند ولفظه ( ولو كان موسى ~~حيا ثم اتبعتموه وتركتمونى لضللتم ( وفى مراسيل ابى داود قال ( كفى بقوم ~~ضلالة ان يبتغوا كتابا غير كتابكم أنزل على PageV11P423 نبى غير نبيهم ( ~~وانزل الله تعالى @QB@ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم @QE@ ~~الآية # بل قد ثبت بالاحاديث الصحيحة ان المسيح عيسى بن مريم إذا نزل من السماء ~~فانه يكون متبعا لشريعة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ( فإذا كان ~~يجب اتباعه ونصره على من يدركه من الانبياء فكيف بمن دونهم بل مما يعلم ~~بالاضطرار من دين الاسلام انه لا يجوز لمن بلغته دعوته ان يتبع شريعة رسول ~~غيره كموسى وعيسى فاذا لم يجز الخروج عن شريعته إلى شريعة رسول فكيف ~~بالخروج عنه والرسل كما قال تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى ~~وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا ~~بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله ~~وهو السميع العليم @QE@ وقال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل ms3562 إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير @QE@ PageV11P424 ولهذا لما ~~كان قد دخل فيما ينقله أهل الكتاب عن الأنبياء تحريف وتبديل كان ما علمنا ~~أنه صدق عنهم آمنا به وما علمنا أنه كذب رددناه وما لم نعلم حاله لم نصدقه ~~ولم نكذبه كما روى البخارى في صحيحه عن أبى هريرة عن النبى قال ( اذا حدثكم ~~أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فاما ان يحدثونكم بباطل فتصدقوهم واما ~~ان يحدثوكم بحق فتكذبوهم وقولوا آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل اليكم ( # ومما يبين الغلط الذى وقع لهم في الاحتجاج بقصة موسى والخضر على مخالفة ~~الشريعة أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا اوجب الله على ~~الخضر متابعته وطاعته بل قد ثبت في الصحيحين ( أن الخضر قال له يا موسى إنى ~~على علم من علم الله علمنيه الله لاتعلمه وانت على علم من علم الله علمكه ~~الله لا أعلمه ( وذلك ان دعوة موسى كانت خاصة # وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبى أنه قال فيما فضله الله به على ~~الأنبياء قال ( كان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ( فدعوة ~~محمد شاملة لجميع العباد ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته ولا استغناء عن ~~رسالته كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى وطاعته PageV11P425 مستغنيا ~~عنه بما علمه الله وليس لاحد ممن ادركه الاسلام ان يقول لمحمد أنى على علم ~~من علم الله علمنيه الله لا تعلمه ومن سوغ هذا أو اعتقد ان أحدا من الخلق ~~الزهاد والعباد أو غيرهم له الخروج عن دعوة محمد ومتابعته فهو كافر باتفاق ~~المسلمين ودلائل هذا من الكتاب والسنة أكثر من ان تذكر هنا # وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة ولهذا لما بين الخضر لموسى الاسباب ~~التى فعل لاجلها ما فعل وافقه موسى ولم يختلفا حينئذ ولو كان ما فعله الخضر ~~مخالفا لشريعة موسى لما وافقه ms3563 # ومثل هذا وأمثاله يقع للمؤمنين بأن يختص أحد الشخصين بالعلم بسبب يبيح له ~~الفعل في الشريعة والآخر لا يعلم ذلك السبب وان كان قد يكون أفضل من الأول ~~مثل شخصين دخلا إلى بيت شخص وكان احدهما يعلم طيب نفسه بالتصرف في منزله ~~إما باذن لفظى أو غيره فيتصرف وذلك مباح في الشريعة والآخر الذى لم يعلم ~~هذا السبب لا يتصرف وخرق السفينة كان من هذا الباب فان الخضر كان يعلم أن ~~امامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وكان من المصلحة التى يختارها أصحاب السفينة ~~إذا علموا ذلك لئلا يأخذها خير من انتزاعها منهم PageV11P426 ونظير هذا ~~حديث الشاة التى اصابها الموت فذبحتها امرأة بدون اذن اهلها فسألوا النبى ~~عنها فاذن لهم في اكلها ولم يلزم التى ذبحت بضمان ما نقصت بالذبح لأنه كان ~~مأذونا فيه عرفا والاذن العرفى كالاذن اللفظى ولهذا بايع النبى عن عثمان في ~~غيبته بدون استئذانه لفظا ولهذا لما دعاه أبو طلحة ونفرا قليلا إلى بيته ~~قام بجميع أهل المسجد لما علم من طيب نفس أبى طلحة وذلك لما يجعله الله من ~~البركة وكذلك حديث جابر # وقد ثبت أن لحاما دعاه فأستأذنه في شخص يستتبعه لأنه لم يكن يعلم من طيب ~~نفس اللحام ما علمه من طيب نفس أبى طلحة وجابر وغيرهما وكذلك قتل الغلام ~~كان من باب دفع الصائل على أبويه لعلمه بأنه كان يفتنهما عن دينهما وقتل ~~الصبيان يجوز اذا قاتلوا المسلمين بل يجوز قتلهم لدفع الصول على الاموال ~~فلهذا ثبت في صحيح البخارى ان نجدة الحرورى لما سأل بن عباس عن قتل الغلمان ~~قال ( ان كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم والا فلا تقتلهم ( # وكذلك في الصحيحين ( ان عمر لما استأذن النبى في قتل بن صياد وكان مراهقا ~~لما ظنه الدجال فقال ( ان يكنه فلن تسلط عليه وان لم يكنه فلا خير لك في ~~قتله ( فلم يقل ان يكنه فلا خير لك في قتله بل قال ( فلن تسلط عليه ~~PageV11P427 وذلك يدل على ms3564 انه لو امكن إعدامه قبل بلوغه لقطع فساده لم يكن ~~ذلك محذورا والا كان التعليل بالصغر كافيا فان الاعم اذا كان مستقلا بالحكم ~~كان الاخص عديم التأثير كما قال في الهرة ( انها ليست بنجس انها من ~~الطوافين عليكم والطوافات ( # واما بناء الجدار فانما فيه ترك أخذ الجعل مع جوعهم وقد بين الخضر أن ~~أهله فيهم من الشيم وصلاح الوالد ما يستحقون به التبرع وان كان جائعا # ومن ذلك ان من أسباب الوجوب والتحريم والاباحة ما قد يكون ظاهرا فيشترك ~~فيها الناس ومنه ما يكون خفيا عن بعضهم ظاهرا لبعضهم على الوجه المعتاد ~~ومنه ما يكون خفيا يعرف بطريق الكشف وقصة الخضر من هذا الباب وذلك يقع ~~كثيرا في أمتنا مثل ان يقدم لبعضهم طعام فيكشف له أنه مغصوب فيحرم عليه ~~أكله وان لم يحرم ذلك على من لم يعلم ذلك أو يظفر بمال يعلم ان صاحبه اذن ~~له فيه فيحل له أكله فانه لا يحل ذلك لمن لم يعلم الاذن وأمثال ذلك # فمثل هذا إذا كان الشيخ من المعروفين بالصدق والاخلاص كان مثل هذا من ~~مواقع الاجتهاد الذى يصيب فيه تارة ويخطئ اخرى PageV11P428 فان المكاشفات ~~يقع فيها من الصواب والخطأ نظير ما يقع في الرؤيا وتأويلها والرأى والرواية ~~وليس شيء معصوما على الاطلاق الا ما ثبت عن الرسول ولهذا يجب رد جميع ~~الامور إلى ما بعث به ولهذا كان الصديق المتلقى عن الرسول كل شيء مثل أبى ~~بكر أفضل من المحدث مثل عمر وكان الصديق يبين للمحدث المواضع التى اشتبهت ~~عليه حتى يرده إلى الصواب كما فعل أبو بكر بعمر يوم الحديبية ويوم موت ~~النبى وفى قتال ما نعى الزكاة وغير ذلك وهذا الباب قد بسطناه في غير هذا # الموضع والمقصود انه ليس في قصة الخضر ما يسوغ مخالفة شريعة رسول الله ~~لأحد من الخلق # نعم لفظ ( الشرع ( قد صار فيه اشتراك في عرف العامة منهم من يجعله عبارة ~~عن حكم الحكام ولا ريب ان حكم الحاكم قد يطابق الحق ms3565 في الباطن وقد يخالفه ~~ولهذا قال في الحديث المتفق عليه عن أم سلمة ( أنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم ~~ان يكون ألحن بحجته من بعض وإنما اقضى بنحو مما اسمع فمن قضيت له من حق ~~اخيه شيئا فلا يأخذه فانما اقطع له قطعة من النار ( # وقد اتفق المسلمون على ان حكم الحاكم بالحقوق المرسلة لا يغير الشيء عن ~~صفته في الباطن فلو حكم بمال زيد لعمر لاقرار أو بينة PageV11P429 كان ذلك ~~باطلا في الباطن ولم يبح ذلك له في الباطن ولا يجوز له أخذه مع العلم ~~بالحال باتفاق المسلمين وكذلك عند جماهير الأمة لو حكم بعقد أو فسخ نكاح أو ~~طلاق وبيع فان حكمه لا يغير الباطن عندهم وان كان منهم من يقول حكمه يغير ~~ذلك في هذا الموضع لأن له ولاية العقود والفسوخ فالصحيح قول الجمهور وهو ~~مذهب مالك والشافعى واحمد وسائر فقهاء أهل الحجاز والحديث وكثير من فقهاء ~~العراق # وايضا فلفظ ( الشرع ) في هذا الزمان يطلق على ثلاثة معان # شرع منزل وشرع متأول وشرع مبدل # ( فالمنزل ( الكتاب والسنة فهذا الذى يجب اتباعه على كل واحد ومن اعتقد ~~انه لا يجب اتباعه على بعض الناس فهو كافر # و ( المتأول ( موارد الاجتهاد التى تنازع فيها العلماء فاتباع أحد ~~المجتهدين جائز لمن اعتقد ان حجته هي القوية أو لمن ساغ له تقليده ولا يجب ~~على عموم المسلمين اتباع أحد بعينه الا رسول الله فكثير من المتفقهة اذا ~~رأى بعض الناس من المشائخ الصالحين ( يرى أنه ( يكون الصواب مع ذلك وغيره ~~قد خالف PageV11P430 الشرع وإنما خالف ما يظنه هو الشرع وقد يكون ظنه خطأ ~~فيثاب على اجتهاده وخطؤه مغفور له وقد يكون الآخر مجتهدا مخطئا # واما ( الشرع المبدل ( فمثل الأحاديث الموضوعة والتأويلات الفاسدة ~~والأقيسة الباطلة والتقليد المحرم فهذا يحرم أيضا وهذا من مثار النزاع فان ~~كثيرا من المتفقهة والمتكلمة قد يوجب على كثير من المتصوفة والمتفقرة اتباع ~~مذهبه المعين وتقليد متبوعه والتزام حكم حاكمه باطنا وظاهرا ويرى خروجه عن ~~ذلك خروجا عن الشريعة ms3566 المحمدية وهذا جهل منه وظلم بل دعوى ذلك على الاطلاق ~~كفر ونفاق # كما أن كثيرا من المتصوفة والمتفقرة يرى مثل ذلك في شيخه ومتبوعه وهو في ~~هذا نظير ذلك وكل من هؤلاء قد يسوغ الخروج عما جاء به الكتاب والسنة لما ~~يظنه معارضا لهما إما لما يسميه هذا ذوقا ووجدا ومكاشفات ومخاطبات واما لما ~~يسميه هذا قياسا ورأيا وعقليات وقواطع وكل ذلك من شعب النفاق بل يجب على كل ~~أحد تصديق الرسول في جميع ما أخبر به وطاعته في جميع ما أمر به وليس لأحد ~~أن يعارضه بضرب الأمثال ولا بآراء الرجال وكل ما عارضه فهو خطأ وضلال ~~PageV11P431 وقد ذكرنا من تفصيل ذلك في غير هذا الموضع ما لا يتسع له هذا ~~المجال # والله تعالى يوفقنا وسائر اخواننا لما يحبه ويرضاه من الأقوال والأفعال ~~الباطنة والظاهرة وفى جميع الأحوال والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله ~~وحده وصلواته وسلامه على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم PageV11P432 ### || 1 ( رسالة في الحديث المروي في الأبدال ) 1 ### |||| ! 8 < ( سئل شيخ الاسلام ( # عن الحديث المروى في ( الابدال هل هو صحيح أم ~~مقطوع وهل ( الابدال ) مخصوصون بالشام أم حيث تكون شعائر الاسلام قائمة ~~بالكتاب والسنة يكون بها الابدال بالشام وغيره من الاقاليم وهل صحيح أن ~~الولى يكون قاعدا في جماعة ويغيب جسده # وما قول السادة العلماء في هذه الاسماء التى تسمى بها أقوام من المنسوبين ~~إلى الدين والفضيلة ويقولون هذا غوث الأغواث وهذا قطب الاقطاب وهذا قطب ~~العالم وهذا القطب الكبير وهذا خاتم الأولياء ### ||||| فأجاب # اما الاسماء الدائرة على السنة كثير من النساك والعامة مثل ( الغوث ~~( الذى بمكة و ( الأوتاد الاربعة ( و ( الاقطاب السبعة ( و ( الابدال ~~الاربعين ( و ( النجباء الثلاثمائة ( فهذه اسماء ليست موجودة في كتاب الله ~~تعالى ولا هي ايضا مأثورة عن النبى باسناد صحيح ولا ضعيف يحمل ( عليه ( ~~ألفاظ الأبدال PageV11P433 فقد روى فيهم حديث شامى منقطع الاسناد عن على بن ~~أبى طالب رضى الله عنه مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم انه قال إن ms3567 ~~فيهم يعنى أهل الشام الأبدال الاربعين رجلا كلما مات رجل ابدل الله تعالى ~~مكانه رجلا ولا توجد هذه الاسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب ولا ~~هي مأثورة على هذا الترتيب والمعانى عن المشائخ المقبولين عند الامة قبولا ~~عاما وإنما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشائخ وقد قالها أما ~~آثرا لها عن غيره أو ذاكرا # وهذا الجنس ونحوه من علم الدين قد التبس عند أكثر المتأخرين حقه بباطله ~~فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله ومن الباطل ما يوجب رده وصار كثير من الناس ~~على طرفى نقيض # قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من الباطل # وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق وانما الصواب التصديق بالحق ~~والتكذيب بالباطل وهذا تحقيق لما اخبر به النبى عليه السلام عن ركوب هذه ~~الامة سنن من قبلها حذو القذة بالقذة # فإن أهل الكتابين لبسوا الحق بالباطل وهذا هو التبديل والتحريف الذى وقع ~~في دينهم ولهذا يتغير الدين PageV11P434 بالتبديل تارة وبالنسخ اخرى وهذا ~~الدين لا ينسخ ابدا لكن يكون فيه من يدخل من التحريف والتبديل والكذب ~~والكتمان ما يلبس به الحق بالباطل ولا بد ان يقيم الله فيه من تقوم به ~~الحجة خلفا عن الرسل فينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين فيحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون # فالكتب المنزلة من السماء والاثارة من العلم المأثورة عن خاتم الأنبياء ~~يميز الله بها الحق من الباطل ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وبذلك ~~يتبين ان هذه الأسماء على هذا العدد والترتيب والطبقات ليست حقا في كل زمان ~~بل يجب القطع بأن هذا على عمومه واطلاقه باطل فان المؤمنين يقلون تارة ~~ويكثرون اخرى ويقل فيهم السابقون المقربون تارة ويكثرون اخرى وينتقلون في ~~الامكنة وليس من شرط أولياء الله أهل الايمان والتقوى ومن يدخل فيهم من ~~السابقين المقربين لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة وليس من شرط أولياء الله ~~أهل الايمان والتقوى ومن يدخل فيهم من السابقين ms3568 المقربين تعيين العدد # وقد بعث الله رسوله بالحق وآمن معه بمكة نفر قليل كانوا اقل من سبعة ثم ~~أقل من أربعين ثم أقل من سبعين ثم أقل من PageV11P435 ثلاثمائة فيعلم أنه ~~لم يكن فيهم هذه الاعداد ومن الممتنع أن يكون ذلك في الكفار ثم هاجر هو ~~وأصحابه إلى المدينة وكانت هي دار الهجرة والسنة والنصرة ومستقر النبوة ~~وموضع خلافة النبوة وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين أبى بكر وعمر وعثمان ~~وعلى رضوان الله تعالى عليهم اجمعين وان كان قد خرج منها بعد ان بويع فيها ~~ومن الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل منهم # ثم ان الاسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وكان في المؤمنين في كل وقت ~~من أولياء الله المتقين بل من الصديقين السابقين المقربين عدد لا يحصى عدده ~~إلا رب العالمين لا يحصرون بثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف ولما انقرضت القرون ~~الثلاثة الفاضلة كان في القرون الخالية من أولياء الله المتقين بل من ~~السابقين المقربين من لا يعرف عدده وليسوا بمحصورين بعدد ولا محدودين بأمد ~~وكل من جعل لهم عددا محصورا فهو من المبطلين عمدا أو خطأ فنسأله من كان ~~القطب والثلاثة إلى سبعمائة في زمن آدم ونوح وإبراهيم وقبل محمد عليهم ~~الصلاة والسلام في الفترة حين كان عامة الناس كفرة قال الله تعالى @QB@ إن ~~إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا @QE@ أى كان مؤمنا وحده وكان الناس كفارا ~~جميعا وفى صحيح البخارى ( أنه قال لسارة ليس على الأرض اليوم مؤمن غيرى ~~وغيرك ( وقال الله تعالى @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين @QE@ PageV11P436 وان زعموا انهم كانوا بعد رسولنا عليه السلام نسألهم ~~في أى زمان كانوا ومن أول هؤلاء وبأية آية وبأى حديث مشهور في الكتب الستة ~~وبأى اجماع متواتر من القرون الثلاثة ثبت وجود هؤلاء بهذه الاعداد حتى ~~نعتقده لأن العقائد لا تعتقد إلا من هذه الأدلة الثلاثة ومن البرهان العقلى ~~@QB@ قل ms3569 هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ فان لم يأتوا بهذه الأدلة ~~الأربعة الشرعية فهم الكاذبون بلا ريب فلا نعتقد أكاذيبهم # ويلزم منه أن يرزق الله سبحانه وتعالى الكفار وينصرهم على عدوهم بالذات ~~بلا واسطة ويرزق المؤمنين وينصرهم بواسطة المخلوقات والتعظيم في عدم ~~الواسطة كروح الله وناقة الله تدبر ولا تتحير واحفظ القاعدة حفظا # ( فأما لفظ الغوث والغياث ( فلا يستحقه إلا الله فهو غياث المستغيثين فلا ~~يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب ولا نبى مرسل # ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التى يطلبون بها PageV11P437 كشف ~~الضر عنهم ونزول الرحمة إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين والسبعون ~~إلى الأربعين والأربعون إلى السبعة والسبعة إلى الاربعة والاربعة إلى الغوث ~~فهو كاذب ضال مشرك فقد كان المشركون كما اخبر الله تعالى عنهم بقوله @QB@ ~~وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ وقال سبحانه وتعالى ~~@QB@ أم من يجيب المضطر إذا دعاه @QE@ # فكيف يكون المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعده بوسائط من الحجاب وهو ~~القائل تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون @QE@ وقال إبراهيم عليه السلام ~~داعيا لأهل مكة @QB@ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من ~~شيء في الأرض ولا في السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء @QE@ وقال النبى عليه السلام لأصحابه لما رفعوا ~~أصواتهم بالذكر ايها الناس اربعوا على أنفسكم فانكم لا تدعون اصم ولا غائبا ~~وانما تدعون PageV11P438 سميعا قريبا ان الذى تدعونه اقرب إلى أحدكم من عنق ~~راحلته ( وهذا باب واسع # وقد علم المسلمون كلهم انه لم يكن عامة المسلمين ولا مشايخهم المعروفون ~~يرفعون إلى الله حوائجهم لا ظاهرا ولا باطنا بهذه الوسائط والحجاب فتعالى ~~الله عن تشبيهه بالمخلوقين من الملوك وسائر ما ms3570 يقوله الظالمون علوا كبيرا ~~وهذا من جنس دعوى الرافضة انه لابد في كل زمان من امام معصوم يكون حجة الله ~~على المكلفين لايتم الايمان الا به ثم مع هذا يقولون انه كان صبيا دخل ~~السرداب من أكثر من أربعمائة واربعين سنة ولا يعرف له عين ولا أثر ولا يدرك ~~له حس ولا خبر # وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم مضاهاة للرافضة من بعض الوجوه بل ~~هذا الترتيب والاعداد تشبه من بعض الوجوه ترتيب الاسماعيلية والنصيرية ~~ونحوهم في السابق والتالى والناطق والاساس والجسد وغير ذلك من الترتيب الذى ~~ما نزل الله به من سلطان PageV11P439 ( واما الاوتاد ( فقد يوجد في كلام ~~البعض انه يقول فلان من الاوتاد يعنى بذلك ان الله تعالى يثبت به الايمان ~~والدين في قلوب من يهديهم الله به كما يثبت الأرض بأوتادها وهذا المعنى ~~ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء فكل من حصل به تثبيت العلم والايمان ~~في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة ومن كان بدونه ~~كان بحسبه وليس ذلك محصورا في اربعة ولا أقل ولا أكثر بل جعل هؤلاء أربعة ~~مضاهاة بقول المنجمين في أوتاد الأرض # ( واما القطب ( فيوجد أيضا في كلامهم فلان من الأقطاب أو فلان قطب فكل من ~~دار عليه امر من امور الدين أو الدنيا باطنا أو ظاهرا فهو قطب ذلك الأمر ~~ومداره سواء كان الدائر عليه امر داره أو دربه أو قريته أو مدينته أمر ~~دينها أو دنياها باطنا أو ظاهرا ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا ~~أكثر لكن الممدوح من ذلك من كان مدارا لصلاح الدنيا والدين دون مجرد صلاح ~~الدنيا فهذا هو القطب في عرفهم فقد يتفق في بعض الاعصار ان يكون شخص أفضل ~~أهل عصره وقد يتفق في عصر آخر ان يتكافأ اثنان أو ثلاثة في الفضل عند الله ~~سواء ولا يجب ان يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقا ~~PageV11P440 وكذلك لفظ ( البدل ( جاء في كلام كثير منهم ms3571 فأما الحديث ~~المرفوع فالأشبه انه ليس من كلام النبى عليه السلام فان الايمان كان ~~بالحجاز وباليمن قبل فتوح الشام وكانت الشام والعراق دار كفر ثم لما كان في ~~خلافة على رضى الله عنه قد ثبت عنه عليه السلام انه قال ( تمرق مارقة من ~~المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق فكان على وأصحابه أولى بالحق ممن ~~قاتلهم من أهل الشام ومعلوم ان الذين كانوا مع على رضى الله عنه من الصحابة ~~مثل عمار بن ياسر وسهل بن حنيف ونحوهما كانوا أفضل من الذين كانوا مع ~~معاوية وان كان سعد بن أبى وقاص ونحوه من القاعدين أفضل ممن كان معهما فكيف ~~يعتقد مع هذا ان الابدال جميعهم الذين هم أفضل الخلق كانوا في أهل الشام ~~هذا باطل قطعا وان كان قد ورد في الشام وأهله فضائل معروفة فقد جعل الله ~~لكل شيء قدرا # والكلام يجب ان يكون بالعلم والقسط فمن تكلم في الدين بغير علم دخل في ~~قوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ وفى قوله تعالى @QB@ وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ ومن تكلم بقسط وعدل دخل في قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله @QE@ وفى قوله ~~تعالى @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا @QE@ وفى قوله تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط @QE@ # والذين تكلموا باسم البدل فسروه بمعان منها انهم ابدال الانبياء ~~PageV11P441 ومنها انه كلما مات منهم رجل ابدل الله تعالى مكانه رجلا ومنها ~~انهم ابدلوا السيئات من اخلاقهم واعمالهم وعقائدهم بحسنات وهذه الصفات كلها ~~لا تختص بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض وبهذا ~~التحرير يظهر المعنى في إسم ( النجباء ( # فالغرض ان هذه الأسماء تارة تفسر بمعان باطلة بالكتاب والسنة واجماع ~~السلف مثل تفسير بعضهم ( الغوث ( هو الذى يغيث الله به أهل الأرض في رزقهم ~~ونصرهم فان هذا نظير ما تقوله النصارى في الباب وهو معدوم العين والاثر ~~شبيه بحال المنتظر الذى دخل السرداب من نحو أربعمائة ms3572 وأربعين سنة # وكذلك من فسر ( الأربعين الابدال ( بأن الناس إنما ينصرون ويرزقون بهم ~~فذلك باطل بل النصر والرزق يحصل بأسباب من آكدها دعاء المؤمنين وصلاتهم ~~واخلاصهم ولا يتقيد ذلك لا بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر كما جاء في الحديث ~~المعروف أن سعد بن ابى وقاص قال يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم ايسهم ~~له مثل ما يسهم لا ضعفهم فقال ( يا سعد وهل تنصرون وترزقون الا بضعفائكم ~~بدعائهم وصلاتهم واخلاصهم ( # وقد يكون للرزق والنصر اسباب أخر فان الفجار والكفار PageV11P442 أيضا ~~يرزقون وينصرون وقد يجدب الأرض على المؤمنين ويخيفهم من عدوهم لينيبوا إليه ~~ويتوبوا من ذنوبهم فيجمع لهم بين غفران الذنوب وتفريج الكروب وقد يملى ~~للكفار ويرسل السماء عليهم مدرارا ويمددهم بأموال وبنين ويستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون إما ليأخذهم في الدنيا أخذ عزيز مقتدر واما ليضعف عليهم العذاب ~~في الآخرة فليس كل انعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة قال الله تعالى @QB@ ~~فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا @QE@ # وليس في أولياء الله المتقين ولا عباد الله المخلصين الصالحين ولا ~~أنبيائه المرسلين من كان غائب الجسد دائما عن أبصار الناس بل هذا من جنس ~~قول القائلين ان عليا في السحاب وان محمد بن الحنفية في جبال رضوى وان محمد ~~بن الحسن بسرداب سامرى وان الحاكم بجبل مصر وان الابدال الاربعين رجال ~~الغيب بجبل لبنان فكل هذا ونحوه من قول أهل الافك والبهتان نعم قد تخرق ~~العادة في حق الشخص فيغيب تارة عن ابصار الناس اما لدفع عدو عنه واما لغير ~~ذلك واما انه يكون هكذا طول عمره فباطل نعم يكون نور قلبه وهدى فؤاده وما ~~فيه من اسرار الله تعالى وامانته وانواره ومعرفته غيبا عن اعين الناس ويكون ~~صلاحه وولايته غيبا عن PageV11P443 أكثر الناس فهذا هو الواقع واسرار الحق ~~بينه وبين اوليائه واكثر الناس لا يعلمون وقد بينا بطلان اسم الغوث مطلقا ~~واندرج في ذلك ms3573 غوث العجم ومكة والغوث السابع # وكذا لفظ ( خاتم الأولياء ( لفظ باطل لا اصل له واول من ذكره محمد بن على ~~الحكيم الترمذى وقد انتحله طائفة كل منهم يدعى انه خاتم الأولياء كابن ~~حمويه وبن عربى وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها وكل منهم يدعى انه أفضل ~~من النبى عليه السلام من بعض الوجوه إلى غير ذلك من الكفر والبهتان وكل ذلك ~~طمعا في رياسة خاتم الأولياء لما فاتتهم رياسة خاتم الأنبياء وقد غلطوا فان ~~خاتم الأنبياء إنما كان افضلهم للأدلة الدالة على ذلك وليس كذلك خاتم ~~الأولياء فان أفضل اولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر رضى الله عنه ثم عمر رضى الله ~~عنه ثم عثمان رضى الله عنه ثم على رضى الله عنه وخير قرونها القرن الذى بعث ~~فيه النبى صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وخاتم ~~الأولياء في الحقيقة آخر مؤمن تقى يكون في الناس وليس ذلك بخير الأولياء ~~ولا أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه ثم عمر ~~اللذان ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما ~~PageV11P444 ( قال شيخ الاسلام قدس الله روحه ( بسم الله الرحمن الرحيم ( ~~الحمد لله رب العالمين واشهد ان لا إله إلا الله رب السماوات والارضين ~~واشهد ان محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما دائما إلى يوم الدين ( أما بعد ( فقد كتبت ما حضرنى ذكره في ~~المشهد الكبير بقصر الامارة والميدان بحضرة الخلق من الامراء والكتاب ~~والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر ( البطائحية ( يوم السبت تاسع ~~جمادى الاولى سنة خمس لتشوف الهمم إلى معرفة ذلك وحرص الناس على الأطلاع ~~عليه فان من كان غائبا عن ذلك قد يسمع بعض اطراف الواقعة PageV11P445 ومن ~~شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غير ~~ويره لانتشار هذه الواقعة العظيمة ولما حصل بها من ms3574 عز الدين وظهور كلمته ~~العليا وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة وظهور زيف من خرج عن ذلك من ~~أهل البدع المضلة والاحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين # وقد كتبت في غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء ( البطائحية ( وطريقهم وطريق ( ~~الشيخ أحمد بن الرفاعى ( وحاله وما وافقوا فيه المسلمين وما خالفوهم ليتبين ~~ما دخلوا فيه من دين الاسلام وما خرجوا فيه عن دين الاسلام فان ذلك يطول ~~وصفه في هذا الموضع وانما كتبت هنا ما حضرنى ذكره من حكاية هذه الواقعة ~~المشهورة في مناظرتهم ومقابلتهم # وذلك انى كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا الموضع وهو انهم وان ~~كانوا منتسبين إلى الاسلام وطريقة الفقر والسلوك ويوجد في بعضهم التعبد ~~والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في ~~المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد فيوجد ايضا في بعضهم ~~من الشرك وغيره من انواع الكفر ومن الغلو والبدع في الاسلام والاعراض عن ~~كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف بشريعة الاسلام والكذب والتلبيس ~~PageV11P446 واظهار المخارق الباطلة واكل اموال الناس بالباطل والصد عن ~~سبيل الله ما يوجد # وقد تقدمت لى معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ~~ما فيهم من حق وباطل وأحوالهم التى يسمونها الاشارات وتاب منهم جماعة وادب ~~منهم جماعة من شيوخهم وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق مثل ملابسة النار ~~والحيات وإظهار الدم واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك ~~وان عامة ذلك عن حيل معروفة واسباب مصنوعة واراد غير مرة منهم قوم اظهار ~~ذلك فلما رأوا معارضتى لهم رجعوا ودخلوا على ان استرهم فأجبتهم إلى ذلك ~~بشرط التوبة حتى قال لى شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض ~~البساتين لما عارضتهم بأنى ادخل معكم النار بعد ان نغتسل بما يذهب الحيلة ~~ومن احترق كان مغلوبا فلما رأوا الصدق امسكوا عن ذلك # وحكى ذلك الشيخ انه كان مرة عند بعض امراء التتر بالمشرق وكان له صنم ~~يعبده قال فقال ms3575 لى هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في ~~الطعام بينا يرى فيه فأنكرت ذلك فقال لى ان كان يأكل انت تموت فقلت نعم قال ~~فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر فاستعظم ذلك PageV11P447 ~~التترى وأقسم بايمان مغلظة انه كل يوم يرى فيه أثر الا كل لكن اليوم بحضورك ~~لم يظهر ذلك فقلت لهذا الشيخ أنا ابين لك سبب ذلك ذلك التترى كافر مشرك ~~ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الاثر في الطعام وأنت كان معك من نور ~~الاسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن ان يفعل ذلك بحضورك ~~وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الاسلام الخالص كالتترى بالنسبة إلى أمثالك ~~فالتترى وأمثاله سود وأهل الاسلام المحض بيض وأنتم بلق فيكم سواد وبياض ~~فأعجب هذا المثل من كان حاضرا # وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا تريد ان نظهر هذه الاشارات # قلت ان عملتموها بحضور من ليس من أهل الشأن من الاعراب والفلاحين أو ~~الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفقرة والمتصوفة لم يحسب لكم ذلك ~~فمن معه ذهب فليأت به إلى سوق الصرف إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب ~~الخالص من المغشوش ومن الصفر ولا يذهب إلى عند أهل الجهل بذلك فقالوا لى لا ~~نعمل هذا إلا ان تكون همتك معنا فقلت همتى ليست معكم بل انا معارض لكم مانع ~~لكم لأنكم تقصدون بذلك ابطال شريعة رسول الله فان كان لكم قدرة على اظهار ~~ذلك فافعلوا فانقلبوا صاغرين PageV11P448 # فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ ~~البر مطوقين باغلال الحديد في أعناقم وهو واتباعه معروفون بأمور وكان يحضر ~~عندى مرات فاخاطبه بالتى هي احسن فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار ~~المبتدع الذى يتميزون به عن المسلمين ويتخذونه عبادة ودينا يوهمون به الناس ~~ان هذا لله سر من اسرارهم وإنه سيماء أهل الموهبة الالهية السالكين طريقهم ~~اعنى طريق ذلك الشيخ وأتباعه خاطبته في ذلك ms3576 بالمسجد الجامع وقلت هذا بدعة ~~لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الامة ولا من ~~المشايخ الذين يقتدى بهم ولا يجوز التعبد بذلك ولا التقرب به إلى الله ~~تعالى لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة ولباس الحديد على غير وجه التعبد ~~قد كرهه من كرهه من العلماء للحديث المروى في ذلك وهو ان النبى رأى على رجل ~~خاتما من حديد فقال ( مالى ارى عليك حلية أهل النار ( وقد وصف الله تعالى ~~أهل النار بأن في أعناقهم الاغلال فالتشبه بأهل النار من المنكرات وقال بعض ~~الناس قد ثبت في الصحيح عن ابى هريرة عن النبى في حديث الرؤيا قال في آخره ~~( أحب القيد واكره الغل القيد ثبات في الدين ( فاذا كان مكروها في المنام ~~فكيف في اليقظة # فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحوا منه مع PageV11P449 ~~التترى وأقسم عاقبة الاصرار على البدعة وان ذلك يوجب عقوبة فاعله ونحو ذلك ~~من الكلام الذى نسيت أكثره لبعد عهدى به وذلك ان الأمور التى ليست مستحبة ~~في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين ولا التقرب بها إلى الله ولا ~~اتخاذها طريقا إلى الله وسببا لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه ولا ~~اعتقاد ان الله يحبها أو يحب اصحابها كذلك أو ان اتخاذها يزداد به الرجل ~~خيرا عند الله وقربة إليه ولا أن يجعل شعارا للتائبين المريدين وجه الله ~~الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم # فهذ أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو ان المباحات انما تكون مباحة ~~إذا جعلت مباحات فاما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينا لم يشرعه ~~الله وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من ~~المحرمات منها فلا حرام الا ما حرمه الله ولا دين الا ما شرعه الله ولهذا ~~عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينا لم يأذن الله به ولمن حرم ما لم يأذن ~~الله بتحريمه فاذا كان هذا ms3577 في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات ولهذا ~~كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم ~~لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله ان يطيعه بل عليه كفارة ~~يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره وعند آخرين لا شيء عليه فلا PageV11P450 ~~يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة ( طاعة وعبادة ( # ونحو ذلك العهود التى تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين كعهود أهل ( ~~الفتوة ( و ( رماة البندق ( ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على ~~وجه الدين والطاعة لله الا ما كان دينا وطاعة لله ورسوله في شرع الله لكن ~~قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك ولهذا أمرت غير واحد ان يعدل عما اخذ ~~عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما ~~هو خير منها من طاعة الله ورسوله واتباع الكتاب والسنة إذا كان المسلمون ~~متفقين على انه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل أنه قربة وطاعة وبر ~~وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله وذلك ~~يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك وما علم باتفاق الامة انه ليس بواجب ولا ~~مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال انه قربة وطاعة # فكذلك هم متفقون على انه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به ~~ولا اتخاذه دينا ولا عمله من الحسنات فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد ~~وقول ولا بارادة وعمل # وباهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء ~~PageV11P451 إذا لم يكن محرما لا ينهى عنه بل يقال أنه جائز ولا يفرقون بين ~~اتخاذه دينا وطاعة وبرا وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة ومعلوم ~~ان اتخاذه دينا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما ~~من أعظم المحرمات واكبر السيئات وهذا من البدع المنكرات التى هي اعظم من ~~المعاصى التى يعلم ms3578 أنها معاصى وسيئات ### ||| فصل # ( فلما نهيتهم عن ذلك اظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس ~~يذكرون عنهم الاصرار على الابتداع في الدين واظهار ما يخالف شرعة المسلمين ~~ويطلبون الايقاع بهم وانا اسلك مسك الرفق والاناة وانتظر الرجوع والفيئة ~~واؤخر الخطاب إلى أن يحضر ( ذلك الشيخ ( لمسجد الجامع وكان قد كتب إلى ~~كتابا بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار وعتب وآثار وهو كلام باطل لا تقوم به ~~حجة بل اما أحاديث موضوعة أو اسرائيليات غير مشروعة وحقيقة الأمر الصد عن ~~سبيل الله واكل أموال الناس بالباطل # فقلت لهم الجواب يكون بالخطاب فان جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك ~~وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه PageV11P452 وهؤلاء هم من أهل ~~الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ~~ورسوله @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ ولهذا غالب وجدهم ~~هوى مطلق لا يدرون من يعبدون وفيهم شبه قوى من النصارى الذين قال الله ~~تعالى فيهم @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ ولهذا ~~كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء فحملهم هواهم على ان تجمعوا تجمع ~~الاحزاب ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب بالاحوال التى يعدونها ~~للغلاب فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم ونتفق على اتباع سبيله فخرجوا من المسجد الجامع ~~في جموعهم إلى قصر الامارة وكأنهم اتفقوا مع بعض الاكابر على مطلوبهم ثم ~~رجعوا إلى مسجد الشاغو على ما ذكر لى وهم من الصياح والاضطراب على امر من ~~أعجب العجاب فأرسلت اليهم مرة ثانية لاقامة الحجة والمعذرة وطلبا للبيان ~~والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة فعمدوا إلى القصر مرة ثانية وذكر لى أنهم ~~قدموا من الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والازباد والارعاد واضطراب ~~الرءوس والاعضاء والتقلب في نهر بردى واظهار التوله الذى PageV11P453 ~~يخيلوا به على الردى وابراز ms3579 ما يدعونه من الحال والمحال الذى يسلمه اليهم ~~من اضلوا من الجهال # فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر وسأل عنهم فقيل له هم مشتكون فقال ~~ليدخل بعضهم فدخل شيخهم واظهر من الشكوى على ودعوى الاعتداء منى عليهم ~~كلاما كثيرا لم يبلغنى جميعه لكن حدثنى من كان حاضرا ان الامير قال لهم ~~فهذا الذى يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله فقالوا بل يقوله عن الله ~~ورسوله قال فأى شيء يقال له قالوا نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا قال ~~فنسمع كلامه فمن كان الحق معه نصرناه قالوا نريد ان تشد منا قال لا ولكن ~~اشد من الحق سواء كان معكم أو معه قالوا ولا بد من حضوره قال نعم فكرروا ~~ذلك فأمر باخراجهم فأرسل إلى بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ~~ضلالهم وعرفنى بصورة الحال وانه يريد كشف امر هؤلاء # فلما علمت ذلك القى في قلبى ان ذلك لامر يريده الله من اظهار الدين وكشف ~~حال أهل النفاق المبتدعين لأنتشارهم في اقطار الارضين وما احببت البغى ~~عليهم والعدوان ولا ان اسلك معهم الا ابلغ ما يمكن من الاحسان فأرسلت إليهم ~~من عرفهم بصورة PageV11P454 الحال وانى اذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال ~~وكثر فيكم القيل والقال وان من قعد أو قام قدام رماح أهل الايمان فهو الذى ~~اوقع نفسه في الهوان فجاء الرسول واخبر انهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار الذين ~~يعرفون حقيقة الأسرار واشاروا عليهم بموافقة ما امروا به من اتباع الشريعة ~~والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة وقال شيخهم الذى يسيح بأقطار ~~الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرهما احوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع ~~محمد بن عبد الله وانهم نزعوا الاغلال من الأعناق واجابوا إلى الوفاق # ثم ذكر لى انه جاءهم بعض اكابر غلمان المطاع وذكر انه لابد من حضورهم ~~لموعد الاجتماع فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته ~~واستهديته وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك حتى ألقى في قلبى ان ~~أدخل ms3580 النار عند الحاجة إلى ذلك وانها تكون بردا وسلاما على من اتبع ملة ~~الخليل وانها تحرق اشباه الصابئة أهل الخروج عن هذا السبيل وقد كان بقايا ~~الصابئة اعداء إبراهيم امام الحنفاء بنواحى البطائح منضمين إلى من يضاهيهم ~~من نصارى الدهماء # وبين الصائبة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين نسب يعرفه من عرف ~~الحق المبين فالغالية من القرامطة والباطنية كالنصيرية PageV11P455 ~~والاسماعيلية يخرجون إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة ثم إلى الاشراك ثم إلى ~~جحو الحق تعالى ومن شركهم الغلو في البشر والابتداع في العبادات والخروج عن ~~الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو به لائق كالملحدين من اهل الاتحاد ~~والغالية من اصناف العباد # فلما أصبحنا ذهبت للميعاد وما احببت ان استصحب احدا للاسعاد لكن ذهب ايضا ~~بعض من كان حاضرا من الأصحاب والله هو المسبب لجميع الأسباب وبلغنى بعد ذلك ~~انهم طافوا على عدد من اكابر الأمراء وقالوا انواعا مما جرت به عادتهم من ~~التلبيس والافتراء الذى استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الاكابر ~~والرؤساء مثل زعمهم أن لهم احوالا لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء وان لهم ~~طريقا لا يعرفها أحد من العلماء وان شيخهم هو في المشايخ كالخليفة وانهم ~~يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة وان المنكر عليهم هو آخذ بالشرع ~~الظاهر غير واصل إلى الحقائق والسرائر وأن لهم طريقا وله طريق وهم الواصلون ~~إلى كنه التحقيق واشباه هذه الدعاوى ذات الزخرف والتزويق # وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد واستحواذهم على الملوك والأمراء والاجناد ~~لخفاء نور الاسلام واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام PageV11P456 وطموس ~~آثار الرسول في أكثر الامصار ودروس حقيقة الاسلام في دولة التتار لهم في ~~القلوب موقع هائل ولهم فيهم من الإعتقاد ما لا يزول بقول قائل # قال المخبر فغدا أولئك الأمراء الا كابر وخاطبوا فيهم نائب السلطان ~~بتعظيم أمرهم الباهر وذكر لى انواعا من الخطاب والله تعالى اعلم بحقيقة ~~الصواب والامير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق فأعاد الرسول إلى مرة ثانية ~~فبلغه انا في الطريق وكان ms3581 كثير من أهل البدع الاضداد كطوائف من المتفقهة ~~والمتفقرة واتباع أهل الاتحاد مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم مجهزين لمن ~~يعينهم في حضورهم فلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق إلى هذا الاجتماع ~~متطلعين إلى ما سيكون طالبين للاطلاع فذكر لى نائب السلطان وغيره من ~~الأمراء بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء وقال انهم قالوا ~~انك طلبت منهم الامتحان وان يحموا الاطواق نارا ويلبسوها فقلت هذا من ~~البهتان # وها أنا ذا اصف ما كان قلت للأمير نحن لا نستحل ان نأمر احدا بأن يدخل ~~نارا ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار وفى ذلك الحديث الصحيح وهؤلاء ~~يكذبون في ذلك وهم كذابون مبتدعون قد افسدوا من امر دين المسلمين ودنياهم ~~ما الله به عليم وذكرت PageV11P457 تلبيسهم على طوائف من الأمراء وانهم ~~لبسوا على الأمير المعروف بالايدمرى وعلى قفجق نائب السلطنة وعلى غيرهما ~~وقد لبسوا أيضا على الملك العادل كتغا في ملكه وفى حالة ولاية حماه وعلى ~~امير السلاح أجل امير بديار مصر وضاق المجلس عن حكاية جميع تلبيسهم فذكرت ~~تلبيسهم على الايدمرى وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن احوال ~~بيته الباطنة ثم يخبرونه بها على طريق المكاشفة ووعدوه بالملك وانهم وعدوه ~~ان يروه رجال الغيب فصنعوا خشبا طوالا وجعلوا عليها من يمشى كهيئة الذى ~~يلعب باكر الزجاج فجعلوا يمشون على جبل المزة وذاك يرى من بعيد قوما يطوفون ~~على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض واخذوا منه مالا كثيرا ثم انكشف له امرهم # قلت للأمير وولده هو الذى في حلقة الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثنى بهذه ~~القصة واما قفجق فانهم ادخلوا رجلا في القبر يتكلم وأوهموه أن الموتى تتكلم ~~واتوا به في مقابر باب الصغير إلى رجل زعموا انه الرجل الشعرانى الذى بجبل ~~لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته وقالوا انه طلب منه جملة ~~من المال فقال قفجق الشيخ يكاشف وهو يعلم ان خزائنى ليس فيها هذا كله وتقرب ~~قفجق منه وجذب الشعر ms3582 فانقلع الجلد الذى ألصقوه على جلده من جلد الماعز ~~PageV11P458 فذكرت للأمير هذا ولهذا قيل له إنه لما انقضى المجلس وانكشف ~~حالهم للناس كتب اصحاب قفجق إليه كتابا وهو نائب السلطنة بحماه يخبره بصورة ~~ما جرى # وذكرت للأمير أنهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الاغلال ونحوها وانا ~~نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة فذكر الأمير حديث البدعة وسألنى عنه ~~فذكرت حديث العرباض بن سارية وحديث جابر بن عبد الله وقد ذكرتهما بعد ذلك ~~بالمجلس العام كما سأذكره # قلت للأمير أنا ما امتحنت هؤلاء لكن هم يزعمون ان لهم احوالا يدخلون بها ~~النار وان أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك ويقولون لنا هذه الأحوال التى ~~يعجز عنها أهل الشرع ليس لهم ان يعترضوا علينا بل يسلم الينا ما نحن عليه ~~سواء وافق الشرع أو خالفه وانا قد استخرت الله سبحانه انهم ان دخلوا النار ~~ادخل انا وهم ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوبا وذلك بعد ان ~~تغسل جسومنا بالخل والماء الحار # فقال الامير ولم ذاك قلت لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن ~~الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلق وغير ذلك PageV11P459 من الحيل ~~المعروفة لهم وانا لا اطلى جلدى بشيء فاذا اغتسلت انا وهم بالخل والماء ~~الحار بطلت الحيلة وظهر الحق فاستعظم الامير هجومى على النار وقال أتفعل ~~ذلك فقلت له نعم قد استخرت الله في ذلك والقى في قلبى ان افعله ونحن لا نرى ~~هذا وامثاله ابتداء فان خوارق العادات انما تكون لامة محمد المتبعين له ~~باطنا وظاهرا لحجة أو حاجة فالحجة لاقامة دين الله والحاجة لما لا بد منه ~~من النصر والرزق الذى به يقوم دين الله وهؤلاء إذا اظهروا ما يسمونه ~~اشاراتهم وبراهينهم التى يزعمون انها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا ان ~~ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونقوم في نصر دين الله وشريعته ~~بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ ان نعارض ما يظهرونه ~~من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله ms3583 به من الآيات # وليعلم ان هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم ايد الله موسى ~~بالعصا التى ابتلعت سحرهم فجعل الامير يخاطب من حضره من الامراء على السماط ~~بذلك وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد اوهموه ان هؤلاء لهم حال لا يقدر أحد على ~~رده وسمعته يخاطب الامير الكبير الذى قدم من مصر الحاج بهادر وأنا جالس ~~بينهما على رأس السماط بالتركى ما فهمته منه الا انه قال اليوم ترى حربا ~~عظيما ولعل ذاك كان PageV11P460 جوابا لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل # وحضر شيوخهم الا كابر فجعلوا يطلبون من الامير الاصلاح واطفاء هذه القضية ~~ويترفقون فقال الامير انما يكون الصلح بعد ظهور الحق وقمنا إلى مقعد الامير ~~بزاوية القصر أنا وهو وبها در فسمعته يذكر له أيوب الحمال بمصر والمولهين ~~ونحو ذلك فدل ذلك على انه كان عند هذا الامير لهم صورة معظمة وان لهم فيهم ~~ظنا حسنا والله أعلم بحقيقة الحال فانه ذكر لى ذلك # وكان الامير احب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق فانه من اكابر ~~الامراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه واكرامه ~~فأمر ببساط يبسط في الميدان وقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون وقد أظهروا ~~أحوالهم الشيطانية من الازباد والارغاء وحركة الرؤوس والاعضاء والطفر ~~والحبو والتقلب ونحو ذلك من الاصوات المنكرات والحركات الخارجة عن العادات ~~المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ( # فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الامراء والكتاب والعلماء والفقراء ~~والعامة وغيرهم وحضر شيخهم الاول المشتكى وشيخ آخر PageV11P461 يسمى نفسه ~~خليفة سيده أحمد ويركب بعلمين وهم يسمونه عبد الله الكذاب ولم أكن أعرف ذلك ~~وكان من مدة قد قدم على منهم شيخ بصورة لطيفة واظهر ما جرت به عادتهم من ~~المسألة فاعطيته طلبته ولم اتفطن لكذبه حتى فارقنى فبقى في نفسى ان هذا خفى ~~على تلبيسه إلى ان غاب وما يكاد يخفى على تلبيس أحد بل ادركه في أول ms3584 الامر ~~فبقى ذلك في نفسى ولم أره قط إلى حين ناظرته ذكر لى انه ذاك الذى كان اجتمع ~~بى قديما فتعجبت من حسن صنع الله انه هتكه في اعظم مشهد يكون حيث كتم ~~تلبيسه بينى وبينه # فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمونه طلب الصلح والعفو عن ~~الماضى والتوبة وأنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الاغلال وغيرها من البدع ~~ومتبعون للشريعة ( فقلت ( اما التوبة فمقبولة قال الله تعالى @QB@ غافر ~~الذنب وقابل التوب شديد العقاب @QE@ هذه إلى جنب هذه وقال تعالى @QB@ نبئ ~~عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم @QE@ # فاخذ شيخهم المشتكى ينتصر للبسهم الأطواق وذكر ان وهب بن منبه روى انه ~~كان في بنى اسرائيل عابد وانه جعل في عنقه طوقا في حكاية من حكايات بنى ~~اسرائيل لا تثبت PageV11P462 # ( فقلت ) لهم ليس لنا ان نتعبد في ديننا بشيء من الاسرائيليات المخالفة ~~لشرعنا قد روى الامام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله ان النبى رأى بيد ~~عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال ( أمتهوكون يا بن الخطاب لقد جئتكم بها ~~بيضاء نقية لو كان موس حيا ثم اتبعتموه وتركتمونى لضللتم ( وفى مراسيل أبى ~~داود ان النبى رأى مع بعض أصحابه شيئا من كتب أهل الكتاب فقال ( كفى بقوم ~~ضلالة ان يتبعوا كتابا غير كتابهم انزل إلى نبى غير نبيهم ( وانزل الله ~~تعالى @QB@ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم @QE@ # فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا انه انزل عليهما من عند ~~الله اذا خالف شرعنا وانما علينا ان نتبع ما أنزل علينا من ربنا ونتبع ~~الشرعة والمنهاج الذى بعث الله به إلينا رسولنا كما قال تعالى @QB@ فاحكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا @QE@ فكيف يجوز لنا أن نتبع عباد بنى اسرائيل في حكاية لا ~~تعلم صحتها وما علينا من عباد بنى اسرائيل @QB@ تلك أمة قد خلت ms3585 لها ما كسبت ~~ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون @QE@ هات ما في القرآن وما في ~~الاحاديث الصحاح كالبخارى ومسلم وذكرت هذا وشبهه بكيفية قوية PageV11P463 ~~فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير نحن نريد ان تجمع لنا القضاة الأربعة ~~والفقهاء ونحن قوم شافعية # ( فقلت ( له هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين بل كلهم ~~ينهى عن التعبد به ويعده بدعة وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكانى مفتى ~~الشافعية ودعوته وقلت يا كمال الدين ما تقول في هذا فقال هذا بدعة غير ~~مستحبة بل مكروهة أو كما قال وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من ~~العلماء بذلك ( وقلت ( ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد ولا الخروج عن كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وأشك هل تكلمت هنا في قصة موسى ~~والخضر فانى تكلمت بكلام بعد عهدى به # فانتدب ذلك الشيخ ( عبد الله ( ورفع صوته وقال نحن لنا احوال وامور باطنة ~~لا يوقف عليها وذكر كلاما لم اضبط لفظه مثل المجالس والمدارس والباطن ~~والظاهر ومضمونه ان لنا الباطن ولغيرنا الظاهر وان لنا أمرا لا يقف عليه ~~أهل الظاهر فلا ينكرونه علينا ( فقلت ( له ورفعت صوتى PageV11P464 وغضبت ~~الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق كل هذا مردود إلى كتاب ~~الله وسنة رسوله ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله لا من المشايخ ~~والفقراء ولا من الملوك والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم بل جميع ~~الخلق عليهم طاعة الله ورسوله وذكرت هذا ونحوه # فقال ورفع صوته نحن لنا الأحوال وكذا وكذا وادعى الأحوال الخارقة كالنار ~~وغيرها واختصاصهم بها وانهم يستحقون تسليم الحال اليهم لأجلها # فقلت ورفعت صوتى وغضبت أنا اخاطب كل احمدى من مشرق الأرض إلى مغاربها أي ~~شيء فعلوه في النار فانا اصنع مثل ما تصنعون ومن احترق فهو مغلوب وربما قلت ~~فعليه لعنة الله ولكن بعد ان نغسل جسومنا بالخل والماء الحار فسألنى ~~الأمراء والناس عن ذلك فقلت لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار ms3586 يصنعونها من ~~أشياء من دهن الضفادع وقشر النارنج وحجر الطلق فضج الناس بذلك فأخذ يظهر ~~القدرة على ذلك فقال أنا وأنت نلف في بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت ( ~~فقلت ) فقم PageV11P465 وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك فمد يده يظهر ~~خلع القميص فقلت لا حتى تغتسل في الماء الحار والخل فاظهر الوهم على عادتهم ~~فقال من كان يحب الأمير فليحضر خشبا أو قال حزمة حطب فقلت هذا تطويل وتفريق ~~للجمع ولا يحصل به مقصود بل قنديل يوقد وادخل اصبعى وأصبعك فيه بعد الغسل ~~ومن احترقت أصبعه فعليه لعنه الله أو قلت فهو مغلوب فلما قلت ذلك تغير وذل ~~وذكر لى ان وجهه اصفر # ثم قلت لهم ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ولو طرتم ~~في الهواء ومشيتم على الماء ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ما يدل على ~~صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع ولا على إبطال الشرع فان الدجال الأكبر يقول ~~للسماء امطرى فتمطر وللأرض انبتى فتنبت وللخربة أخرجى كنوزك فتخرج كنوزها ~~تتبعه ويقتل رجلا ثم يمشى بين شقيه ثم يقول له قم فيقوم ومع هذا فهو دجال ~~كذاب ملعون لعنه الله ورفعت صوتى بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب وذكرت ~~قول أبى يزيد البسطامى لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشى على الماء فلا ~~تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهى وذكرت عن يونس بن عبد ~~الاعلى انه قال للشافعى اتدرى PageV11P466 ما قال صاحبنا يعنى الليث بن سعد ~~قال أو رأيت صاحب هوى يمشى على الماء فلا تغتر به فقال الشافعى لقد قصر ~~الليث لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به وتكلمت في هذا ونحوه ~~بكلام بعد عهدى به ومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح وجعلت ~~ألح عليه في اظهار ما ادعوه من النار مرة بعد مرة وهم لا يجيبون وقد اجتمع ~~عامة مشايخهم الذين في البلد والفقراء المولهون منهم وهم عدد كثير والناس ms3587 ~~يضجون في الميدان ويتكلمون بأشياء لا أضبطها فذكر بعض الحاضرين ان الناس ~~قالوا ما مضمونه ( فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا ~~صاغرين ( وذكروا أيضا أن هذا الشيخ يسمى عبد الله الكذاب وأنه الذى قصدك ~~مرة فاعطيته ثلاثين درهما فقلت ظهر لى حين أخذ الدراهم وذهب أنه ملبس وكان ~~قد حكى حكاية عن نفسه مضمونها انه أدخل النار في لحيته قدام صاحب حماة ولما ~~فارقنى وقع في قلبى ان لحيته مدهونة وانه دخل إلى الروم واستحوذ عليهم فلما ~~ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم ~~أنهم مبطلون رجعوا وتخاطب الحاج بهادر ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال ~~وعرفوا حقيقة المحال وقمنا إلى PageV11P467 داخل ودخلنا وقد طلبوا التوبة ~~عما مضى وسألنى الأمير عما تطلب منهم فقلت متابعة الكتاب والسنة مثل أن ( ~~لا ) يعتقد انه لا يجب عليه اتباعهما أو أنه يسوغ لاحد الخروج من حكمهما ~~ونحو ذلك أو انه يجوز اتباع طريقة تخالف بعض حكمهما ونحو ذلك من وجوه ~~الخروج عن الكتاب والسنة التى توجب الكفر وقد توجب القتل دون الكفر وقد ~~توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه # فقالوا نحن ملتزمون الكتاب والسنة اتنكر علينا غير الاطواق نحن نخلعها ~~فقلت الاطواق وغير الاطواق ليس المقصود شيئا معينا وإنما المقصود ان يكون ~~جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله فقال الامير فاى شيء الذى يلزمهم من ~~الكتاب والسنة فقلت حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس لكن ~~المقصود ان يلتزموا هذا التزاما عاما ومن خرج عنه ضربت عنقه وكرر ذلك وأشار ~~بيده إلى ناحية الميدان وكان المقصود ان يكون هذا حكما عاما في حق جميع ~~الناس فان هذا مشهد عام مشهور قد توفرت الهمهم عليه فيتقرر عند المقاتلة ~~وأهل الديوان والعلماء والعباد وهؤلاء وولاة الامور أنه من خرج عن الكتاب ~~والسنة ضربت عنقه PageV11P468 # قلت ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله فان من هؤلاء ~~من لا يصلى ومنهم من ms3588 يتكلم في صلاته حتى إنهم بالامس بعد ان اشتكوا على في ~~عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة يا سيدى أحمد شيء لله وهذا مع انه ~~مبطل للصلاة فهو شرك بالله ودعاء لغيره في حال مناجاته التى امرنا ان نقول ~~فيها @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وهذا قد فعل بالامس بحضرة شيخهم ~~فامر قائل ذلك لما انكر عليه المسلمون بالاستغفار على عادتهم في صغير ~~الذنوب ولم يأمره باعادة الصلاة وكذلك يصيحون في الصلاة صياحا عظيما وهذا ~~منكر يبطل الصلاة # فقال هذا يغلب على احدهم كما يغلب العطاس # فقلت العطاس من الله والله يحب العطاس ويكره التثاؤب ولا يملك أحدهم دفعه ~~وأما هذا الصياح فهو من الشيطان وهو باختيارهم وتكلفهم ويقدرون على دفعه ~~ولقد حدثنى بعض الخبيرين بهم بعد المجلس انهم يفعلون في الصلاة ما لا تفعله ~~اليهود والنصارى مثل قول أحدهم أنا على بطن امرأة الامام وقول الآخر كذا ~~وكذا من الامام ونحو ذلك من الأقوال الخبيثة وأنهم إذا انكر عليهم المنكر ~~ترك الصلاة يصلون بالنوبة وأنا أعلم أنهم متولون للشياطين ليسوا ~~PageV11P469 مغلوبين على ذلك كما يغلب الرجل في بعض الأوقات على صيحة أو ~~بكاء في الصلاة أو غيرها # فلما اظهروا التزام الكتاب والسنة وجموعهم بالميدان باصواتهم وحركاتهم ~~الشيطانية يظهرون احوالهم ( قلت له ( أهذا موافق للكتاب والسنة فقال هذا من ~~الله حال يرد عليهم فقلت هذا من الشيطان الرجيم لم يأمر الله به ولا رسوله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحبه الله ولا رسوله فقال ما في السماوات ~~والأرض حركة ولا كذا ولا كذا إلا بمشيئته وإرادته فقلت له هذا من باب ~~القضاء والقدر وهكذا كل ما في العالم من كفر وفسوق وعصيان هو بمشيئته ~~وإرادته وليس ذلك بحجة لأحد في فعله بل ذلك مما زينه الشيطان وسخطه الرحمن # فقال فبأى شيء تبطل هذه الأحوال فقلت بهذه السياط الشرعية فاعجب الأمير ~~وضحك وقال أى والله بالسياط الشرعية تبطل هذه الأحوال الشيطانية كما قد جرى ~~مثل ذلك لغير واحد ومن ms3589 لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية ~~وأمسكت سيف الأمير وقلت هذا نائب رسول الله وغلامه وهذا السيف سيف رسول ~~الله فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله وأعاد الأمير ~~PageV11P470 هذا الكلام وأخذ بعضهم يقول فاليهود والنصارى يقرون ولا نقر ~~نحن فقلت اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم ~~والمبتدع لا يقر على بدعته فافحموا لذلك # و ( حقيقة الأمر ( ان من اظهر منكرا في دار الاسلام لم يقر على ذلك فمن ~~دعا إلى بدعة واظهرها لم يقر ولا يقر من اظهر الفجور وكذلك أهل الذمة لا ~~يقرون على إظهار منكرات دينهم ومن سواهم فان كان مسلما أخذ بواجبات الاسلام ~~وترك محرماته وان لم يكن مسلما ولا ذميا فهو إما مرتد واما مشرك واما زنديق ~~ظاهر الزندقة # وذكرت ذم ( المبتدعة ( فقلت روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن ~~أبيه أبى جعفر الباقر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله كان يقول في خطبته ~~( أن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل ~~بدعة ضلالة ( وفى السنن عن العرباض بن سارية قال خطبنا رسول الله خطبة ذرفت ~~منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول كأن هذه موعظة مودع فماذا ~~تعهد إلينا فقال ( أوصيكم بالسمع والطاعة فانه من يعش منكم بعدى فسيرى ~~اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين PageV11P471 من ~~بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل محدثة ~~بدعة وكل بدعة ضلالة ( وفى رواية ( وكل ضلالة في النار ( # فقال لى البدعة مثل الزنى وروى حديثا في ذم الزنى فقلت هذا حديث موضوع ~~على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والزنا معصية والبدعة شر من ~~المعصية كما قال سفيان الثورى البدعة أحب إلى ابليس من المعصية فان المعصية ~~يتاب منها والبدعة لا يتاب منها وكان قد قال بعضهم نحن نتوب الناس فقلت مما ~~ذا تتوبونهم قال من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك ms3590 فقلت حالهم قبل تتويبكم ~~خير من حالهم بعد تتويبكم فانهم كانوا فساقا يعتقدون تحريم ما هم عليه ~~ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين ~~مشركين خارجين عن شريعة الاسلام يحبون ما يبغضه الله ويبغضون ما يحبه الله ~~وبينت ان هذه البدع التى هم وغيرهم عليها شر من المعاصى # قلت مخاطبا للأمير والحاضرين أما المعاصى فمثل ما روى البخارى في صحيحه ~~عن عمر بن الخطاب ان رجلا كان يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان يضحك النبى ~~صلى الله عليه وسلم وكان كلما أتى به النبى جلده الحد فلعنه رجل مرة وقال ~~PageV11P472 لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبى صلى الله عليه وسلم ~~فقال النبى ( لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله ( قلت فهذا رجل كثير الشرب ~~للخمر ومع هذا فلما كان صحيح الإعتقاد يحب الله ورسوله شهد له النبى صلى ~~الله تعالى عليه وسلم بذلك ونهى عن لعنه # واما المبتدع فمثل ما اخرجا في الصحيحين عن على بن أبى طالب وعن أبي سعيد ~~الخدرى وغيرهما دخل حديث بعضهم في بعض أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ~~كان يقسم فجاءه رجل ناتىء الجبين كث اللحية مخلوق الرأس بين عينيه أثر ~~السجود وقال ما قال فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ( يخرج من ضئضىء ~~هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ~~يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية ~~لئن أدركتم لاقتلنهم قتل عاد ( وفى رواية ( لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا ~~لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل ( وفى رواية ( شر قتلى تحت اديم السماء ~~خير قتلى من قتلوه ( # ( قلت ( فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وماهم عليه من العبادة ~~والزهادة أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بقتلهم وقتلهم على بن أبى ~~طالب ومن معه من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم PageV11P473 وذلك ~~لخروجهم عن سنة النبى وشريعته وأظن انى ذكرت قول الشافعى ms3591 لأن يبتلى العبد ~~بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتل بشيء من هذه الاهواء فلما ظهر ~~قبح البدع في الاسلام وإنها أظلم من الزنى والسرقة وشرب الخمر وأنهم ~~مبتدعون بدعا منكرة فيكون حالهم أسوأ من حال الزانى والسارق وشارب الخمر ~~اخذ شيخهم عبد الله يقول يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز يعنى اتباع ~~أحمد بن الرفاعى فقلت منكرا بكلام غليظ ويحك أى شيء هو الجناب العزيز وجناب ~~من خالفه أولى بالعز ياذو الزرجنة تريدون ان تبطلوا دين الله ورسوله فقال ~~يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم فقلت مثل ما احرقنى الرافضة لما قصدت ~~الصعود اليهم وصار جميع الناس يخوفونى منهم ومن شرهم ويقول أصحابهم أن لهم ~~سرا مع الله فنصر الله وأعان عليهم وكان الامراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما ~~يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل # وقلت لهم يا شبه الرافضة يا بيت الكذب فان فيهم من الغلو والشرك والمروق ~~عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم وفيهم من الكذب ما قد ~~يقاربون به الرافضة في ذلك أو يساوونهم PageV11P474 أو يزيدون عليهم فانهم ~~من أكذب الطوائف حتى قيل فيهم لا تقولوا أكذب من اليهود على الله ولكن ~~قولوا أكذب من الأحمدية على شيخهم وقلت لهم أنا كافر بكم وباحوالكم @QB@ ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون @QE@ # ولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة أخذوا يطلبون منى كتبا صحيحة ليهتدوا ~~بها فبذلت لهم ذلك واعيد الكلام انه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه ~~واعاد الامير هذا الكلام واستقر الكلام على ذلك والحمد لله الذى صدق وعده ~~ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده PageV11P475 ### || 1 ( قاعدة في الكلام على المرشدة ) 1 ### |||| ! 8 < ( سئل شيخ الاسلام ( وناصر السنة فريد الوقت وبحر العلوم بقية المجتهدين وحجة المتأخرين تاج العارفين وقدوة المحققين رحلة الطالبين ونخبة الراسخين إمام الزاهدين ومنال المجتهدين الامام الحجة النورانى والعالم المجتهد الربانى تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى أدام الله علو قدره ms3592 في الدارين وجعله يتسنم ذروة الكمال مسرور القلب قرير العين # عن ( المرشدة ) كيف كان أصلها وتأليفها وهل تجوز قراءتها أم لا ### ||||| فأجاب رحمه الله تعالى قائلا # الحمد لله رب العالمين أصل هذه أنه وضعها أبو عبد الله محمد بن عبد الله ~~بن التومرت الذى تلقب بالمهدى وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة ~~الخامسة من نحو مائتى سنة وكان قد دخل إلى بلاد العراق وتعلم طرفا من العلم ~~وكان فيه طرف من الزهد والعبادة # ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب إلى قوم من البربر PageV11P476 ~~وغيرهم جهال لا يعرفون من دين الاسلام الا ما شاء الله فعلمهم الصلاة ~~والزكاة والصيام وغير ذلك من شرائع الاسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعا من ~~المخاريق ليدعوهم بها إلى الدين فصار يجيء إلى المقابر يدفن بها أقواما ~~ويواطئهم على ان يكلموه اذا دعاهم ويشهدوا له بما طلبه منهم مثل أن يشهدوا ~~له بأنه المهدى الذى بشر به رسول الله الذى يواطئ اسمه اسمه واسم أبيه اسم ~~أبيه وانه الذى يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما وان من اتبعه ~~أفلح ومن خالفه خسر ونحو ذلك من الكلام فاذا اعتقد أولئك البربر أن الموتى ~~يكلمونه ويشهدون له بذلك عظم اعتقادهم فيه وطاعتهم لأمره # ثم أن أولئك المقبورين يهدم عليهم القبور ليموتوا ولا يظهروا امره واعتقد ~~ان دماء أولئك مباحة بدون هذا وانه يجوز له اظهار هذا الباطل ليقوم أولئك ~~الجهال بنصره واتباعه وقد ذكر عنه أهل المغرب وأهل المشرق الذين ذكروا ~~اخباره من هذه الحكايات انواعا وهى مشهورة عند من يعرف حاله عنه # ومن الحكايات التى يأثرونها عنه أنه واطأ رجلا على اظهار الجنون وكان ذلك ~~عالما يحفظ القرآن والحديث والفقه فظهر بصورة الجنون والناس لا يعرفونه الا ~~مجنونا ثم أصبح ذات يوم وهو عاقل يقرأ القرآن والحديث والفقه وزعم أنه علم ~~ذلك في المنام وعوفى مما كان PageV11P477 به وربما قيل إنه ذكر لهم أن ~~النبى علمه ذلك فصاروا يحسنون الظن بذلك ms3593 الشخص وانه كان لهم يوم يسمونه يوم ~~الفرقان فرق فيه بين أهل الجنة وأهل النار بزعمه فصار كل من علموا أنه من ~~أوليائهم جعلوه من أهل الجنة وعصموا دمه ومن علموا أنه من أعدائهم جعلوه من ~~أهل النار فاستحلوا دمه واستحل دماء الوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية ~~الذين كانوا من أهل الكتاب والسنة على مذهب مالك وأهل المدينة يقرؤن القرآن ~~والحديث كالصحيحين والموطأ وغير ذلك والفقه على مذهب أهل المدينة فزعم أنهم ~~مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة ولا يعرف عن أحد من أصحاب مالك ~~إظهار القول بالتشبيه والتجسيم # واستحل أيضا اموالهم وغير ذلك من المحرمات بهذا التأويل ونحوه من جنس ما ~~كانت تستحله الجهمية المعطلة كالفلاسفة والمعتزلة وسائر نفاة الصفات من أهل ~~السنة والجماعة ) # لما أمتحنوا الناس في ( خلافة المأمون ( واظهروا القول بأن القرآن مخلوق ~~وان الله لا يرى في الآخرة ونفوا ان يكون لله علم أو قدرة أو كلام أو مشيئة ~~أو شيء من الصفات القائمة بذاته # وصار كل من وافقهم على هذا التعطيل عصموا دمه وماله وولوه الولايات ~~واعطوه الرزق من بيت المال وقبلوا شهادته وافتدوه من PageV11P478 الأسر ومن ~~لم يوافقهم على ان القرآن مخلوق وما يتبع ذلك من بدعهم قتلوه أو حبسوه أو ~~ضربوه أو منعوه العطاء من بيت المال ولم يولوه ولاية ولم يقبلوا له شهادة ~~ولم يفدوه من الكفار يقولون هذا مشبه هذا مجسم لقوله إن الله يرى في الآخرة ~~وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله استوى على العرش ونحو ذلك فدامت ~~هذه المحنة على المسلمين بضع عشرة سنة في أواخر خلافة المأمون وخلافة اخيه ~~المعتصم والواثق بن المعتصم ثم إن الله تعالى كشف الغمة عن الأمة في ولاية ~~المتوكل على الله الذي جعل الله عامة خلفاء بنى العباس من ذريته دون ذرية ~~الذين اقاموا المحنة لأهل السنة # فأمر المتوكل برفع المحنة وإظهار الكتاب والسنة وأن يروى ما ثبت عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين من الاثبات ms3594 النافى للتعطيل وكان ~~أولئك الجهمية المعطلة قد بلغ من تبديلهم للدين أنهم كانوا يكتبون على ستور ~~الكعبة ? < ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم > ? ولا يقولون @QB@ وهو ~~السميع البصير @QE@ وانهم كانوا يمتحنون الناس بقوله تعالى @QB@ ليس كمثله ~~شيء @QE@ فاذا قالوا وهو السميع البصير انكروا عليهم ومذهب سلف الأمة ~~وأئمتها ان يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا ~~تعطيل ومن غير PageV11P479 تكييف ولا تمثيل فلا ينفون عن الله ما أثبته ~~لنفسه ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه بل يعلمون ان الله ليس كمثله شيء لا في ~~ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فكما ان ذاته لا تشبه الذوات فصفاته لا ~~تشبه الصفات # والله تعالى بعث الرسل فوصفوه باثبات مفصل ونفى مجمل واعداء الرسل ~~الجهمية الفلاسفة ونحوهم وصفوه بنفى مفصل واثبات مجمل فان الله سبحانه ~~وتعالى أخبر في كتابه بأنه بكل شيء عليم وانه على كل شيء قدير وانه حى قيوم ~~وانه عزيز حكيم وانه غفور رحيم وأنه سميع بصير وانه يحب المتقين والمحسنين ~~والصابرين وانه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وانه رضى عن المؤمنين ~~ورضوا عنه وانه يغضب على الكفار ويلعنهم وانه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه وانه كلم موسى تكليما وان القرآن نزل به الروح الأمين من الله ~~على نبيه محمد كما قال @QB@ قل نزله روح القدس من ربك بالحق @QE@ وروح ~~القدس هو جبريل كما قال في الآية الأخرى @QB@ قل من كان عدوا لجبريل فإنه ~~نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه @QE@ وقال تعالى @QB@ نزل به ~~الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين @QE@ وقال تعالى @QB@ وجوه يومئذ ~~ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ وقال تعالى @QB@ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ~~@QE@ PageV11P480 وقد ثبت في صحيح مسلم عن صهيب عن النبى انه قال ( إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكوه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ~~ويدخلنا ms3595 الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهى الزيادة ( وقد استفاض عن النبى في الصحاح ~~أنه قال ( أنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ( ~~و ( ان الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تضامون في ~~رؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تضارون في رؤية القمر ~~صحوا ليس دونه سحاب قالوا لا قال فانكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ( ~~فشبه الرؤية بالرؤية ولم يشبه المرئى بالمرئى فان العباد لا يحيطون بالله ~~علما ولا تدركه ابصارهم كما قال تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار @QE@ # وقد قال غير واحد من السلف والعلماء إن ( الادراك ( هو الاحاطة فالعباد ~~يرون الله تعالى عيانا ولا يحيطون به فهذا وأمثاله مما أخبر الله به ورسوله ~~وقال تعالى في النفى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا ~~@QE@ PageV11P481 @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ~~فبين في هذه الآيات ان الله لا كفو له ولا ند له ولا مثل له ولا سمى له فمن ~~قال إن علم الله كعلمى أو قدرته كقدرتى أو كلامه مثل كلامى أو إرادته ~~ومحبته ورضاه وغضبه مثل إرادتى ومحبتى ورضائى وغضبى أو استواءه على العرش ~~كاستوائي أو نزوله كنزولى أو اتيانه كاتيانى ونحو ذلك فهذا قد شبه الله ~~ومثله بخلقه تعالى الله عما يقولون وهو ضال خبيث مبطل بل كافر # ومن قال ان الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا مشيئة ولا سمع ولا بصر ~~ولا محبة ولا رضى ولا غضب ولا استواء ولا اتيان ولا نزول فقد عطل اسماء ~~الله الحسنى وصفاته العلى وألحد في اسماء الله وآياته وهو ضال خبيث مبطل بل ~~كافر بل مذهب الأئمة والسلف اثبات الصفات ونفى التشبيه بالمخلوقات اثبات ~~بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل كما قال نعيم بن حماد الخزاعى شيخ البخارى من ~~شبه الله بخلقه فقد كفر ms3596 ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف ~~الله به نفسه ولا رسوله تشبيها # ومما يبين ذلك أن الله تعالى أخبرنا ان في الجنة ماء ولبنا وخمرا وعسلا ~~ولحما وفاكهة وحريرا وذهبا وفضة وغير ذلك وقد قال بن عباس رضى الله عنهما ~~ليس في الدنيا مما في الجنة الا الاسماء فاذا PageV11P482 كانت المخلوقات ~~في الجنة توافق المخلوقات في الدنيا في الاسماء والحقائق ليست مثل الحقائق ~~فكيف يكون الخالق مثل المخلوق إذا وافقه في الاسم # والله تعالى قد اخبر انه سميع بصير واخبر عن الانسان انه سميع بصير وليس ~~هذا مثل هذا واخبر انه حى وعن بعض عباده أنه حى وليس هذا مثل هذا واخبر انه ~~رؤوف رحيم واخبر عن نبيه انه رؤوف رحيم وليس هذا مثل هذا واخبر انه عليم ~~حليم واخبر عن بعض عباده بأنه عليم حليم وليس هذا مثل هذا وسمى نفسه الملك ~~وسمى بعض عباده الملك وليس هذا مثل هذا وهذا كثير في الكتاب والسنة فكان ~~سلف الأمة وأئمتها كأئمة المذاهب مثل ابى حنيفة ومالك والشافعى واحمد ~~وغيرهم على هذا إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل لا يقولون بقول أهل ~~التعطيل نفاة الصفات ولا بقول أهل التمثيل المشبهة للخالق بالمخلوقات فهذه ~~طريقة الرسل ومن آمن بهم # وأما المخالفون للرسل صلوات الله وسلامه عليهم من المتفلسفة وأشباههم ~~فيصفون الرب تعالى ( بالصفات السلبية ( ليس كذا ليس كذا ليس كذا ولا يصفونه ~~بشيء من صفات الاثبات بل بالسلب الذى يوصف به المعدوم فيبقى ما ذكروه ~~مطابقا للمعدوم فلا يبقى PageV11P483 فرق بين ما يثبتونه وبين المعدوم وهم ~~يقولون إنه موجود ليس بمعدوم فيتناقضون يثبتونه من وجه ويجحدونه من وجه آخر ~~ويقولون إنه وجود مطلق لا يتميز بصفة # وقد علم الناس ان المطلق لا يكون موجودا فانه ليس في الأمور الموجودة ما ~~هو مطلق لا يتعين ولا يتميز عن غيره وإنما يكون ذلك فيما يقدره المرء في ~~نفسه فيقدر أمرا مطلقا وان كان لا حقيقة له في الخارج ms3597 فصار هؤلاء المتفلسفة ~~الجهمية المعطلون لا يجعلون الخالق سبحانه وتعالى موجودا مباينا لخلقه بل ~~إما ان يجعلوه مطلقا في ذهن الناس أو يجعلوه حالا في المخلوقات أو يقولون ~~هو وجود المخلوقات # ومعلوم أن الله كان قبل ان يخلق المخلوقات وخلقها فلم يدخل فيها ولم ~~يدخلها فيه فليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وعلى ~~ذلك دل الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها فالجهمية المعطلة نفاة ~~الصفات من المتفلسفة والمعتزلة وغيرهم الذين امتحنوا المسلمين كما تقدم ~~كانوا على هذا الضلال فلما أظهر الله تعالى أهل السنة والجماعة ونصرهم بقى ~~هذا النفى في نفوس كثير من اتباعهم فصاروا يظهرون تارة مع الرافضة القرامطة ~~الباطنية وتارة مع الجهمية الاتحادية وتارة يوافقونهم PageV11P484 على انه ~~وجود مطلق ولا يزيدون على ذلك # وصاحب ( المرشدة ( كانت هذه عقيدته كما قد صرح بذلك في كتاب له كبير شرح ~~فيه مذهبه في ذلك ذكر فيه ان الله تعالى وجود مطلق كما يقول ذلك بن سينا ~~وبن سبعين وأمثالهم ولهذا لم يذكر في ( مرشدته ( الإعتقاد الذى يذكره أئمة ~~العلم والدين من أهل السنة والجماعة أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام ~~وغيرهم من اتباع الأئمة الأربعة وغيرهم كما يذكره أئمة الحنفية والمالكية ~~والشافعية والحنبلية وأهل الكلام من الكلابية والأشعرية والكرامية وغيرهم ~~ومشائخ التصوف والزهد وعلماء أهل الحديث فان هؤلاء كلهم متفقون على ان الله ~~تعالى حى عالم بعلم قادر بقدرة كما قال تعالى @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء @QE@ وقال تعالى @QB@ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~والسماء بنيناها بأيد @QE@ أى بقوة وفى الصحيح عن النبى انه كان يعلم ~~أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن يقول ~~PageV11P485 ( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل ~~اللهم إنى استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك ms3598 من فضلك العظيم فانك تقدر ~~ولا اقدر وتعلم ولا اعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم ان هذا الأمر ~~ويسميه باسمه خير لى في دينى ومعاشى وعاقبة امري فأقدره لى ويسره لى ثم ~~بارك لى فيه وان كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى في دينى ومعاشى وعاقبة امرى ~~فأصرفه عنى واصرفنى عنه واقدر لى الخير حيث كان ثم رضنى به ( # والأئمة الأربعة وسائر من ذكر متفقون على ان الله تعالى يرى في الآخرة ~~وأن القرآن كلام الله # فصاحب ( المرشدة ( لم يذكر فيها شيئا من الاثبات الذى عليه طوائف أهل ~~السنة 2 والجماعة ولا ذكر فيها الايمان برسالة النبى ولا باليوم الآخر وما ~~أخبر به النبى من امر الجنة والنار والبعث والحساب وفتنة القبر والحوض ~~وشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر فان هذه الأصول كلها متفق ~~عليها بين أهل السنة والجماعة ومن عادات علمائهم أنهم يذكرون ذلك في ~~العقائد المختصرة بل اقتصر فيها على ما يوافق اصله وهو القول بأن الله وجود ~~مطلق وهو قول المتفلسفة والجهمية PageV11P486 والشيعة ونحوهم ممن اتفقت ~~طوائف أهل السنة والجماعة أهل المذاهب الأربعة وغيرهم على ابطال قوله ~~وتضليله # فذكر فيها ما تقوله نفاة الصفات ولم يذكر فيها صفة واحدة لله تعالى ~~ثبوتية وزعم في اولها انه قد وجب على كل مكلف ان يعلم ذلك وقد اتفقت الأئمة ~~على ان الواجب على المسلمين ما أوجبه الله ورسوله وليس لأحد أن يوجب على ~~المسلمين ما لم يوجبه الله ورسوله والكلام الذى ذكره بعضه قد ذكره الله ~~ورسوله فيجب التصديق به وبعضه لم يذكره الله ولا رسوله ولا أحد من السلف ~~والأئمة فلا يجب على الناس أن يقولوا ما لم يوجب الله قوله عليهم وقد يقول ~~الرجل كلمة وتكون حقا لكن لا يجب على كل الناس ان يقولوها وليس له أن يوجب ~~على الناس أن يقولوها فكيف إذا كانت الكلمة تتضمن باطلا # وما ذكره من النفى يتضمن حقا وباطلا فالحق يجب اتباعه والباطل يجب ms3599 ~~اجتنابه وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتاب كبير وذكرنا سبب تسميته لأصحابه ~~بالموحدين فان هذا مما انكره المسلمون إذ جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~موحدون ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد PageV11P487 # و ( التوحيد ( هو ما بينه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله ~~عليه وسلم كقوله تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد @QE@ وهذه السورة تعدل ثلث القرآن وقوله @QB@ قل يا أيها ~~الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ~~ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين @QE@ وقال تعالى @QB@ فاعلم أنه ~~لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ ~~فنفاة الجهمية من المعتزلة وغيرهم سموا نفي الصفات توحيدا فمن قال ان ~~القرآن كلام الله وليس بمخلوق أو قال ان الله يرى في الآخرة أو قال ( ~~استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك ( لم يكن موحدا عندهم بل يسمونه مشبها مجسما ~~وصاحب ( المرشدة ( لقب اصحابه موحدين اتباعا لهؤلاء الذين ابتدعوا توحيدا ~~ما انزل الله به من سلطان وألحدوا في التوحيد الذى أنزل الله به القرآن # وقال أيضا في قدرة الله تعالى أنه قادر على ما يشاء وهذا يوافق قول ~~الفلاسفة وعلى الأسوارى وغيره من المتكلمين الذين يقولون انه لا يقدر على ~~غير ما فعل # ومذهب المسلمين أن الله على PageV11P488 كل شيء قدير سواء شاءه أو لم ~~يشأه كما قال تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو ~~من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا @QE@ # وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( انه لما نزل قوله تعالى @QB@ قل هو القادر ~~على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم @QE@ قال أعوذ بوجهك @QB@ أو من تحت ~~أرجلكم @QE@ قال أعوذ بوجهك @QB@ أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ ~~قال هاتان أهون قالوا فهو يقدر الله ms3600 عليهما وهو لا يشاء أن يفعلهما بل قد ~~أجار الله هذه الأمة على لسان نبيها ان لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم ~~فيجتاحهم أو يهلكهم بسنة عامة وقد قال تعالى @QB@ أيحسب الإنسان ألن نجمع ~~عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه @QE@ فالله قادر على ذلك وهو لا يشاؤه ~~وقد قال تعالى @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو ~~شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة @QE@ فالله تعالى قادر على ذلك فلو شاءه ~~لفعله بقدرته وهو لا يشاؤه # وقد شرحنا ما ذكره فيها كلمة كلمة وبينا ما فيها من صواب وخطأ ولفظ مجمل ~~في كتاب آخر PageV11P489 فالعالم الذى يعلم حقائق ما فيها ويعرف ما جاء به ~~الكتاب والسنة لا يضره ذلك فانه يعطى كل ذى حق حقه ولا حاجة لأحد من ~~المسلمين إلى تعلمها وقراءتها ولا يجوز لأحد أن يعدل عما جاء في الكتاب ~~والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها إلى ما احدثه بعض الناس مما قد يتضمن ~~خلاف ذلك أو يوقع الناس في خلاف ذلك وليس لأحد أن يضع للناس عقيدة ولا ~~عبادة من عنده بل عليه ان يتبع ولا يبتدع ويقتدى ولا يبتدى فان الله سبحانه ~~بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وقال له ~~@QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~@QE@ والنبى علم المسلمين ما يحتاجون إليه في دينهم # فيأخذ المسلمون جميع دينهم من الاعتقادات والعبادات وغير ذلك من كتاب ~~الله وسنة رسوله وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وليس ذلك مخالفا للعقل ~~الصريح فان ما خالف العقل الصريح فهو باطل وليس في الكتاب والسنة والاجماع ~~باطل ولكن فيه الفاظ قد لا يفهمها بعض الناس أو يفهمون منها معنى باطلا ~~فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة فان PageV11P490 الله تعالى قال @QB@ ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين @QE@ # والله أعلم والحمد لله وحده ms3601 وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب ~~PageV11P491 ### |||| ( سئل ( # عن رجل تخاطب هو وانسان على من قرأ ( المرشدة ( قال ~~الأول قال بعض العلماء المرشدة لا يجوز ان نقرأها قال الآخر من لا يقرأها ~~فهو كافر ### ||||| الجواب # الحمد لله اما هذا القائل الثانى الذى قال من لا يقرأها فهو كافر ~~فانه كاذب ضال مخطئ جاهل يجب ان يستتاب عن مثل هذا القول فان تاب وإلا عوقب ~~عقوبة بليغة تردعه وأمثاله عن مثل هذا # بل إذا فهم مضمون قوله من لم يقرأها فهو كافر واصر عليه بعد العلم كان هو ~~الكافر المستحق لأن يستتاب فان تاب وإلا قتل والله أعلم PageV11P492 ### || 1 ( رسالة في قوم منتسبين إلى المشايخ ) 1 ### |||| ! 8 < ( سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه ( # عن قوم منتسبين إلى المشائخ ~~يتوبونهم عن قطع الطريق وقتل النفس والسرقة والزموهم بالصلاة لكنهم يصلون ~~صلاة عادة البادية فهل يجب إقامة حدود الصلاة أم لا ومع هذا شعارهم الرفض ~~وكشف الرؤوس وتفتيل الشعر وحمل الحيات ثم غلب على قلوبهم حب الشيوخ حتى ~~كلما عثر أحدهم اوهمه أمر استغاث بشيخه ويسجدون لهم مرة في غيبتهم ومرة في ~~حضورهم فتارة يصادف السجود إلى القبلة وتارة إلى غيرها حيث كان شيخه ~~ويزعمون هذا لله ومنهم من يأخذ اولاد الناس حوارات برضى الوالدين وبغير ~~رضاهم وربما كان ولد الرجل معينا لوالديه على السعى في الحلال فيأخذه ~~ويعلمه الدروزة وينذر للموتى ومنهم من يواخى النسوان فاذا نهوا عن ذلك قال ~~( لو حصل لى أمك واختك وأختيهما فاذا قيل لا تنظر أجنبية قال انظر عشرين ~~نظرة ويحلفون PageV11P493 بالمشائخ وإذا نهوا عن شيء من ذلك قال أنت شرعى ~~فهل المنكر عليهم مأجور أم لا # وهل اتخاذ الخرقة على المشائخ له أصل في الشرع أم لا وهل انتساب كل طائفة ~~إلى شيخ معين يثاب عليه أم لا وهل التارك له آثم أم لا ويقولون إن الله ~~يرضى لرضا المشائخ ويغضب بغضبهم ويستندون ms3602 إلى قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~المرء مع من احب ( و ( اوثق عرى الاسلام الحب في الله والبغض في الله ( فهل ~~ذلك دليل لهم أم هو شيء آخر ومن هذه حاله هل يجوز دفع الزكاة إليه ### ||||| فأجاب قدس الله روحه # واما كشف الرؤوس وتفتيل الشعر وحمل الحيات فليس هذا ~~من شعار أحد من الصالحين لا من الصحابة ولا التابعين ولا شيوخ المسلمين لا ~~المتقدمين ولا المتأخرين ولا الشيخ أحمد بن الرفاعى ولا غيره وإنما ابتدع ~~هذا بعد موت الشيخ أحمد بمدة طويلة ابتدعه طائفة انتسبت إليه فخالفوا طريق ~~المسلمين وخرجوا عن حقائق الدين وفارقوا طريق عباد الله الصالحين # وهم نوعان أهل حال ابليسى وأهل محال تلبيسى فاما أهل ( الأحوال ~~PageV11P494 منهم فهم قوم اقترنت بهم الشياطين كما يقترنون باخوانهم فاذا ~~حضروا سماع المكاء والتصدية أخذهم الحال فيزيدون ويرغون كما يفعله المصروع ~~ويتكلمون بكلام لا يفهمونه هم ولا الحاضرون وهى شياطينهم تتكلم على السنتهم ~~عند غيبة عقولهم كما يتكلم الجنى على لسان المصروع ولهم مشابهون في الهند ~~من عباد الاصنام ومشابهون بالمغرب يسمى احدهم المصلى وهؤلاء الذين في ~~المغرب من جنس الزط الذين لا خلاق لهم فاذا كان لبعض الناس مصروع أو نحوه ~~اعطاهم شيئا فيجيئون ويضربون لهم بالدف والملاهى ويحرقون ويوقدون نارا ~~عظيمة مؤججة ويضعون فيها الحديد العظيم حتى يبقى اعظم من الجمر وينصبون ~~رماحا فيها اسنة ثم يصعد أحدهم يقعد فوق اسنة الرماح قدام الناس ويأخذ ذلك ~~الحديد المحمى ويمره على يديه وانواع ذلك # ويرى الناس حجارة يرمى بها ولا يرون من رمى بها وذلك من شياطينهم الذين ~~يصعدون بهم فوق الرمح وهم الذين يباشرون النار وأولئك قد لا يشعرون بذلك ~~كالمصروع الذى يضرب ضربا وجيعا وهو لا يحس بذلك لأن الضرب يقع على الجنى ~~فكذا حال أهل الأحوال الشيطانية ولهذا كلما كان الرجل اشبه بالجن والشياطين ~~كان حاله اقوى ولا يأتيهم الحال إلا عند مؤذن الشيطان وقرآنه فمؤذنه ~~المزمار وقرآنه الغناء PageV11P495 ولا يأتيهم الحال عند الصلاة والذكر ~~والدعاء والقراءة ms3603 فلا لهذه الأحوال فائدة في الدين ولا في الدنيا ولو كانت ~~احوالهم من جنس عباد الله الصالحين وأولياء الله المتقين لكانت تحصل عندما ~~أمر الله به من العبادات الدينية ولكان فيها فائدة في الدين والدنيا لتكثير ~~الطعام والشراب عند الفاقات واستنزال المطر عند الحاجات والنصر على الاعداء ~~عند المخافات وهؤلاء أهل الأحوال الشيطانية في التلبيس يمحقون البركات ~~ويقوون المخافات ويأكلون اموال الناس بالباطل لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون ~~عن المنكر ولا يجاهدون في سبيل الله بل هم مع من أعطاهم واطعمهم وعظمهم وان ~~كان تتريا بل يرجحون التتر على المسلمين ويكونون من اعوانهم ونصرائهم ~~الملاعين وفيهم من يستعين على الحال بأنواع من السحر والشرك الذى حرمه الله ~~تعالى ورسوله # وأما أهل ( المحال ( منهم فهم يصنعون ادوية كحجر الطلق ودهن الضفادع ~~وقشور النارنج ونحو ذلك يمشون بها على النار ويمسكون نوعا من الحيات ~~يؤخذونها بضعة ويقدمون على أكلها بفجور وما يصنعونه من السكر واللاذن وماء ~~الورد وماء الزعفران والدم فكل ذلك حيل وشعوذة يعرفها الخبير بهذه الأمور ~~ومنهم من تأتيه الشياطين وذلك هم أهل المحال الشيطانى PageV11P496 ### ||| فصل # ( وأما ما ذكروا من غلوهم في الشيوخ فيجب ان يعلم ان الشيوخ الصالحين ~~الذين يقتدى بهم في الدين هم المتبعون لطريق الأنبياء والمرسلين كالسابقين ~~الأولين من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان ومن له في الأمة لسان ~~صدق وطريقة هؤلاء دعوة الخلق إلى الله وإلى طاعته وطاعة رسوله واتباع كتابه ~~وسنة رسوله # والمقصود ان يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا فان الله ~~تعالى يقول @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما ~~أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ # والرسل امروا الخلق ان لا يعبدوا إلا الله وان يخلصوا له الدين فلا ~~يخافون غيره ولا يرجون سواه ولا يدعون إلا إياه قال تعالى @QB@ وأن المساجد ~~لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش ~~الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فجعل الطاعة ms3604 لله والرسول وجعل الخشية ~~والتقوى لله وحده PageV11P497 # وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ~~@QE@ فالايتاء لله والرسول @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ والحلال ما حلله رسول الله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه ~~ليس لأحد من الأولين والآخرين خروج عن طاعته وشريعته ومن لم يقربه باطنا ~~وظاهرا فهو كافر مخلد في النار وخير الشيوخ الصالحين وأولياء الله المتقين ~~اتبعهم له واقر بهم واعرفهم بدينه واطوعهم لامره كابى بكر وعمر وعثمان وعلي ~~وسائر التابعين باحسان واما الحسب فلله وحده ولهذا قالوا @QB@ حسبنا الله ~~ونعم الوكيل @QE@ ولم يقولوا ورسوله كما قال تعالى @QB@ الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين @QE@ أى ان الله وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين فهو وحده ~~يكفيهم فانه سبحانه له الملك وله الحمد وهو كاف عبده كما قال تعالى @QB@ ~~أليس الله بكاف عبده @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ الآية PageV11P498 وروى ان بعض الصحابة قال ~~يا رسول الله هل ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية فهو سبحانه سميع قريب مجيب رحيم وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها ~~وهو يعلم من أحوال العباد ما لا يعلمه غيره ويقدر على قضاء حوائجهم التى لا ~~يقدر عليها غيره ويرحمهم رحمة لا يرحمهم بها غيره # والشيوخ الذين يقتدى بهم يدلون عليه ويرشدون إليه بمنزلة الأئمة في ~~الصلاة يصلون ويصلى الناس خلفهم وبمنزلة الدليل الذى للحاج هو يدلهم على ~~البيت وهو وهم جميعا يحجون إليه ليس لهم من الالهية نصيب بل من جعل لهم ~~شيئا من ذلك فهو من جنس النصارى المشركين الذين قال الله في حقهم @QB@ ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها ms3605 واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ وقد قال نوح ~~عليه السلام @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك @QE@ وهكذا امر الله محمدا ان يقول # فليس لأحد ان يدعو شيخا ميتا أو غائبا بل ولا يدعو ميتا ولا غائبا لا من ~~الأنبياء ولا غيرهم فلا يقول لأحدهم يا سيدى فلان أنا في حسبك أو في جوارك ~~ولا يقول بك استغيث وبك استجير ولا يقول إذا عثر يافلان ولا يقول محمد وعلى ~~ولا الست نفيسة ولا سيدى الشيخ احمد PageV11P499 ولا الشيخ عدى ولا الشيخ ~~عبدالقادر ولا غير ذلك ولا نحو ذلك مما فيه دعاء الميت والغائب ومسألته ~~والاستغاثة به والاستنصار به بل ذلك من افعال المشركين وعبادات الضالين # ومن المعلوم ان سيد الخلق محمد وقد ثبت في صحيح البخارى ( ان الناس لما ~~اجدبوا استسقى عمر بالعباس وقال اللهم إنا إذا اجدبنا توسلنا اليك بنبينا ~~فتسقينا وانا نتوسل بعم نبينا فاسقنا فيسقون ) فكانوا في حياة النبى ~~يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم كما يتوسل به الناس يوم القيامة ويستشفعون به ~~إلى ربهم فيأذن الله له في الشفاعة فيشفع لهم الا ترى الله يقول @QB@ من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من ~~شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ فبين ~~سبحانه ان المخلوقات كلها ليس لأحد منها شيء في الملك ولا له شريك فيه ولا ~~له ظهير أي معين لله تعالى كما تعاون الملوك وبين ان الشفاعة عنده لا تنفع ~~الا لمن اذن له # واذا كان يوم القيامة يجيء الناس إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم ~~عيسى فيطلبون الشفاعة منهم فلا يشفع لهم أحد من هؤلاء الذين هم سادة الخلق ~~حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم PageV11P500 فيأتى ربه فيحمده بمحامد ~~ويسجد له فاذا اذن ms3606 له في الشفاعة شفع لهم فهذه حال هؤلاء الذين هم أفضل ~~الخلق فكيف غيرهم # فلما مات النبى لم يكونوا يدعونه ولا يستغيثون به ولا يطلبون منه شيئا لا ~~عند قبره ولا بعيدا من قبره بل ولا يصلون عند قبره ولا قبر غيره لكن يصلون ~~ويسلمون عليه ويطيعون امره ويتبعون شريعته ويقومون بما احبه الله تعالى من ~~حق نفسه وحق رسوله وحق عباده المؤمنين فانه قال ( لا تطرونى كما اطرت ~~النصارى عيسى بن مريم فانما انا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ) وقال ( اللهم ~~لا تجعل قبرى وثنا يعبد ) وقال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيث كنتم ~~فان صلاتكم تبلغنى ) وقال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم ~~مساجد ) يحذر ما فعلوا وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال ( أجعلتنى لله ~~ندا قل ما شاء الله وحده ) وقال ( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن ~~قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ) # وفى المسند ان معاذ بن جبل سجد له فقال ( ما هذا يا معاذ ( فقال يا رسول ~~الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال يا ~~معاذ ( لو امرت احدا أن يسجد 8 لاحد لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها من عظم ~~حقه عليها ( وقال ( يا PageV11P501 معاذ أريت لو مررت بقبرى أكنت ساجدا ~~لقبرى قال لا قال فانه لا يصلح السجود إلا لله ( أو كما قال # فإذا كان السجود لا يجوز لرسول الله حيا ولا ميتا ولا لقبره فكيف يجوز ~~السجود لغيره بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( لا تجلسوا على القبور ولا ~~تصلوا اليها ( فقد نهى عن الصلاة اليها كما نهى عن اتخاذها مساجد ولهذا لما ~~أدخلوا حجرته في المسجد لما وسعوه جعلوا مؤخرها مسنما منحرفا عن سمت القبلة ~~لئلا يصلى أحد إلى الحجرة النبوية فما الظن بالسجود إلى جهة غيره كائنا من ~~كان # واما قول القائل هذا السجود لله تعالى فان كان كاذبا في ذلك فكفى بالكذب ~~خزيا وان كان صادقا في ms3607 ذلك فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل فان السجود لا ~~يكون إلا على الوجه المشروع وهو السجود في الصلاة وسجود السهو وسجود ~~التلاوة وسجود الشكر على أحد قولى العلماء واما السجود عقيب الصلاة بلا سبب ~~فقد كرهه العلماء ) # وكذلك ما يفعله بعض المشايخ من سجدتين بعد الوتر لم يفعله أحد من السلف ~~ولا استحبه أحد من الأئمة ولكن هؤلاء بلغهم حديث رواه أبو موسى الذى في ( ~~الوظائف ( ان النبى كان PageV11P502 يصلى سجدتين بعد الوتر ففعلوا الحديث ~~الذى رواه مسلم في صحيحه ( انه كان يصلى بعد الوتر ركعتين وهو جالس ولم ~~يداوم على ذلك ( فسميت الركعتان سجدتين كما في احاديث آخر فهذا هو أصل ذلك ~~والكلام في هاتين الركعتين مذكور في غير هذا الموضع # واما السجدتان فلا أصل لهما ولا للسجود المجرد بلا سبب وقالوا هو بدعة ~~فكيف بالسجود إلى جهة مخلوق من غير مراعاة شروط الصلاة وهذا يشابه من يسجد ~~للشرق في الكنيسة مع النصارى ويقول لله أو يسجد مع اليهود إلى الصخرة ويقول ~~لله بل سجود النصارى واليهود لله وان كان إلى غير قبلة المسلمين خير من ~~السجود لغير الله بل هذا بمنزلة من يسجد للشمس عند طلوعها وغروبها ويسجد ~~لبعض الكواكب والاصنام ويقولون لله ### ||| فصل # ( واما فساد الأولاد بحيث يعلمه الشحاذة ويمنعه من الكسب الحلال أو يخرجه ~~ببلاده مكشوف الشعر في الناس فهذا يستحق PageV11P503 صاحبه العقوبة البليغة ~~التى تزجره عن هذا الافساد لا سيما إن ادخلوهم في الفواحش وغير ذلك من ~~المنكرات ويجب تعليم اولاد المسلمين ما امر الله بتعليمهم إياه وتربيتهم ~~على طاعة الله ورسوله كما قال النبى ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها ~~لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ( ### ||| فصل # ( واما ( النذر للموتى ( من الأنبياء والمشائخ وغيرهم أو لقبورهم أو ~~المقيمين عند قبورهم فهو نذر شرك ومعصية لله تعالى سواء كان النذر نفقة أو ~~ذهبا أو غير ذلك وهو شبيه بمن ينذر للكنائس والرهبان وبيوت الأصنام وقد ثبت ~~في الصحيح عن النبى أنه قال ( من نذر ان يطيع ms3608 الله فليطعه ومن نذر ان يعصى ~~الله فلا يعصه ( وقد اتفق العلماء على ان نذر المعصية لا يجوز الوفاء به بل ~~عليه كفارة يمين في أحد قولى العلماء وهذا اذا كان النذر لله واما اذا كان ~~النذر لغير الله فهو كمن يحلف بغير الله وهذا شرك فيستغفر الله منه وليس في ~~هذا وفاء ولا كفارة ومن تصدق بالنقود على أهل الفقر والدين فاجره على رب ~~العالمين PageV11P504 واصل عقد النذر منهى عنه كما ثبت في الصحيح عن النبى ~~انه نهى عن النذر وقال ( إنه لا ياتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل ( ~~وإذا نذر فعليه الوفاء بما كان طاعة لله كالصلاة والصدقة والصيام والحج دون ~~مالم يكن طاعة لله تعالى ### ||| فصل # ( فاما مؤاخاة الرجال النساء الأجانب وخلوهم بهن ونظرهم إلى الزينة ~~الباطنة منهن فهذا حرام باتفاق المسلمين ومن جعل ذلك من الدين فهو من اخوان ~~الشياطين قال الله تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون @QE@ # وقال النبى ( لا يخلون رجل بامرأة فان ثالثهما الشيطان ( وقال ( إياكم ~~والدخول على النساء قالوا يا رسول الله أرايت الحمو قال الحمو الموت ( ومن ~~لم ينته عن ذلك عوقب عقوبة بليغة تزجره وأمثاله من أهل الفساد والعناد ~~PageV11P505 ### ||| فصل # ( وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشائخ والملوك وغيرهم ~~فانه منهى عنه غير منعقد باتفاق الأئمة ولم ينازعوا الا في الحلف برسول ~~الله خاصة والجمهور على انه لا تنعقد اليمين لا به ولا بغيره وقد قال النبى ~~( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وقال ( من حلف بغير الله فقد اشرك ~~( فمن حلف بشيخه أو بتربته أو بحياته أو بحقه على الله أو بالملوك أو بنعمة ~~السلطان أو بالسيف أو بالكعبة أو أبيه أو تربة أبيه أو نحو ذلك كان منهيا ~~عن ذلك ولم تنعقد يمينه باتفاق المسلمين ### ||| فصل # ( واما قول القائل لمن انكر عليه انت شرعى فكلام صحيح فان أراد ms3609 بذلك أن ~~الشرع لا يتبعه أو لا يجب عليه اتباعه وانا خارج عن اتباعه فلفظ الشرع قد ~~صار له في عرف الناس ( ثلاث معان ) الشرع المنزل والشرع المؤول والشرع ~~المبدل PageV11P506 فأما الشرع المنزل فهو ما ثبت عن الرسول من الكتاب ~~والسنة وهذا الشرع يجب على الأولين والآخرين اتباعه وافضل أولياء الله ~~أكملهم اتباعا له ومن لم يلتزم هذا الشرع أو طعن فيه أو جوز لأحد الخروج ~~عنه فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل # واما المؤول فهو ما اجتهد فيه العلماء من الأحكام فهذا من قلد فيه إماما ~~من الأئمة ساغ ذلك له ولا يجب على الناس التزام قول إمام معين # وأما الشرع المبدل فهو الأحاديث المكذوبة والتفاسير المقلوبة والبدع ~~المضلة التى أدخلت في الشرع وليست منه والحكم بغير ما انزل الله فهذا ونحوه ~~لا يحل لأحد اتباعه # وانما حكم الحكام بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر وحكم الحاكم لا يحيل ~~الأشياء عن حقائقها فقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( إنكم تختصمون إلى ~~ولعل بعضكم ان يكون ألحن بحجته من بعض وإنما اقضى بنحو ما أسمع فمن قضيت له ~~من أخيه شيئا فلا يأخذه فانما أقطع له قطعة من النار ( فهذا قول امام ~~الحكام وسيد ولد آدم PageV11P507 # وقال ( إذا اجتهد الحاكم فان أصاب فله ~~أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ( وقال ( القضاة ثلاثة قاضيان في النار ~~وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس بجهل فهو ~~في النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ( # ومن خرج عن الشرع الذى بعث الله به محمدا ظانا انه متبع للحقيقة فانه ~~مضاه للمشركين المكذبين للرسل ولفظ ( الحقيقة ( يقال على ( حقيقة كونية ( و ~~( حقيقة بدعية ( و ( حقيقة شرعية ( # ف ( الحقيقة الكونية ( مضمونها الايمان بالقضاء والقدر وان الله خالق كل ~~شيء وربه ومليكه وهذا مما يجب أن يؤمن به ولا يجوز أن يحتج به بل لله علينا ~~الحجة البالغة فمن احتج بالقدر فحجته داحضة ومن اعتذر بالقدر ms3610 عن المعاصى ~~فعذره غير مقبول # وأما ( الحقيقة البدعية ( فهي سلوك طريق الله سبحانه وتعالى مما يقع في ~~قلب العبد من الذوق والوجد والمحبة والهوى من غير اتباع الكتاب والسنة ~~كطريق النصارى فهم تارة يعبدون غير الله وتارة يعبدون بغير امر الله ~~كالنصارى المشركين الذين أتخذوا أحبارهم PageV11P508 ورهبانهم أربابا من ~~دون الله والمسيح بن مريم وابتدعوا الرهبانية فاشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وأما دين المسلمين فكما قال ~~الله تعالى @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال الفضيل بن ~~عياض ( اخلصه واصوبه قالوا ( وما أخلصه وأصوبه قال إن العمل إذا كان خالصا ~~ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون ~~خالصا صوابا والخالص ان يكون لله والصواب ان يكون على السنة ولهذا كان عمر ~~بن الخطاب يقول في دعائه ( اللهم اجعل عملى كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ~~ولا تجعل لأحد فيه شيئا ( # وأما ( الحقيقة الدينية ( وهى تحقيق ما شرعه الله ورسوله مثل الاخلاص لله ~~والتوكل على الله والخوف من الله والشكر لله والصبر لحكم الله والحب لله ~~ورسوله والبغض في الله ورسوله ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله فهذا حقائق ~~أهل الايمان وطريق أهل العرفان PageV11P509 ### ||| فصل # ( والأمر بالمعروف وهو الحق الذى بعث الله به رسوله والنهى عن المنكر وهو ~~ما خالف ذلك من أنواع البدع والفجور بل هو من أعظم الواجبات وأفضل الطاعات ~~بل هو طريق أئمة الدين ومشائخ الدين نقتدى بهم فيه قال الله تعالى @QB@ ~~ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ~~هم المفلحون @QE@ وهذه الآية بها استدل المستدلون على أن شيوخ الدين يقتدى ~~بهم في الدين فمن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر لم يكن من شيوخ الدين ~~ولا ممن يقتدى به ### ||| فصل # ( وأما لباس الخرقة التى يلبسها بعض المشائخ المريدين فهذه ليس لها أصل ms3611 ~~يدل عليها الدلالة المعتبرة من جهة الكتاب والسنة ولا كان المشائخ ~~المتقدمون وأكثر المتأخرين يلبسونها المريدين ولكن طائفة من PageV11P510 ~~المتأخرين رأوا ذلك واستحبوه وقد استدل بعضهم بأن النبى ألبس أم خالد بنت ~~خالد بن سعيد بن العاص ثوبا وقال لها سنا والسنا بلسان الحبشة الحسن وكانت ~~قد ولدت بأرض الحبشة فلهذا خاطبها بذلك اللسان واستدلوا أيضا بحديث البردة ~~التى نسجتها امرأة للنبى فسأله إياها بعض الصحابة فأعطاه إياها وقال ( اردت ~~ان تكون كفنا لى ( # وليس في هذين الحديثين دليل على الوجه الذى يفعلونه فان اعطاء الرجل ~~لغيره ما يلبسه كاعطائه إياه ما ينفعه واخذ ثوب من النبى على وجه البركة ~~كأخذ شعره على وجه البركة وليس هذا كلباس ثوب أو قلنسوة على وجه المتابعة ~~والاقتداء ولكن ( يشبه ) من بعض الوجوه خلع الملوك ( التى ( يخلعونها على ~~من يولونه كأنها شعار وعلامة على الولاية والكرامة ولهذا يسمونها تشريفا ~~وهذا ونحوه غايته ان يجعل من جنس المباحات فان اقترن به نية صالحة كان حسنا ~~من هذه الجهة واما جعل ذلك سنة وطريقا إلى الله سبحانه وتعالى فليس الأمر ~~كذلك # واما انتساب الطائفة إلى شيخ معين فلا ريب ان الناس يحتاجون من يتلقون ~~عنه الايمان والقرآن كما تلقى الصحابة ذلك عن النبى وتلقاه عنهم التابعون ~~وبذلك يحصل اتباع السابقين PageV11P511 الاولين باحسان فكما ان المرأ له من ~~يعلمه القرآن ونحوه فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر ولا يتعين ذلك ~~في شخص معين ولا يحتاج الانسان في ذلك ان ينتسب إلى شيخ معين كل من افاد ~~غيره افادة دينية هو شيخه فيها وكل ميت وصل إلى الانسان من اقواله وأعماله ~~وآثاره ما انتفع به في دينه فهو شيخه من هذه الجهة فسلف الامة شيوخ الخلفاء ~~قرنا بعد قرن وليس لاحد أن ينتسب إلى شيخ يوالى على متابعته ويعادى على ذلك ~~بل عليه ان يوالى كل من كان من أهل الايمان ومن عرف منه التقوى من جميع ~~الشيوخ وغيرهم ولا يخص أحدا بمزيد موالات الا إذا ms3612 ظهر له مزيد إيمانه ~~وتقواه فيقدم من قدم الله تعالى ورسوله عليه ويفضل من فضله الله ورسوله قال ~~الله تعالى @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ # وقال النبى ( لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا اسود على ~~أبيض ولا لابيض على اسود إلا بالتقوى PageV11P512 ### ||| فصل # ( وأما قول القائل أنت للشيخ فلان وهو شيخك في الدنيا والآخرة فهذه بدعة ~~منكرة من جهة انه جعل نفسه لغير الله ومن جهة ان قوله شيخك في الدنيا ~~والآخرة كلام لا حقيقة له فانه ان اراد انه يكون معه في الجنة فهذا إلى ~~الله لا إليه وان اراد انه يشفع فيه فلا يشفع أحد لاحد إلا باذن الله تعالى ~~إن اذن له ان يشفع فيه وإلا لم يشفع وليس بقوله أنت شيخى في الآخرة يكون ~~شافعا له هذا إن كان الشيخ ممن له شفاعة فقد تقدم ان سيد المرسلين والخلق ~~لا يشفع حتى يأذن الله له في الشفاعة بعد امتناع غيره منها وكم من مدع ~~للمشيخة وفيه نقص من العلم والايمان ما لا يعلمه إلا الله تعالى # وقول القائل ( لو احسن احدكم ظنه بحجر لنفعه الله به ( هو من كلام أهل ~~الشرك والبهتان فان عباد الاصنام أحسنوا ظنهم بها فكانوا هم واياها من حصب ~~جهنم كما قال الله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم ~~لها واردون @QE@ PageV11P513 لكن قال النبى ( يقول الله تعالى أنا عند ظن ~~عبدى بى وأنا معه إذا ذكرنى فان ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى وان ذكرنى في ~~ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وان تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا وان تقرب ~~إلى ذراعا تقربت إليه باعا وان أتانى يمشى اتيته هرولة ( ومن امكنه الهدى ~~من غير انتساب إلى شيخ معين فلا حاجة به إلى ذلك ولا يستحب له ذلك بل يكره ~~له # واما ان كان لا يمكنه أن يعبد الله بما أمره ms3613 إلا بذلك مثل أن يكون في ~~مكان يضعف فيه الهدى والعلم والايمان والدين يعلمونه ويؤدبونه لا يبذلون له ~~ذلك إلا بانتساب إلى شيخهم أو يكون انتسابه إلى شيخ يزيد في دينه وعلمه ~~فانه يفعل الاصلح لدينه وهذا لا يكون في الغالب إلا لتفريطه وإلا فلو طلب ~~الهدى على وجهه لوجده # فاما الانتساب الذى يفرق بين المسلمين وفيه خروج عن الجماعة والائتلاف ~~إلى الفرقة وسلوك طريق الابتداع ومفارقة السنة والاتباع فهذا مما ينهى عنه ~~ويأثم فاعله ويخرج بذلك عن طاعة الله ورسوله PageV11P514 ### ||| فصل # ( وأما قول القائل إن الله يرضى لرضا المشائخ ويغضب لغضبهم فهذا الحكم ~~ليس هو لجميع المشائخ ولا مختص بالمشائخ بل كل من كان موافقا لله يرضى ما ~~يرضاه الله ويسخط ما يسخط الله كان الله يرضى لرضاه ويغضب لغضبه من المشائخ ~~وغيرهم ومن لم يكن كذلك من المشائخ لم يكن من أهل هذه الصفة ومنه قول النبى ~~لأبى بكر الصديق رضى الله عنه وكان قد جرى بينه وبين صهيب وخباب وبلال ~~وغيرهم كلام في ابى سفيان إبن حرب فانه مر بهم فقالوا ( ما أخذت السيوف من ~~عدو الله مأخذها فقال اتقولون هذا لكبير قريش ودخل على النبى فأخبره فقال ~~لعلك أغضبتهم يا أبا بكر لئن كنت أغضبتهم لقد اغضبت ربك ( أو كما قال قال ~~فخرج عليهم أبو بكر فقال لهم يا اخوانى اغضبتكم قالوا لا يغفر الله لك يا ~~أبا بكر فهؤلاء كان غضبهم لله # وفى صحيح البخارى عن النبى قال ( يقول PageV11P515 الله تعالى من عادى لى ~~وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره ~~الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر ~~وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن ~~شيء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد ~~له ms3614 منه ( # فهذا المؤمن الذى تقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض احبه الله لأنه فعل ~~ما احبه الله والجزاء من جنس العمل قال الله تعالى @QB@ رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه @QE@ ( وفى الحقيقة فالعبد الذى يرضى الله لرضاه ويغضب لغضبه هو ~~يرضى لرضا الله ويغضب لغضب الله وليكن هذان مثالان فمن أحب ما أحب الله ~~وابغض ماأبغض الله ورضى ما رضى الله لما يرضى الله ويغضب لما يغضب لكن هذا ~~لا يكون للبشر على سبيل الدوام بل لا بد لأكمل الخلق ان يغضب احيانا غضب ~~البشر ويرضى رضا البشر # ولهذا قال النبى في الحديث الصحيح ( اللهم إنما أنا بشر اغضب كما يغضب ~~البشر فأيما مسلم سببته أو لعنته وليس لذلك بأهل فاجعل ذلك له صلاة وزكاة ~~وقربة تقربه اليك يوم القيامة PageV11P516 وقول النبى لأبى بكر لئن كنت ~~أغضبتهم لقد اغضبت ربك في قضية معينة لكون غضبه لاجل أبى سفيان وهم كانوا ~~يغضبون لله وإلا فأبو بكر أفضل من ذلك وبالجملة فالشيوخ والملوك وغيرهم إذا ~~أمروا بطاعة الله ورسوله أطيعوا وان امروا بخلاف ذلك لم يطاعوا فانه لا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق وليس أحد معصوما إلا رسول الله وهذا في الشيخ ~~الذى ثبت معرفته بالدين وعمله به # واما من كان مبتدعا بدعة ظاهرة أو فاجرا فجورا ظاهرا فهذا إلى أن تنكر ~~عليه بدعته وفجوره أحوج منه إلى ان يطاع فيما يأمر به لكن أن امر هو أو ~~غيره بما أمر الله به ورسوله وجبت طاعة الله ورسوله فان طاعة الله ورسوله ~~واجبة على كل أحد في كل حال ولو كان الآمر بها كائنا من كان ### ||| فصل # ( واما قوله صلى الله عليه وسلم ( المرء مع من احب ( فهو من أصح الأحاديث ~~وقال انس فما فرح المسلمون بشيء بعد الاسلام فرحهم بهذا الحديث فأنا أحب ~~رسول الله وأبا بكر وعمر وارجو ان أحشر PageV11P517 معهم وان لم أعمل مثل ~~أعمالهم وكذلك ( اوثق عرى الاسلام الحب في الله والبغض في الله ( لكن هذا ~~بحيث ان يحب ms3615 المرء ما يحبه الله ومن يحب الله فيحب انبياء الله كلهم لأن ~~الله يحبهم ويحب كل من علم أنه مات علي الايمان والتقوى فإن هؤلاء أولياء ~~الله والله يحبهم كالذين شهد لهم النبى صلى الله عليه وسلم بالجنة وغيرهم ~~من أهل بدر وأهل بيعة الرضوان # فمن شهد له النبى بالجنة شهدنا له بالجنة وأما من لم يشهد له بالجنة فقد ~~قال طائفة من أهل العلم لا نشهد له بالجنة ولا نشهد أن الله يحبه وقال ~~طائفة بل من استفشى من بين الناس إيمانه وتقواه واتفق المسلمون على الثناء ~~عليه كعمر بن عبد العزيز والحسن البصرى وسفيان الثورى وأبى حنيفة ومالك ~~والشافعى واحمد والفضيل بن عياض وأبى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى وعبد ~~الله بن المبارك رضى الله عنهم وغيرهم شهدنا لهم بالجنة لأن في الصحيح ( ان ~~النبى مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت وجبت ومر عليه بجنازة ~~فأثنوا عليها شرا فقال وجبت وجبت قالوا يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت قال ~~هذه الجنازة اثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم ~~عليها شرا فقلت وجبت لها النار قيل PageV11P518 بم يا رسول الله قال ~~بالثناء الحسن والثناء السىء ( # وإذا علم هذا فكثير من المشهورين بالمشيخة في هذه الأزمان قد يكون فيهم ~~من الجهل والضلال والمعاصى والذنوب ما يمنع شهادة الناس لهم بذلك بل قد ~~يكون فيهم المنافق والفاسق كما ان فيهم من هو من اولياء الله المتقين وعباد ~~الله الصالحين وحزب الله المفلحين كما ان غير المشائخ فيهم هؤلاء وهؤلاء في ~~الجنة والتجار والفلاحون وغيرهم من ( هذه ) الأصناف # إذا كان كذلك فمن طلب ان يحشر مع شيخ لم يعلم عاقبته كان ضالا بل عليه أن ~~يأخذ بما يعلم فيطلب أن يحشره الله مع نبيه والصالحين من عباده كما قال ~~الله تعالى @QB@ وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ~~@QE@ وقال الله تعالى @QB@ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ms3616 ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ وعلى هذا فمن احب شيخا مخالفا للشريعة كان ~~معه فاذا دخل الشيخ النار كان معه ومعلوم أن الشيوخ المخالفين للكتاب ~~والسنة أهل الضلال والجهالة فمن كان معهم كان مصيره مصير أهل الضلال ~~والجهالة واما من كان من أولياء الله المتقين كأبى بكر وعمر وعثمان ~~PageV11P519 وعلى وغيرهم فمحبة هؤلاء من اوثق عرى الايمان وأعظم حسنات ~~المتقين # ولو أحب الرجل لما ظهر له من الخير الذى يحبه الله ورسوله أثابه الله على ~~محبة ما يحبه الله ورسوله وإن لم يعلم حقيقة باطنه فان الأصل هو حب الله ~~وحب ما يحبه الله فمن أحب الله واحب ما يحبه الله كان من أولياء الله وكثير ~~من الناس يدعى المحبة من غير تحقيق قال الله تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ قال بعض السلف ادعى قوم ~~على عهد رسول الله أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية فمحبة الله ورسوله ~~وعباده المتقين تقتضى فعل محبوباته وترك مكروهاته والناس يتفاضلون في هذا ~~تفاضلا عظيما فمن كان أعظم نصيبا من ذلك كان أعظم درجة عند الله # وأما من أحب شخصا لهواه مثل ان يحبه لدنيا يصيبها منه أو لحاجة يقوم له ~~بها أو لمال يتآكله به أو بعصبية فيه ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة ~~لله بل هذه محبة لهوى النفس وهذه المحبة هي التى توقع أصحابها في الكفر ~~والفسوق والعصيان وما أكثر من يدعى حب مشايخ لله ولو كان يحبهم لله لأطاع ~~الله الذى PageV11P520 أحبهم لأجله فان المحبوب لأجل غيره تكون محبته تابعة ~~لمحبة ذلك الغير # وكيف يحب شخصا لله من لا يكون محبا لله وكيف يكون محبا لله من يكون معرضا ~~عن رسول الله وسبيل الله وما أكثر من يحب شيوخا أو ملوكا أو غيرهم فيتخذهم ~~اندادا يحبهم كحب الله # والفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله ظاهر فاهل الشرك يتخذون اندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا ms3617 اشد حبا لله وأهل الايمان يحبون ذلك لأن أهل ~~الايمان أصل حبهم هو حب الله ومن احب الله احب من يحبه ومن أحبه الله ~~فمحبوب المحبوب محبوب ومحبوب الله يحب الله فمن أحب الله فيحبه من أحب الله # وأما أهل الشرك فيتخذون اندادا أو شفعاء يدعونهم من دون الله قال الله ~~تعالى @QB@ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم ~~وضل عنكم ما كنتم تزعمون @QE@ وقال الله تعالى @QB@ وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون ~~@QE@ PageV11P521 # وقال الله تعالى @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا ~~إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون @QE@ وقال الله تعالى ~~@QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون @QE@ # والله تعالى بعث الرسل وانزل الكتب ليكون الدين كله لله وقال النبى صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( أنا معشر الأنبياء ديننا واحد ( فالدين ~~واحد وان تفرقت الشرعة والمنهاج قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال ~~الله تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت @QE@ # ومن حين بعث الله محمدا ما يقبل من أحد بلغته الدعوة إلا الدين الذى بعثه ~~به فان دعوته عامة لجميع الخلائق قال الله تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس @QE@ وقال ( لا يسمع بى من هذه الامة يهودى ولا نصرانى ثم لا يؤمن ~~PageV11P522 بي ms3618 إلا دخل النار ( قال الله تعالى @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون قل يا أيها الناس إني رسول ~~الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت ~~فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم ~~تهتدون @QE@ # فعلى الخلق كلهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم فلا يعبدون الا الله ~~ويعبدونه بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا بغيرها قال الله تعالى @QB@ ثم ~~جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن ~~يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ~~@QE@ ويجتمعون على ذلك ولا يتفرقون كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( ان الله يرضى لكم ثلاثا ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ~~وان تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وان تناصحوا من ولاه الله أمركم ( ~~وعبادة الله تتضمن كمال محبة الله وكمال الذل لله فاصل الدين وقاعدته يتضمن ~~ان يكون الله PageV11P523 هو المعبود الذى تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها ~~اله سواه والإله ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والاجلال ~~والاعظام ونحو ذلك # والله سبحانه أرسل الرسل بانه لا اله إلا هو فتخلوا القلوب عن محبة ما ~~سواه ( بمحبته وعن رجاء ما سواه ( برجائه وعن سؤال ما سواه بسؤاله وعن ~~العمل لما سواه بالعمل له وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به ولهذا كان ~~وسط الفاتحة @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ قال النبى في الحديث الصحيح ~~( يقول الله تعالى قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فاذا قال @QB@ الحمد ~~لله رب العالمين @QE@ قال الله حمدنى عبدى فاذا قال @QB@ الرحمن ms3619 الرحيم ~~@QE@ قال اثنى على عبدى واذا قال @QB@ مالك يوم الدين @QE@ قال مجدنى عبدى ~~واذا قال @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ قال هذه الاية بينى وبين عبدى ~~نصفين ولعبدى ما سأل واذا قال @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ @QB@ صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ قال هؤلاء لعبدى ~~ولعبدى ما سأل ( # فوسط السورة @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فالدين ان لا يعبد الا ~~الله ولا يستعان إلا اياه # والملائكة والانبياء وغيرهم عباد الله كما قال تعالى @QB@ لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا @QE@ PageV11P524 فالحب لغير ~~الله كحب النصارى للمسيح وحب اليهود لموسى وحب الرافضة لعلى وحب الغلاة ~~لشيوخهم وأئمتهم مثل من يوالى شيخا أو اماما وينفر عن نظيره وهما متقاربان ~~أو متساويان في الرتبة فهذا من جنس أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الرسل ~~وكفروا ببعض وحال الرافضة الذين يوالون بعض الصحابة ويعادون بعضهم وحال أهل ~~العصبية من المنتسبين إلى فقه وزهد الذين يوالون ( بعض ) الشيوخ والائمة ~~دون البعض وانما المؤمن من يوالى جميع أهل الايمان قال الله تعالى @QB@ ~~إنما المؤمنون إخوة @QE@ وقال النبى ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا ( وشبك بين أصابعه وقال ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد ~~اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ( وقال عليه السلام ( ~~لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا ( # ومما يبين الحب لله والحب لغير الله ان أبا بكر كان يحب النبى مخلصا لله ~~وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله فتقبل الله عمل أبى بكر وانزل ~~فيه @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى ~~إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى @QE@ PageV11P525 واما أبو طالب فلم ~~يتقبل عمله بل ادخله النار لأنه كان مشركا عاملا لغير الله ms3620 وابو بكر لم ~~يطلب اجره من الخلق لا من النبى ولا من غيره بل من آمن به وأحبه وكلأه ~~واعانه بنفسه وماله متقربا بذلك إلى الله وطالبا الاجر من الله ورسوله يبلغ ~~عن الله امره ونهيه ووعده ووعيده قال تعالى @QB@ فإنما عليك البلاغ وعلينا ~~الحساب @QE@ # والله هو الذى يخلق ويرزق ويعطى ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل وهو سبحانه ~~مسبب الأسباب ورب كل شيء ومليكه # والأسباب التى يفعلها العباد مما أمر الله به وأباحه فهذا يسلك وأما ما ~~ينهى عنه نهيا خالصا أو كان من البدع التى لم يأذن الله بها فهذا لا يسلك ~~قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ بين سبحانه ضلال الذين يدعون المخلوق من ~~الملائكة والأنبياء وغيرهم المبين أن المخلوقين لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض ثم بين أنه لا شركة لهم ثم بين أنه لا عون له ولا ~~ظهير لأن أهل الشرك يشبهون الخالق بالمخلوق كما يقول بعضهم إذا كانت ~~PageV11P526 لك حاجة استوصى الشيخ فلان فانك تجده أو توجه إلى ضريحه خطوات ~~وناده يا شيخ يقضى حاجتك وهذا غلط لا يحل فعله وان كان من هؤلاء الداعين ~~لغير الله من يرى صورة المدعو أحيانا فذلك شيطان تمثل له كما وقع مثل هذا ~~لعدد كثير # ونظير هذا قول بعض الجهال من اتباع الشيخ عدى وغيره كل رزق لا يجيء على ~~يد الشيخ لا أريده والعجب من ذى عقل سليم يستوصى من هو ميت يستغيث به ولا ~~يستغيث بالحى الذى لا يموت ويقوى الوهم عنده انه لولا استغاثته بالشيخ ~~الميت لما قضيت حاجته فهذا حرام فعله # ويقول أحدهم إذا كانت لك حاجة إلى ملك توسلت إليه بأعوانه فهكذا يتوسل ~~إليه بالشيوخ وهذا كلام أهل الشرك والضلال فان الملك لا يعلم حوائج رعيته ~~ولا يقدر على قضائها ms3621 وحده ولا يريد ذلك الا لغرض يحصل له بسبب ذلك والله ~~أعلم بكل شيء يعلم السر وأخفى وهو على كل شيء قدير فالاسباب منه وإليه وما ~~من سبب من الأسباب الا دائر موقوف على أسباب أخرى وله معارضات فالنار لا ~~تحرق إلا إذا كان المحل قابلا فلا تحرق السمندل وإذا شاء الله منع أثرها ~~كما فعل بإبراهيم عليه السلام PageV11P527 وأما مشيئة الرب فلا تحتاج إلى ~~غيره ولا مانع لها بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهو سبحانه ارحم ~~من الوالدة بولدها يحسن إليهم ويرحمهم ويكشف ضرهم مع غناه عنهم وافتقارهم ~~إليه @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ # فنفى الرب هذا كله فلم يبق الا الشفاعة فقال @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له @QE@ وقال @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ فهو ~~الذى يأذن في الشفاعة وهو الذى يقبلها فالجميع منه وحده وكلما كان الرجل ~~أعظم اخلاصا كانت شفاعة الرسول اقرب إليه قال له أبو هريرة من اسعد الناس ~~بشفاعتك يا رسول الله قال ( من قال لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله ( # وأما الذين يتوكلون على فلان ليشفع لهم من دون الله تعالى ويتعلقون بفلان ~~فهؤلاء من جنس المشركين الذين اتخذوا شفعاء من دون الله تعالى قال الله ~~تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون قل لله الشفاعة جميعا @QE@ وقال الله تعالى @QB@ ثم استوى على العرش ~~ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ وقال @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~@QE@ PageV11P528 # قال طائفة من السلف كان قوم يدعون المسيح والعزير والملائكة فبين الله ~~تعالى أن هؤلاء الملائكة والأنبياء عباده كما أن هؤلاء عباده وهؤلاء ~~يتقربون إلى الله وهؤلاء يرجون رحمة الله وهؤلاء يخافون عذاب الله ~~فالمشركون اتخذوا مع الله اندادا ms3622 يحبونهم كحب الله واتخذوا شفعاء يشفعون ~~لهم عند الله ففيهم محبة لهم واشراك بهم وفيهم من جنس ما في النصارى من حب ~~المسيح واشراك به والمؤمنون اشد حبا لله فلا يعبدون إلا الله وحده ولا ~~يجعلون معه شيئا يحبونه كمحبته لا انبيائه ولا غيرهم بل احبوا ما احبه ~~بمحبتهم لله وأخلصوا دينهم لله وعلموا ان أحدا لا يشفع لهم إلا باذن الله ~~فاحبوا عبد الله ورسوله محمدا لحب الله وعلموا انه عبد الله المبلغ عن الله ~~فأطاعوه فيما امر وصدقوه فيما أخبر ولم يرجوا الا الله ولم يخافوا الا الله ~~ولم يسألوا الا الله وشفاعته لمن يشفع له هو باذن الله فلا ينفع رجاؤنا ~~للشفيع ولا مخافتنا له وانما ينفع توحيدنا واخلاصنا لله وتوكلنا عليه فهو ~~الذى يأذن للشفيع # فعلى المسلم ان يفرق بين محبة المؤمنين ودينهم ومحبة النصارى PageV11P529 ~~والمشركين ودينهم ويتبع أهل التوحيد والايمان ويخرج عن مشابهة المشركين ~~وعبدة الصلبان # وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ثلاث من كن فيه وجد ~~بهن حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب ~~المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره ان يرجع في الكفر بعد إذ انقذه الله ~~منه كما يكره ان يلقى في النار ( وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ وقال الله تعالى ~~@QB@ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم @QE@ وهذا باب واسع ودين الاسلام ~~مبنى على هذا الأصل والقرآن يدور عليه PageV11P530 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه ( # عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد وتعلق كل منهم ~~بسبب واستند إلى قول قيل فمنهم ms3623 من هو مكب على حضور السماعات المحرمة التى ~~تعمل بالدفوف التى بالجلاجل والشبابات المعروفة في هذا الزمان ويحضرها ~~المردان والنسوان ويستند في ذلك إلى دعوى جواز حضور السماع عند الشافعى ~~وغيره من الأئمة ### ||||| فأجاب # أما السماعات المشتملة على الغناء والصفارات والدفوف المصلصلات فقد ~~أتفق أئمة الدين أنها ليست من جنس القرب والطاعات بل ولو لم يكن على ذلك ~~كالغناء والتصفيق باليد والضرب بالقضيب والرقص ونحو ذلك فهذا وان كان فيه ~~ما هو مباح وفيه ما هو مكروه وفيه ما هو محظور أو مباح للنساء دون الرجال ~~فلا نزاع بين أئمة الدين أنه ليس من جنس القرب والطاعات والعبادات ولم يكن ~~أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الدين وغيرهم من مشايخ الدين PageV11P531 ~~يحضرون مثل هذا السماع لا بالحجاز ولا مصر ولا الشام ولا العراق ولا خراسان ~~لا في زمن الصحابة والتابعين ولا تابعيهم # لكن حدث بعد ذلك فكان طائفة يجتمعون على ذلك ويسمون الضرب بالقضيب على ~~جلاجل ونحوه ( التغبير ( قال الحسن بن عبد العزيز الحرانى سمعت الشافعى ~~يقول خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن ~~القرآن وهذا من كمال معرفة الشافعى وعلمه بالدين فان القلب إذا تعود سماع ~~القصائد والأبيات والتذ بها حصل له نفور عن سماع القرآن والآيات فيستغنى ~~بسماع الشيطان عن سماع الرحمن # وقد صح عن النبى انه قال ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( وقد فسره ~~الشافعى واحمد بن حنبل وغيرهما بأنه من الصوت فيحسنه بصوته ويترنم به بدون ~~التلحين المكروه وفسره بن عيينة وأبو عبيد وغيرهما بأنه الاستغناء به وهذا ~~وان كان له معنى صحيح فالأول هو الذى دل عليه الحديث فانه قال ( ليس منا من ~~لم يتغن بالقرآن يجهر به ( وفى الأثر ( ان العبد إذا ركب الدابة أتاه ~~الشيطان وقال له تغن فان لم يتغن قال له تمن ( فان PageV11P532 النفس لابد ~~لها من شيء في الغالب تترنم به فمن لم يترنم بالقرآن ترنم بالشعر # وسماع القرآن هو سماع النبيين والمؤمنين والعارفين والعالمين قال ms3624 الله ~~تعالى @QB@ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا ~~مع نوح @QE@ الآية وقال @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول @QE@ الآية ~~وقال تعالى @QB@ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم @QE@ الآيتين ~~وقال @QB@ الله نزل أحسن الحديث @QE@ ( الآية وقال @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ الآية # وهذا ( السماع ( هو الذى شرعه الله للمؤمنين في الصلاة وخارج الصلاة وكان ~~أصحاب رسول الله إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ والناس يستمعون # ومر النبى بأبى موسى وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته وقال ( مررت بك البارحة ~~وأنت تقرأ فجعلت استمع لقراءتك ( فقال لو علمت انك تسمع لحبرته لك تحبيرا ~~أى لحسنته تحسينا ( وكان عمر يقول لأبى موسى ذكرنا ربنا فيقرأوهم يستمعون ~~لقراءته وقال النبى لابن مسعود ( اقرأ على القرآن فقال اقرأ عليك وعليك ~~أنزل قال PageV11P533 انى أحب أن أسمعه من غيرى فقرأت عليه سورة النساء حتى ~~اذا بلغت هذه الآية @QB@ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا @QE@ فقال حسبك فنظرت فاذا عيناه تذرفان بالدمع ( فهذا هو السماع ~~الذى يسمعه سلف الأمة وقرونها المفضلة وخيار الشيوخ انما يقولون بهذا ~~السماع # واما الاستماع إلى القصائد الملحنة والاجتماع عليها فاكابر الشيوخ لم ~~يحضروا هذا السماع كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وابى سليمان الدارانى ~~ومعروف الكرخى والسرى السقطى وأمثالهم من المتأخرين كالشيخ عبد القادر ~~والشيخ عدى بن مسافر والشيخ أبى مدين والشيخ أبى البيان وأمثال هؤلاء ~~المشائخ فانهم لم يكونوا يحضرون هذا السماع وقد حضره طائفة من الشيوخ ~~وأكابرهم ثم تابوا منه ورجعوا عنه وكان الجنيد رحمه الله تعالى لا يحضره في ~~آخر عمره ويقول من تكلف السماع فتن به ومن صادفه السماع استراح به أى من ~~قصد السماع صار مفتونا وأما من سمع بيتا يناسب حاله بلا اقتصاد فهذا يستريح ~~به # والذين حضروا السماع المحدث الذى جعله الشافعى من أحداث الزنادقة لم ~~يكونوا يجتمعون مع مردان ونسوان ولا مع مصلصلات وشبابات وكانت اشعارهم ~~مزهدات ms3625 مرققات PageV11P534 # فاما ( السماع ( المشتمل على منكرات الدين فمن عده من القربات استتيب فان ~~تاب والا قتل وان كان متأولا جاهلا بين له خطأ تأويله وبين له العلم الذى ~~يزيل الجهل هذا من كونه طريقا إلى الله # وأما كونه محرما على من يفعله على وجه اللهو واللعب لا على وجه القربة ~~إلى الله فهذا فيه تفصيل فأما المشتمل على الشبابات والدفوف المصلصلة فمذهب ~~الأئمة الأربعة تحريمه وذكر أبو عمرو إبن الصلاح ان هذا ليس فيه خلاف في ~~مذهب الشافعى فان الخلاف انما حكى في اليراع المجرد مع ان العراقيين من ~~أصحاب الشافعى لم يذكروا في ذلك نزاعا ولا متقدمة الخراسانيين وانما ذكره ~~متأخروا الخراسانيين # وقد ثبت في صحيح البخارى وغيره ان النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الذين ~~يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف على وجه الذم لهم وان الله معاقبهم ~~فدل هذا الحديث على تحريم المعازف والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة ~~وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها # ولهذا قال الفقهاء ان من أتلفها فلا ضمان عليه اذا أزال التألف ~~PageV11P535 المحرم وان اتلف المالية ففيه نزاع ومذهب أحمد المشهور عنه ~~ومالك أنه لاضمان في هذه الصور ايضا وكذلك اذا اتلف دنان الخمر وشق ظروفه ~~واتلف الأصنام المتخذة من الذهب كما اتلف موسى عليه السلام العجل المصنوع ~~من الذهب وأمثال ذلك PageV11P536 ### |||| ( وسئل ( # عمن يؤاخى النسوان ويظهر شيئا من ~~جنس الشعبذة كنقش شيء من القطن أو الخرقة باللاذن أو بغير ذلك أو يمسك ~~النار مباشرة بكفه أو باصابعه بلا حائل بينه وبينها الخ ### ||||| فأجاب # اما مؤاخاة النساء واظهار الاشارات المذكورة فهي من أحوال اخوان ~~الشياطين وأصحاب هذه الاشارات ليس فيهم ولى لله بل هم بين حال شيطانى ومحال ~~بهتانى من حال ابليس ومحال تلبيس # وهولاء أصل حالهم ان الشياطين تنزل على من يعمل ما يحبه الشيطان من الكذب ~~والفجور فاذا خرج أحدهم عن العقل والدين وصار من المتهوكين الذين يطيعون ~~الشيطان ويعصون الرحمن وله شخير ونخير كأصوات الحمير يحضر أحدهم السماع ~~ويؤاخون ms3626 النسوان ويتخذون الجيران ويرقصون كالقرود وينقرون في صلاتهم الركوع ~~والسجود يبغضون سماع القرآن واتباع شريعة الرحمن تنزلت عليهم الشياطين التى ~~تنزل على كل افاك اثيم فمنهم من ترفعه PageV11P537 في الهواء ومنهم من ~~تدخله النار ومنهم من يمشى ومعه ضوء يريه ان ذلك كرامات ومنهم من يستغيث ~~بالشيخ ويخاطب من يستغيث بالشيخ حتى يرى أن ذلك كرامة للشيخ ومنهم من يحضر ~~طعاما وفاكهة وحلوى إلى أمور أخرى قد عرفناها وعرفنا من وقعت له هذه الأمور ~~واضعافها # فإذا تاب الرجل والتزم دين الاسلام وصلى صلاة المسلمين وتاب عما حرمه رب ~~العالمين واعتاض بسماع القرآن عن سماع الشيطان ذهبت تلك الأحوال الشيطانية ~~فان قوى ايمانه حصلت له مقامات الصالحين وإلا كفاه ان يكون من أهل جنة ~~النعيم وهذا بين يعرف المسلم ان هذه الأحوال شيطانية لا كرامات ايمانية ~~PageV11P538 ### |||| ( وسئل # ( عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة من الفساد ومنهم من ~~يقول إن غاية التحقيق وكمال سلوك الطريق ترك التكليف بحيث أنه إذا الزم ~~بالصلاة يقوم ويقول خرجنا من الحضرة ووقفنا بالباب ### ||||| فأجاب # اما من جعل كمال التحقيق الخروج من التكليف فهذا مذهب الملاحدة من ~~القرامطة والباطنية ومن شابههم من الملاحدة المنتسبين إلى علم أو زهد أو ~~تصوف أو تزهد # يقول أحدهم ان العبد يعمل حتى تحصل له المعرفة فاذا حصلت زال عنه التكليف ~~ومن قال هذا فانه كافر مرتد باتفاق أئمة الاسلام فانهم متفقون على أن الأمر ~~والنهى جار على كل بالغ عاقل إلى أن يموت قال تعالى @QB@ واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين @QE@ قال الحسن البصرى لم يجعل الله لعمل المؤمن غاية دون ~~الموت وقرأ هذه الآية و @QB@ اليقين @QE@ هنا ما بعد الموت كما قال تعالى ~~في الآية الاخرى @QB@ وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين @QE@ ومنه قول ~~النبى صلى الله عليه وسلم في PageV11P539 الحديث الصحيح لما مات عثمان بن ~~مظعون ( اما عثمان فانه اتاه اليقين من ربه ( وقد سئل الجنيد بن محمد رحمه ~~الله تعالى عمن يقول انه وصل من طريق البر إلى ms3627 ان تسقط عنه الأعمال # فقال الزنى والسرقة وشرب الخمر خير من قول هؤلاء ولقد صدق الجنيد رحمه ~~الله فان هذه كبائر وهذا كفر ونفاق والكبائر خير من الكفر والنفاق # وقول الواحد من هؤلاء خرجنا من الحضرة إلى الباب كلمة حق اريد بها باطل ~~فانهم خرجوا من حضرة الشيطان إلى باب الرحمن كما يحكى عن بعض شيوخ هؤلاء ~~انهم كانوا في سماع فأذن المؤذن فقام إلى الصلاة فقال كنا في الحضرة فصرنا ~~إلى الباب ولا ريب انه كان في حضرة الشيطان فصار على باب الرحمن اما كونه ~~أنه كان في حضرة الله فصار على بابه فهذا ممتنع عند من يؤمن بالله ورسوله ~~فانه قد ثبت عن النبى ( بأن العبد اقرب ما يكون من ربه وهو ساجد ( وقد قال ~~النبى ( استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على ~~الوضوء الا مؤمن ( # وفى الصحيح عن بن مسعود عن النبى ( انه PageV11P540 ### |||| سئل # أى الأعمال أفضل ### ||||| قال # الصلاة على مواقيتها ( وفى الحديث عن النبى أنه قال ( أول ما يحاسب ~~عليه العبد من عمله صلاته ( وآخر شيء وصى به النبى امته الصلاة وكان يقول ( ~~جعلت قرة عينى في الصلاة ( وكان يقول ( ارحنا يا بلال بالصلاة ( ولم يقل ~~ارحنا منها فمن لم يجد قرة عينه وراحة قلبه في الصلاة فهو منقوص الايمان ~~قال الله تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين @QE@ وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( راس الأمر الاسلام وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ( # وهذا باب واسع لا ينكره من آمن بالله ورسوله PageV11P541 ### || 1 ( رسالة في ما أحدثته الصوفية ) 1 ### |||| ! 8 < ( سئل شيخ الاسلام ( الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية رحمه الله # عما ~~أحدثه الفقراء المجردون والمطوعون من صحبة الشباب ومؤاخاة النسوان ~~والماجريات وحط رؤوسهم بين يدي بعضهم بعضا وأكلهم مال بعضهم بعضا بغير حق ~~ومن جنى يشال تحت رجليه ويضرب بغير حق ووقوفهم كشوفوا الرؤوس منحنين ~~كالراكعين ووضع النعال على رؤوسهم ولباسهم الصوف والرقع والسجادة والسبحة ~~واكل ms3628 الحشيشة واذا جاءهم امرد فرضوا عليه ان يصحبه واحد منهم ويطلبوا منه ~~الصحبة هل يجوز ذلك أو نقل عن الصحابة ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما صحبة المردان على وجه الاختصاص بأحدهم كما يفعلونه ~~مع ما ينضم إلى ذلك من الخلوة بالأمرد الحسن ومبيته مع الرجل ونحو ذلك فهذا ~~من افحش المنكرات عند المسلمين وعند اليهود والنصارى وغيرهم فانه قد علم ~~بالاضطرار من دين الاسلام ودين سائر الأمم ) # بعد قوم لوط تحريم الفاحشة اللوطية ولهذا بين الله في كتابه انه لم ~~يفعلها قبل قوم لوط أحد من العالمين وقد عذب الله PageV11P542 المستحلين ~~لها بعذاب ما عذبه أحدا من الأمم حيث طمس ابصارهم وقلب مدائنهم فجعل عاليها ~~سافلها واتبعهم بالحجارة من السماء # ولهذا جاءت الشريعة بان الفاحشة التى فيها القتل يقتل صاحبها بالرجم ~~بالحجارة كما رجم النبى صلى الله عليه وسلم اليهوديين وما عز بن مالك ~~والاسلمى والغامدية وغيرهم ورجم بعده خلفاؤه الراشدون # والرجم شرعه الله لأهل التوراة والقرآن وفى السنن عن النبى ( من وجدتموه ~~يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ( ولهذا اتفق الصحابة على ~~قتلهما جميعا لكن تنوعوا في صفة القتل فبعضهم قال يرجم وبعضهم قال يرمى من ~~أعلى جدار في القرية ويتبع بالحجارة وبعضهم قال يحرق بالنار ولهذا كان مذهب ~~جمهور السلف والفقهاء انهما يرجمان بكرين كانا أو ثيبين حرين كانا أو ~~مملوكين أو كان أحدهما مملوكا للآخر وقد اتفق المسلمون على ان من استحلها ~~بمملوك أو غير مملوك فهو كافر مرتد # وكذلك مقدمات الفاحشة عند التلذذ بقبلة الامرد ولمسه والنظر إليه هو حرام ~~باتفاق المسلمين كما هو كذلك في المرأة الاجنبية كما ثبت في الصحيح عن ~~النبى انه قال ( العينان PageV11P543 تزنيان وزناهما النظر والاذن تزنى ~~وزناهما السمع واليد تزنى وزناها البطش والرجل تزنى وزناها المشى والقلب ~~يتمنى ويشتهى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ( # فاذا كان المستحل لما حرم الله كافرا فكيف بمن يجعله قربة وطريقا إلى ~~الله تعالى قال الله تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ms3629 ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون @QE@ وسبب نزول الآية أن غير الحمس من العرب كانوا يطوفون بالبيت ~~عراة فجعل الله كشف عورآتهم فاحشة وبين أن الله لا يأمر بالفحشاء ولهذا لما ~~حج أبو بكر الصديق قبل حجة الوداع نادى بأمر النبى وكان يحج المسلم والمشرك ~~لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فكيف بمن يستحل اتيان الفاحشة ~~الكبرى أو ما دونها ويجعل ذلك عبادة وطريقا وان كان طائفة من المتفلسفة ومن ~~وافقهم من ضلال المتنكسة جعلوا عشق الصور الجميلة من جملة الطريق التى تزكى ~~بها النفوس فليس هذا من دين المسلمين ولا اليهود ولا النصارى وإنما هو دين ~~أهل الشرك الذين شرعوا من الدين مالم يأذن به الله PageV11P544 وان كان ~~اتباع هؤلاء زادوا على ما شرعه ساداتهم وكبراؤهم زيادات من الفواحش التى لا ~~ترضاها القرود فانه قد ثبت في صحيح البخارى ( أن أبا عمران رأى في الجاهلية ~~قردا زنا بقردة فاجتمعت عليه القرود فرجمته ( ومثل ذلك قد شاهده الناس في ~~زماننا في غير القرود حتى الطيور # فلو كانت صحبة ( المردان ( المذكورة خالية عن الفعل المحرم فهي مظنة لذلك ~~وسبب له ولهذا كان المشائخ العارفون بطريق الله يحذرون من ذلك كما قال فتح ~~الموصلى ادركت ثلاثين من الأبدال كل ينهانى عند مفارقتى إياه عن صحبة ~~الأحداث وقال معروف الكرخى كانوا ينهون عن ذلك وقال بعض التابعين ما أنا ~~على الشاب الناسك من سبع يجلس إليه بأخوف منى عليه من حدث يجلس إليه وقال ~~سفيان الثورى وبشر الحافى ان مع المرأة شيطانا ومع الحدث شيطانين وقال ~~بعضهم ما سقط عبد من عين الله إلا ابتلاه الله بصحبة هؤلاء الأحداث وقد دخل ~~من فتنة الصور والأصوات على النساك مالا يعلمه إلا الله حتى اعترف اكابر ~~الشيوخ بذلك وتاب منهم من تداركه الله برحمته # ومعلوم أن هذا من باب اتباع الهوى بغير هدى من الله @QB@ ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من ms3630 الله @QE@ ومن استحل ذلك أو PageV11P545 اتخذه دينا ~~كان ضالا مضاهيا للمشركين والنصارى ومن فعله مع اعترافه بأنه ذنب أو معصية ~~كان عاصيا أو فاسقا # وكذلك مؤاخاة ( المرأة الأجنبية ( بحيث يخلو بها وينظر منها ما ليس ~~للاجنبى ان ينظره حرام باتفاق المسلمين واتخاذ ذلك دينا وطريقا كفر وضلال ~~والمال الذى يؤخذ لأجل إقرارهم ومعونة على محادثة الرجل الأمرد هي من جنس ~~جعل القوادة ومطالبتهم له بالصحبة من جنس العرس على البغى والله سبحانه ~~أباح النكاح غير مسافحين ولا متخذى اخدان فالمرأة المسافحة تزنى بمن اتفق ~~لها وكذلك الرجل المسافح الذى يزنى مع من اتفق له واما المتخذ الخدن فهو ~~الرجل يكون له صديقة والمرأة يكون لها صديق فالأمرد المخادن للواحد من ~~هؤلاء من جنس المرأة المتخذة خدنا وكذلك الجعل والمال الذى يؤخذ على هذا من ~~جنس مهر البغى وجعل القوادة ونحو ذلك # واما ( الماجريات ( فاذا اختصم رجلان بقول أو فعل وجب ان يقام في امرهما ~~بالقسط قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله @QE@ وقال @QB@ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط @QE@ وقال @QB@ وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله @QE@ ( الآية PageV11P546 وقد روى ~~ان اقتتالهما كان بالجريد والنعال # وقد قال تعالى @QB@ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف ~~أو إصلاح بين الناس @QE@ الآية وقال @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن ~~الله كان سميعا بصيرا @QE@ وقال @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله @QE@ وقال @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به @QE@ ~~الآية # فإن كان الشخصان قد اختصما نظر أمرهما فان تبين ظلم أحدهما كان المظلوم ~~بالخيار بين الاستيفاء والعفو والعفو أفضل فان كان ظلمه بضرب أو لطم فله أن ~~يضربه أو يلطمه كما فعل به عند جماهير السلف وكثير من الأئمة وبذلك جاءت ~~السنة ms3631 وقد قيل انه يؤدب ولا قصاص في ذلك # وان كان قد سبه فله أن يسبه مثل ما سبه إذا لم يكن فيه عدوان على حق محض ~~لله أو على غير الظالم فاذا لعنه أو سماه باسم كلب ونحوه فله أن يقول له ~~مثل ذلك فاذا لعن اباه لم يكن له أن يلعن اباه لأنه لم يظلمه وان افترى ~~عليه كذبا لم يكن له ان يفترى عليه كذبا لأن الكذب حرام لحق الله كما قال ~~كثير PageV11P547 من العلماء في القصاص في البدن أنه اذا جرحه أو خنقه أو ~~ضربه ونحو ذلك يفعل به كما فعل فهذا أصح قولى العلماء الا ان يكون الفعل ~~محرما لحق الله كفعل الفاحشة أو تجريعه الخمر فقد نهى عن مثل هذا أكثرهم ~~وان كان بعضهم سوغه بنظير ذلك # واذا اعترف الظالم بظلمه وطلب من المظلوم ان يعفو عنه ويستغفر الله له ~~فهذا حسن مشروع كما ثبت في الصحيح عن أبى الدرداء ( انه كان بين أبى بكر ~~وعمر كلام وان أبا بكر طلب من عمر ان يستغفر له فأبى عمر ثم ندم فطلب أبا ~~بكر فوجده قد سبقه إلى النبى وذكر له ذلك فقال النبى يغفر الله لك يا أبا ~~بكر ثم قال ايها الناس انى قد جئت إليكم فقلت انى رسول الله فقلتم كذبت ~~وقال أبو بكر صدقت فهل أنتم تاركوا لى صاحبى ( # واذا طلب من المظلوم العفو بعد اعتراف الظالم فأجاب كان من المحسنين ~~الذين اجرهم على الله وان أبى الا طلب حقه لم يكن ظالما لكن يكون قد ترك ~~الأفضل الأحسن فليس لأحد ان يخرجه عن أهل الطريق بمجرد ذلك كما قد يفعله ~~كثير من الناس قال الله تعالى @QB@ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك ~~لهم عذاب أليم @QE@ PageV11P548 فانه لو كان من ترك الاحسان الذى ( لا يجب ~~عليه ( يحسب خارجا عن الطريق خرج عنه جمهور # أهله و ( أولياء الله ms3632 ( على صنفين مقربين سابقين وأصحاب يمين مقتصدين كما ~~روى البخارى في صحيحه عن أبى هريرة عن النبى قال ( يقول الله تعالى ( من ~~عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت ~~عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى ~~يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى ~~يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه ~~وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره ~~مساءته ولا بد له منه ( # ثم أكثر هؤلاء الذين يذمون تارك العفو إنما يذمونه لأهوائهم لكون الظالم ~~صديق أحدهم أو وريثه أو قرينه ونحو ذلك # والله سبحانه أوجب على عباده العدل في الصلح كما أوجبه في الحكم فقال ~~تعالى @QB@ فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين @QE@ وقيد ~~الاصلاح الذى يثيب عليه بالاخلاص فقال PageV11P549 تعالى @QB@ ومن يفعل ذلك ~~ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما @QE@ اذ كثير من الناس يقصدون ~~الاصلاح إما لسمعة وإما لرياء # ومن العدل أن يمكن المظلوم من الانتصاف ثم بعد ذلك الشفاعة إلى المظلوم ~~في العفو ويصالحه الظالم وترغيبه في ذلك فان الله تعالى إذا ذكر في القرآن ~~حقوق العباد التى فيها وزر الظالم ندب فيها إلى العفو كقوله سبحانه @QB@ ~~والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له @QE@ وقوله ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~فمن عفى وأصلح فأجره على الله انه لا يحب الظالمين ( وعن أنس قال ( ما رفع ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في القصاص الا أمر فيه بالعفو ( وليس ~~من شرط طلب العفو من المظلوم ان الظالم يقوم على قدميه ولا يضع نعليه على ~~رأسه ونحو ذلك مما قد يلتزمه بعض الناس وإنما شرطه التمكين من نفسه حتى ~~يستوفى منه الحق فاذا أمكن المظلوم من استيفاء حقه فقد فعل ما وجب عليه ثم ~~المستحق بالخيار ان شاء عفى وان ms3633 شاء استوفى # وللمظلوم أن يهجره ثلاثا وأما بعد الثلاث فليس له أن يهجره على ظلمه إياه ~~لقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل لمسلم ان PageV11P550 يهجر أخاه فوق ~~ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ( # واما إذا كان الذنب لحق الله كالكذب والفواحش والبدع المخالفة للكتاب ~~والسنة أو اضاعة الصلاة بالتفريط وواجباتها ونحو ذلك فهذا لابد فيه من ~~التوبة وهل يشترط مع التوبة اظهار الاصلاح في العمل على قولين للعلماء وإذا ~~كان لهم شيخ مطاع فان له ان يعزر العاصى بحسب ذنبه تعزيرا يليق بمثله أن ~~يفعله بمثله مثل هجره مدة كما هجر النبى صلى الله عليه وسلم الثلاثة ~~المخلفين # وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس في ~~دينهم ودنياهم ثم بعد ذلك تفرقت الأمور فصار امراء الحرب يسوسون الناس في ~~أمر الدنيا والدين الظاهر وشيوخ العلم والدين يسوسون الناس فيما يرجع اليهم ~~فيه من العلم والدين وهؤلاء أولوا أمر تجب طاعتهم فيما يأمرون به من طاعة ~~الله التى هم أولوا أمرها وهو كذلك فسر أولوا الأمر في قوله @QB@ أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ بأمراء الحرب من الملوك ونوابهم ~~وبأهل العلم والدين الذين يعلمون الناس دينهم ويأمرونهم بطاعة الله # فان قوام الدين بالكتاب والحديد كما قال تعالى PageV11P551 ( لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) # وإذا كان ولاة الحرب عاجزين ومفرطين عن تقويم المنتسبين إلى الطريق كان ~~تقويمهم على رؤسائهم وكان لهم من تعزيرهم وتأديبهم ما يتمكنون منه إذا لم ~~يقم به غيرهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وهو اضعف الايمان ( # وقد يكون تعزيره بنفيه عن وطنه مدة كما كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~ينفى من شرب الخمر وكما نفى نصر بن حجاج إلى البصرة لخوف فتنة النساء به ~~وقد مضت سنة رسول ms3634 الله بالنفى في الزنى ونفى المخنث وأمر بعض المشائخ ~~للمسىء بالسفر هذا أصله وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل طويل ببيان الذنوب ~~والتوبة منها وشروط التوبة وهو حال مستصحب للعبد من أول أمره إلى آخر عمره ~~كما قال تعالى @QB@ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا @QE@ الآية # وإذا تاب العبد وأخرج من ماله صدقة للتطهر من ذنبه كان ذلك حسنا مشروعا ~~قال تعالى @QB@ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ~~@QE@ PageV11P552 # وقال النبى ( الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ~~والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ( وقال النبى فتنة الرجل في أهله ~~وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر ( وقال كعب بن مالك أن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة فقال النبى ( ~~أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ( # لكن لا يجوز الزامه بصدقة ولا تجب عليه لا باخراج ثيابه ولا غير ذلك ولا ~~يجوز أن يقصد مطالبته بالتوبة أن يؤكل ماله لا سيما إذا أعنت فجعل له ذنب ~~من غير ذنب فان هذا يبقى كذبا وظلما وأكلا للمال بالباطل ولا يجب أن يكون ~~ما يخرجه صدقة مصروفا في طعام يأكلونه بل الخيرة إليه بوضعه حيث يكون أصلح ~~وأطوع لله ولرسوله # والذى ينبغى أن ينظر أحق الناس بتلك الصدقة فتدفع إليه وأما أن يجعل من ~~جملة التوبة صنعة طعام ودعوة فهذا بدعة فما زال الناس يتوبون على عهد النبى ~~وأصحابه من غير هذه البدعة PageV11P553 # واما الشكر الذى فيه إخراج شيء من ماله كملبوس أو غيره شكرا لله على ما ~~انعم به إما من توبة وإما اصلاح ونحو ذلك فهو حسن مشروع فان كعب بن مالك ~~لما جاءه المبشر بتوبة الله عليه أعطاه ثوبه الذى كان عليه واستعار ثوبا ~~ذهب فيه إلى النبى لكن تعيين اللباس وغيره في الشكر بدعة أيضا فان فعل ذلك ~~أحيانا فهو حسن فلا يجعل واجبا أو مستحبا إلا ما جعله الله ورسوله واجبا ms3635 أو ~~مستحبا ولا ينكر إلا ما كرهه الله ورسوله فلا دين إلا ما شرع الله ولا حرام ~~إلا ما حرم الله # وضرب الرجل تحت رجليه هو من التعزير فان كان له ذنب يستحق به مثل ذلك من ~~دين الله والمؤدب له ممن له أهلية ذلك فهو حق # وأما كشف الرؤوس والانحناء فليس من السنة وإنما هو مأخوذ عن عادات بعض ~~الملوك والجاهلية والمخلوق لا يسأل كشف رأس ولا ركوع له وإنما يركع لله في ~~الصلاة وكشف الرؤوس لله في الاحرام # وأما ( لباس الصوف ( فقد لبس رسول الله جبة الصوف في السفر ولهذا قال ~~الأوزاعى لباس الصوف في السفر سنة وفى الحضر بدعة PageV11P554 ومعنى هذا أن ~~المداومة عليه في الحضر ( بدعة ( كما روينا عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن ~~اقواما يتحرون لباس الصوف قال أظن هؤلاء بلغهم أن المسيح كان يلبس الصوف ~~فلبسوه لذلك وهدى نبينا أحب إلينا من هدى غيره وفى السنن ( أن أصحاب رسول ~~الله كانوا يشهدون الجمعة ولباسهم الصوف ( وفى الحديث الآخر ( قدم على ~~النبى صلى الله عليه وسلم قوم مجتابى النمار ( والنمار من الصوف وقد لبس ~~النبى القطن وغيره ومعنى هذا ان اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقا إلى الله ( ~~بدعة ) وأما لبسه للحاجة والانتفاع به للفقير لعدم غيره أو لعدم لبس غيره ~~ونحو ذلك فهو حسن مشروع والامتناع من لبسه مطلقا مذموم لا سيما من يدع لبسه ~~كبرا وخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فانه قد ثبت عن النبى في الصحيح ~~أنه قال ( من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ( وقال ( بينما ~~رجل يجر إزاره خيلاء إذ خسفت به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ( ~~وقد كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب المرتفع والمنخفض # وليس لأحد أن يجعل من الدين ومن طريق الله إلا ما شرعه الله ورسوله لا ~~سيما إذا كان التقييد فيه فساد الدين والدنيا فإن PageV11P555 لبس الصوف ~~وترقيع الثوب عند الحاجة حسن من أفعال السلف والامتناع من ذلك مطلقا ms3636 مذموم # فأما من عمد إلى ثوب صحيح فمزقه ثم يرقعه بفضلات ويلبس الصوف الرفيع الذى ~~هو أعلى من القطن والكتان فهذا جمع فسادين # أما من جهة الدين فانه يظن التقييد بلبس المرقع والصوف من الدين ثم يريد ~~أن يظهر صورة ذلك دون حقيقته فيكون ما ينفقه على ذلك أعظم مما ينفق على ~~القطن الصحيح وهذا مخالف للزهد # وفساد المال باتلافه وانفاقه فيما لا ينفع لا في الدين ولا في الدنيا ~~PageV11P556 ### || 1 ( رسالة في السماع والرقص ) 1 # ! 8 < ( ما تقول السادة الاعلام ( أئمة الاسلام ورثة الأنبياء عليهم ~~السلام رضى الله عنهم وأرضاهم في صفة ( سماع الصالحين ( ما هو وهل سماع ~~القصائد الملحنة بالآلات المطربة هو من القرب والطاعات أم لا وهل هو مباح ~~أم لا ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام تقى الدين أحمد بن تيمية رضى الله عنه # الحمد لله رب ~~العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما أصل هذه ( المسألة ( أن يفرق ~~بين السماع الذى ينتفع به في الدين وبين ما يرخص فيه رفعا للحرج بين سماع ~~المتقربين وبين سماع المتلعبين # فأما السماع الذى شرعه الله تعالى لعباده وكان سلف الأمة من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم يجتمعون عليه لصلاح قلوبهم وزكاة PageV11P557 نفوسهم ~~فهو سماع آيات الله تعالى وهو سماع النبيين والمؤمنين وأهل العلم وأهل ~~المعرفة # قال الله تعالى لما ذكر من ذكره من الأنبياء في قوله @QB@ أولئك الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ~~إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا @QE@ وقال @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم ~~خشوعا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى ms3637 الرسول ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع مما عرفوا من الحق @QE@ # وبهذا السماع أمر الله تعالى كما قال تعالى @QB@ وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون @QE@ وعلى أهله أثنى كما في قوله تعالى ~~@QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ وقال في الآية ~~الأخرى @QB@ أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين @QE@ ~~فالقول الذى أمروا بتدبره هو القول الذى أمروا باستماعه وقد قال تعالى @QB@ ~~أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ PageV11P558 # وقال تعالى @QB@ ~~كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته @QE@ وكما أثنى على هذا السماع ذم ~~المعرضين عن هذا السماع فقال تعالى @QB@ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا ~~كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الذين كفروا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال ~~الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ فما لهم عن ~~التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم ~~وقرا @QE@ # وهذا هو السماع الذى شرعه الله لعباده في صلاة الفجر والعشائين وغير ذلك # وعلى هذا السماع كان أصحاب رسول الله يجتمعون وكانوا إذا اجتمعوا أمروا ~~واحدا منهم أن يقرأ والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول ~~لأبى موسى PageV11P559 يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وهذا هو ~~السماع الذى كان النبى يشهده مع أصحابه ويستدعيه منهم كما في الصحيح عن عبد ~~الله بن مسعود قال ( قال النبى إقرأ على القرآن قلت أقرأه عليك وعليك أنزل ~~فقال إنى أحب أن أسمعه من غيرى فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى هذه ~~الآية @QB@ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ms3638 شهيدا @QE@ ~~قال حسبك فنظرت فاذا عيناه تذرفان ( وهذا هو الذى كان النبى يسمعه هو ~~وأصحابه كما قال تعالى @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة @QE@ و @QB@ ~~الحكمة @QE@ هي السنة ( # وقال تعالى @QB@ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء ~~وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين @QE@ وكذلك غيره من الرسل قال تعالى @QB@ ~~يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون @QE@ وبذلك يحتج عليهم يوم القيامة كما قال تعالى @QB@ ~~يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين @QE@ PageV11P560 # وقال تعالى @QB@ وسيق الذين كفروا إلى ~~جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين @QE@ # وقد أخبر أن المعتصم بهذا السماع مهتد مفلح والمعرض عنه ضال شقى قال ~~تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين @QE@ # و ( ذكر الله ( يراد به تارة ذكر العبد ربه ويراد به الذكر الذى أنزله ~~الله كما قال تعالى @QB@ وهذا ذكر مبارك أنزلناه @QE@ وقال نوح @QB@ ~~أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم @QE@ وقال @QB@ وقالوا ~~يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون @QE@ وقال @QB@ ما يأتيهم من ذكر ~~من ربهم محدث إلا استمعوه @QE@ وقال @QB@ وإنه لذكر لك ولقومك @QE@ وقال ~~@QB@ إن هو إلا ms3639 ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم @QE@ PageV11P561 # وقال ~~@QB@ وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين @QE@ # وهذا ( السماع ( له آثار إيمانية من المعارف القدسية والأحوال الزكية ~~يطول شرحها ووصفها وله في الجسد آثار محمودة من خشوع القلب ودموع العين ~~واقشعرار الجلد وهذا مذكور في القرآن وهذه الصفات موجودة في الصحابة ووجدت ~~بعدهم آثار ثلاثة الاضطراب والصراخ والاغماء والموت في التابعين # و ( بالجملة ( فهذا السماع هو أصل الايمان فان الله بعث محمدا إلى الخلق ~~أجمعين ليبلغهم رسالات ربهم فمن سمع ما بلغه الرسول فآمن به وأتبعه اهتدى ~~وأفلح ومن أعرض عن ذلك ضل وشقى # وأما ( سماع المكاء والتصدية ( وهو التصفيق بالأيدى والمكاء مثل الصفير ~~ونحوه فهذا هو سماع المشركين الذى ذكره الله تعالى في قوله @QB@ وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية @QE@ فأخبر عن المشركين أنهم كانوا ~~يتخذون التصفيق باليد والتصويت بالفم قربة ودينا ولم يكن النبى وأصحابه ~~يجتمعون على مثل هذا السماع ولا حضروه قط ومن قال إن النبى حضر ذلك فقد كذب ~~PageV11P562 عليه باتفاق أهل المعرفة بحديثه وسنته والحديث الذى ذكره محمد ~~بن طاهر المقدسى في ( مسألة السماع ( و ( في صفة التصوف ( ورواه من طريقه ~~الشيخ أبو حفص عمر السهروردى صاحب عوارف المعارف ( أن النبى أنشده أعرابى # قد لسعت حية الهوى كبدى %~% فلا طبيب لها ولا راقى # إلا الحبيب الذى شغفت به %~% فعنده رقيتى وترياقى # وأنه تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه فقال له ~~معاوية ما أحسن لهوكم فقال له مهلا يا معاوية ليس بكريم من لم يتواجد عند ~~ذكر الحبيب ( فهو حديث مكذوب موضوع باتفاق أهل العلم بهذا الشأن # وأظهر منه كذبا حديث آخر يذكرون فيه أنه لما بشر الفقراء بسبقهم الأغنياء ~~إلى الجنة تواجدوا وخرقوا ثيابهم وأن جبرائيل نزل من السماء فقال يا محمد ~~إن ربك يطلب نصيبه من هذه الخرق فأخذ منها خرقة فعلقها بالعرش وان ذلك هو ~~زيق الفقراء ( وهذا وأمثاله إنما يرويه من هو من أجهل الناس بحال النبى ms3640 صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم ومعرفة الاسلام والايمان PageV11P563 وهو ~~يشبه رواية من روى ( أن أهل الصفة قاتلوا مع الكفار لما انكسر المسلمون يوم ~~حنين أو غير يوم حنين وأنهم قالوا نحن مع الله من كان الله معه كنا معه ( ~~ومن روى ( أن صبيحة المعراج وجد أهل الصفة يتحدثون بسر كان الله أمر نبيه ~~أن يكتمه فقال لهم من أين لكم هذا قالوا الله علمنا إياه فقال يا رب ألم ~~تأمرنى ألا أفشيه فقال أمرتك أنت ألا تفشيه ولكنى أنا أخبرتهم به ( ونحو ~~هذه الأحاديث التى يرويها طوائف منتسبون إلى الدين مع فرط جهلهم بدين ~~الاسلام فيبنون عليها من النفاق والبدع ما يناسبها تارة يسقطون التوسط ~~بالرسول وأنهم يصلون إلى الله تعالى من غير طريق الرسل مطلقا فهذا أعظم من ~~كفر اليهود والنصارى فان أولئك أسقطوا وساطة رسول واحد ولم يسقطوا وساطة ~~الرسل مطلقا # وهؤلاء إذا أسقطوا وساطة الرسل مطلقا عن أنفسهم كان هذا أغلظ من كفر ~~أولئك لكنهم يقولون لا تسقط الوساطة الا عن الخاصة لا عن العامة فيكونون ~~أكفر من أهل الكتاب من جهة إسقاط السفارة مطلقا عنهم في بعض الأحوال وأهل ~~الكتاب أكفر من جهة إسقاط سفارة محمد مطلقا بل أهل الكتاب الذين يقولون إنه ~~رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب خير من هؤلاء فان أولئك أخرجوا عن رسالته ~~من له كتاب وهؤلاء يخرجون عن رسالته من لا يبقى معه إلا خيالات PageV11P564 ~~ووساوس وظنون ألقاها إليه الشيطان مع ظنه أنه من خواص أولياء الله وهو من ~~أشد أعداء الله وتارة يجعلون هذه الآثار المختلقة حجة فيما يفترونه من أمور ~~تخالف دين الاسلام ويدعون أنها من أسرار الخواص كما يفعل الملاحدة ~~والقرامطة والباطنية وتارة يجعلونها حجة في الاعراض عن كتاب الله وسنة نبيه ~~إلى ما ابتدعوه من اتخاذ دينهم لهوا ولعبا # وبالجملة قد عرف بالاضطرار من دين الاسلام أن النبى لم يشرع لصالحى أمته ~~وعبادهم وزهادهم أن يجتمعوا على استماع الأبيات الملحنة مع ضرب بالكف أو ~~ضرب ms3641 بالقضيب أو الدف كما لم يبح لأحد أن يخرج عن متابعته واتباع ما جاء به ~~من الكتاب والحكمة لا في باطن الأمر ولا في ظاهره ولا لعامي ولا لخاصى ولكن ~~رخص النبى في أنواع من اللهو في العرس ونحوه كما رخص للنساء ان يضربن بالدف ~~في الأعراس والأفراح وأما الرجال على عهده فلم يكن أحد منهم يضرب بدف ولا ~~يصفق بكف بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( التصفيق للنساء والتسبيح ~~للرجال ولعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء ( # ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء كان السلف يسمون من ~~يفعل ذلك من الرجال مخنثا ويسمون الرجال PageV11P565 المغنين مخانيثا وهذا ~~مشهور في كلامهم # ومن هذا الباب حديث عائشة رضى الله عنها لما دخل عليها أبوها رضى الله ~~عنه في أيام العيد وعندها جاريتان من الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار ~~يوم بعاث فقال أبو بكر رضى الله عنه ( أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معرضا بوجهه عنهما مقبلا بوجهه الكريم ~~إلى الحائط فقال دعهما يا أبا بكر فان لكل قوم عيدا وهذا عيدنا أهل الاسلام ~~( ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبى صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه الاجتماع عليه ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان والنبى أقر الجوارى ~~عليه معللا ذلك بأنه يوم عيد والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد كما جاء ~~في الحديث ( ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة ( وكان لعائشة لعب تلعب بهن ~~ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها وليس في حديث الجاريتين أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم استمع إلى ذلك والأمر والنهى إنما يتعلق ~~بالاستماع لا بمجرد السماع كما في الرؤية فانه إنما يتعلق بقصد الرؤية ~~لابما يحصل منها بغير الاختيار # وكذلك في اشتمام الطيب إنما ينهى المحرم عن قصد الشم فأما إذا شم ما لم ~~يقصده فانه لا شيء عليه وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس PageV11P566 ~~الخمس من السمع ms3642 والبصر والشم والذوق واللمس إنما يتعلق الأمر والنهى من ذلك ~~بما للعبد فيه قصد وعمل واما ما يحصل بغير اختياره فلا امر فيه ولا نهى # وهذا مما وجه به الحديث الذى في السنن عن بن عمر ( أنه كان مع النبى فسمع ~~صوت زمارة راع فعدل عن الطريق وقال هل تسمع هل تسمع حتى انقطع الصوت ( # فان من الناس من يقول بتقدير صحة هذا الحديث لم يأمر بن عمر بسد أذنيه ~~فيجاب بأنه كان صغيرا أو يجاب بأنه لم يكن يستمع وإنما كان يسمع وهذا لا ~~إثم فيه وإنما النبى فعل ذلك طلبا للأفضل والأكمل كمن اجتاز بطريق فسمع ~~قوما يتكلمون بكلام محرم فسد أذنيه كيلا يسمعه فهذا حسن ولو لم يسد أذنيه ~~لم يأثم بذلك اللهم إلا أن يكون في سماعه ضرر دينى لا يندفع إلا بالسد # و ( بالجملة ( فهذه ( مسألة السماع ( تكلم كثير من المتأخرين في السماع ~~هل هو محظور أو مكروه أو مباح وليس المقصود بذلك مجرد رفع الحرج بل مقصودهم ~~بذلك أن يتخذ طريقا إلى الله يجتمع عليه أهل الديانات لصلاح القلوب ~~والتشويق إلى المحبوب PageV11P567 والتخويف من المرهوب والتحزين على فوات ~~المطلوب فتستنزل به الرحمة وتستجلب به النعمة وتحرك به مواجيد أهل الايمان ~~وتستجلى به مشاهد أهل العرفان حتى يقول بعضهم إنه أفضل لبعض الناس أو ~~للخاصة من سماع القرآن من عدة وجوه حتى يجعلونه قوتا للقلوب وغذاءا للارواح ~~وحاديا للنفوس يحدوها إلى السير إلى الله ويحثها على الاقبال عليه ولهذا ~~يوجد من اعتاده واغتذى به لا يحن إلى القرآن ولا يفرح به ولا يجد في سماع ~~الآيات كما يجد في سماع الأبيات بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية ~~وألسن لاغية وإذا سمعوا سماع المكاء والتصدية خشعت الأصوات وسكنت الحركات ~~وأصغت القلوب وتعاطت المشروب # فمن تكلم في هذا هل هو مكروه أو مباح وشبهه بما كان النساء يغنين به في ~~الأعياد والأفراح لم يكن قد اهتدى إلى الفرق بين طريق أهل الخسارة والفلاح ~~ومن تكلم في ms3643 هذا هل هو من الدين ومن سماع المتقين ومن أحوال المقربين ~~والمقتصدين ومن أعمال أهل اليقين ومن طريق المحبين المحبوبين ومن أفعال ~~السالكين إلى رب العالمين كان كلامه فيه من وراء وراء بمنزلة من سئل عن علم ~~الكلام المختلف فيه هل هو محمود أو مذموم فأخذ PageV11P568 يتكلم في جنس ~~الكلام وانقسامه إلى الاسم والفعل والحرف أو يتكلم في مدح الصمت أو في أن ~~الله أباح الكلام والنطق وأمثال ذلك مما لا يمس المحل المشتبه المتنازع فيه # فإذا عرف هذا فاعلم أنه لم يكن في عنفوان القرون الثلاثة المفضلة لا ~~بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا مصر ولا المغرب ولا العراق ولا خراسان ~~من أهل الدين والصلاح والزهد والعبادة من يجتمع على مثل سماع المكاء ~~والتصدية لا بدف ولا بكف ولا بقضيب وإنما أحدث هذا بعد ذلك في اواخر المائة ~~الثانية فلما رآه الأئمة أنكروه # فقال الشافعى رضى الله عنه خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ~~التغبير يصدون به الناس عن القرآن وقال يزيد بن هارون ما يغبر إلا الفاسق ~~ومتى كان التغبير # وسئل عنه الامام أحمد فقال أكرهه هو محدث قيل أنجلس معهم قال لا وكذلك ~~سائر أئمة الدين كرهوه وأكابر الشيوخ الصالحين لم يحضروه فلم يحضره إبراهيم ~~بن أدهم ولا الفضيل بن عياض ولا معروف الكرخى ولا أبو سليمان الدارانى ولا ~~أحمد بن أبى الحوارى والسرى السقطى وأمثالهم والذين حضروه من PageV11P569 ~~الشيوخ المحمودين تركوه في آخر أمرهم وأعيان المشائخ عابوا أهله كما فعل ~~ذلك عبد القادر والشيخ أبو البيان وغيرهما من المشائخ # وما ذكره الشافعى رضى الله عنه من أنه من احداث الزنادقة كلام إمام خبير ~~بأصول الاسلام فان هذا السماع لم يرغب فيه ويدعو إليه في الأصل إلا من هو ~~متهم بالزندقة كابن الراوندى والفارابى وبن سينا وأمثالهم كما ذكر أبو عبد ~~الرحمن السلمى في مسألة السماع عن أبن الراوندى قال إنه اختلف الفقهاء في ~~السماع فأباحه قوم وكرهه قوم وأنا أوجبه أو قال وأنا آمر به فخالف ms3644 اجماع ~~العلماء في الأمر به # و ( الفارابى ( كان بارعا في الغناء الذى يسمونه ( الموسيقا ( وله فيه ~~طريقة عند أهل صناعة الغناء وحكايته مع بن حمدان مشهورة لما ضرب فأبكاهم ثم ~~أضحكهم ثم نومهم ثم خرج # و ( بن سينا ( ذكر في اشاراته في ( مقامات العارفين ( في الترغيب فيه وفى ~~عشق الصور ما يناسب طريقة اسلافه الفلاسفة والصابئين المشركين الذين كانوا ~~يعبدون الكواكب والأصنام كأرسطو وشيعته من اليونان ومن اتبعه كبر قلس ~~وثامسطيوس والاسكندر الأفروديسي وكان ارسطو وزير الاسكندر بن فيلبس ~~المقدونى PageV11P570 الذى تؤرخ له اليهود والنصارى وكان قبل المسيح بنحو ~~ثلاثمائة سنة # وأما ( ذو القرنين ( المذكور في القرآن الذى بنى ( السد ( فكان قبل هؤلاء ~~بزمن طويل وأما الاسكندر الذى وزر له أرسطو فانه إنما بلغ بلاد خراسان ~~ونحوها في دولة الفرس لم يصل إلى السد وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا ~~الموضع # و ( بن سينا ( أحدث فلسفة ركبها من كلام سلفه اليونان ومما اخذه من أهل ~~الكلام المبتدعين الجهمية ونحوهم وسلك طريق الملاحدة الاسماعيلية في كثير ~~من أمورهم العلمية والعملية ومزجه بشيء من كلام الصوفية وحقيقته تعود إلى ~~كلام اخوانه الاسماعيلية القرامطة الباطنية فان أهل بيته كانوا من ~~الاسماعيلية اتباع الحاكم الذى كان بمصر وكانوا في زمنه ودينهم دين أصحاب ( ~~رسائل اخوان الصفا ( وأمثالهم من أئمة منافقى الامم الذين ليسوا مسلمين ولا ~~يهود ولا نصارى # وكان الفارابي قد حذق في حروف اليونان التى هي تعاليم أرسطو واتباعه من ~~الفلاسفة المشائين وفى اصواتهم صناعة الغناء ففى هؤلاء الطوائف من يرغب فيه ~~ويجعله مما تزكو به النفوس وترتاض به وتهذب به الأخلاق PageV11P571 ~~وأماالحنفاء ( أهل ملة إبراهيم الخليل الذى جعله الله إماما وأهل دين ~~الاسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا غيره المتبعون لشريعة خاتم الرسل ~~محمد فهؤلاء ليس فيهم من يرغب في ذلك ولا يدعو إليه وهؤلاء هم أهل القرآن ~~والايمان والهدى والسعد والرشاد والنور والفلاح وأهل المعرفة والعلم ~~واليقين والاخلاص والمحبة له والتوكل عليه والخشية له والانابة إليه # ولكن قد حضره ms3645 أقوام من أهل الارادة وممن له نصيب من المحبة لما فيه من ~~التحريك لهم ولم يعلموا غائلته ولا عرفوا مغبته كما دخل قوم من الفقهاء أهل ~~الايمان بما جاء به الرسول في أنواع من كلام الفلاسفة المخالف لدين الاسلام ~~ظنا منهم أنه حق موافق ولم يعلموا غائلته ولا عرفوا مغبته فان القيام ~~بحقائق الدين علما وحالا وقولا وعملا ومعرفة وذوقا وخبرة لا يستقل بها أكثر ~~الناس ولكن الدليل الجامع هو الاعتصام بالكتاب والسنة فان الله بعث محمدا ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وقد قال تعالى ~~@QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~@QE@ وقد قال تعالى @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله @QE@ PageV11P572 قال عبد الله بن مسعود ( خط لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال هذا سبيل ~~الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ @QB@ وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ # وقد قال تعالى @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ فقد رضى الله عن السابقين رضى ~~مطلقا ورضى عمن اتبعهم باحسان قال عبد الله بن مسعود إن الله نظر في قلب ~~محمد فوجد قلبه خير قلوب العباد فاصطفاه لرسالته ثم نظر في قلوب الناس بعد ~~قلبه فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله ~~حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح وقال عبد الله بن مسعود من كان منكم ~~مستنا فليستن بمن قد مات فان الحى لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ~~أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة ~~نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فانهم كانوا على الهدى ~~المستقيم # ومن كان له خبرة بحقائق الدين وأحوال القلوب ومعارفها وأذواقها ومواجيدها ~~عرف أن سماع المكاء والتصدية لا ms3646 يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفى ضمن ~~ذلك من الضرر PageV11P573 والمفسدة ما هو أعظم منه فهو للروح كالخمر للجسد ~~يفعل في النفوس فعل حميا الكؤوس # ولهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر فيجدون لذة بلا تمييز كما يجد ~~شارب الخمر بل يحصل لهم أكثر وأكبر مما يحصل لشارب الخمر ويصدهم ذلك عن ذكر ~~الله وعن الصلاة أعظم مما يصدهم الخمر ويوقع بينهم العداوة والبغضاء أعظم ~~من الخمر حتى يقتل بعضهم بعضا من غير مس بيد بل بما يقترن بهم من الشياطين ~~فانه يحصل لهم أحوال شيطانية بحيث تتنزل عليهم الشياطين في تلك الحال ~~ويتكلمون على ألسنتهم كما يتكلم الجنى على لسان المصروع إما بكلام من جنس ~~كلام الأعاجم الذين لا يفقه كلامهم كلسان الترك أو الفرس أو غيرهم ويكون ~~الانسان الذى لبسه الشيطان عربيا لا يحسن أن يتكلم بذلك بل يكون الكلام من ~~جنس كلام من تكون تلك الشياطين من اخوانهم وإما بكلام لا يعقل ولا يفهم له ~~معنى وهذا يعرفه أهل المكاشفة ( شهودا وعيانا ( # وهؤلاء الذين يدخلون النار مع خروجهم عن الشريعة هم من هذا النمط فان ~~الشياطين تلابس أحدهم بحيث يسقط احساس بدنه حتى ان المصروع يضرب ضربا عظيما ~~وهو لا يحس بذلك ولا PageV11P574 يؤثر في جلده فكذلك هؤلاء تلبسهم الشياطين ~~وتدخل بهم النار وقد تطير بهم في الهواء وإنما يلبس أحدهم الشيطان مع تغيب ~~عقله كما يلبس الشيطان المصروع # وبأرض الهند والمغرب ضرب من الزط يقال لأحدهم المصلى فانه يصلى النار كما ~~يصلى هؤلاء وتلبسه ويدخلها ويطير في الهواء ويقف على رأس الزج ويفعل اشياء ~~ابلغ مما يفعله هؤلاء وهم من الزط الذين لا خلاق لهم والجن تخطف كثيرا من ~~الانس وتغيبه عن أبصار الناس وتطير بهم في الهواء وقد باشرنا من هذه الأمور ~~ما يطول وصفه وكذلك يفعل هذا هؤلاء المتولهون والمنتسبون إلى بعض المشائخ ~~إذا حصل له وجد سماعى وعند سماع المكاء والتصدية منهم من يصعد في الهواء ~~ويقف على زج الرمح ويدخل ms3647 النار ويأخذ الحديد المحمى بالنار ثم يضعه على ~~بدنه وأنواع من هذا الجنس ولا تحصل له هذه الحال عند الصلاة ولا عند الذكر ~~ولا عند قراءة القرآن لأن هذه عبادات شرعية إيمانية اسلامية نبوية محمدية ~~تطرد الشياطين وتلك عبادات بدعية شركية شيطانية فلسفية تستجلب الشياطين # قال النبى في الحديث الصحيح ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون ~~كتاب الله ويتدارسونه بينهم الا PageV11P575 غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم ~~السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ( وقد ثبت في الحديث الصحيح ~~( أن أسيد بن حضير لما قرأ سورة الكهف تنزلت الملائكة لسماعها كالظلة فيها ~~السرج ( # ولهذا كان المكاء والتصدية يدعو إلى الفواحش والظلم ويصد عن حقيقة ذكر ~~الله تعالى والصلاة كما يفعل الخمر والسلف يسمونه تغبيرا لأن التغبير هو ~~الضرب بالقضيب على جلد من الجلود وهو ما يغبر صوت الانسان على التلحين فقد ~~يضم إلى صوت الانسان إما التصفيق بأحد اليدين على الأخرى وإما الضرب بقضيب ~~على فخذ وجلد وإما الضرب باليد على أختها أو غيرها على دف أو طبل كناقوس ~~النصارى والنفخ في صفارة كبوق اليهود فمن فعل هذه الملاهى على وجه الديانة ~~والتقرب فلا ريب في ضلالته وجهالته # وأما إذا فعلها على وجه التمتع والتلعب فمذهب الأئمة الأربعة أن آلات ~~اللهو كلها حرام فقد ثبت في صحيح البخارى وغيره ( أن النبى أخبر أنه سيكون ~~من أمته من يستحل الحر والحرير والخمر والمعازف وذكر أنهم يمسخون قردة ~~وخنازير ( # و ( المعازف ( هي الملاهى كما ذكر ذلك أهل اللغة جمع معزفة وهى الآلة ~~التى يعزف بها أى يصوت بها ولم يذكر أحد من PageV11P576 أتباع الأئمة في ~~آلات اللهو نزاعا إلا أن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعى ذكر في اليراع ~~وجهين بخلاف الأوتار ونحوها فانهم لم يذكروا فيها نزاعا وأما العراقيون ~~الذين هم أعلم بمذهبه واتبع له فلم يذكروا نزاعا لا في هذا ولا في هذا بل ~~صنف أفضلهم في وقته أبو الطيب الطبرى شيخ أبى إسحاق الشيرازى في ذلك مصنفا ~~معروفا ولكن ms3648 تكلموا في الغناء المجرد عن آلات اللهو هل هو حرام أو مكروه أو ~~مباح وذكر أصحاب أحمد لهم في ذلك ثلاثة أقوال وذكروا عن الشافعى قولين ولم ~~يذكروا عن أبى حنيفة ومالك في ذلك نزاعا # وذكر زكريا بن يحيى الساجى وهو أحد الأئمة المتقدمين المائلين إلى مذهب ~~الشافعى أنه لم يخالف في ذلك من الفقهاء المتقدمين إلا إبراهيم بن سعد من ~~أهل البصرة وما ذكره أبو عبد الرحمن السلمى وأبو القاسم الشقيرى وغيرهما عن ~~مالك وأهل المدينة في ذلك فغلط وإنما وقعت الشبهة فيه لأن بعض أهل المدينة ~~كان يحضر السماع إلا أن هذا ليس قول أئمتهم وفقهائهم بل قال إسحاق بن عيسى ~~الطباع سألت مالكا عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله ~~عندنا الفساق وهذا معروف في كتاب أصحاب مالك وهم أعلم بمذهبه ومذهب أهل ~~المدينة من طائفة في PageV11P577 المشرق لا علم لها بمذهب الفقهاء ومن ذكر ~~عن مالك أنه ضرب بعود فقد افترى عليه وإنما نبهت على هذا لأن فيما جمعه أبو ~~عبد الرحمن السلمى ومحمد بن طاهر المقدسى في ذلك حكايات وآثار يظن من لا ~~خبرة له بالعلم وأحوال السلف أنها صدق # وكان ( الشيخ أبو عبد الرحمن ( رحمه الله فيه من الخير والزهد والدين ~~والتصوف ما يحمله على أن يجمع من كلام الشيوخ والآثار التى توافق مقصوده كل ~~ما يجده فلهذا يوجد في كتبه من الآثار الصحيحة والكلام المنقول ما ينتفع به ~~في الدين ويوجد فيها من الآثار السقيمة والكلام المردود ما يضر من لا خبرة ~~له وبعض الناس توقف في روايته حتى ان البيهقى كان إذا روى عنه يقول حدثنا ~~أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وأكثر الحكايات التى يرويها أبو القاسم ~~القشيرى صاحب الرسالة عنه فانه كان أجمع شيوخه لكلام الصوفية # و ( محمد بن طاهر ( له فضيلة جيدة من معرفة الحديث ورجاله وهو من حفاظ ~~وقته لكن كثير من المتأخرين أهل الحديث وأهل الزهد وأهل الفقه وغيرهم إذا ~~صنفوا في باب ذكروا ms3649 ما روى فيه من غث وسمين ولم يميزوا ذلك # كما يوجد ممن يصنف في الأبواب مثل المصنفين في فضائل الشهور والأوقات ~~وفضائل الأعمال PageV11P578 والعبادات وفضائل الأشخاص وغير ذلك من الأبواب ~~مثل ما صنف بعضهم في فضائل رجب وغيرهم في فضائل صلوات الأيام والليالى ~~وصلاة يوم الأحد وصلاة يوم الاثنين وصلاة يوم الثلاثاء وصلاة أول جمعة في ~~رجب والفية رجب وأول رجب والفية نصف شعبان واحياء ليلتى العيدين وصلاة يوم ~~عاشوراء # وأجود ما يروى من هذه الصلوات حديث صلاة التسبيح وقد رواه أبو داود ~~والترمذى ومع هذا فلم يقل به أحد من الأئمة الأربعة بل أحمد ضعف الحديث ولم ~~يستحب هذه الصلوات وأما بن المبارك فالمنقول عنه ليس مثل الصلاة المرفوعة ~~إلى النبى فان الصلاة المرفوعة إلى النبى ليس فيها قعدة طويلة بعد السجدة ~~الثانية وهذا يخالف الأصول فلا يجوز أن تثبت بمثل هذا الحديث # ومن تدبر الأصول علم أنه موضوع وأمثال ذلك فانها كلها أحاديث موضوعة ~~مكذوبة باتفاق أهل المعرفة مع أنها توجد في مثل كتاب أبي طالب وكتاب أبى ~~حامد وكتاب الشيخ عبد القادر وتوجد في مثل أمالى أبى القاسم بن عساكر وفيما ~~صنفه عبد العزيز الكنانى وأبو على بن البنا وأبو الفضل بن ناصر وغيرهم ~~وكذلك PageV11P579 أبو الفرج بن الجوزى يذكر مثل هذا في فضائل الشهور ويذكر ~~في الموضوعات أنه كذب موضوع # والذين جمعوا الأحاديث في ( الزهد والرقائق ( يذكرون ما روى في هذا الباب ~~ومن أجل ما صنف في ذلك وأندره ( كتاب الزهد ( لعبد الله بن المبارك وفيه ~~أحاديث واهية وكذلك ( كتاب الزهد ( لهناد بن السرى ولأسد بن موسى وغيرهما ~~وأجود ما صنف في ذلك ( الزهد ( للامام أحمد لكنه مكتوب على الأسماء وزهد بن ~~المبارك على الأبواب وهذه الكتب يذكر فيها زهد الأنبياء والصحابة والتابعين # ثم أن المتأخرين على صنفين منهم من ذكر زهد المتقدمين والمتأخرين كأبى ~~نعيم في الحلية وأبى الفرج بن الجوزى في ( صفة الصفوة ( ومنهم من اقتصر على ~~ذكر المتأخرين من حين حدث اسم الصوفية ms3650 كما فعل أبو عبد الرحمن السلمى في ( ~~طبقات الصوفية ( وصاحبه أبو القاسم القشيرى في الرسالة ثم الحكايات التى ~~يذكرها هؤلاء بمجردها مثل بن خميس وأمثاله فيذكرون حكايات مرسلة بعضها صحيح ~~وبعضها باطل PageV11P580 مثل ذكرهم أن الحسن صحب عليا وقد اتفق أهل المعرفة ~~على أن ( الحسن البصرى ( لم يلق عليا ولا أخذ عنه شيئا وأنما اخذ عن أصحابه ~~كالأحنف بن قيس وقيس بن معاذ وغيرهما وكذلك حكاياتهم أن الشافعى وأحمد ~~اجتمعا لشيبان الراعي وسألاه عن سجود السهو وكذلك اتفق أهل المعرفة على ان ~~الشافعى واحمد لم يلقيا شيبان الراعي بل ولا ادركاه # وقد ذكر أبو عبد الرحمن في ( حقائق التفسير ( عن جعفر بن محمد وأمثاله من ~~الأقوال المأثورة ما يعلم أهل المعرفة انه كذب على جعفر بن محمد فان جعفرا ~~كذب عليه ما لم يكذب على أحد لأنه كان فيه من العلم والدين ما ميزه الله به ~~وكان هو وأبوه أبو جعفر وجده على بن الحسين من أعيان الأئمة علما ودينا ولم ~~يجيء بعد جعفر مثله ( في أهل البيت ( فصار كثير من أهل الزندقة والبدع ينسب ~~مقالته إليه حتى أصحاب ( رسائل اخوان الصفا ( ينسبونها إليه وهذه الرسائل ~~صنفت بعد موته بأكثر من مائتى سنة صنفت عند ظهور مذهب الاسماعيلية ~~العبيديين الذين بنوا القاهرة وصنفت على مذهبهم الذى ركبوه من قول الفلاسفة ~~اليونان ومجوس الفرس والشيعة من أهل القبلة ولهذا قال العلماء إن ظاهر ~~مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض PageV11P581 ونسبوا إلى جعفر انه تكلم في ~~تقدم المعرفة عن حوادث الكون مثل اختلاج الاعضاء والرعود والبروق والهفت ~~وغير ذلك مما نزه الله جعفرا وأئمة أهل بيته عن الكلام فيه وهذا مبسوط في ~~غير هذا الموضع # و ( المقصود هنا ( ان المذكور عن سلف الأمة وأئمتها من المنقولات ينبغى ~~للانسان ان يميز بين صحيحه وضعيفه كما ينبغى مثل ذلك في المعقولات ~~والنظريات وكذلك في الأذواق والمواجيد والمكاشفات والمخاطبات فان كل صنف من ~~هذه الأصناف الثلاثة فيها حق وباطل ولا بد من التمييز في هذا وهذا ms3651 # وجماع ذلك أن ما وافق كتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه وما كان عليه ~~أصحابه فهو حق وما خالف ذلك فهو باطل فان الله يقول @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا @QE@ وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم @QE@ PageV11P582 # وفى صحيح مسلم عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ( كان إذا قام من ~~الليل يقول اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف ~~فيه من الحق باذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ( والكلام على هذه ~~الأمور مبسوط في غير هذا الموضع # وقد تكلمنا على كلام المشائخ في السماع وما ذكره القشيرى في رسالته هو ~~وغيره عنهم وشرحنا ذلك كلمة كلمة لكن هذا الموضع لا يتسع لذلك # وجماع الأمر في ذلك انه إذا كان الكلام في السماع وغيره هل هو طاعة وقربة ~~فلا بد من دليل شرعى يدل على ذلك وإذا كان الكلام هل هو محرم أو غير محرم ~~فلابد من دليل شرعى يدل على ذلك إذ ليس الحرام إلا ما حرمه الله ولا دين ~~إلا ما شرعه الله والله سبحانه وتعالى ذم المشركين على انهم ابتدعوا دينا ~~لم يشرعه الله لهم وأنهم حرموا ما لم يحرمه الله تعالى فقال تعالى ~~PageV11P583 @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل ms3652 أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ # وكثير من الناس يفعل في السماع وغيره ما هو من جنس الفواحش المحرمة وما ~~يدعو إليها وزعمهم أن ذلك يصلح القلوب فهو مما أمر الله به فهؤلاء لهم نصيب ~~من معنى هذه الآية قال تعالى @QB@ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون @QE@ # وقد كان المشركون يحرمون من الطعام واللباس أشياء ويتخذون ذلك دينا وكان ~~بعض الصحابة قد عزموا على الترهب فأنزل الله تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ~~وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا @QE@ الآية PageV11P584 وجماع الدين أن لا ~~نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع ولا نعبده بالبدع كما قال تعالى @QB@ ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال الفضيل بن عياض أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا ~~على ما أخلصه وأصوبه # قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم ~~يكن خالصا ولم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن ~~يكون على السنة وهذا الذى ذكره الفضيل مما اتفق عليه أئمة المشائخ كما قال ~~أبو سليمان الدارانى إنه لتمر بقلبى النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا ~~بشاهدين اثنين الكتاب والسنة وقال الشيخ أبو سليمان أيضا ليس لمن ألهم شيئا ~~من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فاذا سمع بأثر كان نورا على نور # وقال الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب ~~الحديث لم يصح له أن يتكلم في علمنا هذا وقال سهل بن عبد الله التسترى كل ~~وجد لا يشهد له ms3653 الكتاب والسنة فهو باطل وقال كل عمل على ابتداع فانه عذاب ~~على النفس وكل عمل بلا اقتداء فهو غش النفس PageV11P585 # وقال أبو عثمان ~~النيسابورى من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى ~~على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لأن الله يقول ( وان تطيعوه تهتدوا ) ومثل ~~هذا كثير في كلامهم # وإذا كان كذلك فليس لأحد أن يسلك إلى الله إلا بما شرعه الرسول لأمته فهو ~~الداعى إلى الله باذنه الهادى إلى صراطه الذى من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه ~~دخل النار فهو الذى فرق الله به بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد ~~والغى آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وصحبه وسلم ~~PageV11P586 ### || 1 ( رسالة في السماع ) 1 # ! 8 < ( ### || ### |||| سئل شيخ الاسلام رحمه الله # ( عن ( السماع ( # فأجاب # ( السماع ( الذى أمر الله به ورسوله واتفق عليه سلف الأمة ومشائخ ~~الطريق هو سماع القرآن فانه سماع النبيين وسماع العالمين وسماع العارفين ~~وسماع المؤمنين قال سبحانه وتعالى @QB@ أولئك الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن ~~هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا @QE@ # وقال تعالى @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم @QE@ ~~PageV11P587 # وقال سبحانه وتعالى @QB@ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين @QE@ # وقال سبحانه وتعالى ( الله نزل أحسن ms3654 الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ( وقال ~~سبحانه وتعالى @QB@ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ وهذا كثير في ~~القرآن # وكما اثنى سبحانه وتعالى على هذا السماع فقد ذم المعرضين عنه كما قال ~~@QB@ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون @QE@ ~~وقال @QB@ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا @QE@ ~~وقال سبحانه وتعالى @QB@ فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة @QE@ ~~وقال سبحانه وتعالى @QB@ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما ~~قدمت يداه @QE@ وقال @QB@ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا ~~يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون @QE@ ~~وقال سبحانه وتعالى @QB@ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها ~~كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم @QE@ PageV11P588 وهذا كثير في كتاب ~~الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين يمدحون من يقبل ~~على هذا السماع ويحبه ويرغب فيه ويذمون من يعرض عنه ويبغضه ولهذا شرع الله ~~للمسلمين في صلاتهم ولطسهم شرع سماع المغرب والعشاء الآخر # وأعظم سماع في الصلوات سماع الفجر الذى قال الله فيه @QB@ وقرآن الفجر إن ~~قرآن الفجر كان مشهودا @QE@ وقال عبد الله بن رواحة رضى الله عنه يمدح ~~النبى صلى الله عليه وسلم # وفينا رسول الله يتلو كتابه %~% إذا انشق معروف من الفجر ساطع # يبيت يجافى جنبه عن فراشه %~% إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا %~% به موقنات أن ما قال واقع # وهو مستحب لهم خارج الصلوات وروى عن ~~النبى ( أنه خرج على أهل الصفة وفيهم واحد يقرأ وهم PageV11P589 يستمعون ~~فجلس معهم ( وكان أصحاب رسول الله إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ ~~والباقون يستمعون # وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم ~~يستمعون ومر النبى بأبى موسى وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته وقال ( لقد أوتى ~~هذا مزمارا من مزامير داود ( وقال ( يا ms3655 أبا موسى لقد مررت بك البارحة وأنت ~~تقرأ فجعلت استمع لقراءتك ( فقال لو علمت أنك تستمع لقراءتى لحبرته لك ~~تحبيرا أى حسنته لك تحسينا # وقال النبى ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( زينوا القرآن بأصواتكم ( وقال ~~( لله أشد أذنا للرجل حسن الصوت من صاحب القينة إلى قينته ( وقوله ( ماأذن ~~الله إذنا ( أي سمع سمعا ومنه قوله ( أذنت لربها وحقت ( أى سمعت والآثار في ~~هذا كثيرة # وهذا سماع له آثار إيمانية من المعارف القدسية والأحوال الزكية يطول ~~شرحها ووصفها وله في الجسد آثار محمودة من خشوع القلب ودموع العين واقشعرار ~~الجلد وقد ذكر الله هذه الثلاثة في القرآن وكانت موجودة في أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه PageV11P590 وسلم الذين أثنى عليهم في القرآن ووجد بعدهم في ~~التابعين آثار ثلاثة الاضطراب والاختلاج والاغماء أو الموت والهيام فأنكر ~~بعض السلف ذلك إما لبدعتهم واما لحبهم وأما جمهور الأئمة والسلف فلا ينكرون ~~ذلك فان السبب إذا لم يكن محظورا كان صاحبه فيما تولد عنه معذورا لكن سبب ~~ذلك قوة الوارد على قلوبهم وضعف قلوبهم عن حمله فلو لم يؤثر السماع لقسوتهم ~~كانوا مذمومين كما ذم الله الذين قال فيهم @QB@ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ~~@QE@ وقال @QB@ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون @QE@ ولو أثر فيهم آثارا محمودة لم يجذبهم عن حد العقل ~~لكانوا كمن أخرجهم إلى حد الغلبة كانوا محمودين أيضا ومعذورين # فاما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك إما نشيد مجرد نظير ~~الغبار وإما بالتصفيق ونحو ذلك فهو السماع المحدث في الاسلام فانه أحدث بعد ~~ذهاب القرون الثلاثة الذين اثنى عليهم النبى حيث قال ( خير القرون القرن ~~الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( وقد كرهه أعيان الأمة ولم ~~يحضره أكابر المشايخ PageV11P591 # وقال الشافعى رحمه الله خلفت ببغداد شيئا ~~أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن ms3656 القرآن # وسئل عنه الامام أحمد بن حنبل فقال هو محدث أكرهه قيل له أنه يرق عليه ~~القلب فقال لا تجلسوا معهم قيل له أيهجرون فقال لا يبلغ بهم هذا كله فبين ~~أنه بدعة لم يفعلها القرون الفاضلة لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ~~ولا في مصر ولا في العراق ولا خراسان ولو كان للمسلمين به منفعة في دينهم ~~لفعله السلف # ولم يحضره مثل إبراهيم بن أدهم ولا الفضيل بن عياض ولا معروف الكرخي ولا ~~السرى السقطى ولا أبو سليمان الدارانى ولا مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدى ~~والشيخ أبى البيان ولا الشيخ حياة وغيرهم بل في كلام طائفة من هؤلاء كالشيخ ~~عبد القادر وغيره النهى عنه وكذلك أعيان المشائخ # وقد حضره من المشائخ طائفة وشرطوا له المكان والامكان والخلان والشيخ ~~الذى يحرس من الشيطان وأكثر الذين حضروه من المشائخ الموثوق بهم رجعوا عنه ~~في آخر عمرهم كالجنيد فإنه حضره وهو شاب وتركهم في آخر عمره وكان يقول من ~~تكلف السماع PageV11P592 فتن به ومن صادفه السماع استراح به فقد ذم من ~~يجتمع له ورخص فيمن يصادفه من غير قصد ولا اعتماد للجلوس له # وسبب ذلك أنه مجمل ليس فيه تفصيل فان الأبيات المتضمنة لذكر الحب والوصل ~~والهجر والقطيعة والشوق والتتيم والصبر على العذل واللوم ونحو ذلك هو قول ~~مجمل يشترك فيه محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الاخوان ومحب الأوطان ومحب ~~النسوان ومحب المردان فقد يكون فيه منفعة إذا هيج القاطن وأثار الساكن وكان ~~ذلك مما يحبه الله ورسوله لكن فية مضرة راجحة على منفعته كما في الخمر ~~والميسر فان فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما # فلهذا لم تأت به الشريعة لم تأت إلا بالمصلحة الخالصة أو الراجحة # وأما ما تكون مفسدته غالبة على مصلحته فهو بمنزلة من يأخذ درهما بدينار ~~أو يسرق خمسة دراهم ويتصدق منها بدرهمين # وذلك أنه يهيج الوجد المشترك فيثير من النفس كوامن تضره آثارها ويغذى ~~النفس ويفتنها فتعتاض به عن سماع ms3657 القرآن حتى لا يبقى فيها محبة لسماع ~~القرآن ولا التذاذ به ولا استطابة له بل PageV11P593 يبقى في النفس بغض ~~لذلك واشتغال عنه كمن شغل نفسه بتعلم التوراة والانجيل وعلوم أهل الكتاب ~~والصابئين واستفادته العلم والحكمة منها فأعرض بذلك عن كتاب الله وسنة ~~رسوله إلى أشياء اخرى تطول # فلما كان هذا السماع لا يعطى بنفسه ما يحبه الله ورسوله من الأحوال ~~والمعارف بل قد يصد عن ذلك ويعطى ما لا يحبه الله ورسوله أو ما يبغضه الله ~~ورسوله لم يأمر الله به ولا رسوله ولا سلف الأمة ولا أعيان مشائخها # ومن نكته أن الصوت يؤثر في النفس بحسنه فتارة يفرح وتارة يحزن وتارة يغضب ~~وتارة يرضى وإذا قوى أسكر الروح فتصير في لذة مطربة من غير تمييز كما يحصل ~~للنفس إذا سكرت بالرقص وللجسد أيضا إذا سكر بالطعام والشراب فان السكر هو ~~الطرب الذى يؤثر لذة بلا عقل فلا تقوم منفعته بتلك اللذة بما يحصل من غيبة ~~العقل التى صدت عن ذكر الله وعن الصلاة وأوقعت العداوة # والبغضاء و ( بالجملة ( فعلى المؤمن ان يعلم أن النبى لم يترك شيئا يقرب ~~إلى الجنة إلا وقد حدث به ولا شيئا يبعد عن PageV11P594 النار إلا وقد حدث ~~به وان هذا السماع لو كان مصلحة لشرعه الله ورسوله فان الله يقول ( اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا ( وإذا وجد فيه ~~منفعة لقلبه ولم يجد شاهد ذلك لا من الكتاب ولا من السنة لم يلتفت إليه # قال سهل بن عبد الله التسترى كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل # وقال أبو سليمان الدارانى انه لتلم بقلبى النكتة من نكت القوم فلا أقبلها ~~إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة وقال أبو سليمان أيضا ليس لمن ألهم شيئا ~~من الخير أن يفعله حتى يجد فيه أثرا فاذا وجد فيه أثرا كان نورا على نور # وقال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ~~ولم يكتب الحديث لا يصلح ms3658 له ان يتكلم في علمنا و ( أيضا ( فان الله يقول في ~~الكتاب ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ( قال السلف من الصحابة ~~والتابعين ( المكاء ( كالصفير ونحوه من التصويت مثل الغناء و ( التصدية ( ~~التصفيق باليد فقد أخبر الله عن المشركين أنهم كانوا يجعلون التصدية ~~PageV11P595 والغناء لهم صلاة وعبادة وقربة يعتاضون به عن الصلاة التى ~~شرعها الله ورسوله # وأما المسلمون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان فصلاتهم ~~وعبادتهم القرآن واستماعه والركوع والسجود وذكر الله ودعاؤه ونحو ذلك مما ~~يحبه الله ورسوله فمن اتخذ الغناء والتصفيق عبادة وقربة فقد ضاهى المشركين ~~في ذلك وشابههم فيما ليس من فعل المؤمنين المهاجرين والأنصار فان كان يفعله ~~في بيوت الله فقد زاد في مشابهته اكبر وأكبر واشتغل به عن الصلاة وذكر الله ~~ودعائه فقد عظمت مشابهته لهم وصار له كفل عظيم من الذم الذى دل عليه قوله ~~سبحانه وتعالى @QB@ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية @QE@ # لكن قد يغفر له ذلك لاجتهاده أو لحسنات ماحية أو غير ذلك فيما يفرق فيه ( ~~بين ) المسلم والكافر لكن مفارقته للمشركين في غير هذا لا يمنع أن يكون ~~مذموما خارجا عن الشريعة داخلا في البدعة التى ضاهى بها المشركين فينبغى ~~للمؤمن أن يتفطن لهذا ويفرق بين سماع المؤمنين الذى أمر الله به ورسوله ~~وسماع المشركين الذى نهى الله عنه ورسوله PageV11P596 ويعلم أن هذا السماع ~~المحدث هو من جنس سماع المشركين وهو إليه أقرب منه إلى سماع المسلمين وإن ~~كان قد غلط فيه قوم من صالح المسلمين فان الله لا يضيع أجرهم وصلاحهم لما ~~وقع من خطئهم فان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب ~~فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فاخطأ فله أجر واحد ( # وهذا كما أن جماعة من السلف قاتلوا أمير المؤمنين عليا بتأويل وعلى بن ~~أبى طالب واصحابه أولى بالحق منهم وقد قال فيهم من قصد الله فله الجنة # وجماعة من السلف والخلف استحلوا بعض الأشربة بتأويل وقد ثبت بالكتاب ~~والسنة تحريم ما ms3659 استحلوه وإن كان خطؤهم مغفورا لهم # والذين حضروا هذا السماع من المشائخ الصالحين شرطوا له شروطا لا توجد إلا ~~نادرا فعامة هذه السماعات خارجة عن إجماع المشائخ ومع هذا فاخطئوا والله ~~يغفر لهم خطأهم فيما خرجوا به عن السنة وإن كانوا معذورين # والسبب الذى اخطأوا فيه اوقع أمم كثيرة في المنكر الذى نهوا PageV11P597 ~~عنه وليس للعالمين شرعة ولا منهاج ولا شريعة ولا طريقة أكمل من الشريعة ~~التى بعث الله بها نبيه محمدا كما كان يقول في خطبته ( خير الكلام كلام ~~الله وخير الهدى هدى محمد ( # ومن غلط بعضهم توهمه ان النبى والصحابة والتابعين حضروا هذا السماع سماع ~~المكاء والتصدية والغناء والتصفيق بالأكف حتى روى بعض الكاذبين أن النبى ~~أنشده أعرابى شعرا قوله # قد لسعت حية الهوى كبدى %~% فلا طبيب لها ولا راقى # سوى الحبيب الذى شغفت به %~% فمنه دائى ومنه ترياقى # وأن النبى تواجد حتى ~~سقطت البردة عن منكبيه وقال ( ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب ( ~~وهذا الحديث كذب باجماع العارفين بسيرة رسول الله وسنته وأحواله # كما كذب بعض الكذابين أن أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع PageV11P598 ~~المشركين وأمثال هذه الأمور المكذوبة إنما يكذبها من خرج عن أمر الله ~~ورسوله واطبقت عليه طوائف من الجاهلين بأحوال الرسول وأصحابه بل بأصول ~~الاسلام # وأما ( الرقص ( فلم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من الأئمة بل قد قال ~~الله في كتابه ( واقصد في مشيك ( وقال في كتابه ( وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا ( أى بسكينة ووقار # وإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود بل الدف والرقص في الطابق لم يأمر ~~الله به ولا رسوله ولا أحد من سلف الأمة بل أمروا بالقرآن في الصلاة ~~والسكينة ولو ورد على الانسان حال يغلب فيها حتى يخرج إلى حالة خارجة عن ~~المشروع وكان ذلك الحال بسبب مشروع كسماع القرآن ونحوه سلم إليه ذلك الحال ~~كما تقدم فاما إذا تكلف من الأسباب ما لم يؤمر به مع علمه بأنه يوقعه فيما ~~لا يصلح له مثل شرب ms3660 الخمر مع علمه أنها تسكره وإذا قال ورد على الحال وأنا ~~سكران قيل له إذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا # فهذه الأحوال الفاسدة من كان فيها صادقا فهو مبتدع ضال من جنس خفراء ~~العدو وأعوان الظلمة من ذوى الأحوال الفاسدة الذين ضارعوا عباد النصارى ~~والمشركين والصابئين في بعض ما لهم من الأحوال PageV11P599 ومن كان كاذبا ~~فهو منافق ضال قال سيد المسلمين في وقته الفضيل بن عياض في قوله تعالى @QB@ ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال أخلصه وأصوبه قيل له يا أبا على ما أخلصه ~~واصوبه قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ~~ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب ~~أن يكون على السنة # وكان يقول من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الاسلام ومن زوج كريمته ~~لصاحب بدعة فقد قطع رحمها ومن انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ~~وأكثر إشارته وإشارات غيره من المشائخ بالبدعة إنما هي إلى البدع في ~~العبادات والأحوال كما قال عن النصارى @QB@ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم @QE@ وقال بن مسعود ( عليكم بالسبيل والسنة فانه ما من عبد على ~~السبيل والسنة ذكر الله خاليا فاقشعر جلده من مخافة الله إلا تحاتت عنه ~~خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجرة وما من عبد على السبيل والسنة ذكر ~~الله خاليا فدمعت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبدا وان اقتصادا ~~في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون أعمالكم إن ~~كانت اجتهادا أو اقتصادا على منهاج الأنبياء وسنتهم PageV11P600 # وأما قول القائل هذه شبكة يصاد بها العوام فقد صدق فان أكثرهم إنما ~~يتخذون ذلك شبكة لأجل الطعام والتوانس على الطعام كما قال الله فيهم @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله @QE@ ومن فعل هذا فهو من أئمة الضلال الذين ~~قيل في رؤوسهم @QB@ يوم تقلب وجوههم ms3661 في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ # وأما الصادقون منهم فهم يتخذونه شبكة لكن هي شبكة مخرقة يخرج منها الصيد ~~إذا دخل فيها كما هو الواقع كثيرا فان الذين دخلوا في السماع المبتدع في ~~الطريق ولم يكن معهم أصل شرعى شرعه الله ورسوله أورثتهم احوالا فاسدة # وإلى عبادته ومحبته وطاعته والرغبة إليه والتبتل له والتوكل عليه أحسن من ~~الاسلامية والشريعة القرآنية والمناهج الموصلة الحقيقة الجامعة لمصالح ~~الدنيا والآخرة PageV11P601 وإذا كان غير مشروع ولا مامور به فالتطهر أو ~~الانصات له واستفتاح باب الرحمة هو من جنس عادة الرهبان ليس من عبادة أهل ~~الاسلام والايمان ولا عبادة أهل القرآن ولا من أهل السنة والاحسان والحمد ~~لله وحده PageV11P602 ### |||| ( سئل ( # عمن قال ان السماع على الناس حرام وعلى حلال ~~هل يفسق في ذلك أم لا ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # من ادعى أن المحرمات تحريما عاما كالفواحش والظلم ~~والملاهى حرام على الناس حلال له فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل ومن ادعى في ~~الدفوف والشباب انهما حرام على بعض الناس دون بعض فهذا مخالف للسنة ~~والاجماع وأئمة الدين وهو ضال من الضلال ومن تم مصرا على مثل ذلك كان فاسقا ~~والله أعلم # PageV11P603 ### |||| ( سئل ( # عن أقوام يرقصون على الغناء بالدف ثم يسجد بعضهم ~~لبعض على وجه التواضع هل هذا سنة أو فعله الشيوخ الصالحون ### ||||| الجواب # لا يجوز السجود لغير الله واتخاذ الضرب بالدف والغناء والرقص ~~عبادة هو من البدع التى لم يفعلها سلف الأمة ولا أكابر شيوخها كالفضيل بن ~~عياض وإبراهيم بن أدهم وأبى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى والسرى السقطى ~~وغير هؤلاء # وكذلك أكابر الشيوخ المتأخرين مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدى والشيخ ~~أبى مدين والشيخ أبى البيان وغير هؤلاء فانهم لم يحضروا ( السماع البدعى ( ~~بل كانوا يحضرون ( السماع الشرعى ( سماع الأنبياء وأتباعهم كسماع القرآن ~~والله أعلم PageV11P604 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام ( # عن رجل يحب السماع والرقص ~~فأشار عليه رجل ms3662 فقال هذه الأبيات # أنكروا رقصا وقالوا حرام %~% فعليهم من أجل ذاك سلام # أعبد الله يافقيه وصل %~% والزم الشرع فالسماع حرام # بل حرام عليك ثم حلال %~% عند قوم أحوالهم لا تلام # مثل قوم صفوا وبان لهم من %~% جانب الطور جذوة وكلام # فاذا قوبل السماع بلهو %~% فحرام على الجميع حرام ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذا الشعر يتضمن منكرا من القول وزورا بل ~~أوله يتضمن مخالفة الشريعة وآخره يفتح باب الزندقة والالحاد والمخالفة ~~للحقيقة الالهية الدينية النبوية وذلك أن قول القائل # مثل قوم صفوا وبان لهم من %~% جانب الطور جذوة وكلام PageV11P605 # يتضمن تمثيلهؤلاء بموسى بن ~~عمران الذى نودي من جانب الطور ولما رأى النار قال لأهله امكثوا إنى آنست ~~نارا لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ( # وهذا قول طائفة من الناس يسلكون طريق الرياضة والتصفية ويظنون أنهم بذلك ~~يصلون إلى أن يخاطبهم الله كما خاطب موسى بن عمران وهؤلاء ثلاثة أصناف # ( صنف ( يزعمون أنهم يخاطبون بأعظم مما خوطب به موسى بن عمران كما يقول ~~ذلك من يقوله من أهل الوحدة والاتحاد القائلين بأن الوجود واحد كصاحب ( ~~الفصوص ( وأمثاله فان هؤلاء يدعون أنهم أعلى من الأنبياء وأن الخطاب الذى ~~يحصل لهم من الله أعلى مما يحصل لابراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة ~~والسلام ومعلوم أن هذا الكفر أعظم من كفر اليهود والنصارى الذين يفضلون ~~الأنبياء على غيرهم لكن يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض # و ( النوع الثانى ( من يقول إن الله يكلمه مثل كلام موسى بن عمران كما ~~يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة والمتصوفة الذين PageV11P606 يقولون إن ~~تكليم موسى فيض فاض على قلبه من العقل الفعال ويقولون إن النبوة مكتسبة # و ( النوع الثالث ( الذين يقولون إن موسى أفضل لكن صاحب الرياضة قد يسمع ~~الخطاب الذى سمعه موسى ولكن موسى مقصودا بالتكليم دون هذا كما يوجد هذا في ~~أخبار صاحب ( مشكاة الأنوار ( وكذلك سلك مسلكه صاحب ( خلع النعلين ( ~~وأمثالهما # وأما قوله في أول الشعر لمن يخاطبه ( الزم الشرع يافقيه وصل ms3663 ( يشعر بأنك ~~أنت تبع الشرع وأما نحن فلنا إلى الله طريق غير الشرع ومن ادعى ان له طريقا ~~إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التى بعث الله ~~بها رسوله فانه أيضا كافر يستتاب فان تاب وإلا ضربت عنقه كطائفة اسقطوا ~~التكليف وزعموا أن العبد يصل إلى الله بلا متابعة الرسل # و ( طائفة ( يظنون أن الخواص من الأولياء يستغنون عن متابعة محمد كما ~~استغنى الخضر عن متابعة موسى وجهل هؤلاء أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول إلى كل أحد ظاهرا وباطنا مع أن قضية الخضر ~~لم تخالف شريعة موسى بل وافقتها ولكن الأسباب المبيحة للفعل لم يكن موسى ~~علمها فلما علمها تبين أن الأفعال توافق شريعته لا تخالفها PageV11P607 ### |||| ( وسئل ( # عن الذين يعملون النار والاشارات مثل النبل والزعفران وغير ذلك ### ||||| فأجاب # أما هؤلاء الذين يظهرون ( الاشارات ( كالنبل والزعفران والمسك ~~والنار والجبة فليسوا من أولياء الله الصالحين بل هم من أحزاب الشياطين ~~وأحوالهم شيطانية ليست من كرامات الصالحين وهم يفسدون العقول والأديان ~~والأعراض والنساء والصبيان ولا يحسن الظن بهم إلا جاهل عظيم الجهالة أو عدو ~~لله ورسوله فانهم من جنس التتر المحاربين لله ورسوله والله أعلم ~~PageV11P608 ### |||| ( سئل ( # عن رجل فلاح لم يعلم دينه ولا صلاته وإن في بلده ~~شيخاأعطاه إجازة وبقى يأكل الثعابين والعقارب ونزل عن فلاحته ويطلب رزقة ~~فهل تجوز الصدقة عليه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أكل الخبائث وأكل الحيات والعقارب حرام باجماع المسلمين ~~فمن أكلها مستحلا لذلك فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل ومن اعتقد التحريم ~~وأكلها فانه فاسق عاص لله ورسوله فكيف يكون رجلا صالحا ولو ذكى الحية لكان ~~أكلها بعد ذلك حرام عند جماهير العلماء لأن النبى قال ( خمس فواسق يقتلن في ~~الحل والحرم الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور ( # فأمر النبى بقتل ذلك في الحل والحرم وسماهن فواسق لأنهن يفسقن أى يخرجن ~~على الناس ويعتدين عليهم فلا يمكن الاحتراز منهن كما لا يحترز من السباع ~~العادية ms3664 فيكون PageV11P609 عدوان هذا أعظم من عدوان كل ذي ناب من السباع ~~وهن أخبث وأحرم # وأما الذين يأكلون ويجعلون ذلك من باب ( كرامات الأولياء ( فهم أشر حالا ~~ممن يأكلها من الفساق لأن كرامات الأولياء لا تكون بما نهى الله عنه ورسوله ~~من أكل الخبائث كما لا تكون بترك الواجبات وإنما هذه المخاريق التى يفعلها ~~هؤلاء المبتدعون من الدخول في النار وأخذ الحيات واخراج اللاذن والسكر ~~والدم وماء الورد هي نوعان # أحدهما ( أن يفعلوا ذلك بحيل طبعية مثل أدهان معروفة يذهبون ويمشون ( في ~~النار ( ومثل ما يشربه أحدهم مما يمنع سم الحية مثل أن يمسكها بعنقصتها حتى ~~لا تضره ومثل أن يمسك الحية المائية ومثل أن يسلخ جلد الحية ويحشوه طعاما ~~وكم قتلت الحيات من أتباع هؤلاء ومثل أن يمسح جلده بدم أخوين فاذا عرق في ~~السماع ظهر منه ما يشبه الدم ويصنع لهم أنواعا من الحيل والمخادعات # ( النوع الثانى ( وهم أعظم عندهم أحوال شيطانية تعتريهم عند السماع ~~الشيطانى فتنزل الشياطين عليهم كما تدخل في بدن المصروع ويزيد أحدهم كما ~~يزيد المصروع وحينئذ يباشر النار والحيات PageV11P610 والعقارب ويكون ~~الشيطان هو الذى يفعل ذلك كما يفعل ذلك من تقترن بهم الشياطين من إخوانهم ~~الذين هم شر الخلق عند الناس من الطائفة التى تطلبهم الناس لعلاج المصروع ~~وهم من شر الخلق عند الناس فاذا طلبوا تحلوا بحلية المقاتلة ويدخل فيهم ~~الجن فيحارب مثل الجن الداخل في المصروع ويسمع الناس أصواتا ويرون حجارة ~~يرمى بها ولا يرون من يفعل ذلك ويرى الانسى واقفا على رأس الرمح الطويل ~~وإنما الواقف هو الشيطان ويرى الناس نارا تحمى ويضع فيها الفؤوس والمساحى ~~ثم إن الانسى يلحسها بلسانه وإنما يفعل ذلك الشيطان الذى دخل فيه ويرى ~~الناس هؤلاء يباشرون الحيات والأفاعى وغير ذلك ويفعلون من الأمور ما هو ~~أبلغ مما يفعله هؤلاء المبتدعون الضالون المكذبون الملبسون الذين يدعون ~~أنهم أولياء الله وإنما هم من أعادية المضيعين لفرائضه المتعدين لحدوده # والجهال لأجل هذه الأحوال الشيطانية والطبيعية يظنوهم أولياء الله وإنما ms3665 ~~هذه الأحوال من جنس أحوال أعداء الله الكافرين والفاسقين ولا يجوز أن يعان ~~من هؤلاء على ترك المأمور ولا فعل المحظور ولا اقامة مشيخة تخالف الكتاب ~~والسنة ولا أن يعطى رزقه على مشيخة يخرج بها من طاعة الله ورسوله وإنما ~~يعان بالأرزاق من قام بطاعة الله ورسوله ودعا إلى طاعة الله ورسوله والله ~~أعلم PageV11P611 ### |||| ( وسئل ( # عن رجل منقطع في بيته لا يخرج ولا يدخل ويصلى في ~~بيته ولا يشهد الجماعة وإذا خرج إلى الجمعة يخرج مغطى الوجه ثم إنه يخترع ~~العياط من غير سبب وتجتمع عنده الرجال والنساء فهل يسلم له حاله أو يجب ~~الانكار عليه ### ||||| فأجاب # هذه الطريقة طريقة بدعية مخالفة للكتاب والسنة ولما أجمع عليه ~~المسلمون والله تعالى إنما يعبد بما شرع لا يعبد بالبدع قال الله تعالى ~~@QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ فان التعبد ~~بترك الجمعة والجماعة بحيث يرى أن تركهما أفضل من شهودهما مطلقا كفر يجب أن ~~يستتاب صاحبه منه فان تاب وإلا قتل فانه قد علم بالاضطرار من دين الاسلام ~~أن لا يعبد بترك الجمعة والجماعة بل يعبد بفعل الجمعة والجماعة ومن جعل ~~الانقطاع عن ذلك دينا لم يكن على دين المسلمين بل يكون من جنس الرهبان ~~الذين يتخلون بالصوامع والديارات والواحد من هؤلاء قد يحصل له بسبب الرياضة ~~أو الشياطين بتقريبه اليهم أو غير ذلك نوع كشف وذلك لا يفيده بل هو كافر ~~بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم # والله تعالى أمر الخلق أن يعبدوه وحده لا يشركون به شيئا PageV11P612 ~~ويعبدوه بما شرع وأمر أن لا يعبدوه بغير ذلك قال تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا ( وقال تعالى @QB@ ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا @QE@ # فالسالك طريق الزهادة والعبادة إذا كان متبعا للشريعة في الظاهر وقصد ~~الرياء والسمعة وتعظيم الناس له كان عمله باطلا لا يقبله الله كما ثبت في ~~الصحيح أن الله يقول ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل ms3666 عملا أشرك فيه ~~غيرى فأنا منه بريء وهو كله للذى أشرك ( وفى الصحيح عنه أنه قال ( من سمع ~~سمع الله به ومن رآى رآى الله به ( # وان كان خالصا في نيته لكنه يتعبد بغير العبادات المشروعة مثل الذى يصمت ~~دائما أو يقوم في الشمس أو على السطح دائما أو يتعرى من الثياب دائما ~~ويلازم لبس الصوف أو لبس الليف ونحوه أو يغطى وجهه أو يمتنع من أكل الخبز ~~أو اللحم أو شرب الماء ونحو ذلك كانت هذه العبادات باطلة ومردودة كما ثبت ~~في الصحيح عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( من أحدث في أمرنا ~~هذا ما ليس منه فهو رد ( وفى رواية ( من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد ( ~~وفى صحيح البخارى عن بن عباس ( أن النبى رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما ~~هذا قالوا هذا أبو اسرائيل نذر الصمت والقيام والبروز PageV11P613 للشمس مع ~~الصوم فأمره النبى بالصوم وحده ( لأنه عبادة يحبها الله تعالى ( وما عداه ~~ليس بعبادة ) وان ظنها الظان تقربه إلى الله تعالى وثبت عنه أنه كان يقول ~~في خطبته ( إن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور ~~محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) # وثبت عنه في الصحيح ( أن قوما من أصحابه قال أحدهم أما أنا فأصوم ولا ~~أفطر وقال الآخر أما انا فأقوم ولا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج ~~النساء وقال الآخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبى صلى الله عليه وسلم ما ~~بال رجال يقول أحدهم كيت وكيت لكنى أصوم وأفطر وأنام وأتزوج النساء وآكل ~~اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى ) فاذا كان هذا فيما هو جنسه عبادة فان ~~الصوم والصلاة جنسها عبادة وترك اللحم والتزويج جائز لكن لما خرج في ذلك من ~~السنة فالتزم القدر الزائد على المشروع والتزم هذا ترك المباح كما يفعل ~~الرهبان تبرأ النبى ممن فعل ذلك حيث رغب عن سنته إلى خلافها وقال ( لا ~~رهبانية في الاسلام ) فكيف بمن يرغب عما ms3667 هو من اعظم شعائر الاسلام وهو ~~الصلاة في الجمعة والجماعات # وقد روى عن بن عباس أنهم سألوه غير مرة عمن يصوم PageV11P614 النهار ~~ويقوم الليل ولا يشهد جمعة ولا جماعة فقال ( هو في النار ) وفى الصحيحين عن ~~النبى انه قال ( لينتهين اقوام عن ودعهم الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم ~~ثم ليكونن من الغافلين ) وقال ( من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر طبع ~~الله على قلبه ) وفى الصحيح والسنن ( إن أعمى قال يا رسول الله إن لى قائدا ~~لا يلائمنى فهل تجد لى رخصة أن أصلى في بيتى قال هل تسمع النداء قال نعم ~~قال فأجب ) وفى رواية قال ( لا اجد لك رخصة ) # و ( الجمعة ( فريضة باتفاق الأئمة # و ( الجماعة ( واجبة ايضا عند كثير من العلماء بل عند أكثر السلف وهل هي ~~شرط في صحة الصلاة على قولين # أقواهما كما في سنن أبى داود عن النبى أنه قال ( من سمع النداء فلم يجب ~~من غير عذر فلا صلاة له ( # وعند طائفة من العلماء أنها واجبة على الكفاية # و ( أحد الأقوال ( أنها سنة مؤكدة ولا نزاع بين العلماء أن صلاة الرجل في ~~جماعة تزيد على صلاته وحده خمسا وعشرين ضعفا PageV11P615 كما ثبت ذلك عن ~~النبى ولا نزاع بينهم أن من جعل صلاته وحده أفضل من صلاته في جماعة فانه ~~ضال مبتدع مخالف لدين المسلمين # وهذه البدع يذم أصحابها ويعرف أن الله لا يتقبلها وان كان قصدهم بها ~~العبادة كما أنه لا يقبل عبادة الرهبان ونحوهم ممن يجتهدون في الزهد ~~والعبادة لأنهم لم يعبدوه بما شرع بل ببدعة ابتدعوها كما قال ( ورهبانية ~~ابتدعوها ( فان المتعبد بهذه البدع قصده أن يعظم ويزار وهذا عمله ليس خالصا ~~لله ولا صوابا على السنة بل هو كما يقال زغل وناقص بمنزلة لحم خنزير ميت ~~حرام من وجهين # والواجب على كل مسلم التزام عبادة الله وحده لا شريك له وطاعة رسوله ~~والأمر بذلك لكل أحد والنهى عن ضد ذلك لكل أحد والانكار على من يخرج عن ذلك ms3668 ~~ولو طار في الهواء ومشى على الماء وليس تحت أديم السماء أحد يقر على خلاف ~~ما جاء به رسول الله بل إن كان مقرى بالاسلام ألزمه بطاعة الرسول واتباع ~~سنته الواجبة وشريعته الهادية وان كان غير مقر بالاسلام كان كافرا ولو كان ~~له من الزهد والرهبان ماذا عسى أن يكون PageV11P616 والكافر إن كان من أهل ~~الذمة فله حكم أمثاله وان كان من أهل الحرب فله حكم أمثاله ويجب الانكار ~~على هذا المبتدع وأمثاله بحسن قصد بحيث يكون المقصود طاعة الله ورسوله لا ~~اتباع هوى ولا منافسة ولا غير ذلك قال الله تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ # فالمقصود أن يكون الدين كله لله ولا دين إلا ما شرعه الله تعالى على ألسن ~~رسله وفى الصحيحين ( أن النبى قيل له يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ~~ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأى ذلك في سبيل الله فقال من قاتل لتكون كلمة ~~الله هي العليا فهو في سبيل الله ( فيكون المقصود علو كلمة الله وظهور دين ~~الله وان يعلم المسلمون كلهم انما عليه المبتدعون المراؤون ليس من الدين ~~ولا من فعل عباد الله الصالحين بل من فعل أهل الجهل والضلال والاشراك بالله ~~تعالى الذين يخرجون عن توحيده واخلاص الدين له وعن طاعة رسله # و ( أصل الاسلام ( أشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فمن طلب ~~بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة ان لا إله إلا الله PageV11P617 ~~ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن ~~محمدا رسول الله # وإنما يحقق هذين ( الأصلين ( من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول ~~الله التى بلغها عن الله فإنه قال ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا ~~يزيغ عنها الا هالك ( وقال ( ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة الا قد ~~حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به ( وقال بن مسعود ( ~~خط لنا رسول الله خطأ وخط خطوطا ms3669 عن يمينه وشماله ثم قال هذا سبيل الله وهذه ~~سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ ( وان هذا صراطى مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( فالعبادات والزهادات ~~والمقالات والتورعات الخارجة عن سبيل الله وهو الصراط المستقيم الذى أمرنا ~~الله ان نسأله هدايته وهو ما دل عليه السنة هي سبل الشيطان ولو كان لأحدهم ~~من الخوارق ما كان فليس أحدهم بأعظم من مقدمهم الدجال الذى يقول للسماء ~~أمطرى فتمطر وللأرض أنبتى فتنبت وللخربة أظهرى كنوزك فتخرج معه كنوز الذهب ~~والفضة وهو مع هذا عدو الله كافر بالله وأولياء الله هم المذكورون في قوله ~~@QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون @QE@ PageV11P618 فهم المؤمنون المتقون والتقوى فعل ما أمر الله به ~~وترك ما نهى الله عنه فمن ترك ما أمر الله واتخذ عبادة نهى الله عنها كيف ~~يكون من هؤلاء # وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى يقول الله تعالى ( ~~من عادى لى وليا ( الحديث فبين سبحانه أنه ما تقرب العبد إلى الله بمثل ~~أداء ما افترض عليه # والتقرب بالواجبات فقط طريق المقتصدين أصحاب اليمين ثم التقرب بعد ذلك ~~بما أحبه الله من النوافل هو طريق السابقين المقربين والمحبوبات هي ما امر ~~الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب دون ما استحبه الرجل برأيه وهواه ~~والله سبحانه وتعالى أعلم PageV11P619 ### || 1 ( رسالة في طريقة التوبة ) 1 ### |||| ! 8 < ( وسئل شيخ الاسلام ( علامة الزمان تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم بن تيمية الحرانى رضى الله عنه # عن ( جماعة ( يجتمعون على قصد الكبائر من القتل وقطع الطريق والسرقة وشرب ~~الخمر وغير ذلك ثم إن شيخا من المشائخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد ~~منع المذكورين من ذلك فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعا يجتمعون فيه بهذه ~~النية وهو بدف بلا صلاصل وغناء المغنى بشعر مباح بغير شبابة فلما ms3670 فعل هذا ~~تاب منهم جماعة وأصبح من لا يصلى ويسرق ولا يزكى يتورع عن الشبهات ويؤدى ~~المفروضات ويجتنب المحرمات فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا ~~الوجه لما يترتب عليه من المصالح مع أنه لا يمكنه دعوتهم الا بهذا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أصل جواب هذه المسألة وما أشبهها أن يعلم أن ~~الله بعث محمدا PageV11P620 بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا وأنه أكمل له ولأمته الدين كما قال تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ وأنه بشر بالسعادة ~~لمن أطاعه والشقاوة لمن عصاه فقال تعالى @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيها أبدا @QE@ وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما ~~بعثه به كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ وأخبر أنه يدعو ~~إلى الله وإلى صراطه المستقيم كما قال تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة أنا ومن اتبعني @QE@ وقال تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير ~~الأمور @QE@ # وأخبر أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث كما ~~قال تعالى @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون @QE@ PageV11P621 ) وقد أمر الله الرسول بكل معروف ونهى عن كل ~~منكر وأحل كل طيب ms3671 وحرم كل خبيث وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه ~~قال ( ما بعث الله نبيا إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ~~وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم ( وثبت عن العرباض بن سارية قال ( وعظنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون قال ~~فقلنا يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال أوصيكم ~~بالسمع والطاعة فانه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى ~~وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ~~وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة ( وثبت عنه أنه قال ( ما تركت من ~~شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به ( وقال ( تركتكم على البيضاء ليلها ~~كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك PageV11P622 وشواهد هذا ( الأصل العظيم ~~الجامع ( من الكتاب والسنة كثيرة وترجم عليه أهل العلم في الكتب ( كتاب ~~الاعتصام بالكتاب والسنة ( كما ترجم عليه البخارى والبغوى وغيرهما فمن ~~اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده ~~الغالبين وكان السلف كمالك وغيره يقولون السنة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن ~~تخلف عنها غرق وقال الزهري كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة ~~نجاة # إذا عرف هذا فمعلوم أنما يهدى الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به ~~على العاصين لابد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة وإلا ~~فانه لو كان ما بعث الله به الرسول لا يكفى في ذلك لكان دين الرسول ناقصا ~~محتاجا تتمة وينبغى أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر ايجاب أو ~~استحباب والأعمال الفاسدة نهى الله عنها # والعمل اذ اشتمل على مصلحة ومفسدة فان الشارع حكيم فان غلبت مصلحته على ~~مفسدته شرعه وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه بل نهى عنه كما قال تعالى ~~@QB@ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ~~أن تحبوا شيئا وهو ms3672 شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما @QE@ PageV11P623 ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك # وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربا إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله ~~فانه لابد أن يكون ضرره أعظم من نفعه وإلا فلو كان نفعه أعظم غالبا على ~~ضرره لم يهمله الشارع فانه حكيم لا يهمل مصالح الدين ولا يفوت المؤمنين ما ~~يقربهم إلى رب العالمين # إذا تبين هذا فنقول للسائل إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على ~~الكبائر فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعى يدل أن الشيخ جاهل ~~بالطرق الشرعية التى بها تتوب العصاة أو عاجز عنها فان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر ~~والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التى أغناهم الله بها عن الطرق البدعية # فلا يجوز أن يقال إنه ليس في الطرق الشرعية التى بعث الله بها نبيه ما ~~يتوب به العصاة فانه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر انه قد تاب من الكفر ~~والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية التى ~~ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعى PageV11P624 بل السابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان وهم خير أولياء الله المتقين من ~~هذه الأمة تابوا إلى الله تعالى بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية ~~وأمصار المسلمين وقراهم قديما وحديثا مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه وفعل ~~ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية # فلا يمكن أن يقال إن العصاة لا تمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية بل قد ~~يقال إن في الشيوخ من يكون جاهلا بالطرق الشرعية عاجزا عنها ليس عنده علم ~~بالكتاب والسنة وما يخاطب به الناس ويسمعهم إياه مما يتوب الله عليهم فيعدل ~~هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية إما مع حسن القصد إن كان له ~~دين واما أن يكون غرضه ms3673 الترؤس عليهم وأخذ أموالهم بالباطل كما قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال ~~الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله @QE@ فلا يعدل أحد عن الطرق الشرعية إلى ~~البدعية إلا لجهل أو عجز أو غرض فاسد # وإلا فمن المعلوم أن سماع القرآن هو سماع النبيين والعارفين والمؤمنين ~~قال تعالى في النبيين @QB@ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ~~آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا ~~تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا @QE@ PageV11P625 # وقال تعالى في ~~أهل المعرفة @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق @QE@ وقال تعالى في حق أهل العلم @QB@ إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا @QE@ وقال في ~~المؤمنين @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ وقال تعالى @QB@ الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله @QE@ # وبهذا السماع هدى الله العباد واصلح لهم أمر المعاش والمعاد وبه بعث ~~الرسول وبه أمر المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان وعليه كان يجتمع ~~السلف كما كان أصحاب رسول الله إذ اجتمعوا أمروا رجلا منهم أن يقرأوهم ~~يستمعون وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول لأبى موسى ذكرنا ربنا فيقرأ ~~أبو موسى وهم يستمعون وفى الصحيح عن النبى أنه مر بأبى موسى الأشعرى وهو ~~يقرأ فجعل يستمع لقراءته وقال ( لقد أوتى هذا مزمارا PageV11P626 من مزامير ~~آل داود ( وقال ( مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال لو ~~علمت أنك تسمعنى لحبرته لك تحبيرا ( أى لحسنته لك تحسينا # وفى الصحيح أنه قال لابن مسعود ( اقرأ على القرآن فقال أقرأ عليك ms3674 القرآن ~~وعليك أنزل فقال إنى أحب أن أسمعه من غيرى قال فقرأت عليه سورة النساء حتى ~~وصلت إلى هذه الآية @QB@ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا @QE@ قال لى حسبك فنظرت إليه فاذا عيناه تذرفان من البكاء ( وعلى هذا ~~السماع كان يجتمع القرون الذين أثنى عليهم النبى حيث قال ( خير القرون ~~الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم # ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا لا بالحجاز ~~ولا باليمن ولا بالشام ولا بمصر والعراق وخراسان والمغرب وإنما حدث السماع ~~المبتدع بعد ذلك وقد مدح الله أهل هذا السماع المقبلين عليه وذم المعرضين ~~عنه وأخبر أنه سبب الرحمة فقال تعالى @QB@ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا لعلكم ترحمون @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا @QE@ وقال تعالى ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~PageV11P627 قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ( وقال تعالى @QB@ ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ ومثل ~~هذا في القرآن كثير يأمر الناس باتباع ما بعث الله به رسوله من الكتاب ~~والحكمة ويأمرهم بسماع ذلك # وقد شرع الله تعالى السماع للمسلمين في المغرب والعشاء والفجر قال تعالى ~~( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ( وبهذا مدح عبد الله بن رواحة ~~النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال # وفينا رسول الله يتلو كتابه %~% إذا انشق معروف من الفجر ساطع # يبيت يجافى جنبه عن فراشه %~% إذ استثقلت بالكافرين المضاجع PageV11P628 # أتى بالهدى ms3675 بعد العمى فقلوبنا %~% به موقنات انما قال واقع # وأحوال أهل هذا السماع مذكورة في كتاب الله من ~~وجل القلوب ودمع العيون واقشعرار الجلود وإنما حدث سماع الأبيات بعد هذه ~~القرون فأنكره الأئمة حتى قال الشافعى رحمه الله خلفت ببغداد شيئا احدثته ~~الزنادقة يسمونه التغبير يزعمون انه يرقق القلوب يصدون به الناس عن القرآن ~~وسئل الامام أحمد عنه فقال محدث فقيل له أنجلس معهم فيه فقال لا يجلس معهم ~~والتغبير هو الضرب بالقضيب على جلودهم من امثل أنواع السماع وقد كرهه ~~الأئمة فكيف بغيره والأئمة المشائخ الكبار لم يحضروا هذا السماع المحدث مثل ~~الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى ~~والسرى السقطى وأمثالهم ولا أكابر الشيوخ المتأخرين مثل الشيخ عبد القادر ~~والشيخ عدى والشيخ أبى مدين والشيخ أبى البيان والشيخ أبى القاسم الحوفى ~~والشيخ على بن وهب والشيخ حياة وأمثالهم وطائفة من الشيوخ حضروه ثم رجعوا ~~عنه وسئل الجنيد عنه فقال من تكلف السماع فتن به ومن صادفه السماع استراح ~~به فبين PageV11P629 الجنيد ان قاصد هذا السماع صار مفتونا واما من سمع ما ~~يناسبه بغير قصد فلا بأس # فإن النهى إنما يتوجه إلى الاستماع دون السماع ولهذا لو مر الرجل بقوم ~~يتكلمون بكلام محرم لم يجب عليه سد أذنيه لكن ليس له أن يستمع من غير حاجة ~~ولهذا لم يأمر النبى صلى الله عليه وسلم بن عمر بسد أذنيه لما سمع زمارة ~~الراعى لأنه لم يكن مستمعا بل سامعا # وقول السائل وغيره هل هو حلال أو حرام لفظ مجمل فيه تلبيس يشتبه الحكم ~~فيه حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه وذلك أن الكلام في ~~السماع وغيره من الأفعال على ضربين # ( أحدهما ( أنه هل هو محرم أو غير محرم بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال ~~التى تلتذ بها النفوس وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس ~~وغيرها مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو لا لقصد العبادة والتقرب إلى ~~الله و ( النوع الثانى ( أن ms3676 يفعل على وجه الديانة والعبادة وصلاح القلوب ~~وتجريد حب العباد لربهم وتزكية نفوسهم وتطهير قلوبهم PageV11P630 وأن تحرك ~~من القلوب الخشية والانابة والحب ورقة القلوب وغير ذلك مما هو من جنس ~~العبادات والطاعات لا من جنس اللعب والملهيات فيجب الفرق بين سماع ~~المتقربين وسماع المتلعبين وبين السماع الذى يفعله الناس في الأعراس ~~والأفراح ونحو ذلك من العادات وبين السماع الذى يفعل لصلاح القلوب والتقرب ~~إلى رب السماوات فان هذا يسأل عنه هل هو قربة وطاعة وهل هو طريق إلى الله ~~وهل لهم بد من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم وتحريك وجدهم لمحبوبهم ~~وتزكية نفوسهم وإزالة القسوة عن قلوبهم ونحو ذلك من المقاصد التى تقصد ~~بالسماع كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع في كنائسهم على وجه العبادة ~~والطاعة لا على وجه اللهو واللعب # إذا عرف هذا فحقيقة السؤال هل يباح للشيخ أن يجعل هذه الأمور التى هي إما ~~محرمة أو مكروهة أو مباحة قربة وعبادة وطاعة وطريقة إلى الله يدعو بها إلى ~~الله ويتوب العاصين ويرشد به الغاوين ويهدى به الضالين # ومن المعلوم أن الدين له ( أصلان ( فلا دين إلا ما شرع الله ولا حرام إلا ~~ما حرمه الله والله تعالى عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله ~~وشرعوا دينا لم يأذن به الله PageV11P631 ولو سئل العالم عمن يعدو بين ~~جبلين هل يباح له ذلك قال نعم فاذا قيل إنه على وجه العبادة كما يسعى بين ~~الصفا والمروة قال إن فعله على هذا الوجه حرام منكر يستتاب فاعله فان تاب ~~وإلا قتل # ولو سئل عن كشف الرأس ولبس الإزار والرداء أفتى بأن هذا جائز فاذا قيل ~~إنه يفعله على وجه الاحرام كما يحرم الحاج قال إن هذا حرام منكر # ولو سئل عمن يقوم في الشمس قال هذا جائز فاذا قيل إنه يفعله على وجه ~~العبادة قال هذا منكر كما روى البخارى عن بن عباس رضى الله عنهما ( أن رسول ~~الله رأى رجلا قائما في الشمس فقال من ms3677 هذا قالوا هذا أبو اسرائيل يريد أن ~~يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم فقال النبى مروه فليتكلم ~~وليجلس وليستظل وليتم صومه ( فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه ~~لكن لما فعله على وجه العبادة نهى عنه # وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك ولكن إذا فعل ~~ذلك على أنه عبادة كما كانوا يفعلون في الجاهلية PageV11P632 كان أحدهم إذا ~~أحرم لم يدخل تحت سقف فنهوا عن ذلك كما قال تعالى @QB@ وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها @QE@ فبين ~~سبحانه أن هذا ليس ببر وإن لم يكن حراما فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى ~~الله كان عاصيا مذموما مبتدعا والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن العاصي ~~يعلم أنه عاص فيتوب والمبتدع يحسب أن الذى يفعله طاعة فلا يتوب # ولهذا من حضر السماع للعب واللهو لا يعده من صالح عمله ولا يرجو به ~~الثواب وأما من فعله على انه طريق إلى الله تعالى فانه يتخذه دينا وإذا نهى ~~عنه كان كمن نهى عن دينه ورأى أنه قد أنقطع عن الله وحرم نصيبه من الله ~~تعالى إذا تركه فهؤلاء ضلال باتفاق علماء المسلمين ولا يقول أحد من أئمة ~~المسلمين إن اتخاذ هذا دينا وطريقا إلى الله تعالى أمر مباح بل من جعل هذا ~~دينا وطريقا إلى الله تعالى فهو ضال مفتر مخالف لاجماع المسلمين ومن نظر ~~إلى ظاهر العمل وتكلم عليه ولم ينظر إلى فعل العامل ونيته كان جاهلا متكلما ~~في الدين بلا علم # فالسؤال عن مثل هذا أن يقال هل ما يفعله هؤلاء طريق وقربة وطاعة لله ~~تعالى يحبها الله ورسوله أم لا وهل يثابون على ذلك أم لا وإذا لم يكن هذا ~~قربة وطاعة وعبادة لله ففعلوه على أنه قربة PageV11P633 وطاعة وعبادة وطريق ~~إلى الله تعالى هل يحل لهم هذا الإعتقاد وهذا العمل على هذا الوجه # وإذا كان السؤال على ms3678 هذا الوجه لم يكن للعالم المتبع للرسول أن يقول إن ~~هذا من القرب والطاعات وأنه من أنواع العبادات وأنه من سبيل الله تعالى ~~وطريقه الذى يدعو به هؤلاء إليه ولا أنه مما أمر الله تعالى به عباده لا ~~أمر ايجاب ولا أمر استحباب وما لم يكن من الواجبات والمستحبات فليس هو ~~محمودا ولا حسنة ولا طاعة ولا عبادة باتفاق # المسلمين فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو ~~المستحب فهو ضال مبتدع وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب لا سيما كثير من ~~هؤلاء الذين يتخذون هذا السماع المحدث طريقا يقدمونه على سماع القرآن وجدا ~~وذوقا وربما قدموه عليه اعتقادا فتجدهم يسمعون القرآن بقلوب لاهية وألسن ~~لاغية وحركات مضطربة وأصوات لا تقبل عليه قلوبهم ولا ترتاح إليه نفوسهم ~~فاذا سمعوا ( المكاء ( و ( التصدية ( أصغت القلوب واتصل المحبوب بالمحب ~~وخشعت الأصوات وسكنت الحركات فلا سعلة ولا عطاس ولا لغط ولا صياح وان قرأوا ~~شيئا من القرآن أو سمعوه كان على وجه التكلف والسخرة كما لا يسمع الانسان ~~ما لا حاجة له به PageV11P634 ولا فائدة له فيه حتى إذا ما سمعوا مزمار ~~الشيطان أحبوا ذلك وأقبلوا عليه وعكفت أرواحهم عليه # فهؤلاء جند الشيطان وأعداء الرحمن وهم يظنون أنهم من أولياء الله المتقين ~~وحالهم أشبه بحال أعداء الله المنافقين فان المؤمن يحب ما أحبه الله تعالى ~~ويبغض ما أبغض الله تعالى ويوالى أولياء الله ويعادى أعداء الله وهؤلاء ~~يحبون ما أبغض الله ويبغضون ما أحب الله ويوالون أعداء الله ويعادون ~~أولياءه ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مزامير الشيطان ~~وكلما بعدوا عن الله ورسوله وطريق المؤمنين قربوا من أعداء الله ورسوله ~~وجند الشيطان فيهم من يطير في الهواء والشيطان طائر به ومنهم من يصرع ~~الحاضرين وشياطينه تصرعهم وفيهم من يحضر طعاما وإداما ويملأ الابريق من ~~الهواء والشياطين فعلت ذلك فيحسب الجاهلون أن هذه من كرامات أولياء الله ~~المتقين وإنما هي من جنس أحوال الكهنة والسحرة ms3679 وأمثالهم من الشياطين ومن ~~يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية والشيطانية لا يشتبه عليه الحق ~~بالباطل # وقد بسطنا الكلام على ( مسألة السماع ( وذكرنا كلام المشائخ فيه في غير ~~هذا الموضع وبالله التوفيق والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ~~PageV11P635 قال شيخ الاسلام رحمه الله ### ||| فصل # ( # قد كتبت فيما تقدم الكلام في ( المكاشفات والمشاهدات ( وأنها على ( ثلاثة ~~أقسام ( في الظاهر والباطن وكذلك ( السماع والمخاطبات والمحادثات ( ثلاثة ~~أقسام في الباطن والظاهر # فان ( السامع ( إما أن يسمع نفس الصوت الذى هو كلام المتكلم الصوتى أو ~~غير كلامه كما ترى عينه وإما أن يسمع صدى الصوت ورجعه كما يرى تمثاله في ~~ماء أو مرآة فهذه رؤية مقيدة وسماع مقيد كما يقال رأيته في المرآة لكن ~~السمع يجمع بين الصورتين # وأما أن يتمثل له يعنى كلامه في أصوات مسموعة كما يتمثل له في صورة ~~فيراها مثل أن ينقر بيده نقرات أو يضرب بيده أوتارا أو يظهر أصواتا منفصلة ~~عنه يبين فيها مقصودة PageV11P636 وكذلك في الباطن إما أن يسمع في المنام ~~أو في اليقظة نفس كلام المتكلم مثل الملائكة مثلا كما يرى بقلبه عين ما ~~يكشف له في المنام واليقظة وإما أن يسمع مثال كلامه في نفسه كما يرى مثاله ~~في نفسه بمنزلة الرؤيا التى يكون تعبيرها عين ما رؤى واما ان تتمثل له ~~المعانى في صورة كلام مسموع يحتاج إلى تعبير كما تتمثل له الأعيان في صورة ~~أشخاص مرئية تحتاج إلى تعبير وهذا غالب ما يرى ويسمع في المنام فانه يحتاج ~~إلى تأويل وهو بمنزلة الاستعارة والأمثال المضروبة فهذا هذا والله أعلم ### ||| فصل # ( في الكون يقظة ومناما لما كانت الرؤية بالعين للأشياء على وجهين $ # ( أحدهما ( رؤية العين الشيء بلا واسطه وهى الرؤية المطلقة مثل رؤية ~~الشمس والقمر كما قال النبى ( انكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ( وقد ~~تنازع الناس هل الرؤية انطباع المرئى في العين أو لانعكاس شعاع البصر أولا ~~لواحد منهما على أقوال معروفة PageV11P637 # و ( الثانى ( رؤية المثال وهى الرؤية في ماء ms3680 ومرآة ونحوهما وهى رؤية ~~مقيدة ولهذا قال الفقهاء لو حلف لا رأيت زيدا فرأى صورته في ماء أو مرآة لم ~~يحنث لأن ذلك ليس هو المفهوم من مطلق الرؤية وهذا في الرؤية كسماع الصدى في ~~السمع فاذا أراد الانسان أن يرى ما يمر وراءه من الناس والدواب نظر في ~~المرآة التى تواجهه فتنجلى له فيها حقائق ما وراءه فمن هذه الرؤيا قد يرى ~~بيان الحقيقة وقد تتمثل له الحقيقة بمثال يحتاج إلى تحقيق كما تمثل جبريل ~~في صورة البشر وهكذا القلب من شأنه أن يبصر فان بصره هو البصر وعماه هو ~~العمى كما قال تعالى @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور @QE@ # فتارة يرى الشيء نفسه إذا كشف له عنه وتارة يراه متمثلا في قلبه الذى هو ~~مرآته والقلب هو الرائى أيضا وهذا يكون يقظة ويكون مناما كالرجل يرى الشيء ~~في المنام ثم يكون إياه في اليقظة من غير تغير # وللقلب ( حال ثالثة ( كما للعين نظر في المنام وهى التى تقع لغالب الخلق ~~أن يرى الرؤيا مثلا مضروبا للحقيقة لا يضبط رؤية الحقيقة بنفسها ولا بواسطة ~~مرآة قلبه ولكن يرى ماله تعبير فيعتبر ( به و ( عبارة الرؤيا ( هو العبور ~~من الشيء إلى مثاله ونظيره وهو PageV11P638 حقيقة المقايسة والاعتبار فان ~~إدراك الشيء بالقياس والاعتبار الذى ألفه الانسان واعتاده أيسر من إدراك ~~شيء على البديهة من غير مثال معروف # ثم المرئى في هذا الوجه في هذه الحال وفى الحال التى قبلها هو موجود في ~~قلب الانسان ونفسه وإن كان مثلا للحقيقة وواسطة لها # والمرئى في الوجه الأول هو عين الموجود في الخارج لا مرئى في القلب ومن ~~العامة المتفلسفة من يزعم أن ما يسمعه الأنبياء من الكلام ويرونه من ~~الملائكة إنما وجوده في قلوبهم وذلك مبلغ هؤلاء من العلم لأن ذلك هو غاية ~~ما وجدوه ورأوه من أبناء جنسهم فظنوا أن ليس وراء ذلك غاية # وقد يعارضهم من يتوهم أن ما يسمع ويرى لا يكون في نفس الانسان بل ms3681 جميعه ~~من الخارج وكلاهما خطأ بل منه ما يكون في نفس الانسان مثل ما يراه ويسمعه ~~في المنام إما مثالا لا تعبير له أو له تعبير # ومنه ما يكون في الخارج مثل رؤية مريم للرسول إذ تمثل لها PageV11P639 ~~بشرا سويا ورؤية الصحابة لجبريل في صورة الأعرابى فقد ظهر أن رؤية الحقائق ~~بالعين تطابق لرؤياها بالقلب كل منهما ( ثلاثة أقسام ( ادراك الموجود في ~~الخارج بعينه وإدراكه بواسطة تمثله في مرآة باطنة أو ظاهرة وإدراكه متمثلا ~~في غير صورته اما باطنا في القلب وإما ظاهرا في العين والله سبحانه أعلم # فالقياس في الحسيات كالقياس في العقليات وهذا الذى كتبته في المكاشفات ~~يجيء مثله في المخاطبات فان البصر والسمع يظهران ما يتلوه PageV11P640 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام ( # عمن يقول إن بعض المشائخ إذا أقام السماع يحضره رجال ~~الغيب وينشق السقف والحيطان وتنزل الملائكة ترقص معهم أو عليهم وفيهم من ~~يعتقد أن النبى يحضر معهم فماذا يجب على من يعتقد هذا الإعتقاد وما هي صفة ~~رجال الغيب وهل يكون للتتار خفراء ولهم حال كحال خفراء أمة محمد أم لا ### ||||| فأجاب # أما من زعم أن الملائكة أو الأنبياء تحضر ( سماع المكاء والتصدية ~~( محبة ورغبة فيه فهو كاذب مفتر بل إنما تحضره الشياطين وهى التى تنزل ~~عليهم وتنفخ فيهم كما روى الطبرانى وغيره عن بن عباس مرفوعا إلى النبى ( أن ~~الشيطان قال يارب اجعل لى بيتا قال بيتك الحمام قال اجعل لى قرآنا قال ~~قرآنك الشعر قال يارب اجعل لى موذنا قال مؤذنك المزمار ( وقد قال الله ~~تعالى في كتابه مخاطبا للشيطان @QB@ واستفزز من استطعت منهم بصوتك @QE@ وقد ~~فسر ذلك طائفة من PageV11P641 السلف بصوت الغناء وهو شامل له ولغيره من ~~الأصوات المستفزة لأصحابها عن سبيل الله وروى عن النبى انه قال ( إنما نهيت ~~عن صوتين احمقين فاجرين صوت لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت لطم خدود أو شق ~~جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية ( كقولهم وا لهفاه وا كبداه وا نصيراه # وقد كوشف جماعات من أهل المكاشفات بحضور الشياطين في مجامع ms3682 السماعات ~~الجاهلية ذات المكاء والتصدية وكيف يكر الشيطان عليهم حتى يتواجدوا الوجد ~~الشيطانى حتى ان بعضهم صار يرقص فوق رؤوس الحاضرين ورأى بعض المشايخ ~~المكاشفين أن شيطانه قد احتمله حتى رقص به فلما صرخ بشيطانه هرب وسقط ذلك ~~الرجل # وهذه الأمور لها أسرار وحقائق لا يشهدها إلا أهل البصائر الايمانية ~~والمشاهد الايقانية ولكن من اتبع ما جاءت به الشريعة وأعرض عن سبيل ~~المبتدعة فقد حصل له الهدى وخير الدنيا والآخرة وان لم يعرف حقائق الأمور ~~بمنزلة من سلك السبيل إلى مكة خلف الدليل الهادى فانه يصل إلى مقصوده ويجد ~~الزاد والماء في مواطنه وان لم يعرف كيف يحصل ذلك وسببه ومن سلك خلف غير ~~الدليل PageV11P642 الهادى كان ضالا عن الطريق فاما أن يهلك وإما أن يشقى ~~مدة ثم يعود إلى الطريق # و ( الدليل الهادى ( هو الرسول الذى بعثه الله إلى الناس بشيرا ونذيرا ~~وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا وهاديا إلى صراط مستقيم صراط الله الذى ~~له ما في السماوات وما في الأرض # وآثار الشيطان تظهر في أهل السماع الجاهلى مثل الازباد والارغاء ~~والصراخات المنكرة ونحو ذلك مما يضارع أهل الصرع الذين يصرعهم الشيطان ~~ولذلك يجدون في نفوسهم من ثوران مراد الشيطان بحسب الصوت إما وجد في الهوى ~~المذموم وإما غضب وعدوان على من هو مظلوم وإما لطم وشق ثياب وصياح كصياح ~~المحزون المحروم إلى غير ذلك من الأثار الشيطانية التى تعترى أهل الاجتماع ~~على شرب الخمر إذا سكروا بها فان السكر بالأصوات المطربة قد يصير من جنس ~~السكر بالأشربة المطربة فيصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ويمنع قلوبهم حلاوة ~~القرآن وفهم معانيه واتباعه فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ~~ليضلوا عن سبيل الله ويوقع بينهم العداوة والبغضاء حتى يقتل بعضهم بعضا ~~باحواله الفاسدة الشيطانية كما يقتل العائن من أصابه بعينه # ولهذا قال من قال من العلماء إن هؤلاء يجب عليهم القود والدية ~~PageV11P643 والقصاص اذا عرف أنهم قتلوا بالأحوال الشيطانية الفاسدة لأنهم ~~ظالمون وهم إنما يغتبطون بما ينفذونه من مراداتهم ms3683 المحرمة كما يغتبط الظلمة ~~المسلطون # ومن هذا الجنس حال خفراء الكافرين والمبتدعين والظالمين فانهم قد يكون ~~لهم زهد وعبادة وهمة كما يكون للمشركين وأهل الكتاب وكما كان للخوارج ~~المارقين الذين قال فيهم النبى ( يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع ~~صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من ~~الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم ~~أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ( # وقد يكون لهم مع ذلك أحوال باطنة كما يكون لهم ملكة ظاهرة فان سلطان ~~الباطن معناه السلطان الظاهر ولا يكون من أولياء الله إلا من كان من الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون وما فعلوه من الاعانة على الظلم فهم يستحقون العقاب ~~عليه بقدر الذنب وباب القدرة والتمكن باطنا وظاهرا ليس مستلزما لولاية الله ~~تعالى بل قد يكون ولى الله متمكنا ذا سلطان وقد يكون مستضعفا إلى أن ينصره ~~الله وقد يكون مسلطا إلى أن ينتقم الله منه فخفراء التتار في الباطن من جنس ~~التتار في الظاهر هؤلاء في العباد بمنزلة هؤلاء في الاجناد PageV11P644 ~~وأما الغلبة فان الله تعالى قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل ~~المؤمنين على الكافرين كما كان يكون لأصحاب النبى مع عدوهم لكن العاقبة ~~للمتقين فان الله يقول @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد @QE@ # وإذا كان في المسلمين ضعفا وكان عدوهم مستظهرا عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم ~~وخطاياهم إما لتفريطهم في اداء الواجبات باطنا وظاهرا وإما لعدوانهم بتعدى ~~الحدود باطنا وظاهرا قال الله تعالى @QB@ إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا @QE@ وقال تعالى @QB@ أو لما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في ~~الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله ~~عاقبة الأمور @QE@ PageV11P645 ### |||| ( وسئل ( # عن النساء اللاتى يتعممن بالعمائم ~~الكبار لا يرين الجنة ولا ms3684 يشممن رائحتها وقد روى في الحديث عن رسول الله ( ~~من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ( ### ||||| فأجاب # قد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبى هريرة أن النبى قال ( صنفان من ~~أهل النار من أمتى لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على ~~رؤوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ورجال معهم سياط مثل ~~أذناب البقر يضربون بها عباد الله ( ومن زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح بما ~~فيه من الوعيد الشديد فانه جاهل ضال عن الشرع ( يستحق العقوبة التى ( تردعه ~~وأمثاله من الجهال الذين يعترضون على الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ~~والأحاديث الصحيحة في ( الوعيد ( كثيرة مثل قوله ( من قتل PageV11P646 نفسا ~~معاهدة بغير حقها لم يجد رائحة الجنة وريحها يوجد من مسيرة أربعين خريفا ( ~~ومثل قوله الذى في الصحيح ( لا يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر قيل يا ~~رسول الله الرجل يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذاك فقال لا الكبر ~~بطر الحق وغمط الناس ( و ( بطر الحق ( جحده و ( غمط الناس ( احتقارهم ~~وازدراؤهم ومثل قوله في الحديث الصحيح ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وفقير مختال ( # وفى القرآن من آيات الوعيد ما شاء الله كقوله @QB@ إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا @QE@ وكما في قوله ~~@QB@ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا ~~تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه ~~نارا وكان ذلك على الله يسيرا @QE@ وقوله في الفرائض @QB@ تلك حدود الله ~~ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين @QE@ PageV11P647 وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين أن ( الوعيد ( ~~في الكتاب والسنة لأهل الكبائر موجود ولكن الوعيد الموجود في الكتاب والسنة ~~قد بين الله ms3685 في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يلحق التائب ~~بقوله @QB@ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا @QE@ أى لمن تاب وقال في الآية الأخرى @QB@ إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ فهذا في حق من لم يتب ~~فالشرك لا يغفر وما دون الشرك ان شاء الله غفره وان شاء عاقب عليه وفى ~~الصحيحين عن النبى أنه قال ( ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ~~ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه ( ولهذا لما ~~نزل قوله من يعمل سوءا يجز به ( قال أبو بكر يا رسول الله قد جاءت قاصمة ~~الظهر وأينا لم يعمل سوءا فقال ( يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن ألست ~~تصيبك اللأوى فذلك مما تجزون به ( فالمصائب في الدنيا يكفر الله بها من ~~خطايا المؤمن ما به يكفر وكذلك الحسنات التى يفعلها قال الله تعالى @QB@ إن ~~الحسنات يذهبن السيئات @QE@ وقال النبى ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ~~ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ( فالله تعالى لا ~~يظلم PageV11P648 عبده شيئا كما قال ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره ( فا ( لوعيد ( ينتفى عنه إما بتوبة وإما بحسنات ~~يفعلها تكافئ سيئاته وإما بمصائب يكفر الله بها خطاياه وأما بغير ذلك وكما ~~أن أحاديث الوعيد تقدم وكذلك أحاديث الوعد فقد يقول لا إله إلا الله ويجحد ~~وجوب الصلاة والزكاة فهذا كافر يجب قتله وقد يكون من أهل الكبائر ~~المستوجبين للنار # وهذه ( مسألة الوعد والوعيد ( من اكبر مسائل العلم وقد بسطناها في مواضع ~~ولكن كتبنا هنا ما تسع الورقة PageV11P649 ### |||| ( وسئل ( # عن الذنوب الكبائر ~~المذكورة في القرآن والحديث هل لها حد تعرف به وهل قول من قال انها سبع أو ~~سبعة عشر صحيحا أو قول من قال إنها ما اتفقت فيها الشرائع أعنى على تحريمها ~~أو ms3686 أنها ما تسد باب المعرفة بالله أو أنها ما تذهب الأموال والأبدان أو ~~أنها إنما سميت كبائر بالنسبة والاضافة إلى ما دونها أو أنها لا تعلم أصلا ~~وأبهمت كليلة القدر أو ما يحكى بعضهم أنها إلى التسعين أقرب أو كل ما نهى ~~الله عنه فهو كبيرة أو أنها ما رتب عليها حد أو ما توعد عليها بالنار ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أمثل الأقوال في هذه المسألة القول المأثور ~~عن بن عباس وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما وهو أن الصغيرة ما دون ~~الحدين حد الدنيا وحد الآخرة وهو معنى قول من قال ما ليس فيها حد في الدنيا ~~وهو معنى قول القائل كل ذنب ختم بلعنة أو غضب أو نار فهو من الكبائر # ومعنى قول القائل وليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في PageV11P650 الآخرة ~~أى ( وعيد خاص ( كالوعيد بالنار والغضب واللعنة وذلك لأن الوعيد الخاص في ~~الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا فكما أنه يفرق في العقوبات المشروعة ~~للناس بين العقوبات المقدرة بالقطع والقتل وجلد مائة أو ثمانين وبين ~~العقوبات التى ليست بمقدرة وهى ( التعزير ( فكذلك يفرق في العقوبات التى ~~يعزر الله بها العباد في غير أمر العباد بها بين العقوبات المقدرة كالغضب ~~واللعنة والنار وبين العقوبات المطلقة # وهذا ( الضابط ( يسلم من القوادح الواردة على غيره فانه يدخل كل ما ثبت ~~في النص أنه كبيرة كالشرك والقتل والزنا والسحر وقذف المحصنات الغافلات ~~المؤمنات وغير ذلك من الكبائر التى فيها عقوبات مقدرة مشروعة وكالفرار من ~~الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة ~~الزور فان هذه الذنوب وأمثالها فيها وعيد خاص كما قال في الفرار من الزحف ( ~~ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير ( وقال ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ( وقال @QB@ والذين ينقضون عهد ~~الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ms3687 ويفسدون في الأرض أولئك ~~لهم اللعنة ولهم سوء الدار @QE@ PageV11P651 # وقال @QB@ فهل عسيتم إن توليتم ~~أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم @QE@ # وكذلك كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة ولا يشم رائحة الجنة وقيل ~~فيه من فعله فليس منا وأن صاحبه آثم فهذه كلها من الكبائر كقوله ( لا يدخل ~~الجنة قاطع ( وقوله ( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ( وقوله ( ~~من غشنا فليس منا ( وقوله ( من حمل علينا السلاح فليس منا ( وقوله ( لا ~~يزنى الزان حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها ~~أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ( # وذلك لأن نفى الايمان وكونه ليس من المؤمنين ليس المراد به ما يقوله ~~المرجئة انه ليس من خيارنا فانه لو ترك ذلك لم يلزم أن يكون من خيارهم وليس ~~المراد به ما يقوله الخوارج انه صار كافرا ولا ما يقوله المعتزلة من أنه لم ~~يبق معه من الايمان شيء بل PageV11P652 هو مستحق للخلود في النار لا يخرج ~~منها فهذه كلها أقوال باطلة قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع # ولكن المؤمن المطلق في باب الوعد والوعيد وهو المستحق لدخول الجنة بلا ~~عقاب هو المؤدى للفرائض المجتنب المحارم وهؤلاء هم المؤمنون عند الاطلاق ~~فمن فعل هذه الكبائر لم يكن من هؤلاء المؤمنين اذ هو متعرض للعقوبة على تلك ~~الكبيرة وهذا معنى قول من قال أراد به نفى حقيقة الايمان أو نفى كمال ~~الايمان فانهم لم يريدوا نفي الكمال المستحب فان ترك الكمال المستحب لا ~~يوجب الذم والوعيد والفقهاء يقولون الغسل ينقسم إلى كامل ومجزىء ثم من عدل ~~عن الغسل الكامل إلى المجزىء لم يكن ms3688 مذموما # فمن أراد بقوله ( نفى كمال الايمان ( انه نفى الكمال المستحب فقد غلط وهو ~~يشبه قول المرجئة ولكن يقتضى نفى الكمال الواجب وهذا مطرد في سائر ما نفاه ~~الله ورسوله مثل قوله ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا إلى قوله أولئك هم المؤمنون حقا ( ومثل ~~الحديث المأثور ( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ( ومثل ~~قوله صلى الله عليه وسلم ( لا صلاة إلا بأم PageV11P653 القرآن ( وأمثال ~~ذلك فانه لا ينفى مسمى الاسم إلا لانتفاء بعض ما يجب في ذلك لا لانتفاء بعض ~~مستحباته فيفيد هذا الكلام أن من فعل ذلك فقد ترك الواجب الذى لا يتم ~~الايمان الواجب الا به وان كان معه بعض الايمان فان الايمان يتبعض ويتفاضل ~~كما قال ( يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ( # و ( المقصود هنا ( أن نفى الايمان والجنة أو كونه من المؤمنين لا يكون ~~إلا عن كبيرة أما الصغائر فلا تنفى هذا الاسم والحكم عن صاحبها بمجردها ~~فيعرف أن هذا النفى لا يكون لترك مستحب ولا لفعل صغيرة بل لفعل كبيرة # وإنما قلنا إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه # ( أحدها ( أنه المأثور عن السلف بخلاف تلك الضوابط فانها لا تعرف عن أحد ~~من الصحابة والتابعين والأئمة وانما قالها بعض من تكلم في شيء من الكلام أو ~~التصوف بغير دليل شرعى وأما من قال من السلف إنها إلى السبعين أقرب منها ~~إلى السبع فهذا لا يخالف ما ذكرناه وسنتكلم عليها أن شاء الله واحدا واحدا ~~PageV11P654 ( الثانى ( أن الله قال @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما @QE@ فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير ~~السيئات واستحقاق الوعد الكريم وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو ~~حرمان جنة أو ما يقتضى ذلك فانه خارج عن هذا الوعد فلا يكون من مجتنبى ~~الكبائر وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم ms3689 تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب ~~الكبائر إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه والمستحق أن ~~يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه ( الثالث ( أن هذا الضابط مرجعه ~~إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب فهو حد يتلقى من خطاب الشارع وما سوى ~~ذلك ليس متلقى من كلام الله ورسوله بل هو قول رأى القائل وذوقه من غير دليل ~~شرعى والرأى والذوق بدون دليل شرعى لا يجوز ( الرابع ( أن هذا الضابط يمكن ~~الفرق به بين الكبائر والصغائر وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين ~~الكبائر والصغائر لأن تلك الصفات لادليل عليها لأن الفرق بين ما اتفقت فيه ~~الشرائع واختلفت لا يعلم أن لم يمكن وجود عالم بتلك الشرائع على وجهها وهذا ~~غير معلوم لنا PageV11P655 وكذلك ( ما يسد باب المعرفة ( هو من الأمور ~~النسبية والاضافية فقد يسد باب المعرفة عن زيد مالا يسد عن عمرو وليس لذلك ~~حد محدود # ( الخامس ( أن تلك الأقوال فاسدة فقول من قال إنها ما اتفقت الشرائع على ~~تحريمه دون ما اختلفت فيه يوجب أن تكون الحبة من مال اليتيم ومن السرقة ~~والخيانة والكذبة الواحدة وبعض الاساءات الخفية ونحو ذلك كبيرة وأن يكون ~~الفرار من الزحف ليس من الكبائر إذ الجهاد لم يجب في كل شريعة وكذلك يقتضى ~~أن يكون التزوج بالمحرمات بالرضاعة والصهر وغيرهما ليس من الكبائر لأنه مما ~~لم تتفق عليه الشرائع وكذلك إمساك المرأة بعد الطلاق الثلاث ووطؤها بعد ذلك ~~مع اعتقاد التحريم # وكذلك من قال إنها ما تسد باب المعرفة أو ذهاب النفوس والأموال يوجب أن ~~يكون القليل من الغضب والخيانة كبيرة وان يكون عقوق الوالدين وقطيعة الرحم ~~وشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ونحو ~~ذلك ليس من الكبائر # ومن قال إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها وأن ما عصى الله ~~PageV11P656 به فهو كبيرة فانه يوجب أن لا تكون الذنوب في نفسها تنقسم إلى ~~كبائر وصغائر وهذا خلاف القرآن فان الله قال ms3690 @QB@ الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم @QE@ وقال @QB@ والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون @QE@ وقال @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم @QE@ وقال @QB@ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها @QE@ وقال @QB@ وكل صغير وكبير مستطر @QE@ والأحاديث ~~كثيرة في الذنوب الكبائر # ومن قال هي سبعة عشر فهو قول بلا دليل # ومن قال إنها مبهمة أو غير معلومة فانما أخبر عن نفسه انه لا يعلمها # ومن قال إنه ما توعد عليه بالنار قد يقال إن فيه تقصيرا إذ الوعيد قد ~~يكون بالنار وقد يكون بغيرها وقد يقال إن كل وعيد فلابد أن يستلزم الوعيد ~~بالنار # وأما من قال انها كل ذنب فيه وعيد فهذا يندرج فيما ذكره السلف فان كل ذنب ~~فيه حد في الدنيا ففيه وعيد من غير عكس فان الزنى والسرقة وشرب الخمر وقذف ~~المحصنات ونحو ذلك فيها وعيد كمن قال إن الكبيرة ما فيها وعيد والله أعلم ~~PageV11P657 ### |||| ( سئل رضى الله عنه ( # عن شرب الخمر وفعل الفاحشة أيهما أعظم ~~أثما عند الله أم هما مستويان وما هي الكبائر التى قال عز وجل فيها @QB@ إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما @QE@ ~~فما هي هذه الكبائر وما هي السيئات ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله # ( الكبائر ( هي ما فيها حد في الدنيا أو في الآخرة كالزنا والسرقة والقذف ~~التى فيها حدود في الدنيا وكالذنوب التى فيها حدود في الآخرة وهو الوعيد ~~الخاص مثل الذنب الذى فيه غضب الله ولعنته أو جهنم ومنع الجنة كالسحر ~~واليمين الغموس والفرار من الزحف وعقوق الوالدين وشهادة الزور وشرب الخمر ~~ونحو ذلك هكذا روى عن إبن عباس وسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وغيرهم من ~~العلماء قال تعالى @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~وندخلكم مدخلا كريما @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة @QE@ PageV11P658 # وقال تعالى @QB@ ~~والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا ms3691 هم يغفرون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها @QE@ وقال تعالى @QB@ وكل صغير وكبير مستطر @QE@ # و ( أكبر الكبائر ( الاشراك بالله ثم قتل النفس ثم الزنى كما قال تعالى ~~@QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون @QE@ الآية والزنا أعظم من شرب الخمر إذا استويا في القدر ~~مثل من يزنى مرة ويشرب الخمر مرة فأما إذا قدر أن رجلا زنا مرة وآخر مدمن ~~على شرب الخمر فهذا قد يكون أعظم من ذاك كما أنه لو زنا مرة وتاب كان خيرا ~~من المصر على شرب الخمر وكذلك شارب الخمر إذا دعا غيره فيكون عليه اثم شربه ~~وعليه قسط من إثم الذين دعاهم إلى الشرب وكذلك إذا اقترن بالشرب سماع ~~المزامير والشرب على بعض الصور المحرمة ونحو ذلك فهذا مما يتغلظ فيه الشرب # والذنب يتغلظ بتكراره وبالاصرار عليه وبما يقترن به من سيئات أخر وكذلك ~~لو قدرنا أن الزانى زنا وهو خائف من الله وجل من عذابه والشارب يشرب لاهيا ~~غافلا لا يراقب الله كان ذنبه أعظم من هذا الوجه فقد يقترن بالذنوب ما ~~يخففها وقد يقترن بها PageV11P659 ما يغلظها كما أن الحسنات قد يقترن بها ~~ما يعظمها وقد يقترن بها ما يصغرها فكما أن الحسنات أجناس متفاضلة وقد يكون ~~المفضول في كثير من المواضع أفضل مما جنسه فاضل فكذلك السيئات فالصلاة أفضل ~~من القراءة والقراءة أفضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء مع أن القراءة ~~والذكر والدعاء بعد الفجر وبعد العصر أفضل من تحري صلاة التطوع في ذلك ~~وكذلك التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن فيه وقد يكون بعض ~~الناس انتفاعه بالذكر والدعاء أعظم من انتفاعه بالقراءة فيكون أفضل في حقه ~~فهكذا السيئات وإن كان القتل أعظم من الزنى والزنا أعظم من الشرب فقد يقترن ~~بالشرب من المغلظات ما يصير به أغلظ من بعض ضرر الزنى # وإذا عرف أن الحسنات والسيئات تتفاضل بالأجناس ms3692 تارة وتتفاضل بأحوال أخرى ~~تعرض لها تبين أن هذا قد يكون أعظم من هذا وهذا أعظم من هذا والعبد قد يأتى ~~بالحسنة بنية وصدق واخلاص تكون أعظم من أضعافها كما في حديث صاحب البطاقة ~~الذى رجحت بطاقته التى فيها ( لا إله إلا الله ( بالسجلات التى فيها ذنوبه ~~وكما في حديث البغى التى سقت كلبا بموقها فغفر الله لها وكذلك في السيئات ~~والله أعلم كتبه بن تيمية PageV11P660 ### |||| ( سئل الشيخ رحمه الله ( # عن رجل مدمن ~~على المحرمات وهو مواظب على الصلوات الخمس ويصلي على محمد مائة مرة كل يوم ~~ويقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله كل يوم مائة مرة فهل يكفر ~~ذلك بالصلاة والاستغفار ### ||||| فأجاب # قال الله تعالى @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره @QE@ فمن كان مؤمنا وعمل عملا صالحا لوجه الله تعالى فان الله ~~لا يظلمه بل يثيبه عليه # وأما ما يفعله من المحرم اليسير فيستحق عليه العقوبة ويرجى له من الله ~~التوبة كما قال الله تعالى @QB@ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم @QE@ وإن مات ولم يتب فهذا أمره إلى الله ~~هو أعلم بمقدار حسناته وسيئاته لا يشهد له بجنة ولا نار بخلاف الخوارج ~~والمعتزلة فانهم يقولون إنه من فعل كبيرة أحبطت جميع حسناته وأهل السنة ~~والجماعة لا يقولون بهذا الاحباط بل أهل الكبائر معهم حسنات وسيئات وأمرهم ~~إلى الله تعالى PageV11P661 وقوله تعالى @QB@ إنما يتقبل الله من المتقين ~~@QE@ أى من اتقاه في ذلك العمل بأن يكون عملا صالحا خالصا لوجه الله تعالى ~~وأن يكون موافقا للسنة كما قال تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ( وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه اللهم ~~اجعل عملى كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا وأهل ~~الوعيد ( يقولون ( لا يتقبل العمل الا ممن اتقاه بترك جميع الكبائر وهذا ~~خلاف ما جاء به الكتاب والسنة في ( قصة حمار ( الذى ms3693 كان يشرب الخمر وقال ~~النبى ( إنه يحب الله ورسوله ( وكما في أحاديث الشفاعة وإخراج أهل الكبائر ~~من النار حتى يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقد قال الله ~~تعالى ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ( ~~الآية ومع هذا فقد صح عن النبى أنه قال ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ~~ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( ~~وقال ( من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها حرمها في الآخرة ( وقال ( لعن ~~الله الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه ~~وشاربها وساقيها وآكل ثمنها PageV11P662 ### |PARATEXT| # وقال أيضا شيخ الاسلام رحمه الله ### ||| فصل # ( وكل من تاب من أى ذنب كان فان الله يتوب عليه كما قال تعالى @QB@ قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم ~~العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم ~~العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون @QE@ فقد اخبر الله في هذه الآية أنه يغفر ~~الذنوب أى لمن تاب # وقد قال في الأخرى ( ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء ( وهذا في حق من لم يتب فالشرك لا يغفره الله وما دون الشرك أمره إلى ~~الله ان شاء عاقب عليه وان شاء عفا عنه # ومن الشرك أن يدعو العبد غير الله كمن يستغيث في المخاوف PageV11P663 ~~والأمراض والفاقات بالأموات والغائبين فيقول يا سيدى الشيخ فلان لشيخ ميت ~~أو غائب فيستغيث به ويستوصيه ويطلب منه ما يطلب من الله من النصر والعافية ~~فان هذا من الشرك الذى حرمه الله ورسوله باتفاق المسلمين # وهؤلاء المشركون قد يتمثل لأحدهم صورة الشيخ الذى استغاث به فيظن أنه ~~الشيخ أو ملك جاء على صورته وإنما هو شيطان تمثل له ليضله ويغويه لما دعا ~~غير الله ms3694 كما كان نصيب المشركين الذين يعبدون الأصنام تخاطبهم الشياطين ~~وتتراءى لهم وتخبرهم ببعض الأمور الغائبة وان كان فيما يخبرون به من الكذب ~~ما يبين أنهم شياطين قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم @QE@ وهؤلاء كثيرون في المشركين من الهند والترك والحبشة ~~وفى المتشبهين بهم من الضلال المنتسبين إلى الاسلام كأهل الاشارات الذين ~~يظهرون اشارات الدم والزعفران واللاذن ويدعون انهم يغيرون التراب أو غيره ~~فيجعلونه كذلك ومنهم من يدخل النار ويأكل الحيات ومنهم من يصرخ في بعض ~~الناس فيمرض أو يموت # وهذه الأحوال تعرض لهم عند فعل ما يأمر به الشيطان مثل السماع البدعى ~~سماع المكاء والتصدية وغير ذلك فان الذين PageV11P664 يتخذون ذلك قربة ~~ودينا تتحرك به قلوبهم ويحصل لهم عنده من الوجل والصياح ما تنزل معه ~~الشياطين كما يدخل الشيطان في بدن المصروع ولهذا يزيد أحدهم كازباد المصروع ~~ويصيح كصياحه وذلك صياح الشياطين على ألسنتهم ولهذا لا يدرى أحد ما جرى منه ~~حتى يفيق ويتكلم الشيطان على لسان احدهم بكلام لا يعرفه الانسان ويدخل ~~احدهم النار وقد لبسه الشيطان ويحصل ذلك لقوم من النصارى بالمغرب وغيرهم ~~تلبسهم الشياطين فيحصل لهم مثل ذلك # فهؤلاء المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة أحوالهم ليست من كرامات ~~الصالحين فان كرامات الصالحين إنما تكون لأولياء الله المتقين الذين قال ~~الله فيهم @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون @QE@ وهم الذين يتقربون إلى الله بالفرائض التى فرضها عليهم ~~ثم بالنوافل التى ندبهم اليها كما روى البخارى في صحيحه عن أبى هريرة عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال ( يقول الله من عادى لى وليا فقد بارزنى ~~بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى احبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ~~ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى ~~يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى ms3695 لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن PageV11P665 يكره الموت وأكره مساءته ولابد ~~له منه ( # ولهذا قال أهل العلم والدين كأبى يزيد البسطامى وغيره لو رأيتم الرجل ~~يطير في الهواء أو يمشى على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند ~~الأمر والنهى وقال الشافعى لو رأيتم صاحب بدعة يطير في الهواء فلا تغتروا ~~به # فأولياء الله المتقون هم المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله كما قال تعالى ( ~~قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ( وطريقهم ~~طريق أنبياء الله المرسلين وأولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين # وأما أهل الشرك والبدع والفجور فأحوالهم من جنس أحوال ( مسيلمة الكذاب ( ~~و ( الأسود العنسى ( الذين ادعيا النبوة في آخر أيام النبى صلى الله عليه ~~وسلم وكان لكل منهما شياطين تخبره وتعينه وكان ( العنسى ( قد استولى على ~~أرض اليمن في حياة النبى ثم قتله الله على أيدى عباده المؤمنين وكان قد طلب ~~من أبي مسلم الخولانى أن يتابعه فامتنع فألقاه في النار فجعلها الله ~~PageV11P666 عليه بردا وسلاما كما جرى لابراهيم الخليل صلوات الله عليه ~~وذلك مع صلاته وذكره ودعائه لله مع سكينة ووقار وهؤلاء أصحاب الأحوال ~~الشيطانية لا تصير النار عليهم بردا وسلاما بل قد يطفونها كما يطفيها الناس ~~وذلك في حال اختلاط عقولهم وهيج شياطينهم وارتفاع أصواتهم هذا إن كان ~~لأحدهم حال شيطانى # وإلا فكثير منهم لا يحصل له ذلك بل يدخل في نوع من المكر والمحال فيتخذ ~~حجر الطلق أو دهن الضفادع وأنواعا من الأدوية كما يصنعون من جنس ما تصنعه ~~المشعبذون إخفاء اللاذن والسكر في يد أحدهم فانهم نوعان خاصتهم أهل حال ~~شيطانى وعامتهم أهل محال بهتانى # وهؤلاء لا يعطى أحدهم من الزكاة حتى يتوب ويلتزم ما بعث الله به محمدا من ~~الكتاب والسنة ويكون مع ذلك من مستحقى الزكاة المذكورين في قوله تعالى @QB@ ~~إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل @QE@ # فأما من كان غنيا ms3696 ليس من هذه الأصناف فلا يعطى من الزكاة لا سيما إذا كان ~~مع غناه من شيوخ الضلال مثل شيوخ المضلين الأغنياء PageV11P667 الذين ليسوا ~~من الأصناف الثمانية فان هؤلاء لا يجوز أن يعطوا من الزكاة باجماع المسلمين ~~وهؤلاء إذا قالوا للانسان تعطينا وإلا فانى أنلك في نفسك فانه قد تعينهم ~~شياطين على اضرار بعض الناس بقضاء الله وقدره لكن هذا يكون لمن هو خارج عن ~~شريعة محمد مثل أهل الفجور والبدع الذين لا يصلون الصلوات الخمس ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله فهؤلاء قد تسلط عليهم بعض هؤلاء بذنوبهم # وخطاياهم وأما الذين يفعلون PageV11P668 ما أمر الله به ورسوله من ~~الصلوات الخمس وغيرها ويخلصون دينهم لله فلا يدعون إلا الله ولا يعبدون ~~غيره ولا ينذرون إلا لله ويحرمون ما حرم الله ورسوله فهؤلاء جند الله ~~الغالبون وحزب الله المفلحون فانه يؤيدهم وينصرهم وهؤلاء يهزمون شياطين ~~أولئك الضالين فلا يستطيعون مع شهود هؤلاء واستغاثتهم بالله أن يفعلوا شيئا ~~من تلك الأحوال الشيطانية بل تهرب منهم تلك الشياطين وهؤلاء معترفون بذلك ~~يقولون أحوالنا ما تنفذ قدام أهل الكتاب والسنة وإنما تنفذ قدام من لا يكون ~~كذلك من الأعراب والترك والعامة وغيرهم # فهؤلاء من أهل الضلال والغى الذين يجب نهيهم واستتابتهم ومنعهم من طاعة ~~الشيطان والشرك والبدع والفجور وأمرهم بما # أمر الله به ورسوله واتباع الكتاب والسنة ولا يجوز للمؤمن أن يخافهم فان ~~الله تعالى يقول في كتابه @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من ~~الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ~~ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم ~~آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون @QE@ PageV11P669 ! 8 < ( وقال ms3697 أيضا ~~شيخ الاسلام رحمه الله ( رب يسر وأعن يا كريم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما ! 8 < ( ### ||| فصل ( في ان التوبة والاستغفار يكون من ترك الواجبات وفعل المحرمات # و ( الأول ( يخفى على كثير من الناس قال تعالى @QB@ فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار @QE@ وقال تعالى @QB@ فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر @QE@ PageV11P670 # وقال @QB@ ~~ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى @QE@ ومثل هذا في القرآن كثير # فنقول التوبة والاستغفار يكون من ترك مأمور ومن فعل محظور فان كلاهما من ~~السيئات والخطايا والذنوب وترك ( الايمان ( و ( التوحيد ( و ( الفرائض ( ~~التى فرضها الله تعالى على القلب والبدن من الذنوب بلا ريب عند كل أحد بل ~~هي أعظم الصنفين كما قد بسطناه فيما كتبناه من ( القواعد ( قبل ذهابى إلى ~~مصر # فان جنس ترك الواجبات أعظم من جنس فعل المحرمات إذ قد يدخل في ذلك ترك ~~الايمان والتوحيد ومن أتى بالايمان والتوحيد لم يخلد في النار ولو فعل ما ~~فعل ومن لم يأت بالايمان والتوحيد كان مخلدا ولو كانت ذنوبه من جهة الأفعال ~~قليلة كالزهاد والعباد من المشركين وأهل الكتاب كعباد مشركى الهند وعباد ~~النصارى وغيرهم فانهم لا يقتلون ولا يزنون ولا يظلمون الناس لكن نفس ~~الايمان والتوحيد الواجب تركوه # ولكن يقال ترك الايمان والتوحيد الواجب إنما يكون مع الاشتغال بضده وضده ~~إذا كان كفرا فهم يعاقبون على الكفر وهو PageV11P671 من باب المنهى عنه وإن ~~كان ضده من جنس المباحات كالاشتغال بأهواء النفس ولذاتها من الأكل والشرب ~~والرئاسة وغير ذلك عن ms3698 الايمان الواجب فالعقوبة هنا لأجل ترك الايمان لا ~~لأجل ترك هذا الجنس # وقد يقال كل من ترك الايمان والتوحيد فلا يتركه إلا إلى كفر وشرك فان ~~النفس لابد لها من إله تعبده فمن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان فيقال عبادة ~~الشيطان جنس عام وهذا إذا أمره أن يشتغل بما هو مانع له من الايمان ~~والتوحيد يقال عبده كما أن من أطاع الشيطان فقد عبده ولكن عبادة دون عبادة # والناس ( نوعان ( طلاب دين وطلاب دنيا فهو يأمر طلاب الدين بالشرك ~~والبدعة كعباد المشركين وأهل الكتاب ويأمر طلاب الدنيا بالشهوات البدنية ~~وفى الحديث عن النبى ( أن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ~~ومضلات الفتن # ولهذا قال الحسن البصرى لما ذكر الحديث ( لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فان ~~صاحبها سدد وقارب فارجوه وان أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه فقالوا أنت إذا ~~مررت في السوق أشار إليك PageV11P672 الناس فقال إنه لم يعن هذا وإنما أراد ~~المبتدع في دينه والفاجر في دنياه # وقد بسطت الكلام على ( النوعين ( في مواضع كما ذكرنا في ( اقتضاء الصراط ~~المستقيم ( الكلام على قوله تعالى @QB@ فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم ~~بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا @QE@ وبسط ~~هذا له موضع آخر # فان ترك الواجب وفعل المحرم متلازمان ولهذا كان من فعل ما نهى عنه يقال ~~إنه عصى الأمر ولو قال لها إن عصيتى أمرى فأنت طالق فنهاها فعصته ففيه ~~وجهان # أصحهما أنها تطلق وبعض الفقهاء يعلل ذلك بأن هذا يعد في العرف عاصيا ~~ويجعلون هذا في الأصل # نوعين والتحقيق ان كل نهى ففيه طلب واستدعاء لما يقصده الناهي فهو أمر ~~فالأمر يتناول هذا وهذا ومنه قول الخضر لموسى @QB@ إنك لن تستطيع معي صبرا ~~وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك ~~أمرا @QE@ وقال له @QB@ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا @QE@ فقوله PageV11P673 @QB@ فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ~~@QE@ قد ms3699 تناوله قوله @QB@ ولا أعصي لك أمرا @QE@ ومنه قول موسى لأخيه @QB@ ~~ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري @QE@ وموسى قال له @QB@ ~~اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين @QE@ نهى وهو لامه على أنه لم ~~يتبعه وقال أفعصيت أمرى وعباد العجل كانوا مفسدين وقد جعل هذا كله أمرا # وكذلك قوله @QB@ ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون @QE@ فهم لا يعصونه إذ إنهاهم وقوله عن الرسول @QB@ فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ فمن ركب ما نهى ~~عنه فقد خالف أمره وقال تعالى @QB@ وعصى آدم ربه فغوى @QE@ وإنما كان فعلا ~~منهيا عنه وقوله @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم @QE@ ( هو يتناول ما نهى عنه أقوى مما يتناول ما ~~امر به فانه قال في الحديث الصحيح ? < إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما أستطعتم > ? # وقوله @QB@ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض @QE@ ~~فالمعصية مخالفة الامر ومخالف النهى عاص فانه مخالف الأمر وفاعل المحظور قد ~~يكون أظهر معصية من تارك المأمور PageV11P674 و ( بالجملة ( فهما متلازمان ~~كل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل ضده ومن نهى عن فعل فقد أمر بفعل ضده كما ~~بسط في موضعه ولكن لفظ ( الأمر ( يعم النوعين واللفظ العام قد يخص أحد ~~نوعيه باسم ويبقى الاسم العام للنوع الآخر فلفظ الامر عام لكن خصوا أحد ~~النوعين بلفظ النهى فاذا قرن النهى بالأمر كان المراد به أحد النوعين لا ~~العموم ### ||| فصل # و ( المقصود ( أن الاستغفار والتوبة يكونان من كلا النوعين و ( أيضا ( ~~فالاستغفار والتوبة مما فعله وتركه في حال الجهل قبل أن يعلم أن هذا قبيح ~~من السيئات وقبل أن يرسل إليه رسول وقبل أن تقوم عليه الحجة فانه سبحانه ~~قال @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ # وقد قال طائفة من أهل الكلام والرأى إن هذا في الواجبات الشرعية غير ~~العقلية كما يقوله ms3700 من يقوله من المعتزلة وغيرهم من أصحاب أبى حنيفة وغيرهم ~~مثل أبى الخطاب وغيره على ان الآية عامة لا يعذب الله أحدا إلا بعد رسول ~~PageV11P675 وفيهما دليل على أنه لا يعذب إلا بذنب خلافا لما يقوله ( ~~المجبرة ( أتباع جهم أنه تعالى يعذب بلا ذنب وقد تبعه طائفة تنسب إلى السنة ~~كالأشعرى وغيره وهو قول القاضي أبى يعلى وغيره وقالوا إن الله يجوز أن يعذب ~~الأطفال في الآخرة عذابا لا نهاية له 8 من غير ذنب فعلوه وهؤلاء يحتجون ~~بالآية على ابطال قول من يقول إن العقل يوجب عذاب من لم يفعل والآية حجة ~~عليهم أيضا حيث يجوزون العذاب بلا ذنب فهي حجة على الطائفتين # ولها نظائر في القرآن كقوله @QB@ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في ~~أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا @QE@ وقوله تعالى @QB@ لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل @QE@ وقوله @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن ~~أنتم إلا في ضلال كبير @QE@ وما فعلوه قبل مجيء الرسل كان سيئا وقبيحا وشرا ~~لكن لا تقوم عليهم الحجة إلا بالرسول هذا قول الجمهور # وقيل إنه لا يكون قبيحا إلا بالنهى وهو قول من لا يثبت حسنا ولا قبيحا ~~إلا بالأمر والنهى كقول جهم والاشعرى ومن تابعه من المنتسبين إلى السنة ~~وأصحاب مالك والشافعى وأحمد كالقاضى أبى يعلى وأبى الوليد الباجى وأبى ~~المعالى الجوينى وغيرهم والجمهور من السلف والخلف على أن ما كانوا فيه قبل ~~PageV11P676 مجيء الرسول من الشرك والجاهلية شيئا قبيحا وكان شرا لكن لا ~~يستحقون العذاب إلا بعد مجيء الرسول # ولهذا كان للناس في الشرك والظلم والكذب والفواحش ونحو ذلك ( ثلاثة أقوال ~~( # قيل إن قبحهما معلوم بالعقل وأنهم يستحقون العذاب على ذلك في الآخرة وإن ~~لم يأتهم الرسول كما يقوله المعتزلة وكثير من أصحاب أبي حنيفة وحكوه عن أبى ~~حنيفة نفسه وهو قول ابى الخطاب وغيره # و ( قيل ( لاقبح ولا حسن ولا شر ms3701 فيهما قبل الخطاب وإنما القبيح ما قيل ~~فيه لا تفعل والحسن ما قيل فيه افعل أو ما أذن في فعله كما تقوله الأشعرية ~~ومن وافقهم من الطوائف الثلاثة # وقيل إن ذلك سيء وشر وقبيح قبل مجيء الرسول لكن العقوبة إنما تستحق بمجيء ~~الرسول وعلى هذا عامة السلف وأكثر المسلمين وعليه يدل الكتاب والسنة فان ~~فيهما بيان أن ما عليه الكفار هو شر وقبيح وسيء قبل الرسل وإن كانوا لا ~~يستحقون العقوبة إلا بالرسول وفى الصحيح أن حذيفة قال ( يا رسول الله انا ~~كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم ~~دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها PageV11P677 ### ||| فصل # ( وقد أخبر الله تعالى عن قبح أعمال الكفار قبل أن يأتيهم الرسول كقوله ~~لموسى @QB@ اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك ~~فتخشى @QE@ وقال @QB@ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة ~~منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ~~@QE@ فهذا خبر عن حاله قبل أن يولد موسى وحين كان صغيرا قبل أن يأتيه ~~برسالة انه كان طاغيا مفسدا # وقال تعالى @QB@ ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن ~~اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو ~~له @QE@ وهو فرعون فهو إذ ذاك عدو لله ولم يكن جاءته الرسالة بعد ~~PageV11P678 ### ||| فصل # ( و ( أيضا ( أمر الله الناس أن يتوبوا ويستغفروا مما فعلوه فلو كان ~~كالمباح المستوى الطرفين والمعفو عنه وكفعل الصبيان والمجانين ما أمر ~~بالاستغفار والتوبة فعلم أنه كان من السيئات القبيحة لكن الله لا يعاقب الا ~~بعد إقامة الحجة وهذا كقوله تعالى @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من ~~لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم ms3702 متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ~~وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير @QE@ وقوله تعالى @QB@ قل إنما ~~أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل ~~للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة @QE@ وقال @QB@ إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ~~أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن ~~اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم @QE@ فدل على أنها كانت ~~ذنوبا قبل انذاره إياهم # وقال عن هود @QB@ وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره إن أنتم إلا مفترون يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على ~~الذي فطرني أفلا تعقلون ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه @QE@ ~~PageV11P679 ) فأخبر في أول خطابه أنهم مفترون بأكثر الذى كانوا عليه كما ~~قال لهم في الآية الأخرى @QB@ أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين @QE@ # وكذلك قال صالح @QB@ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من ~~الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب @QE@ # وكذلك قال لوط لقومه @QB@ أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين @QE@ فدل على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم بخلاف قول من ~~يقول ما كانت فاحشة ولا قبيحة ولا سيئة حتى نهاهم عنها ولهذا قال لهم ( ~~أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر ( وهذا خطاب ~~لمن يعرفون قبح ما يفعلون ولكن أنذرهم بالعذاب # وكذلك قول شعيب @QB@ أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين @QE@ بين أن ما فعلوه PageV11P680 كان ~~بخسالهم أشياءهم وأنهم كانوا عاثين في الأرض مفسدين قبل أن ينهاهم بخلاف ~~قول ( المجبرة ( أن ظلمهم ما كان سيئة إلا لما نهاهم وانه قبل النهى كان ~~بمنزلة سائر الأفعال من الأكل والشرب وغير ذلك كما يقولون في سائر ما نهت ~~عنه ms3703 الرسل من الشرك والظلم والفواحش # وهكذا إبراهيم الخليل قال @QB@ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا ~~نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ~~@QE@ فهذا توبيخ على فعله قبل النهى وقال أيضا @QB@ وإبراهيم إذ قال لقومه ~~اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله ~~أوثانا وتخلقون إفكا @QE@ فأخبر أنهم يخلقون افكا قبل النهى # وكذلك قول الخليل لقومه أيضا @QB@ ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله ~~تريدون فما ظنكم برب العالمين @QE@ إلى قوله @QB@ أتعبدون ما تنحتون والله ~~خلقكم وما تعملون @QE@ فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهى وقبل ~~انكاره عليهم ولهذا استفهم استفهام منكر فقال ( أتعبدون ما تنحتون والله ~~خلقكم وما تعملون ( أى وخلق ما تنحتون فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه ~~بأيديكم وتدعون رب العالمين PageV11P681 فلولا ان حسن التوحيد وعبادة الله ~~تعالى وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت في نفس الامر معلوم بالعقل لم ~~يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئا يذمون عليه بل كان فعلهم كأكلهم ~~وشربهم وإنما كان قبيحا بالنهى ومعنى قبحه كونه منهيا عنه لا لمعنى فيه كما ~~تقوله المجبرة # و ( أيضا ( ففى القرآن في مواضع كثيرة يبين لهم قبح ما هم عليه من الشرك ~~وغيره بالأدلة العقلية ويضرب لهم الأمثال كقوله تعالى @QB@ قل لمن الأرض ~~ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون @QE@ وقوله @QB@ أفلا ~~تتقون @QE@ وقوله @QB@ فأنى تسحرون @QE@ فهذا يقتضى ان اعترافهم بأن الله ~~هو الخالق يوجب انتهاءهم عن عبادتها وأن عبادتها من القبائح المذمومة ولكن ~~هؤلاء يظنون أن الشرك هو اعتقاد أن ثم خالق آخر وهذا باطل بل الشرك عبادة ~~غير الله وإن اعترف المشرك بأنه مخلوق # وقوله انه كله لله كذب مفترى وإن قال انه مخلوق ومثل هذا كثير في القرآن ~~كقوله @QB@ أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله ms3704 مع الله بل هم قوم يعدلون ~~أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين ~~حاجزا أإله مع الله @QE@ PageV11P682 وهذا في جملة بعد جملة يقول @QB@ أإله ~~مع الله @QE@ انكارا عليهم أن يعبدوا غير الله ويتخذوه إلها مع اعترافهم ~~بأن هذا لم يفعله إله غير الله وإنما فعله هو وحده # وقوله @QB@ أإله مع الله @QE@ جواب الاستفهام أى إله مع الله ( موجود ( ~~وهذا غلط فانهم يجعلون مع الله آلهة ويشهدون بذلك لكن ما كانوا يقولون إنهم ~~فعلوا ذلك والتقرير انما يكون لما يقرون به وهم مقرون بانهم لم يفعلوا لا ~~يقرون بأنه لم يكن معه إله قال تعالى @QB@ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة ~~أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون @QE@ # وقد قال سبحانه @QB@ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح ~~فأنه غفور رحيم @QE@ وقال @QB@ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم @QE@ وقال @QB@ ثم إن ربك ~~للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم @QE@ PageV11P683 فهذا وان كان قال الصحابة والتابعون ان كل عاص ~~فهو جاهل كما قد بسط في موضع آخر فهو متناول لمن يكون علم التحريم أيضا # 2 فدل على انه يكون عاملا سوءا وان كان لم يسمع الخطاب المبين المنهى عنه ~~وانه يتوب من ذلك فيغفر الله له ويرحمه وان كان لا يستحق العقاب إلا بعد ~~بلوغ الخطاب وقيام الحجة # وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات وتكون مما لم يكن علم ~~انه ذنب تبين كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار فان كثيرا من الناس إذا ~~ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها فعلم بالعلم العام أنها ~~قبيحة كالفاحشة والظلم الظاهر فأما ما قد يتخذ دينا فلا يعلم أنه ذنب إلا ~~من علم أنه ms3705 باطل كدين المشركين وأهل الكتاب المبدل فانه مما تجب التوبة ~~والاستغفار منه وأهله يحسبون أنهم على هدى وكذلك البدع كلها # ولهذا قال طائفة من السلف منهم الثورى البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ~~لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها وهذا معنى ما روى عن طائفة ~~أنهم قالوا إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة بمعنى أنه لا يتوب منها ~~لأنه يحسب انه على هدى ولو تاب لتاب عليه كما يتوب على الكافر ومن قال إنه ~~لا يقبل PageV11P684 توبة مبتدع مطلقا فقد غلط غلطا منكرا ومن قال ما اذن ~~الله لصاحب بدعة في توبة فمعناه ما دام مبتدعا يراها حسنة لا يتوب منها ~~فأما إذا أراه الله أنها قبيحة فانه يتوب منها كما يرى الكافر أنه على ضلال ~~والا فمعلوم أن كثيرا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها وتاب الله عليه منها ~~وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله # و ( الخوارج ( لما أرسل اليهم بن عباس فناظرهم رجع منهم نصفهم أو نحوه ~~وتابوا وتاب منهم آخرون على يد عمر بن عبد العزيز وغيره منهم من سمع العلم ~~فتاب وهذا كثير فهذا القسم الذى لا يعلم فاعلوه قبحه قسم كثير من أهل ~~القبلة وهو في غيرهم عام وكذلك ما يترك الانسان من واجبات لا يعلم وجوبها ~~كثيرة جدا ثم إذا علم ما كان قد تركه من الحسنات من التوحيد والايمان وما ~~كان مأمورا بالتوبة منه والاستغفار مما كان سيئة والتائب يتوب مما تركه ~~وضيعه وفرط فيه من حقوق الله تعالى كما يتوب مما فعله من السيئات وان كان ~~قد فعل هذا وترك هذا قبل الرسالة فبالرسالة يستحق العقاب على ترك هذا وفعل ~~هذا والا فكونه كان فاعلا للسيئات المذمومة وتاركا للحسنات التى يذم تاركها ~~كان تائبا قبل ذلك كما تقدم وذكرنا ( القولين ( قول من نفى الذم والعقاب ~~وقول من أثبت الذم والعقاب PageV11P685 # فان قيل إذا لم يكن معاقبا عليها فلا معنى لقبحها قيل بل فيه معنيان # ( أحدهما ( أنه سبب للعقاب ms3706 لكن هو متوقف على الشرط وهو الحجة قال تعالى ~~@QB@ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها @QE@ فلولا انقاذه لسقطوا ~~ومن كان واقفا على شفير فهلك فهلاكه موقوف على سقوطه بخلاف ما اذا بان وبعد ~~عن ذلك فقد بعد عن الهلاك فأصحابها كانوا قريبين إلى الهلاك والعذاب # ( الثانى ( أنهم مذمومون منقوصون معيبون فدرجتهم منخفضة بذلك ولابد ولو ~~قدر أنهم لم يعذبوا لا يستحقون ما يستحقه السليم من ذلك من كرامته ايضا ~~وثوابه فهذه عقوبة بحرمان خير وهى أحد نوعى العقوبة وهذا وان كان حاصلا لكل ~~من ترك مستحبا فانه يفوته خيره ففرق بين ما يفوته مالم يحصل له وبين ما ~~ينقص ما عنده وهذا كلام عام فيما لم يعاقب عليه من الذنوب # وأما من لم يرسل إليه رسول في الدنيا فقد رويت آثار أنهم يرسل اليهم رسول ~~في عرصات القيامة كما قد بسط في مواضع PageV11P686 # وقد تنازع الناس في ( الوجوب والتحريم ( هل يتحقق بدون العقاب على الترك ~~على قولين قيل لا يتحقق فانه إذا لم يعاقب كان كالمباح وقيل يتحقق فانه ~~لابد ان يذم وان لم يعاقب # وتحقيق الأمر أن العقاب ( نوعان ( نوع بالآلام فهذا قد يسقط بكثرة ~~الحسنات ونوع بنقص الدرجة وحرمان ما كان يستحقه فهذا يحصل إذا لم يحصل ~~الأول والله تعالى يكفر سيئات المسيء كما قال تعالى @QB@ إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما @QE@ فيكفرها تارة ~~بالمصائب فتبقى درجة صاحبها كما كانت وقد تصير درجته أعلى ويكفرها بالطاعات ~~ومن لم يأت بتلك السيئات أعلى درجة فيحرم صاحب السيئات ما يسقط بازائها من ~~طاعته وهذا مما يتوب منه من أراد ان لا يخسر ومن فرط في مستحبات فانه يتوب ~~أيضا ليحصل له موجبها فالتوبة تتناول هؤلاء كلهم # وتوبة الانسان من حسناته على أوجه # ( احدهما ( أن يتوب ويستغفر من تقصيره فيها # و ( الثانى ( أن يتوب مما كان يظنه حسنات ولم يكن كحال أهل البدع # و ( الثالث ( يتوب من اعجابه ورؤيته أنه فعلها وانها حصلت ms3707 PageV11P687 ~~بقوته وينسى فضل الله واحسانه وانه هو المنعم بها وهذه توبة من فعل مذموم ~~وترك مأمور # ولهذا قيل تخليص الأعمال مما يفسدها اشد على العاملين من طول الاجتهاد ~~وهذا مما يبين احتياج الناس إلى التوبة دائما ولهذا قيل هي مقام يستصحبه ~~العبد من أول ما يدخل فيه إلى آخر عمره ولابد منه لجميع الخلق فجميع الخلق ~~عليهم أن يتوبوا وان يستديموا التوبة قال تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما @QE@ فغاية كل ~~مؤمن التوبة وقد قال الله لأفضل الأنبياء وأفضل الخلق بعد الأنبياء وهم ~~السابقون الأولون @QB@ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه ~~بهم رؤوف رحيم @QE@ ومن اواخر ما انزل الله قوله @QB@ إذا جاء نصر الله ~~والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه ~~كان توابا @QE@ # وقد ثبت في الصحيحين انه كان يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك ~~اللهم اغفر لى يتأول القرآن ( وفى لفظ لمسلم عن عائشة قالت ( كان رسول الله ~~يكثر PageV11P688 أن يقول قبل أن يموت سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب ~~إليك قالت فقلت يا رسول الله أراك تكثر من قولك سبحانك اللهم وبحمدك ~~أستغفرك وأتوب إليك فقال أخبرنى ربى أنى سأرى علامة في أمتى فاذا رأيتها ~~أكثرت من قول سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فقد رأيتها @QB@ إذا ~~جاء نصر الله والفتح @QE@ فتح مكة @QB@ ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا @QE@ # وأمره سبحانه له بالتسبيح بحمده والاستغفار في هذه الحال لا يقتضى انه لا ~~يشرع في غيرها أو لا يؤمر به غيره بل يقتضى أن هذا سبب لما أمر به وان كان ~~مأمورا به في مواضع أخر كما يؤمر الانسان بالحمد والشكر على نعمه وإن كان ~~مأمورا بالشكر عليها وكما يؤمر بالتوبة ms3708 من ذنب وان كان مأمورا بالتوبة من ~~غيره لكن هو أمر أن يختم عمله بهذا فغيره أحوج إلى هذا منه وقد يحتاج العبد ~~إلى هذا في غير هذه الحال كما يحتاج إلى التوبة فهو محتاج إلى التوبة ~~والاستغفار مطلقا كما ثبت في الصحيح أن النبى كان يستغفر عقب الصلاة ثلاثا ~~قال تعالى @QB@ والمستغفرين بالأسحار @QE@ قاموا الليل ثم جلسوا وقت السحر ~~يستغفرون # وقد ختم الله ( سورة المزمل ( وفيها قيام الليل بقوله @QB@ واستغفروا ~~الله إن الله غفور رحيم @QE@ PageV11P689 كما ختم بذلك ( سورة المدثر ( ~~بقوله @QB@ هو أهل التقوى وأهل المغفرة @QE@ فهو سبحانه أهل التقوى ولم يقل ~~سبحانه أهل للتقوى بل قال @QB@ أهل التقوى @QE@ فهو وحده أهل ان يتقى فيعبد ~~دون ما سواه ولا يستحق غيره أن يتقى كما قال @QB@ وله ما في السماوات ~~والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون @QE@ وقال @QB@ ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ وهو أهل المغفرة ولا يغفر ~~الذنوب غيره كما قال تعالى @QB@ ومن يغفر الذنوب إلا الله @QE@ # وفى غير حديث يقول النبى ( إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ( فهو سبحانه أهل ~~التقوى وأهل المغفرة وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في غير موضع ~~كقوله سبحانه @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا تاركيه قبل الاسلام من توحيد ~~الله وعبادته وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد كما تقدم والرسول يستغفر من ~~ترك ما كان تاركه كما قال فيه @QB@ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان @QE@ ~~وإن كان ذلك لم يكن عليه عقاب والمؤمن إذا تبين له أنه ضيع حق قرابته أو ~~غيره استغفر الله من ذلك وتاب وكذلك إذا تبين له أن بعض ما يفعله هو مذموم ~~PageV11P690 ### ||| فصل # ( و ( أيضا ( فمما يستغفر ويتاب منه ما في النفس من الأمور التى لو قالها ~~أو فعلها عذب قال تعالى @QB@ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ فهو يغفر لمن ms3709 يرجع عما في نفسه فلم ~~يتكلم به ولم يعمل كالذى هم بالسيئة ولم يعملها وإن تركها لله كتبت له حسنة ~~وهذا مما يستغفر منه ويتوب فان الاستغفار والتوبة من كل ما كان سببا للذم ~~والعقاب وإن كان لم يحصل العقاب ولا الذم فانه يفضى إليه فيتوب من ذلك أى ~~يرجع عنه حتى لا يفضى إلى شر فيستغفر الله منه أى يطلب منه أن يغفر له فلا ~~يشقيه به فانه وإن لم يعاقب عليه فقد ينقص به فالذى يهم بالسيئات وإن كان ~~لا يكتب عليه سيئة لكنه اشتغل بها عما كان ينفعه فينقص بها عمن لم يفعلها ~~واشتغل بما ينفعه عنها # وقد بسطنا في غير هذا الموضع أن فعل الانسان وقوله إما له وإما عليه لا ~~يخلو من هذا أو هذا فهو يستغفر الله ويتوب مما PageV11P691 2 عليه وقد يظن ~~ظنون سوء باطلة وإن لم يتكلم بها فاذا تبين له فيها استغفر الله وتاب # وظلمه لنفسه يكون بترك واجب كما يكون بفعل محرم فقوله تعالى @QB@ ومن ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه @QE@ من عطف العام على الخاص وكذلك قوله @QB@ ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون @QE@ وقد قيل في ~~قوله تعالى @QB@ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم @QE@ قيل الفاحشة ~~الزنى وقيل كل كبيرة وظلم النفس المذكور معها قيل هو فاحشة أيضا وقيل هي ~~الصغائر وهذا يوافق قول من قال الفاحشة هي الكبيرة فيكون الكلام قد تناول ~~الكبيرة والصغيرة ومن قال الفاحشة الزنى يقول ظلم النفس يدخل فيه سائر ~~المحرمات وقيل الفاحشة الزنى وظلم النفس ما دونه من اللمس والقبلة ~~والمعانقة وقيل هذا هو الفاحشة وظلم النفس المعاصى وقيل الفاحشة فعل وظلم ~~النفس قول # والتحقيق أن ( ظلم النفس ( جنس عام يتناول كل ذنب وفى الصحيحين أن أبا ~~بكر قال يا رسول الله علمنى دعاءا أدعو به في صلاتى فقال ( قل اللهم إنى ~~ظلمت نفسى ظلما كثيرا ms3710 ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لى مغفرة من عندك ~~وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم PageV11P692 وفى صحيح مسلم وغيره أن النبى ~~كان يقول في استفتاحه ( اللهم أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسى واعترفت بذنبى ~~فاغفر لى فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدنى لأحسن الأخلاق فانه لا يهدى ~~لأحسنها إلا أنت واصرف عنى سيئها فانه لا يصرف عنى سيئها إلا أنت # وقد قال أبوالبشر وزوجته ( ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين ( وقال موسى ( رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى ( وقال ~~ذوالنون ( يونس ( لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين ( وقالت بلقيس ~~( رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ( # وفى الصحيحين عن إبى هريرة رضى الله عنه عن النبى وقد قال عن أهل القرى ~~المعذبين ( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ( وأما قوله ( اغفر لنا ذنوبنا ~~واسرافنا في أمرنا فقد قيل إن الذنوب هي الصغائر والاسراف هو الكبائر # و ( التحقيق ( أن ( الذنوب ( اسم جنس و ( الاسراف ( تعدى الحد ومجاوزة ~~القصد كما في لفظ الاثم والعدوان فالذنوب كالاثم PageV11P693 والاسراف ~~كالعدوان كما في قوله ( غير باغ ولا عاد ( ومجاوزة قدر الحاجة فالذنوب مثل ~~اتباع الهوى بغير هدى من الله فهذا كله ذنب كالذى يرضى لنفسه ويغضب لنفسه ~~فهو متبع لهواه و ( الاسراف ( كالذى يغضب لله فيعاقب بأكثر مما أمر الله ~~والآية في سياق قتال المشركين وما أصابهم يوم أحد # وقد أخبر عمن قبلهم بقوله @QB@ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ~~@QE@ وقد قيل على الصحيح المراد به النبى صلى الله عليه وسلم وان لم يقتل ~~في معركة فقد قتل أنبياء كثيرون @QB@ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ~~وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ~~ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا @QE@ الآية فجمعوا بين الصبر ~~والاستغفار وهذا هو المأمور به في المصائب الصبر ms3711 عليها والاستغفار من ~~الذنوب التى كانت سببها # والقتال كثيرا ما يقاتل الانسان فيه لغير الله كالذى يقاتل شجاعة ويقاتل ~~حمية ويقاتل رياء فهذا كله ذنوب والذى يقاتل لله قد يسرف فيقتل من لا يستحق ~~القتل ويعاقب الكفار بأشد مما أمر به قال الله تعالى @QB@ ومن قتل مظلوما ~~فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا @QE@ ( وقال @QB@ ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما @QE@ ~~PageV11P694 # وقال @QB@ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا @QE@ فالاسراف مجاوزة الحد ~~هذا آخر ما كتبته هنا والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله رب العالمين ~~PageV11P695 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ( # الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب من العمل ~~الناقص إلى العمل التام ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه ~~والأكمل فان العابد لله والعارف بالله في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل ~~لحظة يزداد علما بالله وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه ~~وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات ~~العالية واعطائها حقها فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار ~~بل هو مضطر إليه دائما في الأقوال والأحوال في الغوائب والمشاهد لما فيه من ~~المصالح وجلب الخيرات ودفع المضرات وطلب الزيادة في القوة في الأعمال ~~القلبية والبدنية اليقينية الايمانية # وقد ثبتت دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد واقترانها بشهادة أن لا إله ~~إلا الله من أولهم إلى آخرهم ومن آخرهم إلى PageV11P696 أولهم ومن الأعلى ~~إلى الأدنى وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلهم وهم فيها درجات عند ~~الله ولكل عامل مقام معلوم فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تذهب ~~الشرك كله دقه وجله خطأه وعمده أوله وآخره سره وعلانيته وتأتى على جميع ~~صفاته وخفاياه ودقائقه # والاستغفار يمحو ما بقى من عثراته ويمحو الذنب الذى هو من شعب الشرك فان ~~الذنوب كلها من شعب الشرك فالتوحيد يذهب أصل الشرك والاستغفار يمحو فروعه ~~فابلغ الثناء قول لا ms3712 إله إلا الله وأبلغ الدعاء قول أستغفر الله فأمره ~~بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولأخوانه من المؤمنين # وقال إياك والنظر في كتب أهل الفلسفة الذين يزعمون فيها أنه كلما قوى نور ~~الحق وبرهانه في القلوب خفى عن المعرفة كما يبهر ضوء الشمس ( عيون ( ~~الخفافيش بالنهار # فاحذر مثل هؤلاء وعليك بصحبة أتباع الرسل المؤيدين بنور الهدى وبراهين ~~الايمان أصحاب البصائر في الشبهات والشهوات الفارقين بين الواردات ~~الرحمانية والشيطانية العالمين العاملين @QB@ أولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون @QE@ PageV11P697 # وقال التوبة من أعظم الحسنات والحسنات ~~كلها مشروط فيها الاخلاص لله وموافقة أمره باتباع رسوله والاستغفار من أكبر ~~الحسنات وبابه واسع فمن أحس بتقصير في قوله أو عمله أو حاله أو رزقه أو ~~تقلب قلب فعليه بالتوحيد والاستغفار ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص # وكذلك إذا وجد العبد تقصيرا في حقوق القرابة والأهل والأولاد والجيران ~~والاخوان فعليه بالدعاء لهم والاستغفار قال حذيفة بن اليمان للنبى صلى الله ~~عليه وسلم إن لى لسانا ذربا على أهلى فقال له ( أين أنت من الاستغفار إنى ~~لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة PageV11P698 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن قوله ( ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم والليلة سبعين مرة ( هل ~~المراد ذكر الاستغفار باللفظ أو أنه إذا استغفر ينوى بالقلب أن لا يعود إلى ~~الذنب وهل إذا تاب من الذنب وعزم بالقلب أن لا يعود إليه وأقام مدة ثم وقع ~~فيه أفيكون ذلك الذنب القديم يضاف إلى الثانى أو يكون مغفورا بالتوبة ~~المتقدمة وهل التائب من شرب الخمر ولبس الحرير يشربه في الآخرة ويلبس ~~الحرير في الآخرة والتوبة النصوح ما شرطها ### ||||| فأجاب # الحمد لله # بل المراد الاستغفار بالقلب مع اللسان فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له ~~كما في الحديث الآخر ( لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الاصرار ( فإذا ~~أصر على الصغيرة صارت كبيرة وإذا تاب منها غفرت قال تعالى ( والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ( الآية ~~PageV11P699 وإذا تاب توبة ms3713 صحيحة غفرت ذنوبه فان عاد إلى الذنب فعليه أن ~~يتوب أيضا وإذا تاب قبل الله توبته أيضا # وقد تنازع العلماء في التائب من الكفر إذا ارتد بعد إسلامه ثم تاب بعد ~~الردة واسلم هل يعود عمله الأول على ( قولين ( مبناهما أن الردة هل تحبط ~~العمل مطلقا أو تحبطه بشرط الموت عليها # فمذهب أبي حنيفة ومالك أنها تحبطه مطلقا ومذهب الشافعى أنها تحبطه بشرط ~~الموت عليها # والردة ضد التوبة وليس من السيئات ما يمحو جميع الحسنات إلا الردة وقد ~~قال تعالى @QB@ توبوا إلى الله توبة نصوحا @QE@ قال عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه @QB@ توبة نصوحا @QE@ أن يتوب ثم لا يعود فهذه التوبة الواجبة التامة # ومن تاب من شرب الخمر ولبس الحرير فانه يلبس ذلك في الآخرة كما جاء في ~~الحديث الصحيح ( من شرب الخمر ثم لم يتب منها حرمها ( وقد ذهب بعض الناس ~~كبعض أصحاب أحمد إلى أنه لا يشربها مطلقا وقد أخطئوا الصواب الذى عليه ~~جمهور المسلمين PageV11P700 ### |||| ( وسئل ( # عن اليهودى أو النصرانى إذا أسلم هل ~~يبقى عليه ذنب بعد الاسلام ### ||||| فأجاب # إذا أسلم باطنا وظاهرا غفر له الكفر الذى تاب منه بالاسلام بلا ~~نزاع وأما الذنوب التى لم يتب منها مثل أن يكن مصرا على ذنب أو ظلم أو ~~فاحشة ولم يتب منها بالاسلام فقد قال بعض الناس إنه يغفر له بالاسلام ~~والصحيح أنه إنما يغفر له ما تاب منه كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه قيل ( ~~أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية فقال من أحسن في الاسلام لم يؤاخذ بما عمل في ~~الجاهلية ومن أساء في الاسلام أخذ بالأول والآخر ( # و ( حسن الاسلام ( أن يلتزم فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه وهذا ~~معنى التوبة العامة فمن أسلم هذا الاسلام غفرت ذنوبه كلها # وهكذا كان إسلام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~باحسان ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث PageV11P701 الصحيح ~~لعمرو بن العاص ( أما علمت أن الاسلام يهدم ما كان قبله ( فان اللام ms3714 لتعريف ~~العهد والاسلام المعهود بينهم كان الاسلام الحسن # وقوله ( ومن أساء في الاسلام أخذ بالأول والآخر ( أي إذا أصر على ما كان ~~يعمله من الذنوب فانه يؤاخذ بالأول والآخر وهذا موجب النصوص والعدل فان من ~~تاب من ذنب غفر له ذلك الذنب ولم يجب أن يغفر له غيره # والمسلم تائب من الكفر كما قال تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ وقوله @QB@ قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف @QE@ أى إذا انتهوا عما نهوا عنه غفر ~~لهم ما قد سلف # فالانتهاء عن الذنب هو التوبة منه من انتهى عن ذنب غفر له ما سلف منه ~~وأما من لم ينته عن ذنب فلا يجب أن يغفر له ما سلف لانتهائه عن ذنب آخر ~~والله أعلم PageV11P702 ### | 1 ( كتاب القرآن كلام الله حقيقة ) # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى ~~بعده # قال الشيخ الامام أبو العباس أحمد بن تيمية رضى الله عنه # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ( ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وسلم PageV12P005 ### || قاعدة في القرآن وكلام الله # فان الأمة اضطربت في هذا اضطرابا عظيما وتفرقوا واختلفوا بالظنون ~~والأهواء بعد مضى القرون الثلاثة لما حدثت فيهم الجهمية المشتقة من الصابئة ~~وقد قال الله تعالى @QB@ وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا ms3715 فيه من الحق بإذنه @QE@ # والاختلاف نوعان اختلاف في تنزيله واختلاف في تأويله # والمختلفون الذين ذمهم الله هم المختلفون في الحق بأن ينكر هؤلاء الحق ~~الذى مع هؤلاء أو بالعكس فإن الواجب الإيمان بجميع الحق المنزل فاما من آمن ~~بذلك وكفر به غيره فهذا اختلاف يذم فيه أحد الصنفين كما قال تعالى @QB@ تلك ~~الرسل فضلنا بعضهم على بعض @QE@ إلى قوله PageV12P006 @QB@ ولكن اختلفوا ~~فمنهم من آمن ومنهم من كفر @QE@ والاختلاف في تنزيله أعظم وهو الذى قصدنا ~~هنا فنقول # الإختلاف في تنزيله هو بين المؤمنين والكافرين فإن المؤمنين يؤمنون بما ~~أنزل والكافرون كفروا بالكتاب وبما ارسل الله به رسله فسوف يعلمون ~~فالمؤمنون بجنس الكتاب والرسل من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين ~~يؤمنون بذلك والكافرون بجنس الكتاب والرسل من المشركين والمجوس والصابئين ~~يكفرون بذلك # وذلك أن الله أرسل الرسل إلى الناس لتبلغهم كلام الله الذي أنزله إليهم ~~فمن آمن بالرسل آمن بما بلغوه عن الله ومن كذب بالرسل كذب بذلك فالإيمان ~~بكلام الله داخل في الإيمان برسالة الله إلى عباده والكفر بذلك هو ~~الكفربهذا فتدبر هذا الأصل فإنه فرقان هذا الاشتباه ولهذا كان من يكفر ~~بالرسل تارة يكفر بأن الله له كلام أنزله على بشر كما أنه قد يكفر برب ~~العالمين مثل فرعون وقومه قال الله تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى ~~رجل منهم أن أنذرالناس الآية وقال تعالى عن نوح وهود @QB@ أوعجبتم أن جاءكم ~~ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم @QE@ وقال @QB@ وما قدروا الله حق قدره ~~إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء @QE@ إلى آخر الكلام PageV12P007 فإن ~~في هذه الآيات تقرير قواعد وقال عن الوحيد @QB@ إن هذا إلا قول البشر @QE@ # ولهذا كان أصل الإيمان الايمان بما أنزله قال تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة @QE@ إلى قوله ~~@QB@ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك @QE@ وفى وسط السورة ~~@QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم @QE@ الآية وفى ~~آخرها @QB@ آمن ms3716 الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله @QE@ الآيتين وفى السورة التى تليها @QB@ الم الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل ~~التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان @QE@ وذكر في اثناء ~~السورة الايمان بما أنزل وكذلك في آخرها @QB@ ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا @QE@ إلى قوله @QB@ وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم @QE@ الآية # ولهذا عظم تقرير هذا الاصل في القرآن فتارة يفتتح به السورة إما اخبارا ~~كقوله @QB@ ذلك الكتاب @QE@ وقوله @QB@ الر تلك آيات الكتاب الحكيم @QE@ ~~وقوله @QB@ الر كتاب أحكمت آياته @QE@ الآية وكذلك ال @QB@ طس @QE@ وال ~~@QB@ حم @QE@ فعامة ال @QB@ الم @QE@ وال @QB@ الر @QE@ وال @QB@ طس @QE@ ~~وال @QB@ حم @QE@ كذلك PageV12P008 # وإما ثناء بانزاله كقوله @QB@ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا @QE@ @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده @QE@ الآية # وأما في اثناء السور فكثير جدا وثنى قصة موسى مع فرعون لأنهما في طرفى ~~نقيض في الحق والباطل فان فرعون في غاية الكفر والباطل حيث كفر بالربوبية ~~وبالرسالة وموسى في غاية الحق والايمان من جهة ان الله كلمه تكليما لم يجعل ~~الله بينه وبينه واسطة من خلقه فهو مثبت لكمال الرسالة وكمال التكلم ومثبت ~~لرب العالمين بما استحقه من النعوت وهذا بخلاف اكثر الأنبياء مع الكفار فان ~~الكفار اكثرهم لا يجحدون وجود الله ولم يكن ايضا للرسل من التكليم ما لموسى ~~فصارت قصة موسى وفرعون اعظم القصص واعظمها اعتبارا لأهل الايمان ولأهل ~~الكفر ولهذا كان النبى يقص على امته عامة ليله عن بنى اسرائيل وكان يتأسى ~~بموسى في أمور كثيرة ولما بشر بقتل أبى جهل يوم بدر قال هذا فرعون هذه ~~الأمة وكان فرعون وقومه من الصابئة المشركين الكفار ولهذا كان يعبد الهة من ~~دون الله كما اخبر الله عنه بقوله @QB@ ويذرك وآلهتك @QE@ وان كان عالما ~~بما جاء به موسى مستيقنا له لكنه كان جاحدا مثبورا ms3717 كما اخبر الله بذلك في ~~قوله @QB@ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ الآية وقال تعالى PageV12P009 @QB@ ولقد ~~آتينا موسى تسع آيات بينات @QE@ إلى قوله @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ~~رب السماوات والأرض بصائر @QE@ الآية والكفار بالرسل من قوم نوح وعاد وثمود ~~وقوم لوط وشعيب وقوم إبراهيم وموسى ومشركى العرب والهند والروم والبربر ~~والترك واليونان والكشدانيين وسائر الأمم المتقدمين والمستأخرين يتبعون ~~ظنونهم واهواءهم ويعرضون عن ذكر الله الذى آتاهم من عنده كما قال لهم لما ~~اهبط آدم من الجنة @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون @QE@ وفى موضع آخر @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ~~ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا @QE@ الآية وفى أخرى @QB@ إما ~~يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي @QE@ # ثم إنهم مع أنهم ما نزل الله بما هم عليه من سلطان إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الانفس يزعمون أن لهم العقل والرأي والقياس العقلي والأمثال ~~المضروبة ويسمون أنفسهم الحكماء والفلاسفة ويدعون الجدل والكلام والقوة ~~والسلطان والمال ويصفون إتباع المرسلين بأنهم سفهاء واراذل وضلال ويسخرون ~~منهم قال الله تعالى PageV12P010 @QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا ~~بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ وقال @QB@ وإذا قيل ~~لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ~~ولكن لا يعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون @QE@ إلى قوله @QB@ وما أرسلوا عليهم حافظين @QE@ وقال تعالى عن قوم ~~نوح @QB@ أنؤمن لك واتبعك الأرذلون @QE@ وقالوا @QB@ وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي @QE@ وقال @QB@ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ~~ويسخرون من الذين آمنوا @QE@ وقال @QB@ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا ~~منه @QE@ بل هم يصفون الأنبياء بالجنون والسفه والضلال وغير ذلك كما قالوا ~~عن نوح @QB@ مجنون وازدجر @QE@ وقالوا @QB@ إنا لنراك في ضلال ms3718 مبين @QE@ ~~ولهود @QB@ إنا لنراك في سفاهة @QE@ ### ||| فصل # والايمان بالرسل يجب أن يكون جامعا عاما مؤتلفا لا تفريق فيه ولا تبعيض ~~ولا اختلاف بأن يؤمن بجميع الرسل وبجميع ما أنزل اليهم فمن آمن ببعض الرسل ~~وكفر ببعض أو آمن ببعض ما أنزل الله وكفر ببعض فهو كافر وهذا حال من بدل ~~وكفر من اليهود والنصارى والصابئين فان PageV12P011 هؤلاء في أصلهم قد ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا فأولئك لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون كما قال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ~~من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون @QE@ ونحوه في المائدة # ومنهم من فرق فآمن ببعض وكفر ببعض كما قال تعالى عن اليهود @QB@ وإذا قيل ~~لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه @QE@ ~~الآيات وقال تعالى @QB@ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ~~أولئك هم الكافرون حقا @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل @QE@ الآيتين وقال عن المؤمنين ~~@QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ وقال @QB@ شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ # وذم الذين تفرقوا واختلفوا في الكتب وهم الذين يؤمنون ببعض دون بعض فيكون ~~مع هؤلاء بعض ومع هؤلاء بعض كقوله PageV12P012 @QB@ وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ وقوله @QB@ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم @QE@ وقوله @QB@ وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ ### ||| فصل # التفريق والتبعيض قد يكون في القدر تارة وقد يكون في الوصف إما ms3719 في الكم ~~وإما في الكيف كما قد يكون في التنزيل تارة وفى التأويل أخرى فإن الموجود ~~له حقيقة موصوفة وله مقدار محدود فما أنزل الله على رسله قد يقع التفريق ~~والتبعيض في قدره وقد يقع في وصفه # فالأول مثل قول اليهود نؤمن بما أنزل على موسى دون ما أنزل على عيسى ~~ومحمد وهكذا النصارى في إيمانهم بالمسيح دون محمد فمن آمن ببعض الرسل ~~والكتب دون بعض فقد دخل في هذا فإنه لم يؤمن بجميع المنزل وكذلك من كان من ~~المنتسبين إلى هذه الأمة يؤمن PageV12P013 ببعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض ~~فان البدع مشتقة من الكفر واما الوصف فمثل اختلاف اليهود والنصارى في ~~المسيح هؤلاء قالوا إنه عبد مخلوق لكن جحدوا نبوته وقدحوا في نسبه وهؤلاء ~~أقروا بنبوته ورسالته ولكن قالوا هو الله فاختلف الطائفتان في وصفه وصفته ~~كل طائفة بحق وباطل # ومثل الصابئة الفلاسفة الذين يصفون إنزال الله على رسله بوصف بعضه حق ~~وبعضه باطل مثل أن يقولوا ان الرسل تجب طاعتهم ويجوز أن يسمى ما أتوا به ~~كلام الله لكنه إنما أنزل على قلوبهم من الروح الذى هو العقل الفعال في ~~السماء الدنيا لا من عند الله وهكذا ما ينزل على قلوب غيرهم هو أيضا كذلك ~~وليس بكلام الله في الحقيقة وإنما هذا في الحقيقة كلام النبى وانه سمى كلام ~~الله مجازا فهؤلاء أيضا مبعضين مفرقين حيث صدقوا ببعض صفات ما أنزل الله ~~وبعض صفات رسله دون بعض وربما كان ما كفروا به من الصفات اكثر مما آمنوا به ~~كما ان ما كفر به اليهود من الكتاب أكثر وأعظم مما آمنوا به لكن هؤلاء اكفر ~~من اليهود من وجه وان كان اليهود أكفر منهم من وجه آخر PageV12P014 # فان من كان من هؤلاء يهوديا أو نصرانيا فهو كافر من الجهتين ومن كان منهم ~~لا يوجب اتباع خاتم الرسل بل يجوز التدين باليهودية والنصرانية فهو أيضا ~~كافر من الجهتين فقد يكون أحدهم أكفر من اليهود والنصارى الكافرين بمحمد ~~والقرآن وقد يكون ms3720 اليهود والنصارى أكفر ممن آمن منهم بأكثر صفات ما بعث ~~الله به محمدا لكنهم في الأصل أكفر من جنس اليهود والنصارى فان أولئك مقرون ~~في الأصل بكمال الرسالة والنبوة وهؤلاء ليسوا مقرين بكمال الرسالة والنبوة ~~كما أن من كان قديما مؤمنا من اليهود والنصارى صالحا فهو أفضل ممن كان منهم ~~مؤمنا صالحا وكذلك من كان من المنتسبين إلى الإسلام مؤمنا ببعض صفات القرآن ~~وكلام الله وتنزيله على رسله وصفات رسله دون بعض فنسبته إلى هؤلاء كنسبة من ~~آمن ببعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض إلى اليهود والنصارى # ومن هنا تتبين الضلالات المبتدعة في هذه الأمة حيث هي من الايمان ببعض ما ~~جاء به الرسول دون بعض وإما ببعض صفات التكليم والرس الة و النبوة دون بعض ~~وكلاهما إما في التنزيل وإما في التأويل PageV12P015 ### ||| فصل # والسبب الذى أوقع هؤلاء في الكفر ببعض ما أنزله هو من جنس ما أوقع ~~الأولين في الكفر بجميع ما أنزل الله في كثير من المواضع فان من تأمل وجد ~~شبه اليهود والنصارى ومن تبعهم من الصابئين في الكفر بما أنزل الله على ~~محمد هي من جنس شبه المشركين والمجوس ومن معهم من الصابئين في الكفر بجنس ~~الكتاب وبما أنزل الله على رسله في كثير من المواضع فانهم يعترضون على ~~آياته وعلى الكتاب الذي أنزل معه وعلى الشريعة التى بعث بها وعلى سيرته ~~بنحو مما اعترض به على سائر الرسل مثل موسى وعيسى كما قال الله تعالى في ~~جميعهم @QB@ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق @QE@ إلى قوله @QB@ كذلك يضل الله من هو ~~مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا @QE@ وفى الآية الأخرى @QB@ إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه فاستعذ بالله @QE@ إلى قوله @QB@ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله أنى ms3721 يصرفون الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون ~~@QE@ PageV12P016 # هذا مع أن السلطان الذى أيد الله به رسوله من أنواع الحجج المعجزات ~~وأنواع القدر الباهرات أعظم مما أيد به غيره ونبوته هي التى طبق نورها ~~مشارق الأرض ومغاربها وبه ثبتت نبوات من تقدمه وتبين الحق من الباطل والا ~~فلولا رسالته لكان الناس في ظلمات بعضها فوق بعض وأمر مريج يؤفك عنه من أفك ~~الكتابيون منهم والأميون ولهذا لما كان ما يقال له إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبله أمره الله سبحانه باستشهاد أهل الكتاب على مثل ما جاء به # وهذا من بعض حكمة إقرارهم بالجزية كقوله تعالى @QB@ فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك @QE@ وقوله @QB@ كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب @QE@ وقوله @QB@ وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر ~~وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ وفى الآية الأخرى @QB@ ~~وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام @QE@ الآية ومثل قوله @QB@ قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله @QE@ # وجماع شبه هؤلاء الكفار أنهم قاسوا الرسول على من فرق الله بينه وبينه ~~وكفروا بفضل الله الذى اختص به رسله فأتوا PageV12P017 من جهة القياس ~~الفاسد ولا بد في القياس من قدر مشترك بين المشبه والمشبه به مثل جنس الوحى ~~والتنزيل فان الشياطين ينزلون على أوليائهم ويوحون إليهم كقوله @QB@ وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم @QE@ وقال سبحانه @QB@ هل أنبئكم ~~على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ~~@QE@ # وقال تعالى في ال طس وقد افتتح كلامنهن بقصة موسى وتكليم الله إياه ~~وإرساله إلى فرعون فانها أعظم القصص كما قدمناه فقال في سورة الشعراء ~~المحتوية على قصص المرسلين واحدا بعد واحد وهى سبع قصة موسى وإبراهيم ونوح ~~وهود ms3722 وصالح ولوط وشعيب ثم قال عن القرآن @QB@ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل ~~به الروح الأمين @QE@ إلى قوله @QB@ وأنهم يقولون ما لا يفعلون @QE@ فذكر ~~الفرق بينه وبين من تنزل عليه الشياطين من الكهان والمتنبئين ونحوهم وبين ~~الشعراء لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع والشاعر أيضا يأتى بكلام ~~منظوم يحرك به النفوس فان قرين الشيطان مادته من الشيطان ويعين الشيطان ~~بكذبه وفجوره والشاعر مادته من نفسه وربما أعانه الشيطان # فأخبر أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها وهو الكاذب في قوله الفاجر ~~في عمله بخلاف الصادق البر وان الشعراء إنما يحركون PageV12P018 النفوس إلى ~~أهوائها فيتبعهم الغاوون وهم الذين يتبعون الأهواء وشهوات الغي فنفى كلا ~~منهما بانتفاء لازمه وبين ما يجتمع فيه شياطين الأنس والجن ### ||| فصل # إذا تبين هذا الأصل ظهر به اشتقاق البدع من الكفر فنقول كما أن الذين ~~اثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما ~~أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله وكان اليهود والنصارى صاروا كفارا ~~من جهة تبديلهم لما أنزل الله ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد فكذلك ~~الصابئة صاروا كفارا من جهة تبديلهم لما أنزل الله ومن جهة كفرهم بما أنزل ~~الله على محمد وان كانوا منافقين كما قد ينافق اليهودى والنصرانى وهؤلاء هم ~~المستأخرون من اليهود والنصارى والصابئين # وذلك ان متأخري الصابئين لم يؤمنوا ان لله كلاما أو يتكلم ويقول أو أنه ~~ينزل من عنده كلاما وذكرا على أحد من البشر أو انه يكلم أحدا من البشر بل ~~عندهم لا يوصف الله بصفة ثبوتية لا يقولون إن له علما ولا محبة ولا رحمة ~~وينكرون أن يكون PageV12P019 الله اتخذ إبراهيم خليلا أو كلم موسى تكليما ~~وإنما يوصف عندهم بالسلب والنفى مثل قولهم ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا ~~داخل العالم ولا خارجه أو باضافة مثل كونه مبدأ للعالم أو ( العلة ) الأولى ~~أو بصفة مركبة من السلب والاضافة مثل كونه عاقلا ومعقولا وعقلا # وعندهم أن الله لا يخص موسى ms3723 بالتكليم دون غيره ولا يخص محمدا بارسال دون ~~غيره فانهم لا يثبتون له علما مفصلا للمعلومات فضلا عن إرادة تفصيلية بل ~~يثبتون إذا أثبتوا له علما جمليا كليا وغاية جملية كلية ومن أثبت النبوة ~~منهم قال إنها فيض تفيض على نفس النبى من جنس ما يفيض على سائر النفوس لكن ~~استعداد النبى اكمل بحيث يعلم مالا يعلمه غيره ويسمع ما لا يسمع غيره ويبصر ~~ما لا يبصر غيره وتقدر نفسه على ما لا تقدر عليه نفس غيره # والكلام الذى تقوله الأنبياء هو كلامهم وقولهم وهؤلاء الذين يقولون عن ~~القرآن @QB@ إن هذا إلا قول البشر @QE@ فان الوحيد الذى هو الوليد بن ~~المغيرة كان من جنسهم كان من المشركين الذين هم صابئون ايضا فان الصابئين ~~كأهل الكتاب تارة يجعلهم الله قسما من المشركين وتارة يجعلهم الله قسيما ~~لهم كما قال تعالى @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ~~@QE@ PageV12P020 @QB@ إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ~~@QE@ وكذلك لما ذكر الملل الست في الحج فقال @QB@ إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله @QE@ الآية وهذا بعد قوله @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله @QE@ إلى قوله @QB@ ولو كره الكافرون @QE@ وقال ~~@QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم @QE@ فإذا كان اليهود ~~والنصارى قد يكونون مشركين فالصابئون أولى وذلك بعد تبديلهم فحيث وصفوا ~~بالشرك فبعد التبديل وحيث جعلوا غير مشركين فلأن أصل دينهم الصحيح ليس فيه ~~شرك فالشرك مبتدع عندهم فينبغى التفطن لهذه المعانى # وكان الوحيد من ذوى الرأى والقياس والتدبير من العرب وهو معدود من ~~حكمائهم وفلاسفتهم # ولهذا اخبر الله عنه بمثل حال المتفلسفة في قوله @QB@ إنه فكر وقدر فقتل ~~كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا ~~إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر @QE@ PageV12P021 # ثم إن هؤلاء فيما تقوله الأنبياء حيارى متهوكون فانه بهرهم نور النبوة ms3724 ~~ولم تقع على أصولهم الفاسدة فصاروا على انحاء منهم من لا يؤمن بكثير مما ~~تقوله الأنبياء والمرسلون بل يعرض عنه أو يشك فيه أو يكذب به ومنهم من يقول ~~يجوز الكذب لمصلحة راجحة والأنبياء فعلوا ذلك ومنهم من يقول يجوز هذا لصالح ~~العامة دون الخاصة وأمثلهم من يقول بل هذه تخيلات وأمثله مضروبة لتقريب ~~الحقائق إلى قلوب العامة وهذه طريقة الفارابى وبن سينا لكن بن سينا أقرب ~~إلى الإيمان من بعض الوجوه وان لم يكن مؤمنا # فمن ادركته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبهرته براهينها وانوارها ورأى ~~ما فيها من أصناف العلوم النافعة والأعمال الصالحة حتى قال بن سينا اتفق ~~فلاسفة العالم على انه لم يطرق العالم ناموس أفضل من هذا الناموس فلابد ان ~~يتأول نصوص الكتاب والسنة على عادة اخوانه في تحريف الكلم عن مواضعه ~~فيحرفون ما اخبرت به الرسل عن كلام الله تحريفا يصيرون به كفارا ببعض تأويل ~~الكتاب في بعض صفات تنزيله # فلما رأوا أن الرسل سمت هذا الكلام كلام الله وأخبرت أنه نزلت به ملائكة ~~الله مثل الروح الأمين جبريل أطلقت هذه PageV12P022 العبارة في الظاهر ~~وكفرت بمعناها في الباطن وردوها إلى أصلهم أصل الصابئين وصاروا منافقين في ~~المسلمين وفى غيرهم من أهل الملل # فيقولون هذا القرآن كلام الله وهذا الذى جاءت به الرسل كلام الله ولكن ~~المعنى انه فاض على نفس النبى من العقل الفعال وربما قالوا ان العقل هو ~~جبريل الذى ليس على الغيب بضنين أى بخيل لأنه فياض ويقولون ان الله كلم ~~موسى من سماء عقله وان أهل الرياضة والصفا يصلون إلى ان يسمعوا ما سمعه ~~موسى كما سمعه موسى # وقد ضل بكلامه كثير من المشهورين مثل أبي حامد الغزالي ذكر هذا المعنى في ~~بعض كتبه وصنفوا رسائل اخوان الصفا وغيرها وجمعوا فيها على زعمهم بين ~~مقالات الصابئة المتأخرين التى هي الفلسفة المبتدعة وبين ما جاءت به الرسل ~~عن الله فأتوا بما زعموا انه معقول ولا دليل على كثير منه وربما ذكروا أنه ms3725 ~~منقول وفيه من الكذب والتحريف أمر عظيم وانما يضلون به كثيرا بما فيه من ~~الأمور الطبيعية والرياضية التى لا تعلق لها بأمر النبوات والرسالة لا بنفى ~~ولا باثبات ولكن ينتفع بها في مصالح الدنيا كالصناعات من الحراثة والحياكة ~~والبناية والخياطة ونحو ذلك PageV12P023 فإذا عرف ان حقيقة قول هؤلاء ~~المشركية الصابئة ان القرآن قول البشر كغيره لكنه أفضل من غيره كما أن بعض ~~البشر أفضل من بعض وانه فاض على نفس النبى من المحل الأعلى كما تفيض سائر ~~العلوم والمعارف على نفوس أهلها فاعلم ان هذا القول كثر في كثير من ~~المتأخرين المظهرين للإسلام وهم منافقون وزنادقة وان ادعوا كمال المعارف من ~~المتفلسفة والمتكلمة والمتصوفة والمتفقهين حتى يقول احدهم كالتلمسانى ~~كلامنا يوصل إلى الله والقرآن يوصل إلى الجنة وقد يقول بعضهم كابن عربى إن ~~الولي يأخذ من حيث ما يأخذ الملك الذى يوحى إلى النبى ويقول كثير منهم ان ~~القرآن للعامة وكلامنا للخاصة # فهؤلاء جعلوا القرآن عضين وضربوا له الأمثال مثل ما فعل المشركون قبلهم ~~كما فعلوا بالنبى فان هؤلاء منهم من يفضل الولى الكامل والفيلسوف الكامل ~~على النبى ومنهم من يفضل بعض الأولياء على زعمه أو بعض الفلاسفة مثل نفسه ~~أو شيخه أو متبوعه على النبى وربما قالوا هو أفضل من وجه والنبى أفضل من ~~وجه فلهم من الالحاد والافتراء في رسل الله نظير مالهم من الالحاد ~~والافتراء في رسالات الله فيقيسون الكلام الذى بلغته الرسل عن الله بكلامهم ~~ويقيسون رسل الله بأنفسهم وقد بين الله حال هؤلاء في مثل قوله @QB@ وما ~~قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء @QE@ PageV12P024 ~~إلى ان قال @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله @QE@ ) فذكر الله إنزال الكتابين ~~الذين لم ينزل من عند الله كتاب اهدى منهما التوراة والقرآن كما جمع بينهما ~~في قوله ( وقالوا سحران تظاهرا وقالوا انا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب ms3726 من ~~عند الله هو اهدى منهما اتبعه ان كنتم صادقين ) وكذلك الجن لما استمعت ~~القرآن ( قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى ) الآية وقال ~~تعالى ( قل أرأيتم ان كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى اسرائيل ~~على مثله فآمن ) ولهذا قال النجاشى لما سمع القرآن ان هذا والذى جاء به ~~موسى ليخرج من مشكاة واحدة # ثم ذكر تعالى حال الكذاب والمتنبىء فقال ( ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) ~~فجمع في هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله وبين من يزعم أنه يوحى إليه ~~ولا يعين من أوحاه فان الذى يدعى الوحى لا يخرج عن هذين القسمين # ويدخل في القسم الثانى من يرى عينيه في المنام مالا تريا PageV12P025 ومن ~~يقول القى في قلبى والهمت ونحو ذلك إذا كان كاذبا # ويدخل في القسم الأول من يقول قال الله لى أو أمرنى الله أو وافقنى أو ~~قال لى ونحو ذلك بخيالات أو الهامات يجدها في نفسه ولايعلم أنها من عند ~~الله بل قد يعلم انها من الشيطان مثل مسيلمة الكذاب ونحوه ثم قال تعالى ( ~~ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) فهذه حال من زعم ان البشر يمكنهم أن ~~يأتوا بمثل كلام الله أو ان هذا الكلام كلام البشر بفضيلة وقوة من صاحبه ~~فإذا اجتهد المرء أمكن أن يأتى بمثله وهذا يعم من قال انه يمكن معارضة ~~القرآن كابن أبى سرح في حال ردته وطائفة متفرقين من الناس ويعم المتفلسفة ~~الصابئة المنافقين والكافرين ممن يزعم أن رسالة الأنبياء كلام فاض عليهم قد ~~يفيض على غيرهم مثله فيكون قد أنزل مثل ما أنزل الله في دعوى الرسل لأن ~~القائل سأنزل مثل ما أنزل الله قد يقوله غير معتقد أن الله أنزل شيئا وقد ~~يقوله معتقدا أن الله أنزل شيئا ### ||| فصل # ولهذا كان أول من أظهر انكار التكليم والمخالة ( الجعد بن درهم ( في ms3727 ~~أوائل المائة الثانية وأمر علماء الإسلام كالحسن البصرى وغيره PageV12P026 ~~بقتله فضحى به خالد بن عبد الله القسرى أمير العراق بواسط فقال أيها الناس ~~ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد بن درهم فانه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ~~ثم نزل فذبحه وأخذ ذلك عنه الجهم بن صفوان فأنكر أن يكون الله يتكلم ثم ~~نافق المسلمين فأقر بلفظ الكلام وقال كلامه يخلق في محل كالهواء وورق الشجر # ودخل بعض أهل الكلام والجدل من المنتسبين إلى الإسلام من المعتزلة ونحوهم ~~إلى بعض مقالة الصابئة والمشركين متابعة للجعد والجهم # وكان مبدأ ذلك أن الصابئة في الخلق على قولين منهم من يقول إن السماوات ~~مخلوقة بعد أن لم تكن كما أخبرت بذلك الرسل وكتب الله تعالى ومنهم من ابتدع ~~فقال بل هي قديمة أزلية لم تزل موجودة بوجود الأول واجب الوجود بنفسه ومنهم ~~من قد ينكر الصانع بالكلية ولهم مقالات كثيرة الاضطراب في الخلق والبعث ~~والمبدأ والمعاد لأنهم لم يكونوا معتصمين بحبل الله تعالى فيجمعهم والظنون ~~لا تجمع الناس في مثل هذه الأمور التى تعجز الآراء عن إدراك حقائقها الا ~~بوحى من الله تعالى # وهم انما يناظر بعضهم بعضا بالقياس المأخوذ مقدماته من الأمور الطبيعية ~~السفلية وقوى الطبائع الموجودة في التراب والماء والهواء PageV12P027 ~~والحيوان والمعدن والنبات ويريدون بهذه المقدمات السفلية ان ينالوا معرفة ~~الله وعلم مافوق السماوات وأول الأمر وآخره وهذا غلط بين اعترف به أساطينهم ~~بأن هذا غير ممكن وانهم لا سبيل لهم إلى ادراك اليقين وانهم ان يتبعون إلا ~~الظن # فلما كان هذا حال هذه الصابئة المبتدعة الضالة ومن اضلوه من اليهود ~~والنصارى وكان قد اتصل كلامهم ببعض من لم يهد بهدى الله الذى بعث به رسله ~~من أهل الكلام والجدل صاروا يريدون ان يأخذوا مأخذهم كما أخبر النبى بقوله ~~( لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ( قالوا يا رسول الله ~~فارس والروم قال ( ومن الناس إلا فارس ms3728 والروم ( فاحتجوا على حدوث العالم ~~بنحو من مسالك هذه الصابئة وهو الكلام في الأجسام والاعراض بأن تثبت ~~الأعراض ثم يثبت لزومها للأجسام ثم 9 حدوثها ثم يقال مالا يسبق الحوادث فهو ~~حادث واعتمد كثير من أهل الجدل على هذا في اثبات حدوث العالم فلما رأوا أن ~~الأعراض التى هي الصفات تدل عندهم على حدوث الموصوف الحامل للأعراض التزموا ~~نفيها عن الله لأن ثبوتها مستلزم حدوثه وبطلان دليل حدوث العالم الذى ~~اعتقدوا ان لا دليل سواه بل ربما اعتقدوا انه لا يصح إيمان أحد إلا به ~~معلوم بالاضطرار من دين الإسلام PageV12P028 وهؤلاء يخالفون الصابئة ~~الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم وبأن النبوة كمال تفيض على نفس النبى ~~لأن هؤلاء المتكلمين اكثر حقا واتبع للأدلة العقلية والسمعية لما تنورت به ~~قلوبهم من نور الإسلام والقرآن وإن كانوا قد ضلوا في كثير مما جاءت به ~~الرسل لكن هم خير من أولئك من وجوه أخرى وافقوا فيها ( أهل السنة ) فوافقوا ~~أولئك على ان الله لم يتكلم كما وافقوهم على أنه لا علم له ولا قدرة ولا ~~صفة من الصفات ورأوا ان اثباته متكلما يقتضى أن يكون جسما والجسم حادث لأنه ~~من الصفات الدالة على حدوث الموصوف بل هو عندهم أدل على حدوث المتكلم من ~~غيره بل الله يفتقر من الخارج إلى مالا يفتقر إليه غيره ولأن فيه من ~~الترتيب والتقديم والتأخير ماليس في غيره ولما رأوا أن الرسل اتفقت على أنه ~~متكلم والقرآن مملوء باثبات ذلك صاروا تارة يقولون متكلم مجازا لا حقيقة ~~وهذا قولهم الأول لما كانوا في بدعتهم على الفطرة قبل ان يدخلوا في ~~المعاندة والجحود # ثم إنهم رأوا أن هذا شنيعا فقالوا بل هو متكلم حقيقة وربما حكى بعض ~~متكلميهم الاجماع وليس عندهم كذلك بل حقيقة قولهم واصله عند من عرفه ~~وابتدعه ان الله ليس بمتكلم وقالوا المتكلم من فعل الكلام ولو في محل منفصل ~~عنه ففسروا المتكلم في اللغة PageV12P029 بمعنى لا يعرف في لغة العرب ولا ~~غيرهم لا حقيقة ولا مجازا ms3729 وهذا قول من يقول إن القرآن مخلوق وهو أحد قولى ~~الصابئة الذين يوافقون الرسل في حدوث العالم وهو وان كان كفرا بما جاءت به ~~الرسل فليس هو في الكفر مثل القول الأول لأن هؤلاء لا يقولون ان الله أراد ~~أن يبعث رسولا معينا وان ينزل عليه هذا الكلام الذى خلقه وانكروا أن يكون ~~متكلما على الوجه الذى دلت عليه الكتب الالهية واتفقت عليه أهل الفطرة ~~السليمة # ونشأ بين هؤلاء الذين هم فروع الصابئة وبين المؤمنين اتباع الرسل الخلاف ~~فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به الرسل من وصف الله بالكلام والتكليم واختلفوا ~~في كتاب الله فآمنوا ببعض وكفروا ببعض واتبع المؤمنون ما أنزل إليهم من ~~ربهم من ان الله تكلم بالقرآن وانه كلم موسى تكليما وانه يتكلم ولم يحرفوا ~~الكلم عن مواضعه كما فعل الأولون بل ردوا تحريف أولئك ببصائر الايمان الذى ~~علموا به مراد الرسل من إخبارهم برسالة الله وكلامه واتبعوا هذا القرآن ~~والحديث واجماع السلف من الصحابة والتابعين وسائر اتباع الانبياء وعلموا ان ~~قول هؤلاء اخبث من قول اليهود والنصارى حتى كان بن المبارك امام المسلمين ~~يقول إنا لنحكى كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع ان نحكى كلام الجهمية ~~PageV12P030 # وكان قد كثر ظهور هؤلاء الذين هم فروع المشركين ومن اتبعهم من مبدلة ~~الصابئين ثم مبدلة اليهود والنصارى في أوائل المائة الثانية وأوائل الثالثة ~~في إمارة أبى العباس الملقب بالمأمون بسبب تعريب كتب الروم المشركين ~~الصابئين الذين كانوا قبل النصارى ومن اشبههم من فارس والهند وظهرت علوم ~~الصابئين المنجمين ونحوهم # وقد تقدم أن أهل الكلام المبتدع في الإسلام هم من فروع الصابئين كما يقال ~~المعتزلة مخانيث الفلاسفة فظهرت هذه المقالة في أهل العلم والكلام وفى أهل ~~السيف والامارة وصار في أهلها من الخلفاء والأمراء والوزراء والقضاة ~~والفقهاء ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الذين ~~اتبعوا ما انزل اليهم من ربهم ولم يبدلوا ولم يبتدعوا وذلك لقصور وتفريط من ~~اكثرهم في معرفة حقيقة ما جاء به الرسول واتباعه والا فلو كان ms3730 ذلك كثيرا ~~فيهم لم يتمكن أولئك المبتدعة لما يخالف دين الاسلام من التمكن منهم ### ||| فصل # فجاء قوم من متكلمى الصفاتية الذين نصروا ان الله له علم وقدرة وبصر ~~وحياة بالمقاييس العقلية المطابقة للنصوص النبوية وفرقوا بين الصفات ~~القائمة بالجواهر فجعلوها اعراضا وبين الصفات القائمة بالرب فلم يسموها ~~اعراضا لأن العرض مالا يدوم ولا يبقى أو ما يقوم بمتحيز أو PageV12P031 جسم ~~فصفات الرب لازمة دائمة ليست من جنس الأعراض القائمة بالأجسام # وهؤلاء أهل الكلام القياسى من الصفاتية فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة ~~الصابئة في كثير من أمورهم واثبتوا الصفات التى قد يستدل بالقياس العقلى ~~عليها كالصفات السبع وهى الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر ~~والكلام ولهم نزاع في السمع والبصر والكلام هل هو من الصفات العقلية أو ~~الصفات النبوية الخبرية السمعية ولهم اختلاف في البقاء والقدم وفى الادراك ~~الذى هو ادراك المشمومات والمذوقات والملموسات ولهم ايضا اختلاف في الصفات ~~السمعية القرآنية الخبرية كالوجه واليد فاكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها ~~وكثير من متأخريهم لا يثبتها وأما ما لا يرد إلا في الحديث فأكثرهم لا ~~يثبتها ثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عرضها من القياس العقلى ~~عنده ومنهم من يفوض معناها وليس الغرض هنا تفصيل مقالات الناس فيما يتعلق ~~بسائر الصفات وإنما المقصود القول في رسالة الله وكلامه الذى بلغته رسله ~~فكان هؤلاء بينهم وبين أهل الوراثة النبوية قدر مشترك بما سلكوه من الطرق ~~الصابئة في أمر الخالق واسمائه وصفاته فصار في مذهبهم في الرسالة تركيب من ~~الوراثتين لبسوا حق ورثة الأنبياء بباطل ورثة اتباع الصابئة كما كان في ~~مذهب أهل الكلام المحض المبتدع كالمعتزلة تركيب وليس بين الاثارة النبوية ~~وبين الاثارة الصابئة PageV12P032 لكن أولئك اشد اتباعا للاثارة النبوية ~~وأقرب إلى مذهب أهل السنة من المعتزلة ونحوهم من وجوه كثيرة # ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثير من أهل الفقه والحديث والتصوف لوجوه # أحدها كثرة الحق الذى يقولونه وظهور الاثارة النبوية عندهم الثانى لبسهم ~~ذلك بمقاييس عقلية بعضها موروث عن الصابئة ms3731 وبعضها مما ابتدع في الإسلام ~~واستيلاء ما في ذلك من الشبهات عليهم وظنهم انه لم يمكن التمسك بالاثارة ~~النبوية من أهل العقل والعلم الا على هذا الوجه الثالث ضعف الأثارة النبوية ~~الدافعة لهذه الشبهات والموضحة لسبيل الهدى عندهم # الرابع العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث تارة يروون ~~ما لا يعلمون صحته وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب الا أمانى ~~ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور PageV12P033 # فلما كان هذا منهاجهم وقالوا إن القرآن غير مخلوق لما دل على ذلك من ~~النصوص واجماع السلف ولما رأوا أنه مستقيم على الأصل الذى قرروه في الصفات ~~ورأوا ان التوفيق بين النصوص النبوية السمعية وبين القياس العقلى لا يستقيم ~~إلا ان يجعلوا القرآن معنى قائما بنفس الله تعالى كسائر الصفات كما جعله ~~الأولون من باب المصنوعات المخلوقات لا قديما كسائر الصفات ورأوا انه ليس ~~إلا مخلوق أو قديم فإن إثبات قسم ثالث قائم بالله يقتضى حلول الحوادث بذاته ~~وهو دليل على حدوث الموصوف ومبطل لدلالة حدوث العالم # ثم رأوا أنه لا يجوز ان يكون معانى كثيرة بل إما معنى واحد عند طائفة أو ~~معانى أربعة عند طائفة والتزموا على هذا أن حقيقة الكلام هي المعنى القائم ~~بالنفس وأن الحروف والأصوات ليست من حقيقة الكلام بل دالة عليه فتسمى باسمه ~~اما مجاز عند طائفة أو حقيقة بطريق الاشتراك عند طائفة وإما مجاز في كلام ~~الله حقيقة في غيره عند طائفة # وخالفهم الأولون وبعض من يتسنن ايضا وقالوا لا حقيقة للكلام إلا الحروف ~~والاصوات وليس وراء ذلك معنى الا العلم ونوعه أو الارادة ونوعها فصار ~~النزاع بين الطائفتين PageV12P034 # وأورد على هؤلاء أن الأمر والنهى والخبر صفات للكلام اضافية ليست أنواعا ~~له وأقساما وأن كلام الله معنى واحد إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن ~~وبالعبرية فهو توراة وبالسريانية فهو انجيل وقال لهم أكثر الناس هذا معلوم ~~الفساد بالضرورة كما قال الأولون انه خلق الكلام في الهواء فصار متكلما به ~~وإن المتكلم من ms3732 أحدث الكلام ولو في ذات غير ذاته وقال لهم أكثر الناس إن ~~هذا معلوم الفساد بالضرورة # وقال الجمهور من جميع الطوائف إن الكلام إسم للفظ والمعنى جميعا كما أن ~~الانسان المتكلم إسم للروح والجسم جميعا وأنه إذا أطلق على أحدهما فبقرينة ~~وأن معانى الكلام متنوعة ليست منحصرة في العلم والارادة كتنوع ألفاظه وإن ~~كانت المعانى أقرب إلى الاتحاد والاجتماع والألفاظ أقرب إلى التعدد والتفرق # والتزم هؤلاء أن حروف القرآن مخلوقة وإن لم يكن عندهم الذى هو كلام الله ~~مخلوقا وفرقوا بين كتاب الله وكلامه فقالوا كتاب الله هو الحروف وهو مخلوق ~~وكلام الله هو معناها غير مخلوق وهؤلاء والأولون متفقون على خلق القرآن ~~الذى قال الأولون انه مخلوق واختلف هؤلاءأين خلقت هذه الحروف هل خلقت في ~~الهواء أو في نفس جبرائيل أو أن جبرائيل هو الذى أحدثها أو محمد ~~PageV12P035 # وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما ~~جاء عنهم من الكتب والاثارة من العلم وهم المتبعون للرسالة اتباعا محضا لم ~~يشوبوه بما يخالفه من مقالة الصابئين وهو أن القرآن كلام الله لا يجعلون ~~بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله والقرآن هو القرآن الذى يعلم المسلمون ~~أنه القرآن حروفه ومعانيه والأمر والنهى هو اللفظ والمعنى جميعا # ولهذا كان الفقهاء المصنفون في أصول الفقه من جميع الطوائف الحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنبلية إذا لم يخرجوا عن مذاهب الأئمة والفقهاء إذا ~~تكلموا في الأمر والنهى ذكروا ذلك وخالفوا من قال إن الأمر هو المعنى ~~المجرد ويعلم أهل الاثارة النبوية أهل السنة والحديث عامة المسلمين الذين ~~هم جماهير أهل القبلة أن قوله تعالى ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ونحو ~~ذلك هو كلام الله لا كلام غيره وكلام الله هو ما تكلم به لا ما خلقه في ~~غيره ولم يتكلم به PageV12P036 ### || 1 ( مسألة الأحرف ) 1 ### |||| وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # عن رجلين تجادلا في الأحرف التى أنزلها الله على آدم فقال أحدهما إنها ~~قديمة ليس لها مبتدأ وشكلها ms3733 ونقطها محدث فقال الآخر ليست بكلام الله وهي ~~مخلوقة بشكلها ونقطها والقديم هو الله وكلامه منه بدأ وإليه يعود منزل غير ~~مخلوق ولكنه كتب بها وسألا أيهما أصوب قولا وأصح اعتقادا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أصل هذه المسألة هو معرفة كلام الله تعالى ~~ومذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة ~~المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة وهو الذى يوافق ~~الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غيرمخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس ذلك ~~PageV12P037 مخلوقا منفصلا عنه وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته فكلامه ~~قائم بذاته ليس مخلوقا بائنا عنه وهو يتكلم بمشيئته وقدرته لم يقل أحد من ~~سلف الأمة إن كلام الله مخلوق بائن عنه ولا قال أحد منهم أن القرآن أو ~~التوراة أو الإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبدا وهو لايقدر أن يتكلم بمشيئته ~~وقدرته ولا قالوا إن نفس ندائه لموسى أو نفس الكلمة المعينة قديمة أزلية بل ~~قالوا لم يزل الله متكلما إذا شاء فكلامه قديم بمعنى أنه لم يزل متكلما إذا ~~شاء # وكلمات الله لا نهاية لها كما قال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا ) والله سبحانه ~~تكلم بالقرآن العربى وبالتوراة العبرية فالقرآن العربى كلام الله كما قال ~~تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) إلى قوله ( ~~لسان عربى مبين ) فقد بين سبحانه أن القرآن الذى يبدل منه آية مكان آية ~~نزله روح القدس وهو جبريل وهو الروح الأمين كما ذكر ذلك في موضع آخر من ~~الله بالحق وبين بعد ذلك أن من الكفار من قال ( إنما يعلمه بشر ) كما قال ~~بعض المشركين يعلمه رجل بمكة أعجمى فقال تعالى ( لسان الذى يلحدون إليه ~~أعجمى ) أى الذى يضيفون إليه هذا التعليم أعجمى ( وهذا لسان عربى مبين ~~PageV12P038 # ففى هذا ما يدل على أن الآيات التى هي لسان عربى ms3734 مبين نزلها روح القدس من ~~الله بالحق كما قال في الآية الأخرى ( أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ~~فلا تكونن من الممترين ) والكتاب الذى أنزل مفصلا هو القرآن العربى باتفاق ~~الناس وقد أخبر أن الذين أتاهم الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق ~~والعلم لا يكون إلا حقا فقال ( يعلمون ) ولم يقل يقولون فان العلم لا يكون ~~إلا حقا بخلاف القول وذكر علمهم ذكر مستشهد به # وقد فرق سبحانه بين إيحائه إلى غير موسى وبين تكليمه لموسى في قوله تعالى ~~( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ) إلى قوله ( حجة بعد الرسل ) فرق ~~سبحانه بين تكليمه لموسى وبين ايحائه لغيره ووكد تكليمه لموسى بالمصدر وقال ~~تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) إلى قوله ( روح القدس ) وقال ~~تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) إلى آخر السورة فقد بين ~~سبحانه أنه لم يكن لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد الأوجه الثلاثة إما وحيا ~~وإما من وراء حجاب وإما أن يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء فجعل الوحى غير ~~التكليم والتكليم من وراء حجاب كان لموسى PageV12P039 # وقد أخبرفى غير موضع أنه ناداه كما قال ( وناديناه من جانب الطور ) الآية ~~وقال ( فلما أتاها نودي من شاطىء الوادى الأيمن ) الآية والنداء بإتفاق أهل ~~اللغة لا يكون إلا صوتا مسموعا فهذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم ~~وأهل الكتاب يقولون إن موسى ناداه ربه نداء سمعه باذنه وناداه بصوت سمعه ~~موسى والصوت لا يكون إلا كلاما والكلام لا يكون إلا حروفا منظومة وقد قال ~~تعالى ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وقال ( حم تنزيل من الرحمن ~~الرحيم ) وقال ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) فقد بين في غير ~~موضع ان الكتاب والقرآن العربى منزل من الله # وهذا معنى قول السلف منه بدأ قال أحمد بن حنبل رحمه الله منه بدأ أي هو ~~المتكلم به فان الذين قالوا ms3735 انه مخلوق قالوا خلقه في غيره فبدا من ذلك ~~المخلوق فقال السلف منه بدا أى هو المتكلم به لم يخلقه في غيره فيكون كلاما ~~لذلك المحل الذى خلقه فيه فان الله تعالى إذا خلق صفة من الصفات في محل ~~كانت الصفة صفة لذلك المحل ولم تكن صفة لرب العالمين فإذا خلق طعما أو لونا ~~في محل كان ذلك المحل هو المتحرك المتلون به وكذلك إذا خلق حياة أو إرادة ~~أو قدرة أو علما أو كلاما في محل كان ذلك المحل هو المريد PageV12P040 ~~القادر العالم المتكلم بذلك الكلام ولم يكن ذلك المعنى المخلوق في ذلك ~~المحل صفة لرب العالمين وإنما يتصف الرب تعالى بما يقوم به من الصفات لا ~~بما يخلقه في غيره من المخلوقات فهو الحى العليم القدير السميع البصير ~~الرحيم المتكلم بالقرآن وغيره من الكلام بحياته وعلمه وقدرته وكلامه القائم ~~به لا بما يخلقه في غيره من هذه المعانى # ومن جعل كلامه مخلوقا لزمه أن يقول المخلوق هو القائل لموسى ( إننى أنا ~~الله لاإله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى ) وهذا ممتنع لا يجوز أن ~~يكون هذا كلاما إلا لرب العالمين وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة ~~وغير ذلك من الكتب بمعانيها وألفاظها المنتظمة من حروفها لم يكن شيء من ذلك ~~مخلوقا بل كان ذلك كلاما لرب العالمين # وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل إن فلانا يقول لما خلق الله الأحرف سجدت له ~~إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أؤمر فقال هذا كفر فأنكر على من قال ان الحروف ~~مخلوقة لأنه إذا كان جنس الحروف مخلوقا لزم أن يكون القرآن العربى والتوراة ~~العبرية وغير ذلك مخلوقا وهذا باطل مخالف لقول السلف والأئمة مخالف للادلة ~~العقلية والسمعية كما قد بسط في غير هذا الموضع PageV12P041 # والناس قد تنازعوا في كلام الله نزاعا كثيرا والطوائف الكبار نحو ست فرق ~~فابعدها عن الإسلام قول من يقول من المتفلسفة والصابئة إن كلام الله إنما ~~هو ما يفيض على النفوس إما من العقل الفعال ms3736 وإما من غيره وهؤلاء يقولون ~~إنما كلم الله موسى من سماء عقله أى بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج # وأصل قول هؤلاء أن الأفلاك قديمة أزلية وان الله لم يخلقها بمشيئته ~~وقدرته في ستة أيام كما أخبرت به الأنبياء بل يقولون أن الله لا يعلم ~~الجزئيات فلما جاءت الأنبياء بما جاؤوا به من الامور الباهرة جعلوا يتأولون ~~ذلك تأويلات يحرفون فيها الكلم عن مواضعه ويريدون أن يجمعوا بينها وبين ~~اقوال سلفهم الملاحدة فقالوا مثل ذلك وهؤلاء اكفر من اليهود والنصارى وهم ~~كثيروا التناقض كقولهم أن الصفة هي الموصوف وهذه الصفة هي الأخرى فيقولون ~~هو عقل وعاقل ومعقول ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق وقد يعبرون عن ذلك ~~بأنه حي عالم معلوم محب محبوب ويقولون نفس العلم هو نفس المحبة وهو نفس ~~القدرة ونفس العلم هو نفس العالم ونفس المحبة هي نفس المحبوب # ويقولون أنه علة تامة في الأزل فيجب أن يقارنها معلولها في PageV12P042 ~~الأزل في الزمن وإن كان متقدما عليها بالعلة لا بالزمان ويقولون إن العلة ~~التامة ومعلولها يقترنان في الزمان ويتلازمان فلا يوجد معلول إلا بعلة تامة ~~ولا تكون علة تامة إلا مع معلولها في الزمان ثم يعترفون بان حوادث العالم ~~حدثت شيئا بعد شيء من غير أن يتجدد من المبدع الأول ما يوجب أن يصير علة ~~للحوادث المتعاقبة بل حقيقة قولهم أن الحوادث حدثت بلا محدث وكذلك عدمت بعد ~~حدوثها من غير سبب يوجب عدمها على أصلهم # وهؤلاء قابلهم طوائف من أهل الكلام ظنوا أن المؤثر التام يتراخى عنه أثره ~~وأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح والحوادث لها ~~ابتداء وقد حدثت بعد أن لم تكن بدون سبب حادث ولم يهتد الفريقان للقول ~~الوسط وهو أن المؤثر التام مستلزم أن يكون أثره عقب تأثيره التام لا مع ~~التأثير ولا متراخيا عنه كما قال تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون @QE@ فهو سبحانه يكون كل شيء فيكون عقب تكوينه لا ms3737 مع ~~تكوينه في الزمان ولا متراخيا عن تكوينه كما يكون الانكسار عقب الكسر ~~والانقطاع عقب القطع ووقوع الطلاق عقب التطليق لا متراخيا عنه ولا مقارنا ~~له في الزمان # والقائلون بالتراخى ظنوا امتناع حوادث لاتتناهى فلزمهم أن PageV12P043 ~~الرب لا يمكنه فعل ذلك فالتزموا أن الرب يمتنع أن يكون لم يزل متكلما ~~بمشيئته ويمتنع أن يكون لم يزل قادرا على الفعل والكلام بمشيئته فافترقوا ~~بعد ذلك منهم من قال كلامه لا يكون إلا حادثا لأن الكلام لا يكون إلا ~~مقدورا مرادا وما كان كذلك لا يكون إلا حادثا وما كان حادثا كان مخلوقا ~~منفصلا عنه لامتناع قيام الحوادث به وتسلسلها في ظنهم # ومنهم من قال بل كلامه لا يكون إلا قائما به وما كان قائما به لم يكن ~~متعلقا بمشيئته وإرادته بل لا يكون إلا قديم العين لأنه لو كان مقدورا ~~مرادا لكان حادثا فكانت الحوادث تقوم به ولو قامت به لم يسبقها ولم يخل ~~منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها # ومنهم من قال بل هو متكلم بمشيئته وقدرته لكنه يمتنع أن يكون متكلما في ~~الأزل أو أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته لأن ذلك يستلزم وجود حوادث لا ~~أول لها وذلك ممتنع قالت هذه الطوائف ونحن بهذا الطريق علمنا حدوث العالم ~~فاستدللنا على حدوث الأجسام بأنها لا تخلوا من الحوادث ولا تسبقها وما لم ~~يسبق الحوادث فهو حادث ثم من هؤلاء من ظن أن هذه PageV12P044 قضية ضرورية ~~ولم يتفطن لاجمالها ومنهم من تفطن للفرق بين مالم يسبق الحوادث المحصورة ~~المحدودة وما يسبق جنس الحوادث المتعاقبة شيئا بعد شيء أما الأول فهو حادث ~~بالضرورة لأن تلك الحوادث لها مبدأ معين فما لم يسبقها يكون معها أو بعدها ~~وكلاهما حادث # وأما جنس الحوادث شيئا بعد شيء فهذا شيء تنازع فيه الناس فقيل إن ذلك ~~ممتنع في الماضى والمستقبل كقول الجهم وأبى الهذيل فقال الجهم بفناء الجنة ~~والنار وقال أبو الهذيل بفناء حركات أهلهما وقيل بل هو ms3738 جائز في المستقبل ~~دون الماضى لأن الماضى دخل في الوجود دون المستقبل وهو قول كثير من طوائف ~~النظار وقيل بل هو جائز في الماضى والمستقبل وهذا قول أئمة أهل الملل وأئمة ~~السنة كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما ممن يقول بأن الله لم ~~يزل متكلما إذا شاء وأن كلمات الله لا نهاية لها وهى قائمة بذاته وهو متكلم ~~بمشيئته وقدرته وهو أيضا قول أئمة الفلاسفة # لكن أرسطو وأتباعه مدعون ذلك في حركات الفلك ويقولون إنه قديم أزلى ~~وخالفوا في ذلك جمهور الفلاسفة مع مخالفة الأنبياء والمرسلين وجماهير ~~العقلاء فانهم متفقون على أن الله خلق السماوات والأرض بل هو خالق كل شيء ~~وكل ما سوى الله مخلوق حادث كائن بعد أن لم يكن وإن القديم الأزلى هو الله ~~تعالى بما هو متصف به من صفات PageV12P045 الكمال وليست صفاته خارجة عن ~~مسمى اسمه بل من قال عبدت الله ودعوت الله فانما عبد ذاته المتصفة بصفات ~~الكمال التى تستحقها ويمتنع وجود ذاته بدون صفاتها اللازمة لها # ثم لما تكلم في النبوات من اتبع أرسطو كابن سينا وأمثاله ورأوا ما جاءت ~~به الأنبياء من إخبارهم بأن الله يتكلم وانه كلم موسى تكليما وانه خالق كل ~~شيء أخذوا يحرفون كلام الأنبياء عن مواضعه فيقولون الحدوث نوعان ذاتى ~~وزمانى ونحن نقول إن الفلك محدث الحدوث الزمانى بمعنى أنه معلول وإن كان ~~أزليا لم يزل مع الله وقالوا إنه مخلوق بهذا الاعتبار والكتب الالهية أخبرت ~~بأن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام والقديم الأزلى لا يكون في أيام # وقد علم بالاضطرار أن ما أخبرت به الرسل من أن الله خلق كل شيء وأنه خلق ~~كذا إنما أرادوا بذلك أنه خلق المخلوق وأحدثه بعد أن لم يكن كما قال ( وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا ) والعقول الصريحة توافق ذلك وتعلم أن المفعول ~~المخلوق المصنوع لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان ولا يكون إلا بعده وأن ~~الفعل لا يكون إلا باحداث المفعول PageV12P046 # وقالوا لهؤلاء قولكم ms3739 إنه مؤثر تام في الازل لفظ مجمل يراد به التأثير ~~العام في كل شيء ويراد به التأثير المطلق في شيء بعد شيء ويراد به التأثير ~~في شيء معين دون غيره فان أردتم الأول لزم أن لا يحدث في العالم حادث وهذا ~~خلاف المشاهدة وإن أردتم ( الثانى ) لزم أن يكون كل ما سوى الله مخلوقا ~~حادثا كائنا بعد أن لم يكن وكان الرب لم يزل متكلما بمشيئته فعالا لما يشاء ~~وهذا يناقض قولكم ويستلزم أن كل ماسواه مخلوق ويوافق ما أخبرت به الرسل ~~وعلى هذا يدل العقل الصريح فتبين أن العقل الصريح يوافق ما أخبرت به ~~الأنبياء وإن أردتم الثالث فسد قولكم لانه يستلزم انه يشاء ( حدوثها ) بعد ~~أن لم يكن فاعلا لها من غير تجدد سبب يوجب الاحداث وهذا يناقض قولكم فان صح ~~هذا جاز أن يحدث كل شيء بعد أن لم يكن محدثا لشيء وإن لم يصح هذا بطل ~~فقولكم باطل على التقديرين # وحقيقة قولكم أن المؤثر التام لا يكون إلا مع أثره ولا يكون الاثر إلا مع ~~المؤثر التام في الزمن وحينئذ فيلزمكم أن لا يحدث شيء ويلزمكم أن كل ما حدث ~~حدث بدون مؤثر ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر وليس لكم أن تقولوا بعض ~~الآثار يقارن المؤثر التام وبعضها يتراخى عنه PageV12P047 # وأيضا فكونه فاعلا لمفعول معين مقارن له أزلا وأبدا باطل في صريح العقل ~~وأيضا فأنتم وسائر العقلاء موافقون على أن الممكن الذى لا يكون ( الا ) ~~ممكنا يقبل الوجود والعدم وهو الذى جعلتموه الممكن الخاص الذى قسيمه ~~الضرورى الواجب والضرورى الممتنع لا يكون إلا موجودا تارة ومعدوما أخرى وأن ~~القديم الازلى لا يكون إلا ضروريا واجبا يمتنع عدمه وهذا مما اتفق عليه ~~ارسطو واتباعه حتى إبن سينا وذكره في كتبه المشهورة كالشفا وغيره ثم تناقض ~~فزعم أن الفلك ممكن مع كونه قديما ازليا لم يزل ولا يزال وزعم ان الواجب ~~بغيره القديم الازلى الذى يمتنع عدمه يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم وزعم ~~ان له ماهية غير ms3740 وجوده وقد بسط الكلام على فساد قول هؤلاء وتناقضه في غير ~~هذا الموضع والقول الثانى للناس في كلام الله تعالى قول من يقول ان الله لم ~~يقم به صفة من الصفات لا حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة ولا ~~رحمة ولا غضب ولا غير ذلك بل خلق كلاما في غيره فذلك المخلوق هو كلامه وهذا ~~قول الجهمية والمعتزلة وهذا القول أيضا مخالف للكتاب والسنة واجماع السلف ~~وهو مناقض لأقوال الأنبياء ونصوصهم وليس مع هؤلاء عن الانبياء قول يوافق ~~قولهم بل لهم شبه عقلية فاسدة قد بينا فسادها في غير هذا PageV12P048 ~~الموضع وهؤلاء زعموا انهم يقيمون الدليل على حدوث العالم بتلك الحجج وهم لا ~~للاسلام نصروا ولا لاعدائه كسروا والقول الثالث قول من يقول انه يتكلم بغير ~~مشيئته وقدرته بكلام قائم بذاته ازلا وابدا وهؤلاء موافقون لمن قبلهم في ~~أصل قولهم لكن قالوا الرب تقوم به الصفات ولا يقوم به ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته من الصفات الاختيارية وأول من اشتهر عنه انه قال هذا القول في ~~الاسلام ( عبد الله بن سعيد بن كلاب ) ثم افترق موافقوه فمنهم من قال ذلك ~~الكلام معنى واحد هو الامر بكل مامور والنهى عن كل محظور والخبر عن كل مخبر ~~عنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرية كان توراة وقالوا ~~معنى القرآن والتوراة والانجيل واحد ومعنى آية الكرسى هو معنى آية الدين ~~وقالوا الامر والنهى والخبر صفات للكلام لا انواع له ومن محققيهم من جعل ~~المعنى يعود إلى الخبر والخبر يعود إلى العلم # وجمهور العقلاء يقولون قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة وهؤلاء يقولون ~~تكليمه لموسى ليس الا خلق ادراك يفهم به موسى ذلك المعنى فقيل لهم أفهم كل ~~الكلام أم بعضه ان كان فهمه كله PageV12P049 فقد علم علم الله وان كان فهم ~~بعضه فقد تبعض وعندهم كلام الله لايتبعض ولا يتعدد # وقيل لهم قد فرق الله بين تكليمه لموسى وايحائه لغيره وعلى اصلكم لا فرق # وقيل لهم قد كفر ms3741 الله من جعل القرآن العربى قول البشر وقد جعله تارة قول ~~رسول من البشر وتارة قول رسول من الملائكة فقال في موضع ( انه لقول رسول ~~كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) ~~فهذا الرسول محمد وقال في الآية الاخرى ( انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين مطاع ثم امين ) فهذا جبريل فاضافه تارة إلى الرسول الملكي وتارة ~~إلى الرسول البشرى والله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس # وكان بعض هؤلاء ادعى ان القرآن العربى احدثه جبريل أو محمد فقيل لهم ~~لواحدثه احدهما لم يجز اضافته إلى الاخر وهو سبحانه اضافه إلى كل منهما ~~باسم الرسول الدال على مرسله لا باسم الملك والنبى فدل ذلك على انه قول ~~رسول بلغه عن مرسله لا قول ملك أو نبى احدثه من تلقاء نفسه بل قد كفر من ~~قال انه قول البشر PageV12P050 # والطائفة الأخرى التى وافقت بن كلاب على ان الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته ~~قالت بل الكلام القديم هو حروف أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب أزلا وأبدا ~~لا يتكلم بها بمشيئته وقدرته ولا يتكلم بها شيئا بعد شيء ولم يفرق هؤلاء ~~بين جنس الحروف وجنس الكلام وبين عين حروف قديمة أزلية وهذا ايضا مما يقول ~~جمهور العقلاء انه معلوم الفساد بالضرورة فان الحروف المتعاقبة شيئا بعد ~~شيء يمتنع أن يكون كل منها قديما أزليا وان كان جنسها قديما لا مكان وجود ~~كلمات لا نهاية لها وحروف متعاقبة لا نهاية لها وامتناع كون كل منها قديما ~~أزليا فان المسبوق بغيره لا يكون أزليا # وقد فرق بعضهم بين وجودها وماهيتها فقال الترتيب في ماهيتها لا في وجودها ~~وبطلان هذا القول معلوم بالاضطرار لمن تدبره فان ماهية الكلام الذى هو حروف ~~لا يكون شيئا بعد شيء والصوت لا يكون إلا شيئا بعد شيء فامتنع أن يكون وجود ~~الماهية المعينة أزليا متقدما عليها به مع ان الفرق بينهما بين لو قدر ~~الفرق بينهما ويلزم من هذين ms3742 الوجهين ان يكون وجودها أيضا مترتبا ترتيبا ~~متعاقبا # ثم من هؤلاء من يزعم ان ذلك القديم هو ما يسمع من العباد من الاصوات ~~بالقرآن والتوراة والانجيل أو بعض ذلك وكان أظهر PageV12P051 فسادا مما ~~قبله فانه يعلم بالضرورة حدوث أصوات العباد وطائفة خامسة قالت بل الله ~~يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربى وغيره لكن لم يكن يمكنه أن يتكلم ~~بمشيئته في الأزل لامتناع حوادث لا أول لها وهؤلاء جعلوا الرب في الأزل غير ~~قادر على الكلام بمشيئته ولا على الفعل كما فعله أولئك ثم جعلوا الفعل ~~والكلام ممكنا مقدورا من غير تجدد شيء أوجب القدرة والامكان كما قال أولئك ~~في المفعولات المنفصلة # واما السلف فقالوا لم يزل الله متكلما اذا شاء وان الكلام صفة كمال ومن ~~يتكلم أكمل ممن لا يتكلم كما ان من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر ~~ومن يتكلم بمشيئته وقدرته اكمل ممن يكون الكلام لازما لذاته ليس له عليه ~~قدرة ولا له فيه مشيئة والكمال انما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا ~~بالامور المباينة له ولا يكون الموصوف متكلما عالما قادرا إلا بما يقوم به ~~من الكلام والعلم والقدرة واذا كان كذلك فمن لم يزل موصوفا بصفات الكمال ~~اكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفا بها لو كان حدوثها ممكنا فكيف إذا ~~كان ممتنعا فتبين ان الرب لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا ~~بنعوت الجلال ومن أجلها الكلام فلم يزل متكلما إذا شاء ولا يزال كذلك وهو ~~يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن PageV12P052 العربى وما تكلم الله ~~به فهو قائم به ليس مخلوقا منفصلا عنه فلا تكون الحروف التى هي مبانى أسماء ~~الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لان الله تكلم بها ### ||| فصل # ثم تنازع بعض المتأخرين في الحروف الموجودة في كلام الآدميين وسبب نزاعهم ~~أمران # أحدهما أنهم لم يفرقوا بين الكلام الذى يتكلم الله به فيسمع منه وبين ما ~~إذا بلغه عنه مبلغ فسمع من ذلك المبلغ فان القرآن كلام الله تكلم ms3743 به بلفظه ~~ومعناه بصوت نفسه فإذا قرأه القراء قرأوه بأصوات أنفسهم فإذا قال القارىء ( ~~الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ) كان هذا الكلام المسموع منه كلام ~~الله لا كلام نفسه وكان هو قرأه بصوت نفسه لا بصوت الله فالكلام كلام ~~الباري والصوت صوت القارىء كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ( زينوا ~~القرآن بأصواتكم ( وكان يقول ( ألا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ربى فان ~~قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى ( وكلا الحديثين ثابت فبين أن الكلام ~~الذى يبلغه كلام ربه وبين ان القاريء PageV12P053 يقرأه بصوت نفسه وقال ( ~~ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( قال أحمد والشافعى وغيرهما هو تحسينه بالصوت ~~قال أحمد بن حنبل يحسنه بصوته فبين أحمد أن القارىء يحسن القرآن بصوت نفسه # و ( السبب الثانى ( أن السلف قالوا القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ~~وقالوا لم يزل متكلما إذا شاء فبينوا أن كلام الله قديم أى جنسه قديم لم ~~يزل ولم يقل أحد منهم إن نفس الكلام المعين قديم ولاقال أحد منهم القرآن ~~قديم بل قالوا أنه كلام الله منزل غير مخلوق وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن ~~بمشيئته كان القرآن كلامه وكان منزلا منه غير مخلوق ولم يكن مع ذلك أزليا ~~قديما بقدم الله وإن كان الله لم يزل متكلما إذا شاء فجنس كلامه قديم فمن ~~فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل ~~المعضلة التى اضطرب فيها أهل الأرض # فمن قال ان حروف المعجم كلها مخلوقة وان كلام الله تعالى ( مخلوق فقد قال ~~قولا ) مخالفا للمعقول الصريح والمنقول الصحيح ومن قال نفس أصوات العباد أو ~~مدادهم أو شيئا من ذلك قديم فقد خالف أيضا أقوال السلف وكان فساد قوله ~~ظاهرا لكل أحد وكان مبتدعا قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين ولا قالته ~~طائفة كبيرة من PageV12P054 طوائف المسلمين بل الأئمة الأربعة وجمهور ~~أصحابهم بريئون من ذلك ومن قال ان الحرف المعين أو الكلمة المعينة قديمة ~~العين فقد ابتدع ms3744 قولا باطلا في الشرع والعقل # ومن قال ان جنس الحروف التى تكلم الله بها بالقرآن وغيره ليست مخلوقة وان ~~الكلام العربى الذى تكلم به ليس مخلوقا والحروف المنتظمة منه جزء منه ~~ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة فقد أصاب # وإذا قال ان الله هدى عباده وعلمهم البيان فانطقهم بها باللغات المختلفة ~~وأنعم عليهم بان جعلهم ينطقون بالحروف التى هي مبانى كتبه وكلامه وأسمائه ~~فهذا قد أصاب فالانسان وجميع ما يقوم به من الأصوات والحركات وغيرها مخلوق ~~كائن بعد ان لم يكن والرب تعالى بما يقوم به من صفاته وكلماته وأفعاله غير ~~مخلوق والعباد إذا قرأوا كلامه فان كلامه الذى يقرؤنه هو كلامه لا كلام ~~غيره وكلامه الذى تكلم به لا يكون مخلوقا وكان ما يقرؤن به كلامه من ~~حركاتهم وأصواتهم مخلوقا وكذلك ما يكتب في المصاحف من كلامه فهو كلامه ~~مكتوبا في المصاحف وكلامه غير مخلوق والمداد الذى يكتب به كلامه وغير كلامه ~~مخلوق PageV12P055 # وقد فرق سبحانه وتعالى بين كلامه وبين مداد كلماته بقوله تعالى ( قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا ~~بمثله مددا ) وكلمات الله غير مخلوقة والمداد الذى يكتب به كلمات الله ~~مخلوق والقرآن المكتوب في المصاحف غير مخلوق وكذلك المكتوب في اللوح ~~المحفوظ وغيره قال تعالى ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) وقال ( كلا إنها ~~تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة ) وقال تعالى ( يتلو صحفا ~~مطهرة فيها كتب قيمة ) وقال ( انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا ~~المطهرون ) ### ||| فصل # فهذان المتنازعان اللذان تنازعا في الأحرف التى أنزلها الله على آدم فقال ~~أحدهما انها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث وقال الآخر انها ليست ~~بكلام الله وانها مخلوقة بشكلها ونقطها وان القديم هو الله وكلامه منه بدأ ~~واليه يعود منزل غير مخلوق ولكنه كتب بها وسؤالهما ان نبين لهما الصواب ~~وأيهما أصح اعتقادا يقال لهما يحتاج بيان الصواب إلى ms3745 بيان ما في السؤال من ~~الكلام المجمل PageV12P056 فان كثيرا من نزاع العقلاء لكونهم لا يتصورون ~~مورد النزاع تصورا بينا وكثير من النزاع قد يكون الصواب فيه في قول آخر غير ~~القولين الذين قالاهما وكثير من النزاع قد يكون مبنيا على أصل ضعيف إذا بين ~~فساده ارتفع النزاع # فأول ما في هذا السؤال قولهما الأحرف التى أنزلها الله على آدم فانه قد ~~ذكر بعضهم ان الله انزل عليه حروف المعجم مفرقة مكتوبة وهذا ذكره بن قتيبة ~~في المعارف وهو ومثله يوجد في التواريخ كتاريخ بن جرير الطبرى ونحوه وهذا ~~ونحوه منقول عمن ينقل الأحاديث الاسرائيلية ونحوها من أحاديث الأنبياء ~~المتقدمين مثل وهب بن منبه وكعب الاحبار ومالك بن دينار ومحمد بن إسحاق ~~وغيرهم # وقد أجمع المسلمون على أن ما ينقله هؤلاء عن الأنبياء المتقدمين لا يجوز ~~أن يجعل عمدة في دين المسلمين إلا إذا ثبت ذلك بنقل متواتر أو ان يكون ~~منقولا عن خاتم المرسلين وأيضا فهذا النقل قد عارضه نقل آخر وهو أن أول من ~~خط وخاط ادريس فهذا منقول عن بعض السلف وهو مثل ذلك وأقوى فقد ذكروا فيه ان ~~ادريس أول من خاط الثياب وخط بالقلم وعلى هذا فبنوا آدم من قبل ادريس لم ~~يكونوا يكتبون بالقلم ولا يقرؤن كتبا والذى في حديث أبى ذر المعروف عن أبى ~~ذر عن PageV12P057 النبى صلى الله عليه وسلم ( ان آدم كان نبيا مكلما كلمه ~~الله قبلا ( وليس فيه أنه انزل عليه شيئا مكتوبا فليس فيه ان الله أنزل على ~~آدم صحيفة ولا كتابا ولا هذا معروف عند أهل الكتاب فهذا يدل على أن هذا لا ~~أصل له ولو كان هذا معروفا عند أهل الكتاب لكان هذا النقل ليس هو في القرآن ~~ولا في الأحاديث الصحيحة عن النبى وانما هو من جنس الأحاديث الأسرائيلية ~~التى لا يجب الإيمان بها بل ولا يجوز التصديق بصحتها إلا بحجة كما قال ~~النبى في الحديث الصحيح ( إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ~~فاما أن ms3746 يحدثوكم بحق فتكذبوه واما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه ( # والله سبحانه علم آدم الأسماء كلها وانطقه بالكلام المنظوم وأما تعليم ~~حروف مقطعة لا سيما إذا كانت مكتوبة فهو تعليم لا ينفع ولكن لما أرادوا ~~تعليم المبتدىء بالخط صاروا يعلمونه الحروف المفردة حروف الهجاء ثم يعلمونه ~~تركيب بعضها إلى بعض فيعلم أبجد هوز وليس هذا وحده كلاما # فهذا المنقول عن آدم من نزول حروف الهجاء عليه لم يثبت به نقل ولم يدل ~~عليه عقل بل الأظهر في كليهما نفيه وهو من جنس ما يروونه عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم من تفسير ا ب ت ث وتفسير أبجد PageV12P058 هوز حطي ويروونه عن ~~المسيح أنه قاله لمعلمه في الكتاب وهذا كله من الأحاديث الواهية بل ~~المكذوبة ولا يجوز باتفاق أهل العلم بالنقل أن يحتج بشيء من هذه وإن كان قد ~~ذكرها طائفة من المصنفين في هذا الباب كالشريف المزيدى والشيخ أبى الفرج ~~وابنه عبد الوهاب وغيرهم وقد يذكر ذلك طائفة من المفسرين والمؤرخين فهذا ~~كله عند أهل العلم بهذا الباب باطل لا يعتمد عليه في شيء من الدين # وهذا وإن كان قد ذكره أبو بكر النقاش وغيره من المفسرين وعن النقاش ونحوه ~~نقله الشريف المزيدى الحرانى وغيره فأجل من ذكر ذلك من المفسرين أبو جعفر ~~محمد بن جرير الطبري وقد بين في تفسيره ان كل ما نقل في ذلك عن النبى فهو ~~باطل فذكر في آخر تفسيره اختلاف الناس في تفسير أبجد هوز حطى وذكر حديثا ~~رواه من طريق محمد بن زياد الجزرى عن فرات بن أبى الفرات عن معاوية بن قرة ~~عن أبيه قال قال رسول الله ( تعلموا أباجاد وتفسيرها ويل لعالم جهل تفسير ~~أبي جاد ( قال قالوا يا رسول الله وما تفسيرها قال ( أما الألف فآلاء الله ~~وحرف من اسمائه وأما الباء فبهاء الله وأما الجيم فجلال الله وأما الدال ~~فدين PageV12P059 الله وأما الهاء فالهاوية وأما الواو فويل لمن سها وأما ~~الزاى فالزاوية وأما الحاء فحطوط الخطايا عن المستغفرين بالاسحار ( وذكر ms3747 ~~تمام الحديث من هذا الجنس # وذكر حديثا ثانيا من حديث عبد الرحيم بن واقد حدثنى الفرات بن السائب عن ~~ميمون بن مهران عن بن عباس قال ( ليس شيء إلا وله سبب وليس كل أحد يفطن له ~~ولا بلغه ذلك ان لأبى جاد حديثا عجيبا أما أبو جاد فأبى آدم الطاعة وجد في ~~اكل الشجرة وأما هوز فزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض وأما حطى فحطت عنه ~~خطيئته وأما كلمن فأكله من الشجرة ومن عليه بالتوبة ) وساق تمام الحديث من ~~هذا الجنس # وذكر حديثا ثالثا من حديث إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن إبن أبى ~~مليكة عمن حدثه عن إبن مسعود ومسعر بن كدام عن أبى سعيد قال قال رسول الله ~~( ان عيسى بن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه فقال له المعلم اكتب بسم ~~الله فقال له عيسى وما بسم الله فقال له المعلم وما ادري فقال له عيسى ~~الباء بهاء الله والسين سناؤه والميم ملكه والله إله الآلهة والرحمن رحمن ~~الدنيا والآخرة والرحيم رحيم الآخرة أبو جاد الف آلاء الله وباء بهاء الله ~~وجيم جمال الله ودال الله الدائم وهوز هاء الهاوية ( وذكر حديثا ~~PageV12P060 من هذا الجنس وذكره عن الربيع بن أنس موقوفا عليه وروى أبو ~~الفرج المقدسى عن الشريف المزيدى حديثا عن عمر عن النبى في تفسير ا ب ت ث ~~من هذا الجنس # ثم قال بن جرير ولو كانت الأخبار التى رويت عن النبى في ذلك صحاح ~~الأسانيد لم يعدل عن القول بها إلى غيرها ولكنها واهية الأسانيد غير جائز ~~الاحتجاج بمثلها وذلك أن محمد بن زياد الجزري الذي حدث حديث معاوية بن قرة ~~عن فرات عنه غير موثوق بنقله وإن عبد الرحيم بن واقد الذى خالفه في رواية ~~ذلك عن الفرات مجهول غير معروف عند أهل النقل وإن إسماعيل بن يحيى الذى حدث ~~عن بن أبى مليكة غير موثوق بروايته ولا جائز عند أهل النقل الاحتجاج ~~بأخباره # قلت إسماعيل بن يحيى هذا يقال ms3748 له التيمي كوفى معروف بالكذب ورواية ~~إسماعيل بن عياش في غير الشاميين لا يحتج بها بل هو ضعيف فيما ينقله عن أهل ~~الحجاز وأهل العراق بخلاف ما ينقله عن شيوخه الشاميين فانه حافظ لحديث أهل ~~بلده كثير الغلط في حديث أولئك وهذا متفق عليه بين أهل العلم بالرجال وعبد ~~الرحمن بن واقد لا يحتج به باتفاق أهل العلم وفرات بن السائب ضعيف أيضا ~~PageV12P061 لا يحتج به فهو فرات بن أبى الفرات ومحمد بن زياد الجزرى ضعيف ~~أيضا # وقد تنازع الناس في أبجد هوز حطى فقال طائفة هي أسماء قوم قيل أسماء ملوك ~~مدين أو أسماء قوم كانوا ملوكا جبابرة وقيل هي أسماء الستة الايام التى خلق ~~الله فيها الدنيا والاول اختيار الطبري وزعم هؤلاء أن أصلها أبو جاد مثل ~~أبى عاد وهواز مثل رواد وجواب وانها لم تعرب لعدم العقد والتركيب # والصواب أن هذه ليست أسماء لمسميات وإنما ألفت ليعرف تأليف الأسماء من ~~حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم ولفظها أبجد هوز حطى ليس لفظها أبو جاد ~~هواز ثم كثير من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب العدد فيجعلون ~~الألف واحدا والباء اثنين والجيم ثلاثة إلى الياء ثم يقولون الكاف عشرون ~~وآخرون من أهل الهندسة والمنطق يجعلونها علامات على الخطوط المكتوبة أو على ~~ألفاظ الأقيسة المؤلفة كما يقولون كل ألف ب وكل ب ج فكل ألف ج ومثلوا بهذه ~~لكونها ألفاظا تدل على صورة الشكل والقياس لا يختص بمادة دون مادة # كما جعل أهل التصريف لفظ فعل تقابل الحروف الأصلية PageV12P062 والزائدة ~~ينطقون بها ويقولون وزن استخرج استفعل وأهل العروض يزنون بألفاظ مؤلفة من ~~ذلك لكن يراعون الوزن من غير اعتبار بالأصل والزائد ولهذا سئل بعض هؤلاء عن ~~وزن نكتل فقال نفعل وضحك منه أهل التصريف ووزنه عندهم نفتل فان أصله نكتال ~~وأصل نكتال نكتيل تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الفا ثم لما جزم الفعل ~~سقطت كما نقول مثل ذلك في نعتد ونقتد من اعتاد يعتاد واقتاد البعير يقتاده ms3749 ~~ونحو ذلك في نقتيل فلما حذفوا الألف التى تسمى لام الكلمة صار وزنها # وجعلت ثمانية تكون متحركة وهى الهمزة وتكون ساكنة وهى حرفان على الاصطلاح ~~الأول وحرف واحد على الثانى والألف تقرن بالواو والياء لأنهن حروف العلة ~~ولهذا ذكرت في آخر حروف المعجم ونطقوا بأول لفظ كل حرف منها إلا الألف فلم ~~يمكنهم أن ينطقوا بها ابتداء فجعلوا اللام قبلها فقالوا لا والتى في الأول ~~هي الهمزة المتحركة فان الهمزة في أولها وبعض الناس ينطق بها لام ألف ~~والصواب أن ينطق بها لا وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن العلم لا بد فيه من نقل مصدق ونظر محقق وأما النقول ~~الضعيفة لا سيما المكذوبة فلا يعتمد عليها وكذلك النظريات الفاسدة ~~والعقليات الجهلية الباطلة لا يحتج بها PageV12P063 الثانى أن يقال هذه ~~الحروف الموجودة في القرآن العربى قد تكلم الله بها بأسماء حروف مثل قوله ( ~~الم وقوله المص وقوله الم طس حم كهيعص حم عسق ن ق ) فهذا كله كلام الله غير ~~مخلوق # الثالث أن هذه الحروف إذا وجدت في كلام العباد وكذلك الأسماء الموجودة في ~~القرآن اذا وجدت في كلام العباد مثل آدم ونوح ومحمد وابراهيم وغير ذلك ~~فيقال هذه الاسماء وهذه الحروف قد تكلم الله بها لكن لم يتكلم بها مفردة ~~فان الاسم وحده ليس بكلام ولكن تكلم بها في كلامه الذى أنزله في مثل قوله ( ~~محمد رسول الله ) وقوله ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا ) إلى ~~قوله ( رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى ) وقوله ( ان الله اصطفى آدم ونوحا ~~وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) ونحو ذلك ونحن إذا تكلمنا بكلام ~~ذكرنا فيه هذه الاسماء فكلامنا مخلوق وحروف كلامنا مخلوقة كما قال أحمد بن ~~حنبل لرجل ألست مخلوقا قال بلى قال أليس كلامك منك قال بلى قال أليس كلامك ~~مخلوقا قال بلى قال فالله تعالى غير مخلوق وكلامه منه ليس بمخلوق # فقد نص أحمد وغيره على أن كلام العباد مخلوق وهم إنما PageV12P064 ~~يتكلمون بالأسماء والحروف ms3750 التى يوجد نظيرها في كلام الله تعالى لكن الله ~~تعالى تكلم بها بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق وصفات الله تعالى لا ~~تماثل صفات العباد فان الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا ~~أفعاله والصوت الذى ينادى به عباده يوم القيامة والصوت الذى سمعه منه موسى ~~ليس كأصوات شيء من المخلوقات والصوت المسموع هو حروف مؤلفة وتلك لا يماثلها ~~شيء من صفات المخلوقين كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده فان ~~الله لا يماثل المخلوقين في شيء من الصفات وهو سبحانه قد علم العباد من ~~علمه ماشاء كما قال تعالى ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) وهم إذا ~~علمهم الله ما علمهم من علمه فنفس علمه الذى اتصف به ليس مخلوقا ونفس ~~العباد وصفاتهم مخلوقة لكن قد ينظر الناظر إلى مسمى العلم مطلقا فلا يقال ~~ان ذلك العلم مخلوق لا تصاف الرب به وان كان ما يتصف به العبد مخلوقا # واصل هذا ان ما يوصف الله به ويوصف به العباد يوصف الله به على ما يليق ~~به ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع ~~والبصر والكلام فان الله له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام فكلامه يشتمل ~~على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام ~~PageV12P065 وكلام العبد يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه # فهذه الصفات لها ثلاث اعتبارات تارة تعتبر مضافة إلى الرب وتارة تعتبر ~~مضافة إلى العبد وتارة تعتبر مطلقة لا تختص بالرب ولا بالعبد فإذا قال ~~العبد حياة الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك فهذا كله غير ~~مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين وإذا قال علم العبد وقدرة العبد وكلام ~~العبد فهذا كله مخلوق ولا يماثل صفات الرب وإذا قال العلم والقدرة والكلام ~~فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه كله انه مخلوق ولا انه غير مخلوق بل ما اتصف ~~به الرب من ذلك ms3751 فهو غير مخلوق وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق فالصفة ~~تتبع الموصوف فان كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة وان كان الموصوف ~~هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة # ثم إذا قرأ بأم القرآن وغيرها من كلام الله فالقرآن في نفسه كلام الله ~~غير مخلوق وإن كان حركات العباد واصواتهم مخلوقة ولو قال الجنب ( الحمد لله ~~رب العالمين ) ينوى به القرآن منع من ذلك وكان قرآنا ولو قاله ينوى به حمد ~~الله لا يقصد به القراءة لم يكن قارئا وجاز له ذلك # ومنه قول النبى افضل الكلام بعد PageV12P066 القرآن اربع وهن من القرآن ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ( رواه مسلم في صحيحه ~~فاخبر انها أفضل الكلام بعد القرآن وقال هي من القرآن فهي من القرآن ~~باعتبار وليست من القرآن باعتبار ولو قال القائل ( يا يحيى خذ الكتاب ) ~~ومقصوده القرآن كان قد تكلم بكلام الله ولم تبطل صلاته بإتفاق العلماء وان ~~قصد مع ذلك تنبيه غيره لم تبطل صلاته عند جمهور العلماء ولو قال لرجل اسمه ~~يحيى وبحضرته كتاب يا يحيى خذ الكتاب لكان هذا مخلوقا لأن لفظ يحيى هنا ~~مراد به ذلك الشخص وبالكتاب ذلك الكتاب ليس مرادا به ما اراده الله بقوله ( ~~يا يحيى خذ الكتاب ) والكلام كلام ( المخلوق ) بلفظه ومعناه # وقد تنازع الناس في مسمى الكلام في الأصل فقيل هو اسم اللفظ الدال على ~~المعنى وقيل المعنى المدلول عليه باللفظ وقيل لكل منهما بطريق الاشتراك ~~اللفظى وقيل بل هو اسم عام لهما جميعا يتناولهما عند الاطلاق وان كان مع ~~التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة هذا قول السلف وأئمة الفقهاء وان كان ~~هذا القول لا يعرف في كثير من الكتب # وهذا كما تنازع الناس في مسمى الإنسان هل هو الروح فقط أو الجسد فقط ~~والصحيح انه اسم للروح والجسد جميعا وان PageV12P067 كان مع القرينة قد ~~يراد به هذا تارة وهذا تارة فتنازعهم في مسمى النطق كتنازعهم في مسمى ~~الناطق فمن سمى ms3752 شخصا محمدا وابراهيم وقال جاء محمد وجاء إبراهيم لم يكن هذا ~~محمد وإبراهيم المذكورين في القرآن ولو قال محمد رسول الله وإبراهيم خليل ~~الله يعنى به خاتم الرسل وخليل الرحمن لكان قد تكلم بمحمد وإبراهيم الذى في ~~القرآن لكن قد تكلم بالاسم والفه كلاما فهو كلامه لم يتكلم به في القرآن ~~العربى الذى تكلم الله به # ومما يوضح ذلك ان الفقهاء قالوا في آداب الخلاء انه لا يستصحب ما فيه ذكر ~~الله واحتجوا بالحديث الذى في السنن ( ان النبى كان اذا دخل الخلاء نزع ~~خاتمه وكان خاتمه مكتوبا عليه ( محمد رسول الله ) محمد سطر رسول سطر الله ~~سطر ولم يمنع أحد من العلماء ان يستصحب ما يكون فيه كلام العباد وحروف ~~الهجاء مثل ورق الحساب الذى يكتب فيه أهل الديوان الحساب ومثل الأوراق التى ~~يكتب فيها الباعة ما يبيعونه ونحو ذلك # وفى السيرة ( ان النبى لما صالح غطفان على نصف تمر المدينة أتاه سعد فقال ~~له اهذا شيء أمر الله به فسمعا وطاعة أم شيء تفعله لمصلحتنا فبين له النبى ~~انه لم يفعل ذلك بوحى بل فعله باجتهاده فقال لقد كنا في الجاهلية ~~PageV12P068 وما كانوا يأكلون منها تمرة الا بقرى أو بشراء فلما اعزنا الله ~~بالاسلام يريدون ان يأكلوا تمرنا لا يأكلون تمرة واحدة وبصق سعد في الصحيفة ~~وقطعها ( فاقرة النبى على ذلك ولم يقل هذه حروف فلا يجوز اهانتها والبصاق ~~فيها وأيضا فقد كره السلف محو القرآن بالرجل ولم يكرهوا محو ما فيه كلام ~~الآدميين # وأما قول القائل ان الحروف قديمة أو حروف المعجم قديمة فان أراد جنسها ~~فهذا صحيح وإن أراد الحرف المعين فقد اخطأ فان له مبدأ ومنتهى وهو مسبوق ~~بغيره وما كان كذلك لم يكن إلا محدثا # وأيضا فلفظ الحروف مجمل يراد بالحروف الحروف المنطوقة المسموعة التى هي ~~مبانى الكلام ويراد بها الحروف المكتوبة ويراد بها الحروف المتخيلة في ~~النفس والصوت لا يكون كلاما إلا بالحروف باتفاق الناس وأما الحروف فهل تكون ~~كلاما بدون الصوت فيه ms3753 نزاع والحرف قد يراد به الصوت المقطع وقد يراد به ~~نهاية الصوت وحده وقد يراد بالحروف المداد وقد يراد بالحروف شكل المداد ~~فالحروف التى تكلم الله بها غير مخلوقة وإذا كتبت في المصحف قيل كلام الله ~~المكتوب في المصحف غير مخلوق وأما نفس أصوات العباد فمخلوقة والمداد مخلوق ~~وشكل المداد مخلوق فالمداد مخلوق بمادته وصورته وكلام الله المكتوب بالمداد ~~غير مخلوق ومن كلام الله PageV12P069 الحروف التى تكلم الله بها فإذا كتبت ~~بالمداد لم تكن مخلوقة وكان المداد مخلوقا وأشكال الحروف المكتوبة مما ~~يختلف فيها اصطلاح الأمم # والخط العربى قد قيل ان مبدأه كان من الأنبار ومنها انتقل إلى مكة وغيرها ~~والخط العربى تختلف صورته العربى القديم فيه تكوف وقد اصطلح المتأخرون على ~~تغيير بعض صوره وأهل المغرب لهم اصطلاح ثالث حتى في نقط الحروف وترتيبها ~~وكلام الله المكتوب بهذه الخطوط كالقرآن العربى هو في نفسه لا يختلف ~~باختلاف الخطوط التى يكتب بها # فان قيل فالحرف من حيث هو مخلوق أو غير مخلوق مع قطع النظر عن كونه في ~~كلام الخالق أو كلام المخلوق فان قلتم هو من حيث هو غير مخلوق لزم أن يكون ~~غير مخلوق في كلام العباد وان قلتم مخلوق لزم أن يكون مخلوقا في كلام الله ~~قيل قول القائل الحرف من حيث هو هو كقوله الكلام من حيث هو هو والعلم من ~~حيث هو هو والقدرة من حيث هي هى والوجود من حيث هو هو ونحو ذلك # والجواب عن ذلك ان هذه الأمور وغيرها إذا أخذت مجردة مطلقة غير مقيدة ولا ~~مشخصة لم يكن لها حقيقة في الخارج عن الاذهان PageV12P070 إلا شيء معين ~~فليس ثم وجود إلا وجود الخالق أو وجود المخلوق ووجود كل مخلوق مختص به وان ~~كان اسم الوجود عاما يتناول ذلك كله وكذلك العلم والقدرة اسم عام يتناول ~~افراد ذلك وليس في الخارج الا علم الخالق وعلم المخلوق وعلم كل مخلوق مختص ~~به قائم به واسم الكلام والحروف يعم كل ما يتناوله لفظ الكلام ms3754 والحروف وليس ~~في الخارج الا كلام الخالق وكلام المخلوقين وكلام كل مخلوق مختص به واسم ~~الكلام يعم كل ما يتناوله هذا اللفظ وليس في الخارج إلا الحروف التى تكلم ~~الله بها الموجودة في كلام الخالق والحروف الموجودة في كلام المخلوقين فاذا ~~قيل ان علم الرب وقدرته وكلامه غير مخلوق وحروف كلامه غير مخلوقة لم يلزم ~~من ذلك ان يكون علم العبد وقدرته وكلامه غيرمخلوق وحروف كلامه غيرمخلوقة # وأيضا فلفظ الحرف يتناول الحرف المنطوق والحرف المكتوب وإذا قيل ان الله ~~تكلم بالحروف المنطوقة كما تكلم بالقرآن العربى وبقوله ( الم وحم وطسم وطس ~~ويس وق ون ) ونحو ذلك فهذا كلامه وكلامه غير مخلوق وإذا كتب في المصاحف كان ~~ما كتب من كلام الرب غير مخلوق وان كان المداد وشكله مخلوقا # وأيضا فاذا قرأ الناس كلام الله فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله ~~قد تكلم به وإذا قرأه المبلغ لم يخرج عن أن يكون PageV12P071 كلام الله فان ~~الكلام كلام من قاله مبتدئا امرا يأمر به أو خبرا يخبره ليس هو كلام المبلغ ~~له عن غيره إذ ليس على الرسول الا البلاغ المبين وإذا قرأه المبلغ فقد يشار ~~إليه من حيث هو كلام الله فيقال هذا كلام الله مع قطع النظر عما بلغه به ~~العباد من صفاتهم وقد يشار إلى نفس صفة العبد كحركته وحياته وقد يشار ~~إليهما فالمشار إليه الأول غير مخلوق والمشار إليه الثانى مخلوق والمشار ~~إليه الثالث فمنه مخلوق ومنه غير مخلوق وما يوجد في كلام الآدميين من نظير ~~هذا هو نظير صفة العبد لا نظير صفة الرب أبدا # وإذا قال القائل القاف في قوله ( أقم الصلاة لذكري كالقاف في قوله # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل %~% # قيل ما تكلم الله به وسمع منه لا يماثل صفة المخلوقين ولكن إذا بلغنا ~~كلام الله فانما بلغناه بصفاتنا وصفاتنا مخلوقة والمخلوق يماثل المخلوق # وفى هذا جواب للطائفتين لمن قاس صفة المخلوق بصفة الخالق فجعلها غير ~~مخلوقة فان الجهمية المعطلة أشباه اليهود ms3755 والحلولية الممثلة PageV12P072 ~~أشباه النصارى دخلوا في هذا وهذا أولئك مثلوا الخالق بالمخلوق فوصفوه ~~بالنقائص التى تختص بالمخلوق كالفقر والبخل وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق ~~فوصفوه بخصائص الربوبية التى لا تصلح إلا لله والمسلمون يصفون الله بما وصف ~~به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل بل يثبتون له ما يستحقه من صفات الكمال وينزهونه عن الاكفاء والأمثال ~~فلا يعطلون الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات فان المعطل يعبد عدما ~~والممثل يعبد صنما والله تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) # ومما ينبغى أن يعرف أن كلام المتكلم في نفسه واحد وإذا بلغه المبلغون ~~تختلف أصواتهم به فإذا أنشد المنشد قول لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # كان هذا الكلام كلام لبيد لفظه ومعناه مع أن أصوات المنشدين له تختلف ~~وتلك الأصوات ليست صوت لبيد وكذلك من روى حديث النبى صلى الله عليه وسلم ~~بلفظه كقوله ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى ( كان هذا الكلام ~~كلام رسول الله لفظه ومعناه ويقال لمن رواه أدى الحديث بلفظه PageV12P073 ~~وإن كان صوت المبلغ ليس هو صوت الرسول فالقرآن أولى أن يكون كلام الله لفظه ~~ومعناه وإذا قرأه القراء فانما يقرؤونه بأصواتهم # ولهذا كان الامام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة يقولون من قال اللفظ ~~بالقرآن أو لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمى ومن قال انه غير مخلوق فهو مبتدع ~~وفى بعض الروايات عنه من قال لفظى بالقرآن مخلوق يعنى به القرآن فهو جهمى ~~لأن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد ~~مخلوق ويراد باللفظ القول الذى يلفظ به اللافظ وذلك كلام الله لا كلام ~~القارىء فمن قال انه مخلوق فقد قال إن الله لم يتكلم بهذا القرآن وان هذا ~~الذى يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله ومعلوم أن هذا مخالف لما علم ~~بالاضطرار من دين الرسول # وأما صوت العبد فهو مخلوق وقد صرح أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت ms3756 ~~العبد ولم يقل أحمد قط من قال إن صوتى بالقرآن مخلوق فهو جهمى وإنما قال من ~~قال لفظى بالقرآن والفرق بين لفظ الكلام وصوت المبلغ له فرق واضح فكل من ~~بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فانما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه وهو ~~إنما بلغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة ~~والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذى هو حركات PageV12P074 ~~العباد وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد ويراد به نفس الكلام الذى ~~يقرأه التالى ويتلوه ويلفظ به ويكتبه منع أحمد وغيره من اطلاق النفى ~~والإثبات الذى يقتضى جعل صفات الله مخلوقة أو جعل صفات العباد ومدادهم غير ~~مخلوق # وقال أحمد نقول القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف أى حيث تلى وكتب ~~وقرىء مما هو في نفس الأمر كلام الله فهو كلامه وكلامه غير مخلوق وما كان ~~من صفات العباد وأفعالهم التى يقرؤن ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم ~~فهو مخلوق ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار فانه معلوم أن القرآن واحد ~~ويقرأه خلق كثير والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء وإنما يكثر ما ~~يقرؤن به القرآن فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق والقرآن نفسه لفظه ~~ومعناه الذى تكلم الله به وسمعه جبريل من الله وسمعه محمد من جبريل وبلغه ~~محمد إلى الناس وأنذر به الأمم لقوله تعالى ( لا نذركم به ومن بلغ ) قرآن ~~واحد وهو كلام الله ليس بمخلوق # وليس هذا من باب ما هو واحد بالنوع متعدد الأعيان كالانسانية الموجودة في ~~زيد وعمرو ولا من باب ما يقول الانسان مثل قول غيره كماقال تعالى ( كذلك ~~قال الذين من قبلهم مثل قولهم ) فان PageV12P075 القرآن لا يقدر أحد أن ~~يأتى بمثله كما قال تعالى ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) فالانس والجن إذا ~~اجتمعوا لم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا القرآن مع قدرة كل ms3757 قارئ على أن يقرأه ~~ويبلغه # فعلم أن ما قرأه هو القرآن ليس هو مثل القرآن وأما الحروف الموجودة في ~~القرآن إذا وجد نظيرها في كلام غيره فليس هذا هو ذاك بعينه بل هو نظيره ~~وإذا تكلم الله باسم من الأسماء كآدم ونوح وإبراهيم وتكلم بتلك الحروف ~~والأسماء التى تكلم الله بها فاذا قرئت في كلامه فقد بلغ كلامه فإذا أنشأ ~~الانسان لنفسه كلاما لم يكن عين ما تكلم الله به من الحروف والأسماء هو عين ~~ما تكلم به العبد حتى يقال إن هذه الأسماء والحروف الموجودة في كلام العباد ~~غير مخلوقة فان بعض من قال إن الحروف والأسماء غير مخلوقة في كلام العباد ~~ادعى ان المخلوق إنما هو النظم والتأليف دون المفردات وقائل هذا يلزمه أن ~~يكون أيضا النظم والتأليف غير مخلوق إذا وجد نظيره في القرآن كقوله ( يا ~~يحيى خذ الكتاب ) وإن أراد بذلك شخصا إسمه يحيى وكتابا بحضرته # فان قيل يحيى هذا والكتاب الحاضر ليس هو يحيى والكتاب المذكور في القرآن ~~وان كان اللفظ نظير اللفظ قيل كذلك PageV12P076 سائر الأسماء والحروف إنما ~~يوجد نظيرها في كلام العباد لا في كلام الله وقولنا يوجد نظيرها في كلام ~~الله تقريب أى يوجد فيما نقرؤه ونتلوه فان الصوت المسموع من لفظ محمد ويحيى ~~وإبراهيم في القرآن هو مثل الصوت المسموع من ذلك في غيرالقرآن وكلا الصوتين ~~مخلوق واما الصوت الذى يتكلم الله به فلا مثل له لا يماثل صفات المخلوقين ~~وكلام الله هو كلامه بنظمه ونثره ومعانيه وذلك الكلام ليس مثل كلام ~~المخلوقين فإذا قلنا ( الحمد لله رب العالمين ) وقصد بذلك قراءة القرآن ~~الذي تكلم الله به فذلك القرآن تكلم الله بلفظه ومعناه لا يماثل لفظ ~~المخلوقين ومعناهم واما إذا قصدنا به الذكر ابتداء من غير أن نقصد قراءة ~~كلام الله فانما نقصد ذكرا ننشئه نحن يقوم معناه بقلوبنا وتنطق بلفظه ~~بألسنتنا وما أنشأناه من الذكر فليس هو من القرآن وان كان نظيره في القرآن # ولهذا قال النبى صلى الله عليه ms3758 وسلم في الحديث الصحيح أفضل الكلام بعد ~~القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر فجعل النبى هذه الكلمات أفضل الكلام بعد القرآن فجعل درجتها دون درجة ~~القرآن وهذا يقتضى أنها ليست من القرآن ثم قال ( هي من القرآن ( وكلا قوليه ~~حق وصواب ولهذا منع أحمد أن يقال الايمان مخلوق PageV12P077 # وقال لا إله ~~إلا الله من القرآن وهذا الكلام لا يجوز أن يقال إنه مخلوق وان لم يكن من ~~القرآن ولا يقال في التوراة والانجيل انهما مخلوقان ولا يقال في الأحاديث ~~الالهية التى يرويها عن ربه انها مخلوقة كقوله ( يا عبادى انى حرمت الظلم ~~على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( فكلام الله قد يكون قرآنا وقد ~~لايكون قرآنا والصلاة إنما تجوز وتصح بالقرآن وكلام الله كله غير مخلوق # فإذا فهم هذا في مثل هذا فليفهم في نظائره وان ما يوجد من الحروف ~~والأسماء في كلام الله ويوجد في غير كلام الله يجوز أن يقال انه من كلام ~~الله باعتبار ويقال ليس من كلام الله باعتبار كما أنه يكون من القرآن ~~باعتبار وغير القرآن باعتبار لكن كلام الله القرآن وغير القرآن غير مخلوق ~~وكلام المخلوقين كله مخلوق فما كان من كلام الله فهو غير مخلوق وما كان من ~~كلام غيره فهو مخلوق # وهؤلاء الذين يحتجون على نفى الخلق أو اثبات القدم بشيء من صفات العباد ~~وأعمالهم لوجود نظير ذلك فيما يضاف إلى الله وكلامه والإيمان به شاركهم في ~~هذا الأصل الفاسد من احتج على خلق ما هو من كلام الله وصفاته بان ذلك قد ~~يوجد نظيره فيما يضاف إلى العبد مثال ذلك أن القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو ~~كلام الله قرؤوه بحركاتهم وأصواتهم فقال الجهمى أصوات العباد ومدادهم ~~مخلوقة وهذا PageV12P078 هو المسمى بكلام الله أو يوجد نظيره في المسمى ~~بكلام الله فيكون كلام الله مخلوقا # وقال الحلولى الاتحادى الذى يجعل صفة الخالق هي عين صفة المخلوق الذى ~~نسمعه من القراء هو كلام الله ms3759 وانما نسمع اصوات العباد فاصوات العباد ~~بالقرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق فاصوات العباد بالقرآن غير مخلوقة ~~والحروف المسموعة منهم غير مخلوقة ثم قالوا الحروف الموجودة في كلامهم هي ~~هذه أو مثل هذه فتكون غير مخلوقة وزاد بعض غلاتهم فجعل أصوات كلامهم غير ~~مخلوقة كما زعم بعضهم ان الاعمال من الايمان وهو غير مخلوق والاعمال غير ~~مخلوقة وزاد بعضهم أعمال الخير والشر وقال هي القدر والشرع المشروع وقال ~~عمر ما مرادنا بالاعمال الحركات بل الثواب الذي يأتى يوم القيامة كما ورد ~~في الحديث الصحيح انه تأتى البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو ~~فرقان من طير صواف فيقال له وهذا الثواب مخلوق وقد نص أحمد وغيره من الأئمة ~~على أنه غير مخلوق وبذلك أجابوا من احتج على خلق القرآن بمثل هذا الحديث ~~فقالوا له الذى يجيء يوم القيامة هو ثواب القرآن لانفس القرآن وثواب القرآن ~~مخلوق إلى أمثال هذه الأقوال التى ابتدعها طوائف والبدع تنشأ شيئا فشيئا ~~وقد بسط الكلام في هذا الباب في مواضع أخر PageV12P079 وقد بينا أن الصواب ~~في هذا الباب هو الذى دل عليه الكتاب والسنة واجماع السابقين الأولين ~~والتابعين لهم باحسان وهو ما كان عليه الامام أحمد بن حنبل ومن قبله من ~~أئمة الاسلام ومن وافق هؤلاء فان قول الامام أحمد وقول الأئمة قبله هو ~~القول الذى جاء به الرسول ودل عليه الكتاب والسنة ولكن لما امتحن الناس ~~بمحنة الجهمية وطلب منهم تعطيل الصفات وان يقولوا بان القرآن مخلوق وان ~~الله لا يرى في الآخرة ونحو ذلك ثبت الله الامام أحمد في تلك المحنة فدفع ~~حجج المعارضين النفاة وأظهر دلالة الكتاب والسنة وان السلف كانوا على ~~الاثبات فآتاه الله من الصبر واليقين ما صار به إماما للمتقين كما قال ~~تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) # ولهذا قيل فيه رحمه الله عن الدنيا ما كان أصبره وبالماضين ما كان أشبهه ~~أتته البدع فنفاها والدنيا فأباها فلما ظهر به من السنة ما ms3760 ظهر كان له من ~~الكلام في بيانها وإظهارها أكثر وأعظم مما لغيره فصار أهل السنة من عامة ~~الطوائف يعظمونه وينتسبون إليه # وقد ذكرت كلامه وكلام غيره من الأئمة ونصوص الكتاب والسنة في هذه الابواب ~~في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فانه موافق لصريح ~~المعقول وان العقل الصريح لا يخالف PageV12P080 النقل الصحيح ولكن كثيرا من ~~الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا فمن عرف قول الرسول ومراده به كان ~~عارفا بالأدلة الشرعية وليس في المعقول ما يخالف المنقول ولهذا كان أئمة ~~السنة على ما قاله أحمد بن حنبل قال معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلى من ~~حفظه أى معرفته بالتمييز بين صحيحه وسقيمه والفقه فيه معرفة مراد الرسول ~~وتنزيله على المسائل الاصولية والفروعية أحب إلى من أن يحفظ من غير معرفة ~~وفقه وهكذا قال على بن المدينى وغيره من العلماء فانه من احتج بلفظ ليس ~~بثابت عن الرسول ( أو بلفظ ثابت عن الرسول ) وحمله على مالم يدل عليه فانما ~~أتى من نفسه # وكذلك العقليات الصريحة إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحا لم تكن إلا حقا ~~لا تناقض شيئا مما قاله الرسول والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التى بها ~~يعرف الصانع وتوحيده وصفاته وصدق رسله وبها يعرف امكان المعاد ففى القرآن ~~من بيان أصول الدين التى تعلم مقدماتها بالعقل الصريح مالا يوجد مثله في ~~كلام أحد من الناس بل عامة ما يأتى به حذاق النظار من الأدلة العقلية يأتى ~~القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن منها قال تعالى ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك ~~بالحق وأحسن تفسيرا ) وقال ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) ~~وقال ( وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون PageV12P081 وأما الحجج ~~الداحضة التى يحتج بها الملاحدة وحجج الجهمية معطلة الصفات وحجج الدهرية ~~وأمثالها كما يوجد مثل ذلك في كلام المتأخرين الذين يصنفون في الكلام ~~المبتدع وأقوال المتفلسفة ويدعون انها عقليات ففيها من الجهل والتناقض ~~والفساد مالا يحصيه إلا رب العباد وقد بسط ms3761 الكلام على هؤلاء في مواضع أخر # وكان من أسباب ضلال هؤلاء تقصير الطائفتين أو قصورهم عن معرفة ما جاء به ~~الرسول وما كان عليه السلف ومعرفة المعقول الصريح فان هذا هو الكتاب وهذا ~~هو الميزان وقد قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) # وهذه المسألة لا تحتمل البسط على هذه الأمور إذ كان المقصود هنا التنبيه ~~على أن هؤلاء المتنازعين أجمعوا على أصل فاسد ثم تفرقوا فأجمعوا على أن ~~جعلوا عين صفة الرب الخالق هي عين صفة المخلوق ثم قال هؤلاء وصفة المخلوق ~~مخلوقة فصفة الرب مخلوقة فقال هؤلاء صفة الرب قديمة فصفة المخلوق قديمة ثم ~~احتاج كل منهما إلى طرد أصله فخرجوا إلى أقوال ظاهرة الفساد خرج النفاة إلى ~~أن الله لم يتكلم بالقرآن ولا بشيء من الكتب الالهية لا التوراة ولا ~~الانجيل ولا غيرهما وانه لم PageV12P082 يناد موسى بنفسه نداء يسمعه منه ~~موسى ولا تكلم بالقرآن العربى ولا التوراة العبرية وخرج هؤلاء إلى أن ما ~~يقوم بالعباد ويتصفون به يكون قديما أزليا وان ما يقوم بهم ويتصفون به لا ~~يكون قائما بهم حالا فيهم بل يكون ظاهرا عنهم من غير قيام بهم # ولما تكلموا في حروف المعجم صاروا بين قولين طائفة فرقت بين المتماثلين ~~فقالت الحرف حرفان هذا قديم وهذا مخلوق كما قال بن حامد والقاضى أبو يعلى ~~وبن عقيل وغيرهم فانكر ذلك عليهم الاكثرون وقالوا هذا مخالفة للحس والعقل ~~فان حقيقة هذاالحرف هي حقيقة هذاالحرف وقالوا الحرف حرف واحد وصنف في ذلك ~~القاضي يعقوب البرزيني مصنفا خالف به شيخه القاضي أبا يعلى مع قوله في ~~مصنفه وينبغى أن يعلم ان ما سطرته في هذه المسألة ان ذلك مما استفدته وتفرع ~~عندى من شيخنا وامامنا القاضي ابى يعلى بن الفراء وان كان قد نصر خلاف ما ~~ذكرته في هذا الباب فهو العالم المقتدى به في ms3762 علمه ودينه فانى ما رأيت أحسن ~~سمتا منه ولا أكثراجتهادا منه ولا تشاغلا بالعلم مع كثرة العلم والصيانة ~~والانقطاع عن الناس والزهادة فيما بايديهم والقناعة في الدنيا باليسير مع ~~حسن التجمل وعظم حشمته عند الخاص والعام ولم يعدل بهذه الاخلاق شيئا من نفر ~~من الدنيا PageV12P083 وذكر القاضي يعقوب في مصنفه ان ما قاله قول ابى بكر ~~أحمد بن المسيب الطبرى وحكاه عن جماعة من أفضل أهل طبرستان وانه سمع الفقيه ~~عبد الوهاب بن حلبه قاضى حران يقول هو مذهب العلوى 2 الحرانى وجماعة من أهل ~~حران وذكره أبو عبد الله بن حامد عن جماعة من أهل طبرستان ممن ينتمى إلى ~~مذهبنا كأبى محمد الكشفل واسماعيل الكاوذرى في خلق من اتباعهم يقولون إنها ~~قديمة قال القاضي أبو يعلى وكذلك حكى لى عن طائفة بالشام انها تذهب إلى ذلك ~~منهم النابلسى وغيره وذكر القاضي حسين أن أباه رجع في آخر عمره إلى هذا ~~وذكروه عن الشريف أبى على بن أبى موسى وتبعهم في ذلك الشيخ أبو الفرج ~~المقدسى وابنه عبد الوهاب وسائر اتباعه وأبو الحسن بن الزاغونى وأمثاله ~~وذكر القاضي يعقوب أن كلام أحمد يحتمل القولين # وهؤلاء تعلقوا بقول أحمد لما قيل له ان سريا السقطى قال لما خلق الله ~~الاحرف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر فقال أحمد هذا كفر وهؤلاء ~~تعلقوا من قول أحمد بقوله كل شيء من المخلوقين على لسان المخلوقين فهو ~~مخلوق وبقوله لو كان كذلك لما تمت صلاته بالقرآن كما لا تتم بغيره من كلام ~~الناس وبقول أحمد PageV12P084 لأحمد بن الحسن الترمذى ألست مخلوقا قال بلى ~~قال أليس كل شيء منك مخلوقا قال بلى قال فكلامك منك وهو مخلوق # قلت الذى قاله أحمد في هذا الباب صواب يصدق بعضه بعضا وليس في كلامه ~~تناقض وهو انكره على من قال ان الله خلق الحروف فان من قال ان الحروف ~~مخلوقة كان مضمون قوله ان الله لم يتكلم بقرآن عربى وان القرآن العربى ~~مخلوق ونص أحمد ms3763 ايضا على ان كلام الادميين مخلوق ولم يجعل شيئا منه غير ~~مخلوق وكل هذا صحيح والسرى رحمه الله انما ذكر ذلك عن بكر بن خنيس العابد ~~فكان مقصودهما بذلك ان الذى لا يعبد الله إلا بامره هو أكمل ممن يعبده ~~برأيه من غير أمر من الله واستشهدا على ذلك بما بلغهما أنه لما خلق الله ~~الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر وهذا الأثر لا يقوم بمثله ~~حجة في شيء ولكن مقصودهما ضرب المثل أن الألف منتصبة في الخط ليست هي ~~مضطجعة كالباء والتاء فمن لم يفعل حتى يؤمر أكمل ممن فعل بغير أمر # وأحمد أنكر قول القائل أن الله لما خلق الحروف وروى عنه أنه قال من قال ~~إن حرفا من حروف المعجم مخلوق فهو جهمى لأنه سلك طريقا إلى البدعة ومن قال ~~ان ذلك مخلوق فقد قال ان القرآن مخلوق وأحمد قد صرح هو وغيره من الأئمة ان ~~الله لم يزل متكلما إذا PageV12P085 شاء وصرح أن الله يتكلم بمشيئته ولكن ~~أتباع بن كلاب كالقاضى وغيره تأولوا كلامه على أنه أراد بذلك إذا شاء ~~الاسماع لانه عندهم لم يتكلم بمشيئته وقدرته # وصرح أحمد وغيره من السلف ان القرآن كلام الله غير مخلوق ولم يقل أحد من ~~السلف ان الله تكلم بغير مشيئته وقدرته ولا قال أحد منهم أن نفس الكلام ~~المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أو غير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلى ~~لم يزل ولا يزال وان الله قامت به حروف معينة أو حروف وأصوات معينة قديمة ~~أزلية لم تزل ولا تزال فان هذا لم يقله ولا دل عليه قول أحمد ولا غيره من ~~أئمة المسلمين بل كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في نقيض هذا وأن الله ~~يتكلم بمشيئته وقدرته وانه لم يزل يتكلم إذا شاء مع قولهم إن كلام الله غير ~~مخلوق وانه منه بدأ ليس بمخلوق ابتدأ من غيره ونصوصهم بذلك كثيرة معروفة في ~~الكتب الثابتة عنهم مثل ما صنف أبو ms3764 بكر الخلال في كتاب السنة وغيره وما ~~صنفه عبد الرحمن بن أبى حاتم من كلام أحمد وغيره وما صنفه أصحابه وأصحاب ~~أصحابه كابنيه صالح وعبد الله وحنبل وأبى داود السجستانى صاحب السنن ~~والاثرم والمروذى وأبى زرعة وأبى حاتم والبخارى صاحب الصحيح وعثمان بن سعيد ~~الدارمى وابراهيم الحربى وعبد الوهاب الوراق PageV12P086 وعباس بن عبد ~~العظيم العنبرى وحرب بن إسماعيل الكرمانى ومن لا يحصى عدده من أكابر أهل ~~العلم والدين وأصحاب أصحابه ممن جمع كلامه وأخباره كعبد الرحمن بن أبى حاتم ~~وأبى بكر الخلال وأبى الحسن البنانى الاصبهانى وأمثال هؤلاء ومن كان أيضا ~~يأتم به وبأمثاله من الأئمة في الأصول والفروع كأبى عيسى الترمذى صاحب ~~الجامع وأبى عبد الرحمن النسائى وأمثالهما ومثل أبى محمد بن قتيبة وأمثاله ~~وبسط هذا له موضع آخر # وقد ذكرنا في المسائل الطبرستانية والكيلانية بسط مذاهب الناس وكيف تشعبت ~~وتفرعت في هذا الأصل # والمقصود هنا ان كثيرا من الناس المتأخرين لم يعرفوا حقيقة كلام السلف ~~والأئمة فمنهم من يعظمهم ويقول انه متبع لهم مع انه مخالف لهم من حيث لا ~~يشعر ومنهم من يظن أنهم كانوا لا يعرفون أصول الدين ولا تقريرها بالدلائل ~~البرهانية وذلك لجهله بعلمهم بل لجهله بما جاء به الرسول من الحق الذى تدل ~~عليه الدلائل العقلية مع السمعية فلهذا يوجد كثير من المتأخرين يشتركون في ~~أصل فاسد ثم يفرع كل قوم عليه فروعا فاسدة يلتزمونها كما صرحوا في تكلم ~~الله تعالى بالقرآن العربى وبالتوراة العبرية وما فيهما من حروف الهجاء ~~مؤلفا أو مفردا لما رأوا ان ذلك بلغ بصفات المخلوقين اشتبه بصفات المخلوقين ~~فلم يهتدوا لموضع PageV12P087 الجمع والفرق فقال هؤلاء هذا الذى يقرأ ويسمع ~~مثل كلام المخلوقين فهو مخلوق # وقال هؤلاء هذا الذى من كلام الآدميين هو مثل كلام الله فيكون غير مخلوق ~~كما ذكر بن عقيل في كتاب الارشاد عن بعض القائلين بأن القرآن مخلوق فقال ~~شبهة اعترض بها على بعض أئمتهم فقال أقل ما في القرآن من امارات الحدث كونه ~~مشبها لكلامنا ms3765 والقديم لا يشبه المحدث ومعلوم انه لا يمكن دفع ذلك لأن قول ~~القائل لغلامه يحيى يا يحيى خذ الكتاب بقوة يضاهى قوله سبحانه حتى لا يميز ~~السامع بينهما من حيث حسه إلا أن يخبره أحدهما بقصده والاخر بقصده فيميز ~~بينهما بخبر القائل لا بحسه وإذا اشتبها إلى هذا الحد فكيف يجوز دعوى قدم ~~ما يشابه المحدث ويسد مسده مع انه إن جاز دعوى قدم الكلام مع كونه مشاهدا ~~للمحدث جاز دعوى التشبيه بظواهر الآي والاخبار ولا مانع من ذلك فلما فزعنا ~~نحن وأنتم إلى نفى التشبيه خوفا من جواب دخول القرآن بالحدث علينا كذلك يجب ~~أن تفزعوا من القول بالقدم مع وجود الشبه حتى ان بعض أصحابكم يقول لقوة ما ~~رأى من الشبه بينهما ان الكلام واحد والحروف غير مخلوقة فكيف يجوز ان يقال ~~في الشيء الواحد انه قديم محدث PageV12P088 قلت وهذا الذى حكى عنه بن عقيل ~~من بعض الاصحاب المذكورين منهم القاضي يعقوب البرزينى ذكره في مصنفه فقال ~~دليل عاشر وهو ان هذه الحروف بعينها وصفتها ومعناها وفائدتها هي التى في ~~كتاب الله تعالى وفى اسمائه وصفاته والكتاب بحروفه قديم وكذلك ها هنا قال ~~فإن قيل لا نسلم ان تلك لها حرمة وهذه لا حرمة لها قيل لا نسلم بل لها حرمة # فإن قيل لو كان لها حرمة لوجب أن تمنع الحائض والنفساء من مسها وقراءتها ~~قيل قد لا تمنع من قراءتها ومسها ويكون لها حرمة كبعض آية لا تمنع من ~~قراءتها ولها حرمة وهى قديمة وانما لم تمنع من قراءتها ومسها للحاجة إلى ~~تعليمها كما يقال في الصبى يجوز له مس المصحف على غير طهارة للحاجة إلى ~~تعليمه # فإن قيل فيجب إذا حلف بها حالف ان تنعقد يمينه وإذا خالف يمينه أن يحنث ~~قيل له كما في حروف القرآن مثله نقول هنا # فإن قيل أليس إذا وافقها في هذه المعانى دل على انها هي الا ترى انه إذا ~~تكلم متكلم بكلمة يقصد بها خطاب آدمى فوافق صفتها صفة ms3766 ما في كتاب الله ~~تعالى مثل قوله يا داود يا نوح يا يحيى وغيرذلك فإنه موافق لهذه الأسماء ~~التى في كتاب الله وان PageV12P089 كانت في كتاب الله قديمة وفى خطاب ~~الآدمى محدثة # قيل كل ما كان موافقا لكتاب الله من الكلام في لفظه ونظمه وحروفه فهو من ~~كتاب الله وان قصد به خطاب آدمى # فإن قيل فيجب إذا أراد بهذه الأسماء آدميا وهو في الصلاة ان لا تبطل ~~صلاته # قيل له كذلك نقول وقد ورد مثل ذلك عن علي وغيره اذ ناداه رجل من الخوارج ~~( لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) قال فأجابه على وهو في ~~الصلاة ( فاصبر أن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) وعن بن مسعود ~~انه استأذن عليه بعض أصحابه فقال ( ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ) # قال فإن قيل أليس إذا قال ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) ونوى به خطاب غلام ~~اسمه يحيى يكون الخطاب مخلوقا وان نوى به القرآن يكون قديما قيل له في كلا ~~الحالين يكون قديما لأن القديم عبارة عما كان موجودا فيما لم يزل والمحدث ~~عبارة عما حدث بعد ان لم يكن والنية لا تجعل المحدث قديما ولا القديم محدثا ~~قال ومن قال هذا فقد بالغ في الجهل والخطأ PageV12P090 # وقال ايضا كل شيء يشبه بشيء ما فانما يشبهه في بعض الأشياء دون بعض ولا ~~يشبهه من جميع أحواله لأنه إذا كان مثله في جميع احواله كان هو لا غيره وقد ~~بينا أن هذه الحروف تشبه حروف القرآن فهي غيرها اه # ( قلت ) هذا كلام القاضي يعقوب وامثاله مع انه اجل من تكلم في هذه ~~المسألة ولما كان جوابه مشتملا على ما يخالف النص والاجماع والعقل خالفه بن ~~عقيل وغيره من أئمة المذهب الذين هم أعلم به # وأجاب بن عقيل عن سؤال الذين قالوا هذا مثل هذا بان قال الاشتراك في ~~الحقيقة لا يدل على الاشتراك في الحدوث كما ان كونه عالما هو تبينه للشيء ~~على أصلكم ومعرفته به على قولنا ms3767 على الوجه الذى يتبينه الواحد منا وليس ~~مماثلا لنا في كوننا عالمين وكذلك كونه قادرا هو صحة الفعل منه سبحانه ~~وتعالى وليست قدرته على الوجه الذى قدرنا عليها فليس الاشتراك في الحقيقة ~~حاصلا والافتراق في القدم والحدوث حاصل # قال وجواب آخر لا نقول ان الله يتكلم بكلامه على الوجه PageV12P091 الذى ~~يتكلم به زيد بمعنى انه يقول يا يحيى فإذا فرغ من ذلك انتقل إلى قوله خذ ~~الكتاب بقوة وترتب في الوجود كذلك بل هو سبحانه وتعالى يتكلم به على وجه ~~تعجز عن مثله أدواتنا فما ذكرته من الاشتباه من قول القائل يا يحيى خذ ~~الكتاب يعود إلى اشتباه التلاوة بالكلام المحدث فأماأنه يشابه الكلام ~~القائم بذاته فلا # قال بن عقيل قالوا فهذا لا يجيء على مذهبكم فان عندكم التلاوة هي المتلو ~~والقراءة هي المقروء قيل ليس معنى قولنا هي المتلو انها هذه الأصوات ~~المقطعة وانما نريد به ما يظهر من الحروف القديمة في الاصوات المحدثة ~~وظهورها في المحدث لابد ان يكسبها صفة التقطيع لاختلاف الانفاس وادارة ~~اللهوات لأن الآلة التى تظهر عليها لا تحمل الكلام إلا على وجه التقطيع ~~وكلام الباري قائم بذاته على خلاف هذا التقطيع والابتداء والانتهاء ~~والتكرار والبعدية والقبلية # ومن قال ذلك لم يعرف حد القديم وادعى قدم الاعراض وتقطع القديم وتقطع ~~القديم عرض لا يقوم بقديم ومن اعتقد ان كلام الله القائم بذاته على حد ~~تلاوة التالى من القطع والوصل والتقريب والتبعيد والبعدية والقبلية فقد شبه ~~الله بخلقه ولهذا روى في الخبر أن موسى سأله بنو اسرائيل كيف سمعت كلام ربك ~~قال كالرعد الذى لا يترجع يعنى ينقطع لعدم قطع الانفاس وعدم الأنفاس ~~والآلات والشفاه PageV12P092 واللهوات ومن قال غير ذلك وتوهم ان الله تكلم ~~على لسان التالى أو الكلام الذى قام بذاته على هذه الصفة من التقطيع والوصل ~~والتقريب والتبعيد فقد حكم به محدثا لأن الدلالة على حدوث العالم هو ~~الاجتماع والافتراق ولأن هذه من صفات الأدوات ا ه # قلت فهذا الذى قاله إبن عقيل أقل ms3768 خطأ مما قاله البرزينى فان ذلك مخالف ~~للنص والإجماع والعقل مخالفة ظاهرة فانه قد ثبت بالنص والاجماع ان من تكلم ~~في الصلاة بكلام الآدميين عامدا لغير مصلحتها عالما بالتحريم بطلت صلاته ~~بالاجماع خلاف ماذكره القاضي يعقوب ومتى قصد به التلاوة لم تبطل بالاجماع ~~وان قصد به التلاوة والخطاب ففيه نزاع وظاهر مذهب أحمد لا تبطل كمذهب ~~الشافعى وغيره وقيل تبطل كقول أبي حنيفة وغيره # وما ذكروه عن الصحابة حجة عليهم فان قول على بن أبي طالب ( فاصبر إن وعد ~~الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) هو كلام الله ولم يقصد على أن يقول ~~للخارجي ولا يستخفنك الخوارج وإنما قصد أن يسمعه الآية وانه عامل بها صابر ~~لا يستخفه الذين لا يوقنون وبن مسعود قال لهم وهو بالكوفة ( ادخلوا مصر إن ~~شاء الله آمنين ) ومعلوم ان مصر بلا تنوين هي مصر المدينة وهذه لم تكن ~~بالكوفة وإبن مسعود إنما كان بالكوفة فعلم أنه قصد تلاوة الآية وقصد مع ~~PageV12P093 ذلك تنبيه الحاضرين على الدخول فانهم سمعوا قوله ادخلوا فعلموا ~~انه أذن لهم في الدخول وان كان هو تلا الآية فهذا هذا # وأما جواب بن عقيل فبناه على أصل بن كلاب الذى يعتقده هو وشيخه وغيرهما ~~وهو الأصل الذى وافقوا فيه بن كلاب ومن اتبعه كالأشعرى وغيره وهو أن الله ~~لا يتكلم بمشيئته وقدرته وانه ليس فيما يقوم به شيء يكون بمشيئته وقدرته ~~لامتناع قيام الأمور الاختيارية به عندهم لأنها حادثة والله لا يقوم به ~~حادث عندهم ولهذا تأولوا النصوص المناقضة لهذا الأصل كقوله تعالى ( وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) فان هذا يقتضى انه سيرى ~~الأعمال في المستقبل وكذلك قوله ( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون ) وقوله ( اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ) وكذلك قوله ( ~~قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) فان هذا يقتضى أنه يحبهم بعد ~~اتباع الرسول وكذلك قوله تعالى ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم ) فان هذا يقتضى انه ms3769 قال لهم بعد خلق آدم وكذلك قوله تعالى ( ~~فلما أتاها نودي ) يقتضى أنه نودي لما أتاها لم يناد قبل ذلك وكذلك قوله ( ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ومثل هذا في القرآن كثير ~~PageV12P094 وهذا الأصل هو مما أنكره الامام أحمد على بن كلاب وأصحابه حتى ~~على الحارث المحاسبى مع جلالة قدر الحارث وأمر أحمد بهجره وهجر الكلابية ~~وقال احذروا من حارث الآفة كلها من حارث فمات الحارث وما صلى عليه إلا نفر ~~قليل بسبب تحذير الامام أحمد عنه مع أن فيه من العلم والدين ما هو أفضل من ~~عامة من وافق بن كلاب على هذا الأصل وقد قيل إن الحارث رجع عن ذلك وأقر بأن ~~الله يتكلم بصوت كما حكى عنه ذلك صاحب التعرف لمذهب التصوف أبو بكر محمد بن ~~إسحاق الكلاباذي # وكثير من المتأخرين من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة وافقوا بن ~~كلاب على هذا الأصل كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع أخر # واختلف كلام بن عقيل في هذا الأصل فتارة يقول بقول بن كلاب وتارة يقول ~~بمذهب السلف وأهل الحديث أن الله تقوم به الأمور الاختيارية ويقول انه قام ~~به أبصار متجددة حين تجدد المرئيات لم تكن قبل ذلك وقام به علم بأن كل شيء ~~وجد غير العلم الذى كان أولا أنه سيوجد كما دل على ذلك عدة آيات في القرآن ~~كقوله تعالى ( لنعلم من يتبع الرسول ) وغير ذلك وكلامه في هذا الأصل وغيره ~~يختلف تارة يقول بهذا وتارة يقول بهذا فان هذه المواضع مواضع PageV12P095 ~~مشكلة كثر فيها غلط الناس لما فيها من الاشتباه والالتباس # والجواب الحق أن كلام الله لا يماثل كلام المخلوقين كما لا يماثل في شيء ~~من صفاته صفات المخلوقين وقول القائل إن الاشتراك في الحقيقة لا يدل على ~~الاشتراك في الحدوث لفظ مجمل فانا إذا قلنا لله علم ولنا علم أو له قدرة ~~ولنا قدرة أو له كلام ولنا كلام أو تكلم بصوت ونحن نتكلم بصوت وقلنا ms3770 صفة ~~الخالق وصفة المخلوق اشتركتا في الحقيقة فان أريد بذلك ان حقيقتهما واحدة ~~بالعين فهذا مخالف للحس والعقل والشرع وان أريد بذلك أن هذه مماثلة لهذه في ~~الحقيقة وإنما اختلفتا في الصفات العرضية كما قال ذلك طائفة من أهل الكلام ~~وقد بين فساد ذلك في الكلام على الأربعين للرازى وغير ذلك فهذا أيضا من ~~أبطل الباطل وذلك يستلزم أن تكون حقيقة ذات الباري عز وجل مماثلة لحقيقة ~~ذوات المخلوقين # وان أريد بذلك أنهما اشتركا في مسمى العلم والقدرة والكلام فهذا صحيح كما ~~انه إذا قيل إنه موجود أو ان له ذاتا فقد اشتركا في مسمى الوجود والذات لكن ~~هذا المشترك أمر كلى لا يوجد كليا إلا في الأذهان لا في الاعيان فليس في ~~الخارج شيء اشترك فيه مخلوقان كاشتراك الجزئيات في كلياتها بخلاف اشتراك ~~الاجزاء في الكل فانه يجب الفرق بين قسمة الكلى إلى جزئياته كقسمة الحيوان ~~إلى PageV12P096 ناطق وغير ناطق وقسمة الانسان إلى مسلم وكافر وقسمة الاسم ~~إلى معرب ومبنى وقسمة الكل إلى أجزائه كقسمة العقار بين الشركاء وقسمة ~~الكلام إلى إسم وفعل وحرف ففى الأول انما اشتركت الأقسام في أمر كلى فضلا ~~عن أن يكون الخالق والمخلوقون مشتركين في شيء موجود في الخارج وليس في ~~الخارج صفة لله يماثل بها صفة المخلوق بل كل ما يوصف به الرب تعالى فهو ~~مخالف بالحد والحقيقة لما يوصف به المخلوق أعظم مما يخالف المخلوق المخلوق ~~واذا كان المخلوق مخالفا بذاته وصفاته لبعض المخلوقات في الحد والحقيقة ~~فمخالفة الخالق لكل مخلوق في الحقيقة أعظم من مخالفة أى مخلوق فرض لأي ~~مخلوق فرض ولكن علمه ثبت له حقيقة العلم ولقدرته حقيقة القدرة ولكلامه ~~حقيقة الكلام كما ثبت لذاته حقيقة الذاتية ولوجوده حقيقة الوجود وهو أحق ~~بأن تثبت له صفات الكمال على الحقيقة من كل ما سواه # فهذا هو المراد بقولنا علمه يشارك علم المخلوق في الحقيقة فليس ما يسمع ~~من العباد من أصواتهم مشابها ولا مماثلا لما سمعه موسى من صوته إلا كما ms3771 ~~يشبه ويماثل غير ذلك من صفاته لصفات المخلوقين فهذا في نفس تكلمه سبحانه ~~وتعالى بالقرآن والقرآن عند الامام أحمد وسائر أئمة السنة كلامه تكلم به ~~وتكلم بالقرآن العربى بصوت نفسه وكلم موسى بصوت نفسه الذي لا يماثل شيئا من ~~أصوات العباد PageV12P097 # ثم إذا قرأنا القرآن فانما نقرؤه باصواتنا المخلوقة التى لا تماثل صوت ~~الرب فالقرآن الذى نقرؤه هو كلام الله مبلغا عنه لا مسموعا منه وانما نقرؤه ~~بحركاتنا واصواتنا الكلام كلام الباري والصوت صوت القارىء كما دل على ذلك ~~الكتاب والسنة مع العقل قال الله تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك ~~فاجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) وقال النبى ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ( وقال الامام أحمد في قول النبى صلى الله عليه وسلم ( ليس منا من ~~لم يتغن بالقرآن ( قال يزينه ويحسنه بصوته كما قال ( زينوا القرآن بأصواتكم ~~( # فنص أحمد على ما جاء به الكتاب والسنة انا نقرأ القرآن باصواتنا والقرآن ~~كلام الله كله لفظه ومعناه سمعه جبريل من الله وبلغه إلى محمد وسمعه محمد ~~منه وبلغه محمد إلى الخلق والخلق يبلغه بعضهم إلى بعض ويسمعه بعضهم من بعض ~~ومعلوم انهم إذا سمعوا كلام النبى وغيره فبلغوه عنه كما قال نضر الله امرأ ~~سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فهم سمعوا اللفظ من الرسول بصوت نفسه بالحروف ~~التى تكلم بها وبلغوا لفظه باصوات انفسهم وقد علم الفرق بين من يروى الحديث ~~بالمعنى لا باللفظ واللفظ المبلغ هو لفظ الرسول وهو كلام الرسول فان كان ~~صوت PageV12P098 المبلغ ليس صوت الرسول وليس ما قام بالرسول من الصفات ~~والأعراض فارقته وما قامت بغيره بل ولا تقوم الصفة والعرض بغير محله وإذا ~~كان هذا معقولا في صفات المخلوقين فصفات الخالق اولى بكل صفة كمال وأبعد عن ~~كل صفة نقص والتباين الذى بين صفة الخالق والمخلوق اعظم من التباين الذى ~~بين صفة مخلوق ومخلوق وامتناع الاتحاد والحلول بالذات للخالق وصفاته في ~~المخلوق أعظم من الاتحاد والحلول بالذات للمخلوق وصفاته في المخلوق وهذه ~~جمل قد ms3772 بسطت في مواضع آخر # هذا مع ان احتجاج الجهمية والمعتزلة بان كلام المخلوق بقوله ( يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة ) مثل كلام الخالق غلط باتفاق الناس حتى عندهم فان الذين ~~يقولون هو مخلوق يقولون انه خلقه في بعض الاجسام أما الهواء أو غيره كما ~~يقولون أنه خلق الكلام في نفس الشجرة فسمعه موسى # ومعلوم ان تلك الحروف والاصوات التى خلقها الله ليست مماثلة لما يسمع من ~~العبد وتلك هي كلام الله المسموع منه عندهم كما ان أهل السنة يقولون الذى ~~تكلم هو الله بمشيئته وليس ذلك مماثلا لصوت PageV12P099 العبد وأما ~~القائلون بقدم الكلام المعين سواء كان معنى أو حروفا أو اصواتا فيقولون خلق ~~لموسى إدراكا ادرك به ذلك القديم وبكل حال فكلام المتكلم إذا سمع من المبلغ ~~عنه ( غير ما قام بنفس المتكلم المنشىء ) فكيف ( لا ) يكون ذلك في كلام ~~الله تعالى # فيجب على الانسان في مسألة الكلام ان يتحرى أصلين احدهما تكلم الله ~~بالقرآن وغيره هل تكلم به بمشيئته وقدرته أم لا وهل تكلم بكلام قائم بذاته ~~أم خلقه في غيره والثانى تبليغ ذلك الكلام عن الله وأنه ليس مما يتصف به ~~الثانى وان كان المقصود بالتبليغ الكلام المبلغ وبسط هذا له موضع آخر # وأيضا فهذان المتنازعان اذا قال احدهما انها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ~~ونقطها محدث وقال الآخر انها ليست بكلام الله وانها مخلوقة بشكلها ونقطها ~~قد يفهم من هذا انهما ارادا بالحروف الحروف المكتوبة دون المنطوقة والحروف ~~المكتوبة قد تنازع الناس في شكلها ونقطها فان الصحابة لما كتبوا المصاحف ~~كتبوها غير مشكولة ولا منقوطة لأنهم انما كانوا يعتمدون في القرآن على حفظه ~~في صدورهم لا على المصاحف وهو منقول بالتواتر محفوظ في الصدور ولو عدمت ~~المصاحف لم يكن للمسلمين بها حاجة فان المسلمين ليسوا كأهل الكتاب الذين ~~يعتمدون على الكتب التى تقبل التغير والله أنزل القرآن على محمد فتلقاه ~~تلقيا وحفظه في قلبه لم ينزله مكتوبا كالتوراة PageV12P100 وأنزله منجما ~~مفرقا ليحفظ فلا يحتاج إلى كتاب كما قال ms3773 تعالى ( وقالوا لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة ) الآية وقال تعالى ( وقرآنا فرقناه ) الآية وقال تعالى ~~( ولا تعجل بالقرآن ) الآية وقال تعالى إن ( علينا جمعه وقرآنه ) الآية # وفى الصحيح عن إبن عباس قال كان النبى يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك ~~شفتيه فقال بن عباس أنا أحركهما لك كما كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~يحركهما فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا ~~جمعه وقرآنه ) قال جمعه في صدرك ثم تقرأه ( فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ) قال ~~فاستمع له وانصت ( ثم ان علينا بيانه ) أي نبينه بلسانك فكان النبى إذا ~~أتاه جبريل استمع فاذا انطلق جبريل قرأه النبى كما أقرأه فلهذا لم تكن ~~الصحابة ينقطون المصاحف ويشكلونها وأيضا كانوا عربا لا يلحنون فلم يحتاجوا ~~إلى تقييدها بالنقط وكان في اللفظ الواحد قراءتان يقرأ بالياء والتاء مثل ~~يعملون وتعملون فلم يقيدوه باحدهما ليمنعوه من الأخرى # ثم أنه في زمن التابعين لما حدث اللحن صار بعض التابعين يشكل المصاحف ~~وينقطها وكانوا يعملون ذلك بالحمرة ويعملون الفتح بنقطة حمراء فوق الحرف ~~والكسرة بنقطة حمراء تحته والضمة بنقطة حمراء PageV12P101 امامه ثم مدوا ~~النقطة وصاروا يعملون الشدة بقولك شد ويعملون المدة بقولك مد وجعلوا علامة ~~الهمزة تشبه العين لأن الهمزة أخت العين ثم خففوا ذلك حتى صارت علامة الشدة ~~مثل رأس السين وعلامة المدة مختصرة كما يختصر أهل الديوان الفاظ العدد وغير ~~ذلك وكما يختصر المحدثون أخبرنا وحدثنا فيكتبون أول اللفظ وآخره على شكل ~~أنا وعلى شكل ثنا وتنازع العلماء هل يكره تشكيل المصاحف وتنقيطها على قولين ~~معروفين وهما روايتان عن الامام أحمد لكن لا نزاع بينهم ان المصحف إذا شكل ~~ونقط وجب احترام الشكل والنقط كما يجب احترام الحرف ولا تنازع بينهم ان ~~مداد النقطة والشكل مخلوق كما أن مداد الحرف مخلوق ولا نزاع بينهم ان الشكل ~~يدل على الأعراب والنقط يدل على الحروف وان الاعراب من تمام الكلام العربى # ويروى عن أبى بكر وعمر انهما قالا حفظ إعراب ms3774 القرآن أحب الينا من حفظ بعض ~~حروفه ولا ريب ان النقطة والشكلة بمجردهما لا حكم لهما ولا حرمة ولا ينبغى ~~أن يجرد الكلام فيهما ولا ريب أن إعراب القرآن العربى من تمامه ويجب ~~الاعتناء باعرابه والشكل يبين إعرابه كما تبين الحروف المكتوبة للحرف ~~المنطوق كذلك يبين الشكل المكتوب للاعراب المنطوق PageV12P102 # فهذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصورا تاما ظهر لهم الصواب وقلت ~~الاهواء والعصبيات وعرفوا موارد النزاع فمن تبين له الحق في شيء من ذلك ~~اتبعه ومن خفى عليه توقف حتى يبينه الله له وينبغى له أن يستعين على ذلك ~~بدعاء الله ومن أحسن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول ( اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لمااختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء ~~إلى صراط مستقيم ( # وقول القائل الآخر كلامه كتب بها يقتضى انه أراد بالحروف ما يتناول ~~المنطوق والمكتوب كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من قرأ القرآن فله ~~بكل حرف عشر حسنات أما إنى لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ~~( قال الترمذى حديث صحيح فهنا لم يرد النبى بالحرف نفس المداد وشكل المداد ~~وإنما اراد الحرف المنطوق وفى مراده بالحرف قولان قيل هذا اللفظ المفرد ~~وقيل أراد بالحرف الاسم كما قال ألف حرف ولام حرف وميم حرف # ولفظ الحرف والكلمة له في لغة العرب التى كان النبى صلى PageV12P103 الله ~~عليه وسلم يتكلم بها معنى وله في اصطلاح النحاة معنى فالكلمة في لغتهم هي ~~الجملة التامة الجملة الاسمية أو الفعلية كما قال النبى في الحديث المتفق ~~على صحته ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى ~~الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقال ( إن أصدق كلمة قالها ~~الشاعر كلمة لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% #وقال ( ان ms3775 العبد ليتكلم ~~بالكلمة من رضوان الله ما يظن ان تبلغ مابلغت يكتب له بها رضوانه إلى يوم ~~القيامة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب ~~له بها سخطه إلى يوم القيامة ( وقال لأم المؤمنين ( لقد قلت بعدك اربع ~~كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان الله ~~رضا نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته ( ومنه قوله تعالى ( ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) وقوله ( وألزمهم كلمة ~~التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ) وقوله تعالى ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ) وقوله ( وجعلها كلمة باقية ~~في عقبه لعلهم يرجعون ) وقوله ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا ) وقول النبى ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل ~~الله ( ونظائره كثيرة # ولا يوجد قط في الكتاب والسنة وكلام العرب لفظ الكلمة إلا PageV12P104 ~~والمراد به الجملة التامة فكثير من النحاة أو أكثرهم لا يعرفون ذلك بل ~~يظنون ان اصطلاحهم في مسمى الكلمة ينقسم إلى إسم وفعل وحرف هو لغة العرب ~~والفاضل منهم يقول # وكلمة بها كلام قد يؤم %~% # ويقولون العرب قد تستعمل الكلمة في الجملة التامة وتستعملها في المفرد ~~وهذا غلط لا يوجد قط في كلام العرب لفظ الكلمة إلا للجملة التامة # ومثل هذا اصطلاح المتكلمين على ان القديم هو مالا أول لوجوده أو مالم ~~يسبقه عدم ثم يقول بعضهم وقد يستعمل القديم في المتقدم على غيره سواء كان ~~أزليا أو لم يكن كما قال تعالى ( حتى عاد كالعرجون القديم ) وقال ( وإذ لم ~~يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) وقوله تعالى ( قالوا تالله انك لفى ~~ضلالك القديم ) وقال ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الاقدمون ) ~~وتخصيص القديم بالأول عرف اصطلاحى ولا ريب انه أولى بالقدم في لغة العرب ~~ولهذا كان لفظ المحدث في لغة العرب بازاء القديم قال تعالى ( ما يأتيهم من ~~ذكر من ms3776 ربهم محدث وهذا يقتضى أن الذى نزل قبله ليس بمحدث بل متقدم وهذا ~~موافق للغة العرب التى نزل بها القرآن PageV12P105 ونظير هذا لفظ القضاء ~~فانه في كلام الله وكلام الرسول المراد به إتمام العبادة وإن كان ذلك في ~~وقتها كما قال تعالى ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله ) وقوله ( فإذا قضيتم مناسككم ) ثم اصطلح طائفة من الفقهاء فجعلوا لفظ ~~القضاء مختصا بفعلها في غير وقتها ولفظ الأداء مختصا بما يفعل في الوقت ~~وهذا التفريق لا يعرف قط في كلام الرسول ثم يقولون قد يستعمل لفظ القضاء في ~~الأداء فيجعلون اللغة التى نزل القرآن بها من النادر # ولهذا يتنازعون في مراد النبى ( فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ( وفى ~~لفظ ( فأتموا ( فيظنون ان بين اللفظين خلافا وليس الأمر كذلك بل قوله ( ~~فاقضوا ( كقوله ( فأتموا ( لم يرد باحدهما الفعل بعد الوقت بل لا يوجد في ~~كلام الشارع أمر بالعبادة في غير وقتها لكن الوقت وقتان وقت عام ووقت خاص ~~لأهل الأعذار كالنائم والناسى إذا صليا بعدالاستيقاظ والذكر فانما صليا في ~~الوقت الذى أمر الله به فان هذا ليس وقتا في حق غيرهما PageV12P106 # ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله ان ينشأ الرجل على اصطلاح ~~حادث فيريد أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح ويحمله على تلك اللغة التى ~~اعتادها وما ذكر في مسمى الكلام ما ذكره سيبويه في كتابه عن العرب فقال ~~وأعلم أن في كلام العرب انما وقعت على أن تحكى وانما يحكى بعد القول ما كان ~~كلاما قولا وإلا فلا يوجد قط لفظ الكلام والكلمة الا للجملة التامة في كلام ~~العرب ولفظ الحرف يراد به الاسم والفعل وحروف المعانى واسم حروف الهجاء ~~ولهذا سأل الخليل أصحابه كيف تنطقون بالزاى من زيد فقالوا زاى فقال نطقتم ~~بالإسم وإنما الحرف زه فبين الخليل ان هذه التى تسمى حروف الهجاء هي اسماء # وكثيرا ما يوجد في كلام المتقدمين هذا حرف من الغريب يعبرون بذلك عن ~~الاسم التام فقوله ms3777 فله بكل حرف مثله بقوله ( ولكن ألف حرف ولام حرف وميم ~~حرف ( وعلى نهج ذلك وذلك حرف والكتاب حرف ونحو ذلك وقد قيل أن ذلك احرف ~~والكتاب احرف وروى ذلك مفسرا في بعض الطرق # والنحاة اصطلحوا اصطلاحا خاصا فجعلوا لفظ الكلمة يراد PageV12P107 به ~~الاسم أو الفعل أو الحرف الذى هو من حروف المعانى لأن سيبويه قال في أول ~~كتابه الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فجعل هذا حرفا خاصا ~~وهو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل لأن سيبويه كان حديث العهد بلغة ~~العرب وقد عرف انهم يسمون الاسم أو الفعل حرفا فقيد كلامه بان قال وقسموا ~~الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولافعل وأراد سيبويه أن ~~الكلام ينقسم إلى ذلك قسمة الكل إلى اجزائه لاقسمة الكلى إلى جزئياته كما ~~يقول الفقهاء بان القسمة كما يقسم العقار والمنقول بين الورثة فيعطى هؤلاء ~~قسم غير قسم هؤلاء كذلك الكلام هو مؤلف من الأسماء والأفعال وحروف المعانى ~~فهو مقسوم اليها وهذا التقسيم غير تقسيم الجنس إلى أنواعه كما يقال الاسم ~~ينقسم إلى معرب ومبنى # وجاء الجزولى وغيره فاعترضوا على النحاة في هذا ولم يفهموا كلامهم فقالوا ~~كل جنس قسم إلى أنواعه أو أشخاص أنواعه فاسم المقسوم صادق على الأنواع ~~والأشخاص والا فليست أقساما له وارادوا بذلك الاعتراض على قول الزجاج ~~الكلام اسم وفعل وحرف والذى ذكره الزجاج هو الذى ذكره سيبويه وسائر أئمة ~~النحاة وأرادوا بذلك القسمة الأولى المعروفة وهى قسمة الأمور الموجودة إلى ~~أجزائها كما يقسم العقار والمال ولم يريدوا بذلك قسمة الكليات التى لا توجد ~~كليات PageV12P108 إلا في الذهن كقسمة الحيوان إلى ناطق وبهيم وقسمة الاسم ~~إلى المعرب والمبنى فان المقسم هنا هو معنى عقلى كلى لا يكون كليا إلا في ~~الذهن ### ||| فصل # ولفظ الحرف يراد به حروف المعانى التى هي قسيمة الأسماء والأفعال مثل ~~حروف الجر والجزم وحرفى التنفيس والحروف المشبهة للأفعال مثل إن وأخواتها ~~وهذه الحروف لها أقسام معروفة في ms3778 كتب العربية كما يقسمونها بحسب الاعراب ~~إلى ما يختص بالأسماء وإلى ما يختص بالافعال ويقولون ما اختص باحد النوعين ~~ولم يكن كالجزء منه كان عاملا كما تعمل حروف الجر وإن وأخواتها في الأسماء ~~وكما تعمل النواصب والجوازم في الأفعال بخلاف حرف التعريف وحرفى التنفيس ~~كالسين وسوف فانهما لا يعملان لأنهما كالجزء من الكلمة ويقولون كان القياس ~~في ما انها لا تعمل لأنها تدخل على الجمل الاسمية والفعلية ولكن أهل الحجاز ~~أعملوها لمشابهتها لليس وبلغتهم جاء القرآن في قوله ( ما هذا بشرا ) ( ما ~~هن أمهاتهم PageV12P109 ويقسمون الحروف باعتبار معانيها إلى حروف استفهام ~~وحروف نفى وحروف تحضيض وغير ذلك ويقسمونها باعتبار بنيتها كما تقسم الأفعال ~~والأسماء إلى مفرد وثنائى وثلاثى ورباعى وخماسى فاسم الحرف هنامنقول عن ~~اللغة إلى عرف النحاة بالتخصيص والا فلفظ الحرف في اللغة يتناول الأسماء ~~والحروف والأفعال وحروف الهجاء تسمى حروفا وهى أسماء كالحروف المذكورة في ~~أوائل السور لأن مسماها هو الحرف الذى هو حرف الكلمة # وتقسم تقسيما آخر إلى حروف حلقية وشفهية والمذكورة في أوائل السور في ~~القرآن هي نصف الحروف واشتملت من كل صنف على أشرف نصفيه على نصف الحلقية ~~والشفهية والمطبقة والمصمتة وغير ذلك من أجناس الحروف # فان لفظ الحرف أصله في اللغة هو الحد والطرف كما يقال حروف الرغيف وحرف ~~الجبل قال الجوهرى حرف كل شيء طرفه وشفيره وحده ومنه حرف الجبل وهو أعلاه ~~المحدد ومنه قوله تعالى ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) إلى قوله ( ~~والآخرة ) فان طرف الشيء إذا كان الانسان عليه لم يكن مستقرا فلهذا كان من ~~عبد الله على السراء دون الضراء عابدا له على حرف تارة يظهره وتارة ينقلب ~~PageV12P110 على وجهه كالواقف على حرف الجبل فسميت حروف الكلام حروفا لأنها ~~طرف الكلام وحده ومنتهاه إذ كان مبدأ الكلام من نفس المتكلم ومنتهاه حده ~~وحرفه القائم بشفتيه ولسانه ولهذا قال تعالى ( ألم نجعل له عينين ولسانا ~~وشفتين ) فلفظ الحرف يراد به هذا وهذا وهذا # ثم إذا كتب الكلام في المصحف ms3779 سموا ذلك حروفا فيراد بالحرف الشكل المخصوص ~~ولكل أمة شكل مخصوص هي خطوطهم التى يكتبون بها كلامهم ويراد به المادة ~~ويراد به مجموعهما وهذه الحروف المكتوبة تطابق الحروف المنطوقة وتبينها ~~وتدل عليها فسميت باسمائها إذ كان الانسان يكتب اللفظ بقلمه ولهذا كان أول ~~ما أنزل الله على نبيه ( اقرأ باسم ربك الذى خلق ) إلى قوله ( ما لم يعلم ) ~~فبين سبحانه في أول ما أنزله انه سبحانه هو الخالق الهادى الذى خلق فسوى ~~والذى قدر فهدى كما قال موسى ( ربنا الذى اعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) فالخلق ~~يتناول كل ما سواه من المخلوقات ثم خص الانسان فقال ( خلق الانسان من علق ) ~~ثم ذكر انه علم فان الهدى والتعليم هو كمال المخلوقات # والعلم له ثلاث مراتب علم بالجنان وعبارة باللسان وخط PageV12P111 ~~بالبنان ولهذا قيل ان لكل شيء أربع وجودات وجود عينى وعلمى ولفظى ورسمى ~~وجود في الأعيان ووجود في الأذهان واللسان والبنان لكن الوجود العينى هو ~~وجود الموجودات في أنفسها والله خالق كل شيء وأما الذهنى الجنانى فهو العلم ~~بها الذى في القلوب والعبارة عن ذلك هو اللسانى وكتابة ذلك هو الرسمى ~~البنانى وتعليم الخط يستلزم تعليم العبارة واللفظ وذلك يستلزم تعليم العلم ~~فقال ( علم بالقلم ) لأن التعليم بالقلم يستلزم المراتب الثلاث وأطلق ~~التعليم ثم خص فقال ( علم الانسان مالم يعلم ) # وقد تنازع الناس في وجود كل شيء هل هو عين ماهيته أم لا وقد بسط الكلام ~~على ذلك في غير هذا الموضع وبين أن الصواب من ذلك انه قد يراد بالوجود ما ~~هو ثابت في الأعيان وبالماهية ما يتصور في الأذهان فعلى هذا فوجود ~~الموجودات الثابت في الأعيان ليس هو ماهيتها المتصورة في الأذهان لكن الله ~~خلق الموجود الثابت في الأعيان وعلم الماهيات المتصورة في الأذهان كما أنزل ~~بيان ذلك في أول سورة أنزلها من القرآن وقد يراد بالوجود والماهية كلاهما ~~ما هو متحقق في الأعيان وما هو متحقق في الأذهان فاذا أريد بهذا وهذا ما هو ~~متحقق في الأعيان ms3780 أو ما هو متصور في الأذهان فليس هما في الأعيان اثنان بل ~~هذا هو هذا وكذلك الذهن إذا تصور شيئا فتلك الصورة PageV12P112 هي المثال ~~الذى تصورها وذلك هو وجودها الذهنى الذى تتصوره الأذهان فهذا فصل الخطاب في ~~هذا الباب # ومن تدبر هذه المسائل وأمثالها تبين له أن أكثر اختلاف العقلاء من جهة ~~اشتراك الأسماء ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # وقد بسط الكلام على أصول هذه المسائل وتفاصيلها في مواضع أخرى فان الناس ~~كثر نزاعهم فيها حتى قيل مسألة الكلام حيرت عقول الانام ولكن سؤال هذين لا ~~يحتمل البسط الكثير فانهما سألا بحسب ما سمعاه واعتقداه وتصوراه فاذا عرف ~~السائل أصل مسألته ولوازمها وما فيها من الألفاظ المجملة والمعانى المشتبهة ~~تبين له أن من الخلق من تكلم في مثل هذه الأسماء بالنفى والاثبات من غير ~~تفصيل فلا بد له أن يقابله آخر بمثل اطلاقه # ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان نوع جاء به الكتاب والسنة ~~فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفى ما ~~نفاه الله ورسوله فاللفظ الذى أثبته الله أو نفاه حق فان الله يقول الحق ~~وهو يهدى السبيل والألفاظ PageV12P113 الشرعية لها حرمة ومن تمام العلم أن ~~يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته وينفى ما نفاه من المعانى فانه يجب ~~علينا أن نصدقه في كل ما أخبر ونطيعه في كل ما أوجب وأمر ثم إذا عرفنا ~~تفصيل ذلك كان ذلك من زيادة العلم والايمان وقد قال تعالى ( يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) # وأما الألفاظ التى ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو ~~إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده ~~فان أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وان أراد بها معنى يخالف خبر ~~الرسول أنكره # ثم التعبير عن تلك المعانى ان كان في ألفاظه اشتباه أو اجمال عبر ms3781 بغيرها ~~أو بين مراده بها بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي فان كثيرا من نزاع ~~الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة حتى تجد الرجلين يتخاصمان ~~ويتعاديان على اطلاق ألفاظ ونفيها ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم ~~يتصوره فضلا عن أن يعرف دليله ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون ~~مخطئا بل يكون في قوله نوع من الصواب وقد يكون هذا مصيبا من وجه وهذا مصيبا ~~من وجه وقد يكون الصواب في قول ثالث PageV12P114 وكثير من الكتب المصنفة في ~~أصول علوم الدين وغيرها تجد الرجل المصنف فيها في المسألة العظيمة كمسألة ~~القرآن والرؤية والصفات والمعاد وحدوث العالم وغير ذلك يذكر أقوالا متعددة ~~والقول الذى جاء به الرسول وكان عليه سلف الأمة ليس في تلك الكتب بل ولا ~~عرفه مصنفوها ولا شعروا به وهذا من أسباب توكيد التفريق والاختلاف بين ~~الأمة وهو مما نهيت الأمة عنه كما في قوله تعالى ( ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه ) قال بن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه ~~أهل البدعة والفرقة # وقد قال تعالى ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ) وقال تعالى ( وان الذين اختلفوا في الكتاب لفى شقاق بعيد ~~) وقد خرج النبى على أصحابه وهم يتنازعون في القدر وهذا يقول ألم يقل الله ~~كذا وهذا يقول ألم يقل الله كذا فقال ( أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم إنما ~~هلك من كان قبلكم بهذا أن ضربوا كتاب الله بعضه ببعض انظروا ما أمرتم به ~~فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه ( ومما أمر الناس به أن يعملوا بمحكم ~~القرآن ويؤمنوا بمتشابهه PageV12P115 قال شيخ الإسلام إبن تيمية وقد كتبت ~~في أصول هذه المسائل قواعد متعددة وأصول كثيرة ولكن هذا الجواب كتب وصاحبه ~~مستوفز في قعدة واحدة والله تعالى يهدينا وسائر اخواننا لما يحبه ويرضاه ~~والحمد لله رب العالمين PageV12P116 ### || 1 ( القرآن ms3782 كلام الله ) 1 # وقال رحمه الله ! 8 < فصل في بيان أن القرآن العظيم كلام الله العزيز ~~العليم ليس شيء منه كلاما لغيره لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما قال الله ~~تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ~~آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى ~~يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) # فأمره أن يقول ( نزله روح القدس من ربك بالحق ) فان الضمير في قوله ( قل ~~نزله ) عائد على ما في قوله ( بما ينزل ) والمراد به القرآن كما يدل عليه ~~سياق الكلام وقوله ( والله أعلم PageV12P117 بما ينزل ) فيه إخبار الله ~~بأنه انزله لكن ليس في هذه اللفظة بيان ان روح القدس نزل به ولا انه منزل ~~منه # ولفظ الانزال في القرآن قد يرد مقيدا بالانزال منه كنزول القرآن وقد يرد ~~مقيدا بالانزال من السماء ويراد به العلو فيتناول نزول المطر من السحاب ~~ونزول الملائكة من عند الله وغير ذلك وقد يرد مطلقا فلا يختص بنوع من ~~الانزال بل ربما يتناول الانزال من رؤوس الجبال كقوله ( وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد ) والانزال من ظهور الحيوان كانزال الفحل الماء وغيرذلك فقوله ( ~~نزله روح القدس من ربك بالحق ) بيان لنزول جبريل به من الله فإن روح القدس ~~هنا هو جبريل بدليل قوله ( من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك بإذن ~~الله ) وهو الروح الأمين كما في قوله ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به ~~الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ) وفى قوله ( ~~الأمين ) دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص منه فان ~~الرسول الخائن قد يغير الرسالة كما قال في صفته ms3783 في الآية الأخرى ( إنه لقول ~~رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) # وفى قوله ( منزل من ربك ) دلالة على أمور # منها بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه في جسم PageV12P118 من ~~الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهمية الذين يقولون بخلق القرآن من المعتزلة ~~والنجارية والضرارية وغيرهم فان السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال ~~ان القرآن مخلوق وان الله لا يرى في الآخرة جهميا فان جهما أول من ظهرت عنه ~~بدعة نفى الأسماء والصفات وبالغ في نفى ذلك فله في هذه البدعة مزية ~~المبالغة في النفى والابتداء بكثرة اظهار ذلك والدعوة إليه وان كان الجعد ~~بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك # فان الجعد بن درهم أول من أحدث ذلك في الإسلام فضحى به خالد بن عبد الله ~~القسري بواسط يوم النحر وقال يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى ~~مضح بالجعد بن درهم انه زعم ان الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى ~~تكليما تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا ثم نزل فذبحه ولكن ~~المعتزلة وان وافقوا جهما في بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك كمسائل ~~القدر والايمان وبعض مسائل الصفات أيضا ولا يبالغون في النفى مبالغته # وجهم يقول ان الله تعالى لا يتكلم أو يقول انه يتكلم بطريق المجاز وأما ~~المعتزلة فيقولون انه يتكلم حقيقة لكن قولهم في المعنى هو قول جهم وجهم ~~ينفى الأسماء أيضا كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة وأما جمهور ~~المعتزلة فلا ينفون الأسماء PageV12P119 # و ( المقصود ) ان قوله ( منزل من ربك ) فيه بيان انه منزل من الله لا من ~~مخلوق من المخلوقات ولهذا قال السلف منه بدأ أي هو الذى تكلم به لم يبتدأ ~~من غيره كما قالت الخلقية ومنها ان قوله ( منزل من ربك ) فيه بطلان قول من ~~يجعله فاض على نفس النبى من العقل الفعال أو غيره كما يقول ذلك طوائف من ~~الفلاسفة والصابئة وهذا القول أعظم كفرا ms3784 وضلالا من الذى قبله # ومنها أن هذه الآية أيضا تبطل قول من يقول أن القرآن العربى ليس منزلا من ~~الله بل مخلوق أما في جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما كما يقول ذلك ~~الكلابية والأشعرية الذين يقولون أن القرآن العربى ليس هو كلام الله وإنما ~~كلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربى خلق ليدل على ذلك المعنى ثم اما ~~ان يكون خلق في بعض الأجسام الهواء أو غيره أو الهمه جبريل فعبر عنه ~~بالقرآن العربى أو ألهمه محمد فعبر عنه بالقرآن العربى أو يكون اخذه جبريل ~~من اللوح المحفوظ أو غيره فهذه الأقوال التى تقدمت هي تفريع على هذا القول ~~فان هذا القرآن العربى لا بد له من متكلم تكلم به أولا قبل أن يصل إلينا ~~PageV12P120 # وهذا القول يوافق قول المعتزلة ونحوهم في اثبات خلق القرآن العربى وكذلك ~~التوراة العبرية ويفارقه من وجهين # أحدهما أن أولئك يقولون ان المخلوق كلام الله وهؤلاء يقولون أنه ليس كلام ~~الله لكن يسمى كلام الله مجازا وهذا قول أئمتهم وجمهورهم وقالت طائفة من ~~متأخريهم بل لفظ الكلام يقال على هذا وهذا بالاشتراك اللفظى لكن هذا ينقض ~~أصلهم في ابطال قيام الكلام بغير المتكلم به وهم مع هذا لا يقولون ان ~~المخلوق كلام الله حقيقة كما تقوله المعتزلة مع قولهم انه كلامه حقيقة بل ~~يجعلون القرآن العربى كلاما لغير الله وهو كلام حقيقة وهذا شر من قول ~~المعتزلة وهذا حقيقة قول الجهمية ومن هذا الوجه فقول المعتزلة أقرب وقول ~~الآخرين هو قول الجهمية المحضة لكن المعتزلة في المعنى موافقون لهؤلاء ~~وانما ينازعونهم في اللفظ # الثانى ان هؤلاء يقولون لله كلام هو معنى قديم قائم بذاته والخلقية ~~يقولون لا يقوم بذاته كلام ومن هذا الوجه فالكلابية خير من الخلقية في ~~الظاهر لكن جمهور الناس يقولون أن أصحاب هذا القول عند التحقيق لم يثبتوا ~~له كلاما حقيقة غير المخلوق فانهم يقولون انه معنى واحد هو الأمر والنهى ~~والخبر فان عبر عنه بالعربية PageV12P121 كان قرآنا وان عبر عنه ms3785 بالعبرية ~~كان توراة وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا ومنهم من قال هو خمس معان # وجمهور العقلاء يقولون ان فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام ~~والعقلاء الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد الضرورات من غير تواطؤ واتفاق ~~كما في الأخبار المتواترة واما مع التواطؤ فقد يتفقون على الكذب عمدا وقد ~~يتفقون على جحد الضرورات وان لم يعلم كل منهم انه جاحد للضرورة ولو لم يفهم ~~حقيقة القول الذى يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ولمحبته لنصر ذلك القول ~~كما اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم فسادها ~~بالضرورة # وقال جمهور العقلاء نحن إذا عربنا التوراة والانجيل لم يكن معنى ذلك معنى ~~القرآن بل معانى هذا ليست معانى هذا ومعانى هذا ليست معانى هذا وكذلك معنى ~~( قل هو الله أحد ) ليس هو معنى ( تبت يدا أبى لهب ) ولا معنى آية الكرسى ~~هو معنى آية الدين وقالوا إذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا ~~فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة فاعترف أئمة ~~هذا القول بان هذا الالزام ليس لهم عنه جواب عقلى PageV12P122 # ثم منهم من قال الناس في الصفات إما مثبت لها وقائل بالتعدد وإما ناف لها ~~واما اثباتها واتحادها فخلاف الاجماع وهذه طريقة القاضي أبى بكر وأبى ~~المعالى وغيرهما ومنهم من اعترف بأنه ليس له عنه جواب كأبى الحسن الآمدى ~~وغيره # والمقصود هنا أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول كما تبين بطلان غيره فان ~~قوله ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ) يقتضى نزول القرآن من ربه والقرآن ~~اسم للقرآن العربى لفظه ومعناه بدليل قوله ( فاذا قرأت القرآن ) وإنما يقرأ ~~القرآن العربى لا يقرأ معانيه المجردة وأيضا فضمير المفعول في قوله نزله ~~عائد على ما في قوله ( والله أعلم بما ينزل ) فالذى أنزله الله هو الذى ~~نزله روح القدس فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربى لزم أن يكون نزله من ~~الله فلا يكون شيء منه نزله من عين من الأعيان المخلوقة ms3786 ولا نزله من نفسه # وأيضا فانه قال عقيب هذه الآية ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) وهم كانوا يقولون إنما ~~يعلمه هذا القرآن العربى بشر لم يكونوا يقولون انما يعلمه بشر معانيه فقط ~~بدليل قوله ( لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) فانه ~~تعالى أبطل قول الكفار بأن PageV12P123 لسان الذى ألحدوا إليه بأن اضافوا ~~إليه هذا القرآن فجعلوه هو الذى يعلم محمدا القرآن لسان أعجمى والقرآن لسان ~~عربى مبين وعبر عن هذا المعنى بلفظ ( يلحدون ) لما تضمن من معنى ميلهم عن ~~الحق وميلهم إلى هذا الذى أضافوا إليه هذا القرآن فان لفظ الالحاد يقتضى ~~ميلا عن شيء إلى شيء بباطل فلو كان الكفار قالوا يعلمه معانيه فقط لم يكن ~~هذا ردا لقولهم فان الانسان قد يتعلم من الأعجمى شيئا بلغة ذلك الأعجمى ~~ويعبر عنه هو بعبارته # وقد اشتهر في التفسير ان بعض الكفار كانوا يقولون هو تعلمه من شخص كان ~~بمكة أعجمى قيل انه كان مولى لابن الحضرمي واذا كان الكفار جعلوا الذى ~~يعلمه ما نزل به روح القدس بشرا والله أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمى وهذا ~~لسان عربى مبين علم ان روح القدس نزل باللسان العربى المبين وان محمدا لم ~~يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس وإذا كان روح القدس نزل به من الله ~~علم انه سمعه منه ولم يؤلفه هو وهذا بيان من الله ان القرآن الذى هو اللسان ~~العربى المبين سمعه روح القدس من الله ونزل به منه # ونظير هذه الآية قوله تعالى ( وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس ~~والجن ) إلى قوله ( فذرهم وما يفترون ) وكذلك قوله ( وهو الذى أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا والذين آتيناهم PageV12P124 الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق فلا تكونن من الممترين ) والكتاب اسم للقرآن العربى بالضرورة ~~والاتفاق فان الكلابية أو بعضهم يفرق بين كلام الله وكتاب الله فيقول كلامه ~~هو المعنى القائم بالذات وهو غير مخلوق ms3787 وكتابه هو المنظوم المؤلف العربى ~~وهو مخلوق # والقرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة والله تعالى قد سمى نفس مجموع اللفظ ~~والمعنى قرآنا وكتابا وكلاما فقال تعالى ( الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ~~) وقال ( طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين ) وقال ( وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن ) إلى قوله تعالى ( قالوا يا قومنا انا سمعنا كتابا ~~انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ) فبين ان الذى سمعوه هو القرآن وهو ~~الكتاب وقال ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) وقال ( انه لقرآن كريم في ~~كتاب مكنون ) وقال ( يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ) وقال ( والطور وكتاب ~~مسطور في رق منشور ) وقال ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ~~) ولكن لفظ الكتاب قد يراد به المكتوب فيكون هو الكلام وقد يراد به ما يكتب ~~فيه كما قال تعالى ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ) وقال ( ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا PageV12P125 # والمقصود هنا ان قوله ( وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا ) يتناول نزول ~~القرآن العربى على كل قول وقد اخبر ان الذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه ~~منزل من ربك بالحق ) اخبار مستشهد بهم لا مكذب لهم وقال انهم يعلمون ذلك ~~ولم يقل انهم يظنونه أو يقولونه والعلم لا يكون إلا حقا مطابقا للمعلوم ~~بخلاف القول والظن الذى ينقسم إلى حق وباطل فعلم ان القرآن العربى منزل من ~~الله لا من الهواء ولا من اللوح ولا من جسم آخر ولا من جبريل ولا من محمد ~~ولا غيرهما واذا كان أهل الكتاب يعلمون ذلك فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة ~~كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه # وهذا لا ينافى ما جاء عن إبن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله ( إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر ) انه انزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم ~~أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث ولا ينافى انه مكتوب في اللوح ~~المحفوظ قبل نزوله كما قال تعالى ms3788 ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) وقال ~~تعالى ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لايمسه إلا المطهرون ) وقال تعالى ( ~~كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدى سفرة كرام ~~بررة ) وقال تعالى ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم PageV12P126 # فان كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدى الملائكة لا ينافى ~~أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ~~ذلك واذا كان قد انزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد ~~كتبه كله قبل ان ينزله # والله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون ~~وهو سبحانه قد قدر مقادير الخلائق وكتب أعمال العباد قبل ان يعملوها كما ~~ثبت ذلك في صريح الكتاب والسنة وآثار السلف ثم انه يأمر الملائكة بكتابتها ~~بعد ما يعملونها فيقابل بين الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة ~~عنه فلا يكون بينهما تفاوت هكذا قال إبن عباس وغيره من السلف وهو حق فإذا ~~كان مايخلقه بائنا عنه قد كتبه قبل أن يخلقه فكيف يستبعد ان يكتب كلامه ~~الذى يرسل به ملائكته قبل ان يرسلهم به # ومن قال أن جبريل اخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلا ~~من وجوه منها ان يقال إن الله سبحانه وتعالى قد كتب التوراة لموسى بيده ~~فبنوا اسرائيل اخذوا كلام الله من الكتاب الذى كتبه هو سبحانه وتعالى فيه ~~فان كان محمد أخذه عن جبريل وجبريل عن الكتاب PageV12P127 كان بنو إسرائيل ~~أعلا من محمد بدرجة # وكذلك من قال انه القى إلى جبريل المعانى وان جبريل عبر عنها بالكلام ~~العربى فقوله يستلزم ان يكون جبريل الهمه الهاما وهذا الالهام يكون لآحاد ~~المؤمنين كما قال تعالى ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى ) ~~وقال ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) وقد أوحى إلى سائرالنبيين فيكون ~~هذا الوحى الذى يكون لآحاد الانبياء والمؤمنين أعلى من ms3789 أخذ محمد القرآن عن ~~جبريل لأن جبريل الذى علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء ولهذا زعم بن ~~عربى ان خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء وقال لأنه يأخذ من المعدن ~~الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى به إلى الرسول فجعل اخذه واخذ الملك الذي ~~جاء إلى الرسول من معدن واحد وادعى ان اخذه عن الله أعلى من اخذ الرسول ~~للقرآن ومعلوم ان هذا من أعظم الكفر وان هذا القول من جنسه # وايضا فالله تعالى يقول ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) إلى قوله ( ~~وكلم الله موسى تكليما ) ففضل موسى بالتكليم على غيره ممن اوحى اليهم وهذا ~~يدل على أمور على ان الله يكلم عبده تكليما زائدا عن الوحى الذى هو قسيم ~~التكليم الخاص فان PageV12P128 لفظ التكليم والوحى كل منهما ينقسم إلى عام ~~وخاص فالتكليم هو المقسوم في قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ) والتكليم المطلق هو قسيم الوحى الخاص ليس ~~هو قسما منه وكذلك لفظ الوحى قد يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص كما في ~~قوله لموسى ( فاستمع لما يوحى ) وقد يكون قسيم التكليم الخاص كما في سورة ~~الشورى وهذا يبطل قول من يقول الكلام معنى واحد قائم بالذات فانه حينئذ لا ~~فرق بين التكليم الذى خص به موسى والوحى العام الذى يكون لآحاد العباد # ومثل هذا قوله في الآية الآخرى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه مايشاء ) فانه فرق بين الايحاء ~~وبين التكليم من وراءالحجاب وبين ارسال رسول يوحى بإذنه ما يشاء فدل على ان ~~التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى أمر غير الايحاء # وأيضا فقوله ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وقوله ( حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم ) وقوله ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) ~~وأمثال ذلك يدل على انه منزل من الله لا ms3790 من غيره وكذلك قوله ( بلغ ما أنزل ~~اليك من ربك ) فانه يدل على اثبات أن ما أنزل إليه من ربه وانه مبلغ مأمور ~~بتبليغ ذلك PageV12P129 وأيضا فهم يقولون انه معنى واحد فان كان موسى سمع ~~جميع المعنى فقد سمع جميع كلام الله وان سمع بعضه فقد تبعض وكلاهما ينقض ~~قولهم فانهم يقولون انه معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض فان كان ما يسمعه ~~موسى والملائكة هو ذلك المعنى كله كان كل منهم علم جميع كلام الله وكلامه ~~متضمن لجميع خبره وجميع أمره فيلزم أن يكون كل واحد ممن كلمه الله أو أنزل ~~عليه شيئا من كلامه عالما بجميع أخبار الله وأوامره وهذا معلوم الفساد ~~بالضرورة وان كان الواحد من هؤلاء انما يسمع بعضه فقد تبعض كلامه وذلك ~~يناقض قولهم # وايضا فقوله ( وكلم الله موسى تكليما ) وقوله ( ولما جاء موسى لميقاتنا ~~وكلمه ربه ) وقوله ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) وقوله ( ~~فلما أتاها نودي يا موسى انى أنا ربك فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى ~~وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ) الآيات دليل على تكليم سمعه موسى والمعنى ~~المجرد لا يسمع بالضرورة ومن قال انه يسمع فهو مكابر ودليل على انه ناداه ~~والنداء لا يكون الا صوتا مسموعا ولا يعقل في لغة العرب لفظ النداء بغير ~~صوت مسموع لا حقيقة ولا مجازا # وأيضا فقد قال تعالى ( فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين وقوله ( فلما أتاها نودي من PageV12P130 شاطىء ~~الوادى الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى انى أنا الله رب ~~العالمين ) وقال ( وهل أتاك حديث موسى اذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) ~~وقال ( فلما أتاها نودي ياموسى انى أنا ربك ) وفى هذا دليل على انه حينئذ ~~نودي ولم يناد قبل ذلك ولما فيها من معنى الظرف كما في قوله ( وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) ومثل هذا قوله ( ويوم يناديهم ~~فيقول ماذا أجبتم المرسلين ) ( ويوم يناديهم فيقول ms3791 أين شركائى الذين كنتم ~~تزعمون ) فانه وقت النداء بظرف محدود فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين ~~دون غيره من الظروف وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه # ومثل هذا قوله تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة ) ~~وقوله ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال ~~الرب بوقت معين فان الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون ~~انه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة ~~لذاته # ثم من هؤلاء من قال انه معنى واحد لأن الحروف والأصوات متعاقبة يمتنع أن ~~تكون قديمة ومنهم من قال بل الحروف والأصوات قديمة الأعيان وأنها مترتبة في ~~ذاتها متقاربة في وجودها لم تزل ولا PageV12P131 تزال قائمة بذاته والنداء ~~الذى سمعه موسى قديم أزلى لم يزل ولا يزال ومنهم من قال بل الحروف قديمة ~~الأعيان بخلاف الأصوات وكل هؤلاء يقولون أن التكليم والنداء ليس الا مجرد ~~خلق ادراك المخلوق بحيث يسمع ما لم يزل ولا يزال لا أنه يكون هناك كلام ~~يتكلم الله به بمشيئته وقدرته ولا تكليم بل تكليمه عندهم جعل العبد سامعا ~~لما كان موجودا قبل سمعه بمنزلة جعل الأعمى بصيرا لما كان موجودا قبل رؤيته ~~من غير احداث شيء منفصل عن الأعمى فعندهم لما جاء موسى لميقات ربه سمع ~~النداء القديم لا انه حينئذ نودي # ولهذا يقولون انه يسمع كلامه لخلقه يدل عن قول الناس إنه يكلم خلقه ~~وهؤلاء يردون على الخلقية الذين يقولون القرآن مخلوق ويقولون عن أنفسهم ~~إنهم أهل السنة الموافقون للسلف الذين قالوا ان القرآن كلام الله غير مخلوق ~~وليس قولهم قول السلف لكن قولهم أقرب إلى قول السلف من وجه وقول الخلقية ~~أقرب إلى قول السلف من وجه # أما كون قولهم أقرب فلأنهم يثبتون لله كلاما قائما بنفس الله وهذا قول ~~السلف بخلاف الخلقية الذين يقولون ليس كلامه إلا ما خلقه في غيره فان قول ~~هؤلاء مخالف لقول السلف واما كون قول PageV12P132 الخلقية ms3792 أقرب فلأنهم ~~يقولون ان الله يتكلم بمشيئته وقدرته وهذا قول السلف وهؤلاء عندهم لا يقدر ~~الله على شيء من كلامه وليس كلامه بمشيئته واختياره بل كلامه عندهم كحياته ~~وهم يقولون الكلام عندنا صفة ذات لا صفة فعل والخلقية يقولون صفة فعل لا ~~صفة ذات ومذهب السلف انه صفة ذات وصفة فعل معا فكل منهما موافق للسلف من ~~وجه دون وجه # واختلافهم في كلام الله تعالى شبيه اختلافهم في أفعاله تعالى ورضاه وغضبه ~~وارادته وكراهته وحبه وبغضه وفرحه وسخطه ونحو ذلك فان هؤلاء يقولون هذه ~~كلها أمور مخلوقة بائنة عنه ترجع إلى الثواب والعقاب والآخرون يقولون بل ~~هذه كلها أمور قديمة الأعيان قائمة بذاته ثم منهم من يجعلها كلها تعود إلى ~~ارادة واحدة بالعين متعلقة بجميع المخلوقات ومنهم من يقول بل هي صفات ~~متعددة الأعيان لكن يقول كل واحدة واحدة العين قديمة قبل وجود مقتضياتها ~~كما قالوا مثل ذلك في الكلام والله تعالى يقول ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه ) فأخبر أن أفعالهم أسخطته قال تعالى ( فلما آسفونا ~~انتقمنا منهم ) أى أغضبونا وقال تعالى ( ادعونى أستجب لكم ) إلى أمثال ذلك ~~مما يبين أنه سخط على الكفار لما كفروا ورضي عن المؤمنين لما آمنوا ~~PageV12P133 # ونظير هذا اختلافهم في أفعاله تعالى ومسائل القدر فان المعتزلة يقولون ~~انه يفعل لحكمة مقصودة وارادة الاحسان إلى العباد لكن لا يثبتون لفعله حكمة ~~تعود إليه وأولئك يقولون لا يفعل لحكمة ولا لمقصود أصلا فأولئك أثبتوا حكمة ~~لكن لا تقوم به وهؤلاء لا يثبتون له حكمة ولا قصدا يتصف به والفريقان لا ~~يثبتون له حكمة ولا مقصودا يعود إليه # وكذلك في الكلام أولئك أثبتوا كلاما هو فعله لا يقوم به وهؤلاء يقولون ~~مالا يقوم به لا يعود حكمه إليه والفريقان يمنعون ان يقوم به حكمة مرادة له ~~كما يمنع الفريقان ان يقوم به كلام وفعل يريده وقول أولئك أقرب إلى قول ~~السلف والفقهاء اذ أثبتوا الحكمة والمصلحة في احكامه وأفعاله واثبتوا كلاما ~~يتكلم به بقدرته ومشيئته ms3793 وقول هؤلاء أقرب إلى قول السلف اذ اثبتوا الصفات ~~وقالوا لا يوصف بمجرد المخلوق المنفصل عنه الذى لم يقم به اصلا ولا يعود ~~إليه حكم من شيء لم يقم به فلا يكون متكلما بكلام لم يقم به ولا يكون حكيما ~~كريما ورحيما بحكمة ورحمة لم تقم به كما لا يكون عليما بعلم لم يقم به ~~وقديرا بقدرة لم تقم به ولا يكون محبا راضيا غضبانا بحب ورضى وغضب لم يقم ~~به # فكل من المعتزلة والأشعرية في مسائل كلام الله وأفعال الله بل ~~PageV12P134 وسائر صفاته وافقوا السلف والأئمة من وجه وخالفوهم من وجه وليس ~~قول أحدهما هو قول السلف دون الآخر لكن الأشعرية في جنس مسائل الصفات بل ~~وسائر الصفات والقدر أقرب إلى قول السلف والأئمة من المعتزلة # فان قيل فقد قال تعالى ( إنه لقول رسول كريم ) وهذا يدل على أن الرسول ~~أحدث الكلام العربي قيل هذا باطل وذلك لأن الله ذكر هذا في القرآن في ~~موضعين والرسول في أحد الموضعين محمد والرسول في الآية الأخرى جبريل قال ~~تعالى في سورة الحاقة ( إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ) فالرسول هنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقال في سورة التكوير ( إنه لقول رسول كريم ذى قوة ~~عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين ) فالرسول هنا جبريل فلو كان أضافه إلى ~~الرسول لكونه أحدث حروفه أو أحدث منه شيئا لكان الخبران متناقضين فانه إن ~~كان أحدهما هو الذى أحدثها امتنع أن يكون الآخر هو الذى أحدثها # وأيضا فانه قال ( لقول رسول كريم ) ولم يقل لقول ملك ولا نبى ولفظ الرسول ~~يستلزم مرسلا له فدل ذلك على أن PageV12P135 الرسول مبلغ له عن مرسله لا ~~أنه أنشأ منه شيئا من جهة نفسه وهذا يدل على أنه أضافة إلى الرسول لأنه ~~بلغه وأداه لا لأنه أنشأ منه شيئا وابتداه # وأيضا فان الله قد كفر من جعله قول البشر بقوله ( انه فكر ms3794 وقدر فقتل كيف ~~قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال ان هذا الا ~~سحر يؤثر ان هذا الا قول البشر ) ومحمد بشر فمن قال انه قول محمد فقد كفر ~~ولا فرق بين أن يقول هو قول بشر أو جنى أو ملك فمن جعله قولا لأحد من هؤلاء ~~فقد كفر ومع هذا فقد قال تعالى ( انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر ) ~~فجعله قول الرسول البشرى مع تكفيره من يقول انه قول البشر فعلم ان المراد ~~بذلك ان الرسول بلغه عن مرسله لا انه قول له من تلقاء نفسه وهو كلام الله ~~الذى أرسله كما قال تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ) فالذى بلغه الرسول هو كلام الله لا كلام الرسول # ولهذا كان النبى يعرض نفسه على الناس بالمواسم ويقول ( الا رجل يحملنى ~~إلى قومه لأبلغ كلام ربى فان قريشا قد منعونى ان ابلغ كلام ربى ( رواه أبو ~~داود وغيره والكلام كلام من PageV12P136 قاله مبتدئا لا كلام من قاله مبلغا ~~مؤديا وموسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض ~~فسماع موسى سماع مطلق بلا واسطة وسماع الناس سماع مقيد بواسطة كما قال ~~تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحى باذنه مايشاء ) # ففرق بين التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى وبين التكليم بواسطة الرسول ~~كما كلم الأنبياء بارسال رسول اليهم والناس يعلمون أن النبى إذا تكلم بكلام ~~تكلم به بحروفه ومعانيه بصوته ثم المبلغون عنه يبلغون كلامه بحركاتهم ~~وأصواتهم كما قال ( نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه ( فالمستمع ~~منه يبلغ حديثه كما سمعه لكن بصوت نفسه لا بصوت الرسول فالكلام هو كلام ~~الرسول تكلم به بصوته والمبلغ بلغ كلام الرسول لكن بصوت نفسه واذا كان هذا ~~معلوما فيمن يبلغ كلام المخلوق فكلام الخالق أولى بذلك # ولهذا قال تعالى ( وإن أحد ms3795 من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~وقال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ( فجعل الكلام كلام الباري وجعل الصوت ~~الذى يقرأ به العبد صوت القارىء وأصوات العباد ليست هي عين الصوت الذى ~~ينادى PageV12P137 الله به ويتكلم به كما نطقت النصوص بذلك بل ولا مثله فان ~~الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فليس علمه مثل ~~علم المخلوقين ولا قدرته مثل قدرتهم ولا كلامه مثل كلامهم ولا نداؤه مثل ~~ندائهم ولا صوته مثل أصواتهم # فمن قال عن القرآن الذى يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله أو هو كلام غيره ~~فهو ملحد مبتدع ضال ومن قال ان أصوات العباد أو المداد الذى يكتب به القرآن ~~قديم أزلى فهو ملحد مبتدع ضال بل هذا القرآن هو كلام الله وهو مثبت في ~~المصاحف وهو كلام الله مبلغا عنه مسموعا من القراء ليس هو مسموعا منه ~~والانسان يرى الشمس والقمر والكواكب بطريق المباشرة ويراها في ماء أو مرآة ~~فهذه رؤية مقيدة بالواسطة وتلك رؤية مطلقة بطريق المباشرة وكذلك الكلام ~~يسمع من المتكلم به بطريق المباشرة ويسمع من المبلغ عنه بواسطة والمقصود ~~بالسماع هو كلامه في الموضعين كما ان المقصود بالرؤية هو المرئى في ~~الموضعين # فمن عرف ما بين الحالين من الاجتماع والافتراق والاختلاف والاتفاق زالت ~~عنه الشبهة التى تصيب كثيرا من الناس في هذا الباب فان طائفة قالت هذا ~~المسموع كلام الله والمسموع صوت العبد وصوته مخلوق فكلام الله مخلوق وهذا ~~جهل فانه مسموع من PageV12P138 المبلغ ولا يلزم إذا كان صوت المبلغ مخلوقا ~~ان يكون نفس الكلام مخلوقا # وقالت طائفة هذا المسموع صوت العبد وهو مخلوق والقرآن ليس بمخلوق فلا ~~يكون هذا المسموع كلام الله وهذا جهل فان المخلوق هو الصوت لا نفس الكلام ~~الذى يسمع من المتكلم به ومن المبلغ عنه # وطائفة قالت هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فيكون هذا الصوت غير ~~مخلوق وهذا جهل فانه إذا قيل هذا كلام الله فالمشار إليه هو الكلام من ms3796 حيث ~~هو هو وهو الثابت إذا سمع من الله وإذا سمع من المبلغ عنه وإذا قيل للمسموع ~~انه كلام الله فهو كلام الله مسموعا من المبلغ عنه لا مسموعا منه فهو مسموع ~~بواسطة صوت العبد وصوت العبد مخلوق وأما كلام الله نفسه فهو غير مخلوق حيث ~~ما تصرف وهذه نكت قد بسط الكلام فيها في غير هذا الموضع PageV12P139 ### ||| فصل # فان قيل ما منشأ هذا النزاع والاشتباه والتفرق والاختلاف قيل منشأه هو ~~الكلام الذى ذمه السلف وعابوه وهو الكلام المشتبه المشتمل على حق وباطل فيه ~~ما يوافق العقل والسمع وفيه ما يخالف العقل والسمع فيأخذ هؤلاء جانب النفى ~~المشتمل على نفى الحق والباطل وهؤلاء جانب الاثبات المشتمل على إثبات حق ~~وباطل وجماعه هو الكلام المخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف فكل كلام خالف ~~ذلك فهو باطل ولا يخالف ذلك الا كلام مخالف للعقل والسمع وذلك أنه لما ~~تناظروا في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع استدلت الجهمية والمعتزلة ومن ~~وافقهم من طوائف أهل الكلام على ذلك بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # ثم أن المستدلين بذلك على حدوث الأجسام قالوا ان الأجسام لا تخلو عن ~~الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ثم تنوعت طرقهم في المقدمة الأولى ~~فتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان وتارة ~~يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن PageV12P140 الاجتماع والافتراق وهما ~~حادثان وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الا كوان الأربعة الاجتماع ~~والافتراق والحركة والسكون وهى حادثة وهذه طرق المعتزلة ومن وافقهم على أن ~~الأجسام لا تخلو عن بعض أنواع الأعراض # وتارة يثبتونها بأن الجسم لا يخلو من كل جنس من الاعراض عن عرض منه ~~ويقولون القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده ويقولون ان الاعراض يمتنع بقاؤها ~~لان العرض لا يبقى زمانين وهذه الطريقة هي التى اختارها الآمدى وزيف ما ~~سواها وذكر ان جمهور اصحابه اعتمدوا عليها وقد وافقهم عليها طائفة من ~~الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضى أبى يعلى ms3797 وأبى المعالى الجوينى ~~وأبى الوليد الباجى وأمثالهم # وأما الهشامية والكرامية وغيرهم من الطوائف الذين يقولون بحدوث كل جسم ~~ويقولون ان القديم تقوم به الحوادث فهؤلاء إذا قالوا بأن ما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث كما هو قول الكرامية وغيرهم موافقة للمعتزلة في هذا الاصل ~~فانهم يقولون إن الجسم القديم يخلو عن الحوادث بخلاف الأجسام المحدثة فانها ~~لا تخلوا عن الحوادث # والناس متنازعون في السكون هل هو أمر وجودى أو عدمى PageV12P141 فمن قال ~~انه وجودى قال إن الجسم الذى لا يخلو عن الحركة والسكون إذا انتفت عنه ~~الحركة قام به السكون الوجودى وهذا قول من يحتج بتعاقب الحركة والسكون على ~~حدوث المتصف بذلك ومن قال انه عدمى لم يلزم من عدم الحركة عن المحل ثبوت ~~سكون وجودى فمن قال انه تقوم به الحركة أو الحوادث بعد ان لم تكن مع قوله ~~بامتناع تعاقب الحوادث كما هو قول الكرامية وغيرهم يقولون إذا قامت به ~~الحركة لم يعدم بقيامها سكون وجودى بل ذلك عندهم بمنزلة قولهم مع المعتزلة ~~والاشعرية وغيرهم انه يفعل بعد ان لم يكن فاعلا ولا يقولون ان عدم الفعل ~~أمر وجودى كذلك الحركة عند هؤلاء كان كثير من أهل الكلام يقولون ما لا يخلو ~~عن الحوادث فهو حادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث بناء على أن هذه مقدمة ~~ظاهرة فان ما لا يسبق الحادث فلا بد أن يقارنه أو يكون بعده وما قارن ~~الحادث فهو حادث وما كان بعده فهو حادث # وهذا الكلام مجمل فانه إذا أريد به ما لا يخلو عن الحادث المعين أو مالا ~~يسبق الحادث المعين فهو حق بلا ريب ولا نزاع فيه وكذلك إذا أريد بالحادث ~~جملة ما له أول أو ما كان بعد العدم ونحو ذلك وأما إذا أريد بالحوادث ~~الامور التى تكون شيئا بعد شيء لا إلى أول وقيل انه ما لا يخلو عنها وما لم ~~يخل عنها فهو حادث لم يكن ذلك ظاهرا ولا بينا PageV12P142 بل هذا المقام ~~حار فيه ms3798 كثير من الافهام وكثر فيه النزاع والخصام ولهذا صار المستدلون ~~بقولهم ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث يعلمون ان هذا الدليل لا يتم إلا ~~إذا اثبتوا امتناع حوادث لا أول لها فذكروا في ذلك طرقا قد تكلمنا عليها في ~~غير هذا الموضع # وهذا الاصل تنازع الناس فيه على ثلاثة أقوال # فقيل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وبامتناع حوادث لا أول لها مطلقا ~~وهذا قول المعتزلة ومن اتبعهم من الكرامية والاشعرية ومن دخل معهم من ~~الفقهاء وغيرهم # وقيل بل يجوز دوام الحوادث مطلقا وليس كل ما قارن حادثا بعد حادث لا إلى ~~اول يجب ان يكون حادثا بل يجوز ان يكون قديما سواء كان واجبا بنفسه أو ~~بغيره وربما عبر عنه بالعلة والمعلول والفاعل والمفعول ونحو ذلك وهذا قول ~~الفلاسفة القائلين بقدم العالم والأفلاك كارسطو واتباعه مثل ثامسطيوس ~~والاسكندر الافريدوسى وبرقلس والفارابى وبن سينا وأمثالهم # واما جمهور الفلاسفة المتقدمين على ارسطو فلم يكونوا يقولون PageV12P143 ~~بقدم الافلاك ثم الفلاسفة من هؤلاء وهؤلاء متنازعون في قيام الصفات ~~والحوادث بواجب الوجود على قولين معروفين لهم واثبات ذلك قول كثير من ~~الأساطين القدماء وبعض المتأخرين كابى البركات صاحب المعتبر وغيره كما بسطت ~~اقوالهم في غير هذا الموضع # وقيل بل ان كان المستلزم للحوادث ممكنا بنفسه وانه هو الذى يسمى مفعولا ~~ومعلولا ومربوبا ونحو ذلك من العبارات وجب ان يكون حادثا وان كان واجبا ~~بنفسه لم يجز ان يكون حادثا وهذا قول أئمة أهل الملل واساطين الفلاسفة وهو ~~قول جماهير أهل الحديث وصاحب هذا القول يقول مالا يخلو عن الحوادث وهو ممكن ~~بنفسه فهو حادث أو مالا يخلو عن الحوادث وهو معلول أو مفعول أو مبتدع أو ~~مصنوع فهو حادث لأنه إذا كان مفعولا مستلزما للحوادث امتنع ان يكون قديما ~~فان القديم المعلول لا يكون قديما إلا إذا كان له موجب قديم بذاته يستلزم ~~معلوله بحيث يكون معه أزليا لا يتأخر عنه وهذا ممتنع # فان كونه مفعولا ينافى كونه قديما بل قدمه ينافى ms3799 كونه ممكنا فلا يكون ~~ممكنا إلا ما كان محدثا عند جماهير العقلاء من الأولين والآخرين وهذا قول ~~الفلاسفة القدماء قاطبة كارسطو وأتباعه وإنما أثبت ممكنا قديما بعض ~~متأخريهم كابن سينا وأتباعه خالفوا في PageV12P144 ذلك الفلاسفة القدماء ~~قاطبة كما خالفوا في ذلك جماهير العقلاء من سائر الطوائف ولهذا تناقضوا في ~~أحكام الممكن وورد عليهم فيه من الأسئلة ( مالا جواب لهم عنه كما ذكرت ذلك ~~) في ( الرد على ) الأربعين وغير ذلك من المواضع # وما يدعى من أن المعلول قد يقارن علته إنما يعقل فيما كان شرطا لا فاعلا ~~كقولهم حركت يدى فتحرك الخاتم فان حركة اليد شرط في تحريك الخاتم والشرط ~~والمشروط قد يتلازمان ( و ) ليست فاعلة مبدعة لها وكذلك الشعاع مع النار ~~والشمس ونحو ذلك وأما ما يكون فاعلا فلا يتصور ان يقارنه مفعوله في الزمان ~~سواء كان فاعلا بالارادة أو قدر أنه فاعل بغير إرادة وسواء سمي فاعلا ~~بالذات أو بالطبع أو ما قدر لا يتصور أن يكون المفعول مقارنا لفاعله في ~~الزمان كما اعترف بذلك جماهير العقلاء من الأولين والآخرين # وأرسطو وأتباعه لم يقولوا إن الفلك مفعول للرب ولا أنه معلول لعلة فاعلية ~~أبدعت ذاته بل زعموا أنه قديم واجب بنفسه وأن له علة غائية يتشبه بها نحو ~~حركة المعشوق يجب أن يقتدى به والفلك عندهم يتحرك للتشبه بتلك العلة ولهذا ~~قالوا الفلسفة هي التشبه بالاله بحسب الطاقة وقولهم وإن كان فيه من الكفر ~~والجهل بالله أعظم مما في قول بن سينا وأتباعه وفيهم من التناقض في ~~الالهيات PageV12P145 ما ليس هذا موضع بسطه فلم يتناقضوا في إثبات ممكن ~~قديم كتناقض متأخريهم # ولهذا لما كانت هذه القضية مستقرة في فطر العقلاءوكان مجرد العلم والخبر ~~بأن السماوات مخلوقة أو مصنوعة أو مفعولة موجبا للعلم بأنها حادثة لا يخطر ~~بالفطر السليمة امكان كونها مفعولة لفاعل فعلها مع كونها قديمة لم تزل معه ~~ولهذا لم يدع هذا إلا هذه الشرذمة القليلة من المتفلسفة # وأيضا ( فان ما استلزم الحوادث يمتنع أن يكون فاعله موجبا ms3800 بذاته يستلزم ~~معلوله في الأزل فان الحوادث المتعاقبة شيئا بعد شيء لا يكون مجموعها في ~~الأزل ولا يكون شيء منها أزليا بل الأزلى هو دوامها واحدا بعد واحد والموجب ~~بذاته المستلزم لمعلوله في الأزل لا يكون معلوله شيئا بعد شيء سواء كان ~~صادرا عنه بواسطة أو بغير واسطة فان ما كان واحدا بعد واحد يكون متعاقبا ~~حادثا شيئا بعد شيء فيمتنع أن يكون معلولا مقارنا لعلته في الأزل بخلاف ما ~~اذا قيل ان المقارن لذلك هو الموجب بذاته الذى يفعل شيئا بعد شيء فانه على ~~هذا التقدير لا يكون في الازل موجبا بذاته ولا علة سابقة تامة لشيء من ~~العالم فلايكون معه في الأزل من المخلوقات شيء لكن فاعليته للمفعولات تكون ~~شيئا بعد شيء وكل مفعول يوجد عنده وجود كمال فاعليته PageV12P146 إذ المؤثر ~~التام المستلزم لجميع شروط التأثير لا يتخلف عنه اثره إذ لو تخلف لم يكن ~~موثرا تاما فوجود الاثر يستلزم وجود المؤثر التام ووجود المؤثر التام ~~يستلزم وجود الأثر فليس في الأزل مؤثر تام فليس مع الله شيء من مخلوقاته ~~قديم بقدمه والأزل ليس هو حدا محدودا ولا وقتا معينا بل كل ما يقدره العقل ~~من الغاية التى ينتهى اليها فالأزل قبل ذلك كما هو قبل ما قدره فالأزل لا ~~أول له كما ان الأبد لا آخر له # وفى الحديث الصحيح عن النبى انه كان يقول ( انت الأول فليس قبلك شيء وأنت ~~الآخر فليس بعدك شيء ( فلو قيل انه مؤثر تام في الأزل لشيء من الأشياء لزم ~~أن يكون مقارنا له دائما وذلك ينافى كونه مفعولا له وانما يصح مثل هذا في ~~الصفة اللازمة للموصوف فانه اذا قيل الذات مقتض تام للصفة كان المعنى أن ~~الذات مستلزمة للصفة ليس المراد بذلك ان الذات مبدعة للصفة فانه إذا تصور ~~معنى المبدع امتنع في المقارن بصريح المعقول سواء سمى علة فاعلة أو خالقا ~~أو غير ذلك وامتنع ان يقوم بالأثر شيء من الحوادث لأن كل حادث يحدث لا يحدث ~~إلا ms3801 إذا وجد مؤثره التام عند حدوثه وان كانت ذات المؤثر موجودة قبل ذلك لكن ~~لابد من كمال وجود شروط التأثير عند وجود الأثر PageV12P147 وإلا لزم ~~الترجيح بلا مرجح وتخلف المعلول عن العلة التامة ووجود الممكن بدون المرجح ~~التام وكل هذا ممتنع فامتنع ان يكون مؤثرا لشيء من الحوادث في الأزل وامتنع ~~ان يكون مؤثرا في الأزل فيما يستلزم الحوادث لأن وجود الملزوم بدون اللازم ~~محال فامتنع ان يكون المفعول المستلزم للحوادث قديما # وإذا قيل ذاته مقتضية للحادث الثانى بشرط انقضاء الأول قيل فليس هو ~~مقتضيا لشيء واحد دائما فلا يكون معه قديم من مفعولاته وقيل أيضا هذا انما ~~يكون إذا كانت لذاته احوال متعاقبة تختلف المفعولات لأجلها فاما إذا قدر ان ~~لا يقوم بها شيء من الأحوال المتعاقبة بل حالها عند وجود الحادث كحالها ~~قبله كان امتناع فعله للحوادث المتعاقبة البائنة أعظم من امتناع فعله لحادث ~~معين فإذا كان الثانى ممتنعا عندهم فالأول أولى بالامتناع ومتى كان للذات ~~أحوال متعاقبة تقوم بها بطلت كل حجة لهم على قدم شيء من العالم وامتنع أيضا ~~قدم شيء من العالم إذا كان المفعول لا بد له من فاعل والفعل الحادث لا يكون ~~مفعوله الا حادثا وهذا مبسوط في غير هذا الموضع PageV12P148 ### ||| فصل # وإذا عرف الأصل الذى منه تفرع نزاع الناس في مسألة كلام الله فالذين ~~قالوا ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقا تنازعوا في كلام الله تعالى فقال ~~كثير من هؤلاء الكلام لا يكون إلا بمشيئة المتكلم وقدرته فيكون حادثا كغيره ~~من الحوادث ثم قالت طائفة والرب لا تقوم به الحوادث فيكون الكلام مخلوقا في ~~غيره فجعلوا كلامه مخلوقا من المخلوقات ولم يفرقوا بين قال وفعل وقد علم أن ~~المخلوقات لا يتصف بها الخالق فلا يتصف بما يخلقه في غيره من الألوان ~~والأصوات والروائح والحركة والعلم والقدرة والسمع والبصر فكيف يتصف بما ~~يخلقه في غيره من الكلام ولو جاز ذلك لكان ما يخلقه من انطاق الجمادات ~~كلامه ومن علم انه خالق كلام ms3802 العباد وأفعالهم يلزمه ان يقول كل كلام في ~~الوجود فهو كلامه كما قال بعض الاتحادية # وكل كلام في الوجود كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # وهذا قول الجهمية والنجارية والضرارية وغيرهم فان هؤلاء PageV12P149 ~~يقولون انه خالق أفعال العباد وكلامهم مع قولهم ان كلامه مخلوق فيلزمهم هذا # وأما المعتزلة فلا يقولون ان الله خالق افعال العباد لكن الحجة توجب ~~القول بذلك # وقالت طائفة بل الكلام لابد ان يقوم بالمتكلم ويمتنع أن يكون كلامه ~~مخلوقا في غيره وهو متكلم بمشيئته وقدرته فيكون كلامه حادثا بعد ان لم يكن ~~لامتناع حوادث لا أول لها وهذا قول الكرامية وغيرهم ثم من هؤلاء من يقول ~~كلامه كله حادث لا محدث ومنهم من يقول هو حادث ومحدث وقال كثير من هؤلاء ~~الذين يقولون بامتناع حوادث لا أول لها مطلقا الكلام لازم لذات الرب كلزوم ~~الحياة ليس هو متعلقا بمشيئته وقدرته بل هو قديم كقدم الحياة إذ لو قلنا ~~انه بقدرته ومشيئته لزم ان يكون حادثا وحينئذ فيلزم أن يكون مخلوقا أو ~~قائما بذات الرب فيلزم قيام الحوادث به وذلك يستلزم تسلسل الحوادث لأن ~~القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده قالوا وتسلسل الحوادث ممتنع إذ التفريع ~~على هذا الأصل # ثم أن هؤلاء لما قالوا بقدم عين الكلام تنازعوا فيه فقالت طائفة ~~PageV12P150 القديم لا يكون حروفا ولا أصواتا لأن الصوت يستحيل بقاؤه كما ~~يستحيل بقاء الحركة وما إمتنع بقاؤه امتنع قدم عينه بطريق الأولى والأحرى ~~فيمتنع قدم شيء من الأصوات المعينة كما يمتنع قدم شيء من الحركات المعينة ~~لأن تلك لا تكون كلاما إلا إذا كانت متعاقبة والقديم لا يكون مسبوقا بغيره ~~فلو كانت الميم من ( بسم الله ) قديمة مع كونها مسبوقة بالسين والباء لكان ~~القديم مسبوقا بغيره وهذا ممتنع فيلزم أن يكون القديم هو المعنى فقط ولا ~~يجوز تعدده لأنه لو تعدد لكان اختصاصه بقدر دون قدر ترجيحا بلا مرجح وان ~~كان لا يتناهى لزم وجود اعداد لا نهاية لها في آن واحد قالوا وهذا ممتنع ms3803 ~~فيلزم ان يكون معنى واحدا هو الأمر والخبر وهو معنى التوراة والانجيل ~~والزبور والقرآن وهذا أصل قول الكلابية والأشعرية # وقالت طائفة من أهل الكلام والحديث والفقهاء وغيرهم بل هو حروف قديمة ~~الأعيان لم تزل ولا تزال وهى مترتبة في ذاتها لا في وجودها كالحروف ~~الموجودة في المصحف وليس بأصوات قديمة # ومنهم من قال بل هو أيضا أصوات قديمة ولم يفرق هؤلاء بين الحروف المنطوقة ~~التى لا توجد إلا متعاقبة وبين الحروف المكتوبة التى توجد في آن واحد كما ~~يفرق بين الأصوات والمداد فإن الأصوات لا تبقى بخلاف المداد فإنه جسم يبقى ~~وإذا كان الصوت لايبقى امتنع PageV12P151 ان يكون الصوت المعين قديما لأن ~~ما وجب قدمه لزم بقاؤه وامتنع عدمه والحروف المكتوبة قد يراد بها نفس الشكل ~~القائم بالمداد أو ما يقدر بقدر المداد كالشكل المصنوع في حجر وورق فازالة ~~بعض اجزائه تدل على حدوثه وقد يراد بالحروف نفس المداد # وأما الحروف المنطوقة فقد يراد بها أيضا الأصوات المقطعة المؤلفة وقد ~~يراد بها حدود الأصوات وأطرافها كما يراد بالحرف في الجسم حده ومنتهاه ~~فيقال حرف الرغيف وحرف الجبل ونحو ذلك ومنه قوله تعالى ( ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف ) وقد يراد بالحروف الحروف الخيالية الباطنة وهى ما يتشكل في ~~باطن الانسان من الكلام المؤلف المنظوم قبل أن يتكلم به # وقد تنازع الناس هل يمكن وجود حروف بدون أصوات في الحى الناطق على قولين ~~لهم وعلى هذا تنازعت هذه الطائفة القائلة بقدم أعيان الحروف هل تكون قديمة ~~بدون أصوات قديمة أم لابد من أصوات قديمة لم تزل ولا تزال # ثم القائلون بقدم الأصوات المعينة تنازعوا في المسموع من القارىء هل يسمع ~~منه الصوت القديم فقيل المسموع هو الصوت القديم وقيل بل المسموع هو صوتان ~~أحدهما القديم والآخر المحدث فما لا بد منه في وجود القرآن فهو القديم وما ~~زاد على ذلك فهو المحدث PageV12P152 وقيل بل الصوت القديم غير المسموع من ~~العبد # وتنازعوا في القرآن هل يقال انه حال في المصحف والصدور ms3804 أم لا يقال ذلك ~~على قولين فقيل هو ظاهر في المحدث ليس بحال فيه وقيل بل القرآن حال في ~~الصدور والمصاحف فهؤلاء الخلقية والحادثية والاتحادية والاقترانية أصل ~~قولهم ان ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقا ومن قال بهذا الأصل فانه يلزمه ~~بعض هذه الأقوال أو ما يشبه ذلك فان من الناس من يجعله حادثا يريد انه كائن ~~بعد ان لم يكن ويجعل الحادثات ارادات وتصورات لا حروف وأصوات والداربى ~~وغيره يميلون إلى هذا القول فانه اما أن يجعل كلام الله حادثا أو قديما ~~وإذا كان حادثا فاما أن يكون حادثا في غيره وأما أن يكون حادثا في ذاته ~~وإذا كان قديما فاما أن يكون القديم المعنى فقط أو اللفظ فقط أو كلاهما ~~فإذا كان القديم هو المعنى فقط لزم أن لا يكون الكلام المقروء كلام الله ~~تعالى ثم الكلام في ذلك المعنى قد عرف # وأما قدم اللفظ فقط فهذا لم يقل به أحد لكن من الناس من يقول ان الكلام ~~القديم هو اللفظ وأما معناه فليس هو داخلا في مسمى الكلام بل هو العلم ~~والإرادة وهما قديمان لكن ليس ذلك داخلا في مسمى الكلام فهذا يقول الكلام ~~القديم هو اللفظ PageV12P153 فقط إما الحروف المؤلفة وإما الحروف والأصوات ~~لكنه يقول إن معناه قديم # وأما الفريق الثانى الذين قالوا بجواز حوادث لا أول لها مطلقا وان القديم ~~الواجب بنفسه يجوز أن تتعقب عليه الحوادث مطلقا وإن كان ممكنا لا واجبا ~~بنفسه فهؤلاء القائلون بقدم العالم كما يقولون بقدم الأفلاك وانها لم تزل ~~ولا تزال معلولة لعلة قديمة أزلية لكن المنتسبون إلى الملل كابن سينا ونحوه ~~منهم قالوا انها صادرة عن الواجب بنفسه الموجب لها بذاته وأما أرسطو ~~وأتباعه فانهم قالوا ان لها علة غائية تتحرك للتشبه بها في تحركها كما يحرك ~~المعشوق عاشقه ولم يثبتوا لها مبدعا موجبا ولا موجبا قائما بذاته ولا قالوا ~~ان الفلك ممكن بنفسه واجب بغيره بل الفلك عندهم واجب بنفسه لكن قالوا مع ~~ذلك إن له ms3805 علة غائية يتحرك للتشبه بها لاقوام له إلا بها فجعلوا الواجب ~~بنفسه الذى لا فاعل له مفتقرا إلى علة غائية منفصلة عنه هذه حقيقة قول ~~أرسطو وأتباعه ولهذا لم يثبتوا الاول عالما بغيره إذ لم يكن الأول عندهم ~~مبدعا للفلك فانه إذا كان مبدعا يجب أن يكون عالما بمفعوله كما قال ( ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) # ولهذا كانت أقوالهم في الالهيات من أعظم الأقوال فسادا بخلاف اقوالهم في ~~الطبيعيات ولهذا كان قولهم اشد فسادا في العقل والدين PageV12P154 من قول ~~بن سينا وأتباعه ولم يثبت أرسطو وأتباعه العلة الأولى بطريقة الوجود ولا ~~قسموا الوجود القديم إلى واجب وممكن بل الممكن عندهم لا يكون إلا حادثا ولا ~~اثبتوا للموجود الواجب الخصائص المميزة للرب عن الأفلاك بل هذا من تصرف ~~متأخريهم الذين خلطوا فلسفتهم بكلام المعتزلة ونحوهم وانما أثبت واجب ~~الوجود بطريقة الوجود بن سينا وأتباعه # وحقيقة قول هؤلاء وجود الحوادث بلا محدث أصلا أما على قول من جعل الأول ~~علة غائية للحركة فظاهر فانه لا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعلا لها فقولهم ~~في حركات الأفلاك نظير قول القدرية في حركة الحيوان وكل من الطائفتين قد ~~تناقض قولهم فان هؤلاء يقولون بأن فعل الحيوان صادر عن غيره لكون القدرة ~~والداعي مستلزمين وجود الفعل والقدرة والداعي كلاهما من غير العبد # فيقال لهم فقولوا هكذا في حركة الفلك بقدرته وداعيه فانه يجب أن يكونا ~~صادرين عن غيره وحينئذ فيكون الواجب بنفسه هو المحدث لتلك الحوادث شيئا بعد ~~شيء وان كان ذلك بواسطة العقل وهذا القول هو الذى يقوله بن سينا وأتباعه ~~وهو باطل أيضا لأن الموجب بذاته القديم الذى يقارنه موجبه ومقتضاه يمتنع ان ~~يصدر عنه PageV12P155 حادث بواسطة أو بلا واسطة فان صدور الحوادث عن العلة ~~التامة الأزلية ممتنع لذاته # وإذا قالوا الحركة بتوسطه أى ( بتوسط ) حركة الفلك قيل لهم فالكلام إنما ~~هو في حدوث الحركة الفلكية فإن الحركة الحادثة شيئا بعد شيء يمتنع أن يكون ~~المقتضى لها علة تامة أزلية ms3806 مستلزمة لمعلولها فإن ذلك جمع بين النقيضين إذ ~~القول بمقارنة المعلول لعلته في الأزل ووجوده معها يناقض أن يتخلف المعلول ~~أو شيء من المعلول عن الأزل بل يمتنع أن يكون المقتضى لها ذاتا بسيطة لا ~~يقوم بها شيء من الصفات والأحوال المقتضية لحدوث الحوادث المتعاقبة ~~المختلفة بل يمتنع أن يكون المقتضى لها ذاتا موصوفة لا يقوم بها شيء من ~~الأحوال الموجبة لحدوث الحوادث المذكورة فإن التجدد والتعدد الموجود في ~~المعلولات يمتنع صدوره عن علة واحدة بسيطة من كل وجه فصار حقيقة قولهم ان ~~الحوادث العلوية والسفلية لا محدث لها # وهؤلاء يقولون كلام الله ما يفيض على النفوس الصافية كما أن ملائكة الله ~~عندهم ما يتشكل فيها من الصور النورانية فلا يثبتون له كلاما خارجا عما في ~~نفوس البشر ولا ملائكة خارجة عما في نفوسهم غير العقول العشرة والنفوس ~~الفلكية التسعة مع أن أكثرهم يقولون انها أعراض وقد بين في غير هذا الموضع ~~أن ما يثبتونه من المجردات PageV12P156 العقلية التى هي العقول والنفوس ~~والمواد والصور انما وجودها في الأذهان لا في الأعيان # وأما الصنف الثالث الذين فرقوا بين الواجب والممكن والخالق والمخلوق ~~والغنى الذى لا يفتقر إلى غيره والفقير الذى لا قوام له إلا بالغنى فقالوا ~~كل ما قارن الحوادث من الممكنات فهو محدث كائن بعد ان لم يكن وهو مخلوق ~~مصنوع مربوب وانه يمتنع أن يكون فيما هو فقير ممكن مربوب شيء قديم فضلا عن ~~ان تقارنه حوادث لا أول لها ولهذا كانت حركات الفلك دليلا على حدوثه كما ~~تقدم التنبيه على ذلك # وأما الرب تعالى إذا قيل لم يزل متكلما إذا شاءأو لم يزل فاعلا لما يشاء ~~لم يكن دوام كونه متكلما بمشيئته وقدرته ودوام كونه فاعلا بمشيئته وقدرته ~~ممتنعا بل هذا هو الواجب لأن الكلام صفة كمال لا نقص فيه فالرب أحق أن يتصف ~~بالكلام من كل موصوف بالكلام إذ كل كمال لا نقص فيه ثبت للمخلوق فالخالق ~~أولى به لأن القديم الواجب الخالق أحق بالكمال المطلق من ms3807 المحدث الممكن ~~المخلوق ولأن كل كمال ثبت للمخلوق فانما هو من الخالق وما جاز اتصافه به من ~~الكمال وجب له فانه لو لم يجب له لكان اما ممتنعا وهو محال بخلاف الفرض ~~وإما ممكنا فيتوقف ثبوته له على غيره والرب PageV12P157 لا يحتاج في ثبوت ~~كماله إلى غيره فان معطى الكمال أحق بالكمال فيلزم أن يكون غيره أكمل منه ~~لو كان غيره معطيا له الكمال وهذا ممتنع بل هو بنفسه المقدسة مستحق لصفات ~~الكمال فلا يتوقف ثبوت كونه متكلما على غيره فيجب ثبوت كونه متكلما وان ذلك ~~لم يزل ولا يزال والمتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام لازما له ~~بدون قدرته ومشيئته والذى لم يزل متكلما إذا شاء أكمل ممن صار الكلام يمكنه ~~بعد أن لم يكن الكلام ممكنا له # وحينئذ فكلامه قديم مع انه يتكلم بمشيئته وقدرته وان قيل انه ينادى ~~ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين وإذا كان قد تكلم بالتوراة ~~والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع ان يتكلم بالباء قبل السين وان ~~كان نوع الباء والسين قديما لم يستلزم ان تكون الباء المعينة والسين ~~المعينة قديمة لما علم من الفرق بين النوع والعين وهذا الفرق ثابت في ~~الارادة والكلام والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات وبه تنحل الاشكالات ~~الواردة على وحدة هذه الصفات وتعددها وقدمها وحدوثها وكذلك تزول به ~~الاشكالات الواردة في أفعال الرب وقدمها وحدوثها وحدوث العالم # وإذا قيل ان حروف المعجم قديمة بمعنى النوع كان ذلك ممكنا بخلاف ما اذا ~~قيل ان عين اللفظ الذى نطق به زيد وعمرو قديم PageV12P158 فإن هذا مكابرة ~~للحس والمتكلم يعلم ان حروف المعجم كانت موجوده قبل وجوده بنوعها وأما نفس ~~الصوت المعين الذي قام به التقطيع أو التأليف المعين لذلك الصوت فيعلم ان ~~عينه لم تكن موجودة قبله والمنقول عن الامام أحمد وغيره من أئمة السنة ~~مطابق لهذا القول ولهذا انكروا على من زعم ان حرفا من حروف المعجم مخلوق ~~وانكروا على من قال ( لما خلق ms3808 الله الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا اسجد ~~حتى أومر ( مع ان هذه الحكاية نقلت لأحمد عن سري السقطى وهو نقلها عن بكر ~~بن خنيس العابد ولم يكن قصد أولئك الشيوخ بها إلا بيان ان العبد الذى يتوقف ~~فعله على الأمر والشرع هو أكمل من العبد الذى يعبد الله بغير شرع فان كثيرا ~~من العباد يعبدون الله بما تحبه قلوبهم وان لم يكونوا مأمورين به فقصد ~~أولئك الشيوخ ان من عبد الله بالأمر ولم يفعل شيئا حتى يؤمر به فهو أفضل ~~ممن عبده بما لم يؤمر به وذكروا هذه الحكاية الاسرائيلية شاهدا لذلك مع ان ~~هذه لا اسناد لها ولا يثبت بها حكم ولكن الاسرائيليات إذا ذكرت على طريق ~~الاستشهاد بها لما عرف صحته لم يكن بذكرها بأس وقصدوا بذلك الحروف المكتوبة ~~لأن الألف منتصبة وغيرها ليس كذلك مع ان هذا أمر اصطلاحى وخط غير العربى لا ~~يماثل خط العربى ولم يكن قصد أولئك الأشياخ أن نفس الحروف المنطوقة التى هي ~~مبانى أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة بائنة عن الله PageV12P159 ~~بل هذا شيء لعله لم يخطر بقلوبهم والحروف المنطوقة لا يقال فيها انها ~~منتصبة ولا ساجدة فمن احتج بهذا من قولهم على انهم يقولون ان الله لم يتكلم ~~بالقرآن العربى ولا بالتوراة العبرية فقد قال عنهم ما لم يقولوه # وأما الامام أحمد فانه أنكر اطلاق هذا القول وما يفهم منه عند الاطلاق ~~وهو ان نفس حروف المعجم مخلوقة كما نقل عنه انه قال ومن زعم ان حرفا من ~~حروف المعجم مخلوق فهذا جهمى يسلك طريقا إلى البدعة فإنه إذا قال ان ذلك ~~مخلوق فقد قال أن القرآن مخلوق أو كما قال ولا ريب ان من جعل نوع الحروف ~~مخلوقا بائنا عن الله كائنا بعد أن لم يكن لزم عنده أن يكون كلام الله ~~العربى والعبرى ونحوهما مخلوقا وامتنع ان يكون الله متكلما بكلامه الذى ~~أنزله على عبده محمد فلا يكون شيء من ذلك كلامه فطريقة الامام أحمد وغيره ms3809 ~~من السلف مطابقة للقول الثالث الموافق لصريح المعقول وصحيح المنقول # وقال الشيخ الامام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخى الشافعى في كتابه ~~الذى سماه الفصول في الاصول سمعت الامام أبا منصور محمد بن أحمد يقول سمعت ~~الامام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد الاسفرائينى ~~يقول مذهبى ومذهب الشافعى PageV12P160 وفقهاء الامصار ان القرآن كلام الله ~~غير مخلوق ومن قال انه مخلوق فهو كافر والقرآن حمله جبريل عليه السلام ~~مسموعا من الله والنبى سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله وهو الذى ~~نتلوه نحن مقروء بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ~~ومحفوظا ومقروءا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ومن ~~قال إنه مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس اجمعين # والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع وذكر ما يتعلق بهذا ~~الباب من الكلام في سائر الصفات كالعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر ~~والكلام في تعدد الصفة واتحادها وقدمها وحدوثها أو قدم النوع دون الأعيان ~~أو اثبات صفة كلية عمومية متناولة الأعيان مع تجدد كل معين من الأعيان أو ~~غير ذلك مما قيل في هذا الباب فإن هذه مواضع مشكلة وهي من محارات العقول ~~ولهذا اضطرب فيها طوائف من أذكياء الناس ونظارهم والله يهدى من يشاء إلى ~~صراط مستقيم PageV12P161 ### || 1 ( المسألة المصرية في القرآن ) 1 ### |||| وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # عمن قال اختلاف المسلمين في كلام الله تعالى على ( ثلاثة أنحاء ( فقوم ~~إلى أنه قديم الحرف والصوت وهم الحشوية وقوم إلى أنه حادث بالصوت والحرف ~~وهم الجهمية ومن تابعهم وقوم إلى أنه قديم لا بصوت ولا حرف إلا معنى قائم ~~بذات الله وهم الأشعرية ### ||||| فأجاب رضى الله عنه وأرضاه # الحمد لله رب العالمين قول القائل إن اختلاف المسلمين في كلام الله على ( ~~ثلاثة أنحاء ( الخ هو كلام بحسب ما بلغه من ذلك واكثر من تكلم في هذه ~~المسألة من المتأخرين إنما يذكر فيها بعض اختلاف ms3810 الناس فقوم يحكون أربعة ~~أقوال كأبى المعالي ونحوه وقوم يحكون خمسة أو ستة كالشهرستانى ونحوه ~~PageV12P162 # والأقوال التى قالها المنتسبون إلى القبلة في هذه المسألة تبلغ سبعة أو ~~أكثر # الأول ) ( قول المتفلسفة ( ومن وافقهم من متصوف ومتكلم كابن سينا وإبن ~~عربى الطائى وبن سبعين وأمثالهم ممن يقول ( بقول ) الصابئة الذين يقولون إن ~~كلام الله ليس له وجود خارج عن نفوس العباد بل هو ما يفيض على النفوس من ~~المعانى أعلاما وطلبا إما من العقل الفعال كما يقوله كثير من المتفلسفة ~~وأما مطلقا كما يقوله بعض متصوفة الفلاسفة وهذا قول الصابئة ونحوهم وهؤلاء ~~يقولون الكلام الذى سمعه موسى لم يكن موجودا إلا في نفسه وصاحب ( مشكات ~~الأنوار ( وأمثاله في كلامه ما يضاهي كلام هؤلاء أحيانا وان كان أحيانا ~~يكفرهم وهذا القول أبعد عن الاسلام ممن يقول القرآن مخلوق # و ( القول الثانى ) قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون كلام ~~الله مخلوق يخلقه في بعض الأجسام فمن ذلك الجسم ابتدأ لا من الله ولا يقوم ~~عندهم بالله كلام ولا إرادة وأول هؤلاء ( الجعد بن درهم ( الذى ضحى به خالد ~~بن عبد الله القسرى لما خطب الناس يوم عيد النحر وقال ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإنى مضح بالجعد بن درهم انه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم PageV12P163 يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم ~~نزل فذبحه # وهؤلاء هم الذين دعوا من دعوه من الخلفاء إلى مقالتهم حتى امتحن الناس في ~~القرآن بالمحنة المشهورة في إمارة المأمون والمعتصم والواثق حتى رفع الله ~~شأن من ثبت فيها من أئمة السنة كالامام أحمد رحمه الله وموافقيه وكشفها ~~الله عن الناس في إمارة المتوكل وظهر في الأمة ( مقالة السلف ( ان القرآن ~~كلام الله غير مخلوق منه بدأ واليه يعود أى هو المتكلم به لم يبتدأ من بعض ~~المخلوقات كما قالت الجهمية بل هو منه نزل كما قال تعالى تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم ) وقال ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ms3811 ربك ~~بالحق ) وقال ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) وقوله ( قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق ) # ثم لما شاعت المحنة كثر اضطراب الناس وتنازعهم في ذلك حتى صار أهل السنة ~~والجماعة المتفقون على أن كلام الله منزل غير مخلوق يقول كل منهم قولا ~~يخالف به صاحبه وقد لا يشعر أحدهم بخلاف الأدلة وصار اتباع الأئمة الأربعة ~~كأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد مع كون الظاهر المشهور عندهم أن القرآن ~~كلام الله غير مخلوق بين كل طائفة منهم تنازع في تحقيق ذلك كما سننبه على ~~ذلك PageV12P164 # و ( القول الثالث ) قول أبى محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري ومن ~~اتبعه كالقلانسى وأبى الحسن الأشعرى وغيرهم ان كلام الله معنى قائم بذات ~~الله هو الأمر بكل مأمور أمر الله 2 به والخبر عن كل مخبر أخبر الله عنه أن ~~عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرية كان توراة وان عبر عنه ~~بالسريانية كان انجيلا والأمر والنهى والخبر ليست أنواعا له ينقسم الكلام ~~اليها وإنما كلها صفات له إضافية كما يوصف الشخص الواحد بانه بن لزيد وعم ~~لعمرو وخال لبكر # والقائلون بهذا القول منهم من يقول إنه معنى واحد في الأزل وانه في الأزل ~~أمر ونهى وخبر كما يقوله الأشعري # ومنهم من قال بل يصير أمرا ونهيا عند وجود المأمور والمنهى # ومنهم من يقول هو عدة معان الأمر والنهى والخبر والاستخبار # وقد ألزم الناس أصحاب هذا القول أن يجعلوا العلم والقدرة والارادة ~~والحياة شيئا واحدا فاعترف محققوهم بصحة الالزام PageV12P165 # وجمهور العقلاء من أهل السنة وأهل البدعة يقولون ان فساد هذا القول معلوم ~~بالضرورة كما يقولون أن فساد قول من يقول أن الاصوات المسموعة من العباد ~~قديمة معلوم بالضرورة كما يقولون أن فساد قول من يقول ان المتكلم يكون ~~متكلما بكلام يقوم بغيره وان العالم يكون عالما بعلم يقوم بغيره والقادر ~~يكون قادرا بقدرة تقوم بغيره معلوم بالضرورة # وكما يقول جمهور العقلاء أن فساد قول من يقول ان العلم هو القدرة والقدرة ms3812 ~~هي الارادة وان العلم هو العالم والقدرة هي القادر معلوم بالضرورة # القول الرابع ) قول طوائف من أهل الكلام والحديث من السالمية وغيرهم ~~يقولون أن كلام الله حروف وأصوات قديمة أزلية ولها مع ذلك معان تقوم بذات ~~المتكلم وهؤلاء يوافقون الأشعرية والكلابية في ان تكليم الله لعباده ليس ~~الا مجرد خلق إدراك للمتكلم ليس هو أمرا منفصلا عن المستمع # ثم أن جمهور هؤلاء لا يقولون إن تلك الأصوات ( هي ) المسموعة من القارئين ~~( بل ) يفرقون بين هذا وهذا ومنهم طائفة وهم أهل PageV12P166 يقولون أن ~~الصوت القديم يسمع من القارىء ثم قد يقولون تارة أن القديم نفس الصوت ~~المسموع من القارىء وتارة يقولون أنه يسمع من القارىء صوتان قديما ومحدثا ~~وكثير منهم أو أكثرهم لا يقولون بحلول القديم في المحدث بل يقولون ظهر فيه ~~كما يظهر الوجه في المرآة # ومنهم من يقول بحلول القديم في المحدث وليس هذا القول ولاالأقوال قبله ~~قول أحد من سلف الأمة ولاأئمتها ولم يقل ذلك لا الامام أحمد ولا أئمة ~~أصحابه ولاغيره من الأئمة بل هم متفقون على الأنكار على من قال أن لفظى ~~بالقرآن غير مخلوق فكيف بمن قال صوتى غير مخلوق فكيف بمن قال صوتى قديم # وأما القول بأن المداد الذى في المصحف قديم فهذا ما رأيناه في كتاب أحد ~~من طوائف الإسلام ولا نقله أحد عن رجل معروف من العلماء أنه سمعه منه ولكن ~~طائفة يسكتون عن التكلم في المداد بنفى أو اثبات ويقولون لا نقول إنه قديم ~~ولكن نسكت سدا للذريعة وقد حكاه طائفة عمن سموهم الحشوية القول بقدم المداد ~~وقالوا أنهم يقولون أن المداد الذى في المصحف قديم وأنه لما كان في المحبرة ~~كان محدثا فلما صار في الورق صار قديما PageV12P167 # ورأينا طوائف يكذبون هؤلاء في النقل وكأن حقيقة الأمر أن أولئك يقولون ~~قول غيرهم بمجرد ما بلغهم من اطلاق قولهم أو لما ظنوه لازما لهم أو ~~لماسمعوه ممن يجازف في النقل ولا يحرره وربما سمعوه من بعض عوامهم ان كان ~~ذلك قد ms3813 وقع # وهذا الباب وقع فيه غلط بهذا السبب حتى غلط الناس على من يعظمونه وبهذا ~~السبب غلط أبا طالب ( الامام أحمد ( فيما نقله عنه فانه قرأ عليه ( قل هو ~~الله أحد ) وسأله هذا مخلوق فقال له أحمد هذا ليس بمخلوق فبلغه أن أبا طالب ~~حكى عنه أنه قال لفظى بالقرآن غير مخلوق فغضب عليه أحمد وقال أنا قلت لك ~~لفظى بالقرآن غير مخلوق فقال لا ولكن قرأت عليك ( قل هو الله أحد ) فقلت لك ~~هذا غير مخلوق فقلت نعم فقال فلم حكيت عنى أنى قلت لك لفظى بالقرآن غير ~~مخلوق فقال لم احكه عنك وانما حكيته عن نفسى قال فلا تقل هذا فانى لم أسمع ~~عالما يقول هذا ولكن قل القرآن حيث تصرف كلام الله غير مخلوق # ولهذا قال البخارى في ( كتاب خلق الأفعال ( إن ( اللفظية ( هؤلاء يذكرون ~~قولهم عن أحمد وهم لا يفهمون دقة قوله وموضع الشبهة أنه إذا قال هذا ~~فالإشارة تكون إلى الكلام من حيث هو كلام مع قطع النظر عما بلغ به من حركات ~~العبد وصوته كما أن PageV12P168 الرجل إذا كتب إسم الله تبارك وتعالى وسمع ~~قائلا يذكر الله فقال هذا ربى كان صادقا ولو قيل له أتعبد هذا لقال نعم لأن ~~المشار إليه هو المسمى بذلك الا تعلم المكتوب والاسم يراد به من الكلام ~~المؤلف المسمى فإذا قال ( محمد رسول الله والذين معه ) فالمراد ان المسمى ~~الذى اسمه محمد هو رسول الله ليس المراد ان نفس اللفظ والخط هو رسول الله # ومن هنا تنازع الناس في ( الاسم ( هل هو المسمى أو غيره وكان الصواب ان ~~يمنع من كلا الاطلاقين ويقال كما قال الله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى ) ~~وكما قال ( أن لله تسعة وتسعين اسما من احصاها دخل الجنة ( والذين أطلقوا ~~أنه المسمى كان أصل مقصودهم أن المراد به هو المسمى وأنه إذا ذكر الاسم ~~فالاشارة به إلى مسماه وإذا قال العبد حمدت الله ودعوت الله وعبدت الله فهو ~~لا يريد إلا أنه عبد المسمى بهذا ms3814 الاسم # والذين نفوا ذلك رأوا أن نفس اللفظ أو الخط ليس هو الأعيان المسماة بذلك ~~وآخرون فرقوا بين التسمية والاسم فجعلوا الألفاظ هي التسمية وجعلوا الاسم ~~هو الأعيان المسماة بالألفاظ فخرجوا عن موجب اللغة المعروفة التى جاء بها ~~الكتاب والسنة PageV12P169 # وأصل مقصود الطوائف كلها صحيح الا من توسل منهم بقوله إلى قول باطل مثل ~~قول الجهمية إن الاسم غير المسمى فإنهم توسلوا بذلك إلى أن يقولوا أسماء ~~الله غيره ثم قالوا وما كان غير الله فهو مخلوق بائن عنه فلا يكون الله ~~تعالى سمى نفسه باسم ولا تكلم بإسم من أسمائه ولا يكون له كلام تكلم به بل ~~لا يكون كلامه إلا ما كان مخلوقا بائنا عنه # فهؤلاء لما علم السلف أن مقصودهم باطل انكروا اطلاقهم القول بأن كلام ~~الله غير الله وان علم الله غير الله وأمثال ذلك لأن لفظ ( الغير ( مجمل ~~يحتمل الشيء البائن عن غيره ويحتمل الشيء الذى ليس هو إياه ولا هو بائن عنه ~~فمن قال إنه غيره ليجعله بائنا عنه كان كلا المعنيين صحيحا وإن كان في ~~العبارة تقصير # وهكذا أنكر الأئمة قول من قال لفظى بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق وقالوا من ~~قال هو مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع وكذلك قالوا في ( ~~التلاوة والقراءة ( لأن اللفظ والتلاوة والقراءة يراد بهما المصدر الذى هو ~~فعل العبد وأفعال العباد مخلوقة فمن جعل شيئا من أفعالهم وأصواتهم وغير ذلك ~~من صفاتهم غير مخلوق فهو مبتدع ويراد ب ( اللفظ ( نفس الملفوظ كما يراد ~~بالتلاوة والقراءة نفس الكلام وهو القرآن نفسه ومن قال كلام PageV12P170 ~~الله الذى أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم وقرأه المسلمون مخلوق فهو ~~جهمى # ومن المعلوم أنه إذا سمع الناس كلام محدث يحدث بحديث النبى كقوله ( إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ( قالوا هذا كلام النبى أو هذا ~~كلامه بعينه لأنهم قد علموا أن النبى تكلم بذلك الكلام لفظه ومعناه وتكلم ~~بصوته ثم المبلغ له عنه بلغه بصوت نفسه ms3815 فالكلام كلام النبى صلى الله عليه ~~وسلم هو الذى تكلم بمعانيه وألف حروفه بصوته والمبلغ له بلغه بفعل نفسه ~~وصوت نفسه # فاذا قالوا هذا كلام النبى كانت اشارتهم إلى نفس الكلام الذي هو الكلام ~~حروفه ونظمه ومعانيه لا إلى ما اختص به المبلغ من حركاته واصواته بل يضيفون ~~الصوت إلى المبلغ فيقولون صوت حسن وما كان في الكلام من فصاحه حروفه ونظمه ~~وبلاغة معانيه فانما يضاف إلى المتكلم به ابتداء لا إلى المبلغ له ولكن ~~يضاف إلى المبلغ حسن الأداء كتجويد الحروف وتحسين الصوت ولهذا قال تعالى ( ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله PageV12P171 # وكان النبى يعرض نفسه على الناس فيقول ( ألا رجل يحملني إلى قومه لابلغ ~~كلام ربى ) وقال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ( وقال ( الله أشد أذنا إلى ~~الرجل يحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ( # فبين الله ورسوله أن القرآن المسموع كلام الله لاكلام أحد من المخلوقين ~~والناس يقرؤنه بأصواتهم فمن قال إن هذا القرآن المسموع ليس هو كلام الله أو ~~هو كلام القارئين كان فساد قوله معلوما بالضرورة شرعا وعقلا كما أن من قال ~~إن هذا 4 الصوت المسموع ليس هو صوت العبد أو هو صوت الله كان فساد قوله ~~معلوما بالضرورة شرعا وعقلا بل هذا هو كلام الله لا كلام غيره سمعه جبريل ~~من الله وسمعه النبى من جبريل وسمعه المسلمون من نبيهم ثم بلغه بعضهم إلى ~~بعض وليس لأحد من الوسائط فيه إلاالتبليغ بأفعاله وصوته لم يحدث منهم أحد ~~شيئا من حروفه ولا نظمه ولا معانيه بل جميع ذلك كلام الله تعالى # ( القول الخامس ) قول الهشامية والكرامية ومن وافقهم أن كلام الله حادث ~~قائم بذات الله بعد أن لم يكن متكلما بكلام بل ما زال عندهم قادرا على ~~الكلام وهو عندهم لم يزل متكلما بمعنى أنه لم يزل قادرا على الكلام والا ~~فوجود الكلام عندهم في الأزل ممتنع كوجود PageV12P172 الأفعال عندهم وعند ~~من وافقهم من أهل الكلام كالمعتزلة واتباعهم وهم يقولون ms3816 أنه حروف وأصوات ~~حادثة بذات الرب بقدرته ومشيئته ولا يقولون إن الأصوات المسموعة والمداد ~~الذي في المصحف قديم بل يقولون إن ذلك محدث # القول السادس قول الجمهور وأهل الحديث وأئمتهم ان الله تعالى لم يزل ~~متكلماإذا شاء وأنه يتكلم بصوت كما جاءت به الأثار والقرآن وغيره من الكتب ~~الالهية كلام الله تكلم الله به بمشيئته وقدرته ليس ببائن عنه مخلوقا ولا ~~يقولون إنه صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما ولا أن كلام الله تعالى من حيث ~~هو هو حادث بل مازال متكلما إذا شاء وإن كان كلم موسى وناداه بمشيئته ~~وقدرته فكلامه لا ينفد كما قال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا # ويقولون ما جاءت به النصوص النبوية الصحيحة ودلت عليه العقول الزكية ~~الصريحة فلا ينفون عن الله تعالى صفات الكمال سبحانه وتعالى فيجعلونه ~~كالجمادات التى لا تتكلم ولا تسمع ولا تبصر فلا تكلم عابديها ولا تهديهم ~~سبيلا ولا ترجع إليهم قولا ولا تملك لهم ضرا ولا نفعا PageV12P173 # ومن جعل كلام الله لايقوم إلا بغير الله كان المتصف به هو ذلك الغير ~~فتكون الشجرة هي القائلة لموسى ( اننى انا الله ( ولهذا اشتد نكير السلف ~~على من قال ذلك وقالوا هذا نظير قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) أى هذا كلام ~~قائم بغير الله ولهذا صرح بحقيقة ذلك الاتحادية كابن عربى ونحوه الذين ~~يقولون # وكل كلام في الوجود كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # وأهل هذا القول الموافقون للسلف والأئمة لا يقولون ان الرب كان مسلوبا ~~صفات الكمال في الأزل وانه كان عاجزا عن الكلام حتى حدث له قدرة عليه ~~كالطفل والذين يقولون أن القرآن مخلوق يجعلون الكلام لغيره فيسلبونه صفات ~~الكمال ويقولون أنه لا يقدر على الكلام في الأزل لا على كلام مخلوق ولا ~~غيره وهم ان لم يصرحوا بالعجز عن الكلام في الأزل فهو لازم لقولهم ~~والكرامية فروا من الأول وجعلوه متكلما بكلام يقوم به لكن لم ms3817 يجعلوه متكلما ~~في الأزل بل ولا قادرا على الكلام في الحقيقة في الأزل # والكلابية ومن وافقهم من السالمية ونحوهم وصفوه بالكلام في الأزل وقالوا ~~إنه موصوف به أزلا وأبدا لكن لم يجعلوه قادرا على الكلام ولا متكلما ~~بمشيئته واختياره ولا يقدر ان يحدث شيئا PageV12P174 يكون به مكلما لغيره ~~لكن يخلق لغيره ادراكا بما لم يزل كما يزيل العمى عن الأعمى الذى لا يرى ~~الشمس التى كانت ظاهرة متجلية لا أن الشمس في نفسها تجلت وظهرت وهذا يقول ~~كثير من هؤلاء في رؤيته إنها ليست إلا مجرد خلق الادراك ليس هناك حجب ~~منفصلة عن الرأى فلا يكشف حجابا ولا يرفع حجابا # والقرآن مع الحديث ومع العقل يرد على هؤلاء كقوله تعالى ( وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ) ولو كان الحجاب هو ~~عدم الرؤية لكان الوحى وارسال الرسل من وراء حجاب وقال تعالى ( فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ) وفى الصحيح ( اذا دخل أهل الجنة الجنة ~~ناد مناد يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما ~~هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار قال ~~فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما اعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر ( والآثار ~~في ذلك كثيرة # وأيضا فقول الكلابية أن الحقائق المتنوعة شيء واحد وقول الآخرين إن ~~الأصوات المتضادة تجتمع في آن واحد مما يقول أكثر العلماء العقلاء انه ~~معلوم الفساد بالضرورة وقد بسط الكلام على هذه الأقوال في غير هذا الموضع ~~PageV12P175 # و ( المقصود هنا ( الجواب عن قول هذا القائل فقوم إلى أنه قديم الصوت ~~والحرف وهم الحشوية إن أراد بذلك قول من يقول إن نفس الأصوات مجتمعة في ~~الأزل فهذا قول من تقدم من السالمية وغيرهم من أهل الكلام والحديث # وأما قول القائل ( حشوية ( فهذا اللفظ ليس له مسمى معروف لا في الشرع ولا ~~في اللغة ولا في العرف العام ولكن يذكر أن أول من تكلم بهذا ms3818 اللفظ عمرو بن ~~عبيد وقال كان عبد الله بن عمر حشويا وأصل ذلك أن كل طائفة قالت قولا تخالف ~~به الجمهور والعامة ( ينسب ) إلى أنه قول الحشوية أى الذين هم حشو في الناس ~~ليسوا من المتأهلين عندهم فالمعتزلة تسمى من أثبت القدر حشويا والجهمية ~~يسمون مثبتة الصفات حشوية والقرامطة كاتباع الحاكم يسمون من أوجب الصلاة ~~والزكاة والصيام والحج حشويا # وهذا كما أن الرافضة يسمون قول أهل السنة والجماعة قول الجمهور وكذلك ~~الفلاسفة تسمى ذلك قول الجمهور فقول الجمهور وقول العامة من جنس واحد # فان كان قائل ذلك يعتقد أن الخاصة لا تقوله وإنما تقوله العامة والجمهور ~~فاضافه إليهم وسماهم حشوية # والطائفة تضاف تارة إلى الرجل الذى هو رأس مقالتها كما يقال الجهمية ~~والاباضية والأزارقة والكلابية والأشعرية والكرامية PageV12P176 ويقال في ~~أئمة المذاهب مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية وتارة تضاف إلى قولها وعملها ~~كما يقال الروافض والخوارج والقدرية والمعتزلة ونحو ذلك ولفظة الحشوية لا ~~ينبنى لا عن هذا ولا عن هذا # وأما قوله وقوم ذهبوا إلى أنه حادث بالصوت والحرف وهم الجهمية فهو كلام ~~من لا يعرف مقالات الناس فان الجهمية يقولون إن الله لا يتكلم وليس له كلام ~~وإنما خلق شيئا فعبر عنه ومنهم قال إنه يتكلم بكلام يخلقه في غيره وهو قول ~~المعتزلة # وأما الكرامية فتقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق وهو متكلم به بحرف ~~وصوت ويقولون مع ذلك أنه حادث قائم به وهم ليسوا من الجهمية بل يردون عليهم ~~أعظم الرد وهم اعظم مباينة لهم من الأشعرية ويقولون مع ذلك أن القرآن حادث ~~في ذات الله # ثم من هؤلاء من يقول إن كلام الله كله حادث ومنهم من لا يقول ذلك وهذا ~~القول معروف عن أبى معاذ التومنى وزهير البابى وداود بن على الأصبهانى بل ~~والبخارى صاحب الصحيح وغيره وطوائف كثيرة يذكر عنهم هذا فليس كل من قال إنه ~~حادث كان من الجهمية ولا يقول انه مخلوق PageV12P177 # وأما قوله وقوم نحوا إلى أنه قديم لا بصوت ولا حرف إلا ms3819 معنى قائم بذات ~~الله وهم الأشعرية فهذا صحيح ولكن هذا القول أول من قاله في الإسلام عبد ~~الله بن كلاب فان السلف والأئمة كانوا يثبتون لله تعالى ما يقوم به من ~~الصفات والأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته والجهمية تنكر هذا وهذا فوافق إبن ~~كلاب السلف على القول بقيام الصفات القديمة وانكر أن يقوم به شيء يتعلق ~~بمشيئته وقدرته # وجاء أبو الحسن الأشعرى بعده وكان تلميذا لأبى على الجبائى المعتزلى ثم ~~إنه رجع عن مقالة المعتزلة وبين تناقضهم في مواضع كثيرة وبالغ في مخالفتهم ~~في مسائل القدر والايمان والوعد والوعيد حتى نسبوه بذلك إلى قول المرجئة ~~والجبرية والواقفة وسلك في الصفات طريقة بن كلاب وهذا القول في القرآن هو ~~قول إبن كلاب في الأصل وهو قول من اتبعه كالأشعرى وغيره # وقوله فمن قال ان الحرف والصوت الملفوظ بهما عين الكلام القديم فلأهل ~~الحق فيه رأيان رأى بتكفيره ورأى بتبديعه إلى قوله وليعلم أن الحرف اللسانى ~~والحرف البنانى كلاهما مقيد بزمام تصرفه PageV12P178 # فيقال أما القول بان المداد المكتوب قديم فما علمنا قائلا معروفا قال به ~~وما رأينا ذلك في كتاب أحد من المصنفين لامن أصحاب أبى حنيفة ولا مالك ولا ~~الشافعى ولا أحمد بل رأينا في كتب طائفة من المصنفين من أصحاب مالك ~~والشافعى وأحمد انكار القول بأن المداد قديم وتكذيب من نقل ذلك وفى كلام ~~بعضهم ما يدل على أن في المصحف حرفا قديما ليس هو المداد # ثم منهم من يقول هو ظاهر فيه ليس بحال ومنهم من يقول هو حال وفى كلام ~~بعضهم ما يقتضي أن يكون ذلك هو الشكل شكل الحرف وصورته لا مادته التى هي ~~مداده وهذا القول ايضا باطل كما ان القول بأن شيئا من أصوات الآدميين قديم ~~هو قول باطل وهو قول قاله طائفة من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وجمهور هؤلاء ~~ينكرون هذا القول وكلام الامام أحمد وجمهور أصحابه في انكار هذا القول كثير ~~مشهور # ولا ريب ان من قال أن أصوات العباد قديمة فهو مفتر مبتدع ms3820 له حكم أمثاله ~~كما ان من قال أن هذا القرآن ليس هو كلام الله فهو مفتر مبتدع له حكم ~~أمثاله # ومن قال إن القرآن العربى ليس هو كلام الله بل بعضه كلام PageV12P179 ~~الله وبعضه ليس كلام الله فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله ومن قال إن معنى ~~آية الكرسي وآية الدين و ( قل هو الله أحد ) و ( تبت يدا أبى لهب ) معنى ~~واحد فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله # واما ( التكفير ( فالصواب انه من اجتهد من أمة محمد وقصد الحق فاخطأ لم ~~يكفر بل يغفر له خطأه ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر ومن اتبع هواه وقصر في طلب ~~الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب ثم قد يكون فاسقا وقد تكون له حسنات ترجح ~~على سيئاته # فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مخطىء ولا مبتدع ولا جاهل ~~ولا ضال يكون كافرا بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا لا سيما في مثل ( مسألة ~~القرآن ( وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس بالعلم ~~والدين وغالبهم يقصد وجها من الحق فيتبعه ويعزب عنه وجه آخر لا يحققه فيبقى ~~عارفا ببعض الحق جاهلا ببعضه بل منكرا له # ومن ها هنا نشأ نزاعهم فالذين قالوا انه مخلوق رأوا أن PageV12P180 ~~الكلام لا يكون إلا بقدرة المتكلم ومشيئته وإن كلاما لازما لذات المتكلم لا ~~يعقل فانه ان جعل معنى واحدا كان مكابرة للعقل وكذلك أن جعل أصواتا أزلية ~~ثم ظنوا أن ما كان بقدرة الرب ومشيئته لا يكون إلا منفصلا عنه وما انفصل ~~عنه فهو مخلوق ولهذا أنكروا أن يجيء أو يأتى أو ينزل وغير ذلك مما جاء به ~~الكتاب والسنة # وآخرون وافقوهم على هذا الأصل الذى أحدثه أولئك وهو أنه لا يقوم به ما ~~يتعلق بمشيئته وقدرته لكن رأوا أن كلاما لا يقوم بالمتكلم لا يكون كلاما له ~~فقالوا أن كلامه قائم به # ثم رأى ms3821 ( فريق ( أن قدم الأصوات ممتنع فجعلوا القديم هو المعنى ثم رأوا ~~أن تعدد المعانى القديمة ممتنع وأنه يفضى إلى وجود معانى لا نهاية لها ~~فقالوا هو معنى واحد # ورأى ( فريق آخر ( أن كون المعانى المتنوعة معنى واحدا ممتنع وكون الرب ~~لم يتكلم بحروف القرآن بل خلقها في غيره موافقة لمن جعل الكلام لا يقوم ~~بالمتكلم فإن تلك الحروف المنظومة كالقرآن العربى أن قالوا هو كلام الله ~~لزم أن لا يكون كلامه قائما به بل بغيره وان قالوا ليس كلاما لله لزم أن ~~يكون كلاما لمن خلقت فيه فلا يكون الكلام العربى كلاما لله بل كلاما لمن ~~خلق فيه وهذا PageV12P181 هو الذي انكروه على من قال القرآن مخلوق والذى ~~قال انه مخلوق لم يقل إلا هذا فلزمهم أن يوافقوا في الحقيقة قول من يقول ~~القرآن مخلوق وان ضموا إلى ذلك قولا لاحقيقة له يخالف العقل والنقل وهو ~~اثبات معنى واحد يكون هو جميع معانى التوراة والانجيل والقرآن لكنهم إنما ~~قالوا ذلك فرارا من أقوال ظنوها باطلة فلم يقصدوا إلا الفرار عما رأوه ~~باطلا فوقعوا في أقوال لها لوازم تقتضي بطلانها أيضا # فلما رأى هذا ( الفريق الثانى ( ما أجاب به هؤلاء قالوا انه حروف وأصوات ~~قديمة أزلية فرد عليهم غيرهم وقالوا أن الأصوات متضادة في نفسها والضدان لا ~~يجتمعان وأقل ما في الأمور القديمة أن تكون مجتمعة وقالوا لهم الأصوات ~~مستلزمة للحركات المستلزمة للقدرة والارادة فلا تكون الأصوات إلا بقدرة ~~وإرادة وما كان كذلك لم يكن قديم العين لكن النزاع في كونه قديم النوع ~~وقالوا الأصوات هي في نفسها يمتنع بقاؤها وما امتنع بقاؤه امتنع قدمه ~~فامتنع قدم الأصوات # وقال ( آخرون ( إذا كان الأمر كذلك كان متكلما بحروف وأصوات حادثة ~~بمشيئته وقدرته قائمة بذاته لكن يمتنع قدم شيء من ذلك لأن الحوادث لا تكون ~~ازلية ورأوا أن هذا القول ينجيهم من PageV12P182 سائر ما وقع فيه غيرهم ~~وليس فيه ما ينكر اولئك عليهم الا ان يقوم بذات الرب ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته # فإن ms3822 المعتزلة نفت أن يقوم به شيء من المعانى وعبروا عن ذلك بأنه لا يقوم ~~به شيء من الأعراض والحوادث فسموا ما يقوم به من العلم والقدرة والحياة ~~اعراضا وما يقوم به من الخلق والاحسان والاتيان والمجيء والنزول حوادث ~~وقالوا لسلف الأمة وأئمتها وجمهورها ان قلتم الكلام المعين لازم له فقد ~~قلتم انه تقوم به الأعراض وان قلتم يتكلم باختياره وقدرته فقد قلتم تقوم به ~~الحوادث # فقال هؤلاء كلام المعتزلة وقولهم لا تقوم به هذه الأمور كلام باطل مخالف ~~للكتاب والسنة ولاجماع سلف الأمة وهو أيضا مخالف لصريح العقل فان اثبات ~~عالم بلا علم وقادر بلا قدرة وحى بلا حياة ممتنع في صريح العقل وكذلك اثبات ~~خالق وعادل بلا خلق ولا عدل واثبات فاعل لا يقوم به فعل واثبات رب لا يقدر ~~على التصرف بنفسه بل يكون بمنزلة الجماد سلب لصفات الكمال عنه كما أن إثبات ~~رب لايعلم ولا يقدر سلب لصفات الكمال عنه PageV12P183 # قال هؤلاء فإذا قلنا إنه تكلم بالكلام حروفه ومعانيه بمشيئته وقدرته ~~سلمنا من هذه المحاذير ولم يكن منا محذور شرعى ولا عقلى # فقال لهم الفريق السابع ولكن جعلتموه عاجزا عن الكلام في الأزل مسلوبا ~~للكمال ولزمكم أن يقال إذا كان من الأزل إلى الأبد لم يتكلم ثم تكلم كان ~~ذلك أمرا حادثا فيحتاج إلى سبب حادث والقول في ذلك الحادث كالقول في الأول ~~فيلزم تسلسل الحوادث فان كان ذلك ممتنعا بطل قولكم وان كان جائزا فقولوا لم ~~يزل متكلما إذا شاء كما قاله أئمة السنة وجماهير أهل الحديث فانكم حينئذ ~~تكونون قد وصفتم ربكم بصفات الكمال أزلا وأبدا # قالوا وهذا القول خير من سائر الأقوال مع موافقته المعقول وصحيح المنقول ~~فقال لهم أولئك هذا يستلزم حوادث لا أول لها وذلك ممتنع فقال لهم هؤلاء هذا ~~كلام مبتدع وإنما أخذتموه عن المعتزلة لم يأت به كتاب ولا سنة ولا قاله أحد ~~من سلف الأمة وأئمتها ولا دل عليه العقل بل العقل يدل على نقيضه # والذين قالوا هذا القول ms3823 من المعتزلة ومن تبعهم من الكرامية والأشعرية ~~ظنوا أنهم بهذا القول يثبتون حدوث العالم بناء على أن الأجسام لا تخلوا من ~~الأعراض المحدثة وما لا يخلوا من الحوادث فهو PageV12P184 محدث وهذا القول ~~هو الذى سلط عليهم ( الفلاسفة الدهرية ( القائلين بقدم العالم فان هذاالقول ~~الذى قالوه وجعلوه مستلزما لحدوث العالم هو مناقض لحدوث العالم بل هو مناقض ~~لإثبات الصانع فهم قصدوا نصر الاسلام بما ينافى دين الاسلام # ولهذا كثر ذم السلف لمثل هذا الكلام وهذا هو أصل ( الكلام المذموم ( عند ~~سلف الأمة وأئمتها وذلك لأن الشيء إذا كان يمكن وجوده ويمكن عدمه فلا يوجد ~~إلا بمقتض يستلزم وجوده وان جاز وجوده بدون ذلك أمكن ان تكون المخلوقات ~~التى يمكن وجودها وعدمها وجدت بلا فاعل فلا بد للممكنات من وجود واجب يحصل ~~به وجودها ولا تكون مع وجود المقتضى التام محتملة للوجود والعدم بل يكون ~~وجودها لازما حتما فإن ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وإذا شاء الرب ~~شيئا لم يمكن ان لا يكون بل يجب كونه بمشيئة الرب تعالى المستلزمة لقدرته ~~قالوا # وإذا كان كذلك فالحادث الذى يمكن وجوده ويمكن عدمه اذا حدث بدون سبب حادث ~~مع استواء نسبته إلى جميع الاوقات واستواء نسبة جميع الحوادث والأوقات إلى ~~مشيئة الرب وقدرته لزم من ذلك أن يكون قد تخصص بعض الحوادث بالحدوث وبعض ~~PageV12P185 الازمنة بالحدوث من غير مخصص يقتضى ذلك ومن غير سبب حادث يقتضى ~~الحدوث # وهذا مع أنه فاسد في صريح العقول فهو يبطل ما استدلوا به على اثبات ~~الصانع فلابد حينئذ أن يكون لحدوث الحوادث سبب حادث وحينئذ فما من حادث إلا ~~وهو مسبوق بحادث وحينئذ فهذا يقتضى ان الله إذا كان متكلما بمشيئته وقدرته ~~أمكن أنه لا يزال متكلما بمشيئته وقدرته ولم يجز أن يصير متكلما بعد أن لم ~~يكن متكلما بحال لأن ذلك يقتضى حدوث الحادث بلا سبب حادث وهو ممتنع ويقتضى ~~انه تجدد له من صفات الكمال ما أمكن ثبوته في الأزل وذلك ممتنع وذلك ms3824 لأن ~~صفات الكمال التى يمكن اتصاف الرب بها لا يجوز ان يتوقف ثبوتها له على غيره ~~لأنه يلزم ان يكون ذلك الغير هو المعطى له صفات الكمال ومعطى غيره صفات ~~الكمال أولى بان يكون هو الرب تعالى ورب العالمين الخالق ما سواه الذى ~~يعطيه صفات الكمال لا يكون غيره ربا له بوجه من الوجوه سبحانه وتعالى عن ~~ذلك # وحينئذ فيجب اتصافه بالكلام إذا شاء أزلا وابدا # قال هؤلاء وهذا الأصل يبطل حجة الفلاسفة الدهرية التى PageV12P186 احتجوا ~~بها على قدم العالم وعجزتم أنتم معاشر المعتزلة وأتباعكم من المتكلمين ~~القائلين بامتناع دوام الحوادث عنها فانهم الزموكم على أصولكم إذ قدرتم ~~ثبوت موجود لايتكلم بمشيئته وقدرته ولا يفعل شيئا بل يمتنع منه في الأزل كل ~~شيء يكون منه من كلام أو فعل فقالوا إذا قدرنا وجود هذا وأنه يبقى دائما ~~ابدا لا يتكلم ولا يفعل شيئا ثم تكلم وفعل فلابد من سبب اوجب حدوث هذا ~~الكلام والفعل اما حدوث قدرة أو إرادة أو علم أو غير ذلك من الأسباب فاما ~~إذا قدر حاله فيما لا يزال كحاله فيما لم يزل امتنع ان يتجدد له كلام أو ~~فعل أو غير فعل # فهذه حجة الفلاسفة عليكم وأنتم لم تجيبوهم إلا بالمكابرة أو بالالزام ( ~~فالمكابرة ( دعواكم حدوث الحوادث بلا حدوث سبب بل جعلتم نفس القدرة أو ~~الارادة القديمة تخصص أحد المتماثلين عن المثل الآخر بلا سبب أصلا مع أن ~~نسبتها إلى جميع المتماثلات نسبة واحدة وهذا مع أنه معلوم البطلان بالضرورة ~~فهو يسد عليكم طريق ( اثبات الصانع ( فانه مبنى على ان الحوادث لابد لها من ~~محدث والمخصص لا بد له من مخصص والترجيح لا بد له من مرجح إذا كان المخصص ~~أو المرجح من الممكنات أو المحدثات # وأما ( الالزام ( فقولكم إن هذا الأشكال لازم للفلاسفة كما هو ~~PageV12P187 لازم لنا فان الحوادث إذا امتنع حدوثها عن علة تامة أزلية وليس ~~عندكم إلا العلة التامة الأزلية لزم ألا يكون للحوادث محدث واما نحن إذا ~~سلكنا طريق سلف الأمة ms3825 وأئمتها فنقول لهؤلاء الفلاسفة بل خلق الله السماوات ~~والأرض في ستة أيام كما أخبرت به الرسل فحدثت باسباب حدثت قبل ذلك وإذا ~~قلنا انه لم يزل متكلما إذا شاء و ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون ) كان ما يحدث حادثا بما شاء ان يتكلم به من كلامه لا سيما إذا قيل ~~بنظير ذلك في إرادته سبحانه وتعالى وامكننا أن نجيب الفلاسفة بجواب آخر ~~مركب عنا وعنكم # فنقول لهم وجود حوادث لا أول لها ممكن أو ممتنع # فإن قلتم ممتنع لزمكم القول بحدوث العالم وامكن حينئذ صحة قول الكرامية ~~ونحوهم # وان قلتم هو ممكن قيل فممكن حينئذ أن يكون هذا العالم حدث بسبب حادث قبله ~~وكذلك السبب الآخر لا إلى غاية والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا ~~الموضع # و ( المقصود هنا ) التنبيه على أن هذه مقامات دقيقة مشكلة PageV12P188 ~~بسببها افترقت الأمة واختلفت فإذا اجتهد الرجل في متابعة الرسول والتصديق ~~بما جاء به واخطأ في المواضع الدقيقة التى تشتبه على أذكياء المؤمنين غفر ~~الله له خطاياه تحقيقا لقوله ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو اخطأنا ) وقد ~~ثبت في الصحيح ان الله قال ( قد فعلت ( # وأما قول القائل ومن قال كلام الله منزه عن سمات الحدوث إذ الصوت والحرف ~~لازمهما الحدوث فكما لذاته التنزيه عن سمات الخلق كذلك لقوله الحق # فيقال له لا نزاع بين المسلمين بل وسائر أهل الملل وغيرهم من العقلاء أن ~~الخالق منزه عن سمات الحدوث فان قدمه ضرورى فيمتنع أن يقوم دليل على حدوثه ~~و ( السمة ( هي العلامة والدليل ولكن منازعوك في الصوت والحرف جمهور ~~الخلائق # إذ لم يوافق الكلابية على قولهم أحد من الطوائف لا الجهمية ولا المعتزلة ~~ولا الضرارية ولا النجارية ولا الكرامية ولا السالمية ولا جمهور المرجئة ~~والشيعة ولا جمهور أهل الحديث والفقه والتصوف ولا الفلاسفة لا الالهيون ولا ~~الطبائعيون على اختلاف أصنافهم # وخصومهم منهم من يقول الحروف محدثة مخلوقة في محل منفصل عن الله كما ~~يقولون هم ذلك لكن ms3826 يقولون هذا كلام الله ليس لله PageV12P189 كلام غيره كما ~~أجمع المسلمون على أن هذا كلام الله بل أجمعت الأمم على أن الكلام لا يعقل ~~إلا كذلك # فان قلتم هذا هو كلام الله لزمكم أن يكون كلامه مخلوقا وان قلتم ليس ذلك ~~كلام الله خالفتم المعلوم بالاضطرار من الشرع واللغة وان قلتم نسمى هذا ~~كلام الله وهذا كلام الله كلاهما حقيقة بطريق الاشتراك اللفظى قيل لكم فإذا ~~ثبت أن الكلام المخلوق في غيره هو كلام له حقيقة بطل أصل حجتكم التى ~~إحتججتم بها حيث قلتم الكلام لا يكون كلاما الا لمن قام به ولا يكون ~~المتكلم متكلما بكلام يحل في غيره # وقالوا لكم أيضا إثبات المعنى الذى أثبتموه غير هذه الحروف والأصوات ~~يحتاج إلى اثبات وجوده ثم اثبات قدمه ثم اثبات حدوثه وكل من هذه المقامات ~~أنتم فيها منقطعون كما هو مبسوط في موضعه وكما اعترف بذلك فضلاء هذه ~~المقالة # و ( الفريق الثانى ( يقول لكم انا نسلم لكم أن الحروف والأصوات محدثة لكن ~~نقول هي كلام الله القائم بذاته فان قلتم هذا يستلزم كونه محلا للحوادث ~~قالوا لكم ونفس هذا من كلام المعتزلة الذى تلقيتموه عنهم وليس لكم على ذلك ~~حجة لا عقلية ولا شرعية PageV12P190 وقد اعترف فضلاؤكم بأن هذا القول يلزم ~~جمهور الطوائف وقال لكم منازعوكم قد دل على هذا الأصل الأدلة الشرعية # والعقلية و ( الفريق الثالث ( يقول لكم هب أنها محدثة أهي محدثة الأعيان ~~أم نوعها محدث فان قلتم ان كل فرد من أفرادها محدث لم ينفعكم وان قلتم بل ~~النوع محدث لا متناع حوادث لا تتناهى قيل لكم هذا مما ينازعكم فيه جمهور ~~أهل الحديث مع جمهور الفلاسفة وينازعكم فيه أئمة الملل وأئمة النحل ~~وينازعكم فيه الأئمة من أهل التوراة والانجيل والقرآن والأئمة من الصابئة ~~والفلاسفة والمجوس وغيرهم وانما ابتدع هذا القول في الاسلام طائفة من أهل ~~الكلام الذين ذمهم أئمة الدين وأعلام المسلمين وهذا القول ليس معلوما ~~بالكتاب والسنة والاجماع ولا قاله أحد من السلف والأئمة وإنما ms3827 هو قول مبتدع ~~ومبتدعه يزعم ان العقل دل عليه ويثبت به حدوث العالم والعلم باثبات الصانع # وهؤلاء يقولون له العقل يدل على نقيضه وانه مناف مضاد لحدوث العالم ~~ولاثبات الصانع وهذا مبسوط في موضعه وانما المقصود التنبيه على ما في هذا ~~الكلام من موارد النزاع ومواقع الاجماع PageV12P191 # وقول القائل كما لذاته التنزيه عن سمات الخلق فكذلك لقوله الحق فهذا من ~~جنس سجع الكهان الذى لا يقيم حقا ولا يبطل باطلا فهل تقول أن كل ما وصف به ~~الرب من الصفات يتصف به كل ماله من الكلمات أو غيرها من الصفات واذا قيل ان ~~الرب تعالى إله قادر خالق معبود فهل يجب أن يكون شيء من كلماته وصفاته الها ~~قادرا خالقا معبودا وهذا القول يضاهى قول النصارى الذين قالوا كما ان أقنوم ~~الوجود اله فكذلك اقنوم الكلمة والروح فيثبتون للصفات الالهية التى اثبتوها ~~للذات # والرب تعالى له كلام قائم بمحل لا يوجد بغيره إذ لابد للكلام من محل لا ~~يوجد الكلام بدونه فهل يجب أن يفتقر الرب إلى محل يقوم به كما يفتقر الكلام ~~إلى ذلك ولكن يجب تنزيه كلامه عن كل نقص وعيب إذ هو المستحق للكمال في ذاته ~~وصفاته وأفعاله ويمتنع ان يخلو عن صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة ~~والكلام وغير ذلك من صفات الكمال مع أنه يتصف بها بعض مخلوقاته فالموصوف ~~الواجب الوجود القديم الأزلى أحق بصفات الكمال من المخلوقات وكل كمال ثبت ~~لمخلوق فمن الخالق استفاده والخالق أوهبه إياه وأعطاه فواهب الكمال ومعطيه ~~أحق به وأولى PageV12P192 # وهذا مما يعبر عنه كل قوم باصطلاحهم حتى تقول المتفلسفة كل كمال ثبت ~~للمعلول فهو ( من ) كمال العلة ومعلوم أن المخلوق الذى خلق من قبل ولم يك ~~شيئا ليس له من نفسه شيء أصلا بل كل ماله فمن خالقه سبحانه وتعالى # وأما قوله ولتعلم ان الحرف اللسانى والحرف البنانى كلاهما مقيد بزمان ~~يصرفه المولى متكلم قبل الزمان فتعالى كلامه عن ان تكتنفه الحدثان فقد عرف ~~منازعة المنازعين له في هذا ms3828 ولم يذكر الا مجرد الدعوى وقد علم أن تصور ~~الدعوى معلوم الفساد بالضرورة عند اكثر العقلاء وان الدليل عليها مقدمات ~~ينازعه فيها جمهور العقلاء وآخرها ينتهى إلى مقدمات تلقوها عن شيوخهم ~~المعتزلة فان الكلابية والأشعرية إنما أخذوا مقدمات هذا الكلام ومادته منهم ~~وقد عرف حالهم في ذلك # وقوله المولى متكلم قبل الزمان إن أراد أنه سبحانه وتعالى قبل السماوات ~~والأرض والليل والنهار وقبل جميع المخلوقات فهذا حق لكن من أين له أن كل ما ~~كلم به عباده ويكلمهم به يوم القيامة يجب أن يكون قبل جميع المخلوقات ومن ~~أين له أنه قبل خلق العالم كان مناديا لموسى قائلا له ( اننى أنا الله لا ~~إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى PageV12P193 # وان أراد أنه سبحانه وتعالى قبل ما يوصف بالقبل فهذا ممتنع فانه سبحانه ~~موصوف بانه الأول قبل كل شيء وان أراد بذلك ان الزمان مقدار الفعل والحركة ~~وان ذلك ممتنع في الأزل فقد عرف أن أئمة الملل والنحل ينازعونه في هذا مع ~~اتفاق أهل الملل على أن الله خالق السماوات والأرض في ستة أيام وقوله أن ~~الحرف والصوت اداتان يعبر بهما عن المعنى القائم بذات الله كما يعبر ~~الانسان عما قام به من الطلب تارة بالبنان وتارة باللسان وتارة بالرأس عند ~~طلب الرواح وعند طلب الاتيان فهذا مذهب الحق ومركب الصدق # فيقال له هذا عليه اعتراضات # أحدها ان يقال ما ذلك المعنى القائم بالذات أهو واحد كما يقوله الأشعرى ~~وهو عنده مدلول التوراة والانجيل والقرآن ومدلول آية الكرسى والدين ومدلول ~~سورة الاخلاص وسورة الكوثر أم هو معان متعددة فان قال بالأول كان فساده ~~معلوما بالاضطرار ثم يقال التصديق فرع التصور ونحن لا نتصور هذا فبين لنا ~~معناه ثم تكلم على اثباته فان قال هو نظير المعانى الموجودة فينا كان هذا ~~الكلام بعد النزول عما يحتمله من التشبيه والتمثيل باطلا لأن الذى فينا ~~معان متعددة متنوعة وإما معنى واحد هو أمر بكل مأمور به وخبر عن كل مخبر ~~عنه فهذا غير ms3829 متصور PageV12P194 # الثانى أن يقال هب أنه متصور فما الدليل على ثبوته وما الدليل على قدمه # الثالث أن يقال قولك الصوت والحرف عبارة عنه أتعنى به الأصوات المسموعة ~~من القراء أو الحروف الموجودة في التلاوة والمصاحف وإما حروفا وأصواتا غير ~~هذه فان قلت بالأول كان باطلا من وجوه # أحدها أنه كل من أجاد القراءة عبر عما في نفس الله من غير ان يكون الله ~~عبر عما في نفسه فيكون المخلوق أقدر من الخالق # الثانى ان كثيرا من القراء أو اكثرهم لا يفقهون اكثر معانى القرآن ~~والتعبير عما في نفس المعبر فرع على معرفته فمن لم يفهم جميع معانى القرآن ~~كلام الله فكيف يعبر عن تلك المعانى # الثالث أن الناس لا يفهمون معانى القرآن إلا بدلالة ألفاظ القرآن على ~~معانيه فإذا سمعوا ألفاظه وتدبروه كان اللفظ لهم دليلا على المعانى ~~والمستدل باللفظ على المعنى الذى أراده المتكلم يمتنع أن يكون هو المعبر ~~باللفظ عن المعنى فان المعبر باللفظ عن المعنى يعرف المعنى اولا ~~PageV12P195 ثم يدل غيره عليه بالعبارة والناس في القرآن على ضد هذه الحال ~~فيمتنع أن يكونوا هم المعبرين به # الرابع أن كل واحد منهم يعلم أنه تعلم القرآن العربى من غيره وأنه ليس له ~~فيه إلا الحفظ والتبليغ والأداء بل يعلم أنه إذا حفظ خطب الخطبآء وشعر ~~الشعراء لم يكن هو المعبر عما في أنفسهم بذلك الكلام بل يكون الكلام كلامهم ~~وهو قد حفظه واداه وبلغه فكيف بكلام رب العالمين # الخامس ) أن كل واحد يعلم بالاضطرار أن نفس القرآن العربى كان موجودا قبل ~~وجود كل القراء وأن الناس إنما تلقوه عن محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما # و ( بالجملة ( فالدلالة على فساد هذا القول اكثر من أن تحصر # وان قلت بل الحروف والاصوات المعبر بها عن المعانى التى أرادها الله من ~~حروف وأصوات كانت موجودة قبل وجود القراء ولكن كل من القراء حفظ ذلك النظم ~~العربى الذى كان موجودا قبله قيل لك فحينئذ قد كان ثم حروف وأصوات غير هذه ms3830 ~~الأصوات المسموعة من القراء وغير المداد المكتوب في المصاحف وهذا هو ~~PageV12P196 الحق الذي اتفق عليه جميع الخلق # فقول القائل إنه ما ثم إلا المعنى القائم بالذات أو هذه الحروف والأصوات ~~ليس بحق ويقال له حينئذ فتلك الحروف والأصوات أهي من كلام الله الذى تكلم ~~به أم هي مخلوقة خلقها في غيره فان قلت هي من كلام الله تعالى لزمك ما فررت ~~منه حيث أقررت أن لله كلاما هو حروف وأصوات كما يقوله جمهور المسلمين وان ~~قلت ليست كلاما لله فهذه أولى من أن تكون كلاما لله وحينئذ فلا يكون هذا ~~القرآن كلام الله وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الاسلام # وأما قوله من قال لفظى عين كلام الله فقد انسلخ عن ربقة العقل وغرق في ~~بحر العماية والجهل فيقال قول القائل ( لفظي عين كلام الله ( كلام مجمل فان ~~( اللفظ ( في الاصل مصدر لفظ يلفظ لفظا كما أن ( التلاوة والقراءة ( في ~~الأصل مصدر تلا يتلو وقرأ يقرأ ويعبر باللفظ والتلاوة والقراءة عن نفس ~~الكلام الملفوظ به المتلو المقروء # فان الناس إذا قالوا اللفظ يدل على المعنى لم يريدوا باللفظ المصدر بل ~~يريدون به الملفوظ به وإذا قالوا لمن سمعوه يتكلم هذه ألفاظ حسنة أرادوا به ~~ما يلفظه كما قال تعالى ( ما يلفظ من PageV12P197 قول إلا لديه رقيب عتيد ) ~~يراد باللفظ نفس الفعل وقد يراد به نفس القول الذى لفظه اللافظ وهذا ك ( ~~القرآن ( قد يراد به المصدر وقد يراد به الكلام المقروء وقال تعالى ( ان ~~علينا جمعه وقرآنه فإذا قراناه فاتبع قرآنه ) والقرآن هنا مصدر كما في ~~الآية عن بن عباس قال علينا أن نجمعه في صدرك ثم أن تقرأه بلسانك فإذا قرأه ~~جبريل فاستمع لقراءته ثم ان علينا أن نبينه # وقد يراد ب ( القرآن ( نفس الكلام المقروء كما قال ( واذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وانصتوا ) وقوله ( إن هذا القرآن يهدى للتى هي أقوم ) وقال ~~تعالى ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) ~~وقال تعالى ms3831 ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ) ونظائره كثيرة # وإذا كان كذلك فقول القائل لفظى هو عين كلام الله إن أراد به المصدر فقد ~~اخطأ فان نفس حركاته ليست هي كلام الله وهذا لا يقوله أحد يفهم ما يقول # وأن أراد ( الثانى ( كان المعنى أن هذا القرآن الذى أتلوه هو عين كلام ~~الله وهذا هو الذى يقصده الناس إذا قالوا الذى يقرأ PageV12P198 القرآء عين ~~كلام الله وهذا الذى نسمعه من القراء عين كلام الله وهذا الذى يقرأ في ~~الصلاة عين كلام الله لا يقصد أحد أن يجعل حركات العباد نفس كلامه # ثم إذا قال القائل هذا فقد وافق قول الله تعالى ( وان أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) بل قد علم بالاضطرار من دين الاسلام ان ~~هذا الذى يقرأه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم هو كلام الله لا كلام غيره ~~تارة يسمع منه كما سمعه موسى بن عمران وتارة يسمع من المتلقين عنه كما سمعه ~~الصحابة من الرسول فهذا الذى نسمعه هو كلام الله متلقى عنه مسموعا من ~~المبلغ عنه قال تعالى ( وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) وقال ~~تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت ~~رسالته ) وقال تعالى ( ليعلم أن قد ابلغوا رسالات ربهم ) والناس يعلمون أن ~~الكلام كلام من قاله آمرا بامره مخبرا بخبره مبتدئا به لا كلام من بلغه عن ~~غيره وأداه # فالناس يقرؤون القرآن وليس هو كلامهم ولكنه كلام يقرؤونه بافعالهم ~~وأصواتهم وإذا كان كلام النبى وكلام غيره إذا رواه الناس عنه وبلغوه وقرؤوه ~~فهو كلام النبى صلى الله عليه وسلم وغيره من المتكلمين بذلك الكلام والنبى ~~صلى PageV12P199 الله عليه وسلم تكلم بلفظه ونظمه ومعناه وتكلم به بحروف ~~وأصوات مع أن أصوات الرواة ليست صوت النبى # فالقرآن إذا قرأه الناس وبلغوه باصواتهم وأفعالهم كان أولى بان يكون كلام ~~الله وان كانوا لم يسمعوه من الله بل من ms3832 الخلق # ومما ينبغى أن يعلم ان قول الله ورسوله والمؤمنين أن هذا كلام الله بل ~~قول الناس لما بلغ من كلام المخلوقين أن هذا كلام فلان حق كما اتفق على ذلك ~~الناس لكن عرضت شبهة لكثير من المتنطعين فلم يفرقوا بين ما إذا سمع كلام ~~المتكلم به وبين ما إذا سمع من غيره فظنوا أنه إذا قال ( فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ) كان بمنزلة سماع موسى كلام الله # فقالت ( طائفة ( المسموع أصوات العباد وكلام الله ليس هو أصوات العباد ~~فلا يكون المسموع كلام الله # وقالت ( طائفة ( بل هذا كلام الله وهذا مخلوق فكلام الله مخلوق # وقالت ( طائفة ( بل هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فهذا غير مخلوق ~~PageV12P200 # وهذا إذا أطلقوه ( مجملا ( فهو حق لكن قال بعضهم هذا لفظي أو تلاوتى أو ~~صوتى فلفظى أو تلاوتى أو صوتى غير مخلوق فضلوا كما ضل غيرهم ولو اهتدوا ~~لعلموا أنا إذا قلنا هذا كلام الله فلم نشر إليه بما امتاز قارئ عن قارئ ~~إذا كان من المعلوم انه ما يسمع من كل قارئ فهو كلام الله مع العلم بأن صوت ~~هذا القارىء ليس هو صوت هذا القارىء فقد اتحد من جهة كونه كلام الله واختلف ~~من جهة أصوات القراء وهو كلام الله بإعتبار الحقيقة المتحدة لا بإعتبار ما ~~اختلف فيه أحوال القراء # وهذا لأن الكلام إنما يقصد به لفظه ومعناه ولفظه هو الحروف المقروءة ~~المنظومة وان كانت الحروف أصواتا مقطعة أو هي أطراف الأصوات المقطعة فهي من ~~الكلام باعتبار صورتها الخاصة من التقطيع والتأليف لا باعتبار المادة ~~الصوتية التى يشترك فيها جميع الصائتين ولهذا ما كان في الكلام من بلاغة ~~وبيان وحسن تأليف ونظم وكمال معان وغير ذلك فهو للمتكلم بلفظه ومعناه ليس ~~هو لمجرد صفات الذي بلغه وأداه # وأما قول القائل من قال أن مذهب جهم بن صفوان هو مذهب الأشعري أو قريب أو ~~سواء معه فهو جاهل بمذهب الفريقين إذ الجهمية PageV12P201 قائلون بخلق ~~القرآن وبخلق جميع # والاشعرى يقول بقدم القرآن ms3833 وإن كلام الانسان مخلوق للرحمن فوضح للبيب كل ~~من المذاهب الثلاثة # فيقال لا ريب أن قول بن كلاب والأشعرى ونحوهما من المثبتة للصفات ليس هو ~~قول الجهمية بل ولا المعتزلة بل هؤلاء لهم مصنفات في الرد على الجهمية ~~والمعتزلة وبيان تضليل من نفاها بل هم تارة يكفرون الجهمية والمعتزلة وتارة ~~يضللونهم لا سيما والجهم هو اعظم الناس نفيا للصفات بل وللأسماء الحسنى ~~قوله من جنس قول الباطنية القرامطة حتى ذكروا عنه أنه لا يسمى الله شيئا ~~ولا غير ذلك من الأسماء التى يسمى بها المخلوق لأن ذلك بزعمه من التشبيه ~~الممتنع وهذا قول القرامطة الباطنية وحكى عنه أنه لا يسميه إلا ( قادرا ~~فاعلا ( لأن العبد عنده ليس بقادر ولا فاعل إذ كان هو رأس المجبرة وقوله في ~~الايمان شر من قول المرجئة فانه لا يجعل الايمان إلا مجرد تصديق القلب و ( ~~بن كلاب إمام الاشعرية أكثر مخالفة لجهم وأقرب إلى السلف PageV12P202 من ~~الأشعرى نفسه والأشعرى أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي ~~أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبى المعالى واتباعه فان هؤلاء نفوا ~~الصفات كالاستواء والوجه واليدين # ثم اختلفوا هل تتأول أو تفوض على قولين أو طريقين فأول قولى أبى المعالى ~~هو تأويلها كما ذكر ذلك في ( الارشاد ( وآخر قوليه تحريم التأويل ذكر ذلك ~~في ( الرسالة النظامية ( واستدل باجماع السلف على أن التأويل ليس بسائغ ولا ~~واجب # وأما ( الأشعرى ( نفسه وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم في إثبات الصفات ~~الخبرية وفى الرد على من يتأولها كمن يقول استوى بمعنى استولى وهذا مذكور ~~في كتبه كلها كا ( لموجز الكبير ( و ( المقالات الصغيرة والكبيرة ( و ( ~~الابانة ( وغير ذلك وهكذا نقل سائر الناس عنه حتى المتأخرون كالرازى ~~والآمدي ينقلون عنه إثبات الصفات الخبرية ولا يحكون عنه في ذلك قولين # فمن قال أن ( الأشعري ( كان ينفيها وان له في تأويلها قولين فقد افترى ~~عليه ولكن هذا فعل طائفة من متأخري أصحابه كأبى المعالى ونحوه فان هؤلاء ~~ادخلوا في مذهبه أشياء من ms3834 أصول المعتزلة PageV12P203 # و ( الأشعري ( ابتلى بطائفتين طائفة تبغضه وطائفة تحبه كل منهما يكذب ~~عليه ويقول إنما صنف هذه الكتب تقية واظهارا لموافقة أهل الحديث والسنة من ~~الحنبلية وغيرهم وهذا كذب على الرجل فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف ~~الأقوال التى أظهرها ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض ~~هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر ~~دعوى مردودة شرعا وعقلا بل من تدبر كلامه في هذا الباب في مواضع تبين له ~~قطعا أنه كان ينصر ما أظهره ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في اثبات الصفات ~~الخبرية يقصدون نفى ذلك عنه لئلا يقال إنهم خالفوه مع كون ما ذهبوا إليه من ~~السنة قد اقتدوا فيه بحجته التى على ذكرها يعولون وعليها يعتمدون # و ( الفريق الآخر ( دفعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يظهرون إلا ~~خلاف هذا القول ولكونهم اتهموه بالتقية وليس كذلك بل هو انتصر للمسائل ~~المشهورة عند أهل السنة التى خالفهم فيها المعتزلة كمسألة ( الرؤية ( و ( ~~الكلام ( واثبات ( الصفات ( ونحو ذلك لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة ~~وخبرته بالسنة خبرة مجملة فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التى التزموا ~~لأجلها خلاف السنة واعتقد انه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار ~~PageV12P204 للسنة كما فعل في مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغير ~~ذلك والمخالفون له من أهل السنة والحديث ومن المعتزلة والفلاسفة يقولون إنه ~~متناقض وإن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه أهل السنة كما أن ~~المعتزلة يتناقضون فيما نصروا فيه دين الاسلام فانهم بنوا كثيرا من الحجج ~~على اصول تناقض كثيرا من دين الاسلام بل جمهور المخالفين للأشعرى من ~~المثبتة والنفاة يقولون إنما قاله في مسألة الرؤية والكلام معلوم الفساد ~~بضرورة العقل # ولهذا يقول أتباعه إنه لم يوافقنا أحد من الطوائف على قولنا في ( مسألة ~~الرؤية والكلام ( فلما كان في كلامه شوب من هذا وشوب من هذا صار يقول من ~~يقول ان فيه نوعا من التجهم وأما من قال ms3835 إن قوله قول جهم فقد قال الباطل ~~ومن قال إنه ليس فيه شيء من قول جهم فقد قال الباطل والله يحب الكلام بعلم ~~وعدل واعطاء كل ذي حق حقه وتنزيل الناس منازلهم # وقول جهم هو النفى المحض لصفات الله تعالى وهو حقيقة قول القرامطة ~~الباطنية ومنحرفى المتفلسفة كالفارابي وبن سينا وأما مقتصدة الفلاسفة كأبى ~~البركات صاحب المعتبر وبن رشد الحفيد ففى قولهم من الاثبات ما هو خير من ~~قول جهم فان المشهور عنهم إثبات الأسماء PageV12P205 الحسنى واثبات أحكام ~~الصفات ففي الجملة قولهم خير من قول جهم وقول ضرار بن عمرو الكوفى خير من ~~قولهم # وأما بن كلاب والقلانسي والأشعري فليسوا من هذا الباب بل هؤلاء معروفون ~~بالصفاتية مشهورون بمذهب الإثبات لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية وما ~~يقول الناس إنه يلزمهم بسببه التناقض وأنهم جمعوا بين الضدين وإنهم قالوا ~~ما لا يعقل ويجعلونهم مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فهذا وجه من يجعل ~~في قولهم شيئا من أقوال الجهمية كما أن الأئمة كاحمد وغيره كانوا يقولون ~~افترقت الجهمية على ( ثلاث فرق ( فرقة يقولون القرآن مخلوق وفرقة تقف ولا ~~تقول مخلوق ولا غير مخلوق وفرقة تقول الفاظنا بالقرآن مخلوقة # ومن المعلوم أنهم إنما أرادوا بذلك افتراقهم في ( مسألة القرآن ) خاصة ~~وإلا فكثير من هؤلاء يثبت الصفات والرؤية والاستواء على العرش وجعلوه من ~~الجهمية في بعض المسائل أي أنه وافق الجهمية فيها ليتبين ضعف قوله لا أنه ~~مثل الجهمية ولا أن حكمه حكمهم فان هذا لا يقوله من يعرف ما يقول # ولهذا عامة كلام أحمد إنما هو يجهم اللفظية لا يكاد يطلق القول بتكفيرهم ~~كما يطلقه بتكفير المخلوقية وقد نسب إلى هذا القول غير واحد من المعروفين ~~بالسنة والحديث كالحسين الكرابيسى ونعيم PageV12P206 بن حماد الخزاعى ~~والبويطي والحارث المحاسبى ومن الناس من نسب إليه البخارى # والقول بأن ( اللفظ غير مخلوق ( نسب إلى محمد بن يحيى الذهلى وأبى حاتم ~~الرازى بل وبعض الناس ينسبه إلى أبى زرعة أيضا ويقول إنه هو وأبو ms3836 حاتم هجرا ~~البخاري لما هجره محمد بن يحيى الذهلى والقصة في ذلك مشهورة # وبعد موت ( أحمد ( وقع بين بعض أصحابه وبعضهم وبين طوائف من غيرهم بهذا ~~السبب وكان أهل الثغر مع محمد بن داود والمصيصى شيخ أبي داود يقولون بهذا ~~فلما ولى صالح بن أحمد قضاء الثغر طلب منه أبو بكر المروذى ان يظهر لأهل ~~الثغر ( مسألة أبى طالب ( فانه قد شهدها صالح وعبد الله ابنا أحمد والمروذى ~~وفوران وغيرهم وصنف المروذى كتابا في الأنكار على من قال إن لفظى بالقرآن ~~غير مخلوق وأرسل في ذلك إلى العلماء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة وخراسان ~~وغيرهم فوافقوه وقد ذكر ذلك أبو بكر الخلال في ( كتاب السنة ( وبسط القول ~~في ذلك # ومع هذا فطوائف من المنتسبين إلى السنة وإلى أتباع أحمد كأبى عبد الله بن ~~منده وأبى نصر السجزى وأبى إسماعيل الأنصاري PageV12P207 وأبى العلاء ~~الهمدانى وغيرهم يقولون لفظنا بالقرآن غير مخلوق ويقولون إن هذا قول أحمد ~~ويكذبون أو منهم من يكذب برواية أبي طالب ويقولون أنها مفتعلة عليه أو ~~يقولون رجع عن ذلك كما ذكر ذلك أبو نصر السجزى في كتابه ( الابانة ( ~~المشهور # وليس الأمر كما قاله هؤلاء فان اعلم الناس باحمد وأخص الناس وأصدق الناس ~~في النقل عنه هم الذين رووا ذلك عنه ولكن أهل خراسان لم يكن لهم من العلم ~~بأقوال أحمد ما لأهل العراق الذين هم اخص به وأعظم ما وقعت فتنة ( اللفظ ( ~~بخراسان وتعصب فيها على البخارى مع جلالته وامامته وان كان الذين قاموا ~~عليه أيضا أئمة اجلاء فالبخارى رضي الله عنه من أجل الناس # وإذا حسن قصدهم واجتهد هو وهم اثابه الله وإياهم على حسن القصد والاجتهاد ~~وان كان قد وقع منه أو منهم بعض الغلط والخطأ فالله يغفر لهم كلهم لكن من ~~الجهال من لا يدرى كيف وقعت الأمور حتى رأيت بخط بعض الشيوخ الذين لهم علم ~~ودين يقول مات البخارى بقرية خرتنك فارسل أحمد إلى أهل القرية يأمرهم أن ( ~~لا ) يصلوا عليه لأجل قوله في ( مسألة ms3837 اللفظ ( وهذا من أبين الكذب على أحمد ~~والبخارى وكاذبه جاهل بحالهما فان البخارى رضي الله عنه توفى سنة ست وخمسين ~~بعد موت أحمد بخمسة عشر PageV12P208 سنة فان أحمد توفى سنة احدى وأربعين ~~وكان أحمد مكرما للبخارى معظما وأما تعظيم البخارى وأمثاله لأحمد فهذا أظهر ~~من أن يذكر والبخارى ذكر في كتابه في ( خلق الأفعال ( ان كلتا الطائفتين لا ~~تفهم كلام أحمد ومن الطائفة الأخرى المنتسبة إلى السنة واتباع أحمد أبو ~~نعيم الاصبهانى وأبو بكر البيهقى وغيرهما ممن يقول إنهم متبعون لأحمد وان ~~قولهم في ( مسألة اللفظ ( موافق لقول أحمد ووقع بين بن منده وأبى نعيم بسبب ~~ذلك مشاجرة حتى صنف أبو نعيم كتابه في ( الرد على الحروفية الحلولية ( وصنف ~~أبو عبد الله كتابه في الرد على ( اللفظية ( # والمنتصرون للسنة من أهل الكلام والفقه كالأشعرى والقاضى أبى بكر بن ~~الطيب والقاضى أبى يعلى وغيرهم يوافقون أحمد على الانكار على الطائفتين على ~~من يقول لفظى بالقرآن مخلوق وعلى من يقول لفظى بالقرآن غير مخلوق ولكن ~~يجعلون سبب الكراهة كون القرآن لا يلفظ لأن اللفظ الطرح والرمى # ثم هؤلاء منهم من ينكر تكلم الله بالصوت ومنهم من يقر بذلك بل منهم من ~~يقول ان الصوت المسموع هو الصوت القديم وينكرون مع ذلك على من يقول لفظى ~~بالقرآن غير مخلوق لظنهم أن الكراهة PageV12P209 في ذلك لما فيه من الطرح ~~والرمي وليس الأمر على ما ظنوه فان الامام أحمد وغيره من الأئمة لم ينكروا ~~قول القائل لفظى بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق لكون اللفظ الطرح فانه لو كان ~~كذلك لما انكروا إلا مجرد ما يتصرف من حروف لفظ يلفظ وليس كذلك بل أنكروا ~~على من قال التلاوة والقراءة مخلوقة وعلى من قال تلاوتى وقراءتى غير مخلوقة ~~مع جواز قول المسلمين قرأت القرآن وتلوته # و ( أيضا ( فانه يجوز أن يقال لفظت الكلام وتلفظت به كما قال تعالى ( ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ولكن الامام أحمد وغيره من أئمة السنة ~~قالوا من قال لفظى ms3838 بالقرآن وتلاوتى أو قراءتى مخلوقة فهو جهمي ومن قال إنه ~~غير مخلوق فهو مبتدع لأن ( اللفظ ( و ( التلاوة ( و ( القراءة ( يراد به ~~مصدر لفظ يلفظ لفظا ومصدر قرأ يقرأ قراءة وتلا يتلو تلاوة ومسمى المصدر هو ~~فعل العبد وحركاته ليس هو بقديم باتفاق سلف الأمة وأئمتها حتى القدرية ~~القائلون بأن أفعال العباد غير مخلوقة يقولون أن ذلك ليس بقديم ويقولون أنه ~~مخلوق لله # والسلف والأئمة كحماد بن زيد والمعتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان ~~وأحمد بن حنبل وغيرهم انكروا على من قال إن PageV12P210 أقوال العباد ~~وأفعالهم غير مخلوقة وقال يحيى بن سعيد مازلت اسمع اصحابنا يقولون أن أفعال ~~العباد مخلوقة وقال بعض هؤلاء من قال إن هذا غير مخلوق فهو بمنزلة من قال ~~إن سماء الله وارضه غير مخلوقة # وقد يراد بالتلاوة والقراءة واللفظ نفس القرآن الذى أنزله الله على نبيه ~~محمد الذى هو كلام الله ومن قال أن كلام الله الذى أنزله على نبيه مخلوق ~~فهو جهمى ولهذا قال أحمد وغيره من السلف القرآن كلام الله حيث تصرف غير ~~مخلوق ولم يقل أحد من السلف والأئمة أن أصوات العباد بالقرآن غير مخلوقة أو ~~قديمة ولا قال أيضا أحد منهم أن المداد الذى يكتب به القرآن قديم أو غير ~~مخلوق فمن قال أن شيئا من أصوات العباد أو أفعالهم أو حركاتهم أو مدادهم ~~قديم أو غير مخلوق فهو مبتدع ضال مخالف لأجماع السلف والأئمة # وقد بدع أحمد بن حنبل من هو أحسن حالا من هؤلاء وأمر بهجرهم أن لم يرجعوا ~~عن بدعتهم # و ( مسألة القرآن ( قد كثر فيها اضطراب الناس حتى قال بعضهم مسألة الكلام ~~حيرت عقول الأنام وغالبهم يقصدون وجها من PageV12P211 الحق ويعزب عنهم وجه ~~آخر وكلام الأئمة من أشد الكلام كأحمد بن حنبل ومن قبله من أئمة المسلمين ~~من الصحابة والتابعين لهم باحسان وسائر الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق ~~مثل سعيد بن المسيب وعلى بن الحسين وعلقمة والأسود والحسن البصرى وبن سيرين ~~وغيرهم من التابعين ms3839 ومثل مالك والثورى والأوزاعى والليث بن سعد وحماد بن ~~زيد وحماد بن سلمة وأبى حنيفة وإبن أبى ليلى وشريك وأمثالهم من تابعى ~~التابعين ومثل الشافعى وأحمد بن حنبل واسحاق بن إبراهيم وأبى عبيد وأمثالهم ~~من اتباع تابعي التابعين # وهم أئمة أهل القرون الثلاثة الذين دخلوا في ثناء النبى حيث قال ( خير ~~القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( # ومن تدبر كلام أئمة المسلمين في هذا الباب وغيرهم وجده اشد الكلام ~~المطابق لصريح المعقول وصحيح المنقول وهذه الجملة لا تحتمل البسط هنا فقد ~~بسطت في غير هذا الموضع وبين أن ( الكلام المذموم ( الذى ذمه السلف هو ~~الكلام الباطل المخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول وان ماثبت بالأدلة ~~القطعية لا يتعارض ولا يتناقض أصلا فلا يتعارض دليلان يقينيان أصلا سواء ~~كانا عقليين PageV12P212 أو سمعيين أو كان أحدهما عقليا والآخر سمعيا ومن ~~ظن أنهما يتعارضان كان ذلك خطأ منه لاعتقاده في أحدهما أنه يقينيا ولا يكون ~~كذلك ولا سيما إذا كانا جميعا غير يقينيين # واختلاف الناس في هذا الباب وغيره كثير منه يكون ( اختلاف تنوع ( مثل ان ~~يقصد هذا حقا فيما يثبته والآخر يقصد حقا فيما نقضه وكلاهما صادق لكن يظنان ~~أن بينهما نزاعا معنويا ولا يكون الأمر كذلك وكثير من النزاع يعود إلى ~~اطلاقات لفظية لا إلى معان عقلية وأحسن الناس طريقة من كان إطلاقه موافقا ~~للاطلاقات الشرعية والمعانى التى يقصدها معان صحيحة تطابق الشرع والعقل # وأصل منشأ نزاع المسلمين في هذا الباب أن المتكلمين من الجهمية والمعتزلة ~~ومن اتبعهم سلكوا في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع طريقا مبتدعة في ~~الشرع مضطربة في العقل وأوجبوها وزعموا أنه لا يمكن معرفة الصانع إلا بها ~~وتلك الطريق فيها مقدمات مجملة لها نتائج مجملة فغلط كثير من سالكيها في ~~مقصود الشارع ومقتضى العقل فلم يفهموا ما جاءت به النصوص النبوية ولم ~~يحرروا ما اقتضته الدلائل العقلية وذلك أنهم قالوا لا يمكن معرفة ~~PageV12P213 الصانع إلا بإثبات حدوث العالم ولا يمكن إثبات حدوث العالم ms3840 إلا ~~بإثبات حدوث الأجسام # قالوا والطريق إلى ذلك هو الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث ما قامت به ~~الأعراض فمنهم من استدل بالحركة والسكون فقط ومنهم من احتج بالاكوان التى ~~هي عندهم الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ومنهم من احتج بالأعراض مطلقا ~~ومبنى الدليل على أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول ~~لها # فيقول لهم المعارضون من أهل الملل وغيرهم القائلون بأن السماوات والأرض ~~محدثة عن عدم والقائلون بأن الأفلاك قديمة أزلية حدوث الحوادث بعد أن لم ~~تكن أمر حادث فلا بد له من سبب حادث والالزم ترجيح أحد طرفى الممكن بلا ~~مرجح # وقال لهم القائلون بحدوث الأفلاك من أهل الملل وغيرهم أنتم أثبتم حدوث ~~العالم بطريق وحدوث العالم لا يتم إلا مع نقيض ما اثبتموه فما جعلتموه ~~دليلا على حدوث العالم لا يدل على حدوثه بل ولا يستلزم حدوثه والدليل لابد ~~أن يكون مستلزما المدلول بحيث يلزم من تحقق الدليل تحقق المدلول بل هو مناف ~~لحدوث العالم مناقض له وهو يقتضى امتناع حدوث العالم بل امتناع حدوث ~~PageV12P214 شيء من الأشياء وهذا يقتضى بطلانه في نفسه وانه لو صح لم يدل ~~إلا على نقيض المطلوب ونقيض ما يقوله كل عاقل # فإن كل عاقل يعلم حدوث الحوادث في الجملة سواء قيل بقدم الأفلاك أم لم ~~يقل بذلك وذلك أن مبنى دليلكم على أن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر ~~بلا مرجح وان الارادة الأزلية التى نسبتها إلى جميع المرادات على السواء ~~رجحت مرادا على مراد بلا مرجح غير المرجح الذى نسبته إلى جميع المرجحات ~~نسبة واحدة لا يتفاضل # ومن المعلوم أن القول بترجيح وجود الممكن على عدمه بلا مرجح أو ترجيح أحد ~~المتماثلين على الآخر بلا سبب يقتضى ذلك باطل في بديهة العقل ولو قيل إن ~~ذلك صحيح لبطل الدليل الذى يستدل به على ثبوت الصانع وحدوث العالم فان مبنى ~~الدليل على أن المحدث لابد له من محدث وذلك يستلزم أن ترجيح الحدوث على ~~العدم لابد له من ms3841 مرجح ولا بد أن يكون المحدث المرجح قد حدث منه ما يستلزم ~~وجود المحدث الذى جعله موجودا وإذا لم يلزم وجوده كان وجوده جائزا ممكنا ~~فكان محتملا للوجود والعدم # فترجيح الوجود على العدم لابد له من مرجح محدث له فكل PageV12P215 ما ~~أمكن حدوثه إن لم يحصل له ما يستلزم حدوثه لم يحصل فما شاء الله كان لا ~~محالة ووجب وجوده بمشيئة الله وما لم يشأ لم يكن بل يمتنع وجوده مع عدم ~~مشيئة الله تعالى له فما شاء الله حدوثه كان لازم الحدوث واجب الحدوث ~~بمشيئة الله لا بنفسه وما لم يشأ حدوثه كان ممتنع الحدوث لازم العدم واجب ~~العدم لأنه لم توجد مشيئة الله المستلزمة لحدوثه # ثم أن الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم قالوا ما ذكرتموه من الدليل ~~لا يدل على الحدوث بل يقتضى عدم الحدوث لأن حدوث الحوادث بعد ان لم تكن عن ~~ذات لم تزل معطلة من الفعل باطل فيكون العالم قديما وعبروا عن ذلك بان جميع ~~الأمور المعتبرة في كونه فاعلا ان وجدت في الأزل لزم وجود الفعل في الأزل ~~والا لزم تخلف المقتضى عن المقتضى التام # وحينئذ فإذا وجدت بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح وان لم توجد في الأزل ~~فوجودها بعد ذلك امر حادث فيقتضى أمرا حادثا والا لزم الحدوث بلا محدث ~~وحينئذ فيلزم تسلسل الحوادث فان القول في هذا الحادث كالقول في غيره وهذا ~~مما تنكره المعتزلة وموافقوهم المتكلمون قالوا فأنتم بين امرين اما اثبات ~~التسلسل في الحوادث وأما اثبات الترجيح بلا مرجح وكلاهما ممتنع عندكم ~~PageV12P216 ثم زعم هؤلاء الفلاسفة ان العالم قديم بناء على هذه الحجة ومن ~~سلك سبيل السلف والأئمة اثبت ما أثبتته الرسل من حدوث العالم بالدليل ~~العقلى الذى لا يحتمل النقيض وبين خطأ المتكلمين من المعتزلة ونحوهم الذين ~~خالفوا السلف والأئمة بابتداع بدعة مخالفة للشرع والعقل وبين أن ضلال ~~الفلاسفة القائلين بقدم العالم ومخالفتهم العقل والشرع أعظم من ضلال أولئك ~~وبين أن الاستدلال على حدوث العالم لا يحتاج إلى ms3842 الطريق التى سلكها أولئك ~~المتكلمون بل يمكن اثبات حدوثه بطرق اخرى عقلية صحيحة لا يعارضها عقل صريح ~~ولا نقل صحيح وثبت بذلك ان ما سوى الله فانه محدث كأئن بعد ان لم يكن سواء ~~سمى جسما أو عقلا أو نفسا أو غير ذلك # فإن أولئك المتكلمين من المعتزلة واتباعهم لما لم يكن في حجتهم الا اثبات ~~حدوث اجسام العالم قالت الفلاسفة ومن وافقهم من المتأخرين كالشهر ستانى ~~والرازى والآمدى وغيرهم انكم لم تقيموا دليلا على نفى ما سوى الأجسام ~~وحينئذ فإثبات حدوث أجسام العالم لا يقتضى حدوث ما سوى الله ان لم تثبتوا ~~ان كل ما سواه جسم وأنتم لم تثبتوا ذلك ولهذا صار بعض المتأخرين كالأرموى ~~ومن وافقه من أهل مصر كأبى عبد الله القشيرى إلى ان أجسام العالم محدثة ~~واما العقول والنفوس فتوقفوا عن حدوثها وقالوا بقدمها PageV12P217 وان كان ~~حقيقة قولهم أنه موجب بالذات لها وأنه محدث للأجسام بسبب حدوث بعض التصورات ~~والارادات التى تحدث للنفوس فيصير ذلك سببا لحدوث الأجسام وهذا القول كما ~~أنه معلوم البطلان في الشرع فهو أيضا معلوم البطلان في العقل كما سنبينه إن ~~شاء الله تعالى # فنقول الدليل الدال على أن كل ما سوى الله محدث يتناول هذا وهذا # و ( أيضا ( فإذا كان موجبا بالذات كان اختصاص حدوث أجسام العالم بذلك ~~الوقت دون ما قبله وما بعده يفتقر إلى مخصص والموجب بذاته لا يصدر عنه ما ~~يختص بوقت دون وقت إذ لو جاز ذلك لم يكن موجبا بذاته ولجاز حدوث العالم عنه ~~ولأن النفوس التى تثبتها الفلاسفة هي عند جمهورهم عرض قائم بجسم الفلك ~~فيمتنع وجودها به بدون الفلك وعند بن سينا وطائفة انها جوهر قائم بنفسه ~~لكنها متعلقة بالجسم تعلق التدبير والتصريف وحينئذ فلو وجدت ولا تعلق لها ~~بالجسم لم تكن نفسا بل كانت عقلا فعلم أن وجود النفس مستلزم لوجود الجسم ~~فإذا قال هؤلاء أن النفس أزلية دون الأجسام كان هذا القول PageV12P218 ~~باطلا بصريح العقل مع أنه لم يعرف به قائل ms3843 من العقلاء قبل هؤلاء وإنما الجأ ~~هؤلاء إلى هذا ظنهم صحة دليل المتكلمين على حدوث الأجسام وصحة قول الفلاسفة ~~بوجود موجود وممكن غير الأجسام وإثبات الموجب بالذات فلما بنوا قولهم على ~~الأصل الفاسد لهؤلاء ولهؤلاء لزم هذا مع أنهم متناقضون في الجمع بين هذين ~~فإن عمدة المتكلمين على ابطال حوادث لا أول لها # وعمدة الفلاسفة على أن المؤثرية من لوازم الواجب بنفسه فإذا قالوا بقدم ~~نفس لها تصورات وارادات لاتتناهى لزم جواز حوادث لا تتناهي فبطل أصل قول ~~المتكلمين الذى بنوا عليه حدوث الأجسام فكان حينئذ موافقتهم المتكلمين بلا ~~حجة عقلية فعلم أنهم جمعوا بين المتناقضين # وأبو عبد الله بن الخطيب وأمثاله كانوا أفضل من هؤلاء وعرفوا أنه لا يمكن ~~الجمع بين هذا وهذا فلم يقولوا هذا القول المتناقض ولم يهتدوا إلى مذهب ~~السلف والأئمة وان كانوا يذكرون أصوله في مواضع أخر ويثبتون أن جمهور ~~العقلاء يلتزمونها فلو تفطنوا لما يقوم بذات الله من كلامه وأفعاله ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته ودوام اتصافه بصفة الكمال خلصوا من هذه المحارات ~~PageV12P219 ونحن ننبه على بعض الطرق العقلية التى يعلم بها حدوث كل ما سوى ~~الله تعالى فنقول # من ( الطرق ( التى يعلم بها حدوث كل ما سوى الله هي أن يقال لو كان فيما ~~سوى الله شيء قديم لكان صادرا عن علة تامة موجبة بذاتها مستلزمة لمعلولها ~~سواء ثبت له مشيئة أو اختيار أو لم يثبت فإن القديم الأزلى الممكن الذى لا ~~يوجد بنفسه لا يتصور وجوده أن لم يكن له في الأزل مقتض تام يستلزم ثبوته # وهذا كما أنه معلوم بضرورة العقل فلا نزاع فيه بين العقلاء فلا يقول أحد ~~أن القديم الأزلى صادر عن مؤثر لا يلزمه أثره فلا يقول إنه صادر عن علة غير ~~تامة مستلزمة لغير معلولها ولا يقول إنه صادر عن موجب بذاته لا يقارنه ~~موجبه ومقتضاه ولا يقول إنه صادر عن فاعل بالاختيار يمكن أن يتأخر مفعوله ~~فإنه إذا أمكن تأخر مفعوله أمكن أن يكون ذلك القديم الأزلى قديما ms3844 أزليا ~~فيكون ثبوته في الأزل ممكنا وليس في الأزل ما يستلزم ثبوته في الأزل فيمتنع ~~ثبوته في الأزل فان ثبوت الممكن الأزلى بدون مقتض تام مستلزم له ممتنع ~~بضرورة العقل إذ قد علم بصريح العقل ان شيئا من الممكنات لا يكون حتى يحصل ~~المقتضى التام المستلزم لثبوته PageV12P220 ومن نازع في هذا من المعتزلة ~~وغيرهم وقال أنه لا ينتهى إلى حد الوجوب بل يكون العقل بالوجود أولى منه ~~بالعدم فإنه لم ينازع في أن القادر المختار يمتنع أن يكون مقدوره المعين ~~أزليا مقارنا له بل هذا مما لم ينازع فيه لا هؤلاء ولا غيرهم # فتبين أنه لو كان شيء مما سوى الله أزليا للزم أن يكون له مؤثر تام ~~مستلزم له في الأزل سواء سمى علة تامة أو موجبا بالذات أو قدر أنه فاعل ~~بالارادة وإن مراده المعين يكون أزليا مقارنا له وإذا كان كذلك فنقول ثبوت ~~علة تامة أزلية ممتنع فإن العلة التامة الأزلية تستلزم معلولها لا يتخلف ~~عنها شيء من معلولها فإنه إن تخلف عنها لم تكن علة تامة لمعلولها فيمتنع في ~~الشيء الواحد أن يكون موجبا بذاته وان يتخلف عنه موجبه أو شيء من موجبه فإن ~~الموجب بالذات لشيء لابد أن يكون ذلك الموجب جميعه مقارنا لذاته والعلة ~~التامة هي التى يقارنها معلولها ولا يتأخر عنها شيء من معلولها فلو تأخر ~~عنها شيء من معلولها لم تكن علة تامة لذلك المستأخر والفلاسفة يسلمون أن ~~ليس علة تامة في الأزل لجميع الحوادث التى تحدث شيئا بعد شيء فإن ذلك جمع ~~بين النقيضين إذ يمتنع أن يكون علة تامة أزلية لأمر حادث عنه غير أزلى ~~PageV12P221 وإن شئت قلت يمتنع أن يكون موجبا بذاته في الأزل لأمر حادث ليس ~~بأزلى سواء كان إيجابه بواسطة أو بغير واسطة فإن تلك الواسطة إن كانت أزلية ~~كان اللازم لها أزليا وإن كانت حادثة كان القول فيها كالقول في الحادث ~~بتوسطها وهذا الذى سلموه معلوم أيضا بصريح العقل فالمقدمة برهانية مسلمة ~~لكن يقولون إنه علة ms3845 تامة لما هو قديم كالأفلاك عندهم وليس علة تامة للحوادث ~~وهذا أيضا باطل # وذلك أن كل ما يقال أنه قديم كالأفلاك إما أن يجب أن يكون مقارنا للحوادث ~~كما يقولون في الفلك إنه يجب له لزوم الحركة وأنه لم يزل متحركا وأما أنه ~~لا يجب أن يكون مقارنا لشيء من الحوادث فإن كان الأول لزم أن يكون علة تامة ~~للحوادث وكونه علة تامة للحوادث محال لأن ما قارنته الحوادث ولم يخل منها ~~بل هي لازمة له امتنع صدوره عن الموجب بدونها ووجود الملزوم بدون اللازم ~~محال وإذا كانت الحركة لازمة للفلك كما يقولون فوجود الفلك بدون الحركة ~~محال فالموجب بذاته الذى هو علة تامة للفلك يجب أن يكون علة تامة موجبة ~~للوازمه وعلة تامة في الأزل بحركته لكن العلة التامة الأزلية لا يجوز أن ~~تكون علة تامة أزلية للحوادث لا الحركة ولا غيرها لأنه يجب وجود معلولها ~~الذى هو موجبها ومقتضاها PageV12P222 في الأزل وأن لا يتأخر عنها شيء من ~~موجبها ومقتضاها ومعلولها # والحركة التى توجد شيئا فشيئا هي وغيرها من الحوادث التى تحدث شيئا بعد ~~شيء ليس واحد منها قديما بل كل منها حادث مسبوق بآخر فيمتنع أن يكون شيء ~~منها معلولا للعلة التامة الأزلية لامتناع أن يكون حادث من الحوادث قديما ~~ويمتنع وجود مجموع الحوادث في الأزل ويمتنع وجود المستلزم للحوادث إلا مع ~~حادث من الحوادث أو مع مجموع الحوادث وإذا كان كلاهما يمتنع أن يكون قديما ~~امتنع أن يكون شيء مما يستلزم الحوادث قديما فامتنع أن يكون لشيء من ~~الحوادث أو ما يستلزم الحوادث علة تامة قديمة فامتنع صدور الحوادث أو شيء ~~منها أو من ملزوماتها عن علة تامة قديمة فامتنع أن يكون شيء لا يخلو عن ~~الحوادث صادرا عن علة تامة أزلية فامتنع أن يكون الفلك المقارن للحوادث علة ~~تامة أزلية قديمة ولو كان قديما لصدر عن علة تامة قديمة فإذا لم يكن قديما ~~إلا إذا كان المقتضى التام ثابتا في الأزل وثبوت المقتضى التام له ممتنع ms3846 ~~كما أن قدمه ممتنع # وأما أن قيل أن القديم شيء غير مقارن للحوادث ولا مستلزم لها مثل أن يقال ~~القديم أعيان ساكنة هي المعلول الأول فيقال ذلك المعلول أما أن يجوز حدوث ~~حال من الأحوال إما فيه أو عنه أو غير ذلك وإما أن لا يجوز PageV12P223 # فإن جاز حدوث حال من الأحوال له امتنع حدوث ذلك الحادث عن علة تامة أزلية ~~وهو الموجب بالذات كما تقدم وكما هو معلوم ومتفق عليه بين العقلاء ولابد من ~~محدث والمحدث ان كان سوى الله فالقول في حدوثه ان كان محدثا أو في حدوث ذلك ~~الاحداث له بعد أن لم يكن كالقول في حدوث ذلك الحادث وان كان هو الله تعالى ~~امتنع أن يكون موجبا بالذات له إذ القديم لا يكون موجبا بالذات لحادث كما ~~بين فامتنع ثبوت العلة القديمة وإذا لم يكن الصانع موجبا بالذات فلا يكون ~~علة تامة امتنع قدم شيء من العالم لأنه لا يكون قديم إلا عن علة تامة وإن ~~قيل إنه لا يجوز حدوث لما فرض قديما معلولا للأول فهذا مع أنه لم يقل به ~~أحد من العقلاء فهو باطل لوجوه # ( أحدها ( أن واجب الوجود تحدث له النسب والاضافات باتفاق العقلاء فحدوث ~~ذلك لغيره أولى # ( الثانى ( أن الحوادث مشهودة في العالم العلوي والسفلى وهذه الحوادث ~~صادرة عن الله إما بوسط أو بغير وسط فإذا كانت بوسط فتلك الوسائط حدثت عنها ~~أمور بعد أن لم تكن فلزم حدوث الاحوال للقديم سواء كان هو الصانع أو كان هو ~~الوسائط للصانع PageV12P224 # وإن قيل القديم هو شيء ليس بواسطة في شيء آخر قيل لا بد أن يكون ذلك ~~قابلا لحدوث الأحوال فإنه يمكن حدوث النسب والاضافات لله عز وجل بالضرورة ~~واتفاق العقلاء فامكان ذلك لغيره أولى وإذا كان قابلا لها أمكن أن تحدث له ~~الأحوال كما تحدث لغيره من الممكنات فان الله لا يمتنع حدوث الحوادث عنه ~~إما بوسط وإما بغير وسط فإذا كان ذلك قابلا وصدور مثل ذلك عن الصانع ممكن ~~أمكن ms3847 حدوث الحوادث عنه أو فيه بعد أن لم يكن وحينئذ فالقول في حدوثها ~~كالقول في حدوث سائر ما يحدث عنه وذلك محال من العلة التامة المستلزمة ~~لمعلومها فقد بين هذا البرهان الباهر أن كون الأول علة تامة لشيء من العالم ~~محال لا فرق في ذلك بين الفلك وغيره سواء قدر ذلك الغير جسما أو غير جسم ~~وسواء قدر مستلزما للحوادث فيه أو عنه كما يقوله الفلاسفة الدهرية ~~كالفارابى وإبن سينا وأمثالهما وسلفهما من اليونان فانهم يقولون الفلك ~~مستلزم للحوادث القديمة والعقول والنفوس مستلزمة للحوادث التى تحدث عنها ~~فكل منها مقارن للحوادث لا يجوز تقدمه عليها مع كون ذلك جميعه معلولا ~~للموجب بذاته فإذا تبين أن الموجب بذاته يمتنع أن يصدر عنه في الأزل حادث ~~أو مستلزم لحادث بطل كون صانع العالم علة تامة في الأزل ومتى بطل كونه علة ~~تامة في الأزل امتنع أن يكون فيما سواه شيء قديم بعينه فهذا بيان أن كل ما ~~سوى الله محدث كائن بعد أن لم يكن سواء قيل PageV12P225 بجواز دوام الحوادث ~~أو قيل بامتناع ذلك # فإنه أن قيل بإمتناع دوام الحوادث لزم حدوث كل ما لا يخلو عن الحوادث وان ~~قيل بجواز دوام الحوادث فكل منها حادث بعد ان لم يكن مسبوقا بالعدم وكل من ~~العالم مستلزم لحادث بعد ان لم يكن مسبوقا بالعدم وكل من العالم وكل ما كان ~~مصنوعا وهو مستلزم للحوادث امتنع ان يكون صانعه علة تامة قديمة موجبة له ~~فإذا امتنع ذلك امتنع ان يكون قديما فامتنع ان يكون من العالم ما هو قديم ~~بعينه وأما كون الرب لم يزل متكلما إذا شاء أو لم يزل فاعلا تقوم به ~~الأفعال بمشيئته ونحو ذلك فهذا هو الذى قاله السلف والأئمة فتبين ان الذى ~~قاله السلف والأئمة هو الحق المطابق للمنقول والمعقول # وأما كون قول الفلاسفة أبطل من قول المعتزلة فانه يقال لهم أولئك جوزوا ~~حدوث الحوادث عن ذات لم تزل غير فاعلة ولا يقوم بها حادث ولا يصدر عنها ~~حادث ms3848 وأنتم قلتم الحوادث الدائمة المختلفة تصدر عن هذه الذات وزدتم في نفى ~~الصفات عنها فجعلتموها وجودا مطلقا بشرط الاطلاق أو ما يشبه ذلك فقولكم في ~~نفي الصفات عنها أعظم من قول المعتزلة PageV12P226 # وقلتم هو موجب بذاته علة تامة أزلية يقارنها المعلول الأزلى فلا يتأخر ~~عنها ومعلوم أن صدور الحوادث المختلفة عن العلة التامة البسيطة الأزلية ~~التى لا يتخلف عنها مقتضاها ومعلولها اشد امتناعا من صدور الحوادث عن قادر ~~مختار بعد ان لم تكن صادرة عنه فان كان حدوث الحوادث عن القديم الذى لم يقم ~~به حادث ممتنعا فقولكم أشد امتناعا وان كان ممكنا فقول المعتزلة أقرب فان ~~قولهم أن اقتضى أن لا يكون للحوادث سبب حادث فقولكم يقتضى أن لا يكون ~~للحوادث محدث أصلا والحوادث مشهودة والمحدث لابد ان يكون موجودا عند وجودها ~~ولابد أن يكون كلما يعتبر في الاحداث موجودا عند الاحداث وذلك يمتنع صدوره ~~عن علة تامة # فتبين أن المقدمات التى احتج بها الفلاسفة على المعتزلة واتباعهم على قدم ~~العالم يحتج بها بعينها على حدوث العالم فان مبنى دليلهم على ان العلة ~~التامة الأزلية تستلزم معلولها وان البارى أن لم يكن علة تامة أزلية لزم ~~الحدوث بلا سبب وإن كان علة تامة أزلية لزم مقارنة معلوله فيلزم قدم العالم # أما كونه علة تامة فممتنع لأن العلة التامة الأزلية يقارنها معلولها كله ~~لا يتأخر عنها شيء من معلولها والعالم لا ينفك من حوادث مقارنة له بالضرورة ~~واتفاق جماهير العقلاء وما كان مستلزما للحوادث امتنع كونه معلول العلة ~~التامة الأزلية لامتناع كون الحوادث حادثة PageV12P227 عن علة تامة أزلية ~~فإنه ما من حادث الا وهو مسبوق بالعدم فليس هو علة تامة لشيء منها وما من ~~زمن يقدر إلا وفيه حادث فليس هو في شيء من الأوقات علة تامة لا في الماضى ~~ولا المستقبل فامتنع ان يكون علة تامة وهو المطلوب فيلزم من ذلك كون كل ما ~~سواه محدثا سواء قيل بتسلسل الحادثة أو لم يقل # وأما قولهم إن لم يكن علة ms3849 تامة أزلية لزم الحدوث بلا سبب فيقال لهم هذا ~~إنما يلزم إذا لم يكن متكلما إذا شاء تقوم به الأفعال الاختيارية بقدرته ~~تعالى والا فعلى هذا التقدير لم يزل ولا يزال قادرا على الفعل متكلما إذا ~~شاء وحينئذ فما حصل بمشيئته وقدرته من أقواله وأفعاله يكون هو السبب لما ~~بعده # وإن قالوا هذا يستلزم قيام الحوادث به قيل لهم اولا قيام الحوادث بالقديم ~~جائز عندكم ومن انكر ذلك من أهل الكلام فإنما انكره لاعتقاده أن ما قامت به ~~الحوادث فهو حادث فإن كان هذا الإعتقاد صحيحا بطل قولكم بقدم الافلاك وان ~~كان باطلا بطلت حجة من قال ان القديم لا تقوم به الحوادث فلا يمكنكم على ~~التقديرين أن تقولوا انه لا تقوم به الحوادث لكن أنتم نفيتم ذلك بناء على ~~نفى الصفات وقولكم في نفى الصفات في غاية الفساد ودليكم عليه قد بين فساده ~~في غير هذا الموضع وبين بطلان ما ذكرتموه PageV12P228 # و ( بالجملة ( فإذا كان القول بحدوث العالم مستلزما لاثبات الصفات وقيام ~~الافعال بالله كان ماذكرناه من دليل حدوثه دليلا على أن العالم محدث وأن ~~محدثه موصوف بالصفات القائمة به فاعل الافعال الاختيارية القائمة به كما ~~دلت على ذلك النصوص الالهية المتواترة عن الأنبياء من القرآن والتوراة ~~والإنجيل وذلك مابين موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح والقضايا العقلية ~~التى هي أصول فطر العقلاء ومنتهى عقلهم توافق ذلك # واعتبر ذلك بما ذكره أبو عبد الله بن الخطيب الرازى في كتابه ( الأربعين ~~( في ضبط المقدمات التى يمكن الرجوع إليها في إثبات المطالب العقلية # قال وأعلم أن ها هنا ( مقدمتين ( يفرع المتكلمون والفلاسفة أكثر مباحثهم ~~عليهما # ( المقدمة الاولى ) مقدمة الكمال والنقصان كقولهم هذه الصفة من صفات ~~الكمال فيجب اثباتها لله وهذه الصفة من صفات النقصان فيجب نفيها عن الله ~~واكثر مذاهب المتكلمين مفرعة على هذه المقدمة إلى ان قال ( اما المقدمة ~~الثانية ) وهى مقدمة الوجوب والامكان وهذه PageV12P229 المقدمة في غاية ~~الشرف والعلو وهى غاية عقول العقلاء قالوا الوجود اما واجب واما ممكن ~~والممكن ms3850 لا بد له من واجب وكذلك الواجب لابد ان يكون واجبا في ذاته وصفاته ~~اذ لو كان ممكنا لا فتقر إلى مؤثر آخر # ( أما المقدمة الاولى ) وهى انه واجب لذاته فهذا له لازمان الأول ان يكون ~~منزها عن الكثرة في حقيقته ثم يلزم في ذاته امور # ( احدها ) ان لا يكون متحيزا لان كل متحيز منقسم والمنقسم لا يكون فردا ~~واذا لم يكن متحيزا لم يكن في جهة # و ( ثانيها ) ان لا يكون واجب الوجود اكثر من واحد ولو كان اكثر من واحد ~~لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعيين وما به الاشتراك غير ما به الامتياز ~~فيلزم كون كل واحد منهما مركبا في نفسه وقد فرضناه فردا هذا خالف اللازم ~~الثانى لكونه واجب الوجود لذاته ان لا يكون حالا ولا محلا والافعال ~~الافتقار هي # قلت ولقائل ان يقول هذا هو اصل الفلاسفة في التوحيد الذى نفوا به صفاته ~~تعالى وهو ضعيف جدا PageV12P230 # والأصل الذى بنوا عليه ذلك ضعيف جدا وان كان اشتبه على كثير من المتأخرين ~~وقولهم ان الواجب لا يكون إلا واحدا قصدوا به أنه ليس له علم ولا قدرة ولا ~~حياة ولا كلام يقوم به ولا شيء من الصفات القائمة به لأنه لو كان كذلك لكان ~~الواجب أكثر من واحد كما يقوله المعتزلة انه ليس له صفات قديمة قائمة بذاته ~~لأنه لو كان كذلك لكان القديم أكثر من واحد # ولفظ ( الواجب والقديم ( يراد به الإله الخالق سبحانه الواجب الوجود ~~القديم فهذا ليس إلا واحدا ويراد به صفاته الأزلية وهى قديمة واجبة بتقدم ~~الموصوف ووجوبه لم يجب أن تكون مماثلة له ولا تكون الها كما أن صفة النبى ~~ليست بنبى وصفة الانسان والحيوان ليست بانسان ولا حيوان وكما ان صفة المحدث ~~ان كانت محدثة فموافقتها له في الحدوث لا يقتضى مماثلتها له وما ذكروا من ~~الحجة على ذلك ضعيفة # فإذا قالوا لو كان له علم واجب بوجوب العالم لكان الواجب أكثر من واحد ~~قيل له ولم قلتم بامتناع كون الواجب ms3851 أكثر من واحد إذ كانت الذات الواجبة ~~إلها واحدا موصوفا بصفات الكمال PageV12P231 # قولهم لو كان أكثر من واحد لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعيين وما به ~~الاشتراك غير مابه الامتياز فيلزم أن يكون كل منهما مركبا في نفسه وقد ~~فرضناه فرد هذا خلق # يقال له في جوابه قول القائل اشتركا في الوجوب وتباينا في التعيين تريد ~~به أن الوجوب الذى يختص كلا منهما شاركه الاخر فيه أم تريد أنهما اشتركا في ~~الوجوب المطلق الكلى # والاول باطل لا يريده عاقل وأما الثانى فيقال اشتراكهما في المطلق الكلى ~~كاشتراكهما في التعيين المطلق الكلى فإن هذا له تعيين يخصه والتعيينان ~~يشتركان في مطلق التعيين وكذلك هذا له حقيقة تخصه وهذا له حقيقة تخصه وهما ~~يشتركان في مطلق الحقيقة وكذلك لهذا ذات تخصه ولهذا ذات تخصه وهما يشتركان ~~في مطلق الذات وكذلك سائر الأسماء التى تعم بالاطلاق وتخص بالتقييد كاسم ~~الموجود والنفس والماهية وغير ذلك # وإذا كان كذلك فمعلوم أنهما اشتركا في الوجوب المطلق وامتاز كل منهما ~~بوجوبه بتعيين يخصه وحينئذ فلا فرق بين الوجوب والتعيين فقول القائل اشتركا ~~في الوجوب المطلق وتباينا بالتعيين الخاص PageV12P232 كقول القائل اشتركا ~~في التعيين المطلق وتباينا بالوجوب الخاص ومعلوم ان مثل هذا لا مندوحة عنه ~~سواء سمى تركيبا أو لم يسم فلا يمكن موجود يخلو عن مثل هذه المشاركة ~~والمباينة لا واجب ولا غيره وما كان من لوازم الوجود كان نفيه عن الوجود ~~الواجب ممتنعا # و ( أيضا ( فالمشترك المطلق الكلى لا يكون كليا مشتركا الا في الأذهان لا ~~في الأعيان وإذا كان كذلك فليس في أحدهما شيء يشاركه الأخر فيه في الخارج ~~بل كل ما اتصف به أحدهما لم يتصف الآخر بعينه ولم يشاركه فيه بل لا يشابهه ~~فيه أو يماثله فيه وإذا كان الاشتراك ليس إلا في ما في الأذهان لم يكن ~~أحدهما مركبا في مشترك ومميز بل يكون كل منهما موصوفا بصفة تخصه لا يشابهه ~~الاخر فيها وبصفة يشابهه الاخر فيها وهذا لا محذور فيه # وأيضا ms3852 فيقال هذا منقوض بالوجود فان الوجود الواجب والممكن يشتركان في ~~مسمى الوجود ويباين أحدهما الاخر بخصوصه فيلزم تركيب الوجود الواجب مما به ~~الاشتراك ومما به الامتياز فما كان الجواب عن هذا كان الجواب عن ذلك # و ( أيضا ( فيقال هب انكم سميتم هذا تركيبا فلم قلتم ان PageV12P233 هذا ~~ممتنع على موجود من الموجودات واجبا كان أو ممكنا مع ان المنازع يقول هذا ~~المعنى الذى نفيتموه وسميتموه تركيبا هو لازم لكل موجود # قولهم وقد فرضناه فردا قيل هب انكم فرضتموه كذلك لكن مجرد فرضكم لا يقتضى ~~أن يكون فردا بالمعنى الذى ادعيتموه ان لم يقم على ذلك ( دليل PageV12P234 ### || 1 ( الكلام في القران ) 1 ### |||| ( وسئل قدس الله روحه ( # عن بيان ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلما بأوضح عبارة ~~وأبينها من أن ما في المصاحف هل هو كلام الله القديم أم هو عبارة عنه لا ~~نفسه وأنه حادث أو قديم وأن كلام الله حرف وصوت أم كلامه صفة قائمة به لا ~~تفارقه وأن قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) حقيقة أم لا وأن الانسان ~~إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول شيئا منه ويقول أو من به كما ~~أنزل هل يكفيه ذلك في الإعتقاد أم يجب عليه التأويل ### ||||| فأجاب # الذى يجب على الانسان اعتقاده في ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله ~~وسنة رسوله واتفق عليه سلف المؤمنين الذين أثنى الله تعالى عليهم وعلى من ~~اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم وهو أن القرآن الذى أنزله الله على عبده ~~ورسوله كلام الله تعالى وأنه منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه ( ~~قرآن كريم في كتاب مكنون لايمسه إلا المطهرون ) وأنه PageV12P235 ( قرآن ~~مجيد في لوح محفوظ ) وأنه كما قال تعالى ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلى ~~حكيم ) وأنه في الصدور كما قال النبى ( استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من ~~صدورالرجال من النعم في عقلها ( وقال النبى ( الجوف الذى ليس فيه شيء من ~~القرآن كالبيت الخرب ( وأن ما بين لوحى ms3853 المصحف الذى كتبته الصحابة رضى الله ~~عنهم كلام الله كما قال النبى ( لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن ~~تناله أيديهم ( # فهذه ( الجملة ( تكفى المسلم في هذا الباب # وأما تفصيل ما وقع في ذلك من النزاع فكثير منه يكون كلا الاطلاقين خطأ ~~ويكون الحق في التفصيل ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون ~~كل منهما ينكر حق صاحبه # وهذا من التفرق والاختلاف الذى ذمه الله تعالى ونهى عنه فقال ( وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفى شقاق بعيد ) وقال ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) وقال ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا ) وقال ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ~~بغيا بينهم PageV12P236 فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله وسنة ~~خلفائه الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~باحسان وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم ~~والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والاجماع وأعرض عن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا فان مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن ~~وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى # وقد بسطت القول في جنس هذه المسائل ببيان ما كان عليه سلف الأمة الذى ~~اتفق عليه العقل والسمع وبيان ما يدخل في هذا الباب من الاشتراك والاشتباه ~~والغلط في مواضع متعددة ولكن نذكر منها جملة مختصرة بحسب حال السائل # والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والاجماع ومنعهم من الخوض في ~~التفصيل الذى يوقع بينهم الفرقة والاختلاف فان الفرقة والاختلاف من أعظم ما ~~نهى الله عنه ورسوله # والتفصيل المختصر أن نقول من اعتقد أن المداد الذى في المصحف وأصوات ~~العباد قديمة أزلية فهو ضال مخطىء مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين ~~الأولين وسائر علماء الإسلام ولم يقل أحد قط من PageV12P237 علماء المسلمين ~~إن ذلك قديم لا من أصحاب الامام أحمد ولا من غيرهم ومن نقل قدم ذلك عن أحد ~~من علماء أصحاب الامام أحمد ونحوهم فهو ms3854 مخطىء في هذا النقل أو متعمد للكذب # بل المنصوص عن الامام أحمد وعامة أصحابه تبديع من قال لفظى بالقرآن غير ~~مخلوق كما جهموا من قال اللفظ بالقرآن مخلوق # وقد صنف أبو بكر المروذى أخص أصحاب الامام أحمد به في ذلك رسالة كبيرة ~~مبسوطة ونقلها عنه أبو بكر الخلال في ( كتاب السنة ( الذى جمع فيه كلام ~~الامام أحمد وغيره من أئمة السنة في أبواب الإعتقاد وكان بعض أهل الحديث إذ ~~ذاك أطلق القول بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق معارضة لمن قال لفظي بالقرآن ~~مخلوق فبلغ ذلك الامام أحمد فأنكر ذلك إنكارا شديدا وبدع من قال ذلك وأخبر ~~أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك فكيف بمن يزعم أن صوت العبد قديم وأقبح من ~~ذلك من يحكى عن بعض العلماء أن المداد الذى في المصحف قديم وجميع أئمة ~~أصحاب الامام أحمد وغيرهم أنكروا ذلك وما علمت أن عالما يقول ذلك إلا ما ~~يبلغنا عن بعض الجهال من الاكراد ونحوهم ( # وقد ميز الله في كتابه بين الكلام والمداد فقال تعالى ( قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو PageV12P238 جئنا ~~بمثله مددا ) فهذا خطأ من هذا الجانب وكذلك من زعم أن القرآن محفوظ في ~~الصدور كما أن الله معلوم بالقلوب وأنه متلو بالألسن كما أن الله مذكور ~~بالألسن وأنه مكتوب في المصحف كما أن الله مكتوب # وجعل ثبوت القرآن في الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات الله تعالى ~~في هذه المواضع فهذا أيضا مخطىء في ذلك # فإن الفرق بين ثبوت الأعيان في المصحف وبين ثبوت الكلام فيها بين واضح ~~فان الموجودات لها أربع مراتب مرتبة في الأعيان ومرتبة في الأذهان ومرتبة ~~في اللسان ومرتبة في البنان فالعلم يطابق العين واللفظ يطابق العلم والخط ~~يطابق اللفظ # فإذا قيل إن العين في كتاب الله كما في قوله ( وكل شيء فعلوه في الزبر ) ~~فقد علم أن الذى في الزبر إنما هو الخط المطابق للفظ المطابق للعلم فبين ~~الأعيان وبين المصحف ms3855 مرتبتان وهى اللفظ والخط وأما الكلام نفسه فليس بينه ~~وبين المصحف مرتبة بل نفس الكلام يجعل في الكتاب وان كان بين الحرف الملفوظ ~~والحرف المكتوب فرق من وجه آخر إلا إذا أريد أن الذى في المصحف هو ذكره ~~والخبر عنه مثل قوله تعالى ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين ~~PageV12P239 على قلبك ) إلى قوله وإنه لفى زبر الأولين أو لم يكن لهم آية ~~ان يعلمه علماء بنى إسرائيل ) # فالذى في زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد فان هذا القرآن ~~لم ينزل على أحد قبله ولكن في زبر الأولين ذكر القرآن وخبره كما فيها ذكر ~~محمد وخبره كما أن أفعال العباد في الزبر كما قال تعالى ( وكل شيء فعلوه في ~~الزبر ) فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء في الزبر وبين كون الكلام نفسه في ~~الزبر كما قال تعالى ( أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ) وقال تعالى ( يتلو ~~صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ) # فمن قال إن المداد قديم فقد اخطأ ومن قال ليس في المصحف كلام الله وإنما ~~فيه المداد الذى هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ بل القرآن في المصحف كما ~~ان سائر الكلام في الورق كما أن الأمة مجمعة عليه وكما هو في فطر المسلمين ~~فإن كل مرتبة لها حكم يخصها وليس وجود الكلام في الكتاب كوجود الصفة في ~~الموصوف مثل وجود العلم والحياة في محلهما حتى يقال إن صفة الله حلت بغيره ~~أو فارقته ولاالوجود فيه كالدليل المحض مثل وجود العالم الدال على البارى ~~تعالى حتى يقال ليس فيه إلا ما هو علامة على كلام الله عز وجل PageV12P240 ~~بل هو قسم آخر # ومن لم يعط كل مرتبة مما يستعمل فيها أداة الظرف حقها فيفرق بين وجود ~~الجسم في الحيز وفى المكان ووجود العرض بالجسم ووجود الصورة بالمرآة ويفرق ~~بين رؤية الشيء بالعين يقظة وبين رؤيته بالقلب يقظة ومناما ونحو ذلك والا ~~اضطربت عليه الامور # وكذلك سؤال السائل عما في المصحف هل هو حادث أو ms3856 قديم سؤال مجمل فان لفظ ~~القديم اولا ليس مأثورا عن السلف وإنما الذى اتفقوا عليه أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وهو كلام الله حيث تلى وحيث كتب وهو قرآن واحد وكلام واحد ~~وإن تنوعت الصور التى يتلى فيها ويكتب من أصوات العباد ومدادهم فإن الكلام ~~كلام من قاله مبتدئا لا كلام من بلغه مؤديا فإذا سمعنا محدثا يحدث بقول ~~النبى ( إنما الأعمال بالنيات ( قلنا هذا كلام رسول الله لفظه ومعناه مع ~~علمنا أن الصوت صوت المبلغ لا صوت رسول الله وهكذا كل من بلغ كلام غيره من ~~نظم ونثر # ونحن إذا قلنا هذا كلام الله لما نسمعه من القارىء ونرى في المصحف ~~فالاشارة إلى الكلام من حيث هو هو مع قطع النظر عما اقترن به البلاغ من صوت ~~المبلغ ومداد الكاتب PageV12P241 فمن قال صوت القارىء ومداد الكاتب كلام ~~الله الذى ليس بمخلوق فقد أخطأ وهذا الفرق الذى بينه الامام أحمد لمن سأله ~~وقد قرأ ( قل هو الله أحد ) فقال هذا كلام الله غير مخلوق فقال نعم فنقل ~~السائل عنه أنه قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فدعا به وزبره زبرا شديدا وطلب ~~عقوبته وتعزيره وقال أنا قلت لك لفظى بالقرآن غير مخلوق فقال لا ولكن قلت ~~لى لما قرأت ( قل هو الله أحد ) هذا كلام الله غير مخلوق قال فلم تنقل عنى ~~مالم أقله # فبين الامام أحمد أن القائل إذا قال لما سمعه من المبلغين المؤدين هذا ~~كلام الله فالاشارة إلى حقيقته التى تكلم الله بها وإن كنا إنما سمعناها ~~ببلاغ المبلغ وحركته وصوته فإذا أشار إلى شيء من صفات المخلوق لفظه أو صوته ~~أو فعله وقال هذا غير مخلوق فقد ضل وأخطأ فالواجب أن يقال القرآن كلام الله ~~غير مخلوق فالقرآن في المصاحف كما أن سائر الكلام في الصحف ولا يقال إن ~~شيئا من المداد والورق غير مخلوق بل كل ورق ومداد في العالم فهو مخلوق ~~ويقال أيضا القرآن الذى في المصحف كلام الله غير مخلوق والقرآن الذى يقرؤه ms3857 ~~المسلمون كلام الله غير مخلوق # ويتبين هذا الجواب بالكلام على ( المسألة الثانية ( وهي قوله PageV12P242 ~~إن كلام الله هل هو حرف وصوت أم لا فإن اطلاق الجواب في هذه المسألة نفيا ~~وإثباتا خطأ وهي من البدع المولدة الحادثة بعد المائة الثالثة لما قال قوم ~~من متكلمة الصفاتية إن كلام الله الذى أنزل على أنبيائه كالتوراة والإنجيل ~~والقرآن والذى لم ينزله والكلمات التى كون بها الكائنات والكلمات المشتملة ~~على أمره ونهيه وخبره ليست الا مجرد معنى واحد هو صفة واحدة قامت بالله إن ~~عبر عنها بالعبرانية كانت التوراة وان عبر عنها بالعربية كانت القرآن وان ~~الامر والنهي والخبر صفات لها لا أقسام لها وان حروف القرآن مخلوقة خلقها ~~الله ولم يتكلم بها وليست من كلامه إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت # عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا بل القرآن هو الحروف والاصوات وتوهم قوم ~~أنهم يعنون بالحروف المداد وبالأصوات أصوات العباد وهذا لم يقله عالم ~~والصواب الذى عليه سلف الأمة كالامام أحمد والبخارى صاحب الصحيح في ( كتاب ~~خلق أفعال العباد ( وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابتة ~~وإجماع سلف الأمة # وهو PageV12P243 أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ليس شيء من ذلك ~~كلاما لغيره ولكن أنزله على رسوله وليس القرآن اسما لمجرد المعنى ولا لمجرد ~~الحرف بل لمجموعهما وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط ولا المعانى فقط ~~كما أن الانسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح ولا مجرد الجسد بل ~~مجموعهما وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح وليس ذلك ~~كأصوات العباد لا صوت القارىء ولا غيره وان الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ~~ولا في صفاته ولا في أفعاله فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق ~~وقدرته وحياته فكذلك لا تشبه كلامه كلام المخلوق ولا معانيه تشبه معانيه ~~ولا حروفه يشبه حروفه ولا صوت الرب يشبه صوت العبد فمن شبه الله بخلقه فقد ~~ألحد في أسمائه وآياته ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد ms3858 في أسمائه وآياته # وقد كتبت في الجواب المبسوط المستوفى مراتب مذاهب أهل الأرض في ذلك وان ~~المتفلسفة تزعم أن كلام الله ليس له وجود إلا في نفوس الأنبياء تفيض عليهم ~~المعانى من العقل الفعال فيصير في نفوسهم حروفا كما أن ملائكة الله عندهم ~~ما يحدث في نفوس الأنبياء من الصور النورانية وهذا من جنس قول فيلسوف قريش ~~الوليد إبن المغيرة ( ان هذا إلا قول البشر ) فحقيقة قولهم إن القرآن تصنيف ~~PageV12P244 الرسول الكريم لكنه كلام شريف صادر عن نفس صافية وهؤلاء هم ~~الصابئة فتقربت منهم الجهمية فقالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قام به ~~كلام وإنما كلامه ما يخلقه في الهواء أو غيره فأخذ ببعض ذلك قوم من متكلمة ~~الصفاتية فقالوا بل نصفه وهو المعنى كلام الله ونصفه وهو الحروف ليس هو ~~كلام الله بل هو خلق من خلقه # وقد تنازع الصفاتية القائلون بأن القرآن غير مخلوق هل يقال إنه قديم لم ~~يزل ولا يتعلق بمشيئته أم يقال يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء على قولين ~~مشهورين في ذلك وفى السمع والبصر ونحوهما ذكرهما الحارث المحاسبى عن أهل ~~السنة وذكرهما أبو بكر عبد العزيز عن أهل السنة من أصحاب الامام أحمد ~~وغيرهم # وكذلك النزاع بين أهل الحديث والصوفية وفرق الفقهاء من المالكية ~~والشافعية والحنفية والحنبلية بل وبين فرق المتكلمين والفلاسفة في جنس هذا ~~الباب وليس هذا موضعا لبسط ذلك ( هذا لفظ الجواب في الفتيا المصرية ~~PageV12P245 ### || 1 ( التبيان في نزول القرآن ) 1 # وقال الامام العلامة المحقق أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى ~~ورضى عنه # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين # أما بعد فهذا ( فصل في نزول القرآن ( ولفظ ( النزول ( حيث ذكر في كتاب ~~الله تعالى فان كثيرا من الناس فسروا النزول في مواضع من القرآن بغير ما هو ~~معناه المعروف لاشتباه المعنى في تلك المواضع وصار ذلك حجة لمن فسر نزول ~~القرآن بتفسير أهل البدع # فمن الجهمية من يقول أنزل بمعنى خلق ms3859 كقوله تعالى ( وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد ) أو يقول خلقه في مكان عال ثم أنزله من ذلك المكان PageV12P246 ~~ومن الكلابية من يقول نزوله بمعنى الاعلام به وافهامه للملك أو نزول الملك ~~بما فهمه # وهذا الذى قالوه باطل في اللغة والشرع والعقل # و ( المقصود هنا ( ذكر النزول # فنقول وبالله التوفيق النزول في كتاب الله عز وجل ( ثلاثة أنواع ( نزول ~~مقيد بأنه منه ونزول مقيد بأنه من السماء ونزول غير مقيد لا بهذا ولابهذا # فالأول لم يرد إلا في القرآن كما قال تعالى ( والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) وقال تعالى ( نزله روح القدس من ربك بالحق ~~) وقال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وفيها قولان # ( أحدهما ( لا حذف في الكلام بل قوله ( تنزيل الكتاب ) مبتدأ وخبره ( من ~~الله العزيز الحكيم ) # و ( الثانى ( أنه خبر مبتدأ محذوف أى هذا ( تنزيل الكتاب ) وعلى كلا ~~القولين فقد ثبت أنه منزل منه وكذلك قوله PageV12P247 حم تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم ) وكذلك ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) ( حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم ) والتنزيل بمعنى المنزل تسمية للمفعول باسم ~~المصدر وهو كثير ولهذا قال السلف القرآن كلام الله ليس بمخلوق منه بدأ قال ~~أحمد وغيره واليه يعود أى هو المتكلم به وقال كلام الله من الله ليس ببائن ~~منه أى لم يخلقه في غيره فيكون مبتدأ منزلا من ذلك المخلوق بل هو منزل من ~~الله كما أخبر به ومن الله بدأ لا من مخلوق فهو الذى تكلم به لخلقه # وأما النزول ( المقيد ( بالسماء فقوله ( وأنزلنا من السماء ) والسماء اسم ~~جنس لكل ماعلا فاذا قيد بشيء معين ( تقيد به ) فقوله في غير موضع من السماء ~~مطلق أى في العلو ثم قد بينه في موضع آخر بقوله ( أأنتم أنزلتموه من المزن ~~) وقوله ( فترى الودق يخرج من خلاله ) أى انه منزل من السحاب ومما يشبه ~~نزول القرآن قوله ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ) ~~فنزول الملائكة هو نزولهم بالوحى ms3860 من أمره الذى هو كلامه وكذلك قوله ( تنزل ~~الملائكة والروح فيها ) يناسب قوله ( فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا ~~أنا كنا مرسلين ) فهذا شبيه بقوله ( قل نزله روح القدس PageV12P248 وأما ( ~~المطلق ) ففى مواضع منها ما ذكره من انزال السكينة بقوله ( فانزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) وقوله ( هو الذى أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ) إلى غير ذلك # ومن ذلك ( انزال الميزان ( ذكره مع الكتاب في موضعين وجمهور المفسرين على ~~أن المراد به العدل وعن مجاهد رحمه الله هو ما يوزن به ولا منافاة بين ~~القولين وكذلك العدل وما يعرف به العدل منزل في القلوب والملائكة قد تنزل ~~على قلوب المؤمنين كقوله ( إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا ) فذلك الثبات نزل في القلوب بواسطة الملائكة وهو السكينة قال النبى ~~( من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه ~~أنزل الله عليه ملكا يسدده ) فالله ينزل عليه ملكا وذلك الملك يلهمه السداد ~~وهو ينزل في قلبه # ومنه حديث حذيفة رضى الله عنه الذى في الصحيحين عن النبى قال ( أن الله ~~أنزل الامانة في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ( # والأمانة هي الايمان أنزلها في أصل قلوب الرجال وهو كانزال الميزان ~~والسكينة وفى الصحيح عن النبى أنه قال ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ~~يتلون كتاب الله ( الحديث إلى آخره فذكر أربعة غشيان PageV12P249 الرحمة ~~وهى أن تغشاهم كما يغشى اللباس لابسه وكما يغشى الرجل المرأة والليل النهار ~~ثم قال ( ونزلت عليهم السكينة ( وهو انزالها في قلوبهم ( وحفتهم الملائكة ( ~~أى جلست حولهم ( وذكرهم الله فيمن عنده ( من الملائكة # وذكر الله الغشيان في مواضع مثل قوله تعالى ( يغشى الليل النهار ) وقوله ~~( فلما تغشاها حملت حملا خفيفا ) وقوله ( والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى ) ~~وقوله ( ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ) هذا كله فيه ~~احاطة من كل وجه # وذكر تعالى انزال النعاس في قوله ( ثم أنزل عليكم ms3861 من بعد الغم أمنة نعاسا ~~يغشى طائفة منكم ) هذا يوم أحد وقال في يوم بدر ( إذ يغشيكم النعاس أمنة ~~منه ) والنعاس ينزل في الرأس بسبب نزول الابخرة التى تدخل في الدماغ فتنعقد ~~فيحصل منها النعاس # وطائفة من أهل الكلام منهم أبو الحسن الاشعرى ومن اتبعه من أصحاب مالك ~~والشافعى وأحمد جعلوا النزول والاتيان والمجيء حدثا يحدثه منفصلا عنه فذاك ~~هو اتيانه واستواؤه على العرش فقالوا استواؤه فعل يفعله في العرش يصير به ~~مستويا عليه من غير فعل PageV12P250 يقوم بالرب لكن أكثر الناس خالفوهم ~~وقالوا المعروف أنه لا يجيء شيء من الصفات والأعراض إلا بمجيء شيء فإذا ~~قالوا جاء البرد أو جاء الحر فقد جاء الهواء الذى يحمل الحر والبرد وهو عين ~~قائمة بنفسها وإذا قالوا جاءت الحمى فالحمى حر أو برد تقوم بعين قائمة بسبب ~~أخلاط تتحرك وتتحول من حال إلى حال فيحدث الحر والبرد بذلك وهذا بخلاف ~~العرض الذى يحدث بلا تحول من حامل مثل لون الفاكهة فإنه لا يقال في هذا ~~جاءت الحمرة والصفرة والخضرة بل يقال أحمر وأصفر وأخضر وإذا كان كذلك ~~فانزاله تعالى العدل والسكينة والنعاس والامانة وهذه صفات تقوم بالعباد ~~إنما تكون إذا افضى بها اليهم فالأعيان القائمة توصف بالنزول كما توصف ~~الملائكة بالنزول بالوحي والقرآن فإذا نزل بها الملائكة قيل انها نزلت # وكذلك لو نزل غير الملائكة كالهواء الذى نزل بالأسباب فيحدث الله منه ~~البخار الذى يكون منه النعاس فكان قد انزل النعاس سبحانه بانزال ما يحمله # وقد ذكر سبحانه انزال الحديد والحديد يخلق في المعادن # وما يذكر عن إبن عباس رضى الله عنهما أن آدم عليه السلام PageV12P251 نزل ~~من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان والكلبتان والمنقعة والمطرقة ~~والابرة فهو كذب لا يثبت مثله # وكذلك الحديث الذى رواه الثعلبى عن بن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( أن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض فأنزل ~~الحديد والماء والنار والملح ( حديث موضوع مكذوب في اسناده سيف بن ms3862 محمد بن ~~أخت سفيان الثورى رحمه الله وهو من الكذابين المعروفين بالكذب # قال بن الجوزى هو سيف بن محمد إبن أخت سفيان الثورى يروى عن الثورى وعاصم ~~الأحول والاعمش قال أحمد رحمه الله هو كذاب يضع الحديث وقال مرة ليس بشيء ~~وقال يحى كان كذابا خبيثا وقال مرة ليس بثقة وقال أبو داود كذاب وقال زكريا ~~الساجى يضع الحديث وقال النسائى ليس بثقة ولا مأمون وقال الدار قطنى ضعيف ~~متروك والناس يشهدون ان هذه الآلات تصنع من حديد المعادن فان قيل أن آدم ~~عليه السلام نزل معه جميع الآلات فهذه مكابرة للعيان وأن قيل بل نزل معه ~~آلة واحدة وتلك لا تعرف فأى فائدة في هذا لسائر الناس ثم ما يصنع بهذه ~~الآلات إذا لم يكن ثم حديد موجود يطرق بهذه الآلات وإذا خلق الله الحديد ~~صنعت منه هذه الآلات مع أن PageV12P252 المأثور ( أن أول من خط وخاط ادريس ~~عليه السلام ( وآدم عليه السلام لم يخط ثوبا فما يصنع بالابرة # ثم أخبر أنه أنزل الحديد فكان المقصود الاكبر بذكر الحديد هو اتخاذ آلات ~~الجهاد منه كالسيف والسنان والنصل وما اشبه ذلك الذى به ينصر الله ورسوله ~~وهذه لم تنزل من السماء فان قيل نزلت الآلة التى يطبع بها قيل فالله أخبر ~~أنه أنزل الحديد لهذه المعانى المتقدمة والآلة وحدها لا تكفى بل لابد من ~~مادة يصنع بها آلات الجهاد # لكن لفظ النزول أشكل على كثير من الناس حتى قال قطرب رحمه الله معناه ~~جعله نزلا كما يقال أنزل الأمر على فلان نزلا حسنا أى جعله نزلا قال ومثله ~~قوله تعالى ( وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج ) وهذا ضعيف # فإن النزل إنما يطلق على ما يؤكل لا على ما يقاتل به قال الله تعالى ( ~~فنزل من حميم ) والضيافة سميت نزلا لأن العادة ان الضيف يكون راكبا فينزل ~~في مكان يؤتى إليه بضيافته فيه فسميت نزلا لاجل نزوله ونزل ببنى فلان ضيف ~~ولهذا قال نوح عليه السلام ( رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت ms3863 خير المنزلين ) ~~لأنه كان راكبا في السفينة وسميت المواضع التى ينزل بها المسافرون منازل ~~لأنهم يكونون ركبانا فينزلون والمشاة تبع للركبان وتسمى المساكن منازل ~~PageV12P253 # وجعل بعضهم نزول الحديد بمعنى الخلق لأنه أخرجه من المعادن وعلمهم صنعته ~~فان الحديد انما يخلق في المعادن والمعادن إنما تكون في الجبال فالحديد ~~ينزله الله من معادنه التى في الجبال لينتفع به بنو آدم وقال تعالى ( وأنزل ~~لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) # وهذا مما اشكل أيضا فمنهم من قال جعل ومنهم من قال خلق لكونها تخلق من ~~الماء فان به يكون النبات الذى ينزل أصله من السماء وهو الماء وقال قطرب ~~جعلناه نزلا ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة فان الأنعام ~~تنزل من بطون أمهاتها ومن أصلاب آبائها تأتى بطون أمهاتها ويقال للرجل قد ~~أنزل الماء وإذا أنزل وجب عليه الغسل مع أن الرجل غالب انزاله وهو على جنب ~~أما وقت الجماع واما بالاحتلام فكيف بالأنعام التى غالب انزالها مع قيامها ~~على رجليها وارتفاعها على ظهور الاناث # ومما يبين هذا أنه لم يستعمل النزول فيما خلق من السفليات فلم يقل أنزل ~~النبات ولا أنزل المرعى وإنما استعمل فيما يخلق في محل عال وأنزله الله من ~~ذلك المحل كالحديد والأنعام # وقال تعالى ( يابنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا ) ~~الآية وفيها قراءتان إحداهما بالنصب فيكون لباس التقوى أيضا PageV12P254 ~~منزلا وأما على قراءة الرفع فلا وكلاهما حق وقد قيل فيه خلقناه وقيل أنزلنا ~~أسبابه وقيل ألهمناهم كيفية صنعته وهذه الأقوال ضعيفة فإن النبات الذى ~~ذكروا لم يجيء فيه لفظ أنزلنا ولم يستعمل في كل مايصنع أنزلنا فلم يقل ~~أنزلنا الدور وأنزلنا الطبخ ونحو ذلك وهو لم يقل أنا أنزلنا كل لباس ورياش ~~وقد قيل أن الريش والرياش المراد به اللباس الفاخر كلاهما بمعنى واحد مثل ~~اللبس واللباس وقد قيل هما المال والخصب والمعاش وارتاش فلان حسنت حالته # والصحيح أن ( الريش ( هو الاثاث والمتاع قال أبو عمر والعرب تقول أعطانى ~~فلان ريشه أى ms3864 كسوته وجهازه وقال غيره الرياش في كلام العرب الاثاث وما ظهر ~~من المتاع والثياب والفرش ونحوها وبعض المفسرين أطلق عليه لفظ المال ~~والمراد به مال مخصوص قال بن زيد جمالا وهذا لأنه مأخوذ من ريش الطائر وهو ~~مايروش به ويدفع عنه الحر والبرد وجمال الطائر ريشه وكذلك ما يبيت فيه ~~الانسان من الفرش وما يبسطه تحته ونحو ذلك والقرآن مقصوده جنس اللباس الذى ~~يلبس على البدن وفى البيوت كما قال تعالى ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ) ~~الآية فامتن سبحانه عليهم بما ينتفعون به من الانعام في اللباس والاثاث ~~وهذا والله أعلم معنى انزاله فانه ينزله PageV12P255 من ظهور الانعام وهو ~~كسوة الأنعام من الأصواف والأوبار والأشعار وينتفع به بنو آدم من اللباس ~~والرياش فقد أنزلها عليهم وأكثر أهل الأرض كسوتهم من جلود الدواب فهي لدفع ~~الحر والبرد وأعظم مما يصنع من القطن والكتان والله تعالى ذكر في سورة ~~النحل انعامه على عباده فذكر في أول السورة أصول النعم التى لا يعيش بنو ~~آدم إلا بها وذكر في أثنائها تمام النعم التى لا يطيب عيشهم إلا بها فذكر ~~في أولها الرزق الذى لابد لهم منه وذكر ما يدفع البرد من الكسوة بقوله ( ~~والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ) ثم في أثناء السورة ذكر ~~لهم المساكن والمنافع التى يسكنونها مساكن الحاضرة والبادية ومساكن ~~المسافرين فقال تعالى ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ) الآية ثم ذكر ~~أنعامه بالظلال التى تقيهم الحر والبأس فقال ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ~~وجعل لكم من الجبال اكنانا ) إلى قوله ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ~~) # ولم يذكر هنا ما يقي من البرد لأنه قد ذكره في أول السورة وذلك في أصول ~~النعم لأن البرد يقتل فلا يقدر أحد ان يعيش في البلاد الباردة بلا دفء ~~بخلاف الحر فانه أذى لكنه لا يقتل كما يقتل البرد فان الحر قد يتقى بالظلال ~~واللباس وغيرهما وأهله أيضا لا يحتاجون إلى وقاية كما يحتاج إليه البرد بل ~~أدنى ms3865 وقاية تكفيهم وهم في الليل وطرفى النهار PageV12P256 لا يتأذون به ~~تأذيا كثيرا بل لا يحتاجون إليه احيانا حاجة قوية فجمع بينهما في قوله ( ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ) ولا حذف في اللفظ ولا قصور في ~~المعنى كما يظنه من لم يحسن حقائق معانى القرآن بل لفظه أتم لفظ ومعناه ~~أكمل المعانى فإذا كان اللباس والرياش ينزل من ظهور الأنعام وكسوة الأنعام ~~منزلة من الاصلاب والبطون كما تقدم فهو منزل من الجهتين فانه على ظهور ~~الأنعام لا ينتفع به بنوا آدم حتى ينزل # فقد تبين أنه ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول ~~المعروف وهذا هو اللائق بالقرآن فانه نزل بلغة العرب ولاتعرف العرب نزولا ~~إلا بهذاالمعنى ولو أريد غير هذاالمعنى لكان خطابا بغير لغتها ثم هو ~~استعمال اللفظ المعروف له معنى في معنى آخر بلا بيان وهذا لا يجوز بما ~~ذكرنا وبهذا يحصل مقصود القرآن واللغة الذى أخبر الله تعالى أنه بينه وجعله ~~هدى للناس وليكن هذا آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا PageV12P257 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك ) 1 ### |||| ( وسئل شيخ الإسلام رحمه الله ( # عن قوله تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) ~~فسماه هنا كلام الله وقال في مكان آخر ( أنه لقول رسول كريم ) فما معنى ذلك ~~فان طائفة ممن يقول بالعبارة يدعون ان هذا حجة لهم ثم يقولون أنتم تعتقدون ~~أن موسى صلوات الله عليه سمع كلام الله عز وجل حقيقة من الله من غير واسطة ~~وتقولون أن الذى تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من وسائط باصوات مختلفة ~~فما الفرق بين هذا وهذا وتقولون إن القرآن صفة لله تعالى وان صفات الله ~~تعالى قديمة فان قلتم ان هذا نفس كلام الله تعالى فقد قلتم بالحلول وأنتم ~~تكفرون الحلولية والاتحادية وان قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا ونحن نطلب منكم ~~في ذلك جوابا نعتمد عليه ان ms3866 شاء الله تعالى ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه الآية حق كما ذكر الله وليست ~~PageV12P258 احدى الآيتين معارضة للأخرى بوجه من الوجوه ولا في واحدة منهما ~~حجة لقول باطل وان كان كل من الآيتين قد يحتج بها بعض الناس على قول باطل ~~وذلك أن قوله ( وان أحد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ) ~~فيه دلالة على أنه يسمع كلام الله من التالى المبلغ وان ما يقرؤه المسلمون ~~هو كلام الله كما في حديث جابر في السنن ( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان ~~يعرض نفسه على الناس في الموقف ويقول الا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ~~ربى فان قريشا منعونى أن ابلغ كلام ربى ( وفى حديث أبى بكر الصديق رضى الله ~~عنه انه لما خرج على المشركين فقرأ عليهم ( ألم غلبت الروم في ادنى الأرض ~~وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) قالوا له هذا كلامك أم كلام صاحبك فقال ليس ~~بكلامى ولا بكلام صاحبى ولكنه كلام الله # وقد قال تعالى ( ذرنى ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ~~ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا أنه كان لآياتنا عنيدا سارهقه صعودا ~~أنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ادبر ~~واستكبر فقال أن هذا الاسحر يؤثر ان هذا الاقول البشر ( فمن قال أن هذا ~~القرآن قول البشر كان قوله مضاهيا لقول الوحيد الذى أصلاه الله سقر ومن ~~المعلوم لعامة العقلاء أن من بلغ كلام غيره كالمبلغ لقول PageV12P259 النبى ~~( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى ( إذا سمعه الناس من المبلغ ~~قالوا هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كلام رسول الله ولو قال ~~المبلغ هذا كلامي وقولى لكذبه الناس لعلمهم بأن الكلام كلام لمن قاله ~~مبتدئا منشئا لا لمن أداه راويا مبلغا فاذا كان مثل هذا معلوما في تبليغ ~~كلام المخلوق فكيف لا يعقل في تبليغ كلام الخالق الذى هو أولى أن لا يجعل ms3867 ~~كلاما لغير الخالق جل وعلا # وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه فقال ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق ) وقال ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) ( حم تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز الحكيم ) فجبريل رسول الله من الملائكة جاء به إلى رسول ~~الله من البشر والله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس وكلاهما مبلغ له كما ~~قال ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) وقال ( إلا من أرتضى من ~~رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ~~) وهو مع هذا كلام الله ليس لجبريل ولا لمحمد فيه إلا التبليغ والأداء كما ~~أن المعلمين له في هذا الزمان والتالين له في الصلاة أو خارج الصلاة ليس ~~لهم فيه إلا ذلك لم يحدثوا شيئا من حروفه ولا معانيه قال الله تعالى ( فاذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من PageV12P260 الشيطان الرجيم ) # إلى قوله ( واذا بدلنا آية مكان أية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ~~آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى ~~يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) # كان بعض المشركين يزعم أن النبى تعلمه من بعض الأعاجم الذين بمكة أما عبد ~~بن الحضرمى واما غيره كما ذكر ذلك المفسرون فقال تعالى ( لسان الذى يلحدون ~~إليه أى يضيفون إليه التعليم لسان أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) فكيف يتصور ~~أن يعلمه أعجمى وهذا الكلام عربي وقد أخبر انه نزله روح القدس من ربك بالحق ~~فهذا بيان أن هذا القرآن العربي الذى تعلمه من غيره لم يكن هو المحدث ~~لحروفه ونظمه إذ يمكن لو كان كذلك ان يكون تلقى من الأعجمى معانيه وألف هو ~~حروفه وبيان أن هذا الذى تعلمه من غيره نزل به روح القدس من ربك بالحق يدل ~~على ان القرآن جميعه منزل من الرب سبحانه وتعالى لم ينزل معناه دون حروفه # ومن ms3868 المعلوم أن من بلغ كلام غيره كمن بلغ كلام النبى أو غيره من الناس أو ~~أنشد شعر غيره كما لو أنشد منشد قول لبيد PageV12P261 # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # أو قول عبد الله بن رواحة حيث قال # شهدت بأن وعد الله حق %~% وإن النار مثوى الكافرينا # وإن العرش فوق الماء طاف %~% وفوق العرش رب العالمينا # أو قوله # وفينا رسول الله يتلو كتابه %~% إذا انشق معروف من الفجر ساطع # يبيت يجافى جنبه عن فراشه %~% إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا %~% به موقنات أن ما قال واقع # وهذا الشعر قاله منشئه لفظه ومعناه وهو كلامه لا كلام غيره بحركته وصوته ~~ومعناه القائم بنفسه ثم إذا أنشده المنشد وبلغه عنه علم أنه شعر ذلك ~~المنشىء وكلامه ونظمه وقوله مع أن هذا الثانى أنشده بحركة نفسه وصوت نفسه ~~وقام بقلبه من المعنى نظير ما قام بقلب الأول وليس الصوت المسموع من المنشد ~~هو الصوت المسموع من المنشىء والشعر شعر المنشىء لا شعر المنشد والمحدث عن ~~النبى صلى PageV12P262 الله عليه وسلم إذا روى قوله ( إنما الأعمال بالنيات ~~( بلغه بحركته وصوته مع أن النبى تكلم به بحركته وصوته وليس صوت المبلغ صوت ~~النبى ولا حركته كحركته والكلام كلام رسول الله لا كلام المبلغ له عنه # فإذا كان هذا معلوما معقولا فكيف لا يعقل أن يكون ما يقرأ القارىء إذا ~~قرأ ( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) أن يقال هذا ~~الكلام كلام البارىء وان كان الصوت صوت القارىء فمن ظن ان الأصوات المسموعة ~~من القراء صوت الله فهو ضال مفتر مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول قائل ~~قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل قد أنكر الامام أحمد وغيره على من ~~قال لفظى بالقرآن غير مخلوق وبدعوه كما جهموا من قال لفظي بالقرآن مخلوق ~~وقالوا القرآن كلام الله غير مخلوق كيف تصرف فكيف من قال لفظى به قديم أو ~~صوتى به قديم فابتداع هذا وضلاله أوضح فمن قال أن ms3869 لفظه بالقرآن غير مخلوق ~~أو صوته أو فعله أو شيئا من ذلك فهو ضال مبتدع # وهؤلاء قد يحتجون بقوله ( حتى يسمع كلام الله ) ويقولون هذا كلام الله ~~وكلام الله غير مخلوق فهذا غير مخلوق ونحن لا نسمع PageV12P263 إلا صوت ~~القارىء # وهذا جهل منهم فان سماع كلام الله بل وسماع كل كلام يكون تارة من المتكلم ~~به بلا واسطة ويكون بواسطة الرسول المبلغ له قال تعالى ( وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ) # ومن قال أن الله كلمنا بالقرآن كما كلم موسى بن عمران أو أنا نسمع كلامه ~~كما سمعه موسى بن عمران فهو من أعظم الناس جهلا وضلالا ولو قال قائل أنا ~~نسمع كلام النبى كما سمعه الصحابة منه لكان ضلاله واضحا فكيف من يقول انا ~~أسمع كلام الله منه كما سمعه موسى وان كان الله كلم موسى تكليما بصوت سمعه ~~موسى فليس صوت المخلوقين صوتا للخالق وكذلك مناداته لعباده بصوت يسمعه من ~~بعد كما يسمعه من قرب وتكلمه بالوحي حتى يسمع أهل السماوات والأرض صوته كجر ~~السلسلة على الصفا # وأمثال ذلك مما جاءت به النصوص والآثار كلها ليس فيها ان صفة المخلوق هي ~~صفة الخالق بل ولا مثلها بل فيها الدلالة على الفرق بين صفة الخالق وبين ~~صفة المخلوق فليس كلامه مثل كلامه ولامعناه مثل معناه ولا حرفه مثل حرفه ~~ولا صوته مثل صوته كما انه ليس علمه مثل علمه ولا قدرته مثل قدرته ولا سمعه ~~مثل سمعه ولا بصره مثل بصره فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في ~~صفاته ولا في أفعاله PageV12P264 # ولما استقر في فطر الخلق كلهم الفرق بين سماع الكلام من المتكلم به ~~ابتداء وبين سماعه من المبلغ عنه كان ظهور هذا الفرق في سماع كلام الله من ~~المبلغين عنه أوضح من ان يحتاج إلى الاطناب وقد بين أئمة السنة والعلم ~~كالامام أحمد والبخارى صاحب الصحيح في كتابه في خلق الأفعال ms3870 وغيرهما من ~~أئمة السنة من الفرق بين صوت الله المسموع منه وصوت العباد بالقرآن وغيره ~~مالا يخالفهم فيه أحد من العلماء أهل العقل والدين ### ||| فصل # وأما قوله تعالى ( أنه لقول رسول كريم ) فهذا قد ذكره في موضعين فقال في ~~الحاقة ( أنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون ) فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم وقال في ~~التكوير ( انه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين وما ~~صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالافق المبين ) فالرسول هنا جبريل فأضافه إلى ~~الرسول من البشر تارة والى الرسول من الملائكة تارة باسم الرسول ولم يقل ~~أنه لقول ملك ولا نبى # لان لفظ الرسول يبين أنه مبلغ PageV12P265 عن غيره لا منشىء له من عنده ( ~~وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) فكان قوله ( أنه لقول رسول كريم ) ~~بمنزلة قوله لتبليغ رسول أو مبلغ من رسول كريم أو جاء به رسول كريم أو ~~مسموع عن رسول كريم وليس معناه أنه انشأه أو أحدثه أو أنشأ شيئا منه أو ~~أحدثه رسول كريم إذ لو كان منشئا لم يكن رسولا فيما أنشأه وابتدأه وإنما ~~يكون رسولا فيما بلغه وأداه ومعلوم أن الضمير عائد إلى القرآن مطلقا # و ( أيضا ) فلو كان أحد الرسولين أنشأ حروفه ونظمه امتنع أن يكون الرسول ~~الآخر هو المنشىء المؤلف لها فبطل أن تكون اضافته إلى الرسول لاجل احداث ~~لفظه ونظمه ولو جاز أن تكون الإضافة هنا لاجل احداث الرسول له أو لشيء منه ~~لجاز أن نقول أنه قول البشر وهذا قول الوحيد الذى أصلاه الله سقر # فإن قال قائل فالوحيد جعل الجميع قول البشر ونحن نقول إن الكلام العربى ~~قول البشر وأما معناه فهو كلام الله # فيقال لهم هذا نصف قول الوحيد ثم هذا باطل من وجوه أخرى # وهو أن معانى هذا النظم معان متعددة متنوعة وأنتم تجعلون PageV12P266 ذلك ~~المعنى معنى واحدا هو الامر والنهى والخبر والاستخبار وتجعلون ذلك المعنى ~~إذا ms3871 عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإذا عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإذا ~~عبر عنه بالسريانية كان انجيلا وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من العقل ~~والدين فان التوراة إذا عربناها لم يكن معناها معنى القرآن والقرآن إذا ~~ترجمناه بالعبرانية لم يكن معناه معنى التوراة # و ( أيضا ) فإن معنى آية الكرسي ليس هو معنى آية الدين وإنما يشتركان في ~~مسمى الكلام ومسمى كلام الله كما تشترك الاعيان في مسمى النوع فهذاالكلام ~~وهذا الكلام وهذاالكلام كله يشترك في أنه كلام الله اشتراك الاشخاص في ~~أنواعها كماأن الإنسان وهذا الإنسان وهذا الإنسان يشتركون في مسمى الانسان ~~وليس في الخارج شخص بعينه هو هذا وهذا وهذا وكذلك ليس في الخارج كلام واحد ~~هو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وهو معنى آية الدين وآية الكرسى # ومن خالف هذا كان في مخالفته لصريح المعقول من جنس من قال إن أصوات ~~العباد وأفعالهم قديمة أزلية فاضرب بكلام البدعتين رأس قائلهما والزم ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين PageV12P267 # وبسبب هاتين البدعتين الحمقاوين ثارت الفتن وعظمت الاحن وإن كان كل من ~~أصحاب القولين قد يفسرونهما بما قد يلتبس على كثير من الناس كما فسر من قال ~~إن الصوت المسموع من العبد أو بعضه قديم أن القديم ظهر في المحدث من غير ~~حلول فيه # وأما ( أفعال العباد ( فرأيت بعض المتأخرين يزعم أنها قديمة خيرها وشرها ~~وفسر ذلك بأن الشرع قديم والقدر قديم وهى مشروعة مقدرة ولم يفرق بين الشرع ~~الذى هو كلام الله والمشروع الذى هو المأمور به والمنهى عنه ولم يفرق بين ~~القدر الذى هو علم الله وكلامه وبين المقدور الذى هو مخلوقاته والعقلاء ~~كلهم يعلمون بالاضطرار أن الأمر والخبر نوعان للكلام لفظه ومعناه ليس الأمر ~~والخبر صفات لموصوف واحد فمن جعل الأمر والنهى والخبر صفات للكلام لا ~~أنواعا له فقد خالف ضرورة العقل وهؤلاء في هذا بمنزلة من زعم أن الوجود ~~واحد إذ لم يفرق بين الواحد بالنوع والواحد بالعين فان انقسام ( الموجود ( ~~إلى ms3872 القديم والمحدث والواجب والممكن والخالق والمخلوق والقائم بنفسه ~~والقائم بغيره كانقسام ( الكلام ) إلى الأمر والخبر أو إلى الانشاء ~~والاخبار أو إلى الأمر والنهى والخبر فمن قال الكلام معنى واحد هو الأمر ~~والخبر فهو كمن قال الوجود واحد هو الخالق والمخلوق أو الواجب والممكن وكما ~~أن حقيقة هذا تؤل إلى تعطيل الخالق فحقيقة PageV12P268 هذا تؤل إلى تعطيل ~~كلام وتكليمه # وهذا حقيقة قول فرعون الذى انكر الخالق وتكليمه لموسى ولهذا آل الامر ~~بمحقق هؤلاء إلى تعظيم فرعون وتوليه وتصديقه في قوله ( أنا ربكم الأعلى ) ~~بل إلى تعظيمه على موسى وإلى الاستحقار بتكليم الله لموسى كما قد بسط في ~~غير هذا الموضع ( # وأيضا ) فيقال ما تقول في كلام كل متكلم إذا نقله عنه غيره كما قد ينقل ~~كلام النبى والصحابة والعلماء والشعراء وغيرهم ويسمع من الرواة أو المبلغين ~~إن ذلك المسموع من المبلغ بصوت المبلغ هو كلام المبلغ أو كلام المبلغ عنه ~~فان قال كلام المبلغ لزم أن يكون القرآن كلاما لكل من سمع منه فيكون القرآن ~~المسموع كلام ألف ألف قارئ لا كلام الله تعالى وان يكون قوله ( إنما ~~الاعمال بالنيات ( ونظائره كلام كل من رواه لا كلام الرسول وحينئذ فلا ~~فضيلة للقرآن في ( إنه لقول رسول كريم ) فانه على قول هؤلاء قول كل منافق ~~قرأه والقرآن يقرؤه المؤمن والمنافق كما في الصحيحين عنه أنه قال ( مثل ~~المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن ~~الذى لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذى ~~يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذى لا يقرأ ~~القرآن PageV12P269 مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ( وعلى هذا التقدير ~~فلا يكون القرآن قول بشر واحد بل قول ألف ألف بشر وأكثر من ذلك وفساد هذا ~~في العقل والدين واضح # وأن قال كلام المبلغ عنه علم أن الرسول المبلغ للقرآن ليس القرآن كلامه ~~ولكنه كلام الله ولكن لما كان الرسول الملك قد يقال إنه شيطان ms3873 بين الله إنه ~~تبليغ ملك كريم لا تبليغ شيطان رجيم ولهذا قال ( أنه لقول رسول كريم ذى قوة ~~عند ذى العرش مكين ) إلى قوله ( وما هو بقول شيطان رجيم ) وبين في هذه ~~الآية أن الرسول البشرى الذى صحبناه وسمعناه منه ليس بمجنون وما هو على ~~الغيب بمتهم وذكره باسم ( الصاحب ( لما في ذلك من النعمة به علينا اذ كنا ~~لا نطيق أن نتلقى إلا عمن صحبناه وكان من جنسنا كما قال تعالى ( لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم ) وقال ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون ) كما قال في الآية الأخرى ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ) ~~وبين أن الرسول الذى من أنفسنا والرسول الملكي أنهما مبلغان فكان في هذا ~~تحقيق أنه كلام الله # فلما كان الرسول البشرى يقال أنه مجنون أو مفتر نزهه عن هذا وهذا وكذلك ~~في السورة الأخرى قال ( أنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا PageV12P270 ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ) ~~وهذا مما يبين أنه أضافه إليه لأنه بلغه وأداه لا لأنه أحدثه وأنشأه فانه ~~قال ( وانه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين ) فجمع بين قوله ( أنه ~~لقول رسول كريم ) وبين قوله ( وانه لتنزيل رب العالمين ) والضميران عائدان ~~إلى واحد فلو كان الرسول أحدثه وأنشأه لم يكن تنزيلا من رب العالمين بل كان ~~يكون تنزيلا من الرسول ومن جعل الضمير في هذا عائدا إلى غير ما يعود إليه ~~الضمير الآخر مع أنه ليس في الكلام ما يقتضى اختلاف الضميرين # ومن قال أن هذا عبارة عن كلام الله فقل له هذا الذى تقرؤه أهو عبارة عن ~~العبارة التى أحدثها الرسول الملك أو البشر على زعمك أم هو نفس تلك العبارة ~~فان جعلت هذا عبارة عن تلك العبارة جاز أن تكون عبارة جبريل أو الرسول ~~عبارة عن عبارة الله وحينئذ فيبقى النزاع لفظيا فانه متى قال أن محمدا سمعه ~~من جبريل جميعه وجبريل سمعه من الله ms3874 جميعه والمسلمون سمعوه من الرسول جميعه ~~فقد قال الحق وبعد هذا فقوله عبارة لأجل التفريق بين التبليغ والمبلغ عنه ~~كما سنبينه # وإن قلت ليس هذا عبارة عن تلك العبارة بل هو نفس تلك العبارة فقد جعلت ما ~~يسمع من المبلغ هو بعينه ما يسمع من المبلغ PageV12P271 عنه إذ جعلت هذه ~~العبارة هي بعينها عبارة جبريل فحينئذ هذا يبطل أصل قولك # وأعلم أن أصل القول بالعبارة ( أن أبا محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ( ~~هو أول من قال في الاسلام أن معنى القرآن كلام الله وحروفه ليست كلام الله ~~فأخذ بنصف قول المعتزلة ونصف قول أهل السنة والجماعة وكان قد ذهب إلى اثبات ~~الصفات لله تعالى وخالف المعتزلة في ذلك وأثبت العلو لله على العرش ~~ومباينته المخلوقات وقرر ذلك تقريرا هو أكمل من تقرير أتباعه بعده وكان ~~الناس قد تكلموا فيمن بلغ كلام غيره هل يقال له حكاية عنه أم لا وأكثر ~~المعتزلة قالوا هو حكاية عنه فقال إبن كلاب القرآن العربي حكاية عن كلام ~~الله ليس بكلام الله # فجاء بعده ( أبو الحسن الأشعرى ( فسلك مسلكه في اثبات أكثر الصفات وفى ~~مسألة القرآن أيضا واستدرك عليه قوله ان هذا حكاية وقال الحكاية إنما تكون ~~مثل المحكى فهذا يناسب قول المعتزلة وإنما يناسب قولناأن نقول هو عبارة عن ~~كلام الله لأن الكلام ليس من جنس العبارة فانكر أهل السنة والجماعة عليهم ~~عدة أمور PageV12P272 # ( أحدها ) قولهم أن المعنى كلام الله وإن القرآن العربي ليس كلام الله ~~وكانت المعتزلة تقول هو كلام الله وهو مخلوق فقال هؤلاء هو مخلوق وليس ~~بكلام الله لأن من أصول أهل السنة أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ~~ذلك المحل فإذا قام الكلام بمحل كان هو المتكلم به كما أن العلم والقدرة ~~إذا قاما بمحل كان هو العالم القادر وكذلك ( الحركة ( وهذا مما احتجوا به ~~على المعتزلة وغيرهم من الجهمية في قولهم إن كلام الله مخلوق خلقه في بعض ~~الأجسام قالوا لهم لو كان كذلك لكان ms3875 الكلام كلام ذلك الجسم الذى خلقه فيه ~~فكانت الشجرة هي القائلة ( إنى أنا الله رب العالمين ) فقال أئمة الكلابية ~~إذا كان القرآن العربي مخلوقا لم يكن كلام الله فقال طائفة من متأخريهم بل ~~نقول الكلام مقول بالاشتراك بين المعنى المجرد وبين الحروف المنظومة فقال ~~لهم المحققون فهذا يبطل أصل حجتكم على المعتزلة فانكم إذا سلمتم أن ما هو ~~كلام الله حقيقة لا يمكن قيامه به بل بغيره أمكن المعتزلة أن يقولوا ليس ~~كلامه الا ما خلقه في غيره # ( الثانى ) قولهم أن ذلك المعنى هو الأمر والنهي والخبر وهو معنى التوراة ~~والإنجيل والقرآن وقال أكثر العقلاء هذا الذى قالوه معلوم الفساد بضرورة ~~العقل PageV12P273 # ( الثالث ) أن ما نزل به جبريل من المعنى واللفظ وما بلغه محمد لأمته من ~~المعنى واللفظ ليس هو كلام الله # و ( مسألة القرآن ( لها طرفان ( أحدهما ) تكلم الله به وهوأعظم الطرفين ( ~~والثانى ) تنزيله إلى خلقه والكلام في هذا سهل بعد تحقيق الأول وقد بسطنا ~~الكلام في ذلك في عدة مواضع وبينا مقالات أهل الأرض كلهم في هذه المسائل ~~وما دخل في ذلك من الاشتباه ومأخذ كل طائفة ومعنى قول السلف القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وأنهم قصدوا به أبطال قول من يقول أن الله لم يقم بذاته ~~كلام ولهذا قال الأئمة كلام الله من الله ليس ببائن عنه وذكرنا اختلاف ~~المنتسبين إلى السنة هل يتعلق الكلام بمشيئته وقدرته أم لا وقول من قال من ~~أئمة السنة لم يزل الله متكلما إذا شاء وأن قول السلف منه بدأ لم يريدوا به ~~أنه فارق ذاته وحل في غيره فان كلام المخلوق بل وسائر صفاته لا تفارقه ~~وتنتقل إلى غيره فكيف يجوز أن يفارق ذات الله كلامه أو غيره من صفاته بل ~~قالوا منه بدأ أي هو المتكلم به ردا على المعتزلة والجهمية وغيرهم الذين ~~قالوا بدأ من المخلوق الذى خلق فيه وقولهم إليه يعود أى يسرى عليه فلا يبقى ~~في المصاحف منه حرف ولا في الصدور منه آية PageV12P274 والمقصود هنا ms3876 الجواب ~~عن مسائل السائل ### ||| فصل # وأما قول القائل أنتم تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه حقيقة من غير ~~واسطة وتقولون أن الذى تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من وسائط بأصوات ~~مختلفة فما الفرق بين ذلك # فيقال له بين هذا وهذا من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق فإن كل عاقل ~~يفرق بين سماع كلام النبى صلى الله عليه وسلم منه بغير واسطة كسماع الصحابة ~~منه وبين سماعه منه بواسطة المبلغين عنه كأبى هريرة وأبي سعيد وبن عمر وبن ~~عباس وكل من السامعين سمع كلام النبى حقيقة وكذلك من سمع شعر حسان بن ثابت ~~أو عبد الله بن رواحة أو غيرهما من الشعراء منه بلا واسطة ومن سمعه من ~~الرواة عنه يعلم الفرق بين هذا وهذا وهو في الموضعين شعر حسان لا شعر غيره ~~والانسان إذا تعلم شعر غيره فهو يعلم ان ذلك الشاعر انشأ معانيه ونظم حروفه ~~بأصواته المقطعة وان كان المبلغ يرويه بحركة نفسه وأصوات نفسه PageV12P275 # فإذا كان هذا الفرق معقولا في كلام المخلوقين بين سماع الكلام من المتكلم ~~به ابتداء وسماعه بواسطة الراوى عنه أو المبلغ عنه فكيف لا يعقل ذلك في ~~سماع كلام الله وقد تقدم أن من ظن أن المسموع من القراء هو صوت الرب فهو ~~إلى تأديب المجانين أقرب منه إلى خطاب العقلاء وكذلك من توهم أن الصوت قديم ~~أو أن المداد قديم فهذا لا يقوله ذو حس سليم بل ما بين لوحي المصحف كلام ~~الله وكلام الله ثابت في مصاحف المسلمين لا كلام غيره فمن قال ان الذى في ~~المصحف ليس كلام الله بل كلام غيره فهو ملحد مارق # ومن زعم أن كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره كما كتب في المصاحف أو ~~أن المداد قديم أزلى فهو أيضا ملحد مارق بل كلام المخلوقين يكتب في الأوراق ~~وهو لم يفارق ذواتهم فكيف لايعقل مثل هذا في كلام الله تعالى # و ( الشبهة ( تنشأ في مثل هذا من جهة أن بعض الناس لا يفرق ms3877 بين المطلق من ~~الكلام والمقيد مثال ذلك أن الانسان يقول رأيت الشمس والقمر والهلال اذا ~~رآه بغير واسطة ( وهذه الرؤية المطلقة ( وقد يراه في ماء أو مرآة فهذه ( ~~رؤية مقيدة ( فإذا أطلق قوله رأيته أو ما رأيته حمل على مفهوم اللفظ المطلق ~~وإذا قال لقد رأيت الشمس في الماء والمرآة فهو كلام صحيح مع التقييد واللفظ ~~يختلف معناه PageV12P276 بالاطلاق والتقييد فإذا وصل بالكلام ما يغير معناه ~~كالشرط والاستثناء ونحوهما من التخصيصات المتصلة كقوله ( ألف سنة الا خمسين ~~عاما ) كان هذا المجموع دالا على تسعمائة وخمسين سنة بطريق الحقيقة عند ~~جماهير الناس # ومن قال أن هذا مجاز فقد غلط فان هذا المجموع لم يستعمل في غير موضعه وما ~~يقترن باللفظ من القرائن اللفظية الموضوعة هي من تمام الكلام ولهذا لا ~~يحتمل الكلام معها معنيين ولا يجوز نفى مفهومهما بخلاف استعمال لفظ الأسد ~~في الرجل الشجاع مع ان قول القائل هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز نزاع لفظى وهو ~~مستند من انكر المجاز في اللغة أو في القرآن ولم ينطق بهذا أحد من السلف ~~والأئمة ولم يعرف لفظ المجاز في كلام أحد من الأئمة إلا في كلام الامام ~~أحمد فانه قال فيما كتبه من ( الرد على الزنادقة والجهمية ) هذا من مجاز ~~القرآن وأول من قال ذلك مطلقا أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه الذي صنفه ~~في ( مجاز القرآن ( ثم أن هذا كان معناه عند الأولين مما يجوز في اللغة ~~ويسوغ فهو مشتق عندهم من الجواز كما يقول الفقهاء عقد لازم وجائز وكثير من ~~المتأخرين جعله من الجواز الذى هو العبور من معنى الحقيقة إلى معنى المجاز ~~ثم أنه لا ريب أن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة PageV12P277 # والمقصود أن القائل إذا قال رأيت الشمس أو القمر أو الهلال أو غير ذلك في ~~الماء والمرآة فالعقلاء متفقون على الفرق بين هذه الرؤية وبين رؤية ذلك بلا ~~واسطة وإذا قال قائل ما رأى ذلك بل رأى مثاله أو خياله أو رأى الشعاع ~~المنعكس ms3878 أو نحو ذلك لم يكن هذا ما نعا لما يعلمه الناس ويقولونه من انه رآه ~~في الماء أو المرآة وهذه الرؤية في الماء أو المرآة حقيقة مقيدة وكذلك قول ~~النبى ( من رآنى في المنام فقد رآنى حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتى ( ~~هو كما قال رآه في المنام حقا فمن قال ما رآه في المنام حقا فقد أخطأ ومن ~~قال أن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد ~~أخطأ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون تلك # وكذلك ما سمعه منه من الكلام في المنام هو سماع منه في المنام وليس هذا ~~كالسماع منه في اليقظة وقد يرى الرائى في المنام أشخاصا ويخاطبونه ~~والمرئيون لا شعور لهم بذلك وإنما رأى مثالهم ولكن يقال رآهم في المنام ~~حقيقة فيحترز بذلك عن الرؤيا التى هي حديث النفس # فإن ( الرؤيا ثلاثة أقسام ( رؤيا بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ~~ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام وقد ثبت هذا ~~التقسيم في الصحيح عن النبى PageV12P278 ولكن الرؤيا يظهر لكل أحد من الفرق ~~بينها وبين اليقظة مالا يظهر في غيرها فكما أن الرؤية تكون مطلقة وتكون ~~مقيدة بواسطة المرآة والماء أو غير ذلك حتى ان المرئي يختلف باختلاف المرآة ~~فإذا كانت كبيرة مستديرة رأى كذلك وان كانت صغيرة أو مستطيلة رأى كذلك ~~فكذلك في ( السماع ) يفرق بين من سمع كلام غيره منه ومن سمعه بواسطة المبلغ ~~ففي الموضعين المقصود سماع كلامه كما أن هناك في الموضعين يقصد رؤية نفس ~~النبى لكن إذا كان بواسطة اختلف باختلاف الواسطة فيختلف باختلاف أصوات ~~المبلغين كما يختلف المرئى باختلاف المرايا قال تعالى ( وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ) # فجعل ( التكليم ثلاثة أنواع ( الوحي المجرد والتكليم من وراء حجاب كما ~~كلم موسى عليه السلام والتكليم بواسطة ارسال الرسول كما كلم الرسل بإرسال ~~الملائكة وكما نبأنا الله من أخبار المنافقين ms3879 بإرسال محمد والمسلمون متفقون ~~على أن الله أمرهم بما أمرهم به في القرآن ونهاهم عما نهاهم عنه في القرآن ~~وأخبرهم بما أخبرهم به في القرآن فامره ونهيه واخباره بواسطة الرسول فهذا ~~تكليم مقيد بالارسال وسماعنا لكلامه سماع مقيد بسماعه من المبلغ لا منه ~~وهذا القرآن كلام الله مبلغا عنه مؤدا عنه وموسى سمع كلامه مسموعا منه لا ~~مبلغا PageV12P279 عنه ولا مؤدا عنه وإذا عرف هذا المعنى زاحت الشبهة # والنبى يروى عن ربه ويخبر عن ربه ويحكى عن ربه فهذا يذكر ما يذكره عن ربه ~~من كلامه الذى قاله راويا حاكيا عنه فلو قال من قال إن القرآن ( حكاية ( أن ~~محمدا حكاه عن الله كما يقال بلغه عن الله واداه عن الله لكان قد قصد معنى ~~صحيحا لكن يقصدون ما يقصده القائل بقوله فلانا يحكى فلانا أي يفعل مثل فعله ~~وهو أنه يتكلم بمثل كلام الله فهذا باطل قال الله تعالى ( قل لئن اجتمعت ~~الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا ) # ونكتة الامر ان العبرة بالحقيقة المقصودة لا بالوسائل المطلوبة لغيرها ~~فلما كان مقصود الرائى ان يرى الوجه مثلا فرآه في المرآة حصل مقصوده وقال ~~رأيت الوجه وان كان ذلك بواسطة انعكاس الشعاع في المرآة وكذلك من كان ~~مقصوده ان يسمع القول الذى قاله غيره الذى ألف الفاظه وقصد معانيه فاذا ~~سمعه منه أو من غيره حصل هذا المقصود وان كان سماعه من غيره هو بواسطة صوت ~~ذلك الغير الذى يختلف باختلاف الصائتين والقلوب انما تشير إلى المقصود لا ~~إلى ما ظهر به المقصود # كما في ( الاسم والمسمى ) فان القائل اذا قال جاء زيد وذهب عمرو لم يكن ~~مقصوده الا الاخبار بالمجيء عن ( المسمى PageV12P280 ولكن بذكر الاسم أظهر ~~ذلك # فمن ظن أن الموصوف بالمجيء والاتيان هو لفظ زيد أو لفظ عمرو كان مبطلا ~~فكذلك إذا قال القائل هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فالمقصود هنا ~~الكلام نفسه من حيث هو هو ms3880 وإن كان إنما ظهر وسمع بواسطة حركة التالى وصوته ~~فمن ظن أن المشار إليه هو صوت القارىء وحركته كان مبطلا # ولهذا لما قرأ أبو طالب المكي على الامام أحمد رضى الله عنه ( قل هو الله ~~أحد ) وسأله هل هذا كلام الله وهل هو مخلوق فأجابه بأنه كلام الله وأنه غير ~~مخلوق فنقل عنه أبو طالب خطأ منه أنه قال لفظى بالقرآن غير مخلوق فاستدعاه ~~وغضب عليه وقال أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق قال لا ولكن قرأت عليك ( ~~قل هو الله أحد ) وقلت لك هذا غير مخلوق فقلت نعم قال فلم تحك عنى مالم أقل ~~لا تقل هذا فإن هذا لم يقله عالم وقصته مشهورة حكاها عبد الله وصالح وحنبل ~~والمروذى وفوران وبسطها الخلال في ( كتاب السنة ( وصنف المروذى في ( مسألة ~~اللفظ ( مصنفا ذكر فيه أقوال الأئمة # وهذا الذى ذكره أحمد من أحسن الكلام وأدقه فان الاشارة إذا أطلقت انصرفت ~~إلى المقصود وهو كلام الله الذى تكلم به لا إلى PageV12P281 ما وصل به ~~إلينا من أفعال العباد وأصواتهم فإذا قيل لفظى جعل نفس الوسائط غير مخلوقة ~~وهذا باطل كما أن من رأى وجها في مرآة فقال أكرم الله هذا الوجه وحياه أو ~~قبحه كان دعاؤه على الوجه الموجود في الحقيقة الذى رأى بواسطة المرآة لا ~~على الشعاع المنعكس فيها وكذلك إذا رأى القمر في الماء فقال قد أبدر أو لم ~~يبدر فإنما مقصوده القمر الذى في السماء لا خياله وكذلك من سمعه يذكر رجلا ~~فقال هذا رجل صالح أو رجل فاسق علم أن المشار إليه هو الشخص المسمى بالاسم ~~لا نفس الصوت المسموع من الناطق فلو قال هذا الصوت أو صوتى بفلان صالح أو ~~فاسق فسد المعنى وكان بعضهم يقول لفظى بالقرآن مخلوق فرأى في منامه وضارب ~~يضربه وعليه فروة فأوجعه بالضرب فقال له لاتضربنى فقال أنا ماأضربك وانما ~~اضرب الفروة فقال إنما يقع الضرب على فقال هكذا إذا قلت لفظى بالقرآن مخلوق ~~فالخلق إنما يقع على القرآن يقول ms3881 كما أن المقصود بالضرب بدنك واللباس واسطة ~~فهكذا المقصود بالتلاوة كلام الله وصوتك واسطة فإذا قلت مخلوق وقع ذلك على ~~المقصود كما إذا سمعت قائلا يذكر رجلا فقلت أنا أحب هذا وأنا أبغض هذا ~~انصرف الكلام إلى المسمى المقصود بالاسم لا إلى صوت الذاكر ولهذا قال ~~الأئمة القرآن كلام الله غير مخلوق كيفما PageV12P282 تصرف بخلاف افعال ~~العباد وأصواتهم فإنه من نفى عنها الخلق كان مبتدعا ضالا ### ||| فصل # وأما قول القائل تقولون أن القرآن صفة الله وان صفات الله غير مخلوقة فان ~~قلتم أن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون الحلولية ~~والاتحادية وان قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا # فمن تبين له ما نبهنا عليه سهل عليه الجواب عن هذا وأمثاله فإن منشأ ~~الشبهة أن قول القائل هذا كلام الله يجعل أحكامه واحدة سواء كان كلامه ~~مسموعا منه أو كلامه مبلغا عنه # ومن هنا تختلف طوائف من الناس # ( طائفة ( قالت هذا كلام الله وهذا حروف واصوات مخلوقة فكلام الله مخلوق # و ( طائفة ( قالت هذا مخلوق وكلام الله ليس بمخلوق فهذا ليس كلام الله # و ( طائفة ( قالت هذا كلام الله وكلام الله ليس بمخلوق وهذا الفاظنا ~~وتلاوتنا فألفاظنا وتلاوتنا غير مخلوقة PageV12P283 # ومنشأ ضلال الجميع من عدم الفرق في المشار إليه في هذا فأنت تقول هذا ~~الكلام الذى تسمعه من قائله صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم وكذلك إذا سمعته ~~من ناقله تقول هذا الكلام صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم فالمشار إليه في ~~الموضعين واحد وتقول أيضا أن هذا صوت حسن وهذا كلام من وسط القلب ثم إذا ~~سمعته من الناقل تقول هذا صوت حسن أو كلام من وسط القلب فالمشار إليه هنا ~~ليس هو المشار إليه هناك بل اشار إلى ما يختص به هذا من صوته وقلبه وإلى ما ~~يختص به هذا من صوته وقلبه وإذا كتب الكلام في صفحتين كالمصحفين تقول في كل ~~منهما هذا قرآن كريم وهذا كتاب مجيد وهذا كلام الله فالمشار إليه واحد ثم ~~تقول ms3882 هذا خط حسن وهذا قلم النسخ أو الثلث وهذا الخط أحمر أو أصفر والمشار ~~إليه هنا ما يختص به كل من المصحفين عن الآخر # فإذا ميز الانسان في المشار إليه بهذا وهذا تبين المتفق والمفترق وعلم أن ~~من قال هذا القرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق أن المشار إليه الكلام ~~من حيث هو مع قطع النظر عما به وصل الينا من حركات العباد وأصواتهم ومن قال ~~هذا مخلوق واشار به إلى مجرد صوت العبد وحركته لم يكن له في هذا حجة على أن ~~القرآن نفسه حروفه ومعانيه الذى تعلم هذا القارىء من غيره وبلغه بحركته ~~وصوته مخلوق من اعتقد ذلك فقد اخطأ وضل PageV12P284 # ويقال لهذا هذا الكلام الذى اشرت إليه كان موجودا قبل ان يخلق هذا ~~القارىء فهب أن القارىء لم تخلق نفسه ولا وجدت لا أفعاله ولا أصواته فمن ~~أين يلزم أن يكون الكلام نفسه الذى كان موجودا قبله يعدم بعدمه ويحدث ~~بحدوثه فاشارته بالخلق أن كانت إلى ما يختص به هذا القارىء من أفعاله ~~وأصواته فالقرآن غنى عن هذا القارىء وموجود قبله فلا يلزم من عدم هذا عدمه ~~وان كانت إلى الكلام الذى يتعلمه الناس بعضهم من بعض فهذا هو الكلام المنزل ~~من الله الذى جاء به جبريل إلى محمد وبلغه محمد لأمته وهو كلام الله الذى ~~تكلم به فذاك يمتنع أن يكون مخلوقا فانه لو كان مخلوقا لكان كلاما لمحله ~~الذى خلق فيه ولم يكن كلاما لله ولأنه لو كان سبحانه إذا خلق كلاما كان ~~كلامه كان ما أنطق به كل ناطق كلامه مثل تسبيح الجبال والحصى وشهادة الجلود ~~بل كل كلام في الوجود وهذا قول الحلولية الذين يقولون # وكل كلام في الوجود كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # ومن قال القرآن مخلوق فهو بين أمرين أما أن يجعل كل كلام في الوجود كلامه ~~وبين أن يجعله غير متكلم بشيء أصلا فيجعل العباد المتكلمين أكمل منه وشبهه ~~بالأصنام والجمادات والموات كالعجل الذى لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ms3883 فيكون ~~قد فرعن اثبات PageV12P285 صفات الكمال له حذرا في زعمه من التشبيه فوصفه ~~بالنقص وشبهه بالجامد والموات # وكذلك قول القائل هذا نفس كلام الله وعين كلام الله وهذا الذى في المصحف ~~هو عين كلام الله ونفس كلام الله وأمثال هذه العبارات هذه مفهومها عند ~~الاطلاق في فطر المسلمين أنه كلامه لا كلام غيره وأنه لا زيادة فيه ولا ~~نقصان فإن من ينقل كلام غيره ويكتبه في كتاب قد يزيد فيه وينقص كما جرت ~~عادة الناس في كثير من مكاتبات الملوك وغيرها فإذا جاء كتاب السلطان فقيل ~~هذا الذى فيه كلام السلطان بعينه بلا زيادة ولا نقص يعنى لم يزد فيه الكاتب ~~ولا نقص وكذلك من نقل كلام بعض الأئمة في مسألة من تصنيفه قيل هذا الكلام ~~كلام فلان بعينه يعنى لم يزد فيه ولم ينقص كما قال النبى ( نضر الله امرأ ~~سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه ) # فقوله فبلغه كما سمعه لم يرد به أنه يبلغه بحركاته وأصواته التى سمعه بها ~~ولكن أراد أنه يأتى بالحديث على وجهه لا يزيد فيه ولا ينقص فيكون قد بلغه ~~كما سمعه فالمستمع له من المبلغ يسمعه كما قاله ويكون قد سمع كلام رسول ~~الله كما قاله وذلك معنى قولهم هذا كلامه بعينه وهذا نفس كلامه PageV12P286 ~~لا يريدون أن هذا هو صوته وحركاته وهذا لا يقوله عاقل ولا يخطر ببال عاقل ~~ابتداء ولكن اتباع الظن وما تهوى الأنفس يلجىء أصحابه إلى ( القرمطة ( في ~~السمعيات و ( السفسطة ( في العقليات # ولو ترك الناس على فطرتهم لكانت صحيحة سليمة فإذا رأى الناس كلاما صحيحا ~~فان من تكلم بكلام وسمع منه ونقل عنه أو كتبه في كتاب لا يقول عاقل ان نفس ~~ما قام بالمتكلم من المعانى التى في قلبه والألفاظ القائمة بلسانه فارقته ~~وانتقلت عنه إلى المستمع والمبلغ عنه ولا فارقته وحلت في الورق بل ولا يقول ~~ان نفس ما قام به من المعانى والألفاظ هو نفس المداد الذى في الورق بل ولا ~~يقول ان نفس ألفاظه ms3884 التى هي أصواته هي أصوات المبلغ عنه فهذه الأمور كلها ~~ظاهرة لا يقولها عاقل في كلام المخلوق إذا سمع وبلغ أو كتب في كتاب فكيف ~~يقال ذلك في كلام الله الذى سمع منه وبلغ عنه أو كتبه سبحانه كما كتب ~~التوراة لموسى وكما كتب القرآن في اللوح المحفوظ وكما كتبه المسلمون في ~~مصاحفهم # وإذا كان من سمع كلام مخلوق فبلغه عنه بلفظه ومعناه بل شعر مخلوق كما ~~يبلغ شعر حسان وبن رواحة ولبيد وأمثالهم من الشعراء ويقول الناس هذا شعر ~~حسان بعينه وهذا هو نفس شعر حسان وهذا شعر لبيد بعينه كقوله PageV12P287 # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # ومع هذا فيعلم كل عاقل ان رواة الشعر ومنشديه لم يسلبوا الشعراء نفس ~~صفاتهم حتى حلت بهم بل ولا نفس ما قام بأولئك من صفاتهم وأفعالهم كأصواتهم ~~وحركاتهم حلت بالرواة والمنشدين فكيف يتوهم متوهم أن صفات البارى كلامه أو ~~غير كلامه فارق ذاته وحل في مخلوقاته وان ما قام بالمخلوق من صفاته وأفعاله ~~كحركاته وأصواته هي صفات البارى حلت فيه وهم لا يقولون مثل ذلك في المخلوق ~~بل يمثلون العلم بنور السراج يقتبس منه المتعلم ولا ينقص ما عند العالم كما ~~يقتبس المقتبس ضوء السراج فيحدث الله له ضوأ كما يقال أن الهوى ينقلب نارا ~~بمجاورة الفتيلة للمصباح من غير أن تتغير تلك النار التى في المصباح ~~والمقرىء والمعلم يقرىء القرآن ويعلم العلم ولم ينقص مما عنده شيء بل يصير ~~عند المتعلم مثل ما عنده # ولهذا يقال فلان ينقل علم فلان وينقل كلامه ويقال العلم الذى كان عند ~~فلان صار إلى فلان وأمثال ذلك كما يقال نقلت ما في الكتاب ونسخت ما في ~~الكتاب أو نقلت الكتاب أو نسخته وهم لا يريدون أن نفس الحروف التى في ~~الكتاب الاول عدمت منه وحلت في الثانى بل لما كان المقصود من نسخ الكتاب من ~~الكتب ونقلها من جنس نقل العلم والكلام وذلك يحصل بان يجعل في الثانى ~~PageV12P288 مثل ما في الأول فيبقى المقصود ms3885 بالأول منقولا منسوخا وأن كان ~~لم يتغير الأول بخلاف نقل الأجسام وتوابعها فان ذلك اذا نقل من موضع إلى ~~موضع زال عن الأول # وذلك لأن الأشياء لها وجود في أنفسها وهو وجودها العينى ولها ثبوتها في ~~العلم ثم في اللفظ المطابق للعلم ثم في الخط وهذا الذى يقال وجود في ~~الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عيني ووجود ~~علمى ولفظى ورسمى ولهذا افتتح الله كتابه بقوله تعالى ( إقرأ بسم ربك الذى ~~خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما ~~لم يعلم ) فذكر الخلق عموما وخصوصا ثم ذكر التعليم عموما وخصوصا فالخط ~~يطابق اللفظ واللفظ يطابق العلم والعلم هو المطابق للمعلوم # ومن هنا غلط من غلط فظن أن القرآن في المصحف كالاعيان في الورق فظن أن ~~قوله ( أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ) كقوله ( الذى يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل ) فجعل اثبات القرآن الذى هو كلام الله في المصاحف ~~كاثبات الرسول في المصاحف وهذا غلط إثبات القرآن كاثبات إسم الرسول هذا ~~كلام وهذا كلام وأما إثبات إسم الرسول فهذا كاثبات الأعمال أو كإثبات ~~القرآن في PageV12P289 زبر الأولين قال تعالى ( وكل شيء فعلوه في الزبر ) ~~وقال تعالى ( وأنه لفى زبر الأولين ) فثبوت الأعمال في الزبر وثبوت القرآن ~~في زبر الأولين هو مثل كون الرسول مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ولهذا ~~قيد سبحانه هذا بلفظ ( الزبر ( و ( الكتب ( زبر يقال زبرت الكتاب إذا كتبته ~~والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب فالقرآن نفسه ليس عند بنى إسرائيل ولكن ~~ذكره كما أن محمدا نفسه ليس عندهم ولكن ذكره فثبوت الرسول في كتبهم كثبوت ~~القرآن في كتبهم بخلاف ثبوت القرآن في اللوح المحفوظ وفي المصاحف فان نفس ~~القرآن اثبت فيها فمن جعل هذا مثل هذا كان ضلاله بينا وهذا مبسوط في موضعه # و ( المقصود هنا ( أن نفس الموجودات وصفاتها إذا انتقلت من محل إلى محل ~~حلت في ذلك المحل الثانى واما العلم بها والخبر عنها ms3886 فيأخذه الثانى عن ~~الأول مع بقائه في الأول وان كان الذى عند الثانى هو نظير ذلك ومثله لكن ~~لما كان المقصود بالعلمين واحدا في نفسه صارت وحدة المقصود توجب وحدة ~~التابع له والدليل عليه ولم يكن للناس غرض في تعدد التابع كما في الإسم مع ~~المسمى فان اسم الشخص وان ذكره اناس متعددون ودعا به اناس متعددون فالناس ~~يقولون انه إسم واحد لمسمى واحد فإذا قال المؤذن اشهد أن لا إله إلا الله ~~PageV12P290 أشهد أن محمدا رسول الله وقال ذلك هذا المؤذن وهذا المؤذن ~~وقاله غير المؤذن فالناس يقولون أن هذا المكتوب هو اسم الله واسم رسوله كما ~~أن المسمى هو الله ورسوله # وإذا قال ( اقرأ بإسم ربك ) وقال ( اركبوا فيها بسم الله ) وقال ( سبح ~~إسم ربك الأعلى ) وقال ( بسم الله ) ففي الجميع المذكور هو اسم الله وان ~~تعدد الذكر والذاكر فالخبر الواحد من المخبر الواحد من مخبره والأمر الواحد ~~بالمأمور به من الآمر الواحد بمنزلة الإسم الواحد لمسماه هذا في المركب ~~نظير هذا في المفرد وهذا هو واحد باعتبار الحقيقة وبإعتبار اتحاد المقصود ~~وان تعدد من يذكر ذلك الاسم والخبر وتعددت حركاتهم وأصواتهم وسائر صفاتهم # وأما قول القائل إن قلتم أن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم ~~تكفرون الحلولية والاتحادية فهذا قياس فاسد مثاله مثال رجل أدعى أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم يحل بذاته في بدن الذى يقرأ حديثه فانكر الناس ذلك عليه ~~وقالوا أن النبى لا يحل في بدن غيره فقال أنتم تقولون أن المحدث يقرأ كلامه ~~وأن ما يقروه هو كلام النبى صلى الله عليه وسلم فإذا قلتم ذلك فقد قلتم ~~بالحلول ومعلوم أن هذا في غاية الفساد PageV12P291 # والناس متفقون على اطلاق القول بإن كلام زيد في هذا الكتاب وهذا الذى ~~سمعناه كلام زيد ولا يستجيز العاقل اطلاق القول بانه هو نفسه في هذا ~~المتكلم أو في هذا الورق # وقد نطقت النصوص بإن القرآن في الصدور كقول النبى ( استذكروا القرآن فلهو ~~اشد تفلتا من ms3887 صدور الرجال من النعم في عقلها ( وقوله ( الجوف الذى ليس فيه ~~شيء من القرآن كالبيت الخرب ( وأمثال ذلك وليس هذا عند عاقل مثل ان يقال ~~الله في صدورنا وأجوافنا ولهذا لما ابتدع شخص يقال له الصورى بان من قال ~~القرآن في صدورنا فقد قال بقول النصارى فقيل لأحمد قد جاءت جهمية رابعة أى ~~جهمية الخلقية واللفظية والواقفية وهذه الرابعة اشتد نكيره لذلك وقال هذا ~~أعظم من الجهمية وهو كما قال # فإن ( الجهمية ( ليس فيهم من ينكر أن يقال القرآن في الصدور ولا يشبه هذا ~~بقول النصارى بالحلول الا من هو في غاية الضلالة والجهالة # فان النصارى يقولون الأب والإبن وروح القدس اله واحد وان الكلمة التى هي ~~اللاهوت تدرعت الناسوت وهو عندهم إله يخلق ويرزق ولهذا كانوا يقولون أن ~~الله هو المسيح بن مريم ويقولون المسيح بن الله ولهذا كانوا متناقضين فإن ~~الذى تدرع المسيح إن كان هو الاله الجامع للأقانيم فهو الأب نفسه وأن كان ~~هو صفة من PageV12P292 صفاته فالصفة لا تخلق ولا ترزق وليست إلها والمسيح ~~عندهم إله ولو قال النصارى أن كلام الله في صدر المسيح كما هو في صدور سائر ~~الأنبياء والمؤمنين لم يكن في قولهم ما ينكر # فالحلولية المشهورون بهذا الإسم من يقول بحلول الله في البشر كما قالت ~~النصارى والغالية من الرافضة وغلاة اتباع المشايخ أو يقولون بحلوله في كل ~~شيء كما قالت الجهمية أنه بذاته في كل مكان وهو سبحانه ليس في مخلوقاته شيء ~~من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وكذلك من قال باتحاده بالمسيح أو غيره ~~أو قال باتحاده بالمخلوقات كلها أو قال وجوده وجود المخلوقات أو نحو ذلك # فأما قول القائل أن كلام الله في قلوب أنبيائه وعباده المؤمنين وأن الرسل ~~بلغت كلام الله والذى بلغته هو كلام الله وأن الكلام في الصحيفة ونحو ذلك ~~فهذا لا يسمى حلولا ومن سماه حلولا لم يكن بتسميته لذلك مبطلا للحقائق وقد ~~تقدم أن ذلك لا يقتضى مفارقة صفة المخلوق له وانتقالها ms3888 إلى غيره فكيف صفة ~~الخالق تبارك وتعالى ولكن لما كان فيه شبهة الحلول تنازع الناس في اثبات ~~لفظ الحلول ونفيه عنه هل يقال إن كلام الله حال في المصحف أو حال في الصدور ~~وهل يقال كلام الناس المكتوب حال في المصحف أو حال في قلوب حافظيه ونحو ذلك ~~فمنهم طائفة نفت الحلول كالقاضي PageV12P293 أبي يعلى وأمثاله وقالوا ظهر ~~كلام الله في ذلك ولا نقول حل لأن حلول صفة الخالق في المخلوق أو حلول ~~القديم في المحدث ممتنع وطائفة أطلقت القول بأن كلام الله حال في المصحف ~~كأبى إسماعيل الأنصارى الهروى الملقب بشيخ الاسلام وغيره وقالوا ليس هذا هو ~~الحلول المحذور الذى نفيناه بل نطلق القول بأن الكلام في الصحيفة ولا يقال ~~بأن الله في الصحيفة أو في صدر الإنسان كذلك نطلق القول بأن كلامه حال في ~~ذلك دون حلول ذاته وطائفة ثالثة كأبى على بن أبى موسى وغيره قالوا لا نطلق ~~الحلول نفيا ولا اثباتا لأن اثبات ذلك يوهم انتقال صفة الرب إلى المخلوقات ~~ونفي ذلك يوهم نفي نزول القرآن إلى الخلق فنطلق ما أطلقته النصوص ونمسك عما ~~في اطلاقه محذور لما في ذلك من الاجمال # وأما قول القائل أن قلتم ( ان هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأن ~~قلتم غير ذلك ) قلتم بمقالتنا فجواب ذلك ان المقالة المنكرة هنا تتضمن ~~ثلاثة أمور فإذا زالت لم يبق منكرا ( أحدها ( من يقول أن القرآن العربى لم ~~يتكلم الله به وإنما أحدثه غير الله كجبريل ومحمد والله خلقه في غيره # ( الثانى ) قول من يقول أن كلام الله ليس الا معنى واحدا هو PageV12P294 ~~الأمر والنهى والخبر وان الكتب الالهية تختلف بإختلاف العبارات لا بإختلاف ~~المعانى فيجعل معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحدا وكذلك معنى آية الدين ~~وآية الكرسى كمن يقول أن معانى أسماء الله الحسنى بمعنى واحد فمعنى العليم ~~والقدير والرحيم والحكيم معنى واحد فهذا إلحاد في أسمائه وصفاته وآياته # ( الثالث ) قول من يقول أن ما بلغته الرسل عن الله من المعنى والألفاظ ms3889 ~~ليس هو كلام الله وأن القرآن كلام التالين لا كلام رب العالمين فهذه ~~الأقوال الثلاثة باطلة بأى عبارة عبر عنها # وأما قول من قال أن القرآن العربى كلام الله بلغه عنه رسول الله وأنه ~~تارة يسمع من الله وتارة من رسله مبلغين عنه وهو كلام الله حيث تصرف وكلام ~~الله تكلم به لم يخلقه في غيره ولا يكون كلام الله مخلوقا ولو قرأه الناس ~~وكتبوه وسمعوه وقال مع ذلك أن أفعال العباد وأصواتهم وسائر صفاتهم مخلوقة ~~فهذا لا ينكر عليه وإذا نفي الحلول وأراد به أن صفة الموصوف لا تفارقه ~~وتنتقل إلى غيره فقد أصاب في هذا المعنى لكن عليه مع ذلك أن يؤمن أن القرآن ~~العربى كلام الله تعالى وليس هو ولا شيء منه كلاما لغيره ولكن بلغته عنه ~~رسله وإذا كان كلام المخلوق يبلغ عنه مع العلم بأنه كلامه حروفه ومعانيه ~~ومع العلم بأن شيئا من صفاته لم تفارق ذاته فالعلم بمثل هذا في كلام الخالق ~~أولى واظهر والله أعلم PageV12P295 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك ) 1 # ( وقال أيضا شيخ الإسلام قدس الله روحه ( فصل ( # قال تعالى ( وأن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) وهو ~~منزل من الله كما قال تعالى ( أفغير الله أبتغي حكما وهو الذى أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) فأخبر ~~سبحانه أنهم يعلمون ذلك والعلم لا يكون إلا حقا # وقال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) ( حم تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم ) ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) وقال تعالى ( ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) وقال تعالى ( ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ) ونحو ذلك وقال تعالى ( قل نزله روح ~~القدس PageV12P296 من ربك بالحق ) فأخبر سبحانه أنه منزل من الله ولم يخبر ~~عن شيء أنه منزل من الله إلا كلامه بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد ~~وغير ذلك # ولهذا كان القول المشهور عن ms3890 السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ ~~وإليه يعود فإن من قال أنه مخلوق يقول أنه خلق في بعض المخلوقات القائمة ~~بنفسها فمن ذلك المخلوق نزل وبدأ لم ينزل من الله فاخبار الله تعالى أنه ~~منزل من الله يناقض أن يكون قد نزل من غير الله ولهذا فسر الامام أحمد قوله ~~( منه بدأ ( أي هو المتكلم به وقال أحمد كلام الله من الله ليس ببائن عنه و ~~( أيضا ( فلو كان مخلوقا في غيره لم يكن كلامه بل كان يكون كلاما لذلك ~~المخلوق فيه وكذلك سائر ما وصف به نفسه من الارادة والمحبة والمشيئة والرضى ~~والغضب والمقت وغير ذلك من الأمور لو كان مخلوقا في غيره لم يكن الرب تعالى ~~متصفا به بل كان يكون صفة لذلك المحل فان المعنى إذا قام بمحل كان صفة لذلك ~~المحل ولم يكن صفة لغيره فيمتنع أن يكون المخلوق أو الخالق موصوفا بصفة ~~موجوة قائمة بغيره لأن ذلك فطرى فما وصف به نفسه من الأفعال اللازمة يمتنع ~~أن يوصف الموصوف بأمر لم يقم به وهذا مبسوط في مواضع أخر PageV12P297 # ولم يقل السلف أن النبى سمعه من الله تعالى كما يقول ذلك بعض المتأخرين ~~قال الله تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ) وفى الصحيحين عن إبن مسعود قال قال لي النبى ( اقرأ على ~~القرآن ( قلت أقرأ عليك وعليك أنزل قال ( انى أحب أن أسمعه من غيرى ( فقرأت ~~عليه سورة النساء حتى بلغت إلى هذه الآية ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال ( حسبك ( فنظرت فإذا عيناه تذرفان من ~~البكاء # والنبى سمعه من جبريل وهو الذى نزل عليه به وجبريل سمعه من الله تعالى ~~كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة قال تعالى ( قل من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) وقال تعالى ( نزل به الروح الأمين على قلبك ~~لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ) وقال ms3891 تعالى ( وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق ) فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس وهو الروح الأمين ~~وهو جبريل من الله بالحق ولم يقل أحد من السلف أن النبى سمعه من الله وإنما ~~قال ذلك بعض المتأخرين # PageV12P298 # وقوله تعالى ( أن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم أن علينا ~~بيانه ) هو كقوله تعالى ( نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ) وقوله ( ~~نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) ونحو ذلك مما يكون ~~الرب فعله بملائكته فان لفظ ( نحن ) هو للواحد المطاع الذى له أعوان ~~يطيعونه فالرب تعالى خلق الملائكة وغيرها تطيعه الملائكة أعظم مما يطيع ~~المخلوق أعوانه فهو سبحانه أحق باسم ( نحن ( و ( فعلنا ( ونحو ذلك من كل ما ~~يستعمل # وفي الصحيحين عن إبن عباس قال ( كان النبى صلى الله عليه وسلم يعالج من ~~التنزيل شدة وكان يحرك شفتيه فقال بن عباس أنا أحركهما لك كما كان رسول ~~الله يحركهما وقال سعيد بن جبير أنا أحركهما كما رأيت بن عباس يحركهما فحرك ~~شفتيه فانزل الله ( لا تحرك به لسانك لتعجل به أن علينا جمعه وقرآنه ) قال ~~جمعه لك في صدرك وتقرأه ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) فإذا قرأه رسولنا وفى ~~لفظ فإذا قرأه جبريل فاستمع له وأنصت ( ثم أن علينا بيانه ) أي نقرؤه فكان ~~رسول الله بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبى كما ~~قرأه # PageV12P299 # وقد بين الله تعالى أنواع تكليمه لعباده في قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) فبين ~~سبحانه أن التكليم تارة يكون وحيا وتارة من وراء حجاب كما كلم موسى وتارة ~~يرسل رسولا فيوحى الرسول بإذن الله ما يشاء وقال تعالى ( الله يصطفى من ~~الملائكة رسلا ومن الناس ) فإذا أرسل الله تعالى رسولا كان ذلك مما يكلم به ~~عباده ms3892 فيتلوه عليهم وينبئهم به كما قال تعالى ( قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ~~قد نبأنا الله من أخباركم ) وإنما نبأهم بواسطة الرسول والرسول مبلغ به كما ~~قال تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) وقال تعالى ( ليعلم ~~أن قد أبغوا رسالات ربهم ) وقال تعالى ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ~~) # والرسول أمر أمته بالتبليغ عنه ففى صحيح البخارى عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى ~~إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي معتمدا فليتبوأ مقعده من النار ( وقال صلى ~~الله عليه وسلم لما خطب المسلمين ( ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من ~~سامع ( وقال ( نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل ~~غيره فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ( PageV12P300 وفى السنن عن ~~جابر قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول ~~( ألا رجل يحملنى إلى قومه لابلغ كلام ربى فان قريشا منعونى أن أبلغ كلام ~~ربى ( # وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد منهم إنه قديم لم يقل ~~واحدا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم باحسان ولا من بعدهم من ~~( الأئمة الأربعة ( ولا غيرهم بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون ~~القرآن كلام الله ولما ظهر من قال أنه مخلوق قالوا ردا لكلامه أنه غير ~~مخلوق ولم يريدو بذلك أنه مفترى كما ظنه بعض الناس فإن أحدا من المسلمين لم ~~يقل أنه مفترى بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم وإنما قالوا أنه مخلوق خلقه ~~الله في غيره فرد السلف هذا القول كما تواترت الآثار عنهم بذلك وصنف في ذلك ~~مصنفات متعددة وقالوا منه بدا وإليه يعود # وأول من عرف أنه قال مخلوق الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان وأول من ~~عرف أنه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب # ثم افترق الذين ms3893 شاركوه في هذا القول # فمنهم من قال الكلام معنى واحد قائم بذات الرب ومعنى القرآن كله والتوراة ~~والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذى لا يتعدد ولا ~~يتبعض والقرآن العربي لم يتكلم الله به PageV12P301 بل هو مخلوق خلقه في ~~غيره وقال جمهور العقلاء هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار فإنه من المعلوم ~~بصريح العقل أن معنى ( آية الكرسي ( ليس معنى ( آية الدين ( ولا معنى ( قل ~~هو الله أحد ( معنى ( تبت يد أبي لهب ) فكيف بمعانى كلام الله كله في الكتب ~~المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه # ومنهم من قال هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يزل ولا ~~يزال موصوفا بها # وكلا الحزبين يقول أن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأنه لم يزل ~~ولا يزال يقول يانوح ياإبراهيم يا أيها المزمل يا أيها المدثر كما قد بسطت ~~أقوالهم في غير هذا الموضع ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين ولم يقل ~~أحد من السلف أن هذا القرآن عبارة عن كلام الله ولا حكاية له ولا قال أحد ~~منهم إن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق فضلا عن أن يقول إن صوتى به قديم ~~أو غير مخلوق بل كانوا يقولون بما دل عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن ~~كلام الله والناس يقرءونه بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم ومابين اللوحين كلام ~~الله وكلام الله غير مخلوق وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( لا تسافروا PageV12P302 بالقرآن إلى أرض العدو ( وقال تعالى ( بل هو ~~قرآن مجيد في لوح محفوظ ( والمداد الذى يكتب به القرآن مخلوق والصوت الذى ~~يقرأ به هو صوت العبد والعبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوقة فالقرآن ~~الذى يقرؤه المسلمون كلام البارى والصوت الذى يقرأ به العبد صوت القارىء ~~كما قال تعالى ( وان أحد من المشركين استأجرك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه ) وقال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ( فبين أن الاصوات التى ~~يقرأ بها القرآن ms3894 أصواتنا والقرآن كلام الله ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره ~~من أئمة السنة يحسنه الانسان بصوته كما قال أبو موسى الأشعرى للنبى ( لو ~~علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ( # فكان ما قاله أحمد وغيره من أئمة السنة من أن الصوت صوت العبد موافقا ~~للكتاب والسنة وقد قال تعالى ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ) وقال تعالى ( ~~يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ) وقال تعالى ( أن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) ~~وقال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا ) ففرق سبحانه بين المداد الذى تكتب به ~~كلماته وبين كلماته فالبحر وغيره من المداد الذى يكتب به الكلمات ~~PageV12P303 مخلوق وكلمات الله غير مخلوقة وقال تعالى ( ولو أن ما في الأرض ~~من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) فالابحر ~~إذا قدرت مدادا تنفد وكلمات الله لا تنفد ولهذا قال أئمة السنة لم يزل الله ~~متكلما كيف شاء وبما شاء كما ذكرت الآثار بهذه المعاني عن بن المبارك وأحمد ~~بن حنبل وغيرهما # هذا وقد أخبر سبحانه عن نفسه بالنداء في أكثر من عشرة مواضع فقال تعالى ( ~~فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وناداهما ربهما الم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما أن الشيطان لكما عدو ~~مبين ) وقال تعالى ( ويوم يناديهم أين شركائى الذين كنتم تزعمون ) ( ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا اجبتم المرسلين ) وذكر سبحانه نداءه لموسى عليه السلام ~~في سورة ( طه ( و ( مريم ( و ( الطس الثلاث ( وفى سورة و ( النازعات ( ~~وأخبر أنه ناداه في وقت بعينه فقال تعالى ( فلما أتاها نودي من شاطىء ~~الوادى الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى أنى أنا الله رب ~~العالمين ) وقال تعالى ( هل أتاك حديث موسى اذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ~~) وقال تعالى ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) # واستفاضت الآثار عن ms3895 النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم من أئمة السنة أنه سبحانه ينادى بصوت نادى موسى PageV12P304 وينادى ~~عباده يوم القيامة بصوت ويتكلم بالوحى بصوت ولم ينقل عن أحد من السلف أنه ~~قال إن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو ~~بحرف كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذى سمعه موسى قديم ولا أن ذلك النداء ~~قديم ولا قال أحد منهم أن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذى ~~تكلم الله به بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذى يتكلم الله به ~~وبين أصوات العباد # وكان أئمة السنة يعدون من أنكر تكلمه بصوت من الجهمية كما قال الامام ~~أحمد لما سئل عمن قال أن الله لا يتكلم بصوت فقال هؤلاء جهمية إنما يدورون ~~على التعطيل وذكر بعض الآثار المروية في أنه سبحانه يتكلم بصوت وقد ذكر من ~~صنف في السنة من ذلك قطعة وعلى ذلك ترجم عليه البخارى في صحيحه بقوله تعالى ~~( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) وقد ذكر البخارى في ( كتاب خلق الأفعال ( مما ~~يبين به الفرق بين الصوتين آثارا متعددة وكانت محنة البخارى مع أصحابه محمد ~~بن يحيى الذهلي وغيره بعد موت أحمد بسنين ولم يتكلم أحمد في البخارى إلا ~~بالثناء عليه ومن نقل عن أحمد أنه تكلم في البخارى بسوء فقد افترى عليه # PageV12P305 # وقد ذكر الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخى في كتابه الذى سماه ( ~~الفصول في الأصوال ) قال سمعت الامام أبا منصور محمد بن أحمد يقول سمعت أبا ~~حامد الأسفرائينى يقول مذهبى ومذهب الشافعى وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله ~~والنبى صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الذى نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في ~~صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله ms3896 ~~غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والناس أجمعين # وقد كان طائفة من أهل الحديث والمنتسبين إلى السنة تنازعوا في اللفظ ~~بالقرآن هل يقال أنه مخلوق ولما حدث الكلام في ذلك أنكرت أئمة السنة كأحمد ~~بن حنبل وغيره أن يقال لفظى بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق وقالوا من قال أنه ~~مخلوق فهو جهمى ومن قال أنه غير مخلوق فهو مبتدع وأما صوت العبد فلم ~~يتنازعوا أنه مخلوق فان المبلغ لكلام غيره بلفظ صاحب الكلام إنما بلغ غيره ~~كما يقال روى الحديث بلفظه وإنما يبلغه بصوت نفسه لا بصوت صاحب الكلام # و ( اللفظ ) في الأصل مصدر لفظ يلفظ لفظا وكذلك ( التلاوة ( PageV12P306 ~~والقراءة ( مصدران لكن شاع استعمال ذلك في نفس الكلام الملفوظ المقروء ~~المتلو وهو المراد باللفظ في اطلاقهم فإذا قيل لفظى أو اللفظ بالقرآن مخلوق ~~أشعر أن هذا القرآن الذى يقرؤه ويلفظ به مخلوق واذا قيل لفظى غير مخلوق ~~أشعر أن شيئا مما يضاف إليه غير مخلوق وصوته وحركته مخلوقان لكن كلام الله ~~الذى يقرؤه غير مخلوق ( والتلاوة ( قد يراد بها نفس الكلام الذى يتلى وقد ~~يراد بها نفس حركة العبد وقد يراد بها مجموعهما فإذا أريد بها الكلام نفسه ~~الذى يتلى فالتلاوة هي المتلو وإذا أريد بها حركة العبد فالتلاوة ليست هي ~~المتلو وإذا أريد بها المجموع فهي متناولة للفعل والكلام فلا يطلق عليها ~~أنها المتلو ولا أنها غيره # ولم يكن أحد من السلف يريد بالتلاوة مجرد قراءة العباد وبالمتلو مجرد ~~معنى واحد يقوم بذات البارى تعالى بل الذى كانوا عليه أن القرآن كلام الله ~~تكلم الله به بحروفه ومعانيه وليس شيء منه كلاما لغيره لا لجبريل ولا لمحمد ~~ولا لغيرهما بل قد كفر الله من جعله قول البشر مع أنه سبحانه أضافه تارة ~~إلى رسول من البشر وتارة إلى رسول من الملائكة فقال تعالى ( أنه لقول رسول ~~كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ~~تنزيل من رب العالمين ) فالرسول ms3897 هنا محمد وقال تعالى PageV12P307 ( انه ~~لقول رسول كريم ذي قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ~~ولقد رآه بالافق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم ~~فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين ) فالرسول هنا جبريل # وأضافه سبحانه إلى كل منهما بإسم رسول لأن ذلك يدل على أنه مبلغ له عن ~~غيره وأنه رسول فيه لم يحدث هو شيئا منه إذ لو كان قد أحدث منه شيئا لم يكن ~~رسولا فيما أحدثه بل كان منشئا له من تلقاء نفسه وهو سبحانه يضيفه إلى رسول ~~من الملائكة تارة ومن البشر تارة فلو كانت الاضافة لكونه أنشأ حروفه لتناقض ~~الخبران فان انشاء أحدهما له يناقض انشاء الآخر له وقد كفر الله تعالى من ~~قال أنه قول البشر فمن قال أن القرآن أو شيئا منه قول بشر أو ملك فقد كذب ~~ومن قال أنه قول رسول من البشر ومن الملائكة بلغه عن مرسله ليس قولا انشأه ~~فقد صدق ولم يقل أحد من السلف أن جبريل أحدث الفاظه ولا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ولا أن الله تعالى خلقها في الهواء أو غيره من المخلوقات ولا أن ~~جبريل أخذها من اللوح المحفوظ بل هذه الاقوال هي من أقوال بعض المتأخرين # وقد بسط الكلام في غير هذا الموضع على تنازع المبتدعين الذين اختلفوا في ~~الكتاب وبين فساد أقوالهم وان القول السديد هو قول PageV12P308 السلف وهو ~~الذى يدل عليه النقل الصحيح والعقل الصريح وإن كان عامة هؤلاء المختلفين في ~~الكتاب لم يعرفوا القول السديد قو السلف بل ولا سمعوه ولا وجدوه في كتاب من ~~الكتب التى يتداولونها لأنهم لا يتداولون الآثار السلفية ولا معانى الكتاب ~~والسنة إلا بتحريف بعض المحرفين لها ولهذا إنما يذكر أحدهم أقوال مبتدعة ~~إما قولين وإما ثلاثة وإما أربعة وإما خمسة والقول الذى كان عليه السلف ودل ~~عليه الكتاب والسنة لا يذكره لانه لايعرفه ولهذا تجد الفاضل من هؤلاء حائرا ~~مقرى بالحيرة على نفسه ms3898 وعلى من سبقه من هؤلاء المختلفين لأنه لم يجد فيما ~~قالوه قولا صحيحا # وكان أول من ابتدع الاقوال ( الجهمية المحضة النفاة ( الذين لا يثبتون ~~الأسماء والصفات فكانوا يقولون أولا أن الله تعالى لا يتكلم بل خلق كلاما ~~في غيره وجعل غيره يعبر عنه وان قوله تعالى ( وإذ نادى ربك موسى ) وقول ~~النبى ( أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة إذا بقى ثلث الليل فيقول ~~من يدعونى فاستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له ( معناه أن ~~ملكا يقول ذلك عنه كما يقال نادى السلطان أى أمر مناديا ينادى عنه فإذا تلى ~~عليهم ما أخبر الله تعالى به عن نفسه من أنه يقول ويتكلم قالوا هذا مجاز ~~كقوله العربي PageV12P309 # امتلأ الحوض وقال قطنى وقالت اتساع بطنه ونحو ذلك # فلما عرف السلف حقيقته وأنه مضاه لقول المتفلسفة المعطلة الذين يقولون أن ~~الله تعالى لم يتكلم وإنما أضافت الرسل إليه الكلام بلسان الحال كفروهم ~~وبينوا ضلالهم ومما قالوا لهم أن المنادى عن غيره كمنادي السلطان يقول أمر ~~السلطان بكذا خرج مرسومه بكذا لا يقول أنى آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا والله ~~تعالى يقول في تكليمه لموسى ( اننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم ~~الصلاة لذكرى ) ويقول تعالى إذا نزل ثلث الليل الغابر ( من يدعونى فأستجيب ~~له من يسألنى فأعطيه من يستغفرني فاغفر له ) وإذا كان القائل ملكا قال كما ~~في الحديث الذى في الصحيحين ( إذا أحب الله العبد نادى في السماء يا جبريل ~~أنى أحب فلانا فاحبه فيحبه جبريل وينادى في السماء أن الله يحب فلانا ~~فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض ( فقال جبريل في ندائه ~~عن الله تعالى ( أن الله يحب فلانا فأحبوه ( وفي نداء الرب يقول ( من ~~يدعونى فأستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له ( PageV12P310 # فإن قيل فقد روى أنه يأمر مناديا فينادى قيل هذا ليس في الصحيح فان صح ~~أمكن الجمع بين الخبرين بان ينادى هو ويأمر مناديا ينادى أما أن ms3899 يعارض بهذا ~~النقل النقل الصحيح المستفيض الذى اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه ~~بالقبول مع أنه صريح في أن الله تعالى هو الذى يقول ( من يدعونى فأستجيب له ~~من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فاغفر له ( فلا يجوز # وكذلك جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئا ولا حيا ولا غير ذلك ~~إلا على سبيل المجاز قال لأنه إذا سمى بإسم تسمى به المخلوق كان تشبيها ~~وكان جهم ( مجبرا ( يقول أن العبد لا يفعل شيئا فلهذا نقل عنه أنه سمى الله ~~قادرا لأن العبد عنده ليس بقادر # ثم أن المعتزلة الذين اتبعوا عمرو بن عبيد على قوله في القدر والوعيد ~~دخلوا في مذهب جهم فأثبتوا أسماء الله تعالى ولم يثبتوا صفاته وقالوا نقول ~~أن الله متكلم حقيقة وقد يذكرون إجماع المسلمين على أن الله متكلم حقيقة ~~لئلا يضاف إليهم أنهم يقولون أنه غير متكلم لكن معنى كونه سبحانه متكلما ~~عندهم أنه خلق الكلام في غيره فمذهبهم ومذهب الجهمية في المعنى سواء ولكن ~~هؤلاء يقولون هو متكلم حقيقة وأولئك ينفون أن يكون متكلما حقيقة وحقيقة قول ~~الطائفتين أنه غير PageV12P311 متكلم فانه لا يعقل متكلم إلا من قام به ~~الكلام ولا مريد إلا من قامت به الارادة ولا محب ولا راض ولا مبغض ولا رحيم ~~إلا من قامت به الارادة والمحبة والرضى والبغض والرحمة وقد وافقهم على ذلك ~~كثير ممن انتسب في الفقه إلى أبى حنيفة من المعتزلة وغيرهم من أئمة ~~المسلمين ليس فيهم من يقول بقول المعتزلة لا في نفى الصفات ولا في القدر ~~ولا المنزلة بين المنزلتين ولا انفاذ الوعيد # ثم تنازع المعتزلة والكلابية في حقيقة ( المتكلم ( فقالت المعتزلة ~~المتكلم من فعل الكلام ولو أنه أحدثه في غيره ليقولوا أن الله يخلق الكلام ~~في غيره وهو متكلم به وقالت الكلابية المتكلم من قام به الكلام وان لم يكن ~~متكلما بمشيئته وقدرته ولا فعل فعلا أصلا بل جعلوا المتكلم بمنزلة الحى ~~الذى قامت به الحياة وان لم تكن حياته بمشيئته ms3900 ولا قدرته ولا حاصلة بفعل من ~~أفعاله # وأما السلف واتباعهم وجمهور العقلاء فالمتكلم المعروف عندهم من قام به ~~الكلام وتكلم بمشيئته وقدرته لا يعقل متكلم لم يقم به الكلام ولا يعقل ~~متكلم بغير مشيئته وقدرته فكان كل من تينك الطائفتين المبتدعتين أخذت بعض ~~وصف المتكلم المعتزلة أخذوا أنه فاعل والكلابية أخذوا أنه محل الكلام ثم ~~زعمت المعتزلة أنه يكون فاعلا للكلام في غيره وزعموا هم ومن وافقهم من ~~اتباع الكلابية كابى الحسن PageV12P312 وغيره أن الفاعل لا يقوم به الفعل ~~وكان هذا مما انكره السلف وجمهور العقلاء وقالوا لا يكون الفاعل إلا من قام ~~به الفعل وأنه يفرق بين الفاعل والفعل والمفعول وذكر البخارى في ( كتاب خلق ~~أفعال العباد ( اجماع العلماء على ذلك # والذين قالوا ان الفاعل لا يقوم به الفعل وقالوا مع ذلك ان الله فاعل ~~أفعال العباد كأبى الحسن وغيره وان العبد لم يفعل شيئا وأن جميع ما يخلقه ~~العبد فعل له وهم يصفونه بالصفات الفعلية المنفصلة عنه ويقسمون صفاته إلى ~~صفات ذات وصفات افعال مع أن الأفعال عندهم هي المفعولات المنفصلة عنه ~~فلزمهم أن يوصف بما خلقه من الظلم والقبائح مع قولهم أنه لا يوصف بما خلقه ~~من الكلام وغيره فكان هذا تناقضا منهم تسلطت به عليهم المعتزلة ولما قرروا ~~ماهو من أصول أهل السنة وهو أن المعنى إذا قام بمحل اشتق له منه اسم ولم ~~يشتق لغيره منه اسم كاسم المتكلم نقض عليهم المعتزلة ذلك باسم الخالق ~~والعادل فلم يجيبوا عن النقض بجواب سديد # وأما السلف والأئمة فاصلهم مطرد ومما احتجوا به على ان القرآن غير مخلوق ~~ما احتج به الامام أحمد وغيره من قول النبى ( اعوذ بكلمات الله التامات ( ~~قالوا والمخلوق لا يستعاذ به فعورضوا بقوله ( اعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك ~~من عقوبتك وبك PageV12P313 منك ( فطرد السلف والأئمة أصلهم وقالوا معافاته ~~فعله القائم به وأما العافية الموجودة في الناس فهي مفعوله # وكذلك قالوا أن الله خالق أفعال العباد فأفعال العباد القائمة بهم مفعولة ~~له لانفس فعله ms3901 وهى نفس فعل العبد وكان حقيقة قول أولئك نفي فعل الرب ونفى ~~فعل العبد فتسلطت عليهم المعتزلة في ( مسألة الكلام والقدر ( تسلطا بينوا ~~به تناقضهم كما بينوا هم تناقض المعتزلة # وهذا أعظم ما يستفاد من أقوال المختلفين الذين أقوالهم باطلة فانه يستفاد ~~من قول كل طائفة بيان فساد قول الطائفة الأخرى فيعرف الطالب فساد تلك ~~الأقوال ويكون ذلك داعيا له إلى طلب الحق ولا تجد الحق إلا موافقا لما جاء ~~به الرسول ولا تجد ما جاء به الرسول إلا موافقا لصريح المعقول فيكون ممن له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وممن له قلب يعقل به وأذن يسمع بها بخلاف الذين ~~قالوا ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) # وقد وافق الكلابية على قولهم كثير من أهل الحديث والتصوف ومن أهل الفقه ~~المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وليس من الأئمة الأربعة PageV12P314 وأمثالهم ~~من أئمة المسلمين من يقول بقولهم # وحدث مع الكلابية ونحوهم طوائف أخرى من الكرامية وغير الكرامية من أهل ~~الفقه والحديث والكلام فقالوا إنه سبحانه متكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما ~~بذاته وهو يتكلم بحروف وأصوات بمشيئته وقدرته ليتخلصوا بذلك من بدعتى ~~المعتزلة والكلابية لكن قالوا أنه لم يكن يمكنه في الأزل أن يتكلم بل صار ~~الكلام ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه من غير حدوث سبب أوجب إمكان الكلام ~~وقدرته عليه # وهذا القول مما وافق الكرامية عليه كثير من أهل الكلام والفقه والحديث ~~لكن ليس من الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة المسلمين من نقل عنه مثل قولهم ~~وهذا مما شاركوا فيه الجهمية والمعتزلة فإن هؤلاء كلهم يقولون أنه لم يكن ~~الكلام ممكنا له في الأزل ثم صار ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه من غير ~~حدوث سبب أوجب إمكانه لكن الجهمية والمعتزلة يقولون أنه خلق كلاما في غيره ~~من غير أن يقوم به كلام لأنه لو قام به كلام بمشيئته وقدرته لقامت به ~~الحوادث قالوا ولا تقوم به الحوادث قالت الجهمية والمعتزلة لأن الحوادث هي ms3902 ~~من جملة الصفات التى يسمونها الأعراض وعندهم لا يقوم به شيء من الصفات ~~قالوا لأن الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بجسم وليس هو بجسم لأن الجسم لا ~~يخلو من الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث # PageV12P315 # وقالت الكلابية بل تقوم به الصفات ولا تقوم به الحوادث ونحن ~~لا نسمى الصفات أعراضا لأن العرض عندنا لا يبقى زمانين وصفات الله تعالى ~~باقية وقالوا وأما الحوادث فلو قامت به لم يخل منها لأن القابل للشىء لا ~~يخلو منه ومن ضده وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # فقال الجمهور المنازعون للطائفتين أما قول أولئك أنه لا تقوم به الصفات ~~لأنها اعراض والعرض لا يقوم إلا بجسم وليس بجسم فتسمية ما يقوم بغيره عرضا ~~اصطلاح حادث وكذلك تسمية ما يشار إليه جسما اصطلاح حادث أيضا و ( الجسم ( ~~في لغة العرب هو البدن وهو الجسد كما قال غير واحد من أهل اللغة منهم ~~الأصمعى وأبو عمرو فلفظ الجسم يشبه لفظ الجسد وهو الغليظ الكثيف والعرب ~~تقول هذا جسيم وهذا أجسم من هذا أي أغلظ منه قال تعالى ( وزاده بسطة في ~~العلم والجسم ) وقال تعالى ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع ~~لقولهم ) ثم قد يراد بالجسم نفس الغلظ والكثافة ويراد به الغليظ الكثيف # وكذلك النظار يريدون بلفظ ( الجسم ( تارة المقدار وقد يسمونه الجسم ~~التعليمى وتارة يريدون به الشيء المقدر وهو الجسمي الطبيعى والمقدار المجرد ~~عن المقدر كالعدد المجرد عن المعدود وذلك لا يوجد إلا PageV12P316 في ~~الأذهان دون الأعيان وكذلك السطح والخط والنقطة المجردة عن المحل الذى تقوم ~~به لا يوجد إلا في الذهن قالوا وإذا كان هذا معنى الجسم بلغة العرب فهو أخص ~~من المشار إليه فان الروح القائمة بنفسها لا يسمونها جسما بل يقولون خرجت ~~روحه من جسمه ويقولون أنه جسم وروح ولا يسمون الروح جسما ولا النفس الخارح ~~من الانسان جسما لكن أهل الكلام اصطلحوا على أن كل ما يشار إليه يسمى جسما ~~كما اصطلحوا على أن كل ما يقوم ms3903 بنفسه يسمى جوهرا ثم تنازعوا في ان كل ما ~~يشار إليه هل هو مركب من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة أو ليس مركبا ~~لا من هذا ولا من هذا على اقوال ثلاثة قد بسطت في غير هذا الموضع ولهذا كان ~~كثير منهم يقولون الجسم عندنا هو القائم بنفسه أو هو الموجود لا المركب # قال أهل العلم والسنة فإذا قالت الجهمية وغيرهم من نفاة الصفات ان الصفات ~~لا تقوم الا بجسم والله تعالى ليس بجسم قيل لهم أن اردتم بالجسم ما هو مركب ~~من جواهر فردة أو ما هو مركب من المادة والصورة لم نسلم لكم ( المقدمة ~~الأولى ( وهي قولكم إن الصفات لا تقوم إلا بما هو كذلك قيل لكم أن الرب ~~تعالى قائم بنفسه والعباد يرفعون أيديهم إليه في الدعاء ويقصدونه بقلوبهم ~~وهو العلى الأعلى سبحانه ويراه المؤمنون بأبصارهم يوم القيامة عيانا كما ~~يرون القمر ليلة PageV12P317 البدر فان قلتم إن ما هو كذلك فهو جسم وهو ~~محدث كان هذا بدعة مخالفة للغة والشرع والعقل وإن قلتم نحن نسمي ما هو كذلك ~~جسما ونقول أنه مركب قيل تسميتكم التى ابتدعتموها هي من الاسماء التى ما ~~أنزل الله بها من سلطان ومن عمد إلى المعانى المعلومة بالشرع والعقل وسماها ~~باسماء منكرة لينفر الناس عنها قيل له النزاع في المعانى لا في الألفاظ ولو ~~كانت الألفاظ موافقة للغة فكيف اذا كانت من ابتداعهم ومعلوم أن المعانى ~~التى يعلم ثبوتها بالشرع والعقل لا تدفع بمثل هذا النزاع اللفظى الباطل ~~وأما قولهم ان كل ما كان تقوم به الصفات وترفع الأيدى إليه ويمكن أن يراه ~~الناس بأبصارهم فانه لابد أن يكون مركبا من الجواهر المفردة أو من المادة ~~والصورة فهذا ممنوع بل هو باطل عند جمهور العقلاء من النظار والفقهاء ~~وغيرهم كما قد بسط في موضعه # قال الجمهور وأما تفريق الكلابية بين المعانى التى لا تتعلق بمشيئته ~~وقدرته والمعانى التى تتعلق بمشيئته وقدرته التى تسمى الحوادث ومنهم من ~~يسمى الصفات أعراضا لأن العرض لا ms3904 يبقي زمانين فيقال قول القائل أن العرض ~~الذى هو السواد والبياض والطول والقصر ونحو ذلك لا يبقى زمانين قول محدث في ~~الإسلام لم يقله أحد من السلف والأئمة وهو قول مخالف لما عليه جماهير ~~العقلاء من جميع PageV12P318 الطوائف بل من الناس من يقول أنه معلوم الفساد ~~بالاضطرار كما قد بسط في موضع آخر # وأما تسمية المسمي للصفات أعراضا فهذا امر اصطلاحى لمن قاله من أهل ~~الكلام ليس هو عرف أهل اللغة ولا عرف سائر أهل العلم والحقائق المعلومة ~~بالسمع والعقل لا يؤثر فيها اختلاف الاصطلاحات بل يعد هذا من النزاعات ~~اللفظية والنزاعات اللفظية أصوبها ما وافق لغة القرآن والرسول والسلف فما ~~نطق به الرسول والصحابة جاز النطق به باتفاق المسلمين وما لم ينطقوا به ~~ففيه نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه وأماقول ( الكلابية ( ما يقبل الحوادث لا ~~يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث فقد نازعهم جمهور العقلاء في كلا ~~المقدمتين حتى أصحابهم المتأخرون نازعوهم في ذلك واعترفوا ببطلان الادلة ~~العقلية التى ذكرها سلفهم على نفي حلول الحوادث به واعترف بذلك المتأخرون ~~من أئمة الأشعرية والشيعة والمعتزلة وغيرهم كما قد بسط في غير هذا ~~الموضعوحدثت طائفة اخرى من السالمية وغيرهم ممن هو من أهل الكلام والفقه ~~والحديث والتصوف ومنهم كثير ممن هو ينتسب إلى PageV12P319 مالك والشافعى ~~وأحمد بن حنبل وكثر هذا في بعض المتأخرين المنتسبين إلى أحمد بن حنبل ~~فقالوا بقول المعتزلة وبقول الكلابية وافقوا هؤلاء في قولهم أنه قديم ~~ووافقوا أولئك في قولهم أنه حروف وأصوات وأحدثوا قولا مبتدعا كما أحدث ~~غيرهم فقالوا القرآن قديم وهو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لنفس الله ~~تعالى أزلا وأبدا # واحتجوا على أنه قديم بحجج الكلابية وعلى أنه حروف وأصوات بحجج المعتزلة ~~فلما قيل لهم الحروف مسبوقة بعضها ببعض فالباء قبل السين والسين قبل الميم ~~والقديم لا يسبق بغيره والصوت لا يتصور بقاؤه فضلا عن قدمه قالوا الكلام له ~~وجود وماهية كقول من فرق بين الوجود والماهية من المعتزلة وغيرهم قالوا ~~والكلام ms3905 له ترتيب في وجوده وترتيب ماهية الباء للسين بالزمان هي في وجوده ~~وهى مقارنة لها في ماهيتها لم تتقدم عليها بالزمان وان كانت متقدمة ~~بالمرتبة كتقدم بعض الحروف المكتوبة على بعض فان الكاتب قد يكتب آخر المصحف ~~قبل أوله ومع هذا فإذا كتبه كان أوله متقدما بالمرتبة على آخره # فقال لهم جمهور العقلاء هذا مما يعلم فساده بالاضطرار فإن الصوت لا يتصور ~~بقاؤه ودعوى وجود ماهية غير الموجود في الخارج دعوى PageV12P320 فاسدة كما ~~قد بسط في موضع آخر والترتيب الذى في المصحف هو ترتيب للحروف المدادية ~~والمداد أجسام فهو كترتيب الدار والإنسان وهذا أمر يوجد الجزء الأول منه مع ~~الثانى بخلاف الصوت فانه لا يوجد الجزء الثانى منه حتى يعدم الأول كالحركة ~~فقياس هذا بهذا قياس باطل ومن هؤلاء من يطلق لفظ القديم ولا يتصور معناه ~~ومنهم من يقول يعنى القديم أنه بدأ من الله وأنه غير مخلوق وهذا المعنى ~~صحيح لكن الذين نازعوا هل هو قديم أو ( ليس بقديم ) لم يعنوا هذا المعنى ~~فمن قال لهم أنه قديم وأراد هذا المعنى قد أراد معنى صحيحا لكنه جاهل ~~بمقاصد الناس مضل لمن خاطبه بهذا الكلام مبتدع في الشرع واللغة ثم كثير من ~~هؤلاء يقولون أن الحروف القديمة والأصوات ليست هي الأصوات المسموعة من ~~القراء ولا المداد الذى في المصحف ومنهم من يقول بل الأصوات المسموعة من ~~القراء هو الصوت القديم ومنهم من يقول بل يسمع من القارىء شيئان الصوت ~~القديم وهو ما لابد منه في وجود الكلام والصوت المحدث وهو ما زاد على ذلك ~~وهؤلاء يقولون المداد الذى في المصحف مخلوق لكن الحروف القديمة ليست هي ~~المداد بل الأشكال والمقادير التى تظهر بالمداد وقد تنقش في حجر وقد تخرق ~~في ورق ومنهم من يمنع أن يقال في المداد أنه قديم أو PageV12P321 مخلوق وقد ~~يقول لا أمنع عن ذلك بل أعلم أنه مخلوق لكن أسد باب الخوض في هذا وهو مع ~~هذا يهجر من يتكلم بالحق ومن يبين الصواب الموافق للكتاب ms3906 والسنة واجماع سلف ~~الأمة مع موافقته لصريح المعقول ومع دفعه للشناعات التى يشنع بها بعضهم على ~~بعض # وخوض الناس وتنازعهم في هذا الباب كثير قد بسطناه في مواضع وإنما المقصود ~~هنا ذكر قول مختصر جامع يبين الأقوال السديدة التى دل عليها الكتاب والسنة ~~وكان عليها سلف الأمة في مسألة الكلام التى حيرت عقول الأنام والله تعالى ~~أعلم PageV12P322 ### || 1 ( الكيلانية ) 1 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام مفتى الانام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ( # عن قوم يقولون كلام الناس وغيرهم قديم سواء كان صدقا أو كذبا فحشا أو غير ~~فحش نظما أو نثرا ولا فرق بين كلام الله وكلامهم في القدم إلا من جهة ~~الثواب وقال قوم منهم بل أكثرهم أصوات الحمير والكلاب كذلك ولما قرئ عليهم ~~ما نقل عن الامام أحمد ردا على قولهم تأولوا ذلك وقالوا بأن أحمد إنما قال ~~ذلك خوفا من الناس فهل هؤلاء مصيبون أو مخطئون وهل على ولى الأمر وفقه الله ~~تعالى زجرهم عن ذلك أم لا وهل يكفرون بالاصرار على ذلك أم لا وهل الذى نقل ~~عن أحمد حق كما زعموا أم لا ### |||| ( فأجاب رضى الله عنه ( # الحمد لله بل هؤلاء مخطئون في ذلك خطأ محرما باجماع المسلمين وقد قالوا ~~منكرا من القول وزورا بل كفرا ومحالا يجب نهيهم عنه ويجب على ولاة الأمور ~~عقوبة من لم ينته منهم عن ذلك جزاء بما PageV12P323 كسبوا نكالا من الله ~~فان هذا القول مخالف للعقل والدين مناقض للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين وهى ~~( بدعة شنيعة ( لم يقلها أحد قط من علماء المسلمين لا علماء السنة ولا ~~علماء البدعة ولا يقولها عاقل يفهم ما يقول ولكن عرض لمن قالها شبهة ونحن ~~نبينها إن شاء الله تعالى # ولا يحتاج في مثل هذا الكلام الذى فساده معلوم ببداية العقول أن يحتج له ~~بنقل عن إمام من الأئمة الا من جهة بيان أن رده وإنكاره منقول عن الأئمة ~~وأن قائله مخالف للأمة مبتدع في الدين ولتزول بذلك شبهة من يتوهم أن قولهم ~~من ms3907 لوازم قول أحد من السلف ويعلم أنهم مخالفون لمذاهب الأئمة المقتدى بهم ~~المعظمين وليتبين أن نقيض قولهم منصوص عن الأئمة المتبعين في السنة وليس ~~ذلك مما سكتوا عنه نفيا وإثباتا # وأنه لا ريب أن الامام ( أحمد بن حنبل ( ومن قبله وبعده من الأئمة نصوا ~~على أن كلام الآدميين مخلوق نصا مطلقا بل نص أحمد وكثير من الأئمة على ( ~~أفعال العباد ( عموما وعلى ( كلام الآدميين ( خصوصا ولم يمتنعوا عن هذا ~~الاطلاق لأجل الشبهة التى عرضت لهؤلاء المبتدعة المخالفين حتى لا يقول قائل ~~منهم أو من غيرهم إنه لا يقال مخلوق ولا غير مخلوق لأجل شبهتهم أو لكون ~~الكلام في PageV12P324 ذلك بدعة بل القول بأن كلام الآدميين مخلوق غير قديم ~~منصوص عن الأئمة المتفق على إمامتهم في الدين والسنة # فمنهم من نص عليه لما تكلم في ( مسائل القدر ( و ( خلق أفعال العباد ( ~~ومنهم من نص عليه لما تكلم في ( مسألة تلاوة العباد للقرآن واللفظ به ( # ومنهم من نص عليه محتجا به على الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق فروى ~~أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال وهو الذى جمع نصوص أحمد في أصول ~~الدين وأصول الفقه وفى أبواب الفقه كلها وفى الآداب والأخلاق والزهد ~~والرقائق وفى علل الحديث وفى التاريخ وغير ذلك من علوم الاسلام # روى في ( كتاب السنة ( في الكلام على اللفظية عن أبى بكر إبن زنجويه قال ~~سمعت أحمد بن حنبل يقول من قال لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير ~~مخلوق فهو مبتدع لايكلم قال الخلال وأخبرنا أبو داود السجستاني قال سمعت ~~أبا عبد الله يتكلم في ( اللفظية ( وينكر عليهم كلامهم وسمعت إسحاق بن ~~راهويه ذكر ( اللفظية ( وبدعهم وقال الخلال سمعت إبن صدقة قال سمعت يحيي ~~إبن حبيب بن عربى قال سمعت رجلا سأل معتمر بن سليمان أن لنا PageV12P325 ~~إماما قدريا أصلى خلفه قال من زعم أن لفظه غير مخلوق بمنزلة من زعم أن سماء ~~الله غير مخلوقة قال الخلال وأخبرنى أبو بكر المروذى حدثنا محمد بن ms3908 يحيى ~~الأزدي حدثنى مسدد قال كنت عند يحيى القطان وجاء يحيى بن إسحاق بن توبة ~~العنبرى فقال له يحيى حدث هذا يعنى مسددا كيف قال حماد بن زيد فيها أى ( ~~مسألتنا ( فقال سألت حماد بن زيد عمن قال كلام الناس ليس بمخلوق فقال هذا ~~كلام أهل الكفر وقال يحيى بن إسحاق سألت معتمر بن سليمان عمن قال كلام ~~الناس ليس بمخلوق فقال هذا كفر # فهذه الآثار ونحوها مما اعتمد عليها المشهورون بالسنة كالمروذى والخلال ~~وغيرهما وكذلك الامام أبو عبد الله بن بطة يعتمد في كتابه ( الابانة الكبير ~~( على هذه الآثار ونحوهما # قلت ( حماد بن زيد ( أحد الأئمة الاعلام في السنة في طبقة مالك والثورى ~~والأوزاعى وحماد بن سلمة والليث بن سعد في الزمان والامامة بل هو عند علماء ~~السنة أقعد بالسنة من الثورى وان كان الثورى أكثر علما منه وزهدا وعند ~~علماء الحديث أحفظ للحديث من حماد بن سلمة # وان كان حماد أشهر بالزهد وأكثر دعاء إلى السنة وهو إمام البصرة في ذلك ~~الزمان الذى كانت البصرة فيه مجمع علم الإسلام وكان علماء الأمة وورثة ~~الأنبياء وخلفاء الرسل في ذلك العصر PageV12P326 الذى هو عصر تابعى ~~التابعين هؤلاء المسلمين ونحوهم وهم من القرن الثالث الممدوح # و ( المعتمر بن سليمان ( أحد الأئمة الأعلام أيضا وهو دون حماد إبن زيد ~~وقد أدركه الأمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما وهو أحد شيوخ الامام أحمد ~~وأما ( حماد بن زيد ( ففات الأمام أحمد فقال فاتنى حماد بن زيد فعوضنى الله ~~بإسماعيل بن علية وفاتنى مالك بن أنس فعوضنى الله سفيان بن عيينة # وأما ( يحيى بن سعيد القطان ( فهو أحد علماء السنة وهو إمام أهل الحديث ~~في معرفة صحته وعلله ورجاله وضبطه حتى قال أحمد ما رأيت بعينى مثله يعنى في ~~ذلك الفن وعنه أخذ ذلك على بن المدينى وعن على أخذ ذلك البخارى صاحب الصحيح ~~وقد ذكر الترمذى أنه لم ير في معرفة علل الحديث مثل محمد بن إسماعيل ~~البخارى # وهؤلاء العلماء الأئمة أنكروا على من ms3909 قال كلام الآدميين ولفظهم غير مخلوق ~~لما نبغت ( القدرية ( المبتدعة وزعموا أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لا ~~أقوالهم ولا سائر أعمالهم لا خيرها ولا شرها بل يقولون هي محدثة أحدثها ~~العبد وليست مخلوقة لأحد أو يقولون العبد خلقها كما أنه أحدثها فانهم قد ~~يتنازعون في إثبات PageV12P327 خلق لغير الله ومع هذا فلم يكن بين الأمة ~~نزاع في أنها محدثة كائنة بعد أن لم تكن ولم يقل أحد إنها قديمة ولكن ( ~~القدرية ( من المعتزلة وغيرهم إعتقدوا أن الأفعال الاختيارية وما يتولد ~~عنها من أفعال الملائكة والجن والانس الطاعات والمعاصى لم يخلقها الله ~~قالوا لأنه لو خلقها للزم أن يكون العبد مجبورا وأن يرتفع التكليف والوعد ~~والوعيد والثواب والعقاب ولان العبد يعلم أنه هو الذى يحدث أفعاله علما ~~ضروريا وعللوا ذلك بأدلة نظرية # فلما ابتدعوا هذه ( المقالة ( أنكرها أئمة السنة كما أنكر الصحابة رضوان ~~الله عليهم أول هذه البدعة لما نبغت القدرية في أواخر عصر الصحابة فرد ~~عليهم إبن عمر وإبن عباس وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة # وبين الأئمة أن من جعل شيئا من المحدثات كأفعال العباد وغيرها ليس مخلوقا ~~لله فهو مثل من أنكر خلق الله لغير ذلك من المحدثات كالسماء والأرض فان ~~الله رب العالمين ومالك الملك وخالق كل شيء فليس شيء من العالمين خارجا عن ~~ربوبيته ولا شيء من الملك خارجا عن ملكه ولا شيء من المحدثات خارجا عن خلقه ~~قال تعالى ( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السماوات ~~والأرض ) وقال تعالى ( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه PageV12P328 ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء ) وقال تعالى ( بديع السماوات والأرض أنى ~~يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم ~~لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار ) وقال تعالى ( ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو ~~فأنى تؤفكون ms3910 ) وقال تعالى ( الذى له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم ~~يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) وقال تعالى ( إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر ) وقال تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ~~والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما ~~يشعرون أيان يبعثون ) # ولهذا كان أهل السنة والجماعة والحديث هم المتبعين لكتاب الله المعتقدين ~~لموجب هذه النصوص حيث جعلوا كل محدث من الأعيان والصفات والأفعال المباشرة ~~والمتولدة وكل حركة طبعية أو إرادية أو قسرية فان الله خالق كل ذلك جميعه ~~وربه ومالكه ومليكه ووكيل عليه وانه سبحانه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم ~~فآمنوا بعلمه المحيط وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وربوبيته التامة ولهذا ~~PageV12P329 قال إبن عباس الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن ~~بالقدر تم توحيده ومن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده # وأما صفة الله تعالى فهي داخلة في مسمى أسمائه الظاهرة والمضمرة فإذا قلت ~~عبدت الله ودعوت الله و ( إياك نعبد ) فهذا الاسم لا يخرج عنه شيء من صفاته ~~من علمه ورحمته وكلامه وسائر صفاته ولهذا قال النبى ( من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت ( وقال ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( وقد ثبت عنه ( الحلف ~~بعزة الله ( والحلف بقوله ( لعمر الله ( فعلم أن ذلك ليس حلفا بغير الله ~~فأعطوا هذه الآيات المنصوصة حقها في اتباع عمومها الذى قد صرحت به في أن ~~الله خالق كل شيء إذ قد علم أن الله ليس هو داخلا في المخلوق وعلم أن صفاته ~~ليست خارجة عن مسمى اسمه # وأما ( المعتزلة ( الذين جمعوا التجهم والقدر فأخرجوا عنها ما يتناوله ~~الاسم يقينا من أفعال الملائكة والجن والانس والبهائم طاعاتها وغير طاعاتها ~~وذلك قسط كبير من ملك الله وآياته بل هي من محاسن ملكه وأعظم آياته ~~ومخلوقاته وأدخلوا في ذلك كلامه لكونه يسمى ( شيئا ms3911 ( في مثل قوله ( إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى ) ~~ولم ينظروا في أن ذلك مثل تسمية علمه ( شيئا ( في قوله ( ولا يحيطون ~~PageV12P330 بشيء من علمه إلا بما شاء ) وتسمية نفسه شيئا في قوله ( قل أى ~~شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم ) وأن قوله ( كل شيء ) يعم بحسب ~~ما اتصل به من الكلام # فان الاسم تتنوع دلالته بحسب قيوده ففي قوله ( وهو بكل شيء عليم ) دخل في ~~ذلك نفسه لأنها تصلح أن تعلم وفى قوله ( وهو على كل شيء قدير ) دخل في ذلك ~~ما يصلح أن يكون مقدورا وذلك يتناول كل ما كانت ذاته ممكنة الوجود وقد يقال ~~دخل في ذلك كل ما يسمى شيئا بمعنى ( مشيئا ( فان ( الشيء ( في الأصل مصدر ~~وهو بمعنى المشيء فكل ما يصلح أن يشاء فهو عليه قدير وإن شئت قلت قدير على ~~كل ما يصلح أن يقدر عليه والممتنع لذاته ليس شيئا باتفاق العقلاء وفى قوله ~~( الله خالق كل شيء ) قد علم أن الخالق ليس هو المخلوق وانه لا يتناوله ~~الاسم وإنما دخل فيه كل شيء مخلوق وهي الحادثات جميعها # هذا مع أن أهل السنة يقولون أن العبد له مشيئة وقدرة وإرادة وهو فاعل ~~لفعله حقيقة وينهون عن إطلاق ( الجبر ( فان لفظ ( الجبر ( يشعر أن الله ~~أجبر العبد على خلاف مراد العبد كما تجبر المرأة على النكاح وليس كذلك بل ~~العبد مختار يفعل باختياره ومشيئته ورضاه ومحبته ليس مجبورا عديم الارادة ~~والله خالق هذا PageV12P331 كله فإن هذه الأمور من المحدثات الممكنات ~~فالدلالة على أن الله خالقها كالدلالة على أنه خالق غيرها من المحدثات وليس ~~هذا موضع الكلام على هذا فان ذلك له موضع آخر # وإنما الغرض هنا أن الأئمة ردوا على من جعل أقوال العباد وأفعالهم خارجة ~~عن خلق الله وجعلوا ذلك بمنزلة من جعل السماء والأرض ليس مخلوقة لله هذا مع ~~أن أولئك المبتدعين كانوا يقولون إنها محدثة ليست قديمة فكيف ms3912 إذا قيل إنها ~~قديمة فان ذلك يصير ضلالين بل ثلاث ضلالات # ( أحدها ) جعل المحدث المصنوع صفة لله قديمة مضاهاة للنصارى ونحوهم # و ( الثانى ) اخراج مخلوق الله ومقدوره عن خلقه وقدرته كما قالته القدرية ~~مضاهاة للمجوس ونحوهم و ( الثالث ) إخراج فعل العبد ومقدوره وكسبه عن أن ~~يكون مقدورا له وكسبا وفعلا مضاهاة للجبرية القدرية المشركية فهذا كان وجه ~~كلام أولئك الأئمة في هذا # ثم لما حدثت بدعة ( اللفظية ( احتج أئمة ذلك العصر في جملة PageV12P332 ~~ما احتجوا به بكلام أولئك السلف مثل البخارى الامام صاحب ( الصحيح ( ومثل ~~أبى بكر المروذى الامام صاحب الامام أحمد بن حنبل وخلق كثير في زمنه ومثل ~~أبي بكر الخلال ونحوه فاستدل هؤلاء الأئمة وغيرهم على بطلان قول من يقول أن ~~فعل العبد أو صفاته المتعلقة بصفات الله غير مخلوقة بما دل على أن أفعال ~~العباد وصفاتهم مخلوقة فروى البخارى عن أبي قدامة عن يحيى بن سعيد القطان ~~قال ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة وروى المروذى صاحب ~~الامام أحمد والخلال ما تقدم ذكره من كلام الأئمة من النص على خلق كلام ~~الآدميين وأفعالهم # وسيأتى إن شاء الله نصوص الامام أحمد في ذلك فان القصد هنا التنبيه على ~~الأصل الذى تشعب منه تفرق الأمة في هذا الموضع وهو ( مسألة اللفظ ( # ( ### ||| فصل # ( # و ( مسألة اللفظ بالقرآن ( قد اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل ~~وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة حتى قال إبن قتيبة ~~كلاما معناه لم يختلف أهل الحديث في شيء من PageV12P333 مذاهبهم إلا في ( ~~مسألة اللفظ ( وبين أن سبب ذلك لما وقع فيها من الغموظ والنزاع بينهم في ~~كثير من المواضع لفظى ولم يكن بين الناس نزاع في أن كلام العباد الذى لم ~~ينزله الله تعالى أنه محدث مخلوق وإن كان الكلام في ( حروف الهجاء ( وفى ( ~~أسماء المحدثات ( فيه نزاع هو الذى أوقع هؤلاء الجهال في ما ارتكبوه من ~~المحال كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى # ولا يتسع هذا الجواب لشرح ms3913 ( مسألة اللفظ ( مبسوطا ولكن ننبه عليه مختصرا ~~فنقول أن الله تعالى أرسل رسله وأنزل عليهم كتبه وأمرهم أن يبلغوا إلى ~~الناس ما أنزل الله عليهم من وحيه وكلامه # فمن الناس من آمن بالله ورسله وصدقهم فيما جاؤوا به من عند الله وأطاعهم ~~فيما أمروا به وهؤلاء هم المؤمنون في كل وقت وزمان وهم أهل الجنة والسعادة ~~كما قال تعالى ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ) وقال تعالى ( ان الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) # ومن الناس من كفر بهم وكذب مثل الأمم الذين قص الله علينا أخبارهم من قوم ~~نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وفرعون PageV12P334 ومشركى العرب ~~وكل من لم يؤمن بأصل الرسالة من الهند والبراهمة وغيرهم والترك والسودان ~~وغيرهم من الأمم الأميين الذين لا كتاب لهم سواء كانوا مكذبين للرسل أو ~~معرضين عن اتباعهم فان الكفر عدم الايمان بالله ورسله سواء كان معه تكذيب ~~أو لم يكن معه تكذيب بل شك وريب أو إعراض عن هذا كله حسدا أو كبرا أو ~~اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة وإن كان الكافر المكذب أعظم ~~كفرا وكذلك الجاحد المكذب حسدا مع استيقان صدق الرسل والسور المكية كلها ~~خطاب مع هؤلاء # ولهذا يقول سبحانه ( كذبت قوم نوح المرسلين ) لأنهم كذبوا جميع الرسل ولم ~~يؤمنوا بأصل الرسالة وقد قال تعالى لما أهبط أباهم آدم ( قال اهبطا منها ~~جميعا بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لما ~~حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ~~وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) # فأخبر أنه إذا أتاهم هدى منه وهو ما أنزله على رسله من الذكر ms3914 فمن اتبعه ~~اهتدى وسعد في الدنيا والآخرة ومن أعرض عنه شقى وعمى PageV12P335 ولهذا قال ~~في أوائل البقرة في نعت المؤمنين ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون ) كما قال هنا ( فلا يضل ولايشقى ) فان الهدى ضد الضلال والفلاح ~~ضد الشقاء وقال تعالى ( يا بنى آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى ~~فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) # ) # ومن الناس من آمن ببعض ما جاءت به الرسل وكفر ببعض كمن آمن ببعض المرسلين ~~دون بعض واليهود والنصارى حيث آمنوا بموسى أو موسى والمسيح معه دون محمد ~~صلى الله عليه وسلم ولهذا يخاطب الله في القرآن الأميين الذين لم يتبعوا ~~رسولا وأهل الكتاب المصدقين ببعض الرسل كما في قوله ( وقل للذين أوتوا ~~الكتاب والأميين أأسلمتم ) وفى قوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين ) # وكمن آمن ببعض صفات الرسالة وكفر ببعض من الصابئين الفلاسفة ونحوهم الذين ~~قد يقرون بأصل الرسالة لكن يجعلون الرسول بمنزلة الملك العادل الذى قد وضع ~~قانونا لقومه أو يقولون أن الرسالة للعامة دون الخاصة أو في الامور العملية ~~دون العلمية أو في الامور التى يشترك فيها الناس دون الخصائص التى يمتاز ~~بها الكمل PageV12P336 ويقرون برسالة محمد من حيث الجملة ويعظمونه ويقولون ~~اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يرد إلى الأرض ناموس أعظم من ناموسه لكنهم ~~مع هذا يكفرون ببعض ما جاء به مثل أن يسوغوا اتباع غير دينه من اليهودية ~~والنصرانية وقد يسوغون الشرك أيضا للعامة أو للخاصة مثل أن يسوغوا دعوة ~~الكواكب وعبادتها والسجود لها وقد يكذبون في الباطن باشياء مما أخبر بها ~~ويزعمون أن ما أخبر به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هي أمثال ~~مضروبة لتفهيم العامة مالا يجوز إظهاره وإبانة حقيقته وذلك أنهم يجوزون ~~كذبه لمصلحة العامة بزعمهم # وقد يزعمون أن حقيقة العلم بالله تؤخذ من غير ما جاء به الرسول وان من ~~الناس من ms3915 يكون أعلم بالله منه أو أفضل منه ونحو ذلك من المقالات وهذا الضرب ~~ما زال موجودا لا سيما مع القرامطة الباطنية من الاسماعيلية والنصيرية ~~والملوك العبيدية الذين كانوا يدعون الخلافة ومع الخرمية والمزدكية ~~وأمثالهم من الطوائف وهؤلاء خواصهم أكفر من اليهود والنصارى ومن الغالية ~~الذين يقولون بالهية على ونحوه من البشر أو نبوته وهم منافقون زنادقة لكن ~~في كثير من اتباعهم PageV12P337 من يظن أنه مؤمن بالكتب والرسل لما لبسوا ~~عليه أصل قولهم أو وافقهم في قول بعضهم دون بعض وأكثر هؤلاء يميلون إلى ~~الرافضة ومنهم من ينتسب إلى التصوف ومنهم من ينتسب إلى الكلام ومنهم من ~~يدخل مع الفقهاء في مذاهبهم وهذا الضرب يكثر في الدول الجاهلية البعيدين عن ~~معرفة الاسلام والتزامه كما كانوا كثيرين في دولة الديلم والعبيديين ونحوهم ~~وكما يكثرون في دولة الجهال من الترك ونحوهم من الجهال الذين آمنوا ~~بالرسالة من حيث الجملة من غير علم بتفاصيل ما جاء به الرسول لأن الجهال من ~~الترك وغيرهم بهذا الضرب أشبه منهم بغيرهم فان هؤلاء لا يوجبون اتباع ~~الرسول على جميع أهل الأرض لكنهم قديرون اتباعه أحسن من اتباع غيره ~~فيتبعونه على سبيل الاستحباب أو يتبعون بعض ما جاء به أو لا يتبعونه بحال ~~وهم في ذلك مقرون له ولأتباعه # والمؤمن ببعض الرسالة دون بعض كافر أيضا كما قال تعالى ( ان الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ~~أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ) وقال تعالى يخاطب أهل ~~الكتاب ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ~~تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم PageV12P338 وهو ~~محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ~~ذلك منكم الاخزى في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما ~~الله بغافل عما ms3916 تعملون ) وقال تعالى ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) وقال تعالى ( ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن ~~يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) # فذم الذين أوتوا قسطا من الكتاب لما آمنوا بما خرج عن الرسالة وفضلوا ~~الخارجين عن الرسالة على المؤمنين بها كما يفضل ذلك بعض من يفضل الصابئة من ~~الفلاسفة والدول الجاهلية جاهلية الترك والديلم والعرب والفرس وغيرهم على ~~المؤمنين بالله وكتابه ورسوله وكما ذم المدعين الايمان بالكتب كلها وهم ~~يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من ~~دون الله كما يصيب ذلك كثيرا ممن يدعى الاسلام وينتحله في تحاكمهم إلى ~~مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن ~~شريعة PageV12P339 الاسلام من ملوك الترك وغيرهم وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضا وإذا أصابتهم مصيبة في عقولهم ~~ودينهم ودنياهم بالشبهات والشهوات أو في نفوسهم وأموالهم عقوبة على نفاقهم ~~قالوا إنما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق ونوفق بين ( الدلائل الشرعية ~~( و ( القواطع العقلية ( التى هي في الحقيقة ظنون وشبهات أو ( الذوقية ( ~~التى هي في الحقيقة أوهام وخيالات ( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ~~فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) إلى قوله ( فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما ) وقال تعالى ( ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم ~~يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ) إلى قوله ( إنما كان قول المؤمنين ms3917 إذا ~~دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) الآية وقال ~~تعالى ( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم ) وقد ذم الله سبحانه أهل ~~التفرق والاختلاف في الكتاب الذين يؤمن كل منهم ببعضه دون بعض كما قال ~~تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم PageV12P340 بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~الا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ) ~~وقال تعالى ( ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) وقال ~~تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) وقال تعالى ( ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه ) قال إبن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود ~~وجوه أهل البدعة والفرقة وقال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون منيبين إليه واتقوه واقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) وقال تعالى ( شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم ~~وان الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب فلذلك فادع واستقم كما ~~أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب PageV12P341 وأمرت ~~لأعدل بينكم الله ربنا وربكم ) # فأمر الله نبيه أن يؤمن بجميع الكتب المنزلة وان ms3918 يعدل بين الناس كلهم ~~فيعطى كل ذى حق حقه ويمنع كل مبطل عن باطله فان القسط والعدل في جميع أمور ~~الدين والدنيا فيما جاء به وهو المقصود بارسال الرسل وإنزال الكتب كما قال ~~تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط ) وقال تعالى ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ~~آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) الخ السورة # وهاتان الآيتان قد ثبت في الصحيح ( أن النبى أعطيهما من كنز تحت العرش ~~وأنه لم يقرأ بشيء منهما إلا أعطيه ( وقد ثبت في الصحيح ( أنه من قرأهما في ~~ليلة كفتاه ( وقال تعالى ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما ~~آمنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم PageV12P342 ( ### ||| فصل # ( # فلما كان في الأمم كفار ومنافقون يكفرون ببعض الرسالة دون بعض إما في ~~القدر وإما في الوصف كما أن فيهم كفار ومنافقون يكفرون بأصل الرسالة وكان ~~في الكفار بأصل الرسالة من قال أن الرسول شاعر وساحر وكاهن ومعلم ومجنون ~~ومفترى كما كان رئيس قريش وفيلسوفها وحكيمها الوليد بن المغيرة الوحيد ~~المذكور في قوله تعالى ( ذرنى ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين ~~شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه ~~صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ~~أدبر واستكبر فقال أن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ) # فإنه صنع صنع الفيلسوف المخالف للرسل في تفكيره أولا الذى هو طلب ~~الانتقال من تصور طرفى القضية إلى المبادىء الموجبة للتصديق ليظفر بالحد ~~الأوسط ثم قدر ثانيا والتقدير هو ( القياس ( وهو الانتقال من المبادىء ms3919 إلى ~~المطلوب بالقياس المنطقى الشمولى ولعمرى PageV12P343 إنه لصواب إذا صحت ~~مقدماته وإن كانت النتيجة في الأغلب أمورا كلية ذهنية ثبوتها في الأذهان لا ~~في الأعيان كالعلوم الرياضية من الأعداد والمقادير فان العدد المجرد عن ~~المعدود والمقدار المجرد عن الأجسام إنما يوجد في الذهن لكن أنى وأكثر ~~مقدماته في الالهيات دعاوى يدعى فيها بعموم وأن القضية من المسلمات بلا حجة ~~ومتى لم يكن في القياس قضية كلية معلومة لم تفد المطلوب وهم يلبسون ~~المهملات التى هي في معنى الجزئيات بالكليات العامة المسلمات أو يدعى فيها ~~العموم بنوع من قياس التمثيل # ومعلوم أنه لا بد في كل قياس من ( قضية كلية ( وعامة ( القضايا الكلية ( ~~التى لهم فيها المطالب الالهية لا يعلم كونها كلية عامة إذ عمومها لا يعلم ~~إلا بمجرد قياس التمثيل الذى قد يكون من أفسد القياس المقتضى لتشبيه الله ~~بخلقه # كما يقولون الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وليس معهم إلا تشبيه خالق ~~السماوات والأرض ورب العالمين بالطبائع كطبيعة الماء والنار مع أن الواحد ~~الذى يثبتونه في الالهيات وفى المنطق أيضا الذين يجعلون قضية الأنواع مركبة ~~منه وهو ( الجنس ( و ( الفصل ( لا حقيقة لها ولا توجد إلا في الأذهان لا في ~~الأعيان وقد بسطنا الكلام على ذلك في مواضع # وبينا أن ما يثبتونه من العقليات التى هي ( الجواهر العقلية ( المجردة ~~PageV12P344 عن المادة وهى العقل والنفس والمادة والصورة التى ليست بجسم ~~ولا عرض لا حقيقة لها في الخارج وإنما تقدر في الأذهان لا في الأعيان وكذلك ~~ما يثبتونه من الواحد الذى يصفون به واجب الوجود ومن الواحد الذى يجعلون ~~الأنواع نتركب منه إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان ( والقياس العقلى ( ~~الذى يحتجون به لا بد فيه من قضية كلية # والقياس نوعان ( قياس الشمول ( و ( قياس التمثيل ( # والناس متنازعون في مسمى ( القياس ( فقيل هو حقيقة في التمثيل مجاز في ~~الشمول كما ذكر ذلك أبو حامد وأبو محمد المقدسى وغيرهما وقيل هو حقيقة في ~~عكس ذلك كما قاله إبن حزم وغيره من ms3920 نفاة قياس التمثيل وقيل بل اسم القياس ~~يتناولهما وهذا قول جمهور الناس # واسم ( القياس العقلى ( يدخل فيه هذا وهذا لكن من الناس من ظن أن ( قياس ~~التمثيل ( لا يفيد اليقين ولا يستعمل في العقليات كما ذهب إليه أبو المعالى ~~وأبو حامد والرازي وأبو محمد والآمدى وآخرون من أهل المنطق وأما الجمهور ~~فعندهم كلا القياسين سواء وهذا هو الصواب # فان مآل القياسين إلى شيء واحد وإنما يختلف بترتيب PageV12P345 الدليل ~~فإن القائل إذا قال النبيذ المتنازع فيه حرام لأنه مسكر فكان حراما قياسا ~~على خمر العنب فلا بد له أن يثبت أن السكر هو مناط التحريم وهو الذى يسمى ~~في قياس التمثيل ( مناطا ( و ( علة ( و ( أمارة ( و ( مشتركا ( و ( وضعا ( ~~ونحو ذلك ولا بد في القياس الصحيح من أن يقيم دليلا على أن السكر مناط ~~التحريم بحيث إذا وجد السكر وجد التحريم فإذا صاغ الدليل بقياس الشمول فان ~~النبيذ مسكر وكل مسكر حرام فالسكر في هذا النظم هو الحد الأوسط المكرر وهو ~~العلة في قياس التمثيل ولا بد له في هذا القياس من أن يثبت هذه القضية ~~الكلية الكبرى وهى قوله كل مسكر حرام فما به ثبتت هذه القضية في هذا النظم ~~يثبت به أنه مناط التحريم في ذلك النظم لا فرق بينهما # وإذا قال القائل إثبات تأثير الوصف وكونه مناط الحكم هو عمدة القياس وهو ~~جواب ( سؤال المطالبة ( وبيان كون الوصف بالشمول هو مناط الحكم وهذا لا ~~يثبت إلا بأدلة ظنية قيل له وإثبات عموم القضية الكبرى في قياس الشمول هو ~~عمدة القياس فان الصغرى في الغالب تكون معلومة كما يكون ثبوت الوصف في ~~الفرع معلوما وإذا كان ثبوت الوصف في الفرع قد يحتاج إلى دليل كما قيل ~~تحتاج PageV12P346 المقدمة الصغرى إلى دليل وإثبات المقدمة الكبرى لا يتأتى ~~إلا بأدلة ظنية ونفس ما به يثبت عموم القضية يثبت تأثير الوصف المشترك لا ~~فرق بينهما أصلا # واستعمال كلا القياسين في الأمور الالهية لا يكون إلا على وجه الأولى ~~والأحرى # وبهذه ( الطريقة ms3921 ( جاء القرآن وهى طريقة سلف الأمة وأئمتها فان الله ~~سبحانه لا يماثله شيء من الموجودات في ( قياس التمثيل ( ولا أن يدخل في ( ~~قياس شمول ( تتماثل أفراده بل ماثبت لغيره من الكمال الذى لا نقص فيه بوجه ~~من الوجوه فهو أحق به وما نزه عنه غيره من النقائص فهو أحق بالتنزيه منه ~~كما قال تعالى ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ) ~~وقال تعالى ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت إيمانكم من شركاء ~~فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) # وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا أن ما يستفاد ب ( ~~القياس الشمولى ( في عامة الأمور قد يستفاد بدون ذلك فتعلم أحكام الجزئيات ~~الداخلة في القياس بدون معرفة حكم القضية الكلية كما إذا قيل الكل أعظم من ~~الجزء والضدان لا يجتمعان فما من كل معين وضدين معنيين إلا وإذا علم أن هذا ~~جزء هذا وان هذا ضد هذا علم أن هذا أعظم من هذا وان هذا لا يجامع هذا ~~PageV12P347 بدون أن يخطر بالبال قضية كلية ان كل ضدين لا يجتمعان وان كل ~~كل فهو أعظم من جزء وكذلك إذا قيل النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فما من ~~نقيضين يعرف أنهما نقيضان إلا ويعرف أنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان بدون أن ~~يستحظر أن كل نقيضين لا يجتمعان ( ولا يرتفعان ) # فعامة المطالب يستغنى فيها عن القياس المنطقى المتضمن للكبرى الذى لا بد ~~فيه من قضية كلية ( و ) الأمور المعينات لا تعلم بمجرد القياس العقلى وإنما ~~يعلم بالقياس القدر المشترك بينها وبين غيرها وهم يسلمون ذلك وبينا أن ~~الأدلة الدالة على الصانع هي آيات تدل بنفسها على نفسه المقدسة وبينا الفرق ~~بين دلالة الآيات ودلالة القياس وان الأدلة أكمل وأنفع وطريقة القياس تابعة ~~لها ودونها في المنفعة والكمال والقرآن جاء بهذه وهذه ومعرفة الالهيات ~~والنبوات وغيرها فتلك الطريقة أكمل وأتم # وهؤلاء يزعمون أنه لا ينال مطلوب فطرى إلا بطريقة القياس الذى لابد فيه ~~من قضية ms3922 كلية والقضية الكلية لا تفيد إلا أمرا كليا عقليا لا تفيد معرفة ~~شيء معين وكل موجود فهو معين فكيف يقول عاقل مع هذا أنه لا ينال علم إلا ~~بهذه الطريق # ثم أنهم في ضلالهم يظنون أن علم الأنبياء بل وعلم الرب سبحانه إنما حصل ~~PageV12P348 بواسطة القياس المنطقى وان النبى له قوة حدسية يظفر بالحد ~~الأوسط في القياس المنطقى بدون معلم فيكون أكمل من غيره فيجعلون علمه ~~بالغيب من هذا الباب ولم يدرك بمثل هذا القياس علوم طبيعية أو حسابية ونحو ~~ذلك فمن أين أنه لا ينال علم إلا به ومن أين أنه لا مواد يقينية إلا ما ~~يدعيه المدعى مما عنده من الحدسيات المعتادة الظاهرة والباطنة والبديهيات ~~المعتادة والمتواترات والمجربات المعتادة والحدسيات المعتادة والحس الباطن ~~والظاهر والتجربة ونحو ذلك لا يعلم بمجرده إلا أمر معين جزئى وذلك لا يصلح ~~أن يكون مقدمة في القياس ولكن يعلم في العموم إما بواسطة قياس تمثيل وإما ~~بعلم ضرورى يحدثه الله في القلب ابتداء وإذا أحدث علما ضروريا عاما لأفراد ~~فاحداث العلم ببعض تلك الأفراد سهل فقل أن يستفاد بطريقهم علم بنتيجة إلا ~~والعلم بالنتيجة فيه ممكن بالطريق الذى به عرفت المقدمات أو أسهل فلا يكون ~~في قياسهم الا زيادة تطويل وتهويل وتضليل # وقد بسطنا الكلام على ( المنطق اليونانى ( بما فيه من حق وباطل ونافع ~~وضار في غير هذا الموضع ونفي العلم إلا بهذا القياس ونفي كون القياس يقينيا ~~إلا بهذه المقدمات قول بلا علم وتكذيب بما لم يحط المكذب بعلمه ولهذا كانت ~~الطريقة النبوية السلفية أن يستعمل في العلوم الالهية ( قياس الأولى ( كما ~~قال الله تعالى ( ولله PageV12P349 المثل الأعلى ) إذ لا يدخل الخالق ~~والمخلوق تحت قضية كلية تستوى أفرادها ولا يتماثلان في شيء من الأشياء بل ~~يعلم أن كل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت للمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص وجب ~~نفيه عن المخلوق فالخالق أولى بنفيه عنه وأمثال هذه ( الأقيسة العقلية ( ~~التى من نوع الأمثال المضروبة في القرآن ولله المثل الأعلى ms3923 وقد بسطنا هذا ~~في غير هذا الموضع # فلما كان الكفار بالرسالة على ما ذكر جاء في الكفار ببعضها من شاركهم في ~~بعض ذلك فأنكرت الجهمية أن الكون الله يتكلم أو يقول أو يحب أو يبغض ~~وأنكروا سائر صفاته التى جاءت بها الرسل فأنكروا بعض حقيقة الرسالة التى هي ~~كلام الله وأنكروا بعض ما في الرسالة من صفات الله # وأول من أظهر ذلك في الاسلام وإن كان ذلك موجودا قبل الاسلام في أمم أخرى ~~الجعد بن درهم شيخ الجهم بن صفوان وكان على ما قيل من أهل حران وكان فيهم ~~أئمة الفلاسفة ومنهم تعلم أبو نصر الفارابى كثيرا مما تعلم من الفلسفة على ~~ما ذكره عبد اللطيف بن يوسف البغدادى فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسرى ~~بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين وهم بقايا التابعين ~~في وقته مثل الحسن البصرى وغيره الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك فقال ~~أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد PageV12P350 بن درهم ~~أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله ~~عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه # وبنوا ذلك على قاعدة مبتدعة الصابئين المكذبين ببعض ما جاءت به الرسل ~~الذين لا يصفون الرب إلا بالصفات السلبية أو الاضافية أو المركبة منهما وهم ~~في هذا التعطيل موافقون في الحقيقة لفرعون رئيس الكفار الذى جحد الصانع ~~بالكلية فان جحود صفاته مستلزم لجحود ذاته ولهذا وافقوا فرعون في تكذيبه ~~لموسى بأن ربه فوق السماوات حيث قال ( يا هامان بن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الاسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه كاذبا ) بخلاف محمد ~~الذى صدق موسى لما عرج به إلى ربه وأخبر أنه وجد موسى هناك وأنه جعل يختلف ~~بين ربه وبين موسى فمحمد صدق موسى في أن ربه فوق السماوات وفرعون كذبه في ~~ذلك والناس إما محمدى موسوى واما فرعونى إذ فرعون كذب موسى في أن الله فوق ~~وكذبه في أن الله ms3924 كلمه كما أنكر وجود الصانع ومحمد صدق موسى في هذا كله # وهؤلاء الصابئة المحضة من المتفلسفة يقولون أن الله ليس له كلام في ~~الحقيقة لكن كلامه عند من أظهر الاقرار بالرسل منهم ما يفيض على نفوس ~~الأنبياء وهو أنه محدث في نفوسهم من غير أن PageV12P351 يكون في الخارج عن ~~نفوسهم لله عندهم كلام # وهكذا كان الجهم يقول أولا أن الله لا كلام له ثم احتاج أن يطلق أن له ~~كلاما لأجل المسلمين فيقول هو مجاز ولهذا كان الامام أحمد وغيره من الأئمة ~~يعلمون مقصودهم وأن غرضهم التعطيل وأنهم زنادقة و ( الزنديق ( المنافق # ولهذا تجد مصنفات الأئمة يصفونهم فيها بالزندقة كما صنف الامام أحمد ( ~~الرد على الزنادقة والجهمية ( وكما ترجم البخارى آخر كتاب الصحيح ب ( كتاب ~~التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية ( وكان عبد الله إبن المبارك يقول أنا ~~لنحكى كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية # وتقول الصابئة المحضة الذين آمنوا في الظاهر وآمنوا في الباطن ببعض ~~الكتاب كلام الله اسم لما يفيض على قلب النبى من ( العقل الفعال ( أو غيره ~~و ( ملائكة الله ( اسم لما يتشكل في نفسه من الصور النورانية وقد يقولون إن ~~جبريل هو ( العقل الفعال ( أو هو ما يتمثل في نفسه من الصور الخيالية كما ~~يراه النائم ولهذا يقول هؤلاء أن خاصة النبى التخييل وأن الأنبياء أظهروا ~~خلاف ما أبطنوه لمصلحة العامة ولم يفيدوا بكلامهم علما لكن تخييلا ينتفع به ~~العامة ويجعلون هذا من أفضل الأمور ويمدحون الأنبياء بذلك ويعظمونهم ~~PageV12P352 وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع أخر # وعندهم ليس خارجا عن نفس النبى كلام ولا ملك كما يزعمه من يزعمه من ~~المتفلسفة والصابئة المشركين وزعموا أنهم مؤمنون وقالوا أنهم يجمعون بين ~~النبوة والفلسفة كما يفعل الفارابى وإبن سينا وغيرهما من المتفلسفة ~~والقرامطة الباطنية من الإسماعيلية ونحوهم الذين اخذوا معانى المتفلسفة ~~الروم والفرس فأخرجوها في قالب التشيع والرفض والامامية والزيدية وغيرهم من ~~الشيعة يعلمون أنهم كفار # ومثل بن سبعين وأمثاله ممن أظهر التصوف على طريقة ms3925 هؤلاء فهو يأخذ معانيهم ~~يكسوها عبارات الصوفية والصوفية العارفون يعلمون أنهم كفار وان شيوخ ~~الصوفية الكبار كالفضيل بن عياض وابراهيم بن أدهم وأبى سليمان الدارانى ~~وعمرو بن عثمان الشبلى والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التسترى وأبى عبد ~~الله محمد بن خفيف الشيرازى ونحوهم رضى الله عنهم كانوا من أعظم الناس ~~تكفيرا لهؤلاء فان قول هؤلاء الزنادقة وإن كان فيه إيمان من وجه آخر فهؤلاء ~~موافقون في الحقيقة لمقدمهم الوحيد الذى قال ( إن هذا إلا قول البشر ) لكن ~~ذاك كفر به كله ظاهرا وباطنا وهؤلاء قد يؤمنون به ظاهرا وقد يؤمنون باطنا ~~ببعض صفاته من أنه مطاع عظيم وانه رئيس النوع الانسانى وأن هذا الكلام الذى ~~PageV12P353 جاء به كلام عظيم القدر صادر عن نفس صافية كاملة العلم والعمل ~~لها ثلاث خصائص تتفرد بها عن غيرها # خصيصة قوة الحدس والعلم وخصيصة قوة التأثير في العالم السفلى بنفسه ~~وخصيصة قوة التخيل المطابق للحقائق بحيث يسمع في نفسه الأصوات ويرى من ~~الصور ما يكون خيالا للحقائق وانه يجوز إضافة كلامه إلى الله وتسميته كلام ~~الله حيث هو أمر به أمرا خياليا وفى الحقيقة عندهم ما يفيض على سائر النفوس ~~الصافية من العلوم والتكلمات هي أيضا كلام الله مثل ما أنه كلام الله لكن ~~هو أشرف وخطابه دل على أنه رسول الخلق تجب عليهم طاعته التى أخبرت بها ~~الرسل لكن يطلقون عليه انه متكلم ولهذا يقولون ان ( النبوة ) مكتسبة فطمع ~~غير واحد منهم أن يصير نبيا كما طمع السهروردي وبن سبعين وغيرهما من ~~الملحدين # وقد بينا أصول أقوالهم وفسادها في غير هذا الموضع مثل كلامنا على إبطال ~~قولهم أن معجزات الأنبياء قوى نفسانية # وأما ( المعتزلة ( ونحوهم فيوافقونهم في أن الله لا يتكلم في الحقيقة ~~التى يعلم الناس أن صاحبها يتكلم ( بل كلامه ) منفصل عنه ويزعمون أن ذلك ~~حقيقة وليس كلامه عندهم إلا أنه خلق في الهواء أو غيره PageV12P354 أصواتا ~~يسمعها من يشاء من ملائكته وأنبيائه من غير أن يقوم بنفسه كلام لا معنى ms3926 ولا ~~حروف وهم يتنازعون في ذلك المخلوق هل هو جسم أو عرض أو لا يوصف بواحد منهما # ولما ظهر هؤلاء تكلم السلف من التابعين وتابعيهم في تكفيرهم والرد عليهم ~~بما هو مشهور عند السلف واطلع الأئمة الحذاق من العلماء على أن حقيقة قول ~~هؤلاء هو التعطيل والزندقة وان كان عوامهم لا يفهمون ذلك كما اطلعوا على أن ~~حقيقة قول القرامطة والاسماعيلية هو التعطيل والزندقة وإن كان عوامهم إنما ~~يدينون بالرفض وجرت فتنة الجهمية كما امتحنت الأئمة وأقام ( الامام أحمد ( ~~إمام السنة وصديق الأمة في وقته وخليفة المرسلين ووارث النبيين فثبت الله ~~به الاسلام والقرآن وحفظ به على الأمة العلم والايمان ودفع به أهل الكفر ~~والنفاق والطغيان الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض # فاستقر أهل السنة وجماهير الأمة وأهل الجماعة واعلام الملة في شرقها ~~وغربها على الايمان الذى جاءت به الرسل عن الله وجاء به خاتم النبيين مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وهو أن القرآن والتوراة والانجيل كلام ~~الله وان كلام الله لا يكون مخلوقا منفصلا عنه كما لا يكون كلام المتكلم ~~منفصلا عنه فان هذا جحود لكلامه الذى PageV12P355 هو رسالته ودفع لحقيقة ما ~~أنبأت به الرسل وعلمته أممهم والحاد في أسماء الله وآياته وتمثيل له ~~بالمعدوم والموات فان الحياة والعلم والقدرة والكلام ونحو ذلك صفات كمال ~~والرب تعالى أحق بكل كمال فيمتنع أن يثبت للمخلوق كمال إلا والخالق أحق به ~~كما يمتنع أن يتنزه المخلوق عن نقص إلا والخالق أحق بتنزهه منه كيف وهو ~~خالق الكمال للكاملين # و ( أيضا ( فمن لم يتصف بصفات الكمال من الحياة والعلم والسمع والبصر ~~والقدرة والكلام وغير ذلك فاما أن يكون قابلا للاتصاف بذلك ولم يتصف به أو ~~غير قابل للاتصاف به فان قبله ولم يتصف به كان موصوفا بصفات النقص كالموت ~~والجهل والعمى والصمم والعجز والبكم باتفاق العقلاء فانهم متفقون على ان ~~القابل لهذا ولهذا متى لم يتصف بأحدهما اتصف بالآخر وان قيل إنه لا يقبل ~~الاتصاف بهذه الصفات كان أنقص ms3927 من القابل الذى لم يتصف بها فالحيوان الذى ~~يكون تارة سميعا وتارة أصم وتارة بصيرا وتارة أعمى وتارة متكلما وتارة أخرس ~~أكمل من الجماد الذى لايقبل أن يكون لا هذا ولا هذا # فمن لم يصفه بصفات الكمال لزمه إما أن يصفه بهذه النقائص أو يكون أنقص ~~ممن وصف بهذه النقائص # وذلك أن ( المتفلسفة PageV12P356 اصطلحوا على تقسيم ( المتقابلين بالنفى ~~والاثبات ( إلى النقيضين وإلى ما يسمونه ( العدم والملكة ( ف ( العدم ( ~~عندهم سلب الشيء عما من شأنه أن يكون متصفا به كالعمى والخرس فإنه عدم ~~البصر والكلام عما من شأنه أن يكون بصيرا متكلما فأما الجماد فلا يسمونه لا ~~بهذا ولا بهذا # ( وشبهتهم ( لبست على طائفة من أهل النظر فظنوا أنه إذا لم يوصف بصفات ~~الكمال من الحياة والعلم والسمع والبصر والكلام لم يلزم أن يتصف بصفات ~~النقص لأنهما متقابلان تقابل ( العدم والملكة ( لا تقابل النقيضين # فيقال لهم هذا أولا اصطلاح لكم وإلا فغيركم يسمى الجماد ميتا ومواتا ونحو ~~ذلك كما في مثل قوله ( والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~أموات غير أحياء ) # ويقال لهم ( ثانيا ( النظر في المعانى العقلية ومعلوم أن عدم هذه الصفات ~~يستلزم النقص الثابت بعدمها # ويقال لهم ( ثالثا ) إذا قلتم لا يتصف بواحد منهما لكونه لا يقبل ذلك ~~فهذا النقص أعظم من نقص العمى والصمم والبكم فانما لا يقبل PageV12P357 الا ~~تصاف بصفات الكمال أنقص ممن هو قابل لها يمكن اتصافه بها فانه منه بدأ لا ~~كما يقوله الصابئة ومن وافقهم من الجهمية أنه ابتدأ من نفس النبى أو من ( ~~العقل الفعال ( أو من ( الهواء ( بل هو تنزيل من حكيم حميد وأنه إليه يعود ~~إذا أسرى به من المصاحف والصدور وصار ( الامام أحمد ( علما لأهل السنة ~~الجائين بعده من جميع الطوائف كلهم يوافقه في جمل أقواله وأصول مذاهبه لأنه ~~حفظ على الأمة الايمان الموروث والأصول النبوية ممن أراد أن يحرفها ويبدلها ~~ولم يشرع دينا لم يأذن الله به والذى قاله هو الذى يقوله سائر الأئمة ~~الأعيان ms3928 حتى إن أعيان أقواله منصوصة عن أعيانهم لكن جمع متفرقها وجاهد ~~مخالفها وأظهر دلالة الكتاب والسنة عليها ومقالاته ومقالات الأئمة قبله ~~وبعده في الجهمية كثيرة مشهورة # و ( الجهمية ( هم نفاة صفات الله المتبعون للصابئة الضالة وصارت فروع ~~التجهم تجول في نفوس كثير من الناس فقال بعض من كان معروفا بالسنة والحديث ~~ولا نقول مخلوق ولا غير مخلوق بل نقف وباطن أكثرهم موافق للمخلوقية ولكن ~~كان المؤمنون أشد رهبة في صدورهم من الله PageV12P358 # و ( طائفة أخرى ( قالت نقول كلام الله الذى لم ينزله غير مخلوق وأما ~~القرآن الذى أنزله على رسوله وتلاه جبريل ومحمد والمؤمنون فهو مخلوق وهؤلاء ~~هم ( اللفظية ) فصارت الأمة تفزع إلى إمامها إذ ذاك فيقول لهم أحمد افترقت ~~الجهمية على ( ثلاث فرق ( فرقة تقول القرآن مخلوق وفرقة تقول كلام الله ~~وتسكت وفرقة تقول ألفاظنا وتلاوتنا للقرآن مخلوقة فان حقيقة قول هؤلاء أن ~~القرآن الذى نزل به جبريل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قرآن ~~مخلوق لم يتكلم الله به وكان لهؤلاء شبهة كون أفعالنا وأصواتنا مخلوقة ونحن ~~إنما نقرؤه بحركاتنا وأصواتنا وربما قال بعضهم ما عندنا إلا ألفاظنا ~~وتلاوتنا وما في الأرض قرآن إلا هذا وهذا مخلوق فقابلهم قوم أرادوا تقويم ~~السنة فوقعوا في البدعة وردوا باطلا بباطل وقابلوا الفاسد بالفاسد فقالوا ~~تلاوتنا للقرآن غير مخلوقة وألفاظنا به غير مخلوقة لأن هذا هو القرآن ~~والقرآن غير مخلوق ولم يفرقوا بين الاسم المطلق والاسم المقيد في الدلالة ~~وبين حال المسمى إذا كان مجردا وحاله إذا كان مقرونا مقيدا فأنكر الامام ~~أحمد أيضا على من قال أن تلاوة العباد وقراءتهم وألفاظهم وأصواتهم غير ~~مخلوقة وأمر بهجران هؤلاء كما جهم الأولين وبدعهم والنقل عنه PageV12P359 ~~بذلك من رواية ابنه عبد الله وصالح والمروذي وفوران وأبي طالب وأبى بكر بن ~~صدقة وخلق كثير من أصحابه وأتباعه # وقد قام أخص أتباعه ( أبو بكر المروذي ( بعد مماته في ذلك وجمع كلامه ~~وكلام الأئمة من أصحابه وغيرهم مثل عبد الوهاب الوراق والأثرم وأبى ms3929 داود ~~السجستانى والفضل بن زياد ومثنى بن جامع الأنباري ومحمد بن إسحاق الصنعانى ~~ومحمد بن سهل بن عسكر وغير هؤلاء من علماء الاسلام وبين بدعة هؤلاء الذين ~~يقولون إن تلاوة العباد وألفاظهم بالقرآن غير مخلوقة # وقد ذكر ذلك الخلال في ( كتاب السنة ( وبسط القول في ذلك قال الخلال ~~أخبرنى أبو بكر المروذي قال بلغ أبا عبد الله عن أبى طالب أنه كتب إلى أهل ~~نصيبين أن لفظى بالقرآن غير مخلوق قال أبو بكر فجاءنا صالح بن أحمد فقال ~~قوموا إلى أبى فجئنا فدخلنا على أبى عبد الله فإذا هو غضبان شديد الغضب قد ~~تبين الغضب في وجهه فقال اذهب فجئنى بأبى طالب فجئت به فقعد بين يدى أبى ~~عبد الله وهو يرعد فقال كتبت إلى أهل نصيبين تخبرهم عنى أنى قلت لفظى ~~بالقرآن غير مخلوق فقال إنما حكيت عن نفسي قال فلا يحل هذا عنك ولا عن نفسى ~~فما سمعت عالما قال هذا قال أبو عبد الله القرآن كلام الله غير مخلوق كيف ~~تصرف فقيل لأبى طالب اخرج وأخبر PageV12P360 أن أبا عبد الله قد نهى أن ~~يقال لفظى بالقرآن غير مخلوق فخرج أبو طالب فلقي جماعة من المحدثين فأخبرهم ~~أن أبا عبد الله نهاه أن يقول لفظى بالقرآن غير مخلوق # ومع هذا فكل واحدة من ( الطائفتين ( الذين يقولون لفظنا بالقرآن غير ~~مخلوق والذين يقولون لفظنا وتلاوتنا مخلوقة ينتحل أبا عبد الله وتحكى قولها ~~عنه وتزعم أنه كان على مقالتها لأنه إمام مقبول عند الجميع ولأن الحق الذى ~~مع كل طائفة يقوله أحمد والباطل الذى تنكره كل طائفة على الأخرى يرده أحمد ~~فمحمد بن داود المصيصى أحد علماء الحديث وأحد شيوخ أبي داود وجماعة في ~~زمانه كأبى حاتم الرازى وغيره يقولون لفظنا بالقرآن غير مخلوق وتبعهم طائفة ~~على ذلك كأبى عبد الله بن حامد وأبى نصر السجزى وأبى عبد الله بن منده وشيخ ~~الاسلام أبى إسماعيل الأنصارى وأبى العلاء الهمدانى وأبي الفرج المقدسى ~~وغير هؤلاء يقولون أن ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة ms3930 ويروون ذلك عن أحمد وأنه ~~رجع إلى ذلك كما ذكره أبو نصر في كتابه ( الابانة ( وهى روايات ضعيفة ~~بأسانيد مجهولة لا تعارض ما تواتر عنه عند خواص أصحابه وأهل بيته والعلماء ~~الثقات لا سيما وقد علم أنه في حياته خطأ أبا طالب في النقل عنه حتى رده ~~أحمد عن ذلك وغضب عليه غضبا شديدا PageV12P361 # وقد رأيت بعض هؤلاء طعن في تلك النقول الثابتة عنه ومنهم من حرفها لفظا ~~وأما تحريف معانيها فذهب إليه طوائف فأما الذين ثبتوا النقل عنه ووافقوه ~~على إنكاره الأمرين وهم جمهور أهل السنة ومن انتسب إليهم من أهل الكلام ~~كأبى الحسن الأشعرى وأمثاله فانه ذكر في ( مقالات أهل السنة والحديث ( انهم ~~ينكرون على من قال لفظى بالقرآن مخلوق ومن قال لفظي به غير مخلوق وأنه يقول ~~بذلك # لكن من هؤلاء من تأول كلام أحمد وغيره في ذلك بأنه منع أن يقال أن القرآن ~~يلفظ به وهذا قاله الأشعرى وإبن الباقلانى والقاضى أبو يعلى وأتباعه كأبى ~~الحسن بن الزاغونى وأمثاله # ثم هؤلاء الذين تأولوا كلامه على ذلك منهم من قال المعنى الذى أنكره أحمد ~~على من قال لفظى بالقرآن مخلوق كما فعل ذلك الاشعرى وأتباعه ومنهم من قال ~~بل المعنى الذى أنكره أحمد على من قال لفظي به غير مخلوق كما فعل ذلك ~~القاضي وإبن الزاغونى وأمثالهما فإن أحمد وسائر الأئمة ينكرون أن يكون شيء ~~من كلام الله مخلوقا حروفه أو معانيه أو أن يكون معنى التوراة هو معنى ~~القرآن وأن كلام الله إذا عبر عنه بالعربية يكون قرآنا وإذا عبر عنه ~~بالعبرانية يكون هو التوراة وينكرون أن يكون القرآن المنزل ليس هو كلام ~~الله أو أن يطلق PageV12P362 القول على ما هو كلام الله بأنه مخلوق وأحمد ~~والأئمة ينكرون على من يجعل شيئا من أفعال العباد أو أصواتهم غير مخلوق ~~فضلا عن أن يكون قديما وكلام أحمد في ( مسألة التلاوة والايمان والقرآن ( ~~من نمط واحد منع إطلاق القول بأن ذلك مخلوق لأنه يتضمن القول بأن من صفات ms3931 ~~الله ما هو مخلوق ولما فيه من الذريعة ومنع أيضا إطلاق القول بأنه غير ~~مخلوق لما في ذلك من البدعة والضلال # ولما كان أحمد قد صار هو إمام السنة كان من جاء بعده ممن ينتسب إلى السنة ~~ينتحله إماما كما ذكر ذلك الأشعرى في ( كتاب الابانة ( وغيره فقال إن قال ~~قائل قد انكرتم قول ( الجهمية ( و ( المعتزلة ( و ( الخوارج ( و ( الروافض ~~( و ( المرجئة ( فعرفونا قولكم الذى به تقولون وديانتكم التى بها تدينون # قيل له قولنا الذى نقول به وديانتنا التى ندين بها التمسك بكتاب ربنا ~~وسنة نبينا وما روى عن الصحابة والتابعين وبما كان يقول به أبو عبد الله ( ~~أحمد بن حنبل ( قائلون ولما خالفه مجانبون فانه الامام الكامل والرئيس ~~الفاضل الذى أبان الله به الحق وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين ~~وزيغ الزائغين وشك الشاكين وذكر جملا من المقالات PageV12P363 فلهذا صار من ~~بعده متنازعين في هذا الباب ( فالطائفة ( الذين يقولون لفظنا وتلاوتنا غير ~~مخلوقة ينتسبون إليه ويزعمون أن هذا آخر قوليه أو يطعنون فيما يناقض ذلك ~~عنه أو يتأولون كلامه بما لم يرده # و ( الطائفة ( الذين يقولون أن التلاوة مخلوقة والقرآن المنزل الذى نزل ~~به جبريل مخلوق وان الله لم يتكلم بحروف القرآن يقولون أن هذا قول أحمد ~~وأنهم موافقوه كما فعل ذلك أبو الحسن الأشعرى فيما ذكره عن أحمد وفسر به ~~كلامه وذكر أنه موافقه وكما ذكر القاضي أبو بكر الباقلانى في تنزيه أصحابه ~~من مخالفة السنة وأئمتها كالامام أحمد وكما فعله أبو نعيم الاصبهانى في ~~كتابه المعروف في ذلك وكما فعله أبو ذر الهروى والقاضى عبد الوهاب المالكى ~~وكما فعله أبو بكر البيهقى في الإعتقاد في مناقب الامام أحمد وروى عنه أنه ~~قال لفظى بالقرآن مخلوق وتأول ما استفاض عنه من الانكار على من قال لفظى ~~بالقرآن ( غير ) مخلوق على أنه أراد الجهمى المحض الذى يزعم أن القرآن الذى ~~لم ينزل مخلوق # وكذلك أيضا افترى بعض الناس على البخارى الامام صاحب ( الصحيح ( أنه كان ~~يقول لفظى ms3932 بالقرآن مخلوق وجعلوه من ( اللفظية ( حتى وقع بينه وبين أصحابه ~~مثل محمد بن يحيى الذهلى PageV12P364 وأبى زرعة وأبى حاتم وغيرهم بسبب ذلك ~~وكان في القضية أهواء وظنون حتى صنف ( كتاب خلق الأفعال ) وذكر فيه ما رواه ~~عن أبي قدامة عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال ما زلت أسمع أصحابنا يقولون ~~أفعال العباد مخلوقة وذكر فيه ما يوافق ما ذكره في آخر كتابه ( الصحيح ( من ~~أن القرآن كلام الله غير مخلوق وان الله يتكلم بصوت وينادى بصوت وساق في ~~ذلك من الأحاديث الصحيحة والآثار ما ليس هذا موضع بسطه وبين الفرق بين ~~الصوت الذى ينادى الله به وبين الصوت الذى يسمع من العباد وان الصوت الذى ~~تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من القارىء وبين دلائل ذلك وأن أفعال ~~العباد وأصواتهم مخلوقة والله تعالى بفعله وكلامه غير مخلوق # وقال في قوله ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) إن حدثه ليس كحدث ~~المخلوقين وذكر قول النبى ( أن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن ~~لا تكلموا في الصلاة ( وذكر عن علماء السلف أن خلق الرب للعالم ليس هو ~~المخلوق بل فعله القائم به غير مخلوق وذكر عن نعيم بن حماد الخزاعى أن ~~الفعل من لوازم الحياة وان الحى لا يكون إلا فعالا إلى غير ذلك من المعانى ~~التى تدل على علمه وعلم السلف بالحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول ~~PageV12P365 # وذكر أن كل واحدة من طائفتى ( اللفظية المثبتة والنافية ( تنتحل أبا عبد ~~الله وأن أحمد بن حنبل كثير مما ينقل عنه كذب وأنهم لم يفهموا بعض كلامه ~~لدقته وغموضه وأن الذى قاله وقاله الامام أحمد هو قول الأئمة والعلماء وهو ~~الذى دل عليه الكتاب والسنة ورأيت بخط القاضي أبى يعلى رحمه الله على ظهر ( ~~كتاب العدة ( بخطه قال نقلت من آخر ( كتاب الرسالة ( للبخارى في أن القراءة ~~غيرالمقروء وقال وقع عندى عن أحمد بن حنبل على اثنين وعشرين وجها كلها ~~يخالف بعضها بعضا والصحيح عندى أنه قال ms3933 ما سمعت عالما يقول لفظى بالقرآن ~~غير مخلوق قال وافترق أصحاب أحمد إبن حنبل على نحو من خمسين قال أبو عبد ~~الله البخارى قال بن حنبل ( اللفظى ( الذى يقول القرآن بألفاظنا مخلوق # وكان ( أيضا ( قد نبغ في أواخر عصر أبى عبد الله من الكلابية ونحوهم ~~أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصرى الذى صنف مصنفات رد فيها ~~على الجهمية والمعتزلة وغيرهم وهو من متكلمة الصفاتية وطريقته يميل فيها ~~إلى مذهب أهل الحديث والسنة لكن فيها نوع من البدعة لكونه أثبت قيام الصفات ~~بذات الله ولم يثبت قيام الامور الاختيارية بذاته ولكن له في الرد على ~~الجهمية نفاة الصفات والعلو من الدلائل والحجج وبسط القول ما بين به فضله ~~PageV12P366 في هذا الباب وافساده لمذاهب نفاة الصفات بأنواع من الأدلة ~~والخطاب وصار ما ذكره معونة ونصيرا وتخليصا من شبههم لكثير من أولى الألباب ~~حتى صار قدوة وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات ~~وناقضوا نفاتها وإن كانوا قد شركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التى أوجبت فساد ~~بعض ماقالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول # وكان ممن اتبعه الحارث المحاسبى وأبو العباس القلانسى ثم أبو الحسن ~~الأشعرى وأبو الحسن بن مهدى الطبرى وأبو العباس الضبعى وأبو سليمان الدمشقى ~~وأبو حاتم البستى وغير هؤلاء المثبتين للصفات المنتسبين إلى السنة والحديث ~~المتلقبين بنظار أهل الحديث # وسلك طريقة إبن كلاب في الفرق بين ( الصفات اللازمة ( كالحياة و ( الصفات ~~الاختيارية ( وان الرب يقوم به الأول دون الثانى كثير من المتأخرين من ~~أصحاب مالك والشافعى وأحمد كالتميميين أبى الحسن التميمى وإبنه أبى الفضل ~~التميمى وإبن إبنه رزق الله التميمى وعلى عقيدة الفضل التى ذكر أنها عقيدة ~~أحمد أعتمد أبو بكر البيهقى فيما ذكره من مناقب أحمد من الإعتقاد # وكذلك سلك طريقة إبن كلاب هذه أبو الحسن بن سالم واتباعه PageV12P367 ( ~~السالمية ( والقاضى أبو يعلى وأتباعه كابن عقيل وأبى الحسن بن الزاغونى وهى ~~طريقة أبى المعالى الجوينى وأبى الوليد الباجي والقاضى أبى بكر بن ms3934 العربى ~~وغيرهم لكنهم افترقوا في القرآن وفى بعض المسائل على قولين بعد اشتراكهم في ~~الفرق الذى قرره إبن كلاب كما قد بسط كلام هؤلاء في مواضع أخر # والامام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون عن هذا الأصل ~~الذى أحدثه إبن كلاب ويحذرون عن أصحابه وهذا هو سبب تحذير الامام أحمد عن ~~الحارث المحاسبى ونحوه من الكلابية # ولما ظهر هؤلاء ظهر حينئذ من المنتسبين إلى إثبات الصفات من يقول إن الله ~~لم يتكلم بصوت فانكر أحمد ذلك وجهم من يقوله وقال هؤلاء الزنادقة إنما ~~يدورون على التعطيل وروى الآثار في أن الله يتكلم بصوت وكذلك أنكر على من ~~يقول إن الحروف مخلوقة قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في ( كتاب السنة ( قلت ~~لأبى إن ها هنا من يقول إن الله لا يتكلم بصوت فقال يا بنى هؤلاء جهمية ~~زنادقة إنما يدورون على التعطيل وذكر الآثار في خلاف قولهم PageV12P368 # وكذلك البخارى صاحب ( الصحيح ( وسائر الأئمة أنكروا ذلك أيضا وروى ~~البخارى في آخر ( الصحيح ( وفى ( كتاب خلق الأفعال ( ما جاء في ذلك من ~~الآثار وبين الفرق بين صوت الله الذى يتكلم به وبين أصوات العباد بالقرآن ~~موافقة منه للإمام أحمد وغيره من الأئمة حيث بين ان الله يتكلم بصوت كما ~~جاءت به الآثار وان ذلك ليس صوت العبد بالقراءة بل ذلك هو صوت العبد كما قد ~~نص على ذلك كله في مواضع وعامة أئمة السنة والحديث على هذا الاثبات ~~والتفريق لا يوافقون قول من يزعم أن الكلام ليس فيه حرف ولا صوت ولا ~~يوافقون قول من يزعم أن الصوت المسموع من القراء وألفاظهم قديمة ولايقولون ~~أن القرآن ليس إلا الحروف والأصوات # وقد كتبت كلام ( الامام أحمد ( ونصوصه وكلام الأئمة قبله وبعده في غير ~~هذا الموضع فإن جواب هذه ( المسألة ( لايحتمل البسط الكثير ولم يكن في كلام ~~الامام أحمد ولا الأئمة أن الصوت الذى تكلم الله به قديم بل يقولون لم يزل ~~الله متكلما وقد يقولون لم يزل الله متكلما ms3935 إذا شاء بما شاء كما يقول ذلك ~~الامام أحمد وإبن المبارك وغيرهما # وكذلك قد تنازع الناس في زمنهم وبعده من أصحابهم وغيرهم في معنى كون ~~القرآن غير مخلوق هل المراد به أن نفس الكلام قديم PageV12P369 أزلى كالعلم ~~أو أن الله لم يزل موصوفا بانه متكلم يتكلم إذا شاء على قولين ذكرهما ~~الحارث المحاسبى عن أهل السنة وأبو بكر عبد العزيز في ( كتاب الشافى ( عن ~~أصحاب الامام أحمد وذكرهما أبو عبد الله إبن حامد في كتابه ( أصول الدين ( ~~والنزاع في ذلك بين سائر طوائف السنة والحديث وهذا مبنى على أصل ( الصفات ~~الفعلية الاختيارية ( والنزاع فيه بين جميع الطوائف من أهل الحديث والسنة ~~والفقه والتصوف ومن دخل معهم من أهل المذاهب الأربعة وبين سائر الفرق حتى ~~بين الفلاسفة أيضا وقد حققت ذلك في غير هذا الموضع # وهذا منشأ نزاع الذين وافقوا السلف على ان القرآن كلام الله غير مخلوق ~~فإن هؤلاء تنازعوا في أن الرب هل يتكلم بمشيئته وقدرته على قولين فالذين ~~وافقوا بن كلاب قالوا أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل كلامه لازم لذاته ~~كحياته ثم من هؤلاء من عرف أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة العين فلم ~~يمكنه ان يقول القديم هو الحروف والاصوات لانها لا تكون الا متعاقبة والصوت ~~لا يبقى زمانين فضلا عن ان يكون قديما فقال القديم هو معنى واحد لامتناع ~~معانى لا نهاية لها وامتناع التخصيص بعدد دون عدد فقالوا هو معنى واحد ~~وقالوا ان الله لا يتكلم بالكلام العربى والعبرى وقالوا ان معنى التوراة ~~والانجيل والقرآن وسائر كلام الله معنى واحد PageV12P370 ومعنى آية الكرسى ~~واية الدين معنى واحد إلى غير ذلك من اللوازم التى يقول جمهور العقلاء انها ~~معلومة الفساد بضرورة العقل ومن هؤلاء من عرف ان الله تكلم بالقرآن العربى ~~والتوراة العبرية وانه نادى موسى بصوت وينادى عباده بصوت وان القرآن كلام ~~الله حروفه ومعانيه لكن اعتقدوا مع ذلك انه قديم العين وان الله لم يتكلم ~~بمشيئته وقدرته فالتزموا انه حروف واصوات قديمة الاعيان ms3936 لم تزل ولا تزال ~~وقالوا ان الباء لم تسبق السين والسين لم تسبق الميم وان جميع الحروف ~~مقترنة بعضها ببعض اقترانا قديما ازليا لم يزل ولا يزال وقالوا هي مترتبة ~~في حقيقتها وماهيتها غير مترتبة في وجودها وقال كثير منهم أنها مع ذلك شيء ~~واحد إلى غير ذلك من ( اللوازم ) التى يقول جمهور العقلاء انها معلومة ~~الفساد بضرورة العقل # ومن هؤلاء من يقول هو قديم ولا يفهم معنى القديم فاذا سئل عن ذلك قال هي ~~قديمة في العلم ولا يعلم ان المخلوقات كالسماء والأرض بهذه المثابة مع انها ~~مخلوقة ومنهم من يقول قديم بمعنى انه متقدم على غيره ولا يعرف ان الذين ~~قالوا انه مخلوق لا ينازعون في انه قديم بهذا المعنى ومنهم من يقول ان ~~مرادنا بانه قديم انه غير مخلوق ولا يفهم انه مع ذلك يكون ازليا لم يزل ~~وهؤلاء سمعوا PageV12P371 ممن يوافقهم على انه غير مخلوق قالوا هو قديم ~~فوافقوا على انه قديم ولم يتصوروا ما يقولونه # كما ان من الناس من قال هو غير مخلوق واراد بذلك انه غير مكذوب وهذا مما ~~لم يتنازع فيه الناس كما لم يتنازعوا في انه قديم بمعنى انه متقدم على غيره # و ( القول الثانى ( قول من يقول ان الله يتكلم بمشيئته وقدرته مع ان ~~كلامه غير مخلوق وهذا قول جماهير اهل السنة والنظر وائمة السنة والحديث لكن ~~من هؤلاء من اعتقد ان الله لم يكن يمكنه ان يتكلم في الازل بمشيئته كما لم ~~يكن يمكنه عندهم ان يفعل في الازل شيئا فالتزموا انه تكلم بمشيئته بعد ان ~~لم يكن متكلما كما انه فعل بعد ان لم يكن فاعلا وهذا قول كثير من اهل ~~الكلام والحديث والسنة # ) # وأما السلف والائمة فقالوا ان الله يتكلم بمشيئته وقدرته وان كان مع ذلك ~~قديم النوع بمعنى انه لم يزل متكلما اذا شاء فان الكلام صفة كمال ومن يتكلم ~~اكمل ممن لا يتكلم ومن يتكلم بمشيئته وقدرته اكمل ممن لا يكون متكلما ~~بمشيئته وقدرته ومن ms3937 لا يزال متكلما بمشيئته وقدرته اكمل ممن يكون الكلام ~~ممكنا له بعد ان يكون ممتنعا منه أو قدر أن ذلك ممكن فكيف اذا PageV12P372 ~~كان ممتنعا لامتناع ان يصير الرب قادرا بعد ان لم يكن وان يكون التكلم ~~والفعل ممكنا بعد ان كان غير ممكن كما قد بسط هذا في مواضع آخر # وكانت ( اللفظية الخلقية ( من أهل الحديث يقولون نقول أن ألفاظنا بالقرآن ~~مخلوقة وان التلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء و ( اللفظية المثبتة ( ~~يقولون نقول أن الفاظنا بالقرآن غير مخلوقة والتلاوة هي المتلو والقراءة هي ~~المقروء # وأما المنصوص الصريح عن الامام أحمد وأعيان أصحابه وسائر أئمة السنة ~~والحديث فلا يقولون مخلوقة ولا غير مخلوقة ولا يقولون التلاوة هي المتلو ~~مطلقا ولا غير المتلو مطلقا كما لا يقولون الاسم هو المسمى ولا غير المسمى # وذلك أن ( التلاوة والقراءة ( كاللفظ قد يراد به مصدر تلى يتلو تلاوة ~~وقرأ يقرأ قراءة ولفظ يلفظ لفظا ومسمى المصدر هو فعل العبد وحركاته وهذا ~~المراد باسم التلاوة والقراءة واللفظ مخلوق وليس ذلك هو القول المسموع الذى ~~هو المتلو وقد يراد باللفظ الملفوظ وبالتلاوة المتلو وبالقراءة المقروء وهو ~~القول المسموع وذلك هو المتلو ومعلوم أن القرآن المتلو الذى يتلوه العبد ~~ويلفظ PageV12P373 به غير مخلوق وقد يراد بذلك مجموع الأمرين فلا يجوز ~~إطلاق الخلق على الجميع ولا نفى الخلق عن الجميع # وصار ( إبن كلاب ( يريد بالتلاوة القرآن العربى وبالمتلو المعنى القائم ~~بالذات وهؤلاء إذا قالوا التلاوة غير المتلو وهى مخلوقة كان مرادهم أن الله ~~لم يتكلم بالقرآن العربى بل عندهم أن القرآن العربى مخلوق وهذا لم يقله أحد ~~من أئمة السنة والحديث ويظن هؤلاء أنهم يوافقون البخارى أو غيره ممن قد ~~يفرق بين التلاوة والمتلو وليس الأمر كذلك # ومن الآخرين من يقول ( التلاوة ( هي المتلو ويريد بذلك أن نفس ما تكلم ~~الله به من الحروف والأصوات هو الأصوات المسموعة من القراء حتى يجعل الصوت ~~المسموع من العبد هو صوت الرب وهؤلاء يقولون نفس صوت المخلوق وصفته هي عين ms3938 ~~صفة الخالق وهؤلاء ( اتحادية حلولية في الصفات ( يشبهون النصارى من بعض ~~الوجوه وهذا لم يقله أحد من أئمة السنة # ويظن هؤلاء أنهم يوافقون أحمد وإسحاق وغيرهما ممن ينكر على اللفظية وليس ~~الأمر كذلك فلهذا كان المنصوص عن الامام أحمد وأئمة السنة والحديث أنه لا ~~يقال ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ولا غير PageV12P374 مخلوقة ولا أن التلاوة هي ~~المتلو مطلقا ولا غير المتلو مطلقا فان اسم القول والكلام قد يتناول هذا ~~وهذا ولهذا يجعل الكلام قسيما للعمل ليس قسما منه في مثل قوله تعالى ( إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وقد يجعل قسما منه كما في قوله ( ~~فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) قال طائفة من السلف عن قول لا ~~إله إلا الله ومنه قول النبى في الحديث الصحيح ( لا حسد إلا في اثنتين رجل ~~آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار فقال رجل لو أن لى مثل ما ~~لفلان لعملت فيه مثل مايعمل ( ولهذا تنازع أصحاب أحمد فيمن حلف لايعمل ~~اليوم عملا هل يحنث بالكلام على قولين ذكرهما القاضي أبو يعلى وغيره # ولم تكن ( اللفظية الخلقية ( ينكرون كون القرآن كلام الله حروفه ومعانيه ~~وأن الله يتكلم بصوت بل قد يقولون القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه فإن ~~الله يتكلم بصوت كما نص عليه أحمد والبخارى وغيرهما من الأئمة وكما جاءت به ~~الآثار ولكن يقولون المنزل إلى الأرض من الحروف والمعانى ليس هو نفس كلام ~~الله الذى ليس بمخلوق بل ربما سموها حكاية عن كلام الله كما يقوله بن كلاب ~~أو عبارة عن كلام الله كما يقوله الأشعرى وربما سموها كلام الله لأن المعنى ~~مفهوم عندهم PageV12P375 # ولكن لما حدث أبو محمد بن كلاب وناظر المعتزلة بطريق قياسية سلم لهم فيها ~~أصولا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف وامتناع قيام ( الصفات ~~الاختيارية ( بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك ~~لأن ذلك يستلزم أنه لم يخل من الحوادث وما لم يخل من الحوادث فهو حادث ~~اضطره ذلك إلى أن ms3939 يقول ليس كلام الله إلا مجرد المعنى وان الحروف ليست من ~~كلام الله وتابعه على ذلك أبو الحسن الأشعرى وإن تنازعا في ان الرب كان في ~~الأزل آمرا ناهيا أو صار أمرا ناهيا بعد أن لم يكن وفى أن ( الكلام ( هل هو ~~صفة واحدة كما يقوله الأشعرى أو خمس صفات كما يقوله إبن كلاب # وصار هؤلاء مخالفين لأئمة السنة والحديث في شيئين # ( أحدهما ) أن نصف القرآن من كلام الله والنصف الآخر ليس كلام الله عندهم ~~بل خلقه الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ أو أحدثه جبريل أو محمد وهؤلاء ~~في كونهم جعلوا نصف القرآن مخلوقا موافقين لمن قال بخلقه لكن هؤلاء يقولون ~~ان هذا النصف المخلوق كلام الله وأولئك يقولون هو مخلوق منفصل عن الله وهو ~~كلامه لكن أولئك لا يجعلون لله كلاما متصلا به قائما بنفسه ولا معاني ولا ~~حروفا وهؤلاء يقولون لله كلام قائم به PageV12P376 متصل به هو معنى فصار ~~أولئك أشد بدعة في نفيهم حقيقة الكلام عن الله وفى جعلهم كلام الله مخلوقا ~~وهؤلاء أشد بدعة في إخراجهم ما هو من كلام الله عن أن يكون من كلام الله ~~وصاروا في هذا موافقين الوحيد في بعض قوله لا في كله وهو قولهم أن نصف ~~القرآن ليس قول الله بل قول البشر # وربما استدل بعضهم بأنه مضاف إلى الرسول فيكون هو أحدث حروفه ولم يتأمل ~~هذا القائل فيرى أنه أضافه تارة إلى رسول هو جبريل وتارة إلى رسول هو محمد ~~بقوله في الآية الأولى ( أنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ~~ثم أمين ) فهذا جبريل ( وقال في الآية الأخرى ) ( أنه لقول رسول كريم وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) وهذا محمد ~~فلو كانت إضافته إليه لأنه ابتدأ حروفه وأحدثها لم يصلح أن يضاف إلى كل ~~منهما لا متناع أن يكون كل منهما هو أحدث حروفه ولأنه قال ( انه لقول رسول ~~) وهذا إخبار عن القرآن الذى هو ms3940 بالمعنى أحق عندهم وعند أهل السنة أيضا فلو ~~كان الرسول ابتدأه لكان القرآن من عنده لا من عند الله وإنما أضافه الله ~~إلى الرسول لأنه بلغه وأداه وجاء به من عند الله ولهذا قال ( لقول رسول ) ~~ولم يقل لقول ملك ولا نبى بل جاء باسم الرسول ليتبين PageV12P377 أنه واسطة ~~فيه وسفير والكلام كلام لمن اتصف به مبتدئا منشئا لا لمن تكلم به مبلغا ~~مؤديا كما يقال مثل ذلك في جميع كلام الناس فكيف بكلام الله وهذا على القول ~~المشهور في التفسير المطابق لظاهر القرآن أن الرسول في أحد الموضعين محمد ~~وفى الآخر جبريل عليه السلام # وأما على قول طائفة جعلته في الموضعين جبريل فيكون الجواب هو الثانى ~~والاثبات في الحقيقة حجة لمن يقول إنما يتكلم بكلام الله ويقول قوله لأنه ~~جعل الرسول يقول قول الله الذى أرسله به والمعنى يراد من هذا قطعا كما أريد ~~منه اللفظ أيضا # وأيضا فان هؤلاء جعلوا الكلام الذى يتصف الله به معنى واحدا وهو الأمر ~~والنهى والخبر والاستخبار وأنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن وأن عبر ~~عنه بالعبرية كان هو التوراة وإن عبر عنه بالسريانية كان هو الانجيل وهذا ~~مما أجمع جمهور العقلاء على أن فساده معلوم بالضرورة # و ( المعنى الثانى ( الذى خالفوا فيه أهل السنة والجماعة قولهم إن القرآن ~~المنزل إلى الأرض ليس هو كلام الله لا حروفه ولا معانيه بل هو مخلوق عندهم ~~ويقولون هو عبارة عن المعنى القائم بالنفس لأن PageV12P378 العبارة لا تشبه ~~المعبر عنه بخلاف الحكاية والمحكى وهذا فيه من زيادة البدع ما لم يكن في ~~قول ( اللفظية ( من أهل الحديث الذين أنكر عليهم أئمة السنة وقالوا هم ( ~~جهمية ( إذ جعلوا الحروف من إحداث الرسول وليست مما تكلم الله به بحال ~~وقالوا أنه ليس لله في الأرض كلام ولم يكن أيضا في ( اللفظية ( القدماء ~~الذين يقولون لفظنا بالقرآن غير مخلوق من يقول إن صوت العبد غير مخلوق أو ~~أن الصوت القديم يسمع من العبد أو أن هذا الصوت ms3941 صوت الله أو يسمع معه صوت ~~الله وإنما أحدث هذا أيضا المتطرفون منهم كما أحدث المتطرفون من أولئك أن ~~حروف القرآن ليست كلام الله فإن هاتين ( البدعتين ( الشنيعتين لم تكونا بعد ~~ظهرتا في أولئك المنحرفين الذين أنكر الامام أحمد وغيره قولهم من الطائفتين ~~وأن القرآن ليس إلا مجرد معنى قائم بالنفس وذلك المعنى إليه يعود كلام الله ~~من التوراة والانجيل والقرآن # و ( الأخرى ( قد رأت حروف القرآن من كلام الله وان القرآن كلام الله ~~حروفه ومعانيه وان المعنى الواحد يمتنع أن يكون هو الأمر والنهى والخبر ~~والاستخبار وأنه يمتنع أن يكون مدلول التوراة والانجيل والقرآن واحدا ~~وعلموا أنا إذا ترجمنا التوراة بالعربية لم يصر معناها معنى القرآن وأن هذه ~~الأقوال معلومة الفساد PageV12P379 بالضرورة عارضها بعضها لأن القرآن حرف ~~وصوت واعتقد بعضهم أنه ليس القرآن والكلام إلا مجرد الحروف والأصوات وأولئك ~~يقولون ليس الكلام إلا مجرد المعنى القائم بالنفس # وكلا هذين السلبين الجحودين الحادثين خلاف ما كان عليه الأئمة كالامام ~~أحمد وغيره من الأئمة وأعيان العلماء من سائر الطوائف فان الكلام عندهم إسم ~~للحروف والمعانى جميعا كما أن ( الانسان ( الناطق المتكلم اسم للجسد والروح ~~جميعا ومن قال أن الانسان ليس إلا هذه الجملة المشاهدة فهو بمنزلة من قال ~~ليس الكلام إلا الأصوات المقطعة ومن قال أن الانسان ليس إلا لطيفة وراء هذا ~~الجسد فهو بمنزلة من قال أن الكلام ليس إلا معنى وراء هذه الحروف والأصوات ~~وكلاهما جحد لبعض حقائق مسميات الاسماء وإنكار لحدود ماأنزل الله على رسوله # ( ### ||| فصل # ( # ثم إن فروخ ( اللفظية النافية ( الذين يقولون بأن حروف القرآن ليست من ~~كلام الله تروى عن منازعيها أنهم يقولون القرآن ليس هو إلا الأصوات ~~المسموعة من العبد وإلا المداد المكتوب في الورق PageV12P380 وإن هذه ~~الاصوات وهذا المداد قديمان وهذا القول ما قاله أحد ممن يقول أن القرآن ليس ~~إلا الحروف والأصوات بل أنكروا ذلك وردوه وكذبوا من نقل عنهم أن المداد ~~قديم ولكن هذا القول قد يقوله الجهال المتطرفون كما يحكى عن ms3942 أعيانهم مثل ~~سكان بعض الجبال أن الورق والجلد والوتد وما أحاط به من الحائط كلام الله ~~أو ما يشبه هذا اللغو من القول الذى لا يقوله مسلم ولا عاقل # وفروخ ( اللفظية المثبتة ( الذين يقولون أن القرآن ليس إلا الحروف والصوت ~~تحكى عن منازعيها ان القرآن ليس محفوظا في القلوب ولا متلوا بالألسن ولا ~~مكتوبا في المصاحف وهذا أيضا ليس قولا لأولئك بل هم متفقون على أن القرآن ~~محفوظ في القلوب متلو بالألسنة مكتوب في المصاحف لكن جهالهم وغاليتهم إذا ~~تدبروا حقيقة قول مقتصديهم أن القرآن العربى لم يتكلم الله به وأنه ليس إلا ~~معنى واحد قائم بالذات وأصوات العباد ومداد المصحف يدل على ذلك المعنى وأنه ~~ليس لله في الأرض كلام في الحقيقة وليس في الأرض إلا ما هو دال على كلام ~~الله ولم يقل إلا ما هو دال على كلام الله وكلام الله إن عبر عنه بالعربية ~~كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان ~~إنجيلا وهو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتكلم الرب بمشيئته وقدرته ~~إلى PageV12P381 أمثال ذلك من حقائق قول المقتصدين أسقطوا حرمة المصحف ~~وربما داسوه ووطؤه وربما كتبوه بالعذرة أو غيرها # وهؤلاء أشد كفرا ونفاقا ممن يقول الجلد والورق كلام الله فان أولئك آمنوا ~~بالحق وبزيادة من الباطل وهؤلاء كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله فسوف ~~يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار ~~يسجرون # وأما أهل العلم بالمقالة وأهل الايمان بالشريعة فيعظمون المصحف ويعرفون ~~حرمته ويوجبون له ما أوجبته الشريعة من الأحكام فانه كان في قولهم نوع من ~~الخطأ والبدعة وفى مذهبهم من التجهم والضلال ما أنكروا به بعض صفات الله ~~وبعض صفات كلامه ورسله وجحدوا بعض ما أنزل الله على رسله وصاروا مخانيثا ~~للجهمية الذكور المنكرين لجميع الصفات لكنهم مع ذلك متأولون قاصدون الحق # وهم مع تجهمهم هذا يقولون أن القرآن مكتوب في المصحف مثل ما أن الله ~~مكتوب في المصحف وأنه ms3943 متلو بالألسن مثل ما أن الله مذكور بالألسن ومحفوظ في ~~القلوب مثل ما أن الله معلوم بالقلوب وهذا القول فيه نوع من الضلال والنفاق ~~والجهل بحدود ما أنزل الله على رسوله ( ما فيه ) وهو الذى أوقع الجهال في ~~الاستخفاف بحرمة PageV12P382 آيات الله وأسمائه حتى ألحدوا في أسمائه ~~وآياته كما أن اطلاق الأولين أنه ليس للقرآن حقيقة إلا الحروف والأصوات ولا ~~يفرق بين صوت الله المسموع منه وصوت القارىء وإن القرآن قديم أوقع الجهال ~~منهم والكاذبين عليهم في نقلهم عنهم أن أصوات العباد والمداد الذى في ~~المصحف قديم وان الحروف التى هي كلام الله هي المداد وان كانوا لم يقولوا ~~ذلك بل أنكروه كما فرق الله بين الكلمات والمداد في قوله ( قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربى ) فان هؤلاء غلطوا ( ~~غلطين ( غلطا في مذهبهم وغلطا في الشريعة # أما الغلط في ( تصوير مذهبهم ( فكان الواجب أن يقولوا أن القرآن في ~~المصحف مثل ما ان العلم والمعانى في الورق فكما يقال العلم في هذا الكتاب ~~يقال الكلام في هذا الكتاب لأن الكلام عندهم هو المعنى القائم بالذات فيصور ~~له المثل بالعلم القائم بالذات لا بالذات نفسها # وأما الغلط في ( الشريعة ) فيقال لهم أن القرآن في المصاحف مثل ما أن اسم ~~الله في المصاحف فان القرآن كلام فهو محفوظ بالقلوب كما يحفظ الكلام ~~بالقلوب وهو مذكور بالألسنة كما يذكر PageV12P383 الكلام بالألسنة وهو ~~مكتوب في المصاحف والأوراق كما أن الكلام يكتب في المصاحف والأوراق والكلام ~~الذى هو اللفظ يطابق المعنى ويدل عليه والمعنى يطابق الحقائق الموجودة فمن ~~قال أن القرآن محفوظ كما ان الله معلوم وهو متلو كما ان الله مذكور ومكتوب ~~كما ان الرسول مكتوب فقد أخطأ القياس والتمثيل بدرجتين # فإنه جعل وجود الموجودات القائمة بأنفسها بمنزلة وجود العبارة الدالة على ~~المعنى المطابق لها والمسلمون يعلمون الفرق بين قوله تعالى ( أنه لقرآن ~~كريم في كتاب مكنون ) وبين قوله تعالى ( وانه لفى زبر الأولين ) فان القرآن ~~لم ms3944 ينزل على أحد قبل محمد لا لفظه ولا جميع معانيه ولكن أنزل الله ذكره ~~والخبر عنه كما أنزل ذكر محمد والخبر عنه فذكر القرآن في زبر الأولين كما ~~أن ذكر محمد في زبر الأولين وهو مكتوب عندهم في التوراة والانجيل فالله ~~ورسوله معلوم بالقلوب مذكور بالألسن مكتوب في المصحف كما أن القرآن معلوم ~~لمن قبلنا مذكور لهم مكتوب عندهم وإنما ذاك ذكره والخبر عنه وأما نحن فنفس ~~القرآن أنزل الينا ونفس القرآن مكتوب في مصاحفنا كما أن نفس القرآن في ~~الكتاب المكنون وهو في الصحف المطهرة # ولهذا يجب الفرق بين قوله تعالى ( وكل شيء فعلوه في الزبر PageV12P384 ~~وبين قوله تعالى ( وكتاب مسطور في رق منشور ) فان الأعمال في الزبر كالرسول ~~وكالقرآن في زبر الأولين وأما ( الكتاب المسطور في الرق المنشور ( فهو كما ~~يكتب الكلام نفسه والصحيفة فأين هذا من هذا # وذلك أن كل شيء فله ( أربع مراتب ( في الوجود وجود في الأعيان ووجود في ~~الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عيني وعلمى ولفظى ورسمى ~~ولهذا كان أول ما أنزل الله من القرآن ( إقرأ باسم ربك الذى خلق ) وذكر ~~فيها أنه سبحانه معطى الوجودين فقال ( إقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان ~~من علق ) فهذا الوجود العينى ثم قال ( إقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم ~~علم الانسان مالم يعلم ) فذكر أنه أعطى الوجود العلمي الذهنى وذكر التعليم ~~بالقلم لأنه مستلزم لتعليم اللفظ والعبارة وتعليم اللفظ والعبارة مستلزم ~~لتعليم المعنى فدل بذكره آخر المراتب على أولها ( لأنه ) لو ذكر أولها أو ~~أطلق التعليم لم يدل ذلك على العموم والاستغراق # وإذا كان كذلك فالقرآن كلام والكلام له ( المرتبة الثالثة ( ليس بينه ~~وبين الورق مرتبة أخرى متوسطة بل نفس الكلام يثبت في الكتاب كما قال الله ~~تعالى ( أنه لقرآن كريم في كتاب PageV12P385 مكنون ) وقال تعالى ( بل هو ~~قرآن مجيد في لوح محفوظ ) وقال ( يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ) وقال ( ~~كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة ) وقال ms3945 ( ولو نزلنا ~~عليك كتابا في قرطاس ) # وقد يقال إنه مكتوب فيها كما يطلق القول أنه فيها كما قال تعالى ( والطور ~~وكتاب مسطور في رق منشور ) وأما الرب سبحانه أو رسوله أو غير ذلك من ~~الأعيان فإنما في الصحف اسمه وهو من الكلام ولهذا قال ( الذين يتبعون ~~الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل ) وإنما ~~في التوراة كتابته وذكره وصفته واسمه وهى ( المرتبة الرابعة ( منه فكيف ~~يجوز تشبيه كون القرآن أو الكلام في الصحف أو الورق بكون الله أو رسوله أو ~~السماء أو الأرض في الصحف أو الورق # ولو قال قائل الله أو رسوله في الصحف أو الورق لأنكر ذلك إلا مع قرائن ~~تبين المراد كما في قوله ( وكل شيء فعلوه في الزبر ) وفى قوله ( وانه لفي ~~زبر الأولين ) فان المراد بذلك ذكره وكتابته و ( الزبر ( جمع زبور والزبور ~~فعول بمعنى مفعول أى مزبور أى مكتوب فلفظ الزبور يدل على الكتابة وهذا مثل ~~ما في الحديث المعروف عن ميسرة الفجر ( قال قلت يا رسول الله PageV12P386 ~~متى كنت نبيا وفى رواية متى كتبت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد ( رواه ~~أحمد فهذا الكون هو كتابته وتقديره وهو ( المرتبة الرابعة ) كما تقدم # فإن هذه المرتبة تتقدم وجود المخلوقات عند الله وعند من شاء من خلقه وإن ~~كانت قد تتأخر أيضا ف ( إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات ~~والأرض بخمسين ألف سنة ( رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو عن النبى ~~ولهذا قال إبن عباس في قوله ( أنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) ان الله ~~يأمر الملائكة بأن تنسخ من اللوح المحفوظ ما كتبه من القدر ويأمر الحفظة أن ~~تكتب أعمال بنى آدم فتقابل بين النسختين فتكونان سواء ثم يقول بن عباس ~~الستم قوما عربا وهل تكون النسخة إلا من أصل # والتقدير والكتابة تكون تفصيلا بعد جملة فالله تعالى لما قدر مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة لم يظهر ذلك التقدير ~~للملائكة ms3946 ولما خلق آدم قبل أن ينفخ فيه الروح أظهر لهم ما قدره كما يظهر ~~لهم ذلك من كل مولود كما في الصحيح عن إبن مسعود عن النبى أنه قال ( يجمع ~~خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم ~~PageV12P387 يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ~~ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد ( وفى طريق آخر وفى ~~رواية ( ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال اكتب رزقه وعمله وأجله ~~وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ( # فأخبر في هذا الحديث الصحيح أن الملك يؤمر بكتابة رزقه وأجله وعمله وشقي ~~أو سعيد بعد خلق جسد بن آدم وقبل نفخ الروح فيه فكان ما كتبه الله من نبوة ~~محمد الذى هو سيد ولد آدم بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه من هذا الجنس ~~كما في الحديث الآخر الذى في المسند وغيره عن العرباض بن سارية عن النبى ~~قال ( اني عند الله مكتوب خاتم النبيين وان آدم لمنجدل في طينته ( وهذا ~~وأمثاله من وجود الأعيان في الصحف # وأما وجود الكلام في الصحف فنوع آخر ولهذا حكى إبن قتيبة من مذهب أهل ~~الحديث والسنة أن القرآن في المصحف حقيقة لا مجازا كما يقوله بعض المتكلمة ~~وإحدى ( الجهميات ( التى أنكرها أحمد وأعظمها قول من زعم أن القرآن ليس في ~~الصدور ولا في المصاحف وان من قال ذلك فقد قال بقول النصارى كما حكى له ذلك ~~عن موسى PageV12P388 بن عقبة الصورى أحد كتبة الحديث إذ ذاك ليس هو صاحب ~~المغازى فان ذلك قديم من أصحاب التابعين فأعظم ذلك أحمد وذكر النصوص ~~والآثار الواردة وذلك مثل قوله ( استذكروا القرآن فلهو اشد تفصيا من صدور ~~الرجال من النعم من عقلها ( ومثل قوله ( الجوف الذى ليس فيه شيء من القرآن ~~كالبيت الخرب ( وغير ذلك # وليس الغرض هنا الا التنبيه اللطيف # ومن قال أن هذا شبه قول النصارى فلم يعرف قول النصارى ولا قول ms3947 المسلمين ~~أو علم وجحد وذلك أن النصارى تقول أن الكلمة وهى جوهر إله عندهم ورب معبود ~~تدرع الناسوت واتحد به كاتحاد الماء واللبن أو حل فيه حلول الماء في الظرف ~~أو اختلط به اختلاط النار والحديد والمسلمون لا يقولون أن القرآن جوهر قائم ~~بنفسه معبود وإنما هو كلام الله الذى تكلم به ولا يقولون اتحد بالبشر # وأما اطلاق حلوله في المصاحف والصدور فكثير من المنتسبين إلى السنة ~~الخراسانيين وغيرهم يطلق ذلك ومنهم من العراقيين وغيرهم من ينفى ذلك ويقول ~~هو فيه على وجه الظهور لا على وجه الحلول PageV12P389 ومنهم من لا يثبته ~~ولا ينفيه بل يقول القرآن في القلوب والمصاحف لا يقال هو حال ولا غير حال ~~لما في النفى والاثبات من إيهام معنى فاسد وكما يقول ذلك طوائف من الشاميين ~~وغيرهم ولا نزاع بينهم ان كلام الله لا يفارق ذات الله وانه لا يباينه ~~كلامه ولا شيء من صفاته بل ليس شيء من صفة موصوف تباين موصوفها وتنتقل إلى ~~غيره فكيف يتوهم عاقل ان كلام الله يباينه وينتقل إلى غيره # ولهذا قال الامام أحمد كلام الله من الله ليس ببائن منه وقد جاء في ~~الأحاديث والآثار ( انه منه بدأ ومنه خرج ) ومعنى ذلك انه هو المتكلم به لم ~~يخرج من غيره ولا يقتضى ذلك انه باينه وانتقل عنه فقد قال سبحانه في حق ~~المخلوقين ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون إلا كذبا ) ومعلوم ان ~~كلام المخلوق لا يباين محله وقد علم الناس جميعهم أن نقل الكلام وتحويله هو ~~معنى تبليغه كما قال ( بلغ ما أنزل إليك من ربك ) وقال تعالى ( الذين ~~يبلغون رسالات الله ويخشونه ) وقال تعالى ( ليعلم ان قد ابلغوا رسالات ربهم ~~) وقال النبى ( نضر الله امراءا سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب ~~حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه ) وقال ( بلغوا عنى ولو ~~آية ) # والكلام في الورق ليس هو فيه كما تكون الصفة بالموصوف PageV12P390 والعرض ~~بالجوهر بحيث تصير ms3948 صفة له ولا هو فيه كما يكون الجسم في الحيز الذى انتقل ~~إليه من حيز آخر ولا هو فيه كمجرد الدليل المحض بمنزلة العالم الذى هو دليل ~~على الصانع بل هو قسم آخر معقول بنفسه ولا يجب ان يكون لكل موجود نظير ~~يطابقه من كل وجه بل الناس بفطرهم يفهمون معنى كلام المتكلم في الصحيفة ~~ويعلمون ان كلامه الذى قام به لم يفارق ذاته ويحل في غيره ويعلمون أن ما في ~~الصحيفة ليس مجرد دليل على معنى في نفسه ابتداء بل ما في الصحيفة مطابق ~~للفظه ولفظه مطابق لمعناه ومعناه مطابق للخارج وقد يعلم ما في نفسه بأدلة ~~طبعية وبحركات ارادية لم يقصد بها الدلالة ولا يقول أحد ان ذلك الكلام ~~للمتكلم مثل كلامه المسموع منه فلو كان الكلام إنما سمى بذلك لمجرد الدلالة ~~لشاركه كل دليل وسنتكلم ان شاء الله تعالى على ذلك # ولو كان ما في المصحف وجب احترامه لمجرد الدلالة وجب احترام كل دليل بل ~~الدال على الصانع وصفاته أعظم من الدال على كلامه وليست له حرمة كحرمة ~~المصحف والدال على المعنى القائم بنفس الإنسان قد يعلم تارة بغير اختياره ~~وقد يعلم بأصوات طبعية كالبكاء وقد يعلم بحركات لم يقصد بها الدلالة وقد ~~يعلم بحركات يقصد بها الدلالة كالاشارة وقد يعلم باللفظ الذى تقصد به ~~الدلالة PageV12P391 # ( ### ||| فصل # ( وصار هؤلاء الذين غلطوا مذهب ( اللفظية ( وزادوا فيه شرا كثيرا إذ ~~قالوا ( القراءة ( غير المقروء و ( التلاوة ( غير المتلو و ( الكتابة ( غير ~~المكتوب إنما يعنون بالقراءة أصوات القارئين وب ( الكتابة ( مداد الكاتبين ~~ويعنون أن هذا غير المعنى القائم بالذات الذى هو كلام الله وإنما هو دلالة ~~عليه وعبارة عنه وليس عندهم الا قراءة ومقروء فلم يبق إلا صوت ومداد ومعنى ~~قائم بالذات ليس ثم قرآن غير ذلك # وأسقطوا حروف كلام الله التى تكلم بها وحقيقة معانى القرآن التى في نفس ~~الله تعالى وأسقطوا أيضا معانى القرآن التى في نفوس القارئين والمستمعين ~~فانه لا ريب أن القرآن الذى نقرؤه فيه حروف ms3949 ومعانى حروف منطوقة ومسطورة ~~فإذا لم يكن عندهم إلا صوت العبد وحبر المصحف فأين المعانى وأين حروف ~~القرآن التى أنزلها الله وإن كانت عندهم مخلوقة وكيف يتصور أن لا يكون ~~لجميع ما أنزل الله تعالى من الكتب إلا معنى واحد يكون أمرا ونهيا ووعدا ~~ووعيدا PageV12P392 وتكون هذه أوصافه لا أقسامه فان هؤلاء يقولون أن معانى ~~جميع كلام الله معنى واحد فمعنى ( تبت يدا أبى لهب ) هو معنى ( قل هو الله ~~أحد ) ومعنى التوراة هو معنى القرآن والانجيل ثم قد يجعلون معانى الكلام ~~كلها الخبر وقد يجعلون معنى الخبر العلم ويجعلون العلم بهذا غير العلم بهذا # ولهذا كان أكثر العقلاء يقولون فساد هذا معلوم بالاضطرار ويقولون الامر ~~والنهى والخبر صفات اضافية للكلام وليست هي أنواع الكلام وأقسامه وكلام ~~الله شأنه أعظم من شأن كلام المخلوقين والكلام الذى في المصحف هو من هذا ~~القسم الاخير دون الأقسام المتقدمة فكيف إذا كان لذلك اللفظ من الخصائص ما ~~قيل فيه ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) # لكن من الاشياء ما يدل على غيره بقصد منه ( ومنها ما يدل على ) غيره ( ~~بغيره قصد منه ) للدلالة كالجامدات فان فيها مقاصد غير دلالتها على ( ~~الخالق ) ومن الأشياء مالا يقصد به إلا الدلالة بحيث إذا ذكر ما يقصد بذكره ~~ذكر مدلوله كالاسم مع مسماه فالمقصود من الاسم هو المسمى فلهذا إذا ذكر ~~الاسم كان المقصود به المسمى وكذلك ( اللفظ ( مع المعنى الذى هو مدلوله ~~وكذلك ( الخط ( مع اللفظ فالمقصود من الخط PageV12P393 إنما هو اللفظ ~~والمقصود من الحروف المرسومة هو الحروف المنطوقة ولهذا كان لفظ الحرف مقولا ~~عليهما جميعا فإذا قيل الكلام من الكتاب عرف ان المقصود مما في الكتاب هو ~~الكلام دون غيره ولهذا كان لهذا من الاختصاص بالحرمة ما ليس لما يقصد منه ~~الدلالة وغير الدلالة والله أعلم # ( ### ||| فصل # ( وصار أولئك الذين غلطوا مذهب ( اللفظية المثبتة ( الذى يقولون لفظنا ~~بالقرآن غير مخلوق ويقولون ( التلاوة ms3950 ( هي المتلو و ( الكتابة ( هي المكتوب ~~وما عندهم من القرآن إلا ما توهموا من الحروف والأصوات يلتزم أحدهم أن ~~الصوت القديم يسمع من القارىء ويوهمون المخالف لهم أن عين الصوت المسموع من ~~العبد هو عين الصوت الذى تكلم الله به وينكرون معانى حقائق القرآن أن تكون ~~من كلام الله ولا يجعلون المعنى من كلام الله وكان السلف يقولون القرآن ~~كلام الله غير مخلوق والقرآن حيث تصرف فهو كلام الله غير مخلوق # و ( اللفظية المبتدعة المثبتة ( الذين انكر عليهم الامام أحمد وغيره ~~PageV12P394 إنما قالوا لفظنا به غير مخلوق ولم يقولوا قديم فجاءت المغلطة ~~لمذهبهم فقالوا لفظنا به قديم ولفظنا به أصواتنا فأصواتنا به قديمه والامام ~~أحمد وسائر الأئمة من أصحابه الذين صحبوه وغيرهم ومن بعدهم من الأئمة ~~ينكرون هذه ( المراتب الأربع ( فانهم ينكرون أن يقال لفظى به غير مخلوق ~~فكيف لفظى به قديم فكيف صوتى به غير مخلوق فكيف صوتى به قديم أو بعض الصوت ~~المسموع قديم ونحو ذلك # ( ### ||| فصل # ( # ومن تأمل نصوص ( الامام أحمد ( في هذا الباب وجدها من أسد الكلام وأتم ~~البيان ووجد كل طائفة منتسبة إلى السنة قد تمسكت منها بما تمسكت ثم قد يخفى ~~عليها من السنة في موضع آخر ما ظهر لبعضها فتنكره # ومنشأ النزاع بين أهل الأرض والاضطراب العظيم الذى لا يكاد ينضبط في هذا ~~الباب يعود إلى ( أصلين ( # ( مسألة ( تكلم الله بالقرآن وسائر كلامه # و ( مسألة ( تكلم العباد بكلام الله PageV12P395 وسبب ذلك أن التكلم ~~والتكليم له مراتب ودرجات وكذلك تبليغ المبلغ لكلام غيره له وجوه وصفات ومن ~~الناس من يدرك من هذه الدرجات والصفات بعضها وربما لم يدرك إلا أدناها ثم ~~يكذب بأعلاها فيصيرون مؤمنين ببعض الرسالة كافرين ببعضها ويصير كل من ~~الطائفتين مصدقة بما أدركته مكذبة بما مع الآخرين من الحق وقد بين الله في ~~كتابه وسنة رسوله ذلك فقال تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ) وقال تعالى ( إنا ms3951 أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود ~~زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما ( وقال ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ) # ففى هذه الآية خص بالتكليم بعضهم وقد صرح في الآية الأخرى بأنه كلم موسى ~~تكليما واستفاضت الآثار بتخصيص موسى بالتكليم فهذا التكليم الذى خص به موسى ~~على نوح وعيسى ونحوهما ليس هو PageV12P396 التكليم العام الذى قال فيه ( ~~وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء ) فإن هذه الآية قد جمع فيها جميع درجات التكليم كما ذكر ذلك ~~السلف # فروينا في كتاب ( الابانة ( لأبى نصر السجزى وكتاب البيهقى وغيرهما عن ~~عقبة قال سئل إبن شهاب عن هذه الآية ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء إنه على حكيم ) قال بن ~~شهاب نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من البشر فكلام الله الذى كلم ~~به موسى من وراء حجاب والوحى ما يوحى الله إلى النبى من أنبيائه عليهم ~~السلام ليثبت الله عز وجل ما أراد من وحيه في قلب النبى ويكتبه وهو كلام ~~الله ووحيه ومنه ما يكون بين الله وبين رسله ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا ~~يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابته ولكنهم يحدثون به الناس حديثا ويبينونه ~~لهم لأن الله أمرهم أن يبينوه للناس ويبلغوهم إياه ومن الوحى ما يرسل الله ~~به من يشاء ممن اصطفاه من ملائكته فيكلمون به انبياءه من الناس ومن الوحى ~~ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحيه وحيا في قلب من يشاء من رسله # قلت فالأول الوحى وهو الاعلام السريع الخفى إما في اليقظة PageV12P397 ~~وإما في المنام فان ms3952 رؤيا الأنبياء وحى ورؤيا المؤمنين جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة كما ثبت ذلك عن النبى في الصحاح وقال عبادة بن الصامت ويروى ~~مرفوعا رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام ( وكذلك في ( اليقظة ~~( فقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( قد كان في الأمم قبلكم محدثون فان ~~يكن في أمتى فعمر ( وفى رواية في الصحيح ( مكلمون ( وقد قال تعالى ( وإذ ~~أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى ( وقال تعالى ( وأوحينا إلى أم ~~موسى أن أرضعيه ) بل قد قال تعالى ( وأوحى في كل سماء أمرها ) وقال تعالى ( ~~وأوحى ربك إلى النحل ) # فهذا الوحى يكون لغيرالأنبياء ويكون يقظة ومناما وقد يكون بصوت هاتف يكون ~~الصوت في نفس الانسان ليس خارجا عن نفسه يقظة ومناما كما قد يكون النور ~~الذى يراه أيضا في نفسه فهذه ( الدرجة ( من الوحى التى تكون في نفسه من غير ~~ان يسمع صوت ملك في أدنى المراتب وآخرها وهى أولها باعتبار السالك وهى التى ~~أدركتها عقول الالهيين من فلاسفة الاسلام الذين فيهم اسلام وصبوء فآمنوا ~~ببعض صفات الأنبياء والرسل وهو قدر مشترك بينهم وبين غيرهم ولكن كفروا ~~بالبعض فتجد بعض PageV12P398 هؤلاء يزعم أن النبوة مكتسبة أو أنه قد استغنى ~~عن الرسول أو ان غير الرسول قد يكون أفضل منه وقد يزعمون أن كلام الله ~~لموسى كان من هذا النمط وأنه إنما كلمه من سماء عقله وان الصوت الذى سمعه ~~كان في نفسه أو أنه سمع المعنى فائضا من العقل الفعال أو أن أحدهم قد يصل ~~إلى مقام موسى # ومنهم من يزعم أنه يرتفع فوق موسى ويقولون إن موسى سمع الكلام بواسطة ما ~~في نفسه من الأصوات ونحن نسمعه مجردا عن ذلك ومن هؤلاء من يزعم أن جبريل ~~الذى نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الخيال النورانى الذى يتمثل في ~~نفسه كما يتمثل في نفس النائم ويزعمون أن القرآن أخذه محمد عن هذا الخيال ~~المسمى بجبريل عندهم ولهذا قال بن عربى صاحب ( الفصوص ms3953 ( و ( الفتوحات ~~المكية ( أنه يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى به إلى الرسول ~~وزعم أن مقام ( النبوة ( دون الولاية وفوق ( الرسالة ( فان محمدا بزعمهم ~~الكاذب يأخذ عن هذا الخيال النفسانى الذى سماه ملكا وهو يأخذ عن العقل ~~المجرد الذى أخذ منه هذا الخيال # ثم هؤلاء لا يثبتون لله كلاما اتصف به في الحقيقة ولا يثبتون أنه قصد ~~إفهام أحد بعينه بل قد يقولون لا يعلم أحدا بعينه إذ علمه PageV12P399 ~~وقصده عندهم إذا اثبتوه لم يثبتوه إلا كليا لا يعين أحدا بناء على أنه يعلم ~~الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلى وقد يقرب أو يقرب من مذهبهم من ~~قال باسترسال علمه على أعيان الأعراض وهذا الكلام مع أنه كفر باتفاق ~~المسلمين فقد وقع في كثير منه من له فضل في الكلام والتصوف ونحو ذلك ولولا ~~أنى أكره التعيين في هذا الجواب لعينت أكابر من المتأخرين # وقد يكون الصوت الذى يسمعه خارجا عن نفسه من جهة الحق تعالى على لسان ملك ~~من ملائكته أو غير ملك وهو الذى أدركته الجهمية من المعتزلة ونحوهم ~~واعتقدوا أنه ليس لله تكليم إلا ذلك وهو لا يخرج عن قسم الوحى الذى هو أحد ~~أقسام التكليم أو قسيم التكليم بالرسول وهو ( القسم الثانى ( حيث قال تعالى ~~( أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ) فهذا إيحاء الرسول وهو غيرالوحى ~~الأول من الله الذى هو أحد أقسام التكليم العام # وإيحاء الرسول أيضا ( أنواع ( ففى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ( أن ~~الحارث بن هشام سأل النبى كيف يأتيك الوحى قال أحيانا يأتينى مثل صلصلة ~~الجرس وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا ~~فيكلمنى فاعى ما يقول ( قالت عائشة رضى الله عنها ولقد رأيته PageV12P400 ~~ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا # فأخبر أن نزول الملك عليه تارة يكون في الباطن بصوت مثل صلصلة الجرس ~~وتارة يكون متمثلا بصورة رجل يكلمه كما كان جبريل ms3954 يأتى في صورة دحية الكلبى ~~وكما تمثل لمريم بشرا سويا وكما جاءت الملائكة لابراهيم وللوط في صورة ~~الآدميين كما أخبر الله بذلك في غير موضع وقد سمى الله كلا النوعين إلقاء ~~الملك وخطابه وحيا لما في ذلك من الخفاء فانه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ~~ملك وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت # و ( القسم الثالث ( التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى عليه السلام ولهذا ~~سمى الله هذا ( نداء ( و ( نجاء ( فقال تعالى ( وناديناه من جانب الطور ~~الأيمن وقربناه نجيا ) وقال تعالى ( فلما أتاها نودي ياموسى إنى أنا ربك ~~فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ) وهذا ~~التكليم مختص ببعض الرسل كما قال تعالى ( تلك الرسل فضلنابعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ) وقال تعالى ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) وقال ~~بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء ( وكلم الله موسى تكليما ) فمن جعل هذا من جنس ~~الوحى الأول كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة PageV12P401 ومن تكلم في ~~التصوف على طريقهم كما في ( مشكاة الأنوار ( وكما في ( كتاب خلع النعلين ( ~~وكما في كلام الاتحادية كصاحب ( الفصوص ( وأمثاله فضلاله ومخالفته للكتاب ~~والسنة والاجماع بل وصريح المعقول من أبين الأمور # وكذلك من زعم أن تكليم الله لموسى إنما هو من جنس الالهام والوحى وان ~~الواحد منا قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى كما يوجد مثل ذلك في كلام ~~طائفة من فروخ الجهمية الكلابية ونحوهم فهذا أيضا من أعظم الناس ضلالا # وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحى والكلام في كتاب الله فيهما عموم ~~وخصوص فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر كما اندرج الوحى في التكليم ~~العام في هذه الآية واندرج التكليم في الوحى العام حيث قال تعالى ( فاستمع ~~لما يوحى ) واما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحى الخاص الخفى الذى ~~يشترك فيه الأنبياء وغيرهم كما أن الوحى المشترك الخاص لا يدخل فيه التكليم ~~الخاص الكامل كما قال ms3955 تعالى لزكريا ( آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ~~) ثم قال تعالى ( فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم ) ( فالايحاء ( ليس ~~بتكليم ولا يناقض الكلام وقوله تعالى في الآية الأخرى ( أن لا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا ) أن جعل PageV12P402 معنى الاستثناء منقطعا اتفق معنى ~~التكليم في الآيتين وان جعل متصلا كان التكليم مثل التكليم في سورة الشورى ~~وهو التكليم العام وقد تبين أنه إنما كلم موسى تكليما خاصا كاملا بقوله ( ~~منهم من كلم الله ) مع العلم بأن الجميع أوحى إليهم وكلمهم التكليم العام ~~وبأنه فرق بين تكليمه وبين الايحاء إلى النبيين وكذا التكليم بالمصدر وبأنه ~~جعل التكليم من وراء حجاب قسما غير إيحائه وبما تواتر عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه من تكليمه الخاص لموسى منه إليه وقد ثبت أنه كلمه بصوت ~~سمعه موسى كما جاءت الآثار بذلك عن سلف الأمة وأئمتها موافقة لما دل عليه ~~الكتاب والسنة # وغلطت هنا ( الطائفة الثالثة ( الكلابية فاعتقدت أنه إنما أوحى إلى موسى ~~عليه السلام معنى مجردا عن صوت # واختلفت هل يسمع ذلك فقال بعضهم يسمع ذلك المعنى بلطيفة خلقها فيه قالوا ~~أن السمع والبصر والشم والذوق واللمس معان تتعلق بكل موجود كما قال ذلك ~~الأشعرى وطائفة وقال بعضهم لم يسمع موسى كلام الله فانه عنده معنى والمعنى ~~لا يسمع كما قال ذلك القاضي أبو بكر وطائفة # وهذا الذى أثبتوه في جنس الوحى العام الذى فرق الله عز وجل PageV12P403 ~~بينه وبين تكليمه لموسى عليه السلام حيث قال ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده ) إلى قوله ( وكلم الله موسى تكليما وفرق بين ~~إيحائه وبين تكليمه من وراء حجاب حيث قال ( إلا وحيا أو من وراء حجاب ) ~~وحيث فرق بين الرسول المكلم وغيره بقوله تعالى ( منهم من كلم الله ) # لكن هؤلاء يثبتون أن لله كلاما هو معنى قائم بنفسه هو متكلم به وبهذا ~~صاروا خيرا ممن لا يثبت له كلاما إلا ما أوحى في نفس النبى من المعنى أو ms3956 ما ~~سمعه من الصوت المحدث ولكن لفرط ردهم على هؤلاء زعموا أنه لا يكون كلاما ~~لله بحال إلا ما قام به فانه لا يقوم به إلا المعنى فانكروا أن تكون الحروف ~~كلام الله وأن يكون القرآن العربى كلام الله # وجاءت ( الطائفة الرابعة ( فردوا على هؤلاء دعواهم أن يكون الكلام مجرد ~~المعنى فزعم بعضهم أن الكلام ليس إلا الحرف أو الصوت فقط وإن المعانى ~~المجردة لا تسمى كلاما أصلا وليس كذلك بل الكلام المطلق اسم للمعانى ~~والحروف جميعا وقد يسمى أحدهما كلاما مع التقييد كما يقول النحاة ( الكلام ~~( اسم وفعل وحرف فالمقسوم هنا اللفظ وكما قال الحسن البصرى ما زال أهل ~~العلم يعودون بالتكلم على التفكر وبالتفكر على التدبر ويناطقون القلوب حتى ~~نطقت وكما قال PageV12P404 الجنيد ( التوحيد ( قول القلب ( والتوكل ( عمل ~~القلب فجعلوا للقلب نطقا وقوة كما جعل النبى للنفس حديثا في قوله ( إن الله ~~تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ثم قال ما لم تتكلم به أو تعمل به ( # فعلم أن ( الكلام المطلق ( هو ما كان بالحروف المطابقة للمعنى وإن كان مع ~~التقييد قد يقع بغير ذلك حتى إنهم قد يسمون كل إفهام ودلالة يقصدها الدال ~~قولا سواء كانت باللفظ أو الاشارة أو العقد عقد الاصابع وقد يسمون أيضا ~~الدلالة قولا وإن لم تكن بقصد من الدال مثل دلالة الجامدات كما يقولون قالت ~~( اتساع بطنه ( # وامتلأ الحوض وقال قطني %~% قطنى رويدا قد ملأت بطنى # وقالت له العينان سمعا وطاعة %~% # ويسمى هذا لسان الحال ودلالة الحال ومنه قولهم سل الأرض من فجر أنهارك ~~وسقى ثمارك وغرس أشجارك فان لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا ومنه قولهم # تخبرنى العينان مالقلب كاتم %~% ولا خير في الحيا والنظر الشزر # ومنه قولهم PageV12P405 # سألت الدار تخبرنى %~% عن الأحباب ما فعلوا # فقالت لي أناخ القوم %~% أياما وقد رحلوا ) # وقد يسمى شهادة وقد زعم طائفة ان ما ذكر في القرآن من تسبيح المخلوقات هو ~~من هذا الباب وهو دلالتها على الخالق تعالى ولكن الصواب ان ثم تسبيحا آخر ~~زائدا ms3957 على ما فيها من الدلالة كما قد سبق في موضع آخر لكن هذا كله يكون مع ~~التقييد والقرينة ولهذا يصح سلب الكلام والقول عن هذه الأشياء كما قال ~~تعالى ( الم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ) وقال تعالى ( أفلا يرون ~~ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) وقال الخليل عليه السلام ~~( فاسألوهم أن كانوا ينطقون ) وقال تعالى ( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون ) وقال تعالى ( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) ~~وقال تعالى ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) وهذا معلوم بالضرورة ~~والتواتر وهو سلب القول والكلام عن الحى الساكت والعاجز فكيف عن الموات # وقد علم ان الله تعالى موصوف بغاية صفات الكمال وان الرسل قد أثبتوا أنه ~~متكلم بالكلام الكامل التام في غاية الكمال فمن لم يجعل كلامه إلا مجرد ~~معنى أو مجرد حروف أو مجرد حروف وأصوات فما قدر الله حق قدره ومن لم يجعل ~~كلامه إلا ما يقوم PageV12P406 بغيره فقد سلبه الكمال وشبهه بالموات وكذلك ~~من لم يجعله يتكلم بمشيئته أو جعله يتكلم بمشيئته وقدرته ولكن جعل الكلام ~~من جملة المخلوقات وجعله يوصف بمخلوقاته أو جعله يتكلم بعد أن لم يكن ~~متكلما فكل من هذه الأقوال وإن كان فيه إثبات بعض الحق ففيه رد لبعض الحق ~~ونقص لما يستحقه الله من الكمال # ( ### ||| فصل # ( # وكل من هؤلاء أدرك من درجات الكلام وأنواعه بعض الحق # وكذلك ( الأصل الثانى ( وهو تكلمنا بكلام الله # فان الكتاب والسنة والاجماع دل على أن هذا الذى يقرأه المسلمون هو كلام ~~الله لا كلام غيره ولو قال أحد إن حرفا منه أو معنى ليس هو من كلام الله أو ~~أنه كلام غير الله وسمع ذلك منه النبى أو أحد من أصحابه لعلم بالاضطرار ~~انهم كانوا يقابلونه بما يقابلون أهل الجحود والضلال بل قد أجمع الخلائق ~~على نحو ذلك في كل كلام فجميع الخلق الذين يعلمون أن قوله # ألا كل شيء ما ~~خلا الله باطل %~% PageV12P407 # من شعر ms3958 لبيد يعلمون أن هذا كلام لبيد وأن قوله # قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل %~% # هو من كلام امرئ القيس مع علمهم أنهم إنما سمعوها من غيره بصوت ذلك الغير ~~فجاء المؤمنون ببعض الحق دون بعض فقالوا ليس هذا أو لا نسمع إلا صوت العبد ~~ولفظه ثم قال ( النفاة ( ولفظ العبد محدث وليس هو كلام الله فهذا المسموع ~~محدث وليس هو كلام الله وقالت ( المثبتة ( بل هذا كلام الله وليس إلا لفظه ~~أو صوته فيكون لفظه أو ( صوته ) كلام الله وكلام الله غير مخلوق أو قديم ~~فيكون لفظه أو صوته غير مخلوق أو قديم وكل من الفريقين قد علم الناس ~~بالضرورة من دين الأمة بل وبالعقل انه مخطىء في بعض ما قاله مبتدع فيه ~~ولهذا أنكر الأئمة ذلك وإذا رجع أحدهم إلى فطرته وجد الفرق بين أن يشير إلى ~~الكلام المسموع فيقال هذا كلام زيد وبين أن يقول هذا صوت زيد ويجد فطرته ~~تصدق بالأول وتكذب بالثانى قال الله تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ( # وكل أحد يعلم بفطرته ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الكلام PageV12P408 ~~كلام الباري والصوت صوت القارىء ولهذا قال ( الامام أحمد ( لأبى طالب لما ~~قرأ عليه ( قل هو الله أحد ) وقال له هذا غير مخلوق فحكى عنه أنه قال لفظى ~~بالقرآن غير مخلوق قال له أنا قلت لك لفظي غير مخلوق قال لا ولكن قرأت عليك ~~( قل هو الله أحد ) فقلت هذا غير مخلوق # فبين أحمد الفرق بين أن يقول هذا الكلام غير مخلوق أو يقول لفظ هذا ~~المتكلم غير مخلوق لأن قوله لفظى ( مجمل ( يدخل فيه فعله ويدخل فيه صوته ~~فإذا قيل لفظى أو تلاوتى أو قراءتى غير مخلوقة أو هي المتلو اشعر ذلك أن ~~فعل العبد وصوته قديم وان ما قام به من المعنى والصوت هو عين ما قام بالله ~~من المعنى والصوت وإذا قال لفظى بالقرآن أو تلاوتى للقرآن أو ms3959 لفظ القرآن أو ~~تلاوته مخلوقة أو التلاوة غير المتلو أو القراءة غير المقروء أفهم ذلك أن ~~حروف القرآن ليست من كلام الله بحال وان نصف القرآن كلام الله ونصفه كلام ~~غيره وأفهم ذلك أن قراءة الله للقرآن مباينة لمقروئه وتلاوته للقرآن مباينة ~~لمتلوه وان قراءة العبد للقرآن مباينة لمقروء العبد وتلاوته له مباينة ~~لمتلوه وأفهم ذلك أنما نزل إلينا ليس هو كلام الله لأن المقروء والمتلو هو ~~كلام الله والمغايرة عند هؤلاء تقتضى المباينة فما باين كلامه لم يكن كلاما ~~له فلا يكون هذا الذى أنزله كلامه PageV12P409 ولما كان الكلام إنما يكون ~~بحركة وفعل تنشأ عنه حروف ومعان صار الكلام يدخل في اسم الفعل والعمل تارة ~~باعتبار الحركة والفعل ويخرج عنه تارة باعتبار الحروف والمعانى ولهذا يجيء ~~في الكتاب والسنة قسما منه تارة كما في قوله تعالى ( ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ) وقسيما له أخرى كما في ~~قوله تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) # ولهذا تنازع العلماء فيما إذا حلف لا يعمل عملا في هذا المكان ولم يكن له ~~نية ولا سبب يفيد هل يحنث بالكلام على قولين في مذهب الامام أحمد وغيره ~~وذكروهما روايتين عن أحمد ولهذا قال أبو محمد إبن قتيبة في كتابه الذى ألفه ~~في بيان ( اللفظ ( أن القراءة قرآن وعمل لا يتميز أحدهما عن الآخر فمن قال ~~أنها قرآن فهو صادق ومن حلف أنها عمل فهو بار وخطأ من أطلق أن القراءة ~~مخلوقة وخطأ من زعم أنها غير مخلوقة ونسبهما جميعا إلى قلة العلم وقصور ~~الفهم فان هذه المسألة خفيت على الطائفتين لغموضها فان احدى الطائفتين وجدت ~~القراءة تسمى قرآنا فنفت الخلق عنها والآخرى وجدت القراءة فعلا يثاب صاحبه ~~عليه فأثبتت حدثه PageV12P410 # قلت والخطأ في هذا الأصل في طرفين كما أنه في الأصل الأول في طرفين ففى ~~الأصل الأول ms3960 من قال إنه ليس له كلام قائم به ومن قال ليس كلامه إلا معنى ~~مجرد أو صوت مجرد وفى هذ الأصل من قال كلامه لا يقوله غيره أو لا يسمع من ~~غيره ومن قال كلامه إذا أبلغه غيره وأداه فحاله كحاله إذا سمعه منه وتلاه ~~بل كلامه يقوله رسله وعباده ويتكلمون به ويتلونه ويقرأونه فهو كلامه حيث ~~تصرف وحيث تلى وحيث كتب وكلامه ليس بمخلوق حيث تصرف وهو مع هذا فليس حاله ~~إذا قرأه العباد وكتبوه كحاله إذا قرأه الله وسمعوه منه ولا من يسمعه من ~~القارىء بمنزلة موسى بن عمران الذى سمع كلام رب العالمين منه كما جاء في ~~الحديث ( إذا سمع الخلائق القرآن يوم القيامة من الله فكأنهم لم يسمعوه قبل ~~ذلك ( بل ولا تلاوة الرسول وسمعه منه كتلاوة غيره وسمعه منه بل ولا تلاوة ~~بعض الناس والسماع منه كتلاوة بعض الناس والسماع منه وهو كلام الله تعالى ~~الذى ليس بمخلوق في جميع أحواله وان اختلفت أحواله # ومما يجب أن يعرف أن قول الله ورسوله والمؤمنين لما أنزله الله هذا كلام ~~الله بل وقول الناس لما يسمعونه من كلام الناس هذا كلام فلان كقولهم لمثل ~~قوله ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل PageV12P411 امرئ ما نوى ( هذا كلام ~~رسول الله ولمثل قوله # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # هذا شعر لبيد # فليس قولهم هذا هو هذا لأنه مساو له في النوع كما يقال هذا السواد هو هذا ~~السواد فإن هذا يقولونه لمااتفق من الكلامين والعلمين والقدرتين والشخصين ~~ويقولون في مثل ذلك وقع الخاطر على الخاطر كوقع الحافر على الحافر وفى ~~الحقيقة فهو إنما هو مثله كما قال تعالى ( كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم ) وهم يقولون هذا هو هذا مع اتفاقهما في الصفات وقد يكون مع ~~اختلافهما اختلافا غير مقصود # كما أنهم يقولون للعين الواحدة إذا اختلفت صفتها هذه ( عين ) هذه ولا هو ~~أيضا بمنزلة من تمثل بكلام لغيره سواء كان نظما أو نثرا مثل أن يتمثل الرجل ms3961 ~~بقول لغيره فيصير متكلما به متشبها بالمتكلم به أولا وهذا مثل أن نقول قولا ~~قاله غيرنا موافقين لذلك القائل في صحة القول # ولهذا قال الفقهاء إن من قال ما يوافق لفظ القرآن على وجه PageV12P412 ~~الذكر والدعاء مثل أن يقول عند ابتداء الفعل بسم الله وعند الأكل الحمد لله ~~ونحو ذلك لم يكن قارئا وجاز له ذلك مع الجنابة ولهذا قال النبى ( أفضل ~~الكلام بعد القرآن ( أربع ( وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ( رواه مسلم فجعلها أفضل الكلام بعد القرآن وأخبر أنها ~~من القرآن فهي من القرآن وإذا قالها على وجه الذكر لم يكن قارئا لكن هذا ~~الوجه قد يضاف فيه الكلام إلى الأول وإن لم يقصد الثانى تبليغ كلامه لأنه ~~هو الذى أنشأ الحقيقة ابتداء والثانى قالها احتذاء فإذا تمثل الرجل بقول ~~الشاعر وإن لم يقصد تبليغ شعره # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # قيل له هذا كلام لبيد لكن الثانى قد لا يقصد الا أن يتكلم به ابتداء ~~لاعتقاده صحة معناه # ومن هنا تنازع أهل العلم في ( حروف الهجاء ) وفي ( الاسماء ) المنزلة في ~~القرآن وفي ( كلمات ) في القرآن إذا تمثل الرجل بها ولم يقصد بها القراءة ~~هل يقال ليست مخلوقة لأنها من القرآن أو يقال إذا لم يقصد بها القرآن وكلام ~~الله فليست من كلام الله فتكون PageV12P413 مخلوقة على قولين لأهل السنة # وأما الانسان إذا قال ما هو كلام لغيره يقصد تبليغه وتأديته أو التكلم به ~~معتقدا أنه إنما قصد التكلم بكلام غيره الذى هو الآمر بأمره المخبر بخبره ~~المتكلم ابتداء بحروفه ومعانيه فهنا الكلام كلام الاول قطعا ليس كلاما ~~للثاني بوجه من الوجوه وإنما وصل إلى الناس بواسطة الثانى # وليس للكلام نظير من كل وجه فيشتبه به وانما هو أمر معقول بنفسه فان كلام ~~زيد المخلوق وإن كان قد عدم مثلا وعدم ايضا ما قام به من الصفة فاذا رواه ~~عنه راو آخر وقلنا هذا كلام زيد فانما نشير إلى ms3962 الحقيقة التى ابتدأ بها زيد ~~واتصف بها وهذه هي تلك بعينها أعنى الحقيقة الصورية لا المادة فان الصوت ~~المطلق بالنسبة إلى الحروف الصوتيه المقطعة بمنزلة المادة والصورة وهو لم ~~يكن كلاما للمتكلم الأول لأجل الصوت المطلق الذي يشترك فيه صوت الآدميين ~~والبهائم العجم والجمادات وإنما هو لأجل الصورة التى ألفها زيد مع تأليفه ~~لمعانيها # ووجود هذه الصورة في المادتين ليس بمنزلة وجود الأنواع والأشخاص في ~~الأعيان ولا بمنزلة وجود الأعراض في الجواهر ولا PageV12P414 هو بمنزلة ~~سائر الصور في موادها الجوهرية بل هو حقيقة قائمة بنفسها وليس لكل حقيقة ~~نظير مطابق من كل وجه # وإذا قالوا هذا شعر لبيد فانما يشيرون إلى اللفظ والمعنى جميعا ثم مع هذا ~~لو قال القائل أنا أنشأت لفظ هذا الشعر أو هذا اللفظ من انشائي أو لفظي ~~بهذا الشعر من إنشائي لكذبة الناس كلهم وقالوا له بل أنت رويته وأنشدته أما ~~أن تكون أحدثت لفظه أو هو محدث البارحة بلفظك أو لفظك به محدث البارحة فكذب ~~لأن لفظ هذا الشعر موجود من دهر طويل وان كنت أنت أديته بحركتك وصوتك ~~فالحركة والصوت أمر طبيعي يشركك فيه الحيوان ناطقه وأعجمه فليس لك فيه حظ ~~من حيث هو كلام ولا من حيث هو كلام ذلك الشاعر إذ كونه كلاما أو كلاما ~~لمتكلم هو مما يختص به المتكلم إنما أديته بآله يشركك فيها العجماوات ~~والجمادات لكن الحمد لله الذى جعل لك من العقل والتمييز ما تهتدى به ويسير ~~به لسانك ولم يجعل ذلك للعجماوات فجعل فعلك وصفتك تعينك على عقل الكلام ~~والتكلم به ولم يجعل فعل العجم وصفتها كذلك # فاذا كان هذا في مخلوق بلغ كلام مخلوق مثله فكيف الظن بكلام الخالق جل ~~جلاله الذي فضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه PageV12P415 فان له ~~شأنا آخر يختص به لا يشبه بتبليغ سائر الكلام كما أنه في نفسه لا يشبه سائر ~~الكلام وليس له مثل يقدر عليه أحد من الخلق بخلاف سائر ما يبلغ من كلام ~~البشر فان ms3963 مثله مقدور فلا يجوز اضافة هذا الكلام المسموع الذي هو القرآن ~~إلى غير الله بوجه من الوجوه إلا على سبيل التبليغ كقوله تعالى @QB@ إنه ~~لقول رسول كريم @QE@ والله سبحانه قد خاطبنا به بواسطة الرسول كما تقدم # وقد بسطت الكلام في هذه المواضع التى هي محارات العقول التى اضطربت فيها ~~الخلائق في الموضع الذي يليق به فان هذا جواب فتيا لا يليق به إلا التنبيه ~~على جمل الأمور واثبات وجوب نسبة الكلام إلى من بدأ منه لفظه ومعناه دون من ~~بلغه عنه وأداه وانه كلام المتصف به مبتدئا حقيقة سواء سمع منه أو سمع ممن ~~بلغه وأداه بفعله وصوته مع العلم بأن أفعال العباد وصفاتهم مخلوقة وان قول ~~الله ورسوله والمؤمنين هذا كلام الله وما بين اللوحين كلام الله حقيقة لا ~~ريب فيه وان ( القرآن ) الذي يقرأه المسلمون ويكتبونه ويحفظونه هو كلام ~~الله تعالى وكلام الله حيث تصرف غير مخلوق وأما ما اقترن بتبليغه وقراءته ~~من أفعال العباد وصفاتهم فانه مخلوق # لكن هذا الموضع فيه اشتباه واشكال لا تحتمل تحريره وبسطه هذه الفتوى لأن ~~صاحبها مستوفز عجلان يريد أخذها ولأن في PageV12P416 ذلك من الدقة والغموض ~~ما يحتاج إلى ذكر النصوص وبيان معانيها وضرب الأمثال التى توضح حقيقة الأمر ~~وليس هذا موضعه # بل الذي يعلم من حيث ( الجملة ) أن الإمام أحمد والأئمة الكبار الذين لهم ~~في الأمة لسان صدق عام لم يتنازعوا في شيء من هذا الباب بل كان بعضهم أعظم ~~علما به وقياما بواجبه من بعض وقد غلط في بعض ذلك من أكابر الناس جماعات ~~وقد رد الإمام أحمد عامة البدع في هذا الباب هو والأئمة # فأول ما ابتدع الجهمية القول ( بخلق القرآن ) و ( نفي الصفات ) فأنكرها ~~من كان في ذلك الوقت من التابعين ثم تابعي التابعين ومن بعدهم من الأئمة ~~وكفروا قائلها ثم ابتدع بعض أهل الحديث والكلام الذين ناظروا الجهمية القول ~~بأن القرآن المنزل مخلوق أو انه ليس بكلام الله أو أنه ليس في المصاحف ولا ~~في الصدور وانكر ms3964 بعضهم أن تكون حروف القرآن كلام الله أو ان يكون الله تكلم ~~بالصوت وانكر الإمام أحمد وأئمة وقته ذلك # وقابلهم قوم من اهل الكلام والحديث فزعموا أن ألفاظ العباد وأصوات العباد ~~غير مخلوقة أو ادعوا ان بعض أفعال العباد أو صفاتهم غير مخلوقة أو ان ما ~~يسمع من الناس من القرآن هو مثل ما يسمع PageV12P417 من الله تعالى من كل ~~وجه ونحو ذلك فأنكر الامام أحمد وعامة أئمة وقته وأصحابه وغيرهم من العلماء ~~ذلك # وانكار جميع هذه البدع وردها موجود عن الامام أحمد وغيره من الأئمة في ~~الكتب الثابتة مثل ( كتاب السنة ) للخلال و ( الابانة ) لابن بطة و ( كتب ~~المحنة ) التى رواها حنبل وصالح و ( كتاب السنة ) لعبد الله بن أحمد و ( ~~السنة ) للالكائي و ( السنة ) لابن أبي حاتم وما شاء الله من الكتب # فأما الرد على ( الجهمية ) القائلين بنفي الصفات وخلق القرآن ففي كلام ~~التابعين وتابعيهم والأئمة المشاهير من ذلك شيء كثير وفي ( مسألة القرآن ) ~~من ذلك آثار كثيرة جدا مثل ما روى بن أبي حاتم وبن شاهين واللالكائي وغيرهم ~~من غير وجه عن على بن أبي طالب رضي الله عنه انه قيل له يوم صفين حكمت ~~رجلين فقال ما حكمت مخلوقا ما حكمت الا القرآن وعن عكرمة قال كان بن عباس ~~في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال اللهم رب القرآن اغفر له ~~فوثب إليه بن عباس فقال له مه القرآن منه وفي رواية القرآن كلام الله وليس ~~بمربوب منه خرج وإليه يعود وعن عبد الله بن مسعود قال من حلف بالقرآن فعليه ~~بكل آية كفارة فمن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع PageV12P418 # ومن المستفيض عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وربما وقفه بعضهم على ~~سفيان والأول هو المشهور قال ادركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون ~~القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ومشايخ عمرو من لقى عمرو من ~~الصحابة والتابعين وعن علي بن الحسين زين العابدين وابنه جعفر ms3965 بن محمد ليس ~~القرآن بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله # ومثل هذا مأثور عن الحسن البصري وأيوب السختياني وحماد بن أبي سليمان وبن ~~ابى ليلى وابي حنيفة وبن أبي ذئب وبن الماجشون والأوزاعي والشافعي وابي بكر ~~بن عياش وهشيم وعلي بن عاصم وعبد الله بن المبارك وابي إسحاق الفزاري ووكيع ~~بن الجراح والوليد بن مسلم وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ومعاذ ~~بن معاذ وابى يوسف ومحمد والامام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وبشر بن ~~الحارث ومعروف الكرخي وابي عبيد القاسم بن سلام وأبي ثور والبخارى ومسلم ~~وأبي زرعة وابى حاتم ومن لا يحصى كثرة # قال أبو القاسم اللالكائى وقد سمى علماء القرون الفاضلة ومن يليهم الذين ~~نقل عنهم في كتابه أن القرآن كلام الله غير مخلوق فهؤلاء خمسمائة وخمسون ~~نفسا من التابعين وأتباع التابعين والأئمة PageV12P419 المرضيين سوى ~~الصحابة على اختلاف الاعصار ومضي السنين والأعوام وفيهم نحو من مائة إمام ~~ممن أخذ الناس بقولهم وتمذهبوا بمذاهبهم ولو اشتغلت بنقل قول المحدثين ~~لبلغت أسماؤهم ألوفا كثيرة فنقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر لا ينكر عليهم ~~المنكر ومن انكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه قال ولا ~~خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق ( الجعد بن درهم ) ثم ( الجهم ~~بن صفوان ) وكلاهما قتله المسلمون وممن أفتى بقتل هؤلاء مالك بن أنس ومحمد ~~بن عبد الرحمن بن أبى ليلى وسفيان بن عيينة وأبو جعفر المنصور الخليفة ~~معتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن معاذ ~~ووكيع بن الجراح وأبوه وعبد الله بن داود الخريبى وبشر بن الوليد صاحب ابى ~~يوسف وابو مصعب الزهري وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو ثور وأحمد بن حنبل ~~وغير هؤلاء من الأئمة # وكذلك ذم ( الواقفة ) وتضليلهم الذين لا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق ~~مأثور عن جمهور هؤلاء الأئمة مثل بن الماجشون وأبى مصعب ووكيع بن الجراح ~~وابى الوليد وابي ( الوليد ) الجارودي صاحب الشافعي والإمام أحمد ms3966 بن حنبل ~~وابى ثور وإسحاق بن راهويه PageV12P420 ومن لا يحصى عدده إلا الله # وأما البدعة الثانية المتعلقة بالقرآن المنزل تلاوة العباد له وهي ( ~~مسألة اللفظية ) فقد أنكر بدعة ( اللفظية ) الذين يقولون إن تلاوة القرآن ~~وقراءته واللفظ به مخلوق أئمة زمانهم جعلوهم من الجهمية وبينوا ان قولهم ~~يقتضى القول بخلق القرآن وفي كثير من كلامهم تكفيرهم # وكذلك من يقول ان هذا القرآن ليس هو كلام الله وإنما هو حكاية عنه أو ~~عبارة عنه أو انه ليس في المصحف والصدور إلا كما ان الله ورسوله في المصاحف ~~والصدور ونحو ذلك وهذا محفوظ عن الإمام أحمد وإسحاق وابى عبيد وابى مصعب ~~الزهري وابى ثور وأبى الوليد الجارودي ومحمد بن بشار ويعقوب بن إبراهيم ~~الدورقي ومحمد بن يحيى بن أبي عمرو العدنى ومحمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن ~~أسلم الطوسي وعدد كثير لا يحصيهم إلا الله من أئمة الأسلام وهداته # وكذلك أنكر بدعة ( اللفظية المثبتة ( الذين يقولون أن لفظ العباد أو صوت ~~العباد به غير مخلوق أو يقولون أن التلاوة التى هي فعل العبد وصوته غير ~~مخلوقة الأئمة الذين بلغتهم هذه PageV12P421 البدعة مثل الامام أحمد بن ~~حنبل وأبى عبد الله البخارى صاحب الصحيح وأبى بكر المروذى أخص أصحاب الامام ~~أحمد بن حنبل به وأخذ في ذلك أجوبة علماء الاسلام إذ ذاك ببغداد والبصرة ~~والكوفة والحرمين والشام وخراسان وغيرهم مثل عبد الوهاب الوراق وأبى بكر ~~الأثرم ومحمد بن بشار بندار وأبى الحسين على بن مسلم الطوسى ويعقوب الدورقى ~~ومحمد بن سهل بن عسكر ومحمد بن عبد الله المخرمى الحافظ ومحمد بن إسحاق ~~الصاغانى والعباس بن محمد الدورى وعلى بن داود القنطرى ومثنى بن جامع ~~الأنبارى وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ومحمد بن يحيى الأزدى والحسن ~~بن عبد العزيز الجروى وعبد الكريم بن الهيثم العاقولى وأبى موسى بن أبي ~~علقمة النفرونى وغيره من علماء المدينة ومحمد بن عبد الرحمن المقرئ وأبى ~~الوليد بن أبى الجارود وأحمد إبن محمد بن القاسم بن أبى مرة وغيرهم ms3967 من أهل ~~مكة وأحمد بن سنان الواسطى وعلى بن حرب الموصلى ومن شاء الله تعالى من أئمة ~~أهل السنة وأهل الحديث من أصحاب الامام أحمد بن حنبل وغيرهم ينكرون على من ~~يجعل لفظ العبد بالقرآن أو صوته به أو غير ذلك من صفات العباد المتعلقة ~~بالقرآن غير مخلوقة ويأمرون بعقوبته بالهجر وغيره وقد جمع بعض كلامهم في ~~ذلك أبو بكر الخلال في ( كتاب السنة PageV12P422 ومن المشهور في ( كتاب ~~صريح السنة ( لمحمد بن جرير الطبرى وهو متواتر عنه لما ذكر الكلام في أبواب ~~السنة قال وأما القول في ( ألفاظ العباد بالقرآن ( فلا أثر فيه نعلمه عن ~~صحابى مضى ولا عن تابعى قفا إلا عمن في قوله الشفاء والعفاء وفى اتباعه ~~الرشد والهدى ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى أبي عبد الله أحمد بن محمد ~~بن حنبل فان أبا إسماعيل الترمذى حدثنى قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد ~~بن حنبل يقول ( اللفظية ( جهمية يقول الله ( حتى يسمع كلام الله ) ممن يسمع ~~قال إبن جرير وسمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ اسماءهم كانوا يحكون عنه انه ~~كان يقول من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ~~قال إبن جرير ولا قول في ذلك عندنا يجوز ان نقوله غير قوله إذ لم يكن لنا ~~إمام نأتم به سواه وفيه الكفاية والمقنع وهو الامام المتبع # وقال أبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل في ( كتاب المحنة ( تناهى إلى أن ~~أبا طالب حكى عن أبى أنه يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق فأخبرت أبى بذلك فقال ~~من اخبرك فقلت فلان فقال ابعث إلى أبى طالب فوجهت إليه فجاء وجاء فوران ~~فقال له أبى أنا قلت لك لفظى بالقرآن غير مخلوق وغضب PageV12P423 وجعل ~~يرتعد فقال له قرأت عليك ( قل هو الله أحد ) فقلت لى هذا ليس بمخلوق قال له ~~فلم حكيت عنى أنى قلت لفظى بالقرآن غير مخلوق وبلغنى أنك وضعت ذلك في كتابك ~~وكتبت به إلى قوم فان كان في ms3968 كتابك فامحه اشد المحو واكتب إلى القوم الذين ~~كتبت إليهم أنى لم أقل هذا وغضب وأقبل عليه فقال تحكى عنى مالم أقل لك فجعل ~~فوران يعتذر له وانصرف من عنده وهو مرعوب فعاد أبو طالب فذكر أنه حك ذلك من ~~كتابه وأنه كتب إلى القوم يخبرهم أنه وهم على أبى عبد الله في الحكاية قال ~~الفضل بن زياد كنت أنا والبستى عند أبى طالب قال فاخرج إلينا كتابه وقد ضرب ~~على المسألة وقال كان الخطأ من قبلى وأنا استغفر الله وإنما قرأت على أبى ~~عبد الله القرآن فقال هذا غير مخلوق كان الوهم من قبلى يا أبا العباس # وقال الخلال في ( السنة ( حدثنا المروذى قال لي أبو عبد الله قد غيض قلبى ~~على إبن شداد قلت أى شيء حكى عنك قال حكى عنى في اللفظ فبلغ بن شداد أن أبا ~~عبد الله قد أنكر عليه فجاءنا حمدون بن شداد بالرقعة فيها مسائل فأدخلتها ~~على أبى عبد الله فنظر فرأى فيها أن لفظى بالقرآن غير مخلوق مع مسائل فيها ~~فقال أبو عبد الله فيها كلام ما تكلمت به فقام من الدهليز فدخل PageV12P424 ~~فأخرج المحبرة والقلم وضرب أبو عبد الله على موضع لفظى بالقرآن غير مخلوق ~~وكتب أبو عبد الله بخطه بين السطرين القرآن حيث تصرف غير مخلوق وقال ما ~~سمعت أحدا تكلم في هذا بشيء وأنكر على من قال لفظى بالقرآن غير مخلوق # وقال الخلال في ( كتاب السنة ( أخبرنى زكريا بن الفرج الوراق قال حدثنا ~~أبو محمد فوران قال جاءنى صالح وأبو بكر المروذى عندى فدعانى إلى أبى عبد ~~الله وقال أنه قد بلغ أبى أن أبا طالب قد حكى عنه أنه يقول لفظى بالقرآن ~~غير مخلوق فقمت إليه فتبعنى صالح فدار صالح من بابه فدخلنا على أبى عبد ~~الله فاذا أبو عبد الله غضبان شديد الغضب بين الغضب في وجهه فقال لأبى بكر ~~اذهب فجئنى بأبى طالب فجاء أبو طالب وجعلت أسكن أبا عبد الله قبل مجيء أبى ~~طالب وأقول ms3969 له حرمة فقعد بين يديه وهو متغير اللون فقال له أبو عبد الله ~~حكيت عنى أنى قلت لفظى بالقرآن غير مخلوق فقال إنما حكيت عن نفسى فقال لا ~~تحك هذا عنك ولا عنى فما سمعت عالما يقول هذا أو العلماء شك فوران وقال له ~~القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف فقلت لأبى طالب وأبو عبد الله يسمع إن ~~كنت حكيت هذا لأحد فاذهب حتى تخبره أن أبا عبد الله نهى عن PageV12P425 هذا ~~فخرج أبو طالب فأخبر غير واحد بنهى أبى عبد الله منهم أبو بكر بن زنجوية ~~والفضل بن زياد القطان وحمدان بن على الوراق وأبو عبيد وأبو عامر وكتب أبو ~~طالب بخطه إلى أهل نصيبين بعد موت أبى عبد الله يخبرهم أن أبا عبد الله نهى ~~أن يقال لفظى بالقرآن غير مخلوق وجاءنى أبو طالب بكتابه وقد ضرب على ~~المسألة من كتابه قال زكريا بن الفرج فمضيت إلى عبد الوهاب الوراق فأخذ ~~الرقعة فقرأها فقال لى من أخبرك بهذا عن أحمد فقلت له فوران بن محمد فقال ~~الثقة المأمون على أحمد قال زكريا وكان قبل ذلك قد أخبر أبو بكر المروذى ~~لعبد الوهاب فصار عند عبد الوهاب شاهدان قال زكريا وسمعت عبد الوهاب قال من ~~قال لفظى بالقرآن غير مخلوق يهجر ولا يكلم ويحذر عنه وكان قبل ذلك قال هو ~~مبتدع # وروى الخلال عن أبى الحارث قال سمعت رجلا يقول لأبى عبد الله يا أبا عبد ~~الله أليس نقول القرآن كلام الله ليس بمخلوق بمعنى من المعانى وعلى كل حال ~~وجهة فقال أبو عبد الله نعم # واستيعاب هذا يطول # وكذلك في كلام الامام أحمد وأئمة أصحابه وغيرهم من اضافة صوت PageV12P426 ~~العبد بالقرآن إليه ما يطول كما جاء الحديث النبوى بذلك مثل قول النبى ( ~~زينوا القرآن بأصواتكم ( وقوله ( لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت ~~بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ( فذكر الخلال في ( كتاب القرآن ) عن ~~إسحاق بن إبراهيم قال قال لى أبو عبد الله يوما وكنت سألته ms3970 عنه تدرى ما ~~معنى من لم يتغن بالقرآن قلت لا قال هو الرجل يرفع صوته فهذا معناه إذا رفع ~~صوته فقد تغنى به وعن منصور بن صالح أنه قال لأبيه يرفع صوته بالقرآن ~~بالليل قال نعم إن شاء رفعه ( ثم ذكر حديث أم هانئ ( كنت أسمع قراءة النبى ~~وأنا على عريش من الليل ( وعن صالح بن أحمد أنه قال لأبيه ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ( فقال ( التزيين ( أن تحسنه وعن الفضل بن زياد قال سمعت أبا عبد ~~الله يسئل عن القراءة فقال يحسنه بصوته من غير تكلف وقال أبو بكر الأثرم ~~سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان فقال كل شيء محدث فإنه لا يعجبنى ~~الا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه قال القاضي أبو يعلى فيما علقه بخطه على ( ~~جامع الخلال ( هذا يدل من كلامه على أن صوت القارىء ليس هو الصوت القديم ~~لأنه أضافه إلى القارىء الذى هو طبعه من غير أن يتعلم الألحان PageV12P427 # وأما ما في كلام أحمد والأئمة من إنكارهم على من يقول أن هذا القرآن ~~مخلوق وان القراءة مخلوقة وتعظيمهم لقول من يقول أنه ليس في الصدور قرآن ~~ولا في المصاحف قرآن وزعم من زعم أن من قال ذلك فقد قال بقول النصارى ~~والحلولية فانكار أحمد وغيره هذه المقالات كثير شائع موجود في كتب كثيرة ~~ولم تكن هذه الفتيا محتاجة إلى تقرير هذا الأصل فلم يحتج إلى تفصيل الكلام ~~فيه بخلاف الأصل الآخر وقد ذكرنا من ذلك ما يسره الله في غير هذا الموضع ~~ولو ذكرت ما في كلام أحمد وأئمة أصحابه وغيرهم من الرد على من يقول لفظ ~~العبد أو صوته غير مخلوق أو يقول أن الصوت المسموع من القارىء قديم لطال # وهذا أبو نصر السجزى قد صنف ( الابانة ( المشهورة وهو من أعظم القائلين ~~بأن التلاوة هي المتلو واللفظ بالقرآن هو القرآن وهو غير مخلوق وأنكر ما ~~سوى ذلك عن أحمد ومع هذا فقد قال فان اعترض خصومنا فقالوا أنتم وإن قلتم ~~القراءة قرآن وكلام الله ms3971 فلا تطلقون ان الصوت المسموع من القارىء صوت الله ~~بل تنسبونه إلى القارىء وإذا لم يمكنكم إطلاق ذلك دل على أنه غير القرآن # قال أبو نصر فالجواب أن اعتصامنا في هذا الباب بظاهر الشرع PageV12P428 ~~وقولنا في القراءة والصوت غير مختلف وإذا قرأ القارىء القرآن لا يقول أن ~~هذه قراءة الله ولا يجيز ذلك بوجه بل ينسب القراءة إلى القارىء توسعا لوجود ~~التحويل منه وإنما يقول أن قراءة القارىء قرآن وقد ثبت ذلك في الشرع باتفاق ~~الكل فان الأشعرى مع مخالفته لنا يقول المسموع من القارىء قرآن وقد بينا أن ~~التمييز بين القراءة والقرآن في هذا الموضع الذى اختلفنا فيه غير ممكن ~~وكذلك يقول إن الصوت المسموع من قارئ القرآن قراءة وقرآن والشرع يوجب ما ~~قلناه لا أعلم خلافا بين المسلمين في ذلك # ( ### ||| فصل # ( # وأما نصوص الامام أحمد على ( خلق كلام الآدميين ( و ( خلق أفعال العباد ( ~~فموجودة في مواضع كثيرة كما نص على ذلك سائر الأئمة وليس بين أهل السنة في ~~ذلك اختلاف ولهذا قال يحيى بن سعيد القطان شيخ الامام أحمد ما زلت أسمع ~~أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة وقد سئل الامام أحمد عن أفاعيل العباد ~~مخلوقة هي فقال نعم ونص على كلام الآدميين في رواية أحمد بن الحسن الترمذى ~~كما سيأتى وفيما خرجه على ( الزنادقة والجهمية ( وهو PageV12P429 مروى من ~~طريق إبنه عبد الله ( وحاده ) وقد ذكره الخلال أيضا في ( كتاب السنة ( ونقل ~~منه القاضي أبو يعلى وغيره وقد حكى إجماع الخلق على ذلك غير واحد منهم أبو ~~نصر السجزي في ( الابانة ( وهو من أشد الناس إنكارا على من يقول أن الفاظ ~~العباد بالقرآن مخلوقة أو يقول أن المسموع من القارىء ليس هو القرآن قال ~~أبو نصر وأما نسبة الأصوات إلى القراء فيما ذكرنا في هذا الباب وفى غيره من ~~كتابنا هذا ونسبة القراءة إليهم وان فرح بها الزائغون فلا حجة لهم فيها ~~وذلك أنا لم نختلف في اضافة الصوت إلى الانسان وأنه إذا صاح أو تكلم بكلام ~~الناس أو ms3972 نادى إنسانا فصوته مخلوق قال وهذا لا يشتبه وإنما وقع الاختلاف في ~~ان المستمع من قارئ القرآن ماذا يستمع وساق الكلام إلى آخره وذكر في موضع ~~آخر ( الاجماع ( أيضا على ذلك # ( ### ||| فصل # ( # وإنما نبهت على أصل مقالة الامام أحمد وسائر أئمة السنة وأهل الحديث في ( ~~مسألة تلاوتنا للقرآن ( لأنها أصل ما وقع من الاضطراب PageV12P430 والتنازع ~~في هذا الباب مثل ( مسألة الايمان ( هل هو مخلوق أو غير مخلوق و ( مسألة ~~نور الايمان ( و ( الهدى ( ونحو ذلك من المسائل التى يكثر تنازع أهل الحديث ~~والسنة فيها ويتمسك كل فريق ببعض من الحق فيصيرون بمنزلة الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب مختلفين في الكتاب كل منهم بمنزلة الذى يؤمن ببعض ويكفر ببعض وهم ~~عامتهم في جهل وظلم جهل بحقيقة الايمان والحق وظلم الخلق ويقع بسببها بين ~~الأمة من التكفير والتلاعن ما يفرح به الشيطان ويغضب له الرحمن ويدخل به من ~~فعل ذلك فيما نهى الله عنه من التفرق والاختلاف ويخرج عما أمر الله به من ~~الاجتماع والائتلاف وأصل ذلك القرب والاتصال الحاصل بين ما أنزله الله ~~تعالى من القرآن والايمان الذى هو من صفاته وبين أفعال العباد وصفاتهم ~~فلعسر الفرق والتمييز يميل قوم إلى زيادة في الاثبات وآخرون إلى زيادة في ~~النفى ولهذا كان مذهب الامام أحمد والأئمة الكبار النهى عن الاثبات العام ~~والنفى العام بل إما الامساك عنهما وهو الأصلح للعموم وهو جمل الإعتقاد ~~واما التفصيل المحقق فهو لذى العلم من أهل الايمان كما أن الأول لعموم أهل ~~الايمان # وهذه المسألة لها أصلان PageV12P431 # ( أحدهما ) أن ( أفعال العباد مخلوقة ( وقد نص عليها الأئمة أحمد وغيره ~~وسائر أئمة أهل السنة والجماعة المخالفين للقدرية واتفقت الأمة على أن ~~أفعال العباد محدثة # و ( الأصل الثانى ) مسألة ( تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به ( هل يقال ~~أنه مخلوق أو غير مخلوق والامام أحمد قد نص على رد المقالتين هو وسائر أئمة ~~السنة من المستقدمين والمستأخرين لكن كان رده على ( اللفظية النافية ( أكثر ~~وأشهر وأغلظ لوجهين # ( أحدهما ) أن قولهم يفضى إلى ms3973 زيادة التعطيل والنفى وجانب النفى أبدا شر ~~من جانب الاثبات فان الرسل جاؤوا بالاثبات المفصل في صفات الله وبالنفى ~~المجمل فوصفوه بالعلم والرحمة والقدرة والحكمة والكلام والعلو وغير ذلك من ~~الصفات وفى النفى ( ليس كمثله شيء ) ( ولم يكن له كفوا أحد ) وأما الخارجون ~~عن حقيقة الرسالة من الصابئة والفلاسفة والمشركين وغيرهم ومن تجهم من اتباع ~~الأنبياء فطريقتهم ( النفي المفصل ( ليس كذا ليس كذا وفى الاثبات أمر مجمل ~~ولهذا يقال المعطل أعمى والمشبه أعشى فأهل التشبيه مع ضلالهم خير من أهل ~~التعطيل # ( الوجه الثانى ) أن أحمد إنما ابتلى بالجهمية المعطلة فهم خصومه ~~PageV12P432 فكان همه منصرفا إلى رد مقالاتهم دون أهل الاثبات فانه لم يكن ~~في ذلك الوقت والمكان من هو داع إلى زيادة في الاثبات كما ظهر من كان يدعو ~~إلى زيادة في النفى والأنكار يقع بحسب الحاجة والبخارى لما ابتلى ( ~~باللفظية المثبتة ( ظهر انكاره عليهم كما في تراجم آخر ( كتاب الصحيح ( ~~وكما في ( كتاب خلق الافعال ( مع أنه كذب من نقل عنه أنه قال لفظى بالقرآن ~~مخلوق من جميع أهل الأمصار وأظنه حلف على ذلك وهو الصادق البار ) # ( ### ||| فصل # ( # وقد نص أحمد على نفس هذه ( المسألة ( في غير موضع فروى أبو القاسم ~~اللالكائى في ( أصول السنة ( قال أخبرنا الحسن بن عثمان قال حدثنا عمرو بن ~~جعفر قال حدثنا أحمد بن الحسن الترمذى قال قلت لأحمد بن حنبل ان الناس قد ~~وقعوا في القرآن فكيف أقول فقال أليس أنت مخلوقا قلت نعم قال فكلامك منك ~~مخلوق قلت نعم قال أفليس القرآن من كلام الله قلت نعم قال وكلام الله من ~~الله قلت نعم قال فيكون من الله شيء مخلوق PageV12P433 بين أحمد للسائل ان ~~الكلام من المتكلم وقائم به لا يجوز ان يكون الكلام غير متصل بالمتكلم ولا ~~قائم به بدليل ان كلامك أيها المخلوق منك لا من غيرك فاذا كنت انت مخلوقا ~~وجب ان يكون كلامك ايضا مخلوقا وإذا كان الله تعالى غير مخلوق امتنع ان ~~يكون ما هو منه وبه ms3974 مخلوقا # وقصده بذلك الرد على ( الجهمية ( الذين يزعمون ان كلام الله ليس من الله ~~ولا متصل به فبين أن هذا الكلام ليس هو معنى كون المتكلم متكلما ولا هو ~~حقيقة ذلك ولا هو مراد الرسل والمؤمنين من الاخبار عن ان الله قال ويقول ~~وتكلم بالقرآن ونادى وناجى ودعا ونحو ذلك مما اخبرت به عن الله رسله واتفق ~~عليه المؤمنون به من جميع الأمم ولهذا قال تعالى ( ولكن حق القول منى ) ~~وقال ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وقال تعالى ( وانك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم ) وقال تعالى ( الركتاب أحكمت آياته ثم فصلت من ~~لدن حكيم خبير ) # وليس القرآن عينا من الأعيان القائمة بنفسها حتى يقال هذا مثل قوله ( ~~وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) وإنما هو صفة كالعلم ~~والقدرة والرحمة والغضب والارادة والنظر والسمع ونحو ذلك وذلك لا يقوم الا ~~بموصوف وكل معنى له اسم PageV12P434 وهو قائم بمحل وجب أن يشتق لمحله منه ~~اسم وان لا يشتق لغير محله منه اسم # فكما ان الحياة والعلم والقدرة اذا قام بموصوف وجب أن يشتق له منه اسم ~~الحى والعالم والقادر ولا يشتق الحى والعالم والقادر لغير من قام به العلم ~~والقدرة فكذلك القول والكلام والحب والبغض والرضا والرحمة والغضب والارادة ~~والمشيئة إذا قام بمحل وجب أن يشتق لذلك الموصوف منه الاسم والفعل فيقال هو ~~الصادق والشهيد والحكيم والودود والرحيم والآمر ولا يشتق لغيره منه اسم # فلو لم يكن الله سبحانه وتعالى هو القائل بنفسه ( أنا الله لا إله إلا ~~انا ) بل أحدث ذلك في غيره لم يكن هو الآمر بهذه الأمور ولا المخبر بهذا ~~الخبر ولكان ذلك المحل هو الآمر بهذا الأمر المخبر بهذا الخبر وذلك المحل ~~اما الهواء وإما غيره فيكون ذلك المحل المخلوق هو القائل لموسى ( إننى أنا ~~الله لا إله إلا أنا فاعبدنى ) ولهذا كان السلف يقولون في هذه الآية ~~وأمثالها من قال إنه مخلوق فقد كفر ويستعظمون القول بخلق هذه الآية ~~وأمثالها أكثر ms3975 من غيرها يعظم عليهم أن تقوم دعوى الالهية والربوبية لغير ~~الله تعالى # ولهذا كان مذهب جماهير ( أهل السنة والمعرفة ) وهو المشهور عند أصحاب ~~الامام أحمد وأبى حنيفة وغيرهم من المالكية والشافعية PageV12P435 والصوفية ~~وأهل الحديث وطوائف من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم # ان كون الله سبحانه وتعالى خالقا ورازقا ومحييا ومميتا وباعثا ووارثا ~~وغير ذلك من صفات فعله وهو من صفات ذاته ليس من يخلق كمن لا يخلق # ومذهب الجمهور ان الخلق غير المخلوق فالخلق فعل الله القائم به والمخلوق ~~هو المخلوقات المنفصلة عنه # وذهب طوائف من ( أهل الكلام ( من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم من ~~الفقهاء الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم إلى أنه ليس لله صفة ذاتية من ~~أفعاله وإنما الخلق هو المخلوق أو مجرد نسبة وإضافة وهذا اختيار بن عقيل ~~وأول قولي القاضي أبي يعلى وهؤلاء عندهم حال الذات التى تخلق وترزق أو لا ~~تخلق ولا ترزق سواء ) # وبهذا نقضت المعتزلة على من ناظرها من الصفاتية الأشعرية ونحوهم لما ~~استدلت الصفاتية بما تقدم من ( القاعدة الشريفة ( فقالوا ينتقض عليكم ~~بالخالق والرازق وغير ذلك من أسماء الأفعال فان الخلق والرزق قائم بغيره ~~وقد اشتق له منه إسم الخالق والرازق ولم يقم به صفة فعل أصلا فكذلك الصادق ~~والحكيم والمتكلم والرحيم والودود وهذا النقض لا يلزم جماهير الأمة وعامة ~~أهل السنة والجماعة فان الباب عندهم واحد وليس هذا قولا بقدم مخلوقاته أو ~~مفعولاته سواء قيل ان نفس فعله القائم به قديم فقط كما يقوله كثير من هؤلاء ~~PageV12P436 # الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث والكلام والصوفية أو ~~يقولون له عند احداث المخلوقات أحوال ونسب كما يقوله كثير من هؤلاء الفقهاء ~~وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام من الطوائف كلها # وذلك لأن القول في ذلك كالقول في مشيئته وإرادته فإنه وإن كان مذهب أهل ~~السنة وسائر الصفاتية انها قديمة فليست مراداته قديمة وكذلك صفة الخلق ~~والتكوين وذلك لأن الشرع والعقل يدل على ان حال الخالق والرازق الفاطر ~~المحيي المميت الهادي النصير ليس حاله في نفسه كحاله ms3976 لو لم يبدع هذه الأمور ~~ولهذا قال سبحانه وتعالى @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق @QE@ فالفرق بين ~~الخالق وغير الخالق كالفرق بين القادر وغير القادر # والمخالف يقول إنما هو موصوف بالقدرة التى تتناول ما يخلقه وما لا يخلقه ~~سواء في نفسه كان خالقا أو لم يكن خالقا ليس له من كونه خالقا ( صفة ثبوتية ~~) لا صفة كمال ولا صفة وجود مطلق كما له بكونه قادرا ونصوص الكتاب والسنة ~~توجب أن تكون أسماء أفعاله من أسمائه الحسنى التى تقتضي أن يكون بها محمودا ~~مثنى عليه ممجدا وذلك يقتضي أنها من صفات الكمال # وليس الغرض هنا ذكر هذه ( المسألة ) وإنما هي طرد حجة PageV12P437 الإمام ~~أحمد وغيره من أئمة السلف الثقات وسائر الصفاتية ولهذا قال الإمام أحمد في ~~رواية حنبل في ( كتاب المحنة ) لم يزل الله عالما متكلما غفورا فبين اتصافه ~~بالعلم وهو صفة ذاتية محضة و ( بالمغفرة ) وهي من ( الصفات الفعلية ) ~~والكلام الذى يشبه هذا وهذا وذكر انه لم يزل متصفا بهذه الصفات والاسماء ~~وقال الإمام أحمد فيما خرجه في ( الرد على الزنادقة والجهمية ) لما ذكر قول ~~جهم انه يتكلم ولكن كلامه مخلوق قال أحمد قلنا له وكذلك بنوا آدم كلامهم ~~مخلوق ففي مذهبكم كان الله في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام ~~وكذلك بنوا آدم لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتشبيه ~~وكذلك ذكروا في ( المحنة ) فيما استدل به الإمام أحمد في المناظرة واستدل ~~بقوله ( ولكن حق القول منى ) قال فإن يكن القول من غير الله فهو مخلوق ### ||| فصل # وأما قول القائل إن أحمد إنما قال ذلك خوفا من الناس فبطلان هذا يعلمه كل ~~عاقل بلغه شيء من اخبار أحمد وقائل هذا إلى العقوبة البليغة التى يفترى بها ~~على الأئمة أحوج منه إلى جوابه فان PageV12P438 الإمام أحمد صار مثلا سائرا ~~يضرب به المثل في المحنة والصبر على الحق وانه لم تكن تأخذه في الله لومة ~~لائم حتى صار اسم الإمام مقرونا باسمه في لسان كل أحد ms3977 فيقال قال الإمام ~~أحمد هذا مذهب الإمام أحمد لقوله تعالى @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ فإنه أعطى من الصبر واليقين ما يستحق ~~به الامامة في الدين # وقد تداوله ( ثلاثة خلفاء ) مسلطون من شرق الأرض إلى غربها ومعهم من ~~العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والسعاة والأمراء والولاة من لا يحصيهم ~~إلا الله فبعضهم بالحبس وبعضهم بالتهديد الشديد بالقتل وبغيره وبالترغيب في ~~الرياسة والمال ما شاء الله وبالضرب وبعضهم بالتشريد والنفي وقد خذله في ~~ذلك عامة أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون والأبرار وهو مع ذلك لم ~~يعطهم كلمة واحدة مما طلبوه منه وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة ولا كتم ~~العلم ولا استعمل التقية بل قد أظهر من سنة رسول الله وآثاره ودفع من البدع ~~المخالفة لذلك ما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه وإخوانه المتقدمين ~~والمتأخرين ولهذا قال بعض شيوخ الشام لم يظهر أحد ما جاء به الرسول كما ~~أظهره أحمد بن حنبل فكيف يظن به انه كان يخاف في هذه الكلمة التى لا قدر ~~لها PageV12P439 و ( أيضا ) فمن أصوله انه لا يقول في الدين قولا مبتدعا ~~وقد جعلوا يطالبونه بما ابتدعوه فيقول لهم كيف أقول ما لم يقل فكيف يكتم ~~كلمة ما قالها أحد قبله من خلق الله # و ( أيضا ) فان أحمد بن الحسن الترمذي من خواص أصحابه وأعيانهم فما ~~الموجب لأن يستعمل التقية معه # و ( أيضا ) فلم يكن به حاجة إلى ان يقول كلام الآدمي مخلوق وإنما هو ذكر ~~ذلك مستدلا به ضاربا به المثل فكيف يبتدي بكلام هو عنده باطل لم يسأله عنه ~~أحد # و ( أيضا ) فقد كان يسعه أن يسكت عن هذا فان الأنسان إذا خاف من إظهار ~~قول كتمه اما اظهاره لقول لم يطلب منه وهو باطل عنده فهذا لا يفعله أقل ~~الناس عقلا وعلما ودينا # فمن يسب ( الإمام أحمد ) الذي موقفه من الاسلام وأهله فوق ما يصفه الواصف ~~ويعرفه العارف فقد استوجب من غليظ العقوبة ما يكون نكالا لكل ms3978 مفتر كاذب ~~راجم بالظن قاذف قائل على الله ورسوله والمؤمنين وأئمتهم ما لا يقوله العدو ~~المنافق # و ( أيضا ) فقد ذكر ذلك فيما صنفه من ( الرد على الزنادقة PageV12P440 ~~والجهمية ) وهو في الحبس وكتبه بخطه ولم يكن ذلك مما أظهره لأعدائه الذين ~~يحتاج غيره إلى أن يستعمل معهم التقية # وهذا القول أقبح من قول الروافض فيما ثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله ~~عنه انه قاله وفعله على وجه التقية فان الإمام أحمد صنف الرد عليهم وبين ~~أنهم زنادقة فأى تقية تكون لهم مع هذا وهو يجاهدهم ببيانه وبنانه وقلمه ~~ولسانه ### ||| فصل # شبهة هؤلاء انهم وجدوا الناس قد تكلموا في ( حروف المعجم ) و ( أسماء ~~المخلوقات ) فإن المنتسبين إلى السنة تكلموا في حروف المعجم في غير القرآن ~~والكتب الالهية وقال طوائف منهم كابن حامد وابي نصر السجزي والقاضي في أشهر ~~قوليه وبن عقيل وغيرهم إنها مخلوقة وقالوا الحروف حرفان وقال طوائف وهم ~~كثير من أهل الشام والعراق وخراسان كالقاضي يعقوب البرزيني والشريف ابى ~~الفضائل الزيدى الحرانى ويروى ذلك عن الشيخ أبى الحسين بن سمعون وهو قول ~~القاضي ابى الحسين وحكاه عن أبيه في آخر قوليه وهو قول الشيخ أبى الفرج ~~الأنصاري والشيخ عبد PageV12P441 القادر وبن الزاغونى وغيرهم الحرف حرف ~~واحد وحروف المعجم غير مخلوقة حيث تصرفت لأنها من كلام الله وحقيقة الحرف ~~واحدة لا تختلف # وقد نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه الانكار على من قال بخلق الحروف ~~وانه لما حكى له ان بعض الناس قال لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف ~~فقال الإمام أحمد هذا كفر وروى انكار ذلك عن غيره من الأئمة # والأولون لا ينازعون في هذا فانهم ينكرون على من يقول ان الحروف مخلوقة ~~فإنه إذا قال ذلك دخل فيه حروف كلام الله تعالى من القرآن وغيره وهم يخصون ~~الكلام في الحروف الموجودة في كلام المخلوق دون الحروف الموجودة في كلام ~~الله ويقولون حقيقة الحروف والاسم وان كانت واحدة فذلك بمنزلة كلمات موجودة ~~في القرآن وقد تكلم ms3979 بها بعض المخلوقين فالمتكلم تارة يقصد ان يتكلم بكلام ~~غيره وان وافقه في لفظه بالنسبة الينا وهذا لا يتأتى إلا في الشيء اليسير ~~وهو ما دون السورة القصيرة فان الله قد تحدى الخلق أن يأتوا بسورة مثله ~~وأخبر انهم لن يفعلوا # قال الأولون فموافقه لفظ الكلام للفظ الكلام لا يوجب ان PageV12P442 يكون ~~لأحدهما حكم الآخر في النسبة إلى المتكلم المخلوق بحيث ينسب أحدهما إلى من ~~ينسب إليه الآخر فكيف بالنسبة إلى الخالق بل لما كتب مسيلمة إلى النبى من ~~مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله رد عليه النبى ( من محمد رسول الله ~~إلى مسيلمة الكذاب كان اللفظ برسول الله من المتكلمين سواء من أحدهما صدق ~~ومن أعظم الصدق ومن الآخر كذب ومن أقبح الكذب # وقد ذكر الله عن الكفار مقالات سوء في كتابه مثل قولهم ( اتخذ الله ولدا ~~ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون إلا ~~كذبا وقولهم ( عزير بن الله ) ( والمسيح بن الله ) وغير ذلك من الأقوال ~~الباطلة وقد حكاها الله عنهم فإذا تكلمنا بما حكاه الله عنهم كنا متكلمين ~~بكلام الله ولو حكيناها عنهم ابتداء لكنا قد حكينا كلامهم الكذب المذموم # ولهذا قال الفقهاء من ذكر الله أو دعاه جاز له ذلك مع الجنابة وإن وافق ~~لفظ القرآن إذا لم يقصد القراءة وقالوا لو تكلم بلفظ القرآن في الصلاة يقصد ~~مجرد خطاب الآدمي بطلت صلاته لأن ذلك من كلام الآدميين والصلاة لا يصلح ~~فيها شيء من كلام الآدميين وإن قصد مع تنبيه الغير القراءة صحت صلاته عند ~~الجمهور كما لو لم PageV12P443 يقصد إلا القراءة وعند بعضهم تبطل كقول أبى ~~حنيفة ومن هذا الباب مسألة الفتح على الإمام وتنبيه الداخل بآية من القرآن ~~وغير ذلك # وسبب ذلك ان معنى الكلام داخل في مسماه ليس هو اسما لمجرد اللفظ والمعنى ~~هو إنشاء وإخبار والانشاء فيه الأمر والنهي ومعلوم ان أمر زيد ليس هو أمر ~~عمرو ولا حكمه حكمه وإن اتفق اللفظ وكذلك ms3980 اختيار زيد ليس هو اختيار عمرو ~~ولا حكمه حكمه وإن اتفق اللفظ فالآمر المطاع الحكيم إذا أمر بأمر كان له ~~حكم خلاف ما إذا أمر به الجاهل العاجز وإن اتفق لفظهما وكذلك الشاهد العالم ~~الصادق إذا أخبر بخبر كان حكمه خلاف ما إذا أخبر به الجاهل الكاذب وإن اتفق ~~لفظهما # وإذا كان كذلك فمن أدخل في كلام له بعض لفظ أدخله غيره في كلامه لم يوجب ~~ذلك ان يكون هذا اللفظ من كلام ذلك المتكلم وإن كان أحد اللفظين شبيها ~~بالآخر وهو بمنزلة من كتب حروفا تشبه حروف المصحف كتبها كلاما آخر لم يكن ~~ذلك مما يوجب أن يكون من حروف المصحف # وقال الآخرون مجرد الموافقة في اللفظ لا يوجب أن يجعل حكم PageV12P444 ~~أحد اللفظين حكم الآخر لكن إذا كان أحدهما أصلا سابقا إلى ذلك الكلام ~~والآخر إنما احتذى فيه حذوه ومثاله كان اللفظ والكلام منسوبا إلى الأول ~~بمنزلة من تمثل بقول لبيد # الا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # أو بقوله # ويأتيك بالأخبار من لم تزود %~% # أو بمثل من الأمثال السائرة كقوله ( عسى الغويرى بؤسا ) و ( يداك أوكتا ~~وفوك نفخ ) و ( كل الصيد في الجوف الفراء ) ونحو ذلك فهذا الكلام هو تكلم ~~به في المعنى الذي أراده لا على سبيل التبليغ عن غيره ومع هذا فهو منسوب ~~إلى قائله الأول فهكذا الحروف الموجودة في كلام الله وإن أدخلها الناس في ~~كلامهم الذي هو كلامهم فأصلها مأخوذ من كلام الله تعالى # قال الأولون هنا مقامان # ( أحدهما ) ان كل من انطقه الله بهذه الحروف فانما كان ذلك بطريق ~~الاستفادة من كلام الله أو ممن استفادها من كلام الله وهذه الدعوى العامة ~~تحتاج إلى دليل فان تعليم الله لآدم الأسماء أو إنزاله كتبه بهذه الحروف لا ~~يوجب أن يكون لم ينطق غير آدم ممن لم يسمع PageV12P445 الكتب المنزلة بهذه ~~الحروف كما كانت العرب تنطق بهذه الحروف والأسماء قبل نزول القرآن والله ~~تعالى أنزله بلسانهم الذي كانوا يتكلمون به قبل نزول القرآن # ( المقام ms3981 الثاني ) انه لو لم يكن أحد نطق بها إلا مستفيدا لها من كلام ~~الله لكن إذا أنشأ بها كلاما لنفسه ولم يقصد بها قراءة كلام الله لم تكن في ~~هذه الحال من كلام الله كما لو فعل ذلك في بعض الجمل المركبة وأولى ويدل ~~على ذلك الأحكام الشرعية # قال الآخرون القائلون بأن حروف المعجم غير مخلوقة مطلقا لنا في الأسماء ~~الموجودة في غير القرآن قولان منهم من يقول بأن جميع الأسماء غير مخلوقة ~~كما يقول ذلك في الحروف ومنهم من لا يقول ذلك وقد حكى القولين بن حامد ~~وغيره عمن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد وغيره من القائلين بأن حروف المعجم ~~غير مخلوقة فمن عمم ذلك استدل بقوله تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ ~~وهذه الحجة مبنية على مقدمتين # ( إحداهما ) أن مبدأ اللغات توقيفية وان المراد بالتوقيف خطاب الله بها ~~لا تعريفه بعلم ضروري وهذا الموضع قد تنازع فيه الناس من أصحاب الإمام أحمد ~~وسائر الفقهاء وأهل الحديث والأصول PageV12P446 فقال قوم أنها توقيفية وهو ~~قول أبي بكر عبد العزيز والشيخ أبى محمد المقدسى وطوائف من أصحاب الإمام ~~أحمد وهو قول الأشعري وبن فورك وغيرهما وقال قوم بعضها توقيفي وبعضها ~~اصطلاحي وهذا قول طوائف منهم بن عقيل وغيره وقال قوم يجوز فيها هذا وهذا ~~ولا نجزم بشيء وهذا قول القاضي أبي يعلى والقاضي أبى بكر بن الباقلانى ~~وغيرهما ولم يقل إنها كلها اصطلاحية إلا طوائف من المعتزلة ومن اتبعهم ورأس ~~هذه المقالة أبو هاشم بن الجبائى # والذين قالوا انها توقيفية تنازعوا هل التوقيف بالخطاب أو بتعريف ضروري ~~أو كليهما فمن قال انها توقيفية وان التوقيف بالخطاب فإنه ينبني على ذلك أن ~~يقال انها غير مخلوقة لأنها كلها من كلام الله تعالى لكن نحن نعلم قطعا ان ~~في اسماء الأعلام ما هو مرتجل وضعه الناس ابتداء فيكون التردد في اسماء ~~الأجناس # و ( أيضا ) فان تعليم الله لآدم بالخطاب لا يوجب بقاء تلك الأسماء ~~بألفاظها في ذريته بل المأثور أن أهل سفينة نوح لما ms3982 خرجوا من السفينة أعطي ~~كل قوم لغة وتبلبلت ألسنتهم وهذه المسألة فيها تجاذب والنزاع فيها بين ~~أصحابنا وسائر أهل السنة يعود إلى نزاع PageV12P447 لفظى فيما يتحقق فيه ~~النزاع وليس بينهم والحمد لله خلاف محقق معنوى # وذلك أن الذى قال الحرف حرف واحد وان حروف المعجم ليست مخلوقة إنما ~~مقصوده بذلك أنها داخلة في كلام الله وانها منتزعة من كلام الله وانها مادة ~~لفظ كلام الله وذلك غير مخلوق وهذا لا نزاع فيه فأما حرف مجرد فلا يوجد لا ~~في القرآن ولا في غيره ولا ينطق بالحرف إلا في ضمن ما يأتلف من الأسماء ~~والأفعال وحروف المعانى وأما الحروف التى ينطق بها مفردة مثل الف لام ميم ~~ونحو ذلك فهذه في الحقيقة أسماء الحروف وإنما سميت حروفا باسم مسماها كما ~~يسمى ضرب فعل ماض باعتبار مسماه ولهذا لما سأل الخليل أصحابه كيف تنطقون ~~بالزاء من زيد قالوا نقول ( زا ( قال جئتم بالاسم وإنما يقال ( زه ( # وليس في القرآن من حروف الهجاء التى هي أسماء الحروف إلا نصفها وهى أربعة ~~عشر حرفا وهى نصف أجناس الحروف نصف المجهورة والمهموسة والمستعلية والمطبقة ~~والشديدة والرخوة وغير ذلك من أجناس الحروف وهو أشرف النصفين والنصف الآخر ~~لا يوجد في القرآن إلا في ضمن الأسماء أو الأفعال أو حروف المعانى التى ~~ليست باسم ولا فعل فلا يجوز أن نعتقد أن حروف المعجم بأسمائها جميعها ~~موجودة في القرآن لكن نفس حروف المعجم التى PageV12P448 هي أبعاض الكلام ~~موجودة في القرآن بل قد اجتمعت في آيتين ( إحداهما ( في آل عمران و ( ~~الثانية ( في سورة الفتح ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم ) الآية و ( محمد ~~رسول الله ) الآية # وإذا كان كذلك فمن تكلم بكلام آخر مؤلف من حروف الهجاء فلم ينطق بنفس ~~الحروف التى في لفظ القرآن وإنما نطق بمثلها وذلك الذى نطق به قد يكون هو ~~أخذه وإذا ابتدأ من لفظ كلام الله تعالى وقد لا يكون حقيقة # قيل الحرف من حيث هو هو شيء واحد له الحقيقة المطلقة ms3983 التى لا تأليف فيها ~~لا توجد لا في كلام الله تعالى ولا في كلام عباده وإنما الموجود الحرف الذى ~~هو جزء من اللفظ أو اسمه إذا لم يوجد إلا حرف ولكن هذا المطلق بل الأعيان ~~الموجودة في الخارج قائمة بأنفسها كالانسان لا يوجد مجردا عن الأعيان في ~~الأعيان لا يوجد مجردا عن الأعيان إلا في الذهن لا في الخارج فكيف بالحرف ~~الذى لا يوجد في الخارج إلا مؤلفا فلو قدر أنه يوجد في الخارج غير مؤلف ~~متعدد الأعيان كما يوجد الانسان لم تكن حقيقته المطلقة من حيث هي هي موجودة ~~إلا في الأذهان لا في الأعيان # فتبين أن الحروف تختلف أحكامها باختلاف معانيها واختلاف المتكلم ~~PageV12P449 بها وهذا أوجب تعظيم حروف القرآن المنطوقة والمسطورة وكان لها ~~من الأحكام الشرعية ما امتازت به عما سواها واختلاف الأحكام إنما كان ~~لاختلاف صفاتها واحوالها # فتبين ان الواجب أن يقال ما قاله الأئمة كاحمد وغيره ان كلام الانسان كله ~~مخلوق حروفه ومعانيه والقرآن غير مخلوق حروفه ومعانيه وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( يقول الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى فمن ~~وصلها وصلته ومن قطعها بتته ( وروى الربيع بن أنس عن المسيح أنه قال ( عجبا ~~لهم كيف يكفرون به وهم يتقلبون في نعمائه ويتكلمون باسمائه # ( وذكر في معظم حروف المعجم أنها مبانى اسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة ~~من السماء وهذا مما يحتج به من قال ليست مخلوقة وليس بحجة فان أسماء الله ~~من كلامه وكلامه غير مخلوق وما اشتقه هو من أسمائه فتكلم به فكلامه به غير ~~مخلوق وأما إذا اشتقوا اسما أحدثوه فذلك الاسم هم أحدثوه ولا يلزم إذا كان ~~المشتق منه غير مخلوق ان يكون المشتق كذلك وما يروى عن المسيح فلا يعرف ~~ثبوته عنه وبتقدير ثبوته فإذا كان قد ألهم عباده أن يتكلموا بالحروف ~~PageV12P450 التى هي مبانى أسمائه التى تكلم بها لم يلزم أن يكون ما أحدثوه ~~هم غير مخلوق # ( وبالجملة ( فمن نظر إلى أن حقيقة الحرف ms3984 التى لا تختلف موجودة في كلام ~~الله وكلام الله غير مخلوق قال انها مخلوقة إشارة إلى نفس حقيقة الحرف لا ~~إلى عين جزء اللفظ الذى به ينطق الكفار والمشركون فان ذلك الحرف الذى هو ~~صوت لمقدر أو تقدير صوت قائم بالكافر والمشرك لا يقول عاقل أنه غير مخلوق ~~مع أنه ليس مضافا إلى الله بوجه من الوجوه وإنما يضاف إلى الله ما شاركه في ~~اسمه مما كان متعلقا بالمعنى المضاف إلى الله # وهذا بخلاف الحروف التى في كلام الله فان تلك كلام الله كيف ما تصرفت ~~ونحن لما يسر الله كلامه بألسنتناأمكننا أن نتكلم بكلامه لكن بأدواتنا ~~وأصواتنا وليس تكلمنا به وسمعه منا كتكلم الله به وسمعه منه كما تقدمت ~~الاشارة إلى هذا كما أن الله ليس كمثله شيء فكذلك سائر ما يضاف إليه ولكن ~~لما انطقنا الله بأدواتنا وحركاتنا وأصواتنا صار بين بعض لفظنا به ولفظنا ~~بغيره نوع من الشبه فإذا تكلمنا بكلام آخر فهو يشبه من بعض الوجوه لفظنا ~~وصوتنا بالقرآن لا يشبه تكلم الله به وقراءته إياه فإذا كان وجود هذه ~~الحروف في كلام الآدميين ليس بمنزلة تكلم الله بالقرآن وإنما يشبه من بعض ~~الوجوه تكلمنا به PageV12P451 من جهة ما يضاف إلينا لا من جهة ما يضاف إلى ~~الله امتنع حينئذ أن يقال عين الحرف الذى هو جزء لفظة من الاسم الذى ينطق ~~به الناس هو عين الحرف الذى هو جزء لفظ من كلام الله تعالى وإنما يشبهه ~~ويقاربه فهو هو باعتبار النوع وليس هو إياه باعتبار العين والشخص خلاف حروف ~~كلام الله القرآن فانها كلام الله حيث تصرفت وفيها دقة وشبهة أشرنا إليها ~~في هذا الجواب وشرحناها في موضعها # فمن قال أن الحروف حرفان أراد به أنهما عينان وشخصان وهذا حق ومن قال ~~الحرف حرف واحد أراد به أن الحقيقة النوعية واحدة في الموضعين وهذا حق ومن ~~قال ان حروف الهجاء من من كلام الآدميين غير مخلوقة فقد صدق باعتبار ~~الحقيقة النوعية ومن قال أنها مخلوقة ms3985 باعتبار العين الشخصية فقد صدق # ونظير هذا كثير يوجد في كلام أهل العلم وأهل السنة من النفى والاثبات ~~ويكون النزاع في معنيين متنوعين نزاعا لفظيا اعتباريا وقد قال بعض الفضلاء ~~أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الاسماء لكن وقوع الاشتراك والاجمال يضل ~~به كثير من الخلق كما يهتدى به كثير من الخلق وهو سبب ضلال هؤلاء الجهال ~~المسؤول عنهم فان حجتهم أن الله علم آدم الاسماء كلها وعلمه البيان وهو ~~مبنى على PageV12P452 أن ( اللغات توقيفية ( كقول كثير من الفقهاء من ~~أصحابنا وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز وأبى محمد المقدسى وهو قول الأشعرى ~~وإبن فورك وغيرهما # لكن ( التوقيف ( هل المراد به التكليم أو التعريف أو كلاهما هذا فيه نزاع ~~أيضا كما تقدم فالذين قالوا إنها غير مخلوقة يقولون إنها ( توقيفية ( وان ~~التعليم هو بالخطاب فيكون الله قد تكلم بالأسماء كلها وكلام الله غير مخلوق ~~قال هؤلاء الجهال الضالون وكلام الآدميين ليس إلا ما يأتلف من الحروف ~~والاسماء وتلك غير مخلوقة فهذا أيضا غير مخلوق # فبنوا قولهم على ان حروف المعجم غير مخلوقة وان الأسماء المؤلفة من ~~الحروف غير مخلوقة واعتقدوا مع ذلك أن كلام الأدميين ليس إلا ما يأتلف من ~~الاسماء والحروف وتلك غير مخلوقة فقالوا كلام الآدميين غير مخلوق لأن ~~مفرداته غير مخلوقة وإذا ضويقوا فقد يقولون النظم والتأليف مخلوق وأما نفس ~~المنظوم المؤلف فهو قديم ثم يحسبون أن المواد المنظومة المؤلفة هي أدخل في ~~الكلام من نفس التأليف والنظم كماأن اجزاء البيت هي أدخل في مسماه من ~~تأليفه وإن كان البيت إسما للأجزاء ولتأليفها PageV12P453 # وربما طرد بعضهم هذه ( المقالة ( في سائر أصوات الآدميين ولما ألزمهم من ~~خاطبهم بأصوات العباد التى ليست بكلام طرد بعضهم ذلك في الأصوات ثم طرد ذلك ~~في أصوات البهائم من الحمير وغيرها ويلزمهم طرد ذلك في جميع الأصوات حتى ~~أصوات العيدان والمزامير إذ لا فرق بينها وبين أصوات البهائم # وأعلم أن الجهالة إذا انتهت إلى هذا الحد صارت بمنزلة من يقول ان الوتد ~~والحائط والعجل ms3986 الذى يعمل منه الجلد كلام الله أو يقول ان يزيد بن معاوية ~~كان من الأنبياء الكبار أو يقول أن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يعانق ~~المشاة ويصافح الركبان أو يقول إن أبا بكر وعمر ليسا مدفونين بالحجرة أو ~~أنهما فرعون وهامان وإنهما كانا كافرين عدوين للنبى مثل أبى جهل وأبى لهب ~~أو يقول أن على بن أبى طالب هو العلي الأعلى رب السماوات والأرض أو يقول أن ~~الذى صفعته اليهود وصلبته ووضعت الشوك على رأسه هو الذى خلق السماوات ~~والأرض وان اليدين المسمرتين هما اللتان خلقتا السماوات والأرض أو يقول أن ~~الله قعد في بيت المقدس يبكى وينوح حتى جاء بعض مشايخ اليهود فبرك عليه أو ~~أنه بكى حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة وأنه ندم على الطوفان وعض يديه من ~~الندم حتى جرى الدم أو يقول أن PageV12P454 الشيخ فلان والشيخ فلان يخلق ~~ويرزق وكل رزق لا يرزقنيه ما أريده أو يقول ان عليا هو الذى كان يعلم ~~القرآن للنبى صلى الله عليه وسلم أو يقول ان صانع العالم لما صنعه غلبت ~~عليه الطبيعة حتى أهلك نفسه أو يقول أن وجوده ووجود هذا وهذا هو عين وجود ~~الحق وان الله هو عين السماوات والأرض والنبات والحيوان وان كل صوت ونطق في ~~العالم فهو صوته وكلامه وكل حركة في العالم وسكون فهو حركته وسكونه وان ~~الحق المنزه هو الخلق المشبه وأنه لو زالت السماوات والأرض لزالت حقيقة ~~الله وأنه من حيث ذاته لا اسم له ولا صفة وأنه لا وجود له إلا في الأعيان ~~الممكنات وأنه الوجود المطلق السارى في المخلوقات الذى لا يتميز ولا ينفصل ~~عن المخلوقات إلى أمثال هذه المقالات التى يقولها الغلاة من المشركين ~~والكتابيين ومن أشبههم من غالية هذه الأمة # فإن المنتسبين إلى السنة والحديث وان كانوا أصلح من غيرهم من أشباههم ~~فالسنة في الاسلام كالاسلام في الملل كما انه يوجد في المنتسبين إلى ~~الإسلام ما يوجد في غيرهم وأن كان كل خير في غير المسلمين ms3987 فهو في المسلمين ~~أكثر وكل شر في المسلمين فهو في غيرهم أكثر فكذلك المنتسبة إلى السنة قد ~~يوجد فيهم ما يوجد في غيرهم وان كان كل خير في غير أهل السنة فهو فيهم أكثر ~~وكل PageV12P455 شر فيهم فهو في غيرهم أكثر إذ قد صح عن النبى أنه قال ( ~~لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ~~قالوا اليهود والنصارى قال فمن ( وقال ( لتأخذن مآخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع قالوا فارس والروم قال ومن الناس إلا هؤلاء ( # وإزالة شبهة هؤلاء تحتاج إلى الكلام في ( الحروف والأسماء ( هل هي مخلوقة ~~أم غير مخلوقة وان كنا قد أشرنا إلى ذلك بل نتكلم على تقدير أنها غير ~~مخلوقة ونقول مع هذا يجب القطع بأن كلام الآدميين مخلوق ويطلق القول بذلك ~~إطلاقا لا يحتاج إلى تفصيل بأن يقال نظمه وتأليفه مخلوق وحروفه وأسماؤه غير ~~مخلوقة أو تركيبه مخلوق ومفرداته غير مخلوقة فان هذا التفصيل لا يحتاج إليه # وذلك لأن كلام المتكلم هو عبارة عن الفاظه ومعانيه كما قدمناه ليس الكلام ~~اسما لمجرد الالفاظ ولا لمجرد المعانى # وعامة ما يوجد في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة بل وسائر الأمم ~~عربهم وعجمهم من لفظ الكلام والقول وهذا كلام فلان أو كلام فلان فانه عند ~~إطلاقه يتناول اللفظ والمعنى جميعا PageV12P456 لشموله لهما ليس حقيقة في ~~اللفظ فقط كما يقوله قوم ولا في المعنى فقط كما يقوله قوم ولا مشترك بينهما ~~كما يقوله قوم ولا مشترك في كلام الآدميين وحقيقة في المعنى في كلام الله ~~كما يقوله قوم # ومنه قول النبى ( ان الله تجاوز لأمتى عما حدثت به انفسها ما لم تتكلم به ~~أو تعمل به ) وقول معاذ له ( وأنا لمؤاخذون بما نتكلم فقال ثكلتك أمك ~~يامعاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) وقوله ( ~~كلمتان ثقيلتان في الميزان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن سبحان ~~الله وبحمده سبحان الله العظيم ) وقوله ( أن اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة ms3988 ~~لبيد * ألا كل شيء ما خلا الله باطل * ) # ( وقوله ( إنى لأعلم كلمة لا يقولها ~~أحد عند الموت إلا وجد روحه لها روحا ( فمن كان آخر كلامه لا إله إلا الله ~~دخل الجنة ( وما في القرآن مثل قوله ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه ) وقوله ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) ونحو ذلك من أسماء ~~القول والكلام جميعا ونحوهما فانه يدخل فيه اللفظ والمعنى جميعا عند ~~الاطلاق PageV12P457 وإذا كان كذلك فالمتكلم بالكلام المبتدئ له سواء كان ~~نظما أو نثرا لا ريب أنه هو الذي ألف معانيه وألف ألفاظه وأما مفردات ( ~~الأسماء والحروف ) فلا ريب أنه تعلمها من غيره سواء كانت مخلوقة أو غير ~~مخلوقة فإن ( اللغات ) سابقة لكلام عامة المتكلمين ونطق الناطقين من البشر ~~وهم تلقوا الأسماء وحروف الأسماء الموجودة في لغاتهم عمن قبلهم إلى أن ~~ينتهي الأمر إلى أول متكلم بتلك الأسماء المفردة # ثم انه مما علم بالاضطرار واتفق عليه اهل الأرض جميعهم ان الكلام هو كلام ~~من ألف معانيه وألفاظه وان كان جميع ما فيه من الاسماء والحروف إنما تعلمها ~~من غيره فالناس مطبقون على أن هذه القصائد كلام منشئيها مثل شعر امرئ القيس ~~والنابغة الذبيانى كقوله # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل %~% # فجميع الأمم يعلمون ويقولون ان هذا شعر امرئ القيس وكلامه وإن كانت ~~الأسماء المفردة فيه إنما تعلمها من غيره فإن العرب نطقت قبله بلفظ ( قفا ~~وبلفظ نبك ) وبلفظ ( من ذكرى ) ( حبيب ) ( ومنزل ) # وجميع المسلمين إذا سمعوا قوله ( إنما PageV12P458 الأعمال بالنيات وإنما ~~لكل امرئ ما نوى ) أو ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان ~~يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ انقذه الله منه كما يكره ان يلقى في النار ) ~~وقوله ( من كذب علي متعمدا فليتبوا مقعده من النار ) قالوا هذا كلام رسول ~~الله وهذا حديثه وهذا قوله مع علمهم أن جميع مفردات هذا الكلام قد كانت ms3989 ~~موجودة في كلام العرب قبله مثل لفظ ( إنما ) ولفظ ( الاعمال ) ولفظ ( النية ~~) و ( النيات ) ولفظ ( كل امرئ ولفظ ( ما نوى ) وغير ذلك # وهكذا كلام الصحابة والتابعين وكلام مصنفى الكتب والرسائل والخطب كلهم ~~يقول هذه الرسالة كلام فلان وهذه الخطبة كلام فلان وهذه المسألة من كلام ~~فلان مع علمهم بأنه مسبوق بمفردات الكلام اسمائه وحروف هجائه وذلك لان ~~الكلام لم يكن كلاما باعتبار الالفاظ المفردة ولا باعتبار أجزائها وهي حروف ~~الهجاء ولا كان المقصود بوضع اللفظ للمعنى الدلالة على المعانى المفردة فإن ~~المعانى المفردة لا يعلم وضع اللفظ لها إلا بعد العلم بها فلو كان العلم ~~بها لا يستفاد إلا من اللفظ لزم الدور # ولهذا يقول اهل العربية وهم اخبر بمشبهات الالفاظ من PageV12P459 غيرهم ~~ان اسم الكلام لا يقال إلا على الجملة المفيدة كالمركبة من اسمين أو اسم ~~وفعل وقد ذكر ذلك ( سيبويه ) حكيم لسان العرب في ( باب الحكاية بالقول ) ~~حيث ذكر ان القول يحكى به ما كان كلاما ولا يحكى به ما كان قولا والقول ~~إنما تحكى به الجمل المفيدة فعلم انها هي الكلام في لغة العرب # وحيث اطلق الفقهاء اسم ( الكلام ( على حرفين فصاعدا في ( باب الصلاة ( ~~فانما غرضهم ما يبطل الصلاة سواء كان مفيدا أو غير مفيد وموضوعا أو مهملا ~~حتى لو صوت تصويتا طويلا ولحن لحون الغناء أبطل الصلاة وان لم يكن ذلك في ~~اللغة كلاما وهم فيما اذا حلف لا يتكلم أو ليتكلمن لا يعلقون البر والحنث ~~الا بما هو في عرف الحالف كلام وإن كان اخص من الكلام الذى يبطل الصلاة ~~ولهذا لو حلف لا يتكلم واطلق يمينه حنث بكلام المخلوقين وهل يحنث بتكلمه ~~بالقرآن من العلماء من قال لا يحنث بحال ومنهم من قال لا يحنث بتلاوته في ~~الصلاة ومنهم من توقف لأن اليمين مرجعها إلى عرف الحالف فعموم اسم الكلام ~~وخصوصه عندهم بحسب الاحكام المتعلقة به # والسلف إذا ذموا أهل الكلام وقالوا علماء الكلام زنادقة وما ارتدى أحد ~~بالكلام فافلح فلم يريدوا به ms3990 مطلق الكلام PageV12P460 وإنما هو حقيقة عرفية ~~فيمن يتكلم في الدين بغير طريقة المرسلين والخائضون في ( اصول الفقه ) وإن ~~قالوا ان الكلام ما تألف من حرفين فصاعدا أو ما انتظم من ( الحروف ) وهي ~~الاصوات المقطعة المتواضع عليها وتنازعوا في الحرف الواحد المؤلف مع غيره ~~هل يسمى كلاما على قولين كما قال اكثر متكلميهم ان الجسم هو المؤلف واقل ~~التركيب من جوهرين وتنازعوا في الجوهر الواحد المؤلف هل يسمى جسما على ~~قولين فهذا اصطلاح خاص لهم # كما اصطلح ( النحاة ) على ان ( المفرد ) مثل الاسم وحرف المعنى يسمى كلمة ~~وان كانت الكلمة في لغة العرب العرباء لا توجد الا اسما للجملة التامة إلا ~~ان يكون شيئا لا يحضرنى الآن # وإذا كان الناس متفقين على ان الكلام هو كلام من ألف ألفاظه ومعانيه وإن ~~كان قد تعلم اسماءه من غيره زالت كل شبهة في المسألة ووجب اطلاق القول بأن ~~كلام الآدميين مخلوق كما يطلق القول بأن هذا الشعر من كلام فلان وهذا ~~الكلام كلام فلان لا كلام الذين تكلموا قبلهم بتلك الأسماء وحروفها فإن ~~كلام الآدميين هو الكلام الذين انشؤه وابتدأوه فألفوا ألفاظه ومعانيه وإن ~~كان بعضهم قد تعلم اسماءه وحروفه من بعض ولو كانت اسماؤه قد سمعوها من الله ~~تعالى PageV12P461 # واعلم ان هنا امرا عجيبا وهو ان هؤلاء القوم ضد الذين يجعلون القرآن الذي ~~يقرؤونه كلام الآدميين لا كلام الله فإن اولئك عمدوا إلى كلام الله الذي ~~يتلونه ويبلغونه ويؤدونه فجعلوه كلام انفسهم وهؤلاء عمدوا إلى كلامهم ~~المتضمن الكفر والفسوق والعصيان والكذب والبطلان فجعلوه كلام الله الذي ليس ~~بمخلوق فأولئك لم ينظروا إلا إلى من سمع منه الكلام وهؤلاء لم ينظروا إلا ~~إلى من اعتقدوا انه تكلم أولا بمفردات الكلام # وأما ( الأمة الوسط ) الباقون على الفطرة وجميع بني آدم فيقولون لما بلغه ~~المبلغ عن غيره وأداه ولما قرأه من كلام غيره وتلاه هذا كلام ذاك وإنما ~~بلغته بقواك كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما خرج على قريش فقرأ ~~عليهم @QB@ الم ms3991 غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون @QE@ ~~فقالوا هذا كلامك أم كلام صاحبك فقال ليس بكلامى ولا كلام صاحبى ولكن كلام ~~الله # وهذا كما قال الله تعالى @QB@ فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ وفي سنن أبي ~~داود عن جابر عن النبى انه كان يعرض نفسه على الناس في الموقف فيقول ألا ~~رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ربى فإن قريشا منعونى أن أبلغ كلام ربي ~~فبين صلى PageV12P462 الله عليه وسلم أنما يبلغه ويتلوه هو كلام الله لا ~~كلامه وإن كان يبلغه بأفعاله وصوته كما قال زينوا القرآن بأصواتكم وقال لله ~~أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينة # والأمم متفقون على هذا إذا سمعوا من يروي قصيدة من شعر مثل ( قفا نبك ) ~~والا ( وهل غادر الشعراء ) أو ( خطبة ) مثل خطب علي وزياد أو ( رسالة ) ~~كرسالة عبد الحميد ونحوه أو سجعا من سجع الكهان أو قرآنا مفترى كقرآن ~~مسيلمة الكذاب قالوا هذا شعر امرئ القيس وكلام علي وكلام عبد الحميد وقرآن ~~مسيلمة وهو كلامه ولم يجعلوه كلاما للمبلغ المؤدي بالواسطة وإن كان بلغه ~~بفعله وصوته وإذا انشأ رجل قصيدة أو خطبة أو رسالة أو سجعا أو تكلم بكلام ~~منثور آمرا أو مخبرا قالوا هذا كلام فلان وقوله وإن كان قد تعلم مفرداته من ~~غيره وتلقنها من أحد # فمن قال ان الكلام هو كلام لمن تعلم منه المفردات فهو ابعد عن العقل ~~والدين ممن قال ان الكلام لمن بلغه وأداه وانما الكلام كلام من اتصل به ~~واتصف به وألفه وانشأه وكان مخبرا بخبره وآمرا بأمره وناهيا عن نهيه ~~PageV12P463 ### ||| فصل # وأما سؤال السائل هل يجب على ولي الأمر زجرهم وردعهم فنعم يجب ذلك في ~~هؤلاء وفي كل من أظهر مقالة تخالف الكتاب والسنة فإن ذلك من ( المنكر ) ~~الذي أمر الله بالنهي عنه كما قال تعالى @QB@ ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر @QE@ ) وهو من ( الأثم ) الذي قال ~~الله فيه ( لو لا ينهاهم الربانيون ms3992 والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت ) # وكل من أثبت لله ما نفاه عن نفسه أو نفى عن الله ما أثبته لنفسه من ~~المعطلة والممثلة فإنه قال على الله غير الحق وذلك مما زجر الله عنه بقوله ~~للنصارى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق @QE@ وبقوله ( @QB@ قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ ~~وقال عن الشيطان @QB@ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون @QE@ وقال @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون @QE@ PageV12P464 # فإن من قال غير الحق فقد قال على الله ما لا يعلم فإن الباطل لا يعلم إلا ~~إذا علم بطلانه فأما اعتقاد أنه الحق فهو جهل لا علم فمن قاله فقد قال ما ~~لا يعلم وكذلك من تبع في هذه الأبواب وغيرها من أبواب الدين آباءه وأسلافه ~~من غير اعتصام منه بالكتاب والسنة والاجماع فإنه ممن ذمه الله في كتابه مثل ~~قوله ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما ~~وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) وقوله ( ~~يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ~~وقالوا ربنا انا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من ~~العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) # وكذلك من اتبع الظنون والأهواء معتقدا أنها ( عقليات ( و ( ذوقيات ( فهو ~~ممن قال الله فيه ( ان يتبعون الا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى ( وإنما يفصل بين الناس فيما تنازعوا فيه الكتاب المنزل من السماء ~~والرسول المؤيد بالأنباء كما قال تعالى @QB@ ائتوني بكتاب من قبل هذا أو ~~أثارة من علم إن كنتم صادقين @QE@ وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين ms3993 مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه @QE@ PageV12P465 # وقال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا @QE@ وقال تعالى @QB@ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله @QE@ ~~بل على الناس أن يلتزموا الأصول الجامعة الكلية التي اتفق عليها سلف الأمة ~~وأئمتها فيؤمنون بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا ~~تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل # وليس لأحد ان يكفر أحدا من المسلمين وان أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ~~وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول الا ~~بعد إقامة الحجة وازالة الشبهة ### ||| فصل # وأما تكفير قائل هذا القول فهو مبنى على أصل لا بد من التنبيه عليه فإنه ~~بسبب عدم ضبطه اضطربت الأمة اضطرابا كثيرا في تكفير أهل البدع والأهواء كما ~~اضطربوا قديما وحديثا في سلب الايمان عن أهل الفجور والكبائر وصار كثير من ~~أهل البدع مثل الخوارج والروافض والقدرية والجهمية والممثلة يعتقدون ~~اعتقادا هو ضلال PageV12P466 يرونه هو الحق ويرون كفر من خالفهم في ذلك ~~فيصير فيهم شوب قوي من أهل الكتاب في كفرهم بالحق وظلمهم للخلق ولعل اكثر ~~هؤلاء المكفرين يكفر ب ( المقالة ( التي لا تفهم حقيقتها ولا تعرف حجتها # وبازاء هؤلاء المكفرين بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة ~~والجماعة كما يجب أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه وما عرفوه منه قد لا يبينونه ~~للناس بل يكتمونه ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة ولا يذمون أهل ~~البدع ويعاقبونهم بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذما مطلقا لا ~~يفرقون فيه بين ما دل عليه الكتاب والسنة والاجماع وما يقوله أهل البدعة ~~والفرقة أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة كما يقر العلماء في مواضع ~~الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المرجئة ~~وبعض المتفقهة والمتصوفة والمتفلسفة كما تغلب الأولى على كثير من أهل ~~الأهواء ms3994 والكلام وكلا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة # وإنما الواجب بيان ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وتبليغ ما جاءت به ~~الرسل عن الله والوفاء بميثاق الله الذي أخذه على العلماء فيجب أن يعلم ما ~~جاءت به الرسل ويؤمن به ويبلغه ويدعو إليه PageV12P467 ويجاهد عليه ويزن ~~جميع ما خاض الناس فيه من أقوال وأعمال في الأصول والفروع الباطنة والظاهرة ~~بكتاب الله وسنة رسوله غير متبعين لهوى من عادة أو مذهب أو طريقة أو رئاسة ~~أو سلف ولا متبعين لظن من حديث ضعيف أو قياس فاسد سواء كان قياس شمول أو ~~قياس تمثيل أو تقليد لمن لا يجب اتباع قوله وعمله فإن الله ذم في كتابه ~~الذين يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ويتركون اتباع ما جاءهم من ربهم من ~~الهدى ### ||| فصل # إذا تبين ذلك فأعلم ان ( مسائل التكفير والتفسيق ( هي من مسائل ( الأسماء ~~والأحكام ( التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة وتتعلق بها ~~الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا # فان الله سبحانه اوجب الجنة للمؤمنين وحرم الجنة على الكافرين وهذا من ~~الاحكام الكلية في كل وقت ومكان قال الله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ وقال تعالى لما ذكر قول اليهود ~~والنصارى PageV12P468 ( لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى تلك ~~امانيهم قل @QB@ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ # فأمر أن يطالبهم بالبرهان على هذا النفي العام وما فيه من الاثبات الباطل ~~ثم قال @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون @QE@ # فأخبر سبحانه عمن مضى ممن كان متمسكا بدين حق من اليهود والنصارى ~~والصابئين وعن المؤمنين بعد مبعث محمد أنه من جمع ( الخصال الثلاث ( التي ~~هي جماع الصلاح وهي الايمان بالخلق والبعث بالمبدأ والمعاد الايمان بالله ~~واليوم الآخر والعمل الصالح وهو أداء المأمور به وترك ms3995 المنهي عنه # فإن له حصول الثواب وهو أجره عند ربه واندفاع العقاب # فلا خوف عليه مما أمامه ولا يحزن على ما وراءه ولذلك قال @QB@ بلى من ~~أسلم وجهه لله وهو محسن @QE@ اخلاص الدين لله وهو عبادته وحده لا شريك له ~~وهو حقيقة قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وهو محسن # ف ( الأول ( وهو إسلام الوجه هو النية وهذا ( الثاني ( وهو الاحسان هو ~~العمل # وهذا الذي ذكره في هاتين الآيتين هو الايمان العام والاسلام العام الذي ~~أوجبه الله على جميع عباده من الأولين والآخرين PageV12P469 وهو ( دين الله ~~العام ( الذي لا يقبل من أحد سواه وبه بعث جميع الرسل كما قال تعالى @QB@ ~~ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه @QE@ وقال تعالى لبني آدم جميعا @QB@ فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى @QE@ وقال في الآية الأخرى @QB@ فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون @QE@ # فكان من أول البدع والتفرق الذي وقع في هذه الأمة ( بدعة الخوارج ( ~~المكفرة بالذنب فإنهم تكلموا في الفاسق الملي فزعمت الخوارج والمعتزلة أن ~~الذنوب الكبيرة ومنهم من قال والصغيرة لا تجامع الايمان أبدا بل تنافيه ~~وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام قالوا لأن الايمان هو فعل المأمور ~~وترك المحظور فمتى بطل بعضه بطل كله كسائر المركبات PageV12P470 # ثم قالت ( الخوارج ( فيكون العاصي كافرا لأنه ليس إلا مؤمن وكافر ثم ~~اعتقدوا ان عثمان وعليا وغيرهما عصوا ومن عصى فقد كفر فكفروا هذين ~~الخليفتين وجمهور ms3996 الأمة وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين إنه يخرج من ~~الايمان ولا يدخل في الكفر # وقابلتهم ( المرجئة ( و ( الجهمية ( ومن اتبعهم من الأشعرية والكرامية ~~فقالوا ليس من الايمان فعل الأعمال الواجبة ولا ترك المحظورات البدنية ~~والايمان لا يقبل الزيادة والنقصان بل هو شيء واحد يستوي فيه جميع المؤمنين ~~من الملائكة والنبيين والمقربين والمقتصدين والظالمين # ثم قال فقهاء المرجئة هو التصديق بالقلب واللسان وقال أكثر متكلميهم هو ~~التصديق بالقلب وقال بعضهم التصديق باللسان قالوا لأنه لو دخلت فيه ~~الواجبات العملية لخرج منه من لم يأت بها كما قالت الخوارج ونكتة هؤلاء ~~جميعهم توهمهم أن من ترك بعض الايمان فقد تركه كله # وأما ( أهل السنة والجماعة ( من الصحابة جميعهم والتابعين وأئمة أهل ~~السنة وأهل الحديث وجماهير الفقهاء والصوفية مثل مالك والثوري والأوزاعي ~~وحماد بن زيد والشافعي وأحمد بن حنبل PageV12P471 وغيرهم # ومحققي أهل الكلام فاتفقوا على أن الايمان والدين قول وعمل # هذا لفظ السلف من الصحابة وغيرهم وإن كان قد يعنى بالايمان في بعض ~~المواضع ما يغاير العمل لكن الأعمال الصالحة كلها تدخل أيضا في مسمى الدين ~~والايمان ويدخل في القول قول القلب واللسان وفي العمل عمل القلب والجوارح # وقال المفسرون لمذهبهم ان له أصولا وفروعا وهو مشتمل على أركان وواجبات ~~ليست بأركان ومستحبات بمنزلة اسم الحج والصلاة وغيرهما من العبادات فإن اسم ~~الحج يتناول كل ما يشرع فيه من فعل وترك مثل الاحرام وترك محظوراته والوقوف ~~بعرفة ومزدلفة ومنى والطواف ببيت الله الحرام وبين الجبلين المكتنفين به ~~وهما الصفا والمروة # ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان متى تركت لم يصح الحج كالوقوف بعرفة # وعلى ترك محظور متى فعله فسد الحج وهو الوطء ومشتمل على واجبات من فعل ~~وترك يأثم بتركها عمدا ويجب مع تركها لعذر أو غيره الجبران بدم كالاحرام من ~~المواقيت المكانية والجمع بين الليل والنهار بعرفة وكرمي الجمار ونحو ذلك ~~وكترك اللباس المعتاد والتطيب والصيد وغير ذلك # ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج بها فلا يأثم بتركها ولا ms3997 يجب ~~دم مثل رفع الصوت بالاهلال والاكثار منه وسوق الهدي وذكر الله PageV12P472 ~~ودعائه في الطواف والوقوف وغيرهما # وقلة الكلام إلا في أمر بمعروف ونهي عن منكر أو ذكر الله تعالى فمن فعل ~~الواجب وترك المحظور فقد أتم الحج والعمرة لله وهو مقتصد من اصحاب اليمين ~~في هذا العمل # لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل منه وأتم منه حجا وهو سابق مقرب ومن ترك ~~المأمور وفعل المحظور لكنه أتى بركنه وترك مفسده فهو حاج حجا ناقصا يثاب ~~على ما فعله من الحج ويعاقب على ما تركه وقد سقط عنه أصل الفرض بذلك مع ~~عقوبته على ما تركه ومن أخل بركن الحج أو فعل مفسد فحجه فاسد لا يسقط به ~~فرض بل عليه اعادته مع أنه قد يتنازع في إثابته على ما فعله وإن لم يسقط به ~~الفرض والأشبه أنه يثاب عليه # فصار ( الحج ثلاثة أقسام ( كاملا بالمستحبات وتاما بالواجبات فقط وناقصا ~~عن الواجب # والفقهاء يقسمون الوضوء والغسل إلى كامل ومجزىء لكن يريدون بالكامل ما ~~أتى بمفروضه ومسنونه وبالمجزىء ما اقتصر على واجبه فهذا في ( الأعمال ~~المشروعة ( وكذلك في ( الأعيان المشهودة ( فإن الشجرة مثلا اسم لمجموع ~~الجذع والورق والاغصان وهي بعد ذهاب الورق PageV12P473 شجرة وبعد ذهاب ~~الأغصان شجرة لكن كاملة وناقصة فليفعل مثل ذلك في مسمى الايمان والدين ان ( ~~الايمان ثلاث درجات ( إيمان السابقين المقربين وهو ما أتى فيه بالواجبات ~~والمستحبات من فعل وترك وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين وهو ما أتى فيه ~~بالواجبات من فعل وترك وإيمان الظالمين وهو ما يترك فيه بعض الواجبات أو ~~يفعل فيه بعض المحظورات # ولهذا قال علماء السنة في وصفهم ( اعتقاد أهل السنة والجماعة ( أنهم لا ~~يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب اشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق ~~الذنوب فأما أصل الايمان الذي هو الأقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقا ~~به وانقيادا له فهذا أصل الايمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن ولهذا تواتر ~~في الأحاديث ( أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ms3998 ذرة من ايمان ( مثقال ~~حبة من ايمان ( وفي رواية الصحيح أيضا ( مثقال حبة من خير ( مثقال ذرة من ~~خير وقال في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ( الايمان بضع وستون أو بضعة ~~وستون أو بضع وسبعون شعبة اعلاها قول لا إله الا الله وأدناها إماطة الأذي ~~عن الطريق والحياء شعبة من الايمان ( فعلم ان الايمان يقبل التبعيض ~~والتجزئة وان قليله يخرج الله به من النار من دخلها ليس هو كما يقوله ~~الخارجون عن مقالة أهل PageV12P474 السنة انه لا يقبل التبعيض والتجزئة بل ~~هو شيء واحد اما ان يحصل كله أو لا يحصل منه شيء # ومما يتصل به أن يعرف ان الايمان هو من الأسماء الكتابية القرآنية ~~النبوية الدينية الشرعية فيتنوع مسماها قدرا ووصفا بتنوع الكتب الالهية ~~فمنه ما هو متفق عليه بين جميع المؤمنين من الأولين والآخرين وجميع الكتب ~~الالهية مثل الاقرار بالله واليوم الآخر وعبادة الله وحده لا شريك له ~~والصدق والعدل وأعلم ان عامة السور المكية التي أنزلها الله بمكة هي في هذا ~~الايمان العام المشترك بين الأنبياء جميعهم والمؤمنين جميعهم وهذا القدر ~~المشترك هو في بعض الملل أعظم قدرا ووصفا فإن ما جاء به محمد من أسماء الله ~~وصفاته ووصف اليوم الآخر اكمل مما جاء به سائر الأنبياء # ومنه ما تختلف فيه الشرائع والمناهج كالقبلة والمنسك ومقادير العبادات ~~وأوقاتها وصفاتها والسنن والأحكام وغير ذلك فمسمى الايمان والدين في أول ~~الاسلام ليس هو مسماه في آخر زمان النبوة بل مسماه في الآخر اكمل كما قال ~~تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ وقال في السورة @QB@ ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله @QE@ ولهذا قال الامام أحمد كان بدء الايمان في أول ~~الاسلام ناقصا فجعل يتم وهكذا PageV12P475 مسمى الايمان والدين قد شرع في ~~حق الأشخاص بحسب ما أمر الله به كلا منهم وبحسب ما فعله مما أمر الله به # ولهذا كان المؤمنون من الأولين والآخرين من الذين هادوا والنصارى ~~والصابئين والمؤمنين من أمة محمد مشتركين في الايمان بالله واليوم الآخر ~~والعمل الصالح ms3999 كما دل عليه القرآن # مع أن اليهود كان يجب عليهم الاقرار بما لا يجب علينا الاقرار به مثل ~~إقرارهم بواجبات التوراة وبمحرماتها مثل السبت وشحم الثرب والكليتين ولا ~~يجب عليهم التصديق المفصل بما لم ينزل عليهم من أسماء الله وصفاته وصفات ~~اليوم الآخر ونحن يجب علينا من الايمان بذلك ما لم يجب عليهم ويجب علينا من ~~الاقرار بالصلوات الخمس والزكاة المفروضة وحج البيت وغير ذلك مما هو داخل ~~في إيماننا وليس داخلا في إيمانهم فإن الاقرار بهذه الاشياء داخل في ~~الايمان باتفاق الأمة وكذلك الاقرار بأعيان الأنبياء كان الاقرار بأعيانهم ~~داخلا في إيمان من قبلنا ونحن إنما يدخل في إيماننا الاقرار بهم من حيث ~~الجملة # والمنازعون لأهل السنة منهم من يقول الايمان في الشرع مبقى على ما كان ~~عليه في اللغة وهو التصديق ومنهم من يقول هو PageV12P476 منقول إلى معنى ~~آخر وهو أداء الواجبات # وأما أهل السنة فقد يقول بعضهم هو منقول كالأسماء الشرعية من الصلاة ~~والزكاة وقد يقول بعضهم بل هو متروك على ما كان وزادت عليه الشريعة أشياء ~~ومنهم من يقول بل هو باق على أصله من التصديق مع دخول الأعمال فيه فإن ~~الأعمال داخلة في التصديق فالمؤمن يصدق قوله بعمله كما قال الحسن البصري ~~ليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ومنه ~~قول النبي ( والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ( ومنهم من يقول ليس الايمان في ~~اللغة هو التصديق بل هو الاقرار وهو في الشرع الاقرار أيضا والاقرار يتناول ~~القول والعمل # وليس هذا موضع بسط ذلك فقد بسطته في غير هذا الموضع # وإذا عرف مسمى الايمان فعند ذكر استحقاق الجنة والنجاة من النار وذم من ~~ترك بعضه ونحو ذلك يراد به الايمان الواجب كقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون @QE@ وقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ الآية وقوله @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا ms4000 بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه @QE@ PageV12P477 وقوله في الجنة @QB@ أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله @QE@ # وقوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( فنفي عنه الايمان الواجب الذي ~~يستحق به الجنة ولا يستلزم ذلك نفي أصل الايمان وسائر اجزائه وشعبه وهذا ~~معنى قولهم نفي كمال الايمان لا حقيقته أي الكمال الواجب ليس هو الكمال ~~المستحب المذكور في قول الفقهاء الغسل كامل ومجزىء # ومن هذا الباب قوله ( من غشنا فليس منا ( ليس المراد به أنه كافر كما ~~تأولته الخوارج ولا أنه ليس من خيارنا كما تأولته المرجئة ولكن المضمر ~~يطابق المظهر والمظهر هو المؤمنون المستحقون للثواب السالمون من العذاب ~~والغاش ليس منا لأنه متعرض لسخط الله وعذابه # وإذا تبين هذا فمن ترك بعض الايمان الواجب لعجزه عنه إما لعدم تمكنه من ~~العلم مثل أن لا تبلغه الرسالة أو لعدم تمكنه من العمل لم يكن مأمورا بما ~~يعجز عنه ولم يكن ذلك من الايمان PageV12P478 والدين الواجب في حقه وإن كان ~~من الدين والايمان الواجب في الأصل بمنزلة صلاة المريض والخائف والمستحاضة ~~وسائر أهل الاعذار الذين يعجزون عن إتمام الصلاة فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما ~~قدروا عليه وبه أمروا إذ ذاك وإن كانت صلاة القادر على الاتمام أكمل وأفضل ~~كما قال النبي ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل ~~خير ( رواه مسلم عن أبي هريرة في حديث حسن السياق وقوله ( صلاة القاعد على ~~النصف من صلاة القائم وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد ( ولو أمكنه ~~العلم به دون العمل لوجب الايمان به علما واعتقادا دون العمل # ( ### ||| فصل # ( # فهذا أصل مختصر في ( مسألة الاسماء ( وأما ( مسألة الاحكام ( وحكمه في ~~الدار الآخرة فالذى عليه الصحابة ومن اتبعهم باحسان وسائر أهل السنة ~~والجماعة أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الايمان بل يخرج منها من معه ~~مثقال حبة أو مثقال ms4001 ذرة من إيمان # وأما ( الخوارج ( ومن وافقهم من المعتزلة فيوجبون خلود PageV12P479 من ~~دخل النار وعندهم من دخلها خلد فيها ولا يجتمع في حق الشخص الواحد العذاب ~~والثواب وأهل السنة والجماعة وسائر من اتبعهم متفقون على اجتماع الأمرين في ~~حق خلق كثير كما جاءت به السنن المتواترة عن النبى # و ( أيضا ( فأهل السنة والجماعة لا يوجبون العذاب في حق كل من أتى كبيرة ~~ولا يشهدون لمسلم بعينه بالنار لأجل كبيرة واحدة عملها بل يجوز عندهم ان ~~صاحب الكبيرة يدخله الله الجنة بلا عذاب اما لحسنات تمحوا كبيرته منه أو من ~~غيره واما لمصائب كفرتها عنه واما لدعاء مستجاب منه أو من غيره فيه وإما ~~لغير ذلك # و ( الوعيدية ( من الخوارج والمعتزلة يوجبون العذاب في حق أهل الكبائر ~~لشمول نصوص الوعيد لهم مثل قوله @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا @QE@ وتجعل المعتزلة إنفاذ ~~الوعيد أحد ( الأصول الخمسة ( التي يكفرون من خالفها ويخالفون أهل السنة ~~والجماعة في وجوب نفوذ الوعيد فيهم وفي تخليدهم ولهذا منعت الخوارج ~~والمعتزلة أن يكون لنبينا شفاعة في أهل الكبائر في اخراج أهل الكبائر من ~~النار وهذا مردود بما تواتر عنه من السنن في ذلك كقوله PageV12P480 ( ~~شفاعتي لأهل الكبائر من امتى ( وأحادتثه في إخراجه من النار من قد دخلها ~~وليس الغرض هنا تحرير هذه الأصول وإنما الغرض التنبيه عليها وكان ما أوقعهم ~~في ذلك أنهم سمعوا نصوص الوعيد فرأوها عامة فقالوا يجب أن يدخل فيها كل من ~~شملته وهو خبر وخبر الله صدق فلو أخلف وعيده كان كاخلاف وعده والكذب على ~~الله محال فعارضهم غالية المرجئة بنصوص الوعد فانها قد تتناول كثيرا من أهل ~~الكبائر فعاد كل فريق إلى أصله الفاسد # فقال الأولون نصوص الوعد لا تتناول الا مؤمنا وهؤلاء ليسوا مؤمنين وقال ~~الآخرون نصوص الوعيد لا تتناول الا كافرا وكل من القولين خطأ فان النصوص ~~مثل قوله @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما @QE@ لم يشترط فيها ~~الكفر بل هي في حق ms4002 المتدين بالاسلام وقوله ( من كان آخر كلامه لا إله إلا ~~الله دخل الجنة ( لم يشترط فيه فعل الواجبات بل قد ثبت في الصحاح ( وان زنى ~~وان سرق وان شرب الخمر ( # فهنا اضطرب الناس فأنكر قوم من المرجئة العموم وقالوا ليس في اللغة عموم ~~وهم الواقفية في العموم من المرجئة وبعض PageV12P481 الأشعرية والشيعية ~~وانما التزموا ذلك لئلا يدخل جميع المؤمنين في نصوص الوعيد # وقالت المقتصدة بل العموم صحيح والصيغ صيغ عموم لكن العام يقبل التخصيص ~~وهذا مذهب جميع الخلائق من الأولين والآخرين الا هذه الشرذمة قالوا فمن عفى ~~عنه كان مستثنى من العموم وقال قوم آخرون بل اخلاف الوعيد ليس بكذب وان ~~العرب لا تعد عارا أو شنارا أن يوعد الرجل شرا ثم لا ينجزه كما تعد عارا أو ~~شنارا ان يعد خيرا ثم لا ينجزه وهذا قول طوائف من المتقدمين والمتأخرين وقد ~~احتجوا بقول كعب بن زهير يخاطب النبي # نبئت أن رسول الله أوعدني %~% والعفو عند رسول الله مأمول # قالوا فهذا وعيد خاص وقد رجا فيه العفو مخاطبا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فعلم ان العفو عن المتوعد جائز وان لم يكن من باب تخصيص العام # والتحقيق أن يقال الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد PageV12P482 ~~والوعيد كما ذلك مشتمل على نصوص الأمر والنهي وكل من النصوص يفسر الآخر ~~ويبينه فكما ان نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروطة بعدم الكفر المحبط ~~لأن القرآن قد دل على أن من ارتد فقد حبط عمله فكذلك نصوص الوعيد للكفار ~~والفساق مشروطه بعدم التوبة لأن القرآن قد دل على أن الله يغفر الذنوب ~~جميعا لمن تاب وهذا متفق عليه بين المسلمين فكذلك في موارد النزاع # فإن الله قد بين بنصوص معروفة ان الحسنات يذهبن السيئات وان من يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وانه يجيب دعوة الداعي إذا ~~دعاه وان مصائب الدنيا تكفر الذنوب وانه يقبل شفاعة النبي في أهل الكبائر ~~وانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ms4003 ذلك لمن يشاء كما بين ان الصدقة ~~يبطلها المن والأذى وان الربا يبطل العمل وانه إنما يتقبل الله من المتقين ~~أي في ذلك العمل ونحو ذلك # فجعل للسيئات ما يوجب رفع عقابها كما جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها لكن ~~ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة كما انه ليس شيء يبطل جميع الحسنات ~~الا الردة # وبهذا تبين انا نشهد بأن @QB@ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا @QE@ PageV12P483 على الاطلاق والعموم ~~ولا نشهد لمعين أنه في النار لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه لأن لحوق ~~الوعيد بالمعين مشروط بشروط وانتفاء موانع ونحن لا نعلم ثبوت الشروط ~~وانتفاء الموانع في حقه وفائدة الوعيد بيان أن هذا الذنب سبب مقتض لهذا ~~العذاب والسبب قد يقف تأثيره على وجود شرطه وانتفاء مانعه # يبين هذا أنه قد ثبت ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر وعاصرها ~~ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ~~ثمنها ( وثبت عنه في صحيح البخاري عن عمر أن رجلا كان يكثر شرب الخمر فلعنه ~~رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ( فنهى ~~عن لعن هذا المعين وهو مدمن خمر لأنه يحب الله ورسوله وقد لعن شارب الخمر ~~على العموم ### ||| فصل # إذا ظهرت هذه المقدمات في اسم المؤمن والكافر والفاسق الملي وفي حكم ~~الوعد والوعيد والفرق بين المطلق والمعين وما وقع في PageV12P484 ذلك من ~~الاضطراب ف ( مسألة تكفير أهل البدع والأهواء ( متفرعة على هذا الأصل # ونحن نبدأ بمذهب أئمة السنة فيها قبل التنبيه على الحجة فنقول المشهور من ~~مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن ~~فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب وحقيقة قولهم جحود ~~الصانع ففيه جحود الرب وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسله ولهذا قال ~~عبد الله بن المبارك انا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع ان نحكي ~~كلام الجهمية وقال غير ms4004 واحد من الأئمة انهم اكفر من اليهود والنصارى يعنون ~~من هذه الجهة ولهذا كفروا من يقول ان القرآن مخلوق وان الله لا يرى في ~~الآخرة وان الله ليس على العرش وان الله ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا ~~غضب ونحو ذلك من صفاته # واما ( المرجئة ( فلا تختلف نصوصه انه لا يكفرهم فإن بدعتهم من جنس ~~اختلاف الفقهاء في الفروع وكثير من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في ~~الألفاظ والأسماء ولهذا يسمى الكلام في مسائلهم ( باب الأسماء ( وهذا من ~~نزاع الفقهاء لكن يتعلق بأصل PageV12P485 الدين فكان المنازع فيه مبتدعا # وكذلك ( الشيعة ( المفضلون لعلي على أبي بكر لا يختلف قوله انهم لا ~~يكفرون فإن ذلك قول طائفة من الفقهاء أيضا وإن كانوا يبدعون # وأما ( القدرية ( المقرون بالعلم و ( الروافض ( الذين ليسوا من الغالية ~~والجهمية والخوارج فيذكر عنه في تكفيرهم روايتان هذا حقيقة قوله المطلق مع ~~أن الغالب عليه التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم والخوارج مع قوله ~~ما أعلم قوما شرا من الخوارج # ثم طائفة من أصحابه يحكون عنه في تكفير أهل البدع مطلقا روايتين حتى ~~يجعلوا المرجئة داخلين في ذلك وليس الأمر كذلك وعنه في تكفير من لا يكفر ~~روايتان أصحهما لا يكفر وربما جعل بعضهم الخلاف في تكفير من لا يكفر مطلقا ~~وهو خطأ محض والجهمية عند كثير من السلف مثل عبد الله بن المبارك ويوسف بن ~~أسباط وطائفة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة ~~التي افترقت عليها هذه الأمة بل أصول هذه عند هؤلاء هم الخوارج والشيعة ~~والمرجئة والقدرية وهذا المأثور PageV12P486 عن أحمد وهو المأثور عن عامة ~~أئمة السنة والحديث انهم كانوا يقولون من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن ~~قال ان الله لا يرى في الآخرة فهو كافر ونحو ذلك # ثم حكى أبو نصر السجزي عنهم في هذا قولين ( أحدهما ( انه كفر ينقل عن ~~الملة قال وهو قول الاكثرين و ( الثاني ( انه كفر لا ينقل ولذلك قال ~~الخطابي ان هذا قالوه ms4005 على سبيل التغليظ وكذلك تنازع المتأخرون من أصحابنا ~~في تخليد المكفر من هؤلاء فأطلق أكثرهم عليه التخليد كما نقل ذلك عن طائفة ~~من متقدمي علماء الحديث كأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم وامتنع بعضهم من القول ~~بالتخليد # وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة فانهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر ~~بهم ثم انهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من ~~الايمان ما يمتنع ان يكون كافرا فيتعارض عندهم الدليلان وحقيقة الأمر انهم ~~أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في الفاظ العموم في ~~نصوص الشارع كلما رأوهم قالوا من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع ان هذا ~~اللفظ شامل لكل من قاله ولم يتدبروا ان التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في ~~حق المعين وان تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين PageV12P487 إلا إذا ~~وجدت الشروط وانتفت الموانع يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين ~~اطلقوا هذه العمومات لم يكفروا اكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه # فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر ( الجهمية ( الذين دعوه إلى خلق القرآن ~~ونفى الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم ~~يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ~~ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو بحيث كان كثير من أولى الأمر إذ ~~ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا ~~لهم على نفي الصفات مثل القول بخلق القرآن ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر ~~فلا يولونه ولاية ولا يفتكونه من عدو ولا يعطونه شيئا من بيت المال ولا ~~يقبلون له شهادة ولا فتيا ولا رواية ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة ~~والافتكاك من الأسر وغير ذلك فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالايمان ومن لم ~~يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الايمان ومن كان داعيا إلى غير التجهم قتلوه ~~أو ضربوه وحبسوه # ومعلوم ان هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من ~~PageV12P488 قولها وإثابة قائلها وعقوبة ms4006 تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها ~~والعقوبة بالقتل لقائلها اعظم من العقوبة بالضرب # ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم ~~مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن ~~الاسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة ~~والاجماع وهذه الاقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم ~~يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق وان الله لا ~~يرى في الآخرة وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوما معينين فأما أن ~~يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر أو يحمل الأمر على التفصيل فيقال من ~~كفر بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه ومن ~~لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه هذا مع اطلاق قوله بالتكفير على سبيل ~~العموم # والدليل على هذا الأصل الكتاب والسنة والاجماع والاعتبار # اما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى @QB@ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ ~~PageV12P489 # وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ( ان الله تعالى قال قد فعلت ~~( لما دعا النبي والمؤمنون بهذا الدعاء وروى البخاري في صحيحه عن بن عباس ~~ان النبي قال ( أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ( ~~و ( أنه لم يقرأ بحرف منها الا أعطيه ( # وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة ان الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ ~~والنسيان فهذا عام عموما محفوظا وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب ان الله ~~يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه وان عذب المخطيء من غير هذه الأمة # و ( أيضا ) قد ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة ان رسول الله قال ( إن ~~رجلا لم يعمل خيرا قط فقال لأهله إذا مات فأحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ~~ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه احدا من ~~العالمين فلما ms4007 مات الرجل فعلوا به كما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه ~~وأمر البحر فجمع ما فيه فاذا هو قائم بين يديه ثم قال لم فعلت هذا قال من ~~خشيتك يارب وأنت أعلم فغفر الله له PageV12P490 # وهذا الحديث متواتر عن النبى رواه أصحاب الحديث والأسانيد من حديث أبى ~~سعيد وحذيفة وعقبة بن عمرو وغيرهم عن النبى من وجوه متعددة يعلم أهل الحديث ~~انها تفيدهم العلم اليقينى وإن لم يحصل ذلك لغيرهم ممن لم يشركهم في أسباب ~~العلم فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ~~إبن آدم بعد ما أحرق وذرى وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك وهذان ~~أصلان عظيمان # ( أحدهما ) متعلق بالله تعالى وهو الايمان بأنه على كل شيء قدير # و ( الثانى ) متعلق باليوم الآخر وهو الايمان بأن الله يعيد هذا الميت ~~ويجزيه على أعماله ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم ~~الآخر في الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا وهو ~~خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الايمان ~~بالله واليوم الآخر والعمل الصالح # وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ( ان الله يخرج من ~~النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان PageV12P491 وفى رواية ( مثقال ~~دينار من خير ثم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ~~) وفى رواية ( من خير ) ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~أو خير ) وهذا وأمثاله من النصوص المستفيضة عن النبى يدل انه لا يخلد في ~~النار من معه شيء من الايمان والخير وان كان قليلا وان الايمان مما يتبعض ~~ويتجزأ ومعلوم قطعا ان كثيرا من هؤلاء المخطئين معهم مقدار ما من الايمان ~~بالله ورسوله اذ الكلام فيمن يكون كذلك # وأيضا فان السلف اخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل واتفقوا على ms4008 عدم ~~التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحى وأنكر ~~بعضهم ان يكون المعراج يقظة وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه ولبعضهم في الخلافة ~~والتفضيل كلام معروف وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض واطلاق تكفير بعض ~~أقوال معروفة # وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ ( بل عجبت ) ويقول إن الله لا يعجب ~~فبلغ ذلك إبراهيم النخعى فقال إنما شريح شاعر يعجبه علمه كان عبد الله أفقه ~~منه فكان يقول ( بل عجبت ) فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها ~~الكتاب والسنة واتفقت الأمة على انه إمام من الأئمة وكذلك بعض السلف أنكر ~~PageV12P492 بعضهم حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قوله ( أفلم ييأس الذين ~~آمنوا ) وقال انما هي أو لم يتبين الذين آمنوا وإنكار الآخر قراءة قوله ( ~~وقضى ربك الا تعبدوا إلا إياه ) وقال انما هي ووصى ربك وبعضهم كان حذف ~~المعوذتين وآخر يكتب سورة القنوت وهذا خطأ معلوم بالاجماع والنقل المتواتر ~~ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا وان كان يكفر ~~بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر # وأيضا فإن الكتاب والسنة قد دل على ان الله لا يعذب أحدا إلا بعد إبلاغ ~~الرسالة فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسا ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل ~~لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية # وذلك مثل قوله تعالى ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) وقوله ( ~~يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم أياتى ) الآية وقوله ( ~~أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ) وقوله ) ( وقال لهم ~~خزنتها ( ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ) الآية وقوله ( وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وقوله ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في ~~أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ) وقوله ( كلما ألقى فيها فوج سألهم ~~PageV12P493 خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ~~ما نزل الله من شيء ) وقوله ms4009 ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) وقوله ( ولولا ~~أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ) ونحو هذا في القرآن في مواضع متعددة # فمن كان قدم آمن بالله ورسوله ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول فلم يؤمن به ~~تفصيلا اما أنه لم يسمعه أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها أو اعتقد معنى ~~آخر لنوع من التأويل الذى يعذر به فهذا قد جعل فيه من الايمان بالله ~~وبرسوله ما يوجب أن يثيبه الله عليه وما لم يؤمن به فلم تقم عليه به الحجة ~~التى يكفر مخالفها # وأيضا فقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع ان من الخطأ في الدين ما لا يكفر ~~مخالفه بل ولا يفسق بل ولا يأثم مثل الخطأ في الفروع العملية وإن كان بعض ~~المتكلمة والمتفقهة يعتقد ان المخطىء فيها آثم وبعض المتكلمة والمتفقهة ~~يعتقد ان كل مجتهد فيها مصيب فهذان القولان شاذان ومع ذلك فلم يقل أحد ~~بتكفير المجتهدين المتنازعين فيها ومع ذلك فبعض هذه المسائل قد ثبت خطأ ~~المنازع PageV12P494 فيها بالنصوص والاجماع القديم مثل استحلال بعض السلف ~~والخلف لبعض أنواع الربا واستحلال آخرين لبعض أنواع الخمر واستحلال آخرين ~~للقتال في الفتنة # وأهل السنة والجماعة متفقون على أن المعروفين بالخير كالصحابة المعروفين ~~وغيرهم منأهل الجمل وصفين من الجانبين لا يفسق أحد منهم فضلا عن أن يكفر ~~حتى عدى ذلك من عداه من الفقهاء إلى سائر أهل البغي فأنهم مع إيجابهم ~~لقتالهم منعوا أن يحكم بفسقهم لأجل التأويل كما يقول هؤلاء الأئمة إن شارب ~~النبيذ المتنازع فيه متأولا لا يجلد ولا يفسق وقد قال تعالى @QB@ وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ وقال تعالى @QB@ ما قطعتم من ~~لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله @QE@ # وثبت في الصحاح من حديث عمرو بن ms4010 العاص وأبي هريرة عن النبي أنه قال ( إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران وإذا اجتهد فأخطا فله أجر ( وثبت في الصحيح ~~عن بريدة بن الحصيب ان النبي قال ( إذا حاصرت اهل حصن فسألوك أن تنزلهم على ~~حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك فإنك ~~لا تدري ما حكم الله فيهم PageV12P495 وأدلة هذا الاصل كثيرة لها موضع آخر # وقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع أن من بلغته رسالة النبي فلم يؤمن به ~~فهو كافر لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد لظهور أدلة الرسالة واعلام النبوة ~~ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي فكما أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر ~~والواجبات تنقسم إلى اركان وواجبات ليست أركانا فكذلك الخطأ ينقسم إلى ~~مغفور وغير مغفور والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة وإذا ~~كان كذلك فالمخطىء في بعض هذه المسائل اما ان يلحق بالكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة اصول الايمان وإما ان يلحق بالمخطئين ~~في مسائل الايجاب والتحريم مع انها أيضا من اصول الايمان # فإن الايمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وتحريم المحرمات الظاهرة ~~المتواترة هو من أعظم اصول الايمان وقواعد الدين والجاحد لها كافر بالاتفاق ~~مع ان المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتفاق مع خطئه # وإذا كان لا بد من الحاقه بأحد الصنفين فمعلوم ان المخطئين من المؤمنين ~~بالله ورسوله أشد شبها منه بالمشركين وأهل الكتاب PageV12P496 فوجب ان يلحق ~~بهم وعلى هذا مضى عمل الأمة قديما وحديثا في أن عامة المخطئين من هؤلاء ~~تجري عليهم احكام الاسلام التي تجري على غيرهم هذا مع العلم بأن كثيرا من ~~المبتدعة منافقون النفاق الاكبر وأولئك كفار في الدرك الأسفل من النار فما ~~اكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون بل اصل هذه البدع ~~هو من المنافقين الزنادقة ممن يكون اصل زندقته عن الصابئين والمشركين ~~فهؤلاء كفار في الباطن ومن علم حاله فهو كافر في الظاهر أيضا # وأصل ضلال هؤلاء الاعراض عما جاء به الرسول من الكتاب ms4011 والحكمة وابتغاء ~~الهدى في خلاف ذلك فمن كان هذا أصله فهو بعد بلاغ الرسالة كافر لا ريب فيه ~~مثل من يرى ان الرسالة للعامة دون الخاصة كما يقوله قوم من المتفلسفة ~~وغالية المتكلمة والمتصوفة أو يرى أنه رسول إلى بعض الناس دون بعض كما ~~يقوله كثير من اليهود والنصارى # فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين # ( إحدهما ( أن العلم والايمان والهدى فيما جاء به الرسول وان خلاف ذلك ~~كفر على الاطلاق فنفي الصفات كفر والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة أو أنه ~~على العرش أو أن القرآن كلامه أو PageV12P497 أنه كلم موسى أو أنه اتخذ ~~إبراهيم خليلا كفر وكذلك ما كان في معنى ذلك وهذا معنى كلام أئمة السنة ~~وأهل الحديث # و ( الأصل الثاني ( ان التكفير العام كالوعيد العام يجب القول باطلاقه ~~وعمومه # واما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل ~~المعين فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه # ومما ينبغي ان يعلم في هذا الموضع ان الشريعة قد تأمرنا بإقامة الحد على ~~شخص في الدنيا إما بقتل أو جلد أو غير ذلك ويكون في الآخرة غير معذب مثل ~~قتال البغاة والمتأولين مع بقائهم على العدالة ومثل اقامة الحد على من تاب ~~بعد القدرة عليه توبة صحيحة فانا نقيم الحد عليه مع ذلك كما أقامه النبي ~~صلى الله عليه وسلم على ماعز بن مالك وعلى الغامدية مع قوله ( لقد تابت ~~توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ( ومثل اقامة الحد على من شرب النبيذ ~~المتنازع فيه متأولا مع العلم بأنه باق على العدالة # بخلاف من لا تأويل له فإنه لما شرب الخمر بعض الصحابة PageV12P498 ~~واعتقدوا انها تحل للخاصة تأول قوله @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا @QE@ اتفق الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي ~~طالب وغيرهما على انهم ان أقروا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على الاستحلال ~~قتلوا # وكذلك نعلم ms4012 ان خلقا لا يعاقبون في الدنيا مع انهم كفار في الآخرة مثل اهل ~~الذمة المقرين بالجزية على كفرهم ومثل المنافقين المظهرين الاسلام فأنهم ~~تجري عليهم أحكام الاسلام وهم في الآخرة كافرون كما دل عليه القرآن في آيات ~~متعددة كقوله @QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم ~~نصيرا @QE@ الآية وقوله @QB@ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور ~~له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم ~~قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر ~~الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا @QE@ ~~الآية # وهذا لأن الجزاء في الحقيقة أنما هو في الدار الاخرة التي هي دار الثواب ~~والعقاب وأما الدنيا فإنما يشرع فيها من العقاب ما يدفع PageV12P499 به ~~الظلم والعدوان كما قال تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق @QE@ وهذا لأن ~~المقصود بارسال الرسل وإنزال الكتب هو إقامة القسط كما قال تعالى @QB@ لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب إن الله قوي عزيز @QE@ # وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة ولا بالعكس ~~ولهذا اكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة الذي يضل الناس لأجل ~~افساده في الدين سواء قالوا هو كافر أو ليس بكافر # وإذا عرف هذا فتكفير ( المعين ( من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه ~~بأنه من الكفار لا يجوز الاقدام عليه الا بعد ان تقوم على أحدهم الحجة ~~الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل وان كانت هذه المقالة لا ريب ~~انها كفر # وهكذا الكلام في تكفير جميع ( المعينين ( مع ان بعض هذه PageV12P500 ~~البدعة أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون ms4013 فيه من الايمان ما ليس في بعض فليس ~~لأحد أن يكفر احدا من المسلمين وان اخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له ~~المحجة # ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة ~~الحجة وإزالة الشبهة # وهذا الجواب لا يحتمل اكثر من هذا والله المسؤول أن يوفقنا وسائر اخواننا ~~لما يحبه ويرضاه والله سبحانه أعلم PageV12P501 ### || 1 ( رسالة في حقيقة كلام الله ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل شيخ الاسلام ! 8 < رحمه الله # في رجل قال ان الله لم يكلم موسى تكليما وانما خلق الكلام والصوت في ~~الشجرة وموسى عليه السلام سمع من الشجرة لا من الله وان الله عز وجل لم ~~يكلم جبريل بالقرآن وإنما أخذه من اللوح المحفوظ فهل هو على الصواب أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس هذا على الصواب بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف ~~الامة وأئمتها بل هو كافر يجب ان يستتاب فإن تاب والا قتل واذا قال لا أكذب ~~بلفظ القرآن وهو قوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ بل أقر بأن هذا ~~اللفظ حق لكن أنفي معناه وحقيقته فان هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف ~~والأئمة على أنهم من شراهل الأهواء والبدع حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن ~~الثنتين والسبعين فرقة # وأول من قال هذه المقالة في الإسلام كان يقال له الجعد بن درهم ~~PageV12P502 فضحى به خالد بن عبد الله القسرى يوم اضحى فانه خطب الناس فقال ~~في خطبته ضحوا أيها الناس تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد بن درهم أنه ~~زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما ~~يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه وكان ذلك في زمن التابعين فشكروا ذلك ~~وأخذ هذه المقالة عنه جهم إبن صفوان وقتله بخراسان سلمة بن أحوز وإليه نسبت ~~هذه المقالة التى تسمى ( مقالة الجهمية ( وهى نفى صفات الله تعالى فانهم ~~يقولون ان الله لا يرى في الآخرة ولا يكلم عباده وانه ليس له علم ولا حياة ~~ولا ms4014 قدرة ونحو ذلك من الصفات ويقولون القرآن مخلوق ووافق الجهم على ذلك ( ~~المعتزلة ( أصحاب عمرو بن عبيد وضموا اليها بدعا أخرى في القدر وغيره # لكن المعتزلة يقولون ان الله كلم موسى حقيقة وتكلم حقيقة لكن حقيقة ذلك ~~عندهم انه خلق كلاما في غيره إما في شجرة وإما في هواء وأما في غير ذلك من ~~غير أن يقوم بذات الله عندهم كلام ولا علم ولا قدرة ولا رحمة ولا مشيئة ولا ~~حياة ولا شيء من الصفات # والجهمية تارة يبوحون بحقيقة القول فيقولون ان الله لم يكلم موسى تكليما ~~ولا يتكلم وتارة لا يظهرون هذا اللفظ لما فيه من الشناعة المخالفة لدين ~~الاسلام واليهود والنصارى فيقرون باللفظ PageV12P503 ولكن يقرنونه بأنه خلق ~~في غيره كلاما وأئمة الدين كلهم متفقون على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق ~~عليه سلف الأمة من ان الله كلم موسى تكليما وان القرآن كلام الله غير مخلوق ~~وان المؤمنين يرون ربهم في الآخرة كما تواترت به الاحاديث عن النبي وأن لله ~~علما وقدرة ونحو ذلك # ونصوص الأئمة في ذلك مشهورة متواترة حتى أن أبا القاسم الطبري الحافظ لما ~~ذكر في كتابه في ( شرح أصول السنة ( مقالات السلف والأئمة في الاصول ذكر من ~~قال القرآن كلام الله غير مخلوق وقال فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسا أو اكثر ~~من التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة على اختلاف الاعصار ومضي السنين ~~والاعوام وفيهم نحو من مائة امام ممن اخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم ~~ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم ألوفا لكني اختصرت فنقلت عن ~~هؤلاء عصرا بعد عصر لا ينكر عليهم منكر ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا ~~بقتله أو نفيه أو صلبه قال ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق ~~جعد بن درهم في سني نيف وعشرين ومائة ثم جهم بن صفوان فأما جعد فقتله خالد ~~بن عبد الله القسري وأما جهم فقتل بمرو في خلافة هشام بن عبد الملك ~~PageV12P504 # وروى باسناده عن علي بن أبي طالب رضي ms4015 الله عنه من وجهين أنهم قالوا له ~~يوم صفين حكمت رجلين فقال ما حكمت مخلوقا ما حكمت إلا القرآن وعن عكرمة قال ~~كان بن عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل وقال اللهم رب القرآن ~~اغفر له فوثب إليه بن عباس فقال مه القرآن منه وعن عبد الله بن مسعود قال ~~من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين وهذا ثابت عن بن مسعود وعن سفيان بن ~~عيينة قال سمعت عمرو بن دينار يقول أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة ~~يقولون القرآن كلام الله منه بدا واليه يعود وفي لفظ يقولون القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وقال حرب الكرماني ثنا إسحاق بن إبراهيم يعنى بن راهويه عن ~~سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال ادركت الناس منذ سبعين سنة ادركت ~~اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن دونهم يقولون الله الخالق وما سواه ~~مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله منه خرج واليه يعود # وهذا قد رواه عن بن عيينة إسحاق وإسحاق اما أن يكون سمعه منه أو من بعض ~~اصحابه عنه وعن جعفر بن محمد الصادق وهو مشهور عنه أنهم سألوه عن القرآن ~~أخالق هو أم مخلوق فقال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله # وهكذا روى عن الحسن البصري وأيوب السختياني وسليمان PageV12P505 التيمي ~~وخلق من التابعين وعن مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري وبن أبي ~~ليلى وأبي حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأمثال هؤلاء من ~~الأئمة وكلام هؤلاء الأئمة واتباعهم في ذلك كثير مشهور بل اشتهر عن أئمة ~~السلف تكفير من قال القرآن مخلوق وانه يستتاب فإن تاب والا قتل كما ذكروا ~~ذلك عن مالك بن أنس وغيره ولذلك قال الشافعي لحفص الفرد وكان من اصحاب ضرار ~~بن عمرو ممن يقول القرآن مخلوق فلما ناظر الشافعي وقال له القرآن مخلوق قال ~~له الشافعي كفرت بالله العظيم ذكره بن أبي حاتم في الرد على الجهمية قال ~~كان في كتابي عن الربيع بن ms4016 سليمان قال حضرت الشافعي أو حدثني أبو شعيب الا ~~أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبدالحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد فسأل حفص عبد ~~الله قال ما تقول في القرآن فأبى أن يجيبه فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه ~~وكلاهما أشار إلى الشافعي فسأل الشافعي فاحتج عليه وطالت فيه المناظرة فقام ~~الشافعي بالحجة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وكفر حفصا الفرد قال الربيع ~~فلقيت حفصا في المسجد بعد هذا فقال أراد الشافعي قتلي # وأما مالك بن أنس فنقل عنه من غير وجه الرد على من يقول القرآن مخلوق ~~واستتابته وهذا المشهور عنه متفق عليه بين أصحابه PageV12P506 # وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي في الإعتقاد الذي قال ~~في اوله ( ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة ( أبي ~~حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي ~~عبد الله محمد بن الحسن الشيباني قال فيه ( وان القرآن كلام الله منه بدأ ~~بلا كيفية قولا وأنزله على نبيه وحيا وصدقه المؤمنون على ذلك حقا وأثبتوا ~~أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية فمن سمعه فزعم انه ~~كلام البشر فقد كفر وقد ذمه الله وعابه وأوعده عذابه وتوعده حيث قال @QB@ ~~سأصليه سقر @QE@ فلما أوعد الله سقر لمن قال @QB@ إن هذا إلا قول البشر ~~@QE@ علمنا انه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر ( # وأما أحمد بن حنبل فكلامه في مثل هذا مشهور متواتر وهو الذي اشتهر بمحنة ~~هؤلاء الجهمية فانهم أظهروا القول بانكار صفات الله تعالى وحقائق اسمائه ~~وان القرآن مخلوق حتى صار حقيقة قولهم تعطيل الخالق سبحانه وتعالى ودعوا ~~الناس إلى ذلك وعاقبوا من لم يجبهم إما بالقتل وإما بقطع الرزق وإما بالعزل ~~عن الولاية وإما بالحبس أو بالضرب وكفروا من خالفهم فثبت الله تعالى الإمام ~~أحمد حتى أخمد الله به باطلهم ونصر اهل الايمان والسنة عليهم وأذلهم بعد ~~العز وأخملهم بعد الشهرة واشتهر عند خواص الأمة وعوامها ان القرآن كلام ms4017 ~~PageV12P507 الله غير مخلوق واطلاق القول ان من قال انه مخلوق فقد كفر # وأما إطلاق القول بان الله لم يكلم موسى فهذه مناقضة لنص القرآن فهو أعظم ~~من القول بإن القرآن مخلوق وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإنه أنكر ~~نص القرآن وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله والذي يقول القرآن مخلوق هو في ~~المعنى موافق له فلذلك كفره السلف # قال البخاري في كتاب ( خلق الأفعال ( قال سفيان الثوري من قال القرآن ~~مخلوق فهو كافر قال وقال عبد الله بن المبارك من قال ( إني أنا الله لا إله ~~إلا أنا ) مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك قال وقال بن ~~المبارك لا نقول كما قالت الجهمية انه في الأرض ها هنا بل على العرش استوى ~~وقيل له كيف نعرف ربنا قال فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه # وقال من قال ( لا إله إلا الله ) مخلوق فهو كافر وانا نحكي كلام اليهود ~~والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية قال وقال علي بن عاصم ما الذين ~~قالوا ان لله ولدا اكفر من الذين قالوا ان الله لا يتكلم # قال البخاري وكان إسماعيل بن أبي ادريس يسميهم زنادقة العراق PageV12P508 ~~وقيل له سمعت احدا يقول القرآن مخلوق فقال هؤلاء الزنادقة قال وقال أبو ~~الوليد سمعت يحيى بن سعيد وذكر له أن قوما يقولون القرآن مخلوق فقال كيف ~~يصنعون ب @QB@ قل هو الله أحد @QE@ كيف يصنعون بقوله @QB@ إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا @QE@ قال وقال أبو عبيد القاسم بن سلام نظرت في كلام اليهود ~~والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم وانى لأستجهل من لا يكفرهم الا من ~~لا يعرف كفرهم قال وقال سليمان بن داود الهاشمي من قال القرآن مخلوق فهو ~~كافر وان كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون اولى بإن يخلد في ~~النار إذ قال ( أنا ربكم الأعلى ) وزعموا ان هذا مخلوق والذي قال ( انني ~~أنا الله لا إله إلا انا فاعبدني ) هذا أيضا ms4018 قد ادعى ما ادعى فرعون فلم صار ~~فرعون اولى أن يخلد في النار من هذا وكلاهما عنده مخلوق فأخبر بذلك أبو ~~عبيد فاستحسنه وأعجبه # ومعنى كلام هؤلاء السلف رضى الله عنهم ان من قال ان كلام الله مخلوق خلقه ~~في الشجرة أو غيرها كما قال هذا الجهمى المعتزلى المسؤول عنه كان حقيقة ~~قوله ان الشجرة هي التى قالت لموسى ( اننى أنا الله لا إله إلا انا فاعبدنى ~~( ومن قال هذا مخلوق قال ذلك فهذا المخلوق عنده كفرعون الذى قال ( أنا ربكم ~~الأعلى ) كلاهما مخلوق وكلاهما قال ذلك فان كان قول فرعون كفرا فقول هؤلاء ~~أيضا كفر PageV12P509 ولا ريب أن قول هؤلاء يؤول إلى قول فرعون وان كانوا ~~لا يفهمون ذلك فان فرعون كذب موسى فيما أخبر به من أن ربه هو الأعلى وانه ~~كلمه كما قال تعالى ( وقال فرعون يا هامان إبن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وأنى لأظنه كاذبا ( وهو قد كذب موسى في ~~ان الله كلمه # ولكن هؤلاء يقولون إذا خلق كلاما في غيره صار هو المتكلم به وذلك باطل ~~وضلال من وجوه كثيرة # ( أحدها ) ان الله سبحانه انطق الأشياء كلها نطقا معتادا ونطقا خارجا عن ~~المعتاد قال تعالى ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ~~بما كانوا يكسبون ) وقال تعالى ( حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذى انطق كل شيء ( وقال تعالى ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ( وقد قال تعالى ( إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشى والاشراق ) وقد ثبت ان الحصى كان يسبح في يد النبى وان الحجر ~~كان يسلم عليه وأمثال ذلك من انطاق الجمادات فلو كان إذا خلق كلاما في غيره ~~كان هو المتكلم به كان هذا كله كلام الله تعالى ويكون قد كلم من سمع هذا ~~الكلام كما كلم موسى بن عمران بل قد ثبت ان الله خالق PageV12P510 أفعال ms4019 ~~العباد فكل ناطق فالله خالق نطقه وكلامه فلو كان متكلما بما خلقه من الكلام ~~لكان كل كلام في الوجود كلامه حتى كلام إبليس والكفار وغيرهم وهذا تقوله ~~غلاة الجهمية كابن عربى وأمثاله يقولون # وكل كلام في الوجود كلامه %~% سواء علينا نثره ونظامه # وهكذا أشباه هؤلاء من غلاة المشبهة الذين يقولون ان كلام الآدميين غير ~~مخلوق فان كل واحدة من الطائفتين يجعلون كلام المخلوق بمنزلة كلام الخالق ~~فاولئك يجعلون الجميع مخلوقا وان الجميع كلام الله وهؤلاء يجعلون الجميع ~~كلام الله وهو غير مخلوق ولهذا كان قد حصل اتصال بين شيخ الجهمية الحلولية ~~وشيخ المشبهة الحلولية # وبسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة لدين الاسلام سلط الله ~~أعداء الدين فان الله يقول ( ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز ~~الذين أن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) وأي معروف أعظم من الايمان بالله ~~وأسمائه وآياته وأى منكر أعظم من الالحاد في أسماء الله وآياته ( الوجه ~~الثانى ) أن يقال لهؤلاء الضالين ما خلقه الله في غيره PageV12P511 من ~~الكلام وسائر الصفات فانما يعود حكمه على ذلك المحل لا على غيره فإذا خلق ~~الله في بعض الأجسام حركة أو طعما أو لونا أو ريحا كان ذلك الجسم هو ~~المتحرك المتلون المتروح المطعوم وإذا خلق بمحل حياة أو علما أو قدرة أو ~~إرادة أو كلاما كان ذلك المحل هو الحى العالم القادر المريد المتكلم فإذا ~~خلق كلاما في الشجرة أو في غيرها من الأجسام كان ذلك الجسم هو المتكلم بذلك ~~الكلام كما لو خلق فيه إرادة أو حياة أو علما ولا يكون الله هو المتكلم به ~~كما إذا خلق فيه حياة أو قدرة أو سمعا أو بصرا كان ذلك المحل هو الحى به ~~والقادر به والسميع به والبصير به فكما أنه سبحانه لا يجوز أن يكون متصفا ~~بما خلقه من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بالحياة فلا يكون هو ~~المتحرك بما خلقه في غيره من الحركات ms4020 ولا المصوت بما خلقه في غيره من ~~الأصوات ولا سمعه ولا بصره وقدرته ما خلقه في غيره من السمع والبصر والقدرة ~~فكذلك لا يكون كلامه ما خلقه في غيره من الكلام ولا يكون متكلما بذلك ~~الكلام # ( الوجه الثالث ( ان الاسم المشتق من معنى لا يتحقق بدون ذلك المعنى فاسم ~~الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعال التفضيل يمتنع ثبوت معناها دون ~~معنى المصدر التى هي مشتقة منه والناس PageV12P512 متفقون على أنه لا يكون ~~متحرك ولا متكلم إلا بحركة وكلام فلا يكون مريد إلا بارادة وكذلك لا يكون ~~عالم إلا بعلم ولا قادر إلا بقدرة ونحو ذلك # ثم هذه الأسماء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به مسمى المصدر ~~فانما يسمى بالحى من قامت به الحياة وبالمتحرك من قامت به الحركة وبالعالم ~~من قام به العلم وبالقادر من قامت به القدرة فأما من لم يقم به مسمى المصدر ~~فيمتنع أن يسمى بإسم الفاعل ونحوه من الصفات وهذا معلوم بالاعتبار في جميع ~~النظائر # وذلك لأن إسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب يدل على الذات وعلى الصفة ~~والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته وهذا كما أنه ثابت في الأسماء ~~المشتقة فكذلك في الأفعال مثل تكلم وكلم ويتكلم ويكلم وعلم ويعلم وسمع ~~ويسمع ورأى ويرى ونحو ذلك سواء قيل ان الفعل المشتق من المصدر أو المصدر ~~مشتق من الفعل لا نزاع بين الناس ان فاعل الفعل هو فاعل المصدر فإذا قيل ~~كلم أو علم أو تكلم أو تعلم ففاعل التكليم والتعليم هو المكلم والمعلم ~~وكذلك التعلم والتكلم والفاعل هو الذى قام به المصدر الذى هو التكليم ~~والتعليم والتكلم والتعلم فإذا قيل تكلم فلان أو كلم فلان فلانا ففلان هو ~~المتكلم والمكلم فقوله تعالى ( وكلم الله موسى PageV12P513 تكليما وقوله ( ~~تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ) وقوله ~~( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) يقتضى ان الله هو المكلم فكما يمتنع ~~ان يقال هو متكلم بكلام قائم بغيره ms4021 يمتنع أن يقال كلم بكلام قائم بغيره # فهذه خمسة أوجه # ( أحدها ) انه يلزم الجهمية على قولهم ان يكون كل كلام خلقه الله كلاما ~~له إذا لا معنى لكون القرآن كلام الله إلا كونه خلقه وكل من فعل كلاما ولو ~~في غيره كان متكلما به عندهم وليس للكلام عندهم مدلول يقوم بذات الرب تعالى ~~لو كان مدلول ( قائما ) يدل لكونه خلق صوتا في محل والدليل يجب طرده فيجب ~~ان يكون كل صوت يخلقه له كذلك وهم يجوزون أن يكون الصوت المخلوق على جميع ~~الصفات فلا يبقى فرق بين الصوت الذى هو كلام الله تعالى على قولهم والصوت ~~الذى هو ليس بكلام # ( الثانى ) ان الصفة إذا قامت بمحل كالعلم والقدرة والكلام والحركة عاد ~~حكمها إلى ذلك المحل ولا يعود حكمها إلى غيره # ( الثالث ( ان يشتق منه المصدر وإسم الفاعل والصفة المشبهة به ~~PageV12P514 ونحو ذلك ولا يشتق ذلك لغيره وهذا كله بين ظاهر وهو ما يبين ~~قول السلف والأئمة ان من قال ان الله خلق كلاما في غيره لزمه أن يكون حكم ~~التكلم عائدا إلى ذلك المحل لا إلى الله # ( الرابع ( ان الله أكد تكليم موسى بالمصدر فقال ( تكليما ( قال غير واحد ~~من العلماء التوكيد بالمصدر ينفي المجاز لئلا يظن أنه أرسل إليه رسولا أو ~~كتب إليه كتابا بل كلمه منه إليه # ( والخامس ) ان الله فضل موسى بتكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه وقال ( ~~وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ( ~~الآية فكان تكليم موسى من وراء الحجاب وقال ( يا موسى انى اصطفيتك على ~~الناس برسالاتى وبكلامى ( وقال ( انا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده إلى قوله وكلم الله موسى تكليما ( والوحى هو ما نزله الله ~~على قلوب الأنبياء بلا واسطة فلو كان تكليمه لموسى إنما هو صوت خلقه في ~~الهواء لكان وحى الأنبياء أفضل منه لأن أولئك عرفوا المعنى المقصود بلا ~~واسطة وموسى إنما عرفه بواسطة ولهذا كان غلاة الجهمية ms4022 من الاتحادية ونحوهم ~~يدعون أن ما يحصل لهم من الالهام أفضل مما حصل لموسى بن عمران وهذا من أعظم ~~الكفر باتفاق المسلمين PageV12P515 # ولما فهم السلف حقيقة مذهب هؤلاء وانه يقتضى تعطيل الرسالة فان الرسل ~~إنما بعثوا ليبلغوا كلام الله بل يقتضى تعطيل التوحيد فان من لا يتكلم ولا ~~يقوم به علم ولا حياة هو كالموات بل من لا تقوم به الصفات فهو عدم محض إذ ~~ذات لا صفة لها إنما يمكن تقديرها في الذهن لا في الخارج كتقدير وجود مطلق ~~لا يتعين ولا يتخصص # فكان قول هؤلاء مضاهيا لقول ( المتفلسفة الدهرية ( الذين يجعلون وجود ~~الرب وجودا مطلقا بشرط الاطلاق لا صفة له وقد علم أن المطلق بشرط الاطلاق ~~لا يوجد إلا في الذهن وهؤلاء الدهرية ينكرون أيضا حقيقة تكليمه لموسى ~~ويقولون إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال وهكذا يقولون في الوحى إلى ~~جميع الأنبياء وحقيقة قولهم ان القرآن قول البشر لكنه صدر عن نفس صافية ~~شريفة وإذا كانت المعتزلة خيرا من هؤلاء وقد كفر السلف من يقول بقولهم فكيف ~~هؤلاء # وكلام السلف والأئمة في مثل هؤلاء لا يحصى قال حرب بن إسماعيل الكرمانى ~~سمعت إسحاق بن راهويه يقول ليس بين أهل العلم إختلاف أن القرآن كلام الله ~~وليس بمخلوق وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره مخلوقا ولو كان كما قالوا لزمهم ~~أن يقولوا علم الله وقدرته ومشيئته مخلوقة فان قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا ~~كان الله PageV12P516 تبارك اسمه ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة وهو الكفر ~~المحض الواضح لم يزل الله عالما متكلما له المشيئة والقدرة في خلقه والقرآن ~~كلام الله وليس بمخلوق فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر # وقال وكيع بن الجراح من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله ~~مخلوق فقيل له من أين قلت هذا قال لان الله يقول ( ولكن حق القول منى ) ولا ~~يكون من الله شيء مخلوق وهذا القول قاله غير واحد من السلف # وقال أحمد بن حنبل كلام ms4023 الله من الله ليس ببائن منه وهذا معنى قول السلف ~~القرآن كلام الله منه بدا ومنه خرج وإليه يعود كما في الحديث الذى رواه ~~أحمد وغيره عن جبير بن نفير قال قال رسول الله ( انكم لن ترجعوا إلى الله ~~بشيء أفضل مما خرج منه ( يعنى القرآن وقد روى أيضا عن أبى أمامة مرفوعا ~~وقال أبو بكر الصديق لأصحاب مسيلمة الكذاب لما سمع قرآن مسيلمة ( ويحكم أين ~~يذهب بعقولكم إن هذا كلاما لم يخرج من إل ( أى من رب # وليس معنى قول السلف والأئمة إنه منه خرج ومنه بدا أنه فارق ذاته وحل ~~بغيره فإن كلام المخلوق إذ تكلم به لا يفارق ذاته PageV12P517 ويحل بغيره ~~فكيف يكون كلام الله قال تعالى @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون ~~إلا كذبا @QE@ فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم ومع هذا فلم تفارق ذاتهم # و ( أيضا ( فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره لا صفة الخالق ولا صفة ~~المخلوق والناس إذا سمعوا كلام النبي ثم بلغوه عنه كان الكلام الذي بلغوه ~~كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغوه بحركاتهم وأصواتهم فالقرآن ~~أولى بذلك فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارىء قال تعالى @QB@ وإن أحد ~~من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ وقال ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ( # ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية فانهم زعموا ان القرآن خلقه ~~الله في غيره فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذى خلق فيه لا من الله ~~كما يقولون كلامه لموسى خرج من الشجرة فبين السلف والأئمة ان القرآن من ~~الله بدأ وخرج وذكروا قوله ( ولكن حق القول منى ) فأخبر ان القول منه لا من ~~غيره من المخلوقات # و ( من ) هي لابتداء الغاية فان كان المجرور بها عينا يقوم بنفسه لم ~~PageV12P518 يكن صفة لله كقوله ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه ) وقوله في المسيح ( وروح منه ) وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله ( ~~وما بكم من نعمة فمن الله ) # وأما إذا كان المجرور بها ms4024 صفة ولم يذكر لها محل كان صفة لله كقوله ( ولكن ~~حق القول منى ) وكذلك قد أخبر في غير موضع من القرآن ان القرآن نزل منه ~~وأنه نزل به جبريل منه ردا على هذا المبتدع المفترى وأمثاله ممن يقول أنه ~~لم ينزل منه قال تعالى ( أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل اليكم الكتاب ~~مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق ) وقال تعالى ( ~~قل نزله روح القدس من ربك بالحق ) وروح القدس هو جبريل كما قال في الآية ~~الأخرى ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) وقال ( من كان عدوا لجبريل فانه ~~نزله على قلبك باذن الله ) وقال هنا ( نزله روح القدس من ربك ) فبين ان ~~جبريل نزله من الله لا من هواء ولا من لوح ولا غير ذلك وكذلك سائر آيات ~~القرآن كقوله ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وقوله ( حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم ) وقوله ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) وقوله ~~( ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) وقوله ( يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل اليك من ربك PageV12P519 فقد بين في غير موضع أنه منزل من الله ~~فمن قال انه منزل من بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفتر على الله مكذب ~~لكتاب الله متبع لغير سبيل المؤمنين ألا ترى ان الله فرق بين ما نزل منه ~~وما نزله من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال ( أنزل من السماء ماء ) فذكر ~~المطر في غير موضع وأخبر أنه نزله من السماء والقرآن أخبر أنه منزل منه ~~وأخبر بتنزيل مطلق في مثل قوله ( وأنزلنا الحديد ) لأن الحديد ينزل من رؤوس ~~الجبال لا ينزل من السماء وكذلك الحيوان فان الذكر ينزل الماء في الاناث ~~فلم يقل فيه من السماء # ولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من ~~أمة محمد لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح ان الله كتب لموسى التوراة بيده ~~وأنزلها مكتوبة فيكون بنو اسرائيل قد قرأوا الألواح التى كتبها الله وأما ms4025 ~~المسلمون فأخذوه عن محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد أخذه عن جبريل وجبريل عن ~~اللوح فيكون بنو اسرائيل بمنزلة جبريل وتكون منزلة بنى اسرائيل أرفع من ~~منزلة محمد صلى الله عليه وسلم على قول هؤلاء الجهمية والله سبحانه جعل من ~~فضائل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أنزل عليهم كتابا لا يغسله ~~الماء وانه أنزله عليهم تلاوة لا كتابة وفرقه عليهم لأجل ذلك فقال ( وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) وقال تعالى ( وقالوا ~~لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ~~PageV12P520 # ثم أن كان جبريل لم يسمعه من الله وانما وجده مكتوبا كانت العبارة عبارة ~~جبريل وكان القرآن كلام جبريل ترجم به عن الله كما يترجم عن الأخرس الذى ~~كتب كلاما ولم يقدر ان يتكلم به وهذا خلاف دين المسلمين # وإن احتج محتج بقوله ( انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذى العرش مكين ) ~~قيل له فقد قال في الآية الأخرى ( أنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر ~~قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) فالرسول في هذه الآية ~~محمد صلى الله عليه وسلم والرسول في الأخرى جبريل فلو اريد به ان الرسول ~~احدث عبارته لتناقض الخبران فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة ~~إحداث ولهذا قال ( لقول رسول ( ولم يقل ملك ولا نبى ولا ريب ان الرسول بلغه ~~كما قال تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) فكان النبى يعرض ~~نفسه على الناس في الموسم ويقول ( ألا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ربى ~~فان قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى ( ولما أنزل الله ( ألم غلبت الروم ) ~~خرج أبو بكرالصديق فقرأها على الناس فقالوا هذا كلامك أم كلام صاحبك فقال ~~ليس بكلامى ولا كلام صاحبى ولكنه كلام الله # وان احتج بقوله ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) قيل له PageV12P521 ~~هذه الآية حجة عليك فانه لما قال ( ما يأتيهم من ذكر من ms4026 ربهم محدث ( علم ان ~~الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث لأن النكرة اذا وصفت ميز بها بين الموصوف ~~وغيره كما لو قال ما يأتينى من رجل مسلم إلا اكرمته وما آكل إلا طعاما ~~حلالا ونحو ذلك ويعلم ان المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذى يقوله الجهمى ~~ولكنه الذى أنزل جديدا فان الله كان ينزل القرآن شيئا بعد شيء فالمنزل أولا ~~هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرا وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة ~~العرب كما قال ( كالعرجون القديم ) وقال ( تالله انك لفى ضلالك القديم ) ~~وقال ( وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) وقال ( أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ( وكذلك قوله ( جعلناه قرآنا عربيا ( لم يقل ~~جعلناه فقط حتى يظن أنه بمعنى خلقناه ولكن قال ( جعلناه قرآنا عربيا ) أى ~~صيرناه عربيا لانه قد كان قادرا على ان ينزله عجميا فلما أنزله عربيا كان ~~قد جعله عربيا دون عجمى وهذه المسألة من أصول أهل الإيمان والسنة التى ~~فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم والكلام عليها مبسوط في ~~غير هذا الموضع والله أعلم PageV12P522 ### |||| ( وسئل شيخ الإسلام رحمه الله ( # عمن قال ان الله لم يكلم موسى تكليما فقال له آخر بل كلمه تكليما فقال ان ~~قلت كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت والحرف والصوت محدث ومن قال ان ~~الله كلم موسى بحرف وصوت فهو كافر فهل هو كما قال أو لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اما من قال ان الله لم يكلم موسى تكليما فهذا ان كان لم ~~يسمع القرآن فانه يعرف ان هذا نص القرآن فان أنكره بعد ذلك استتيب فان تاب ~~والا قتل ولا يقبل منه ان كان كلامه بعد ان يجحد نص القرآن بل لو قال ان ~~معنى كلامي انه خلق صوتا في الهواء فأسمعه موسى كان كلامه أيضا كفرا وهو ~~قول الجهمية الذين كفرهم السلف وقالوا يستتابون فان تابوا والا قتلوا لكن ~~من كان مؤمنا بالله ورسوله مطلقا ولم يبلغه من العلم ms4027 ما يبين له الصواب ~~فانه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التى من خالفها كفر إذ كثير من ~~الناس PageV12P523 يخطىء فيما يتأوله من القرآن ويجهل كثيرا مما يرد من ~~معانى الكتاب والسنة والخطأ والنسيان مرفوعان عن هذه الأمة والكفر لا يكون ~~إلا بعد البيان # والأئمة الذين امروا بقتل مثل هؤلاء الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة ~~ويقولون القرآن مخلوق ونحو ذلك قيل انهم امروا بقتلهم لكفرهم وقيل لأنهم ~~إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس فقتلوا لاجل الفساد في الأرض وحفظا ~~لدين الناس ان يضلوهم # وبالجملة فقد اتفق سلف الامة وأئمتها على ان الجهمية من شر طوائف أهل ~~البدع حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة # ومن الجهمية المتفلسفة والمعتزلة الذين يقولون ان كلام الله مخلوق وان ~~الله إنما كلم موسى بكلام مخلوق خلقه في الهواء وانه لا يرى في الآخرة وانه ~~ليس مباينا لخلقه وأمثال هذه المقالات التى تستلزم تعطيل الخالق وتكذيب ~~رسله وإبطال دينه # وأما قول الجهمى ان قلت كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت والحرف ~~والصوت محدث ومن قال ان الله كلم موسى بحرف وصوت فهو كافر فيقال لهذا ~~الملحد أنت تقول انه كلمه بحرف وصوت PageV12P524 لكن تقول بحرف وصوت خلقه ~~في الهواء وتقول أنه لا يجوز أن تقوم به الحروف والاصوات لانها لا تقوم الا ~~بمتحيز والبارى ليس بمتحيز ومن قال انه متحيز فقد كفر ومن المعلوم ان من ~~جحد ما نطق به الكتاب والسنة كان أولى بالكفر ممن أقر بما جاء به الكتاب ~~والسنة # وإن قال الجاحد لنص الكتاب والسنة ان العقل معه قال له الموافق للنصوص بل ~~العقل معى وهو موافق للكتاب والسنة فهذا يقول إن معه السمع والعقل وذاك ~~انما يحتج لقوله بما يدعيه من العقل الذى يبين منازعه فساده ولو قدر أن ~~العقل معه # ( والكفر ( هو من الأحكام الشرعية وليس كل من خالف شيئا علم بنظر العقل ~~يكون كافرا ولو قدر انه جحد بعض صرائح العقول لم يحكم بكفره حتى ms4028 يكون قوله ~~كفرا في الشريعة # وأما من خالف ما علم أن الرسول جاء به فهو كافر بلا نزاع وذلك أنه ليس في ~~الكتاب والسنة ولا في قول أحد من سلف الأمة وأئمتها الاخبار عن الله بإنه ~~متحيز أو أنه ليس بمتحيز ولا في الكتاب والسنة ان من قال هذا وهذا يكفر ~~وهذا اللفظ مبتدع والكفر لا يتعلق بمجرد اسماء مبتدعة لا أصل لها في الكتاب ~~والسنة بل يستفسر هذا القائل إذا قال إن الله متحيز أو ليس بمتحيز فإن قال ~~أعني بقولي إنه متحيز PageV12P525 انه دخل في المخلوقات وإن المخلوقات قد ~~حازته وأحاطت به فهذا باطل وان قال اعني به انه منحاز عن المخلوقات مباين ~~لها فهذا حق # وكذلك قوله ليس بمتحيز ان أراد به ان المخلوق لا يحوز الخالق فقد أصاب ~~وان قال إن الخالق لا يباين المخلوق وينفصل عنه فقد أخطأ # وإذا عرف ذلك فالناس في الجواب عن حجته الداحضة وهى قوله ( لو قلت انه ~~كلمه فالكلام لا يكون الا بحرف وصوت والحرف والصوت محدث ) ثلاثة أصناف صنف ~~منعوه المقدمة الأولى وصنف منعوه المقدمة الثانية وصنف لم يمنعوه المقدمتين ~~بل استفسروه وبينوا ان ذلك لا يمنع ان يكون الله كلم موسى تكليما ف ( الصنف ~~الأول ( أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وابو الحسن على بن إسماعيل ~~الأشعرى ومن اتبعهما قالوا لا نسلم ان الكلام لا يكون إلا بحرف وصوت بل ~~الكلام معنى قائم بذات المتكلم والحروف والاصوات عبارة عنه وذلك المعنى ~~القائم بذات الله تعالى يتضمن الامر بكل ما أمر به والخبر عن كل ما أخبر ~~عنه ان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا وقالوا انه اسم الكلام حقيقة فيكون ~~اسم الكلام مشتركا أو مجازا في كلام الخالق وحقيقة في كلام المخلوق ~~PageV12P526 # و ( الصنف الثانى ( سلموا لهم ان الكلام لا يكون الا بحرف وصوت ومنعوهم ~~المقدمة الثانية وهو ان الحرف والصوت لا يكون إلا محدثا # وصنف قالوا إن المحدث كالحادث سواء كان قائما بنفسه أو بغيره وهو ms4029 يتكلم ~~بكلام لا يكون قديما وهو بحرف وصوت وهذا قول من يقول القرآن قديم وهو بحرف ~~وصوت كأبى الحسن بن سالم وأتباعه السالمية وطوائف ممن اتبعه وقال هؤلاء في ~~الحرف والصوت نظير ما قاله الذين قبلهم في المعانى # وقالوا كلام لا بحرف ولا صوت لا يعقل ومعنى يكون أمرا ونهيا وخبرا ممتنع ~~في صريح العقل ومن ادعى ان معنى التوراة والانجيل والقرآن واحد وإنما ~~اختلفت العبارات الدالة عليه فقوله معلوم الفساد بالاضطرار عقلا وشرعا ~~وإخراج الحروف عن مسمى الكلام مما يعلم فساده بالاضطرار من جميع اللغات وإن ~~جاز أن يقال ان الحروف والأصوات المخلوقة في غير كلام الله حقيقة أمكن ~~حينئذ أن يكون كلم موسى بكلام مخلوق في غيره # وقالوا لاخوانهم الأولين إذا قلتم ان الكلام هو مجرد المعنى PageV12P527 ~~وقد خلق عبارة بيان فان قلتم ان تلك العبارة كلامه حقيقة بطلت حجتكم على ~~المعتزلة فان أعظم حجتكم عليهم قولكم انه يمتنع أن يكون متكلما بكلام يخلقه ~~في غيره كما يمتنع أن يعلم بعلم قائم بغيره وأن يقدر بقدرة قائمة بغيره وأن ~~يريد بارادة قائمة بغيره وإن قلتم هي كلام مجازا لزم أن يكون الكلام حقيقة ~~في المعنى مجازا في اللفظ وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من جميع اللغات # و ( الصنف الثالث ) الذين لم يمنعوا المقدمتين ولكن استفسروهم وبينوا أن ~~هذا لا يستلزم صحة قولكم بل قالوا إن قلتم إن الحرف والصوت محدث بمعنى انه ~~يجب أن يكون مخلوقا منه منفصلا عنه فهذا دليل على فساد قولكم وتناقضه وهذا ~~قول ممنوع وإن قلتم بمعنى انه لا يكون قديما فهو مسلم لكن هذه التسمية ~~محدثة # وهؤلاء ( صنفان ) صنف قالوا ان المحدث هو المخلوق المنفصل عنه فاذا قلنا ~~الحرف والصوت لا يكون إلا محدثا كان بمنزلة قولنا لا يكون إلا مخلوقا ~~وحينئذ فيكون هذا المعتزلى أبطل قوله PageV12P528 بقوله حيث زعم أنه يتكلم ~~بحرف وصوت مخلوق ثم استدل على ذلك بما يقتضى انه يتكلم لا يتكلم بكلام ~~مخلوق فيه تلبيس ونحن لا نقول كلم ms4030 موسى بكلام قديم ولا بكلام مخلوق بل هو ~~سبحانه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء كما انه سبحانه وتعالى خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه سبحانه استوى إلى السماء وهى ~~دخان وأنه سبحانه يأتى في ظلل من الغمام والملائكة كما قال ( وجاء ربك ~~والملك صفا صفا ( وقال ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو ~~يأتى بعض آيات ربك ) وقال تعالى ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون ) وقال تعالى ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) ~~وأمثال ذلك في القرآن والحديث كثير # يبين الله سبحانه أنه إذا شاء فعل ما أخبر عنه من تكليمه وأفعاله القائمة ~~بنفسه وما كان قائما بنفسه هو كلامه لا كلام غيره والمخلوق لا يكون قائما ~~بالخالق ولا يكون الرب محلا للمخلوقات بل هو سبحانه يقوم به ما شاء من ~~كلماته وأفعاله وليس من ذلك شيء مخلوقا إنما المخلوق ما كان بائنا عنه ~~وكلام الله من الله ليس ببائن منه ولهذا قال السلف القرآن كلام الله غير ~~مخلوق منه بدأ PageV12P529 وإليه يعود فقالوا منه بدأ أى هو المتكلم به لا ~~أنه خلقه في بعض الأجسام المخلوقة # وهذا ( الجواب ( هو جواب أئمة أهل الحديث والتصوف والفقه وطوائف من أهل ~~الكلام من أئمتهم من الهشامية والكرامية وغيرهم وأتباع الأئمة الأربعة ~~أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد منهم من يختار جواب الصنف الأول وهم ~~الذين يرتضون قول بن كلاب في القرآن وهم طوائف من متأخري أصحاب مالك ~~والشافعى وأحمد وأبى حنيفة ومنهم من يختار جواب الصنف الثانى وهم الطوائف ~~الذين ينكرون قول بن كلاب ويقولون ان القرآن قديم كالسالمية وطوائف من ~~أصحاب مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة ومنهم من يختار جواب الطائفة الثالثة ~~وهم الذين ينكرون قول الطائفتين المتقدمتين الكلابية والسالمية # ثم من هؤلاء من يقول بقول الكرامية والكرامية ينتسبون إلى أبى حنيفة ~~ومنهم من لا يختار قول الكرامية أيضا لما فيه من تناقض آخر بل يقول بقول ms4031 ~~أئمة الحديث كالبخارى وعثمان بن سعيد الدارمي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومن ~~قبلهم من السلف PageV12P530 كأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~ومحمد بن كعب القرظي والزهرى وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن ~~راهويه وما نقل من ذلك عن الصحابة والتابعين وفى ذلك آثار كثيرة معروفة في ~~كتب السنن والآثار تضيق عنها هذه الورقة # وبين الأصناف الثلاثة منازعات ودقائق تضيق عنها هذه الورقة وقد بسطنا ~~الكلام عليها في مواضع وبينا حقيقة كل قول وما هو القول الصواب في صريح ~~المعقول وصحيح المنقول لكن هؤلاء الطوائف كلهم متفقون على تضليل من يقول أن ~~كلام الله مخلوق والأمة متفقة على أن من قال ان كلام الله مخلوق لم يكلم ~~موسى تكليما يستتاب فان تاب والا يقتل # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا ~~PageV12P531 ### |||| ( وسئل أيضا رحمه الله ( # عمن قال كلم الله موسى تكليما وسمعته أذناه ووعاه قلبه وإن الله كتب ~~التوراة بيده وناوله إياه من يده إلى يده وقال آخر لم يكلمه إلا بواسطة ### ||||| فأجاب # القائل الذى قال إن الله كلم موسى تكليما كما أخبر في كتابه مصيب ~~وأما الذى قال كلم الله موسى بواسطة فهذا ضال مخطىء بل قد نص الأئمة على ان ~~من قال ذلك فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل فان هذا الكلام إنكار لما قد علم ~~بالاضطرار من دين الاسلام ولما ثبت بالكتاب والسنة والاجماع قال الله تعالى ~~( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ) الآية ففرق بين ~~تكليمه من وراء حجاب كما كلم موسى وبين تكليمه بواسطة رسول كما أوحى إلى ~~غير موسى قال الله تعالى ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده ) إلى قوله ( وكلم الله موسى تكليما PageV12P532 والأحاديث بذلك كثيرة ~~في الصحيحين والسنن وفى الحديث المحفوظ عن النبى حديث ( التقى آدم وموسى ~~قال آدم أنت موسى الذى كلمك الله تكليما لم يجعل بينك وبينه رسولا ms4032 من خلقه ~~( # وسلف الأمة وأئمتها كفروا الجهمية الذين قالوا إن الله خلق كلاما في بعض ~~الأجسام سمعه موسى وفسر التكليم بذلك وأما قوله ( إن الله كتب التوراة بيده ~~( فهذا قد روى في الصحيحين فمن أنكر ذلك فهو مخطىء ضال وإذا أنكره بعد ~~معرفة الحديث الصحيح يستحق العقوبة وأما قوله ( ناولها بيده إلى يده ( فهذا ~~مأثور عن طائفة من التابعين وهو هكذا عند أهل الكتاب لكن لا أعلم غير هذا ~~اللفظ مأثورا عن النبى فالمتكلم به إن أراد ما يخالف ذلك فقد أخطأ والله ~~أعلم PageV12P533 ### || 1 ( القرآن كلام الله ) 1 # ( ما تقول السادة الاعلام ( # أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين هل هذا القرآن الذى نتلوه القائم بنا ~~حين التلاوة هو كلام الله الذى قام به حين تكلم به وكان صفة له أم لا وإذا ~~كان كلامه فهل إذا تلوناه وقام بنا يطلق عليه كلام الله وصفته أم يطلق عليه ~~كلام الله دون صفته أم في ذلك تفصيل يجب بيانه وهل إذا قام بنا كان منتقلا ~~عن الله بعد أن قام به أم يكون قائما بنا وبه معا أم الذى قام بنا يكون ~~عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه ويكون إطلاق كلام الله عليه مجازا وهل ~~يكون صفة لنا محدثة قامت بمحدث إذ القديم لا يقوم بمحدث والمحدث لا يكون ~~قديما وهل ( التلاوة ( هي نفس المتلو أم لا أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس إبن تيمية قدس الله روحه # الحمد لله رب العالمين # هذه ( المسألة ( جوابها يحتمل البسط ويمكن فيه الإختصار ثم بسط الجواب ~~بعض البسط فأما الجواب المختصر فإنه يقال جواب PageV12P534 هذه المسألة ~~مبنى على ( مقدمة ( وهى أن يعرف الإنسان معنى قول القائل لما بلغه عن غيره ~~هذا كلام ذلك الغير فإن المحدث إذا حدث عن النبى بقوله ( إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى ( أو قوله ( الحلال بين والحرام بين وبين ~~ذلك أمور مشتبهة لا يعلمها كثير من الناس ( أو قوله ( من عمل عملا ليس ms4033 عليه ~~أمرنا فهو رد ( ونحو ذلك # فإنه من المعلوم أن هذا كلام النبى تكلم به بلفظه ومعناه فهو الذى أخبر ~~بمعناه وهو الذى ألف حروفه وتكلم بها بصوته ثم المبلغ بذلك عنه بلغ كلامه ~~كما قال النبى ( نضر الله أمرءا سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب حامل فقه ~~غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ( فدعى بالنضرة لمن سمع منه ~~حديثا فبلغه كما سمعه فبين أن الحديث المسموع منه هو الحديث المبلغ عنه مع ~~العلم بأن المبلغ عنه بلغه بأفعاله وأصواته وإن الصوت المسموع منه هو صوته ~~لا صوت النبى وإن كان النبى صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك الحديث بصوته ~~المختص به فالمبلغ عنه هو حديثه الذى سمع منه وليس الصوت المسموع صوته # فإذا قال القائل هل هذا الحديث الذى قرأه المحدث القائم به PageV12P535 ~~حين القراءة هو كلام النبى الذى قام به حين تكلم به وكان صفة له أم لا قيل ~~له إن كنت تريد ان نفس الحديث من حيث هو هو كلام النبى صلى الله عليه وسلم ~~الذى قام به حين تكلم به كان صفة له فنعم هذا الحديث من حيث هو هو كلام ~~النبى وإن كنت تريد أن ما إختص بالقارىء من حركاته وأصواته هو القائم ~~بالرسول فليس كذلك # وكذلك إن أردت ان نفس ما إختص به الرسول من حركاته وأصواته والصفات ~~القائمة بنفسه هي بعينها إنتقلت عن الرسول وقامت بالقارىء فليس كذلك # وقول القائل هذا هو هذا وليس هو إياه وهذا هو عين هذا وليس هو عينه لفظ ~~فيه إجمال فإن من نقل لفظ غيره كما سمعه وكتبه في كتاب فإنه يقول هذا كلام ~~فلان بعينه وهذا نفس كلامه وهذا عين كلامه ومراده أن نفس ما قاله هو الذى ~~بلغه عنه وهو المكتوب في الكتاب لم يزد فيه ولم ينقص منه # فإذا قال القائل لما سمع من القارىء هذا عين كلام الله أو هذا كلام الله ~~بعينه أو هذا نفس كلام الله ms4034 أو قال لما بين لوحى المصحف هذا كلام الله ~~بعينه وهذا عين كلام الله كان صادقا PageV12P536 ومن أنكر ذلك بهذا ~~الإعتبار كان مقتضى قوله أن القرآن زيد فيه ونقص ولهذا كان الناس مطبقين ~~على أن ما بين اللوحين كلام الله والإنكار على من نفى ذلك # وقد يقال لكلام المتكلم المسموع منه هذا كلام زيد بعينه وهذا عين كلام ~~زيد وهذا نفس كلام زيد بمعنى أنه مسموع منه بلا واسطة بحيث يسمع صفة ذلك ~~المتكلم المختص به بذلك كما قال أيوب السختيانى كان الحسن يتكلم بكلام ~~فيأتى مثل الدر فتكلم به بعده قوم فجاء مثل البعر والمتكلم بالكلام من ~~البشر له صوت يخصه ونغمة تخصه كما له سجية تخصه كما قال تعالى ( واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم وله أيضا إن كان أمرا أو نهيا أو خبرا من الحال والصفة ~~والكيفية ما يختص به فإذا سمع كلامه بالصفة المختصة به وقيل هذا كلامه ~~بعينه وهذا عين كلامه ونفس كلامه وأدخلت الصفة المختصة به في مسمى العين ~~والنفس لم يصدق هذا عليه إذا كان مرويا لكن لما كان الناس في زماننا يعلمون ~~أن أحدا لا يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه لم يسبق هذا المعنى إلى ~~ذهن أحد بل كل أحد يعلم أنا إذا قلنا سمعنا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعينه وهذا عين كلامه فإنما المراد ~~PageV12P537 به المعنى الأول وهو كونه مسموعا من المبلغ عنه لا أنه مسموع ~~منه ولا أن تكلمه الذى يختص بالكلام وجد # وإذا كان هذا في كلام النبى فكلام الله سبحانه أولى بذلك فإن الناس ~~يعلمون ان احدا منهم لم يسمعه من الله كما سمع موسى كلام الله من الله بل ~~يعلمون أن كلام الله إنما سمع من المبلغين له كما قال تعالى ( يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ( وقال تعالى ~~( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ( وقال نوح ( ولكنى رسول ms4035 من رب العالمين ~~أبلغكم رسالات ربى ) # وفى سنن أبى داود عن جابر ان النبى كان يقول بالموقف ( ألا رجل يحملنى ~~إلى قومه لأبلغ كلام ربى فإن قريشا منعونى أن أبلغ كلام ربى ( # فلما كان هذا مستقرا في قلوب المستمعين علموا أن قوله تعالى ( وإن أحد من ~~المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( إنما هو سماعه من المبلغين له ~~لا سماعه منه وإن هذا السماع ليس كسماع موسى كلام الله من الله فإن موسى ~~سمعه منه بلا واسطة ونحن إذا سمعنا كلام النبى من الصحابة لم يكن كسمع ~~الصحابة PageV12P538 من النبى مع أنهم يبلغون حديثه كما سمعوه مع العلم ~~بأنهم لم يحكوا صوت النبى فلا هي أصواتهم صوته ولا مثل صوته مع أنهم بلغوا ~~حديثه كما سمعوه فالقرآن أولى أن يكون جبريل بلغه كما سمعه والرسول بلغه ~~كما سمعه والأمة بلغته كما سمعته وأن يكون ما بلغته هو ما سمعته وهو كلام ~~الله عز وجل في الحالين مع أن الرسول بشر من جنس البشر والله تعالى ( ليس ~~كمثله شيء ( # والتفاوت الذى بين صفات الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت بين أدنى ~~المخلوقات وأعلاها فإذا كان سمع التابعين لكلام النبى من الصحابة ليس كسمع ~~الصحابة من النبى فسماع كلام الله من الله أبعد من مماثلة سماع شيء لشيء من ~~المخلوقات # والقائل إذا قال لما سمعه من المبلغ عن الرسول هذا كلام الرسول أو هذا ~~كلام صواب أو حق أو صحيح أو هذا حديث رسول الله أداه كما سمعه أو هذا نفس ~~كلام الرسول أو عينه فإنما قصد إلى مجرد الكلام وهو ما يوجد حال سماعه من ~~المبلغ والمبلغ عنه لم يشر إلى ما يختص بأحدهما فلم يشر إلى مجرد صوت ~~المبلغ ولا مجرد صوت المبلغ عنه ولا إلى حركة أحد منهما بل هناك أمر يتحد ~~في الحالين PageV12P539 وهذا أمر يتعدد يختص كل منهما منه بما يخصه # فإذا قيل هذا هو كلامه كانت الاشارة إلى المتحد المتفق عليه بينهما وإذا ~~قيل هذا صوته ms4036 كانت الاشارة إلى المختص المتعدد فيقال هذا صوت غليظ أو رقيق ~~أو حسن أو ليس حسنا كما في الحديث الذى في سنن بن ماجه عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم انه قال ( لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب ~~القينة إلى قينته ( وفى الحديث المشهور ( زينوا القرآن بأصواتكم ( قال أحمد ~~يحسنه بصوته ما استطاع فبين الإمام أحمد أن الصوت صوت القارىء مع أن الكلام ~~كلام البارى وهذا كما انه معلوم من تبليغ كلام الله ورسوله فكذلك في تبليغ ~~كلام كل أحد فإذا سمع الناس منشدا ينشد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # قالوا هذا شعر لبيد لفظه ومعناه وهذا كلام لبيد كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل ~~( # ولو قال المنشد هذا شعرى أو كلامى لكذبه الناس كما يكذبونه لو قال هذا ~~صوت لبيد وإذا قال هذا لفظ لبيد بالمعنى المعروف وهو أن هذا الكلام الملفوظ ~~هو كلامه بنظمه وتأليفه لصدقه الناس PageV12P540 وإن قال هذا لفظه بمعنى أن ~~هذا بلفظه كذبه الناس فان ( اللفظ ( يراد به المصدر ويراد به الملفوظ وكذلك ~~( التلاوة ( و ( القراءة ( يراد بذلك المصدر ويراد به الكلام نفسه الذى ~~يقرأ ويتلى # وأصل هذا أن تعلم الجامع والفارق بين سماع الكلام من المتكلم به ومن ~~المبلغ له عن المتكلم به وانه كلامه في الحالين لكن هو في أحدهما مسموع منه ~~سماعا مطلقا بغير واسطة وفى الأخرى مسموع منه سماعا مقيدا بواسطة التبليغ ~~كما انك تارة ترى الشمس والقمر والكواكب بطريق المباشرة فلا تحتاج في ذلك ~~إلى واسطة وتارة تراها في ماء أو مرآة ونحو ذلك تراها بواسطة ذلك الجسم ~~الشفاف فهي المقصودة بالرؤية في الموضعين لكن في احدى الحالتين رأيتها ~~نفسها بالمباشرة رؤية مطلقة وفى الاخرى رايتها رؤية مقيدة بواسطة # وإذا قلت المرئى مثالها أو خيالها أو نحو ذلك قيل أنت تجد الفرق بين ~~رؤيتك خيال الشيء الذى هو ظله وتمثاله ms4037 الذى هو صورته المصورة وبين رؤيته في ~~الماء والمرآة إذا كان المرئى هنا وإن كان لابد فيه من توسط خيال فالمقصود ~~بالرؤية هو الحقيقة ولكن تختلف باختلاف المرآة فيرى كبيرا ان كانت المرآة ~~كبيرة وصغيرا PageV12P541 إن كانت المرآة صغيرة ومستطيلا ان كانت المرآة ~~مستطيلة وهذا الكلام المروى عن الغير المقصود منه هو نفس كلام ذلك الغير ~~وان كان لابد من توسط صوت هذا المبلغ ولهذا يختلف باختلاف صوت المبلغ فتارة ~~يكون رقيقا وتارة غليظا وتارة مجهورا به وتارة مخافتا به فإن قلت # فهذا المسموع مثل كلام المروى عنه أو حكاية كلام المروى عنه كما أطلق ذلك ~~طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم كان اطلاق هذا خطأ كما أنك إذا قلت ~~لما تراه في الماء والمرآة هذا مثل الشمس أو هذا يحكى الشمس كان إطلاق ذلك ~~خطأ قال تعالى ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ) الآية فقد بين عجز الخلائق عن الاتيان بمثله مع أنهم ~~قادرون على تبليغه وتلاوته فعلم ان هذا المسموع لا يقال انه مثل كلام الله ~~كما سماه كلامه لكنه كلامه بواسطة المبلغ لا بطريق المباشرة # والله سبحانه قد فرق بين التكليمين فقال تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ( ففرق ~~بين تكليمه من وراء حجاب كما كلمه موسى وبين تكليمه بارساله رسولا يوحى ~~بإذنه ذاك تكليم بلا PageV12P542 واسطة وهذا تكليمه بواسطة # وإن قلت لما يبلغه المبلغ عن غيره هذا حكاية كلام ذلك كان الاطلاق خطأ ~~فان لفظ ( الحكاية ( إذا أطلق يراد به أنه أتى بكلام يشبه كلامه كما يقال ~~هذا يحاكى هذا وهذا قد حكى هذا لكن قد يقال فلان قد حكى هذا الكلام عن فلان ~~كما يقال رواه عنه وبلغه عنه ونقله عنه وحدث به عنه ولهذا يجيء في الحديث ~~عن النبى فيما يروى عن ربه فكلما بلغه النبى عن الله فقد حكاه عنه ms4038 ورواه ~~عنه # فالقائل إذا قال للقارىء هذا يحكى كلام الله أو يحكى القرآن فقد يفهم منه ~~أنه يأتى بكلام يحاكى به كلام الله وهذا كفر وإن أراد أنه بلغه وتلاه ~~فالمعنى صحيح لكن ينبغى تعبيره بما لا يدل على معنى باطل فيقول قرأه وتلاه ~~وبلغه وأداه ولهذا اذا قيل يحكى القراءات السبع ويرويها وينقلها لم ينكر ~~ذلك لأنه لا يفهم منه إلا تبليغها لا أنه يأتى بمثلها PageV12P543 ( ### ||| فصل # ( # إذا تبين ذلك فيقال هذا القرآن الذى نقرؤه ونبلغه ونسمعه هو كلام الله ~~الذى تكلم به ونزل به منه روح القدس كما قال تعالى ( فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وإذا ~~بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى ~~للمسلمين ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه ~~أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) فهذا الكلام في القرآن الذى قالوا إنما يعلمه ~~إياه بشر وقد أبطل الله ذلك بقوله ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان ~~عربى مبين ) فدل على ان المراد به نفس القرآن العربى الذى يمتنع ان يعلمه ~~إياه ذلك الأعجمى الذى ألحدوا إليه وقد قيل أنه رجل بمكة مولى لابن الحضرمى ~~والمعانى المجردة لا يمتنع تعلمها من الأعجمى بخلاف هذا القرآن العربى فدل ~~ان هذا القرآن نزله روح القدس من الله تبارك وتعالى PageV12P544 ومثله قوله ~~تعالى في الآية الأخرى ( والذين أتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك ~~بالحق ) وهذا الكلام صفة الله تعالى # وأما ما اختص قيامه بنا من حركاتنا وأصواتنا وفهمنا وغير ذلك من صفاتنا ~~فلم يقم منه شيء بذات الله سبحانه كما ان ما اختص الرب تعالى بقيامه به لم ~~ينتقل عنه ولم يقم بغيره لا هو ولا مثله فان المخلوق إذا سمع من ms4039 المخلوق ~~كلامه وبلغه عنه كان ما بلغه هو كلامه كما تقدم قول النبى ( نضر الله امرءا ~~سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه ( مع ان ما قام بالنبى بباطنه من العلم ~~والارادة وغيرهما وبظاهره من الحركة والصوت وغيرهما لم ينتقل عنه ولم يقم ~~بغيره بل جميع صفات المخلوقين لا تفارق ذواتهم وتنتقل عنهم فكيف يجوز أن ~~يقال ان صفة الخالق فارقت ذاته فانتقلت عنه والمتعلم إذا أخذ علم المعلم ~~ونقله عنه لم يفارق ذات الأول وينتقل عنها إلى الثانى بل نفس الحقيقة ~~العلمية حصلت له مثل ما حصلت لمعلمه أو ليس مثله بل يشبهه ولهذا يشبه العلم ~~بضوء السراج كل أحد يقتبس منه وهو لم ينقص ومن المعلوم أن من أوقد من مصباح ~~غيره فانه لم ينتقل إلى سراجه شيء من جرم تلك النار ولا شيء من صفاتها ~~القائمة بها بل جعل الله بسبب ملاصقة النار ذلك نارا مثل تلك PageV12P545 ~~فالحقيقة النارية موجودة وإن كانت هذه العين ليست تلك لكن النار والعلم ليس ~~هو مثل الكلام الذى يبلغ عن الغير بل هو مثل ان يسمع بعض الناس كلام غيره ~~وشعر غيره فيقول من جنس ما قال ويقول كما قال غيره مثله كما يقال وقع ~~الخاطر على الخاطر كوقع الحافر على الحافر وليس هذا من التبليغ والرواية في ~~شيء فان قول القائل # ألا كل شيء ما خلا الله باطل %~% # هو كلام لبيد كيف ما أنشده الناس وكتبوه فهذا الشعر الذى ينشده هو شعر ~~لبيد بعينه فإذا قيل الشعر الذى قام بنا هو الذى قام بلبيد قيل ان أريد ~~بذلك ان الشعر من حيث هو هو إن أريد أن نفس ما قام بذاته فارق ذاته وانتقل ~~إلينا فليس كذلك وكذلك أن أريد ان عين الصفة المختصة بذلك الشخص كحركته ~~وصوته هي عين الصفة المختصة بنا كحركتنا وصوتنا فليس كذلك # فقولك هذا هو هذا لفظ فيه إجمال يبينه السياق فاذا قلت هذا الكلام هو ذاك ~~أو هذا الشعر هو ذاك كنت صادقا وإذا قلت ms4040 هذا الصوت هو ذاك كان كذبا # والناس لا يقصدون إذا قالوا هذا شعر لبيد إلا القدر المتحد PageV12P546 ~~وهى الحقيقة من حيث هي مع قصر النظر عما اختص به أحدهما # فإن قيل القدر المتحد كلى مطلق والكليات إنما توجد في الأذهان لا في ~~الأعيان قيل ذكر هذا هنا غلط فان هذا إنما يقال لو كان رجل قد قال شعر لبيد ~~من غير أن يعلم بشعره فنقول هذان شيئان اشتركا في النوع الكلى وامتاز ~~أحدهما عن الآخر بما يخصه والكلى إنما يوجد كليا في الذهن لا في الخارج ~~وأما هنا فنفس شعره كان له وجود في الخارج والمقصود من الحقيقة الكلامية مع ~~قطع النظر عن صوت زيد وصوت عمرو موجود لما تكلم به لبيد وموجود اذا أنشده ~~غير لبيد وتلك الحقيقة المتحدة موجودة هنا وهنا ليست مثل وجود الانسانية في ~~زيد وعمرو وخالد فان إنسانية زيد ليست إنسانية عمرو بل مثلها والمشترك ~~بينهما لا يوجد في الخارج وهنا نفس الكلام الذى تكلم به لبيد تكلم به ~~المنشد عنه ولا يقال أنه أنشأ مثله ولا أنشد مثله بل يقال أنشد شعره بعينه # لكن الشعر عرض والعرض لا يقوم إلا بغيره فلا بد أن يقوم اما بلبيد وإما ~~بغيره والقائم به وإن كان ( ليس ) مثل القائم بغيره لكن المقصود بهما واحد ~~فالتماثل والتغاير في الوسيلة والاتحاد في الحقيقة المقصودة وتلك الحقيقة ~~هي انشاء لبيد لا انشاء غيره والعقلاء PageV12P547 يعلمون انه ليس نفس ~~الصوت المسموع من لبيد هو نفس الصوت المسموع من المنشد لكن نفس المقصود ~~بالصوت هو الكلام فان الصوت واسطة في تبليغه ولهذا ما كان في الصوت من مدح ~~وذم كان للمبلغ وما كان في الكلام من مدح وذم كان للمتكلم المبلغ عنه في ~~لفظه ونظمه ومعناه # وإذا عرف هذا فقول القائل هذا القرآن الذى نتلوه القائم بنا حين التلاوة ~~هو كلام الله الذى قام به حين تكلم به وكان صفة له أم لا قيل له أما الكلام ~~فهو كلام الله لا كلامنا ms4041 ولا غيرنا وهو مسموع من المبلغ لا من الله كما ~~تقدم وهو مسموع بواسطة سماعا مقيدا لا سماعا من الله مطلقا كما تقدم وليس ~~شيء مما قام بذاته فارقه وانتقل إلينا ولا شيء مما يختص بذواتنا كحركاتنا ~~وأصواتنا فهو منا قائما به # وأما قوله هذا القرآن الذى نتلوه القائم بنا حين التلاوة هو كلام الله ~~الذى قام به حين تكلم به فلفظ القيام فيه إجمال فان أراد أن نفس صفة الرب ~~تكون صفة لغيره أو صفة العبد تكون صفة للرب فليس كذلك وإن أراد ان نفس ما ~~ليس بمخلوق صار مخلوقا أو ما هو مخلوق صار غير مخلوق فليس الأمر كذلك وإن ~~أراد أن ما أختص الرب بقيامه به شاركه فيه غيره فليس الأمر كذلك وإن ~~PageV12P548 أراد أن نفس الكلام كلامه لا كلام غيره في الحالين كما تقدم ~~تقريره فالأمر كذلك # وقد علم ان الحال إذا سمع من الله ليس كالحال إذا سمع من خلقه وذلك فرق ~~بين الحالين وإن كان الكلام واحدا فاذا كان هذا الفرق ثابتا في كلام ~~المخلوق مسموعا ومبلغا عنه فثبوته في كلام الله أولى وأحرى فان الله ليس ~~كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا يمكن أن يكون تكلمه ~~به وسماعه مما يعرف له نظير ولا مثال ولا يقاس ذلك بتكلم النبى وسماع ~~الكلام منه فان النبى صلى الله عليه وسلم بشر يمكننا أن نعرف صفاته والرب ~~تعالى لا مثال له وهو أبعد عن مماثلة المخلوقات أعظم من بعد مماثلة أعظم ~~المخلوقات عن مماثلة أدناها # وقول السائل إذا تلوناه وقام بنا يطلق عليه كلام الله وصفته أم يطلق عليه ~~كلام الله دون صفته أم في ذلك تفصيل يجب بيانه # فيقال هو كلام الله وصفته مسموعا من المبلغ عنه لا منه فالنفى والاثبات ~~بدون هذا التفصيل يوهم اما أنه كلام الله مسموعا منه أو أنه ليس كلام الله ~~بل كلام المبلغ عنه وكلاالقولين خطأ وقع في كلام طائفتين من الناس طائفة ms4042 ~~جعلت هذا كلام المبلغ عنه لا كلام PageV12P549 الله وطائفة قالت هذا كلام ~~الله مسموعا من الله ولم تفرق بين الحالين حتى ادعى بعضها أن الصوت المسموع ~~قديم وتلك لم تجعله كلام الله بل كلام الناس فهؤلاء يقولون ليس هذا كلام ~~الله وأولئك يقولون هذا الصوت المسموع قديم وكلا القولين خطأ وضلال لكن هو ~~كلامه مقيدا بواسطة المبلغ القارىء ليس هو كلامه وصفته مطلقا عن التقييد ~~مسموعا منه وكلام المتكلم يضاف إليه مطلقا إذا سمع منه ومقيدا إذا سمع من ~~المبلغ عنه كما أن رؤيته تقال مطلقة إذا رؤى مباشرة وتقال مقيدة إذا رؤى في ~~ماء أو مرآة # وأما قوله إذا قام بنا هل كان منتقلا عن الله بعد أن قام به أم يكون ~~قائما بنا وبه معا أم الذى قام بنا يكون عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه ~~ويكون إطلاق كلام الله عليه مجازا # فيقال أن صفة المخلوق لا تفارق ذاته وتنتقل عنه وتقوم بغيره فكيف يجوز أن ~~يقال أن صفة الرب سبحانه فارقت ذاته وانتقلت عنه وقامت بغيره وقد بينا أن ~~المتكلم منا إذا أرسل غيره بكلام فانه ما قام به بل لم يفارق ذاته وينتقل ~~إلى غيره فكلام الله أولى وأحرى بل كلامه سبحانه قائم به كما يقوم به لو ~~تكلم به ولم يرسل به رسولا فارساله رسولا به يفيد إبلاغه إلى الخلق وانزاله ~~إليهم PageV12P550 لا يوجب نقصا في حق الرب ولا زوال اتصافه به ولا خروجه ~~عن أن يكون كلامه بل نعلم أن الرب كما أنه قد يتكلم به ولا يرسل به رسولا ~~قد يتكلم به ويرسل به رسولا فهو سبحانه في الحالين كلامه بل إرسال الرسول ~~به نفع الخلق وهداهم ولم يجب به نقصان صفة مولاهم # وقوله أم يكون قائما بنا وبه فيقال معنى القائم لفظ مجمل فان أريد أن نفس ~~الكلام من حيث هو هو تكلم هو به وتكلمنا به مبلغين له عنه فكذلك هو وان ~~أريد أن ما أختص به يقوم بنا أو ms4043 ما اختص بنا يقوم به فهذا ممتنع وإن أريد ~~بالقيام انا بلغنا كلامه أو قرأنا كلامه أو تلونا كلامه فهذا صحيح فكذلك إن ~~أريد أن هذا الكلام كلامه مسموعا من المبلغ لا منه وإن أريد بالقيام أن ~~الشيء الذى اختص به هو بعينه قام بغيره مختصا به فهذا ممتنع وإن قيل الصفة ~~الواحدة تقوم بموضعين قيل هذا أيضا مجمل فان أريد أن الشيء المختص بمحل ~~يقوم بمحل آخر فهذا ممتنع وأن أريد أن الكلام الذى يسمى صفة واحدة يقوم ~~بالمتكلم به ويبلغه عنه غيره كان هذا صحيحا # فهذه المواضع يجب أن تفسر الألفاظ المجملة بالألفاظ المفسرة المبينة وكل ~~لفظ يحتمل حقا وباطلا فلا يطلق إلا مبينا به المراد الحق دون PageV12P551 ~~الباطل فقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وكثير من نزاع ~~الناس في هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة التى يفهم منها هذا معنى ~~يثبته ويفهم منها ( الآخر ) معنى ينفيه ثم النفاة يجمعون بين حق وباطل ~~والمثبتة يجمعون بين حق وباطل # وأما قوله أم الذى يقوم بنا يكون عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه ويكون ~~إطلاق كلام الله عليه مجازا فيقال العبارة عن كلام الغيب يقال لمن في نفسه ~~معنى ثم يعبر عنه غيره كما يعبر عما في نفس الأخرس من فهم مراده والذين ~~قالوا ( القرآن عبارة عن كلام الله ( قصدوا هذا وهذا باطل بل القرآن العربى ~~تكلم الله به وجبريل بلغه عنه # وأما ( الحكاية ( فيراد بها ما يماثل الشيء كما يقال هذا يحاكى فلانا إذا ~~كان يأتى بمثل قوله أو عمله وهذا ممتنع في القرآن فان الله تعالى يقول ( قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ) ~~الآية وقد يقال فلان حكى فلان عنه أى بلغه عنه ونقله عنه ويجيء في الحديث ~~أن النبى قال فيما يحكى عن ربه ويقال أن النبى روى عن ربه وحكى عن ربه فإذا ~~قيل أنه حكى عن الله بمعنى أنه بلغ عن الله ms4044 فهذا صحيح PageV12P552 # وأما قول القائل هل يكون كلام الله مجازا فيقال علامة المجاز صحة نفيه ~~ونحن نعلم بالاضطرار ان فلانا لو قال بحضرة الرسول ليس هذا كلام الله لكان ~~عنده لم يكن متكلما بالحقيقة اللغوية # وأيضا فهذا موجود في كل من بلغ كلام غيره أنه يقال هذا كلام المبلغ عنه ~~لا كلام المبلغ والله أعلم PageV12P553 ### |||| # ( ما تقول السادة أئمة الدين ( في رجلين قال أحدهما القرآن المسموع كلام ~~الله وقال الآخر هو كلام جبرائيل كما قال تعالى ( إنه لقول رسول كريم ) فهل ~~أصاب أم أخطأ وما الجواب عما احتج به وهل هذا القول قاله أحد من الشيوخ ~~والأئمة أم لا أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام إبن تيمية قدس الله روحه # الحمد لله رب العالمين بل ~~القرآن كلام الله تعالى وليس كلام جبرائيل ولا كلام محمد وهذا متفق عليه ~~بين الصحابة والتابعين لهم باحسان وأئمة المسلمين وأصحابهم الذين يفتى ~~بقولهم في الاسلام كأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وغيرهم # وجبريل سمعه من الله وسمعه محمد من جبريل كما قال تعالى ( قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق ) وروح القدس هو جبريل وقال تعالى ( والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) وقال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم ) وقال تعالى ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ) فهو ~~منزل من الله كما قال PageV12P554 تعالى ( نزل به الروح الأمين على قلبك ~~لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ) # وأما قوله تعالى ( إنه لقول رسول كريم ) فانه أضافه إليه لأنه بلغه وأداه ~~لا لكونه احدث منه شيئا وابتداه فانه سبحانه قال في إحدى الآيتين ( إنه ~~لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون تنزيل من رب العالمين ) فالرسول هنا محمد وقال في الآية الأخرى ( ~~إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين ) فالرسول هنا ~~جبريل والله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس فلو كانت إضافته إلى أحدهما ~~لكونه الف النظم العربى ms4045 وأحدث منه شيئا غير ذلك تناقض الكلام فانه ان كان ~~نظم احدهما لم يكن نظم الآخر # وأيضا فانه قال ( لقول رسول ( ولم يقل لقول ملك ولا نبى ولفظ الرسول يشعر ~~بأنه مبلغ له عن مرسله لا أنه أنشأ من عنده شيئا # وأيضا فقوله ( إنه لقول رسول كريم ) ضمير يعود إلى القرآن PageV12P555 ~~والقرآن يتناول معانيه ولفظه ومجموع هذا ليس قولا لغير الله باجماع ~~المسلمين واطلاق القول بان القرآن كلام جبريل أو محمد أو غيرهما من ~~المخلوقين كفر لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل عظم الله الانكار على من ~~يقول إنه قول البشر فقال تعالى ( ذرنى ومن خلقت وحيدا ( إلى قوله ( انه فكر ~~وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر وإستكبر فقال ~~إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما سقر ) ~~فمن قال أن القرآن قول البشر فقد كفر وكذلك من قال انه قول ملك وإنما يقول ~~إنه قول جبريل أحد رجلين # أما رجل من الملاحدة والفلاسفة الذين يقولون إنه فيض فاض على نفس النبى ~~من العقل الفعال ويقولون أنه جبريل ويقولون إن جبريل هو الخيال الذى يتمثل ~~في نفس النبى يقولون أنه تلقاه معان مجردة ثم انه تشكل في نفسه حروفا كما ~~يتشكل في نفس النائم كما يقول ذلك إبن عربى صاحب ( الفصوص ( وغيره من ~~الملاحدة ولهذا يدعى أنه يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى به ~~إلى الرسول فان ( المعدن ( عنده هو العقل و ( الملك ( هو الخيال الذى في ~~نفسه والنبى عندهم يأخذ من هذا الخيال PageV12P556 وهذا الكلام من أظهر ~~الكفر باجماع المسلمين واليهود والنصارى وهو مما يعلم فساده بالاضطرار من ~~دين المسلمين # أو رجل ينتسب إلى مذهب الأشعرى ويظن ان هذا قول الأشعرى بناء على ان ~~الكلام العربى لم يتكلم الله به عنده وإنما كلامه معنى واحد قائم بذات الرب ~~هو الأمر والخبر ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر ms4046 عنه بالعبرانية كان ~~توراة وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا وهذا القول وان كان قول بن كلاب ~~والقلانسى والأشعرى ونحوهم فلم يقولوا إن الكلام العربى كلام جبريل ومن حكى ~~هذا عن الأشعري نفسه فهو مجازف وإنما قال طائفة من المنتسبين إليه كما قالت ~~طائفة أخري أنه نظم محمد ولكن المشهور عنه أن الكلام العربي مخلوق ولا يطلق ~~عليه القول بأنه كلام الله لكن إذا كان مخلوقا فقد يكون خلقه في الهواء أو ~~في جسم لكن القول إذا كان ضعيفا ظهر الفساد في لوازمه # وهذا القول أيضا لم يقله أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ~~واصحابهم الذين يفتى بقولهم بل كان الشيخ أبو حامد الاسفرائيني يقول مذهبي ~~ومذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وسائر علماء الأمصار في القرآن مخالف لهذا ~~القول وكذلك أبو محمد الجوينى والدأبى PageV12P557 المعالى قال مذهب ~~الشافعى وأصحابه في الكلام ليس هو الأشعرى وعامة العقلاء يقولون إن فساد ~~هذا القول معلوم بالاضطرار فانا نعلم أن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن ~~ونعلم أن آية الكرسى ليست هي معنى آية الدين # والله تعالى قد فرق في كتابه بين تكليمه لموسى وإيحائه إلى غيره بقوله ~~تعالى ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) إلى قوله ( ~~وكلم الله موسى تكليما ) وقال تعالى ( وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء ) ففرق بين التكليم ~~الذى حصل لموسى وبين الايحاء المشترك وموسى سمع كلام الله من الله بلا ~~واسطة كما قال تعالى ( فاستمع لما يوحى إننى أنا الله لا إله إلا أنا ) # والرسول إذا بلغه إلى الناس وبلغه الناس عنه كان مسموعا سماعا مقيدا ~~بواسطة المبلغ كما قال تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ) فهو مسموع مبلغ عنه بواسطة المخلوق بخلاف سماع موسى صلى الله ~~عليه وسلم وان كان العبد يسمع كلام الرسول من المبلغين عنه فليس ذلك ~~كالسماع منه فأمر الله تعالى أعظم ms4047 PageV12P558 ولهذا اتفق سلف الأمة ~~وأئمتها على ان القرآن الذى يقرأه المسلمون كلام الله تعالى ولم يقل أحد ~~منهم أن اصوات العباد ولا مداد المصاحف قديم مع اتفاقهم على ان المثبت بين ~~لوحى المصحف كلام الله وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ) فالكلام الذى يقرؤه المسلمون كلام الله والأصوات التى يقرؤون ~~بها أصواتهم والله أعلم PageV12P559 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # ما تقول السادة العلماء الجهابذة أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين فيمن ~~يقول الكلام غير المتكلم والقول غير القائل والقرآن والمقروء والقارىء كل ~~واحد منها له معنى بينوا لنا ذلك بيانا شافيا ليصل إلى ذهن الحاذق والبليد ~~أثابكم الله بمنه ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله من قال أن الكلام غير المتكلم والقول غير القائل وأراد انه ~~مباين له ومنفصل عنه فهذا خطأ وضلال وهو قول من يقول أن القرآن مخلوق فانهم ~~يزعمون ان الله لا يقوم به صفة من الصفات لا القرآن ولا غيره ويوهمون الناس ~~بقولهم العلم غير العالم والقدرة غير القادر والكلام غير المتكلم ثم يقولون ~~وما كان غير الله فهو مخلوق وهذا تلبيس منهم # فإن لفظ ( الغير ( يراد به ما يجوز مباينته للآخر ومفارقته له وعلى هذا ~~فلا يجوز أن يقال علم الله غيره ولا يقال ان الواحد PageV12P560 من العشرة ~~غيرها وأمثال ذلك وقد يراد بلفظ ( الغير ( ما ليس هو الآخر وعلى هذا فتكون ~~الصفة غير الموصوف لكن على هذا المعنى لا يكون ما هو غير ذات الله الموصوفة ~~بصفاته مخلوقا لأن صفاته ليست هي الذات لكن قائمة بالذات والله سبحانه ~~وتعالى هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله وليس الاسم اسما لذات لا ~~صفات لها بل يمتنع وجود ذات لا صفات لها # والصواب في مثل هذا أن يقال الكلام صفة المتكلم والقول صفة القائل وكلام ~~الله ليس باينا منه بل أسمعه لجبريل ونزل به على محمد كما قال تعالى ( ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) ولا يجوز أن يقال ان ~~كلام الله ms4048 فارق ذاته وانتقل إلى غيره بل يقال كما قال السلف انه كلام الله ~~غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود فقولهم ( منه بدأ ( رد على من قال أنه مخلوق ~~في بعض الأجسام ومن ذلك المخلوق ابتدأ فبينوا ان الله هو المتكلم به ( منه ~~بدأ ( لا من بعض المخلوقات ( وإليه يعود ( أى فلا يبقى في الصدور منه آية ~~ولا في المصاحف حرف وأما القرآن فهو كلام الله # فمن قال ان القرآن الذى هو كلام الله غير الله فخطؤه وتلبيسه كخطأ من قال ~~ان الكلام غير المتكلم وكذلك من قال ان كلام PageV12P561 الله له مقروء غير ~~القرآن الذى تكلم به فخطؤه ظاهر وكذلك من قال ان القرآن الذى يقرؤه ~~المسلمون غير المقروء الذى يقرؤه المسلمون فقد اخطأ # وإن أراد ب ( القرآن ( مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا وقال أردت أن القراءة ~~غير المقروء فلفظ القراءة مجمل قد يراد بالقراءة القرآن وقد يراد بالقراءة ~~المصدر فمن جعل ( القراءة ( التى هي المصدر غير المقروء كما يجعل التكلم ~~الذى هو فعله غير الكلام الذى هو يقوله وأراد بالغير أنه ليس هو إياه فقد ~~صدق فان الكلام الذى يتكلم به الانسان يتضمن فعلا كالحركة ويتضمن ما يقترن ~~بالفعل من الحروف والمعانى ولهذا يجعل القول قسيما للفعل تارة وقسما منه ~~أخرى # فالأول كما يقول الايمان قول وعمل ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( ان ~~الله تجاوز لامتى ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به ( ومنه قوله ~~تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ومنه قوله تعالى ( ~~وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل ) وأمثال ذلك مما ~~يفرق بين القول والعمل وأما دخول القول في العمل ففى مثل قوله تعالى ( ~~فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ( وقد فسروه بقول لا إله إلا الله ~~ولما PageV12P562 ### |||| سئل # أى الأعمال أفضل ### ||||| قال # ( الايمان بالله ( مع قوله ( ~~الايمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق ( ونظائر ذلك ms4049 متعددة # وقد تنوزع فيمن حلف لا يعمل عملا إذا قال قولا كالقراءة ونحوها هل يحنث ~~على قولين في مذهب أحمد وغيره بناء على هذا # فهذه الألفاظ التى فيها اجمال واشتباه إذا فصلت معانيها والا وقع فيها ~~نزاع واضطراب والله سبحانه وتعالى أعلم PageV12P563 ### |||| ( وسئل ( # هل نفس المصحف هو نفس القرآن أم كتابته وما في صدور القراء هل هو نفس ~~القرآن أو حفظه ### ||||| فأجاب # الواجب ان يطلق ما أطلقه الكتاب والسنة كقوله تعالى ( بل هو قرآن ~~مجيد في لوح محفوظ ) وقوله ( أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا ~~المطهرون ) وقوله ( والطور وكتاب مسطور في رق منشور ) وقوله ( يتلو صحفا ~~مطهرة فيها كتب قيمة ) وقوله تعالى ( كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف ~~مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدى سفرة كرام بررة ) وكذلك قول النبى ( لا يسافر ~~بالقرآن إلى أرض العدو ( وقوله ( استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور ~~الرجال من النعم في عقلها ( وكلاهما في الصحيحين وقوله ( الجوف الذى ليس ~~فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب ( قال الترمذى حديث صحيح PageV12P564 فمن ~~قال القرآن في المصاحف والصدور فقد صدق ومن قال فيها حفظه وكتابته فقد صدق ~~ومن قال القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور فقد صدق ومن قال ان ~~المداد أو الورق أو صفة العبد أو فعله أو حفظه وصوته قديم أو غير مخلوق فهو ~~مخطىء ضال ومن قال إنما في المصحف ليس هو كلام الله أو ما في صدور القراء ~~ليس هو كلام الله أو قال إن القرآن العزيز لم يتكلم به الله ولكن هو مخلوق ~~أو صنفه جبريل أو محمد وقال إن القرآن في المصاحف كما أن محمدا في التوراة ~~والانجيل فهو أيضا مخطىء ضال فان القرآن كلام والكلام نفسه يكتب في المصحف # بخلاف الأعيان فانه إنما يكتب اسمها وذكرها فالرسول مكتوب في التوراة ~~والإنجيل ذكره ونعته كما أن القرآن في زبر الأولين وكما أن أعمالنا في ~~الزبر قال تعالى ( وانه لفى زبر الأولين ) وقال تعالى ( وكل شيء فعلوه ms4050 في ~~الزبر ) ومحمد مكتوب في التوراة والإنجيل كما أن القرآن في تلك الكتب وكما ~~ان أعمالنا في الكتب وأما القرآن فهو نفسه مكتوب في المصاحف ليس المكتوب ~~ذكره والخبر عنه كما يكتب إسم الله في الورق ومن لم يفرق بين كتابة الأسماء ~~والكلام وكتابة المسميات والأعيان كما جرى لطائفة من الناس فقد غلط غلطا ~~سوى فيه بين الحقائق المختلفة كما قد PageV12P565 يجعل مثل هؤلاء الحقائق ~~المختلفة شيئا واحدا كما قد جعلوا جميع أنواع الكلام معنى واحدا # وكلام المتكلم يسمع تارة منه وتارة من المبلغ فالنبى صلى الله عليه وسلم ~~لما قال ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ( فهذا الكلام قاله رسول الله بلفظه ~~ومعناه فلفظه لفظ الرسول ومعناه معنى الرسول فإذا بلغه المبلغ عنه بلغ كلام ~~الرسول بلفظه ومعناه ولكن صوت الصحابي المبلغ ليس هو صوت رسول الله ~~PageV12P566 فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه سمعه منه جبريل وبلغه عن الله ~~إلى محمد ومحمد سمعه من جبريل وبلغه إلى أمته فهو كلام الله حيث سمع وكتب ~~وقرىء كما قال تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله ثم أبلغه مأمنه ) وكلام الله تكلم الله به بنفسه تكلم به باختياره ~~وقدرته ليس مخلوقا بائنا عنه بل هو قائم بذاته مع أنه تكلم به بقدرته ~~ومشيئته ليس قائما بدون قدرته ومشيئته والسلف قالوا لم يزل الله تعالى ~~متكلما إذا شاء فإذا قيل كلام الله قديم بمعنى أنه لم يصر متكلما بعد أن لم ~~يكن متكلما ولا كلامه مخلوق ولا معنى واحد قديم قائم بذاته بل لم يزل ~~متكلما إذا شاء فهذا كلام صحيح # ولم يقل أحد من السلف إن نفس الكلام المعين قديما وكانوا يقولون القرآن ~~كلام الله منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود ولم يقل أحد منهم إن القرآن ~~قديم ولا قالوا أن ms4051 كلامه معنى واحد قائم بذاته ولا قالوا ان حروف القرآن أو ~~حروفه وأصواته قديمة أزلية قائمة بذات الله وإن كان جنس الحروف لم يزل الله ~~متكلما بها إذا شاء بل قالوا ان حروف القرآن غير مخلوقة وأنكروا على من قال ~~ان الله خلق الحروف # وكان أحمد وغيره من السلف ينكرون على من يقول لفظى بالقرآن مخلوق أو غير ~~مخلوق يقولون من قال هو مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع فان ( ~~اللفظ ( يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا ويراد باللفظ الملفوظ به وهو نفس ~~الحروف المنطوقة وأما أصوات العباد ومداد المصاحف فلم يتوقف أحد من السلف ~~في ان ذلك مخلوق وقد نص أحمد وغيره على ان صوت القارىء صوت العبد وكذلك غير ~~أحمد من الأئمة وقال أحمد PageV12P567 من قال لفظى بالقرآن مخلوق يريد به ~~القرآن فهو جهمى فالانسان وجميع صفاته مخلوق حركاته وأفعاله وأصواته مخلوقة ~~وجميع صفاته مخلوقة فمن قال عن شيء من صفات العبد انها غير مخلوقة أو قديمة ~~فهو مخطىء ضال ومن قال عن شيء من كلام الله أو صفاته إنه مخلوق فهو مخطىء ~~ضال # وأما أصوات العباد بالقرآن والمداد الذى في المصحف فلم يكن أحد من السلف ~~يتوقف في ذلك بل كلهم متفقون ان أصوات العباد مخلوقة والمداد كله مخلوق ~~وكلام الله الذى يكتب بالمداد غير مخلوق قال الله تعالى ( قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) # وهذه المسائل قد بسط الكلام عليها وذكر أقوال الناس واضطرابهم فيها في ~~مواضع أخر PageV12P568 # ( وقال قدس الله روحه ( ### ||| فصل # ( # والقرآن الذى بين لوحى المصحف متواتر فان هذه المصاحف المكتوبة اتفق ~~عليها الصحابة ونقلوها قرآنا عن النبى صلى الله عليه وسلم وهى متواترة من ~~عهد الصحابة نعلم علما ضروريا انها ما غيرت والقراءة المعروفة عن السلف ~~الموافقة للمصحف تجوز القراءة بها بلا نزاع بين الأئمة ولا فرق عند الأئمة ~~بين قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف وبين قراءة حمزة ms4052 والكسائى وأبى عمرو ونعيم ~~ولم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها ان القراءة مختصة بالقراء السبعة # فإن هؤلاء إنما جمع قراءاتهم أبو بكر بن مجاهد بعد ثلاثمائة سنة من ~~الهجرة واتبعه الناس على ذلك وقصد ان ينتخب قراءة سبعة من قراء الأمصار ولم ~~يقل هو ولا أحد من الأئمة انما خرج عن هذه السبعة فهو باطل ولا أن قول ~~النبى ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ( أريد به قراءة هؤلاء السبعة ولكن ~~PageV12P569 هذه السبعة اشتهرت في أمصار لا يعرفون غيرها كأرض المغرب ~~فأولئك لا يقرؤون بغيرها لعدم معرفتهم باشتهار غيرها # فأما من اشتهرت عندهم هذه كما اشتهر غيرها مثل أرض العراق وغيرها فلهم أن ~~يقرأوا بهذا وهذا والقراءة الشاذة مثل ما خرج عن مصحف عثمان كقراءة من قرأ ~~( الحى القيام ) و ( صراط من انعمت عليهم ) و ( إن كانت إلا زقية واحدة ) ( ~~والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ) وأمثال ذلك # فهذه إذا قرئ بها في الصلاة ففيها قولان مشهوران للعلماء هما روايتان عن ~~الامام أحمد # ( أحدهما ( تصح الصلاة بها لأن الصحابة الذين قرأوا بها كانوا يقرؤونها ~~في الصلاة ولا ينكر عليهم ( والثانى ( لا لأنها لم تتواتر إلينا وعلى هذا ~~القول فهل يقال انها كانت قرآنا فنسخ ولم يعرف من قرأ ( الابا ) لناسخ أو ~~لم تنسخ ولكن كانت القراءة بها جائزة لمن ثبتت عنده دون من لم تثبت أو لغير ~~ذلك هذا فيه نزاع مبسوط في غير هذا الموضع # وأما من قرأ بقراءة أبى جعفر ويعقوب ونحوهما فلا تبطل الصلاة بها باتفاق ~~الأئمة ولكن بعض المتأخرين من المغاربة ذكر في ذلك كلاما وافقه عليه بعض من ~~لم يعرف أصل هذه المسألة PageV12P570 # ( وقال شيخ الإسلام بن تيميه قدس الله روحه ( # وأما ( الحروف ( هل هي مخلوقة أو غير مخلوقة فالخلاف في ذلك بين الخلف ~~مشهور فاما السلف فلم ينقل عن أحد منهم ان حروف القرآن وألفاظه وتلاوته ~~مخلوقة ولا ما يدل على ذلك بل قد ثبت عن غير واحد منهم الرد على من ms4053 قال إن ~~ألفاظنا بالقرآن مخلوقة وقالوا هو جهمى ومنهم من كفره وفى لفظ بعضهم تلاوة ~~القرآن ولفظ بعضهم الحروف # وممن ثبت ذلك عنه أحمد بن حنبل وأبو الوليد الجارودى صاحب الشافعى وإسحاق ~~بن راهويه والحميدى ومحمد بن اسلم الطوسى وهشام بن عمار واحمد بن صالح ~~المصرى ومن أراد الوقوف على نصوص كلامهم فليطالع الكتب المصنفة في السنة ~~مثل ( الرد على الجهمية ( للامام عبد الرحمن بن ابى حاتم وكتاب ( الشريعة ( ~~للآجرى و ( الابانة ( لابن بطة و ( السنة ( للالكائى و ( السنة ( للطبرانى ~~PageV12P571 وغير ذلك من الكتب الكثيرة ولم ينسب أحد منهم إلى خلاف ذلك إلا ~~بعض أهل الغرض نسب البخارى إلى أنه قال ذلك وقد ثبت عنه بالاسناد المرضى ~~أنه قال من قال عنى أنى قلت لفظى بالقرآن مخلوق فقد كذب وتراجمه في آخر ~~صحيحه تبين ذلك # وهنا ثلاثة أشياء # ( أحدها ( حروف القرآن التى هي لفظه قبل أن ينزل بها جبريل وبعد ما نزل ~~بها فمن قال إن هذه مخلوقة فقد خالف إجماع السلف فانه لم يكن في زمانهم من ~~يقول هذا الا الذين قالوا ان القرآن مخلوق فان أولئك قالوا بالخلق للالفاظ ~~الفاظ القرآن وأما ما سوى ذلك فهم لا يقرون بثبوته لا مخلوقا ولا غير مخلوق ~~وقد اعترف غير واحد من فحول أهل الكلام بهذا منهم عبد الكريم الشهرستانى مع ~~خبرته بالملل والنحل فانه ذكر أن السلف مطلقا ذهبوا إلى أن حروف القرآن غير ~~مخلوقة وقال ظهور القول بحدوث القرآن محدث وقرر مذهب السلف في كتابه المسمى ~~ب ( نهاية الكلام ( # ( الثانى ( أفعال العباد وهى حركاتهم التى تظهر عليها التلاوة فلا خلاف ~~بين السلف ان أفعال العباد مخلوقة ولهذا قيل إنه بدع PageV12P572 اكثرهم من ~~قال لفظى بالقرآن مخلوق لأن ذلك قد يدخل فيه فعله # ( الثالث ( التلاوة الظاهرة من العبد عقيب حركة الآية فهذه منهم من يصفها ~~بالخلق وأول من قال ذلك فيما بلغنا حسين الكرابيسى وتلميذه داود الاصبهانى ~~وطائفة فأنكر ذلك عليهم علماء السنة في ذلك الوقت وقالوا فيهم كلاما غليظا ms4054 ~~وجمهورهم وهم اللفظية عند السلف الذين يقولون لفظنا بالقرآن مخلوق أو ~~القرآن بالفاظنا مخلوق ونحو ذلك # وعارضهم طائفة من أهل الحديث والسنة كثيرون فقالوا لفظنا بالقرآن غير ~~مخلوق والذى استقرت عليه نصوص الامام أحمد وطبقته من أهل العلم أن من قال ~~لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع هذا هو الصواب ~~عند جماهير أهل السنة أن لا يطلق واحد منهما كما عليه الامام أحمد وجمهور ~~السلف لأن كل واحد من الاطلاقين يقتضى ايهاما لخطأ فان أصوات العباد محدثة ~~بلا شك وان كان بعض من نصر السنة ينفى الخلق عن الصوت المسموع من العبد ~~بالقرآن وهو مقدار ما يكون من القرآن المبلغ # فإن جمهور أهل السنة انكروا ذلك وعابوه جريا على منهاج أحمد PageV12P573 ~~وغيره من أئمة الهدى وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ) # وأما التلاوة في نفسها التى هي حروف القرآن والفاظه فهي غير مخلوقة ~~والعبد انما يقرأ كلام الله بصوته كما أنه اذا قال قال النبى ( انما ~~الاعمال بالنيات ) فهذا الكلام لفظه ومعناه انما هو كلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو قد بلغه بحركته وصوته كذلك القرآن لفظه ومعناه كلام ~~الله تعالى ليس للمخلوق فيه الا تبليغه وتأديته وصوته وما يخفى على لبيب ~~الفرق بين التلاوة في نفسها قبل أن يتكلم بها الخلق وبعد أن يتكلموا بها ~~وبين ما للعبد في تلاوة القرآن من عمل وكسب وانما غلط بعض الموافقين ~~والمخالفين فجعلوا البابين بابا واحدا وأرادوا أن يستدلوا على نفس حدوث ~~حروف القرآن بما دل على حدوث أفعال العباد وما تولد عنها وهذا من أقبح ~~الغلط وليس في الحجج العقلية ولا السمعية ما يدل على حدوث نفس حروف القرآن ~~الا من جنس ما يحتج به على حدوث معانيه والجواب عن الحجج مثل الجواب عن هذه ~~لمن استهدى الله فهداه # وأما ما ذكره من آيات الصفات وأحاديثها فمذهب سلف الأمة من الصحابة ~~والتابعين وسائر الائمة المتبوعين الاقرار والامرار قال PageV12P574 ابو ~~سليمان الخطابى ms4055 وابو بكر الخطيب مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديث الصفات ~~اجراؤها على ظاهرها مع نفى الكيفية والتشبيه عنها وقالا في ذلك ان الكلام ~~في الصفات فرع على الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله فاذا ~~كان اثبات ذاته اثبات وجود لا اثبات كيفية فكذلك اثبات صفاته اثبات وجود لا ~~اثبات كيفية فلا نقول ان معنى اليد القدرة ولا ان معنى السمع العلم هذا ~~كلامهما # وقال بعضهم اذا قال لك الجهمى كيف ينزل إلى سماء الدنيا فقل له كيف هو في ~~نفسه فان قال نحن لا نعلم كيفية ذاته فقل ونحن لا نعلم كيفية صفاته وكيف ~~نعلم كيفية صفة ولا نعلم كيفية موصوفها # ومن فهم من صفات الله تعالى ما هو مستلزم للحدوث مجانس لصفات المخلوقين ~~ثم أراد أن ينفى ذلك عن الله فقد شبه وعطل بل الواجب أن لا يوصف الله الا ~~بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا نتجاوز القرآن والحديث وان نعلم مع ~~ذلك ان الله تعالى ليس كمثله شيء لا في نفسه ولا في أوصافه ولا في أفعاله ~~وان الخلق لا تطيق عقولهم كنه معرفته ولا تقدر ألسنتهم على بلوغ صفته ( ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ) ~~وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم PageV12P575 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن يقول إن الشكل والنقط من كلام الله تبارك وتعالى وهل ذلك حق أم باطل ~~وما الحكم في الأحرف هل هي كلام الله أم لا بينوا لنا ذلك مثابين مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين المصاحف التى كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفا ~~ولم ينقطوها فانهم كانوا عربا لا يلحنون ثم بعد ذلك في أواخر عصر الصحابة ~~لما نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف ويشكلونها وذلك جائز عند أكثر العلماء ~~وهو إحدى الروايتين عن أحمد وكرهه بعضهم والصحيح انه لا يكره لأن الحاجة ~~داعية إلى ذلك ولا نزاع بين العلماء أن ( حكم ( الشكل والنقط حكم الحروف ~~المكتوبة فان النقط تميز ms4056 بين الحروف والشكل يبين الاعراب لأنه كلام من تمام ~~الكلام ويروى عن أبى بكر وعمر أنهما قالا ( إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ ~~بعض حروفه ( فإذا قرأ القارىء ( الحمد لله رب العالمين ( كانت الضمة ~~والفتحة والكسرة من تمام لفظ القرآن # وإذا كان كذلك فالمداد الذى يكتب به الشكل والنقط كالمداد الذى ~~PageV12P576 يكتب به الحروف والمداد كله مخلوق ليس منه شيء غير مخلوق ~~والصوت الذى يقرأ به الناس القرآن هو صوت العباد لكن الكلام كلام الله ~~تعالى قال تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( ~~وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( زينوا القرآن بأصواتكم ( فالكلام كلام ~~البارى والصوت صوت القارىء وهذا ليس هو الصوت الذى ينادى الله به عباده ~~ويسمعه موسى وغيره كما دل على ذلك الكتاب والسنة # وكلام الله غير مخلوق عند سلف الأمة وأئمتها وهو أيضا يتكلم بمشيئته ~~وقدرته عندهم لم يزل متكلما إذا شاء فهو قديم النوع وأما نفس ( النداء ( ~~الذى نادى به موسى ونحو ذلك فحينئذ ناداه به كما قال تعالى ( فلما أتاها ~~نودي يا موسى ( وكذلك نظائره فكان السلف يفرقون بين نوع الكلام وبين الكلمة ~~المعينة قال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل ان ~~تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا ) وكلام الله وما يدخل في كلامه من ~~ندائه وغير ذلك ليس بمخلوق بائن منه بل هو منه والقرآن سمعه جبرائيل من ~~الله ونزل به إلى محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى ( قل نزله روح القدس ~~من ربك بالحق ) وقال تعالى ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق ( وقال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ونحو ذلك ~~PageV12P577 والنبى بلغه إلى الأمة والمسلمون يسمعه بعضهم من بعض وليس ذلك ~~كسماع موسى كلام الله فانه سمعه بلا واسطة والذى يقرؤه المسلمون ويكتبونه ~~في مصاحفهم هو كلام الله لا كلام غيره وهم يقرؤونه بأصواتهم ويكتبونه ~~بمدادهم في ورقهم وأفعالهم وأصواتهم ومدادهم مخلوق # والقرآن الذى يقرؤونه ويكتبونه ms4057 هو كلام الله تعالى غير مخلوق سواء قرؤوه ~~قراءة يثابون عليها أو لا يثابون عليها وسواء كتبوه مشكولا منقوطا أو كتبوه ~~غير مشكول ولا منقوط فان ذلك لا يخرجه عن أن يكون المكتوب هو القرآن وهو ~~كلام الله الذى أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم وما بين اللوحين كلام ~~الله سواء كان مشكولا منقوطا أو كان غير مشكول ولا منقوط وكلام الله منزل ~~غير مخلوق وأصوات العباد والمداد مخلوقان والقرآن العربى كلام الله تكلم به ~~ليس بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله وليس لجبريل ولا لمحمد منه إلا ~~التبليغ لم يحدث واحد منهما شيئا من حروفه بل الجميع كلام الله تبارك ~~وتعالى # وهذه ( المسائل ( مبسوطة في غير هذا الجواب ولكن هذا قدر ما وسعته هذه ~~الورقة والله أعلم PageV12P578 # ( وقال شيخ الاسلام رحمه الله ( ### ||| فصل # ( الكلام في ( القرآن ( و ( الكلام ( هل هو حرف وصوت أم ليس بحرف وصوت ~~محدث حدث في حدود المائة الثالثة وانتشر في المائة الرابعة فان أبا سعيد بن ~~كلاب ثم أبا الحسن الاشعرى ونحوهما لما ناظروا المعتزلة في إثبات الصفات ~~وأن القرآن ليس بمخلوق ورأوا أن ذلك لا يتم إلا إذا كان القرآن قديما وأنه ~~لا يمكن أن يكون قديما إلا ان يكون معنى قائما بنفس الله كعلمه وزادوا أن ~~الله لا يتكلم بصوت ولا لغة لا قديم ولا غير قديم لما رأوه من امتناع قيام ~~أمر حادث به وخالفوا في ذلك جمهور المسلمين من أهل الحديث والفقه والكلام ~~والتصوف وإن تنوعت مآخذهم فان الآثار شاهدة بأن الله يتكلم بصوت # ولهذا جهم الامام أحمد وغيره من أنكر ذلك قال عبد الله بن أحمد قلت لأبى ~~ان أقواما يقولون إن الله لا يتكلم بصوت PageV12P579 فقال هؤلاء جهمية إنما ~~يدورون على التعطيل وذكر حديث بن مسعود وكذلك رواه غير واحد عن أحمد وكذلك ~~البخارى ترجم في صحيحه بابا في قوله ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) بين فيه ~~الحجة على أن الله يتكلم بصوت وكذلك المصنفون في السنة ms4058 من أئمة الحديث وهم ~~كثير وكذلك أئمة الصوفية كالحارث المحاسبى وأبى الحسن بن سالم وغيرهما ~~وكذلك الفقهاء من جميع الطوائف المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية ~~المصنفون في أصول الفقه يقررون أن الأمر والنهى والخبر والعموم له صيغ ~~موضوعة في اللغة تدل بمجردها على أنها أمر ونهى وخبر وعموم ويذكرون خلاف ~~الأشعرية في أن الأمر لا صيغة له # ثم المثبتون للصوت منهم المعتزلة الذين يقولون القرآن مخلوق يقولون كلامه ~~صوت قائم بغيره ومنهم الكرامية وطوائف من أهل الحديث من الحنبلية وغيرهم ~~يقولون يتكلم بصوت قائم به لكن ليس الصوت بقديم # ومنهم طائفة من متكلمة أهل السنة من الحنبلية وغيرهم يقولون يتكلم بصوت ~~قديم قائم به # ومنهم طائفة من الفقهاء من الحنفية وغيرهم يقولون يخاطب PageV12P580 بصوت ~~قائم بغيره والمعنى قديم قائم به # فلما أظهرت الأشعرية كالقاضى أبى بكر بن الباقلانى وغيره في أواخر المائة ~~الرابعة ان الكلام ليس بحرف ولا صوت ولا لغة وقد تبعهم قوم من الفقهاء من ~~أصحاب مالك والشافعى وأبى حنيفة وقليل من أصحاب أحمد رأى أهل الحديث وجمهور ~~أهل السنة من الفقهاء وأهل الحديث ما في ذلك من البدعة فأظهروا خلاف ذلك ~~وأطلق من أطلق منهم أن كلام الله حرف وصوت PageV12P581 ### || 1 ( القرآن هل هو حرف وصوت أم لا ) 1 ### |||| ( سئل رحمه الله ( # عن رجلين تباحثا فقال أحدهما القرآن حرف وصوت وقال ~~الآخر ليس هو بحرف ولا صوت وقال أحدهما النقط التى في المصحف والشكل من ~~القرآن وقال الآخر ليس ذلك من القرآن فما الصواب في ذلك ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله رب العالمين هذه ( المسألة ( يتنازع فيها ~~كثير من الناس ويخلطون فيها الحق بالباطل فالذى قال ان القرآن حرف وصوت إن ~~أراد بذلك ان هذا القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله الذى نزل به ~~الروح الأمين على محمد خاتم النبيين والمرسلين وان جبريل سمعه من الله ~~والنبى سمعه من جبريل والمسلمون سمعوه من النبى كما قال تعالى ( قل نزله ~~روح القدس من ربك بالحق ) وقال ( والذين ms4059 آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق ) فقد أصاب في ذلك فان هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها والدلائل على ~~ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والاجماع PageV12P582 ومن قال إن القرآن العربى ~~لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبريل أو غيره عبر به عن المعنى القائم ~~بذات الله كما يقول ذلك بن كلاب والأشعرى ومن وافقهما فهو قول باطل من وجوه ~~كثيرة # فإن هؤلاء يقولون أنه معنى واحد قائم بالذات وان معنى التوراة والإنجيل ~~والقرآن واحد وانه لا يتعدد ولا يتبعض وأنه ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا ~~وبالعبرانية كان توراة وبالسريانية كان انجيلا فيجعلون معنى آية الكرسى ~~وآية الدين و ( قل هو الله أحد ) و ( تبت يدا أبى لهب ) والتوراة والانجيل ~~وغيرهما معنى واحدا وهذا قول فاسد بالعقل والشرع وهو قول أحدثه بن كلاب لم ~~يسبقه إليه غيره من السلف # وإن أراد القائل بالحرف والصوت أن الاصوات المسموعة من القراء والمداد ~~الذى في المصاحف قديم أزلى أخطأ وابتدع وقال ما يخالف العقل والشرع فان ~~النبى قال ( زينوا القرآن بأصواتكم ( فبين أن الصوت صوت القارىء والكلام ~~كلام البارىء كما قال تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ) فالقرآن الذى يقرؤه المسلمون كلام الله لا كلام غيره كما ذكر ~~الله ذلك وفى السنن عن جابر بن عبد الله أن النبى كان يعرض نفسه على الناس ~~بالموسم فيقول PageV12P583 ( ألا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ربى فان ~~قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى ( وقالوا لأبى بكرالصديق لما قرأ عليهم ( ~~الم غلبت الروم ) أهذا كلامك أم كلام صاحبك فقال ليس بكلامى ولا كلام صاحبى ~~ولكنه كلام الله تعالى # والناس إذا بلغوا كلام النبى كقوله ( إنما الأعمال بالنيات ( فان الحديث ~~الذى يسمعونه حديث النبى تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه والمحدث بلغه عنه ~~بصوت نفسه لا بصوت النبى فالقرآن أولى أن يكون كلام الله إذا بلغته الرسل ~~عنه وقرأته الناس باصواتهم # والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه ونادى موسى ms4060 بصوت نفسه كما ~~ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف وصوت العبد ليس هو صوت الرب ولا مثل صوته ~~فان الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله # وقد نص أئمة الاسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب ~~والسنة من ان الله ينادى بصوت وان القرآن كلامه تكلم به بحرف وصوت ليس منه ~~شيء كلاما لغيره لا جبريل ولا غيره وان العباد يقرؤونه بأصوات أنفسهم ~~وأفعالهم فالصوت المسموع من العبد PageV12P584 صوت القارىء والكلام كلام ~~البارىء # وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب بل ~~يجعل هذا هو هذا فينفيهما جميعا أو يثبتهما جميعا فإذا نفى الحرف والصوت ~~نفى أن يكون القرآن العربى كلام الله وأن يكون مناديا لعباده بصوته وأن ~~يكون القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله كما نفى أن يكون صوت العبد ~~صفة لله عز وجل ثم جعل كلام الله المتنوع شيئا واحدا لا فرق بين القديم ~~والحادث هو مصيب في هذا الفرق دون ذاك الثانى الذى فيه نوع من الالحاد ~~والتعطيل حيث جعل الكلام المتنوع شيئا واحدا لا حقيقة له عند التحقيق # وإذا ثبت جعل صوت الرب هو صوت العبد أو سكت عن التمييز بينهما مع قوله ان ~~الحروف متعاقبة في الوجود مقترنة في الذات قديمة أزلية الأعيان فجعل عين ~~صفة الرب تحل في العبد أو تتحد بصفته فقال بنوع من الحلول والاتحاد يفضى ~~إلى نوع من التعطيل # وقد علم أن عدم الفرق والمباينة بين الخالق وصفاته والمخلوق وصفاته خطأ ~~وضلال لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هم متفقون على التمييز بين ~~صوت الرب وصوت العبد ومتفقون أن الله تكلم بالقرآن الذى أنزله على نبيه ~~حروفه ومعانيه PageV12P585 وأنه ينادى عباده بصوته ومتفقون على ان الأصوات ~~المسموعة من القراء أصوات العباد وعلى أنه ليس شيء من أصوات العباد ولامداد ~~المصاحف قديما بل القرآن مكتوب في مصاحف المسلمين مقروء بألسنتهم محفوظ ~~بقلوبهم وهو كله ms4061 كلام الله والصحابة كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا ~~نقط لأنهم كانوا عربا لا يلحنون ثم لما حدث اللحن نقط الناس المصاحف ~~وشكلوها فان كتبت بلا شكل ولا نقط جاز وإن كتبت بنقط وشكل جاز ولم يكره في ~~أظهر قولى العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد # وحكم ( النقط والشكل ( حكم الحروف فان الشكل يبين إعراب القرآن كما يبين ~~النقط الحروف والمداد الذى يكتب به الحروف ويكتب به الشكل والنقط مخلوق ~~وكلام الله العربى الذى أنزله وكتب في المصاحف بالشكل والنقط وبغير شكل ~~ونقط ليس بمخلوق وحكم الاعراب حكم الحروف لكن الأعراب لا يستقل بنفسه بل هو ~~تابع للحروف المرسومة فلهذا لا يحتاج لتجريدهما وإفرادهما بالكلام بل ~~القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله معانيه وحروفه وإعرابه والله تكلم ~~بالقرآن العربى الذى أنزله على محمد والناس يقرءونه بأفعالهم وأصواتهم ~~والمكتوب في مصاحف المسلمين هو كلام الله وهو القرآن العربى الذى أنزل على ~~نبيه سواء كتب PageV12P586 بشكل ونقط أو بغير شكل ونقط والمداد الذى كتب به ~~القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق والقرآن الذى كتب في المصحف بالمداد هو كلام ~~الله منزل غير مخلوق والمصاحف يجب احترامها باتفاق المسلمين لأن كلام الله ~~مكتوب فيها واحترام النقط والشكل إذا كتب المصحف مشكلا منقوطا كاحترام ~~الحروف باتفاق علماء المسلمين كما ان حرمة إعراب القرآن كحرمة حروفه ~~المنقوطة باتفاق المسلمين ولهذا قال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما حفظ إعراب ~~القرآن أحب الينا من حفظ بعض حروفه # والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه فجميعه كلام الله فلا يقال بعضه كلام ~~الله وبعضه ليس بكلام الله وهو سبحانه نادى موسى بصوت سمعه موسى فانه قد ~~أخبر انه نادى موسى في غير موضع من القرآن كما قال تعالى ( هل أتاك حديث ~~موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) والنداء لا يكون إلا صوتا باتفاق ~~أهل اللغة وقد قال تعالى ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى ms4062 وأيوب ~~ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ( فقد فرق الله بين إيحائه إلى ~~النبيين وبين تكليمه لموسى PageV12P587 فمن قال ان موسى لم يسمع صوتا بل ~~ألهم معناه لم يفرق بين موسى وغيره وقد قال تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم ~~على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ) وقال تعالى ( وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء ) ~~فقد فرق بين الايحاء والتكلم من وراء حجاب كما كلم الله موسى فمن سوى بين ~~هذا وهذا كان ضالا # وقد قال الامام أحمد رضى الله عنه وغيره من الأئمة لم يزل الله متكلما ~~إذا شاء وهو يتكلم بمشيئته وقدرته يتكلم بشيء بعد شيء كما قال تعالى ( فلما ~~أتاها نودي ياموسى ) فناداه حين أتاها ولم يناده قبل ذلك وقال تعالى ( ~~فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ~~ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين ) ~~فهو سبحانه ناداهما حين أكلا منها ولم ينادهما قبل ذلك وكذلك قال تعالى ( ~~ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) بعد أن خلق آدم ~~وصوره ولم يأمرهم قبل ذلك وكذا قوله ( ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكون ) فأخبر انه قال له كن فيكون بعد أن خلقه من ~~تراب ومثل هذا الخبر في القرآن كثير يخبر انه تكلم في وقت معين ونادى في ~~وقت معين وقد PageV12P588 ثبت في الصحيحين عن النبى أنه لما خرج إلى الصفا ~~قرأ قوله تعالى ( ان الصفا والمروة من شعائر الله ) وقال ( نبدأ بما بدأ ~~الله به ( فأخبر ان الله بدأ بالصفا قبل المروة # والسلف اتفقوا على ان كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود فظن ~~بعض الناس ان مرادهم انه قديم العين ثم قالت طائفة هو ms4063 معنى واحد هو الأمر ~~بكل مأمور والنهى عن كل منهى والخبر بكل مخبر إن عبر عنه بالعربية كان ~~قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان انجيلا ~~وهذا القول مخالف للشرع والعقل # وقالت طائفة هو حروف وأصوات قديمة الاعيان لازمة لذات الله لم تزل لازمة ~~لذاته وإن الباء والسين والميم موجودة مقترنة بعضها ببعض معا أزلا وأبدا لم ~~تزل ولا تزال لم يسبق منها شيء شيئا وهذا أيضا مخالف للشرع والعقل # وقالت طائفة ان الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وانه في الأزل كان متكلما ~~بالنداء الذى سمعه موسى وإنما تجدد استماع موسى لا أنه ناداه حين أتى ~~الوادى المقدس بل ناداه قبل ذلك بما لا يتناهى ولكن تلك الساعة سمع النداء ~~وهؤلاء وافقوا الذين قالوا ان القرآن PageV12P589 مخلوق في أصل قولهم فان ~~أصل قولهم ان الرب لا تقوم به الامور الاختيارية فلا يقوم به كلام ولا فعل ~~باختياره ومشيئته وقالوا هذه حوادث والرب لا تقوم به الحوادث فخالفوا صحيح ~~المنقول وصريح المعقول واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث ~~العالم وأخطأوا في ذلك فلا للاسلام نصروا ولاللفلاسفة كسروا وادعوا ان الرب ~~لم يكن قادرا في الازل على كلام يتكلم به ولا فعل يفعله وانه صار قادرا بعد ~~ان لم يكن قادرا بغير أمر حدث أو يغيرون العبارة فيقولون لم يزل قادرا لكن ~~يقولون ان المقدور كان ممتنعا وإن الفعل صار ممكنا له بعد أن صار ممتنعا ~~عليه من غير تجدد شيء # وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا كان قادرا في الأزل على ما يمكن فيما لا ~~يزال لا على مالا يمكن في الأزل فيجمعون بين النقيضين حيث يثبتونه قادرا في ~~حال كون المقدور عليه ممتنعا عندهم ولم يفرقوا بين نوع الكلام والفعل وبين ~~عينه كما لم يفرق الفلاسفة بين هذا وهذا بل الفلاسفة ادعوا ان مفعوله ~~المعين قديم بقدمه فضلوا في ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول فإن ~~الادلة لا تدل على قدم شيء بعينه ms4064 من العالم بل تدل على ان ما سوى الله ~~مخلوق حادث بعد ان لم يكن إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته كما تدل على ذلك ~~الدلائل PageV12P590 القطعية والفاعل بمشيئته لا يكون شيء من مفعوله لازما ~~لذاته بصريح العقل وإتفاق عامة العقلاء بل وكل فاعل لا يكون شيء من مفعوله ~~لازما لذاته ولا يتصور مقارنة مفعوله المعين له ولو قدر أنه فاعل بغير ~~ارادة فكيف بالفاعل بالارادة # وما يذكر بأن المعلول يقارن علته انما يصح فيما كان من العلل يجرى مجرى ~~الشروط فان الشرط لا يجب ان يتقدم على المشروط بل قد يقارنه كما تقارن ~~الحياة العلم وأما ما كان فاعلا سواء سمى علة أو لم يسم علة فلا بد ان ~~يتقدم على الفعل المعين والفعل المعين لا يجوز ان يقارنه شيء من مفعولاته ~~ولا يعرف العقلاء فاعلا قط يلزمه مفعول معين وقول القائل حركت يدى فتحرك ~~الخاتم هو من باب الشرط لا من باب الفاعل ولأنه لو كان العالم قديما لكان ~~فاعله موجبا بذاته في الأزل ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه ولو كان كذلك لم ~~يحدث شيء من الحوادث وهذا خلاف المشاهدة # وإن كان هو سبحانه لم يزل قادرا على الكلام والفعل بل لم يزل متكلما إذا ~~شاء فاعلا لما يشاء ولم يزل موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال ~~والإكرام والعالم فيه من الاحكام والاتقان ما دل على علم الرب وفيه من ~~الاختصاص مادل على مشيئته وفيه من الإحسان ما دل على رحمته وفيه من العواقب ~~الحميدة ما دل على حكمته وفيه PageV12P591 من الحوادث ما دل على قدرة الرب ~~تعالى مع ان الرب مستحق لصفات الكمال لذاته فإنه مستحق لكل كمال ممكن ~~الوجود لا نقص فيه منزه عن كل نقص وهو سبحانه ليس له كفؤ في شيء من أموره ~~فهو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل منزه فيها عن التشبيه والتمثيل ~~ومنزه عن النقائص مطلقا فان وصفه بها من أعظم الاباطيل وكماله من لوازم ~~ذاته المقدسة لا يستفيده من غيره بل ms4065 هو المنعم على خلقه بالخلق والإنشاء ~~وما جعله فيهم من صفات الأحياء وخالق صفات الكمال أحق بها ولا كفؤ له فيها # وأصل اضطراب الناس في ( مسألة كلام الله ( ان الجهمية والمعتزلة لما ~~ناظرت الفلاسفة في ( مسألة حدوث العالم ( اعتقدوا أن ما يقوم به من الصفات ~~والأفعال المتعاقبة لا يكون إلا حادثا بناء على أن مالا يتناهى لا يمكن ~~وجوده والتزموا ان الرب كان في الأزل غير قادر على الفعل والكلام بل كان ~~ذلك ممتنعا عليه وكان معطلا عن ذلك وقد يعبرون عن ذلك بانه كان قادرا في ~~الأزل على الفعل فيما لا يزال مع إمتناع الفعل عليه في الأزل فيجمعون بين ~~النقيضين حيث يصفونه بالقدرة في حال امتناع المقدور لذاته إذ كان الفعل ~~يستلزم أن يكون له أول والأزل لا أول له والجمع بين اثبات الأولية ونفيها ~~جمع بين النقيضين PageV12P592 # ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية والحدوث وهو الفعل المعين ~~والمفعول المعين وبين ما لا يستلزم ذلك وهو نوع الفعل والكلام بل هذا يكون ~~دائما وإن كان كل من آحاده حادثا كما يكون دائما في المستقبل وإن كان كل من ~~آحاده فانيا بخلاف خالق يلزمه مخلوقة المعين دائما فان هذا هو الباطل في ~~صريح العقل وصحيح النقل ولهذا اتفقت فطر العقلاء على إنكار ذلك لم ينازع ~~فيه إلا شرذمة من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين زعموا أن الممكن ~~المفعول قد يكون قديما واجب الوجود بغيره فخالفوا في ذلك جماهير العقلاء مع ~~مخالفتهم لسلفهم أرسطو وأتباعه فانهم لم يكونوا يقولون ذلك وإن قالوا بقدم ~~الأفلاك وأرسطو أول من قال بقدمها من الفلاسفة المشائين بناء على إثبات علة ~~غائية لحركة الفلك يتحرك الفلك للتشبه بها لم يثبتوا له فاعلا مبدعا ولم ~~يثبتوا ممكنا قديما واجبا بغيره وهم وإن كانوا أجهل بالله واكفر من ~~متأخريهم فهم يسلمون لجمهور العقلاء ان ما كان ممكنا بذاته فلا يكون إلا ~~محدثا مسبوقا بالعدم فاحتاجوا أن يقولوا كلامه مخلوق منفصل عنه # وطائفة وافقتهم على إمتناع ms4066 وجود ما لا نهاية له لكن قالوا تقوم به الأمور ~~الإختيارية فقالوا انه في الأزل لم يكن متكلما بل ولا كان الكلام مقدورا له ~~ثم صار متكلما بلا حدوث حادث بكلام يقوم به وهو قول الهاشمية والكرامية ~~وغيرهم PageV12P593 وطائفة قالت إذا كان القرآن غير مخلوق فلا يكون الا ~~قديم العين لازما لذات الرب فلا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم منهم من قال هو ~~معنى واحد قديم فجعل آية الكرسى وآية الدين وسائر آيات القرآن والتوراة ~~والإنجيل وكل كلام يتكلم الله به معنى واحدا لا يتعدد ولا يتبعض ومنهم من ~~قال انه حروف وأصوات مقترنة لازمة للذات # وهؤلاء أيضا وافقوا الجهمية والمعتزلة في أصل قولهم انه متكلم بكلام لا ~~يقوم بنفسه ومشيئته وقدرته وأنه لا تقوم به الأمور الإختيارية وأنه لم يستو ~~على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض ولا يأتى يوم القيامة ولم يناد موسى ~~حين ناداه ولا تغضبه المعاصى ولا ترضيه الطاعات ولا تفرحه توبة التائبين ~~وقالوا في قوله ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( ونحو ذلك ~~إنه لا يراها إذا وجدت بل إما أنه لم يزل رائيا لها وإما أنه لم يتجدد شيء ~~موجود بل تعلق معدوم إلى أمثال هذه المقالات التى خالفوا فيها نصوص الكتاب ~~والسنة مع مخالفة صريح العقل # والذى الجأهم لذلك موافقتهم للجهمية على أصل قولهم في أنه سبحانه لا يقدر ~~في الأزل على الفعل والكلام وخالفوا السلف والأئمة في قولهم لم يزل الله ~~متكلما إذا شاء ثم افترقوا أحزابا أربعة كما تقدم الخلقية والحدوثية ~~والإتحادية والاقترانية PageV12P594 # وشر من هؤلاء الصابئة والفلاسفة الذين يقولون إن الله لم يتكلم لا بكلام ~~قائم بذاته ولا بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته لا قديم النوع ولا قديم ~~العين ولا حادث ولا مخلوق بل كلامه عندهم ما يفيض على نفوس الأنبياء ~~ويقولون إنه كلم موسى من سماء عقله وقد يقولون أنه تعالى يعلم الكليات دون ~~الجزئيات فانه إنما يعلمها على وجه كلي ويقولون مع ذلك انه يعلم نفسه ويعلم ~~ما ms4067 يفعله # وقولهم يعلم نفسه ومفعولاته حق كما قال تعالى ( ألا يعلم من خلق وهو ~~اللطيف الخبير ) لكن قولهم مع ذلك انه لا يعلم الأعيان المعينة جهل وتناقض ~~فان نفسه المقدسة معينة والافلاك معينة وكل موجود معين فان لم يعلم ~~المعينات لم يعلم شيئا من الموجودات إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان ~~لا في الأعيان فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات تعالى ~~الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا # وهم إنما ألجأهم إلى هذا الالحاد فرارهم من تجدد الأحوال للبارى تعالى مع ~~ان هؤلاء يقولون ان الحوادث تقوم بالقديم وان الحوادث لا أول لها لكن نفوا ~~ذلك عن الباري لاعتقادهم انه لا صفة له بل هو وجود مطلق وقالوا ان العلم ~~نفس عين العالم والقدرة نفس عين القادر والعلم والعالم شيء واحد والمريد ~~والارادة PageV12P595 شيء واحد فجعلوا هذه الصفة هي الأخرى وجعلوا الصفات ~~هي الموصوف ومنهم من يقول بل العلم كل المعلوم كما يقوله الطوسي صاحب ( شرح ~~الإشارات ( فانه أنكر على بن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما يصدر عن نفسه ~~وإبن سينا أقرب إلى الصواب لكنه تناقض مع ذلك حيث نفى قيام الصفات به وجعل ~~الصفة عين الموصوف وكل صفة هي الاخرى # ولهذا كان هؤلاء هم أوغل في الاتحاد والإلحاد ممن يقول معانى الكلام شيء ~~واحد لكنهم ألزموا قولهم لأولئك فقالوا إذا جاز أن تكون المعانى المتعددة ~~شيئا واحدا جاز أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هي الارادة فاعترف حذاق ~~أولئك بأن هذا الالزام لا جواب عنه # ثم قالوا وإذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى جاز ان تكون الصفة هي ~~الموصوف فجاء بن عربى وبن سبعين والقونوى ونحوهم من الملاحدة فقالوا إذا ~~جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى والصفة هي الموصوف جاز أن يكون الموجود ~~الواجب القديم الخالق هو الموجود الممكن المحدث المخلوق فقالوا إن وجود كل ~~مخلوق هو عين وجود الخالق وقالوا الوجود واحد ولم يفرقوا بين الواحد بالنوع ~~والواحد PageV12P596 بالعين كما لم ms4068 يفرق أولئك بين الكلام الواحد بالعين ~~والكلام الواحد بالنوع # وكان منتهى أمر أهل الالحاد في الكلام إلى هذا التعطيل والكفر والاتحاد ~~الذى قاله أهل الوحدة والحلول والاتحاد في الخالق والمخلوقات كما ان الذين ~~لم يفرقوا بين نوع الكلام وعينه وقالوا هو يتكلم بحرف وصوت قديم قالوا أولا ~~أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا تسبق الباء السين بل لما نادى موسى فقال ( ~~اننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى ) ( إنى أنا الله رب العالمين ) كانت ~~الهمزة والنون وما بينهما موجودات في الأزل يقارن بعضها بعضا لم تزل ولا ~~تزال لازمة لذات الله تعالى # ثم قال فريق منهم ان ذلك القديم هو نفس الأصوات المسموعة من القراء وقال ~~بعضهم بل المسموع صوتان قديم ومحدث وقال بعضهم أشكال المداد قديمة أزلية ~~وقال بعضهم محل المداد قديم أزلى وحكى عن بعضهم أنه قال المداد قديم أزلى ~~وأكثرهم يتكلمون بلفظ القديم ولايفهمون معناه بل منهم من يظن ان معناه انه ~~قديم في علمه ومنهم من يظن ان معناه متقدم على غيره ومنهم من يظن ان معنى ~~اللفظ انه غير مخلوق ومنهم من لا يميز بين ما يقول فصار هؤلاء حلولية ~~اتحادية في الصفات ومنهم من يقول بالحلول والاتحاد في PageV12P597 الذات ~~والصفات وكان منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى التعطيل # والصواب في هذا الباب وغيره مذهب سلف الأمة وأئمتها انه سبحانه لم يزل ~~متكلما إذا شاء وانه يتكلم بمشيئته وقدرته وان كلماته لا نهاية لها وانه ~~نادى موسى بصوت سمعه موسى وإنما ناداه حين أتى لم يناده قبل ذلك وان صوت ~~الرب لا يماثل أصوات العباد كما ان علمه لا يماثل علمهم وقدرته لا تماثل ~~قدرتهم وانه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته ليس في مخلوقاته شيء من ~~ذاته وصفاته القائمة بذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وان أقوال أهل ~~التعطيل والاتحاد الذين عطلوا الذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال باطلة ~~وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول في الذات أو الصفات باطلة وهذه ~~الأمور ms4069 مبسوطة في غير هذا الموضع وقد بسطناها في الواجب الكبير والله أعلم ~~بالصواب PageV12P598 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن المصحف العتيق إذا تمزق ما يصنع به ومن كتب شيئا من القرآن ثم محاه ~~بماء أو حرقه فهل له حرمة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما المصحف العتيق والذى تخرق وصار بحيث لا ينتفع به ~~بالقراءة فيه فانه يدفن في مكان يصان فيه كما أن كرامة بدن المؤمن دفنه في ~~موضع يصان فيه وإذا كتب شيء من القرآن أو الذكر في إناء أو لوح ومحى بالماء ~~وغيره وشرب ذلك فلا بأس به نص عليه أحمد وغيره ونقلوا عن بن عباس رضي الله ~~عنهما انه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر ويأمر بأن تسقى لمن به داء وهذا ~~يقتضى أن لذلك بركة # والماء الذى توضأ به النبى هو أيضا ماء مبارك صب منه على جابر وهو مريض ~~وكان الصحابة يتبركون به ومع هذا فكان يتوضأ على التراب وغيره فما بلغنى أن ~~مثل هذا الماء ينهى عن صبه في التراب ونحوه ولا أعلم في ذلك نهيا فان أثر ~~الكتابة لم يبق بعد المحو كتابة ولا يحرم على الجنب مسه ومعلوم أنه ليس ~~PageV12P599 له حرمة كحرمته ما دام القرآن والذكر مكتوبان كما أنه لو صيغ ~~فضة أو ذهب أو نحاس على صورة كتابة القرآن والذكر أو نقش حجر على ذلك على ~~تلك الصورة ثم غيرت تلك الصياغة وتغير الحجر لم يجب لتلك المادة من الحرمة ~~ما كان لها حين الكتابة # وقد كان العباس بن عبد المطلب يقول في ماء زمزم لا أحله لمغتسل ولكن ~~لشارب حل وبل وروى عنه أنه قال لشارب ومتوضىء ولهذا اختلف العلماء هل يكره ~~الغسل والوضوء من ماء زمزم وذكروا فيه روايتين عن أحمد والشافعى احتج بحديث ~~العباس والمرخص احتج بحديث فيه أن النبى توضأ من ماء زمزم والصحابة توضؤوا ~~من الماء الذى نبع من بين أصابعه مع بركته لكن هذا وقت حاجة # والصحيح أن النهى من العباس إنما جاء عن الغسل ms4070 فقط لا عن الوضوء والتفريق ~~بين الغسل والوضوء هو لهذا الوجه فان الغسل يشبه إزالة النجاسة ولهذا يجب ~~أن يغسل في الجنابة ما يجب أن يغسل من النجاسة وحينئذ فصون هذه المياه ~~المباركة من النجاسات متوجه بخلاف صونها من التراب ونحوه من الطاهرات والله ~~أعلم PageV12P600 ### | 1 ( كتاب مقدمة التفسير ) # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه فيما صنفه بقلعة دمشق أخيرا ~~بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ( صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم تسليما PageV13P005 ### ||| فصل في الفرقان بين الحق والباطل # ( # وان الله بين ذلك بكتابه ونبيه فمن كان أعظم اتباعا لكتابه الذى أنزله ~~ونبيه الذى أرسله كان أعظم فرقانا ومن كان أبعد عن اتباع الكتاب والرسول ~~كان أبعد عن الفرقان واشتبه عليه الحق بالباطل كالذين اشتبه عليهم عبادة ~~الرحمن بعبادة الشيطان والنبى الصادق بالمتنبئ الكاذب وآيات النبيين بشبهات ~~الكذابين حتى إشتبه عليهم الخالق بالمخلوق # فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور ففرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي ~~والصدق والكذب والعلم والجهل والمعروف والمنكر وطريق أولياء الله السعداء ~~وأعداء الله الأشقياء PageV13P006 وبين ما عليه الناس من الاختلاف وكذلك ~~النبيون قبله قال الله تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى ~~الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ms4071 ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ وقال ~~سبحانه وتعالى @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان @QE@ # قال جماهير المفسرين هو القرآن روى بن أبى حاتم باسناده عن الربيع بن أنس ~~قال هو الفرقان فرق بين الحق والباطل قال وروى عن عطاء ومجاهد ومقسم وقتادة ~~ومقاتل بن حيان نحو ذلك وروى باسناده عن شيبان عن قتادة في قوله @QB@ وأنزل ~~الفرقان @QE@ قال هو القرآن الذي أنزله الله على محمد ففرق به بين الحق ~~والباطل وبين فيه دينه وشرع فيه شرائعه وأحل حلاله وحرم حرامه وحد ~~PageV13P007 حدوده وأمر بطاعته ونهى عن معصيته وعن عباد بن منصور سألت ~~الحسن عن قوله تعالى @QB@ وأنزل الفرقان @QE@ قال هو كتاب بحق # و @QB@ الفرقان @QE@ مصدر فرق فرقانا مثل الرجحان والكفران والخسران ~~وكذلك ( القرآن ( هو في الأصل مصدر قرأ قرآنا ومنه قوله @QB@ إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ ويسمى الكلام ~~المقروء نفسه ( قرآنا ( وهو كثير كما في قوله @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم @QE@ كما أن الكلام هو اسم مصدر كلم تكليما وتكلم ~~تكلما ويراد به الكلام نفسه وذلك لأن الانسان اذا تكلم كان كلامه بفعل منه ~~وحركة هي مسمى المصدر وحصل عن الحركة صوت يقطع حروفا هو نفس التكلم فالكلام ~~والقول ونحو ذلك يتناول هذا وهذا ولهذا كان الكلام تارة يجعل نوعا من العمل ~~اذا أريد به المصدر وتارة يجعل قسيما له اذا أريد ما يتكلم به وهو يتناول ~~هذا وهذا وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن لفظ ( الفرقان ( اذا أريد به المصدر كان المراد أنه أنزل ~~الفصل والفرق بين الحق والباطل وهذا منزل في الكتاب فإن في الكتاب الفصل ~~وأنزال الفرق هو انزال الفارق وأن أريد بالفرقان ما يفرق فهو الفارق أيضا ~~فهما في المعنى سواء وأن أريد PageV13P008 بالفرقان نفس ms4072 المصدر فيكون ~~انزاله كانزال الايمان وانزال العدل فإنه جعل في القلوب التفريق بين الحق ~~والباطل بالقرآن كما جعل فيها الإيمان والعدل وهو سبحانه وتعالى أنزل ~~الكتاب والميزان والميزان قد فسر بالعدل وفسر بأنه ما يوزن به ليعرف العدل ~~وهو كالفرقان يفسر بالفرق ويفسر بما يحصل به الفرق وهما متلازمان فاذا أريد ~~الفرق نفسه فهو نتيجة الكتاب وثمرته ومقتضاه وإذا أريد الفارق فالكتاب نفسه ~~هو الفارق ويكون له اسمان كل اسم يدل على صفة ليست هي الصفة الاخرى سمى ~~كتابا باعتبار أنه مجموع مكتوب تحفظ حروفه ويقرأ ويكتب وسمى فرقانا باعتبار ~~أنه يفرق بين الحق والباطل كما تقدم كما سمى هدى بإعتبار أنه يهدى إلى الحق ~~وشفاء باعتبار أنه يشفى القلوب من مرض الشبهات والشهوات ونحو ذلك من اسمائه # وكذلك أسماء ( الرسول ( كالمقفى والماحى والحاشر وكذلك ( أسماء الله ~~الحسنى ( كالرحمن والرحيم والملك والحكيم ونحو ذلك # والعطف يكون لتغاير الاسماء والصفات وان كان المسمى واحدا كقوله @QB@ سبح ~~اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ وقوله @QB@ هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن @QE@ ونحو ذلك PageV13P009 وهنا ذكر أنه نزل الكتاب ~~فإنه نزله متفرقا وأنه أنزل التوراة والانجيل وذكر أنه أنزل الفرقان وقد ~~أنزل سبحانه وتعالى الايمان في القلوب وأنزل الميزان والايمان و ( الميزان ~~( مما يحصل به الفرقان ايضا كما يحصل بالقرآن واذا أنزل القرآن حصل به ~~الايمان والفرقان ونظير هذا قوله @QB@ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ~~وضياء وذكرا @QE@ قيل الفرقان هو التوراة وقيل هو الحكم بنصره على فرعون ~~كما في قوله @QB@ إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ~~@QE@ # وكذلك قوله @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين @QE@ قيل ( النور ( هو ~~محمد عليه الصلاة والسلام وقيل هو الإسلام # ( # وقوله @QB@ قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا @QE@ قيل ( ~~البرهان ( هو محمد وقيل هو الحجة والدليل وقيل القرآن والحجة والدليل ~~تتناول الآيات التى بعث بها محمد ( ( لكنه هناك جاء بلفظ آتينا وجاءكم وهنا ~~قال @QB@ وأنزل الفرقان @QE@ جاء بلفظ الانزال فلهذا شاع ms4073 بينهم أن القرآن ~~والبرهان يحصل بالعلم والبيان كما حصل بالقرآن ويحصل بالنظر والتمييز بين ~~أهل الحق والباطل بأن ينجى هؤلاء وينصرهم ويعذب هؤلاء فيكون قد فرق بين ~~الطائفتين كما يفرق المفرق بين أولياء الله وأعدائه بالاحسان إلى هؤلاء ~~وعقوبة هؤلاء PageV13P010 # وهذا كقوله في القرآن في قوله @QB@ إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على ~~عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير @QE@ قال ~~الوالبى عن بن عباس ( يوم الفرقان ( يوم بدر فرق الله فيه بين الحق والباطل # قال بن أبى حاتم وروى عن مجاهد ومقسم وعبيدالله بن عبد الله والضحاك ~~وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك وبذلك فسر أكثرهم @QB@ إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا @QE@ كما في قوله @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا @QE@ أى من ~~كل ما ضاق على الناس قال الوالبى عن بن عباس في قوله @QB@ إن تتقوا الله ~~يجعل لكم فرقانا @QE@ أى مخرجا قال بن أبى حاتم وروى عن مجاهد وعكرمة ~~والضحاك وقتادة والسدى ومقاتل بن حيان كذلك غير أن مجاهدا قال مخرجا في ~~الدنيا والآخرة وروى عن الضحاك عن بن عباس قال نصرا قال وفى آخر قول بن ~~عباس والسدى نجاة # وعن عروة بن الزبير @QB@ يجعل لكم فرقانا @QE@ أى فصلا بين الحق والباطل ~~يظهر الله به حقكم ويطفئ به باطل من خالفكم وذكر البغوى عن مقاتل بن حيان ~~قال مخرجا في الدنيا من الشبهات لكن قد يكون هذا تفسيرا لمراد مقاتل بن ~~حيان كما ذكر أبو الفرج بن الجوزى عن بن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وبن ~~PageV13P011 قتيبة أنهم قالوا هو المخرج ثم قال والمعنى يجعل لكم مخرجا في ~~الدنيا من الضلال وليس مرادهم وانما مرادهم المخرج المذكور في قوله @QB@ ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا @QE@ والفرقان المذكور في قوله @QB@ وما أنزلنا ~~على عبدنا يوم الفرقان @QE@ # وقد ذكر عن بن زيد أنه قال هدى في قلوبهم يعرفون به الحق من الباطل ونوعا ~~الفرقان فرقان الهدى والبيان والنصر والنجاة هما نوعا ( الظهور ( في قوله ~~تعالى @QB@ هو ms4074 الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله @QE@ ~~يظهره بالبيان والحجة والبرهان ويظهر باليد والعز والسنان # وكذلك ( السلطان ( في قوله @QB@ واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا @QE@ فهذا ~~النوع وهو الحجة والعلم كما في قوله @QB@ أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم ~~بما كانوا به يشركون @QE@ وقوله @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر @QE@ وقوله @QB@ إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان @QE@ # وقد فسر ( السلطان ( بسلطان القدرة واليد وفسر بالحجة والبيان فمن ~~الفرقان ما نعته الله به في قوله @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم @QE@ PageV13P012 ففرق بين المعروف والمنكر أمر ~~بهذا ونهى عن هذا وبين الطيب والخبيث أحل هذا وحرم هذا # ومن ( الفرقان ( أنه فرق بين أهل الحق المهتدين المؤمنين المصلحين أهل ~~الحسنات وبين أهل الباطل الكفار الضالين المفسدين أهل السيئات قال تعالى ~~@QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ~~أفلا تذكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ~~يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~إنما يتذكر أولوا الألباب @QE@ وقال تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير ~~ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات ~~إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير إنا ~~أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا @QE@ وقال PageV13P013 تعالى @QB@ أو من كان ~~ميتا فأحييناه وجعلنا ms4075 له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها @QE@ وقال تعالى @QB@ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ~~@QE@ فهو سبحانه بين الفرق بين اشخاص أهل الطاعة لله والرسول والمعصية لله ~~والرسول كما بين الفرق بين ما أمر به وبين ما نهى عنه # وأعظم من ذلك أنه بين الفرق بين الخالق والمخلوق وان المخلوق لا يجوز أن ~~يسوى بين الخالق والمخلوق في شيء فيجعل المخلوق ندا للخالق قال تعالى @QB@ ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله @QE@ وقال تعالى @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ @QB@ ولم يكن له كفوا ~~أحد @QE@ @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وضرب الأمثال في القرآن على من لم يفرق ~~بل عدل بربه وسوى بينه وبين خلقه كما قالوا وهم في النار يصطرخون فيها @QB@ ~~تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله ~~لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون @QE@ # فهو سبحانه الخالق العليم الحق الحى الذى لا يموت ومن سواه لا يخلق شيئا ~~كما قال @QB@ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله ~~حق قدره @QE@ PageV13P014 # وهذا مثل ضربه الله فإن الذباب من اصغر الموجودات وكل من يدعى من دون ~~الله لا يخلقون ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه فاذا تبين أنهم لا يخلقون ذبابا ولا يقدرون على انتزاع ما يسلبهم فهم ~~عن خلق غيره وعن مغالبته أعجز وأعجز # و ( المثل ( هو الأصل والنظير المشبه به كما قال @QB@ ولما ضرب ابن مريم ~~مثلا إذا قومك منه يصدون @QE@ أى لما جعلوه نظيرا قاسوا عليه آلهتهم وقالوا ~~اذا كان قد عبد وهو لا ms4076 يعذب فكذلك آلهتنا فضربوه مثلا لآلهتهم وجعلوا يصدون ~~أى يضجون ويعجبون منه احتجاجا به على الرسول والفرق بينه وبين آلهتهم ظاهر ~~كما بينه في قوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون @QE@ وقال في فرعون @QB@ فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين @QE@ أى مثلا ~~يعتبر به ويقاس عليه غيره فمن عمل بمثل عمله جوزى بجزائه ليتعظ الناس به ~~فلا يعمل بمثل عمله # وقال تعالى @QB@ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم @QE@ وهو ما ذكره من أحوال الامم الماضية التى يعتبر PageV13P015 بها ~~ويقاس عليها أحوال الامم المستقبلة كما قال @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب @QE@ فمن كان من أهل الايمان قيس بهم وعلم أن الله يسعده في ~~الدنيا والآخرة ومن كان من أهل الكفر قيس بهم وعلم أن الله يشقيه في الدنيا ~~والآخرة كما قال في حق هؤلاء @QB@ أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في ~~الزبر @QE@ وقد قال @QB@ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين @QE@ وقال في حق المؤمنين @QB@ وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم @QE@ ~~وقال @QB@ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين @QE@ وقال في قصة أيوب @QB@ رحمة من عندنا وذكرى ~~للعابدين @QE@ @QB@ رحمة منا وذكرى لأولي الألباب @QE@ وقال @QB@ أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ وقال @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى ~~يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب @QE@ وقال ~~@QB@ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك @QE@ # فلفظ ( المثل ( يراد به النظير الذى يقاس عليه ويعتبر به ويراد ~~PageV13P016 به مجموع القياس قال سبحانه @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال ~~من يحيي العظام وهي رميم @QE@ أى لا أحد ms4077 يحييها وهى رميم فمثل الخالق ~~بالمخلوق في هذا النفى فجعل هذا مثل هذا لا يقدر على احيائها سواء نظمه في ~~قياس تمثيل أو قياس شمول كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين ~~أن معنى القياسين قياس الشمول وقياس التمثيل ( واحد ( والمثل المضروب ~~المذكور في القرآن فاذا قلت النبيذ مسكر وكل مسكر حرام وأقمت الدليل على ~~المقدمة الكبرى بقوله ( صلى الله عليه وسلم ( كل مسكر حرام ( فهو كقوله ( ( ~~قياسا على الخمر لأن الخمر انما حرمت لأجل الاسكار وهو موجود في النبيذ ~~فقوله @QB@ ضرب مثل فاستمعوا له @QE@ جعل ما هو من اصغر المخلوقات مثلا ~~ونظيرا يعتبر به فاذا كان أدون خلق الله لا يقدرون على خلقه ولا منازعته ~~فلا يقدرون على خلق ما سواه فيعلم بها من عظمة الخالق وان كلما يعبدون من ~~دون الله في السماء والأرض لا يقدرون على ما هو أصغر مخلوقاته وقد قيل انهم ~~جعلوا آلهتهم مثلا لله فاستمعوا لذكرها وهذا لأنهم لم يفقهوا المثل الذى ~~ضربه الله جعلوا المشركين هم الذين ضربوا هذا المثل # ومثل هذا في القرآن قد ضربه الله ليبين أنه لا يقاس المخلوق بالخالق ~~ويجعل له ندا ومثلا كقوله @QB@ قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال فأنى تصرفون كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون قل ~~هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى ~~تؤفكون قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى ~~الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون وما يتبع ~~أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون @QE@ ~~PageV13P017 # ولما قرر الوحدانية قرر النبوة كذلك فقال @QB@ وما ms4078 كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من ~~رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ~~@QE@ وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق وهذا من تكذيبهم اياه ولم يكن المشركون ~~يسوون بين آلهتهم وبين الله في كل شيء بل كانوا يؤمنون بان الله هو الخالق ~~المالك لهم وهم مخلوقون مملوكون له ولكن كانوا يسوون بينه وبينها في المحبة ~~والتعظيم والدعاء والعبادة والنذر لها ونحو ذلك مما يخص به الرب ~~PageV13P018 فمن عدل بالله غيره في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى فهو مشرك ~~بخلاف من لا يعدل به ولكن يذنب مع اعترافه بان الله ربه وحده وخضوعه له ~~خوفا من عقوبة الذنب فهذا يفرق بينه وبين من لا يعترف بتحريم ذلك # ( ### ||| فصل # ( # وهو سبحانه وتعالى كما يفرق بين الأمور المختلفة فإنه يجمع ويسوى بين ~~الأمور المتماثلة فيحكم في الشيء خلقا وأمرا بحكم مثله لا يفرق بين ~~متماثلين ولا يسوى بين شيئين غير متماثلين بل ان كانا مختلفين متضادين لم ~~يسو بينهما ولفظ ( الاختلاف ( في القرآن يراد به التضاد والتعارض لا يراد ~~به مجرد عدم التماثل كما هو اصطلاح كثير من النظار ومنه قوله @QB@ ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ وقوله @QB@ إنكم لفي قول ~~مختلف يؤفك عنه من أفك @QE@ وقوله @QB@ ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من ~~كفر @QE@ # وقد بين سبحانه وتعالى أن السنة لا تتبدل ولا تتحول في غير PageV13P019 ~~موضع و ( السنة ( هي العادة التى تتضمن أن يفعل في الثانى مثل ما فعل ~~بنظيره الاول ولهذا أمر سبحانه وتعالى بالاعتبار وقال @QB@ لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ والاعتبار أن يقرن الشيء بمثله فيعلم أن ~~حكمه مثل حكمه كما قال # بن عباس هلا اعتبرتم الاصابع بالاسنان فاذا قال @QB@ فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار @QE@ وقال @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ أفاد ms4079 أن ~~من عمل مثل أعمالهم جوزى مثل جزائهم ليحذر أن يعمل مثل أعمال الكفار وليرغب ~~في أن يعمل مثل أعمال المؤمنين اتباع الانبياء قال تعالى @QB@ قد خلت من ~~قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا @QE@ وهذه الآية أنزلها الله قبل الأحزاب وظهور الاسلام وذل ~~المنافقين فلم يستطيعوا أن يظهروا بعد هذا ما كانوا يظهرونه قبل ذلك قبل ~~بدر وبعدها وقبل أحد وبعدها فاخفوا النفاق وكتموه فلهذا لم PageV13P020 ~~يقتلهم النبى ( # وبهذا يجيب من لم يقتل الزنادقة ويقول اذا أخفوا زندقتهم لم يمكن قتلهم ~~ولكن إذا أظهروها قتلوا بهذه الآية بقوله @QB@ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ~~@QE@ قال قتادة ذكر لنا ان المنافقين كانوا يظهرون ما في أنفسهم من النفاق ~~فاوعدهم الله بهذه الآية فلما أوعدهم بهذه الآية أسروا ذلك وكتموه @QB@ سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل @QE@ يقول هكذا سنة الله فيهم اذا أظهروا النفاق ~~قال مقاتل بن حيان قوله @QB@ سنة الله في الذين خلوا من قبل @QE@ يعنى كما ~~قتل أهل بدر وأسروا فذلك قوله ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ( # قال السدى كان النفاق على ( ثلاثة أوجه ( # ( نفاق ( مثل نفاق عبد الله بن أبى وعبد الله بن نفيل ومالك بن داعس فكان ~~هؤلاء وجوها من وجوه الأنصار فكانوا يستحيون أن يأتوا الزنى يصونون بذلك ~~أنفسهم @QB@ والذين في قلوبهم مرض @QE@ قال الزناة ان وجدوه عملوا به وان ~~لم يجدوه لم يتبعوه # و ( نفاق ( يكابرون النساء مكابرة وهم هؤلاء الذين يجلسون ms4080 PageV13P021 ~~على الطريق ثم قال ( ملعونين ( ثم فصلت الآية @QB@ أينما ثقفوا @QE@ يعملون ~~هذا العمل مكابرة النساء قال السدى هذا حكم في القرآن ليس يعمل به لو أن ~~رجلا أو أكثر من ذلك اقتصوا أثر امرأة فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان ~~الحكم فيهم غير الجلد والرجم أن يؤخذوا فتضرب أعناقهم قال السدى قوله ( سنة ~~( كذلك كان يفعل بمن مضى من الأمم قال فمن كابر امرأة على نفسها فقتل فليس ~~على قاتله دية لأنه مكابر # قلت هذا على وجهين ( أحدهما ( أن يقتل دفعا لصوله عنها مثل أن يقهرها ~~فهذا دخل في قوله ? < من قتل دون حرمته فهو شهيد > ? وهذه لها أن تدفعه ~~بالقتل لكن اذا طاوعت ففيه نزاع وتفصيل وفيه قضيتان عن عمر وعلى معروفتان ~~وأما اذا فجر بها مستكرها ولم تجد من يعينها عليه فهؤلاء نوعان ( أحدهما ( ~~أن يكون له شوكة كالمحاربين لأخذ المال وهؤلاء محاربون للفاحشة فيقتلوا قال ~~السدى قد قاله غيره وذكر أبو اللوبى ان هذه جرت عنده ورأى أن هؤلاء أحق بأن ~~يكونوا محاربين # ( والثانى ( أن لا يكونوا ذوى شوكة بل يفعلون ذلك غيلة PageV13P022 ~~واحتيالا حتى اذا صارت عندهم المرأة أكرهوها فهذا المحارب غيلة كما قال ~~السدى يقتل أيضا وان كانوا جماعة في المصر فهم كالمحاربين في المصر وهذه ~~المسائل لها مواضع أخر # و ( المقصود ( ان الله أخبر أن سنته لن تبدل ولن تتحول وسنته عادته التى ~~يسوى فيها بين الشيء وبين نظيره الماضى وهذا يقتضى أنه سبحانه يحكم في ~~الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة ولهذا قال @QB@ أكفاركم خير من أولئكم ~~@QE@ وقال @QB@ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم @QE@ أى أشباههم ونظراءهم وقال ~~@QB@ وإذا النفوس زوجت @QE@ قرن النظير بنظيره وقال تعالى @QB@ أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم @QE@ وقال @QB@ قد كانت ~~لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ~~@QE@ وقال @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي ms4081 الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم @QE@ # فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة وقد ~~قال تعالى @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف ~~رحيم @QE@ PageV13P023 # وقال تعالى @QB@ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو ~~العزيز الحكيم @QE@ فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم وهم خير الناس بعد ~~الانبياء فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس وأولئك خير أمة محمد كما ثبت في ~~الصحاح من غير وجه ان النبى ( ( قال ( خير القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( ( # ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرا وأنفع من معرفة ~~أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين ~~وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك فإنهم أفضل ممن بعدهم ~~كما دل عليه الكتاب والسنة فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم ومعرفة ~~اجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من اجماع ~~غيرهم ونزاعهم وذلك أن اجماعهم لا يكون الا معصوما واذا تنازعوا فالحق لا ~~يخرج عنهم فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم ولا يحكم بخطأ قول من اقوالهم ~~حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه قال تعالى @QB@ أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ ~~PageV13P024 # وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم ولا لهم خبرة ~~بأقوالهم وأفعالهم بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا ~~يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك من اهل الكلام والرأى والزهد والتصوف ~~فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين انما هو عما يظنونه ~~من الاجماع وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف ألبتة ms4082 أو عرفوا بعضها ولم ~~يعرفوا سائرها فتارة يحلون الاجماع ولا يعلمون الا قولهم وقول من ينازعهم ~~من الطوائف المتأخرين طائفة أو طائفتين أو ثلاث وتارة عرفوا أقوال بعض ~~السلف والأول كثير في ( مسائل أصول الدين وفروعه ( كما تجد كتب أهل الكلام ~~مشحونة بذلك يحكون اجماعا ونزاعا ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك ألبتة بل ~~قد يكون قول السلف خارجا عن أقوالهم كما تجد ذلك في مسائل أقوال الله ~~وأفعاله وصفاته مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك # وهم اذا ذكروا اجماع المسلمين لم يكن لهم علم بهذا الاجماع فإنه لو أمكن ~~العلم باجماع المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به لعدم علمهم بأقوال ~~السلف فكيف اذا كان المسلمون يتعذر القطع PageV13P025 باجماعهم في مسائل ~~النزاع بخلاف السلف فإنه يمكن العلم باجماعهم كثيرا # وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرد ذلك أن يجعل هذه من مسائل ~~الاجتهاد التى يكون كل قول من تلك الأقوال سائغا لم يخالف اجماعا لأن كثيرا ~~من اصول المتأخرين محدث مبتدع في الإسلام مسبوق باجماع السلف على خلافه ~~والنزاع الحادث بعد اجماع السلف خطأ قطعا كخلاف الخوارج والرافضة والقدرية ~~والمرجئة ممن قد اشتهرت لهم اقوال خالفوا فيها النصوص المستفيضة المعلومة ~~واجماع الصحابة # بخلاف ما يعرف من نزاع السلف فإنه لا يمكن أن يقال أنه خلاف الاجماع ~~وانما يرد بالنص واذا قيل قد أجمع التابعون على أحد قوليهم فارتفع النزاع ~~فمثل هذا مبنى على مقدمتين # ( إحداهما ( العلم بأنه لم يبق في الأمة من يقول بقول الاخر وهذا متعذر # ( الثانية ( أن مثل هذا هل يرفع النزاع مشهور فنزاع السلف PageV13P026 ~~يمكن القول به اذا كان معه حجة اذ على خلافه ونزاع المتأخرين لا يمكن لأن ~~كثيرا منه قد تقدم الاجماع على خلافه كما دلت النصوص على خلافه ومخالفة ~~اجماع السلف خطأ قطعا # و ( ايضا ( فلم يبق مسألة في الدين الا وقد تكلم فيها السلف فلابد أن ~~يكون لهم قول يخالف ذلك القول أو يوافقه وقد بسطنا في غير هذا ms4083 الموضع أن ~~الصواب في أقوالهم أكثر وأحسن وان خطأهم أخف من خطأ المتأخرين وان ~~المتأخرين أكثر خطأ وأفحش وهذا في جميع علوم الدين ولهذا أمثلة كثيرة يضيق ~~هذا الموضع عن استقصائها والله سبحانه أعلم # ( ### ||| فصل # ( # ومما ينبغى أن يعلم أن القرآن والحديث اذا عرف تفسيره من جهة النبى ( ( ~~لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة فإنه قد عرف تفسيره وما اريد بذلك من ~~جهة النبى ( ( لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم ~~ولهذا PageV13P027 قال الفقهاء ( الأسماء ثلاثة انواع ( نوع يعرف حده ~~بالشرع كالصلاة والزكاة ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر ونوع يعرف حده ~~بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله @QB@ وعاشروهن بالمعروف @QE@ # وكان من اعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة فكان من ~~الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم باحسان أنه لا يقبل من أحد ~~قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده فإنهم ~~ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين ~~الحق وان القرآن يهدى للتى هي أقوم فيه نبأ من قبلهم وخبر ما بعدهم وحكم ما ~~بينهم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في ~~غيره أضله الله هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ~~وهو الذى لا تزيغ به الاهواء ولا تلتبس به الألسن فلا يستطيع أن يزيغه إلى ~~هواه ولا يحرف به لسانه ولا يخلق عن كثرة الترداد فاذا ردد مرة بعد مرة لم ~~يخلق ولم يمل كغيره من الكلام ولا تنقضى عجائبه ولا تشبع منه العلماء من ~~قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط ~~مستقيم # فكان القرآن هو الامام الذى يقتدى به ولهذا لا يوجد في كلام PageV13P028 ~~أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأى وقياس ولا بذوق ووجد ومكاشفة ولا ~~قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل ms4084 فضلا عن أن يقول فيجب تقديم العقل ~~والنقل يعنى القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين اما أن يفوض واما أن ~~يؤول ولا فيهم من يقول ان له ذوقا أو وجدا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف ~~القرآن والحديث فضلا عن أن يدعى أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذى ~~يأتى الرسول وأنه يأخذ من ذلك المعدن علم التوحيد والانبياء كلهم يأخذون عن ~~مشكاته أو يقول الولى أفضل من النبى ونحو ذلك من مقالات أهل الالحاد فإن ~~هذه الأقوال لم تكن حدثت بعد في المسلمين وانما يعرف مثل هذه أما عن ملاحدة ~~اليهود والنصارى فإن فيهم من يجوز أن غير النبى أفضل من النبى كما قد يقوله ~~في الحواريين فإنهم عندهم رسل وهم يقولون أفضل من داود وسليمان بل ومن ~~إبراهيم وموسى وان سموهم أنبياء إلى أمثال هذه الأمور ( # ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية الا بآية أخرى تفسرها وتنسخها أو بسنة ~~الرسول ( ( تفسرها فإن سنة رسول الله ( ( تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه ~~وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخا لها فالنسخ عندهم اسم عام لكل ما يرفع ~~دلالة الآية على معنى باطل وان كان ذلك المعنى لم PageV13P029 يرد بها وان ~~كان لا يدل عليه ظاهر الآية بل قد لا يفهم منها وقد فهمه منها قوم فيسمون ~~ما رفع ذلك الابهام والافهام نسخا ( و ( هذه التسمية لا تؤخذ عن كل واحد ~~منهم # واصل ذلك ( من القاء ( الشيطان ثم يحكم الله آياته فما القاه الشيطان في ~~الأذهان من ظن دلالة الآية على معنى لم يدل عليه سمى هؤلاء ما يرفع ذلك ~~الظن نسخا كما سموا قوله @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ ناسخا لقوله ~~@QB@ اتقوا الله حق تقاته @QE@ وقوله @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~@QE@ ناسخا لقوله @QB@ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه # اذ المقصود أنهم كانوا متفقين على أن القرآن لا يعارضه الا قرآن لا رأى ~~ومعقول ms4085 وقياس ولا ذوق ووجد والهام ومكاشفة # وكانت البدع الاولى مثل ( بدعة الخوارج ( انما هي من سوء فهمهم للقرآن لم ~~يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب ~~الذنوب اذ كان المؤمن هو البر التقى قالوا فمن لم يكن برا تقيا فهو كافر ~~وهو مخلد في النار ثم قالوا وعثمان PageV13P030 # وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله فكانت ~~بدعتهم لها مقدمتان # ( الواحدة ( أن من خالف القرآن بعمل أو برأى أخطأ فيه فهو كافر # ( والثانية ( أن عثمان وعليا ومن والاهما كانوا كذلك ولهذا يجب الاحتراز ~~من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا فإنه اول بدعة ظهرت في الاسلام فكفر ~~أهلها المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم وقد ثبت عن النبى ( ( أحاديث ~~صحيحة في ذمهم والأمر بقتالهم قال الامام أحمد بن حنبل رضى الله عنه صح ~~فيهم الحديث من عشرة أوجه ولهذا قد أخرجها مسلم في صحيحه وأفرد البخارى ~~قطعة منها وهم مع هذا الذم انما قصدوا اتباع القرآن # فكيف بمن تكون بدعته معارضة القرآن والاعراض عنه وهو مع ذلك يكفر ~~المسلمين كالجهمية # ثم ( الشيعة ( لما حدثوا لم يكن الذى ابتدع التشيع قصده الدين بل كان ~~غرضه فاسدا وقد قيل أنه كان منافقا زنديقا فاصل بدعتهم مبنية على الكذب على ~~رسول الله ( ( وتكذيب الأحاديث الصحيحة ولهذا لا يوجد في فرق الأمة من ~~الكذب أكثر مما يوجد فيهم بخلاف الخوارج فإنه لا يعرف فيهم من يكذب ~~PageV13P031 والشيعة ( لا يكاد يوثق برواية أحد منهم من شيوخهم لكثرة الكذب ~~فيهم ولهذا أعرض عنهم أهل الصحيح فلا يروى البخارى ومسلم أحاديث على الا عن ~~أهل بيته كاولاده مثل الحسن والحسين ومثل محمد بن الحنفية وكاتبه عبيد الله ~~بن أبى رافع أو أصحاب بن مسعود وغيرهم مثل عبيدة السلمانى والحارث التيمي ~~وقيس بن عباد وأمثالهم اذ هؤلاء صادقون فيما يروونه عن على فلهذا أخرج ~~أصحاب الصحيح حديثهم # وهاتان الطائفتان ( الخوارج والشيعة ( حدثوا بعد مقتل عثمان وكان ~~المسلمون في خلافة أبى بكر وعمر ms4086 وصدرا من خلافة عثمان في السنة الأولى من ~~ولايته متفقين لا تنازع بينهم ثم حدث في أواخر خلافة عثمان أمور أوجبت نوعا ~~من التفرق وقام قوم من أهل الفتنة والظلم فقتلوا عثمان فتفرق المسلمون بعد ~~مقتل عثمان ولما اقتتل المسلمون بصفين واتفقوا على تحكيم حكمين خرجت ~~الخوارج على أميرالمؤمنين علي بن أبى طالب وفارقوه وفارقوا جماعة المسلمين ~~إلى مكان يقال له حروراء فكف عنهم أمير المؤمنين وقال لكم علينا أن لا ~~نمنعكم حقكم من الفيء ولا نمنعكم المساجد إلى أن استحلوا دماء المسلمين ~~وأموالهم فقتلوا عبد الله بن خباب وأغاروا على سرح المسلمين فعلم على أنهم ~~الطائفة التى ذكرها رسول الله ( صلى الله عليه PageV13P032 وسلم ( حيث قال ~~( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية آيتهم ~~فيهم رجل مخدج اليد عليها بضعة عليها شعرات ( وفى رواية ( يقتلون أهل ~~الاسلام ويدعون أهل الأوثان ( فخطب الناس وأخبرهم بما سمع من رسول الله ( ( ~~وقال هم هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا على سرح الناس فقاتلهم ~~ووجد العلامة بعد ان كاد لا يوجد فسجد لله شكرا # وحدث في أيامه الشيعة لكن كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلى وشيعته بل ~~كانوا ثلاث طوائف ( طائفة ( تقول انه إله وهؤلاء لما ظهر عليهم احرقهم ~~بالنار وخدلهم أخاديد عند باب مسجد بنى كندة وقيل أنه أنشد # لما رأيت الأمر أمرا منكرا %~% أججت نارى ودعوت قنبرا # وقد روى البخارى في صحيحه عن بن عباس قال أتى علي بزنادقة فحرقهم بالنار ~~ولو كنت أنا لم أحرقهم لنهى النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أن يعذب بعذاب ~~الله ولضربت أعناقهم لقوله ? < من بدل دينه فاقتلوه > ? PageV13P033 وهذا ~~الذى قاله بن عباس هو مذهب أكثر الفقهاء وقد روى أنه أجلهم ثلاثا # والثانية ( السابة ( وكان قد بلغه عن أبى السوداء أنه كان يسب أبا بكر ~~وعمر فطلبه قيل أنه طلبه ليقتله فهرب منه # والثالثة ( المفضلة ( الذين يفضلونه على ms4087 أبى بكر وعمر فتواتر عنه أنه قال ~~خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وروى ذلك البخارى في صحيحه عن محمد ~~بن الحنفية أنه سأل أباه من خير الناس بعد رسول الله ( ( فقال أبو بكر قال ~~ثم من قال عمر وكانت الشيعة الأولى لا يتنازعون في تفضيل أبى بكر وعمر ~~وانما كان النزاع في علي وعثمان ولهذا قال شريك بن عبد الله أن أفضل الناس ~~بعد رسول الله ( ( أبو بكر وعمر فقيل له تقول هذا وأنت من الشيعة فقال كل ~~الشيعة كانوا على هذا وهو الذى قال هذا على أعواد منبره أفنكذبه فيما قال ~~ولهذا قال سفيان الثورى من فضل عليا على أبى بكر وعمر فقد أزرى بالمهاجرين ~~والأنصار وما أرى يصعد له إلى الله عز وجل عمل وهو كذلك رواه أبو داود في ~~سننه وكأنه يعرض بالحسن بن صالح بن حى فإن الزيدية الصالحة وهم أصلح طوائف ~~الزيدية ينسبون إليه PageV13P034 ولكن الشيعة لم يكن لهم في ذلك الزمان ~~جماعة ولا امام ولا دار ولا سيف يقاتلون به المسلمين وانما كان هذا للخوارج ~~تميزوا بالامام والجماعة والدار وسموا دارهم دار الهجرة وجعلوا دار ~~المسلمين دار كفر وحرب # وكلا الطائفتين تطعن بل تكفر ولاة المسلمين وجمهور الخوارج يكفرون عثمان ~~وعليا ومن تولاهما والرافضة يلعنون أبا بكر وعمر وعثمان ومن تولاهم ولكن ~~الفساد الظاهر كان في الخوارج من سفك الدماء وأخذ الأموال والخروج بالسيف ~~فلهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بقتالهم والأحاديث في ذمهم والأمر بقتالهم ~~كثيرة جدا وهى متواترة عند أهل الحديث مثل أحاديث الرؤية وعذاب القبر ~~وفتنته وأحاديث الشفاعة والحوض # وقد رويت أحاديث في ذم القدرية والمرجئة روى بعضها اهل السنن كأبى داود ~~وبن ماجه وبعض الناس يثبتها ويقويها ومن العلماء من طعن فيها وضعفها ولكن ~~الذى ثبت في ذم القدرية ونحوهم هو عن الصحابة كابن عمر وبن عباس # وأما لفظ ( الرافضة ( فهذا اللفظ أول ما ظهر في الاسلام لما خرج زيد بن ~~علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية ms4088 في خلافة هشام بن PageV13P035 عبد ~~الملك واتبعه الشيعة فسئل عن أبى بكر وعمر فتولاهما وترحم عليهما فرفضه قوم ~~فقال رفضتمونى رفضتمونى فسموا الرافضة فالرافضة تتولى أخاه أبا جعفر محمد ~~بن على والزيدية يتولون زيدا وينسبون إليه ومن حينئذ انقسمت الشيعة إلى ~~زيدية ورافضة امامية # ( # ثم في آخر عصر الصحابة حدثت ( القدرية ( وأصل بدعتهم كانت من عجز عقولهم ~~عن الايمان بقدر الله والايمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده وظنوا أن ذلك ~~ممتنع وكانوا قد آمنوا بدين الله وأمره ونهيه ووعده ووعيده وظنوا أنه اذا ~~كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصى لأنهم ظنوا أن من علم ~~ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصية ولا يطيعه وظنوا ~~أيضا أنه اذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يعلم أنه يفسد فلما بلغ ~~قولهم بانكار القدر السابق الصحابة انكروا انكارا عظيما وتبرؤوا منهم حتى ~~قال عبد الله بن عمر أخبر أولئك أنى بريء منهم وأنهم منى برآء والذى يحلف ~~به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فانفقه ما قبله الله منه حتى ~~يؤمن بالقدر وذكر عن أبيه حديث جبريل وهذا أول حديث في صحيح مسلم وقد أخرجه ~~البخارى ومسلم من طريق أبى هريرة أيضا مختصرا # ثم كثر الخوض في ( القدر ( وكان أكثر الخوض فيه بالبصرة والشام ~~PageV13P036 وبعضه في المدينة فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق ~~وبالكتاب المتقدم وصار نزاع الناس في ( الإرادة ( و ( خلق أفعال العباد ( ~~فصاروا في ذلك حزبين ( النفاة ( يقولون لا ارادة الا بمعنى المشيئة وهو لم ~~يرد الا ما أمر به ولم يخلق شيئا من أفعال العباد # وقابلهم الخائضون في القدر من ( المجبرة ( مثل الجهم بن صفوان وأمثاله ~~فقالوا ليست الارادة الا بمعنى المشيئة والامر والنهى لا يستلزم ارادة ~~وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة بل الله هو الفاعل القادر فقط وكان ~~جهم مع ذلك ينفى الاسماء والصفات يذكر عنه أنه قال لا يسمى ms4089 الله شيئا ولا ~~غير ذلك من الأسماء التى تسمى بها العباد الا القادر فقط لأن العبد ليس ~~بقادر ( # وكانت ( الخوارج ( قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من اهل القبلة وقالوا ~~أنهم كفار مخلدون في النار فخاض الناس في ذلك وخاض في ذلك القدرية بعد موت ~~الحسن البصرى فقال عمرو بن عبيد وأصحابه لا هم مسلمون ولا كفار بل لهم ~~منزلة بين المنزلتين وهم مخلدون في النار فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون ~~وعلى انه ليس معهم من الإسلام والايمان شيء ولكن لم يسموهم كفارا واعتزلوا ~~PageV13P037 حلقة أصحاب الحسن البصرى مثل قتادة وأيوب السختيانى وأمثالهما ~~فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن وقيل ان قتادة كان يقول أولئك ~~المعتزلة # وتنازع الناس في ( الأسماء والأحكام ( أى في أسماء الدين مثل مسلم ومؤمن ~~وكافر وفاسق وفى أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة فالمعتزلة وافقوا الخوارج ~~على حكمهم في الآخرة دون الدنيا فلم يستحلوا من دمائهم وأموالهم ما استحلته ~~الخوارج وفى الأسماء أحدثوا المنزلة بين المنزلتين وهذه خاصة المعتزلة التى ~~انفردوا بها وسائر أقوالهم قد شاركهم فيها غيرهم ( # وحدثت ( المرجئة ( وكان أكثرهم من أهل الكوفة ولم يكن أصحاب عبد الله من ~~المرجئة ولا إبراهيم النخعى وامثاله فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا ~~ان الأعمال ليست من الايمان وكانت هذه البدعة أخف البدع فان كثيرا من ~~النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم اذ كان الفقهاء الذين يضاف ~~اليهم هذا القول مثل حماد بن أبى سليمان وأبى حنيفة وغيرهما هم مع سائر أهل ~~السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار ثم يخرجهم ~~بالشفاعة كما جاءت الاحاديث الصحيحة بذلك وعلى انه لابد في الايمان ~~PageV13P038 أن يتكلم بلسانه وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق ~~للذم والعقاب فكان في الأعمال هل هي من الايمان وفى الاستثناء ونحو ذلك ~~عامته نزاع لفظى فان الايمان اذا أطلق دخلت فيه الأعمال لقول النبى ( ( ~~الايمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا اله الا ms4090 الله ~~وأدناها اماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الايمان ( واذا عطف عليه ~~العمل كقوله @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ فقد ذكر مقيدا ~~بالعطف فهنا قد يقال الأعمال دخلت فيه وعطفت عطف الخاص على العام وقد يقال ~~لم تدخل فيه ولكن مع العطف كما في اسم الفقير والمسكين اذا أفرد أحدهما ~~تناول الآخر واذا عطف أحدهما على الآخر فهما صنفان كما في آية الصدقات ~~كقوله @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ وكما في آية الكفارة كقوله ~~@QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين @QE@ وفى قوله @QB@ وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم @QE@ فالفقير والمسكين شيء واحد # وهذا التفصيل في الايمان هو كذلك في لفظ البر والتقوى والمعروف وفى الاثم ~~والعدوان والمنكر تختلف دلالتها في الافراد والاقتران لمن تدبر القرآن وقد ~~بسط هذا بسطا كبيرا في الكلام على الايمان وشرح حديث جبريل الذى فيه بيان ~~أن الايمان أصله في القلب وهو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله كما في ~~PageV13P039 المسند عن النبى ( ( أنه قال ( الاسلام علانية والايمان في ~~القلب ( وقد قال ( صلى الله عليه وسلم ( في الحديث الصحيح ( ألا ان في ~~الجسد مضغة اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا ~~وهى القلب ( فاذا كان الايمان في القلب فقد صلح القلب فيجب أن يصلح سائر ~~الجسد فلذلك هو ثمرة ما في القلب فلهذا قال بعضهم الأعمال ثمرة الايمان ~~وصحته لما كانت لازمة لصلاح القلب دخلت في الاسم كما نطق بذلك الكتاب ~~والسنة في غير موضع # وفى ( الجملة ( الذين رموا بالارجاء من الأكابر مثل طلق بن حبيب وابراهيم ~~التيمي ونحوهما كان ارجاؤهم من هذا النوع وكانوا أيضا لا يستثنون في ~~الايمان وكانوا يقولون الايمان هو الايمان الموجود فينا ونحن نقطع بانا ~~مصدقون ويرون الاستثناء شكا وكان عبد الله بن مسعود وأصحابه يستثنون وقد ~~روى في حديث أنه رجع عن ذلك لما قال له بعض أصحاب معاذ ما قال لكن أحمد ~~أنكر هذا وضعف هذا الحديث # وصار الناس في الاستثناء على ثلاثة أقوال # قول ms4091 أنه يجب الاستثناء ومن لم يستثن كان مبتدعا # وقول ان الاستثناء محظور فانه يقتضى الشك في الايمان PageV13P040 والقول ~~الثالث أوسطها وأعدلها أنه يجوز الاستثناء باعتبار وتركه باعتبار فاذا كان ~~مقصوده انى لا أعلم انى قائم بكل ما أوجب الله على وأنه يقبل أعمالى ليس ~~مقصوده الشك فيما في قلبه فهذا استثناؤه حسن وقصده أن لا يزكى نفسه وأن لا ~~يقطع بأنه عمل عملا كما أمر فقبل منه والذنوب كثيرة والنفاق مخوف على عامة ~~الناس # قال بن أبي مليكة أدركت ثلاثين من اصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه ~~لا يقول واحد منهم ان ايمانه كايمان جبريل وميكائيل والبخارى في أول صحيحه ~~بوب أبوابا في ( الايمان والرد على المرجئة ( وقد ذكر بعض من صنف في هذا ~~الباب من أصحاب أبى حنيفة قال وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد كرهوا أن يقول ~~الرجل ايمانى كايمان جبريل وميكائيل قال محمد لأنهم افضل يقينا أو ايمانى ~~كايمان جبريل أو ايمانى كايمان أبى بكر أو كايمان هذا ولكن يقول آمنت بما ~~آمن به جبريل وأبو بكر # وأبو حنيفة وأصحابه لا يجوزون الاستثناء في الايمان بكون الأعمال منه ~~ويذمون المرجئة والمرجئة عندهم الذين لا يوجبون الفرائض ولا اجتناب المحارم ~~بل يكتفون بالايمان وقد علل تحريم الاستثناء فيه بأنه لا يصح تعليقه على ~~الشرط لأن المعلق على الشرط لا يوجد الا عند وجوده كما قالوا في قوله أنت ~~طالق ان شاء الله فاذا علق الايمان PageV13P041 بالشرط كسائر المعلقات ~~بالشرط لا يحصل الا عند حصول الشرط قالوا وشرط المشيئة الذى يترجاه القائل ~~لا يتحقق حصوله إلى يوم القيامة فاذا علق العزم بالفعل على التصديق ~~والاقرار فقد ظهرت المشيئة وصح العقد فلا معنى للاستثناء ولأن الاستثناء ~~عقيب الكلام يرفع الكلام فلا يبقى الاقرار بالايمان والعقد مؤمنا وربما ~~يتوهم هذا القائل القارن بالاستثناء على الايمان بقاء التصديق وذلك يزيله ( # ( قلت ( فتعليلهم في المسألة انما يتوجه فيمن يعلق انشاء الايمان على ~~المشيئة كالذى يريد الدخول في الاسلام فيقال له آمن فيقول أنا ms4092 أو من ان شاء ~~الله أو آمنت إن شاء الله أو اسلمت ان شاء الله أو أشهد ان شاء الله أن لا ~~اله الا الله وأشهد ان شاء الله أن محمدا رسول الله والذين استثنوا من ~~السلف والخلف لم يقصدوا في الانشاء وانما كان استثناؤهم في اخباره عما قد ~~حصل له من الايمان فاستثنوا اما أن الايمان المطلق يقتضى دخول الجنة وهم لا ~~يعلمون الخاتمة كأنه اذا قيل للرجل أنت مؤمن قيل له أنت عند الله مؤمن من ~~أهل الجنة فيقول أنا كذلك ان شاء الله أو لأنهم لا يعرفون أنهم أتوا بكمال ~~الايمان الواجب # ولهذا كان من جواب بعضهم اذا قيل له أنت مؤمن آمنت بالله وملائكته وكتبه ~~فيجزم بهذا ولا يعلقه أو يقول ان كنت تريد PageV13P042 الايمان الذى يعصم ~~دمى ومالى فأنا مؤمن وان كنت تريد قوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ~~الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ وقوله ~~@QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ فأنا مؤمن ان شاء ~~الله # وأما الانشاء فلم يستثن فيه أحد ولا شرع الاستثناء فيه بل كل من آمن ~~وأسلم آمن وأسلم جزما بلا تعليق # فتبين أن النزاع في المسألة قد يكون لفظيا فان الذى حرمه هؤلاء غير الذى ~~استحسنه وأمر به أولئك ومن جزم جزم بما في قلبه من الحال وهذا حق لا ينافى ~~تعليق الكمال والعاقبة ولكن هؤلاء عندهم الاعمال ليست من الايمان فصار ~~الايمان هو الإسلام عند أولئك # والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام وهو المشهور عن أحمد ~~رضى الله عنه وقد روى عنه فيه الاستثناء كما قد بسط هذا في شرح حديث جبريل ~~وغيره من نصوص الايمان التى في الكتاب والسنة PageV13P043 ولو قال لامرأته ~~أنت طالق ان شاء الله ففيه نزاع مشهور وقد رجحنا التفصيل وهو أن الكلام ms4093 ~~يراد به شيئآن يراد به ايقاع الطلاق تارة ويراد به منع ايقاعه تارة فان كان ~~مراده أنت طالق بهذا اللفظ فقوله ان شاء الله مثل قوله بمشيئة الله وقد شاء ~~الله الطلاق حين أتى بالتطليق فيقع وان كان قد علق لئلا يقع أو علقه على ~~مشيئة توجد بعد هذا لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا فانه حينئذ شاء الله ~~أن تطلق # وقول من قال المشيئة تنجزه ليس كما قال بل نحن نعلم قطعا أن الطلاق لا ~~يقع الا اذا طلقت المرأة بان يطلقها الزوج أو من يقوم مقامه من ولى أو وكيل ~~فاذا لم يوجد تطليق لم يقع طلاق قط فاذا قال أنت طالق ان شاء الله وقصد ~~حقيقة التعليق لم يقع الا بتطليق بعد ذلك وكذلك اذا قصد تعليقه لئلا يقع ~~الآن واما ان قصد ايقاعه الآن وعلقه بالمشيئة توكيدا وتحقيقا فهذا يقع به ~~الطلاق # وما أعرف أحدا أنشأ الايمان فعلقه على المشيئة فاذا علقه فان كان مقصوده ~~أنا مؤمن ان شاء الله أنا أومن بعد ذلك فهذا لم يصر مؤمنا مثل الذى يقال له ~~هل تصير من أهل دين الاسلام فقال أصير ان شاء الله فهذا لم يسلم بل هو باق ~~على الكفر وان كان قصده انى قد آمنت وايمانى بمشيئة الله صار مؤمنا لكن ~~اطلاق اللفظ يحتمل PageV13P044 هذا وهذا فلا يجوز اطلاق مثل هذا اللفظ في ~~الانشاء وأيضا فان الأصل أنه انما يعلق بالمشيئة ما كان مستقبلا فأما ~~الماضى والحاضر فلا يعلق بالمشيئة والذين استثنوا لم يستثنوا في الانشاء ~~كما تقدم كيف وقد أمروا ان يقولوا @QB@ آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط @QE@ وقال تعالى @QB@ آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~@QE@ فأخبر أنهم آمنوا فوقع الايمان منهم قطعا بلا استثناء # وعلى كل أحد أن يقول آمنا بالله وما أنزل الينا كما أمر الله بلا استثناء ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين ما ms4094 استثنى أحد من السلف قط في مثل هذا وانما ~~الكلام اذا أخبر عن نفسه بأنه مؤمن كما يخبر عن نفسه بأنه بر تقى فقول ~~القائل له أنت مؤمن هو عندهم كقوله هل أنت بر تقى فاذا قال أنا بر تقى فقد ~~زكى نفسه فيقول ان شاء الله وأرجو أن أكون كذلك وذلك ان الايمان التام ~~يتعقبه قبول الله له وجزاؤه عليه وكتابه الملك له فالاستثناء يعود إلى ذلك ~~لا إلى ما علمه هو من نفسه وحصل واستقر فان هذا لا يصح تعليقه بالمشيئة بل ~~يقال هذا حاصل بمشيئة الله وفضله واحسانه وقوله فيه ان شاء الله بمعنى اذ ~~شاء الله وذلك تحقيق لا تعليق PageV13P045 والرجل قد يقول والله ليكونن كذا ~~ان شاء الله وهو جازم بأنه يكون فالمعلق هو الفعل كقوله @QB@ لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله @QE@ والله عالم بأنهم سيدخلونه وقد يقول الآدمى لأفعلن ~~كذا ان شاء الله وهو لا يجزم بأنه يقع لكن يرجوه فيقول يكون ان شاء الله ثم ~~عزمه عليه قد يكون جازما ولكن لا يجزم بوقوع المعزوم عليه وقد يكون العزم ~~مترددا معلقا بالمشيئة أيضا ولكن متى كان المعزوم عليه معلقا لزم تعليق ~~بقاء العزم فانه بتقدير أن تعليق العزم ابتداء أو دواما في مثل ذلك ولهذا ~~لم يحنث المطلق المعلق وحرف ( إن ( لا يبقى العزم فلابد اذا دخل على الماضى ~~صار مستقبلا تقول ان جاء زيد كان كذلك @QB@ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد ~~اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق @QE@ واذا أريد الماضى دخل حرف ( إن ( ~~كقوله @QB@ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني @QE@ فيفرق بين قوله أنا مؤمن ان ~~شاء الله وبين قوله ان كان الله شاء ايماني # وكذلك اذا كان مقصوده اني لا أعلم بماذا يختم لي كما قيل لابن مسعود ان ~~فلانا يشهد أنه مؤمن قال فليشهد أنه من أهل الجنة فهذا مراده اذا شهد أنه ~~مؤمن عند الله يموت على الايمان وكذلك ان كان مقصوده ان ايماني حاصل بمشيئة ~~الله ms4095 # ومن لم يستثن قال أنا لا أشك في ايمان قلبى فلا جناح عليه اذا ~~PageV13P046 لم يزك نفسه ويقطع بأنه عامل كما أمر وقد تقبل الله عمله وان ~~لم يقل ان ايمانه كايمان جبريل وأبى بكر وعمر ونحو ذلك من أقوال المرجئة ~~كما كان مسعر بن كدام يقول أنا لا أشك في ايمانى قال أحمد ولم يكن من ~~المرجئة فان المرجئة الذين يقولون الأعمال ليست من الايمان وهو كان يقول هي ~~من الايمان لكن أنا لا أشك في ايماني # وكان الثورى يقول لسفيان بن عيينة ألا تنهاه عن هذا فإنهم من قبيلة واحدة ~~وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن النزاع في هذا كان بين أهل العلم والدين من جنس المنازعة ~~في كثير من الأحكام وكلهم من أهل الايمان والقرآن # ( وأما جهم ( فكان يقول ان الايمان مجرد تصديق القلب وان لم يتكلم به ~~وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الامة وأئمتها بل أحمد ووكيع وغيرهما ~~كفروا من قال بهذا القول ولكن هو الذي نصره الاشعرى وأكثر أصحابه ولكن ~~قالوا مع ذلك أن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا بتكفير ~~الشارع له على خلو قلبه من المعرفة وقد بسط الكلام على أقوالهم وأقوال ~~غيرهم في ( الإيمان PageV13P047 والأصل الذى منه نشأ النزاع اعتقاد من ~~اعتقد أن من كان مؤمنا لم يكن معه شيء من الكفر والنفاق وظن بعضهم أن هذا ~~اجماع كما ذكر الأشعري ان هذا اجماع فهذا كان أصل الارجاء كما كان ( أصل ~~القدر ( عجزهم عن الايمان بالشرع والقدر جميعا فلما كان هذا أصلهم صاروا ~~حزبين قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقينا أن الأعمال من الايمان فمن ~~تركها فقد ترك بعض الايمان واذا زال بعضه زال جميعه لأن الايمان لا يتبعض ~~ولا يكون في العبد ايمان ونفاق فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار اذا كان ~~ليس معهم من الايمان # شيء وقالت ( المرجئة ( مقتصدهم وغلاتهم كالجهمية قد علمنا أن أهل الذنوب ~~من أهل القبلة ms4096 لا يخلدون في النار بل يخرجون منها كما تواترت بذلك الاحاديث ~~وعلمنا بالكتاب والسنة واجماع الأئمة أنهم ليسوا كفارا مرتدين فان الكتاب ~~قد أمر بقطع السارق لا بقتله وجاءت السنة بجلد الشارب لا بقتله فلو كان ~~هؤلاء كفارا مرتدين لوجب قتلهم وبهذا ظهر للمعتزلة ضعف قول الخوارج ~~فخالفوهم في أحكامهم في الدنيا و # ( الخوارج ( لا يتمسكون من السنة الا بما فسر مجملها دون ما خالف ظاهر ~~القرآن عندهم فلا يرجمون الزانى ولا يرون للسرقة PageV13P048 # نصابا وحينئذ فقد يقولون ليس في القرآن قتل المرتد فقد يكون المرتد عندهم ~~نوعين ( # و ( أقوال الخوارج ( انما عرفناها من نقل الناس عنهم لم نقف لهم على كتاب ~~مصنف كما وقفنا على كتب المعتزلة والرافضة والزيدية والكرامية والاشعرية ~~والسالمية وأهل المذاهب الأربعة والظاهرية ومذاهب أهل الحديث والفلاسفة ~~والصوفية ونحو هؤلاء # وقد بسط الكلام على تفصيل القول في أقوال هؤلاء في غير هذا الموضع # وان الناس في ترتيب أهل الاهواء على ( أقسام ( # منهم من يرتبهم على زمان حدوثهم فيبدأ بالخوارج # ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغلظه فيبدأ بالمرجئة ويختم بالجهمية كما ~~فعله كثير من اصحاب أحمد رضى الله عنه كعبدالله ابنه ونحوه وكالخلال وأبى ~~عبد الله بن بطة وأمثالهما وكأبي الفرج المقدسى وكلا الطائفتين تختم ~~بالجهمية لأنهم أغلظ البدع وكالبخارى في صحيحة فانه بدأ ب ( كتاب الايمان ~~والرد على المرجئة ( وختمه ( بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية ~~PageV13P049 ولما صنف الكتاب في الكلام صاروا يقدمون التوحيد والصفات فيكون ~~الكلام اولا مع الجهمية وكذلك رتب أبو القاسم الطبري كتابه في أصول السنة ~~والبيهقى أفرد لكل صنف مصنفا فله مصنف في الصفات ومصنف في القدر ومصنف في ~~شعب الايمان ومصنف في دلائل النبوة ومصنف في البعث والنشور وبسط هذه الأمور ~~له موضع آخر # والمقصود هنا أن منشأ النزاع في ( الأسماء والأحكام ( في الايمان ~~والاسلام انهم لما ظنوا أنه لا يتبعض قال أولئك فاذا فعل ذنبا زال بعضه ~~فيزول كله فيخلد في النار فقالت الجهمية والمرجئة قد علمنا أنه ليس ms4097 يخلد في ~~النار وأنه ليس كافرا مرتدا بل هو من المسلمين واذا كان من المسلمين وجب أن ~~يكون مؤمنا تام الايمان ( ليس ( معه بعض الايمان لأن الايمان عندهم لا ~~يتبعض فاحتاجوا أن يجعلوا الايمان شيئا واحدا يشترك فيه جميع أهل القبلة ~~فقال فقهاء المرجئة هو التصديق بالقلب والقول باللسان فقالت الجهمية بعد ~~تصديق اللسان قد لا يجب اذا كان الرجل أخرس أو كان مكرها فالذى لابد منه ~~تصديق القلب وقالت المرجئة الرجل اذا أسلم كان مؤمنا قبل أن يجب عليه شيء ~~من الأفعال # وأنكر كل هذه الطوائف أنه ( ينقص ( والصحابة قد ثبت عنهم PageV13P050 أن ~~الايمان يزيد وينقص وهو قول أئمة السنة وكان بن المبارك يقول هو يتفاضل ~~ويتزايد ويمسك عن لفظ ينقص وعن مالك في كونه لا ينقص روايتان والقرآن قد ~~نطق بالزيادة في غير موضع ودلت النصوص على نقصه كقوله ( لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن ( ونحو ذلك لكن لم يعرف هذا اللفظ الا في قوله في النساء ( ~~ناقصات عقل ودين ( وجعل من نقصان دينها انها اذا حاضت لا تصوم ولا تصلى ~~وبهذا استدل غير واحد على أنه ينقص وذلك أن أصل أهل السنة أن الايمان ~~يتفاضل من وجهين من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العبد # أما ( الأول ( فانه ليس الايمان الذي أمر به شخص من المؤمنين هو الايمان ~~الذي أمر به كل شخص فان المسلمين في أول الامر كانوا مأمورين بمقدار من ~~الايمان ثم بعد ذلك امروا بغير ذلك وأمروا بترك ما كانوا مأمورين به ~~كالقبلة فكان من الايمان في أول الأمر الايمان بوجوب استقبال بيت المقدس ثم ~~صار من الايمان تحريم استقباله ووجوب استقبال الكعبة فقد تنوع الايمان في ~~الشريعة الواحدة # و ( ايضا ( فمن وجب عليه الحج والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الايمان أن ~~يعلم ما أمر به ويؤمن بان الله أوجب عليه ما لا يجب PageV13P051 على غيره ~~الا مجملا وهذا يجب عليه فيه الايمان المفصل وكذلك الرجل أول ما يسلم انما ~~يجب عليه ms4098 الاقرار المجمل ثم اذا جاء وقت الصلاة كان عليه ان يؤمن بوجوبها ~~ويؤديها فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الايمان وهذا من أصول غلط ~~المرجئة فانهم ظنوا أنه شيء واحد وأنه يستوى فيه جميع المكلفين فقالوا ~~ايمان الملائكة والانبياء وأفسق الناس سواء كما أنه اذا تلفظ الفاسق ~~بالشهادتين أو قرأ فاتحة الكتاب كان لفظه كلفظ غيره من الناس # فيقال لهم قد تبين أن الايمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل ~~ويتباينون فيه تباينا عظيما فيجب على الملائكة من الايمان ما لا يجب على ~~البشر ويجب على الانبياء من الايمان ما لا يجب على غيرهم ويجب على العلماء ~~ما لا يجب على غيرهم ويجب على الامراء ما لا يجب على غيرهم وليس المراد أنه ~~يجب عليهم من العمل فقط بل ومن التصديق والاقرار # فإن الناس وان كان يجب عليهم الاقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول ~~فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما أخبر به وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالاقرار ~~به مفصلا وما لم يؤمر به العبد من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر ~~به فمن أمر بحج وجب عليه معرفة ما أمر به من أعمال الحج والايمان بها فيجب ~~عليه من الايمان PageV13P052 والعمل ما لا يجب على غيره وكذلك من أمر ~~بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر الله به من الزكاة ومن الايمان بذلك والعمل ~~به ما لا يجب على غيره فيجب عليه من العلم والايمان والعمل ما لا يجب على ~~غيره اذا جعل العلم والعمل ليسا من الايمان وان جعل جميع ذلك داخلا في مسمى ~~الايمان كان أبلغ فبكل حال قد وجب عليه من الايمان ما لا يجب على غيره # ولهذا كان من الناس من قد يؤمن بالرسول مجملا فاذا جاءت امور أخرى لم ~~يؤمن بها فيصير منافقا مثل طائفة نافقت لما حولت القبلة إلى الكعبة وطائفة ~~نافقت لما انهزم المسلمون يوم أحد ونحو ذلك # ولهذا وصف الله المنافقين في القرآن بأنهم آمنوا ثم كفروا كما ms4099 ذكر ذلك في ~~سورة المنافقين وذكر مثل ذلك في سورة البقرة فقال ( مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم ~~عمي فهم لا يرجعون ( وقال طائفة من السلف عرفوا ثم أنكروا وأبصروا ثم عموا # فمن هؤلاء من كان يؤمن أولا ايمانا مجملا ثم يأتي أمور لا يؤمن ~~PageV13P053 بها فينافق في الباطن وما يمكنه اظهار الردة بل يتكلم بالنفاق ~~مع خاصته وهذا كما ذكر الله عنهم في الجهاد فقال ( فاذا أنزلت سورة محكمة ~~وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشى عليه من ~~الموت فأولي # لهم طاعة وقول معروف فاذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ( و ( ~~بالجملة ( فلا يمكن المنازعة أن الايمان الذي أوجبه الله يتباين فيه أحوال ~~الناس ويتفاضلون في ايمانهم ودينهم بحسب ذلك ولهذا قال النبى ( ( في النساء ~~( ناقصات عقل ودين ( وقال في نقصان دينهن ( انها اذا حاضت لا تصوم ولا تصلى ~~( وهذا مما أمر الله به فليس هذا النقص دينا لها تعاقب عليه لكن هو نقص حيث ~~لم تؤمر بالعبادة في هذا الحال والرجل كامل حيث أمر بالعبادة في كل حال فدل ~~ذلك على أن من أمر بطاعة يفعلها كان افضل ممن لم يؤمر بها وان لم يكن عاصيا ~~فهذا أفضل دينا وايمانا وهذا المفضول ليس بمعاقب ومذموم فهذه زيادة كزيادة ~~الايمان بالتطوعات لكن هذه زيادة بواجب في حق شخص وليس بواجب في حق شخص ~~غيره فهذه الزيادة لو تركها بهذا لا يستحق العقاب بتركها وذاك لا يستحق ~~العقاب بتركها ولكن ايمان ذلك أكمل قال النبى ( ( ( أكمل المؤمنين ايمانا ~~أحسنهم خلقا PageV13P054 فهذا يبين تفاضل الايمان في نفس الأمر به وفى نفس ~~الاخبار التى يجب التصديق بها # و ( النوع الثانى ( هو تفاضل الناس في الاتيان به مع استوائهم في الواجب ~~وهذا هو الذي يظن أنه محل النزاع وكلاهما محل النزاع وهذا أيضا يتفاضلون ~~فيه فليس ايمان السارق والزاني والشارب كايمان غيرهم ms4100 ولا ايمان من أدى ~~الواجبات كايمان من أخل ببعضها كما أنه ليس دين هذا وبره وتقواه مثل دين ~~هذا وبره وتقواه بل هذا أفضل دينا وبرا وتقوى فهو كذلك أفضل ايمانا كما قال ~~النبى ( ( ( أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا ( وقد يجتمع في العبد ايمان ~~ونفاق كما في الصحيحين عن النبى ( ( قال ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ~~ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها اذا حدث كذب ~~واذا أؤتمن خان واذا عاهد غدر واذا خاصم فجر ( # وأصل هؤلاء ان الايمان لا يتبعض ولا يتفاضل بل هو شيء واحد يستوى فيه ~~جميع العباد فيما أوجبه الرب من الايمان وفيما يفعله العبد من الأعمال ~~فغلطوا في هذا وهذا ثم تفرقوا كما تقدم ( # وصارت المرجئة على ( ثلاثة أقوال ( فعلماؤهم وأئمتهم أحسنهم PageV13P055 ~~قولا وهو ان قالوا الايمان تصديق القلب وقول اللسان # وقالت الجهمية هو تصديق القلب فقط # ( وقالت الكرامية هو القول فقط ( فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الايمان لكن ~~ان كان مقرى بقلبه كان من أهل الجنة وان كان مكذبا بقلبه كان منافقا مؤمنا ~~من أهل النار وهذا القول هو الذي اختصت به الكرامية وابتدعته ولم يسبقها ~~أحد إلى هذا القول وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الايمان وبعض الناس يحكى ~~عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة وهو غلط عليهم بل ~~يقولون انه مؤمن كامل الايمان وأنه من أهل النار فيلزمهم أن يكون المؤمن ~~الكامل الايمان معذبا في النار بل يكون مخلدا فيها وقد تواتر عن النبى ( ( ~~أنه ( يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ( # وإن قالوا لا يخلد وهو منافق لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار ~~والمنافقون قد قال الله فيهم ( ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن ~~تجد لهم نصيرا ( وقد نهى الله نبيه عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وقال له ~~( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن ms4101 يغفر الله لهم ~~( وقال ( ولا PageV13P056 تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره انهم ~~كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ( وقد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله # فإن قالوا هؤلاء قد كانوا يتكلمون بألسنتهم سرا فكفروا بذلك وانما يكون ~~مؤمنا اذا تكلم بلسانه ولم يتكلم بما ينقضه فإن ذلك ردة عن الايمان قيل لهم ~~ولو اضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين قال تعالى @QB@ يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله ~~مخرج ما تحذرون @QE@ # وأيضا قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وأنهم ~~كاذبون فقال تعالى @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ وقد قال ~~النبى ( ( الاسلام علانية والايمان في القلب ( وقد قال الله تعالى @QB@ ~~قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم @QE@ وفى الصحيحين عن سعد أن النبى ( ( أعطى رجالا ولم يعط رجلا ~~فقلت يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال ( أو مسلم ~~( مرتين أو ثلاثا وبسط الكلام PageV13P057 في هذا له مواضع أخر وقد صنفت في ~~ذلك مجلدا غير ما صنفت فيه غير ذلك # وكلام الناس في هذا الاسم ومسماه كثير لأنه قطب الدين الذي يدور عليه ~~وليس في القول اسم علق به السعادة والشقاء والمدح والذم والثواب والعقاب ~~أعظم من اسم الايمان والكفر ولهذا سمى هذا الأصل ( مسائل الأسماء والأحكام ~~( وقد رأيت لابن الهيصم فيه مصنفا في أنه قول اللسان فقط ورأيت لابن ~~الباقلانى فيه مصنفا أنه تصديق القلب فقط وكلاهما في عصر واحد وكلاهما يرد ~~على المعتزلة والرافضة # و ( المقصود هنا ( أن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والايمان # فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف صار أهل التفرق والاختلاف ~~شيعا صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والايمان ولكن على ms4102 أصول ~~ابتدعها شيوخهم عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والايمان بالرسول ~~وغير ذلك ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به وما خالفها تأولوه ~~فلهذا تجدهم اذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما ولم ~~يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى اذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ~~ذلك والآيات التى تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن ~~PageV13P058 ليس مقصوده ان يفهم مراد الرسول بل ان يدفع منازعه عن الاحتجاج ~~بها # ولهذا قال كثير منهم كأبى الحسين البصري ومن تبعه كالرازي والآمدي وبن ~~الحاجب أن الأمة اذا اختلفت في تأويل الآية على قولين جاز لمن بعدهم احداث ~~قول ثالث بخلاف ما اذا اختلفوا في الاحكام على قولين فجوزوا أن تكون الامة ~~مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث وان يكون الله أنزل الآية وأراد ~~بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون ولكن قالوا ان الله أراد معنى آخر وهم ~~لو تصوروا هذه ( المقالة ( لم يقولوا هذا فان أصلهم أن الأمة لا تجتمع على ~~ضلالة ولا يقولون قولين كلاهما خطأ والصواب قول ثالث لم يقولوه لكن قد ~~اعتادوا أن يتأولوا ما خالفهم والتأويل عندهم مقصوده بيان احتمال في لفظ ~~الآية بجواز أن يراد ذلك المعنى بذلك اللفظ ولم يستشعروا أن المتأول هو ~~مبين لمراد الآية مخبر عن الله تعالى أنه أراد هذا المعنى اذا حملها على ~~معنى # وكذلك اذا قالوا يجوز أن يراد بها هذا المعنى والأمة قبلهم لم يقولوا ~~أريد بها الا هذا أو هذا فقد جوزوا أن يكون ما أراده الله لم يخبر به الأمة ~~وأخبرت أن مراده غير ما أراده لكن الذى قاله هؤلاء يتمشى اذا كان التأويل ~~أنه يجوز أن يراد هذا المعنى من غير PageV13P059 حكم بأنه مراد وتكون الامة ~~قبلهم كلها كانت جاهلة بمراد الله ضالة عن معرفته وانقرض عصر الصحابة ~~والتابعين وهم لم يعلموا معنى الآية ولكن طائفة قالت يجوز أن يريد هذا ~~المعنى وطائفة قالت يجوز أن يريد هذا ms4103 المعنى وليس فيهم من علم المراد فجاء ~~الثالث وقال ها هنا معنى يجوز أن يكون هو المراد فاذا كانت الأمة من الجهل ~~بمعانى القرآن والضلال عن مراد الرب بهذه الحال توجه ما قالوه وبسط هذا له ~~موضع آخر 3 و ( المقصود ( أن كثيرا من المتأخرين لم يصيروا يعتمدون في ~~دينهم لا على القرآن ولا على الايمان الذى جاء به الرسول بخلاف السلف فلهذا ~~كان السلف أكمل علما وايمانا وخطؤهم أخف وصوابهم أكثر كما قدمناه # وكان الأصل الذى أسسوه هو ما أمرهم الله به في قوله @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم @QE@ ~~فان هذا أمر للمؤمنين بما وصف به الملائكة كما قال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ~~@QE@ فوصفهم سبحانه بأنهم PageV13P060 لا يسبقونه بالقول وأنهم بأمره ~~يعملون فلا يخبرون عن شيء من صفاته ولا غير صفاته الا بعد أن يخبر سبحانه ~~بما يخبر به فيكون خبرهم وقولهم تبعا لخبره وقوله كما قال @QB@ لا يسبقونه ~~بالقول @QE@ وأعمالهم تابعة لأمره فلا يعملون الا ما أمرهم هو ان يعملوا به ~~فهم مطيعون لأمره سبحانه # وقد وصف سبحانه بذلك ملائكة النار فقال @QB@ قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون @QE@ وقد ظن بعضهم أن هذا توكيد وقال بعضهم بل لا يعصونه ~~في الماضي ويفعلون ما أمروا به في المستقبل وأحسن من هذا وهذا أن العاصي هو ~~الممتنع من طاعة الامر مع قدرته على الامتثال فلو لم يفعل ما أمر به لعجزه ~~لم يكن عاصيا فاذا قال @QB@ لا يعصون الله ما أمرهم @QE@ لم يكن في هذا ~~بيان أنهم يفعلون ما يؤمرون فان العاجز ليس بعاص ولا فاعل لما ms4104 أمر به وقال ~~( ويفعلون ما يؤمرون ( ليبين أنهم قادرون على فعل ما أمروا به فهم لا ~~يتركونه لا عجزا ولا معصية والمأمور انما يترك ما أمر به لأحد هذين اما أن ~~لا يكون قادرا وإما أن يكون عاصيا لا يريد الطاعة فاذا كان مطيعا يريد طاعة ~~الآمر وهو قادر وجب وجود فعل ما أمر به فكذلك الملائكة المذكورون لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون PageV13P061 # وقد وصف الملائكة بأنهم ( عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون ومن يقل منهم انى اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى ~~الظالمين ( # فالملائكة مصدقون بخبر ربهم مطيعون لأمره ولا يخبرون حتى يخبر ولا يعملون ~~حتى يأمر كما قال تعالى ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ( وقد أمر ~~الله المؤمنين أن يكونوا مع الله ورسوله كذلك فان البشر لم يسمعوا كلام ~~الله منه بل بينهم وبينه رسول من البشر فعليهم أن لا يقولوا حتى يقول ~~الرسول ما بلغهم عن الله ولا يعملون الا بما امرهم به كما قال تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم @QE@ # قال مجاهد لا تفتاتوا عليه بشيء حتى يقضيه الله على لسانه ( تقدموا ( ~~معناه تتقدموا وهو فعل لازم وقد قرئ ( يقدموا ( يقال قدم وتقدم كما يقال ~~بين وتبين وقد يستعمل قدم متعديا أى قدم غيره لكن هنا هو فعل لازم فلا ~~تقدموا معناه لا تتقدموا بين يدى الله ورسوله # فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين الا تبعا لما جاء به ~~PageV13P062 الرسول ولا يتقدم بين يديه بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعا ~~لقوله وعلمه تبعا لأمره فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم ~~باحسان وأئمة المسلمين فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله ولا ~~يؤسس دينا غير ما جاء به الرسول وإذا أراد معرفة شيء من ms4105 الدين والكلام فيه ~~نظر فيما قاله الله والرسول فمنه يتعلم وبه يتكلم وفيه ينظر ويتفكر وبه ~~يستدل فهذا أصل أهل السنة وأهل البدع لا يجعلون اعتمادهم في الباطن ونفس ~~الأمر على ما تلقوه عن الرسول بل على ما رأوه أو ذاقوه ثم ان وجدوا السنة ~~توافقه والا لم يبالوا بذلك فاذا وجدوها تخالفه أعرضوا عنها تفويضا أو ~~حرفوها تاويلا # فهذا هو الفرقان بين أهل الايمان والسنة وأهل النفاق والبدعة وان كان ~~هؤلاء لهم من الايمان نصيب وافر من اتباع السنة لكن فيهم من النفاق والبدعة ~~بحسب ما تقدموا فيه بين يدى الله ورسوله وخالفوا الله ورسوله ثم ان لم ~~يعلموا ان ذلك يخالف الرسول ولو علموا لما قالوه لم يكونوا منافقين بل ~~ناقصى الايمان مبتدعين وخطؤهم مغفور لهم لا يعاقبون عليه وان نقصوا به ~~PageV13P063 # ( ### ||| فصل # وكل من خالف ما جاء به الرسول لم يكن عنده علم بذلك ولا عدل بل لا يكون ~~عنده الا جهل وظلم وظن ( وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ( وذلك ~~لأن ما أخبر به الرسول فهو حق باطنا وظاهرا فلا يمكن ان يتصور أن يكون الحق ~~في نقيضه وحينئذ فمن اعتقد نقيضه كان اعتقاده باطلا والاعتقاد الباطل لا ~~يكون علما وما أمر به الرسول فهو عدل لا ظلم فيه فمن نهى عنه فقد نهى عن ~~العدل ومن أمر بضده فقد أمر بالظلم فان ضد العدل الظلم فلا يكون ما يخالفه ~~الا جهلا وظلما ظنا وما تهوى الانفس وهو لا يخرج عن قسمين أحسنهما أن يكون ~~كان شرعا لبعض الانبياء ثم نسخ وادناهما أن يكون ما شرع قط بل يكون من ~~المبدل فكل ما خالف حكم الله ورسوله فاما شرع منسوخ واما شرع مبدل ما شرعه ~~الله بل شرعه شارع بغير اذن من الله كما قال ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم ياذن به الله ( لكن هذا وهذا قد يقعان في خفى الامور ودقيقها ~~باجتهاد من أصحابها استفرغوا فيه PageV13P064 وسعهم في طلب ms4106 الحق # ويكون لهم من الصواب والاتباع ما يغمر ذلك كما وقع مثل ذلك من بعض ~~الصحابة في مسائل الطلاق والفرائض ونحو ذلك ولم يكن منهم مثل هذا في جلى ~~الامور وجليلها لأن بيان هذا من الرسول كان ظاهرا بينهم فلا يخالفه الا من ~~يخالف الرسول وهم معتصمون بحبل الله يحكمون الرسول فيما شجر بينهم لا ~~يتقدمون بين يدى الله ورسوله فضلا عن تعمد مخالفة الله ورسوله # فلما طال الزمان خفى على كثير من الناس ما كان ظاهرا لهم ودق على كثير من ~~الناس ما كان جليا لهم فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن ~~مثل هذا في السلف # وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم ويثيبهم على ~~اجتهادهم # وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلا يعملها في ~~ذلك الزمان لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا ~~من يعينهم على ذلك لكن تضعيف الاجر لهم في أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن ~~يكونوا أفضل من الصحابة ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة فان الذى سبق إليه ~~الصحابة من الايمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه ~~PageV13P065 وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته ~~وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته بل مع قلة المؤمنين وكثرة ~~الكافرين والمنافقين وانفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في ~~مثل تلك الحال أمر ما بقى يحصل مثله لأحد كما في الصحيحين عنه ( ( لا تسبوا ~~أصحابى فوالذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه ( وقد استفاضت النصوص الصحيحة عنه أنه قال ( ( خير القرون قرنى الذين ~~بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( فجملة القرن الأول أفضل من ~~القرن الثانى والثانى افضل من الثالث والثالث أفضل من الرابع لكن قد يكون ~~في الرابع من هو أفضل من بعض الثالث وكذلك في الثالث مع الثانى وهل يكون ~~فيمن بعد الصحابة من ms4107 هو أفضل من بعض الصحابة المفضولين لا الفاضلين هذا فيه ~~نزاع وفيه قولان حكاهما القاضي عياض وغيره ومن الناس من يفرضها في مثل ~~معاوية وعمر بن عبد العزيز فان معاوية له مزية الصحبة والجهاد مع النبى ( ( ~~وعمر له مزية فضيلته من العدل والزهد والخوف من الله تعالى وبسط هذا له ~~موضع آخر # و ( المقصود هنا ( أن من خالف الرسول فلابد أن يتبع الظن PageV13P066 وما ~~تهوى الانفس كما قال تعالى في المشركين الذين يعبدون اللات والعزى @QB@ إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ # وقال في الذين يخبرون عن الملائكة أنهم اناث @QB@ إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم إن يتبعون إلا ~~الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بمن اهتدى @QE@ وهم جعلوهم اناثا كما قال @QB@ وجعلوا الملائكة الذين ~~هم عباد الرحمن إناثا @QE@ وفى القراءة الاخرى @QB@ عباد الرحمن إناثا ~~أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون @QE@ وهؤلاء قال عنهم ( ان يتبعون الا ~~الظن ( لأنه خبر محض ليس فيه عمل وهناك ( وما تهوى الأنفس ( لأنهم كانوا ~~يعبدونها ويدعونها فهناك عبادة وعمل بهوى أنفسهم فقال ( ان يتبعون الا الظن ~~وما تهوى الانفس ( والذى جاء به الرسول كما قال @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل ~~صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى @QE@ ~~وكل من خالف الرسول لا يخرج عن الظن وما تهوى الانفس فان كان ممن يعتقد ما ~~قاله وله فيه حجة يستدل بها كان غايته الظن الذى لا يغنى من الحق شيئا ~~PageV13P067 كاحتجاجهم بقياس فاسد أو نقل كاذب أو خطاب القى اليهم اعتقدوا ~~أنه من الله وكان من القاء الشيطان # وهذه الثلاثة هي عمدة من يخالف السنة بما يراه حجة ودليلا اما أن يحتج ~~بأدلة عقلية ويظنها برهانا وأدلة قطعية وتكون ms4108 شبهات فاسدة مركبة من ألفاظ ~~مجملة ومعان متشابهة لم يميز بين حقها وباطلها كما يوجد مثل ذلك في جميع ما ~~يحتج به من خالف الكتاب والسنة انما يركب حججه من ألفاظ متشابهة فإذا وقع ~~الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل وهذه هي الحجج العقلية وان تمسك ~~المبطل بحجج سمعية فاما أن تكون كذبا على الرسول أو تكون غير دالة على ما ~~احتج بها أهل البطول فالمنع اما في الاسناد واما في المتن ودلالته على ما ~~ذكر وهذه الحجة السمعية هذه حجة أهل العلم الظاهر # وأما حجة اهل الذوق والوجد والمكاشفة والمخاطبة فان أهل الحق من هؤلاء ~~لهم الهامات صحيحة مطابقة كما في الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( قد كان ~~في الأمم قبلكم محدثون فان يكن في أمتى أحد فعمر ( وكان عمر يقول اقتربوا ~~من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فانها تجلى لهم أمور صادقة وفى ~~الترمذى عن أبى سعيد عن النبى ( ( أنه PageV13P068 قال ( اتقوا فراسة ~~المؤمن فانه ينظر بنور الله ثم قرأ قوله @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ~~@QE@ وقال بعض الصحابة أظنه والله للحق يقذفه الله على قلوبهم وأسماعهم وفى ~~صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى ( ( أنه قال ( ولا يزال عبدى يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ~~ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ( وفى رواية ( فبى يسمع وبى يبصر ~~وبى يبطش وبى يمشى ( فقد أخبر أنه يسمع بالحق ويبصر به # وكانوا يقولون ان السكينة تنطق على لسان عمر رضى الله عنه وقال ( ( من ~~سأل القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يسأله ولم يستعن عليه أنزل الله ~~عليه ملكا يسدده ( وقال الله تعالى @QB@ نور على نور @QE@ نور الايمان مع ~~نور القرآن وقال تعالى @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه @QE@ ~~وهو المؤمن على بينة من ربه ويتبعه شاهد من الله وهو القرآن شهد الله في ~~القرآن بمثل ما عليه المؤمن من بينة الايمان وهذا ms4109 القدر مما أقر به حذاق ~~النظار لما تكلموا في وجوب النظر وتحصيله للعلم فقيل لهم أهل التصفية ~~والرياضة والعبادة والتأله تحصل لهم المعارف والعلوم اليقينية بدون النظر ~~كما قال الشيخ الملقب بالكبيرى للرازى ورفيقه وقد قالا له يا شيخ بلغنا أنك ~~تعلم علم اليقين فقال نعم فقالا كيف تعلم ونحن نتناظر PageV13P069 في زمان ~~طويل كلما ذكر شيئا أفسدته وكلما ذكرت شيئا افسده فقال هو واردات ترد على ~~النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يعجبان من ذلك ويكرران الكلام وطلب ~~أحدهما أن تحصل له هذه الواردات فعلمه الشيخ وأدبه حتى حصلت له وكان من ~~المعتزلة النفاة # فتبين له أن الحق مع أهل الاثبات وان الله سبحانه فوق سمواته وعلم ذلك ~~بالضرورة رأيت هذه الحكاية بخط القاضي نجم الدين أحمد بن محمد بن خلف ~~المقدسى وذكر أن الشيخ الكبيرى حكاها له وكان قد حدثنى بها عنه غير واحد ~~حتى رأيتها بخطه وكلام المشايخ في مثل هذا كثير وهذا الوصف الذى ذكره الشيخ ~~جواب لهم بحسب ما يعرفون فانهم قد قسموا العلم إلى ضرورى ونظرى والنظرى ~~مستند إلى الضرورى والضرورى هو العلم الذى يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه ~~معه الانفكاك عنه هذا حد القاضي أبى بكر بن الطيب وغيره فخاصته أنه يلزم ~~النفس لزوما لا يمكن مع ذلك دفعه فقال لهم علم اليقين عندنا هو من هذا ~~الجنس وهو علم يلزم النفس لزوما لا يمكنه مع ذلك الانفكاك عنه وقال واردات ~~لأنه يحصل مع العلم طمأنينة وسكينة توجب العمل به فالواردات تحصل بهذا وهذا ~~وهذا قد اقر به كثير من حذاق النظار متقدميهم كالكيا الهراسى والغزالى ~~PageV13P070 وغيرهما ومتأخريهم كالرازى والآمدى وقالوا نحن لا ننكر ان يحصل ~~لناس علم ضرورى بما يحصل لنا بالنظر هذا لا ندفعه لكن ان لم يكن علما ~~ضروريا فلابد له من دليل والدليل يكون مستلزما للمدلول عليه بحيث يلزم من ~~انتفاء الدليل انتفاء المدلول عليه قالوا فان كان لو دفع ذلك الإعتقاد الذى ~~حصل له لزم دفع شيء ms4110 مما يعلم بالضرورة فهذا هو الدليل وان لم يكن كذلك فهذا ~~هوس لا يلتفت إليه وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود أن هذا الجنس واقع لكن يقع أيضا ما يظن أنه منه كثير أو لا يميز ~~كثير منهم الحق من الباطل كما يقع في الادلة العقلية والسمعية فمن هؤلاء من ~~يسمع خطابا أو يرى من يأمره بقضية ويكون ذلك الخطاب من الشيطان ويكون ذلك ~~الذى يخاطبه الشيطان وهو يحسب أنه من أولياء الله من رجال الغيب # ورجال الغيب هم الجن وهو يحسب أنه أنسى وقد يقول له أنا الخضر أو الياس ~~بل أنا محمد أو إبراهيم الخليل أو المسيح أو أبو بكر أو عمر أو أنا الشيخ ~~فلان أو الشيخ فلان ممن يحسن بهم الظن وقد يطير به في الهواء أو يأتيه ~~بطعام أو شراب أو نفقة فيظن هذا كرامة بل آية ومعجزة تدل على أن هذا من ~~رجال الغيب أو من الملائكة ويكون ذلك شيطانا لبس عليه فهذا PageV13P071 ~~ومثله واقع كثيرا أعرف منه وقائع كثيرة كما أعرف من الغلط في السمعيات ~~والعقليات # فهؤلاء يتبعون ظنا لا يغنى من الحق شيئا ولو لم يتقدموا بين يدى الله ~~ورسوله بل اعتصموا بالكتاب والسنة لتبين لهم أن هذا من الشيطان وكثير من ~~هؤلاء يتبع ذوقه ووجده وما يجده محبوبا إليه بغير علم ولا هدى ولا بصيرة ~~فيكون متبعا لهواه بلا ظن وخيارهم من يتبع الظن وما تهوى الأنفس وهؤلاء اذا ~~طلب من أحدهم حجة ذكر تقليده لمن يحبه من آبائه وأسلافه كقول المشركين ( ~~انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون ( وان عكسوا احتجوا ~~بالقدر وهو أن الله أراد هذا وسلطنا عليه فهم يعملون بهواهم وإرادة نفوسهم ~~بحسب قدرتهم كالملوك المسلطين وكان الواجب عليهم أن يعملوا بما امر الله ~~فيتبعون أمر الله وما يحبه ويرضاه لا يتبعون ارادتهم وما يحبونه هم ويرضونه ~~وأن يستعينوا بالله فيقولون ( اياك نعبد وإياك نستعين ( لا حول ولا قوة الا ~~بالله لا يعتمدون على ما أوتوه ms4111 من القوة والتصرف والحال فان هذا من الجد ~~وقد كان النبى ( ( يقول عقب الصلاة وفى الاعتدال بعد الركوع ( اللهم لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد PageV13P072 # فالذوق والوجد هو يرجع إلى حب الانسان ووجده بحلاوته وذوقه وطعمه وكل ~~صاحب محبة فله في محبوبه ذوق ووجد فان لم يكن ذلك بسلطان من الله وهو ما ~~أنزله على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ( كان صاحبه متبعا لهواه بغير هدى ~~وقد قال الله تعالى @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو ~~أعلم بالمعتدين @QE@ # وكذلك من اتبع ما يرد عليه من الخطاب أو ما يراه من الأنوار والاشخاص ~~الغيبية ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسنة فانما يتبع ظنا لا يغنى من الحق شيئا # فليس في المحدثين الملهمين أفضل من عمر كما قال ( ( أنه قد كان في الأمم ~~قبلكم محدثون فان يكن في أمتى منهم أحد فعمر منهم ( وقد وافق عمر ربه في ~~عدة أشياء ومع هذا فكان عليه أن يعتصم بما جاء به الرسول ولا يقبل ما يرد ~~عليه حتى يعرضه على الرسول ولا يتقدم بين يدى الله ورسوله بل يجعل ما ورد ~~عليه اذا تبين له من ذلك اشياء خلاف ما وقع له فيرجع إلى السنة وكان أبو ~~بكر يبين له اشياء خفيت عليه فيرجع إلى بيان PageV13P073 الصديق وارشاده ~~وتعليمه كما جرى يوم الحديبية ويوم مات الرسول ويوم ناظره في مانعى الزكاة ~~وغير ذلك وكانت المرأة ترد عليه ما يقوله وتذكر الحجة من القرآن فيرجع ~~اليها كما جرى في مهور النساء ومثل هذا كثير # فكل من كان من أهل الالهام والخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل من عمر فعليه ~~أن يسلك سبيله في الاعتصام بالكتاب والسنة تبعا لما جاء به الرسول لا يجعل ~~ما جاء به ms4112 الرسول تبعا لما ورد عليه وهؤلاء الذين أخطئوا وضلوا وتركوا ذلك ~~واستغنوا بما ورد عليهم وظنوا أن ذلك يغنيهم عن اتباع العلم المنقول # وصار أحدهم يقول أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحى الذى لا ~~يموت فيقال له أما ما نقله الثقات عن المعصوم فهو حق ولولا النقل المعصوم ~~لكنت أنت وأمثالك اما من المشركين واما من اليهود والنصارى وأما ما وردعليك ~~فمن أين لك أنه وحى من الله ومن أين لك أنه ليس من وحى الشيطان # و ( الوحى ( وحيان وحى من الرحمن ووحى من الشيطان قال تعالى @QB@ وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ ~~PageV13P074 # وقال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين @QE@ وقد كان ~~المختار بن أبى عبيد من هذا الضرب حتى قيل لابن عمر وبن عباس قيل لأحدهما ~~انه يقول أنه يوحى إليه فقال @QB@ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~ليجادلوكم @QE@ وقيل للآخر أنه يقول أنه ينزل عليه فقال @QB@ هل أنبئكم على ~~من تنزل الشياطين @QE@ # فهؤلاء يحتاجون إلى الفرقان الايمانى القرآنى النبوى الشرعى أعظم من حاجة ~~غيرهم وهؤلاء لهم حسيات يرونها ويسمعونها والحسيات يضطر اليها الانسان بغير ~~اختياره كما قد يرى الانسان أشياء ويسمع أشياء بغير اختياره كما أن النظار ~~لهم قياس ومعقول وأهل السمع لهم اخبار منقولات # وهذه الأنواع الثلاثة هي طرق العلم الحس والخبر والنظر وكل انسان ( يستدل ~~( من هذه الثلاثة في بعض الأمور لكن يكون بعض الأنواع أغلب على بعض الناس ~~في الدين وغير الدين كالطب فانه تجربات وقياسات وأهله منهم من تغلب عليه ~~التجربة ومنهم من يغلب عليه القياس والقياس أصله التجربة والتجربة لابد ~~فيها من قياس لكن مثل قياس العاديات لا تعرف فيه العلة والمناسبة وصاحب ~~القياس من يستخرج العلة المناسبة ويعلق الحكم بها والعقل خاصة القياس ~~والأعتبار والقضايا الكلية فلابد له من الحسيات التى PageV13P075 هي الأصل ~~ليعتبر بها والحس ان لم يكن مع صاحبه عقل ms4113 والا فقد يغلط # والناس يقولون غلط الحس والغلط تارة من الحس وتارة من صاحبه فان الحس يرى ~~أمرا معينا فيظن صاحبه فيه شيئا آخر فيؤتى من ظنه فلابد له من العقل # ولهذا النائم يرى شيئا وتلك الأمور لها وجود وتحقيق ولكن هي خيالات ~~وأمثلة فلما عزب ظنها الرائى نفس الحقائق كالذى يرى نفسه في مكان آخر يكلم ~~أمواتا ويكلمونه ويفعل أمورا كثيرة وهو في النوم يجزم بأنه نفسه الذى يقول ~~ويفعل لأن عقله عزب عنه وتلك الصورة التى رآها مثال صورته وخيالها لكن غاب ~~عقله عن نفسه حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك ~~خيالات ومثالات ومن الناس من لا يغيب عقله بل يعلم في المنام أن ذلك في ~~المنام وهذا كالذى يرى صورته في المرآة أو صورة غيره فاذا كان ضعيف العقل ~~ظن أن تلك الصورة هي الشخص حتى انه يفعل به ما يفعل بالشخص وهذا يقع ~~للصبيان والبله كما يخيل لأحدهم في الضوء شخص يتحرك ويصعد وينزل فيظنونه ~~شخصا حقيقة ولا يعلمون أنه خيال فالحس اذا أحس ( حسا ( صحيحا لم يغلط لكن ~~معه عقل لم يميز بين هذا العين والمثال فان العقل قد عقل قبل PageV13P076 ~~هذا أن مثل هذا يكون مثالا وقد عقل لوازم الشخص بعينه وانه لا يكون في ~~الهواء ولا في المرآة ولا يكون بدنه في غير مكانه وأن الجسم الواحد لا يكون ~~في مكانين # وهؤلاء الذين لهم مكاشفات ومخاطبات يرون ويسمعون ما له وجود في الخارج ~~وما لا يكون موجودا الا في أنفسهم كحال النائم وهذا يعرفه كل أحد ولكن قد ~~يرون في الخارج أشخاصا يرونها عيانا وما في خيال الانسان لا يراه غيره ~~ويخاطبهم أولئك الاشخاص ويحملونهم ويذهبون بهم إلى عرفات فيقفون بها واما ~~إلى غير عرفات ويأتوهم بذهب وفضة وطعام ولباس وسلاح وغير ذلك ويخرجون إلى ~~الناس ويأتونهم أيضا بمن يطلبونه مثل من يكون له ارادة في امرأة أو صبى ~~فيأتونه بذلك أما محمولا في الهواء ms4114 واما بسعى شديد ويخبر أنه وجد في نفسه ~~من الباعث القوى ما لم يمكنه المقام معه أو يخبر أنه سمع خطابا وقد يقتلون ~~له من يريد قتله من أعدائه أو يمرضونه فهذا كله موجود كثيرا لكن من الناس ~~من يعلم ان هذا من الشيطان وأنه من السحر وان ذلك حصل بما قاله وعمله من ~~السحر # ومنهم من يعلم أن ذلك من الجن ويقول هذا كرامة أكرمنا بتسخير الجن لنا ~~ومنهم من لا يظن أولئك الأشخاص الا آدميين أو PageV13P077 ملائكة فان كانوا ~~غير معروفين قال هؤلاء رجال الغيب وان تسموا فقالوا هذا هو الخضر وهذا هو ~~الياس وهذا هو أبو بكر وعمر وهذا هو الشيخ عبدالقادر أو الشيخ عدى أو الشيخ ~~أحمد الرفاعى أو غير ذلك ظن أن الأمر كذلك # فهنا لم يغلط لكن غلط عقله حيث لم يعرف أن هذه شياطين تمثلت على صور ~~هؤلاء وكثير من هؤلاء يظن أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( نفسه أو غيره من ~~الانبياء أو الصالحين يأتيه في اليقظة ومن يرى ذلك عند قبر النبى ( ( أو ~~الشيخ وهو صادق في أنه اياه من قال أنه النبى أو الشيخ أو قيل له ذلك فيه ~~لكن غلط حيث ظن صدق أولئك # والذى له عقل وعلم يعلم أن هذا ليس هو النبى ( ( تارة لما يراه منهم من ~~مخالفة الشرع مثل أن يأمروه بما يخالف أمر الله ورسوله وتارة يعلم أن النبى ~~( ( ما كان يأتى أحدا من أصحابه بعد موته في اليقظة ولا كان يخاطبهم من ~~قبره فكيف يكون هذا لى وتارة يعلم أن الميت لم يقم من قبره وأن روحه في ~~الجنة لا تصير في الدنيا هكذا # وهذا يقع كثيرا لكثير من هؤلاء ويسمون تلك الصورة رقيقة PageV13P078 فلان ~~وقد يقولون هو معناه تشكل وقد يقولون روحانيته ومن هؤلاء من يقول اذا مت ~~فلا تدعوا أحدا يغسلنى ولا فلانا يحضرنى فانى أنا أغسل نفسى فاذا مات رأوه ~~قد جاء وغسل ذلك البدن ويكون ذلك جنيا قد قال لهذا ms4115 الميت انك تجيء بعد ~~الموت واعتقد ذلك حقا فانه كان في حياته يقول له أمورا وغرض الشيطان أن يضل ~~أصحابه وأما بلاد المشركين كالهند فهذا كثيرا ما يرون الميت بعد موته جاء ~~وفتح حانوته ورد ودائع وقضى ديونا ودخل إلى منزله ثم ذهب وهم لا يشكون أنه ~~الشخص نفسه وانما هو شيطان تصور في صورته # ومن هؤلاء من يكون في جنازة أبيه أو غيره والميت على سريره وهو يراه آخذا ~~يمشى مع الناس بيد ابنه وأبيه قد جعل شيخا بعد أبيه فلا يشك ابنه أن أباه ~~نفسه هو كان الماشى معه الذى رآه هو دون غيره وانما كان شيطانا ويكون مثل ~~هذا الشيطان قد سمى نفسه خالدا وغير خالد وقال لهم أنه من رجال الغيب وهم ~~يعتقدون أنه من الانس الصالحين ويسمونه خالدا الغيبى وينسبون الشيخ إليه ~~فيقولون محمد الخالدى ونحو ذلك # فان الجن مأمورون ومنهيون كالانس وقد بعث الله الرسل من الانس اليهم والى ~~الانس وأمر الجميع بطاعة الرسل كما قال PageV13P079 تعالى @QB@ يا معشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين @QE@ وهذا بعد قوله @QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا ~~أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله @QE@ # قال غير واحد من السلف أى كثير من أغويتم من الانس وأضللتموهم قال البغوى ~~قال بعضهم استمتاع الانس بالجن ما كانوا يلقون لهم من الأراجيف والسحر ~~والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التى يهيئونها ويسهل سبيلها عليهم واستمتاع ~~الجن بالانس طاعة الانس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصى قال محمد ~~بن كعب هو طاعة بعضهم لبعض وموافقة بعضهم بعضا وذكر بن أبى حاتم عن الحسن ~~البصرى قال ما كان استمتاع بعضهم ببعض الا أن الجن أمرت وعملت الانس وعن ~~محمد بن كعب قال هو الصحابة ms4116 في الدنيا وقال بن السائب استمتاع الانس بالجن ~~استعاذتهم بهم واستمتاع الجن بالانس ان قالوا قد أسرنا الانس مع الجن حتى ~~عاذوا بنا فيزدادون شرفا في أنفسهم وعظما في نفوسهم وهذا كقوله @QB@ وأنه ~~كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ PageV13P080 قلت ~~الاستمتاع بالشيء هو أن يتمتع به فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه ويدخل في ~~ذلك استمتاع الرجال بالنساء بعضهم ببعض كما قال @QB@ فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة @QE@ ومن ذلك الفواحش كاستمتاع الذكور بالذكور والاناث ~~بالاناث ويدخل في هذا الاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كما يتمتع الملوك ~~والسادة بجنودهم ومماليكهم ويدخل في ذلك الاستمتاع بالاموال كاللباس ومنه ~~قوله @QB@ ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره @QE@ وكان من السلف من ~~يمتع المرأة بخادم فهي تستمتع بخدمته ومنهم من يمتع بكسوة أو نفقة ولهذا ~~قال الفقهاء أعلى المتعة خادم وأدناها كسوة تجزى فيها الصلاة # وفى ( الجملة ( استمتاع الانس بالجن والجن بالانس يشبه استمتاع الانس ~~بالانس قال تعالى @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وتقطعت بهم الأسباب @QE@ ( قال مجاهد هي المودات التى كانت لغير ~~الله وقال الخليل ( انما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ( وقال تعالى @QB@ ~~أفرأيت من اتخذ إلهه هواه @QE@ فالمشرك يعبد ما يهواه واتباع الهوى هو ~~استمتاع من صاحبه بما يهواه وقد وقع في الانس والجن هذا كله PageV13P081 ~~وتارة يخدم هؤلاء لهؤلاء في أغراضهم وهؤلاء لهؤلاء في أغراضهم فالجن تأتيه ~~بما يريد من صورة أو مال أو قتل عدوه والانس تطيع الجن فتارة تسجد له وتارة ~~تسجد لما يأمره بالسجود له وتارة تمكنه من نفسه فيفعل به الفاحشة وكذلك ~~الجنيات منهن من يريد من الانس الذى يخدمنه ما يريد نساء الانس من الرجال ~~وهذا كثير في رجال الجن ونسائهم فكثير من رجالهم ينال من نساء الانس ما ~~يناله الانسى وقد يفعل ذلك بالذكران # وصرع الجن للإنس هو لأسباب ثلاثة تارة يكون ms4117 الجنى يحب المصروع فيصرعه ~~ليتمتع به وهذا الصرع يكون أرفق من غيره وأسهل وتارة يكون الانسى آذاهم اذا ~~بال عليهم أو صب عليهم ماء حارا أو يكون قتل بعضهم أو غير ذلك من أنواع ~~الأذى وهذا أشد الصرع وكثيرا ما يقتلون المصروع وتارة يكون بطريق العبث به ~~كما يعبث سفهاء الانس بابناء السبيل # ومن استمتاع الانس بالجن استخدامهم في الأخبار بالأمور الغائبة كما يخبر ~~الكهان فان في الانس من له غرض في هذا لما يحصل به من الرياسة والمال وغير ~~ذلك فان كان القوم كفارا كما كانت العرب لم تبال بأن يقال أنه كاهن كما كان ~~بعض العرب كهانا وقدم النبى ( ( المدينة وفيها كهان وكان المنافقون يطلبون ~~التحاكم إلى PageV13P082 الكهان وكان أبو أبرق الأسلمى أحد الكهان قبل أن ~~يسلم وان كان القوم مسلمين لم يظهر أنه كاهن بل يجعل ذلك من باب الكرامات ~~وهو من جنس الكهان فانه لا يخدم الانسى بهذه الأخبار الا لما يستمتع به من ~~الانسى بان يطيعه الانسى في بعض ما يريده اما في شرك واما في فاحشة واما في ~~أكل حرام واما في قتل نفس بغير حق # فالشياطين لهم غرض فيما نهى الله عنه من الكفر والفسوق والعصيان ولهم لذة ~~في الشر والفتن يحبون ذلك وان لم يكن فيه منفعة لهم وهم يأمرون السارق أن ~~يسرق ويذهبون إلى أهل المال فيقولون فلان سرق متاعكم ولهذا يقال القوة ~~الملكية والبهيمية والسبعية والشيطانية فان الملكية فيها العلم النافع ~~والعمل الصالح والبهيمية فيها الشهوات كالأكل والشرب والسبعية فيها الغضب ~~وهو دفع المؤذى وأما الشيطانية فشر محض ليس فيها جلب منفعة ولا دفع مضرة # والفلاسفة ونحوهم ممن لا يعرف الجن والشياطين لا يعرفون هذه وانما يعرفون ~~الشهوة والغضب والشهوة والغضب خلقا لمصلحة ومنفعة لكن المذموم هو العدوان ~~فيهما وأما الشيطان فيأمر بالشر الذى لا منفعة فيه ويحب ذلك كما فعل ابليس ~~بآدم لما وسوس له وكما PageV13P083 امتنع من السجود له فالحسد يأمر به ~~الشيطان والحاسد لا ينتفع بزوال النعمة ms4118 عن المحسود لكن يبغض ذلك وقد يكون ~~بغضه لفوات غرضه وقد لا يكون # ومن استمتاع الانس بالجن استخدامهم في احضار بعض ما يطلبونه من مال وطعام ~~وثياب ونفقة فقد يأتون ببعض ذلك وقد يدلونه على كنز وغيره واستمتاع الجن ~~بالانس استعمالهم فيما يريده الشيطان من كفر وفسوق ومعصية ومن استمتاع ~~الانس بالجن استخدامهم فيما يطلبه الانس من شرك وقتل وفواحش فتارة يتمثل ~~الجنى في صورة الانسى فاذا استغاث به بعض أتباعه أتاه فظن أنه الشيخ نفسه ~~وتارة يكون التابع قد نادى شيخه وهتف به يا سيدى فلان فينقل الجنى ذلك ~~الكلام إلى الشيخ بمثل صوت الانسى حتى يظن الشيخ أنه صوت الانسى بعينه ثم ~~ان الشيخ يقول نعم ويشير اشارة يدفع بها ذلك المكروه فيأتى الجنى بمثل ذلك ~~الصوت والفعل فيظن ذلك الشخص أنه شيخه نفسه وهو الذى أجابه وهو الذى فعل ~~ذلك حتى أن تابع الشيخ قد يكون يده في اناء يأكل فيضع الجنى يده في صورة يد ~~الشيخ ويأخذ من الطعام فيظن ذلك التابع أنه شيخه حاضر معه والجنى يمثل ~~للشيخ نفسه مثل ذلك الاناء فيضع يده فيه حتى يظن الشيخ أن يده PageV13P084 ~~في ذلك الاناء فاذا حضر المريد ذكر له الشيخ أن يدى كانت في الاناء فيصدقه ~~ويكون بينهما مسافة شهر والشيخ موضعه ويده لم تطل ولكن الجنى مثل للشيخ ~~ومثل للمريد حتى ظن كل منهما أن أحدهما عند الآخر وانما كان عنده ما مثله ~~الجنى وخيله # وإذا سئل الشيخ المخدوم عن أمر غائب اما سرقة واما شخص مات وطلب منه أن ~~يخبر بحاله أو علة في النساء أو غير ذلك فان الجنى قد يمثل ذلك فيريه صورة ~~المسروق فيقول الشيخ ذهب لكم كذا وكذا ثم ان كان صاحب المال معظما وأراد أن ~~يدله على سرقته مثل له الشيخ الذى أخذه أو المكان الذى فيه المال فيذهبون ~~إليه فيجدونه كما قال والاكثر منهم أنهم يظهرون صورة المال ولا يكون عليه ~~لأن الذى سرق المال معه ايضا جنى ms4119 يخدمه والجن يخاف بعضهم من بعض كما أن ~~الانس يخاف بعضهم بعضا فاذا دل الجنى عليه جاء إليه اولياء السارق فآذوه ~~وأحيانا لا يدل لكون السارق وأعوانه يخدمونه ويرشونه كما يصيب من يعرف ~~اللصوص من الانس تارة يعرف السارق ولا يعرف به اما لرغبة ينالها منه وإما ~~لرهبة وخوف منه واذا كان المال المسروق لكبير يخافه ويرجوه عرف سارقه فهذا ~~وأمثاله من استمتاع بعضهم ببعض # والجن مكلفون كتكليف الانس ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ( مرسل ~~PageV13P085 إلى الثقلين الجن والانس وكفار الجن يدخلون النار بالنصوص ~~واجماع المسلمين # وأما مؤمنوهم ففيهم قولان وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون ~~الجنة وقد روى أنهم يكونون في ربضها يراهم الانس من حيث لا يرون الانس عكس ~~الحال في الدنيا وهو حديث رواه الطبرانى في معجمه الصغير يحتاج إلى النظر ~~في اسناده وقد # احتج بن أبى ليلى وأبو يوسف على ذلك بقوله تعالى @QB@ ولكل درجات مما ~~عملوا @QE@ وقد ذكر الجن والانس الأبرار والفجار في الأحقاف والانعام واحتج ~~الاوزاعى وغيره بقوله تعالى @QB@ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان @QE@ وقد قال ~~تعالى في الأعراف @QB@ أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم ~~من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا @QE@ وقد تقدم قبل ~~هذا ذكر أهل الجنة وقوله @QB@ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة @QE@ ثم قال @QB@ ولكل درجات مما عملوا ~~وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون @QE@ قال عبد الرحمن بن زيد بن اسلم درجات ~~اهل الجنة تذهب علوا ودرجات أهل النار تذهب سفلا وقد قال تعالى عن قول الجن ~~@QB@ منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا @QE@ وقالوا @QB@ وأنا منا ~~المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا ~~لجهنم حطبا @QE@ PageV13P086 ففيهم الكفار والفساق والعصاة وفيهم من فيه ~~عبادة ودين بنوع من قلة العلم كما في الانس وكل نوع من الجن يميل إلى نظيره ~~من الانس فاليهود مع اليهود والنصارى مع النصارى والمسلمون مع ms4120 المسلمين ~~والفساق مع الفساق وأهل الجهل والبدع مع أهل الجهل والبدع # واستخدام الانس لهم مثل استخدام الانس للانس بشيء منهم من يستخدمهم في ~~المحرمات من الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم وقد يظنون ذلك ~~من كرامات الصالحين وانما هو من أفعال الشياطين # ومنهم من يستخدمهم في أمور مباحة اما احضار ماله أو دلالة على مكان فيه ~~مال ليس له مالك معصوم # أو دفع من يؤذيه ونحو ذلك فهذا كاستعانة الانس بعضهم ببعض في ذلك و ( ~~النوع الثالث ( أن يستعملهم في طاعة الله ورسوله كما يستعمل الانس في مثل ~~ذلك فيأمرهم بما أمر الله به ورسوله وينهاهم عما نهاهم الله عنه ورسوله كما ~~يأمر الانس وينهاهم وهذه حال نبينا ( ( وحال من اتبعه واقتدى به من أمته ~~وهم أفضل الخلق فإنهم يأمرون الانس والجن بما أمرهم الله به ورسوله ~~PageV13P087 وينهون الانس والجن عما نهاهم الله عنه ورسوله اذ كان نبينا ~~محمد ( ( مبعوثا بذلك إلى الثقلين الانس والجن وقد قال الله له ( قل هذه ~~سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من ~~المشركين ( وقال ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم ( # وعمر رضى الله عنه لما نادى يا سارية الجبل قال ان لله جنودا يبلغون صوتى ~~وجنود الله هم من الملائكة ومن صالحى الجن فجنود الله بلغوا صوت عمر إلى ~~سارية وهو أنهم نادوه بمثل صوت عمر والا نفس صوت عمر لا يصل نفسه في هذه ~~المسافة البعيدة وهذا كالرجل يدعو آخر وهو بعيد عنه فيقول يا فلان فيعان ~~على ذلك فيقول الواسطة بينهما يا فلان وقد يقول لمن هو بعيد عنه يا فلان ~~احبس الماء تعال الينا وهو لا يسمع صوته فيناديه الواسطة بمثل ذلك يا فلان ~~احبس الماء أرسل الماء اما بمثل صوت الأول ان كان لا يقبل الا صوته والا ~~فلا يضر بأى صوت كان اذا عرف ان صاحبه قد ناداه # وهذه حكاية كان عمر ms4121 مرة قد أرسل جيشا فجاء شخص وأخبر أهل المدينة بانتصار ~~الجيش وشاع الخبر فقال عمر من أين لكم PageV13P088 هذا قالوا شخص صفته كيت ~~وكيت فأخبرنا فقال عمر ذاك أبو الهيثم بريد الجن وسيجيء بريد الانسان بعد ~~ذلك بأيام # وقد يأمر الملك بعض الناس بأمر ويستكتمه اياه فيخرج فيرى الناس يتحدثون ~~به فإن الجن تسمعه وتخبر به الناس والذين يستخدمون الجن في المباحات يشبه ~~استخدام سليمان لكن أعطى ملكا لا ينبغى لأحد بعده وسخرت له الانس والجن ~~وهذا لم يحصل لغيره والنبى ( ( لما تفلت عليه العفريت ليقطع عليه صلاته قال ~~( فأخذته فذعته حتى سال لعابه على يدى وأردت أن أربطه إلى سارية من سوارى ~~المسجد ثم ذكرت دعوة أخى سليمان فأرسلته ( فلم يستخدم الجن أصلا لكن دعاهم ~~إلى الايمان بالله وقرأ عليهم القرآن وبلغهم الرسالة وبايعهم كما فعل ~~بالانس # والذى أوتيه ( ( أعظم مما أوتيه سليمان فإنه استعمل الجن والانس في عبادة ~~الله وحده وسعادتهم في الدنيا والآخرة لا لغرض يرجع إليه الا ابتغاء وجه ~~الله وطلب مرضاته واختار أن يكون عبدا رسولا على أن يكون نبيا ملكا فداود ~~وسليمان ويوسف أنبياء ملوك وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد رسل عبيد فهو أفضل ~~كفضل السابقين المقربين على الأبرار أصحاب اليمين وكثير ممن يرى هذه ~~العجائب الخارقة يعتقد أنها من كرامات الاولياء وكثير من أهل PageV13P089 ~~الكلام والعلم لم يعرفوا الفرق بين الانبياء والصالحين في الآيات الخارقة ~~وما لأولياء الشيطان من ذلك من السحرة والكهان والكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب وأهل البدع والضلال من الداخلين في الاسلام فجعلوا الخوارق جنسا ~~واحدا وقالوا كلها يمكن أن تكون معجزة اذا اقترنت بدعوى النبوة والاستدلال ~~بها والتحدى بمثلها # وإذا ادعى النبوة من ليس بنبى من الكفار والسحرة فلابد أن يسلبه الله ما ~~كان معه من ذلك وأن يقيض له من يعارضه ولو عارض واحد من هؤلاء النبى لأعجزه ~~الله فخاصة المعجزات عندهم مجرد كون المرسل اليهم لا يأتون بمثل ما أتى به ~~النبى مما لم يكن معتادا للناس قالوا ms4122 ان عجز الناس عن المعارضة خرق عادة ~~فهذه هي المعجزات عندهم وهم ضاهوا سلفهم من المعتزلة الذين قالوا المعجزات ~~هي خرق العادة لكن أنكروا كرامات الصالحين وأنكروا أن يكون السحر والكهانة ~~الا من جنس الشعبذة والحيل لم يعلموا أن الشياطين تعين على ذلك وأولئك ~~أثبتوا الكرامات ثم زعموا أن المسلمين أجمعوا على أن هذه لا تكون الا لرجل ~~صالح أو نبى قالوا فاذا ظهرت على يد رجل كان صالحا بهذا الاجماع # وهؤلاء أنفسهم قد ذكروا أنها يكون للسحرة ما هو مثلها وتناقضوا في ذلك ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع PageV13P090 فصار كثير من الناس لا يعلمون ما ~~للسحرة والكهان وما يفعله الشياطين من العجائب وظنوا أنها لا تكون الا لرجل ~~صالح فصار من ظهرت هذه له يظن أنها كرامة فيقوى قلبه بأن طريقته هي طريقة ~~الاولياء وكذلك غيرهم يظن فيه ذلك ثم يقولون الولى اذا تولى لا يعترض عليه ~~فمنهم من يراه مخالفا لما علم بالاضطرار من دين الرسول مثل ترك الصلاة ~~المفروضة وأكل الخبائث كالخمر والحشيشة والميتة وغير ذلك وفعل الفواحش ~~والفحش والتفحش في المنطق وظلم الناس وقتل النفس بغير حق والشرك بالله وهو ~~مع ذلك يظن فيه أنه ولى من أولياء الله قد وهبه هذه الكرامات بلا عمل فضلا ~~من الله تعالى ولا يعلمون ان هذه من أعمال الشياطين وان هذه من أولياء ~~الشياطين تضل بها الناس وتغويهم # ودخلت الشياطين في أنواع من ذلك فتارة يأتون الشخص في النوم يقول أحدهم ~~أنا أبو بكر الصديق وأنا أتوبك لى وأصير شيخك وأنت تتوب الناس لى ويلبسه ~~فيصبح وعلى رأسه ما ألبسه فلا يشك ان الصديق هو الذى جاءه ولا يعلم انه ~~الشيطان وقد جرى مثل هذا لعدة من المشايخ بالعراق والجزيرة والشام وتارة ~~يقص شعره في النوم فيصبح فيجد شعره مقصوصا وتارة يقول أنا الشيخ فلان فلا ~~يشك أن الشيخ نفسه جاءه وقص شعره PageV13P091 # وكثيرا ما يستغيث الرجل بشيخه الحى أو الميت فيأتونه في صورة ذلك الشيخ ~~وقد ms4123 يخلصونه مما يكره فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه أو أن ملكا تصور بصورته ~~وجاءه ولا يعلم ان ذلك الذى تمثل انما هو الشيطان لما أشرك بالله أضلته ~~الشياطين والملائكة لا تجيب مشركا # وتارة يأتون إلى من هو خال في البرية وقد يكون ملكا أو أميرا كبيرا ويكون ~~كافرا وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف الموت فيأتيه في صورة انسى ويسقيه ~~ويدعوه إلى الاسلام ويتوبه فيسلم على يديه ويتوبه ويطعمه ويدله على الطريق ~~ويقول من أنت فيقول أنا فلان ويكون ( من مؤمنى الجن # ( كما جرى مثل هذا لى كنت في مصر في قلعتها وجرى مثل هذا إلى كثير من ~~الترك من ناحية المشرق وقال له ذلك الشخص أنا بن تيمية فلم يشك ذلك الأمير ~~انى أنا هو وأخبر بذلك ملك ماردين وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولا ~~وكنت في الحبس فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس ولكن كان هذا جنيا ~~يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاؤوا إلى دمشق كنت ~~أدعوهم إلى الاسلام فاذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم PageV13P092 ما تيسر ~~فعمل معهم مثل ما كنت أعمل وأراد بذلك اكرامى ليظن ذاك انى أنا الذى فعلت ~~ذلك # قال لى طائفة من الناس فلم لا يجوز أن يكون ملكا قلت لا ان الملك لا يكذب ~~وهذا قد قال أنا بن تيمية وهو يعلم أنه كاذب في ذلك # وكثير من الناس رأى من قال انى أنا الخضر وانما كان جنيا # ثم صار من الناس من يكذب بهذه الحكايات انكارا لموت الخضر والذين قد ~~عرفوا صدقها يقطعون بحياة الخضر وكلا الطائفتين مخطئ فإن الذين رأوا من قال ~~انى أنا الخضر هم كثيرون صادقون والحكايات متواترات لكن أخطئوا في ظنهم أنه ~~الخضر وانما كان جنيا ولهذا يجرى مثل هذا لليهود والنصارى فكثيرا ما يأتيهم ~~في كنائسهم من يقول أنه الخضر وكذلك اليهود يأتيهم في كنائسهم من يقول أنه ~~الخضر وفى ذلك من الحكايات الصادقة ما يضيق عنه هذا ms4124 الموضع يبين صدق من رأى ~~شخصا وظن أنه الخضر وأنه غلط في ظنه أنه الخضر وانما كان جنيا وقد يقول أنا ~~المسيح أو موسى أو محمد أو أبو بكر أو عمر أو الشيخ فلان فكل هذا قد وقع ~~والنبى ( صلى الله عليه وسلم ( قال ( من رآنى في المنام فقد رآنى حقا ~~PageV13P093 فإن الشيطان لا يتمثل في صورتى ( قال بن عباس في صورته التى ~~كان عليها في حياته وهذه رؤية في المنام وأما في اليقظة فمن ظن أن أحدا من ~~الموتى يجيء بنفسه للناس عيانا قبل يوم القيامة فمن جهله أتى # ومن هنا ضلت النصارى حيث اعتقدوا ان المسيح بعد أن صلب كما يظنون أنه أتى ~~إلى الحواريين وكلمهم ووصاهم وهذا مذكور في أناجيلهم وكلها تشهد بذلك وذاك ~~الذى جاء كان شيطانا قال أنا المسيح ولم يكن هو المسيح نفسه ويجوز أن يشتبه ~~مثل هذا على الحواريين كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين ولكن ما أخبرهم ~~المسيح قبل أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذى يجب عليهم تبليغه ولم يرفع حتى ~~بلغ رسالات ربه فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء ( # وأصحاب الحلاج لما قتل كان يأتيهم من يقول أنا الحلاج فيرونه في صورته ~~عيانا وكذلك شيخ بمصر يقال له الدسوقى بعد ان مات كان يأتى أصحابه من جهته ~~رسائل وكتب مكتوبة وارانى صادق من أصحابه الكتاب الذى أرسله فرأيته بخط ~~الجن وقد رأيت خط الجن غير مرة وفيه كلام من كلام الجن وذاك المعتقد يعتقد ~~أن الشيخ حى وكان يقول انتقل ثم مات وكذلك شيخ آخر كان بالمشرق وكان له ~~خوارق من الجن وقيل كان بعد هذا يأتى خواص PageV13P094 أصحابه في صورته ~~فيعتقدون أنه هو وهكذا الذين كانوا يعتقدون بقاء على أو بقاء محمد بن ~~الحنفية قد كان يأتى إلى بعض أصحابهم جنى في صورته وكذا منتظر الرافضة قد ~~يراه أحدهم أحيانا ويكون المرئى جنيا # فهذا باب واسع واقع كثيرا وكلما كان القوم أجهل كان عندهم أكثر ففى ms4125 ~~المشركين أكثر مما في النصارى وهو في النصارى كما هو في الداخلين في ~~الاسلام وهذه الأمور يسلم بسببها ناس ويتوب بسببها ناس يكونون أضل من ~~أصحابها فينتقلون بسببها إلى ما هو خير مما كان عليه كالشيخ الذى فيه كذب ~~وفجور من الانس قد يأتيه قوم كفار فيدعوهم إلى الاسلام فيسلمون ويصيرون ~~خيرا مما كانوا وان كان قصد ذلك الرجل فاسدا وقد قال النبى ( ( ان الله ~~يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لاخلاق لهم ( # وهذا كالحجج والادلة التى يذكرها كثير من أهل الكلام والرأى فإنه ينقطع ~~بها كثير من اهل الباطل ويقوى بها قلوب كثير من اهل الحق وان كانت في نفسها ~~باطلة فغيرها أبطل منها والخير والشر درجات فينتفع بها اقوام ينتقلون مما ~~كانوا عليه إلى ما هو خير منه PageV13P095 وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين ~~من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير ~~وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفارا وكذلك بعض ~~الملوك قد يغزو غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك ومع هذا ~~فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين وذاك كان شرا بالنسبة إلى ~~القائم بالواجب واما بالنسبة إلى الكفار فهو خير # وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب والفضائل والاحكام ~~والقصص قد يسمعها أقوام فينتقلون بها إلى خير مما كانوا عليه وان كانت كذبا ~~وهذا كالرجل يسلم رغبة في الدنيا ورهبة من السيف ثم اذا أسلم وطال مكثه بين ~~المسلمين دخل الايمان في قلبه فنفس ذل الكفر الذى كان عليه وانقهاره ودخوله ~~في حكم المسلمين خير من أن يبقى كافرا فانتقل إلى خير مما كان عليه وخف ~~الشر الذى كان فيه ثم اذا أراد الله هدايته أدخل الايمان في قلبه # والله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ~~والنبى ( ( دعا الخلق بغاية الامكان PageV13P096 ونقل كل شخص إلى خير مما ~~كان عليه بحسب الامكان @QB@ ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون ms4126 @QE@ وأكثر المتكلمين يردون باطلا بباطل وبدعة ببدعة لكن قد يردون ~~باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب بباطل المسلمين فيصير الكافر مسلما ~~مبتدعا واخص من هؤلاء من يرد البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها ~~وهى بدعة أهل السنة وقد ذكرنا فيما تقدم أصناف البدع ( # ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة ومن الخوارج فان المعتزلة تقر بخلافة ~~الخلفاء الاربعة وكلهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان وكذلك المعروف عنهم أنهم ~~يتولون عليا ومنهم من يفضله على أبى بكر وعمر ولكن حكى عن بعض متقدميهم أنه ~~قال فسق يوم الجمل احدى الطائفتين ولا أعلم عينها وقالوا أنه قال لو شهد ~~على والزبير لم أقبل شهادتهما لفسق أحدهما لا بعينه ولو شهد على مع آخر ففى ~~قبول شهادته قولان وهذا القول شاذ فيهم والذى عليه عامتهم تعظيم على # ( # ومن المشهور عندهم ذم معاوية وأبى موسى وعمرو بن العاص لأجل على ومنهم من ~~يكفر هؤلاء ويفسقهم بخلاف طلحة والزبير PageV13P097 وعائشة فانهم يقولون أن ~~هؤلاء تابوا من قتاله وكلهم يتولى عثمان ويعظمون أبا بكر وعمر ويعظمون ~~الذنوب فهم يتحرون الصدق كالخوارج لا يختلقون الكذب كالرافضة ولا يرون أيضا ~~اتخاذ دار غير دار الاسلام كالخوارج ولهم كتب في تفسير القرآن ونصر الرسول ~~ولهم محاسن كثيرة يترجحون على الخوارج والروافض وهم قصدهم اثبات توحيد الله ~~ورحمته وحكمته وصدقه وطاعته واصولهم الخمس عن هذه الصفات الخمس لكنهم غلطوا ~~في بعض ما قالوه في كل واحد من أصولهم الخمس فجعلوا من ( التوحيد ( نفى ~~الصفات وانكار الرؤية والقول بأن القرآن مخلوق فوافقوا في ذلك الجهمية ~~وجعلوا من ( العدل ( أنه لا يشاء ما يكون ويكون ما لا يشاء وأنه لم يخلق ~~أفعال العباد فنفوا قدرته ومشيئته وخلقه لاثبات العدل وجعلوا من الرحمة نفى ~~أمور خلقها لم يعرفوا ما فيها من الحكمة وكذلك هم والخوارج قالوا ب ( انفاذ ~~الوعيد ( ليثبتوا ان الرب صادق لا يكذب اذ كان عندهم قد أخبر بالوعيد العام ~~فمتى لم يقل بذلك لزم كذبه وغلطوا في فهم الوعيد ms4127 وكذلك ( الأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر بالسيف ( قصدوا به طاعة الله ورسوله كما يقصده الخوارج ~~والزيدية فغلطوا في ذلك # وكذلك انكارهم للخوارق غير المعجزات قصدوا به اثبات النبوة PageV13P098 ~~ونصرها وغلطوا فيما سلكوه فان النصر لا يكون بتكذيب الحق وذلك لكونهم لم ~~يحققوا خاصة آيات الانبياء # والأشعرية ما ردوه من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم وبينوا ما ~~بينوه من تناقضهم وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة فحصل بما قالوه من ~~بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير # فإن الأشعرى كان من المعتزلة وبقى على مذهبهم أربعين سنة يقرأ على أبى ~~على الجبائى فلما انتقل عن مذهبهم كان خبيرا بأصولهم وبالرد عليهم وبيان ~~تناقضهم وأما ما بقى عليه من السنة فليس هو من خصائص المعتزلة بل هو من ~~القدر المشترك بينهم وبين الجهمية وأما خصائص المعتزلة فلم يوالهم الاشعرى ~~في شيء منها بل ناقضهم في جميع أصولهم ومال في ( مسائل العدل والاسماء ~~والاحكام ( إلى مذهب جهم ونحوه # وكثير من الطوائف ( كالنجارية ( أتباع حسين النجار و ( الضرارية ( أتباع ~~ضرار بن عمرو يخالفون المعتزلة في القدر والاسماء والاحكام وانفاذ الوعيد ~~والمعتزلة من أبعد الناس عن طريق أهل الكشف والخوارق والصوفية يذمونها ~~ويعيبونها PageV13P099 وكذلك يبالغون في ذم النصارى أكثر مما يبالغون في ذم ~~اليهود وهم إلى اليهود أقرب كما أن الصوفية ونحوهم إلى النصارى أقرب فان ~~النصارى عندهم عبادة وزهد وأخلاق بلا معرفة ولا بصيرة فهم ضالون واليهود ~~عندهم علم ونظر بلا قصد صالح ولا عبادة ولا زهد ولا أخلاق كريمة فهم مغضوب ~~عليهم والنصارى ضالون # قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم ولا أعلم في هذا الحرف اختلافا بين ~~المفسرين وروى باسناده عن أبى روق عن بن عباس وغير طريق الضالين وهم ~~النصارى الذين اضلهم الله بفريتهم عليه يقول فالهمنا دينك الحق وهو لا اله ~~الا الله وحده لا شريك له حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود ولا تضلنا ~~كما أضللت النصارى فتعذبنا كما تعذبهم يقول أمنعنا من ms4128 ذلك برفقك ورحمتك ~~ورأفتك وقدرتك قال بن أبى حاتم ولا أعلم في هذا الحرف اختلافا بين المفسرين ~~وقد قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ~~ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى # فأهل الكلام أصل أمرهم هو النظر في العلم ودليله فيعظمون العلم وطريقه ~~وهو الدليل والسلوك في طريقه وهو النظر # وأهل الزهد يعظمون الارادة والمريد وطريق أهل الارادة PageV13P100 فهؤلاء ~~يبنون أمرهم على الارادة وأولئك يبنون أمرهم على النظر وهذه هي القوة ~~العلمية ولابد لأهل الصراط المستقيم من هذا وهذا ولابد أن يكون هذا وهذا ~~موافقا لما جاء به الرسول # فالايمان قول وعمل وموافقة السنة وأولئك عظموا النظر وأعرضوا عن الارادة ~~وعظموا جنس النظر ولم يلتزموا النظر الشرعى فغلطوا من جهة كون جانب الارادة ~~لم يعظموه وان كانوا يوجبون الاعمال الظاهرة فهم لا يعرفون أعمال القلوب ~~وحقائقها ومن جهة أن النظر لم يميزوا فيه بين النظر الشرعى الحق الذى أمر ~~به الشارع وأخبر به وبين النظر البدعى الباطل المنهى عنه # وكذلك ( الصوفية ( عظموا جنس الارادة ارادة القلب وذموا الهوى وبالغوا في ~~الباب ولم يميز كثير منهم بين الارادة الشرعية الموافقة لأمر الله ورسوله ~~وبين الارادة البدعية بل أقبلوا على طريق الارادة دون طريقة النظر وأعرض ~~كثير منهم فدخل عليهم الداخل من هاتين الجهتين ولهذا صار هؤلاء يميل اليهم ~~النصارى ويميلون اليهم وأولئك يميل اليهم اليهود ويميلون اليهم وبين اليهود ~~والنصارى غاية التنافر والتباغض # وكذلك بين أهل الكلام والرأى وبين أهل التصوف والزهد PageV13P101 تنافر ~~وتباغض وهذا وهذا من الخروج عن الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # نسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر اخواننا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين # ( ### ||| فصل # ( # فإن قيل فاذا كان في كتب الاناجيل التى عندهم ان المسيح صلب وأنه بعد ~~الصلب بأيام أتى اليهم وقال لهم أنا المسيح ولا يقولون ان الشيطان تمثل ms4129 على ~~صورته فالشيطان ليس هو لحم وعظم وهذه أثر المسامير أو نحو هذا الكلام فاين ~~الانجيل الذى قال الله عز وجل فيه @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه @QE@ وقال قبل هذا @QB@ وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما ~~بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون @QE@ وقد PageV13P102 قال قبل هذا ~~@QB@ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا ~~عليه شهداء @QE@ وقال أيضا @QB@ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم @QE@ وقال أيضا @QB@ قل يا ~~أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ~~ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على ~~القوم الكافرين @QE@ وهذا أمر للنبى ( صلى الله عليه وسلم ( بان يقول لأهل ~~الكتاب الذين بعث اليهم وهم من كان في وقته ومن يأتى من بعدهم إلى يوم ~~القيامة لم يؤمر أن يقول ذلك لمن قد تاب منهم وكذلك قوله @QB@ وكيف يحكمونك ~~وعندهم التوراة فيها حكم الله @QE@ اخبار عن اليهود الموجودين وان عندهم ~~التوراة فيها حكم الله وكذلك قوله @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه @QE@ هو أمر من الله على لسان محمد لأهل الانجيل ومن لا يؤمر على لسان ~~محمد ( ( # قيل قبل هذا أنه قد قيل ليس في العالم نسخة بنفس ما أنزل الله في التوراة ~~والانجيل بل ذلك مبدل فان التوراة انقطع تواترها والانجيل PageV13P103 انما ~~أخذ عن أربعة ثم من هؤلاء من زعم أن كثيرا مما في التوراة أو الانجيل باطل ~~ليس من كلام الله ومنهم من قال بل ذلك قليل وقيل لم يحرف ms4130 أحد شيئا من حروف ~~الكتب وانما حرفوا معانيها بالتأويل وهذان القولان قال كلا منهما كثير من ~~المسلمين والصحيح القول الثالث وهو أن في الأرض نسخا صحيحة وبقيت إلى عهد ~~النبى ( ( ونسخا كثيرة محرفة ومن قال أنه لم يحرف شيء من النسخ فقد قال ما ~~لا يمكنه نفيه ومن قال جميع النسخ بعد النبى ( ( حرفت فقد قال ما يعلم أنه ~~خطأ والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة والانجيل ويخبر أن ~~فيهما حكمه وليس في القرآن خبر أنهم غيروا جميع النسخ # واذا كان كذلك فنقول هو سبحانه قال @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل ~~الله فيه @QE@ وما أنزله الله هو ما تلقوه عن المسيح فاما حكايته لحاله بعد ~~أن رفع فهو مثلها في التوراة ذكر وفاة موسى عليه السلام ومعلوم أن هذا الذى ~~في التوراة والانجيل من الخبر عن موسى وعيسى بعد توفيهما ليس هو مما أنزله ~~الله ومما تلقوه عن موسى وعيسى بل هو مما كتبوه مع ذلك للتعريف بحال ~~توفيهما وهذا خبر محض من PageV13P104 الموجودين بعدهما عن حالهما ليس هو ~~مما أنزله الله عليهما ولا هو مما أمرا به في حياتهما ولا مما أخبرا به ~~الناس # وكذلك @QB@ لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ~~ربكم @QE@ وقوله @QB@ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ~~ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم @QE@ فان اقامة الكتاب العمل بما أمر ~~الله به في الكتاب من التصديق بما أخبر به على لسان الرسول وما كتبه الذين ~~نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ليس هو مما أنزله الله على ~~الرسول ولا مما أمر به ولا أخبر به وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة يصنف ~~الشخص كتابا فيذكر ناسخه في آخره عمر المصنف ونسبه وسنه ونحو ذلك مما ليس ~~هو من كلام المصنف # ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن وان لا يكتب في المصحف غير ~~القرآن فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس والتعشير ولا آمين ms4131 ولا غير ذلك ~~والمصاحف القديمة كتبها أهل العلم على هذه الصفة وفى المصاحف من قد كتب ~~ناسخها أسماء السور والتخميس والتعشير والوقف والابتداء وكتب في آخر المصحف ~~تصديقه ودعا وكتب اسمه ونحو ذلك وليس هذا من القرآن PageV13P105 فهكذا ما ~~في الانجيل من الخبر عن صلب المسيح وتوفيه ومجيئه بعد رفعه إلى الحواريين ~~ليس هو مما قاله المسيح وانما هو مما رآه من بعده والذى أنزله الله هو ما ~~سمع من المسيح المبلغ عن الله # فإن قيل فإذا كان الحواريون قد اعتقدوا ان المسيح صلب وأنه أتاهم بعد ~~ايام وهم الذين نقلوا عن المسيح الانجيل والدين فقد دخلت الشبهة قيل ~~الحواريون وكل من نقل عن الانبياء انما يجب أن يقبل منهم ما نقلوه عن ~~الانبياء فان الحجة في كلام الانبياء وما سوى ذلك فموقوف على الحجة ان كان ~~حقا قبل والا رد ولهذا كان ما نقله الصحابة عن النبى ( ( من القرآن والحديث ~~يجب قبوله لا سيما المتواتر كالقرآن وكثير من السنن وأما ما قالوه فما ~~أجمعوا عليه فاجماعهم معصوم وما تنازعوا فيه رد إلى الله والرسول وعمر قد ~~كان أولا أنكر موت النبى ( صلى الله عليه وسلم ( حتى رد ذلك عليه أبو بكر ~~وقد تنازعوا في دفنه حتى فصل أبو بكر بالحديث الذى رواه وتنازعوا في تجهيز ~~جيش أسامة وتنازعوا في قتال ما نعى الزكاة فلم يكن هذا قادحا فيما نقلوه عن ~~النبى ( ( # والنصارى ليسوا متفقين على صلب المسيح ولم يشهد أحد منهم PageV13P106 ~~صلبه فان الذى صلب انما صلبه اليهود ولم يكن أحد من أصحاب المسيح حاضرا ~~وأولئك اليهود الذين صلبوه قد اشتبه عليهم المصلوب بالمسيح وقد قيل أنهم ~~عرفوا أنه ليس هوالمسيح ولكنهم كذبوا وشبهوا على الناس والأول هو المشهور ~~وعليه جمهور الناس # وحينئذ فليس عند النصارى خبر عمن يصدقونه بأنه صلب لكن عمدتهم على ذلك ~~الشخص الذى جاء بعد أيام وقال أنا المسيح وذاك شيطان وهم يعترفون بأن ~~الشياطين كثيرا ما تجيء ويدعى ( أحدهم ( أنه نبى أو صالح ويقول ms4132 أنا فلان ~~النبى أو الصالح ويكون شيطانا وفى ذلك حكايات متعددة مثل حكاية الراهب الذى ~~جاءه جاء وقال أنا المسيح جئت لاهديك فعرف أنه الشيطان فقال أنت قد بلغت ~~الرسالة ونحن نعمل بها فان جئت اليوم بشيء يخالف ذلك لم نقبل منك # فليس عند النصارى واليهود علم بأن المسيح صلب كما قال تعالى @QB@ وإن ~~الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن @QE@ وأضاف ~~الخبر عن قتله إلى اليهود بقوله @QB@ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله @QE@ فانهم بهذا الكلام يستحقون العقوبة اذ كانوا يعتقدون ~~جواز قتل المسيح ومن جوز قتله فهو كمن قتله فهم في هذا القول كاذبون وهم ~~آثمون وإذا قالوه فخرا لم يحصل لهم الفخر لأنهم لم يقتلوه وحصل الوزر ~~لاستحلالهم ذلك وسعيهم فيه وقد قال النبى PageV13P107 ( صلى الله عليه وسلم ~~( اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول ~~الله هذا القاتل فما بال المقتول قال انه كان حريصا على قتل صاحبه ( # وقوله @QB@ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه @QE@ قيل هم اليهود وقيل ~~النصارى والآية تعم الطائفتين وقوله @QB@ لفي شك منه @QE@ قيل من قتله وقيل ~~منه أى في شك منه هل صلب أم لا كما اختلفوا فيه فقالت اليهود هو ساحر وقالت ~~النصارى انه اله فاليهود والنصارى اختلفوا هل صلب أم لا وهم في شك من ذلك ( ~~ما لهم به من علم ( فاذا كان هذا في الصلب فكيف في الذى جاء بعد الرفع وقال ~~أنه هو المسيح # ( # فإن قيل ( اذا ( كان الحواريون الذين أدركوه قد حصل هذا في ايمانهم فأين ~~المؤمنون به الذين قال فيهم @QB@ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا @QE@ ~~وقوله @QB@ فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين @QE@ # قيل ظن من ظن منهم أنه صلب لا يقدح في ايمانه اذا كان لم يحرف ما جاء به ~~المسيح بل هو مقر بأنه عبد الله ورسوله وكلمته القاها إلى مريم وروح منه ~~فاعتقاده بعد هذا أنه صلب ms4133 لا يقدح في PageV13P108 ايمانه فان هذا اعتقاد ~~موته على وجه معين وغاية الصلب أن يكون قتلا له وقتل النبى لا يقدح في ~~نبوته وقد قتل بنو اسرائيل كثيرا من الانبياء وقال تعالى @QB@ وكأين من نبي ~~قاتل معه ربيون كثير @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم @QE@ # وكذلك اعتقاد من اعتقد منهم أنه جاء بعد الرفع وكلمهم هو مثل اعتقاد كثير ~~من مشايخ المسلمين أن النبى ( ( جاءهم في اليقظة فانهم لا يكفرون بذلك بل ~~هذا كان يعتقده من هو من أكثر الناس اتباعا للسنة واتباعا له وكان في الزهد ~~والعبادة أعظم من غيره وكان يأتيه من يظن أنه رسول الله فهذا غلط منه لا ~~يوجب كفره فكذلك ظن من ظن من الحواريين ان ذلك هو المسيح لا يوجب خروجهم عن ~~الايمان بالمسيح ولا يقدح فيما نقلوه عنه وعمر لما كان يعتقد أن النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ( لم يمت ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وأنه لا يموت ~~حتى يموت أصحابه لم يكن هذا قادحا في ايمانه وإنما كان غلطا ورجع عنه ~~PageV13P109 ( ### ||| فصل # ( # وقوله تعالى في هذه @QB@ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن @QE@ هو ذم لهم ~~على اتباع الظن بلا علم وكذلك قوله @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ وكذلك قوله @QB@ وما لهم به من علم إن ~~يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وما ~~يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ~~@QE@ وقوله @QB@ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى ~~فما لكم كيف تحكمون وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا ~~إن الله عليم بما يفعلون @QE@ # فهذه عدة مواضع يذم الله فيها ms4134 الذين لا يتبعون الا الظن وكذلك قوله @QB@ ~~قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل ~~فلله الحجة البالغة @QE@ مطالبة بالعلم وذم لمن يتبع الظن وما عنده علم ~~وكذلك قوله @QB@ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين @QE@ PageV13P110 وقوله @QB@ ~~وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم @QE@ وأمثال ذلك ذم لمن عمل بغير علم ~~وعمل بالظن # وقد ثبت في السنة المتواترة واجماع الامة ان الحاكم يحكم بشاهدين وان لم ~~يكن شهود حلف الخصم وفى الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( انكم تختصمون إلى ~~ولعل بعضكم ان يكون الحن بحجته من بعض وانما أقضى بنحو مما اسمع فمن قضيت ~~له من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ( # والاجتهاد في ( تحقيق المناط ( مما اتفق المسلمون عليه ولابد منه كحكم ~~ذوى عدل بالمثل في جزاء الصيد وكالاستدلال على الكعبة عند الاشتباه ونحو ~~ذلك فلا يقطع به الانسان بل يجوز أن تكون القبلة في غير جهة اجتهاده كما ~~يجوز اذا حكم أن يكون قد قضى لأحدهما بشيء من حق الآخر وأدلة الاحكام لابد ~~فيها من هذا فان دلالة العموم في الظواهر قد تكون محتملة للنقيض وكذلك خبر ~~الواحد والقياس وان كان قوم نازعوا في القياس فالفقهاء منهم لم ينازعوا في ~~خبر الواحد كالظاهرية ومن نازع في هذا وهذا لم ينازع في العموم كالمعتزلة ~~البغداديين وان نازع في العموم والقياس منازع كبعض الرافضة مثل الموسوى ~~ونحوه لم ينازع في الاخبار فان الامامية عمدتهم على ما نقل عن الاثنى عشر ~~فلابد لهم من الرواية ولا يوجد من PageV13P111 يستغنى عن الظواهر والاخبار ~~والاقيسة بل لابد أن يعمل ببعض ذلك مع تجويز نقيضه وهذا عمل بالظن والقرآن ~~قد حرم اتباع الظن وقد تنوعت طرق الناس في جواز هذا فطائفة قالت لا يتبع قط ~~الا العلم ولا يعمل بالظن أصلا وقالوا ان خبر الواحد يفيد العلم وكذلك ~~يقولون في الظواهر بل يقولون نقطع بخطأ من خالفنا وننقض حكمه كما يقوله ~~داود وأصحابه وهؤلاء عمدتهم ms4135 انما هو ما يظنونه ظاهرا وأما الاستصحاب ~~فالاستصحاب في كثير من المواضع من اضعف الادلة وهم في كثير مما يحتجون به ~~قد لا يكون ما احتجوا به ظاهر اللفظ بل الظاهر خلافه فطائفة قالت لما قام ~~الدليل على وجوب العمل بالظن الراجح كنا متبعين للعلم فنحن نعمل بالعلم عند ~~وجود العلم لا نعمل بالظن وهذه طريقة القاضي أبى بكر وأتباعه # ( # وهنا السؤال المشهور في ( حد الفقه ( أنه العلم بالأحكام الشرعية العملية ~~وقال الرازى العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على اعيانها بحيث لا ~~يعلم كونها من الدين ضرورة قال # فإن قلت الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علما # قلت المجتهد اذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط PageV13P112 ~~الحكم قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه فالعلم حاصل قطعا والظن واقع في ~~طريقه وحقيقة هذا الجواب ان هنا مقدمتين ( احداهما ( أنه قد حصل عندى ظن # و ( الثانية ( قد قام الدليل القطعى على وجوب اتباع هذا الظن ف ( المقدمة ~~الأولى ( وجدانية و ( الثانية ( عملية استدلالية فليس الظن هنا مقدمة في ~~الدليل كما توهمه بعضهم لكن يقال العمل بهذا الظن هو حكم اصول الفقه ليس هو ~~الفقه بل الفقه هو ذاك الظن الحاصل بالظاهر وخبر الواحد والقياس والاصول ~~تفيد أن العمل بهذا الظن واجب والا فالفقهاء لا يتعرضون لهذا فهذا الحكم ~~العملى الاصولى ليس هو الفقه وهذا الجواب جواب القاضي أبى بكر وهو بناه على ~~أصله فان عنده كل مجتهد مصيب وليس في نفس الأمر أمر مطلوب ولا على الظن ~~دليل يوجب ترجيح ظن على ظن بل الظنون عنده بحسب الاتفاق # وقال الغزالى وغيره ممن نصر قوله قد يكون بحسب ميل النفس إلى أحد القولين ~~دون الآخر كميل ذى الشدة إلى قول وذى اللين إلى قول # وحينئذ فعندهم متى وجد المجتهد ظنا في نفسه فحكم الله في حقه PageV13P113 ~~اتباع هذا الظن وقد أنكر أبو المعالى وغيره عليه هذا القول انكارا بليغا ~~وهم معذورون في انكاره فان هذا اولا مكابرة فان الظنون عليها ms4136 أمارات ودلائل ~~يوجب وجودها ترجيح ظن على ظن وهذا أمر معلوم بالضرورة والشريعة جاءت به ~~ورجحت شيئا على شيء والكلام في شيئين في اتباع الظن وفى الفقه هل هو من ~~الظنون # أما الأول فالجواب الصحيح هو الجواب الثالث وهو أن كل ما أمر الله تعالى ~~به فانما أمر بالعلم وذلك أنه في المسائل الخفية عليه أن ينظر في الادلة ~~ويعمل بالراجح وكون هذا هو الراجح أمر معلوم عند أمر مقطوع به وان قدر أن ~~ترجيح هذا على هذا فيه شك عنده لم يعمل به وإذا ظن الرجحان فانما ظنه لقيام ~~دليل عنده على أن هذا راجح وفرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان الإعتقاد اما ~~اعتقاد الرجحان فقد يكون علما وقد لا يعمل حتى يعلم الرجحان واذا ظن ~~الرجحان أيضا فلابد أن يظنه بدليل يكون عنده ارجح من دليل الجانب الآخر ~~ورجحان هذا غير معلوم فلابد أن ينتهى الأمر إلى رجحان معلوم عنده فيكون ~~متبعا لما علم أنه أرجح وهذا اتباع للعلم لا للظن وهو اتباع الاحسن كما قال ~~( فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ( وقال ( الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه ( وقال ( واتبعوا أحسن ما انزل اليكم من ربكم ( فإذا كان ~~PageV13P114 أحد الدليلين هو الارجح فاتباعه هو الأحسن وهذا معلوم # فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره وهو العمل بأرجح ~~الدليلين المتعارضين وحينئذ فما عمل الا بالعلم وهذا جواب الحسن البصرى ~~وأبى وغيرهم والقرآن ذم من لا يتبع الا الظن فلم يستند ظنه إلى علم بأن هذا ~~أرجح من غيره كما قال ( ما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن ( وقال ( هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن ( وهكذا في سائر المواضع يذم ~~الذين ان يتبعون الا الظن فعندهم ظن مجرد لا علم معه وهم يتبعونه والذي ~~جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس انهم لا يعملون الا بعلم بان هذا أرجح ~~من هذا فيعتقدون الرجحان اعتقادا عمليا لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن ms4137 لا ~~يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر # وهذا كما ذكر النبى حيث قال ( ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض ~~وانما أقضي بنحو مما أسمع ( فاذا أتى أحد الخصمين بحجة مثل بينة تشهد له ~~ولم يأت الآخر بشاهد معها كان الحاكم عالما بأن حجة هذا أرجح فما حكم إلا ~~بعلم لكن الآخرقد يكون له حجة لا يعلمها أولا يحسن أن يبينها مثل أن يكون ~~قد قضاه أو ابرأه وله بينة تشهد بذلك وهو لا يعلمها أولا PageV13P115 ~~يذكرها أولا يجسر ان يتكلم بذلك فيكون هو المضيع لحقه حيث لم يبين حجته ~~والحاكم لم يحكم الا بعلم وعدل وضياع حق هذا كان من عجزه وتفريطه لا من ~~الحاكم # وهكذا أدلة الأحكام فاذا تعارض خبران أحدهما مسند ثابت والآخر مرسل كان ~~المسند الثابت أقوى من المرسل وهذا معلوم لأن المحدث بهذا قد علم عدله ~~وضبطه والآخر لم يعلم عدله ولا ضبطه كشاهدين زكى أحدهما ولم يزك الآخر فهذا ~~المزكى أرجح وان جاز أن يكون في نفس الأمر قول الآخر هو الحق لكن المجتهد ~~انما عمل بعلم وهو علمه برجحان هذا على هذا ليس ممن لم يتبع الا الظن ولم ~~يكن تبين له إلا بعد الاجتهاد التام فيمن أرسل ذلك الحديث وفى تزكية هذا ~~الشاهد فإن المرسل قد يكون راويه عدلا حافظا كما قد يكون هذا الشاهد عدلا # ونحن ليس معنا علم بانتفاء عدالة الراوي لكن معنا عدم العلم بعدالتهما ~~وقد لا تعلم عدالتهما مع تقويتها ورجحانها في نفس الأمر فمن هنا يقع الخطأ ~~في الاجتهاد لكن هذا لا سبيل إلى أن يكلفه العالم أن يدع ما يعلمه إلى أمر ~~لا يعلمه لا مكان ثبوته في نفس الأمر فاذا كان لابد من ترجيح أحد القولين ~~وجب ترجيح هذا الذي علم ثبوته على مالا يعلم ثبوته وان لم يعلم انتفاؤه من ~~جهته فانهما إذا PageV13P116 تعارضا وكانا متناقضين فاثبات أحدهما هو نفي ~~الآخر فهذا الدليل المعلوم قد علم أنه يثبت هذا وينفى ذلك وذلك ms4138 المجهول ~~بالعكس فاذا كان لابد من الترجيح وجب قطعا ترجيح المعلوم ثبوته على مالم ~~يعلم ثبوته # ولكن قد يقال انه لا يقطع بثبوته وقد قلنا فرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان ~~الإعتقاد أما اعتقاد الرجحان فهو علم والمجتهد ما عمل إلا بذلك العلم وهو ~~اعتقاد رجحان هذا على هذا وأما رجحان هذا الإعتقاد على هذا الإعتقاد فهو ~~الظن لكن لم يكن ممن قال الله فيه ( ان يتبعون إلا الظن ) بل هنا ظن رجحان ~~هذا وظن رجحان ذاك وهذا الظن هو الراجح ورجحانه معلوم فحكم بما علمه من ~~الظن الراجح ودليله الراجح وهذا معلوم له لا مظنون عنده وهذا يوجد في جميع ~~العلوم والصناعات كالطب والتجارة وغير ذلك # وأما الجواب عن قولهم الفقه من باب الظنون فقد أجاب طائفة منهم أبو ~~الخطاب بجواب آخر وهو ان العلم المراد به العلم الظاهر وان جوز أن يكون ~~الأمر بخلافه كقوله @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات @QE@ والتحقيق أن عنه جوابين ~~PageV13P117 # ( أحدهما ( أن يقال جمهور مسائل الفقه التى يحتاج اليها الناس ويفتون بها ~~هي ثابتة بالنص أو الاجماع وإنما يقع الظن والنزاع في قليل مما يحتاج إليه ~~الناس وهذا موجود في سائر العلوم وكثير مسائل الخلاف هي في أمور قليلة ~~الوقوع ومقدرة وأما ما لابد للناس منه من العلم مما يجب عليهم ويحرم ويباح ~~فهو معلوم مقطوع به وما يعلم من الدين ضرورة جزء من الفقه واخراجه من الفقه ~~قول لم يعلم أحد من المتقدمين قاله ولا احترز بهذا القيد أحد الا الرازي ~~ونحوه وجميع الفقهاء يذكرون في كتب الفقه وجوب الصلاة والزكاة والحج ~~واستقبال القبلة ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة وتحريم الخمر والفواحش ~~وغير ذلك مما يعلم من الدين ضرورة # و ( أيضا ( فكون الشيء معلوما من الدين ضرورة أمر اضافي فحديث العهد ~~بالاسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية فضلا عن كونه يعلمه ~~بالضرورة وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبى سجد للسهو وقضي بالدية ~~على العاقلة وقضى أن الولد للفراش وغير ذلك مما ms4139 يعلمه الخاصة بالضرورة ~~وأكثر الناس لا يعلمه البتة # ( الجواب الثاني ( أن يقال الفقه لا يكون فقها الا من المجتهد المستدل ~~وهو قد علم أن هذا الدليل أرجح وهذا الظن أرجح PageV13P118 فالفقه هو علمه ~~برجحان هذا الدليل وهذا الظن ليس الفقه قطعه بوجوب العمل أي بما أدى إليه ~~اجتهاده بل هذا القطع من أصول الفقه والأصولي يتكلم في جنس الأدلة ويتكلم ~~كلاما كليلا فيقول يجب اذا تعارض دليلان أن يحكم بارجحهما ويقول أيضا اذا ~~تعارض العام والخاص فالخاص أرجح واذا تعارض المسند والمرسل فالمسند ارجح ~~ويقول أيضا العام المجرد عن قرائن التخصيص شموله الأفراد أرجح من عدم شموله ~~ويجب العمل بذلك # فأما الفقيه فيتكلم في دليل معين في حكم معين مثل أن يقول قوله @QB@ ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ خاص في أهل الكتاب ومتأخر ~~عن قوله @QB@ ولا تنكحوا المشركات @QE@ وتلك الآية لا تتناول أهل الكتاب ~~وان تناولتهم فهذا خاص متأخر فيكون ناسخا ومخصصا فهو يعلم أن دلالة هذا ~~النص على الحل أرجح من دلالة ذلك النص على التحريم وهذا الرجحان معلوم عنده ~~قطعا وهذا الفقه الذي يختص به الفقيه هو علم قطعي لا ظني ومن لم يعلم كان ~~مقلدا للأئمة الأربعة والجمهور الذين جوزوا نكاح الكتابيات واعتقاد المقلد ~~ليس بفقه # ولهذا قال المستدل على أعيانها والفقيه قد استدل على عين PageV13P119 ~~الحكم المطلوب والمسئول عنه وحيث لا يعلم الرجحان فهو متوقف لا قول له وإذا ~~قيل له فقد قال ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) قال هذا نزل عام الحديبية ~~والمراد به المشركات فان سبب النزول يدل على أنهن مرادات قطعا وسورة ~~المائدة بعد ذلك فهي خاص متأخر وذاك عام متقدم والخاص المتأخر أرجح من ~~العام المتقدم # ولهذا لما نزل قوله @QB@ ولا تمسكوا بعصم الكوافر @QE@ فارق عمر امرأة ~~مشركة وكذلك غيره فدل على انهم كانوا ينكحون المشركات إلى حين نزول هذه ~~الآية ولو كانت آية البقرة قد نزلت قبل هذه ms4140 لم يكن كذلك فدل على أن آية ~~البقرة بعد آية الممتحنة وآية المائدة بعد آية البقرة فهذا النظر وأمثاله ~~هو نظر الفقيه العالم برجحان دليل وظن على دليل وهذا علم لا ظن # فقد تبين أن الظن له أدلة تقتضيه وان العالم إنما يعلم بما يوجب العلم ~~بالرجحان لا بنفس الظن إلا إذا علم رجحانه وأما الظن الذي لا يعلم رجحانه ~~فلا يجوز اتباعه وذلك هو الذي ذم الله به من قال فيه ( ان يتبعون الا الظن ~~) فهم لا يتبعون الا الظن ليس عندهم علم ولو كانوا عالمين بأنه ظن راجح ~~لكانوا قد اتبعوا علما لم يكونوا ممن يتبع الا الظن والله أعلم PageV13P120 ~~( # ( ### ||| فصل # ( # فههنا ثلاثة أشياء ( أحدها ( الظن الراجح في نفس المستدل المجتهد و ( ~~الثانى ( الأدلة التى يسميها بعض المتكلمين أمارات التى تعارضت وعلم ~~المستدل بأن التى أوجبت ذلك الظن أقوى من غيرها # ( الثالث ( انه قد يكون في نفس الأمر دليل آخر على القول الآخر لم يعلم ~~به المستدل وهذا هو الواقع في عامة موارد الاجتهاد فان الرجل قد يسمع نصا ~~عاما كما سمع بن عمر وغيره أن النبى ( ( نهى عن قطع الخفين وانه أمر أن لا ~~يخرج أحد حتى يودع البيت أو ان ( النبى ( نهى عن لبس الحرير وظاهره العموم ~~وهذا راجح على الاستصحاب النافي للتحريم فعملوا بهذا الراجح وهم يعلمون ~~قطعا أن النهي أولى من الاستصحاب لكن يجوز أن يكون مع الاستصحاب دليل خاص ~~ولكن لما لم يعلموه لم يجز لهم أن يعدلوا عما علموه إلى ما لم يعلموه ~~فكانوا يفتون بأن الحائض عليها الوداع وعليها قطع الخفين وان قليل الحرير ~~وكثيره حرام PageV13P121 وبن الزبير كان يحرمه على الرجال والنساء لعموم ~~قوله ? < من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة > ? وكان في نفس ~~الأمر نصوص خاصة بأن النبى ( ( رخص للحائض أن تنفر بلا وداع وانها تلبس ~~الخفين وغيرهما مما نهى عنه المحرم ولكن تجتنب النقاب والقفازين وانه رخص ~~في موضع أصبعين أو ثلاث أو أربعة من الحرير ms4141 كما بين ذلك في الصحيح في رواية ~~عمر ولم يعرف به ابنه عبد الله وكان له جبة مكفوفة بالحرير فلما سمع بن عمر ~~ونحوه هذه النصوص الخاصة رجعوا وعلموا حينئذ انه كان في نفس الأمر دليل ~~أقوى من الدليل الذي يستصحبوه ولم يعلموا به وهم في الحالين إنما حكموا ~~بعلم لم يكونوا ممن لم يتبع الا الظن فانهم أولا رجحوا العموم على استصحاب ~~البراءة الأصلية وهذا ترجيح بعلم فان هذا راجح بلا ريب والشرع طافح بهذا # فما أوجبه الله أو حرمه في كتابه كالوضوء والصلاة والحج وغيرهما هي نصوص ~~عامة وما حرمه كالميتة والدم ولحم الخنزير حرمه بنصوص عامة وهي راجحة ~~ومقدمة على البراءة الاصلية النافية للوجوب والتحريم فمن رجح ذلك فقد حكم ~~بعلم وحكم بأرجح الدليلين المعلوم الرجحان ولم يكن ممن لم يتبع إلا الظن ~~لكن لتجويزه أن يكون النص مخصوصا صار عنده ظن راجح ولو علم انه لا تخصيص ~~هناك قطع بالعموم وكذلك PageV13P122 لو علم ارادة نوع قطع بانتفاء الخصوص ~~وهذا القول في سائر الادلة مثل أن يتمسك بنصوص وتكون منسوخة ولم يبلغة ~~الناسخ كالذين نهوا عن الانتباذ في الأوعية وعن زيارة القبور ولم يبلغهم ~~النص الناسخ وكذلك الذين صلوا إلى بيت المقدس قبل أن يبلغهم النسخ مثل من ~~كان من المسلمين بالبوادي وبمكة والحبشة وغير ذلك وهؤلاء غير الذين كانوا ~~بالمدينة وصلى بعضهم صلاة إلى القبلتين بعضها إلى هذه القبلة وبعضها إلى ~~هذه القبلة لما بلغهم النسخ وهم في أثناء الصلاة فاستداروا في صلاتهم من ~~جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة من جهة الشام إلى جهة اليمن # فالقاضي أبو بكر ونحوه من الذين ينفون أن يكون في الباطن حكم مطلوب ~~بالاجتهاد أو دليل عليه ويقولون ما ثم إلا الظن الذي في نفس المجتهد ~~والامارات لا ضابط لها وليست أمارة أقوى من امارة فانهم إذا قالوا ذلك ~~لزمهم أن يكون الذى عمل بالمرجوح دون الراجح مخطئا وعندهم ليس في نفس الأمر ~~خطأ # وأما السلف والأئمة الأربعة والجمهور فيقولون ms4142 بل الامارات بعضها أقوى من ~~بعض في نفس الأمر وعلى الانسان أن يجتهد ويطلب الاقوى فاذا رأى دليلا أقوى ~~من غيره ولم ير ما يعارضه عمل به ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وإذا كان في ~~الباطن ما هو أرجح منه PageV13P123 كان مخطئا معذورا وله أجر على اجتهاده ~~وعمله بما بين له رجحانه وخطؤه مغفور له وذلك الباطن هو الحكم لكن بشرط ~~القدرة على معرفته فمن عجز عن معرفته لم يؤاخذ بتركه ( # فإذا أريد بالخطأ الاثم فليس المجتهد بمخطئ بل كل مجتهد مصيب مطيع لله ~~فاعل ما أمره الله به واذا أريد به عدم العلم بالحق في نفس الأمر فالمصيب ~~واحد وله أجران كما في المجتهدين في جهة الكعبة إذا صلوا إلى أربع جهات ~~فالذي أصاب الكعبة واحد وله أجران لاجتهاده وعمله كان أكمل من غيره والمؤمن ~~القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ومن زاده الله علما وعملا زاده أجرا ~~بما زاده من العلم والعمل قال تعالى @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على ~~قومه نرفع درجات من نشاء @QE@ قال مالك عن زيد بن أسلم بالعلم وكذلك قال في ~~قصة يوسف ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك الا أن يشاء الله نرفع درجات من ~~نشاء وفوق كل ذى علم عليم ( # وقد تبين ان جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم واتبعوا العلم وان ( الفقه ( ~~من أجل العلوم وانهم ليسوا من الذين لا يتبعون الا الظن لكن بعضهم قد يكون ~~عنده علم ليس عند الآخر اما بان سمع ما لم يسمع الآخر واما بأن فهم ما لم ~~يفهم الآخر كما قال تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ~~@QE@ PageV13P124 # وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال في الاصول والفروع ولم يفرق أحد ~~من السلف والأئمة بين أصول وفروع # بل جعل الدين ( قسمين ( أصولا وفروعا لم يكن معروفا في الصحابة والتابعين ~~ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين ان المجتهد الذي استفرغ ms4143 وسعه في ~~طلب الحق يأثم لا في الاصول ولا في الفروع ولكن هذا التفريق ظهر من جهة ~~المعتزلة وأدخله في أصول الفقه من نقل ذلك عنهم وحكوا عن عبيد الله بن ~~الحسن العنبرى انه قال كل مجتهد مصيب ومراده انه لا يأثم # وهذا قول عامة الأئمة كابى حنيفة والشافعي وغيرهما # ولهذا يقبلون شهادة أهل الأهواء ويصلون خلفهم ومن ردها كمالك وأحمد فليس ~~ذلك مستلزما لاثمهما لكن المقصود انكار المنكر وهجر من أظهر البدعة فاذا ~~هجر ولم يصل خلفه ولم تقبل شهادته كان ذلك منعا له من إظهار البدعة ولهذا ~~فرق أحمد وغيره بين الداعية للبدعة المظهر لها وغيره وكذلك قال الخرقى ومن ~~صلى خلف من يجهر ببدعة أو منكر اعاد وبسط هذا له موضع آخر PageV13P125 ~~والذين فرقوا بين الأصول والفروع لم يذكروا ضابطا يميز بين النوعين بل تارة ~~يقولون هذا قطعى وهذا ظنى وكثير من مسائل الاحكام قطعى وكثير من مسائل ~~الاصول ظنى عند بعض الناس فان كون الشيء قطعيا وظنيا أمر اضافى وتارة ~~يقولون الأصول هي العلميات الخبريات والفروع العمليات وكثير من العمليات من ~~جحدها كفر كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتارة يقولون هذه عقليات ~~وهذه سمعيات وإذا كانت عقليات لم يلزم تكفير المخطئ فان الكفر حكم شرعى ~~يتعلق بالشرع وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # وإذا تدبر الانسان تنازع الناس وجد عند كل طائفة من العلم ما ليس عند ~~الأخرى كما في مسائل الأحكام مثال ذلك ما تقدم في الأصول الخمسة التوحيد ~~والعدل والمنزلة بين المنزلتين ومسائل الاسماء والأحكام وانفاذ الوعيد وهى ~~التى توالى المعتزلة من وافقهم عليها ويتبرءون ممن خالفهم فيها وقد قدمنا ~~أنهم قصدوا توحيد الرب واثبات عدله وحكمته ورحمته وصدقه وطاعة أمره لكن ~~غلطوا في كل واحدة من هذه الامور كما تقدم # وكذلك الذين ناقضوهم من الجهمية ومن سلك مسلكهم كأبى الحسن الاشعرى ~~وأصحابه فانهم ناقضوهم في الأصول الخمسة وكان عندهم علم PageV13P126 ليس ~~عند أولئك وكان عند اولئك علم ليس عند هؤلاء وكل من ms4144 الطائفتين لم تحط علما ~~بما في الكتاب والسنة من بيان هذه الأمور بل علموا بعضا وجهلوا بعضا فان ~~هؤلاء المجبرة هم في الحقيقة لا يثبتون لله عدلا ولا حكمة ولا رحمة ولا ~~صدقا # فأولئك قصدوا اثبات هذه الأمور أما العدل فعندهم كل ممكن فهو عدل والظلم ~~عندهم هو الممتنع فلا يكون ثم عدل يقصد فعله وظلم يقصد تركه ولهذا يجوزون ~~عليه فعل كل شيء وان كان قبيحا ويقولون القبيح هو ما نهى عنه وهو لا ناهى ~~له ويجوزون الأمر بكل شيء وان كان منكرا وشركا والنهى عن كل شيء وان كان ~~توحيدا ومعروفا فلا ضابط عندهم للفعل فلهذا ألزموهم جواز اظهار المعجزات ~~على يد الكاذب ولم يكن لهم عن ذلك جواب صحيح ولم يذكروا فرقا بين المعجزات ~~وغيرها ولا ما به يعلم صدق النبى ( ( الا اذا نقضوا أصلهم وقد قال الله ~~تعالى @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ~~@QE@ وعندهم هذا لا فائدة فيه فليس في الممكن قسط وجور حتى يكون قائما بهذا ~~دون هذا وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # وكذلك ( الحكمة ( عندهم لا يفعل لحكمة وقد فسروا ( الحكمة ( اما بالعلم ~~واما بالقدرة واما بالارادة ومعلوم أن القادر قد يكون PageV13P127 حكيما ~~ويكون غير حكيم كذلك المريد قد تكون ارادته حكمة وقد تكون سفها والعلم ~~يطابق المعلوم سواء كان حكمة أو سفها فليس عندهم في نفس الأمر ان الله حكيم ~~وكذلك ( الرحمة ( ما عندهم في نفس الأمر الا ارادة ترجيح أحد المثلين بلا ~~مرجح نسبتها إلى نفع العباد وضررهم سواء فليس عندهم في نفس الأمر رحمة ولا ~~محبة أيضا # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين تناقضهم في الصفات والافعال حيث ~~أثبتوا الارادة مع نفى المحبة والرضا ومع نفى الحكمة وبين تناقضهم وتناقض ~~كل من اثبت بعض الصفات دون بعض وان المتفلسفة نفاة الارادة أعظم تناقضا ~~منهم فان الرازى ذكر في المطالب العالية ( مسألة الارادة ( ورجح فيها نفى ~~الارادة لأنه لم يمكنه أن ms4145 يجيب عن حجة المتفلسفة على أصول أصحابه الجهمية ~~والمعتزلة ففر اليهم وكذلك في غير هذا من المسائل فهو تارة يرجح قوله قول ~~المتفلسفة وتارة يرجح قول المتكلمة وتارة يحار ويقف واعترف في آخر عمره بان ~~طريق هؤلاء وهؤلاء لا تشفى عليلا ولا تروى غليلا # وقال قد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ~~ولا تروى غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الاثبات ( الرحمن ~~على العرش استوى ( إليه يصعد الكلم PageV13P128 الطيب ( واقرأ في النفى ( ~~ليس كمثله شيء ( ولا يحيطون به علما ( ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى # فقد تبين أنهم لا يثبتون عدل الرب ولا حكمته ولا رحمته وكذلك الصدق فانهم ~~لما أرادوا أن يقيموا الدليل على أن الله صادق تعذر ذلك عليهم فقالوا الصدق ~~في الكلام النفسانى واجب لأنه يعلم الأمور ومن يعلم يمتنع أن يقوم في نفسه ~~خبر بخلاف علمه وعلى هذا اعتمد الغزالى وغيره فقيل لهم هذا ضعيف لوجهين # ( أحدهما ( الصدق في ذلك المعنى لا ينفع ان لم يثبت الصدق في العبارات ~~الدالة عليه ويميز بين الأفعال عندهم # ( الثانى ( أنهم أثبتوا الخبر النفسانى فان الانسان يخبرك بالكذب فيقوم ~~في نفسه معنى ليس هو العلم وهو معنى الخبر فهذا يقتضى انهم يقولون ان ~~العالم قد يقوم في نفسه خبر بخلاف علمه والرازى لما ذكر مسألة أنه لا يجوز ~~أن يتكلم بكلام ولا يعنى به شيئا خلافا للحشوية قيل له هل قال أحد من طوائف ~~الامة أن الله لا يعنى بكلامه شيئا وانما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم ~~العباد معناه وقيل PageV13P129 له هب أن في هذا نزاعا فهو لم يقم دليلا على ~~امتناع ذلك بل قال هذا عيب أو نقص والله منزه عنه فقيل له اما أن يريد ~~المعنى القائم بالذات أو العبارات المخلوقة اما الأول فلا يجوز ارادته هنا ~~لأن المسألة هي فيمن يتكلم بالحروف المنظومة ولا يعنى به شيئا وذلك القائم ~~بالذات هو نفس المعنى وان أردت الحروف وهو مراده فتلك عندك ms4146 مخلوقة ويجوز ~~عندك أن يخلق كل شيء ليس منزها عن فعل من الأفعال والعيب عندك هو ما لا ~~تريده فهذا ممتنع # فتبين أنه ليس لهم حجة لا على صدقه ولا على تنزيهه عن العيب في خطابه فإن ~~ذلك انما يكون ممن ينزهه عن بعض الافعال وتبين بذلك أنهم لا يثبتون عدله ~~ولا حكمته ولا رحمته ولا صدقه والمعتزلة قصدهم اثبات هذه الأمور ولهذا ~~يذكرونها في خطبة الصفات كما يذكرها أبو الحسين البصرى وغيره كما ذكر في ~~أول صور الأدلة خطبة مضمونها أن الله واحد عدل ( لا يظلم الناس شيئا ولكن ~~الناس أنفسهم يظلمون ( و ( أنه بالناس لرءوف رحيم ( وأظن فيها اثبات صدقه ~~ولهذا يكفرون من يجوره أو يكذبه أو يسفهه أو يشبهه ولكن قد غلطوا في مواضع ~~كثيرة كما قد نبه على هذا في غير موضع فكلا الطائفتين معها حق وباطل ولم ~~يستوعب الحق الا من اتبع المهاجرين والأنصار وآمن بما جاء به الرسول كله ~~على PageV13P130 وجهه لم يؤمن ببعض ويكفر ببعض وهؤلاء هم أهل الرحمة الذين ~~لا يختلفون بخلاف أولئك المختلفين قال تعالى @QB@ ولا يزالون مختلفين إلا ~~من رحم ربك ولذلك خلقهم @QE@ # ( ### ||| فصل # ( # والجهمية والمعتزلة مشتركون في نفى الصفات وبن كلاب ومن تبعه كالأشعرى ~~وأبى العباس القلانسى ومن تبعهم أثبتوا الصفات لكن لم يثبتوا الصفات ~~الاختيارية مثل كونه يتكلم بمشيئته ومثل كون فعله الاختيارى يقوم بذاته ~~ومثل كونه يحب ويرضى عن المؤمنين بعد ايمانهم ويغضب ويبغض الكافرين بعد ~~كفرهم ومثل كونه يرى أفعال العباد بعد أن يعملوها كما قال تعالى @QB@ وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ فاثبت رؤية مستقبلة وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون @QE@ ~~ومثل كونه نادى موسى حين أتى لم يناده قبل ذلك بنداء قام بذاته فان ~~المعتزلة والجهمية يقولون خلق نداء في الهواء والكلابية والسالمية يقولون ~~النداء قام بذاته وهو قديم لكن سمعه موسى فاستجدوا سماع موسى والا فما زال ~~عندهم مناديا PageV13P131 والقرآن والأحاديث وأقوال السلف والأئمة كلها ms4147 ~~تخالف هذا وهذا وتبين أنه ناداه حين جاء وأنه يتكلم بمشيئته في وقت بكلام ~~معين كما قال @QB@ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون @QE@ # والقرآن فيه مئون من الآيات تدل على هذا الأصل واما الأحاديث فلا تحصى ~~وهذا قول أئمة السنة والسلف وجمهور العقلاء ولهذا قال عبد الله بن المبارك ~~والامام أحمد بن حنبل وغيرهما لم يزل متكلما اذا شاء وكيف شاء وهذا قول ~~عامة أهل السنة فلهذا اتفقوا على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ولم ~~نعرف عن أحد من السلف أنه قال هو قديم لم يزل والذين قالوا من المتأخرين هو ~~قديم كثير منهم من لم يتصور المراد بل منهم من يقول هو قديم في علمه ومنهم ~~من يقول قديم أى متقدم الوجود متقدم على ذات زمان المبعث لا أنه أزلى لم ~~يزل ومنهم من يقول بل مرادنا بقديم أنه غير مخلوق وقد بسط الكلام على هذا ~~في غير هذا الموضع # و # ( المقصود هنا ( أنه على هذا الأصل اذا خلق المخلوقات رآها وسمع اصوات ~~عباده وكان ذلك بمشيئته وقدرته اذ كان خلقه لهم بمشيئته وقدرته وبذلك صاروا ~~يرون ويسمع كلامهم وقد جاء في PageV13P132 القرآن والسنة في غير موضع أنه ~~يخص بالنظر والاستماع بعض المخلوقات كقوله ? < ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ~~ينظر اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ملك كذاب وشيخ زان وعائل ~~مستكبر > ? # وكذلك في ( الاستماع ( قال تعالى @QB@ وأذنت لربها وحقت @QE@ أى استمعت ~~وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ما أذن الله لشيء كاذنه لنبى حسن الصوت ~~يتغنى بالقرآن يجهر به ( وقال ( لله أشد أذنا إلى صاحب القرآن من صاحب ~~القينة إلى قينته ( فهذا تخصيص بالاذن وهو الاستماع لبعض الاصوات دون بعض # وكذلك ( سمع الاجابة ( كقوله ( سمع الله لمن حمده ( وقول الخليل ( انك ~~سميع الدعاء ( وقوله ( ان ربى سميع قريب ( يقتضى التخصيص بهذا السمع فهذا ~~التخصيص ms4148 ثابت في الكتاب والسنة وهو تخصيص بمعنى يقوم بذاته بمشيئته وقدرته ~~كما تقدم وعند النفاة هو تخصيص بأمر مخلوق منفصل لا بمعنى يقوم بذاته ~~وتخصيص من يحب بالنظر والاستماع المذكور يقتضى ان هذا النوع منتف عن غيرهم # ) # لكن مع ذلك هل يقال ان نفس الرؤية والسمع الذى هو مطلق الادراك هو من ~~لوازم ذاته فلا يمكن وجود مسموع ومرئى الا PageV13P133 وقد تعلق به كالعلم ~~أو يقال أنه أيضا بمشيئته وقدرته فيمكنه أن لا ينظر إلى بعض المخلوقات هذا ~~فيه قولان والأول قول من لا يجعل ذلك متعلقا بمشيئته وقدرته وأما الذين ~~يجعلونه متعلقا بمشيئته وقدرته فقد يقولون متى وجد المرئى والمسموع وجب ~~تعلق الادراك به # والقول الثانى ان جنس السمع والرؤية يتعلق بمشيئته وقدرته فيمكن أن لا ~~ينظر إلى شيء من المخلوقات وهذا هو المأثور عن طائفة من السلف كما روى بن ~~أبى حاتم عن أبى عمران الجونى قال ما نظر الله إلى شيء من خلقه الا رحمه ~~ولكنه قضى أن لا ينظر اليهم وقد يقال هذا مثل الذكر والنسيان فان الله ~~تعالى قال @QB@ فاذكروني أذكركم @QE@ وفى الصحيحين عن النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ( أنه قال ( يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه فان ~~ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى وان ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وان ~~تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا وان تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا وان ~~اتانى يمشى أتيته هرولة ( فهذا الذكر يختص بمن ذكره فمن لا يذكره لا يحصل ~~له هذا الذكر ومن آمن به وأطاعه ذكره برحمته ومن اعرض عن الذكر الذى أنزله ~~أعرض عنه كما قال @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ PageV13P134 ومثله قوله @QB@ المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ~~نسوا الله فنسيهم @QE@ # وقد فسروا هذا النسيان بأنه ms4149 وهذا النسيان ضد ذلك الذكر وفى الصحيح في ~~حديث الكافر يحاسبه قال ( أفظننت أنك ملاقى قال لا قال فاليوم أنساك كما ~~نسيتنى ( فهذا يقتضى أنه لا يذكره كما يذكر أهل طاعته هو متعلق بمشيئته ~~وقدرته ايضا وهو سبحانه قد خلق هذا العبد وعلم ما سيعمله قبل أن يعمله ولما ~~عمل علم ما عمل ورأى عمله فهذا النسيان لا يناقض ما علمه سبحانه من حال هذا ### ||| فصل # جماع ( الفرقان ( بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وطريق ~~السعادة والنجاة وطريق الشقاوة والهلاك ان يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل ~~به كتبه هو الحق الذى يجب اتباعه وبه PageV13P135 يحصل الفرقان والهدى ~~والعلم والايمان فيصدق بأنه حق وصدق وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه ~~فإن وافقه فهو حق وان خالفه فهو باطل وان لم يعلم هل وافقه أو خالفه لكون ~~ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه أو قد عرف مراده ولكن لم يعرف هل جاء ~~الرسول بتصديقه أو تكذيبه فانه يمسك فلا يتكلم الا بعلم والعلم ما قام عليه ~~الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول وقد يكون علم من غير الرسول لكن في ~~أمور ( دنيوية ( مثل الطب والحساب والفلاحة والتجارة # وأما الأمور ( الالهية والمعارف الدينية ( فهذه العلم فيها مأخذه عن ~~الرسول فالرسول أعلم الخلق بها وأرغبهم في تعريف الخلق بها وأقدرهم على ~~بيانها وتعريفها فهو فوق كل أحد في العلم والقدرة والارادة وهذه الثلاثة ~~بها يتم المقصود ومن سوى الرسول اما أن يكون في علمه بها نقص أو فساد واما ~~أن لا يكون له ارادة فيما علمه من ذلك فلم يبينه اما لرغبة واما لرهبة واما ~~لغرض آخر واما أن يكون بيانه ناقصا ليس بيانه البيان عما عرفه الجنان # وبيان الرسول على وجهين PageV13P136 تارة يبين ( الأدلة العقلية ( الدالة ~~عليها والقرآن مملوء من الأدلة العقلية والبراهين اليقينية على المعارف ~~الالهية والمطالب الدينية وتارة يخبر بها خبرا مجردا لما قد أقامه من ~~الآيات البينات والدلائل اليقينيات على أنه رسول الله ms4150 المبلغ عن الله وأنه ~~لا يقول عليه الا الحق وأن الله شهد له بذلك وأعلم عباده وأخبرهم أنه صادق ~~مصدوق فيما بلغه عنه والأدلة التى بها نعلم أنه رسول الله كثيرة متنوعة وهى ~~أدلة عقلية تعلم صحتها بالعقل وهى أيضا شرعية سمعية لكن الرسول بينها ودل ~~عليها وأرشد اليها وجميع طوائف النظار متفقون على أن القرآن اشتمل على ~~الأدلة العقلية في المطالب الدينية وهم يذكرون ذلك في كتبهم الاصولية وفى ~~كتب التفسير وعامة النظار أيضا يحتجون بالأدلة السمعية الخبرية المجردة في ~~المطالب الدينية فانه اذا ثبت صدق الرسول وجب تصديقه فيما يخبر به ( # و ( العلوم ثلاثة اقسام ( منها ما لا يعلم الا بالأدلة العقلية وأحسن ~~الأدلة العقلية التى بينها القرآن وأرشد اليها الرسول فينبغى أن يعرف أن ~~أجل الأدلة العقلية وأكملها وأفضلها مأخوذ عن الرسول فان من الناس من يذهل ~~عن هذا فمنهم من يقدح في الدلائل العقلية مطلقا لأنه قد صار في ذهنه أنها ~~هي الكلام المبتدع الذى أحدثه من أحدثه من المتكلمين ومنهم من يعرض عن تدبر ~~القرآن وطلب الدلائل اليقينية PageV13P137 العقلية منه لأنه قد صار في ذهنه ~~أن القرآن انما يدل بطريق الخبر فقط فلابد أن يعلم بالعقل قبل ذلك ثبوت ~~النبوة وصدق الخبر حتى يستدل بعد ذلك بخبر من ثبت بالعقل صدقه ومنها ما لا ~~يعلمه غير الأنبياء الا بخبر الانبياء وخبرهم المجرد هو دليل سمعى مثل ~~تفاصيل ما أخبروا به من الأمور الالهية والملائكة والعرش والجنة والنار ~~وتفاصيل ما يؤمر به وينهى عنه # فأما نفس اثبات الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته ~~ونحو ذلك فهذا لا يعلم بالأدلة العقلية وان كانت الأدلة والآيات التى يأتى ~~بها الأنبياء هي أكمل الأدلة العقلية لكن معرفة هذه ليست مقصورة على الخبر ~~المجرد وان كانت أخبار الانبياء المجردة تفيد العلم اليقينى أيضا فيعلم ~~بالأدلة العقلية التى أرشدوا اليها ويعلم بمجرد خبرهم لما علم صدقهم ~~بالأدلة والآيات والبراهين التى دلت على صدقهم # وقد تنازع الناس في ( العلم بالمعاد وبحسن ms4151 الأفعال وقبحها ( فأكثر الناس ~~يقولون انه يعلم بالعقل مع السمع والقائلون بان العقل يعلم به الحسن والقبح ~~أكثر من القائلين بأن المعاد يعلم بالعقل قال أبو الخطاب هو قول أكثر ~~الفقهاء والمتكلمين ومنهم من يقول المعاد والحسن والقبح لا يعلم الا بمجرد ~~الخبر وهو قول الأشعرى PageV13P138 وأصحابه ومن وافقهم من أتباع الأئمة ~~كالقاضى أبى يعلى وأبى المعالى الجوينى وأبى الوليد الباجى وغيرهم وكلهم ~~متفقون على أن من العلوم ما يعلم بالعقل والسمع الذى هو مجرد الخبر مثل كون ~~أفعال العباد مخلوقة لله أو غير مخلوقة وكون رؤيته ممكنة أو ممتنعة ونحو ~~ذلك # وكتب أصول الدين لجميع الطوائف مملوءة بالاحتجاج بالأدلة السمعية الخبرية ~~لكن الرازى طعن في ذلك في ( المطالب العالية ( قال لأن الاستدلال بالسمع ~~مشروط بان لا يعارضه قاطع عقلى فاذا عارضه العقلى وجب تقديمه عليه قال ~~والعلم بانتفاء المعارض العقلى متعذر وهو انما يثبت بالسمع ما علم ~~بالاضطرار أن الرسول أخبر به كالمعاد وقد يظن أن هذه طريقة أئمته الواقفة ~~في الوعيد كالأشعرى والقاضى أبى بكر وغيرهما وليس كذلك فان هؤلاء انما ~~وقفوا في اخبار الوعيد خاصة لأن العموم عندهم لا يفيد القطع أو لأنهم لا ~~يقولون بصيغ العموم وقد تعارضت عندهم الأدلة والا فهم يثبتون الصفات ~~الخبرية لله كالوجه واليد بمجرد السمع والخبر ولم يختلف قول الأشعرى في ذلك ~~وهو قول أئمة أصحابه لكن أبو المعالى وأتباعه لا يثبتون الصفات الخبرية بل ~~فيهم من ينفيها ومنهم من يقف فيها كالرازى والآمدى فيمكن أن يقال قول ~~الأشعرى ينتزع من قول هؤلاء PageV13P139 بأن يقال لا يعرف أنهم اعتمدوا في ~~الأصول على دليل سمعى لكن يقال المعاد يحتجون عليه بالقرآن والأحاديث ولكن ~~الرازى هو الذى سلك فيه طريق العلم الضرورى أن الرسول جاء به # وفى ( الحقيقة ( فجميع الأدلة اليقينية توجب علما ضروريا والأدلة السمعية ~~الخبرية توجب علما ضروريا بأخبار الرسول لكن منها ما تكثر أدلته كخبر ~~الأخبار المتواترة ويحصل به علم ضرورى من غير تعيين دليل وقد يعين الأدلة ~~ويستدل بها ms4152 وبسط هذا له موضع آخر # و ( المقصود هنا ( أن يؤخذ من الرسول العلوم الالهية الدينية سمعيها ~~وعقليها ويجعل ما جاء به هو الأصول لدلالة الأدلة اليقينية البرهانية على ~~أن ما قاله حق جملة وتفصيلا فدلائل النبوة عامتها تدل على ذلك جملة وتفاصيل ~~الأدلة العقلية الموجودة في القرآن والحديث تدل على ذلك تفصيلا # وأيضا فإن الانبياء والرسل انما بعثوا بتعريف هذا فهم أعلم الناس به ~~وأحقهم بقيامه وأولاهم بالحق فيه وأيضا فمن جرب ما يقولونه ويقوله غيرهم ~~وجد الصواب معهم PageV13P140 والخطأ مع مخالفيهم كما قال الرازى مع أنه من ~~أعظم الناس طعنا في الأدلة السمعية حتى ابتدع قولا ما عرف به قائل مشهور ~~غيره وهو أنها لا تفيد اليقين ومع هذا فانه يقول لقد تأملت الطرق الكلامية ~~والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا تروى غليلا ووجدت أقرب الطرق ~~طريقة القرآن أقرأ في الاثبات @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ @QB@ الرحمن ~~على العرش استوى @QE@ واقرأ في النفى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا ~~يحيطون به علما @QE@ قال ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى # وأيضا فمن اعتبر ما عند الطوائف الذين لم يعتصموا بتعليم الانبياء ~~وارشادهم واخبارهم وجدهم كلهم حائرين ضالين شاكين مرتابين أو جاهلين جهلا ~~مركبا فهم لا يخرجون عن المثلين اللذين في القرآن @QB@ والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من ~~فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ PageV13P141 ( # ( ### ||| فصل # ( # وأهل الضلال الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم كما قال مجاهد أهل البدع ~~والشبهات يتمسكون بما هو بدعة في الشرع ومشتبه في العقل كما قال فيهم ~~الامام أحمد قال هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة ~~الكتاب يحتجون بالمتشابه من الكلام ويضلون الناس بما يشبهون عليهم # والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها ms4153 دينا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم ثم ~~يعرضون على ذلك القرآن والحديث فان وافقه احتجوا به اعتضادا لا اعتمادا وان ~~خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله وهذا فعل ~~أئمتهم وتارة يعرضون عنه ويقولون نفوض معناه إلى الله وهذا فعل عامتهم # وعمدة الطائفتين في الباطن غير ما جاء به الرسول يجعلون أقوالهم البدعية ~~محكمة يجب اتباعها واعتقاد موجبها والمخالف اما كافر واما جاهل لا يعرف هذا ~~الباب وليس له علم بالمعقول ولا بالأصول PageV13P142 ويجعلون كلام الله ~~ورسوله الذى يخالفها من المتشابه الذى لا يعرف معناه الا الله أو لا يعرف ~~معناه الا الراسخون في العلم والراسخون عندهم من كان موافقا لهم على ذلك ~~القول وهؤلاء أضل ممن تمسك بما تشابه عليه من آيات الكتاب وترك المحكم ~~كالنصارى والخوارج وغيرهم اذ كان هؤلاء أخذوا بالمتشابه من كلام الله ~~وجعلوه محكما وجعلوا المحكم متشابها # وأما أولئك كنفاة الصفات من الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم ~~وكالفلاسفة فيجعلون ما ابتدعوه هم برأيهم هو المحكم الذى يجب اتباعه وان لم ~~يكن معهم من الأنبياء والكتاب والسنة ما يوافقه ويجعلون ما جاءت به ~~الانبياء وان كان صريحا قد يعلم معناه بالضرورة يجعلونه من المتشابه ولهذا ~~كان هؤلاء أعظم مخالفة للأنبياء من جميع أهل البدع حتى قال يوسف بن اسباط ~~وعبد الله بن المبارك وغيرهما كطائفة من أصحاب أحمد أن الجهمية نفاة الصفات ~~خارجون عن الثنتين وسبعين فرقة قالوا واصولها أربعة الشيعة والخوارج ~~والمرجئة والقدرية # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن في قوله تعالى @QB@ منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ ( في المتشابهات قولان PageV13P143 # ( أحدهما ( أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس # ( والثانى ( وهو الصحيح ان التشابه امر نسبى فقد يتشابه عند هذا ما لا ~~يتشابه عند غيره ولكن ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد وتلك ~~المتشابهات اذا عرف معناها صارت غير متشابهة بل القول كله محكم كما قال ~~@QB@ أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ وهذا كقوله ? < الحلال بين والحرام بين ms4154 وبين ~~ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس > ? وكذلك قولهم @QB@ إن البقر ~~تشابه علينا @QE@ # وقد صنف أحمد كتابا في ( الرد على الزنادقة والجهمية ( فيما شكت فيه من ~~متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله وفسر تلك الآيات كلها وذمهم على أنهم ~~تأولوا ذلك المتشابه على غير تأويله وعامتها آيات معروفة قد تكلم العلماء ~~في تفسيرها مثل الآيات التى سأل عنها نافع بن الازرق بن عباس قال الحسن ~~البصرى ما أنزل الله آية الا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت وماذا عنى بها # ومن قال من السلف ان المتشابه لا يعلم تأويله الا الله فقد أصاب أيضا ~~ومراده بالتأويل ما استأثر الله بعلمه مثل وقت الساعة ومجيء اشراطها ومثل ~~كيفية نفسه وما أعده في الجنة لأوليائه PageV13P144 # وكان من اسباب نزول الآية احتجاج النصارى بما تشابه عليهم كقوله ( إنا ( ~~و ( نحن ( وهذا يعرف العلماء أن المراد به الواحد المعظم الذى له أعوان لم ~~يرد به أن الآلهة ثلاثة فتأويل هذا الذى هو تفسيره يعلمه الراسخون ويفرقون ~~بين ما قيل فيه ( إياى ( وما قيل فيه ( إنا ( لدخول الملائكة فيما يرسلهم ~~فيه اذ كانوا رسله وأما كونه هو المعبود الاله فهو له وحده ولهذا لا يقول ~~فايانا فاعبدوا ولا ايانا فارهبوا بل متى جاء الأمر بالعبادة والتقوى ~~والخشية والتوكل ذكر نفسه وحده باسمه الخاص واذا ذكر الافعال التى يرسل ~~فيها الملائكة قال ( انا فتحنا لك فتحا مبينا ( فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ( ~~نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ( ونحو ذلك مع أن تأويل هذا وهو حقيقة ~~ما دل عليه من الملائكة وصفاتهم وكيفية ارسال الرب لهم لا يعلمه الا الله ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع # و ( المقصود هنا ( أن الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل ~~ويتدبر معناه ويعقل ويعرف برهانه ودليله اما العقلى واما الخبرى السمعى ~~ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا وتجعل أقوال الناس التى قد توافقه وتخالفه ~~متشابهة مجملة فيقال لأصحاب هذه الالفاظ يحتمل كذا وكذا ويحتمل ms4155 كذا وكذا ~~فان أرادوا بها ما PageV13P145 يوافق خبر الرسول قبل وان أرادوا بها ما ~~يخالفه رد # وهذا مثل لفظ ( المركب ( والجسم والمتحيز والجوهر والجهة والعرض ( ونحو ~~ذلك ولفظ ( الحيز ( ونحو ذلك فان هذه الالفاظ لا توجد في الكتاب والسنة ~~بالمعنى الذى يريده أهل هذا الاصطلاح بل ولا في اللغة أيضا بل هم يختصون ~~بالتعبير بها على معان لم يعبر غيرهم عن تلك المعانى بهذه الألفاظ فيفسر ~~تلك المعانى بعبارات أخرى ويبطل ما دل عليه القرآن بالأدلة العقلية ~~والسمعية وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل وعرف وجه الكلام ~~على أدلتهم فانها ملفقة من مقدمات مشتركة يأخذون اللفظ المشترك في احدى ~~المقدمتين بمعنى وفى المقدمة الأخرى بمعنى آخر فهو في صورة اللفظ دليل وفى ~~المعنى ليس بدليل كمن يقول سهيل بعيد من الثريا لا يجوز أن يقترن بها ولا ~~يتزوجها والذى قال % أيها المنكح الثريا سهيلا % # أراد امرأة اسمها الثريا ورجلا اسمه سهيل ثم قال % عمرك الله كيف يلتقيان ~~PageV13P146 # هي شامية اذا ما استقلت % وسهيل اذا استقل يمان % وهذا لفظ مشترك فجعل ~~يعجبه وانكاره من الظاهر من جهة اللفظ المشترك وقد بسط الكلام على أدلتهم ~~المفصلة في غير موضع # والأصل الذى بنى عليه نفاة الصفات وعطلوا ما عطلوه حتى صار منتهاهم إلى ~~قول فرعون الذى جحد الخالق وكذب رسوله موسى في أن الله كلمه هو استدلالهم ~~على حدوث العالم بأن الأجسام محدثة واستدلالهم على ذلك بأنها لا تخلو من ~~الحوادث ولم تسبقها وما لم يخل من الحوادث ولم يسبقها فهو محدث وهذا أصل ~~قول الجهمية الذين أطبق السلف والأئمة على ذمهم وأصل قول المتكلمين الذين ~~أطبقوا على ذمهم وقد صنف الناس مصنفات متعددة فيها اقوال السلف والأئمة في ~~ذم الجهمية وفى ذم هؤلاء المتكلمين # ( # والسلف لم يذموا جنس الكلام فان كل آدمى يتكلم ولا ذموا الاستدلال والنظر ~~والجدل الذى أمر الله به رسوله والاستدلال بما بينه الله ورسوله بل ولا ~~ذموا كلاما هو حق بل ذموا الكلام الباطل وهو المخالف ms4156 للكتاب والسنة وهو ~~المخالف للعقل أيضا وهو الباطل فالكلام الذى ذمه السلف هو الكلام الباطل ~~وهو المخالف للشرع والعقل PageV13P147 ولكن كثير من الناس خفى عليه بطلان ~~هذا الكلام فمنهم من اعتقده موافقا للشرع والعقل حتى اعتقد أن إبراهيم ~~الخليل استدل به ومن هؤلاء من يجعله أصل الدين ولا يحصل الايمان أو لا يتم ~~الا به ولكن من عرف ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة علم بالاضطرار ~~أن الرسول والصحابة لم يكونوا يسلكون هذا المسلك فصار من عرف ذلك يعرف أن ~~هذا بدعة وكثير منهم لا يعرف أنه فاسد بل يظن مع ذلك أنه صحيح من جهة العقل ~~لكنه طويل أو يبعد المعرفة أو هو طريق مخيفة مخطر يخاف على سالكه فصاروا ~~يعيبونه كما يعاب الطريق الطويل والطريق المخيف مع اعتقادهم أنه يوصل إلى ~~المعرفة وأنه صحيح في نفسه وأما الحذاق العارفون تحقيقه فعلموا أنه باطل ~~عقلا وشرعا وأنه ليس بطريق موصل إلى المعرفة بل انما يوصل لمن اعتقد صحته ~~إلى الجهل والضلال ومن تبين له تناقضه أوصله إلى الحيرة والشك # ولهذا صار حذاق سالكيه ينتهون إلى الحيرة والشك اذ كان حقيقته أن كل ~~موجود فهو حادث مسبوق بالعدم وليس في الوجود قديم وهذا مكابرة فان الوجود ~~مشهود وهو اما حادث واما قديم والحادث لابد له من قديم فثبت وجود القديم ~~على التقديرين PageV13P148 # وكذلك ما ابتدعه في هذه الطريق بن سينا وأتباعه من الاستدلال بالممكن على ~~الواجب أبطل من ذلك كما قد بسط ذلك في غير هذا الموضع وحقيقته أن كل موجود ~~فهو ممكن ليس في الوجود موجود بنفسه مع أنهم جعلوا هذا طريقا لاثبات الواجب ~~بنفسه كما يجعل أولئك هذا طريقا لاثبات القديم وكلاهما يناقض ثبوت القديم ~~والواجب فليس في واحد منهما اثبات قديم ولا واجب بنفسه مع أن ثبوت موجود ~~قديم وواجب بنفسه معلوم بالضرورة # ولهذا صار حذاق هؤلاء إلى أن الموجود الواجب والقديم هو العالم بنفسه ~~وقالوا هو الله وأنكروا أن يكون للعالم رب مباين للعالم ms4157 اذ كان ثبوت القديم ~~الواجب بنفسه لابد منه على كل قول وفرعون ونحوه ممن أنكر الصانع ما كان ~~ينكر هذا الوجود المشهود فلما كان حقيقة قول أولئك يستلزم أنه ليس موجود ~~قديم ولا واجب لكنهم لا يعرفون أن هذا يلزمهم بل يظنون أنهم أقاموا الدليل ~~على اثبات القديم الواجب بنفسه # ولكن وصفوه بصفات الممتنع فقالوا لا داخل العالم ولا خارجه ولا هو صفة ~~ولا موصوف ولا يشار إليه ونحو ذلك من الصفات السلبية التى تستلزم عدمه وكان ~~هذا مما تنفر عنه العقول والفطر ويعرف أن هذا صفة المعدوم الممتنع لا صفة ~~الموجود فدليلهم في نفس PageV13P149 الأمر يستلزم أنه ما ثم قديم ولا واجب ~~ولكن ظنوا أنهم أثبتوا القديم والواجب وهذا الذى أثبتوه هو ممتنع فما ~~أثبتوا قديما ولا واجبا # فجاء آخرون من جهميتهم فرأوا هذا مكابرة ولابد من اثبات القديم والواجب ~~فقالوا هو هذا العالم فكان قدماء الجهمية يقولون أنه بذاته في كل مكان ~~وهؤلاء قالوا هو عين الموجودات والموجود القديم الواجب هو نفس الموجود ~~المحدث الممكن والحلول هو الذى أظهرته الجهمية للناس حتى عرفه السلف ~~والأئمة وردوه وأما حقيقة قولهم فهو النفى أنه لا داخل العالم ولا خارجه ~~ولكن هذا لم تسمعه الأئمة ولم يعرفوا أنه قولهم الا من باطنهم ولهذا كان ~~الأئمة يحكون عن الجهمية أنه في كل مكان ويحكون عنهم وصفه بالصفات السلبية ~~وشاع عند الناس أن الجهمية يصفونه بالسلوب حتى قال أبو تمام % جهمية ~~الأوصاف الا أنها % قد حليت بمحاسن الأشياء % # وهم لم يقصدوا نفى القديم والواجب فان هذا لا يقصده أحد من العقلاء لا ~~مسلم ولا كافر اذ كان خلاف ما يعلمه كل أحد ببديهة عقله فانه اذا قدر أن ~~جميع الموجودات حادثة عن عدم لزم أن كل الموجودات حدثت بأنفسها ومن المعلوم ~~ببداهة العقول أن الحادث PageV13P150 لا يحدث بنفسه ولهذا قال تعالى @QB@ ~~أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون @QE@ ( وقد قيل ( @QB@ أم خلقوا من غير ~~شيء @QE@ من غير رب خلقهم وقيل من غير ms4158 مادة وقيل من غير عاقبة وجزاء والأول ~~مراد قطعا فان كل ما خلق من مادة أو لغاية فلابد له من خالق # ومعرفة الفطر أن المحدث لابد له من محدث أظهر فيها من أن كل محدث لابد له ~~من مادة خلق منها وغاية خلق لها فان كثيرا من العقلاء نازع في هذا وهذا ولم ~~ينازع في الأول طائفة قالت ان هذا العالم حدث من غير محدث أحدثه بل من ~~الطوائف من قال أنه قديم بنفسه واجب بنفسه ليس له صانع واما أن يقول أنه ~~محدث حدث بنفسه بلا صانع فهذا لا يعرف عن طائفة معروفة وانما يحكى عمن لا ~~يعرف # ومثل هذا القول وأمثاله يقوله من يقوله ممن حصل له فساد في عقله صار به ~~إلى السفسطة والسفسطة تعرض لآحاد الناس وفى بعض الأمور ولكن أمة من الأمم ~~كلهم سوفسطائية في كل شيء هذا لا يتصور فلهذا لا يعرف عن أمة من الأمم أنهم ~~قالوا بحدوث العالم من غير محدث # وهؤلاء لما اعتقدوا أن كل موصوف أو كل ما قامت به صفة أو PageV13P151 فعل ~~بمشيئته فهو محدث وممكن لزمهم القول بحدوث كل موجود اذ كان الخالق جل جلاله ~~متصفا بما يقوم به من الصفات والأمور الاختياريات مثل أنه متكلم بمشيئته ~~وقدرته ويخلق ما يخلقه بمشيئته وقدرته لكن هؤلاء اعتقدوا انتفاء هذه الصفات ~~عنه لاعتقادهم صحة القول بأن ما قامت به الصفات والحوادث فهو حادث لأن ذلك ~~لا يخلو من الحوادث وما لم يخل من الحوادث فهو حادث واذا كان حادثا كان له ~~محدث قديم واعتقدوا أنهم أثبتوا الرب وأنه ذات مجردة عن الصفات ووجوده مطلق ~~لا يشار إليه ولا يتعين ويقولون هو بلا اشارة ولا تعيين وهذا الذى أثبتوه ~~لا حقيقة له في الخارج وإنما هو في الذهن فكان ما اثبتوه واعتقدوا أنه ~~الصانع للعالم # انما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان وكان حقيقة قولهم تعطيل الصانع فجاء ~~اخوانهم في أصل المقالة وقالوا هذا الوجود المطلق المجرد عن الصفات هو ~~الوجود ms4159 الساري في الموجودات فقالوا بحلوله في كل شيء # وقال آخرون منهم هو وجود كل شيء ومنهم من فرق بين الوجود والثبوت ومنهم ~~من فرق بين التعيين والاطلاق ومنهم من جعله في العالم كالمادة في الصورة ~~ومنهم من جعله في العالم كالزبد في PageV13P152 اللبن وكالزيت والشيرج في ~~السمسم والزيتون وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع # و ( المقصود هنا ( أن الأصل الذى أضلهم قولهم ما قامت به الصفات والأفعال ~~والأمور الاختيارية أو الحوادث فهو حادث ثم قالوا والجسم لا يخلو من ~~الحوادث وأثبتوا ذلك بطرق منهم من قال لا يخلو عن الأكوان الأربعة الحركة ~~والسكون والاجتماع والافتراق ومنهم من قال لا يخلو عن الحركة والسكون فقط ~~ومنهم من قال لا يخلو عن الاعراض والاعراض كلها حادثة وهى لا تبقى زمانين ~~وهذه طريقة الآمدى وزعم أن أكثر أصحاب الاشعرية اعتمدوا عليها والرازى ~~اعتمد على طريقة الحركة والسكون # وقد بسط الكلام على هذه الطرق وجميع ما احتجوا به على حدوث الجسم وامكانه ~~وذكرنا في ذلك كلامهم هم أنفسهم في فساد جميع هذه الطرق وأنهم هم بينوا ~~فساد جميع ما استدل به على حدوث الجسم وامكانه وبينوا فسادها طريقا طريقا ~~بما ذكروه كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع وأما # الهشامية والكرامية وغيرهم ممن يقول بأنه جسم قديم فقد شاركوهم في أصل ~~هذه المقالة لكن لم يقولوا بحدوث كل جسم ولا PageV13P153 قالوا ان الجسم لا ~~ينفك عن الحوادث اذ كان القديم عندهم جسما قديما وهو خال من الحوادث وقد ~~قيل أول من قال في الاسلام أن القديم جسم هو هشام بن الحكم كما أن أول من ~~أظهر في الاسلام نفى الجسم هو الجهم بن صفوان # وكلام السلف والأئمة في ذم الجهمية كثير مشهور فان مرض التعطيل شر من مرض ~~التجسيم وانما كان السلف يذمون المشبهة كما قال الامام أحمد بن حنبل رضى ~~الله عنه واسحاق بن راهويه وغيرهما قالوا المشبهة الذين يقولون بصر كبصرى ~~ويد كيدى وقدم كقدمى وبن كلاب ومن ms4160 تبعه أثبتوا الصفات التى لا تتعلق ~~بمشيئته وقدرته ( فاما التى تتعلق بمشيئته وقدرته ( فينفونها قالوا لأنها ~~حادثة ولو قامت به الحوادث لكان حادثا لأن ما قبل الشيء لم يخل عنه وعن ضده ~~فلو قبل بعض هذه الحوادث لم يخل منه ومن ضده فلم يخل من الحوادث فيكون ~~حادثا # و ( محمد بن كرام ( كان بعد بن كلاب في عصر مسلم بن الحجاج أثبت أنه يوصف ~~بالصفات الاختياريات ويتكلم بمشيئته وقدرته ولكن عنده يمتنع أنه كان في ~~الأزل متكلما بمشيئته وقدرته لامتناع حوادث لا أول لها فلم يقل بقول السلف ~~أنه لم يزل متكلما اذا شاء بل قال أنه صار يتكلم بمشيئته وقدرته كما صار ~~يفعل بمشيئته وقدرته بعد ان لم يكن كذلك وقال هو وأصحابه في المشهور عنه ~~PageV13P154 أن الحوادث التى تقوم به لا يخلو منها ولا يزول عنها لأنه لو ~~قامت به الحوادث ثم زالت عنه كان قابلا لحدوثها وزوالها واذا كان قابلا ~~لذلك لم يخل منه وما لم يخل من الحوادث فهو حادث وانما يقبل على أصلهم أنه ~~تقوم به الحوادث فقط كما يقبل أن يفعلها ويحدثها ولا يلزم من ذلك أنها لم ~~تخل منه كما لم يلزم أنه لم يزل فاعلا لها والحدوث عندهم غير الاحداث ~~والقرآن عندهم حادث لا محدث لأن المحدث يفتقر إلى احداث بخلاف الحدوث # وهم اذا قالوا كان خاليا منها في الأزل وكان ساكنا لم يقولوا أنه قام به ~~حادث بل يقولون السكون أمر عدمى كما يقوله الفلاسفة ولكن الحركة أمر وجودى ~~بخلاف ما يقوله ( من يقوله ( من المعتزلة والأشعرية أن السكون أمر وجودى ~~كالحركة فاذا حصل به حادث لم يكن ثم عدم هذا الحادث فانما يعدم الحادث ~~باحداث يقوم به وهذا ممتنع وهم يقولون أنه يمتنع عدم الجسم وعندهم أن ~~البارى يقوم به احداث المخلوقات وافناؤها فالحوادث التى تقوم بهم تقوم به ~~لو أفناها لقام به الاحداث والافناء فكان قابلا لأن يحدث فيه حادث ويفنى ~~ذلك الحادث وما كان كذلك لم يخل من ms4161 احداث وافناء فلم يخل من الحوادث وما لم ~~يخل منها فهو حادث وإنما كان كذلك لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده ~~كما قالت الكلابية لكن المعتزلة يقولون PageV13P155 السكون ضد الحركة ~~فالقابل لأحدهما لا يخلو عنه وعن الاخر وهؤلاء يقولون السكون ليس بضد وجودى ~~بل هو عدمى وإنما الوجودى هو الاحداث والافناء فلو قبل قيام الاحداث ~~والافناء به لكان قابلا لقيام الاضداد الوجودية والقابل للشيء لا يخلو عنه ~~وعن # ضده وهؤلاء لما أراد منازعوهم ابطال قولهم كان عمدتهم بيان تناقض أقوالهم ~~كما ذكر ذلك أبو المعالى وأتباعه وكما ذكر الآمدى تناقضهم من وجوه كثيرة قد ~~ذكرت في غير هذا الموضع وغايتها أنها تدل على مناقضتهم لا على صحة مذهب ~~المنازع # وثم طائفة كثيرة تقول أنه تقوم به الحوادث وتزول وانه كلم موسى بصوت وذلك ~~الصوت عدم وهذا مذهب أئمة السنة والحديث من السلف وغيرهم وأظن الكرامية لهم ~~في ذلك قولان والا فالقول بفناء الصوت الذى كلم به موسى من جنس القول بقدمه ~~كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام والحديث والفقه من السالمية وغيرهم ~~ومن الحنبلية والشافعية والمالكية يقول أنه كلم موسى بصوت سمعه موسى وذلك ~~الصوت قديم وهذا القول يعرف فساده ببديهة العقل وكذلك قول من يقول كلمه ~~بصوت حادث وان ذلك الصوت باق لا يزال هو وسائر ما يقوم به من الحوادث هي ~~أقوال يعرف فسادها بالبديهة PageV13P156 وإنما أوقع هذه الطوائف في هذه ~~الأقوال ذلك الأصل الذى تلقوه عن الجهمية وهو أن ما لم يخل من الحوادث فهو ~~حادث وهو باطل عقلا وشرعا وهذا الأصل فاسد مخالف للعقل والشرع وبه استطالت ~~عليهم الفلاسفة الدهرية فلا للاسلام نصروا ولا لعدوه كسروا بل قد خالفوا ~~السلف والأئمة وخالفوا العقل والشرع وسلطوا عليهم وعلى المسلمين عدوهم من ~~الفلاسفة والدهرية والملاحدة بسبب غلطهم في هذا الأصل الذى جعلوه أصل دينهم ~~ولو اعتصموا بما جاء به الرسول لوافقوا المنقول والمعقول وثبت لهم الأصل ~~ولكن ضيعوا الأصول فحرموا الوصول والأصول اتباع ما ms4162 جاء به الرسول # وأحدثوا اصولا ظنوا أنها أصول ثابتة وكانت كما ضرب الله المثلين مثل ~~البناء والشجرة فقال في المؤمنين والمنافقين ( افمن أسس بنيانه على تقوى من ~~الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ~~والله لا يهدى القوم الظالمين ( وقال ( ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ~~الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ( والأصول مأخوذة ~~PageV13P157 من اصول الشجرة وأساس البناء ولهذا يقال فيه الأصل ما ابتنى ~~عليه غيره أو ما تفرع عنه غيره # فالأصول الثابتة هي أصول % الأنبياء كما قيل % أيها المغتدى لتطلب علما % ~~كل علم عبد لعلم الرسول % تطلب الفرع كى تصحح حكما % ثم أغفلت أصل أصل ~~الأصول % # والله يهدينا وسائر اخواننا المؤمنين إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # وهذه الأصول ينبنى عليها ما في القلوب ويتفرع عليها وقد ضرب الله مثل ~~الكلمة الطيبة التى في قلوب المؤمنين ومثل الكلمة الخبيثة التى في قلوب ~~الكافرين و ( الكلمة ( هي قضية جازمة وعقيدة جامعة ونبينا ( صلى الله عليه ~~وسلم ( أوتى فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه فبعث بالعلوم الكلية والعلوم ~~الأولية والاخرية على أتم قضية فالكلمة الطيبة في قلوب المؤمنين وهى ~~العقيدة الايمانية التوحيدية كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء فاصل ~~أصول الايمان ثابت في قلب المؤمن كثبات اصل الشجرة الطيبة وفرعها في السماء ~~@QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ PageV13P158 والله ~~سبحانه مثل الكلمة الطيبة أى كلمة التوحيد بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء # فبين بذلك أن الكلمة الطيبة لها أصل ثابت في قلب المؤمن ولها فرع عال وهى ~~ثابتة في قلب ثابت كما قال يثبت الله الذين آمنوا بالقول ms4163 الثابت في الحياة ~~الدنيا وفى الآخرة فالمؤمن عنده يقين وطمأنينة والايمان في قلبه ثابت مستقر ~~وهو في نفسه ثابت على الايمان مستقر لا يتحول عنه والكلمة الخبيثة @QB@ ~~كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض @QE@ استؤصلت واجتثت كما يقطع الشيء يجتث ~~من فوق الأرض @QB@ ما لها من قرار @QE@ لا مكان تستقر فيه ولا استقرار في ~~المكان فان القرار يراد به مكان الاستقرار كما قال تعالى @QB@ فبئس القرار ~~@QE@ وقال @QB@ جعل لكم الأرض قرارا @QE@ ويقال فلان ما له قرار أى ثبات ~~وقد فسر القرار في الآية بهذا وهذا فالمبطل ليس قوله ثابتا في قلبه ولا هو ~~ثابت فيه ولا يستقر كما قال تعالى في المثل الآخر @QB@ فأما الزبد فيذهب ~~جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض @QE@ فإنه وان اعتقده مدة فانه عند ~~الحقيقة يخونه كالذى يشرك بالله فعند الحقيقة يضل عنه ما كان يدعو من دون ~~الله # وكذلك الأفعال الباطلة التى يعتقدها الانسان عند الحقيقة تخونه ولا تنفعه ~~بل هي كالشجرة الخبيثة التى اجتثت من فوق الأرض ما لها PageV13P159 من قرار ~~فمن كان معه كلمة طيبة أصلها ثابت كان له فرع في السماء يوصله إلى الله ~~فانه سبحانه @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ ومن لم ~~يكن معه أصل ثابت فانه يحرم الوصول لأنه ضيع الأصول ولهذا تجد أهل البدع ~~والشبهات لا يصلون إلى غاية محمودة كما قال تعالى ( له دعوة الحق والذين ~~يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء الا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ~~وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين الا في ضلال ( ( # والله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب بان يكون هو المعبود وحده لا شريك له ~~وانما يعبد بما أمر به على ألسن رسله # وأصل عبادته معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله ولهذا كان ~~مذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسله من غير تحريف ~~ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل والذين ينكرون بعض ذلك ما قدروا ms4164 الله حق ~~قدره وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته ولا عبدوه حق عبادته # والله سبحانه قد ذكر هذه الكلمة @QB@ ما قدروا الله حق قدره @QE@ في ثلاث ~~مواضع ليثبت عظمته في نفسه وما يستحقه من الصفات وليثبت وحدانيته وأنه لا ~~يستحق العبادة الا هو وليثبت ما أنزله على PageV13P160 رسله فقال في الزمر ~~@QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة @QE@ الآية ~~وقال في الحج @QB@ ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره @QE@ وقال في ~~الانعام @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ~~@QE@ وفى المواضع الثلاثة ذم الذين ما قدروه حق قدره من الكفار فدل ذلك على ~~أنه يجب على المؤمن أن يقدر الله حق قدره كما يجب عليه أن يتقيه حق تقاته ~~وأن يجاهد فيه حق جهاده قال تعالى @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده @QE@ وقال ~~@QB@ اتقوا الله حق تقاته @QE@ والمصدر هنا مضاف إلى المفعول والفاعل مراد ~~أى حق جهاده الذى أمركم به وحق تقاته التى أمركم بها واقدروه قدره الذى ~~بينه لكم وأمركم به فصدقوا الرسول فيما أخبر وأطيعوه فيما أوجب وأمر وأما ~~ما يخرج عن طاقة البشر فذلك لا يذم أحد على تركه قالت عائشة فاقدروا قدر ~~الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو # ودلت الآية على أن له قدرا عظيما لا سيما قوله @QB@ وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ وفى ~~تفسير بن أبى طلحة عن بن عباس قال من آمن بأن الله على كل شيء قدير فقد قدر ~~الله حق قدره PageV13P161 وقد ثبت في الصحيحين من حديث بن مسعود أن النبى ( ~~( قرأ هذه الآية لما ذكر له بعض اليهود أن الله يحمل السماوات على أصبع ~~والارضين على اصبع والجبال على أصبع والشجر والثرى على أصبع وسائر الخلق ~~على أصبع فضحك رسول الله ( ( تعجبا وتصديقا لقول الحبر وقرأ هذه الآية وعن ~~بن عباس قال مر يهودى بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ( فقال يا ms4165 أبا القاسم ما ~~تقول اذا وضع الله السماء على ذه والأرض على ذه والجبال والماء على ذه ~~وسائر الخلق على ذه فأنزل الله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ رواه الإمام أحمد ~~والترمذى من حديث أبى الضحى عن بن عباس وقال غريب حسن صحيح # وهذا يقتضى أن عظمته أعظم مما وصف ذلك الحبر فان الذى في الآية أبلغ كما ~~في الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى ( ( قال ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ~~ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وفى الصحيحين عن بن ~~عمر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( يطوى الله السماوات يوم ~~القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول اين الملوك أين الجبارون ~~PageV13P162 اين المتكبرون ( ورواه مسلم أبسط من هذا وذكر فيه أنه يأخذ ~~الأرض بيده الأخرى # وقد روى بن أبى حاتم حدثنا أبى ثنا عمرو بن رافع ثنا يعقوب بن عبد الله ~~عن جعفر عن سعيد بن جبير قال تكلمت اليهود في صفة الرب تبارك وتعالى فقالوا ~~ما لم يعلموا ولم يروا فأنزل الله على نبيه @QB@ وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون @QE@ فجعل صفته التى وصفوه بها شركا # وقال حدثنا أبى ثنا أبو نعيم ثنا الحكم يعنى أبا معاذ عن الحسن قال عمدت ~~اليهود فنظروا في خلق السماوات والأرض والملائكة فلما فرغوا أخذوا يقدرونه ~~فأنزل الله تعالى على نبيه @QB@ وما قدروا الله حق قدره @QE@ وهذا يدل على ~~أنه أعظم مما وصفوه وأنهم لم يقدروه حق قدره # وقوله @QB@ عما يشركون @QE@ فكل من جعل مخلوقا مثلا للخالق في شيء من ~~الأشياء فأحبه مثل ما يحب الخالق أو وصفة بمثل ما يوصف به الخالق فهو مشرك ~~سوى بين الله وبين المخلوق في شيء من الأشياء فعدل بربه والرب تعالى لا كفؤ ~~له ولا سمى له ولا مثل له ومن PageV13P163 جعله مثل المعدوم والممتنع فهو ~~شر من ms4166 هؤلاء فانه معطل ممثل والمعطل شر من المشرك # والله ثنى قصة فرعون في القرآن في غير موضع لاحتياج الناس إلى الاعتبار ~~بها فانه حصل له من الملك ودعوى الربوبية والالهية والعلو ما لم يحصل مثله ~~لأحد من المعطلين وكانت عاقبته إلى ما ذكر الله تعالى وليس لله صفة يماثله ~~فيها غيره فلهذا لم يجز أن يستعمل في حقه قياس التمثيل ولا قياس الشمول ~~الذى تستوى أفراده فان ذلك شرك اذ سوى فيه بالمخلوق بل قياس الأولى فانه ~~سبحانه @QB@ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض @QE@ فهو أحق من غيره ~~بصفات الكمال وأحق من غيره بالتنزيه عن صفات النقص # وقد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع وبين أن من جعله الوجود المطلق ~~والمقيد بالسلب أو ذاتا مجردة فهؤلاء مثلوه بأنقص المعقولات الذهنية وجعلوه ~~دون الموجودات الخارجية والنفاة الذين قصدوا اثبات حدوث العالم باثبات حدوث ~~الجسم لم يثبتوا بذلك حدوث شيء كما قد بين في موضعه ( # ثم انهم جعلوا عمدتهم في تنزيه الرب عن النقائص على نفى الجسم ومن سلك ~~هذا المسلك لم ينزه الله عن شيء من النقائص البتة فإنه PageV13P164 ما من ~~صفة ينفيها لأنها تستلزم التجسيم وتكون من صفات الاجسام الا يقال له فيما ~~أثبته نظير ما يقوله هو في نفس تلك الصفة # فإن كان مثبتا لبعض الصفات قيل له القول في هذه الصفة التى تنفيها كالقول ~~فيما أثبته فان كان هذا تجسيما وقولا باطلا فهذا كذلك وان قلت أنا أثبت هذا ~~على الوجه الذى يليق بالرب قيل له وكذلك هذا وان قلت أنا أثبته وأنفى ~~التجسيم قيل وهذا كذلك فليس لك أن تفرق بين المتماثلين # وإن كان ممن يثبت الأسماء وينفى الصفات كالمعتزلة قيل له في الصفات ما ~~يقوله هو في الأسماء فاذا كان يثبت حيا عالما قادرا وهو لا يعرف من هو متصف ~~بذلك الا جسما كان اثبات أن له علما وقدرة كما نطق به الكتاب والسنة كذلك # وإن كان ممن لا يثبت لا الاسماء ولا الصفات كالجهمية ms4167 المحضة والملاحدة ~~قيل له فلابد أن تثبت موجودا قائما بنفسه وأنت لا تعرف ذلك الا جسما وان ~~قال لا اسميه باسم لا اثبات ولا نفى قيل له سكوتك لا ينفى الحقائق ولا ~~واسطة بين النفى والاثبات فاما أن يكون حقا ثابتا موجودا وإما أن يكون ~~باطلا معدوما PageV13P165 وأيضا فإن كنت لم تعرفه فأنت جاهل فلا تتكلم وان ~~عرفته فلابد أن تميز بينه وبين غيره بما يختص به مثل أن تقول رب العالمين ~~أو القديم الأزلى أو الموجود بنفسه ونحو ذلك وحينئذ فقد اثبت حيا موجودا ~~قائما بنفسه وأثبته فاعلا وأنت لا تعرف ما هو كذلك الا الجسم # وأن قدر أنه جاحد له قيل له فهذا الوجود مشهود فان كان قديما أزليا ~~موجودا بنفسه فقد يثبت جسم قديم أزلى موجود بنفسه وهو ما فررت منه وان كان ~~مخلوقا مصنوعا فله خالق خلقه ولابد أن يكون قديما أزليا فقد ثبت الموجود ~~القائم بنفسه القديم الأزلى على كل تقدير وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # وهنا قد نبهنا على ذلك هو أنه كل من بنى تنزيهه للرب عن النقائص والعيوب ~~على نفى الجسم فانه لا يمكنه أن ينزهه عن عيب أصلا بهذه الحجة وكذلك من جعل ~~عمدته نفى التركيب ومن تدبر ما ذكروه في كتبهم تبين له أنهم لم يقيموا حجة ~~على وجوده فلا هم أثبتوه وأثبتوا له ما يستحقه ولا نزهوه ونفوا عنه ما لا ~~يجوز عليه اذ كان اثباته هو اثبات حدوث الجسم ولم يقيموا على ذلك دليلا ~~والنفى اعتمدوا فيه على ذلك وهم متناقضون فيه لو PageV13P166 كانوا أقاموا ~~دليلا على نفى كونه جسما فكيف اذا لم يقيموا على ذلك دليلا وتناقضوا # وهذا مما يتبين لك أن من خرج عن الكتاب والسنة فليس معه علم لا عقلى ولا ~~سمعى لا سيما في هذا المطلوب الاعظم لكنهم قد يكونون معتقدين لعقائد صحيحة ~~عرفوها بالفطرة العقلية وبما سمعوه من القرآن ودين المسلمين فقلوبهم تثبت ~~ما تثبت وتنفى ما تنفى بناء على هذه الفطرة ms4168 المكملة بالشرعة المنزلة لكنهم ~~سلكوا هذه الطرق البدعية وليس فيها علم أصلا ولكن يستفاد من كلامهم ابطال ~~بعضهم لقول المبطل الآخر وبيان تناقضه # ولهذا لما ذكروا المقالات الباطلة في الرب جعلوا يردونها بان ذلك تجسيم ~~كما فعل القاضي أبو بكر في هداية المسترشدين وغيره فلم يقيموا حجة على ~~أولئك المبطلين وردوا كثيرا مما يقول اليهود بأنه تجسيم وقد كان اليهود عند ~~النبى ( ( بالمدينة وكانوا أحيانا يذكرون له بعض الصفات كحديث الحبر وقد ذم ~~الله اليهود على أشياء كقولهم @QB@ إن الله فقير @QE@ وإن يده مغلولة وغير ~~ذلك ولم يقل النبى ( ( قط أنهم يجسمون ولا ان في التوراة تجسيما ولا عابهم ~~بذلك ولا رد هذه الأقوال الباطلة بأن هذا تجسيم كما فعل ذلك من فعله من ~~النفاة PageV13P167 فتبين أن هذه الطريقة مخالفة للشرع والعقل وانها مخالفة ~~لما بعث الله به رسوله ولما فطر عليه عباده وان أهلها من جنس الذين @QB@ ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ # وقد بينا في غير هذا الموضع فساد ما ذكره الرازى من أن طريقة الوجوب ~~والامكان من أعظم الطرق وبينا فسادها وأنها لا تفيد علما وأنهم لم يقيموا ~~دليلا على اثبات واجب الوجود وان طريقة الكمال أشرف منها وعليها اعتماد ~~العقلاء قديما وحديثا وهو قد اعترف في آخر عمره بأنه قد تأمل الطرق ~~الكلامية والمناهج الفلسفية فما وجدها تشفى عليلا ولا تروي غليلا ووجد أقرب ~~الطرق طريقة القرآن # وطريقة الوجوب والامكان لم يسلكها أحد قبل بن سينا وهو أخذها من كلام ~~المتكلمين الذين قسموا الوجود إلى محدث وقديم فقسمه هو إلى واجب وممكن ~~ليمكنه القول بأن الفلك ممكن مع قدمه وخالف بذلك عامة العقلاء من سلفه وغير ~~سلفه وخالف نفسه فانه قد ذكر في المنطق ما ذكره سلفه من أن الممكن لا يكون ~~الا محدثا كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع # ثم ان هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة انتهت بهم إلى قول فرعون فإن ~~PageV13P168 فرعون جحد الخالق وكذب موسى ms4169 في أن الله كلمه وهؤلاء ينتهى ~~قولهم إلى جحد الخالق وإن أثبتوه قالوا أنه لا يتكلم ولا نادى أحدا ولا ~~ناجاه # وعمدتهم في نفى ذاته على نفى الجسم وفى نفى كلامه وتكليمه لموسى على أنه ~~لا تحله الحوادث فلا يبقى عندهم رب ولا مرسل فحقيقة قولهم يناقض شهادة أن ~~لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فان الرسول هو المبلغ لرسالة مرسله ~~والرسالة هي كلامه الذى بعثه به فاذا لم يكن متكلما لم تكن رسالة # ولهذا اتفق الانبياء على أن الله يتكلم ومن لم يقل أنه يتكلم بمشيئته ~~وقدرته كلاما يقوم بذاته لم يقل أنه يتكلم والنفاة منهم من يقول الكلام صفة ~~فعل بمعنى أنه مخلوق بائن عنه ومنهم من يقول هو صفة ذات بمعنى أنه كالحياة ~~يقوم بذاته وهو لا يتكلم بمشيئته وقدرته وكل طائفة مصيبة في ابطال باطل ~~الأخرى # والدليل يقوم على أنه صفة ذات وفعل تقوم بذات الرب والرب يتكلم بمشيئته ~~وقدرته فادلة من قال انه صفة فعل كلها انما تدل على أنه يتكلم بقدرته ~~ومشيئته وهذا حق وأدلة من قال انه صفة ذات انما تدل على أن كلامه يقوم ~~بذاته وهذا حق واما من أثبت أحدهما PageV13P169 كمن قال ان كلامه مخلوق أو ~~قال أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته فهؤلاء في الحقيقة لم يثبتوا أنه يتكلم ~~ولا أثبتوا له كلاما ولهذا يقولون ما لا يعقل هذا يقول أنه معنى واحد قام ~~بالذات وهذا يقول حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته وهذا يقول ~~مخلوق بائن عنه # ولهذا لما ظهر لطائفة من اتباعهم ما في قولهم من الفساد ولم يعرفوا عين ~~هذه الأقوال الثلاثة حاروا وتوقفوا وقالوا نحن نقر بما عليه عموم المسلمين ~~من أن القرآن كلام الله وأما كونه مخلوقا أو بحرف وصوت أو معنى قائم بالذات ~~فلا نقول شيئا من هذا # ومعلوم أن الهدى في هذه الأصول ومعرفة الحق فيها هو معرفة ما جاء به ~~الرسول وهو الموافق لصريح المعقول أنفع وأعظم من كثير ms4170 مما يتكلمون فيه من ~~العلم لا سيما والقلوب تطلب معرفة الحق في هذه بالفطرة ولما قد رأوا من ~~اختلاف الناس فيها # وهؤلاء يذكرون هذا الوقف في عقائدهم وفيما صنفوه في أصول الدين كما قد ~~رأيت منهم من أكابر شيوخ العلم والدين بمصر والشام قد صنفوا في أصول الدين ~~ما صنفوه ولما تكلموا في ( مسألة القرآن ( وهل هو مخلوق أو قديم أو هو ~~الحروف والأصوات أو معنى قائم بالذات نهوا عن هذه الأقوال وقالوا الواجب أن ~~يقال ما قاله PageV13P170 المسلمون كلهم أن القرآن كلام الله ويمسك عن هذه ~~الأقوال # وهؤلاء توقفوا عن حيرة وشك ولهم رغبة في العلم والهدى والدين وهم من أحرص ~~الناس على معرفة الحق في ذلك وغيره لكن لم يعلموا الا هذه الأقوال الثلاثة ~~قول المعتزلة والكلابية والسالمية وكل طائفة تبين فساد قول الأخرى وفى كل ~~قول من الفساد ما يوجب الامتناع من قبوله ولم يعلموا قولا غير هذه فرضوا ~~بالجهل البسيط وكان أحب اليهم من الجهل المركب وكان اسباب ذلك أنهم وافقوا ~~هؤلاء على أصل قولهم ودينهم وهو الاستدلال على حدوث الاجسام وحدوث العالم ~~بطريقة أهل الكلام المبتدع كما سلكها من ذكرته من أجلاء شيوخ أهل العلم ~~والدين والاستدلال على امكانها بكونها مركبة كما سلك الشيخ الآخر وهذا ينفى ~~عن الواجب أن يكون جسما بهذه الطريقة وذلك نفى عنه أنه جسم بتلك الطريقة ~~وحذاق النظار الذين كانوا أخبر بهذه الطرق وأعظم نظرا واستدلالا بها ~~وبغيرها قد عرفوا فسادها كما قد بسط في غير هذا الموضع # والله سبحانه قد أخبر أنه @QB@ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله @QE@ وأخبر أنه @QB@ لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~@QE@ والله سبحانه يجزى الانسان بجنس عمله فالجزاء من جنس العمل فمن خالف ~~الرسل عوقب بمثل ذنبه فان كان قد قدح فيهم PageV13P171 ونسب ما يقولونه إلى ~~أنه جهل وخروج عن العلم والعقل ابتلى في عقله وعلمه وظهر من جهله ما عوقب ~~به ومن قال عنهم أنهم تعمدوا الكذب أظهر الله ms4171 كذبه ومن قال أنهم جهال أظهر ~~الله جهله ففرعون وهامان وقارون لما قالوا عن موسى أنه ساحر كذاب أخبر الله ~~بذلك عنهم في قوله @QB@ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون ~~وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب @QE@ وطلب فرعون أهلاكه بالقتل وصار يصفه ~~بالعيوب كقوله @QB@ وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل ~~دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد @QE@ وقال @QB@ أم أنا خير من هذا الذي ~~هو مهين ولا يكاد يبين @QE@ أهلك الله فرعون وأظهر كذبه وافتراءه على الله ~~وعلى رسله وأذله غاية الاذلال وأعجزه عن الكلام النافع فلم يبين حجة وفرعون ~~هذه الأمة أبو جهل كان يسمى أبا الحكم ولكن النبى ( ( سماه أبا جهل وهو كما ~~سماه رسول الله ( ( أبو جهل أهلك به نفسه وأتباعه في الدنيا والآخرة # والذين قالوا عن الرسول أنه أبتر وقصدوا أنه يموت فينقطع ذكره عوقبوا ~~بانبتارهم كما قال تعالى @QB@ إن شانئك هو الأبتر @QE@ فلا يوجد من شنأ ~~الرسول الا بتره الله حتى أهل البدع المخالفون لسنته قيل لأبى بكر بن عياش ~~أن بالمسجد قوما يجلسون للناس ويتكلمون بالبدعة PageV13P172 فقال من جلس ~~للناس جلس الناس إليه لكن أهل السنة يبقون ويبقى ذكرهم وأهل البدعة يموتون ~~ويموت ذكرهم # وهؤلاء المشبهون لفرعون الجهمية نفاة الصفات الذين وافقوا فرعون في جحده ~~وقالوا أنه ليس فوق السماوات وان الله لم يكلم موسى تكليما كما قال فرعون ( ~~يا هامان بن لى صرحا لعلى أبلغ الاسباب اسباب السماوات فاطلع إلى اله موسى ~~وانى لأظنه كاذبا ( # وكان فرعون جاحدا للرب فلولا أن موسى أخبره أن ربه فوق العالم لما قال ~~@QB@ فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا @QE@ قال تعالى @QB@ وكذلك زين ~~لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان ~~على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين ~~واستكبر هو وجنوده في ms4172 الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه ~~وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون ~~إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة هم من المقبوحين @QE@ ومحمد ( ( لما عرج به إلى ربه وفرض عليه ~~الصلوات PageV13P173 الخمس ذكر أنه رجع إلى موسى وان موسى قال له ارجع إلى ~~ربك فسله التخفيف إلى أمتك كما تواتر هذا في أحاديث المعراج فموسى صدق ~~محمدا في أن ربه فوق وفرعون كذب موسى في أن ربه فوق فالمقرون بذلك متبعون ~~لموسى ومحمد والمكذبون بذلك موافقون لفرعون وهذه الحجة مما اعتمد عليها غير ~~واحد من النظار وهى مما اعتمد عليها أبو الحسن الاشعرى في كتابه ( الابانة ~~( وذكر عدة أدلة عقلية وسمعية على أن الله فوق العالم وقال في أوله فإن قال ~~قائل قد أنكرتم قول الجهمية والقدرية والخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة ~~فعرفونا قولكم الذى به تقولون وديانتكم التى بها تدينون # قيل له قولنا الذى نقول به وديانتنا التى ندين بها التمسك بكتاب ربنا ~~وسنة نبينا وما جاء عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وبما كان يقول به ~~أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل قائلون ولما خالف قوله مجانبون فانه ~~الامام الكامل والرئيس الفاضل الذى أبان الله به الحق وأوضح به المناهج ~~وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمه الله من امام مقدم ~~PageV13P174 وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين وذكر جملة الإعتقاد ~~والكلام على علو الله على العرش وعلى الرؤية ومسألة القرآن ونحو ذلك وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع # و ( المقصود هنا ( أن المعطلة نفاة الصفات أو نفاة بعضها لا يعتمدون في ~~ذلك على ما جاء به الرسول اذ كان ما جاء به الرسول انما يتضمن الاثبات لا ~~النفى لكن يعتمدون في ذلك على ما يظنونه أدلة عقلية ويعارضون بذلك ما جاء ~~به الرسول # وحقيقة قولهم أن الرسول لم يذكر في ذلك ما يرجع إليه لا من سمع ولا عقل ~~فلم يخبر ms4173 بذلك خبرا بين به الحق على زعمهم ولا ذكر أدلة عقلية تبين الصواب ~~في ذلك على زعمهم بخلاف غير هذا فانهم معترفون بان الرسول ذكر في القرآن ~~ادلة عقلية على ثبوت الرب وعلى صدق الرسول # وقد يقولون أيضا أنه أخبر بالمعاد لكن نفوا الصفات لما رأوا ان ما ذكروه ~~من النفى لم يذكره الرسول فلم يخبر به ولا ذكر دليلا عقليا عليه بل انما ~~ذكر الاثبات وليس هو في نفس الأمر حقا فاحوج الناس إلى التأويل أو التفويض ~~فلما نسبوا ما جاء به الرسول إلى أنه ليس فيه لا دليل سمعى ولا عقلى لا خبر ~~يبين الحق ولا PageV13P175 دليل يدل عليه عاقبهم الله بجنس ذنوبهم فكان ما ~~يقولونه في هذا الباب خارجا عن العقل والسمع مع دعواهم أنه من العقليات ~~البرهانية فاذا اختبره العارف وجده من الشبهات الشيطانية من جنس شبهات أهل ~~السفسطة والالحاد الذين يقدحون في العقليات والسمعيات # وأما السمع فخلافهم له ظاهر لكل أحد وانما يظن من يعظمهم ويتبعهم أنهم ~~أحكموا العقليات فاذا حقق الأمر وجدهم كما قال أهل النار @QB@ لو كنا نسمع ~~أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ وكما قال تعالى @QB@ والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من ~~فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ # فلما كان حقيقة قولهم أن القرآن والحديث ليس فيه في هذا الباب دليل سمعى ~~ولا عقلى سلبهم الله في هذا الباب معرفة الأدلة السمعية والعقلية حتى كانوا ~~من اضل البرية مع دعواهم أنهم أعلم من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين بل ~~قد يدعون أنهم أعلم من النبيين وهذا ميراث من فرعون وحزبه اللعين ~~PageV13P176 # وقد قيل ان أول من عرف أنه أظهر في الاسلام التعطيل الذى تضمنه قول فرعون ~~هو الجعد بن ms4174 درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسرى وقال ايها الناس ضحوا ~~تقبل الله ضحاياكم انى مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل ~~فذبحه وشكر له علماء المسلمين ما فعله كالحسن البصرى وغيره # وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدى آخر خلفاء بنى أمية وكان شؤمه ~~عاد عليه حتى زالت الدولة فانه اذا ظهرت البدع التى تخالف دين الرسل انتقم ~~الله ممن خالف الرسل وانتصر لهم ولهذا لما ظهرت الملاحدة الباطنية وملكوا ~~الشام وغيرها ظهر فيها النفاق والزندقة الذى هو باطن أمرهم وهو حقيقة قول ~~فرعون ( انكار الصانع وانكار عبادته ( وخيار ما كانوا يتظاهرون به الرفض ~~فكان خيارهم وأقربهم إلى الإسلام الرافضة وظهر بسببهم الرفض والالحاد حتى ~~كان من كان ينزل الشام مثل بنى حمدان الغالية ونحوهم متشيعين وكذلك من كان ~~من بنى بويه في المشرق # وكان بن سينا وأهل بيته من أهل دعوتهم قال وبسبب ذلك اشتغلت في الفلسفة ~~وكان مبدأ ظهورهم من حين تولى المقتدر ولم يكن بلغ بعد وهو مبدأ انحلال ~~الدولة العباسية ولهذا سمى حينئذ بأمير المؤمنين الاموى الذى كان بالاندلس ~~وكان قبل ذلك لا يسمى PageV13P177 بهذا الاسم ويقول لا يكون للمسلمين ~~خليفتان فلما ولى المقتدر قال هذا صبى لا تصح ولايته فسمى بهذا الاسم # وكان بنو عبيد الله القداح الملاحدة يسمون بهذا الاسم لكن هؤلاء كانوا في ~~الباطن ملاحدة زنادقة منافقين وكان نسبهم باطلا كدينهم بخلاف الاموى ~~والعباسى فان كلاهما نسبه صحيح وهم مسلمون كأمثالهم من خلفاء المسلمين # فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء ~~فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة وأخذوا الثغور الشامية ~~شيئا بعد شيء إلى أن أخذوا بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة وبعد هذا ~~بمدة حاصروا دمشق وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين ~~الملاحدة إلى أن تولى نور الدين الشهيد وقام بما ms4175 قام به من أمر الاسلام ~~واظهاره والجهاد لأعدائه ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى ~~فانجدهم وجرت فصول كثيرة إلى أن أخذت مصر من بنى عبيد أخذها صلاح الدين ~~يوسف بن سادى وخطب بها لبنى العباس فمن حينئذ ظهر الاسلام بمصر بعد أن مكثت ~~بايدى المنافقين المرتدين عن دين الاسلام مائة سنة فكان PageV13P178 # الايمان بالرسول والجهاد عن دينه سببا لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع ~~والالحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة # فلما ظهر في الشام ومصر والجزيرة الالحاد والبدع سلط عليهم الكفار ولما ~~اقاموا ما اقاموه من الاسلام وقهر الملحدين والمبتدعين نصرهم الله على ~~الكفار تحقيقا لقوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من ~~الله وفتح قريب وبشر المؤمنين @QE@ # وكذلك لما كان أهل المشرق قائمين بالاسلام كانوا منصورين على الكفار ~~المشركين من الترك والهند والصين وغيرهم فلما ظهر منهم ما ظهر من البدع ~~والالحاد والفجور سلط عليهم الكفار قال تعالى @QB@ وقضينا إلى بني إسرائيل ~~في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ~~ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن ~~يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا @QE@ PageV13P179 # وكان بعض المشايخ يقول هولاكو ملك الترك التتار الذى قهر الخليفة بالعراق ~~وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جدا يقال قتل منهم ألف ألف وكذلك قتل بحلب دار ~~الملك حينئذ كان بعض الشيوخ يقول هو للمسلمين بمنزلة بخت نصر لبنى اسرائيل # وكان ms4176 من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الالحاد والنفاق والبدع حتى ~~أنه صنف الرازى كتابا في عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر سماه ( السر ~~المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم ( ويقال أنه صنفه لام السلطان علاء الدين ~~محمد بن لكش بن جلال الدين خوارزم شاه وكان من أعظم ملوك الأرض وكان للرازى ~~به اتصال قوى حتى انه وصى إليه على أولاده وصنف له كتابا سماه ( الرسالة ~~العلائية في الاختيارات السماوية ( # وهذه الاختيارات لأهل الضلال بدل الاستخارة التى علمها النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ( المسلمين كما قال جابر في الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ~~وغيره ( كان رسول الله ( ( يعلمنا PageV13P180 الاستخارة في الأمور كلها ~~كما يعلمنا السورة من القرآن يقول اذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من ~~غير الفريضة ثم ليقل اللهم انى استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من ~~فضلك العظيم اللهم ان كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه باسمه خير لى في دينى ~~ومعاشى وعاقبة أمرى فاقدره لى ويسره ثم بارك لى فيه وان كنت تعلم أن هذا ~~الأمر شر لى في دينى ومعاشى وعاقبة أمرى فاصرفه عنى واصرفنى عنه واقدر لى ~~الخير حيث كان ثم رضنى به ( # وأهل النجوم لهم اختيارات اذا أراد أحدهم أن يفعل فعلا أخذ طالعا سعيدا ~~فعمل فيه ذلك العمل لينجح بزعمهم وقد صنف الناس كتبا في الرد عليهم وذكروا ~~كثرة ما يقع من خلاف مقصودهم فيما يخبرون به ويأمرون به وكم يخبرون من خبر ~~فيكون كذبا وكم يأمرون باختيار فيكون شرا والرازى صنف الاختيارات لهذا ~~الملك وذكر فيه الاختيار لشرب الخمر وغير ذلك كما ذكر في ( السر المكتوم ( ~~في عبادة الكواكب ودعوتها مع السجود لها والشرك بها ودعائها مثل ما يدعو ~~الموحدون ربهم بل أعظم والتقرب اليها بما يظن أنه مناسب لها من الكفر ~~والفسوق والعصيان فذكر أنه يتقرب إلى الزهرة بفعل الفواحش وشرب الخمر ~~والغناء ونحو ذلك مما حرمه الله ورسوله PageV13P181 # وهذا في نفس الأمر يقرب إلى الشياطين الذين يأمرونهم بذلك ويقولون لهم ان ~~الكوكب نفسه ms4177 يحب ذلك والا فالكواكب مسخرات بأمر الله مطيعة لله لا تأمر ~~بشرك ولا غيره من المعاصى ولكن الشياطين هي التى تأمر بذلك ويسمونها ~~روحانية الكواكب وقد يجعلونها ملائكة وانما هي شياطين فلما ظهر بأرض المشرق ~~بسبب مثل هذا الملك ونحوه ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من الالحاد والبدع ~~سلط الله عليهم الترك المشركين الكفار فأبادوا هذا الملك وجرت له أمور فيها ~~عبرة لمن يعتبر ويعلم تحقيق ما اخبر الله به في كتابه حيث يقول ( سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ( أى أن القرآن حق ~~وقال ( سأريكم آياتى فلا تستعجلون ( وبسط هذا له موضع آخر # و ( المقصود هنا ( أن دولة بنى أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل ~~وغيره من الأسباب التى أوجبت ادبارها وفى آخر دولتهم ظهر الجهم بن صفوان ~~بخراسان وقد قيل ان أصله من ترمذ وأظهر قول المعطلة النفاة الجهمية وقد قتل ~~في بعض الحروب وكان أئمة المسلمين بالمشرق أعلم بحقيقة قوله من علماء ~~الحجاز والشام والعراق ولهذا يوجد لعبدالله بن المبارك وغيره من علماء ~~المسلمين بالمشرق من الكلام في الجهمية أكثر مما يوجد لغيرهم مع أن عامة ~~PageV13P182 أئمة المسلمين تكلموا فيهم ولكن لم يكونوا ظاهرين الا بالمشرق ~~لكن قوى أمرهم لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق وتلقى عن ~~هؤلاء ما تلقاه # ثم لما ولى الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء ودعا إلى قولهم في آخر عمره ~~وكتب إلى بغداد وهو بالثغر بطرسوس التى ببلدسيس وكانت اذ ذاك أعظم ثغور ~~بغداد ومن أعظم ثغور المسلمين يقصدها أهل الدين من كل ناحية ويرابطون بها ~~رابط بها الامام أحمد رضى الله عنه والسرى السقطى وغيرهما وتولى قضاءها أبو ~~عبيد وتولى قضاءها أيضا صالح بن أحمد بن حنبل ولهذا ذكرت في كتب الفقه ~~كثيرا فانها كانت ثغرا عظيما فكتب من الثغر إلى نائبه ببغداد إسحاق بن ~~إبراهيم بن مصعب كتابا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا القرآن مخلوق فلم يجبه ~~أحد ثم كتب كتابا ms4178 ثانيا يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وارساله إليه فأجاب ~~أكثرهم ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد القيد وبقى اثنان لم ~~يجيبا الامام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا ~~إليه ثم أوصى إلى أخيه ابى إسحاق وكان هذا سنة ثمانى عشرة ومائتين وبقى ~~أحمد في الحبس إلى سنة عشرين فجرى ما جرى من المناظرة حتى قطعهم بالحجة ثم ~~لما خافوا الفتنة ضربوه وأطلقوه وظهر مذهب PageV13P183 النفاة الجهمية ~~وامتحنوا 2 الناس فصار من أجابهم أعطوه والا منعوه العطاء وعزلوه من ~~الولايات ولم يقبلوا شهادته وكانوا اذا أفتكوا الاسرى يمتحنون الاسير فان 2 ~~اجابهم افتدوه والا لم يفتدوه # وكتب قاضيهم أحمد بن أبى دؤاد على ستارة الكعبة ( ليس كمثله شيء وهو ~~العزيز الحكيم ( لم يكتب وهو ( السميع البصير ( # ثم ولى الواثق واشتد الأمر إلى أن ولى المتوكل فرفع المحنة وظهرت حينئذ ~~السنة وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود أن 8 أئمة المسلمين لما عرفوا حقيقة قول الجهمية بينوه حتى قال ~~عبد الله بن المبارك أنا لنحكى كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكى ~~كلام الجهمية وكان ينشد % عجبت لشيطان دعا الناس جهرة % إلى النار واشتق ~~اسمه من جهنم % # وقيل له بماذا يعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه قيل ~~له بحد قال بحد وكذلك قال أحمد بن حنبل واسحاق بن إبراهيم بن راهويه وعثمان ~~بن سعيد الدارمى وغيرهم من أئمة السنة PageV13P184 # وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون وهو جحد الخالق وتعطيل كلامه ~~ودينه كما كان فرعون يفعل فكان يجحد الخالق جل جلاله ويقول ( ما علمت لكم ~~من اله غيرى ( ويقول لموسى ( لئن اتخذت الها غيرى لأجعلنك من المسجونين ( ~~ويقول ( أنا ربكم الأعلى ( وكان ينكر أن يكون الله كلم موسى أو يكون لموسى ~~اله فوق السماوات ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته ويكون هو المعبود المطاع # فلما كان قول الجهمية المعطلة النفاة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم ms4179 ~~انكار رب العالمين وانكار عبادته وانكار كلامه حتى ظهروا بدعوى التحقيق ~~والتوحيد والعرفان فصاروا يقولون العالم هو الله والوجود واحد والموجود ~~القديم الازلى الخالق هو الموجود المحدث المخلوق والرب هو العبد ما ثم رب ~~وعبد وخالق ومخلوق بل هو عندهم فرقان ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء ~~وينقصونهم ويعيبون على نوح وعلى إبراهيم الخليل وغيرهما ويمدحون فرعون ~~ويجوزون عبادة جميع المخلوقات وجميع الأصنام ولا يرضون بأن تعبد الأصنام ~~حتى يقولوا ان عباد الاصنام لم يعبدوا الا الله وان الله نفسه هو العابد ~~وهو المعبود وهو الوجود كله فجحدوا الرب وأبطلوا دينه وامره ونهيه ~~PageV13P185 وما أرسل به رسله وتكليمه لموسى وغيره # وقد ضل في هذا جماعة لهم معرفة بالكلام والفلسفة والتصوف المناسب لذلك ~~كابن سبعين والصدر القونوى تلميذ بن عربى والبليانى والتلمسانى وهو من ~~حذاقهم علما ومعرفة وكان يظهر المذهب بالفعل فيشرب الخمر ويأتى المحرمات # وحدثنى الثقة أنه قرأ عليه ( فصوص الحكم ( لابن عربى وكان يظنه من كلام ~~أولياء الله العارفين فلما قرأه رآه يخالف القرآن قال فقلت له هذا الكلام ~~يخالف القرآن فقال القرآن كله شرك وانما التوحيد في كلامنا وكان يقول ثبت ~~عندنا في الكشف ما يخالف صريح المعقول # وحدثنى من كان معه ومع آخر نظير له فمرا على كلب أجرب ميت بالطريق عند ~~دار الطعم فقال له رفيقه هذا أيضا هو ذات الله فقال وهل ثم شيء خارج عنها ~~نعم الجميع في ذاته # وهؤلاء حقيقة قولهم هو قول فرعون لكن فرعون ما كان يخاف احدا فينافقه فلم ~~يثبت الخالق وان كان في الباطن مقرى به وكان يعرف أنه ليس هو الا مخلوق لكن ~~حب العلو في الأرض والظلم PageV13P186 دعاه إلى الجحود والانكار كما قال ~~@QB@ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين @QE@ # وأما هؤلاء فهم من وجه ينافقون المسلمين فلا يمكنهم اظهار جحود الصانع ~~ومن وجه هم ضلال يحسبون انهم على حق وان الخالق هو المخلوق فكان قولهم ms4180 هو ~~قول فرعون لكن فرعون كان معاندا مظهرا للجحود والعناد وهؤلاء اما جهال ضلال ~~واما منافقون مبطنون الالحاد والجحود يوافقون المسلمين في الظاهر # وحدثنى الشيخ عبد السيد الذى كان قاضى اليهود ثم أسلم وكان من أصدق الناس ~~ومن خيار المسلمين وأحسنهم اسلاما أنه كان يجتمع بشيخ منهم يقال له الشرف ~~البلاسى يطلب منه المعرفة والعلم قال فدعانى إلى هذا المذهب فقلت له قولكم ~~يشبه قول فرعون قال ونحن على قول فرعون فقلت لعبد السيد واعترف لك بهذا قال ~~نعم وكان عبد السيد اذ ذاك قد ذاكرنى بهذا المذهب فقلت له هذا مذهب فاسد ~~وهو يؤول إلى قول فرعون فحدثنى بهذا فقلت له ما ظننت أنهم يعترفون بأنهم ~~على قول فرعون لكن مع اقرار الخصم ما يحتاج إلى بينة قال عبد السيد فقلت له ~~لا أدع موسى وأذهب PageV13P187 إلى فرعون فقال ولم قلت لان موسى أغرق فرعون ~~فانقطع واحتج عليه بالظهور الكونى فقلت لعبد السيد وكان هذا قبل أن يسلم ~~نفعتك اليهودية يهودى خير من فرعونى # وفيهم جماعات لهم عبادة وزهد وصدق فيما هم فيه وهم يحسبون أنه حق وعامتهم ~~الذين يقرون ظاهرا وباطنا بأن محمدا رسول الله وأنه افضل الخلق أفضل من ~~جميع الأنبياء والاولياء لا يفهمون حقيقة قولهم بل يحسبون أنه تحقيق ما جاء ~~به الرسول وأنه من جنس كلام اهل المعرفة الذين يتكلمون في حقائق الايمان ~~والدين وهم من خواص أولياء الله فيحسبون هؤلاء من جنس أولئك من جنس الفضيل ~~بن عياض وابراهيم بن أدهم وأبى سليمان الدارانى والسرى السقطى والجنيد بن ~~محمد وسهل بن عبد الله وأمثال هؤلاء # وأما عرافهم الذين يعلمون حقيقة قولهم فيعلمون أنه ليس الأمر كذلك ~~ويقولون ما يقول بن عربى ونحوه ان الاولياء افضل من الانبياء وان خاتم ~~الاولياء أفضل من خاتم الأنبياء وان جميع الانبياء يستفيدون معرفة الله من ~~مشكاة خاتم الأولياء وأنه يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يأتى ~~خاتم الأنبياء فانهم متجهمة متفلسفة يخرجون أقوال المتفلسفة والجهمية في ms4181 ~~قالب الكشف PageV13P188 # وعند المتفلسفة أن جبريل انما هو خيال في نفس النبى ليس هو ملكا يأتى من ~~السماء والنبى عندهم يأخذ من هذا الخيال وأما خاتم الأولياء في زعمهم فانه ~~يأخذ من العقل المجرد الذى يأخذ منه الخيال فهو يأخذ من المعدن الذى يأخذ ~~منه الملك الذى يوحى به إلى الرسول # وهم يعظمون فرعون ويقولون ما قاله صاحب ( الفصوص ( قال ولما كان فرعون في ~~منصب التحكم صاحب الوقت وأنه جار في العرف الناموسى لذلك قال ( أنا ربكم ~~الأعلى ( أى وان كان الكل أربابا بنسبة ما فانا الاعلى منهم بما أعطيته في ~~الظاهر من الحكم فيكم قال ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه ~~وأقروا له بذلك وقالوا له ( فاقض ما أنت قاض انما تقضى هذه الحياة الدنيا ( ~~قال فصح قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ( وان كان فرعون عين الحق # وحدثنى الثقة الذى كان منهم ثم رجع عنهم أن أبغض الناس اليهم محمد بن عبد ~~الله ( ( قال واذا نهق الحمار ونبح الكلب سجدوا له وقالوا هذا هو الله فانه ~~مظهر من المظاهر قال فقلت له محمد بن عبد الله أيضا مظهر من المظاهر ~~فاجعلوه كسائر المظاهر وأنتم تعظمون المظاهر كلها أو اسكتوا عنه قال فقالوا ~~لى محمد نبغضه فانه أظهر الفرق ودعا إليه وعاقب من لم يقل به قال ~~PageV13P189 فتناقضوا في مذهبهم الباطل وجعلوا الكلب والحمار أفضل من أفضل ~~الخلق قال لى وهم يصرحون باللعنة له ولغيره من الأنبياء ولا ريب أنهم من ~~أعظم الناس عبادة للشيطان وكفرا بالرحمن # وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( اذا سمعتم صياح الديكة فسلوا ~~الله من فضله فانها رأت ملكا واذا سمعتم نهيق الحمار ونباح الكلب فتعوذوا ~~بالله من الشيطان فانها رأت شيطانا ( فهم اذا سمعوا نهيق الحمار ونباح ~~الكلب تكون الشياطين قد حضرت فيكون سجودهم للشياطين # وكان فيهم شيخ جليل من أعظمهم تحقيقا لكن هذا لم يكن من هؤلاء الذين ~~يسبون الانبياء وقد صنف كتابا سماه ( فك الازرار عن أعناق ms4182 الاسرار ( ذكر ~~فيه مخاطبة جرت له مع ابليس وأنه قال له ما معناه انكم قد غلبتمونى ~~وقهرتمونى ونحو هذا لكن جرت لى قصة تعجبت منها مع شيخ منكم فانى تجليت له ~~فقلت أنا الله لا اله الا أنا فسجد لى فتعجبت كيف سجد لى قال هذا الشيخ ~~فقلت له ذاك أفضلنا وأعلمنا وأنت لم تعرف قصده ما رأى في الوجود اثنين وما ~~رأى الا واحدا فسجد لذلك الواحد لا يميز بين ابليس وغيره فجعل هذا الشيخ ~~ذاك الذى سجد لابليس لا يميز PageV13P190 بين الرب وغيره بل جعل ابليس هو ~~الله هو وغيره من الموجودات جعله أفضلهم وأعلمهم # ولهذا عاب بن عربى نوحا أول رسول بعث إلى أهل الأرض وهو الذى جعل الله ~~ذريته هم الباقين وأنجاه ومن معه في السفينة وأهلك سائر أهل الأرض لما ~~كذبوه فلبث في قومه ألف سنة الا خمسين عاما وعظم قومه الكفار الذين عبدوا ~~الأصنام وأنهم ما عبدوا الا الله وان خطاياهم خطت بهم فغرقوا في بحار العلم ~~بالله وهذا عادته ينتقص الانبياء ويمدح الكفار كما ذكر مثل ذلك في قصة نوح ~~وابراهيم وموسى وهارون وغيرهم # ومدح عباد العجل وتنقص هارون وافترى على موسى فقال وكان موسى أعلم بالأمر ~~من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد ~~الا اياه وما قضى الله بشيء الا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع ~~الأمر في انكاره وعدم اتساعه فان العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين ~~كل شيء فذكر عن موسى أنه عتب على هارون أنه أنكر عليهم عبادة العجل وأنه لم ~~يسع ذلك فانكره فان العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء ~~PageV13P191 # وهذا من أعظم الافتراء على موسى وهارون وعلى الله وعلى عباد العجل فان ~~الله أخبر عن موسى أنه أنكر العجل انكارا أعظم من انكار هارون وأنه أخذ ~~بلحية هارون لما لم يدعهم ويتبع موسى لمعرفته قال تعالى ms4183 @QB@ وما أعجلك عن ~~قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا ~~قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم ~~يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة ~~القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا ~~إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى قال ~~يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يا ابن أم لا ~~تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب ~~قولي @QE@ # قلت لبعض هؤلاء هذا الكلام الذى ذكره هذا عن موسى PageV13P192 وهارون ~~يوافق القرآن أو يخالفه فقال لا بل يخالفه قلت فأختر لنفسك أما القرآن وأما ~~كلام إبن عربي وكذلك قال عن نوح قال لو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين ~~لأجابوه أي ذكر لهم فدعاهم جهارا ثم دعاهم أسرارا إلى أن قال ولما علموا أن ~~الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية ( ~~أدعوا إلى الله ( فهذا عين المكر ( على بصيرة ( فنبه أن الأمر كله لله ~~فأجابوه مكرا كما دعاهم فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث ~~هويته وإنما هي من حيث أسمائه فقال @QB@ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ~~@QE@ فجاء بحرف الغاية وقرنها بالإسم فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة إسم ~~الهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين فقالوا في مكرهم @QB@ لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ فإنهم إذا تركوهم جهلوا من ~~الحق بقدر ما تركوا من ms4184 هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من يعرفه ~~ويجهله من يجهله كما قال في المحمديين ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا ( أي حكم فالعارف يعرف من عبد وفى أي صورة ظهر حتى عبد ~~وأن التفريق والكثرة كا لأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في ~~الصورة الروحانية فما عبد غير الله في كل معبود PageV13P193 # وهو دائما يحرف القرآن عن مواضعه كما قال في هذه القصة ( مما خطيئاتهم ( ~~فهي التى خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهى الحيرة ( فادخلوا نارا ( ~~في عين الماء في المحمديين @QB@ وإذا البحار سجرت @QE@ سجرت التنور أوقدته ~~@QB@ فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا @QE@ فكان الله عين أنصارهم فهلكوا ~~فيه إلى الأبد وقوله @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ بمعنى امر ~~وأوجب وفرض وفى القراءة الأخرى @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ ~~فجعل معناه أنه قدر وشاء أن لا تعبدوا الا اياه وما قدره فهو كائن فجعل ~~معناها كل معبود هو الله وان أحدا ما عبد غير الله قط وهذا من أظهر الفرية ~~على الله وعلى كتابه وعلى دينه وعلى أهل الأرض # فإن الله في غير موضع اخبر أن المشركين عبدوا غير الله بل يعبدون الشيطان ~~كما قال تعالى @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم ~~تكونوا تعقلون @QE@ وقال تعالى عن يوسف أنه قال @QB@ يا صاحبي السجن أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ وقال تعالى ~~PageV13P194 @QB@ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ~~إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير ms4185 الله أبغيكم إلها ~~وهو فضلكم على العالمين @QE@ وقال تعالى عن الخليل @QB@ إذ قال لأبيه يا ~~أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من ~~العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن ~~الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون ~~للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك ~~واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا فلما اعتزلهم وما ~~يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من ~~رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا @QE@ # فهو سبحانه يقول @QB@ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله @QE@ وهؤلاء ~~الملحدون يقولون ما عبدنا غير الله في كل معبود # وقال تعالى @QB@ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ولما سقط في ~~أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين @QE@ PageV13P195 إلى قوله @QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم ~~غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ # قال أبو قلابة هي لكل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله # والجهمية النفاة كلهم مفترون كما قال الامام أحمد بن حنبل انما يقودون ~~قولهم إلى فرية على الله وهؤلاء من اعظمهم افتراء على الله فان القائلين ~~بان وجود الخالق هو وجود المخلوق هم أعظم افتراء ممن يقول أنه يحل فيه ~~وهؤلاء يجهلون من يقول بالحلول أو يقول بالاتحاد وهو أن الخالق اتحد مع ~~المخلوق فان هذا انما يكون اذا كان شيئان متباينان ثم اتحد أحدهما بالآخر ~~كما يقوله النصارى من اتحاد اللاهوت مع الناسوت وهذا انما يقال في شيء معين # وهؤلاء عندهم ما ثم وجود لغيره حتى ms4186 يتحد مع وجوده وهم من أعظم الناس ~~تناقضا فانهم يقولون ما ثم غير ولا سوى وتقول السبعينية ليس الا الله بدل ~~قول المسلمين لا اله الا الله ثم يقولون PageV13P196 هؤلاء المحجوبون لا ~~يرون هذا فاذا كان ما ثم غير ولا سوى فمن المحجوب ومن الحاجب ومن الذى ليس ~~بمحجوب وعم حجب فقد أثبتوا أربعة أشياء قوم محجوبون وقوم ليسوا بمحجوبين ~~وأمرا انكشف لهؤلاء وحجب عن أولئك # فأين هذا من قولهم ما ثم اثنان ولا وجودان كما حدثنى الثقة أنه قال ~~للتلمسانى فعلى قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمه وابنته قال نعم الجميع ~~عندنا سواء لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم فقيل لهم فمن ~~المخاطب للمحجوبين أهو هم أم غيرهم فان كانوا هم فقد حرم على نفسه لما زعم ~~أنه حرام عليهم دونه وان كانوا غيره فقد أثبت غيرين وعندهم ما ثم غير # وهؤلاء اشتبه عليهم الواحد بالنوع بالواحد بالعين فانه يقال الوجود واحد ~~كما يقال الانسانية واحدة والحيوانية واحدة أى يعنى واحد كلى وهذا الكلى لا ~~يكون كليا الا في الذهن لا في الخارج فظنوا هذا الكلى ثابتا في الخارج ثم ~~ظنوه هو الله وليس في الخارج كلى مع كونه كليا وانما يكون كليا في الذهن ~~واذا قدر في الخارج كلى فهو جزء من المعينات وقائم بها ليس هو متميزا قائما ~~بنفسه فحيوانية الحيوان وانسانية الانسان سواء قدرت معينة أو مطلقة هي صفة ~~له ويمتنع أن تكون صفة الموصوف مبدعة له ولو PageV13P197 قدر وجودها مجردا ~~عن العيان على رأى من اثبت ( المثل الأفلاطونية ( فتثبت الماهيات الكلية ~~مجردة عن الموصوفات ويدعى أنها قديمة أزلية مثل انسانية مجردة وحيوانية ~~مجردة وهذا خيال باطل # وهذا الذى جعله مجردا هو مجرد في الذهن وليس في الخارج كلى مجرد واذا قدر ~~ثبوت كلى مجرد في الخارج وهو مسمى الوجود فهذا يتناول وجود المحدثات كلها ~~كما يتناول وجود القديم وهذا لا يكون مبدعا لشيء ولا اختصاص له بصفات ~~الكمال فلا يوصف بأنه حى ms4187 عليم قدير اذ ليس وصفه بذلك بأولى من وصفه بأنه ~~عاجز جاهل ميت والخالق لابد أن يكون حيا عليما قديرا سبحانه وتعالى عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا # ثم لو قدر أن هذا هو الخالق فهذا غير الأعيان الموجودة المخلوقة فقد ثبت ~~وجودان أحدهما غير الآخر وأحدهما محدث مخلوق فيكون الآخر الخالق غير ~~المخلوق ولا يمكن جحد وجود الأعيان المعينة ولكن الواحد من هؤلاء قد يغيب ~~عن شهود المغيبات كما يغيب عن شهود نفسه فيظن أن ما لم يشهده قد عدم في ~~نفسه وفنى وليس كذلك فان ما عدم وفنى شهوده له وعلمه به ونظره إليه ~~فالمعدوم الفانى صفة هذا الشخص والا فالموجودات في نفسها باقية على حالها ~~لم تتغير وعدم العلم ليس علما بالمعدوم وعدم المشهود ليس شهودا للعدم ولكن ~~هذه الحال يعترى كثيرا من السالكين PageV13P198 يغيب أحدهم عن شهود نفسه ~~وغيره من المخلوقات وقد يسمون هذا فناء واصطلاما وهذا فناء عن شهود تلك ~~المخلوقات لا أنها في نفسها فنيت ومن قال فنى ما لم يكن وبقى ما لم يزل ~~فالتحقيق اذا كان صادقا أنه فنى شهوده لما لم يكن وبقى شهوده لما لم يزل لا ~~أن ما لم يكن فنى في نفسه فإنه باق موجود ولكن يتوهمون اذا لم يشهدوه انه ~~قد عدم في نفسه # ومن هنا دخلت طائفة في الاتحاد والحلول فأحدهم قد يذكر الله حتى يغلب على ~~قلبه ذكر الله ويستغرق في ذلك فلا يبقى له مذكور مشهود لقلبه الا الله ~~ويفنى ذكره وشهوده لما سواه فيتوهم أن الأشياء قد فنيت وأن نفسه فنيت حتى ~~يتوهم أنه هو الله وان الوجود هو الله # ومن هذا الباب غلط أبى يزيد ونحوه حيث قال ما في الجبة الا الله # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أنه يعبر بالفناء عن ثلاثة أمور # ( أحدها ( أنه يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته وطاعته ~~PageV13P199 وخشيته ورجائه والتوكل عليه عن محبة ما سواه وطاعته وخشيته ~~ورجائه والتوكل عليه وهذا هو ms4188 حقيقة التوحيد الذى بعث الله به الرسل وأنزل ~~به الكتب وهو تحقيق شهادة أن لا اله الا الله فقد فنى من قلبه التأله لغير ~~الله وبقى في قلبه تأله الله وحده وفنى من قلبه حب غير الله وخشية غير الله ~~والتوكل على غير الله وبقى في قلبه حب الله وخشية الله والتوكل على الله # وهذا الفناء يجامع البقاء فيتخلى القلب عن عبادة غير الله مع تحلى القلب ~~بعبادة الله وحده كما قال ( ( لرجل ( قل أسلمت لله وتخليت ( وهو تحقيق ~~شهادة أن لا اله الا الله بالنفى مع الاثبات نفى الهية غيره مع اثبات ~~الهيته وحده فانه ليس في الوجود اله الا الله ليس فيه معبود يستحق العبادة ~~الا الله فيجب أن يكون هذا ثابتا في القلب فلا يكون في القلب من يألهه ~~القلب ويعبده الا الله وحده ويخرج من القلب كل تأله لغير الله ويثبت فيه ~~تأله الله وحده اذ كان ليس ثم اله الا الله وحده # وهذه الولاية لله مقرونة بالبراءة والعداوة لكل معبود سواه ولمن عبدهم ~~قال تعالى عن الخليل عليه السلام @QB@ وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني ~~براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه ~~لعلهم يرجعون @QE@ وقال @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ PageV13P200 # وقال تعالى @QB@ قد كانت ~~لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده @QE@ # قلت لبعض من خاطبته من شيوخ هؤلاء قول الخليل @QB@ إنني براء مما تعبدون ~~@QE@ ممن تبرأ الخليل اتبرأ من الله تعالى وعندكم ما عبد غير الله قط ~~والخليل قد تبرأ من كل ما كانوا يعبدون الا من رب العالمين وقد جعله الله ~~لنا وفيمن معه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر قال تعالى @QB@ قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ms4189 برآء منكم ~~ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ~~أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك ~~من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا ~~فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم لقد كان لكم فيهم ~~أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني ~~الحميد @QE@ وقد قال ( ( أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد PageV13P201 % ~~ألا كل شيء ما خلا الله باطل % # وهذا تصديق قوله تعالى @QB@ ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه ~~هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير @QE@ وقال تعالى @QB@ فذلكم الله ربكم ~~الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون @QE@ وقال سبحانه @QB@ كل شيء ~~هالك إلا وجهه @QE@ قال طائفة من السلف كل عمل باطل الا ما أريد به وجهه ~~وقد قال سبحانه @QB@ ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ~~ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله إلها آخر @QE@ # و ( الاله ( هو المألوه أى المستحق لأن يؤله أى يعبد ولا يستحق أن يؤله ~~ويعبد الا الله وحده وكل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل وفعال ~~بمعنى مفعول مثل لفظ الركاب والحمال بمعنى المركوب والمحمول وكان الصحابة ~~يرتجزون في حفر الخندق يقولون % هذا الحمال لا حمال خيبر % هذا أبر ربنا ~~وأطهر % $ # واذا قيل هذا هو الامام فهو الذى يستحق أن يؤتم به كما قال تعالى ~~لابراهيم @QB@ إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين @QE@ PageV13P202 فعهده بالامامة لا ينال الظالم فالظالم لا يجوز ~~أن يؤتم به في ظلمه ولا يركن إليه كما قال تعالى @QB@ ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا فتمسكم النار @QE@ فمن ائتم بمن لا يصلح للامامة فقد ظلم نفسه فكيف ~~بمن جعل مع الله الها آخر وعبد من لا يصلح للعبادة والله تعالى @QB@ لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ms4190 ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ # وقد غلط طائفة من أهل الكلام فظنوا أن ( الاله ( بمعنى الفاعل وجعلوا ~~الالهية هي القدرة والربوبية # فالاله هو القادر وهو الرب وجعلوا العباد مألوهين كما أنهم مربوبون ~~فالذين يقولون بوحدة الوجود متنازعون في أمور لكن امامهم بن عربى يقول ~~الأعيان ثابتة في العدم ووجود الحق فاض عليها فلهذا قال فنحن جعلناه ~~بمألوهيتنا الها فزعم أن المخلوقات جعلت الرب الها لها حيث كانوا مألوهين ~~ومعني مالوهين عنده مربوبين وكونهم مألوهين حيث كانت أعيانهم ثابتة في ~~العدم وفى كلامهم من هذا وامثاله مما فيه تنقص بالربوبية ما لا يحصى فتعالى ~~الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا # و ( التحقيق ( أن الله خالق كل شيء والمعدوم ليس بشيء في الخارج ولكن ~~الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه وقد يذكره PageV13P203 ويخبر به ~~فيكون سببا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج كما قال @QB@ إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ والله سبحانه خالق الانسان ومعلمه ~~فهو الذى @QB@ خلق الإنسان من علق @QE@ وهو @QB@ الأكرم الذي علم بالقلم ~~علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ ولو قدر أن الاله بمعنى الرب فهو الذى جعل ~~المربوب مربوبا فيكون على هذا هو الذى جعل المألوه مألوها والمربوب لم ~~يجعله ربا بل ربوبيته صفة وهو الذى خلق المربوب وجعله مربوبا وهو اذا آمن ~~بالرب واعتقد ربوبيته وأخبر بها كان قد اتخذ الله ربا ولم يبغ ربا سوى الله ~~ولم يتخذ ربا سواه كما قال تعالى @QB@ قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض @QE@ وقال ~~@QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون @QE@ # وهو أيضا في نفسه هو الاله الحق لا اله غيره فاذا عبده الانسان فقد وحده ~~من لم يجعل معه الها آخر ولا اتخذ الها غيره قال تعالى @QB@ فلا تدع مع ~~الله إلها آخر فتكون من المعذبين @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتقعد ms4191 مذموما مخذولا @QE@ وقال إبراهيم لأبيه آزر @QB@ أتتخذ ~~أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين @QE@ فالمخلوق ليس باله في نفسه ~~لكن عابده اتخذه الها وجعله الها وسماه PageV13P204 الها وذلك كله باطل لا ~~ينفع صاحبه بل يضره كما أن الجاهل اذا اتخذ اماما ومفتيا وقاضيا كان ذلك ~~باطلا فانه لا يصلح أن يؤم ولا يفتى ولا يقضى وغير الله لا يصلح ان يتخذ ~~الها يعبد ويدعى فانه لا يخلق ولا يرزق وهو سبحانه لا مانع لما أعطى ولا ~~معطى لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد # ومن دعا من لا يسمع دعاءه أو يسمع ولا يستجيب له فدعاؤه باطل وضلال وكل ~~من سوى الله اما أنه لا يسمع دعاء الداعى أو يسمع ولكن لا يستجيب له فإن ~~غير الله لا يستقل بفعل شيء ألبتة وقد قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما ~~من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ ~~فغير الله لا مالك لشيء ولا شريك في شيء ولا هو معاون للرب في شيء بل قد ~~يكون له شفاعة ان كان من الملائكة والانبياء والصالحين ولكن لا تنفع ~~الشفاعة عنده الا لمن أذن له فلابد أن يأذن للشافع أن يشفع وان يأذن ~~للمشفوع له أن يشفع له ومن دونه لا يملكون الشفاعة البتة فلا يصلح من سواه ~~لان يكون الها معبودا كما لا يصلح أن يكون خالقا رازقا لا اله الا هو وحده ~~لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير PageV13P205 # ( ### ||| فصل # ( # وهؤلاء كان من أعظم أسباب ضلالهم مشاركتهم للفلاسفة وتلقيهم عنهم فان ~~أولئك القوم من أبعد الناس عن الاستدلال بما جاء به الرسول فان الرسول بعث ~~بالبينات والهدى يبين الأدلة العقلية ويخبر الناس بالغيب الذى لا يمكنهم ~~معرفته بعقولهم وهؤلاء المتفلسفة يقولون انه لم يفد الناس علما بخبره ولا ~~بدلالته وانما خاطب خطابا ms4192 جمهوريا ليصلح به العامة فيعتقدوا في الرب ~~والمعاد اعتقادا ينفعهم وان كان كذبا وباطلا وحقيقة كلامهم أن الأنبياء ~~تكذب فيما تخبر به لكن كذبا للمصلحة فامتنع أن يطلبوا من خبرهم علما واذا ~~لم تكن أخبارهم مطابقة للمخبر فكيف يثبتون أدلة عقلية على ثبوت ما أخبروا ~~به # والمتكلمون الذين يقولون أنهم لا يخبرون الا بصدق ولكن يسلكون في ~~العقليات غير طريقهم مبتدعون مع اقرارهم بأن القرآن اشتمل على الأدلة ~~العقلية فكيف بهؤلاء الملاحدة المفترين ولهذا لا يعتنون بالقرآن ولا ~~بتفسيره ولا بالحديث وكلام السلف وان PageV13P206 تعلموا من ذلك شيئا فلأجل ~~تعلق الجمهور به ليعيشوا بينهم بذكره لا لاعتقادهم موجبه في الباطن وهذا ~~بخلاف طوائف المتكلمين فإنهم يعظمون القرآن في الجملة وتفسيره مع ما فيهم ~~من البدع # ولهذا لما استولى التتار على بغداد وكان الطوسى منجما لهولاكو استولى على ~~كتب الناس الوقف والملك فكان كتب الاسلام مثل التفسير والحديث والفقه ~~والرقائق يعدمها وأخذ كتب الطب والنجوم والفلسفة والعربية فهذه عنده هي ~~الكتب المعظمة وكان بعض من أعرفه قارئا خطيبا لكن كان يعظم هؤلاء ويرتاض ~~رياضة فلسفية سحرية حتى يستخدم الجن وكان بعض الشياطين القى إليه أن هؤلاء ~~يستولون على دار الاسلام فكان يقول لبعض أصحابنا يا فلان عن قليل يرى هذا ~~الجامع جامع دمشق يقرأ فيه المنطق والطبيعى والرياضى والالهى ثم يرضيه ~~فيقول والعربية أيضا والعربية انما احتاج المسلمون اليها لأجل خطاب الرسول ~~بها فاذا أعرض عن الأصل كان أهل العربية بمنزلة شعراء الجاهلية أصحاب ~~المعلقات السبع ونحوهم من حطب النار PageV13P207 ( ### ||| فصل # ( # أول التفرق والابتداع في الاسلام بعد مقتل ( عثمان ( وافتراق المسلمين ~~فلما اتفق علي ومعاوية على التحكيم أنكرت الخوارج وقالوا لا حكم إلا لله ~~وفارقوا جماعة المسلمين فارسل اليهم بن عباس فناظرهم فرجع نصفهم والآخرون ~~أغاروا على ماشية الناس واستحلوا دماءهم فقتلوا بن خباب وقالوا كلنا قتله ~~فقاتلهم علي وأصل مذهبهم تعظيم القرآن وطلب اتباعه لكن خرجوا عن السنة ~~والجماعة فهم لا يرون اتباع السنة التى يظنون أنها تخالف القرآن كالرجم ms4193 ~~ونصاب السرقة وغير ذلك فضلوا فان الرسول أعلم بما أنزل الله عليه والله قد ~~أنزل عليه الكتاب والحكمة وجوزوا على النبى أن يكون ظالما فلم ينفذوا لحكم ~~النبى ولا لحكم الأئمة بعده بل قالوا ان عثمان وعليا ومن والاهما قد حكموا ~~بغير ما أنزل الله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( ~~فكفروا المسلمين بهذا وبغيره # وتكفيرهم وتكفير سائر أهل البدع مبنى على مقدمتين باطلتين # ( احداهما ( أن هذا يخالف القرآن PageV13P208 و ( # الثانية ( أن من خالف القرآن يكفر ولو كان مخطئا أو مذنبا معتقدا للوجوب ~~والتحريم # وبازائهم ( الشيعة ( غلوا في الأئمة وجعلوهم معصومين يعلمون كل شيء ~~وأوجبوا الرجوع اليهم في جميع ما جاءت به الرسل فلا يعرجون لا على القرآن ~~ولا على السنة بل على قول من ظنوه معصوما وانتهى الأمر إلى الائتمام بامام ~~معدوم لا حقيقة له فكانوا أضل من الخوارج فان أولئك يرجعون إلى القرآن وهو ~~حق وان غلطوا فيه وهؤلاء لا يرجعون إلى شيء بل إلى معدوم لا حقيقة له ثم ~~انما يتمسكون بما ينقل لهم عن بعض الموتى فيتمسكون بنقل غير مصدق عن قائل ~~غير معصوم ولهذا كانوا أكذب الطوائف والخوارج صادقون فحديثهم من أصح الحديث ~~وحديث الشيعة من أكذب الحديث # ولكن الخوارج دينهم المعظم مفارقة جماعة المسلمين واستحلال دمائهم ~~وأموالهم والشيعة تختار هذا لكنهم عاجزون والزيدية تفعل هذا والامامية تارة ~~تفعله وتارة يقولون لا نقتل الا تحت راية امام معصوم والشيعة استتبعوا ~~أعداء الملة من الملاحدة والباطنية وغيرهم ولهذا أوصت الملاحدة مثل ~~القرامطة الذين كانوا في البحرين وهم من أكفر الخلق ومثل قرامطة المغرب ~~ومصر وهم كانوا يستترون بالتشيع أوصوا بان يدخل على المسلمين من باب التشيع ~~فإنهم PageV13P209 يفتحون الباب لكل عدو للاسلام من المشركين وأهل الكتاب ~~والمنافقين وهم من أبعد الناس عن القرآن والحديث كما قد بسط هذا في مواضع # والمقصود أن النبى ( ( قال ( انى تارك فيكم ثقلين كتاب الله ( فحض على ~~كتاب الله ثم قال ( وعترتى أهل بيتى أذكركم الله في أهل ms4194 بيتى ثلاثا ( فوصى ~~المسلمين بهم لم يجعلهم أئمة يرجع المسلمون اليهم فانتحلت الخوارج كتاب ~~الله وانتحلت الشيعة أهل البيت وكلاهما غير متبع لما انتحله فان الخوارج ~~خالفوا السنة التى أمر القرآن باتباعها وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن ~~بموالاتهم ولهذا تأول سعد بن أبى وقاص فيهم هذه الآية ( وما يضل به الا ~~الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل ويفسدون في الأرض ( وصاروا يتتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على ~~غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم ولا اتباع للسنة ~~ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن # وأما مخالفة الشيعة لأهل البيت فكثيرة جدا قد بسطت في مواضع ### ||| ( فصل PageV13P210 ### ||| فصل # ثم حدث في آخر عصر الصحابة ( القدرية ( فكانت الخوارج تتكلم في حكم الله ~~الشرعى أمره ونهيه وما يتبع ذلك من وعده ووعيده وحكم من وافق ذلك ومن خالفه ~~ومن يكون مؤمنا وكافرا وهى ( مسائل الأسماء والأحكام ( وسموا محكمه لخوضهم ~~في التحكيم بالباطل وكان الرجل اذا قال لا حكم الا لله قالوا هو محكم أى ~~خائض في حكم الله فخاض أولئك في شرع الله بالباطل وأما ( القدرية ( فخاضوا ~~في قدره بالباطل # وأصل ضلالهم ظنهم أن القدر يناقض الشرع فصاروا حزبين حزبا يعظمون الشرع ~~والأمر والنهى والوعد والوعيد واتباع ما يحبه الله ويرضاه وهجر ما يبغضه ~~وما يسخطه وظنوا أن هذا لا يمكن أن يجمع بينه وبين القدر فقطعوا ما أمر ~~الله به أن يوصل ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه كما قطعت الخوارج ما امر ~~الله به أن يوصل من اتفاق الكتاب والسنة وأهل الجماعة ففرقوا بين الكتاب ~~والسنة وفرقوا بين الكتاب وجماعة المسلمين وفرقوا بين المسلمين فقطعوا ~~PageV13P211 ما أمر الله به أن يوصل وكذلك ( القدرية ( فصاروا حزبين # ( حزبا ( يغلب الشرع فيكذب بالقدر وينفيه أو ينفى بعضه # و ( حزبا ( يغلب القدر فينفى الشرع في الباطن أو ينفي حقيقته ويقول لا ~~فرق بين ما أمر الله به وما نهى عنه في نفس ms4195 الأمر الجميع سواء وكذلك ~~أولياؤه وأعداؤه وكذلك ما ذكر أنه يحبه وذكر أنه يبغضه لكنه فرق بين ~~المتماثلين بمحض المشيئة يأمر بهذا وينهى عن مثله فجحدوا الفرق والفصل الذى ~~بين التوحيد والشرك وبين الايمان والكفر وبين الطاعة والمعصية وبين الحلال ~~والحرام كما أن أولئك وان اقروا بالفرق فأنكروا الجمع وأنكروا أن يكون الله ~~على كل شيء قدير ومنهم من أنكر أن يكون الله بكل شيء عليما وأنكروا أن يكون ~~خالقا لكل شيء وأن يكون ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنكروا أن يكون الله ~~فعالا لما يشاء وأثبتوا لغير الله الانفراد بالاحداث وشركاء خلقوا كخلقه ~~كما فعلت المجوس واعتقدوا أنه لا يمكن الايمان بأمره ونهيه الا مع تعجيزه ~~أو تجهيله وأنه لا يمكن أن يوصف بالاحسان والكرم أن لم يجعل عاجزا والا لزم ~~أن يكون بخيلا # كما أن ( القدرية المجبرة ( قالوا لا يمكن أن يجعل عالما قادرا ~~PageV13P212 الا بتسفيهه وتجويره # فهؤلاء نفوا حكمته وعدله وأولئك نفوا قدرته ومشيئته أو قدرته ومشيئته ~~وعلمه وهؤلاء ضاهوا المجوس في الاشراك بربوبيته حيث جعلوا غيره خالقا ~~وأولئك ضاهوا المشركين الذين لا يفرقون بين عبادته وعبادة غيره بل يجوزون ~~عبادة غيره كما يجوزون عبادته ويقولون ( لو شاء الله ما اشركنا ( الآية ~~وهؤلاء منتهى توحيدهم توحيد المشركين وهو توحيد الربوبية فاما توحيد ~~الالهية المتضمن للأمر والنهى ولكون الله يحب ما أمر به ويبغض ما نهى عنه ~~فهم ينكرونه ولهذا هم أكثر اتباعا لأهوائهم وأكثر شركا وتجويزا من المعتزلة ~~ومنتهى متكلميهم وعبادهم تجويز عبادة الاصنام وان العارف لا يستحسن حسنة ~~ولا يستقبح سيئة كما ذكر ذلك صاحب منازل السائرين وأما عبادة الاصنام فباح ~~بها متأخروهم كالرازى صنف فيها مصنفا وبن عربى وبن سبعين وأمثالهما يصرحون ~~بجواز عبادتها وبالانكار على من أنكر ذلك وهم متناقضون في ذلك ف ( القدرية ~~( اصلهم أنه لا يمكن اثبات قدرته وحكمته اذ لو كان قادرا لفعل غير ما فعل ~~فلما لم يفعله دل على أنه غير قادر وقالوا تثبت حكمته كما ms4196 يثبت حكمه لأن ~~نفى ذلك يوجب السفه والظلم وهو منزه عنه بخلاف ما لم يقدر عليه فإنه معذور ~~اذا لم يفعله PageV13P213 فلا يلام عليه وقالت ( المجبرة ( بل قدرته ثابتة ~~بلا حكمة ولا يجوز أن يفعل لحكمة لأن ذلك انما يكون لمن يحتاج إلى الفعل ~~وهو منزه عن الحاجة ولا عدل ولا ظلم بل كل ما أمكن فعله فهو عدل وليس في ~~الأفعال ما هو حسن ينبغى الأمر به وقبيح ينبغى النهى عنه ولا معروف ومنكر ~~بل يجوز أن يأمر بكل شيء وينهى عن كل شيء # ثم من حقق منهم أنكر الشرع بالكلية وأنكر النبوات مع أنه مضطر إلى أن ~~يأمر بشيء وينهى عن شيء فان هذا لازم لجميع الخلق لا يجدون عنه محيصا لكن ~~من اتبع الانبياء يأمر بما ينفعه وينفع غيره وينهى عما يضره ويضر غيره ومن ~~خالف الأنبياء فلابد أن يأمر بما يضر وينهى عما ينفع فيستحق عذاب الدنيا ~~والآخرة وأما من كان منهم مقرى بالنبوة فأنكر الشرع في الباطن وقال العارف ~~لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة صار منافقا يظهر خلاف ما يبطن ويقول الشرع ~~لأجل المارستان ولهذا يسمون ( باطنية ( كما سموا الملاحدة ( باطنية ( فان ~~كلاهما يبطن خلاف ما يظهر يبطنون تعطيل ما جاء به الرسول من الأمر والنهى # فمنتهى الجهمية المجبرة اما مشركون ظاهرا وباطنا واما منافقون يبطنون ~~الشرك ولهذا يظنون بالله ظن السوء وأنه لا ينصر محمدا PageV13P214 وأتباعه ~~كما قال تعالى @QB@ ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم ~~جهنم وساءت مصيرا @QE@ وهم يتعلقون بقوله @QB@ لا يسأل عما يفعل @QE@ وبأنه ~~@QB@ يفعل ما يشاء @QE@ ولذلك لما ظهر المشركون التتار وأهل الكتاب كثر في ~~عبادهم وعلمائهم من صار مع المشركين وأهل الكتاب وارتد عن الاسلام اما ~~باطنا وظاهرا واما باطنا وقال أنه مع الحقيقة ومع المشيئة الالهية وصاروا ~~يحتجون لمن هو معظم للرسل عما ( لا ( يوافق على تكذيبه بأن ما يفعله من ~~الشرك والخروج عن الشريعة وموالاة ms4197 المشركين وأهل الكتاب والدخول في دينهم ~~ومجاهدة المسلمين معهم هو بأمر الرسول فتارة تأتيهم شياطينهم بما يخيلون ~~لهم أنه مكتوب من نور وان الرسول أمر بقتال المسلمين مع الكفار لكون ~~المسلمين قد عصوا # ولما ظهر أن مع المشركين وأهل الكتاب خفراء لهم من الرجال المسلمين برجال ~~الغيب وان لهم خوارق تقتضى أنهم أولياء الله صار الناس من أهل العلم ثلاثة ~~أحزاب # حزب يكذبون بوجود هؤلاء ولكن عاينهم الناس وثبت ذلك عمن عاينهم أو حدثه ~~الثقاة بما رأوه ( و ( هؤلاء اذا رأوهم أو تيقنوا وجودهم خضعوا لهم ~~PageV13P215 # وحزب عرفوهم ورجعوا إلى القدر واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقا إلى الله ~~غير طريقة الانبياء # وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا أولياء الله خارجين عن دائرة الرسول فقالوا ~~يكون الرسول هو ممدا للطائفتين لهؤلاء وهؤلاء فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون ~~بدينه وشرعه والذين قبلهم يجوزون اتباع دين غير دينه وطريق غير طريقه # وكانت هذه الأقوال الثلاثة بدمشق لما فتحت عكة ثم تبين بعد ذلك أن هؤلاء ~~من أتباع الشياطين وان رجال الغيب هم الجن وان الذين مع الكفار شياطين وإن ~~من وافقهم من الإنس فهو من جنسهم شيطان من شياطين الانس أعداء الانبياء كما ~~قال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ # وكان سبب الضلال عدم الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وأصله ~~قول الجهمية الذين يسوون بين المخلوقات فلا يفرقون بين المحبوب والمسخوط ثم ~~إنه بعد ذلك جرت أمور يطول وصفها # ولما جاء قازان وقد أسلم دمشق انكشفت أمور أخرى فظهر أن PageV13P216 ~~اليونسية كانوا قد ارتدوا وصاروا كفارا مع الكفار # وحضر عندى بعض شيوخهم واعترف بالردة عن الاسلام وحدثنى بفصول كثيرة فقلت ~~له لما ذكر لى احتجاجهم بما جاءهم من أمر الرسول فهب ان المسلمين كأهل ~~بغداد كانوا قد عصوا وكان في بغداد بضعة عشر بغى فالجيش الكفار المشركون ~~الذين جاؤوا كانوا شرا من هؤلاء فان هؤلاء كن يزنين اختيارا فأخذ أولئك ~~المشركون عشرات الألوف ms4198 من حرائر المسلمين وسراريهم بغير اختيارهم وردوهم عن ~~الاسلام إلى الكفر وأظهروا الشرك وعبادة الأصنام ودين النصارى وتعظيم ~~الصليب حتى بقى المسلمون مقهورين مع المشركين وأهل الكتاب مع تضاعيف ما كان ~~يفعل من المعاصى فهل يأمر محمد ( ( بهذا ويرضى بهذا فتبين له وقال لا والله ~~وأخبرنى عن ردة من ارتد من الشيوخ عن الاسلام لما كانت شياطين المشركين ~~تكرههم على الردة في الباطن وتعذبهم ان لم يرتدوا فقلت كان هذا لضعف ~~ايمانهم وتوحيدهم والمادة التى يشهدونها من جهة الرسول والا فالشياطين لا ~~سلطان لهم على قلوب الموحدين وهذا وأمثاله ما كانوا يعتقدون أنهم شياطين بل ~~أنهم رجال من رجال الغيب الانس وكلهم الله بتصريف الأمر فبينت لهم أن رجال ~~الغيب هم الجن كما قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا @QE@ PageV13P217 ومن ظن أنهم انس فمن جهله وغلطه فان ~~الانس يؤنسون أى يشهدون ويرون انما يحتجب الانسى أحيانا لا يكون دائما ~~محتجبا عن أبصار الانس بخلاف الجن فانهم كما قال الله ( انه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم ( # وكان غير هذا من المشايخ من يذكر عن الشيخ محمد بن السكران ان ( هولاكو ( ~~ملك المشركين لما دخل بغداد رأى بن السكران شيخا محلوق الرأس على صورة شيخ ~~من مشايخ الدين والطريق آخذا بفرس هولاكو قال فلما رأيته أنكرت هذا ~~واستعظمت أن يكون شيخ من شيوخ المسلمين يقود فرس ملك المشركين لقتل ~~المسلمين فقلت يا هذا أو كلمة نحو هذا فقال تأمر بأمر أو قال له هل يفعل ~~هذا بأمرأو فعلت هذا بأمر فقلت نعم بأمر فسكت بن السكران وأقنعه هذا الجواب ~~وكان هذا لقلة علمه بالفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وظن أن ما ~~يؤمر به الشيوخ في قلوبهم هو من الله وأن من قال حدثنى قلبى عن ربى فان ~~الله هو يناجيه ومن قال أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحى الذى ~~لا يموت هو كذلك وهذا أضل ممن ادعى الاستغناء عن ms4199 الأنبياء وأنه لا يحتاج ~~إلى واسطتهم # وجواب هذا أن يقال له بأمر من تأمر فان قال بأمر الله PageV13P218 قيل ~~بأمر الله الذى بعث به رسوله وأنزل به القرآن أم بأمر وقع في قلبك فان قال ~~بالأول ظهر كذبه فانه ليس فيما يأمر الله به رسوله أن يأتى بالكفار ~~المشركين واهل الكتاب لقتل المسلمين وسبيهم وأخذ أموالهم لأجل ذنوب فعلوها ~~ويجعل الدار تعبد بها الأوثان ويضرب فيها بالنواقيس ويقتل قراء القرآن وأهل ~~العلم بالشرع ويعظم النجسية علماء المشركين وقساوسة النصارى وأمثال ذلك فان ~~هؤلاء أعظم عداوة لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ( وهم من جنس مشركى العرب ~~الذين قاتلوه يوم أحد وأولئك عصاة من عصاة أمته وان كان فيهم منافقون ~~كثيرون فالمنافقون يبطنون نفاقهم # وإن قال بأمر وقع في قلبى لم يكذب لكن يقال من اين لك أن هذا رحمانى ولم ~~لا يكون الشيطان هو الذى أمرك بهذا وقد علمت أن ما يقع في قلوب المشركين ~~وأهل الكتاب هو من الشيطان فان رجع إلى توحيد الربوبية وان الجميع بمشيئته ~~قيل له فحينئذ يكون ما يفعله الشيطان والمشركون وأهل الكتاب هو بالأمر ولا ~~ريب أنه بالأمر الكونى القدرى فجميع الخلق داخلون تحته لكن من فعل بمجرد ~~هذا الأمر لا بأمر الرسول فانما يكون من جنس شياطين الانس والجن وهو مستوجب ~~لعذاب الله في الدنيا والآخرة وهو عابد لغير الله متبع لهواه وهو ممن قال ~~الله فيه @QB@ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ PageV13P219 ~~وممن قال فيهم الشيطان @QB@ فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين @QE@ قال الله @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين @QE@ وقال تعالى @QB@ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا فاحشة ~~قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ فكيف تأمر بالشرك والكفر ms4200 وتسلط الكفار ~~من المشركين وأهل الكتاب على المسلمين وقتل الكفار للمسلمين هذا لا يأمر ~~الله به كما لا يأمر بالفحشاء فان هذا من افحش الفواحش اذا جعلت الفاحشة ~~اسما لكل ما يعظم قبحه فكانت جميع القبائح السيئة داخلة في الفحشاء # وكان أيضا بالشام بعض أكابر الشيوخ ببعلبك الشيخ عثمان شيخ دير ناعس ~~يأتيه خفير الفرنج النصارى راكبا أسدا ويخلو به ويناجيه ويقول يا شيخ عثمان ~~وكلت بحفظ خنازيرهم فيعذره عثمان وأتباعه في ذلك ويرون أن الله أمره بهذا ~~كما أمر الخضر أن يفعل ما فعل كما عذر بن السكران وأمثاله خفراء المشركين ~~التتار # والجواب لهذا كالجواب لذلك يقال له وكلك الله تعالى بهذا PageV13P220 ( ~~الذى ( أنزل على لسان نبيه الدين أمر أن يوالى المسلمين وأن لا يتخذ اليهود ~~والنصارى أولياء بل أمرك أن تبغضهم وتجاهدهم بما استطعت هو أمرك أن تتوكل ~~بحفظ خنازيرهم فان قال هذا ظهر كذبه وان قال بل هو أمر ألقى في قلبى لم ~~يكذب وقيل له فهذا من أمر الشيطان لا من أمر الرحمن الذى أنزل به كتبه ~~وأرسل به رسله ولكنه من الأمر الذى كونه وقدره كشرك المشركين الذين قالوا ( ~~لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ( # ومن هؤلاء من يظن الرجال الذين يؤيد بهم الكفار من المشركين وأهل الكتاب ~~هم أولياء الله ولا يجب عليهم اتباع الرسول كالملائكة الموكلة ببنى آدم ~~المعقبات # فقلت لشيخ كان من شيوخهم محمد أرسل إلى الثقلين الانس والجن ولم يرسل إلى ~~الملائكة فكل انسى أو جنى خرج عن الايمان به فهو عدو لله لا ولى لله بخلاف ~~الملائكة ثم # يقال له الملائكة لا يعاونون الكفار على المعاصى ولا على قتال المسلمين ~~وانما يعاونهم على ذلك الشياطين ولكن الملائكة قد تكون موكلة بخلقهم ورزقهم ~~وكتابة أعمالهم فإن ذلك ليس بمعصية فهذا الجواب بالفرق بينهم وبين الملائكة ~~من هذين الوجهين PageV13P221 # وقد ظهر أنهم من جنس الشياطين لا من جنس الملائكة وكان هذا الشيخ هو ~~وأبوه من خفراء الكفار وكان والده يقال له ms4201 ( محمد الخالدي ( نسبة إلى شيطان ~~كان يقربه يقال له الشيخ خالد وهم يقولون أنه من الأنس ومن رجال الغيب ~~وحدثنى الثقة عنه أنه كان يقول الأنبياء ضيعوا الطريق ولعمري لقد ضيعوا ~~طريق الشياطين شياطين الأنس والجن وهؤلاء المشايخ الذين يحبون المسلمين ~~ولكن يوالون الشيوخ الذين يوالون المشركين الذين هم خفراء الكفار ويظنون ~~أنهم من أولياء الله اشتركوا هم وهم في أصل ضلالة وهو أنهم جعلوا الخوارق ~~الشيطانية من جنس الكرامات الرحمانية ولم يفرقوا بين أولياء الرحمن وأولياء ~~الشيطان كما قال تعالى ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ~~( فهؤلاء وهؤلاء عشوا عن ذكر الرحمن الذى أنزله وهو الكتاب والسنة وعن ~~الروح الذى أوحاه الله إلى نبيه الذى جعله الله نورا يهدى به من يشاء من ~~عباده وبه يحصل الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ولم يفرقوا بين ~~آيات الأنبياء ومعجزاتهم وبين خوارق السحرة والكهان إذ هذا ( مذهب الجهمية ~~المجبرة ( # وهؤلاء كلهم يشتركون في هذا المذهب فلا يجعلون الله يحب ما أمر به ويبغض ~~ما نهى عنه بل يجعلون كل ما قدره وقضاه فإنه يحبه PageV13P222 ويرضاه فبقى ~~جميع الأمور عندهم سواء وإنما يتميز بنوع من الخوارق فمن كان له خارق جعلوه ~~من أولياء الله وخضعوا له اما إتباعا له وإما موافقة له ومحبة وإما أن ~~يسلموا له حاله فلا يحبوه ولا يبغضوه إذ كانت قلوبهم لم يبق فيها من ~~الإيمان ما يعرفون به المعروف وينكرون به المنكر في هذا الموضع # وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( انه ( قال ( من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان ( وفى ~~رواية لمسلم ( من جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن ~~جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل ( وميت الاحياء ~~الذين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا ( وفى حديث حذيفة الذي في صحيح ~~مسلم ( ان الفتنة تعرض على القلوب كالحصير عودا عودا فايما قلب أنكرها ms4202 نكتت ~~فيه نكتة بيضاء وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء حتى تبقى القلوب على ~~قلبين قلب أبيض مثل الصفا لا يضره فتنة ما دامت السماء والأرض وقلب أسود ~~مرباد لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا الا ما أشرب من هواه ( فهؤلاء العباد ~~الزهاد الذين عبدوا الله بآرائهم وذوقهم ووجدهم لا PageV13P223 بالأمر ~~والنهي منتهاهم اتباع أهوائهم ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ( ~~لا سيما اذا كانت حقيقتهم هي قول ( الجهمية المجبرة ( فرأوا أن جميع ~~الكائنات اشتركت في المشيئة ولم يميزوا بعضها عن بعض بان الله يحب هذا ~~ويرضاه وهذا يبغضه ويسخطه فان الله يحب المعروف ويبغض المنكر فإذا لم ~~يفرقوا بين هذا وهذا نكت في قلوبهم نكت سود فسود قلوبهم فيكون المعروف ما ~~يهوونه ويحبونه ويجدونه ويذوقونه ويكون المنكر ما يهوون بغضه وتنفر عنه ~~قلوبهم كالمشركين الذين كانوا ( عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت ~~من قسورة ( ولهذا يوجد في هؤلاء وأتباعهم من ينفرون عن القرآن والشرع كما ~~تنفر الحمر المستنفرة التى تفر من الرماة ومن الاسد ولهذا يوصفون بانهم إذا ~~قيل لهم قال المصطفى نفروا # وكان الشيخ إبراهيم بن معضاد يقول لمن رآه من هؤلاء كاليونسية والأحمدية ~~ياخنازير يا أبناء الخنازير ما أرى لله ورسوله عندكم رائحة ( بل يريد كل ~~امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ( كل منهم يريد أن يحدثه قلبه عن ربه فيأخذ ~~عن الله بلا واسطة الرسول ( واذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~اوتى رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته ( وبسط هذا له موضع آخر ~~PageV13P224 # والمقصود هنا ان قول ( القدرية الجهمية المجبرة ( أعظم مناقضة لما جاءت ~~به الرسل من قول النفاة ولهذا لم يكن هؤلاء مظهرين لهذا في زمن السلف بل ~~كلما ضعف نور النبوة أظهروا حقيقة قولهم فانه من جنس قول المشركين المكذبين ~~للرسل ومنتهاهم الشرك وتكذيب الرسل وهذا جماع الكفر كما أن التوحيد وتصديق ~~الرسل جماع الايمان ولهذا صاروا مع أهل الكفر المحض من المشركين وأهل ms4203 ~~الكتاب وبسط هذه الأمور له موضع آخر # والمقصود هنا أن ( القدرية المجبرة ( من جنس المشركين كما ان ( النافية ( ~~من جنس المجوس وان المجبرة ما عندهم سوى القدرة والمشيئة في نفس الأمر ~~والنافية تنفي القدرة العامة والمشيئة التامة وتزعم انها تثبت الحكمة ~~والعدل وفي الحقيقة كلاهما ناف للحكمة والعدل والمشيئة والقدرة كما قد بسط ~~في مواضع # ( # وأولئك يتعلقون بقوله @QB@ لا يسأل عما يفعل @QE@ @QB@ الله يفعل ما يشاء ~~@QE@ وهذا ذكره الله اثباتا لقدرته لا نفيا لحكمته وعدله بل بين سبحانه انه ~~يفعل ما يشاء فلا أحد يمكنه أن يعارضه إذا شاء شيئا بل هو قادر على فعل ما ~~يشاء بخلاف المخلوق الذي يشاء أشياء كثيرة ولا يمكنه أن يفعلها ولهذا قال ~~النبى في الحديث الصحيح ( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ~~ارحمني ان شئت فان الله لا مكره له ولكن ليعزم المسألة PageV13P225 وذلك ~~انه إنما يقال افعل كذا ان شئت لمن قد يفعله مكرها فيفعل ما لا يريد لدفع ~~ضرر الاكراه عنه والله تعالى لا مكره له فلا يفعل إلا ما يشاء فقوله تعالى ~~@QB@ إن الله يفعل ما يشاء @QE@ و @QB@ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ ~~ونحو ذلك هو لاثبات قدرته على ما يشاء وهذا رد لقول القدرية النفاة الذين ~~يقولون انه لم يشأ كل ما كان بل لا يشاء إلا الطاعة ومع هذا فقد شاءها ولم ~~يكن ممن عصاه وليس هو قادرا عندهم على أن يجعل العبد لا مطيعا ولا عاصيا # فهذه الآيات التى تحتج بها المجبرة تدل على فساد مذهب النفاة كما أن ~~الآيات التى يحتج بها النفاة التى تدل على أنه حكم عادل لا يظلم مثقال ذرة ~~وانه لم يخلق الخلق عبثا ونحو ذلك تدل على فساد قول المجبرة وليس في هذه ~~الايات ولا هذه ما يدل على صحة قول واحدة من الطائفتين بل ما تحتج به كل ~~طائفة يدل على فساد مذهب الأخرى وكلا القولين باطل وهذا هو الذي نهى عنه ~~النبى في الحديث الذي ms4204 في المسند وغيره وبعضه في صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~عمروعن النبى ( انه خرج على أصحابه وهم يتمارون في القدر هذا يقول ألم يقل ~~الله كذا وهذا يقول ألم يقل الله كذا فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال ~~أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ( ولهذا قال ~~أحمد في بعض مناظرته لمن صار يضرب الآيات PageV13P226 بعضها ببعض انا قد ~~نهينا عن هذا # فمن دفع نصوصا يحتج بها غيره لم يؤمن بها بل آمن بما يحتج صار ممن يؤمن ~~ببعض الكتاب ويكفر ببعض وهذا حال أهل الاهواء هم مختلفون في الكتاب مخالفون ~~للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب وقد تركوا كلهم بعض النصوص وهو ما يجمع ~~تلك الاقوال فصاروا كما قال عن أهل الكتاب ( ومن الذين قالوا انا نصارى ~~أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى ~~يوم القيامة # فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء إذ لم يبق ~~هنا حق جامع يشتركون فيه بل ( تقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون ) وهؤلاء كلهم ليس معهم من الحق الا ما وافقوا فيه الرسول وهو ما ~~تمسكوا به من شرعه مما أخبر به وما أمر به وأما ما ابتدعوه فكله ضلالة كما ~~قال ( واياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة ( وقد تكون تلك البدعة أعظم ~~عندهم مما أخذوا به من الشرعة يجعلون تلك هي ( الأصول العقلية ( كالقدرية ~~المجبرة والنفاة فكلاهما يجعل ما أحدثوه من الكلام في الاصول وهو الذي ~~يسمونه العقليات أعظم عندهم مما تلقوه من الشرع فالمعتزلة يجعلون العقليات ~~هي الخبريات والامريات جميعا كالواجبات الشرعية PageV13P227 لكن يقولون ~~أيضا ان الشرع أوجبها ولكن لهم فيها تخليط ليس هذا موضعه وكذلك ما ابتدعوه ~~في الخبريات كاثبات حدوث العالم بطريقة الاعراض واستلزامها للأجسام وهم ~~ينفون الصفات والقدر ويسمون ذلك ( التوحيد والعدل ( # وجهم بن صفوان وأتباعه هم أعظم نفيا منهم فانهم ينفون الأسماء مع الصفات ~~وهم رؤوس المجبرة والأشعرية ms4205 وافقتهم في الجبر لكن نازعوهم نزاعا لفظيا في ~~اثبات الكسب والقدرة عليه وهم يرون أن هذه الأصول العقلية وهي العلم بما ~~يجب للرب ويمتنع عليه وما يجوز عليه من الأفعال هي أعظم العلوم وأشرفها ~~وانهم برزوا بها على الصحابة وان النبى لم يعلمها الصحابة إما لكونه وكلها ~~إلى استنباط الأمة وإما لكون الصحابة كانوا مشغولين عنها بالجهاد وإما ~~لكونه قال لهم في ذلك ما لم يبلغوه ولم يشغلهم بالأدلة لاشتغالهم بالجهاد # وهذه هي ( الاصول العقلية ( التى يعتمدون عليها هم ومن يوافقهم كالقاضى ~~أبي يعلى وأبى المعالى وأبي الوليد الباجي تبعا للقاضي أبى بكر وأمثاله وهو ~~وأتباعه يناقضون عبد الجبار وأمثاله كما ناقض الأشعرى وأمثاله أبا علي وأبا ~~القاسم PageV13P228 وكل الأصول العقلية التى إبتدعها هؤلاء وهؤلاء باطلة في ~~العقل والشرع وإن كانت كل واحدة من الطائفتين تعتقد أنها من أعظم الدين ~~ويقدمونها على الأصول الشرعية فإنهم في ذلك بمنزلة ما يعظمه العباد والزهاد ~~والفقراء والصوفية من الخوارق الشيطانية ويفضلونها على العبادات الشرعية ~~والعبادات الشرعية هي التى معهم من الأسلام وتلك كلها باطلة وإن كانت أعظم ~~عندهم من العبادات حتى يقولوا نهاية الصوفى إبتداء الفقية ونهاية الفقية ~~إبتداء الموله وكذلك صاحب ( منازل السائرين ( يذكر في كل باب ثلاث درجات ~~فالأولى وهى أهونها عندهم توافق الشرع في الظاهر والثانية قد توافق الشرع ~~وقد لا توافق والثالثة في الأغلب تخالف لا سيما في ( التوحيد ( والفناء ~~والرجاء ( ونحو ذلك وهذا الذى إبتدعوه هو أعظم عندهم مما وافقوا فيه الرسل ~~وكثير من العباد يفضل نوافله على أداء الفرائض وهذا كثير والله أعلم والحمد ~~لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد ~~لله رب العالمين PageV13P229 ### || 1 ( رسالة في علم الباطن والظاهر ) 1 ### |||| وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # عن طائفة من المتفقرة يدعون أن للقرآن باطنا وان لذلك الباطن باطنا إلى ~~سبعة أبطن ويروون في ذلك حديثا أن النبى ( ( قال ( للقرآن باطن وللباطن ~~باطن إلى سبعة أبطن ( ويفسرون القرآن بغير المعروف عن ms4206 الصحابة والتابعين ~~والأئمة من الفقهاء ويزعمون أن عليا قال لو شئت لأوقرت من تفسير فاتحة ~~الكتاب كذا وكذا حمل جمل ويقولون انما هو من علمنا اذ هو اللدنى ويقولون ~~كلاما معناه أن رسول الله ( ( خص كل قوم بما يصلح لهم فانه أمر قوما ~~بالامساك وقوما بالانفاق وقوما بالكسب وقوما بترك الكسب ويقولون ان هذا ~~ذكرته اشياخنا في ( العوارف ( وغيره من كتب المحققين وربما ذكروا أن ~~PageV13P230 حذيفة كان يعلم أسماء المنافقين خصه بذلك رسول الله ( ( وبحديث ~~أبى هريرة ( حفظت جرابين ( ويروون كلاما عن أبى سعيد الخراز أنه قال ~~للعارفين خزائن أودعوها علوما غريبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية يخبرون ~~عنها بلسان الأزلية ويقولون ان رسول الله ( ( قال ( إن من العلم كهيئة ~~المخزون لا يعلمه الا العلماء بالله فاذا نطقوا به لم ينكره الا أهل الغرة ~~بالله ( فهل ما ادعوه صحيحا أم لا # فسيدى يبين لنا مقالاتهم فان المملوك وقف على كلام لبعض العلماء ذكر فيه ~~أن الواحدى قال ألف أبو عبد الرحمن السلمى كتابا سماه ( حقائق التفسير ( أن ~~صح عنه فقد كفر ووقفت على هذا الكتاب فوجدت كلام هذه الطائفة منه أو ما ~~شابهه فما رأى سيدى في ذلك وهل صح عن النبى ( ( أنه قال ( للقرآن باطن ( ~~الحديث يفسرونه على ما يرونه من أذواقهم ومواجيدهم المردودة شرعا أفتونا ~~مأجورين ### ||||| فأجاب الشيخ رضى الله عنه # الحمد لله رب العالمين # أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المختلقة التى لم يروها أحد PageV13P231 ~~من اهل العلم ولا يوجد في شيء من كتب الحديث # ولكن يروى عن الحسن البصرى موقوفا أو مرسلا ( أن لكل آية ظهرا وبطنا وحدا ~~ومطلعا ( وقد شاع في كلام كثير من الناس ( علم الظاهر وعلم الباطن ( و ( ~~أهل الظاهر واهل الباطن ( ودخل في هذه العبارات حق وباطل # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع لكن نذكر هنا جملا من ذلك فنقول # قول الرجل ( الباطن ( اما أن يريد علم الأمور الباطنة مثل العلم بما في ~~القلوب من المعارف والأحوال والعلم بالغيوب التى أخبرت بها الرسل ms4207 واما أن ~~يريد به العلم الباطن أى الذى يبطن عن فهم أكثر الناس أو عن فهم من وقف مع ~~الظاهر ونحو ذلك # فأما الأول فلا ريب أن العلم منه ما يتعلق بالظاهر كأعمال الجوارح ومنه ~~ما يتعلق بالباطن كأعمال القلوب ومنه ما هو علم بالشهادة وهو ما يشهده ~~الناس بحواسهم ومنه ما يتعلق بالغيب وهو ما غاب عن احساسهم # وأصل الايمان هو الايمان بالغيب كما قال تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب @QE@ PageV13P232 والغيب الذى ~~يؤمن به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة ويدخل في ذلك الايمان بالله ~~وأسمائه وصفاته وملائكته والجنة والنار فالإيمان بالله وبرسله وباليوم ~~الآخر يتضمن الايمان بالغيب فان وصف الرسالة هو من الغيب وتفصيل ذلك هو ~~الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما ذكر الله تعالى ذلك ~~في قوله @QB@ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين @QE@ وقال @QB@ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فقد ضل ضلالا بعيدا @QE@ # والعلم بأحوال القلوب كالعلم بالاعتقادات الصحيحة والفاسدة والارادات ~~الصحيحة والفاسدة والعلم بمعرفة الله ومحبته والاخلاص له وخشيته والتوكل ~~عليه والرجاء له والحب فيه والبغض فيه والرضا بحكمه والانابة إليه والعلم ~~بما يحمد ويذم من أخلاق النفوس كالسخاء والحياء والتواضع والكبر والعجب ~~والفخر والخيلاء وأمثال ذلك من العلوم المتعلقة بأمور باطنة في القلوب ~~ونحوه قد يقال له ( علم الباطن ( أى علم بالأمر الباطن فالمعلوم هو الباطن ~~واما العلم الظاهر فهو ظاهر يتكلم به ويكتب وقد دل على ذلك الكتاب والسنة ~~وكلام السلف وأتباعهم بل غالب آى القرآن هو من هذا PageV13P233 العلم فإن ~~الله أنزل القرآن ( شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ( بل هذا العلم ~~هو العلم بأصول الدين فان اعتقاد القلب أصل لقول اللسان وعمل القلب أصل ~~لعمل الجوارح والقلب هو ملك البدن كما قال أبو هريرة رضى الله عنه القلب ~~ملك والأعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده واذا خبث الملك خبثت جنوده ~~وفى الصحيحين عن ms4208 النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( ألا وإن في الجسد ~~مضغة اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهى ~~القلب ( # ومن لم يكن له علم بما يصلح باطنه ويفسده ولم يقصد صلاح قلبه بالايمان ~~ودفع النفاق كان منافقا ان أظهر الاسلام فان الاسلام يظهره المؤمن والمنافق ~~وهو علانية والايمان في القلب كما في المسند عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~( أنه قال ( الاسلام علانية والايمان في القلب ( وكلام الصحابة والتابعين ~~والأحاديث والآثار في هذا أكثر منها في الاجارة والشفعة والحيض والطهارة ~~بكثير كثير ولكن هذا العلم ظاهر موجود مقول باللسان مكتوب في الكتب ولكن من ~~كان بأمور القلب أعلم كان أعلم به وأعلم بمعانى القرآن والحديث # وعامة الناس يجدون هذه الأمور في أنفسهم ذوقا ووجدا فتكون PageV13P234 ~~محسوسة لهم بالحس الباطن لكن الناس في حقائق الايمان متفاضلون تفاضلا عظيما ~~فأهل الطبقة العليا يعلمون حال أهل السفلى من غير عكس كما أن أهل الجنة في ~~الجنة ينزل الأعلى إلى الأسفل ولا يصعد الأسفل إلى الأعلى والعالم يعرف ~~الجاهل لأنه كان جاهلا والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما فلهذا كان ~~في حقائق الايمان الباطنة وحقائق أنباء الغيب التى أخبرت بها الرسل ما لا ~~يعرفه الا خواص الناس فيكون هذا العلم باطنا من جهتين من جهة كون المعلوم ~~باطنا ومن جهة كون العلم باطنا لا يعرفه أكثر الناس ثم ان هذا الكلام في ~~هذا العلم يدخل فيه من الحق والباطل ما لا يدخل في غيره فما وافق الكتاب ~~والسنة فهو حق وما خالف ذلك فهو باطل كالكلام في الأمور الظاهرة # ) # ( ### ||| فصل # ( # وأما اذا أريد بالعلم الباطن العلم الذى يبطن عن اكثر الناس أو عن بعضهم ~~فهذا على نوعين # ( أحدهما ( باطن يخالف العلم الظاهر و ( الثانى ( لا يخالفه PageV13P235 ~~فأما الأول فباطل فمن ادعى علما باطنا أو علما بباطن وذلك يخالف العلم ~~الظاهر كان مخطئا اما ملحدا زنديقا واما جاهلا ضالا # وأما الثانى فهو بمنزلة الكلام في ms4209 العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون ~~باطلا فان الباطن اذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته ~~للظاهر المعلوم فان علم أنه حق قبل وان علم أنه باطل رد والا أمسك عنه وأما ~~الباطن المخالف للظاهر المعلوم فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من ~~الاسماعيلية والنصيرية وأمثالهم ممن وافقهم من الفلاسفة وغلاة المتصوفة ~~والمتكلمين # وشر هؤلاء القرامطة فانهم يدعون أن للقرآن والاسلام باطنا يخالف الظاهر ~~فيقولون ( الصلاة ( المأمور بها ليست هذه الصلاة أو هذه الصلاة انما يؤمر ~~بها العامة وأما الخاصة فالصلاة في حقهم معرفة اسرارنا و ( الصيام ( كتمان ~~أسرارنا و ( الحج ( السفر إلى زيارة شيوخنا المقدسين ويقولون ان ( الجنة ( ~~للخاصة هي التمتع في الدنيا باللذات و ( النار ( هي التزام الشرائع والدخول ~~تحت أثقالها ويقولون ان ( الدابة ( التى يخرجها الله للناس هي العالم ~~الناطق بالعلم في كل وقت وإن ( اسرافيل ( الذى ينفخ في الصور هو العالم ~~الذى ينفخ بعلمه في القلوب حتى تحيا و ( جبريل ( هو العقل الفعال الذى تفيض ~~عنه الموجودات و ( القلم ( هو العقل الأول PageV13P236 الذى تزعم الفلاسفة ~~أنه المبدع الأول وأن الكواكب والقمر والشمس التى رآها إبراهيم هي النفس ~~والعقل وواجب الوجود وأن الأنهار الأربعة التى رآها النبى ( ( ليلة المعراج ~~هي العناصر الأربعة وأن الأنبياء التى رآها في السماء هي الكواكب فآدم هو ~~القمر ويوسف هو الزهرة وادريس هو الشمس وأمثال هذه الأمور # وقد دخل في كثير من اقوال هؤلاء كثير من المتكلمين والمتصوفين لكن أولئك ~~القرامطة ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض وعامة الصوفية والمتكلمين ليسوا ~~رافضة يفسقون الصحابة ولا يكفرونهم لكن فيهم من هو كالزيدية الذين يفضلون ~~عليا على أبى بكر وفيهم من يفضل عليا في العلم الباطن كطريقة الحربى ~~وأمثاله ويدعون أن عليا كان أعلم بالباطن وأن هذا العلم أفضل من جهته وأبو ~~بكر كان اعلم بالظاهر وهؤلاء عكس محققى الصوفية وأئمتهم فانهم متفقون على ~~أن أعلم الخلق بالعلم الباطن هو أبو بكر الصديق وقد اتفق أهل السنة ~~والجماعة على أن أبا بكر ms4210 أعلم الأمة بالباطن والظاهر وحكى الإجماع على ذلك ~~غير واحد # وهؤلاء الباطنية قد يفسرون ( وكل شيء أحصيناه في امام مبين ( أنه على ~~ويفسرون قوله تعالى @QB@ تبت يدا أبي لهب وتب @QE@ بأنهما أبو بكر وعمر ~~وقوله @QB@ فقاتلوا أئمة الكفر @QE@ أنهم طلحة والزبير PageV13P237 و @QB@ ~~والشجرة الملعونة في القرآن @QE@ بأنها بنو أمية # وأما باطنية الصوفية فيقولون في قوله تعالى @QB@ اذهب إلى فرعون @QE@ انه ~~القلب و @QB@ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ انها النفس ويقول أولئك ~~هي عائشة ويفسرون هم والفلاسفة تكليم موسى بما يفيض عليه من العقل الفعال ~~أو غيره ويجعلون ( خلع النعلين ( ترك الدنيا والآخرة ويفسرون ( الشجرة ( ~~التى كلم منها موسى و ( الوادى المقدس ( ونحو ذلك بأحوال تعرض للقلب عند ~~حصول المعارف له وممن سلك ذلك صاحب ( مشكاة الأنوار ( وأمثاله وهى مما أعظم ~~المسلمون انكاره عليه وقالوا أمرضه ( الشفاء ( وقالوا دخل في بطون الفلاسفة ~~ثم أراد أن يخرج فما قدر ومن الناس من يطعن في هذه الكتب ويقول انها مكذوبة ~~عليه وآخرون يقولون بل رجع عنها وهذا اقرب الأقوال فانه قد صرح بكفر ~~الفلاسفة في مسائل وتضليلهم في مسائل أكثر منها وصرح بأن طريقتهم لا توصل ~~إلى المطلوب # وباطنية الفلاسفة يفسرون الملائكة والشياطين بقوى النفس وما وعد الناس به ~~في الآخرة بأمثال مضروبة لتفهيم ما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم ~~لا باثبات حقائق منفصلة يتنعم بها ويتألم بها وقد وقع في هذا الباب في كلام ~~كثير من متأخرى الصوفية ما لم يوجد مثله عن أئمتهم ومتقدميهم كما وقع في ~~كلام كثير من متأخرى اهل PageV13P238 الكلام والنظر من ذلك ما لا يوجد عن ~~أئمتهم ومتقدميهم # وهؤلاء المتأخرون مع ضلالهم وجهلهم يدعون أنهم أعلم وأعرف من سلف الأمة ~~ومتقدميها حتى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا الوجود واحدا كما فعل بن عربى ~~صاحب الفصوص وأمثاله فانهم دخلوا من هذا الباب حتى خرجوا من كل عقل ودين ~~وهم يدعون مع ذلك أن الشيوخ المتقدمين كالجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله ~~التسترى وابراهيم ms4211 الخواص وغيرهم ماتوا وما عرفوا التوحيد وينكرون على ~~الجنيد وأمثاله اذا ميزوا بين الرب والعبد كقوله ( التوحيد ( افراد الحدوث ~~عن القدم ولعمرى ان توحيدهم الذى جعلوا فيه وجود المخلوق وجود الخالق هو من ~~أعظم الالحاد الذى أنكره المشايخ المهتدون وهم عرفوا أنه باطل فأنكروه ~~وحذروا الناس منه وأمروهم بالتمييز بين الرب والعبد والخالق والمخلوق ~~والقديم والمحدث وأن التوحيد ان يعلم مباينة الرب لمخلوقاته وامتيازه عنها ~~وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته # ثم أنهم يدعون أنهم أعلم بالله من المرسلين وان الرسل انما تستفيد معرفة ~~الله من مشكاتهم ويفسرون القرآن بما يوافق باطنهم الباطل كقوله ( مما ~~خطيئاتهم ( فهي التى خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وقولهم ان العذاب ~~مشتق من العذوبة ويقولون ان PageV13P239 كلام نوح في حق قومه ثناء عليهم ~~بلسان الذم ويفسرون قوله تعالى @QB@ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون @QE@ بعلم الظاهر بل @QB@ ختم الله على قلوبهم @QE@ ~~فلا يعلمون غيره @QB@ وعلى سمعهم وعلى أبصارهم @QE@ فلا يسمعون من غيره ولا ~~يرون غيره فانه لا غير له فلا يرون غيره ويقولون في قوله @QB@ وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه @QE@ ان معناه قدر ذلك لأنه ليس ثم موجود سواه فلا يتصور ~~ان يعبد غيره فكل من عبد الأصنام والعجل ما عبد غيره لأنه ما ثم غير وأمثال ~~هذه التأويلات والتفسيرات التى يعلم كل مؤمن وكل يهودى ونصرانى علما ضروريا ~~أنها مخالفة لما جاءت به الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين ( # وجماع القول في ذلك أن هذا الباب نوعان # ( أحدهما ( أن يكون المعنى المذكور باطلا لكونه مخالفا لما علم فهذا هو ~~في نفسه باطل فلا يكون الدليل عليه الا باطلا لأن الباطل لا يكون عليه دليل ~~يقتضى أنه حق و ( الثانى ( ما كان في نفسه حقا لكن يستدلون عليه من القرآن ~~والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك فهذا الذى يسمونه ( إشارات ( و ( حقائق ~~التفسير ( لأبى عبد الرحمن فيه من ms4212 هذا الباب شيء كثير PageV13P240 # وأما ( النوع الأول ( فيوجد كثيرا في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين ~~للمسلمين في أصول دينهم فان من علم أن السابقين الأولين قد رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه علم أن كل ما يذكرونه على خلاف ذلك فهو باطل ومن أقر بوجوب ~~الصلوات الخمس على كل أحد ما دام عقله حاضرا علم أن من تأول نصا على سقوط ~~ذلك من بعضهم فقد افترى ومن علم أن الخمر والفواحش محرمة على كل أحد ما دام ~~عقله حاضرا علم أن من تأول نصا يقتضى تحليل ذلك لبعض الناس أنه مفتر # وأما ( النوع الثانى ( فهو الذى يشتبه كثيرا على بعض الناس فان المعنى ~~يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسنة عليه ولكن الشأن في كون اللفظ الذى ~~يذكرونه دل عليه وهذان قسمان # ( أحدهما ( أن يقال ان ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله فمن ~~قال المراد بقوله @QB@ تذبحوا بقرة @QE@ هي النفس وبقوله @QB@ اذهب إلى ~~فرعون @QE@ هو القلب @QB@ والذين معه @QE@ أبو بكر @QB@ أشداء على الكفار ~~@QE@ عمر @QB@ رحماء بينهم @QE@ عثمان @QB@ تراهم ركعا سجدا @QE@ على فقد ~~كذب على الله اما متعمدا واما مخطئا و # ( القسم الثانى ( أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس PageV13P241 لا من ~~باب دلالة اللفظ فهذا من نوع القياس فالذى تسميه الفقهاء قياسا هو الذى ~~تسميه الصوفية اشارة وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك فمن ~~سمع قول الله تعالى @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ وقال انه اللوح المحفوظ ~~أو المصحف فقال كما أن اللوح المحفوظ الذى كتب فيه حروف القرآن لا يمسه الا ~~بدن طاهر فمعانى القرآن لا يذوقها الا القلوب الطاهرة وهى قلوب المتقين كان ~~هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف قال تعالى ~~@QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين @QE@ وقال @QB@ هذا بيان للناس ~~وهدى وموعظة للمتقين @QE@ وقال @QB@ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام @QE@ وأمثال ذلك # وكذلك من قال ? < لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب > ? فاعتبر بذلك ~~أن القلب ms4213 لا يدخله حقائق الايمان اذا كان فيه ما ينجسه من الكبر والحسد فقد ~~أصاب قال تعالى @QB@ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم @QE@ ( وقال ~~تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل ~~آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا @QE@ وأمثال ذلك # و ( كتاب حقائق التفسير ( لأبى عبد الرحمن السلمى يتضمن ثلاثة أنواع ~~PageV13P242 # ( أحدها ( نقول ضعيفة عمن نقلت عنه مثل أكثر ما نقله عن جعفر الصادق فان ~~أكثره باطل عنه وعامتها فيه من موقوف أبى عبد الرحمن وقد تكلم أهل المعرفة ~~في نفس رواية ابى عبد الرحمن حتى كان البيهقى اذا حدث عنه يقول حدثنا من ~~أصل سماعه # ( والثانى ( أن يكون المنقول صحيحا لكن الناقل أخطأ فيما قال # ( والثالث ( نقول صحيحة عن قائل مصيب فكل معنى يخالف الكتاب والسنة فهو ~~باطل وحجته داحضة وكل ما وافق الكتاب والسنة والمراد بالخطاب غيره اذا فسر ~~به الخطاب فهو خطأ وان ذكر على سبيل الاشارة والاعتبار والقياس فقد يكون ~~حقا وقد يكون باطلا # وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير ~~المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف ~~للكلم عن مواضعه وهذا فتح لباب الزندقة والالحاد وهو معلوم البطلان ~~بالاضطرار من دين الإسلام # وأما ما يروى عن بعضهم من الكلام المجمل مثل قول بعضهم لو PageV13P243 ~~شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب الخ فهذا اذا صح عمن نقل عنه كعلى وغيره ~~لم يكن فيه دلالة على الباطن المخالف للظاهر بل يكون هذا من الباطن الصحيح ~~الموافق للظاهر الصحيح وقد تقدم أن الباطن اذا أريد به ما لا يخالف الظاهر ~~المعلوم فقد يكون حقا وقد يكون باطلا ولكن ينبغى أن يعرف أنه قد كذب على ~~على وأهل بيته لا سيما على جعفر الصادق ما لم يكذب على غيره من الصحابة حتى ~~أن الاسماعيلية والنصيرية يضيفون مذهبهم إليه وكذلك المعتزلة ms4214 # وكذلك فرقة التصوف يقولون ان الحسن البصرى صحبه وأنه دخل المسجد فرأى ~~الحسن يقص مع القصاص فقال ما صلاح الدين قال الورع قال فما فساده قال الطمع ~~فأقره وأخرج غيره وقد اتفق أهل المعرفة بالمنقولات ان الحسن لم يصحب عليا ~~ولم يأخذ عنه شيئا وانما أخذ عن اصحابه كالأحنف بن قيس وقيس بن سعد بن عباد ~~وأمثالهما ولم يقص الحسن في زمن على بل ولا في زمن معاوية وانما قص بعد ذلك ~~وقد كانوا في زمن على يكذبون عليه حتى كان الناس يسألونه كما ثبت في ~~الصحيحين ( أنه قيل له هل عندكم من رسول الله ( ( كتاب تقرؤونه فقال لا ~~والذى فلق الحبة وبرأ النسمة الا هذه الصحيفة وفيها أسنان الابل وفكاك ~~الأسير وألا يقتل مسلم بكافر ( وفى لفظ ( هل عهد اليكم PageV13P244 رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ( شيئا لم يعهده إلى الناس فقال لا ( وفى لفظ ( ~~الا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه # وأما ( العلم اللدنى ( فلا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين ~~وعباده الصالحين بسبب طهارة قلوبهم مما يكرهه واتباعهم ما يحبه ما لا يفتح ~~به على غيرهم وهذا كما قال على الا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وفى ~~الأثر ( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ( وقد دل القرآن على ذلك ~~في غير موضع كقوله @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ فقد ~~أخبر أنه من فعل ما يؤمر به يهديه الله صراطا مستقيما وقال تعالى @QB@ يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وآتاهم تقواهم @QE@ وقال @QB@ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين @QE@ ( وقال تعالى ~~@QB@ هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون @QE@ وقال تعالى @QB@ هذا ~~بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ # وأخبر أن اتباع ما يكرهه يصرف عن العلم والهدى كقوله @QB@ فلما زاغوا ms4215 ~~أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقوله @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم ~~آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون @QE@ PageV13P245 أى وما يشعركم أنها اذا جاءت لا يؤمنون بها ونقلب ~~أفئدتهم أى يتركون الايمان ونحن نقلب أفئدتهم لكونهم لم يؤمنوا أول مرة أى ~~ما يدريكم أنه لا يكون هذا وهذا حينئذ # ومن فهم معنى الآية عرف خطأ من قال ( أن ( بمعنى لعل واستشكل قراءة الفتح ~~بل يعلم حينئذ أنها أحسن من قراءة الكسر وهذا باب واسع والناس في هذا الباب ~~على ثلاثة أقسام طرفان ووسط # فقوم يزعمون أن مجرد الزهد وتصفية القلب ورياضة النفس توجب حصول العلم ~~بلا سبب آخر # وقوم يقولون لا أثر لذلك بل الموجب للعلم العلم بالأدلة الشرعية أو ~~العقلية وأما الوسط فهو أن ذلك من أعظم الأسباب معاونة على نيل العلم بل هو ~~شرط في حصول كثير من العلم وليس هو وحده كافيا بل لابد من أمر آخر اما ~~العلم بالدليل فيما لا يعلم الا به PageV13P246 وأما التصور الصحيح لطرفى ~~القضية في العلوم الضرورية ( # وأما العلم النافع الذى تحصل به النجاة من النار ويسعد به العباد فلا ~~يحصل الا باتباع الكتب التى جاءت بها الرسل قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن ~~@QE@ الخ وقال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين @QE@ فمن ظن أن الهدى والايمان يحصل بمجرد طريق # العلم مع عدم العمل به أو بمجرد العمل والزهد بدون العلم فقد ضل وأضل ~~منهما من سلك في العلم والمعرفة طريق أهل الفلسفة والكلام بدون اعتبار ذلك ~~بالكتاب والسنة ولا العمل بموجب العلم أو ms4216 سلك في العمل والزهد طريق أهل ~~الفلسفة والتصوف بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة ولا اعتبار العمل بالعلم ~~فأعرض هؤلاء عن العلم والشرع وأعرض أولئك عن العمل والشرع فضل كل منهما من ~~هذين الوجهين وتباينوا تباينا عظيما حتى أشبه هؤلاء اليهود المغضوب عليهم ~~واشبه هؤلاء النصارى الضالين بل صار منهما من هو شر PageV13P247 من اليهود ~~والنصارى كالقرامطة والاتحادية وامثالهم من الملاحدة الفلاسفة ( # ( ### ||| فصل # ( # وأما قول القائل ان النبى ( ( خص كل قوم بما يصلح لهم الخ فهذا الكلام له ~~وجهان # ان أراد به ان الأعمال المشروعة يختلف الناس فيها بحسب اختلاف أحوالهم ~~فهذا لا ريب فيه فانه ليس ما يؤمر به الفقير كما يؤمر به الغنى ولا ما يؤمر ~~به المريض كما يؤمر به الصحيح ولا ما يؤمر به عند المصائب هو ما يؤمر به ~~عند النعم ولا ما تؤمر به الحائض كما تؤمر به الطاهرة ولا ما تؤمر به ~~الأئمة كالذى تؤمر به الرعية فأمر الله لعباده قد يتنوع بتنوع أحوالهم كما ~~قد يشتركون في اصل الايمان بالله وتوحيده والايمان بكتبه ورسله # وأن أراد به أن الشريعة في نفسها تختلف وان النبى ( ( خاطب زيدا بخطاب ~~يناقض ما خاطب به عمرا أو أظهر لهذا شيئا يناقض ما أظهره لهذا كما يرويه ~~الكذابون ( أن عائشة سألته PageV13P248 هل رأيت ربك فقال لا وسأله أبو بكر ~~فقال نعم ( وأنه أجاب عن مسألة واحدة بجوابين متناقضين لاختلاف حال ~~السائلين ( فهذا من كلام الكذابين المفترين بل هو من كلام الملاحدة ~~المنافقين فان النبى ( ( قال ( ما ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين ( ~~والحديث في سنن أبى داود وغيره وكان عام الفتح قد أهدر دم جماعة منهم بن ~~أبى سرح فجاء به عثمان ليبايع النبى ( ( فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا ثم بايعه ~~ثم قال ( أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إلى وقد أعرضت عن هذا فيقتله ( فقال ~~بعضهم هلا أومضت إلى يا رسول الله فقال ( ما ينبغى لنبى أن تكون له خائنة ~~الأعين ( وهذا مبالغة في استواء ظاهره ms4217 وباطنه وسره وعلانيته وأنه لا يبطن ~~خلاف ما يظهر على عادة المكارين المنافقين # ولا ريب أن القرامطة وأمثالهم من الفلاسفة يقولون أنه أظهر خلاف ما أبطن ~~وأنه خاطب العامة بأمور أراد بها خلاف ما أفهمهم لأجل مصلحتهم اذ كان لا ~~يمكنه صلاحهم الا بهذا الطريق وقد زعم ذلك بن سينا وأصحاب ( رسائل اخوان ~~الصفا ( وأمثالهم من الفلاسفة والقرامطة الباطنية فان بن سينا كان هو وأهل ~~بيته من اتباع الحاكم القرمطى العبيدى الذى كان بمصر # وقول هؤلاء كما أنه من أكفر الأقوال فجهلهم من أعظم الجهل PageV13P249 ~~وذلك أنه اذا كان الأمر كذلك فلابد أن يعلمه أهل العقل والذكاء من الناس ~~واذا علموه امتنع في العادة تواطؤهم على كتمانه كما يمتنع تواطؤهم على ~~الكذب فانه كما يمتنع في العادة تواطؤ الجميع على الكذب يمتنع تواطؤهم على ~~كتمان ما تتوفر الهمم والدواعى على بيانه وذكره لا سيما مثل معرفة هذه ~~الأمور العظيمة التى معرفتها والتكلم بها من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعى ~~عليه ألا ترى أن الباطنية ونحوهم أبطنوا خلاف ما أظهروه للناس وسعوا في ذلك ~~بكل طريق وتواطئوا عليه ما شاء الله حتى التبس أمرهم على كثير من أتباعهم ~~ثم انهم مع ذلك اطلع على حقيقة أمرهم جميع اذكياء الناس من موافقيهم ~~ومخالفيهم وصنفوا الكتب في كشف أسرارهم ورفع أستارهم ولم يكن لهم في الباطن ~~حرمة عند من عرف باطنهم ولا ثقة بما يخبرون به ولا التزام طاعة لما يأمرون ~~وكذلك من فيه نوع من هذا الجنس # فمن سلك هذه السبيل لم يبق لمن علم أمره ثقة بما يخبر به وبما يأمر به ~~وحينئذ فينتقض عليه جميع ما خاطب به الناس فانه ما من خطاب يخاطبهم به الا ~~ويجوزون عليه أن يكون أراد به غير ما أظهره لهم فلا يثقون بأخباره وأوامره ~~فيختل عليه الأمر كله فيكون مقصوده صلاحهم فيعود ذلك بالفساد العظيم بل كل ~~من وافقه فلابد أن يظهر خلاف ما أبطن كاتباع من سلك هذه السبيل من القرامطة ~~PageV13P250 الباطنية وغيرهم ms4218 لا تجد أحدا من موافقيهم الا ولابد أن يبين أن ~~ظاهره خلاف باطنه ويحصل لهم بذلك من كشف الأسرار وهتك الاستار ما يصيرون به ~~من شرار الكفار # وإذا كانت الرسل تبطن خلاف ما تظهر فاما أن يكون العلم بهذا الاختلاف ~~ممكنا لغيرهم واما أن لا يكون فان لم يكن ممكنا كان مدعى ذلك كذابا مفتريا ~~فبطل قول هؤلاء الملاحدة الفلاسفة والقرامطة وأمثالهم وان كان العلم بذلك ~~ممكنا علم بعض الناس مخالفة الباطن للظاهر وليس لمن يعلم ذلك حد محدود بل ~~اذا علمه هذا علمه هذا وعلمه هذا فيشيع هذا ويظهر ولهذا كان من اعتقد هذا ~~في الانبياء كهؤلاء الباطنية من الفلاسفة والقرامطة ونحوهم معرضين عن حقيقة ~~خبره وأمره لا يعتقدون باطن ما أخبر به ولا ما أمر بل يظهر عليه من مخالفة ~~أمره والاعراض عن خبره ما يظهر لكل أحد ولا تجد في أهل الايمان من يحسن بهم ~~الظن بل يظهر فسقهم ونفاقهم لعوام المؤمنين فضلا عن خواصهم # وأيضا فمن كانت هذه حاله كان خواصه أعلم الناس بباطنه والعلم بذلك يوجب ~~الانحلال في الباطن ومن علم حال خاصة النبى ( ( كأبى بكر وعمر وغيرهما من ~~السابقين الأولين علم أنهم كانوا أعظم الناس تصديقا لباطن أمر خبره وظاهره ~~وطاعتهم PageV13P251 له في سرهم وعلانيتهم ولم يكن أحد منهم يعتقد في خبره ~~وأمره ما يناقض ظاهر ما بينه لهم ودلهم عليه وأرشدهم إليه ولهذا لم يكن في ~~الصحابة من تأول شيئا من نصوصه على خلاف ما دل عليه لا فيما أخبر به الله ~~عن أسمائه وصفاته ولا فيما أخبر به عما بعد الموت وان ما ظهر من هذا ما ظهر ~~الا ممن هو عند الأمة من أهل النفاق والاتحاد كالقرامطة والفلاسفة والجهمية ~~نفاة حقائق الأسماء والصفات # ومن تمام هذا ان تعلم أن النبى ( ( لم يخص أحدا من اصحابه بخطاب في علم ~~الدين قصد كتمانه عن غيره ولكن كان قد يسأل الرجل عن المسألة التى لا يمكن ~~جوابها فيجيبه بما ينفعه كالأعرابى الذى سأله عن ms4219 الساعة والساعة لا يعلم ~~متى هي فقال ( ما أعددت لها فقال ما أعددت لها من كثير عمل ولكنى أحب الله ~~ورسوله فقال المرء مع من أحب ( فأجابه بالمقصود من علمه بالساعة ولم يكن ~~يخاطب أصحابه بخطاب لا يفهمونه بل كان بعضهم أكمل فهما لكلامه من بعض كما ~~في الصحيحين عن أبى سعيد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( قال ( ان ~~عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد ما عند الله فبكى أبو ~~بكر وقال بل نفديك بأنفسنا وأموالنا يا رسول الله فجعل الناس يعجبون ~~PageV13P252 أن ذكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( عبدا خيره الله بين ~~الدنيا والآخرة قال وكان رسول الله ( ( هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به ( ~~فالنبى ( ( ذكر عبدا مطلقا لم يعينه ولا في لفظه ما يدل عليه لكن أبو بكر ~~لكمال معرفته بمقاصد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ( علم أنه هو ذلك العبد ~~فلم يخص عنهم بباطن يخالف الظاهر بل يوافقه ولا يخالف مفهوم لفظه ومعناه # وأما ما يرويه بعض الكذابين عن عمر أنه قال ( كان النبى ( ( وأبو بكر ~~يتحدثان وكنت كالزنجى بينهما ( فهذا من أظهر الاكاذيب المختلقة لم يروه أحد ~~من علماء المسلمين في شيء من كتب أهل العلم وهو من أظهر الكذب فان عمر أفضل ~~الأمة بعد أبى بكر وهو المحدث الملهم الذى ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ~~وهو أفضل المخاطبين المحدثين من هذه الأمة فاذا كان هو حاضرا يسمع الالفاظ ~~ولم يفهم الكلام كالزنجى فهل يتصور أن يكون غيره أفهم منه لذلك فكيف من لم ~~يسمع الفاظ الرسول بل يزعم أن ما يدعيه من المعانى هي تلك المعانى بمجرد ~~الدعوى التى لو كانت مجردة لم تقبل فكيف اذا قامت البينة على كذب مدعيها # وأما حديث حذيفة فقد ثبت في الصحيح ( أن حذيفة كان PageV13P253 يعلم السر ~~الذى لا يعلمه غيره ( وكان ذلك ما اسره إليه النبى ( ( عام تبوك من أعيان ~~المنافقين فانه روى أن جماعة من المنافقين أرادوا أن يحلوا ms4220 حزام ناقة رسول ~~الله ( ( بالليل ليسقط عن بعيره فيموت وأنه أوحى إليه بذلك وكان حذيفة ~~قريبا منه فأسر إليه أسماءهم # ويقال ان عمر لم يكن يصلى على أحد حتى يصلى عليه حذيفة وهذا ليس فيه شيء ~~من حقائق الدين ولا من الباطن الذى يخالف الظاهر فان الله قد ذكر في كتابه ~~من صفات المنافقين وأخبارهم ما ذكره حتى أن سورة ( براءة ( سميت الفاضحة ~~لكونها فضحت المنافقين وسميت المبعثرة وغير ذلك من الأسماء لكن القرآن لم ~~يذكر فلانا وفلانا فاذا عرف بعض الناس أن فلانا وفلانا من هؤلاء المنافقين ~~الموصوفين كان ذلك بمنزلة تعريفه ان فلانا وفلانا من المؤمنين الموعودين ~~بالجنة فاخباره ( ( أن أبا بكر وعمر وغيرهما في الجنة كاخباره أن أولئك ~~منافقون وهذا اذا كان من العلم الباطن فهو من الباطن الموافق للظاهر المحقق ~~له المطابق له # ونظيره في ( الأمر ( ما يسمى ( تحقيق المناط ( وهو أن يكون الشارع قد علق ~~الحكم بوصف فنعلم ثبوته في حق المعين كأمره باستشهاد ذوى عدل ولم يعين ~~فلانا وفلانا فاذا علمنا أن هذا ذو PageV13P254 عدل كنا قد علمنا أن هذا ~~المعين موصوف بالعدل المذكور في القرآن وكذلك لما حرم الله الخمر والميسر ~~فاذا علمنا أن هذا الشراب المصنوع من الذرة والعسل خمرا علمنا أنه داخل في ~~هذا النص فعلمنا بأعيان المؤمنين وأعيان المنافقين هو من هذا الباب وهذا هو ~~من تأويل القرآن # وهذا على الاطلاق لا يعلمه الا الله فان الله يعلم كل مؤمن وكل منافق ~~ومقادير ايمانهم ونفاقهم وما يختم لهم وأما الرسول فقد قال تعالى @QB@ وممن ~~حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن ~~نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم @QE@ فالله يطلع رسوله ومن ~~شاء من عباده على ما يشاء من ذلك ( # وأما حديث أبى هريرة فهو حديث صحيح قال ( حفظت من رسول الله ( ( جرابين ~~فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم ( ولكن ~~ليس في هذا من الباطن الذى يخالف الظاهر ms4221 شيء بل ولا فيه من حقائق الدين ~~وانما كان في ذلك الجراب الخبر عما سيكون من الملاحم والفتن فالملاحم ~~الحروب التى بين المسلمين والكفار والفتن ما يكون بين المسلمين PageV13P255 ~~ولهذا قال عبد الله بن عمر لو أخبركم أبو هريرة انكم تقتلون خليفتكم ~~وتفعلون كذا وكذا لقلتم كذب أبو هريرة واظهار مثل هذا # مما تكرهه الملوك وأعوانهم لما فيه من الاخبار بتغير دولهم ومما يبين هذا ~~أن أبا هريرة انما أسلم عام خيبر فليس هو من السابقين الأولين ولا من أهل ~~بيعة الرضوان وغيره من الصحابة أعلم بحقائق الدين منه وكان النبى ( ( يحدثه ~~وغيره بالحديث فيسمعونه كلهم ولكن كان أبو هريرة أحفظهم للحديث ببركة حصلت ~~له من جهة النبى ( ( لأن النبى ( ( حدثهم ذات يوم حديثا فقال ( أيكم يبسط ~~ثوبه فلا ينسى شيئا سمعه ففعل ذلك أبو هريرة ( وقد روى ( أنه كان يجزئ ~~الليل ثلاثة أجزاء ثلثا يصلى وثلثا ينام وثلثا يدرس الحديث ( ولم ينقل أحد ~~قط عن أبى هريرة حديثا يوافق الباطنية ولا حديثا يخالف الظاهر المعلوم من ~~الدين # ومن المعلوم أنه لو كان عنده شيء من هذا لم يكن بد أن ينقل عنه أحد شيئا ~~منه بل النقول المتواترة عنه كلها تصدق ما ظهر من الدين وقد روى من أحاديث ~~صفات الله وصفات اليوم الآخر وتحقيق العبادات ما يوافق أصول أهل الايمان ~~ويخالف قول أهل البهتان PageV13P256 # وأما ما يروى عن أبى سعيد الخراز وأمثاله في هذا الباب وما يذكره أبو ~~طالب في كتابه وغيره وكلام بعض المشايخ الذى يظن أنه يقول بباطن يخالف ~~الظاهر وما يوجد من ذلك في كلام أبى حامد الغزالى أو غيره # فالجواب عن هذا كله أن يقال ما علم من جهة الرسول فهو نقل مصدق عن قائل ~~معصوم وما عارض ذلك فاما أن يكون نقلا عن غير مصدق أو قولا لغير معصوم فان ~~كثيرا مما ينقل عن هؤلاء كذب عليهم والصدق من ذلك فيه ما اصابوا فيه تارة ~~وأخطأوا فيه أخرى وأكثر عباراتهم الثابتة ألفاظ مجملة ms4222 متشابهة لو كانت من ~~ألفاظ المعصوم لم تعارض الحكم المعلوم فكيف اذا كانت من قول غير المعصوم # وقد جمع أبو الفضل الفلكى كتابا من كلام أبى يزيد البسطامى سماه ( النور ~~من كلام طيفور ( فيه شيء كثير لا ريب أنه كذب على أبى يزيد البسطامى وفيه ~~أشياء من غلط أبى يزيد رحمة الله عليه وفيه أشياء حسنة من كلام أبى يزيد ~~وكل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله PageV13P257 # ومن قيل له عن أبى يزيد أو غيره من المشايخ أنه قال لمريديه ان تركتم ~~أحدا من أمة محمد يدخل النار فانا منكم بريء فعارضه الآخر وقال قلت لمريدى ~~ان تركتم أحدا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم بريء فصدق هذا النقل عنه ~~ثم جعل هذا المصدق لهذا عن أبى يزيد أو غيره يستحسنه ويستعظم حاله فقد دل ~~على عظيم جهله أو نفاقه فانه ان كان قد علم ما أخبر به الرسول من دخول من ~~يدخل النار من أهل الكبائر وان النبى ( ( هو أول من يشفع فيهم بعد أن تطلب ~~الشفاعة من الرسل الكبار كنوح وابراهيم وموسى وعيسى فيمتنعون ويعتذرون ثم ~~صدق ان مريدى أبى يزيد أو غيره يمنعون أحدا من الأمة من دخول النار أو ~~يخرجون هم كل من دخلها كان ذلك كفرا منه بما أخبر به الصادق المصدوق بحكاية ~~منقولة كذب ناقلها أو أخطأ قائلها ان لم يكن تعمد الكذب وان كان لا يعلم ما ~~أخبر به الرسول كان من أجهل الناس بأصول الايمان # فعلى المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة وان يجتهد في أن يعرف ما أخبر به ~~الرسول وأمر به علما يقينيا وحينئذ فلا يدع المحكم المعلوم للمشتبه المجهول ~~فان مثال ذلك مثل من كان سائرا إلى مكة في طريق معروفة لا شك انها توصله ~~إلى مكة اذا سلكها فعدل عنها إلى طريق مجهولة لا يعرفها ولا يعرف منتهاها ~~وهذا مثال من PageV13P258 عدل عن الكتاب والسنة إلى كلام من لا يدرى هل ~~يوافق الكتاب والسنة أو ms4223 يخالف ذلك # وأما من عارض الكتاب والسنة بما يخالف ذلك فهو بمنزلة من كان يسير على ~~الطريق المعروفة إلى مكة فذهب إلى طريق قبرص يطلب الوصول منها إلى مكة فان ~~هذا حال من ترك المعلوم من الكتاب والسنة إلى ما يخالف ذلك من كلام زيد ~~وعمرو كائنا من كان فان كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ( وقد رأيت في هذا الباب من عجائب الأمور ما لا يحصيه ~~الا العليم بذات الصدور # وأما الحديث المأثور ( ان من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه الا أهل العلم ~~بالله فاذا ذكروه لم ينكره الا أهل الغرة بالله ( فهذا قد رواه أبو إسماعيل ~~الانصارى شيخ الاسلام في كتابه الذى سماه ( الفاروق بين المثبتة والمعطلة ( ~~وذكر فيه أحاديث الصفات صحيحها وغريبها ومسندها ومرسلها وموقوفها وذكره ~~ايضا أبو حامد الغزالى في كتبه ثم هذا يفسره بما يناسب أقواله التى يميل ~~فيها إلى ما يشبه اقوال نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم # وذكر شيخ الإسلام عن شيخه يحيى بن عمار أنه كان يقول PageV13P259 المراد ~~بذلك أحاديث الصفات فكان يفسر ذلك بما يناقض قول أبى حامد من اقوال أهل ~~الاثبات والحديث ليس اسناده ثابتا باتفاق أهل المعرفة ولم يرو في أمهات كتب ~~الحديث المعتمدة فلا يحتاج إلى الكلام في تفسيره واذا قدر أن النبى ( ( ~~قاله فهو كلام مجمل ليس فيه تعيين لقول معين فحينئذ فما من مدع يدعى أن ~~المراد قوله الا كان لخصمه أن يقول نظير ذلك # ولا ريب أن قول يحيى بن عمار وأبى إسماعيل الأنصارى ونحوهما من أهل ~~الاثبات أقرب من قول النفاة أن هذا العلم هو من علم النبى ( ( بالاتفاق ~~وعلم الصحابة # ومن المعلوم أن قول النفاة لا ينقله أحد عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~ولا أصحابه لا باسناد صحيح ولا ضعيف بخلاف مذهب المثبتة فان القرآن والحديث ~~والآثار عن الصحابة مملوءة به فكيف يحمل كلام النبى ( ( على علم لم ينقله ~~عنه أحد ويترك حمله على ms4224 العلم المنقول عنه وعن اصحابه # وكذلك ما ذكره البخارى عن على رضى الله عنه أنه قال ( حدثوا الناس بما ~~يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ( قد حمله أبو الوليد ~~بن رشد الحفيد الفيلسوف وأمثاله على علوم الباطنية PageV13P260 الفلاسفة ~~نفاة الصفات وهذا تحريف ظاهر فان قول على أتحبون أن يكذب الله ورسوله دليل ~~على أن ذلك مما أخبر به النبى ( ( وأقوال النفاة من الفلاسفة والجهمية ~~والقرامطة والمعتزلة لم ينقل فيها مسلم عن النبى ( ( شيئا لا صحيحا ولا ~~ضعيفا فكيف يكذب الله ورسوله في شيء لم ينقله أحد عن الله ورسوله بخلاف ما ~~رواه أهل الاثبات من أحاديث صفات الرب وملائكته وجنته وناره فان هذا كثير ~~مشهور قد لا تحتمله عقول بعض الناس فاذا حدث به خيف أن يكذب الله ورسوله # ومن هذا الباب قول عبد الله بن مسعود ( ما من رجل يحدث قوما حديثا لا ~~تبلغه عقولهم الا كان فتنة لبعضهم ( وبن مسعود فيما يقول ذاكرا أو آمرا من ~~أعظم الناس اثباتا للصفات وأرواهم لأحاديثها وأصحابه من أجل التابعين ~~وأبلغهم في هذا الباب وكذلك أصحاب بن عباس فكل من كان من الصحابة أعلم كان ~~اثباته واثبات أصحابه أبلغ فعلم أن الصحابة لم يكونوا يبطنون خلاف ما ~~يظهرون ولا يظهرون الاثبات ويبطنون النفى ولا يظهرون الأمر ويبطنون امتناعه ~~بل هم اقوم الناس بتصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر # وهذا باب واسع دخل فيه من الأمور ما لا يتسع هذا الموضع PageV13P261 ~~لتفصيله ولكن نعلم جماع الأمر أن كل قول وعمل فلابد له من ظاهر وباطن فظاهر ~~القول لفظ اللسان وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان وظاهر العمل ~~حركات الابدان وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الانسان # ) # فالمنافق لما أتى بظاهر الاسلام دون حقائق الايمان لم ينفعه ذلك وكان من ~~أهل الخسران بل كان في الدرك الأسفل من النار قال تعالى @QB@ ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا ~~وما يخدعون ms4225 إلا أنفسهم وما يشعرون @QE@ الآيات فان الله أنزل في أول سورة ~~البقرة اربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في ~~صفة المنافقين وقال تعالى @QB@ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ السورة ~~وقال تعالى @QB@ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم @QE@ الآية # والملاحدة يظهرون موافقة المسلمين ويبطنون خلاف ذلك وهم شر من المنافقين ~~فان المنافقين نوعان نوع يظهر الايمان ويبطن الكفر ولا يدعى أن الباطن الذى ~~يبطنه من الكفر هو حقيقة الايمان والملاحدة تدعى أن ما تبطنه من الكفر هو ~~حقيقة الايمان PageV13P262 وإن الانبياء والأولياء هم من جنسهم يبطنون ما ~~يبطنونه مما هو كفر وتعطيل فهم يجمعون بين ابطان الكفر وبين دعواهم ان ذلك ~~الباطن هو الايمان عند أهل العرفان فلا يظهرون للمستجيب لهم ان باطنه طعن ~~في الرسول والمؤمنين وتكذيب له بل يجعلون ذلك من كمال الرسول وتمام حاله ~~وان الذى فعله هو الغاية في الكمال وأنه لا يفعله الا أكمل الرجال من سياسة ~~الناس على السيرة العادلة وعمارة العالم على الطريقة الفاضلة وهذا قد يظنه ~~طوائف حقا باطنا وظاهرا فيؤول أمرهم إلى أن يكون النفاق عندهم هو حقيقة ~~الايمان وقد علم بالاضطرار أن النفاق ضد الايمان # ولهذا كان أعظم الأبواب التى يدخلون منها باب التشيع والرفض لأن الرافضة ~~هم أجهل الطوائف وأكذبها وأبعدها عن معرفة المنقول والمعقول وهم يجعلون ~~التقية من أصول دينهم ويكذبون على أهل البيت كذبا لا يحصيه الا الله حتى ~~يرووا عن جعفر الصادق أنه قال التقية دينى ودين آبائى و ( التقية ( هي شعار ~~النفاق فان حقيقتها عندهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وهذا حقيقة ~~النفاق ثم اذا كان هذا من اصول دينهم صار كل ما ينقله الناقلون عن على أو ~~غيره من أهل البيت مما فيه موافقة أهل السنة والجماعة يقولون هذا قالوه على ~~سبيل التقية ثم فتحوا باب النفاق ms4226 للقرامطة الباطنية PageV13P263 الفلاسفة ~~من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم فجعلوا ما يقوله الرسول هو من هذا الباب ~~أظهر به خلاف ما أبطن وأسر به خلاف ما اعلن فكان حقيقة قولهم أن الرسول هو ~~امام المنافقين # وهو ( ( الصادق المصدوق المبين للناس ما نزل اليهم المبلغ لرسالة ربه ~~المخاطب لهم بلسان عربى مبين قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم @QE@ ( وقال تعالى ( @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا ~~بيانه @QE@ وقال تعالى @QB@ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ~~أولوا الألباب @QE@ وقال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها @QE@ وقال تعالى @QB@ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ # وقالت الرسل @QB@ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ ~~المبين @QE@ وقال @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما ~~حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ~~@QE@ PageV13P264 # وقال تعالى @QB@ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم ~~فإنما على رسولنا البلاغ المبين @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته @QE@ فهذا ونحوه مما يبين ~~أن الرسل عليهم أن يبلغوا البلاغ المبين يقال بان الشيء وأبان واستبان ~~وتبين وبين كلها أفعال لازمة وقد يقال أبان غيره وبينه وتبينه واستبانه # ومعلوم أن الرسل فعلوا ما عليهم بل قد أخذ الله على أهل العلم الميثاق ~~بأن يبينوا العلم ولا يكتموه وذم كاتميه فقال تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين يكتمون ~~ما أنزلنا من البينات والهدى من ms4227 بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون @QE@ فقد لعن كاتمه وأخبر أنه بينه للناس في الكتاب ~~فكيف يكون قد بينه للناس وهو قد كتم الحق وأخفاه وأظهر خلاف ما أبطن فلو ~~سكت عن بيان الحق كان كاتما ومن نسب الانبياء إلى الكذب والكتمان مع كونه ~~يقول انهم انبياء فهو من أشر المنافقين وأخبثهم وأبينهم تناقضا # وكثير من أهل النسك والعبادة والعلم والنظر ممن سلك طريق PageV13P265 بعض ~~الصوفية والفقراء وبعض أهل الكلام والفلسفة يسلك مسلك الباطنية في بعض ~~الأمور لا في جميعها حتى يرى بعضهم سقوط الصلاة عن بعض الخواص أو حل الخمر ~~وغيرها من المحرمات لهم أو ان لبعضهم طريقا إلى الله عز وجل غير متابعة ~~الرسول # وقد يحتج بعضهم بقصة موسى والخضر ويظنون أن الخضر خرج عن الشريعة فيجوز ~~لغيره من الأولياء ما يجوز له من الخروج عن الشريعة وهم في هذا ضالون من ~~وجهين # ( أحدهما ( ان الخضر لم يخرج عن الشريعة بل الذي فعله كان جائزا في شريعة ~~موسى ولهذا لما بين له الأسباب أقره على ذلك ولو لم يكن جائزا لما أقره ~~ولكن لم يكن موسى يعلم الأسباب التى بها أبيحت تلك ( فظن ان الخضر ( كالملك ~~الظالم فذكر ذلك له الخضر # و ( الثانى ( ان الخضر لم يكن من امة موسى ولا كان يجب عليه متابعته بل ~~قال له انى على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم ~~الله علمكه الله لا اعلمه وذلك ان دعوة موسى لم تكن عامة فان النبى كان ~~يبعث إلى قومه خاصة ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ( بعث إلى الناس كافة بل ~~بعث إلى الانس والجن باطنا وظاهرا فليس لأحد ان يخرج عن طاعته ومتابعته لا ~~في الباطن ولا PageV13P266 في الظاهر لا من الخواص ولا من العوام # ومن هؤلاء من يفضل بعض الاولياء على الانبياء وقد يجعلون الخضر من هؤلاء ~~وهذا خلاف ما أجمع عليه مشايخ الطريق المقتدى بهم دع عنك سائر أئمة ms4228 الدين ~~وعلماء المسلمين بل لما تكلم الحكيم الترمذي في كتاب ( ختم الأولياء ( ~~بكلام ذكر انه يكون في آخر الاولياء من هو أفضل من الصحابة وربما لوح بشيء ~~من ذكر الأنبياء قام عليه المسلمون وأنكروا ذلك عليه ونفوه من البلد بسبب ~~ذلك ولا ريب انه تكلم في ذلك بكلام فاسد باطل لا ريب فيه # ومن هناك ضل من اتبعه في ذلك حتى صار جماعات يدعي كل واحد انه خاتم ~~الأولياء كابن عربى صاحب ( الفصوص ( وسعد الدين بن حمويه وغيرهما وصار بعض ~~الناس يدعي ان في المتأخرين من يكون أفضل في العلم بالله من أبى بكر وعمر ~~والمهاجرين والأنصار إلى أمثال هذه المقالات التى يطول وصفها مما هو باطل ~~بالكتاب والسنة والاجماع بل طوائف كثيرون آل الأمر بهم إلى مشاهدة الحقيقة ~~الكونية القدرية وظنوا ان من شهدها سقط عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد ~~وهذا هو دين المشركين الذين قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من دونه من شيء PageV13P267 # وهؤلاء شر من القدرية المعتزلة الذين يقرون بالأمر والنهي والوعد والوعيد ~~ويكذبون بالقدر فان أولئك يشبهون المجوس وهؤلاء يشبهون المشركين المكذبين ~~بالأنبياء والشرائع فهم من شر الناس وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير ~~هذا الموضع # و ( المقصود هنا ( ان الظاهر لابد له من باطن يحققه ويصدقه ويوافقه فمن ~~قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو منافق ومن ادعى باطنا يخالف ~~ظاهرا فهو كافر منافق بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه وظاهره ~~يوافق باطنه ويصدقه ويحققه فكما ان الانسان لابد له من روح وبدن وهما ~~متفقان فلابد لدين الانسان من ظاهر وباطن يتفقان فالباطن للباطن من الانسان ~~والظاهر للظاهر منه # والقرآن مملوء من ذكر أحكام الباطن والظاهر والباطن أصل الظاهر كما قال ~~أبو هريرة القلب ملك والأعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث ~~الملك خبثت جنوده وقد قال النبى ( ألا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها ~~سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ms4229 الجسد ألا وهي القلب ( وفى المسند عن ~~النبى انه قال ? < الاسلام علانية والايمان في القلب > ? وقد قال تعالى ~~@QB@ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ PageV13P268 # وقال ~~تعالى @QB@ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم @QE@ وقال تعالى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب @QE@ وأمثال هذا كثير في القرآن # وقال في حق الكفار @QB@ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم @QE@ ~~وقال @QB@ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة @QE@ وأمثال ~~ذلك # فنسأل الله العظيم أن يصلح بواطننا وظواهرنا ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من ~~جميع أمورنا بمنه وكرمه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV13P269 ### || 1 ( الاكليل في المتشابه والتأويل ) 1 # وقال شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني الدمشقى الحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ( فصل ( # قوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته @QE@ إلى قوله @QB@ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا ~~العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين ~~آمنوا إلى صراط مستقيم @QE@ # جعل الله القلوب ثلاثة أقسام قاسية وذات مرض ومؤمنة مخبتة وذلك لأنها إما ~~أن تكون يابسة PageV13P270 جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا أو لا تكون ~~يابسة جامدة ف ( الأول ( هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ~~ينطبع ولا يكتب فيه الايمان ms4230 ولا يرتسم فيه العلم لأن ذلك يستدعى محلالينا ~~قابلا # و ( الثاني ( لا يخلو إما أن يكون الحق ثابتا فيه لا يزول عنه لقوته مع ~~لينه أو يكون لينه مع ضعف وانحلال فالثانى هو الذي فيه مرض والأول هو القوى ~~اللين # وذلك أن القلب بمنزلة أعضاء الجسد كاليد مثلا فاما أن تكون جامدة يابسة ~~لا تلتوى ولا تبطش أو تبطش بعنف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون ضعيفة مريضة ~~عاجزة لضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة بقوة ولين فهو ~~مثل القلب العليم الرحيم فبالرحمة خرج عن القسوة وبالعلم خرج عن المرض فان ~~المرض من الشكوك والشبهات # ولهذا وصف من عدا هؤلاء بالعلم والايمان والاخبات وفى قوله @QB@ وليعلم ~~الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم @QE@ دليل ~~على أن العلم يدل على الايمان ليس أن أهل العلم PageV13P271 ارتفعوا عن ~~درجة الايمان كما يتوهمه طائفة من المتكلمة بل معهم العلم والايمان كما قال ~~تعالى @QB@ لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد ~~لبثتم في كتاب الله @QE@ الآية # وعلى هذا فقوله @QB@ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ~~@QE@ نظير هذه الآية فانه أخبر هنا أن الذين أوتوا العلم يعلمون أنه الحق ~~من ربهم وأخبر هناك أنهم يقولون في المتشابه @QB@ آمنا به كل من عند ربنا ~~@QE@ وكلا الموضعين موضع ريب وشبهة لغيرهم فان الكلام هناك في المتشابه ~~وهنا فيما يلقى الشيطان مما ينسخه الله ثم يحكم الله آياته وجعل المحكم هنا ~~ضد الذي نسخه الله مما ألقاه الشيطان ولهذا قال طائفة من المفسرين ~~المتقدمين ان ( المحكم ( هو الناسخ و ( المتشابه ( المنسوخ أرادوا والله ~~أعلم قوله ( فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته ( والنسخ هنا ~~رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الله # وقد أشرت إلى وجه ذلك فيما بعد وهو أن الله جعل المحكم مقابل المتشابه ~~تارة ms4231 ومقابل المنسوخ أخرى والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف العام كل ظاهر ~~ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق فان هذا متشابه لأنه ~~يحتمل معنيين PageV13P272 ويدخل فيه المجمل فانه متشابه وإحكامه رفع ما ~~يتوهم فيه من المعنى الذي ليس بمراد وكذلك ما رفع حكمه فإن في ذلك جميعه ~~نسخا لما يلقيه الشيطان في معانى القرآن ولهذا كانوا يقولون هل عرفت الناسخ ~~من المنسوخ فاذا عرف الناسخ عرف المحكم وعلى هذا فيصح أن يقال المحكم ~~والمنسوخ كما يقال المحكم والمتشابه # وقوله بعد ذلك @QB@ ثم يحكم الله آياته @QE@ جعل جميع الآيات محكمة ~~محكمها ومتشابهها كما قال @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ وقال ~~@QB@ تلك آيات الكتاب الحكيم @QE@ على أحد القولين وهنالك جعل الآيات قسمين ~~محكما ومتشابها كما قال @QB@ منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~@QE@ وهذه المتشابهات مما أنزله الرحمن لا مما ألقاه الشيطان ونسخه الله ~~فصار المحكم في القرآن تارة يقابل بالمتشابه والجميع من آيات الله وتارة ~~يقابل بما نسخه الله مما ألقاه الشيطان # ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه الله مطلقا حتى يقول هذه الآية محكمة ~~ليست منسوخة ويجعل المنسوخ ليس محكما وإن كان الله أنزله أولا اتباعا لظاهر ~~قوله ( فينسخ الله ( ويحكم الله آياته PageV13P273 # فهذه ثلاث معان تقابل المحكم ينبغى التفطن لها وجماع ذلك أن ( الأحكام ( ~~تارة يكون في التنزيل فيكون في مقابلته ما يلقيه الشيطان فالمحكم المنزل من ~~عند الله أحكمه الله أى فصله من الاشتباه بغيره وفصل منه ما ليس منه فان ~~الأحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذى به يتحقق الشيء ويحصل ~~اتقانه ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد فالمنع جزء معناه لا جميع ~~معناه # وتارة يكون ( الأحكام ( في ابقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذى هو ~~رفع ما شرع وهو اصطلاحى أو يقال وهو أشبه بقول السلف كانوا يسمون كل رفع ~~نسخا سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة وإلقاء الشيطان في أمنيته قد ~~يكون في نفس لفظ ms4232 المبلغ وقد يكون في سمع المبلغ وقد يكون في فهمه كما قال ( ~~انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ( الآية ومعلوم أن من سمع النص الذى ~~قد رفع حكمه أو دلالة له فانه يلقى الشيطان في تلك التلاوة اتباع ذلك ~~المنسوخ فيحكم الله آياته بالناسخ الذى به يحصل رفع الحكم وبيان المراد ~~وعلى هذا التقدير فيصح أن يقال المتشابه المنسوخ بهذا الاعتبار والله أعلم # وتارة يكون ( الأحكام ( في التأويل والمعنى وهو تمييز الحقيقة ~~PageV13P274 المقصودة من غيرها حتى لا تشتبه بغيرها وفى مقابلة المحكمات ~~الآيات المتشابهات التى تشبه هذا وتشبه هذا فتكون محتملة للمعنيين قال أحمد ~~بن حنبل ( المحكم ( الذى ليس فيه اختلاف والمتشابه الذى يكون في موضع كذا ~~وفى موضع كذا # ولم يقل في المتشابه لا يعلم تفسيره ومعناه الا الله وانما قال ( وما ~~يعلم تأويله الا الله ( وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع ~~فان الله اخبر أنه لا يعلم تأويله الا هو والوقف هنا على ما دل عليه أدلة ~~كثيرة وعليه اصحاب رسول الله ( ( وجمهور التابعين وجماهير الأمة # ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره بل قال ( كتاب أنزلناه اليك مبارك ~~ليدبروا آياته ( وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات وما لا يعقل ~~له معنى لا يتدبر وقال ( افلا يتدبرون القرآن ( ولم يستثن شيئا منه نهى عن ~~تدبره والله ورسوله انما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ~~فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم ~~يذمه الله بل أمر بذلك ومدح عليه # يبين ذلك أن التأويل قد روى أن من اليهود الذين كانوا بالمدينة على عهد ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ( كحيى بن أخطب وغيره من PageV13P275 طلب من ~~حروف الهجاء التى في أوائل السور تأويل بقاء هذه الأمة كما سلك ذلك طائفة ~~من المتأخرين موافقة للصابئة المنجمين وزعموا أنه ستمائة وثلاثة وتسعون ~~عاما لأن ذلك هو عدد ما للحروف في حساب الجمل بعد اسقاط المكرر وهذا من نوع ~~تأويل الحوادث التى ms4233 أخبر بها القرآن في اليوم الآخر # وروى أن من النصارى الذين وفدوا على النبى ( ( في وفد نجران من تأول ( ~~إنا ( و ( نحن ( على أن الآلهة ثلاثة لأن هذا ضمير جمع وهذا تأويل في ~~الايمان بالله فأولئك تأولوا في اليوم الآخر وهؤلاء تأولوا في الله ومعلوم ~~أن ( إنا ( و ( نحن ( من المتشابه فانه يراد بها الواحد الذى معه غيره من ~~جنسه ويراد بها الواحد الذى معه أعوانه وان لم يكونوا من جنسه ويراد بها ~~الواحد المعظم نفسه الذى يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التى كل اسم ~~منها يقوم مقام مسمى فصار هذا متشابها لأن اللفظ واحد والمعنى متنوع # و ( الأسماء المشتركة في اللفظ ( هي من المتشابه وبعض ( المتواطئة ( أيضا ~~من المتشابه ويسميها أهل التفسير ( الوجوه والنظائر ( وصنفوا ( كتب الوجوه ~~والنظائر ( فالوجوه في الأسماء المشتركة والنظائر في الأسماء المتواطئة وقد ~~ظن بعض اصحابنا المصنفين في ذلك أن الوجوه PageV13P276 والنظائر جميعا في ~~الأسماء المشتركة فهي نظائر باعتبار اللفظ ووجوه باعتبار المعنى وليس الأمر ~~على ما قاله بل كلامهم صريح فيما قلناه لمن تأمله # والذين في قلوبهم زيغ يدعون المحكم الذى لا اشتباه فيه مثل @QB@ وإلهكم ~~إله واحد @QE@ @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ @QB@ ما ~~اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله @QE@ @QB@ ولم يتخذ ولدا ولم يكن له ~~شريك في الملك @QE@ @QB@ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ويتبعون ~~المتشابه ابتغاء الفتنة ليفتنوا به الناس اذا وضعوه على غير مواضعه وابتغاء ~~تأويله وهو الحقيقة التى أخبر عنها # وذلك أن ( الكلام نوعان ( إنشاء فيه الأمر واخبار فتأويل الأمر هو نفس ~~الفعل المأمور به كما قال من قال من السلف ان السنة هي تأويل الأمر قالت ~~عائشة رضى الله عنها كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( يقول في ركوعه ~~وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لى يتأول القرآن تعنى قوله @QB@ ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا @QE@ # وأما الاخبار فتأويله عين الأمر المخبر به اذا وقع ليس ms4234 تأويله فهم معناه ~~PageV13P277 # وقد جاء اسم ( التأويل ( في القرآن في غير موضع هذا معناه قال الله تعالى ~~@QB@ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون ~~إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ~~@QE@ فقد أخبر أنه فصل الكتاب وتفصيله بيانه وتمييزه بحيث لا يشتبه ثم قال ~~@QB@ هل ينظرون @QE@ أى ينتظرون @QB@ إلا تأويله يوم يأتي تأويله @QE@ إلى ~~آخر الآية وانما ذلك مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها ~~كالدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ومجيء ربك والملك صفا صفا وما ~~في الآخرة من الصحف والموازين والجنة والنار وأنواع النعيم والعذاب وغير ~~ذلك فحينئذ يقولون ( قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ~~أو نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل ( # وهذا القدر الذى أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته وقدره وصفته ~~الا الله فان الله يقول ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ( ويقول ( ~~أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( ~~وقال بن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة الا الأسماء فان الله قد أخبر أن ~~في الجنة خمرا ولبنا وماء وحريرا وذهبا وفضة وغير ذلك ونحن نعلم قطعا أن ~~PageV13P278 تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه بل بينهما تباين عظيم مع التشابه ~~كما في قوله @QB@ وأتوا به متشابها @QE@ على أحد القولين أنه يشبه ما في ~~الدنيا وليس مثله فأشبه اسم تلك الحقائق اسماء هذه الحقائق كما أشبهت ~~الحقائق الحقائق من بعض الوجوه فنحن نعلمها اذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة ~~القدر المشترك بينهما ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا ولا ~~سبيل إلى ادراكنا لها لعدم ادراك عينها أو نظيرها من كل وجه وتلك الحقائق ~~على ما هي عليه هي تأويل ما أخبر الله به # وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم فانهم ~~ينكرون أن يكون في الجنة أكل ms4235 وشرب ولباس ونكاح ويمنعون وجود ما اخبر به ~~القرآن ومن دخل في الإسلام ونافق المؤمنين تأول ذلك على أن هذه أمثال ~~مضروبة لتفهيم النعيم الروحانى ان كان من المتفلسفة الصابئة المنكرة لحشر ~~الأجساد وان كان من منافقة الملتين المقرين بحشر الأجساد تأول ذلك على ~~تفهيم النعيم الذى في الجنة من الروحانى والسماع الطيب والروائح العطرة فكل ~~ضال يحرف الكلم عن مواضعه إلى ما اعتقد ثبوته # وكان في هذا أيضا متبعا للمتشابه اذ الأسماء تشبه الأسماء والمسميات تشبه ~~المسميات ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها فهؤلاء يتبعون هذا PageV13P279 ~~المتشابه ( ابتغاء الفتنة ( بما يوردونه من الشبهات على امتناع أن تكون في ~~الجنة هذه الحقائق ( وابتغاء تأويله ( ليردوه إلى المعهود الذى يعلمونه في ~~الدنيا قال الله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ فان تلك الحقائق ~~قال الله فيها @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ لا ملك مقرب ~~ولا نبى مرسل # وقوله @QB@ وما يعلم تأويله @QE@ اما أن يكون الضمير عائدا على الكتاب أو ~~على المتشابه فان كان عائدا على الكتاب كقوله ( منه ( و ( منه ( فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهذا يصح فان جميع آيات الكتاب ~~المحكمة والمتشابهة التى فيها اخبار عن الغيب الذى أمرنا أن نؤمن به لا ~~يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع الا الله وقد يستدل لهذا أن الله جعل ~~التأويل للكتاب كله مع اخباره أنه مفصل بقوله @QB@ ولقد جئناهم بكتاب ~~فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي ~~تأويله @QE@ فجعل التأويل الجائى للكتاب المفصل # وقد بينا أن ذلك التأويل لا يعلمه وقتا وقدرا ونوعا وحقيقة إلا الله ~~وانما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا وكذلك قوله @QB@ بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله @QE@ PageV13P280 # وإذا كان التأويل للكتاب كله والمراد به ذلك ارتفعت الشبهة وصار هذا ~~بمنزلة قوله @QB@ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض ms4236 @QE@ إلى قوله @QB@ إنما ~~علمها عند الله @QE@ وكذلك قوله @QB@ يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها ~~عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا @QE@ فأخبر أنه ليس علمها الا ~~عند الله وانما هو علم وقتها المعين وحقيقتها والا فنحن قد علمنا من صفاتها ~~ما اخبرنا به فعلم تأويله كعلم الساعة والساعة من تأويله وهذا واضح بين ولا ~~ينافى كون علم الساعة عند الله أن نعلم من صفاتها وأحوالها ما علمناه وأن ~~نفسر النصوص المبينة لأحوالها فهذا هذا # وإن كان الضمير عائدا إلى ما تشابه كما يقوله كثير من الناس فلأن المخبر ~~به من الوعد والوعيد متشابه بخلاف الأمر والنهى ولهذا في الآثار ( العمل ~~بمحكمه والايمان بمتشابهه ( لأن المقصود في الخبر الايمان وذلك لأن المخبر ~~به من الوعد والوعيد فيه من التشابه ما ذكرناه بخلاف الأمر والنهى ولهذا ~~قال بعض ( العلماء ( المتشابه ( الأمثال والوعد ( والوعيد ( و ( المحكم ( ~~الأمر والنهى فانه متميز غير مشتبه بغيره فانه أمور نفعلها قد علمناها ~~بالوقوع وأمور نتركها لابد أن نتصورها PageV13P281 # ومما جاء من لفظ التأويل في القرآن قوله تعالى @QB@ بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله @QE@ والكناية عائدة على القرآن أو على ما ~~لم يحيطوا بعلمه وهو يعود إلى القرآن قال تعالى @QB@ وما كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من ~~رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ~~كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ومنهم من يؤمن به ~~ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين @QE@ # فأخبر سبحانه أن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله وهذه الصيغة تدل ~~على امتناع المنفى كقوله @QB@ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم @QE@ وقوله ~~@QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم @QE@ لأن الخلق عاجزون عن الاتيان ~~بمثله كما تحداهم وطالبهم لما قال @QB@ أم يقولون ms4237 افتراه قل فأتوا بسورة ~~مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ فهذا تعجيز لجميع ~~المخلوقين قال تعالى @QB@ ولكن تصديق الذي بين يديه @QE@ أى مصدق الذى بين ~~يديه @QB@ وتفصيل الكتاب @QE@ أى مفصل الكتاب فأخبر أنه مصدق الذى بين يديه ~~ومفصل الكتاب والكتاب اسم جنس وتحدى القائلين ( افتراه ( ودل على أنهم هم ~~PageV13P282 المفترون قال ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله ( أى كذبوا بالقرآن الذى لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ففرق ~~بين الاحاطة بعلمه وبين اتيان تأويله فتبين أنه يمكن أن يحيط أهل العلم ~~والايمان بعلمه ولما يأتهم تأويله وأن الاحاطة بعلم القرآن ليست اتيان ~~تأويله فإن الاحاطة بعلمه معرفة معانى الكلام على التمام واتيان التأويل ~~نفس وقوع المخبر به وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به فمعرفة الخبر هي ~~معرفة تفسير القرآن ومعرفة المخبر به هي معرفة تأويله # و ( نكتة ذلك ( أن الخبر لمعناه صورة علمية وجودها في نفس العالم كذهن ~~الانسان مثلا ولذلك المعنى حقيقة ثابتة في الخارج عن العلم واللفظ انما يدل ~~ابتداء على المعنى الذهنى ثم تتوسط ذلك أو تدل على الحقيقة الخارجة ~~فالتأويل هو الحقيقة الخارجة وأما معرفة تفسيره ومعناه فهو معرفة الصورة ~~العلمية وهذا هو الذى بيناه فيما تقدم أن الله انما أنزل القرآن ليعلم ~~ويفهم ويفقه ويتدبر ويتفكر فيه محكمه ومتشابهه وان لم يعلم تأويله # ويبين ذلك أن الله يقول عن الكفار ( واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة ان يفقهوه ~~وفى آذانهم وقرا واذا ذكرت ربك في PageV13P283 القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا ( فقد أخبر ذما للمشركين أنه اذا قرئ عليهم القرآن حجب بين ~~أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ~~آذانهم وقرا فلو كان أهل العلم والايمان على قلوبهم أكنة أن يفقهوا بعضه ~~لشاركوهم في ذلك وقوله @QB@ أن يفقهوه @QE@ يعود إلى القرآن كله فعلم أن ~~الله يحب أن يفقه ولهذا قال الحسن البصرى ms4238 ما أنزل الله آية الا وهو يحب أن ~~يعلم في ماذا أنزلت وماذا عنى بها وما استثنى من ذلك لا متشابها ولا غيره # وقال مجاهد عرضت المصحف على بن عباس من أوله إلى آخره مرات أقف عند كل ~~آية وأسأله عنها فهذا بن عباس حبر الأمة وهو أحد من كان يقول لا يعلم ~~تأويله الا الله يجيب مجاهدا عن كل آية في القرآن # وهذا هو الذى حمل مجاهدا ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عند ~~قوله @QB@ والراسخون في العلم @QE@ فجعلوا الراسخين يعلمون التأويل لأن ~~مجاهدا تعلم من بن عباس تفسير القرآن كله وبيان معانيه فظن أن هذا هو ~~التأويل المنفى عن غير الله وأصل ذلك أن لفظ ( التأويل ( فيه اشتراك بين ما ~~عناه الله في PageV13P284 القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف وبين ~~اصطلاح طوائف من المتأخرين فبسبب الاشتراك في لفظ التأويل اعتقد كل من فهم ~~منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور في القرآن ومجاهد امام التفسير قال ~~الثورى اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به وأما التأويل فشأن آخر ( # ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب ~~الله ولا قال هذه من المتشابه الذى لا يعلم معناه ولا قال قط أحد من سلف ~~الأمة ولا من الأئمة المتبوعين ان في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا ~~يفهمها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( ولا أهل العلم والايمان جميعهم ~~وانما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس وهذا لا ريب فيه # وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في آيات الصفات ~~وآيات القدر وغير ذلك فلقبوها ( هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم ~~معناه ( # وأما ( تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم ( فجوز ذلك طوائف متمسكين بظاهر من ~~هذه الآية وبأن الله يمتحن عباده بما شاء ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى ~~تاويلاتهم الفاسدة التى هي تحريف الكلم عن PageV13P285 مواضعه والغالب على ~~كلا الطائفتين الخطأ أولئك يقصرون في ms4239 فهم القرآن بمنزلة من قيل فيه ( ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى ( وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون ~~الكلم عن مواضعه # ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال ( لا يجوز أن يتكلم الله ~~بكلام ولا يعنى به شيئا خلافا للحشوية ( وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم ~~بما لا معنى له وانما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه وبين نفى المعنى ~~عند المتكلم ونفى الفهم عند المخاطب بون عظيم ثم احتج بما لا يجرى على أصله ~~فقال هذا عبث والعبث على الله محال وعنده أن الله لا يقبح منه شيء أصلا بل ~~يجوز أن يفعل كل شيء وليس له أن يقول العبث صفة نقص فهو منتف عنه لأن ~~النزاع في الحروف وهى عنده مخلوقة من جملة الأفعال ويجوز أن يشتمل الفعل ~~عنده على كل صفة فلا نقل صحيح ولا عقل صريح # ومثار الفتنة بين الطائفتين ومحار عقولهم أن مدعى التأويل أخطأوا في ~~زعمهم أن العلماء يعلمون التأويل وفى دعواهم أن التأويل هو تأويلهم الذى هو ~~تحريف الكلم عن مواضعه فان الأولين لعلمهم PageV13P286 بالقرآن والسنن وصحة ~~عقولهم وعلمهم بكلام السلف وكلام العرب علموا يقينا أن التأويل الذى يدعيه ~~هؤلاء ليس هو معنى القرآن فانهم حرفوا الكلم عن مواضعه وصاروا مراتب ما بين ~~قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر وما بين صابئة فلاسفة يتأولون ~~عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر حتى عن أكثر احوال الانبياء وما بين ~~جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر وفى آيات القدر ويتأولون ~~آيات الصفات وقد وافقهم بعض متأخرى الأشعرية على ما جاء به في بعض الصفات ~~وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر وآخرون من اصناف الأمة وان كان تغلب ~~عليهم السنة فقد يتأولون أيضا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه # والذين ادعوا العلم بالتأويل مثل طائفة من السلف وأهل السنة وأكثر أهل ~~الكلام والبدع رأوا ايضا أن النصوص دلت على معرفة معانى القرآن ورأوا عجزا ~~وعيبا وقبيحا أن ms4240 يخاطب الله عباده بكلام يقرأونه ويتلونه وهم لا يفهمونه ~~وهم مصيبون فيما استدلوا به من سمع وعقل لكن أخطأوا في معنى التأويل الذى ~~نفاه الله وفى التاويل الذى أثبتوه وتسلق بذلك مبتدعتهم إلى تحريف الكلم عن ~~مواضعه وصار الأولون أقرب إلى السكوت والسلامة بنوع من الجهل وصار الآخرون ~~أكثر كلاما وجدالا ولكن بفرية على الله وقول عليه ما لا PageV13P287 ~~يعلمونه والحاد في اسمائه وآياته فهذا هذا # ومنشأ الشبهة الاشتراك في لفظ التأويل # فإن ( التأويل ( في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة ~~والمتصوفة ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل ~~يقترن به وهذا هو التأويل الذى يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف ~~فاذا قال أحدهم هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو محمول على كذا قال الآخر ~~هذا نوع تأويل والتأويل يحتاج إلى دليل والمتأول عليه وظيفتان بيان احتمال ~~اللفظ للمعنى الذى ادعاه وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر ~~وهذا هو التأويل الذى يتنازعون فيه في مسائل الصفات اذا صنف بعضهم في ابطال ~~التأويل أو ذم التأويل أو قال بعضهم آيات الصفات لا تؤول وقال الآخر بل يجب ~~تأويلها وقال الثالث بل التأويل جائز يفعل عند المصلحة ويترك عند المصلحة ~~أو يصلح للعلماء دون غيرهم إلى غير ذلك من المقالات والتنازع # وأما ( التأويل ( في لفظ السلف فله معنيان # ( أحدهما ( تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون ~~التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا PageV13P288 وهذا والله ~~اعلم هو الذى عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله ومحمد بن جرير الطبرى ~~يقول في تفسيره القول في تأويل قوله كذا وكذا واختلف أهل التأويل في هذه ~~الآية ونحو ذلك ومراده التفسير # و ( المعنى الثانى ( في لفظ السلف وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقا هو ~~نفس المراد بالكلام فان الكلام ان كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب ~~وان كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به # وبين هذا المعنى والذى قبله بون فان الذى ms4241 قبله يكون التأويل فيه من باب ~~العلم والكلام كالتفسير والشرح والايضاح ويكون وجود التأويل في القلب ~~واللسان له الوجود الذهنى واللفظى والرسمى وأما هذا فالتأويل فيه نفس ~~الأمور الموجودة في الخارج سواء كانت ماضية أو مستقبلة فاذا قيل طلعت الشمس ~~فتأويل هذا نفس طلوعها ويكون ( التأويل ( من باب الوجود العينى الخارجى ~~فتأويل الكلام هو الحقائق الثابتة في الخارج بما هي عليه من صفاتها وشؤونها ~~وأحوالها وتلك الحقائق لا تعرف على ما هي عليه بمجرد الكلام والاخبار الا ~~أن يكون المستمع قد تصورها أو تصور نظيرها بغير كلام واخبار لكن يعرف من ~~صفاتها وأحوالها قدر ما أفهمه المخاطب اما بضرب PageV13P289 المثل واما ~~بالتقريب وأما بالقدر المشترك بينها وبين غيرها واما بغير ذلك وهذا الوضع ~~والعرف الثالث هو لغة القرآن التى نزل بها وقد قدمنا التبيين في ذلك ومن ~~ذلك قول يعقوب عليه السلام ليوسف @QB@ وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ويتم نعمته عليك @QE@ وقوله @QB@ ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما ~~إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير ~~منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا ~~نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما @QE@ وقول الملأ ( أضغاث أحلام وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلون ( وقول يوسف لما دخل عليه أهله مصر @QB@ آوى إليه أبويه ~~وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ~~وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا @QE@ # فتأويل الأحاديث التى هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التى تؤول إليه كما ~~قال يوسف @QB@ هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ والعالم بتأويلها الذى يخبر به ~~كما قال يوسف @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه @QE@ أى في المنام @QB@ إلا ~~نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما @QE@ أى قبل أن يأتيكما التأويل ~~PageV13P290 # وقال الله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم ms4242 الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ قالوا أحسن عاقبة ~~ومصيرا فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذى هو الرد إلى الكتاب والسنة والتأويل ~~في سورة يوسف تأويل أحاديث الرؤيا والتأويل في الأعراف ويونس تأويل القرآن ~~وكذلك في سورة آل عمران # وقال تعالى في قصة موسى والعالم @QB@ قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا @QE@ إلى قوله @QB@ وما فعلته عن أمري ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا @QE@ فالتأويل هنا تأويل الأفعال التى فعلها ~~العالم من خرق السفينة بغير اذن صاحبها ومن قتل الغلام ومن اقامة الجدار ~~فهو تأويل عمل لا تأويل قول وانما كان كذلك لأن التأويل مصدر أوله يؤوله ~~تأويلا مثل حول تحويلا وعول تعويلا واول يؤول تعديه آل يؤول أولا مثل حال ~~يحول حولا وقولهم آل يؤول أى عاد إلى كذا ورجع إليه ومنه ( المآل ( وهو ما ~~يؤول إليه الشيء ويشاركه في الاشتقاق الأكبر ( الموئل ( فانه من وأل وهذا ~~من أول والموئل المرجع قال تعالى @QB@ لن يجدوا من دونه موئلا @QE@ # ومما يوافقه في اشتقاقه الأصغر ( الآل ( فإن آل الشخص من PageV13P291 ~~يؤول إليه ولهذا لا يستعمل الا في عظيم بحيث يكون المضاف إليه أعظم من ~~المضاف يصلح أن يؤول إليه الآل كآل إبراهيم وآل لوط وآل فرعون بخلاف الأهل ~~والأول أفعل لأنهم قالوا في تأنيثه أولى كما قالوا جمادى الأولى وفى القصص ~~( وله الحمد في الأولى والآخرة ( # ومن الناس من يقول فوعل ويقول أولة الا أن هذا يحتاج إلى شاهد من كلام ~~العرب بل عدم صرفه يدل على أنه أفعل لا فوعل فان فوعل مثل كوثر وجوهر مصروف ~~سمى المتقدم أول والله اعلم لأن ما بعده يؤول إليه ويبنى عليه فهو أس لما ~~بعده وقاعدة له والصيغة صيغة تفضيل لا صيغة مثل أكبر وكبرى وأصغر وصغرى لا ~~من باب أحمر وحمراء ولهذا يقولون جئته من أول أمس وقال ( لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم ( وأنا أول المسلمين ( ولا تكونوا أول كافر به ( فاذا ~~قيل هذا أول هؤلاء ms4243 فهو الذى فضل عليهم في الأول لأن كل واحد يرجع إلى ما ~~قبله فيعتمد عليه وهذا السابق كلهم يؤول إليه فان من تقدم في فعل فاستن به ~~من بعده كان السابق الذى يؤول الكل إليه فالأول له وصف السؤدد والاتباع # ولفظ ( الأول ( مشعر بالرجوع والعود و ( الأول ( مشعر بالابتداء والمبتدأ ~~خلاف العائد لأنه انما كان أولا لما بعده فإنه يقال PageV13P292 ( أول ~~المسلمين ( و ( أول يوم ( فما فيه من معنى الرجوع والعود هو للمضاف إليه لا ~~للمضاف # وإذا قلنا آل فلان فالعود إلى المضاف لأن ذلك صيغة تفضيل في كونه مآلا ~~ومرجعا لغيره لأن كونه مفضلا دل على أنه مآل ومرجع لا آيل راجع اذ لا فضل ~~في كون الشيء راجعا إلى غيره آيلا إليه وانما الفضل في كونه هو الذى يرجع ~~إليه ويؤول إليه فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل في كونه مآلا ~~ومرجعا والتفضيل المطلق في ذلك يقتضى أن يكون هو السابق المبتدئ والله أعلم # فتأويل الكلام ما أوله إليه المتكلم أو ما يؤول إليه الكلام أو ما تأوله ~~المتكلم فان التفعيل يجرى على غير فعل كقوله @QB@ وتبتل إليه تبتيلا @QE@ ~~فيجوز أن يقال تأول الكلام إلى هذا المعنى تأويلا وتأولت الكلام تأويلا ~~وأولت الكلام تأويلا والمصدر واقع موقع الصفة اذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى ~~الفاعل كعدل وصوم وفطر وبمعنى المفعول كدرهم ضرب الأمير وهذا خلق الله # فالتأويل هو ما أول إليه الكلام أو يؤول إليه أو تأول هو إليه والكلام ~~انما يرجع ويعود ويستقر ويؤول ويؤول إلى حقيقته PageV13P293 التى هي عين ~~المقصود به كما قال بعض السلف في قوله @QB@ لكل نبإ مستقر @QE@ قال حقيقة ~~فانه ان كان خبرا فالى الحقيقة المخبر بها يؤول ويرجع والا لم تكن له حقيقة ~~ولا مآل ولا مرجع بل كان كذبا وان كان طلبا فالى الحقيقة المطلوبة يؤول ~~ويرجع وان لم يكن مقصوده موجودا ولا حاصلا ومتى كان الخبر وعدا أو وعيدا ~~فالى الحقيقة المطلوبة المنتظرة يؤول كما روى عن النبى ms4244 ( ( أنه تلا هذه ~~الآية ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ~~أو يلبسكم شيعا ( قال انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد وعن عبد الله قال خمس ~~قد مضين البطشة واللزام والدخان والقمر والروم # ( ### ||| فصل # ( # وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذى لا يعلم ~~تأويله الا الله أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذى استأثر الله بعلم ~~تأويله كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم فانهم وان ~~أصابوا في كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم فالكلام على هذا ~~من وجهين # ( الأول ( من قال ان هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه فنقول أما ~~الدليل على ( بطلان ( ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة ~~لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه PageV13P294 الداخل في ~~هذه الآية ونفى أن يعلم أحد معناه وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام ~~الأعجمى الذى لا يفهم ولا قالوا ان الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه ~~وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة قالوا في أحاديث الصفات تمر كما جاءت ~~ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها التى مضمونها تعطيل النصوص عما ~~دلت عليه # ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ~~ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها ويفهمون منها بعض ما دلت عليه كما ~~يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك وأحمد قد قال في ~~غير أحاديث الصفات تمر كما جاءت وفى أحاديث الوعيد مثل قوله ( من غشنا فليس ~~منا ( وأحاديث الفضائل ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه كما ~~يفعله من يحرفه ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر # فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل وكذلك نص أحمد في كتاب ( ~~الرد على الزنادقة والجهمية ( أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن وتكلم أحمد على ~~ذلك المتشابه وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية وجرى في ذلك ms4245 على ~~سنن الأئمة قبله فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه ~~وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف ~~له عن مواضعه أو الحاد في أسماء الله وآياته PageV13P295 # ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب أن أهل السنة متفقون على ابطال ~~تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين و ( التأويل المردود ( هو ~~صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره فلو قيل ان هذا هو التأويل المذكور ~~في الاية وأنه لا يعلمه الا الله لكان في هذا تسليم للجهمية أن للآية ~~تأويلا يخالف دلالتها لكن ذلك لا يعلمه الا الله وليس هذا مذهب السلف ~~والأئمة وانما مذهبهم نفى هذه التأويلات وردها لا التوقف فيها وعندهم قراءة ~~الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعانى لا تحرف ولا يلحد ~~فيها # والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه أن نقول لا ريب أن الله ~~سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل الرحمن والودود والعزيز والجبار والعليم ~~والقدير والرءوف ونحو ذلك ووصف نفسه بصفات مثل ( سورة الاخلاص ( و ( آية ~~الكرسى ( وأول ( الحديد ( وآخر ( الحشر ( وقوله @QB@ أن الله بكل شيء عليم ~~@QE@ و @QB@ على كل شيء قدير @QE@ وأنه ( يحب المتقين ( و ( المقسطين ( و ( ~~المحسنين ( وأنه يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QB@ فلما آسفونا ~~انتقمنا منهم @QE@ @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله @QE@ @QB@ ولكن كره ~~الله انبعاثهم @QE@ @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ @QB@ ثم استوى على ~~العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها وهو معكم أين ما كنتم @QE@ @QB@ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ~~وهو الحكيم العليم @QE@ PageV13P296 @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه @QE@ @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ @QB@ وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض @QE@ @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ @QB@ بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء @QE@ @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ~~@QE@ @QB@ يريدون وجهه @QE@ @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ إلى امثال ذلك # فيقال لمن ادعى في هذا أنه ms4246 متشابه لا يعلم معناه أتقول هذا في جميع ما ~~سمى الله ووصف به نفسه أم في البعض فان قلت هذا في الجميع كان هذا عنادا ~~ظاهرا وجحدا لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام بل كفر صريح فانا نفهم من ~~قوله @QB@ أن الله بكل شيء عليم @QE@ معنى ونفهم من قوله @QB@ إن الله على ~~كل شيء قدير @QE@ معنى ليس هو الأول ونفهم من قوله @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء ~~@QE@ معنى ونفهم من قوله @QB@ إن الله عزيز ذو انتقام @QE@ معنى وصبيان ~~المسلمين بل وكل عاقل يفهم هذا وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب ~~مع انتسابه إلى الحديث لكن أثرت فيه الفلسفة الفاسدة من يقول إنا نسمى الله ~~الرحمن العليم القدير علما محضا من غير أن نفهم منه معنى يدل على شيء قط ~~وكذلك في قوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه @QE@ يطلق هذا اللفظ من غير أن ~~نقول له علم وهذا PageV13P297 # الغلو في الظاهر من جنس غلو القرامطة في الباطن لكن هذا أيبس وذاك أكفر # ثم يقال لهذا المعاند فهل هذه الأسماء دالة على الاله المعبود وعلى حق ~~موجود أم لا فان قال لا كان معطلا محضا وما اعلم مسلما يقول هذا وان قال ~~نعم قيل له فلم فهمت منها دلالتها على نفس الرب ولم تفهم دلالتها على ما ~~فيها من المعانى من الرحمة والعلم وكلاهما في الدلالة سواء فلابد أن يقول ~~نعم لأن ثبوت الصفات محال في العقل لأنه يلزم منه التركيب أو الحدوث بخلاف ~~الذات فيخاطب حينئذ بما يخاطب به الفريق الثانى كما سنذكره وهو من أقر بفهم ~~بعض معنى هذه الأسماء والصفات دون بعض فيقال له ما الفرق بين ما أثبته وبين ~~ما نفيته أو سكت عن اثباته ونفيه فان الفرق اما أن يكون من جهة السمع لأن ~~أحد النصين دال دلالة قطعية أو ظاهرة بخلاف الآخر أو من جهة العقل بأن أحد ~~المعنيين يجوز أو يجب اثباته دون الآخر وكلا الوجهين باطل في أكثر المواضع # أما ( الأول ( فدلالة ms4247 القرآن على أنه رحمن رحيم ودود سميع بصير على عظيم ~~كدلالته على أنه عليم قدير ليس بينهما فرق من جهة النص وكذلك ذكره لرحمته ~~ومحبته وعلوه مثل ذكره لمشيئته وارادته PageV13P298 وأما ( الثانى ( فيقال ~~لمن أثبت شيئا ونفى آخر لم نفيت مثلا حقيقة رحمته ومحبته وأعدت ذلك إلى ~~ارادته فان قال لأن المعنى المفهوم من الرحمة في حقنا هي رقة تمتنع على ~~الله قيل له والمعنى المفهوم من الإرادة في حقنا هي ميل يمتنع على الله فإن ~~قال ارادته ليست من جنس ارادة خلقه قيل له ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه ~~وكذلك محبته وان قال وهو حقيقة قوله لم اثبت الارادة وغيرها بالسمع وانما ~~أثبت العلم والقدرة والارادة بالعقل وكذلك السمع والبصر والكلام على إحدى ~~الطريقتين لأن الفعل دل على القدرة والأحكام دل على العلم والتخصيص دل على ~~الارادة قيل له الجواب من ثلاثة أوجه # ( أحدها ( أن الأنعام والاحسان وكشف الضر دل أيضا على الرحمة كدلالة ~~التخصيص على الارادة والتقريب والادناء وأنواع التخصيص التى لا تكون الا من ~~المحب تدل على المحبة أو مطلق التخصيص يدل على الارادة وأما التخصيص ~~بالانعام فتخصيص خاص والتخصيص بالتقريب والاصطفاء تقريب خاص وما سلكه في ~~مسلك الارادة يسلك في مثل هذا # ( الثانى ( يقال له هب أن العقل لا يدل على هذا فانه لا ينفيه الا بمثل ~~ما ينفى به الارادة والسمع دليل مستقل بنفسه بل PageV13P299 الطمأنينة إليه ~~في هذه المضايق أعظم ودلالته أتم فلأى شيء نفيت مدلوله أو توقفت وأعدت هذه ~~الصفات كلها إلى الارادة مع أن النصوص ( لم ( تفرق فلا يذكر حجة الا عورض ~~بمثلها في اثباته الارادة زيادة على الفعل # ( الثالث ( يقال له اذا قال لك الجهمى الارادة لا معنى لها الا عدم ~~الاكراه أو نفس الفعل والأمر به وزعم أن اثبات ارادة تقتضى محذورا ان قال ~~بقدمها ومحذورا ان قال بحدوثها # وهنا اضطربت المعتزلة فانهم لا يقولون بارادة قديمة لامتناع صفة قديمة ~~عندهم ولا يقولون بتجدد صفة له لامتناع حلول الحوادث ms4248 عند أكثرهم مع تناقضهم # فصاروا حزبين البغداديون وهم أشد غلوا في البدعة في الصفات وفى القدر ~~نفوا حقيقة الارادة وقال الجاحظ لا معنى لها الا عدم الاكراه وقال الكعبى ~~لا معنى لها الا نفس الفعل اذا تعلقت بفعله ونفس الأمر اذا تعلقت بطاعة ~~عباده # والبصريون كأبى على وأبى هاشم قالوا تحدث ارادة لا في محل فلا ارادة ~~فالتزموا حدوث حادث غيرمراد وقيام صفة بغير محل PageV13P300 وكلاهما عند ~~العقلاء معلوم الفساد بالبديهة # كان جوابه أن ما ادعى احالته من ثبوت الصفات ليس بمحال والنص قد دل عليها ~~والعقل ايضا فاذا أخذ الخصم ينازع في دلالة النص أو العقل جعله مسفسطا أو ~~مقرمطا وهذا بعينه موجود في الرحمة والمحبة فان خصومه ينازعونه في دلالة ~~السمع والعقل عليها على الوجه القطعى # ثم يقال لخصومه بم اثبتم أنه عليم قدير فما اثبتوه به من سمع وعقل فبعينه ~~تثبت الارادة وما عارضوا به من الشبه عورضوا بمثله في العليم والقدير واذا ~~انتهى الأمر إلى ثبوت المعانى وأنها تستلزم الحدوث أو التركيب والافتقار ~~كان الجواب ما قررناه في غير هذا الموضع فان ذلك لا يستلزم حدوثا ولا ~~تركيبا مقتضيا حاجة إلى غيره # ويعارضون أيضا بما ينفى به أهل التعطيل الذات من الشبه الفاسدة ويلزمون ~~بوجود الرب الخالق المعلوم بالفطرة الخلقية والضرورة العقلية والقواطع ~~العقلية واتفاق الأمم وغير ذلك من الدلائل ثم يطالبون بوجود من جنس ما ~~نعهده أو بوجود يعلمون كيفيته فلابد أن يفروا إلى اثبات ما لا تشبه حقيقته ~~الحقائق فالقول في سائر ما سمى ووصف به نفسه كالقول في نفسه سبحانه وتعالى ~~PageV13P301 # و ( نكتة هذا الكلام ( أن غالب من نفى وأثبت شيئا مما دل عليه الكتاب ~~والسنة لابد أن يثبت الشيء لقيام المقتضى وانتفاء المانع وينفى الشيء لوجود ~~المانع أو لعدم المقتضى أو يتوقف اذا لم يكن له عنده مقتض ولا مانع فيبين ~~له أن المقتضى فيما نفاه قائم كما أنه فيما أثبته قائم اما من كل وجه أو من ~~وجه يجب به الاثبات ms4249 فان كان المقتضى هناك حقا فكذلك هنا والا فدرء ذاك ~~المقتضى من جنس درء هذا # وأما المانع فيبين أن المانع الذى تخيله فيما نفاه من جنس المانع الذى ~~تخيله فيما اثبته فاذا كان ذلك المانع المستحيل موجودا على التقديرين لم ~~ينج من محذوره باثبات أحدهما ونفى الآخر فانه ان كان حقا نفاهما وان كان ~~باطلا لم ينف واحدا منهما فعليه أن يسوى بين الأمرين في الاثبات والنفى ولا ~~سبيل إلى النفى فتعين الاثبات # فهذه نكتة الالزام لمن أثبت شيئا وما من أحد الا ولابد أن يثبت شيئا أو ~~يجب عليه اثباته فهذا يعطيك من حيث الجملة أن اللوازم التى يدعى أنها موجبة ~~النفى خيالات غير صحيحة وان لم يعرف فسادها على التفصيل وأما من حيث ~~التفصيل فيبين فساد المانع وقيام المقتضى كما قرر هذا غير مرة PageV13P302 # فإن قال من أثبت هذه الصفات التى هي فينا أعراض كالحياة والعلم والقدرة ~~ولم يثبت ما هو فينا أبعاض كاليد والقدم هذه أجزاء وأبعاض تستلزم التركيب ~~والتجسيم # قيل له وتلك أعراض تستلزم التجسيم والتركيب العقلى كما استلزمت هذه عندك ~~التركيب الحسى فان أثبت تلك على وجه لا تكون أعراضا أو تسميتها أعراضا لا ~~يمنع ثبوتها قيل له وأثبت هذه على وجه لا تكون تركيبا وأبعاضا أو تسميتها ~~تركيبا وأبعاضا لا يمنع ثبوتها # فإن قيل هذه لا يعقل منها الا الاجزاء # قيل له وتلك لا يعقل منها الا الاعراض # فإن قال العرض ما لا يبقى وصفات الرب باقية قيل والبعض ما جاز انفصاله عن ~~الجملة وذلك في حق الله محال فمفارقة الصفات القديمة مستحيلة في حق الله ~~تعالى مطلقا والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه فإن قال ذلك تجسيم ~~والتجسيم منتف قيل وهذا تجسيم والتجسيم منتف PageV13P303 # فإن قال أنا أعقل صفة ليست عرضا بغير متحيز وإن لم يكن له في الشاهد نظير ~~قيل له فاعقل صفة هي لنا بعض لغير متحيز وإن لم يكن له في الشاهد نظير فان ~~نفى عقل هذا نفى عقل ذاك ms4250 وان كان بينهما نوع فرق لكنه فرق غير مؤثر في موضع ~~النزاع ولهذا كانت المعطلة الجهمية تنفى الجميع لكن ذاك أيضا مستلزم لنفى ~~الذات ومن أثبت هذه الصفات الخبرية من نظير هؤلاء صرح بأنها صفة قائمة به ~~كالعلم والقدرة وهذا ايضا ليس هو معقول النص ولا مدلول العقل وانما الضرورة ~~ألجأتهم إلى هذه المضايق # وأصل ذلك أنهم أتوا بألفاظ ليست في الكتاب ولا في السنة وهى ألفاظ مجملة ~~مثل ( متحيز ( و ( محدود ( و ( جسم ( و ( مركب ( ونحو ذلك ونفوا مدلولها ~~وجعلوا ذلك مقدمة بينهم مسلمة ومدلولا عليها بنوع قياس وذلك القياس أوقعهم ~~فيه مسلك سلكوه في اثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض أو اثبات امكان الجسم ~~بالتركيب من الأجزاء فوجب طرد الدليل بالحدوث والامكان لكل ما شمله هذا ~~الدليل اذ الدليل القطعى لا يقبل الترك لمعارض راجح فرأوا ذلك يعكر عليهم ~~من جهة النصوص ومن جهة العقل من ناحية أخرى فصاروا أحزابا تارة يغلبون ~~القياس الأول ويدفعون ما عارضه وهم المعتزلة وتارة يغلبون القياس الثانى ~~ويدفعون الأول PageV13P304 كهشام بن الحكم الرافضى فإنه قد قيل اول ما تكلم ~~في الجسم نفيا واثباتا من زمن هشام بن الحكم وأبى الهذيل العلاف فان أبا ~~الهذيل ونحوه من قدماء المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس فعارضهم ~~هشام وأثبت الجسم لما سلكوه من القياس واعتقد الأولون احالة ثبوته واعتقد ~~هذا احالة نفيه وتارة يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الاحالة ~~والتناقض # فما أعلم أحدا من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام ~~والفلسفة الا ولابد أن يتناقض فيحيل ما اوجب نظيره ويوجب ما أحال نظيره اذ ~~كلامهم من عند غير الله وقد قال الله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ # والصواب ما عليه أئمة الهدى وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به ~~رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم ~~والايمان والمعانى المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات ms4251 فتكون من باب ~~تحريف الكلم عن مواضعه ولا يعرض عنها فيكون من باب الذين اذا ذكروا بآيات ~~ربهم يخرون عليها صما وعميانا ولا يترك تدبر القرآن فيكون من باب الذين لا ~~يعلمون الكتاب الا أمانى فهذا أحد الوجهين وهو منع أن تكون هذه من المتشابه ~~PageV13P305 # ( الوجه الثانى ( أنه اذا قيل هذه من المتشابه أو كان فيها ما هو من ~~المتشابه كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابها ~~فيقال الذى في القرآن أنه لا يعلم تأويله الا الله اما المتشابه واما ~~الكتاب كله كما تقدم ونفى علم تأويله ليس نفى علم معناه كما قدمناه في ~~القيامة وأمور القيامة وهذا الوجه قوى ان ثبت حديث بن إسحاق في وفد نجران ~~أنهم احتجوا على النبى ( ( بقوله ( إنا ( و ( نحن ( ونحو ذلك ويؤيده أيضا ~~أنه قد ثبت أن في القرآن متشابها وهو ما يحتمل معنيين وفى مسائل الصفات ما ~~هو من هذا الباب كما أن ذلك في مسائل المعاد وأولى فان نفى المشابهة بين ~~الله وبين خلقه أعظم من نفى المشابهة بين موعود الجنة وموجود الدنيا # وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن نفى علم التأويل ليس نفيا لعلم ~~المعنى ونزيده تقريرا أن الله سبحانه يقول @QB@ ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~@QE@ فأخبر أنه أنزله ليعقلوه وأنه طلب تذكرهم # وقال أيضا @QB@ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون @QE@ ~~PageV13P306 فحض على تدبره وفقهه وعقله والتذكر به والتفكر فيه ولم يستثن ~~من ذلك شيئا بل نصوص متعددة تصرح بالعموم فيه مثل قوله @QB@ أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ وقوله @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ ومعلوم أن نفى الاختلاف عنه ~~لا يكون الا بتدبره كله والا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفى مخالفه ما لم ~~يتدبر لما تدبر # وقال ms4252 على رضى الله عنه لما قيل له هل ترك عندكم رسول الله ( ( شيئا فقال ~~لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة الا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في ~~هذه الصحيفة فأخبر أن الفهم فيه مختلف في الأمة والفهم أخص من العلم والحكم ~~قال الله تعالى @QB@ ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ وقال ~~النبى ( ( رب مبلغ أوعى من سامع ( وقال ( بلغوا عنى ولو آية ( # وأيضا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص ~~القرآن آيات الصفات وغيرها وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها ورووا عن ~~النبى ( ( احاديث كثيرة توافق القرآن وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم ~~مثل عبد الله بن مسعود الذى كان يقول لو أعلم أعلم بكتاب الله منى تبلغه ~~آباط الابل لأتيته وعبد الله بن عباس الذى دعا له النبى ( صلى الله عليه ~~PageV13P307 وسلم ( وهو حبر الأمة وترجمان القرآن كانا هما وأصحابهما من ~~أعظم الصحابة والتابعين اثباتا للصفات ورواية لها عن النبى ( ( ومن له خبرة ~~بالحديث والتفسير يعرف هذا وما في التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين بل ~~وثالثهما في علية التابعين من جنسهم أو قريب منهم ومثلهما في جلالته جلالة ~~اصحاب زيد بن ثابت لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به بل أخذوا عن غيره ~~مثل عمر وبن عمر وبن عباس ولو كان معانى هذه الآيات منفيا أو مسكوتا عنه لم ~~يكن ربانيو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاما فيه # ثم إن الصحابة نقلوا عن النبى ( ( أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع ~~التلاوة ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع # من تفسير آية قال أبو عبد الرحمن السلمى حدثنا الذين كانوا يقرئوننا ~~القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا اذا تعلموا من ~~النبى ( ( عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا ~~فتعلمنا القرآن والعلم والعمل # وكذلك الأئمة كانوا اذا سئلوا عن شيء من ذلك لم ينفوا معناه بل يثبتون ~~المعنى وينفون الكيفية كقول مالك ms4253 بن أنس لما سئل عن قوله PageV13P308 تعالى ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ كيف استوى فقال الاستواء معلوم والكيف ~~مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك ربيعة قبله وقد تلقى الناس ~~هذا الكلام بالقبول فليس في أهل السنة من ينكره # وقد بين أن الاستواء معلوم كما أن سائر ما أخبر به معلوم ولكن الكيفية لا ~~تعلم ولا يجوز السؤال عنها لا يقال كيف استوى ولم يقل مالك الكيف معدوم ~~وإنما قال الكيف مجهول وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من اهل السنة غير ~~أن اكثرهم يقولون لا تخطر كيفيته ببال ولا تجرى ماهيته في مقال ومنهم من ~~يقول ليس له كيفية ولا ماهية # فإن قيل معنى قوله ( الاستواء معلوم ( ان ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم ~~كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذى استأثر ~~الله بعلمه # قيل هذا ضعيف فان هذا من باب تحصيل الحاصل فإن السائل قد علم أن هذا ~~موجود في القرآن وقد تلا الآية وأيضا فلم يقل ذكر الاستواء في القرآن ولا ~~اخبار الله بالاستواء وانما قال PageV13P309 الاستواء معلوم فأخبر عن الاسم ~~المفرد أنه معلوم لم يخبر عن الجملة وأيضا فانه قال ( والكيف مجهول ( ولو ~~أراد ذلك لقال معنى الاستواء مجهول أو تفسير الاستواء مجهول أو بيان ~~الاستواء غير معلوم فلم ينف الا العلم بكيفية الاستواء لا العلم بنفس ~~الاستواء وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه لو قال في قوله @QB@ إنني ~~معكما أسمع وأرى @QE@ كيف يسمع وكيف يرى لقلنا السمع والرؤيا معلوم والكيف ~~مجهول ولو قال كيف كلم موسى تكليما لقلنا التكليم معلوم والكيف غير معلوم # وأيضا فإن من قال هذا من اصحابنا وغيرهم من اهل السنة يقرون بأن الله فوق ~~العرش حقيقة وأن ذاته فوق ذات العرش لا ينكرون معنى الاستواء ولا يرون هذا ~~من المتشابه الذى لا يعلم معناه بالكلية # ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة قال بعضهم ارتفع على ~~العرش علا على العرش وقال بعضهم ms4254 عبارات أخرى وهذه ثابتة عن السلف قد ذكر ~~البخارى في صحيحه بعضها في آخر كتاب ( الرد على الجهمية ( وأما التأويلات ~~المحرفة مثل استوى وغير ذلك فهي من التأويلات المبتدعة لما ظهرت الجهمية ~~PageV13P310 # وأيضا قد ثبت أن اتباع المتشابه ليس في خصوص الصفات بل في صحيح البخارى ~~أن النبى ( ( قال لعائشة ( يا عائشة اذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ~~فأولئك الذين سمى الله فاحذريهم ( وهذا عام وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن ~~الخطاب من أشهر القضايا فانه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر ~~فسأل عمر عن ( الذاريات ذروا ( فقال ما اسمك قال عبد الله صبيغ فقال وأنا ~~عبد الله عمر وضربه الضرب الشديد وكان بن عباس اذا ألح عليه رجل في مسألة ~~من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ # وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام ~~كما قال النبى عليه الصلاة والسلام ? < اذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ~~> ? وكما قال تعالى @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة @QE@ فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد كالذى يعارض بين آيات ~~القرآن وقد نهى النبى ( صلى الله عليه وسلم ( عن ذلك وقال ? < لا تضربوا ~~كتاب الله بعضه ببعض > ? فان ذلك يوقع الشك في قلوبهم ومع ابتغاء الفتنة ~~ابتغاء تأويله الذى لا يعلمه الا الله فكان مقصودهم مذموما ومطلوبهم متعذرا ~~مثل أغلوطات المسائل التى نهى رسول الله ( ( عنها PageV13P311 # ومما يبين الفرق بين ( المعنى ( و ( التأويل ( أن صبيغا سأل عمر عن ( ~~الذاريات ( وليست من الصفات وقد تكلم الصحابة في تفسيرها مثل على بن أبى ~~طالب مع بن الكواء لما سأله عنها كره سؤاله لما رآه من قصده لكن على كانت ~~رعيته ملتوية عليه لم يكن مطاعا فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه و ( الذاريات ( و ~~( الحاملات ( و ( الجاريات ( و ( المقسمات ( فيها اشتباه لأن اللفظ يحتمل ~~الرياح والسحاب والنجوم والملائكة ويحتمل غير ذلك اذ ليس في اللفظ ذكر ~~الموصوف ms4255 والتأويل الذى لا يعلمه الا الله هو أعيان الرياح ومقاديرها ~~وصفاتها ومتى تهب وأعيان السحاب وما تحمله من الأمطار ومتى ينزل المطر ~~وكذلك في ( الجاريات ( و ( المقسمات ( فهذا لا يعلمه الا الله # وكذلك في قوله ( إنا ( و ( نحن ( ونحوهما من أسماء الله التى فيها معنى ~~الجمع كما اتبعه النصارى فان معناه معلوم وهو الله سبحانه لكن اسم الجمع ~~يدل على تعدد المعانى بمنزلة الأسماء المتعددة مثل العليم والقدير والسميع ~~والبصير فإن # المسمى واحد ومعانى الأسماء متعددة فهكذا الاسم الذى لفظه الجمع وأما ~~التأويل الذى اختص الله به فحقيقة ذاته وصفاته كما قال مالك والكيف مجهول ~~فاذا قالوا ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره قيل هذا هو التأويل الذى لا ~~يعلمه الا الله PageV13P312 # وما أحسن ما يعاد التأويل إلى القرآن كله فان قيل فقد قال النبى ( ( لابن ~~عباس ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ( قيل أما تأويل الأمر والنهى ~~فذاك يعلمه واللام هنا للتأويل المعهود لم يقل تأويل كل القرآن فالتأويل ~~المنفى هو تأويل الاخبار التى لا يعلم حقيقة مخبرها الا الله والتأويل ~~المعلوم هو الأمر الذى يعلم العباد تأويله وهذا كقوله @QB@ هل ينظرون إلا ~~تأويله يوم يأتي تأويله @QE@ وقوله @QB@ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ~~يأتهم تأويله @QE@ فان المراد تأويل الخبر الذى أخبر فيه عن المستقبل فانه ~~هو الذى ( ينتظر ( ويأتى ( و ( لما يأتهم ( وأما تأويل الأمر والنهى فذاك ~~في الأمر وتأويل الخبر عن الله وعمن مضى ان أدخل في التأويل لا ينتظر والله ~~سبحانه أعلم وبه التوفيق PageV13P313 # وقال الشيخ الإمام العلامة # القدوة العارف الفقيه الحافظ الزاهد العابد السالك الناسك مفتى الفرق ركن ~~الشريعة عالم العصر فريد الدهر ترجمان القرآن وارث الانبياء آخر المجتهدين ~~تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحرانى ~~تغمده الله برحمته ( ### ||| فصل في أقسام القرآن # وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور وانما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة ~~بصفاته أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته واقسامه ببعض المخلوقات دليل على ~~أنه من عظيم آياته ms4256 PageV13P314 # فالقسم اما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله تعالى @QB@ فورب السماء ~~والأرض إنه لحق @QE@ # وإما على جملة طلبية كقوله تعالى @QB@ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا ~~يعملون @QE@ مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب ~~الخبر وقد يراد به محض القسم والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه ~~فلابد أن يكون مما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية اذا أقسم على ~~ثبوتها # فأما الأمور المشهودة الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء ~~والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها وما أقسم عليه الرب عز وجل فهو من ~~آياته فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس # وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما يحذف جواب ~~لو كثيرا كقوله تعالى @QB@ لو تعلمون علم اليقين @QE@ وقوله @QB@ ولو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال @QE@ @QB@ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~@QE@ @QB@ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت @QE@ @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على النار ~~@QE@ @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم @QE@ # ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام لأن المراد أنك لو رأيته PageV13P315 لرأيت ~~هولا عظيما فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دل المحرم وهو أيضا تنبيه فاذا ~~أقسم به وفيه الحلال فاذا كان فيه الحرام كان أولى بالتعظيم وكذلك اذا أريد ~~الحلول فانه هو السلبى فالمعنى واحد # ( # وقد أقسم ب @QB@ والتين والزيتون @QE@ و @QB@ البلد الأمين @QE@ والجواب ~~مذكور في قوله تعالى @QB@ لقد خلقنا الإنسان في كبد @QE@ وهو مكابدة أمر ~~الدنيا والآخرة وهذه المكابدة تقتضى قوة صاحبها وكثرة تصرفه واحتياله فقال ~~تعالى @QB@ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم ~~يره أحد @QE@ فهذا الانسان من جنس أولئك الأمم ومن جنس الذى قال @QB@ ما ~~أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه @QE@ له قوة يكابد بها الأمور وكل أهلكه ~~أفيظن مع هذا أنه لن يقدر عليه أحد فيجازيه بأعماله ويحسب أن ما أهلكه من ~~المال لم يره أحد فيعلم ما فعل # والقدرة والعلم بهما يحصل الجزاء بل بهما يحصل كل ms4257 شيء واخباره تعالى بأنه ~~قادر وأنه عالم يتضمن الوعيد والتهديد فانه اذا كان قادرا أمكن الجزاء واذا ~~كان عالما أمكن الجزاء فبالعدل يقدر ما عمل ومن لم يكن قادرا عالما لم ~~يمكنه الجزاء فان العاجز عن الشخص لا يمكنه PageV13P316 جزاؤه والذى له ~~قدرة لكن لا يرى ما فعل ان جازاه بلا علم كان ظالما معتديا فلابد له من ~~العلم بما فعل # ولهذا كان الحاكم يحتاج إلى الشهود والملوك يحتاجون إلى أهل الديوان ~~يخبرونهم بمقادير الأموال وغيرها ليكون عملهم بعلم ذكر أنه خلق الانسان في ~~كبد ايحسب أن لن يقدر عليه أحد ولن لنفى المستقبل يقول أيحسب أن لن يقدر ~~عليه في المستقبل أحد ولهذا كان ذاك الخائف من ربه الذى أمر أهله باحراقه ~~وذرايته يعلم أن الجزاء متعلق بالقدرة فقال ( لئن قدر الله على ليعذبنى ~~عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ( # وهو سبحانه يهدد بالقدرة لكون المقدور يقترن بها كما يهدد بالعلم لكون ~~الجزاء يقع معه كما في قوله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم @QE@ فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~لما نزلت ( أعوذ بوجهك أعوذ بوجهك @QB@ أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ~~@QE@ فقال ( هاتان أهون ( وذلك لأنه تكلم في ذكر القدرة ونوع المقدور كما ~~يقول القائل أين تهرب منى أنا اقدر أن أمسكك # وكذلك في العلم بالرؤية كقوله هنا @QB@ أيحسب أن لم يره أحد @QE@ وقوله ~~تعالى في الذى ينهى عبدا اذا صلى @QB@ ألم يعلم بأن الله يرى @QE@ ~~PageV13P317 وقوله تعالى @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون @QE@ وقوله @QB@ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا ~~لديهم يكتبون @QE@ وقوله تعالى @QB@ وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير ~~مستطر @QE@ وأمثال ذلك فذكر رؤيته الأعمال وعلمه بها واحصائه لها يتضمن ~~الوعيد بالجزاء عليها كما يقول القائل قد علمت ما فعلت وقد جاءتنى أخبارك ~~كلها وأمثال ذلك فليس المراد الاخبار بقدرة مجردة وعلم مجرد لكن بقدرة وعلم ~~يقترن بهما الجزاء اذ ms4258 كان مع حصول العلم والقدرة يمكن الجزاء ويبقى موقوفا ~~على مشيئة المجازى لا يحتاج معه إلى شيء حينئذ فيجب طلب النجاة بالاستغفار ~~والتوبة إليه وعمل الحسنات التى تمحو السيئات ### ||| فصل # وهو سبحانه وتعالى لما أقسم ب @QB@ والصافات @QE@ @QB@ والذاريات @QE@ ~~@QB@ والمرسلات @QE@ ذكر المقسم عليه فقال تعالى @QB@ إن إلهكم لواحد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إنما توعدون لواقع @QE@ ولم يذكره في النازعات فان الصافات هي الملائكة وهو ~~لم يقسم على وجودها كما لم يقسم على وجود نفسه PageV13P318 اذ كانت الأمم ~~معترفة بالصافات وكانت معرفته ظاهرة عندهم لا يحتاج إلى أقسام بخلاف ~~التوحيد فانه كما قال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ~~@QE@ # وكذلك الملائكة يقر بها عامة الأمم كما ذكر الله عن قوم نوح وعاد وثمود ~~وفرعون مع شركهم وتكذيبهم بالرسل أنهم كانوا يعرفون الملائكة قال قوم نوح ~~@QB@ ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ~~@QE@ وقال @QB@ أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين ~~أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة @QE@ ~~وقال فرعون @QB@ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي ~~عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين @QE@ # وكذلك مشركو العرب قال تعالى @QB@ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ~~ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا ما لهذا الرسول ~~يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا @QE@ ~~وقال تعالى عن الأمم مطلقا @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ~~مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا @QE@ PageV13P319 فكانت هذه ~~الأمم المكذبة للرسل المشركة بالرب مقرة بالله وبملائكته فكيف بمن سواهم ~~فعلم أن الاقرار بالرب وملائكته معروف عند عامة الأمم فلهذا لم يقسم عليه ~~وانما أقسم على التوحيد لأن اكثرهم مشركون # وكذلك @QB@ والذاريات @QE@ @QB@ فالحاملات ms4259 @QE@ @QB@ فالجاريات @QE@ هي ~~أمور مشهودة للناس و @QB@ فالمقسمات أمرا @QE@ هم الملائكة فلم يكن فيما ~~اقسم به ما أقسم عليه فذكر المقسم عليه فقال تعالى @QB@ إنما توعدون لصادق ~~وإن الدين لواقع @QE@ # @QB@ والمرسلات @QE@ سواء كانت هي الملائكة النازلة بالوحى والمقسم عليه ~~الجزاء في الآخرة أو الرياح أو هذا وهذا فهي معلومة ايضا # وأما @QB@ والنازعات غرقا @QE@ فهي الملائكة القابضة للأرواح وهذا يتضمن ~~الجزاء وهو من أعظم المقسم عليه قال تعالى @QB@ قل يتوفاكم ملك الموت الذي ~~وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون @QE@ وقال تعالى @QB@ توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق @QE@ هو ولا يعين على عبادته الا هو ~~وهذا يقين يعطى الاستعانة والتوكل PageV13P320 وهو يقين بالقدر الذى لم يقع ~~فان الاستعانة والتوكل انما يتعلق بالمستقبل # فأما ما وقع فانما فيه الصبر والتسليم والرضى كما في حديث عمار بن ياسر ~~رضى الله عنه مرفوعا إلى النبى ( ( أسألك الرضا بعد القضاء ( وقول ( لا حول ~~ولا قوة الا بالله ( يوجب الاعانة ولهذا سنها النبى ( ( اذا قال المؤذن ( ~~حى على الصلاة فيقول المجيب لا حول ولا قوة الا بالله فإذا قال حى على ~~الفلاح قال المجيب لا حول ولا قوة الا بالله ( # وقال المؤمن لصاحبه @QB@ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله @QE@ ولهذا يؤمر بهذا من يخاف العين على شيء فقوله ما شاء الله ~~تقديره ما شاء الله كان فلا يأمن بل يؤمن بالقدر ويقول لا قوة الا بالله ~~وفى حديث أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه المتفق عليه أن النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ( قال ? < هي كنز من كنوز الجنة > ? و ( الكنز ( مال مجتمع لا ~~يحتاج إلى جمع وذلك أنها تتضمن التوكل والافتقار إلى الله تعالى ومعلوم أنه ~~لا يكون شيء الا بمشيئة الله وقدرته وأن الخلق ليس منهم شيء الا ما أحدثه ~~الله فيهم فاذا انقطع طلب القلب PageV13P321 للمعونة منهم وطلبها من الله ~~فقد طلبها من خالقها الذى لا يأتى بها الا هو قال تعالى @QB@ ما يفتح الله ms4260 ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ~~أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته @QE@ # وقال صاحب يس ( @QB@ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين @QE@ ولهذا يأمر الله ~~بالتوكل عليه وحده في غير موضع # وفى الأثر من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن سره أن يكون ~~أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده قال تعالى @QB@ وتوكل ~~على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا @QE@ # والله تعالى أمر بعبادته والتوكل عليه قال تعالى @QB@ فاعبده وتوكل عليه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب @QE@ ~~وقال موسى @QB@ يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ~~@QE@ PageV13P322 # وقال شعيب @QB@ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ وقال ~~المؤمنون @QB@ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا @QE@ # فافترق الناس هنا أربعة أصناف # صنف لا يعبدونه ولا يتوكلون عليه وهم شرار الخلق # وصنف يقصدون عبادته بفعل ما أمر وترك ما حظر لكن لم يحققوا التوكل ~~والاستعانه فيعجزون عن كثير مما يطلبونه ويجزعون في كثير من المصائب # ثم من هؤلاء من يكذب بالقدر ويجعل نفسه هو المبدع لأفعاله فهؤلاء في ~~الحقيقة لا يستعينونه ولا يطلبون منه صلاح قلوبهم ولا ms4261 تقويمها ولا هدايتها ~~وهؤلاء مخذولون كما هم عند الأمة كذلك وقوم يؤمنون بالقدر قولا واعتقادا ~~لكن لم تتصف به قلوبهم علما وعملا كما اتصفت بقصد الطهارة والصلاة فهم ايضا ~~ضعفاء عاجزون PageV13P323 # وصنف نظر إلى جانب القدرة والمشيئة وان الله تعالى هو المعطى والمانع ~~والخافض والرافع فغلب عليهم التوجه إليه من هذه الجهة والاستعانة به ~~والافتقار إليه لطلب ما يريدونه فهؤلاء يحصل لأحدهم نوع سلطان وقدرة ظاهرة ~~أو باطنة وقهر لعدوه بل قتل له ونيل لأغراضه لكن لا عاقبة لهم فان العاقبة ~~للتقوى بل آخرتهم آخرة ردية # وليس الكلام في الكفار والظلمة المعرضين عن الله فان هؤلاء دخلوا في ~~القسم الاول الذين لا عبادة لهم ولا استعانة ولكن الكلام في قوم عندهم توجه ~~إلى الله وتأله ونوع من الخشية والذكر والزهد لكن يغلب عليهم التوجه بارادة ~~أحدهم وذوقه ووجده وما يستحليه ويستحبه لا بالأمر الشرعى وهم أصناف # منهم المعرض عن إلتزام العبادات الشرعيه مع مايحصل له من الشياطين من كشف ~~له أو تأثير وهؤلاء كثير منهم يموت على غير الإسلام # ومنهم من يقوم بالعبادات الشرعية الظاهرة كالصلاة والصيام والحج وترك ~~المحرمات لكن في أعمال القلوب لايلتزم الامر الشرعى بل يسعى لما يحبه ~~ويريده والله تعالى قال @QB@ كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك @QE@ ~~PageV13P324 وهو سبحانه يعطى السلطان والمال للبر والفاجر فقد يعطى أحد ~~هؤلاء تصرفا إما بقهر عدوه وإما بنصر وليه كما تعطى الملوك وقد يعطى نوعا ~~من المكاشفة إما بإخبار بعض الجن له وقد يعرف إنه من الجن وقد لايعرف وإما ~~بغير ذلك # وقد يقول الواحد من هؤلاء أنا آخذ من الله وغيرى يأخذ من محمد فيرى بحاله ~~في ذاك وتفرده أن ما أوتيه من التصرف والمكاشفة يحصل له بغير طريق محمد وهو ~~صادق في ذلك لكن هذه في الحقيقه وبال عليه فان من تصرف بغير أمر الرسول ~~وأخذ مالم يبحه له الرسول فولى وعزل وأعطى ومنع بغير امر الرسول وقتل وضرب ~~بغير امره واكرم وأهان بغير أمره وجاءة خطاب ms4262 في باطنه بالامر والنهى فاعتقد ~~أن الله أمره ونهاه من غير واسطة الرسول كانت حالته هذه كلها من الشيطان ~~وكان الشيطان هو الذي يأمره وينهاه فيأمره فيتصرف وهو يظن أنه يتصرف بأمر ~~الله ولعمري هو يتصرف بأمر الله الكونى القدري بواسطة أمر الشيطان كما قال ~~تعالى في السحرة @QB@ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله @QE@ كما أن ~~المؤمن يتصرف بأمر الله الكونى القدري لكن بواسطة أمر الرسول المبلغ له عن ~~الله عز وجل PageV13P325 # فالحلال عنده ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما ~~شرعه الله ورسوله بخلاف ذاك فإنه لا يأخذ عن الرسول الأمر والنهي الباطن ~~ولا ما يفعله ويأمر به وهذا الضرب كثير في المشايخ أرباب القلوب والأحوال ~~الذين ضعف علمهم بالكتاب والسنة ومتابعة الرسول وغلب عليهم ما يجده أحدهم ~~في قلبه وما يؤمر به في باطنه سواء وافق الرسول أو خالفه # ثم تفاوتوا في ذلك بحسب قربهم من الرسول وبعدهم منه فكثير منهم بعد عنه ~~حتى صار يرى أنه يعاون الكفار على قتال المسلمين ويرى أن الله سبحانه أمره ~~بذلك ويعتقد أن أهل الصفة فعلوا ذلك # ومنهم من يرى أن الرسول لم يرسل إليه وإلى أشكاله وإنما أرسل إلى العوام # ومنهم من يعتقد أن الرسول كان خاضعا لأهل الصفة وكانوا مستغنين عنه إلى ~~أمثال هذه الأصناف التى كثرت في هذه الأزمنة PageV13P326 # وهؤلاء كلهم يدعون علم الحقيقة ويقولون الحقيقة لون والشريعة لون آخر ~~ويجمعهم شيئان أن لهم تصرفا وكشفا خارجا عن ما للعامة وأنهم معرضون عن وزن ~~ذلك بالكتاب والسنة وتحكيم الرسول في ذلك فهم بمنزلة الملوك الذين لهم ملك ~~يسوسونة بغير أمر الله ورسوله لكن الملوك لا يقول أحدهم أن الله أمرنى بذلك ~~ولا أنى ولي الله ولا أن لي مادة من الله خارجة عن الرسول ولا أن الرسل لم ~~تبعث إلى مثلي وإنما الملوك يقصدون أغراضهم ولا يجعلونها دينا # وهؤلاء يجعلون أغراضهم التى هي من أعظم الظلم والفساد بل والكفر يجعلون ~~ذلك ms4263 دينا يدين به أولياء الله عندهم لأن هذه الأمور إنما تحصل لهم بنوع من ~~الزهادة والعبادة ولكن ليس هو الزهد والعبادة التى بعث الله بها رسوله بل ~~يشبهه حال أهل الكتاب والمشركين من عباد الهند والنصارى وأمثالهم # ولهذا تظهر مشابهتهم لعباد المشركين وأهل الكتاب حتى إن من راى عباد ~~الهنود ثم رأى مولهي بيت الرفاعى أنكر وجود هؤلاء في ديار الإسلام # وقال هؤلاء مثل عباد المشركين من الهند سواء وأرفع من PageV13P327 هؤلاء ~~من يشبه عباد النصارى ورهبانهم في أمور كثيرة خارجة عن شريعة الإسلام فلما ~~كان فيهم دين مبتدع من جنس دين المشركين وأهل الكتاب ظنوا ما يظنه أولئك من ~~أن هذا دين صحيح وأنه دين يقرب إلى الله وأن أهله أولياء الله فإن جميع ~~طوائف العلماء والعباد من جميع أهل الملل يظنون PageV13P328 ### || 1 ( مقدمة التفسير ) 1 # قال شيخ الإسلام # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وأعن برحمتك الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~تسليما # أما بعد فقد سألني بعض الأخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية تعين ~~على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين ~~الحق وأنواع الأباطيل والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل فإن الكتب ~~المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين والباطل الواضح والحق المبين # والعلم اما نقل مصدق عن معصوم واما قول عليه دليل معلوم PageV13P329 وما ~~سوى هذا فاما مزيف مردود واما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود وحاجة ~~الأمة ماسة إلى فهم القرآن الذى هو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط ~~المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق عن كثرة ~~الترديد ولا تنقضى عجائبه ولا يشبع منه العلماء من قال به صدق ومن عمل به ~~أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه ms4264 هدى إلى صراط مستقيم ومن تركه من جبار ~~قصمه الله ومن إبتغى الهدى في غيره أضله الله # قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ~~وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ PageV13P330 # وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة بحسب تيسير الله تعالى من إملاء الفؤاد ~~والله الهادي إلى سبيل الرشاد ### ||| فصل # يجب أن يعلم أن النبي ( ( بين لأصحابه معانى القرآن كما بين لهم ألفاظه ~~فقوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ يتناول هذا وهذا وقد قال ~~أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان ~~وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا ~~فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة ~~وقال أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في أعيننا وأقام إبن عمر ~~على حفظ البقرة عدة سنين قيل ثمان سنين ذكره مالك # وذلك أن الله تعالى قال @QB@ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته @QE@ ~~PageV13P331 # وقال @QB@ أفلا يتدبرون القرآن @QE@ وقال @QB@ أفلم يدبروا ~~القول @QE@ وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا ms4265 يمكن وكذلك قال تعالى @QB@ إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ وعقل الكلام متضمن لفهمه # ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد الفاظه فالقرآن ~~أولى بذلك وايضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب ~~والحساب ولا يستشرحوه فكيف بكلام الله الذى هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم ~~وقيام دينهم ودنياهم ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا ~~جدا وهو وان كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من ~~بعدهم وكلما كان العصر اشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه ~~أكثر ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة كما قال مجاهد عرضت ~~المصحف على بن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها ولهذا قال الثورى اذا ~~جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعى والبخارى ~~وغيرهما من أهل العلم وكذلك الامام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر ~~الطرق عن مجاهد أكثر من غيره # والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم ~~PageV13P332 السنة وان كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال ~~كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال ### ||| فصل # الخلاف بين السلف في التفسير قليل وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في ~~التفسير وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ~~وذلك صنفان # ( أحدهما ( أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل ~~على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى بمنزلة الأسماء ~~المتكافئة التى بين المترادفة والمتباينة كما قيل في اسم السيف الصارم ~~والمهند وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله ( ( وأسماء القرآن فان ~~أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادا ~~لدعائه باسم آخر بل الامر كما قال تعالى @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى @QE@ # وكل اسم من اسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التى ms4266 PageV13P333 ~~تضمنها الإسم كالعليم يدل على الذات والعلم والقدير يدل على الذات والقدرة ~~والرحيم يدل على الذات والرحمة ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعى ~~الظاهر فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون لا يقال هو ~~حى ولا ليس بحى بل ينفون عنه النقيضين فان أولئك القرامطة الباطنية لا ~~ينكرون اسما هو علم محض كالمضمرات وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من ~~صفات الاثبات فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر موافقا ~~لغلاة الباطنية في ذلك وليس هذا موضع بسط ذلك # وإنما المقصود ان كل اسم من أسمائه يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من ~~صفاته ويدل أيضا على الصفة التى في الاسم الآخر بطريق اللزوم وكذلك اسماء ~~النبى ( ( مثل محمد وأحمد والماحى والحاشر والعاقب وكذلك اسماء القرآن مثل ~~القرآن والفرقان والهدى والشفاء والبيان والكتاب وأمثال ذلك # فاذا كان مقصود السائل تعيين المسمى عبرنا عنه بأى اسم كان اذا عرف مسمى ~~هذا الاسم وقد يكون الاسم علما وقد يكون صفة كمن يسأل عن قوله @QB@ ومن ~~أعرض عن ذكري @QE@ ما ذكره فيقال له هو القرآن مثلا أو هو ما أنزله من ~~الكتب فان الذكر مصدر والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول ~~PageV13P334 فإذا قيل ذكر الله بالمعنى الثانى كان ما يذكر به مثل قول ~~العبد سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر واذا قيل بالمعنى ~~الأول كان ما يذكره هو وهو كلامه وهذا هو المراد في قوله @QB@ ومن أعرض عن ~~ذكري @QE@ لأنه قال قبل ذلك @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى @QE@ وهداه هو ما أنزله من الذكر وقال بعد ذلك ( قال رب لم ~~حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ( # والمقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه المنزل أو هو ذكر العبد له فسواء قيل ~~ذكرى كتابى أو كلامى أو هداى أو نحو ذلك كان المسمى واحدا # وإن كان مقصود السائل معرفة ما ms4267 في الاسم من الصفة المختصة به فلابد من ~~قدر زائد على تعيين المسمى مثل أن يسأل عن القدوس السلام المؤمن وقد علم ~~أنه الله لكن مراده ما معنى كونه قدوسا سلاما مؤمنا ونحو ذلك # اذا عرف هذا فالسلف كثيرا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وان ~~كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر كمن يقول أحمد هو الحاشر والماحى ~~والعاقب والقدوس هو الغفور PageV13P335 والرحيم أى أن المسمى واحد لا ان ~~هذه الصفة هي هذه الصفة ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس ~~مثال ذلك تفسيرهم ( للصراط المستقيم ( # فقال بعضهم هو ( القرآن ( أى اتباعه لقول النبى ( ( في حديث على الذى ~~رواه الترمذى ورواه أبو نعيم من طرق متعددة هو حبل الله المتين وهو الذكر ~~الحكيم وهو الصراط المستقيم وقال بعضهم هو ( الإسلام ( لقوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ( في حديث النواس بن سمعان الذى رواه الترمذى وغيره ( ضرب الله ~~مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتى الصراط سوران وفى السورين أبواب مفتحة وعلى ~~الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو من فوق الصراط وداع يدعو على رأس الصراط قال ~~فالصراط المستقيم هو الاسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم ~~الله والداعى على رأس الصراط كتاب الله والداعى فوق الصراط واعظ الله في ~~قلب كل مؤمن ( فهذان القولان متفقان لأن دين الاسلام هو اتباع القرآن ولكن ~~كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر كما أن لفظ ( صراط ( يشعر بوصف ثالث ~~وكذلك قول من قال هو ( السنة والجماعة ( وقول من قال ( هو طريق العبودية ( ~~وقول من قال ( هو طاعة الله ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ( وامثال ذلك ~~فهؤلاء كلهم اشاروا PageV13P336 إلى ذات واحدة لكن وصفها كل منهم بصفة من ~~صفاتها # ( الصنف الثانى ( أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل ~~التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في ~~عمومه وخصوصه مثل سائل أعجمى سأل عن مسمى ( لفظ الخبز ( فأرى رغيفا وقيل له ~~هذا ms4268 فالاشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده مثال ذلك ما نقل في قوله ~~@QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات @QE@ # فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات ~~والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات والسابق يدخل فيه من سبق ~~فتقرب بالحسنات مع الواجبات فالمقتصدون هم أصحاب اليمين @QB@ والسابقون ~~السابقون أولئك المقربون @QE@ # ثم ان كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات كقول القائل السابق ~~الذى يصلى في أول الوقت والمقتصد الذى يصلى في أثنائه والظالم لنفسه الذى ~~يؤخر العصر إلى الاصفرار ويقول ( الآخر ( السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم ~~في آخر سورة البقرة فانه ذكر المحسن بالصدقة والظالم بأكل الربا والعادل ~~بالبيع والناس في الاموال اما محسن وإما عادل وإما ظالم فالسابق المحسن ~~باداء PageV13P337 المستحبات مع الواجبات والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة ~~والمقتصد الذى يؤدى الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا وأمثال هذه الأقاويل ~~فكل قول فيه ذكر نوع داخل في الآية ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له ~~وتنبيهه به على نظيره فان التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد ~~المطلق والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن اذا أشير له إلى رغيف فقيل له ~~هذا هو الخبز # وقد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا لا سيما ان كان ~~المذكور شخصا كأسباب النزول المذكورة في التفسير كقولهم ان آية الظهار نزلت ~~في امرأة أوس بن الصامت وان آية اللعان نزلت في عويمر العجلانى أو هلال بن ~~أمية وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله وأن قوله @QB@ وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله @QE@ نزلت في بنى قريظة والنضير وان قوله @QB@ ومن ~~يولهم يومئذ دبره @QE@ نزلت في بدر وان قوله @QB@ شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت @QE@ نزلت في قضية تميم الدارى وعدى بن بداء وقول أبى ايوب ان ~~قوله @QB@ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة @QE@ نزلت فينا معشر الأنصار ~~الحديث ونظائر هذا كثير مما يذكرون ms4269 أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أو في ~~قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو في قوم من المؤمنين PageV13P338 # فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الاعيان دون غيرهم ~~فان هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الاطلاق والناس وان تنازعوا في اللفظ ~~العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا فلم يقل أحد من علماء المسلمين ~~ان عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين وانما غاية ما يقال أنها تختص ~~بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ # والآية التى لها سبب معين ان كانت أمرا ونهيا فهي متناولة لذلك الشخص ~~ولغيره ممن كان بمنزلته وان كانت خبرا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ~~وغيره ممن كان بمنزلته ( أيضا ( # ومعرفة ( سبب النزول ( يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم ~~بالمسبب ولهذا كان أصح قولى الفقهاء أنه اذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع ~~إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها # وقولهم نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة أنه سبب النزول ويراد به تارة ~~أن ذلك داخل في الآية وان لم يكن السبب كما تقول عنى بهذه الآية كذا ~~PageV13P339 # وقد تنازع العلماء في قول الصاحب نزلت هذه الآية في كذا هل يجرى مجرى ~~المسند كما يذكر السبب الذى أنزلت لأجله أو يجرى مجرى التفسير منه الذى ليس ~~بمسند فالبخارى يدخله في المسند وغيره لا يدخله في المسند وأكثر المساند ~~على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره بخلاف ما اذا ذكر سببا نزلت عقبه فانهم ~~كلهم يدخلون مثل هذا في المسند # وإذا عرف هذا فقول أحدهم نزلت في كذا لا ينافى قول الآخر نزلت في كذا اذا ~~كان اللفظ يتناولهما كما ذكرناه في التفسير بالمثال واذا ذكر أحدهم لها ~~سببا نزلت لأجله وذكر الآخر سببا فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك ~~الاسباب أو تكون نزلت مرتين مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب # وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع ms4270 التفسير تارة لتنوع الأسماء ~~والصفات وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه كالتمثيلات هما الغالب في ~~تفسير سلف الأمة الذى يظن أنه مختلف # ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين اما لكونه ~~مشتركا في اللفظ كلفظ ( قسورة ( الذى يراد به الرامى ويراد به الأسد ولفظ ( ~~عسعس ( الذى يراد به اقبال الليل وادباره PageV13P340 # وأما لكونه متواطئا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين ~~كالضمائر في قوله @QB@ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى @QE@ وكلفظ ~~@QB@ والفجر وليال عشر والشفع والوتر @QE@ ( وما أشبه ذلك # فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعانى التى قالها السلف وقد لا يجوز ~~ذلك فالأول اما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة وإما ~~لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه اذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء ~~المالكية والشافعية والحنبلية وكثير من اهل الكلام وإما لكون اللفظ متواطئا ~~فيكون عاما اذا لم يكن لتخصيصه موجب فهذا النوع اذا صح فيه القولان كان من ~~الصنف الثانى # ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبروا عن ~~المعانى بألفاظ متقاربة لا مترادفة فان الترادف في اللغة قليل وأما في ~~ألفاظ القرآن فاما نادر واما معدوم وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدى ~~جميع معناه بل يكون فيه تقريب لمعناه وهذا من اسباب اعجاز القرآن فاذا قال ~~القائل @QB@ يوم تمور السماء مورا @QE@ ان المور هو الحركة كان تقريبا اذ ~~المور حركة خفيفة سريعة PageV13P341 # وكذلك اذا قال ( الوحى ( الاعلام أو قيل @QB@ أوحينا إليك @QE@ أنزلنا ~~اليك أو قيل @QB@ وقضينا إلى بني إسرائيل @QE@ أى اعلمنا وأمثال ذلك فهذا ~~كله تقريب لا تحقيق فإن الوحى هو اعلام سريع خفى والقضاء اليهم أخص من ~~الاعلام فإن فيه انزالا إليهم وإيحاء إليهم والعرب تضمن الفعل معنى الفعل ~~وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض كما يقولون في ~~قوله @QB@ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه @QE@ أى مع نعاجه و ms4271 @QB@ من ~~أنصاري إلى الله @QE@ أى مع الله ونحو ذلك والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من ~~التضمين فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه وكذلك قوله @QB@ وإن ~~كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك @QE@ ضمن معنى يزيغونك ويصدونك وكذلك ~~قوله @QB@ ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا @QE@ ضمن معنى نجيناه ~~وخلصناه وكذلك قوله @QB@ يشرب بها عباد الله @QE@ ضمن يروى بها ونظائره ~~كثيرة # ومن قال @QB@ لا ريب @QE@ لا شك فهذا تقريب والا فالريب فيه اضطراب وحركة ~~كما قال ? < دع ما يريبك إلى ما لا يريبك > ? وفى الحديث أنه مر بظبى حاقف ~~فقال لا يريبه أحد فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة فالريب ضده ضمن ~~الاضطراب والحركة ولفظ ( الشك ( وان قيل أنه يستلزم هذا المعنى لكن لفظه لا ~~يدل عليه PageV13P342 # وكذلك اذا قيل ذلك الكتاب هذا القرآن فهذا تقريب لأن المشار إليه وان كان ~~واحدا فالاشارة بجهة الحضور غير الاشارة بجهة البعد والغيبة ولفظ ( الكتاب ~~( يتضمن من كونه مكتوبا مضموما ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءا ~~مظهرا باديا فهذه الفروق موجودة في القرآن فاذا قال أحدهم ( ان تبسل ( أى ~~تحبس وقال الآخر ترتهن ونحو ذلك لم يكن من اختلاف التضاد وان كان المحبوس ~~قد يكون مرتهنا وقد لا يكون اذ هذا تقريب للمعنى كما تقدم وجمع عبارات ~~السلف في مثل هذا نافع جدا فان مجموع عباراتهم ادل على المقصود من عبارة أو ~~عبارتين ومع هذا فلابد من اختلاف محقق بينهم كما يوجد مثل ذلك في الأحكام # ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاختلاف معلوم بل متواتر ~~عند العامة أو الخاصة كما في عدد الصلوات ومقادير ركوعها ومواقيتها وفرائض ~~الزكاة ونصبها وتعيين شهر رمضان والطواف والوقوف ورمى الجمار والمواقيت ~~وغير ذلك # ( # ثم اختلاف الصحابة في الجد والأخوة وفى المشركة ونحو ذلك لا يوجب ريبا في ~~جمهور مسائل الفرائض بل ما يحتاج إليه عامة الناس هو عمود النسب من الآباء ~~والابناء والكلالة من الأخوة والأخوات ومن نسائهم كالأزواج فان الله أنزل ms4272 ~~في الفرائض ثلاث آيات مفصلة PageV13P343 ذكر في الأولى الأصول والفروع وذكر ~~في الثانية الحاشية التى ترث بالفرض كالزوجين وولد الأم وفى الثانية ~~الحاشية الوارثة بالتعصيب وهم الأخوة لأبوين أو لأب واجتماع الجد والأخوة ~~نادر ولهذا لم يقع في الاسلام الا بعد موت النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل أو لذهول عنه وقد يكون لعدم سماعه وقد يكون ~~للغلط في فهم النص وقد يكون لاعتقاد معارض راجح فالمقصود هنا التعريف بجمل ~~الأمر دون تفاصيله ### ||| فصل # الاختلاف في التفسير على ( نوعين ( منه ما مستنده النقل فقط ومنه ما يعلم ~~بغير ذلك اذ العلم اما نقل مصدق واما استدلال محقق والمنقول اما عن المعصوم ~~واما عن غير المعصوم والمقصود بان جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير ~~المعصوم وهذا هو النوع الأول منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف ومنه ما ~~لا يمكن معرفة ذلك فيه وهذا ( القسم الثانى من المنقول ( وهو ما لا طريق ~~لنا إلى الجزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه فالكلام فيه من فضول ~~الكلام PageV13P344 # وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فان الله نصب على الحق فيه دليلا ~~فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف ~~وفى البعض الذى ضرب به موسى من البقرة وفى مقدار سفينة نوح وما كان خشبها ~~وفى اسم الغلام الذى قتله الخضر ونحو ذلك فهذه الأمور طريق العلم بها النقل ~~فما كان من هذا منقولا نقلا صحيحا عن النبى ( ( كاسم صاحب موسى أنه الخضر ~~فهذا معلوم وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب كالمنقول عن كعب ~~ووهب ومحمد بن إسحاق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب فهذا لا يجوز تصديقه ~~ولا تكذيبه الا بحجة كما ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( اذا حدثكم ~~أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فاما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه واما أن ~~يحدثوكم بباطل فتصدقوه ( ( # وكذلك ما نقل عن بعض التابعين وان ms4273 لم يذكر أنه أخذه عن اهل الكتاب فمتى ~~اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض وما نقل في ذلك عن بعض ~~الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين لأن احتمال ~~ان يكون سمعه من النبى ( ( أو من بعض من سمعه منه أقوى ولأن نقل الصحابة عن ~~أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ومع جزم PageV13P345 الصاحب فيما يقوله ~~فكيف يقال إنه أخذه عن اهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم والمقصود أن مثل هذا ~~الاختلاف الذى لا يعلم صحيحه ولا تفيد حكاية الأقوال فيه هو كالمعرفة لما ~~يروى من الحديث الذى لا دليل على صحته وأمثال ذلك # وأما ( القسم الأول ( الذى يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود فيما يحتاج ~~إليه ولله الحمد فكثيرا ما يوجد في التفسير والحديث والمغازى أمور منقولة ~~عن نبينا ( ( وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه والنقل الصحيح ~~يدفع ذلك بل هذا موجود فيما مستنده النقل وفيما قد يعرف بأمور أخرى غير ~~النقل # فالمقصود أن المنقولات التى يحتاج اليها في الدين قد نصب الله الأدلة على ~~بيان ما فيها من صحيح وغيره ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول ~~في المغازى والملاحم ولهذا قال الامام أحمد ثلاثة أمور ليس لها اسناد ~~التفسير والملاحم والمغازى ويروى ليس لها أصل أى اسناد لأن الغالب عليها ~~المراسيل مثل ما يذكره عروة بن الزبير والشعبى والزهرى وموسى بن عقبة وبن ~~إسحاق ومن بعدهم كيحيى بن سعيد الأموى والوليد بن مسلم والواقدى ونحوهم في ~~المغازى فان أعلم الناس بالمغازى أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق ~~فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت PageV13P346 عندهم وأهل الشام كانوا أهل ~~غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم ولهذا عظم الناس ~~كتاب أبى إسحاق الفزارى الذى صنفه في ذلك وجعلوا الاوزاعى أعلم بهذا الباب ~~من غيره من علماء الأمصار # وأما ( التفسير ( فان أعلم الناس به أهل مكة لأنهم اصحاب بن عباس كمجاهد ~~وعطاء بن أبى رباح ms4274 وعكرمة مولى بن عباس وغيرهم من اصحاب بن عباس كطاووس ~~وأبى الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم وكذلك أهل الكوفة من اصحاب بن مسعود ~~ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن ~~أسلم الذى أخذ عنه مالك التفسير وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن وأخذه عن ~~عبد الرحمن عبد الله بن وهب # و ( المراسيل ( اذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدا أو الاتفاق بغير ~~قصد كانت صحيحة قطعا فان النقل اما أن يكون صدقا مطابقا للخبر واما أن يكون ~~كذبا تعمد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان ~~صدقا بلا ريب # فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات وقد علم أن المخبرين لم يتواطآ على ~~اختلاقه وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا PageV13P347 بلا قصد ~~علم أنه صحيح مثل شخص يحدث عن واقعة جرت ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال ~~والأفعال ويأتى شخص آخر قد علم أنه لم يواطئ الأول فيذكر مثل ما ذكره الأول ~~من تفاصيل الأقوال والأفعال فيعلم قطعا ان تلك الواقعة حق في الجملة فانه ~~لو كان كل منهما كذبها عمدا أو خطأ لم يتفق في العادة أن يأتى كل منهما ~~بتلك التفاصيل التى تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما ~~لصاحبه فان الرجل قد يتفق أن ينظم بيتا وينظم الآخر مثله أو يكذب كذبة ~~ويكذب الآخر مثلها اما اذا أنشأ قصيدة طويلة ذات فنون على قافية وروى فلم ~~تجر العادة بأن غيره ينشئ مثلها لفظا ومعنى مع الطول المفرط بل يعلم ~~بالعادة أنه أخذها منه وكذلك اذا حدث حديثا طويلا فيه فنون وحدث آخر بمثله ~~فانه اما أن يكون واطأه عليه أو اخذه منه أو يكون الحديث صدقا وبهذه الطريق ~~يعلم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات وان لم ~~يكن أحدها كافيا اما لارساله واما لضعف ناقله لكن مثل هذا لا تضبط به ~~الألفاظ والدقائق ms4275 التى لا تعلم بهذه الطريق فلا يحتاج ذلك إلى طريق يثبت ~~بها مثل تلك الألفاظ والدقائق ولهذا ثبتت بالتواتر غزوة بدر وأنها قبل أحد ~~بل يعلم قطعا أن حمزة وعليا وعبيدة برزوا إلى عتبة وشيبة والوليد ~~PageV13P348 وأن عليا قتل الوليد وان حمزة قتل قرنه ثم يشك في قرنه هل هو ~~عتبة أو شيبة # وهذا الأصل ينبغى أن يعرف فانه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في ~~الحديث والتفسير والمغازى وما ينقل من اقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك # ولهذا اذا روى الحديث الذى يتأتى فيه ذلك عن النبى ( ( من وجهين مع العلم ~~بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر جزم بأنه حق لا سيما اذا علم أن نقلته ليسوا ~~ممن يتعمد الكذب وانما يخاف على أحدهم النسيان والغلط فان من عرف الصحابة ~~كابن مسعود وأبى بن كعب وبن عمر وجابر وأبى سعيد وأبى هريرة وغيرهم علم ~~يقينا أن الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذب على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ( فضلا عمن هو فوقهم كما يعلم الرجل من حال من جربه وخبره خبرة ~~باطنة طويلة أنه ليس ممن يسرق اموال الناس ويقطع الطريق ويشهد بالزور ونحو ~~ذلك # وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة فان من عرف مثل أبى صالح ~~السمان والأعرج وسليمان بن يسار وزيد بن أسلم وأمثالهم علم قطعا أنهم لم ~~يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث PageV13P349 فضلا عمن هو فوقهم مثل محمد ~~بن سيرين والقاسم بن محمد أو سعيد بن المسيب أو عبيدة السلمانى أو علقمة أو ~~الأسود أو نحوهم وانما يخاف على الواحد من الغلط فان الغلط والنسيان كثيرا ~~ما يعرض للانسان ومن الحفاظ من قد عرف الناس بعده عن ذلك جدا كما عرفوا حال ~~الشعبى والزهرى وعروة وقتادة والثورى وأمثالهم لا سيما الزهري في زمانه ~~والثورى في زمانه فانه قد يقول القائل ان بن شهاب الزهري لا يعرف له غلط مع ~~كثرة حديثه وسعة حفظه # و ( المقصود ( أن الحديث الطويل اذا روى مثلا من ms4276 وجهين مختلفين من غير ~~مواطأة امتنع عليه أن يكون غلطا كما امتنع أن يكون كذبا فان الغلط لا يكون ~~في قصة طويلة متنوعة وانما يكون في بعضها فاذا روى هذا قصة طويلة متنوعة ~~ورواها الآخر مثلما رواها الأول من غير مواطأة امتنع الغلط في جميعها كما ~~امتنع الكذب في جميعها من غير مواطأة # ولهذا انما يقع في مثل ذلك غلط في بعض ما جرى في القصة مثل حديث اشتراء ~~النبى ( ( البعير من جابر فان من تأمل طرقه علم قطعا أن الحديث صحيح وان ~~كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن وقد بين ذلك البخارى في صحيحه فان جمهور ~~ما في البخارى ومسلم مما يقطع بأن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( قاله لأن ~~غالبه من هذا النحو ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق PageV13P350 ~~والأمة لا تجتمع على خطأ فلو كان الحديث كذبا في نفس الأمر والأمة مصدقة له ~~قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب وهذا اجماع ~~على الخطأ وذلك ممتنع وان كنا نحن بدون الاجماع نجوز الخطأ أو الكذب على ~~الخبر فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الاجماع على العلم الذى ثبت بظاهر أو قياس ~~ظنى أن يكون الحق في الباطن بخلاف ما اعتقدناه فاذا أجمعوا على الحكم جزمنا ~~بأن الحكم ثابت باطنا وظاهرا # ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن ( خبر الواحد ( اذا ~~تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم وهذا هو الذى ~~ذكره المصنفون في أصول الفقه من اصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد الا ~~فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من اهل الكلام انكروا ذلك ~~ولكن كثيرا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف ~~على ذلك وهو قول أكثر الاشعرية كابى إسحاق وبن فورك واما بن الباقلانى فهو ~~الذى أنكر ذلك وتبعه مثل أبى المعالى وأبى حامد وبن عقيل وبن الجوزى وبن ~~الخطيب والآمدى ونحو هؤلاء والأول هو الذى ذكره ms4277 الشيخ أبو حامد وابو الطيب ~~وابو إسحاق وأمثاله من أئمة الشافعية وهو الذى ذكره القاضي عبد الوهاب ~~وأمثاله من المالكية PageV13P351 وهو الذى ذكره أبو يعلى وابو الخطاب وابو ~~الحسن بن الزاغونى وأمثالهم من الحنبلية وهو الذى ذكره شمس الدين السرخسى ~~وأمثاله من الحنفية واذا كان الاجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به ~~فالاعتبار في ذلك باجماع اهل العلم بالحديث كما أن الاعتبار في الإجماع على ~~الأحكام باجماع أهل العلم بالأمر والنهى والاباحة # والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الإتفاق في العاده يوجب ~~العلم بمضمون المنقول لكن هذا ينتفع به كثيرا في علم أحوال الناقلين وفى ~~مثل هذا ينتفع بروايه المجهول والسيئ الحفظ وبالحديث المرسل ونحو ذلك ولهذا ~~كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الاحاديث ويقولون إنه يصلح للشواهد والاعتبار ~~ما لا يصلح لغيره قال أحمد قد أكتب حديث الرجل لاعتبره ومثل هذا بعبد الله ~~بن لهيعة قاضى مصر فانه كان من اكثر الناس حديثا ومن خيار الناس لكن بسبب ~~إحتراق كتبه وقع في حديثه المتاخر غلط فصار يعتبر بذلك ويستشهد به وكثيرا ~~مايقترن هو والليث بن سعد والليث حجه ثبت إمام وكما # أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذى فيه سوء حفظ فانهم أيضا يضعفون من ~~حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون بها ~~ويسمون هذا ( علم علل الحديث PageV13P352 وهو من أشرف علومهم بحيث يكون ~~الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه وغلطه فيه عرف اما بسبب ظاهر كما عرفوا ( ~~أن النبى ( ( تزوج ميمونة وهو حلال ( وأنه ( صلى في البيت ركعتين ( وجعلوا ~~رواية بن عباس لتزوجها حراما ولكونه لم يصل مما وقع فيه الغلط وكذلك أنه ( ~~اعتمر أربع عمر ( وعلموا أن قول بن عمر ( أنه اعتمر في رجب ( مما وقع فيه ~~الغلط وعلموا أنه تمتع وهو آمن في حجة الوداع وان قول عثمان لعلى ( كنا ~~يومئذ خائفين ( مما وقع فيه الغلط وان ما وقع في بعض طرق البخارى ( أن ~~النار لا تمتلئ حتى ينشئ ms4278 الله لها خلقا آخر ( مما وقع فيه الغلط وهذا كثير # والناس في هذا الباب طرفان طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن ~~معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف فيشك في صحة أحاديث أو في ~~القطع بها مع كونها معلومة مقطوعا بها عند أهل العلم به وطرف ممن يدعى ~~اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة أو راى حديثا ~~باسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته حتى ~~اذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلا له ~~في مسائل العلم مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون ان مثل هذا غلط PageV13P353 # وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق وقد يقطع بذلك فعليه ادلة يعلم ~~بها أنه كذب ويقطع بذلك مثل ما يقطع بكذب ما يرويه الوضاعون من اهل البدع ~~والغلو في الفضائل مثل حديث يوم عاشوراء وأمثاله مما فيه أن من صلى ركعتين ~~كان له كأجر كذا وكذا نبيا # وفى ( التفسير ( من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذى يرويه ~~الثعلبى والواحدى والزمخشرى في فضائل سور القرآن سورة سورة فانه موضوع ~~باتفاق أهل العلم # و ( الثعلبى ( هو في نفسه كان فيه خير ودين وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في ~~كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع و ( الواحدى ( صاحبه كان أبصر منه ~~بالعربية لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف والبغوى تفسيره مختصر من ~~الثعلبى لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة # والموضوعات في كتب التفسير كثيرة مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر ~~بالبسملة وحديث على الطويل في تصدقه بخاتمه في الصلاة فانه موضوع باتفاق ~~أهل العلم ومثل ما روى في قوله @QB@ ولكل قوم هاد @QE@ أنه على @QB@ وتعيها ~~أذن واعية @QE@ اذنك يا على PageV13P354 ### ||| فصل # وأما النوع الثانى من مستندى الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل ~~فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم باحسان ms4279 فان التفاسير التى يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد ~~فيها شيء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبد الرزاق ووكيع وعبد بن حميد وعبد ~~الرحمن بن إبراهيم دحيم ومثل تفسير الامام أحمد وإسحاق بن راهويه وبقى بن ~~مخلد وأبى بكر بن المنذر وسفيان بن عيينة وسنيد وبن جرير وبن أبى حاتم وأبى ~~سعيد الأشج وأبى عبد الله بن ماجه وبن مردويه ( احداهما ( قوم اعتقدوا ~~معانى ثم أرادوا حمل الفاظ القرآن عليها و ( الثانية ( قوم فسروا القرآن ~~بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر ~~إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به ف ( الأولون ( راعوا المعنى ~~الذى رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه الفاظ القرآن من الدلالة والبيان ~~PageV13P355 # و ( الآخرون ( راعوا مجرد اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربى من غير ~~نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في ~~احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة كما يغلط في ذلك الذين قبلهم كما أن ~~الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذى فسروا به القرآن كما يغلط في ~~ذلك الآخرون وان كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ونظر الأخرين إلى اللفظ ~~أسبق # والأولون ( صنفان ( تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به وتارة ~~يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به وفى كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا ~~نفيه أو اثباته من المعنى باطلا فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول وقد يكون ~~حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول # ( # وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فانه وقع أيضا في تفسير الحديث فالذين ~~أخطأوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبا يخالف ~~الحق الذى عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها ~~وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا ~~دلالة فيها وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن ~~PageV13P356 مواضعه ومن ms4280 هؤلاء فرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة ~~والقدرية والمرجئة وغيرهم # وهذا كالمعتزلة مثلا فانهم من أعظم الناس كلاما وجدالا وقد صنفوا تفاسير ~~على أصول مذهبهم مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الاصم شيخ إبراهيم بن ~~إسماعيل بن علية الذى كان يناظرالشافعى ومثل كتاب أبى على الجبائى والتفسير ~~الكبير للقاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى ولعلى بن عيسى الرمانى والكشاف ~~لأبى القاسم الزمخشرى فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة # وأصول المعتزلة ( خمسة ( يسمونها هم التوحيد والعدل والمنزلة بين ~~المنزلتين وانفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر # و ( توحيدهم ( هو توحيد الجهمية الذى مضمونه نفى الصفات وغير ذلك قالوا ~~ان الله لا يرى وان القرآن مخلوق وأنه ليس فوق العالم وأنه لا يقوم به علم ~~ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا مشيئة ولا صفة من الصفات # وأما ( عدلهم ( فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها ~~ولا هو قادر عليها كلها بل عندهم أن أفعال العباد لم PageV13P357 يخلقها ~~الله لا خيرها ولا شرها ولم يرد الا ما أمر به شرعا وما سوى ذلك فانه يكون ~~بغير مشيئته وقد وافقهم على ذلك متأخرو الشيعة كالمفيد وأبى جعفر الطوسى ~~وامثالهما ولأبى جعفر هذا تفسير على هذه الطريقة لكن يضم إلى ذلك قول ~~الامامية ألاثنى عشرية فان المعتزلة ليس فيهم من يقول بذلك ولا من ينكر ~~خلافة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى # ومن أصول المعتزلة مع الخوارج ( انفاذ الوعيد في الآخرة ( وأن الله لا ~~يقبل في أهل الكبائر شفاعة ولا يخرج منهم أحدا من النار ولا ريب أنه قد رد ~~عليهم طوائف من المرجئة والكرامية والكلابية وأتباعهم فأحسنوا تارة واساءوا ~~أخرى حتى صاروا في طرفى نقيض كما قد بسط في غير هذا الموضع والمقصود أن مثل ~~هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا الفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم وما ~~من تفسير من تفاسيرهم الباطلة الا ms4281 وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة وذلك من ~~جهتين تارة من العلم بفساد قولهم وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن ~~اما دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم ومن هؤلاء من يكون حسن ~~العبارة فصيحا ويدس البدع في PageV13P358 كلامه وأكثر الناس لا يعلمون ~~كصاحب الكشاف ونحوه حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من ~~تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر ~~في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التى يعلم أو يعتقد فسادها ولا ~~يهتدى لذلك # ثم أنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الامامية ثم الفلاسفة ثم ~~القرامطة وغيرهم فيما هو ابلغ من ذلك وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة ~~والرافضة فانهم فسروا القرآن بانواع لا يقضى العالم منها عجبه فتفسير ~~الرافضة كقولهم @QB@ تبت يدا أبي لهب @QE@ هما أبو بكر وعمر و @QB@ لئن ~~أشركت ليحبطن عملك @QE@ أى بين أبى بكر وعلى في الخلافة و @QB@ إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ هي عائشة و @QB@ فقاتلوا أئمة الكفر @QE@ طلحة ~~والزبير و @QB@ مرج البحرين @QE@ على وفاطمة و @QB@ اللؤلؤ والمرجان @QE@ ~~الحسن والحسين @QB@ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين @QE@ في على بن أبى طالب ~~و @QB@ عم يتساءلون عن النبإ العظيم @QE@ على بن أبى طالب و @QB@ إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون @QE@ هو على ويذكرون الحديث الموضوع باجماع أهل العلم وهو تصدقه ~~بخاتمه في الصلاة وكذلك قوله @QB@ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة @QE@ ~~نزلت في على لما اصيب بحمزة PageV13P359 # ومما يقارب هذا من بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله ~~@QB@ الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار @QE@ ان ~~الصابرين رسول الله والصادقين أبو بكر والقانتين عمر والمنفقين عثمان ~~والمستغفرين على وفى مثل قوله @QB@ محمد رسول الله والذين معه @QE@ أبو بكر ~~@QB@ أشداء على الكفار @QE@ عمر @QB@ رحماء بينهم @QE@ عثمان @QB@ تراهم ~~ركعا سجدا @QE@ على # وأعجب من ذلك قول بعضهم @QB@ والتين @QE@ أبو بكر @QB@ والزيتون @QE@ عمر ~~@QB@ وطور سينين @QE@ عثمان @QB@ وهذا ms4282 البلد الأمين @QE@ على وأمثال هذه ~~الخرافات التى تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال فان هذه ~~الالفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص وقوله تعالى @QB@ والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا @QE@ كل ذلك نعت للذين معه وهى التى ~~يسميها النحاة خبرا بعد خبر و ( المقصود هنا ( أنها كلها صفات لموصوف واحد ~~وهم الذين معه ولا يجوز أن يكون كل منها مرادا به شخص واحد وتتضمن تارة جعل ~~اللفظ المطلق العام منحصرا في شخص واحد كقوله ان قوله @QB@ إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا @QE@ أريد بها على وحده وقول بعضهم ان قوله @QB@ والذي ~~جاء بالصدق وصدق به @QE@ اريد بها أبو بكر وحده وقوله @QB@ لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل @QE@ أريد بها أبو بكر PageV13P360 وحده ونحو ~~ذلك # و ( تفسير بن عطية وأمثاله ( اتبع للسنة والجماعة واسلم من البدعة من ~~تفسير الزمخشرى ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على ~~وجهه لكان أحسن وأجمل فانه كثيرا ما ينقل من ( تفسير محمد بن جرير الطبرى ( ~~وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا ثم أنه يدع ما نقله بن جرير عن السلف لا ~~يحكيه بحال ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين وانما يعنى بهم طائفة من اهل ~~الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم وان ~~كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة لكن ينبغى أن يعطى كل ذى حق حقه ويعرف أن ~~هذا من جملة التفسير على المذهب # فإن الصحابة والتابعين والأئمة اذا كان لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم ~~فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من اهل البدع في مثل ~~هذا # و ( في الجملة ( من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما ~~يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك بل مبتدعا وان كان مجتهدا مغفورا له خطؤه ~~فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب PageV13P361 ونحن نعلم ms4283 أن ~~القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه ~~كما أنهم أعلم بالحق الذى بعث الله به رسوله ( ( فمن خالف قولهم وفسر ~~القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا ومعلوم أن كل من ~~خالف قولهم له شبهة يذكرها اما عقلية واما سمعية كما هو مبسوط في موضعه # و ( المقصود هنا ( التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير وان من أعظم ~~أسبابه البدع الباطلة التى دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه وفسروا ~~كلام الله ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ( بغير ما أريد به وتأولوه على غير ~~تأويله فمن اصول العلم بذلك أن يعلم الانسان القول الذى خالفوه وأنه الحق ~~وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع ثم ~~أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان ~~الحق # وكذلك وقع من الذين صنفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما ~~وقع فيما صنفوه من شرح القرآن وتفسيره # وأما الذين يخطئون في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ ~~والفقهاء وغيرهم يفسرون القرآن بمعان صحيحة لكن القرآن لا يدل عليها مثل ~~كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمى في حقائق PageV13P362 التفسير وان كان ~~فيما ذكروه ما هو معان باطلة فان ذلك يدخل في القسم الأول وهو الخطأ في ~~الدليل والمدلول جميعا حيث يكون المعنى الذى قصدوه فاسدا # ) ### ||| فصل # فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير فالجواب ان اصح الطرق في ذلك أن يفسر ~~القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فانه قد فسر في موضع آخر وما اختصر من ~~مكان فقد بسط في موضع آخر فان أعياك ذلك فعليك بالسنة فانها شارحة للقرآن ~~وموضحة له بل قد قال الامام أبو عبد الله محمد بن ادريس الشافعى كل ما حكم ~~به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( فهو مما فهمه من القرآن قال الله ~~تعالى @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ms4284 ~~ولا تكن للخائنين خصيما @QE@ وقال تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ ولهذا ~~قال رسول الله ( ( الا انى أوتيت القرآن ومثله معه ( يعنى السنة ~~PageV13P363 # والسنة أيضا تنزل عليه بالوحى كما ينزل القرآن لا أنها تتلى كما يتلى وقد ~~استدل الامام الشافعى وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ~~ذلك # والغرض انك تطلب تفسير القرآن منه فان لم تجده فمن السنة كما قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ( لمعاذ حين بعثه إلى اليمن ( بم تحكم قال بكتاب ~~الله قال فان لم تجد قال بسنة رسول الله قال فان لم تجد قال أجتهد رأيى قال ~~فضرب رسول الله ( ( في صدره وقال الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله ( ( ~~لما يرضى رسول الله ( وهذا الحديث في المساند والسنن باسناد جيد # وحينئذ اذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى ~~أقوال الصحابة فانهم أدري بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التى اختصوا ~~بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماؤهم ~~وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ( مثل عبد ~~الله بن مسعود ( قال الامام أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى حدثنا أبو كريب ~~قال انبأنا جابر بن نوح أنبأنا الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق قال قال عبد ~~الله يعنى بن مسعود والذى لا اله غيره ما نزلت آية من كتاب الله الا وأنا ~~اعلم PageV13P364 فيمن نزلت واين نزلت ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله ~~منى تناوله المطايا لاتيته وقال الأعمش ايضا عن أبى وائل عن بن مسعود قال ~~كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن # ومنهم الحبر البحر ( عبد الله بن عباس ( بن عم رسول الله ( ( وترجمان ~~القرآن ببركة دعاء رسول الله ( ( له حيث قال ( اللهم فقهه في الدين وعلمه ~~التأويل ms4285 ( وقال بن جرير حدثنا محمد بن بشار أنبأنا وكيع أنبأنا سفيان عن ~~الأعمش عن مسلم عن مسروق قال قال عبد الله يعنى بن مسعود نعم ترجمان القرآن ~~بن عباس ثم رواه عن يحيى بن داود عن إسحاق الازرق عن سفيان عن الأعمش عن ~~مسلم بن صبيح أبى الضحى عن مسروق عن بن مسعود أنه قال نعم الترجمان للقرآن ~~بن عباس ثم رواه عن بندار عن جعفر بن عون عن الأعمش به كذلك فهذا اسناد ~~صحيح إلى بن مسعود أنه قال عن بن عباس هذه العبارة وقد مات بن مسعود في سنة ~~ثلاث وثلاثين على الصحيح وعمر بعده بن عباس ستا وثلاثين سنة فما ظنك بما ~~كسبه من العلوم بعد بن مسعود وقال الأعمش عن أبى وائل استخلف على عبد الله ~~بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة وفى PageV13P365 ~~رواية سورة النور ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا # ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير في تفسيره عن ~~هذين الرجلين بن مسعود وبن عباس ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه ~~من أقاويل أهل الكتاب التى أباحها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( حيث ~~قال ( بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى اسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار ( رواه البخارى عن عبد الله بن عمرو ولهذا كان عبد ~~الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث ~~منهما بما فهمه من هذا الحديث من الاذن في ذلك ( # ولكن هذه الأحاديث الاسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد فانها على ~~ثلاثة أقسام # ( أحدها ( ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح # ( والثانى ( ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه # ( والثالث ( ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل فلا ~~نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم PageV13P366 وغالب ذلك مما لا ~~فائدة فيه تعود إلى أمر دينى ms4286 ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا ~~كثيرا ويأتى عن المفسرين خلاف بسبب ذلك كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب ~~الكهف ولون كلبهم وعدتهم وعصا موسى من أى الشجر كانت وأسماء الطيور التى ~~أحياها الله لابراهيم وتعيين البعض الذى ضرب به القتيل من البقرة ونوع ~~الشجرة التى كلم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما ~~لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم ولكن نقل الخلاف ~~عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى @QB@ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون ~~خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم ~~بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم ~~منهم أحدا @QE@ # فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغى ~~في مثل هذا فانه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعف القولين الأولين وسكت عن ~~الثالث فدل على صحته اذ لو كان باطلا لرده كما ردهما ثم ارشد إلى أن ~~الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته فيقال في مثل هذا @QB@ قل ربي أعلم بعدتهم ~~@QE@ فانه ما يعلم بذلك الا قليل من الناس ممن اطلعه الله عليه فلهذا قال ~~@QB@ فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا @QE@ أى لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ~~ولا تسألهم عن ذلك فإنهم PageV13P367 لا يعلمون من ذلك الا رجم الغيب # فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وان ~~ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول ~~النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الاهم فأما من حكى خلافا ~~في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص اذ قد يكون الصواب في الذى ~~تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا ~~فان صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب أو جاهلا فقد أخطأ كذلك من نصب ~~الخلاف فيما لا فائدة ms4287 تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول ~~أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبى زور ~~والله الموفق للصواب ### ||| فصل # اذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع ~~كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين # ( كمجاهد بن جبر ( فانه كان آية في التفسير كما قال محمد بن إسحاق حدثنا ~~PageV13P368 ابان بن صالح عن مجاهد قال عرضت المصحف على بن عباس ثلاث عرضات ~~من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه واسأله عنها وبه إلى الترمذى ~~قال حدثنا الحسين بن مهدى البصرى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال ما ~~في القرآن آية الا وقد سمعت فيها شيئا وبه إليه قال حدثنا بن أبى عمر حدثنا ~~سفيان بن عيينة عن الأعمش قال قال مجاهد لو كنت قرأت قراءة بن مسعود لم ~~احتج أن أسأل بن عباس عن كثير من القرآن مما سألت وقال بن جرير حدثنا أبو ~~كريب قال حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكى عن بن أبى مليكة قال رأيت ~~مجاهدا سأل بن عباس عن تفسير القرآن ومعه الواحه قال فيقول له بن عباس اكتب ~~حتى سأله عن التفسير كله ولهذا كان سفيان الثورى يقول اذا جاءك التفسير عن ~~مجاهد فحسبك به # وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى بن عباس وعطاء بن أبى رباح والحسن البصرى ~~ومسروق بن الاجدع وسعيد بن المسيب وأبى العالية والربيع بن أنس وقتادة ~~والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم فتذكر أقوالهم في ~~الآية فيقع في عباراتهم تباين في الالفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا ~~فيحكيها أقوالا وليس كذلك فان منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره ومنهم ~~من PageV13P369 ينص على الشيء بعينه والكل بمعنى واحد في كثير من الاماكن ~~فليتفطن اللبيب لذلك والله الهادى # وقال شعبة بن الحجاج وغيره أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون ~~حجة في التفسير يعنى أنها ms4288 لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم وهذا صحيح اما ~~اذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة فان اختلفوا فلا يكون قول ~~بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة ~~أو عموم لغة العرب أو اقوال الصحابة في ذلك # فأما ( تفسير القرآن بمجرد الرأى ( فحرام حدثنا مؤمل حدثنا سفيان حدثنا ~~عبد الاعلى عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله ( ( من قال في ~~القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ( حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن ~~عبدالاعلى الثعلبى عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ( وبه ~~إلى الترمذى قال حدثنا عبد بن حميد حدثنى حسان بن هلال قال حدثنا سهيل أخو ~~حزم القطعى قال حدثنا أبو عمران الجونى عن جندب قال قال رسول الله ( ( من ~~قال في القرآن برايه فاصاب فقد أخطأ ( قال الترمذى هذا حديث غريب وقد ~~PageV13P370 تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبى حزم # وهكذا روى بعض أهل العلم من اصحاب النبى ( ( وغيرهم أنهم شددوا في أن ~~يفسر القرآن بغير علم وأما الذى روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما من اهل العلم ~~أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسروه بغير علم أو ~~من قبل أنفسهم وقد روى عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل ~~انفسهم بغير علم فمن قال في القرآن برايه فقد تكلف ما لا علم له به وسلك ~~غير ما امر به فلو أنه اصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ لأنه لم يأت ~~الامر من بابه كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وان وافق حكمه ~~الصواب في نفس الأمر لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ والله أعلم وهكذا سمى الله ~~تعالى القذفة كاذبين فقال @QB@ فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون ms4289 @QE@ فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر لأنه أخبر ~~بما لا يحل له الاخبار به وتكلف ما لا علم له به والله أعلم # ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به كما روى شعبة عن ~~سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبى معمر قال قال أبو بكر الصديق أى أرض ~~تقلنى وأى سماء تظلنى اذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم وقال أبو عبيد ~~القاسم بن سلام حدثنا محمود بن يزيد PageV13P371 عن العوام بن حوشب عن ~~إبراهيم التيمي ان أبا بكر الصديق سئل عن قوله @QB@ وفاكهة وأبا @QE@ فقال ~~أى سماء تظلنى وأى أرض تقلنى ان أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم منقطع ~~وقال أبو عبيد أيضا حدثنا يزيد عن حميد عن انس أن عمر بن الخطاب قرأ على ~~المنبر @QB@ وفاكهة وأبا @QE@ فقال هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب ثم رجع ~~إلى نفسه فقال ان هذا لهو التكلف يا عمر وقال عبد بن حميد حدثنا سليمان بن ~~حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال كنا عند عمر بن الخطاب وفى ~~ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ @QB@ وفاكهة وأبا @QE@ فقال ما الأب ثم قال ان ~~هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه # وهذا كله محمول على أنهما رضى الله عنهما انما أرادا استكشاف علم كيفية ~~الاب والا فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل لقوله تعالى @QB@ فأنبتنا فيها ~~حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا @QE@ # وقال بن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا بن علية عن أيوب عن بن ~~أبى مليكة ان بن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فابى أن يقول ~~فيها اسناده صحيح وقال أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ايوب عن بن ~~ابى مليكة قال سأل رجل بن عباس عن ( يوم كان مقداره ألف سنة ( فقال له ~~PageV13P372 بن عباس فما ( يوم كان مقداره خمسين الف سنة ( فقال ms4290 الرجل انما ~~سألتك لتحدثنى فقال بن عباس هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله اعلم بهما ~~فكره أن يقول في كتاب الله ما لايعلم وقال بن جرير حدثنى يعقوب يعنى بن ~~إبراهيم حدثنا بن علية عن مهدى بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال جاء طلق بن ~~حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن فقال احرج عليك أن كنت ~~مسلما لما قمت عنى أو قال ان تجالسنى وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن ~~المسيب أنه كان اذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال انا لا نقول في القرآن ~~شيئا # وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يتكلم الا في ~~المعلوم من القرآن وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال سأل رجل سعيد بن المسيب عن ~~آية من القرآن فقال لا تسألنى عن القرآن وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه ~~شيء يعنى عكرمة وقال بن شوذب حدثنى يزيد بن أبى يزيد قال كنا نسأل سعيد بن ~~المسيب عن الحلال والحرام وكان اعلم الناس فاذا سألناه عن تفسير آية من ~~القرآن سكت كأن لم يسمع # وقال بن جرير حدثنى أحمد بن عبدة الضبى حدثنا حماد بن زيد حدثنا عبيد ~~الله بن عمر قال لقد أدركت فقهاء المدينة وأنهم PageV13P373 ليعظمون القول ~~في التفسير منهم سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب ونافع ~~وقال أبو عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال ما ~~سمعت أبى تأول آية من كتاب الله قط وقال ايوب وبن عون وهشام الدستوائى عن ~~محمد بن سيرين قال سألت عبيدة السلمانى عن آية من القرآن فقال ذهب الذين ~~كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن فاتق الله وعليك بالسداد # وقال أبو عبيد حدثنا معاذ عن بن عون عن عبيد الله بن مسلم بن يسار عن ~~أبيه قال اذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله ms4291 وما بعده حدثنا هشيم عن ~~مغيرة عن إبراهيم قال كان اصحابنا يتقون التفسير ويهابونه وقال شعبة عن عبد ~~الله بن ابى السفر قال قال الشعبى والله ما من آية الا وقد سألت عنها ~~ولكنها الرواية عن الله وقال أبو عبيد حدثنا هشيم أنبأنا عمر بن أبى زائدة ~~عن الشعبى عن مسروق قال اتقوا التفسير فانما هو الرواية عن الله # فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن ~~الكلام في التفسير بما لا علم لهم به فاما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة ~~وشرعا فلا حرج عليه ولهذا روى عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة ~~لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه وهذا هو الواجب على كل أحد فإنه ~~كما يجب السكوت عما PageV13P374 لا علم له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه ~~مما يعلمه لقوله تعالى @QB@ لتبيننه للناس ولا تكتمونه @QE@ ولما جاء في ~~الحديث المروى من طرق ( من سئل عن علم فكتمه الجم يوم القيامة بلجام من نار ~~( # وقال بن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن ابى الزناد ~~قال قال بن عباس التفسير على أربعة أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها وتفسير ~~لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه الا الله والله ~~سبحانه وتعالى أعلم PageV13P375 ### || 1 ( التفسير ) 1 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( فصل ( # لما بعث الله محمدا ( صلى الله عليه وسلم ( بكتابه الذى هو الهدى والشفاء ~~والنور وجعله أحسن الحديث وأحسن القصص وجعله الصراط المستقيم لأهل العقل ~~والتدبر ولأهل التلاوة والذكر ولأهل الاستماع والحال فالمعتصمون به علما ~~وحالا وتلاوة وسمعا باطنا وظاهرا هم المسلمون حقا خاصة أمة محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ( ثم لما انحرف من انحرف من أهل الكلام والحروف إلى كلام غيره ~~ومن أهل السماع والصوت إلى سماع غيره كان الانحراف في أربع طوائف متجانسة # قوم تركوا التعلم منه والنظر فيه والتدبر له إلى كلام غيره من كلام ~~الصابئة أو اليهود أو ما ms4292 هو مولد من ذلك أو مجانس له أو نحو ذلك وهم منحرفة ~~المتكلمة # وبازائهم قوم أقاموا حروفه وحفظوه وتلوه من غير فقه فيه ولا PageV13P376 ~~فهم لمعانيه ولا معرفة للمقالات التى توافقه أو تخالفه ووجه بيانه لمسائلها ~~ودلائلها وهم ظاهرية القراء والمحدثين ونحوهم وهذان الصنفان نظير متفقه لا ~~يعرف الحديث أو صاحب حديث لا يتفقه فيه وكذلك متكلم لا يتدبر القرآن أو ~~قارئ لا يعرف من القرآن أنواع الكلام الحق والباطل فهاتان فرقتان علميتان # ( والثالثة ( قوم تركوا استماع القلوب له والتنعم به وتحرك القلب عن ~~محركاته وذوق حلاوته ووجود طعمه إلى سماع اصوات غيره من شعر أو ملاهى من ~~اصوات الصابئة أو النصارى أو ما هو مولد عن ذلك ومجانس له أو نحو ذلك وهم ~~منحرفة المتصوفة والمتفقرة # وبازائهم قوم يصوتون به ويسمعون قراءته من غير تحرك عنه ولا وجد فيه ولا ~~ذوق لحقائقه ومعانيه وهم ظاهرية العباد والمتطوعة والمتقرئة فهذان الصنفان ~~صاحب حال تحرك الاصوات حاله وليست تلك الحركة والحال عن الصوت بالقرآن ~~وصاحب مقال يميز بين الاقوال وينظر فيها وليس ذلك النظر والمقال عن القرآن ~~وبازائهما صاحب عبادة ظاهرة معه استماع ظاهر القرآن وتلاوته وصاحب علم ظاهر ~~معه حفظ حروف القرآن أو تفسير حروفه من غريبه واعرابه وأسباب نزوله ونحو ~~ذلك فهذه الاقسام الاربعة الذين وقفوا مع ظاهر العلم والعمل المشروعين ~~والذين خاضوا في باطن العلم PageV13P377 والعمل لكن غير المشروعين جاء ~~التفريط والاعتداء منهم # ولهذا وقع بينهم التعادى فالاولون يرمون الآخرين بالبدعة والضلالة وقد ~~صدقوا والآخرون ينسبون الاولين إلى الجهالة والعجز وقد صدقوا ثم قد يكون مع ~~بعض الاولين كثير من العلم والعمل المشروع كما قد يكون مع بعض الآخرين كثير ~~من العلم الباطن والحال الكامن كما قد روى الحسن البصرى في مراسيله عن ~~النبى ( ( أنه قال ( العلم علمان علم في القلب وعلم في اللسان فعلم القلب ~~هو العلم النافع وعلم اللسان حجة الله على عباده ( وقال يحيى بن سعيد ~~التيمي أبو حيان فيما رواه الخلال في جامعه عن ms4293 الثورى ( العلماء ثلاثة ~~فعالم بالله ليس عالما بأمر الله وعالم بأمر الله ليس عالما بالله وعالم ~~بالله وبأمر الله PageV13P378 # قال شيخ الاسلام قدس الله روحه ( ### ||| فصل # ( # وأما سؤاله عن ( اجراء القرآن على ظاهره ( فانه اذا آمن بما وصف الله به ~~نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تكييف فقد اتبع سبيل المؤمنين # ولفظ ( الظاهر ( في عرف المتأخرين قد صار فيه اشتراك فان أراد باجرائه ~~على الظاهر الذى هو من خصائص المخلوقين حتى يشبه الله بخلقه فهذا ضال بل ~~يجب القطع بأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ~~فقد قال بن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء يعنى أن موعود ~~الله في الجنة من الذهب والحرير والخمر واللبن تخالف حقائقه حقائق هذه ~~الأمور الموجودة في الدنيا فالله تعالى أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا ~~يدركه العباد PageV13P379 ليست حقيقته كحقيقة شيء منها واما ان أراد ~~باجرائه على الظاهر الذى هو الظاهر في عرف سلف الأمة لا يحرف الكلم عن ~~مواضعه ولا يلحد في أسماء الله تعالى ولا يقرأ القرآن والحديث بما يخالف ~~تفسير سلف الأمة واهل السنة بل يجرى ذلك على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه ~~دلائل الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة فهذا مصيب في ذلك وهو الحق # وهذه جملة لا يسع هذا الموضع تفصيلها والله أعلم PageV13P380 ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوله ( ( من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ( فاختلاف ~~المفسرين في آية واحدة ان كان بالرأى فكيف النجاة وان لم يكن بالرأى فكيف ~~وقع الاختلاف والحق لا يكون في طرفى نقيض افتونا ### ||||| فأجاب رحمه الله تعالى # ينبغى أن يعلم ان الاختلاف الواقع من المفسرين ~~وغيرهم على وجهين # ( أحدهما ( ليس فيه تضاد وتناقض بل يمكن أن يكون كل منهما حقا وانما هو ~~اختلاف تنوع أو اختلاف في الصفات أو العبادات وعامة الاختلاف الثابت عن ~~مفسرى السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب فان الله سبحانه اذا ذكر ~~في ms4294 القرآن اسما مثل قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ فكل من المفسرين ~~يعبر عن الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته وكل ذلك حق بمنزلة ~~ما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء كل اسم منها يدل على صفة من صفاته فيقول ~~بعضهم ( الصراط المستقيم ( كتاب الله أو اتباع كتاب الله PageV13P381 ويقول ~~الآخر ( الصراط المستقيم ( هو الاسلام أو دين الاسلام ويقول الآخر ( الصراط ~~المستقيم ( هو السنة والجماعة ويقول الآخر ( الصراط المستقيم ( طريق ~~العبودية أو طريق الخوف والرجاء والحب وامتثال المأمور واجتناب المحظور أو ~~متابعة الكتاب والسنة أو العمل بطاعة الله أو نحو هذه الاسماء والعبارات # ومعلوم أن المسمى هو واحد وان تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته كما ~~اذا قيل محمد هو أحمد وهو الحاشر وهو الماحى وهو العاقب وهو خاتم المرسلين ~~وهو نبى الرحمة وهو نبى الملحمة # وكذلك اذا قيل القرآن هو الفرقان والنور والشفاء والذكر الحكيم والكتاب ~~الذى أحكمت آياته ثم فصلت # وكذلك أسماء الله الحسنى ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء ~~عليم ( وهو ( الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى والذى أخرج المرعى فجعله غثاء ~~أحوى ( هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ~~هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر ( هو الله الخالق البارئ المصور وأمثال ذلك ( # PageV13P382 # فهو سبحانه واحد صمد وأسماؤه الحسنى تدل كلها على ذاته ويدل هذا من صفاته ~~على ما لا يدل عليه الآخر فهي متفقة في الدلالة على الذات متنوعة في ~~الدلالة على الصفات فالاسم يدل على الذات والصفة المعينة بالمطابقة ويدل ~~على أحدهما بطريق التضمن وكل اسم يدل على الصفة التى دل عليها بالالتزام ~~لأنه يدل على الذات المتكنى به جميع الصفات فكثير من التفسير والترجمة تكون ~~من هذا الوجه # ومنه ( قسم آخر ( وهو أن يذكر المفسر والمترجم معنى اللفظ على سبيل ~~التعيين والتمثيل لا على سبيل الحد والحصر مثل أن يقول قائل من العجم ما ~~معنى الخبز فيشار له إلى ms4295 رغيف وليس المقصود مجرد عينه وانما الاشارة إلى ~~تعيين هذا الشخص # وهذا كما اذا سئلوا عن قوله @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات @QE@ أو عن قوله @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون @QE@ أو عن ( الصالحين ( أو ( الظالمين ( ونحو ذلك من الاسماء ~~العامة الجامعة التى قد يتعسر أو يتعذر على المستمع أو المتكلم ضبط مجموع ~~معناه اذ لا يكون محتاجا إلى ذلك فيذكر له من أنواعه واشخاصه ما يحصل به ~~غرضه وقد يستدل به على نظائره # فإن الظالم لنفسه هو تارك المأمور فاعل المحظور و ( المقتصد PageV13P383 ~~هو فاعل الواجب وتارك المحرم و ( السابق ( هو فاعل الواجب والمستحب وتارك ~~المحرم والمكروه # فيقول المجيب بحسب حاجة السائل ( الظالم ( الذى يفوت الصلاة والذى لا ~~يسبغ الوضوء أو الذى لا يتم الاركان ونحو ذلك و ( المقتصد ( الذى يصلى في ~~الوقت كما أمر و ( السابق بالخيرات ( الذى يصلى الصلاة بواجباتها ~~ومستحباتها ويأتى بالنوافل المستحبة معها وكذلك يقول مثل هذا في الزكاة ~~والصوم والحج وسائر الواجبات # وقد روى عن بن عباس رضى الله عنهما أنه قال التفسير على أربعة أوجه تفسير ~~تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء ~~وتفسير لا يعلمه الا الله فمن ادعى علمه فهو كاذب # والصحابة اخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه كما أخذوا عنه السنة وان كان ~~من الناس من غير السنة فمن الناس من غير بعض معانى القرآن اذ لم يتمكن من ~~تغيير لفظه # و ( أيضا ( فقد يخفى على بعض العلماء بعض معانى القرآن كما خفى عليه بعض ~~السنة فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب والله اعلم PageV13P384 ### |||| سئل شيخ الاسلام # عن جندى نسخ بيده صحيح مسلم والبخارى والقرآن وهو ناو كتابة الحديث ~~والقرآن العظيم وان سمع بورق أو اقلام اشترى بألف درهم وقال أنا إن شاء ~~الله أكتب في جميع هذا الورق أحاديث الرسول والقرآن ويؤمل آمالا بعيدة فهل ~~يأثم أو لا وأى التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة الزمخشرى أم القرطبى أم ~~البغوى ms4296 أو غير هؤلاء ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس عليه اثم فيما ينويه ويفعله من كتابة العلوم الشرعية ~~فان كتابة القرآن والأحاديث الصحيحة والتفاسير الموجودة الثابتة من أعظم ~~القربات والطاعات # وأما ( التفاسير ( التى في ايدى الناس فأصحها ( تفسير محمد بن جرير ~~الطبرى ( فانه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل ~~عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبى والتفاسير غير المأثورة بالأسانيد ~~كثيرة كتفسير عبد الرزاق وعبد بن حميد ووكيع وبن أبى قتيبة وأحمد بن حنبل ~~واسحاق بن راهويه PageV13P385 # وأما ( التفاسير الثلاثة ( المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والاحاديث ~~الضعيفة ( البغوى ( لكنه مختصر من ( تفسير الثعلبي ( وحذف منه الأحاديث ~~الموضوعة والبدع التى فيه وحذف أشياء غير ذلك وأما ( الواحدى ( فانه تلميذ ~~الثعلبى وهو أخبر منه بالعربية لكن الثعلبى فيه سلامة من البدع وان ذكرها ~~تقليدا لغيره وتفسيره و ( تفسير الواحدى البسيط والوسيط والوجيز ( فيها ~~فوائد جليلة وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها # وأما ( الزمخشرى ( فتفسيره محشو بالبدعة وعلى طريقة المعتزلة من انكار ~~الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن وأنكر أن الله مريد للكائنات وخالق ~~لأفعال العباد وغير ذلك من اصول المعتزلة و # ( أصولهم خمسة ( يسمونها التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وانفاذ ~~الوعيد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر # لكن معنى ( التوحيد ( عندهم يتضمن نفى الصفات ولهذا سمى بن التومرت ~~أصحابه الموحدين وهذا انما هو الحاد في أسماء الله وآياته PageV13P386 ~~ومعنى ( العدل ( عندهم يتضمن التكذيب بالقدر وهو خلق أفعال العباد وارادة ~~الكائنات والقدرة على شيء ومنهم من ينكر تقدم العلم والكتاب لكن هذا قول ~~أئمتهم وهؤلاء منصب الزمخشرى فان مذهبه مذهب المغيرة بن على وابى هاشم ~~وأتباعهم ومذهب أبى الحسين والمعتزلة الذين على طريقته نوعان مسايخية ~~وخشبية # وأما ( المنزلة بين المنزلتين ( فهي عندهم أن الفاسق لا يسمى مؤمنا بوجه ~~من الوجوه كما لا يسمى كافرا فنزلوه بين منزلتين و ( انفاذ الوعيد ( عندهم ~~معناه أن فساق الملة مخلدون في النار لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك ~~كما تقوله الخوارج و ( الأمر بالمعروف والنهى عن ms4297 المنكر ( يتضمن عندهم جواز ~~الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وهذه الأصول حشا ( بها ( كتابه بعبارة لا ~~يهتدى أكثر الناس اليها ولا لمقاصده فيها مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة ~~ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين # و ( تفسير القرطبى ( خير منه بكثير وأقرب إلى طريقة أهل الكتاب والسنة ~~وأبعد عن البدع وان كان كل من هذه الكتب لابد أن يشتمل على ما ينقد لكن يجب ~~العدل بينها PageV13P387 واعطاء كل ذى حق حقه # و ( تفسير بن عطية ( خير من تفسير الزمخشرى وأصح نقلا وبحثا وأبعد عن ~~البدع وان اشتمل على بعضها بل هو خير منه بكثير بل لعله أرجح هذه التفاسير ~~لكن تفسير بن جرير أصح من هذه كلها # وثم تفاسير أخر كثيرة جدا كتفسير بن الجوزى والماوردى PageV13P388 ### || 1 ( شرح حديث أنزل القرآن على سبعة ) 1 ### |||| وسئل # عن قول النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ( ~~ما المراد بهذه السبعة وهل هذه القراءات المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما ~~هي الأحرف السبعة أو واحد منها وما السبب الذى أوجب الاختلاف بين القراء ~~فيما احتمله خط المصحف وهل تجوز القراءة برواية الاعمش وبن محيصن وغيرهما ~~من القراءات الشاذة أم لا واذا جازت القراءة بها فهل تجوز الصلاة بها أم لا ~~أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه ( مسألة كبيرة ( قد تكلم فيها اصناف ~~العلماء من الفقهاء والقراء وأهل الحديث والتفسير والكلام وشرح الغريب ~~وغيرهم حتى صنف فيها التصنيف المفرد ومن آخر ما أفرد في ذلك ما صنفه الشيخ ~~أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعى المعروف بأبي شامة صاحب ~~( شرح الشاطبية PageV13P389 # فأما ذكر اقاويل الناس وأدلتهم وتقرير الحق فيها مبسوطا فيحتاج من ذكر ~~الأحاديث الواردة في ذلك وذكر الفاظها وسائر الأدلة إلى ما لا يتسع له هذا ~~المكان ولا يليق بمثل هذا الجواب ولكن نذكر النكت الجامعة التى تنبه على ~~المقصود بالجواب # فنقول لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن ( الأحرف السبعة ( التى ذكر ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ms4298 ( ان القرآن أنزل عليها ليست هي ( قراءات ~~القراء السبعة المشهورة ( بل اول من جمع قراءات هؤلاء هو الامام أبو بكر بن ~~مجاهد وكان على رأس المائة الثالثة ببغداد فانه احب أن يجمع المشهور من ~~قراءات الحرمين والعراقين والشام اذ هذه الامصار الخمسة هي التى خرج منها ~~علم النبوة من القرآن وتفسيره والحديث والفقه من الأعمال الباطنة والظاهرة ~~وسائر العلوم الدينية فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من ائمة قراء ~~هذه الامصار ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التى أنزل عليها القرآن لا ~~لاعتقاده أو اعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبعة هي الحروف السبعة ~~أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم # ولهذا قال من قال من ائمة القراء لولا ان بن مجاهد سبقنى إلى حمزة لجعلت ~~مكانه يعقوب الحضرمى امام جامع البصرة وامام قراء البصرة في زمانه في رأس ~~المائتين PageV13P390 # ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التى أنزل القرآن عليها لا تتضمن ~~تناقض المعنى وتضاده بل قد يكون معناها متفقا أو متقاربا كما قال عبد الله ~~بن مسعود انما هو كقول أحدكم أقبل وهلم وتعال # وقد يكون معنى أحدهما ليس هو معنى الآخر لكن كلا المعنيين حق وهذا اختلاف ~~تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض وهذا كما جاء في الحديث المرفوع عن ~~النبى ( ( في هذا حديث ( أنزل القرآن على سبعة احرف ان قلت غفورا رحيما أو ~~قلت عزيزا حكيما فالله كذلك ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب ~~بآية رحمة ( وهذا كما في القراءات المشهورة ( ربنا باعد وباعد ( إلا أن ~~يخافا ألا يقيما ( والا أن يخافا الا يقيما ( وان كان مكرهم لتزول وليزول ~~منه الجبال ( و ( بل عجبت وبل عجبت ( ونحو ذلك # ومن القراءات ما يكون المعنى فيها متفقا من وجه متباينا من وجه كقوله ( ~~يخدعون ويخادعون ( ويكذبون ويكذبون ( ولمستم ولامستم ( و ( حتى يطهرن ~~ويطهرن ( ونحو ذلك فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق وكل ~~قراءة منها مع القراءة ms4299 الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الايمان بها كلها ~~واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا لا يجوز ترك موجب احداهما لأجل ~~الأخرى ظنا أن ذلك PageV13P391 تعارض بل كما قال عبد الله بن مسعود رضى ~~الله عنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله # وأما ما اتحد لفظه ومعناه وانما يتنوع صفة النطق به كالهمزات والمدات ~~والامالات ونقل الحركات والاظهار والادغام والاختلاس وترقيق اللامات ~~والراءات أو تغليظها ونحو ذلك مما يسمى القرآءات الاصول فهذا أظهر وأبين في ~~أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى اذ هذه الصفات ~~المتنوعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا ولا يعد ذلك فيما ~~اختلف لفظه واتحد معناه أو اختلف معناه من المترادف ونحوه ولهذا كان دخول ~~هذا في حرف واحد من الحروف السبعة التى أنزل القرآن عليها من اولى ما يتنوع ~~فيه اللفظ أو المعنى وان وافق رسم المصحف وهو ما يختلف فيه النقط أو الشكل # ولذلك لم يتنازع علماء الاسلام المتبوعين من السلف والأئمة في أنه لا ~~يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع امصار المسلمين بل من ثبت ~~عنده قراءة الاعمش شيخ حمزة أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمى ونحوهما كما ~~ثبت عنده قراءة حمزة والكسائى فله أن يقرأ PageV13P392 بها بلا نزاع بين ~~العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الاجماع والخلاف بل أكثر العلماء ~~الأئمة الذين ادركوا قراءة حمزة كسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وبشر بن ~~الحارث وغيرهم يختارون قراءة أبى جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح المدنيين ~~وقراءة البصريين كشيوخ يعقوب بن إسحاق وغيرهم على قراء حمزة والكسائى # وللعلماء الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف عند العلماء ولهذا كان ~~ائمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشرة أو الاحد عشر كثبوت هذه ~~السبعة يجمعون ذلك في الكتب ويقرؤونه في الصلاة وخارج الصلاة وذلك متفق ~~عليه بين العلماء لم ينكره أحد منهم # وأما الذى ذكره القاضي عياض ومن نقل من ms4300 كلامه من الانكار على بن شنبوذ ~~الذى كان يقرأ بالشواذ في الصلاة في أثناء المائة الرابعة وجرت له قصة ~~مشهورة فإنما كان ذلك في القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف كما سنبينه # ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة ولكن من لم يكن عالما بها أو لم ~~تثبت عنده كمن يكون في بلد من بلاد الاسلام بالمغرب أو غيره ولم يتصل به ~~بعض هذه القراءات فليس له أن يقرأ بما لا يعلمه فان PageV13P393 القراءة ~~كما قال زيد بن ثابت سنة يأخذها الآخر عن الأول كما أن ما ثبت عن النبى ( ( ~~من أنواع الاستفتاحات في الصلاة ومن أنواع صفة الاذان والاقامة وصفة صلاة ~~الخوف وغير ذلك كله حسن يشرع العمل به لمن علمه واما من علم نوعا ولم يعلم ~~غيره فليس له أن يعدل عما علمه إلى ما لم يعلمه وليس له أن ينكر على من علم ~~ما لم يعلمه من ذلك ولا أن يخالفه كما قال النبى ( ( لا تختلفوا فان من كان ~~قبلكم اختلفوا فهلكوا ( ( # وأما القراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثمانى مثل قراءة بن مسعود ~~وأبى الدرداء رضى الله عنهما ( والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى والذكر ~~والانثى ( كما قد ثبت ذلك في الصحيحين ومثل قراءة عبد الله ( فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات ( وكقراءته ( ان كانت الازقية واحدة ( ونحو ذلك فهذه اذا ~~ثبتت عن بعض الصحابة فهل يجوز أن يقرأ بها في الصلاة على قولين للعلماء هما ~~روايتان مشهورتان عن الامام أحمد وروايتان عن مالك # ( إحداهما ( يجوز ذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرؤون بهذه الحروف في ~~الصلاة # ( والثانية ( لا يجوز ذلك وهو قول أكثر العلماء لأن هذه PageV13P394 ~~القراءات لم تثبت متواترة عن النبى ( ( وان ثبتت فانها منسوخة بالعرضة ~~الآخرة فانه قد ثبت في الصحاح عن عائشة وبن عباس رضى الله عنهم أن جبريل ~~عليه السلام كان يعارض النبى ( ( بالقرآن في كل عام مرة فلما كان العام ~~الذى قبض فيه عارضه به مرتين والعرضة الآخرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره ms4301 ~~وهى التى أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلى بكتابتها في ~~المصاحف وكتبها أبو بكر وعمر في خلافة ابى بكر في صحف أمر زيد بن ثابت ~~بكتابتها ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف وارسالها إلى الامصار ~~وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة على وغيره # وهذا النزاع لابد أن يبنى على الأصل الذى سأل عنه السائل وهو أن القراءات ~~السبعة هل هي حرف من الحروف السبعة أم لا فالذى عليه جمهور العلماء من ~~السلف والأئمة انها حرف من الحروف السبعة بل يقولون ان مصحف عثمان هو أحد ~~الحروف السبعة وهو متضمن للعرضة الآخرة التى عرضها النبى ( ( على جبريل ~~والاحاديث والآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول وذهب طوائف من ~~الفقهاء والقراء وأهل الكلام إلى أن هذا المصحف مشتمل على الأحرف السبعة ~~وقرر ذلك طوائف من أهل الكلام PageV13P395 كالقاضى أبى بكر الباقلانى وغيره ~~بناء على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الاحرف السبعة وقد ~~اتفقوا على نقل هذا المصحف الامام العثمانى وترك ما سواه حيث أمر عثمان ~~بنقل القرآن من الصحف التى كان أبو بكر وعمر كتبا القرآن فيها ثم أرسل ~~عثمان بمشاورة الصحابة إلى كل مصر من أمصار المسلمين بمصحف وأمر بترك ما ~~سوى ذلك # قال هؤلاء ولا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الاحرف السبعة ومن نصر قول ~~الاولين يجيب تارة بما ذكر محمد بن جرير وغيره من أن القراءة على الاحرف ~~السبعة لم يكن واجبا على الأمة وانما كان جائزا لهم مرخصا لهم فيه وقد جعل ~~اليهم الاختيار في أى حرف اختاروه كما أن ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم ~~منصوصا بل مفوضا إلى اجتهادهم ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله على غير ترتيب ~~مصحف زيد وكذلك مصحف غيره # وأما ترتيب آيات السور فهو منزل منصوص عليه فلم يكن لهم ان يقدموا آية ~~على آية في الرسم كما قدموا سورة على سورة لأن ترتيب الآيات مأمور به نصا ~~وأما ترتيب السور فمفوض ms4302 إلى اجتهادهم قالوا فكذلك الاحرف السبعة فلما راى ~~الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل اذا لم يجتمعوا على حرف واحد ~~اجتمعوا على ذلك PageV13P396 اجتماعا سائغا وهم معصومون أن يجتمعوا على ~~ضلالة ولم يكن في ذلك ترك لواجب ولا فعل لمحظور # ومن هؤلاء من يقول بان الترخيص في الاحرف السبعة كان في أول الاسلام لما ~~في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا فلما تذللت ألسنتهم ~~بالقراءة وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرا عليهم وهو أرفق بهم أجمعوا على ~~الحرف الذى كان في العرضة الآخرة ويقولون أنه نسخ ما سوى ذلك # وهؤلاء يوافق قولهم قول من يقول أن حروف أبى بن كعب وبن مسعود وغيرهما ~~مما يخالف رسم هذا المصحف منسوخة # ( # وأما من قال عن بن مسعود أنه كان يجوز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه ~~وانما قال قد نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة # وإنما هو كقول أحدكم اقبل وهلم وتعال فاقرؤوا كما علمتم أو كما قال ثم من ~~جوز القراءة بما يخرج عن المصحف مما ثبت عن الصحابة قال يجوز ذلك لأنه من ~~الحروف السبعة التى أنزل القرآن عليها ومن لم يجوزه فله ثلاثة مآخذ تارة ~~يقول ليس هو من الحروف PageV13P397 السبعة وتارة يقول هو من الحروف ~~المنسوخة وتارة يقول هو مما انعقد اجماع الصحابة على الاعراض عنه وتارة ~~يقول لم ينقل الينا نقلا يثبت بمثله القرآن وهذا هو الفرق بين المتقدمين ~~والمتأخرين # ولهذا كان في المسألة ( قول ثالث ( وهو اختيار جدى أبى البركات أنه ان ~~قرأ بهذه القراءات في القراءة الواجبة وهى الفاتحة عند القدرة عليها لم تصح ~~صلاته لأنه لم يتيقن أنه ادى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك وان ~~قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل صلاته لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل ~~لجواز أن يكون ذلك من الحروف السبعة التى أنزل عليها وهذا القول ينبنى على ~~( أصل ( وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة فهل يجب القطع بكونه ليس ~~منها ms4303 فالذى عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك اذ ليس ذلك مما أوجب ~~علينا أن يكون العلم به في النفى والاثبات قطعيا # وذهب فريق من أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه حتى قطع بعض هؤلاء كالقاضى ~~ابى بكر بخطأ الشافعى وغيره ممن أثبت البسملة آية من القرآن في غير سورة ~~النمل لزعمهم أن ما كان من موارد الاجتهاد في القرآن فانه يجب القطع بنفيه ~~والصواب PageV13P398 القطع بخطأ هؤلاء وان البسملة آية من كتاب الله حيث ~~كتبها الصحابة في المصحف اذ لم يكتبوا فيه الا القرآن وجردوه عما ليس منه ~~كالتخميس والتعشير وأسماء السور ولكن مع ذلك لا يقال هي من السورة التى ~~بعدها كما أنها ليست من السورة التى قبلها بل هي كما كتبت آية انزلها الله ~~في أول كل سورة وان لم تكن من السورة وهذا اعدل الاقوال الثلاثة في هذه ~~المسألة # وسواء قيل بالقطع في النفى أو الاثبات فذلك لا يمنع كونها من موارد ~~الاجتهاد التى لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافى ولا للمثبت بل قد يقال ما ~~قاله طائفة من العلماء ان كل واحد من القولين حق وأنها آية من القرآن في ~~بعض القراءات وهى قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين وليست آية في بعض ~~القراءات وهى قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها بين السورتين # وأما قول السائل ما السبب الذى أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط ~~المصحف فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ الشارع لهم القراءة ~~بذلك كله اذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه بل القراءة سنة متبعة وهم ~~اذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الامامى وقد قرأ بعضهم ~~بالياء وبعضهم بالتاء لم يكن واحد منهما خارجا عن المصحف ومما PageV13P399 # يوضح ذلك أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء ويتنوعون في بعض كما ~~اتفقوا في قوله تعالى @QB@ وما الله بغافل عما تعملون @QE@ في موضع وتنوعوا ~~في موضعين وقد بينا ان القراءتين كالآيتين فزيادة القراءات كزيادة الآيات ~~لكن ms4304 اذا كان الخط واحدا واللفظ محتملا كان ذلك أخصر في الرسم # والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف كما في الحديث ~~الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( ان ربى قال لى أن قم في قريش فأنذرهم فقلت ~~أى رب اذا يثلغوا رأسى أى يشدخوا فقال انى مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك ~~كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل ~~بمن أطاعك من عصاك وانفق أنفق عليك ( فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى ~~صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤه في كل حال كما جاء في نعت أمته ( أناجيلهم في ~~صدورهم ( بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه الا في الكتب ولا يقرأونه كله ~~الا نظرا لا عن ظهر قلب # وقد ثبت في الصحيح أنه جمع القرآن كله على عهد النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ( جماعة من الصحابة كالاربعة الذين من الانصار وكعبدالله بن عمرو ~~فتبين بما ذكرناه أن القراءات المنسوبة إلى PageV13P400 نافع وعاصم ليست هي ~~الاحرف السبعة التى أنزل القرآن عليها وذلك باتفاق علماء السلف والخلف # وكذلك ليست هذه القراءات السبعة هي مجموع حرف واحد من الاحرف السبعة التى ~~انزل القرآن عليها باتفاق العلماء المعتبرين بل القراءات الثابتة عن أئمة ~~القراء كالاعمش ويعقوب وخلف وأبى جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن نصاح ~~ونحوهم هي بمنزلة القراءات الثابتة عن هؤلاء السبعة عند من ثبت ذلك عنده ~~كما ثبت ذلك # وهذا أيضا مما لم يتنازع فيه الأئمة المتبوعون من أئمة الفقهاء والقراء ~~وغيرهم وانما تنازع الناس من الخلف في المصحف العثمانى الامام الذى اجمع ~~عليه أصحاب رسول الله ( ( والتابعون لهم باحسان والامة بعدهم هل هو بما فيه ~~من القراءات السبعة وتمام العشرة وغير ذلك هل هو حرف من الأحرف السبعة التى ~~أنزل القرآن عليها أو هو مجموع الاحرف السبعة على قولين مشهورين والاول قول ~~أئمة السلف والعلماء والثانى قول طوائف من اهل الكلام والقراء وغيرهم وهم ~~متفقون على أن الأحرف السبعة لا يخالف بعضها بعضا خلافا يتضاد ms4305 فيه المعنى ~~ويتناقض بل يصدق بعضها بعضا كما تصدق الآيات بعضها بعضا PageV13P401 # وسبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو تجويز الشارع وتسويغه ذلك ~~لهم اذ مرجع ذلك إلى السنة والاتباع لا إلى الرأى والابتداع # أما اذا قيل ان ذلك هي الاحرف السبعة فظاهر وكذلك بطريق الاولى اذا قيل ~~ان ذلك حرف من الأحرف السبعة فانه اذا كان قد سوغ لهم أن يقرؤوه على سبعة ~~أحرف كلها شاف كاف مع تنوع الأحرف في الرسم فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك في ~~الرسم وتنوعه في اللفظ أولى وأحرى وهذا من اسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت ~~غير مشكولة ولا منقوطة لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين كالتاء والياء ~~والفتح والضم وهم يضبطون باللفظ كلا الامرين ويكون دلالة الخط الواحد على ~~كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيها بدلالة اللفظ الواحد على ~~كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين فان أصحاب رسول الله ( ( تلقوا ~~عنه ما أمره الله بتبليغه اليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعا كما قال أبو ~~عبد الرحمن السلمى وهو الذى روى عن عثمان رضى الله عنه عن النبى ( ( أنه ~~قال ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ( كما رواه البخارى في صحيحه وكان يقرئ ~~القرآن اربعين سنة قال حدثنا الذين كانوا يقرئوننا عثمان بن عفان وعبد الله ~~بن مسعود وغيرهما انهم كانوا اذا تعلموا من النبى ( ( عشر آيات لم يجاوزوها ~~حتى PageV13P402 يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن ~~والعلم والعمل جميعا # ولهذا دخل في معنى قوله ? < خيركم من تعلم القرآن وعلمه > ? تعليم حروفه ~~ومعانيه جميعا بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه وذلك هو الذى ~~يزيد الايمان كما قال جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر وغيرهما تعلمنا ~~الايمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا ايمانا وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون ~~الايمان # وفى الصحيحين عن حذيفة قال حدثنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( ~~حديثين رأيت احدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا ( أن الامانة نزلت في جذر قلوب ~~الرجال ونزل القرآن ( وذكر الحديث بطوله ms4306 ولا تتسع هذه الورقة لذكر ذلك ~~وانما المقصود التنبيه على أن ذلك كله مما بلغه رسول الله ( ( إلى الناس # وبلغنا أصحابه عنه الايمان والقرآن حروفه ومعانيه وذلك مما أوحاه الله ~~إليه كما قال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ وتجوز ~~القراءة في الصلاة وخارجها بالقراءات الثابتة الموافقة لرسم المصحف كما ~~ثبتت هذه القراءات وليست شاذة حينئذ والله أعلم PageV13P403 ### |||| وسئل أيضا عن # ( جمع القراءات السبع ( هل هو سنة أم بدعة وهل جمعت على عهد رسول الله ( ~~( أم لا وهل لجامعها مزية ثواب على من قرأ برواية أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما نفس معرفة القراءة وحفظها فسنة متبعة يأخذها الآخر ~~عن الأول فمعرفة القرآن التى كان النبى ( ( يقرأ بها أو يقرهم على القراءة ~~بها أو يأذن لهم وقد أقروا بها سنة والعارف في القراءات الحافظ لها له مزية ~~على من لم يعرف ذلك ولا يعرف الا قراءة واحدة # وأما جمعها في الصلاة أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة وأما جمعها لأجل ~~الحفظ والدرس فهو من الاجتهاد الذى فعله طوائف في القراءة وأما الصحابة ~~PageV13P404 ### || 1 ( رسالة في تحزيب القرآن ) 1 # وقال شيخ الإسلام ( فصل ( # في ( تحزيب القرآن ( وفى ( كم يقرأ ( وفى ( مقدار الصيام والقيام المشروع ~~( عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال ( أنكحنى أبى امرأة ذات حسب فكان ~~يتعاهد ابنته فيسألها عن بعلها فتقول نعم الرجل لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش ~~لنا كنفا منذ أتيناه فلما طال ذلك عليه ذكر ذلك للنبى ( ( فقال القن به ~~فلقيته بعد فقال كيف تصوم قلت كل يوم قال متى أو كيف تختم قلت كل ليلة قال ~~صم من كل شهر ثلاثة أيام واقرأ القرآن في كل شهر قلت انى أطيق أكثر من ذلك ~~قال صم ثلاثة أيام من كل جمعة قلت انى أطيق أكثر من ذلك قال أفطر يومين وصم ~~يوما قال قلت انى أطيق أكثر ms4307 من ذلك قال صم افضل الصوم صوم داود صيام يوم ~~وافطار يوم واقرأ القرآن في كل سبع ليال مرة قال فليتنى قبلت رخصة رسول ~~الله ( ( وذلك أنى كبرت وضعفت ( فكان يقرأ على PageV13P405 بعض أهله السبع ~~من القرآن بالنهار والذى يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل فاذا ~~أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئا فارق عليه ~~النبى ( ( # وقال بعضهم في ثلاث وفى خمس وأكثرهم على سبع وفى لفظ ( اقرأ القرآن في ~~شهر قلت انى أجد قوة قال فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك ( رواه بكماله ~~البخارى وهذا لفظه وروى مسلم الحديث بنحوه واللفظ الآخر مثله وفى رواية ألم ~~أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة فقلت نعم يا نبى الله وفيه قال ( ~~اقرأ القرآن في كل شهر قال قلت يا نبى الله انى أطيق أفضل من ذلك قال ~~فاقرأه في كل عشر قال قلت يا نبى الله انى أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في ~~سبع ولا تزد على ذلك قال فشددت فشدد على ( وقال لى النبى ( ( إنك لا تدرى ~~لعلك يطول بك عمرك قال فصرت إلى الذى قال النبى ( ( وعن عبد الله بن عمرو ~~عن النبى ( ( قال ( اقرأ القرآن في كل ثلاث ( رواه أحمد وأبو داود # قلت هذه الرواية نبه عليها البخارى وقال بعضهم في ثلاث وهو معنى ما روى ~~عن سعد بن المنذر الانصارى أنه قال يا رسول الله أقرا القرآن في ثلاث قال ( ~~نعم ( وكان يقرؤه حتى توفى PageV13P406 رواه أحمد من طريق بن لهيعة وذكر أن ~~بعضهم قال في خمس وأكثرهم على سبع فالصحيح عندهم في حديث عبد الله بن عمرو ~~أنه انتهى به النبى ( ( إلى سبع كما أنه أمره ابتداء بقراءته في الشهر فجعل ~~الحد ما بين الشهر إلى الاسبوع وقد روى أنه امره ابتداء أن يقرأه في اربعين ~~وهذا في طرف السعة يناظر التثليث في طرف الاجتهاد # وأما رواية من روى ( من قرأ القرآن في أقل من ms4308 ثلاث لم يفقه ( فلا تنافى ~~رواية التسبيع فان هذا ليس أمرا لعبدالله بن عمرو ولا فيه أنه جعل قراءته ~~في ثلاث دائما سنة مشروعة وانما فيه الاخبار بأن من قرأه في أقل من ثلاث لم ~~يفقه ومفهومه مفهوم العدد وهو مفهوم صحيح أن من قرأه في ثلاث فصاعدا فحكمه ~~نقيض ذلك والتناقض يكون بالمخالفة ولو من بعض الوجوه # فإذا كان من يقرؤه في ثلاث أحيانا قد يفقهه حصل مقصود الحديث ولا يلزم ~~اذا شرع فعل ذلك أحيانا لبعض الناس أن تكون المداومة على ذلك مستحبة ولهذا ~~لم يعلم في الصحابة على عهده من داوم على ذلك أعنى على قراءته دائما فيما ~~دون السبع ولهذا كان الامام أحمد رحمه الله يقرؤه في كل سبع PageV13P407 # والمقصود بهذا الفصل أنه اذا كان التحزيب المستحب ما بين أسبوع إلى شهر ~~وإن كان قد روى ما بين ثلاث إلى أربعين فالصحابة انما كانوا يحزبونه سورا ~~تامة لا يحزبون السورة الواحدة كما روى أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول ~~الله ( ( في وفد ثقيف قال فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة ونزل رسول ~~الله ( ( بنى مالك في قبة له قال وكان كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا ~~قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام وأكثر ما يحدثنا ما لقى ~~من قومه من قريش ثم يقول لا سواء كنا مستضعفين مستذلين بمكة فلما خرجنا إلى ~~المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا فلما كانت ~~ليلة أبطأ عن الوقت الذى كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت عنا الليلة قال ~~إنه طرأ على حزبى من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه # قال أوس سألت اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( كيف تحزبون القرآن ~~قالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع واحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل واحد رواه ~~أبو داود وهذا لفظه وأحمد وبن ماجه وفى رواية للامام أحمد قالوا نحزبه ثلاث ~~سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور واحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب ms4309 المفصل من ( ق ~~( حتى يختم ورواه الطبرانى PageV13P408 في معجمه فسألنا أصحاب رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ( كيف كان رسول الله ( ( يحزب القرآن فقالوا كان رسول ~~الله ( ( يحزبه ثلاثا وخمسا فذكره وهذا الحديث يوافق معنى حديث عبد الله بن ~~عمرو في أن المسنون كان عندهم قراءته في سبع ولهذا جعلوه سبعة أحزاب ولم ~~يجعلوه ثلاثة ولا خمسة وفيه أنهم حزبوه بالسور وهذا معلوم بالتواتر فانه قد ~~علم أن أول ما جزئ القرآن بالحروف تجزئة ثمانية وعشرين وثلاثين وستين هذه ~~التى تكون رؤوس الأجزاء والأحزاب في أثناء السورة وأثناء القصة ونحو ذلك ~~كان في زمن الحجاج وما بعده وروى أن الحجاج أمر بذلك ومن العراق فشا ذلك ~~ولم يكن أهل المدينة يعرفون ذلك # وإذا كانت التجزئة بالحروف محدثة من عهد الحجاج بالعراق فمعلوم أن ~~الصحابة قبل ذلك على عهد النبى ( ( وبعده كان لهم تحزيب آخر فانهم كانوا ~~يقدرون تارة بالآيات فيقولون خمسون آية ستون آية وتارة بالسور لكن تسبيعه ~~بالآيات لم يروه أحد ولا ذكره أحد فتعين التحزيب بالسور # فإن قيل فترتيب سور القرآن ليس هو أمرا واجبا منصوصا PageV13P409 عليه ~~وإنما هو موكول إلى الناس ولهذا اختلف ترتيب مصاحف الصحابة رضى الله عنهم ~~ولهذا في كراهة تنكيس السور روايتان عن الامام أحمد ( إحداهما ( يكره لأنه ~~خلاف المصحف العثمانى المتفق عليه ( والثانية ( لا يكره كما يلقنه الصبيان ~~اذ قد ثبت عن النبى ( ( أنه قرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران قيل لا ريب ~~أن قراءة سورة بعد سورة لابد أن يكون مرتبا أكثر ما في الباب أن الترتيب ~~يكون أنواعا كما أنزل القرآن على أحرف وعلى هذا فهذا التحزيب يكون تابعا ~~لهذا الترتيب ويجوز أيضا ان يكون هذا التحزيب مع كل ترتيب فانه ليس في ~~الحديث تعيين السور # وهذا الذى كان عليه الصحابة هو الأحسن لوجوه # ( أحدها ( أن هذه التحزيبات المحدثة تتضمن دائما الوقوف على بعض الكلام ~~المتصل بما بعده حتى يتضمن الوقف على المعطوف دون المعطوف عليه فيحصل ~~القارئ في اليوم ms4310 الثانى مبتدئا بمعطوف كقوله تعالى @QB@ والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ وقوله @QB@ ومن يقنت منكن لله ورسوله @QE@ ~~وأمثال ذلك ويتضمن الوقف على بعض القصة دون بعض حتى كلام المتخاطبين حتى ~~يحصل الابتداء PageV13P410 في اليوم الثانى بكلام المجيب كقوله تعالى @QB@ ~~قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا @QE@ # ومثل هذه الوقوف لا يسوغ في المجلس الواحد اذا طال الفصل بينهما بأجنبى ~~ولهذا لو ألحق بالكلام عطف أو استثناء أو شرط ونحو ذلك بعد طول الفصل ~~بأجنبى لم يسغ باتفاق العلماء ولو تأخر القبول عن الايجاب بمثل ذلك بين ~~المتخاطبين لم يسغ ذلك بلا نزاع ومن حكى عن أحمد خلاف ذلك فقد أخطأ كما ~~أخطأ من نقل عن بن عباس في الأول خلاف ذلك وذلك أن المنقول عن أحمد أنه ~~فيما اذا كان المتعاقدان غائبين أو أحدهما غائب والآخر حاضرا فينقل الايجاب ~~أحدهما إلى الآخر فيقبل في مجلس البلاغ وهذا جائز بخلاف ما اذا كانا حاضرين ~~والذى في القرآن نقل كلام حاضرين متجاورين فكيف يسوغ أن يفرق هذا التفريق ~~لغير حاجة بخلاف ما اذا فرق في التلقين لعدم حفظ المتلقن ونحو ذلك # ( الثانى ( أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( كانت عادته الغالبة وعادة ~~أصحابه أن يقرأ في الصلاة بسورة ك ( ق ( ونحوها وكما كان عمر رضى الله عنه ~~يقرأ ( بيونس ( و ( يوسف ( و ( النحل ( ولما قرأ ( ( بسورة ( المؤمنين ( في ~~الفجر أدركته سعلة فركع في أثنائها وقال ( إنى لأدخل في الصلاة وأنا أريد ~~أن أطيلها فأسمع بكاء الصبى فأخفف لما أعلم من وجد أمه به PageV13P411 # وأما ( القراءة بأواخر السور وأوساطها ( فلم يكن غالبا عليهم ولهذا يتورع ~~في كراهة ذلك وفيه النزاع المشهور في مذهب أحمد وغيره ومن أعدل الاقوال قول ~~من قال يكره اعتياد ذلك دون فعله أحيانا لئلا يخرج عما مضت به السنة وعادة ~~السلف من الصحابة والتابعين # وإذا كان كذلك فمعلوم أن هذا التحزيب والتجزئة فيه مخالفة السنة أعظم مما ~~في قراءة آخر السورة ووسطها في الصلاة وبكل حال ms4311 فلا ريب أن التجزئة ~~والتحزيب الموافق لما كان هو الغالب على تلاوتهم أحسن و # ( المقصود ( أن التحزيب بالسورة التامة أولى من التحزيب بالتجزئة # ( الثالث ( أن التجزئة المحدثة لا سبيل ( فيها ( إلى التسوية بين حروف ~~الأجزاء وذلك لأن الحروف في النطق تخالف الحروف في الخط في الزيادة ~~والنقصان يزيد كل منهما على الآخر من وجه دون وجه وتختلف الحروف من وجه ~~وبيان ذلك بأمور # ( أحدها ( أن ألفات الوصل ثابتة في الخط وهى في اللفظ تثبت في القطع ~~وتحذف في الوصل فالعاد ان حسبها انتقض عليه حال القارئ اذا وصل وهو الغالب ~~فيها وان اسقطها انتقض عليه بحال القارئ القاطع وبالخط PageV13P412 # ( الثانى ( أن الحرف المشدد حرفان في اللفظ أولهما ساكن وهذا معروف بالحس ~~واتفاق الناس وهما متماثلان في اللفظ وأما في الخط فقد يكونان حرفا واحدا ~~مثل ( إياك ( و ( إياك ( وقد يكونان حرفين مختلفين مثل ( الرحمن الرحيم ( ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ( و ( حينئذ ( و ( قد سمع ( ~~فالعاد ان حسب اللفظ فالادغام انما يكون في حال الوصل دون حال القطع ويلزمه ~~أن يجعل الأول من جنس الثانى وهذا مخالف لهذا الحرف المعاد بها وان حسب ~~الخط كان الأمر أعظم اضطرابا فانه يلزمه أن يجعل ذلك تارة حرفا وتارة حرفين ~~مختلفين وهذا وإن كان هو الذى يتهجى فالنطق بخلافه # ( الثالث ( أن تقطيع حروف النطق من جنس تقطيع العروضيين وأما حروف الخط ~~فيخالف هذا من وجوه كثيرة والناس في العادة انما يتهجون الحروف مكتوبة لا ~~منطوقة وبينهما فرق عظيم # ( الرابع ( أن النطق بالحروف ينقسم إلى ترتيل وغير ترتيل ومقادير المدات ~~والاصوات من القراء غير منضبطة وقد يكون في أحد الحزبين من حروف المد أكثر ~~مما في الآخر فلا يمكن مراعاة التسوية في النطق ومراعاة مجرد الخط لا فائدة ~~فيه فان ذلك لا يوجب تسوية زمان القراءة PageV13P413 # واذا كان تحزيبه بالحروف انما هو تقريب لا تحديد كان ذلك من جنس تجزئته ~~بالسور هو ايضا تقريب فان بعض الاسباع قد يكون أكثر من بعض ms4312 في الحروف وفى ~~ذلك من المصلحة العظيمة بقراءة الكلام المتصل بعضه ببعض والافتتاح بما فتح ~~الله به السورة والاختتام بما ختم به وتكميل المقصود من كل سورة ما ليس في ~~ذلك التحزيب وفيه أيضا من زوال المفاسد الذى في ذلك التحزيب ما تقدم ~~التنبيه على بعضها فصار راجحا بهذا الاعتبار # ومن المعلوم أن طول العبادة وقصرها يتنوع بتنوع المصالح فتستحب إطالة ~~القيام تارة وتخفيفه أخرى في الفرض والنفل بحسب الوجوه الشرعية من غير أن ~~يكون المشروع هو التسوية بين مقادير ذلك في جميع الايام فعلم أن التسوية في ~~مقادير العبادات البدنية في الظاهر لا اعتبار به اذا قارنه مصلحة معتبرة ~~ولا يلزم من التساوى في القدر التساوى في الفضل بل قد ثبت في الصحاح من غير ~~وجه عن النبى ( ( أن ( قل هو الله أحد ( تعدل ثلث القرآن وثبت في الصحيح أن ~~فاتحة الكتاب لم ينزل في التوراة ولا في الانجيل ولا في القرآن مثلها وثبت ~~في الصحيح أن آية الكرسى أعظم آية في القرآن وأمثال ذلك # فإذا قرأ القارئ في اليوم الأول البقرة وآل عمران والنساء PageV13P414 ~~بكمالها وفى اليوم الثانى إلى آخر براءة وفى اليوم الثالث إلى آخر النمل ~~كان ذلك أفضل من أن يقرأ في اليوم الأول إلى قوله ( بليغا ( وفى اليوم ~~الثانى إلى قوله @QB@ إنا لا نضيع أجر المصلحين @QE@ فعلى هذا اذا قرأه كل ~~شهر كما أمر به النبى ( ( عبد الله بن عمرو أولا عملا على قياس تحزيب ~~الصحابة فالسورة التى تكون نحو جزء أو أكثر بنحو نصف أو اقل بيسير يجعلها ~~حزبا كآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف # وأما البقرة فقد يقال يجعلها حزبا وان كانت بقدر حزبين وثلث لكن الأشبه ~~أنه يقسمها حزبين للحاجة لأن التحزيب لابد أن يكون متقاربا بحيث يكون الحزب ~~مثل الأجزاء ومثله مرة ودون النصف واما اذا كان مرتين وشيئا فهذا تضعيف ~~وزيادة # وعلى هذا فالى الاعراف سبعة أجزاء والانفال جزء وبراءة جزء فان هذا أولى ~~من جعلها جزءا لأن ذلك يفضى ms4313 إلى أن يكون نحو الثلث في ثمانية والذى رجحناه ~~يقتضى أن يكون نحو الثلث في تسعة وهذا أقرب إلى العدل وتحزيب الصحابة أوجب ~~أن يكون الحزب الأول أكثر ويكون إلى آخر العنكبوت العشر الثانى سورتين ~~سورتين # وأما يونس وهود فجزءان أيضا أو جزء واحد لأنهما أول PageV13P415 ذوات ( ~~الر ( ويكون على هذا الثلث الأول سورة سورة والثانى سورتين سورتين لكن ~~الأول أقرب إلى أن يكون قريب الثلث الأول في العشر الأول فان الزيادة على ~~الثلث بسورة أقرب من الزيادة بسورتين وايضا فيكون عشرة أحزاب سورة سورة ~~وهذا أشبه بفعل الصحابة ويوسف والرعد جزء وكذلك إبراهيم والحجر وكذلك النحل ~~وسبحان وكذلك الكهف ومريم وكذلك طه والانبياء وكذلك الحج والمؤمنون وكذلك ~~النور والفرقان وكذلك ذات ( طس ( الشعراء والنمل والقصص وذات ( الم ( ~~العنكبوت والروم ولقمان والسجدة جزء والاحزاب وسبأ وفاطر جزء و ( يس ( و ( ~~الصافات ( و ( ص ( جزء والزمر وغافر و ( حم ( السجدة جزء والخمس البواقى من ~~آل ( حم ( جزء # والثلث الأول أشبه بتشابه أوائل السور والثانى أشبه بمقدار جزء من تجزئة ~~الحروف وهو المرجح ثم ( القتال ( و ( الفتح ( و ( الحجرات ( و ( ق ( و ( ~~الذاريات ( جزء ثم الأربعة الأجزاء المعروفة وهذا تحزيب مناسب مشابه لتحزيب ~~الصحابة رضى الله عنهم وهو مقارب لتحزيب الحروف واحدى عشرة سورة حزب حزب اذ ~~البقرة كسورتين فيكون احدى عشرة سورة وهى نصيب احدى عشرة ليلة والله أعلم ~~PageV13P416 ### |||| وسئل رحمه الله # عن جماعة اجتمعوا في ختمة وهم يقرؤون لعاصم وأبى عمرو فاذا وصلوا إلى ~~سورة الضحى لم يهللوا ولم يكبروا إلى آخر الختمة ففعلهم ذلك هو الأفضل أم ~~لا وهل الحديث الذى ورد في التهليل والتكبير صحيح بالتواتر أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم اذا قرؤوا بغير حرف بن كثير كان تركهم لذلك هو ~~الأفضل بل المشروع المسنون فان هؤلاء الأئمة من القراء لم يكونوا يكبرون لا ~~في أوائل السور ولا في أواخرها # فإن جاز لقائل أن يقول ان بن كثير نقل التكبير عن رسول الله ( ( جاز ~~لغيره أن يقول ms4314 ان هؤلاء نقلوا تركه عن رسول الله ( ( اذ من الممتنع أن تكون ~~قراءة الجمهور التى نقلها أكثر من قراءة بن كثير قد اضاعوا فيها ما أمرهم ~~به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( فان أهل التواتر لا يجوز عليهم كتمان ~~ما تتوفر الهمم والدواعى إلى نقله فمن جوز على جماهير القراء أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ( اقرأهم بتكبير زائد فعصوا لأمر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم PageV13P417 وتركوا ما أمرهم به استحق العقوبة البليغة التى ~~تردعه وأمثاله عن مثل ذلك # وأبلغ من ذلك البسملة فان من القراء من يفصل بها ومنهم من لا يفصل بها ~~وهى مكتوبة في المصاحف ثم الذين يقرؤون بحرف من لا يبسمل لا يبسملون ولهذا ~~لا ينكر عليهم ترك البسملة اخوانهم من القراء الذين يبسملون فكيف ينكر ترك ~~التكبير على من يقرأ قراءة الجمهور وليس التكبير مكتوبا في المصاحف وليس هو ~~في القرآن باتفاق المسلمين ومن ظن أن التكبير من القرآن فانه يستتاب فان ~~تاب والا قتل # بخلاف البسملة فانها من القرآن حيث كتبت في مذهب الشافعى وهو مذهب أحمد ~~المنصوص عنه في غير موضع وهو مذهب ابى حنيفة عند المحققين من اصحابه وغيرهم ~~من الأئمة لكن مذهب أبى حنيفة وأحمد وغيرهما أنها من القرآن حيث كتبت ~~البسملة وليست من السورة ومذهب مالك ليست من القرآن الا في سورة النمل وهو ~~قول في مذهب أبى حنيفة وأحمد # ومع هذا فالنزاع فيها من مسائل الاجتهاد فمن قال هي من القرآن حيث كتبت ~~أو قال ليست هي من القرآن الا في سورة PageV13P418 النمل كان قوله من ~~الأقوال التى ساغ فيها الاجتهاد # وأما التكبير فمن قال أنه من القرآن فانه ضال باتفاق الأئمة والواجب أن ~~يستتاب فان تاب والا قتل فكيف مع هذا ينكر على من تركه ومن جعل تارك ~~التكبير مبتدعا أو مخالفا للسنة أو عاصيا فانه إلى الكفر أقرب منه إلى ~~الإسلام والواجب عقوبته بل ان أصر على ذلك بعد وضوح الحجة وجب قتله ولو ms4315 قدر ~~أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( امر بالتكبير لبعض من أقرأه كان غاية ذلك ~~يدل على جوازه أو استحبابه فانه لو كان واجبا لما أهمله جمهور القراء ولم ~~يتفق أئمة المسلمين على عدم وجوبه ولم ينقل أحد من أئمة الدين أن التكبير ~~واجب وإنما غاية من يقرأ بحرف بن كثير أن يقول انه مستحب وهذا خلاف البسملة ~~فان قراءتها واجبة عند من يجعلها من القرآن ومع هذا فالقراء يسوغون ترك ~~قراءتها لمن لم ير الفصل بها فكيف لا يسوغ ترك التكبير لمن ليس داخلا في ~~قراءته # وأما ما يدعيه بعض القراء من التواتر في جزئيات الامور فليس هذا موضع ~~تفصيله PageV13P419 ### |||| وسئل # عمن يقول # عن الامام مالك أنه قال من كتب مصحفا على غير رسم المصحف العثمانى فقد ~~أثم أو قال كفر فهل هذا صحيح وأكثر المصاحف اليوم على غير المصحف العثمانى ~~فهل يحل لأحد كتابته على غير المصحف العثمانى بشرط ألا يبدل لفظا ولا يغير ~~معنى أم لا ### ||||| فأجاب # أما هذا النقل عن مالك في تكفير من فعل ذلك فهو كذب على مالك سواء ~~أريد به رسم الخط أو رسم اللفظ فان مالكا كان يقول عن أهل الشورى ان لكل ~~منهم مصحفا يخالف رسم مصحف عثمان وهم أجل من أن يقال فيهم مثل هذا الكلام ~~وهم علي بن أبى طالب والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف مع عثمان وأيضا ~~فلو قرأ رجل بحرف من حروفهم التى تخرج عن مصحف عثمانى ففيه روايتان عن مالك ~~وأحمد وأكثر العلماء يحتجون بما ثبت من ذلك عنهم فكيف يكفر فاعل ذلك ~~PageV13P420 # وأما اتباع رسم الخط بحيث يكتبه بالكوفى فلا يجب عند أحد من المسلمين ~~وكذلك اتباعه فيما كتبه بالواو والألف هو حسن لفظ رسم خط الصحابة # وأما تكفير من كتب ألفاظ المصحف بالخط الذى اعتاده فلا أعلم أحدا قال ~~بتكفير من فعل ذلك لكن متابعة خطهم أحسن هكذا نقل عن مالك وغيره والله أعلم ~~PageV13P421 ### |||| وسئل # عن قوم يقرؤون القرآن ويلحنون فيه فأنكر ms4316 عليهم منكر فقال قائل منهم ~~كل لحنة بعشر حسنات ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا قدروا على تصحيح صححوا وإن عجزوا عن ذلك فلا بأس ~~بذلك حسب استطاعتهم PageV13P422 ### |||| وسئل # عن رجل يتلو القرآن مخافة النسيان ورجاء الثواب فهل يؤجر على قراءته ~~للدراسة ومخافة النسيان أم لا وقد ذكر رجل ممن ينسب إلى العلم أن القارئ ~~اذا قرأ للدراسة مخافة النسيان أنه لا يؤجر فهل قوله صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # بل اذا قرأ القرآن لله تعالى فانه يثاب على ذلك بكل حال ولو قصد ~~بقراءته أنه يقرؤه لئلا ينساه فان نسيان القرآن من الذنوب فاذا قصد بالقرآن ~~أداء الواجب عليه من دوام حفظه للقرآن واجتناب ما نهى عنه من اهماله حتى ~~ينساه فقد قصد طاعة الله فكيف لا يثاب # وفى الصحيحين عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( استذكروا القرآن ~~فلهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من عقلها ( وقال ( ( عرضت على ~~سيئات أمتى فرأيت من مساوئ أعمالها الرجل يؤتيه الله آية من القرآن فينام ~~عنها حتى ينساها ( وفى PageV13P423 صحيح مسلم عن النبى ( ( أنه قال ( ما ~~اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه الا غشيتهم ~~الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن ~~أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ( والله أعلم # PageV13P424 @ بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده # قال شيخ الإسلام # قدس الله روحه ونور ضريحه فصل # أسماء القرآن # القرآن الفرقان الكتاب الهدى النور الشفاء البيان الموعظة الرحمة بصائر ~~البلاغ الكريم المجيد العزيز المبارك التنزيل المنزل الصراط المستقيم حبل ~~الله الذكر الذكرى تذكرة @QB@ وإنه لتذكرة للمتقين @QE@ @QB@ إنه تذكرة فمن ~~شاء ذكره @QE@ @QB@ مصدق الذي بين يديه @QE@ و @QB@ تصديق الذي بين يديه ~~@QE@ المهيمن عليه ( تفصيل كل شيء ) ( تبيانا لكل شيء ) المتشابه المثاني ~~الحكيم ( تلك آيات الكتاب PageV14P001 الحكيم محكم المفصل ( وهو الذي أنزل ~~اليكم الكتاب مفصلا ) البرهان ( قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا ) على أحد القولين ms4317 الحق ( قد جاءكم الحق من ربكم ) عربى مبين أحسن ~~الحديث أحسن القصص على قول كلام الله @QB@ فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ ~~العلم @QB@ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم @QE@ العلى الحكيم @QB@ ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم @QE@ القيم ( @QB@ يتلو صحفا مطهرة فيها ~~كتب قيمة @QE@ @QB@ أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما @QE@ وحي ~~في قوله @QB@ إن هو إلا وحي يوحى @QE@ حكمة في قوله @QB@ ولقد جاءهم من ~~الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة @QE@ وحكما في قوله @QB@ أنزلناه حكما ~~عربيا @QE@ ونبأ على قول في قوله @QB@ عن النبإ العظيم @QE@ ونذير على قول ~~@QB@ هذا نذير من النذر الأولى @QE@ في حديث أبى موسى شافعا مشفعا وشاهدا ~~مصدقا وسماه النبى صلى الله عليه وسلم ( حجة لك أو عليك ( وفى حديث الحارث ~~عن على ( عصمة لمن استمسك به ( # وأما وصفة بانه يقص وينطق ويحكم ويفتى ويبشر ويهدي فقال @QB@ إن هذا ~~القرآن يقص على بني إسرائيل @QE@ @QB@ هذا كتابنا ينطق عليكم @QE@ @QB@ قل ~~الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب @QE@ أي يفتيكم أيضا @QB@ إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون @QE@ ~~PageV14P002 # في الآيات الدالة على اتباع القرآن قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ ~~فإنه في التفسير المرفوع عن النبى صلى الله عليه وسلم كتاب الله ~~PageV14P003 ### || 1 ( رسالة في الحكم على بعض الأحاديث ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله # عن أحاديث هل هي صحيحة وهل رواها أحد من المعتبرين بإسناد صحيح الخ ### ||||| فقال ### ||||| ! 8 < فصل # وأما حديث فاتحة الكتاب فقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~انه قال يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين ع 4 بدي نصفين نصفها لي ~~ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد ( الحمد لله رب العالمين ) قال ~~الله حمدنى عبدي وإذا قال ( الرحمن الرحيم ) قال الله أثنى علي عبدي وإذا ~~قال ( مالك يوم الدين ) قال الله مجدنى عبدي وإذا قال @QB@ إياك نعبد وإياك ~~نستعين @QE@ قال هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال @QB@ ~~اهدنا الصراط ms4318 المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ قال هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل PageV14P004 # وثبت في صحيح مسلم عن بن عباس قال ( بينما جبريل قاعد عند النبى صلى الله ~~عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم ~~ولم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض ولم ينزل ~~قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبى قبلك فاتحة ~~الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته ( وفى بعض ~~الأحاديث ( ان فاتحة الكتاب أعطيها من كنز تحت العرش ### ||||| فصل # قال # الله تعالى في أم القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ وهذه السورة هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب وهى السبع ~~المثانى والقرآن العظيم وهي الشافية وهي الواجبة في الصلوات لا صلاة إلا ~~بها وهى الكافية تكفي من غيرها ولا يكفى غيرها عنها # والصلاة أفضل الأعمال وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح أفضل كلمها الطيب ~~وأوجبه القرآن وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود كما جمع بين الأمرين في ~~أول سورة أنزلها على رسوله حيث افتتحها PageV14P005 بقوله تعالى @QB@ اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق @QE@ وختمها بقوله @QB@ واسجد واقترب @QE@ فوضعت الصلاة ~~على ذلك أولها القراءة وآخرها السجود # ولهذا قال سبحانه في صلاة الخوف @QB@ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم @QE@ ~~والمراد بالسجود الركعة التى يفعلونها وحدهم بعد مفارقتهم للامام وما قبل ~~القراءة من تكبير واستفتاح واستعاذة هي تحريم للصلاة ومقدمة لما بعده أول ~~ما يبتدىء به كالتقدمة وما يفعل بعد السجود من قعود وتشهد فيه التحية لله ~~والسلام على عباده الصالحين والدعاء والسلام على الحاضرين فهو تحليل للصلاة ~~ومعقبة لما قبله قال النبى صلى الله عليه وسلم ( مفتاح الصلاة الطهور ~~وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ( # ولهذا لما تنازع العلماء أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام أو ~~هما سواء على ثلاثة أقوال عن أحمد وغيره كان الصحيح انهما سواء القيام فيه ~~أفضل الأذكار والسجود أفضل ms4319 الأعمال فاعتدلا ولهذا كانت صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم معتدلة يجعل الأركان قريبا من السواء وإذا أطال القيام طولا ~~كثيرا كما كان يفعل في قيام الليل وصلاة الكسوف أطال معه الركوع والسجود ~~وإذا أقتصد فيه اقتصد في الركوع والسجود وأم الكتاب كما أنها القراءة ~~الواجبة فهي أفضل سورة في القرآن قال النبى صلى الله عليه PageV14P006 و ~~سلم في الحديث الصحيح ( لم ينزل في التوراة ولا الانجيل ولا الزبور ولا ~~القرآن مثلها وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ( وفضائلها ~~كثيرة جدا # وقد جاء مأثورا عن الحسن البصري رواه بن ماجه وغيره أن الله أنزل مائة ~~كتاب وأربعة كتب جمع علمها في الأربعة وجمع علم الأربعة في القرآن وجمع علم ~~القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في أم القرآن وجمع علم أم القرآن في ~~هاتين الكلمتين الجامعتين ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وإن علم الكتب ~~المنزلة من السماء اجتمع في هاتين الكلمتين الجامعتين # ولهذا ثبت في الحديث الصحيح حديث ( إن الله تعالى يقول قسمت الصلاة بيني ~~وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال @QB@ الحمد ~~لله رب العالمين @QE@ قال الله حمدني عبدي وإذا قال ( الرحمن الرحيم ) قال ~~الله أثنى علي عبدى وإذا قال @QB@ مالك يوم الدين @QE@ قال الله عز وجل ~~مجدنى عبدى وفى رواية فوض إلي عبدى وإذا قال @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ قال فهذه الآية بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل فإذا قال @QB@ ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ قال فهؤلاء لعبدي ولعبدى ما سأل PageV14P007 # فقد ثبت بهذا النص أن هذه السورة منقسمة بين الله وبين عبده وأن هاتين ~~الكلمتين مقتسم السورة ف @QB@ إياك نعبد @QE@ مع ما قبله لله وإياك نستعين ~~مع ما بعده للعبد وله ما سأل ولهذا قال من قال من السلف نصفها ثناء ونصفها ~~مسألة وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء # وإذا كان الله قد فرض علينا أن نناجيه وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة ms4320 ~~فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه إذ إيجاب القول ~~الذي هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه ليس إيجابا لمجرد لفظ ~~لامعنى له فإن هذا لا يجوز أن يقع بل إيجاب ذلك أبلغ من إيجاب مجرد العبادة ~~والاستعانة فإن ذلك قد يحصل أصله بمجرد القلب أو القلب والبدن بل أوجب دعاء ~~الله عزوجل ومناجاته وتكليمه ومخاطبته بذلك ليكون الواجب من ذلك كاملا صورة ~~ومعنى بالقلب وبسائر الجسد # وقد جمع بين هذين الأصلين الجامعين إيجابا وغير إيجاب في مواضع كقوله في ~~آخر سورة هود @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقول العبد الصالح شعيب ( وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) وقول إبراهيم والذين معه ( ربنا ~~عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ) وقوله سبحانه إذ أمر رسوله أن يقول ~~( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذى أوحينا إليك ~~وهم PageV14P008 يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب ) فأمر نبيه بأن يقول على الرحمن توكلت وإليه متاب كما أمره بهما في ~~قوله @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ والأمر له أمر لأمته وأمره بذلك في أم ~~القرآن وفى غيرها لأمته ليكون فعلهم ذلك طاعة لله وأمتثالا لأمره ولا ~~يتقدموا بين يدى الله ورسوله ولهذا كان عامة ما يفعله نبينا صلى الله عليه ~~وسلم والخالصون من أمته من الأدعية والعبادات وغيرها إنما هو بأمر من الله ~~بخلاف من يفعل مالم يؤمر به وإن كان حسنا أو عفوا وهذا أحد الأسباب الموجبة ~~لفضله وفضل أمته على من سواهم وفضل الخالصين من أمته على المشوبين الذين ~~شابوا ماجاء به بغيره كالمنحرفين عن الصراط المستقيم # وإلى هذين الأصلين كان النبى صلى الله عليه وسلم يقصد في عباداته وأذكاره ~~ومناجاته مثل قوله في الأضحية اللهم هذا منك ولك فإن قوله @QB@ منك @QE@ هو ~~معنى التوكل والاستعانة وقوله @QB@ لك @QE@ هو معنى العبادة ومثل قوله في ~~قيامه من الليل ? < لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت ms4321 ~~وإليك حاكمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذى لا تموت ~~والجن والانس يموتون > ? إلى أمثال ذلك PageV14P009 إذا تقرر هذا الأصل ~~فالإنسان في هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة الممكنة إما ~~أن يأتي بهما وإما أن يأتى بالعبادة فقط وإما أن يأتى بالاستعانة فقط واما ~~أن يتركهما جميعا # ولهذا كان الناس في هذه الأقسام الأربعة بل أهل الديانات هم أهل هذه ~~الأقسام وهم المقصودون هنا بالكلام # قسم يغلب عليه قصد التأله لله ومتابعة الأمر والنهي والاخلاص لله تعالى ~~واتباع الشريعة في الخضوع لأوامره وزواجره وكلماته الكونيات لكن يكون ~~منقوصا من جانب الاستعانة والتوكل فيكون إما عاجزا وإما مفرطا وهو مغلوب ~~إما مع عدوه الباطن واما مع عدوه الظاهر وربما يكثر منه الجزع مما يصيبه ~~والحزن لما يفوته وهذا حال كثير ممن يعرف شريعة الله وأمره ويرى أنه متبع ~~للشريعة وللعبادة الشرعية ولا يعرف قضاءه وقدره وهو حسن القصد طالب للحق ~~لكنه غير عارف بالسبيل المو صلة والطريق المفضية # وقسم يغلب عليه قصد الاستعانة بالله والتو كل عليه وإظهار الفقر والفاقة ~~بين يديه والخضو ع لقضائه وقدره وكلماته الكو نيات لكن يكون منقوصا من جانب ~~العبادة واخلاص الدين لله فلا يكون مقصوده PageV14P010 ان يكو ن الدين كله ~~لله وإن كان مقصوده ذلك فلا يكو ن متبعا لشريعة الله عز وجل ومنهاجه بل ~~قصده نو ع سلطان في العالم إما سلطان قدرة وتأثير وإما سلطان كشف وإخبار أو ~~قصده طلب مايريده ودفع ما يكرهه بأي طريق كان أو مقصوده نو ع عبادة وتأله ~~بأي وجه كان همته في الاستعانة والتو كل المعينة له على مقصوده فيكون إما ~~جاهلا وإما ظالما تاركا لبعض ما أمره الله به راكبا لبعض ما نهى الله عنه ~~وهذه حال كثير ممن يتأله ويتصوف ويتفقر ويشهد قدر الله وقضاءه ولا يشهد أمر ~~الله ونهيه ويشهد قيام الأكوان بالله وفقرها إليه وإقامته لها ولا يشهد ما ~~أمر به وما نهى عنه وما ms4322 الذي يحبه الله منه ويرضاه وما الذي يكرهه منه ~~ويسخطه # ولهذا يكثر في هؤلاء من له كشف وتأثير وخرق عادة مع انحلال عن بعض ~~الشريعة ومخالفة لبعض الأمر وإذا أوغل الرجل منهم دخل في الاباحية ~~والانحلال وربما صعد إلى فساد التوحيد فيخرج إلى الاتحاد والحلول المقيد ~~كما قد وقع لكثير من الشيو خ ويوجد في كلام صاحب ( منازل السائرين ( وغيره ~~ما يفضي إلى ذلك # وقد يدخل بعضهم في ( الاتحاد المطلق والقول بوحدة الوجود ( فيعتقد أن ~~الله هو الوجود المطلق كما يقول صاحب ( الفتو حات المكية ( في أولها ~~PageV14P011 % الرب حق والعبد حق % ياليت شعري من المكلف % إن قلت عبد فذاك ~~ميت أو قلت رب أنى يكلف % وقسم ثالث معرضون عن عبادة الله وعن الاستعانة به ~~جميعا # وهم فريقان أهل دنيا وأهل دين فأهل الدين منهم هم أهل الدين الفاسد الذين ~~يعبدون غير الله ويستعينون غير الله بظنهم وهو أهم @QB@ إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ وأهل الدنيا منهم الذين ~~يطلبو ن ما يشتهونه من العاجلة بما يعتقدونه من الأسباب # واعلم أنه يجب التفريق بين من قد يعرض عن عبادة الله والاستعانة به وبين ~~من يعبد غيره ويستعين بسواه ### ||||| فصل # قال الله عز وجل في أول السورة @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ ) فبدأ ~~بهذين الاسمين الله والرب و ( الله ( هو الاله المعبود فهذا الأسم أحق ~~بالعبادة ولهذا يقال الله أكبر الحمد لله سبحان الله PageV14P012 لا إله ~~إلا الله و ( الرب ( هو المربى الخالق الرازق الناصر الهادى وهذا الاسم أحق ~~باسم الاستعانة والمسألة # ولهذا يقال ( رب اغفر لي ولوالدي ) ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) ( رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي ) ( ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا ) ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) ~~فعامة المسألة والاستعانة المشروعة باسم الرب # فالاسم الأول يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه وما خلق له وما فيه صلاحه ~~وكماله وهو عبادة الله والاسم الثاني يتضمن خلق العبد ms4323 ومبتداه وهو أنه يربه ~~ويتولاه مع أن الثانى يدخل في الأول دخول الربوبية في الالهية والربوبية ~~تستلزم الألوهية أيضا والاسم ( الرحمن ( يتضمن كمال التعلقين وبوصف الحالين ~~فيه تتم سعادته في دنياه وأخراه # ولهذا قال تعالى @QB@ وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وإليه متاب @QE@ فذكر هنا الأسماء الثلاثة ) الرحمن وربي ) و ( الاله ~~) وقال ( عليه توكلت وإليه متاب ) كما ذكر الأسماء الثلاثة في أم القرآن ~~لكن بدأ هناك باسم الله ولهذا بدأ في السورة ب ( اياك نعبد ) فقدم الاسم ~~وما يتعلق به من العبادة لأن PageV14P013 تلك السورة فاتحة الكتاب وأم ~~القرآن فقدم فيها المقصود الذي هو العلة الغائية فانها علة فاعلية للعلة ~~الغائية وقد بسطت هذا المعنى في مواضع في أول ( التفسير ( وفى ( قاعدة ~~المحبة والارادة ( وفي غير ذلك ### ||||| فصل # ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم ~~إلى الاله المعبود وقصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة كان إقرارهم ~~بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته وكان الدعاء له ~~والاستعانة به والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له والانابة إليه # ولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لاشريك له الذي هو ~~المقصود المستلزم للاقرار بالربوبية وقد أخبر عنهم أنهم ( لئن سألتهم من ~~خلقهم ليقولن الله ) وانهم إذا مسهم الضر ضل من يدعون إلا إياه وقال @QB@ ~~وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين @QE@ فأخبر أنهم مقرون ~~بربوبيته وأنهم مخلصون له الدين إذا مسهم PageV14P014 الضر في دعائهم ~~واستعانتهم ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم # وكثير من المتكلمين إنما يقررون الوحدانية من جهة الربوبية وأما الرسل ~~فهم دعوا اليها من جهة الألوهية وكذلك كثير من المتصوفة المتعبدة وأرباب ~~الأحوال إنما توجههم إلى الله من جهة ربوبيته لما يمدهم به في الباطن من ~~الأحوال التى بها يتصرفون وهؤلاء من جنس الملوك وقد ذم الله عز وجل في ~~القرآن هذا الصنف كثيرا فتدبر هذا فإنه تنكشف به ms4324 أحوال قوم يتكلمون في ~~الحقائق ويعملون عليها وهم لعمري في نوع من الحقائق الكونية القدرية ~~الربوبية لا في الحقائق الدينية الشرعية الألهية وقد تكلمت على هذا المعنى ~~في مواضع متعددة وهو أصل عظيم يجب الأعتناء به والله سبحانه أعلم ### ||||| فصل # وذلك أن الانسان بل وجميع المخلوقات عباد لله تعالى فقراء إليه مماليك له ~~وهو ربهم ومليكهم وإلههم لا إله إلا هو فالمخلوق ليس له من نفسه شيء أصلا ~~بل نفسه وصفاته وأفعاله وما ينتفع به أو يستحقه وغير ذلك إنما هو من خلق ~~الله والله عزوجل رب PageV14P015 ذلك كله ومليكه وبارئه وخالقه ومصوره # وإذا قلنا ليس له من نفسه إلا العدم فالعدم ليس هو شيئا يفتقر إلى فاعل ~~موجود بل العدم ليس بشيء وبقاؤه مشروط بعدم فعل الفاعل لا أن عدم الفاعل ~~يوجبه ويقتضيه كما يوجب الفاعل المفعول الموجود بل قد يضاف عدم المعلول إلى ~~عدم العلة وبينهما فرق وذلك أن المفعول الموجود إنما خلقه وأبدعه الفاعل ~~وليس المعدوم أبدعه عدم الفاعل فإنه يفضي إلى التسلسل والدور ولأنه ليس ~~اقتضاء أحد العدمين للآخر بأولى من العكس فإنه ليس أحد العدمين مميزا ~~لحقيقة استوجب بها أن يكون فاعلا وان كان يعقل أن عدم المقتضى أولى بعدم ~~الأثر من العكس فهذا لأنه لما كان وجود المقتضى هو المفيد لوجود المقتضى ~~صار العقل يضيف عدمه إلى عدمه إضافة لزومية لأن عدم الشيء إما ان يكون لعدم ~~المقتضى أو لوجود المانع وبعد قيام المقتضى لايتصور أن يكون العدم إلا لأجل ~~هاتين الصورتين أو الحالتين فلما كان الشيء الذي انعقد سبب وجوده يعوقه ( ~~ويمنعه ) المانع المنافى وهو أمر موجود وتارة لا يكون سببه قد انعقد صار ~~عدمه تارة ينسب إلى عدم مقتضيه وتارة إلى وجود مانعه ومنافيه # وهذا معنى قول المسلمين ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن إذ ~~PageV14P016 مشيئته هي الموجبة وحدها لا غيرها فيلزم من انتفائها انتفاؤه ~~لا يكون شيء حتى تكون مشيئته لايكون شيء بدونها بحال فليس لنا سبب يقتضى ms4325 ~~وجود شيء حتى تكون مشيئته مانعة من وجوده بل مشيئته هي السبب الكامل فمع ~~وجودها لامانع ومع عدمها لا مقتضى ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك ~~لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) ( قل أرأيتم ماتدعون من دون الله إن ~~أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ) # وإذا عرف أن العبد ليس له من نفسه خير أصلا بل ما بنا من نعمة فمن الله ~~وإذا مسناالضر فإليه نجأر والخير كله بيديه كما قال @QB@ ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ وقال @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة ~~قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ ) وقال النبى صلى ~~الله عليه وسلم في سيد الاستغفار الذى في صحيح البخارى ( اللهم أنت ربي ~~لاإله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من ~~شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى فإنه لايغفر الذنوب ~~إلا أنت ) وقال في دعاء الاستفتاح الذى في صحيح مسلم PageV14P017 ( لبيك ~~وسعديك والخير بيديك والشر ليس إليك تباركت ربنا وتعاليت ( # وذلك أن الشر إما أن يكون موجودا أو معدوما فالمعدوم سواء كان عدم ذات أو ~~عدم صفة من صفات كمالها أو فعل من أفعالها مثل عدم الحياة أو العلم أو ~~السمع أو البصر أو الكلام أو العقل أو العمل الصالح على تنوع أصنافه مثل ~~معرفة الله ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه ورجائه وخشيته ~~وإمتثال أوامره وإجتناب نواهيه وغير ذلك من الأمور المحمودة الباطنة ~~والظاهرة من الأقوال والأفعال فإن هذه الأمور كلها خيرات وحسنات وعدمها شر ~~وسيئات لكن هذا العدم ليس بشيء أصلا حتى يكون له بارىء وفاعل فيضاف إلى ~~الله وإنما هو من لوازم النفس التى هي حقيقة الإنسان قبل أن تخلق ms4326 وبعد أن ~~خلقت فإنها قبل أن تخلق عدم مستلزم لهذا العدم وبعد أن خلقت وقد خلقت ضعيفة ~~ناقصة فيها النقص والضعف والعجز فإن هذه الأمور عدمية فأضيف إلى النفس من ~~باب إضافة عدم المعلول إلى عدم علته وعدم مقتضيه وقد تكون من باب إضافته ~~إلى وجود منافيه من وجه آخر سنبينه إن شاء الله تعالى # و نكتة الأمر أن هذا الشر والسيئات العدمية ليست موجودة حتى يكون الله ~~خالقها فإن الله خالق كل شيء PageV14P018 # والمعدومات تنسب تارة إلى عدم فاعلها وتارة إلى وجود مانعها فلا تنسب ~~إليه هذه الشرور العدمية على الوجهين # أما ( الأول ( فلأنه الحق المبين فلا يقال عدمت لعدم فاعلها ومقتضيها # وأما ( الثانى ( وهو وجود المانع فلأن المانع إنما يحتاج إليه إذا وجد ~~المقتضى ولو شاء فعلها لما منعه مانع وهو سبحانه لايمنع نفسه ما شاء فعله ~~بل هو فعال لما يشاء ولكن الله قد يخلق هذا سببا ومقتضيا ومانعا فإن جعل ~~السبب تاما لم يمنعه شيء وإن لم يجعله تاما منعه المانع لضعف السبب وعدم ~~إعانة الله له فلا يعدم أمر إلا لأنه لم يشأه كما لايوجد أمر إلا لأنه ~~يشاؤه وإنما تضاف هذه السيئات # العدمية إلى العبد لعدم السبب منه تارة ولوجود المانع منه أخرى أما عدم ~~السبب فظاهر فإنه ليس منه قوة ولا حول ولا خير ولا سبب خير أصالة ولو كان ~~منه شيء لكان سببا فأضيف إليه لعدم السبب ولأنه قد صدرت منه أفعال كان سببا ~~لها بإعانة الله له فما لم يصدر منه كان لعدم السبب PageV14P019 # وأما وجود المانع المضاد له المنافى فلأن نفسه قد تضيق وتضعف وتعجز أن ~~تجمع بين أفعال ممكنة في نفسها متنافية في حقه فإذا إشتغل بسمع شيء أو بصره ~~أو الكلام في شيء أو النظر فيه أو إرادته أو اشتغلت جوارحه بعمل كثير ~~اشتغلت عن عمل آخر وإن كان ذلك خيرا لضيقه وعجزه فصار قيام احدى الصفات ~~والأفعال به مانعا وصادا عن آخر # والضيق والعجز يعود إلى عدم ms4327 قدرته فعاد إلى العدم الذي هو منه والعدم ~~المحض ليس بشيء حتى يضاف إلى الله تعالى وأما إن كان الشيء موجودا كالألم ~~وسبب الألم فينبغي أن يعرف أن الشر الموجود ليس شرا على الاطلاق ولا شرا ~~محضا وإنما هو شر في حق من تألم به وقد تكون مصائب قوم عند قوم فوائد # ولهذا جاء في الحديث الذي رويناه مسلسلا ( آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ~~ومره ( وفى الحديث الذي رواه أبو داود ( لو أنفقت ملء الأرض ذهبا لما قبله ~~منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره وتعلم أن ما اصابك لم يكن ليخطئك وما اخطأك ~~لم يكن ليصيبك ( فالخير والشر هما بحسب العبد المضاف إليه كالحلو والمر ~~سواء وذلك ان من لم يتألم بالشيء ليس في حقه شرا ومن تنعم به فهو في حقه ~~خير كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلم من قص عليه أخوه رؤيا أن ~~PageV14P020 يقول ( خيرا تلقاه وشرا توقاه خيرا لنا وشرا لأعدائنا ( فإنه ~~إذا أصاب العبد شر سر قلب عدوه فهو خير لهذا وشر لهذا ومن لم يكن له وليا ~~ولاعدوا فليس في حقه لا خيرا ولاشرا وليس في مخلوقات الله ما يؤلم الخلق ~~كلهم دائما ولا ما يؤلم جمهورهم دائما بل مخلوقاته إما منعمة لهم أو ~~لجمهورهم في أغلب الأوقات كالشمس والعافية فلم يكن في الموجودات التى خلقها ~~الله ما هو شر مطلقا عاما # فعلم أن الشر المخلوق الموجود شر مقيد خاص وفيه وجه آخر هو به خير وحسن ~~وهو أغلب وجهيه كما قال تعالى @QB@ أحسن كل شيء خلقه @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~صنع الله الذي أتقن كل شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ وما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق @QE@ وقال @QB@ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا @QE@ # وقد علم المسلمون أن الله لم يخلق شيئا ما إلا لحكمة فتلك الحكمة وجه ~~حسنه وخيره ولا يكون في المخلو قات شر محض لا خير فيه ولا فائدة فيه بوجه ~~من الوجو ه وبهذا يظهر معنى قو ms4328 له والشر ليس إليك وكون الشر لم يضف إلى ~~الله وحده بل إما بطريق العموم أو يضاف إلى السبب أو يحذف فاعله ~~PageV14P021 # فهذا الشر الموجود الخاص المقيد سببه إما عدم وإما وجود فالعدم مثل عدم ~~شرط أو جزء سبب إذ لا يكون سببه عدما محضا فإن العدم المحض لايكون سببا ~~تاما لوجود ولكن يكون سبب الخير واللذة قد انعقد ولا يحصل الشرط فيقع الألم ~~وذلك مثل عدم فعل الواجبات الذي هو سبب الذم والعقاب ومثل عدم العلم الذي ~~هو سبب ألم الجهل وعدم السمع والبصر والنطق الذي هو سبب الألم بالعمى ~~والصمم والبكم وعدم الصحة والقوة الذي هو سبب الألم والمرض والضعف # فهذه المواضع ونحوها يكون الشر ايضا مضافا إلى العدم المضاف إلى العبد ~~حتى يتحقق قول الخليل @QB@ وإذا مرضت فهو يشفين @QE@ فإن المرض وإن كان ~~ألما موجودا فسببه ضعف القوة وانتفاء الصحة الموجودة وذلك عدم هو من ~~الانسان المعدوم بنفسه ولا يتحقق قول الحق ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) ~~وقوله @QB@ قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ ونحو ذلك فيما كان سببه ~~عدم فعل الواجب وكذلك قول الصحابي وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان # يبين ذلك أن المحرمات جميعها من الكفر والفسوق والعصيان إنما يفعلها ~~العبد لجهله أو لحاجته فإنه إذا كان عالما بمضرتها وهو غني عنها امتنع أن ~~يفعلها والجهل أصله عدم والحاجة أصلها العدم PageV14P022 # فأصل وقوع السيئات منه عدم العلم والغنى ولهذا يقول في القرآن @QB@ ما ~~كانوا يستطيعون السمع @QE@ @QB@ أفلم تكونوا تعقلون @QE@ @QB@ إنهم ألفوا ~~آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون @QE@ إلى نحو هذه المعاني # وأما الموجود الذي هو سبب الشر الموجود الذي هو خاص كالآلام مثل الأفعال ~~المحرمة من الكفر الذي هو تكذيب أو استكبار والفسوق الذي هو فعل المحرمات ~~ونحو ذلك فإن ذلك سبب الذم والعقاب وكذلك تناول الأغذية الضارة وكذلك ~~الحركات الشديدة المورثة للألم فهذا الوجود لايكون وجودا تاما محضا إذ ~~الوجود التام المحض لا يورث إلا خيرا كما قلنا إن العدم المحض ms4329 لايقتضي ~~وجودا بل يكون وجودا ناقصا إما في السبب وإما في المحل كما يكون سبب ~~التكذيب عدم معرفة الحق والاقرار به وسبب عدم هذا العلم والقول عدم أسبابه ~~من النظر التام والاستماع التام لآيات الحق وأعلامه # وسبب عدم النظر والاستماع إما عدم المقتضى فيكون عدما محضا وإما وجود ~~مانع من الكبر أو الحسد في النفس ( والله لا يحب كل مختال فخور ) وهو تصور ~~باطل وسببه عدم غنى النفس بالحق فتعتاض عنه بالخيال الباطل PageV14P023 و # الحسد أيضا سببه عدم النعمة التى يصير بها مثل المحسود أو أفضل منه فإن ~~ذلك يوجب كراهة الحاسد لأن يكافئه المحسود أو يتفضل عليه # وكذلك الفسوق كالقتل والزنا وسائر القبائح إنما سببها حاجة النفس إلى ~~الاشتفاء بالقتل والالتذاذ بالزنى وإلا فمن حصل غرضه بلا قتل أو نال اللذة ~~بلا زنا لا يفعل ذلك والحاجة مصدرها العدم وهذا يبين إذا تدبره الانسان ان ~~الشر الموجود إذا أضيف إلى عدم أو وجود فلا بد أن يكون وجودا ناقصا فتارة ~~يضاف إلى عدم كمال السبب أو فوات الشرط وتارة يضاف إلى وجود ويعبر عنه تارة ~~بالسبب الناقص والمحل الناقص وسبب ذلك إما عدم شرط أو وجود مانع والمانع لا ~~يكون مانعا إلا لضعف المقتضى وكل ما ذكرته واضح بين إلا هذا الموضع ففيه ~~غموض يتبين عند التأمل وله طرفان # ( أحدهما ( أن الموجود لا يكون سببه عدما محضا # و ( الثاني ( أن الموجود لايكون سببا للعدم المحض وهذا معلوم بالبديهة أن ~~الكائنات الموجودة لا تصدر إلا عن حق موجود PageV14P024 ولهذا كان معلوما ~~بالفطرة أنه لابد لكل مصنوع من صانع كما قال تعالى ( أم خلقوا من غير شيء ~~أم هم الخالقون ) يقول أخلقوا من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا أنفسهم # ومن المتكلمين من استدل على هذا المطلوب بالقياس وضرب المثال والاستدلال ~~عليه ممكن ودلائله كثيرة والفطرة عند صحتها أشد إقرارا به وهو لها أبده وهي ~~إليه أشد اضطرارا من المثال الذي يقاس به # وقد اختلف أهل الأصول في العلة الشرعية هل ms4330 يجوز تعليل الحكم الوجودي ~~بالوصف العدمى فيها مع قولهم إن العدمي يعلل بالعدمي فمنهم من قال يعلل به ~~ومنهم من أنكر ذلك ومنهم من فصل بين مالا يجوز أن يكون علة للوجود في قياس ~~العلة ويجوز أن تكون علته له في قياس الدلالة فلا يضاف إليه في قياس ~~الدلالة وهذا فصل الخطاب وهو أن قياس الدلالة يجوز أن يكون العدم فيه علة ~~وجزءا من علة لأن عدم الوصف قد يكون دليلا على وصف وجودي يقتضي الحكم # وأما ( قياس العلة ( فلا يكون العدم فيه علة تامة لكن يكون جزءا من العلة ~~التامة وشرطا للعلة المقتضية التى ليست بتامة وقلنا جزء من العلة التامة ~~وهو معنى كونه شرطا في اقتضاء العلة الوجودية PageV14P025 وهذا نزاع لفظي ~~فإذا حققت المعاني ارتفع فهذا في بيان أحد الطرفين وهو أن الموجود لا يكون ~~سببه عدما محضا # وأما ( الطرف الثاني ( وهو أن الموجود لايكون سببا لوجود يستلزم عدما ~~فلأن العدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود بل يكفي فيه عدم السبب الموجود ~~ولأن السبب الموجود إذا أثر فلابد أن يؤثر شيئا والعدم المحض ليس بشيء ~~فالأثر الذي هو عدم محض بمنزلة عدم الأثر بل إذا أثر الاعدام فالاعدام أمر ~~وجودي فيه عدم فإن جعل الموجود معدوما والمعدوم موجودا أمر معقول أما جعل ~~المعدوم معدوما فلا يعقل إلا بمعنى الابقاء على العدم والابقاء على العدم ~~يكفي فيه عدم الفاعل والفرق معلوم بين عدم الفاعل وعدم الموجب 2 في عدم ~~العلة وبين فاعل العدم وموجب العدم وعلة العدم والعدم لا يفتقر إلى الثاني ~~بل يكفى فيه الأول # فتبين بذلك الطرفان وهو أن العدم المحض الذي ليس فيه شوب وجود لا يكون ~~وجودا ما لاسببا ولا مسببا ولا فاعلا ولا مفعولا أصلا فالوجود المحض التام ~~الذي ليس فيه شوب عدم لا يكون سببا لعدم أصلا ولا مسببا عنه ولا فاعلا له ~~ولا مفعولا أما كونه ليس مسببا عنه ولا مفعولا له فظاهر وأما كونه ليس سببا ~~له فإن كان سببا ms4331 لعدم محض فالعدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود وإن كان ~~لعدم PageV14P026 فيه وجود فذاك الوجود لابد له من سبب ولو كان سببه تاما ~~وهو قابل لما دخل فيه عدم فإنه إذا كان السبب تاما والمحل قابلا وجب وجود ~~المسبب فحيث كان فيه عدم فلعدم ما في السبب أو في المحل فلا يكون وجودا ~~محضا فظهر أن السبب حيث تخلف حكمه إن كان لفوات شرط فهو عدم وإن كان لوجود ~~مانع فإنما صار مانعا لضعف السبب وهو أيضا عدم قوته وكماله فظهر أن الوجود ~~ليس سبب العدم المحض وظهر بذلك القسمة الرباعية وهي أن الوجود المحض لايكون ~~إلا خيرا # يبين ذلك أن كل شرفى العالم لا يخرج عن قسمين إما ألم وإما سبب الألم ~~وسبب الألم مثل الأفعال السيئة المقتضية للعذاب والألم الموجود لايكون إلا ~~لنوع عدم فكما يكون سببه تفرق الاتصال وتفرق الاتصال هو عدم التأليف ~~والاتصال الذى بينهما وهو الشر والفساد # وأما سبب الألم فقد قررت في ( قاعدة كبيرة ( أن أصل الذنوب هو عدم ~~الواجبات لافعل المحرمات وأن فعل المحرمات إنما وقع لعدم الواجبات فصار أصل ~~الذنوب عدم الواجبات وأصل الألم PageV14P027 عدم الصحة ولهذا كان النبى صلى ~~الله عليه وسلم يعلمهم في خطبة الحاجة أن يقولوا ( ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ( فيستعيذ من شر النفس الذي نشأ عنها من ذنوبها ~~وخطاياها ويستعيذ من سيئات الأعمال التى هي عقوباتها وآلامها فإن قوله ( ~~ومن سيئات أعمالنا ( قد يراد به السيئات في الأعمال وقد يراد به العقوبات ~~فإن لفظ السيئات في كتاب الله يراد به ما يسوء الإنسان من الشر وقد يراد به ~~الأعمال السيئة قال تعالى @QB@ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا ~~بها @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ~~@QE@ # ومعلوم أن شر النفس هو الأعمال السيئة فتكون سيئات الأعمال هي الشر ~~والعقوبات الحاصلة بها فيكون مستعيذا من نوعى السيئات الأعمال السيئة ~~وعقوباتها كما في الاستعاذة المأمور بها في الصلاة ( أعوذ ms4332 بك من عذاب جهنم ~~ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ( فأمرنا ~~بالاستعاذة من العذاب عذاب الآخرة وعذاب البرزخ ومن سبب العذاب ومن فتنة ~~المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وذكر الفتنة الخاصة بعد الفتنة العامة ~~فتنة المسيح الدجال فإنها أعظم الفتن كما في الحديث الصحيح ( مامن خلق آدم ~~إلى قيام الساعة فتنة أعظم من فتنة المسيح الدجال PageV14P028 ### ||||| فصل # إذا ظهر أن العبد وكل مخلوق فقير إلى الله محتاج إليه ليس فقيرا إلى سواه ~~فليس هو مستغنيا بنفسه ولا بغير ربه فإن ذلك الغير فقير أيضا محتاج إلى ~~الله ومن المأثور عن أبي يزيد رحمه الله أنه قال استغاثة المخلوق بالمخلوق ~~كاستغاثة الغريق بالغريق وعن الشيخ أبي عبد الله القرشي أنه قال استغاثة ~~المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون وهذا تقريب وإلا فهو كاستغاثة ~~العدم بالعدم فإن المستغاث به إن لم يخلق الحق فيه قوة وحولا وإلا فليس له ~~من نفسه شيء قال سبحانه @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ وقال تعالى @QB@ وما هم بضارين ~~به من أحد إلا بإذن الله @QE@ واسم العبد يتناول معنيين # ( أحدهما ) بمعنى العابد كرها كما قال ( إن كل من في السماوات والأرض إلا ~~آتى الرحمن عبدا ) وقال ( وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها # وقال @QB@ بديع السماوات والأرض @QE@ @QB@ كل له قانتون @QE@ PageV14P029 ~~وقال @QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ ) # و ( الثاني ( بمعنى العابد طوعا وهو الذي يعبده ويستعينه وهذا هو المذكور ~~في قوله ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) وقوله ( عينا يشرب ~~بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ) وقوله ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) ~~وقوله ( إلا عبادك منهم المخلصين ) وقوله @QB@ يا عباد لا خوف عليكم اليوم ~~ولا أنتم تحزنون @QE@ وقوله @QB@ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب @QE@ ~~وقوله @QB@ فأوحى إلى عبده ما أوحى @QE@ وقوله @QB@ نعم العبد إنه أواب ~~@QE@ وقوله @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ وقوله @QB@ وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه @QE@ # وهذه العبودية قد ms4333 يخلو الإنسان منها تارة وأما الأولى فوصف لازم إذا أريد ~~بها جريان القدر عليه وتصريف الخالق له قال تعالى ( أفغير دين الله يبغون ~~وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) وعامة السلف على ~~أن المراد بالاستسلام إستسلامهم له بالخضوع والذل لا مجرد تصريف الرب لهم ~~كما في قوله @QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ وهذا ~~الخضوع والذل هو أيضا لازم لكل عبد لابد له من ذلك وإن PageV14P030 كان قد ~~يعرض له أحيانا الاعراض عن ربه والاستكبار فلابد له عند التحقيق من الخضوع ~~والذل له لكن المؤمن يسلم له طوعا فيحبه ويطيع أمره والكافر إنما يخضع له ~~عند رغبة ورهبة فإذا زال عنه ذلك أعرض عن ربه كما قال ( وإذا مس الانسان ~~الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا ~~إلى ضر مسه ) وقال ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلاإياه فلما ~~نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفورا ) # وفقر المخلوق وعبوديته أمر ذاتي له لا وجود له بدون ذلك والحاجة ضرورية ~~لكل المصنوعات المخلوقات وبذلك هي أنها لخالقها وفاطرها إذ لاقيام لها ~~بدونه وإنما يفترق الناس في شهود هذا الفقر والاضطرار وعزوبه عن قلوبهم # و ( أيضا ( فالعبد يفتقر إلى الله من جهة أنه معبوده الذي يحبه حب إجلال ~~وتعظيم فهو غاية مطلوبه ومراده ومنتهى همته ولا صلاح له إلا بهذا وأصل ~~الحركات الحب والذي يستحق المحبة لذاته هو الله فكل من أحب مع الله شيئا ~~فهو مشرك وحبه فساد وإنما الحب الصالح النافع حب الله والحب لله والانسان ~~فقير إلى الله من جهة عبادته له ومن جهة استعانته به للاستسلام والانقياد ~~لمن أنت إليه فقير وهو ربك وإلهك PageV14P031 # وهذا العلم والعمل أمر فطري ضروري فإن النفوس تعلم فقرها إلى خالقها وتذل ~~لمن افتقرت إليه وغناه من الصمدية التى انفرد بها فإنه ( يسأله من في ~~السماوات والأرض ) وهو شهود الربوبية بالاستعانة والتوكل والدعاء والسؤال ~~ثم هذا لا ms4334 يكفيها حتى تعلم ما يصلحها من العلم والعمل وذلك هو عبادته ~~والإنابة إليه فإن العبد إنما خلق لعبادة ربه فصلاحه وكماله ولذته وفرحه ~~وسروره في أن يعبد ربه وينيب إليه وذلك قدر زائد على مسألته والافتقار إليه ~~فإن جميع الكائنات حادثة بمشيئته قائمة بقدرته وكلمته محتاجة إليه فقيرة ~~إليه مسلمة له طوعا وكرها فإذا شهد العبد ذلك وأسلم له وخضع فقد آمن ~~بربوبيته ورأى حاجته وفقره إليه صار سائلا له متوكلا عليه مستعينا به إما ~~بحاله أو بقاله بخلاف المستكبر عنه المعرض عن مسألته # ثم هذا المستعين به السائل له إما أن يسأل ماهو مأمور به أو ما هو منهى ~~عنه أو ما هو مباح له ف ( الأول ( حال المؤمنين السعداء الذين حالهم @QB@ ~~إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ و ( الثاني ( حال الكفار والفساق والعصاة ~~الذين فيهم إيمان به وإن كانوا كفارا كما قال @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله ~~إلا وهم مشركون @QE@ فهم مؤمنون بربوبيته مشركون في عبادته كما قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم لحصين الخزاعى PageV14P032 ( ياحصين كم تعبد قال سبعة ~~آلهة ستة في الأرض وواحدا في السماء قال فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك قال ~~الذي في السماء قال أسلم حتى أعلمك كلمة ينفعك الله تعالى بها فأسلم فقال ~~قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي ( رواه أحمد وغيره # ولهذا قال سبحانه وتعالى ( وإذا سألك عبادي عني فانى قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ) أخبر سبحانه أنه ~~قريب من عباده يجيب دعوة الداعى إذا دعاه فهذا إخبار عن ربوبيته لهم ~~وإعطائه سؤلهم وإجابة دعائهم فانهم إذا دعوه فقد آمنوا بربوبيته لهم وإن ~~كانوا مع ذلك كفارا من وجه آخر وفساقا أو عصاة قال تعالى ( وإذا مسكم الضر ~~في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان ~~كفورا ) وقال تعالى ( وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ~~فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك ms4335 زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون ) ونظائره في القرآن كثيرة ثم أمرهم بأمرين فقال ( فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ) ف ( الأول ( أن يطيعوه فيما أمرهم به من ~~العبادة والاستعانة و ( الثانى ( الإيمان بربوبيته وألوهيته وأنه ربهم ~~وإلههم # ولهذا قيل إجابة الدعاء تكون عن صحة الإعتقاد وعن كمال الطاعة ~~PageV14P033 لأنه عقب آية الدعاء بقولة @QB@ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~@QE@ والطاعة والعبادة هي مصلحة العبد التى فيها سعادته ونجاته وأما إجابة ~~دعائه وإعطاء سؤاله فقد يكون منفعة وقد يكون مضرة قال تعالى ( ويدع الانسان ~~بالشر دعاءه بالخير وكان الانسان عجولا ) وقال تعالى ( ولو يعجل الله للناس ~~الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم ) وقال تعالى عن المشركين @QB@ وإذ ~~قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم @QE@ وقال @QB@ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا ~~فهو خير لكم @QE@ وقال @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ~~@QE@ وقال @QB@ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع ~~هواه @QE@ الآية وقال ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ~~ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم لما دخل على أهل جابر ~~فقال ( لاتدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ~~PageV14P034 ### ||| فصل # فالعبد كما أنه فقير إلى الله دائما في إعانته وإجابة دعوته وإعطاء سؤاله ~~وقضاء حوائجة فهو فقير إليه في أن يعلم ما يصلحه وما هو الذي يقصده ويريده ~~وهذا هو الأمر والنهي والشريعة وإلا فإذا قضيت حاجته التى طلبها وأرادها ~~ولم تكن مصلحة له كان ذلك ضررا عليه وإن كان في الحال له فيه لذة ومنفعة ~~فالاعتبار بالمنفعة الخالصة أو الراجحة وهذا قد عرفه الله عباده برسله ~~وكتبه علموهم وزكوهم وأمروهم بما ينفعهم ونهوهم عما يضرهم وبينوا لهم أن ~~مطلوبهم ومقصودهم ومعبودهم يجب ms4336 أن يكون هو الله وحده لا شريك له كما أنه هو ~~ربهم وخالقهم وأنهم إن تركوا عبادته أو أشركوا به غيره خسروا خسرانا مبينا ~~وضلوا ضلالا بعيدا وكان ما أوتوه من قوة ومعرفة وجاه ومال وغير ذلك وإن ~~كانوا فيه فقراء إلى الله مستعينين به عليه مقرين بربوبيته فإنه ضرر عليهم ~~ولهم بئس المصير وسوء الدار وهذا هو الذي تعلق به الأمر الدينى الشرعى ~~والارادة الدينية PageV14P035 الشرعية كما تعلق بالأول الأمر الكونى القدري ~~والإرادة الكونية القدرية # والله سبحانه قد أنعم على المؤمنين بالاعانة والهداية فإنه بين لهم هداهم ~~بإرسال الرسل وإنزال الكتب وأعانهم على اتباع ذلك علما وعملا كما من عليهم ~~وعلى سائر الخلق بأن خلقهم ورزقهم وعافاهم ومن على أكثر الخلق بأن عرفهم ~~ربوبيته لهم وحاجتهم إليه وأعطاهم سؤلهم وأجاب دعاءهم قال تعالى ( يسأله من ~~في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ) فكل أهل السماوات والأرض يسألونه ~~فصارت الدرجات أربعة # ( قوم ( لم يعبدوه ولم يستعينوه وقد خلقهم ورزقهم وعافاهم # و ( قوم ( استعانوه فأعانهم ولم يعبدوه # و ( قوم ( طلبوا عبادته وطاعته ولم يستعينوه ولم يتوكلوا عليه # و ( الصنف الرابع ( الذين عبدوه واستعانوه فأعانهم على عبادته وطاعته ~~وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقد بين سبحانه ما خص به المؤمنين ~~في قوله ( حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون ) # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على أفضل المرسلين محمد وآله وصحبه ~~أجمعين PageV14P036 # قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى ### ||||| فصل # والعبد مضطر دائما إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم فهو مضطر إلى مقصود ~~هذا الدعاء فإنه لانجاة من العذاب ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية ~~فمن فاته فهو إما من المغضوب عليهم وإما من الضالين وهذا الهدى لايحصل إلا ~~بهدى الله وهذه الآية مما يبين فساد مذهب القدرية # وأما سؤال من يقول فقد هداهم فلا حاجة بهم إلى السؤال وجواب من أجابه بأن ~~المطلوب دوامها كلام من لم ms4337 يعرف حقيقة الأسباب وما أمر الله به فإن @QB@ ~~الصراط المستقيم @QE@ أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر به في ذلك الوقت من ~~علم وعمل ولا يفعل مانهي عنه وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن يعلم ويعمل ما ~~أمر به في ذلك الوقت PageV14P037 وما نهى عنه وإلى أن يحصل له إرادة جازمة ~~لفعل المأمور وكراهة جازمة لترك المحظور فهذا العلم المفصل والارادة ~~المفصلة لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل ~~الله في قلبه من العلوم والارادات ما يهتدى به في ذلك الصراط المستقيم # نعم حصل له هدى مجمل بأن القرآن حق والرسول حق ودين الإسلام حق وذلك حق ~~ولكن هذا المجمل لا يغنيه أن لم يحصل له هدى مفصل في كل ما يأتيه ويذره من ~~الجزئيات التى يحار فيها أكثر عقول الخلق ويغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم ~~لغلبة الشهوات والشبهات عليهم # والانسان خلق ظلوما جهولا فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من ~~الشر فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله وعدل في محبته وبغضه ورضاه ~~وغضبه وفعله وتركه واعطائه ومنعه وأكله وشربه ونومه ويقظته فكل ما يقوله ~~ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافى جهله وعدل ينافى ظلمه فإن لم يمن الله عليه ~~بالعلم المفصل والعدل المفصل وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن ~~الصراط المستقيم وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية ~~وبيعة الرضوان ( انا فتحنا لك فتحا مبينا ) إلى قوله تعالى @QB@ ويهديك ~~صراطا مستقيما @QE@ PageV14P038 فإذا كان هذه حاله في آخر حياته أو قريبا ~~منها فكيف حال غيره # و @QB@ الصراط المستقيم @QE@ قد فسر بالقرآن وبالاسلام وطريق العبودية ~~وكل هذا حق فهو موصوف بهذا وبغيره ف ( القرآن ( مشتمل على مهمات وأمور ~~دقيقة ونواهي واخبار وقصص وغير ذلك ان لم يهد الله العبد إليها فهو جاهل ~~بها ضال عنها وكذلك ( الاسلام ( وما اشتمل عليه من المكارم والطاعات ~~والخصال المحمودة وكذلك ( العبادة وما اشتملت ms4338 عليه ( # فحاجة العبد إلى سؤال هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته وفلاحه بخلاف ~~حاجته إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه فإذا انقطع رزقه مات والموت لابد ~~منه فإذا كان من أهل الهدى به كان سعيدا قبل الموت وبعده وكان الموت موصلا ~~إلى السعادة الأبدية وكذلك النصر إذا قدر أنه غلب حتى قتل فإنه يموت شهيدا ~~وكان القتل من تمام النعمة فتبين أن الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى ~~النصر والرزق بل لا نسبة بينهما لأنه إذا هدي كان من المتقين ( ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) وكان ممن ينصر الله ورسوله ~~ومن نصر الله نصره الله وكان من جند الله وهم الغالبون ولهذا كان هذا ~~الدعاء هو المفروض PageV14P039 # و ( أيضا ( فإنه يتضمن الرزق والنصر لأنه إذا هدى ثم أمر وهدى غيره بقوله ~~وفعله ورؤيته فالهدى التام أعظم ما يحصل به الرزق والنصر فتبين أن هذا ~~الدعاء جامع لكل مطلوب وهذا مما يبين لك أن غير الفاتحة لايقوم مقامها وأن ~~فضلها على غيرها من الكلام أعظم من فضل الركوع والسجود على سائر أفعال ~~الخضوع فاذا تعينت الأفعال فهذا القول أولى والله أعلم # وصلى الله على نبيه محمد وسلم تسليما كثيرا PageV14P040 # قال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||||| فصل # وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه ( سورة البقرة ( من تقرير أصول العلم ~~وقواعد الدين أن الله تعالى افتتحها بذكر كتابه الهادي للمتقين فوصف حال ~~أهل الهدى ثم الكافرين ثم المنافقين فهذه ( جمل خبرية ( ثم ذكر ( الجمل ~~الطلبية ( فدعا الناس إلى عبادته وحده ثم ذكر الدلائل على ذلك من فرش الأرض ~~وبناء السماء وإنزال الماء واخراج الثمار رزقا للعباد ثم قرر ( الرسالة ( ~~وذكر ( الوعد والوعيد ( ثم ذكر مبدأ ( النبوة والهدى ( وما بثه في العالم ~~من الخلق والأمر ثم ذكر تعليم آدم الاسماء واسجاد الملائكة له لما شرفه من ~~العلم فإن هذا تقرير لجنس ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين ~~الحق فقص جنس دعوة الأنبياء ms4339 # ثم انتقل إلى خطاب بنى اسرائيل وقصة موسى معهم وضمن ذلك تقرير نبوته إذ ~~هو قرين محمد فذكر آدم الذي هو أول PageV14P041 و موسى الذي هو نظيره وهما ~~اللذان احتجا وموسى قتل نفسا فغفر له وآدم أكل من الشجرة فتاب عليه وكان في ~~قصة موسى رد على الصابئة ونحوهم ممن يقر بجنس النبوات ولا يوجب اتباع ~~ماجاءوا به وقد يتأولون أخبار الأنبياء وفيها رد على أهل الكتاب بما تضمنه ~~ذلك من الأمر بالايمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتقرير نبوته ~~وذكر حال من عدل عن النبوة إلى السحر وذكر النسخ الذي ينكره بعضهم وذكر ~~النصارى وأن الأمتين لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم كل هذا في تقرير أصول ~~الدين من الوحدانية والرسالة # ثم أخذ سبحانه في بيان شرائع الاسلام التى على ملة إبراهيم فذكر إبراهيم ~~الذي هو امام وبناء البيت الذي بتعظيمه يتميز أهل الاسلام عما سواهم وذكر ~~استقباله وقرر ذلك فإنه شعار الملة بين أهلها وغيرهم ولهذا يقال أهل القبلة ~~كما يقال ( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم ( # وذكر من ( المناسك ( ما يختص بالمكان وذلك أن الحج له مكان وزمان و ( ~~العمرة ( لها مكان فقط والعكوف والركوع والسجود شرع فيه ولا يتقيد به ولا ~~بمكان ولا بزمان لكن الصلاة تتقيد باستقباله فذكر سبحانه هذه الأنواع ~~الخمسة من العكوف PageV14P042 والصلاة والطواف والعمرة والحج والطواف يختص ~~بالمكان فقط ثم اتبع ذلك ما يتعلق بالبيت من الطواف بالجبلين وانه لا جناح ~~فيه جوابا لما كان عليه الأنصار في الجاهلية من كراهة الطواف بهما لأجل ~~اهلالهم لمناة وجوابا لقوم توقفوا عن الطواف بهما # وجاء ذكر الطواف بعد العبادات المتعلقة بالبيت بل وبالقلوب والابدان ~~والاموال بعد ما أمروا به من الاستعانه بالصبر والصلاة اللذين لا يقوم ~~الدين إلا بهما وكان ذلك مفتاح الجهاد المؤسس على الصبر لأن ذلك من تمام ~~أمر البيت لأن أهل الملل لا يخالفون فيه فلا يقوم أمر البيت إلا بالجهاد ~~عنه وذكر الصبر على ms4340 المشروع والمقدور وبين ما أنعم به على هذه الأمة من ~~البشرى للصابرين فانها أعطيت مالم تعط الأمم قبلها فكان ذلك من خصائصها ~~وشعائرها كالعبادات المتعلقة بالبيت ولهذا يقرن بين الحج والجهاد لدخول كل ~~منهما في سبيل الله فأما الجهاد فهو أعظم سبيل الله بالنص والاجماع وكذلك ~~الحج في الأصح كما قال الحج من سبيل الله ( # وبين أن هذا معروف عند أهل الكتاب بذمه لكاتم العلم ثم ذكر أنه لا يقبل ~~دينا غير ذلك ففي أولها ( فلا تجعلوا لله أندادا ) وفى أثنائها ( ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله أندادا ) ف ( الأول ( نهي عام و ( الثاني ( نهي خاص ~~وذكرها بعد البيت لينتهى عن قصد PageV14P043 الأنداد المضاهية له ولبيته من ~~الأصنام والمقابر ونحو ذلك ووحد نفسه قبل ذلك وأنه ( لا إله إلا هو الرحمن ~~الرحيم ) ثم ذكر ما يتعلق بتوحيده من الآيات # ثم ذكر الحلال والحرام وأطلق الأمر في المطاعم لأن الرسول بعث بالحنيفية ~~وشعارها وهو البيت وذكر سماحتها في الأحوال المباحة وفي الدماء بما شرعه من ~~القصاص ومن أخذ الدية ثم ذكر العبادات المتعلقة بالزمان فذكر الوصية ~~المتعلقة بالموت ثم الصيام المتعلق برمضان وما يتصل به من الاعتكاف ذكره في ~~عبادات المكان وعبادات الزمان فإنه يختص بالمسجد وبالزمان استحبابا أو ~~وجوبا بوقت الصيام ووسطه أولا بين الطواف والصلاة لأن الطواف يختص بالمسجد ~~الحرام والصلاة تشرع في جميع الأرض والعكوف بينهما # ثم أتبع ذلك بالنهي عن أكل الأموال بالباطل وأخبر أن المحرم ( نوعان ( ~~نوع لعينه كالميتة ونوع لكسبه كالربا والمغصوب فاتبع المعنى الثابت بالمحرم ~~الثابت تحريمه لعينه وذكر في أثناء عبادات الزمان المنتقل الحرام المنتقل ~~ولهذا أتبعه بقوله ( يسألونك عن الأهلة ) الآية وهي أعلام العبادات الزمنية ~~وأخبر أنه جعلها مواقيت للناس في أمر دينهم ودنياهم وللحج لأن البيت تحجه ~~الملائكة والجن فكان هذا أيضا PageV14P044 في أن الحج موقت بالزمان كأنه ~~موقت بالبيت المكاني ولهذا ذكر بعد هذا من أحكام الحج ما يختص بالزمان مع ~~أن المكان من تمام الحج والعمرة # وذكر ( المحصر ms4341 ( وذكر تقديم الاحلال المتعلق بالمال وهو الهدي عن الاحلال ~~المتعلق بالنفس وهو الحلق وأن المتحلل يخرج من إحرامه فيحل بالأسهل فالأسهل ~~ولهذا كان آخر ما يحل عين الوطء فإنه أعظم المحظورات ولا يفسد النسك بمحظور ~~سواه # وذكر ( التمتع بالعمرة إلى الحج ( لتعلقه بالزمان مع المكان فإنه لايكون ~~متمتعا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج وحتى لا يكون أهله حاضري المسجد ~~الحرام وهو الأفقي فإنه الذي يظهر التمتع في حقه لترفهه بسقوط أحد السفرين ~~عنه أما الذي هو حاضر فسيان عنده تمتع أو اعتمر قبل أشهر الحج ثم ذكر وقت ~~الحج وأنه أشهر معلومات وذكر الاحرام والوقوف بعرفة ومزدلفة فإن هذا مختص ~~بزمان ومكان ولهذا قال ( فمن فرض فيهن الحج ) ولم يقل ( والعمرة ) لأنها ~~تفرض في كل وقت ولاريب أن السنة فرض الحج في أشهره ومن فرض قبله خالف السنة ~~فإما أن يلزمه ما التزمه كالنذر إذ ليس فيه نقض للمشروع وليس كمن صلى قبل ~~الوقت وإما أن يلزم PageV14P045 الاحرام ويسقط الحج ويكون معتمرا وهذان ~~قولان مشهوران ثم أمر عند قضاء المناسك بذكره وقضائها والله أعلم قضاء ~~التفث والاحلال ولهذا قال بعد ذلك ( واذكروا الله في أيام معدودات ) وهذا ~~أيضا من العبادات الزمانية المكانية وهو ذكر الله تعالى مع رمي الجمار ومع ~~الصلوات ودل على أنه مكاني قوله ( فمن تعجل في يومين ) الآية وإنما يكون ~~التعجيل والتأخير في الخروج من المكان ولهذا تضاف هذه الأيام إلى مكانها ~~فيقال أيام منى وإلى عملها فيقال أيام التشريق كما يقال ليلة جمع وليلة ~~مزدلفة ويوم عرفة ويوم الحج الأكبر ويوم العيد ويوم الجمعة فتضاف إلى ~~الأعمال وأماكن الأعمال إذ الزمان تابع للحركة والحركة تابعة للمكان فتدبر ~~تناسب القرآن وارتباط بعضه ببعض وكيف ذكر أحكام الحج فيها في موضعين مع ذكر ~~بيته وما يتعلق بمكانه وموضع ذكر فيه الأهلة فذكر مايتعلق بزمانه وذكر أيضا ~~القتال في المسجد الحرام والمقاصة في الشهر الحرام لأن ذلك مما يتعلق ~~بالزمان المتعلق بالمكان ولهذا قرن سبحانه ذكر كون الأهلة ms4342 مواقيت للناس ~~والحج وذكر أن ( البر ( ليس أن يشقى الرجل نفسه ويفعل مالا فائدة ~~PageV14P046 فيه من كونه يبرز للسماء فلا يستظل بسقف بيته حتى إذا أراد ~~دخول بيته لا يأتيه إلا من ظهره فأخبر أن الهلال الذي جعل ميقاتا للحج شرع ~~مثل هذا وإنما تضمن شرع التقوى ثم ذكر بعد ذلك مايتعلق بأحكام النكاح ~~والوالدات وما يتعلق بالأموال والصدقات والربا والديون وغير ذلك ثم ختمها ~~بالدعاء العظيم المتضمن وضع الآصار والأغلال والعفو والمغفرة والرحمة وطلب ~~النصر على القوم الكافرين الذين هم أعداء ما شرعه من الدين في كتابه المبين # والحمد لله رب العالمين PageV14P047 @ قال شيخ الاسلام # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من ( كتب التفسير ( إلا ماهو ~~خطأ # منها قوله ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) الآية ذكر أن المشهور أن ~~( السيئة ) الشرك وقيل الكبيرة يموت عليها قاله عكرمة قال مجاهد هي الذنوب ~~تحيط بالقلب # قلت الصواب ذكر أقوال السلف وان كان فيها ضعيف فالحجة تبين ضعفه فلا يعدل ~~عن ذكر أقوالهم لموافقتها قول طائفة من المبتدعة وهم ينقلون عن بعض السلف ~~أن هذه الآية أخطأ فيها الكاتب كما قيل في غيرها ومن أنكر شيئا من القرآن ~~بعد تواتره استتيب فإن تاب وإلا قتل وأما قبل تواتره عنده فلا يستتاب لكن ~~يبين له وكذلك الأقوال التى جاءت الأحاديث بخلافها فقها وتصوفا واعتقادا ~~وغير ذلك # وقول مجاهد صحيح كما في الحديث الصحيح ( إذا أذنب العبد PageV14P048 نكت ~~في قلبه نكتة سوداء ( الخ والذي يغشى القلب يسمى ( رينا ( و ( طبعا ( و ( ~~ختما ( و ( ففلا ( ونحو ذلك فهذا ما أصر عليه و ( احاطة الخطيئة ( إحداقها ~~به فلا يمكنه الخروج وهذا هو البسل بما كسبت نفسه أي تحبس عما فيه نجاتها ~~في الدارين فإن المعاصي قيد وحبس لصاحبها عن الجولان في فضاء التوحيد وعن ~~جنى ثمار الاعمال الصالحة # ومن المنتسبين إلى السنة من يقول أن صاحب الكبيرة يعذب مطلقا والاكثرون ~~على خلافه وأن الله سبحانه يزن الحسنات والسيئات وعلى هذا دل ms4343 الكتاب والسنة ~~وهو معنى الوزن لكن تفسير السيئة بالشرك هو الأظهر لأنه سبحانه غاير بين ~~المكسوب والمحيط فلو كان واحدا لم يغاير والمشرك له خطايا غير الشرك أحاطت ~~به لأنه لم يتب منها # و ( أيضا ( قوله ( سيئة ) نكرة وليس المراد جنس السيئات بالاتفاق # و ( أيضا ( لفظ ( السيئة ) قد جاء في غير موضع مرادا به الشرك وقوله ( ~~سيئة ) أي حال سيئة أو مكان سيئة ونحو ذلك كما في قوله ( ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة ) أي حالا حسنة تعم الخير كله وهذا اللفظ يكون صفة وقد ينقل من ~~الوصفية إلى الاسمية ويستعمل لازما أو PageV14P049 متعديا يقال ساء هذا ~~الأمر أي قبح ويقال ساءنى هذا قال بن عباس في قوله ( والذين كسبوا السيئات ~~جزاء سيئة بمثلها ) عملوا الشرك لأنه وصفهم بهذا فقط ولو آمنوا لكان لهم ~~حسنات وكذا لما قال ( كسب سيئة ) لم يذكر حسنة كقوله تعالى @QB@ للذين ~~أحسنوا الحسنى @QE@ أي فعلوا الحسنى وهو ما أمروا به كذلك ( السيئة ) ~~تتناول المحظور فيدخل فيها الشرك PageV14P050 # وقال شيخ الاسلام # قدس الله روحه ### ||||| فصل # قال الله تعالى ( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين ) ~~وقال تعالى ( فلنسألن الذين أرسل اليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم ~~وما كنا غائبين ) وقد قال تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ) قال طائفة من ~~السلف ( الغيب ( هو الله أو من الايمان بالغيب الايمان بالله ففي موضع نفى ~~عن نفسه أن يكون غائبا وفى موضع جعله نفسه غيبا # ولهذا اختلف الناس في هذه المسألة فطائفة من المتكلمين من أصحابنا وغيرهم ~~كالقاضي وبن عقيل وبن الزاغونى يقولون بقياس الغائب على الشاهد ويريدون ~~بالغائب الله ويقولون قياس الغائب على الشاهد ثابت بالحد والعلة والدليل ~~والشرط كما يقولون PageV14P051 في مسائل الصفات في إثبات العلم والخبرة ~~والارادة وغير ذلك وأنكر ذلك عليهم طائفة منهم الشيخ أبو محمد في رسالته ~~إلى أهل رأس العين وقال لايسمى الله غائبا واستدل بما ذكر وفصل الخطاب بين ~~الطائفتين أن اسم ( الغيب والغائب ( من الأمور الاضافية يراد به ماغاب عنا ms4344 ~~فلم ندركه ويراد به ما غاب عنا فلم يدركنا وذلك لأن الواحد منا إذا غاب عن ~~الآخر مغيبا مطلقا لم يدرك هذا هذا ولا هذا هذا والله سبحانه شهيد على ~~العباد رقيب عليهم مهيمن عليهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء فليس هو غائبا وإنما ( لما ) لم يره العباد كان غيبا ولهذا يدخل في ~~الغيب الذي يؤمن به وليس هو بغائب فإن ( الغائب ( اسم فاعل من قولك غاب ~~يغيب فهو غائب والله شاهد غير غائب وأما ( الغيب ( فهو مصدر غاب يغيب غيبا ~~وكثيرا ما يوضع المصدر موضع الفاعل كالعدل والصوم والزور وموضع المفعول ~~كالخلق والرزق ودرهم ضرب الأمير # ولهذا يقرن الغيب بالشهادة وهي أيضا مصدر فالشهادة هي المشهود أو الشاهد ~~والغيب هو إما المغيب عنه فهو الذي لا يشهد نقيض الشهادة وإما بمعنى الغائب ~~الذي غاب عنا فلم نشهده فتسميته باسم المصدر فيه تنبيه PageV14P052 على ~~النسبة إلى الغير أي ليس هو بنفسه غائبا وإنما غاب عن الغير أو غاب الغير ~~عنه وقد يقال اسم ( الشهادة والغيب ( يجمع النسبتين فالشهادة ما شهدنا ~~وشهدناه والغيب ما غاب عنا وغبنا عنه فلم نشهده وعلى كل تقدير فالمعنى في ~~كونه غيبا هو انتفاء شهودنا له وهذه تسمية قرآنية صحيحة فلو قالوا قياس ~~الغيب على الشهادة لكانت العبارة موافقة واما قياس الغائب ففيه مخالفة في ~~ظاهر اللفظ ولكن موافقة في المعنى فلهذا حصل في اطلاقه التنازع PageV14P053 ### || 1 ( رسالة في المثل ) 1 # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### ||| ! 8 < فصل # المثل في الأصل هو الشبيه وهو نوعان لأن القضية المعينة إما أن تكون شبها ~~معينا أو عاما كليا فإن القضايا الكلية التى تعلم وتقال هي مطابقة مماثلة ~~لكل ما يندرج فيها وهذا يسمى قياسا في لغة السلف واصطلاح المنطقيين وتمثيل ~~الشيء المعين بشيء معين هو أيضا يسمى قياسا في لغة السلف واصطلاح الفقهاء ~~وهو الذي يسمى قياس التمثيل # ثم من متأخري العلماء كالغزالى وغيره من ادعى أن حقيقة القياس إنما يقال ~~على ms4345 هذا وما يسميه تأليف القضايا الكلية قياسا فمجاز من جهة أنه لم يشبه ~~فيه شيء بشيء وانما يلزم من عموم الحكم تساوى افراده فيه ومنهم من عكس كابى ~~محمد بن حزم فانه زعم PageV14P054 أن لفظ القياس إنما ينبغي أن يكون في تلك ~~الامور العامة وهو القياس الصحيح # والصواب ما عليه السلف من اللغة الموافقة لما في القرآن كما سأذكره أن ~~كلاهما قياس وتمثيل واعتبار وهو في قياس التمثيل ظاهر وأما قياس التكليل ~~والشمول فلانه يقاس كل واحد من الافراد بذلك المقياس العام الثابت في العلم ~~والقول وهو الأصل كما يقاس الواحد بالأصل الذي يشبهه فالأصل فيهما هو المثل ~~والقياس هو ضرب المثل واصله والله أعلم تقديره فضرب المثل للشيء تقديره له ~~كما أن القياس أصله تقدير الشيء بالشيء ومنه ضرب الدرهم وهو تقديره وضرب ~~الجزية والخراج وهو تقديرهما والضريبة المقدرة والضرب في الأرض لأنه يقدر ~~أثر الماشي بقدره وكذلك الضرب بالعصى لأنه تقدير الألم بالآلة وهو جمعه ~~وتأليفه وتقديره كما أن الضريبة هي المال المجموع والضريبة الخلق وضرب ~~الدرهم جمع فضة مؤلفة مقدرة وضرب الجزية والخراج إذا فرضه وقدره على مر ~~السنين والضرب في الأرض الحركات المقدرة المجموعة إلى غاية محدودة ومنه ~~تضريب الثوب المحشو وهو تأليف خلله طرائق طرائق # ولهذا يسمون الصورة القياسية الضرب كما يقال للنوع الواحد ضرب لتألفه ~~واتفاقه وضرب المثل لما كان جمعا بين علمين يطلب منهما علم PageV14P055 ~~ثالث كان بمنزلة ضراب الفحل الذى يتولد عنه الولد ولهذا يقسمون الضرب إلى ~~ناتج وعقيم كما ينقسم ضرب الفحل للأنثى إلى ناتج وعقيم وكل واحد من نوعي ~~ضرب المثل وهو القياس تارة يراد به التصوير وتفهيم المعنى وتارة يراد به ~~الدلالة على ثبوته والتصديق به فقياس تصور وقياس تصديق فتدبر هذا # وكثيرا ما يقصد كلاهما فإن ضرب المثل يوضح صورة المقصود وحكمه وضرب ~~الأمثال في المعانى نوعان هما نوعا القياس # ( أحدهما ( الأمثال المعينة التى يقاس فيها الفرع باصل معين موجود أو ~~مقدر وهي في القرآن بضع واربعون مثلا ms4346 كقوله ( مثلهم كمثل الذى استوقد نارا ~~) إلى آخره وقوله ( مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت ~~سبع سنابل في كل سنبله مائة حبة ) وقوله ( يا أيها الذين آمنوا لاتبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ) الآية ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ~~ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت ~~أكلها ضعفين ) # فان التمثيل بين الموصوفين الذين يذكرهم من المنافقين والمنفقين ~~والمخلصين منهم والمرائين وبين مايذكره سبحانه من تلك الأمثال PageV14P056 ~~هو من جنس قياس التمثيل الذي يقال فيه مثل الذي يقتل بكودين القصار كمثل ~~الذي يقتل بالسيف ومثل الهرة تقع في الزيت كمثل الفأرة تقع في السمن ونحو ~~ذلك ومبناه على الجمع بينهما والفرق في الصفات المعتبرة في الحكم المقصود ~~اثباته أو نفيه وقوله مثله كمثل كذا تشبيه للمثل العلمي بالمثل العلمي لأنه ~~هو الذى بتوسطه يحصل القياس فان المعتبر ينظر في احدهما فيتمثل في علمه ~~وينظر في الآخر فيتمثل في علمه ثم يعتبر أحد المثلين بالآخر فيجدهما سواء ~~فيعلم أنهما سواء في انفسهما لاستوائهما في العلم ولا يمكن اعتبار احدهما ~~بالآخر في نفسه حتى يتمثل كل منهما في العلم فإن الحكم على الشيء فرع على ~~تصوره ولهذا والله أعلم يقال مثل هذا كمثل # وبعض المواضع يذكر سبحانه الأصل المعتبر به ليستفاد حكم الفرع منه من غير ~~تصريح بذكر الفرع كقوله ( ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري ~~من تحتها الانهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر ) إلى قوله ( كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) فإن هذا يحتاج إلى تفكر ولهذا سأل ~~عمر عنها من حضره من الصحابة فأجابه بن عباس بالجواب الذي ارضاه # ونظير ذلك ذكر القصص فإنها كلها أمثال هي أصول قياس PageV14P057 واعتبار ~~ولا يمكن هناك تعديد ما يعتبر بها لأن كل إنسان له في حالة منها نصيب فيقال ~~فيها ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولى ms4347 الألباب ) ويقال عقب حكايتها ( ~~فاعتبروا ياأولى الأبصار ) ويقال ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا ) إلى ~~قوله ( ان في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ) والاعتبار هو القياس بعينه كما قال ~~بن عباس لما سئل عن دية الأصابع فقال هي سواء واعتبروا ذلك بالأسنان أي ~~قيسوها بها فإن الأسنان مستوية الدية مع اختلاف المنافع فكذلك الأصابع ~~ويقال اعتبرت الدراهم بالصنجة إذا قدرتها بها # ( النوع الثانى ( الأمثال الكلية وهذه التى أشكل تسميتها أمثالا كما أشكل ~~تسميتها قياسا حتى اعترض بعضهم قوله ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ) ~~فقال اين المثل المضروب وكذلك إذا سمعوا قوله ( ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل ) يبقون حيارى لايدرون ما هذه الأمثال وقد رأوا عدد ما ~~فيه من تلك الأمثال المعينة بضعا وأربعين مثلا # وهذه ( ( الأمثال ( تارة تكون صفات وتارة تكون أقيسة فإذا كانت أقيسة ~~فلابد فيها من خبرين هما قضيتان وحكمان وانه لابد أن يكون احدهما كليا لأن ~~الأخبار التى هي القضايا لما انقسمت إلى معينة ومطلقة وكليه وجزئية وكل من ~~ذلك انقسم إلى خبر عن اثبات PageV14P058 و خبر عن نفي فضرب المثل الذي هو ~~القياس لابد أن يشتمل على خبر عام وقضية كلية وذلك هو المثل الثابت في ~~العقل الذي تقاس به الأعيان المقصود حكمها فلولا عمومه لما أمكن الاعتبار ~~لجواز أن يكون المقصود حكمه خارجا عن العموم ولهذا يقال لا قياس عن قضيتين ~~جزئيتين بل لابد أن تكون احداهما كلية ولا قياس أيضا عن سالبتين بل لابد أن ~~تكون احداهما موجبة والا السلبان لا يدخل احدهما في الآخر فلا بد فيه من ~~خبر يعم # وجملة ما يضرب من الأمثال ستة عشر لأن الأولى اما جزئية واما كلية مثبتة ~~أو نافية فهذه أربعة إذا ضربتها في أربعة صارت ستة عشر تحذف منهما ~~الجزئيتين سواء كانتا موجبتين أو سالبتين أو احداهما سالبة والأخرى موجبة ~~فهذه ست من ستة عشر والسالبتين سواء كانتا جزئيتين أو كليتين أو احداهما ~~دون الأخرى لكن إذا كانتا جزئيتين ms4348 سالبتين فقد دخلت في الأول يبقى ضربان ~~محذوفين من ستة عشر ويحذف منهما السالبة الكلية الصغرى مع الكبرى الموجبة ~~الجزئية لأن الكبرى إذا كانت جزئية لم يجب أن يلاقيها السلب بخلاف الايجاب ~~فان الايجابين الجزئيين يلتقيان وكذلك الايجاب الجزئي مع السلب الكلي ~~يلتقيان لاندراج ذلك الموجب تحت السلب العام PageV14P059 # يبقى من الستة عشر ستة أضرب فإذا كانت احداهما موجبة كلية جاز في الأخرى ~~الأقسام الأربعة وإذا كانت سالبة كلية جاز أن تقارنها الموجبتان لكن تقدم ~~مقارنة الكلية لها ولابد في الجزئية أن تكون صغرى وإذا كانت موجبة جزئية ~~جاز أن تقارنها الكليتان وقد تقدمتا وإذا كانت سالبة جزئية لم يجز أن ~~يقارنها الا موجبة كلية وقد تقدمت فيقر الناتج ستة والملغى عشرة ~~وبالاعتبارين تصير ثمانية # فهذه الضروب العشرة مدار ثمانية منها على الايجاب العام ولابد في جميع ~~ضروبه من أحد أمرين إما إيجاب وعموم وإما سلب وخصوص فنقيضان لا يفيد ~~اجتماعهما فائدة بل إذا إجتمع النقيضان من نوعين كسالبة كلية وموجبة جزئية ~~فتفيد بشرط كون الكبرى هي العامة فظهر أنه لابد في كل قياس من ثبوت وعموم ~~إما مجتمعين في مقدمة وإما مفترقين في المقدمتين وأيضا مما يجب أن يعلم أن ~~غالب الأمثال المضروبة والأقيسة إنما يكون الخفي فيها احدى القضيتين واما ~~الأخرى فجلية معلومة فضارب المثل وناصب القياس إنما يحتاج أن يبين تلك ~~القضية الخفية فيعلم بذلك المقصود لما قاربها في الفعل من القضية السلبية ~~والجلية هي الكبرى التى هي أعم PageV14P060 # فإن الشيء كلما كان أعم كان أعرف في العقل لكثرة مرور مفرداته في العقل ~~وخير الكلام ما قل ودل فلهذا كانت الأمثال المضروبة في القرآن تحذف منها ~~القضية الجلية لأن في ذكرها تطويلا وعيا وكذلك ذكر النتيجة المقصودة بعد ~~ذكر المقدمتين يعد تطويلا # واعتبر ذلك بقوله ( لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ) ماأحسن هذا ~~البرهان فلو قيل بعده وما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله لكان هذا من ~~الكلام الغث الذي لا يناسب بلاغة التنزيل وانما ذلك ms4349 من تأليف المعاني في ~~العقل مثل تأليف الأسماء من الحروف في الهجاء والخط إذا علمنا الصبى الخط ~~نقول ( با ( سين ( ميم ( صارت ( بسم ) فإذا عقل لم يصلح له بعد ذلك أن ~~يقرأه تهجيا فيذهب ببهجة الكلام بل قد صار التأليف مستقرا وكذلك النحوى إذا ~~عرف أن ( محمد رسول الله ( مبتدأ وخبر لم يلف كلما رفع مثل ذلك أن يقول ~~لأنه مبتدأ وخبر فتأليف الأسماء من الحروف لفظا ومعنى وتأليف الكلم من ~~الأسماء وتأليف الأمثال من الكلم جنس واحد # ولهذا كان المؤلفون للأقيسة يتكلمون أولا في مفردات الألفاظ والمعاني ~~التى هي الأسماء ثم يتكلمون في تأليف الكلمات من الأسماء الذي هو الخبر ~~والقصة والحكم ثم يتكلمون في تأليف الأمثال المضروبة الذي هو ( القياس ( و ~~( البرهان ( و ( الدليل ( و ( الآية ( PageV14P061 و ( العلامة ( فهذا مما ~~ينبغي أن يتفطن له فإن من أعظم كمال القرآن تركه في أمثاله المضروبة ~~وأقيسته المنصوبة لذكر المقدمة الجلية الواضحة المعلومة ثم اتباع ذلك ~~بالأخبار عن النتيجة التى قد علم من أول الكلام أنها هي المقصود بل إنما ~~يكون ضرب المثل بذكر ما يستفاد ذكره وينتفع بمعرفته فذلك هو البيان وهو ~~البرهان وأما ما لا حاجة إلى ذكره فذكره عي # وبهذا يظهر لك خطأ قوم من البيانيين الجهال والمنطقيين الضلال حيث قال ~~بعض أولئك الطريقة الكلامية البرهانية في أساليب البيان ليست في القرآن إلا ~~قليلا وقال الثاني انه ليس في القرآن برهان تام فهؤلاء من أجهل الخلق ~~باللفظ والمعنى فإنه ليس في القرآن إلا الطريقة البرهانية المستقيمة لمن ~~عقل وتدبر # و ( أيضا ( فينبغي أن يعرف أن مدار ضرب المثل ونصب القياس على العموم ~~والخصوص والسلب والايجاب فإنه ما من خبر الا وهو اما عام أو خاص سالب أو ~~موجب فالمعين خاص محصور والجزئى أيضا خاص غير محصور والمطلق اما عام واما ~~في معنى الخاص # فينبغي لمن أراد معرفة هذا الباب أن يعرف ( صيغ النفي والعموم ( فإن ذلك ~~يجيء في القرآن على أبلغ نظام PageV14P062 # مثال ذلك أن ( صيغة الاستفهام ( يحسب ms4350 من أخذ ببادىء الرأي أنها لا تدخل ~~في القياس المضروب لأنه لا يدخل فيه إلا القضايا الخبرية وهذه طلبية فإذا ~~تأمل وعلم أن اكثر استفهامات القرآن أو كثيرا منها انما هي استفهام انكار ~~معناه الذم والنهي إن كان انكارا شرعيا أو معناه النفي والسلب ان كان انكار ~~وجود ووقوع كما في قوله ( وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحيي العظام وهي ~~رميم ) ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من شركاء فيما ~~رزقناكم ) الآية وكذلك قوله ( آلله خير أم ما يشركون ) وقوله في تعديد ~~الآيات ( أإله مع الله ) أي أفعل هذه إله مع الله والمعنى ما فعلها إلا ~~الله وقوله ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) وما معها # وهذا الذي ذكرناه الذي جاء به القرآن هو ضرب الأمثال من جهة المعنى وقد ~~يعبر في اللغة بضرب المثل أو بالمثل المضروب عن نوع من الألفاظ فيستفاد منه ~~التعبير كما يستفاد من اللغة لكن لا يستفاد منه الدليل على الحكم كأمثال ~~القرآن وهو أن يكون الرجل قد قال كلمة منظومة أو منثورة لسبب اقتضاه فشاعت ~~في الاستعمال حتى يصار يعبر بها عن كل ما أشبه ذلك المعنى الأول وان كان ~~اللفظ في الأصل غير موضوع لها فكأن تلك الجملة المثلية نقلت بالعرف من ~~المعنى الخاص إلى PageV14P063 العام كما تنقل الألفاظ المفردة فهذا نقل في ~~الجملة مثل قولهم ( يداك أو كتا وفوك نفخ ( هو مواز لقولهم ( انت جنيت هذا ~~( لأن هذا المثل قيل ابتداء لمن كانت جنايته بالايكاء والنفخ ثم صار مثلا ~~عاما وكذلك قولهم ( الصيف ضيعت اللبن ( مثل قولك ( فرطت وتركت الحزم وتركت ~~ما يحتاج إليه وقت القدرة عليه حتى فات ( واصل الكلمة قيلت للمعنى الخاص # وكذلك ( عسى العويدا بؤسا ( أي أتخاف أن يكون لهذا الظاهر الحسن باطن ~~رديء فهذا نوع من البيان يدخل في اللغة والخطاب فالمتكلم به حكمه حكم ~~المبين بالعبارة الدالة سواء كان المعنى في نفسه حقا أو باطلا إذ قد يتمثل ~~به ms4351 في حق من ليس كذلك فهذا تطلبه في القرآن من جنس تطلب الالفاظ العرفية ~~فهو نظر في دلالة اللفظ على المعنى لا نظر في صحة المعنى ودلالته على الحكم ~~وليس هو المراد بقوله ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) فتدبر ~~هذا فانه يجلو عنك شبهة لفظية ومعنوية # وهذه الأمثال اللغوية أنواع موجود في القرآن منها أجناسها وهي معلنة ~~ببلاغة لفظه ونظمه وبراعة بيانه اللفظي والذين يتكلمون في علم البيان ~~وإعجاز القرآن يتكلمون في مثل هذا ومن الناس من يكون أول ما يتكلم بالكلمة ~~صارت مثلا ومنهم من لا تصير الكلمة مثلا PageV14P064 حتى يتمثل بها الضارب ~~فيكون هذا أول من تمثل بها كقوله صلى الله عليه وسلم ( الآن حمى الوطيس ( ~~وكقوله ( مسعر حرب ( ونحو ذلك لكن النفي بصيغة الاستفهام المضمن معنى ~~الانكار هو نفي مضمن دليل النفي فلا يمكن مقابلته بمنع وذلك أنه لا ينفي ~~باستفهام الانكار الا ما ظهر بيانه أو ادعي ظهور بيانه فيكون ضاربه إما ~~كاملا في استدلاله وقياسه وإما جاهلا كالذي قال ( من يحيى العظام وهي رميم ~~) # إذا تبين ذلك فالامثال المضروبة في القرآن منها ما يصرح فيه بتسميته مثلا ~~ومنها ما لا يسمى بذلك ( مثلهم كمثل الذي استوقد ) والذي يليه ( إن الله لا ~~يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) ( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق ) ( ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) ( مثل الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله ) ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رئاء ~~الناس ) الآية ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ) والذي بعده ~~ليس فيه لفظ مثل ( كدأب آل فرعون ) في الثلاثة ( قد كان لكم آية ) ( مثل ما ~~ينفقون في هذه الحياة الدنيا ) وقوله ( أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~PageV14P065 # ومن هذا الباب قوله ( ولا أقول لكم ) الآية ويسمى جدالا ( فمثله كمثل ~~الكلب إلى قوله ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ) ( إنما مثل الحياة ~~الدنيا كماء أنزلناه من السماء ) الآية ( مثل الفريقين كالأعمى والاصم ) ( ~~إلا كباسط ms4352 كفيه إلى الماء ) وقول يوسف ( أأرباب متفرقون ) ( @QB@ قل هل ~~يستوي الأعمى والبصير @QE@ الآية @QB@ أنزل من السماء ماء @QE@ إلى قوله ~~@QB@ كذلك يضرب الله الأمثال @QE@ @QB@ مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من ~~تحتها الأنهار @QE@ @QB@ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به ~~الريح @QE@ @QB@ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة @QE@ إلى آخره ( وتبين ~~لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الامثال ) ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء ولله المثل الأعلى ) ( فلا تضربوا لله الأمثال ) ( ضرب الله مثلا ~~عبدا مملوكا ) والذي بعده ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ) ( انظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال ) في موضعين ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~فابى اكثر الناس الا كفورا ) بعد أدلة التوحيد والنبوة والتحدي بالقرآن ( ~~واضرب لهم مثلا رجلين ) القصة ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ) ( ولقد ~~صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الانسان اكثر شيء جدلا ) ينبه ~~على أنها براهين وحجج تفيد تصورا أو تصديقا ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء ) ( ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ) ( ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم ) ( مثل نوره إلى PageV14P066 قوله @QB@ ويضرب الله الأمثال للناس ~~@QE@ @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب @QE@ المثلين مثل نور المؤمنين في ~~المساجد وأولئك في الظلمات ( ولا يأتونك بمثل الا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ~~) ف ( التفسير ( يعم التصوير ويعم التحقيق بالدليل كما في تفسير الكلام ~~المشروح ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ) الآية ( وتلك الامثال ~~نضربها للناس ) ( وهو أهون عليه وله المثل الاعلى في السماوات والأرض ) ( ~~ضرب لكم مثلا من انفسكم ) ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن ~~جئتهم بآية ) الآية ( واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ) ( فاذا هو خصيم مبين ~~وضرب لنا مثلا ونسي خلق 6 ه ) وقوله ( ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ) ( ~~ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) إلى قوله ( ضرب الله مثلا رجلا ~~) ( ولما ضرب بن مريم مثلا ) إلى آخره لما أوردوه نقضا على قوله ( انكم وما ~~تعبدون من دون ms4353 الله ) فهم الذين ضربوه جدلا ( الذين كفروا وصدوا ) إلى قوله ~~( كذلك يضرب الله للناس امثالهم ) ( كمثل الذين من قبلهم قريبا ) ( كمثل ~~الشيطان إذ قال للانسان اكفر ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله وتلك الامثال ) ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها ) الآية ( @QB@ ضرب الله مثلا للذين كفروا @QE@ وللذين آمنوا @QB@ ~~وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا @QE@ @QB@ ~~كأنهم إلى نصب يوفضون @QE@ @QB@ كالفراش @QE@ و ( @QB@ كالعهن @QE@ ~~PageV14P067 # وقال شيخ الاسلام # رحمه الله تعالى # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من ( كتب في التفسير ( إلا ما ~~هو خطأ ( فيها ) # منها قوله ( ان الذين آمنوا والذين هادوا ) الآيتين فهو سبحانه وصف أهل ~~السعادة من الأولين والآخرين وهو الذي يدل عليه اللفظ ويعرف به معناه من ~~غير تناقض ومناسبة لما قبلها ولما بعدها وهو المعروف عند السلف ويدل عليه ~~ما ذكروه من سبب نزولها بالاسانيد الثابتة عن سفيان عن بن أبي نجيح عن ~~مجاهد قال سلمان ( سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم فذكر ~~من عبادتهم فنزلت الآية ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار كما روى بأسانيد ~~ضعيفة وهذا هو الصحيح كما في مسلم ( الا بقايا من أهل الكتاب ( # والنبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يجيب بمالا علم عنده وقد PageV14P068 ~~ثبت أنه أثنى على من مات في الفترة كزيد بن عمرو وغيره ولم يذكر بن أبى ~~حاتم خلافا عن السلف لكن ذكر عن بن عباس ثم أنزل الله ( ومن يبتغ غير ~~الاسلام دينا ) الآية ومراده أن الله يبين أنه لايقبل إلا الاسلام من ~~الأولين والآخرين وكثير من السلف يريد بلفظ النسخ رفع ما يظن أن الآية دالة ~~عليه فان من المعلوم أن من كذب رسولا واحدا فهو كافر فلا يتناوله قوله @QB@ ~~من آمن بالله @QE@ الخ # وظن بعض الناس أن الآية فيمن بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ~~فغلطوا ثم افترقوا على أقوال متناقضة PageV14P069 # وقال شيخ الاسلام ms4354 قدس الله روحه ### ||| فصل # قسم الله من ذمه من أهل الكتاب إلى محرفين وأميين حيث يقول ( افتطمعون ان ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون اولا ~~يعلمون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا ~~أماني وان هم الا يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من ~~عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما ~~يكسبون ) # وفى هذا عبرة لمن ركب سنتهم من أمتنا فإن المنحرفين في PageV14P070 نصوص ~~الكتاب والسنة كالصفات ونحوها من الاخبار والاوامر # ( قوم ( يحرفونه إما لفظا واما معنى وهم النافون لما اثبته الرسول صلى ~~الله عليه وسلم جحودا وتعطيلا ويدعون أن هذا موجب العقل الصريح القاضي على ~~السمع # و ( قوم ( لايزيدون على تلاوة النصوص لا يفقهون معناها ويدعون أن هذا ~~موجب السمع الذي كان عليه السلف وأن الله لم يرد من عباده فهم هذه النصوص ~~فهم ( لا يعلمون الكتاب الا أماني ) أي تلاوة ( وان هم الا يظنون ) # ثم يصنف اقوام علوما يقولون إنها دينية وأن النصوص دلت عليها والعقل وهي ~~دين الله مع مخالفتها لكتاب الله فهؤلاء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هو من عند الله بوجه من الوجوه # فتدبر كيف اشتملت هذه الآيات على الأصناف الثلاثة وقوله في صفة اولئك ( ~~اتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ) حال من يكتم النصوص ~~التى يحتج بها منازعه حتى أن منهم من يمنع من رواية الاحاديث المأثورة عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولو امكنهم كتمان القرآن لكتموه لكنهم يكتمون ~~منه وجوه دلالته من العلوم المستنبطة منه ويعوضون الناس عن ذلك بما يكتبونه ~~بايديهم ويضيفونه إلى انه من عند الله PageV14P071 ### |||| وسئل # عن معنى قوله ( ما ننسخ من آية أو ننسها ms4355 ) والله سبحانه لا يدخل عليه ~~النسيان ### ||||| فأجاب # أما قوله ( ماننسخ من آية أو ننسها ) ففيها قرائتان أشهرهما ( أو ننسها ) ~~أي ننسيكم إياها أي نسخنا ما أنزلناه أو اخترنا تنزيل ما نريد أن ننزله ~~نأتكم بخير منه أو مثله والثانية ( أو ننسأها ) بالهمز أي نؤخرها ولم يقرأ ~~أحد ننساها فمن ظن أن معنى ننساها بمعنى ننساها فهو جاهل بالعربية والتفسير ~~قال موسى عليه السلام ( علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربى ولا ينسى ) و ( ~~النسيان ( مضاف إلى العبد كما في قوله ( سنقرئك فلا تنسى إلا ماشاء الله ) ~~ولهذا قرأها بعض الصحابة ( أو تنساها ) أي تنساها يامحمد وهذا واضح لا يخفى ~~إلا على جاهل لا يفرق بين ننسأها بالهمز وبين ننساها بلا همز والله أعلم ~~PageV14P072 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى كتب عليكم القصاص ) 1 # قال أبو العباس أحمد بن تيمية # رحمه الله تعالى # في قوله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ الآية وفيها قولان # ( أحدهما ) أن القصاص هو القود وهو اخذ الدية ( بدل ) القتل كما جاء عن ~~بن عباس أنه كان في بني اسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فجعل الله في ~~هذه الأمة الدية فقال ( فمن عفي له من أخيه شيء ) والعفو هو أن يقبل الدية ~~في العمد ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) مما كان على بنى اسرائيل والمراد على ~~هذا القول أن يقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى قال قتادة ان ~~اهل الجاهلية كان فيهم بغي وكان الحي إذا كان فيهم عدد وعدة فقتل عبدهم عبد ~~قوم آخرين قالوا لن يقتل به إلا حرا تعززا على غيرهم وان قتلت امرأة منهم ~~امرأة من آخرين قالوا لن يقتل بها إلا رجلا فنزلت هذه الآية وهذا قول اكثر ~~الفقهاء وقد ذكر ذلك الشافعي وغيره PageV14P073 # ويحتج بها طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد على أن الحر لا يقتل ~~بالعبد لقوله ( والعبد بالعبد ) فينقض ذلك عليه بالمرأة فإنه قال ( والانثى ~~بالانثى ) وطائفة من المفسرين لم يذكروا إلا هذا القول # ( القو ل الثاني ( أن ms4356 القصاص في القتلى يكون بين الطائفتين المقتتلتين ~~قتال عصبية وجاهلية فيقتل من هؤلاء ومن هؤلاء احرار وعبيد ونساء فامر الله ~~تعالى بالعدل بين الطائفتين بان يقاص دية حر بدية حر ودية امرأة بدية امرأة ~~وعبد بعبد فإن فضل لأحدى الطائفتين شيء بعد المقاصة فلتتبع الأخرى بمعروف ~~ولتؤد الأخرى اليها باحسان وهذا قول الشعبى وغيره وقد ذكره محمد بن جرير ~~الطبري وغيره و ( على ) هذا القول فإنه إذا جعل ظاهر الآية لزمته اشكالات ~~لكن المعنى ( الثاني ) هو مدلول الآية ومقتضاه ولا إشكال عليه بخلاف القول ~~الأول يستفاد من دلالة الآية كما سننبه عليه ان شاء الله تعالى وما ذكرناه ~~يظهر من وجوه # ( احدها ) أنه قال ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) و ( القصاص ( مصدر ~~قاصه يقاصه مقاصة وقصاصا ومنه مقاصة الدينين احدهما بالآخر و ( القصاص في ~~القتلى ) انما يكون إذا كان الجميع قتلى كما ذكر الشعبى فيقاص هؤلاءالقتلى ~~بهؤلاء القتلى أما إذا PageV14P074 قتل رجل رجلا فالمقتول ميت فهنا المقتول ~~لا مقاصة فيه ولكن القصاص ان يمكن من قتل القاتل لا غيره وفي اعتبار ~~المكافآت فيه قولان للفقهاء قيل تعتبر المكافآت فلا يقتل مسلم بذمي ولاحر ~~بعبد وهو قول الأكثرين مالك والشافعي وأحمد وقيل لا تعتبر المكافآت كقول ~~أبى حنيفة والمكافآت لاتسمى قصاصا # وأيضا فإنه قال ( كتب عليكم القصاص ) وان أريد بالقصاص المكافآت فتلك لم ~~تكتب وان اريد به استيفاء القود فذلك مباح للولي ان شاء اقتص وان شاء لم ~~يقتص فلم يكتب عليه الاقتصاص وقد أورد هذا السؤال بعضهم وقال هو مكتوب على ~~القاتل ان يمكن من نفسه فيقال له هو تعالى قال ( كتب عليكم القصاص في ~~القتلى ) وليس هذا خطابا للقاتل وحده بل هو خطاب لأولياء المقتول بدليل ~~قوله تعالى ( فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف واداء إليه باحسان ) ~~ثم لا يقال للقاتل كتب عليك القصاص في المقتول فإن المقتول لا قصاص فيه # و ( أيضا ( فنفس انقياد القاتل للولي ليس هو قصاصا بل الولي له أن يقتص ~~وله أن ms4357 لا يقتص وانما سمي هذا قودا لأن الولي يقوده وهو بمنزلة تسليم ~~السلعة إلى المشتري ثم قال تعالى ( الحر بالحر ) فكيف يقال مثل هذا قصده ~~القاتل بل هذا خطاب للأمة PageV14P075 بالمقاصة والمعادلة في القتل والنبى ~~صلى الله عليه وسلم إنما قال ( كتاب الله القصاص ( لما كسرت الربيع سن ~~جارية وامتنعوا من أخذ الأرش فقال أنس بن النضر لا والذي بعثك بالحق لا ~~تكسر ثنية الربيع فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( ياأنس كتاب الله القصاص ~~( فرضي القوم بالأرش فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( إن من عباد الله من ~~لو أقسم على الله لأبره ( كقوله تعالى ( والجروح قصاص ) يعنى ( كتاب الله ( ~~أن يؤخذ العضو بنظيره فهذا قصاص لأنه مساواة ولهذا كانت المكافآت في ~~الاعضاء والجروح معتبره باتفاق العلماء وان قيل القصاص هو أن يقتل قاتله لا ~~غيره فهو خلاف الأعتدا قيل نعم وهذا قصاص في الأحياء لا في القتلى # ( الثاني ) انه قال ( في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى ~~بالانثى ) ومعلوم باتفاق المسلمين ان العبد يقتل بالعبد وبالحر والانثى ~~تقتل بالأنثى وبالذكر والحر يقتل بالحر وبالأنثى أيضا عند عامة العلماء ~~وقيل يشترط ان تؤدى تمام ديته وإذا كان كذلك فقوله ( الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والانثى بالانثى ) انما يدل على مقاصة الحر بالحر ومعادلته به ~~ومقابلته به وكذلك العبد بالعبد والانثى بالانثى وهذا انما يكون إذا كانوا ~~مقتولين فيقابل كل واحد بالآخر وينظر أيتعادلان أم يفضل لأحدهما على الآخر ~~فضل اما في القتلى فلا يختص هذا بهذا باتفاق المسلمين # ( الثالث ) أنه قال ( فمن عفي له من أخيه شيء ) لفظ ( عفي PageV14P076 ~~هنا قد استعمل متعديا فانه قال ( عفي ) ( شيء ) ولم يقل ( عفا ) ( شيئا ) ~~وهذا انما يستعمل في الفعل كما قال تعالى ( ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو ~~) وأما العفو عن القتل فذاك يقال فيه عفوت عن القاتل فولي المقتول بين ~~خيرتين بين أن يعفو عن القتل ويأخذ الدية فلم يعف له شيء بل هو عفا عن ~~القتل وإذا عفا فاما ان يستحق الدية ms4358 بنفسه أو بغير رضا القاتل على قولين # وقد قال بعضهم ( من أخيه ) أي من دم أخيه أي ترك له القتل ورضي بالدية ~~والمراد القاتل يعني إن القاتل عفي له من دم أخيه المقتول أي ترك له القتل ~~فيكون التقدير أن الولي عفا للقاتل من دم المقتول شيئا وهذا كلام لا يعرف ~~لا يقال عفوت لك شيئا ولا يقال عفوت من دم القاتل وانما الذي يقال انه عفا ~~عن القاتل فأين هذا من هذا # وأما على القول الأول فالمتقاصان إذا تعادى القتلى فمن عفى له أي فضل له ~~من مقاصة أخيه مقاصة أخرى أى هذا الذى فضل له فضل كما يقال أبقى له من جهة ~~اخيه بقية ( فاتباع بالمعروف ) فهذا المستحق للفضل يتبع المقاص الآخر ~~بالمعروف وذلك يؤدى إلى هذا باحسان ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) أى من ان ~~كل طائفة تؤدي قتلى الآخرى فإن في هذا تثقيلا عظيما له ( ولكم في القصاص ~~حياة ) فانهم PageV14P077 إذا تعادوا القتلى وتقاصوا وتعادلوا لم يبق واحدة ~~تطلب الاخرى بشيء فحيي هؤلاء وحيي هؤلاء بخلاف ما إذا لم يتقاصوا فانهم ~~يتقاتلون وتقوم بينهم الفتن التى يموت فيها خلائق كما هو معروف في فتن ~~الجاهلية والاسلام انما تقع الفتن لعدم المعادلة والتناصف بين الطائفتين ~~والا فمع التعادل والتناصف الذى يرضى به أولوا الألباب لاتبقى فتنة # وقوله ( فمن اعتدى بعد ذلك ) فطلب من الطائفة الأخرى مالا أو قوما أو ~~أذاهم بسبب ما بينهم من الدم ( فله عذاب أليم ) وهذا كقوله ( وان طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التى تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ~~ان الله يحب المقسطين انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم ) و ( الأخوة ~~( هنا كالاخوة هناك وهذا في قتلى الفتن # واما إذا قتل رجل رجلا من غير فتنة فهم كانوا يعرفون ان القاتل يقتل لكن ~~كانت الطائفة القوية تطلب ان تقتل غير القاتل أو من هو اكثر من القاتل أو ~~اثنين بواحد ms4359 وإذا كان القاتل منها لم تقتل به من هو دونه كما قيل إنه كان ~~بين قريظة والنضير لكن هذا لم تثر به الفتن بل فيه ظلم الطائفة القوية ~~للضعيفة ولم PageV14P078 يكن في الأمم من يقول ان القاتل الظالم المتعدي ~~مطلقا لا يقتل فهذا لم يكن عليه أحد من بنى آدم بل كل بنى آدم مطبقون على ~~ان القاتل في الجملة يقتل لكن الظلمة الاقوياء يفرقون بين قتيل وقتيل # وقول من قال ان قوله ( ولكم في القصاص حياة ) معناه أن القاتل إذا عرف ~~أنه يقتل كف فكان في ذلك حياة له وللمقتول يقال له هذا معنى صحيح ولكن هذا ~~مما يعرفه جميع الناس وهو مغروز في جبلتهم وليس في الآدميين من يبيح قتل ~~أحد من غير أن يقتل قاتله بل كلهم مع التساوي يجوزون قتل القاتل ولا يتصور ~~أن الناس إذا كان كل من قدر على غيره قتله وهو لا يقتل يرضى بمال وإذا كان ~~هذا المعنى من أوائل ما يعرفه الآدميون ويعلمون أنهم لايعيشون بدونه صار ~~هذا مثل حاجتهم إلى الطعام والشراب والسكنى فالقرآن أجل من أن يكون مقصوده ~~التعريف بهذه الأمور البديهية بل هذا مما يدخل في معناه وهو أنه إذا كتب ~~عليهم القصاص في المقتولين أنه يسقط حر بحر وعبد بعبد وانثى بأنثى فجعل دية ~~هذا كدية هذا ودم هذا كدم هذا متضمن لمساواتهم في الدماء والديات وكان بهذه ~~المقاصة لهم حياة من الفتن التى توجب هلاكهم كما هو معروف وهذا المعنى مما ~~يستفاد من هذه الآية فعلم أن دم الحر وديته كدم الحر وديته فيقتل به وإذا ~~علم أن التقاص يقع للتساوي في الديات علم أن للمقتول دية PageV14P079 و لفظ ~~القصاص يدل على المعادلة والمساواة فيدل على أن الله أوجب العدل والانصاف ~~في أمر القتلى فمن قتل غير قاتله فهو ظالم والمقتول وأولياؤه إذا امتنعوا ~~من انصاف أولياء المقتول فهم ظالمون هؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل ~~وهؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل # وقد ذكر ms4360 سبحانه هذا المعنى في قوله ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل انه كان منصورا ) وإذا دلت على العدل في القود ~~بطريق اللزوم والتنبية ذهب الأشكال ولم يقل فلم لا قال والعبد بالعبد والحر ~~فإنه لم يكن المقصود أنه يقاص به في القتلى ومعلوم أنه انما يقاص الحر ~~بالحر لا بالمرأة والمرأة بالمرأة لا بالحر والعبد بالعبد فظهرت فائدة ~~التخصيص به والمقابلة في الآية # ودلت الآية حينئذ على أن الحر يقتل بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى ~~إذا كانا متساويين في الدم وبدله هو الدية ولم ينتف أن يقتل عبد بحر وانثى ~~بذكر ولا لها مفهوم ينفي ذلك بل كما دلت على ذلك بطريق التنبية والفحوى ~~والأولى كذلك تدل على هذا أيضا فانه إذا قتل العبد بالعبد فقتله بالحر أولى ~~وإذا قتلت المرأة بالمرأة فقتلها بالرجل أولى PageV14P080 # وأما قتل الحر بالعبد والذكر بالانثى فالآية لم تتعرض له لا بنفي ولا ~~اثبات ولا لها مفهوم يدل عليه لا مفهوم موافقة ولا مخالفة فانه إذا كان في ~~المقاصة يقاس الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى لتساوي الديات دل ~~ذلك على قتل النظير بالنظير والأدنى بالأعلى # يبقى قتل الأعلى الكثير الدية بالأدنى القليل الدية ليس في الآية تعرض له ~~فانه لم يقصد بها ابتداء القود وإنما قصد المقاصة في القتلى لتساوي دياتهم # فان قيل دية الحر كدية الحر ودية الأنثى كدية الأنثى ويبقى العبيد قيمتهم ~~متفاضلة قيل عبيدهم كانوا متقاربين القيمة وقوله ( العبد بالعبد ) قد يراد ~~به بالعبد المماثل به كما يقال ثوب بثوب وان كان أحدهما أغلى قيمة فذاك مما ~~عفي له وقد يعفى إذا لم تعرف قيمتهم وهو الغالب فإن المقتولين في الفتن ~~عبيدهم الذين يقاتلون معهم وهم يكونون تربيتهم عندهم لم يشتروهم فهذا يكون ~~مع العلم بتساوي القيمة ومع الجهل بتفاضلها فإن المجهول كالمعدوم ولو أتلف ~~كل من الرجلين ثوب الآخر ولا يعلم واحد منهما قيمة واحد من الثوبين قيل ثوب ~~بثوب وهذا لأن الزيادة محتملة من ms4361 الطرفين يحتمل أن يكون ثوب هذا أغلى ~~PageV14P081 ويحتمل أن يكون ثوب هذا أغلى وليس ترجيح أحدهما أولى من الآخر ~~والأصل براءة ذمة كل واحد من الزيادة فلا تشتغل الذمة بأمر مشكوك فيه لو ~~كان الشك في احدهما فكيف إذا كان من الطرفين # فظهر حكمة قوله @QB@ والعبد بالعبد @QE@ وظهر بهذا أن القرآن دل على ما ~~يحتاج الخلق إلى معرفته والعمل به ويحقن به دماؤهم ويحيون به ودخل في ذلك ~~ما ذكره الآخرون من العدل في القود ودلت الآية على أن القتلى يؤخذ لهم ديات ~~فدل على ثبوت الدية على القاتل وانها مختلفة باختلاف المقتولين وهذا مما من ~~الله به على أمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أثبت القصاص والدية # وأما كون العفو هو قبول الدية في العمد وأنه يستحق العافى بمجرد عفوه ~~فالآية لم تتعرض لهذا # ودلت هذه الآية على أن الطوائف الممتنعة تضمن كل منهما ما اتلفته الأخرى ~~من دم ومال بطريق الظلم لقوله ( من اخيه ) بخلاف ما اتلفه المسلمون للكفار ~~والكفار للمسلمين # وأما القتال بتأويل ( كقتال أهل الجمل وصفين ( فلا ضمان فيه ايضا بطريق ~~الأولى عند الجمهور فإنه إذا كان الكفار المتأولون PageV14P082 لا يضمنون ~~فالمسلمون المتأولون أولى ان لا يضمنوا # ودلت الآية على أن هذا الضمان على مجموع الطائفة يستوى فيه الردء ~~والمباشر ولايقال انظروا من قتل صاحبكم هذا فطالبوه بديته بل يقال ديته ~~عليكم كلكم فانكم جميعا قتلتموه لأن المباشر إنما تمكن بمعاونه الردء له ~~وعلى هذا دل قوله @QB@ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا ~~الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا @QE@ فان اولئك الكفار كان عليهم مثل ~~صداق هذه المرأة التى ذهبت إليهم فإذا لم يؤدوه أخذ من أموالهم التى يقدر ~~المسلمون عليها مثل امرأة جاءت منهم يستحقون صداقها فيعطي المسلم زوج تلك ~~المرتدة صداقها من صداق هذه المسلمة المهاجرة التى يستحقه الكفار لكونها ~~اسلمت وهاجرت وفوتت زوجها بضعها كما فوتت المرتدة بضعها لزوجها وان كان زوج ~~المهاجرة ليس هو الذي تزوج بالمرتدة لان ms4362 الطائفة لما كانت ممتنعة يمنع ~~بعضها بعضا صارت كالشخص الواحد # ولهذا لما قتل خالد من قتل من بني جذيمة وداهم النبى صلى الله عليه وسلم ~~من عنده لأن خالدا نائبه وهو لا يمكنهم من مطالبته وحبسه لأنه متأول وكذلك ~~عمرو بن امية وعاقلته خالد بن الوليد لأنه قتل هذا على سبيل الجهاد ~~لالعداوة تخصه وقد تنازع الفقهاء في خطأ ولي الأمر هل هو في بيت المال أو ~~على ذمته على قولين PageV14P083 # ولهذا كان ماغنمته السرية يشاركها فيه الجيش وما غنمه الجيش شاركته فيه ~~السرية لأنه انما يغنم بعضهم بظهر بعض فإذا اشتركوا في المغرم اشتركوا في ~~المغنم وكذلك في العقوبة يقتل الردء والمباشر من المحاربين عند جماهير ~~الفقهاء كما قتل عمر رضي الله عنه ربيئة المحاربين وهو قول مالك وأبي حنيفة ~~واحمد وهو مذهب مالك في القتل قودا وفي السراق ايضا # وبيان دلالة الآية على ذلك أن المقتولين إذا حبس حر بحر وعبد بعبد وانثى ~~بانثى فالحر من هؤلاء ليس قاتله هو ولي الحر من هؤلاء بل قد يكون غيره ~~وكذلك العبد من هؤلاء ليس قاتله هو سيد العبد من هؤلاء بل قد يكون غيره لكن ~~لما كانوا مجتمعين متناصرين على قتال أولئك ومحاربتهم كان من قتله بعضهم ~~فكلهم قتله وكلهم يضمنونه ولهذا ما فضل لاحد الطائفتين يؤخذ من مال الأخرى # فان قيل إذا كان مستقرا في فطر بني آدم أن القاتل الظالم لنظيره يستحق أن ~~يقتل وليس في الآدميين من يقول إنه لا يقتل فما الفائدة في قوله تعالى @QB@ ~~وكتبنا عليهم فيها @QE@ أي في التوراة @QB@ أن النفس بالنفس والعين بالعين ~~@QE@ الآية إذا كان مثل هذا الشرع يعرفه العقلاء كلهم # قيل لهم فائدته بيان تساوى دماء بني اسرائيل وأن دماءهم PageV14P084 ~~متكافئة ليس لشريفهم مزية على ضعيفهم وهذه الفائدة الجليلة التى جاءت بها ~~شرائع الأنبياء فاما الطوائف الخارجون عن شرائع الانبياء فلا يحكمون بذلك ~~مطلقا بل قد لا يقتلون الشريف وإذا كان الملك عادلا فقد يفعل بعض ذلك فهذا ~~الذي كتبه ms4363 الله في التوراة من تكافىء دمائهم ويسعى بذمتهم ادناهم وهم يد ~~على من سواهم فحكم ايضا في المؤمنين به من جميع الأجناس بتكافىء دمائهم ~~فالمسلم الحر يقتل بالمسلم الحر من جميع الأجناس باتفاق العلماء # وبهذا ظهر الجواب عن احتجاج من احتج بآية التوراة على أن المسلم يقتل ~~بالذمي لقوله @QB@ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس @QE@ و ( شرع من ~~قبلنا شرع لنا ( فإنه يقال الذي كتب عليهم ان النفس منهم بالنفس منهم وهم ~~كلهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافر ولم يكن في شريعتهم ابقاء كافر بينهم ~~لا بجزية ولا غيرها وهذا مثل شرع محمد صلى الله عليه وسلم أن المسلمين ~~تتكافأ دماؤهم وليس في الشريعتين أن دم الكافر يكافىء دم المسلم بل جعل ~~الايمان هو الواجب للمكافآت دليل على انتفاء ذلك في الكافر سواء كان ذميا ~~أو مستأمنا لانتفاء الايمان الواجب للمكافأة فيه نعم يحتج بعمومه على العبد # وليس في العبد نصوص صريحة صحيحة كما في الذمي بل ما روي ( من قتل عبده ~~قتلناه به ( وهذا لأنه إذا قتله ظالما كان الامام ولي PageV14P085 دمه لأن ~~القاتل كما لا يرث المقتول إذا كان حرا فكذلك لا يكون ولي دمه إذا كان عبدا ~~بل هذا أولى كيف يكون ولي دمه وهو القاتل بل لايكون ولي دمه بل ورثة القاتل ~~السيد لأنهم ورثته وهو بالحياة ولم يثبت له ولاية حتى تنتقل إليهم فيكون ~~وليه الامام وحينئذ فللامام قتله فكل من قتل عبده كان للامام أن يقتله # ( وأيضا ( فقد ثبت بالسنة والآثار أنه إذا مثل بعبده عتق عليه وهذا مذهب ~~مالك وأحمد وغيرهما وقتله ( أشد ) أنواع المثل فلا يموت إلا حرا لكن حريته ~~لم تثبت في حال الحياة حتى يرثه عصبته بل حريته ثبتت حكما وهو إذا كان عتق ~~كان ولاؤه للمسلمين فيكون الامام هو وليه فله قتل قاتل عبده # وقد يحتج بهذا من يقول ان قاتل عبد غيره لسيده قتله وإذا دل الحديث على ~~هذا كان هذا القول هو الراجح والقول الآخر ليس ms4364 معه نص صريح ولا قياس صحيح ~~وقد قال الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم من قتل ولا ولي له كان الامام ولي ~~دمه فله أن يقتل وله أن يعفو على الدية لا مجانا # يؤيد هذا أن من قال لا يقتل حر بعبد يقول إنه لا يقتل الذمي الحر بالعبد ~~المسلم قال الله تعالى في كتابه ( ولعبد مؤمن خير PageV14P086 من مشرك ) ~~فالعبد المؤمن خير من الذمي المشرك فكيف لا يقتل به والعبد المؤمن مثل ~~الحرائر المؤمنات كما دلت عليه هذه الآية وهو قول جماهير السلف والخلف وهذا ~~قوي على قول أحمد فإنه يجوز شهادة العبد كالحر بخلاف الذمي فلماذا لا يقتل ~~الحر بالعبد وكلهم مؤمنون وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( المؤمنون ~~تتكافأ دماؤهم PageV14P087 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه @QE@ من باب بدل ~~الاشتمال والسؤال إنما وقع عن القتال فيه فلم قدم الشهر وقد قلتم أنهم ~~يقدمون ما بيانه أهم وهم به أعنى # قيل السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في الشهر وتشنيع أعدائهم ~~عليهم انتهاكه وانتهاك حرمته وكان اهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال ~~فالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر فلذلك قدم في الذكر وكان تقديمه مطابقا ~~لما ذكرنا من القاعدة # فإن قيل فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر وهلا اكتفى بضميره ~~فقال هو كبير وأنت إذا قلت سألته عن زيد هو في الدار كان أوجز من أن تقول ~~أزيد في الدار # قيل في إعادته بلفظ الظاهر بلاغة بديعة وهو تعليق الحكم الخبري باسم ~~القتال فيه عموما ولو أتى بالمضمر فقال هو كبير لتوهم اختصاص الحكم بذلك # القتال المسئول عنه وليس الأمر كذلك PageV14P088 وإنما هو عام في كل قتال ~~وقع في شهر حرام # ونظير هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الوضوء بماء البحر ~~فقال ( هو الطهور ماؤه ( فأعاد لفظ الماء ولم يقتصر على قوله نعم توضؤا به ~~لئلا يتوهم اختصاص الحكم بالسائلين لضرب من ضروب ms4365 الاختصاص فعدل عن قوله ( ~~نعم توضؤا ( إلى جواب عام يقتضي تعليق الحكم والطهور به بنفس مائه من حيث ~~هو فأفاد استمرار الحكم على الدوام وتعلقه بعموم الأمة وبطل توهم قصره على ~~السبب فتأمله فإنه بديع # فكذلك في الآية لما قال ( قتال فيه كبير ) فجعل الخبر ب ( كبير ) واقعا ~~عن ( قتال فيه ) فيتعلق الحكم به على العموم ولفظ ( المضمر ( لايقتضى ذلك # وقريب من هذا قوله تعالى ( والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة أنا لا ~~نضيع أجر المصلحين ) ولم يقل أجرهم تعليقا لهذا الحكم بالوصف وهو كونهم ~~مصلحين وليس في الضمير ما يدل على الوصف المذكور # وقريب منه وهو ألطف معنى قوله تعالى ( يسألونك عن المحيض PageV14P089 قل ~~هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) ولم يقل فيه تعليقا بحكم الاعتزال بنفس ~~الحيض وأنه هو سبب الاعتزال وقال ( قل هو أذى ) ولم يقل ( المحيض أذى ) ~~لأنه جاء به على الأصل ولأنه لو كرره لثقل اللفظ به لتكرره ثلاث مرات وكان ~~ذكره بلفظ الظاهر في الأمر بالاعتزال أحسن من ذكره مضمرا ليفيد تعليق الحكم ~~بكونه حيضا بخلاف قوله ( قل هو أذى ) فإنه اخبار بالواقع والمخاطبون يعلمون ~~أن جهة كونه أذى هو نفس كونه حيضا بخلاف تعليق الحكم به فإنه إنما يعلم ~~بالشرع فتأمله PageV14P090 ### |||| سئل شيخ الإسلام # عن قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات وقد أباح العلماء التزويج بالنصرانية ~~واليهودية فهل هما من المشركين أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نكاح الكتابية جائز ~~بالآية التى في المائدة قال تعالى @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم @QE@ وهذا مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة الأربعة وغيرهم وقد ~~روى عن بن عمر أنه كره نكاح النصرانية وقال لا أعلم شركا أعظم ممن تقول أن ~~ربها عيسى بن مريم # وهو اليوم مذهب طائفة من أهل البدع وقد احتجوا بالآية التى في سورة ~~البقرة وبقوله ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) والجواب عن آية البقرة من ثلاثة ~~أوجه # ( أحدها ) أن أهل الكتاب لم ms4366 يدخلوا في المشركين فجعل أهل الكتاب غير ~~المشركين بدليل قوله PageV14P091 ( ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين اشركوا ) # فإن قيل فقد وصفهم بالشرك بقوله ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون ) قيل أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك فإن الله إنما ~~بعث الرسل بالتوحيد فكل من آمن بالرسل والكتب لم يكن في أصل دينهم شرك ولكن ~~النصارى ابتدعوا الشرك كما قال ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) فحيث وصفهم ~~بأنهم أشركوا فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به وحيث ميزهم ~~عن المشركين فلأن أصل دينهم اتباع الكتب المنزلة التى جاءت بالتوحيد لا ~~بالشرك # فإذا قيل أهل الكتاب لم يكونوا من هذه الجهة مشركين فإن الكتاب الذي ~~أضيفوا إليه لاشرك فيه كما إذا قيل المسلمون وأمة محمد لم يكن فيهم من هذه ~~الجهة لا اتحاد ولا رفض ولا تكذيب بالقدر ولاغير ذلك من البدع وان كان بعض ~~الداخلين في الأمة قد ابتدع هذه البدع لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا ~~تجتمع على ضلالة فلا يزال فيها من هو متبع لشريعة التوحيد بخلاف أهل الكتاب ~~ولم يخبر الله عز وجل عن أهل الكتاب أنهم مشركون بالاسم بل قال ( عما ~~يشركون ) بالفعل وآية البقرة قال فيها PageV14P092 ( المشركين ) و ( ~~المشركات ) بالاسم والاسم أوكد من الفعل # ( الوجه الثاني ) ان يقال ان شملهم لفظ ( المشركين ) في سورة البقرة كما ~~وصفهم بالشرك فهذا متوجه بأن يفرق بين دلالة اللفظ مفردا ومقرونا فإذا ~~أفردوا دخل فيهم أهل الكتاب وإذا قرنوا بأهل الكتاب لم يدخلوا فيهم كما قيل ~~مثل هذا في اسم الفقير والمسكين ونحو ذلك فعلى هذا يقال آية البقرة عامة ~~وتلك خاصة والخاص يقدم على العام # ( الوجه الثالث ) أن يقال آية المائدة ناسخة لآية البقرة لأن المائدة ~~نزلت بعد البقرة باتفاق العلماء وقد جاء في الحديث المائدة من PageV14P093 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # لما ms4367 ذكر سبحانه ما يبطل الصدقة من المن والأذى ومن الرياء ومثله بالتراب ~~على الصفوان إذا أصابه المطر ولهذا قال ( ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) ~~لأن الإيمان باحدهما لا ينفع هنا بخلاف قوله في النساء ( ان الله لا يحب من ~~كان مختالا فخورا ) إلى قوله @QB@ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ فإنه في معرض الذم فذكر غايته وذكر ما ~~يقابله وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم # فالأول الاخلاص # و ( التثبيت ( هو التثبت كقوله @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان ~~خيرا لهم وأشد تثبيتا @QE@ كقوله @QB@ وتبتل إليه تبتيلا @QE@ ويشبه والله ~~أعلم أن يكون هذا من باب قدم وتقدم كقوله @QB@ لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله @QE@ PageV14P094 فتبتل وتثبت لازم بمعنى ثبت لأن التثبت هو القوة ~~والمكنة وضده الزلزلة والرجفة فإن الصدقة من جنس القتال فالجبان يرجف ~~والشجاع يثبت ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ( واما الخيلاء التى ~~يحبها الله فاختيال الرجل بنفسه عند الحرب واختياله بنفسه عند الصدقة ( ~~لأنه مقام ثبات وقوة فالخيلاء تناسبه وانما الذي لايحبه الله المختال ~~الفخور البخيل الآمر بالبخل فاما المختال مع العطاء أو القتال فيحبه # وقوله @QB@ من أنفسهم @QE@ أي ليس المقوى له من خارج كالذي يثبت وقت ~~الحرب لامساك اصحابه له وهذا كقوله ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) بل تثبته ~~ومغفرته من جهة نفسه # وقد ذكر الله سبحانه في البقرة والنساء الأقسام الأربعة في العطاء # إما أن لا يعطي فهو البخيل المذموم في النساء أو يعطى مع الكراهة والمن ~~والأذى فلا يكون بتثبيت وهو المذموم في البقرة أو مع الرياء فهو المذموم في ~~السورتين فبقي القسم الرابع ابتغاء رضوان الله وتثبيتا من أنفسهم ~~PageV14P095 # ونظيره ( الصلاة ( أما أن لايصلي أو يصلي رياء أو كسلان أو يصلي مخلصا ~~والأقسام الثلاثة الآول مذمومة وكذلك ( الزكاة ( ونظير ذلك ( الهجرة ~~والجهاد ( فإن الناس فيهما أربعة اقسام وكذلك ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا ) في الثبات والذكر وكذلك وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة ms4368 ) # في الصبر والمرحمة أربعة أقسام وكذلك ( استعينوا بالصبر والصلاة ) فهم في ~~الصبر والصلاة فعامة هذه الاشفاع التى في القرآن إما عملان وإما وصفان في ~~عمل انقسم الناس فيها قسمة رباعية ثم ان كانا عملين منفصلين كالصلاة والصبر ~~والصلاة والزكاة ونحو ذلك نفع احدهما ولو ترك الآخر وان كانا شرطين في عمل ~~كالاخلاص والتثبت لم ينفع احدهما فإن المن والأذى محبط كما أن الرياء محبط ~~كما دل عليه القرآن ومن هذا تقوى الله وحسن الخلق فإن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون والبر والتقوى والحق والصبر وأفضل الإيمان السماحة والصبر # بخلاف الاشفاع في الذم كالافك والاثم والاختيال والفخر والشح والجبن ~~والاثم والعدوان فإن الذم ينال احدهما مفردا PageV14P096 ومقرونا لأن الخير ~~من باب المطلوب وجوده لمنفعته فقد لاتحصل المنفعة الا بتمامة والشر يطلب ~~عدمه لمضرته وبعض المضار يضر في الجملة غالبا ولهذا فرق في الأسماء بين ~~الأمر والنهي والاثبات والنفي فإذا أمر بالشيء اقتضى كماله وإذا نهى عنه ~~اقتضى النهي عن جميع أجزائه ولهذا حيث أمر الله بالنكاح كما في المطلقة ~~ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره وكما في الاحصان فلابد من الكمال بالعقد والدخول ~~وحيث نهى عنه كما في ذوات المحارم فالنهي عن كل منهما على انفراده وهذا ~~مذهب مالك وأحمد المنصوص عنه أنه إذا حلف ليتزوجن لم يبر الا بالعقدة ~~والدخول بخلاف ما إذا حلف لا يتزوج فإنه يحنث بالعقدة وكذلك إذا حلف لايفعل ~~شيئا حنث بفعل بعضه بخلاف ما إذا حلف ليفعلنه فإن دلالة الاسم على كل وبعض ~~تختلف بإختلاف النفي والاثبات # ولهذا لما أمر الله بالطهارة والصلاة والزكاة والحج كان الواجب الاتمام ~~كما قال تعالى ( بكلمات فاتمهن ) وقال ( وابراهيم الذي وفى ) # ولما نهى عن القتل والزنا والسرقة والشرب كان ناهيا عن ابعاض ذلك بل وعن ~~مقدماته أيضا وأن كان الاسم لايتناوله في الاثبات ولهذا فرق في الأسماء ~~النكرات بين النفي والاثبات والأفعال كلها PageV14P097 نكرات وفرق بين ~~الأمر والنهي بين التكرار وغيره وقال صلى الله عليه وسلم ( إذا أمرتكم ms4369 بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ( # وإنما اختلف في المعارف المنفية على روايتين كما في قوله لا تأخذ الدراهم ~~ولا تكلم الناس PageV14P098 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم ) 1 # وقال شيخ # الاسلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه ! 8 < ~~فصل # في قوله تعالى ( وان تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ) قد ثبت في صحيح مسلم عن ~~العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال لما انزل الله ( وإن تبدوا ~~مافي انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) اشتد ذلك على أصحاب النبى صلى الله ~~عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب وقالوا ~~أى رسول الله كلفنا من العمل مانطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد ~~نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا قولوا سمعنا ~~واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير ( فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم انزل ~~الله في أثرها ( آمن الرسول PageV14P099 بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ~~آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا ~~واطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فلما فعلوا ذلك نسخها الله فانزل الله ( ~~لايكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا ~~ان نسينا أو اخطأنا ) قال نعم ( ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا ) قال نعم ( ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به ) قال نعم ( ~~واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) قال ~~نعم # وروى سعيد بن جبير عن بن عباس معناه وقال قد فعلت قد فعلت بدل نعم # ولهذا قال كثير من السلف والخلف انها منسوخة بقوله @QB@ لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها @QE@ كما نقل ذلك ms4370 عن بن مسعود وابي هريرة وبن عمر وبن عباس ~~في رواية عنه والحسن والشعبى وبن سيرين وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء ~~الخرساني والسدي ومحمد بن كعب ومقاتل والكلبى وبن زيد ونقل عن آخرين انها ~~ليست منسوخة بل هي ثابتة في المحاسبة على العموم فيأخذ من يشاء ويغفر لمن ~~يشاء كما نقل ذلك عن بن عمر والحسن PageV14P100 واختاره أبو سليمان الدمشقي ~~والقاضي أبو يعلى وقالوا هذا خبر والأخبار لا تنسخ # و ( فصل الخطاب ( أن لفظ ( النسخ ( مجمل فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن ~~دلالة الآية عليه من عموم أو اطلاق أو غير ذلك كما قال من قال ان قوله ( ~~@QB@ اتقوا الله حق تقاته @QE@ @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده @QE@ نسخ ~~بقوله @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وليس بين الآيتين تناقض لكن قد ~~يفهم بعض الناس من قوله ( حق تقاته ) ( وحق جهاده ) الأمر بما لا يستطيعه ~~العبد فينسخ ما فهمه هذا كما ينسخ الله ما يلقى الشيطان ويحكم الله اياته ~~وان لم يكن نسخ ذلك نسخ ما انزله بل نسخ ماالقاه الشيطان اما من الانفس أو ~~من الاسماع أو من اللسان # وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى وان كانت الآية لم تدل ~~عليه لكنه محتمل وهذه الآية من هذا الباب فان قوله @QB@ وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم @QE@ الآية انما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس لا على أنه ~~يعاقب على كل مافى النفوس وقوله @QB@ لمن يشاء @QE@ يقتضى أن الامر إليه في ~~المغفرة والعذاب لا إلى غيره # ولايقتضى أنه يغفر ويعذب بلا حكمة ولا عدل كما قد يظنه من يظنه من ~~PageV14P101 الناس حتى يجوزوا أنه يعذب على الأمر اليسير من السيئات مع ~~كثرة الحسنات وعظمها وأن الرجلين اللذين لهما حسنات وسيئات يغفر لأحدهما مع ~~كثرة سيئاته وقلة حسناته ويعاقب الآخر على السيئة الواحدة مع كثرة حسناته ~~ويجعل درجة ذاك في الجنة فوق درجة الثاني # وهؤلاء يجوزون أن يعذب الله الناس بلا ذنب وأن يكلفهم مالا يطيقون ~~ويعذبهم على تركه والصحابة ms4371 إنما هربوا وخافوا أن يكون الأمر من هذا الجنس ~~فقالوا لا طاقة لنا بهذا فانه إن كلفنا ما لا نطيق عذبنا فنسخ الله هذا ~~الظن وبين أنه لا يكلف نفسا الا وسعها وبين بطلان قول هؤلاء الذين يقولون ~~أنه يكلف العبد مالا يطيقه ويعذبه عليه وهذا القول لم يعرف عن أحد من السلف ~~والأئمة بل أقوالهم تناقض ذلك حتى أن سفيان بن عيينة سئل عن قوله @QB@ لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ قال إلا يسرها ولم يكلفها طاقتها قال البغوى ~~وهذا قول حسن لأن الوسع ما دون الطاقة وإنما قاله طائفة من المتأخرين لما ~~ناظروا المعتزلة في ( مسائل القدر ( وسلك هؤلاء مسلك الجبر جهم واتباعه ~~فقالوا هذا القول وصاروا فيه على مراتب وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # قال بن الأنباري في قوله @QB@ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به @QE@ أي لا ~~تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وان كنا مطيقين له على تجشم PageV14P102 وتحمل ~~مكروه قال فخاطب العرب على حسب ما تعقل فإن الرجل منهم يقول للرجل ما أطيق ~~النظر اليك وهو مطيق لذلك لكنه ثقيل عليه النظر إليه قال ومثله قوله @QB@ ~~ما كانوا يستطيعون السمع @QE@ # قلت ليست هذه لغة العرب وحدهم بل هذا مما اتفق عليه العقلاء و ( ~~الاستطاعة في الشرع ( هي مالا يحصل معه للمكلف ضرر راجح كاستطاعة الصيام ~~والقيام فمتى كان يزيد في المرض أو يؤخر البرء لم يكن مستطيعا لأن في ذلك ~~مضرة راجحة بخلاف هؤلاء فإنهم كانوا لا يستطيعون السمع لبغض الحق وثقله ~~عليهم اما حسدا لقائله واما اتباعا للهوى ورين الكفر والمعاصي على القلوب ~~وليس هذا عذرا فلو لم يأمر العباد الا بما يهوونه لفسدت السماوات والأرض ~~ومن فيهن # والمقصود أن السلف لم يكن فيهم من يقول أن العبد لا يكون مستطيعا إلا في ~~حال فعله وأنه قبل الفعل لم يكن مستطيعا فهذا لم يأت الشرع به قط ولا اللغة ~~ولا دل عليه عقل بل العقل يدل على نقيضه كما قد بسط في ms4372 غير هذا الموضع # والرب تعالى يعلم أن العبد لا يفعل الفعل مع أنه مستطيع له والمعلوم أنه ~~لا يفعله ولا يريده لا أنه لايقدر عليه والعلم يطابق PageV14P103 المعلوم ~~فالله يعلم ممن استطاع الحج والقيام والصيام أنه مستطيع ويعلم أن هذا ~~مستطيع يفعل مستطاعه فالمعلوم هو عدم الفعل لعدم ارادة العبد لا لعدم ~~استطاعته كالمقدورات له التى يعلم أنه لايفعلها لعدم ارادته لها لا لعدم ~~قدرته عليها والعبد قادر على أن يفعل وقد علم الله أنه لايفعل مع القدرة ~~ولهذا يعذبه لأنه انما أمره بما استطاع لا بما لا يستطيع ومن لم يستطع لم ~~يأمره ولا يعذبه على مالم يستطعه # وإذا قيل فيلزم أن يكون قادرا على تغيير علم الله لأن الله علم أنه لا ~~يفعل فاذا قدر على الفعل قدر على تغيير علم الله # قيل هذه مغلطة وذلك أن مجرد قدرته على الفعل لايلزم فيها تغيير العلم ~~وإنما يظن من يظن تغيير العلم إذا وقع الفعل ولو وقع الفعل لكان المعلوم ~~وقوعه لا عدم وقوعه فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله بعدم وقوعه بل ~~ان وقع كان الله قد علم أنه يقع وان لم يقع كان الله قد علم أنه لا يقع ~~ونحن لا نعرف علم الله الا بما يظهر وعلم الله مطابق للواقع فيمتنع أن يقع ~~شيء يستلزم تغيير العلم بل أي شيء وقع كان هو المعلوم والعبد الذي لم يفعل ~~لم يأت بشيء بغير العلم بل هو قادر على فعل ما لم يقع PageV14P104 و لو وقع ~~لكان الله قد علم أنه يقع لا أنه لا يقع # وإذا قيل فمع عدم وقوعه يعلم الله أنه لايقع فلو قدر العبد على وقوعه قدر ~~على تغيير العلم # قيل ليس الأمر كذلك بل العبد يقدر على وقوعه وهو لم يوقعه ولو اوقعه لم ~~يكن المعلوم الا وقوعه فمقدور العبد إذا وقع لم يكن المعلوم إلا وقوعه فاذا ~~وقع كان الله عالما أنه سيقع واذا لم يقع كان الله عالما بأنه ms4373 لايقع البتة ~~فاذا فرض وقوعه مع انتفاء لازم الوقوع صار محالا من جهة اثبات الملزوم بدون ~~لازمه وكل الأشياء بهذا الاعتبار هي محال # ومما يلزم هؤلاء أن لايبقى أحد قادرا على شيء الا الرب فان الأمور نوعان ~~( نوع ( علم الله أنه سيكون و ( نوع ( علم الله أنه لايكون # ف ( الأول ( لابد من وقوعه و ( الثاني ( لايقع البتة فما علم الله أنه ~~سيقع يعلم أنه يقع بمشيئته وقدرته وما علم أنه لايقع يعلم أنه لا يشاؤه وهو ~~سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن PageV14P105 وأما ( المعتزلة ( فعندهم ~~أنه يشاء ما لايكون ويكون مالا يشاء وأولئك ( المجبرة ( في جانب وهؤلاء في ~~جانب وأهل السنة وسط # وما يفعله العباد باختيارهم يعلم سبحانه أنهم فعلوه بقدرتهم ومشيئتهم وما ~~لم يفعلوه مع قدرتهم عليه يعلم أنهم لم يفعلوه لعدم ارادتهم له لا لعدم ~~قدرتهم عليه وهو سبحانه الخالق للعباد ولقدرتهم وارادتهم وأفعالهم وكل ذلك ~~مقدور للرب وليس هذا مقدورا بين قادرين بل القادر المخلوق هو وقدرته ~~ومقدوره مقدور للخالق مخلوق له # و ( المقصود هنا ( أن قوله تعالى @QB@ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله @QE@ حق والنسخ فيها هو رفع فهم من فهم من الآية ما لم تدل ~~عليه فمن فهم ان الله يكلف نفسا ما لاتسعه فقد نسخ الله فهمه وظنه ومن فهم ~~منها أن المغفرة والعذاب بلاحكمة وعدل فقد نسخ فهمه وظنه فقوله @QB@ لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ رد للأول وقوله @QB@ لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت @QE@ رد للثاني وقوله @QB@ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ كقوله ~~في آل عمران ( ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء والله غفور رحيم ) وقوله @QB@ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات ~~والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير @QE@ ~~PageV14P106 ونحو ذلك # وقد علمنا أنه لا يغفر ان يشرك به وانه لايعذب المؤمنين وأنه يغفر لمن ~~تاب كذلك قوله ( وان تبدوا ما ms4374 في أنفسكم أو تخفوه الآية # ودلت هذه الآية على أنه سبحانه يحاسب بما في النفوس وقد قال عمر زنوا ~~أنفسكم قبل أن توزنوا وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و ( المحاسبة ( تقتضي ~~أن ذلك يحسب ويحصى # وأما ( المغفرة والعذاب ( فقد دل الكتاب والسنة على أن من في قلبه الكفر ~~وبغض الرسول وبغض ما جاء به أنه كافر بالله ورسوله وقد عفى الله لهذه الأمة ~~وهم المؤمنون حقا الذين لم يرتابوا عما حدثت به أنفسها مالا تتكلم به أو ~~تعمل كما هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وبن عباس وروى عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( ان الذي يهم بالحسنة تكتب له والذي يهم بالسيئة لا تكتب ~~عليه حتى يعملها ( إذا كان مؤمنا من عادته عمل الحسنات وترك السيئات فإن ~~ترك السيئة لله كتبت له حسنة فاذا أبدى العبد ما في نفسه من الشر بقول أو ~~فعل صار من الأعمال التى يستحق عليها الذم والعقاب PageV14P107 وان أخفى ~~ذلك وكان ما أخفاه متضمنا لترك الايمان بالله والرسول مثل الشك فيما جاء به ~~الرسول أو بغضه كان معاقبا على ما أخفاه في نفسه من ذلك لأنه ترك الايمان ~~الذي لانجاة ولا سعادة الا به واما ان كان وسواسا والعبد يكرهه فهذا صريح ~~الايمان كما هو مصرح به في الصحيح # وهذه ( الوسوسة ( هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الانسان فاذا كرهه ~~العبد ونفاه كانت كراهته صريح الايمان وقد خاف من خاف من الصحابة من ~~العقوبة على ذلك فقال تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ # و ( الوسع ( فعل بمعنى المفعول أي ما يسعه لا يكلفها ما تضيق عنه فلا ~~تسعه وهو المقدور عليه المستطاع وقال بعض الناس ان ( الوسع ( اسم لما يسع ~~الانسان ولا يضيق عليه وليس كذلك بل ما يسع الانسان هو مباح له وما لم يسعه ~~ليس مأمورا به فما يسعه قد يؤمر به واما ما لا يسعه فهو المباح يقال يسعني ~~أن افعل كذا ولا يسعني أن افعل كذا والمباح ms4375 هو الواسع ومنه باحة الدار ~~فالمباح لك أن تفعله هو يسعك ولا تخرج عنه ومنه يقال رحم الله من وسعته ~~السنة فلم يتعدها إلى البدعة أي فيما أمر الله به وما PageV14P108 أباحه ما ~~يكفي المؤمن المتبع في دينه ودنياه لا يحتاج ان يخرج عنه إلى مانهى عنه # وأما ما كلفت به فهو ما أمرت بفعله وذلك يكون مما تسعه أنت لا مما يسعك ~~هو وقد يقال لايسعني تركه بل تركه محرم وقد قال تعالى @QB@ تلك حدود الله ~~فلا تقربوها @QE@ وهو أول الحرام وقال @QB@ تلك حدود الله فلا تعتدوها @QE@ ~~وهي آخر الحلال وقال @QB@ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم @QE@ وهذا التغيير نوعان # ( أحدهما ) أن يبدوا ذلك فيبقى قولا وعملا يترتب عليه الذم والعقاب # و ( الثانى ) أن يغيروا الايمان الذي في قلوبهم بضده من الريب والشك ~~والبغض ويعزموا على ترك فعل ما أمر الله به ورسوله فيستحقون العذاب هنا على ~~ترك المأمور وهناك على فعل المحظور # وكذلك ما في النفس مما يناقض محبة الله والتوكل عليه والاخلاص له والشكر ~~له يعاقب عليه لأن هذه الأمور كلها واجبة فاذا خلي القلب عنها واتصف ~~بأضدادها استحق العذاب على ترك هذه الواجبات PageV14P109 وبهذا التفصيل ~~تزول شبه كثيرة ويحصل الجمع بين النصوص فانها كلها متفقة على ذلك ~~فالمنافقون الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يعاقبون على أنهم لم تؤمن قلوبهم ~~بل أضمرت الكفر قال تعالى ( يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم ) وقال @QB@ ~~في قلوبهم مرض @QE@ وقال @QB@ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم @QE@ ~~فالمنافق لابد أن يظهر في قوله وفعله مايدل على نفاقه وما أضمره كما قال ~~عثمان بن عفان ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات ~~لسانه وقد قال تعالى عن المنافقين ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ) ~~ثم قال ( ولتعرفنهم في لحن القول ) وهو جواب قسم محذوف أي والله لتعرفهم في ~~لحن القول فمعرفة المنافق في لحن القول لابد منها وأما معرفته بالسيما ~~فموقوفة ms4376 على المشيئة # ولما كانت هذه الآية ( وإن تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه ) خبرا من الله ~~ليس فيها اثبات ايمان للعبد بخلاف الآيتين بعدها كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه ( متفق ~~عليه وهما قوله @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون @QE@ إلى ~~آخرها وكلام السلف يوافق ما ذكرناه قال بن عباس هذه الآية لم تنسخ ولكن ~~الله إذا جمع الخلائق يقول اني اخبركم بما أخفيتم في أنفسكم PageV14P110 ~~مما لم تطلع عليه ملائكتى فاما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به ~~أنفسهم وهو قوله @QB@ يحاسبكم به الله @QE@ يقول يخبركم به الله وأما أهل ~~الشرك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب وهو قوله @QB@ يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء @QE@ # وقد روى عن بن عباس أنها نزلت في كتمان الشهادة وروى ذلك عن عكرمة ~~والشعبى وكتمان الشهادة من باب ترك الواجب وذلك ككتمان العيب الذي يجب ~~اظهاره وكتمان العلم الذي يجب اظهاره وعن مجاهد أنه الشك واليقين وهذا أيضا ~~من باب ترك الواجب لأن اليقين واجب وروي عن عائشة ما اعلنت فإن الله يحاسبك ~~به وأما ما أخفيت فما عجلت لك به العقوبة في الدنيا وهذا قد يكون مما يعاقب ~~فيه العبد بالغم كما سئل سفيان بن عيينة عن غم لايعرف سببه قال هو ذنب هممت ~~به في سرك ولم تفعله فجزيت هما به # فالذنوب لها عقوبات السر بالسر والعلانية بالعلانية وروى عنها مرفوعا ~~قالت ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ( وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) فقال ياعائشة هذه مبايعة الله العبد مما ~~يصيبه من النكبة والحمى حتى الشوكة والبضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيروع ~~لها فيجدها في جيبه حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الاحمر من ~~الكير PageV14P111 ق # لت هذا المرفوع هو والله أعلم بيان ما يعاقب به المؤمن في الدنيا وليس ~~فيه أن كلما أخفاه يعاقب به ms4377 بل فيه أنه إذا عوقب على ما اخفاه عوقب بمثل ~~ذلك وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة # وقد روى الرويانى في مسنده من طريق الليث عن يزيد بن ابى حبيب عن سعيد بن ~~سنان عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا أراد الله ~~بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا واذا اراد بعبده الشر أمسك عنه ~~العقوبة بذنبه حتى يوافيه بها يوم القيامة وقد قال تعالى ( فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على مافاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ثم أنزل ~~عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد اهمتهم أنفسهم ~~يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ان ~~الأمر كله لله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر ~~شيء ماقتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات ~~الصدور ) # فهؤلاء كانوا في ظنهم ظن الجاهلية ظنا ينافى اليقين بالقدر وظنا ينافى ~~بأن الله ينصر رسوله فكان عقابهم على ترك اليقين ووجود الشك وظن الجاهلية ~~ومثل هذا كثير PageV14P112 # ومما يدخل في ذلك نيات الأعمال فانما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ~~مانوى و ( النية ( هي مما يخفيه الانسان في نفسه فإن كان قصده ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى استحق الثواب وان كان قصده رياء الناس استحق العقاب كما قال ~~تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون @QE@ ~~وقال @QB@ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس @QE@ # وفى حديث أبى هريرة الصحيح في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار في ~~الذي تعلم وعلم ليقال عالم قارئ والذي قاتل ليقال جريء وشجاع والذي تصدق ~~ليقال جواد وكريم فهؤلاء انما كان قصدهم مدح الناس لهم وتعظيمهم لهم وطلب ~~الجاه عندهم لم يقصدوا بذلك وجه الله وان كانت صور أعمالهم صورا حسنة ~~فهؤلاء إذا ms4378 حوسبوا كانوا ممن يستحق العذاب كما في الحديث ( من طلب العلم ~~ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فله ~~من عمله النار ( وفى الحديث الآخر ( من طلب علما مما يبتغى به وجه الله ~~لايطلبه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد ~~من مسيرة خمسمائة عام ( # وفي ( الجملة ( القلب هو الاصل كما قال أبو هريرة القلب ملك الأعضاء ~~والاعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده وإذا PageV14P113 خبث خبثت جنوده ~~وهذا كما في حديث النعمان بن بشير المتفق عليه أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال ( ان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها ~~سائر الجسد الا وهي القلب ( فصلاحه وفساده يستلزم صلاح الجسد وفساده فيكون ~~هذا مما أبداه لا مما أخفاه # وكلما أوجبه الله على العباد لابد أن يجب على القلب فانه الاصل وان وجب ~~على غيره تبعا فالعبد المأمور المنهي انما يعلم بالأمر والنهي قلبه وانما ~~يقصد الطاعة والامتثال القلب والعلم بالمأمور والامتثال يكون قبل وجود ~~الفعل المأمور به كالصلاة والزكاة والصيام وإذا كان العبد قد أعرض عن معرفة ~~الأمر وقصد الامتثال كان أول المعصية منه بل كان هو العاصي وغيره تبع له في ~~ذلك ولهذا قال في حق الشقي @QB@ فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى @QE@ ~~الآيات وقال في حق السعداء @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ في ~~غير موضع والمأمور نوعان # ( نوع ( هو عمل ظاهر على الجوارح وهذا لايكون الا بعلم القلب وارادته ~~فالقلب هو الاصل فيه كالوضوء والاغتسال وكافعال الصلاة من القيام والركوع ~~والسجود وأفعال الحج من الوقوف والطواف PageV14P114 وان كانت أقوالا فالقلب ~~أخص بها فلا بد أن يعلم القلب وجود ما يقوله أو بما يقول ويقصده # ولهذا كانت الاقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده ~~فاما المجنون والطفل الذي لايميز فأقواله كلها لغو في الشرع لا يصح منه ~~ايمان ولا كفر ولا عقد من ms4379 العقود ولاشيء من الأقوال باتفاق المسلمين وكذلك ~~النائم إذا تكلم في منامه فأقواله كلها لغو سواء تكلم المجنون والنائم ~~بطلاق أو كفر أو غيره وهذا بخلاف الطفل فإن المجنون والنائم إذا اتلف مالا ~~ضمنه ولو قتل نفسا وجبت ديتها كما تجب دية الخطأ # وتنازع العلماء في السكران مع اتفاقهم أنه لا تصح صلاته لقوله صلى الله ~~عليه وسلم ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في ~~المضاجع ( وهو معروف في السنن # وتنازعوا في عقود السكران كطلاقه وفي أفعاله المحرمة كالقتل والزنا هل ~~يجري مجرى العاقل أو مجرى المجنون أو يفرق بين أقواله وأفعاله وبين بعض ذلك ~~وبعض على عدة أقوال معروفة والذي تدل عليه النصوص والأصول وأقوال الصحابة ~~أن أقواله هدر كالمجنون لا يقع بها طلاق ولاغيره فان الله تعالى قد قال ~~PageV14P115 @QB@ حتى تعلموا ما تقولون @QE@ فدل على أنه لايعلم ما يقول ~~والقلب هو الملك الذي تصدر الأقوال والافعال عنه فاذا لم يعلم ما يقول لم ~~يكن ذلك صادرا عن القلب بل يجري مجرى اللغو والشارع لم يرتب المؤاخذة إلا ~~على ما يكسبه القلب من الأقوال والأفعال الظاهرة كما قال @QB@ ولكن يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم @QE@ ) ولم يؤاخذ على أقوال وأفعال لم يعلم بها القلب ولم ~~يتعمدها وكذلك ما يحدث به المرء نفسه لم يؤاخذ منه الا بما قاله أو فعله ~~وقال قوم إن الله قد أثبت للقلب كسبا فقال @QB@ بما كسبت قلوبكم @QE@ فليس ~~لله عبد اسر عملا أو أعلنه من حركة في جوارحه أو هم في قلبه إلا يخبره الله ~~به ويحاسبه عليه ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا @QE@ وهذا القول ضعيف شاذ فإن قوله @QB@ يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ~~@QE@ إنما ذكره لبيان أنه يؤاخذ في الأعمال بما كسب القلب لايؤاخذ بلغو ~~الايمان كما قال ( بما عقدتم الإيمان ) فالمؤاخذة لم تقع إلا بما اجتمع فيه ~~كسب القلب مع عمل الجوارح فاما ما وقع في النفس فإن الله ms4380 تجاوز عنه مالم ~~يتكلم به أو يعمل وما وقع من لفظ أو حركة بغير قصد القلب وعلمه فانه ~~لايؤاخذ به # و ( أيضا ( فاذا كان السكران لايصح طلاقه والصبى المميز تصح PageV14P116 ~~صلاته ثم الصبى لايقع طلاقه فالسكران أولى وقد قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( لماعز ( لما اعترف بالحد ( أبك جنون قال لا ( ثم أمر باستنكاهه لئلا ~~يكون سكران فدل على أن إقرار السكران باطل وقضية ماعز متأخرة بعد تحريم ~~الخمر فان الخمر حرمت سنة ثلاث بعد أحد باتفاق الناس وقد ثبت عن عثمان ~~وغيره من الصحابة كعبد الله بن عباس أن طلاق السكران لا يقع ولم يثبت عن ~~صحابي خلافه و # الذين أوقعوا طلاقه لم يذكروا إلا مأخذا ضعيفا وعمدتهم أنه عاص بازالة ~~عقله وهذا صحيح يوجب عقوبته على المعصية التى هي الشرب فيحد على ذلك وأما ~~الطلاق فلا يعاقب به مسلم على المعصية ولو كان كذلك لكان كل من شرب الخمر ~~أو سكر طلقت امرأته وإنما قال من قال إذا تكلم به طلقت فهم اعتبروا كلامه ~~لا معصيته ثم إنه في حال سكره قد يعتق والعتق قربة فإن صححوا عتقه بطل ~~الفرق وان الغوه فالغاء الطلاق أولى فان الله يحب العتق ولا يحب الطلاق # ثم من علل ذلك بالمعصية لزمه طرد ذلك فيمن زال عقله بغير مسكر كالبنج وهو ~~قول من يسوى بين البنج والسكران من أصحاب الشافعي وموافقيه كأبي الخطاب ~~والاكثرون على الفرق وهو منصوص PageV14P117 أحمد وأبى حنيفة وغيرهما لأن ~~الخمر تشتهيها النفس وفيها الحد بخلاف البنج فإنه لاحد فيه بل فيه التعزير ~~لأنه لايشتهى كالميتة والدم ولحم الخنزير فيها التعزير وعامة العلماء على ~~أنه لاحد فيها إلا قولا نقل عن الحسن فهذا فيمن زال عقله # وأما إذا كان يعلم ما يقول فان كان مختارا قاصدا لما يقوله فهذا هو الذي ~~يعتبر قوله وان كان مكرها فان اكره على ذلك بغير حق فهذا عند جمهور العلماء ~~أقواله كلها لغو مثل كفره وايمانه وطلاقه وغيره وهذا مذهب مالك والشافعي ms4381 ~~وأحمد وغيرهم # وأبو حنيفة وطائفة يفرقون بين ما يقبل الفسخ وما لايقبله قالوا فما يقبل ~~الفسخ لا يلزم من المكره كالبيع بل يقف على إجازته له وما لا يقبل الفسخ ~~كالنكاح والطلاق واليمين فإنه يلزم من المكره # والجمهور ينازعون في هذا الفرق في ثبوت الوصف وفى تعلق الحكم به فانهم ~~يقولون النكاح ونحوه يقبل الفسخ وكذلك العتق يقبل الفسخ عند الشافعي وأحد ~~القولين في مذهب أحمد حتى أن المكاتب قد يحكمون بعتقه ثم يفسخون العتق ~~ويعيدونه عبدا والايمان المنعقدة تقبل التحلة كما قال تعالى @QB@ قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ PageV14P118 وبسط الكلام على هذا له موضع آخر # و ( المقصود هنا ( أن القلب هو الأصل في جميع الأفعال والأقوال فما أمر ~~الله به من الأفعال الظاهرة فلابد فيه من معرفة القلب وقصده وما أمر به من ~~الأقوال وكل ماتقدم والمنهى عنه من الأقوال والافعال إنما يعاقب عليه إذا ~~كان بقصد القلب وأما ثبوت بعض الاحكام كضمان النفوس والأموال إذا أتلفها ~~مجنون أو نائم أو مخطئ أو ناس فهذا من باب العدل في حقوق العباد ليس هو من ~~باب العقوبة # فالمأمور به كما ذكرنا ( نوعان ( نوع ظاهر على الجوارح ونوع باطن في ~~القلب ( النوع الثاني ( ما يكون باطنا في القلب كالاخلاص وحب الله ورسوله ~~والتوكل عليه والخوف منه وكنفس إيمان القلب وتصديقه بما أخبر به الرسول ~~فهذا النوع تعلقه بالقلب ظاهر فإنه محله وهذا النوع هو أصل النوع الأول وهو ~~أبلغ في الخير والشر من الأول فنفس ايمان القلب وحبه وتعظيمه لله وخوفه ~~ورجائه والتوكل عليه واخلاص الدين له لايتم شيء من المأمور به ظاهرا إلا ~~بها وإلا فلو عمل أعمالا ظاهرة بدون هذه كان منافقا وهي في أنفسها توجب ~~لصاحبها أعمالا ظاهرة توافقها وهي أشرف من فروعها كما قال تعالى ~~PageV14P119 @QB@ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ~~@QE@ # وكذلك تكذيب الرسول بالقلب وبغضه وحسده والاستكبار عن متابعته أعظم إثما ~~من أعمال ظاهرة خالية عن هذا كالقتل والزنى والشرب والسرقة ms4382 وما كان كفرا من ~~الأعمال الظاهرة كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فانما ذلك لكونه ~~مستلزما لكفر الباطن وإلا فلو قدر أنه سجد قدام وثن ولم يقصد بقلبه السجود ~~له بل قصد السجود لله بقلبه لم يكن ذلك كفرا وقد يباح ذلك إذا كان بين ~~مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر ويقصد بقلبه السجود لله ~~كما ذكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من ~~المشركين حتى دعاهم إلى الاسلام فأسلموا على يديه ولم يظهر منافرتهم في أول ~~الأمر وهنا ( أصول ( تنازع الناس فيها منها أن القلب هل يقوم به تصديق أو ~~تكذيب ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح وإنما يظهر نقيضه من غير ~~خوف فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس أنه لابد من ظهور موجب ذلك على ~~الجوارح فمن قال أنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه ولم يتكلم قط بالاسلام ~~ولا فعل شيئا من واجباته بلا خوف فهذا لايكون مؤمنا في الباطن وإنما هو ~~كافر PageV14P120 وزعم جهم ومن وافقه أنه يكون مؤمنا في الباطن وأن مجرد ~~معرفة القلب وتصديقه يكون إيمانا يوجب الثواب يوم القيامة بلا قول ولا عمل ~~ظاهر وهذا باطل شرعا وعقلا كما قد بسط في غير هذا الموضع وقد كفر السلف ~~كوكيع وأحمد وغيرهما من يقول بهذا القول وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ~~( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله الا ~~وهي القلب ( فبين أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد فإذا كان الجسد غير ~~صالح دل على أن القلب غير صالح والقلب المؤمن صالح فعلم أن من يتكلم ~~بالايمان ولا يعمل به لايكون قلبه مؤمنا حتى أن المكره إذا كان في اظهار ~~الايمان فلابد أن يتكلم مع نفسه وفى السر مع من يأمن إليه ولابد أن يظهر ~~على صفحات وجهه وفلتات لسانه كما قال عثمان وأما إذا لم يظهر أثر ذلك لا ~~بقوله ولا بفعله قط فإنه يدل ms4383 على أنه ليس في القلب ايمان # وذلك أن الجسد تابع للقلب فلا يستقر شيء في القلب الا ظهر موجبه ومقتضاه ~~على البدن ولو بوجه من الوجوه وان لم يظهر كل موجبه لمعارض فالمقتضي لظهور ~~موجبه قائم والمعارض لايكون لازما للانسان لزوم القلب له وإنما يكون في بعض ~~الأحوال متعذرا اذا PageV14P121 كتم ما في قلبه كمؤمن آل فرعون مع أنه قد ~~دعى إلى الايمان دعاء ظهر به من ايمان قلبه مالا يظهر من إيمان من أعلن ~~ايمانه بين موافقيه وهذا في معرفة القلب وتصديقه # ومنها قصد القلب وعزمه إذا قصد الفعل وعزم عليه مع قدرته على ما قصده هل ~~يمكن أن لايوجد شيء مما قصده وعزم عليه فيه قولان أصحهما أنه إذا حصل القصد ~~الجازم مع القدرة وجب وجود المقدور وحيث لم يفعل العبد مقدوره دل على أنه ~~ليس هناك قصد جازم وقد يحصل قصد جازم مع العجز عن المقدور لكن يحصل معه ~~مقدمات المقدور وقيل بل قد يمكن حصول العزم التام بدون أمر ظاهر # وهذا نظير قول من قال ذلك في المعرفة والتصديق وهما من أقوال اتباع جهم ~~الذين نصروا قوله في الايمان كالقاضي أبى بكر وامثاله فانهم نصروا قوله ~~وخالفوا السلف والأئمة وعامة طوائف المسلمين # وبهذا ينفصل النزاع في ( مؤاخذة العبد بالهمة ( فمن الناس من قال يؤاخذ ~~بها إذا كانت عزما ومنهم من قال لا يؤاخذ بها والتحقيق ان الهمة اذا صارت ~~عزما فلابد أن يقترن بها قول أو PageV14P122 فعل فإن الارادة مع القدرة ~~تستلزم وجود المقدور # والذين قالوا يؤاخذ بها احتجوا بقوله ? < إذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~فالقاتل والمقتول في النار > ? الحديث وهذا لا حجة فيه فإنه ذكر ذلك في ~~رجلين اقتتلا كل منهما يريد قتل الآخر وهذا ليس عزما مجردا بل هو عزم مع ~~فعل المقدور لكنه عاجز عن اتمام مراده وهذا يؤاخذ باتفاق المسلمين فمن ~~اجتهد على شرب الخمر وسعى في ذلك بقوله وعمله ثم عجز فإنه آثم باتفاق ~~المسلمين وهو كالشارب وان لم يقع منه شرب ms4384 وكذلك من اجتهد على الزنى والسرقة ~~ونحو ذلك بقوله وعمله ثم عجز فهو آثم كالفاعل ومثل ذلك في قتل النفس وغيره ~~كما جعل الداعي إلى الخير له مثل أجر المدعو ووزره لأنه أراد فعل المدعو ~~وفعل مايقدر عليه فالارادة الجازمة مع فعل المقدور من ذلك فيحصل له مثل أجر ~~الفاعل ووزره وقد قال تعالى @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم @QE@ الآية # وفصل الخطاب في الآية أن @QB@ أولي الضرر @QE@ نوعان نوع لهم عزم تام على ~~الجهاد ولو تمكنوا لما قعدوا ولا تخلفوا وإنما اقعدهم العذر فهم كما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم PageV14P123 ( ان بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ~~ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم ~~العذر ( وهم أيضا كما قال في حديث أبى كبشة الأنماري ( هما في الأجر سواء ( ~~وكما في حديث أبى موسى ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان ~~يعمل صحيحا مقيما ( فأثبت له مثل ذلك العمل لأن عزمه تام وإنما منعه العذر # و ( النوع الثاني ) من ( أولى الضرر ( الذين ليس لهم عزم على الخروج ~~فهؤلاء يفضل عليهم الخارجون المجاهدون وأولوا الضرر العازمون عزما جازما ~~على الخروج ) وقوله تعالى ( غير اولي الضرر ) سواء كان استثناء أو صفة دل ~~على أنهم لا يدخلون مع القاعدين في نفي الاستواء فإذا فصل الأمر فيهم بين ~~العازم وغير العازم بقيت الآية على ظاهرها ولو جعل قوله ( فضل الله ~~المجاهدين على القاعدين درجة ) عاما في أهل الضرر وغيرهم لكان ذلك مناقضا ~~لقوله @QB@ غير أولي الضرر @QE@ فإن قوله @QB@ لا يستوي القاعدون @QE@ @QB@ ~~والمجاهدون @QE@ انما فيها نفي الاستواء فإن كان أهل الضرر كلهم كذلك لزم ~~بطلان قوله ( غير أولي الضرر ) ولزم أنه لايساوي المجاهدين قاعد ولو كان من ~~أولي الضرر وهذا خلاف مقصود الآية # و ( أيضا ( فالقاعدون إذا كانوا من غير أولي الضرر والجهاد PageV14P124 ~~ليس بفرض عين فقد حصلت الكفاية بغيرهم فإنه لا حرج عليهم في القعود بل ms4385 هم ~~موعودون بالحسنى كاولي الضرر وهذا مثل قوله @QB@ لا يستوي منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقاتل @QE@ الآية فالوعد بالحسنى شامل لأولي الضرر وغيرهم # فإن قيل قد قال في الأولى في فضلهم ( درجة ) ثم قال في فضلهم @QB@ درجات ~~منه ومغفرة ورحمة @QE@ كما قال @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم @QE@ # فقوله @QB@ أعظم درجة @QE@ كما قال في السابقين @QB@ أعظم درجة @QE@ وهذا ~~نصب على التمييز أى درجتهم أعظم درجة وهذا يقتضي تفضيلا مجملا يقال منزلة ~~هذا أعظم واكبر كذلك قوله ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين اجرا عظيما ) ~~الآيات ليس المراد به أنهم لم يفضلوا عليهم الا بدرجة فإن في الحديث الصحيح ~~الذي يرويه أبو سعيد وابو هريرة ( ان في الجنة مائة درجة أعدها الله ~~للمجاهدين في سبيله مابين كل درجتين كما بين السماء والأرض ( الحديث وفى ~~PageV14P125 حديث أبى سعيد ( من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا ~~وجبت له الجنة فعجب لها أبو سعيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم واخرى ~~يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء ~~والأرض فقال وما هي يا رسول الله قال الجهاد في سبيل الله ( فهذا الحديث ~~الصحيح بين أن المجاهد يفضل على القاعد الموعود بالحسنى من غير اولي الضرر ~~مائة درجة وهو يبطل قول من يقول أن الوعد بالحسنى والتفضيل بالدرجة مختص ~~باولى الضرر فهذا القول مخالف للكتاب والسنة # وقد يقال أن ( درجة ) منصوب على التمييز كما قال أعظم درجة أي فضل درجتهم ~~على درجتهم أفضل كما يقال فضل هذا على هذا منزلا ومقاما وقد يراد ( بالدرجة ~~) جنس الدرج وهي المنزلة والمستقر لايراد به درجة واحدة من العدد وقوله ( ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين ms4386 أجرا عظيما درجات ) منصوب ( بفضل ) لأن ~~التفضيل زيادة للمفضل فالتقدير زادهم عليهم اجرا عظيما درجات منه ومغفرة ~~ورحمة فهذا النزاع في العازم الجازم إذا فعل مقدوره هل يكون كالفاعل في ~~الأجر والوزر أم لا وأما في استحقاق الأجر والوزر فلا نزاع في ذلك وقوله ? ~~< إذا التقى المسلمان بسيفيهما > ? فيه حرص كل واحد منهما على قتل صاحبه ~~وفعل مقدوره فكلاهما مستحق للنار PageV14P126 ويبقى الكلام في تساوي ~~القعودين بشيء آخر # وهكذا حال المقتتلين من المسلمين في الفتن الواقعة بينهم فلا تكون ~~عاقبتهما إلا عاقبة سوء الغالب والمغلوب فإنه لم يحصل له دنيا ولا آخرة كما ~~قال الشعبى أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أشقياء وأما ~~الغالب فانه يحصل له حظ عاجل ثم ينتقم منه في الآخرة وقد يعجل الله له ~~الانتقام في الدنيا كما جرى لعامة الغالبين في الفتن فانهم اصيبوا في ~~الدنيا كالغالبين في الحرة وفتنة أبي مسلم الخراسانى ونحو ذلك # وأما من قال إنه لا يؤاخذ بالعزم القلبى فاحتجوا بقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( ان الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ( وهذا ليس فيه أنه عاف لهم ~~عن العزم بل فيه أنه عفى عن حديث النفس إلى أن يتكلم أو يعمل فدل على أنه ~~مالم يتكلم أو يعمل لا يؤاخذ ولكن ظن من ظن أن ذلك عزما وليس كذلك بل مالم ~~يتكلم أو يعمل لا يكون عزما فان العزم لابد أن يقترن به المقدور وإن لم يصل ~~العازم إلى المقصود فالذى يعزم على القتل أو الزنى أو نحوه عزما جازما لابد ~~أن يتحرك ولو برأسه أو يمش أو يأخذ آلة أو يتكلم كلمة أو يقول أو يفعل شيئا ~~فهذا كله ما يؤاخذ به كزنا العين واللسان والرجل فان هذا يؤاخذ به وهو من ~~مقدمات الزنى التام PageV14P127 بالفرج وإنما وقع العفو عما ما لم يبرز ~~خارجا بقول أو فعل ولم يقترن به أمر ظاهر قط فهذا يعفى عنه لمن قام بما يجب ~~على القلب من فعل المأمور ms4387 به سواء كان المأمور به في القلب وموجبة في الجسد ~~أو كان المأمور به ظاهرا في الجسد وفي القلب معرفته وقصده فهؤلاء إذا حدثوا ~~أنفسهم بشيء كان عفوا مثل هم ثابت بلا فعل ومثل الوسواس الذي يكرهونه وهم ~~يثابون على كراهته وعلى ترك ما هموا به وعزموا عليه لله تعالى وخوفا منه ~~PageV14P128 ### || 1 ( رسالة في خواتيم سورة البقرة ) 1 # وقال الشيخ رحمه الله # اعلم ان الله سبحانه وتعالى أعطى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وبارك ~~خواتيم ( سورة البقرة ) من كنز تحت العرش لم يؤت منه نبى قبله ومن تدبر هذه ~~الآيات وفهم ما تضمنته من حقائق الدين وقواعد الايمان الخمس والرد على كل ~~مبطل وما تضمنته من كمال نعم الله تعالى على هذا النبى صلى الله عليه وسلم ~~وأمته ومحبة الله سبحانه لهم وتفضيله إياهم على من سواهم فاليهنه العلم ولو ~~ذهبنا نستوعب الكلام فيها لخرجنا عن مقصود الكتاب ولكن لابد من كليمات ~~يسيرة تشير إلى بعض ذلك فنقول # لما كانت ( سورة البقرة ) سنام القرآن وأكثر سورة أحكاما وأجمعها لقواعد ~~الدين أصوله وفروعه وهي مشتملة على ذكر ( أقسام الخلق ( المؤمنين والكفار ~~والمنافقين وذكر أوصافهم وأعمالهم # وذكر الأدلة الدالة على إثبات الخالق سبحانه وتعالى وعلى وحدانيته وذكر ~~نعمه وإثبات نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم PageV14P129 وتقرير المعاد وذكر ~~الجنة والنار وما فيهما من النعيم والعذاب # ثم ذكر تخليق العالم العلوي والسفلي # ثم ذكر خلق آدم عليه السلام وانعامه عليه بالتعليم وإسجاد ملائكته له ~~وإدخاله الجنة ثم ذكر محنته مع ابليس وذكر حسن عاقبة آدم عليه السلام # ثم ذكر ( المناظرة ( مع أهل الكتاب من اليهود وتوبيخهم على كفرهم وعنادهم ~~ثم ذكر النصارى والرد عليهم وتقرير عبودية المسيح ثم تقرير النسخ والحكمة ~~في وقوعه # ثم بناء البيت الحرام وتقرير تعظيمه وذكر بانيه والثناء عليه ثم تقرير ~~الحنيفية ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وتسفيه من رغب عنها ووصية بنيه ~~بها وهكذا شيئا فشيئا إلى آخر السورة فختمها الله تعالى بآيات جوامع مقررة ~~لجميع ms4388 مضمون السورة فقال تعالى @QB@ لله ما في السماوات وما في الأرض وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~والله على كل شيء قدير @QE@ # فأخبر تعالى أن مافى السماوات وما في الأرض ملكه وحده لا PageV14P130 ~~يشاركه فيه مشارك وهذا يتضمن انفراده بالملك الحق والملك العام لكل موجود ~~وذلك يتضمن توحيد ربوبيته وتوحيد إلهيته فتضمن نفي الولد والصاحبة والشريك ~~لأن مافي السماوات وما في الأرض إذا كان ملكه وخلقه لم يكن له فيهم ولد ولا ~~صاحبة ولا شريك # وقد استدل سبحانه بعين هذا الدليل في سورة الأنعام وسورة مريم فقال تعالى ~~@QB@ بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء ~~@QE@ وقال تعالى في سورة مريم @QB@ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا @QE@ ويتضمن ذلك أن الرغبة والسؤال ~~والطلب والافتقار لايكون إلا إليه وحده إذ هو المالك لما في السماوات ~~والأرض # ولما كان تصرفه سبحانه في خلقه لايخرج عن العدل والاحسان وهو تصرف بخلقه ~~وأمره وأخبر أن مافى السماوات وما في الأرض ملكه فما تصرف خلقا وأمرا إلا ~~في ملكه الحقيقي وكانت سورة البقرة مشتملة من الأمر والخلق على مالم يشتمل ~~عليه سورة غيرها أخبر تعالى أن ذلك صدر منه في ملكه قال تعالى @QB@ وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ فهذا متضمن لكمال علمه ~~PageV14P131 سبحانه وتعالى بسرائر عباده وظواهرهم وأنه لايخرج شيء من ذلك ~~عن علمه كما لم يخرج شيء ممن في السماوات والأرض عن ملكه فعلمه عام وملكه ~~عام # ثم أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه فتضمن ~~ذلك علمه بهم وتعريفهم إياه ثم قال @QB@ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ ~~فتضمن ذلك قيامه عليهم بالعدل والفضل فيغفر لمن يشاء فضلا ويعذب من يشاء ~~عدلا وذلك يتضمن الثواب والعقاب المستلزم للأمر والنهي المستلزم للرسالة ~~والنبوة ثم قال تعالى @QB@ والله على ms4389 كل شيء قدير @QE@ فتضمن ذلك أنه لا ~~يخرج شيء عن قدرته البتة وان كل مقدور واقع بقدره ففي ذلك رد على المجوس ~~الثنوية والفلاسفة والقدرية المجوسية وعلى كل من أخرج شيئا من المقدورات عن ~~خلقه وقدرته وهم طوائف كثيرون # فتضمنت الآية اثبات التوحيد وإثبات العلم بالجزئيات والكليات وإثبات ~~الشرائع والنبوات وإثبات المعاد والثواب والعقاب وقيام الرب على خلقه ~~بالعدل والفضل وإثبات كمال القدرة وعمومها وذلك يتضمن حدوث العالم بأسره ~~لأن القديم لايكون مقدورا ولا مفعولا # ثم ان إثبات كمال علمه وقدرته يستلزم إثبات سائر صفاته PageV14P132 العلى ~~وله من كل صفة إسم حسن فيتضمن إثبات أسمائه الحسنى وكمال القدرة يستلزم أن ~~يكون فعالا لما يريد وذلك يتضمن تنزيهه عن كل ما يضاد كماله فيتضمن تنزيهه ~~عن الظلم المنافي لكمال غناه وكمال علمه إذ الظلم إنما يصدر عن محتاج أو ~~جاهل وأما الغني عن كل شيء العالم بكل شيء سبحانه فإنه يستحيل منه الظلم ~~كما يستحيل عليه العجز المنافى لكمال قدرته والجهل المنافي لكمال علمه # فتضمنت الآية هذه المعارف كلها بأوجز عبارة وأفصح لفظ وأوضح معنى # وقد عرفت بهذا أن الآية لا تقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة بل ~~إنما تقتضى محاسبة الرب عبده بها وهي أعم من العقاب والأعم لايستلزم الأخص ~~وبعد محاسبته بها يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وعلى هذا فالآية محكمة لا ~~نسخ فيها ومن قال من السلف نسخها ما بعدها فمراده بيان معناها والمراد منها ~~وذلك يسمى نسخا في لسان السلف كما يسمون الاستثناء نسخا # ثم قال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله @QE@ فهذه شهادة الله تعالى لرسوله عليه الصلاة ~~والسلام بايمانه بما أنزل إليه من ربه وذلك يتضمن إعطاءه PageV14P133 ثواب ~~أكمل أهل الايمان زيادة على ثواب الرسالة والنبوة لأنه شارك المؤمنين في ~~الايمان ونال منه أعلى مراتبه وامتاز عنهم بالرسالة والنبوة وقوله ( أنزل ~~إليه من ربه ) يتضمن انه كلامه الذي تكلم به ومنه نزل لا من غيره ms4390 كما قال ~~تعالى @QB@ قل نزله روح القدس من ربك @QE@ وقال @QB@ تنزيل من رب العالمين ~~@QE@ # وهذا أحد ما احتج به أهل السنة على المعتزلة القائلين بأن الله لم يتكلم ~~بالقرآن قالوا فلو كان كلاما لغير الله لكان منزلا من ذلك المحل لامن الله ~~فإن القرآن صفة لا تقوم بنفسها بخلاف قوله @QB@ وسخر لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض جميعا منه @QE@ فإن تلك أعيان قائمة بنفسها فهي منه خلقا وأما ~~( الكلام ( فوصف قائم بالمتكلم فلما كان منه فهو كلامه إذ يستحيل أن يكون ~~منه ولم يتكلم به # ثم شهد تعالى للمؤمنين بأنهم آمنوا بما آمن به رسولهم ثم شهد لهم جميعا ~~بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله فتضمنت هذه الشهادة إيمانهم بقواعد ~~الايمان الخمسة التى لايكون أحد مؤمنا إلا بها وهي الايمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وقد ذكر تعالى هذه الأصول الخمسة في أول السورة ~~ووسطها PageV14P134 وآخرها فقال في أولها @QB@ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون @QE@ فالايمان بما أنزل إليه وما أنزل ~~من قبله يتضمن الايمان بالكتب والرسل والملائكة ثم قال @QB@ وبالآخرة هم ~~يوقنون @QE@ والإيمان بالله يدخل في الايمان بالغيب وفى الايمان بالكتب ~~والرسل فتضمنت الايمان بالقواعد الخمس # وقال في وسطها ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين ) ثم حكى عن أهل الايمان انهم قالوا @QB@ لا نفرق بين أحد من رسله ~~@QE@ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض فلا ينفعنا إيماننا بمن آمنا به منهم كما لم ~~ينفع أهل الكتاب ذلك بل نؤمن بجميعهم ونصدقهم ولا نفرق بينهم وقد جمعتهم ~~رسالة ربهم فنفرق بين من جمع الله بينهم ونعادي رسله ونكون معادين له ~~فباينوا بهذا الايمان جميع طوائف الكفار المكذبين لجنس الرسل والمصدقين ~~لبعضهم المكذبين لبعضهم # وتضمن إيمانهم بالله إيمانهم بربوبيته وصفات كماله ونعوت جلاله وأسمائه ~~الحسنى وعموم قدرته ومشيئته وكمال علمه وحكمته فباينوا بذلك جميع طوائف أهل ~~البدع والمنكرين لذلك أو لشيء منه فإن كمال الايمان بالله يتضمن إثبات ما ~~أثبته لنفسه ms4391 وتنزيهه عما نزه نفسه PageV14P135 عنه فباينوا بهذين الأمرين ~~جميع طوائف الكفر وفرق أهل الضلال الملحدين في أسماء الله وصفاته # ثم قالوا @QB@ سمعنا وأطعنا @QE@ فهذا اقرار منهم بركني الايمان الذي ~~لايقوم إلا بهما وهما السمع المتضمن للقبول لامجرد سمع الادراك المشترك بين ~~المؤمنين والكفار بل سمع الفهم والقبول و ( الثانى ( الطاعة المتضمنة لكمال ~~الانقياد وامتثال الأمر وهذا عكس قول الأمة الغضبية ( سمعنا وعصينا ) # فتضمنت هذه الكلمات كمال إيمانهم وكمال قبولهم وكمال انقيادهم ثم قالوا ~~@QB@ غفرانك ربنا وإليك المصير @QE@ لما علموا أنهم لم يوفوا مقام الايمان ~~حقه مع الطاعة والانقياد الذى يقتضيه منهم وأنهم لابد أن تميل بهم غلبات ~~الطباع ودواعى البشرية إلى بعض التقصير في واجبات الايمان وأنه لايلم شعث ~~ذلك إلا مغفرة الله تعالى لهم سألوه غفرانه الذى هو غاية سعادتهم ونهاية ~~كمالهم فان غاية كل مؤمن المغفرة من الله تعالى فقالوا ( غفرانك ربنا ) ثم ~~اعترفوا أن مصيرهم ومردهم إلى مولاهم الحق لابد لهم من الرجوع إليه فقالوا ~~@QB@ وإليك المصير @QE@ # فتضمنت هذه الكلمات إيمانهم به ودخولهم تحت طاعته وعبوديته PageV14P136 ~~واعترافهم بربوبيته واضطرارهم إلى مغفرته واعترافهم بالتقصير في حقه ~~وإقرارهم برجوعهم إليه # ثم قال تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ فنفى بذلك ما توهموه ~~من أنه يعذبهم بالخطرات التى لايملكون دفعها وأنها داخلة تحت تكليفه ~~فأخبرهم أنه لايكلفهم إلا وسعهم فهذا هو البيان الذى قال فيه بن عباس وغيره ~~فنسخها الله عنهم بقوله @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ وقد تضمن ~~ذلك أن جميع ما كلفهم به أمرا ونهيا فهم مطيقون له قادرون عليه وأنه لم ~~يكلفهم مالا يطيقون وفى ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك # والله تعالى أمرهم بعبادته وضمن أرزاقهم فكلفهم من الأعمال مايسعونه ~~وأعطاهم من الرزق ما يسعهم فتكليفهم يسعونه وأرزاقهم تسعهم فهم في الوسع في ~~رزقه وأمره وسعوا أمره ووسعهم رزقه ففرق بين ما يسع العبد وما يسعه العبد ~~وهذا هو اللائق برحمته وبره وإحسانه وحكمته وغناه لاقول من يقول أنه كلفهم ~~مالا قدرة ms4392 لهم عليه البتة ولا يطيقونه ثم يعذبهم على ما لايعملونه # وتأمل قوله عز وجل @QB@ إلا وسعها @QE@ كيف تجد تحته أنهم في سعة ومنحة ~~من تكاليفه لا في ضيق وحرج ومشقة فإن الوسع PageV14P137 يقتضي ذلك فاقتضت ~~الآية انما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر لهم ولا ضيق ولا حرج بخلاف ~~مايقدر عليه الشخص فإنه قد يكون مقدورا له ولكن فيه ضيق وحرج عليه وأما ~~وسعه الذي هو منه في سعة فهو دون مدى الطاقة والمجهود بل لنفسه فيه مجال ~~ومتسع وذلك مناف للضيق والحرج ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) بل @QB@ ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ قال سفيان بن عيينة في قوله ~~@QB@ إلا وسعها @QE@ الا يسرها لا عسرها ولم يكلفها طاقتها ولو كلفها ~~طاقتها لبلغ المجهود # فهذا فهم أئمة الاسلام وأين هذا من قول من قال أنه كلفهم مالا يطيقونه ~~البتة ولا قدرة لهم عليه ثم أخبر تعالى أن ثمرة هذا التكليف وغايته عائدة ~~عليهم وأنه تعالى يتعالى عن انتفاعه بكسبهم وتضرره باكتسابهم بل لهم كسبهم ~~ونفعه وعليهم اكتسابهم وضرره فلم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم بل ~~رحمة وإحسانا وتكرما ولم ينههم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم بل حمية وحفظا ~~وصيانة وعافية # وفيه أيضا أن نفسا لا تعذب باكتساب غيرها ولاتثاب بكسبه ففيه معنى قوله ( ~~وان ليس للانسان إلا ما سعى ) ( ولا تزر وازرة وزر أخرى PageV14P138 # وفيه أيضا إثبات كسب النفس المنافي للجبر وفيه أيضا اجتماع الحكمة فيه ~~فاما كسب خيرا أو اكتسب شرا لم يبطل اكتسابه كسبه كما يقوله أهل الاحباط ~~والتخليد فانهم يقولون إن عليه ما اكتسب وليس له ما كسب فالآية رد على جميع ~~هذه الطوائف فتأمل كيف أتى فيما لها بالكسب الحاصل ولو لأدنى ملابسة وفيما ~~عليها بالاكتساب الدال على الاهتمام والحرص والعمل فإن اكتسب أبلغ من كسب ~~ففي ذلك تنبيه على غلبة الفضل للعدل والرحمة للغضب # ثم لما كان ما كلفهم به عهودا منه ووصايا وأوامر تجب مراعاتها ms4393 والمحافظة ~~عليها وأن لا يخل بشيء منها ولكن غلبات الطباع البشرية تأبى إلا النسيان ~~والخطأ والضعف والتقصير أرشدهم الله تعالى إلى أن يسألوه مسامحته إياهم في ~~ذلك كله ورفع موجبه عنهم بقولهم @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا @QE@ أي لا تكلفنا ~~من الآصار التى يثقل حملها ما كلفته من قبلنا فانا أضعف أجسادا وأقل ~~احتمالا # ثم لما علموا انهم غير منفكين مما يقضيه ويقدره عليهم كما أنهم غير ~~منفكين عما يأمرهم به وينهاهم عنه سألوه التخفيف في قضائه وقدره ~~PageV14P139 كما سألوه التخفيف في أمره ونهيه فقالوا @QB@ ربنا ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به @QE@ فهذا في القضاء والقدر والمصائب وقولهم @QB@ ربنا ~~ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا @QE@ في الأمر والنهي ~~والتكليف فسألوه التخفيف في النوعين # ثم سألوه العفو والمغفرة والرحمة والنصر على الأعداء فإن بهذه الأربعة ~~تتم لهم النعمة المطلقة ولا يصفو عيش في الدنيا والآخرة إلا بها وعليها ~~مدار السعادة والفلاح فالعفو متضمن لاسقاط حقه قبلهم ومسامحتهم به والمغفرة ~~متضمنة لوقايتهم شر ذنوبهم وإقباله عليهم ورضاه عنهم بخلاف العفو المجرد ~~فان العافى قد يعفو ولا يقبل على من عفا عنه ولا يرضى عنه فالعفو ترك محض ~~والمغفرة إحسان وفضل وجود والرحمة متضمنة للأمرين مع زيادة الاحسان والعطف ~~والبر فالثلاثة تتضمن النجاة من الشر والفوز بالخير والنصرة تتضمن التمكين ~~من اعلان عبادته وإظهار دينه وإعلاء كلمته وقهر أعدائه وشفاء صدورهم منهم ~~وإذهاب غيظ قلوبهم وحزازات نفوسهم وتوسلوا في خلال هذا الدعاء إليه ~~باعترافهم أنه مولاهم الحق الذي لا مولى لهم سواه فهو ناصرهم وهاديهم ~~وكافيهم ومعينهم ومجيب دعواتهم ومعبودهم # فلما تحققت قلوبهم بهذه المعارف وانقادت وذلت لعزة ربها ومولاها وإجابتها ~~جوارحهم اعطوا كلما سألوه من ذلك فلم يسألوا PageV14P140 شيئا منه إلا قال ~~الله تعالى قد فعلت كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ذلك # فهذه كلمات قصيرة مختصرة في معرفة مقدار ms4394 هذه الآيات العظيمة الشأن ~~الجليلة المقدار التى خص الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته من ~~كنز تحت العرش # وبعد ففيها من المعارف وحقائق العلوم ما تعجز عقول البشر عن الاحاطة به ~~والله المرغوب إليه أن لا يحرمنا الفهم في كتابه أنه رحيم ودود # والحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لانبى بعده وآله وصحبه أجمعين ~~PageV14P141 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا ) 1 # وقال رحمه الله ! 8 < فصل # في الدعاء المذكور في آخر ( سورة البقرة ) وهو قوله @QB@ ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطأنا @QE@ إلى آخرها قد ثبت في صحيح مسلم ( أنه قال قد فعلت ~~( وكذلك في صحيحه من حديث بن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~اعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم تقرأ بحرف ~~منها الا اعطيته ( وفى صحيحه أيضا عن بن مسعود قال ( لما اسري برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة اليها ~~ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض ~~منها قال @QB@ إذ يغشى السدرة ما يغشى @QE@ قال فراش من ذهب قال فاعطي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا اعطى الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة ~~البقرة وغفر لمن مات من أمته لايشرك بالله شيئا المقحمات PageV14P142 قال ~~بعض الناس إذا كان هذا الدعاء قد أجيب فطلب ما فيه من باب تحصيل الحاصل ~~وهذا لا فائدة فيه فيكون هذا الدعاء عبادة محضة ليس المقصود به السؤال وهذا ~~القول قد قاله طائفة في جميع الدعاء أنه ان كان المطلوب مقدرا فلا حاجة إلى ~~سؤاله وطلبه وان كان غير مقدر لم ينفع الدعاء دعوت أو لم تدع فجعلوا الدعاء ~~تعبدا محضا كما قال ذلك طائفة أخرى في التوكل # وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع وذكرنا قول من جعل ذلك ~~امارة أو علامة بناء على أنه ليس في الوجود سبب ms4395 يفعل به بل يقترن أحد ~~الحادثين بالآخر قاله طائفة من القدرية النظار وأول من عرف عنه ذلك الجهم ~~بن صفوان ومن وافقه وذكرنا أن ( القول الثالث ( هو الصواب وهو ان الدعاء ~~والتوكل والعمل الصالح سبب في حصول المدعو به من خير الدنيا والآخرة ~~والمعاصي سبب وأن الحكم المعلق بالسبب قد يحتاج إلى وجود الشرط وانتفاء ~~الموانع فإذا حصل ذلك حصل المسبب بلا ريب # والمقصود هنا الكلام في الدعاء الذي قد علم أنه أجيب فقال بعض الناس هذا ~~تعبد محض لحصول المطلوب بدون دعائنا فلا يبقى سببا ولا علامة وهذا ضعيف ~~PageV14P143 # اما أولا فإن العمل الذي لا مصلحة للعبد فيه لايأمر الله به وهذا بناء ~~على قول السلف ان الله لم يخلق ولم يأمر إلا لحكمة كما لم يخلق ولم يأمر ~~الا لسبب والذين ينكرون الأسباب والحكم يقولون بل يأمر بما لا منفعة فيه ~~للعباد البتة وان اطاعوه وفعلوا ما أمرهم به كما بسط الكلام على ذلك في غير ~~هذا الموضع # والمقصود أن كلما أمر الله به أمر به لحكمة وما نهى عنه نهى لحكمة وهذا ~~مذهب أئمة الفقهاء قاطبة وسلف الأمة وأئمتها وعامتها فالتعبد المحض بحيث لا ~~يكون فيه حكمة لم يقع نعم قد تكون الحكمة في المأمور به وقد تكون في الأمر ~~وقد تكون في كليهما فمن المأمور به ما لو فعله العبد بدون الأمر حصل له ~~منفعة كالعدل والاحسان إلى الخلق وصلة الرحم وغير ذلك فهذا إذ أمر به صار ~~فيه ( حكمتان ( حكمة في نفسه وحكمة في الأمر فيبقى له حسن من جهة نفسه ومن ~~جهة أمر الشارع وهذا هو الغالب على الشريعة وما أمر الشرع به بعد ان لم يكن ~~انما كانت حكمته لما أمر به # وكذلك ما نسخ زالت حكمته وصارت في بدله كالقبلة # وإذا قدر أن الفعل ليست فيه حكمة أصلا فهل يصير بنفس الأمر فيه حكمة ~~الطاعة وهذا جائز عند من يقول بالتعبد المحض وان لم يقل PageV14P144 بجواز ~~الأمر لكل شيء لكن يجعل من ms4396 باب الابتلاء والامتحان فإذا فعل صار العبد به ~~مطيعا كنهيهم عن الشرب إلا من اغترف غرفة بيده # والتحقيق أن الأمر الذي هو ابتلاء وامتحان يحض عليه من غير منفعة في ~~الفعل متى اعتقده العبد وعزم على الامتثال حصل المقصود وان لم يفعله ~~كابراهيم لما أمر بذبح ابنه وكحديث أقرع وابرص وأعمى لما طلب منهم اعطاء بن ~~السبيل فامتنع الأبرص والأقرع فسلبا النعمة واما الأعمى فبذل المطلوب فقيل ~~له امسك مالك فانما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك وهذا هو الحكمة ~~الناشئة من نفس الأمر والنهي لا من نفس الفعل فقد يؤمر العبد وينهى وتكون ~~الحكمة طاعته للأمر وانقياده له وبذله للمطلوب كما كان المطلوب من إبراهيم ~~تقديم حب الله على حبه لابنه حتى تتم خلته به قبل ذبح هذا المحبوب لله فلما ~~أقدم عليه وقوى عزمه بارادته لذلك تحقق بان الله أحب إليه من الولد وغيره ~~ولم يبق في قلبه محبوب يزاحم محبة الله # وكذلك أصحاب طالوت ابتلوا بالامتناع من الشرب ليحصل من ايمانهم وطاعتهم ~~ما تحصل به الموافقة والابتلاء ها هنا كان بنهي لابأمر وأما رمي الجمار ~~والسعي بين الصفا والمروة فالفعل في نفسه مقصود لما تضمنه من ذكر الله ~~PageV14P145 وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم هذا بقوله في الحديث الذي في ~~السنن ( انما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لاقامة ذكر الله ( ~~رواه أبو داود والترمذي وغيرهما فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن هذا له ~~حكمة فكيف يقال لا حكمة بل هو تعبد وابتلاء محض # واما فعل مأمور في الشرع ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا حكمة الا مجرد ~~الطاعة والمؤمنون يفعلونه فهذا لا أعرفه بل ما كان من هذا القبيل نسخ بعد ~~العزم كما نسخ ايجاب الخمسين صلاة إلى خمس # و ( المعتزلة ( تنكر الحكمة الناشئة من نفس الأمر ولهذا لم يجوزوا النسخ ~~قبل التمكن وقد وافقهم على ذلك طائفة من اصحاب أحمد وغيرهم كابي الحسن ~~التميمي وبنوه على اصلهم وهو أن الأمر عندهم ms4397 كاشف عن حسن الفعل الثابت في ~~نفسه لا مثبت لحسن الفعل وأن الأمر لا يكون الا بحسن وغلطوا في المقدمتين ~~فان الأمر وان كان كاشفا عن حسن الفعل فالفعل بالأمر يصير له حسن آخر غير ~~الحسن الأول وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة فقد يأمر بما ليس بحسن ~~في نفسه وينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور وعزمه وانقياده ~~وهذا موجود في أمر الله وامر الناس بعضهم بعضا # والجهمية تنكر ان يكون في الفعل حكمة اصلا في نفسه ولا في نفس ~~PageV14P146 الامر بناء على اصلهم أنه لا يأمر لحكمة وعلى أن الافعال ~~بالنسبة إليه سواء ليس بعضها حسنا وبعضها قبيحا وكلا الاصلين قد وافقتهم ~~عليه الاشعرية ومن اتبعهم من الفقهاء كأصحاب الشافعي ومالك واحمد وغيرهم ~~وهما أصلان مبتدعان فإن مذهب السلف والأئمة أن الله يخلق لحكمة ويأمر لحكمة ~~ومذهب السلف والأئمة أن الله يحب الايمان والعمل الصالح ويرضى ذلك ولا يحب ~~الكفر والفسوق والعصيان وان كان قد شاء وجود ذلك وقد بسط هذا في موضع آخر # وقد قال تعالى @QB@ وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة @QE@ فإن 2 نفس السجود ~~خضوع لله ولو فعله الانسان لله مع عدم علمه أنه أمر به انتفع كالسحرة الذين ~~سجدوا قبل الامر بالسجود # وكذلك قول العبد حط عنا خطايانا دعاء لله وخضوع وقد قال تعالى @QB@ وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ ) وهذه الأفعال ~~المدعو بها في آخر البقرة أمور مطلوبة للعباد # وقد أجيب بجواب آخر وهو أن الله تعالى إذا قدر أمرا فانه يقدر أسبابه ~~والدعاء من جملة أسبابه كما أنه لما قدر النصر يوم بدر وأخبر النبى صلى ~~الله عليه وسلم قبل وقوعه أصحابه بالنصر وبمصارع القوم كان من أسباب ذلك ~~استغاثة النبى صلى الله عليه وسلم ودعاؤه وكذلك PageV14P147 ما وعده به ربه ~~من الوسيلة وقد قضى بها له وقد أمر أمته بطلبها له وهو سبحانه قدرها بأسباب ~~منها ما سيكون من الدعاء # وعلى هذا فالداخل في السبب ms4398 هو ما وقع من الدعاء المأمور به والله أعلم ~~بذلك فيثيب هذا الداعى على ما فعله من الدعاء بجعله تمام السبب ولايكون على ~~هذا الدعاء سببا في اختصاصه بشيء من ذلك بل في حصوله لمجموع الأمة لكن هو ~~يثاب على الدعاء لكونه من جملة الأسباب وهذا لأن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال ( ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها اثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه ~~الله بها احدى خصال ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما ان يدخر له من الخير ~~مثلها وإما أن يكفر عنه من الذنوب مثلها واما أن يدفع عنه من البلاء مثلها ~~قالوا يارسول الله إذا نكثر قال الله اكثر ( فالداعى بهذا كالداعى بالوسيلة ~~يحصل له من الاجر ما يخصه كالداعي للأمة ولأخيه الغائب ودعاؤه من أسباب ~~الخير التى بها رحمة الأمة كما يثاب على سؤاله الوسيلة للنبى صلى الله عليه ~~وسلم بان تحل عليه الشفاعة يوم القيامة # وهنا ( جواب ثالث ( وهو أن كل من دعا بهذا الدعاء حصل له من المدعو ~~المطلوب مالا يحصل بدون المطلوب من الدعاء فيكون الدعاء به كدعائه بسائر ~~مطالبه من المغفرة والرحمة وليس هو كدعاء PageV14P148 الغائب للغائب فان ~~الملك يقول هناك ولك بمثله فيدعو له الملك بمثل ما دعا به للغائب وهنا هو ~~داع لنفسه وللمؤمنين # وبيان هذا أن الشرع وان كان قد استقر بموت النبى صلى الله عليه وسلم وقد ~~أخبر أن الله تجاوز لأمته عن الخطأ والنسيان وقد أخبر أن الرسول يضع عن ~~أمته اصرهم والاغلال التى كانت عليهم وسأل ربه لأمته أن لا يسلط عليهم عدوا ~~من غيرهم فيجتاحهم فأعطاه ذلك لكن ثبوت هذا الحكم في حق آحاد الأمة قد لا ~~يحصل إلا بطاعة الله ورسوله فاذا عصى الله ذلك الشخص العاصي عوقب عن ذلك ~~بسلب هذه النعمة وان كانت الشريعة لم تنسخ # يبين هذا أن في هذا الدعاء سؤال الله بالعفو والمغفرة والرحمة والنصر على ~~الكفار ومعلوم أن هذا ليس حاصلا لكل واحد من ms4399 أفراد الأمة بل منهم من يدخل ~~النار ومنهم من ينصر عليه الكفار ومنهم من يسلب الرزق لكونهم فرطوا في طاعة ~~الله ورسوله فيسلبون ذلك بقدر ما فرطوا أو قصروا وقول الله ( قد فعلت ( ~~يقال فيه شيئان ( احدهما ) أنه قد فعل ذلك بالمؤمنين المذكورين في الآية ~~والايمان المطلق يتضمن طاعة الله ورسوله فمن لم يكن كذلك نقص PageV14P149 ~~ايمانه الواجب فيستحق من سلب هذه النعم بقدر النقص ويعوق الله عليه ملاذ ~~ذلك ولم يستحق من الجزاء ما يستحقه من قام بالايمان الواجب # ( الثانى ) أن يقال هذا الدعاء استجيب له في جملة الأمة ولا يلزم من ذلك ~~ثبوته لكل فرد وكلا الأمرين صحيح فان ثبوت هذا المطلوب لجملة الأمة حاصل ~~ولولا ذلك لاهلكوا بعذاب الاستئصال كما اهلكت الأمم قبلهم وقد قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( سألت ربي لأمتى ثلاثا فأعطانى ~~اثنتين ومنعنى واحدة سألته ان لا يهلك امتى بسنة عامة فاعطانيها وسألته ان ~~لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فاعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم ~~بينهم فمنعنيها وقال يامحمد انى إذا قضيت قضاء لم يرد ( # وكذلك في الصحيحين ( لما نزل قوله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم @QE@ قال النبى صلى الله عليه وسلم اعوذ بوجهك @QB@ ~~أو من تحت أرجلكم @QE@ قال اعوذ بوجهك @QB@ أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس ~~بعض @QE@ قال هاتان أهون وهذا لأنه لابد أن تقع الذنوب من هذه الأمة ولابد ~~أن يختلفوا فان هذا من لوازم الطبع البشري لايمكن أن يكون بنو آدم إلا كذلك ~~PageV14P150 ولهذا لم يكن ما وقع فيها من الاختلاف والقتال والذنوب دليلا ~~على نقصها بل هي أفضل الأمم وهذا الواقع بينهم من لوازم البشرية وهو في ~~غيرها اكثر وأعظم وخير غيرها أقل والخير فيها اكثر والشر فيها أقل فكل خير ~~في غيرها فهو فيها أعظم وكل شر فيها فهو في غيرها اعظم # وأما حصول المطلوب للآحاد منها فلا يلزم حصوله لكل عاص لأنه لم يقم ~~بالواجب ولكن ms4400 قد يحصل للعاصي من ذلك بحسب ما معه من طاعة الله تعالى أما ~~حصول المغفرة والعفو والرحمة بحسب الايمان والطاعة فظاهر لأن هذا من ~~الأحكام القدرية الخلقية من جنس الوعد والوعيد وهذا يتنوع بتنوع الايمان ~~والعمل الصالح # واما دفع المؤاخذة بالخطأ والنسيان ودفع الآصار فان هذا قد يشكل لأنه من ~~باب الاحكام الشرعية احكام الأمر والنهي # فيقال الخطأ والنسيان المرفوع عن الأمة مرفوع عن عصاة الامة فان العاصي ~~لا يأثم بالخطأ والنسيان فإنه إذا أكل ناسيا أتم صومه سواء كان مطيعا في ~~غير ذلك أو عاصيا فهذا هو الذى يشكل وعنه جوابان # ( احدهما ( أن الذنوب والمعاصي قد تكون سببا لعدم العلم بالحنيفية ~~PageV14P151 السمحة فان الانسان قد يفعل شيئا ناسيا أو مخطئا ويكون لتقصيره ~~في طاعة الله علما وعملا لا يعلم ان ذلك مرفوع عنه اما لجهله واما لكونه ~~ليس هناك من يفتيه بالرخصة في الحنيفية السمحة # والعلماء قد تنازعوا في كثير من مسائل الخطأ والنسيان واعتقد كثير منهم ~~بطلان العبادات أو بعضها به كمن يبطل الصوم بالنسيان وآخرون بالخطأ وكذلك ~~الاحرام وكذلك الكلام في الصلاة وكذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسيا أو مخطئا ~~فاذا كان الله سبحانه قد نفى المؤاخذة بالخطأ والنسيان وخفي ذلك في مواضع ~~كثيرة على كثير من علماء المسلمين كان هذا عقوبة لمن لم يجد في نفسه ثقة ~~الا هؤلاء فيفتونه بما يقتضى مؤاخذته بالخطأ والنسيان فلا يكون مقتضى هذا ~~الدعاء حاصلا في حقه لعدم العلم لا لنسخ الشريعة # والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى والعلم النافع ~~كقوله @QB@ وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم @QE@ وقال @QB@ ~~وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم @QE@ وقال @QB@ وما يشعركم أنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QE@ ~~وقال @QB@ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا @QE@ وقال @QB@ فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم @QE@ PageV14P152 وهذا كما أنه حرم على بنى إسرائيل طيبات احلت ~~لهم لأجل ظلمهم وبغيهم فشريعة محمد لاتنسخ ولا تعاقب ms4401 امته كلها بهذا ولكن ~~قد تعاقب ظلمتهم بهذا بان يحرموا الطيبات أو بتحريم الطيبات إما تحريما ~~كونيا بان لا يوجد غيثهم وتهلك ثمارهم وتقطع الميرة عنهم أو أنهم لا يجدون ~~لذة مأكل ولا مشرب ولا منكح ولا ملبس ونحوه كما كانوا يجدونها قبل ذلك ~~وتسلط عليهم الغصص وما ينغص ذلك ويعوقه ويجرعون غصص المال والولد والأهل ~~كما قال تعالى @QB@ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ~~بها في الحياة الدنيا @QE@ وقال @QB@ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون @QE@ وقال @QB@ أنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة @QE@ ) فيكون هذا كابتلاء أهل السبت بالحيتان واما ان يعاقبوا باعتقاد ~~تحريم ما هو طيب حلال لخفاء تحليل الله ورسوله عندهم كما قد فعل ذلك كثير ~~من الأمة اعتقدوا تحريم اشياء فروج عليهم بما يقعون فيه من الايمان والطلاق ~~وان كان الله ورسوله لم يحرم ذلك لكن لما ظنوا انها محرمة عليهم عوقبوا ~~بحرمان العلم الذي يعلمون به الحل فصارت محرمة عليهم تحريما كونيا وتحريما ~~شرعيا في ظاهر الأمر فان المجتهد عليه أن يقول ما أدى إليه اجتهاده فإذا لم ~~يؤد اجتهاده إلا إلى تحريم هذه الطيبات لعجزه عن معرفة PageV14P153 الأدلة ~~الدالة على الحل كان عجزة سببا للتحريم في حق المقصرين في طاعة الله # وكذلك اعتقدوا تحريم كثير من المعاملات التى يحتاجون اليها كضمان ~~البساتين والمشاركات وغيرها وذلك لخفاء أدلة الشرع فثبت التحريم في حقهم ~~بما ظنوه من الأدلة وهذا كما أن الإنسان يعاقب بإن يخفى عليه من الطعام ~~الطيب والشراب الطيب ما هو موجود وهو مقدور عليه لو علمه لكن لا يعرف بذلك ~~عقوبة له وأن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وقد قال تعالى @QB@ ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ فهو سبحانه إنما ضمن ~~الأشياء على وجهها واستقامتها للمتقين كما ضمن هذا للمتقين # فتبين أن المقصرين في طاعته من الأمة قد يؤاخذون بالخطأ والنسيان ومن غير ~~نسخ بعد الرسول لعدم علمهم بما جاء ms4402 به الرسول من التيسير ولعدم علم من ~~عندهم من العلماء بذلك ولهذا يوجد كثير ممن لا يصلي ( في السفر قصرا ) يرى ~~الفطر في السفر حراما فيصوم في السفر مع المشقة العظيمة عليه وهذا عقوبة له ~~لتقصيره في الطاعة لكنه مما يكفر الله به من خطاياه ما يكفره كما يكفر ~~خطايا المؤمنين بسائر مصائب الدنيا PageV14P154 وكذلك منهم من يعتقد ~~التربيع في السفر واجبا فيربع فيبتلى بذلك لتقصيره في الطاعة ومنهم من ~~يعتقد تحريم أمور كثيرة من المباحات التى بعضها مباح بالاتفاق وبعضها ~~متنازع فيه لكن الرسول لم يحرمه فهؤلاء الذين اعتقدوا وجوب ما لم يوجبه ~~الله ورسوله وتحريم ما لم يحرمه حمل عليهم إصرا ولم توضع عنهم جميع الآصار ~~والأغلال وان كان الرسول قد وضعها لكنهم لم يعلموها # وقد يبتلون بمطاع يلزمهم ذلك فيكون آصارا وأغلالا من جهة مطاعهم مثل حاكم ~~ومفت وناظر وقف وأمير ينسب ذلك إلى الشرع لاعتقاده الفاسد أن ذلك من الشرع ~~ويكون عدم علم مطاعيهم تيسير الله عليهم عقوبة في حقهم لذنوبهم كما لو قدر ~~أنه سار بهم في طريق يضرهم وعدل بهم عن طريق فيه الماء والمرعى لجهله لا ~~لتعمده مضرتهم أو أقام بهم في بلد غالي الأسعار مع امكان المقام ببلد آخر # وهذا لأن الناس كما قد يبتلون بمطاع يظلمهم ويقصد ظلمهم يبتلون أيضا ~~بمطاع يجهل مصلحتهم الشرعية والكونية فيكون جهل هذا من أسباب عقوبتهم كما ~~أن ظلم ذلك من أسباب مضرتهم فهؤلاء لم ترفع عنهم الآصار والأغلال لذنوبهم ~~ومعاصيهم وان كان الرسول ليس في شرعه آصار وأغلال فلهذا تسلط عليهم حكام ~~الجور والظلم وتساق PageV14P155 اليهم الأعداء وتقاد بسلاسل القهر والقدر ~~وذلك من الآصار والأغلال التى لم ترفع عنهم مع عقوبات لا تحصى وذلك لضعف ~~الطاعة في قلوبهم وتمكن المعاصي وحب الشهوات فيها فإذا قالوا @QB@ ربنا ولا ~~تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا @QE@ دخل فيه هذا # وأما قوله @QB@ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به @QE@ فعلى قولين # قيل هو من باب التحميل ms4403 القدري لا من باب التكليف الشرعي أي لا تبتلينا ~~بمصائب لا نطيق حملها كما يبتلى الانسان بفقر لا يطيقه أو مرض لا يطيقه أو ~~حدث أو خوف أو حب أو عشق لا يطيقه ويكون سبب ذلك ذنوبه # وهذا مما يبين أن الذنوب عواقبها مذمومة مطلقا # وقوله ( @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ و @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ قول حق وقال تعالى في قصة قوم لوط ~~@QB@ وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم @QE@ # فما من أحد يبتلى بجنس عملهم إلا ناله شيء من العذاب الأليم حتى تعمد ~~النظر يورث القلب علاقة يتعذب بها الانسان وان قويت حتى صارت غراما وعشقا ~~زاد العذاب الأليم سواء قدر أنه قادر على PageV14P156 المحبوب أو عاجز عنه ~~فإن كان عاجزا فهو في عذاب أليم من الحزن والهم والغم وأن كان قادرا فهو في ~~عذاب اليم من خوف فراقه ومن السعي في تأليفه وأسباب رضاه فإن نزل به الموت ~~أو افتقر تضاعف عليه العذاب وان صار إلى غيره استبدالا به أو مشاركة قوى ~~عذابه فإن هذا الجنس يحصل فيه من العذاب مالا يحصل في عشق البغايا وما يحصل ~~مثله في الحلال وان حصل في الحلال نوع عذاب كان أخف من نظيره وكان ذلك سبب ~~ذنوب أخرى # فإذا دعا الإنسان بهذا الدعاء يخص نفسه ويعم المسلمين فله من ذلك أعظم ~~نصيب كيف لا وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( الآيتان من آخر سورة ~~البقرة ما قرأ بهما أحد في ليلة الا كفتاه ( وكيف لا تكفيانه وما دعا به من ~~ذلك لم يحصل له إلا ما حصل لسائر المؤمنين الذين لم يقرءوهما فإن الداعي ~~بهذا الدعاء له منه نصيب يخصه كسائر الأدعية # ومما يبين ذلك أن الصحابة إنما استجيب لهم هذا الدعاء لما التزموا الطاعة ~~لله مطلقا بقولهم @QB@ سمعنا وأطعنا @QE@ ثم أنزل هذا الدعاء فدعوا به ~~فاستجيب لهم # ولهذا كانوا في الحنيفية السمحة على عهد رسول الله صلى الله PageV14P157 ~~عليه وسلم ms4404 وكانوا فيها على عهد أبى بكر خيرا مما كانوا فيها على عهد عمر ~~فلما كانوا في زمن عمر حدث من بعضهم ذنوب أوجبت اجتهاد الإمام في نوع من ~~التشديد عليهم كمنعهم من متعة الحج وكايقاع الثلاث إذا قالوها بكلمة ~~وكتغليظ العقوبة في الخمر وكان أطوعهم لله وأزهدهم مثل أبي عبيدة ينقاد له ~~عمر مالا ينقاد لغيره وخفي عليهم بعض مسائل الفرائض وغيرها حتى تنازعوا ~~فيها وهم مؤتلفون متحابون كل منهم يقر الآخر على اجتهاده # فلما كان في آخر خلافة ( عثمان ( زاد التغير والتوسع في الدنيا وحدثت ~~أنواع من الأعمال لم تكن على عهد عمر فحصل بين بعض القلوب تنافر حتى قتل ~~عثمان فصاروا في فتنة عظيمة قد قال تعالى ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة ) أي هذه الفتنة لا تصيب الظالم فقط بل تصيب الظالم ~~والساكت عن نهيه عن الظلم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ان الناس إذا ~~رأوا المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه ( # وصار ذلك سببا لمنعهم كثيرا من الطيبات وصاروا يختصمون في متعة الحج ~~ونحوها مما لم تكن فيه خصومة على عهد عمر فطائفة تمنع المتعة مطلقا كإبن ~~الزبير وطائفة تمنع الفسخ كبني أمية وأكثر الناس وصاروا يعاقبون من تمتع ~~وطائفة أخرى توجب المتعة وكل منهم لا PageV14P158 يقصد مخالفة الرسول بل ~~خفي عليهم العلم وكان ذلك سببه ما حدث من الذنوب كما قال صلى الله عليه ~~وسلم ( خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحا رجلان فرفعت ولعل ذلك أن يكون خيرا ~~لكم ( أي قد يكون اخفاؤها خيرا لكم لتجتهدوا في ليالي العشر كلها فإنه قد ~~يكون اخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس # والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم ~~ولهذا صنف رجل كتابا سماه ( كتاب الاختلاف ( فقال أحمد سمه ( كتاب السعة ( ~~وان الحق في نفس الأمر واحد وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ~~ظهوره من الشدة عليه ويكون من ms4405 باب قوله تعالى @QB@ لا تسألوا عن أشياء إن ~~تبد لكم تسؤكم @QE@ # وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب قد يكون في نفس الأمر مغصوبا ~~فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله له حلالا لا إثم عليه فيه بحال بخلاف ما ~~إذا علم فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة كما أن خفاء العلم بما ~~يوجب الرخصة قد يكون عقوبة كما أن رفع الشك قد يكون رحمة وقد يكون عقوبة ~~والرخصة رحمه وقد يكون مكروه النفس أنفع كما في الجهاد ( وعسى PageV14P159 ~~ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) # والمقصود هنا أن من الذنوب ما يكون سببا لخفاء العلم النافع أو بعضه بل ~~يكون سببا لنسيان ما علم ولاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن بسبب ذلك والله ~~سبحانه كان أسكن آدم وزوجه الجنة وقال لهما @QB@ وكلا منها رغدا حيث شئتما ~~ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما ~~مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو @QE@ فكل عداوة كانت في ذريتهما ~~وبلاء ومكروه وتكون إلى قيام الساعة وفى النار يوم القيامة سببها الذنوب ~~ومعصية الرب تعالى # فالإنسان إذا كان مقيما على طاعة الله باطنا وظاهرا كان في نعيم الإيمان ~~والعلم وارد عليه من جهاته وهو في جنة الدنيا كما في الحديث ( إذا مررتم ~~برياض الجنة فارتعوا قيل وما رياض الجنة قال مجالس الذكر ( وقال ( ما بين ~~بيتى ومنبري روضة من رياض الجنة ) فإنه كان يكون هنا في رياض العلم ~~والإيمان # وكلما كان قلبه في محبة الله وذكره وطاعته كان معلقا بالمحل الأعلى ~~PageV14P160 فلا يزال في علو ما دام كذلك فإذا أذنب هبط قلبه إلى أسفل فلا ~~يزال في هبوط مادام كذلك ووقعت بينه وبين أمثاله عداوة فإن أراد الله به ~~خيرا ثاب وعمل في حال هبوط قلبه إلى أن يستقيم فيصعد قلبه قال تعالى @QB@ ~~لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم @QE@ فتقوى القلوب ~~هي التى تنال الله كما قال ms4406 ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ~~فأما الأمور المنفصلة عنا من اللحوم والدماء فإنها لا تنال الله # والباطنية ( المنكرون لخلق العالم في ستة أيام ومعاد الأبدان الذين ~~يجعلون للقرآن تأويلا يوافق قولهم عندهم ماثم ( جنة ( الا لذة ما تتصف بها ~~النفس من العلم والأخلاق الحميدة وما ثم ( نار ) إلا ألم ما تتصف به النفس ~~من الجهل والاخلاق الذميمة السيئة فنار النفوس ألمها القائم بها كحسراتها ~~لفوات العلم أو لفوات الدنيا المحبوبة لها وحجبها إنما هي ذنوبها وهذا ~~الكلام مما يذكره أبو حامد في ( المظنون به على غير أهله ( لكن قد يقول هذا ~~ليس هو عذاب القبر المذكور في الأجسام بل ذاك أمر آخر مما بينه أهل السنة ~~ولا نعيم عندهم إلا ما يقوم بالنفس من هذا ولهذا ليس عندهم نعيم منفصل عن ~~النفس ولا عذاب PageV14P161 # وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا فإن الناس في الدنيا يثابون ~~ويعاقبون بأمور منفصلة عنهم فكيف في دار الجزاء ولكن الذي أثبتوه من هذا ~~وهذا ( منه ) ما هو حق ولكن الباطل جحدهم ما جحدوه مما أخبر الله به ورسوله ~~فهؤلاء عندهم أن آدم لم يكن إلا في جنة العلم وهبوطه انخفاض درجته في العلم ~~وهذا كذب ولكن ما أثبتوه من الحق حق وقصة آدم تدل عليه بطريق الاعتبار الذي ~~تسميه الصوفية الاشارة لا أنه هو المراد بالآية لكن قد دل عليه آيات أخر ~~تدل على أن من كذب بالحق عوقب بإن يطبع على قلبه فلا يفهم العلم أو لا يفهم ~~المراد منه وأنه يسلط عليه عدوه ويجد ذلا كما قال تعالى عن اليهود ( وضربت ~~عليهم الذلة والمسكنة ) ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) # ولا ريب أن لذة العلم أعظم اللذات و ( اللذة ( التى تبقى بعد الموت وتنفع ~~في الآخرة هي لذة العلم بالله والعمل له وهو الإيمان به وهم يجعلون ذلك ~~الوجود المطلق # وأيضا فنفس العلم به إن لم يكن معه حب له وعبادة له بل كان مع حب لغيره ~~كائنا من كان فإن ms4407 عذاب هذا قد يكون من أعظم العذاب في الدنيا والآخرة وهم ~~لايجعلون كمال اللذة الا في نفس العلم PageV14P162 و ( أيضا ( فاقتصارهم ~~على اللذة العقلية خطأ والنصارى زادوا عليهم السمع والشم فقالوا يتمتعون ~~بالأرواح المتعشقة والنغمات المطربة ولم يثبتوا هم ولا اليهود الأكل والشرب ~~ولا النكاح وهي لذة اللمس والمسلمون أثبتوا جميع أنواع اللذات سمعا وبصرا ~~وشما وذوقا ولمسا للروح والبدن جميعا وكان هذا هو الكمال لا ما يثبته أهل ~~الكتاب ومن هو شر منهم من الفلاسفة الباطنية وأعظم لذات الآخرة لذة النظر ~~إلى الله سبحانه كما في الحديث الصحيح ( فما أعطاهم شيئا أحب اليهم من ~~النظر إليه ( وهو ثمرة معرفته وعبادته في الدنيا فأطيب ما في الدنيا معرفته ~~وأطيب مافي الآخرة النظر إليه سبحانه ولهذا كان التجلي يوم الجمعة في ~~الآخرة على مقدار صلاة الجمعة في الدنيا # وأبو حامد يذكر في كتبه هو وأمثاله ( الرؤية ( وأنها أفضل أنواع النعيم ~~ويذكر كشف الحجب وأنهم يرون وجه الله ولكن هذا كله يريد به ما تقوله ~~الجهمية والفلاسفة فإن ( الرؤية ( عندهم ليست الا العلم لكن كما أن الإنسان ~~قد يرى الشيء بعينيه وقد يمثل له خياله اذا غاب عنه فهكذا العلم ففي الدنيا ~~ليس عندهم من العلم إلا مثال كالخيال في الحساب وفى الآخرة يعلمونه بلا ~~مثال وهو عندهم ( وجود لا داخل العالم ولا خارجه ( و ( كشف الحجاب ~~PageV14P163 عندهم رفع المانع الذي في الإنسان من الرؤية وهو أمر عدمي ~~فحقيقته جعل العبد عالما وهذا كله مما تقول به الفلاسفة والباطنية # وهؤلاء إنما يأمرون بالزهد في الدنيا لينقطع تعلق النفس بها وقت ( فراق ) ~~النفس فلا تبقى النفس مفارقة لشيء يحبه لكن أبو حامد لا يبيح محظورات الشرع ~~قط بل يقول قتل واحد من هؤلاء خير من قتل عدد كثير من الكفار # وأما هؤلاء فالواصل عندهم إلى العلم المطلوب قد يبيحون له محظورات ~~الشرائع حتى الفواحش والخمر وغيرها إذا كانوا ممن يعتقد تحريم الخمر والا ~~فغالب هؤلاء لا يوجبون شريعة الإسلام بل يجوزون التهود والتنصر ms4408 وكل من كان ~~من هؤلاء واصلا إلى علمهم فهو سعيد # وهكذا تقول الاتحادية منهم كابن سبعين وإبن هود والتلمساني ونحوهم ~~ويدخلون مع النصارى بيعهم ويصلون معهم إلى الشرق ويشربون معهم ومع اليهود ~~الخمر ويميلون إلى دين النصارى أكثر من دين المسلمين لما فيه من اباحة ~~المحظورات ولأنهم أقرب إلى الاتحاد والحلول ولأنهم أجهل فيقبلون ما يقولونه ~~أعظم من قبولهم لقول المسلمين وعلماء النصارى جهال إذا كان فيهم متفلسف ~~PageV14P164 عظموه وهؤلاء يتفلسفون # والواحد من هؤلاء يفرح إذا قيل له لست بمسلم ويحكي عن نفسه كما كان أحمد ~~المارديني وهو من أصحاب بن عربى يحكى عن نفسه أنه دخل إلى بعض ديارات ~~النصارى ليأخذ منهم ما يأكله هو ورفيقه فأخذ بعضهم يتكلم في المسلمين ويقول ~~يقولون كذا وكذا فقال له آخر لا تتكلم في المسلمين فهذا واحد منهم فقال ذلك ~~المتكلم هذا وجهه وجه مسلم أي ليس هذا بمسلم فصار يحكيها المارديني أن ~~النصراني قال عنه ليس هذا بمسلم ويفرح بقول النصراني ويصدقه فيما يقول أى ~~ليس هو بمسلم # والمتفلسفة يصرحون بهذا يقولون قلنا كذا وكذا وقال المسلمون كذا وكذا ~~وربما قالوا قلنا كذا وقال المليون أي أهل الملل من المسلمين واليهود ~~والنصارى وكتبهم مشحونة بهذا ولابد لأحدهم عند أهل الملل أن يكون على دينهم # لكن دخولهم في هذا كدخولهم في سياسة الملوك كما كانوا مع الترك الكفار ~~وكانوا مع ( هولاكو ( ملك المغول الكفار ومع ( القان ( الذي هو أكبر منه ~~خليفة ( جنكزخان ( ببلاد الخطا وانتساب الواحد منهم هناك إلى الإسلام ~~انتساب إلى إسلام يرضاه ذلك PageV14P165 الملك بحسب غرضه كما كان ( النصير ~~الطوسي ( وأمثاله مع ( هولاكو ( ملك الكفار وهو الذي أشار عليهم بقتل ~~الخليفة ببغداد لما استولى عليها وأخذ كتب الناس ملكها ووقفها وأخذ منها ما ~~يتعلق بغرضه وأفسد الباقي وبنى الرصد ووضعها فيه وكان يعطى من وقف المسلمين ~~لعلماء المشركين البخشية والطوينية ويعطى في رصده الفيلسوف والمنجم والطبيب ~~اضعاف ما يعطى الفقيه ويشرب هو وأصحابه الخمر في شهر رمضان ولا يصلون # وكذلك ms4409 كان بالشام ومصر طائفة مع تصوفهم وتألههم وتزهدهم يشرب أحدهم الخمر ~~في نهار رمضان وتارة يصلون وتارة لايصلون فإنهم لا يدينون بإيجاب واجبات ~~الإسلام وتحريم محرماته عليهم بل يقولون هذا للعامة والأنبياء وأما مثلنا ~~فلا يحتاج إلى الأنبياء ويحكون عن بعض الفلاسفة أنه قيل له قد بعث نبى فقال ~~لو كان الناس كلهم مثلي ما احتاجوا إلى نبى ومثل هذه الحكاية يحكيها من ~~يكون رئيس الأطباء ولا يعرف الزندقة ولا يدري مضمون هذه الكلمة ما هو لجهله ~~بالنبوات وقيل لرئيسهم الا كبر في زمن موسى عليه السلام الا تأتيه فتأخذ ~~عنه فقال نحن قوم مهديون فلا نحتاج إلى من يهدينا وأما ما ذكروه من حصول ~~اللذة في القلب والنعيم بالإيمان بالله PageV14P166 والمعرفة به فهو حق وهو ~~سبب دخول الجنة وقد قال صلى الله عليه وسلم ( إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب ~~الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ( وما ذاك إلا لأنه في شهر رمضان ~~تنبعث القلوب إلى الخير والأعمال الصالحة التى بها وبسببها تفتح أبواب ~~الجنة ويمتنع من الشرور التى بها تفتح أبواب النار وتصفد الشياطين فلا ~~يتمكنون أن يعملوا ما يعملونه في الافطار فإن المصفد هو المقيد لأنهم إنما ~~يتمكنون من بنى آدم بسبب الشهوات فإذا كفوا عن الشهوات صفدت الشياطين # والجنة والنار التى تفتح وتغلق غير ما في القلوب ولكن ما في القلوب سبب ~~له ودليل عليه وأثر من آثاره وقد قال تعالى @QB@ إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم ( ~~الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ( فقيل يأكلون ~~ويشربون ما سيصير نارا وقيل هو سبب النار والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV14P167 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو ) 1 # وقال شيخ الإسلام # أبو العباس تقي الدين إبن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه ! 8 < فصل # في قوله تعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ~~قائما بالقسط ms4410 لا إله إلا هو العزيز الحكيم ان الدين عند الله الاسلام ) قد ~~تنوعت عبارات المفسرين في لفظ ( شهد ) فقالت طائفة منهم مجاهد والفراء وأبو ~~عبيدة أى حكم وقضى وقالت طائفة منهم ثعلب والزجاج أي بين وقالت طائفة أي ~~أعلم وكذلك قالت طائفة معنى شهادة الله الاخبار والاعلام ومعنى شهادة ~~الملائكة والمؤمنين الاقرار وعن إبن عباس أنه شهد بنفسه لنفسه قبل أن يخلق ~~الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر فقال ( شهد الله أنه لا ~~إله الا هو ) # وكل هذه الأقوال PageV14P168 وما في معناها صحيحة وذلك أن الشهادة تتضمن ~~كلام الشاهد وقوله وخبره عما شهد به وهذا قد يكون مع أن الشاهد نفسه يتكلم ~~بذلك ويقوله ويذكره وإن لم يكن معلما به لغيره ولا مخبرا به لسواه فهذه أول ~~مراتب الشهادة # ثم قد يخبره ويعلمه بذلك فتكون الشهادة إعلاما لغيره وإخبارا له ومن أخبر ~~غيره بشيء فقد شهد به سواء كان بلفظ الشهادة أو لم يكن كما في قوله تعالى ~~@QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون @QE@ وقوله تعالى ( وما شهدنا الا بما علمنا ) الآية ففي ~~كلا الموضعين إنما أخبروا خبرا مجردا وقد قال ( واجتنبوا قول الزور حنفاء ~~لله غير مشركين به ) وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( عدلت ~~شهادة الزور الاشراك بالله ( قالها مرتين أو ثلاثا ثم تلا هذه الآية وإنما ~~في الآية @QB@ واجتنبوا قول الزور @QE@ ) وهذا يعم كل قول زور بأي لفظ كان ~~وعلى أي صفة وجد فلا يقوله العبد ولا يحضره ولا يسمعه من قول غيره و ( ~~الزور ( هو الباطل الذي قد ازور عن الحق والاستقامة أي تحول وقد سماه النبى ~~صلى الله عليه وسلم شهادة الزور وقد قال في المظاهرين من نسائهم ( وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول وزورا PageV14P169 # وفى الصحيحين عن بن عباس قال ( شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندى عمر أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع ms4411 الشمس وبعد ~~العصر حتى تغرب الشمس ( وهؤلاء حدثوه أنه نهى عن ذلك ولم يقولوا نشهد عندك ~~فإن الصحابة لم يكونوا يلتزمون هذا اللفظ في التحديث وان كان أحدهم قد ينطق ~~به ومنه قولهم في ماعز فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه النبى صلى الله ~~عليه وسلم ولفظه كان إقرارا ولم يقل أشهد # ومنه قوله تعالى @QB@ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم @QE@ ~~وشهادة المرء على نفسه هي إقراره وهذا لا يشترط فيه لفظ الشهادة باتفاق ~~العلماء وإنما تنازعوا في الشهادة عند الحكام هل يشترط فيها لفظ أشهد على ~~قولين في مذهب أحمد وكلام أحمد يقتضي أنه لا يعتبر ذلك وكذلك مذهب مالك و ( ~~الثاني ) يشترط ذلك كما يحكى عن مذهب أبى حنيفة والشافعي # و ( المقصود هنا ( الآية فالشهادة تضمنت مرتبتين # ( إحداهما ( تكلم الشاهد وقوله وذكره لما شهد في نفسه به # و ( الثانى ( إخباره واعلامه لغيره بما شهد به فمن قال PageV14P170 حكم ~~وقضى فهذا من باب اللازم فإن الحكم والقضاء هو الزام وأمر # ولا ريب أن الله ألزم الخلق التوحيد وأمرهم به وقضى به وحكم فقال @QB@ ~~وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ وقال @QB@ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ~~فاتقون @QE@ وقال @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما ~~هو إله واحد فإياي فارهبون @QE@ وقال @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء @QE@ وهذا كثير في القرآن يوجب على العباد ~~عبادته وتوحيده ويحرم عليهم عبادة ما سواه فقد حكم وقضى أنه لا إله الا هو # ولكن الكلام في دلالة لفظ الشهادة على ذلك وذلك أنه إذا شهد أنه لا إله ~~إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم أن ما سواه ليس باله فلا يعبد وأنه وحده الاله ~~الذى يستحق العبادة وهذا يتضمن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة ما سواه فإن ~~النفي والاثبات ms4412 في مثل هذا يتضمن الأمر والنهي كما إذا استفتى شخص شخصا ~~فقال له قائل هذا ليس بمفت هذا هو المفتى ففيه نهي عن استفتاء الأول وأمر ~~وإرشاد إلى استفتاء # الثانى PageV14P171 # وكذلك إذا تحاكم إلى غير حاكم أو طلب شيئا من غير ولي الأمر فقيل له ليس ~~هذا حاكما ولا هذا سلطانا هذا هو الحاكم وهذا هو السلطان فهذا النفي ~~والإثبات يتضمن الأمر والنهي وذلك أن الطالب إنما يطلب من عنده مراده ~~ومقصوده فإذا ظنه شخصا فقيل له ليس مرادك عنده وإنما مرادك عند هذا كان ~~أمرا له بطلب مراده عند هذا دون ذاك # والعابدون إنما مقصودهم أن يعبدوا من هو إله يستحق العبادة فإذا قيل لهم ~~كل ما سوى الله ليس باله إنما الإله هو الله وحده كان هذا نهيا لهم عن ~~عبادة ما سواه وأمرا بعبادته # و ( أيضا ( فلو لم يكن هناك طالب للعبادة فلفظ الاله يقتضي أنه يستحق ~~العبادة فإذا أخبر أنه هو المستحق للعبادة دون ما سواه كان ذلك أمرا بما ~~يستحقه # وليس المراد هنا ( بالاله ( من عبده عابد بلا استحقاق فإن هذه الآلهة ~~كثيرة ولكن تسميتهم آلهة والخبر عنهم بذلك واتخاذهم معبودين أمر باطل كما ~~قال تعالى @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان @QE@ وقال ( ذلك بأن الله هو الحق وانما يدعون من دونه هو الباطل ~~PageV14P172 # فالآلهة التى جعلها عابدوها آلهة يعبدونها كثيرة لكن هي لا تستحق العبادة ~~فليست بآلهة كمن جعل غيره شاهدا أو حاكما أو مفتيا أو أميرا وهو لايحسن ~~شيئا من ذلك # ولابد لكل إنسان من إله يألهه ويعبده ( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم ( ~~فإن بعض الناس قد أله ذلك محبة وذلا وتعظيما كما قد بسط في غير هذا الموضع ~~فإذا شهد الله أنه لا إله إلا هو فقد حكم وقضى بأن لا يعبد إلا إياه # و ( أيضا ( فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية فيقال للجمل ~~الخبرية قضية ويقال قد حكم فيها بثبوت هذا المعنى وانتفاء ms4413 هذا المعنى وكل ~~شاهد ومخبر هو حاكم بهذا الاعتبار قد حكم بثبوت ما أثبته ونفي مانفاه حكما ~~خبريا قد يتضمن حكما طلبيا ### ||| فصل # وشهادة # الرب وبيانه واعلامه يكون بقوله تارة وبفعله تارة # فالقول هو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه وأوحاه إلى عباده PageV14P173 ~~كما قال ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا ~~أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) إلى غير ذلك من الآيات # وقد علم بالتواتر والاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد ويشهد ~~أن لا إله إلا هو بقوله وكلامه وهذا معلوم من جهة كل من بلغ عنه كلامه ~~ولهذا قال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من ~~معي وذكر من قبلي @QE@ وأما شهادته بفعله فهو ما نصبه من الأدلة الدالة على ~~وحدانيته التى تعلم دلالتها بالعقل وإن لم يكن هناك خبر عن الله وهذا ~~يستعمل فيه لفظ الشهادة والدلالة والارشاد فإن الدليل ( يبين ) المدلول ~~عليه ويظهره فهو بمنزلة المخبر به الشاهد به كما قيل سل الأرض من فجر ~~أنهارها وغرس أشجارها وأخرج ثمارها وأحيا نباتها وأغطش ليلها وأوضح نهارها ~~فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا # وهو سبحانه شهد بما جعلها دالة عليه فإن دلالتها إنما هي بخلقه لها فإذا ~~كانت المخلوقات دالة على أنه لا إله إلا هو وهو سبحانه الذي جعلها دالة ~~عليه فإن دلالتها إنما هي بخلقه وبين ذلك فهو الشاهد المبين بها أنه لا إله ~~إلا هو وهذه الشهادة الفعلية ذكرها طائفة قال بن كيسان ( شهد الله ) ~~بتدبيره العجيب وأموره PageV14P174 المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو ### ||| فصل # وقوله ( قائما بالقسط ) هو نصب على الحال وفيه وجهان # قيل هو حال من ( شهد ) أي شهد قائما بالقسط # وقيل من ( هو ) أي لا إله إلا هو قائما بالقسط كما يقال لا إله إلا هو ~~وحده وكلا المعنيين صحيح # وقوله ( قائما بالقسط ) يجوز أن يعمل فيه كلا العاملين على مذهب الكوفيين ~~في أن المعمول ms4414 الواحد يعمل فيه عاملان كما قالوا في قوله ( هاؤم اقرؤوا ~~كتابيه ) ( آتوني افرغ عليه قطرا ) و ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) ونحو ~~ذلك وسيبويه وأصحابه يجعلون لكل عامل معمولا ويقولون حذف معمول أحدهما ~~لدلالة الآخر عليه وقول الكوفيين أرجح كما قد بسطته في غير هذا الموضع # وعلى المذهبين فقوله ( بالقسط ) يخرج على هذا إما كونه يشهد قائما بالقسط ~~فإن القائم بالقسط هو القائم بالعدل كما في قوله PageV14P175 كونوا قوامين ~~بالقسط ) فالقيام بالقسط يكون في القول وهو القول العدل ويكون في الفعل ~~فإذا قيل شهد ( قائما بالقسط ) أي متكلما بالعدل مخبرا به آمرا به كان هذا ~~تحقيقا لكون الشهادة شهادة عدل وقسط وهى أعدل من كل شهادة كما أن الشرك ~~أظلم من كل ظلم وهذه الشهادة أعظم الشهادات # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية ما يوافق ذلك فذكر إبن السائب أن حبرين ~~من أحبار الشام قدما على النبى صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال ~~أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبى الذي يخرج في آخر ~~الزمان فلما دخلا على النبى صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة فقالا أنت ~~محمد قال نعم قالا وأحمد قال نعم قالا نسألك عن شهادة فإن اخبرتنا بها آمنا ~~بك فقال سلاني فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت هذه الآية # ولفظ ( القيام بالقسط ( كما يتناول القول يتناول العمل فيكون التقدير ~~يشهد وهو قائل بالقسط عامل به لا بالظلم فإن هذه الشهادة تضمنت قولا وعملا ~~فانها تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده فيعبد وأن غيره لايستحق ~~العبادة وأن الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء وأن المشركين به في ~~النار فإذا شهد قائما بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة وجزاء ~~PageV14P176 المشركين بالنار كان هذا من تمام تحقيق موجب هذه الشهادة وكان ~~قوله ( قائما بالقسط ) تنبيها على جزاء المخلصين والمشركين كما في قوله ( ~~أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) # قال طائفة من المفسرين منهم البغوي نظم الآية @QB@ شهد الله @QE@ @QB@ ~~قائما ms4415 بالقسط @QE@ ومعنى قوله @QB@ قائما بالقسط @QE@ أي بتدبير الخلق كما ~~يقال فلان قائم بأمر فلان أي يدبره ويتعاهد أسبابه وقائم بحق فلان أي مجاز ~~له فالله تعالى مدبر رزاق مجاز بالأعمال # وإذا اعتبر القسط في الالهية كان المعنى ( لا إله إلا هو قائما بالقسط ( ~~أي هو وحده الاله قائما بالقسط فيكون وحده مستحقا للعبادة مع كونه قائما ~~بالقسط كما يقال أشهد أن لا إله إلا الله إلها واحدا أحدا صمدا وهذا الوجه ~~أرجح فإنه يتضمن أن الملائكة وأولي العلم يشهدون له مع أنه لا إله إلا هو ~~وأنه قائم بالقسط و ( الوجه الأول ( لايدل على هذا ولأن كونه قائما بالقسط ~~كما شهد به أبلغ من كونه حال الشاهد وقيامة بالقسط يتضمن أنه يقول الصدق ~~ويعمل بالعدل كما قال ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) وقال هود @QB@ إن ربي ~~على صراط مستقيم @QE@ فأخبر أن الله على صراط مستقيم وهو العدل الذي لا عوج ~~فيه PageV14P177 # وقال @QB@ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط ~~مستقيم @QE@ وهو مثل ضربه الله لنفسه ولما يشرك به من الأوثان كما ذكر ذلك ~~في قوله @QB@ قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق @QE@ ~~الآية وقال @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق @QE@ الآيات إلى قوله @QB@ وما ~~يشعرون أيان يبعثون @QE@ فأخبر أنه خالق منعم عالم وما يدعون من دونه لا ~~تخلق شيئا ولا تنعم بشيء ولا تعلم شيئا وأخبر أنها ميتة فهل يستوى هذا وهذا ~~فكيف يعبدونها من دون الله مع هذا الفرق الذي لا فرق أعظم منه ولهذا كان ~~هذا أعظم الظلم والافك # ومن هذا الباب قوله تعالى قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله ~~خير أما يشركون فقوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لايقدر على شيء وهو كل ~~على مولاه أينما يوجهه لايأت بخير ms4416 هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم ) كلاهما مثل بين الله فيه أنه لا يستوي هو وما يشركون به كما ~~ذكر نظير ذلك في غير موضع وإن كان هذا الفرق معلوما بالضرورة لكل أحد لكن ~~المشركون مع اعترافهم بأن PageV14P178 آلهتهم مخلوقة مملوكة له يسوون بينه ~~وبينها في المحبة والدعاء والعبادة ونحوذلك # و ( المقصود هنا ( أن الرب سبحانه على صراط مستقيم وذلك بمنزلة قوله @QB@ ~~قائما بالقسط @QE@ فإن الاستقامة والاعتدال متلازمان فمن كان قوله وعمله ~~بالقسط كان مستقيما ومن كان قوله وعمله مستقيما كان قائما بالقسط # ولهذا أمرنا الله سبحانه أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وصراطهم هوالعدل ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط والصراط المستقيم هوالعمل بطاعته وترك معاصيه ~~فالمعاصي كلها ظلم مناقض للعدل مخالف للقيام بالقسط والعدل والله سبحانه ~~أعلم ### ||| فصل # ثم قال تعالى @QB@ لا إله إلا هو العزيز الحكيم @QE@ ذكر عن جعفر بن محمد ~~انه قال الأولى وصف وتوحيد والثانية رسم وتعليم أى قوله @QB@ لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم @QE@ ) ومعنى هذا أن الأولى هو PageV14P179 ذكر أن الله شهد ~~بها فقال ( شهد الله انه لا اله الا هو ) والتالى للقرآن انما يذكر أن الله ~~شهد بها هو والملائكة واولوا العلم وليس في ذلك شهادة من التالى نفسه بها ~~فذكرها الله مجردة ليقولها التالى فيكون التالى قد شهد بها أنه لا اله الا ~~هو فالأولى خبر عن الله بالتوحيد لنفسه بشهادته لنفسه وهذه خبر عن الله ~~بالتوحيد # وختمها بقوله @QB@ العزيز الحكيم @QE@ والعزة تتضمن القدرة والشدة ~~والامتناع والغلبة تقول العرب عز يعز بفتح العين اذا صلب وعز يعز بكسرها ~~اذا امتنع وعز يعز بضمها اذا غلب فهو سبحانه في نفسه قوى متين وهو منيع لا ~~ينال وهو غالب لا يغلب # والحكيم يتضمن حكمه وعلمه وحكمته فيما يقوله ويفعله فاذا امر بأمر كان ~~حسنا وإذا أخبر بخبر كان صدقا وإذا أراد خلق شيء كان صوابا فهو حكيم في ~~إراداته وافعاله واقواله ### ||| فصل ms4417 # وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة اصول شهادة ان لا اله الا الله وانه قائم ~~بالقسط وانه العزيز الحكيم فتضمنت وحدانيته المنافية PageV14P180 للشرك ~~وتضمنت عدله المنافى للظلم وتضمنت عزته وحكمته المنافية للذل والسفه وتضمنت ~~تنزيهه عن الشرك والظلم والسفه ففيها اثبات التوحيد واثبات العدل واثبات ~~الحكمة واثبات القدرة # والمعتزلة قد تحتج بها على ما يدعونه من التوحيد والعدل والحكمة ولا حجة ~~فيها لهم لكن فيها حجة عليهم وعلى خصومهم الجبرية أتباع الجهم بن صفوان ~~الذين يقولون كل ما يمكن فعله فهو عدل وينفون الحكمة فيقولون يفعل لا لحكمة ~~فلا حجة فيها لهم فانه اخبر انه لا اله الا هو وليس في ذلك نفى الصفات وهم ~~يسمون نفى الصفات توحيدا بل الاله هو المستحق للعبادة والعبادة لا تكون الا ~~مع محبة المعبود # والمشركون جعلوا لله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله ~~فدل ذلك على أن المؤمنين يحبون الله أعظم من محبة المشركين لأندادهم فعلم ~~أن الله محبوب لذاته ومن لم يقل بذلك لم يشهد في الحقيقة ان لا إله إلا هو # والجهمية والمعتزلة يقولون ان ذاته لا تحب فهم في الحقيقة منكرون الهيته ~~وهذا مبسوط في غير هذا الموضع PageV14P181 # وقيامه بالقسط مقرون بأنه لا اله الا هو فذكر ذلك على أنه لا يماثله أحد ~~في شيء من أموره والمعتزلة تجعل القسط منه مثل القسط من المخلوقين فما كان ~~عدلا من المخلوقين كان عدلا من الخالق وهذا تسوية منهم بين الخالق والمخلوق ~~وذلك قدح في انه لا إله إلا هو # والجهمية عندهم أى شيء أمكن وقوعه كان قسطا فيكون قوله ( قائما بالقسط ) ~~كلاما لا فائدة فيه ولا مدح فانه اذا كان كل مقدور قسطا كان المعنى انه ~~قائم بما يفعله والمعنى أنه فاعل لما يفعله وليس في هذا مدح ولا هو المفهوم ~~من كونه قائما بالقسط بل المفهوم منه أنه يقوم بالقسط لا بالظلم مع قدرته ~~عليه لكنه سبحانه مقدس منزه ان يظلم احدا كما قال @QB@ ولا يظلم ربك أحدا ms4418 ~~@QE@ وقد أمر عباده ان يكونوا قوامين بالقسط وقال @QB@ أفمن هو قائم على كل ~~نفس بما كسبت @QE@ فهو يقوم عليها بكسبها لا بكسب غيرها وهذا من قيامه ~~بالقسط وقال @QB@ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا @QE@ ~~الاية # وايضا فمن قيامه بالقسط وقيامه على كل نفس بما كسبت انه لا يظلم مثقال ~~ذرة كما قال @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره @QE@ إلى اخرها PageV14P182 # والمعتزلة تحبط الحسنات العظيمة الكثيرة بكبيرة واحدة وتحبط ايمانه ~~وتوحيده بما هو دون ذلك من الذنوب وهذا مما تفردوا به من الظلم الذى نزه ~~الله نفسه عنه فهم ينسبون الله إلى الظلم لا إلى العدل والله أعلم ### ||| فصل # وقوله @QB@ وهو العزيز الحكيم @QE@ اثبات لعزته وحكمته وفيها رد على ~~الطائفتين الجبرية والقدرية فان الجبرية اتباع جهم ليس له عندهم في الحقيقة ~~حكمة ولهذا لما أرادت الأشعرية ان تفسر حكمته فسروها اما بالقدرة واما ~~بالعلم واما بالارادة ومعلوم أنه ليس في شيء من ذلك اثبات لحكمته فان ~~القادر والعالم والمريد قد يكون حكيما وقد لا يكون والحكمة أمر زائد على ~~ذلك وهم يقولون ان الله لا يفعل لحكمة ويقولون أيضا الفعل لغرض انما يكون ~~ممن ينتفع ويتضرر ويتألم ويلتذ وذلك ينفى عن الله # والمعتزلة اثبتوا انه يفعل لحكمة وسموا ذلك غرضا هم وطائفة PageV14P183 ~~من المثبتة لكن قالوا الحكمة امر منفصل عنه لا يقوم به كما قالوا في كلامه ~~وارادته فاستطال عليهم المجبرة بذلك فقالوا الحكيم من يفعل لحكمة تعود إلى ~~نفسه فان لم تعد إلى نفسه لم يكن حكيما بل كان سفيها # فيقال للمجبرة ما نفيتم به الحكمة هو بعينه حجة من نفى الارادة من ~~المتفلسفة ونحوهم قالوا الارادة لا تكون الا لمن ينتفع ويتضرر ويتألم ويلتذ ~~واثبات ارادة بدون هذا لا يعقل وأنتم تقولون نحن موافقون للسلف وسائر اهل ~~السنة على اثبات الارادة فما كان جوابا لكم عن هذا السؤال فهو جواب سائر ~~أهل السنة لكم حيث اثبتم ارادة بلا حكمة يراد الفعل لها وقد بسط هذا في ms4419 غير ~~هذا الموضع وبين ما في لفظ هذه الحجة من الكلمات المجملة والله أعلم ### ||| فصل # وإثبات شهادة أولي العلم يتضمن أن الشهادة له بالوحدانية يشهد بها له ~~غيره من المخلوقين الملائكة والبشر وهذا متفق عليه يشهدون أن لا إله إلا ~~الله ويشهدون بما شهد به لنفسه PageV14P184 # وزعم طائفة من الاتحادية أنه لا يوحد أحد الله وأنشدوا % ما وحد الواحد ~~من واحد % % إذ كل من وحده جاحد % وهؤلاء حقيقة قولهم من جنس قول النصارى ~~في المسيح يدعون أن حقيقة التوحيد أن يكون الموحد هوالموحد فيكون الحق ~~هوالناطق على لسان العبد والله الموحد لنفسه لا العبد وهذا في زعمهم هوالسر ~~الذي كان الحلاج يعتقده وهو بزعمهم قول خواص العارفين لكن لا يصرحون به # وحقيقة قولهم انهم اعتقدوا في عموم الصالحين ما اعتقدته النصارى في ~~المسيح لكن لم يمكنهم إظهاره فإن دين الاسلام يناقض ذلك مناقضة ظاهرة ~~فصاروا يشيرون إليه ويقولون إنه من السر المكتوم ومن علم الاسرار الغيبية ~~فلا يمكن ان يباح به وإنما هو قول ملحد وهو شر من قول النصارى فإن النصارى ~~إنما قالوا ذلك في المسيح لم يقولوه في جميع الصالحين # وقد بسط الكلام على ذلك في غير موضع إذ المقصود التنبيه على ما في هذه ~~الآية من أصول الايمان والتوحيد وإبطال قول المبتدعين PageV14P185 ### ||| فصل # وإذا كانت شهادة الله تتضمن بيانه للعباد ودلالته لهم وتعريفهم بما شهد ~~به لنفسه فلا بد أن يعرفهم أنه شهد فان هذه الشهادة أعظم الشهادات وإلا فلو ~~شهد شهادة لم يتمكن من العلم بها لم ينتفع بذلك ولم تقم عليهم حجة بتلك ~~الشهادة كما أن المخلوق إذا كانت عنده شهادة لم يبينها بل كتمها لم ينتفع ~~أحد بها ولم تقم بها حجة # ولهذا ذم سبحانه من كتم العلم الذي أنزله وما فيه من الشهادة كما قال ~~تعالى ( ومن اظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ) أي عنده شهادة من الله ~~وكتمها وهوالعلم الذي بينه الله فإنه خبر من الله وشهادة منه بما فيه # وقد ms4420 ذم من كتمه كما كتم بعض أهل الكتاب ماعندهم من الخبر والشهادة ~~لابراهيم وأهل بيته وكتموا إسلامهم وما عندهم من الأخبار بمثل ما أخبر به ~~محمد صلى الله عليه وسلم وبصفته وغير ذلك قال تعالى ( ان الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون ) وقال PageV14P186 تعالى @QB@ الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون @QE@ ~~والشهادة لابد فيها من علم الشاهد وصدقه وبيانه لايحصل مقصود الشهادة إلا ~~بهذه الأمور ولهذا ذم من يكتم ويحرف فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا ~~أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا @QE@ # وفى الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( البيعان ~~بالخيار مالم يتفرقا فأن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وان كذبا وكتما ~~محقت بركة بيعهما ### ||| فصل # وإذا كان لابد من بيان شهادته للعباد ليعلموا أنه قد شهد فهو قد بينها ~~بالطريقين بالسمع والبصر فالسميع يسمع آيات الله المتلوة المنزلة والبصير ~~يعاين آياته المخلوقة الفعلية وذلك أن شهادته تتضمن PageV14P187 بيانه ~~ودلالته للعباد وتعريفهم ذلك وذلك حاصل بآياته فان آياته هي دلالاته ~~وبراهينه التى بها يعرف العباد خبره وشهادته كما عرفهم بها أمره ونهيه وهو ~~عليم حكيم فخبره يتضمن أمره ونهيه وفعله يبين حكمته # فالأنبياء إذا أخبروا عنه بكلامه عرف بذلك شهادته وآياته القولية ولابد ~~أن يعرف صدق الأنبياء فيما أخبروا عنه وذلك قد عرفه بآياته التى أيد بها ~~الأنبياء ودل بها على صدقهم فإنه لم يبعث نبيا إلا بآية تبين صدقه إذ ~~تصديقه بمالا يدل على صدقه غير جائز كما قال @QB@ لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات @QE@ أي بالآيات البينات وقال @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر ms4421 وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ وقال ( قل قد ~~جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ) وقال ( فقد كذب رسل من قبلك ~~جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير ) # وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( ما من نبى من الأنبياء إلا وقد اوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر ~~وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي PageV14P188 فأرجو أن أكون ~~أكثرهم تابعا يوم القيامة ( # فالآيات والبراهين التى أرسل بها الرسل دلالات الله على صدقهم دل بها ~~العباد وهي شهادة الله بصدقهم فيما بلغوا عنه والذي بلغوه فيه شهادته لنفسه ~~فيما أخبر به ولهذا قال بعض النظار أن المعجزة تصديق الرسول وهي تجري مجرى ~~المرسل صدقت فهي تصديق بالفعل تجري مجرى التصديق بالقول إذ كان الناس ~~لايسمعون كلام الله المرسل منه وتصديقه إخبار بصدقه وشهادة له بالصدق ~~وشهادة له بأنه أرسله وشهادة له بأن كلما يبلغه عنه كلامه # وهو سبحانه إسمه المؤمن وهو في أحد التفسيرين المصدق الذي يصدق أنبياءه ~~فيما أخبروا عنه بالدلائل التى دل بها على صدقه # وأما الطريق العياني فهو أن يرى العباد من الآيات الافقية والنفسية ما ~~يبين لهم أن الوحي الذي بلغته الرسل عن الله حق كما قال تعالى ( سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على ~~كل شيء شهيد ) أي أولم يكف بشهادته المخبرة بما علمه وهوالوحي الذي أخبر به ~~الرسول فان الله على كل شيء شهيد وعليم به فاذا أخبر به وشهد كان ذلك كافيا ~~وان لم ير PageV14P189 المشهود به وشهادته قد علمت بالآيات التى دل بها على ~~صدق الرسول فالعالم بهذه الطريق لا يحتاج أن ينظر الآيات المشاهدة التى تدل ~~على أن القرآن حق بل قد يعلم ذلك بما علم به أن الرسول صادق فيما أخبر به ~~عن شهادة الله تعالى وكلامه # وكذلك ذكر الكتاب المنزل فقال @QB@ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ms4422 بالتي هي ~~أحسن إلا الذين ظلموا منهم @QE@ ) الآيات إلى قوله ( إلا الظالمون ) فبين ~~أن القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم فانه من أعظم الآيات ~~البينة الدالة على صدق من جاء به وقد اجتمع فيه من الآيات مالم يجتمع في ~~غيره فانه هوالدعوة والحجة وهوالدليل والمدلول عليه والحكم وهو الدعوى وهو ~~البينة على الدعوى وهو الشاهد والمشهود به # وقوله @QB@ في صدور الذين أوتوا العلم @QE@ سواء أريد به أنه بين في ~~صدورهم أوأنه محفوظ في صدورهم أوأريد به الأمران وهوالصواب فانه محفوظ في ~~صدور العلماء بين في صدورهم يعلمون أنه حق كما قال ( ويرى الذين أوتوا ~~العلم الذى أنزل اليك من ربك هوالحق ) وقال ( أفمن يعلم أنما أنزل اليك من ~~ربك هوالحق كمن هوأعمى ) ( وليعلم الذين أوتوا العلم انه الحق من ربك ~~PageV14P190 @QB@ فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا ~~إلى صراط مستقيم @QE@ # وقال تعالى @QB@ وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند ~~الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ~~إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما ~~في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون ~~@QE@ ) فيها بيان ما يوجب السعادة للمؤمنين وينجيهم من العذاب # ثم قال ( قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض ) ~~فانه إذا كان عالما بالأشياء كانت شهادته بعلم وقد بين شهادته بالآيات ~~الدالة على صدق الرسول ومنها القرآن والله أعلم ### ||| فصل # وأما كونه سبحانه صادقا فهذا معلوم بالفطرة الضرورية لكل أحد فان الكذب ~~من أبغض الصفات عند بني آدم فهو سبحانه منزه عن PageV14P191 ذلك وكل إنسان ~~محمود يتنزه عن ذلك فان كل أحد يذم الكذب فهو وصف ذم على الاطلاق # وأما عدم علم الانسان ببعض الاشياء فهذا من لوازم المخلوق ولا يحيط علما ~~بكل شيء إلا الله فلم يكن عدم العلم عند الناس نقصا كالكذب فلهذا يبين الرب ~~علمه بما ms4423 يشهد به وأنه أصدق حديثا من كل أحد وأحسن حكما وأصدق قيلا لأنه ~~سبحانه أحق بصفات الكمال من كل أحد ( وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~) وهو يقول الحق وهو يهدي السبيل وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته # و ( من عنده علم الكتاب ) وهم أهل الكتاب فهم يشهدون بما جاءت به ~~الأنبياء قبل محمد فيشهدون أنهم أتوا بمثل ما أتى به كالأمر بعبادة الله ~~وحده والنهي عن الشرك والاخبار بيوم القيامة والشرائع الكلية ويشهدون أيضا ~~بما في كتبهم من ذكر صفاته ورسالته وكتابه وهذان الطريقان بهما تثبت نبوة ~~النبى وهي الآيات والبراهين الدالة على صدقه أو شهادة نبى آخر قد علم صدقه ~~له بالنبوة # فذكر هذين النوعين بقوله @QB@ قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب @QE@ PageV14P192 فتلك يعلم بها صدقه بالنظر العقلى في آياته ~~وبراهينه وهذه يعلم بها صدقه بالخبر السمعي المنقول عن الأنبياء قبله # وكذلك قوله @QB@ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم @QE@ ~~فقوله @QB@ قل الله @QE@ فيها وجهان # قيل هو جواب السائل وقوله @QB@ شهيد @QE@ خبر مبتدا أي هو شهيد # وقيل هو مبتدا وقوله ( شهيد ) خبره فأغنى ذلك عن جواب الاستفهام و ( ~~الأول ( على قراءة من يقف على قوله ( قل الله ) و ( الثانى ( على قراءة من ~~لايقف وكلاهما صحيح لكن الثانى أحسن وهو أتم وكل أحد يعلم أن الله أكبر ~~شهادة فلما قال @QB@ قل أي شيء أكبر شهادة @QE@ علم أن الله أكبر شهادة من ~~كل شيء فقيل له ( قل الله شهيد بينى وبينكم ) ولما قال @QB@ الله شهيد بيني ~~وبينكم @QE@ كان في هذا ما يغني عن قوله أن الله أكبر شهادة وذلك أن كون ~~الله اكبر شهادة هو معلوم ولا يثبت بمجرد قوله اكبر شهادة PageV14P193 ~~بخلاف كونه شهيدا بينه وبينهم فان هذا مما يعلم بالنص والاستدلال فينظر هل ~~شهد الله بصدقه وكذبهم في تكذيبه أم شهد بكذبه وصدقهم في تكذيبه وإذا نظر ~~في ذلك علم أن الله شهد بصدقه وكذبهم بالنوعين من الآيات بكلامه الذي أنزله ~~وبما ms4424 بين أنه رسول صادق ولهذا أعقبه بقوله ( وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم ~~به ومن بلغ ) فإن هذا القرآن فيه الانذار وهو آية شهد بها أنه صادق ~~وبالآيات التى يظهرها في الآفاق وفى الأنفس حتى يتبين لهم أن القرآن حق ~~وقوله في هذه الآية @QB@ قل الله شهيد بيني وبينكم @QE@ وكذلك قوله @QB@ قل ~~كفى بالله شهيدا بيني وبينكم @QE@ وكذلك قوله @QB@ قل كفى بالله بيني ~~وبينكم شهيدا @QE@ وكذلك قوله @QB@ هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا ~~بيني وبينكم @QE@ فذكر سبحانه أنه شهيد بينه وبينهم ولم يقل شاهد علينا ولا ~~شاهد لي لأنه ضمن الشهادة الحكم فهو شهيد يحكم بشهادته بيني وبينكم والحكم ~~قدر زائد على مجرد الشهادة فان الشاهد قد يؤدي الشهادة وأما الحاكم فإنه ~~يحكم بالحق للمحق على المبطل ويأخذ حقه منه ويعامل المحق بما يستحقه ~~والمبطل بما يستحقه PageV14P194 # وهكذا شهادة الله بين الرسول ومتبعيه وبين مكذبيه فانها تتضمن حكم الله ~~للرسول وأتباعه يحكم بما يظهره من الآيات الدالة على صدق الرسول على أنها ~~الحق وتلك الآيات أنواع متعددة ويحكم له أيضا بالنجاة والنصر والتأييد ~~وسعادة الدنيا والآخرة ولمكذبيه بالهلاك والعذاب وشقاء الدنيا والآخرة كما ~~قال تعالى @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~@QE@ فيظهره بالدلائل والآيات العلمية التى تبين أنه حق ويظهره أيضا بنصره ~~وتأييده على مخالفيه ويكون منصورا كما قال تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد @QE@ فهذه شهادة حكم كما قدمنا ذلك في قوله @QB@ شهد الله ~~@QE@ # قال مجاهد والفراء وأبو عبيدة ( شهد الله ) أي حكم وقضى لكن الحكم في ~~قوله ( بيني وبينكم ) أظهر وقد يقول الانسان لآخر فلان شاهد بينى وبينك أي ~~يتحمل الشهادة بما بيننا فالله يشهد بما أنزله ويقوله وهذا مثل الشهادة على ~~أعمال العباد ولكن المكذبون ما كانوا ينكرون التكذيب ولا كانوا يتهمون ~~الرسول بأنه ينكر دعوى الرسالة فيكون الشهيد بتضمن الحكم أثبت وأشبه ~~بالقرآن والله أعلم PageV14P195 ### ||| فصل # وكذلك قوله @QB@ لكن ms4425 الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا @QE@ فان شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله ~~أنزله منه وأنه أنزله بعلمه فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ليس خبرا ~~عمن دونه وهذا كقوله @QB@ فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ~~@QE@ وليس معنى مجرد كونه أنزله أنه هو معلوم له فان جميع الأشياء معلومه ~~له وليس في ذلك مايدل على أنها حق لكن المعنى أنزله فيه علمه كما يقال فلان ~~يتكلم بعلم ويقول بعلم فهو سبحانه أنزله بعلمه كما قال ( قل أنزله الذي ~~يعلم السر في السماوات والأرض ) ولم يقل تكلم به بعلمه لأن ذلك لا يتضمن ~~نزوله إلى الأرض فإذا قال ( أنزله بعلمه ) تضمن أن القرآن المنزل إلى الأرض ~~فيه علم الله كما قال ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) وذلك يتضمن ~~أنه كلام الله نفسه منه نزل ولم ينزل من عند غيره لأن غير الله لا يعلم ما ~~في نفس الله من العلم ونفسه هي ذاته PageV14P196 المقدسة إلا أن يعلمه الله ~~بذلك كما قال المسيح عليه السلام ( تعلم مافى نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك ~~أنت علام الغيوب ) وقالت الملائكة ( لا علم لنا إلا ماعلمتنا ) وقال ( ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) وقال ( فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ~~ارتضى من رسول ) فغيبه الذي اختص به لا يظهر عليه أحدا إلا من ارتضى من ~~رسول والملائكة لا يعلمون غيب الرب الذي اختص به وأما ما أظهره لعباده فانه ~~يعلمه من شاء وما تتحدث به الملائكة فقد تسترق الشياطين بعضه لكن هذا ليس ~~من غيبه وعلم نفسه الذي يختص به بل هذا قد أظهر عليه من شاء من خلقه وهو ~~سبحانه قال ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ) فشهد أنه أنزله ~~بعلمه بالآيات والبراهين التى تدل على أنه كلامه وأن الرسول صادق # وكذلك قال في هود @QB@ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ms4426 وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين @QE@ لما تحداهم بالاتيان بمثله في قوله @QB@ ~~فليأتوا بحديث مثله @QE@ ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا عن ذا ~~وذاك ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا فان الخلائق لا يمكنهم أن يأتوا ~~بمثله ولا بسورة مثله وإذا كان PageV14P197 الخلق كلهم عاجزين عن الاتيان ~~بسورة مثله ومحمد منهم علم أنه منزل من الله نزله بعلمه لم ينزله بعلم ~~مخلوق فما فيه من الخبر فهو خبر عن علم الله # وقوله @QB@ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض @QE@ لأن فيه ( ~~من ) الأسرار التى لايعلمها الا الله ما يدل على أن الله أنزله فذكره ذلك ~~يستدل به تارة على أنه حق منزل من الله لكن تضمن من الاخبار عن أسرار ~~السماوات والأرض والدنيا والأولين والآخرين وسر الغيب مالا يعلمه الا الله ~~فمن هنا نستدل بعلمنا بصدق أخباره أنه من الله # وإذا ثبت أنه أنزله بعلمه تعالى استدللنا بذلك على أن خبره حق وإذا كان ~~خبرا بعلم الله فما فيه من الخبر يستدل به عن الأنبياء وأممهم وتارة عن يوم ~~القيامة وما فيها والخبر الذي يستدل به لابد أن نعلم صحته من غير جهته وذلك ~~كاخباره بالمستقبلات فوقعت كما أخبر وكأخباره بالأمم الماضية بما يوافق ~~ماعند أهل الكتاب من غير تعلم منهم وإخباره بأمور هي سر عند أصحابها كما ~~قال @QB@ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا @QE@ إلى قوله @QB@ نبأني ~~العليم الخبير @QE@ فقوله @QB@ أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ~~@QE@ استدلال باخباره ولهذا ذكره تكذيبا لمن قال هو @QB@ إفك افتراه وأعانه ~~عليه قوم آخرون @QE@ PageV14P198 وقوله @QB@ أنزله @QE@ استدلال على أنه حق ~~وأن الخبر الذي فيه عن الله حق ولهذا ذكر ذلك بعد ثبوت التحدي وظهور عجز ~~الخلق عن الاتيان بمثله ### ||| فصل # ومن شهادته ما يجعله في القلوب من العلم وما تنطق به الألسن من ذلك كما ~~في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا ~~فقال ( وجبت وجبت ) ومر عليه ms4427 بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال ( وجبت وجبت ( ~~قالوا يارسول الله ما قولك وجبت وجبت قال ( هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا ~~فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار ~~أنتم شهداء الله في الأرض فقوله @QB@ شهداء لله @QE@ أضافهم إلى الله تعالى # والشهادة تضاف تارة إلى من يشهد له وإلى من يشهد عنده فتقبل شهادته كما ~~يقال شهود القاضي وشهود السلطان ونحو ذلك من الذين تقبل شهادتهم وقد يدخل ~~في ذلك من يشهد عليه بما تحمله PageV14P199 من الشهادة ليؤديها عند غيره ~~كالذين يشهد الناس عليهم بعقودهم أو أقاريرهم # فشهداء الله الذين يشهدون له بما جعله وفعله ويؤدون الشهادة عنه فانهم ~~إذا رأوا من جعله الله برا تقيا يشهدون أن الله جعله كذلك ويؤدون عنه ~~الشهادة فهم شهداء الله في الأرض وهو سبحانه الذي أشهدهم بأن جعلهم يعلمون ~~ما يشهدون به وينطقون به وإعلامه لهم بذلك هو شهادة منه بذلك فهذا أيضا من ~~شهادته # وقد قال تعالى @QB@ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ وفسر ~~النبى صلى الله عليه وسلم البشرى بالرؤيا الصالحة وفسرها بثناء الناس ~~وحمدهم والبشرى خبر بما يسر والخبر شهادة بالبشرى من شهادة الله تعالى ~~والله سبحانه أعلم PageV14P200 ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوله تعالى @QB@ ومن دخله كان آمنا @QE@ # المراد به أمنه عند الموت من الكفر عند عرض الأديان أم المراد به إذا ~~أحدث حدثا لا يقتص منه ما دام في الحرم ### ||||| فأجاب # التفسير المعروف في أن الله جعل الحرم بلدا آمنا قدرا وشرعا فكانوا ~~في الجاهلية يسفك بعضهم دماء بعض خارج الحرم فاذا دخلوا الحرم أو لقي الرجل ~~قاتل أبيه لم يهجروا حرمته ففي الاسلام كذلك وأشد # لكن لو أصاب الرجل حدا خارج الحرم ثم لجأ إليه فهل يكون آمنا لا يقام ~~عليه الحد فيه أم لا فيه نزاع واكثر السلف على أنه يكون آمنا كما نقل عن بن ~~عمر وبن عباس وغيرهما وهو مذهب أبي حنيفة والامام أحمد بن حنبل وغيرهما # وقد استدلوا بهذه ms4428 الآية وبقول النبى صلى الله عليه وسلم ( ان الله ~~PageV14P201 حرم مكة يوم خلق الله السماوات والأرض وانها لم تحل لأحد قبلي ~~ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها فان أحد ~~ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إنما أحلها الله لرسوله ~~ولم يحلها لك ( # ومعلوم أن الرسول إنما أبيح له فيها دم من كان مباحا في الحل وقد بين ان ~~ذلك أبيح له دون غيره # والمراد بقوله ( ومن دخله ) الحرم كله # وأما عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض ومن لم يحج خيف ~~عليه الموت على غير الاسلام كما جاء في الحديث ( من ملك زادا وراحلة تبلغه ~~إلى بيت الله ثم لم يحج فليمت ان شاء يهوديا أو نصرانيا ( والله أعلم ~~PageV14P202 # وللشيخ رحمه الله # في قوله تعالى @QB@ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ~~إن كنتم مؤمنين @QE@ هذا هو الصواب الذي عليه جمهور المفسرين كابن عباس ~~وسعيد بن جبير وعكرمة والنخعي وأهل اللغة كالفراء وبن قتيبة والزجاج وبن ~~الأنباري وعبارة الفراء يخوفكم بأوليائه كما قال @QB@ لينذر بأسا شديدا من ~~لدنه @QE@ ببأس شديد وقوله @QB@ لينذر يوم التلاق @QE@ وعبارة الزجاج ~~يخوفكم من أوليائه # قال بن الأنباري والذي نختاره في الآية يخوفكم أولياءه تقول العرب أعطيت ~~الأموال أي أعطيت القوم الأموال فيحذفون المفعول الأول ويقتصرون على ذكر ~~الثاني وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفا مطلقا ليس له في تخويف ~~ناس بناس ضرورة فحذف الأول ليس مقصودا وهذا يسمى حذف اختصار كما يقال فلان ~~يعطى الأموال والدراهم # وقد قال بعض المفسرين يخوف أولياءه المنافقين ونقل هذا PageV14P203 عن ~~الحسن والسدى وهذا له وجه سنذكره لكن الأول أظهر لأن الآية إنما نزلت بسبب ~~تخويفهم من الكفار كما قال قبلها @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا @QE@ الآيات ثم قال @QB@ فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين @QE@ فهي انما نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس وقد ~~قال @QB@ يخوف أولياءه @QE@ ثم ms4429 قال @QB@ فلا تخافوهم @QE@ والضمير عائد إلى ~~أولياء الشيطان الذين قال فيهم @QB@ فاخشوهم @QE@ قبلها واما ذلك القول ~~فالذي قاله فسرها من جهة المعنى وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه ~~بالمؤمنين لأن سلطانه على أوليائه بخوف يدخل عليهم المخاوف دائما فالمخاوف ~~منصبة اليهم محيطة بقولهم وان كانوا ذوي هيئات وعدد وعدد فلا تخافوهم # وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوفهم الكفار أو انهم أرادوا ~~المفعول الأول أي يخوف المنافقين أولياءه والا فهو يخوف الكفار كما يخوف ~~المنافقين ولو أنه أريد أنه يخوف أولياءه أي يجعلهم خائفين لم يكن للضمير ~~ما يعود عليه وهو قوله @QB@ فلا تخافوهم @QE@ # وأيضا فهذا فيه نظر فان الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم كما قال PageV14P204 ~~تعالى @QB@ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم @QE@ وقال تعالى @QB@ يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا @QE@ # ولكن الكفار يلقي الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين والشيطان لا يختار ~~ذلك قال تعالى @QB@ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله @QE@ وقال @QB@ إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب @QE@ وقال @QB@ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا ~~بالله @QE@ وفي حديث قرطبة أن جبريل قال اني ذاهب اليهم فمزلزل بهم الحصن ~~فتخويف الكفار والمنافقين وارعابهم هو من الله نصرة للمؤمنين # ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا ~~الاسلام فهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين وإنما يخاف من الكفار ~~المنافقون بتخويف الشيطان لهم كما قال تعالى ( ويحلفون بالله انهم لمنكم ~~وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ) وقال تعالى ( فاذا جاء الخوف رأيتهم ~~ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ) الآيات إلى قوله ( ~~يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسألون عن أنبائكم ) فكلا القولين صحيح من ~~حيث المعنى لكن لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين كما ~~دل عليه سياق PageV14P205 الآية ولفظها والله أعلم # وإذا جعلهم الشيطان مخوفين فانما يخافهم من خوفه ms4430 الشيطان منهم فجعله ~~خائفا # فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين ويجعل ناسا خائفين منهم ~~ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان ولا يخاف ~~الناس كما قال تعالى @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ بل يجب عليه أن يخاف ~~الله فخوف الله أمر به وخوف الشيطان وأوليائه نهى عنه وقال تعالى @QB@ لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني @QE@ فنهى ~~عن خشية الظالم وأمر بخشيته والذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون ~~أحدا إلا الله وقال @QB@ وإياي فارهبون @QE@ وبعض الناس يقول يارب اني ~~أخافك وأخاف من لا يخافك وهذا كلام ساقط لا يجوز بل على العبد أن يخاف الله ~~وحده ولا يخاف أحدا لا من يخاف الله ولا من لا يخاف الله فان من لا يخاف ~~الله أخس وأذل أن يخاف فانه ظالم وهو من أولياء الشيطان فالخوف منه قد نهى ~~الله عنه والله أعلم PageV14P206 # وقال شيخ الاسلام # في الكلام على قوله تعالى @QB@ ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما @QE@ فذكر ما يتعلق بشهوات الآدميين من سائر ما تشتهيه أنفسهم ~~حتى النساء والمردان وقال العبد يجب عليه إذا وقع في شيء من ذلك أن يجاهد ~~نفسه وهواه وتكون مجاهدته لله تعالى وحده # ثم قال وميل النفس إلى النساء عام في طبع جميع بني آدم وقد يبتلي كثير ~~منهم بالميل إلى الذكران كالمردان وان لم يكن يفعل الفاحشة الكبرى كان بما ~~هو دون ذلك من المباشرة وان لم تكن كان بالنظر ويحصل للنفس بذلك ما هو ~~معروف عند الناس # وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه فإذا ابتلى المسلم ببعض ذلك ~~كان عليه أن يجاهد نفسه في طاعة الله تعالى وهو مأمور بهذا الجهاد وليس هو ~~أمرا حرمه على نفسه فيكون في طاعة نفسه وهواه بل هو أمر حرمة الله ورسوله ~~ولا حيلة فيه فتكون المجاهدة للنفس في طاعة الله ورسوله PageV14P207 # وفي حديث أبى يحيى القتات عن مجاهد عن بن ms4431 عباس مرفوعا ( من عشق فعف وكتم ~~وصبر ثم مات فهو شهيد ( وأبو يحيى في حديثه نظر لكن المعنى الذي ذكر فيه دل ~~عليه الكتاب والسنة فان الله أمره بالتقوى والصبر فمن التقوى أن يعف عن كل ~~ما حرم الله من نظر بعين ومن لفظ بلسان ومن حركة بيد ورجل والصبر أن يصبر ~~عن شكوى به إلى غير الله فان هذا هو الصبر الجميل # وأما الكتمان فيراد به شيئان # ( أحدهما ( أن يكتم بثه وألمه ولا يشكو إلى غير الله فمتى شكى إلى غير ~~الله نقص صبره وهذا أعلى الكتمانين لكن هذا لا يصبر عليه كل أحد بل كثير من ~~الناس يشكو ما به وهذا على وجهين فان شكى ذلك إلى طبيب يعرف طب النفوس ~~ليعالج نفسه بعلاج الايمان فهو بمنزلة المستفتى وهذا حسن وان شكى إلى من ~~يعينه على المحرم فهذا حرام وان شكا إلى غيره لما في الشكوى من الراحة كما ~~أن المصاب يشكي مصيبته إلى الناس من غير ان يقصد تعلم ما ينفعه ولا ~~الاستعانة على معصية فهذا ينقص صبره لكن لا يأثم مطلقا الا إذا اقترن به ما ~~يحرم كالمصاب الذي يتسخط # و ( الثاني ( ان يكتم ذلك فلا يتحدث به مع الناس لما في ذلك PageV14P208 ~~من إظهار السوء والفاحشة فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت وتشهت وتمنت ~~وتتيمت والانسان متى رأى أو سمع أو تخيل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعيا ~~له إلى الفعل والنساء متى رأين البهائم تنزوا الذكور منها على الاناث ملن ~~إلى الباءة والمجامعة والرجل إذا سمع من يفعل مع المردان والنساء أو رأى ~~ذلك أو تخيله في نفسه دعاه ذلك إلى الفعل وإذا ذكر الانسان طعاما اشتهاه ~~ومال إليه وان وصف له ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو غير ذلك مالت ~~نفسه إليه والغريب عن وطنه متى ذكر بالوطن حن إليه # فكلما كان في نفس الانسان محبته إذا تصوره تحركت المحبة والطلب إلى ذلك ~~المحبوب المطلوب إما إلى وصفه ms4432 وإما إلى مشاهدته وكلاهما يحصل به تخيل في ~~النفس وقد يحصل التخيل بالسماع والرؤية أو التفكر في بعض الأمور المتعلقة ~~به فاذا تخيلت النفس تلك الأمور المتعلقة انقلبت إلى تخيلة أخرى فتحركت ~~داعية المحبة سواء كانت المحبة محمودة أو مذمومة # ولهذا تتحرك النفوس إلى الحج اذا ذكر الحجاز وتتحرك بذكر الأبرق والأجرع ~~والعلى ونحو ذلك لأنه رأى تلك المنازل 2 لما كان ذاهبا إلى المحبوب فصار ~~ذكرها يذكر المحبوب وكذلك إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر به ~~وتحركت PageV14P209 # محبته فالمبتلى بالفاحشة والعشق إذا ذكر ما به لغيره تحركت النفوس إلى ~~جنس ذلك لأن النفوس مجبولة على حب الصور الجميلة فإذا تصورت جنس ذلك تحركت ~~إلى المحبوب ولهذا نهى الله عن إشاعة الفاحشة PageV14P210 ### |||| وسئل الشيخ رحمه الله # عن قوله تعالى @QB@ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع واضربوهن @QE@ وقوله تعالى @QB@ وإذا قيل انشزوا ~~فانشزوا @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ والله بما تعملون خبير @QE@ يبين لنا ~~شيخنا هذا النشوز من ذاك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين النشوز في قوله تعالى @QB@ تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع @QE@ هو أن تنشز عن زوجها فتنفر عنه بحيث لا ~~تطيعه إذا دعاها للفراش أو تخرج من منزله بغير اذنه ونحو ذلك مما فيه ~~امتناع عما يجب عليها من طاعته # وأما النشوز في قوله @QB@ وإذا قيل انشزوا فانشزوا @QE@ فهو النهوض ~~والقيام والارتفاع وأصل هذه المادة هو الارتفاع والغلظ ومنه النشز من الأرض ~~وهو المكان المرتفع الغليظ ومنه قوله تعالى ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ~~) أي نرفع بعضها إلى بعض ومن قرأ ( ننشرها ) أراد نحييها فسمى المرأة ~~العاصية ناشزا لما فيها من الغلظ والارتفاع عن طاعة زوجها وسمى النهوض ~~نشوزا لأن القاعد يرتفع عن الأرض والله أعلم PageV14P211 # وقال ### ||| فصل # قوله تعالى @QB@ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل @QE@ في النساء وفى الحديد أنه @QB@ لا يحب من كان ~~مختالا فخورا الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل @QE@ قد تؤولت في البخل ~~بالمال والمنع والبخل ms4433 بالعلم ونحوه وهي تعم البخل بكل ما ينفع في الدين ~~والدنيا من علم ومال وغير ذلك كما تأولوا قوله @QB@ ومما رزقناهم ينفقون ~~@QE@ النفقة من المال والنفقة من العلم وقال معاذ في العلم تعلمه لمن لا ~~يعلمه صدقه وقال أبو الدرداء ماتصدق رجل بصدقه أفضل من موعظة يعظ بها جماعة ~~فيتفرقون وقد نفعهم الله بها أو كما قال وفى الأثر نعمة العطية ونعمت ~~الهدية الكلمة من الخبر يسمعها الرجل ثم يهديها إلى أخ له أو كما قال # وهذه صدقة الأنبياء وورثتهم العلماء ولهذا كان الله وملائكته وحيتان ~~البحر وطير الهواء يصلون على معلم الناس الخير كما أن PageV14P212 كاتم ~~العلم يلعنه الله ويلعنه اللاعنون وبسط هذا كثير في فضل بيان العلم وذم ضده # والغرض هنا أن الله يبغض المختال الفخور البخيل به فالبخيل به الذي منعه ~~والمختال إما أن يختال فلا يطلبه ولا يقبله واما ان يختال على بعض الناس ~~فلا يبذله وهذا كثيرا ما يقع عند بعض الناس أنه يبخل بما عنده من العلم ~~ويختال به وأنه يختال عن أن يتعدى من غيره وضد ذلك التواضع في طلبه وبذله ~~والتكرم بذلك PageV14P213 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله ### ||| فصل # قد كتبنا في غير موضع الكلام على جمع الله تعالى بين الخيلاء والفخر وبين ~~البخل كما في قوله @QB@ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل @QE@ في النساء والحديد وضد ذلك الاعطاء والتقوى ~~المتضمنة للتواضع كما قال @QB@ فأما من أعطى واتقى @QE@ وقال @QB@ إن الله ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ وهذان الأصلان هما جماع الدين العام ~~كما يقال التعظيم لأمر الله والرحمة لعباد الله # فالتعظيم لأمر الله يكون بالخشوع والتواضع وذلك اصل التقوى والرحمة لعباد ~~الله بالاحسان إليهم وهذان هما حقيقة الصلاة والزكاة فان الصلاة متضمنة ~~للخشوع لله والعبودية له والتواضع له والذل له وذلك كله مضاد للخيلاء ~~والفخر والكبر والزكاة متضمنه لنفع الخلق والاحسان إليهم وذلك مضاد للبخل ~~PageV14P214 # ولهذا وغيره كثر القرآن بين الصلاة والزكاة في كتاب الله ms4434 # وقد ذكرنا فيما تقدم أن الصلاة بالمعنى العام تتضمن كل ما كان ذكرا لله ~~أو دعاء له كما قال عبد الله بن مسعود ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة ولو ~~كنت في السوق وهذا المعنى وهو دعاء الله أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره ~~على وجه الخشوع والخضوع هو حقيقة الصلاة الموجودة في جميع موارد اسم الصلاة ~~كصلاة القائم والقاعد والمضطجع والقارئ والأمي والناطق والأخرس وان تنوعت ~~حركاتها وألفاظها فإن اطلاق لفظ الصلاة على مواردها هو بالتواطئ المنافى ~~للاشتراك والمجاز وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # إذ من الناس من ادعى فيها الاشتراك ومنهم من ادعى المجاز بناء على كونها ~~منقولة من المعنى اللغوي أو مزيدة أو على غير ذلك وليس الأمر كذلك بل اسم ~~الجنس العام المتواطئ المطلق إذا دل على نوع أو عين كقولك هذا الانسان وهذا ~~الحيوان أو قولك هات الحيوان الذي عندك وهي غنم فهنا اللفظ قد دل على شيئين ~~على المعنى المشترك الموجود في جميع الموارد وعلى ما يختص به هذا النوع أو ~~العين فاللفظ المشترك الموجود في جميع التصاريف على القدر المشترك وما قرن ~~باللفظ من لام التعريف مثلا أو غيرها دل على الخصوص والتعيين وكما أن ~~المعنى الكلى المطلق لا وجود له في PageV14P215 الخارج فكذلك لا يوجد في ~~الاستعمال لفظ مطلق مجرد عن جميع الأمور المعينة # فان الكلام انما يفيد بعد العقد والتركيب وذلك تقييد وتخصيص كقولك اكرم ~~الانسان أو الانسان خير من الفرس ومثله قوله @QB@ أقم الصلاة @QE@ ونحو ذلك ~~ومن هنا غلط كثير من الناس في المعانى الكلية حيث ظنوا وجودها في الخارج ~~مجردة عن القيود وفي اللفظ المتواطئ حيث ظنوا تجرده في الاستعمال عن القيود ~~والتحقيق أنه لايوجد المعنى الكلي المطلق في الخارج إلا معينا مقيدا ولا ~~يوجد اللفظ الدال عليه في الاستعمال إلا مقيدا مخصصا وإذا قدر المعنى مجردا ~~كان محله الذهن وحينئذ يقدر له لفظ مجرد غير موجود في الاستعمال مجردا # و ( المقصود هنا ( أن اسم الصلاة فيه ms4435 عموم واطلاق ولكن لا يستعمل الا ~~مقرونا بقيد إنما يختص ببعض موارده كصلواتنا وصلاة الملائكة والصلاة من ~~الله سبحانه وتعالى وانما يغلط الناس في مثل هذا حيث يظنون أن صلاة هذا ~~الصنف مثل صلاة هذا مع علمهم بان هذا ليس مثل هذا فإذا لم يكن مثله لم يجب ~~أن تكون صلاته مثل صلاته وان كان بينهما قدر متشابه كما قد حققنا هذا في ~~الرد على الاتحادية والجهمية والمتفلسفة ونحوهم PageV14P216 ومن هذا الباب ~~اسماء الله وصفاته التى يسمى ويوصف العباد بما يشبهها كالحى والعليم ~~والقدير ونحو ذلك # وكذلك اسم الزكاة هو بالمعنى العام كما في الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال كل معروف صدقة ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( على كل مسلم صدقة ( وأما الزكاة المالية المفروضة ~~فانما تجب على بعض المسلمين في بعض الأوقات والزكاة المقارنة للصلاة ~~تشاركها في أن كل مسلم عليه صدقة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم قالوا ~~فان لم يجد قال يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق قالوا فان لم يستطع قال يعين ~~صانعا أو يصنع لأخرق قالوا فان لم يستطع قال ( يكف نفسه عن الشر ) # واما قوله في الحديث الصحيح حديث أبي ذر وغيره ( على كل سلامى من احدكم ~~صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تهليلة صدقة وامر بالمعروف صدقة ~~ونهى عن المنكر صدقة ( فهذا إن شاء الله كتضمن هذه الأعمال نفع الخلائق ~~فانه بمثل هذا العمل يحصل الرزق والنصر والهدى فيكون ذلك من الصدقة على ~~الخلق # ثم إن هذه الأعمال هي من جنس الصلاة وجنس الصلاة الذي PageV14P217 ينتفع ~~به الغير يتضمن المعنيين الصلاة والصدقة ألا ترى أن الصلاة على الميت صلاة ~~وصدقة وكذلك كل دعاء للغير واستغفار مع أن الدعاء للغير دعاء للنفس أيضا ~~كما قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( ما من رجل يدعو لأخيه ~~بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا له بدعوة قال ms4436 الملك الموكل ~~به آمين ولك بمثل PageV14P218 ### |PARATEXT| # وقال ### ||| فصل # قول الناس الآدمى جبار ضعيف أو فلان جبار ضعيف فان ضعفه يعود إلى ضعف ~~قواه من قوة العلم والقدرة واما تجبره فانه يعود إلى اعتقاداته واراداته ~~اما اعتقاده فان يتوهم في نفسه انه أمر عظيم فوق ما هو ولا يكون ذلك وهذا ~~هو الاختيال والخيلاء والمخيلة وهو ان يتخيل عن نفسه ما لا حقيقة له ومما ~~يوجب ذلك مدحه بالباطل نظما ونثرا وطلبه للمدح الباطل فانه يورث هذا ~~الاختيال # واما الارادة فارادة ان يتعظم ويعظم وهو ارادة العلو في الأرض والفخر على ~~الناس وهو ان يريد من العلو ما لا يصلح له ان يريده وهو الرئاسة والسلطان ~~حتى يبلغ به الأمر إلى مزاحمة الربوبية كفرعون ومزاحمة النبوة وهذا موجود ~~في جنس العلماء والعباد والامراء وغيرهم PageV14P219 # وكل واحد من الإعتقاد والارادة يستلزم جنس الآخر فان من تخيل انه عظيم ~~اراد ما يليق بذلك الاختيال ومن اراد العلو في الأرض فلابد ان يتخيل عظمة ~~نفسه وتصغير غيره حتى يطلب ذلك ففى الارادة يتخيله مقصودا وفى الإعتقاد ~~يتخيله موجودا ويطلب توابعه من الارادات # وقد قال الله تعالى @QB@ إن الله لا يحب كل مختال فخور @QE@ وقال النبى ( ~~الكبر بطر الحق وغمط الناس ) فالفخر يشبه غمط الناس فان كلاهما تكبر على ~~الناس واما بطر الحق وهو جحده ودفعه فيشبه الاختيال الباطل فانه تخيل ان ~~الحق باطل بجحده # ودفعه ثم هنا وجهان # ( أحدهما ) ان يجعل الاختيال وبطر الحق من باب الاعتقادات وهو ان يجعل ~~الحق باطلا والباطل حقا فيما يتعلق بتعظيم النفس وعلو قدرها فيجحد الحق ~~الذى يخالف هواها وعلوها ويتخيل الباطل الذى يوافق هواها وعلوها ويجعل ~~الفخر وغمط الناس من باب الارادات فان الفاخر يريد ان يرفع نفسه ويضع غيره ~~وكذلك غامط الناس # يؤيد هذا ما رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعى PageV14P220 عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( انه اوحى إلى أن تواضعواحتى لا يفخر ~~أحد على أحد ولا يبغى أحد ms4437 على أحد ) فبين ان التواضع المأمور به ضد البغى ~~والفخر وقال في الخيلاء التى يبغضها الله ( الاختيال في الفخر والبغى ( ~~فكان في ذلك ما دل على أن الاستطالة على الناس ان كانت بغير حق فهي بغى اذ ~~البغى مجاوزة الحد وان كانت بحق فهي الفخر لكن يقال على هذا البغى يتعلق ~~بالارادة فلا يجوز ان يجعل هو من باب الإعتقاد وقسيمه من باب الارادة بل ~~البغى كانه في الأعمال والفخر في الأقوال أو يقال البغى بطر الحق والفخر ~~غمط الناس # ( الوجه الثانى ( ان يكونا جميعا متعلقين بالاعتقاد والارادة لكن الخيلاء ~~غمط الحق يعود إلى الحق في نفسه الذى هو حق الله وان لم يكن يتعلق به حق ~~آدمى والفخر وغمط الناس يعود إلى حق الآدميين فيكون التنويع لتمييز حق ~~الادميين مما هو حق لله لا يتعلق ب الادميين بخلاف الشهوة في حال الزنى ~~واكل مال الغير فلما قال سبحانه @QB@ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل @QE@ والبخل منع النافع قيد هذا بهذا ~~وقد كتبت فيما قبل هذا من التعاليق الكلام في التواضع والاحسان والكلام في ~~التكبر والبخل PageV14P221 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى ما أصابك من حسنة ) 1 # وقال شيخ الاسلام # قوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله @QE@ # الآية بعد قوله @QB@ كل من عند الله @QE@ لو اقتصر على الجمع اعرض العاصى ~~عن ذم نفسه والتوبة من الذنب والاستعاذة من شره وقام بقلبه حجة ابليس فلم ~~تزده الا طردا كما زادت المشركين ضلالا حين قالوا @QB@ لو شاء الله ما ~~أشركنا @QE@ # ولو اقتصر على الفرق لغابوا عن التوحيد والايمان بالقدر واللجأ إلى الله ~~في الهداية كما في خطبته صلى الله عليه وسلم ( الحمد لله نحمده ونستعينه ~~ونستغفره ( فيشكره ويستعينه على طاعته ويستغفره من معصيته ويحمده على ~~احسانه ثم قال ( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ( إلى آخره لما استغفر من ~~المعاصى استعاذه من الذنوب التى لم تقع ثم قال ومن سيئات اعمالنا أي ومن ~~عقوباتها ثم قال من يهد ms4438 الله فلا مضل له الخ شهادة بأنه المتصرف في خلقه ~~ففيه اثبات القضاء الذى هو نظام التوحيد هذا كله مقدمة بين يدى الشهادتين ~~فانما يتحققان بحمد الله واعانته واستغفاره واللجأ إليه PageV14P222 ~~والايمان باقداره فهذه الخطبة عقد نظام الاسلام والايمان # وقال كون الحسنات من الله والسيئات من النفس له # وجوه ( الاول ( أن النعم تقع بلا كسب # ( الثانى ( أن عمل الحسنات من احسان الله إلى عبده فخلق الحياة وارسل ~~الرسل وحبب اليهم الايمان واذا تدبرت هذا شكرت الله فزادك واذا علمت ان ~~الشر لا يحصل الا من نفسك تبت فزال # ( الثالث ( ان الحسنة تضاعف # ( الرابع ( ان الحسنة يحبها ويرضاها فيحب ان ينعم ويحب ان يطاع ولهذا ~~تأدب العارفون فأضافوا النعم إليه والشر إلى محله كما قال امام الحنفاء ( ~~الذى خلقنى فهو يهدين ) إلى قوله ( واذا مرضت فهو يشفين ) # ( الخامس ( ان الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها بكل اعتبار واما السيئة ~~فما قدرها الا لحكمة # ( السادس ( ان الحسنات امور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة PageV14P223 ~~لانها اما فعل مامور أو ترك محظور والترك امر وجودى فتركه لما عرف انه ذنب ~~وكراهته له ومنع نفسه منه امور وجودية وانما يثاب على الترك على هذا الوجه # وقد جعل النبى البغض في الله من اوثق عرى الايمان وهو أصل الترك وجعل ~~المنع لله من كمال الايمان وهو اصل الترك وكذلك براءة الخليل من قومه ~~المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا بل صادرا عن بغض وعداوة واما السيئات ~~فمنشأها من الظلم والجهل وفى الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل والا فلو تم ~~العلم بها لم يفعلها فان هذا خاصة العقل وقد يغفل عن هذا كله بقوة وارد ~~الشهوة والغفلة والشهوة اصل الشر كما قال تعالى ( ولا تطع من اغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا واتبع هواه ) الآية # ( السابع ( أن ابتلاءه له بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له وفطر ~~عليه # ( الثامن ( أنما يصيبه من الخير والنعم لاتنحصر أسبابه من إنعام الله ~~عليه فيرجع في ذلك إلى الله ولايرجو إلا هو فهو ms4439 يستحق الشكر التام الذي لا ~~يستحقه غيره وانما يستحق من الشكر جزاء على مايسره الله على يديه ولكن لا ~~يبلغ أن يشكر بمعصية الله فانه المنعم بما لايقدر عليه مخلوق ونعم المخلوق ~~PageV14P224 منه أيضا وجزاؤه على الشكر والكفر لايقدر أحد على مثله # فاذا عرف أن ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده ) صار توكله ورجاؤه إلى الله وحده وإذا عرف ما يستحقه من ~~الشكر الذي يستحقه صار له والشر انحصر سببه في النفس فعلم من أين يؤتى فتاب ~~واستعان بالله كما قال بعض السلف لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه ~~وقد تقدم قول السلف بن عباس وغيره انما أصابهم يوم أحد مطلقا كان بذنوبهم ~~لم يستثن أحد وهذا من فوائد تخصيص الخطاب لئلا يظن أنه عام مخصوص # ( التاسع ( أن السيئة إذا كانت من النفس والسيئة خبيثة كما قال تعالى ~~@QB@ الخبيثات للخبيثين @QE@ الآية قال جمهور السلف الكلمات الخبيثات ~~للخبيثين وقال @QB@ ومثل كلمة خبيثة @QE@ وقال @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب ~~@QE@ والأقوال والأفعال صفات للقائل الفاعل فإذا اتصفت النفس بالخبث فمحلها ~~ما يناسبها فمن أراد أن يجعل الحيات يعاشرن الناس كالسنانير لم يصلح بل إذا ~~كان في النفس خبث طهرت حتى PageV14P225 تصلح للجنة كما في حديث أبي سعيد ~~الذي في الصحيح وفيه ( حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ( # فإذا علم الانسان أن السيئة من نفسه لم يطمع في السعادة التامة مع ما فيه ~~من الشر بل علم تحقيق قوله @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ @QB@ فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره @QE@ الخ وعلم أن الرب عليم حكيم رحيم عدل وأفعاله على ~~قانون العدل والاحسان كما في الصحيح ( يمين الله ملآى ( إلى قوله ( والقسط ~~بيده الأخرى ( وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ~~ولا عدل # إلى أن قال ومن سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل ~~عن الشاذلي يكون الجمع في قلبك مشهودا والفرق ms4440 على لسانك موجودا كما يوجد في ~~كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية تستلزم تعطيل الأمر والنهي مما يوجب أن يجوز ~~عنده أن يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويدعون ~~بأدعية فيها اعتداء كما في حزب الشاذلي وآخرون من عوامهم يجوزون أن يكرم ~~الله بكرامات الأولياء لمن هو فاجر وكافر ويقولون هذه موهبة ويظنونها من ~~الكرامات وهي من الأحوال الشيطانية التى يكون مثلها للسحرة والكهان كما قال ~~تعالى ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ) إلى قوله ( هاروت ~~وماروت ) وصح قوله PageV14P226 ? < لتتبعن سنن من كان قبلكم > ? # فعدل كثير من المنتسبين إلى الاسلام إلى أن نبذ القرآن وراء ظهره واتبع ~~ما تتلوا الشياطين فلا يعظم أمر القرآن ونهيه ولا يوالي من أمر القرآن ~~بموالاته ولايعادي من أمر القرآن بمعاداته بل يعظم من يأتي ببعض الخوارق # ثم منهم من يعرف أنه من الشياطين لكن يعظمه لهواه ويفضله على طريقة ~~القرآن وهؤلاء كفار قال الله تعالى فيهم @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت @QE@ إلخ # قال وفى قوله تعالى @QB@ فمن نفسك @QE@ من الفوائد أن العبد لا يطمئن إلى ~~نفسه ولا يشتغل بملام الناس وذمهم بل يسأل الله أن يعينه على طاعته ولهذا ~~كان أنفع الدعاء وأعظمه دعاء الفاتحة وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة ويدخل ~~فيه من أنواع الحاجات مالا يمكن حصره ويبينه أن الله سبحانه لم يقص علينا ~~قصة في القرآن إلا لنعتبر وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول ~~فلولا أن في النفوس مافي نفوس المكذبين للرسل لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار ~~بمن لا نشبهه قط ولكن الأمر كما قال تعالى @QB@ ما يقال لك إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك @QE@ وقوله @QB@ أتواصوا به @QE@ وقوله @QB@ تشابهت قلوبهم ~~@QE@ ولهذا PageV14P227 في الحديث ( لتسلكن سنن من كان قبلكم # وقد بين القرآن أن السيئات من النفس وأعظم السيئات جحود الخالق والشرك به ~~وطلب أن يكون شريكا له وكلا هذين # وقع وقال بعضهم ما من نفس إلاوفيها ما في ms4441 نفس فرعون وذلك أن الانسان إذا ~~اعتبر وتعرف أحوال الناس رأى ما يبغض نظيره وأتباعه حسدا كما فعلت اليهود ~~لما بعث الله من يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى ولهذا أخبر عنهم بنظير ما ~~أخبر به عن فرعون PageV14P228 ### || 1 ( الحسنة والسيئة ) 1 # وقال الشيخ الامام العالم العلامة # شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن ~~تيمية الحرانى تغمده الله تعالى برحمته # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم فصل في قوله تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ وبعض ما تضمنته من الحكم العظيمة # هذه الآية ذكرها الله في سياق الأمر بالجهاد وذم الناكثين عنه ~~PageV14P229 قال # تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ~~@QE@ الآيات إلى أن ذكر صلاة الخوف وقد ذكر قبلها طاعة الله وطاعة الرسول ~~والتحاكم إلى الله وإلى الرسول ورد ما تنازع فيه الناس إلى الله وإلى ~~الرسول وذم الذين يتحاكمون ويردون ما تنازعوا فيه إلى غير الله والرسول # فكانت تلك الآيات تبيينا للايمان بالله وبالرسول ولهذا قال فيها @QB@ فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما @QE@ # وهذا جهاد عما جاء به الرسول وقد قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين @QE@ وقال @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ms4442 لا يستوون عند الله والله ~~لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات @QE@ PageV14P230 الآية وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في ~~سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز ~~العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين @QE@ # وذكر بعد آيات الجهاد إنزال الكتاب على رسول الله ليحكم بين الناس بما ~~أراه الله ونهيه عن ضد ذلك وذكره فضل الله عليه ورحمته في حفظه وعصمته من ~~إضلال الناس له وتعليمه مالم يكن يعلم وذم من شاق الرسول واتبع غير سبيل ~~المؤمنين وتعظيم أمر الشرك وشديد خطره وأن الله لا يغفره ولكن يغفر ما دونه ~~لمن يشاء إلى أن بين ان أحسن الأديان دين من يعبد الله وحده لايشرك به شيئا ~~بشرط أن تكون عبادته بفعل الحسنات التى شرعها PageV14P231 لا بالبدع ~~والأهواء وهم أهل ملة إبراهيم الذين اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا @QB@ واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا @QE@ # فكان في الأمر بطاعة الرسول والجهاد عليها اتباع التوحيد وملة إبراهيم ~~وهو اخلاص الدين لله وان يعبد الله بما أمر به على ألسن رسله من الحسنات ~~وقد ذكر تعالى في ضمن آيات الجهاد ذم من يخاف العدو ويطلب الحياة وبين أن ~~ترك الجهاد لايدفع عنهم الموت بل أينما كانوا أدركهم الموت ولو كانوا في ~~بروج مشيدة فلا ينالون بترك الجهاد منفعة بل لا ينالون إلا خسارة الدنيا ~~والآخرة فقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة وآتوا ms4443 الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى ~~أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا @QE@ # وهذا الفريق قد قيل إنهم منافقون وقيل نافقوا لما كتب عليهم القتال وقيل ~~بل حصل منهم جبن وفشل فكان في قلوبهم مرض كما قال تعالى @QB@ فإذا أنزلت ~~سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف @QE@ الآية PageV14P232 ~~وقال تعالى @QB@ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا @QE@ والمعنى متناول لهؤلاء ولهؤلاء ولكل من كان بهذه ~~الحال # ثم قال @QB@ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا @QE@ فالضمير في قوله ~~@QB@ وإن تصبهم @QE@ يعود إلى من ذكر وهم الذين يخشون الناس أو يعود إلى ~~معلوم وإن لم يذكر كما في مواضع كثيرة # وقد قيل إن هؤلاء كانوا كفارا من اليهود وقيل كانوا منافقين وقيل بل ~~كانوا من هؤلاء وهؤلاء والمعنى يعم كل من كان كذلك ولكن تناوله لمن أظهر ~~الاسلام وأمر بالجهاد أولى # ثم إذا تناول الذم هؤلاء فهو للكفار الذين لايظهرون الاسلام أولى ~~PageV14P233 وأحرى # والذي عليه عامة المفسرين أن ( الحسنة ( 2 و ( السيئة ( يراد بهما النعم ~~والمصائب ليس المراد مجرد ما يفعله الانسان باختياره باعتباره من الحسنات ~~أو السيئات ### ||| فصل # ولفظ ( الحسنات ( و ( السيئات ( في كتاب الله يتناول هذا وهذا قال الله ~~تعالى عن المنافقين @QB@ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ~~وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا @QE@ وقال تعالى @QB@ إن تصبك حسنة ~~تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون @QE@ ~~) وقال تعالى @QB@ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون @QE@ وقال ~~تعالى ms4444 @QB@ إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور @QE@ وقال تعالى في حق الكفار المتطيرين بموسى ومن ~~معه ( فاذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن ~~معه ) ذكر هذا بعد قوله @QB@ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ~~لعلهم يذكرون @QE@ # وأما الأعمال المأمور بها والمنهى عنها ففي مثل قوله تعالى @QB@ من جاء ~~بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما ~~كانوا يعملون @QE@ PageV14P234 وقوله تعالى @QB@ إن الحسنات يذهبن السيئات ~~ذلك ذكرى للذاكرين @QE@ وقوله تعالى @QB@ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ~~وكان الله غفورا رحيما @QE@ وهنا قال @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ ولم يقل وما فعلت وما كسبت كما قال @QB@ وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم @QE@ وقال تعالى @QB@ فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم @QE@ وقال تعالى @QB@ قل هل تربصون بنا إلا ~~إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل ~~قريبا من دارهم @QE@ وقال تعالى @QB@ فأصابتكم مصيبة الموت @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون @QE@ فلهذا كان قول @QB@ ما أصابك من حسنة @QE@ و @QB@ من سيئة @QE@ ~~متناول لما يصيب الانسان ويأتيه من النعم التى تسره ومن المصائب التى تسوءه # فالآية متناولة لهذا قطعا وكذلك قال عامة المفسرين # قال أبو العالية ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله PageV14P235 ~~قال هذه في السراء ( وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) قال وهذه في ~~الضراء # وقال السدى @QB@ وإن تصبهم حسنة @QE@ قالوا والحسنة الخصب ينتج خيولهم ~~وأنعامهم ومواشيهم ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان @QB@ يقولوا هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة @QE@ قالوا والسيئة الضرر في أموالهم تشاؤما بمحمد ~~قالوا ( هذه من عندك ) يقولون بتركنا ديننا واتباعنا محمدا أصابنا هذا ~~البلاء فأنزل الله @QB@ قل كل من عند ms4445 الله @QE@ الحسنة والسيئة ( @QB@ فما ~~لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا @QE@ قال القرآن وقال الوالبى عن بن ~~عباس ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) قال ما فتح الله عليك يوم بدر وكذلك ~~قال الضحاك وقال الوالبي أيضا عن بن عباس ( من حسنة ( قال ما أصاب من ~~الغنيمة والفتح فمن الله قال ( والسيئة ( ماأصابه يوم أحد إذ شج في وجهه ~~وكسرت رباعيته وقال أما ( الحسنة ( فأنعم الله بها عليك وأما ( السيئة ( ~~فابتلاك الله بها PageV14P236 و روى أيضا عن حجاج عن عطية عن بن عباس ( ~~ماأصابك من حسنة فمن الله ( قال هذا يوم بدر ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~قال هذا يوم أحد يقول ما كان من نكبة فمن ذنبك وأنا قدرت ذلك عليك # وكذلك روى بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبى صالح فمن ( نفسك ( قال ~~فبذنبك وأنا قدرتها عليك روى هذه الآثار بن إبى حاتم وغيره # وروى أيضا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال ما تريدون من القدر أما ~~تكفيكم هذه الآية التى في سورة النساء @QB@ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك @QE@ أي من نفسك والله ما ~~وكلوا إلى القدر وقد أمروا به وإليه يصيرون # وكذلك في تفسير أبى صالح عن بن عباس ( وإن تصبهم حسنة ( الخصب والمطر ( ~~وإن تصبهم سيئة ( الجدب والبلاء # وقال بن قتيبة ( ماأصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ( ~~قال الحسنة النعمة والسيئة البلية PageV14P237 وقد ذكر أبو الفرج في قوله ( ~~ماأصابك من حسنة ومن سيئة ( ثلاثة أقوال # أحدها أن ( الحسنة ( مافتح الله عليهم يوم بدر و ( السيئة ( ما أصابهم ~~يوم أحد قال رواه بن أبى طلحة وهو الوالبى عن بن عباس # قال والثاني ( الحسنة ( الطاعة و ( السيئة ( المعصية قاله أبو العالية # والثالث ( الحسنة ( النعمة و ( السيئة ( البلية قاله بن منبه قال وعن أبى ~~العالية نحوه وهو أصح # قلت هذا هو القول المعروف بالاسناد عن أبي العالية كما تقدم من ms4446 تفسيره ~~المعروف الذي يروى عنه هو وغيره من طريق أبى جعفر الدارى عن الربيع بن أنس ~~عنه وأمثاله # وأما الثانى فهو لم يذكر إسناده ولكن ينقل من كتب المفسرين الذين يذكرون ~~أقوال السلف بلا إسناد وكثير منها ضعيف بل كذب لايثبت عمن نقل عنه وعامة ~~المفسرين المتأخرين أيضا يفسرونه على مثل أقوال السلف وطائفة منهم تحملها ~~على الطاعة والمعصية PageV14P238 # فأما الصنف الأول فهي تتناوله قطعا كما يدل عليه لفظها وسياقها ومعناها ~~وأقوال السلف # وأما المعنى الثانى فليس مرادا دون الأول قطعا ولكن قد يقال إنه مراد مع ~~الأول باعتبار أن ما يهديه الله إليه من الطاعة هو نعمة في حقه من الله ~~أصابته وما يقع منه من المعصية هو سيئة أصابته ونفسه التى عملت السيئة وإذا ~~كان الجزاء من نفسه فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه # فلا منافاة أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه مع أن الجميع مقدر ~~كما تقدم وقد روى عن مجاهد عن بن عباس أنه كان يقرأ ( فمن نفسك وانا قدرتها ~~عليك ### ||| فصل # والمعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى فتكون من سيئات الجزاء مع أنها من ~~سيئات العمل # قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته PageV14P239 عن ~~إبن مسعود رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم ( عليكم بالصدق فإن ~~الصدق يهدى إلى البر والبر يهدى إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى ~~الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فان الكذب يهدى إلى الفجور ~~والفجور يهدى إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند ~~الله كذابا ( # وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما يبين أن الحسنة الثانية قد تكون من ~~ثواب الأولى وكذلك السيئة الثانية قد تكون من عقوبة الأولى قال تعالى @QB@ ~~ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من ~~لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين ms4447 قتلوا في سبيل ~~الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل ~~لكم نورا تمشون به ويغفر لكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وفي نسختها هدى ورحمة ~~للذين هم لربهم يرهبون @QE@ وقال تعالى @QB@ هذا بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين @QE@ PageV14P240 و قال تعالى @QB@ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ~~والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون @QE@ وقال تعالى @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ وقال تعالى @QB@ ولما بلغ أشده ~~آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين @QE@ وقال تعالى @QB@ ولما بلغ أشده ~~واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا ~~بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن ~~الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب ~~الله للناس أمثالهم @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ # قال أبو عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ~~ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول @QB@ ~~وإن تطيعوه تهتدوا @QE@ PageV14P241 قلت وقد قال في آخر السورة @QB@ فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QE@ وقال ms4448 تعالى @QB@ إن الذين تولوا ~~منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله ~~عنهم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد ~~تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين @QE@ إلى قوله @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو ~~يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون @QE@ وقال تعالى ~~أيضا @QB@ وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا @QE@ وقال تعالى @QB@ فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا @QE@ وقال تعالى في ~~النوعين @QB@ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله @QE@ PageV14P242 # وقال تعالى 0 @QB@ سنلقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار ~~وبئس مثوى الظالمين @QE@ وقال تعالى ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ~~من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولى الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم ~~الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ) وقال تعالى @QB@ لن يضروكم ~~إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك ~~بما ms4449 عصوا وكانوا يعتدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ترى كثيرا منهم يتولون الذين ~~كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو ~~كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا ~~منهم فاسقون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون @QE@ PageV14P243 ~~القرآن أم على قلوب أقفالها ان الذين أرتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين ~~لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم اسرارهم وقال تعالى @QB@ ومنهم من ~~عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من ~~فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ~~بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإن رجعك ~~الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين @QE@ وقال تعالى ~~في ضد هذا @QB@ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي ~~الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما @QE@ إلى قوله @QB@ ~~ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله ~~التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ # وتوليتهم الأدبار ليس مما نهوا عنه ولكن هو من جزاء أعمالهم وهذا باب ~~واسع PageV14P244 ### ||| فصل # واذا كانت السيئات التى يعملها الانسان قد تكون من جزاء سيئات تقدمت وهي ~~مضرة جاز أن يقال هي مما أصابه من السيئات وهي بذنوب تقدمت # وعلى كل تقدير فالذنوب التى يعملها هي من نفسه وان كانت مقدرة عليه فانه ~~اذا كان الجزاء الذى هو مسبب عنها من نفسه فعمله الذى هو ذلك الجزاء من ~~نفسه بطريق ms4450 الأولى وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ( نعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ( # وقال له أبو بكر رضي الله عنه علمني دعاء فقال ( قل اللهم فاطر السماوات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد ان لا اله الا أنت أعوذ ~~بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسى سوءا أو أجره إلى مسلم ~~قله اذا أصبحت واذا أمسيت واذا أخذت مضجعك PageV14P245 فقد بين ان قوله ( ~~فمن نفسك ) يتناول العقوبات على الأعمال ويتناول الأعمال مع أن الكل بقدر ~~الله ### ||| فصل # وليس للقدرية أن يحتجوا بالآية لوجوه # منها أنهم يقولون فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه لا من الله بل الله ~~قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات لكن هذا عندهم ~~أحدث ارادة فعل بها الحسنات وهذا أحدث ارادة فعل بها السيئات وليس واحد ~~منهما من احداث الرب عندهم # والقرآن قد فرق بين الحسنات والسيئات وهم لا يفرقون في الأعمال بين ~~الحسنات والسيئات الا من جهة الأمر لا من جهة كون الله خلق فيه الحسنات دون ~~السيئات بل هو عندهم لم يخلق لا هذا ولا هذا # لكن منهم من يقول بانه يحدث من الأعمال الحسنة والسيئة ما يكون جزاء كما ~~يقوله أهل السنة PageV14P246 لكن على هذا فليست عندهم كل الحسنات من الله ~~ولا كل السيئات بل بعض هذا وبعض هذا # الثانى أنه قال ( كل من عند الله ( فجعل الحسنات من عند الله كما جعل ~~السيئات من عند الله وهم لا يقولون بذلك في الأعمال بل في الجزاء وقوله بعد ~~هذا ( ما أصابك من حسنة ) و ( من سيئة ) مثل قوله @QB@ وإن تصبهم حسنة @QE@ ~~وقوله @QB@ وإن تصبهم سيئة @QE@ الثالث أن الآية أريد بها النعم والمصائب ~~كما تقدم وليس للقدرية المجبرة أن تحتج بهذه الآية على نفي أعمالهم التى ~~استحقوا بها العقاب فان قوله @QB@ كل من عند الله @QE@ هو النعم والمصائب ~~ولأن قوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله ms4451 وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ ~~حجة عليهم وبيان أن الانسان هو فاعل السيئات وانه يستحق عليها العقاب والله ~~ينعم عليه بالحسنات عملها وجزائها فانه إذا كان ما أصابهم من حسنة فهو من ~~الله فالنعم من الله سواء كانت ابتداء أو كانت جزاء وإذا كانت جزاء وهي من ~~الله فالعمل الصالح الذى كان سببها هو أيضا من الله أنعم بهما الله على ~~العبد وإلا فلو كان هو من نفسه كما كانت السيئات من نفسه لكان كل ذلك من ~~نفسه والله تعالى قد فرق بين النوعين في الكتاب والسنة كما في الحديث ~~الصحيح الالهي عن الله ( يا عبادي إنما هي أعمالكم PageV14P247 أحصيها لكم ~~ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه 9 وقال تعالى @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ~~قل هو من عند أنفسكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون @QE@ وقال تعالى @QB@ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ~~أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ~~الظالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ ~~وقال تعالى للمؤمنين @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون @QE@ وقد أمروا أن ~~يقولوا في الصلاة @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ ### ||| فصل # وقد ظن طائفة أن في الآية إشكالا أو تناقضا في الظاهر حيث قال @QB@ كل من ~~عند الله @QE@ ثم فرق بين الحسنات والسيئات فقال @QB@ ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ PageV14P248 # وهذا من قلة فهمهم وعدم تدبرهم الآية وليس في الآية تناقض لا في ظاهرها ~~ولا في باطنها لا في لفظها ولا معناها فانه ذكر عن المنافقين والذين في ~~قلوبهم مرض الناكصين عن الجهاد ما ذكره بقوله @QB@ أينما تكونوا يدرككم ms4452 ~~الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن ~~تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك @QE@ هذا يقولونه لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أى بسبب ما أمرتنا به من دينك والرجوع عما كنا عليه أصابتنا هذه ~~السيئات لأنك أمرتنا بما أوجبها فالسيئات هي المصائب والأعمال التى ظنوا ~~أنها سبب المصائب هو أمرهم بها وقولهم @QB@ من عندك @QE@ تتناول مصائب ~~الجهاد التى توجب الهزيمة لأنه أمرهم بالجهاد وتتناول أيضا مصائب الرزق على ~~جهة التشاؤم والتطير أي هذا عقوبة لنا بسبب دينك كما كان قوم فرعون يتطيرون ~~بموسى وبمن معه وكما قال أهل القرية للمرسلين @QB@ إنا تطيرنا بكم @QE@ ~~وكما قال الكفار من ثمود لصالح ولقومه @QB@ اطيرنا بك وبمن معك @QE@ فكانوا ~~يقولون عما يصيبهم من الحرب والزلزال والجراح والقتل وغير ذلك مما يحصل من ~~العدو هو منك لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة لذلك ويقولون عن هذا وعن ~~المصائب السمائية إنها منك أي بسبب طاعتنا لك واتباعنا لدينك أصابتنا هذه ~~PageV14P249 المصائب كما قال تعالى @QB@ ومن الناس من يعبد الله على حرف ~~فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ~~@QE@ فهذا يتناول كل من جعل طاعة الرسول وفعل ما بعث به مسببا لشر أصابه ~~إما من السماء وإما من آدمي وهؤلاء كثيرون # لم يقولوا @QB@ هذه من عندك @QE@ بمعنى أنك أنت الذى أحدثتها فانهم ~~يعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدث شيئا من ذلك ولم يكن قولهم ( ~~من عندك ) خطابا من بعضهم لبعض بل هو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ومن ~~فهم هذا تبين له أن قوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك @QE@ لا يناقض قوله ( كل من عند الله ) بل هو محقق له لأنهم هم ~~ومن أشبههم إلى يوم القيامة يجعلون ما جاء به الرسول والعمل به سببا لما قد ~~يصيبهم من مصائب وكذلك من أطاعه إلى يوم القيامة # وكانوا تارة يقدحون فيما جاء به ويقولون ms4453 ليس هذا مما أمر الله به ولو كان ~~مما أمر الله به لما جرى على أهله هذا البلاء PageV14P250 # وتارة لا يقدحون في الأصل لكن يقدحون في القضية المعينة فيقولون هذا بسوء ~~تدبير الرسول كما قال عبد الله بن أبي بن سلول يوم أحد إذ كان رأيه مع رأي ~~النبى صلى الله عليه وسلم أن لا يخرجوا من المدينة فسأله صلى الله عليه ~~وسلم ناس ممن كان لهم رغبة في الجهاد أن يخرج فوافقهم ودخل بيته ولبس لأمته ~~فلما لبس لأمته ندموا وقالوا للنبى صلى الله عليه وسلم أنت أعلم فان شئت أن ~~لانخرج فلا نخرج فقال ( ما ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يحكم ~~الله بينه وبين عدوه ) يعنى أن الجهاد يلزم بالشروع كما يلزم الحج لا يجوز ~~ترك ما شرع فيه منه الا عند العجز بالاحصار في الحج ### ||| فصل # والمفسرون ذكروا في قوله @QB@ وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك @QE@ ~~هذا وهذا # فعن بن عباس والسدى وغيرهما أنهم يقولون هذا تشاؤما بدينه # وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال بسوء تدبيرك يعني PageV14P251 كما ~~قاله عبد الله بن أبي وغيره يوم أحد وهم كالذين @QB@ قالوا لإخوانهم وقعدوا ~~لو أطاعونا ما قتلوا @QE@ # فبكل حال قولهم ( من عندك ) هو طعن فيما أمر الله به ورسوله من الايمان ~~والجهاد وجعل ذلك هو الموجب للمصائب التى تصيب المؤمنين المطيعين كما ~~أصابتهم يوم أحد وتارة تصيب عدوهم فيقول الكافرون هذا بشؤم هؤلاء كما قال ~~أصحاب القرية للمرسلين ( إنا تطيرنا بكم ) وكما قال تعالى عن آل فرعون ( ~~فاذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا ~~إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ) وقال تعالى عن قوم صالح @QB@ ~~قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون @QE@ # ولما قال أهل القرية @QB@ إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ~~وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون ~~@QE@ ( قال الضحاك ms4454 في قوله @QB@ ألا إنما طائرهم عند الله @QE@ ( يقول ~~الأمر من قبل الله ? < ما أصابكم من أمر فمن الله بما كسبت أيديكم > ? ~~PageV14P252 و قال بن أبى طلحة عن بن عباس ( معايبكم وقال قتادة عملكم عند ~~الله وفى رواية غير على عملكم عند الله @QB@ بل أنتم قوم تفتنون @QE@ 8 أي ~~تبتلون بطاعة الله ومعصيته رواهما بن أبي حاتم وغيره # وعن بن إسحاق قال قالت الرسل ( طائركم معكم ) أي أعمالكم # فقد فسروا ( الطائر ) بالأعمال وجزائها لأنهم كانوا يقولون إنما أصابنا ~~ما أصابنا من المصائب بذنوب الرسل وأتباعهم # فبين الله سبحانه أن طائرهم وهو الأعمال وجزاؤها هو عند الله وهو معهم ~~فهو معهم لأن أعمالهم وما قدر من جزائها معهم كما قال تعالى ( وكل إنسان ~~ألزمناه طائره في عنقه ) وهو من الله لأن الله تعالى قدر تلك المصائب ~~بأعمالهم فمن عنده تتنزل عليهم المصائب جزاء على أعمالهم لا بسبب الرسل ~~وأتباعهم # وفى هذا يقال إنهم إنما يجزون بأعمالهم لا بأعمال غيرهم ولذلك قال في هذه ~~الآية لما كان المنافقون والكفار ومن في قلبه مرض يقول هذا الذي أصابنا هو ~~بسبب ما جاء به محمد عقوبة PageV14P253 دينية وصل إلينا بين سبحانه أن ما ~~أصابهم من المصائب إنما هو بذنوبهم # ففى هذا رد على من أعرض عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا تصيبه ~~تلك المصائب وعلى من انتسب إلى الايمان بالرسول ونسبها إلى فعل ما جاء به ~~الرسول وعلى من أصابته مع كفره بالرسول ونسبها إلى ما جاء به الرسول ### ||| فصل # والمقصود أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس سببا لشيء من ~~المصائب ولا تكون طاعة الله ورسوله قط سببا لمصيبة بل طاعة الله والرسول لا ~~تقتضى إلا جزاء أصحابها بخيري الدنيا والآخرة ولكن قد تصيب المؤمنين بالله ~~ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم لا بما اطاعوا فيه الله والرسول كما لحقهم يوم ~~أحد بسبب ذنوبهم لا بسبب طاعتهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم # وكذلك ما ابتلوا به في السراء والضراء والزلزال ms4455 ليس هو بسبب نفس إيمانهم ~~وطاعتهم لكن امتحنوا به ليتخلصوا مما فيهم من الشر PageV14P254 و فتنوا به ~~كما يفتن الذهب بالنار ليتميز طيبه من خبيثه والنفوس فيها شر والامتحان ~~يمحص المؤمن من ذلك الشر الذى في نفسه قال تعالى @QB@ وتلك الأيام نداولها ~~بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ~~وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين @QE@ وقال تعالى @QB@ وليبتلي الله ~~ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم @QE@ ) ولهذا قال صالح عليه السلام لقومه ~~@QB@ طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون @QE@ # ولهذا كانت المصائب تكفر سيئات المؤمنين وبالصبر عليها ترتفع درجاتهم وما ~~أصابهم في الجهاد من مصائب بأيدي العدو فانه يعظم أجرهم بالصبر عليها # وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ? < ما من غازية يغزون في ~~سبيل الله فيسلمون ويغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم وإن أصيبوا وأخفقوا تم ~~لهم أجرهم > ? # وأما ما يلحقهم من الجوع والعطش والتعب فذاك يكتب لهم به عمل صالح كما ~~قال تعالى @QB@ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ~~ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل ~~صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ ) وشواهد هذا كثيرة PageV14P255 ### ||| فصل # والمقصود أن قوله @QB@ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم ~~سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله @QE@ فانهم جعلوا ما يصيبهم من ~~المصائب بسبب ما جاءهم به الرسول وكانوا يقولون النعمة التى تصيبنا هي من ~~عند الله والمصيبة من عند محمد أي بسبب دينه وما أمر به فقال تعالى قل هذا ~~وهذا من عند الله لامن عند محمد محمد لا يأتي لا بنعمة ولا بمصيبة ولهذا ~~قال بعد هذا @QB@ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا @QE@ قال السدى ~~وغيره هو القرآن فان القرآن إذا هم فقهوا ما فيه تبين لهم أنه إنما أمرهم ~~بالخير والعدل والصدق والتوحيد لم يأمرهم بما يكون سببا للمصائب فانهم ms4456 إذا ~~فهموا ما في القرآن علموا أنه لا يكون سببا للشر مطلقا # وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم بالأمر به حسنه ونفعه وأنه مصلحة ~~للعباد وليس كما يقول من يقول قد يأمر الله العباد بما لا مصلحة لهم فيه ~~إذا فعلوه بل فيه مضرة لهم PageV14P256 # فانه لو كان كذلك لكان قد يصدقه المتطيرون بالرسل وأتباعهم # ومما يوضح ذلك أنه لما قال @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك @QE@ قال بعدها @QB@ وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ~~@QE@ فانه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات والمعجزات وإذا ~~شهد الله له كفى به شهيدا ولم يضره جحد هؤلاء لرسالته بما ذكروه من الشبه ~~التى هي عليهم لا لهم بما أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتهم حجة على إ ~~بطال رسالته والله تعالى قد شهد له أنه أرسله للناس رسولا فكان ختم الكلام ~~بهذا إبطالا لقولهم إن المصائب من عند الرسول ولهذا قال بعد هذا ( من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ( ### ||| فصل # وكان فيما ذكره ابطال لقول الجهمية المجبرة ونحوهم ممن يقول ان الله قد ~~يعذب العباد بلا ذنب وأنه قد يأمر العباد بما لا ينفعهم بل بما يضرهم فان ~~فعلوا ما أمرهم به حصل لهم الضرر وان لم يفعلوه عاقبهم PageV14P257 # يقولون هذا ومثله ويزعمون أن هذا لأنه يفعل ما يشاء # والقرآن يرد على هؤلاء من وجوه كثيرة كما يرد على المكذبين بالقدر فالآية ~~ترد على هؤلاء وهؤلاء كما تقدم مع احتجاج الفريقين بها وهي حجة على ~~الفريقين # فان قال نفاة القدر انما قال في الحسنة هي من الله وفي السيئة ( هي من ~~نفسك ) لأنه يأمر بهذا وينهى عن هذا باتفاق المسلمين # قالوا ونحن نقول المشيئة ملازمة للأمر فما أمر به فقد شاءه وما لم يأمر ~~به لم يشأه فكانت مشيئته وأمره حاضة على الطاعة دون المعصية فلهذا كانت هذه ~~منه دون هذه # قيل أما الآية فقد ms4457 تبين أن الذين قالوا الحسنة من عند الله والسيئة من ~~عندك أرادوا من عندك يامحمد أي بسبب دينك فجعلوا رسالة الرسول هي سبب ~~المصائب وهذا غير مسألة القدر # وإذا كان قد أريد ان الطاعة والمعصية مما قد قيل كان PageV14P258 قوله ~~@QB@ كل من عند الله @QE@ حجة عليكم كما تقدم # وقوله بعد هذا @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك @QE@ لا ينافي ذلك بل ( الحسنة ( أنعم الله بها وبثوابها و ( السيئة ( ~~هي من نفس الانسان ناشئة وان كانت بقضائه وقدره كما قال تعالى @QB@ من شر ~~ما خلق @QE@ فمن المخلوقات ماله شر وان كان بقضائه وقدره # وأنتم تقولون الطاعة والمعصية هما من احداث الانسان بدون أن يجعل الله ~~هذا فاعلا وهذا فاعلا وبدون أن يخص الله المؤمن بنعمة ورحمة أطاعه بها وهذا ~~مخالف للقرآن ### ||| فصل # فان قيل إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة والنعم والمصائب مقدرة فلم فرق ~~بين الحسنات التى هي النعم والسيئات التى هي المصائب فجعل هذه من الله وهذه ~~من نفس الانسان # قيل لفروق بينهما PageV14P259 # ( الفرق الأول ( ان نعم الله واحسانه إلى عباده يقع ابتداء بلا سبب منهم ~~أصلا فهو ينعم بالعافية والرزق والنصر وغير ذلك على من لم يعمل خيرا قط ~~وينشئ للجنة خلقا يسكنهم فضول الجنة وقد خلقهم في الآخرة لم يعملوا خيرا ~~ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة برحمته بلا عمل وأما العقاب فلا ~~يعاقب أحدا إلا بعمله # ( الفرق الثانى ( أن الذي يعمل الحسنات إذا عملها فنفس عمله الحسنات هو ~~من إحسان الله وبفضله عليه بالهداية والايمان كما قال أهل 2 الجنة ( الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ) # وفى الحديث الصحيح ( ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ~~فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( فنفس خلق ~~الله لهم أحياء وجعله لهم السمع والأبصار والأفئدة هو من نعمته ونفس إرسال ~~الرسول إليهم وتبليغه البلاغ المبين الذي اهتدوا به هو من ms4458 نعمته # وإلهامهم الايمان وهدايتهم إليه وتخصيصهم بمزيد نعمة حصل PageV14P260 لهم ~~بها الايمان دون الكافرين هو من نعمته كما قال تعالى @QB@ ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون فضلا من الله ونعمة @QE@ # فجميع ما يتقلب فيه العالم من خيرى الدنيا والآخرة هو نعمة محضة منه بلا ~~سبب سابق يوجب لهم حقا ولا حول ولاقوة لهم من أنفسهم إلا به وهو خالق ~~نفوسهم وخالق أعمالها الصالحة وخالق الجزاء # فقوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله @QE@ حق من كل وجه ظاهرا وباطنا ~~على مذهب أهل السنة وأما ( السيئة ( فلا تكون إلا بذنب العبد وذنبه من نفسه ~~وهو لم يقل إني لم أقدر ذلك ولم أخلقه بل ذكر للناس ما ينفعهم ### ||| فصل # فاذا تدبر العبد علم أن ما هوفيه من الحسنات من فضل الله فشكر الله فزاده ~~الله من فضله عملا صالحا ونعما يفيضها عليه PageV14P261 وإذا علم أن الشر ~~لا يحصل له إلا من نفسه بذنوبه استغفر وتاب فزال عنه سبب الشر فيكون العبد ~~دائما شاكرا مستغفرا فلا يزال الخير يتضاعف له والشر يندفع عنه كما كان ~~النبى صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ( الحمد لله ( فيشكر الله ثم يقول ~~( نستعينه ونستغفره ( نستعينه على الطاعة ونستغفره من المعصية ثم يقول ? < ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا > ? فيستعيذ به من الشر الذي ~~في النفس ومن عقوبة عمله فليس الشر إلا من نفسه ومن عمل نفسه فيستعيذ الله ~~من شر النفس أن يعمل بسبب سيئاته الخطايا ثم إذا عمل استعاذ بالله من سيئات ~~عمله ومن عقوبات عمله فاستعانه على الطاعة وأسبابها واستعاذ به من المعصية ~~وعقابها # فعلم العبد بأن ما أصابه من حسنة فمن الله وما أصابه من سيئة فمن نفسه ~~يوجب له هذا وهذا فهو سبحانه فرق بينهما هنا بعد أن جمع بينهما في قوله ~~@QB@ قل كل من عند الله @QE@ # فبين أن الحسنات والسيئات النعم والمصائب والطاعات والمعاصي على قول من ~~أدخلها في ms4459 ( من عند الله ( # ثم بين الفرق الذي ينتفعون به وهو أن هذا الخير من PageV14P262 نعمة الله ~~فاشكروه يزدكم وهذا الشر من ذنوبكم فاستغفروه يدفعه عنكم # قال الله تعالى @QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون @QE@ وقال تعالى @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله @QE@ # والمذنب إذا استغفر ربه من ذنبه فقد تأسى بالسعداء من الأنبياء والمؤمنين ~~كآدم وغيره وإذا أصر واحتج بالقدر فقد تأسى بالأشقياء كابليس ومن اتبعه من ~~الغاوين # فكان من ذكره أن السيئة من نفس الانسان بذنوبه بعد أن ذكر أن الجميع من ~~عند الله تنبيها على الاستغفار والتوبة والاستعاذة بالله من شر نفسه وسيئات ~~عمله والدعاء بذلك في الصباح والمساء وعند المنام كما أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذلك أبا بكر الصديق أفضل الأمة حيث علمه أن يقول ( اللهم ~~فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أعوذ بك من شر نفسي PageV14P263 ~~وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم ( # فيستغفر مما مضى ويستعيذ مما يستقبل فيكون من حزب السعداء # وإذا علم أن الحسنة من الله الجزاء والعمل سأله أن يعينه على فعل الحسنات ~~بقوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وبقوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم ~~@QE@ وقوله @QB@ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا @QE@ ونحو ذلك # وأما إذا أخبر أن الجميع من عند الله فقط ولم يذكر الفرق فانه يحصل من ~~هذا التسوية فأعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه وعن التوبة من ذنوبها ~~والأستعاذة من شرها بل وقام في نفسه أن يحتج على الله بالقدر وتلك حجة ~~داحضة لا تنفعه بل تزيده عذابا وشقاء كما زادت إبليس لما قال @QB@ فبما ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم @QE@ وقال ( رب بما أغويتني لأزينن لهم ~~في الأرض ولأغوينهم أجمعين ) وكالذين يقولون يوم القيامة ( لو أن الله ms4460 ~~هدانى لكنت من PageV14P264 المتقين ) وكالذين قالوا @QB@ لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ # فمن احتج بالقدر على ما فعله من ذنوبه وأعرض عما أمر الله به من التوبة ~~والاستغفار والاستعانة بالله والاستعاذة به واستهدائه كان من أخسر الناس في ~~الدنيا والآخرة فهذا من فوائد ذكر الفرق بين الجمع ### ||| فصل # الفرق الثالث أن الحسنة يضاعفها الله وينميها ويثيب على الهم بها والسيئة ~~لا يضاعفها ولا يؤاخذ على الهم بها فيعطى صاحب الحسنة من الحسنات فوق ما ~~عمل وصاحب السيئة لا يجزيه إلا بقدر عمله قال تعالى @QB@ من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون @QE@ # الفرق الرابع أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها من كل وجه كما تقدم فما ~~من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الاضافة إليه PageV14P265 وأما السيئة فهو ~~إنما يخلقها بحكمة وهي باعتبار تلك الحكمة من احسانه فان الرب لا يفعل سيئة ~~قط بل فعله كله حسن وحسنات وفعله كله خير # ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح ( والخير ~~بيديك والشر ليس اليك ) فإنه لا يخلق شرا محضا بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو ~~باعتبارها خير ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئي اضافي فإما شر ~~كلي أوشر مطلق فالرب منزه عنه وهذا هوالشر الذي ليس إليه وأما الشر الجزئى ~~الاضافى فهوخير باعتبار حكمته ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردا قط بل اما أن ~~يدخل في عموم المخلوقات كقوله @QB@ وخلق كل شيء @QE@ # واما أن يضاف إلى السبب كقوله ( من شر ما خلق ) # واما أن يحذف فاعله كقول الجن ( وانا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم ~~أراد بهم ربهم رشدا ) # وهذا الموضع ضل فيه فريقان من الناس الخائضين في القدر بالباطل ~~PageV14P266 فرقة كذبت بهذا وقالت انه لا يخلق أفعال العباد ولا يشاء كل ما ~~يكون لأن الذنوب قبيحة وهولا يفعل القبيح وارادتها قبيحة وهولا يريد القبيح # وفرقة ms4461 لما رأت أنه خالق هذا كله ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة بل قالت إذا ~~كان يخلق هذا فيجوز أن يخلق كل شر ولا يخلق شيئا لحكمة وما ثم فعل تنزه عنه ~~بل كل ما كان ممكنا جاز أن يفعله # وجوزوا أن يأمر بكل كفر ومعصية وينهى عن كل ايمان وطاعة وصدق وعدل وأن ~~يعذب الأنبياء وينعم الفراعنة والمشركين وغير ذلك ولم يفرقوا بين مفعول ~~ومفعول # وهذا منكر من القول وزور كالأول قال تعالى @QB@ أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف ~~تحكمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ ونحو ذلك مما يوجب أنه ~~يفرق بين الحسنات والسيئات وبين المحسن PageV14P267 و المسيء وأن من جوز ~~عليه التسوية بينهما فقد أتى بقول منكر وزور ينكر عليه # وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لايكون فيه حكمة بل فيه من الحكمة ~~والرحمة ما يخفى على بعضهم مما لا يقدر قدره إلا الله # وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالاضافة يكون شرا كليا عاما بل ~~الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرا ومصلحة للعباد كالمطر العام وكارسال ~~رسول عام # وهذا مما يقتضى أنه لا يجوز أن يؤيد الله كذابا عليه بالمعجزات التى أيد ~~بها أنبياءه الصادقين فان هذا شر عام للناس يضلهم ويفسد عليهم دينهم ~~ودنياهم وآخرتهم # وليس هذا كالملك الظالم والعدو فإن الملك الظالم لابد أن يدفع الله به من ~~الشر أكثر من ظلمه # وقد قيل ستون سنة بامام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام وإذا ~~PageV14P268 # قدر كثرة ظلمه فذاك ضرر في الدين كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون ~~عليها ويرجعون فيها إلى الله ويستغفرونه ويتوبون إليه وكذلك ما يسلط عليهم ~~من العدو # وأما من يكذب على الله ويقول أي يدعى أنه نبى فلوأيده الله تأييد الصادق ~~للزم أن يسوى بينه وبين ms4462 الصادق فيستوى الهدى والضلال والخير والشر وطريق ~~الجنة وطريق النار ويرتفع التمييز بين هذا وهذا وهذا مما يوجب الفساد العام ~~للناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم # ولهذا أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من ~~أهل البدع كالخوارج وأمر بالصبر على جور الأئمة ونهى عن قتالهم والخروج ~~عليهم ولهذا قد يمكن الله كثيرا من الملوك الظالمين مدة # وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم بل لابد أن يهلكهم لأن فسادهم ~~عام في الدين والدنيا والآخرة قال تعالى @QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين @QE@ وقال تعالى @QB@ أم يقولون ~~افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك @QE@ PageV14P269 فأخبر ~~أنه بتقدير الافتراء لابد أن يعاقب من افترى عليه ### ||| فصل # وهذا الموضع مما اضطرب فيه الناس فاستدلت القدرية النفاة والمجبرة على ~~أنه إذا جاز أن يضل شخصا جاز أن يضل كل الناس وإذا جاز أن يعذب حيوانا بلا ~~ذنب ولا عوض جاز أن يعذب كل حي بلا ذنب ولا عوض وإذا جاز عليه أن لا يعين 2 ~~واحدا ممن أمره على طاعة أمره جاز أن لا يعين كل الخلق فلم تفرق الطائفتان ~~بين الشر الخاص والعام وبين الشر الاضافي والشر المطلق ولم يجعلوا في الشر ~~الاضافى حكمة يصير بها من قسم الخير # ثم قال النفاة وقد علم أنه منزه عن تلك الأفعال فانا لو جوزنا عليه هذا ~~لجوزنا عليه تأييد الكذاب بالمعجزات وتعذيب الأنبياء وإكرام الكفار وغير ~~ذلك مما يستعظم العقلاء إضافته إلى الله تعالى PageV14P270 # فقالت المثبتة من الجهمية المجبرة بل كل الأفعال جائزة عليه كما جاز ذلك ~~الخاص وإنما يعلم أنه لا يفعل بما لا يفعل أويفعل ما يفعل بالخبر خبر ~~الأنبياء عنه وإلا فمهما قدر جاز أن يفعله وجاز أن لا يفعله ليس في نفس ~~الأمر سبب ولا حكمة ولا صفة تقتضي التخصيص ببعض الأفعال دون بعض بل ليس إلا ~~مشيئة نسبتها إلى جميع الحوادث سواء ترجح أحد المتماثلين بلا مرجح ms4463 # فقيل لهم فيجوز تأييد الكذاب بالمعجز فلا يبقى المعجز دليلا على صدق ~~الأنبياء فلا يبقى خبر نبى يعلم به الفرق فيلزم مع الكفر بالأنبياء أن لا ~~يعلم الفرق لا بسمع ولا بعقل # فاحتالوا للفرق بين المعجزات وغيرها بأن تجويز إتيان الكذاب بالمعجزات ~~يستلزم تعجيز الباري تعالى عما به يفرق بين الصادق والكاذب أولأن دلالتها ~~على الصدق معلوم بالاضطرار كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع ~~وبين خطأ الطائفتين وأن هؤلاء الذين اتبعوا جهما في الجبر ونفوا حكمة الله ~~ورحمته والأسباب التى بها يفعل وما خلقه من القوى وغيرها هم مبتدعة مخالفون ~~للكتاب والسنة وإجماع السلف مع مخالفتهم لصريح المعقول كما أن القدرية ~~النفاة مخالفون للكتاب والسنة وإجماع السلف مع مخالفتهم لصريح المعقول ~~PageV14P271 ### ||| فصل # والمقصود هنا الكلام على قوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك @QE@ وأن هذا يقتضي أن العبد لا يزال شاكرا مستغفرا # وقد ذكر أن الشر لا يضاف إلى الله إلا على أحد الوجوه الثلاثة وقد تضمنت ~~الفاتحة للأقسام الثلاثة هو سبحانه الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء وفى ~~الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها ( ~~وقد سبقت وغلبت رحمته غضبه وهو الغفور الودود الحليم الرحيم # فارادته أصل كل خير ونعمة وكل خير ونعمة فمنه @QB@ وما بكم من نعمة فمن ~~الله @QE@ # وقد قال سبحانه @QB@ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم @QE@ ثم قال @QB@ ~~وأن عذابي هو العذاب الأليم @QE@ وقال تعالى @QB@ اعلموا أن الله شديد ~~العقاب وأن الله غفور رحيم @QE@ فالمغفرة والرحمة من صفاته المذكورة ~~PageV14P272 بأسمائه فهي من موجب نفسه المقدسة ومقتضاها ولوازمها # وأما العذاب فمن مخلوقاته الذي خلقه بحكمة هو باعتبارها حكمة ورحمة ~~فالانسان لا يأتيه الخير إلا من ربه وإحسانه وجوده ولا يأتيه الشر إلا من ~~نفسه فما أصابه من حسنة فمن الله وما أصابه من سيئة فمن نفسه # وقوله @QB@ وما أصابك @QE@ إما أن تكون كاف الخطاب له صلى الله عليه وسلم ~~كما قال ms4464 بن عباس وغيره وهو الأظهر لقوله بعد ذلك @QB@ وأرسلناك للناس رسولا ~~@QE@ # وإما أن تكون لكل واحد من الآدميين كقوله @QB@ يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم @QE@ # لكن هذا ضعيف فانه لم يتقدم هنا ذكر الانسان ولا مكانه وإنما تقدم ذكر ~~طائفة قالوا ماقالوه فلو أريد ذكرهم لقيل @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة @QE@ # لكن خوطب الرسول بهذا لأنه سيد ولد آدم وإذا كان هذا حكمه كان هذا حكم ~~غيره بطريق الأولى والأحرى كما في مثل قوله @QB@ اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين @QE@ وقوله تعالى @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ PageV14P273 ~~وقوله @QB@ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من ~~قبلك @QE@ # ثم هذا الخطاب نوعان نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره بطريق الأولى ~~كقوله @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك @QE@ ~~ثم قال @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ # ونوع قد يكون خطابه خطابا به لجميع الناس كما يقول كثير من المفسرين ~~الخطاب له والمراد غيره # وليس المعنى أنه لم يخاطب بذلك بل هو المقدم فالخطاب له خطاب لجميع الجنس ~~البشري وإن كان هو لا يقع منه ما نهى عنه ولا يترك ما أمر به بل هذا يقع من ~~غيره كما يقول ولي الأمر للأمير سافر غدا إلى المكان الفلاني أى أنت ومن ~~معك من العسكر وكما ينهى أعز من عنده عن شيء فيكون نهيا لمن دونه وهذا ~~معروف من الخطاب # فقوله ( ماأصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ( الخطاب ~~له صلى الله عليه وسلم وجميع الخلق داخلون في PageV14P274 هذا الخطاب ~~بالعموم وبطريق الأولى بخلاف قوله @QB@ وأرسلناك للناس رسولا @QE@ فان هذا ~~له خاصة ولكن من يبلغ عنه يدخل في معنى الخطاب كما قال صلى الله عليه وسلم ~~? < بلغوا عني ولو آية > ? وقال نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من ~~لم يسمعه وقال ليبلغ الشاهد الغائب وقال ( إن العلماء ورثة الأنبياء ( وقد ~~قال تعالى ms4465 في القرآن @QB@ وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ @QE@ # والمقصود هنا أن ( الحسنة ( مضافة إليه سبحانه من كل وجه و ( السيئة ( ~~مضافة إليه لأنه خلقها كما خلق ( الحسنة ( فلهذا قال @QB@ كل من عند الله ~~@QE@ ثم إنه إنما خلقها لحكمة ولا تضاف إليه من جهة أنها سيئة بل تضاف إلى ~~النفس التى تفعل الشر بها لا لحكمة فتستحق أن يضاف الشر والسيئة اليها ~~فانها لا تقصد بما تفعله من الذنوب خيرا يكون فعله لأجله أرجح بل ما كان ~~هكذا فهو من باب الحسنات ولهذا كان فعل الله حسنا لا يفعل قبيحا ولا سيئا ~~قط # وقد دخل في هذا سيئات الجزاء والعمل لأن المراد بقوله @QB@ ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة @QE@ النعم والمصائب كما تقدم لكن إذا ~~كانت المصيبة من نفسه لأنه أذنب فالذنب من نفسه بطريق الأولى فالسيئات من ~~نفسه بلا ريب وإنما جعلها منه مع الحسنة بقوله PageV14P275 @QB@ كل من عند ~~الله @QE@ كما تقدم لأنها لا تضاف إلى الله مفردة بل في العموم كقوله @QB@ ~~كل من عند الله @QE@ # وكذلك الأسماء التى فيها ذكر الشر لاتذكر إلا مقرونة كقولنا الضار النافع ~~المعطي المانع المعز المذل أو مقيدة كقوله @QB@ إنا من المجرمين منتقمون ~~@QE@ # وكل ما خلقه مما فيه شر جزئي إضافى ففيه من الخير العام والحكمة والرحمة ~~أضعاف ذلك مثل إرسال موسى إلى فرعون فانه حصل به التكذيب والهلاك لفرعون ~~وقومه وذلك شر بالاضافة اليهم لكن حصل به من النفع العام للخلق إلى يوم ~~القيامة والاعتبار بقصة فرعون ما هو خير عام فانتفع بذلك أضعاف أضعاف من ~~استضر به كما قال تعالى @QB@ فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ~~فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين @QE@ وقال تعالى بعد ذكر قصته @QB@ إن في ذلك ~~لعبرة لمن يخشى @QE@ # وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم شقي برسالته طائفة من مشركي العرب وكفار ~~أهل الكتاب وهم الذين كذبوه وأهلكهم الله تعالى بسببه ولكن سعد بها أضعاف ~~أضعاف هؤلاء # ولذلك من شقى به من أهل الكتاب ms4466 كانوا مبدلين محرفين قبل أن PageV14P276 ~~يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأهلك الله بالجهاد طائفة واهتدى به من ~~أهل الكتاب أضعاف أضعاف أولئك # والذين أذلهم الله من أهل الكتاب بالقهر والصغار أو من المشركين الذين ~~أحدث فيهم الصغار فهؤلاء كان قهرهم رحمة لهم لئلا يعظم كفرهم ويكثر شرهم # ثم بعدهم حصل من الهدى والرحمة لغيرهم مالا يحصيهم إلا الله وهم دائما ~~يهتدى منهم ناس من بعد ناس ببركة ظهور دينه بالحجة واليد # فالمصلحة بارساله وإعزازه وإظهار دينه فيها من الرحمة التى حصلت بذلك ما ~~لا نسبة لها إلى ماحصل بذلك لبعض الناس من شر جزئي إضافى لما في ذلك من ~~الخير والحكمة أيضا إذ ليس فيما خلقه الله سبحانه شر محض أصلا بل هو شر ~~بالاضافة ### ||| فصل # الفرق الخامس أن ما يحصل للانسان من الحسنات التى يعملها كلها أمور ~~وجودية أنعم الله بها عليه وحصلت بمشيئة الله ورحمته وحكمته وقدرته وخلقه ~~ليس في الحسنات أمر عدمي غير مضاف إلى PageV14P277 الله بل كلها أمر وجودي ~~وكل موجود وحادث فالله هو الذي يحدثه # وذلك أن الحسنات إما فعل مأمور به أو ترك منهى عنه والترك أمر وجودي فترك ~~الانسان لما نهى عنه ومعرفته بأنه ذنب قبيح وبأنه سبب للعذاب وبغضه وكراهته ~~له ومنع نفسه منه إذا هويته واشتهته وطلبته كل هذه أمور وجودية كما أن ~~معرفته بأن الحسنات كالعدل والصدق حسنة وفعله لها أمور وجودية # ولهذا إنما يثاب الانسان على فعل الحسنات إذا فعلها محبا لها بنية وقصد ~~فعلها ابتغاء وجه ربه وطاعة لله ولرسوله ويثاب على ترك السيئات إذا تركها ~~بالكراهة لها والامتناع منها قال تعالى @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي ~~المأوى @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ # وفى الصحيحين عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ثلاث من كن ms4467 ~~فيه وجد حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب ~~المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره PageV14P278 أن يرجع في الكفر بعد إذ ~~أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ( # وفى السنن عن البراء بن عازب عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أوثق عرى ~~الايمان الحب في الله والبغض في الله ( # وفيها عن أبي أمامة عن النبى صلى الله عليه وسلم ( من أحب لله وأبغض لله ~~وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان ( # وفى الصحيح عن أبى سعيد الخدري عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( من رأي ~~منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك ~~أضعف الايمان ( # وفى الصحيح من حديث بن مسعود رضي الله عنه لما ذكر الخلوف قال ( من ~~جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو ~~مؤمن ليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل ( وقد قال تعالى ( قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لا ستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ~~PageV14P279 # وقال على لسان الخليل ( إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرنى فانه سيهدين ~~) وقال ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فانهم عدو لي إلا ~~رب العالمين ) وقال ( فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) فهذا البغض ~~والعداوة والبراءة مما يعبد من دون الله ومن عابديه هي أمور موجودة في ~~القلب وعلى اللسان والجوارح كما أن حب الله وموالاته وموالاة أوليائه أمور ~~موجودة في القلب وعلى اللسان والجوارح وهي تحقيق قول ( لا إله إلا الله ( ~~وهو إثبات تأليه القلب لله حبا خالصا وذلا صادقا ومنع تأليهه لغير الله ~~وبغض ذلك وكراهته فلا ms4468 يعبد الا الله ويحب أن يعبده ويبغض عبادة غيره ويحب ~~التوكل عليه وخشيته ودعاءه ويبغض التوكل على غيره وخشيته ودعاءه # فهذه كلها أمور موجودة في القلب وهى الحسنات التى يثيب الله عليها # وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة ولا يكرهها بل لا يفعلها ~~لكونها لم تخطر بباله أو تخطر كما تخطر PageV14P280 الجمادات التى لا يحبها ~~ولا يبغضها فهذا لا يثاب على عدم ما يفعله من السيئات ولكن لا يعاقب أيضا ~~على فعلها فكأنه لم يفعلها فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل ~~والمجنون والبهيمة لا ثواب ولا عقاب # ولكن إذا قامت عليه الحجة بعلمه تحريمها فان لم يعتقد تحريمها ويكرها ~~والا عوقب على ترك الايمان بتحريمها ### ||| فصل # وقد تنازع الناس في الترك هل هو أمر وجودي أو عدمي والأكثرون على أنه ~~وجودي # وقالت طائفة كأبي هاشم بن الجبائي إنه عدمي وأن المأمور يعاقب على مجرد ~~عدم الفعل لا على ترك يقوم بنفسه ويسمون ( المذمية ( لأنهم رتبوا الذم على ~~العدم المحض # والأكثرون يقولون الترك أمر وجودي فلا يثاب من PageV14P281 ترك المحظور ~~إلا على ترك يقوم بنفسه وتارك المأمور إنما يعاقب على ترك يقوم بنفسه وهو ~~أن يأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل فيمتنع فهذا الامتناع أمر وجودي ~~ولذلك فهو يشتغل عما أمر به بفعل ضده كما يشتغل عن عبادة الله وحده بعبادة ~~غيره فيعاقب على ذلك # ولهذا كان كل من لم يعبد الله وحده فلابد أن يكون عابدا لغيره يعبد غيره ~~فيكون مشركا وليس في بني آدم قسم ثالث بل إما موحد أو مشرك أو من خلط هذا ~~بهذا كالمبدلين من أهل الملل النصارى ومن أشبههم من الضلال المنتسبين إلى ~~الاسلام قال الله تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ وقد قال تعالى @QB@ إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ms4469 الغاوين @QE@ لما قال إبليس @QB@ ~~لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ قال ~~تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ # فابليس لا يغوي المخلصين ولا سلطان له عليهم إنما سلطانه على الغاوين وهم ~~الذين يتولونه وهم الذين به مشركون PageV14P282 # وقوله @QB@ الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ صفتان لموصوف واحد ~~فكل من تولاه فهو به مشرك وكل من أشرك به فقد تولاه # قال تعالى @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم @QE@ # وكل من عبد غير الله فانما يعبد الشيطان وان كان يظن أنه يعبد الملائكة ~~والأنبياء وقال تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون @QE@ # ولهذا تتمثل الشياطين لمن يعبد الملائكة والأنبياء والصالحين ويخاطبونهم ~~فيظنون أن الذى خاطبهم ملك أو نبى أو ولي وانما هو شيطان جعل نفسه ملكا من ~~الملائكة كما يصيب عباد الكواكب وأصحاب العزائم والطلسمات يسمون أسماء ~~يقولون هي أسماء الملائكة مثل منططرون وغيره وانما هي أسماء الجن # وكذلك الذين يدعون المخلوقين من الأنبياء والأولياء والملائكة قد يتمثل ~~لأحدهم من يخاطبه فيظنه النبى أو الصالح الذي دعاه وانما PageV14P283 هو ~~شيطان تصور في صورته أو قال أنا هو لمن لم يعرف صورة ذلك المدعو # وهذا كثير يجري لمن يدعو المخلوقين من النصارى ومن المنتسبين إلى الاسلام ~~يدعونهم عند قبورهم أو مغيبهم ويستغيثون بهم فيأتيهم من يقول انه ذلك ~~المستغاث به في صورة آدمي اما راكبا واما غير راكب فيعتقد المستغيث أنه ذلك ~~النبى والصالح أو انه سره أو روحانيته أو رقيقته أو المعنى تشكل أو يقول ~~انه ملك جاء على صورته وانما هو شيطان يغويه لكونه أشرك بالله ودعا غيره ~~الميت فمن دونه فصار للشيطان عليه سلطان بذلك الشرك فظن أنه يدعو النبى أو ~~الصالح أو الملك وأنه هو الذي شفع له أو هو ms4470 الذي أجاب دعوته وانما هو ~~الشيطان ليزيده غلوا في كفره وضلاله # فكل من لم يعبد الله مخلصا له الدين فلابد أن يكون مشركا عابدا لغير الله ~~وهو في الحقيقة عابد للشيطان # فكل واحد من بني آدم اما عابد للرحمن واما عابد للشيطان قال تعالى ( ومن ~~يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وانهم ليصدونهم عن السبيل ~~ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال ياليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين ولن PageV14P284 ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ) ~~وقال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ~~@QE@ # فبنو آدم منحصرون في الأصناف الستة وبسط هذا له موضع آخر ### ||| فصل # والمقصود هنا أن الثواب والعقاب إنما يكون على عمل وجودي بفعل الحسنات ~~كعبادة الله وحده وترك السيئات كترك الشرك أمر وجودي وفعل السيئات مثل ترك ~~التوحيد وعبادة غير الله أمر وجودي قال تعالى @QB@ من جاء بالحسنة فله خير ~~منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة @QE@ ~~إلى قوله @QB@ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ وقال تعالى ~~PageV14P285 @QB@ ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله ~~وكانوا بها يستهزؤون @QE@ # فأما عدم الحسنات والسيئات فجزاؤه عدم الثواب والعقاب وإذا فرض رجل آمن ~~بالرسول مجملا وبقي مدة لا يفعل كثيرا من المحرمات ولا سمع أنها محرمة فلم ~~يعتقد تحريمها مثل من آمن ولم يعلم أن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~ولا علم أنه حرم نكاح الأقارب سوى أربعة أصناف ولاحرم بالمصاهرة أربعة ~~أصناف حرم على كل من الزوجين أصول الآخر وفروعه فاذا آمن ولم ms4471 يفعل هذه ~~المحرمات ولا اعتقد تحريمها لأنه لم يسمع ذلك فهذا لا يثاب ولا يعاقب # ولكن إذا علم التحريم فاعتقده أثيب على اعتقاده وإذا ترك ذلك مع دعاء ~~النفس إليه أثيب ثوابا آخر كالذي تدعوه نفسه إلى الشهوات فينهاها كالصائم ~~الذي تشتهي نفسه الأكل والجماع فينهاها والذي تشتهي نفسه شرب الخمر ~~والفواحش فينهاها فهذا يثاب ثوابا آخر بحسب نهيه لنفسه وصبره على المحرمات ~~واشتغاله بالطاعات التى هي ضدها فاذا فعل تلك الطاعات كانت مانعة له عن ~~المحرمات PageV14P286 # وإذا تبين هذا فالحسنات التى يثاب عليها كلها وجودية نعمة من الله تعالى ~~وما أحبته النفس من ذلك وكرهته من السيئات فهو الذي حبب الايمان إلى ~~المؤمنين وزينه في قلوبهم وكره اليهم الكفر والفسوق والعصيان ### ||| فصل # وأما السيئات فمنشؤها الجهل والظلم فان أحدا لا يفعل سيئة قبيحة إلا لعدم ~~علمه بكونها سيئة قبيحة أو لهواه وميل نفسه إليها # ولا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها أو لبغض نفسه لها # وفى الحقيقة فالسيئات كلها ترجع إلى الجهل وإلا فلو كان عالما علما نافعا ~~بأن فعل هذا يضره ضررا راجحا ولم يفعله فان هذا خاصية العاقل ولهذا إذا كان ~~من الحسنات ما يعلم أنه يضره ضررا راجحا كالسقوط من مكان عال أو في نهر ~~يغرقه أو المرور بجنب حائط مائل أو دخول نار متأججة أو رمي ماله في البحر ~~ونحو ذلك PageV14P287 لم يفعله لعلمه بأن هذا ضرر لا منفعة فيه ومن لم يعلم ~~أن هذا يضره كالصبى والمجنون والساهي والغافل فقد يفعل ذلك # ومن أقدم على مايضره مع علمه بما فيه من الضرر عليه فلظنه أن منفعته ~~راجحة # فاما أن يجزم بضرر مرجوح أو يظن أن الخير راجح فلابد من رجحان الخير إما ~~في الظن وإما في المظنون كالذي يركب البحر ويسافر الأسفار البعيدة للربح ~~فإنه لو جزم بأنه يغرق أو يخسر لما سافر لكنه يترجح عنده السلامة والربح ~~وإن كان مخطئا في هذا الظن # وكذلك الذنوب إذا جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع لم ms4472 يسرق وكذلك الزاني إذا ~~جزم بأنه يرجم لم يزن والشارب يختلف حاله فقد يقدم على جلد أربعين وثمانين ~~ويديم الشرب مع ذلك ولهذا كان الصحيح أن عقوبة الشارب غير محدودة بل يجوز ~~أن تنتهي إلى القتل إذا لم ينته إلا بذلك كما جاءت بذلك الأحاديث كما هو ~~مذكور في غير هذا الموضع # وكذلك العقوبات متى جزم طالب الذنب بأنه يحصل له به PageV14P288 الضرر ~~الراجح لم يفعله بل إما أن لايكون جازما بتحريمه أو يكون غير جازم بعقوبته ~~بل يرجو العفو بحسنات أو توبة أو بعفو الله أو يغفل عن هذا كله ولا يستحضر ~~تحريما ولا وعيدا فيبقى غافلا غير مستحضر للتحريم والغفلة من أضداد العلم ### ||| فصل # فالغفلة والشهوة أصل الشر قال تعالى @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا @QE@ والهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات ~~إلا مع الجهل وإلا فصاحب الهوى إذا علم قطعا أن ذلك يضره ضررا راجحا انصرفت ~~نفسه عنه بالطبع فان الله تعالى جعل في النفس حبا لما ينفعها وبغضا لما ~~يضرها فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضررا راجحا بل متى فعلته كان لضعف العقل # ولهذا يوصف هذا بأنه عاقل وذو نهى وذو حجى # ولهذا كان البلاء العظيم من الشيطان لامن مجرد النفس فان PageV14P289 ~~الشيطان يزين لها السيئات ويأمرها بها ويذكر لها ما فيها من المحاسن التى ~~هي منافع لامضار كما فعل ابليس بآدم وحواء فقال @QB@ يا آدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما @QE@ @QB@ وقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين @QE@ # ولهذا قال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ~~وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون @QE@ وقال تعالى @QB@ أفمن ~~زين له سوء عمله فرآه حسنا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تسبوا الذين يدعون من ~~دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم ~~مرجعهم فينبئهم بما ms4473 كانوا يعملون @QE@ # وقوله @QB@ زينا لكل أمة عملهم @QE@ هو بتوسيط تزيين الملائكة والأنبياء ~~والمؤمنين للخير وتزيين شياطين الجن والانس للشر قال تعالى @QB@ وكذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم @QE@ # فأصل ما يوقع الناس في السيئات الجهل وعدم العلم بكونها تضرهم ضررا راجحا ~~أو ظن أنها تنفعهم نفعا راجحا ولهذا قال PageV14P290 الصحابة رضي الله عنهم ~~كل من عصى الله فهو جاهل وفسروا بذلك قوله تعالى @QB@ إنما التوبة على الله ~~للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ كقوله @QB@ وإذا جاءك ~~الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل ~~منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم @QE@ ولهذا يسمى حال ~~فعل السيئات الجاهلية فانه يصاحبها حال من حال جاهلية # قال أبو العالية سألت اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية @QB@ ~~إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ ~~فقالوا كل من عصى الله فهو جاهل ومن تاب قبيل الموت فقد تاب من قريب # وعن قتادة قال ( اجمع اصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ان كل ~~من عصى ربه فهو في جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل ( ~~وكذلك قال التابعون ومن بعدهم # قال مجاهد من عمل ذنبا من شيخ أو شاب فهو بجهالة وقال من عصى ربه فهو ~~جاهل حتى ينزع عن معصيته وقال ايضا هو إعطاء الجهالة العمد وقال مجاهد أيضا ~~من عمل سوءا خطأ أو إثما عمدا فهو جاهل حتى ينزع منه رواهن بن PageV14P291 ~~أبي حاتم ثم قال وروى عن قتادة وعمرو بن مرة والثوري ونحو ذلك ( خطأ أو ~~عمدا ( # وروى عن مجاهد والضحاك قالا ليس من جهالته أن لا يعلم حلالا ولا حراما ~~ولكن من جهالته حين دخل فيه وقال عكرمة الدنيا كلها جهالة # وعن الحسن البصري أنه سئل عنها فقال هم قوم لم يعلموا مالهم مما عليهم ~~قيل له أرأيت لو ms4474 كانوا قد علموا قال فليخرجوا منها فانها جهالة # قلت ومما يبين ذلك قوله تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ ~~وكل من خشيه وأطاعه وترك معصيته فهو عالم كما قال تعالى @QB@ أم من هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ # وقال رجل للشعبى أيها العالم فقال إنما العالم من يخشى الله # وقوله تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ يقتضي أن كل من ~~خشى الله فهو عالم فإنه لا يخشاه إلا عالم PageV14P292 ويقتضي أيضا أن ~~العالم من يخشى الله كما قال السلف # قال بن مسعود كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا # ومثل هذا الحصر يكون من الطرفين حصر الأول في الثاني وهو مطرد وحصر ~~الثاني في الأول نحو قوله @QB@ إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ~~@QE@ وقوله @QB@ إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ وقوله @QB@ إنما يؤمن ~~بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع @QE@ وذلك أنه أثبت الخشية للعلماء ونفاها عن ~~غيرهم وهذا كالاستثناء فإنه من النفي إثبات عند جمهور العلماء كقولنا لا ~~إله إلا الله وقوله تعالى @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ وقوله @QB@ ~~ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقوله @QB@ ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ # وقد ذهب طائفة إلى أن المستثنى مسكوت عنه لم يثبت له ما ذكر ولم ينف عنه # وهؤلاء يقولون ذلك في صيغة الحصر بطريق الأولى فيقولون نفى الخشية عن غير ~~العلماء ولم يثبتها لهم PageV14P293 # والصواب قول الجمهور أن هذا كقوله @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق @QE@ فانه ينفي التحريم عن غير هذه ~~الأصناف ويثبتها لها لكن أثبتها للجنس أو لكل واحد من العلماء كما يقال ~~إنما يحج المسلمون ولايحج إلا مسلم وذلك أن المستثنى هل هو مقتض أو شرط # ففي هذه الآية وأمثالها هو مقتض فهو عام فان العلم بما ms4475 أنذرت به الرسل ~~يوجب الخوف فاذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة على فعل الحسنات وترك ~~السيئات وكل عاص فهو جاهل ليس بتام العلم يبين ما ذكرنا من أن أصل السيئات ~~الجهل وعدم العلم وإذا كان كذلك فعدم العلم ليس شيئا موجودا بل هو مثل عدم ~~القدرة وعدم السمع والبصر وسائر الاعدام # والعدم لا فاعل له وليس هو شيئا وإنما الشيء الموجود والله تعالى خالق كل ~~شيء فلا يجوز أن يضاف العدم المحض إلى الله لكن قد يقترن به ما هو موجود # فاذا لم يكن عالما بالله لا يدعوه إلى الحسنات وترك السيئات # والنفس بطبعها متحولة فانها حية والارادة والحركة الارادية من ~~PageV14P294 لوازم الحياة ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح ( أصدق الأسماء حارث وهمام ( فكل آدمي حارث وهمام أي عامل كاسب وهو ~~همام أي يهم ويريد فهو متحرك بالارادة # وقد جاء في الحديث ( مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة وللقلب أشد ~~تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا ( # فلما كانت الارادة والعمل من لوازم ذاتها فاذا هداها الله علمها ما ~~ينفعها وما يضرها فأرادت ما ينفعها وتركت ما يضرها ### ||| فصل # والله سبحانه قد تفضل على بنى آدم بأمرين هما أصل السعادة أحدهما أن كل ~~مولود يولد على الفطرة كما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة اقرأوا ~~إن شئتم ( فطرة الله التى فطر الناس عليها ( قال تعالى @QB@ فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم @QE@ PageV14P295 # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ? < يقول ~~الله تعالى خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بى مالم أنزل به سلطانا > ? # فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالالهية محبة له ms4476 تعبده لا تشرك ~~به شيئا ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الانس والجن بما يوحى بعضهم إلى ~~بعض من الباطل قال تعالى @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون @QE@ # وتفسير هذه الآية مبسوط في غير هذا الموضع # الثاني أن الله تعالى قد هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم بالفطرة من ~~المعرفة وأسباب العلم وبما أنزل إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل قال ~~تعالى @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم ~~الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ وقال تعالى @QB@ الرحمن علم ~~القرآن خلق الإنسان علمه البيان @QE@ PageV14P296 # وقال تعالى @QB@ سبح اسم ~~ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ وقال تعالى @QB@ وهديناه ~~النجدين @QE@ # ففي كل أحد ما يقتضي معرفته بالحق ومحبته له وقد هداه ربه إلى أنواع من ~~العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة الأولى والآخرة وجعل في فطرته محبه ~~لذلك لكن قد يعرض الانسان بجاهليته وغفلته عن طلب علم ما ينفعه # وكونه لا يطلب ذلك ولايريده أمر عدمي لا يضاف إلى الله تعالى فلا يضاف ~~إلى الله لاعدم علمه بالحق ولا عدم إرادته للخير # لكن النفس كما تقدم الارادة والحركة من لوازمها فانها حية حياة طبيعية ~~لكن سعادتها ونجاتها إنما تتحقق بأن تحيا الحياة النافعة الكاملة وكان ~~مالها من الحياة الطبيعية موجبا لعذابها فلا هي حية متنعمة بالحياة ولا هي ~~ميتة مستريحة من العذاب قال تعالى @QB@ فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ~~ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى @QE@ ~~فالجزاء من جنس العمل لما كان في الدنيا ليس بحي الحياة النافعة التى خلق ~~لأجلها PageV14P297 بل كانت حياته من جنس حياة البهائم ولم يكن ميتا عديم ~~الاحساس كان في الآخرة كذلك فان ms4477 مقصود الحياة هو حصول ما ينتفع به الحي ~~ويستلذ به والحى لابد له من لذة أو ألم فاذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له ~~مقصود الحياة فان الألم ليس مقصودا # كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة لا تدعه يتنعم بشيء مما يتنعم به ~~الأحياء فهذا يبقى طول حياته يختار الموت ولا يحصل له # فلما كان من طبع النفس الملازم لها وجود الارادة والعمل إذ هو حارث همام ~~فان عرفت الحق وأرادته وأحبته وعبدته فذلك من تمام إنعام الله عليها وإلا ~~فهي بطبعها لابد لها من مراد معبود غير الله ومرادات سيئة تضرها فهذا الشر ~~قد تركب من كونها لم تعرف الله ولم تعبده وهذا عدم لا يضاف إلى فاعل ومن ~~كونها بطبعها لا بد لها من مراد معبود فعبدت غيره وهذا هو الشر الذي تعذب ~~عليه وهو من مقتضى طبعها مع عدم هداها # والقدرية يعترفون بهذا جميعه وبأن الله خلق الانسان مريدا لكن يجعلون ~~المخلوق كونه مريدا بالقوة والقبول أي قابلا لأن يريد هذا PageV14P298 # وهذا وأما كونه مريدا لهذا المعين وهذا المعين فهذا عندهم ليس مخلوقا لله ~~وغلطوا في ذلك غلطا فاحشا فان الله خالق هذا كله # وإرادة النفس لما تريده من الذنوب وفعلها هو من جملة مخلوقات الله تعالى ~~فان الله خالق كل شيء وهو الذي ألهم النفس التى سواها فجورها وتقواها # وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه ( اللهم آت نفسي تقواها ~~وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ( وهو سبحانه جعل إبراهيم وآله ~~ائمة يهدون بأمره وجعل فرعون وآله أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون # لكن هذا لا يضاف مفردا إلى الله تعالى لوجهين من جهة علته الغائية ومن ~~جهة سببه وعلته الفاعلية # أما الغائية فان الله إنما خلقه لحكمة هو باعتبارها خير لاشر وإن كان شرا ~~إضافيا فاذا أضيف مفردا توهم المتوهم مذهب جهم أن الله يخلق الشر المحض ~~الذي لاخير فيه لأحد لا لحكمة ولا رحمة والاخبار ms4478 والسنة والاعتبار تبطل هذا ~~المذهب PageV14P299 # كما أنه إذا قيل محمد وأمته يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض كان هذا ذما ~~لهم وكان باطلا وإذا قيل يجاهدون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا ~~ويكون الدين كله لله ويقتلون من منعهم من ذلك كان هذا مدحا لهم وكان حقا # فاذا قيل ان الرب تبارك وتعالى حكيم رحيم أحسن كل شيء خلقه وأتقن ما صنع ~~وهو أرحم الراحمين أرحم بعباده من الوالدة بولدها والخير كله بيديه والشر ~~ليس إليه بل لا يفعل الا خيرا وما خلقه من ألم لبعض الحيوانات أو من ~~أعمالهم المذمومة فله فيها حكمة عظيمة ونعمة جسيمة كان هذا حقا وهو مدح ~~للرب وثناء عليه # وأما إذا قيل إنه يخلق الشر الذي لا خير فيه ولا منفعة لأحد ولا له فيها ~~حكمة ولا رحمة ويعذب الناس بلاذنب لم يكن هذا مدحا للرب ولا ثناء عليه بل ~~كان بالعكس ومن هؤلاء # من يقول إن الله تعالى أضر على خلقه من إبليس # وبسط القول في بيان فساد قول هؤلاء له موضع آخر # وقد بينا بعض ما في خلق جهنم وإبليس والسيئات من الحكمة PageV14P300 و ~~الرحمة وما لم نعلم أعظم مما علمناه # فتبارك الله أحسن الخالقين وأرحم الراحمين وخير الغافرين ومالك يوم الدين ~~الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد الذي لا يحصى العباد ~~ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله ~~الحكم وإليه ترجعون الذي يستحق الحمد والحب والرضا لذاته ولا حسانه إلى ~~عباده سبحانه وتعالى يستحق أن يحمد لما له في نفسه من المحامد والاحسان إلى ~~عباده هذا حمد شكر وذاك حمد مطلقا # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ماقيل من أن كل ما خلقه الله فهو نعمة على ~~عبادة المؤمنين يستحق أن يحمدوه ويشكروه عليه وهو من آلائه ولهذا قال في ~~آخر سورة النجم @QB@ فبأي آلاء ربك تتمارى @QE@ وفى سورة الرحمن يذكر @QB@ ~~كل من عليها فان @QE@ ونحو ms4479 ذلك ثم يقول عقب ذلك @QB@ فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان @QE@ # وقال آخرون منهم الزجاج وأبو الفرج بن الجوزي @QB@ فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان @QE@ أي من هذه الأشياء المذكورة لأنها كلها ينعم بها عليكم في ~~دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم وهذا قالوه في ~~سورة الرحمن PageV14P301 # وقالوا في قوله @QB@ فبأي آلاء ربك تتمارى @QE@ فبأي نعم ربك التى تدل ~~على وحدانيته تتشكك وقيل تشك وتجادل قال بن عباس تكذب # قلت قد ضمن ( تتمارى ( معنى تكذب ولهذا عداه بالتاء فان التماري تفاعل من ~~المراء يقال تمارينا في الهلال والمراء في القرآن كفر وهو يكون تكذيب ~~وتشكيك # وقد يقال لما كان الخطاب لهم قال ( تتمارى ( أي يتمارون ولم يقل تميرا ~~فان التفاعل يكون بين اثنين تماريا قالوا والخطاب للانسان قيل للوليد بن ~~المغيرة فانه قال @QB@ أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى @QE@ ثم التفت إليه فقال @QB@ فبأي آلاء ربك تتمارى ~~@QE@ تكذب كما قال @QB@ خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج ~~من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان @QE@ # ففي كل ما خلقه الله إحسان إلى عباده يحمد عليه حمد شكر وله فيه حكمة ~~تعود إليه يستحق لأجلها أن يحمد عليه حمدا يستحقه لذاته فجميع المخلوقات ~~فيها إنعام على العباد كالثقلين المخاطبين بقوله PageV14P302 @QB@ فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان @QE@ من جهة أنها آيات للرب يحصل بها هدايتهم وإيمانهم ~~الذى يسعدون به في الدنيا والآخرة فيدلهم عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه ~~وحكمته ورحمته # والآيات التى بعث بها الأنبياء وأيدهم بها ونصرهم وإهلاك عدوهم كما ذكره ~~في سورة النجم @QB@ وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل ~~إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى @QE@ تدلهم على صدق ~~الأنبياء فيما أخبروا به من الأمر والنهي والوعد والوعيد ما بشروا به ~~وأنذروا به # ولهذا قال عقيب ذلك @QB@ هذا نذير من النذر الأولى @QE@ قيل هو محمد وقيل ~~هو القرآن فان الله سمى كلا منهما بشيرا ونذيرا ms4480 فقال في رسول الله @QB@ إن ~~أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا @QE@ وقال تعالى في القرآن @QB@ كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا ~~لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا @QE@ وهما متلازمان # وكل من هذين المعنيين مراد يقال هذا نذير أنذر بما أنذرت به الرسل والكتب ~~الأولى # وقوله ( من النذر ( أي من جنسها أي رسول من PageV14P303 الرسل المرسلين # ففي المخلوقات نعم من جهة حصول الهدى والايمان والاعتبار والموعظة بها # وهذه أفضل النعم # فأفضل النعم نعمة الايمان وكل مخلوق من المخلوقات فهو الآيات التى يحصل ~~بها ما يحصل من هذه النعمة قال تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولى ~~الألباب ) وقال تعالى @QB@ تبصرة وذكرى لكل عبد منيب @QE@ # وما يصيب الانسان إن كان يسره فهو نعمة بينة وإن كان يسوءه فهو نعمة من ~~جهة أنه يكفر خطاياه ويثاب بالصبر عليه ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا ~~يعلمها ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) # وقد قال في الحديث ( والله لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان PageV14P304 ~~خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ~~( وإذا كان هذا وهذا فكلاهما من نعم الله عليه # وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر # أما نعمة الضراء فاحتياجها إلى الصبر ظاهر وأما نعمة السراء فتحتاج إلى ~~الصبر على الطاعة فيها فان فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء كما قال بعض ~~السلف ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر # وفى الحديث ( أعوذ بك من فتنة الفقر وشر فتنة الغنى ( # والفقر يصلح عليه خلق كثير والغنى لايصلح عليه إلا أقل منهم # ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين لأن فتنة الفقر أهون وكلاهما ~~يحتاج إلى الصبر والشكر لكن لما كان في السراء اللذة وفى الضراء الألم ~~اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء قال تعالى @QB@ ولئن أذقنا ~~الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس ms4481 كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ~~ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير @QE@ PageV14P305 ولأن صاحب السراء ~~أحوج إلى الشكر وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر فان صبر هذا وشكر هذا واجب إذا ~~تركه استحق العقاب # وأما صبر صاحب السراء فقد يكون مستحبا إذا كان عن فضول الشهوات وقد يكون ~~واجبا ولكن لاتيانه بالشكر الذي هو حسنات يغفر له ما يغفر من سيئاته # وكذلك صاحب الضراء لايكون الشكر في حقه مستحبا إذا كان شكرا يصير به من ~~السابقين المقربين وقد يكون تقصيره في الشكر مما يغفر له لما يأتى به من ~~الصبر فان اجتماع الشكر والصبر جميعا يكون مع تألم النفس وتلذذها يصبر على ~~الألم ويشكر على النعم وهذا حال يعسر على كثير من الناس وبسط هذا له موضع ~~آخر # والمقصود هنا أن الله تعالى منعم بهذا كله وإن كان لا يظهر الانعام به في ~~الابتداء لأكثر الناس فان الله يعلم وأنتم لا تعلمون فكل مايفعله الله فهو ~~نعمة منه # وأما ذنوب الانسان فهي من نفسه ومع هذا فهي مع PageV14P306 حسن العاقبة ~~نعمة وهي نعمة على غيرة بما يحصل له بها من الاعتبار والهدى والايمان ولهذا ~~كان من أحسن الدعاء قوله ( اللهم لا تجعلني عبرة لغيري ولاتجعل أحدا أسعد ~~بما علمتني منى ( # وفى دعاء القرآن @QB@ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين @QE@ @QB@ لا ~~تجعلنا فتنة للذين كفروا @QE@ كما فيه @QB@ واجعلنا للمتقين إماما @QE@ أي ~~فاجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا ويأتم ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا ويشقى # و ( الآلاء ( في اللغة هي النعم وهي تتضمن القدرة # قال بن قتيبة لما عدد الله في هذه السورة سورة الرحمن نعماءه وذكر عبادة ~~آلاءه ونبههم على قدرته جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين نعمتين ليفهم النعم ~~ويقررهم بها # وقد روى الحاكم في صحيحه والترمذي عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال ( قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى ختمها ثم ms4482 قال ~~مالي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ~~PageV14P307 والله تعالى يذكر في القرآن بآياته الدالة على قدرته وربوبيته ~~ويذكر بآياته التى فيها نعمه وإحسانه إلى عباده ويذكر بآياته المبينة ~~لحكمته تعالى وهي كلها متلازمة # فكل ما خلق فهو نعمة ودليل على قدرته وعلى حكمته # لكن نعمة الرزق والانتفاع بالمآكل والمشارب والمساكن والملابس ظاهرة لكل ~~أحد فلهذا يستدل بها كما في سورة النحل وتسمى سورة النعم كما قاله قتادة ~~وغيره # وعلى هذا فكثير من الناس يقول الحمد أعم من الشكر من جهة أسبابه فانه ~~يكون على نعمة وعلى غير نعمة والشكر أعم من جهة أنواعه فانه يكون بالقلب ~~واللسان واليد # فاذا كان كل مخلوق فيه نعمة لم يكن الحمد إلا على نعمة والحمد لله على كل ~~حال لأنه ما من حال يقضيها إلا وهي نعمة على عبادة لكن هذا فهم من عرف ما ~~في المخلوقات من النعم والجهمية والجبرية بمعزل عن هذا PageV14P308 # وكذلك كل ما يخلقه ففيه له حكمة فهو محمود عليه باعتبار تلك الحكمة ~~والجهمية أيضا بمعزل عن هذا # وكذلك القدرية الذين يقولون لاتعود الحكمة إليه بل ماثم إلا نفع الخلق ~~فما عندهم إلا شكر كما ليس عند الجهمية إلا قدرة والقدرة المجردة عن نعمة ~~وحكمة لا يظهر فيها وصف حمد كالقادر الذي يفعل مالا ينتفع به ولا ينفع به ~~أحدا فهذا لايحمد # فحقيقة قول الجهمية أتباع جهم أنه لايستحق الحمد فله عندهم ملك بلا حمد ~~مع تقصيرهم في معرفة ملكه # كما أن المعتزلة له عندهم نوع من الحمد بلا ملك تام إذ كان عندهم يشاء ~~مالا يكون ويكون مالا يشاء وتحدث حوادث بلا قدرته وعلى مذهب السلف له الملك ~~وله الحمد تامين وهو محمود # على حكمته كما هو محمود على قدرته ورحمته PageV14P309 وقد قال @QB@ شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا ms4483 إله إلا هو ~~العزيز الحكيم @QE@ ) فله الوحدانية في إلهيته وله العدل وله العزة والحكمة # وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم فمن قصر عن معرفة السنة فقد نقص ~~الرب بعض حقه # والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة ولا توحيد إلهية بل توحيد ربوبيته # والمعتزلي أيضا لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا في الحسنات ~~والسيئات ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة وإن قال إنه يثبت الحكمة بما معناها ~~يعود إلى غيره وتلك لا يصلح أن تكون حكمة من فعل لا لأمر يرجع إليه بل ~~لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم بل سفيه # وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت أنه رأس الشكر فهو أول الشكر ~~والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته فالشكر بالأعمال PageV14P310 هو على ~~نعمته وهو عبادة له لالهيته التى تتضمن حكمته فقد صار مجموع الأمور داخلا ~~في الشكر # ولهذا عظم القرآن أمر الشكر ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من ~~الشكر # وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد # ففي الفاتحة الشكر والتوحيد والخطب الشرعية لابد فيها من الشكر والتوحيد ~~والباقيات الصالحات نوعان فسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم ~~ولا إله إلا الله والله أكبر فيها التوحيد والتكبير # وقد قال تعالى @QB@ فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين @QE@ # وهل الحمد على كل ما يحمد به الممدوح وإن لم يكن باختياره أولا يكون ~~الحمد إلا على الأمور الاختيارية كما قيل في الذم فيه نظر ليس هذا موضعه # وفى الصحيح ( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع ~~يقول ( ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء PageV14P311 الأرض وملء ما شئت من ~~شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما ~~أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( هذا لفظ الحديث ( أحق ~~( أفعل التفضيل # وقد غلط فيه طائفة من المصنفين فقالوا ( حق ما قال ms4484 العبد ( # وهذا ليس لفظ الرسول وليس هو بقول سديد فان العبد يقول الحق والباطل بل ~~حق ما يقوله الرب كما قال تعالى @QB@ فالحق والحق أقول @QE@ # ولكن لفظه أحق ما قال العبد خبر مبتدا محذوف أي الحمد أحق ما قال العبد ~~أو هذا وهو الحمد أحق ما قال العبد # ففيه بيان أن الحمد لله أحق ما قاله العباد ولهذا أوجب قوله في كل صلاة ~~وأن تفتتح به الفاتحة وأوجب قوله في كل خطبة وفى كل أمر ذي بال # والحمد ضد الذم والحمد يكون على محاسن المحمود مع المحبة له كما أن الذم ~~يكون على مساويه مع البغض له # فاذا قيل إنه سبحانه يفعل الخير والحسنات وهو حكيم رحيم PageV14P312 ~~بعباده أرحم بعباده من الوالدة بولدها أوجب ذلك أن يحبه عباده ويحمدوه # وأما إذا قيل بل يخلق ما هو شر محض لانفع فيه ولا رحمة ولا حكمة لأحد ~~وإنما يتصف بارادة ترجح مثلا على مثل لا فرق عنده بين أن يرحم أو يعذب ~~وليست نفسه ولا إرادته مرجحة للاحسان إلى الخلق بل تعذيبهم وتنعيمهم سواء ~~عنده وهو مع هذا يخلق ما يخلق لمجرد العذاب والشر ويفعل ما يفعل لا لحكمة ~~ونحو ذلك مما يقوله الجهمية لم يكن هذا موجبا لأن يحبه العباد ويحمدوه بل ~~هو موجب للعكس # ولهذا فان كثيرا من # هؤلاء ينطقون بالذم والشتم والطعن ويذكرون ذلك نظما ونثرا وكثير من شيوخ ~~هؤلاء وعلمائهم من يذكر في كلامه مايقتضي هذا ومن لم يقله بلسانه فقلبه ~~ممتلئ به لكن يرى أن ليس في ذكره منفعة أو يخاف من عموم المسلمين # وفي شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو هذا # وهؤلاء يقيمون حجج إبليس وأتباعه على الله ويجعلون الرب ظالما لهم ~~PageV14P313 # وهو خلاف ما وصف الله به نفسه في قوله تعالى @QB@ وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~هم الظالمين @QE@ وقوله @QB@ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم @QE@ وقوله ~~@QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ # كيف يكون ظالما وهم فيما بينهم لو أساء بعضهم إلى بعض أو قصر في حقه لكان ~~يؤاخذه ms4485 ويعاقبه وينتقم منه ويكون ذلك عدلا إذا لم يعتد عليه # ولو قال إن الذي فعلته قدر علي فلا ذنب لي فيه لم يكن هذا عذرا له عندهم ~~باتفاق العقلاء # فاذا كان العقلاء متفقين على أن حق المخلوق لا يجوز إسقاطه احتجاجا ~~بالقدر فكيف يجوز إسقاط حق الخالق احتجاجا بالقدر # وهو سبحانه الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت ~~من لدنه أجرا عظيما وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # فقوله أحق ما قال العبد يقتضي أن حمد الله أحق ما قاله العبد فله الحمد ~~على كل حال لأنه لا يفعل إلا الخير PageV14P314 والاحسان الذي يستحق الحمد ~~عليه سبحانه وتعالى وإن كان العباد لا يعلمون # وهو سبحانه خلق الانسان وخلق نفسه متحركة بالطبع حركة لابد فيها من الشر ~~لحكمة بالغة ورحمة سابغة # فاذا قيل فلم لم يخلقها على غير هذا الوجه # قيل كان يكون ذلك خلقا غير الانسان وكانت الحكمة التى خلقها بخلق الانسان ~~لا تحصل وهذا سؤال الملائكة حيث قالوا @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء @QE@ وما لم تعلمه الملائكة فكيف يعلمه آحاد الناس # ونفس الانسان خلقت كما قال الله تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه ~~الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا @QE@ وقال تعالى @QB@ خلق الإنسان من عجل ~~@QE@ # فقد خلقت خلقة تستلزم وجود ما وجد منها لحكمة عظيمة ورحمة عميمة فكان ذلك ~~خيرا ورحمة وإن كان فيه شر إضافي كما تقدم فهذا من جهة الغاية مع أنه لا ~~يضاف الشر إلى الله # وأما الوجة الثاني من جهة السبب فان هذا الشر إنما وجد لعدم PageV14P315 ~~العلم والارادة التى تصلح النفس فانها خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله ~~ومحبته وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك وهذا كله من فضل الله ~~واحسانه لكن النفس المذنبة لما لم يحصل لها من يكملها بل حصل لها من زين ~~لها السيئات من شياطين الانس والجن مالت إلى ذلك وفعلت السيئات فكان فعلها ~~للسيئات مركبا من عدم ما ينفع وهو ms4486 الأفضل ووجود هؤلاء الذين حيروها والعدم ~~لايضاف إلى الله وهؤلاء القول فيهم كالقول فيها خلقهم لحكمة # فلما كان عدم ما تعمل به وتصلح هو أحد السببين وكان الشر المحض الذي لا ~~خير فيه هو العدم المحض والعدم لا يضاف إلى الله فانه ليس شيئا والله خالق ~~كل شيء كانت السيئات منها باعتبار ( أن ) ذاتها في نفسها مستلزمة للحركة ~~الارادية التى تحصل منها مع عدم ما يصلحها تلك السيئات # والعبد إذا اعترف وأقر بأن الله خالق أفعاله كلها فهو على وجهين إن اعترف ~~به اقرارا بخلق الله كل شيء بقدرته ونفوذ مشيئته وإقرارا بكلماته التامات ~~التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر واعترافا بفقره وحاجته إلى الله وأنه إن لم ~~يهده فهو ضال وان لم يتب عليه فهو مصر وان لم يغفر له فهو هالك خضع لعزته ~~وحكمته فهذا حال المؤمنين PageV14P316 الذين يرحمهم الله ويهديهم ويوفقهم ~~لطاعته # وان قال ذلك احتجاجا على الرب ودفعا للأمر والنهي عنه واقامة لعذر نفسه ~~فهذا ذنب أعظم من الأول وهذا من أتباع الشيطان ولا يزيده ذلك الا شرا وقد ~~ذكرنا أن الرب سبحانه محمود لنفسه ولاحسانه إلى خلقه ولذلك هو يستحق المحبة ~~لنفسه ولاحسانه إلى عباده ويستحق أن يرضى العبد بقضائه لأن حكمه عدل لا ~~يفعل الا خيرا وعدلا ولأنه لايقضى للمؤمن قضاء الا كان خيرا له ( ان اصابته ~~سراء شكر فكان خيرا له وان اصابته ضراء صبر فكان خيرا له ( # فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه من الحمد والثناء ولأنه محسن ~~إلى المؤمن # وما تسأله طائفة من الناس وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال ( لايقضي الله ~~للمؤمن قضاء الا كان خيرا له ( وقد قضى عليه بالسيئات الموجبة للعقاب فكيف ~~يكون ذلك خيرا # وعنه جوابان # أحدهما أن أعمال العباد لم تدخل في الحديث انما دخل فيه PageV14P317 ما ~~يصيب الانسان من النعم والمصائب كما في قوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) ولهذا قال ? < ان اصابته سراء شكر فكان ms4487 خيرا ~~له وان اصابته ضراء صبر فكان خيرا له > ? فجعل القضاء ما يصيبه من سراء ~~وضراء هذا ظاهر لفظ الحديث فلا اشكال عليه # الوجه الثانى أنه اذا قدر أن الأعمال دخلت في هذا فقد قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ( # فاذا قضى له بأن يحسن فهذا مما يسره فيشكر الله عليه # واذا قضى عليه بسيئة فهي إنما تكون سيئة يستحق العقوبة عليها إذا لم يتب ~~منها فان تاب أبدلت بحسنة فيشكر الله عليها وان لم يتب ابتلى بمصائب تكفرها ~~فصبر عليها فيكون ذلك خيرا له والرسول صلى الله عليه وسلم قال ( لايقضي ~~الله للمؤمن ( والمؤمن هو الذي لا يصر على ذنب بل يتوب منه فيكون حسنة كما ~~قد جاء في عدة آيات ان العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة بعمله لا يزال ~~يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة # والذنب يوجب ذل العبد وخضوعه ودعاء الله واستغفاره اياه وشهوده بفقرة ~~وحاجته إليه وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو PageV14P318 # فيحصل للمؤمن بسبب الذنب من الحسنات مالم يكن يحصل بدون ذلك فيكون هذا ~~القضاء خيرا له فهو في ذنوبه بين أمرين إما أن يتوب فيتوب الله عليه فيكون ~~من التوابين الذين يحبهم الله # وإما أن يكفر عنه بمصائب تصيبه ضراء فيصبر عليها فيكفر عنه السيئات بتلك ~~المصائب وبالصبر عليها ترتفع درجاته # وقد جاء في بعض الأحاديث يقول الله تعالى ? < أهل ذكرى أهل مجالستى وأهل ~~شكرى أهل زيادتى وأهل طاعتى أهل كرامتى وأهل معصيتى لا أؤيسهم من رحمتى إن ~~تابوا فأنا حبيبهم > ? أي محبهم فان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وان ~~لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأكفر عنهم المعائب # وفى قوله تعالى @QB@ فمن نفسك @QE@ من الفوائد أن العبد لا يركن إلى نفسه ~~ولايسكن إليها فان الشر لايجيء إلا منها ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم ~~إذا أساءوا إليه فان ذلك من السيئات التى أصابته وهي إنما أصابته بذنوبه ~~فيرجع إلى الذنوب فيستغفر منها ويستعيذ PageV14P319 بالله ms4488 من شر نفسه ~~وسيئات عمله ويسأل الله أن يعينه على طاعته فبذلك يحصل له كل خير ويندفع ~~عنه كل شر # ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ فانه ~~إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شر لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة لكن # الذنوب هي من لوازم نفس الانسان وهو محتاج إلى الهدى في كل لحظة وهو إلى ~~الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب # ليس كما يقوله طائفة من المفسرين إنه قد هداه فلماذا يسأل الهدى # وأن المراد بسؤال الهدى الثبات أو مزيد الهداية بل العبد محتاج إلى أن ~~يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله وإلى ما يتولد من تفاصيل الأمور في كل ~~يوم وإلى أن يلهم أن يعمل ذلك # فانه لا يكفى مجرد علمه إن لم يجعله الله مريدا للعمل بعلمه وإلا ~~PageV14P320 كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتديا والعبد محتاج إلى أن يجعله ~~الله قادرا على العمل بتلك الارادة الصالحة # فانه لايكون مهتديا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلا بهذه العلوم والارادات والقدرة ~~على ذلك # ويدخل في ذلك من أنواع الحاجات مالا يمكن إحصاؤه # ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفرط حاجتهم إليه # فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء # وإنما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الانس والجن ~~والمأمورين بهذا الدعاء ورأى ما في النفوس من الجهل والظلم الذي يقتضي ~~شقاءها في الدنيا والآخرة فيعلم أن الله بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من ~~أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر # ومما يبين ذلك أن الله تعالى لم يقص علينا في القرآن قصة أحد PageV14P321 ~~إلا لنعتبر بها لما في الاعتبار بها من حاجتنا إليه ومصلحتنا # وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثانى بالأول وكانا مشتركين في المقتضى ~~للحكم # فلولا أن في نفوس الناس من جنس ms4489 ما كان في نفوس المكذبين للرسل فرعون ومن ~~قبله لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لانشبهه قط ولكن الأمر كما قال ~~تعالى @QB@ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك @QE@ وكما قال تعالى ~~@QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل @QE@ # ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى قال فمن ( # وقال ( لتأخذن أمتى مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قيل يارسول ~~الله فارس والروم قال فمن ( وكلا الحديثين في الصحيحين PageV14P322 # ولما كان في غزوة حنين كان للمشركين شجرة يقال لها ذات أنواط يعلقون ~~عليها أسلحتهم وينوطونها بها ويستظلون بها متبركين فقال بعض الناس ( يارسول ~~الله أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال الله أكبر قلتم كما قال ~~قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنها السنن لتركبن سنن من كان ~~قبلكم ( # وقد بين القرآن أن السيئات من النفس وإن كانت بقدر الله # فأعظم السيئات جحود الخالق والشرك به وطلب النفس أن تكون شريكه وندا له ~~أو أن تكون إلها من دونه وكلا هذين وقع فان فرعون طلب أن يكون إلها معبودا ~~دون الله تعالى وقال @QB@ ما علمت لكم من إله غيري @QE@ وقال @QB@ أنا ربكم ~~الأعلى @QE@ وقال لموسى @QB@ لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ~~@QE@ و @QB@ فاستخف قومه فأطاعوه @QE@ # وإبليس يطلب أن يعبد ويطاع من دون الله فيريد أن يعبد ويطاع هو ولا يعبد ~~الله ولا يطاع وهذا الذى في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل # وفى نفوس سائر الإنس والجن شعبة من هذا وهذا إن لم يعن PageV14P323 الله ~~العبد ويهديه وإلا وقع في بعض ما وقع فيه إبليس وفرعون بحسب الامكان # قال بعض العارفين ما من نفس إلا وفيها ما في ms4490 نفس فرعون غير أن فرعون قدر ~~فأظهر وغيره عجز فأضمر # وذلك أن الانسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس وسمع أخبارهم رأى الواحد ~~منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته فالنفس مشحونة بحب العلو ~~والرياسة بحسب إمكانها فتجد أحدهم يوالى من يوافقه على هواه ويعادى من ~~يخالفه في هواه وإنما معبوده ما يهواه ويريده قال تعالى @QB@ أرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا @QE@ والناس عنده في هذا الباب كما هم عند ~~ملوك الكفار من المشركين من الترك وغيرهم يقولون ( يارباعى ( أي صديق وعدو ~~فمن وافق هواهم كان وليا وإن كان كافرا مشركا ومن لم يوافق هواهم كان عدوا ~~وإن كان من أولياء الله المتقين وهذه هي حال # فرعون والواحد من هؤلاء يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه لكنه PageV14P324 ~~لا يتمكن مما تمكن منه فرعون من دعوى الالهية وجحود الصانع # وهؤلاء وإن كانوا يقرون بالصانع لكنهم إذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادته ~~وطاعته المتضمنة ترك طاعتهم فقد يعادونه كما عادى فرعون موسى # وكثير من الناس ممن عنده بعض عقل وإيمان لايطلب هذا الحد بل يطلب لنفسه ~~ما هو عنده فان كان مطاعا مسلما طلب أن يطاع في أغراضه وإن كان فيها ما هو ~~ذنب ومعصية لله ويكون من أطاعه في هواه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله ~~وخالف هواه وهذه شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل # وإن كان عالما أو شيخا أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره حتى لو كانا يقرآن ~~كتابا واحدا كالقرآن أو يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها كالصلوات الخمس ~~فانه يحب من يعظمه بقبول قوله والاقتداء به اكثر من غيره وربما أبغض نظيره ~~وأتباعه حسدا وبغيا كما فعلت اليهود لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى قال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل ~~الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ms4491 إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة @QE@ PageV14P325 # وقال تعالى @QB@ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم @QE@ # ولهذا أخبر الله تعالى عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون وسلط عليهم من ~~انتقم به منهم فقال تعالى عن فرعون @QB@ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها ~~شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ~~@QE@ وقال تعالى عنهم ( @QB@ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا @QE@ ولهذا قال تعالى @QB@ تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا @QE@ # والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته ليذكروه ويشكروه ويعبدوه ~~وأرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبدوا الله وحده وليكون الدين كل 6 ه لله ولتكون ~~كلمة الله هي العليا كما أرسل كل رسول بمثل ذلك قال تعالى @QB@ وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ~~@QE@ # وقد أمر الله الرسل كلهم بهذا وأن لا يتفرقوا فيه فقال ( إن PageV14P326 ~~@QB@ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون @QE@ # قال قتادة أى دينكم دين واحد وربكم رب واحد والشريعة مختلفة وكذلك قال ~~الضحاك عن بن عباس ( إن هذه أمتكم أمة واحدة ( أي دينكم دين واحد قال بن ~~أبي حاتم وروى عن سعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد نحو ذلك وقال ~~الحسن بين لهم ما يتقون وما يأتون ثم قال إن هذه سنتكم سنة واحدة # وهكذا قال جمهور المفسرين # و ( الأمة ( الملة والطريقة كما قال تعالى @QB@ قالوا إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مهتدون @QE@ كما يسمى ( الطريق ( إماما لأن السالك ~~فيه يأتم به فكذلك السالك يؤمه ويقصده # و ( الأمة ( أيضا معلم ms4492 الخير الذي يأتم به الناس كما أن ( الامام ( هو ~~الذي يأتم به الناس وإبراهيم عليه السلام جعله الله إماما وأخبر أنه ( كان ~~أمة PageV14P327 # وأمر الله الرسل أن تكون ملتهم ودينهم واحدا لا يتفرقون فيه كما في ~~الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ? < انا معشر الأنبياء ديننا ~~واحد > ? وقد قال الله تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه @QE@ ولهذا كان جميع رسل الله وأنبيائه يصدق بعضهم بعضا لا يختلفون مع ~~تنوع شرائعهم # فمن كان من المطاعين من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك متبعا للرسل ~~أمر بما أمروا به ودعا إلى ما دعوا إليه وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه ~~فان الله يحب ذلك فيحب ما يحبه الله تعالى وهذا قصده في نفس الأمر أن تكون ~~العبادة لله تعالى وحده وأن يكون الدين كله لله # وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك فهذا يطلب أن يكون هو ~~المطاع المعبود فله نصيب من حال فرعون وأشباهه # فمن طلب أن يطاع دون الله فهذا حال فرعون ومن طلب ان يطاع مع الله فهذا ~~يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا PageV14P328 يحبونهم كحب الله ~~والله سبحانه وتعالى أمر أن لايعبد الا اياه وأن لا يكون الدين إلا له وأن ~~تكون الموالاة فيه والمعاداة فيه وأن لا يتوكل إلا عليه ولا يستعان إلا به # فالمؤمن المتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ليكون الدين كله ~~لله لا له وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك أحبه وأعانه وسر بوجود مطلوبه # وإذا أحسن إلى الناس فانما يحسن اليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى ويعلم أن ~~الله قد من عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله مسيئا فيرى أن عمله لله وأنه ~~بالله # وهذا مذكور في فاتحة الكتاب التى ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم ~~من حاجتهم إلى أي شيء # ولهذا فرضت ms4493 عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في ~~التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها فان فيها @QB@ ~~إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ # فالمؤمن يرى أن عمله لله لأنه إياه يعبد وأنه بالله لأنه PageV14P329 ~~إياه يستعين فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا لأنه إنما عمل له ما ~~عمل لله كما قال الأبرار ( إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولا ~~شكورا ) ولايمن عليه بذلك ولا يؤذيه فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ ~~استعمله في الأحسان وأن المنة لله عليه وعلى ذلك الشخص فعليه هو أن يشكر ~~الله إذ يسره لليسرى وعلى ذلك أن يشكر الله إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه ~~من رزق أو علم أو نصر أو غير ذلك # ومن الناس من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يرد الأحسان له بطاعته إليه ~~وتعظيمه أو نفع آخر وقد يمن عليه فيقول أنا فعلت بك كذا فهذا لم يعبد الله ~~ولم يستعنه ولا عمل لله ولا عمل بالله فهو المرائى # وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائي قال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا ~~يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل ~~فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير @QE@ ~~PageV14P330 # قال قتادة @QB@ وتثبيتا من أنفسهم @QE@ احتسابا من أنفسهم وقال الشعبى ~~يقينا وتصديقا من أنفسهم وكذلك قال الكلبي قيل يخرجون الصدقة طيبة بها ~~أنفسهم على يقين بالثواب وتصديق بوعد الله يعلمون أن ما أخرجوه خير لهم مما ~~تركوه # قلت إذا كان المعطى محتسبا للأجر عند الله مصدقا بوعد الله له طالب من ~~الله لا من الذي أعطاه فلا يمن عليه كما لو قال ms4494 رجل لآخر أعط مماليكك هذا ~~الطعام وأنا أعطيك ثمنه لم يمن على المماليك لا سيما إذا كان يعلم أن الله ~~قد أنعم عليه بالاعطاء ### ||| فصل # الفرق السادس أن يقال إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية وإن كانت ~~خلقا لله فهو عقوبة له على عدم فعله ما خلقه الله له وفطره عليه فان الله ~~إنما خلقه لعبادته وحده لا شريك له ودله على الفطرة كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة ( وقال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ PageV14P331 # فهو لما لم يفعل ما خلق له وما فطر عليه وما أمر به من معرفة الله وحده ~~وعبادته وحده عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي # قال تعالى للشيطان @QB@ اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ~~@QE@ إلى قوله @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ وقال تعالى @QB@ إنه ~~ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ # وقال تعالى @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون @QE@ # فقد تبين أن إخلاص الدين لله يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان ~~التى توجب العذاب كما قال تعالى @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين @QE@ # فاذا أخلص العبد لربه الدين كان هذا مانعا له من فعل ضد ذلك ومن إيقاع ~~الشيطان له في ضد ذلك وإذا لم يخلص لربه الدين ولم يفعل ما خلق له وفطر ~~عليه عوقب على ذلك وكان من عقابه PageV14P332 تسلط الشيطان عليه حتى يزين ~~له فعل السيئات وكان إلهامه لفجوره عقوبة له على كونه لم يتق الله # وعدم فعله للحسنات ليس أمرا وجوديا حتى يقال إن الله خلقه بل هو أمر عدمي ~~لكن يعاقب عليه لكونه عدم ما خلق ms4495 له وما أمر به وهذا يتضمن العقوبة على أمر ~~عدمى لكن بفعل السيئات لابالعقوبات التى يستحقها بعد إقامة الحجة عليه ~~بالنار ونحوها # وقد تقدم أن مجرد عدم المأمور هل يعاقب عليه فيه قولان # والأكثرون يقولون لايعاقب عليه لأنه عدم محض ويقولون إنما يعاقب على ~~الترك وهذا أمر وجودي # وطائفة منهم أبو هاشم قالوا بل يعاقب على هذا العدم بمعنى أنه يعاقب عليه ~~كما يعاقب على فعل الذنوب بالنار ونحوها # وما ذكر في هذا الوجه هو أمر وسط وهو أن يعاقبه على هذا العدم بفعل ~~السيئات لا بالعقوبة عليها ولا يعاقبه عليها حتى يرسل إليه رسوله فاذا عصى ~~الرسول استحق حينئذ العقوبة التامة وهو أولا إنما عوقب بما يمكن أن ينجو من ~~شره بأن يتوب منه PageV14P333 أو بأن لا تقوم عليه الحجة وهو كالصبى الذي ~~لا يشتغل بما ينفعه بل بما هو سبب لضرره ولكن لا يكتب عليه قلم الاثم حتى ~~يبلغ فاذا بلغ عوقب # ثم ما تعوده من فعل السيئات قد يكون سببا لمعصيته بعد البلوغ وهو لم ~~يعاقب إلا على ذنبه ولكن العقوبة المعروفة إنما يستحقها بعد قيام الحجة ~~عليه وأما اشتغاله بالسيئات فهو عقوبة عدم عمله للحسنات # وعلى هذا فالشر ليس إلى الله بوجه من الوجوه فانه وان كان الله خالق ~~أفعال العباد فخلقه للطاعات نعمة ورحمة وخلقه للسيئات له فيه حكمة ورحمة ~~وهو مع هذا 0 عدل منه فما ظلم الناس شيئا ولكن الناس ظلموا أنفسهم # وظلمهم لأنفسهم نوعان عدم عملهم بالحسنات فهذا ليس مضافا إليه وعملهم ~~للسيئات خلقه عقوبة لهم على ترك فعل الحسنات التى خلقهم لها وأمرهم بها فكل ~~نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل PageV14P334 # ومن تدبر القرآن تبين له أن عامة ما يذكره الله في خلق الكفر والمعاصي ~~يجعله جزاء لذلك العمل كقوله تعالى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون @QE@ وقال ms4496 تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم @QE@ وقال تعالى @QB@ وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسرى @QE@ # وهذا وأمثاله بذلوا فيه أعمالا عاقبهم بها على فعل محظور وترك مأمور # وتلك الأمور إنما كانت منهم وخلقت فيهم لكونهم لم يفعلوا ما خلقوا له ~~ولابد لهم من حركة وإرادة فلما لم يتحركوا بالحسنات حركوا بالسيئات عدلا من ~~الله حيث وضع ذلك موضعه في محله القابل له وهو القلب الذي لا يكون الا ~~عاملا فاذا لم يعمل الحسنة استعمل في عمل السيئة كما قيل نفسك إن لم تشغلها ~~شغلتك # وهذا الوجه إذا حقق يقطع مادة كلام القدرية المكذبة والمجبرة الذين ~~يقولون إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله ويجعلون خلقها والتعذيب عليها ظلما ~~والذين يقولون إنه خلق كفر الكافرين ومعصيتهم وعاقبهم على ذلك لا لسبب ولا ~~لحكمة PageV14P335 # فاذا قيل لأولئك إنه إنما أوقعهم في تلك الذنوب وطبع على قلوبهم عقوبة ~~لهم على عدم فعلهم ما أمرهم به فما ظلمهم ولكن هم ظلموا أنفسهم # يقال ظلمته إذا نقصته حقه قال تعالى @QB@ كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا @QE@ # وكثير من أولئك يسلمون أن الله خلق للعبد من الأعمال ما يكون جزاء له على ~~عمل منه متقدم ويقولون إنه خلق طاعة المطيع # فلا ينازعون في نفس خلق أفعال العباد لكن يقولون ما خلق شيئا من الذنوب ~~ابتداء بل إنما خلقها جزاء لئلا يكون ظالما # فنقول أول ما يفعله العبد من الذنوب هو أحدثه لم يحدثه الله ثم ما يكون ~~جزاء على ذلك فالله محدثه وهم لا ينازعون في مسألة خلق الأفعال الا من هذه ~~الجهة # وهذا الذى ذكرناه يوافقون عليه لكن يقولون أول الذنوب لم يحدثه الله بل ~~يحدثه العبد لئلا يكون الجزاء عليه ظلما # وما ذكرناه يوجب أن الله خالق كل شيء فما حدث شيء الا PageV14P336 ~~بمشيئته وقدرته لكن أول الذنوب الوجودية هو المخلوق وذاك عقوبة على عدم فعل ~~العبد لما خلق له ولما كان ينبغي له أن يفعله # وهذا العدم لا يجوز إضافته إلى ms4497 الله وليس بشيء حتى يدخل في قولنا @QB@ ~~الله خالق كل شيء @QE@ وما أحدثه من الذنوب الوجودية فأولها عقوبة للعبد ~~على هذا العدم وسائرها قد يكون عقوبة للعبد على ما وجد وقد يكون عقوبة له ~~على استمراره على العدم # فما دام لا يخلص لله العمل فلا يزال مشركا ولا يزال الشيطان مسلطا عليه # ثم تخصيصه سبحانه لمن هداه بأن استعمله ابتداء فيما خلق له وهذا لم ~~يستعمله هو تخصيص منه بفضله ورحمته ولهذا يقول الله @QB@ والله يختص برحمته ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ ولذلك حكمة ورحمة هو أعلم بها كما خص ~~بعض الأبدان بقوى لا توجد في غيرها وبسبب عدم القوة قد تحصل له أمراض ~~وجودية وغير ذلك من حكمته # وبتحقيق هذا يدفع شبهات هذا الباب والله أعلم بالصواب PageV14P337 ### ||| فصل # ومما ذكر فيه العقوبة على عدم الايمان قوله تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ وهذا من ~~تمام قوله @QB@ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~@QE@ الآية فذكر أن هذا التقليب إنما حصل لقلوبهم لما لم يؤمنوا به أول مرة ~~وهذا عدم الايمان # لكن يقال إنما كان هذا بعد دعوة الرسول لهم وهم قد تركوا الايمان وكذبوا ~~الرسول وهذه أمور وجودية لكن الموجب للعذاب هو عدم الايمان وما ذكر شرط في ~~التعذيب بمنزلة إرسال الرسول فإنه قد يشتغل عن الايمان بما جنسه مباح من ~~أكل وشرب وبيع وسفر وغير ذلك وهذا الجنس لايستحق عليه العقوبة إلا لأنه ~~شغله عن الايمان الواجب عليه # ومن الناس من يقول ضد الايمان هو تركه ومو أمر وجودي لا ضد له إلا ذلك ~~PageV14P338 ### ||| فصل # الفرق السابع من الحسنات والسيئات التى تتناول الأعمال والجزاء في كون ~~هذه تضاف إلى النفس وتلك تضاف إلى الله أن السيئات التى تصيب الانسان وهي ~~مصائب الدنيا والآخرة ليس لها سبب إلا ذنبه الذي هو من نفسه فانحصرت في ~~نفسه # وأما ما يصيبه من الخير والنعم فانه لا تنحصر أسبابه لأن ms4498 ذلك من فضل الله ~~واحسانه يحصل بعمله وبغير عمله وعمله نفسه من إنعام الله عليه وهو سبحانه ~~لا يجزئ بقدر العمل بل يضاعفه له ولا يقدر العبد على ضبط أسبابها لكن يعلم ~~أنها من فضل الله وإنعامه فيرجع فيها إلى الله فلا يرجو إلا الله ولا يتوكل ~~إلا عليه ويعلم أن النعم كلها من الله وأن كل ماخلقه فهو نعمة كما تقدم فهو ~~يستحق الشكر المطلق العام التام الذي لايستحقه غيره # ومن الشكر مايكون جزاء على مايسره على يديه من الخير PageV14P339 كشكر ~~الوالدين وشكر من أحسن اليك من غيرهما فانه ( من لايشكر الناس لا يشكر الله ~~( لكن لا يبلغ من حق أحد وإنعامه أن يشكر بمعصية الله أو أن يطاع بمعصية ~~الله فان الله هو المنعم بالنعم العظيمة التى لايقدر عليها مخلوق ونعمة ~~المخلوق إنما هي منه أيضا قال تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ ~~وجزاوه سبحانه على الطاعة والمعصية والكفر لا يقدر أحد على مثله # فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في معصية الخالق كما قال تعالى @QB@ ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~@QE@ وقال في الآية الأخرى ( وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب الي ) وقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( على المرء المسلم السمع والطاعة في ~~عسره ويسره ومنشطه ومكرهه مالم يؤمر بمعصية فاذا أمر بمعصية فلا سمع ولا ~~طاعة ( وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إنما الطاعة في ~~المعروف ( وقال ( من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه ( وقال ( لا طاعة لمخلوق ~~في معصية الخالق PageV14P340 # وهذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا أنه إذا عرف أن النعم كلها من ~~الله وأنه لا يقدر أن يأتى بها إلا الله فلا يأتى بالحسنات إلا هو ولا يذهب ~~السيئات ms4499 إلا هو وأنه ( مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك ~~فلا مرسل له من بعده ) صار توكله ورجاؤه ودعاؤه للخالق وحده # وكذلك إذا علم مايستحقه الله من الشكر الذي لا يستحقه غيره صار علمه بأن ~~الحسنات من الله يوجب له الصدق في شكر الله والتوكل عليه # ولو قيل إنها من نفسه لكان غلطا لأن منها ما ليس لعمله فيه مدخل وما كان ~~لعمله فيه مدخل فان الله هو المنعم به فانه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا ~~ملجا ولامنجى منه إلا إليه # وعلم أن الشر قد انحصر سببه في النفس فضبط ذلك وعلم من أين يؤتى فاستغفر ~~ربه مما فعل وتاب واستعان الله واستعاذ به مما لم يعمل بعد كما قال من قال ~~من السلف ( لايرجون عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه PageV14P341 # وهذا يخالف قول الجهمية ومن اتبعهم الذين يقولون إن الله يعذب بلا ذنب ~~ويعذب أطفال الكفار وغيرهم عذابا دائما أبدا بلا ذنب # فان هؤلاء يقولون يخاف الله خوفا مطلقا سواء كان له ذنب أو لم يكن له ذنب ~~ويشبهون خوفه بالخوف من الأسد ومن الملك القاهر الذي لا ينضبط فعله ولا ~~سطوته بل قد يقهر ويعذب من لاذنب له من رعيته # فاذا صدق العبد بقوله تعالى @QB@ وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ علم ~~بطلان هذا القول وأن الله لا يعذبه ويعاقبه إلا بذنوبه حتى المصائب التى ~~تصيب العبد كلها بذنوبه # وقد تقدم قول السلف بن عباس وغيره أن ما أصابهم يوم أحد من الغم والفشل ~~إنما كان بذنوبهم لم يستثن من ذلك أحد # وهذا من فوائد تخصيص الخطاب لئلا يظن أنه عام مخصوص # وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ? < مايصيب المؤمن من ~~وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولاغم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من ~~خطاياه > ? PageV14P342 ### ||| فصل # الفرق الثامن أن السيئة إذا كانت من النفس والسيئة خبيثة مذمومة وصفها ~~بالخبث في مثل قوله @QB@ الخبيثات للخبيثين ms4500 والخبيثون للخبيثات @QE@ # قال جمهور السلف الكلمات الخبيثة للخبيثين ومن كلام بعضهم الأقوال ~~والأفعال الخبيثة للخبيثين # وقد قال تعالى @QB@ ضرب الله مثلا كلمة طيبة @QE@ @QB@ ومثل كلمة خبيثة ~~@QE@ وقال الله @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ ~~والأقوال والافعال صفات القائل الفاعل # فاذا كانت النفس متصفة بالسوء والخبث لم يكن محلها ينفعه إلا ما يناسبها # فمن أراد أن يجعل الحيات والعقارب يعاشرون الناس كالسنانير لم يصلح ~~PageV14P343 # ومن أراد أن يجعل الذى يكذب شاهدا على الناس لم يصلح # وكذلك من أراد أن يجعل الجاهل معلما للناس مفتيا لهم أو يجعل العاجز ~~الجبان مقاتلا عن الناس أو يجعل الأحمق الذي لا يعرف شيئا سائسا للناس أو ~~للدواب فمثل هذا يوجب الفساد في العالم وقد يكون غير ممكن مثل من أراد أن ~~يجعل الحجارة تسبح على وجه الماء كالسفن أو تصعد إلى السماء كالريح ونحو ~~ذلك # فالنفوس الخبيثة لاتصلح أن تكون في الجنة الطيبة التى ليس فيها من الخبث ~~شيء فان ذلك موجب للفساد أو غير ممكن # بل إذا كان في النفس خبث طهرت وهذبت حتى تصلح لسكنى الجنة # كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( إن المؤمنين إذا نجوا من النار أي عبروا الصراط وقفوا على ~~قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ~~فاذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة PageV14P344 # وهذا مما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ~~فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن ~~لهم في دخول الجنة فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه ~~بمنزلة كان في الدنيا ( # والتهذيب التخليص كما يهذب الذهب فيخلص من الغش # فتبين أن الجنة إنما يدخلها المؤمنون بعد التهذيب والتنقية من بقايا ~~الذنوب فكيف بمن لم يكن له حسنات يعبر بها ms4501 الصراط # وأيضا فاذا كان سببها ثابتا فالجزاء كذلك بخلاف الحسنة فانها من إنعام ~~الحي القيوم الباقى الأول الآخر فسببها دائم فيدوم بدوامه # وإذا علم الانسان أن السيئة من نفسه لم يطمع في السعادة التامة مع ما فيه ~~من الشر بل علم تحقيق قوله تعالى @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ وقوله @QB@ ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ PageV14P345 # وعلم أن الرب عليم حليم رحيم عدل وأن أفعاله جارية على قانون العدل ~~والاحسان وكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل # وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال يمين الله ملأى لا ~~يغضيها نفقة سحاء الليل والنهار أرايتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ~~فانه لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يخفض ويرفع # وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل ولا ~~وضع للأشياء مواضعها فيصفون الرب بما يوجب الظلم والسفه وهو سبحانه قد شهد ~~@QB@ أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم @QE@ ولهذا يقولون لاندري ما يفعل بمن فعل السيئات بل يجوز ~~عندهم أن يعفو عن الجميع ويجوز عندهم أن يعذب الجميع ويجوز أن يعذب ويغفر ~~بلا موازنة بل يعفو عن شر الناس ويعذب خير الناس على سيئة صغيرة ولا يغفرها ~~له # وهم يقولون السيئة لا تمحى لا بتوبة ولا حسنات ماحية ولا غير ذلك وقد ~~لايفرقون بين الصغائر والكبائر PageV14P346 # قالوا لأن هذا كله إنما يعلم بالسمع والخبر خبر الله ورسوله قالوا وليس ~~في الكتاب والسنة مايبين ما يفعل الله بمن كسب السيئات إلا الكفر وتأولوا ~~قوله تعالى @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم @QE@ بأن ~~المراد بالكبائر قد يكون هو الكفر وحده كما قال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به @QE@ # وقد ذكر هذه الأمور القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره ممن يقول بمثل هذه ~~الأقوال ممن سلك مسلك جهم بن صفوان في القدر وفى ms4502 الوعيد وهؤلاء قصدوا ~~مناقضة المعتزلة في القدر والوعيد # فأولئك لما قالوا إن الله لم يخلق أفعال العباد وأنه يشاء مالا يكون ~~ويكون مالا يشاء وسلكوا مسلك نفاة القدر في هذا وقالوا في الوعيد بنحو قول ~~الخوارج قالوا إن من دخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها بل يكون ~~عذابه مؤبدا فصاحب الكبيرة أو من رجحت سيئاته عندهم لايرحمه الله أبدا بل ~~يخلده في النار فخالفوا السنة المتواترة وإجماع الصحابة فيما قالوه في ~~القدر وناقضهم جهم في هذا وهذا # وسلك هؤلاء مسلك جهم مع انتسابهم إلى أهل السنة والحديث PageV14P347 ~~واتباع السلف وكذلك سلكوا في الايمان والوعيد مسلك المرجئة الغلاة كجهم ~~وأتباعه # وجهم اشتهر عنه نوعان من البدعة نوع في الأسماء والصفات فغلا في نفي ~~الأسماء والصفات ووافقه على ذلك ملاحدة الباطنية والفلاسفة ونحوهم ووافقه ~~المعتزلة في نفي الصفات دون الأسماء # والكلابية ومن وافقهم من السالمية ومن سلك مسلكهم من الفقهاء وأهل الحديث ~~والصوفية وافقوه على نفي الصفات الاختيارية دون نفي أصل الصفات # والكرامية ونحوهم وافقوه على أصل ذلك وهو امتناع دوام مالا يتناهى وأنه ~~يمتنع أن يكون الله لم يزل متكلما إذا شاء وفعالا لما يشاء إذا شاء لامتناع ~~حوادث لا أول لها وهو عن هذا الأصل الذي هو نفى وجود مالا يتناهى في ~~المستقبل قال بفناء الجنة # والنار وقد وافقه أبو الهذيل إمام المعتزلة على هذا لكن قال بتناهى ~~الحركات # فالمعتزلة في الصفات مخانيث الجهمية PageV14P348 # واما الكلابية فيثبتون الصفات في الجملة وكذلك الأشعريون ولكنهم كما قال ~~الشيخ أبو إسماعيل الانصاري الجهمية الاناث وهم مخانيث المعتزلة # ومن الناس من يقول المعتزلة مخانيث الفلاسفة # وقد ذكر الأشعري وغيره هذا لأن قائله لم يعلم أن جهما سبق هؤلاء إلى هذا ~~الأصل أو لأنها مخانيثهم من بعض الوجوه وإلا فان مخالفتهم للفلاسفة كبيرة ~~جدا # والشهر ستاني يذكر عن شيوخهم أنهم أخذوا ما أخذوا عن الفلاسفة لأن ~~الشهرستانى إنما يرى مناظرة أصحابه الأشعرية في الصفات ونحوها مع المعتزلة ~~بخلاف أئمة السنة والحديث فان ms4503 مناظرتهم إنما كانت مع الجهمية وهم المشهورون ~~عند السلف والأمة بنفى الصفات # وأهل النفي للصفات والتعطيل لها هم عند السلف يقال لهم الجهمية وبهذا ~~تميزوا عند السلف عن سائر الطوائف # وأما المعتزلة فامتازوا بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين لما أحدث ذلك عمرو ~~بن عبيد وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين للجماعة فيقول قتادة وغيره أولئك ~~المعتزلة وكان ذلك بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية ~~PageV14P349 # وبعدهم حدثت الجهمية # وكان القدر قد حدث أهله قبل ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير بعد موت ~~معاوية ولهذا تكلم فيهم إبن عمر وبن عباس رضي الله عنهم وغيرهما وبن عباس ~~مات قبل بن الزبير وبن عمر مات عقب موته وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة ~~بضع وسبعين # فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز والشام والعراق وأكثره كان بالشام ~~والعراق بالبصرة وأقله كان بالحجاز # ثم لما حدثت المعتزلة بعد موت الحسن وتكلم في المنزلة بين المنزلتين ~~وقالوا بانفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار وأن النار لا يخرج منها ~~من دخلها وهذا تغليظ على أهل الذنوب ضموا إلى ذلك القدر فان به يتم التغليظ ~~على أهل الذنوب ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئا من نفي الصفات # إلى أن ظهر الجعد بن درهم وهو أولهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري ~~وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإنى مضح بالجعد بن درهم إنه زعم ~~أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول ~~الجعد علوا كبيرا PageV14P350 ثم نزل فذبحه وهذا كان بالعراق ثم ظهر جهم بن ~~صفوان من ناحية المشرق من ترمذ ومنها ظهر رأي جهم # ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق أكثر كلاما في رد مذهب جهم من أهل ~~الحجاز والشام والعراق مثل إبراهيم بن طهمان وخارجة بن مصعب ومثل عبد الله ~~بن المبارك وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم وبن الماجشون وغيرهما وكذلك الأوزاعي ~~وحماد بن زيد وغيرهم # وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الامام أحمد ms4504 بن حنبل وغيره من علماء ~~السنة فانهم في امارة المأمون قووا وكثروا فانه كان قد أقام بخراسان مدة ~~واجتمع بهم ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثماني عشرة ومائتين وفيها مات ~~وردوا أحمد بن حنبل إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين وفيها كانت محنته مع ~~المعتصم ومناظرته لهم في الكلام فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه وبين أن ~~لا حجة لهم في شيء من ذلك وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم وإمتحانهم اياهم ~~جهل وظلم وأراد المعتصم إطلاقه فأشار عليه من أشار بأن المصلحة ضر ~~PageV14P351 به حتى لاتنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة فلما ضربوه قامت ~~الشناعة عليهم في العامة وخافوا الفتنة فأطلقوه # وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من ~~جميع الطوائف فجمع له مثل أبى عيسى محمد بن عيسى برغوث ومن أكابر النجارية ~~أصحاب حسين النجار # وأئمة السنة كابن المبارك واحمد بن إسحاق والبخاري وغيرهم يسمون جميع ~~هؤلاء جهمية # وصار كثير من المتأخرين من اصحاب أحمد وغيرهم يظنون أن خصومه كانوا ~~المعتزلة # ويظنون أن بشر بن غياث المريسي وإن كان قد مات قبل محنة أحمد وبن ابى ~~دؤاد ونحوهما كانوا معتزلة وليس كذلك # بل المعتزلة كانوا نوعا من جملة من يقول القرآن مخلوق وكانت الجهمية ~~أتباع جهم والنجارية أتباع حسين النجار والضرارية أتباع ضرار بن عمرو ~~والمعتزلة هؤلاء يقولون القرآن مخلوق وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن جهما اشتهر عنه نوعان من البدعة أحدهما PageV14P352 نفي ~~الصفات والثاني الغلو في القدر والارجاء فجعل الايمان مجرد معرفة القلب ~~وجعل العباد لافعل لهم ولا قدرة # وهذان مما غلت المعتزلة في خلافه فيهما # وأما الأشعري فوافقه على أصل قوله ولكن قد ينازعه منازعات لفظية # وجهم لم يثبت شيئا من الصفات لا الارادة ولا غيرها فهو إذا قال إن الله ~~يحب الطاعات ويبغض المعاصي فمعنى ذلك عنده الثواب والعقاب # وأما الأشعري فهو يثبت الصفات كالارادة فاحتاج حينئذ أن يتكلم في الارادة ~~هل هي المحبة ms4505 أم لا وأن المعاصي هل يحبها الله أم لا فقال إن المعاصي يحبها ~~الله ويرضاها كما يريدها # وذكر أبو المعالي الجويني أنه أول من قال ذلك وأن أهل السنة قبله كانوا ~~يقولون إن الله لا يحب المعاصي # وذكر الأشعري في الموجز أنه قد قال ذلك قبله طائفة سماهم أشك في بعضهم ~~PageV14P353 # وشاع هذا القول في كثير من الصوفية ومشايخ المعرفة والحقيقة فصاروا ~~يوافقون جهما في مسائل الأفعال والقدر وإن كانوا مكفرين له في مسائل الصفات ~~كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب ( ذم الكلام ( فانه من المبالغين ~~في ذم الجهمية لنفيهم الصفات وله كتاب ( تكفير الجهمية ( ويبالغ في ذم ~~الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث وربما كان يلعنهم # وقد قال له بعض الناس بحضرة نظام الملك أتلعن الأشعرية فقال ألعن من يقول ~~ليس في السماوات إله ولا في المصحف قرآن ولا في القبر نبى وقام من عنده ~~مغضبا # ومع هذا فهو في مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال أبلغ من الأشعرية ~~لايثبت سببا ولا حكمة بل يقول إن مشاهدة العارف الحكم لاتبقى له استحسان ~~حسنة ولا استقباح سيئة # والحكم عنده هي المشيئة لأن العارف المحقق عنده هو من يصل إلى مقام ~~الفناء فيفنى عن جميع مراداته بمراد الحق وجميع الكائنات مرادة له وهذا هو ~~الحكم عنده و ( الحسنة ( و ( السيئة ) يفترقان في حظ العبد لكونه ينعم بهذه ~~ويعذب بهذه والالتفات إلى هذا هو من حظوظ النفس ومقام الفناء ليس فيه إلا ~~مشاهدة مراد الحق PageV14P354 # وهذه المسألة وقعت في زمن الجنيد كما ذكر ذلك في غير موضع وبين لهم ~~الجنيد الفرق الثانى وهو أنهم مع مشاهدة المشيئة العامة لابد لهم من مشاهدة ~~الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه وهو الفرق بين ما يحبه وما يبغضه ~~وبين لهم الجنيد كما قال في التوحيد هو إفراد الحدوث عن القدم # فمن سلك مسلك الجنيد من أهل التصوف والمعرفة كان قد اهتدى ونجا وسعد # ومن لم يسلك في القدر مسلكه ms4506 بل سوى بين الجميع لزمه أن لايفرق بين ~~الحسنات والسيئات وبين الأنبياء والفساق فلا يقول إن الله يحب هؤلاء وهذه ~~الأعمال ولا يبغض هؤلاء وهذه الأعمال بل جميع الحوادث هو يحبها كما يريدها ~~كما قاله الأشعري وإنما الفرق أن هؤلاء ينعمون وهؤلاء يعذبون # والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا بالنسبة إلى المخلوق كان أعقل منهم # فان هؤلاء يدعون أن العارف الواصل إلى مقام الفناء لايفرق بين هذا وهذا ~~PageV14P355 # وهم غلطوا في حق العبد وحق الرب # أما في حق العبد فيلزمهم أن تستوى عنده جميع الحوادث وهذا محال قطعا وهم ~~قد تمر عليهم أحوال يفنون فيها عن أكثر الأشياء أما الفناء عن جميعها ~~فممتنع فانه لابد أن يفرق كل حي بين ما يؤلمه وبين ما يلذه فيفرق بين الخبز ~~والتراب والماء والشراب # فهؤلاء عزلوا الفرق الشرعي الايمانى الرحمانى الذي به فرق الله بين ~~أوليائه وأعدائه وظنوا أنهم مع الجمع القدري # وعلى هذا فان تسوية العبد بين جميع الحوادث ممتنع لذاته بل لابد للعبد من ~~أن يفرق فان لم يفرق بالفرق الشرعي فيفرق بين محبوب الحق ومكروهه وبين ما ~~يرضاه وما يسخطه وإلا فرق بالفرق الطبعي بهواه وشيطانه فيحب ما تهواه نفسه ~~وما يأمر به شيطانه # ومن هنا وقع منهم خلق كثير في المعاصي وآخرون في الفسوق وآخرون في الكفر ~~حتى جوزوا عبادة الأصنام # ثم كثير منهم من ينتقل إلى وحدة الوجود وهم الذين خالفوا PageV14P356 ~~الجنيد وأئمة الدين في التوحيد فلم يفرقوا بين القديم والمحدث # وهؤلاء صرحوا بعبادة كل موجود كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع ~~وهو قول أهل الوحدة كابن عربي الحاتمي وبن سبعين والقونوي والتلمسانى ~~والبليانى وبن الفارض وأمثالهم # والمقصود هنا الكلام على من نفى الحكم والعدل والأسباب في القدر من أهل ~~الكلام والمتصوفة الذين وافقوا جهما في هذا الأصل وهو بدعته الثانية التى ~~اشتهرت عنه بخلاف الارجاء فانه منسوب إلى طوائف غيرة # فهؤلاء يقولون إن الرب يجوز أن يفعل كل مايقدر عليه ويمكن فعله من ms4507 غير ~~مراعاة حكمة ولا رحمة ولا عدل ويقولون إن مشيئته هي محبته # ولهذا تجد من اتبعهم غير معظم للأمر والنهي والوعد والوعيد بل هو منحل عن ~~الأمر الشرعي كله أو عن بعضه أو متكلف لما يعتقده أو يعلمه فانهم أرادوا أن ~~الجميع بالنسبة إلى الرب سواء وأن كل ما شاءه فقد أحبه وأنه يحدث ما يحدثه ~~بدون أسباب يخلقه بها ولا حكمة يسوقه إليها بل غايته أنه يسوق المقادير إلى ~~المواقيت PageV14P357 # لم يبق عندهم فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور بل وافقوا جهما ومن ~~قال بقوله كالأشعري في أنه في نفس الأمر لا حسن ولا سيئ وإنما الحسن والقبح ~~مجرد كونه مأمورا به ومحظورا وذلك فرق يعود إلى حظ العبد وهؤلاء يدعون ~~الفناء عن الحظوظ # فتارة يقولون في امتثال الأمر والنهي أنه من مقام التلبيس أو ما يشبه هذا ~~كما يوجد في كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين # وتارة يقولون يفعل هذا لأهل المارستان أي العامة كما يقوله الشيخ المغربى ~~إلى أنواع ليس هذا موضع بسطها # ومن يسلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل عن الشاذلي ~~يكون الجمع في قلبك مشهودا والفرق على لسانك موجودا # ولهذا يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر ~~والنهي مثل أن يدعو أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه ونحو ~~هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل PageV14P358 الذين اجترحوا السيئات ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات بل أفضل منهم ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما ~~يوجد في جواب الشاذلي وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # وآخرون من عوام هؤلاء يجوزون أن يكرم الله بكرامات أكابر الأولياء من ~~يكون فاجرا بل كافرا ويقولون هذه موهبة وعطية يعطيها الله من يشاء ماهي ~~متعلقة لا بصلاة ولا بصيام ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء وتكون ~~كراماتهم من الأحوال الشيطانية التى يكون مثلها للسحرة والكهان قال الله ~~تعالى @QB@ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق ms4508 لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ~~السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت @QE@ # وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ( والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله ~~القرآن عدل كثير منهم ممن أضله الشيطان من المنتسبين إلى الاسلام إلى أن ~~نبذ كتاب الله PageV14P359 و راء ظهره واتبع ماتتلوه الشياطين فلا يعظم أمر ~~القرآن ولا نهيه ولا يوالى من أمر القرآن بموالاته ولايعادي من أمر القرآن ~~بمعاداته بل يعظم من رآه يأتى ببعض خوارقهم التى يأتى بمثلها السحرة ~~والكهان باعانة الشياطين وهي تحصل بما تتلوه الشياطين # ثم منهم من يعرف أن هذا من الشيطان ولكن يعظم ذلك لهواه ويفضله على طريق ~~القرآن ليصل به إلى تقديس العامة وهؤلاء كفار كالذين قال الله تعالى فيهم ~~@QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم ~~الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا @QE@ # وهؤلاء ضاهوا الكفار الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ ولما جاءهم رسول من ~~عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ~~ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا @QE@ الآية # ومنهم من لايعرف أن هذا من الشياطين # وقد يقع في مثل هذا طوائف من أهل الكلام والعلم وأهل PageV14P360 العبادة ~~والتصوف حتى جوزوا عبادة الكواكب والأصنام لما رأوه فيها من الأحوال ~~العجيبة التى تعينهم عليها الشياطين لما يحصل لهم بها من بعض أغراضهم من ~~الظلم والفواحش فلا يبالون بشركهم بالله ولاكفرهم به وبكتابه إذا نالوا ذلك ~~ولم يبالوا بتعليم ذلك للناس وتعظيمهم لهم لرياسة ينالونها أو مال ينالونه ~~وإن كانوا قد علموا أنه الكفر والشرك عملوه ms4509 ودعوا إليه بل حصل عندهم ريب ~~وشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو اعتقاد أن الرسول خاطب ~~الجمهور بما لا حقيقة له في الباطن لأجل مصلحة الجمهور كما يقول ذلك من ~~يقوله من المتفلسفة والملاحدة والباطنية # وقد دخل في رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء وهؤلاء وهذا مما ضاهوا به فارس ~~والروم وغيرهم فان فارس كانت تعظم الأنوار وتسجد للشمس وللنار والروم كانوا ~~قبل النصرانية مشركين يعبدون الكواكب والأصنام فهؤلاء الذين أشبهوا فارس ~~والروم شر من الذين أشبهوا اليهود والنصارى فان اولئك ضاهوا أهل الكتاب ~~فيما بدل أونسخ وهؤلاء ضاهوا من لا كتاب له من المجوس والمشركين فارس ~~والروم ومن دخل في ذلك من الهند واليونان # ومذهب الملاحدة الباطنية مأخوذ من قول المجوس بالأصلين PageV14P361 و من ~~قول فلاسفة اليونان بالعقول والنفوس # وأصل قول المجوس يرجع إلى أن تكون الظلمة المضاهية للنور هي إبليس وقول ~~الفلاسفة بالنفس # فأصل الشر عبادة النفس والشيطان وجعلهما شريكان للرب وأن يعدلا به ونفس ~~الانسان تفعل الشر بأمر الشيطان وقد علم النبى صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~رضي الله عنه أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه ? < اللهم رب ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك ~~إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم > ? # وهذا من تمام تحقيق قوله تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك @QE@ مع قوله تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا ~~من اتبعك من الغاوين @QE@ ) وقوله @QB@ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين @QE@ # وقد ظهرت دعوى النفس الالهية في فرعون ونحوه ممن ادعى أنه إله مع الله أو ~~من دونه وظهرت فيمن ادعى إلهية بشر مع الله كالمسيح وغيره PageV14P362 # واصل الشرك في بنى آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين فانهم لما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم # فهذا اول شرك ms4510 كان في بني آدم وكان في قوم نوح فانه اول رسول بعث إلى اهل ~~الأرض يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك كما قال تعالى @QB@ وقالوا لا ~~تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا @QE@ ~~وهذه اسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما ماتوا جعلوا الأصنام على ~~صورهم ثم ذهبت هذه الأصنام لما اغرق الله اهل الأرض ثم صارت إلى العرب كما ~~ذكر ذلك بن عباس وغيره ان لم تكن اعيانها وإلا فهي نظائرها # واما الشرك بالشيطان فهذا كثير # فمتى لم يؤمن الخلق بأنه @QB@ لا إله إلا الله @QE@ بمعنى أنه المعبود ~~المستحق للعبادة دون ما سواه وانه يحب أن يعبد وانه امر ان يعبد وانه ~~لايعبد إلا بما أحبه مما شرع من واجب ومستحب فلابد أن يقعوا في الشرك وغيره # فالذين جعلوا الأقوال والأفعال كلها بالنسبة إلى الله سواء لايحب ~~PageV14P363 شيئا دون شيء فلا فرق عنده بين من يعبده وحده لا يشرك به شيئا ~~وبين من يعبد معه آلهة اخرى وجعلوا الأمر معلقا بمشيئة ليس معها حكمة ولا ~~رحمة ولا عدل ولا فرق فيها بين الحسنات والسيئات طمعت النفس في نيل ما ~~تريده بدون طاعة الله ورسوله # ثم إذا جوزوا الكرامات لكل من زعم الصلاح ولم يقيدوا الصلاح بالعلم ~~الصحيح والايمان الصادق والتقوى بل جعلوا علامة الصلاح هذه الخوارق وجوزوا ~~الخوارق مطلقا وحكوا في ذلك مكاشفات وقالوا اقوالا منكرة # فقال بعضهم إن الولي يعطى قول ( كن ( وقال بعضهم إنه لا يمتنع على الولي ~~فعل ممكن كما لا يمتنع على الله تعالى فعل محال # وهذا قاله بن عربى والذين اتبعوه قالوا إن الممتنع لذاته مقدور عليه ليس ~~عندهم ما يقال إنه غير مقدور عليه للولي حتى ولا الجمع بين الضدين ولا غير ~~ذلك وزاد بن عربى أن الولي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات والذي لا يعزب ~~عن قدرته شيء من الممكنات هو الله وحده # فهذا تصريح منهم بأن الولي مثل الله إن لم يكن ms4511 هو الله PageV14P364 # وصرح بعضهم بأنه يعلم كل ما يعلمه الله ويقدر على كل ما يقدر الله عليه # وادعوا أن هذا كان للنبى ثم انتقل إلى الحسن بن علي ثم من الحسن إلى ~~ذريته واحدا بعد واحد حتى انتهى ذلك إلى أبي الحسن الشاذلي ثم إلى ابنه ~~خاطبني بذلك من هو من أكابر أصحابهم # وحدثني الثقة من أعيانهم أنهم يقولون إن محمدا هو الله # وحدثني بعض الشيوخ الذين لهم سلوك وخبرة أنه كان هو وبن هود في مكة فدخلا ~~الكعبة فقال له بن هود وأشار إلى وسط الكعبة هذا مهبط النور الأول وقال له ~~لو قال لك صاحب هذا البيت أريد أن أجعلك إلها ماذا كنت تقول له قال وقف ~~شعري من هذا الكلام وانخنست أو كما قال # ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد الله أنه لما دخل الزنج البصرة قيل له ~~في ذلك فقال هاه إن ببلدكم هذا من لو سألوا الله أن يزيل الجبال عن أماكنها ~~لأزالها ولو سألوه PageV14P365 أن لا يقيم القيامة لما أقامها لكنهم يعلمون ~~مواضع رضاه فلا يسألونه إلا ما يحب # وهذه الحكاية إما كذب على سهل وهو الذي نختار أن يكون حقا أو تكون غلطا ~~منه فلا حول ولا قوة إلا بالله وذلك أن ما أخبر الله أن يكون فلابد أن يكون ~~ولو سأله أهل السماوات والأرض أن لايكون لم يجبهم مثل إقامة القيامة وأن لا ~~يملا جهنم من الجنة والناس أجمعين وغير ذلك بل كل ما علم الله أنه يكون فلا ~~يقبل الله دعاء أحد في أن لا يكون # لكن الدعاء سبب يقضي الله به ما علم الله أنه سيكون بهذا السبب كما يقضي ~~بسائر الأسباب ماعلم أنه سيكون بها # وقد سأل الله تعالى من هو أفضل من كل من في البصرة بكثير ماهو دون هذا ~~فلم يجابوا لما سبق الحكم بخلاف ذلك كما سأله إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~أن يغفر لأبيه وكما سأله نوح عليه السلام سأله نجاة ابنه فقيل له ms4512 @QB@ يا ~~نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم @QE@ # وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم قيل له في شأن عمه أبي PageV14P366 ~~طالب @QB@ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي ~~قربى @QE@ وقيل له في المنافقين @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم @QE@ وقد قال تعالى عموما @QB@ من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه @QE@ وقال @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ فمن ~~هذا الذي لو سأل الله مايشاؤه هو أعطاه إياه # وسيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أخبر أنه ? < يسجد تحت ~~العرش ويحمد ربه ويثنى عليه فيقال له أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط ~~واشفع تشفع قال فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة > ? وقد قال تعالى @QB@ ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ # وأي اعتداء أعظم وأشنع من أن يسأل العبد ربه أن لايفعل ما قد أخبر أنه لا ~~بد أن يفعله أو أن يفعل ماقد أخبر أنه لايفعله وهو سبحانه كما أخبر عن نفسه ~~@QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ وقال ( ~~وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين ) # وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( مامن PageV14P367 ~~داع يدعو الله بدعوة ليس فيها ظلم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها احدى ~~خصال ثلاث اما أن يعجل له دعوته واما أن يدخر له من الخير مثلها واما أن ~~يصرف عنه من الشر مثلها ( # فالدعوة التى ليس فيها اعتداء يحصل بها المطلوب أو مثله وهذا غاية ~~الاجابة فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعا أو مفسدا للداعى أو لغيره ~~والداعى جاهل لايعلم ما فيه المفسدة عليه والرب قريب مجيب وهو أرحم بعباده ~~من الوالدة بولدها والكريم الرحيم إذا سئل شيئا بعينه وعلم أنه لا يصلح ~~للعبد إعطاؤه أعطاه نظيره كما يصنع الوالد بولده إذا طلب ms4513 منه ما ليس له ~~فانه يعطيه من ماله نظيره ولله المثل الأعلى # وكما فعل النبى صلى الله عليه وسلم لما طلبت منه طائفة من بني عمه أن ~~يوليهم ولاية لا تصلح لهم فأعطاهم من الخمس ماأغناهم عن ذلك وزوجهم كما فعل ~~بالفضل بن عباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب # وقد روى في الحديث ( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ( وهذا حق ~~PageV14P368 ### ||| فصل # ولما كان الأمر كما أخبر الله به في قوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ أوجب هذا أن لا يطلب العبد الحسنات ~~والحسنات تدخل فيها كل نعمة إلا من الله وأن يعلم أنها من الله وحده فيستحق ~~الله عليها الشكر الذي لايستحقه غيره ويعلم أنه لا إله إلا هو كما قال ~~تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ فهذا يوجب على العبد شكره ~~وعبادته وحده ثم قال @QB@ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون @QE@ وهذا إخبار ~~عن حالهم والجؤار يتضمن رفع الصوت # والانسان إنما يجأر إذا أصابه الضر وأما في حال النعمة فهو ساكن إما ~~شاكرا وإما كفورا ( ثم اذا مسكم الضر فاليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم ~~إذا فريق منكم بربهم يشركون PageV14P369 # وهذا المعنى قد ذكره الله في غير موضع يذم من يشرك به بعد كشف البلاء عنه ~~وإسباغ النعماء عليه فيضيف العبد بعد ذلك الانعام إلى غيره ويعبد غيره ~~تعالى ويجعل المشكور غيره على النعم كما قال تعالى @QB@ وإذا مس الناس ضر ~~دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ~~ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون @QE@ وقال تعالى ( @QB@ قل من ~~ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه ~~نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن ms4514 سبيله قل تمتع بكفرك ~~قليلا إنك من أصحاب النار @QE@ # وقوله @QB@ نسي ما كان يدعو إليه @QE@ أي نسى الضر الذي كان يدعو الله ~~لدفعه عنه كما قال في سورة الأنعام @QB@ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون ~~إليه إن شاء وتنسون ما تشركون @QE@ # فذم الله سبحانه حزبين حزبا لايدعونه في الضراء ولا يتوبون إليه وحزبا ~~يدعونه ويتضرعون إليه ويتوبون إليه فاذا PageV14P370 كشف الضر عنهم أعرضوا ~~عنه وأشركوا به ما اتخذوهم من الأنداد من دونه # فهذا الحزب نوعان كالمعطلة والمشركة حزب إذا نزل بهم الضر لم يدعوا الله ~~ولم يتضرعوا إليه ولم يتوبوا إليه كما قال @QB@ ولقد أرسلنا إلى أمم من ~~قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ~~ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون @QE@ وحزب يتضرعون إليه في حال الضراء ويتوبون إليه فاذا كشفها عنهم ~~أعرضوا عنه كما قال تعالى @QB@ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ~~ما كانوا يعملون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى ~~بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا مسكم الضر ~~في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان ~~كفورا @QE@ وقال في المشركين ماتقدم ( ثم إذا مسكم الضر فاليه تجأرون ثم ~~اذا كشف PageV14P371 الضر عنكم اذا فريق منكم بربهم يشركون ( # والممدوح هو القسم الثالث وهم الذين يدعونه ويتوبون إليه ويثبتون على ~~عبادته والتوبة إليه في حال السراء فيعبدونه ويطيعونه في السراء والضراء ~~وهم أهل الصبر والشكر كما ذكر ذلك ms4515 عن أنبيائه عليهم السلام فقال تعالى @QB@ ~~وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ~~ننجي المؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت ~~الوهاب @QE@ وقال تعالى @QB@ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ ~~دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم ~~بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون ~~نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال ~~نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا ~~وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب @QE@ وقال تعالى عن آدم ~~وحواء ( فدلاهما بغرور فلما ذاقا PageV14P372 الشجرة بدت لهما سوآتهما ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) وقال @QB@ فتلقى آدم من ربه كلمات ~~فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم @QE@ # وقال تعالى عن المؤمنين الذين قتل نبيهم @QB@ وكأين من نبي قاتل معه ~~ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ~~والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ~~ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين @QE@ # وقوله ( قتل ( أي النبى قتل هذا أصح القولين وقوله @QB@ معه ربيون كثير ~~@QE@ جملة في موضع الخبر صفة للنبى صفة بعد صفة أي كم من نبى معه ربيون ~~كثير قتل ولم يقتلوا معه فانه كان يكون ms4516 المعنى أنه قتل وهم معه والمقصود ~~أنه كان معه ربيون كثير وقتل في الجملة وأولئك الربيون @QB@ فما وهنوا لما ~~أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا @QE@ PageV14P373 و ( الربيون ~~( الجموع الكثيرة وهم الألوف الكثيرة # وهذا المعنى هو الذي يناسب سبب النزول وهو ما أصابهم يوم أحد لما قيل ( ~~إن محمدا قد قتل ( وقد قال قبل ذلك ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ( وهي التى تلاها أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه يوم مات النبى صلى الله عليه وسلم وقال ( من كان يعبد محمدا فان محمدا ~~قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لايموت ( # فانه عند قتل النبى وموته تحصل فتنة عظيمة للناس المؤمنين والكافرين ~~وتحصل ردة ونفاق لضعف قلوب أتباعه لموته ولما يلقيه الشيطان في قلوب ~~الكافرين إن هذا قد انقضى أمره وما بقى يقوم دينه وانه لو كان نبيا لما قتل ~~وغلب ونحو ذلك فأخبر الله تعالى أنه كم من نبى قتل # فان بنى اسرائيل قتلوا كثيرا من الأنبياء والنبى معه ربيون كثير أتباع له ~~وقد يكون قتله في غير حرب ولا قتال بل يقتل وقد اتبعه ربيون كثير فما وهن ~~المؤمنون لما أصابهم بقتله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ولكن ~~استغفروا لذنوبهم التى بها PageV14P374 تحصل المصائب فما أصابهم من سيئة ~~فمن أنفسهم وسألوا الله أن يغفر لهم وأن يثبت أقدامهم فيثبتهم على الايمان ~~والجهاد لئلا يرتابوا ولا ينكلوا عن الجهاد قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون @QE@ وسألوه أن ينصرهم على القوم الكافرين سألوا ~~ربهم ما يفعل لهم في أنفسهم من التثبيت وما يعطيهم من عنده من النصر فانه ~~هو الناصر وحده وما النصر إلا من عند الله وكذا أنزل الملائكة عونا لهم قال ~~تعالى لما أنزل الملائكة @QB@ وما جعله ms4517 الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم ~~وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم @QE@ وقال تعالى @QB@ فآتاهم ~~الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين @QE@ وهذا مبسوط في ~~موضع آخر # والمقصود هنا أنه لما كانت الحسنة من إحسانه تعالى والمصائب من نفس ~~الانسان وان كانت بقضاء الله وقدره وجب على العبد أن يشكر ربه سبحانه وأن ~~يستغفره من ذنوبه وأن لا يتوكل إلا عليه وحده فلا يأتى بالحسنات إلا هو ~~فأوجب ذلك للعبد توحيده والتوكل عليه وحده والشكر له وحده والاستغفار من ~~الذنوب PageV14P375 # وهذه الأمور كان النبى صلى الله عليه وسلم يجمعها في الصلاة كما ثبت عنه ~~في الصحيح ( أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول ربنا ~~ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد ~~أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد ( فهذا حمد وهو شكر لله ~~تعالى وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد ثم يقول بعد ذلك ( اللهم لامانع لما ~~أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( # وهذا تحقيق لوحدانيته لتوحيد الربوبية خلقا وقدرا وبداية وهداية هو ~~المعطي المانع لامانع لما أعطى ولا معطى لما منع ولتوحيد الالهية شرعا ~~وأمرا ونهيا وهو أن العباد وإن كانوا يعطون ملكا وعظمة وبختا ورياسة في ~~الظاهر أو في الباطن كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة ( فلا ينفع ذا ~~الجد منك الجد ( أي لاينجيه ولا يخلصه من سؤالك وحسابك حظه وعظمته وغناه # ولهذا قال ( لاينفعه منك ( ولم يقل ( لاينفعه عندك ( فانه لو قيل ذلك ~~أوهم أنه لا يتقرب به اليك لكن قد لايضره فيقول صاحب الجد إذا سلمت من ~~العذاب في الآخرة فما أبالي كالذين PageV14P376 أوتوا النبوة والملك لهم ~~ملك في الدنيا وهم من السعداء فقد يظن ذو الجد الذي لم يعمل بطاعة الله من ~~بعده أنه كذلك فقال ( ولا ينفع ذا الجد منك ( ضمن ( ينفع ( معنى ( ينجى ~~ويخلص ( فبين أن جده ms4518 لا ينجيه من العذاب بل يستحق بذنوبه ما يستحقه أمثاله ~~ولا ينفعه جده منك فلا ينجيه ولا يخلصه فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد ~~وتحقيق قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وقوله @QB@ فاعبده وتوكل ~~عليه @QE@ وقوله @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ وقوله @QB@ واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ ~~فقوله ? < لامانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت > ? توحيد الربوبية الذي ~~يقتضى أنه سبحانه هو الذي يسأل ويدعى ويتوكل عليه # وهو سبب لتوحيد الالهية ودليل عليه كما يحتج به في القرآن على المشركين ~~فان المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد توحيد الربوبية ومع هذا يشركون ~~بالله فيجعلون له أندادا يحبونهم كحب الله ويقولون إنهم شفعاؤنا عنده وإنهم ~~يتقربون بهم إليه فيتخذونهم شفعاء وقربانا كما قال تعالى @QB@ ويعبدون من ~~دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله @QE@ ~~PageV14P377 # وقال تعالى @QB@ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد أهلكنا ما حولكم من ~~القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون @QE@ # وهذا التوحيد هو عبادة الله وحده لاشريك له وأن لانعبده إلا بما أحبه وما ~~رضيه وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله صلوات الله عليهم فهو متضمن لطاعته ~~وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وأن يكون الله ورسوله أحب إلى ~~العبد من كل ما سواهما # وهو يتضمن أن يحب الله حبا لا يماثله ولا يساويه فيه غيره بل يقتضى أن ~~يكون رسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه # فاذا كان الرسول لأجل أنه رسول الله يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه ~~فكيف بربه سبحانه # وتعالى وفى صحيح البخاري أن عمر قال ( يارسول الله والله إنك لأحب إلي من ~~كل شيء إلا من نفسي فقال لايا عمر حتى أكون PageV14P378 أحب اليك من نفسك ~~قال فو الذي بعثك بالحق إنك لأحب ms4519 إلي من نفسي قال الآن ياعمر ( # وقد قال تعالى @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ # فان لم يكن الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إلى العبد من الأهل والمال ~~على اختلاف أنواعه فانه داخل تحت هذا الوعيد # فهذا التوحيد توحيد الالهية يتضمن فعل المأمور وترك المحظور # ومن ذلك الصبر على المقدور كما أن الأول يتضمن الاقرار بأنه لا خالق ولا ~~رازق ولا معطي ولا مانع إلا الله وحده فيقتضى أن لا يسأل العبد غيره ولا ~~يتوكل إلا عليه ولا يستعين إلا به كما قال تعالى في النوعين @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ وقال @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ PageV14P379 # وهذا التوحيد هو الفارق بين الموحدين والمشركين وعليه يقع الجزاء والثواب ~~في الأولى والآخرة فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين فان الله لايغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون وكانوا يعبدون مع الله غيره ~~ويحبونهم كما يحبونه فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم ~~فاذا كان الله هو رب كل شيء ومليكه ولا خالق ولا رازق إلا هو فلماذا يعبدون ~~غيره معه وليس له عليهم خلق ولا رزق ولا بيده لهم منع ولا عطاء بل هو عبد ~~مثلهم لا يملك لنفسه ضرا ولانفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا # فان قالوا ( ليشفع ( فقد قال الله ( من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه ) ~~فلا يشفع من له شفاعة من الملائكة والنبيين إلا باذنه وأما قبورهم وما نصب ~~عليها من قباب وأنصاب أو تماثيلهم التى مثلت على صورهم مجسدة أو مرقومة ~~فجعل الاستشفاع بها استشفاعا بهم فهذا باطل عقلا وشرعا فانها لاشفاعة لها ~~بحال ولا لسائر الأصنام التى عملت للكواكب والجن والصالحين وغيرهم ~~PageV14P380 وإذا كان الله لايشفع أحد عنده ms4520 إلا باذنه ولايشفعون إلا لمن ~~ارتضى فما بقي الشفعاء شركاء كشفاعة المخلوق عند المخلوق فان المخلوق يشفع ~~عنده نظيره أو من هو أعلى منه أو دونه بدون إذن المشفوع إليه ويقبل المشفوع ~~إليه ولابد شفاعته إما لرغبته إليه أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به أو ~~يدفع عنه ما يخشاه وإما لرهبته منه وإما لمحبته إياه وإما للمعاوضة بينهما ~~والمعاونة وإما لغير ذلك من الأسباب # وتكون شفاعة الشفيع هي التى حركت إرادة المشفوع إليه وجعلته مريدا ~~للشفاعة بعد أن لم يكن مريدا لها كأمر الآمر الذي يؤثر في المأمور فيفعل ما ~~أمره به بعد أن لم يكن مريدا لفعله # وكذلك سؤال المخلوق للمخلوق فانه قد يكون محركا له إلى فعل ما سأله # فالشفيع كما أنه شافع للطالب شفاعته في الطلب فهو أيضا قد شفع المشفوع ~~إليه فبشفاعته صار المشفوع إليه فاعلا للمطلوب فقد شفع الطالب والمطلوب # والله تعالى وتر لايشفعه أحد فلا يشفع عنده أحد إلا باذنه PageV14P381 ~~فالأمر كله إليه وحده فلا شريك له بوجه ولهذا ذكر سبحانه نفى ذلك في آية ~~الكرسي التى فيها تقرير التوحيد فقال @QB@ له ما في السماوات وما في الأرض ~~من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ # وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إذ سجد وحمد ربه يقال له ( ~~ارفع راسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فيحد له حدا فيدخلهم الجنة ( ~~فالأمر كله لله كما قال @QB@ قل إن الأمر كله لله @QE@ وقال لرسوله ( @QB@ ~~ليس لك من الأمر شيء @QE@ وقال @QB@ ألا له الخلق والأمر @QE@ # فاذا كان لا يشفع عند الله أحد إلا باذنه فهو يأذن لمن يشاء ولكن يكرم ~~الشفيع بقبول الشفاعة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( ~~اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء ( # وإذا دعاه الداعى وشفع عنده الشفيع فسمع الدعاء وقبل الشفاعة لم يكن هذا ~~مؤثرا فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق فانه سبحانه هو الذي جعل هذا يدعو ~~وهذا يشفع وهو ms4521 الخالق لأفعال العباد فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها ~~وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه عليه وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه فما يؤثر ~~فيه شيء PageV14P382 من المخلوقات بل هو سبحانه الذي جعل ما يفعله سببا لما ~~يفعله # وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر وأن الله خالق كل شيء ~~وأنه ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن ولا يكون شيء إلا بمشيئته وهو خالق أفعال ~~العباد كما هو خالق سائر المخلوقات قال يحيى بن سعيد القطان مازلت أسمع ~~أصحابنا يقولون إن الله خالق أفعال العباد # ولكن هذا يناقض قول القدرية فانهم إذا جعلوا العبد هو الذي يحدث ويخلق ~~أفعاله بدون مشيئة الله وخلقه لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلا لما لم ~~يكن فاعلا له فبدعائه جعله مجيبا له وبتوبته جعله قابلا للتوبة وبشفاعته ~~جعله قابلا للشفاعة # وهذا يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه # فان ( الاذن ( نوعان إذن بمعنى المشيئة والخلق وإذن بمعنى الاباحة ~~والاجازة # فمن الأول قوله في السحر ( وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله ) فان ~~ذلك بمشيئة الله وقدرته وإلا فهو لم يبح السحر PageV14P383 # والقدرية تنكر هذا ( الاذن ( وحقيقة قولهم إن السحر يضر بدون إذن الله # وكذلك قوله @QB@ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله @QE@ فان الذي ~~أصابهم من القتل والجراح والتمثيل والهزيمة إذا كان باذنه فهو خالق لأفعال ~~الكفار ولأفعال المؤمنين # والنوع الثاني قوله @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى ~~الله بإذنه @QE@ وقوله @QB@ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله @QE@ فان هذا يتضمن اباحته لذلك واجازته له ورفع الجناح والحرج ~~عن فاعله مع كونه بمشيئته وقضائه # فقوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ هو هذا الاذن الكائن ~~بقدره وشرعه ولم يرد بمجرد المشيئة والقدر فان السحر وانتصار الكفار على ~~المؤمنين كان بذلك الاذن # فمن جعل العباد يفعلون أفعالهم بدون أن يكون الله خالقا لها وقادرا عليها ~~ومشيئا لها فعنده كل ms4522 شافع وداع قد فعل ما فعل بدون خلق الله وقدرته وان كان ~~قد أباح الشفاعة # وأما الكفر والسحر وقتال الكفار فهو عندهم بغير اذنه PageV14P384 لاهذا ~~الاذن ولا هذا الاذن فانه لم يبح ذلك باتفاق المسلمين وعندهم أنه لم يشأه ~~ولم يخلقه بل كان بدون مشيئته وخلقه # والمشركون المقرون بالقدر يقولون ان الشفعاء يشفعون بالاذن القدري وان لم ~~يأذن لهم أباحة وجوازا ومن كان مكذبا بالقدر مثل كثير من النصارى يقولون ان ~~شفاعة الشفعاء بغير اذن لا قدري ولا شرعى والقدرية من المسلمين يقولون ~~يشفعون بغير اذن قدري # ومن سأل الله بغير اذنه الشرعى فقد شفع عنده بغير اذن قدري ولا شرعى # فالداعي المأذون له في الدعاء مؤثر في الله عندهم لكن باباحته # والداعي غير المأذون له إذا أجاب دعاءه فقد أثر فيه عندهم لا بهذا الاذن ~~ولا بهذا الاذن كدعاء بلعام بن باعوراء وغيره والله تعالى يقول @QB@ من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ # فان قيل فمن الشفعاء من يشفع بدون اذن الله الشرعى وان PageV14P385 كان ~~خالقا لفعله كشفاعة نوح لابنه وشفاعة إبراهيم لأبيه وشفاعة النبى صلى الله ~~عليه وسلم لعبد الله بن أبي بن سلول حين صلى عليه بعد موته وقوله @QB@ من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ قد قلتم أنه يعم النوعين فانه لو أراد ~~الاذن القدري لكان كل شفاعة داخلة في ذلك كما يدخل في ذلك كل كفر وسحر ولم ~~يكن فرق بين ما يكون باذنه وما لا يكون باذنه ولو اراد الاذن الشرعي فقط ~~لزم قول القدرية وهؤلاء قد شفعوا بغير اذن شرعي # قيل المنفى من الشفاعة بلا اذن هي الشفاعة التامة وهي المقبولة كما في ~~قول المصلي ? < سمع الله لمن حمده > ? اي استجاب له وكما في قوله تعالى ~~@QB@ هدى للمتقين @QE@ وقوله @QB@ إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ وقوله @QB@ ~~فذكر بالقرآن من يخاف وعيد @QE@ ونحو ذلك # فان الهدى والانذار والتذكير والتعليم لابد فيه من قبول المتعلم فاذا ~~تعلم حصل له التعليم المقصود والا قيل علمته فلم يتعلم ms4523 كما قيل @QB@ وأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى @QE@ فكذلك الشفاعة # فالشفاعة مقصودها قبول المشفوع إليه وهي الشفاعة التامة فهذه هي التى لا ~~تكون الا باذنه واما اذا شفع شفيع فلم تقبل PageV14P386 شفاعته كانت كعدمها ~~وكان على صاحبها التوبة والاستغفار منها كما قال نوح @QB@ رب إني أعوذ بك ~~أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ وكما ~~نهى الله النبى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين وقال له @QB@ ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون @QE@ وقال له @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم @QE@ ولهذا قال على لسان المشركين @QB@ فما لنا من ~~شافعين ولا صديق حميم @QE@ # فالشفاعة المطلوبة هي شفاعة المطاع الذي تقبل شفاعته وهذه ليست لأحد عند ~~الله إلا باذنه قدرا وشرعا فلابد أن يأذن فيها ولابد أن يجعل العبد شافعا ~~فهو الخالق لفعله والمبيح له كما في الداعي هو الذي أمره بالدعاء وهو الذي ~~يجعل الداعي داعيا فالأمر كله لله خلقا وأمرا كما قال ( ألا له الخلق ~~والأمر ) # وقد روي في حديث ذكره بن أبى حاتم وغيره أنه قال ( فمن يثق به فليدعه ( ~~أي فلم يبق لغيره لا خلق ولا أمر # ولما كان المراد بالشفاعة المثبتة هي الشفاعة المطلقة وهي المقصود ~~بالشفاعة وهي المقبولة بخلاف المردودة فان أحدا لا يريدها لا PageV14P387 ~~الشافع ولا المشفوع له ولا المشفوع إليه ولو علم الشافع والمشفوع له أنها ~~ترد لم يفعلوها والشفاعة المقبولة هي النافعة بين ذلك في مثل قوله @QB@ ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقوله @QB@ يومئذ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا @QE@ فنفى الشفاعة المطلقة وبين أن ~~الشفاعة لا تنفع عنده إلا لمن أذن له وهو الاذن الشرعي بمعنى أباح له ذلك ~~وأجازه كما قال تعالى @QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا @QE@ وقوله @QB@ ~~لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ms4524 لكم @QE@ وقوله @QB@ ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمانكم @QE@ ونحو ذلك # وقوله @QB@ إلا لمن أذن له @QE@ هو إذن للمشفوع له فلا يأذن في شفاعة ~~مطلقة لأحد بل إنما يأذن في أن يشفعوا لمن أذن لهم في الشفاعة فيه قال ~~تعالى @QB@ يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع ~~إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا @QE@ ~~وفيه قولان # قيل إلا شفاعة من أذن له الرحمن # وقيل لاتنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن فهو الذي تنفعه الشفاعة # وهذا هو الذى يذكره طائفة من المفسرين لايذكرون غيره PageV14P388 لأنه لم ~~يقل @QB@ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له @QE@ ولا قال @QB@ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له @QE@ بل قال @QB@ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له @QE@ فهي لا ~~تنفع ولا ينتفع بها ولا تكون نافعة إلا للمأذون لهم كما قال تعالى في الآية ~~الأخرى @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ # ولا يقال لا تنفع إلا لشفيع مأذون له بل لو أريد هذا لقيل لا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا من أذن له وإنما قال ( لمن أذن له ( وهو المشفوع له الذي ~~تنفعه الشفاعة # وقوله ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ( لم يعد إلى ( الشفعاء ( بل عاد إلى ~~المذكورين في قوله @QB@ وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير @QE@ ثم ~~قال @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده @QE@ ثم بين أن هذا منتف @QB@ حتى إذا فزع ~~عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق @QE@ فلا يعلمون ماذا قال حتى ~~يفزع عن قلوبهم فكيف يشفعون بلا إذنه # وهو سبحانه إذا أذن للمشفوع له فقد أذن للشافع # فهذا الاذن هو الاذن المطلق بخلاف ما إذا أذن للشافع فقط فانه لا يلزم أن ~~يكون قد أذن للمشفوع له إذ قد يأذن له إذنا خاصا PageV14P389 # وهكذا قال غير واحد من المفسرين قالوا وهذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع ~~إلا المؤمنين وكذلك قال السلف في هذه الآية # قال قتادة في قوله @QB@ إلا ms4525 من أذن له الرحمن ورضي له قولا @QE@ قال كان ~~أهل العلم يقولون إن المقام المحمود الذي قال الله تعالى @QB@ عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا @QE@ هو شفاعته يوم القيامة وقوله @QB@ إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا @QE@ إن الله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض # قال البغوي ( إلا من أذن له الرحمن ( أذن الله له أن يشفع له ( ورضى له ~~قولا ( أي ورضى قوله قال بن عباس يعنى قال ( لا إله إلا الله ( قال البغوي ~~فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن # وقد ذكروا القولين في قوله تعالى @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له @QE@ وقدم طائفة هناك أن المستثنى هو الشافع دون المشفوع له بخلاف ما ~~قدموه هنا # منهم البغوي فانه لم يذكر هنا في الاستثناء إلا المشفوع له PageV14P390 و ~~قال هناك @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ في الشفاعة قاله ~~تكذيبا لهم حيث قالوا @QB@ هؤلاء شفعاؤنا عند الله @QE@ قال ويجوز أن يكون ~~المعنى إلا لمن أذن له أن يشفع له # وكذلك ذكروا القولين في قوله @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ~~إلا من شهد بالحق @QE@ وسنتكلم على هذه الآية إن شاء الله تعالى ونبين أن ~~الاستثناء فيها يعم الطائفتين وأنه منقطع # ومعنى هاتين الآيتين مثل معنى تلك الآية وهو يعم النوعين # وذلك أنه سبحانه قال @QB@ يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ~~ورضي له قولا @QE@ و ( الشفاعة ( مصدر شفع شفاعة والمصدر يضاف إلى الفاعل ~~تارة وإلى محل الفعل تارة ويماثله الذي يسمى لفظه ( المفعول به ( تارة كما ~~يقال أعجبني دق الثوب ودق القصار وذلك مثل لفظ ( العلم ( يضاف تارة إلى ~~العلم وتارة إلى المعلوم فالأول كقوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه @QE@ ~~وقوله @QB@ أنزله بعلمه @QE@ وقوله @QB@ أنما أنزل بعلم الله @QE@ ونحو ذلك # والثاني كقوله @QB@ إن الله عنده علم الساعة @QE@ فالساعة هنا معلومة ~~لاعالمة وقوله حين قال فرعون ( فما بال القرون الأولى PageV14P391 قال موسى ~~( علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربى ولا ms4526 ينسى ) ومثل هذا كثير # فالشفاعة مصدر لابد لها من شافع ومشفوع له # والشفاعة تعم شفاعة كل شافع وكل شفاعة لمشفوع له # فاذا قال @QB@ يومئذ لا تنفع الشفاعة @QE@ نفى النوعين شفاعة الشفعاء ~~والشفاعة للمذنبين فقوله @QB@ إلا من أذن له الرحمن @QE@ يتناول النوعين من ~~أذن له الرحمن ورضى له قولا من الشفعاء ومن أذن له الرحمن ورضى له قولا من ~~المشفوع له وهي تنفع المشفوع له فتخلصه من العذاب وتنفع الشافع فتقبل منه ~~ويكرم بقبولها ويثاب عليه # والشفاعة يؤمئذ لا تنفع لا شافعا ولا مشفوعا له ( إلا من أذن له الرحمن ~~وقال صوابا ) فهذا الصنف المأذون لهم المرضى قولهم هم الذين يحصل لهم نفع ~~الشفاعة وهذا موافق لسائر الآيات # فانه تارة يشترط في الشفاعة اذنه كقوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه @QE@ # وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق كقوله @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة @QE@ PageV14P392 ثم قال @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ # وهنا اشترط الأمرين أن يأذن له الرحمن وأن يقول صوابا والمستثنى يتناول ~~مصدر الفاعل والمفعول كما تقول لا ينفع الزرع إلا في وقته فهو يتناول زرع ~~الحارث وزرع الأرض لكن هنا قال @QB@ إلا من أذن له الرحمن @QE@ والاستثناء ~~مفرغ فانه لم يتقدم قبل هذا من يستثنى منه هذا وإنما قال @QB@ لا تنفع ~~الشفاعة إلا من أذن له الرحمن @QE@ فاذا لم يكن في الكلام حذف كان المعنى ~~لاتنفع الشفاعة الا هذا النوع فانهم تنفعهم الشفاعة ويكون المعنى أنها تنفع ~~الشافع والمشفوع له # وان جعل فيه حذف تقديره لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن كان ~~المصدر مضافا إلى النوعين كل واحد بحسبه يضاف إلى بعضهم لكونه شافعا وإلى ~~بعضهم لكونه مشفوعا له ويكون هذا كقوله @QB@ ولكن البر من آمن بالله @QE@ ~~أي من يؤمن و @QB@ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق @QE@ أى مثل داعي الذين ~~كفروا كمثل الناعق أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به أي الذي ينعق به ~~والمعنى في ذلك كله ظاهر معلوم # فلهذا كان من ms4527 أفصح الكلام إيجازه دون الاطناب فيه PageV14P393 # وقوله @QB@ يومئذ لا تنفع الشفاعة @QE@ إذا كان من هذا الباب لم يحتج ان ~~الشافع تنفعه الشفاعة وان لم يكرمه كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة # وفى الآية الآخرى @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ من ~~هؤلاء وهؤلاء # لكن قد يقال التقدير لا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له أن يشفع فيه ~~فيؤذن لغيره أن يشفع فيه فيكون الاذن للطائفتين والنفع للمشفوع له كأحد ~~الوجهين أو ولا تنفع الا لمن أذن له من هؤلاء وهؤلاء فكما أن الاذن ~~للطائفتين فالنفع أيضا للطائفتين فالشافع ينتفع بالشفاعة وقد يكون انتفاعه ~~بها أعظم من انتفاع المشفوع له ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح ( اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء ( # ولهذا كان من أعظم ما يكرم به الله عبده محمدا صلى الله عليه وسلم هو ~~الشفاعة التى يختص بها وهي المقام المحمود الذي يحمده به الأولون والآخرون # وعلى هذا لا تحتاج الآية إلى حذف بل يكون معناها PageV14P394 يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة لاشافعا ولا مشفوعا ( الا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) # ولذلك جاء في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( يابني عبد مناف ~~لا أملك لكم من الله من شيء يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~أملك لك من الله من شيء ياعباس عم رسول الله لا أملك لك من الله من شيء ( # وفى الصحيح أيضا ( لا ألفين أحدكم يأتى يوم القيامة على رقبته بعير له ~~رغاء أو شاة لها يعار أو رقاع تخفق فيقول أغثني أغثنى فأقول قد أبلغتك لا ~~أملك لك من الله من شيء ( # فيعلم من هذا أن قوله @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة @QE@ و ~~( لا يملكون منه خطأبا ( على مقتضاه وأن قوله في الآية @QB@ لا يملكون منه ~~@QE@ كقوله صلى الله عليه وسلم ( لا أملك لكم من الله من شيء ( وهو كقول ~~إبراهيم لأبيه ( وما أملك لك من الله ms4528 من شيء ) # وهذه الآية تشبه قوله تعالى @QB@ رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن ~~لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن ~~له الرحمن وقال صوابا @QE@ PageV14P395 فان هذا مثل قوله @QB@ يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا @QE@ ففي الموضعين اشترط ~~اذنه فهناك ذكر القول الصواب وهنا ذكر أن يرضى قوله ومن قال الصواب رضي ~~الله قوله فان الله إنما يرضى بالصواب # وقد ذكروا في تلك الآية قولين # أحدهما أنه الشفاعة أيضا كما قال بن السائب لا يملكون شفاعة الا باذنه # والثانى لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا باذنه قال مقاتل كذلك قال ~~مجاهد ( لايملكون منه خطابا ( قال كلاما هذا من تفسيره الثابت عنه وهو من ~~أعلم أو أعلم التابعين بالتفسير # قال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به وقال عرضت المصحف على بن ~~عباس أقفه عند كل آية واسأله عنها وعليه اعتمد الشافعي وأحمد والبخاري في ~~صحيحه # وهذا يتناول ( الشفاعة ( أيضا PageV14P396 # وفى قوله @QB@ لا يملكون منه خطابا @QE@ لم يذكر استثناء فان أحدا لايملك ~~من الله خطابا مطلقا إذ المخلوق لا يملك شيئا يشارك فيه الخالق كما قد ~~ذكرناه في قوله @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة @QE@ أن هذا عام ~~مطلق فان أحدا ممن يدعى من دونه لايملك الشفاعة بحال ولكن الله اذا أذن لهم ~~شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوك لهم وكذلك قوله @QB@ لا يملكون منه خطابا ~~@QE@ هذا قول السلف وجمهور المفسرين # وقال بعضهم هؤلاء هم الكفار لايملكون مخاطبة الله في ذلك اليوم قال بن ~~عطية قوله @QB@ لا يملكون @QE@ الضمير للكفار أي لايملكون من إفضاله ~~وإكماله أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها وهذا مبتدع وهو خطأ محض # والصحيح قول الجمهور والسلف أن هذا عام كما قال في آية أخرى @QB@ وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا @QE@ وفي حديث التجلي الذي في الصحيح لما ~~ذكر مرورهم على الصراط قال صلى الله عليه وسلم ( ولا يتكلم أحد إلا ms4529 الرسل ~~ودعوى الرسل اللهم سلم سلم ( فهذا في وقت المرور على الصراط وهو بعد الحساب ~~والميزان فكيف بما قبل ذلك PageV14P397 # وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل وأولى العزم وكل يقول ( إن ربى قد غضب ~~اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني فعلت كذا وكذا نفسي ~~نفسي نفسي ( فاذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى بالشفاعة ~~فكيف بغيرهم # وأيضا فان هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل الجنة وبعد أن ذكر ~~الكافرين # فقال @QB@ إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا رب السماوات والأرض وما ~~بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا @QE@ ثم قال @QB@ يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا @QE@ فقد أخبر ~~أن ( الروح والملائكة يقومون @QB@ صفا لا يتكلمون @QE@ وهذا هو تحقيق قوله ~~@QB@ لا يملكون منه خطابا @QE@ والعرب تقول ما أملك من أمر فلان أو من فلان ~~شيئا أي لا أقدر من أمره على شيء وغاية ما يقدر عليه الانسان من أمر غيره ~~خطابه ولو بالسؤال # فهم في ذلك الموطن لايملكون من الله شيئا ولا الخطاب فانه لا يتكلم أحد ~~إلا باذنه ولايتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا قال تعالى @QB@ إلا ~~قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء @QE@ ~~PageV14P398 فقد أخبر الخليل أنه لا يملك لأبيه من الله من شيء فكيف غيره # وقال مجاهد أيضا ( إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ( قال حقا في الدنيا ~~وعملا به رواه والذي قبله عبد بن حميد وروى عن عكرمة ( وقال صوابا ( قال ~~الصواب قول لا إله إلا الله # فعلى قول مجاهد يكون المستثنى من أتى بالكلم الطيب والعمل الصالح # وقوله في سورة طه @QB@ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له ~~قولا @QE@ فاذا جعلت هذه مثل تلك فتكون الشفاعة هي الشفاعة المطلقة وهي ~~الشفاعة في الحسنات وفى دخول الجنة كما ms4530 في الصحيحين ( أن الناس يهتمون يوم ~~القيامة فيقولون لو استشفعنا على ربنا حتى يرحنا من مقامنا هذا فهذا طلب ~~الشفاعة للفصل بينهم # وفى حديث الشفاعة ? < أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن > ? ~~فهذه شفاعة في أهل الجنة ولهذا قيل إن PageV14P399 هاتين الشفاعتين مختصتان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ويشفع غيره في العصاة # فقوله @QB@ يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ~~@QE@ يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عموما وفى أهل الجنة وفي المستحقين ~~للعذاب وهو سبحانه في هذه وتلك لم يذكر العمل انما قال ( وقال صوابا ( وقال ~~( ورضي له قولا ( لكن قد دل الدليل على أن القول الصواب المرضي لايكون ~~صاحبه محمودا إلا مع العمل الصالح لكن نفس القول مرضي فقد قال الله @QB@ ~~إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ # وقد ذكر البغوي وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهما في قوله @QB@ ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ قولين ~~أحدهما أن المستثنى هو الشافع ومحل ( من ( الرفع والثاني هو المشفوع له # قال أبو الفرج في معنى الآية قولان أحدهما أنه أراد ب @QB@ الذين يدعون ~~من دونه @QE@ آلهتهم ثم استثنى عيسى وعزيرا والملائكة فقال @QB@ إلا من شهد ~~بالحق @QE@ وهو شهادة أن لا إله إلا الله @QB@ وهم يعلمون @QE@ بقلوبهم ~~ماشهدوا به بألسنتهم قال وهذا مذهب الأكثرين منهم قتادة PageV14P400 # والثانى أن المراد ب @QB@ الذين يدعون @QE@ عيسى وعزيرا والملائكة الذين ~~عبدهم المشركون لايملك هؤلاء الشفاعة لأحد @QB@ إلا من شهد بالحق @QE@ وهي ~~كلمة الاخلاص @QB@ وهم يعلمون @QE@ أن الله خلق عيسى وعزيرا والملائكة وهذا ~~مذهب قوم منهم مجاهد # وقال البغوي @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق ~~@QE@ هم عيسى وعزير والملائكة فانهم عبدوا من دون الله ولهم الشفاعة وعلى ~~هذا تكون ( من ( في محل رفع وقيل ( من ( في محل خفض وأراد بالذين يدعون ~~عيسى وعزيرا والملائكة يعنى أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد بالحق قال ~~والأول أصح # قلت قد ذكر جماعة قول ms4531 مجاهد وقتادة منهم بن أبى حاتم روى باسناده المعروف ~~على شرط الصحيح عن مجاهد قوله @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ~~@QE@ عيسى وعزير والملائكة يقول لايشفع عيسى وعزير والملائكة @QB@ إلا من ~~شهد بالحق @QE@ يعلم الحق هذا لفظه جعل ( شفع ( متعديا بنفسه وكذلك لفظ # وعلى هذا فيكون منصوبا لا يكون مخفوضا كما قاله البغوي PageV14P401 فان ~~الحرف الخافض إذا حذف انتصب الاسم ويكون على هذا يقال شفعته وشفعت له كما ~~يقال نصحته ونصحت له و ( شفع ( أي صار شفيعا للطالب أى لايشفعون طالبا ولا ~~يعينون طالبا @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ أن الله ربهم # وروى باسناده عن قتادة @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ الملائكة ~~وعيسى وعزير أي انهم قد عبدوا من دون الله ولهم شفاعة عند الله ومنزلة قلت ~~كلا القولين معناه صحيح لكن التحقيق في تفسير الآية أن الاستثناء منقطع ولا ~~يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقا لا يستثنى من ذلك أحد عند الله فانه لم ~~يقل ولا يشفع أحد ولا قال لايشفع لأحد بل قال @QB@ ولا يملك الذين يدعون من ~~دونه الشفاعة @QE@ وكل من دعى من دون الله لايملك الشفاعة ألبتة والشفاعة ~~باذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله # وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم لم يعبد كما عبد المسيح وهو مع هذا له ~~شفاعة ليست لغيره فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دعى من دون الله دون من لم ~~يدع PageV14P402 # فمن جعل الاستثناء متصلا فان معنى كلامه أن من دعى من دون الله لا يملك ~~الشفاعة إلا أن يشهد بالحق وهو يعلم أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم ~~ويبقى الذين لم يدعوا من دون الله لم تذكر شفاعتهم لأحد وهذا المعنى لا ~~يليق بالقرآن ولا يناسبه وسبب نزول الآية يبطله أيضا # وأيضا فقوله @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة @QE@ يتناول كل ~~معبود من دونه ويدخل في ذلك الأصنام فانهم كانوا يقولون هم يشفعون لنا # قال تعالى @QB@ ويعبدون @QE@ من دون الله ms4532 مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض ) # فاذا قيل إنه استثنى الملائكة والأنبياء كان في هذا اطماع لمن عندهم أن ~~معبوديهم من دون الله يشفعون لهم وهذا مما يبين فساد القول المذكور عن ~~قتادة # فانه إذا كان المعنى أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو ~~أنبياء كان في هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم إذا كانوا PageV14P403 ~~صالحين والقرآن كله يبطل هذا المعنى ولهذا قال تعالى @QB@ وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون @QE@ فبين أنهم لايشفعون إلا لمن ارتضى ~~الرب فعلم أنه لابد أن يؤذن لهم فيمن يشفعون فيه وأنهم لايؤذن لهم إذن مطلق # وأيضا فان في القرآن إذا نفى الشفاعة من دونه نفاها مطلقا فان قوله @QB@ ~~من دونه @QE@ إما أن يكون متصلا بقوله @QB@ يملكون @QE@ أو بقوله @QB@ ~~يدعون @QE@ أو بهما فالتقدير لايملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه أو لا ~~يملك الذين يدعونهم من دونه أن يشفعوا وهذا أظهر لأنه قال @QB@ ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة @QE@ فأخر @QB@ الشفاعة @QE@ وقدم من دونه # ومثل هذا كثير في القرآن @QB@ يدعون من دون الله @QE@ و @QB@ يعبدون من ~~دون الله @QE@ كقوله @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم @QE@ ~~وقوله @QB@ ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك @QE@ # بخلاف ما إذا قيل لايملك الذين يدعون الشفاعة من دونه PageV14P404 فان ~~هذا لا نظير له في القرآن واللفظ المستعمل في مثل هذا أن يقال لايملك الذين ~~يدعون الشفاعة إلا باذنه أو لمن ارتضى ونحو ذلك لايقال في هذا المعنى ( من ~~دونه ( فان الشفاعة هي من عنده فكيف تكون من دونه لكن قد تكون باذنه وقد ~~تكون بغير ms4533 إذنه # وأيضا فاذا قيل @QB@ الذين يدعون @QE@ مطلقا دخل فيه الرب تعالى فانهم ~~كانوا يدعون الله ويدعون معه غيره ولهذا قال @QB@ والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر @QE@ # والتقدير الثالث لايملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه وهذا أجود ~~من الذي قبله لكن يرد عليه ما يرد على الأول # ومما يضعفهما ( أن الشفاعة لم تذكر بعدها صلة لها بل قال @QB@ ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة @QE@ فنفى ملكهم الشفاعة مطلقا وهذا هو الصواب ~~وان كل من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة فان المالك للشيء هو الذي يتصرف ~~فيه بمشيئته وقدرته والرب تعالى لا يشفع أحد عنده إلا باذنه فلا يملك أحد ~~من المخلوقين الشفاعة بحال ولايقال في هذا ( إلا باذنه ( إنما يقال ذلك في ~~الفعل فيقال @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ PageV14P405 # وأما في الملك فلا يمكن أن يكون غيره مالكا لها فلا يملك مخلوق الشفاعة ~~بحال ولايتصور أن يكون نبى فمن دونه مالكا لها بل هذا ممتنع كما يمتنع أن ~~يكون خالقا وربا وهذا كما قال @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير @QE@ فنفى الملك مطلقا ثم قال @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن أذن له @QE@ فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه لم يثبت أن مخلوقا يملك ~~الشفاعة بل هو سبحانه له الملك وله الحمد لا شريك له في الملك قال تعالى ~~@QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك ~~السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا @QE@ # ولهذا لما نفى الشفعاء من دونه نفاهم نفيا مطلقا بغير استثناء وإنما يقع ~~الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه كما قال تعالى @QB@ وأنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع @QE@ وكما قال ~~تعالى @QB@ وذكر به أن تبسل نفس ms4534 بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع ~~@QE@ وكما قال تعالى @QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ فلما قال ~~@QB@ من دونه @QE@ نفى الشفاعة مطلقا وإذا ذكر @QB@ بإذنه @QE@ لم يقل @QB@ ~~من دونه @QE@ كقوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ PageV14P406 ~~وقوله @QB@ ما من شفيع إلا من بعد إذنه @QE@ فمن تدبر القرآن تبين له أنه ~~كما قال تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني @QE@ يشبه ~~بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا ليس بمختلف ولا بمتناقض @QB@ ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ # وهو ( مثانى ( يثني الله فيه الأقسام ويستوفيها # والحقائق إما متماثلة وهي ( المتشابه ( وإما مماثلة وهي الأصناف والأقسام ~~والأنواع وهي ( المثانى ( # والتثنية ( يراد بها جنس التعديد من غير اقتصار على اثنين فقط كما في ~~قوله تعالى @QB@ ارجع البصر كرتين @QE@ يراد به مطلق العدد كما تقول قلت له ~~مرة بعد مرة تريد جنس العدد وتقول هو يقول كذا ويقول كذا وان كان قد قال ~~مرات كقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~( جعل يقول بين السجدتين رب اغفر لي رب اغفر لي ( لم يرد أن هذا قاله مرتين ~~فقط كما يظنه بعض الناس الغالطين بل يريد أنه جعل يثنى هذا القول ويردده ~~ويكرره كما كان يثنى لفظ التسبيح PageV14P407 # وقد قال حذيفة رضي الله عنه في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ( إنه ركع ~~نحوا من قيامه يقول في ركوعه سبحان ربى العظيم سبحان ربي العظيم ( وذكر أنه ~~( سجد نحوا من قيامه يقول في سجوده رب اغفر لي رب اغفر لي ( # وقد صرح في الحديث الصحيح ( أنه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء ~~وآل عمران ( فإنه قام بهذه السور كلها وذكر ( أنه كان يقول سبحان ربى ~~العظيم سبحان ربي العظيم سبحان ربي الأعلى سبحان ربي الأعلى ( # فعلم أنه أراد بتثنية اللفظ جنس التعداد والتكرار لا الاقتصار على مرتين ~~فان ( الاثنين ( أول العدد الكثير فذكر أول الأعداد يعنى أنه عدد هذا ms4535 اللفظ ~~لم يقتصر على مرة واحدة فالتثنية التعديد والتعديد يكون للأقسام المختلفة # وليس في القرآن تكرار محض بل لابد من فوائد في كل خطاب ف ( المتشابه ( في ~~النظائر المتماثلة و ( المثاني ( في الأنواع وتكون التثنية في المتشابه أي ~~هذا المعنى قد ثنى في القرآن لفوائد أخر PageV14P408 # ( المثانى ) تعم هذا وهذا وفاتحة الكتاب هي ( السبع المثانى ( لتضمنها ~~هذا وهذا وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن قوله @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة @QE@ ( ~~قد تم الكلام هنا فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة ألبتة ثم ~~استثنى ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ( فهذا استثناء منقطع والمنقطع يكون ~~في المعنى المشترك بين المذكورين فلما نفى ملكهم الشفاعة بقيت الشفاعة بلا ~~مالك لها كأنه قد قيل فاذا لم يملكوها هل يشفعون في أحد فقال نعم # ( من شهد بالحق وهم يعلمون وهذا يتناول الشافع والمشفوع له فلا يشفع إلا ~~من شهد بالحق وهم يعلمون فالملائكة والأنبياء والصالحون وإن كانوا لا ~~يملكون الشفاعة لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة ~~للمؤمنين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله فيشهدون بالحق وهم يعلمون لا ~~يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدا للآباء والشيوخ كما جاء الحديث الصحيح ( ~~إن الرجل يسأل في قبره ( ما تقول في هذا الرجل فأما المؤمن فيقول هو عبد ~~الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى وأما المرتاب فيقول هاه هاه لا أدري ~~سمعت PageV14P409 الناس يقولون شيئا فقلته فلهذا قال ( @QB@ إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون @QE@ ) وقد تقدم قول بن عباس يعنى من قال @QB@ لا إله إلا ~~الله @QE@ يعنى خالصا من قلبه # والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة كلها تبين أن الشفاعة إنما تكون في ~~أهل @QB@ لا إله إلا الله @QE@ # وقد ثبت في صحيح البخاري أن أبا هريرة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا ~~يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ms4536 لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس ~~بشفاعتى يوم القيامة من قال ( لا إله إلا الله ( خالصا من قبل نفسه ( # فبين أن المخلص لها من قبل نفسه هو أسعد بشفاعته صلى الله عليه وسلم من ~~غيره ممن يقولها بلسانه وتكذبها أقواله وأعماله # فهؤلاء هم الذين شهدوا بالحق شهدوا ( أن لا إله إلا الله ( كما شهد الله ~~لنفسه بذلك وملائكته وأولوا العلم ( شهد الله إنه لا إله PageV14P410 إلاهو ~~والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) # فاذا شهدوا وهم يعلمون كانوا من أهل الشفاعة شافعين ومشفوعا لهم # فان المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم في بعض كما ثبت ذلك في الأحاديث ~~الصحيحة كما ثبت في الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدري رضي الله عنه عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الطويل حديث التجلي والشفاعة ( حتى ~~إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة ~~لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لاخوانهم الذين في النار ~~يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم ~~فتحرم صورهم على النار وذكر تمام الحديث ( # وسبب نزول الآية على ما ذكروه مؤيد لما ذكره # قال أبو الفرج بن الجوزى سبب نزولها أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا ~~( إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد ~~فنزلت هذه الآية قاله مقاتل PageV14P411 # وعلى هذا فيقصد أن الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة فليس توليكم إياهم ~~واستشفاعكم بهم بالذي يوجب أن يشفعوا لكم فان أحدا ممن يدعى من دون الله لا ~~يملك الشفاعة ولكن @QB@ من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ فان الله يشفع فيه # فالذي تنال به الشفاعة هي الشهادة بالحق وهي شهادة أن لا إله إلا الله ~~لاتنال بتولى غير الله لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحين # فمن والى أحدا من هؤلاء ودعاه وحج إلى قبره أو موضعه ونذر له وحلف به ~~وقرب له القرابين ليشفع ms4537 له لم يغن ذلك عنه من الله شيئا وكان من أبعد الناس ~~عن شفاعته وشفاعة غيره فان الشفاعة إنما تكون لأهل توحيد الله وإخلاص القلب ~~والدين له ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك # فهذا القول والعبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة يحرم عليهم الشفاعة ~~فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين ليشفعوا لهم كانت ~~عبادتهم إياهم وإشراكهم بربهم الذي به طلبوا شفاعتهم به حرموا شفاعتهم ~~وعوقبوا بنقيض قصدهم لأنهم أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا # وكثير من أهل الضلال يظن أن الشفاعة PageV14P412 تنال بهذه الأمور التى ~~فيها شرك أو هي شرك خالص كما ظن ذلك المشركون الأولون وكما يظنه النصارى ~~ومن ضل من المنتسبين إلى الاسلام الذين يدعون غير الله ويحجون إلى قبره أو ~~مكانه وينذرون له ويحلفون به ويظنون أنه بهذا يصير شفيعا لهم قال تعالى ~~@QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # قال طائفة من السلف كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة فبين الله ~~أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله كما بين أنهم لا يملكون الشفاعة ~~وهذا لا استثناء فيه وإن كان الله يجيب دعاءهم ثم قال @QB@ أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا @QE@ فبين أن هؤلاء المزعومين الذين يدعونهم من دون ~~الله كانوا يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة ~~كسائر عباده المؤمنين وقد قال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ # وللناس في الشفاعة أنواع من الضلال قد بسطت في غير هذا الموضع ~~PageV14P413 # فكثير منهم يظن أن الشفاعة هي بسبب اتصال روح الشافع بروح المشفوع له كما ~~ذكر ذلك أبو حامد الغزالى وغيره ويقولون من كان أكثر صلاة على النبى صلى ~~الله عليه وسلم كان أحق بالشفاعة من غيره ms4538 وكذلك من كان أحسن ظنا بشخص وأكثر ~~تعظيما له كان أحق بشفاعته # وهذا غلط بل هذا هو قول المشركين الذين قالوا نتولى الملائكة ليشفعوا لنا ~~يظنون أن من أحب أحدا من الملائكة والأنبياء والصالحين وتولاه كان ذلك سببا ~~لشفاعته له وليس الأمر كذلك # بل الشفاعة سببها توحيد الله وإخلاص الدين والعبادة بجميع أنواعها له فكل ~~من كان أعظم اخلاصا كان أحق بالشفاعة كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة فان ~~الشفاعة من الله مبدؤها وعلى الله تمامها فلا يشفع أحد إلا باذنه وهو الذي ~~يأذن للشافع وهو الذي يقبل شفاعته في المشفوع له # وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التى بها يرحم الله من يرحم من عباده وأحق ~~الناس برحمته هم أهل التوحيد والاخلاص له فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص ( ~~لاإله إلا الله ( علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة كان أحق ~~بالرحمة PageV14P414 # والمذنبون الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخفت موازينهم فاستحقوا النار ~~من كان منهم من أهل ( لا إله إلا الله ( فإن النار تصيبه بذنوبه ويميته ~~الله في النار إماتة فتحرقه النار إلا موضع السجود ثم يخرجه الله من النار ~~بالشفاعة ويدخله الجنة كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة # فبين أن مدار الأمر كله على تحقيق كلمة الاخلاص وهي ( لا إله إلا الله ( ~~لاعلى الشرك بالتعلق بالموتى وعبادتهم كما ظنه الجاهليون # وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين ( الحمد ( الذي ~~هو رأس الشكر وبين ( التوحيد والاستغفار ( إذا رفع رأسه من الركوع فيقول ( ~~ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء ~~بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لامانع لما أعطيت ولا ~~معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( ثم يقول ( اللهم طهرني بالثلج ~~والبرد والماء البارد اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الدنس ( كما رواه مسلم في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله ms4539 ~~عنه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه PageV14P415 من ~~الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ماشئت من شيء ~~بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ~~ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( # وروى مسلم أيضا عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال ( كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده ~~اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد اللهم ~~طهرنى بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الوسخ ( # وقد روى مسلم في صحيحه أيضا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ( ~~اللهم لك الحمد ( وقال ( وملء الأرض وملء ما بينهما ( # ولم يذكر في بعض الروايات لأن ( السماوات والأرض ( قد يراد بهما العلو ~~والسفل مطلقا فيدخل في ذلك الهواء وغيره فانه عال بالنسبة إلى ما تحته ~~وسافل بالنسبة إلى ما فوقه فقد يجعل من السماء كما يجعل السحاب سماء والسقف ~~سماء وكذا قال في القرآن ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش PageV14P416 و لم يقل ( وما بينهما ( كما يقول ( إن ربكم ~~الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~مالكم من دونه من ولي ولا شفيع ) # فتارة يذكر قوله ( وما بينهما ( فيما خلقه في ستة أيام وتارة لا يذكره ~~وهو مراد فإن ذكره كان إيضاحا وبيانا وإن لم يذكره دخل في لفظ ( السماوات ~~والأرض ) ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم تارة يقول ( ملء السماوات ~~وملء الأرض ( ولا يقول ( وما بينهما ( وتارة يقول ( وما بينهما ( وفيها ~~كلها ( وملء ما شئت من شيء بعد ( وفى رواية أبى سعيد ( أحق ما قال العبد ( ~~إلى آخره وفي رواية بن أبي أوفى ( الدعاء بالطهارة من الذنوب ( # ففي هذا ms4540 الحمد رأس الشكر والاستغفار فان ربنا غفور شكور فالحمد بازاء ~~النعمة والاستغفار بازاء الذنوب # وذلك تصديق قوله تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك @QE@ # ففي سيد الاستغفار ( أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى ( وفى حديث أبي سعيد ~~( الحمد رأس الشكر والتوحيد ( كما جمع بينهما في PageV14P417 أم القرآن ~~فأولها تحميد وأوسطها توحيد وآخرها دعاء وكما في قوله ( هو الحي لا إله إلا ~~هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ) وفى حديث الموطأ ( أفضل ~~ما قلت أنا والنبيون من قبلى لاإله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير من قالها كتب الله له الف حسنة وحط عنه ألف سيئة ~~وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل ~~قال مثلها أو زاد عليه ومن قال في يوم مائة مرة سبحان الله وبحمده حطت ~~خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ( # وفضائل هذه الكلمات في أحاديث كثيره وفيها التوحيد والتحميد فقوله ( لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له ( توحيد وقوله ( له الملك وله الحمد ( تحميد ~~وفيها معان أخرى شريفة # وقد جاء الجمع بين التوحيد والتحميد والاستغفار في مواضع مثل حديث كفارة ~~المجلس ( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ( ~~فيه التسبيح والتحميد PageV14P418 والتوحيد والاستغفار من قالها في مجلس إن ~~كان مجلس لغط كانت كفارة له وإن كان مجلس ذكر كانت كالطابع له وفى حديث ~~أيضا ( إن هذا يقال عقب الوضوء ( # ففى الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما منكم من أحد يتوضأ ~~فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ( ~~وفي حديث آخر أنه يقول ( سبحانك اللهم وبحمدك ms4541 أشهد أن لاإله إلا أنت ~~أستغفرك وأتوب إليك ( # وقد روى عن طائفة من السلف في الكلمات التى تلقاها آدم من ربه نحو هذه ~~الكلمات # روى بن جرير عن مجاهد أنه قال ( اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب ~~إني ظلمت نفسي فاغفر لي أنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك ~~وبحمدك رب إنى ظلمت نفسي فارحمني فأنت خير الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك ~~وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك انت التواب الرحيم PageV14P419 # فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء وخاتمة الوضوء فيها التسبيح والتحميد ~~والتوحيد والاستغفار # فالتسبيح والتحميد والتوحيد لله فانه لا يأتي بالحسنات الا # هو والاستغفار من ذنوب النفس التى منها تأتى السيئات وقد قرن الله في ~~كتابه بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله ( فاعلم انه لا إله إلا ~~الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) وفى قوله ( أن لا تعبدوا الا ~~الله اننى لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه وفى قوله ~~@QB@ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه @QE@ # وفى حديث رواه بن أبى عاصم وغيره ( يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب ~~وأهلكونى بالاستغفار وبلا إله إلا الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء ~~فهم يذنبون ولا يستغفرون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( # و ( لاإله إلا الله ( تقتضي الاخلاص والتوكل والاخلاص ( يقتضي ) الشكر ~~فهي أفضل الكلام وهي أعلى شعب الايمان كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( الايمان بضع PageV14P420 # وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الايمان ( # ( ف لا إله إلا الله ( هي قطب رحى الايمان وإليها يرجع الأمر كله # والكتب المنزلة مجموعة في قوله تعالى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ~~وهي معنى ( لا إله إلا الله ( و ( لاحول ولا قوة إلا بالله ( هي من معنى ( ~~لاإله إلا الله ( و ( الحمد لله ( في معناها و ( سبحان الله والله أكبر ms4542 ( ~~من معناها لكن فيها تفصيل بعد إجمال ### ||| فصل # وقد ظن بعض المتأخرين أن معنى قوله ( فمن نفسك ( أي أفمن نفسك وأنه ~~استفهام على سبيل الانكار ومعنى كلامه إن الحسنات والسيئات كلها من الله لا ~~من نفسك # وهذا القول يباين معنى الآية فإن الآية بينت أن السيئات من نفس الانسان ~~أى بذنوبه وهؤلاء يقولون ليست السيئات من نفسه PageV14P421 # وممن ذكر ذلك أبو بكر بن فورك فانه قال معناه أفمن نفسك يدل عليه قول ~~الشاعر % ثم قالوا تحبها قلت بهرا % % عدد الرمل والحصى والتراب % # قلت وإضمار الاستفهام إذا دل عليه الكلام لا يقتضى جواز إضماره في الخبر ~~المخصوص من غير دلالة فان هذا يناقض المقصود ويستلزم أن كل من اراد أن ينفي ~~ما أخبر الله به يقدر أن ينفيه بأن يقدر في خبره استفهاما ويجعله استفهام ~~إنكار # وهذا من جهة العربية نظير ما زعمه بعضهم في قول إبراهيم عليه السلام ( ~~هذا ربي ( أهذا ربي قال بن الانباري هذا القول شاذ لأن حرف الاستفهام لا ~~يضمر إذا كان فارقا بين الاخبار والاستخبار # وهؤلاء استشهدوا بقوله ( أفان مت فهم الخالدون ) # وهذا لا حجة فيه لأنه قد تقدم الاستفهام في أول الجملة في الجملة الشرطية ~~( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) فلم يحتج إلى ذكره ثانية بل ذكره يفسد ~~الكلام ومثله قوله ( أفان مات أو قتل PageV14P422 انقلبتم على أعقابكم ) ~~وقوله @QB@ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم @QE@ وقوله @QB@ ~~أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم @QE@ وهذا من فصيح الكلام وبليغه ~~واستشهدوا بقوله % لعمرك لا أدري وإن كنت داريا % % بسبع رمين الجمر أم ~~بثمان % # وقوله % كذبتك عينك أم رأيت بواسط % % غلس الظلام من الرباب خيالا % # تقديره أكذبتك عينك # وهذا لا حجة فيه لأن قوله فيما بعد ( أم بثمان ( و ( أم رأيت يدل على ~~الألف المحذوفة في البيت الأول وأما الثانى فان كانت ( أم ( هي المتصلة ~~فكذلك وإن كانت هي المنفصلة فالخبر على بابه # وهؤلاء مقصودهم أن النفس لا تأثير لها في وجود السيئات PageV14P423 و ~~ليست ms4543 سببا فيها بل قد يقولون أن المعاصي علامة محضة على العقوبة لاقترانها ~~بها لا أنها سبب لها وهذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف وللعقل # والقرآن يبين في غير موضع أن الله لم يهلك أحدا ولم يعذبه الا بذنب فقال ~~هنا ( وما اصابك من سيئة فمن نفسك ) وقال لهم في شأن أحد ( أو لما أصابتكم ~~مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) وقال تعالى ( ~~وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) وقال تعالى في سورة ~~الشورى أيضا @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما ~~كنا ظالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ~~دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون @QE@ وقال تعالى @QB@ أو يوبقهن بما كسبوا ~~ويعف عن كثير @QE@ وقال تعالى في سورة القلم عن أهل الجنة الذين ضرب بهم ~~المثل لما أهلكها بذلك PageV14P424 العذاب ( ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون ) وقال تعالى @QB@ مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ~~فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم ~~يظلمون @QE@ وقال تعالى عن اهل سبأ @QB@ فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~@QE@ إلى قوله @QB@ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ # وفى الحديث الصحيح الالهي ( ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ~~( # وفى سيد الاستغفار ) ( أبوء لك بنعمتك ms4544 علي وأبوء بذنبي ( وقال تعالى @QB@ ~~وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون @QE@ # والحمد لله وحده وصلى الله على عبد الله ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم ~~ورضى الله عن الصحابة أجمعين وعن التابعين وتابعي التابعين لهم باحسان إلى ~~يوم الدين PageV14P425 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى ومن أحسن دينا ) 1 # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ! 8 < فصل # قال الله تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ فنفى أن يكون دين احسن من هذا ~~الدين وانكر على من اثبت دينا احسن منه لأن هذا استفهام انكار وهو انكار ~~نهي وذم لمن جعل ديناأحسن من هذا # قال قتادة والضحاك وغيرهما ان المسلمين واهل الكتاب افتخروا فقال أهل ~~الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم وقال ~~المسلمون نحن أولى بالله تعالى منكم ونبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على ~~الكتب التى كانت قبله فأنزل الله تعالى @QB@ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب @QE@ الآية PageV14P426 # وروى سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال لما نزلت هذه الآية ( ~~@QB@ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به @QE@ ) قال ~~أهل الكتاب نحن وأنتم سواء حتى نزلت @QB@ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن @QE@ الآية ونزلت فيهم أيضا @QB@ ومن أحسن دينا @QE@ الآية # وقد روى عن مجاهد قال قالت قريش لا نبعث أولا نحاسب وقال أهل الكتاب @QB@ ~~لن تمسنا النار إلا أياما معدودة @QE@ فأنزل الله عز وجل ليس @QB@ بأمانيكم ~~ولا أماني أهل الكتاب @QE@ ) وهذا يقتضي أنها خطاب للكفار من الأميين وأهل ~~الكتاب لاعتقادهم أنهم لا يعذبون العذاب الدائم والأول أشهر في النقل واظهر ~~في الدليل لأن السورة مدنية بالاتفاق فالخطاب فيها مع المؤمنين كسائر السور ~~المدنية # وأيضا فانه قد استفاض من وجوه متعددة أنه لما نزل قوله تعالى ( من يعمل ~~سوءا يجز به ) شق ذلك على أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم حتى بين لهم ~~النبى صلى ms4545 الله عليه وسلم أن مصائب الدنيا من الجزاء وبها يجزى المؤمن فعلم ~~انهم مخاطبون بهذه الآية لا مجرد الكفار # وأيضا قوله بعد هذا @QB@ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~@QE@ PageV14P427 ) الآية وقوله @QB@ ومن أحسن دينا @QE@ يدل على أن هناك ~~تنازعا في تفضيل الأديان لا مجرد انكار عقوبة بعد الموت # وأيضا فما قبلها وما بعدها خطاب مع المؤمنين وجواب لهم فكان المخاطب في ~~هذه الآية هو المخاطب في بقية الأيات فان قيل الآية نص في نفي دين أحسن من ~~دين هذا المسلم لكن من أين أنه ليس دين مثله فان الاقسام ثلاثة إما أن يكون ~~ثم دين أحسن منه أو دونه أو مثله وقد ثبت أنه لاأحسن منه فمن أين في الآية ~~أنه لا دين مثله ونظيرها قوله ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ~~وقال انني من المسلمين ) # قيل لو قلنا في هذا المقام إن الآية لم تدل إلا على نفي الأحسن لم يضر ~~هذا فان الخطاب له مقامات قد يكون الخطاب تارة باثبات صلاح الدين إذا كان ~~المخاطب يدعى أو يظن فساده ثم في مقام بأن يقع النزاع في التفاضل فيبين أن ~~غيره ليس أفضل منه ثم في مقام ثالث يبين أنه أفضل من غيره وهكذا إذا تكلمنا ~~في أمر الرسول ففي مقام نبين صدقه وصحة رسالته وفي مقام بأن نبين أن غيره ~~ليس أفضل منه وفى مقام ثالث نبين أنه سيد ولد PageV14P428 آدم وذلك أن ~~الكلام يتنوع بحسب حال المخاطب # ثم نقول يدل على أن هذا الدين أحسن وجوه # ( أحدها ( أن هذه الصيغة وان كانت في أصل اللغة لنفي الأفضل لدخول النفي ~~على أفعل فانه كثيرا ما يضمر بعرف الخطاب يفضل المذكور المجرور بمن مفضلا ~~عليه في الاثبات فانك إذا قلت هذا الدين أحسن من هذا كان المجرور بمن مفضلا ~~عليه والأول مفضلا فاذا قلت لاأحسن من هذا أو من أحسن من هذا أو ليس فيهم ~~أفضل من هذا أو ما عندي أعلم ms4546 من زيد أو ما في القوم أصدق من عمرو أو ما ~~فيهم خير منه فان هذا التأليف يدل على أنه أفضلهم وأعلمهم وخيرهم بل قد ~~صارت حقيقة عرفية في نفي فضل الداخل في أفعل وتفضيل المجرور على الباقين ~~وأنها تقتضي نفي فضلهم واثبات فضله عليهم وضمنت معنى الاستثناء كأنك قلت ما ~~فيهم أفضل إلا هذا أو ما فيهم المفضل إلا هذا كما أن ( إن ) إذا كفت بما ~~النافية صارت متضمنة للنفي والاثبات # وكذلك الاستثناء وان كان في الأصل للاخراج من الحكم فانه صار حقيقة عرفية ~~في مناقضة المستثنى منه فالاستثناء من النفي اثبات PageV14P429 ومن الاثبات ~~نفي واللفظ يصير بالاستعمال له معنى غير ما كان يقتضيه أصل الوضع # وكذلك يكون في الاسماء المفردة تارة ويكون في تركيب الكلام أخرى ويكون في ~~الجمل المنقولة كالأمثال السائرة جملة فيتغير الاسم المفرد بعرف الاستعمال ~~عما كان عليه في الأصل إما بالتعميم واما بالتخصيص واما بالتحويل كلفظ ~~الدابة والغائط والرأس ويتغير التركيب بالاستعمال عما كان يقتضيه نظائره ~~كما في زيادة حرف النفي في الجمل السلبية وزيادة النفي في كاد وبنقل الجملة ~~عن معناها الأصلي إلى غيره كالجمل المتمثل بها كما في قولهم ( يداك أو كتا ~~وفوك نفخ ( و ( عسى الغوير بؤسا ( # ( الوجه الثاني ( أنه إذا كان لادين أحسن من هذا فالغير اما أن يكون مثله ~~أو دونه ولا يجوز أن يكون مثله لأن الدين إذا ماثل الدين وساواه في جميع ~~الوجوه كان هو # اياه وإن تعدد الغير لكن النوع واحد فلا يجوز أن يقع التماثل والتساوي ~~بين الدينين المختلفين فان اختلافهما يمنع تماثلهما إذ الاختلاف ضد التماثل ~~فكيف يكونان مختلفين متماثلين واختلافهما اختلاف تضاد لا تنوع فان أحد ~~الدينين يعتقد فيه أمور على أنها حق واجب والآخر يقول إنها باطل محرم فمن ~~المحال استواء هذين الاعتقادين PageV14P430 # وكذلك الاقتصادان فإن هذا يقصد المعبود بأنواع من المقاصد والأعمال ~~والآخر يقصده بما يضاد ذلك وينافيه وليس كذلك تنوع طرق المسلمين ومذاهبهم ~~فان دينهم واحد كل منهم يعتقد ما ms4547 يعتقده الآخر ويعبده بالدين الذي يعبده ~~ويسوغ أحدهما للآخر أن يعمل بما تنازع فيه من الفروع فلم يختلفا بل نقول ~~أبلغ من هذا أن القدر الذي يتنازع فيه المسلمون من الفروع لابد أن يكون ~~أحدهما أحسن عند الله فان هذا مذهب جمهور الفقهاء الموافقين لسلف الأمة على ~~أن المصيب عند الله واحد في جميع المسائل فذاك الصواب هو أحسن عند الله وان ~~كان احدهما يقر الآخر فالاقرار عليه لا يمنع أن يكون مفضولا مرجوحا وانما ~~يمنع أن يكون محرما # وإذا كان هذا في دق الفروع فما الظن بما تنازعوا فيه من الأصول فانه لا ~~خلاف بين المسلمين ولا بين العقلاء أن المصيب في نفس الأمر واحد وإنما ~~تنازعوا في المخطئ هل يغفر له أولا يغفر وهل يكون مصيبا بمعنى أداء الواجب ~~وسقوط اللوم لا بمعنى صحة الإعتقاد فان هذا لا يقوله عاقل أن الاعتقادين ~~المتناقضين من كل وجه يكون كل منهما صوابا # فتلخيص الأمر أن هذا المقام انما فيه تفضيل قول وعمل على قول وعمل ~~فالأقوال والأعمال المختلفة لابد فيها من تفضيل بعضها على بعض PageV14P431 ~~عند جمهور الأمة بل ومن قال بأن كل مجتهد مصيب قد لا ينازع أن احدهما أحسن ~~وأصوب ولا يدعى تماثلهما وان ادعاه فلم يدعه إلا في دق الفروع مع أن قوله ~~ضعيف مخالف للكتاب والسنة واجماع السلف # واما الحل فلم يدع مدع تساوي الاقسام فيه وهذا بخلاف التنوع المحض مثل ~~قراءة سورة وقراءة سورة أخرى وصدقة بنوع وصدقة بنوع آخر فان هذا قد يتماثل ~~لأن الدين واحد في ذلك من كل وجه وانما كلامنا في الأديان المختلفة وليس ~~هنا خلاف بحال # وإذا ثبت أن الدينين المختلفين لايمكن تماثلهما لم يحتج إلى نفي هذا في ~~اللفظ لانتفائه بالعقل وكذلك لما سمعوا قوله @QB@ ولا تكن كصاحب الحوت @QE@ ~~كان في هذا ما يخاف انتقاصهم اياه # هذا مع أن نصوص الكتاب والسنة واجماع الأمة شاهدة بتفضيل بعض النبيين على ~~بعض وبعض الرسل على بعض قاضية لأولى العزم بالرجحان شاهدة ms4548 بأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم سيد ولد آدم وأكرم الخلق على ربه لكن تفضيل الدين الحق أمر ~~لابد من اعتقاده ولهذا ذكره الله في الآية PageV14P432 # واما تفضيل الاشخاص فقد لا يحتاج إليه في كل وقت فالدين الواجب لابد من ~~تفضيله إذ الفضل يدخل في الوجوب وإذا وجب الدين به دون خلافه فلأن يجب ~~اعتقاد فضله أولى # وأما الدين المستحب فقد لايشرع اعتقاد فعله الا في حق من شرع له فعل ذلك ~~المستحب والا فمن الناس من يضره إذا سلك سبيلا من سبل السلام الاسلامية أن ~~يرى غيره أفضل منها لأنه يتشوف 2 إلى الأفضل فلا يقدر عليه والمفضول يعرض ~~عنه # وكما أنه ليس من مصلحته أن يعرف أفضل من طريقته إذا كان يترك طريقته ولا ~~يسلك تلك فليس أيضا من الحق أن يعتقد أن طريقته افضل من غيرها بل مصلحته أن ~~يسلك تلك الطريقة المفضية به إلى رحمة الله تعالى فان بعض المتفقهة يدعون ~~الرجل إلى ما هو أفضل من طريقته عندهم وقد يكونون مخطئين فلا سلك الأول ولا ~~الثاني وبعض المتصوفة المريد يعتقد أن شيخه أكمل شيخ على وجه الأرض وطريقته ~~أفضل الطرق وكلاهما انحراف بل يؤمر كل رجل أن يأتي من طاعة الله ورسوله بما ~~استطاعه ولا ينقل من طاعة الله ورسوله بطريقته وان كان فيها نوع نقص أو خطأ ~~ولا يبين له نقصها إلا إذا نقل إلى ما هو أفضل منها والا فقد ينفر قلبه عن ~~الأولى بالكلية حتى يترك الحق الذي لايجوز تركه ولا يتمسك بشيء آخر ~~PageV14P433 وهذا باب واسع ليس الغرض هنا استقصاؤه وهو مبني على أربعة أصول # ( أحدها ( معرفة مراتب الحق والباطل والحسنات والسيئات والخير والشر ~~ليعرف خير الخيرين وشر الشرين # ( الثاني ( معرفة ما يجب من ذلك ومالا يجب وما يستحب من ذلك ومالا يستحب # ( الثالث ( معرفة شروط الوجوب والاستحباب من الامكان والعجز وأن الوجوب ~~والاستحباب قد يكون مشروطا بامكان العلم والقدرة # ( الرابع ( معرفة أصناف المخاطبين وأعيانهم ليؤمر كل شخص بما يصلحه أو ms4549 ~~بما هو الاصلح له من طاعة الله ورسوله وينهي عما ينفع نهيه عنه ولا يؤمر ~~بخير يوقعه فيما هو شر من المنهي عنه مع الاستغناء عنه # وهذا القدر الذي دلت عليه هذه الآية من أن دين من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبراهيم هو أحسن الأديان أمر متفق عليه بين المسلمين معلوم ~~بالاضطرار من دين الاسلام PageV14P434 بل من يتبع غير الاسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين # ولكن كتاب الله هو حاكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه ومبين وجه الحكم ~~فانه بين بهذه الآية وجه التفضيل بقوله @QB@ أسلم وجهه لله @QE@ وبقوله ~~@QB@ وهو محسن @QE@ فان الأول بيان نيته وقصده ومعبوده وإلهه وقوله ( وهو ~~محسن ) فانتفى بالنص نفي ما هو أحسن منه وبالعقل ما هو مثله فثبت أنه أحسن ~~الأديان 4 # ( الوجه الثالث ( أن النزاع كان بين الأمتين أي الدينين أفضل فلم يقل ~~لهما أن الدينين سواء ولا نهوا عن تفضيل أحدهما لكن حسمت مادة الفخر ~~والخيلاء والغرور الذي يحصل من تفضيل أحد الدينين فان الانسان إذا استشعر ~~فضل نفسه أو فضل دينه يدعوه ذلك إلى الكبر والخيلاء والفخر فقيل للجميع ( ~~من يعمل سوءا يجز به ) سواء كان دينه فاضلا أو مفضولا فان النهي عن السيئات ~~والجزاء عليها واقع لا محالة ( قال تعالى ) @QB@ والذاريات ذروا @QE@ إلى ~~قوله ( لواقع ) # فلما استشعر المؤمنون أنهم مجزيون على السيئات ولا يغنى عنهم فضل دينهم ~~وفسر لهم النبى صلى الله عليه وسلم أن الجزاء قد يكون PageV14P435 في ~~الدنيا بالمصائب بين بعد ذلك فساد دين الكفار من المشركين وأهل الكتاب ~~بقوله @QB@ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى @QE@ الآية فبين أن العمل ~~الصالح إنما يقع الجزاء عليه في الآخرة مع الايمان وان كان قد يجزى به ~~صاحبه في الدنيا بلا ايمان فوقع الرد على الكفار من جهة جزائهم بالسيئات ~~ومن جهة أن حسناتهم لا يدخلون بها الجنة الا مع الايمان ثم بين بعد هذا فضل ~~الدين الاسلامي الحنفي بقوله @QB@ ومن أحسن ms4550 دينا @QE@ فجاء الكلام في غاية ~~الاحكام # ومما يشبه هذا من بعض الوجوه نهى النبى صلى الله عليه وسلم أن يفضل بين ~~الأنبياء التفضيل الذي فيه انتقاص المفضول والغض منه كما قال صلى الله عليه ~~وسلم ( لاتفضلوا بين الأنبياء ( وقال ( لاتفضلوني على موسى ( بيان لفضله ~~وبهذين يتم الدين # فاذا كان الله هو المعبود وصاحبه قد أخلص له وانقاد وعمله فعل الحسنات ~~فالعقل يعلم أنه لا يمكن أن يكون دين أحسن من هذا بخلاف دين من عند غير ~~الله وأسلم وجهه له أو زعم أنه يعبد الله لا باسلام وجهه بل يتكبر كاليهود ~~ويشرك كالنصارى أولم يكن محسنا بل فاعلا للسيئات دون الحسنات وهذا الحكم ~~PageV14P436 عدل محض وقياس وقسط دل القرآن العقلاء على وجه البرهان فيه # وهكذا غالب ما بينه القرآن فانه يبين الحق والصدق ويذكر أدلته وبراهينه ~~ليس يبينه بمجرد الاخبار عن الأمر كما قد يتوهمه كثير من المتكلمة ~~والمتفلسفة أن دلالته سمعية خبرية وأنها واجبة لصدق المخبر بل دلالته أيضا ~~عقلية برهانية وهو مشتمل من الأدلة والبراهين على أحسنها وأتمها بأحسن بيان ~~لمن كان له فهم وعقل بحيث إذا أخذ ما في القرآن من ذلك وبين لمن لم يعلم ~~أنه كلام الله أو لم يعلم صدق الرسول أو يظن فيه ( ظنا ) مجردا عن ما يجب ~~من قبول قول المخبر كان فيه ما يبين صدقه وحقه ويبرهن عن صحته PageV14P437 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى ولا تجادل ) 1 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ! 8 < فصل # في قولة تعالى @QB@ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من ~~كان خوانا أثيما @QE@ فقولة @QB@ يختانون أنفسهم @QE@ مثل قوله في سورة ~~البقرة @QB@ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم @QE@ قال بن قتيبة وطائفة ~~من المفسرين معناه تخونون أنفسكم زاد بعضهم تظلمونها فجعلوا الأنفس مفعول ( ~~تختانون ) وجعلوا الانسان قد خان نفسه أي ظلمها بالسرقة كما فعل بن أبيرق ~~أو بجماع امرأته ليلة الصيام كما فعل بعض الصحابة وهذا القول فيه نظر فان ~~كل ذنب يذنبه الانسان ms4551 فقد ظلم فيه نفسه سواء فعله سرا أو علانية # وإذا كان اختيان النفس هو ظلمها أو ارتكاب ما حرم عليها كان كل مذنب ~~مختانا لنفسه وان جهر بالذنوب وكان كفر الكافرين PageV14P438 وقتالهم ~~للأنبياء وللمؤمنين اختيانا لأنفسهم وكذلك قطع الطريق والمحاربة وكذلك ~~الظلم الظاهر وكان ما فعله قوم نوح وهود وصالح وشعيب اختيانا لأنفسهم # ومعلوم أن هذا اللفظ لم يستعمل في هذه المعاني كلها وإنما استعمل في خاص ~~من الذنوب مما يفعل سرا وحتى قال بن عباس في قوله @QB@ تختانون أنفسكم @QE@ ~~عنى بذلك فعل عمر فانه روى أنه لما جاء الأنصاري فشكى أنه بات تلك الليلة ~~ولم يتعش لما نام قبل العشاء وكان من نام قبل الأكل حرم عليه الأكل فيستمر ~~صائما فأصبح يتقلب ظهرا لبطن فلما شكا حاله إلى النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال عمر يارسول الله انى أردت أهلي الليلة فقالت انها قد نامت فظننتها لم ~~تنم فواقعتها فأخبرتنى أنها كانت قد نامت قالوا فأنزل الله في عمر @QB@ أحل ~~لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم @QE@ # وقد قيل إن الجماع ليلة الصيام كانوا منهيين عنه مطلقا بخلاف الأكل فانه ~~كان مباحا قبل النوم وقد روى أن عمر جامع امرأته بعد العشاء قبل النوم وأنه ~~لما فعل أخذ يلوم نفسه فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله ~~أعتذر إلى الله من نفسي هذه الخائنة إنى رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء ~~فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فقال النبى صلى الله عليه وسلم ~~( ماكنت PageV14P439 جديرا بذلك ياعمر ( وجاء طائفة # من الصحابة فذكروا مثل ذلك فأنزل الله هذه الآية فهذا فيه أن نفسه ~~الخاطئة سولت له ذلك ودعته إليه وأنه أخذ يلومها بعد الفعل فالنفس هنا هي ~~الخائنة الظالمة والانسان تدعوه نفسه في السر إذا لم يره أحد إلى أفعال لا ~~تدعو اليها علانية وعقله ينهاه عن تلك الأفعال ونفسه تغلبه عليها # ولفظ الخيانة حيث استعمل لا يستعمل إلا فيما خفي عن المخون كالذي يخون ~~أمانته ms4552 فيخون من ائتمنه إذا كان لا يشاهده ولو شاهده لما خانه قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم ~~@QE@ @QB@ قالت امرأة العزيز @QE@ @QB@ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن ~~الله لا يهدي كيد الخائنين @QE@ وقال تعالى @QB@ يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور @QE@ # وقال النبى صلى الله عليه وسلم لما قام ( أما فيكم رجل يقوم إلى هذا ~~فيضرب عنقه ( فقال له رجل هلا أو مضت إلي فقال ( ما ينبغي لنبى أن تكون له ~~خائنة الأعين قال تعالى @QB@ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا ~~يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ ~~يبيتون ما لا يرضى من القول @QE@ PageV14P440 وفي الصحيحين عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف واذا ~~اؤتمن خان ( وفى حديث آخر ( على كل خلق يطبع المؤمن إلا الخيانة والكذب ( ~~ومثل هذا كثير # وإذا كان كذلك فالانسان كيف يخون نفسه وهو لا يكتمها ما يقوله ويفعله سرا ~~عنها كما يخون من لا يشهده من الناس كما يخون الله والرسول إذا لم يشاهده ~~فلا يكون ممن يخاف الله بالغيب ولم خصت هذه الأفعال بأنها خيانة للنفس دون ~~غيرها فالأشبه والله أعلم أن يكون قوله @QB@ تختانون أنفسكم @QE@ مثل قوله ~~@QB@ إلا من سفه نفسه @QE@ # والبصريون يقولون في مثل هذا أنه منصوب على أنه مفعول له ويخرجون قوله ( ~~سفه ) عن معناه في اللغة فانه فعل لازم فيحتاجون أن ينقلوه من اللزوم إلى ~~التعدية بلا حجة # وأما الكوفيون كالفراء وغيره ومن تبعهم فعندهم أن هذا منصوب على التمييز ~~وعندهم أن المميز قد يكون معرفة كما يكون نكرة وذكروا لذلك شواهد كثيرة من ~~كلام العرب مثل قولهم ألم فلان PageV14P441 رأسه ووجع بطنه ورشد أمره وكان ~~الأصل سفهت نفسه ورشد أمره ومنه قولهم غبن رأيه وبطرت نفسه فقوله تعالى ~~@QB@ بطرت معيشتها ms4553 @QE@ من هذا الباب فالمعيشة نفسها بطرت فلما كان الفعل ~~نصبه على التمييز قال تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ~~ورئاء الناس @QE@ فقوله @QB@ سفه نفسه @QE@ معناه إلا من سفهت نفسه أي كانت ~~سفيهة فلما أضاف الفعل إليه نصبها على التمييز كما في قوله @QB@ واشتعل ~~الرأس شيبا @QE@ ونحو ذلك وهذا اختيار بن قتيبة وغيره لكن ذاك نكرة وهذا ~~معرفة # وهذا الذي قاله الكوفيون أصح في اللغة والمعنى فان الانسان هو السفيه ~~نفسه كما قال تعالى @QB@ سيقول السفهاء من الناس @QE@ @QB@ ولا تؤتوا ~~السفهاء @QE@ فكذلك قوله @QB@ تختانون أنفسكم @QE@ أي تختان أنفسكم فالأنفس ~~هي التى اختانت كما انها هي السفيهة وقال اختانت ولم يقل خانت لأن الافتعال ~~فيه زيادة فعل على ما في مجرد الخيانة قال عكرمة والمراد بالذين يختانون ~~أنفسهم بن أبيرق الذي سرق الطعام والقماش وجعل هو وقومه يقولون إنما سرق ~~فلان لرجل آخر PageV14P442 # فهؤلاء اجتهدوا في كتمان سرقة السارق ورمي غيره بالسرقة كما قال تعالى ~~@QB@ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى ~~من القول @QE@ فكانوا خائنين للصاحب والرسول وقد اكتسبوا الخيانة # وكذلك الذين كانوا يجامعون بالليل وهم يجتهدون في أن ذلك لا يظهر عنهم ~~حين يفعلونه وإن أظهروه فيما بعد عند التوبة أما عند الفعل فكانوا يحتاجون ~~من ستر ذلك وإخفائه ما لا يحتاج إليه الخائن وحده أو يكون قوله @QB@ ~~تختانون أنفسكم @QE@ اي يخون بعضكم بعضا كقوله @QB@ فاقتلوا أنفسكم @QE@ ~~وقوله @QB@ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم @QE@ وقوله @QB@ لولا إذ سمعتموه ~~ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا @QE@ فان السارق وأقواما خانوا اخوانهم ~~المؤمنين # والمجامع إن كان جامع امرأته وهي لا تعلم أنه حرام فقد خانها والأول أشبه ~~والصيام مبناه على الأمانه فإن الصائم يمكنه الفطر ولا يدري به أحد فاذا ~~أفطر سرا فقد خان أمانته والفطر بالجماع المستور خيانة كما أن أخذ المال ~~سرا واخبار الرسول والمظلوم ببراءة السقيم وسقم البريء خيانة فهذا كله ~~خيانه والنفس هي التى خانت فانها تحب الشهوة والمال والرئاسة وخان واختان ms4554 ~~مثل كسب واكتسب فجعل الانسان مختانا PageV14P443 # ثم بين أن نفسه هي التى تختان كما أنها هي التى تضر لأن مبدأ ذلك من ~~شهوتها ليس هو مما يأمر به العقل والرأي ومبدأ السفه منها لخفتها وطيشها ~~والانسان تأمره نفسه في السر بأمور ينهاها عنه العقل والدين فتكون نفسه ~~اختانته وغلبته وهذا يوجد كثيرا في أمر الجماع والمال ولهذا لا يؤتمن على ~~ذلك أكثر الناس ويقصد بالائتمان من لا تدعوه نفسه إلى الخيانة في ذلك قال ~~سعيد بن المسيب لو ائتمنت على بيت مال لأديت الأمانة ولو ائتمنت على امرأة ~~سوداء لخفت أن لا أؤدي الأمانة فيها وكذلك المال لايؤتمن عليه أصحاب الأنفس ~~الحريصة على أخذه كيف اتفق # وهذا كله مما يبين أن النفس تخون أمانتها وإن كان الرجل ابتداء لا يقصد ~~الخيانة فتحمله على الخيانة بغير أمره وتغلبه على رأية ولهذا يلوم المرء ~~نفسه على ذلك ويذمها ويقول هذه النفس الفاعلة الصانعة فانها هي التى اختانت ### ||| فصل # ودل قوله @QB@ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم @QE@ أنه لا يجوز ~~الجدال عن الخائن ولا يجوز للانسان أن يجادل عن نفسه إذا كانت PageV14P444 ~~خائنة لها في السر أهواء وأفعال باطنة تخفى على الناس فلا يجوز المجادلة ~~عنها قال تعالى @QB@ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وذروا ظاهر الإثم وباطنه @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ وقد قال تعالى @QB@ بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة ولو ألقى معاذيره @QE@ فإنه يعتذر عن نفسه بأعذار ويجادل عنها وهو ~~يبصرها بخلاف ذلك وقال تعالى ( @QB@ كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا @QE@ ) ~~وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ~~ما في قلبه وهو ألد الخصام @QE@ # وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ( ~~فهو يجادل عن نفسه بالباطل وفيه لدد أي ميل واعوجاج عن الحق وهذا على نوعين ~~أحدهما أن تكون مجادلته وذبه عن نفسه مع الناس و ( الثاني ( فيما بينه وبين ~~ربه ms4555 بحيث يقيم أعذار نفسه ويظنها محقة وقصدها حسنا وهي خائنة ظالمة لها ~~أهواء خفية قد كتمتها حتى لايعرف بها الرجل حتى يرى وينظر قال شداد بن أوس ~~إن أخوف ما أخاف عليكم الشهوة الخفية قال أبو داود هي حب الرياسة # وهذا من شأن النفس حتى أنه يوم القيامة يريد أن يدفع عن نفسه ويجادل الله ~~بالباطل قال تعالى @QB@ يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ~~ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ~~ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون @QE@ ~~PageV14P445 ) وقال تعالى @QB@ ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين ~~شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما ~~كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون @QE@ # وقد جاءت الأحاديث بأن الانسان يجحد أعماله يوم القيامة حتى يشهد عليه ~~سمعه وبصره وجوارحه وقال تعالى @QB@ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ~~ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون @QE@ # ومن عادة المنافقين المجادلة عن أنفسهم بالكذب والأيمان الفاجرة وصفهم ~~الله بذلك في غير موضع وفى قصة تبوك لما رجع النبى صلى الله عليه وسلم وجاء ~~المنافقون يعتذرون إليه فجعل يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله فلما جاء ~~كعب قال والله يارسول الله لو قعدت بين يدي ملك من ملوك الأرض لقدرت أن ~~أخرج من سخطه إنى أوتيت جدلا ولكن أخاف إن حدثتك حديث كذب ترضى به عنى ~~ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه ~~عفو الله لاوالله ما كان لي من عذر والله ما كنت أقوى قط ولا أيسر مني حين ~~تخلفت عنك فقال النبى صلى الله عليه وسلم PageV14P446 أما هذا فقد صدق يعنى ~~والباقي يكذبون ثم إنه هجره مدة ثم تاب الله عليه ببركة صدقة # فالاعتذار عن النفس بالباطل والجدال عنها لا يجوز بل إن أذنب سرا ms4556 بينه ~~وبين الله اعترف لربه بذنبه وخضع له بقلبه وسأله مغفرته وتاب إليه فانه ~~غفور رحيم تواب وإن كانت السيئة ظاهرة تاب ظاهرا وإن أظهر جميلا وأبطن ~~قبيحا تاب في الباطن من القبيح فمن أساء سرا أحسن سرا ومن أساء علانية أحسن ~~علانية @QB@ إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين @QE@ PageV14P447 # سورة المائدة # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # سورة المائدة اجمع سورة في القرآن لفروع الشرائع من التحليل والتحريم ~~والأمر والنهي ولهذا روى عن النبى صلى الله عليه وسلم إنه قال هي آخر ~~القرآن نزولا فاحلوا حلالها وحرموا حرامها ولهذا افتتحت بقوله ( أوفوا ~~بالعقود ) والعقود هي العهود وذكر فيها من التحليل والتحريم والايجاب ما لم ~~يذكر في غيرها والآيات فيها متناسبة مثل قوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ # وقد اشتهر في التفسير أن هذه الآية نزلت بسبب الذين أرادوا PageV14P448 ~~التبتل من الصحابة مثل عثمان بن مظعون والذين اجتمعوا معه وفى الصحيحين ~~حديث أنس في الأربعة الذين قال أحدهم أما أنا فأصوم لا أفطر وقال الآخر أما ~~أنا فأقوم لا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر أما أنا ~~فلا آكل اللحم فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( لكنى أصوم وأفطر وأتزوج ~~النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس مني ( فيشبه والله أعلم أن يكون ~~قوله @QB@ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم @QE@ فيمن حرم الحلال على نفسه ~~بقول أو عزم على تركه مثل الذي قال لاأتزوج النساء ولا آكل اللحم وهي ~~الرهبانية المبتدعة فان الراهب لا ينكح ولا يذبح # وقوله @QB@ ولا تعتدوا @QE@ فيمن قال أقوم لا أنام وقال أصوم لا أفطر لأن ~~الاعتداء مجاوزة الحد فهذا مجاوز للحد في العبادة المشروعة كالعدوان في ~~الدعاء في قوله @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ وقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( سيكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور فالاعتداء ~~في ( العبادات وفى الورع ( كالذين ms4557 تحرجوا من أشياء ترخص فيها النبى صلى ~~الله عليه وسلم وفى ( الزهد ( كالذين حرموا الطيبات وهذان القسمان ترك ~~فقوله ( ولا تعتدوا ) إما أن يكون مختصا بجانب الأفعال العبادية وإما أن ~~PageV14P449 يكون العدوان يشمل العدوان في العبادة والتحريم وهذان النوعان ~~هما اللذان ذم الله المشركين بهما في غير موضع حيث عبدوا عبادة لم يأذن ~~الله بها 2 وحرموا ما لم يأذن الله به فقوله ( لاتحرموا ) ( ولاتعتدوا ) ~~يتناول القسمين والعدوان هنا كالعدوان في قوله @QB@ ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان @QE@ اما أن يكون اعم من الاثم واما أن يكون نوعا آخر واما أن ~~يكون العدوان في مجاوزة حدود المأمورات واجبها ومستحبها ومجاوزة حد المباح ~~وإما أن يكون في ذلك مجاوزة حد التحريم أيضا فانها ثلاثة أمور مأمور به ~~ومنهى عنه ومباح # ثم ذكر بعد هذا قوله @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته @QE@ الآية ذكر هذا بعد النهي عن ~~التحريم ليبين المخرج من تحريم الحلال إذا عقد عليه يمينا بالله أو يمينا ~~أخرى وبهذا يستدل على أن تحريم الحلال يمين # ثم ذكر بعد ذلك ما حرمه من الخمر والميسر والأنصاب والازلام فبين به ما ~~حرمه فان نفي التحريم الشرعى يقع فيه طائفة من الاباحية كما يقع في تحريم ~~الحلال طائفة من هؤلاء يكونون في حال اجتهادهم ورياضتهم تحريمية ثم إذا ~~وصلوا بزعمهم صاروا إباحية وهاتان PageV14P450 آفتان تقع في المتعبدة ~~والمتصوفة كثيرا وقرن بينهما حكم الأيمان فان كلاهما يتعلق بالفم داخلا ~~وخارجا كما يقرن الفقهاء بين كتاب الأيمان والاطعمة وفيه رخصة في كفارة ~~الأيمان مطلقا خلافا لما شدد فيه طائفة من الفقهاء من جعل بعض الأيمان ~~لاكفارة فيها فإن هذا التشديد مضاه للتحريم فيكون الرجل ممنوعا من فعل ~~الواجب أو المباح بذلك التشديد وهذا كله رحمة من الله بنا دون غيرنا من ~~الأمم التى حرم عليهم أشياء عقوبة لهم ولا كفارة في أيمانهم ولم يطهرهم من ~~الرجس كما طهرنا فتدبر هذا فانه نافع PageV14P451 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى سماعون للكذب ms4558 ) 1 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < فصل # قوله @QB@ سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك @QE@ قيل اللام لام ~~كي اي يسمعون ليكذبوا ويسمعون لينقلوا إلى قوم آخرين لم يأتوك فيكونون ~~كذابين ونمامين جواسيس والصواب انها لام التعدية مثل قوله ( سمع الله لمن ~~حمده ( فالسماع مضمن معنى القبول اي قابلون للكذب ويسمعون من قوم آخرين لم ~~يأتوك ويطيعونهم فيكون ذما لهم على قبول الخبر الكاذب وعلى طاعة غيره من ~~الكفار والمنافقين مثل قوله @QB@ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم ~~سماعون لهم @QE@ اي هم يطلبون أن يفتنوكم وفيكم من يسمع منهم فيكون قد ذمهم ~~على اتباع الباطل في نوعي الكلام خبره وانشائه فإن باطل الخبر الكذب وباطل ~~الانشاء طاعة غير الرسل وهذا بعيد # ثم قال ( سماعون للكذب أكالون للسحت ( فذكر أنهم في PageV14P452 غذائي ~~الجسد والقلب يغتذون الحرام بخلاف من يأكل الحلال ولا يقبل إلا الصدق وفيه ~~ذم لمن يروج عليه الكذب ويقبله أو يؤثره لموافقته هواه ويدخل فيه قبول ~~المذاهب الفاسدة لأنها كذب لاسيما إذا اقترن بذلك قبولها لاجل العوض عليها ~~سواء كان العوض من ذي سلطان أو وقف أو فتوح أو هدية أو أجرة أو غير ذلك وهو ~~شبيه بقوله ( إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس بالباطل ~~ويصدون عن سبيل الله ) أهل البدع وأهل الفجور الذين يصدقون بما كذب به على ~~الله ورسوله وأحكامه والذين يطيعون الخلق في معصية الخالق # ومثله ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون ~~السمع واكثرهم كاذبون ) فانما تنزلت بالسمع الذي يخلط فيه بكلمه الصدق الف ~~كلمة من الكذب على من هو كذاب فاجر فيكون سماعا للكذب من مسترقة السمع # ثم قال في السورة ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم ~~واكلهم السحت ) فقول الاثم وسماع الكذب واكل السحت اعمال متلازمة في العادة ~~وللحكام منها خصوص فان الحاكم إذا PageV14P453 ارتشى سمع الشهادة المزورة ~~والدعوى الفاجرة فصار سماعا للكذب اكالا للسحت قائلا للاثم # ولهذا خير نبيه صلى الله عليه وسلم بين ms4559 الحكم بينهم وبين تركه لأنه ليس ~~قصدهم قبول الحق وسماعه مطلقا بل يسمعون ما وافق أهواءهم وإن كان كذبا ~~وكذلك العلماء الذين يتقولون الروايات المكذوبة PageV14P454 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ # منها قوله ( وعبد الطاغوت ) والصواب عطفه على قوله ( من لعنه الله ) فعل ~~ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية لكن المتقدمة الفاعل الله مظهرا ~~أو مضمرا وهذا الفعل اسم من عبد الطاغوت وهو الضمير في عبد ولم يعد حرف ( ~~من ) لأن هذه الأفعال لصنف واحد وهم اليهود PageV14P455 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى لا تحرموا طيبات ) 1 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < فصل # قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا @QE@ ~~الآية # ومن المشهور في التفسير أنها نزلت بسبب جماعة من الصحابة كانوا قد عزموا ~~على الترهب وفى الصحيحين عن أنس ( أن رجالا سألوا ازواج النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن عبادته في السر فتقالوا ذلك ( وذكر الحديث # وفى الصحيحين عن سعد قال ( رد النبى صلى الله عليه وسلم على عثمان بن ~~مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا ( وعن عكرمة أن علي بن أبى طالب وبن ~~مسعود وعثمان بن مظعون والمقداد وسالما PageV14P456 مولى أبي حذيفة في ~~اصحاب لهم تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرموا ~~الطيبات من الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل ~~وهموا بالاختصاء واجمعوا لقيام الليل وصيام النهار فنزلت هذه الآية وكذلك ~~ذكر سائر المفسرين مايشبه هذا المعنى # وقد ذم الله الذين اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وذم الذين يتبعون ~~الشهوات والذين يريدون أن تميلوا ميلا عظيما ويريدون ميل المؤمنين ميلا ~~عظيما وذم الذين اتبعوا ما اترفوا فيه والذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل ~~الانعام # وأكثر الذين اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات شربة الخمر كما قال تعالى ~~@QB@ إنما يريد ms4560 الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة @QE@ ) فجمعوا بين الشهوة المحرمة وترك ذكر ~~الله وإضاعة الصلاة وكذلك غيرهم من أهل الشهوات # ثم نهى سبحانه عن تحريم ما أحل من الطيبات وعن الاعتداء في تناولها وهو ~~مجاوزة الحد وقد فسر الاعتداء في الزهد والعبادة بأن يحرموا الحلال ويفعلوا ~~من العبادة ما يضرهم فيكونوا قد تجاوزوا PageV14P457 الحد وأسرفوا وقيل لا ~~يحملنكم أكل الطيبات على الاسراف وتناول الحرام من أموال الناس فان آكل ~~الطيبات والشهوات المعتدى فيها لابد أن يقع في الحرام لأجل الاسراف في ذلك # والمقصود بالزهد ترك ما يضر العبد في الآخرة وبالعبادة فعل ما ينفع في ~~الآخرة فاذا ترك الانسان ما ينفعه في دينه وينفعه في آخرته وفعل من العبادة ~~ما يضر فقد اعتدى وأسرف وإن ظن ذلك زهدا نافعا وعبادة نافعة # قال بن عباس ومجاهد وقتادة والنخعي ( ولاتعتدوا ) أي لا تجبوا أنفسكم ~~وقال عكرمة لا تسيروا بغير سيرة المسلمين من ترك النساء ودوام الصيام ~~والقيام وقال مقاتل لا تحرموا الحلال وعن الحسن لا تأتوا مانهى الله عنه ~~وهذا ما أريد به لاتحرموا الحلال ولا تفعلوا الحرام فيكون قد نهى عن ~~النوعين لكن سبب نزول الآية وسياقها يدل على قول الجمهور وقد يقال هذا مثل ~~قوله @QB@ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا @QE@ وقوله في تمام الآية @QB@ وكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا @QE@ الآية # وكذلك الأحاديث الصحيحة كقول أحدهم لا أتزوج النساء PageV14P458 وقول ~~الآخر لا آكل اللحم كما في حديث أنس المتقدم وهذا مما يدل على أن صوم الدهر ~~مكروه وكذلك مداومة قيام الليل ### ||| فصل # وهذا الذي جاءت به شريعة الاسلام هو الصراط المستقيم وهو الذي يصلح به ~~دين الانسان كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( أعدل الصيام صيام داود كان ~~يصوم يوما ويفطر يوما ) وفى رواية صحيحة ( أفضل ( والأفضل هو الأعدل الأقوم ~~وهذا القرآن يهدي للتى هي أقوم وهي وسط بين هذين الصنفين أصحاب البدع ~~وأصحاب الفجور أهل الاسراف والتقشف الزائد # ولهذا كان ms4561 السلف يحذرون من هذين الصنفين قال الحسن هو المبتدع في دينه ~~والفاجر في دنياه وكانوا يقولون أحذروا صاحب الدنيا أغوته دنياه وصاحب هوى ~~متبع لهواه وكانوا يأمرون بمجانبة أهل البدع والفجور # ف ( القسم الأول ( أهل الفجور PageV14P459 # وهم المترفون المنعمون أوقعهم في الفجور ماهم فيه و ( القسم الثاني ( ~~المترهبون أوقعهم في البدع غلوهم وتشديدهم هؤلاء ( استمتعوا بخلاقهم ) ~~وهؤلاء خاضوا كما خاض الذين من قبلهم وذلك أن الذين يتبعون الشهوات المنهي ~~عنها أو يسرفون في المباحات ويتركون الصلوات والعبادات المأمور بها يستحوذ ~~عليهم الشيطان والهوى فينسيهم الله والدار الآخرة ويفسد حالهم كما هو مشاهد ~~كثيرا منهم # والذين يحرمون ما أحل الله من الطيبات وإن كانوا يقولون إن الله لم يحرم ~~هذا بل يلتزمون أن لا يفعلوه إما بالنذر وإما باليمين كما حرم كثير من ~~العباد والزهاد أشياء يقول أحدهم لله علي أن لا آكل طعاما بالنهار أبدا ~~ويعاهد أحدهم أن لا يأكل الشهوة الملائمة ويلتزم ذلك بقصده وعزمه وإن لم ~~يحلف ولم ينذر فهذا يلتزم أن لا يشرب الماء وهذا يلتزم ألا يأكل الخبز وهذا ~~يلتزم ألا يشرب الفقاع وهذا يلتزم ألا يتكلم قط وهذا يجب نفسه وهذا يلتزم ~~أن لا ينكح ولا يذبح وأنواع هذه الأشياء من الرهبانية التى ابتدعوها على ~~سبيل مجاهدة النفس وقهر الهوى والشهوة # ولاريب أن مجاهدة النفس مأمور بها وكذلك قهر الهوى والشهوة كما ثبت عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله ~~والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد PageV14P460 الموت والعاجز من اتبع نفسه ~~هواها وتمنى على الله ( لكن المسلم المتبع لشريعة الاسلام هو المحرم ما ~~حرمه الله ورسوله فلا يحرم الحلال ولا يسرف في تناوله بل يتناول ما يحتاج ~~إليه من طعام أو لباس أو نكاح ويقتصد في ذلك ويقتصد في العبادة فلا يحمل ~~نفسه مالا تطيق # فهذا تجده يحصل له من مجاهدات النفس وقهر الهوى ما هو أنفع له من تلك ~~الطريق المبتدعة الوعرة القليلة المنفعة التى ms4562 غالب من سلكها ارتد على حافره ~~ونقض عهده ولم يرعها حق رعايتها وهذا يثاب على ذلك مالا يثاب على سلوك تلك ~~الطريق وتزكو به نفسه وتسير به إلى ربه ويجد بذلك من المزيد في إيمانه مالا ~~يجده أصحاب تلك الطريق فانهم لابد أن تدعوهم أنفسهم إلى الشهوات المحرمة ~~فانه ما من بنى آدم الا من أخطأ أو هم بخطيئة الا يحيى بن زكريا وقد قال ~~تعالى @QB@ وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ # قال طاووس في أمر النساء وقلة صبره عنهن كما تقدم فميل النفس إلى النساء ~~عام في طبع جميع بنى آدم وقد يبتلى كثير منهم بالميل إلى الذكران كما هو ~~المذكور عنهم فيبتلى بالميل إلى المردان وإن لم يفعل الفاحشة الكبرى ابتلي ~~بما هو دون ذلك من المباشرة والمشاهدة ولايكاد أن يسلم أحدهم من الفاحشة ~~إما في سره وإما PageV14P461 بينه وبين الأمرد ويحصل للنفس من ذلك ما هو ~~معروف عند الناس # وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه فإذا ابتلى المسلم ببعض ذلك ~~كان عليه أن يجاهد نفسه في الله وهو مأمور بهذا الجهاد ليس أمرا أوجبه ~~وحرمه هو على نفسه فيكون في طاعة نفسه وهواه بل هو أمر حرمه الله ورسوله ~~ولا حيلة فيه فيصير بالمجاهدة في طاعة الله ورسوله # وفي حديث رواه أبو يحيى القتات عن مجاهد عن بن عباس مرفوعا ( من عشق فعف ~~وكتم وصبر ثم مات فهو شهيد ( وأبو يحيى في حديثه نظر لكن المعنى الذي ذكره ~~دل عليه الكتاب والسنة فإن الله أمر بالتقوى والصبر فمن التقوى أن يعف عن ~~كل ماحرمه الله من نظر بعين ومن لفظ بلسان ومن حركة بيد ورجل ومن الصبر أن ~~يصبر عن شكوى ما به إلى غير الله عز وجل فان هذا هو الصبر الجميل # وأما الكتمان فيراد به شيئان # ( أحدهما ( أن يكتم بثه وألمه فلا يشكو إلى غير الله فمتى شكا إلى غير ~~الله نقص صبره وهذا أعلى الكتمانين لكن هذا لا يقدر عليه كل أحد بل كثير ms4563 من ~~الناس يشكو ما به وهذا على PageV14P462 وجهين فان شكا ذلك إلى طبيب يعرف طب ~~الأديان ومضرات النفوس ومنافعها ليعالج نفسه بعلاج الايمان فهذا بمنزلة ~~المستفتى وهذا حسن # وإن شكا إلى من يعينه على المحرم فهذا حرام وإن شكا إلى غيره لما في ~~الشكوى من الراحة كما يشكو المصاب مصيبته إلى الناس من غير أن يقصد تعلم ما ~~ينفعه ولا الاستعانة على مصيبته فهذا ينقص صبره ولكن لايأثم مطلقا الا إذا ~~اقترن به ما يحرم كالمصاب الذي يتسخط # و ( الثانى ( أن يكتم ذلك فلا يتحدث به مع الناس لما في ذلك من إظهار ~~السوء والفاحشة فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت وتشهت وتمنت وتتيمت ~~والانسان متى رأى أو سمع أو تخيل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعيا له إلى ~~الفعل والتشبه به والنساء متى رأين البهائم تنزوا الذكور منها على الاناث ~~ملن إلى الباءة والمجامعة والرجل إذا سمع من يفعل مع المردان والنساء ورأى ~~ذلك أو تخيله في نفسه دعاه ذلك إلى الفعل وإذا ذكر للانسان طعام اشتهاه ~~ومال إليه وإن وصف له ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو غيره مالت ~~نفسه إليه والغريب عن وطنه متى ذكر بالوطن حن إليه وكل ما في نفس الانسان ~~محبته اذا تصوره تحركت PageV14P463 المحبة والطلب إلى ذلك المحبوب المطلوب ~~إما إلى وصفه وإما إلى مشاهدته وكلاهما يحصل به تخيل في النفس وقد يحصل ~~التخيل بالسماع أو الرؤية أو الفكر في بعض الأمور المتعلقة به فاذا تخيلت ~~النفس تلك الأمور المتعلقة انقلبت إلى ما تخيلته فتحركت داعية المحبة سواء ~~كانت محبة محمودة أو مذمومة # ولهذا تتحرك النفوس إلى الحج إذا ذكر الحجاز أو كان أوان الحج أو رأى من ~~يذهب إلى الحج من أهله وأقاربه أو أصحابه أو غيرهم ولو لم يسمع ذلك ويراه ~~لما تحرك ولا حدث منه داعية قوته إلى ذلك فتتحرك بذكر الأبرق والأجرع ~~والعلى ونحو ذلك لأنه رأى تلك المنازل لما كان ذاهبا إلى محبوبه ms4564 فصار ذكرها ~~يذكره بالمحبوب # وكذلك أصحاب المتاجر والأموال اذا سمع أحدهم بالمكاسب تحركت داعيته إلى ~~ذلك وكذلك أهل الفرج والتنزه إذا رأوا من يقصد ذلك تحركوا إليه وهذه ~~الدواعي كلها مركوزة في نفوس بنى آدم والانسان ظلوم جهول # وكذلك ذكر أثار رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر به وتحرك محبته ~~فالمبتلى بالفاحشة والعشق إذا ذكر ما به لغيره تحركت نفس ذلك الغير إلى جنس ~~ذلك لأن النفوس مجبولة على حب الصور الجميلة PageV14P464 فاذا تصورت جنسا ~~تحرك اليها المحبوب # ولهذا نهى الله تعالى عن اشاعة الفاحشة وكذلك أمر بستر الفواحش كما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( من ابتلى من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر ~~الله فانه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله ( وقال كل أمتى معافى إلا ~~المجاهرين وان من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله فيصبح ~~يتحدث به ( فما دام الذنب مستورا فعقوبته على صاحبه خاصة وإذا ظهر ولم ينكر ~~كان ضرره عاما فكيف إذا كان في ظهوره تحريك لغيره إليه # ولهذا كره الامام أحمد وغيره إنشاد الأشعار الغزل الرقيق لأنه يحرك ~~النفوس إلى الفواحش فلهذا أمر من يبتلى بالعشق أن يعف ويكتم ويصبر فيكون ~~حينئذ ممن قال الله فيه ( إنه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين ~~) # والمقصود أنه يثاب على هذه المجاهدة والمجاهد من جاهد نفسه في الله وأما ~~المبتدعون في الزهد والعبادة السالكون طريق الرهبان فانهم قد يزهدون في ~~النكاح وفضول الطعام والمال ونحو ذلك وهذا محمود لكن عامة هؤلاء لابد أن ~~يقعوا في ذنوب من هذا الجنس كما نجد كثيرا منهم يبتلى بصحبة الأحداث ~~ومرافقة النساء فيبتلون بالميل PageV14P465 إلى الصور المحرمة من النساء ~~والصبيان ما لايبتلى به أهل السنة المتبعون للشريعة المحمدية # وحكاياتهم في هذا أكثر من أن يحكى بسطها في كتاب وعندهم من الفواحش ~~الباطنة والظاهرة ما لا يوجد عند غيرهم وخيار من فيهم يميل إلى الأحداث ~~والغناء والسماع لما يجدون في ذلك من راحة النفوس ولو ms4565 اتبعوا السنة ~~لاستراحوا من ذلك # قال أبو سعيد الخراز لما قال له الشيطان في المنام لي فيكم لطيفتان ~~السماع وصحبة الأحداث قال أبو سعيد قل من ينجو منها من أصحابنا حتى لقوة ~~محبة نفوسهم صار ذلك ممتزجا بطريقهم إلى الله فان أحدهم يجد في نفسه عند ~~مشاهدة ا لشاهد من الرغبة فيما اعتاده من العبادة والزهادة مالا يجدها بدون ~~ذلك وعنده في نفسه عند سماع القصائد من الشوق والرغبة والنشاط ما لا يجده ~~عند سماع القرآن فصاروا في شبهة وشهوة لم يكتف الشيطان منهم بوقوعهم في ~~الأمور المحرمة التى تفتنهم حتى جعلهم يعتبرون ذلك عبادة كالذين قال الله ~~فيهم @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها @QE@ ~~الآية وهؤلاء هم الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات # وإذا وقعوا في السماع وقعوا فيه بشوق ورغبة قوية ومحبة تامة PageV14P466 ~~وبذلوا فيه أنفسهم وأموالهم فقد يبذلون فيه نساءهم وأبناءهم ويدخلون في ~~الدياثة لأغراضهم فيأتي أحدهم بولده فيهبه للشيخ يفعل به ما أراد هو ومن ~~يلوذ به ويسمونه حوارا وإن كان حسن الصورة استأثر به الشيخ دونهم ويعد أهله ~~ذلك بركة حصلت له من الشيخ ويرتفع الحياء بين أم الصبى وأبيه وبين الفقراء # وإذا صلوا صلوا صلاة المنافقين يقومون إليها وهم كسالى يراءون الناس ولا ~~يذكرون الله الا قليلا فقد أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ومع هذا فهم قد ~~يزهدون في بعض الطيبات التى أحلها الله لهم ويجتهدون في عبادات واذكار لكن ~~مع بدعة وأفعال لا تجوز مما تقدم ذكره فتلك البدعة هي التى أوقعتهم في ~~اتباع الشهوات وإضاعة الصلوات لأن الشريعة مثالها مثال سفينة نوح من ركبها ~~نجا ومن تخلف عنها غرق وهؤلاء تخلفوا عنها فغرقوا بحبهم ويتوب الله على من ~~تاب # والسالكون للشريعة المحمدية إذا ابتلوا بالذنوب لم تكن التوبة عليهم من ~~الآصار والأغلال بل من الحنيفية السمحة وأما أهل البدع فقد تكون التوبة ~~عليهم آصارا وأغلالا كما كانت على من قبلنا من الرهبان فانهم إذا وقع أحدهم ~~في الذنب لم يخلص ms4566 من شره إلا ببلاء شديد من أجل خروجه عن السنة PageV14P467 # وهولاء قد يظن احدهم أنه لا يمكنه السلوك إلى الله تعالى الا ببدعة # وكذلك أهل الفجور المترفين قد يظن أحدهم أنه لا يمكنه فعل الواجبات الا ~~بما يفعله من الذنوب ولايمكنه ترك المحرمات الا بذلك وهذا يقع لبشر كثير من ~~الناس # منهم من يقول أنه لايمكن أداء الصلوات واجتناب الكلام المحرم من الغيبة ~~وغيرها الا بأكل الحشيشة # ويقول الآخر إن أكلها يعينه على استنباط العلوم وتصفية الذهن حتى يسميها ~~بعضهم معدن الفكر والذكر ومحركة العزم الساكن وكل هذا من خدع النفس ومكر ~~الشيطان بهؤلاء وغيرهم وإنها لعمى الذهن ويصير آكلها أبكم مجنونا لا يعي ما ~~يقول # وكذلك في هؤلاء من يقول إن محبته لله ورغبته في العبادة وحركته ووجده ~~وشوقه وغير ذلك لا يتم إلا بسماع القصائد ومعاشرة الشاهد من الصبيان وغيرهم ~~وسماع الأصوات والنغمات ويزعمون أنهم بسماع هذه الأصوات ورؤية الصور ~~المحركات تتحرك عندهم من دواعي الزهد والعبادة ما لا تتحرك بدون ذلك وأنهم ~~بدون ذلك قد يتركون PageV14P468 الصلوات ويفعلون المحرمات الكبار كقطع ~~الطريق وقتل النفوس ويظنون أنهم بهذا ترتاض نفوسهم وتلتذ بذلك لذة تصدها عن ~~ارتكاب المحارم والكبائر وتحملها على الصلاة والصوم والحج # وهذا مستند كثير من الشيوخ الذين يدعون الناس إلى طريقهم بالسماع المبتدع ~~على اختلاف ألوانه وأنواعه منهم من يدعو إليه بالدف والرقص ومنهم من يضيف ~~إلى ذلك الشبابات ومنهم من يعمله بالنساء والصبيان ومنهم من يعمله بالدف ~~والكف ومنهم من يعمله بأذكار واجتماع وتسبيحات وقيام وإنشاد أشعار وغير ذلك ~~من سائر أنواعه وألوانه # وربما ضموا إليه 2 من معاشرة النساء والمردان ونحو ذلك ويقولون هؤلاء ~~الذين توبناهم وقد كانوا لا يصلون ولا يحجون ولا يصومون بل كانوا يقطعون ~~الطريق ويقتلون النفس ويزنون فتوبناهم عن ذلك بهذا السماع وما أمكن أحد ~~استتابتهم بغير هذا # وقد يعترفون أن ما فعلوه بدعة منهي عنها أو محرمة ولكن يقولون ما أمكننا ~~الا هذا وإن لم نفعل هذا القليل من ms4567 المحرم حصل الوقوع فيما هو أشد منه ~~تحريما وفى ترك الواجبات ما يزيد إثمه على إثم هذا المحرم القليل في جنب ما ~~كانوا فيه من المحرم الكثير PageV14P469 # ويقولون إن الانسان يجد في نفسه نشاطا وقوة في كثير من الطاعات إذا حصل ~~له ما يحبه وإن كان مكروها حراما واما بدون ذلك فلا يجد شيئا ولا يفعله وهو ~~أيضا يمتنع عن المحرمات إذا عوض بما يحبه وان كان مكروها وإلا لم يمتنع ~~وهذه الشبهة واقعة لكثير من الناس وجوابها مبنى على ثلاث مقامات # ( أحدها ( أن المحرمات قسمان # ( أحدهما ( ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئا لا لضرورة ولا لغير ضرورة ~~كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض وهي الأربعة ~~المذكورة في قوله تعالى ( قل إنما حرم ربى الفواحش ماظهر منها وما بطن ~~والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله مالا تعلمون ) # فهذه الأشياء محرمة في جميع الشرائع وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ولم ~~يبح منها شيئا قط ولا في حال من الأحوال ولهذا أنزلت في هذه السورة المكية ~~ونفي التحريم عما سواها فانما حرمه بعدها كالدم والميتة ولحم الخنزير حرمه ~~في حال دون حال وليس تحريمه مطلقا PageV14P470 # وكذلك ( الخمر ( يباح لدفع الغصة بالاتفاق ويباح لدفع العطش في أحد قولي ~~العلماء ومن لم يبحها قال إنها لاتدفع العطش وهذا مأخذ أحمد فحينئذ فالأمر ~~موقوف على دفع العطش بها فان علم أنها تدفعه أبيحت بلا ريب كما يباح لحم ~~الخنزير لدفع المجاعة وضرورة العطش الذي يرى أنه يهلكه أعظم من ضرورة الجوع ~~ولهذا يباح شرب النجاسات عند العطش بلا نزاع فان اندفع العطش وإلا فلا ~~إباحة في شيء من ذلك # وكذلك ( الميسر ( فإن الشارع أباح السبق فيه بمعنى الميسر للحاجة في ~~مصلحة الجهاد وقد قيل إنه ليس منه وهو قول من لم يبح العوض من الجانبين ~~مطلقا إلا المحلل ولا ريب أن الميسر أخف من أمر الخمر وإذا أبيحت الخمر ~~للحاجة ms4568 فالميسر أولى والميسر لم يحرم لذاته إلا لأنه يصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء فإذا كان فيه تعاون على الرمي الذي هو من ~~جنس الصلاة وعلى الجهاد الذي فيه تعاون وتتألف به القلوب على الجهاد زالت ~~هذه المفسدة # وكذلك بيع الغرر هو من جنس الميسر ويباح منه أنواع عند الحاجة ورجحان ~~المصلحة PageV14P471 # وكذلك ( الربا ( حرم لما فيه من الظلم وأوجب أن لايباع الشيء إلا بمثله ~~ثم أبيح بيعه بجنسه خرصا عند الحاجة بخلاف غيرها من المحرمات فإنها تحرم في ~~حال دون حال ولهذا والله أعلم نفي التحريم عما سواها وهو التحريم المطلق ~~العام فان المنفي من جنس المثبت فلما أثبت فيها التحريم العام المطلق نفاه ~~عما سواها # و ( المقام الثاني ( أن يفرق بين ما يفعل في الانسان ويأمر به ويبيحه ~~وبين ما يسكت عن نهي غيره عنه وتحريمه عليه فاذا كان من المحرمات ما لو نهى ~~عنه حصل ما هو أشد تحريما منه لم ينه عنه ولم يبحه أيضا # ولهذا لايجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه ولهذا حرم الخروج على ولاة ~~الأمر بالسيف لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ما يحصل بذلك من ~~فعل المحرمات وترك واجب أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب واذا كان قوم ~~على بدعة أو فجور ولو نهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شر أعظم مما هم عليه من ذلك ~~ولم يمكن منعهم منه ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة لم ينهوا عنه # بخلاف ما أمر الله به الأنبياء وأتباعهم من دعوة الخلق فان دعوتهم يحصل ~~بها مصلحة راجحة على مفسدتها كدعوة موسى PageV14P472 لفرعون ونوح لقومه ~~فانه حصل لموسى من الجهاد وطاعة الله وحصل لقومه من الصبر والاستعانة بالله ~~ما كانت عاقبتهم به حميدة وحصل أيضا من تفريق فرعون وقومه ماكانت مصلحته ~~عظيمة # وكذلك نوح حصل له ما أوجب أن يكون ذريته هم الباقين وأهلك الله قومه ~~أجمعين فكان هلاكهم مصلحة # فالمنهي عنه إذا زاد شره بالنهي وكان النهي مصلحة راجحة كان ms4569 حسنا وأما ~~إذا زاد شره وعظم وليس في مقابلته خير يفوته لم يشرع إلا أن يكون في ~~مقابلته مصلحه زائدة فان أدى ذلك إلى شر أعظم منه لم يشرع مثل أن يكون ~~الآمر لا صبر له فيؤذى فيجزع جزعا شديدا يصير به مذنبا وينتقص به إيمانه ~~ودينه # فهذا لم يحصل به خير لاله ولا لأولئك بخلاف ما إذا صبر واتقى الله وجاهد ~~ولم يتعد حدود الله بل استعمل التقوى والصبر فان هذا تكون عاقبته حميدة # وأولئك قد يتوبون فيتوب الله عليهم ببركته وقد يهلكهم ببغيهم ويكون ذلك ~~مصلحة كما قال تعالى @QB@ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب ~~العالمين @QE@ PageV14P473 # وأماالانسان في نفسه فلايحل له أن يفعل الذي يعلم أنه محرم لظنه أنه ~~يعينه على طاعة الله فان هذا لا يكون إلا مفسدة أو مفسدته راجحة على مصلحته ~~وقد تنقلب تلك الطاعة مفسدة فان الشارع حكيم فلو علم أن في ذلك مصلحة لم ~~يحرمه لكن قد يفعل الانسان المحرم ثم يتوب وتكون مصلحته أنه يتوب منه ويحصل ~~له بالتوبة خشوع ورقة وإنابة إلى الله تعالى فان الذنوب قد يكون فيها مصلحة ~~مع التوبة منها فان الانسان قد يحصل له ( بعدم ) الذنوب كبر وعجب وقسوة ~~فإذا وقع في ذنب أذله ذلك وكسر قلبه ولين قلبه بما يحصل له من التوبة # ولهذا قال سعيد بن جبير إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار ويفعل ~~السيئة فيدخل بها الجنة وهذا هو الحكمة في ابتلاء من ابتلى بالذنوب من ~~الأنبياء والصالحين وأما بدون التوبة فلا يكون المحرم إلا مفسدته راجحة ~~فليس للانسان أن يعتقد حل ما يعلم أن الله حرمه قطعا وليس له أن يفعله قطعا ~~فان غلبته نفسه وشيطانه فوقع فيه تاب منه فان تاب فصار بالتوبة خيرا مما ~~كان قبله فهذا من رحمة الله به حين تاب عليه وإلا فلو لم يتب لفسد حاله ~~بالذنب وليس له أن يقول أنا أفعل ثم اتوب ولا يبيح الشارع له ذلك لأنه ~~بمنزلة من يقول ms4570 أنا أطعم نفسي ما يمرضني ثم أتداوى أو آكل السم ثم اشرب ~~الترياق PageV14P474 # والشارع حكيم فانه لايدرى هل يتمكن من التوبة أم لا وهل يحصل الدواء ~~بالترياق وغيره أم لا وهل يتمكن من الشرب أم لا لكن لو وقع هذا وكانت آخرته ~~إلى التوبة النصوح كان الله قد أحسن إليه بالتوبة وبالعفو عما سلف من ذنوبه ~~وقد يكون مثل هذا ليس صلاحه إلا في أن يذنب ويتوب ولو لم يفعل ذلك كان شرا ~~منه لو لم يذنب ويتوب لكن هذا أمر يتعلق بخلق الله وقدره وحكمته لايمكن أحد ~~أن يأمر به الانسان لأنه لايدري أن ذلك خير له وليس ما يفعله خلقا لعلمه ~~وحكمته يجوز للرسل وللعباد أن يفعلوه ويأمروا به # وقصة الخضر مع موسى لم تكن مخالفة لشرع الله وأمره ولا فعل الخضر ما فعله ~~لكونه مقدرا كما يظنه بعض الناس بل ما فعله الخضر هو مأمور به في الشرع ~~بشرط أن يعلم من مصلحته ما علمه الخضر فانه لم يفعل محرما مطلقا ولكن خرق ~~السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار فان إتلاف بعض المال لصلاح اكثره هو أمر ~~مشروع دائما وكذلك قتل الانسان الصائل لحفظ دين غيره أمر مشروع وصبر ~~الانسان على الجوع مع إحسانه إلى غيره أمر مشروع # فهذه القضية تدل على أنه يكون من الأمور ما ظاهره فساد فيحرمه من لم يعرف ~~الحكمة التى لأجلها فعل وهو مباح في الشرع PageV14P475 باطنا وظاهرا لمن ~~علم ما فيه من الحكمة التى توجب حسنه وإباحته # وهذا لايجيء في الأنواع الأربعة فان الشرك والقول على الله بلاعلم ~~والفواحش ما ظهر منها وما بطن والظلم لايكون فيها شيء من المصلحة وقتل ~~النفس أبيح في حال دون حال فليس من الأربعة وكذلك إتلاف المال يباح في حال ~~دون حال وكذلك الصبر على المجاعة ولذلك قال @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ # فاخلاص الدين له والعدل واجب مطلقا في كل حال وفي كل شرع فعلى العبد أن ms4571 ~~يعبد الله مخلصا له الدين ويدعوه مخلصا له لايسقط هذا عنه بحال ولايدخل ~~الجنة إلا أهل التوحيد وهم أهل ( لا إله إلا الله ( # فهذا حق الله على كل عبد من عباده كما في الصحيحين من حديث معاذ أن النبى ~~قال له ( يامعاذ أتدري ما حق الله على عبادة ) قلت الله ورسوله أعلم قال ( ~~حقه عليهم ان يعبدوه لايشركوا به شيئا ( الحديث # فلاينجون من عذاب الله إلا من اخلص لله دينه وعبادته ودعاه PageV14P476 ~~مخلصا له الدين ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره ~~كفرعون وأمثاله فهو أسوأ حالا من المشرك فلابد من عبادة الله وحده وهذا ~~واجب على كل أحد فلا يسقط عن أحد البتة وهو الاسلام العام الذي لايقبل الله ~~دينا غيره # ولكن لا يعذب الله احدا حتى يبعث إليه رسولا وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل ~~الجنة الا نفس مسلمة مؤمنة ولايدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه فمن لم ~~تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة ولا يدخل النار الا من اتبع ~~الشيطان فمن لاذنب له لا يدخل النار ولا يعذب الله بالنار أحدا إلا بعد أن ~~يبعث إليه رسولا فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه كالصغير والمجنون والميت في ~~الفترة المحضة فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار # فيجب الفرق في الواجبات والمحرمات والتمييز بينهما هو اللازم لكل أحد على ~~كل حال وهو العدل في حق الله وحق عباده بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين ~~ولا يظلم الناس شيئا وما هو محرم على كل أحد في كل حال لا يباح منه شيء وهو ~~الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم وبين ما سوى ذلك # قال تعالى @QB@ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا @QE@ ~~PageV14P477 ) فهذا محرم مطلقا لا يجوز منه شيء @QB@ وبالوالدين إحسانا ~~@QE@ فهذا فيه تقييد فان الوالد إذا دعا الولد إلى الشرك ليس له أن يطيعه ~~بل له ان يأمره وينهاه وهذا الأمر والنهي للوالد هو ms4572 من الاحسان إليه وإذا ~~كان مشركا جاز للولد قتله وفى كراهته نزاع بين العلماء # قوله @QB@ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق @QE@ فهذا تحريم خاص @QB@ ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ هذا مطلق @QB@ ولا تقربوا مال ~~اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده @QE@ هذا مقيد فان يتامى المشركين ~~أهل الحرب يجوز غنيمة أموالهم لكن قد يقال هذا أخذ وقربان بالتى هي أحسن ~~إذا فسر الأحسن بأمر الله ورسوله @QB@ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط @QE@ ~~هذا مقيد بمن يستحق ذلك @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا @QE@ هذا مطلق # @QB@ وبعهد الله أوفوا @QE@ فالوفاء واجب لكن يميز بين عهد الله وغيره ~~ويفرق بين ما يسكت عنه الانسان وبين ما يلفظ به ويفعله ويأمر به ويفرق ~~بينما قدره الله فحصل بسببه خير وبين ما يؤمر به العبد فيحصل بسببه خير ~~PageV14P478 # قال شيخ الاسلام رحمه الله ### ||| فصل # قوله تعالى علوا كبيرا @QB@ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~@QE@ لايقتضى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لانهيا ولا إذنا كما في ~~الحديث المشهور في السنن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه خطب على منبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية ~~وتضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ان ~~الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ( # وكذلك في حديث أبى ثعلبة الخشني مرفوعا في تأويلها ( إذا رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك ( وهذا يفسره حديث ~~أبى سعيد في مسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه ~~فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان ( فاذا قوي أهل الفجور حتى لا يبقى ~~لهم إصغاء إلى PageV14P479 البر بل يؤذون الناهي لغلبة الشح والهوى والعجب ~~سقط التغيير باللسان في هذه الحال وبقي بالقلب و ( الشح ( هو شدة الحرص ~~التى توجب البخل والظلم وهو منع الخير وكراهته و ( الهوى المتبع ( في إرادة ~~الشر ومحبته و ms4573 ( الاعجاب بالرأي ( في العقل والعلم فذكر فساد القوى الثلاث ~~التى هي العلم والحب والبغض كما في الحديث الآخر ( ثلاث مهلكات شح مطاع ~~وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه ( وبازائها الثلاث المنجيات ( خشية الله في ~~السر والعلانية والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضا ( وهي ~~التى سألها في الحديث الآخر ( اللهم اني اسألك خشيتك في السر والعلانية ~~وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا واسألك القصد في الفقر والغنى ) # فخشية الله بازاء اتباع الهوى فان الخشية تمنع ذلك كما قال @QB@ وأما من ~~خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى @QE@ والقصد في الفقر والغنى بازاء الشح ~~المطاع وكلمة الحق في الغضب والرضا بازاء اعجاب المرء بنفسه وما ذكره ~~الصديق ظاهر فان الله قال @QB@ عليكم أنفسكم @QE@ اي الزموها واقبلوا عليها ~~ومن مصالح النفس فعل ما أمرت به من الأمر والنهي وقال @QB@ لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم @QE@ وانما يتم الاهتداء إذا أطيع الله وادى الواجب من الأمر ~~والنهي وغيرهما ولكن في الآية فوائد عظيمة PageV14P480 # ( احدها ( أن لايخاف المؤمن من الكفار والمنافقين فانهم لن يضروه إذا كان ~~مهتديا # ( الثانى ( أن لا يحزن عليهم ولا يجزع عليهم فان معاصيهم لا تضره إذا ~~اهتدى والحزن على مالا يضر عبث وهذان المعنيان مذكوران في قوله ( واصبر وما ~~صبرك إلا بالله ولاتحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ) # ( الثالث ( أن لايركن اليهم ولا يمد عينه إلى ما أوتوه من السلطان والمال ~~والشهوات كقوله @QB@ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن ~~عليهم @QE@ فنهاه عن الحزن عليهم والرغبة فيما عندهم في آية ونهاه عن الحزن ~~عليهم والرهبة منهم في آية فان الانسان قد يتألم عليهم ومنهم اما راغبا ~~واما # راهبا ( الرابع ( أن لايعتدى على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في ~~بغضهم أو ذمهم أو نهيهم أو هجرهم أوعقوبتهم بل يقال لمن اعتدى عليهم عليك ~~نفسك لايضرك من ضل إذا اهتديت كما قال @QB@ ولا يجرمنكم شنآن قوم @QE@ ~~الآية وقال @QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ms4574 تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين @QE@ وقال @QB@ فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ~~@QE@ فان كثيرا من الآمرين الناهين قد يعتدى PageV14P481 حدود الله اما ~~بجهل واما بظلم وهذا باب يجب التثبت فيه وسواء في ذلك الانكار على الكفار ~~والمنافقين والفاسقين والعاصين # ( الخامس ( أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع من العلم والرفق ~~والصبر وحسن القصد وسلوك السبيل القصد فان ذلك داخل في قوله ( عليكم انفسكم ~~( وفى قوله ( إذا اهتديتم ) # فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وفيها المعنى الآخر وهو اقبال المرء على مصلحة نفسه علما وعملا ~~واعراضه عما لايعنيه كما قال صاحب الشريعة ( من حسن اسلام المرء تركه مالا ~~يعنيه ( ولاسيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ~~ودنياه لاسيما ان كان التكلم لحسد أو رئاسة # وكذلك العمل فصاحبه إما معتد ظالم واما سفيه عابث وما أكثر ما يصور ~~الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ~~ويكون من باب الظلم والعدوان # فتأمل الآية في هذه الأمور من أنفع الأشياء للمرء وأنت إذا تأملت ما يقع ~~من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها PageV14P482 و رؤسائها ~~وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل كما بغت ~~الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن محنة أحمد وغيره وكما بغت ~~الرافضة على المستنة مرات متعددة وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته وكما ~~قد تبغى المشبهة على المنزهة وكما قد يبغى بعض المستنة اما على بعضهم وإما ~~على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الاسراف المذكور في ~~قولهم ( ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا ) # وبازاء هذا العدوان تقصير آخرين فيما أمروا به من الحق أو فيما أمروا به ~~من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الأمور كلها فما أحسن ما قال ~~بعض السلف ما أمر الله بأمر الا اعترض الشيطان فيه بأمرين لايبالي بأيهما ~~ظفر غلو ms4575 أو تقصير فالمعين على الاثم والعدوان بازائه تارك الاعانة على البر ~~والتقوى وفاعل المأمور به وزيادة منهى عنها بازائه تارك المنهى عنه وبعض ~~المأمور به والله يهدينا الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~PageV14P483 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى فيقسمان بالله ) 1 # قال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < فصل # الذي يدل عليه القرآن في سورة المائدة في آية الشهادة في قوله @QB@ ~~فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا @QE@ أي بقولنا ولو كان ذا قربى ~~حذف ضمير كان لظهوره اي ولو كان المشهود له كما في قوله @QB@ وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى @QE@ وكما في قوله @QB@ كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله @QE@ إلى قوله @QB@ إن يكن غنيا أو فقيرا @QE@ اي المشهود عليه ونحو ~~ذلك لأن العادة أن الشهادة المزورة يعتاض عليها وإلا فليس أحد يشهد شهادة ~~مزورة 2 بلا عوض ولو مدح أو اتخاذ يد وآفة الشهادة إما اللي واما الاعراض ~~الكذب والكتمان فيحلفان لانشتري بقولنا ثمنا أى لانكذب ولا نكتم شهادة الله ~~أو لا نشتري بعهد الله ثمنا لأنهما كانا مؤتمنين فعليهما عهد بتسليم المال ~~إلى مستحقه فان الوصية عهد من العهود # وقوله بعد ذلك @QB@ فإن عثر على أنهما استحقا إثما @QE@ أعم من أن يكون ~~PageV14P484 في الشهادة أو الأمانة وسبب نزول الآية يقتضي أنه كان في ~~الامانة فانهما استشهدا وائتمنا لكن ائتمانهما ليس خارجا عن القياس بل حكمه ~~ظاهر فلم يحتج فيه إلى تنزيل بخلاف استشهادهما والمعثور على استحقاق الاثم ~~ظهور بعض الوصية عند من اشتراها منهما بعد أن وجد ذكرها في الوصية وسئلا ~~عنها فانكراها # وقوله ( من الذين استحق عليهم ) يحتمل أن يكون مضمنا معنى بغى عليهم وعدى ~~( عليهم ) كما يقال في الغصب غصبت علي مالي ولهذا قيل ( لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما وما اعتدينا ) اي كما اعتدوا ثم قوله @QB@ ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم @QE@ # وحديث بن عباس في البخاري صريح في أن النبى صلى الله عليه وسلم حكم بمعنى ms4576 ~~ما في القرآن فرد اليمين على المدعيين بعد أن استحلف المدعى عليهم لما عثر ~~على أنهما استحقا إثما وهو إخبار المشترين انهم اشتروا ( الجام ( منهما بعد ~~قولهما ما رأيناه فحلف النبى صلى الله عليه وسلم اثنين من المدعيين ~~الأوليان واخذ ( الجام ( من المشتري وسلم إلى المدعي وبطل البيع وهذا ~~لايكون مع إقرارهما بأنهما باعا الجام فانه لم يكن يحتاج إلى يمين المدعيين ~~لو اعترفا بانه جام الموصى وانهما PageV14P485 غصباه وباعاه بل بقوا على ~~إنكار قبضه مع بيعه أو ادعوا مع ذلك أنه أوصى لهما به وهذا بعيد # فظاهر الآية أن المدعى عليه المتهم بخيانة ونحوها كما اتهم هؤلاء إذا ظهر ~~كذبه وخيانته كان ذلك لوثا يوجب رجحان جانب المدعي فيحلف ويأخذ كما قلنا في ~~الدماء سواء والحكمة فيهما واحدة وذلك انه لما كانت العادة أن القتل لا ~~يفعل علانية بل سرا فيتعذر إقامة البينة ولا يمكن أن يؤخذ بقول المدعي ~~مطلقا اخذ بقول من يترجح جانبه فمع عدم اللوث جانب المنكر راجح أما اذا كان ~~قتل ولوث قوي جانب المدعي فيحلف # وكذلك الخيانة والسرقة يتعذر إقامة البينة عليهما في العادة ومن يستحل أن ~~يسرق فقد لا يتورع عن الكذب فاذا لم يكن لوث فالأصل براءة الذمة أما إذا ~~ظهر لوث بأن يوجد بعض المسروق عنده فيحلف المدعي ويأخذ وكذلك لو حلف المدعى ~~عليه ابتداء ثم ظهر بعض المسروق عند من اشتراه أو اتهبه أو أخذه منه فان ~~هذا اللوث في تغليب الظن أقوى لكن في الدم قد يتيقن القتل ويشك في عين ~~القاتل فالدعوى إنما هي بالتعيين # وأما في الأموال فتارة يتيقن ذهاب المال وقدره مثل أن يكون PageV14P486 ~~معلوما في مكان معروف وتارة يتيقن ذهاب مال لا قدره بأن يعلم أنه كان هناك ~~مال وذهب وتارة يتيقن هتك الحرز ولا يدرى أذهب بشيء أم لا هذا في دعوى ~~السرقة وأما في دعوى الخيانة فلا تعلم الخيانة فاذا ظهر بعض المال المتهم ~~به عند المدعى عليه أو من قبضه منه ظهر ms4577 اللوث بترجيح جانب المدعى فان تحليف ~~المدعى عليه حينئذ بعيد # وقول النبى صلى الله عليه وسلم ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء ~~قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ( جمع فيه الدماء والأموال فكما ~~أن الدما ء إذا كان مع المدعى لوث حلف فكذلك الأموال كما حلفناه مع شاهده ~~فكلما يغلب على الظن صدقة فهو بمنزلة شاهده كما جعلنا في الدماء الشهادة ~~المزورة لنقص نصايبها أو صفاتها لوثا وكذلك في الأموال جعل الشاهد مع ~~اليمين فالشاهد المزور مع لوث وهو لكن ينبغي أن تعتبر في هذا حال المدعى ~~والمدعى عليه في الصدق والكذب فان باب السرقة والخيانة لا يفعله إلا فاسق ~~فان كان من أهل ذلك لم يكن إذا لم يكن إلا عدلا وكذلك المدعى قد يكذب ~~فاعتبار العدالة والفسق في هذا يدل عليه قول الأنصاري كيف نرضى بأيمان قوم ~~كفار فعلم أن المتهم إذا كان فاجرا فللمدعى أن لايرضى بيمينه لأنه من يستحل ~~أن يسرق يستحل أن يحلف PageV14P487 ### || سورة الانعام ### |||| سئل رضي الله عنه # عن قوله تعالى @QB@ ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب @QE@ وقوله تعالى @QB@ يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب @QE@ هل المحو والاثبات في اللوح ~~المحفوظ والكتاب الذي جاء في الصحيح ( إن الله تعالى كتب كتابا فهو عنده ~~على عرشه ( الحديث وقد جاء جف القلم ) فما معنى ذلك في المحو والاثبات # وهل شرع في الدعاء أن يقول ( اللهم ان كنت كتبتني كذا فامحني واكتبني كذا ~~فانك قلت @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ وهل صح أن عمر كان يدعو بمثل ~~هذا وهل الصحيح عندكم أن العمر يزيد بصلة الرحم كما جاء في الحديث افتونا ~~مأجورين ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله رب العالمين PageV14P488 أما قوله سبحانه ~~ثم قضى اجلا وأجل مسمى عنده ) فالأجل الأول هو أجل كل عبد الذي ينقضي به ~~عمره والأجل المسمى عنده هو أجل القيامة العامة # ولهذا قال ( مسمى عنده ms4578 ) فان وقت الساعة لايعلمه ملك مقرب ولا نبى مرسل ~~كما قال @QB@ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو @QE@ بخلاف ما إذا قال ( مسمى ) كقوله ( إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى ) إذ لم يقيد بأنه مسمى عنده فقد يعرفه العباد # وأما أجل الموت فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد وأجله وعمله ~~وشقى أو سعيد كما قال في الصحيحين عن بن مسعود قال ( حدثنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ان أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين ~~يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك ~~فيؤمر بأربع كلمات فيقال أكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد ثم ينفخ فيه ~~الروح ( فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يعلمه الله لمن شاء من عباده # وأما أجل القيامة المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو PageV14P489 # وأما قوله ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ) فقد قيل أن المراد ~~الجنس أي ما يعمر من عمر انسان ولا ينقص من عمر انسان ثم التعمير والتقصير ~~يراد به شيئان # ( أحدهما ( أن هذا يطول عمره وهذا يقصر عمره فيكون تقصيره نقصا له ~~بالنسبة إلى غيره كما أن المعمر يطول عمره وهذا يقصر عمره فيكون تقصيره ~~نقصا له بالنسبة إلى غيره كما أن التعمير زيادة بالنسبة إلى # آخر وقد يراد بالنقص النقص من العمر المكتوب كما يراد بالزيادة الزيادة ~~في العمر المكتوب وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال من سره ~~أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه وقد قال بعض الناس إن ~~المراد به البركة في العمر بأن يعمل في الزمن القصير مالا يعمله غيره إلا ~~في الكثير قالوا لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان # فيقال لهؤلاء تلك البركة وهي الزيادة في العمل والنفع هي أيضا مقدرة ~~مكتوبة وتتناول لجميع الأشياء # والجواب المحقق أن الله يكتب للعبد أجلا في صحف الملائكة ms4579 PageV14P490 ~~فاذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب وان عمل مايوجب النقص نقص من ذلك المكتوب # ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبى ( ان آدم لما طلب من الله أن ~~يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه اياهم فرأى فيهم رجلا له بصيص فقال من ~~هذا يارب فقال ابنك داود قال فكم عمره قال أربعون سنة قال وكم عمري قال الف ~~سنة قال فقد وهبت له من عمرى ستين سنة فكتب عليه كتاب وشهدت عليه الملائكة ~~فلما حضرته الوفاة قال قد بقي من عمري ستون سنة قالوا وهبتها لابنك داود ~~فأنكر ذلك فأخرجوا الكتاب قال النبى صلى الله عليه وسلم فنسي آدم فنسيت ~~ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته ( وروى أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره # فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين وهذا معنى ما روى عن ~~عمر أنه قال اللهم ان كنت كتبتني شقيا فامحنى واكتبنى سعيدا فانك تمحو ما ~~تشاء وتثبت # والله سبحانه عالم بما كان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف كان يكون فهو ~~يعلم ما كتبه له وما يزيده اياه بعد ذلك والملائكة لا علم لهم الا ما علمهم ~~الله والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها PageV14P491 فلهذا قال ~~العلماء ان المحو والاثبات في صحف الملائكة وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ~~ولا يبدو له مالم يكن عالما به فلا محو فيه ولا إثبات # واما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات على قولين والله سبحانه وتعالى ~~أعلم PageV14P492 # وقال أيضا ### ||| فصل # ذكر الله أنه يرفع درجات من يشاء في قصة مناظرة إبراهيم وفى قصة احتيال ~~يوسف ولهذا قال السلف بالعلم فان سياق الآيات يدل عليه فقصة إبراهيم في ~~العلم بالحجة والمناظرة لدفع ضرر الخصم عن الدين وقصة يوسف في العلم ~~بالسياسة والتدبير لتحصل منفعة المطلوب فالأول علم بما يدفع المضار في ~~الدين والثاني علم بما يجلب المنافع أو يقال الأول هو العلم الذي يدفع ~~المضرة عن الدين ويجلب منفعته والثاني علم بما يدفع المضرة ms4580 عن الدنيا ويجلب ~~منفعتها أو يقال قصة إبراهيم في علم الأقوال النافعة عند الحاجة إليها وقصة ~~يوسف في علم الأفعال النافعة عند الحاجة اليها فالحاجة جلب المنفعة ودفع ~~المضرة قد تكون إلى القول وقد تكون إلى الفعل # ولهذا كان المقصرون عن علم الحجج والدلالات وعلم السياسة PageV14P493 ~~والامارات مقهورين مع هذين الصنفين تارة بالاحتياج إليهم إذا هجم عدو يفسد ~~الدين بالجدل أو الدنيا بالظلم وتارة بالاحتياج إليهم اذا هجم على أنفسهم ~~من أنفسهم ذلك وتارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم من شر بعض في الدين ~~والدنيا وتارة يعيشون في ظلهم في مكان ليس فيه مبتدع يستطيل عليهم ولا وال ~~يظلمهم وما ذاك إلا لوجود علماء الحجج الدامغة لأهل البدع والسياسة الدافعة ~~للظلم # ولهذا قيل صنفان إذا صلحوا صلح الناس العلماء والأمراء وكما أن المنفعة ~~فيهما فالمضرة منهما فان البدع والظلم لا تكون إلا فيهما أهل الرياسة ~~العلمية وأهل الرياسة القدرية ولهذا قال طائفة من السلف كالثورى وبن عيينة ~~وغيرهما ما معناه أن من نجا من فتنة البدع وفتنة السلطان فقد نجا من الشر ~~كله وقد بسطت القول في هذا في الصراط المستقيم عند قوله فاستمتعوا بخلاقهم ~~فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذى خاضوا ~~PageV14P494 # قال شيخ الاسلام رحمه الله # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ # منها قوله @QB@ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون @QE@ والآية بعدها ~~أشكلت قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها جملة مبتدأة ~~وليس كذلك لكنها داخلة في خبر أن والمعنى إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون وأنا أفعل بهم هذا لم يكن قسمهم صدقا بل قد يكون كذبا وهو ظاهر ~~الكلام المعروف أنها ( أن ( المصدرية ولو كان ( ونقلب ) الخ كلاما مبتدءا ~~لزم ان كل من جاءته آية قلب فؤاده وليس كذلك بل قد يؤمن كثير منهم ~~PageV14P495 # قال شيخ الاسلام رحمه الله ### ||| فصل # قال تعالى @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ms4581 لا مبدل لكلماته وهو السميع ~~العليم @QE@ ذكر هذا بعد قوله @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين @QE@ ~~ثم قال @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن ~~تجد من دونه ملتحدا @QE@ # فأخبر في هاتين الآيتين أنه لا مبدل لكلمات الله وأخبر في الأولى انها ~~تمت صدقا وعدلا وقد تواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم PageV14P496 أنه كان ~~يستعيذ ويأمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات وفى بعض الأحاديث ( التى لا ~~يجاوزهن بر ولا فاجر ( # وقال تعالى ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ~~ذلك هو الفوز العظيم ) وقال تعالى ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولامبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ ~~المرسلين ) فأخبر في هذه الآية أيضا أنه لامبدل لكلمات الله عقب قوله @QB@ ~~فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا @QE@ وذلك بيان أن وعد الله ~~الذي وعده رسله من كلماته التى لامبدل لها لما قال في أؤليائه @QB@ لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله @QE@ فانه ذكر ~~أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى ~~الآخرة فوعدهم بنفي المخافة والحزن وبالبشرى في الدارين # وقال بعد ذلك # @QB@ ولا مبدل لكلمات الله @QE@ فكان في هذا تحقيق كلام الله الذي هو ~~وعده كما قال @QB@ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله @QE@ وقال @QB@ وعد الله ~~لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ms4582 @QE@ وقال المؤمنون @QB@ ربنا ~~وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد @QE@ ~~فاخلاف ميعاده تبديل PageV14P497 لكلماته وهو سبحانه لامبدل لكلماته # يبين ذلك قوله تعالى @QB@ لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل ~~القول لدي وما أنا بظلام للعبيد @QE@ فأخبر سبحانه أنه قدم إليهم بالوعيد ~~وقال @QB@ ما يبدل القول لدي @QE@ وهذا يقتضي أنه صادق في وعيده أيضا وان ~~وعيده لا يبدل # وهذا مما احتج به القائلون بأن فساق الملة لايخرجون من النار وقد تكلمنا ~~عليهم في غير هذا الموضع لكن هذه الآية تضعف جواب من يقول إن اخلاف الوعيد ~~جائز فان قوله @QB@ ما يبدل القول لدي @QE@ بعد قوله @QB@ وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد @QE@ دليل على أن وعيده لايبدل كما لا يبدل وعده # لكن التحقيق الجمع بين نصوص الوعد والوعيد وتفسير بعضها ببعض من غير ~~تبديل شيء منها كما يجمع بين نصوص الأمر والنهي من غير تبديل شيء منها وقد ~~قال تعالى @QB@ سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا ~~نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله @QE@ والله أعلم PageV14P498 ### | 1 ( كتاب التفسير الجزء الثاني من سورة الأعراف إلى سورة الزمر ) # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة الأعراف قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ### ||| فصل # حجة إبليس في قوله @QB@ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ هي ~~باطلة لأنه عارض النص بالقياس ولهذا قال بعض السلف أول من قاس إبليس وما ~~عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ويظهر فسادها بالعقل من وجوه خمسة # ( أحدها ( أنه ادعى أن النار خير من الطين وهذا قد يمنع فإن الطين فيه ~~السكينة والوقار والإستقرار والثبات والإمساك ونحو ذلك وفى النار الخفه ~~والحدة والطيش والطين فيه الماء والتراب # ( الثانى ( أنه وإن كانت النار خيرا من الطين فلا يجب أن يكون ~~PageV15P005 المخلوق من الأفضل أفضل فإن الفرع قد يختص بما لا يكون في أصله ~~وهذا التراب يخلق منه من الحيوان والمعادن والنبات ما هو خير منه والإحتجاج ~~على فضل الإنسان على غيره بفضل أصله على اصله ms4583 حجة فاسدة احتج بها إبليس وهي ~~حجة الذين يفخرون بأنسابهم وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من قصر به ~~عمله لم يبلغ به نسبه ( # ( الثالث ( أنه وإن كان مخلوقا من طين فقد حصل له بنفخ الروح المقدسة فيه ~~ما شرف به فلهذا قال @QB@ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ~~@QE@ فعلق السجود بأن ينفخ فيه من روحه فالموجب للتفضيل هذا المعنى الشريف ~~الذى ليس لا بليس مثله # ( الرابع ( أنه مخلوق بيدي الله تعالى كما قال تعالى @QB@ ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي @QE@ وهو كالأثر المروى عن النبى مرسلا وعن عبد الله بن ~~عمرو في تفضيله على الملائكة حيث قالت الملائكة ( يارب قد خلقت لبني آدم ~~الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون وينكحون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم ~~الدنيا فقال لا أفعل ثم أعادوا فقال لا أفعل ثم أعادوا فقال وعزتى لا أجعل ~~صالح من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ) # ( الخامس ( أنه لو فرض أنه أفضل فقد يقال إكرام الأفضل للمفضول ليس ~~بمستنكر PageV15P006 ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عن قوله تعالى @QB@ إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم @QE@ الآية الكريمة هل ذلك عام لا يراهم أحد أم ~~يراهم بعض الناس دون بعض وهل الجن والشياطين جنس واحد ولد إبليس أم جنسين ~~ولد إبليس وغير ولده # فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله ورضى عنه آمين فقال # الحمد لله الذى في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس وهذا حق ~~يقتضى أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها وليس فيه أنهم لا يراهم ~~أحد من الإنس بحال بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضا لكن لا يرونهم ~~في كل حال والشياطين هم مردة الإنس والجن وجميع الجن ولد إبليس والله أعلم ~~PageV15P007 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه قوله @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على ~~الله ما لا ms4584 تعلمون @QE@ والفاحشة أريد بها كشف السوءات فيستدل به على أن في ~~الأفعال السيئة من الصفات ما يمنع أمر الشرع بها فإنه اخبر عن نفسه في سياق ~~الإنكار عليهم أنه لايأمر بالفحشاء فدل ذلك على أنه منزه عنه فلو كان جائزا ~~عليه لم يتنزه عنه # فعلم أنه لا يجوز عليه الأمر بالفحشاء وذلك لا يكون إلا إذا كان الفعل في ~~نفسه سيئا فعلم أن كلما كان في نفسه فاحشة فإن الله لا يجوز عليه الأمر به ~~وهذا قول من يثبت للأفعال في نفسها صفات الحسن والسوء كما يقوله أكثر ~~العلماء كالتميمين وأبي الخطاب خلاف قول من يقول إن ذلك لا يثبت قط إلا ~~بخطاب # وكذلك قوله @QB@ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا @QE@ علل ~~النهي عنه بما إشتمل عليه من أنه فاحشة وأنه ساء سبيلا فلو PageV15P008 كان ~~إنما صار فاحشة وساء سبيلا بالنهي لما صح ذلك لأن العلة تسبق المعلول لا ~~تتبعه ومثل ذلك كثير في القرآن # وأما في الأمر فقوله @QB@ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون @QE@ دليل على أنه أمر به لأنه خير لنا ولأن الله علم فيه ما لم ~~نعلمه ومثله قوله في آية الطهور @QB@ ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون @QE@ دليل على أنه أمر بالطهور لما فيه من الصلاح لنا وهذا ~~أيضا في القرآن كثير # وقال الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية PageV15P009 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا ) 1 # على قول الله عز وجل @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ~~ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين @QE@ هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء دعاء العبادة ~~ودعاء المسألة فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة ويراد به ~~مجموعهما وهما متلازمان فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعى وطلب كشف ~~ما يضره ms4585 ودفعه وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود لا بد أن يكون ~~مالكا للنفع والضر ولهذا أنكر تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرا ولا ~~نفعا وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى @QB@ ولا تدع من دون الله ما لا ~~ينفعك ولا يضرك @QE@ وقال @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~@QE@ فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدى فلا ~~يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم # وهذا كثير في القرآن يبين تعالى أن المعبود لابد أن يكون مالكا ~~PageV15P010 للنفع والضر فهو يدعو للنفع والضر دعاء المسألة ويدعو خوفا ~~ورجاء دعاء العبادة فعلم أن النوعين متلازمان فكل دعاء عباد ة مستلزم لدعاء ~~المسألة وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة وعلى هذا فقوله @QB@ وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ يتناول نوعي الدعاء ~~وبكل منهما فسرت الآية قيل أعطيه إذا سألني وقيل أثيبه إذا عبدني والقولان ~~متلازمان وليس هذا من إستعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما أو استعمال ~~اللفظ في حقيقته ومجازه بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعا ~~فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع وقل ما يفطن له وأكثر آيات القرآن دالة على ~~معنيين فصاعدا فهي من هذا القبيل مثال ذلك قوله تعالى @QB@ أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل @QE@ فسر ( الدلوك ( بالزوال وفسر بالغروب وليس ~~بقولين بل اللفظ يتناولهما معا فإن الدلوك هو الميل ودلوك الشمس ميلها # ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى فمبتداه الزوال ومنتهاه الغروب واللفظ متناول ~~لهما بهذا الإعتبار # ومثاله أيضا تفسير ( الغاسق ( بالليل وتفسيره بالقمر فإن ذلك PageV15P011 ~~ليس باختلاف بل يتناولهما لتلازمهما فإن القمر آية الليل ونظائرة كثيرة # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم @QE@ أي دعاؤكم ~~إياه وقيل دعاؤه إياكم إلى عبادته فيكون المصدر مضافا إلى المفعول ومحل ~~الأول مضافا إلى الفاعل وهو الأرجح من القولين # وعلى هذا فالمراد به نوعي الدعاء وهو في دعاء العبادة أظهر أى ما يعبأ ~~بكم لولا أنكم ترجونه وعبادته ms4586 تستلزم مسألته فالنوعان داخلان فيه # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ فالدعاء يتضمن ~~النوعين وهو في دعاء العبادة أظهر ولهذا أعقبه @QB@ إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي @QE@ الآية ويفسر الدعاء في الآية بهذا وهذا # وروى الترمذى عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله يقول على المنبر إن ~~الدعاء هو العبادة ثم قرأ قوله تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ ~~الآية قال الترمذى حديث حسن صحيح PageV15P012 وأما قوله تعالى @QB@ إن ~~الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له @QE@ الآية وقوله ~~@QB@ إن يدعون من دونه إلا إناثا @QE@ الآية وقوله @QB@ وضل عنهم ما كانوا ~~يدعون من قبل @QE@ الآية وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد ~~به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة فهو في دعاء العبادة أظهر لوجوه ~~ثلاثة ( أحدها ( أنهم قالوا @QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~@QE@ فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم # ( الثانى ( إن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى @QB@ ~~وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ لا أعبد ما تعبدون @QE@ فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم # ( الثالث ( أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله ~~وحده وتركوها ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان ~~دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة # وقوله تعالى @QB@ فادعوا الله مخلصين له الدين @QE@ هو دعاء العبادة ~~والمعنى اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره PageV15P013 # وأما قول إبراهيم عليه السلام @QB@ إن ربي لسميع الدعاء @QE@ فالمراد ~~بالسمع ها هنا السمع الخاص وهو سمع الإجابة والقبول لا السمع العام لأنه ~~سميع لكل مسموع وإذا كان كذلك فالدعاء دعاء العبادة ودعاء الطلب وسمع الرب ~~تعالى له إثابته على الثناء وإجابته للطلب فهو سميع هذا وهذا # وأما قول زكريا عليه السلام @QB@ ولم أكن بدعائك رب شقيا @QE@ فقد قيل ~~أنه دعاء المسألة والمعنى أنك عودتنى إجابتك ولم ms4587 تشقنى بالرد والحرمان فهو ~~توسل إليه سبحانه وتعالى بما سلف من إجابته وإحسانه وهذا ظاهر ها هنا # وأما قوله تعالى # @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن @QE@ الآية فهذا الدعاء المشهور أنه ~~دعاء المسألة وهو سبب النزول قالوا كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ~~فيقول مرة ( يا الله ( ومرة ( يا رحمن ( فظن المشركون أنه يدعو إلهين فأنزل ~~الله هذه # الآية وأما قوله @QB@ إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم @QE@ فهذا ~~دعاء العبادة المتضمن للسلوك رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا نخلص له العبادة ~~وبهذا استحقوا أن وقاهم الله عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين ~~الناجي وغيره فإنه سبحانه يسأله من في السماوات PageV15P014 والأرض @QB@ لن ~~ندعوا من دونه إلها @QE@ أي لن نعبد غيره وكذا قوله @QB@ أتدعون بعلا @QE@ ~~الآية وأما قوله @QB@ وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم @QE@ فهذا دعاء المسالة ~~يكبتهم الله ويخزيهم يوم القيامة بارائهم إن شركاءهم لا يستجيبون لهم ~~دعوتهم وليس المراد اعبدوهم وهو نظير قوله تعالى @QB@ ويوم يقول نادوا ~~شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم @QE@ إذا عرف هذا فقوله تعالى ~~@QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ يتناول نوعي الدعاء لكنه ظاهر في دعاء ~~المسألة متضمن دعاء العبادة ولهذا أمر باخفائه وإسراره قال الحسن بين دعوة ~~السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما ~~يسمع لهم صوت أى ما كانت إلا همسا بينهم وبين ربهم عز وجل وذلك أن الله عز ~~وجل يقول @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ وأنه ذكر عبدا صالحا ورضي بفعله ~~فقال @QB@ إذ نادى ربه نداء خفيا @QE@ وفى إخفاء الدعاء فوائد عديدة # ( أحدها ( أنه أعظم إيمانا لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي # ( وثانيها ( أنه أعظم في الأدب والتعظيم لأن الملوك لا ترفع PageV15P015 ~~الأصوات ( عندهم ( ومن رفع صوته لديهم مقتوه ولله المثل الأعلى فإذا كان ~~يسمع الدعاء الخفى فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به # ( وثالثها ( أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده ~~فإن الخاشع الذليل إنما ms4588 يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه وذلت جوارحه ~~وخشع صوته حتى أنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا ~~يطاوعه بالنطق وقلبه يسأل طالبا مبتهلا ولسانه لشدة ذلته ساكتا وهذه الحال ~~لا تأتى مع رفع الصوت بالدعاء أصلا # ( ورابعها ( أنه أبلغ في الإخلاص # ( وخامسها ( أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء فإن رفع الصوت ~~يفرقه فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه # ( وسادسها ( وهو من النكت البديعة جدا أنه دال على قرب صاحبه للقريب لا ~~مسألة نداء البعيد للبعيد ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله عز وجل ~~@QB@ إذ نادى ربه نداء خفيا @QE@ PageV15P016 فلما استحضر القلب قرب الله ~~عز وجل وأنه أقرب إليه من كل قريب اخفى دعاءه ما أمكنه # وقد أشار النبى إلى المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح لما رفع الصحابة ~~أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال ( اربعوا على أنفسكم فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا أنكم تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ~~( وقد قال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان @QE@ وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص ليس قربا عاما من كل أحد فهو ~~قريب من داعيه وقريب من عابديه وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد # وقوله تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ فيه الإرشاد والإعلام بهذا ~~القرب # ( وسابعها ( أنه ادعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح ~~لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يمل اللسان وتضعف قواه وهذا نظير من ~~يقرأ ويكرر فإذا رفع صوته فإنه لايطول له بخلاف من خفض صوته # ( وثامنها ( أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات PageV15P017 ~~فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل على هذا تشويش ولا غيره ~~وإذا جهر به فرطت له الأرواح البشرية ولا بد ومانعته وعارضته ولو لم يكن ~~إلا أن تعلقها به يفزع عليه همته فيضعف أثر ms4589 الدعاء ومن له تجربة يعرف هذا ~~فإذا أسر الدعاء أمن هذه المفسدة # ( وتاسعها ( أن أعظم النعمة الإقبال والتعبد ولكل نعمة حاسد على قدرها ~~دقت أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها وليس ~~للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام ~~@QB@ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا @QE@ الآية وكم من صاحب قلب ~~وجمعية وحال مع الله تعالى قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار ~~ولهذا يوصى العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى ولا يطلع عليه أحد ~~والقوم أعظم شيئا كتمانا لأحوالهم مع الله عز وجل وما وهب الله من محبته ~~والإنس به وجمعية القلب ولا سيما فعله للمهتدى السالك فإذا تمكن أحدهم وقوى ~~وثبت أصول تلك الشجرة الطيبة التى أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه ~~بحيث لا يخشى عليه من العواصف فإنه إذا أبدى حاله مع الله تعالى ليقتدى به ~~ويؤتم به لم يبال وهذا باب عظيم النفع إنما يعرفه PageV15P018 أهله وإذا ~~كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبال على ~~الله تعالى فهو من عظيم الكنوز التى هي أحق بالإخفاء عن أعين الحاسدين وهذه ~~فائدة شريفة نافعة # و ( عاشرها ( أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه وتعالى متضمن للطلب والثناء ~~عليه بأوصافه وأسمائه فهو ذكر وزيادة كما أن الذكر سمى دعاء لتضمنه للطلب ~~كما قال النبى ( أفضل الدعاء الحمد لله ( فسمى الحمد لله دعاء وهو ثناء محض ~~لأن الحمد متضمن الحب والثناء والحب أعلى أنواع الطلب فالحامد طالب للمحبوب ~~فهو أحق أن يسمى داعيا من السائل الطالب فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم ~~الطلب فهو دعاء حقيقة بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو ~~دونه # ( والمقصود ( إن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه وقد قال ~~تعالى @QB@ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة @QE@ فأمر تعالى نبيه أن يذكره ~~في نفسه قال مجاهد وبن جريج أمروا ان يذكروه ms4590 في الصدور بالتضرع والإستكانة ~~دون رفع الصوت والصياح وتأمل كيف قال في آية الذكر @QB@ واذكر ربك @QE@ ~~الآية وفي آية الدعاء @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ فذكر التضرع فيهما ~~معا وهو التذلل والتمسكن والإنكسار PageV15P019 وهو روح الذكر والدعاء # وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها وخص الذكر بالخيفة لحاجة ~~الذاكر إلى الخوف فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ولا بد لمن أكثر من ذكر ~~الله أن يثمر له ذلك محبته والمحبة ما لم تقترن بالخوف فإنها لا تنفع ~~صاحبها بل تضره لأنها توجب التواني والإنبساط وربما آلت بكثير من الجهال ~~المغرورين إلى أن استغنوا بها عن الواجبات وقالوا المقصود من العبادات إنما ~~هو عبادة القلب وإقباله على الله ومحبته له فإذا حصل المقصود فالإشتغال ~~بالوسيلة باطل # ولقد حدثني رجل أنه أنكر على بعض هؤلاء خلوة له ترك فيها الجمعة فقال له ~~الشيخ أليس الفقهاء يقولون إذا خاف على شيء من ماله فإن الجمعة تسقط فقال ~~له بلى فقال له فقلب المريد أعز عليه من عشرة دراهم أو كما قال وهو إذا خرج ~~ضاع قلبه فحفظه لقلبه عذر مسقط للجمعة في حقه فقال له هذا غرور بك الواجب ~~الخروج إلى أمر الله عز وجل فتأمل هذا الغرور العظيم كيف أدى إلى الإنسلاخ ~~عن الإسلام جملة فإن من سلك هذا المسلك انسلخ عن الإسلام العام كإنسلاخ ~~الحية من قشرها وهو يظن أنه من خاصة الخاصة PageV15P020 # وسبب هذا عدم اقتران الخوف من الله بحبه وإرادته ولهذا قال بعض السلف من ~~عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده ~~بالرجاء وحده فهو مرجىء ومن عبده بالحب والخوف والرجاءفهو مؤمن # والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع في هذه المعاطب فإذا إقترن ~~بالخوف جمعه على الطريق ورده إليها كلما كلها شيء كالخائف الذى معه سوط ~~يضرب به مطيته لئلا تخرج عن الطريق والرجا حاد يحدوها يطلب لها السير والحب ~~قائدها وزمامها الذى يشوقها فإذا لم يكن للمطية سوط ولا عصى ms4591 يردها إذا حادت ~~عن الطريق خرجت عن الطريق وظلت عنها # فما حفظت حدود الله ومحارمه ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته ~~فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا ومتى ضعف فيه ~~شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه فتأمل أسرارالقرآن وحكمته في اقتران الخيفة ~~بالذكر والخفية بالدعاء مع دلالته على إقتران الخفية بالدعاء والخيفة ~~بالذكر أيضا وذكر الطمع الذى هو الرجاء في آية الدعاء لأن الدعاء مبنى عليه ~~فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه إذ طلب ما لا ~~طمع له فيه ممتنع وذكر الخوف في آية الذكر لشدة حاجة الخائف PageV15P021 ~~إليه فذكر في كل آية ما هو اللأئق بها من الخوف والطمع فتبارك من أنزل ~~كلامه شفاء لما في الصدور وقوله تعالى @QB@ إنه لا يحب المعتدين @QE@ قيل ~~المراد أنه لا يحب المعتدين في الدعاء كالذى يسأل ما لا يليق به من منازل ~~الأنبياء وغير ذلك وقد روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن معقل أنه سمع ~~إبنه يقول ( اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها ( فقال ~~يا بنى سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله يقول ( سيكون ~~في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء ( # وعلى هذا فالإعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من ~~المعونة على المحرمات وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى ~~يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام ~~والشراب ويسأله بأن يطلعه على غيبه أو أن يجعله من المعصومين أو يهب له ~~ولدا من غير زوجة ونحو ذلك مما سؤاله إعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله # وفسر الإعتداء برفع الصوت أيضا في الدعاء # وبعد فالآية أعم من ذلك كله وإن كان الإعتداء بالدعاء مرادا بها فهو من ~~جملة المراد PageV15P022 @QB@ إن الله لا يحب المعتدين @QE@ في كل شيء دعاء ~~كان أو غيره ms4592 كما قال تعالى @QB@ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ # وعلى هذا فيكون أمر بدعائه وعبادته وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان وهم ~~يدعون معه غيره فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانا فإن أعظم العدوان الشرك وهو ~~وضع العبادة في غير موضعها فهذا العدوان لابد أن يكون داخلا في قوله تعالى ~~@QB@ إنه لا يحب المعتدين @QE@ ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع بل دعاء هذا ~~كالمستغنى المدلى على ربه وهذا من أعظم الإعتداء لمنافاته لدعاء الذليل فمن ~~لم يسأل مسأ لة مسكين متضرع خائف فهو معتد # ومن الإعتداء أن يعبده بما لم يشرع ويثنى عليه بما لم يثن به على نفسه ~~ولا أذن فيه فإن هذا اعتداء في دعائه الثناء والعبادة وهو نظير الإعتداء في ~~دعاء المسألة والطلب وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين ( أحدهما ( محبوب ~~للرب سبحانه وهو الدعاء تضرعا وخفية ( الثانى ( مكروه له مسخوط وهو ~~الإعتداء فأمر بما يحبه وندب إليه وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق ~~الزجر والتحذير PageV15P023 وهو لا يحب فاعله ومن لا يحبه الله فأي خير ~~يناله وقوله تعالى @QB@ إنه لا يحب المعتدين @QE@ عقيب قوله @QB@ ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية @QE@ دليل على أن من لم يدعه تضرعا وخفية فهو من المعتدين ~~الذين لا يحبهم فقسمت الآية الناس إلى قسمين داع لله تضرعا وخفية ومعتد ~~بترك ذلك وقوله تعالى @QB@ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها @QE@ قال أكثر ~~المفسرين لا تفسدوا فيها بالمعاصى والداعي إلى غير طاعة الله بعد إصلاح ~~الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله ( مفسد ) فإن ~~عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم الفساد في الأرض بل ~~فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك بالله ومخالفة أمرة قال الله تعالى ~~@QB@ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس @QE@ قال عطية في ~~الآية ولا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم وقال غير ~~واحد من السلف إذا قحط المطر فالدواب تلعن عصاة بنى آدم فتقول اللهم ms4593 العنهم ~~فبسببهم أجدبت الأرض وقحط المطر ( وبالجملة ( فالشرك والدعوة إلى غير الله ~~وإقامة معبود غيره أو مطاع متبع غير الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم ~~الفساد PageV15P024 في الأرض ولا صلاح لها ولأهلها إلا أن يكون الله وحده ~~هو المعبود والدعوة له لا لغيره والطاعة والإتباع لرسول الله وغيره إنما ~~تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول فإن أمر بمعصيته فلا سمع ولا طاعة فإن الله ~~أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بالتوحيد ونهى عن فسادها بالشرك به ~~ومخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم # ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته ~~وطاعة رسوله وكل شر في العالم وفتنة وبلاءوقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه ~~مخالفة الرسول والدعوة إلى غير الله ومن تدبر هذا حق التدبر وجد هذا الأمر ~~كذلك في خاصة نفسه وفي غيره عموما وخصوصا ولا حول ولا قوة إلا بالله وقوله ~~تعالى @QB@ وادعوه خوفا وطمعا @QE@ إنما ذكر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من ~~الخوف والطمع فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية ثم أمر أيضا أن يكون الدعاء ~~خوفا وطمعا # وفصل الجملتين بجملتين # ( إحداهما ( خبرية ومتضمنة للنهي وهى قوله @QB@ إنه لا يحب المعتدين @QE@ ~~PageV15P025 ( والثانية ( طلبية وهى قوله تعالى @QB@ ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها @QE@ والجملتان مقررتان للجملة الأولى مؤكدتان لمضمونها # ثم لما تم تقريرها وبيان ما يضاده أمر بدعائه خوفا وطمعا لتعلق قوله @QB@ ~~إنه لا يحب المعتدين @QE@ بقوله تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ # ولما كان قوله @QB@ وادعوه خوفا وطمعا @QE@ مشتملا على جميع مقامات ~~الإيمان والإحسان وهي الحب والخوف والرجاء عقبها بقوله @QB@ إن رحمة الله ~~قريب من المحسنين @QE@ أي إنما تنال من دعاه خوفا وطمعا فهو المحسن والرحمة ~~قريب منه لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة # ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابل الإعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ~~ذلك بقوله تعالى @QB@ إنه لا يحب المعتدين @QE@ وانتصاب قوله @QB@ تضرعا ~~وخفية @QE@ @QB@ خوفا وطمعا @QE@ على الحال أى ادعوه متضرعين إليه مختفين ~~خائفين مطيعين # وقوله @QB@ إن رحمة الله قريب من المحسنين ms4594 @QE@ فيه تنبيه ظاهر على أن ~~فعل هذا المأمور هو الإحسان المطلوب منكم ومطلوبكم أنتم من PageV15P026 ~~الله رحمته ورحمته قريب من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه ~~تضرعا وخفية وخوفا وطمعا فقرر مطلوبكم منه وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه ~~وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم # وقوله تعالى @QB@ إن رحمة الله قريب من المحسنين @QE@ له دلالة بمنطوقه ~~ودلالة بإيمائه وتعليله بمفهومه فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل ~~الإحسان ودلالته بإيمائه وتعليله على أن هذا القرب مستحق بالإحسان وهو ~~السبب في قرب الرحمة منهم ودلالته بمفهومه على بعده من غير المحسنين # فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة لأنها ~~إحسان من الله عز وجل أرحم الراحمين وإحسانه تبارك وتعالى إنما يكون لأهل ~~الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل وكلما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته ~~وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة ~~بعد ببعد وقرب بقرب فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن ~~تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته # والله سبحانه يحب المحسنين ويبغض من ليس من المحسنين ومن أحبه الله ~~فرحمته أقرب شيء منه ومن أبغضه الله فرحمته أبعد PageV15P027 شيء منه ~~والإحسان ها هنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه ~~فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله تعالى والإقبال إليه ~~والتوكل عليه وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية # فهذا هو مقام ( الإحسان ( كما قال النبى وقد سأله جبريل عليه السلام عن ~~الإحسان فقال ? < أن تعبد الله كأنك تراه > ? فإذا كان هذا هو الإحسان ~~فرحمته قريب من صاحبه وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان يعني هل جزاء من أحسن ~~عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه قال بن عباس رضي الله عنهما هل جزاء من قال ~~لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد إلا الجنة # وقد ذكر بن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن ms4595 أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان ( ثم قال هل تدرون ما قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال هل جزاء ~~من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة ( آخر الكلام على الآيتين والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم PageV15P028 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # قوله سبحانه @QB@ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون ~~لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا @QE@ ظاهره دليل على أن شعيبا ~~والذين آمنوا معه كانوا على ملة قومهم لقولهم @QB@ أو لتعودن في ملتنا @QE@ ~~ولقول شعيب ( أ ) نعود فيها @QB@ أولو كنا كارهين @QE@ ولقوله @QB@ قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم @QE@ فدل على أنهم كانوا فيها ~~ولقوله @QB@ بعد إذ نجانا الله منها @QE@ # فدل على أن الله أنجاهم منها بعد التلوث بها ولقوله @QB@ وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا @QE@ ولا يجوز أن يكون الضمير عائدا على ~~قومه لأنه صرح فيه بقوله @QB@ لنخرجنك يا شعيب @QE@ ولأنه هو المحاور له ~~بقوله @QB@ أولو كنا @QE@ إلى آخرها وهذا يجب أن يدخل فيه المتكلم ومثل هذا ~~في سورة إبراهيم @QB@ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن ~~في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين @QE@ الآية PageV15P029 # وقال شيخ الإسلام # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~( فيها ) ومنها قوله @QB@ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا @QE@ ~~الآية وما في معناها # التحقيق أن الله سبحانه إنما يصطفى لرسالته من كان خيار قومه حتى في ~~النسب كما في حديث هرقل ومن نشأ بين قوم مشركين جهال لم يكن عليه نقص إذا ~~كان على مثل دينهم إذا كان معروفا بالصدق والأمانة وفعل ms4596 ما يعرفون وجوبه ~~وترك ما يعرفون قبحه # قال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ فلم يكن هؤلاء ~~مستوجبين العذاب وليس في هذا ما ينفر عن القبول منهم ولهذا لم يذكره أحد من ~~المشركين قادحا # وقد إتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوة ~~والشرائع وإن من لم يقر بذلك بعد الرسالة فهو كافر PageV15P030 والرسل قبل ~~الوحي لا تعلمه فضلا عن أن تقربه قال تعالى @QB@ ينزل الملائكة بالروح من ~~أمره @QE@ الآية وقال @QB@ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر ~~يوم التلاق @QE@ فجعل إنذارهم بالتوحيد كالإنذار بيوم التلاق وكلاهما عرفوه ~~بالوحي # وما ذكر أنه بغضت إليه الأوثان لا يجب أن يكون لكل نبى فإنه سيد ولد آدم ~~والرسول الذى ينشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم يكون أكمل من غيره من ~~جهة تأييد الله له بالعلم والهدى وبالنصر والقهر كما كان نوح وإبراهيم # ولهذا يضيف الله الأمر إليهما في مثل قوله @QB@ ولقد أرسلنا نوحا ~~وإبراهيم @QE@ الآية @QB@ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم @QE@ الآية ~~وذلك ان نوحا أول رسول بعث إلى المشركين وكان مبدأ شركهم من تعظيم الموتى ~~الصالحين وقوم إبراهيم مبدأه من عبادة الكواكب ذاك الشرك الأرضي وهذا ~~السماوي ولهذا سد ذريعة هذا وهذا PageV15P031 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # قد أخبر الله بأنه بارك في أرض الشام في آيات منها قوله @QB@ وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها @QE@ # ومنها قوله @QB@ ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين @QE@ ~~ومنها قوله @QB@ تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء ~~عالمين @QE@ ومنها قوله @QB@ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ~~ظاهرة @QE@ وهى قرى الشام وتلك قرى اليمن والتى بينهما قرى الحجاز ونحوها ~~وبادت ومنها قوله @QB@ إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله @QE@ ~~PageV15P032 # قال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # قال الله تعالى @QB@ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ~~بالغدو والآصال @QE@ فأمر بذكر الله ms4597 في نفسه فقد يقال هو ذكره في قلبه بلا ~~لسانه لقوله بعد ذلك @QB@ ودون الجهر من القول @QE@ وقد يقال وهو أصح بل ~~ذكر الله في نفسه باللسان مع القلب وقوله @QB@ ودون الجهر من القول @QE@ ~~كقوله @QB@ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا @QE@ ( # وفى الصحيح عن عائشة قالت نزلت في الدعاء وفى الصحيح عن بن عباس قال كان ~~النبى يجهر بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن أنزل ~~عليه فقال الله لا تجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت ~~به عن أصحابك فلا يسمعوه فنهاه عن الجهر والمخافتة فالمخافتة هي ذكره في ~~نفسه والجهر المنهى عنه هو الجهر المذكور في قوله @QB@ ودون الجهر @QE@ ~~PageV15P033 فإن الجهر هو الأظهار الشديد يقال رجل جهوري الصوت ورجل جهير # وكذلك قول عائشة في الدعاء فإن الدعاء كما قال تعالى @QB@ ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية @QE@ وقال @QB@ إذ نادى ربه نداء خفيا @QE@ فالإخفاء قد يكون ~~بصوت يسمعه القريب وهو المناجاة والجهر مثل المناداة المطلقة وهذا كقوله ~~لما رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير فقال ( أيها الناس اربعوا على أنفسكم ~~فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب ~~إلى أحدكم من عنق راحلته # ونظير قوله @QB@ واذكر ربك في نفسك @QE@ قوله فيما روى عن ربه ? < من ~~ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منه > ? ~~وهذا يدخل فيه ذكره باللسان في نفسه فإنه جعله قسيم الذكر في الملأ وهو ~~نظير قوله @QB@ ودون الجهر من القول @QE@ والدليل على ذلك أنه قال @QB@ ~~بالغدو والآصال @QE@ ومعلوم أن ذكر الله المشروع بالغدو والآصال في الصلاة ~~وخارج الصلاة هو باللسان مع القلب مثل صلاتي الفجر والعصر والذكر المشروع ~~عقب الصلاتين وما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم وعلمه وفعله من الأذكار ~~والأدعية المأثورة من عمل اليوم والليلة المشروعة PageV15P034 طرفي النهار ~~بالغدو والآصال # وقد يدخل في ذلك أيضا ذكر الله بالقلب فقط لكن يكون الذكر في النفس كاملا ~~وغير كامل ms4598 فالكامل باللسان مع القلب وغير الكامل بالقلب فقط ويشبه ذلك قوله ~~تعالى @QB@ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول @QE@ فإن القائلين ~~بأن الكلام المطلق كلام النفس استدلوا بهذه الآية وأجاب عنها أصحابنا ~~وغيرهم بجوابين # ( أحدهما ( أنهم قالوا بألسنتهم قولا خفيا # ( والثاني ( أنه قيده بالنفس وإذا قيد القول بالنفس فإن دلالة المقيد ~~خلاف دلالة المطلق وهذا كقوله ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ~~مالم تتكلم به أو تعمل به ( فقوله حدثت به أنفسها مالم تتكلم به دليل على ~~أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق وأنه ليس باللسان # وقد إحتج بعض هؤلاء بقوله @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور @QE@ وجعلوا القول المسر في القلب دون اللسان لقوله @QB@ إنه عليم ~~بذات الصدور @QE@ وهذه حجة ضعيفة جدا لأن PageV15P035 قوله @QB@ وأسروا ~~قولكم أو اجهروا به @QE@ يبين أن القول يسر به تارة ويجهر به أخرى وهذا ~~إنما هو فيما يكون في القول الذي هو بحروف مسموعة # وقوله بعد ذلك @QB@ إنه عليم بذات الصدور @QE@ من باب التنبيه بالأدنى ~~على الأعلى فانه إذا كان عليما بذات الصدور فعلمه بالقول المسر والمجهور به ~~أولى ونظيره قوله @QB@ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف ~~بالليل وسارب بالنهار @QE@ PageV15P036 ### || سورة الأنفال # وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل # قال سبحانه في قصة بدر @QB@ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف ~~من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم @QE@ فوعدهم ~~بالإمداد بألف وعدا مطلقا وأخبر أنه جعل إمداد الألف بشرى ولم يقيده وقال ~~في قصة أحد @QB@ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين @QE@ فإن هذا أظن فيه قولين # ( أحدهما ( أنه متعلق بأحد لقوله بعد ذلك @QB@ ليقطع طرفا من الذين كفروا ~~@QE@ الآية ولأنه وعد مقيد وقوله فيه @QB@ وما جعله الله إلا بشرى لكم ~~ولتطمئن قلوبكم به @QE@ PageV15P037 يقتضى خصوص البشرى بهم # وأما ms4599 قصة بدر فإن البشرى بها عامة فيكون هذا كالدليل على ما روى من أن ~~ألف بدر باقية في الأمة فإنه أطلق الأمداد والبشرى وقدم ( به ) على ( لكم ) ~~عناية بالألف وفى أحد كانت العناية بهم لو صبروا فلم يوجد الشرط ~~PageV15P038 # وقال رحمه الله ### ||| فصل # في قوله @QB@ فلم تقتلوهم @QE@ الآية # ثلاثة أقوال # ( أحدها ( أنه مبني على أن الفعل المتولد ليس من فعل الآدمي بل من فعل ~~الله والقتل هو الإزهاق وذاك متولد وهذا قد يقوله من ينفى التولد وهو ضعيف ~~لأنه نفى الرمى أيضا وهو فعل مباشر ولأنه قال @QB@ فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم @QE@ وقال @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا @QE@ فأثبت القتل ولأن ~~القتل هو الفعل الصالح للإزهاق ليس هو الزهوق بخلاف الإماتة # ( الثانى ) أنه مبنى على خلق الأفعال وهذا قد يقوله كثير من الصوفية ~~وأظنه مأثورا عن الجنيد سلب العبد الفعل نظرا إلى الحقيقة لأن الله هو خالق ~~كل صانع وصنعته وهذا ضعيف لوجهين # ( أحدهما ( أنا وإن قلنا بخلق الفعل فالعبد لا يسلبه بل يضاف PageV15P039 ~~الفعل إليه أيضا فلا يقال ما آمنت ولا صليت ولا صمت ولا صدقت ولا علمت فإن ~~هذا مكابرة إذ أقل أحواله الاتصاف وهو ثابت # وأيضا فإن هذا لم يأت في شيء من الأفعال المأمور بها إلا في القتل والرمي ~~ببدر ولوكان هذا لعموم خلق الله أفعال العباد لم يختص ببدر # ( الثالث ( أن الله سبحانه خرق العادة في ذلك فصارت رؤوس المشركين تطير ~~قبل وصول السلاح إليها بالإشارة وصارت الجريدة تصير سيفا يقتل به # وكذلك رمية رسول الله أصابت من لم يكن في قدرته أن يصيبه فكان ما وجد من ~~القتل وإصابة الرمية خارجا عن قدرتهم المعهودة فسلبوه لانتفاء قدرتهم عليه ~~وهذا أصح وبه يصح الجمع بين النفي والإثبات @QB@ وما رميت @QE@ أى ما أصبت ~~@QB@ إذ رميت @QE@ إذ طرحت @QB@ ولكن الله رمى @QE@ أصاب # وهكذا كل ما فعله الله من الأفعال الخارجة عن القدرة المعتادة بسبب ضعيف ~~كإنباع الماء وغيره من خوارق العادات أو الأمور الخارجة عن قدرة الفاعل ~~وهذا ظاهر ms4600 فلا حجة فية لا على الجبر ولا على نفي التولد PageV15P040 # وقال رحمه الله ( ### ||| فصل # ( في قوله تعالى @QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون @QE@ والكلام عليها من وجهين # ( أحدهما ( في الاستغفار الدافع للعذاب # ( والثانى ( في العذاب المدفوع بالإستغفار # أما ( الأول ( فإن العذاب إنما يكون على الذنوب والإستغفار يوجب مغفرة ~~الذنوب التى هي سبب العذاب فيندفع العذاب كما قال تعالى @QB@ الر كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه ~~نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل ~~مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله @QE@ فبين سبحانه أنهم إذا فعلوا ذلك متعوا متاعا ~~حسنا إلى أجل مسمى ثم إن كان لهم فضل اوتوا الفضل PageV15P041 # وقال تعالى ~~عن نوح @QB@ يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى @QE@ إلى قوله @QB@ استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ويا قوم ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم @QE@ وذلك أنه قد قال تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا @QE@ وقال تعالى @QB@ أو لما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ما أصابك ~~من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ # وأما العذاب المدفوع فهو يعم العذاب السماوي ويعم ما يكون من العباد وذلك ~~أن الجميع قد سماه الله عذابا كما قال تعالى في النوع الثانى @QB@ وإذ ~~نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ~~@QE@ وكذلك @QB@ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن ~~يصيبكم الله ms4601 بعذاب من عنده أو بأيدينا @QE@ إذ التقدير بعذاب من عنده أو ~~بعذاب بأيدينا كما قال تعالى @QB@ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم @QE@ ~~PageV15P042 وعلى هذا فيكون العذاب بفعل العباد وقد يقال التقدير @QB@ ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده @QE@ أو يصيبكم بأيدينا لكن الأول ~~هو الأوجه لأن الإصابة بأيدي المؤمنين لا تدل على أنها اصابة بسوء إذ قد ~~يقال أصابه بخير وأصابه بشر قال تعالى @QB@ وإن يردك بخير فلا راد لفضله ~~يصيب به من يشاء من عباده @QE@ وقال تعالى @QB@ فترى الودق يخرج من خلاله ~~فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك ~~مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء @QE@ ولأنه ~~لو كان لفظ الإصابة يدل على الإصابة بالشر لا كتفى بذلك في قوله @QB@ أن ~~يصيبكم الله @QE@ وقد قال تعالى أيضا @QB@ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك @QE@ ومن ذلك قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة @QE@ إلى قوله @QB@ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ~~@QE@ PageV15P043 # ومن ذلك أنه يقال في بلال ونحوه كانوا من المعذبين في الله ويقال إن أبا ~~بكر اشترى سبعة من المعذبين في الله وقال ( السفر قطعة من العذاب ( وإذا ~~كان كذلك فقوله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ~~أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ مع ما قد ثبت في ~~الصحيحين عن جابر عن النبى ( أنه لما نزل قوله @QB@ قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم @QE@ قال أعوذ بوجهك @QB@ أو من تحت أرجلكم @QE@ ~~قال أعوذ بوجهك @QB@ أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ قال هاتان ~~أهون يقتضى أن لبسنا شيعا ms4602 وإذاقة بعضنا بأس بعض هو من العذاب الذي يندفع ~~بالاستغفار كما قال @QB@ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة @QE@ ~~وإنما تنفى الفتنة بالإستغفار من الذنوب والعمل الصالح # وقوله تعالى @QB@ إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم @QE@ ~~قد يكون العذاب من عنده وقد يكون بأيدى العباد فإذا ترك الناس الجهاد في ~~سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو ~~الواقع فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألف ~~بينهم وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم PageV15P044 وإذا لم ينفروا في سبيل ~~الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض # وكذلك قوله @QB@ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون @QE@ يدخل في العذاب الأدنى ما يكون بأيدي العباد كما قد فسر بوقعة ~~بدر بعض ما وعد الله به المشركين من العذاب PageV15P045 ### || سورة التوبة # وقال # قد يستدل بقوله @QB@ لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان @QE@ على أن الولد يكون مؤمنا بإيمان والده لأنه لم يذكر الولد ~~في استحبابه الكفر على الإيمان مع أنه أولى بالذكر وما ذاك إلا أن حكمه ~~مخالف لحكم الأب والأخ وهو الفرق بين المحجور عليه لصغره وجنونه وبين ~~المستقل كما استدل سفيان بن عيينة وغيره بقوله @QB@ ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم @QE@ أن بيت الولد مندرج في بيوتكم لأنه ~~وماله لأبيه # ويستدل بقوله @QB@ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم ~~أهلها @QE@ على أن إسلام الوليد صحيح لأنه جعله من جملة القائلين قول من ~~يطلب الهجرة وطلب الهجرة لا يصح إلا بعد الإيمان وإذا كان له قول في ذلك ~~معتبر كان أصلا في ذلك ولم يكن تابعا بخلاف الطفل الذي لا تمييز له فإنه ~~تابع لاقول له PageV15P046 ### |||| سئل رحمه الله # عن قوله تعالى @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله @QE@ كلهم قالوا ذلك أم ~~بعضهم وقول النبى يؤتى ms4603 باليهود يوم القيامة فيقال لهم ما كنتم تعبدون ~~فيقولون العزير الحديث هل الخطاب عام أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله المراد باليهود جنس اليهود كقوله تعالى @QB@ الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم @QE@ لم يقل جميع الناس ولا قال ان جميع ~~الناس قد جمعوا لكم بل المراد به الجنس # وهذا كما يقال الطائفة الفلانية تفعل كذا وأهل الفلانى يفعلون كذا وإذا ~~قال بعضهم فسكت الباقون ولم ينكروا ذلك فيشتركون في إثم القول والله أعلم ~~PageV15P047 # وقال # في الكلام على قوله @QB@ قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون @QE@ تدل ~~على أن الإستهزاء بالله كفر وبالرسول كفر من جهة الإستهزاء بالله وحده كفر ~~بالضرورة فلم يكن ذكر الآيات والرسول شرطا فعلم أن الإستهزاء بالرسول كفر ~~وإلا لم يكن لذكره فائدة وكذلك الآيات # و ( أيضا ( فالإستهزاء بهذه الأمور متلازم والضالون مستخفون بتوحيد الله ~~تعالى يعظمون دعاء غيره من الأموات وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك ~~استخفوا به كما قال تعالى @QB@ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا @QE@ الآية ~~فاستهزأوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك وما زال المشركون يسبون الأنبياء ~~ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد لما في أنفسهم من ~~عظيم الشرك # وهكذا تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأبذلك لما ~~عنده من الشرك قال الله تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله @QE@ PageV15P048 فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب الله فهو ~~مشرك ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله # فهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثانا تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد الله ~~وعبادته ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء ويحلف أحدهم اليمين الغموس ~~كاذبا ولا يجترىء أن يحلف بشيخه كاذبا # وكثير من طوائف متعددة ترى أحدهم يرى أن استغاثته بالشيخ إما عند قبره أو ~~غير قبره أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السحر ويستهزىء بمن يعدل ~~عن طريقته إلى التوحيد وكثير منهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد فهل هذا ~~إلا ms4604 من استخفافهم بالله وبأياته ورسوله وتعظيمهم للشرك # وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم مضاهات لمشركى ~~العرب الذين ذكرهم الله في قوله @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا @QE@ الآية فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله ويقولون الله ~~غني وآلهتنا فقيرة # وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكى عنده ويخشع PageV15P049 ~~ويتضرع ما لا يحصل له مثله في الجمعة والصلوات الخمس وقيام الليل فهل هذا ~~الإ من حال المشركين لاالموحدين ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات ~~حصل له من الخشوع والحضور ما لا يحصل له عند الآيات بل يستثقلونها ~~ويستهزئون بها وبمن يقرؤها مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله @QB@ قل ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون @QE@ والذين يجعلون دعاء الموتى أفضل ~~من دعاء الله منهم من يحكي أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه واستغاث ~~بشيخه فأغاثه وأن بعض المأسورين دعا الله فلم يخرجه فدعا بعض الموتى فجاءه ~~فأخرجه إلى بلاد الإسلام وآخر قال قبر فلان الترياق المجرب # ومنهم من إذا نزل به شدة لا يدعو الإ شيخه قد لهج به كما يلهج الصبى بذكر ~~أمه وقد قال تعالى للموحدين @QB@ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ~~آباءكم أو أشد ذكرا @QE@ وقد قال شعيب @QB@ يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله @QE@ PageV15P050 ### |||| سئل شيخ الإسلام # عن معنى قوله تعالى @QB@ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~@QE@ الآية والتوبة إنما تكون عن شيء يصدر من العبد والنبى ( معصوم من ~~الكبائر والصغائر ### ||||| فأجاب شيخ الإسلام بن تيمية # الحمد لله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ~~معصومون من الإقرار على الذنوب كبارها وصغارها وهم بما أخبر الله به عنهم ~~من التوبة يرفع درجاتهم ويعظم حسناتهم فإن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين وليست التوبة نقصا بل هي من أفضل الكمالات وهي واجبة على جميع ~~الخلق كما قال تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله ~~المنافقين ms4605 والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ فغاية كل مؤمن هي التوبة ثم التوبة تتنوع كما يقال حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين # والله تعالى قد أخبر عن عامة الأنبياء بالتوبة والإستغفار عن آدم ونوح ~~وإبراهيم وموسى وغيرهم فقال آدم PageV15P051 @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ وقال نوح @QB@ رب إني أعوذ بك أن ~~أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ وقال ~~الخليل @QB@ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ وقال هو ~~وإسماعيل @QB@ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم @QE@ وقال موسى @QB@ أنت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة إنا هدنا إليك @QE@ وقال تعالى @QB@ فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك ~~وأنا أول المؤمنين @QE@ # وقد ذكر الله سبحانه توبة داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء والله تعالى ~~@QB@ يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ وفى أواخر ما أنزل الله على نبيه ~~@QB@ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا @QE@ # وفي الصحيحين عن النبى أنه كان يقول في افتتاح الصلاة ( اللهم باعد بيني ~~وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما ينقى ~~الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد ~~( وفي الصحيح أنه كان يقول في دعاء الإستفتاح ( اللهم أنت الملك لا إله إلا ~~أنت PageV15P052 أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي ~~جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ( وفي الصحيح أيضا عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول ( اللهم اغفر لي ذنبى كله دقه وجله علانيته وسره ~~أوله وآخره ( وفى الصحيحين عنه أنه كان يقول ( اللهم اغفر لي خطيئتى وجهلي ~~وإسرافى في أمري وما أنت أعلم به منى اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي ~~وكل ذلك عندي اللهم اغفرلي ما ms4606 قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت ~~وما أنت أعلم به منى أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ( ومثل هذا ~~كثير في الكتاب والسنة # وقد قال الله تعالى @QB@ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ فتوبة ~~المؤمنين واستغفارهم هو من أعظم حسناتهم وأكبر طاعاتهم وأجل عباداتهم التى ~~ينالون بها أجل الثواب ويندفع بها عنهم ما يدفعه من العقاب # فإذا قال القائل أي حاجة بالأنبياء إلى العبادات والطاعات كان جاهلا ~~لأنهم إنما نالوا ما نالوه بعبادتهم وطاعتهم فكيف يقال إنهم لا يحتاجون ~~إليها فهي أفضل عبادتهم وطاعتهم # وإذا قال القائل فالتوبة لا تكون إلا عن ذنب والإستغفار كذلك PageV15P053 ~~قيل له الذنب الذي يضر صاحبه هو مالم يحصل منه توبة فأما ما حصل منه توبة ~~فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة كما قال بعض السلف كان ~~داود بعد التوبة أحسن منه حالا قبل الخطيئة ولوكانت التوبة من الكفر ~~والكبائر فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم خيار الخليقة بعد ~~الأنبياء وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب ولم ~~يكن ما تقدم قبل التوبة نقصا ولا عيبا بل لما تابوا من ذلك وعملوا الصالحات ~~كانوا أعظم إيمانا وأقوى عبادة وطاعه ممن جاء بعدهم فلم يعرف الجاهلية كما ~~عرفوها # ولهذا قال عمر بن الخطاب إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في ~~الإسلام مع لم يعرف الجاهلية وقد قال الله تعالى @QB@ والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما @QE@ # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أن الله يحاسب عبده يوم ~~القيامة فيعرض عليه صغار الذنوب ويخبأ عنه كبارها فيقول فعلت يوم كذا كذا ~~وكذا فيقول نعم يارب وهو مشفق PageV15P054 من كبارها أن تظهر فيقول ms4607 إني قد ~~غفرتها لك وأبدلتك مكان كل سيئة حسنة فهنالك يقول رب إن لي سيئات ما أراها ~~بعد # فالعبد المؤمن إذا تاب وبدل الله سيئاته حسنات انقلب ما كان يضره من ~~السيئات بسبب توبته حسنات ينفعه الله بها فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة ~~له بل كانت توبته منها من أنفع الأمور له والإعتبار بكمال النهاية لا بنقص ~~البداية فمن نسي القرآن ثم حفظه خير من حفظه الأول لم يضره النسيان ومن مرض ~~ثم صح وقوي لم يضره المرض العارض # والله تعالى يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه ليحصل له بذلك من تكميل ~~العبودية والتضرع والخشوع لله والإنابة إليه وكمال الحذر في المستقبل ~~والإجتهاد في العبادة ما لم يحصل بدون التوبة كمن ذاق الجوع والعطش والمرض ~~والفقر والخوف ثم ذاق الشبع والري والعافية والغنى والأمن فإنه يحصل له من ~~المحبة لذلك وحلاوته ولذته والرغبة فيه وشكر نعمة الله عليه والحذر أن يقع ~~فيما حصل أولا ما لم يحصل بدون ذلك وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا ~~الموضع # وينبغى أن يعرف أن التوبة لا بد منها لكل مؤمن ولا يكمل أحد ويحصل له ~~كمال القرب من الله ويزول عنه كل ما يكره إلا بها PageV15P055 ومحمد أكمل ~~الخلق وأكرمهم على الله وهو المقدم على جميع الخلق في أنواع الطاعات فهو ~~أفضل المحبين لله وأفضل المتوكلين على الله وأفضل العابدين له وأفضل ~~العارفين به وأفضل التائبين إليه وتوبته أكمل من توبة غيره ولهذا غفر الله ~~له ماتقدم من ذنبه وماتأخر # وبهذه المغفرة نال الشفاعة يوم القيامة كما ثبت في الصحيح ( ان الناس يوم ~~القيامة يطلبون الشفاعة من آدم فيقول إني نهيت عن الأكل من الشجرة فأكلت ~~منها نفسي نفسي نفسي ويطلبونها من نوح فيقول إني دعوت على أهل الأرض دعوة ~~لم أومر بها نفسي نفسي نفسي ويطلبونها من الخليل ثم من موسى ثم من المسيح ~~فيقول إذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال ~~فيأتونى ms4608 فأنطلق فإذا رأيت ربى خررت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي ~~لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول ~~أى رب أمتى فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ( # فالمسيح صلوات الله عليه وسلامه دلهم على محمد وأخبر بكمال عبوديته لله ~~وكمال مغفرة الله له إذ ليس بين المخلوقين والخالق نسب إلا محض العبودية ~~والإفتقار من العبد PageV15P056 ومحض الجود والإحسان من الرب عز وجل # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه قال ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ( ~~قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه ~~وفضل ( # وثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول ( يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فو الذي ~~نفسي بيده إنى لأستغفرالله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ( وثبت ~~عنه في الصحيح أنه قال ( أنه ليغان على قلبى وإنى لأستغفر الله في اليوم ~~مائة مرة ( فهو صلى الله عليه وسلم لكمال عبوديته لله وكمال محبته له ~~وافتقاره إليه وكمال توبته واستغفاره صار أفضل الخلق عند الله فإن الخير ~~كله من الله وليس للمخلوق من نفسه شيء بل هو فقير من كل وجه والله غني عنه ~~من كل وجه محسن إليه من كل وجه فكلما إزداد العبد تواضعا وعبودية إزداد إلى ~~الله قربا ورفعة ومن ذلك توبته واستغفاره # وفي الحديث عن النبى أنه قال ( كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ( ~~رواه بن ماجه والترمذي PageV15P057 ### || سورة يونس # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # قوله @QB@ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب @QE@ وقوله @QB@ وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا @QE@ ~~وقوله @QB@ الشمس والقمر بحسبان @QE@ وقوله @QB@ والقمر قدرناه منازل حتى ~~عاد كالعرجون القديم @QE@ وقوله @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج @QE@ دليل على توقيت ما فيها من التوقيت للسنين والحساب فقوله @QB@ ~~لتعلموا عدد السنين والحساب @QE@ أن علق بقوله @QB@ وقدره منازل @QE@ كان ~~الحكم مختصا بالقمر وإن اعيد إلى أول ms4609 الكلام تعلق بهما ويشهد للأول قوله في ~~الأهلة فإنه موافق لذلك ولأن كون الشمس ضياء والقمر نورا لا يوجب علم عدد ~~السنين والحساب بخلاف تقدير القمر منازل فإنه هو الذي PageV15P058 يقتضى ~~علم عدد السنين والحساب ولم يذكر إنتقال الشمس في البروج # ويؤيد ذلك قوله @QB@ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ~~@QE@ الآية فإنه نص على أن السنة هلالية وقوله @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ ~~يؤيد ذلك لكن يدل على الآخر قوله @QB@ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا ~~آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب @QE@ # وهذا والله أعلم لمعنى تظهر به حكمة ما في الكتاب وما جاءت به الشريعة من ~~اعتبار الشهر والعام الهلالي دون الشمسي ان كل ماحد من الشهر والعام ينقسم ~~في إصطلاح الأمم إلى عددي وطبيعي فأما الشهر الهلالي فهو طبيعي وسنته عددية # وأما الشهر الشمسي فعددي وسنته طبيعية فأما جعل شهرنا هلاليا فحكمته ~~ظاهرة لأنه طبيعي وإنما علق بالهلال دون الإجتماع لأنه أمر مضبوط بالحس لا ~~يدخله خلل ولا يفتقر إلى حساب بخلاف الإجتماع فإنه أمر خفي يفتقر إلى حساب ~~وبخلاف الشهر الشمسي لو ضبط # وأما السنة الشمسية فإنها وإن كانت طبيعية فهي من جنس PageV15P059 ~~الإجتماع ليس أمرا ظاهرا للحس بل يفتقر إلى حساب سير الشمس في المنازل ~~وإنما الذي يدركه الحس تقريب ذلك فإن انقضاء الشتاء ودخول الفصل الذي تسميه ~~العرب الصيف ويسميه غيرها الربيع أمر ظاهر بخلاف محاذاة الشمس لجزء من ~~أجزاء الفلك يسمى برج كذا أو محاذاتها لاحدى نقطتى الرأس أو الذنب فإنه ~~يفتقر إلى حساب # ولما كانت البروج اثنى عشر فمتى تكرر الهلالي اثنى عشر فقد انتقل فيها ~~كلها فصار ذلك سنة كاملة تعلقت به أحكام ديننا من المؤقتات شرعا أو شرطا ~~إما بأصل الشرع كالصيام والحج وإما بسبب من العبد كالعدة ومدة الإيلاء وصوم ~~الكفارة والنذر وإما بالشرط كالأجل في الدين والخيار والإيمان وغير ذلك ~~PageV15P060 # وقال # هذة تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في ms4610 طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~( فيها ( # منها قوله @QB@ وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء @QE@ ظن طائفة أن ~~( ما ( نافية وهو خطأ بل هي استفهام فإنهم يدعون معه شركاء كما أخبر عنهم ~~في غير موضع فالشركاء يوصفون في القرآن بأنهم يدعون لأنهم يتبعون وإنما ~~يتبع الأئمة # ولهذا قال @QB@ إن يتبعون إلا الظن @QE@ ولو أراد النفي لقال ان يتبعون ~~إلا من ليسوا شركاء بل بين أن المشرك لاعلم معه إن هو إلا الظن والخرص ~~كقوله @QB@ قتل الخراصون @QE@ PageV15P061 ### || سورة هود ### || 1 ( تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه ) 1 # ! 8 < سورة هود وقال ! 8 < ( فصل ( # وقوله تعالى @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه @QE@ وهذا ~~يعم جميع من هو على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه فالبينة العلم النافع ~~والشاهد الذي يتلوه العمل الصالح وذلك يتناول الرسول ومن اتبعه إلى يوم ~~القيامة فإن الرسول على بينة من ربه ومتبعيه على بينة من ربه # وقال في حق الرسول @QB@ قل إني على بينة من ربي @QE@ وقال في حق المؤمنين ~~@QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم @QE@ ~~فذكر هذا بعد أن ذكر الصنفين في أول السورة فقال @QB@ الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على ~~محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا ~~اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم @QE@ الآيات إلى قوله ~~@QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ PageV15P062 # وقال أبو الدرداء لا تهلك ~~أمة حتى يتبعوا أهواءهم ويتركوا ما جاءتهم به أنبياؤهم من البينات والهدى ~~وقال تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني @QE@ ~~فمن اتبعه يدعو إلى الله على بصيرة والبصيرة هي البينة وقال @QB@ أو من كان ~~ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس @QE@ الآية فالنور الذي ~~يمشي به في الناس هو البينة والبصيرة وقال @QB@ الله نور ms4611 السماوات والأرض ~~@QE@ الآية # قال أبى بن كعب وغيره هو مثل نور المؤمن وهو نوره الذى في قلب عبده ~~المؤمن الناشئ عن العلم النافع والعمل الصالح وذلك بينة من ربه وقال @QB@ ~~أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ فهذا النور الذي هو ~~عليه وشرح الصدر للإسلام هو البينة من ربه وهو الهدى المذكور في قوله @QB@ ~~أولئك على هدى من ربهم @QE@ واستعمل في هذا حرف الإستعلا لأن القلب لا ~~يستقر ولا يثبت إلا إذا كان عالما موقنا بالحق فيكون العلم والإيمان صبغة ~~له ينصبغ بها كما قال @QB@ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة @QE@ ويصير ~~مكانة له كما قال @QB@ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون ~~@QE@ والمكان والمكانة قد يراد به ما يستقر الشيء عليه وإن لم يكن محيطا به ~~كالسقف مثلا وقد يراد به مايحيط به # فالمهتدون لما كانوا على هدى من ربهم ونور وبينة وبصيرة صار PageV15P063 ~~مكانة لهم استقروا عليها وقد تحيط بهم بخلاف الذين قال فيهم @QB@ ومن الناس ~~من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه @QE@ فإن هذا ليس ثابتا مستقرا مطمئنا بل هو كالواقف على حرف الوادي ~~وهو جانبه فقد يطمئن إذا أصابه خير وقد ينقلب على وجهه ساقطا في الوادي # وكذلك فرق بين من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ( وبين @QB@ من أسس ~~بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم @QE@ وكذلك الذين كانوا على ~~شفا حفرة من النار فأنقذهم منها وشواهد هذا كثير # فقد تبين أن الرسول ومن اتبعه على بينة من ربهم وبصيرة وهدى ونور وهو ~~الإيمان الذي في قلوبهم والعلم والعمل الصالح ثم قال @QB@ ويتلوه شاهد منه ~~@QE@ والضمير في ( منه ) عائد إلى الله تعالى أي ويتلو هذا الذي هو على ~~بينة من ربه شاهد من الله والشاهد من الله كما أن البينة التى هو عليها ~~المذكورة من الله أيضا # وأما قول من قال ( الشاهد ( من نفس المذكور ms4612 وفسره بلسانه أو بعلي بن أبى ~~طالب فهذا ضعيف لأن كون شاهد الإنسان منه لا يقتضى أن يكون الشاهد صادقا ~~فإنه مثل شهادة PageV15P064 الإنسان لنفسه بخلاف ما إذا كان الشاهد من الله ~~فإن الله يكون هو الشاهد وهذا كما قيل في قوله @QB@ قل كفى بالله شهيدا ~~بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب @QE@ أنه علي فهذا ضعيف لأن شهاده قريب له ~~قد اتبعه على دينه ولم يهتد إلا به لا تكون برهانا للصدق ولا حجة على الكفر ~~بخلاف شهادة من عنده علم الكتاب الأول فإن هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة كما ~~قال في هذه السورة @QB@ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة @QE@ وقال @QB@ ~~وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله @QE@ وقال @QB@ فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك @QE@ الآية وقال @QB@ ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق @QE@ وهذا الشاهد من ~~الله هو القرآن # ومن قال أنه جبريل فجبريل لم يقل شيئا من تلقاء نفسه بل هو الذي بلغ ~~القرآن عن الله وجبريل يشهد أن القرآن منزل من الله وأنه حق كما قال @QB@ ~~لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا @QE@ والذي قال هو جبريل قال يتلوه أي يقرأه كما قال @QB@ فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه @QE@ أي إذا قرأه جبريل فاتبع ما قرأه وقال @QB@ علمه ~~شديد القوى @QE@ # ومن قال الشاهد لسانه وجعل الضمير المذكور عائدا على القرآن ولم يذكر ~~لأنه جعل البينة هي القرآن ولو كانت البينة هي القرآن PageV15P065 لما ~~احتاج إلى ذلك وقد قال على بينة من ربه فقد ذكر ان القرأن من الله وقد علم ~~أنه نزل به جبريل على محمد وكلا ( هما ( بلغه وقرأه فقوله ( ويتلوه ( جبريل ~~أو محمد تكرير لا فائدة فيه ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرأن وأيضا فكونه ~~على القرأن لم نجد لذلك نظيرا في القرآن فإن القرأن كلام الله واحد لا يكون ~~عليه وإذا ( كان ( المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به فهذا الذي ذكرناه ms4613 ~~ان البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول وهو اخباره أنه رسول الله وأن الله ~~أنزل القرآن عليه ولما أنزلت هذه السورة وهي مكية لم يكن قد نزل من القرأن ~~قبلها إلا بعضه وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه فمن آمن ~~حينئذ بذلك ومات على ذلك كان من أهل الجنة وأيضا فتسمية جبريل شاهدا لا ~~نظير له في القرآن وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدا وتسمية علي شاهدا لا يوجد ~~مثل ذلك في الكتاب والسنة بخلاف شهادة الله فإن الله أخبر بشهادته لرسوله ~~في غير موضع وسمى ما أنزله شهادة منه في قوله @QB@ ومن أظلم ممن كتم شهادة ~~عنده من الله @QE@ فدل على أن كلام الله الذي أنزله وأخبر فيه بما أخبر ~~شهادة منه PageV15P066 وهو سبحانه يحكم ويشهد ويفتى ويقص ويبشر ويهدى ~~بكلامه ويصف كلامه بأنه يحكم ويفتى ويقص ويهدى ويبشر وينذر كما قال @QB@ قل ~~الله يفتيكم فيهن @QE@ @QB@ قل الله يفتيكم في الكلالة @QE@ وقال @QB@ إن ~~هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون @QE@ وقال @QB@ ~~نحن نقص عليك أحسن القصص @QE@ وقال @QB@ قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ~~ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين @QE@ ~~وقال @QB@ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم @QE@ # وكذلك سمى الرسول هاديا فقال @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ كما ~~سماه بشيرا ونذيرا وسمى القرآن بشيرا ونذيرا فكذلك لما كان هو يشهد للرسول ~~والمؤمنين بكلامه الذي أنزله وكان كلامه شهادة منه كان كلامه شاهدا منه كما ~~كان يحكم ويفتى ويقص ويبشر وينذر # ولما قيل لعلي بن أبي طالب حكمت مخلوقا قال ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت ~~القرآن فإن الذي يحكم به القرآن هو حكم الله والذي يشهد به القرآن هو شهادة ~~الله عز وجل قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقد كان إماما وأخذ التفسير عن ~~أبيه زيد وكان زيد إماما فيه ومالك وغيره أخذوا عنه التفسير وأخذه عنه عبد ~~الله PageV15P067 بن وهب ms4614 صاحب مالك واصبغ بن الفرج الفقيه قال في قوله ~~تعالى @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه @QE@ قال رسول الله ~~@QB@ كان على بينة من ربه @QE@ والقرآن يتلوه شاهد أيضا لأنه من الله # وقد ذكر الزجاج فيما ذكره من الأقوال ويتلو رسول الله القرآن وهو شاهد من ~~الله وقال أبو العالية @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ هو محمد @QB@ ~~ويتلوه شاهد منه @QE@ القرآن قال بن أبى حاتم وروى عن بن عباس ومحمد بن ~~الحنفية ومجاهد وأبى صالح وإبراهيم وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي وخصيف وبن ~~عيينة نحو ذلك وهذا الذي قالوه صحيح ولكن لا يقتضى ذلك أن المتبعين له ~~ليسوا على بينة من ربهم بل هم على بينة من ربهم ( # وقد قال الحسن البصري @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ قال المؤمن على ~~بينة من ربه ورواه بن أبي حاتم وروى عن الحسين بن علي @QB@ ويتلوه شاهد منه ~~@QE@ يعنى محمدا شاهد من الله وهي تقتضي أن يكون الذي على البينة من شهد له # وقول القائل من قال هو محمد كقول من قال هو جبريل فإن كلاهما بلغ القرآن ~~والله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس PageV15P068 فاصطفى جبريل من ~~الملائكة واصطفى محمدا من الناس وقال في جبريل @QB@ إنه لقول رسول كريم ~~@QE@ وقال في محمد @QB@ إنه لقول رسول كريم @QE@ وكلاهما رسول من الله كما ~~قال @QB@ حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ~~@QE@ فكلاهما رسول من الله بلغ ما أرسل به وهو يشهد أن ما جاء به هو كلام ~~الله وأما شهادتهم بما شهد به القرأن فهذا قدر مشترك بين كل من آمن بالقرآن ~~فإنه يشهد بكل ما شهد به القرأن لكونه آمن به سواء كان قد بلغه أو لم يبلغه # ولهذا كان إيمان الرسول بما جاء به غير تبليغه له وهو مأمور بهذا وبهذا ~~وله أجر على هذا وهذا كما قال @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون @QE@ ولهذا كان يقول أشهد إنى عبد الله ورسوله ms4615 فشهاده جبريل ~~ومحمد بما شهد به القرآن من جهة ايمانهما به لا من جهة كونهما مرسلين به ~~فإن الإرسال به يتضمن شهادتهما أن الله قاله وقد يرسل غير رسول بشيء فيشهد ~~الرسول أن هذا كلام المرسل وإن لم يكن المرسل صادقا ولا حكيما ولكن علم ان ~~جبريل ومحمدا يعلمان ( أن ( الله صادق حكيم فهما يشهدان بما شهد الله به # وكذلك الملائكة والمؤمنون يشهدون بأن ما قاله الله فهو حق PageV15P069 ~~وإن الله صادق حكيم لا يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بعدل @QB@ وتمت كلمة ربك ~~صدقا وعدلا @QE@ # فقد تبين ان شهادة جبريل ومحمد هي شهادة القرآن وشهادة القرآن هي شهادة ~~الله تعالى والقرآن شاهد من الله وهذا الشاهد يوافق ويتبع ذلك الذي على ~~بينة من ربه فإن البينة والبصيرة والنور والهدى الذي عليه النبى والمؤمنون ~~قد شهد القرآن المنزل من الله بأن ذلك حق ( # ويتلوه ( معناه يتبعه كما قال @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته @QE@ أي يتبعونه حق اتباعه وقال @QB@ والقمر إذا تلاها @QE@ أي ~~تبعها وهذا قفاه إذا تبعه وقد قال @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ فهذا ~~الشاهد يتبع الذي على بينة من ربه فيصدقه ويزكيه ويؤيده ويثبته كما قال ~~@QB@ قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا @QE@ وقال @QB@ ~~وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك @QE@ وقال @QB@ أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ # وقد سمى الله القرآن سلطانا في غير موضع فإذا كان السلطان المنزل من الله ~~يتبع هذا المؤمن كان ذلك مما يوجب قوته وتسلطه علما وعملا وقال @QB@ وننزل ~~من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين @QE@ PageV15P070 @QB@ وإذا ما أنزلت ~~سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا @QE@ الآية وقال جندب بن عبد ~~الله وعبد الله بن عمر تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا فهم ~~كانوا يتعلمون الإيمان ثم يتعلمون القرآن وقال بعضهم في قوله @QB@ نور على ~~نور @QE@ قال نور القرآن على نور الإيمان كما قال @QB@ ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به ms4616 من نشاء من عبادنا @QE@ وقال السدي في قوله @QB@ نور على نور @QE@ ~~نور القرآن ونور الإيمان حين إجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه # فتبين أن قوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ يعنى هدى الإيمان @QB@ ~~ويتلوه شاهد منه @QE@ أي من الله يعنى القرآن شاهد من الله يوافق الإيمان ~~ويتبعه وقال ( يتلوه ( لأن الإيمان هو المقصود لأنه إنما يراد بإنزال ~~القرآن الإيمان وزيادته # ولهذا كان الإيمان بدون قراءة القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة والقرآن ~~بلا إيمان لا ينفع في الآخرة بل صاحبه منافق كما في الصحيحين عن أبى موسى ~~عن النبى أنه قال ? < مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب ~~وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح ~~لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانه ريحها طيب وطعمها مر ومثل ~~المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها > ? ~~PageV15P071 # ولهذا جعل الإيمان ( بينة ( وجعل القرآن شاهدا لأن البينة من البيان و ( ~~البينة ( هي السبيل البينة وهي الطريق البينة الواضحة وهي أيضا ما يبين بها ~~الحق فهي بينه في نفسها مبينة لغيرها وقد تفسر بالبيان وهى الدلالة ~~والإرشاد فتكون كالهدى كما يقال فلان على هدى وعلى علم فيفسر بمعنى المصدر ~~والصفة والفاعل ومنه قوله @QB@ أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى @QE@ ~~أي بيان ما فيها أو يبين ما فيها أو الأمر البين فيها وقد سمى الرسول بينة ~~كما قال @QB@ حتى تأتيهم البينة رسول من الله @QE@ فإنه يبين الحق والمؤمن ~~على سبيل بينة ونور من ربه والشاهد المقصود به شهادته للمشهود له فهو يشهد ~~للمؤمن بما هو عليه وجعل الإيمان من الله كما جعل الشاهد من الله لأن الله ~~أنزل الإيمان في جذر قلوب الرجال كما في الصحيحين عن حذيفة عن النبى قال ( ~~ان الله أنزل الإيمان في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ~~( # وأيضا فالإيمان ما قد أمر الله به # وأيضا فالإيمان إنما هو ما ms4617 أخبر به الرسول وهذا أخبر به الرسول لكن ~~الرسول له وحيان وحي تكلم الله به يتلى ووحي لا يتلى فقال PageV15P072 @QB@ ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا @QE@ الآية وهو يتناول القرآن والإيمان ~~وقيل الضمير في قوله @QB@ جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ يعود ~~إلى الإيمان ذكر ذلك عن بن عباس وقيل إلى القرأن وهو قول السدي وهو ~~يتناولهما وهو في اللفظ يعود إلى الروح الذي أوحاه وهو الوحي الذي جاء ~~بالإيمان والقرآن فقد تبين ان كلاهما من الله نور وهدى منه هذا يعقل بالقلب ~~لما قد يشاهد من دلائل الإيمان مثل دلائل الربوبية والنبوة وهذا يسمع ~~بالآذان والإيمان الذي جعل للمؤمن هو مثل ما وعد الله به في قوله @QB@ ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ أي أن ~~القرآن حق فهذه الآيات متأخرة عن نزول القرآن وهو مثل ما فعل من نصر رسوله ~~والمؤمنين يوم بدر وغير يوم بدر فإنه آيات مشاهدة صدقت ما أخبر به القرآن ~~ولكن المؤمنون كانوا قد آمنوا قبل هذا وقيل نزول أكثر القرآن الذي ثبت الله ~~به لنبيه وللمؤمنين ولهذا قال @QB@ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ ~~فهو يشهد لرسوله بأنه صادق بالآيات الدالة على نبوته وتلك آمن بها المؤمنون ~~ثم أنزل من القرآن شاهدا له ثم أظهر آيات معاينة تبين لهم أن القرآن حق ~~PageV15P073 # فالقرآن وافق الايمان والآيات المستقبلة وافقت القرآن والايمان ولهذا قال ~~@QB@ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة @QE@ فقوله @QB@ ومن قبله @QE@ يعود ~~الضمير إلى الشاهد الذي هو القرآن كما قال تعالى @QB@ قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله @QE@ الآية ثم قال ~~@QB@ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة @QE@ الآية فقوله @QB@ ومن قبله @QE@ ~~الضمير يعود إلى القرآن أي من قبل القرآن كما قاله بن زيد وقيل يعود إلى ~~الرسول كما قاله مجاهد وهما متلازمان # وقوله @QB@ ومن قبله كتاب موسى @QE@ فيه وجهان قيل هو عطف مفرد وقيل عطف ~~جملة ms4618 قيل المعنى @QB@ ويتلوه شاهد منه @QE@ ويتلوه أيضا من قبله كتاب موسى ~~فإنه شاهد بمثل ما شهد به القرآن وهو شاهد من الله وقيل @QB@ ومن قبله كتاب ~~موسى @QE@ جملة ولكن مضمون الجملة فيها تصديق القرآن كما قال في الأحقاف ~~وقوله تعالى @QB@ أولئك يؤمنون به @QE@ يدل على أن قوله @QB@ أفمن كان على ~~بينة من ربه @QE@ تتناول المؤمنين فإنهم آمنوا بالكتاب الأول والآخر كما ~~تتناول النبى صلى الله عليه وسلم وأولئك يعود إليهم الضمير فإنهم مؤمنون به ~~بالشاهد من الله فالإيمان به ايمان بالرسول والكتاب الذي قبله PageV15P074 # ثم قال @QB@ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده @QE@ وروى الإمام أحمد ~~وبن أبى حاتم وغيرهما عن أيوب عن سعيد بن جبير قال ما بلغنى حديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على وجه إلا وجدت تصديقه في كتاب الله حتى بلغنى ~~أنه قال ? < لا يسمع بى أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن ~~بما أرسلت به إلا دخل النار > ? قال سعيد فقلت أين هذا في كتاب الله حتى ~~أتيت على هذه الآية @QB@ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده @QE@ قال ~~الأحزاب هي الملل كلها # وقوله تعالى @QB@ أولئك يؤمنون به @QE@ أي كل من كان على بينة من ربه ~~فإنه يؤمن بالشاهد من الله والإيمان به إيمان بما جاء به موسى قال @QB@ ~~أولئك يؤمنون به @QE@ وهم المتبعون لمحمد من أصحابه وغيرهم إلى قيام الساعة ~~ثم قال @QB@ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده @QE@ والأحزاب هم أصناف ~~الأمم الذين تحزبوا وصاروا أحزابا كما قال تعالى @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح ~~والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه @QE@ # وقد ذكر الله طوائف الأحزاب في مثل هذه السورة وغيرها وقد قال تعالى عن ~~مكذبى محمد @QB@ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب @QE@ وهم الذين قال فيهم ~~@QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من ms4619 المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ PageV15P075 # وقال عن أحزاب النصارى @QB@ ~~فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم @QE@ الآيات # وأما من قال الضمير في قوله @QB@ أولئك يؤمنون به @QE@ يعود على أهل الحق ~~قال أنه موسى وعيسى ومحمد فإنه إن أراد بهم من كان مؤمنا بالكتابين قبل ~~نزول القرآن فلم يتقدم لهم ذكر والضمير في قوله ( به ( مفرد ولو آمن مؤمن ~~بكتاب موسى دون الإنجيل بعد نزوله وقيام الحجة عليه به لم يكن مؤمنا # وهذان القولان حكاهما أبو الفرج ولم يسم قائلهما والبغوي وغيره لم يذكروا ~~نزاعا في أنهم من آمن بمحمد ولكن ذكروا قولا أنهم من آمن به من أهل الكتاب ~~وهذا قريب ولعل الذي حكى قولهم أبو الفرج أرادوا هذا وإلا فلا وجه لقولهم # ومن العجب ان أبا الفرج ذكر بعد هذا في الأحزاب أربعة أقوال # ( أحدها ( أنهم جميع الملل قاله سعيد بن جبير PageV15P076 # ( والثاني ( اليهود والنصارى قاله قتادة # ( والثالث ( قريش قاله السدي # والرابع ( بنوا أمية وبنوا المغيرة قال ( أي ) أبى طلحة بن عبد العزى ~~قاله مقاتل # وهذه الآية تقتضي أن الضمير يعود إلى القرآن في قوله @QB@ ومن يكفر به ~~@QE@ وكذلك @QB@ أولئك يؤمنون به @QE@ أنه القرآن ودليله قوله تعالى @QB@ ~~فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك @QE@ وهذا هو القرآن بلا ريب وقد قيل ~~هو الخبر المذكور وهو أنه من يكفر به من الأحزاب وهذا أيضا هو القرآن فعلم ~~ان المراد هو الإيمان بالقرآن والكفر به باتفاقهم وأنه من قال في أولئك ~~أنهم غير من آمن بمحمد لم يتصور ما قال # وقد تقدم في قوله @QB@ ومن قبله كتاب موسى @QE@ وجهان هل هو عطف جملة أو ~~مفرد لكن الأكثرون على أنه مفرد وقال الزجاج المعنى وكان من قبل هذا كتاب ~~موسى دليل على أمر محمد فيتلون كتاب موسى عطفا على قوله @QB@ ويتلوه شاهد ~~منه @QE@ أي ويتلو كتاب موسى لأن موسى وعيسى بشرا بمحمد في التوراة ~~والإنجيل ونصب إما ما على ms4620 الحال PageV15P077 # قلت قد تقدم أن الشاهد يتلو على من كان على بينة من ربه أي يتبعه شاهدا ~~له بما هو عليه من البينة وقوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ كمن لم ~~يكن قال الزجاج وترك المعادلة لأن فيما بعده دليلا عليه وهو قوله @QB@ مثل ~~الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع @QE@ قال بن قتيبة لما ذكر قبل ~~هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا وأرادوها جاء بهذه الآية وتقدير الكلام ~~أفمن كانت ( هذه ( حاله كمن يريد الدنيا فاكتفى من الجواب بما تقدم إذ كان ~~دليلا عليه وقال بن الأنباري إنما حذف لإنكشاف المعنى وهذا كثير في القرآن # قلت نظير هذه الآية من المحذوف @QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا @QE@ ~~كمن ليس كذلك وقد قال بعد هذا @QB@ ومن يكفر به من الأحزاب @QE@ وهذا هو ~~القسم الآخر المعادل لهذا الذي هو على بينة من ربه وعلى هذا يكون معناها ~~@QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم @QE@ ~~ويكون أيضا معناها @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ أي بصيرة في دينه ~~كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وهذا كقوله @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه ~~@QE@ الآية وكقوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله @QE@ ~~وقوله @QB@ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي @QE@ الآية ~~والمحذوف في مثل هذا النظم قد يكون غير ذلك كقوله @QB@ أو من ينشأ في ~~الحلية @QE@ PageV15P078 أي تجعلون له من ينشأ في الحلية ولا بد من دليل ~~على المحذوف وقد يكون المحذوف مثل أن يقال أفمن هذه حاله يذم أو يطعن عليه ~~أو يعرض عن متابعته أو يفتن أو يعذب كما قال @QB@ أفمن زين له سوء عمله ~~فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء @QE@ وقد قيل في هذه الآية ~~أن المحذوف @QB@ أفمن زين له سوء عمله @QE@ فرأى الباطل حقا والقبيح حسنا ~~كمن هداه الله فرأى الحق حقا والباطل باطلا والقبيح قبيحا والحسن حسنا وقيل ~~جوابه تحت قوله @QB@ فلا ms4621 تذهب نفسك عليهم حسرات @QE@ لكن يرد عليه أن يقال ~~الإستفهام ما معناه إلا أن تقدر أي هذا تقدر أن تهديه أو ربك أو تقدر أن ~~تجزيه كما قال @QB@ أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا @QE@ ~~ولهذا قال @QB@ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء @QE@ وكما قال @QB@ ~~أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم @QE@ الآية وعلى هذا يكون ~~معناها كمعنى قوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله @QE@ # وعلى هذا فالمعنى هنا @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن ~~قبله كتاب موسى @QE@ يذم ويخالف ويكذب ونحو ذلك كقوله ? < قل أرأيتم إن كان ~~على بينة من ربي وكذبتم به > ? وحذف جواب PageV15P079 الشرط وكقوله @QB@ ~~أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى @QE@ # فقد تبين ان معنى الآية من أشرف المعانى وهذا هو الذى ينتفع به كل أحد ~~وإن الآية ذكرت من كان على بينة من ربه من الإيمان الذي شهد له القرآن فصار ~~على نور من ربه وبرهان من ربه على مادلت عليه البراهين العقلية والسمعية ~~كما قال @QB@ وأنزلنا إليكم نورا مبينا @QE@ فالنور المبين المنزل يتناول ~~القرآن قال قتادة بينة من ربكم وقال الثورى هو النبى وقال البغوي هذا قول ~~المفسرين ولم أجده منقولا عن غير الثانى ولا ذكره إبن الجوزي عن غيره # وذكر في البرهان ثلاثة أقوال أحدها أنه الحجة والثانى أنه الرسول وذكر ~~أنه القرآن عن قتادة والذي رواه إبن أبى حاتم عن قتادة بالإسناد الثابت أنه ~~بينة من الله والبينة والحجة تتناول آيات الأنبياء التى بعثوا بها فكل ما ~~دل على نبوة محمد فهو برهان قال تعالى @QB@ فذانك برهانان من ربك @QE@ وقال ~~لمن قال لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى قل هاتوا برهانكم # ومحمد هو الصادق المصدوق قد أقام الله على صدقه براهين كثيرة PageV15P080 ~~وصار محمد نفسه برهانا فأقام من البراهين على صدقه فدليل الدليل دليل ~~وبرهان البرهان برهان وكل آية ms4622 له برهان والبرهان إسم جنس لا يراد به واحد ~~كما في قوله @QB@ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ ولو جاؤوا بعده ~~ببراهين كانوا ممتثلين # و ( المقصود ( أن ذلك البرهان يعلم بالعقل أنه دال على صدقه وهو بينة من ~~الله كما قال قتادة وحجة من الله كما قال مجاهد والسدى المؤمن على تلك ~~البينة ويتلوه شاهد من الله وهو النور الذي أنزله مع البرهان والله أعلم ### ||| فصل # وأما من قال @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ إنه محمد صلى الله عليه ~~وسلم كما قاله طائفة من السلف فقد يريدون بذلك التمثيل لا التخصيص فإن ~~المفسرين كثيرا ما يريدون ذلك ومحمد هو أول من كان بينة من ربة وتلاه شاهد ~~منه وكذلك الأنبياء وهو أفضلهم وإمامهم والمؤمنون تبع له وبه صاروا على ~~بينة من ربهم # والخطاب قد يكون لفظه له ومعناه عام كقوله @QB@ فإن كنت في شك مما أنزلنا ~~إليك @QE@ PageV15P081 @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ @QB@ فإذا فرغت ~~فانصب @QE@ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ونحو ذلك وذلك أن الأصل فيما ~~خوطب به النبى في كل ما أمر به ونهى عنه وأبيح له سار في حق أمته كمشاركة ~~أمته له في الأحكام وغيرها حتى يقوم دليل التخصيص فما ثبت في حقه من ~~الأحكام ثبت في حق الأمة إذا لم يخصص هذا مذهب السلف والفقهاء ودلائل ذلك ~~كثيرة كقوله @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها @QE@ الآية ولما أباح له ~~الموهوبة قال @QB@ خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ الآية # فإذا كان هذا مع كون الصيغة خاصة فكيف تجعل الصيغة العامة له وللمؤمنين ~~مختصة به ولفظ من أبلغ صيغ العموم لا سيما إذا كانت شرطا أو إستفهاما كقوله ~~@QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ وقوله ~~@QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا @QE@ وقوله @QB@ أو من كان ميتا ~~فأحييناه @QE@ وقوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ~~@QE@ و ( أيضا ( فقد ذكر بعد ذلك قوله @QB@ أولئك يؤمنون به ومن ms4623 يكفر به من ~~الأحزاب فالنار موعده @QE@ وذكر بعد هذا @QB@ مثل الفريقين @QE@ وقد تقدم ~~قبل هذا ذكر الفريقين وقوله @QB@ أولئك يؤمنون به @QE@ PageV15P082 إشارة ~~إلى جماعة ولم يقدم قبل هذا ما يصلح أن يكون مشارا إليه إلا من والضمير ~~يعود تارة إلى لفظ ( من ) وتارة إلى معناها كقوله @QB@ ومنهم من يستمع إليك ~~@QE@ @QB@ ومنهم من يستمعون إليك @QE@ @QB@ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى @QE@ @QB@ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~@QE@ الآية # وأما الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير فقوله @QB@ أولئك يؤمنون به ~~@QE@ دليل على أن الذي على بينة من ربه كثيرون لا واحد قال بن أبى حاتم ثنا ~~عامر بن صالح عن أبيه عن الحسن البصري @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ ~~قال المؤمن على بينة من ربه وهذا الذي قاله الحسن البصري هو الصواب والرسول ~~هو أول المؤمنين كما قال @QB@ وأمرت أن أكون من المؤمنين @QE@ # ومن قال ان الشاهد من الله هو محمد كما رواه بن أبي حاتم ثنا الأشج ثنا ~~أبو أسامة عن عوف عن سليمان الفلانى عن الحسين بن علي @QB@ ويتلوه شاهد منه ~~@QE@ يعنى محمدا شاهدا من الله فهنا معنى كونه شاهدا من الله هو معنى كونه ~~رسول الله وهو يشهد للمؤمنين بأنهم على حق وإن كان يشهد لنفسه بأنه رسول ~~الله فشهادته لنفسه معلومة قد علم أنه صادق فيها بالبراهين الداله على ~~نبوته وأما شهادته للمؤمنين فهو أنها إنما تعلم من جهته بما بلغه من القرآن ~~ويخبر به عن PageV15P083 ربه فهو إذا شهد كان شاهدا من الله # وأما شهادته عليهم بالايمان والتصديق وغير ذلك فكما في قوله @QB@ فكيف ~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا @QE@ @QB@ ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا @QE@ لكن من قال هذا فقد يريد بالبينة القرآن فإن المؤمن متبع ~~للقرآن ومحمد شاهد من الله يتلوه كما تلاه جبريل # ومن قال ان الشاهد لسان محمد فهو إنما أراد بهذا القول التلاوة أي أن ~~لسان محمد يقرأ القرآن ms4624 وهو شاهد منه أي من نفسه فإن لسانه جزء منه وهذا ~~القول ونحوه ضعيف والله أعلم هذا إن ثبت ذلك عمن نقل عنه فإن هذا وضده ~~ينقلان عن علي بن أبي طالب # وذلك أن طائفة من جهال الشيعة ظنوا أن عليا هو الشاهد منه أي من النبى ~~كما قال له ( أنت مني وأنا منك ( # وهذا قاله لغيره أيضا فقد ثبت في الصحيحين أنه قال ( الأشعريون هم منى ~~وأنا منهم ( وقال عن جليبيب ( هذا منى وأنا منه PageV15P084 وكل مؤمن هو من ~~النبى كما قال الخليل @QB@ فمن تبعني فإنه مني @QE@ وقال @QB@ ومن لم يطعمه ~~فإنه مني @QE@ ورووا هذا القول عن علي نفسه وروى عنه بإسناد أجود منه أنه ~~قال كذب من قال هذا قال بن أبى حاتم ذكر عن حسين بن زيد الطحان ثنا إسحاق ~~بن منصور ثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله قال قال علي ~~ما من قريش أحد إلا نزلت فيه آية قيل فما أنزل فيك قال @QB@ ويتلوه شاهد ~~منه @QE@ وهذا كذب على علي قطعا وإن ثبت النقل عن عباد هذا فإن له منكرات ~~عنه كقوله أنا الصديق الأكبر أسلمت قبل الناس بسبع سنين # وقد رووا عن علي ما يعارض ذلك قال إبن أبى حاتم ثنا أبى ثنا عمرو بن علي ~~الباهلي ثنا محمد بن شواص ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عروة عن محمد ~~بن علي يعنى إبن الحنفية قال قلت لأبى يا أبة @QB@ ويتلوه شاهد منه @QE@ أن ~~الناس يقولون أنك أنت هو قال وددت لو أني أنا هو ولكنه لسانه قال إبن أبي ~~حاتم وروى عن الحسن وقتادة نحو ذلك # قلت وقد تقدم عن الحسين ابنه أن ( الشاهد منه ( هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإنما تكلم علماء أهل البيت في أنه محمد ردا على من قال من الجهلة أنه ~~علي فإن هذه السورة نزلت بمكة وعلي كان PageV15P085 إذ ذاك صغيرا لم يبلغ ~~وكان ممن اتبع الرسول ولو كان إبن رسول ms4625 الله ليس إبن عمه لم تكن شهادته ~~تنفع لا عند المسلمين ولا عند الكفار بل مثل هذه الشهادة فيها تهمة القرابة # ولهذا كان أكثر العلماء على أن شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده لا تقبل ~~فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد مؤكدا لها ولذلك قالوا في قوله تعالى ~~@QB@ ومن عنده علم الكتاب @QE@ أنه علي وهم مع كذبهم هم أجهل الناس فإنهم ~~نسبوا الله والرسول إلى الإحتجاج بمالا يحتج به إلا جاهل فأرادوا تعظيم على ~~فنسبوا الله والرسول إلى الجهل وعلي إنما فضيلته باتباعه للرسول فإذا قدح ~~في الأصل بطل الفرع وأما قول من قال من المفسرين أن ( الشاهد ( جبريل عليه ~~السلام فقد روى ذلك عكرمة عن بن عباس ذكره بن أبي حاتم عنه وعن أبى العالية ~~وأبى صالح ومجاهد في إحدى الروايات عنه وإبراهيم وعكرمة والضحاك وعطاء ~~الخراسانى نحو ذلك وهؤلاء جعلوا ( يتلوه ( بمعنى يقرأه أي ويتلو القرآن ~~الذي هو البينة شاهد من الله هو وقيل بل معنى قولهم إن القرآن يتلوه جبريل ~~هو شاهد محمد أي الذي يتلوه جاء من عند الله # وقد تقدم بيان ضعف هذا القول فإن كل من فسر يتلوه PageV15P086 بمعنى ~~يقرأه جعل الضمير فيه عائدا إلى القرآن وجعل الشاهد غير القرآن # والقرآن لم يتقدم له ذكر إنما قال @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ ~~والبينة لا يجوز أن يكون تفسيرها بحفظ القرآن فإن المؤمنين كلهم على بينة ~~من ربهم وإن لم يحفظوا القرآن بخلاف البصيرة في الدين فإنه من لم يكن على ~~بصيرة من ربه لم يكن مؤمنا حقا بل من القائلين لمنكر ونكير آه آه لا أدري ~~سمعت الناس يقولون شيئا فقلته # والقرآن إنما مدح من كان على بينة من ربه فهو على هدى ونور وبصيرة سواء ~~حفظ القرآن أو لم يحفظه وإن أريد إتباع القرآن فهو الايمان وأكثر القرآن لم ~~يكن نزل حين نزول هذه الآية وقد تقدم إنما يختص به جبريل ومحمد فهو تبليغ ~~الرسالة عن الله وصدقهما في ذلك # وأما كون ms4626 رسالة الله حقا فهذا هو المشهود به ( من ) كل رسول وهما لا ~~يختصان بذلك بل يؤمنان به كما يؤمن بذلك كل ملك وكل مؤمن وشهادتهما بأن ~~النبى والمؤمنين على حق من هذا الوجه الثانى المشترك ولو قال ويبلغه وينزل ~~به رسول من الله لكان ما قالوه متوجها كما قال PageV15P087 @QB@ قل نزله ~~روح القدس @QE@ @QB@ نزل به الروح الأمين @QE@ @QB@ فإنه نزله على قلبك ~~بإذن الله @QE@ أما كونه شاهدا يقرؤه فهذا لا نظير له في القرآن # و ( أيضا ( فالشاهد الذي هو من الله هو الكلام فإن الكلام نزل منه كما ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ويقال في الرسول أنه منه كما قال رسول من ~~الله ويقال في الشخص الشاهد فيقال فيه هو من شهداء الله وأما كونه يقال فيه ~~شاهد من الله أنها برهان من الله وآيات من الله في الآيات التى يخلقها الله ~~تصديقا لرسوله فهذا يحتاج إستعماله إلى شاهد # والقرآن نزل بلغة قريش الموجودة في القرآن فإنها تفسر بلغته المعروفة فيه ~~إذا وجدت لا يعدل عن لغته المعروفه مع وجودها وإنما يحتاج إلى غير لغته في ~~لفظ لم يوجد له نظير في القرآن كقوله ( وي كأن الله @QB@ ولات حين مناص ~~@QE@ @QB@ وكأسا دهاقا @QE@ @QB@ وفاكهة وأبا @QE@ @QB@ قسمة ضيزى @QE@ ~~ونحو ذلك من الألفاظ الغريبة في القرآن والذين قالوا هذه الأقوال إنما أتوا ~~من جهة قوله ( ويتلوه ( فظنوا أن تلاوته هي قراءته ولم يتقدم للقرآن ذكر ثم ~~جعل هذا يقول جبريل تلاه وهذا يقول محمد وهذا يقول لسانه والتلاوه قد وجدت ~~في القرآن واللغة المشهورة بمعنى الإتباع وكثير من المفسرين لا يذكر في هذه ~~الآية القول الصحيح فيبقى الناظر الفطن حائرا PageV15P088 ولم يذكر في الذي ~~على بينة من ربه إلا أنه الرسول ويذكر في الشاهد عدة أقوال # ثم من العجب أنه يقول @QB@ أولئك يؤمنون @QE@ أولئك أصحاب محمد # وقيل المراد الذين أسلموا من أهل الكتاب وهو على ما فسره لم يتقدم لهم ~~ذكر فكيف يشار إليهم بقوله @QB@ يؤمنون به @QE@ وأبو الفرج ذكر قولا أنهم ~~المسلمون ms4627 ولم يذكر أن الآية تعم النبى والمؤمنين ولما ذكر قول من قال أنهم ~~المسلمون قال وهذا يخرج على قول الضحاك في البينة أنها رسول الله # وقد ذكر في ( البينة ( أربعة أقوال أنها الدين ذكره أبو صالح عن بن عباس ~~وأنها رسول الله قاله الضحاك وأنها القرآن قاله إبن زيد وأنها البيان قاله ~~مقاتل # ثم قال فإن قلنا المراد من كان على بينة من ربه المسلمون فالمعنى أنهم ~~يتبعون الرسول وهو البينة ويتبع هذا النبى شاهد منه يصدقه والمسلمون إذا ~~كانوا على بينة فهي الإيمان بالرسول ليست البينة ذات الرسول والرسول ليس هو ~~مذكورا في كلامه فقوله ( يتلوه ( لابد أن يعود إلى من لكن إعادته إلى ~~البينة أولى PageV15P089 وفسر البينة بالرسول وجعل الشاهد يشهد له بصدقه ثم ~~الشاهد جبريل أو غيره فلو قال الشاهد هو القرآن يشهد للمؤمنين فإنه يتبعهم ~~كما يتبعونه كان قد ذكر الصواب # وهو قد ذكر أقوالا كثيرة لم يذكرها غيره وذكر في يتلوه قولين ( أحدهما ( ~~يتبعه و ( الثانى ( يقرأه وهما قولان مشهور أن # وذكر في ( 5 ) يتلوه قولين أنها ترجع إلى النبى و ( الثانى ( أنها ترجع ~~إلى القرآن # والتحقيق أنها ترجع إلى ( من ( أو ترجع إلى البينة والبينة يراد بها ~~القرآن فيكون المعنى أن الشاهد من القرآن وإذا رجع الضمير إلى ( من ( فإن ~~جعل مختصا بالنبى وهو القول الذي تقدم بيان فساده عاد الضمير إلى البينة ~~وإن كان ( من ( تتناول كل من كان على بينة من ربه من المؤمنين ورسول الله ~~أولى المؤمنين تناول الجميع # ومما يوضح ذلك أن رسول الله جاء بالرسالة من الله وهذا يختص به وتصديق ~~هذه الرسالة والإيمان بها واجب على الثقلين والرسول هو أول من يجب عليه ~~الإيمان بهذه الرسالة التى أرسله الله PageV15P090 بها ولهذا قال في سورة ~~يونس @QB@ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون ~~من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين @QE@ ~~وقال @QB@ قل إني أمرت أن أكون ms4628 أول من أسلم @QE@ إلى غير ذلك من الآيات # فهو يتعلق به أمران عظيمان # ( أحدهما ( إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله وهذا مختص به # ( والثاني ( تصديقه فيما جاء به وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه ~~وهذا يجب عليه وعلى كل أحد فإنه قد يوجد فيمن يرسله المخلوق من يصدق في ~~رسالته لكنه لا يتبعها إما لطعنه في المرسل وإما لكونه يعصيه وإن كان قد ~~أرسل بحق فالملوك كثيرا ما يرسلون رسولا بكتب وغيرها يبلغ الرسل رسالتهم ~~فيصدقون بها ثم قد يكون الرسول أكثر مخالفة لمرسله من غيره من المرسل إليهم ~~ولهذا ظن طائفة منهم القاضي أبو بكر أن مجرد كونه رسولا لله لا يستلزم ~~المدح ثم قال إن هذا قد يقال فيمن قبل الرسالة وبلغها وفيمن لم يقبل لكن ~~هذا غلط فإن الله لا يرسل رسولا إلا وقد إصطفاه فيبلغ رسالات ربه ورسل الله ~~PageV15P091 هم أطوع الخلق لله وأعظم إيمانا بما بعثوا به بخلاف المخلوق ~~فإنه يرسل من يكذب عليه ومن يعصيه ومن لا يعتقد وجوب طاعته والخالق منزه عن ~~ذلك # لكن هولاء الذين قالوا هذا يجوزون على الرب أن يرسل كل أحد بكل شيء ليس ~~في العقل عندهم ما يمنع ذلك وإنما ينزهون الرسل عما أجمع المسلمون على ~~تنزيههم عنه عندهم ( مما ( ثبت بالسمع لا من جهة كونه رسولا كما قد بسط هذا ~~في غير هذا الموضع وبين أن هذا الأصل خطأ # ولما كان هو يتعلق به الأمران في ( الأول ( يقال آمنت له كما قال تعالى ~~@QB@ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه @QE@ وقوله @QB@ يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين @QE@ @QB@ وما أنت بمؤمن لنا @QE@ # وفي ( الثانى ( يقال آمنت بالله فعلينا أن نؤمن له ونؤمن بما جاء به ~~والله تعالى ذكر هذين فذكر ( أولا ( ما يثبت نبوته وصدقه بقوله @QB@ أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن ~~لا ms4629 إله إلا هو @QE@ كما تقدم التنبيه على ذلك PageV15P092 # ولما كان الذي يمنع الإنسان من اتباع الرسول شيئان أما الجهل وأما فساد ~~القصد ذكر ما يزيل الجهل وهو الآيات الدالة على صدقه ثم ذكر أهل فساد القصد ~~بقوله @QB@ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم ~~فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون @QE@ فهولاء أهل فساد القصد فهذان الأمران هما ~~المانعان للخلق من اتباع هذا ( الرسول ) كما أنه في البقرة ذكر ما يوجب ~~العلم وحسن القصد فقال @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ ثم قال @QB@ ~~فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين @QE@ فلما أثبت هذين الأصلين أخذ بعد هذا في بيان الإيمان به وحال ~~من آمن ومن كفر فقال @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ الآية ثم قال @QB@ ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم @QE@ وهذا يتناول كل كافر ممن كذب على الله ~~بادعاء الرسالة كاذبا ويتناول كل من كذب رسولا صادقا فقال إن الله لم يرسل ~~هذا ولم يأمر بهذا فكذب على الله وهذا إنما يقع ممن فسد PageV15P093 قصده ~~بحب الدنيا وإرادتها وممن أحب الرئاسة وأراد العلو في الأرض من أهل الجهل # وفى الصحيحين عن بن عمر عن النبى أنه قال إن الله يدني المؤمن منه يوم ~~القيامة حتى يلقى عليه كنفه ويقول فعلت يوم كذا كذا وكذا ويوم كذا كذا وكذا ~~فيقول نعم فيقول إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم ~~يعطى كتاب حسناته بيمينه # وأما الكفار والمنافقون @QB@ ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ~~ألا لعنة الله على الظالمين @QE@ ثم ذكر تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ثم ذكر مثل الفريقين فمن تدبر القرآن وتدبر ما قبل الآية وما ms4630 بعدها وعرف ~~مقصود القرآن تبين له المراد وعرف الهدى والرسالة وعرف السداد من الإنحراف ~~والإعوجاج # وأما تفسيره بمجرد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه فهذا ~~منشأ الغلط من الغالطين لا سيما كثير ممن يتكلم فيه بالإحتمالات اللغوية ~~فإن هؤلاء أكثر غلطا من المفسرين المشهورين فإنهم لا يقصدون معرفة معناه ~~كما يقصد ذلك المفسرون # وأعظم غلطا من هؤلاء وهؤلاء من لا يكون قصده معرفة مراد الله PageV15P094 ~~بل قصده تأويل الآية بما يدفع خصمه عن الاحتجاج بها وهؤلاء يقعون في أنواع ~~من التحريف ولهذا جوز من جوز منهم أن تتأول الآية بخلاف تأويل السلف وقالوا ~~إذا اختلف الناس في تأويل الآية على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث ~~بخلاف ماإذا إختلفوا في الأحكام على قولين وهذا خطأ فإنهم إذا أجمعوا على ~~أن المراد بالآية إما هذا وإما هذا كان القول بأن المراد غير هذين القولين ~~خلافا لاجماعهم ولكن هذه طريق من يقصد الدفع لا يقصد معرفة المراد وإلا ~~فكيف يجوز أن تضل الأمة عن فهم القرآن ويفهمون منه كلهم غير المراد متأخرون ~~يفهمون المراد فهذا هذا والله أعلم ### ||| فصل # وقوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ كما تقدم هو كقوله @QB@ قل إني ~~على بينة من ربي @QE@ وقوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء ~~عمله واتبعوا أهواءهم @QE@ ( وقوله @QB@ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو ~~على نور من ربه @QE@ وقوله @QB@ أولئك على هدى من ربهم @QE@ PageV15P095 # فإن هذا النوع يبين أن المؤمن على أمر من الله فاجتمع في هذا اللفظ حرف ~~الاستعلاء وحرف ( من ) لإبتداء الغاية وما يستعمل فيه حرف ابتداء الغاية ~~فيقال هو من الله على نوعين فإنه أما أن يكون من الصفات التى لا تقوم ~~بنفسها ولا بمخلوق فهذا يكون صفة له وما كان عينا قائمة بنفسها أو بمخلوق ~~فهي مخلوقة # فالأول كقوله @QB@ ولكن حق القول مني @QE@ وقوله @QB@ يعلمون أنه منزل من ~~ربك @QE@ كما قال السلف القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدا وإليه يعود ms4631 ( ~~والنوع الثانى ( كقوله @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه @QE@ وقوله @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ و @QB@ ما أصابك من ~~حسنة فمن الله @QE@ وكما يقال إلهام الخير وإيحاؤه من الله وإلهام الشر ~~وإيحاؤه من الشيطان والوسوسة من الشيطان فهذا نوعان # تارة يضاف باعتبار السبب وتارة باعتبار العاقبة والغاية فالحسنات هي ~~النعم والسيئات هي المصائب كلها من عند الله لكن تلك الحسنات أنعم الله بها ~~على العبد فهي منه إحسانا وتفضلا وهذه عقوبة ذنب من نفس العبد فهي من نفسه ~~بإعتبار أن عمله السيء كان PageV15P096 سببها وهي عقوبة له لأن النفس أرادت ~~تلك الذنوب ووسوست بها # وتارة يقال بإعتبار حسنات العمل وسيئاته وما يلقى في القلب من التصورات ~~والإرادات فيقال للحق هو من الله ألهمه العبد ويقال للباطل أنه من الشيطان ~~وسوس به ومن النفس أيضا لأنها أرادته كما قال عمر وبن عمر وبن مسعود فيما ~~قالوه بإجتهادهم إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمنا ومن الشيطان والله ~~ورسوله بريئان # منه وهذا لفظ بن مسعود في حديث بروع بنت واشق قال إن يكن صوابا فمن الله ~~وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان لأنه حكم بحكم فإن كان موافقا لحكم الله فهو ~~من الله لأنه موافق لعلمه وحكمه فهو منه بإعتبار أنه سبحانه ألهمه عبده لم ~~يحصل بتوسط الشيطان والنفس وإن كان خطأ فالشيطان وسوس به والنفس أرادته ~~ووسوست به وأن كان ذلك مخلوقا فيه والله خلقه فيه لكن الله لم يحكم به وأن ~~لم يكن ما وقع لي من إلهام الملك كما قال بن مسعود أن للملك بقلب إبن آدم ~~لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان ايعاد ~~بالشر وتكذيب بالحق فالتصديق من باب الخبر والايعاد بالخير والشر من باب ~~الطلب والارادة قال تعالى @QB@ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله ~~يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم @QE@ PageV15P097 فهذه حسنات العمل ~~من الله عز وجل بهذين الاعتبارين # ( أحدهما ( أنه يأمر بها ويحبها ms4632 وإذا كانت خيرا فهو يصدقها ويخبر بها فهي ~~من علمه وحكمه وهي أيضا من إلهامه لعبده وإنعامه عليه لم تكن بواسطة النفس ~~والشيطان فاختصت باضافتها إلى الله من جهة أنها من علمه وحكمه وإن النازل ~~بها إلى العبد ملك كما إختص القرآن بأنه منه كلام وقرآن مسيلمة بأنه من ~~الشيطان فإن ما يلقيه الله في قلوب المؤمنين من الالهامات الصادقة العادلة ~~هي من وحي الله وكذلك ما يريهم إياه في المنام قال عبادة بن الصامت رؤيا ~~المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في منامه وقال عمر اقتربوا من أفواه ~~المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم يتجلى لهم أمور صادقه وقد قال تعالى ~~@QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي @QE@ @QB@ وأوحينا إلى ~~أم موسى @QE@ @QB@ وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا @QE@ وقال @QB@ ~~فألهمها فجورها وتقواها @QE@ على قول الأكثرين وهو أن المراد أنه ألهم ~~الفاجرة فجورها والتقية تقواها فالالهام عنده هو البيان بالادلة السمعية ~~والعقلية # وأهل السنة يقولون كلا النوعين من الله هذا الهدى المشترك PageV15P098 ~~وذاك الهدى المختص وإن كان قد سماه إلهاما كما سماه هدى كما في قوله @QB@ ~~وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى @QE@ وكذلك قد قيل في قوله ~~@QB@ وهديناه النجدين @QE@ أي بينا له طريق الخير والشر وهو هدى البيان ~~العام المشترك وقيل هدينا المؤمن لطريق الخير والكافر لطريق الشر فعلى هذا ~~يكون قد جعل الفجور هدى كما جعل أولئك البيان إلهاما # وكذلك قوله @QB@ إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا @QE@ قيل هو ~~الهدى المشترك وهو أنه بين له الطريق التى يجب سلوكها والطريق التى لا يجب ~~سلوكها وقيل بل هدى كلا من الطائفتين إلى ما سلكه من السبيل @QB@ إما شاكرا ~~وإما كفورا @QE@ لكن تسمية هذا هدى قد يعتذر عنه بأنه هدى مقيد لا مطلق كما ~~قال @QB@ فبشرهم بعذاب أليم @QE@ وكما قال @QB@ يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~@QE@ وأنه @QB@ يقول الحق @QE@ و @QB@ يأمر بالعدل @QE@ فهو موافق لقوله ~~وأمره لعلمه وحكمه كما أن القرأن وسائر كلامه كذلك وبإعتبار أنه أنعم على ~~العبد بواسطة جنده بالملائكة ms4633 # ويقال لضد هذا وهو الخطأ هذا من الشيطان والنفس لأن الله لا يقوله ولا ~~يأمر به ولأنه إنما ينكته في قلب الإنسان PageV15P099 الشيطان ونفسه تقبله ~~من الشيطان فإنه يزين لها الشيء فتطيعه فيه وليس كل ما كان من الشيطان ~~يعاقب عليه العبد ولكن يفوته به نوع من الحسنات كالنسيان فإنه من الشيطان ~~والاحتلام من الشيطان والنعاس عند الذكر والصلاة من الشيطان والصعق عند ~~الذكر من الشيطان ولا إثم على العبد فيما غلب عليه إذا لم يكن ذلك بقصد منه ~~أو بذنب # فقوله @QB@ إني على بينة من ربي @QE@ وشبهها مما تقدم ذكره من هذا الباب ~~وكذلك قوله @QB@ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم @QE@ فإن المؤمنين على تصديق ماأخبر الله به وفعل ما أمر الله ~~إبتداء وتبليغا كالقرآن وقد قال أن الله أنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال ~~فهي تنزل في قلوب المؤمنين من نوره وهداه وهذه حسنات دينية وعلوم دينية حق ~~نافعة في الدنيا والآخرة وهو الإيمان الذي هو إفضال المنعم وهو أفضل النعم # وأما قوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله @QE@ فقد دخل في ذلك نعم ~~الدنيا كلها كالعافية والرزق والنصر وتلك حسنات يبتلى الله العبد بها كما ~~يبتليه بالمصائب هل شكر أم لا وهل يصبر أم لا كما قال تعالى @QB@ وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات @QE@ وقال @QB@ ونبلوكم بالشر والخير فتنة @QE@ @QB@ ~~فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه @QE@ الآيات PageV15P100 وقد يقال في الشيء ~~إنه من الله وإن كان مخلوقا إذا كان مختصا بالله كأيات الأنبياء كما قال ~~لموسى @QB@ فذانك برهانان من ربك @QE@ وقلب العصا حية وإخراج اليد بيضاء من ~~غير سوء مخلوق لله لكنه منه لأنه دل به وارشد إلى صدق نبيه موسى وهو تصديق ~~منه وشهادة منه له بالرسالة والصدق فصار ذلك من الله بمنزلة البينة من الله ~~والشهادة من الله وليست هذه الآيات مما تفعله الشياطين والكهان كما يقال ~~هذه علامة من فلان وهذا دليل من فلان وإن ( لم ) يكن ذلك كلاما منه # وقد ms4634 سمى موسى ذلك بينة من الله فقال @QB@ قد جئتكم ببينة من ربكم @QE@ ~~فقوله ببينة من ربكم كقوله @QB@ فذانك برهانان من ربك @QE@ # وهذه البينة هنا حجة وآية ودلالة مخلوقة تجرى مجرى شهادة الله وأخباره ~~بكلامه كالعلامة التى يرسل بها الرجل إلى أهله وكيله قال سعيد بن جبير في ~~الآية هي كالخاتم تبعث به فيكون هذا بمنزلة قوله صدقوه فيما قال أو أعطوه ~~ما طلب # فالقرآن والهدى منه وهو من كلامه وعلمه وحكمه الذي هو قائم به غير مخلوق ~~وهذه الآيات دليل على ذلك كما يكتب كلامه في PageV15P101 المصاحف فيكون ~~المراد المكتوب به الكلام يعرف به الكلام قال تعالى @QB@ قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ~~@QE@ # ولهذا يكون لهذه الآيات المعجزات حرمة كالناقة وكالماء النابع بين أصابع ~~النبى ونحو ذلك والله سبحانه أعلم PageV15P102 ### ||| فصل # في قوله تعالى @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه @QE@ الآية ~~وما بعدها إلى قوله @QB@ أفلا تذكرون @QE@ ذكر سبحانه الفرق بين أهل الحق ~~والباطل وما بينهما من التباين والإختلاف مرة بعد مرة ترغيبا في السعادة ~~وترهيبا من الشقاوة # وقد إفتتح السورة بذلك فقال @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير @QE@ فذكر أنه نذير ~~وبشير نذير ينذر بالعذاب لأهل النار وبشير يبشر بالسعادة لأهل الحق # ثم ذكر حال الفريقين في السراء والضراء فقال @QB@ ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ~~أولئك لهم مغفرة وأجر كبير @QE@ # ثم ذكر بعد هذا قصص الأنبياء وحال من اتبعهم ومن كذبهم PageV15P103 كيف ~~سعد هؤلاء في الدنيا والآخرة وشقي هؤلاء في الدنيا والآخرة فذكر ما جرى لهم ~~إلى قوله @QB@ ذلك من أنباء القرى نقصه عليك @QE@ إلى قوله @QB@ وذلك يوم ~~مشهود @QE@ ثم ذكر حال الذين سعدوا والذين شقوا ثم قال ms4635 @QB@ إن في ذلك لآية ~~لمن خاف عذاب الآخرة @QE@ فإنه قد يقال غاية ما أصاب هؤلاء أنهم ماتوا ~~والناس كلهم يموتون وأما كونهم أهلكوا كلهم وصارت بيوتهم خاوية وصاروا عبرة ~~يذكرون بالشر ويلعنون إنما يخاف ذلك من آمن بالآخرة فإن لعنة المؤمنين ( ~~لهم ) بالآخرة وبغضهم لهم كما جرى لآل فرعون هو مما يزيدهم عذابا كما أن ~~لسان الصدق وثناء الناس ودعاءهم للأنبياء وإتباعهم لهم هو مما يزيدهم ثوابا # فمن استدل بما أصاب هؤلاء على صدق الأنبياء فآمن بالأخرة خاف عذاب الآخرة ~~وكان ذلك له آية وأما من لم يؤمن بالآخرة ويظن أن من مات لم يبعث فقد لا ~~يبالي بمثل هذا وإن كان يخاف هذا من لا يخاف الآخرة لكن كل من خاف الآخرة ~~كان هذا حاله وذلك له آية # وقد ختم السورة بقوله @QB@ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا ~~عاملون @QE@ إلى آخرها كما افتتحها بقوله @QB@ أن لا تعبدوا إلا الله @QE@ ~~فذكر التوحيد والإيمان بالرسل فهذا دين الله في الأولين PageV15P104 ~~والآخرين قال أبو العالية كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم ~~تعبدون وماذا أجبتم المرسلين # ولهذا قال @QB@ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين @QE@ و @QB@ أين ~~شركائي الذين كنتم تزعمون @QE@ هو الشرك في العبادة وهذان هما الإيمان ~~والإسلام وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ تارة في ركعتى الفجر سورتى ~~الإخلاص وتارة بآيتى الإيمان والإسلام فيقرأ قوله @QB@ آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا @QE@ الآية فأولها الإيمان وآخرها الإسلام ويقرأفى الثانية @QB@ قل ~~يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله @QE@ ~~فأولها إخلاص العبادة لله وآخرها الإسلام له وقال @QB@ ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل ~~إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون @QE@ ففيها الإيمان ~~والإسلام في آخرها وقال @QB@ الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون @QE@ PageV15P105 ### ||| فصل # وقوله تعالى @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ فقد فصله بعد أحكامه ~~بخلاف من تكلم بكلام لم يحكمه ms4636 وقد يكون في الكلام المحكم مالم يبينه لغيره ~~فهوسبحانه أحكم كتابه ثم فصله وبينه لعباده كما قال @QB@ وكذلك نفصل الآيات ~~ولتستبين سبيل المجرمين @QE@ وقال @QB@ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ~~هدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ فهو سبحانه بينه وأنزله على عباده بعلم ليس كمن ~~يتكلم بلا علم # وقد ذكر براهين التوحيد والنبوه قبل ذكر الفرق بين أهل الحق والباطل فقال ~~@QB@ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فهل أنتم مسلمون @QE@ فلما تحداهم بالاتيان بعشر سور مثله مفتريات هم وجميع ~~من يستطيعون من دونه كان في مضمون تحديه ان هذا لا يقدر أحد على الاتيان ~~بمثله من دون الله كما قال @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ وحينئذ فعلم ~~ان ( ذلك ) من خصائص من أرسله الله وما كان PageV15P106 مختصا بنوع فهو ~~دليل عليه فانه مستلزم له وكل ملزوم دليل على لازمه كايات الأنبياء كلها ~~فانها مختصة بجنسهم # وهذا القرآن مختص بجنسهم ومن بين الجنس خاتمهم لا يمكن أن يأتى به غيره ~~وكان ذلك برهانا بينا على أن الله أنزله وأنه نزل بعلم الله هو الذى أخبر ~~بخبره وأمر بما أمر به كما قال @QB@ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه @QE@ الآية وثبوت الرسالة ملزوم لثبوت التوحيد وأنه لا إله إلا الله ~~من جهة أن الرسول أخبر بذلك ومن جهة أنه لا يقدر أحد على الأتيان بهذا ~~القرآن إلا الله فإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله إلى غير ذلك من وجوه ~~البيان فيه كما قد بسط ونبه عليه في غير هذا الموضع ولا سيما هذه السورة ~~فإن فيها من البيان والتعجيز ما لا يعلمه إلا الله # وفيها من المواعظ والحكم والترغيب والترهيب ما لا يقدر قدره إلا الله ~~والمقصود هنا ( هو الكلام على قوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه ~~شاهد منه @QE@ حيث سأل السائل عن تفسيرها وذكر مافى التفاسير من كثرة ms4637 ~~الإختلاف فيها وإن ذلك الإختلاف يزيد الطالب عمى عن معرفة المراد الذي يحصل ~~به الهدى والرشاد فإن الله تعالى إنما نزل القرآن ليهتدى به لا ليختلف فيه ~~والهدى إنما يكون إذا عرفت معانيه فإذا حصل الإختلاف المضاد لتلك المعانى ~~التى لا يمكن الجمع بينه PageV15P107 وبينها لم يعرف الحق ولم تفهم الآية ~~ومعناها ولم يحصل به الهدى والعلم الذي هو المراد بإنزال الكتاب # قال أبو عبد الرحمن السلمى حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن ~~عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى عشر آيات ~~لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن ~~والعلم والعمل جميعا # وقال الحسن البصري ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا نزلت ~~وماذا عني بها وقد قال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن @QE@ وتدبر الكلام ~~إنما ينتفع به إذا فهم وقال @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ # فالرسل تبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم وعليهم أن يبلغوا الناس البلاغ ~~المبين والمطلوب من الناس ان يعقلوا ما بلغه الرسل والعقل يتضمن العلم ~~والعمل فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقلا ولهذا ~~لا يعد عاقلا إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره فالمجنون الذي لا يفرق ~~بين هذا وهذا قد يلقى نفسه في المهالك وقد يفر مما ينفعه PageV15P108 ### |||| وسئل رحمة الله # عن قوله تعالى @QB@ وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض @QE@ وقوله تعالى @QB@ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ~~@QE@ ### ||||| فأجاب # الحمد لله قال طوائف من العلماء ان قوله ( ما دامت السماوات والأرض ~~( أراد بها سماء الجنة وأرض الجنة كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة ~~وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن ( وقال بعض العلماء في قوله تعالى @QB@ ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون @QE@ هي أرض ~~الجنة # وعلى هذا ms4638 فلا منافاة بين انطواء هذه السماء وبقاء السماء التى هي سقف ~~الجنة إذ كلما علا فإنه يسمى في اللغة سماء كما يسمى السحاب سماء والسقف ~~سماء PageV15P109 ( وأيضا ( فإن السماوات وأن طويت وكانت كالمهل وإستحالت ~~عن صورتها فإن ذلك لا يوجب عدمها وفسادها بل أصلها باق بتحويلها من حال إلى ~~حال كما قال تعالى @QB@ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات @QE@ وإذا بدلت ~~فإنه لا يزال سماء دائمة وأرض دائمة والله أعلم PageV15P110 ### || سورة يوسف # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # قول يوسف لما قالت له إمرأة العزيز @QB@ هيت لك قال معاذ الله إنه ربي ~~أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون @QE@ المراد بربه في أصح القولين هنا سيده ~~وهو زوجها الذي إشتراه من مصر الذى قال لأمرأته @QB@ أكرمي مثواه عسى أن ~~ينفعنا أو نتخذه ولدا @QE@ قال الله تعالى @QB@ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~@QE@ # فلما وصى به إمرأته فقال لها @QB@ أكرمي مثواه @QE@ قال يوسف @QB@ إنه ~~ربي أحسن مثواي @QE@ ولهذا قال @QB@ إنه لا يفلح الظالمون @QE@ والضمير في ~~( انه ) معلوم بينهما وهو سيدها PageV15P111 # وأما قوله تعالى @QB@ لولا أن رأى برهان ربه @QE@ فهذا خبر من الله تعالى ~~أنه رأى برهان ربه وربه هو الله كما قال لصاحبى السجن @QB@ ذلكما مما علمني ~~ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله @QE@ وقوله ( ربى ( مثل قوله لصاحب ~~الرؤيا @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ قال تعالى @QB@ فأنساه الشيطان ذكر ربه ~~@QE@ قيل أنسى يوسف ذكر ربه لما قال @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ # وقيل بل الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه وهذا هو الصواب فأنه مطابق ~~لقوله @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ قال تعالى @QB@ فأنساه الشيطان ذكر ربه ~~@QE@ والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك ولأن يوسف ~~لم ينس ذكر ربه بل كان ذاكرا لربه # وقد دعاهما قبل تعبير الرؤيا إلى الإيمان بربه وقال لهما @QB@ يا صاحبي ~~السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه ms4639 إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله ~~أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ # وقال لهما قبل ذلك @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه @QE@ أى في الرؤيا @QB@ ~~إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما @QE@ PageV15P112 يعني التأويل @QB@ ~~ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم ~~كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله ~~من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون @QE@ ~~فبذا يذكر ربه عز وجل فإن هذا مما علمه ربه لأنه ترك ملة قوم مشركين لا ~~يؤمنون بالله وإن كانوا مقرين بالصانع ولا يؤمنون بالأخرة واتبع ملة آبائه ~~أئمة المؤمنين الذين جعلهم الله أئمة يدعون بأمره إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~فذكر ربه ثم دعاهما إلى الإيمان بربه # ثم بعد هذا عبر الرؤيا فقال @QB@ يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه ~~خمرا @QE@ الآية ثم لما قضى تأويل الرؤيا @QB@ وقال للذي ظن أنه ناج منهما ~~اذكرني عند ربك @QE@ فكيف يكون قد أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه وإنما أنسى ~~الشيطان الناجي ذكر ربه أي الذكر المضاف إلى ربه والمنسوب إليه وهو أن يذكر ~~عنده يوسف والذين قالوا ذلك القول قالوا كان الأولى ان يتوكل على الله ولا ~~يقول اذكرني عند ربك فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن بضع ~~سنين # فيقال ليس في قوله @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ ما يناقض التوكل بل قد قال ~~يوسف @QB@ إن الحكم إلا لله @QE@ كما أن قول أبيه @QB@ لا تدخلوا من باب ~~واحد وادخلوا من أبواب متفرقة @QE@ لم يناقض توكله بل قال PageV15P113 @QB@ ~~وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل ~~المتوكلون @QE@ # و ( أيضا ( فيوسف قد شهد الله له أنه من عباده المخلصين والمخلص لا يكون ~~مخلصا مع توكله على غير الله فإن ذلك شرك ويوسف لم يكن مشركا لا في عبادته ~~ولا ms4640 توكله بل قد توكل على ربه في فعل نفسه بقوله @QB@ وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن وأكن من الجاهلين @QE@ فكيف لا يتوكل عليه في أفعال عباده # وقوله # @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ مثل قوله لربه @QB@ اجعلني على خزائن الأرض إني ~~حفيظ عليم @QE@ فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضا للتوكل ~~ولا هو من سؤال الامارة المنهي عنه فكيف يكون قوله للفتى @QB@ اذكرني عند ~~ربك @QE@ مناقضا للتوكل وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به ليعلم حاله ~~ليتبين الحق ويوسف كان من اثبت الناس # ولهذا بعد أن طلب @QB@ وقال الملك ائتوني به @QE@ قال @QB@ ارجع إلى ربك ~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم @QE@ فيوسف ~~يذكر ربه في هذه الحال كما ذكره في تلك ويقول @QB@ ارجع إلى ربك فاسأله ما ~~بال النسوة @QE@ فلم يكن في قوله له @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ PageV15P114 ~~ترك لواجب ولا فعل لمحرم حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين ~~وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا ظلما له مع علمهم ببراءته من ~~الذنب # قال الله تعالى @QB@ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ~~@QE@ ولبثه في السجن كان كرامة من الله في حقه ليتم بذلك صبره وتقواه فإنه ~~بالصبر والتقوى نال ما نال ولهذا قال @QB@ أنا يوسف وهذا أخي قد من الله ~~علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ ولو لم يصبر ~~ويتق بل أطاعهم فيما طلبوا منه جزعا من السجن لم يحصل له هذا الصبر والتقوى ~~وفاته الأفضل باتفاق الناس # لكن تنازع العلماء هل يمكن الإكراه على الفاحشة على قولين # قيل لا يمكن كقول أحمد بن حنبل وأبى حنيفة وغيرهما قالوا لأن الإكراه ~~يمنع الإنتشار # والثانى يمكن وهو قول مالك والشافعى وبن عقيل وغيره من أصحاب أحمد لأن ~~الاكراه لا ينافى الانتشار فإن الاكراه لا ينافى كون الفعل إختيارا بل ~~المكره يختار دفع أعظم الشرين بالتزام PageV15P115 ادناهما وأيضا فالانتشار ~~بلا فعل منه ms4641 بل قد يقيد ويضجع فتباشره المرأة فتنتشر شهوته فتستدخل ذكره # فعلى قول الأولين لم يكن يحل له ما طلبت منه بحال وعلى القول الثانى فقد ~~يقال الحبس ليس باكراه يبيح الزنى بخلاف ما لو غلب على ظنه أنهم يقتلونه أو ~~يتلفون بعض أعضائه فالنزاع إنما هو في هذا وهم لم يبلغوا به إلى هذا الحد ~~وإن قيل كان يجوز له ذلك لأجل الإكراه لكن يفوته الأفضل # وأيضا فالاكراه إنما يحصل أول مرة ثم يباشر وتبقى له شهوة وارادة في ~~الفاحشة # ومن قال الزنى لا يتصور فيه الإكراه يقول فرق بين ما لا فعل له كالمقيد ~~وبين من له فعل كما أن المرأة إذا أضجعت وقيدت حتى فعل بها الفاحشة لم تأثم ~~بالاتفاق وإن أكرهت حتى زنت ففيه قولان هما روايتان عن أحمد لكن الجمهور ~~يقولون لا تأثم وقد دل على ذلك قوله تعالى @QB@ ومن يكرههن فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم @QE@ وهؤلاء يقولون فعل المرأة لا يحتاج إلى إنتشار ~~فإنما هو كالاكراه على شرب الخمر بخلاف فعل الرجل وبسط هذا له موضع آخر ~~PageV15P116 # و ( المقصود ( أن يوسف لم يفعل ذنبا ذكره الله عنه وهو سبحانه لا يذكر عن ~~أحد من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه ولم يذكر عن يوسف إستغفارا من ~~هذه الكلمة كما لم يذكر عنه استغفارا من مقدمات الفاحشة فعلم أنه لم يفعل ~~ذنبا في هذا ولا هذا بل هم هما تركه لله فأثيب عليه حسنة كما قد بسط هذا في ~~موضعه # وأما ما يكفره الابتلاء من السيئات فذلك جوزي به صاحبه بالمصائب المكفرة ~~كما في قوله ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا ~~أذى إلا كفر الله به خطاياه ( ولما أنزل الله تعالى هذه الآية @QB@ من يعمل ~~سوءا يجز به @QE@ قال أبو بكر يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل ~~سوءا فقال ( ألست تحزن ألست تنصب ألست تصيبك اللأوى فذلك مما تجزون به ( # فتبين أن قوله ms4642 @QB@ فأنساه الشيطان ذكر ربه @QE@ أي نسي الفتى ذكر ربه أن ~~يذكر هذا لربه ونسي ذكر يوسف ربه والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول ويوسف ~~قد ذكر ربه ونسي الفتى ذكر يوسف ربه وأنساه الشيطان أن يذكر ربه هذا الذكر ~~الخاص فإنه وإن كان يسقي ربه خمرا فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه وأنساه ~~PageV15P117 الشيطان تذكير ربه وإذكار ربه لما قال ( اذكرني ( أمره باذكار ~~ربه فأنساه الشيطان إذكار ربه فاذكار ربه أن يجعله ذاكرا فأنساه الشيطان أن ~~يجعل ربه ذاكرا ليوسف والذكر هو مصدر وهو إسم فقد يضاف من جهة كونه إسما ~~فيعم هذا كله أي أنساه الذكر المتعلق بربه والمضاف إليه # ومما يبين أن الذي نسي ربه هو الفتى لا يوسف قوله بعد ذلك @QB@ وقال الذي ~~نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون @QE@ وقوله @QB@ وادكر ~~بعد أمة @QE@ دليل على أنه كان قد نسي فادكر # فإن قيل لا ريب أن يوسف سمى السيد ربا في قوله @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ ~~و @QB@ ارجع إلى ربك @QE@ ونحو ذلك وهذا كان جائزا في شرعه كما جاز في شرعه ~~أن يسجد له أبواه وإخوته وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدا وإن كان هذا ~~منسوخا في شرع محمد # وقوله @QB@ إنه ربي أحسن مثواي @QE@ إن أراد به السيد فلا جناح عليه لكن ~~معلوم أن ترك الفاحشة خوفا لله واجب ولو رضي سيدها ويوسف عليه السلام تركها ~~خوفا من الله @QB@ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه @QE@ ~~PageV15P118 قال تعالى @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين @QE@ وقال يوسف أيضا @QB@ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا ~~تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ~~إنه هو السميع العليم @QE@ فدل على أنه كان معه من خوف الله ما يزعه عن ~~الفاحشة ولو رضي بها الناس وقد دعا ربه عز وجل أن يصرف عنه كيدهن وقوله ~~@QB@ السجن أحب إلي مما يدعونني إليه @QE@ بصيغة جمع التذكير وقوله ms4643 ( كيدهن ~~( بصيغة جمع التأنيث ولم يقل مما يدعينني إليه دليل على الفرق بين هذا وهذا ~~وأنه كان من الذكور من يدعوه مع النساء إلى الفاحشة بالمرأة وليس هناك إلا ~~زوجها وذلك أن زوجها كان قليل الغيرة أو عديمها وكان يحب امرأته ويطيعها ~~ولهذا لما أطلع على مراودتها قال @QB@ يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك ~~كنت من الخاطئين @QE@ فلم يعاقبها ولم يفرق بينها وبين يوسف حتى لا تتمكن ~~من مراودته وأمر يوسف أن لا يذكر ما جرى لأحد محبة منه لإمرأته ولو كان فيه ~~غيرة لعاقب المرأة # ومع هذا فشاعت القصة واطلع عليها الناس من غير جهة يوسف حتى تحدثت بها ~~النسوة في المدينة وذكروا أنها تراود فتاها عن نفسه ومع هذا @QB@ أرسلت ~~إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا @QE@ PageV15P119 وأمرت ~~يوسف أن يخرج عليهن ليقمن عذرها على مراودته وهي تقول لهن @QB@ فذلكن الذي ~~لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ~~وليكونن من الصاغرين @QE@ # وهذا يدل على أنها لم تزل متمكنة من مراودته والخلوة به مع علم الزوج بما ~~جرى وهذا من أعظم الدياثة ثم أنه لما حبس فأنما حبس بامرها والمرأة لا ~~تتمكن من حبسه إلا بأمر الزوج فالزوج هو الذي حبسه وقد روي أنها قالت هذا ~~القبطي هتك عرضي فحبسه وحبسه لأجل المرأة معاونة لها على مطلبها لدياثته ~~وقلة غيرته فدخل هو في من دعا يوسف إلى الفاحشة # فعلم أن يوسف لم يترك الفاحشة لأجله ولا لخوفه منه بل قد علم يقينا أنه ~~لم يكن يخاف منه وأن يوسف لو أعطاها ما طلبت لم يكن الزوج يدري ولو درى ~~فلعله لم يكن ينكر فإنه قد درى بالمراودة والخلوة التى هي مقتضية لذلك في ~~الغالب فلم ينكر ولو قدر أنه هم بعقوبة يوسف فكانت هي الحاكمة على الزوج ~~القاهرة له وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما رأيت من ناقصات عقل ودين ~~أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ( ولما راجعنه ms4644 في إمامة الصديق قال ( إنكن ~~لأنتن صواحب يوسف ( ولما أنشده الأعشى PageV15P120 % وهن شر غالب لمن غلب % # استعاد ذلك منه وقال وهن شرغالب لمن غلب فكيف لا تغلب مثل هذا الزوج ~~وتمنعه من عقوبة يوسف وقد عهد الناس خلقا من الناس تغلبهم نساؤهم من نساء ~~التتر وغيرهم يكون لامرأته غرض فاسد في فتاه أو فتاها وتفعل معه ما تريد ~~وإن أراد الزوج أن يكشف أو يعاقب منعته ودفعته بل وأهانته وفتحت عليه ~~أبوابا من الشر بنفسها وأهلها وحشمها والمطالبة بصداقها وغير ذلك حتى يتمنى ~~الرجل الخلاص منها رأسا برأس مع كون الرجل فيه غيرة فكيف مع ضعف الغيرة # فهذا كله يبين أن الداعى ليوسف إلى ترك الفاحشة كان خوف الله لا خوفا من ~~السيد فلهذا قال @QB@ إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون @QE@ قيل ~~هذا مما يبين محاسن يوسف ورعايته لحق الله وحق المخلوقين ودفعه الشر بالتى ~~هي أحسن فإن الزنى بإمرأة الغير فيه حقان مانعان كل منهما مستقل بالتحريم # فالفاحشة حرام لحق الله ولو رضي الزوج وظلم الزوج في إمراته حرام لحقه ~~بحيث لو سقط حق الله بالتوبة منه فحق هذا في إمرأته لا يسقط كما لو ظلمه ~~وأخذ ماله وتاب من حق الله لم يسقط PageV15P121 حق المظلوم بذلك ولهذا جاز ~~للرجل إذا زنت امرأته ان يقذفها ويلاعنها ويسعى في عقوبتها بالرجم بخلاف ~~الأجنبى فإنه لا يجوز له قذفها ولا يلاعن بل يحد إذا لم يأت باربعة شهداء ~~فافساد المرأة على زوجها من أعظم الظلم لزوجها وهو عنده أعظم من أخذ ماله # ولهذا يجوز له قتله دفعا عنها باتفاق العلماء إذا لم يندفع إلا بالقتل ~~بالاتفاق ويجوز في أظهر القولين قتله وإن اندفع بدونه كما في قصة عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه لما أتاه رجل بيده سيف فيه دم وذكرأنه وجد رجلا تفخذ ~~إمراته فضربه بالسيف فأقره عمر على ذلك وشكره وقبل قوله أنه قتله لذلك إذ ~~ظهرت دلائل ذلك # وهذا كما لو أطلع رجل في بيته فإنه ms4645 يجوز له أن يفقأ عينه إبتداء وليس ~~عليه أن ينذره هذا أصح القولين كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( لو اطلع رجل في بيتك ففقأت عينه ما كان عليك شيء ( وكذلك ~~قال في الذي عض يد غيره فنزع يده فأنقلعت أسنان العاض # وهذا مذهب فقهاء الحديث وأكثر السلف وفي المسألتين نزاع ليس هذا موضعه إذ ~~المقصود أن الزاني بامراة غيره ظالم للزوج وللزوج حق عنده ولهذا ذكر النبى ~~أن من PageV15P122 زنى بإمراة المجاهد فإنه يمكن يوم القيامة من حسناته ~~يأخذ منها ما شاء وفى الصحيحين عن بن مسعود قال قلت يا رسول الله أى الذنب ~~أعظم قال ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ( قلت ثم أي قال ( أن تقتل ولدك خشية ~~أن يطعم معك ( قلت ثم أي قال ( أن تزاني بحليلة جارك ( فذكر الزنى بحليلة ~~الجار فعلم أن للزوج حقا في ذلك وكان ظلم الجار أعظم للحاجة إلى المجاورة # وإن قيل هذا قد لا يمكن زوج المرأة أن يحترز منه والجار عليه حق زائد على ~~حق الأجنبى فكيف إذا ظلم في أهله والجيران يأمن بعضهم بعضا ففي هذا من ~~الظلم أكثر مما في غيره وجاره يجب عليه أن يحفظ إمرأته من غيره فكيف يفسدها ~~هو # فلما كان الزنى بالمرأة المزوجة له علتان كل منهما تستقل بالتحريم مثل ~~لحم الخنزير الميت علل يوسف ذلك بحق الزوج وإن كان كل من الأمرين ما نعا له ~~وكان في تعليله بحق الزوج فوائد # ( منها ( أن هذا مانع تعرفه المرأة وتعذره به بخلاف حق الله تعالى فإنها ~~لا تعرف عقوبة الله في ذلك # و ( منها ( أن المرأة قد ترتدع بذلك فترعى حق زوجها إما PageV15P123 خوفا ~~وإما رعاية لحقه فإنه إذا كان المملوك يمتنع عن هذا رعاية لحق سيده فالمرأة ~~أولى بذلك لأنها خائنة في نفس المقصود منها بخلاف المملوك فإن المطلوب منه ~~الخدمة وفاحشته بمنزلة سرقة المرأة من ماله # و ( منها ( أن هذا مانع مؤيس لها فلا تطمع فيه ms4646 لا بنكاح ولا بسفاح بخلاف ~~الخلية من الزوج فإنها تطمع فيه بنكاح حلال و ( منها ( ( أنه لو علل بالزنى ~~فقد تسعى هي في فراق الزوج والتزوج به فإن هذا إنما يحرم لحق الزوج خاصة ~~ولهذا إذا طلقت إمرأته باختياره جاز لغيره أن يتزوجها ولو طلقها ليتزوج بها ~~كما قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف إن لي إمرأتين فاختر أيتهما شئت ~~حتى أطلقها وتتزوجها لكنه بدون رضاه لا يحل كما في المسند عن النبى أنه قال ~~( ليس منا من خبب إمرأة على زوجها ولا عبدا على مواليه ( وقد حرم النبى أن ~~يخطب الرجل على خطبة أخيه ويستام على سوم أخيه فإذا كان بعد الخطبة وقبل ~~العقد لا يحل له أن يطلب التزوج بإمرأته فكيف بعد العقد والدخول والصحبة # فلو علل بأن هذا زنا محرم ربما طمعت في أن تفارق الزوج وتتزوجه فإن كيدهن ~~عظيم وقد جرى مثل هذا فلما علل بحق PageV15P124 سيده وقال @QB@ إنه ربي ~~أحسن مثواي @QE@ يئست من ذلك وعلمت أنه يراعي حق الزوج فلا يزاحمه في ~~إمراته البتة ثم لو قدر مع هذا أن الزوج رضي بالفاحشة وأباح إمراته لم يكن ~~هذا مما يبيحها لحق الله ولحقه أيضا فإنه ليس كل حق للانسان له أن يسقطه ~~ولا يسقط باسقاطه وإنما ذاك فيما يباح له بذله وهو مالا ضرر عليه في بذله ~~مثل ما يعطيه من فضل مال ونفع # وأما ما ليس له بذله فلا يباح باباحته كما لو قال له علمني السحر والكفر ~~والكهانة وأنت في حل من إضلالي أو قال له بعني رقيقا وخذ ثمني وأنت في حل ~~من ذلك # وكذلك إذا قال افعل بى أو بابنى أو بإمراتى أو بامائي الفاحشة لم يكن هذا ~~مما يسقط حقه فيه باباحته فإنه ليس له بذل ذلك ومعلوم أن الله يعاقبها على ~~الفاحشة وإن تراضيا بها لكن المقصود أن في ذلك أيضا ظلما لهذا الشخص لا ~~يرتفع باباحته كظلمه إذا جعله كافرا أو رقيقا فإن كونه يفعل به ms4647 الفاحشة أو ~~بأهله فيه ضرر عليه لا يملك إباحته كالضررعليه في كونه كافرا وهو كما لو ~~قال له أزل عقلي وأنت في حل من ذلك فإن الإنسان لا يملك بذل ذلك بل هو ~~ممنوع من ذلك كما يمنع السفيه من التصرف في ماله أو اسقاط حقوقه وكذلك ~~المجنون والصغير فإن هؤلاء محجور عليهم لحقهم PageV15P125 ولهذا لو أذن له ~~الصبى أو السفيه في أخذ ماله لم يكن له ذلك ومن أذن لغيره في تكفيره أو ~~تجنينه أو تخنيثه والافحاش به وبأهله فهو من أسفه السفهاء وهذا مثل الربا ~~فإنه وإن رضي به المرابى وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك لما فيه من ظلمه ولهذا ~~له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا رأس ماله وإن كان قد ~~بذله باختياره ولو كان التحريم لمجرد حق الله تعالى لسقط برضاه ولو كان حقه ~~إذا أسقطه سقط لما كان له الرجوع في الزيادة والانسان يحرم عليه قتل نفسه ~~أعظم مما يحرم عليه قتل غيره فلو قال لغيره اقتلني لم يملك منه أعظم مما ~~يملك هو من نفسه # ولهذا يوم القيامة يتظلم من الأكابر وهم لم يكرهوهم على الكفر بل ~~باختيارهم كفروا قال تعالى @QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا ~~أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ وقال @QB@ حتى ~~إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الذين ~~كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا ~~من الأسفلين @QE@ # وكذلك الناس يلعنون الشيطان وإن كان لم يكرههم على الذنوب PageV15P126 بل ~~هم باختيارهم أذنبوا # فإن قيل هؤلاء يقولون لشياطين الأنس والجن نحن لم نكن نعلم أن في هذا ~~علينا ضررا ولكن أنتم زينتم لنا هذا وحسنتموه حتى فعلناه ونحن كنا جاهلين ~~بالأمر قيل كما نعلم أن الجاهل بما عليه ms4648 في الفعل من الضرر لا عبرة برضاه ~~وإذنه وإنما يصح الرضاء والإذن ممن يعلم ما يأذن فيه ويرضى به وما كان على ~~الإنسان فيه ضرر راجح لا يرضى به إلا لعدم علمه وإلا فالنفس تمتنع بذاتها ~~من الضرر الراجح # ولهذا كان من إشترى المعيب والمدلس والمجهول السعر ولم يعلم بحاله غير ~~راض به بل له الفسخ بعد ذلك كذلك الكفر والجنون والفاحشة بالأهل لا يرضى ~~بها إلا من لم يعلم بما فيها من الضرر عليه فإذا أذن فيها لم يسقط حقه بل ~~يكون مظلوما ولو قال أنا أعلم ما فيها من العقاب وأرضى به كان كذبا بل هو ~~من أجهل الناس بما يقوله # ولهذا لو تكلم بكلام لا يفهم معناه وقال نويت موجبه عندالله لم يصح ذلك ~~في أظهر القولين مثل أن يقول ( بهشم ( ولا يعرف معناها أو يقول أنت طالق إن ~~دخلت الدار وينوي موجبها PageV15P127 من العربية وهو لا يعرف ذلك فإن النية ~~والقصد والرضا مشروط بالعلم فما لم يعلمه لا يرضى به إلا إذا كان راضيا به ~~مع العلم ومن كان يرضى بأن يكفر ويجن وتفعل الفاحشة به وبأهله فهو لا يعلم ~~ما عليه في ذلك من الضرر بل هو سفيه فلا عبرة برضاه وإذنه بل له حق عند من ~~ظلمه وفعل به ذلك غير ما لله من الحق وإن كان حق هذا دون حق المنكر المانع # ولهذا قال يوسف عليه السلام @QB@ إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح ~~الظالمون @QE@ يقول متى أفسدت إمرأته كنت ظالما بكل حال وليس هذا جزاء ~~إحسانه إلي # والناس إذا تعاونوا على الاثم والعدوان أبغض بعضهم بعضا وإن كانوا فعلوه ~~بتراضيهم قال طاووس ما اجتمع رجلان على غير ذات الله الا تفرقا عن تقال ~~وقال الخليل عليه السلام @QB@ إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم ~~في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم ~~النار وما لكم من ناصرين @QE@ وهؤلاء لا يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا ~~لمجرد ms4649 كونه عصى الله بل لما حصل له بمشاركته ومعاونته من الضرر وقال تعالى ~~عن أهل الجنة التى أصبحت كالصريم @QB@ فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون @QE@ ~~أي يلوم بعضهم بعضا وقال @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ~~@QE@ PageV15P128 # فالمخالة إذا كانت على غير مصلحة الإثنين كانت عاقبتها عداوة وإنما تكون ~~على مصلحتهما إذا كانت في ذات الله فكل منهما وإن بذل للآخر إعانة على ما ~~يطلبه واستعان به بإذنه فيما يطلبه فهذا التراضي لا إعتبار به بل يعود ~~تباغضا وتعاديا وتلاعنا وكل منهما يقول للآخر لولا أنت ما فعلت أنا وحدي ~~هذا فهلاكي كان مني ومنك # والرب لا يمنعهما من التباغض والتعادي والتلاعن فلو كان أحدهما ظالما ~~للآخر فيه لنهى عن ذلك ويقول كل منهما للآخر أنت لأجل غرضك أوقعتني في هذا ~~كالزانيين كل منهما يقول للآخر لأجل غرضك فعلت معى هذا ولو إمتنعت لم أفعل ~~أنا هذا لكن كل منهما له على الآخر مثل ما للآخر عليه فتعادلا # ولهذا إذا كان الطلب والمراودة من أحدهما أكثر كان الآخر يتظلمه ويلعنه ~~أكثر وإن تساويا في الطلب تقاوما فإذا رضي الزوج بالدياثة فإنما هو لا رضاء ~~الرجل أو المرأة لغرض له آخر مثل أن يكون محبالها ولا تقيم معه إلا على هذا ~~الوجه فهو يقول للزاني بها أنت لغرضك أفسدت علي إمرأتي وأنا إنما رضيت لأجل ~~غرضها فأنت لما أفسدت علي إمرأتي وظلمتنى PageV15P129 فعلت معي ما فعلت ومن ~~ذلك أنه لو قال إنى أخاف الله أن يعاقبنى ونحو ذلك لقالت أنت إنما تترك ~~غرضي لغرضك في النجاة وأنا سيدتك فينبغي أن تقدم غرضي على غرضك فلما قال ~~@QB@ إنه ربي أحسن مثواي @QE@ علل بحق سيده الذى يجب عليه وعليها رعاية حقه ### ||| فصل # وفى قول يوسف @QB@ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين @QE@ عبرتان # ( إحداهما ( إختيار السجن والبلاء على الذنوب والمعاصي # والثانية ( طلب سؤال الله ودعائه أن يثبت القلب على دينه ويصرفه إلى ~~طاعته وإلا فإذا ms4650 لم يثبت القلب وإلا صبا إلى الآمرين بالذنوب وصار من ~~الجاهلين # ففي هذا توكل على الله وإستعانة به أن يثبت القلب على الإيمان والطاعة ~~وفيه صبر على المحنة والبلاء والأذى الحاصل إذا ثبت على الإيمان والطاعة ~~PageV15P130 وهذا كقول موسى عليه السلام لقومه @QB@ استعينوا بالله واصبروا ~~إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين @QE@ لما قال فرعون ~~@QB@ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين @QE@ وكذلك قوله @QB@ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ~~لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا ~~وعلى ربهم يتوكلون @QE@ ومنه قول يوسف عليه السلام @QB@ فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين @QE@ وهو نظير قوله وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ~~وقوله @QB@ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ وقوله @QB@ بلى ~~إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين @QE@ # فلا بد من التقوى بفعل المأمور والصبر على المقدور كما فعل يوسف عليه ~~السلام إتقى الله بالعفة عن الفاحشة وصبر على أذاهم له بالمراودة والحبس ~~واستعان الله ودعاه حتى يثبته على العفة فتوكل عليه أن يصرف عنه كيدهن وصبر ~~على الحبس PageV15P131 وهذا كما قال تعالى @QB@ ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله @QE@ وكما قال تعالى ~~@QB@ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته ~~فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين يدعو من دون ~~الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من ~~نفعه لبئس المولى ولبئس العشير @QE@ فإنه لابد من أذى لكل من كان في الدنيا ~~فإن لم يصبر على الأذى في طاعة الله بل إختار المعصية كان ما يحصل له من ~~الشر أعظم مما فر منه بكثير @QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ms4651 ولا تفتني ألا في ~~الفتنة سقطوا @QE@ ومن احتمل الهوان والأذى في طاعة الله على الكرامة والعز ~~في معصية الله كما فعل يوسف عليه السلام وغيره من الأنبياء والصالحين كانت ~~العاقبة له في الدنيا والآخرة وكان ما حصل له من الأذى قد انقلب نعيما ~~وسرورا كما أن ما يحصل لأرباب الذنوب من التنعم بالذنوب ينقلب حزنا وثبورا # فيوسف خاف الله من الذنوب ولم يخف من أذى الخلق وحبسهم إذ أطاع الله بل ~~آثر الحبس والأذى مع الطاعة على الكرامة والعز وقضاء الشهوات ونيل الرياسة ~~والمال مع المعصية فإنه لو وافق إمراة العزيز نال الشهوة وأكرمته المرأة ~~بالمال والرياسة PageV15P132 وزوجها في طاعتها فاختار يوسف الذل والحبس ~~وترك الشهوة والخروج عن المال والرياسة مع الطاعة على العز والرياسة والمال ~~وقضاء الشهوة مع المعصية # بل قدم الخوف من الخالق على الخوف من المخلوق وإن آذاه بالحبس والكذب ~~فإنها كذبت عليه فزعمت أنه راودها ثم حبسته بعد ذلك وقد قيل إنها قالت ~~لزوجها إنه هتك عرضي لم يمكنها أن تقول له راودنى فإن زوجها قد عرف القصة ~~بل كذبت عليه كذبة تروج على زوجها وهو أنه قد هتك عرضها باشاعة فعلها وكانت ~~كاذبة على يوسف لم يذكر عنها شيئا بل كذبت أولا وآخرا كذبت عليه بأنه طلب ~~الفاحشة وكذبت عليه بأنه أشاعها وهي التى طالبت وأشاعت فإنها قالت للنسوة ~~فذلكن الذي لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم فهذا غاية الاشاعة ~~لفاحشتها لم تستر نفسها # والنساء أعظم الناس إخبارا بمثل ذلك وهن قبل أن يسمعن قولها قد قلن في ~~المدينة @QB@ امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه @QE@ فكيف إذا إعترفت بذلك ~~وطلبت رفع الملام عنها PageV15P133 # وقد قيل انهن أعنها في المراودة وعذلنه على الإمتناع ويدل على ذلك قوله ~~@QB@ وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن @QE@ وقوله @QB@ ارجع إلى ربك فاسأله ~~ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم @QE@ فدل على أن هناك ~~كيدا منهن وقد قال لهن الملك @QB@ ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ms4652 قلن حاش ~~لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن ~~نفسه وإنه لمن الصادقين @QE@ فهن لم يراودنه لأنفسهن إذ كان ذلك غير ممكن ~~وهو عند المرأة في بيتها وتحت حجرها لكن قد يكن أعن المرأة على مطلوبها # وإذا كان هذا في فعل الفاحشة فغيرها من الذنوب أعظم مثل الظلم العظيم ~~للخلق كقتل النفس المعصومة ومثل الاشراك بالله ومثل القول على الله بلا علم ~~قال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون @QE@ فهذه أجناس المحرمات التى لا تباح بحال ولا في شريعة وما ~~سواها وإن حرم في حال فقد يباح في حال PageV15P134 ### ||| فصل # وإختيار النبى صلى الله عليه وسلم له ولأهله الإحتباس في شعب بنى هاشم ~~بضع سنين لا يبايعون ولا يشارون وصبيانهم يتضاغون من الجوع قد هجرهم وقلاهم ~~قومهم وغير قومهم هذا أكمل من حال يوسف عليه السلام # فإن هؤلاء كانوا يدعون الرسول إلى الشرك وأن يقول على الله غير الحق يقول ~~ما أرسلنى ولا نهى عن الشرك وقد قال تعالى @QB@ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي ~~أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت ~~تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون ~~خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ~~@QE@ # وكان كذب هؤلاء على النبى صلى الله عليه وسلم أعظم من الكذب على يوسف ~~فإنهم قالوا أنه ساحر وأنه كاهن وأنه مجنون وأنه PageV15P135 مفتر وكل ~~واحدة من هؤلاء أعظم من الزنى والقذف لا سيما الزنى المستور الذي لا يدري ~~به أحد فإن يوسف كذب عليه في أنه زنى وأنه قذفها وأشاع عنها الفاحشة فكان ~~الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم ms4653 أعظم من الكذب على يوسف # وكذلك الكذب على أولى العزم مثل نوح وموسى حيث يقال عن الواحد منهم أنه ~~مجنون وأنه كذاب يكذب على الله وما لقي النبى وأصحابه من أذى المشركين أعظم ~~من مجرد الحبس فإن يوسف حبس وسكت عنه والنبى وأصحابه كانوا يؤذون بالأقوال ~~والأفعال مع منعهم من تصرفاتهم المعتادة # وهذا معنى الحبس فإنه ليس المقصود بالحبس سكناه في السجن بل المراد منعه ~~من التصرف المعتاد والنبى صلى الله عليه وسلم لم يكن له حبس ولا لأبي بكر ~~بل أول من إتخذ السجن عمر وكان النبى يسلم الغريم إلى غريمه ويقول ( ما فعل ~~أسيرك ( فيجعله أسيرا معه حتى يقضيه حقه وهذا هو المطلوب من الحبس # والصحابة رضي الله عنهم منعوهم من التصرف بمكة أذى لهم حتى خرج كثير منهم ~~إلى أرض الحبشة فاختاروا السكنى بين أولئك النصارى عند ملك عادل على السكنى ~~بين قومهم والباقون PageV15P136 أخرجوا من ديارهم وأموالهم أيضا مع ما ~~آذوهم به حتى قتلوا بعضهم وكانوا يضربون بعضهم ويمنعون بعضهم ما يحتاج إليه ~~ويضعون الصخرة على بطن أحدهم في رمضاء مكة إلى غير ذلك من أنواع الأذى # وكذلك المؤمن من أمة محمد يختار الأذى في طاعة الله على الأكرام مع ~~معصيته كأحمد بن حنبل إختار القيد والحبس والضرب على موافقة السلطان وجنده ~~على أن يقول على الله غير الحق في كلامه وعلى أن يقول مالا يعلم أيضا فإنهم ~~كانوا يأتون بكلام يعرف أنه مخالف للكتاب والسنة فهو باطل وبكلام مجمل ~~يحتاج إلى تفسير فيقول لهم الإمام أحمد ما أدري ما هذا فلم يوافقهم على أن ~~يقول على الله غير الحق ولا على أن يقول على الله مالا يعلم PageV15P137 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله بعد كلام بالذنب فيذكر مقامه بين يدي الله ~~فيدعه فكان يوسف ممن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ثم أن يوسف عليه ~~الصلاة والسلام كان شابا عزبا اسيرا في بلاد العدو حيث لم يكن هناك أقارب ~~أو أصدقاء فيستحي منهم إذا فعل ms4654 فاحشة فإن كثيرا من الناس يمنعه من مواقعة ~~القبائح حياؤه ممن يعرفه فإذا تغرب فعل ما يشتهيه وكان أيضا خاليا لا يخاف ~~مخلوقا فحكم النفس الأمارة لو كانت نفسه كذلك أن يكون هو المتعرض لها بل ~~يكون هو المتحيل عليها كما جرت به عادة كثير ممن له غرض في نساء الأكابر إن ~~لم يتمكن من الدعوة إبتداء فأما إذا دعي ولو كانت الداعية خدامة لكان أسرع ~~مجيب فكيف إذا كانت الداعية سيدته الحاكمة عليه التى يخاف الضرر بمخالفتها # ثم أن زوجها الذي عادته أن يزجز المرأة لم يعاقبها بل أمر PageV15P138 ~~يوسف بالأعراض كما ينعر الديوث ثم إنها استعانت بالنساء وحبسته وهو يقول ~~@QB@ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين @QE@ # فليتدبر اللبيب هذه الدواعي التى دعت يوسف إلى مادعته وأنه مع توفرها ~~وقوتها ليس له عن ذلك صارف إذا فعل ذلك ولا من ينجيه من المخلوقين ليتبين ~~له أن الذي ابتلى به يوسف كان من أعظم الأمور وإن تقواه وصبره عن المعصية ~~حتى لا يفعلها ( مع ( ظلم الظالمين له حتى لا يجيبهم كان من أعظم الحسنات ~~وأكبر الطاعات وإن نفس يوسف عليه الصلاة والسلام كانت من أزكى الأنفس فكيف ~~أن يقول @QB@ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ والله يعلم أن ~~نفسه بريئة ليست أمارة بالسوء بل نفس زكية من أعظم النفوس زكاء والهم الذي ~~وقع كان زيادة في زكاء نفسه وتقواها وبحصوله مع تركه لله لتثبت له به حسنة ~~من أعظم الحسنات التى تزكى نفسه # ( الوجه السادس أن قوله @QB@ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب @QE@ إذا كان ~~معناه على مازعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أني لم أخنه في إمرأته على ~~قول أكثرهم أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه فإنه لم ~~يتقدم من يوسف كلام يشير به إليه ولا تقدم PageV15P139 أيضا ذكر عفافه ~~وإعتصامه فإن الذي ذكره النسوة قولهن @QB@ ما علمنا عليه من سوء ms4655 @QE@ وقول ~~إمرأة العزيز @QB@ أنا راودته عن نفسه @QE@ وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته ~~أولا ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو فقول القائل إن قوله ( ذلك ) من قول ~~يوسف مع أنه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل لا يصح بحال ( الوجه السابع ( أن ~~المعنى على هذا التقدير لو كان هنا ما يشار إليه من قول يوسف أو عمله إن ~~عفتى عن الفاحشة كان ليعلم العزيز أني لم أخنه ويوسف عليه الصلاة والسلام ~~إنما تركها خوفا من الله ورجاء لثوابه ولعلمه بأن الله يراه لا لأجل مجرد ~~علم مخلوق قال الله تعالى @QB@ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ~~كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ فأخبر أنه رأى ~~برهان ربه وأنه من عباده المخلصين # ومن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه ولم ~~يكن بذلك مخلصا فهذا الذي أضافوه إلى يوسف إذا فعله آحاد الناس لم يكن له ~~ثواب من الله بل يكون ثوابه على من عمل لأجله PageV15P140 فإن قيل فقد قال ~~يوسف أولا @QB@ إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون @QE@ # قيل إن كان مراده بذلك سيده فالمعنى أنه أحسن إلي وأكرمني فلا يحل لي أن ~~أخونه في أهله فانى أكون ظالما ولا يفلح الظالم فترك خيانته في أهله خوفا ~~من الله لا ليعلم هو بذلك # فإن قيل مراده تأتى إظهار برائتى ليعلم العزيز أنى لم أخنه بالغيب ~~فالمعلل إظهار براءته لا نفس # عفافه قيل لم يكن مراده بإظهار براءته مجرد علم واحد بل مراده علم الملك ~~وغيره ولهذا قال للرسول @QB@ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن @QE@ ولو كان هذا من قول يوسف لقال ذلك ليعلموا أنى بريء وإنى ~~مظلوم # ثم هذا لا يليق أن يذكر عن يوسف لأنه قد ظهرت براءته وحصل مطلوبه فلا ~~يحتاج أن يقول ذلك لتحصيل ذلك وهم قد علموا أنه إنما تأخر لتظهر براءته فلا ~~يحتاج مثل هذا ان ms4656 ينطق به PageV15P141 ( الوجه الثامن ( أن الناس عادتهم في ~~مثل هذا يعرفون بما عملوه من لذلك عنده قدر وهذا يناسب لو كان العزيز غيورا ~~وللعفة عنده جزاء كثير والعزيز قد ظهر عنه من قلة الغيرة وتمكين إمرأته من ~~حبسه مع الظالمين مع ظهور براءته ما يقتضى أن مثل هذا ينبغي في عادة الطباع ~~أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله فإن النفس الأمارة تقول في مثل هذا هذا لم ~~يعرف قدر إحسانى إليه وصونى لأهله وكف نفسي عن ذلك بل سلطها ومكنها # فكثير من النفوس لو لم يكن في نفسها الفاحشة إذا رأت من حاله هذا تفعل ~~الفاحشة أما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه وإما اهمالا له لعدم غيرته ~~وظهور دياثته ولا يصبر في مثل هذا المقام عن الفاحشة إلامن يعمل لله خائفا ~~منه وراجيا لثوابه لا من يريد تعريف الخلق بعمله ( الوجه التاسع ( أن ~~الخيانة ضد الأمانة وهما من جنس الصدق والكذب ولهذا يقال الصادق الأمين ~~ويقال الكاذب الخائن وهذا حال إمراة العزيز فإنها لو كذبت على يوسف في ~~مغيبه وقالت راودني لكانت كاذبة وخائنة فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت ~~صادقة في هذا الخبر أمينة فيه ولهذا قالت @QB@ وإنه لمن الصادقين @QE@ ~~فأخبرت بأنه صادق في تبرئته نفسه دونها PageV15P142 # فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة ولكن هو باب الظلم والسوء ~~والفحشاء كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى عن يوسف @QB@ معاذ الله إنه ~~ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون @QE@ ولم يقل هنا الخائنين ثم قال ~~تعالى @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ ولم ~~يقل لنصرف عنه الخيانة فليتدبر اللبيب هذه الدقائق في كتاب الله تعالى # ( الوجه العاشر ( أن في الكلام المحكى الذي أقره الله تعالى @QB@ إن ~~النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي @QE@ وهذا يدل على أنه ليس كل نفس ~~أمارة بالسوء بل ما رحم ربى ليس فيه النفس الأمارة بالسوء # وقد ذكر طائفة من الناس ان النفس لها ثلاثة أحوال تكون أمارة بالسوء ms4657 ثم ~~تكون لوامة أي تفعل الذنب ثم تلوم عليه أو تتلوم فتتردد بين الذنب والتوبة ~~ثم تصير مطمئنة # و ( المقصود هنا ( أن ما رحم ربى من النفوس ليست بأمارة وإذا كانت النفوس ~~منقسمة إلى مرحومة وأمارة فقد علمنا قطعا ان نفس امرأة العزيز من النفوس ~~الأمارة بالسوء لأنها أمرت بذلك مرة بعد مرة وراودت وافترت وإستعانت ~~بالنسوة وسجنت وهذا من PageV15P143 أعظم ما يكون من الأمر بالسوء # وأما يوسف عليه الصلاة والسلام فإن لم تكن نفسه من النفوس المرحومة عن أن ~~تكون أمارة فما في الأنفس مرحوم فإن من تدبر قصة يوسف علم أن الذي رحم به ~~وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون ولولا ذلك لما ذكره الله في ~~القرآن وجعله عبرة وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ~~إبتليت بمثل هذه الدواعى أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف وعلى هذا ~~التقدير فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة فما في النفوس مرحومة فإذا كل النفوس ~~أمارة بالسوء وهو خلاف ما في القرآن ولا يلتفت إلى الحكاية المذكورة عن ~~مسلم بن يسار أن اعرابية دعته إلى نفسها وهما في البادية فامتنع وبكى وجاء ~~أخوه وهو يبكى فبكى وبكت المرأة وذهبت فنام فرأى يوسف في منامه وقال أنا ~~يوسف الذى هممت وانت مسلم الذي لم تهم فقد يظن من يسمع هذه الحكاية أن حال ~~مسلم كان أكمل وهذا جهل لوجهين # ( أحدهما ( أن مسلما لم يكن تحت حكم المرأة المراودة ولا لها عليه حكم ~~ولا لها عليه قدرة أن تكذب عليه وتستعين بالنسوة وتحبسه PageV15P144 وزوجها ~~لا يعينه ولاأحد غير زوجها يعينه على العصمة بل مسلم لما بكى ذهبت تلك ~~المرأة ولو إستعصمت لكان صراخه منها أو خوفها من الناس يصرفها عنه وأين هذا ~~مما إبتلى به يوسف عليه الصلاة والسلام # ( الثاني ( أن الهم من يوسف لما تركه لله كان له به حسنة ولا نقص عليه ~~وثبت في الصحيحين من حديث السبعة الذين ( يظلهم الله في ظله ms4658 يوم لا ظل إلا ~~ظله رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ( وهذا ~~لمجرد الدعوة فكيف بالمراودة والإستعانة والحبس # ومعلوم أنها كانت ذات منصب وقد ذكر أنها كانت ذات جمال وهذا هو الظاهر ~~فإن امرأة عزيز مصر يشبه أن تكون جميلة وأما البدوية الداعية لمسلم فلا ريب ~~أنها دون ذلك ورؤياه في المنام وقوله أنا يوسف الذي هممت وأنت مسلم الذي لم ~~تهم غايته أن يكون بمنزلة أن يقول ذلك له يوسف في اليقظة وإذا قال هذا كان ~~هذا خيرا له ومدحا وثناء وتواضعا من يوسف وإذا تواضع الكبير مع من دونه لم ~~تسقط منزلته # ( الوجه الحادي عشر ( أن هذا الكلام فيه مع الإعتراف PageV15P145 بالذنب ~~الإعتذار بذكر سببه فإن قولها @QB@ أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~@QE@ فيه إعتراف بالذنب وقولها @QB@ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ~~@QE@ إشارة تطابق لقولها @QB@ أنا راودته @QE@ أي أنا مقرة بالذنب ما أنا ~~مبرئة لنفسي ثم بينت السبب فقالت @QB@ إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ فنفسي ~~من هذا الباب فلا ينكر صدور هذا مني ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة ~~فقالت إن ربي غفور رحيم # فإن قيل فهذا كلام من يقر بأن الزنى ذنب وأن الله قد يغفر لصاحبه # قلت نعم والقرآن قد دل على ذلك حيث قال زوجها @QB@ يوسف أعرض عن هذا ~~واستغفري لذنبك @QE@ فأمره لها بالاستغفار لذنبها دليل أنهم كانوا يرون ذلك ~~ذنبا ويستغفرون منه وإن كانوا مع ذلك مشركين فقد كانت العرب مشركين وهم ~~يحرمون الفواحش ويستغفرون الله منها حتى إن النبى لما بايع هند بنت عتبة بن ~~ربيعة بيعة النساء على أن لا تشرك بالله شيئا ولا تسرق ولا تزنى قالت أو ~~تزني الحرة وكان الزنى معروفا عندهم في الأماء # ولهذا غلب على لغتهم أن يجعلوا الحرية في مقابلة الرق وأصل PageV15P146 ~~اللفظ هو العفة ولكن العفة عادة من ليست أمة بل قد ذكر البخاري في صحيحه عن ~~أبى رجاء العطاردي أنه رأى في الجاهليه قردا يزنى ms4659 بقردة فإجتمعت القرود ~~عليه حتى رجمته # وقد حدثني بعض الشيوخ الصادقين أنه رأى في جامع نوعا من الطير قد باض ~~فأخذ الناس بيضة وجاء ببيض جنس آخر من الطير فلما انفقس البيض خرجت الفراخ ~~من غير الجنس فجعل الذكر يطلب جنسه حتى إجتمع منهن عدد فما زالوا بالأنثى ~~حتى قتلوها ومثل هذا معروف في عادة البهائم # والفواحش مما اتفق أهل الأرض على استقباحها وكراهتها وأولئك القوم كانوا ~~يقرون بالصانع مع شركهم ولهذا قال لهم يوسف @QB@ يا صاحبي السجن أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ # ( الوجه الثاني عشر ( أن يقال إن الله سبحانه وتعالى لم يذكر عن نبي من ~~الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على ~~قولين أما أن يقولوا بالعصمة من فعلها وأما PageV15P147 أن يقولوا بالعصمة ~~من الإقرار عليها لا سيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة فإن الأمة متفقة على ~~أن ذلك معصوم أن يقر فيه على خطأ فإن ذلك يناقض مقصود الرسالة ومدلول ~~المعجزة # وليس هذا موضع بسط الكلام في ذلك ولكن المقصود هنا أن الله لم يذكر في ~~كتابه عن نبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه كما ذكر في قصة آدم وموسى ~~وداود وغيرهم من الأنبياء وبهذا يجيب من ينصر قول الجمهور الذين يقولون ~~بالعصمة من الإقرار على من ينفي الذنوب مطلقا فإن هؤلاء من أعظم حججهم ما ~~اعتمده القاضي عياض وغيره حيث قالوا نحن مأمورون بالتأسي بهم في الأفعال ~~وتجويز ذلك يقدح في التأسي فأجيبوا بأن التأسي إنما هو فيما اقروا عليه كما ~~ان النسخ جائز فيما يبلغونه من الأمر والنهي وليس تجويز ذلك مانعا من وجوب ~~الطاعة لأن الطاعة تجب فيما لم ينسخ فعدم النسخ يقرر الحكم وعدم الإنكار ~~يقررالفعل والأصل عدم كل منهما # ويوسف عليه ms4660 الصلاة والسلام لم يذكر الله تعالى عنه في القرآن أنه فعل مع ~~المرأة ما يتوب منه أو يستغفر منه أصلا وقد اتفق الناس على أنه لم تقع منه ~~الفاحشة ولكن بعض الناس يذكر أنه وقع PageV15P148 منه بعض مقدماتها مثل ما ~~يذكرون أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الخاتن ونحو هذا وما ينقلونه في ذلك ~~ليس هو عن النبى ولا مستند لهم فيه إلا النقل عن بعض أهل الكتاب وقد عرف ~~كلام اليهود في الأنبياء وغضهم منهم كما قالوا في سليمان ما قالوا وفي داود ~~ما قالوا فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه ~~فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه # والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما ~~لم يذكر عن أحد نظيره فلو كان يوسف قد أذنب لكان إما مصرا وإما تائبا ~~والإصرار ممتنع فتعين أن يكون تائبا والله لم يذكر عنه توبة في هذا ولا ~~استغفارا كما ذكر عن غيره من الأنبياء فدل ذلك على أن ما فعله يوسف كان من ~~الحسنات المبرورة والمساعي المشكورة كما أخبر الله عنه بقوله تعالى @QB@ ~~إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ # وإذا كان الأمر في يوسف كذلك كان ما ذكرمن قوله @QB@ إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي @QE@ إنما يناسب حال إمرأة العزيز لا يناسب حال يوسف ~~فاضافة الذنوب إلى يوسف في هذه القضية فرية على الكتاب والرسول وفيه تحريف ~~للكلم عن مواضعه وفيه PageV15P149 الإغتياب لنبي كريم وقول الباطل فيه بلا ~~دليل ونسبته إلى ما نزهه الله منه وغير مستبعد أن يكون أصل هذا من اليهود ~~أهل البهت الذين كانوا يرمون موسى بما برأه الله منه فكيف بغيره من ~~الأنبياء وقد تلقى نقلهم من أحسن به الظن وجعل تفسير القرآن تابعا لهذا ~~الإعتقاد # وأعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض كلاهما مخالف لكتاب ~~الله من بعض الوجوه قوم افرطوا في دعوى إمتناع ms4661 الذنوب حتى حرفوا نصوص ~~القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب ومغفرة الله لهم ورفع ~~درجاتهم بذلك وقوم افرطوا في أن ذكروا عنهم مادل القرآن على براءتهم منه ~~وأضافوا إليهم ذنوبا وعيوبا نزههم الله عنها وهؤلاء مخالفون للقرآن وهؤلاء ~~مخالفون للقرآن ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف كان من الأمة ~~الوسط مهتديا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين # قال النبى ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا ~~جحر ضب لدخلتموه ( قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى PageV15P150 قال ( ~~فمن ( وفى الحديث الآخر الذي في الصحيح ( لتأخذن أمتى مأخذ الأمم قبلها ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع ( قالوا يا رسول الله فارس والروم قال ومن الناس ~~إلا هؤلاء ( # ولا ريب أنه صار عند كثير من الناس من علم أهل الكتاب ومن فارس والروم ما ~~أدخلوه في علم المسلمين ودينهم وهم لا يشعرون كما دخل كثير من أقوال ~~المشركين من أهل الهند واليونان وغيرهم والمجوس والفرس والصابئين من ~~اليونان وغيرهم في كثير من المتأخرين لا سيما في جنس المتفلسفة والمتكلمة # ودخل كثير من أقوال أهل الكتاب اليهود والنصارى في طائفة هم أمثل من ~~هؤلاء إذ أهل الكتاب كانوا خيرا من غيرهم # ولما فتح المسلمون البلاد كانت الشام ومصر ونحوهما مملوءة من أهل الكتاب ~~النصارى واليهود فكانوا يحدثونهم عن أهل الكتاب بما بعضه حق وبعضه باطل ~~فكان من أكثرهم حديثا عن أهل الكتاب كعب الأحبار وقد قال معاوية رضي الله ~~عنه ما رأينا في هؤلاء الذين يحدثونا عن أهل الكتاب أصدق من كعب وإن كنا ~~لنبلوا عليه الكذب أحيانا # ومعلوم أن عامة ما عند كعب ان ينقل ما وجده في كتبهم ولو PageV15P151 نقل ~~ناقل ما وجده في الكتب عن نبينا صلى الله عليه وسلم لكان فيه كذب كثير فكيف ~~بما في كتب أهل الكتاب مع طول ms4662 المدة وتبديل الدين وتفرق أهله وكثرة أهل ~~الباطل فيه # وهذا باب ينبغى للمسلم أن يعتني به وينظر ما كان عليه أصحاب رسول الله ~~الذين هم أعلم الناس بما جاء به وأعلم الناس بما يخالف ذلك من دين أهل ~~الكتاب والمشركين والمجوس والصابئين فإن هذا أصل عظيم # ولهذا قال الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره أصول السنة هي التمسك بما كان عليه ~~أصحاب رسول الله # ومن تأمل هذا الباب وجد كثيرا من البدع أحدثت بآثار أصلها عنهم مثل ما ~~يروى في فضائل بقاع في الشام من الجبال والغيران ومقامات الأنبياء ونحو ذلك ~~مثل ما يذكر في جبل قاسيون ومقامات الأنبياء التى فيه وما في إتيان ذلك من ~~الفضيلة حتى إن بعض المفترين من الشيوخ جعل زيارة مغارة فيه ثلاث مرات تعدل ~~حجة ويسمونها مقامات الأنبياء والآثار التى تروى في ذلك لا تصل إلى الصحابة ~~وإنما هي عمن PageV15P152 دونهم ممن أخذها عن أهل الكتاب والا فلو كان لهذا ~~اصل لكان هذا عند أكابر الصحابة الذين قدموا الشام مثل بلال بن رباح ومعاذ ~~بن جبل وعبادة بن الصامت بل ومثل أبي عبيدة بن الجراح أمين الأمة وأمثالهم ~~فقد دخل الشام من أكابر الصحابة أفضل ممن دخل بقية الأمصار غير الحجاز فلم ~~ينقل عن أحد منهم اتباع شيء من آثار الأنبياء لا مقابرهم ولا مقاماتهم فلم ~~يتخذوها مساجد ولا كانوا يتحرون الصلاة فيها والدعاء عندها بل قد ثبت عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان في سفر فرأى قوما ينتابون مكانا يصلون ~~فيه فقال ما هذا قالوا هذا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~ومكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تتخذوا آثار ~~أنبيائكم مساجد إنما هلك من كان قبلكم بهذا من أدركته الصلاة فيه فليصل ~~وإلا فليمض # ولما دخل البيت المقدس وأراد أن يبنى مصلى المسلمين قال لكعب أين أبنيه ~~قال أبنه خلف الصخرة قال خالطتك يهودية يا بن اليهودية بل أبنيه أمامها ~~ولهذا ms4663 كان عبد الله بن عمر إذا دخل بيت المقدس صلى في قبليه ولم يذهب إلى ~~الصخرة وكانوا يكذبون ما ينقله كعب إن الله قال لها أنت عرشى الأدنى ~~ويقولون من وسع كرسيه السماوات والأرض كيف تكون PageV15P153 الصخرة عرشه ~~الأدنى ولم تكن الصحابة يعظمونها وقالوا إنما بنى القبة عليها عبد الملك بن ~~مروان لما كان محاربا لابن الزبير وكان الناس يذهبون إلى الحج فيجتمعون به ~~عظم الصخرة ليشتغلوا بزيارتها عن جهة بن الزبير وإلا فلا موجب في شريعتنا ~~لتعظيم الصخرة وبناء القبة عليها وسترها بالانطاع والجوخ ولو كان هذا من ~~شريعتنا لكان عمر وعثمان ومعاوية رضي الله عنهم أحق بذلك ممن بعدهم فإن ~~هؤلاء أصحاب رسول الله وأعلم بسنته واتبع لها ممن بعدهم # وكذلك الصحابة لم يكونوا ينتابون قبر الخليل بل ولا فتحوه بل ولا بنوا ~~على قبر أحد من الأنبياء مسجدا فإنهم كانوا يعلمون أن النبى قال ( أن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني ~~أنهاكم عن ذلك ( ولما ظهر قبر دانيال بتستر كتب فيه أبو موسى إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فكتب إليه عمر إذا كان بالنهار فاحفر ثلاثة عشر قبرا ~~ثم أدفنه بالليل في واحد منها وعفر قبره لئلا يفتتن به الناس وقد تأملت ~~الآثار التى تروى في قصد هذه المقامات والدعاء PageV15P154 عندها أو الصلاة ~~فلم أجد لها عن الصحابة أصلا بل أصلها عمن أخذ عن أهل الكتاب # فمن أصول الإسلام أن تميز ما بعث الله به محمدا من الكتاب والحكمة ولا ~~تخلطه بغيره ولا تلبس الحق بالباطل كفعل أهل الكتاب فإن الله سبحانه أكمل ~~لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا ~~يزيغ عنها بعدي إلا هالك ( وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( خط لنا ~~رسول الله خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال هذا سبيل الله وهذه السبل ~~على كل سبيل ms4664 منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ قوله تعالى @QB@ وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ # وجماع ذلك بحفظ أصلين # ( أحدهما ( تحقيق ما جاء به الرسول فلا يخلط بما ليس منه من المنقولات ~~الضعيفة والتفسيرات الباطلة بل يعطى حقه من معرفة نقله ودلالته PageV15P155 ~~( والثانى ( أن لا يعارض ذلك بالشبهات لا رأيا ولا رواية قال الله تعالى ~~فيما يأمر به بنى إسرائيل وهو عبرة لنا @QB@ وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما ~~معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون @QE@ فلا يكتم الحق ~~الذي جاء به الرسول ولا يلبس بغيره من الباطل ولا يعارض بغيره # قال الله تعالى @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء قليلا ما تذكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ~~@QE@ # وهؤلاء الأقسام الثلاثة هم أعداء الرسل فإن أحدهم إذا أتى بما يخالفه إما ~~ان يقول إن الله أنزله علي فيكون قد افترى على الله أو يقول أوحي إليه ولم ~~يسم من أوحاه أو يقول أنا انشأته وأنا أنزل مثل ما أنزل الله فأما ان يضيفه ~~إلى الله أو إلى نفسه أو لا يضيفه إلى أحد # وهذه الأقسام الثلاثة هم من شياطين الإنس والجن الذين يوحى بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا قال الله تعالى @QB@ وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا ~~هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا @QE@ والله أعلم والحمد لله PageV15P156 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى قل هذه سبيلي أدعو ) 1 ### |||| سئل رضي الله عنه # عن قوله تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~@QE@ وهل الدعوة عامة تتعين في حق كل مسلم ومسلمة أم لا وهل الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر داخل في هذه الدعوة أم لا وإذا ms4665 كانا داخلين أو لم يكونا ~~فهل هما من الواجبات على كل فرد من أفراد المسلمين كما تقدم أم لا وإذا ~~كانا واجبين فهل يجبان مطلقا مع وجود المشقة بسببهما أم لا وهل للآمر ~~بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقتص من الجاني عليه إذا آذاه في ذلك لئلا ~~يؤدي إلى طمع منه في جانب الحق أم لا وإذا كان له ذلك فهل تركه أولى مطلقا ~~أم لا ### ||||| فأجاب رضي الله عنه وأرضاه # الحمد لله رب العالمين # الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله بتصديقهم ~~فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والدعوة إلى الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله PageV15P157 والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره ~~وشره والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه # فإن هذه الدرجات الثلاث التى هي ( الإسلام ( والإيمان والإحسان ( داخلة ~~في الدين كما قال في الحديث الصحيح ( هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ( بعد ~~أن أجابه عن هذه الثلاث فبين أنها كلها من ديننا و ( الدين ( مصدر والمصدر ~~يضاف إلى الفاعل والمفعول يقال دان فلان فلانا إذا عبده وأطاعه كما يقال ~~دانه إذا أذله فالعبد يدين الله أي يعبده ويطيعه فإذا أضيف الدين إلى العبد ~~فلأنه العابد المطيع وإذا أضيف إلى الله فلأنه المعبود المطاع كما قال ~~تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ # فالدعوة إلى الله تكون بدعوة العبد إلى دينه وأصل ذلك عبادته وحده لا ~~شريك له كما بعث الله بذلك رسله وأنزل به كتبه قال تعالى @QB@ شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ~~أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة ms4666 @QE@ PageV15P158 # وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ # وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( أنا معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء إخوة لعلات وان أولى الناس بابن ~~مريم لأنا أنه ليس بينى وبينه نبى ( فالدين واحد وإنما تنوعت شرائعهم ~~ومناهجهم كما قال تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ # فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية فالاعتقادية ~~كالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر والعملية كالاعمال العامة المذكورة في ~~الانعام والاعراف وسورة بنى إسرائيل كقوله تعالى @QB@ قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم @QE@ إلى آخر الآيات الثلاث وقوله @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه @QE@ إلى آخر الوصايا وقوله @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ وقوله @QB@ قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ PageV15P159 # فهذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع كعامة ما في السور ~~المكية فإن السور المكية تضمنت الأصول التى اتفقت عليها رسل الله إذ كان ~~الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة وأما السور المدنية ~~ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ~~ببعض وكالمؤمنين الذين آمنوا بكتب الله ورسله ولهذا قرر فيها الشرائع التى ~~أكمل الله بها الدين كالقبلة والحج والصيام والاعتكاف والجهاد وأحكام ~~المناكح ونحوها وأحكام الأموال بالعدل كالبيع والإحسان كالصدقة والظلم ~~كالربا وغير ذلك مما هو من تمام الدين # ولهذا كان الخطاب في السور المكية @QB@ يا أيها الناس @QE@ لعموم الدعوة ~~إلى الأصول إذلا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل فلما هاجر النبى إلى ~~المدينة وعزبها أهل الإيمان وكان بها أهل الكتاب خوطب هؤلاء وهؤلاء فهؤلاء ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ وهؤلاء @QB@ يا أهل الكتاب @QE@ أو @QB@ يا ~~بني إسرائيل @QE@ ولم ينزل بمكة شيء من ms4667 هذا ولكن في السور المدنية خطاب ~~@QB@ يا أيها الناس @QE@ كما في سورة النساء وسورة الحج وهما مدنيتان وكذا ~~في البقرة # وهذا يعكر على قول الحبر بن عباس لأن الحكم المذكور يشمل جنس الناس ~~والدعوة بالإسم الخاص لا تنافي الدعوة بالاسم العام PageV15P160 فالمؤمنون ~~داخلون في الخطاب ب @QB@ يا أيها الناس @QE@ وفى الخطاب ب @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا @QE@ فالدعوة إلى الله تتضمن الأمر بكل ما أمر الله به والنهي ~~عن كل ما نهى الله عنه وهذا هو الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر والرسول ~~صلى الله عليه وسلم قام بهذه الدعوة فإنه أمر الخلق بكل ما أمر الله به ~~ونهاهم عن كل ما نهى الله عنه أمر بكل معروف ونهى عن كل منكر قال تعالى ~~@QB@ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث @QE@ # ودعوته إلى الله هي بإذنه لم يشرع دينا لم يأذن به الله كما قال تعالى ~~@QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ~~@QE@ خلاف الذين ذمهم في قوله @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله @QE@ وقد قال تعالى @QB@ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون @QE@ ~~PageV15P161 ومما يبين ما ذكرناه أنه سبحانه يذكر أنه أمره بالدعوة إلى ~~الله تارة وتارة بالدعوة إلى سبيله كما قال تعالى @QB@ ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة @QE@ وذلك أنه قد علم أن الداعي الذى يدعو غيره ~~إلى أمر لا بد فيما يدعو إليه من أمرين # ( أحدهما ( المقصود المراد # و ( الثانى ( الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود فلهذا يذكر الدعوة تارة ~~إلى الله وتارة إلى سبيله فإنه سبحانه هو المعبود المراد المقصود بالدعوة # والعبادة إسم يجمع غاية الحب له وغاية الذل له فمن ذل لغيره مع ms4668 بغضه لم ~~يكن عابدا ومن أحبه من غير ذل له لم يكن عابدا والله سبحانه يستحق أن يحب ~~غاية المحبة بل يكون هو المحبوب المطلق الذي لا يحب شيء إلا له وان يعظم ~~ويذل له غاية الذل بل لا يذل لشيء إلا من أجله ومن أشرك غيره في هذا وهذا ~~لم يحصل له حقيقة الحب والتعظيم فإن الشرك يوجب نقص المحبة # قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ أي أشد حبا لله من هؤلاء PageV15P162 ~~لأندادهم وقال تعالى @QB@ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا ~~سلما لرجل هل يستويان مثلا @QE@ وكذلك الإستكبار يمنع حقيقة الذل لله بل ~~يمنع حقيقة المحبة لله فإن الحب التام يوجب الذل والطاعة فإن المحب لمن يحب ~~مطيع # ولهذا كان الحب درجات أعلاها ( التتيم ( وهو التعبد وتيم الله أي عبد ~~الله فالقلب المتيم هو المعبد لمحبوبه وهذا لا يستحقه إلا الله وحده # والإسلام أن يستسلم العبد لله لا لغيره كما ينبىء عنه قول ( لا إله إلا ~~الله ( فمن إستسلم له ولغيره فهو مشرك ومن لم يستسلم له فهو مستكبر وكلاهما ~~ضد الإسلام والشرك غالب على النصارى ومن ضاهاهم من الضلال والمنتسبين إلى ~~الأمة # وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذا الموضع في مواضع متعددة # وذلك يتعلق بتحقيق الألوهية لله وتوحيده وإمتناع الشرك وفساد السماوات ~~والأرض بتقدير إله غيره والفرق بين الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية ~~وبيان أن العباد فطروا على الإقرار به ومحبته وتعظيمه وأن القلوب لا تصلح ~~إلا بأن تعبد الله وحده ولا PageV15P163 كمال لها ولا صلاح ولا لذة ولا ~~سرور ولا فرح ولا سعادة بدون ذلك وتحقيق الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وغير ذلك مما يتعلق ~~بهذا الموضع الذي في تحقيقه تحقيق مقصود الدعوة النبوية والرسالة الإلهية ~~وهو لب القرآن وزبدته وبيان التوحيد العلمي القولي المذكور في قوله @QB@ قل ~~هو الله أحد الله الصمد @QE@ والتوحيد ms4669 القصدي العملي المذكور في قوله تعالى ~~@QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ وما يتصل بذلك فإن هذا بيان لأصل الدعوة إلى ~~الله وحقيقتها ومقصودها # لكن المقصود في الجواب ذكر ذلك على طريق الاجمال إذ لا يتسع الجواب ~~لتفصيل ذلك وكلما أحبه الله ورسوله من واجب ومستحب من باطن وظاهر فمن ~~الدعوة إلى الله الأمر به وكلما أبغضه الله ورسوله من باطن وظاهر فمن ~~الدعوة إلى الله النهى عنه لا تتم الدعوة إلى الله إلا بالدعوة إلى أن يفعل ~~ما أحبه الله ويترك ما أبغضه الله سواء كان من الأقوال أو الأعمال الباطنة ~~أو الظاهرة كالتصديق بما أخبر به الرسول من أسماء الله وصفاته والمعاد ~~وتفصيل ذلك وما أخبر به عن سائر المخلوقات كالعرش والكرسي والملائكة ~~والأنبياء وأممهم وأعدائهم وكاخلاص الدين لله وأن يكون الله ورسوله أحب ~~إلينا مما سواهما وكالتوكل عليه والرجاء لرحمته PageV15P164 وخشية عذابه ~~والصبر لحكمه وأمثال ذلك وكصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وصلة ~~الأرحام وحسن الجوار وكالجهاد في سبيله بالقلب واليد واللسان # إذا تبين ذلك فالدعوة إلى الله واجبة على من اتبعه وهم أمته يدعون إلى ~~الله كما دعا إلى الله # وكذلك يتضمن أمرهم بما أمر به ونهيهم عما ينهى عنه وأخبارهم بما أخبر به ~~إذ الدعوة تتضمن الأمر وذلك يتناول الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر # وقد وصف أمته بذلك في غير موضع كما وصفه بذلك فقال تعالى @QB@ كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~@QE@ الآية وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة وهو الذي يسميه العلماء فرض ~~كفاية إذا قام به طائفة منهم سقط عن الباقين فالأمة كلها مخاطبة بفعل ذلك ~~ولكن إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين قال تعالى @QB@ ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~@QE@ # فمجموع أمته تقوم مقامه في الدعوة إلى الله ولهذا كان إجماعهم ~~PageV15P165 حجة قاطعة فأمته لا تجتمع على ms4670 ضلالة وإذا تنازعوا في شيء ردوا ~~ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى رسوله وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من ~~الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره فما قام به غيره سقط عنه وما عجز ~~لم يطالب به وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به ولهذا ~~يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على هذا وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ~~ذلك تارة وبحسب غيره أخرى فقد يدعو هذا إلى إعتقاد الواجب وهذا إلى عمل ~~ظاهر واجب وهذا إلى عمل باطن واجب فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة وفي ~~الوقوع أخرى # وقد تبين بهذا أن الدعوة إلى الله تجب على كل مسلم لكنها فرض على الكفاية ~~وإنما يجب على الرجل المعين من ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره وهذا ~~شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ ما جاء به الرسول والجهاد في ~~سبيل الله وتعليم الإيمان والقرآن # وقد تبين بذلك أن الدعوة نفسها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر فإن الداعى ~~طالب مستدع مقتض لما دعى إليه وذلك هو الأمر به إذ الأمر هو طلب الفعل ~~المأمور به واستدعاء له ودعاء إليه فالدعاء PageV15P166 إلى الله الدعاء ~~إلى سبيله فهو أمر بسبيله وسبيله تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر # وقد تبين أنهما واجبان على كل فرد من أفراد المسلمين وجوب فرض الكفاية لا ~~وجوب فرض الأعيان كالصلوات الخمس بل كوجوب الجهاد # والقيام بالواجبات من الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط يقام بها كما ~~جاء في الحديث ( ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون فقيها فيما ~~يأمر به فقيها فيما ينهى عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه حليما ~~فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه ( فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر ~~المنكر والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود والحلم بعد ~~الأمر ليصبر على أذى المأمور المنهى فإنه كثيرا ما يحصل له ms4671 الأذى بذلك # ولهذا قال تعالى @QB@ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ~~@QE@ وقد أمر نبينا بالصبر في مواضع كثيرة كما قال تعالى في أول المدثر ~~@QB@ قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك ~~فاصبر @QE@ وقال تعالى @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ وقال @QB@ ~~واصبر على ما يقولون @QE@ وقال تعالى PageV15P167 @QB@ ولقد كذبت رسل من ~~قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا @QE@ وقال @QB@ فاصبر ~~لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت @QE@ # وقد جمع سبحانه بين التقوى والصبر في مثل قوله @QB@ لتبلون في أموالكم ~~وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ والمؤمنون كانوا يدعون ~~إلى الإيمان بالله وما أمر به من المعروف وينهون عما نهى الله عنه من ~~المنكر فيؤذيهم المشركون وأهل الكتاب وقد أخبرهم بذلك قبل وقوعه وقال لهم ~~@QB@ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ وقد قال يوسف عليه ~~السلام @QB@ أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين @QE@ # فالتقوى تتضمن طاعة الله ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر ~~يتناول الصبر على المصائب التى منها أذى المأمور المنهي للآمر الناهي # لكن للآمر الناهي أن يدفع عن نفسه ما يضره كما يدفع الإنسان عن نفسه ~~الصائل فإذا أراد المأمور المنهي ضربه أو أخذ ماله ونحو ذلك وهو قادر على ~~دفعه فله دفعه عنه PageV15P168 بخلاف ما إذا وقع الأذى وتاب منه فإن هذا ~~مقام الصبر والحلم والكمال في هذا الباب حال نبينا كما في الصحيحين عن ~~عائشة أنها قالت ( ما ضرب رسول الله بيده خادما له ولا إمرأة ولا دابة ولا ~~شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك ~~محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ) فقد ~~تضمن خلقه العظيم أنه لا ينتقم لنفسه إذا نيل منه وإذا ms4672 انتهكت محارم الله ~~لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ومعلوم أن أذى الرسول من أعظم المحرمات فإن ~~من آذاه فقد آذى الله وقتل سابه واجب باتفاق الأمة سواء قيل إنه قتل لكونه ~~ردة أو لكونه ردة مغلظة أوجبت أن صار قتل الساب حدا من الحدود # والمنقول عن النبى في إحتماله وعفوه عمن كان يؤذيه كثير كما قال تعالى ~~@QB@ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ ~~فالآمر الناهي إذا أوذى وكان أذاه تعديا لحدود الله وفيه حق لله يجب على كل ~~أحد النهي عنه وصاحبه مستحق للعقوبة لكن لما دخل فيه حق الآدمي كان له ~~العفو عنه كما له أن يعفو عن القاذف والقاتل وغير ذلك وعفوه عنه لا ~~PageV15P169 يسقط عن ذلك العقوبة التى وجبت عليه لحق الله لكن يكمل لهذا ~~الآمر الناهي مقام الصبر والعفو الذي شرع الله لمثله حتى يدخل في قوله ~~تعالى @QB@ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ وفى قوله @QB@ ~~فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ # ثم هنا فرق لطيف أما الصبر فإنه مأمور به مطلقا فلا ينسخ وأما العفو ~~والصفح فانه جعل إلى غاية وهو أن يأتى الله بأمره فلما أتى بأمره بتمكين ~~الرسول ونصره صار قادرا على الجهاد لأولئك والزامهم بالمعروف ومنعهم عن ~~المنكر صار يجب عليه العمل باليد في ذلك ما كان عاجزا عنه وهو مأمور بالصبر ~~في ذلك كما كان مأمورا بالصبر أولا # والجهاد مقصوده أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله ~~فمقصوده إقامة دين الله لا إستيفاء الرجل حظه ولهذا كان ما يصاب به المجاهد ~~في نفسه وماله أجره فيه على الله فإن الله إشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة حتى إن الكفار إذا أسلموا أو عاهدوا لم يضمنوا ما ~~اتلفوه للمسلمين من الدماء والأموال بل لو أسلموا وبأيديهم ما غنموه من ~~أموال المسلمين ms4673 كان ملكا لهم عند جمهور العلماء كمالك وأبى حنيفة وأحمد وهو ~~الذي مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين ~~PageV15P170 # فالآمر الناهي إذا نيل منه وأوذى ثم إن ذلك المأمور المنهى تاب وقبل الحق ~~منه فلا ينبغي له أن يقتص منه ويعاقبه على أذاه فإنه قد سقط عنه بالتوبة حق ~~الله كما يسقط عن الكافر إذا أسلم حقوق الله تعالى كما ثبت في الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها ( ~~والكافر إذا أسلم هدم الإسلام ما كان قبله دخل في ذلك ما اعتدى به على ~~المسلمين في نفوسهم وأموالهم لأنه ما كان يعتقد ذلك حراما بل كان يستحله ~~فلما تاب من ذلك غفر له هذا الاستحلال وغفرت له توابعه # فالمأمور المنهى ان كان مستحلا لأذى الآمر الناهي كأهل البدع والأهواء ~~الذين يعتقدون أنهم على حق وأن الآمر الناهي لهم معتد عليهم فإذا تابوا لم ~~يعاقبوا بما اعتدوا به على الآمر الناهي من أهل السنة كالرافضي الذي يعتقد ~~كفر الصحابة أو فسقهم وسبهم على ذلك فإن تاب من هذا الإعتقاد وصار يحبهم ~~ويتولاهم لم يبق لهم عليه حق بل دخل حقهم في حق الله ثبوتا وسقوطا لأنه ~~تابع لاعتقاده # ولهذا كان جمهور العلماء كأبى حنيفة ومالك وأحمد في أصح الروايتين ~~والشافعي في أحد القولين على أن أهل البغي المتأولين لا يضمنون ما أتلفوه ~~على أهل العدل بالتأويل كما لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه على أهل البغي ~~بالتأويل باتفاق العلماء PageV15P171 # وكذلك أصح قولي العلماء في المرتدين فإن المرتد والباغي المتأول والمبتدع ~~كل هؤلاء يعتقد أحدهم أنه على حق فيفعل ما يفعله متأولا فإذا تاب من ذلك ~~كان كتوبة الكافر من كفره فيغفر له ما سلف مما فعله متأولا وهذا بخلاف من ~~يعتقد أن ما يفعله بغي وعدوان كالمسلم إذا ظلم المسلم والذمي إذا ظلم ~~المسلم والمرتد الذي أتلف مال غيره وليس بمحارب بل هو في الظاهر مسلم أو ~~معاهد ms4674 فإن هؤلاء يضمنون ما أتلفوه بالاتفاق # فالمأمور المنهي إن كان يعتقد أن أذى الآمر الناهي جائز له فهو من ~~المتأولين وحق الآمر الناهي داخل في حق الله تعالى فإذا تاب سقط الحقان وإن ~~لم يتب كان مطلوبا بحق الله المتضمن حق الآدمي فأما ان يكون كافرا وأما أن ~~يكون فاسقا وإما أن يكون عاصيا فهؤلاء كل يستحق العقوبة الشرعية بحسبه وإن ~~كان مجتهدا مخطئا فهذا قد عفى الله عنه خطأه فإذا كان قد حصل بسبب إجتهاده ~~الخطأ أذى للآمر الناهي بغير حق فهو كالحاكم إذا إجتهد فأخطأ وكان في ذلك ~~ما هو أذى للمسلم أو كالشاهد أو كالمفتي # فإذا كان الخطأ لم يتبين لذلك المجتهد المخطىء كان هذا مما ابتلى الله به ~~هذا الآمر الناهي قال تعالى @QB@ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك ~~بصيرا @QE@ فهذا مما يرتفع عنه الإثم في نفس الأمر وكذلك PageV15P172 ~~الجزاء على وجه العقوبة ولكن قد يقال قد يسقط الجزاء على وجه القصاص الذي ~~يجب في العمد ويثبت الضمان الذى يجب في الخطأ كما تجب الدية في الخطأ وكما ~~يجب ضمان الأموال التى يتلفها الصبى والمجنون في ماله وان وجبت الدية على ~~عاقلة القاتل خطأ معاونة له فلا بد من إستيفاء حق المظلوم خطأ فكذلك هذا ~~الذي ظلم خطأ لكن يقال يفرق بين ما كان الحق فيه لله وحق الآدمي تبع له وما ~~كان حقا لآدمى محضا أو غالبا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد من ~~هذا الباب موافق لقول الجمهور الذين لا يوجبون على أهل البغي ضمان ما ~~اتلفوه لأهل العدل بالتأويل وإن كان ذلك خطأ منهم ليس كفرا ولا فسقا # وإذا قدر عليهم أهل العدل لم يتبعوا مدبرهم ولم يجهزوا على جريحهم ولم ~~يسبوا حريمهم ولم يغنموا أموالهم فلا يقاتلونهم على ما أتلفوه من النفوس ~~والأموال إذا أتلفوه مثل ذلك أو تملكوا عليهم # فتبين أن القصاص ساقط في هذا الموضع لأن هذا من باب الجهاد الذي يجب فيه ~~الأجر على الله وهذا مما يتعلق ms4675 بحق العبد الآمر الناهي # وأما قول السائل هل يقتص منه لئلا يؤدي إلى طمع منه في PageV15P173 جانب ~~الحق فيقال متى كان فيما فعله إفساد لجانب الحق كان الحق في ذلك لله ورسوله ~~فيفعل فيه ما يفعل في نظيره وأن لم يكن فيه أذى للآمر الناهي # والمصلحة في ذلك تتنوع فتاره تكون المصلحة الشرعية القتال وتارة تكون ~~المصلحة المهادنة وتارة تكون المصلحة الإمساك والإستعداد بلا مهادنة وهذا ~~يشبه ذلك لكن الإنسان تزين له نفسه ان عفوه عن ظالمه يجريه عليه وليس كذلك ~~بل قد ثبت عن النبى في الصحيح أنه قال ( ثلاث ان كنت لحالفا عليهن ما زاد ~~الله عبدا بعفو إلا عزا وما نقصت صدقة من مال وما تواضع أحد لله إلا رفعه ~~الله # فالذي ينبغي في هذا الباب أن يعفو الإنسان عن حقه ويستوفى حقوق الله بحسب ~~الامكان قال تعالى @QB@ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون @QE@ قال ~~إبراهيم النخعي كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا قال تعالى @QB@ هم ~~ينتصرون @QE@ يمدحهم بأن فيهم همة الإنتصار للحق والحمية له ليسوا بمنزلة ~~الذين يعفون عجزاوذلا بل هذا مما يذم به الرجل والممدوح العفو مع القدرة ~~والقيام لما يجب من نصر الحق لا مع إهمال حق الله وحق العباد والله تعالى ~~أعلم PageV15P174 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل ) 1 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ! 8 < فصل # في قوله تعالى @QB@ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم ~~نصرنا @QE@ الآية قراءتان في هذه الآية بالتخفيف والتثقيل وكانت عائشة رضي ~~الله عنها تقرأ بالتثقيل وتنكر التخفيف كما في الصحيح عن الزهري قال أخبرني ~~عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قوله @QB@ وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ ~~مخففة قالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها قلت فما هذا النصر @QB@ ~~حتى إذا استيأس الرسل @QE@ بمن كذبهم من قومهم وظنت الرسل ان اتباعهم قد ~~كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك لعمري لقد إستيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو ~~بالظن # وفى الصحيح ms4676 أيضا عن بن جريج سمعت بن أبى مليكة يقول قال بن عباس @QB@ حتى ~~إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ خفيفة ذهب بها هنالك وتلا @QB@ ~~حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب @QE@ ~~PageV15P175 فلقيت عروة فذكرت ذلك له فقال قالت عائشة معاذ الله والله ما ~~وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يكون ولكن لم يزل البلاء ~~بالرسل حتى ظنوا خافوا أن يكون من معهم يكذبهم فكانت تقرؤها @QB@ وظنوا ~~أنهم قد كذبوا @QE@ مثقلة # فعائشة جعلت إستيأس الرسل من الكفار للمكذبين وظنهم التكذيب من المؤمنين ~~بهم ولكن القراءة الأخرى ثابتة لا يمكن إنكارها وقد تأولها بن عباس وظاهر ~~الكلام معه والآية التى تليها إنما فيها إستبطاء النصر وهو قولهم @QB@ متى ~~نصر الله @QE@ فإن هذه كلمة تبطىء لطلب التعجيل وقوله @QB@ وظنوا أنهم قد ~~كذبوا @QE@ قد يكون مثل قوله @QB@ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان @QE@ والظن لا يراد به في الكتاب والسنة الإعتقاد ~~الراجح كما هو في اصطلاح طائفة من أهل الكلام في العلم ويسمون الإعتقاد ~~المرجوح وهما بل قد قال النبى ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ( وقد ~~قال تعالى @QB@ إن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ PageV15P176 فالاعتقاد ~~المرجوح هو ظن وهو وهم وهذا الباب قد يكون من حديث النفس المعفو عنه كما ~~قال النبى ( إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل ( ~~وقد يكون من باب الوسوسة التى هي صريح الإيمان كما ثبت في الصحيح أن ~~الصحابة قالوا يا رسول الله ( ان أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحرق حتى يصير ~~حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به قال أو قد ~~وجدتموه قالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان ( وفى حديث آخر ( أن أحدنا ليجد ما ~~يتعاظم أن يتكلم به قال الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ( # فهذه الأمور التى هي تعرض ثلاثة أقسام ms4677 منها ما هو ذنب يضعف به الإيمان ~~وإن كان لا يزيله واليقين في القلب له مراتب ومنه ما هو عفو يعفى عن صاحبه ~~ومنه ما يكون يقترن به صريح الإيمان # ونظير هذا ما في الصحيح عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ~~ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لا جبت الداعي ونحن أحق بالشك من ~~إبراهيم إذ قال له ربه @QB@ أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي @QE@ ~~PageV15P177 وقد ترك البخاري ذكر قوله ( بالشك ( لما خاف فيها من توهم بعض ~~الناس ( # ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنا كما أخبر الله عنه بقوله @QB@ أو لم تؤمن ~~قال بلى @QE@ ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال @QB@ ولكن ليطمئن قلبي @QE@ ~~فالتفاوت بين الإيمان والإطمئنان سماه النبى صلى الله عليه وسلم شكا لذلك ~~باحياء الموتى كذلك الوعد بالنصر في الدنيا يكون الشخص مؤمنا بذلك ولكن قد ~~يضطرب قلبه فلا يطمئن فيكون فوات الإطمئنان ظنا أنه قد كذب فالشك مظنة أنه ~~يكون من باب واحد وهذه الأمور لا تقدح في الإيمان الواجب وإن كان فيها ما ~~هو ذنب فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك كما في أفعالهم ~~على ما عرف من أصول السنة والحديث # وفى قصص هذه الأمور عبرة للمؤمنين بهم فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو أكثر ~~من ذلك ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك ويعلمون أنه قد ابتلى به من هو خير منهم ~~وكانت العاقبة إلى خير فليتيقن المرتاب ويتوب المذنب ويقوى إيمان المؤمنين ~~فبها يصح الاتساء بالأنبياء كما في قوله @QB@ لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر @QE@ PageV15P178 # وفي القرآن من قصص المرسلين التى فيها تسلية وتثبيت ليتأسى بهم في الصبر ~~على ما كذبوا وأوذوا كما قال تعالى @QB@ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ~~ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا @QE@ ولنا لأنه أسوة ms4678 في ذلك ما هو كثير في ~~القرآن ولهذا قال @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ وقال @QB@ ~~ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك @QE@ وقال @QB@ فاصبر كما صبر ~~أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم @QE@ @QB@ وكلا نقص عليك من أنباء ~~الرسل ما نثبت به فؤادك @QE@ وإذا كان الاتساء بهم مشروعا في هذا وفى هذا ~~فمن المشروع التوبة من الذنب والثقة بوعد الله وإن وقع في القلب ظن من ~~الظنون وطلب مزيد الآيات لطمأنينة القلوب كما هو المناسب للاتساء والاقتداء ~~دون ما كان المتبوع معصوما مطلقا فيقول التابع أنا لست من جنسه فإنه لا ~~يذكر بذنب فإذا أذنب إستيأس من المتابعة والاقتداء لما أتى به من الذنب ~~الذي يفسد المتابعة على القول بالعصمة بخلاف ما إذا قيل إن ذلك مجبور ~~بالتوبة فإنه تصح معه المتابعة كما قيل أول من أذنب وأجرم ثم تاب وندم آدم ~~أبو البشر ومن أشبه أباه ما ظلم PageV15P179 والله تعالى قص علينا قصص توبة ~~الأنبياء لنقتدي بهم في المتاب وأما ما ذكره سبحانه أن الاقتداء بهم في ~~الأفعال التى أقروا عليها فلم ينهوا عنها ولم يتوبوا منها فهذا هو المشروع ~~فأما ما نهوا عنه وتابوا منه فليس بدون المنسوخ من أفعالهم وإن كان ما ~~أمروا به أبيح لهم ثم نسخ تنقطع فيه المتابعة فما لم يؤمروا به أحرى وأولى # وأيضا فقوله @QB@ وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ قد يكونون ظنوا في الموعود به ~~ما ليس هو فيه بطريق الاجتهاد منهم فتبين الأمر بخلافه فهذا جائز عليهم كما ~~سنبينه فإذا ظن بالموعود به ما ليس هو فيه ثم تبين الأمر بخلافه ظن أن ذلك ~~كذب وكان كذبا من جهة ظن في الخبر ما لا يجب أن يكون فيه فأما الشك فيما ~~يعلم أنه أخبر به فهذا لا يكون وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى # ومما ينبغي أن يعلم أنه سبحانه ذكر هنا شيئان ( أحدهما ( إستيئاس الرسل ( ~~والثانى ( ظن أنهم كذبوا وقد ذكرنا لفظ ( الظن ( فأما لفظ إستيأسوا ms4679 فإنه ~~قال سبحانه @QB@ حتى إذا استيأس الرسل @QE@ ولم يقل يئس الرسل ولا ذكر ما ~~إستيأسوا منه وهذا اللفظ قد ذكره في هذه السورة @QB@ فلما استيأسوا منه ~~خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن ~~قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو ~~خير الحاكمين @QE@ PageV15P180 # وقد يقال الاستيئاس ليس هو الاياس لوجوه # ( أحدها ( ان أخوة يوسف لم ييأسوا منه بالكلية فإن قول كبيرهم @QB@ فلن ~~أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين @QE@ دليل ~~على أنه يرجو أن يحكم الله له وحكمه هنا لا بد أن يتضمن تخليصنا ليوسف منهم ~~وإلا فحكمه له بغير ذلك لا يناسب قعوده في مصر لأجل ذلك # وأيضا ف ( اليأس ( يكون في الشيء الذى لا يكون ولم يجيء ما يقتضي ذلك ~~فإنهم قالوا @QB@ يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا ~~نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا ~~لظالمون @QE@ فامتنع من تسليمه إليهم ومن المعلوم أن هذا لا يوجب القطع ~~بأنه لا يسلم إليهم فإنه يتغير عزمه ونيته وما أكثر تقليب القلوب وقد يتبدل ~~الأمر بغيره حتى يصير الحكم إلى غيره وقد يتخلص بغير إختياره والعادات قد ~~جرت بهذا على مثل من عنده من قال لا يعطيه فقد PageV15P181 يعطيه وقد يخرج ~~من يده بغير إختياره وقد يموت عنه فيخرج والعالم مملوء من هذا # ( الوجه الثانى ( قال لهم يعقوب @QB@ يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف ~~وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ~~@QE@ فنهاهم عن اليأس من روح الله ولم ينههم عن الاستيئاس وهو الذي كان ~~منهم وأخبر أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون # ومن المعلوم أنهم لم يكونوا كافرين فهذا هو ( الوجه الثالث ( أيضا # وهو أنه أخبر أنه @QB@ لا ييأس من روح الله إلا ms4680 القوم الكافرون @QE@ ~~فيمتنع أن يكون للأنبياء يأس من روح الله وإن يقعوا في الاستيئاس بل ~~المؤمنون ما داموا مؤمنين لا ييأسون من روح الله وهذه السورة تضمنت ذكر ~~المستيئسين وإن الفرح جاءهم بعد ذلك لئلا ييأس المؤمن ولهذا فيها @QB@ لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ فذكر إستيئاس الأخوة من أخي يوسف ~~وذكر استيئاس الرسل يصلح أن يدخل فيه ما ذكره بن عباس وما ذكرته عائشة ~~جميعا # ( الوجه الرابع ( أن الاستيئاس إستفعال من اليأس والاستفعال PageV15P182 ~~يقع على وجوه يكون لطلب الفعل من الغير فالاستخراج والاستفهام والاستعلام ~~يكون في الأفعال المتعدية يقال إستخرجت المال من غيري وكذلك إستفهمت ولا ~~يصلح هذا أن يكون معنى الاستيئاس فإن أحدا لا يطلب اليأس ويستدعيه ولأن ~~إستيأس فعل لازم لا متعدي # ويكون للاستفعال لصيرورة المستفعل على صفة غيرة وهذا يكون في الأفعال ~~اللازمة كقولهم إستحجر الطين أي صار كالحجر وإستنوق الفحل أي صار كالناقة ~~وأما النظر فيما إستيأسوا منه فإن الله تعالى ذكر ذلك في قصة أخوة يوسف حيث ~~قال @QB@ فلما استيأسوا منه @QE@ # وأما الرسل فلم يذكر ما إستيأسوا منه بل أطلق وصفهم بالاستيئاس فليس لأحد ~~أن يقيده بأنهم إستيأسوا مما وعدوا به وأخبروا بكونه ولا ذكر بن عباس ذلك # وثبت أن قوله @QB@ وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ لا يدل على ظاهره فضلا عن ~~باطنه أنه حصل في قلوبهم مثل تساوى الطرفين فيما أخبروابه فإن لفظ الظن في ~~اللغة لا يقتضى ذلك بل يسمى ظنا ما هو من أكذب الحديث عن الظان لكونه أمرا ~~مرجوحا في نفسه واسم PageV15P183 اليقين والريب والشك ونحوها يتناول علم ~~القلب وعمله وتصديقه وعدم تصديقه وسكينته وعدم سكينته ليست هذه الأمور ~~بمجرد العلم فقط كما يحسب ذلك بعض الناس كما نبهنا ( عليه ( في غير هذا ~~الموضع # إذ المقصود هنا الكلام على قوله @QB@ حتى إذا استيأس الرسل @QE@ فإذا كان ~~الخبر عن استيئاسهم مطلقا فمن المعلوم ان الله إذا وعد الرسل والمؤمنين ~~بنصر مطلق كما هو غالب إخباراته لم يقيد زمانه ولا مكانه ولا ms4681 سنته ولا صفته ~~فكثيرا ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم ينزل عليها خطاب الحق بل ~~اعتقدوها بأسباب أخرى كما اعتقد طائفة من الصحابة أخبار النبى لهم أنهم ~~يدخلون المسجد الحرام ويطوفون به إن ذلك يكون عام الحديبية لأن النبى صلى ~~الله عليه وسلم خرج معتمرا ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ويطوف ويسعى فلما ~~إستيأسوا من دخوله مكة ذلك العام لما صدهم المشركون حتى قاضاهم النبى على ~~الصلح المشهور بقي في قلب بعضهم شيء حتى قال عمر للنبي ألم تخبرنا أنا ندخل ~~البيت ونطوف قال ( بلى فأخبرتك أنك تدخله هذا العام قال لا قال فإنك داخله ~~ومطوف ( وكذلك قال له أبو بكر # وكان أبو بكر رضي الله عنه أكثر علما وإيمانا من عمر حتى تاب PageV15P184 ~~عمر مما صدر منه وإن كان عمر رضي الله عنه محدثا كما جاء في الحديث الصحيح ~~أنه قال ( قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر ( فهو ~~رضي الله عنه المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولكن مزية ~~التصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول وعلما وإيمانا بما جاء به درجته فوق ~~درجته فلهذا كان الصديق أفضل الأمة صاحب المتابعة للآثار النبوبة فهو معلم ~~لعمر ومؤدب للمحدث منهم الذي يكون له من ربه إلهام وخطاب كما كان أبو بكر ~~معلما لعمر ومؤدبا له حيث قال له # فأخبرك أنك تدخله هذا العام قال لا قال إنك آتيه ومطوف # فبين له الصديق أن وعد النبى صلى الله عليه وسلم مطلق غير مقيد بوقت ~~وكونه سعى في ذلك العام وقصده لا يوجب أن يعنى ما أخبر به فإنه قد يقصد ~~الشيء ولايكون بل يكون غيره إذ ليس من شرط النبى أن يكون كما قصده بل من ~~تمام نعمة ربه عليه أن يقيده عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده كما ~~كان صلح الحديبية أنفع للمؤمنين من دخولهم ذلك العام بخلاف خبر النبى فإنه ~~صادق لا بد أن ms4682 يقع ما أخبر به ويتحقق PageV15P185 # وكذلك ظن النبى كما قال في تأبير النخل ( إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذونى ~~بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فإنى لن أكذب على الله ( فإستيئاس عمر وغيره ~~من دخول ذلك هو إستيئاس مما ظنوه موعودا به ولم يكن موعودا به # ومثل هذا لا يمتنع على الأنبياء أن يظنوا شيئا فيكون الأمر بخلاف ما [ ~~ظنوه ] فقد يظنون فيما وعدوه تعيينا وصفات ولا يكون كما ظنوه فييأسون مما ~~ظنوه في الوعد لا من تعيين الوعد كما قال النبى صلى الله عليه وسلم رأيت أن ~~أبا جهل قد أسلم فلما اسلم خالد ظنوه هو فلما أسلم عكرمة علم أنه هو ( وروى ~~مسلم في صحيحه أن النبى مر بقوم يلقحون ( فقال لو لم تفعلوا هذا لصلح ( قال ~~فخرج سبتا فمر بهم فقال ( ما لفحلكم ( قالوا قلت كذا وكذا قال أنتم اعلم ~~بأمر دنياكم ( وروى أيضا عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة بن عبيد الله قال ~~مررت مع رسول الله بقوم على رؤوس النخل فقال ( ما يصنع هؤلاء ( فقال ~~يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح فقال رسول الله ( ما أظن يغنى ذلك ~~شيئا ( فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ~~( إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه PageV15P186 فإننى ظننت ظنا فلا تؤاخذونى ~~بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإنى لن أكذب على الله ( # فإذا كان النبى يأمرنا إذا حدثنا بشيء عن الله أن نأخذ به فإنه لن يكذب ~~على الله فهو أتقانا لله وأعلمنا بما يتقى وهو أحق أن يكون آخذا بما يحدثنا ~~عن الله فإذا أخبره الله بوعد كان علينا أن نصدق به وتصديقه هو به أعظم من ~~تصديقنا ولم يكن لنا أن نشك فيه وهو بأبى أولى وأحرى أن لا يشك فيه لكن قد ~~يظن ظنا كقوله ( إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذونى بالظن ( وإن كان أخبره به ~~مطلقا فمستنده ظنون كقوله في حديث ذى اليدين ( ما قصرت الصلاة ولا نسيت ( # وقد ms4683 يظن الشيء ثم يبين الله الأمر على جليته كما وقع مثل ذلك في أمور ~~كقوله تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ نزلت في الوليد بن عقبة ~~لما إستعمله النبى [ وهم أن ] يغزوهم لما ظن صدقه حتى أنزل الله هذه الآية # وكذلك في قصة بنى أبيرق التى أنزل الله فيها @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما @QE@ ~~PageV15P187 وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذى كان يسرق وأخرجوا البرىء ~~فظن النبى صدقهم حتى تبين الأمر بعد ذلك وقال في حديث قصر الصلاة ( لم أنس ~~ولم تقصر ( فقالوا بلى قد نسيت وكان قد نسى فأخبر عن موجب ظنه وإعتقاده حتى ~~تبين الأمر بعد ذلك وروى عنه أنه قال ( إنى لا أنسى لأسن ( وأيضا فقوله في ~~القرآن @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ شامل للنبى وأمته حيث ~~قال في صدر الآيات @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله @QE@ الآيات # وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عيسى الأنصارى عن سعيد بن جبير عن بن عباس ~~قال ( بينا جبريل قاعد عند النبى سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب ~~من السماء فتح اليوم لم يفتح إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى ~~الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال ابشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبى ~~قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته ( # وفى صحيح مسلم عن آدم عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال ( لما نزلت هذه ~~الآية @QB@ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ دخل في ~~قلوبهم منها شيء لم يدخل مثله فقال النبى PageV15P188 ( قولوا سمعنا وأطعنا ~~وسلمنا ( قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى @QB@ لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت @QE@ الآيات إلى قوله ~~@QB@ أو أخطأنا @QE@ قال قد فعلت إلى آخر السورة قال قد فعلت ms4684 ) # وفى صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة قال لما ~~نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ إشتد ذلك على ~~أصحاب رسول الله ثم بركوا على الركب فقالوا أى رسول الله كلفنا من الأعمال ~~ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا ~~نطيقها قال رسول الله ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب سمعنا وعصينا ~~بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ( فلما اقتراها القوم وذلت ~~بها ألسنتهم أنزل الله عزوجل في أثرها @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ~~ربه @QE@ إلى قوله @QB@ وإليك المصير @QE@ فلما فعلوا ذلك نسخها سبحانه ~~فأنزل الله @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ إلى قوله @QB@ قبلنا ~~@QE@ قال نعم @QB@ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به @QE@ قال نعم إلى آخر ~~السورة قال نعم # والذى عليه جمهور أهل الحديث والفقه أنه يجوز عليهم الخطأ في PageV15P189 ~~الإجتهاد لكن لا يقرون عليه وإذا كان في الأمر والنهى فكيف في الخبر وفى ~~الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إنكم تختصمون إلى ولعل ~~بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضى بنحو مما اسمع فأحسب أنه صادق ~~فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ( فنفس ~~ما يعد الله به الأنبياء والمؤمنين حقا لا يمترون فيه كما قال تعالى في قصة ~~نوح @QB@ ونادى نوح ربه @QE@ إلى آخر الآية ومثل هذا الظن قد يكون من إلقاء ~~الشيطان المذكور في قوله @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي @QE@ إلى ~~قوله @QB@ صراط مستقيم @QE@ وقد تكلمنا على هذه الآية في غير هذا الموضع # وللناس فيها قولان مشهوران بعد إتفاقهم على أن التمنى هو التلاوة والقرآن ~~كما عليه المفسرون من السلف كما في قوله @QB@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ~~إلا أماني وإن هم إلا يظنون @QE@ وأما من ms4685 أول النهى على تمنى القلب فذاك ~~فيه كلام آخر وإن قيل إن الآية تعم النوعين لكن الأول هو المعروف المشهور ~~في التفسير وهو ظاهر القرآن ومراد الآية قطعا لقوله بعد ذلك @QB@ فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي ~~الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض @QE@ وهذا كله لا يكون في مجرد القلب إذا ~~PageV15P190 لم يتكلم به النبى لكن قد يكون في ظنه الذى يتكلم به بعضه ~~النخل ونحوها وهو يوافق ما ذكرناه # وإذا كان التمنى لا بد أن يدخل فيه القول ففيه قولان # ( الأول ( أن الإلقاء هو في سمع المستمعين ولم يتكلم به الرسول وهذا قول ~~من تأول الآية بمنع جواز الإلقاء في كلامه # و ( الثانى ( وهو الذى عليه عامة السلف ومن إتبعهم أن الإلقاء في نفس ~~التلاوة كما دلت عليه الآية وسياقها من غير وجه كما وردت به الآثار ~~المتعددة ولا محذور في ذلك إلا إذا أقرعليه فأما إذا نسخ الله ما ألقى ~~الشيطان وأحكم آياته فلا محذور في ذلك وليس هو خطأ وغلط في تبليغ الرسالة ~~إلا إذا أقر عليه # ولا ريب أنه معصوم في تبليغ الرسالة أن يقر على خطأ كما قال ( فإذا ~~حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به فإنى لن أكذب على الله ( ولولا ذلك لما قامت ~~الحجة به فإن كونه رسول الله يقتضى أنه صادق فيما يخبر به عن الله والصدق ~~يتضمن نفى الكذب ونفى الخطأ فيه فلو جاز عليه الخطأ فيما يخبر به عن الله ~~وأقر عليه لم يكن كلما يخبر به عن الله # والذين منعوا أن يقع الإلقاء في تبليغه فروا من هذا وقصدوا PageV15P191 ~~خيرا وأحسنوا في ذلك لكن يقال لهم ألقى ثم أحكم فلا محذور في ذلك فإن هذا ~~يشبه النسخ لمن بلغه الأمر والنهى من بعض الوجوه فإنه إذا موقن مصدق برفع ~~قول سبق لسانه به ليس أعظم من أخباره برفعه # ولهذا قال في النسخ @QB@ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله @QE@ ~~فظنهم ms4686 أنهم قد كذبوا هو يتبع ما يظنونه من معنى الوعد وهذا جائز لا محذور ~~فيه إذا لم يقروا عليه وهذا وجه حسن وهو موافق لظاهر الآية ولسائر الأصول ~~من الآيات والأحاديث والذى يحقق [ ذلك ] أن باب الوعد والوعيد ليس بأعظم من ~~باب الأمر والنهى # فإذا كان من الجائز في باب الأمر والنهى أن يظنوا شيئا ثم يتبين الأمر ~~لهم بخلافه فلأن يجوز ذلك في باب الوعد والوعيد بطريق الأولى والأحرى حتى ~~أن باب الأمر والنهى إذا تمسكوا فيه بالإستصحاب لم يقع في ذلك ظن خلاف ما ~~هو عليه الأمر في نفسه فإن الوجوب والتحريم الذى لا يثبت إلا بخطاب إذا ~~نفوه قبل الخطاب كان ذلك إعتقادا مطابقا للأمر في نفسه وباب الوعد إذا لم ~~يخبروا به قد يظنون إنتفاءه كما ظن الخليل جواز المغفرة لأبيه حتى إستغفر ~~له ونهينا عن الإقتداء كما قال النبى لأبى طالب ( ) ( لأستغفرن لك مالم أنه ~~عنك ( وحتى استاذن ربه في الإستغفار لأمه فلم يؤذن له في PageV15P192 ذلك ~~وحتى صلى على المنافقين قبل أن ينهى عن ذلك وكان يرجو لهم المغفرة حتى أنزل ~~الله عز وجل @QB@ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين @QE@ إلى ~~قوله @QB@ لأواه حليم @QE@ وقال عن المنافقين @QB@ ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا @QE@ الآية وقال @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم @QE@ فإذا كان صلى على المنافقين وإستغفر لهم راجيا ان يغفر ~~لهم قبل ان يعلم ذلك # ولهذا سوغ العلماء أن يروى في باب الوعد والوعيد من الأحاديث مالم يعلم ~~انه كذب وإن كان ضعيف الإسناد بخلاف باب الأمر والنهى فإنه لا يؤخذ فيه إلا ~~بما يثبت أنه صدق لأن باب الوعد والوعيد إذا أمكن أن يكون الخبر صدقا وأمكن ~~أن يوجد الخبر كذبا لم يجز نفيه لا سيما بلا علم كما لم يجز الجزم بثبوته ~~بلا علم إذ لا محذور فيه منابت الناس اللفظ تعيين الوعد والوعيد فلا يجوز ~~منع ذلك بمنع الحديث إذا أمكن ms4687 أن يكون صدقا لأن في ذلك إبطال لما هو حق ~~وذلك لا يجوز # ولهذا قال النبى ? < حدثوا عن بنى إسرائيل PageV15P193 ولا حرج > ? وهذا ~~الباب وهو باب الوعد والوعيد هو في الكتاب بأسماء مطلقة للمؤمنين والصابرين ~~والمجاهدين والمحسنين فما أكثر من يظن من الناس أنه من أهل الوعد ويكون ~~اللفظ في ظنه أنه متصف بما يدخل في الوعد لا في إعتقاد صدق الوعد في نفسه # وهذا كقوله @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم ~~يقوم الأشهاد @QE@ وقوله @QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين @QE@ ~~الآيتين فقد يظن الإنسان في نفسه أو غيره كمال الإيمان المستحق للنصر وأن ~~جند الله الغالبون ويكون الأمر بخلاف ذلك وقد يقع من النصر الموعود به مالا ~~يظن أنه من الموعود به فالظن المخطىء فهم ذلك كثير جدا أكثر من باب الأمر ~~والنهى مع كثرة ما وقع من الغلط في ذلك وهذا مما لا يحصر الغلط فيه إلا ~~الله تعالى وهذا عام لجميع الآدميين لكن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ~~لا يقرون بل يتبين لهم وغير الأنبياء قد لا يتبين له ذلك في الدنيا # ولهذا كثر في القرآن ما يأمر نبيه بتصديق الوعد PageV15P194 والإيمان وما ~~يحتاج إليه ذلك من الصبر إلى أن يجيء الوقت ومن الإستغفار لزوال الذنوب ~~التى بها تحقيق إتصافه بصفة الوعد كما قال تعالى @QB@ فاصبر إن وعد الله حق ~~ولا يستخفنك الذين لا يوقنون @QE@ وقال تعالى @QB@ فاصبر إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك @QE@ الآية والآيات في هذا الباب ~~كثيرة معلومة والله تعالى أعلم PageV15P195 ### || سورة الرعد # قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ### ||| فصل # في قوله تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء قل سموهم @QE@ قيل المراد سموهم ~~بأسماء حقيقة لها معان تستحق بها الشرك له والعبادة فإن لم تقدروا بطل ما ~~تدعونه # وقيل إذا سميتموها آلهة فسموها بإسم الاله كالخالق والرازق فإذا كانت هذه ~~كاذبة عليها فكذلك إسم الآلهة وقد حام حول معناها كثير من المفسرين فما ~~شفوا عليلا ولا أرووا غليلا وإن ms4688 كان ما قالوه صحيحا # فتأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعنى فإنه سبحانه يقول ~~@QB@ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت @QE@ وهذا إستفهام PageV15P196 ~~تقرير يتضمن إقامة الحجة عليهم ونفى كل معبود مع الله الذى هو قائم على كل ~~نفس بما كسبت بعلمه وقدرته وجزائه في الدنيا والآخرة فهو رقيب عليها حافظ ~~لأعمالها مجاز لها بما كسبت من خير وشر # فإذا جعلتم أولئك شركاء فسموهم إذا بالأسماء التى يسمى بها القائم على كل ~~نفس بما كسبت فإنه سبحانه يسمى بالحي القيوم المحيي المميت السميع البصير ~~الغنى عما سواه وكل شيء فقير إليه ووجود كل شيء به فهل تستحق آلهتكم إسما ~~من تلك الأسماء فإن كانت آلهة حقا فسموها بإسم من هذه الأسماء وذلك بهت بين ~~فإذا إنتفى عنها ذلك علم بطلانها كما علم بطلان مسماها # وأما إن سموها بأسمائها الصادقة عليها كالحجارة وغيرها من مسمى الجمادات ~~واسماء الحيوان التى عبدوها من دون الله كالبقر وغيرها وبأسماء الشياطين ~~الذين أشركوهم مع الله جل وعلا وبأسماء الكواكب المسخرات تحت أوامر الرب ~~والأسماء الشاملة لجميعها أسماء المخلوقات المحتاجات المدبرات المقهورات # وكذلك بنو آدم عبادة بعضهم بعضا فهذه اسماؤها الحق وهى تبطل إلهيتها لأن ~~الأسماء التى من لوازم الإلهية مستحيلة عليها فظهر ان تسميتها آلهة من أكبر ~~الأدلة على بطلان إلهيتها وإمتناع كونها شركاء لله عز وجل PageV15P197 ### || 1 ( رسالة في ثلاث آيات متشابهة المعنى ) 1 ### || سورة الحجر # وقال شيخ الإسلام # أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى قدس الله روحه ونور ~~ضريحه ورحمه ! 8 < ### ||| فصل # في آيات ثلاث متناسبة متشابهة اللفظ والمعنى يخفى معناها على أكثر الناس # قوله تعالى @QB@ قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ وقوله تعالى @QB@ وعلى الله قصد السبيل ومنها ~~جائر @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى @QE@ ~~PageV15P198 فلفظ هذه الآيات فيه أن السبيل الهادى هو على الله # وقد ذكر أبوالفرج بن الجوزي في ms4689 الآية الأولى ثلاثة أقوال بخلاف الآيتين ~~الأخريين فإنه لم يذكر فيهما إلا قولا واحدا فقال في تلك الآية إختلفوا في ~~معنى هذا الكلام على ثلاثة أقوال # ( أحدها ( أنه يعنى بقوله هذا الإخلاص فالمعنى أن الإخلاص طريق إلى ~~مستقيم و ( على ( بمعنى ( إلى ( # و ( الثانى ( هذا طريق على جوازه لأنى بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم وهو ~~خارج مخرج الوعيد كما تقول للرجل تخاصمه ( طريقك على ) فهو كقوله @QB@ إن ~~ربك لبالمرصاد @QE@ و ( الثالث ( هذا صراط على إستقامته أى أنا ضامن ~~لإستقامته بالبيان والبرهان قال وقرأ قتادة ويعقوب @QB@ هذا صراط علي @QE@ ~~أى رفيع # قلت هذه الأقوال الثلاثة قد ذكرها من قبله كالثعلبي والواحدي والبغوي ~~وذكروا قولا رابعا فقالوا واللفظ للبغوى وهو مختصر الثعلبي PageV15P199 # قال الحسن معناه صراط إلي مستقيم وقال مجاهد الحق يرجع إلى وعليه طريقه ~~لا يعرج على شيء وقال الأخفش يعنى على الدلالة على الصراط المستقيم وقال ~~الكسائى هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه ( طريقك على ( ~~أى لا تفلت منى كما قال تعالى @QB@ إن ربك لبالمرصاد @QE@ وقيل معناه على ~~إستقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية # فذكروا الأقوال الثلاثة وذكروا قول الأخفش ( على الدلالة على الصراط ~~المستقيم ( وهو يشبه القول الأخير لكن بينهما فرق فإن ذاك يقول على ~~إستقامته بإقامة الأدلة فمن سلكه كان على صراط مستقيم والآخر يقول على أن ~~أدل الخلق عليه بإقامة الحجج ففى كلا القولين أنه بين الصراط المستقيم بنصب ~~الأدلة لكن هذا جعل الدلالة عليه وهذا جعل عليه إستقامته أى بيان إستقامته ~~وهما متلازمان ولهذا والله أعلم لم يجعله أبوالفرج قولا رابعا # وذكروا القراءة الأخرى عن يعقوب وغيره أى رفيع قال البغوي وعبر بعضهم عنه ~~( رفيع أن ينال مستقيم أن يمال PageV15P200 # ( قلت ( القول الصواب هو قول أئمة السلف قول مجاهد ونحوه فإنهم أعلم ~~بمعانى القرآن لا سيما مجاهد فإنه قال عرضت المصحف على بن عباس من فاتحته ~~إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها ( وقال الثورى إذا جاءك التفسير عن ~~مجاهد فحسبك به والأئمة كالشافعى واحمد ms4690 والبخارى ونحوهم يعتمدون على تفسيره ~~والبخارى في صحيحه أكثر ما ينقله من التفسير ينقله عنه والحسن البصرى أعلم ~~التابعين بالبصرة وما ذكروه عن مجاهد ثابت عنه رواه الناس كابن أبى حاتم ~~وغيره من تفسير ورقاء عن بن أبى نجيح عن مجاهد في قوله @QB@ هذا صراط علي ~~مستقيم @QE@ الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على شيء وذكر عن قتادة ~~أنه فسرها على قراءته وهو يقرأ ( على ( ( فقال أى رفيع مستقيم ( وكذلك ذكر ~~بن أبى حاتم عن السلف أنهم فسروا آية النحل فروى من طريق ورقاء عن بن أبى ~~نجيح عن مجاهد قوله @QB@ قصد السبيل @QE@ قال طريق الحق على الله قال وروى ~~عن السدى انه قال الإسلام وعطاء قال هي طريق الجنة # فهذه الأقوال قول مجاهد والسدى وعطاء في هذه الآية هي مثل قول مجاهد ~~والحسن في تلك الآية # وذكر بن أبى حاتم من تفسير العوفى عن بن عباس في قوله PageV15P201 @QB@ ~~وعلى الله قصد السبيل @QE@ يقول على الله البيان أن يبين الهدى والضلالة ~~وذكر بن ابى حاتم في هذه الآية قولين ولم يذكر في أية الحجر إلا قول مجاهد ~~فقط # وبن الجوزى لم يذكر في آية النحل إلا هذا القول الثانى وذكره عن الزجاج ~~فقال @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ القصد إستقامة الطريق يقال طريق قصد ~~وقاصد إذا قصد بك إلى ما تريد قال الزجاج المعنى وعلى الله تبيين الطريق ~~المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين # وكذلك الثعلبى والبغوى ونحوهما لم يذكروا إلا هذا القول لكن ذكروه ~~باللفظين قال البغوى يعنى بيان طريق الهدى من الضلالة وقيل بيان الحق ~~بالآيات والبراهين # قال والقصد الصراط المستقيم ( ومنها جائر ( يعنى ومن السبيل ماهو جائر عن ~~الإستقامة معوج فالقصد من السبيل دين الإسلام والجائر منها اليهودية ~~والنصرانية وسائر ملل الكفر PageV15P202 قال جابر بن عبد الله قصد السبيل ~~بيان الشرائع والفرائض وقال عبد الله بن المبارك وسهل بن عبد الله قصد ~~السبيل السنة ( ومنها جائر ( الأهواء والبدع دليله قوله تعالى @QB@ وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ms4691 تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ # ولكن البغوي ذكر فيها القول الآخر ذكره في تفسير قوله تعالى @QB@ إن ~~علينا للهدى @QE@ عن الفراء كما سيأتى فقد ذكر القولين في الآيات الثلاث ~~تبعا لمن قبله كالثعلبى وغيره والمهدوي ذكر في الآية الأولى قولين من ~~الثلاثة وذكر في الثانية ما رواه العوفى وقولا آخر فقال قوله @QB@ هذا صراط ~~علي مستقيم @QE@ أى على أمرى وإرادتى وقيل هو على التهديد كما يقال على ~~طريقك وإلى مصيرك # وقال في قوله @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ قال بن عباس أى بيان الهدى ~~من الضلال وقيل السبيل الإسلام ( ومنها جائر ( أى ومن السبيل جائر أى عادل ~~عن الحق وقيل المعنى ( وعنها جائر ( أى عن السبيل ف ( من ( بمعنى ( عن ( # وقيل معنى قصد السبيل سيركم ورجوعكم والسبيل واحدة بمعنى الجمع ~~PageV15P203 # قلت هذا قول بعض المتأخرين جعل ( القصد ( بمعنى ( الإرادة ( أي عليه ~~قصدكم للسبيل في ذهابكم ورجوعكم وهو كلام من لم يفهم الآية فإن ( السبيل ~~القصد ( هي السبيل العادلة أى عليه السبيل القصد و ( السبيل ( إسم جنس ~~ولهذا قال ( ومنها جائر ( أى عليه القصد من السبيل ومن السبيل جائر فأضافه ~~إلى إسم الجنس إضافة النوع إلى الجنس أى ( القصد من السبيل ( كما تقول ( ~~ثوب خز ) ولهذا قال ( ومنها جائر ( وأما من ظن أن التقدير ( قصدكم السبيل ( ~~فهذا لا يطابق لفظ الآية ونظمها من وجوه متعددة وبن عطية لم يذكر في آية ~~الحجر إلا قول الكسائى وهو أضعف الأقوال وذكر المعنى الصحيح تفسيرا للقراءة ~~الأخرى فذكر أن جماعة من السلف قرؤوا @QB@ علي مستقيم @QE@ من العلو ~~والرفعة قال والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى الإخلاص لما إستثنى إبليس ~~من أخلص قال الله له هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت بأغوائك ~~أهله # قال وقرأ جمهور الناس ( على مستقيم ( والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى ~~إنقسام الناس إلى غاو ومخلص لما قسم إبليس هذين PageV15P204 القسمين قال ~~الله ( هذا طريق على ( أى هذا أمر إلى مصيره والعرب تقول ( طريقك في هذا ~~الأمر على فلان ms4692 ( أى إليه يصير النظر في أمرك وهذا نحو قوله @QB@ إن ربك ~~لبالمرصاد @QE@ قال والآية على هذه القراءة خبر يتضمن وعيدا # ( قلت ( هذا قول لم ينقل عن أحد من علماء التفسير لا في هذه الآية ولا في ~~نظيرها وإنما قاله الكسائى لما أشكل عليه معنى الآية الذى فهمه السلف ودل ~~عليه السياق والنظائر # وكلام العرب لا يدل على هذا القول فإن الرجل وإن كان يقول لمن يتهدده ~~ويتوعده ( على طريقك ( فإنه لا يقول إن طريقك مستقيم # وأيضا فالوعيد إنما يكون للمسيء لا يكون للمخلصين فكيف يكون قوله هذا ( ~~إشارة إلى إنقسام الناس إلى غاو ومخلص # ) وطريق هؤلاء غير طريق هؤلاء هؤلاء سلكوا الطريق المستقيم التى تدل على ~~الله وهؤلاء سلكوا السبيل الجائرة وأيضا فإنما يقول لغيره في التهديد ( ~~طريقك على ( من لا يقدر عليه في الحال لكن ذاك يمر بنفسه عليه وهو متمكن ~~منه كما كان أهل PageV15P205 المدينة يتوعدون أهل مكة بأن ( طريقكم علينا ( ~~لما تهددوهم بأنكم آويتم محمدا وأصحابه كما قال أبوجهل لسعد بن معاذ لما ~~ذهب سعد إلى مكة ( لا أراك تطوف بالبيت آمنا وقد آويتم الصباة وزعمتم أنكم ~~تنصرونهم ( فقال ( لئن منعتنى هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على ~~المدينة ( أو نحو هذا فذكر أن طريقهم في متجرهم إلى الشام عليهم فيتمكنون ~~حينئذ من جزائهم # ومثل هذا المعنى لا يقال في حق الله تعالى ( فإن الله قادر على العباد ~~حيث كانوا كما قالت الجن @QB@ وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن ~~نعجزه هربا @QE@ وقال @QB@ وما أنتم بمعجزين في الأرض @QE@ # واذا كانت العرب تقول ما ذكره يقولون طريقك في هذا ألأمر على فلان أى ~~إليه يصير أمرك فهذا يطابق تفسير مجاهد وغيره من السلف كما قال مجاهد الحق ~~يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على شيء فطريق الحق على الله وهو الصراط ~~المستقيم الذى قال الله فيه @QB@ هذا صراط علي مستقيم @QE@ كما فسرت به ~~القراءة الأخرى # فالصراط في القرائتين هذا الصراط المستقيم الذى أمر ms4693 الله المؤمنين ~~PageV15P206 أن يسألوه إياه في صلاتهم فيقولوا @QB@ اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وهو الذى وصى ~~به في قوله @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون @QE@ وقوله هذا إشارة إلى ما تقدم ذكره ~~وهو قوله @QB@ إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ فتعبد العباد له بإخلاص الدين ~~له طريق يدل عليه وهو طريق مستقيم ولهذا قال بعده @QB@ إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان @QE@ وبن عطية ذكر أن هذا معنى الآية في تفسير الآية الأخرى ~~مستشهدا به مع أنه لم يذكره في تفسيرها فهو بفطرته عرف أن هذا معنى الآية ~~ولكنه لما فسرها ذكر ذلك القول كأنه هو الذى إتفق أن رأى غيره قد قاله هناك ~~فقال رحمه الله # وقوله @QB@ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر @QE@ وهذه أيضا من أجل نعم ~~الله تعالى أى على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه وذلك بنصب الأدلة وبعث ~~الرسل وإلى هذا ذهب المتأولون # قال ويحتمل أن يكون المعنى أن من سلك السبيل القاصد فعلى الله طريقه وإلى ~~ذلك مصيره فيكون هذا مثل قوله @QB@ هذا صراط علي مستقيم @QE@ PageV15P207 ~~وضد قول النبى ( والشر ليس إليك ( أى لا يفضى إلى رحمتك وطريق قاصد معناه ~~بين مستقيم قريب ومنه قول الراجز % بعيد عن نهج الطريق القاصد % # قال والألف واللام في ( السبيل ( للعهد وهى سبيل الشرع وليست للجنس ولو ~~كانت للجنس لم يكن منها جائر وقوله ( ومنها جائر ( يريد طريق اليهود ~~والنصارى وغيرهم كعباد الأصنام والضمير في ( منها ( يعود على ( السبيل ( ~~التى يتضمنها معنى الآية كأنه قال ( ومن السبيل جائر ( فأعاد عليها وإن كان ~~لم يجر لها ذكر لتضمن لفظه ( السبيل ( بالمعنى لها # قال ويحتمل أن يكون الضمير في ( منها ( على ( سبيل الشرع ( المذكورة ~~ويكون ( من ( للتبعيض ويكون المراد فرق الضلالة من امة محمد كأنه قال ( ومن ~~بنيات الطرق من هذه السبيل ومن شعبها جائر ( قلت ( سبيل أهل البدع جائرة ~~خارجة عن الصراط المستقيم فيما إبتدعوا ms4694 فيه ولا يقال إن ذلك من السبيل ~~المشروعة PageV15P208 # وأما قوله إن قوله @QB@ قصد السبيل @QE@ هي سبيل الشرع وهى سبيل الهدى ~~والصراط المستقيم وأنها لو كانت للجنس لم يكن منها جائر فهذا أحد الوجهين ~~في دلالة الآية وهو مرجوح والصحيح الوجه الآخر أن ( السبيل ( إسم جنس ولكن ~~الذى على الله هو القصد منها وهى سبيل واحد ولما كان جنسا قال ( ومنها جائر ~~( والضمير يعود على ما ذكر بلا تكلف # وقوله ( لو كان للجنس لم يكن منها جائر ( ليس كذلك فإنها ليست كلها عليه ~~بل إنما عليه القصد منها وهى سبيل الهدى والجائر ليس من القصد وكأنه ظن أنه ~~إذا كانت للجنس يكون عليه قصد كل سبيل وليس كذلك بل إنما عليه سبيل واحدة ~~وهى الصراط المستقيم هي التى تدل عليه وسائرها سبل الشيطان كما قال @QB@ ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ # وقد أحسن رحمه الله في هذا الإحتمال وفى تمثيله ذلك بقوله @QB@ هذا صراط ~~علي مستقيم @QE@ # وأما آية الليل قوله @QB@ إن علينا للهدى @QE@ فابن عطية مثلها بهذة ~~الآية لكنه فسرها بالوجه الأول فقال PageV15P209 # ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا أى تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم ~~الإدراك كما قال @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ ثم كل أحد يتكسب ما قدر له ~~وليست هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان ولو كان كذلك لم يوجد كافر # ( قلت ( وهذا هو الذى ذكره بن الجوزى وذكره عن الزجاج قال الزجاج إن ~~علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال # وهذا التفسير ثابت عن قتادة رواه عبد بن حميد قال حدثنا يونس عن شيبان عن ~~قتادة @QB@ إن علينا للهدى @QE@ علينا بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ~~وكذلك رواه إبن أبى حاتم في تفسير سعيد عن قتادة في قوله @QB@ إن علينا ~~للهدى @QE@ يقول على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته # لكن قتادة ذكر أنه البيان الذى أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه فتبين به ~~حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته وأما الثعلبى والواحدى والبغوى ms4695 وغيرهم فذكروا ~~القولين وزادوا أقوالا أخر فقالوا واللفظ للبغوى PageV15P210 @QB@ إن علينا ~~للهدى @QE@ يعنى البيان قال الزجاج علينا أن نبين طريق الهدى من طريق ~~الضلالة وهو قول قتادة قال على الله بيان حلاله وحرامه # وقال الفراء يعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله تعالى @QB@ وعلى ~~الله قصد السبيل @QE@ يقول من أراد الله فهو على السبيل القاصد قال ( وقيل ~~معناه إن علينا للهدى والإضلال كقوله @QB@ بيدك الخير @QE@ قلت هذا القول ~~هو من الأقوال المحدثة التى لم تعرف عن السلف وكذلك ما أشبهه فإنهم قالوا ~~معناه بيدك الخير والشر والنبى في الحديث الصحيح يقول والخير بيديك والشر ~~ليس إليك # والله تعالى خالق كل شيء لا يكون في ملكه إلا ما يشاء والقدر حق لكن فهم ~~القرآن ووضع كل شيء موضعه وبيان حكمة الرب وعدله مع الإيمان بالقدر هو طريق ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان # وقد ذكر المهدوى الأقوال الثلاثة فقال إن علينا للهدى PageV15P211 ~~والضلال فحذف قتادة المعنى إن علينا بيان الحلال والحرام وقيل المعنى إن ~~علينا أن نهدى من سلك سبيل الهدى قلت هذا هو قول الفراء لكن عبارة الفراء ~~أبين في معرفة هذا القول # فقد تبين أن جمهور المتقدمين فسروا الآيات الثلاث بأن الطريق المستقيم ~~لايدل إلا على الله ومنهم من فسرها بأن عليه بيان الطريق المستقيم والمعنى ~~الأول متفق عليه بين المسلمين # وأما الثانى فقد يقول طائفة ليس على الله شيء لا بيان هذا ولا هذا فإنهم ~~متنازعون هل أوجب على نفسه كما قال @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ ~~وقوله @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ وقوله @QB@ وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها @QE@ # وإذا كان عليه بيان الهدى من الضلال وبيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ~~فهذا يوافق قول من يقول إن عليه إرسال الرسل وإن ذلك واجب عليه فإن البيان ~~لا يحصل إلا بهذا # وهذا يتعلق بأصل آخر وهو أن كل ما فعله فهو واجب منه PageV15P212 أوجبته ~~مشيئته وحكمته وأنه ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن فما شاءه ms4696 وجب وجوده ومالم ~~يشأه إمتنع وجوده وبسط هذا له موضع آخر # ودلالة الآيات على هذا فيها نظر وأما المعنى المتفق عليه فهو مراد من ~~الآيات الثلاث قطعا وأنه أرشد بها إلى [ الطريق المستقيم ] وهى الطريق ~~القصد وهى الهدى إنما تدل عليه وهو الحق طريقه على الله لا يعرج عنه # لكن نشأت الشبهة من كونه قال ( علينا ( بحرف الإستعلاء ولم يقل ( إلينا ( ~~والمعروف أن يقال لمن يشار إليه أن يقال ( هذه الطريق إلى فلان ( ولمن يمر ~~به ويجتاز عليه أن يقول ( طريقنا على فلان ( # وذكر هذا المعنى بحرف الإستعلاء وهو من محاسن القرآن الذى لا تنقضى ~~عجائبه ولا يشبع منه العلماء # فإن الخلق كلهم مصيرهم ومرجعهم إلى الله على أى طريق سلكوا كما قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه @QE@ وقال @QB@ وإلى ~~الله المصير @QE@ @QB@ إن إلينا إيابهم @QE@ أي إلينا مرجعهم وقال ~~PageV15P213 @QB@ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم ~~يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو ~~القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ~~وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق @QE@ وقال @QB@ أم لم ينبأ بما ~~في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى @QE@ ~~وقال @QB@ وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون @QE@ # فأي سبيل سلكها العبد فإلى الله مرجعه ومنتهاه لابد له من لقاء الله @QB@ ~~ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى @QE@ # وتلك الآيات قصد بها أن سبيل الحق والهدى وهو الصراط المستقيم هو الذى ~~يسعد أصحابه وينالون به ولاية الله ورحمته وكرامته فيكون الله وليهم دون ~~الشيطان وهذه سبيل من عبد الله وحده وأطاع رسله فلهذا قال @QB@ إن علينا ~~للهدى @QE@ @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ قال هذا صراط على مستقيم ( ~~فالهدى ms4697 وقصد السبيل والصراط المستقيم إنما يدل على عبادته وطاعته لا يدل ~~على معصيته وطاعة الشيطان PageV15P214 فالكلام تضمن معنى ( الدلالة ( إذ ~~ليس المراد ذكر الجزاء في الآخرة فإن الجزاء يعم الخلق كلهم بل المقصود ~~بيان ما أمر الله به من عبادته وطاعته وطاعة رسله ما الذى يدل على ذلك ~~فكأنه قيل الصراط المستقيم يدل على الله على عبادته وطاعته # وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون ( هذه الطريق على فلان ( إذا كانت ~~تدل عليه وكان هو الغاية المقصود بها وهذا غير كونها ( عليه ( بمعنى أن ~~صاحبها يمر عليه وقد قيل % فهن المنايا أى واد سلكته % عليها طريقى أو على ~~طريقها % # وهو كما قال الفراء من سلك الهدى فعلى الله سبيله # فالمقصود بالسبيل هو الذي يدل ويوقع عليه كما يقال إن سلكت هذه السبيل ~~وقعت على المقصود ونحو ذلك وكما يقال ( على الخبير سقطت ) فإن الغاية ~~المطلوبة إذا كانت عظيمة فالسالك يقع عليها ويرمى نفسه عليها # وأيضا فسالك طريق الله متوكل عليه فلابد له من عبادته ومن التوكل عليه # فإذا قيل عليه الطريق المستقيم تضمن أن سالكه عليه يتوكل PageV15P215 ~~وعليه تدله الطريق وعلى عبادته وطاعته يقع ويسقط لا يعدل عن ذلك إلى نحو ~~ذلك من المعانى التى يدل عليها حرف الإستعلاء دون حرف الغاية وهو سبحانه قد ~~أخبر أنه على صراط مستقيم فعليه الصراط المستقيم وهو على صراط مستقيم ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا والله أعلم PageV15P216 ### || سورة النحل # قال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # اللباس له منفعتان إحداهما الزينة بستر السوءة # والثانية الوقاية لما يضر من حر أو برد أو عدو # فذكر اللباس في ( سورة ألأعراف ( لفائدة الزينة وهى المعتبرة في الصلاة ~~والطواف كما دل عليه قوله @QB@ خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ وقال @QB@ يا ~~بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم @QE@ وقال @QB@ قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق @QE@ ردا على ما كانوا عليه في ~~الجاهلية من تحريم الطواف في الثياب الذى قدم بها ms4698 غير الحمس ومن أكل ما ~~سلوه من الأدهان PageV15P217 وذكره في النحل لفائدة الوقاية في قوله @QB@ ~~وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون @QE@ ولما كانت هذه الفائدة حيوانية طبيعية لاقوام للإنسان ~~إلا بها جعلها من النعم ولما كانت تلك فائدة كمالية قرنها بالأمر الشرعى ~~وتلك الفائدة من باب جلب المنفعة بالتزين وهذه من باب دفع المضرة فالناس ~~إلى هذه احوج فأما قوله @QB@ سرابيل تقيكم الحر @QE@ ولم يذكر ( البرد ( ~~فقد قيل لأن التنزيل كان بالأرض الحارة فهم يتخوفونه وقيل حذف الآخر للعلم ~~به ويقال هذا من باب التنبية فإنه إذا إمتن عليهم بما يقى الحر فالإمتنان ~~بما يقى البرد أعظم لأن الحر أذى والبرد بؤس والبرد الشديد يقتل والحر قل ~~إن يقع فيه هكذا فإن باب التنبيه والقياس كما يكون في خطاب الأحكام يكون في ~~خطاب الآلاء وخطاب الوعد والوعيد كما قلته في قوله @QB@ لا تنفروا في الحر ~~قل نار جهنم أشد حرا @QE@ مثله من يقول لا تنفروا في البرد فإن جهنم أشد ~~زمهريرا ( ومن أغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار ( فالوحل ~~والثلج أعظم ونحو ذلك وفى الآية شرع لباس جنن الحرب ولهذا قرن من قرن باب ~~اللباس والتحلى بالصلاة لأن للحرب لباسا مختصا مع اللباس المشترك وطابق ~~قولهم اللباس والتحلى قوله @QB@ يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير @QE@ PageV15P218 وأحسن من هذا أنه قد تقدم ذكر وقاية البرد في ~~اول السورة بقوله @QB@ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ~~@QE@ فيقال لم فرق هذا فيقال والله اعلم المذكور في أول السورة النعم ~~الضرورية التى لا يقومون بدونها من الأكل وشرب الماء القراح ودفع البرد ~~والركوب الذى لابد منه في النقلة وفى آخرها ذكر كمال النعم من الأشربة ~~الطيبة والسكون في البيوت وبيوت الأدم والإستظلال بالظلال ودفع الحر والبأس ~~بالسرابيل فإن هذايستغنى عنه في الجملة ففى الأول الأصول وفى الآخر الكمال ~~ولهذا قال كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون # و ms4699 ( أيضا ( فالمساكن لها منفعتان إحداهما السكون فيها لأجل الإستتار فهي ~~كلباس الزينة من هذا الوجه والثانى وقاية الأذى من الشمس والمطر والريح ~~ونحو ذلك فجمع الله الإمتنان بهذين فقال @QB@ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ~~@QE@ هذه بيوت المدر @QB@ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ~~ظعنكم ويوم إقامتكم @QE@ هذه بيوت العمود @QB@ ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين @QE@ يدخل فيه أهبة البيت من البسط والأوعية ~~والأغطية ونحوها وقال @QB@ من بيوتكم سكنا @QE@ ولم يقل من المدر بيوتا كما ~~قال @QB@ من جلود الأنعام بيوتا @QE@ لأن السكن بيان منفعة البيت فبه تظهر ~~النعمة وإتخاذ PageV15P219 البيوت من المدر معتاد فالنعمة بظهور أثرها ~~بخلاف الأنعام فإن الهداية إلى إتخاذ البيوت من جلودها أظهر من الهداية إلى ~~نفس إتخاذ البيوت # وأما فائدة الوقاية فقال @QB@ والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من ~~الجبال أكنانا @QE@ فالظلال يعم جميع ما يظل من العرش والفساطيط والسقوف ~~مما يصطنعه الآدميون وقوله @QB@ من الجبال أكنانا @QE@ لأن الجبل يكن ~~الإنسان من فوقه ويمينه ويساره واسفل منه ليس مقصوده الإستظلال بخلاف ~~الظلال فإن مقصودها الإستظلال ولهذا قرن بهذه ما في السرابيل من منفعة ~~الوقاية فجمع في هذه الآية بين وقاية اللباس المنتقل مع البدن ووقاية ~~الظلال الثابتة على الأرض ولهذا كانوا في الجاهلية يسوون بينهما في حق ~~المحرم فكما نهى عن تغطية الرأس نهوه عن الدخول تحت سقف حتى أنزل الله @QB@ ~~وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها @QE@ وجاز للمحرم أن يستظل بالثابت ~~من الخيام والشجر وأما الشيء المنتقل معه المتصل كالمحمل ففيه ما فيه ~~لتردده بين السرابيل وبين المستقر من الظلال والأكنة # كما أنه قبل هذه الآيات ذكر أصناف الأشربة من اللبن والخمر والعسل وذكر ~~في اول السورة المراكب والأطعمة وهذه مجامع المطاعم والمشارب والملابس ~~والمساكن والمراكب PageV15P220 # ( وقال شيخ الإسلام ( # قوله عز وجل @QB@ قل نزله روح القدس من ربك بالحق @QE@ الآيتين لفظ ( ~~الأنزال ( في القرآن يرد ( مقيدا ( بأنه منه كالقرآن وبالإنزال من السماء ~~ويراد به العلو كالمطر و ( مطلقا ms4700 ( فلا يختص بنوع بل يتناول إنزال الحديد ~~من الجبال والإنزال من ظهور الحيوان وغير ذلك فقوله @QB@ نزله روح القدس من ~~ربك @QE@ بيان لنزول جبريل به من الله كقوله @QB@ نزل به الروح الأمين @QE@ ~~أى أنه مؤتمن لا يزيد ولا ينقص فإن الخائن قد يغير الرسالة # وفيها دلالة على أمور # منها بطلان قول من زعم خلقه في جسم كالجهمية من المعتزلة وغيرهم فإن ~~السلف يسمون من قال بخلقه ونفى الصفات والرؤية جهميا فإن جهما أول من ظهرت ~~عنه بدعة نفى الأسماء والصفات وبالغ في ذلك فله مزية المبالغة والإبتداء ~~بكثرة إظهاره وإن كان جعد سبقه إلى بعض ذلك لكن المعتزلة وإن وافقوه في ~~البعض فهم يخالفونه في مثل مسائل الإيمان والقدر وبعض الصفات وجهم يقول إن ~~الله لا PageV15P221 يتكلم أو يتكلم مجازا وهم يقولون يتكلم حقيقة ولكن ~~قولهم في المعنى قوله وهو ينفى الأسماء كالباطنية والفلاسفة # ومنها بطلان قول من زعم أنه فاض من العقل الفعال أو غيره وهذا أعظم كفرا ~~وضلالا من الذى قبله ومنها إبطال قول الأشعرية إن كلام الله معنى وهذا ~~العربى خلق ليدل عليه سواء قالوا خلق في بعض الأجسام أو ألهمه جبريل أو ~~أخذه من اللوح فإن هذا لابد له من متكلم تكلم به أولا وهذا يوافق قول من ~~قال إنه مخلوق لكن يفارقه من وجهين # أحدهما أن أولئك يقولون المخلوق كلام الله وهؤلاء يقولون إنه كلام مجازا ~~وهذا أشر من قول المعتزلة بل هو قول الجهمية المحضة لكن المعتزلة يوافقونهم ~~في المعنى الثانى انهم يقولون لله كلام قائم بذاته والخلقية يقولون لا يقوم ~~بذاته فإن الكلابية خير منهم في الظاهر لكن في الحقيقة لم يثبتوا كلاما له ~~غير المخلوق # والمقصود أن الآية تبطل هذا و ( القرآن ( إسم للعربى لقوله @QB@ فإذا ~~قرأت القرآن @QE@ وأيضا فقوله ( نزله ( عائد إلى قوله والله أعلم بما ينزل ~~فالذي نزله الله هو الذي نزله PageV15P222 روح القدس وأيضا قال @QB@ ولقد ~~نعلم أنهم يقولون @QE@ الآية وهم يقولون إنما يعلم هذا القرآن العربى بشر ~~لقوله ms4701 @QB@ لسان الذي يلحدون إليه @QE@ إلخ فعلم أن محمدا لم يؤلف نظما بل ~~سمعه من روح القدس وروح القدس الذى نزل به من الله فعلم أنه سمعه منه لم ~~يؤلفه هو # ونظيرها قوله @QB@ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا @QE@ و ( الكتاب ( ~~إسم للقرآن بالضرورة والإنفاق فإنهم أو بعضهم يفرقون بين كتاب الله وكلامه ~~ولفظ ( الكتاب ( يراد به المكتوب فيه فيكون هو الكلام ويراد به ما يكتب فيه ~~كقوله @QB@ في كتاب مكنون @QE@ وقوله @QB@ ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا @QE@ وقوله @QB@ يعلمون أنه منزل من ربك بالحق @QE@ إخبار ~~مستشهد بهم فمن لم يقر به منا فهم خير منه من هذا الوجه # وهذا لا ينافى ما جاء عن بن عباس وغيره أنه أنزل في ليلة القدر إلى بيت ~~العزة في السماء الدنيا ولا ينافى أنه مكتوب في اللوح قبل نزوله سواء كتبه ~~الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعده فإذا أنزل جملة إلى بيت العزة فقد كتبه ~~كله قبل أن ينزله والله يعلم ما كان وما يكون ومالا يكون لو كان كيف يكون ~~وهو قد كتب المقادير وأعمال العباد قبل أن يعملوها ثم يأمر بكتابتها بعد أن ~~يعملوها فيقابل بين PageV15P223 الكتابة المتقدمة والمتأخرة فلا يكون ~~بينهما تفاوت هكذا قال بن عباس وغيره فإذا كان ما يخلقه بائنا عنه قد كتبه ~~قبل أن يخلقه فكيف لا يكتب كلامه الذى يرسل به ملائكته قبل ان يرسلهم # ومن قال إن جبرائيل أخذه عن الكتاب لم يسمعه من الله فهو باطل من وجوه # منها انه سبحانه كتب التوراة لموسى بيده فبنوا إسرائيل أخذوا كلامه من ~~الكتاب الذى كتبه ومحمد عن جبريل عن الكتاب فهم أعلى بدرجة ومن قال أنه ~~ألقى إلى جبريل معانى وعبر بالعربى فمعناه أنه ألهمه إلهاما وهذا يكون ~~لآحاد المؤمنين كقوله @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~@QE@ @QB@ وأوحينا إلى أم موسى @QE@ فيكون هذا أعلى من أخذ محمد وأيضا فإنه ~~سبحانه قال @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ms4702 @QE@ ~~إلى قوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ وهذا يدل على أمور على أنه يكلم ~~العبد تكليما زائدا على الوحى الذى هو قسيم التكليم الخاص # فإن لفظ التكليم والوحى كل منهما ينقسم إلى عام وخاص فالتكليم ~~PageV15P224 العام هو المقسوم في قوله @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب @QE@ الآية فالتكليم المطلق قسيم الوحى الخاص لا قسما ~~منه وكذلك الوحى يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص كقوله @QB@ فاستمع لما ~~يوحى @QE@ ويكون قسيما له كما في الشورى وهذا يبطل قول من قال إنه معنى ~~واحد قائم بالذات فإنه لا فرق بين العام وما لموسى وفرق سبحانه في ( الشورى ~~( بين الإيحاء وبين التكليم من وراء حجاب وبين إرسال رسول فيوحى بإذنه ما ~~يشاء PageV15P225 # ( ### || سورة الإسراء # ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( في الكلام على قوله تعالى @QB@ قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه @QE@ الآيتين لما ذكر أن من السلف من ذكر أنهم من ~~الملائكة ومنهم من ذكر أنهم من الإنس ومنهم من ذكر أنهم من الجن # لفظ السلف يذكرون جنس المراد من الآية على التمثيل كما يقول الترجمان لمن ~~سأله عن الخبز فيريه رغيفا والآية هنا قصد بها التعميم لكل ما يدعى من دون ~~الله فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ ~~الإستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة ~~والجن ومعلوم أن هؤلاء يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم ومع هذا فقد ~~نهى عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله لا ~~يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع أو من حال إلى حال كتغيير ~~صفته أو قدره ولهذا قال ( ولا تحويلا ( فذكر نكرة تعم أنواع التحويل ~~PageV15P226 # وقال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ~~رهقا @QE@ كان أحدهم إذا نزل بواد يقول أعوذ بعظيم هذا الوادى من سفهائه ~~فقالت الجن الإنس تستعيذ بنا فزادوهم رهقا وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على ~~أنه لا ms4703 تجوز الإستعاذة بمخلوق وهذا مما إستدلوا به على أن كلام الله غير ~~مخلوق لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه إستعاذ بكلمات الله وأمر بذلك ~~فإذا كان لا يجوز ذلك فلأن لا يجوز أن يقول أنت خير مستعاذ يستعاذ به اولى ~~فالإستعاذة والإستجارة والإستغاثة كلها من نوع الدعاء أو الطلب وهى ألفاظ ~~متقاربة # ولما كانت الكعبة بيت الله الذى يدعى ويذكر عنده فإنه سبحانه يستجار به ~~هناك وقد يستمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من يستجير به كما ~~قال عمرو بن سعيد إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة وفى ~~الصحيح ( يعوذ عائذ بهذا البيت ( # والمقصود أن كثيرا من الضالين يستغيثون بمن يحسنون به الظن ولا يتصور أن ~~يقضى لهم أكثر مطالبهم كما ان ما تخبر به الشياطين من ألأمور الغائبة [ ~~يكذبون ] في أكثره بل يصدقون في واحدة ويكذبون في اضعافها ويقضون لهم حاجة ~~واحدة ويمنعونهم أضعافها PageV15P227 يكذبون فيما أخبروا به وأعانوا عليه ~~لا فساد حال الرجال في الدين والدنيا ويكون فيه شبهة للمشركين كما يخبر ~~الكاهن ونحوه # والله سبحانه جعل الرسول مبلغا لأمره ونهيه ووعده ووعيده وهؤلاء يجعلون ~~الرسل والمشائخ يدبرون العالم بقضاء الحاجات وكشف الكربات وليس هذا من دين ~~المسلمين بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده بشبهة الإتحاد والحلول ولهذا ~~لم يقولوه في إبراهيم وموسى وغيرهم مع أنهم في غاية الجهل في ذلك فإن ~~الآيات التى بعث بها موسى أعظم ولو كان هذا ممكنا لم يكن للمسيح خاصية به ~~بل موسى أحق # ولهذا كنت اتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح ~~وغيره من جهة الإلهية فلا يجدون فرقا بل أبين لهم أن ما جاء به موسى من ~~الآيات أعظم فإن كان حجة في دعوى الإلهية فموسى أحق وأما ولادته من غير أب ~~فهو يدل على قدرة الخالق لا على أن المخلوق أفضل من غيره PageV15P228 # ( ### || سورة الكهف # ( ### ||| فصل # حديث على رضى الله عنه المخرج في الصحيحين لما طرقه رسول ms4704 الله وفاطمة ~~وهما نائمان فقال ( ألا تصليان ( فقال على يا رسول الله إنما أنفسنا بيد ~~الله إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يرسلها فولى النبى وهو يضرب بيده على ~~فخذه ويعيد القول ويقول @QB@ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا @QE@ # هذا الحديث نص في ذم من عارض الأمر بالقدر فإن قوله ( إنما أنفسنا بيد ~~الله ( إلى آخره إستناد إلى القدر في ترك إمتثال الأمر وهى في نفسها كلمة ~~حق لكن لا تصلح المعارضة الأمر بل معارضة الأمر بها من باب الجدل المذموم ~~الذى قال الله فيه ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ( وهؤلاء أحد أقسام ~~القدرية وقد صنفتهم في غير هذا الموضع فالمجادلة الباطلة PageV15P229 ### || سورة مريم # قال شيخ الإسلام رحمه الله ( ### ||| فصل # ( سورة مريم مضمونها تحقيق عبادة الله وحده وأن خواص الخلق هم عباده فكل ~~كرامة ودرجة رفيعة في هذه الإضافة وتضمنت الرد على الغالين الذين زادوا في ~~النسبة إلى الله حتى نسبوا إليه عيسى بطريق الولادة والرد على المفرطين في ~~تحقيق العبادة وما فيها من الكرامة وجحدوا نعم الله التى أنعم بها على ~~عباده المصطفين # افتتحها بقوله @QB@ ذكر رحمة ربك عبده زكريا @QE@ وندائه ربه نداء خفيا ~~وموهبته له يحيى ثم قصة مريم وإبنها وقوله @QB@ إني عبد الله @QE@ إلخ بين ~~فيها الرد على الغلاة في المسيح وعلى الجفاة النافين عنه ما أنعم الله به ~~عليه ثم امر نبيه بذكر إبراهيم وما دعا إليه من عبادة الله وحده ونهيه إياه ~~عن عبادة الشيطان وموهبته PageV15P230 له إسحاق ويعقوب وأنه جعل له لسان ~~صدق عليا وهو الثناء الحسن وأخبر عن يحيى وعيسى وإبراهيم ببر الوالدين مع ~~التوحيد وذكر موسى ومن هبته له اخاه هارون نبيا كما وهب يحيى لزكريا وعيسى ~~لمريم وإسحاق لإبراهيم # فهذه السورة ( سورة المواهب ( وهى ما وهبه الله لأنبيائه من الذرية ~~الطيبة والعمل الصالح والعلم النافع ثم ذكر ذرية آدم لأجل إدريس @QB@ وممن ~~حملنا مع نوح @QE@ وهو إبراهيم ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل إلى آخر القصة ثم ~~قال @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ms4705 الصلاة واتبعوا الشهوات @QE@ الآية فهذه ~~حال المفرطين في عبادة الله ثم إستثنى التائبين وبين أن الجنة لمن تاب وإن ~~جنات عدن وعدها الرحمن عباده بالغيب وهم أهل تحقيق العبادة ثم قال @QB@ تلك ~~الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا @QE@ ثم قال @QB@ فاعبده واصطبر ~~لعبادته @QE@ # ثم ذكر حال منكري المعاد وحال من جعل له الأولاد وقرن بينهما فيما رواه ~~البخارى من حديث أبى هريرة ) ( كذبنى إبن آدم وما ينبغى له ذلك وشتمنى إبن ~~آدم وما ينبغى له ذلك ( الحديث ( ويقول الإنسان أإذا مامت لسوف أخرج حيا ( ~~ثم ذكر أقسامه على PageV15P231 حشدهم والشياطين وإحضارهم حول جهنم جثيا ~~وفيها دلالة على أن المخبر عن خبر يحصل في المستقبل لا يكون إلا بطريقين ~~إما إطلاعه على الغيب وهو العلم بما سيكون وإما أن يكون قد إتخذ عند الرحمن ~~عهدا والله موف بعهده فالأول علم بالخبر والثانى علم بالأمر الأول علم ~~بالكلمات الكونية والثانى علم بالكلمات الدينية وهذا الذى أقسم أنه يأتى ~~يوم المعاد ما ذكر كاذب في قسمه فإنه ليس له إطلاع على الغيب ولا إتخذ عند ~~الرحمن عهدا # وهذا كما قيل في إجابة الدعاء أنه تارة يكون لصحة الإعتقاد وهو مطابقة ~~الخبر وتارة لكمال الطاعة وهو موافقة الأمر كقوله @QB@ فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي @QE@ فذكر حال من تمنى على الله الباطل بلا علم بالواقع ولا ~~إتخاذ عهد بالمشروع # ثم ذكر حال الذين قالوا إتخذ الرحمن ولدا فنفى الولادة عن نفسه ورد على ~~من أثبتها وأثبت المودة ردا على من أنكرها فقال @QB@ سيجعل لهم الرحمن ودا ~~@QE@ أى يحبهم ويحببهم إلى عبادة وقد وافق ذلك ما في الصحيحين ( إذا أحب ~~الله العبد نادى جبريل إنى أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادى في السماء ~~إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض ~~PageV15P232 # وقال في البغض عكس ذلك وفى قول إبراهيم @QB@ إنه كان بي حفيا ~~@QE@ وقوله في موسى @QB@ وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا @QE@ ~~وما ذكره للمؤمنين من المودة إثبات ms4706 لما ينكره الجاحدون من محبة الله ~~وتكليمه كما في الأول نفى لما يثبته المفترون من إتخاذ الولد PageV15P233 ### |||| سئل رضى الله عنه # عن قوله عز وجل @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا @QE@ هل ذلك فيمن اضاع وقتها فصلاها في غير وقتها أم فيمن ~~أضاعها فلم يصلها وقوله تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~@QE@ هل هو عن فعل الصلاة أو السهو فيها كما جرت العادة من صلاة الغفلة ~~الذين لا يعقلون من صلاتهم شيئا أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب ( رضي الله عنه # الحمد لله رب العالمين بل المراد بهاتين الآيتين من أضاع ~~الواجب في الصلاة لا مجرد تركها هكذا فسرها الصحابة والتابعون وهو ظاهر ~~الكلام فإنه قال @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ فأثبت ~~لهم صلاة وجعلهم ساهين عنها فعلم أنهم كانوا يصلون مع السهو عنها وقد قال ~~طائفة من السلف بل هو السهو عما يجب فيها مثل ترك الطمأنينة وكلا المعنيين ~~حق والآية تتناول هذا وهذا كما في صحيح مسلم عن انس عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق PageV15P234 تلك صلاة ~~المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى شيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر ~~الله فيها إلا قليلا ( # فبين النبى في هذا الحديث أن صلاة المنافق تشتمل على التأخير عن الوقت ~~الذى يؤمر بفعلها فيه وعلى النقر الذى لا يذكر الله فيه إلا قليلا وهكذا ~~فسروا قوله @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات @QE@ بأن ~~إضاعتها تأخيرها عن وقتها وإضاعة حقوقها وجاء في الحديث ( إن العبد إذا قام ~~إلى الصلاة بطهورها وقرائتها وسجودها أو كما قال صعدت ولها برهان كبرهان ~~الشمس تقول له حفظك الله كما حفظتنى وإذا لم يتم طهورها وقراءتها وسجودها ~~أو كما قال فإنها تلف كما يلف الثوب وتقول له ضيعك الله كما ضيعتنى ( قال ~~سلمان الفارسى الصلاة مكيال من وفى وفى له ومن طفف فقد علمتم ما قال في ~~المطففين وفى سنن ms4707 أبى داود عن عمار عن النبى أنه قال ( إن العبد لينصرف من ~~صلاته ولم يكتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها إلا ~~سبعها إلا ثمنها إلا تسعها إلا عشرها ( # وقد تنازع العلماء فيمن غلب عليه الوسواس في صلاته هل عليه الإعادة على ~~قولين لكن الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا إعادة عليه وإحتجوا بما في ~~PageV15P235 الصحيح عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( إذا أذن المؤذن أدبر ~~الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل فإذا ثوب ~~بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه فيقول إذكر ~~كذا إذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لن يدرى كم صلى فإذا وجد أحدكم ~~ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ( فقد عم بهذا الكلام ولم يأمر أحدا ~~بالإعادة # و ( الثانى ( عليه الإعادة وهو قول طائفة من العلماء من الفقهاء والصوفية ~~من أصحاب أحمد وغيره كأبى عبد الله بن حامد وغيره لما تقدم من قوله ولم ~~يكتب له منها إلا عشرها # والتحقيق أنه لا أجر له إلا بقدر الحضور لكن إرتفعت عنه العقوبة التى ~~يستحقها تارك الصلاة وهذا معنى قولهم تبرأ ذمته بها أى لا يعاقب على الترك ~~لكن الثواب على قدر الحضور كما قال بن عباس ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت ~~منها فلهذا شرعت السنن الرواتب جبرا لما يحصل من النقص في الفرائض والله ~~أعلم PageV15P236 ### || سورة طه # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # سورة طه مضمونها تخفيف أمر القرآن وما أنزل الله تعالى من كتبه فهي ( ~~سورة كتبه ( كما أن مريم ( سورة عباده ورسله ( إفتتحها بقوله @QB@ ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى @QE@ إلى قوله @QB@ تنزيلا ممن خلق الأرض ~~والسماوات العلى @QE@ ثم ذكر قصة موسى ونداء الله له ومناجاته إياه وتكليمه ~~له وقصته من أبلغ أمر الرسل فلهذا ثنيت في القرآن لأنه حصل له الخطاب ~~والكتاب وأرسل إلى فرعون الجاحد المرتاب المكذب للربوبية والرسالة وهذا ~~أعظم الكافرين عنادا وإستوفى ms4708 القصة في هذه السورة إلى قوله @QB@ رب زدني ~~علما @QE@ ثم ذكر قصة آدم لأنها أول النبوات # وتضمنت السورة ذكر موسى وآدم لما بينهما من المناسبة مما يقتضي ~~PageV15P237 ذكرهما ولما بينهما من المناظرة فإن موسى نظير آدم في الأمر ~~الذى [ صار ] لكل منهما كما أن المسيح نظير آدم في الخلق وقوله ( فأما ~~يأتينكم منى هدى ( الآيات وهذا يشابه مافى القرآن في غير موضع من ذكر نبوة ~~آدم ثم نبوة موسى بعده وأمر بنى إسرائيل ثم أمر نبيه بالصلاة التى في ~~القرآن كما جمع بين الأمرين بالقراءة والسجود في أول سورة أنزلت وختمها ~~بالرسول المبلغ لكل ما أمر به كما إفتتحها بذكر التنزيل عليه PageV15P238 ~~وقال ### ||| فصل في طريقتى العلم والعمل # ( # قال الله تعالى لموسى وهارون @QB@ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ~~@QE@ وقال في السورة بعينها @QB@ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد ~~آتيناك من لدنا ذكرا @QE@ إلى قوله @QB@ وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا ~~فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا @QE@ # فذكر في كل واحدة من الرسالتين العظيمتين رسالة موسى ورسالة محمد أن ذلك ~~لأجل التذكر أو الخشية ولم يقل ليتذكر ويخشى ولا قال ليتقون ويحدث لهم ذكرا ~~بل جعل المطلوب أحد الأمرين وهذا مطابق لقوله @QB@ ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة @QE@ ونحو ذلك PageV15P239 وقد قال عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنه نعم العبد صهيب لولم يخف الله لم يعصه وذلك يرجع إلى تحقيق ~~قوله @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ ~~وقوله @QB@ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ وقوله @QB@ أولي الأيدي ~~والأبصار @QE@ وقوله @QB@ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ ~~وقوله @QB@ إن المجرمين في ضلال وسعر @QE@ وقوله @QB@ فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ~~@QE@ الآية ونحو ذلك وسبب ذلك أن الخير إما بمعرفة الحق وإتباعه في العلم ~~والعمل جميعا صلاح القول والعمل العلم والإرادة والعلم أصل العمل ( و ) أصل ~~الإرادة والمحبة وغير ms4709 ذلك وهو مستلزم له مالم يحصل معارض مانع فالعلم بالحق ~~يوجب إتباعه إلا لمعارض راجح مثل إتباع الهوى بالإستكبار ونحوه كحال الذين ~~قال الله فيهم @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا @QE@ وقال @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا @QE@ وقال @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ~~@QE@ ولهذا قال @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله @QE@ PageV15P240 ونحو ذلك # فإن أصل الفطرة التى فطر الناس عليها إذا سلمت من الفساد ( إذا ) رأت ~~الحق إتبعته وأحبته إذ الحق نوعان # حق موجود فالواجب معرفته والصدق في الإخبار عنه وضد ذلك الجهل والكذب وحق ~~مقصود وهو النافع للإنسان فالواجب إرادته والعمل به وضد ذلك إرادة الباطل ~~وإتباعه # ومن المعلوم أن الله خلق في النفوس محبة العلم دون الجهل ومحبة الصدق دون ~~الكذب ومحبة النافع دون الضار وحيث دخل ضد ذلك فلمعارض من هوى وكبر وحسد ~~ونحو ذلك كما انه في صالح الجسد خلق الله فيه محبة الطعام والشراب الملائم ~~له دون الضار فإذا إشتهى ما يضره أو كره ما ينفعه فلمرض في الجسد وكذلك ~~أيضا إذا إندفع عن النفس المعارض من الهوى والكبر والحسد وغير ذلك أحب ~~القلب ما ينفعه من العلم النافع والعمل الصالح كما أن PageV15P241 الجسد ~~إذا إندفع عنه المرض أحب ما ينفعه من الطعام والشراب فكل واحد من وجود ~~المقتضى وعدم الدافع سبب للآخر وذلك سبب لصلاح حال الإنسان وضدهما سبب لضد ~~ذلك فإذا ضعف العلم غلبه الهوى الإنسان وإن وجد العلم والهوى وهما المقتضى ~~والدافع فالحكم للغالب # وإذا كان كذلك فصلاح بنى آدم الإيمان والعمل الصالح ولا يخرجهم عن ذلك ~~إلا شيئان # ( أحدهما ( الجهل المضاد للعلم فيكونون ضلالا والثانى إتباع الهوى ~~والشهوة اللذين في النفس فيكونون غواة مغضوبا عليهم ولهذا قال @QB@ والنجم ~~إذا هوى ما ضل ms4710 صاحبكم وما غوى @QE@ وقال ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ( فوصفهم ~~بالرشد الذى هو خلاف الغى وبالهدى الذى هو خلاف الضلال وبهما يصلح العلم ~~والعمل جميعا ويصير الإنسان عالما عادلا لا جاهلا ولا ظالما PageV15P242 ~~وهم في الصلاح على ضربين تارة يكون العبد إذا عرف الحق وتبين له إتبعه وعمل ~~به فهذا هو الذى يدعى بالحكمة وهو الذى يتذكر وهو الذى يحدث له القرآن ذكرا # والثانى ان يكون له من الهوى والمعارض ما يحتاج معه إلى الخوف الذى ينهى ~~النفس عن الهوى فهذا يدعى بالموعظة الحسنة وهذا هو القسم الثانى المذكور في ~~قوله ( أو يخشى ( وفى قوله @QB@ لعلهم يتقون @QE@ وقد قال في السورة في قصة ~~فرعون @QB@ اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك ~~فتخشى @QE@ فجمع بين التزكى والهدى والخشية كما جمع بين العلم والخشية في ~~قوله @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ وفى قوله @QB@ وفي نسختها ~~هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون @QE@ وفى قوله @QB@ ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ~~ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ # وذلك لما ذكرناه من أن كل واحد من العلم بالحق الذى يتضمنه التذكر والذكر ~~الذى يحدثه القرآن ومن الخشية المانعة من إتباع الهوى سبب لصلاح حال ~~الإنسان وهو مستلزم للآخر إذا قوى على PageV15P243 ضده فإذا قوى العلم ~~والتذكر دفع الهوى وإذا إندفع الهوى بالخشية أبصر القلب وعلم وهاتان هما ~~الطريقة العلمية والعملية كل منهما إذا صحت تستلزم ما تحتاج إليه من الأخرى ~~وصلاح العبد ما يحتاج إليه ويجب عليه منهما جميعا ولهذا كان فساده بإنتفاء ~~كل منهما فإذا إنتفى العلم الحق كان ضالا غير مهتد وإذا إنتفى اتباعه كان ~~غاويا مغضوبا عليه # ولهذا قال @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ وقال @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى @QE@ وقال في ms4711 ضد ذلك @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس @QE@ وقال @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ وقال ~~@QB@ وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم @QE@ وقال @QB@ فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى @QE@ وقال في ضده @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ وقال @QB@ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون @QE@ وقال في ضده @QB@ إن المجرمين في ضلال وسعر @QE@ قال بن عباس ~~? < تكفل الله لمن قرأ القرآن وإتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى ~~في الآخرة > ? # فهو سبحانه يجمع بين الهدى والسعادة وبين الضلال والشقاوة PageV15P244 ~~بين حسنة الدنيا والآخرة وسيئة الدنيا والآخرة ويقرن بين العلم النافع ~~والعمل الصالح بين العلم الطيب والعمل الصالح كما يقرن بين ضديهما وهو ( ~~الضلال ( و ( الغى ( إتباع الظن وما تهوى الأنفس والقرينان متلازمان عند ~~الصحة والسلامة من المعارض وقد يتخلف أحدهما عن الآخر عند المعارض الراجح # فلهذا إذا كان في مقام الذم والنهى والإستعاذة كان الذم والنهى لكل منهما ~~من الضلال والغى من الجهل والظلم من الضلال والغضب ولأن كلا منهما صار ~~مكروها مطلوب العدم لا سيما وهو مستلزم للآخر وأما في مقام الحمد والطلب ~~ومنة الله فقد يطلب أحدهما وقد يطلب كل منهما وقد يحمد أحدهما وقد يحمد كل ~~منهما لأن كلا منهما خير مطلوب محمود وهو سبب لحصول الآخر لكن كمال الصلاح ~~يكون بوجودهما جميعا وهذا قد يحصل له إذا حصل أحدهما ولم يعارضه معارض ~~والداعى للخلق الآمر لهم يسلك بذلك طريق الرفق واللين فيطلب احدهما لأنه ~~مطلوب في نفسه وهو سبب للآخر فإن ذلك أرفق من أن يأمر العبد بهما جميعا فقد ~~يثقل ذلك عليه والأمر بناء والنهى هدم والأمر هو يحصل العافية بتناول ~~الأدوية والنهى من باب الحمية والبناء والعافية تأتى شيئا بعد شيء وأما ~~الهدم فهو أعجل والحمية أعم وإن كان قد يحصل فيهما PageV15P245 ترتيب أيضا ~~فكيف إذا كان كل واحد من الأمرين سببا وطريقا إلى حصول المقصود مع حصول ms4712 ~~الآخر # فقوله سبحانه @QB@ لعله يتذكر أو يخشى @QE@ وقوله @QB@ لعلهم يتقون أو ~~يحدث لهم ذكرا @QE@ طلب وجود أحد الأمرين بتبليغ الرسالة وجاء بصيغة ( لعل ~~( تسهيلا للأمر ورفقا وبيانا لأن حصول احدهما طريق إلى حصول المقصود فلا ~~يطلبان جميعا في الإبتداء ولهذا جاء في الأثر ( إن من ثواب الحسنة الحسنة ~~بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها ( لا سيما اصول الحسنات التى ~~تستلزم سائرها مثل الصدق فإنه أصل الخير كما في الصحيحين عن بن مسعود عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر ~~وإن البر يهدى إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند ~~الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى ~~النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ( # ولهذا قال سبحانه @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم @QE@ وقال @QB@ ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها @QE@ ولهذا يذكر أن PageV15P246 بعض المشائخ أراد أن ~~يؤدب بعض أصحابه الذين لهم ذنوب كثيرة فقال يا بنى أنا آمرك بخصلة واحدة ~~فإحفظها لى ولا آمرك الساعة بغيرها التزم الصدق وإياك والكذب وتوعده على ~~الكذب بوعيد شديد فلما إلتزم ذلك الصدق دعاه إلى بقية الخير ونهاه عما كان ~~عليه فإن الفاجر لاحد له في الكذب PageV15P247 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى إن هذان لساحران ) 1 # قال شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن تيمية ( رحمه الله تعالى ! 8 < فصل # في قوله تعالى @QB@ إن هذان لساحران @QE@ فإن هذا مما اشكل على كثير من ~~الناس فإن الذى في مصاحف المسلمين @QB@ إن هذان @QE@ بالألف وبهذا قرأ ~~جماهير القراء وأكثرهم يقرأ ( إن ( مشددة وقرأ إبن كثير وحفص عن عاصم ( إن ~~( مخففة لكن إبن كثير يشدد نون ( هذان ( دون حفص والإشكال من جهة العربية ~~على القراءة المشهورة وهى قراءة نافع وبن عامر وحمزة والكسائى وأبى بكر عن ~~عاصم وجمهور القراء عليها وهى ms4713 أصح القراءات لفظا ومعنى # وهذا يتبين بالكلام على ما قيل فيها # فإن منشأ الإشكال أن الأسم المثنى يعرب في حال النصب والخفض بالياء وفى ~~حال الرفع بالألف وهذا متواتر من لغة العرب PageV15P248 لغة القرآن وغيرها ~~في الأسماء المبنية كقوله @QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك @QE@ ~~ثم قال @QB@ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث @QE@ وقال @QB@ ~~ورفع أبويه على العرش @QE@ وقال @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ~~@QE@ ولم يقل الكعبان وقال @QB@ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها ~~المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث @QE@ ولم يقل إثنان ~~وقال @QB@ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين @QE@ وقال @QB@ ثمانية أزواج ~~من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين @QE@ أم ما ~~إشتملت عليه أرحام الأنثيين ولم يقل إثنان ولا الذكران وإلا إنثييان وقال ~~@QB@ ومن كل شيء خلقنا زوجين @QE@ ولم يقل زوجان وقال @QB@ فإن كن نساء فوق ~~اثنتين @QE@ ولم يقل إثنتان ومثل هذا كثير مشهور في القرآن وغيره # فظن النحاة أن الأسماء المبهمة المبنية مثل هذين واللذين تجرى هذا المجرى ~~وأن المبنى في حال الرفع يكون بالألف ومن هنا نشأ الإشكال # وكان أبوعمرو إماما في العربية فقرأ بما يعرف من العربية @QB@ إن هذان ~~لساحران @QE@ وقد ذكر أن له سلفا في هذه القراءة وهو الظن PageV15P249 به ~~أنه لا يقرأ إلا بما يرويه لا بمجرد ما يراه وقد روى عنه أنه قال إنى ~~لأستحيي من الله أن أقرأ ( إن هذان ( وذلك لأنه لم ير لها وجها من جهة ~~العربية ومن الناس من خطأ أبا عمرو في هذه القراءة ومنهم الزجاج قال لا ~~أجيز قراءة أبى عمرو خلاف المصحف # وأما القراءة المشهورة الموافقة لرسم المصحف فإحتج لها كثير من النحاة ~~بأن هذه لغة بنى الحارث بن كعب وقد حكى ذلك غير واحد من أئمة العربية قال ~~المهدوي بنو الحارث بن كعب يقولون ضربت الزيدان ومررت بالزيدان كما تقول ~~جاءنى الزيدان قال المهدوى حكى ذلك أبوزيد والأخفش والكسائى والفراء وحكى ~~أبوالخطاب أنها ms4714 لغة بنى كنانة وحكى غيره أنها لغة لخثعم ومثله قول الشاعر % ~~تزود منا بين أذناه ضربة % دعته إلى هاوي التراب عقيم % وقال بن الإنبارى ~~هي لغة لبنى الحارث بن كعب وقريش قال الزجاج وحكى أبوعبيدة عن أبى الخطاب ~~وهو رأس من رؤوس الرواة أنها لغة لكنانة يجعلون ألف الإثنين في الرفع ~~والنصب والخفض على لفظ واحد وأنشدوا % فإطرق إطراق الشجاع ولو يجد % مساغا ~~لناباه الشجاع لصمما PageV15P250 # وقال ويقول هؤلاء ضربته بين أذناه قلت بنو ~~الحارث بن كعب هم أهل نجران ولا ريب أن القرآن لم ينزل بهذه اللغة بل ~~المثنى من الأسماء المبنية في جميع القرآن هو بالياء في النصب والجر كما ~~تقدمت شواهده وقد ثبت في الصحيح عن عثمان أنه قال ( إن القرآن نزل بلغة ~~قريش وقال للرهط القرشيين الذين كتبوا المصحف هم وزيد إذا إختلفتم في شيء ~~فاكتبوه بلغة قريش فإن القرآن نزل بلغتهم ولم يختلفوا إلا في حرف وهو ( ~~التابوت ( فرفعوه إلى عثمان فأمر أن يكتب بلغة قريش رواه البخارى في صحيحه # وعن انس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح ~~أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة إختلافهم في القراءة فقال ~~حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب ~~إختلاف اليهود والنصارى فأرسل إلى حفصة ان أرسلى إلينا بالصحف ننسخها في ~~المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد ~~الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في ~~المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا إختلفتم وزيد بن ثابت في ~~شيء من القرآن فإكتبوه بلسان قريش PageV15P251 فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ~~حتى [ إذا ] نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كل ~~أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ~~وهذه الصحيفة التى أخذها من عند حفصة هي التى أمر أبوبكر وعمر بجمع القرآن ms4715 ~~فيها لزيد بن ثابت وحديثه معروف في الصحيحين وغيرهما وكانت بخطه فلهذا أمر ~~عثمان أن يكون هو أحد من ينسخ المصاحف من تلك الصحف ولكن جعل معه ثلاثة من ~~قريش ليكتب بلسانهم فلم يختلف لسان قريش والأنصار إلا في لفظ ( التابوه ( و ~~( التابوت ( فكتبوه ( التابوت ( بلغة قريش # وهذا يبين أن المصاحف التى نسخت كانت مصاحف متعددة وهذا معروف مشهور وهذا ~~مما يبين غلط من قال في بعض الألفاظ إنه غلط من الكاتب أو نقل ذلك عن عثمان ~~فإن هذا ممتنع لوجوه # منها تعدد المصاحف وإجتماع جماعة على كل مصحف ثم وصول كل مصحف إلى بلد ~~كبير فيه كثير من الصحابة والتابعين يقرؤون القرآن ويعتبرون ذلك بحفظهم ~~والإنسان إذا نسخ مصحفا غلط في بعضه عرف غلطه بمخالفة حفظه القرآن وسائر ~~المصاحف فلو قدر أنه PageV15P252 كتب كاتب مصحفا ثم نسخ سائر الناس منه من ~~غير إعتبار للأول والثانى أمكن وقوع الغلط في هذا وهنا كل مصحف إنما كتبه ~~جماعة ووقف عليه خلق عظيم ممن يحصل التواتر بأقل منهم ولو قدر أن الصحيفة ~~كان فيها لحن فقد كتب منها جماعة لا يكتبون إلا بلسان قريش ولم يكن لحنا ~~فامتنعوا ان يكتبوه إلا بلسان قريش فكيف يتفقون كلهم على أن يكتبوا ( أن ~~هذان ( وهم يعلمون أن ذلك لحن لا يجوز في شيء من لغاتهم أو @QB@ ويقيمون ~~الصلاة @QE@ وهم يعلمون أن ذلك لحن كما زعم بعضهم قال الزجاج في قوله ( ~~المقيمين الصلاة ( قول من قال إنه خطأ بعيد جدا لأن الذين جمعوا القرآن هم ~~أهل اللغة والقدوة فكيف يتركون شيئا يصلحه غيرهم فلا ينبغى أن ينسب هذا ~~إليهم وقال بن الأنبارى حديث عثمان لا يصح لأنه غير متصل ومحال أن يؤخر ~~عثمان شيئا ليصلحه من بعده # قلت ومما يبين كذب ذلك أن عثمان لو قدر ذلك فيه فإنما رأى ذلك في نسخة ~~واحدة فأما أن تكون جميع المصاحف إتفقت على الغلط وعثمان قد رآه في جميعها ~~وسكت فهذا ممتنع عادة وشرعا من الذين كتبوا ومن ms4716 عثمان ثم من المسلمين الذين ~~وصلت إليهم المصاحف ورأوا ما فيها وهم يحفظون القرآن ويعلمون أن فيه لحنا ~~PageV15P253 لا يجوز في اللغة فضلا عن التلاوة وكلهم يقر هذا المنكر لا ~~يغيره أحد فهذا مما يعلم بطلانه عادة ويعلم من دين القوم الذين لا يجتمعون ~~على ضلالة بل يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر أن يدعوا في كتاب الله ~~منكرا لا يغيره أحد منهم مع أنهم لا غرض لأحد منهم في ذلك ولو قيل لعثمان ~~مر الكاتب أن يغيره لكان تغييره من أسهل الأشياء عليه # فهذا ونحوه مما يوجب القطع بخطأ من زعم أن في المصحف لحنا أو غلطا وإن ~~نقل ذلك عن بعض الناس ممن ليس قوله حجة فالخطأ جائز عليه فيما قاله بخلاف ~~الذين نقلوا ما في المصحف وكتبوه وقرأوه فإن الغلط ممتنع عليهم في ذلك وكما ~~قال عثمان إذا إختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش وكذلك قال عمر لابن مسعود ~~أقرىء الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل فإن القرآن لم ينزل بلغة هذيل # وقوله تعالى في القرآن @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ يدل ~~على ذلك فإن قومه هم قريش كما قال وكذب به قومك وهو الحق وأما كنانة فهم ~~جيران قريش والناقل عنهم ثقة ولكن الذى ينقل ينقل ما سمع وقد يكون سمع ذلك ~~في الأسماء المبهمة المبنية فظن أنهم يقولون [ ذلك ] في سائر الأسماء بخلاف ~~من سمع ( بين أذناه ( و ( لناباه ( فإن هذا صريح في الأسماء التى ليست ~~مبهمة PageV15P254 وحينئذ فالذى يجب أن يقال إنه لم يثبت أنه لغة قريش بل ~~ولا لغة سائر العرب أنهم ينطقون في الأسماء المبهمة إذا ثنيت بالياء وإنما ~~قال ذلك من قاله من النحاة قياسا جعلوا باب التثنية في الأسماء المبهمة كما ~~هو في سائر الأسماء وإلا فليس في القرآن شاهد يدل على ما قالوه وليس في ~~القرآن إسم مبهم مبنى في موضع نصب أو خفض إلا هذا ولفظه ( هذان ( فهذا نقل ~~ثابت متواتر لفظا ورسما # ومن ms4717 زعم أن الكاتب غلط فهو الغالط غلطا منكرا كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف ~~فكيف يتصور في هذا غلط وأيضا فإن القراء إنما قرأوا بما سمعوه من غيرهم ~~والمسلمون كانوا بقرأون ( سورة طه ( على عهد رسول الله وأبى بكر وعمر ~~وعثمان وعلى وهى من أول ما نزل من القرآن قال إبن مسعود بنو إسرائيل والكهف ~~ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول وهن من تلادى رواه البخارى عنه وهى ~~مكية بإتفاق الناس قال أبوالفرج وغيره هي مكية بإجماعهم بل هي من أول ما ~~نزل وقد روى أنها كانت مكتوبة عند أخت عمر وأن سبب إسلام عمر كان لما بلغه ~~إسلام أخته وكانت السورة تقرأ عندها PageV15P255 # فالصحابة لابد أن قد قرأوا هذا الحرف ومن الممتنع أن يكونوا كلهم قرأوه ~~بالياء كأبى عمرو فإنه لو كان كذلك لم يقرأها أحد إلا بالياء ولم تكتب إلا ~~بالياء فعلم أنهم أو غالبهم كانوا يقرؤونها بالألف كما قرأها الجمهور وكان ~~الصحابة بمكة والمدينة والشام والكوفة والبصرة يقرؤون هذه السورة في الصلاة ~~وخارج الصلاة ومنهم سمعها التابعون ومن التابعين سمعها تابعوهم فيمتنع أن ~~يكون الصحابة كلهم قرؤوها بالياء مع أن جمهور القراء لم يقرأوها إلا بالألف ~~وهم أخذوا قراءتهم عن الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة فهذا مما يعلم به ~~قطعا أن عامة الصحابة إنما قرؤوها بالألف كما قرأ الجمهور وكما هو مكتوب # وحينئذ فقد علم أن الصحابة إنما قرأوا كما علمهم الرسول وكما هو لغة ~~للعرب ثم لغة قريش فعلم أن هذه اللغة الفصيحة المعروفة عندهم في الأسماء ~~المبهمة تقول أن هذان ومررت بهذان تقولها في الرفع والنصب والخفض بالألف ~~ومن قال إن لغتهم أنها تكون في الرفع بالألف طولب بالشاهد على ذلك والنقل ~~عن لغتهم المسموعة منهم نثرا ونظما وليس في القرآن ما يشهد له ولكن عمدته ~~القياس # وحينئذ فنقول PageV15P256 قياس هذا بغيرها من الأسماء غلط فإن الفرق ~~بينهما ثابت عقلا وسماعا أما ms4718 النقل والسماع فكما ذكرناه وأما العقل والقياس ~~فقد تفطن للفرق غير واحد من حذاق النحاة فحكى إبن الأنبارى وغيره عن الفراء ~~قال ألف التثنية في ( هذان ( هي ألف هذا والنون فرقت بين الواحد والإثنين ~~كما فرقت بين الواحد والجمع نون الذين وحكاه المهدوى وغيره عن الفراء ولفظه ~~قال إنه ذكر أن الألف ليست علامة التثنية بل هي ألف هذا فزدت عليها نونا ~~ولم أغيرها كما زدت على الياء من الذى فقلت الذين في كل حال # قال وقال بعض الكوفيين الألف في هذا مشبهة يفعلان فلم تغير كما [ لم ] ~~تغير قال وقال الجرجانى لما كان إسما على حرفين أحدهما حرف مد ولين وهو ~~كالحركة ووجب حذف إحدى الألفين في التثنية لم يحسن حذف الأولى لئلا يبقى ~~الإسم على حرف واحد فحذف علم التثنية وكان النون يدل على التثنية ولم يكن ~~لتغيير النون الأصلية الألف وجه فثبت في كل حال كما يثبت في الواحد قال ~~المهدوى وسأل إسماعيل القاضي بن كيسان عن هذه المسألة فقال لما لم يظهر في ~~المبهم إعراب في الواحد ولا في الجمع جرت التثنية على ذلك مجرى الواحد إذ ~~التثنية يجب أن لا تغير فقال إسماعيل ما أحسن ما قلت لو تقدمك أحد بالقول ~~فيه حتى يؤنس به فقال له إبن كيسان فليقل القاضي PageV15P257 حتى يؤنس به ~~فتبسم قلت بل تقدمه الفراء وغيره والفراء في الكوفيين مثل سيبويه في ~~البصريين لكن إسماعيل كان إعتماده على نحو البصريين والمبرد كان خصيصا به # وبيان هذا القول أن المفرد ( ذا ( فلو جعلوه كسائر الأسماء لقالوا في ~~التثنية ( ذوان ( ولم يقولوا ( ذان ( كما قالوا عصوان ورجوان ونحوهما من ~~الأسماء الثلاثية ( وها ( حرف تنبيه وقد قالوا فيما حذفوا لامه أبوان فردته ~~التثنية إلى أصله وقالوا في غير هذا ويدان وأما ( ذا ( فلم يقولوا ( ذوان ( ~~بل قالوا كما فعلوا في ( ذو ( و ( ذات ( التى بمعنى صاحب فقالوا هو ذو علم ~~وهما ذوا علم كما قال @QB@ ذواتا أفنان @QE@ وفى إسم الإشارة قالوا ( ذان و ~~( تان ms4719 كما قال @QB@ فذانك برهانان من ربك @QE@ فإن ( ذا ( بمعنى صاحب هو ~~إسم معرب فتغير إعرابه في الرفع والنصب والجر فقيل ذو وذا وذى # وأما المستعمل في الإشارة والأسماء الموصولة والمضمرات هي مبنية ~~PageV15P258 لكن اسماء الإشارة لم تفرق لا في واحده ولا في جمعه بين حال ~~الرفع والنصب والخفض فكذلك في تثنيته بل قالوا قام هذا وأكرمت هذا ومررت ~~بهذا وكذلك هؤلاء في الجمع فكذلك المثنى قال هذان وأكرمت هذان ومررت بهذان ~~فهذا هو القياس فيه ان يلحق مثناه بمفرده وبمجموعه لا يلحق بمثنى غيره الذى ~~هو أيضا معتبر بمفرده ومجموعة # فالأسماء المعربة ألحق مثناها بمفردها ومجموعها تقول رجل ورجلان ورجال ~~فهو معرب في الأحوال الثلاثة يظهر الإعراب في مثناه كما ظهر في مفرده ~~ومجموعه # فتبين أن الذين قالوا إن مقتضى العربية أن يقال ( إن هذين ( ليس معهم ~~بذلك نقل عن اللغة المعروفة في القرآن التى نزل بها القرآن ( بل ( هي أن ~~يكون المثنى من اسماء الإشارة مبنيا في الأحوال الثلاثة على لفظ واحد كمفرد ~~أسماء الإشارة ومجموعها # وحينئذ فإن قيل إن الألف هي ألف المفرد زيد عليها النون أو قيل هي علم ~~للتثنية وتلك حذفت أو قيل بل هذه الألف تجمع هذا وهذا معنى جواب بن كيسان ~~وقول الفراء مثله في المعنى وكذلك قول الجرجانى وكذلك قول من قال إن الألف ~~فيه تشبه ألف يفعلان PageV15P259 ثم يقال قد يكون الموصول كذلك كقوله @QB@ ~~واللذان يأتيانها منكم @QE@ فإن ثبت أن لغة قريش أنهم يقولون رأيت الذين ~~فعلا ومررت باللذين فعلا وإلا فقد يقال هو بالألف في الأحوال الثلاثة لانه ~~إسم مبنى والألف فيه بدل الياء في الذين وما ذكره الفراء وبن كيسان وغيرهما ~~يدل على هذا فإن الفراء شبه هذا بالذين وتشبيه اللذان به اولى وإبن كيسان ~~علل بأن المبهم مبنى لا يظهر فيه الإعراب فجعل مثناه كمفرده ومجموعه وهذا ~~العلم يأتى في الموصول # يؤيد ذلك أن المضمرات من هذا الجنس والمرفوع والمنصوب لهما ضمير متصل ~~ومنفصل بخلاف المجرور فإنه ليس له ms4720 إلا متصل لأن المجرور لا يكون إلا بحرف ~~أو مضاف لا يقدم على عامله فلا ينفصل عنه فالضمير المتصل في الواحد الكاف ~~من أكرمتك ومررت بك وفى الجمع أكرمتكم ومررت بكم وفى التثنية زيدت الألف في ~~النصب والجر فيقال أكرمتكما ومررت بكما كما نقول في الرفع ففى الواحد ~~والجمع فعلت وفعلتم وفى التثنية فعلتما بالألف وحدها زيدت علما على التثنية ~~في حال الرفع والنصب والجر كما زيدت في المنفصل في قوله ( إياكما ( و ( ~~أنتما ( # فهذا كله مما يبين أن لفظ المثنى في الأسماء المبنية في الأحوال الثلاثة ~~نوع واحد لم يفرقوا بين مرفوعه وبين منصوبه ومجروره PageV15P260 كما فعلوا ~~ذلك في الأسماء المعربة وان ذلك في المثنى أبلغ منه في لفظ الواحد والجمع ~~إذ كانوا في الضمائر يفرقون بين ضمير المنصوب والمجرور وبين ضمير المرفوع ~~في الواحد والمثنى ولا يفرقون في المثنى وفى لفظ الإشارة والموصول ولا ~~يفرقون بين الواحد والجمع وبين المرفوع وغيره ففى المثنى بطريق الأولى ~~والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا # ذكر شيخنا شيخ الأسلام بن تيمية هذه المسألة في موضع آخر وذكر فيها هذا ~~الإعتراض ### ||| فصل # وقد يعترض على ما كتبناه أولا بأنه جاء أيضا في غير الرفع بالياء كسائر ~~الأسماء قال تعالى @QB@ وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن ~~والإنس @QE@ ولم يقل ( اللذان أضلانا ( كما قيل في الذين إنه بالياء في ~~الأحوال الثلاثة وقال تعالى في قصة موسى ( إنى أريد أن أنكحك إحدى إبنتى ~~هاتين ( ولم يقل ( هاتان ( وهاتان ( تبع لابنتي وقد يسمى عطف بيان وهو يشبه ~~الصفة كقوله @QB@ وإلى ثمود أخاهم صالحا @QE@ لكن الصفة تكون مشتقة أو في ~~معنى المشتق وعطف PageV15P261 البيان يكون بغير ذلك كأسماء الأعلام وأسماء ~~الإشارة وهذه الآية نظير قوله @QB@ إن هذان لساحران @QE@ # وأما قوله @QB@ أرنا الذين أضلانا @QE@ فقد يفرق بين إسم الإشارة ~~والموصول بأن إسم الإشارة على حرفين بخلاف الموصول فإن الإسم هو ( اللذا ( ~~عدة حروف وبعده يزاد علم الجمع فتكسر الذال ms4721 وتفتح النون وعلم التثنية ففتح ~~الذال وتكسر النون والألف فقلت في النصب والجر لأن الإسم الصحيح إذا جمع ~~جمع التصحيح كسر آخره في النصب وفى الجر وفتحت نونه وإذا ثنى فتح آخره ~~وكسرت نونه في الأحوال الثلاثة # وهذا يبين أن الأصل في التثنية هي الألف وعلى هذا فيكون في إعرابه لغتان ~~جاء بهما القرآن تارة يجعل كاللذان وتارة يجعل كاللذين ولكن في قوله @QB@ ~~إحدى ابنتي هاتين @QE@ كان هذا أحسن من قوله ( هاتان ( لما فيه من إتباع ~~لفظ المثنى بالياء فيهما ولو قيل هاتان لأشبه كما لو قيل ( إن إبنتى هاتان ~~( فإذا جعل بالياء علم تابع مبين عطف بيان لتمام معنى الإسم لا خبر تتم به ~~الجملة وأما قوله @QB@ إن هذان لساحران @QE@ فجاء إسما مبتدأ اسم إن ~~PageV15P262 وكان مجيئة بالألف أحسن في اللفظ من قولنا @QB@ إن هذان ~~لساحران @QE@ لأن الألف أخف من الياء ولأن الخبر بالألف فإذا كان كل من ~~الإسم والخبر بالألف كان أتم مناسبة وهذا معنى صحيح وليس في القرآن ما يشبه ~~هذا من كل وجه وهو بالياء # فتبين أن هذا المسموع والمتؤاتر ليس في القياس الصحيح ما يناقضه لكن ~~بينهما فروق دقيقة والذين إستشكلوا هذا إنما إستشكلوه من جهة القياس لا من ~~جهة السماع ومع ظهور الفرق يعرف ضعف القياس # وقد يجيب من يعتبر كون الألف في هذا هو المعروف في اللغة بأن يفرق بين ~~قوله ( إن هذان ( وقوله @QB@ إحدى ابنتي هاتين @QE@ أن هذا تثنية مؤنث وذاك ~~تثنية مذكر والمذكر المفرد منه ( ذا بالألف فزيدت فوق نون للتثنية واما ~~المؤنث فمفرده ( ذى ( أو ( ذه ( أو ( ته ( وقوله @QB@ إحدى ابنتي هاتين ~~@QE@ تثنية ( تى ( بالياء فكان جعلها بالياء في النصب والجر اشبه بالمفرد ~~بخلاف تثنية المذكر وهو ( ذا ( فإنه بالألف فإقراره بالألف أنسب وهذا فرق ~~بين تثنية المؤنث وتثنية المذكر والفرق بينه وبين اللذين قد تقدم # وحينئذ فهذه القراءة هي الموافقة للسماع والقياس ولم يشتهر PageV15P263 ~~ما يعارضها من اللغة التى نزل بها القرآن والله أعلم # وقوله @QB@ إحدى ابنتي هاتين @QE@ هو ms4722 كقول النبى صلى الله عليه وسلم ( من ~~اكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما ~~يتأذى منه الآدميون ( ومثله في الموصول قول إبن عباس لعمر أخبرنى عن ~~المرأتين اللتين قال الله فيهما @QB@ وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~@QE@ الآية # آخره والحمد لله وحده PageV15P264 ### || سورة الأنبياء # وقال رحمه الله ### ||| فصل # ( سورة الأنبياء ( سورة الذكر وسورة الأنبياء الذين عليهم نزل الذكر ~~إفتتحها بقوله @QB@ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث @QE@ الآية وقوله @QB@ ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ وقوله @QB@ لقد أنزلنا إليكم ~~كتابا فيه ذكركم @QE@ وقوله @QB@ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي @QE@ وقوله ~~@QB@ وذكرا للمتقين @QE@ وقوله @QB@ وهذا ذكر مبارك @QE@ وقوله @QB@ ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر @QE@ وقوله @QB@ قال رب احكم بالحق @QE@ يعنى ~~والله أعلم انصر أهل الحق أو انصر الحق وقيل افصل الحق بيننا وبين قومنا ~~وكان الأنبياء يقولون @QB@ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق @QE@ وأمر ~~محمدا أن يقول @QB@ رب احكم بالحق @QE@ وروى مالك عن زيد بن أسلم قال ( كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال رب إحكم بالحق PageV15P265 ### || سورة الحج # ( وقال الشيخ رحمه الله ( ### ||| فصل # سورة الحج فيها مكى ومدنى وليلى ونهارى وسفرى وحضرى وشتائى وصيفى وتضمنت ~~منازل المسير إلى الله بحيث لا يكون منزلة ولا قاطع يقطع عنها ويوجد فيها ~~ذكر القلوب الأربعة الأعمى والمريض والقاسى والمخبت الحى المطمئن إلى الله # وفيها من التوحيد والحكم والمواعظ على إختصارها ما هو بين لمن تدبره ~~وفيها ذكر الواجبات والمستحبات كلها توحيدا وصلاة وزكاة وحجا وصياما قد ~~تضمن ذلك كله قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ~~ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون @QE@ فيدخل في قوله @QB@ وافعلوا الخير ~~@QE@ كل واجب ومستحب فخصص في هذه الآية وعمم ثم قال @QB@ وجاهدوا في الله ~~حق جهاده @QE@ فهذه الآية وما بعدها لم تترك خيرا إلا جمعته ولا شرا إلا ~~نفته PageV15P266 # قال شيخ الإسلام # قوله @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل ms4723 شيطان مريد كتب ~~عليه أنه من تولاه @QE@ في أثناء آيات المعاد وعقبها بآية المعاد ثم إتبعه ~~بقوله @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله @QE@ إلى قوله @QB@ ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف @QE@ فيه بيان حال المتكلمين وحال المتعبدين المجادلين بلا علم ~~والعابدين بلا علم بل مع الشك لأن هذه السورة سورة الملة الإبراهيمية الذى ~~جادل بعلم وعبد الله بعلم ولهذا ضمنت ذكر الحج وذكر الملل الست # فقوله يجادل في الله بلا علم ذم لكل من جادل في الله بغير علم وهو دليل ~~على أنه جائز بالعلم كما فعل إبراهيم بقومه وفى الأولى ذم المجادل بغير علم ~~وفى الثانية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير # وهذا والله أعلم من باب عطف الخاص على العام أو الإنتقال من الأدنى إلى ~~الأعلى ليبين أن الذي يجادل بالكتاب أعلاهم ثم بالهدى فالعلم إسم جامع ثم ~~منه ما يعلم بالدليل القياسى فهو أدنى أقسامه فيخص PageV15P267 بإسم العلم ~~ويفرد ما عداه بإسمه الخاص فاما معلوم بالدليل القياسى وهو علم النظر وإما ~~ما علم بالهداية الكشفية كما للمحدثين وللمتفرسين ولسائر المؤمنين وهو ~~الهدى وإما ما نزل من عندالله من الكتب وهو أعلاها فأعلاها العلم المأثور ~~عن الكتب ثم كشوف الأولياء ثم قياس المتكلمين وغيرهم من العلماء ~~PageV15P268 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى يدعو من دون الله ) 1 # وقال # في قوله تعالى @QB@ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن ~~به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد ~~يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير @QE@ فإن آخر هذه ~~الآية قد أشكل على كثير من الناس كما قال طائفة من المفسرين كالثعلبى ~~والبغوى واللفظ للبغوى قال هذه الآية من مشكلات القرآن وفيها أسؤلة أولها ~~قالوا قد قال الله تعالى في الآية ms4724 الأولى @QB@ يدعو من دون الله ما لا يضره ~~@QE@ أى لا يضره ترك عبادته وقوله @QB@ لمن ضره @QE@ أى ضر عبادته قلت هذا ~~جواب # وذكر صاحب الكشاف جوابا غير هذا فقال فإن قلت الضر والنفع منتفيان عن ~~الأصنام مثبتان لهما في الآيتين وهذا تناقض قلت إذا حصل المعنى ذهب هذا ~~الوهم وذلك أن الله سفه الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا وهو ~~يعتقد فيه لجهله وضلاله PageV15P269 أنه يستشفع به حين يستشفع به ثم قام ~~يوم القيامة هذا الكافر بدعاء وصراخ حين رأى استضراره بالأصنام ودخوله ~~النار بعبادتها ولا يرى أثر الشفاعة التى إدعاها لها @QB@ لمن ضره أقرب من ~~نفعه لبئس المولى ولبئس العشير @QE@ أو كرر يدعو كأنه قال @QB@ يدعو من دون ~~الله ما لا يضره وما لا ينفعه @QE@ ثم قال @QB@ لمن ضره @QE@ بكونه معبودا ~~@QB@ أقرب من نفعه @QE@ بكونه شفيعا @QB@ لبئس المولى @QE@ # قلت فقد جعل ضره بكونه معبودا وذكر تضرره بذلك وفى الآخرة # وقد قال السدى ما يتضمن الجوابين في تفسيره المعروف قال @QB@ ما لا يضره ~~@QE@ قال لا يضره أن عصاه وما لاينفعه قال لا ينفعه الصنم أن أطاعه @QB@ ~~يدعو لمن ضره @QE@ قال ضره في ألاخرة من أجل عبادته إياه في الدنيا # قلت وهذا الذى ذكر من الجواب كلام صحيح لكن لم يبين فيه وجه نفى التناقض ~~فنقول قوله @QB@ لا يضره وما لا ينفعه @QE@ هو نفى لكون المدعو المعبود من ~~دون الله يملك نفعا أو ضرا وهذا يتناول كل ما سوى PageV15P270 الله من ~~الملائكة والبشر والجن والكواكب والأوثان كلها فإنما سوى الله لا يملك لا ~~لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا كما قال تعالى في سياق نهيه عن عبادة المسيح ~~@QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ms4725 ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا ~~منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ~~ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ~~انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم @QE@ وقد قال لخاتم الرسل ~~@QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله @QE@ وقال @QB@ قل إني ~~لا أملك لكم ضرا ولا رشدا @QE@ وقال على العموم @QB@ ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده @QE@ وقال @QB@ وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله @QE@ وقال @QB@ ~~قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون @QE@ ~~وقال صاحب يس @QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه ~~آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ~~ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون @QE@ PageV15P271 وقوله @QB@ يدعو من دون ~~الله ما لا يضره وما لا ينفعه @QE@ نفى عام كما في قوله @QB@ لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا @QE@ فهو لا يقدر أن يضر أحدا سواء عبده أو لم يعبده ولا ينفع ~~أحدا سواء عبده أو لم يعبده وقول من قال لا ينفع أن عبد ولا يضر إن لم يعبد ~~بيان لإنتفاء الرغبة والرهبة من جهته بخلاف الرب الذى يكرم عابديه ويرحمهم ~~ويهين من لم يعبده ويعاقبه # والتحقيق انه لا ينفع ولا يضر مطلقا فإن الله سبحانه وسعت رحمته كل شيء ~~وهو ينعم على كثير من خلقه وإن لم يعبدوه فنفعه للعباد لا يختص بعابديه وإن ~~كان في هذا تفصيل ليس هذا موضعه وما دونه لا ينفع لا من عبده ولا من لم ~~يعبده وهو سبحانه ms4726 الضار النافع قادر على أن يضر من يشاء وإن كان ما ينزله ~~من الضر بعابديه هو رحمة في حقهم كما قال أيوب @QB@ مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو @QE@ ~~وقال أيضا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا إلا ما شاء الله @QE@ وقال تعالى @QB@ والصابرين في البأساء والضراء ~~وحين البأس @QE@ وهو سبحانه يحدث ما يحدثه من الضرر بمن لا يوصف بمعصية من ~~الأطفال والمجانين والبهائم لما في ذلك من الحكمة والنعمة PageV15P272 ~~والرحمة كما هو مبسوط في غير هذا الموضع # فإن المقصود هنا أن نفى الضر والنفع عمن سواه عام لا يجب أن يخص هذا بمن ~~عبده وهذا بمن لم يعبده وإن كان هذا التخصيص حقا بإعتبار صحيح وجواب من ~~اجاب بأن معناه لا يضر ترك عبادته وضره بعبادته أقرب من نفعه مبنى على هذا ~~التخصيص # وإذا كان كذلك فنقول المنفى قدرة من سواه على الضر والنفع وأما قوله @QB@ ~~ضره أقرب من نفعه @QE@ فنقول أولا المنفى هو فعلهم بقوله @QB@ ما لا يضره ~~وما لا ينفعه @QE@ والمثبت إسم مضاف إليه فإنه لم يقل يضر أعظم مما ينفع بل ~~قال @QB@ لمن ضره أقرب من نفعه @QE@ والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة ~~فلا يجب أن يكون الضر والنفع المضافين من باب إضافة المصدر إلى الفاعل بل ~~قد يضاف المصدر من جهة كونه إسما كما تضاف سائر الأسماء وقد يضاف إلى محله ~~وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وأن لم يكن فاعلا كقوله @QB@ بل مكر الليل ~~والنهار @QE@ ولا ريب أن بين المعبود من دون الله وبين ضرر عابديه تعلق ~~يقتضى الإضافة كأنه قيل لمن شره أقرب من خيره وخسارته أقرب من ربحه فتدبر ~~هذا # ولو جعل هو فاعل الضر بهذا لأنه سبب فيه لا لأنه هو الذى PageV15P273 فعل ~~الضرر # وهذا كقول الخليل عن الأصنام @QB@ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس @QE@ ~~فنسب الإضلال إليهن والإضلال هو ضرر لمن أضللنه وكذلك قوله @QB@ وما زادوهم ms4727 ~~غير تتبيب @QE@ وهذا كما يقال أهلك الناس الدرهم والدينار وأهلك النساء ~~الأحمران الذهب والحرير وكما يقال للمحبوب المعشوق الذى تضر محبته وعشقه ~~إنه عذب هذا وأهلكه وأفسده وقتله وعثره وإن كان ذاك المحبوب قد لا يكون ~~شاعرا بحال هذا البتة وكذلك يقال في المحسود إنه يعذب حاسديه وإن كان لا ~~شعور له بهم # وفى الصحيحين عن عمرو بن عوف عن النبى أنه قال ( والله ما الفقر أخشى ~~عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا ~~فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم كما أهلكتهم ) فجعل الدنيا المبسوطة هي ~~المهلكة لهم وذلك بسبب حبها والحرص عليها والمنافسة فيها وإن كانت مفعولا ~~بها لا إختيار لها فهكذا المدعو المعبود من دون الله الذى لم يأمر بعبادة ~~نفسه إما لكونه جمادا وإما لكونه عبدا مطيعا لله من الملائكة والأنبياء ~~والصالحين من الإنس والجن فما يدعى من دون الله هو لا ينفع ولا يضر لكن هو ~~السبب في دعاء الداعى له وعبادته إياه وعبادة ذاك ودعاؤه هو الذى ضره فهذا ~~الضر المضاف إليه غير الضر المنفى عنه PageV15P274 فضرر العابد له بعبادته ~~يحصل في الدنيا والآخرة # وإن كان عذاب الآخرة أشد فالمشركون الذين عبدوا غير الله حصل لهم بسبب ~~شركهم بهؤلاء من عذاب الله في الدنيا ما جعله الله عبرة لأولى الأبصار قال ~~الله تعالى @QB@ ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ~~ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما ~~جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب @QE@ فبين أنهم لم تنفعهم بل ما زادتهم ~~إلا شرا # وقد قيل في هذا كما قيل في الضر قيل ما زادتهم عبادتها وقيل أنها في ~~القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرا وهذا كقوله @QB@ واتخذوا من دون الله ~~آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا @QE@ ~~والتتبيب عبر عنه الأكثرون بأنه التخسير كقوله تعالى @QB@ تبت يدا أبي لهب ~~وتب @QE@ وقيل التثبير والإهلاك وقيل ms4728 ما زادوهم إلا شرا وقوله @QB@ فما ~~أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما ~~زادوهم غير تتبيب @QE@ فعل ماض يدل على أن هذا كان في الدنيا وقد يقال ~~فالشر كله من جهتهم فلم قيل فما زادوهم فيقال بل عذبوا على كفرهم بالله ولو ~~لم يعبدوهم فلما عبدوهم مع ذلك إزدادوا بذلك كفرا وعذابا فما زادوهم إلا ~~خسارة وشرا مازادوهم ربحا وخيرا PageV15P275 ### || سورة المؤمنون # ( # قال شيخ ألإسلام رحمه الله تعالى ( # في قوله تعالى @QB@ أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ~~@QE@ طال الفصل بين أن وإسمها وخبرها فأعاد ( أن ( لتقع على الخبر لتأكيده ~~بها ونظير هذا قوله تعالى @QB@ ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له ~~نار جهنم @QE@ لما طال الكلام أعاد ( أن ( هذا قول الزجاج وطائفة وأحسن من ~~هذا أن يقال كل واحدة من هاتين الجملتين جملة شرطية مركبة من جملتين ~~جزائيتين فأكدت الجملة الشرطية ( بأن ( على حد تأكيدها في قول الشاعر % إن ~~من يدخل الكنيسة يوما % يلق فيها جآذرا وظباء % # ثم أكدت الجملة الجزائية ب ( أن ( إذ هي المقصودة على حد تأكيدها في قوله ~~تعالى @QB@ والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ~~@QE@ # ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء ~~PageV15P276 وتأكيد جملة الجزاء قوله تعالى @QB@ إنه من يتق ويصبر فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين @QE@ فلا يقال في هذا ( إن ( أعيدت لطول الكلام ~~ونظيره قوله تعالى @QB@ إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا ~~يحيى @QE@ ونظيره @QB@ أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح ~~فأنه غفور رحيم @QE@ فهما تأكيدان مقصودان لمعنيين مختلفين ألا ترى تأكيد ~~قوله @QB@ غفور رحيم @QE@ ب ( إن ( غير تأكيد من عمل سوءا بجهالة فإنه غفور ~~رحيم له ب ( أن ( وهذا ظاهر لإخفاء به وهو كثير في القرآن وكلام العرب # وأما قوله تعالى @QB@ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~@QE@ فهذا ليس من ms4729 التكرار في شيء فإن قولهم خبر ( كان ( قدم على إسمها و ( ~~أن ( قالوا في تأويل المصدر وهو الإسم فهما إسم كان وخبرها والمعنى وما كان ~~لهم قول إلا قول @QB@ ربنا اغفر لنا ذنوبنا @QE@ ونظير هذا قوله تعالى @QB@ ~~وما كان جواب قومه إلا أن قالوا @QE@ والجواب قول وتقول ما لفلان قول إلا ~~قول ( لا حول ولا قوة إلا بالله ( فلا تكرار أصلا واما قوله تعالى @QB@ وإن ~~كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين @QE@ PageV15P277 فهي من أشكل ~~ما أورد ومما أعضل على الناس فهمها فقال كثير من أهل الأعراب والتفسير أنه ~~على التكرير المحض والتأكيد قال الزمخشرى ( من قبله ( من باب التوكيد كقوله ~~تعالى @QB@ فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها @QE@ ومعنى التوكيد ~~فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد فإستحكم يأسهم وتمادى ~~وتمادى إبلاسهم فكان الإستبشار بذلك على قدر إهتمامهم بذلك هذا كلامه وقد ~~إشتمل على دعويين باطلتين # إحداهما قوله إنه من باب التكرير # والثانية تمثيله ذلك بقوله تعالى @QB@ فكان عاقبتهما أنهما في النار ~~خالدين فيها @QE@ فإن ( في ( الأولى على حد قولك زيد في الدار أى حاصل أو ~~كائن وأما الثانية فمعمولة للخلود وهو معنى آخر غير معنى مجرد الكون فلما ~~إختلف العاملان ذكر الحرفين فلو إقتصر على أحدهما كان من باب الحذف لدلالة ~~الآخر عليه ومثل هذا لا يقال له تكرار ونظير هذا أن تقول زيد في الدار نائم ~~فيها أو ساكن فيها ونحوه مما هو جملتان مقيدتان بمعنيين # وأما قوله @QB@ من قبل أن ينزل عليهم من قبله @QE@ فليس من التكرار بل ~~تحته معنى دقيق والمعنى فيه وإن كانوا من قبل أن ينزل PageV15P278 عليهم ~~الودق من قبل هذا النزول لمبلسين فهنا قبليتان قبلية لنزوله مطلقا وقبلية ~~لذلك النزول المعين أن لا يكون متقدما على ذلك الوقت فيئسوا قبل نزوله ~~يأسين يأسا لعدمه مرئيا ويأسا لتأخره عن وقته فقبل الأولى ظرف لليأس وقبل ~~الثانية ظرف المجيء والإنزال # ففى الآية ظرفان معمولان وفعلان مختلفان عاملان فيهما وهما الإنزال ms4730 ~~والابلاس فأحد الظرفين متعلق بالابلاس والثانى متعلق بالنزول وتمثيل هذا أن ~~تقول ( إذا كنت معتادا للعطاء من شخص فتأخر عن ذلك الوقت ثم أتاك به قد كنت ~~آيسا PageV15P279 ### || سورة النور # ( # قال الشيخ الربانى والصديق الثانى إمام الأئمة ومفتى الأمة وبحر العلوم ~~وبدر النجوم وسند الحفاظ وفارس المعانى والألفاظ وفريد العصر وأوحد الدهر ~~وشيخ الإسلام وإمام الأئمة الأعلام وعلامة الزمان وترجمان القرآن وعلم ~~الزهاد واوحد العباد وقامع المبتدعين وآخر المجتهدين البحر الزاخر والصارم ~~الباتر أبوالعباس تقى الدين أحمد بن شهاب الدين أبى المحاسن عبدالحليم بن ~~شيخ الإسلام مجد الدين أبى البركات عبدالسلام بن أبى محمد عبد الله بن أبى ~~القاسم الخضر بن محمد بن الخضر على بن عبد الله بن تيمية الحرانى قدس الله ~~روحه ونور ضريحه ورحمه ورضى عنه وأرضاه PageV15P280 ### ||| فصل في معانى مستنبطة من سورة النور # قال تعالى @QB@ سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم ~~تذكرون @QE@ ففرضها بالبينات والتقدير لحدود الله التى من يتعد حلالها إلى ~~الحرام فقد ظلم نفسه ومن قرب من حرامها فقد اعتدى وتعدى الحدود وبين فيها ~~فرض العقوبة للزانيين مائة جلدة وبين فيها فريضة الشهادة على الزنى وأنها ~~اربع شهادات وكذلك فريضة شهادة المتلاعنين كل منهما يشهد أربع شهادات بالله ~~ونهى فيها عن تعدى حدوده في الفروج والأعراض والعورات وطاعة ذى السلطان ~~سواء كان في منزله أوفى ولايته ولا يخرج ولا يدخل إلاباذنه اذ الحقوق نوعان ~~نوع لله فلا يتعدى حدوده ونوع فيه أمر فلا يفعل إلا باذن المالك وليس لاحد ~~أن يفعل شيئا في حق غيره إلا باذن الله وإن لم يأذن المالك فاذن الله هو ~~الاصل وإذن المالك حيث أذن الله وجعل له الاذن فيه ولهذا ضمنها الاستئذان ~~في المساكن والمطاعم والاستئذان في PageV15P281 الأمور الجامعة كالصلاة ~~والجهاد ونحوهما ووسطها بذكر النور الذى هو مادة كل خير وصلاح كل شيء وهو ~~ينشأ عن امتثال أمر الله واجتناب نهيه وعن الصبر على ذلك فانه ضياء فان حفظ ~~الحدود بتقوى الله يجعل الله لصاحبه نورا ms4731 كما قال تعالى @QB@ اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ~~@QE@ # فضد النور الظلمة ولهذا عقب ذكر النور وأعمال المؤمنين فيها بأعمال ~~الكفار وأهل البدع والضلال فقال @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ~~@QE@ إلى قوله @QB@ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ وكذلك الظلم ظلمات يوم القيامة وظلم ~~العبد نفسه من الظلم فان للسيئة ظلمة في القلب وسوادا في الوجه ووهنا في ~~البدن ونقصا في الرزق وبغضا في قلوب الخلق كما روى ذلك عن بن عباس # يوضح ذلك أن الله ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور ومثل أعمال الكفار ~~بالظلمة # و ( الإيمان ( اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه و ( الكفر ( PageV15P282 ~~اسم جامع لكل ما يبغضه الله وينهى عنه وإن كان لا يكفر العبد إذا كان معه ~~اصل الايمان وبعض فروع الكفر من المعاصى كما لا يكون مؤمنا إذا كان معه اصل ~~الكفر وبعض فروع الإيمان ولغض البصر اختصاص بالنور كما سنذكر ذلك إن شاء ~~الله تعالى وقد روى أبو هريرة عن النبى أنه قال إن العبد اذا أذنب نكتت في ~~قلبه نكتة سوداء فان تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى يعلو ~~قلبه فذلك ( الران الذى ذكر الله @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون @QE@ رواه الترمذى وصححه وفى الصحيح انه قال ( انه ليغان على قلبى ~~وإنى لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ( والغين حجاب رقيق أرق من الغيم ~~فأخبر أنه يستغفر الله استغفارا يزيل الغين عن القلب فلا يصير نكتة سوداء ~~كما أن النكتة السوداء إذا أزيلت لاتصير رينا # وقال حذيفة إن الإيمان يبدو في القلب لمظة بيضاء فكلما إزداد العبد ~~إيمانا إزداد قلبه بياضا فلو كشفتم عن قلب المؤمن لرأيتموه أبيض مشرقا وإن ~~النفاق يبدو منه لمظة سوداء فكلما إزداد العبد نفاقا إزداد قلبه سوادا فلو ~~كشفتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود مربدا وقال صلى ms4732 الله عليه وسلم ( إن ~~النور إذا دخل القلب إنشرح وإنفسح قيل فهل لذلك من علامة يا رسول الله قال ~~نعم PageV15P283 التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإستعداد ~~للموت قبل نزوله ( # وفى خطبة الإمام أحمد التى كتبها في كتابه في الرد على الجهمية والزنادقة ~~قال ( الحمد لله الذى جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ~~يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحبون بكتاب الله الموتى ~~ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لأبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه ~~حيران قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن ~~كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ~~ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب ~~مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفى الله وفى كتاب الله بغير علم ~~يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم نعوذ ~~بالله من شبه المضلين # قلت وقد قرن الله سبحانه في كتابه في غير موضع بين أهل الهدى والضلال ~~وبين أهل الطاعة والمعصية بما يشبه هذا كقوله تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى ~~والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا ~~الأموات @QE@ وقال @QB@ مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع @QE@ ~~الآية وقال في المنافقين PageV15P284 @QB@ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~@QE@ الآيات ( وقال @QB@ الله ولي الذين آمنوا @QE@ الآية وقال @QB@ كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور @QE@ والآيات في ذلك كثيرة # وهذا النور الذى يكون للمؤمن في الدنيا على حسن عمله وإعتقاده يظهر في ~~الآخرة كما قال تعالى @QB@ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم @QE@ الآية ~~فذكر النور هنا عقيب أمره بالتوبة كما ذكره في سورة النور عقيب أمره بغض ~~البصر وامره بالتوبة في قوله @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون @QE@ وذكر ذلك بعد أمره بحقوق الأهلين والأزواج وما يتعلق ~~بالنساء وقال في سورة الحديد @QB@ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ~~بين ms4733 أيديهم وبأيمانهم @QE@ الآيات إلى قوله في المنافقين @QB@ مأواكم النار ~~هي مولاكم وبئس المصير @QE@ # فأخبر سبحانه أن المنافقين يفقدون النور الذى كان المؤمنون يمشون به ~~ويطلبون الإقتباس من نورهم فيحجبون عن ذلك بحجاب يضرب بينهم وبين المؤمنين ~~كما أن المنافقين لما فقدوا النور في الدنيا كان مثلهم كمثل الذي إستوقد ~~نارا فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات فقوله تعالى @QB@ ~~الزانية والزاني @QE@ الآية فأمر بعقوبتهما وعذابهما بحضور طائفة من ~~المؤمنين وذلك بشهادته على نفسه أو بشهادة المؤمنين عليه لأن المعصية إذا ~~كانت ظاهرة كانت عقوبتها PageV15P285 ظاهرة كما في الأثر ( من اذنب سرا ~~فليتب سرا ومن أذنب علانية فليتب علانية ( وليس من الستر الذى يحبه الله ~~تعالى كما في الحديث ( من ستر مسلما ستره الله ( بل ذلك إذا ستر كان ذلك ~~إقرارا لمنكر ظاهر وفى الحديث ( إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ~~وإذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة ( فإذا أعلنت أعلنت عقوبتها بحسب العدل ~~الممكن # ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة كما روى ذلك عن الحسن البصرى ~~وغيره لأنه لما أعلن ذلك إستحق عقوبة المسلمين له وأدنى ذلك أن يذم عليه ~~لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته ولو لم يذم ويذكر بما فيه من الفجور ~~والمعصية أو البدعة لإغتر به الناس وربما حمل بعضهم على أن يرتكب ما هو ~~عليه ويزداد أيضا هو جرأة وفجور ومعاصى فإذا ذكر بما فيه إنكف وإنكف غيره ~~عن ذلك وعن صحبته ومخالطته قال الحسن البصرى اترغبون عن ذكر الفاجر أذكروه ~~بما فيه كى يحذره الناس وقد روى مرفوعا و ( الفجور ( إسم جامع لكل متجاهر ~~بمعصية أو كلام قبيح يدل السامع له على فجور قلب قائله # ولهذا كان كان مستحقا للهجر إذا أعلن بدعة أو معصية أو فجورا أو تهتكا أو ~~مخالطة لمن هذا حاله بحيث لا يبالى بطعن الناس عليه فإن PageV15P286 هجره ~~نوع تعزير له فإذا أعلن السيئات هجره وإذا أسر أسر هجره إذ الهجرة هي ~~الهجرة على السيئات وهجرة ms4734 السيئات هجرة ما نهى الله عنه كما قال تعالى @QB@ ~~والرجز فاهجر @QE@ وقال تعالى @QB@ واهجرهم هجرا جميلا @QE@ وقال @QB@ وقد ~~نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم @QE@ # وقد روى عن عمر بن الخطاب أن ابنه عبد الرحمن لما شرب الخمر بمصر وذهب ~~اخوه إلى أمير مصر عمرو بن العاص ليجلده الحد جلده الحد سرا وكان الناس ~~يجلدون علانية فبعث عمر بن الخطاب إلى عمرو ينكر عليه ذلك ولم يعتد عمر ~~بذلك الجلد حتى أرسل إلى ابنه فأقدمه المدينة فجلده الحد علانية ولم ير ~~الوجوب سقط بالحد الأول وعاش ابنه بعد ذلك مدة ثم مرض ومات ولم يمت من ذلك ~~الجلد ولا ضربة بعد الموت كما يزعمه الكذابون # قوله تعالى @QB@ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله @QE@ الآية نهى تعالى ~~عما يأمر به الشيطان في العقوبة عموما وفى أمر الفواحش خصوصا فإن هذا الباب ~~مبناه على المحبة والشهوة والرأفة التى يزينها الشيطان بإنعطاف القلوب على ~~أهل الفواحش والرأفة بهم حتى يدخل كثير من الناس بسبب هذه الآفة في الدياثة ~~وقلة الغيرة إذا PageV15P287 رأى من يهوى بعض المتصلين به أو يعاشره عشرة ~~منكرة أو رأى له محبة أو ميلا وصبابة وعشقا ولو كان ولده رأف به وظن أن هذا ~~من رحمة الخلق ولين الجانب بهم وكارم الأخلاق وإنما ذلك دياثة ومهانة وعدم ~~دين وضعف إيمان وإعانة على الإثم والعدوان وترك للتناهى أن الفحشاء والمنكر # وتدخل النفس به في القيادة التى هي أعظم الدياثة كما دخلت عجوز السوء مع ~~قومها في إستحسان ما كانوا يتعاطونه مع إتيان الذكران والمعاونة لهم على ~~ذلك وكانت في الظاهر مسلمة على دين زوجها لوط وفى الباطن منافقة على دين ~~قومها لا تقلى عملهم كما قلاه لوط فإنه أنكره ونهاهم عنه وأبغضه وكما فعل ~~النسوة اللواتى بمصر مع يوسف فإنهن أعن امرأة العزيز على ما دعته إليه من ~~فعل الفاحشة معها ولهذا قال ms4735 @QB@ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه @QE@ ~~وذلك بعد قولهن @QB@ إنا لنراها في ضلال مبين @QE@ # ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب فإن الشهوة توجب السكر كما قال ~~تعالى عن قوم لوط @QB@ إنهم لفي سكرتهم يعمهون @QE@ وفى الصحيحين واللفظ ~~لمسلم من حديث أبى هريرة عن النبى قال ( العينان تزنيان وزناهما النظر ( ~~الحديث في آخره فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه PageV15P288 الأنواع ~~المذكورة في هذا الحديث كالنظر والإستمتاع والمخاطبة ومنهم من يرتقى إلى ~~اللمس والمباشرة ومنهم من يقبل وينظر وكل ذلك حرام وقد نهانا الله عز وجل ~~أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم عليهم الحد فكيف بما هو دون ذلك من هجر ~~وأدب باطن ونهى وتوبيخ وغير ذلك بل ينبغى شنآن الفاسقين وقليهم على ما ~~يتمتع به الإنسان من أنواع الزنى المذكورة في الحديث المتقدم وغيره # وذلك ان المحب العاشق وإن كان إنما يحب النظر والإستماع بصورة ذلك ~~المحبوب وكلامه فليس دواؤه في ان يعطى نفسه محبوبها وشهوتها من ذلك لأنه ~~مريض والمريض إذا إشتهى ما يضره أو جزع من تناول الدواء الكرية فأخذتنا ~~رأفة عليه حتى نمنعه شربه فقد أعناه على ما يضره أو يهلكه وعلى ترك ما ~~ينفعه فيزداد سقمه فيهلك وهكذا المذنب العاشق ونحوه هو مريض فليس الرأفة به ~~والرحمة أن يمكن مما يهواه من المحرمات ولا يعان على ذلك ولا أن يمكن من ~~ترك ما ينفعه من الطاعات التى تزيل مرضه قال تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر @QE@ أى فيها الشفاء وأكبر من ذلك # بل الرأفة به أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريها مثل الصلاة وما فيها ~~من الأذكار والدعوات وأن يحمى عما يقوى داءه ويزيد علته وإن إشتهاه ولا يظن ~~الظان أنه إذا حصل له إستمتاع PageV15P289 بمحرم يسكن بلاؤه بل ذلك يوجب له ~~إنزعاجا عظيما وزيادة في البلاء والمرض في المآل فإنه وإن سكن بلاؤه وهدأ ~~ما به عقيب إستمتاعه أعقبه ذلك مرضا عظيما عسيرا لا يتخلص منه بل الواجب ~~دفع ms4736 أعظم الضررين بإحتمال أدناهما قبل إستحكام الداء الذى ترامى به إلى ~~الهلاك والعطب ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع ايسر وأخف من الم المرض ~~الباقى # وبهذا يتبين أن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض ~~القلوب وهى من رحمة الله بعباده ورأفته بهم الداخلة في قوله تعالى @QB@ وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها ~~بالمريض فهو الذى اعان على عذابه وهلاكه وإن كان لا يريد إلا الخير إذ هو ~~في ذلك جاهل أحمق كما يفعله بعض النساء والرجال الجهال بمرضاهم وبمن يربونه ~~من أولادهم وغلمانهم وغيرهم في ترك تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر ~~ويتركونه من الخير رأفة بهم فيكون ذلك بسبب فسادهم وعداوتهم وهلاكهم # ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم في ذلك المرض وذوقه ما ذاقوه ~~من قوة الشهوة وبرودة القلب والدياثة فيترك ما أمر الله به من العقوبة وهو ~~في ذلك من أظلم الناس وأديثهم في حق نفسه ونظرائه وهو بمنزلة جماعة من ~~المرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم PageV15P290 فوجد كبيرهم مرارته فترك ~~شربه ونهى عن سقيه للباقين # ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانين محبوبا له إما أن يكون محبا ~~لصورته وجماله بعشق أو غيره أو لقرابة بينهما أو لمودة أو لإحسانه إليه أو ~~لما يرجو منه من الدنيا أو غير ذلك أو لما في العذاب من الألم الذى يوجب ~~رقة القلب ويتأول إنما يرحم الله من عباده الرحماء ويقول الأحمق ( الراحمون ~~يرحمهم الرحمن إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ( وغير ذلك وليس كما ~~قال بل ذلك وضع الشيء في غير موضعه بل قد ورد في الحديث ( لا يدخل الجنة ~~ديوث ( فمن لم يكن مبغضا للفواحش كارها ولأهلها ولا يغضب عند رؤيتها ~~وسماعها لم يكن مريدا للعقوبة عليها فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه قال ~~تعالى @QB@ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله @QE@ الآية # فإن دين الله طاعته وطاعة رسوله المبنى على محبته ومحبة ms4737 رسوله وإن يكون ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فإن الرأفة والرحمة يحبهما الله مالم تكن ~~مضيعة لدين الله # وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إنما يرحم الله من ~~عباده الرحماء ( وقال ( لا يرحم الله من لا يرحم الناس ( وقال PageV15P291 ~~( من لا يرحم الله من لا يرحم الناس ( وقال ( من لا يرحم لا يرحم ( وفى ~~السنن ( الراحمون يرحمهم الرحمن إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ( ~~فهذه الرحمة حسنة مأمور بها أمر إيجاب أو إستحباب بخلاف الرأفة في دين الله ~~فإنها منهى عنها # والشيطان يريد من الإنسان الإسراف في أموره كلها فإنه أن رآه مائلا إلى ~~الرحمة زين له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله ولا يغار لما يغار الله ~~منه وأن رآه مائلا إلى الشدة زين له له الشدة في غير ذات الله حتى يترك من ~~الإحسان والبر واللين والصلة والرحمة ما يأمر به الله ورسوله ويتعدى في ~~الشدة فيزيد في الذم والبغض والعقاب على ما يحبه الله ورسوله فهذا يترك ما ~~أمر الله به من الرحمة والإحسان وهو مذموم مذنب في ذلك ويسرف فيما أمر الله ~~به ورسوله من الشدة حتى يتعدى الحدود وهو من إسرافه في أمره فالأول مذنب ~~والثانى مسرف @QB@ إنه لا يحب المسرفين @QE@ فليقولا جميعا @QB@ ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ~~@QE@ # وقوله تعالى @QB@ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ فالمؤمن بالله ~~واليوم الآخر يفعل ما يحبه الله ورسوله وينهى عما يبغضه الله ورسوله ومن لم ~~يؤمن الله واليوم الآخر فإنه يتبع هواه فتارة تغلب عليه الرأفة PageV15P292 ~~هوى وتارة تغلب عليه الشدة هوى فيتبع هواه في الجانبين بغير هدى من الله ~~@QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ فإن الزنى من الكبائر ~~وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور بإجتناب الكبائر فإن أصر على النظر ~~أو على المباشرة صار كبيرة وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش ~~فإن دوام النظر ms4738 بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة قد يكون ~~اعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل ~~أن لا يأتى كبيرة ولا يصر على صغيرة وفى الحديث المرفوع ( لا صغيرة مع ~~إصرار ولا كبيرة مع إستغفار ( # بل قد ينتهى النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك كما قال تعالى @QB@ ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله @QE@ ولهذا لا يكون عشق ~~الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان والله تعالى إنما ذكره في القرآن ~~عن إمرأة العزيز المشركة وعن قوم لوط المشركين والعاشق المتيم يصير عبدا ~~لمعشوقه منفادا له أسير القلب له # وقد جمع النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الحدود إن حالت شفاعته دون حد من ~~حدود الله فقد ضاد الله فيما رواه أبوداود عن بن عمر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( من حالت شفاعته دون حد PageV15P293 من حدود الله فقد ضاد ~~الله في أمره ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ومن ~~قال في مسلم ماليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ( فالشافع في ~~تعطيل الحدود فلا يجوز أن تأخذ المؤمن رأفة بأهل البدع والفجور والمعاصى ~~والظلمة # وجماع ذلك كله فيما وصف الله به المؤمنين حيث قال @QB@ أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين @QE@ وقال @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ فإن ~~هذه الكبائر كلها من شعب الكفر ولم يكن المسلم كافرا بمجرد إرتكاب كبيرة ~~ولكنه يزول عنه إسم الإيمان الواجب كما في الصحاح عنه ( لا يزنى الزانى حين ~~يزنى وهو مؤمن ( الحديث إلى آخره ففيهم من نقص الإيمان ما يوجب زوال الرأفة ~~والرحمة بهم وإستحقوا بتلك الشعبة من الشدة بقدر ما فيها ولا منافاة بين أن ~~يكون الشخص الواحد يرحم ويحب من وجه ويعذب ويبغض من وجه آخر ويثاب من وجه ~~فإن مذهب أهل السنة والجمعة أن الشخص الواحد فيه الأمران خلافا لما يزعمه ~~الخوارج ونحوهم من المعتزلة ms4739 فإن عندهم أن من إستحق العذاب من أهل القبلة لا ~~يخرج من النار فأوجبوا خلود أهل التوحيد وقال من إستحق العذاب لا يستحق ~~الثواب PageV15P294 ولهذا جاء في السنة أن من أقيم عليه الحد والعقوبات ولم ~~يأخذ المؤمنين به رأفة أن يرحم من وجه آخر فيحسن إليه ويدعى له وهذا الجانب ~~أغلب في الشريعة كما أنه الغالب في صفة الرب سبحانه كما في الصحيحين ( إن ~~الله كتب كتابا فهو موضع عنده فوق العرش ( إن رحمتى تغلب غضبى ( وفى رواية ~~( سبقت غضبى ( وقال ( نبىء عبادى إنى أنا الغفور الرحيم وإن عذابى هو ~~العذاب الأليم ( وقال @QB@ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ~~@QE@ فجعل الرحمة صفة له مذكورة في اسمائه الحسنى وأما العذاب والعقاب ~~فجعلهما من مفعولاته غير مذكورين في اسمائه # ومن هذا الباب ما امر الله به من الغلطة على الكفار والمنافقين فقال ~~تعالى @QB@ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم @QE@ وقال ~~@QB@ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة @QE@ الآيات إلى ~~قوله في قصة إبراهيم @QB@ حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ وكذلك آخر المجادلة ~~وقد ثبت في صحيح مسلم عن حطان بن عبد الله عن عبادة بن الصامت ( أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال ( خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا ( البكر بالبكر ~~جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم # وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة وزيد بن خالد أنه صلى الله PageV15P295 ~~عليه وسلم ( إختصم إليه رجلان فقال أحدهما يا رسول الله إقض بيننا بكتاب ~~الله وقال الآخر وهو أفقه منه يا رسول الله إقض بيننا بكتاب الله وائذن لى ~~أن ابني كان عسيفا على هذا وأنه زنى بامرأته فإفتديت منه بمائة شاة ووليدة ~~وإنى سالت أهل العلم فقالوا على ابنك جلد مائة وتغريب عام فقال النبى ~~لأقضين بينكما بكتاب الله أما المائة شاة والوليدة فرد عليك وعلى ابنك جلد ~~مائة وتغريب عام وإغد يا انيس على امرأة هذا فإن إعترفت فإرجمها فإعترفت ~~فرجمها ( # فهذه المرأة أحد ms4740 من رجمه النبى ورجم أيضا اليهوديين على باب مسجده ورجم ~~ماعز بن مالك ورجم الغامدية ورجم غير هؤلاء وهذا الحديث يوافق ما في الآية ~~من بيان السبيل الذى جعله الله لهن وهو جلد مائة وتغريب عام في البكر وفى ~~الثيب الرجم لكن الذى في هذا الحديث هو الجلد والنفى للكبر من الرجال وأما ~~الاية ففيها ذكر الإمساك في البيوت للنساء خاصة ومن فقهاء العراق من لا ~~يوجب مع الحد تغريبا ومنهم من يفرق بين الرجل والمرأة كما ان أكثرهم لا ~~يوجبون مع رجم جلد مائة ومنهم من يوجبهما جميعا كما فعل على بسراحة ~~الهمدانية حيث جلدها ثم رجمها وقال ( جلدتها بكتاب الله ( ورجمتها بسنة ~~نبيه PageV15P296 رواه البخارى وعن أحمد في ذلك روايتان وهو سبحانه ذكر في ~~سورة النساء ما يختص بالنساء من العقوبة بالإمساك في البيوت إلى الممات أو ~~إلى جعل السبيل ثم ذكر ما يعم الصنفين فقال @QB@ واللذان يأتيانها منكم ~~فآذوهما @QE@ آ فإن الأذى يتناول الصنفين واما الإمساك فيختص بالنساء ~~فالنساء يؤذين ويحبسن بخلاف الرجال فإنه لم يأمر فيهم بالحبس لأن المرأة ~~يجب ان تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجل لهذا خصت بالإحتجاب وترك إبداء ~~الزينة وترك التبرج فيجب في حقها الإستتار باللباس والبيوت مالا يجب في حق ~~الرجل لأن ظهور النساء سبب الفتنة والرجال قوامون عليهن # وقوله @QB@ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم @QE@ دل على شيئين على أن نصاب ~~الشهادة على الفاحشة أربعة وعلى أن الشهداء بها على نسائنا يجب أن يكونوا ~~منا فلا تقبل شهادة الكفار على المسلمين وهذا لا نزاع فيه وإنما النزاع في ~~قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض وفيه قولان عند أحمد أشهرهما عنده وعند ~~أصحابه أنها لا تقبل كمذهب مالك والشافعى والثانية أنها تقبل إختارها ~~أبوالخطاب مكن اصحاب أحمد وهو قول أبى حنيفة وهو أشبه بالكتاب والسنة وقد ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لا تجوز شهادة أهل ملة على أهل ملة إلا ~~PageV15P297 أمتى فإن شهادتهما تجوز على من سواهم ( فإنه لم ينف ms4741 شهادة أهل ~~الملة الواحدة بعضها على بعض بل مفهوم ذلك جواز شهادة أهل الملة الواحدة ~~بعضها على بعض ولكن فيه بيان أن المؤمنين تقبل شهادتهم على من سواهم لقوله ~~تعالى ( وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونا شهداء على الناس ( وفى آخر الحج ~~مثلها # وقد ثبت في صحيح البخارى عن ابى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيدعى قومه فيقال ~~هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير فيقال لنوح من يشهد لك فيقول ~~محمد وأمته فيؤتى بكم فتشهدون أنه بلغ ( وكذلك في الصحيحين من حديث انس في ~~شهادتهم على تلك الجنازتين وأنهم أثنوا على احدهما خيرا وعلى الأخرى شرا ~~فقال ( أنتم شهداء الله في أرضه ( الحديث ولهذا لما كان أهل السنة والجماعة ~~الذين محضوا الإسلام ولم يشوبوه بغيره كانت شهادتهم مقبولة على سائر فرق ~~الأمة بخلاف أهل البدع والأهواء كالخوارج والروافض فإن بينهم من العداوة ~~والظلم ما يخرجهم عن كمال هذه الحقيقة التى جعلها الله لأهل السنة قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم فيهم ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه ~~تحريف الغالين وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ( PageV15P298 # وقد إستدل من جوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض بهذه الآية التى في ~~المائدة وهى قوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم ~~الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم @QE@ الآية ثم قال ~~من أخذ بظاهر هذه الآية من أهل الكوفة دلت هذه الآية على قبول شهادة أهل ~~الذمة على المسلمين فيكون في ذلك تنبيه ودلالة على قبول شهادة بعضهم على ~~بعض بطريق الأولى ثم نسخ الظاهر لا يوجب نسخ الفحوى والتنبيه وهذه الآية ~~الدالة على نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث الموافقين للسلف في ~~العمل بهذه الآية وما يوافقها من الحديث أوجه وأقوى فإن مذهبه قبول شهادة ~~أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر لأنه موضع ضرورة فإذا ms4742 جازت ~~شهادتهم لغيرهم فعلى بعضهم أجوز وأجوز # ولهذا يجوز في الشهادة للضرورة مالا يجوز في غيرها كما تقبل شهادة النساء ~~فيما لا يطلع عليه الرجال حتى نص أحمد على قبول شهادتين في الحدود التى ~~تكون في مجامعهن الخاصة مثل الحمامات والعرسات ونحو ذلك فالكفار الذين لا ~~يختلط بهم المسلمون أولى أن تقبل شهادة بعضهم على بعض إذا حكمنا بينهم ~~والله أمرنا أن نحكم بينهم والنبى رجم الزانيين من اليهود من غير سماع ~~إقرار منهما ولا شهادة مسلم عليهما ولولا قبول شهادة بعضهم على بعض لم يجز ~~ذلك والله أعلم PageV15P299 # ثم إن في تولى مال بعضهم بعضا نزاع فهل يتولى الكافر العدل في دينه مال ~~ولده الكافر على قولين في مذهب أحمد وغيره والصواب المقطوع به أن بعضهم ~~أولى ببعض وقد مضت سنة النبى بذلك وسنة خلفائه وقوله تعالى ( فآذوهما ( أمر ~~بالأذى مطلقا ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره بل ذكر أنه يجب إيذاؤهما ولفظ ~~( الأذى ( يستعمل في الأقوال كثيرا كقوله @QB@ لن يضروكم إلا أذى @QE@ ~~وقوله @QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله @QE@ @QB@ والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا @QE@ ومنهم الذين يؤذون النبى ( وقول النبى ( لا ~~أحد أصبر على أذى سمعه من الله ( ونظائر ذلك كثيرة ذكرناها في كتاب الصارم ~~المسلول ( وهذا كما قال النبى في شارب الخمر ( عاقبوه وآذوه ( وقال @QB@ ~~فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما @QE@ والإعراض هو الإمساك عن الإيذاء # فالمذنب لا يزال يؤذى وينهى ويوعظ ويوبخ ويغلظ له في الكلام إلى أن يتوب ~~ويطيع الله وادنى ذلك هجره فلا يكلم بالكلام الطيب كما هجر النبى والمؤمنون ~~الثلاثة الذين خلفوا حتى ظهرت توبتهم وصلاحهم وهذه آية محكمة لا نسخ فيها ~~فمن أتى الفاحشة من الرجال والنساء فإنه يجب إيذاؤه بالكلام الزاجر له عن ~~المعصية إلى PageV15P300 أن يتوب وليس ذلك محدودا بقدر ولا صفة إلا ما يكون ~~زاجرا له داعيا إلى حصول المقصود وهو توبته وصلاحه وقد علقه تعالى على هذين ~~الأمرين التوبة والإصلاح فإذا لم يوجدا فلا يجوز أن يكون الأمر ms4743 بالإعراض ~~موجودا فيؤذى والآية دلت على وجوب الإعراض عن الأذى في حق من تاب وأصلح ~~فأما من تاب بترك فعل الفاحشة ولم يصلح فقد تنازع الفقهاء هل يشترط في قبول ~~التوبة صلاح العمل على قولين في مذهب أحمد وغيره # وهذه تشبه قوله تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم @QE@ فأمر بقتالهم ثم علق تخلية سبيلهم على التوبة والعمل ~~الصالح وهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنهم إذا تكلموا بالشهادتين وجب ~~الكف عنهم ثم إن صلوا وزكوا وإلا عوقبوا بعد ذلك على ترك الفعل لأن الشارع ~~في التوبة شرع الكف عن أذاه ويكون الأمر فيه موقوفا على التمام وكذلك ~~التائب من الفاحشة يشرع الكف عن أذاه إلى أن يصلح فإن اصلح وجب الإعراض عن ~~أذاه وإن لم يصلح لم يجب الكف عن اذاه بل يجوز أو يجب أذاه # وهذه الآية مما يستدل بها على التعزير بالأذى والأذى وإن كان PageV15P301 ~~يستعمل كثيرا في الكلام في مرتكب الفاحشة فليس هو مختصا به كما قال النبى ~~لمن بصق في القبلة ( إنك قد آذيت الله ورسوله ( وكذلك قال في حق فاطمة ~~إبنته ( يريبنى ما رابها ويؤذينى ما آذاها ( وكذلك قال لمن اكل الثوم ~~والبصل ( إن الملائكة تتاذى مما يتاذى منه بنو آدم ( وقال لصاحب السهام ( ~~خذ بنصالها لئلا تؤذى أحدا من المسلمين ( وقد قال تعالى @QB@ فإذا طعمتم ~~فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي @QE@ # وقوله تعالى @QB@ فإن تابا وأصلحا @QE@ هل يكون من توبته إعترافه بالذنب ~~فإذا ثبت الذنب بإقراره فجحد إقراره وكذب الشهود على إقراره أو ثبت بشهادة ~~شهود هل يعد بذلك تائبا فيه نزاع فذكر الإمام أحمد أنه لا توبة لمن جحد ~~وإنما التوبة لمن أقر وتاب وإستدل بقصة على بن أبى طالب أنه أتى بجماعة ممن ~~شهد عليهم بالزندقة فإعترف منهم ناس فتابوا فقبل توبتهم وجحد منهم جماعة ~~فقتلهم وقد قال النبى صلى الله لعائشة ( إن كنت ألممت ms4744 بذنب فإستغفرى الله ~~وتوبى إليه فإن العبد إذا إعتراف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ( رواه ~~البخارى # فمن أذنب سرا فليتب سرا وليس عليه أن يظهر ذنبه كما في الحديث ( من إبتلى ~~بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله PageV15P302 فإنه من يبد لنا ~~صفحته نقم عليه كتاب الله ( وفى الصحيح ( كل أمتى معافى إلا المجاهدين وإن ~~من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله عليه فيكشف ستر الله عنه ~~( فإذا ظهر من العبد الذنب فلابد من ظهور التوبة ومع الجحود لا تظهر التوبة ~~فإن الجاحد يزعم أنه غير مذنب ولهذا كان السلف يستعملون ذلك فيمن أظهر يدعة ~~أو فجورا فإن هذا أظهر حال الضالين وهذا أظهر حال المغضوب عليهم ومن أذاه ~~منعه مع القدرة من الإمامة والحكم والفتيا الرواية والشهادة وأما بدون ~~القدرة فليفعل المقدور عليه # وقوله @QB@ واللذان يأتيانها منكم @QE@ فآذوهما ( فأمر بإيذائهما ولم ~~يعلق ذلك على إستشهاد أربعة كما علق ذلك في حق النساء وإمساكهن في البيوت ~~ولم يأمر به هنا كما أمر به هناك وليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد ~~لأن ذلك لابد أن يكون الحكم واحدا مثل الإعتاق فإذا كان الحكم متفقا في ~~الجنس دون النوع كإطلاق الأيدى في التيمم وتقييدها في الوضوء إلى المرافق ~~وإطلاق ستين مسكينا في الإطعام وتقييد الإعتاق بالإيمان مع أن كلاهما عبادة ~~مالية يراد بها نفع الخلق وفى ذلك نزاع بين العلماء # ولم يحمل المسلمون من الصحابة والتابعين المطلق على المقيد في قوله @QB@ ~~وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ ~~PageV15P303 وقوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما ~~قد سلف @QE@ قال الصحابة والتابعون وسائر أئمة الدين الشرط في الربائب خاصة ~~وقالوا أبهموا ما أبهم الله والمبهم هو المطلق والمشروط فيه هو المؤقت ~~المقيد فامهات النساء وحلائل الآباء والأبناء يحرمن بالعقد والربائب لا ~~يحرمن إلا إذا دخل بأمهاتهن لكن تنازعوا هل الموت كالدخول على قولين في ~~مذهب أحمد وذلك لأن الحكم مختلف ms4745 والقيد ليس متساويا في الأعيان فإن تحريم ~~جنس ليس مثل تحريم جنس آخر يخالفه كما أن تحريم الدم والميتة ولحم الخنزير ~~لما كان أجناسا فليس تقييد الدم بكونه مسفوحا يوجب تقييد الميتة والخنزير ~~أن يكون مسفوحا وهنا القيد كون الربيبة مدخولا بامها والدخول بالأم لا يوجد ~~مثله في الحليلتين وأم المرأة إذ الدخول في الحليلة بها نفسها وفى أم ~~المرأة ببنتها # وكذلك المسلمون لم يحملوا المطلق على المقيد في نصب الشهادة بل لما ذكر ~~الله في آية الدين رجلين أو رجلا وامرأتين وفى الرجعة ( رجلين ( اقروا كلا ~~منهما على حاله لأن سبب الحكم مختلف وهو المال والبضع وإختلاف السبب يؤثر ~~في نصاب الشهادة وكما في إقامة الحد في الفاحشة وفى القذف بها إعتبر فيه ~~أربعة شهداء فلا يقاس بذلك عقود الإيمان والإبضاع وذكر في حد القذف ثلاثة ~~أحكام PageV15P304 جلد ثمانين وترك قبول شهادتهم أبدا وأنهم فاسقون @QB@ ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم @QE@ وإن التوبة لا ~~ترفع الجلد إذا طلبه المقذوف وترفع الفسق بلا تردد وهل ترفع المنع من قبول ~~الشهادة فأكثر العلماء قالوا ترفعه # وإذا إشتهر عن شخص الفاحشة بين الناس لم يرجم لما ثبت في الصحيح عن بن ~~عباس أنه لما ذكر حديث الملاعنة وقول النبى ( إن جاءت به يشبه الزوج فقد ~~كذب عليها وإن جاءت به يشبه الرجل الذى رماها به فقد صدق عليها ( فجاءت به ~~على النعت المكروه فقال النبى ( لولا الإيمان لكان لى ولها شأن ( فقيل لابن ~~عباس أهذه التى قال فيها رسول الله ( لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها ~~( فقال لا تلك امرأة كانت تعلن السوء في الإسلام فقد أخبر أنه لا يرجم أحدا ~~إلا ببينة ولو ظهر عن الشخص السوء # ودل هذا الحديث على أن الشبه له تأثير في ذلك وإن لم يكن بينة وكذلك ثبت ~~عنه أنه لما مر عليه بتلك الجنازة فأثنوا عليها خيرا إلى آخره قال ( أنتم ~~شهداء الله في أرضه ( وفى المسند عنه أنه ms4746 قال ( يوشك أن تعلموا أهل الجنة ~~من أهل النار قيل يارسول الله وبم ذلك قال ( بالثناء الحسن والثناء االسىء ~~( فقد جعل الإستفاضة PageV15P305 حجة وبينة في هذه الأحكام ولم يجعلها حجة ~~في الرجم وكذلك تقبل شهادة اهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر عند ~~أحمد وكذلك شهادة الصبيان في الجراح إذا أدوها قبل التفرق في إحدى ~~الروايتين وإذا شهد شاهد أنه رأى الرجل والمرأة والصبى في لحاف أو في بيت ~~مرحاض أو رآهما مجردين أو محلولى السراويل ويوجد مع ذلك ما يدل على ذلك من ~~وجود اللحاف قد خرج عن العادة إلى مكانهما أو يكون مع أحدهما أو معهما ضوء ~~قد أظهره فرآه فأطفأه فإن إطفاءه دليل على إستخفائه بما يفعل فإذا لم يكن ~~ما يستخفى به إلا ما شهد به الشاهد كان ذلك من أعظم البيان على ما شهد به # فهذا الباب باب عظيم النفع في الدين وهو مما جاءت به الشريعة التى اهملها ~~كثير من القضاة والمتفقهة زاعمين أنه لا يعاقب أحد إلا بشهود عاينوا أو ~~إقرار مسموع وهذا خلاف ما تواترت به السنة وسنة الخلفاء الراشدين وخلاف ما ~~فطرت عليه القلوب التى تعرف المعروف وتنكر المنكر ويعلم العقلاء أن مثل هذا ~~لا تأباه سياسة عادلة فضلا عن الشريعة الكاملة ويدل عليه قوله تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~@QE@ ففى الآية دلالات PageV15P306 # أحدها قوله @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ فأمر بالتبين عند مجيء ~~كل فاسق نبأ بل من الأنباء ما ينهى فيه عن التبين ومنها ما يباح فيه ترك ~~التبين ومن الأنباء ما يتضمن العقوبة لبعض الناس لأنه علل الأمر بأنه إذا ~~جاءنا فاسق بنبأ خشية أن نصيب قوما بجهالة فلو كان كل من أصيب بنبأ كذلك لم ~~يحصل الفرق بين العدل والفاسق بل هذه الأدلة واضحة على أن الإصابة بنبأ ~~العدل الواحد لا ينهى عنها مطلقا وذلك يدل على قبول شهادة العدل الواحد في ~~جنس العقوبات فإن سبب نزول ms4747 الاية يدل على ذلك فإنها نزلت في إخبار واحد بأن ~~قوما قد حابوا بالردة أو نقض العهد # وفيه ايضا أنه متى إقترن بخبر الفاسق دليل آخر يدل على صدقه فقد إستبان ~~الأمر وزوال الأمر بالتثبيت فتجوز إصابة القوم وعقوبتهم بخبر الفاسق مع ~~قرينة إذا تبين بهما الأمور فكيف خبر الواحد العدل مع دلالة أخرى ولهذا كان ~~أصح القولين أن مثل هذا لوث في باب القسامة فغذا إنضاف إيمان المقسمين صار ~~ذلك بينة تبيح دم المقسم عليه وقوله @QB@ أن تصيبوا قوما بجهالة @QE@ فجعل ~~المحذور هو الإصابة لقوم بلا علم فمتى أصيبوا بعلم زال المحذور وهذا هو ~~المناط الذى دل عليه القرآن كما قال @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ ~~وقال @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ PageV15P307 # وأيضا فإنه علل ذلك بخوف الندم إنما يحصل على عقوبة البرىء من الذنب كما ~~في سنن أبى داود ( ادرؤا الحدود بالشبهات فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير ~~من أن يخطىء في العقوبة ( فإذا دار الأمر بين ان يخطىء فيعاقب برئيا أو ~~يخطىء فيعفو عن مذنب كان هذا الخطأ خير الخطأين أما إذا حصل عنده علم أنه ~~لم يعاقب إلا مذنبا فإنه يندم ولا يكون فيه خطأ والله أعلم # وقد ذكر الشافعى وأحمد أن التغريب جاء في السنة في موضعين ( أحدهما ( أن ~~النبى قال في الزانى إذا لم يحصن ( جلد مائة جلدة وتغريب عام ( والثانى نفى ~~المخنثين فيما روته أم سلمة ( أن النبى دخل عليها وعندها مخنث وهو يقول ~~لعبد الله أخيها ( إن فتح الله لك الطائف غدا أدلك على إبنة غيلان فإنها ~~تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال النبى صلى الله عليه وسلم أخرجوهم من بيوتكم ( ~~رواه الجماعة إلا الترمذى وفى رواية في الصحيح ( لا يدخلن هؤلاء عليكم ( ~~وفى رواية هذا يعرف مثل هذا لا يدخلن عليكم بعد اليوم ( # قال بن جريج المخنث هو هيت وهكذا ذكره غيره وقد قيل فيه إنه هنب وزعم ~~بعضهم أنه ماتع وقيل هوان وروى الجماعة إلا مسلما ( أن ms4748 النبى ( لعن ~~المخنثين من الرجا PageV15P308 والمترجلات من النساء وقال أخرجوهم من ~~بيوتكم وأخرجوا فلانا وفلانا يعنى المخنثين ( وقد ذكر بعضهم أنهم كانوا ~~ثلاثة ( بهم وهيت وماتع على عهد رسول الله ولم يكونوا يرمون بالفاحشة ~~الكبرى إنما كان تخنيثهم وتأنيثهم لينا في القول وخضابا في الأيدى والأرجل ~~كخضاب النساء ولعبا كلعبهن # وفى سنن أبى داود عن أبى يسار القرشى عن أبى هاشم بن أبى هريرة ( أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( أتى بمخنث وقد خضب رجليه ويديه بالحناء فقال ما ~~بال هذا فقيل يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفى إلى النقيع فقيل يا ~~رسول الله ألا نقتله فقال إنى نهيت عن قتل المصلين ( قال أبوأسامة حماد بن ~~اسامة والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع وقيل أنه الذى حماه النبى لا ~~بل الصدقة ثم حماه عمر وهو على عشرين فرسخا من المدينة وقيل عشرين ميلا ~~ونقيع الخضمات موضع آخر قرب المدينة وقيل هو الذى حماه عمر والنقيع موضع ~~يستنقع فيه الماء كما في الحديث ( أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات # فإذا النبى قد أمر بإخراج مثل هؤلاء من البيوت فمعلوم أن الذى يمكن ~~الرجال من نفسه والإستمتاع به وبما يشاهدونه من محاسنه وفعل الفاحشة الكبرى ~~به شر من هؤلاء وهو PageV15P309 أحق بالنفى من بين أظهر المسلمين وإخراجه ~~عنهم فإن المخنث فيه إفساد للرجال والنساء لأنه إذا تشبه بالنساء فقد ~~تعاشره النساء ويتعلمن منه وهو رجل فيفسدهن ولأن الرجال إذا مالوا إليه فقد ~~يعرضون عن النساء ولأن المرأة إذا رأت الرجل يتخنث فقد تترجل هي وتتشبه ~~بالرجال فتعاشر الصنفين وقد تختار هي مجامعة النساء كما يختار هو مجامعة ~~الرجال # وأما إفساده للرجال فهو أن يمكنهم من الفعل به كما يفعل بالنساء بمشاهدته ~~ومباشرته وعشقه فإذا أخرج من بين الناس وسافر إلى بلد آخر ساكن فيه الناس ~~ووجد هناك من يفعل به الفاحشة فهنا يكون نفيه بحبسه في مكان واحد ليس معه ~~فيه غيره وإن خيف خروجه فإنه يقيد إذ هذا ms4749 هو معنى نفيه وإخراجه من بين ~~الناس # ولهذا تنازع العلماء في نفى المحارب من الأرض هل هو طرده بحيث لا يأوى في ~~بلد أو حبسه أو بحسب ما يراه الإمام من هذا وهذا ففى مذهب أحمد ثلاث روايات ~~الثالثة اعدل وأحسن فإن نفيه بحيث لا يأوى في بلد لا يمكن لتفرق الرعية ~~وإختلاف هممهم بل قد يكون بطرده يقع الطريق وحبسه قد لا يمكن لأنه يحتاج ~~إلى مؤنة إلى طعام وشراب وحارس ولا ريب أن النفى أسهل إن أمكن PageV15P310 # وقد روى ( إن هيتا لما إشتكى الجوع أمره النبى أن يدخل المدينة من الجمعة ~~إلى الجمعة يسأل ما يقيته إلى الجمعة الأخرى ( ومعلوم أن قوله @QB@ أو ~~ينفوا من الأرض @QE@ لا يتضمن نفيه من جميع الأرض وإنما هو نفيه من بين ~~الناس وهذا حاصل بطرده وحبسه # وهذا الذى جاءت به الشريعة من النفى هو نوع من الهجرة أى هجره وليس هذا ~~كنفى الثلاثة الذين خلفوا ولا هجره كهجرهم فإنه منع الناس من مخالطتهم ~~ومخاطبتهم حتى أزواجهم ولم يمنعهم من مشاهدة الناس وحضور مجامعهم في الصلاة ~~وغيرها وهذا دون النفى المشروع فإن النفى المشروع مجموع من الأمرين وذلك أن ~~الله خلق الآدميين محتاجين إلى معاونة بعضهم بعضا على مصلحة دينهم ودنياهم ~~فمن كان بمخالطته للناس لا يحصل منه عون على الدين بل يفسدهم ويضرهم في ~~دينهم ودنياهم إستحق الإخراج من بينهم وذلك أنه مضرة بلا مصلحة فإن مخالطته ~~لهم فيها فسادهم وفساد أولادهم فإن الصبى إذا رأى صبيا مثله يفعل شيئا تشبه ~~به وسار بسيرته مع الفساق فإن الإجتماع بالزناة واللوطيين فيه أعظم الفساد ~~والضرر على النساء والصبيان والرجال فيجب أن يعاقب اللوطى والزانى بما فيه ~~تفريقه وإبعاده # وجماع الهجرة هي هجرة السيئات وأهلها وكذلك هجران الدعاة إلى PageV15P311 ~~البدع وهجران الفساق وهجران من يخالط هؤلاء كلهم أو يعاونهم وكذلك من يترك ~~الجهاد الذى لا مصلحة لهم بدونه فإنه يعاقب بهجرهم له لما لم يعاونهم على ~~البر والتقوى فالزناة واللوطية وتارك الجهاد واهل البدع ms4750 وشربة الخمر هؤلاء ~~كلهم ومخالطتهم مضرة على دين الإسلام وليس فيهم معاونة لا على بر ولا على ~~تقوى فمن لم يهجرهم كان تاركا للمأمور فاعلا للمحظور فهذا ترك المأمور من ~~الإجتماع وذلك فعل المحظور منه فعوقب كل منهما بما يناسب جرمه فإن العقوبة ~~إنما تكون على ترك مأمور أو فعل محظور كما قال الفقهاء إنما يشرع التعزير ~~في معصية ليس فيها حد فإن كان فيها كفارة فعلى فعلين في مذهب أحمد وغيره # قال وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات وغير ذلك فإنه ~~يفعل منه بحسب الإستطاعة فإذا لم يقدر المسلم على جهاد المشركين فإنه يجاهد ~~من يقدر على جهاده وكذلك إذا لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين فإنه يعاقب ~~من يقدر على عقوبته فإذا لم يمكن النفى والحبس عن جميع الناس كان النفى ~~والحبس عن جميع الناس كان النفى والحبس حسب القدرة مثل أن يحبس بدار لا ~~يباشر إلا أهلها لا يخرج منها أو أن لا يباشر إلا شخصا أو شخصين فهذا هو ~~الممكن فيكون هو المامور به وأن أمكن أن يجعل في مكان قد قل فيه القبيح ولا ~~يعدم بالكلية كان ذلك هو المأمور به فإن الشريعة جاءت بتحصيل PageV15P312 ~~المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فالقليل من الخير خير من تركه ~~ودفع بعض الشر خير من تركه كله وكذلك المرأة المتشبهة بالرجال تحبس شبيها ~~بحالها إذا زنت سواء كانت بكرا أو ثيبا فإن جنس الحبس مما شرع في جنس ~~الفاحشة ومما يدخل في هذا أن عمر بن الخطاب نفى نصر بن حجاج من المدينة ومن ~~وطنه إلى البصرة لما سمع تشبيب النساء به وتشبهه بهن وكان أولا قد أمر بأخذ ~~شعره ليزيل جماله الذى كان يفتن به النساء فلما رآه بعد ذلك من أحسن الناس ~~وجنتين غمه ذلك فنفاه إلى البصرة فهذا لم يصدر منه ذنب ولا فاحشة يعاقب ~~عليها لكن كان في النساء من يفتن به فأمر بإزالة جماله الفاتن فإن إنتقاله ~~عن وطنه مما يضعف همته ms4751 وبدنه ويعلم أنه معاقب وهذا من باب التفريق بين ~~الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه وليس من باب المعاقبة وقد كان ~~عمر ينفى في الخمر إلى خيبر زيادة في عقوبة شاربها # ومن اقوى ما يهيج الفاحشة إنشاد أشعار الذين في قلوبهم مرض من العشق ~~ومحبة الفواحش ومقدماتها بالأصوات المطربة فإن المغنى إذا غنى بذلك حرك ~~القلوب المريضة إلى محبة الفواحش فعندها يهيج مرضه ويقوى بلاؤه وإن كان ~~القلب في عافية من ذلك جعل فيه مرضا كما قال بعض السلف الغناء رقية الزنى ~~PageV15P313 # ورقية الحية هي ما تستخرج بها الحية من جحرها ورقية العين والحمة هي ما ~~تستخرج به العافية ورقية الزنى هو ما يدعو إلى الزنى ويخرج من الرجل هذا ~~الأمر القبيح والفعل الخبيث كما أن الخمر أم الخبائث قال بن مسعود ( الغناء ~~ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ( وقال تعالى لإبليس @QB@ ~~واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال ~~والأولاد @QE@ وإستفزازه إياهم بصوته يكون بالغناء كما قال من قال من السلف ~~وبغيره من الأصوات كالنياحة وغير ذلك فإن هذه الأصوات كلها توجب إنزعاج ~~القلب والنفس الخبيثة إلى ذلك وتوجب حركتها السريعة وإضطرابها حتى يبقى ~~الشيطان يلعب بهؤلاء أعظم من لعب الصبيان بالكرة والنفس متحركة فإن سكنت ~~فباذن الله وإلا فهي لا تزال متحرك # وشبهها بعضهم بكرة على مستوى أملس لا تزال تتحرك عليه وفى الحديث المرفوع ~~( القلب اشد تقلبا من القدر إذا إستجمعت غليانا ( وفى الحديث الآخر ( مثل ~~القلب مثل ريشه بفلاة من الأرض تحركها الريح ( وفى صحيح البخارى عن سالم عن ~~إبن عمر قال ( كانت يمين رسول الله لا ومقلب القلوب ( وفى صحيح مسلم عن عبد ~~الله بن عمرو أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول ( اللهم مصرف القلوب ~~إصرف قلوبنا إلى طاعتك ( وفى الترمذى PageV15P314 عن أبى سفيان قال كان ~~رسول الله يكثر أن يقول ( يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك قال فقلت يا ~~رسول الله آمنا بك وبما ms4752 جئت به فهل تخاف علينا قال نعم القلوب بين أصبعين ~~من اصابع الله يقلبها كيف يشاء ( # وقوله تعالى @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها ~~إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ لما أمر الله تعالى بعقوبة ~~الزانيين حرم مناكحتها على المؤمنين هجرا لهما ولما معهما من الذنوب ~~والسيئات كما قال تعالى @QB@ والرجز فاهجر @QE@ وجعل مجالس فاعل ذلك المنكر ~~مثله قوله تعالى @QB@ إنكم إذا مثلهم @QE@ وهو زوج له وقد قال تعالى @QB@ ~~احشروا الذين ظلموا وأزواجهم @QE@ أى عشراءهم وقرناءهم وأشباههم ونظراءهم ~~ولهذا يقال المستمع شريك المغتاب # ورفع إلى عمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر وكان فيهم جليس لهم صائم ~~فقال إبدؤا به في الجلد ألم تسمع الله يقول @QB@ فلا تقعدوا معهم @QE@ فإذا ~~كان هذا في المجالسة والعشرة العارضة حين فعلهم للمنكر يكون مجالسهم مثلا ~~لهم فكيف بالعشرة الدائمة # والزوج يقال له العشيرة كما في الحديث من حديث بن عباس عن النبى قال ( ~~رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء PageV15P315 يكفرن قيل يكفرن بالله قال ~~يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ( فأخبر أنه لا يفعل ذلك إلا زان أو مشرك # أما المشرك فلا إيمان له يزجره عن الفواحش ومجامعة أهلها وأما الزانى ~~ففجوره يدعوه إلى ذلك وإن لم يكن مشركا # وفي الاية دليل على أن الزانى ليس بمؤمن مطلق الإيمان وإن لم يكن كافرا ~~مشركا كما في الصحيح ( لا يزنى الزانى حين يزنى هو مؤمن ( وذلك أنه أخبر ~~أنه لا ينكح إلا زانية أو مشركة ثم قال تعالى @QB@ وحرم ذلك على المؤمنين ~~@QE@ فعلم أن الإيمان يمنع من ذلك ويزجر وأن فاعله إما مشرك وإما زان ليس ~~من المؤمنين الذين يمنعهم إيمانهم من ذلك وذلك أن الزانية فيها إفساد فراش ~~الرجل وفى مناكحتها معاشرة الفاجرة دائما ومصاحبتها والله قد أمر بهجر ~~السوء وأهله ما داموا عليه وهذا المعنى موجود في الزانى فإن الزانى إن لم ~~يفسد فراش امرأته كان قرين سوء لها كما قال الشعبى من زوج كريمته من فاسق ~~فقد ms4753 قطع رحمها # وهذا مما يدخل به على المرأة ضرر في دينها ودنياها فنكاح الزانية أشد من ~~جهة الفراش ونكاح الزانى أشد من جهة أنه السيد المالك الحاكم على المرأة ~~فتبقى المرأة الحرة العفيفة في اسر الفاجر الزانى PageV15P316 الذي يقصر في ~~حقوقها ويتعدى عليها # ولهذا إتفق الفقهاء على إعتبار الكفاءة في الدين وعلى ثبوت الفسخ بفوات ~~هذه الكفاءة وإختلفوا في صحة النكاح بدون ذلك وهما قولان مشهوران في مذهب ~~أحمد وغيره فإن من نكح زانية مع أنها تزنى فقد رضى بأن يشترك هو وغيره فيها ~~ورضى لنفسه بالقيادة والدياثة ومن نكحت زان وهو يزنى بغيرها فهو لا يصون ~~ماءه حتى يضعه فيها بل يرميه فيها وفى غيرها من البغايا فهي بمنزلة الزانية ~~المتخذة خدنا فإن مقصود النكاح حفظ الماء في المرأة وهذا الرجل لا يحفظ ~~ماءه والله سبحانه شرط في الرجال أن يكونوا محصنين غير مسافحين ( فقال @QB@ ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين @QE@ وهذا ~~المعنى مما لا ينبغى إغفاله فإن القرآن قد نصه وبينه بيانا مفروضا كما قال ~~تعالى @QB@ سورة أنزلناها وفرضناها @QE@ # فأما تحريم نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من اصحاب أحمد وغيرهم وفيه ~~آثار عن السلف وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه وليس مع من أباحه ما يعتمد ~~عليه # وقد إدعى بعضهم أن هذه الآية منسوخة بقوله ( والمحصنات PageV15P317 ~~وزعموا أن البغى من المحصنات وتلك الآيات حجة عليهم فان أقل ما في الاحصان ~~العفة وإذا اشترط فيه الحرية فذاك تكميل للعفة والاحصان ومن حرم نكاح الامة ~~لئلا يرق ولده كيف يبيح البغى التى تلحق به من ليس بولده وأين فساد فراشه ~~من رق ولده وكذلك من زعم ان النكاح هنا هو الوطء والمعنى أن الزانى لايطأ ~~الازانية أو مشركة والزانية لا يطؤها إلا زان أو مشرك وهذا أبلغ في الحجة ~~عليهم فمن وطىء زانية أو مشركة بنكاح فهو زان وكذلك من وطئها زان فان ذم ~~الزانى بفعله الذى هو الزنى حتى لو استكرهها أو استدخلت ms4754 ذكره وهو نائم كانت ~~العقوبة للزانى دون قرينه وهذه المسألة مبسوطة في كتب الفقه والمقصود قوله ~~@QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة @QE@ فإن هذا يدل على ان الزانى ~~لايتزوج إلا زانية أو مشركة وان ذلك حرام على المؤمنين وليس هذا لمجرد كونه ~~فاجرا بل لخصوص كونه زانيا وكذلك في المرأة ليس لمجرد فجورها بل لخصوص ~~زناها بدليل أنه جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانيا كما جعل الزوج زانيا إذا ~~تزوج زانية هذا اذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنى واذا كانا مشركين ~~فينبغي أن يعلم ذلك ومضمونه ان الرجل الزانى لايجوز نكاحه حتى يتوب وذلك ~~بأن يوافق اشتراطه الاحصان والمرأة اذا كانت PageV15P318 زانية لاتحصن ~~فرجها عن غير زوجها بل يأتيها هو وغيره كان الزوج زانيا هو وغيره يشتركون ~~في وطئها كما تشترك الزناة في وطىء المرأة الواحدة ولهذا يجب عليه نفى ~~الولد الذى ليس منه # فمن نكح زانية فهو زان أى تزوجها ومن نكحت زانيا فهي زانية أى تزوجته فان ~~كثيرا من الزناة قصروا أنفسهم على الزوانى فتكون المرأة خدنا وخليلا له ~~لايأتى غيرها فان الرجل إذا كان زانيا لايعف امراته وإذا لم يعفها تشوقت هي ~~إلى غيره فزنت به كما هو الغالب على نساء الزوانى أو من يلوط بالصبيان فان ~~نساءه يزنين ليقضين إربهن ووطرهن ويراغمن أزواجهن بذلك حيث لم يعفوا أنفسهم ~~عن غير أزواجهن فهن أيضا لم يعففن أنفسهن عن غير أزواجهن ولهذا يقال ( عفوا ~~تعف نساؤكم وأبناؤكم وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم ( فإن الجزاء من جنس العمل ~~وكما تدين تدان ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها فإن الرجل إذا رضى أن ينكح ~~زانية رضى بأن تزنى امرأته والله تعالى قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة ~~فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للآخر فإذا رضيت المرأة أن تنكح زانيا فقد رضيت ~~عمله وكذلك إن رضى الرجل أن ينكح زانية فقد رضى عملها ومن رضى الزنى كان ~~بمنزلة الزانى فإن أصل الفعل هو الإرادة ولهذا جاء في الأثر ( من غاب عن ~~معصية ms4755 فرضيها PageV15P319 كان كمن شهدها أو فعلها ( وفى الحديث ( المرء على ~~دين خليله ( وأعظم الخلة خلة الزوجين # وأيضا فإن الله قد جعل في نفوس بنى آدم من الغيرة ما هو معروف فيستعظم ~~الرجل أن يطأ الرجل امرأته أعظم من غيرته على نفسه أن يزنى فإذا لم يكره أن ~~تكون زوجته بغيا وهو ديوث كيف يكره ان يكون هو زان ولهذا لم يوجد من هو ~~ديوث أو قواد يعف عن الزنى فإن الزانى له شهوة في نفسه والديوث ليس له شهوة ~~في زنا غيره فإذا لم يكن معه إيمان يكره به زنا غيره بزوجته كيف يكون معه ~~إيمان يمنعه من الزنى فمن إستحل أن يترك امرأته تزنى إستحل أعظم الزنى ومن ~~أعان على ذلك فهو كالزانى ومن أقر على ذلك مع إمكان تغييره فقد رضيه ومن ~~تزوج غير تائبة فقد رضى أن تزنى إذ لا يمكنه منعها من ذلك فإن كيد النساء ~~عظيم # ولهذا جاز للرجل إذا أتت امرأته بفاحشة مبينة أن يعضلها لتفتدي نفسها منه ~~وهو نص أحمد وغيره لأنها بزناها طلبت الإختلاع منه وتعرضت لافساد نكاحه ~~فإنه لا يمكنه المقام معها حتى تتوب ولا يسقط المهر بمجرد زناها كما دل ~~عليه قول النبى صلى الله عليه وسلم للملاعن لما قال مالى قال ( لا مال لك ~~عندها إن كنت صادقا عليها فهو بما إستحللت من فرجها وإن كنت كاذبا عليها ~~PageV15P320 فهو أبعد لك ( لأنها إذا زنت قد تتوب لكن زناها يبيح له ~~أعضالها حتى تفتدى منه نفسها إن إختارت فراقه أو تتوب # وفي الغالب أن الرجل لا يزنى بغير امرأته إلا إذا أعجبه ذلك الغير فلا ~~يزال يزنى بما يعجبه فتبقى امرأته بمنزلة المعلقة التى لا هي أيم ولا ذات ~~زوج فيدعوها ذلك إلى الزنى ويكون الباعث لها على ذلك مقابلة زوجها على وجه ~~القصاص مكايدة له ومغايظة فإنه مالم يحفظ غيبها لم تحفظ غيبه ولها في بضعه ~~حق كماله في بضعها حق فإذا كان من العادين لخروجه عما أباح الله ms4756 له لم يكن ~~قد احصن نفسه وأيضا فإن داعية الزانى تشتغل بما يختاره من البغايا فلا تبقى ~~داعيته إلى الحلال تامة ولا غيرته كافية في إحصانه المرأة فتكون عنده ~~كالزانية المتخذة خدنا وهذه معان شريفة لا ينبغى إهمالها # وعلى هذا فالمرأة المساحقة زانية كما جاء في الحديث ( زنا النساء سحاقهن ~~( والرجل الذى يعمل عمل قوم لوط بمملوك أو غيره هو زان والمرأة الناكحة له ~~زانية فلا تنكحه إلا زانية أو مشركة ولهذا يكثر في نساء اللوطية من تزنى ~~بغير زوجها وربما زنت بمن يتلوط هو به مراغمة له وقضاء لوطرها وكذلك المرأة ~~المزوجة بمخنث ينكح كما تنكح هي متزوجة بزان بل هو أسوأ الشخصين حالا فإنه ~~مع الزنى صار مخنثا ملعونا على نفسه للتخنيث غير اللعنة التى تصيبه بعمل ~~قوم لوط PageV15P321 فإن النبى لعن من يعمل عمل قوم لوط وثبت عنه في الصحيح ~~أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال ( أخرجوهم من بيوتكم ~~( # وكيف يجوز للمرأة أن تتزوج بمخنث قد إنتقلت شهوته إلى دبره فهو يؤتى كما ~~تؤتى المرأة وتضعف داعيته من أمامه كما تضعف داعية الزانى بغير امرأته عنها ~~فإذا لم تكن له غيرة على نفسه ضعفت غيرته على إمرأته وغيرها ولهذا يوجد من ~~كان مخنثا ليس له كبير غيرة على ولده ومملوكه ومن يكفله والمرأة إذا رضيت ~~بالمخنث واللوطى كانت على دينه فتكون زانية وأبلغ فإن تمكين المرأة من ~~نفسها أسهل من تمكين الرجل من نفسه فإذا رضيت ذلك من زوجها رضيته من نفسها # ولفظ هذه الآية وهو قوله تعالى @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية @QE@ الآية ~~يتناول هذا كله إما بطريق عموم اللفظ أو بطريق التنبيه وفحوى الخطاب الذى ~~هو أقوى من مدلول اللفظ وأدنى ذلك أن يكون بطريق القياس كما قد بيناه في حد ~~اللوطي ونحوه والله أعلم # وقوله تعالى @QB@ الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات @QE@ فأخبر تعالى إن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين فلا ~~تكون خبيثة لطيب فإن ذلك خلاف الحصر PageV15P322 فلا تنكح ms4757 الزانية الخبيثة ~~إلا زانيا خبيثا واخبر أن الطيبين للطيبات فلا يكون الطيب لامرأة خبيثة فإن ~~ذلك خلاف الحصر إذ قد ذكر إن جميع الخبيثات للخبيثين فلا تبقى خبيثة لطيب ~~ولا طيب لخبيثة وأخبر أن جميع الطيبات للطيبين فلا تبقى طيبة لخبيث فجاء ~~الحصر من الجانبين موافقا لقوله @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ ولهذا قال ~~من قال من السلف ما بغت إمرأة نبى قط فإن هذه السورة نزل صدرها بسبب أهل ~~الإفك وما قالوه في عائشة ولهذا لما قيل فيها ما قيل وصارت شبهة إستشار ~~النبى من إستشاره في طلاقها قبل أن تنزل براءتها إذ لا يصلح له أن تكون ~~امرأته غير طيبة وقد روى ( أنه لا يدخل الجنة ديوث # ) والديوث الذى يقر السوء في أهله # ولهذا كانت الغيرة على الزنى مما يحبها الله وامر بها حتى قال النبى ( ~~أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منى من أجل ذلك حرم الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن ( ولهذا أذن الله للقاذف إذا كان زوجها أن يلاعن فيشهد ~~أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين وجعل ذلك يدفع عنه حد القذف كما لو ~~أقام على ذلك اربعة شهود لأنه محتاج إلى قذفها لأجل ما امر الله به من ~~PageV15P323 الغيرة ولأنها ظلمته بإفساد فراشه وإن كانت قد حبلت من الزنى ~~فعليه اللعان لينفى عنه النسب الباطل لئلا يلحق به ما ليس منه # وقد مضت سنة النبى بالتفريق بين المتلاعنين سواء حصلت الفرقة بتلاعنهما ~~أو إحتاجت إلى تفريق الحاكم أو حصلت عند إنقضاء لعان الزوج لأن أحدهما ~~ملعون أو خبيث فإقترانهما بعد ذلك يقتضى مقارنة الخبيث الملعون للطيب وفى ~~صحيح مسلم عن عمران بن حصين ( حديث المرأة التى لعنت ناقة لها فأمر النبى ~~صلى الله عليه وسلم فأخذ ما عليها وأرسلت وقال لا تصحبنا ناقة ملعونة ( وفى ~~الصحيحين عنه أنه لما إجتاز بديار ثمود قال ( لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين ms4758 ~~إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لئلا يصيبكم ما ~~اصابهم ( فنهى عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب # وهكذا السنة في مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر ~~المعاصى لا ينبغى لأحد أن يقارنهم ولا يخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب ~~الله عز وجل ( وأقل ذلك أن يكون منكرا لظلمهم ما قتا لهم شانئا ما هم فيه ~~بحسب الإمكان كما في الحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع PageV15P324 فبقلبه وذلك اضعف الإيمان ( وقال تعالى ~~@QB@ وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون @QE@ الآية وكذلك ما ذكره عن ~~يوسف الصديق وعمله على خزائن الأرض لصاحب مصر لقوم كفار # وذلك ان مقارنة الفجار إنما يفعلها المؤمن في موضعين أحدهما أن يكون ~~مكرها عليها والثانى أن يكون ذلك في مصلحة دينية راجحة على مفسدة المقارنة ~~أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه فيدفع أعظم المفسدتين بإحتمال ~~أدناهما وتحصل المصلحة الراجحة بإحتمال المفسدة المرجوحة وفى الحقيقة ~~فالمكره هو من يدفع الفساد الحاصل بإحتمال أدناهما وهو الأمر الذى أكره ~~عليه قال تعالى @QB@ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء @QE@ ثم قال @QB@ ومن يكرههن فإن الله ~~من بعد إكراههن غفور رحيم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ~~أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ~~فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا @QE@ وقال @QB@ وما لكم ~~لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان @QE@ ~~الآية PageV15P325 # فقد دلت هذه الآية على النهى عن مناكحة الزانى والمناكحة نوع خاص من ~~المعاشرة والمزاوجة والمقارنة والمصاحبة ولهذا سمى كل منهما زوجا وصاحبا ~~وقرينا وعشيرا للآخر والمناكحة في اصل اللغة المجامعة والمضامة فقلوبهما ~~تجتمع إذا عقد ms4759 العقد بينهما ويصير بينهما من التعاطف والتراحم مالم يكن قبل ~~ذلك حتى تثبت بذلك حرمة المصاهرة في غير الربيبة لمجرد ذلك والتوارث وعدة ~~الوفاة وغير ذلك وأوسط ذلك إجتماعهما خاليين في مكان واحد وهو المعاشرة ~~المقررة للصداق كما قضى به الخلفاء وآخر ذلك إجتماع المباضعة وهذا وإن ~~إجتمع بدون عقد نكاح فهو إجتماع ضعيف بل إجتماع القلوب اعظم من مجرد إجتماع ~~البدنين بالسفاح # ودل قوله @QB@ والطيبات للطيبين @QE@ على ذلك من جهة المعنى ومن جهة ~~اللفظ ودل أيضا على النهى عن مقارنة الفجار ومزاوجتهم كما دل على هذا غير ~~ذلك من النصوص مثل قوله @QB@ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم @QE@ أى وأشباههم ~~ونظراءهم والزوج أعم من النكاح المعروف قال تعالى @QB@ يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا @QE@ وقال @QB@ وإذا النفوس ~~زوجت @QE@ وقال @QB@ من كل زوج بهيج @QE@ و ( كريم ( وقال @QB@ ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين @QE@ وقال @QB@ جعل فيها زوجين اثنين @QE@ وقال @QB@ وخلقناكم ~~أزواجا @QE@ وقال @QB@ احمل فيها من كل زوجين اثنين @QE@ PageV15P326 # وقال ~~@QB@ إن من أزواجكم وأولادكم @QE@ # وإن كان في الآية نص في الزوجة التى هي الصاحبة وفى الولد منها فمعنى ذلك ~~في كل مشابه ومقارن ومشارك وفى كل فرع وتابع ف @QB@ الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل @QE@ و @QB@ تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات ~~والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ~~@QE@ # فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على ~~مراد الله ويدل على ذلك الحديث الذى في السنن ( لا تصاحب إلا مؤمنا ولا ~~يأكل طعامك إلا تقى ( وفيها ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ( ~~وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة عن النبى أنه قال ( إذا زنت أمة احدكم ~~فليجلدها الحد ثم إن زنت فليجلدها الحد ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير ( ( ~~والضفير ( الحبل وشك الراوى هل أمر ms4760 ببيعها في الثالثة أو الرابعة وهذا أمر ~~من النبى ببيع الأمة بعد إقامة الحد عليها مرتين أو ثلاثا ولو بأدنى مال ~~قال الإمام أحمد إن لم يبعها كان تاركا لأمر النبى صلى الله عليه وسلم ~~PageV15P327 والإماء اللاتى يفعلن هذا تكون عامتهن للخدمة لا للتمتع فكيف ~~بامة التمتع وإذا وجب إخراج الأمة الزانية عن ملكه فكيف بالزوجة الزانية ~~والعبد والمملوك نظير الأمة ويدل على ذلك كله ما رواه مسلم في صحيحه عن على ~~بن أبى طالب عن النبى ( أنه لعن من أحدث حدثا أو آوى محدثا ( فهذا يوجب ~~لعنة كل من آوى محدثا سواء كان إحداثه بالزنى أو السرقة أو غير ذلك وسواء ~~كان الإيواء بملك يمين أو نكاح أو غير ذلك لأن اقل مافى ذلك تركه إنكار ~~المنكر ### ||| فصل # والمؤمن محتاج إلى إمتحان من يريد أن يصاحبه ويقارنه بنكاح وغيره قال ~~تعالى @QB@ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن @QE@ ~~الآية وكذلك المرأة التى زنا بها الرجل فإنه لا يتزوج بها إلا بعد التوبة ~~في اصح القولين كما دل عليه الكتاب والسنة والآثار لكن إذا أراد أن يمتحنها ~~هل هي صحيحة التوبة أم لا فقال عبد الله بن عمر وهو المنصوص عن أحمد أنه ~~يراودها عن نفسها فإن أجابته لم تصح توبتها وإن لم تجبه فقد تابت وقالت ~~طائفة هذا الإمتحان PageV15P328 فيه طلب الفاحشة منها وقد تنقض التوبة وقد ~~تأمره نفسه بتحقيق فعل الفاحشة ويزين لهما الشيطان ذلك ولا سيما إن كان ~~يحبها وتحبه وقد تقدم له معها فعل الفاحشة مرات وذاقته وذاقها فقد تنقض ~~التوبة ولا تخالفه فيما أراده منها ومن قال بالأول قال الأمر الذى يقصد به ~~إمتحانها لا يقصد به نفس الفعل فلا يكون أمرا بما نهى الله عنه ويمكنه أن ~~لايطلب الفاحشة بل يعرض بها وينوى شيئا آخر والتعريض للحاجة جائز بل واجب ~~في مواضع كثيرة وأما نقضها توبتها فإذا جاز أن تنقض التوبة معه جاز أن ~~تنقضها مع غيره والمقصود ان تكون ممتنعة ممن يراودها ms4761 فإذا لم تكن ممتنعة ~~منه لم تكن ممتنعة من غيره # وأما تزيين الشيطان له الفعل فهذا داخل في كل أمر يفعله الإنسان من الخير ~~يجد فيه محبته فإذا أراد الإنسان أن يصاحب المؤمن أو اراد المؤمن أن يصاحب ~~أحدا وقد ذكر عنه الفجور وقيل إنه تاب منه أو كان ذلك مقولا عنه سواء كان ~~ذلك القول صدقا أو كذبا فإنه يمتحنه بما يظهر به بره أو فجوره وصدقه أو ~~كذبه وكذلك إذا أراد أن يولى أحدا ولاية إمتحنه كما أمر عمر بن عبد العزيز ~~غلامه أن يمتحن بن أبي موسى لما اعجبه سمته فقال له قد علمت مكانى عند أمير ~~المؤمنين فكم تعطينى إذا أشرت عليه بولايتك PageV15P329 فبذل له مالا عظيما ~~فعلم عمر أنه ليس ممن يصلح للولاية وكذلك في المعاملات وكذلك الصبيان ~~والمماليك الذين عرفوا أو قيل عنهم الفجور واراد الرجل أن يشتريه بأنه ~~يمتحنه فإن المخنث كالبغى وتوبته كتوبتها ومعرفة أحوال الناس تارة تكون ~~بشهادات الناس وتارة تكون بالجرح والتعديل وتارة تكون بالإختبار والإمتحان ### ||| فصل # وكما عظم الله الفاحشة عظم ذكرها بالباطل وهو القذف فقال بعد ذلك @QB@ ~~والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ ~~ثم ذكر رمي الرجل امرأته وما أمر فيه من التلاعن ثم ذكر قصة أهل الإفك وبين ~~ما في ذلك من الخير للمقذوف المكذوب عليه وما فيه من الإثم للقاذف وما يجب ~~على المؤمنين إذا سمعوا ذلك ان يظنوا بإخوانهم من المؤمنين الخير ويقولون ~~هذا إفك مبين لأن دليله كذب ظاهر ثم أخبر أنه قول بلا حجة فقال @QB@ لولا ~~جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون @QE@ ثم أخبر أنه لو لا فضله عليهم ورحمته لعذبهم بما تكلموا به ~~PageV15P330 # وقوله @QB@ إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم @QE@ ~~فهذا بيان لسبب العذاب وهو تلقى الباطل بالألسنة والقول بالأفواه وهما ~~نوعان محرمان القول بالباطل والقول بلا علم ثم قال سبحانه @QB@ ولولا إذ ~~سمعتموه قلتم ما ms4762 يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم @QE@ فالأول ~~تحضيض على الظن الحسن وهذا نهى لهم عن التكلم بالقذف ففى الأول قوله @QB@ ~~اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم @QE@ ويقول النبى ( إياكم والظن فإن ~~الظن أكذب الحديث ( وكذا قوله @QB@ ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ~~@QE@ دليل على حسن مثل هذا الظن الذى أمر الله به وقد ثبت في الصحيح أن ~~النبى قال لعائشة ( ما أظن فلانا وفلانا يدريان من أمرنا هذا شيئا ( فهذا ~~يقتضى جواز بعض الظن كما إحتج البخارى بذلك لكن مع العلم بما عليه المرء ~~المسلم من الإيمان الوازع له عن فعل الفاحشة يجب ان يظن به الخير دون الشر ~~وفى الآية نهى عن تلقى مثل هذا باللسان ونهى عن ان يقول الإنسان ماليس له ~~به علم لقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ والله تعالى جعل في ~~فعل الفاحشة والقذف من العقوبة مالم يجعله في شيء من المعاصى لأنه جعل فيها ~~الرجم وقد رجم هو تعالى قوم PageV15P331 لوط إذ كانوا هم أول من فعل فاحشة ~~اللواط وجعل العقوبة على القذف بها ثمانين جلدة والرمى بغيرها فيه الإجتهاد ~~ويجوز عند بعض العلماء أن يبلغ الثمانين عند كثير منهم كما قال على ( لا ~~أوتى بأحد يفضلنى على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى ( وكما قال عبد ~~الرحمن بن عوف إذا شرب هذى وإذا هذى إفترى وحد الشرب ثمانون وحد المفترى ~~ثمانون وقوله تعالى @QB@ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ~~لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة @QE@ الآية وهذا ذم لمن يحب ذلك وذلك يكون ~~بالقلب فقط ويكون مع ذلك باللسان والجوارح وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة أو ~~يخبر بها محبة لوقوعها في المؤمنين إما حسدا أو بغضا وإما محبة للفاحشة ~~وارادة لها وكلاهما محبة للفاحشة وبغضا للذين آمنوا فكل من أحب فعلها ذكرها # وكره العلماء الغزل من الشعر الذى يرغب فيها وكذلك ذكرها غيبة محرمة سواء ~~كان بنظم أو نثر وكذلك التشبه بمن ms4763 يفعلها منهى عنه مثل الأمر بها فإن الفعل ~~يطلب بالأمر تارة وبالأخبار تارة فهذان الأمران للفجرة الزناة اللوطية مثل ~~ذكر قصص الأنبياء والصالحين للمؤمنين أولئك يعتبرون من الغيرة بهم وهؤلاء ~~يعتبرون من الإغترار فإن أهل الكفر والفسوق والعصيان يذكرون من قصص ~~PageV15P332 أشباههم ما يكون به لهم فيهم قدوة وأسوة ومن ذلك قوله تعالى ~~@QB@ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها ~~هزوا @QE@ قيل أراد الغناء وقيل أراد قصص الملوك من الكفار من الفرس # وبالجملة كل ما رغب النفوس في طاعة الله ونهاها عن معصيته من خبر أو أمر ~~فهو من طاعته وكل ما رغبها في معصيته ونهى عن طاعته فهو من معصيته فاما ذكر ~~الفاحشة واهلها بما يجب أو يستحب في الشريعة مثل النهى عنها وعنهم والذم ~~لها ولهم وذكر ما يبغضها وينفر عنها وذكر اهلها مطلقا حيث يسوغ ذلك وما ~~يشرع لهم من الذم في وجوههم ومغيبهم فهذا كله حسن يجب تارة ويستحب أخرى ~~وكذلك ما يدخل فيها من وصفها ووصف أهلها من العشق على الوجه المشروع الذى ~~يوجب الإنتهاء عما نهى الله عنه والبغض لما يبغضه # وهذا كما أن الله قص علينا في القرآن قصص الأنبياء والمؤمنين والمتقين ~~وقصص الفجار والكفار لنعتبر بالأمرين فنحب الأولين وسبيلهم ونقتدى بهم ~~ونبغض الآخرين وسبيلهم ونجتنب فعالهم # وقد ذكر الله عن أنبيائه وعباده الصالحين من ذكر الفاحشة PageV15P333 ~~وعلائقها على وجه الذم ما فيه عبرة قال تعالى @QB@ ولوطا إذ قال لقومه ~~أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين @QE@ إلى آخر القصة في ~~مواضع من كتابه فهذا لوط خاطب أهل الفاحشة وهو رسول الله بتقريعهم بها ~~بقوله @QB@ أتأتون الفاحشة @QE@ وهذا إستفهام إنكار ونهى إنكار ذم ونهى ~~كالرجل يقول للرجل أتفعل كذا وكذا أما تتقى الله ثم قال @QB@ أئنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء @QE@ وهذا إستفهام ثان فيه من الذم والتوبيخ ما ~~فيه وليس هذا من باب القذف واللمز # وكذلك قوله @QB@ كذبت قوم لوط المرسلين @QE@ إلى آخر ms4764 القصة فقد واجههم ~~بذمهم وتوبيخهم على فعل الفاحشة ثم إن أهل الفاحشة توعدوهم وتهددوهم ~~بإخراجهم من القرية وهذا حال أهل الفجور إذا كان بينهم من ينهاهم طلبوا ~~نفيه وإخراجه وقد عاقب الله أهل الفاحشة اللوطية بما ارادوا أن يقصدوا به ~~اهل التقوى حيث أمر بنفى الزانى ونفى المخنث فمضت سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بنفى هذا وهذا وهو سبحانه أخرج المتقين من بينهم عند نزول العذاب # وكذلك ما ذكره تعالى في قصة يوسف @QB@ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ~~@QE@ إلى قوله @QB@ فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم @QE@ وما ذكره بعد ~~ذلك فمن كلام يوسف من قوله @QB@ ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن @QE@ ~~PageV15P334 وهذا من باب الإعتبار الذى يوجب إنتهار النفوس عن معصية الله ~~والتمسك بالتقوى وكذلك ما بينه في آخر السورة ( بقوله @QB@ لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ # ومع هذا فمن الناس والنساء من يحب سماع هذه السورة لما فيها من ذكر العشق ~~وما يتعلق به لمحبته لذلك ورغبته في الفاحشة حتى أن من الناس من يقصد ~~إسماعها للنساء وغيرهن لمحبتهم للسوء ويعطفون على ذلك ولا يختارون أن ~~يسمعوا ما في سورة النور من العقوبة والنهى عن ذلك حتى قال بعض السلف كلما ~~حصلته في سورة يوسف أنفقته في سورة النور وقد قال تعالى @QB@ وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين @QE@ ثم قال @QB@ ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا @QE@ وقال @QB@ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون @QE@ فكل أحد يحب سماع ذلك ~~لتحريك المحبة المذمومة ويبغض سماع ذلك إعراضا عن دفع هذه المحبة وإزالتها ~~فهو مذموم # ومن هذا الباب ذكر أحوال الكفار والفجار وغير ذلك مما فيه ترغيب في معصية ~~الله وصد عن سبيل الله PageV15P335 ومن هذا الباب سماع كلام أهل البدع ~~والنظر في كتبهم لمن يضره ذلك ويدعوه إلى سبيلهم وإلى ms4765 معصية الله فهذا ~~الباب تجتمع فيه الشبهات والشهوات والله تعالى ذم هؤلاء في مثل قوله @QB@ ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ وفى مثل قوله @QB@ والشعراء ~~يتبعهم الغاوون @QE@ ومثل قوله @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين @QE@ ~~الآية وما بعدها ومثل قوله @QB@ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن ~~سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا @QE@ وقوله @QB@ مستكبرين به سامرا تهجرون ~~@QE@ ومثل قوله @QB@ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~الغي يتخذوه سبيلا @QE@ ومثل قوله @QB@ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ~~سبيل الله @QE@ الآية # ومثل هذا كثير في القرآن فأهل المعاصى كثيرون في العالم بل هم أكثر كما ~~قال تعالى @QB@ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله @QE@ الآية ~~وفى النفوس من الشبهات المذمومة والشهوات قولا وعملا ما لا يعلمه إلا الله ~~وأهلها يدعون الناس إليها ويقهرون من يعصيهم ويزينونها لمن يطيعهم فهم ~~أعداء الرسل وأندادهم فرسل الله يدعون الناس إلى طاعة الله ويأمرونهم بها ~~بالرغبة والرهبة ويجاهدون عليها وينهونهم عن معاصى الله ويحذرونهم منها ~~بالرغبة والرهبة ويجاهدون من يفعلها وهؤلاء يدعون الناس إلى معصية الله ~~ويأمرونهم PageV15P336 بها بالرغبة والرهبة قولا وفعلا ويجاهدون على ذلك ~~قال تعالى @QB@ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون ~~عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون @QE@ ~~ثم قال @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم ~~الله @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا ~~يقاتلون في سبيل الطاغوت @QE@ # ومثل هذا في القرآن كثير والله سبحانه قد أمرنا بالأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر ~~به والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته فمن لا يعلمه لا يمكنه النهى عنه وقد ~~أوجب الله علينا فعل المعروف وترك المنكر فإن حب الشيء وفعله وبغض ذلك ~~وتركه لا يكون إلا بعد العلم بهما حتى يصح القصد ms4766 إلى فعل المعروف وترك ~~المنكر فإن ذلك مسبوق بعلمه فمن لم يعلم الشيء لم يتصور منه حب له ولا بغض ~~ولا فعل ولا ترك لكن فعل الشيء والأمر به يقتضى أن يعلم علما مفصلا يمكن ~~معه فعله والأمر به إذا أمر به مفصلا # ولهذا أوجب الله على الإنسان معرفة ما أمر به من الواجبات مثل صفة الصلاة ~~والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف PageV15P337 والنهى عن المنكر إذا ~~أمر بأوصاف فلا بد من العلم بثبوتها فكما أنا لا نكون مطيعين إذا علمنا عدم ~~الطاعة فلا نكون مطيعين إلا إذا لم نعلم وجودها بل الجهل بوجودها كالعلم ~~بعدمها وكون كل منهما معصية فإن الجهل بالتساوى كالعلم بالتفاضل في بيع ~~الأموال الربوية بعضها بجنسه فإن لم نعلم المماثلة كان كما لو علمنا ~~المفاضلة وأما معرفة ما يتركه وينهى عنه فقد يكتفى بمعرفته في بعض المواضع ~~مجملا فالإنسان يحتاج إلى معرفة المنكر وإنكاره وقد يحتاج إلى الحجج ~~المبينة لذلك وإلى الجواب عما يعارض به اصحابها من الحجج وإلى دفع أهوائهم ~~وإراداتهم وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك وذلك لا يكون إلا ~~بالصبر كما قال تعالى @QB@ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ # وأول ذلك أن نذكر الأقوال والأفعال على وجه الذم لها والنهى عنها وبيان ~~ما فيها من الفساد فإن الإنكار بالقلب واللسان قبل الإنكار باليد وهذه ~~طريقة القرآن فيما يذكره تعالى عن الكفار والفساق والعصاة من اقوالهم ~~وأفعالهم يذكر ذلك على وجه الذم والبغض لها ولأهلها وبيان فسادها وضدها ~~والتحذير منها كما أن فيما يذكره عن أهل العلم والإيمان ومن فيهم من ~~أنبيائه وأوليائه على وجه المدح والحب وبيان صلاحه ومنفعته والترغيب فيه ~~وذلك نحو قوله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ~~@QE@ PageV15P338 # وقالوا @QB@ اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من ms4767 في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا @QE@ وقالت اليهود ~~عزير بن الله ( الآيات # وهذا كثير جدا فالذى يحب أقوالهم وأفعالهم هو منهم إما كافر وإما فاجر ~~بحسب قوله وفعله وليس منهم من هو بعكسه وليس عليه عذاب في تركه لكنه لا ~~يثاب على مجرد عدم ذلك وإنما يثاب على قصده لترك ذلك وإرادته وذلك مسبوق ~~بالعلم بقبح ذلك وبغضه لله وهذا العلم والقصد والبغض هو من الإيمان الذى ~~يثاب عليه وهو ادنى الإيمان كما قال النبى ( من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده ( إلى آخره وتغيير القلب يكون بالبغض لذلك وكراهته وذلك لا يكون إلآ ~~بعد العلم به وبقبحه ثم بعد ذلك يكون الإنكار باللسان ثم يكون باليد والنبى ~~قال ( وذلك أضعف الإيمان ( فيمن رأى المنكر فأما إذا رآه فلم يعلم أنه منكر ~~ولم يكرهه ولم يكن هذا الإيمان موجودا في القلب في حال وجوده ورؤيته بحيث ~~يجب بغضه PageV15P339 وكراهته والعلم بقبحه يوجب جهاد الكفار والمنافقين ~~إذا وجدوا وإذا لم يكن المنكر موجودا لم يجب ذلك ويثاب من أنكره عند وجوده ~~ولا يثاب من لم يوجد عنده حتى ينكره وكذلك ما يدخل في ذلك من الأقوال ~~والأفعال المنكرات قد يعرض عنها كثير من الناس إعراضهم عن جهاد الكفار ~~والمنافقين وعن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فهؤلاء وإن كانوا من ~~المهاجرين الذين هجروا السيئات فليسوا من المجاهدين الذين يجاهدون في ~~إزالتها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله # فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يجتمع في كثير من الناس هذان الأمران بغض الكفر ~~وأهله وبغض الفجور وأهله وبغض نهيهم وجهادهم كما يحب المعروف وأهله ولا يحب ~~أن يأمر به ولا يجاهد عليه بالنفس والمال وقد قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب ms4768 إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ وقوله @QB@ لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ ~~PageV15P340 الآية # وكثير من الناس بل أكثرهم كراهتهم للجهاد على المنكرات اعظم من كراهتهم ~~للمنكرات لا سيما إذا كثرت المنكرات وقويت فيها الشبهات والشهوات فربما ~~مالوا إليها تارة وعنها أخرى فتكون نفس أحدهم لوامة بعد أن كانت أمارة ثم ~~إذا إرتقى إلى الحال الأعلى في هجر السيئات وصارت نفسه مطمئنة تاركة ~~للمنكرات والمكروهات لا تحب الجهاد ومصابرة العدو على ذلك وإحتمال ما يؤذيه ~~من الأقوال والأفعال فإن هذا شيء آخر داخل في قوله @QB@ ألم تر إلى الذين ~~قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال ~~إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية @QE@ الآيات إلى قوله ~~@QB@ وكان الله على كل شيء مقيتا @QE@ والشفاعة الإعانة إذ المعين قد صار ~~شفعا للمعان فكل من أعان على بر أو تقوى كان له نصيب منه ومن أعان على ~~الإثم والعدوان كان له كفل منه وهذا حال الناس فيما يفعلونه بقلوبهم ~~وألسنتهم وأيديهم من الإعانة على البر والتقوى والإعانة على الإثم والعدوان ~~ومن ذلك الجهاد بالنفس والمال على ذلك من الجانبين كما قال تعالى قبل ذلك ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا @QE@ ~~إلى قوله @QB@ إن كيد الشيطان كان ضعيفا @QE@ PageV15P341 ومن هنا يظهر ~~الفرق في السمع والبصر من الإيمان وآثاره والكفر وآثاره والفرق بين المؤمن ~~البر وبين الكافر والفاجر فإن المؤمنين يسمعون اخبار أهل الإيمان فيشهدون ~~رؤيتهم على وجه العلم والمعرفة والمحبة والتعظيم لهم ولاخبارهم وآثارهم ~~كرؤية الصحابة النبى وسمعهم لما بلغه عن الله والكافر والمنافق يسمع ويرى ~~على وجه البغض والجهل كما قال تعالى @QB@ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ~~بأبصارهم لما سمعوا الذكر @QE@ وقال @QB@ فإذا أنزلت سورة محكمة ms4769 وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ~~@QE@ @QB@ العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون @QE@ وقال @QB@ ~~فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم @QE@ وقال تعالى في ~~حق المؤمنين @QB@ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ~~@QE@ وقال في حق الكفار @QB@ فما لهم عن التذكرة معرضين @QE@ والآيات في ~~هذا كثيرة جدا # وكذلك النظر إلى زينة الحياة الدنيا فتنة فقال تعالى @QB@ ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير ~~وأبقى @QE@ وفى التوبة @QB@ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم @QE@ الآية وقال ~~@QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم @QE@ الآية وقال @QB@ ولا تعد عيناك ~~عنهم تريد زينة الحياة الدنيا @QE@ وقال @QB@ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف ~~خلقت @QE@ الآيات وقال @QB@ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض @QE@ ~~PageV15P342 # وقال @QB@ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض @QE@ الآية وكذلك قال الشيطان @QB@ إني أرى ما لا ترون @QE@ وقال ~~@QB@ فلما تراءى الجمعان @QE@ الآيات وقال @QB@ إذ يريكهم الله في منامك ~~قليلا @QE@ الاية # فالنظر إلى متاع الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولأهلها منهى عنه ~~والنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التفكر والإعتبار مأمور به ~~مندوب إليه وأما رؤية ذلك عند الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~لدفع شر أولئك وإزالته فمأمور به وكذلك رؤية الإعتبار شرعا في الجملة ~~فالعين الواحدة ينظر إليها نظرا مأمورا به إما للإعتبار وإما لبغض ذلك ~~والنظر إليه لبغض الجهاد منهى عنه وكذلك الموالاة والمعاداة وقد تحصل للعبد ~~فتنة بنظر منهى عنه وهو يظن أنه نظر عبرة وقد يؤمر بالجهاد فيظن أن ذلك نظر ~~فتنة كالذين قال الله تعالى فيهم @QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ~~@QE@ الآية فإنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبى أن يتجهز لغزو الروم ~~فقال إنى مغرم بالنساء وأخاف الفتنة بنساء الروم فإئذن لى في القعود قال ~~تعالى @QB@ ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ms4770 @QE@ ~~PageV15P343 فهذا ونحوه مما يكون باللسان من القول وأما ما يكون من الفعل ~~بالجوارح فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا داخل في هذا ~~بل يكون عذابه أشد فإن الله قد توعد بالعذاب على مجرد محبة أن تشيع الفاحشة ~~بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة وهذه المحبة قد لا يقترن بها قول ولا فعل ~~فكيف إذا إقترن بها قول أو فعل بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله من ~~فعل الفاحشة والقذف بها وإشاعتها في الذين آمنوا ومن رضى عمل قوم حشر معهم ~~كما حشرت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط فإن ذلك لا يقع من ~~المرأة لكنها لما رضيت فعلهم عمها العذاب معهم # فمن هذا الباب قيل من أعان على الفاحشة وإشاعتها مثل القواد الذى يقود ~~النساء والصبيان إلى الفاحشة لأجل ما يحصل له من رياسة أو سحت يأكله وكذلك ~~أهل الصناعات التى تنفق بذلك مثل المغنين وشربة الخمر وضمان الجهات ~~السلطانية وغيرها فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة ليتمكنوا من دفع من ينكرها ~~من المؤمنين بخلاف ما إذا كانت قليلة خفيفة خفية ولا خلاف بين المسلمين أن ~~ما يدعو إلى معصية الله وينهى عن طاعته منهى عنه محرم بخلاف عكسه فإنه واجب ~~كما قال تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ~~@QE@ أى إن ما فيها من طاعة الله وذكره وإمتثال أمره أكبر من ذلك ~~PageV15P344 # وقال في الخمر والميسر @QB@ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة @QE@ أى ~~يوقعهم ذلك في معصيته التى هي العداوة والبغضاء وهذا من أعظم المنكرات التى ~~تنهى عنه الصلاة والخمر تدعو إلى الفحشاء والمنكر كما هو الواقع فإن شارب ~~الخمر تدعوه نفسه إلى الجماع حلالا كان أو حراما فالله تعالى لم يذكر ~~الجماع لأن الخمر لا تدعو إلى الحرام بعينه من الجماع فيأتى شارب الخمر ما ~~يمكنه من الجماع سواء كان حلالا أو حراما والسكر يزيل العقل الذى كان يميز ~~السكران به بين الحلال والحرام والعقل الصحيح ينهى عن مواقعة ms4771 الحرام ولهذا ~~يكثر شارب الخمر من مواقعة الفواحش مالا يكثر من غيرها حتى ربما يقع على ~~إبنته وإبنه ومحارمه وقد يستغنى بالحلال إذا أمكنه ويدعو شرب الخمر إلى أكل ~~أموال الناس بالباطل من سرقة ومحاربة وغير ذلك لأنه يحتاج إلى الخمر وما ~~يستتبعه من مأكول وغيره من فواحش وغناء # وشرب الخمر يظهر اسرار الرجال حتى يتكلم شاربه بما في باطنه وكثير من ~~الناس إذا ارادوا إستفهام مافى قلوب الرجال من الأسرار يسقونهم الخمر وربما ~~يشربون معهم مالا يسكرون به # وأيضا فالخمر تصد الإنسان عن علمه وتدبيره ومصلحته في معاشه ومعاده وجميع ~~أموره التى يدبرها برأية وعقله فجميع الأمور التى تصد PageV15P345 عنها ~~الخمر من المصالح وتوقعها من المفاسد داخلة في قوله تعالى @QB@ ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة @QE@ # وكذلك إيقاع العداوة والبغضاء هي منتهى قصد الشيطان ولهذا قال النبى ( ~~ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن إفساد ذات البين ~~هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ( # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الفواحش والظلم وغير ذلك من الذنوب توقع ~~العداوة والبغضاء وإن كل عداوة أو بغضاء فأصلها من معصية الله والشيطان ~~يأمر بالمعصية ليوقع فيما هو اعظم منها ولا يرضى بغاية ما قدر على ذلك # وأيضا فالعداوة والبغضاء شر محض لا يحبها عاقل بخلاف المعاصى فإن فيها ~~لذة كالخمر والفواحش فإن النفوس تريد ذلك والشيطان يدعو إليها النفوس حتى ~~يوقعها في شر لا تهواه ولا تريده والله تعالى قد بين ما يريده الشيطان ~~بالخمر والميسر ولم يذكر ما يريده الإنسان ثم قال في سورة النور @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه ~~يأمر بالفحشاء والمنكر @QE@ PageV15P346 # وقال في سورة البقرة @QB@ ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ فنهى عن إتباع خطواته وهو إتباع امره ~~بالإقتداء ms4772 والإتباع وأخبر أنه يأمر بالفحشاء والمنكر والسوء والقول على ~~الله بلا علم وقال فيها @QB@ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله ~~يعدكم مغفرة منه وفضلا @QE@ فالشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر ~~والسوء والله يعد المغفرة والفضل ويأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى وقال عن نبيه @QB@ يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم @QE@ وقال عن أمته @QB@ يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر @QE@ # وذكر مثل ذلك في مواضع كثيرة فتارة يخص إسم المنكر بالنهى وتارة يقرنه ~~بالفحشاء وتارة يقرن معهما البغى وكذلك المعروف تارة يخصه بالأمر وتارة ~~يقرن به غيره كما في قوله تعالى @QB@ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس @QE@ وذلك لأن الأسماء قد يكون عمومها ~~وخصوصها بحسب الإفراد والتركيب كلفظ الفقير والمسكين فإن أحدهما إذا أفرد ~~كان عاما لما يدلان عليه عند الإقتران بخلاف إقترانهما فإنه يكون معنى كل ~~PageV15P347 منهما ليس هو معنى الآخر بل أخص من معناه عند الإفراد وأيضا ~~فقد يعطف على الإسم العام بعض أنواعه على سبيل التخصيص ثم قد قيل إن ذلك ~~المخصص يكون مذكورا بالمعنى العام والخاص فإذا عرف هذا فإسم ( المنكر ( يعم ~~كل ما كرهه الله ونهى عنه وهو المبغض ( وإسم المعروف ( يعم كل ما يحبه الله ~~ويرضاه ويأمر به فحيث أفردا بالذكر فإنهما يعمان كل محبوب في الدين ومكروه ~~وإذا قرن المنكر بالفحشاء فإن الفحشاء مبناها على المحبة والشهوة و ( ~~المنكر ( هو الذى تنكره القلوب فقد يظن أن ما في الفاحشة من المحبة يخرجها ~~عن الدخول في المنكر وإن كانت مما تنكرها القلوب فإنها تشتهيها النفوس ( ~~والمنكر ( قد يقال أنه يعم معنى الفحشاء وقد يقال خصت لقوة المقتضى لما ~~فيها من الشهوة وقد يقال قصد بالمنكر ما ينكر مطلقا والفحشاء لكونها تشتهى ~~وتحب وكذلك ( البغى ( قرن بها لأنه أبعد عن محبة النفوس # ولهذا كان جنس عذاب صاحبه أعظم من جنس ms4773 عذاب صاحب الفحشاء ومنشؤه من قوة ~~الغضب كما أن الفحشاء منشؤها عن قوة الشهوة ولكل من النفوس لذة بحصول ~~مطلوبها فالفواحش والبغى مقرونان بالمنكر وأما الإشراك والقول على الله بلا ~~علم فإنه منكر PageV15P348 محض ليس في النفوس ميل إليهما بل إنما يكونان عن ~~عناد وظلم فهما منكر وظلم محض بالفطرة # فهذه الخصال فساد في القوة العلمية والعملية فالصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر سواء كان ~~الضمير عائدا إلى الشيطان أو إلى من يتبع خطوات الشيطان فإن من أتى الفحشاء ~~والمنكر سواء فإن كان الشيطان امره فهو متبعه مطيعه عابد له وإن كان الآتى ~~هو الآمر فالأمر بالفعل أبلغ من فعله فمن أمر بها غيره رضيها لنفسه # ومن الفحشاء والمنكر إستماع العبد مزامير الشيطان والمغنى هو موذنه الذى ~~يدعو إلى طاعته فإن الغناء رقية الزنى وكذلك من إتباع خطوات الشيطان القول ~~على الله بلا علم @QB@ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون @QE@ وهذه حال أهل البدع والفجور وكثير ممن يستحل مؤاخاة النساء ~~والمردان واحضارهم في سماع الغناء ودعوى محبة صورهم لله وغير ذلك مما فتن ~~به كثير من الناس فصاروا ضالين مضلين ثم أنه سبحانه نهى المظلوم بالقذف أن ~~يمنع ما ينبغى له فعله من الإحسان إلى ذوى قرابته والمساكين وأهل التوبة ~~وأمره بالعفو PageV15P349 والصفح فإنهم كما يحبون أن يغفر الله لهم فليعفوا ~~وليصفحوا وليغفروا ولا ريب أن صلة الأرحام واجبة وإيتاء المساكين واجب ~~وإعانة المهاجرين واجب فلا يجوز ترك ما يجب من الإحسان للإنسان بمجرد ظلمه ~~وإساءته في عرضه كما لا يمنع الرجل ميراثه وحقه من الصدقات والفيء بمجرد ~~ذنب من الذنوب وقد يمنع من ذلك لبعض الذنوب وفى الآية دلالة على وجوب الصلة ~~والنفقة وغيرها لذوى الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب فإنه قد ثبت في ~~الصحيح عن عائشة في قصة الإفك أن أبا بكر الصديق حلف أن لا ينفق على مسطح ~~بن اثاثة وكان أحد ms4774 الخائضين في الإفك في شأن عائشة وكانت أم مسطح بنت خالة ~~أبى بكر وقد جعله الله من ذوى القربى الذين نهى عن ترك إيتائهم والنهى ~~يقتضى التحريم فإذا لم يجز الحلف على ترك الفعل كان الفعل واجبا لأن الحلف ~~على ترك الجائز جائز ### ||| فصل # قال الله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ وقال فيها @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء @QE@ PageV15P350 فإجلدوهم ثمانين جلدة وقال فيها @QB@ ~~لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء @QE@ فذكر عدد الشهداء وأطلق صفتهم ولم ~~يقيدهم بكونهم منا ولا ممن نرضى ولا من ذوى العدل كما قيد صفة الشهداء في ~~غير هذا الموضع # ولهذا تنازع العلماء هل شهادة الأربعة التى يجب بها الحد على الزانى مثل ~~شهادة أهل الفسوق والعصيان وغيرهم هل تدرأ الحد عن القاذف على قولين في ~~مذهب أحمد # ( أحدهما أنها تدرأ الحد عن القاذف وإن لم توجب حد الزنى على المقذوف ~~كشهادة الزوج على امرأته أربع شهادات بالله فإن ذلك يدرأ حد القذف ولا يجب ~~الحد على امرأته لمجرد ذلك لأنها تدفع العذاب عنها بشهادتها أربع شهادات ~~ولو لم تشهد فهل تحد أو تحبس حتى تقر أو تلاعن أو يخلى سبيلها فيه نزاع ~~مشهور بين العلماء فلا يلزم من درء الحد عن القاذف وجوب حد الزنى على ~~المقذوف فإن كلاهما حد والحدود تدرأ بالشبهات والأربع شهادات للقاذف شبهة ~~قوية ولو إعترف المقذوف مرة أو مرتين أو ثلاثا درىء الحد عن القاذف ولم يجب ~~الحد عنها عند أكثر العلماء ولو كان المقذوف غير محصن مثل ان يكون مشهورا ~~بالفاحشة لم يحد قاذفه حد القذف ولم يحد هو حد الزنى لمجرد الإستفاضة ~~PageV15P351 وأن كان يعاقب كل منهما دون الحد وقد إعتبر نصاب حد الزنى ~~باربعة شهداء # وكذلك تعتبر صفاتهم فلا يقام حد الزنى على مسلم إلا بشهادة مسلمين لكن ~~يقال لم يقيدهم بأن يكونوا عدولا مرضيين كما قيدهم في آية الدين بقوله @QB@ ~~ممن ترضون من الشهداء @QE@ وقال في آية الوصية ms4775 @QB@ اثنان ذوا عدل منكم ~~@QE@ وقال في آية الرجعة @QB@ وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ~~@QE@ فقد أمرنا الله سبحانه بأن نحمل الشهادة المحتاج إليها لأهل العدل ~~والرضا وهؤلاء هم الممتثلون ما أمرهم الله به بقوله @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ~~إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا @QE@ ~~الآية وفى قوله وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وقوله @QB@ ولا تكتموا ~~الشهادة @QE@ وقوله @QB@ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا @QE@ وقوله @QB@ ~~والذين هم بشهاداتهم قائمون @QE@ فهم يقومون بالشهادة بالقسط لله فيحصل ~~مقصود الذى إستشهده ( الوجه الثانى ( أن كون شهادتهم مقبولة مسموعة لأنهم ~~أهل العدل والرضى فدل على وجوب ذلك في القبول والأداء وقد نهى سبحانه عن ~~قبول شهادة الفاسق بقوله @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ الآية لكن ~~هذا نص في أن الفاسق الواحد يجب التبين في خبره PageV15P352 وأما الفاسقان ~~فصاعدا فالدلالة عليه تحتاج إلى مقدمة أخرى وما ذكروه من عدد الشهود لا ~~يعتبر في الحكم بإتفاق العلماء في مواضع وعند جمهورهم قد يحكم بلا شهود في ~~مواضع عند النكول والرد ونحو ذلك ويحكم بشاهد ويمين كما مضت سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإنه قضى بشاهد ويمين رواه أبوداود وغيره من حديث أبى ~~هريرة ورواه مسلم من حديث بن عباس ( أن رسول الله قضى بشاهد ويمين ( ورواه ~~غيرهما ويدل على هذا أن الله لم يعتبر عند الأداء هذا القيد لا في آية ~~الزنى ولا في آية القذف بل قال @QB@ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم @QE@ وقال ~~@QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء @QE@ وإنما أمر ~~بالتثبت عند خبر الفاسق الواحد ولم يأمر به عند خبر الفاسقين فإن خبر ~~الإثنين يوجب من الإعتقاد مالا يوجبه خبر الواحد ولهذا قال العلماء إذا ~~إستراب الحاكم في الشهود فرقهم وسألهم عن مكان الشهادة وزمانها وصفتها ~~وتحملها وغير ذلك مما يتبين به إتفاقهم وإختلافهم # وقوله تعالى @QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ms4776 @QE@ فهذا نص في ان هؤلاء ~~القذفة لا تقبل لهم شهادة أبدا واحدا كانوا أو عددا بل لفظ الآية ينتظم ~~العدد على سبيل الجمع والبدل لأن الآية نزلت في أهل الإفك بإتفاق أهل العلم ~~والحديث والفقه والتفسير وكان الذين قذفوا PageV15P353 عائشة عددا ولم ~~يكونوا واحدا لما رأوها قد قدمت صحبة صفوان بن المعطل السلمى بعد قفول ~~العسكر وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها عدمت فرفع أصحاب الهودج هودجها ~~معتقدين أنها فيه لخفتها ولم تكن فيه فلما رجعت لم تجد أحدا من الجيش فمكثت ~~مكانها وكان صفوان قد تخلف وراء الجيش فلما رآها أعرض بوجهه عنها وأناخ ~~راحلته حتى ركبتها ثم ذهب بها إلى العسكر فكانت خلوته بها للضرورة كما يجوز ~~للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر الهجرة مثل ما قدمت أم كلثوم بنت ~~عقبة بن أبى معيط مهاجرة وقصة عائشة # وقد دلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم مجتمعين ولا متفرقين ودلت ~~أيضا على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة كما هو مذهب الجمهور فانه كان من ~~جملتهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت كما في الصحيح عن عائشة وكان منهم حمنة ~~بنت جحش وغيرها ومعلوم أنه لم يرد النبى ولا المسلمون بعده شهادة أحد منهم ~~لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها ومن لم يتب حينئذ فإنه كافر مكذب ~~بالقرآن وهؤلاء مازالوا مسلمين وقد نهى الله عن قطع صلتهم ولو ردت شهادتهم ~~بعد التوبة لاستفاض ذلك كما استفاض رد عمر شهادة أبى بكرة وقصة عائشة كانت ~~أعظم من قصة المغيرة لكن من PageV15P354 رد شهادة القاذف بعد التوبة قد ~~يقول أرد شهادة من حد في القذف وهؤلاء لم يحدوا والأولون يجيبون بأجوبة # ( أحدها ( انه قد روى في السنن أن النبى حد أولئك # و ( الثانى ( ان هذا الشرط غير معتبر في ظاهر القرآن وهم لا يقولون به ~~كما هو مقرر في موضعه # و ( الثالث ( ان الذين اعتبروا الحد اعتبروه وقالوا قد يكون القاذف صادقا ~~وقد يكون كاذبا فاعراض المقذوف عن طلب ms4777 حد القذف قد يكون لصدق القاذف فاذا ~~طلب الحد ولم يات القاذف بأربعة شهداء ظهر كذبه ومعلوم ان الذين قذفوا ~~عائشة ظهر كذبهم أعظم من ظهور كذب كل أحد فإن الله هو الذى برأها بكلامه ~~الذى أنزله من فوق سبع سماوات يتلى فاذا كانت شهادتهم بعد توبتهم مقبولة ~~فشهادة غيرهم ممن شهد على غيرها بالقذف أولى بالقبول وقصة عمر بن الخطاب ~~التى حكم فيها بين المهاجرين والأنصار في شأن المغيرة لما شهد عليه ثلاثة ~~بالزنى وتوقف الرابع عن الشهادة فجلد أولئك الثلاثة ورد شهادتهم دليل على ~~الفصلين جميعا كما دلت قصة عائشة على قبول شهادتهم بعد التوبة والجلد لأن ~~اثنين من الثلاثة تابا فقبل عمر PageV15P355 والمسلمون شهادتهما والثالث ~~وهو أبو بكرة مع كونه من أفضلهم لم يتب فلما لم يتب لم يقبل المسلمون ~~شهادته وكان من صالحى المسلمين وقد قال عمر تب أقبل شهادتك لكن اذا كان ~~القرآن قد بين ان القذفة ان لم يأتوا بأربعة شهداء لم تقبل شهادتهم أبدا ثم ~~قال بعد ذلك @QB@ وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا @QE@ فمعلوم ان قوله ~~@QB@ وأولئك هم الفاسقون @QE@ وصف ذم لهم زائد على ما ذكره من رد شهادتهم # وأما تفسير ( العدالة ( المشروطة في هؤلاء الشهداء فانها الصلاح في الدين ~~والمروءة والصلاح في أداء الواجبات وترك الكبيرة والاصرار على الصغيرة و ( ~~الصلاح في المروءة ( استعمال ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه فاذا ~~وجد هذا في شخص كان عدلا في شهادته وكان من الصالحين الأبرار وأما انه لا ~~يستشهد أحد في وصية أو رجعة في جميع الأمكنة والأزمنة حتى يكون بهذه الصفة ~~فليس في كتاب الله وسنة رسوله ما يدل على ذلك بل هذا صفة المؤمن الذى اكمل ~~ايمانه بأداء الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها ومن كان كذلك كان من ~~أولياء الله المتقين ثم ان القائلين بهذا قد يفسرون الواجبات بالصلوات ~~الخمس ونحوها بل قد يجب على الانسان من حقوق الله وحقوق عباده ما لا يحصيه ~~PageV15P356 الا الله تعالى مما يكون ms4778 تركه أعظم إثما من شرب الخمر والزنا ~~ومع ذلك لم يجعلوه قادحا في عدالته إما لعدم استشعار كثرة الواجبات وإما ~~لإلتفاتهم إلى ترك السيئات دون فعل الواجبات وليس الأمر كذلك في الشريعة ~~وبالجملة هذا معتبر في باب الثواب والعقاب والمدح والذم والموالاة ~~والمعاداة وهذا أمر عظيم # وأما قول من يقول الأصل في المسلمين العدالة فهو باطل بل الاصل في بنى ~~آدم الظلم والجهل كما قال تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ~~@QE@ ومجرد التكلم بالشهادتين لايوجب انتقال الانسان عن الظلم والجهل إلى ~~العدل # و ( باب الشهادة ( مداره على ان يكون الشهيد مرضيا أو يكون ذا عدل يتحرى ~~القسط والعدل في أقواله وأفعاله والصدق في شهادته وخبره وكثيرا ما يوجد هذا ~~مع الاخلال بكثير من تلك الصفات كما أن الصفات التى اعتبروها كثيرا ما توجد ~~بدون هذا كما قد رأينا كل واحد من الصنفين كثيرا لكن يقال أن ذلك مظنة ~~الصدق والعدل والمقصود من الشهادة ودليل عليها وعلامة لها فان النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال في الحديث المتفق على صحته ( عليكم بالصدق فان الصدق ~~يهدى إلى البر والبر يهدى إلى الجنة ( الحديث إلى آخره PageV15P357 # فالصدق مستلزم للبر كما أن الكذب مستلزم للفجور فاذا وجد الملزوم وهو ~~تحرى الصدق وجد اللازم وهو البر واذا انتفى اللازم وهو البر انتفى الملزوم ~~وهو الصدق واذا وجد الكذب وهو الملزوم وجد الفجور وهو اللازم وإذا انتفى ~~اللازم وهو الفجور انتفى الملزوم وهو الكذب فلهذا استدل بعدم بر الرجل على ~~كذبه وبعدم فجوره على صدقه فالعدل الذى ذكره الفقهاء من انتفى فجوره وهو ~~إتيان الكبيرة والاصرار على الصغيرة واذا انتفى ذلك فيه انتفى كذبه الذى ~~يدعوه إلى هذا الفجور والفاسق هو من عدم بره واذا عدم بره عدم صدقه ودلالة ~~هذا الحديث مبنية على أن الداعى إلى البر يستلزم البر والداعى إلى الفجور ~~يستلزم الفجور فالخطأ كالنسيان والعمد كالكذب والله أعلم PageV15P358 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى إن الذي يرمون ) 1 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله # في ms4779 قوله تعالى @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في ~~الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم @QE@ في طرده الكلام على ما يتعلق بهذه ~~الآية وغيرها فقال وأما الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه # ( أحدها ( ان هذه الآية في أزواج النبى خاصة في قول كثير من أهل العلم ~~فروى هشيم عن العوام بن حوشب ثنا شيخ من بنى كاهل قال فسر بن عباس ( سورة ~~النور ( فلما أتى على هذه الآية @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات @QE@ إلى آخر الآية قال هذه في شأن عائشة وأزواج النبى خاصة وهى ~~مبهمة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ @QB@ ~~والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء @QE@ إلى قوله @QB@ إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا @QE@ فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك ~~توبة قال فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسره PageV15P359 # وقال أبو سعيد الاشج حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير ~~عن بن عباس @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات @QE@ نزلت في عائشة خاصة ~~واللعنة في المنافقين عامة فقد بين بن عباس ان هذه الآية انما نزلت فيمن ~~يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعيبه فان قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه نسبة له ~~إلى الدياثة واظهار لفساد فراشه فان زنا امراته يؤذيه أذى عظيما ولهذا جوز ~~له الشارع أن يقذفها إذا زنت ودرأ الحد عنه باللعان ولم يبح لغيره أن يقذف ~~امرأة بحال ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزى يقذف أهله أعظم مما ~~يلحقه لو كان هو المقذوف # ولهذا ذهب الامام أحمد في احدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى ان من قذف ~~امرأة محصنة كالأمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن حد لقذفها لما الحقه من ~~العار بولدها وزوجها المحصنين والرواية الأخرى عنه وهى قول الاكثرين انه ~~لاحد عليه لانه اذى لهما لاقذف لهما والحد التام انما ms4780 يجب بالقذف وفى جانب ~~النبى أذى كقذفه ومن يقصد عيب النبي صلى الله عليه وسلم بعيب ازواجه فهو ~~منافق وهذا معنى قول بن عباس اللعنة في المنافقين عامة # وقد وافق بن عباس جماعة فروى الامام أحمد والاشج عن خصيف PageV15P360 قال ~~سالت سعيد بن جبير فقلت الزنى اشد أو قذف المحصنة قال لا بل الزنى قال قلت ~~فان الله تعالى يقول @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا ~~في الدنيا والآخرة @QE@ فقال إنما كان هذا في عائشة خاصة وروى أحمد بإسناده ~~عن أبى الجوزاء في هذه الآية @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة @QE@ فقال هذه الآية لأمهات المؤمنين ~~خاصة وروى الأشج باسناده عن الضحاك في هذه الآية قال هن نساء النبى وقال ~~معمر عن الكلبي انما عنى بهذه الاية ازواج النبى فاما من رمى إمرأة من ~~المسلمين فهو فاسق كما قال الله تعالى أو يتوب # ووجه هذا ان لعنة الله في الدنيا والاخرة لا تستوجب بمجرد القذف فتكون ~~اللام في قوله @QB@ المحصنات الغافلات المؤمنات @QE@ لتعريف المعهود ~~والمعهود هنا ازواج النبى لان الكلام في قصة الافك ووقوع من وقع في أم ~~المؤمنين عائشة أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذى يوجب ذلك # ويؤيد هذا القول ان الله سبحانه رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات ~~مؤمنات وقال في اول السورة @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ الاية فرتب الحد ورد الشهادة والفسق على ~~مجرد قذف المحصنات فلا بد ان يكون PageV15P361 المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لهن مزية على مجرد المحصنات وذلك والله اعلم # لان ازواج النبى مشهود لهن بالايمان لانهن امهات المؤمنين وهن ازواج نبيه ~~في الدنيا والاخرة وعوام المسلمات انما يعلم منهن في الغالب ظاهر الايمان ~~ولان الله سبحانه قال في قصة عائشة @QB@ والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ~~@QE@ فتخصيصه متولى كبره دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم وقال ~~@QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ms4781 ~~عذاب عظيم @QE@ فعلم ان العذاب العظيم لايمس كل من قذف وانما يمس متولى ~~كبره فقط وقال هنا @QB@ ولهم عذاب عظيم @QE@ فعلم ان الذى رمى أمهات ~~المؤمنين يعيب بذلك رسوله وتولى كبر الافك وهذه صفة المنافق بن ابى والله ~~اعلم انه على هذا القول تكون هذه الاية حجة ايضا موافقة لتلك الاية لانه ~~لما كان رمى أمهات المؤمنين أذى للنبى صلى الله عليه وسلم لعن صاحبه في ~~الدنيا والاخرة ولهذا قال بن عباس ليس فيها توبة لان مؤذي النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تقبل توبته أو يريد اذا تاب من القذف حتى يسلم اسلاما جديدا ~~وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم اذا قصد به اذى النبى أو بعد العلم بانهن ~~ازواجه في الاخرة فانه ما بغت امراة نبى قط PageV15P362 # ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبى ما خرجاه في الصحيحين في حديث الإفك عن ~~عائشة قالت ( فقام رسول الله فإستعذر من عبد الله بن أبى إبن سلول قالت ~~فقال رسول الله وهو على المنبر ( يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد ~~بلغنى أذاه في أهل بيتى فوالله ما علمت على أهلى إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ~~ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلى إلا معى فقام سعد بن معاذ ~~الأنصارى فقال أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن ~~كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد ~~الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن إحتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ لعمر الله ~~لا تقتلنه ولا تقدر علي قتله فقام أسيد بن حضير وهو إبن عم سعد بن معاذ ~~فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين ~~قالت فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله قائم على ~~المنبر فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت ( وفى رواية أخرى صحيحة أن ~~هذه الآية في أزواج رسول الله خاصة ويقول آخرون ms4782 يعنى أزواج المؤمنين عامة ~~وقال أبوسلمة قذف PageV15P363 المحصنات من الموجبات ثم قرأ @QB@ إن الذين ~~يرمون المحصنات @QE@ الآية وعن عمر بن قيس قال قذف المحصنة يحبط عمل تسعين ~~سنة رواهما الأشج وهذا قول كثير من الناس # ووجهه ظاهر الخطاب فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه إذ لا موجب لخصوصه ~~وليس هو مختصا بنفس السبب بالإتفاق لأن حكم غير عائشة من ازواج النبى صلى ~~الله عليه وسلم داخل في العموم وليس هو من السبب ولأنه لفظ جمع والسبب في ~~واحدة هنا ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الأيات ~~نزلت بأسباب إقتضت ذلك وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه والفرق بين ~~الايتين أنه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدى المكلفين من ~~الجلد ورد الشهادة والتفسيق وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه وهى ~~اللعنة في الدارين والعذاب العظيم وقد روى عن النبى من غير وجه وعن أصحابه ~~( إن قذف المحصنات من الكبائر ( وفى لفظ في الصحيح ( قذف المحصنات الغافلات ~~المؤمنات ( # ثم إختلف هؤلاء فقال أبوحمزة الثمالى بلغنا أنها نزلت في مشركى أهل مكة ~~إذ كان بينهم وبين رسول الله عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله إلى ~~المدينة PageV15P364 مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا إنما خرجت ~~تفجر فعلى هذا يكون فيمن قذف المؤمنات قذفا يصدهن به عن الإيمان ويقصد بذلك ~~ذم المؤمنين لينفر الناس عن الإسلام كما فعل كعب بن الأشرف وعلى هذا فمن ~~فعل ذلك فهو كافر وهو بمنزلة من سب النبى # وقوله إنها نزلت زمن العهد يعنى والله أعلم أنه عنى بها مثل أولئك ~~المشركين المعاهدين وإلا فهذه الآية نزلت ليالى الإفك وكان الإفك في غزوة ~~بنى المصطلق قبل الخندق والهدنة كانت بعد ذلك بسنين ومنهم من أجراها على ~~ظاهرها وعمومها لأن سبب نزولها قذف عائشة وكان فيمن قذفها مؤمن ومنافق وسبب ~~النزول لابد أن يندرج في العموم ولأنه لا موجب لتخصيصها # والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا ms4783 @QB@ لعنوا في الدنيا ~~والآخرة @QE@ على بناء الفعل للمفعول ولم يسم اللاعن وقال في الآية الاخرى ~~@QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة @QE@ وإذا ~~لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس وجاز أن يلعنهم ~~الله في وقت ويلعنهم بعض خلقه في وقت وجاز أن الله يتولى لعنة بعضهم وهو من ~~كان قذفه طعنا في الدين ويتولى خلقه لعنة الآخرين وإذا كان اللاعن مخلوقا ~~فلعنه قد يكون بمعنى PageV15P365 الدعاء عليهم وقد يكون بمعنى أنهم ~~يبعدونهم عن رحمة الله # ويؤيد هذا أن الرجل إذا قذف امرأته تلاعنا وقال الزوج في الخامسة لعنة ~~الله عليه إن كان من الكاذبين فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبا في القذف أن ~~يلعنه الله كما أمر الله رسوله أن يباهل من حاجه في المسيح بعد ما جاءه من ~~العلم بأن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين فهذا مما يلعن به القاذف ~~ومما يلعن به أن يجلد وأن ترد شهادته ويفسق فإنه عقوبة له وإقصاء له عن ~~مواطن الأمن والقبول وهى من رحمة الله وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في ~~الدنيا والآخرة فإن لعنة الله له توجب زوال النصر عنه من كل وجه وبعده عن ~~اسباب الرحمة في الدارين ومما يؤيد الفرق أنه قال @QB@ إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا @QE@ ولم يجيء ~~إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار كقوله @QB@ الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا @QE@ وقوله @QB@ وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ~~@QE@ وقوله @QB@ فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين @QE@ إنما نملى ~~لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين @QB@ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك ~~لهم عذاب مهين @QE@ @QB@ وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم ~~عذاب مهين @QE@ PageV15P366 وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين ~~@QB@ اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين @QE@ وأما قوله ~~تعالى ms4784 @QB@ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين @QE@ فهي والله أعلم فيمن جحد الفرائض وإستخف بها على أنه لم ~~يذكر ان العذاب أعد له # وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيدا للمؤمنين في قوله @QB@ لولا كتاب من ~~الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم @QE@ وقوله @QB@ ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم @QE@ وفى المحارب ~~@QB@ ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم @QE@ وفي القاتل @QB@ ~~وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما @QE@ وقوله @QB@ ولا تتخذوا ~~أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل ~~الله ولكم عذاب عظيم @QE@ وقد قال سبحانه @QB@ ومن يهن الله فما له من مكرم ~~@QE@ وذلك لأن الإهانة اذلال وتحقير وخزى وذلك قدر زائد على ألم العذاب فقد ~~يعذب الرجل الكريم ولا يهان فلما قال في هذه الآية @QB@ وأعد لهم عذابا ~~مهينا @QE@ علم أنه من جنس العذاب الذى توعد به الكفار والمنافقين ولما قال ~~هناك @QB@ ولهم عذاب عظيم @QE@ PageV15P367 جاز أن يكون من جنس العذاب في ~~قوله @QB@ لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم @QE@ # ومما يبين الفرق أيضا أنه سبحانه قال هناك @QB@ وأعد لهم عذابا مهينا ~~@QE@ والعذاب إنما أعد للكافرين فإن جهنم لهم خلقت لأنهم لابد أن يدخلوها ~~وما هم منها بمخرجين وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن يدخلوها إذا غفر ~~الله لهم وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين قال سبحانه @QB@ ~~واتقوا النار التي أعدت للكافرين @QE@ فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا ~~الربا وأن يتقوا الله وأن يتقوا النار التى أعدت للكافرين فعلم أنهم يخاف ~~عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصى مع أنها معدة للكافرين ~~لا لهم # ولذلك جاء في الحديث ( أما أهل النار الذين هم اهلها فإنهم لا يموتون ~~فيها ولا يحيون وأما أقوام لهم ذنوب فيصيبهم سفع من النار ثم يخرجهم الله ~~منها ( # وهذا كما أن الجنة أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وإن ms4785 كان ~~لا يدخلها الأبناء بعمل آبائهم ويدخلها قوم بالشفاعة وقوم بالرحمة وينشىء ~~الله لما فضل منها خلقا آخر في الدار الآخرة فيدخلهم إياها وذلك لأن الشيء ~~إنما يعد لمن يستوجبه ويستحقه ولمن هو أولى الناس به ثم قد يدخل معه غيره ~~بطريق التبع أو لسبب آخر والله أعلم PageV15P368 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) 1 # وقال شيخ الإسلام ! 8 < فصل قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها @QE@ إلى قوله ~~@QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم @QE@ وقد ثبت عن النبى أنه قال ? < إنما ~~جعل الإستئذان من اجل النظر > ? والنظر المنهى عنه هو نظر العورات ونظر ~~الشهوات وإن لم تكن من العورات # والله سبحانه ذكر الإستئذان على نوعين ذكر في هذه الآية أحدهما وفى ~~الآيتين في آخر السورة النوع الثانى وهو إستئذان الصغار والمماليك كما قال ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن @QE@ فأمر بإستئذان الصغار والمماليك حين الإستيقاظ من النوم وحين ~~إرادة النوم PageV15P369 وحين القائلة فإن في هذه الأوقات تبدو العورات كما ~~قال تعالى ( ثلاث عورات لكم ( # وفى ذلك ما يدل على أن المملوك المميز والمميز من الصبيان ليس له أن ينظر ~~إلى عورة الرجل كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الصبى والمملوك وغيرهما ~~وأما دخول هؤلاء في غير هذه الأوقات بغير إستئذان فهو مأخوذ من قوله تعالى ~~@QB@ ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض @QE@ وفى ~~ذلك دلالة على أن الطوافين يرخص فيهم ما لا يرخص في غير الطوافين عليكم ~~والطوافات والطواف من يدخل بغيرإذن كما تدخل الهرة وكما يدخل الصبى ~~والمملوك وإذا كان هذا في الصبى المميز فغير المميز أولى # ويرخص في طهارته كما قال ذلك طائفة من الفقهاء من اصحاب ms4786 أحمد وغيرهم في ~~الصبيان والهرة وغيرهم أنهم إن اصابتهم نجاسة أنها تطهر بمرور الريق عليها ~~ولا تحتاج إلى غسل لأنهم من الطوافين كما اخبر به الرسول في الهرة مع علمه ~~أنها تأكل الفأرة ولم تكن بالمدينة مياه تردها السنانير ليقال طهر فمها ~~بورودها الماء فعلم أن طهارة هذه الأفواه لا تحتاج إلى غسل فالإستئذان في ~~اول السورة قبل دخول PageV15P370 البيت مطلقا والتفريق في آخرها لأجل ~~الحاجة لأن المملوك والصغير طواف يحتاج إلى دخول البيت في كل ساعة فشق ~~إستئذانه بخلاف المحتلم # وقال تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى ~~لهم @QE@ الآية إلى قوله @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون @QE@ فأمر الله سبحانه الرجال والنساء بالغض من البصر وحفظ الفرج ~~كما امرهم جميعا بالتوبة وامر النساء خصوصا بالإستتار وأن لا يبدين زينتهن ~~إلا لبعولتهن ومن إستثناه الله تعالى في الآية فما ظهر من الزينة هو الثياب ~~الظاهرة فهذا لا جناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر فإن ~~هذه لابد من إبدائها وهذا قول بن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد وقال بن ~~عباس الوجه واليدين من الزينة الظاهرة وهى الرواية الثانية عن أحمد وهو قول ~~طائفة من العلماء كالشافعى وغيره # وأمر سبحانه النساء بإرخاء الجلابيب لئلا يعرفن ولا يؤذين وهذا دليل على ~~القول الأول وقد ذكر عبيدة السلمانى وغيره أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن ~~الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق وثبت في ~~الصحيح ( أن المرأة المحرمة تنهى عن الانتقاب والقفازين ( وهذا مما يدل على ~~أن النقاب PageV15P371 والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتى لم يحرمن ~~وذلك يقتضى ستر وجوههن وايديهن وقد نهى الله تعالى عما يوجب العلم بالزينة ~~الخفية بالسمع أو غيره فقال @QB@ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن @QE@ وقال @QB@ وليضربن بخمرهن على جيوبهن @QE@ فلما نزل ذلك عمد ~~نساء المؤمنين إلى خمرهن فشققنهن وأرخينها على أعناقهن ( والجيب ( هو شق في ~~طول القميص فإذا ضربت ms4787 المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها وأمرت بعد ذلك ~~أن ترخى من جلبابها والإرخاء أنما يكون إذا خرجت من البيت فاما إذا كانت في ~~البيت فلا تؤمر بذلك وقد ثبت في الصحيح ( ان النبى صلى الله عليه وسلم لما ~~دخل بصفية قال أصحابه إن أرخى عليها الحجاب فهي من امهات المؤمنين وإن لم ~~يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه فضرب عليها الحجاب ( وإنما ضرب ~~الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن # والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبى ~~وخلفائه إن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر رضى الله عنه إذا رأى أمة ~~مختمرة ضربها وقال أتتشبهين بالحرائر أى لكاع فيظهر من الأمة رأسها ويداها ~~ووجهها PageV15P372 # وقال تعالى @QB@ والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون ~~نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير ~~لهن @QE@ فرخص للعجوز التى لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقى عليها ~~جلبابها ولا تحتجب وإن كانت مستثناة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة في ~~غيرها كما إستثنى التابعين غير أولى الأربة من الرجال في إظهار الزينة لهم ~~لعدم الشهوة التى تتولد منها الفتنة وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة ~~كان عليها أن ترخى من جلبابها وتحتجب ووجب غض البصر عنها ومنها # وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك إحتجابهن ~~وإبداء زينتهن ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر والسنة فرقت بالفعل ~~بينهن وبين الحرائر ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام بل كانت عادة ~~المؤمنين ان تحتجب منهم الحرائر دون الإماء وإستثنى القرآن من النساء ~~الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن إحتجابا وإستثنى بعض الرجال وهم غير أولى ~~الأربة فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء ~~فإن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك ~~إحتجابها وإبداء # زينتها وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز ~~PageV15P373 إبداء الزينة الخفية ms4788 له فالخطاب خرج عاما على العادة فما خرج ~~عن العادة خرج به عن نظائره فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب ~~المنع من ذلك كما لو كانت في غير ذلك وهكذا الرجل مع الرجال والمرأة مع ~~النساء لو كان في المرأة فتنة للنساء وفى الرجل فتنة للرجال لكان الأمر ~~بالغض للناظر من بصره متوجها كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه فالإماء ~~والصبيان إذا كن حسانا تختشى الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك كما ذكر ~~ذلك العلماء # قال المروذى قلت لأبى عبد الله يعنى أحمد بن حنبل الرجل ينظر إلى المملوك ~~قال ( إذا خاف الفتنة لم ينظر إليه كم نظرة القت في قلب صاحبها البلاء وقال ~~المروذى قلت لأبى عبد الله رجل تاب وقال لو ضرب ظهرى بالسياط ما دخلت في ~~معصية إلا أنه لا يدع النظر فقال أى توبة هذه قال جرير سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال ( إصرف بصرك ( وقال بن ابى الدنيا ~~حدثنى أبى وسويد قالا حدثنى إبراهيم بن هراسة عن عثمان بن صالح عن الحسن بن ~~ذكوان قال لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم اشد ~~فتنة من العذارى # وهذا الإستدلال والقياس والتنبيه بالأدنى على الأعلى وكان يقال ~~PageV15P374 لا يبيت الرجل في بيت مع الغلام الأمرد وقال بن أبى الدنيا ~~بإسناده عن ابى سهل الصعلوكى قال سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون ~~على ثلاثة أصناف صنف ينظرون وصنف يصافحون وصنف يعملون ذلك العمل وقال ~~إبراهيم النخعى كانوا يكرهون مجالسة الأغنياء وأبناء الملوك وقال مجالستهم ~~فتنة إنما هم بمنزلة النساء ووقفت جارية لم ير أحسن وجها منها على بشر ~~الحافى فسألته عن باب حرب فدلها ثم وقف عليه غلام حسن الوجه فسأله عن باب ~~حرب فأطرق رأسه فرد عليه الغلام السؤال فغمض عينيه فقيل له يا أبا نصر ~~جاءتك جارية فسألتك فأجبتها وجاءك هذا الغلام فسألك فلم تكلمه فقال نعم ~~يروى عن سفيان الثورى أنه قال ms4789 مع الجارية شيطان ومع الغلام شيطانان فخشيت ~~على نفسى شيطانية # وروى أبوالشيخ القزوينى بإسناده عن بشر أنه قال ( إحذروا هؤلاء الأحداث ~~وقال فتح الموصلى صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال كلهم أوصانى عند ~~مفارقتى له إتق صحبة الأحداث إتق معاشرة الأحداث وكان سفيان الثورى لا يدع ~~امرد يجالسه وكان مالك بن أنس يمنع دخول المرد مجلسه للسماع فاحتال هشام ~~فدخل في غمار الناس مستترا بهم وهو أمرد فسمع منه ستة عشر حديثا فأخبر بذلك ~~مالك فضربه ستة عشر سوطا فقال هشام ليتنى سمعت PageV15P375 مائة حديث ~~وضربنى مائة سوط وكان يقول هذا علم إنما أخذناه عن ذوى اللحى والشيوخ فلا ~~يحمله عنا إلا أمثالهم وقال يحيى بن معين ما طمع أمرد أن يصحبنى ولا أحمد ~~بن حنبل في طريق # وقال أبو على الروذباري قال لى أبوالعباس أحمد بن المؤدب يا أبا على من ~~اين أخذ صوفية عصرنا هذا الإنس بالأحداث وقد تصحبهم السلامة في كثير من ~~الأمور فقال هيهات قد رأينا من هو أقوى منهم إيمانا إذا رأى الحدث قد أقبل ~~نفر منه كفراره من الأسد وإنما ذاك على حسب الأوقات التى تغلب الأحوال على ~~أهلها فيأخذها تصرف الطباع ما أكثر الخطأ ما اكثر الغلط قال الجنيد بن محمد ~~جاء رجل إلى أحمد بن حنبل معه غلام أمرد حسن الوجه فقال له من هذا الفتى ~~فقال الرجل إبنى فقال لا تجىء به معك مرة أخرى فلامه بعض أصحابه في ذلك ~~فقال أحمد على هذا رأينا اشياخنا وبه أخبرونا عن اسلافهم # وجاء حسن بن الرازى إلى أحمد ومعه غلام حسن الوجه فتحدث معه ساعة فلما ~~اراد أن ينصرف قال له أحمد يا أبا على لا تمش مع هذا الغلام في طريق فقال ~~يا أبا عبد الله أنه إبن أختى قال وإن كان لا يأثم الناس فيك وروى إبن ~~الجوزى بإسناده عن PageV15P376 سعيد بن المسيب قال إذا رأيتم الرجل يلح ~~بالنظر إلى الغلام الأمرد فإتهموه وقد روى في ذلك أحاديث مسندة ضعيفة ms4790 وحديث ~~مرسل أجود منها وهو ما رواه أبومحمد الخلال ثنا عمر بن شاهين ثنا محمد بن ~~أبى سعيد المقرئ ثنا أحمد بن حماد المصيصى ثنا عباس بن مجوز ثنا أبوأسامة ~~عن مجالد عن سعيد عن الشعبى قال قدم وفد عبدالقيس على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبى صلى الله عليه وسلم ~~وراء ظهره وقال كانت خطيئة داود في النظر ( هذا حديث منكر وأما المسندة ~~فمنها ما رواه إبن الجوزى بإسناده عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( من نظر ~~إلى غلام أمرد بريبة حبسه الله في النار أربعين عاما ( وروى الخطيب ~~البغدادى بإسناده عن أنس عن رسول الله أنه قال ( لا تجالسوا أبناء الملوك ~~فإن الأنفس تشتاق إليهم مالا تشتاق إلى الجوارى العواتق ( إلى غير ذلك من ~~الأحاديث الضعيفة # وكذلك المرأة مع المرأة وكذلك محارم المرأة مثل بن زوجها وابنه وبن أخيها ~~وإبن أختها ومملوكها عند من يجعله محرما متى كان يخاف عليه الفتنة أو عليها ~~توجه الإحتجاب بل وجب وهذه المواضع التى أمر الله تعالى بالإحتجاب فيها ~~مظنة الفتنة ولهذا قال تعالى PageV15P377 @QB@ ذلك أزكى لهم @QE@ فقد تحصل ~~الزكاة والطهارة بدون ذلك لكن هذا أزكى وإذا كان النظر والبروز قد إنتفى ~~فيه الزكاة والطهارة لما يوجد في ذلك من شهوة القلب واللذة بالنظر كان ترك ~~النظر والإحتجاب أولى بالوجوب ولا زكاة بدون حفظ الفرج من الفاحشة لأن حفظه ~~يتضمن حفظه عن الوطء به في الفروج والأدبار ودون ذلك وعن المباشرة ومس ~~الغير له وكشفه للغير ونظر الغير إليه فعليه أن يحفظ فرجه عن نظر الغير ~~ومسه # ولهذا قال في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال له يا رسول الله ~~عوراتنا ما نأتى منها وما نذر فقال ( إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت ~~يمينك قال فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال إن إستطعت أن لا يرينها أحد فلا ~~يرينها قال فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله أحق ms4791 أن يستحيى منه من الناس ( ~~وقد نهى النبى ( أن تباشر المرأة المرأة في شعار واحد وأن يباشر الرجل ~~الرجل في شعار واحد ( ونهى عن المشى عراة ( ونهى عن أن ينظر الرجل إلى عورة ~~الرجل وان تنظر المرأة إلى عورة المرأة ( وقال ( من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ( # وفى رواية ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتى فلا تدخل ~~الحمام إلا بمئزر PageV15P378 # وقال العلماء يرخص للنساء في الحمام عند الحاجة كما يرخص للرجال مع غض ~~البصر وحفظ الفرج وذلك مثل أن تكون مريضة أو نفساء أو عليها غسل لا يمكنها ~~إلا في الحمام وأما إذا إعتادت الحمام وشق عليها تركه فهل يباح لها على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره أحدهما لا يباح والثانى يباح وهو مذهب أبى حنيفة ~~وإختاره بن الجوزى # وكما يتناول غض البصر عن عورة الغير وما اشبهها من النظر إلى المحرمات ~~فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره ثيابه وقد ~~ذكر سبحانه غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الإستئذان وذلك أن البيوت سترة ~~كالثياب التى على البدن كما جمع بين اللباسين في قوله تعالى @QB@ والله جعل ~~لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ~~وسرابيل تقيكم بأسكم @QE@ فكل منهما وقاية من الأذى الذى يكون سموما مؤذيا ~~كالحر والشمس والبرد وما يكون من بنى آدم من النظر بالعين واليد وغير ذلك # وقد ذكر في أول سورة النحل أصول النعم وذكر هنا ما يدفع البرد فإنه من ~~المهلكات وذكر في أثنائها تمام النعم وما يدفع الحر فإنه من المؤذيات ثم ~~قال @QB@ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم @QE@ PageV15P379 تسلمون وفى الصحيحين ~~عن أبى هريرة ( أنه سمع رسول الله يقول ( إذا اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له ~~فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ( وهذا الخاص يفسر العام الذى ~~في الصحيح عن عبد الله بن مغفل ( أنه رأى رجلا يخذف قال لا ms4792 تخذف فإن رسول ~~الله نهى عن الخذف وقال إنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ به عدو ولكنها تكسر ~~السن وتفقأ العين ( وفى الصحيحين عن سهل بن سعد ( أن رجلا أطلع في حجرة في ~~باب النبى ومع النبى صلى الله عليه وسلم مدرى يحك بها رأسه فقال لو أعلم ~~أنك تنظر إلى لطعنت به في عينك إنما جعل الإستئذان من أجل البصر ( # وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا من باب دفع الصائل لأن الناظر معتد بنظره ~~فيدفع كما يدفع سائر البغاة ولوكان الأمر كما قالوا لدفع بالأسهل فالأسهل ~~ولم يجز قلع عينه إبتداء إذا لم يذهب إلا بذلك والنصوص تخالف ذلك فإنه أباح ~~أن تخذفه حتى تفقأ عينه قبل أمره بالإنصراف وكذلك قوله ( لو أعلم أنك ~~تنظرنى لطعنت به في عينك ( فجعل نفس النظر مبيحا للطعن في العين ولم يذكر ~~الأمر له بالإنصراف وهذا يدل على أنه من باب المعاقبة له على ذلك حيث جنى ~~هذه الجناية على حرمة صاحب البيت فله أن يفقأ عينه بالحصا والمدرى ~~PageV15P380 # والنظر إلى العورات حرام داخل في قوله تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي ~~الفواحش @QE@ وفى قوله @QB@ ولا تقربوا الفواحش @QE@ فإن الفواحش وإن كانت ~~ظاهرة في المباشرة بالفرج أو الدبر وما يتبع ذلك من الملامسة والنظر وغير ~~ذلك وكما في قصة لوط @QB@ أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ~~@QE@ @QB@ أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون @QE@ وقوله @QB@ ولا تقربوا الزنى ~~إنه كان فاحشة @QE@ فالفاحشة أيضا تتناول كشف العورة وإن لم يكن في ذلك ~~مباشرة ( # كما قال تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا @QE@ وهذه ~~الفاحشة هي طوافهم بالبيت عراة وكانوا يقولون لا نطوف بثياب عصينا الله ~~فيها إلا الحمس فإنهم كانوا يطوفون في ثيابهم وغيرهم إن حصل له ثياب من ~~الحمس طاف فيها وإلا طاف عريانا وإن طاف بثيابه حرمت عليه فألقاها فكانت ~~تسمى لقاء وكذلك المرأة إذا لم يحصل لها ثياب جعلت يدها على فرجها ويدها ~~الأخرى على دبرها وطافت وتقول % اليوم يبدو ms4793 بعضه أو كله % وما بدأ منه فلا ~~أحله % # وقد سمى الله ذلك فاحشة وقوله في سياق ذلك @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن @QE@ يتناول كشف العورة أيضا وإبداءها ويؤكد ذلك أن ~~إبداء فعل النكاح باللفظ الصريح يسمى فحشاء وتفحشا فكشف الأعضاء والفعل ~~للبصر ككشف ذلك للسمع PageV15P381 وكل واحد من الكشفين يسمى وصفا كما قال ~~عليه السلام ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ( ويقال ( ~~فلان يصف فلانا وثوب يصف البشرة ثم إن كل واحد من إظهار ذلك للسمع والبصر ~~يباح للحاجة بل يستحب إذا لم يحصل المستحب أو الواجب إلا بذلك كقول النبى ~~لما عز ( أنكتها ( وكقوله ( من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا ~~تكنوا ( # والمقصود أن الفاحشة تتناول الفعل القبيح وتتناول إظهار الفعل واعضاءه ~~وهذا كما أن ذلك يتناول ما فحش وإن كان بعقد نكاح كقوله تعالى @QB@ ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء ~~سبيلا @QE@ فأخبر أن هذا النكاح فاحشة وقد قيل أن هذا من الفواحش الباطنة ~~فظهر أن الفاحشة تتناول العقود الفاحشة كما تتناول المباشرة بالفاحشة فإن ~~قوله @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ يتناول العقد والوطء ~~وفى قوله @QB@ ما ظهر منها وما بطن @QE@ عموم لأنواع كثيرة من الأقوال ~~والأفعال وأمر تعالى بحفظ الفرج مطلقا بقوله @QB@ ويحفظوا فروجهم @QE@ ~~وبقوله @QB@ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~@QE@ الآيات وقال @QB@ والحافظين فروجهم والحافظات @QE@ فحفظ الفرج مثل ~~قوله @QB@ والحافظون لحدود الله @QE@ وحفظها هو صرفها عما لا يحل ~~PageV15P382 وأما الأبصار فلابد من فتحها والنظر بها وقد يفجأ الإنسان ما ~~ينظر إليه بغير قصد فلا يمكن غضها مطلقا ولهذا أمر تعالى عباده بالغض منها ~~كما امر لقمان إبنه بالغض من صوته واما قوله تعالى @QB@ إن الذين يغضون ~~أصواتهم عند رسول الله @QE@ الآية فإنه مدحهم على غض الصوت عند رسوله مطلقا ~~فهم مأمورون بذلك في مثل ذلك ينهون عن رفع الصوت عنده وأما ms4794 غض الصوت مطلقا ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو غض خاص ممدوح ويمكن العبد أن يغض ~~صوته مطلقا في كل حال ولم يؤمر العبد به بل يؤمر برفع الصوت في مواضع إما ~~أمر إيجاب أو إستحباب فلهذا قال @QB@ واغضض من صوتك @QE@ فإن الغض في الصوت ~~والبصر جماع ما يدخل إلى القلب ويخرج منه فبالسمع يدخل القلب وبالصوت يخرج ~~منه كما جمع العضوين في قوله @QB@ ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين @QE@ ~~فبالعين والنظر يعرف القلب الأمور واللسان والصوت يخرجان من عند القلب ~~الأمور هذا رائد القلب وصاحب خبره وجاسوسه وهذا ترجمانه ثم قال تعالى @QB@ ~~ذلكم أزكى لكم وأطهر @QE@ وقال @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~@QE@ وقال @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~@QE@ وقال في آية الإستئذان PageV15P383 @QB@ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ~~هو أزكى لكم @QE@ وقال @QB@ فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم ~~وقلوبهن @QE@ وقال @QB@ فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر @QE@ ~~وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( اللهم طهر قلبى من خطاياى بالماء والثلج ~~والبرد ( وقال في دعاء الجنازة ( وإغسله بماء وثلج وبرد ونقه من خطاياه كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الدنس ( # فالطهارة والله أعلم هي من الذنوب التى هي رجس والزكاة تتضمن معنى ~~الطهارة التى هي عدم الذنوب ومعنى النماء بالأعمال الصالحة مثل المغفرة ~~والرحمة ومثل النجاة من العذاب والفوز بالثواب ومثل عدم الشر وحصول الخير ~~فإن الطهارة تكون من الأرجاس والأنجاس وقد قال تعالى @QB@ إنما المشركون ~~نجس @QE@ وقال @QB@ فاجتنبوا الرجس من الأوثان @QE@ وقال @QB@ إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان @QE@ وقال عن المنافقين @QB@ ~~فأعرضوا عنهم إنهم رجس @QE@ # وقال عن قوم لوط @QB@ ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث @QE@ ~~وقال اللوطية عن لوط وأهله @QB@ أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون @QE@ ~~قال مجاهد عن ادبار الرجال ويقال في دخول الغائط ? < أعوذ بك من الخبث ~~والخبائث > ? ومن الرجس النجس الخبيث PageV15P384 المخبث وهذه النجاسة تكون ~~من الشرك والنفاق والفواحش والظلم ونحوها وهى ms4795 لا تزول إلا بالتوبة عن ترك ~~الفاحشة وغيرها فمن تاب منها فقد تطهر وإلا فهو متنجس وإن إغتسل بالماء من ~~الجنابة فذاك الغسل يرفع حدث الجنابة ولا يرفع عنه نجاسة الفاحشة التى قد ~~تنجس بها قلبه وباطنه فإن تلك نجاسة لا يرفعها الإغتسال بالماء وإنما ~~يرفعها الإغتسال بماء التوبة النصوح المستمرة إلى الممات # وهذا معنى ما رواه بن أبى الدنيا وغيره ثنا سويد بن سعيد ثنا مسلم بن ~~خالد عن إسماعيل بن كثير عن مجاهد قال لو أن الذى يعمل يعنى عمل قوم لوط ~~إغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا ورواه بن الجوزى ~~وروى القاسم بن خلف في ( كتاب ذم اللواط ( بإسناده عن الفضيل بن عياض أنه ~~قال ( لو أن لوطيا إغتسل بكل قطرة نزلت من السماء للقى الله غير طاهر وقد ~~روى أبومحمد الخلال عن العباس الهاشمى ذلك مرفوعا وحديث إبراهيم عن علقمة ~~عن بن مسعود اللوطيان لو إغتسلا بماء البحر لم يجزهما إلا أن يتوبا ورفع ~~مثل هذا الكلام منكر وإنما هو معروف من كلام السلف # وكذلك روى عن أبى هريرة وبن عباس قالا خطبنا رسول الله فقال في خطبته ( ~~من نكح امرأة في دبرها PageV15P385 أو غلاما أو رجلا حشر يوم القيامة أنتن ~~من الجيفة يتأذى به الناس حتى يدخله الله نار جهنم ويحبط الله عمله ولا ~~يقبل منه صرفا ولا عدلا ويجعل في تابوت من نار ويسمر عليه بمسامير من حديد ~~فتشك تلك المسامير في وجهه وجسده ( قال أبو هريرة هذا لمن لم يتب وذلك أن ~~تارك اللواط متطهر كما دل عليه القرآن ففاعله غير متطهر من ذلك فيكون ~~متنجسا فإن ضد الطهارة النجاسة لكن النجاسة أنواع مختلفة تختلف أحكامها # ومن ها هنا غلط بعض الناس من الفقهاء فإنهم لما رأوا ما دل عليه القرآن ~~من طلب طهارة الجنب بقوله @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ قالوا فيكون ~~الجنب نجسا وقد ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة أن النبى قال إن المؤمن ms4796 لا ~~ينجس ( لما إنخنس منه وهو جنب وكره أن يجالسه فهذه النجاسة التى نفاها ~~النبى هي نجاسة الطهارة بالماء التى ظنها أبوهريرة والجنابة تمنع الملائكة ~~أن تدخل بيتا فيه جنب وقال أحمد إذا وضع الجنب يده في ماء قليل انجس الماء ~~فظن بعض أصحابه أنه أراد النجاسة الحسية وإنما اراد الحكمية فإن الفرع لا ~~يكون أقوى من الأصل ولا يكون الماء أعظم من البدن بل غايته أن يقوم به ~~المانع الذى قام بالبدن والجنب ظاهره ممنوع من الصلاة فيكون الماء كذلك ~~طاهرا لا يتوضأ به للصلاة PageV15P386 # وأما الزكاة فهي متضمنة النماء والزيادة كالزرع وإن كانت الطهارة قد تدخل ~~في معناها فإن الشيء إذا تنظف مما يفسده زكى ونما وصلح وزاد في نفسه كالزرع ~~ينفى من الدغل قال الله تعالى @QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا ~~منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء @QE@ @QB@ قال أقتلت نفسا زكية ~~بغير نفس @QE@ وقال @QB@ قد أفلح من زكاها @QE@ وقال @QB@ فارجعوا هو أزكى ~~لكم @QE@ فإن الرجوع عمل صالح يزيد المؤمن زكاة وطهارة وقال @QB@ ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن @QE@ فإن ذلك مجانبة لأسباب الريبة وذلك من نوع مجانبة ~~الذنوب والبعد عنها ومباعدتها فأخبر أن ذلك أطهر لقلوب الطائفتين # وأما الآية التى نحن فيها وهى قوله @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم @QE@ فالغض من البصر وحفظ الفرج يتضمن البعد ~~عن نجاسة الذنوب ويتضمن الأعمال الصالحة التى يزكو بها الإنسان وهو أزكى ~~والزكاة تتضمن الطهارة فإن فيها معنى ترك السيئات ومعنى فعل الحسنات ولهذا ~~تفسر تارة بالطهارة وتارة بالزيادة والنماء ومعناها يتضمن ا لأمرين وإن كان ~~قرن الطهارة معها في الذكر مثل قوله @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها @QE@ فالصدقة توجب الطهارة من الذنوب وتوجب الزكاة التى هي ~~العمل الصالح كما ان الغض من البصر وحفظ الفرج هو أزكى لهم PageV15P387 ~~وهما يكونان بإجتناب الذنوب وحفظ الجوارح ويكونان بالتوبة والصدقة التى هي ~~الإحسان وهذان هما التقوى والإحسان و @QB@ إن الله مع الذين اتقوا ms4797 والذين ~~هم محسنون @QE@ # وقد روى الترمذى وصححه ( ان النبى سئل ما اكثر ما يدخل الناس النار فقال ~~الأجوفان الفم والفرج وسئل عن اكثر ما يدخل الناس الجنة فقال تقوى الله ~~وحسن الخلق ( فيدخل في تقوى الله حفظ الفرج وغض البصر ويدخل في حسن الخلق ~~الإحسان إلى الخلق والامتناع من إيذائهم وذلك يحتاج إلى الصبر والإحسان إلى ~~الخلق يكون عن الرحمة والله تعالى يقول @QB@ وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة @QE@ # وهو سبحانه ذكر الزكاة هنا كما قدمها في قوله @QB@ ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا @QE@ فإن إجتناب الذنوب يوجب الزكاة التى ~~هي زوال الشر وحصول الخير والمفلحون هم الذين أدوا الواجبات وتركوا ~~المحرمات كما وصفهم في أول سورة البقرة فقال @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين @QE@ الآيات وقال @QB@ قد أفلح من زكاها @QE@ فإذا كان قد ~~أخبر أن هؤلاء مفلحون وأخبر أن المفلحين هم المتقون @QB@ الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون @QE@ واخبر أن من زكى نفسه فهو ~~مفلح دل ذلك على PageV15P388 أن الزكاة تنتظم الأمور المذكورة في اول سورة ~~البقرة # وقوله @QB@ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم @QE@ وقوله @QB@ فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى @QE@ فالتزكية من العباد لأنفسهم هي إخبارهم عن ~~أنفسهم بكونها زاكية وإعتقاد ذلك لأنفس جعلها زاكية وقال تعالى عن إبراهيم ~~@QB@ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم @QE@ وقال @QB@ لقد من الله على المؤمنين @QE@ الآية وقال @QB@ هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ الآية فإمتن سبحانه على العباد ~~بإرساله في عدة مواضع فهذه أربعة أمور أرسله بها تلاوة آياته عليهم ~~وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة # وقد أفرد تعليمه الكتاب والحكمة بالذكر مثل قوله @QB@ وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة يعظكم به @QE@ وقوله @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله والحكمة @QE@ وذلك أن التلاوة عليهم وتزكيتهم أمر عام لجميع المؤمنين ~~فإن التلاوة هي تبليغ كلامه تعالى إليهم وهذا لابد منه لكل مؤمن وتزكيتهم ~~هو جعل أنفسهم زكية بالعمل ms4798 الصالح الناشىء عن الآيات التى سمعوها وتليت ~~عليهم فالأول سمعهم والثانى طاعتهم والمؤمنون يقولون سمعنا وأطعنا الأول ~~علمهم والثانى عملهم والإيمان قول وعمل فإذا سمعوا آيات الله وعوها بقلوبهم ~~وأحبوها وعملوا بها ولم يكونوا كمن قال فيهم @QB@ ومثل الذين كفروا كمثل ~~الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون @QE@ ~~PageV15P389 وإذا عملوا بها زكوا بذلك وكانوا من المفلحين المؤمنين # والله قال @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~@QE@ وقال في ضدهم @QB@ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما ~~أنزل الله على رسوله @QE@ فأخبر أنهم أعظم كفرا ونفاقا وجهلا وذلك ضد ~~الإيمان والعلم فإستماع آيات الله والتزكى بها أمر واجب على كل أحد فإنه ~~لابد لكل عبد من سماع رسالة سيدة التى أرسل بها رسوله إليه وهذا هو السماع ~~الواجب الذى هو أصل الإيمان ولابد من التزكى بفعل المأمور وترك المحظور ~~فهذان لابد منهما # وأما العلم بالكتاب والحكمة فهو فرض على الكفاية لا يجب على كل أحد بعينه ~~أن يكون عالما بالكتاب لفظه ومعناه عالما بالحكمة جميعها بل المؤمنون كلهم ~~مخاطبون بذلك وهو واجب عليهم كما هم مخاطبون بالجهاد بل وجوب ذلك أسبق ~~وأوكد من وجوب الجهاد فإنه أصل الجهاد ولولاه لم يعرفوا علام يقاتلون ولهذا ~~كان قيام الرسول والمؤمنين بذلك قبل قيامهم بالجهاد فالجهاد سنام الدين ~~وفرعه وتمامه وهذا اصله واساسه وعموده ورأسه ومقصود الرسالة فعل الواجبات ~~والمستحبات جميعا ولا ريب أن إستماع كتاب الله والإيمان به وتحريم حرامه ~~وتحليل حلاله والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه واجب PageV15P390 على كل أحد ~~وهذا هو التلاوة المذكورة في @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به @QE@ فأخبر عن الذين يتلونه حق تلاوته أنهم يؤمنون به وبه ~~قال سلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم وقوله @QB@ حق تلاوته @QE@ ~~كقوله @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده @QE@ @QB@ اتقوا الله حق تقاته @QE@ # وأما حفظ جميع القرآن وفهم جميع معانيه ومعرفة جميع السنة فلا يجب على كل ~~أحد لكن يجب على ms4799 العبد أن يحفظ من القرآن ويعلم معانيه ويعرف من السنة ما ~~يحتاج إليه وهل يجب عليه أن يسمع جميع القرآن فيه خلاف ولكن هذه المعرفة ~~الحكمية التى تجب على كل عبد ليس هو علم الكتاب والحكمة التى علمها النبى ~~اصحابه وامته بل ذلك لا يكون إلا بمعرفة حدود ما انزل الله على رسوله من ~~الألفاظ والمعانى والأفعال والمقاصد ولا يجب هذا على كل أحد # وقوله تعالى @QB@ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى @QE@ دليل على أن ~~الزكاة هي التقوى والتقوى تنتظم الأمرين جميعا بل ترك السيئات مستلزم لفعل ~~الحسنات إذ الإنسان حارث همام ولا يدع إرادة السيئات وفعلها إلا بإرادة ~~الحسنات وفعلها إذ النفس لا تخلو عن الإرادتين جميعا بل الإنسان بالطبع ~~مريد فعال وهذا دليل على أن هذا يكون سببه PageV15P391 الزكاة والتقوى التى ~~بها يستحق الإنسان الجنة كما في صحيح البخارى عن النبى أنه قال ( من تكفل ~~لى بحفظ ما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة ( ومن تزكى فقد أفلح فيدخل ~~الجنة والزكاة متضمنة حصول الخير وزوال الشر فإذا حصل الخير وزال الشر من ~~العلم والعمل حصل له نور وهدى ومعرفة وغير ذلك والعمل يحصل له محبة وإنابة ~~وخشية وغير ذلك هذا لمن ترك هذه المحظورات وأتى بالمأمورات ويحصل له ذلك ~~أيضا قدرة وسلطانا وهذه صفات الكمال العلم والعمل والقدرة وحسن الإرادة وقد ~~جاءت الآثار بذلك وأنه يحصل لمن غض بصره نور في قلبه ومحبة كما جرب ذلك ~~العالمون العاملون وفي مسند أحمد حدثنا عتاب عن عبد الله وهو بن المبارك ~~أنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى ~~أمامة عن النبى ( قال ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا ~~أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها ( # ورواه أبوبكر بن الأنبارى في أماليه من حديث بن أبى مريم عن يحيى بن أيوب ~~به ولفظه ( من نظر إلى امرأة فغض بصره عند أول دفعة رزقه الله عبادة يجد ms4800 ~~حلاوتها وقد رواه أبونعيم في الحلية PageV15P392 حدثنا أبى حدثنا إبراهيم ~~بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن يعقوب قال ( حدثنا أبو اليمان حدثنا ~~أبومهدى سعيد بن سنان عن أبى الزاهرية عن كثير بن مرة عن بن عمر قال قال ~~رسول الله ( النظرة الأولى خطأ والثانية عمد والثالثة تدبر نظر المؤمن إلى ~~محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه خشية الله ورجاء ما عنده ~~أثابه الله تعالى بذلك عبادة تبلغه لذتها ( رواه أبو جعفر الخرائطى في ( ~~كتاب إعتلال القلوب ( ثنا على بن حرب ثنا إسحاق بن عبد الواحد ثنا هشيم ثنا ~~عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن جبلة عن حذيفة بن اليمان قال قال ~~رسول الله ( النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه خوفا من ~~الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه ( # وقد رواه أبو محمد الخلال من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد ~~عن علي وفيه ذكر السهم ورواه أبونعيم ثنا عبد الله بن محمد هو أبوالشيخ ثنا ~~بن عفير قال ثنا شعيب بن سلمة ثنا عصمة بن محمد عن موسى يعنى بن عقبة عن ~~القاسم بن محمد عن عائشة قالت قال رسول الله ( ما من عبد يكف بصره عن محاسن ~~إمرأة ولو شاء أن ينظر إليها لنظر إلا أدخل الله قلبه عبادة يجد حلاوتها ~~وروى بن أبى الفوارس من طريق PageV15P393 بن الجوزى عن محمد بن المسيب ثنا ~~عبد الله قال حدثنى الحسن عن مجاهد قال ( غض البصر عن محارم الله يورث حب ~~الله ( وقد روى مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبى ~~زرعة بن عمرو بن جرير عن جده جرير بن عبد الله البجلى ( قال سألت رسول الله ~~عن نظر الفجأة فأمرنى أن أصرف بصرى ( ورواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس به ~~ورواه أبوداود والترمذى والنسائى من حديثه أيضا وقال الترمذى حسن صحيح وفى ~~رواية قال ( أطرق بصرك ( أى ms4801 أنظر إلى الأرض والصرف أعم فإنه قد يكون إلى ~~الأرض أو إلى جهة أخرى # وقال أبو داود حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري حدثنا شريك عن ربيعة ~~الأيادى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال ( قال رسول الله لعلى يا على لا ~~تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الأخرى ( ورواه الترمذى من حديث ~~شريك وقال غريب لا نعرفه إلا من حديثه وفى الصحيح عن أبى سعيد قال قال رسول ~~الله ( إياكم والجلوس على الطرقات قالوا يا رسول الله مالنا بد من مجالسنا ~~نقعد فيها فقال رسول الله إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حق الطريق ~~PageV15P394 يا رسول الله قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر ( وروى أبوالقاسم البغوى عن أبى أمامة ( قال ~~سمعت رسول الله يقول أكفلوا لى ستا أكفل لكم الجنة إذا حدث أحدكم فلا يكذب ~~وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم وإحفظوا ~~فروجكم # فالنظر داعية إلى فساد القلب قال بعض السلف النظر سهم سم إلى القلب فلهذا ~~أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بغض الأبصار التى هي بواعث إلى ذلك وفى ~~الطبرانى من طريق عبيد الله بن يزيد عن القاسم عن ابى أمامة مرفوعا ( لتغضن ~~أبصاركم ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو لتكسفن وجوهكم ( وقال الطبرانى ~~حدثنا أحمد بن زهير التستري قال قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير ~~المقرئ حدثنا يحيى بن أبى كثير حدثنا هزيم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق ~~عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن بن مسعود قال ( قال رسول الله إن النظر ~~سهم من سهام إبليس مسموم فمن تركه من مخافة الله ابدله الله إيمانا يجد ~~حلاوته في قلبه ( وفى حديث أبى هريرة الصحيح عن النبى ( زنا العينين النظر ~~( وذكر الحديث رواه البخارى تعليقا ومسلم مسندا وقد كانوا ينهون ~~PageV15P395 أن يحد الرجل بصره إلى المردان وكانوا يتهمون من فعل ذلك في ~~دينه # وقد ذهب كثير من ms4802 العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من ~~الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلا # قال شيخ الإسلام وأما النور والعلم والحكمة فقد دل عليه قوله تعالى في ~~قصة يوسف @QB@ ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين @QE@ ~~فهي لكل محسن وفى هذه السورة ذكر آية النور بعد غض البصر وحفظ الفرج وأمره ~~بالتوبة مما لابد منه أن يدرك بن آدم من ذلك وقال أبو عبد الرحمن السلمى ~~سمعت أبا الحسين الوراق يقول من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على ~~لسانه يهتدى بها ويهدى بها إلى طريق مرضاته وهذا لان الجزاء من جنس العمل ~~فإذا كان النظر إلى محبوب فتركه لله عوضه الله ما هو أحب إليه منه وإذا كان ~~النظر بنور العين مكروها أو إلى مكروه فتركه لله أعطاه الله نورا في قلبه ~~وبصرا يبصر به الحق قال شاه الكرمانى من غض بصره عن المحارم وعمر باطنه ~~بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وعود نفسه أكل الحلال وكف نفسه عن ~~الشهوات لم تخطىء له فراسة وإذا صلح علم الرجل فعرف الحق وعمله وإتبع الحق ~~صار زكيا تقيا مستوجبا للجنة PageV15P396 # ويؤيد ذلك حديث أبى أمامة المشهور من رواية البغوى حدثنا طالوت بن عباد ~~حدثنا فضالة بن جبير سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله يقول ( إكفلوا لى ~~بست اكفل لكم الجنة اذا حدث احدكم فلا يكذب وإذا إئتمن فلا يخن وإذا وعد ~~فلا يخلف غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم وإحفظوا فروجكم ( فقد كفل بالجنة لمن ~~أتى بهذه الست خصال فالثلاثة الأولى تبرئه من النفاق والثلاثة الأخرى تبرئة ~~من الفسوق والمخاطبون مسلمون فإذا لم يكن منافقا كان مؤمنا وإذ لم يكن ~~فاسقا كان تقيا فيستحق الجنة ويوافق ذلك ما رواه إبن أبى الدنيا حدثنا أبو ~~سعيد المدنى حدثنى عمر بن سهل المازنى قال حدثنى عمر بن محمد بن صهبان ~~حدثنى صفوان بن سليم عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( كل عين باكية يوم ~~القيامة إلا عين ms4803 غضت عن محارم الله وعين سهرت في سبيل الله وعين يخرج منها ~~مثل رأس الذباب من خشية الله ( # وقوله سبحانه @QB@ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه @QE@ يتناول النظر إلى الأموال واللباس والصور ~~وغير ذلك من متاع الدنيا أما اللباس والصور فهما اللذان لا ينظر الله ~~إليهما كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى قال PageV15P397 إن الله لا ~~ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ( وقد قال ~~تعالى @QB@ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا @QE@ وذلك أن الله ~~يمتع بالصور كما يمتع بالأموال وكلاهما من زهرة الحياة الدنيا وكلاهما يفتن ~~أهله واصحابه وربما أفضى به إلى الهلاك دنيا وأخرى # والهلكى رجلان فمستطيع وعاجز فالعاجز مفتون بالنظر ومد العين إليه ~~والمستطيع مفتون فيما اوتى منه غارق قد أحاط به مالا يستطيع إنقاذ نفسه منه ~~وهذا المنظور قد يعجب المؤمن وإن كان المنظور منافقا أو فاسقا كما يعجبه ~~المسموع منهم قال تعالى @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله ~~@QE@ فهذا تحذير من الله تعالى من النظر إليهم وإستماع قولهم فلا ينظر ~~إليهم ولا يسمع قولهم فإن الله سبحانه قد أخبر أن رؤياهم تعجب الناظرين ~~إليهم وأن قولهم يعجب السامعين # ثم أخبر عن فساد قلوبهم وأعمالهم بقوله @QB@ كأنهم خشب مسندة @QE@ فهذا ~~مثل قلوبهم وأعمالهم وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا @QE@ الآية وقد قال تعالى في قصة قوم لوط @QB@ إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين @QE@ والتوسم من السمة وهى العلامة فأخبر PageV15P398 سبحانه أنه ~~جعل عقوبات المعتدين آيات للمتوسمين وفى الترمذى عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ( ثم قرأ @QB@ إن في ~~ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ فدل ذلك على أن من إعتبر بما عاقب الله به غيره ~~من أهل الفواحش كان من المتوسمين # واخبر تعالى عن اللوطية أنه ms4804 طمس أبصارهم فكانت عقوبة أهل الفواحش طمس ~~الأبصار كما قد عرف ذلك فيهم وشوهد منهم وكان ثواب المعتبرين بهم التاركين ~~لأفعالهم إعطاء الأنوار وهذا مناسب لذكر آية النور عقيب غض الأبصار وأما ~~القدرة والقوة التى يعطيها الله لمن اتقاه وخالف هواه فذلك حاصل معروف كما ~~جاء ( إن الذى يترك هواه يفرق الشيطان من ظله ( وفى الصحيح أن النبى قال ( ~~ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب ) وفى رواية ( ~~أنه مر بقوم يخذفون حجرا فقال ليس الشدة في هذا وإنما الشدة في أن يمتلىء ~~أحدكم غيظا ثم يكظمه لله ( أو كما قال # وهذا ذكره في الغضب لأنه معتاد لبنى آدم كثيرا ويظهر للناس وسلطان الشهوة ~~يكون في الغالب مستورا عن أعين الناس وشيطانها خاف ويمكن في كثير من ~~الأوقات الإعتياض بالحلال عن PageV15P399 الحرام وإلا فالشهوة إذا اشتعلت ~~وإستولت قد تكون أقوى من الغضب وقد قال تعالى @QB@ وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ ~~أى ضعيفا عن النساء لا يصبر عنهن وفى قوله @QB@ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به @QE@ ذكروا منه العشق والعشق يفضى بأهله إلى الأمراض والإهلاك وإن ~~كان الغضب قد يبلغ ذلك أيضا وقد دل القرآن على أن القوة والعزة لأهل الطاعة ~~التائبين إلى الله في مواضع كثيرة كقوله في سورة هود @QB@ @QE@ وقوله @QB@ ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين @QE@ @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ # وإذا كان الذى قد يهجر السيئات يغض بصره ويحفظ فرجه وغير ذلك مما نهى ~~الله عنه يجعل الله له من النور والعلم والقوة والعزة ومحبة الله ورسوله ~~فما ظنك بالذى لم يحم حول السيئات ولم يعرها طرفه قط ولم تحدثه نفسه بها بل ~~هو يجاهد في سبيل الله أهلها ليتركوا السيئات فهل هذا وذاك سواء بل هذا له ~~من النور والايمان والعزة والقوة والمحبة والسلطان والنجاة في الدنيا ~~والآخرة أضعاف أضعاف ذاك وحاله أعظم وأعلى ونوره اتم واقوى فان السيئات ~~تهواها النفوس ويزينها الشيطان فتجتمع فيها الشبهات والشهوات # فإذا كان المؤمن قد حبب ms4805 الله إليه الايمان وزينه في قلبه وكره ~~PageV15P400 إليه الكفر والفسوق والعصيان حتى يعوض عن شهوات الغى بحب الله ~~ورسوله وما يتبع ذلك وعن الشهوات والشبهات بالنور والهدى وأعطاه الله من ~~القوة والقدرة ما أيده به حيث دفع بالعلم الجهل وبارادة الحسنات ارادة ~~السيئات وبالقوة على الخير القوة على الشر في نفسه فقط والمجاهد في سبيل ~~الله يطلب فعل ذلك في نفسه وغيره أيضا حتى يدفع جهله بالظلم وارادته ~~السيئات بارادة الحسنات ونحوذلك # والجهاد تمام الايمان وسنام العمل كما قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ ~~الآية وقال @QB@ أجعلتم سقاية الحاج @QE@ الآية فكذلك يكون هذا الجزاء في ~~حق المجاهدين كما قال تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ ~~فهذا في العلم والنور وقال @QB@ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم @QE@ ~~إلى قوله ( صراطا مستقيما ( فقتل النفوس هو قتل بعضهم بعضا وهو من الجهاد ~~والخروج من ديارهم هو الهجرة ثم اخبر أنهم اذا فعلوا ما يوعظون به من ~~الهجرة والجهاد كان خيرا لهم واشد تثبيتا ففى الآية أربعة امور الخير ~~المطلق والتثبيت المتضمن للقوة والمكنة والاجر العظيم وهداية الصراط ~~المستقيم وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم @QE@ وقال @QB@ ولينصرن الله من ينصره @QE@ PageV15P401 إلى قوله ~~@QB@ عاقبة الأمور @QE@ وقال @QB@ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم @QE@ # وأما أهل الفواحش الذين لا يغضون أبصارهم ولا يحفظون فروجهم فقد وصفهم ~~الله بضد ذلك من السكرة والعمه والجهالة وعدم العقل وعدم الرشد والبغض وطمس ~~الأبصار هذا مع ما وصفهم به من الخبث والفسوق والعدوان والإسراف والسوء ~~والفحش والفساد والإجرام فقال عن قوم لوط @QB@ بل أنتم قوم تجهلون @QE@ ~~فوصفهم بالجهل وقال @QB@ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون @QE@ وقال @QB@ أليس ~~منكم رجل رشيد @QE@ وقال @QB@ فطمسنا أعينهم @QE@ وقال @QB@ بل أنتم قوم ~~مسرفون @QE@ وقال @QB@ فانظر كيف كان عاقبة المجرمين @QE@ وقال @QB@ إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين @QE@ وقال @QB@ أئنكم لتأتون ms4806 الرجال وتقطعون السبيل ~~وتأتون في ناديكم المنكر @QE@ إلى قوله @QB@ انصرني على القوم المفسدين ~~@QE@ إلى قوله @QB@ بما كانوا يفسقون @QE@ وقوله @QB@ مسومة عند ربك ~~للمسرفين @QE@ PageV15P402 ### ||| فصل # في قوله في آخر الآية @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون @QE@ فوائد جليلة منها ان امره لجميع المؤمنين بالتوبة في هذا ~~السياق تنبيه على أنه لا يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التى هي ترك غض البصر ~~وحفظ الفرج وترك إبداء الزينة وما يتبع ذلك فمستقل ومستكثر كما في الحديث ( ~~ما من أحد من بنى آدم إلا أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا ( وذلك لا ~~يكون إلا عن نظر وفى السنن عن النبى ( أنه قال كل بنى آدم خطاء وخير ~~الخطائين التوابون ( وفى الصحيح عن ابى ذر عن النبى ( يقول الله تعالى ? < ~~يا عبادى إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالى ~~فاستغفروني أغفر لكم > ? وفي الصحيحين عن بن عباس قال ( ما رأيت شيئا أشبه ~~باللمم مما قال أبو هريرة ( إن النبى قال ( إن الله كتب على إبن آدم حظه من ~~الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق ( الحديث ~~إلى آخره وفيه ( والنفس PageV15P403 تتمنى ذلك وتشتهى والفرج يصدق ذلك أو ~~يكذبه ( أخرجه البخارى تعليقا من حديث طاووس عن أبى هريرة ورواه مسلم من ~~حديث سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى قال ( كتب على إبن ~~آدم نصيبه من الزنى يدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر والآذنان ~~زناهما الإستماع واللسان زناه الكلام واليدان زناهما البطش والرجلان زناهما ~~الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ( وقد روى الترمذى ~~حديثا واستغربه عن بن عباس في قوله ( إلا اللمم ( قال رسول الله إن تغفر ~~اللهم تغفر جما وأى عبدلك لا ألما # ومنها أن أهل الفواحش الذين لم يغضوا أبصارهم ولم يحفظوا فروجهم مأمورون ~~بالتوبة وإنما أمروا بها لتقبل منهم فالتوبة مقبولة منهم ومن سائر المذنبين ~~كما قال تعالى @QB@ ألم يعلموا أن الله هو ms4807 يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات @QE@ وقال تعالى @QB@ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن ~~السيئات ويعلم ما تفعلون @QE@ وسواء كانت الفواحش مغلظة لشدتها وكثرتها ~~كاتيان ذوات المحارم وعمل قوم لوط أو غير ذلك وسواء تاب الفاعل أو المفعول ~~به فمن تاب تاب الله عليه بخلاف ما عليه طائفة من الناس فانهم اذا رأوا من ~~عمل من هذه الفواحش شيئا أيسوه من رحمة الله PageV15P404 حتى يقول أحدهم من ~~عمل من ذلك شيئا لا يفلح أبدا ولا يرجون له قبول توبة ويروى عن علي أنه قال ~~منا كذا ومنا كذا والمعفوج ليس منا ويقولون إن هذا لا يعود صالحا ولو تاب ~~مع كونه مسلما مقرى بتحريم ما فعل # ويدخلون في ذلك من استكره على فعل شيء من هذه الفواحش ويقولون لو كان ~~لهذا عند الله خير ما سلط عليه من فعل به مثل هذا واستكرهه كما يفعل بكثير ~~من المماليك طوعا وكرها وكما يفعل بأجراء أهل الصناعات طوعا وكرها وكذلك من ~~في معناهم من صبيان الكتاتيب وغيرهم ونسوا قوله تعالى @QB@ ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن ~~فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم @QE@ وهؤلاء قد لا يعلمون صورة التوبة ~~وقد يكون هذا حالا وعملا لأحدهم وقد يكون اعتقادا فهذا من أعظم الضلال ~~والغي فان القنوط من رحمة الله بمنزلة الأمن من مكر الله تعالى وحالهم ~~مقابل لحال مستحلى الفواحش فان هذا أمن مكر الله بأهلها وذاك قنط أهلها من ~~رحمة الله والفقيه كل الفقيه هو الذى لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا ~~يجرئهم على معاصي الله # وهذا في أصل الذنوب الارادية نظير ما عليه أهل الأهواء والبدع ~~PageV15P405 فإن أحدهم يعتقد تلك السيئات حسنات فيأمن مكر الله وكثير من ~~الناس يعتقد أن توبة المبتدع لا تقبل وقد قال تعالى @QB@ إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم @QE@ وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى ~~قال ( كان رسول الله يسمى لنا نفسه أسماء ms4808 فقال أنا محمد وأنا أحمد والمقفي ~~والحاشر ونبى التوبة ( ونبى الرحمة ( وفى حديث آخر ( أنا نبى الرحمة وأنا ~~نبى الملحمة ( وذلك أنه بعث بالملحمة وهى المقتلة لمن عصاه وبالتوبة لمن ~~أطاعه وبالرحمة لمن صدقه واتبعه وهو رحمة للعالمين وكان من قبله من ~~الأنبياء لا يؤمر بقتال # وكان الواحد من أممهم إذا أصاب بعض الذنوب يحتاج مع التوبة إلى عقوبات ~~شديدة كما قال تعالى @QB@ وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ~~فتاب عليكم @QE@ وقد روى عن أبى العالية وغيره أن أحدهم كان إذا أصاب ذنبا ~~اصبحت الخطيئة والكفارة مكتوبة على بابه فأنزل الله في حق هذه الأمة @QB@ ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم @QE@ ~~إلى قوله @QB@ نعم أجر العاملين @QE@ فخص الفاحشة بالذكر مع قوله @QB@ ~~ظلموا أنفسهم @QE@ والظلم يتناول الفاحشة وغيرها تحقيقا لما ذكرناه ~~PageV15P406 من قبول التوبة من الفواحش مطلقا من اللذين يأتيانها من الرجال ~~والنساء جميعا # وفي الصحيح عن النبى قال ( أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ~~ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ( وفى الصحيح ~~عنه انه قال ( من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه ( وفى السنن ~~عنه أيضا أنه قال ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى ~~تطلع الشمس من مغربها ( وعنه صلى الله عليه وسلم قال ( قال الشيطان وعزتك ~~يا رب لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب تعالى ~~وعزتى وجلالي وارتفاع مكانى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى ( وعن أبى ذر ~~قال قال رسول الله ( يقول الله يا إبن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك ~~على ما كان منك ولا ابالى بن ادم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى ~~غفرت لك ولا ابالى بن ادم لو لقيتنى بقراب الأرض خطيئة ثم لقيتنى لا تشرك ~~بى شيئا لا تيتك بقرابها مغفرة ms4809 ( # والذى يمنع توبة أحد هؤلاء أما بحاله واما بقاله ولا يخلو من أحد امرين ~~أن يقول إذا تاب أحدهم لم تقبل توبته واما أن PageV15P407 يقول أحدهم لا ~~يتوب الله على أبدا اما الاول فباطل بكتاب الله وسنة نبيه واجماع المسلمين ~~وإن كان قد تكلم بعض العلماء في توبة القاتل وتوبة الداعى إلى البدع وفي ~~ذلك نزاع في مذهب أحمد وفى مذهب مالك أيضا نزاع ذكره صاحب التمثيل والبيان ~~في ( الجامع ) وغيره وتكلموا ايضا في توبة الزنديق ونحو ذلك # فهم قد يتنازعون في كون التوبة في الظاهر تدفع العقوبة إما لعدم العلم ~~بصحتها وإما لكونها لا تمنع ما وجب من الحد ولم يقل أحد من الفقهاء إن ~~الزنديق ونحوه اذا تاب فيما بينه وبين الله توبة صحيحة لم يتقبلها الله منه ~~واما القاتل والمضل فذاك لاجل تعلق حق الغير به والتوبة من حقوق العباد لها ~~حال آخر وليس هذا موضع الكلام فيها وفى تفصيلها وإنما الغرض إن الله يقبل ~~التوبة من كل ذنب كما دل عليه الكتاب والسنة والفواحش خصوصا ما علمت أحدا ~~نازع في التوبة منها والزانى والمزنى به مشتركان في ذلك أن تابا تاب الله ~~عليهما ويبين التوبة خصوصا من عمل قوم لوط من الجانبين ما ذكره الله في قصة ~~قوم لوط فإنهم كانوا يفعلون الفاحشة بعضهم ببعض ومع هذا فقد دعاهم جميعهم ~~إلى تقوى الله والتوبة منها فلو كانت توبة المفعول به أو غيره لا تقبل لم ~~يأمرهم بما لا يقبل قال تعالى @QB@ كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم ~~لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون @QE@ PageV15P408 ~~فأمرهم بتقوى الله المتضمنة لتوبتهم من هذه الفاحشة والخطاب وإن كان للفاعل ~~فإنه إنما خص به لأنه صاحب الشهوة والطلب في العادة بخلاف المفعول به فإنه ~~لم تخلق فيه شهوة لذلك في الأصل وإن كانت قد تعرض له لمرض طارىء أو أجر ~~يأخذه من الفاعل أو لغرض آخر والله سبحانه وتعالى اعلم PageV15P409 ### |||| سئل شيخ الإسلام # عن قوله ms4810 تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ~~أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها @QE@ الآية والحديث عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم في ذكر ( زنا الأعضاء كلها ( وماذا على الرجل إذا مس يد ~~الصبى الأمرد فهل هو من جنس النساء ينقض الوضوء أم لا وما على الرجل إذا ~~جاءت إلى عنده المردان ومد يده إلى هذا وهذا ويتلذذ بذلك وما جاء في ~~التحريم من النظر إلى وجه الأمرد الحسن وهل هذا الحديث المروى ( أن النظر ~~إلى الوجه المليح عبادة صحيح أم لا وإذا قال أحد أنا ما أنظر إلى المليح ~~الأمرد لأجل شيء ولكني إذا رأيته قلت سبحان الله تبارك الله أحسن الخالقين ~~فهل هذا القول صواب أم لا أفتونا ماجورين ### ||||| فأجاب قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه ورضي عنه ونفع بعلومه وحشرنا في زمرته PageV15P410 # الحمد لله إذا مس الأمرد لشهوة ففية قولان في مذهب أحمد وغيره # أحدهما أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء وهو المشهور في مذهب مالك وذكره ~~القاضي أبويعلى في شرح المذهب وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعى # ( والثانى ( انه لا ينقض وهو المشهور من مذهب الشافعى والقول الأول أظهر ~~فإن الوطء في الدبر يفسد العبادات التى تفسد بالوطىء في القبل كالصيام ~~والإحرام والإعتكاف ويوجب الغسل كما يوجبه هذا فتكون مقدمات هذا في باب ~~العبادات كمقدمات هذا فلو مس الأمرد لشهوة وهو محرم فعليه دم كما عليه لو ~~مس أجنبية لشهوة وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة وجب ان يكون كما لو مس المرأة ~~لشهوة في نقض الوضوء # والذى لا ينقض الوضوء بمسه يقول أنه لم يخلق محلا لذلك # فيقال لا ريب أنه لم يخلق لذلك وأن الفاحشة اللوطية من أعظم المحرمات لكن ~~هذا القدر لم يعتبر في بعض الوطء فلو وطىء في الدبر تعلق به ماذكر من ~~الأحكام وإن كان الدبر لم يخلق محلا PageV15P411 للوطىء مع أن نفرة الطباع ~~عن الوطىء ms4811 في الدبر أعظم من نفرتها عن الملامسة ونقض الوضوء باللمس يراعى ~~فيه حقيقة الحكمة وهو أن يكون المس لشهوة عند الأكثرين كمالك وأحمد وغيرهما ~~يراعى كما يراعى مثل ذلك في الإحرام والإعتكاف وغير ذلك # وعلى هذا القول فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم حتى لومس بنته وأخته ~~وأمة لشهوة إنتقض وضوءه فكذلك من الأمرد # وأما الشافعى وأحمد في رواية فيعتبر المظنة وهو ان النساء مظنة الشهوة ~~فينقض الوضوء سواء كان بشهوة أو بغير شهوة ولهذا لا ينقض مس المحارم لكن لو ~~مس ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت حقيقة الحكمة وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة ~~والتلذذ بمس الأمرد كمصافحته ونحو ذلك حرام بإجماع المسلمين كما يحرم ~~التلذذ بمس ذوات المحارم والمرأة الأجنبية كما أن الجمهور على أن عقوبة ~~اللوطى أعظم من عقوبة الزنى بالأجنبية فيجب قتل الفاعل والمفعول به سواء ~~كان أحدهما محصنا أو لم يكن وسواء كان احدهما مملوكا للآخر أو لم يكن كما ~~جاء ذلك في السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم وعمل به أصحابه من غير نزاع ~~يعرف بينهم وقتله بالرجم كما قتل الله قوم لوط وبذلك جاءت الشريعة في قتل ~~الزانى أنه بالرجم فرجم النبى ماعز بن مالك والغامدية واليهوديين ~~PageV15P412 # والمرأة التى أرسل إليها أنيسا وقال ( إذهب إلى امرأة هذا فإن إعترفت ~~فارجمها ( فرجمها والنظر إلى وجه الأمرد بشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم ~~والمرأة الأجنبية بالشهوة سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو كانت شهوة التلذذ ~~بالنظر كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية كان معلوما لكل أحد أن ~~هذا حرام فكذلك النظر إلى وجه الأمرد بإتفاق الأئمة # وقول القائل ان النظر إلى وجه الأمرد عبادة كقوله إن النظر إلى وجوه ~~النساء [ الأجانب ] والنظر إلى محارم الرجل كبنت الرجل وأمه وأخته عبادة ~~ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة فهو بمنزلة من جعل الفواحش عبادة ~~قال الله تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ms4812 أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ # ومعلوم أنه قد يكون في صور النساء الأجنبيات وذوات المحارم من الإعتبار ~~والدلالة على الخالق من جنس ما في صور المردان فهل يقول مسلم أن للإنسان أن ~~ينظر على هذا الوجه إلى صور النساء نساء العالمين وصور محارمه ويقول أن ذلك ~~عبادة بل من جعل مثل هذا PageV15P413 النظر عبادة فإنه كافر مرتد يجب أن ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهو بمنزلة من جعل إعانة طالب الفاحشة عبادة أو ~~جعل تناول يسير الخمر عبادة أو جعل السكر من الحشيشة عبادة فمن جعل ~~المعاونة بقيادة أو غيرها عبادة أو جعل شيئا من المحرمات التى يعلم تحريمها ~~في دين الإسلام عبادة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهو مضاه به للمشركين ~~@QB@ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون @QE@ وفاحشة ~~اولئك إنما كانت طوافهم بالبيت عراة وكانوا يقولون لا نطوف في الثياب التى ~~عصينا الله فيها فهؤلاء إنما كانوا يطوفون عراة على وجه إجتناب ثياب ~~المعصية وقد ذكر الله عنهم ما ذكر فكيف بمن جعل جنس الفاحشة المتعلقة ~~بالشهوة عبادة والله سبحانه قد أمر في كتابه بغض البصر وهو نوعان غض البصر ~~عن العورة وغضه عن محل الشهوة فالأول كغض الرجل بصره عن عورة غيره كما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى ~~عورة المرأة ( ويجب على الإنسان أن يستر عورته كما قال لمعاوية بن حيدة ( ~~إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك PageV15P414 قلت فإذاكان أحدنا ~~مع قومه قال ( إن إستطعت أن لا تريها أحدا فلا يرينها ( قلت فإذا كان أحدنا ~~خاليا قال فالله أحق أن يستحيا منه من الناس ( # ويجوز كشفها بقدر الحاجة كما تكشف عند التخلى وكذلك إذا إغتسل الرجل وحده ~~بحيث يجد ما يستره فله أن يغتسل عريانا كما إغتسل موسى عريانا وأيوب وكما ~~في إغتسال النبى يوم الفتح ms4813 وإغتساله في حديث ميمونة وأما النوع الثانى من ~~النظر كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية فهذا أشد من الأول كما ~~أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير وعلى صاحبها الحد وتلك المحرمات ~~إذا تناولها مستحلا لها كان عليه التعزير لأن هذه المحرمات لا تشتهيها ~~النفوس كما تشتهى الخمر وكذلك النظر إلى عورة الرجل ] لا يشتهى كما يشتهى ~~النظر إلى النساء ونحوهن وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب وقد ~~إتفق العلماء على تحريم ذلك كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات ~~المحارم بشهوة # والخالق سبحانه يسبح عند رؤية مخلوقاته كلها وليس خلق الأمرد بأعجب في ~~قدرته من خلق ذى اللحية ولا خلق النساء بأعجب في PageV15P415 قدرته من خلق ~~الرجال فتخصيص الإنسان بالتسبيح بحال نظره إلى الأمرد دون غيره كتخصيصه ~~بالتسبيح بالنظر إلى المرأة دون الرجل وما ذاك لأنه أدل على عظمة الخالق ~~عنده ولكن لأن الجمال يغير قلبه وعقله وقد يذهله ما رآه فيكون تسبيحه لما ~~حصل في نفسه من الهوى كما أن النسوة لما رأين يوسف ( أكبرنه وقطعن أيديهن ~~وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ( وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم ( فإذا كان الله لا ينظر إلى الصور والأموال وإنما ينظر إلى ~~القلوب والأعمال فكيف يفضل الشخص بما لم يفضله الله به وقد قال تعالى @QB@ ~~ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه @QE@ وقال في المنافقين @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا ~~تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم ~~الله @QE@ # فإذا كان هؤلاء المنافقون الذين تعجب الناظر أجسامهم لما فيهم من البهاء ~~والرواء والزينة الظاهرة وليسوا ممن ينظر إليه لشهوة قد ذكر الله عنهم ما ~~ذكر فكيف بمن ينظر إليه لشهوة PageV15P416 # وذلك أن الإنسان قد ينظر إليه لما فيه من الإيمان والتقوى وهنا ms4814 الإعتبار ~~بقلبه وعمله لا بصورته وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة الدالة على المصور ~~فهذا حسن وقد ينظر إليه من جهة إستحسان خلقه كما ينظر إلى الخيل والبهائم ~~وكما ينظر إلى الأشجار والأنهار والأزهار فهذا أيضا إذا كان على وجه ~~إستحسان الدنيا والرئاسة والمال فهو مذموم بقوله @QB@ ولا تمدن عينيك إلى ~~ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه @QE@ # وأما إن كان على وجه لا ينقص الدين وإنما فيه راحة النفس فقط كالنظر إلى ~~الأزهار فهذا من الباطل الذى لا يستعان به على الحق # وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه شهوة كان حراما بلا ريب سواء كانت ~~شهوة تمتع بالنظر أو كان نظرا بشهوة الوطء وفرق بين ما يجده الإنسان عند ~~نظره إلى الأشجار والأزهار وما يجده عند نظره إلى النسوان والمردان # فلهذا الفرقان إفترق الحكم الشرعى فصار النظر إلى المردان ثلاثة أقسام # ( أحدها ( ما تقترن به الشهوة فهو محرم بالإتفاق PageV15P417 # و ( الثانى ( ما يجزم أنه لا شهوة معه كنظر الرجل الورع إلى إبنه الحسن ~~وإبنته الحسنة وأمه الحسنة فهذا لا يقترن به شهوة إلا أن يكون الرجل من ~~أفجر الناس ومتى إقترنت به الشهوة حرم وعلى هذا نظر من لا يميل قلبه إلى ~~المردان كما كان الصحابة وكالأمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة فإن الواحد ~~من هؤلاء لا يفرق من هذا الوجه بين نظره إلى إبنه وإبن جاره وصبى اجنبى لا ~~يخطر بقلبه شيء من الشهوة لأنه لم يعتد ذلك وهو سليم القلب من قبل ذلك وقد ~~كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في الطرقات مكشفات الرؤوس ويخدمن الرجال ~~مع سلامه القلوب فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين ~~الناس في مثل هذه البلاد والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين كان هذا من ~~باب الفساد وكذلك المردان الحسان لا يصلح ان يخرجوا في الأمكنة والأزقة ~~التى يخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة فلا يمكن الأمرد الحسن من ~~التبرج ولا من ms4815 الجلوس في الحمام بين الأجانب ولا من رقصه بين الرجال ونحو ~~ذلك مما فيه فتنة للناس والنظر إليه كذلك # وإنما وقع النزاع بين العلماء في ( القسم الثالث ( من النظر وهو النظر ~~إليه بغير شهوة لكن مع خوف ثورانها ففيه وجهان في PageV15P418 مذهب أحمد ~~أصحهما وهو المحكى عن نص الشافعى وغيره انه لا يجوز # والثانى ( يجوز لأن الأصل عدم ثورانها فلا يحرم بالشك بل قد يكره والأول ~~هو الراجح كما ان الراجح في مذهب الشافعى واحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية ~~من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية لكن لأنه يخاف ثورانها ولهذا ~~حرم الخلوة بالأجنبية لأنه مظنة الفتنة والأصل أن كلما كان سببا للفتنة ~~فإنه لايجوز فإن الذريعة إلى الفساد سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة # ولهذا كان النظر الذى قد يفضى إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لحاجة راجحة ~~مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة مع عدم الشهوة وأما ~~النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه ~~وأدامه وقال إنى لا أنظر لشهوة كذب في ذلك فإنه إذا لم يكن له داع يحتاج ~~معه إلى النظر لم يكن النظر إلا لما يحصل في القلب من اللذة بذلك # وأما نظر الفجأة فهو عفو إذا صرف بصره كما ثبت في الصحاح عن جرير قال ~~سألت رسول الله عن نظر الفجاة قال ( إصرف بصرك ( وفى السنن أنه قال لعلى ~~رضى الله عنه PageV15P419 ( يا على لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى ~~وليست لك الثانية ( وفى الحديث الذى في المسند وغيره ( النظر سهم مسموم من ~~سهام إبليس ( وفيه ( من نظر إلى محاسن إمرأة ثم غض بصره عنها أورث الله ~~قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة ( أو كما قال ولهذا يقال إن غض ~~البصر عن الصورة التى ينهى عن النظر إليها كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ~~ثلاث فوائد جليلة القدر # ( أحدها ( حلاوة الإيمان ولذته التى هي أحلى وأطيب مما تركه لله فإن ms4816 من ~~ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه والنفس تحب النظر إلى هذه الصورلا سيما ~~نفوس أهل الرياضة والصفا فإنه يبقى فيها رقة تنجذب بسببها إلى الصور حتى ~~تبقى الصورة تخطف أحدهم وتصرعه كما يصرعه السبع # ولهذا قال بعض التابعين ما انا على الشاب التائب من سبع يجلس إليه بأخوف ~~عليه من حدث جميل يجلس إليه وقال بعضهم إتقوا النظر إلى اولاد الملوك فإن ~~فتنتهم كفتنة العذارى وما زال أئمة العلم والدين كأئمة الهدى وشيوخ الطريق ~~يوصون بترك صحبة الأحداث حتى يروى عن فتح الموصلى أنه قال صحبت ثلاثين من ~~PageV15P420 الأبدال كلهم يوصينى عند فراقه بترك صحبة الأحداث وقال بعضهم ~~ما سقط عبد من عين الله إلا إبتلاه بصحبة هؤلاء الأنتان # ثم النظر يولد المحبة فيكون علاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم صبابة لإنصباب ~~القلب إليه ثم غراما للزومه للقلب كالغريم الملازم لغريمه ثم عشقا إلى أن ~~يصير تتيما والمتيم المعبد وتيم الله عبد الله فيبقى القلب عبدا لمن لا ~~يصلح أن يكون أخا ولا خادما وهذا إنما يبتلى به اهل الإعراض عن الإخلاص لله ~~الذين فيهم نوع من الشرك وإلا فأهل الإخلاص كما قال الله تعالى في حق يوسف ~~عليه السلام @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ~~@QE@ فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء ~~ويوسف عليه السلام مع عزوبته ومراودتها له وإستعانتها عليه بالنسوة ~~وعقوبتها له بالحبس على العفة عصمه الله بإخلاصه لله تحقيقا لقوله @QB@ ~~لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ قال تعالى @QB@ إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ و ( الغى ( هو اتباع الهوى # وهذا الباب من أعظم أبواب إتباع الهوى ومن امر بعشق الصور من المتفلسفة ~~كإبن سينا وذويه أو من الفرس كما يذكر PageV15P421 عن بعضهم من جهال ~~المتصوفة فإنهم أهل ضلال فهم مع مشاركة اليهود في الغى والنصارى في الضلال ~~زادوا على الأمتين في ذلك فإن هذا وإن ظن أن فيه منفعة للعاشق كتلطيف نفسه ms4817 ~~وتهذيب أخلاقه أو للمعشوق من السعى في مصالحه وتعليمه وتأديبه وغير ذلك ~~فمضرة ذلك أضعاف منفعته وأين إثم ذلك من نفعه # وإنما هذا كما يقال إن في الزنى منفعة لكل منهما بما يحصل له من اللذة ~~والسرور ويحصل لها من الجعل وغير ذلك وكما يقال إن في شرب الخمر منافع ~~بدنية ونفسية وقال تعالى في الخمر والميسر @QB@ قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ وهذا قبل التحريم دع ما قاله عند ~~التحريم وبعده فإن التعبد بهذه الصور هو من جنس الفواحش وباطنه من باطن ~~الفواحش وهو من باطن الإثم قال الله تعالى @QB@ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ وليس ~~بين أئمة الدين نزاع في ان هذا ليس بمستحب كما انه ليس بواجب فمن جعله ~~ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج عن إجماع المسلمين واليهود والنصارى بل وعما ~~عليه عقلاء بنى آدم من جميع الأمم وهو PageV15P422 ممن إتبع هواه بغير هدى ~~من الله @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ~~@QE@ # وأما من نظر إلى المردان ظانا أنه ينظر إلى مظاهر الجمال الإلهى وجعل هذا ~~طريقا له إلى الله كما يفعله طوائف من المدعين للمعرفة فقوله هذا أعظم كفرا ~~من قول عباد الأصنام ومن كفر قوم لوط فهؤلاء من شر الزنادقة المرتدين الذين ~~يجب قتلهم بإجماع كل أمة فإن عباد الأصنام قالوا @QB@ ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ وهؤلاء يجعلون الله سبحانه موجودا في نفس ~~الأصنام وحالا فيها فإنهم لا ms4818 يريدون بظهوره وتجليه في المخلوقات أنها ادلة ~~عليه وآيات له بل يريدون أنه سبحانه ظهر فيها وتجلى فيها ويشبهون ذلك بظهور ~~الماء في الصوفة والزبد في اللبن والزيت في الزيتون والدهن في السمسم ونحو ~~ذلك مما يقتضى حلول نفس ذاته في مخلوقاته أو إتحاده بها فيقولون في جميع ~~المخلوقات نظير ما قاله النصارى في المسيح خاصة ثم يجعلون المردان مظاهر ~~الجمال فيقرون هذا الشرك الأعظم طريقا إلى إستحلال الفواحش بل إلى إستحلال ~~كل محرم كما قيل لأفضل PageV15P423 مشايخهم التلمسانى إذا كان قولكم بأن ~~الوجود واحد هو الحق فما الفرق بين امى وأختى وبنتى حتى يكون هذا حلال وهذا ~~حرام قال الجميع عندنا سواء لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام ~~عليكم # ومن هؤلاء الحلولية والإتحادية من يخص الحلول والاتحاد ببعض الأشخاص إما ~~ببعض الأنبياء كالمسيح أو ببعض الصحابة كقول الغالية في علي أو ببعض الشيوخ ~~كالحلاجية ونحوهم أو ببعض الملوك أو ببعض الصور كصور المردان ويقول احدهم ~~إنما أنظر إلى صفات خالقى واشهدها في هذه الصورة والكفر في هذا القول أبين ~~من أن يخفى على من يؤمن بالله ورسوله ولو قال مثل هذا الكلام في نبى كريم ~~لكان كافرا فكيف إذا قاله في صبى أمرد فقبح الله طائفة يكون معبودها من جنس ~~موطوئها # وقد قال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ فإذا كان من إتخذ الملائكة ~~والنبيين أربابا مع إعترافهم بأنهم مخلوقون لله كفارا فكيف بمن إتخذ بعض ~~المخلوقات أربابا مع ان الله فيها أو متحد بها فوجوده وجودها ونحو ذلك من ~~المقالات PageV15P424 # وأما ( الفائدة الثانية ( في غض البصر فهو نور القلب والفراسة قال تعالى ~~عن قوم لوط @QB@ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون @QE@ فالتعلق بالصور يوجب ~~فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه كما قيل % سكران سكر هوى وسكر ~~مدامة % فمتى يفيق من به سكران % وقيل أيضا % قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ~~% % العشق أعظم مما بالمجانين % العشق لا يستفيق الدهر ms4819 صاحبه % وإنما يصرع ~~المجنون في الحين % # وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال @QB@ الله نور ~~السماوات والأرض @QE@ وكان شجاع بن شاه الكرمانى لا تخطى له فراسة وكان ~~يقول من عمر ظاهره بإتباع السنة وباطنه بدوام PageV15P425 المراقبة وغض ~~بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة سادسة أظنه هو اكل الحلال ~~لم تخطىء له فراسة والله تعالى يجزى العبد على عمله بما هو من جنس عمله ~~فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال ~~ببصيرة القلب # الفائدة الثالثة ( قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل الله له سلطان البصيرة ~~مع سلطان الحجة فإن في الأثر الذى يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا ~~يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه ~~فإن الله جعل العزة لمن اطاعه والذلة لمن عصاة قال تعالى @QB@ يقولون لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ~~@QE@ # ولهذا كان في كلام الشيوخ الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه ~~إلا في طاعة الله وكان الحسن البصرى يقول وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت ~~بهم ذلل البغال فإن ذل المعصية في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه ومن ~~اطاع الله فقد والاه فيما اطاعه فيه ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه ~~بمعاصيه وفى دعاء القنوت ( أنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ~~PageV15P426 ( ثم الصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم لسان صدق في الأمة ~~لم يكونوا يستحسنون مثل هذا بل ينهون عنه ولهم في الكلام في ذم صحبة ~~الأحداث وفى الرد على أهل الحلول وبيان مباينة الخالق مالا يتسع هذا الموضع ~~لذكره وإنما استحسنه من تشبه بهم ممن هو عاص أو فاسق أو كافر فيتظاهر بدعوى ~~الولاية لله وتحقيق الإيمان والعرفان وهو من شر أهل العداوة لله وأهل ~~النفاق والبهتان والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين خير ms4820 الدنيا والآخرة ~~ويجعل لأعدائه الصفقة الخاسرة والله سبحانه أعلم PageV15P427 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى والذين لا يدعون ) 1 ### || سورة الفرقان # قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ! 8 < ### ||| فصل # أكبر الكبائر ثلاث الكفر ثم قتل النفس بغير الحق ثم الزنى كما رتبها الله ~~في قوله @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ولا يزنون @QE@ وفى الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال ~~( قلت يا رسول الله أى الذنب اعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أى ~~قال ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم أى قال أن تزانى بحليلة جارك ~~( # ولهذا الترتيب وجه معقول وهو أن قوى الإنسان ثلاث قوة العقل وقوة الغضب ~~وقوة الشهوة فأعلاها القوة العقلية التى يختص بها الإنسان دون سائر الدواب ~~وتشركه فيها الملائكة كما قال أبوبكر عبد العزيز من اصحابنا وغيره خلق ~~للملائكة عقول بلا شهوة PageV15P428 وخلق للبهائم شهوة بلا عقل وخلق ~~للإنسان عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ومن غلبت شهوته ~~عقله فالبهائم خير منه ثم القوة الغضبية التي فيها دفع المضرة ثم القوة ~~الشهوية التى فيها جلب المنفعة # ومن الطبائعيين من يقول القوة الغضبية هي الحيوانية لإختصاص الحيوان بها ~~دون النبات والقوة الشهوية هي النباتية لإشتراك الحيوان والنبات فيها ~~وإختصاص النبات بها دون الجماد # لكن يقال إن أراد أن نفس الشهوة مشتركة بين النبات والحيوان فليس كذلك ~~فإن النبات ليس فيه حنين ولا حركة إرادية ولا شهوة ولا غضب وإن أراد نفس ~~النمو والإغتذاء فهذا تابع للشهوة وموجبها # وله نظير في الغضب وهو أن موجب الغضب وتابعه هو الدفع والمنع وهذا معنى ~~موجود في سائر الأجسام الصلبة القوية فذات الشهوة والغضب مختص بالحى وأما ~~موجبهما من الإعتداء والدفع فمشترك بينهما وبين النبات القوى فقوة الدفع ~~والمنع موجود في النبات الصلب القوي دون اللين الرطب فتكون قوة الدفع مختصة ~~ببعض النبات لكنه موجود في سائر الأجسام الصلبة ms4821 فبين الشهوة والغضب عموم ~~وخصوص PageV15P429 وسبب ذلك أن قوى الأفعال في النفس إما جذب وإما دفع ~~فالقوة الجاذبة الجالبة للملائم هي الشهوة وجنسها من المحبة والإرادة ونحو ~~ذلك والقوة الدافعة المانعة للمنافى هي الغضب وجنسها من البغض والكراهة ~~وهذه القوة بإعتبار القدر المشترك بين الإنسان والبهائم هي مطلق الشهوة ~~والغضب وباعتبار ما يختص به الإنسان العقل والإيمان والقوى الروحانية ~~المعترضة # فالكفر متعلق بالقوة العقلية الناطقة الإيمانية ولهذا لا يوصف به من لا ~~تمييز له والقتل ناشىء عن القوة الغضبية وعدوان فيها والزنا عن القوة ~~الشهوانية فالكفر إعتداء وفساد في القوة العقلية الإنسانية وقتل النفس ~~إعتداء وفساد في القوة الغضبية والزنا إعتداء وفساد في القوة الشهوانية # ومن وجه آخر ظاهر أن الخلق خلقهم الله لعبادته وقوام الشخص بجسده وقوام ~~النوع بالنكاح والنسل فالكفر فساد المقصود الذى له خلقوا وقتل النفس فساد ~~النفوس الموجودة والزنا فساد في المنتظر من النوع فذاك إفساد الموجود وذاك ~~إفساد لما لم يوجد بمنزلة من أفسد مالا موجودا أو منع المنعقد أن يوجد ~~وإعدام الموجود أعظم فسادا فلهذا كان الترتيب كذلك ومن PageV15P430 وجه ~~ثالث أن الكفر فساد القلب والروح الذى هو ملك الجسد والقتل إفساد للجسد ~~الحامل له وإتلاف الموجود وأما الزنى فهو فساد في صفة الوجود لا في أصله ~~لكن هذا يختص بالزنى ومن هنا يتبين أن اللواط أعظم فسادا من الزنى ### ||| فصل # وبإعتبار القوى الثلاث إنقسمت الأمم التى هي أفضل الجنس الإنسانى وهم ~~العرب والروم والفرس فإن هذه الأمم هي التى ظهرت فيها الفضائل الإنسانية ~~وهم سكان وسط الأرض طولا وعرضا فأما من سواهم كالسودان والترك ونحوهم فتبع # فغلب على العرب القوة العقلية النطقية وإشتق إسمها من وصفها فقيل لهم عرب ~~من الأعراب وهو البيان والإظهار وذلك خاصة القوة المنطقية PageV15P431 # وغلب على الروم القوة الشهوية من الطعام والنكاح ونحوهما وإشتق إسمها من ~~ذلك فقيل لهم الروم فإنه يقال ( رمت هذا أرومه إذا طلبته وإشتهيته وغلب على ~~الفرس القوة الغضبية من الدفع والمنع والإستعلاء والرياسة وإشتق ms4822 إسمها من ~~ذلك فقيل فرس كما يقال فرسه يفرسه إذا قهره وغلبه # ولهذا توجد هذه الصفات الثلاث غالبة على الأمم الثلاث حاضرتها وباديتها ~~ولهذا كانت العرب أفضل الأمم وتليها الفرس لأن القوة الدفعية أرفع وتليها ~~الروم ### ||| فصل # وبإعتبار هذه القوى كانت الفضائل ثلاثا فضيلة العقل والعلم والإيمان التى ~~هي كمال القوة المنطقية وفضيلة الشجاعة التى هي كمال القوة الغضبية وكمال ~~الشجاعة هو الحلم كما قال النبى ( ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذى ~~يملك نفسه عند الغضب ( والحلم والكرم ملزوزان في قرن كما أن كمال القوة ~~الشهوية العفة فإذا كان الكريم عفيفا والسخى حليما إعتدل الأمر # وفضيلة السخاء والجود التى هي كمال القوة الطلبية الحبية فإن السخاء يصدر ~~عن اللين والسهولة ورطوبة الخلق كما تصدر الشجاعة عن PageV15P432 القوة ~~والصعوبة ويبس الخلق فالقوة الغضبية هي قوة النصر والقوة الشهوية قوة الرزق ~~وهما المذكوران في قوله @QB@ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف @QE@ والرزق ~~والنصر مقترنان في الكتاب والسنة وكلام الناس كثيرا واما الفضيلة الرابعة ~~التى يقال لها العدالة فهي صفة منتظمة للثلاث وهو الإعتدال فيها وهذه ~~الثلاث الأخيرات هي الأخلاق العملية كما جاء من حديث سعد لما قال فيه ~~العبسى إنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ولا يخرج في السرية ### ||| فصل # وباعتبار القوى الثلاث كانت الأمم الثلاث المسلمون واليهود والنصارى فإن ~~المسلمين فيهم العقل والعلم والإعتدال في الأمور فإن معجزة نبيهم هي علم ~~الله وكلامه وهم الأمة الوسط # وأما اليهود فاضعفت القوة الشهوية فيهم حتى حرم عليهم من المطاعم ~~والملابس مالم يحرم على غيرهم وامروا من الشدة والقوة بما أمروا به ~~ومعاصيهم غالبها من باب القسوة والشدة لا من باب الشهوة PageV15P433 ~~والنصارى اضعفت فيهم القوة الغضبية فنهوا عن الإنتقام والإنتصار ولم تضعف ~~فيهم القوة الشهوية فلم يحرم عليهم من المطاعم ما حرم على من قبلهم بل أحل ~~لهم بعض الذى حرم عليهم وظهر فيهم من الأكل والشرب والشهوات مالم يظهر في ~~اليهود وفيهم من الرقة والرأفة والرحمة ماليس في اليهود ms4823 فغالب معاصيهم من ~~باب الشهوات لا من باب الغضب وغالب طاعاتهم من باب النصر لا من باب الرزق ~~ولما كان في الصوفية والفقهاء عيسوية مشروعة أو منحرفة كان فيهم من الشهوات ~~ووقع فيهم من الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المطربة ما يذمون به ولما ~~كان في الفقهاء موسوية مشروعة أو منحرفة كان فيهم من الغضب ووقع فيهم من ~~القسوة والكبر ونحو ذلك ما يذمون به ### ||| فصل # جنس القوة الشهوية الحب وجنس القوة الغضبية البغض والغضب والبغض متفقان ~~في الإشتقاق الأكبر ولهذا قال النبى ( أوثق عرى الإيمان الحب في الله ~~والبغض في الله ( فإن هاتين القوتين هما الأصل ( وقال ( من أحب لله وأبغض ~~لله PageV15P434 وأعطى لله ومنع لله فقد إستكمل الإيمان ( فالحب والبغض هما ~~الأصل والعطاء عن الحب وهو السخاء والمنع عن البغض وهو الشحاحة فأما الغضب ~~فقد يقال هو خصوص في البغض وهو الشدة التى تقوم في النفس التى يقترن بها ~~غليان دم القلب لطلب الإنتقام وهذا هو الغضب الخاص ولهذا تعدل طائفة من ~~المتكلمين عن مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة ومن قابل الشهوة ~~بالغضب فيجب أن لا يريد الغضب الخاص فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة الطمع ~~إلى الشهوة فأما الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة للقوة ~~الجاذبة الحبية ### ||| فصل # فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية الحبية الشهوية وترك المنهى عنه ~~صادر عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية والأمر بالمعروف صادر عن ~~المحبة والإرادة والنهى عن المنكر صادر عن البغض والكراهة وكذلك الترغيب في ~~المعروف والترهيب عن المنكر والحض على هذا والزجر عن هذا ولهذا لا تكف ~~النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية وبذلك يقوم العدل والقسط في ~~الحكم والقسم PageV15P435 وغير ذلك كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية ~~الشهوية فإن إندفاع المكروه بدون حصول المحبوب عدم إذ لا محبوب ولا مكروه ~~وحصول المحبوب والمكروه وجود فاسد إذ قد حصلا معا وهما متقابلان في الترجيح ~~فربما يختار بعض النفوس هذا ويختار بعضها هذا وهذا عند التكافؤ ms4824 وأما ~~المكروه اليسير مع المحبوب الكثير فيترجح فيه الوجود كما ان المكروه الكثير ~~مع المحبوب اليسير يترجح فيه العدم # لكن لما كان المقتضى لكل واحد من المحبوب والمكروه الذى هو الخير والشر ~~موجودا وبتقدير وجودهما يحصل النصر كالرزق مع الخوف صار يعظم في الشرع ~~والطبع دفع المكروه أما في الشرع فبالتقوى فإن إسمها في الكتاب والسنة ~~والإجماع عظيم والعاقبة لأهلها والثواب لهم واما في الطبع فتعظيم النفوس ~~لمن نصرهم بدفع الضرر عنهم من عدو أو غيره فإن أهل الرزق معظمون لأهل النصر ~~أكثر من تعظيم أهل النصر لأهل الرزق وذاك والله أعلم لأن النصر بلا رزق ~~ينفع فإن الأسباب الجالبة للرزق موجودة تعمل عملها وأما الرزق بلا نصر فلا ~~ينفع فإن الأسباب الناصرة تابعة وفى هذا نظر فقد يقال هما متقابلان فإن أهل ~~النصر يحبون أهل الرزق اكثر مما يحب أهل الرزق لأهل النصر فإن الرزق محبوب ~~والنصر معظم PageV15P436 # وقد يقال بل النصر أعظم كما تقدم فإن إندفاع المكروه محبوب أيضا وهو لا ~~يحصل إلا بقوة الدفع التى هي اقوى من قوة الجذب فإختص الناصر بالتعظيم ~~لدفعه المعارض واما الرازق فلا معارض له بل له موافق فالناصر محبوب معظم ~~وقد يقابل هذا بأن يقال وفوات المحبوب مكروه ايضا والمحبوب لا يحصل إلا ~~بقوة الجذب ولا نسلم أن قوة الدفع أقوى بل قد يكون الجذب أقوى بل الجذب في ~~الأصل أقوى لأنه المقصود بالقصد الأول والدفع خادم تابع له وكما أن الدافع ~~دفع المعارض فالجاذب حصل المقتضى وترجيح المانع على المقتضى غير حق بل ~~المقتضى اقوى بالقول المطلق فإنه لابد منه في الوجود # وأما المانع فإنما يحتاج إليه عند ثبوت المعارض وقد لا يكون معارض ~~فالمقتضى والمحبة هو الأصل والعمدة في الحق الموجود والحق المقصود واما ~~المانع والبغضة فهو الفرع والتابع # ولهذا كتب الله في الكتاب الموضوع عنده فوق العرش ( إن رحمتى تغلب غضبى ( ~~ولهذا كان الخير في اسماء الله وصفاته وأما الشر ففى الأفعال كقوله @QB@ ~~نبئ عبادي أني أنا الغفور ms4825 الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم @QE@ وقوله ~~@QB@ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم @QE@ PageV15P437 # يبقى أن يقال فلم عظمت التقوى فيقال إنها هي تحفظ الفطرة وتمنع فسادها ~~واحتاج العبد إلى رعايتها لأن المحبة الفطرية لاتحتاج إلى محرك ولهذا كان ~~أعظم مادعت إليه الرسل الاخلاص والنهى عن الاشراك لان الاقرار الفطرى حاصل ~~لوجود مقتضيه وانما يحتاج إلى إخلاصه ودفع الشرك عنه ولهذا كانت حاجة الناس ~~إلى السياسة الدافعة لظلم بعضهم عن بعض والجالبة لمنفعة بعضهم بعضا كما ~~أوجب الله الزكاة النافعة وحرم الربا الضار وأصل الدين هو عبادة الله الذى ~~أصله الحب والإنابة والإعراض عما سواه وهو الفطرة التى فطر عليها الناس # وهذه المحبة التى هي أصل الدين إنحرف فيها فريق من منحرفة الموسوية من ~~الفقهاء والمتكلمين حتى أنكروها وزعموا أن محبة الله ليست إلا إرادة عبادته ~~ثم كثير منهم تاركون للعمل بما أمروا به فيأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ~~وهذا فاش فيهم وهو عدم المحبة والعمل وفريق من منحرفة العيسوية من الصوفية ~~والمتعبدين خلطوها بمحبة ما يكرهه وأنكروا البغض والكراهية فلم ينكروا شيئا ~~ولم يكرهوه أو قصروا في الكراهة والإنكار وأدخلوا فيها الصور والأصوات ~~ومحبة الأنداد # ولهذا كان لغواة الأولين وصف الغضب واللعنة الناشىء عن PageV15P438 البغض ~~لأن فيهم البغض دون الحب وكان لضلال الآخرين وصف الضلال والغلو لأن فيهم ~~محبة لغير معبود صحيح ففيهم طلب وإرادة ومحبة ولكن لا إلى مطلوب صحيح ولا ~~مراد صحيح ولا محبوب صحيح بل قد خلطوا وغلوا وأشركوه ففيهم محبة الحق ~~والباطل وهو وجود المحبوب والمكروه كما في الآخرين بغض الحق والباطل وهو ~~دفع المحبوب والمكروه والله سبحانه يهدينا صراطه المستقيم فيحمد من هؤلاء ~~محبة الحق والإعتراف به ومن هؤلاء بغض الباطل وإنكاره PageV15P439 ### || سورة النمل # قال شيخ الإسلام # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~[ فيها ] # منها قوله تعالى @QB@ من جاء بالحسنة فله خير منها @QE@ الآية المشهور عن ~~السلف أن الحسنة لا إله إلا ms4826 الله وأن السيئة الشرك وعن السدى قال ذلك عند ~~الحساب ألغى بدل كل حسنة عشر سيئات فإن بقيت سيئة واحدة فجزاؤه النار إلا ~~أن يغفر الله له # قلت تضعيف الحسنة إلى عشر وإلى سبعمائة ثابت في الصحاح وأن السيئة مثلها ~~وأن الهم بالحسنة حسنة والهم بالسيئة لا يكتب # فأهل القول الأول قالوه لأن اعمال البر داخلة في التوحيد فإن عبادة الله ~~بما أمر به كما قال @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن @QE@ الآية وقال ~~تعالى @QB@ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة @QE@ الآية PageV15P440 # فالكلمة الطيبة التوحيد وهى كالشجرة والأعمال ثمارها في كل وقت وكذلك ~~السيئة هي العمل لغير الله وهذا هو الشرك فإن الإنسان حارث همام لابد له من ~~عمل ولا بد له من مقصود يعمل لأجله وأن عمل لله ولغيره فهو شرك # والذنوب من الشرك فإنها طاعة للشيطان قال @QB@ إني كفرت بما أشركتمون من ~~قبل @QE@ الآية وقال @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~@QE@ الآية وفى الحديث ( وشر الشيطان وشركه ( لكن إذا كان موحدا وفعل بعض ~~الذنوب نقص توحيده كما قال ( لا يزنى الزانى ( إلخ ومن ليس بمؤمن فليس ~~بمخلص وفى الحديث ( تعس عبدالدينار ( إلخ وحديث أبى بكر ( قل اللهم إنى ~~أعوذ بك أن اشرك بك شيئا وأنا أعلم ( إلخ لكن إذا لم يعدل بالله غيره فيحبه ~~مثل حب الله بل الله أحب إليه وأخوف عنده وأرجى من كل مخلوق فقد خلص من ~~الشرك الأكبر PageV15P441 ### || سورة الأحزاب # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # قوله تعالى @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا @QE@ دليل على مثل ~~معنى الحديث الصحيح ( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك مالا فلورثته ومن ~~ترك كلا أو ضياعا فعلى ( حيث جعله الله أولى بهم من أنفسهم # ثم جعل الأقارب بعضهم أولى ببعض لأن كونه أولى بهم من أنفسهم ms4827 يقتضى أن ~~يكون أولى بهم من أولى أرحامهم وذلك لا يقتضى ملك مالهم أحياء فكذلك أمواتا ~~وإنما يقتضى حمل الكل والضياع من ماله وهو الخمس أو خمسه أو مال الفيء كله ~~على الخلاف المعروف وفيه دليل على أن الأولوية المقتضية للميراث المذكورة ~~في قوله ( فلأولى رجل ذكر ( مشروطة بالإيمان PageV15P442 وهذه الآية ~~المقيدة تقضي على تلك المطلقة في الأنفال لثلاثة أوجه # ( احدها ( أن هذه في سورة الأحزاب بعد الخندق وتلك في الأنفال عقب بدر # ( الثانى ( أن هذا مطلق ومقيد في حكم واحد وسبب واحد والحكم هنا متضمن ~~للإباحة والإستحقاق والتحريم على الغير وإيجاب الإعطاء # ( الثالث ( أن آية الأنفال ذكر فيها الأولوية بعد أن قطع الموالات بين ~~المؤمنين والكافرين أيضا فهي دليل ثان وهاتان الآيتان تفسر المطلق في آية ~~المواريث ويكون هذا تفسير القرآن بالقرآن وإن كان قوله ( لا يرث الكافر ~~المسلم ( موافقا له فأما ميراث المسلم من الكافر ففيه الخلاف الشاذ فنستفيد ~~من الآيتين أيضا مع الحديث ويدخل في الآيتين سائر الولايات من المناكح ~~والأموال والعقل والموت وفى قوله @QB@ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ~~@QE@ دليل على الوصية كآيات النساء # قوله @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج ~~في أزواج أدعيائهم @QE@ الآية دليل على أن ما أبيح له كان مباحا لأمته لأنه ~~أخبر أن التزويج كان لمنع الحرج عن الأمة في مثل ذلك التزويج فلولا أن فعله ~~المباح له يقتضى الإباحة لأمته لم يحسن التعليل وهذا ظاهر PageV15P443 # وأيضا فإنه إذا كان ذلك في تزويجه امرأة الدعى الذى كان يعتقد أن تزوجها ~~حرام ففى مالا شبهة فيه أولى وأيضا إذا كان هذا في النكاح الذى خص فيه من ~~المباحات بمالم تشركه أمته كالنكاح بلا عدد وتزوج الموهوبة بلا مهر وقد بين ~~أن إباحة عقده النكاح دليل على إباحة ذلك لأمته ففيما لم يظهر خصوصية فيه ~~كالنكاح أولى وهذا يدل على أن سائر ما أبيح له مباح لأمته إلا ما خصه ~~الدليل من المعاملات والأطعمة واللباس ونحو ذلك ms4828 # وأيضا فيدل على هذا الأصل قوله في سياق ما أحله له @QB@ وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد ~~علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج ~~@QE@ من وجهين ( أحدهما ( أنه لما أحل له الواهبة قال @QB@ خالصة لك من دون ~~المؤمنين @QE@ ليبين إختصاصه بذلك فعلم أنه حيث سكت عن الإختصاص كان ~~الإشتراك ثابتا وإلا فلا معنى لتخصيص هذا الموضع ببيان الإختصاص # ( الثانى ( أنه ما أحله من الأزواج ومن المملوكات ومن الأقارب ~~PageV15P444 أطلق وفى الموهوبة قيدها بالخلوص له فعلم أن سكوته عن التقييد ~~في أولئك دليل الإشتراك # فإن قيل السكوت لا يدل على واحد منهما والتقييد بالخلوص ينفى الإشتراك ~~فتكون فائدته أن لا يظن الإشتراك بدليل منفصل فإن التحليل له لا يدل على ~~الإختصاص قطعا لكن هل يدل على الإشتراك أم لا يدل على واحد منهما ( هذا ~~موضع التردد فإذا قيد بالخلوص دل على الاختصاص قيل لو لم يدل على الاشتراك ~~لم يثبت الحكم في حق الأمة لإنتفاء دليله كما أن ما سكت عنه من المحرمات لم ~~يثبت الحكم لإنتفاء دليله # وهنا إما أن يقال كانوا يستحلونه على الأصل وليس كذلك لأن الفروج محظورة ~~إلا بالتحليل الشرعى فكان يكون محظورا عليهم فلا يحتاج إلى إخلاصه له لو لم ~~يكن الخطاب المطلق يقتضى الإشتراك والعموم وأنه من باب الخاص في اللفظ ~~العام في الحكم # وأصل هذا أن اللفظ في اللغة قد يصير بحسب العرف الشرعى أوغيره أخص أو أعم ~~فالخطاب له وإن كان خاصا في اللفظ لغة فهو عام عرفا وهو مما نقل بالعرف ~~الشرعى من الخصوص إلى العموم كما ينقل مثل ذلك في مخاطبات الملوك ونحو ذلك ~~وهو كثير كما أن PageV15P445 العام قد يصير بالعرف خاصا # وأيضا فإنه يبنى ذلك على أصل دليل الخطاب وأن التخصيص بالذكر مع العام ~~المقتضى للتعميم يدل على التخصيص بالحكم فلما خص خطاب الموهوبة بذكر الخلوص ~~دل على إنتفاء الخلوص عن الباقى ms4829 وإنما إنتفاء الخلوص عن الباقى بعدم ذكر ~~الخلوص مع إثبات التحليل للرسول صلى الله عليه وسلم فعلم أن إثبات التحليل ~~له مع عدم تخصيصه به يقتضى العموم # وعلى هذا فالخطاب الذى مخرجه في اللغة خاص ثلاثة اقسام # إما أن يدل على العموم كما في العام عرفا مثل خطاب الرسول والواحد من ~~الأمة ومثل تنبيه الخطاب كقوله لا اشرب لك الماء من عطش ومثقال حبة وقنطار ~~ودينار # وإما أن يدل على إختصاص المذكور بالحكم ونفيه عما سواه كما في مفهوم ~~المخالفة إذا كان المقتضى للتعميم قائما وخص أحد الأقسام بالذكر # وإما أن لايدل على واحد منهما لفظا ثم يوجد العموم من جهة المعنى إما من ~~جهة قياس الأولى وإما من جهة سائر أنواع القياس PageV15P446 ويجب الفرق بين ~~تنبيه الخطاب وبين قياس الأولى فإن الحكم في ذاك مستفاد من اللفظ عمهما ~~عرفا [ و ] خطا [ با ] وهنا مستفاد من الحكم بحيث لو دل على الحكم فعل أو ~~إقرار أو خطاب يقطع معه بأن المتكلم لم يرد إلا الصورة لكان ثبوت الحكم ~~لنوع يقتضى ثبوته لما هو أحق به منه فالعموم هنا معنوى محض وهناك لفظى ~~ومعنوى فتدبر هذا فإنه فصل بين المتنازعين من أصحابنا وغيرهم في التنبيه هل ~~هو مستفاد من اللفظ أو هو قياس جلى لتعلم أنه قسمان # والفرق أن المستفاد من اللفظ يريد المتكلم به العموم ويمثل بواحد تنبيها ~~كقول النحوى ضرب زيد عمرا بخلاف المستفاد من المعنى # والآية المتقدمة وهى قوله @QB@ زوجناكها لكي لا @QE@ تدل على أن أفعاله ~~تقتضى الإباحة لأمته مع القطع بأن الفعل في نفسه لا يعم لفظا ووضعا وإنما ~~يعم بما ثبت من أن الأصل الإشتراك والإيتساء ويدل على ذلك أيضا قوله في ~~السورة @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ الآية فإن فيها ~~التأسى فيما أصابه ومتى ثبت الحكم في الإيتساء به في حكمه عندما أصابه كان ~~كذلك فيما فعله إذ المصاب عليه فيه واجبات ومحرمات فدلت هذه PageV15P447 ~~الآية على أن الأصل مشاركته في الإيجاب ms4830 والحظر كما دلت تلك على أن الأصل ~~مشاركته في الإحلال # قوله @QB@ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~@QE@ الآية دليل على أن الحجاب إنما أمر به الحرائر دون الإماء لأنه خص ~~أزواجه وبناته ولم يقل وما ملكت يمينك وإمائك وإماء أزواجك وبناتك ثم قال ~~@QB@ ونساء المؤمنين @QE@ والإماء لم يدخلن في نساء المؤمنين كما لم يدخل ~~في قوله @QB@ نسائهن @QE@ ما ملكت أيمانهن حتى عطف عليه في آيتى النور ~~والأحزاب وهذا قد يقال إنما ينبنى على قول من يخص ما ملكت اليمين بالإناث ~~وإلا فمن قال هي فيهما أو في الذكور ففيه نظر # وأيضا فقوله @QB@ للذين يؤلون من نسائهم @QE@ وقوله @QB@ الذين يظاهرون ~~منكم من نسائهم @QE@ إنما أريد به الممهورات دون المملوكات فكذلك هذا فآية ~~الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن وآية الحجاب عند المخاطبة في ~~المساكن فهذا مع ما في الصحيح من انه لما إصطفى صفية بنت حيى وقالوا إن ~~حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإلا فهي مما ملكت يمينه دل على أن الحجاب كان ~~مختصا بالحرائر # وفي الحديث دليل على أن أموة المؤمنين لأزواجه دون سراريه PageV15P448 ~~والقرآن ما يدل إلا على ذلك لأنه قال @QB@ وأزواجه أمهاتهم @QE@ وقال @QB@ ~~ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا @QE@ وهذا أيضا دليل ثالث من الآية لأن ~~الضمير في قوله @QB@ وإذا سألتموهن @QE@ عائد إلى أزواجه فليس للمملوكات ~~ذكر في الخطاب لكن إباحة سرارية من بعده فيه نظر ### ||| فصل # من قال من أن السراح والفراق صريح في الطلاق لأن القرآن ورد بذلك وجعل ~~الصريح ما إستعمله القرآن فيه كما يقوله الشافعى والقاضى وغيرهما من ~~الأصحاب فقوله ضعيف لوجهين # أحدهما أن هذا الأصل لا دليل عليه بل هو فاسد فإن الواقع ان الناس ينطقون ~~بلغاتهم التى توافق لغة العرب أو تخالفها من عربية أخرى عربا مقررة أو ~~مغيرة لفظا أو معنى أو من عربية مولدة أو عربية معربة تلقيت عن العجم أو عن ~~عجمية فإن الطلاق ونحوه يثبت بجميع هذه الأنواع من اللغات إذ المدار على ms4831 ~~المعنى ولم يحرم ذلك عليهم أو حرم عليهم فلم يلتزموه فإن ذلك لا يوجب وقوع ~~مالم يوقعوه وايضا فإستعمال القرآن لفظا في معنى PageV15P449 لا يقتضى أن ~~ذلك اللفظ لا يحتمل غير ذلك المعنى # ( الوجه الثانى ( وهو القاصم أن هذه الألفاظ أكثر ما جاءت في القرآن في ~~غير الطلاق مثل قوله @QB@ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن @QE@ فهذا بعد التطليق ~~البائن الذى لا عدة فيه أمر بتسريحهن مع التمتيع ولم يرد به إيقاع طلاق ثان ~~فإنه لا يقع ولا يؤمر به وفاقا وإنما أراد التخلية بالفعل وهو رفع الحبس ~~عنها حيث كان النكاح فيه الجمع ملكا وحكما والجمع حسا وفعلا بالحبس وكلاهما ~~موجبه وهما متلازمان فإذا زال الملك أمر بإزالة اليد كما يقال في الأموال ~~الملك والحيازة فالقبض في الموضعين تابع للعقد فإذا رفع العقد إما بإزالة ~~اليد التى هي القبض # وقوله @QB@ فتعالين أمتعكن وأسرحكن @QE@ لا يستدل به على أن التسريح هو ~~التطليق فإنه قد يريد به التخلية الفعلية حيث قرنه بالمتاع لكن التخلية ~~الفعلية مستلزمة للتطليق أو يريد به الأمرين ولم يرد به الطلاق وحده لأن ~~ذلك لا يفيدهن بل يضرهن وكذلك قوله @QB@ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ~~أو فارقوهن بمعروف @QE@ وقوله @QB@ أو فارقوهن بمعروف @QE@ كذلك فإن ~~الرجعية إذا قاربت إنقضاء العدة لا يؤمر فيها بتطليق ثان إذا لم يرتجعها ~~وإنما يؤمر PageV15P450 بتخلية سبيلها وهو التسريح والفراق بالأبدان بحيث ~~لا يحبسهن ولا يستولى عليهن كرفع اليد عن الأموال # قوله @QB@ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم @QE@ نص في أنه لا حرج فيما اخطأ به من دعاء الرجل إلى غير أبيه أو ~~إلى غير مولاه ثم قد يستدل به على رفع الجناح في جميع ما أخطأ به الإنسان ~~من قول أو عمل إما بالعموم لفظا ويقال ورود اللفظ العام على سبب مقارن له ms4832 ~~في الخطاب لا يوجب قصره عليه وإما بالعموم المعنوى بالجامع المشترك من أن ~~الأخطاء لا تاثير له في القلب فيكون عمل جارحة بلا عمد قلب ( والقلب هو ~~الأصل ( كما قال ( إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد ( وإذا كان الأصل لم يعمل شيئا لم يضر عمل الفروع دونه لأنه صالح لا ~~فساد فيه فيكون الجسد كله صالحا فلا يكون فاسدا فلا يكون في ذلك إثم إذ ~~الإثم لا يكون إلا عن فساد في الجسد وتكون هذه الآية ردفا لقوله @QB@ لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ قال قد فعلت # ويؤيده قوله في الإيمان @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم @QE@ @QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ ~~فإنه PageV15P451 إذا كان اليمين بالله وفيها ما فيها لا يؤاخذ فيها إلا ~~بما كسب القلب فغيرها من الأقوال كذلك وأولى وإذا كان ما حلف عليه من ~~اليمين يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه هو من الخطأ الذى هو اللغو لأن قلبه ~~لم يكسب مخالفة كما لو أنه اخبر بذلك من غير يمين لم يكن عليه إثم الكاذب ~~كما لو دعا الرجل لغير أبية ومولاه خطأ وإذا لم يكن بلا يمين عليه إثم ~~الكاذب لم يكن مع اليمين عليه حكم الحالف المخالف إذ اليمين على الماضي حين ~~يؤكد بالقسم فكذلك ما حلف عليه من المستقبل وفعل المحلوف عليه ناسيا ليمينه ~~أو مخطئا جاهلا بأنه المحلوف عليه لم يكسب قلبه مخالفة ولا حنثا كما أنه لو ~~وعد بذلك من غير يمين لم يكن مخالفا ولو أمر به فتركه كذلك لم يكن عاصيا # وهذا دليل يتناول الطلاق وغيره إما من جهة العموم المعنوي أو المعنوي ~~واللفظي وأي فرق بين ان يقارن اللغو عقد اليمين أو يقارن الحنث فيها وقوله ~~@QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ أى هذا سبب المؤاخذة لا أنه موجب ~~لها بالإتفاق فيوجد الخطأ في سببها وشرطها ومن قال لا لغو في الطلاق فلا ~~حجة معه بل عليه لأنه ms4833 لو سبق لسانه بذكر الطلاق من غير عمد القلب لم يقع به ~~وفاقا وأما إذا قصد اللفظ به هاز لا فقد عمد قلبه ذكره كما لو عمد ذكر ~~اليمين به PageV15P452 ### || سورة الزمر # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سو رة الزمر قال شيخ ~~الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ### ||| فصل # قد قال تعالى ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ( والمراد بالقول ~~القرآن كما فسره بذلك سلف الأمة وأئمتها كما قال تعالى ( أفلم يدبروا القول ~~أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ( واللام لتعريف القول المعهود فإن ~~السورة كلها إنما تضمنت مدح القرآن وإستماعه وقد بسطنا هذا في غير هذا ~~الموضع وبينا فساد قول من إستدل بهذه على سماع الغنا وغيره وجعلها عامة ~~وبينا أن تعميمها في كل قول باطل بإجماع المسلمين # وهنا سؤال مشهور وهو أنه قال ( يستمعون القول فيتبعون PageV16P005 أحسنه ~~( فقد قسم القول إلى حسن وأحسن والقرآن كله متبع وهذا حجتهم # فيقال الجواب من ثلاثة أوجه إلزام وحل # ( الأو ل ( أن هذا مثل قوله ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ( ومثل ~~قوله ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء مو عظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة ~~وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ( فقد أمرالمؤمنين باتباع أحسن ما أنزل إليهم من ~~ربهم وأمر بنى إسرائيل أن يأخذوا بأحسن التوراة وهذا أبلغ من تلك الآية فإن ~~تلك إنما فيها مدح باتباع الأحسن ولا ريب أن القرآن فيه الخبر والأمر ~~بالحسن والأحسن وإتباع القو ل إنما هو العمل بمقتضاه ومقتضاه فيه حسن وأحسن ~~ليس كله أحسن وإن كان القرآن في نفسه أحسن الحديث ففرق بين حسن الكلام ~~بالنسبة إلى غيره من الكلام وبين حسنه بالنسبة إلى مقتضاه المأمور والمخبر ~~عنه # ( الوجه الثانى ( أن يقال إنه قال ( فبشر عبادى الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ( والقرآن ~~تضمن خبرا وأمرا فالخبر عن الأبرار والمقربين وعن الكفار والفجار فلا ريب ~~أن إتباع الصنفين حسن PageV16P006 و ms4834 إتباع المقربين أحسن والأمر يتضمن ~~الأمر بالو اجبات والمستحبات ولا ريب أن الإقتصار على فعل الواجبات حسن ~~وفعل المستحبات معها أحسن ومن اتبع الأحسن فاقتدى بالمقربين وتقرب إلى الله ~~بالنوافل بعد الفرائض كان أحق بالبشرى # وعلى هذا فقوله ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ( وأمر قومك يأخذوا ~~بأحسنها ( هو أيضا أمر بذلك لكن الأمر يعم أمر الإيجاب والاستحباب فهم ~~مأمورون بما في ذلك من واجب أمر إيجاب وبما فيه من مستحب أمر إستحباب كما ~~هم مأمورون مثل ذلك في قو له ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى ~~القربى ( وقو له ( يأمرهم بالمعروف ( والمعروف يتناول القسمين وقوله ( ~~وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ( وهو يعم القسمين وقوله ( إركعوا واسجدوا ( ~~وأمثال ذلك PageV16P007 و قال رحمه الله ### ||| فصل في السماع # أصل السماع الذى أمر الله به هو سماع ما جاء به الرسول ( صلى الله عليه ~~وسلم ) سماع فقه وقبول ولهذا إنقسم الناس فيه أربعة أصناف صنف معرض ممتنع ~~عن سماعه وصنف سمع الصوت ولم يفقه المعنى وصنف فقهه ولكنه لم يقبله والرابع ~~الذى سمعه سماع فقه وقبول # ( ف الأول ( كالذين قال فيهم ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~وألغوا فيه لعلكم تغلبون ( # و ( الصنف الثانى ( من سمع الصوت بذلك لكن لم يفقه المعنى قال تعالى ( ~~ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون ( وقال تعالى ( ومنهم من يستمع PageV16P008 إليك وجعلنا على ~~قلو بهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى ~~إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ( وقال ~~تعالى ( ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم ~~من ينظر إليك أفأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون إن الله لا يظلم الناس ~~شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ( وقال تعالى ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه ms4835 وفى آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول ~~الظالمون أن تتبعون إلا رجلا مسحورا ( وقال تعالى ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ~~ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ~~آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ( # وقو له ( أن يفقهوه ( يتناول من لم يفهم منه تفسير اللفظ كما يفهم بمجرد ~~العربية ومن فهم ذلك لكن لم يعلم نفس المراد في الخارج وهو ( الأعيان ( و ( ~~الأفعال ( و ( الصفات ( المقصودة بالأمر والخبر بحيث يراها ولا يعلم أنها ~~مدلول الخطاب مثل من يعلم وصفا مذموما ويكون هو متصفا به أو بعضا من جنسه ~~ولا يعلم أنه داخل فيه وقال تعالى PageV16P009 ( إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون ( قال ذلك بعد قوله ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون ( فقو له ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ( لم يرد به مجرد إسماع ~~الصوت لو جهين # ( أحدهما ( أن هذا السماع لابد منه ولا تقوم الحجة على المدعوين إلا به ~~كما قال ( وإن أحد من المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه ~~مأمنه ( وقال ( لأنذركم به ومن بلغ ( وقال ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~( # و ( الثانى ( أنه وحده لا ينفع فإنه قد حصل لجميع الكفار الذين استمعوا ~~القرآن وكفروا به كما تقدم بخلاف إسماع الفقه فإن ذلك هو الذي يعطيه الله ~~لمن فيه خير وهذا نظير ما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ( وهذه الآية والحديث يدلان على أن ~~من لم يحصل له السماع الذى يفقه معه القول فإن الله لم يعلم فيه خيرا ولم ~~يرد ms4836 به خيرا وأن من علم الله فيه خيرا أو أراد به خيرا فلا بد أن يسمعه ~~ويفقهه إذ الحديث قد بين أن كل من يرد الله به خيرا يفقهه فالأول مستلزم ~~للثانى والصيغة عامة فمن لم يفقهه لم يكن داخلا في العمو م فلا يكون الله ~~PageV16P010 أراد به خيرا وقد انتفى في حقه اللازم فينتفي الملزوم # وكذلك قوله ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ( بين أن الأو ل شرط للثانى ~~شرطا نحويا وهو ملزوم وسبب فيقتضى أن كل من علم الله فيه خيرا أسمعه هذا ~~الإسماع فمن لم يسمعه إياه لم يكن قد علم فيه خيرا فتدبر كيف وجب هذا ~~السماع وهذا الفقه وهذا حال المؤمنين بخلاف الذين يقولون بسماع لا فقه معه ~~أو فقه لا سماع معه أعنى هذا السماع # وأما قوله ( ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ( فقد يشكل على كثير من الناس ~~لظنهم أن هذا السماع المشروط هو السماع المنفي في الجملة الأولى الذى كان ~~يكون لو علم فيهم خيرا وليس في الآية ما يقتضى ذلك بل ظاهرها وباطنها ينافي ~~ذلك فإن الضمير في قوله ( ولو أسمعهم ( عائد إلى الضميرين في قوله ( ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ( وهؤلاء قد دل الكلام على أن الله لم يعلم ~~فيهم خيرا فلم يسمعهم إذ ( لو ( يدل على عدم الشرط دائما وإذا كان الله ما ~~علم فيهم خيرا فلو أسمعهم لتولوا وهم معرضون بمنزلة اليهود الذين قالوا ~~سمعنا وعصينا وهم ( الصنف الثالث ( # ودلت الآية على أنه ليس لكل من سمع وفقه يكون فيه خير PageV16P011 بل قد ~~يفقه ولا يعمل بعلمه فلا ينتفع به فلا يكون فيه خيرا ودلت أيضا على أن ~~إسماع التفهيم إنما يطلب لمن فيه خير فإنه هو الذى ينتفع به فأما من ليس ~~ينتفع به فلا يطلب تفهيمه # و ( الصنف الثالث ( من سمع الكلام وفقهه لكنه لم يقبله ولم يطع أمره ~~كاليهود الذين قال الله فيهم ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا وأسمع غير ms4837 مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ~~ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا وأسمع وأنظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ( وقال تعالى ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ~~( إلى قوله ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى ( أى تلاوة # فهؤلاء من ( الصنف الأو ل ( الذين يسمعون ويقرؤون ولا يفقهون ويعقلون إلى ~~قوله وإذ أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ~~( إلى قوله ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~إستكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله ~~بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ( كما PageV16P012 قال في تلك الآية ( ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ( وقال في النساء ( فبما نقضهم ميثاقهم ~~وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله ~~عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ( ~~إلى آخر القصة فأخبر بذنو بهم التى استحقوا بها ما استحقوه ومنها قولهم ( ~~قلوبنا غلف ( # فعلم أنهم كاذبون في هذا القول قاصدون به الإمتناع من الواجب ولهذا قال ( ~~بل لعنهم الله ( و ( طبع عليها بكفرهم ( فهي وإن سمعت الخطاب وفقهته لا ~~تقبله ولا تؤمن به لا تصديقا له ولا طاعة وإن عرفوه كما قال ( الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ( ف ( غلف ( جمع أغلف وأما ( ~~غلف ( بالتحريك فجمع غلاف والقلب الأغلف بمنزلة الأقلف فهم ادعوا ذلك وهم ~~كاذبون في ذلك واللعنة الأبعاد عن الرحمة فلو عملوا به لرحموا ولكن لم ~~يعملوا به فكانوا مغضوبا عليهم ملعونين وهذا جزاء من عرف الحق ولم يتبعه ~~وفقه كلام الرسل ولم يكن موافقا له بالإقرار تصديقا وعملا # و ( الصنف الرابع ( الذين سمعوا سماع فقه وقبول فهذا هو السماع المأمور ~~به كما قال تعالى ( وإذا سمعوا ما ms4838 أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع مما عرفوا من الحق ( وقال تعالى ( قل PageV16P013 أوحى إلى أنه استمع ~~نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك ~~بربنا أحدا ( وقال تعالى ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ~~فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا ~~إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى ~~طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ( الآيات وقال تعالى ( إن ~~الذين أو توا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون ~~سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ( الآية وقال تعالى ( إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ( ~~وقال تعالى ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ( وقال تعالى ( وننزل من القرآن ما هو ~~شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ( وكذلك قوله ( قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ( ~~ومثله قوله ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ( فالبيان يعم كل من فقهه ~~والهدى والموعظة للمتقين وقوله ( هذا بصائر للناس وهدى ورحمة PageV16P014 ~~لقوم يوقنون ( وقوله ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( # وهنا لطيفة تزيل إشكالا يفهم هنا وهو أنه ليس من شرط هذا المتقى المؤمن ~~أن يكون كان من المتقين المؤمنين قبل سماع القرآن فإن هذا أولا ممتنع إذ لا ~~يكون مؤمنا متقيا من لم يسمع شيئا من القرآن وثانيا أن الشرط إنما يجب أن ~~يقارن المشروط لا يجب أن يتقدمه تقدما زمانيا كإستقبال القبلة في الصلاة ~~وثالثا أن المقصود أن يبين شيئان # ( أحدهما ( أن الإنتفاع به بالإهتداء والإتعاظ والرحمة هو وإن كان موجبا ~~له لكن لابد مع الفاعل من ms4839 القابل إذ الكلام لا يؤثر فيمن لا يكون قابلا له ~~وإن كان من شأنه أن يهدى ويعظ ويرحم وهذا حال كل كلام # ( الثانى ( أن يبين أن المهتدين بهذا هم المؤمنون المتقون ويستدل بعدم ~~الإهتداء به على عدم الإيمان والتقوى كما يقال المتعلمون لكتاب بقراط هم ~~الأطباء وإن لم يكونوا أطباء قبل تعلمه بل بتعلمه وكما يقال كتاب سيبويه ~~كتاب عظيم المنفعة للنحاة وإن كانوا إنما صاروا نحاة بتعلمه وكما يقال هذا ~~مكان موافق للرماة والركاب قال شيخ الإسلام رحمه الله PageV16P015 ### ||| فصل # قال الله تعالى ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في ~~الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألو انه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ~~إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ( # فأخبر سبحانه أنه يسلك الماء النازل من السماء ينابيع والينابيع جمع ~~ينبوع وهو منبع الماء كالعين والبئر فدل القرآن على أن ماء السماء تنبع منه ~~الأرض والإعتبار يدل على ذلك فإنه إذا كثر ماء السماء كثرت الينابيع وإذا ~~قل قلت # وماء السماء ينزل من السحاب والله ينشئه من الهواء الذى في الجو وما ~~يتصاعد من الأبخرة # وليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء ولا هذا أيضا معلوما ~~بالإعتبار فإن الماء قد ينبع من بطون الجبال PageV16P016 و يكون فيها أبخرة ~~يخلق منها الماء والأبخرة وغيرها من الأهوية قد تستحيل كما إذا أخذ إناء فو ~~ضع فيه ثلج فإنه يبقى ما أحاط به ماء وهو هواء إستحال ماء وليس ذلك من ماء ~~السماء فعلم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء فلا يجزم بأن ~~جميع المياه من ماء السماء وإن كان غالبها من ماء السماء والله أعلم ~~PageV16P017 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا ) 1 # و قال شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام بن تيمية الحرانى قدس الله روحه ! 8 < فصل # في قوله تعالى ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على ms4840 أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له ( وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الآية في حق التائبين وأما آيتا ~~النساء قوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( فلا ~~يجوز أن تكون في حق التائبين كما يقوله من يقوله من المعتزلة فإن التائب من ~~الشرك يغفر له الشرك أيضا بنصو ص القرآن وإتفاق المسلمين وهذه الآية فيها ~~تخصيص وتقييد وتلك الآية فيها تعميم وإطلاق هذه خص فيها الشرك بأنه لا ~~يغفره وما عداه لم يجزم بمغفرته بل علقه بالمشيئة فقال ( ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء PageV16P018 و قد ذكرنا في غير موضع أن هذه كما ترد على الوعيدية ~~من الخوارج والمعتزلة فهي ترد أيضا على المرجئة الواقفية الذين يقولون يجوز ~~أن يعذب كل فاسق فلا يغفر لأحد ويجوز أن يغفر للجميع فإنه قد قال ( ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء ( فأثبت أن ما دون ذلك هو مغفور لكن لمن يشاء فلو كان ~~لا يغفره لأحد بطل قوله ( ويغفر ما دون ذلك ( ولو كان يغفره لكل أحد بطل ~~قوله ( لمن يشاء ( فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك وأن المغفرة هي لمن يشاء ~~دل ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك لكنها لبعض الناس # وحينئذ فمن غفر له لم يعذب ومن لم يغفر له عذب وهذا مذهب الصحابة والسلف ~~والأئمة وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار وبعضهم يغفر له لكن هل ~~ذلك على وجه الموازنة والحكمة أو لا إعتبار بالموازنة فيه قولان للمنتسبين ~~إلى السنة من أصحابنا وغيرهم بناء على أصل الأفعال الإلهية هل يعتبر فيها ~~الحكمة والعدل وأيضا فمسألة الجزاء فيها نصوص كثيرة دلت على الموازنة كما ~~قد بسط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن قوله ( يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ( فيه نهي عن القنوط ms4841 من رحمة الله ~~تعالى وإن عظمت الذنوب وكثرت فلا يحل لأحد أن يقنط من PageV16P019 رحمة ~~الله وإن عظمت ذنوبه ولا أن يقنط الناس من رحمة الله قال بعض السلف أن ~~الفقيه كل الفقيه الذى لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجريهم على معاصى ~~الله # والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له إما لكونه إذا تاب لا يقبل ~~الله توبته ويغفر ذنوبه وإما بان يقول نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو ~~مغلوب معها والشيطان قد إستحوذ عليه فهو ييأس من توبة نفسه وإن كان يعلم ~~أنه إذا تاب غفر الله له وهذا يعترى كثيرا من الناس والقنوط يحصل بهذا تارة ~~وبهذا تارة فالأول كالراهب الذي أفتى قاتل تسعة وتسعين أن الله لا يغفر له ~~فقتله وكمل به مائة ثم دل على عالم فأتاه فسأله فأفتاه بأن الله يقبل توبته ~~والحديث في الصحيحين والثاني كالذى يرى للتوبة شروطا كثيرة ويقال له لها ~~شروط كثيرة يتعذر عليه فعلها فييأس من أن يتوب # وقد تنازع الناس في العبد هل يصير في حال تمتنع منه التوبة إذا أرادها ~~والصواب الذى عليه أهل السنة والجمهور أن التوبة ممكنة من كل ذنب وممكن أن ~~الله يغفره وقد فرضوا في ذلك من توسط أرضا مغصوبة ومن توسط جرحى فكيف ما ~~تحرك قتل بعضهم فقيل هذا لا طريق له إلى التوبة والصحيح أن هذا إذا تاب قبل ~~الله توبته PageV16P020 أما من توسط الأرض المغصوبة فهذا خروجه بنية تخلية ~~المكان وتسليمه إلى مستحقه ليس منهيا عنه ولامحرما بل الفقهاء متفقون على ~~أن من غصب دارا وترك فيها قماشه وماله إذا أمر بتسليمها إلى مستحقها فإنه ~~يؤمر بالخروج منها وبإخراج أهله وماله منها وإن كان ذلك نوع تصرف فيها لكنه ~~لأجل إخلائها # والمشرك إذا دخل الحرم أمر بالخروج منه وإن كان فيه مرور فيه ومثل هذا ~~حديث الأعرابى المتفق على صحته لما بال في المسجد فقام الناس إليه فقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( لا تزرموه ( أي ms4842 لا تقطعو ا عليه بوله وأمرهم أن ~~يصبوا على بو له دلوا من ماء فهو لما بدأ بالبول كان إتمامه خيرا من أن ~~يقطعوه فيلوث ثيابه وبدنه ولو زنا رجل بإمرأة ثم تاب لنزع ولم يكن مذنبا ~~بالنزع وهل هو وطء فيه قولان هما روايتان عن أحمد فلو حلف أن لا يطأ إمرأته ~~بالطلاق الثلاث فالذين يقولون إنه يقع به الطلاق الثلاث إذا وطئها تنازعوا ~~هل يجوز له وطؤها على قولين هما روايتان عن أحمد ( أحدهما ( يجوز كقول ~~الشافعى و ( الثانى ( لا يجوز كقول مالك فإنه يقول إذا أجزت الوطء لزم أن ~~يباشرها في حال النزع وهي محرمة وهذا إنما يجوز للضرورة لا يجوزه إبتداء ~~وذلك يقول النزع ليس بمحرم PageV16P021 و كذلك الذين يقولون إذا طلع عليه ~~الفجر وهو مولج فقد جامع لهم في النزع قولان في مذهب أحمد وغيره وأما على ~~ما نصرناه فلا يحتاج إلى شيء من هذه المسائل فإن الحالف إذا حنث يكفر يمينه ~~ولا يلزمه الطلاق الثلاث وما فعله الناس حال التبين من أكل وجماع فلا بأس ~~به لقوله ( حتى ( # والمقصود أنه لا يجوز أن يقنط أحد ولا يقنط أحدا من رحمة الله فإن الله ~~نهى عن ذلك وأخبر أنه يغفر الذنوب جميعا # فإن قيل قوله ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ( معه عموم على وجه الإخبار ~~فدل أن الله يغفر كل ذنب ومعلوم أنه لم يرد أن من أذنب من كافر وغيره فإنه ~~يغفر له ولا يعذبه لا في الدنيا ولا في الآخرة فإن هذا خلاف المعلوم ~~بالضرورة والتواتر والقرآن والإجماع إذ كان الله أهلك أمما كثيرة بذنوبها ~~ومن هذه الأمة من عذب بذنوبه إما قدرا وإما شرعا في الدنيا قبل الآخرة # وقد قال تعالى ( من يعمل سوءا يجز به ( وقال ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( فهذا يقتضى أن هذه الآية ليست على ظاهرها ~~بل المراد أن الله قد يغفر الذنوب جميعا أي ذلك مما قد يفعله أو أنه ms4843 يغفره ~~لكل تائب لكن يقال فلم أتى بصيغة الجزم والإطلاق في مو ضع التردد والتقييد ~~قيل بل PageV16P022 الآية على مقتضاها فإن الله أخبر أنه يغفر جميع الذنوب ~~ولم يذكر أنه يغفر لكل مذنب بل قد ذكر في غير مو ضع أنه لا يغفر لمن مات ~~كافرا فقال ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن ~~يغفر الله لهم ( وقال في حق المنافقين ( سواء عليهم إستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ( لكن هذا اللفظ العام في الذنوب هو مطلق في ~~المذنبين فالمذنب لم يتعرض له بنفي ولا إثبات لكن يجوز أن يكون مغفورا له ~~ويجوز أن لا يكون مغفورا له إن أتى بما يوجب المغفرة غفر له وإن أصر على ما ~~يناقضها لم يغفر له # وأما جنس الذنب فإن الله يغفره في الجملة الكفر والشرك وغيرهما يغفرها ~~لمن تاب منها ليس في الوجود ذنب لا يغفره الرب تعالى بل ما من ذنب إلا ~~والله تعالى يغفره في الجملة # وهذه آية عظيمة جامعة من أعظم الآيات نفعا وفيها رد على طوائف رد على من ~~يقول إن الداعى إلى البدعة لا تقبل توبته ويحتجون بحديث إسرائيلى فيه ( أنه ~~قيل لذلك الداعية فكيف بمن أضللت ( وهذا يقوله طائفة ممن ينتسب إلى السنة ~~والحديث وليسوا من العلماء بذلك كأبى علي الأهوازي وأمثاله ممن لا يميزون ~~بين PageV16P023 الأحاديث الصحيحة والموضوعة وما يحتج به وما لا يحتج به بل ~~يروون كلما في الباب محتجين به # وقد حكى هذا طائفة قولا في مذهب أحمد أو رواية عنه وظاهر مذهبه مع مذاهب ~~سائر أئمة المسلمين أنه تقبل توبته كما تقبل توبة الداعى إلى الكفر وتوبة ~~من فتن الناس عن دينهم # وقد تاب قادة الأحزاب مثل أبى سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن ~~عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وغيرهم بعد أن قتل على الكفر ~~بدعائهم من قتل وكانوا من أحسن الناس إسلاما وغفر الله لهم قال تعالى ms4844 ( قل ~~للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ( وعمرو بن العاص كان من أعظم ~~الدعاة إلى الكفر والإيذاء للمسلمين وقد قال له النبى صلى الله عليه وسلم ~~لما أسلم ( يا عمرو أما علمت أن الإسلام يجب ما كان قبله ( # وفى صحيح البخارى عن بن مسعود في قوله ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ( قال كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم ~~أو لئك الجن والإنس يعبدونهم ففي هذا أنه لم يضر الذين أسلموا عبادة غيرهم ~~بعد الإسلام لهم وإن كانوا هم أضلوهم أو لا PageV16P024 و أيضا فالداعي إلى ~~الكفر والبدعة وإن كان أضل غيره فذلك الغير يعاقب على ذنبه لكونه قبل من ~~هذا وأتبعه وهذا عليه وزره ووزر من إتبعه إلى يوم القيامة مع بقاء أوزار ~~أولئك عليهم فإذا تاب من ذنبه لم يبق عليه وزره ولا ما حمله هو لأجل ~~إضلالهم وأما هم فسواء تاب أو لم يتب حالهم واحد ولكن توبته قبل هذا تحتاج ~~إلى ضد ما كان عليه من الدعاء إلى الهدى كما تاب كثير من الكفار وأهل البدع ~~وصاروا دعاة إلى الإسلام والسنة وسحرة فرعون كانوا أئمة في الكفر ثم أسلموا ~~وختم الله لهم بخير # ومن ذلك توبة قاتل النفس والجمهور على أنها مقبولة وقال إبن عباس لا تقبل ~~وعن أحمد روايتان وحديث قاتل التسعة والتسعين في الصحيحين دليل على قبول ~~توبته وهذه الآية تدل على ذلك وآية النساء إنما فيها وعيد في القرآن كقوله ~~( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا ( ومع هذا فهذا إذا لم يتب وكل وعيد في القرآن فهو مشروط بعدم التوبة ~~بإتفاق الناس فبأي وجه يكون وعيد القاتل لاحقا به وإن تاب هذا في غاية ~~الضعف ولكن قد يقال لا تقبل تو بته بمعنى أنه لا يسقط حق المظلوم بالقتل بل ~~التوبة تسقط حق الله والمقتول مطالبه بحقه وهذا صحيح في جميع حقوق الآدميين ~~حتى الدين فإن في ms4845 الصحيحين عن النبى صلى PageV16P025 الله عليه وسلم أنه ~~قال ( الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين ( لكن حق الآدمى يعطاه من حسنات ~~القاتل # فمن تمام التوبة أن يستكثر من الحسنات حتى يكون له ما يقابل حق المقتول ~~ولعل بن عباس رأى أن القتل أعظم الذنوب بعد الكفر فلا يكون لصاحبه حسنات ~~تقابل حق المقتول فلا بد أن يبقى له سيئات يعذب بها وهذا الذى قاله قد يقع ~~من بعض الناس فيبقى الكلام فيمن تاب وأخلص وعجز عن حسنات تعادل حق المظلوم ~~هل يجعل عليه من سيئات المقتول ما يعذب به وهذا مو ضع دقيق على مثله يحمل ~~حديث إبن عباس لكن هذا كله لا ينافى مو جب الآية وهو أن الله تعالى يغفر كل ~~ذنب الشرك والقتل والزنا وغير ذلك من حيث الجملة فهي عامة في الأفعال مطلقة ~~في الأشخاص # ومثل هذا قوله ( أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( عام في الأشخاص مطلق في ~~أحوال الأرجل إذ قد تكون مستورة بالخف واللفظ لم يتعرض إلى الأحوال # وكذلك قوله تعالى ( يو صيكم الله في أولادكم ( عام في الأولاد عام في ~~الأحوال إذ قد يكون الولد موافقا في الدين ومخالفا وحرا وعبدا واللفظ لم ~~يتعرض إلى الأحوال PageV16P026 و كذلك قوله ( يغفر الذنوب ( عام في الذنوب ~~مطلق في أحوالها فإن الذنب قد يكون صاحبه تائبا منه وقد يكون مصرا واللفظ ~~لم يتعرض لذلك بل الكلام يبين أن الذنب يغفر في حال دون حال فإن الله أمر ~~بفعل ما تغفر به الذنوب ونهى عما به يحصل العذاب يوم القيامة بلا مغفرة ~~فقال ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا ~~تشعرون أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ~~أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي ~~كرة فأكون من المحسنين بلي قد جاءتك آياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين ( فهذا إخبار أنه يوم ms4846 القيامة يعذب نفوسا لم يغفر لها كالتى كذبت ~~بآياته وإستكبرت وكانت من الكافرين ومثل هذه الذنوب غفرها الله لآخرين ~~لأنهم تابوا منها # فإن قيل فقد قال تعالى ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم إزدادوا كفرا لن ~~تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ( وقال تعالى ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ~~آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ( ~~قيل إن القرآن قد بين توبة الكافر وإن كان قد إرتد ثم عاد إلى الإسلام في ~~غير موضع كقوله تعالى ( كيف يهدى الله قو ما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق PageV16P027 و جاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين أولئك ~~جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف ~~عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله ~~غفور رحيم ( وقوله ( كيف يهدى الله ( أى أنه لا يهديهم مع كونهم مرتدين ~~ظالمين ولهذا قال ( والله لا يهدى القوم الظالمين ( فمن إرتد عن دين ~~الإسلام لم يكن إلا ضالا لا يحصل له الهدى إلى أى دين إرتد ( والمقصود ( أن ~~هؤلاء لا يهديهم الله ولا يغفر لهم إلا أن يتوبوا # وكذلك قال في قوله ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ( ومن كفر ~~بالله من بعد إيمانه من غير إكراه فهو مرتد قال ( ثم أن ربك للذين هاجروا ~~من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ( # وهو سبحانه في آل عمران ذكر المرتدين ثم ذكر التائبين منهم ثم ذكر من لا ~~تقبل توبته ومن مات كافرا فقال ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم إزدادوا ~~كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن ~~يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو إفتدى به أو لئك لهم عذاب أليم وما لهم ~~من ناصرين ( وهؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالا قيل لنفاقهم ~~وقيل PageV16P028 لأنهم تابوا مما دون الشرك ms4847 ولم يتوبوا منه وقيل لن تقبل ~~توبتهم بعد الموت وقال الأكثرون كالحسن وقتادة وعطاء الخرساني والسدى لن ~~تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت فيكون هذا كقوله ( وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن ولا الذين يموتون وهم ~~كفار ( # وكذلك قوله ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفرا ~~لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ( قال مجاهد وغيره من المفسرين ~~إزدادوا كفرا ثبتوا عليه حتى ماتوا # قلت وذلك لأن التائب راجع عن الكفر ومن لم يتب فإنه مستمر يزداد كفرا بعد ~~كفر فقوله ( ثم إزدادوا ( بمنزلة قول القائل ثم أصروا على الكفر وإستمروا ~~على الكفر وداموا على الكفر فهم كفروا بعد إسلامهم ثم زاد كفرهم ما نقص ~~فهؤلاء لا تقبل توبتهم وهي التوبة عند حضور الموت لأن من تاب قبل حضور ~~الموت فقد تاب من قريب ورجع عن كفره فلم يزدد بل نقص بخلاف المصر إلى حين ~~المعاينة فما بقي له زمان يقع لنقص كفره فضلا عن هدمه # وفى الآية الأخرى قال ( لم يكن الله ليغفر لهم ( وذكر أنهم PageV16P029 ~~آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفرا قيل لأن المرتد إذا تاب ~~غفر له كفره فإذا كفر بعد ذلك ومات كافرا حبط إيمانه فعوقب بالكفر الأول ~~والثانى كما في الصحيحين عن إبن مسعود قال قيل يا رسول الله أنؤاخذ بما ~~عملنا في الجاهلية فقال ( من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ~~ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر ( فلو قال إن الذين آمنوا ثم كفروا ~~ثم إزدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم كان هؤلاء الذين ذكرهم في آل عمران ~~فقال ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم إزدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ( بل ~~ذكر أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا بعد ذلك وهو المرتد التائب فهذا إذا كفر ~~وإزداد كفرا لم يغفر له كفره السابق أيضا فلو آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم ~~كفروا ms4848 ثم آمنوا لم يكونوا قد إزدادوا كفرا فلا يدخلون في الآية # والفقهاء إذا تنازعوا في قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق ~~فذاك إنما هو في الحكم الظاهر لأنه لا يوثق بتوبته أما إذا قدر أنه أخلص ~~التوبة لله في الباطن فإنه يدخل في قوله ( يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم ( # ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة ~~PageV16P030 لا شرعا ولا قدرا والعقو بات التى تقام من حد أو تعزير إما أن ~~يثبت سببها بالبينة مثل قيام البينة بأنه زنا أو سرق أو شرب فهذا إذا أظهر ~~التوبة لم يوثق بها ولو درىء الحد بإظهار هذا لم يقم حد فإنه كل من تقام ~~عليه البينة يقول قد تبت وإن كان تائبا في الباطن كان الحد مكفرا وكان ~~مأجورا على صبره وأما إذا جاء هو بنفسه فإعترف وجاء تائبا فهذا لا يجب أن ~~يقام عليه الحد في ظاهر مذهب أحمد نص عليه في غير موضع وهي من مسائل ~~التعليق واحتج عليها القاضي بعدة أحاديث وحديث الذى قال ( أصبت حدا فأقمه ~~على فأقيمت الصلاة ( يدخل في هذا لأنه جاء تائبا وإن شهد على نفسه كما شهد ~~به ماعز والغامدية واختار إقامة الحد أقيم عليه وإلا فلا كما في حديث ماعز ~~( فهلا تركتموه ( والغامدية ردها مرة بعد مرة # فالإمام والناس ليس عليهم إقامة الحد على مثل هذا ولكن هو إذا طلب ذلك ~~أقيم عليه كالذى يذنب سرا وليس على أحد أن يقيم عليه حدا لكن إذا إختار هو ~~أن يعترف ويقام عليه الحد أقيم وإن لم يكن تائبا وهذا كقتل الذى ينغمس في ~~العدو هو مما يرفع الله به درجته كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لقد ~~تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ~~( # وقد قيل في ماعز إنه رجع عن ms4849 الإقرار وهذا هو أحد القولين PageV16P031 فيه ~~في مذهب أحمد وغيره وهو ضعيف والأول أجود وهؤلاء يقولون سقط الحد لكونه رجع ~~عن الإقرار ويقولون رجوعه عن الإقرار مقبول وهو ضعيف بل فرق بين من أقر ~~تائبا ومن أقر غير تائب فإسقاط العقوبة بالتوبة كما دلت عليه النصوص أولى ~~من إسقاطها بالرجوع عن الإقرار والإقرار شهادة منه على نفسه ولو قبل الرجوع ~~لما قام حد بإقرار فإذا لم تقبل التوبة بعد الإقرار مع أنه قد يكون صادقا ~~فالرجوع الذى هو فيه كاذب أولى # آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ~~كثيرا إلى يوم الدين PageV16P032 ### |||| و سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن قوله تعالى ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله ( قال المفسرون مات من الفزع وشدة الصوت ( من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شاء ( أخبرنا أبو الفتح محمد بن علي الكوفي الصوفي أنا أبو ~~الحسن على بن الحسن التميمي ثنا محمد بن إسحاق الرملي ثنا هشام بن عمار ثنا ~~إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه الآية ( ~~ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ( من الذي ~~لم يشأ الله أن يصعقهم قال هم الشهداء متقلدين سيوفهم حول العرش وهذا قول ~~سعيد بن جبير وعطاء ( و ( بن عباس وقال مقاتل والسدي والكلبى هو جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ( ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ( يعني الخلق ~~كلهم قيام على أرجلهم ( ينظرون ( ما يقال لهم وما يؤمرون به هذا كلام ~~الواحدي في ( كتاب الوسيط ( بينوا لنا PageV16P033 حقيقة الصعوق هل يطلق ~~على الموت في حق المذكورين وحقيقة الاستثناء ### ||||| فأجاب # الحمد لله الذى عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة ~~وحتى عزرائيل ملك الموت وروي في ذلك ms4850 حديث مرفوع إلى النبى صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه ~~وإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة أتباع أرسطو وأمثالهم ممن زعم أن ~~الملائكة هي العقول والنفوس وأنه لا يمكن موتها بحال بل هي عندهم آلهة ~~وأرباب هذا العالم # والقرآن وسائر الكتب تنطق بأن الملائكة عبيد مدبرون كما قال سبحانه ( لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا وقال تعالى ( وقالوا إتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن إرتضى ( وقال تعالى ( وكم من ملك في ~~السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~PageV16P034 و الله سبحانه وتعالى قادر على أن يميتهم ثم يحييهم كما هو ~~قادر على إماتة البشر والجن ثم إحيائهم وقد قال سبحانه ( وهو الذى يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم من غير وجه وعن غير واحد من أصحابه أنه قال ( إن الله إذا ~~تكلم بالوحي أخذ الملائكة غشى ( وفى رواية ( إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا ~~( وفى رواية ( سمعت الملائكة كجر السلسلة على صفوان فيصعقون فإذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ( فينادون الحق الحق ( # فقد أخبر في هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعوق الغشي فإذا جاز عليهم ~~صعوق الغشي جاز عليهم صعوق الموت وهؤلاء المتفلسفة لا يجوزون لا هذا ولا ~~هذا وصعوق الغشي هو مثل صعوق موسى عليه السلام قال تعالى ( فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ( # والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات # نفخة الفزع ذكرها في سورة النمل في قوله ( ونفخ في الصور ففزع من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ( ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في ~~قوله ( ونفخ في الصور فصعق من PageV16P035 في السماوات ومن في ms4851 الأرض إلا من ~~شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ( # وأما الإستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين فإن الجنة ليس ~~فيها موت ومتناول لغيرهم ولا يمكن الجزم بكل من إستثناه الله فإن الله أطلق ~~في كتابه # وقد ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إن الناس يصعقون ~~يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى آخذا بساق العرش فلا أدري هل أفاق ~~قبلي أم كان ممن إستثناه الله ( وهذه الصعقة قد قيل إنها رابعة وقيل إنها ~~من المذكورات في القرآن وبكل حال النبى صلى الله عليه وسلم قد توقف في موسى ~~هل هو داخل في الإستثناء فيمن استثناه الله أم لا # فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم لم يجزم بكل من إستثناه الله لم يمكنا ~~أن نجزم بذلك وصار هذا مثل العلم بقرب الساعة وأعيان الأنبياء وأمثال ذلك ~~مما لم يخبر به وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر والله أعلم وصلى الله على ~~محمد وآله وصحبه وسلم تسليما PageV16P036 ### || سورة الشورى # وقال الشيخ رحمه الله # قد كتبت بعض ما يتعلق بقوله تعالى ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون ( إلى قوله ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ( ~~فمدحهم على الإنتصار تارة وعلى الصبر أخرى # و ( المقصود هنا ( أن الله لما حمدهم على هذه الصفات من الإيمان والتوكل ~~ومجانبة الكبائر والإستجابة لربهم وإقام الصلاة والإشتوار في أمرهم ~~وإنتصارهم إذا أصابهم البغي والعفو والصبر ونحو ذلك كان هذا دليلا على أن ~~ضد هذه الصفات ليس محمودا بل مذموما فإن هذه الصفات مستلزمة لعدم ضدها فلو ~~كان ضدها محمودا لكان عدم المحمود محمودا وعدم المحمود لا يكون محمودا إلا ~~أن يخلفه ما هو محمود ولأن حمدها والثناء عليها طلب لها وأمر بها ولو أنه ~~أمر إستحباب والأمر بالشيء نهى عن ضده قصدا أو لزوما وضد الإنتصار العجز ~~وضد الصبر الجزع فلا خير في العجز ولا في الجزع كما نجده ms4852 في حال كثير من ~~الناس حتى بعض المتدينين إذا ظلموا أو PageV16P037 أرادوا منكرا فلا هم ~~ينتصرون ولا يصبرون بل يعجزون ويجزعون # وفى سنن أبى داود من رواية عوف بن مالك إن رجلين تحاكما إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقال المقضي عليه حسبى الله ونعم الوكيل فقال النبى ( إن ~~الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبى الله ونعم ~~الوكيل ( وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( المؤمن القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير إحرص على ما ينفعك وإستعن بالله ~~ولا تعجز وإن غلبك أمر فلا تقل لوأني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله ~~وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ( لا تعجز عن مأمور ولا تجزع من مقدور # ومن الناس من يجمع كلا الشرين فأمر النبى بالحرص على النافع والإستعانة ~~بالله والأمر يقتضي الوجوب وإلا فالإستحباب ونهى عن العجز وقال ( إن الله ~~يلوم على العجز ( والعاجز ضد الذين هم ينتصرون والأمر بالصبر والنهي عن ~~الجزع معلوم في مواضع كثيرة # وذلك لأن الإنسان بين أمرين أمر أمر بفعله فعليه أن يفعله PageV16P038 ~~ويحرص عليه ويستعين الله ولا يعجز وأمر أصيب به من غير فعله فعليه أن يصبر ~~عليه ولا يجزع منه ولهذا قال بعض العقلاء إبن المقفع أو غيره الأمر أمران ~~أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه وهذا في جميع ~~الأمور لكن عند المؤمن الذى فيه حيلة هو ما أمر الله به وأحبه له فإن الله ~~لم يأمره إلا بما فيه حيلة له إذ لا يكلف نفسا إلا وسعها وقد أمره بكل خير ~~فيه له حيلة وما لا حيلة فيه هو ما أصيب به من غير فعله # وإسم الحسنات والسيئات يتناول القسمين فالأفعال مثل قوله تعالى ( من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ( ومثل قوله ~~تعالى ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ms4853 ( ومثل قوله ( وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها ( ومثل قوله تعالى ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ( ~~والمصائب المقدرة خيرها وشرها مثل قوله ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون ( إلى آيات كثيرة من هذا الجنس والله أعلم PageV16P039 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى وإذا بشر ) 1 ### || سورة الزخرف # وقال ! 8 < فصل # قوله ( وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( ~~يشبه قوله ( ولما ضرب بن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا ءآلهتنا خير ~~أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ( فيشبه والله أعلم أن يكون ~~ضرب المثل أنهم جعلوا المسيح إبنه والملائكة بناته والولد يشبه أباه فجعلوه ~~لله شبيها ونظيرا أو يكون المعنى في المسيح أنه مثل لآلهتهم لأنه عبد من ~~دون الله # فعلى الأول يكون ضاربه كضارب المثل للرحمن وهم النصارى والمشركون وعلى ~~الثاني يكون ضاربه هو الذي عارض به قوله ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم ( فلما قال بن الزبعرى لأخصمن محمدا فعارضه بالمسيح وناقضه به كان قد ~~ضربه مثلا قاس الآلهة عليه ويترجح هذا بقوله ( ما ضربوه لك إلا جدلا ( فعلم ~~أنهم هم الذين PageV16P040 ضربوه لا النصارى # فإن المثل يقال على الأصل وعلى الفرع والمثل يقال على المفرد ويقال على ~~الجملة التى هي القياس كما قد ذكرت فيما تقدم أن ضرب المثل هو القياس إما ~~قياس التمثيل فيكون المثل هو المفرد وإما قياس الشمول فيكون تسميته ضرب مثل ~~كتسميته قياسا كما بينته في غير هذا الموضع من جهة مطابقة المعاني الذهنية ~~للأعيان الخارجية ومماثلتها لها ومن جهة مطابقة ذلك المفرد المعين للمعنى ~~العام الشامل للأفراد ولسائر الأفراد فإن الذهن يرتسم فيه معنى عام يماثل ~~الفرد المعين وكل فرد يماثل الآخر فصار هذا المعنى يماثل هذا وكل منهما ~~يماثل المعنى العام الشامل لهما # وبهذا والله أعلم سمى ضرب مثل وسمى قياسا فإن الضرب الجمع والجمع في ~~القلب واللسان وهو العموم والشمول فالجمع والضرب والعموم والشمول في النفس ~~معنى ولفظا فإذا ضرب ms4854 مثلا فقد صيغ عموما مطابقا أو صيغ مفردا مشابها فتدبر ~~هذا فإنه حسن إن شاء الله # ولك أن تقول كل إخبار بمثل صوره المخبر في النفس فهو ضرب PageV16P041 مثل ~~لأن المتكلم جمع مثلا في نفسه ونفس المستمع بالخبر المطابق للمخبر فيكون ~~المثل هو الخبر وهو الوصف كقوله ( مثل الجنة التى وعد المتقون ( وقوله ( ~~ضرب مثل فاستمعوا له ( # وبسط هذا اللفظ واشتماله على محاسن الأحكام والأدلة قد ذكرته في غير هذا ~~الموضع PageV16P042 ### || سورة الأحقاف # سأل رجل آخر # عن قوله تعالى ( ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ( فقال ما سمعنا بنص ~~القرآن والحديث أن ما قبل كتابنا إلا الإنجيل فقال الآخر عيسى إنما كان ~~تبعا لموسى والإنجيل إنما فيه توسع في الأحكام تيسير مما في التوراة فأنكر ~~عليه رجل وقال كان لعيسى شرع غير شرع موسى واحتج بقوله ( لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا ( قال فما الحكم في قوله ( وإذ قال عيسى بن مريم يا بني ~~إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ( فقال ليست هذه ~~حجة ### ||||| فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله # قد أخبر الله في القرآن أن عيسى قال لهم ( ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم ~~( فعلم أنه أحل البعض دون الجميع وأخبر عن المسيح أنه علمه التوراة ~~والإنجيل بقوله ( ويعلمه التوراة والإنجيل ( # ومن المعلوم أنه لولا أنه متبع لبعض ما في التوراة لم يكن تعلمها ~~PageV16P043 له منة ألا ترى أنا نحن لم نؤمر بحفظ التوراة والإنجيل وإن كان ~~كثير من شرائع الكتابين يوافق شريعة القرآن فهذا وغيره يبين ما ذكره علماء ~~المسلمين من أن الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة وأكثر الأحكام يتبع فيها ~~ما في التوراة وبهذا يحصل التغاير بين الشرعتين # ولهذا كان النصارى متفقين على حفظ التوراة وتلاوتها كما يحفظون الإنجيل ~~ولهذا لما سمع النجاشي القرآن قال إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة ~~واحدة وكذلك ورقة بن نوفل قال للنبى لما ذكر له النبى صلى الله عليه وسلم ~~ما يأتيه قال هذا ms4855 هو الناموس الذي كان يأتى موسى # وكذلك قالت الجن ( إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ( وقال تعالى ( فلما ~~جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى أو لم يكفروا بما ~~أوتى موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا ( أى موسى ومحمد وفى القراءة الأخرى ~~( سحران تظاهرا ( أي التوراة والقرآن # وكذلك قال ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به PageV16P044 موسى نورا وهدى للناس ( إلى ~~قوله ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه ( فهذا وما أشبهه مما ~~فيه إقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر يبين ما ذكروه من أن التوراة ~~هي الأصل والإنجيل تبع لها في كثير من الأحكام وإن كان مغايرا لبعضها # فلهذا يذكر الإنجيل مع التوراة والقرآن في مثل قوله ( نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان ( وقال ( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) فيذكر ~~الثلاثة تارة ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة لسر ( وهو ( أن الإنجيل ~~من وجه أصل ومن وجه تبع بخلاف القرآن مع التوراة فإنه أصل من كل وجه بل هو ~~مهيمن على ما بين يديه من الكتاب وإن كان موافقا للتوراة في أصول الدين ~~وكتبه من الشرائع والله أعلم PageV16P045 ### || سورة ق ### |||| سئل رحمه الله # عن قوله ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ( ما المزيد ### ||||| فأجاب # قد قيل أنها تقول ( هل من مزيد ( أي ليس في محتمل للزيادة والصحيح ~~أنها تقول ( هل من مزيد ( على سبيل الطلب أي هل من زيادة تزاد في والمزيد ~~ما يزيده الله فيها من الجن والإنس كما في الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى ~~أنه قال ( لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها ~~قدمه ( ويروى ( عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط ( # فإذا قالت حسبى حسبى كانت قد اكتفت بما ألقى فيها ms4856 ولم تقل بعد ذلك هل من ~~مزيد بل تمتلئ بما فيها لإنزواء بعضها إلى بعض فإن الله يضيقها على من فيها ~~لسعتها فإنه قد وعدها ليملأنها PageV16P046 من الجنة والناس أجمعين وهي ~~واسعة فلا تمتلئ حتى يضيقها على من فيها # قال ( وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا فيدخلهم الجنة فبين ان الجنة لا ~~يضيقها سبحانه بل ينشئ لها خلقا فيدخلهم الجنة لأن الله يدخل الجنة من لم ~~يعمل خيرا لأن ذلك من باب الإحسان وأما العذاب بالنار فلا يكون إلا لمن عصى ~~فلا يعذب أحدا بغير ذنب والله أعلم PageV16P047 ### || سورة المجادلة # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # قوله تعالى ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ( خص ~~سبحانه رفعه بالأقدار والدرجات الذين أوتوا العلم والإيمان وهم الذين ~~إستشهد بهم في قوله تعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قائما بالقسط ( # وأخبر أنهم هم الذين يرون ما أنزل إلى الرسول هو الحق بقوله تعالى ( ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ( فدل على أن تعلم الحجة ~~والقيام بها يرفع درجات من يرفعها كما قال تعالى ( نرفع درجات من نشاء ( # قال زيد بن أسلم بالعلم فرفع الدرجات والأقدار على قدر معاملة القلوب ~~بالعلم والإيمان فكم ممن يختم القرآن في اليوم مرة أو مرتين وآخر لا ينام ~~الليل وآخر لا يفطر وغيرهم أقل عبادة PageV16P048 منهم وأرفع قدرا في قلوب ~~الأمة فهذا كرز بن وبرة وكهمس وإبن طارق يختمون القرآن في الشهر تسعين مرة ~~وحال بن المسيب وبن سيرين والحسن وغيرهم في القلوب أرفع # وكذلك ترى كثيرا ممن لبس الصوف ويهجر الشهوات ويتقشف وغيره ممن لا يدانيه ~~في ذلك من أهل العلم والإيمان أعظم في القلوب وأحلى عند النفوس وما ذاك إلا ~~لقوة المعاملة الباطنة وصفائها وخلوصها من شهوات النفوس وأكدار البشرية ~~وطهارتها من القلوب التى تكدر معاملة أولئك وإنما نالوا ذلك بقوة يقينهم ~~بما جاء به الرسول وكمال تصديقه في قلوبهم ووده ومحبته ms4857 وأن يكون الدين كله ~~لله فإن أرفع درجات القلوب فرحها التام بما جاء به الرسول وإبتهاجها ~~وسرورها كما قال تعالى ( والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ( ~~وقال تعالى ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ( الآية ففضل الله ~~ورحمته القرآن والإيمان من فرح به فقد فرح بأعظم مفروح به ومن فرح بغيره ~~فقد ظلم نفسه ووضع الفرح في غير موضعه # فإذا استقر في القلب وتمكن فيه العلم بكفايته لعبده ورحمته له وحلمه عنده ~~وبره به وإحسانه إليه على الدوام أوجب له الفرح والسرور أعظم من فرح كل محب ~~بكل محبوب سواه فلا يزال مترقيا PageV16P049 في درجات العلو والإرتفاع بحسب ~~رقيه في هذه المعارف # هذا في ( باب معرفة الأسماء والصفات ( وأما في ( باب فهم القرآن ( فهو ~~دائم التفكر في معانيه والتدبر لألفاظه وإستغنائه بمعانى القرآن وحكمه عن ~~غيره من كلام الناس وإذا سمع شيئا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن ~~فإن شهد له بالتزكية قبله وإلا رده وإن لم يشهد له بقبول ولا رد وقفه وهمته ~~عاكفة على مراد ربه من كلامه # ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن إما ~~بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل ~~والقصير والمتوسط وغير ذلك فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب ~~من كلامه وكذلك شغل النطق ب ( أأنذرتهم ( وضم الميم من ( عليهم ( ووصلها ~~بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت # وكذلك تتبع وجوه الإعراب واستخراج التأويلات المستكرهة التى هي بالألغاز ~~والأحاجي أشبه منها بالبيان PageV16P050 # وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس ونتائج أفكارهم # وكذلك تأويل القرآن على قول من قلد دينه أو مذهبه فهو يتعسف بكل طريق حتى ~~يجعل القرآن تبعا لمذهبه وتقوية لقول إمامه وكل محجوبون بما لديهم عن فهم ~~مراد الله من كلامه في كثير من ذلك أو أكثره # وكذلك يظن من لم يقدر القرآن حق قدره أنه غير كاف في معرفة التوحيد ~~والأسماء ms4858 والصفات وما يجب لله وينزه عنه بل الكافى في ذلك عقول الحيارى ~~والمتهوكين الذين كل منهم قد خالف صريح القرآن مخالفة ظاهرة وهؤلاء أغلظ ~~الناس حجابا عن فهم كتاب الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم PageV16P051 ### || سورة الطلاق # وقال ### ||| فصل # وأما قوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ( فقد ~~بين فيها أن المتقي يدفع الله عنه المضرة بما يجعله له من المخرج ويجلب له ~~من المنفعة بما ييسره له من الرزق والرزق إسم لكل ما يغتذى به الإنسان وذلك ~~يعم رزق الدنيا ورزق الآخرة وقد قال بعضهم ما افتقر تقى قط قالوا ولم قال ~~لأن الله يقول ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ( # وقول القائل قد نرى من يتقي وهو محروم ومن هو بخلاف ذلك وهو مرزوق # فجوابه أن الآية إقتضت أن المتقي يرزق من حيث لا يحتسب ولم تدل على أن ~~غير المتقي لا يرزق بل لابد لكل مخلوق من الرزق قال الله تعالى ( وما من ~~دابة في الأرض إلا على الله رزقها ( حتى PageV16P052 إن ما يتناوله العبد ~~من الحرام هو داخل في هذا الرزق فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة ويرزقون ~~رزقا حسنا وقد لا يرزقون إلا بتكلف وأهل التقوى يرزقهم الله من حيث لا ~~يحتسبون ولا يكون رزقهم بأسباب محرمة ولا يكون خبيثا والتقى لا يحرم ما ~~يحتاج إليه من الرزق وإنما يحمى من فضول الدنيا رحمة به وإحسانا إليه فإن ~~توسيع الرزق قد يكون مضرة على صاحبه وتقديره يكون رحمة لصاحبه # قال تعالى ( فأما الإنسان إذا ما إبتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن وأما إذا ما إبتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا ( أي ليس ~~الأمر كذلك فليس كل من وسع عليه رزقه يكون مكرما ولا ( كل ) من قدر عليه ~~رزقه يكون مهانا بل قد يوسع عليه رزقه إملاء وإستدراجا وقد يقدر عليه رزقه ~~حماية وصيانة له وضيق الرزق على عبد من أهل الدين قد يكون ms4859 لماله من ذنوب ~~وخطايا كما قال بعض السلف إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفى الحديث عن ~~النبى ( من أكثر الإستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ~~ورزقه من حيث لا يحتسب ( # وقد أخبر الله تعالى أن الحسنات يذهبن السيئات والإستغفار سبب للرزق ~~والنعمة وأن المعاصي سبب للمصائب والشدة فقال تعالى PageV16P053 ( الر كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ( إلى قوله ( ويؤت كل ذي فضل فضله ( ~~وقال تعالى ( إستغفروا ربكم إنه كان غفارا ( إلى قوله ( ويجعل لكم جنات ~~ويجعل لكم أنهارا ( وقال تعالى ( وأن لو إستقاموا على الطريقة لأسقيناهم ~~ماء غدقا لنفتنهم فيه ( وقال تعالى ( ولو أن أهل القرى آمنوا وإتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ( وقال ~~تعالى ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم ( وقال تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفو عن كثير ( وقال تعالى ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ( وقال تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك ( وقال تعالى ( فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم ~~يتضرعون فلولا إذ جاءهم باسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون ( # وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه يبتلي عباده بالحسنات والسيئات ~~فالحسنات هي النعم والسيئات هي المصائب ليكون العبد صبارا شكورا وفى الصحيح ~~عن النبى أنه قال والذي نفسى بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا ~~له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ~~ضراء صبر فكان خيرا له PageV16P054 # وقال أيضا ### ||| فصل # قال الله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ( قد ~~روى عن أبى ذر عن النبى أنه قال ( لو أخذ ms4860 الناس كلهم بهذه الاية لكفتهم ( ~~وقوله ( مخرجا ( عن بعض السلف أي من كل ما ضاق على الناس وهذه الاية مطابقة ~~لقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ( الجامعة لعلم الكتب الإلهية كلها وذلك أن ~~التقوى هي العبادة المأمور بها فإن تقوى الله وعبادته وطاعته أسماء متقاربة ~~متكافئة متلازمة والتوكل عليه هو الإستعانة به فمن يتقى الله مثال ( إياك ~~نعبد ( ومن يتوكل على الله مثال ( إياك نستعين ( كما قال ( فاعبده وتوكل ~~عليه ( وقال ( عليك توكلنا وإليك أنبنا ( وقال ( عليه توكلت وإليه أنيب ( # ثم جعل للتقوى فائدتين أن يجعل له مخرجا وأن يرزقه من PageV16P055 حيث لا ~~يحتسب والمخرج هو موضع الخروج وهو الخروج وإنما يطلب الخروج من الضيق ~~والشدة وهذا هو الفرج والنصر والرزق فبين أن فيها النصر والرزق كما قال ( ~~أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( ولهذا قال النبى ( وهل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإستغفارهم ( هذا لجلب المنفعة وهذا لدفع المضرة # وأما التوكل فبين أن الله حسبه أي كافيه وفى هذا بيان التوكل على الله من ~~حيث أن الله يكفي المتوكل عليه كما قال ( أليس الله بكاف عبده ( خلافا لمن ~~قال ليس في التوكل إلا التفويض والرضا ثم إن الله بالغ أمره ليس هو كالعاجز ~~( قد جعل الله لكل شيء قدرا ( وقد فسروا الآية بالمخرج من ضيق الشبهات ~~بالشاهد الصحيح والعلم الصريح والذوق كما قالوا يعلمه من غير تعليم بشر ~~ويفطنه من غير تجربة ذكره أبو طالب المكي كما قالوا في قوله ( إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا ( أنه نور يفرق به بين الحق والباطل كما قالوا بصرا ~~والآية تعم المخرج من الضيق الظاهر والضيق الباطن قال تعالى ( فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما ~~يصعد في السماء ( وتعم ذوق الأجساد وذوق القلوب من العلم والإيمان كما قيل ~~مثل ذلك في قوله ( ومما رزقناهم ينفقون ( وكما قال ( أنزل من السماء ماء ( ~~وهو القرآن والإيمان PageV16P056 ### || سورة التحريم ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوله ms4861 تعالى ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ( هل هذا ~~إسم رجل كان على عهد النبى أم لا وإيش معنى قوله ( نصوحا ( ### ||||| فأجاب # الحمد لله قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الصحابة ~~والتابعين رضي الله عنهم التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه و ~~( نصوح ( هي صفة للتوبة وهي مشتقة من النصح والنصيحة # وأصل ذلك هو الخلوص يقال فلان ينصح لفلان إذا كان يريد له الخير إرادة ~~خالصة لا غش فيها وفلان يغشه إذا كان باطنه يريد السوء وهو يظهر إرادة ~~الخير كالدرهم المغشوش ومنه قوله تعالى ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ~~ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ( أي أخلصوا ~~لله ورسوله قصدهم وحبهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~PageV16P057 ( الدين النصيحة ثلاثا ( قالوا لمن يا رسول الله قال ( لله ~~ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم # ( فإن أصل الدين هو حسن النية وإخلاص القصد ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ~~( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم ~~جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ( أي هذه الخصال الثلاث لا يحقد ~~عليها قلب مسلم بل يحبها ويرضاها # فالتوبة النصوح هي الخالصة من كل غش وإذا كانت كذلك كائنة فإن العبد إنما ~~يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه فمن خرج من قلبه الشبهة والشهوة لم يعد إلى ~~الذنب فهذه التوبة النصوح وهي واجبة بما أمر الله تعالى ولو تاب العبد ثم ~~عاد إلى الذنب قبل الله توبته الأولى ثم إذا عاد إستحق العقوبة فإن تاب تاب ~~الله عليه أيضا ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يصر بل يتوب ولو عاد في ~~اليوم مائة مرة فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن علي عن النبى أنه قال ( إن ~~الله يحب العبد المفتن التواب ( وفى حديث آخر ( لا صغيرة مع إصرار ولا ~~كبيرة مع إستغفار ( وفى حديث آخر ( ما ms4862 أصر من إستغفر ولو عاد في اليوم مائة ~~مرة PageV16P058 ومن قال من الجهال إن ( نصوح ( إسم رجل كان على عهد النبى ~~أمر الناس أن يتوبوا كتوبته فهذا رجل مفتر كذاب جاهل بالحديث والتفسير جاهل ~~باللغة ومعانى القرآن فإن هذا إمرؤ لم يخلقه الله تعالى ولا كان في ~~المتقدمين أحد إسمه نصوح ولا ذكر هذه القصة أحد من أهل العلم ولو كان كما ~~زعم الجاهل لقيل توبوا إلى الله توبة نصوح وإنما قال ( توبة نصوحا ( ~~والنصوح هو التائب ومن قال أن المراد بهذه الآية رجل أو إمرأة إسمه نصوح ~~وإن كان على عهد عيسى أو غيره فإنه كاذب يجب أن يتوب من هذه فإن لم يتب ~~وجبت عقوبته بإجماع المسلمين والله أعلم PageV16P059 ### || سورة الملك # وقال رحمه الله تعالى قوله تعالى ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ( ~~دلت على علمه بالأشياء من وجوه تضمنت البراهين المذكورة لأهل النظر العقلي # ( أحدها ( أنه خالق لها والخلق هو الإبداع بتقدير فتضمن تقديرها في العلم ~~قبل تكوينها # ( الثاني ( أنه مستلزم للإرادة والمشيئة فيلزم تصور المراد وهذه الطريقة ~~المشهورة عند أكثر أهل الكلام # ( الثالث ( أنها صادرة عنه وهو سببها التام والعلم بالأصل يوجب العلم ~~بالفرع فعلمه بنفسه يستلزم علم كل ما يصدر عنه # ( الرابع ( أنه لطيف يدرك الدقيق خبير يدرك الخفي وهذا هو المقتضى للعلم ~~بالأشياء فيجب وجود المقتضي لوجود السبب التام PageV16P060 ### || سورة القلم # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # سورة ( ن ( هي سورة ( الخلق ( الذي هو جماع الدين الذي بعث الله به محمدا ~~صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى فيها ( وإنك لعلى خلق عظيم ( قال بن ~~عباس على دين عظيم وقاله بن عيينة وأخذه أحمد عن بن عيينة فإن الدين ~~والعادة والخلق ألفاظ متقاربة المعنى في الذات وإن تنوعت في الصفات كما قيل ~~في لفظ الدين # فهذا دينه ابدا ودينى # وجمع بعض الزنادقة بينهما في قوله % ما الأمر إلا نسق واحد % % ما فيه من ~~مدح ولا ذم % % وإنما العادة قد خصصت % والطبع والشارع بالحكم ms4863 PageV16P061 ~~( ن ( أقسم سبحانه بالقلم وما يسطرو ن فإن القلم به يكو ن الكتاب الساطر ~~للكلام المتضمن للأمر والنهي والإرادة والعلم المحيط بكل شيء فالإقسام وقع ~~بقلم التقدير ومسطو ره فتضمن أمرين عظيمين تناسب المقسم عليه ( أحدهما ( ~~الإحاطة بالحو ادث قبل كو نها وأن من علم بالشيء قبل كو نه أبلغ ممن علمه ~~بعد كو نه فإخباره عنه أحكم وأصدق ( الثاني ( أن حصو له في الكتابة ~~والتقدير يتضمن حصو له في الكلام والقو ل والعلم من غير عكس فإقسامه بآخر ~~المراتب العلمية يتضمن أو لها من غير عكس وذلك غاية المعرفة وإستقرار العلم ~~إذا صار مكتو با فليس كل معلو م مقو لا ولا كل مقول مكتوبا وهذا يبين لك ~~حكمة الإخبار عن القدر السابق بالكتاب دو ن الكلام فقط أو دو ن العلم فقط ~~والمقسم عليه ثلاث جمل ( ما أنت بنعمة ربك بمجنو ن ( وإن لك لأجرا غير ممنو ~~ن ( وإنك لعلى خلق عظيم ( سلب عنه النقص الذى يقدح فيه وأثبت له الكمال ~~المطلو ب في الدنيا والآخرة وذلك أن الذي أتى به إما أن يكو ن حقا أو باطلا ~~وإذا كان باطلا فإما أن يكو ن مع العقل أو عدمه فهذه الأقسام الممكنة في ~~نظائر هذا PageV16P062 ( الأو ل ( أن يكو ن باطلا ولا عقل له فهذا مجنو ن ~~لا ذم عليه ولا يتبع ( الثاني ( أن يكو ن باطلا وله عقل فهذا يستحق الذم ~~والعقاب ( الثالث ( أن يكو ن حقا مع العقل فنفى عنه الجنون أولا ثم أثبت له ~~الأجر الدائم الذي هو ضد العقاب ثم بين أنه على خلق عظيم وذلك يبين عظم ~~الحق الذي هو عليه بعد أن نفى عنه البطلان وأيضا فالناس نو عان إما معذب ~~وإما سليم منه والسليم ثلاثة أقسام إما غير مكلف وإما مكلف قد عمل صالحا ~~مقتصدا وإما سابق بالخيرات فجعل القسم مرتبا على الأحو ال الثلاثة ليبين ~~أنه أفضل قسم السعداء وهذا غاية كمال السابقين بالخيرات وهذا تركيب بديع في ~~غاية الأحكام ms4864 ثم قال ( فلا تطع المكذبين ( الآيات فتضمن أصلين ( أحدهما ( ~~أنه نهاه عن طاعة هذين الضربين فكان فيه فو ائد منها أن النهي عن طاعة ~~المرء نهي عن التشبه به بالأو لى فلا PageV16P063 يطاع المكذب والحلاف ولا ~~يعمل بمثل عملهما كقو له ( ولا تطع الكافرين والمنافقين ( وأمثاله فإن ~~النهي عن قبول قول من يأمر بالخلق الناقص أبلغ في الزجر من النهي عن التخلق ~~به ( ومنها ( أن ذلك أبلغ في الإكرام والإحترام فإن قو له ( لا تكذب ولا ~~تحلف ولا تشتم ولا تهمز ليس هو مثل قو له لا تطع من يكو ن متلبسا بهذه ~~الأخلاق لما فيه من تشريفه وبراءته ( ومنها ( أن الأخلاق مكتسبة بالمعاشرة ~~ففيه تحذير عن إكتساب شيءمن أخلاقهم بالمخالطة لهم فليأخذ حذره فإنه محتاج ~~إلى مخالطتهم لأجل دعو تهم إلى الله تعالى ( ومنها ( أنهم يبدو ن مصالح ~~فيما يأمرو ن به فلا تطع من كان هكذا ولو أبداها فإن الباعث لهم على ما ~~يأمرو ن به هو ما في نفو سهم من الجهل والظلم وإذا كان الأصل المقتضي للأمر ~~فاسدا لم يقبل من الآمر فإن الأمر مداره على العلم بالمصلحة وإرادتها فإذا ~~كان جاهلا لم يعلم المصلحة وإذا كان الخلق فاسدا لم يردها وهذا معنى بليغ ~~PageV16P064 ( الأصل الثانى ( أنه ذكر قسمين المكذبين وذو ي الأخلاق ~~الفاسدة وذلك لوجوه ( أحدها ( أن المأمو ر به هو الإيمان والعمل الصالح ~~فضده التكذيب والعمل الفاسد و ( الثانى ( أن المؤمنين مأمورون بالتواصي ~~بالحق والتو اصي بالصبر فكما أنا مأمورون بقبول هذه الو صية والإيصاء بها ~~فقد نهينا عن قبو ل ضدها وهو التكذيب بالحق والترك للصبر فإن هذه الأخلاق ~~إنما تحصل لعدم الصبر والصبر ضابط الأخلاق المأمو ر بها ولهذا ختم السو رة ~~به وقال ( وما يلقاها إلا الذين صبرو ا ( فكان في سو رة العصر ما بين هنا ~~فنهاه عن طاعة الذي في خسر ضد الذي للمؤمنين الآمرين بالحق والصبر والذي في ~~خسر هو الكذاب المهين فهو تارك للحق والصبر ( الأصل الثالث ms4865 ( أن صلاح ~~الإنسان في العلم النافع والعمل الصالح وهو الكلم الطيب الذي يصعد إلى الله ~~والعمل الصالح جماع العدل وجماع ما نهى الله عنه الناس هو الظلم كما قرر في ~~غير هذا قال تعالى ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ( والتكذيب بالحق ~~صادر إما عن جهل وإما عن ظلم وهو الجاحد PageV16P065 المعاند وصاحب الأخلاق ~~الفاسدة إنما يو قعه فيها أحد أمرين إما الجهل بما فيها وما في ضدها فهذا ~~جاهل وإما الميل والعدو ان وهو الظلم فلا يفعل السيئات إلا جاهل بها أو ~~محتاج إليها متلذذ بها وهو الظالم فنهاه عن طاعة الجاهلين والظالمين وقوله ~~ودوا لو تدهن ( الآية أخبر أنهم يحبون ادهانه ليدهنوا فهم لا يأمرو نه نصحا ~~بل يريدو ن منه الإدهان ويتوسلون بإدهانه إلى إدهانهم ويستعملو نه لأغراضهم ~~في صو رة الناصح وذلك لما نشأ من تكذيبهم بالحق فإنه لم يبق في قلوبهم غاية ~~ينتهو ن إليها من الحق لا في الحق المقصو د ولا الحق الموجود لا خبرا عنه ~~ولا أمرا به ولا إعتقادا ولا إقتصادا ثم قال ( ولا تطع كل حلاف مهين ( إلخ ~~ذكر أربع آيات كل آيتين جمعت نو عا من الأخلاق الفاسدة المذمو مة وجمع في ~~كل آية بين النو ع المتشابه خبرا وطلبا فالحلاف مقرو ن بالمهين لأن الحلاف ~~هو كثير الحلف وإنما يكو ن على الخبر أو الطلب فهو إما تصديق أو تكذيب أو ~~حض أو منع وإنما يكثر الرجل ذلك في خبره إذا إحتاج أن يصدق ويو ثق بخبره ~~ومن كان كثير الحلف كان كثير الكذب في العهد محتاجا إلى الناس فهو من أذل ~~الناس ( حلاف مهين ( حلاف في أقو اله مهين في أفعاله PageV16P066 و أما ~~الهماز المشاء بنميم فالهمز أقو ى من اللمز وأشد سو اء كان همز الصو ت أو ~~همز حركة ومنه الهمزة وهي نبرة من الحلق مثل التهو ع ومنه الهمز بالعقب كما ~~في حديث زمزم ( أنه همز جبريل بعقبه ( والفعال مبالغة في الفاعل فالهماز ~~المبالغ ms4866 في العيب نو عا وقدرا القدرة من صو رة اللفظ وهو الفعال والنو ع من ~~مادة اللفظ وهو الهمزة والمشاء بنميم هو من العيب ولكنه عيب في القفا فهو ~~عيب الضعيف العاجز فذكر العياب بالقو ة والعياب بالضعف والعياب في مشهد ~~والعياب في مغيب وأما ( مناع للخير معتد أثيم ( فإن الظلم نو عان ترك الو ~~اجب وهو منع الخير وتعد على الغير وهو المعتدي وأما الأثيم مع المعتدي فكقو ~~له ( ولا تعاونوا على الإثم والعدو ان ( وأما العتل الزنيم فهو الجبار الفظ ~~الغليظ الذي قد صار من شدة تجبره وغلظه معرو فا بالشر مشهو را به له زنمة ~~كزنمة الشاة ويشبه والله أعلم أن يكو ن الحلاف المهين الهماز المشاء بنميم ~~من جنس واحد وهو في الأقو ال وما يتبعها من الأفعال والمناع المعتدي الأثيم ~~العتل الزنيم من جنس وهو في الأفعال وما يتبعها من الأقوال فالأول الغالب ~~على جانب الأعراض والثانى الغالب على جانب PageV16P067 الحقوق في الأحوال ~~والمنافع ونحو ذلك وو صفه بالظلم والبخل والكبر كما في قو له ( إن الله لا ~~يحب من كان مختالا فخو را الذين يبخلو ن ( الآية وقو له ( سنسمه على الخرطو ~~م ( فيه إطلاق يتضمن الو سم في الآخرة وفي الدنيا أيضا فإن الله جعل ~~للصالحين سيما وجعل للفاجرين سيما قال تعالى ( سيماهم في وجو ههم من أثر ~~السجو د ( وقال يظهر ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ( الآية فجعل ~~الإرادة والتعريف بالسيما الذي يدرك بالبصر معلقا على المشيئة وأقسم على ~~التعريف في لحن القو ل وهو الصو ت الذي يدرك بالسمع فدل على أن المنافقين ~~لابد أن يعرفو ا في أصو اتهم وكلامهم الذي يظهر فيه لحن قو لهم وهذا ظاهر ~~بين لمن تأمله في الناس من أهل الفراسة في الأقو ال وغيرها مما يظهر فيها ~~من النواقض والفحش وغير ذلك وأما ظهو ر ما في قلو بهم على وجو ههم فقد يكو ~~ن وقد لا يكو ن ودل على أن ظهو ر ms4867 ما في باطن الإنسان على فلتات لسانه أقو ى ~~من ظهو ره على صفحات وجهه لأن اللسان ترجمان القلب فإظهاره لما أكنه أو كد ~~ولأن دلالة اللسان قالية ودلالة الو جه حالية والقو ل أجمع وأو سع للمعانى ~~التى في القلب من الحال ولهذا فضل من فضل كإبن قتيبة وغيره السمع على البصر ~~PageV16P068 و التحقيق أن السمع أوسع والبصر أخص وأرفع وإن كان إدراك السمع ~~أكثر فإدراك البصر أكمل ولهذا أقسم أنه لابد أن يدركهم بسمعه وأما إدراكه ~~إياهم بالبصر بسيماهم فقد يكو ن وقد لا يكو ن فأخبر سبحانه أنه لابد أن يسم ~~صاحب هذه الأخلاق الخبيثة على خرطو مه وهو أنفه الذي هو عضو ه البارز الذي ~~يسبق البصر إليه عند مشاهدته لتكو ن السيما ظاهرة من أو ل ما يرى وهذا ظاهر ~~في الفجرة الظلمة الذين ودعهم الناس إتقاء شرهم وفحشهم فإن لهم سيما من شر ~~يعرفو ن بها وكذلك الفسقة وأهل الريب وقو له ( إنا بلو ناهم ( إلخ فيه بيان ~~حال البخلاء وما يعاقبو ن به في الدنيا قبل الآخرة من تلف الأمو ال إما ~~إغراقا وإما إحراقا وإما نهبا وإما مصادرة وإما في شهو ات الغي وإما في غير ~~ذلك مما يعاقب به البخلاء الذين يمنعو ن الحق وليس إقدام في صنايع المعرو ف ~~وهو قو له ( مناع للخير ( وهو أحد نو عي الظلم كما أخبرو ا به عن نفو سهم ~~في قو لهم ( يا ويلنا إنا كنا طاغين ( وكما قال صلى الله عليه وسلم ( مطل ~~الغنى ظلم ( وتضمن عقو بة الظالم المانع للحق أو متعدي الحق كما يعاقب الله ~~مانع الزكاة وهو مناع الخير وآكل الربا والميسر الذي هو أكل المال بالباطل ~~وكل منهما أخبر الله في كتابه أنه يعاقبه بنقيض PageV16P069 قصده فهنا أخبر ~~بعقوبة تارك الحقوق وفى البقرة بعقو بة المرابى وهذه العقوبة تتناول من ~~يترك هذا الو اجب وفعل هذا المحرم من المحتالين كما أخبر في هذه السو رة ~~وكما هو المشاهد ms4868 في أهل منع الحقو ق المالية والحيل الربو ية من العقو بات ~~والمثلات فإنه سبحانه إذا أنعم على عبد بباب من الخير وأمره بالإنفاق فيه ~~فبخل عاقبه بباب من الشر يذهب فيه أضعاف ما بخل به وعقو بته في الآخرة ~~مدخرة ثم إتبع ذلك بعقو بة المتكبر الذي هو من نو ع العتل الزنيم الذي يدعى ~~إلى السجو د والطاعة فيأبى ففيها عقو بة تارك الصلاة وتارك الزكاة فتارك ~~الصلاة هو المعتدي الأثيم العتل الزنيم وتارك الزكاة الظالم البخيل وختمها ~~بالأمر بالصبر الذي هو جماع الخلق العظيم في قو له ( فاصبر لحكم ربك ( وذلك ~~نص في الصبر على ما يناله من أذى الخلق وعلى المصائب السماو ية والصبر على ~~الأو ل أشد وصاحب الحو ت ذهب مغاضبا لربه لأجل الأمر السماو ي ولهذا قال ( ~~وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ( إلخ فآخرها منعطف على أو ل ما في ~~قو له ( ما أنت بنعمة ربك بمجنو ن ( وقو له ( ويقو لو ن إنه لمجنون ( ~~والأزلاق بالبصر هو الغاية في البغض والغضب والأذى فالصبر PageV16P070 على ~~ذلك نوع من الحلم وهو إحتمال أذى الخلق وفى ذلك ما يدفع كيدهم وشرهم وما ~~ذكره في قصة أهل الجنة من أمر السخاء والجو د وما ذكره هنا من الحلم والصبر ~~هو جماع الخلق الحسن كما جمع بينهما في قو له ( الذين ينفقو ن في السراء ~~والضراء ( الآية كما قيل بحلم وبذل ساد في قو مه الفتى # وكو نك إياه عليك يسير فالإحسان إلى الناس بالمال والمنفعة وإحتمال أذاهم ~~كالسخاء المحمو د كما جمع بينهما في قو له ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين ( ففي أخذه العفو من أخلاقهم إحتمال أذاهم وهو نو عان ترك مالك من ~~الحق عليهم فأخذ العفو أن لا تطلب ما تركو ه من حقك وأن لا تنهاهم فيما ~~تعدو ا فيه الحد فيك وإذا لم تأمرهم ولم تنههم فيما يتعلق PageV16P071 و ~~قال هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يو جد في ms4869 طائفة من كتب التفسير إلا ما هو ~~خطأ [ فيها ] منها قو له ( بأيكم المفتو ن ( حار فيها كثير والصواب المأثور ~~عن السلف قال مجاهد الشيطان وقال الحسن هم أو لى بالشيطان من نبى الله فبين ~~المراد فإنه يتكلم على اللفظ كعادة السلف في الإختصار مع البلاغة وفهم ~~المعنى وقال الضحاك المجنو ن فإن من كان به الشيطان ففيه الجنو ن وعن الحسن ~~الضال وذلك أنهم لم يريدوا بالمجنون الذي يخرق ثيابه ويهذي بل لأن النبى ~~صلى الله عليه وسلم خالف أهل العقل في نظرهم كما يقال ما لفلان عقل ومثل ~~هذا رمو ا به أتباع الأنبياء كقو له ( وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالو ن ( ~~ومثله في هذه الأمة كثير يسخرو ن من المؤمنين ويرمونهم بالجنون والعظائم ~~التى هم أو لى بها منهم قال الحسن لقد رايت رجالا لو رأيتمو هم لقلتم ~~مجانين ولو رأوكم لقالوا هؤلاء شياطين ولو رأو ا خياركم لقالو ا هؤلاء ~~لاخلاق لهم ولو رأو ا شراركم لقالوا هؤلاء قوم لا يؤمنون PageV16P072 بيوم ~~الحساب وهذا كثير في كلام السلف يصفو ن أهل زمانهم وما هم عليه من مخالفة ~~من تقدم فما الظن بأهل زماننا والذين لم يفهمو ا هذا قالو ا الباء زائدة ~~قاله إبن قتيبة وغيره وهذا كثير كقو له ( سيعلمو ن غدا من الكذاب الأشر ( ~~هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ( الآيات ( إن تسخرو ا منا فإنا نسخر منكم ~~كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب ( الآية PageV16P073 و قال ### ||| فصل # ولجماعة من الفضلاء كلام في قو له تعالى ( يو م يفر المرء من أخيه وأمه ~~وأبيه ( لم إبتدأ بالأخ ومن عادة العرب أن يبدأ بالأهم فلما سئلت عن هذا ~~قلت أن الإبتداء يكو ن في كل مقام بما يناسبه فتارة يقتضي الإبتداء بالأعلى ~~وتارة بالأدنى وهنا المناسبة تقتضي الإبتداء بالأدنى لأن المقصو د بيان ~~فراره عن أقاربه مفصلا شيئا بعد شيء فلو ذكر الأقرب أو لا لم يكن في ذكر ~~الأبعد فائدة طائلة فإنه ms4870 يعلم أنه إذا فر من الأقرب فر من الأبعد ولما حصل ~~للمستمع إستشعار الشدة مفصلة فإبتدئ بنفي الأبعد منتقلا منه إلى الأقرب ~~فقيل أو لا ( يفر المرء من أخيه ( فعلم أن ثم شدة تو جب ذلك وقد يجو ز أن ~~يفر من غيره ويجو ز أن لا يفر فقيل ( وأمه وأبيه ( فعلم أن الشدة أكبر من ~~ذلك بحيث تو جب الفرار من الأبو ين ثم قيل ( وصاحبته وبنيه ( فعلم أنها ~~طامة بحيث تو جب الفرار PageV16P074 مما لا يفر منهم إلا في غاية الشدة وهي ~~الزوجة والبنون ولفظ صاحبته أحسن من زو جته قلت فهذا في الخبر ونظيره في ~~الأمر قو له ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ( وقو له ( فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أو سط ما تطعمو ن أهليكم أو كسو تهم ( فإن الواجبات نوعان على ~~الترتيب فيقدم فيه الأعلى فالأعلى كما في كفارة الظهار والقتل واليمين وعلى ~~التخيير فإبتدأ فيها بأخفها ليبين أنه كان مجزيا لا نقص فيه وإن ذكر الأعلى ~~بعده للترغيب فيه لا للإيجاب فإنتقال القلب من العمل الأدنى إلى الأعلى أو ~~لى من أن يؤمر بالأعلى ثم يذكر له الأدنى فيزدريه القلب ولهذا لما ذكر في ~~جزاء الصيد الأعلى إبتداء كان لنا في ترتيبه رو ايتان وإذا نصرنا المشهو ر ~~قلنا قدم فيه الأعلى لأن الأدنى بقدرته في قو له ( أو كفارة طعام مساكين أو ~~عدل ذلك صياما ( ولهذا لما إبتدأ بالأثقل في حدو د المحاربين لم يكن عندنا ~~على التخيير ولا على الترتيب بل بحسب الجرائم وليس في لفظ الآية ما يقتضى ~~التخيير كما يتو همه طائفة من الناس فإنه لم يقل الو اجب أو الجزاء هذا ~~PageV16P075 أو هذا أو هذا كما قال فكفارته هذا أو هذا أو هذا وكما قال ( ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ( وإنما قال إنما جزاءهم هذا أو هذا أو هذا ~~فالكلام فيه نفي وإثبات تقديره ما جزاؤهم إلا أحد الثلاثة كما قال في آية ~~الصدقات ( إنما ms4871 الصدقات للفقراء والمساكين ( أي ما هي إلا لهؤلاء وقد تقرر ~~أن مثل هذا الخطاب يثبت للمذكو ر ما نفاه عن غيره فلما نفى الجو از لغير ~~الأصناف اثبت الجو از لا الوجوب ولا الإستحقاق كما فهمه من إعتقد وجو ب ~~الإستيعاب من ظاهر الخطاب وهنا نفى أن يكو ن ما سو ى أحد هذه جزاء فأثبت أن ~~يكو ن جزاء المحارب أحد هذه العقوبات والمحاربون جملة ليسو ا واحدا فظهر ~~الفرق بين هذه الآية وبين الآيتين من وجو ه ( أحدها ( أن المحاربين ذكرو ا ~~بإسم الجمع ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي تو زيع الأفراد على الأفراد فلو قيل ~~جزاء المعتدين إما القتل وإما القطع وإما الجلد وإما الصلب وإما الحبس لم ~~يقتض هذا التخيير في كل معتد بين هذه العقو بات بل توزيع العقوبات على أنو ~~اعهم كذلك إذا قيل جزاء المحاربين كذا أو كذا أو كذا أو كذا بخلاف قو له ( ~~فكفارته ( وقو له ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة PageV16P076 ( ~~الثاني ( أن المقصو د نفي جو از ما سو ى وإثبات ضده وهي جواز المذكور في ~~الجملة وذلك أعم من أن يكو ن مخيرا أو معينا بخلاف ما إذا لم يكن المقصود ~~إلا مجرد الإثبات فإن إثباته بصيغة التخيير يدل عليه وهذا معرو ف في مو اد ~~الإثبات المحض أو مو اد الحصر كما قال صلى الله عليه وسلم للخصم المدعي ( ~~شاهداك أو يمينه ( وفى لفظ ( ليس لك منه إلا ذلك ( فحصر طريق الحق وليس ~~الغرض التخيير وكذلك يقال الو اجب في القتل القصاص أو الدية ولا تصح الصلاة ~~إلا بوضوء أو تيمم ولا بد يوم الجمعة من الظهر أو الجمعة ولا يترك في دار ~~الإسلام إلا مسلم أو معاهد وسبب ذلك أنه إذا كان بعض المقصو د الذي دل عليه ~~اللفظ نفس ما سوى الأمور المذكورة كان مدلو له إثباتا يقتضى النفي وهو ~~الوجود المشترك من هذه الأمو ر والقدر المشترك بينها أعم من أن يكو ن ms4872 معينا ~~أو مخيرا وأما إذا أثبتت إبتداء فلو لم تكن مخيرة بل معينة ولم يدل اللفظ ~~عليه كان تلبيسا ( الو جه الثالث ( وهو لطيف أن يقال مفهو م أو إثبات ~~التقسيم المطلق كما قلنا إن الواو مفهومها التشريك المطلق بين المعطوف ~~والمعطوف عليه فأما الترتيب فلا ينفيه ولا يثبته إذ الدال PageV16P077 على ~~مجرد المشترك لا يدل على المميز فكذلك أو هي للتقسيم المطلق وهو ثبو ت أحد ~~الأمرين مطلقا وذلك أعم من أن يثبت على سبيل التخيير بينه وبين الآخر أو ~~على سبيل الترتيب أو على سبيل التو زيع وهو ثبو ت هذا في حال وهذا في حال ~~كما أنهم قالو ا هي في الطلب يراد بها الإباحة تارة كقو لهم تعلم النحو أو ~~الفقه والتخيير أخرى كقو لهم كل السمك أو اللبن وأرادو ا بالإباحة جو از ~~الجمع وهي في نفسها تثبت القدر المشترك وهو أحد الإثنين إما مع إباحة الآخر ~~أو حظره فلا تدل عليه بنفسها بل من جهة المادة الخاصة ولهذا جمعنا بين ~~القتل والصلب وبينه وبين القطع على رو آية فإن أو لا تنفى ذلك فإذا كان حرف ~~أو يدل على مجرد إثبات أحد المذكو رات فهنا مسلكان ( أحدهما ( أن يقال إذا ~~كانت في مادة الإيجاب أفادت التخيير وإذا كانت في مادة الجو از أفادت القدر ~~المشترك كما هو مشهو ر عن النحاة المتكلمين في معاني الحرو ف أنهم يقولون ~~يراد بها تارة الأذن في أحد الشيئين مع حظر الآخر وتارة الأذن في أحدهما ~~وإن ضم إليه الآخر كما ذكرو ه من الأمثلة وحينئذ فهذه الآية في مادة الجو ~~از لأن المنفي هو الجو از فيكون PageV16P078 المثبت هو الجو از كما ذكرناه ~~في آية الصدقات بخلاف آية الكفارة فإنها في مادة الوجوب ( المسلك الثانى ( ~~أن يقال لا فرق بين المادتين الجواز والوجوب بل وفى الوجوب قد يباح الجمع ~~كما لو كفر بالجميع مع الغنى لكن يقال دلالتها في الجميع على التفريق ~~المطلق ضد دلالة ( الو أو ms4873 ( ثم إن لم يدل دليل على ترتيب ولا تعيين جاز فعل ~~كل واحد من الخصال لعدم ما يدل على التعيين والترتيب لا للدليل المنافى ~~لذلك كما في قو له ( فتحرير رقبة ( فإن الرقبة المعينة يجزئ عتقها كثبو ت ~~القدر المشترك فيها وعدم ما يو جب المعين لا لدليل دل على نفس المعين وإن ~~دل دليل على التعيين والترتيب قلنا به كما نقول بتقييد المطلق وليس تقييد ~~المطلق رفعا لظاهر اللفظ بل ضم حكم آخر إليه وهذا مسلك حسن في هذا المو ضع ~~ونظائره فإنه يجب الفرق بين ما يثبته اللفظ وبين ما ينفيه فإذا قلنا في ~~المحاربين بالتعيين لدليل خبري أو قياسي كان كالقو ل بالترتيب في الوضوء ~~والإيمان في الرقبة ونحو هما PageV16P079 ### || سورة التكوير # وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل # قوله ( وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ( دليل على أنه لا يجو ز قتل ~~النفس إلا بذنب منها فلا يجو ز قتل الصبى والمجنو ن لأن القلم مرفو ع عنهما ~~فلا ذنب لهما وهذه العلة لا ينبغي أن يشك فيها في النهي عن قتل صبيان أهل ~~الحرب وأما العلة المشتركة بينهم وبين النساء فكونهم ليسوا من أهل القتال ~~على الصحيح الذي هو قول الجمهور أو كونهم يصيرون للمسلمين فأما التعليل ~~بهذا وحده في الصبى فلا والآية تقتضي ذم قتل كل من لا ذنب له من صغير وكبير ~~وسؤالها تو بيخ قاتلها وقو له في السو رة ( إنه لقول رسول كريم ( إلى قو له ~~( وما هو بقو ل شيطان رجيم ( هو جبريل وهو نظير ما في سو رة الشعراء أنه ~~تنزلت به الملائكة لا الشياطين بخلاف الإفك ونحو ه فإنه تنزل به الشياطين ~~فو قع الفرق بين النبى صلى الله عليه وسلم والأفاك والشاعر والكاهن وبين ~~الملك والشيطان والعلماء ورثة الأنبياء PageV16P080 و قال شيخ الإسلام في ~~قو له تعالى ( وما تشاؤو ن إلا أن يشاء الله رب العالمين ( أخبر أن مشيئتهم ~~موقوفة على مشيئته ومع هذا فلا يو جب ذلك وجو د ms4874 الفعل منهم إذ أكثر ما فيه ~~أنه جعلهم شائين ولا يقع الفعل منهم حتى يشاؤه منهم كما في قو له تعالى ( ~~فمن شاء ذكره وما يذكرو ن إلا أن يشاء الله ( ومع هذا فلابد من إرادة الفعل ~~منهم حتى يريد من نفسه إعانتهم وتو فيقهم فهنا أربع إرادات إرادة البيان ~~وإرادة المشيئة وإرادة الفعل وإرادة الإعانة والله أعلم PageV16P081 ### || سورة الأعلى # قال الشيخ رحمه الله ### ||| فصل # قال إبن فو رك في كتابه الذي كتبه إلى أبى إسحاق الإسفرائينى يحكى ما جرى ~~له قال وجرى في كلام السلطان أليس تقو ل إنه يرى لا في جهة فقلت ( نعم يرى ~~لا في جهة كما أنه لم يزل يرى نفسه لا في جهة ولا من جهة ويراه غيره على ما ~~يرى ورأى نفسه والجهة ليست بشرط في الرؤية وقلت أيضا ( المرئيات المعقو لة ~~فيما بيننا هكذا نراها في جهة ومحل والقضاء بمجرد المعهو د لا يمكن دو ن ~~السير والبحث لأنا كما لا نرى إلا في جهة ومحل كذلك لم نر إلا متلو نا ذا ~~قدر وحجم يحتمل المساحة والثقل ولا يخلو من PageV16P082 حرارة ورطوبة أو ~~يبوسة إذا لم يكن عرضا لا يقبل التثنية والتأليف وغير ذلك ومع هذا فلا عبرة ~~بشيء من هذا ( قال ثم بلغني أن السلطان ذلك اليو م والليلة وثاني يو م يكرر ~~على نفسه في مجلسه ( كيف يعقل شيء لا في جهة ( وما شغل القلب في أو ل الأمر ~~وتربى عليه فإن قلعه صعب والله المعين غير أنه فرحت الكرامية بما كان منه ~~في ذلك فلما رجعت إلى البيت فإذا أنا برقعة فيها مكتو ب ( الأستاذ أدام ~~الله سلامته على مذهبه أن الباري ليس في جهة فكيف يرى لا في جهة ( فكتبت ( ~~خبر الرؤية صحيح وهي واجبة كما بشرهم النبى صلى الله عليه وسلم وفيه دلالة ~~على أن الله يرى لا في جهة لأنه صلى الله عليه وسلم قال ( لا تضامو ن في ~~رؤيته ( ومعناه لا تضمكم جهة واحدة ms4875 في رؤيته فإنه لا في جهة ( وكلاما طو ~~يلا من كل وجه ملأت ظهر الرقعة وبطنها منه فلما ردت إليه أنفذها إلى حاكم ~~البلد وهو أبو محمد الناصحي وإستفتاه فيما قلته فجمع قو ما من الحنفية ~~والكرامية فكتب هو أعزك الله بأن من قال بأن الله لا يرى في جهة مبتدع ضال ~~وكتب أبو حامد المعتزلي مثله وكتب إنسان بسطامى مؤدب في دار PageV16P083 ~~صاحب الجيش مثله فردو ا عليه فأنفذ إلي ما في ذلك المحضر الذي فيه خطو طهم ~~وكتب إلي رقعة وقال فيها ( إنهم كتبوا هكذا فما تقول في هذه الفتاوى ( فقلت ~~إن هؤلاء القو م يجب أن يسألوا عن مسائل الفقه التى يقال فيها بتقليد ~~العامي للعالم فأما معرفة الأصول والفتاوى فيها فليس من شأنهم وهم يقولون ~~إنا لا نحسن ذلك ( قلت ( قو ل هؤلاء ( إن الله يرى من غير معاينة ومواجهة ~~قول انفردوا به دو ن سائر طو ائف الأمة وجمهو ر العقلاء على أن فساد هذا ~~معلوم بالضرورة والأخبار المتو اترة عن النبى صلى الله عليه وسلم ترد عليهم ~~كقو له في الأحاديث الصحيحة ( إنكم سترو ن ربكم كما ترو ن الشمس والقمر لا ~~تضارو ن في رؤيته ( وقو له لما ساله الناس هل نرى ربنا يو م القيامة قال ( ~~هل ترو ن الشمس صحو ا ليس دو نها سحاب ( قالو ا نعم ( وهل ترو ن القمر صحو ~~ا ليس دو نه سحاب ( قالو ا نعم قال ( فإنكم ترو ن ربكم كما ترو ن الشمس ~~والقمر ( فشبه الرؤية بالرؤية ولم يشبه المرئى بالمرئي فإن الكاف حرف ~~PageV16P084 التشبيه دخل على الرؤية وفى لفظ للبخاري ( يرونه عيانا ( ~~ومعلوم أنا نرى الشمس والقمر عيانا مو اجهة فيجب أن نراه كذلك وأما رؤية ما ~~لا نعاين ولا نو اجهه فهذه غير متصو رة في العقل فضلا عن أن تكو ن كرؤية ~~الشمس والقمر ولهذا صار حذاقهم إلى إنكار الرؤية وقالوا قولنا هو قول ~~المعتزلة في الباطن فإنهم فسرو الرؤية بزيادة ms4876 إنكشاف ونحو ذلك مما لا ننازع ~~فيه المعتزلة وأما قوله إن الخبر يدل على أنهم يرونه لا في جهة وقوله ( لا ~~تضامون ( معناه لا تضمكم جهة واحدة في رؤيته فإنه لا في جهة فهذا تفسير ~~للحديث بما لا يدل عليه ولا قاله أحد من أئمة العلم بل هو تفسير منكر عقلا ~~وشرعا ولغة فإن قوله ( لا تضامون ( يروى بالتخفيف أي لا يلحقكم ضيم في ~~رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيء الحسن كالهلال فإنه قد يلحقهم ضيم في ~~طلب رؤيته حين يرى وهو سبحانه يتجلى تجليا ظاهرا فيرونه كما ترى الشمس ~~والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته وهذه الرواية المشهورة وقيل ( لا تضامون ( ~~بالتشديد أي لا ينضم بعضكم إلى بعض PageV16P085 كما يتضام الناس عند رؤية ~~الشيء الخفي كالهلال وكذلك تضارون وتضارون فإما أن يروى بالتشديد ويقال ( ~~لا تضامون ( أي لا تضمكم جهة واحدة فهذا باطل لأن التضام إنضمام بعضهم إلى ~~بعض فهو ( تفاعل ( كإلتماس والتراد ونحو ذلك وقد يروى ( لا تضامون ( بالضم ~~والتشديد أي لا يضام بعضكم بعضا وبكل حال فهو من ( التضام ( الذى هو مضامة ~~بعضهم بعضا ليس هو أن شيئا آخر لا يضمكم فإن هذا المعنى لا يقال فيه ( لا ~~تضامون ( فإنه لم يقل ( لا يضمكم شيء ( ثم يقال الراءون كلهم في جهة واحدة ~~على الأرض وإن قدر أن المرئى ليس في جهة فكيف يجوز أن يقال ( لا تضمكم جهة ~~واحدة ( وهم كلهم على الأرض أرض القيامة أو في الجنة وكل ذلك جهة ووجودهم ~~نفسهم لا في جهة ومكان ممتنع حسا وعقلا وأما قوله ( هو يرى لا في جهة فكذلك ~~يراه غيره فهذا تمثيل باطل فإن الإنسان يمكن أن يرى بدنه ولا يمكن أن يرى ~~غيره إلا أن يكون بجهة منه وهو أن يكون أمامه سواء كان عاليا أو سافلا ~~PageV16P086 وقد تخرق له العادة فيرى من خلفه كما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( إني لأراكم من بعدي ( وفى رواية ( من بعد ظهري ( وفى لفظ للبخاري ( ~~إنى لأراكم ms4877 من ورائى ( وفى لفظ في الصحيحين ( إنى والله لأبصر من ورائى كما ~~أبصر من بين يدي ( لكن هم بجهة منه وهم خلفه فكيف تقاس رؤية الرائى لغيره ~~على رؤيته لنفسه ثم تشبيه رؤيته هو برؤيتنا نحن تشبيه باطل فإن بصره يحيط ~~بما رآه بخلاف أبصارنا وهؤلاء القوم أثبتوا ما لا يمكن رؤيته وأحبوا نصر ~~مذهب اهل السنة والجماعة والحديث فجمعوا بين أمرين متناقضين فإن ما لا يكون ~~داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه يمتنع أن يرى بالعين لو كان وجوده في ~~الخارج ممكنا فكيف وهو ممتنع وإنما يقدر في الأذهان من غيرأن يكون له وجود ~~في الأعيان فهومن باب الوهم والخيال الباطل ولهذا فسروا ( الإدراك ( ~~بالرؤية في قوله ( لا تدركه الأبصار ( كما فسرتها المعتزلة لكن عند ~~المعتزلة هذا خرج مخرج المدح فلا يرى بحال وهؤلاء قالوا لا يرى في الدنيا ~~دون الآخرة والآية تنفي الإدراك مطلقا [ دون الرؤية كما قال ] إبن كلاب ~~PageV16P087 وهذا أصح وحينئذ فتكون الآية دالة على إثبات الرؤية وهو أنه ~~يرى ولا يدرك فيرى من غير إحاطة ولا حصر وبهذا يحصل المدح فإنه وصف لعظمته ~~أنه لا تدركه أبصار العباد وإن رأته وهو يدرك أبصارهم قال إبن عباس وعكرمة ~~بحضرته لمن عارض بهذه الآية ( ألست ترى السماء ( قال ( بلى ( قال ( أفكلها ~~ترى ( وكذلك قال ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ( وهؤلاء يقولون ~~علمه شيء واحد لا يمكن أن يحاط بشيء منه دون شيء فقالوا ولا يحيطون بشيء من ~~معلومه وليس الأمر كذلك بل نفس العلم جنس يحيطون منه بما شاء وسائره لا ~~يحيطون به وقال ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ( ~~والراجح من القولين أن الضمير عائد إلى ( ما بين أيديهم وما خلفهم ( وإذا ~~لم يحيطوا بهذا علما وهو بعض مخلوقات الرب فأن لا يحيطوا علما بالخالق أولى ~~وأحرى قال تعالى ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ( وقال ( ألم يأتكم نبأ الذين ~~من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من ms4878 بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم ~~رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ( الآية فإذا قيل ( لا تدركه ~~الأبصار ( أى لا تحيط به دل على أنه PageV16P088 يوصف بنفي الإحاطة به مع ~~إثبات الرؤية وهذا ممتنع على قول هؤلاء فإن هذا إنما يكون بزعمهم فيما ~~ينقسم فيرى بعضه من بعض فتكون هناك رؤية بلا إدراك وإحاطة وعندهم لا يتصور ~~أن يرى إلا رؤية واحدة متماثلة كما يقولونه في كلامه إنه شيء واحد لا يتبعض ~~ولا يتعدد وفى الإيمان به أنه شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقصان وأما ~~الإدراك والإحاطة الزائد على مطلق الرؤية فليس إنتفاؤه لعظمة الرب عندهم بل ~~لأن ذاته لا تقبل ذاك كما قالت المعتزلة إنها لا تقبل الرؤية وأيضا فهم ~~والمعتزلة لا يريدون أن يجعلوا للأبصار إدراكا غير الرؤية سواء أثبتت ~~الرؤية أو نفيت فإن هذا يبطل قول المعتزلة بنفى الرؤية ويبطل قول هؤلاء ~~بإثبات رؤية بلا معاينة ومواجهة ### ||| فصل # هذا مع أن إبن فورك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين وكذلك ~~المجيء والإتيان موافقة لأبى الحسن فإن هذا قوله وقول متقدمي أصحابه ~~PageV16P089 فقال إبن فورك فيما صنف في أصول الدين فإن سألت الجهمية عن ~~الدلالة على أن القديم سميع بصير قيل لهم قد إتفقنا على أنه حي تستحيل عليه ~~الآفات والحي إذا لم يكن مأووفا بآفات تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات ~~كان سميعا بصيرا وإن سالت فقلت ( أين هو ( فجوابنا ( أنه في السماء ( كما ~~أخبر في التنزيل عن نفسه بذلك فقال عز من قائل ( أأمنتم من في السماء ( ~~وإشارة المسلمين بأيديهم عند الدعاء في رفعها إليه وأنك لو سالت صغيرهم ~~وكبيرهم فقلت ( أين الله ( لقالوا ( أنه في السماء ( ولم ينكروا لفظ السؤال ~~ب ( أين ( لأن النبى صلى الله عليه وسلم سأل الجارية التى عرضت للعتق فقال ~~( أين الله ( فقالت ( في السماء ( مشيرة بها فقال النبى صلى الله عليه وسلم ~~( أعتقها فإنها مؤمنة ( ولو كان ذلك قولا منكرا لم يحكم بإيمانها ولأنكره ~~عليها ومعنى ذلك أنه فوق السماء ms4879 لأن ( في ( بمعنى فوق قال الله تعالى ( ~~فسيحوا في الأرض ( أى فوقها قال ( وإن سألت ( كيف هو ( قلنا له ( كيف ( ~~سؤال عن صفته وهو ذو الصفات العلى هو العالم الذي له العلم والقادر ~~PageV16P090 الذي له القدرة والحي الذي له الحياة الذي لم يزل منفردا بهذه ~~الصفات لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ( قلت ( فهذا الكلام هو موافق لما ذكره ~~الأشعرى في كتاب ( الإبانة ( ولما ذكره إبن كلاب كما حكاه عنه إبن فورك لكن ~~إبن كلاب يقول إن العلو والمباينة من الصفات العقلية وأما هؤلاء فيقولون ~~كونه في السماء صفة خبرية كالمجيء والإتيان ويطلقون القول بانه بذاته فوق ~~العرش وذلك صفة ذاتية عندهم والأشعري يبطل تأويل من تأول الإستواء بمعنى ~~الإستيلاء والقهر بأنه لم يزل مستوليا على العرش وعلى كل شيء والإستواء ~~مختص بالعرش فلو كان بمعنى الإستيلاء لجاز أن يقال ( هو مستو على كل شيء ~~وعلى الأرض وغيرها ( كما يقال ( إنه مستول عليها ( ولما إتفق المسلمون على ~~أن الإستواء مختص بالعرش فهذا الإستواء الخاص ليس بمعنى الإستيلاء العام ~~وأين للسلطان جعل الإستواء بمعنى القهر والغلبة وهو الإستيلاء فيشبه والله ~~أعلم أن يكون إجتهاده مختلفا في هذه المسائل كما إختلف إجتهاد غيره فأبو ~~المعالي كان يقول بالتأويل ثم حرمه وحكى إجماع السلف على تحريمه وإبن عقيل ~~له أقوال مختلفة وكذلك PageV16P091 لأبي حامد والرازي وغيرهم ومما يبين ~~إختلاف كلام إبن فورك أنه في مصنف آخر قال فإن قال قائل ( أين هو ( قيل ليس ~~بذي كيفية فنخبر عنها إلا أن يقول ( كيف صنعه ( فمن صنعه أنه يعز من يشاء ~~ويذل من يشاء وهو الصانع للأشياء كلها فهنا أبطل السؤال عن الكيفية وهناك ~~جوزه وقال الكيفية هي الصفة وهو ذو الصفات وكذلك السؤال عن الماهية قال في ~~ذلك المصنف وإن سألت الجهمية فقالت ( ما هو ( يقال لهم ( ما ( يكون ~~إستفهاما عن جنس أو صفة في ذات المستفهم فإن أردت بذلك سؤالا عن صفته فهو ~~العلم والقدرة والكلام والعزة والعظمة وقال في الآخر فإن [ قال ms4880 ] قائل ( ~~حدثونا عن الواحد الذي تعبدونه ما هو ( قيل إن أردت بقولك ( ما جنسه ( فليس ~~بذي جنس وإن أردت بقولك ( ما هو ( أي أشيروا إليه حتى أدركه بحواسي فليس ~~بحاضر للحواس وإن أردت بقولك ( ما هو ( أي دلونى عليه بعجائب صنعته وآثار ~~حكمته فالدلالة عليه قائمة وإن أردت بقولك ( ما إسمه ( فنقول هو الله ~~الرحمن الرحيم القادر السميع البصير PageV16P092 [ وهو ] في هذا المصنف ~~أثبت أنه على العرش بخلاف ما كان عليه قبل العرش فقال فإن قال ( فحدثونا ~~عنه أين كان قبل أن يخلق ( قيل ( أين ( تقتضي مكانا والأمكنة مخلوقات وهو ~~سبحانه لم يزل قبل الخلق والأماكن لا في مكان ولا يجري عليه وقت ولا زمان # فإن قال ( فعلى ما هو اليوم ( قيل له مستو على العرش كما قال سبحانه ( ~~الرحمن على العرش إستوى ( # وقال فإن قال قائل ( لم يزل الباري قادرا عالما حيا سميعا بصيرا ( قيل ~~نعم فإن قال ( فلم أنكرتم أن يكون لم يزل خالقا ( قيل له إن أردت بقولك ( ~~لم يزل خالقا أي لم يزل الخلق معه في قدمه فهذا خطأ لأن معنى الخلق أنه لم ~~يكن ثم كان فكيف يكون ما لم يكن ثم كان لم يزل موجودا وإن أردت بقولك أن ~~الخالق لم يزل وكان قادرا على أن يخلق الخلق فكذلك نقول لأن الخالق لم يزل ~~والخلق لم يكن ثم كان وقد كان لم يزل قادرا على أن يخلق الخلق فهذا الجواب # قال فإن قيل ( إذا قلتم إنه الآن خالق فما أنكرتم أن يكون لم يزل خالقا ( ~~قيل له لا يلزم ذلك وذلك أنه الآن مستو على PageV16P093 عرشه فلا يجب أن ~~يكون لم يزل مستويا على عرشه فكذلك ما قلناه يناسبه فإن قيل ( الإستواء منه ~~فعل ويستحيل أن يكون الفعل لم يزل ( قال قيل والخلق منه فعل ويستحيل أن ~~يكون الخلق لم يزل فهذا الكلام [ ليس ] إلا ببيان الذين يقولون أنه إستوى ~~على العرش بعد أن لم يكن ويقولون بقدم صفة التكوين والخلق وأنه لم يزل ms4881 ~~خالقا فألزمهم ( أنا نقول في الخلق ما نقوله نحن وأنتم في الإستواء ( وهذا ~~جواب ضعيف من وجوه # ( أحدها ( أنه في الحقيقة ليس عنده أنه إستوى بعد أن لم يكن كما قد بحثه ~~مع السلطان بل هو الآن كما كان فلا يصح القياس عليه # ( الثاني ( أنه قد سلم أنه لم يزل قادرا على أن يخلق الخلق وهذا يقتضى ~~إمكان وجود المقدور في الأزل فإنه إذا كان المقدور ممتنعا لم تكن هناك قدرة ~~فكيف يجعله لم يزل قادرا مع إمتناع أن يكون المقدور لم يزل ممكنا بل ~~المقدور عنده كان ممتنعا ثم صار ممكنا بلا سبب حادث إقتضى ذلك PageV16P094 ~~( الثالث ( أن قوله ( لأن معنى الخلق أنه لم يكن ثم كان فكيف يكون ما لم ~~يكن ثم كان لم يزل موجودا ( فيقال بل كل مخلوق فهو محدث مسبوق بعدم نفسه ~~وما ثم قديم أزلى إلا الله وحده وإذا قيل ( لم يزل خالقا ( فإنما يقتضى قدم ~~نوع الخلق و ( دوام خالقيته ( لا يقتضى قدم شيء من المخلوقات فيجب الفرق ~~بين أعيان المخلوقات الحادثة بعد أن لم تكن فإن هذه لا يقول عاقل إن منها ~~شيئا أزليا ومن قال بقدم شيء من العالم كالفلك أو مادته فإنه يجعله مخلوقا ~~بمعنى أنه كان بعد أن لم يكن ولكن إذ أوجده القديم # ولكن لم يزل فعالا خالقا [ ودوام خالقيته ] من لوازم وجوده فهذا ليس قولا ~~بقدم شيء من المخلوقات بل هذا متضمن لحدوث كل ما سواه وهذا مقتضى سؤال ~~السائل له # ( الوجه الرابع ( أن يقال العرش حادث كائن بعد أن لم يكن لم يزل مستويا ~~عليه بعد وجوده وأما الخلق فالكلام في نوعه ودليله على إمتناع حوادث لا أول ~~لها قد عرف ضعفه والله أعلم # وكان إبن فورك في مخاطبة السلطان قصد إظهار مخالفة الكرامية كما قصد ~~بنيسابور القيام على المعتزلة في إستتابتهم وكما كفرهم عند PageV16P095 ~~السلطان ومن لم يعدل في خصومة ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الإجتهاد بل ~~إبتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنه ms4882 هو ظلم نفسه # وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق يتبعون الرسول فلا ~~يبتدعون ومن إجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه وأهل البدع مثل ~~الخوارج يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم ويستحلون دمه وهؤلاء كل منهم يرد ~~بدعة الآخرين ولكن هو أيضا مبتدع فيرد بدعة ببدعة وباطلا بباطل # وكذلك ما حكاه من مناظراتهم له عند الوزير مجلسا بعد مجلس هو من هذا ~~الباب فإن المعتزلة والكرامية يقولون حقا وباطلا وسنة وبدعة [ كما أنه هو ] ~~أيضا كذلك يقول حقا وباطلا [ موافقة ] لأبى الحسن وأبو الحسن سلك في مسألة ~~الأسماء والأحكام والقدر مسلك الجهم بن صفوان مسلك المجبرة ومسلك غلاة ~~المرجئة فهؤلاء قدرية مجبرة والمعتزلة قدرية نافية فوقع بينهم غاية التضاد ~~في مسائل التعديل والتجويز ونحوها # والله يحب الكلام بعلم وعدل ويكره الكلام بجهل وظلم كما قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض PageV16P096 في الجنة ~~رجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في ~~النار ورجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ( # وقد حرم سبحانه الكلام بلا علم مطلقا وخص القول عليه بلا علم بالنهي فقال ~~تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسئولا ( وقال تعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لاتعلمون ( # وأمر بالعدل على أعداء المسلمين فقال ( كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى ( ### ||| فصل # وهو سبحانه وصف نفسه بالعلو وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم لأنه من ~~صفات الكمال كما مدح نفسه بأنه العظيم والعليم والقدير والعزيز والحليم ~~ونحو ذلك وأنه الحي PageV16P097 القيوم ونحو ذلك من معاني أسمائه الحسنى ~~فلا يجوز أن يتصف بأضداد هذه فلا يجوز أن يوصف بضد الحياة والقيومية والعلم ~~والقدرة مثل الموت ms4883 والنوم والجهل والعجز واللغوب ولا بضد العزة وهو الذل ~~ولا بضد الحكمة وهو السفه # فكذلك لا يوصف بضد العلو وهو السفول ولا بضد العظيم وهو الحقير بل هو ~~سبحانه منزه عن هذه النقائص المنافية لصفات الكمال الثابتة له فثبوت صفات ~~الكمال له ينفى إتصافه بأضدادها وهي النقائص # وهو سبحانه ليس كمثله شيء فيما يوصف به من صفات الكمال # فهو منزه عن النقص المضاد لكماله ومنزه عن أن يكون له مثل في شيء من ~~صفاته ومعانى التنزيه ترجع إلى هذين الأصلين وقد دل عليهما سورة الإخلاص ~~التى تعدل ثلث القرآن بقوله ( قل هو الله أحد الله الصمد ( فإسمه ( الصمد ( ~~يجمع معاني صفات الكمال كما قد بسط ذلك في تفسير هذه السورة وفى غير موضع ~~وهو كما في تفسير إبن أبى طلحة عن إبن عباس أنه المستوجب لصفات السؤدد ~~العليم PageV16P098 الذي قد كمل في علمه الحكيم الذي قد كمل في حكمته إلى ~~غير ذلك مما قد بين # وقوله ( الأحد ( يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير ( ولم يكن له كفوا أحد ( # وقد ذكرنا في غير موضع أن ما وصف الله تعالى به نفسه من الصفات السلبية ~~فلا بد أن يتضمن معنى ثبوتيا فالكمال هو في الوجود والثبوت والنفي مقصودة ~~نفي ما يناقض ذلك فاذا نفي النقيض الذي هو العدم والسلب لزم ثبوت النقيض ~~الآخر الذي هو الوجود والثبوت وبينا هذا في آية الكرسى وغيرها مما في ~~القرآن كقوله @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ فانه يتضمن كمال الحياة ~~والقيومية وقوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ يتضمن كمال ~~الملك وقوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه @QE@ يقتضي اختصاصه بالتعليم دون ~~ما سواه # والوحدانية تقتضي الكمال والشركة تقتضي النقص وكذلك قوله @QB@ ولا يؤوده ~~حفظهما @QE@ @QB@ وما مسنا من لغوب @QE@ @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ ولا ~~يغرب عنه مثقال ذرة وأمثال ذلك مما هو مبسوط في غير هذا الموضع PageV16P099 # والمقصود هنا أن علوه من صفات المدح اللازمة له فلا يجوز اتصافه بضد ~~العلو ألبتة ولهذا قال النبى في ms4884 الحديث الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء ~~وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك ~~شيء ولم يقل ( تحتك ) وقد تكلمنا على هذا الحديث في غير هذا الموضع # وإذا كان كذلك فالمخالفون للكتاب والسنة وما كان عليه السلف لا يجعلونه ~~متصفا بالعلو دون السفول بل إما أن يصفوه بالعلو والسفول أو بما يستلزم ذلك ~~وإما أن ينفوا عنه العلو والسفول وهم نوعان # فالجهمية القائلون بأنه بذاته في كل مكان أو بأنه لا داخل العالم ولا ~~خارجه لا يصفونه بالعلو دون السفول فانه إذا كان في مكان فالأمكنة منها عال ~~وسافل فهو في العالي عال وفي السافل سافل بل إذا قالوا إنه في كل مكان ~~فجعلوا الأمكنة كلها محال له ظروفا وأوعية جعلوها في الحقيقة أعلى منه فان ~~المحل يحوى الحال والظرف والوعاء يحوي المظروف الذي فيه والحاوى فوق المحوى # والسلف والأئمة وسائر علماء السنة إذا قالوا إنه فوق العرش PageV16P100 ~~وإنه في السماء فوق كل شيء لا يقولون إن هناك شيئا يحويه أو يحصره أو يكون ~~محلا له أو ظرفا ووعاء سبحانه وتعالى عن ذلك بل هو فوق كل شيء وهو مستغن عن ~~كل شيء وكل شيء مفتقر إليه وهو عال على كل شيء وهو الحامل للعرش ولحملة ~~العرش بقوته وقدرته وكل مخلوق مفتقر إليه وهو غنى عن العرش وعن كل مخلوق # وما في الكتاب والسنة من قوله @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ ونحو ذلك قد ~~يفهم منه بعضهم أن ( السماء ) هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه ~~فيقولون قوله @QB@ في السماء @QE@ بمعنى ( على السماء ) كما قال @QB@ ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل @QE@ أي ( على جذوع النخل ) وكما قال @QB@ فسيروا ~~في الأرض @QE@ أي ( على الأرض ) ولا حاجة إلى هذا بل ( السماء ) اسم جنس ~~للعالي لا يخص شيئا فقوله @QB@ في السماء @QE@ أي في العلو دون السفل وهو ~~العلي الأعلى فله اعلى العلو وهو ما فوق العرش وليس هناك غيره العلى الأعلى ~~سبحانه وتعالى # والقائلون بأنه في كل مكان هو ms4885 عندهم في المخلوقات السفلية القذرة الخبيثة ~~كما هو في المخلوقات العالية وغلاة هؤلاء الأتحادية الذين يقولون ( الوجود ~~واحد ) كابن عربى الطائى صاحب ( فصوص PageV16P101 الحكم و ( الفتوحات ~~الملكية ) يقولون ( الموجود الواجب القديم هو الموجود المحدث الممكن ) # ولهذا قال بن عربى في ( فصوص الحكم ) # ومن أسمائه الحسنى ( العلى ) على من وما ثم إلا هو وعن ماذا وما هو إلا ~~هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى ( محدثات ) هي ~~العلية لذاتها وليست إلا هو # إلى أن قال ( فالعلى لنفسه هو الذي يكون له جميع الأوصاف الوجودية والنسب ~~العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا ~~وليس ذلك إلا المسمى الله فهو عنده الموصوف بكل ذم كما هو الموصوف بكل مدح # وهؤلاء يفضلون عليه بعض المخلوقات فان في المخلوقات ما يوصف بالعلو دون ~~السفول كالسماوات وما كان موصوفا بالعلو دون السفول كان أفضل مما لا يوصف ~~بالعلو أو يوصف بالعلو والسفول # وقد قال فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) قال بن عربى PageV16P102 ( ولما كان ~~فرعون في منصب التحكم والخليفة بالسيف جاز في العرف الناموسي أن قال ( أنا ~~ربكم الأعلى ) أي وإن كان أن الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما ~~أعطيته من الحكم فيكم ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه بل أقروا ~~له بذلك وقالوا له ( اقض ما انت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) فالدولة ~~لك فصح قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) # فبهذا وأمثاله يصححون قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) وينكرون أن يكون ~~الله عاليا فضلا عن أن يكون هو الأعلى ويقولون على من يكون اعلى أو عما ذا ~~يكون اعلى # وهكذا سائر الجهمية يصفون بالعلو على وجه المدح ما هو عال من المخلوقات ~~كالسماء والجنة والكواكب ونحو ذلك ويعلمون أن العالي أفضل من السافل وهم لا ~~يصفون ربهم بأنه الأعلى ولا العلي بل يجعلونه في السافلات كما هو في ~~العاليات # والجهمية الذين يقولون ( ليس هو داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ~~ألبته هم ms4886 أقرب إلى التعطيل والعدم كما أن أولئك أقرب إلى الحلول والاتحاد ~~بالمخلوقات فهؤلاء يثبتون موجودا لكنه في الحقيقة المخلوق لا الخالق وأولئك ~~ينفون فلا يثبتون وجودا ألبته لكنهم PageV16P103 يثبتون وجود المخلوقات ~~ويقولون إنهم يثبتون وجود الخالق # وإذا قالوا نحن نقول ( هو عال بالقدرة أو بالقدر ) قيل هذا فرع ثبوت ذاته ~~وأنتم لم تثبتوا موجودا يعرف وجوده فضلا عن أن يكون قادرا أو عظيم القدر # وإذا قالوا كان الله قبل خلق الأمكنة والمخلوقات موجودا وهو الآن على ما ~~عليه كان لم يتغير ولم يكن هناك فوق شيء ولا عاليا على شيء فكذلك هو الآن ~~قيل هذا غلط ويظهر فساده بالمعارضة ثم بالحل وبيان فساده # أما ( الأول ) فيلزمهم أن لا يكون الآن عاليا بالقدرة ولا بالقدر كما كان ~~في الأزل فانه إذا قدر وجوده وحده فليس هناك موجود يكون قادرا عليه ولا ~~قاهرا له ولا مستوليا عليه ولا موجودا يكون هو أعظم قدرا منه # فان كان مع وجود المخلوقات لم يتجدد له علو عليها كما زعموا فيجب أن يكون ~~بعدها ليس قاهرا لشيء ولا مستوليا عليه ولا قاهرا لعباده ولا قدره أعظم من ~~قدرها وإذا كانوا يقولون هم وجميع العقلاء إنه مع وجود المخلوق يوصف بأمور ~~إضافية لا يوصف PageV16P104 بها إذا قدر موجودا وحده علم أن التسوية بين ~~الحالين خطأ منهم # وقد اتفق العقلاء على جواز تجدد النسب والاضافات مثل المعية وإنما النزاع ~~في تجدد ما يقوم بذاته من الأمور الأختيارية وقد بين في غير هذا الموضع أن ~~النسب والاضافات مستلزمة لأمور ثبوتية وأن وجودها بدون الأمور الثبوتيه ~~ممتنع # والانسان إذا كان جالسا فتحول المتحول عن يمينه بعد أن كان عن شماله قيل ~~( إنه عن شماله ) فقد تجدد من هذا فعل به تغيرت النسبة والاضافة وكذلك من ~~كان تحت السطح فصار فوقه فان النسبة بالتحتية والفوقية تجدد لما تجدد فعل ~~هذا # وإذا قيل ( نفس السقف لم يتغير ) قيل قد يمنع هذا ويقال ليس حكمه إذا لم ~~يكن فوقه شيء كحكمه إذا كان ms4887 فوقه شيء وإذا قيل عن الجالس ( إنه لم يتغير ) ~~قيل قد يمنع هذا ويقال ليس حكمه إذا كان الشخص عن يساره كحكمة إذا كان عن ~~يمينه فانه يحجب هذا الجانب ويوجب من التفات الشخص وغير ذلك مالم يكن قبل ~~ذلك # وكذلك من تجدد له أخ أو بن أخ بايلاد أبيه أو أخيه قد وجد هنا أمور ~~ثبوتية وهذا الشخص يصير فيه من العطف والحنو على هذا الولد المتجدد مالم ~~يكن قبل ذلك وهى الرحم والقرابة PageV16P105 وبهذا يظهر الجواب الثانى وهو ~~أن يقال # العلو والسفول ونحو ذلك من الصفات المستلزمة للاضافة وكذلك الاستواء ~~والربوبية والخالقية ونحو ذلك فإذا كان غيره موجودا فاما أن يكون عاليا ~~عليه وإما أن لا يكون كما يقولون هم إما أن يكون عاليا عليه وإما أن لا ~~يكون كما يقولون هم إما أن يكون عاليا عليه بالقهر أو بالقدر أو لا يكون ~~خلاف ما إذا قدر وحده فانهم لا يقولون إنه حينئذ قاهر ( أو قادر ) أو مستول ~~عليه فلا يقال إنه عال عليه وإن قالوا ( إنه قادر وقاهر ) كان ذلك مشروطا ~~بالغير وكذلك علو القدر قيل وكذلك علو ذاته ما زال عاليا بذاته لكن ظهور ~~ذلك مشروط بوجود الغير والالزامات مفحمة لهم # وحقيقة قولهم إنه لم يكن قادرا في الأزل ثم صار قادرا يقولون لم يزل ~~قادرا مع امتناع المقدور وإنه لم يكن الفعل ممكنا فصار ممكنا فيجمعون بين ~~النقيضين ### ||| فصل # وأما الذين يصفونه بالعلو والسفول فالذين يقولون هو فوق العرش وهو أيضا ~~في كل مكان والذين يقولون إذا نزل كل ليلة فانه PageV16P106 يخلو منه العرش ~~أو غيره من المخلوقات أكبر منه ويقولون لا يمتنع أن يكون الخالق أصغر من ~~المخلوق كما يقول شيوخهم إنه لا يمتنع أن يكون الخالق أسفل من المخلوق ~~فهؤلاء لا يصفونه بأنه أكبر من كل شيء بل ولا هو على قولهم الكبير المتعال ~~ولا هو العلى العظيم # وقد بسط الرد على هؤلاء في ( مسألة النزول ) لما ذكر قول أئمة السنة مثل ~~حماد ms4888 بن زيد واسحق بن راهويه وغيرهما ( إنه ينزل ولا يخلو منه العرش ) ذكر ~~قول من انكر ذلك من المتأخرين المنتسبين إلى الحديث والسنة وبين فساد قولهم ~~شرعا وعقلا # وهؤلاء في مقابلة الذين ينفون النزول # وإذا قيل حديث النزول ونحوه ظاهره ليس ( يحتمل التأويل ) فهذا صحيح إذا ~~أريد بالظاهر ما يظهر لهؤلاء ونحوهم ( من أنه ينزل إلى أسفل ) فيصير تحت ~~العرش كما ينزل الانسان من سطح داره إلى أسفل وعلى قول هؤلاء ولا يبقى ~~حينئذ العلي ولا الأعلى بل يكون تارة أعلى وتارة أسفل تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا # وكذلك ما ورد من نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام ومن نزوله ~~PageV16P107 إلى الأرض لما خلقها ومن نزوله لتكليم موسى وغير ذلك كله من ~~باب واحد كقوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~@QE@ وقوله @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وقوله @QB@ هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ والنفاة المعطلة ~~ينفون المجيء والاتيان بالكلية ويقولون ما ثم ألا ما يحدث في المخلوقات ~~والحلولية يقولون إنه يأتى ويجيء بحيث يخلو منه مكان ويشغل آخر فيخلو منه ~~ما فوق العرش ويصير بعض المخلوقات فوقه فاذا اتى وجاء لم يصر على قولهم ~~العلى الأعلى ولا كان هو العلى العظيم لا سيما إذا قالوا إنه يحويه بعض ~~المخلوقات فتكون أكبر منه سبحانه وتعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوا عظيما # وكذلك قوله @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ إن كان قد قال أحد إنه في جوف ~~السماء فهو شر قولا من هؤلاء ولكن هذا ما علمت به قائلا معينا منسوبا إلى ~~علم حتى أحكيه قولا # ومن قال ( إنه في السماء ) فمراده أنه في العلو ليس مراده أنه في جوف ~~الأفلاك إلا ( أن بعض ) الجهال يتوهم ذلك وقد ظن طائفة أن هذا ظاهر اللفظ ~~PageV16P108 # ( الظاهر ) ولا ريب أنه محمول على خلاف هذا بالاتفاق لكن هذا هو الذي ~~يظهر لعامة المسلمين الذين يطلقون هذا القول ويسمعونه أو ms4889 هو مدلول اللفظ في ~~اللغة هو مما لا يسلم لهم كما قد يبسط في مواضع # وقد قال تعالى @QB@ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ~~@QE@ فاستثنى نفسه والعالم ( من في السماوات والأرض ) ولا يجوز أن يقال هذا ~~استثناء منقطع لأن المستثنى مرفوع ولو كان منقطعا لكان منصوبا والمرفوع على ~~البدل والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو بمنزلة المفرغ كأنه قال ( ~~لا يعلم الغيب إلا الله ) فيلزم أنه داخل في ( من في السماوات والأرض ) # وقد قدمنا أن لفظ ( السماء ) يتناول كل ما سما ويدخل فيه السماوات ~~والكرسي والعرش وما فوق ذلك لأن هذا في جانب النفى وهو لم يقل هنا ( ~~السماوات السبع بل عم بلفظ ( السماوات ) وإذا كان لفظ ( السماء ) قد يراد ~~به السحاب ويراد به الفلك ويراد به ما فوق العالم ويراد به العلو مطلقا ف ( ~~السماوات ) جمع ( سماء ) وكل من فيما يسمى ( سماء ) وكل من فيما يسمى ( ~~أرضا ) لا يعلم الغيب إلا الله PageV16P109 # وهو سبحانه قال ( قل لا يعلم من ) ولم يقل ( ما ) فانه لما اجتمع ما يعقل ~~وما لا يعقل غلب ما يعقل وعبر عنه ب ( من ) لتكون أبلغ فانهم مع كونهم من ~~أهل العلم والمعرفة لا يعلم أحد منهم الغيب إلا الله # وهذا هو الغيب المطلق عن ( جميع المخلوقين ) الذي قال فيه ( فلا يظهر على ~~غيبة أحدا ) ( والغيب المقيد ما علمه ) بعض المخلوقات من الملائكة أو الجن ~~أو الانس وشهدوه فانما هو غيب عمن غاب عنه ليس هو غيبا عمن شهده والناس ~~كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا فيكون غيبا مقيدا أي غيبا عمن غاب عنه من ~~المخلوقين لا عمن شهده ليس غيبا مطلقا غاب عن المخلوقين قاطبة # وقوله ( عالم الغيب والشهادة ) أي عالم ما غاب عن العباد مطلقا ومعينا ~~وما شهدوه فهو سبحانه يعلم ذلك كله # والنفاة للعلو ونحوه من الصفات معترفون بأنه ليس مستندهم خبر الأنبياء لا ~~الكتاب ولا السنة ولا أقوال السلف ولا مستندهم فطرة العقل وضرورته ms4890 ولكن ~~يقولون معنا النظر العقلي وأما أهل السنة المثبتون للعلو فيقولون إن ذلك ~~ثابت بالكتاب والسنة والاجماع مع فطرة الله التى فطر العباد عليها وضرورة ~~العقل ومع نظر العقل واستدلاله PageV16P110 # لكن الذين يقولون بأنه ينزل ولا يبقى فوق العرش وأنه يكون في جوف ~~المخلوقات ونحو هؤلاء قد يقولون إن مستندهم في ذلك السمع وهو ما فهموه من ~~القرآن أو من الأحاديث الصحيحة أو غير الصحيحة أو من أقوال السلف وهم ~~أخطأوا من حيث نظروا اقتصروا على فهمه من نص واحد كفهمهم من حديث النزول ~~ولم يتدبروا ما في الكتاب والسنة مما يصفه بالعلو والعظمة ونحو ذلك مما ~~ينافى أن يكون شيء أعلى منه أو أكبر منه # ويتدبروا أيضا دلالة النص مثل نزوله إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الآخر بأن الليل يختلف فيكون ليل أهل المشرق ونصفه وثلثه الآخر قبل ذلك في ~~المغرب بقريب من يوم فيلزم على قولهم أنه لايزال تحت العرش وهو قد أخبر أنه ~~استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض وما ذكروه ينافى استواءه على ~~العرش وأنه ليس فوق العرش كما قد بسط في مواضع ### ||| فصل # ( الأعلى ) على وزن أفعل التفضيل مثل الأكرم والأكبر والأجمل ولهذا قال ~~النبى لما قال أبو سفيان PageV16P111 ( أعل هبل أعل هبل ) فقال النبى ( ألا ~~تجيبونه ) قالوا وما نقول قال قولوا الله أعلى وأجل وهو مذكور بأداة ~~التعريف ( الأعلى ) مثل @QB@ وربك الأكرم @QE@ بخلاف ما إذا قيل ( الله ~~أكبر ) فانه منكر # ولهذا معنى يخصه يتميز به ولهذا معنى يخصه يتميز به كما بين العلو ~~والكبرياء والعظمة فان هذه الصفات وإن كانت متقاربة بل متلازمة فبينها فروق ~~لطيفة ولهذا قال النبى فيما يروى عن ربه تعالى ( العظمة إزاري والكبرياء ~~ردائى فمن نازعنى واحدا منهما عذبته ) فجعل الكبرياء بمنزلة الرداء وهو ~~أعلى من الازار # ولهذا كان شعائر الصلاة والأذان والأعياد والأماكن العالية هو التكبير ~~وهو أحد الكلمات التى هي أفضل الكلام بعد القرآن سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر كما ms4891 ثبت ذلك في الصحيح عن النبى # ولم يجئ في شيء من الأثر بدل قول ( الله أكبر ) ( الله أعظم ) ولهذا كان ~~جمهور الفقهاء على أن الصلاة لا تنعقد إلا بلفظ التكبير فلو قال ( الله ~~أعظم ) لم تنعقد به الصلاة لقول النبى ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم ) وهذا PageV16P112 قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ~~يوسف وداود وغيرهم ولو أتى بغير ذلك من الأذكار مثل سبحان الله والحمد لله ~~لم تنعقد به الصلاة # ولأن التكبير مختص بالذكر في حال الارتفاع كما ان التسبيح مختص بحال ~~الانخفاض كما في السنن عن جابر بن عبد الله قال كنا مع رسول الله إذا علونا ~~كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك # ولما نزل قوله @QB@ فسبح باسم ربك العظيم @QE@ قال اجعلوها في ركوعكم ) ~~ولما نزل ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال ( اجعلوها في سجودكم ) وثبت عنه أنه ~~كان يقول في ركوعه ( سبحان ربي العظيم ) وفي سجوده ( سبحان ربى الأعلى ) ~~ولم يكن يكبر في الركوع والسجود # لكن قد كان يقرن بالتسبيح التحميد والتهليل كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ~~أنه كان يقول في ركوعه وسجوده ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) ~~يتأول القرآن أي يتأول قوله ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) فكان ~~يجمع بين التسبيح والتحميد PageV16P113 وكذلك قد كان يقرن بالتسبيح في ~~الركوع والسجود التهليل كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت افتقدت النبى ذات ~~ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه فتحسست ثم رجعت فاذا هو راكع أو ساجد ~~يقول ( سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت ) فقلت بأبي أنت وأمي إنى لفى شأن ~~وإنك لفى شأن # ففى هذه الأحاديث كلها أنه كان يسبح في الركوع والسجود لكن قد يقرن ~~بالتسبيح التحميد والتهليل وقد يقرن به الدعاء ولم ينقل انه كبر في الركوع ~~والسجود # وأما قراءة القرآن فيهما فقد ثبت عنه انه قال ( إنى نهيت أن أقرأ القرآن ~~راكعا وساجدا ) رواه مسلم من حديث علي ومن حديث بن عباس وذلك ان القرآن ~~كلام الله ms4892 فلا يتلى الا في حال الارتفاع والتكبير ايضا محلة حال الارتفاع # وجمهور العلماء على انه يشرع التسبيح في الركوع والسجود وروى عن مالك انه ~~كره المداومة على ذلك لئلا يظن وجوبه ثم اختلفوا في وجوبه فالمشهور عن أحمد ~~وإسحاق وداود وغيرهم وجوبه وعن أبي حنيفة والشافعي استحبابه # والقائلون بالوجوب منهم من يقول يتعين ( سبحان ربى العظيم PageV16P114 و ~~( سبحان ربى الأعلى ) للأمر بهما وهو قول كثير من اصحاب أحمد ومنهم من يقول ~~بل يذكر بعض الأذكار المأثورة # والأقوى انه يتعين التسبيح إما بلفظ ( سبحان ) وإما بلفظ ( سبحانك ) ونحو ~~ذلك وذلك أن القرآن سماها ( تسبيحا ) فدل على وجوب التسبيح فيها وقد بينت ~~السنة أن محل ذلك الركوع والسجود كما سماها الله قرآنا وقد بينت السنة أن ~~محل ذلك القيام وسماها ( قياما ) و ( سجودا ) و ( ركوعا ) وبينت السنة علة ~~ذلك ومحله # وكذلك التسبيح يسبح في الركوع والسجود وقد نقل عن النبى أنه كان يقول ( ~~سبحان ربى العظيم ) و ( سبحان ربى الأعلى ) وانه كان يقول ( سبحانك اللهم ~~وبحمدك اللهم اغفر لي ) و ( سبحانك وبحمدك لا اله الا انت ) وفي بعض روايات ~~أبي داود ( سبحان ربي العظيم وبحمده ) وفي استحباب هذه الزيادة عن أحمد ~~روايتان وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله كان يقول في ركوعه وسجوده ( ~~سبوح قدوس رب الملائكة والروح ) وفي السنن أنه كان يقول ( سبحان ذي الجبروت ~~والملكوت والكبرياء والعظمة ) فهذه كلها تسبيحات PageV16P115 والمنقول عن ~~مالك انه ( كان يكره المداومة على ذلك فان ) كان كراهة المداومة على 0 ~~سبحان ربي الأعلى والعظيم فله وجه وان كان كراهة المداومة على جنس التسبيح ~~فلا وجه له وأظنه الأول وكذلك المنقول عنه إنما هو كراهة المداومة على ( ~~سبحان ربى العظيم ) لئلا يظن انها فرض وهذا يقتضي ان مالكا انكر أن تكون ~~فرضا واجبا # وهذا قوى ظاهر بخلاف جنس التسبيح فان أدلة وجوبه في الكتاب والسنة كثيرة ~~جدا وقد علم انه كان يداوم على التسبيح بألفاظ متنوعة # وقوله ( اجعلوها في ركوعكم وفي سجودكم ) يقتضى أن ms4893 هذا محل لامتثال هذا ~~الأمر لا يقتضى انه لا يقال إلا هي مع ما قد ثبت انه كان يقول غيرها # والجمع بين صيغتى تسبيح بعيد بخلاف الجمع بين التسبيح والتحميد والتهليل ~~والدعاء فان هذه أنواع والتسبيح نوع واحد فلا يجمع فيه بين صيغتين # وأيضا قد ثبت في الصحيح أنه قال ( أفضل الكلام بعد القرآن PageV16P116 ~~أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر ) ~~فهذا يقتضي أن هذه الكلمات أفضل من غيرها فان جعل التسبيح نوعا واحدا ف ~~سبحان الله وسبحان ربي الأعلى سواء وإن جعل متفاضلا ف ( سبحان الله ) أفضل ~~بهذا الحديث # وأيضا فقوله @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ و @QB@ فسبح باسم ربك العظيم ~~@QE@ أمر بتسبيح ربه ليس أمرا بصيغة معينة فاذا قال ( سبحان الله وبحمده ) ~~( سبحانك اللهم وبحمدك فقد سبح ربه الأعلى والعظيم فإن الله هو الأعلى وهو ~~العظيم واسمه ( الله ) يتناول معاني سائر الأسماء بطريق التضمن وإن كان ~~التصريح بالعلو والعظمة ليس هو فيه ففى اسمه ( الله ) التصريح بالالهية ~~واسمه ( الله ) أعظم من اسمه ( الرب ) وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول ~~الله سئل أي الكلام أفضل فقال ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده ( سبحان ~~الله وبحمده ) # فالقيام فيه التحميد ( و ) في الاعتدال من الركوع وفي الركوع والسجود ~~التسبيح وفي الانتقال التكبير وفي القعود التشهد وفيه التوحيد فصارت ~~الأنواع الأربعة في الصلاة PageV16P117 والفاتحة أيضا فيها التحميد ~~والتوحيد فالتحميد والتوحيد ركن يجب في القراءة والتكبير ركن في الافتتاح ~~والتشهد الآخر ركن في ( القعود كما هو ) المشهور عن أحمد وهو مذهب الشافعي ~~وفيه التشهد المتضمن للتوحيد # يبقي التسبيح وأحمد يوجبه في الركوع والسجود وروي عنه أنه ركن وهو قوي ~~لثبوت الأمر به في القرآن والسنة فكيف يوجب الصلاة على النبى ولم يجئ أمر ~~بها في الصلاة خصوصا ولا يوجب التسبيح مع الأمر به في الصلاة ومع كون ~~الصلاة تسمى ( تسبيحا ) وكل ما سميت به الصلاة من أبعاضها فهو ركن فيها كما ~~سميت ( قياما ) وركوعا وسجودا ms4894 ) ( وقراءة ) وسميت أيضا ( تسبيحا ) # ولم يأت عن النبى ما ينفي وجوبه في حال السهو كما ورد في التشهد الأول ~~أنه لما تركه سجد للسهو لكن قد يقال لما لم يأمر به المسيء في صلاته دل على ~~أنه واجب ليس بركن وبسط هذه المسائل له موضع آخر # والمقصود هنا أن التسبيح قد خص به حال الانخفاض كما خص حال الارتفاع ~~بالتكبير فذكر العبد في حال انخفاضه وذله ما يتصف به PageV16P118 الرب ( ~~مقابل ) ذلك فيقول في السجود ( سبحان ربي الأعلى ) وفي الركوع ( سبحان ربي ~~العظيم ) # و ( الأعلى ( يجمع معاني العلو جميعها وأنه الأعلى بجميع معانى العلو وقد ~~إتفق الناس على أنه علي على كل شيء بمعنى أنه قاهر له قادر عليه متصرف فيه ~~كما قال ( إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ( # وعلى أنه عال عن كل عيب ونقص فهو عال عن ذلك منزه عنه كما قال تعالى ( ~~ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين وإتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ولقد صرفنا في ~~هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا قل لو كان معه آلهة كما يقولون ~~إذا لإبتغوا إلى ذى العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ( ~~فقرن تعاليه عن ذلك بالتسبيح # وقال تعالى ( ما إتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة ~~فتعالى عما يشركون ( وقالت الجن ( وأنه تعالى جد ربنا ما إتخذ صاحبة ولا ~~ولدا PageV16P119 # وفى دعاء الإستفتاح ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك إسمك وتعالى جدك ( وفي ~~الصحيحين أنه كان يقول في آخر إستفتاحه ( تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب ~~إليك ( # فقد بين سبحانه أنه تعالى عما يقول المبطلون وعما يشركون فهو متعال عن ~~الشركاء والأولاد كما أنه مسبح عن ذلك # وتعاليه سبحانه عن الشريك هو تعاليه عن السمي والند والمثل فلا يكون شيء ~~مثله # وقد ذكروا من معاني العلو ms4895 الفضيلة كما يقال الذهب أعلى من الفضة ونفى ~~المثل عنه يقتضى أنه أعلى من كل شيء فلا شيء مثله وهو يتضمن أنه أفضل وخير ~~من كل شيء كما أنه أكبر من كل شيء وفى القرآن ( قل الحمد لله وسلام على ~~عباده الذين إصطفى آلله خير أما يشركون ( ويقول ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ~~أفلا تذكرون ( ويقول ( أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى ( وقالت السحرة ( والله خير وأبقى ( # وهو سبحانه يبين أن المعبودين دونه ليسوا مثله في مواضع كقوله ( قل من ~~يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع PageV16P120 و الأبصار ومن يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا ~~تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون كذلك ~~حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون قل هل من شركائكم من يبدأ ~~الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون قل هل من شركائكم ~~من يهدي إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا ~~يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا ~~يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ( # وقال تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من ~~دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ~~يبعثون ( وكذلك قوله في أثناء السورة ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر ~~على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ~~وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو ~~على صراط مستقيم ms4896 ( # فهو سبحانه يبين أنه هو المستحق للعبادة دون ما يعبد من دونه PageV16P121 ~~و أنه لا مثل له ويبين ما إختص به من صفات الكمال وإنتفائها عما يعبد من ~~دونه ويبين أنه يتعالى عما يشركون وعما يقولون من إثبات الأولاد والشركاء ~~له # وقال ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لإبتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( ~~وهم كانوا يقولون إنهم يشفعون لهم ويتقربون بهم # لكن كانوا يثبتون الشفاعة بدون إذنه فيجعلون المخلوق يملك الشفاعة وهذا ~~نوع من الشرك فلهذا قال تعالى ( ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ( ~~فالشفاعة لا يملكها أحد غير الله # كما روى إبن أبى حاتم عن السدي في قوله ( إذا لإبتغوا إلى ذي العرش سبيلا ~~( يقول لإبتغت الحوائج من الله وعن معمر عن قتادة ( لإبتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا ( لإبتغوا التقرب إليه مع أنه ليس كما يقولون وعن سعيد عن قتادة ( لو ~~كان معه آلهة كما يقولون ( يقول لو كان معه آلهة إذا لعرفوا له فضله ومزيته ~~عليهم ولإبتغوا إليه ما يقربهم إليه وروي عن سفيان الثوري لتعاطوا سلطانه # وعن أبى بكر الهذلي عن سعيد بن جبير سبيلا إلى أن يزيلوا ملكه والهذلي ~~ضعيف PageV16P122 # فقد تضمن العلو الذي ينعت به نفسه في كتابه أنه متعال عما لا يليق به من ~~الشركاء والأولاد فليس كمثله شيء وهذا يقتضى ثبوت صفات الكمال له دون ما ~~سواه # وأنه لا يماثله غيره في شيء من صفات الكمال بل هو متعال عن أن يماثله شيء ~~وتضمن أنه عال على كل ما سواه قاهر له قادر عليه نافذة مشيئته فيه وأنه عال ~~على الجميع فوق عرشه فهذه ثلاثة أمور في إسمه ( العلى ( # وإثبات علوه علوه على ما سواه وقدرته عليه وقهره يقتضي ربوبيته له وخلقه ~~له وذلك يستلزم ثبوت الكمال وعلوه عن الأمثال يقتضي أنه لا مثل له في صفات ~~الكمال # وهذا وهذا يقتضي جميع ما يوصف به في الإثبات والنفي ففي الإثبات يوصف ~~بصفات الكمال وفى النفي ينزه عن النقص المناقض للكمال ms4897 وينزه عن أن يكون له ~~مثل في صفات الكمال كما قد دلت على هذا وهذا سورة الإخلاص ( قل هو الله أحد ~~الله الصمد ( # وتعاليه عن الشركاء يقتضي إختصاصه بالإلهية وأنه لا يستحق PageV16P123 ~~العبادة إلا هو وحده كما قال ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لإبتغوا ~~إلي ذي العرش سبيلا ( أي وإن كانوا كما يقولون يشفعون عنده بغير إذنه ~~ويقربونكم إليه بغير إذنه فهو الرب والإله دونهم وكانوا يبتغون إليه سبيلا ~~بالعبادة له والتقرب إليه هذا أصح القولين كما قال ( إن هذه تذكرة فمن شاء ~~إتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله ( وقال ( إنه تذكرة فمن ~~شاء ذكره ( وقال ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ( # ثم قال ( سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ( فتعالى عن أن يكون معه ~~إله غيره أو أحد يشفع عنده إلا بإذنه أو يتقرب إليه أحد إلا بإذنه فهذا هو ~~الذي كانوا يقولون # ولم يكونوا يقولون أن آلهتهم تقدر أن تمانعه أو تغالبه بل هذا يلزم من ~~فرض إله آخر يخلق كما يخلق وإن كانوا هم لم يقولوا ذلك كما قال ( ما إتخذ ~~الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض ( # فقد تبين أن إسمه ( الأعلى ( يتضمن إتصافه بجميع صفات الكمال وتنزيهه عما ~~ينافيها من صفات النقص وعن أن يكون له مثل وأنه لا إله إلا هو ولا رب سواه ~~PageV16P124 ### ||| فصل # والأمر بتسبيحه يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له ~~فإن [ التسبيح ] يقتضي التنزيه والتعظيم والتعظيم يستلزم إثبات المحامد ~~التى يحمد عليها فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده # قال إبن أبي حاتم حدثنا أبى ثنا إبن نفيل الحرانى ثنا النضر إبن عربي قال ~~سأل رجل ميمون بن مهران عن ( سبحان الله ( فقال ( إسم يعظم الله به ويحاشي ~~به من السوء ( # وقال حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا حفص بن غياث عن حجاج عن إبن أبي مليكة ms4898 عن ~~إبن عباس قال ( سبحان ( قال تنزيه الله نفسه من السوء وعن الضحاك عن إبن ~~عباس في قوله ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ( قال عجب وعن أبى الأشهب عن ~~الحسن قال ( سبحان ( إسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه # وقد جاء عن غير واحد من السلف مثل قول إبن عباس أنه PageV16P125 تنزيه ~~نفسه من السوء ( وروي في ذلك حديث مرسل وهو يقتضي تنزيه نفسه من فعل ~~السيئات كما يقتضي تنزيهه عن الصفات المذمومة # ونفي النقائص يقتضي ثبوت صفات الكمال وفيها التعظيم كما قال ميمون بن ~~مهران ( إسم يعظم الله به ويحاشى به من السوء ( وروى عبد بن حميد حدثنا أبو ~~نعيم ثنا سفيان عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة قال سئل ~~النبى صلى الله عليه وسلم عن التسبيح فقال ( إنزاهه عن السوء ( وقال حدثنا ~~الضحاك إبن مخلد عن شبيب عن عكرمة عن إبن عباس ( سبحان الله ( قال تنزيهه # حدثنا كثير بن هشام ثنا جعفر بن برقان ثنا يزيد بن الأصم قال جاء رجل إلى ~~إبن عباس فقال ( لا إله إلا الله ( نعرفها أنه لا إله غيره و ( الحمد لله ( ~~نعرفها أن النعم كلها منه وهو المحمود عليها و ( الله أكبر ( نعرفها أنه لا ~~شيء أكبر منه فما ( سبحان الله ( فقال إبن عباس وما ينكر منها هي كلمة ~~رضيها الله لنفسه وأمر بها ملائكته وفزع إليها الأخيار من خلقه PageV16P126 ### ||| فصل # قوله ( الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ( العطف يقتضي إشتراك المعطوف ~~والمعطوف عليه فيما ذكر وأن بينهما مغايرة إما في الذات وإما في الصفات # وهو في الذات كثير كقوله ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا ( # وأما في الصفات فمثل هذه الآية فإن الذي خلق فسوى هو الذي قدر فهدى لكن ~~هذا الإسم والصفة ليس هو ذاك الإسم والصفة ومثله قوله ( هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن ( ومثله قوله ( الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ( وقوله ( لكن ms4899 الراسخون في العلم ~~منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ~~والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر ( وقوله ( قد أفلح المؤمنون ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون ( وقوله ( إلا ~~المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون PageV16P127 و الذين في أموالهم حق ~~معلوم الآيات ( # وقوله ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الآيات ( فإنه [ من ~~صدق و ] صبر ولم يسلم ولم يؤمن لم يكن ممن أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما # وكثيرا ما تأتي الصفات بلا عطف كقوله ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن ( وقوله ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله ~~الناس ( # وقد تجيء خبرا بعد خبر كقوله ( وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال ~~لما يريد ( ولو كان ( فعال ( صفة لكان معرفا بل هو خبر بعد خبر وقوله ( هو ~~الأول والآخر ( خبر بعد خبر لكن بالعطف بكل من الصفات # وأخبار المبتدأ قد تجيء بعطف وبغير عطف وإذا ذكر بالعطف كان كل إسم ~~مستقلا بالذكر وبلا عطف يكون الثاني من تمام الأول بمعنى ومع العطف لا تكون ~~الصفات إلا للمدح والثناء أو للمدح وأما بلا عطف فهو في النكرات للتمييز ~~وفى المعارف قد يكون للتوضيح PageV16P128 و ( الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ~~والذي أخرج المرعى ( وصف بكل صفة من هذه الصفات ومدح بها وأثني عليه بها ~~وكانت كل صفة من هذه الصفات مستوجبة لذلك ### ||| فصل # قال تعالى ( الذي خلق فسوى ( فأطلق الخلق والتسوية ولم يخص بذلك الإنسان ~~كما أطلق قوله بعد ( والذي قدر فهدى ( لم يقيده فكان هذا المطلق لا يمنع ~~شموله لشيء من المخلوقات وقد بين موسى عليه السلام شموله في قوله ( ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ( # وقد ذكر المقيد بالإنسان في قوله ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ~~الذي خلقك فسواك فعدلك ( # وقد ذكر المطلق والمقيد في أول ما نزل من القرآن وهو قوله ( إقرأ بإسم ~~ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ms4900 إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم ( # وفى جميع هذه الآيات مطلقها ومقيدها والجامع بين المطلق والمقيد قد ذكر ~~خلقه وذكر هدايته وتعليمه بعد الخلق كما قال في هذه السورة ( الذي خلق فسوى ~~والذي قدر فهدى PageV16P129 لأن جميع المخلوقات خلقت لغاية مقصودة بها ~~فلابد أن تهدى إلى تلك الغاية التى خلقت لها فلا تتم مصلحتها وما أريدت له ~~إلا بهدايتها لغاياتها # وهذا مما يبين أن الله خلق الأشياء لحكمة وغاية تصل إليها كما قال ذلك ~~السلف وجمهور المسلمين وجمهور العقلاء وقالت طائفة كجهم وأتباعه إنه لم ~~يخلق شيئا لشيء ووافقه أبو الحسن الأشعري ومن اتبعه من الفقهاء أتباع ~~الأئمة وهم يثبتون أنه مريد وينكرون أن تكون له حكمة يريدها وطائفة من ~~المتفلسفة يثبتون عنايته وحكمته وينكرون إرادته وكلاهما تناقض وقد بسط ~~الكلام على فساد قول هؤلاء في غير هذا الموضع وأن منتهاهم جحد الحقائق # فإن هذا يقول ( لو كان له حكمة يفعل لأجلها لكان يجب [ أن يريد ] الحكمة ~~وينتفع بها وهو منزه عن ذلك ( وذاك يقول ( لو كان له إرادة لكان يفعل لجر ~~منفعة فإن الإرادة لا تعقل إلا كذلك ( وأرسطو وأتباعه يقولون ( لو فعل شيئا ~~لكان الفعل لغرض وهو منزه عن ذلك PageV16P130 فيقال لهؤلاء هذه الحوادث ~~المشهودة ألها محدث أم لا فإن قالوا ( لا ( فهو غاية المكابرة وإذا جوزوا ~~حدوث الحوادث بلا محدث فتجويزها بمحدث لا إرادة له أولى # وإن قالوا ( لها محدث ( ثبت الفاعل وإذا ثبت الخالق المحدث فأما أن يفعل ~~بإرادة أو بغير إرادة فإن قالوا ( يفعل بغير إرادة ( كان ذلك أيضا مكابرة ~~فإن كل حركة في العالم إنما صدرت عن إرادة # فإن الحركات إما طبعية وإما قسرية وإما إرادية لأن مبدأ الحركة إما أن ~~يكون من المتحرك أو من سبب خارج وما كان منها فإما أن يكون مع الشعور أو ~~بدون الشعور فما كان سببه من خارج فهو القسري وما كان سببه منها بلا شعور ~~فهو الطبعي وما كان مع الشعور فهو ms4901 الإرادي فالقسرى تابع للقاسر والذي يتحرك ~~بطبعه كالماء والهواء والأرض هو ساكن في مركزه لكن إذا خرج عن مركزه قسرا ~~طلب العود إلى مركزه فأصل حركته القسر ولم تبق حركة أصلية إلا الإرادية فكل ~~حركة في العالم فهي عن إرادة # فكيف تكون جميع الحوادث والحركات بلا إرادة # وأيضا فإذا جوزوا أن تحدث الحوادث العظيمة عن فاعل غير مريد فجواز ذلك عن ~~فاعل مريد أولى PageV16P131 وإذا ثبت أنه مريد قيل إما أن يكون أرادها ~~لحكمة وإما أن يكون أرادها لغير حكمة [ فإن قالوا ( لغير حكمة ( كان ] ~~مكابرة فإن الإرادة لا تعقل إلا إذا كان المريد قد فعل لحكمة يقصدها بالفعل # وأيضا فإذا جوزوا أن يكون فاعلا مريدا بلا حكمة فكونه فاعلا مريدا لحكمة ~~أولى بالجواز # وأما قولهم ( هذا لا يعقل إلا في حق من ينتفع وذلك يوجب الحاجة والله ~~منزه عن ذلك ( # فإن أرادوا أنه يوجب إحتياجه إلى غيره أو شيء من مخلوقاته فهو ممنوع ~~وباطل فإن كل ما سواه محتاج إليه من كل وجه وهو الصمد الغني عن كل ما سواه ~~وكل ما سواه محتاج إليه وهو القيوم القائم بنفسه المقيم لكل ما سواه فكيف ~~يكون محتاجا إلى غيره # وإن أرادوا أنه تحصل له بالخلق حكمة هي أيضا حاصلة بمشيئته فهذا لا محذور ~~فيه بل هو الحق # وإذا قالوا ( الحكمة هي اللذة ( قيل لفظ ( اللذة ( لم يرد به الشرع وهو ~~موهم ومجمل لكن جاء الشرع بأنه ( يحب ( و ( يرضى ( PageV16P132 و ( يفرح ~~بتوبة التائبين ( ونحو ذلك فإذا أريد ما دل عليه الشرع والعقل فهو حق # وإن قالوا ( الحكمة إما أن تراد لنفسها أو لحكمة ( قيل المرادات نوعان ما ~~يراد لنفسه وما يراد لغيره وقد يكون الشيء غاية وحكمة بالنسبة إلى مخلوق ~~وهو مخلوق لحكمة أخرى فلابد أن ينتهي الأمر إلى حكمة يريدها الفاعل لذاتها # والمعتزلة ومن وافقهم كإبن عقيل وغيره تثبت حكمة لا تعود إلى ذاته وأما ~~السلف فإنهم يثبتون حكمة تعود إليه كما قد بين في غير هذا الموضع # والمقصود ms4902 هنا ذكر قوله تعالى ( الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ( والتسوية ~~جعل الشيئين سواء كما قال ( وما يستوى الأعمى والبصير ( وقوله تعالى ( ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ( و ( سواء ( وسط لأنه معتدل بين ~~الجوانب # وذلك أنه لابد في الخلق والأمر من العدل فلابد من التسوية بين المتماثلين ~~فإذا فضل أحدهما فسد المصنوع كما في مصنوعات العباد إذا بنوا بنيانا فلابد ~~من التسوية بين الحيطان إذ لو رفع PageV16P133 حائط على حائط رفعا كثيرا ~~فسد ولابد من التسوية بين جذوع السقف فلو كان بعض الجذوع قصيرا عن الغاية ~~وبعضها فوق الغاية فسد وكذلك إذا بنى صف فوق صف لابد من التسوية بين الصفوف ~~وكذلك الدرج المبنية وكذلك إذا صنع لسقى الماء جداول ومساكب فلابد من العدل ~~والتسوية فيها وكذلك إذا صنعت ملابس للآدميين فلابد من أن تكون مقدرة على ~~أبدانهم لا تزيد ولا تنقص وكذلك ما يصنع من الطعام لابد أن تكون أخلاطه على ~~وجه الإعتدال والنار التى تطبخه كذلك وكذلك السفن المصنوعة # ولهذا قال الله لداود ( وقدر في السرد ( أي لا تدق المسمار فيقلق ولا ~~تغلظه فيفصم وإجعله بقدر # فإذا كان هذا في مصنوعات العباد وهي جزء من مصنوعات الرب فكيف بمخلوقاته ~~العظيمة التى لا صنع فيها للعباد كخلق الإنسان وسائر البهائم وخلق النبات ~~وخلق السماوات والأرض والملائكة # فالفلك الذي خلقه وجعله مستديرا ما له من فروج كما قال تعالى ( الذي خلق ~~سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فإرجع البصر هل ترى من ~~فطور ثم إرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ( وقال تعالى ( ~~والسماء ذات الحبك ) وقال PageV16P134 ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها وما لها من فروج ( # فهو سبحانه سواها كما سوى الشمس والقمر وغير ذلك من المخلوقات فعدل بين ~~أجزائها ولو كان أحد جانبى السماء داخلا أو خارجا لكان فيها فروج وهي ~~الفتوق والشقوق ولم يكن سواها كمن بنى قبة ولم يسوها وكذلك لو جعل أحد ~~جانبيها أطول أو أنقص ms4903 ونحو ذلك # فالعدل والتسوية لازم لجميع المخلوقات والمصنوعات فمتى لم تصنع بالعدل ~~والتسوية بين المتماثلين وقع فيها الفساد # وهو سبحانه ( الذي خلق فسوى ( قال أبو العالية في قوله ( خلق فسوى ( قال ~~سوى خلقهن وهذا كما قال تعالى ( فسواهن سبع سماوات في يومين ### ||| فصل # ثم إذا خلق المخلوق فسوى فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التى خلق لها فسد ~~فلابد أن يهدى بعد ذلك إلى ما خلق له PageV16P135 و تلك الغاية لابد أن ~~تكون معلومة للخالق فإن العلة الغائية هي أول في العلم والإرادة وهي آخر في ~~الوجود والحصول # ولهذا كان الخالق لابد أن يعلم ما خلق فإنه قد أراده وأراد الغاية التى ~~خلقه لها والإرادة مستلزمة للعلم فيمتنع أن يريد الحي ما لا شعور له به # والصانع إذا أراد أن يصنع شيئا فقد علمه وأراده وقدر في نفسه ما يصنعه ~~والغاية التى ينتهي إليها وما الذي يوصله إلى تلك الغاية # والله سبحانه قدر وكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم كما ثبت في صحيح ~~مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( قدر الله ~~مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على ~~الماء ( # وفى البخاري عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( كان ~~الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق ~~السماوات والأرض ( وفى رواية ( ثم خلق السماوات والأرض PageV16P136 فقد قدر ~~سبحانه ما يريد أن يخلقه من هذا العالم حين كان عرشه على الماء إلى يوم ~~القيامة كما في السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أول ما خلق ~~الله القلم فقال أكتب فقال ما أكتب فقال أكتب ما يكون إلى يوم القيامة ( # وأحاديث تقديره سبحانه وكتابته لما يريد أن يخلقه كثيرة جدا # روى إبن [ أبي ] حاتم عن الضحاك أنه سئل عن قوله ( إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر ( فقال قال إبن عباس إن الله قدر المقادير بقدرته ms4904 ودبر الأمور بحكمته ~~وعلم ما العباد صائرون إليه وما هو خالق وكائن من خلقه فخلق الله لذلك جنة ~~ونارا فجعل الجنة لأوليائه وعرفهم وأحبهم وتولاهم ووفقهم وعصمهم وترك أهل ~~النار إستحوذ عليهم إبليس وأضلهم وأزلهم # فخلق لكل شيء ما يشاكله في خلقه ما يصلحه من رزقه في بر أو في بحر فجعل ~~للبعير خلقا لا يصلح شيء من خلقه على غيره من الدواب وكذلك كل دابة خلق ~~الله له منها ما يشاكلها في خلقها فخلقه مؤتلف لما خلقه له غير مختلف # قال إبن أبي حاتم ثنا أبى ثنا يحيى بن زكريا بن مهران القزاز PageV16P137 ~~نا حبان بن عبيد الله قال سألت الضحاك عن هذه الآية ( إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر ( قال الضحاك قال بن عباس فذكره # وقال حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا طلحة بن سنان عن عاصم عن الحسن قال من كذب ~~بالقدر فقد كذب بالحق خلق الله خلقا وأجل أجلا وقدر رزقا وقدر مصيبة وقدر ~~بلاء وقدر عافية فمن كفر بالقدر فقد كفر بالقرآن # وقال حدثنا الحسن بن عرفة ثنا مروان بن شجاع الجزري عن عبد الملك بن جريح ~~عن عطاء بن أبى رباح قال أتيت إبن عباس وهو ينزع من زمزم وقد إبتلت أسافل ~~ثيابه فقلت له قد تكلم في القدر فقال أو [ قد ] فعلوها قلت نعم قال فوالله ~~ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ( ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ( أولئك ~~شرار هذه الأمة فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم إن رأيت أحدا منهم ~~فقأت عينيه بأصبعي هاتين # وقال أيضا حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا سهل الخياط ثنا أبو صالح ~~الحداني نا حبان بن عبيد الله قال سألت PageV16P138 الضحاك عن قوله ( ما ~~أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ( قال ~~قال بن عباس إن الله خلق العرش فإستوى عليه ثم خلق القلم فأمره ليجري بإذنه ~~وعظم القلم كقدر ما بين السماء والأرض فقال القلم ms4905 بما يا رب أجرى فقال ( ~~بما أنا خالق وكائن في خلقى من قطر أو نبات أو نفس أو أثر يعنى به العمل أو ~~رزق أو أجل ( فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة فأثبته الله في ~~الكتاب المكنون عنده تحت العرش ### ||| فصل # فقوله سبحانه ( والذي قدر فهدى ( يتضمن أنه قدر ما سيكون للمخلوقات ~~وهداها إليه علم ما يحتاج إليه الناس والدواب من الرزق فخلق ذلك الرزق ~~وسواه وخلق الحيوان وسواه وهداه إلى ذلك الرزق وهدى غيره من الأحياء أن ~~يسوق إليه ذلك الرزق # وخلق الأرض وقدر حاجتها إلى المطر وقدر السحاب وما يحمله من المطر وخلق ~~ملائكة هداهم ليسوقوا ذلك السحاب إلى تلك الأرض PageV16P139 فيمطر المطر ~~الذي قدره وقدر ما نبت بها من الرزق وقدر حاجة العباد إلى ذلك الرزق وهداهم ~~إلى ذلك الرزق وهدى من يسوق ذلك الرزق إليهم # وقد ذكر المفسرون أنواعا من تقديره وهدايته فروى بن جرير وبن أبي حاتم ~~وغيرهما بالإسناد الثابت عن مجاهد في قوله ( قدر فهدى ( قال الإنسان ~~للشقاوة والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها وكذلك رواه عبد بن حميد في تفسيره ~~قال هدى الإنسان للسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراتعها # وقال حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة ( الذي قدر فهدى ( قال ( لا والله ما ~~أكره الله عبدا على معصية قط ولا على ضلالة ولا رضيها له ولا أمره ولكن رضي ~~لكم الطاعة فأمركم بها ونهاكم عن معصيته ( # ( قلت ( قتادة ذكر هذا عند هذه الآية ليبين أن الله قدر ما قدره من ~~السعادة والشقاوة كما قال الحسن وقتادة وغيرهما من أئمة المسلمين فإنهم لم ~~يكونوا متنازعين فما سبق من سبق تقدير الله وإنما كان نزاع بعضهم في ~~الإرادة وخلق الأفعال PageV16P140 # وإنما نازع في التقدير السابق والكتاب أولئك الذين تبرأ منهم الصحابة ~~كإبن عمر وإبن عباس وغيرهما # وذكر قتادة أن الله لم يكره أحدا على معصية وهذا صحيح فإن أهل السنة ~~المثبتين للقدر متفقون على أن الله لا يكره أحدا على معصية كما يكره الوالي ~~والقاضي وغيرهما ms4906 للمخلوق على خلاف مراده يكرهونه بالعقوبة والوعيد بل هو ~~سبحانه يخلق إرادة العبد للعمل وقدرته وعمله وهو خالق كل شيء # وهذا الذي قاله قتادة قد يظن فيه أنه من قول القدرية وأنه لسبب مثل هذا ~~إتهم قتادة بالقدر حتى قيل إن مالكا كره لمعمر أن يروى عنه التفسير لكونه ~~إتهم بالقدر # وهذا القول حق ولم يعرف أحد من السلف قال ( إن الله أكره أحدا على معصية ~~( # بل أبلغ من ذلك أن لفظ ( الجبر ( منعوا من إطلاقه كالأوزاعى والثوري ~~والزبيدي وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم نهوا عن أن يقال ( إن ~~الله جبر العباد ( وقالوا إن هذا بدعة في الشرع وهو مفهم للمعنى الفاسد ~~PageV16P141 # قال الأوزاعي وغيره أن السنة جاءت ب ( جبل ( ولم تأت ب ( جبر ( فإن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس ( إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم ~~والأناة ( فقال أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما فقال ( بل خلقين ~~جبلت عليهما ( قال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله # وقال الزبيدي وغيره إنما يجبر العاجز يعنى الجبر الذي هو بمعنى الإكراه ~~كما تجبر المرأة على النكاح والله أجل وأعظم من أن يجبر أحدا يعنى أنه يخلق ~~إرادة العبد فلا يحتاج إلى إجباره # فالزبيدي وطائفة نفوا ( الجبر ( وكان مفهومه عندهم هذا # وأما الأوزاعى وأحمد بن حنبل وغيرهما فكرهوا أن يقال ( جبر ( وأن يقال ( ~~لم يجبر ( لأن ( الجبر ( قد يراد به الإكراه والله لا يكره أحدا # وقد يراد به أنه خالق الإرادة كما قال محمد بن كعب ( الجبار هو الذي جبر ~~العباد على ما اراد ( و ( الجبر ( بهذا المعنى صحيح # وقول مجاهد في قوله ( قدر فهدى ( هدى الإنسان للسعادة والشقاوة ( يبين أن ~~هذا عنده مما دخل في قوله ( قدر فهدي PageV16P142 أي هدى السعداء إلى ~~السعادة التى قدرها وهدى الأشقياء إلى الشقاء الذي قدره # وهكذا قال مجاهد في قوله ( إنا هديناه السبيل ( قال السعادة والشقاوة # وقال عكرمة سبيل الهدى رواهما عبد بن حميد # وكذلك روى إبن ms4907 أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( وهديناه النجدين ( قال ~~الشقاوة والسعادة # وقد قال هو وجماهير السلف ( وهديناه النجدين ( أي الخير والشر رواه إبن ~~أبي حاتم عن إبن مسعود ثم قال وروي عن علي إبن أبى طالب وإبن عباس في إحدى ~~وشقيق بن سلمة وأبي صالح ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب وعكرمة وشرحبيل بن ~~سعيد وبن سنان الرازي والضحاك وعطاء الخراسانى وعمرو بن قيس الملائى نحو ~~ذلك # وروي عن محمد بن كعب القرظى قال الحق والباطل PageV16P143 و هذا كلام ~~مجمل فيه ما هو متفق عليه وهو أنه يبين للناس ما أرسله من الرسل ونصبه من ~~الدلائل والآيات وأعطاهم من العقول طريق الخير والشر كما في قوله ( وأما ~~ثمود فهديناهم ( # وأما إدخال الهدى الذى هو الإلهام في ذلك بمعنى أنه هدى المؤمن إلى أن ~~يؤمن ويعمل صالحا إلى أن يسعد بذلك وهدى الكافر إلى ما يعمله إلى أن يشقى ~~بذلك فهذا منهم من يدخله في الآية كمجاهد وغيره ويدخله في قوله ( إنا ~~هديناه السبيل ( وعكرمة وغيره يخرجون ذلك عن معنى هذه الآية وإن كانوا ~~مقرين بالقدر # ومن قال ( هدى ( بمعنى بين فقط فقد هدى كل عبد إلى نجد الخير والشر جميعا ~~أي بين له طريق الخير والشر # ومن أدخل في ذلك السعادة والشقاوة يقول في هذا تقسيم أي هذه الهداية عامة ~~مشتركة وخص المؤمن بهداية إلى نجد الخير وخص الكافر بهداية إلى نجد الشر # ومن لم يدخل ذلك في الآية قد يحتجون بحديث من مراسيل الحسن قال ذكر لنا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ( يا أيها الناس إنما هما ~~النجدان نجد الخير ونجد الشر فما يجعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير ~~PageV16P144 ويحتجون بأن إلهام الفاجر طريق الفجور لم يسمه هدى بل سماه ~~ضلالا والله إمتن بأنه هدى # وقد يجيب الآخر بأن يقول هو لا يدخل في الهدى المطلق لكن يدخل في الهدى ~~المقيد كقوله ( فاهدوهم إلى صراط الجحيم ( وكما في لفظ البشارة قال ( ~~فبشرهم بعذاب أليم ms4908 ( ولفظ الإيمان فقال ( يؤمنون بالجبت والطاغوت ( # وهذان القولان في قوله ( فألهمها فجورها وتقواها ( قيل هو البيان العام ~~وقيل بل ألهم الفاجر الفجور والتقي التقوى # وهذا في تلك الآية أظهر لأن الإلهام إستعماله مشهور في إلهام القلوب لا ~~في التبيين الظاهر الذي تقوم به الحجة # وقد علم النبى صلى الله عليه وسلم حصينا الخزاعى لما أسلم أن يقول ( ~~اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي ( ولو كان الإلهام بمعنى البيان الظاهر ~~لكان هذا حاصلا للمسلم والكافر قال إبن عطية و ( سوى ( معناه عدل وأتقن حتى ~~صارت الأمور مستوية دالة على قدرته ووحدانيته # وقرأ جمهور القراء ( قدر ( بتشديد الدال فيحتمل أن يكون PageV16P145 من ~~القدر والقضاء ويحتمل أن يكون من التقدير والموازنة بين الأشياء # قلت هما متلازمان لأن التقدير الأول يسمى تقديرا لأن ما يجري بعد ذلك ~~يجري على قدره فهو موازن له ومعادل له # قال وقرأ الكسائي وحده بتخفيف الدال فيحتمل أن يكون بمعنى القدرة ويحتمل ~~أن يكون من التقدير والموازنة # ( قلت وهذا قول الأكثرين أنهما بمعنى واحد # قال إبن عطية وقوله ( فهدى ( عام لوجوه الهدايات في الإنسان والحيوان وقد ~~خصص بعض المفسرين أشياء من الهدايات فقال الفراء معناه هدى وأضل وإكتفى ~~بالواحد لدلالتها على الأخرى قال وقال مقاتل والكلبى هدى إلى وطىء الذكور ~~للإناث وقيل هدى المولود عند وضعه إلى مص الثدي وقال مجاهد هدى الناس للخير ~~والشر والبهائم للمراتع # قال إبن عطية ( وهذه الأقوال مثالات والعموم في الآية أصوب في كل تقدير ~~وفى كل هداية ( # وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزى هذه الأقوال وغيرها فذكر PageV16P146 سبعة ~~أقوال قدر السعادة والشقاوة وهدى للرشد والضلالة قاله مجاهد وقيل جعل لكل ~~دابة ما يصلحها وهداها إليه قاله عطاء وقيل قدر مدة الجنين في الرحم ثم ~~هداه للخروج قاله السدى وقيل قدرهم ذكرانا وإناثا وهدى الذكور لإتيان ~~الإناث قاله مقاتل وقيل قدر فهدى وأضل فحذف ( وأضل ( لأن في الكلام ما يدل ~~عليه حكاه الزجاج وقيل قدر الأرزاق وهدى إلى طلبها وقيل قدر الذنوب فهدى ~~إلى ms4909 التوبة حكاهما الثعلبى قلت القول الذي حكاه الزجاج هو قول الفراء وهو ~~من جنس قوله ( إن نفعت وإن لم تنفع ( ومن جنس قوله ( سرابيل تقيكم الحر ~~والبرد ( وقد تقدم ضعف مثل هذا ولهذا لم يقله أحد من المفسرين # والأقوال الصحيحة هي من باب المثالات كما قال إبن عطية # وهكذا كثير من تفسير السلف يذكرون من النوع مثالا لينبهوا به على غيره أو ~~لحاجة المستمع إلى معرفته أو لكونه هو الذي يعرفه كما يذكرون مثل ذلك في ~~مواضع كثيرة كقوله ( ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ( وقوله ( وآخرين منهم ( ~~وقوله ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ( وقوله ( فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات PageV16P147 # وكذلك تفسير ( الشفع والوتر ( و ( شاهد ومشهود ( وغير ذلك وقوله ( وفى ~~أنفسكم أفلا تبصرون ( وأمثال ذلك كثير من تفسيرهم هو من باب المثال # ومن ذلك قولهم إن ( هذه الآية نزلت في فلان وفلان ( فبهذا يمثل بمن نزلت ~~فيه نزلت فيه أولا وكان سبب نزولها لا يريدون به أنها آية مختصة به كآية ~~اللعان وآية القذف وآية المحاربة ونحو ذلك لا يقول مسلم إنها مختصة بمن كان ~~نزولها بسببه # واللفظ العام وإن قال طائفة إنه يقصر على سببه فمرادهم على النوع الذي هو ~~سببه لم يريدوا بذلك أنه يقتصر على شخص واحد من ذلك النوع # فلا يقول مسلم إن آية الظهار لم يدخل فيها إلا أوس بن الصامت وآية اللعان ~~لم يدخل فيها إلا عاصم بن عدي أو هلال بن أمية وأن ذم الكفار لم يدخل فيه ~~إلا كفار قريش ونحو ذلك مما لا يقوله مسلم ولا عاقل # فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد عرف بالإضطرار من دينه أنه مبعوث إلى ~~جميع الإنس والجن والله تعالى خاطب بالقرآن جميع PageV16P148 الثقلين كما ~~قال ( لأنذركم به ومن بلغ ( فكل من بلغه القرآن من إنسي وجني فقد أنذره ~~الرسول به والإنذار هو الإعلام بالمخوف والمخوف هو العذاب ينزل بمن عصى ~~أمره ونهيه # فقد أعلم كل من وصل إليه القرآن ms4910 أنه إن لم يطعه وإلا عذبه الله تعالى ~~وأنه إن أطاعه أكرمه الله تعالى # وهو قد مات فإنما طاعته بإتباع ما في القرآن مما أوجبه الله وحرمه وكذلك ~~ما أوجبه الرسول وحرمه بسنته فإن القرآن قد بين وجوب طاعته وبين أن الله ~~أنزل عليه الكتاب والحكمة وقال لأزواج نبيه ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ~~آيات الله والحكمة ) ### ||| فصل # ثم قال ( والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى ( # هو سبحانه لما ذكر قوله ( قدر فهدى ( دخل في ذلك ما قدره من أرزاق العباد ~~[ والبهائم ] وهداهم إليها فهدى من يأتي بها إليهم وذلك من تمام إنعامه على ~~عباده كما جاء في الأثر إن الله يقول PageV16P149 إنى والجن والإنس لفي نبأ ~~عظيم أخلق ويعبدون غيري وأرزق ويشكرون سواي ( وهذا المعنى قد روى في قوله ( ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ( أي تجعلون شكركم وشكر ربكم التكذيب بإنعام ~~الله وإضافة الرزق إلى غيره كالأنواء كما ثبت في الصحيح عن إبن عباس قال ~~مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبى صلى الله عليه وسلم ~~( أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا هذه رحمة الله وقال بعضهم لقد صدق ~~نوء كذا وكذا ( قال فنزلت هذه الآية ( فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ( # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ما ~~أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الله ~~الغيث فيقولون الكوكب كذا وكذا وفي رواية ( بكوكب كذا وكذا ( # وروى بن المنذر في تفسيره ثنا محمد بن علي يعني الصائغ ثنا سعيد هو بن ~~منصور ثنا هشيم عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس أنه كان يقرأ ( [ ~~وتجعلون ] شكركم أنكم تكذبون PageV16P150 يعنى الأنواء وما مطر قوم إلا ~~أصبح بعضهم كافرا وكانوا يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا فأنزل الله ( وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون ( # وروى إبن أبى حاتم عن عطاء الخراسانى عن عكرمة في قول الله ms4911 ( وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون ( قال تجعلون رزقكم من عند غير الله تكذيبا وشكرا [ ~~لغيره ] # لكن قوله ( والذي أخرج المرعى ( خص به إخراج المرعى وهو ما ترعاه الدواب ~~وذكر أنه جعله غثاء أحوى وهذا فيه ذكر أقوات البهائم لكن أقوات الآدميين ~~اجل من ذلك وقد دخلت هي واقوات البهائم في قوله ( قدر فهدى ) # وايضا فالذى يصير غثاء احوى لم تقتت به البهائم وانما تقتات به قبل ذلك # فهو والله اعلم خص هذا بالذكر لانه مثل الحياة الدنيا # اذ كانت هذه السورة تضمنت اصول الايمان الايمان بالله واليوم الاخر ~~والايمان بالرسل والكتب التى جاؤا بها وذلك يتضمن الايمان بالملائكة وفيها ~~العمل الصالح الذى ينفع في الآخرة والفاسد الذى يضر فيها PageV16P151 # فذكر سبحانه المرعى عقب ما ذكره من الخلق والهدى ليبين مآل بعض المخلوقات ~~وأن الدنيا هذا مثلها # وقد ذكر الله ذلك في الكهف ويونس والحديد قال تعالى ( واضرب لهم مثل ~~الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فإختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ( # وقال تعالى ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فإختلط به ~~نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وإزينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم ~~تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون والله يدعو إلى دار السلام ويهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم ( # وقال تعالى ( إعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ~~وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ( # وقد جعل إهلاك المهلكين حصادا لهم فقال ( ذلك من أنباء PageV16P152 القرى ~~نقصه عليك منها قائم وحصيد # ( وقال ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( # فقوله ( والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى ( هو مثل ms4912 للحياة الدنيا ~~وعاقبة الكفار ومن إغتر بالدنيا فإنهم يكونون في نعيم وزينة وسعادة ثم ~~يصيرون إلى شقاء في الدنيا والآخرة كالمرعى الذي جعله غثاء أحوى ### ||| فصل # قوله ( فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى ~~النار الكبرى ( # فقوله ( إن نفعت الذكرى ( كقوله ( إن الذكرى تنفع المؤمنين ( # وقوله ( إن نفعت الذكرى ( و ( إن ( هي الشرطية PageV16P153 و حكى ~~الماوردي أنها بمعنى ( ما ( وهذه تكون ( ما ( المصدرية وهي بمعنى الظرف أي ~~ذكر ما نفعت ما دامت تنفع ومعناها قريب من معنى الشرطية # وأما إن ظن ظان أنها نافية فهذا غلط بين فإن الله لا ينفى نفع الذكرى ~~مطلقا وهو القائل ( فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع ( ثم قال ~~( المؤمنين ( # وعن ( فذكر إن نفعت الذكرى ( إن قبلت الذكرى وعن مقاتل فذكر وقد نفعت ~~الذكرى # وقيل ذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع قاله طائفة أولهم الفراء واتبعه ~~جماعة منهم النحاس والزهراوي والواحدي والبغوي ولم يذكر غيره قالوا وإنما ~~لم يذكر الحال الثانية كقوله ( سرابيل تقيكم الحر ( وأراد الحر والبرد # وإنما قالوا هذا لأنهم قد علموا أنه يجب عليه تبليغ جميع الخلق وتذكيرهم ~~سواء آمنوا أو كفروا فلم يكن وجوب التذكير مختصا بمن PageV16P154 تنفعه ~~الذكرى كما قال في الآية الآخرى ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ( ~~وقال ( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ( وقال ( ويقولون إنه لمجنون وما ~~هو إلا ذكر للعالمين ( وقال ( ليكون للعالمين نذيرا ( # وهذا الذي قالوه [ له ] معنى صحيح وهو قول الفراء وأمثاله [ لكن ] لم ~~يقله أحد من مفسري السلف ولهذا كان أحمد بن حنبل ينكر على الفراء وأمثاله ~~ما ينكره ويقول كنت أحسب الفراء رجلا صالحا حتى رأيت كتابه في معاني القرآن # وهذا المعنى الذي قالوه مدلول عليه بآيات أخر وهو معلوم بالإضطرار من أمر ~~الرسول فإن الله بعثه مبلغا ومذكرا لجميع الثقلين الإنس والجن لكن ليس هو ~~معنى هذه الآية # بل معنى هذه يشبه قوله ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ( وقوله ( إنما أنت ms4913 ~~منذر من يخشاها ( وقوله ( إنما تنذر من إتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ( ~~وقوله ( إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم ( # فالقرآن جاء بالعام والخاص وهذا كقوله ( هدى للمتقين ( ونحو ذلك ~~PageV16P155 وسبب ذلك أن التعليم والتذكير والإنذار والهدى ونحو ذلك له ~~فاعل وله قابل فالمعلم المذكر يعلم غيره ثم ذلك الغير قد يتعلم ويتذكر وقد ~~لا يتعلم ولا يتذكر فإن تعلم وتذكر فقد تم التعليم والتذكير وإن لم يتعلم ~~ولم يتذكر فقد وجد أحد طرفيه وهو الفاعل دون المحل القابل فيقال في مثل هذا ~~علمته فما تعلم وذكرته فما تذكر وأمرته فما أطاع # وقد يقال ( ما علمته وما ذكرته ( لأنه لم يحصل تاما ولم يحصل مقصوده ~~فينفى لإنتفاء كماله وتمامه وإنتفاء فائدته بالنسبة إلى المخاطب السامع وإن ~~كانت الفائدة حاصلة للمتكلم القائل المخاطب # فحيث خص بالتذكير والإنذار ونحوه المؤمنون فهم مخصوصون بالتام النافع ~~الذي سعدوا به وحيث عمم فالجميع مشتركون في الإنذار الذي قامت به الحجة على ~~الخلق سواء قبلوا أو لم يقبلوا # وهذا هو الهدى المذكور في قوله ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى ( فالهدى هنا هو البيان والدلالة والإرشاد العام المشترك وهو ~~كالإنذار العام والتذكير العام وهنا قد هدى المتقين وغيرهم كما قال ( ولكل ~~قوم هاد ( # وأما قوله ( إهدنا الصراط المستقيم ( فالمطلوب الهدى الخاص PageV16P156 ~~التام الذي يحصل معه الإهتداء كقوله ( هدى للمتقين ( وقوله ( فريقا هدى ~~وفريقا حق عليهم الضلالة ( وقوله ( فإن الله لا يهدى من يضل ( وقوله ( يهدي ~~به الله من إتبع رضوانه سبل السلام ( وهذا كثير في القرآن # وكذلك الإنذار قد قال ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به ~~قوما لدا ( وقال تعالى ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر ~~الناس وبشر الذين آمنوا ( # وقال في الخاص ( إنما أنت منذر من يخشاها ( إنما تنذر من إتبع الذكر وخشي ~~الرحمن بالغيب ( فهذا الإنذار الخاص وهو التام النافع الذى إنتفع به المنذر ~~والإنذار هو الإعلام بالمخوف فعلم المخوف فخاف فآمن وأطاع # وكذلك ms4914 التذكير عام وخاص فالعام هو تبليغ الرسالة إلى كل أحد وهذا يحصل ~~بإبلاغهم ما أرسل به من الرسالة قال تعالى ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما ~~أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين ( وقال تعالى ( وما هي إلا ذكرى ~~للبشر ( وقال تعالى ( إن هو إلا ذكر للعالمين ( ثم قال ( لمن شاء منكم أن ~~يستقيم ( فذكر العام والخاص PageV16P157 والتذكر هو الذكر التام الذي يذكره ~~المذكر به وينتفع به # وغير هؤلاء قال تعالى فيهم ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا إستمعوه ~~وهم يلعبون لاهية قلوبهم ( وقال تعالى ( وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ~~إلا كانوا عنه معرضين ( فقد أتاهم وقامت به الحجة ولكن لم يصغوا إليه ~~بقلوبهم فلم يفهموه أو فهموه فلم يعملوا به كما قال ( ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ( # والخاص هو التام النافع وهو الذي حصل معه تذكر لمدكر فإن هذا ذكرى كما ~~قال ( فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى ( أي يجنب الذكرى ~~وهو إنما جنب الذكرى الخاصة # وأما المشترك الذي تقوم به الحجة فقد ذكر هو وغيره بذلك وقامت الحجة ~~عليهم وقد قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( وقال ( لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل ( وقال عن أهل النار ( كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شيء ( وقال تعالى ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ~~PageV16P158 يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على ~~أنفسنا ( # وأما تمثيلهم ذلك بقوله ( سرابيل تقيكم الحر ( أي وتقيكم البرد # فعنه جوابان # ( أحدهما ( أنه ليس هناك حرف شرط علق به الحكم بخلاف هذا الموضع فإنه إذا ~~علق الأمر بشرط وكان مأمورا به في حال وجود الشرط كما هو مأمور به في حال ~~عدمه كان ذكر الشرط تطويلا للكلام تقليلا للفائدة وإضلالا للسامع # وجمهور الناس على أن مفهوم الشرط حجة ومن ms4915 نازع فيه يقول سكت عن غير ~~المعلق لا يقول إن اللفظ دل على المسكوت كما دل على المنطوق فهذا لا يقوله ~~أحد # ( الثاني ( أن قوله ( تقيكم الحر ( على بابه وليس في الآية ذكر البرد ~~وإنما يقول ( إن المعطوف محذوف ( هو الفراء وأمثاله ممن أنكر عليهم الأئمة ~~حيث يفسرون القرآن بمجرد ظنهم وفهمهم لنوع من علم العربية عندهم وكثيرا لا ~~يكون ما فسروا به مطابقا # وليس في الكلام ما يدل على ذكر البرد ولكن الله ذكر في PageV16P159 هذه ~~السورة إنعامه على عباده وتسمى ( سورة النعم ( فذكر في أولها أصول النعم ~~التى لابد منها ولا تقوم الحياة إلا بها وذكر في أثنائها تمام النعم # وكان ما يقي البرد من أصول النعم فذكر في أول السورة في قوله ( والأنعام ~~خلقها لكم فيها دفء ومنافع ( فالدفء ما يدفئ ويدفع البرد # والبرد الشديد يوجب الموت بخلاف الحر فقد مات خلق من البرد بخلاف الحر ~~فإن الموت منه غير معتاد ولهذا قال بعض العرب البرد بؤس والحر أذى # فلما ذكر في أثنائها تمام النعم ذكر الظلال وما يقي الحر وذكر الأسلحة ~~وما يقي القتل فقال ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون ( فذكر أنه يتم نعمته كما بين ذلك في هذه الآيات فقال ( ~~كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ( # وفرق بين الظلال والأكنان فإن الظلال يكون بالشجر PageV16P160 و نحوه مما ~~يظل ولا يكن بخلاف ما في الجبال من الغيران فإنه يظل # ويكن فهذا في الأمكنة ثم قال في اللباس ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ~~وسرابيل تقيكم بأسكم ( فهذا في اللباس واللباس والمساكن كلاهما تقي الناس ~~ما يؤذيهم من حر وبرد وعدو وكلاهما تسترهم عن أعين الناظرين # وفي البيوت خاصة يسكنون كما قال ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم ~~من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ( فلما ذكر البيوت ~~المسكونة إمتن بكونه جعلها سكنا يسكنون ms4916 فيها من تعب الحركات وذكر أنه جعل ~~لهم بيوتا أخرى يحملونها معهم ويستخفونها يوم ظعنهم ويوم إقامتهم فذكر ~~البيوت الثقيلة التى لا تحمل والخفيفة التى تحمل # فتبين أن ما مثلوا به حجة عليهم # فقوله ( إن نفعت الذكرى ( كما قال مفسروا السلف والجمهور على بابها قال ~~الحسن البصري تذكرة للمؤمن وحجة على الكافر PageV16P161 # وعلى هذا فقوله تعالى ( إن نفعت الذكرى ( لا يمنع كون الكافر يبلغ القرآن ~~لوجوه # ( أحدها ( أنه لم يخص قوما دون قوم لكن قال ( فذكر ( وهذا مطلق بتذكير كل ~~أحد وقوله ( إن نفعت الذكرى ( لم يقل ( إن نفعت كل أحد ( بل أطلق النفع فقد ~~أمر بالتذكير إن كان ينفع # والتذكير المطلق العام ينفع فإن من الناس من يتذكر فينتفع به والآخر تقوم ~~عليه الحجة ويستحق العذاب على ذلك فيكون عبرة لغيره فيحصل بتذكيره نفع أيضا ~~ولأنه بتذكيره تقوم عليه الحجة فتجوز عقوبته بعد هذا بالجهاد وغيره فتحصل ~~بالذكرى منفعة # فكل تذكير ذكر به النبى صلى الله عليه وسلم للمشركين حصل به نفع في ~~الجملة وإن كان النفع للمؤمنين الذين قبلوه وإعتبروا به وجاهدوا المشركين ~~الذين قامت عليهم الحجة # فإن قيل فعلى هذا كل تذكير قد حصل به نفع فأي فائدة في التقييد ~~PageV16P162 # قيل بل منه ما لم ينفع أصلا وهو ما لم يؤمر به وذلك كمن أخبر الله أنه لا ~~يؤمن كأبى لهب فإنه بعد أن أنزل الله قوله ( سيصلى نارا ذات لهب ( فإنه لا ~~يخص بتذكير بل يعرض عنه # وكذلك كل من لم يصغ إليه ولم يستمع لقوله فإنه يعرض عنه كما قال ( فتول ~~عنهم فما أنت بملوم ( ثم قال ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ( فهو إذا ~~بلغ قوما الرسالة فقامت الحجة عليهم ثم إمتنعوا من سماع كلامه أعرض عنهم ~~فإن الذكرى حينئذ لا تنفع أحدا # وكذلك من أظهر أن الحجة قامت عليه وأنه لا يهتدى فإنه لا يكرر التبليغ ~~عليه # ( الوجه الثانى ( أن الأمر بالتذكير أمر بالتذكير التام النافع كما هو ~~أمر بالتذكير المشترك # وهذا التام النافع ms4917 يخص به المؤمنين المنتفعين فهم إذا آمنوا ذكرهم بما ~~أنزل وكلما أنزل شيء من القرآن ذكرهم به ويذكرهم بمعانيه ويذكرهم [ بما ] ~~نزل قبل ذلك # بخلاف الذين قال فيهم ( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم PageV16P163 حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة ( فإن هؤلاء لا يذكرهم كما يذكر المؤمنين إذا كانت ~~الحجة قد قامت عليهم وهم معرضون عن التذكرة لا يسمعون # ولهذا قال ( عبس وتولى ان جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى اما من إستغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك ~~يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ( فأمره أن يقبل على من جاءه يطلب أن يتزكى ~~وأن يتذكر وقال ( سيذكر من يخشى إلى قوله قد أفلح من تزكى ( فذكر التذكر ~~والتزكي كما ذكرهما هناك وأمره أن يقبل على من أقبل عليه دون من أعرض عنه ~~فإن هذا ينتفع بالذكرى دون ذاك # فيكون مأمورا أن يذكر المنتفعين بالذكرى تذكيرا يخصهم به غير التبليغ ~~العام الذي تقوم به الحجة كما قال ( فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين ( # وقال ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ( وفى ~~الصحيحين عن بن عباس قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ~~القرآن سمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزل عليه ومن جاء به فقال الله له ~~ولا تجهر به فيسمعه المشركون ولا تخافت PageV16P164 به عن أصحابك ( فنهى عن ~~أن يسمعهم إسماعا يكون ضرره أعظم من نفعه # وهكذا كل ما يأمر الله به لابد أن تكون مصلحته راجحة على مفسدته والمصلحة ~~هي المنفعة والمفسدة هي المضرة فهو إنما يؤمر بالتذكير إذا كانت المصلحة ~~راجحة وهو أن تحصل به منفعة راجحة على المضرة وهذا يدل على الوجه الأول ~~والثانى فحيث كان الضرر راجحا فهو منهى عما يجلب ضررا راجحا # والنفع أعم في قبول جميعهم فقبول بعضهم نفع وقيام الحجة على من لم يقبل ~~نفع وظهور كلامه حتى يبلغ البعيد نفع وبقاؤه عند من سمعه ms4918 حتى بلغه إلى من ~~لم يسمعه نفع فهو صلى الله عليه وسلم ما ذكر قط إلا ذكرى نافعة لم يذكر ~~ذكرى قط يكون ضررها راجحا # وهذا مذهب جمهور المسلمين من السلف والخلف أن ما أمر الله به لابد أن ~~تكون مصلحته راجحة ومنفعته راجحة وأما ما كانت مضرته راجحة فإن الله لا ~~يأمر به # وأما جهم ومن وافقه من الجبرية فيقولون إن الله قد يأمر بما ليس فيه ~~منفعة ولا مصلحة ألبتة بل يكون ضررا محضا إذا فعله PageV16P165 المأمور به ~~وقد وافقهم على ذلك طائفة من متأخري أتباع الأئمة ممن سلك مسلك المتكلمين ~~أبى الحسن [ الأشعري وغيره في ] مسائل القدر فنصر مذهب جهم والجبرية ( # الوجه الثالث ( أن قوله ( الذكرى ( يتناول التذكر والتذكير فإنه قال ( ~~فذكر إن نفعت الذكرى ( فلابد أن يتناول ذلك تذكيره # ثم قال ( سيذكر من يخشي ويتجنبها الأشقى ( والذي يتجنبه الأشقى هو الذي ~~فعله من يخشى وهو التذكر فضمير الذكرى هنا يتناول التذكر وإلا فمجرد ~~التذكير الذي قامت به الحجة لم يتجنبه أحد # لكن قد يراد بتجنبها أنه لم يستمع إليها ولم يصغ كما قال ( لا تسمعوا ~~لهذا القرآن وألغوا فيه ( والحجة قامت بوجود الرسول المبلغ وتمكنهم من ~~الإستماع والتدبر لا بنفس الإستماع ففي الكفار من تجنب سماع القرآن وإختار ~~غيره كما يتجنب كثير من المسلمين سماع أقوال أهل الكتاب وغيرهم وإنما ~~ينتفعون إذا ذكروا فتذكروا كما قال ( سيذكر من يخشي ( # فلما قال ( فذكر إن نفعت الذكرى ( فقد يراد بالذكرى نفس PageV16P166 ~~تذكيره تذكر أو لم يتذكر وتذكيره نافع لا محالة كما تقدم وهذا يناسب الوجه ~~الأول # وقد ذكر بعضهم أن هذا يراد به توبيخ من لم يتذكر من قريش قال إبن عطية ~~إختلف الناس في معنى قوله ( فذكر إن نفعت الذكرى ( فقال الفراء والنحاس ~~والزهراوي معناه ( وإن لم تنفع ( فاقتصر على الإسم الواحد لدلالته على ~~الثانى # قال وقال بعض الحذاق قوله ( إن نفعت الذكرى ( إعتراض بين الكلامين على ~~جهة التوبيخ لقريش أي إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة ms4919 العتاة وهذا كنحو قول ~~الشاعر % لقد أسمعت لو ناديت حيا % ولكن لا حياة لمن تنادى % # وهذا كله كما تقول لرجل ( قل لفلان وإعذله إن سمعك ( إنما هو توبيخ ~~للمشار إليه # ( قلت ( هذا القائل هو الزمخشرى وهذا القول فيه بعض الحق لكنه أضعف من ~~ذاك القول من وجه آخر فإن مضمون هذا القول أنه مأمور بتذكير من لا يقبل ولا ~~ينتفع بالذكرى دون من يقبل كما قال ( إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة ~~العتاة ( وكما أنشده في البيت PageV16P167 ثم البيت الذى أنشده خبر عن شخص ~~خاطب آخر فيقول لقد أسمعت لو كان من تناديه حيا وهذا كقوله ( إن الذين ~~كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( وقوله ( إنك لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ( وقوله ( قل إنما أنذركم ~~بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ( فهذا يناسب معنى البيت وهو ~~خبر خاص # وأما الأمر بالإنذار فهو مطلق عام وإن كان مخصوصا فالمؤمنون أحق بالتخصيص ~~كما قال ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ( وقال ( وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين ( ليس الأمر مختصا بمن لا يسمع # كيف وقد قال بعد ذلك ( سيذكر من يخشي ويتجنبها الأشقى ( فهذا الذي يخشي ~~هو ممن أمره بتذكيره وهو ينتفع بالذكرى فكيف لا يكون لهذا الشرط فائدة إلا ~~ذم من لم يسمع # وأما قول القائل ( قل لفلان وأعذله إن سمعك ( فهذا وأمثاله يقوله الناس ~~لمن يظنون أنه لا يقبل ولكن يرجون قبوله فهم يقصدون توبيخه على تقدير الرد ~~لا على تقدير القبول فيقولون ( قل له إن كان يسمع منك ( و ( قل له إن كان ~~يقبل ( و ( إنصحه إن PageV16P168 كان يقبل النصيحة ( وهو كله من هذا الباب ~~فهو أمر بالنصيحة التامة المقبولة إن كان يقبلها وأمر بأصل النصح وإن رده ~~وذم له على هذا التقدير # وكذلك قوله ( فذكر إن نفعت الذكرى ( أمر بتذكير كل أحد فإن إنتفع كان ~~تذكره تاما نافعا وإلا حصل أصل التذكير الذي قامت به الحجة ودل ذلك على ذمه ms4920 ~~وإستحقاقه التوبيخ # مع أنه سبحانه إنما قال ( إن نفعت الذكرى ( ولم يقل ( ذكر من تنفعه ~~الذكرى فقط ( كما في قوله ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ( فهناك الأمر ~~بالتذكير خاص # وقد جاء عاما وخاصا كخطاب القرآن ب ( يا أيها الناس ( وهو عام وب ( يا ~~أيها الذين آمنوا ( خاص لمن آمن بالقرآن # فهناك قال ( فإن الذكرى تنفع المؤمنين ( وهنا قال ( سيذكر من يخشي ~~ويتجنبها الأشقى ( ولم يقل ( سينتفع من يخشي ( فإن النفع الحاصل بالتذكير ~~أعم من تذكر من يخشى # فإنه إذا ذكر قامت الحجة على الجميع والأشقى الذي تجنبها حصل بتذكيره ~~قيام الحجة عليه وإستحقاقه لعذاب الدنيا والآخرة PageV16P169 و في ذلك لله ~~حكم ومنافع هي نعم على عباده فكل ما يقضيه الله تعالى هو من نعمته على ~~عباده ولهذا يقول عقب تعديد ما يذكره ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ( # ولما ذكر ما ذكره في سورة النجم وذكر إهلاك مكذبى الرسل قال ( فبأي آلاء ~~ربك تتمارى ( فإهلاكهم من آلاء ربنا وآلاؤه نعمه التى تدل على رحمته وعلى ~~حكمته وعلى مشيئته وقدرته وربوبيته سبحانه وتعالى # ومن نفع تذكير الذي يتجنبها أنه لما قامت عليه الحجة واستحق العذاب خف ~~بذلك شر عن المؤمنين فإن الله يهلكهم بعذاب من عنده أو بأيديهم وبهلاكه ~~ينتصر الإيمان وينتشر ويعتبر به غيره وذلك نفع عظيم # وهو أيضا يتعجل موته فيكون أقل لكفره فإن الله أرسل محمدا رحمة للعالمين ~~فبه تصل الرحمة إلى كل أحد بحسب الإمكان # وأيضا فإن الذي يتجنبها بتجنبه إستحق هذا الوعيد المذكور فصار ذلك تحذيرا ~~لغيره من أن يفعل مثل فعله قال تعالى ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما ~~خلفها ( وقال تعالى عن فرعون ( فجعلناهم PageV16P170 سلفا ومثلا للآخرين ( ~~وقال تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ( ### ||| فصل # وقوله ( سيذكر من يخشي ( يقتضى أن كل من يخشي يتذكر والخشية قد تحصل عقب ~~الذكر وقد تحصل قبل الذكر وقوله ( من يخشى ( مطلق # ومن الناس من يظن أن ذلك يقتضى أنه لابد أن يكون قد خشي أولا حتى يذكر ms4921 ~~وليس كذلك بل هذا كقوله ( هدى للمتقين ( وقوله ( إنما أنت منذر من يخشاها ( ~~وقوله ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ( وقوله ( إنما تنذر من إتبع الذكر وخشى ~~الرحمن بالغيب ( # وهو إنما خاف الوعيد بعد أن سمعه لم يكن وعيد قبل سماع القرآن وكذلك قوله ~~( إنما تنذر من إتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب ( وهو إنما إتبع الذكر وخشى ~~الرحمن بعد أن أنذره الرسول # وقد لا يكونون خافوها قبل الإنذار ولا كانوا متقين قبل سماع PageV16P171 ~~القرآن بل به صاروا متقين # وهذا كما يقول القائل ما يسمع هذا إلا سعيد وإلا مفلح وإلا من رضي الله ~~عنه وما يدخل في الإسلام إلا من هداه الله ونحو ذلك وإن كانت هذه الحسنات ~~والنعم تحصل بعد الإسلام وسماع القرآن # ومثل هذا قوله ( هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ( # وقد قال في نظيره ( ويتجنبها الأشقى ( وإنما يشقى بتجنبها # وهذا كما يقال إنما يحذر من يقبل وإنما ينتفع بالعلم من عمل به # فمن إستمع القرآن فآمن به وعمل به صار من المتقين الذين هو هدى لهم ومن ~~لم يؤمن به ولم يعمل به لم يكن من المتقين ولم يكن ممن إهتدى به بل هو كما ~~قال الله تعالى ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وهو عليهم عمى ( ولم يرد أنهم كانوا مؤمنين فلما سمعوه صار هدى وشفاء ~~بل إذا سمعه الكافر فآمن به صار في حقه هدى وشفاء وكان من المؤمنين به بعد ~~سماعه PageV16P172 # وهذا كقوله في النوع المذموم ( يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به ~~إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ~~أن يوصل ( ولا يجب أن يكونوا فاسقين قبل ضلالهم بل من سمعه فكذب به صار ~~فاسقا وضل # وسعد بن أبى وقاص وغيره أدخلوا في هذه الآية أهل الأهواء كالخوارج وكان ~~سعد يقول هم من ( الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما ~~أمر الله به أن يوصل ms4922 ( ولم يكن علي وسعد وغيرهما من الصحابة يكفرونهم وسعد ~~أدخلهم في هذه الآية لقوله ( وما يضل به إلا الفاسقين وهم ضلوا به بسبب ~~تحريفهم الكلم عن مواضعه وتأويله على غير ما أراد الله فتمسكوا بمتشابهه ~~وأعرضوا عن محكمه وعن السنة الثابتة التى تبين مراد الله بكتابه فخالفوا ~~السنة وإجماع الصحابة مع ما خالفوه من محكم كتاب الله تعالى # ولهذا أدخلهم كثير من السلف في الذين ( يتبعون ما تشابه منه إبتغاء ~~الفتنة وإبتغاء تأويله ( الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ( وبسط هذا له موضع ~~آخر # والمقصود الآية وقد دلت على أن كل من يخشي فلابد أن PageV16P173 يتذكر ~~فقد يتذكر فتحصل له بالتذكر خشية وقد يخشى فتدعوه الخشية إلى التذكر # وهذا المعنى ذكره قتادة فقال والله ما خشي الله عبد قط إلا ذكره # ( ويتجنبها الأشقى ( قال قتادة فلا والله لا يتنكب عبد هذا الذكر زهدا ~~فيه وبغضا له ولأهله إلا شقيا بين الشقاء # والخشية في القرآن مطلقة تتناول خشية الله وخشية عذابه في الدنيا والآخرة # قال الله تعالى ( يسئلونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ~~ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها ( # وقال تعالى ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ( # وقال تعالى ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة ~~قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون ~~أنها الحق ( # وقال ( قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب ~~السموم PageV16P174 ### ||| فصل # الكلام على قوله ( من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ( # وفى هذه الآية قال ( سيذكر من يخشى ( # وقال في قصة فرعون ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشي ( فعطف ~~الخشية على التذكر # وقال ( لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ( # وفى قصة الرجل الصالح المؤمن الأعمى قال ( وما يدريك لعله يزكى أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى ( # وقال في ( حم ( المؤمن ( ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به ~~تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير هو الذي يريكم آياته وينزل ms4923 لكم من السماء ~~رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ( فقال ( وما يتذكر إلا من ينيب PageV16P175 و ~~الإنابة جعلها مع الخشية في قوله ( هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي ~~الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب إدخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ( وذلك لأن ~~الذي يخشي الله لابد أن يرجوه ويطمع في رحمته فينيب إليه ويحبه ويحب عبادته ~~وطاعته فإن ذلك هو الذي ينجيه مما يخشاه ويحصل به ما يحبه # والخشية لا تكون ممن قطع بأنه معذب فإن هذا قطع بالعذاب يكون معه القنوط ~~واليأس والإبلاس ليس هذا خشية وخوفا # وإنما يكون الخشية والخوف مع رجاء السلامة ولهذا قال ( ترى الظالمين ~~مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم ( # فصاحب الخشية لله ينيب إلى الله كما قال ( وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ~~هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب إدخلوها ~~بسلام ذلك يوم الخلود ( وهذا يكون مع تمام الخشية والخوف # فأما في مباديها فقد يحصل للإنسان خوف من العذاب والذنب PageV16P176 الذي ~~يقتضيه فيشتغل بطلب النجاة والسلام ويعرض عن طلب الرحمة والجنة وقد يفعل مع ~~سيئاته حسنات توازيها وتقابلها فينجو بذلك من النار ولا يستحق الجنة بل ~~يكون من أصحاب الأعراف وإن كان مآلهم إلى الجنة فليسوا ممن أزلفت لهم الجنة ~~أى قربت لهم إذ كانوا لم يأتوا بخشية الله والإنابة إليه واستجمل بعد ذلك ### ||| فصل # وأما قوله في قصة فرعون ( لعله يتذكر أو يخشى ( وقوله ( وما يدريك لعله ~~يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى ( فلا يناقض هذه الآية لأنه لم يقل في هذه ~~الآية ( سيخشى من يذكر ( # بل ذكر أن كل من خشى فإنه يتذكر إما أن يتذكر فيخشى وإن كان غيره يتذكر ~~فلا يخشى وإما أن تدعوه الخشية إلى التذكر فالخشية مستلزمة للتذكر فكل خاش ~~متذكر # كما قال تعالى ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ( فلا يخشاه إلا ~~PageV16P177 عالم فكل خاش لله فهو عالم هذا منطوق الآية # وقال السلف وأكثر العلماء إنها تدل على أن كل عالم فإنه ms4924 يخشى الله كما دل ~~غيرها على أن كل من عصى الله فهو جاهل # كما قال أبو العالية سألت أصحاب محمد عن قوله ( إنما التوبة على الله ~~للذين يعملون السوء بجهالة ( فقالوا لي ( كل من عصى الله فهو جاهل ( وكذلك ~~قال مجاهد والحسن البصرى وغيرهم من العلماء التابعين ومن بعدهم # وذلك أن الحصر في معنى الإستثناء والإستثناء من النفي إثبات عند جمهور ~~العلماء فنفي الخشية عمن ليس من العلماء وهم العلماء به الذين يؤمنون بما ~~جاءت به الرسل يخافونه # قال تعالى ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ~~ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون # وأثبتها للعلماء فكل عالم يخشاه فمن لم يخش الله فليس من العلماء بل من ~~الجهال كما قال عبد الله بن مسعود ( كفى بخشية الله علما وكفى PageV16P178 ~~بالإغترار بالله جهلا ( وقال رجل للشعبى ( أيها العالم ( فقال ( إنما ~~العالم من يخشى الله ( # فكذلك قوله ( سيذكر من يخشى ( يقتضى أن كل من يخشاه فلابد أن يكون ممن ~~تذكر # وقد ذكر أن الأشقى يتجنب الذكرى فصار الذي يخشى ضد الأشقى فلذلك يقال ( ~~كل من تذكر خشى ( والتحقيق أن التذكر سبب الخشية فإن كان تاما أوجب الخشية ~~كما أن العلم سبب الخشية فإن كان تاما أوجب الخشية # وعلى هذا فقوله في قصة فرعون ( لعله يتذكر أو يخشى ( جعل ذلك نوعين لما ~~في ذلك من الفوائد # ( أحدها ( أنه إذا تذكر أنه مخلوق وأن الله خالقه وليس هو إلها وربا كما ~~ذكر وذكر إحسان الله إليه فهذا التذكر يدعوه إلى إعترافه بربوبية الله ~~وتوحيده وإنعامه عليه فيقتضى الإيمان والشكر وإن قدر أن الله لا يعذبه # فإن مجرد كون الشيء حقا ونافعا يقتضي طلبه وإن لم يخف ضررا PageV16P179 ~~بعدمه كما يسارع المؤمنون إلى فعل التطوعات والنوافل لما فيها من النفع وإن ~~كان لا عقوبة في تركها كما يحب الإنسان علوما نافعة وإن لم يتضرر بتركها ~~وكما قد يحب محاسن الأخلاق ومعالي الأمور لما فيها من المنفعة واللذة في ms4925 ~~الدنيا والآخرة وإن لم يخف ضررا بتركها # فهو إذا تذكر آلاء الله وتذكر إحسانه إليه فهذا قد يوجب إعترافه بحق الله ~~وتوحيده وإحسانه إليه ويقتضي شكره لله وتسليم قوم موسى إليه وأن لم يخف ~~عذابا فهذا قد حصل بمجرد التذكر # قال ( أو يخشى ( ونفس الخشية إذا ذكر له موسى ما توعده الله به من عذاب ~~الدنيا والآخرة فإن هذا الخوف قد يحمله على الطاعة والإنقياد ولو لم يتذكر # وقد يحصل تذكر بلا خشية وقد يحصل خشية بلا تذكر وقد يحصلان جميعا وهو ~~الأغلب قال تعالى ( لعله يتذكر أو يخشى ( # وأيضا فذكر الإنسان يحصل بما عرفه من العلوم قبل هذا فيحصل بمجرد عقله ~~وخشيته تكون بما سمعه من الوعيد فبالأول يكون ممن له قلب يعقل به والثانى ~~يكون ممن له أذن يسمع بها PageV16P180 و قد تحصل الذكرى الموجبة للخير بهذا ~~وبهذا كما قال تعالى ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في ~~البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ~~( # الفائدة الثانية أن التذكر سبب الخشية والخشية حاصلة عن التذكر فذكر ~~التذكر الذي هو السبب وذكر الخشية التى هي النتيجة وإن كان أحدهما مستلزما ~~للآخر كما قال ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ( ~~وكما قال أهل النار ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ( وقال ( ~~أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها ~~لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور ( فكل من النوعين يحصل به ~~النجاة لأنه مستلزم للآخر # فالذي يسمع ما جاءت به الرسل سمعا يعقل به ما قالوه ينجو وإلا فالسمع بلا ~~عقل لا ينفعه كما قال ( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا ~~للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ( وقال ( ~~ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا ms4926 لا يعقلون ( وقال ( إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون PageV16P181 # وكذلك العقل بلا سمع لما جاءت به الرسل لا ينفع وقد إعترف أهل النار ~~بمجيء الرسل فقالوا ( بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ( # وكذلك المعتبرين بآثار المعذبين الذين قال فيهم ( أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ( إنما ينتفعون إذا سمعوا ~~أخبار المعذبين المكذبين للرسل والناجين الذين صدقوهم فسمعوا قول الرسل ~~وصدقوهم # الفائدة الثالثة أن الخشية أيضا سبب للتذكر كما تقدم فكل منهما قد يكون ~~سببا للآخر فقد يخاف الإنسان فيتذكر وقد يتذكر الأمور المخوفة فيطلب النجاة ~~منها ويتذكر ما يرجو به النجاة منها فيفعله # فإن قيل مجرد ظن المخوف قد يوجب الخوف فكيف قال ( إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء ( # قيل النفس لها هوى غالب قاهر لا يصرفه مجرد الظن وإنما يصرفه العلم بأن ~~العذاب واقع لا محالة وأما من كان يظن أن العذاب يقع ولا يوقن بذلك فلا ~~يترك هواه ولهذا قال ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~PageV16P182 و قال تعالى في ذم الكفار ( وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة ~~لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ( ~~ووصف المتقين بأنهم بالآخرة يوقنون # ولهذا أقسم الرب على وقوع العذاب والساعة # وأمر نبيه أن يقسم على وقوع الساعة وعلى أن القرآن حق فقال ( زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ( وقال ( وقال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم ( وقال ( ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي ~~إنه لحق ( ### ||| فصل # وأما قوله تعالى ( وما يتذكر إلا من ينيب ( فهو حق كما قال فإن المتذكر ~~إما أن يتذكر ما يدعوا إلى الرحمة والنعمة والثواب كما يتذكر الإنسان ما ~~يدعوه إلى السؤال فينيب وإما أن يتذكر ما يقتضي الخوف والخشية فلابد له من ~~الإنابة حينئذ لينجو مما يخاف ولهذا قيل في فرعون ( لعله يتذكر ( فينيب ( ~~أو ms4927 يخشى PageV16P183 و كذلك قال له موسى ( هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ~~ربك فتخشى ( فجمع موسى بين الأمرين لتلازمهما # وقال في حق الأعمى ( وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى ( فذكر ~~الإنتفاع بالذكرى كما قال ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # والنفع نوعان حصول النعمة وإندفاع النقمة ونفس إندفاع النقمة نفع وإن لم ~~يحصل معه نفع آخر ونفس المنافع التى يخاف معها عذاب نفع وكلاهما نفع فالنفع ~~تدخل فيه الثلاثة والثلاثة تحصل بالذكرى كما قال تعالى ( وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين ( وقال ( وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى ( # وأما ذكر التزكي مع التذكر فهو كما ذكر في قصة فرعون الخشية مع التذكر # وذلك أن التزكي هو الإيمان والعمل الصالح الذي تصير به نفس الإنسان زكية ~~كما قال في هذه السورة ( قد أفلح من تزكى وذكر إسم ربه فصلى ( وقال ( قد ~~أفلح من زكاها وقد خاب من دساها PageV16P184 و قال ( هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ( وقال ( وويل للمشركين الذين ~~لا يؤتون الزكاة ( وقال موسى لفرعون ( هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك ~~فتخشى ( # وعطف عليه ( أو يذكر فتنفعه الذكرى ( لوجوه # ( أحدها ( أن التزكي يحصل بإمتثال أمر الرسول وإن كان صاحبه لا يتذكر ~~علوما عنه كما قال ( يتلو عليهم آياته ويزكيهم ( ثم قال ( ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ( فالتلاوة عليهم والتزكية عام لجميع المؤمنين وتعليم الكتاب ~~والحكمة خاص ببعضهم وكذلك التزكي عام لكل من آمن بالرسول وأما التذكر فهو ~~مختص لمن له علوم يذكرها فعرف بتذكره ما لم يعلمه غيره من تلقاء نفسه # ( الوجه الثاني ( أن قوله ( أو يذكر فتنفعه الذكرى ( يدخل فيه النفع ~~قليله وكثيره والتزكي أخص من ذلك # ( الثالث ( أن التذكر سببب التزكي فإنه إذا تذكر خاف ورجا فتزكي فذكر ~~الحكم وذكر سببه ذكر العمل وذكر العلم وكل منهما مستلزم للآخر PageV16P185 ~~فإنه لا يتزكى حتى يتذكر ما يسمعه من الرسول كما قال ( سيذكر من يخشى ( ~~فلابد لكل مؤمن من خشية وتذكر وهو ms4928 إذا تذكر فإنه ينتفع وقد تتم المنفعة ~~فيتزكى # وقوله ( لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ( فيه أيضا نحو هذه الوجوه # فإن الشاكر قد يشكر الله على نعمه وإن لم يخف والتذكر قد يقتضى الخشية # وأيضا فإن التذكر يقتضي الخوف من العقاب وطلب الثواب فيعمل للمستقبل ~~والشكر على النعم الماضية # وأيضا فالتذكر تذكر علوم سابقة ومنها تذكر نعم الله عليه فهو سبب للشكر ~~تذكر السبب والمسبب # وأيضا فإن الشكر يقتضي المزيد من النعم والتذكر قد يكون لهذا وقد يكون ~~خوفا من العذاب # وقد يكون الأمر بالعكس فالشاكر قد يشكر الشكر الواجب لئلا يكون كفورا ~~فيعاقب على ترك الشكر بسلب النعمة وعقوبات أخر PageV16P186 و المتذكر قد ~~يتذكر ما أعده الله لمن أطاعه فيطيعه طلبا لرحمته # وأيضا فالتذكر قد يكون لفعل الواجبات التى يدفع بها العقاب والشكور يكون ~~للمزيد من فضله كما في الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قام حتى تورمت ~~قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال ( ~~أفلا أكون عبدا شكورا ( # وقال صلى الله عليه وسلم ( لا يتمنين أحدكم الموت إما محسن فيزداد إحسنا ~~وإما مسيئا فلعله أن يستعتب ( فالمؤمن دائما في نعمة من ربه تقتضي شكرا وفى ~~ذنب يحتاج إلى إستغفار # وهو في سيد الإستغفار يقول ( أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى فإغفر لي ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ( # وقد علم تحقيق قوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك ( فما أصابه من الحسنات هي نعم الله فتقتضي شكرا وما أصابه من المصائب ~~فبذنوبه تقتضى تذكرا لذنوبه يوجب توبة وإستغفارا # وقد جعل الله ( الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر ( فيتوب PageV16P187 ~~و يستغفر من ذنوبه ( أو أراد شكورا ( لربه على نعمه وكل ما يفعله الله ~~بالعبد من نعمة وكل ما يخلفه الله فهو نعمة الله عليه فكلما نظر إلى ما ~~فعله ربه شكر وإذا نظر إلى نفسه إستغفر # والتذكر قد يكون تذكر ذنوبه ms4929 وعقاب ربه وقد يدخل فيه تذكر آلائه ونعمه فإن ~~ذلك يدعو إلى الشكر قال تعالى ( إذكروا نعمة الله عليكم ( في غير موضع فقد ~~أمر بذكر نعمه فالمتذكر يتذكر نعم ربه ويتذكر ذنوبه # وأيضا فهو ذكر الشكور لأنه مقصود لنفسه فإن الشكر ثابت في الدنيا والآخرة ~~وذكر التذكر لأنه أصل للإستغفار والشكر وغير ذلك فذكر المبدأ وذكر النهاية ~~وهذا المعنى يجمع ما قيل والله سبحانه أعلم ### ||| فصل # والتذكر إسم جامع لكل ما أمر الله بتذكره كما قال ( أولم نعمركم ما يتذكر ~~فيه من تذكر وجاءكم النذير ( أي قامت الحجة عليكم بالنذير الذي جاءكم ~~وبتعميركم عمرا يتسع للتذكر PageV16P188 و قد أمر سبحانه بذكر نعمه في غير ~~موضع كقوله ( وأذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة # والمطلوب بذكرها شكرها كما قال ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا ~~الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم وإخشونى ولأتم نعمتى عليكم ولعلكم تهتدون كما ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فإذكرونى أذكركم وأشكروا لى ولا تكفرون ( # وقوله ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ( يتناول كل من خوطب بالقرآن وكذلك ~~قوله ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين ~~رؤوف رحيم ( فالرسول من أنفس من خوطب بهذا الكلام إذ هي كاف الخطاب # ولما خوطب به أولا قريش ثم العرب ثم سائر الأمم صار يخص ويعم بحسب ذلك # وفيه ما يخص قريشا كقوله ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء PageV16P189 ~~و الصيف ( وقوله ( وإنه لذكر لك ولقومك ( # وفيه ما يعم العرب ويخصهم كقوله ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ~~يتلو عليهم آياته ( والأميون يتناول العرب قاطبة دون أهل الكتاب # ثم قال ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ( فهذا يتناول كل من دخل في الإسلام ~~بعد دخول العرب فيه إلى يوم القيامة كما قال ذلك مقاتل بن حيان وعبد الرحمن ~~بن زيد وغيرهما ms4930 # فإن قوله ( وآخرين منهم ( أي في الدين دون النسب إذ لو كانوا منهم في ~~النسب لكانوا من الأميين # وهذا كقوله تعالى ( والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم ( # وقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت سئل النبى صلى الله عليه وسلم ~~عنهم فقال ( لو كان الإيمان معلقا بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس ( ~~فهذا يدل على دخول هؤلاء لا يمنع دخول غيرهم من الأمم # وإذا كانوا هم منهم فقد دخلوا في قوله ( لقد من الله على PageV16P190 ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ( فالمنة على جميع المؤمنين عربهم ~~وعجمهم سابقهم ولاحقهم والرسول منهم لأنه إنسى مؤمن وهو من العرب أخص لكونه ~~عربيا جاء بلسانهم وهو من قريش أخص # والخصوص يوجب قيام الحجة لا يوجب الفضل إلا بالإيمان والتقوى لقوله ( إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ( # ولهذا كان الأنصار أفضل من الطلقاء من قريش وهم ليسوا من ربيعة ولا مضر ~~بل من قحطان # وأكثر الناس على أنهم من ولد هود ليسوا من ولد إبراهيم # وقيل إنهم من ولد إسماعيل لحديث أسلم لما قال ( إرموا فإن أباكم كان ~~راميا ( وأسلم من خزاعة وخزاعة من ولد إبراهيم # وفي هذا كلام ليس هذا موضعه إذ المقصود أن الأنصار أبعد نسبا من كل ربيعة ~~ومضر مع كثرة هذه القبائل و [ مع هذا هم أفضل ] من جمهور قريش إلا من ~~السابقين الأولين من المهاجرين وفيهم قرشي وغير قرشي ومجموع السابقين ألف ~~وأربعمائة غير مهاجري الحبشة PageV16P191 # فقوله ( لقد جاءكم ( يخص قريشا والعرب ثم يعم سائر البشر لأن القرآن خطاب ~~لهم والرسول من أنفسهم والمعنى ليس بملك لا يطيقون الأخذ منه ولا جنى # ثم يعم الجن لأن الرسول أرسل إلى الإنس والجن والقرآن خطاب للثقلين ~~والرسول منهم جميعا كما قال ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ( ~~فجعل الرسل التى أرسلها من النوعين مع أنهم من الإنس # فإن الإنس والجن مشتركون مع كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين فإنهم ~~يأكلون ويشربون وينكحون وينسلون ويغتذون وينمون ms4931 بالأكل والشرب وهذه الأمور ~~مشتركة بينهم وهم يتميزون بها عن الملائكة فإن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ~~ولا تنكح ولا تنسل # فصار الرسول من أنفس الثقلين بإعتبار القدر المشترك بينهم الذي تميزوا به ~~عن الملائكة حتى كان الرسول مبعوثا إلى الثقلين دون الملائكة # وكذلك قوله ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من PageV16P192 ~~أنفسهم ( هو كقوله ( واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة ( وقوله ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ( # ثم قال ( فإذكرونى أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ( والمقصود أنه أمر بذكر ~~النعم وشكرها # وقال ( يا بني إسرائيل أذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم ( في غير موضع وقال ~~للمؤمنين ( وأذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ( فذكر النعم من الذكر الذي أمروا ~~به # ومما أمروا به تذكرة قصص الأنبياء المتقدمين كما قال ( واذكر في الكتاب ~~إبراهيم ( واذكر في الكتاب موسى ( ( واذكر في الكتاب إسماعيل ( واذكر في ~~الكتاب إدريس ( وقال ( واذكر عبدنا داود ذا الأيد ( واذكر عبادنا إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب ( واذكر إسماعيل واليسع ( # ومما أمروا به تذكرة ما وعدوا به من الثواب والعقاب قال تعالى ( إنا ~~أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار PageV16P193 # ومما أمروا بتذكره آيات الله التى يستدلون بها على قدرته وعلى المعاد ~~كقوله ( ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا ( # وقد قال لموسى ( وذكرهم بأيام الله ( وهي تتناول أيام نعمه وأيام نقمه ~~ليشكروا ويعتبروا # ولهذا قال ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ( فإن ذكر النعم يدعو إلى ~~الشكر وذكر النقم يقتضي الصبر على فعل المأمور وإن كرهته النفس وعن المحظور ~~وإن أحبته النفس لئلا يصيبه ما أصاب غيره من النقمة ### ||| فصل # وقوله ( ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيى ( وقد ذكر في سورة الليل قوله ( فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا ~~الأشقى الذي كذب وتولى ( # وهذا الصلي قد فسره النبى صلى ms4932 الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~PageV16P194 الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا ~~يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم إماتة حتى ~~إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ~~ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ( ~~فقال رجل من القوم كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية # وفى رواية ذكرها إبن أبي حاتم فقال ذكر عن عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا ~~أبى ثنا سليمان التيمي عن أبى نضرة عن أبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطب فأتى على هذه ( لا يموت فيها ولا يحيى ( فقال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون وأما الذين ~~ليسوا من أهل النار فإن النار تميتهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون فيهم فيشفعون ~~فيؤتى بهم إلى نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت الغثاء في ~~حميل السيل ( # فقد بين النبى صلى الله عليه وسلم [ أن ] هذا الصلي لأهل النار الذين هم ~~أهلها وأن الذين ليسوا من أهلها فإنها تصيبهم بذنوبهم وأن الله يميتهم فيها ~~حتى يصيروا فحما ثم يشفع فيهم فيخرجون ويؤتى PageV16P195 بهم إلى نهر ~~الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل # وهذا المعني مستفيض عن النبى صلى الله عليه وسلم بل متواتر في أحاديث ~~كثيرة في الصحيحين وغيرهما من حديث أبى سعيد وأبى هريرة وغيرهما وفيها الرد ~~على طائفتين على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون ( إن أهل التوحيد يخلدون ~~فيها ( وهذه الآية حجة عليهم وعلى من حكي عنه من غلاة المرجئة ( أنه لا ~~يدخل النار من أهل التوحيد أحد ( # فإن إخباره بأن أهل التوحيد يخرجون منها بعد دخولها تكذيب لهؤلاء وأولئك ~~وفيه رد على من يقول ( يجوز أن لا يدخل الله من أهل ms4933 التوحيد أحدا النار ( ~~كما يقوله طائفة من المرجئة الشيعة ومرجئة أهل الكلام المنتسبين إلى السنة ~~وهم الواقفة من أصحاب أبى الحسن وغيرهم كالقاضي أبى بكر وغيره فإن النصوص ~~المتواترة تقتضي دخول بعض أهل التوحيد وخروجهم # والقول ب ( أن أحدا لا يدخلها من أهل التوحيد ( ما أعلمه ثابتا عن شخص ~~معين فأحكيه عنه لكن حكي عن مقاتل بن سليمان PageV16P196 و قال إحتج من قال ~~ذلك بهذه الآية وقد أجيبوا بجوابين ( أحدهما ( جواب طائفة منهم الزجاج ~~قالوا هذه نار مخصوصة لكن قوله بعدها ( وسيجنبها الأتقى ( لا يبقى فيه كبير ~~وعد فإنه إذا جنب تلك النار جاز أن يدخل غيرها وجواب آخرين قالوا لا ~~يصلونها صلي خلود وهذا أقرب # وتحقيقه أن الصلي هنا هو الصلي المطلق وهو المكث فيها والخلود على وجه ~~يصل العذاب إليهم دائما # فأما من دخل وخرج فإنه نوع من الصلي ليس هو الصلي المطلق لا سيما إذا كان ~~قد مات فيها والنار لم تأكله كله فإنه قد ثبت أنها لا تأكل مواضع السجود ~~والله أعلم ### ||| فصل # جمع الله سبحانه بين إبراهيم وموسى صلى الله عليهما وعلى سائر المرسلين ~~في أمور مثل قوله ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى PageV16P197 ~~و في حديث أبى ذر الطويل قلت يا رسول الله كم كتابا أنزل الله قال ( مائة ~~كتاب وأربعة كتب ثلاثين صحيفة على شيث وخمسين على إدريس وعشر على إبراهيم ~~وعشر على موسى قبل التوراة وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ( وقال ~~في الحديث فهل عندنا شيء مما في صحف إبراهيم فقال ( نعم ( وقرأ قوله ( قد ~~أفلح من تزكى وذكر إسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ~~إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ( # فإن التزكي هو التطهر والتبرك بترك السيئات الموجب زكاة النفس كما قال ( ~~قد أفلح من زكاها ( ولهذا تفسر الزكاة تارة بالنماء والزيادة وتارة ~~بالنظافة والإماطة والتحقيق أن الزكاة تجمع بين الأمرين إزالة الشر وزيادة ~~الخير وهذا هو العمل الصالح وهو الإحسان # وذلك لا ms4934 ينفع إلا بالإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له الذي هو أصل ~~الإيمان وهو قول ( وذكر إسم ربه فصلى ( # فهذه الثلاث قد يقال تشبه الثلاث التى يجمع الله بينها في القرآن في ~~مواضع مثل قوله في أول البقرة ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( ومثل قوله PageV16P198 ( فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين ( # وقد يقال تشبه الثنتين المذكورتين في قوله ( من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا الآية ( وقوله ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ( # لكن هنا التزكي في الآية أعم من الإنفاق فإنه ترك السيئات الذي أصله بترك ~~الشرك # فأول التزكي التزكي من الشرك كما قال ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون ~~الزكاة ( وقال ( يتلو عليهم آياته ويزكيهم ( # والتزكي من الكبائر الذي هو تمام التقوى كما قال ( فلا تزكوا أنفسكم هو ~~أعلم بمن اتقى ( وقال ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من ~~يشاء ولا يظلمون فتيلا ( فعلم أن التزكية هو الإخبار بالتقوى # ومنه التزكي بالطهارة وبالصدقة والإحسان كما قال ( خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها ( # و ( ذكر إسم ربه ( قد يعنى به الإيمان بالله و ( الصلاة PageV16P199 ~~العمل فقد يذكر إسم ربه من لا يصلي # ومن الفقهاء من يقول هو ذكر اسمه في أول الصلاة ولهذا والله أعلم قدم ~~التزكي في هذه الآية # وكان طائفة من السلف إذا أدوا صدقة الفطر قبل صلاة العيد يتأولون بهذه ~~الآية وكان بعض السلف أظنه يزيد بن أبى حبيب يستحب أن يتصدق أمام كل صلاة ~~لهذا المعنى # ولما قدم الله الصلاة على النحر في قوله ( فصل لربك وإنحر ( وقدم التزكي ~~على الصلاة في قوله ( قد أفلح من تزكى وذكر إسم ربه فصلى ( كانت السنة أن ~~الصدقة قبل الصلاة في عيد الفطر وأن الذبح بعد الصلاة في عيد النحر # ويشبه والله أعلم أن يكون الصوم من التزكى المذكور في الآية فإن الله ~~يقول ( كتب عليكم ms4935 الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ( فمقصود ~~الصوم التقوى وهو من معنى التزكى # وفى حديث إبن عباس ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة ~~للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين PageV16P200 ( فالصدقة من تمام طهرة ~~الصوم وكلاهما تزك متقدم على صلاة العيد فجمعت هاتان الكلمتان الترغيب فيما ~~أمر الله به من الإيمان والعمل الصالح وفى قوله ( بل تؤثرون الحياة الدنيا ~~والآخرة خير وأبقى ( الإيمان باليوم الآخر # وهذه الأصول المذكورة في قوله ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون ( # وقال ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ( وقال أيضا ( أفرأيت ~~الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في ~~صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ( # وأيضا فإن إبراهيم صاحب الملة وإمام الأمة قال الله تعالى ( ثم أوحينا ~~إليك أن إتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ( وقال ( ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ( وقال ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو ~~محسن وإتبع ملة إبراهيم PageV16P201 حنيفا ( وقال ( إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا لله حنيفا ( وقال ( إنى جاعلك للناس إماما ( # وموسى صاحب الكتاب والكلام والشريعة الذي لم ينزل من السماء كتاب أهدى ~~منه ومن القرآن # ولهذا قرن بينهما في مواضع كقوله ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ~~نورا إلى قوله وهذا كتاب أنزلناه مبارك ( وقوله ( قالوا سحران إلى قوله قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ( وقول الجن ( إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ( وقوله ( قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ( وقول النجاشي ( إن ~~هذا والذي جاء به موسى ليخرج ms4936 من مشكاة واحدة و # قيل في موسى ( وكلم الله موسى تكليما ( وفي إبراهيم ( واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا ( وأصل الخلة عبادة الله وحده والعبادة غاية الحب والذل وموسى صاحب ~~الكتاب والكلام # ولهذا كان الكفار بالرسل ينكرون حقيقة خلة إبراهيم وتكليم موسى ولما نبغت ~~البدع الشركية في هذه الأمة أنكر ذلك الجعد بن درهم PageV16P202 فقتله ~~المسلمون لما ضحى به أمير العراق خالد بن عبد الله وقال ( ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإنى مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم يكلم موسى تكليما ( ثم نزل فذبحه # ولما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أهل الأرض وهم في الأصل ~~صنفان أميون وكتابيون والأميون كانوا ينتسبون إلى إبراهيم فإنهم ذريته ~~وخزان بيته وعلى بقايا من شعائره والكتابيون أصلهم كتاب موسى وكلا ~~الطائفتين قد بدلت وغيرت # فأقام ملة إبراهيم بعد اعوجاجها وجاء بالكتاب المهيمن المصدق لما بين ~~يديه المبين لما اختلف فيه وما حرف وكتم من الكتاب الأول ### ||| فصل # وإبراهيم وموسى قاما بأصل الدين الذي هو الإقرار بالله وعبادته وحده لا ~~شريك له ومخاصمة من كفر بالله # فأما إبراهيم فقال الله فيه ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ~~PageV16P203 أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال ~~أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدى القوم الظالمين ( # وذكر الله عنه أنه طلب منه أرادة إحياء الموتى فأمره الله بأخذ أربعة من ~~الطير # فقرر أمر الخلق والبعث المبدأ والمعاد الإيمان بالله واليوم الآخر # وهما اللذان يكفر بهما أو بأحدهما كفار الصابئة والمشركين من الفلاسفة ~~ونحوهم الذين بعث الخليل إلى نوعهم # فإن منهم من ينكر وجود الصانع وفيهم من ينكر صفاته وفيهم من ينكر خلقه ~~ويقول إنه علة وأكثرهم ينكرون إحياء الموتى وهم مشركون يعبدون الكواكب ~~العلوية والأصنام السفلية # والخليل صلوات الله عليه رد هذا جميعه فقرر ربوبية ربه كما في هذه ms4937 الآية ~~وقرر الإخلاص له ونفى الشرك كما في سورة الأنعام وغيرها وقرر البعث بعد ~~الموت # واستقر في ملته محبته لله ومحبة الله له بإتخاذ الله له خليلا ~~PageV16P204 ثم إنه ناظر المشركين بعبادة من لا يوصف بصفات الكمال فقال ~~لأبيه ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ( وقال ~~لأبيه وقومه ( ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون إلى قوله فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين الذي خلقنى فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين ~~والذي يميتنى ثم يحيين ( إلى آخر الكلام # وقال ( إني وجهت وجهي للذى فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين ( وقال ( إنني براء مما تعبدون إلا الذى فطرني فإنه سيهدين وجعلها ~~كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون # ( فإبراهيم دعا إلى الفطرة وهو عبادة الله وحده لا شريك له وهو الإسلام ~~العام والإقرار بصفات الكمال لله والرد على من عبد من سلبها # فلما عابهم بعبادة من لا علم له ولا يسمع ولا يبصر قال ( ربنا إنك تعلم ~~ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء الحمد ~~لله الذى وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء PageV16P205 ~~و لما عابهم بعبادة من لا يغنى شيئا فلا ينفع ولا يضر قال ( الذى خلقني فهو ~~يهدين والذى هو يطعمنى ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذى يميتنى ثم يحيين ~~والذى أطمع أن يغفر لي خطيئتى يوم الدين ( فإن الإنسان يحتاج إلى جلب ~~المنفعة لقلبه وجسمه ودفع المضرة عن ذلك وهو أمر الدين والدنيا # فمنفعة الدين الهدى ومضرته الذنوب ودفع المضرة المغفرة ولهذا جمع بين ~~التوحيد والإستغفار في مواضع متعددة # ومنفعة الجسد الطعام والشراب ومضرته المرض ودفع المضرة الشفاء # وأخبر أن ربه يحيي ويميت وأنه فطر السماوات والأرض وإحياؤه فوق كماله ~~بأنه حي # وأنه فطر السماوات والأرض يقتضي إمساكها وقيامها الذى هو فوق كماله بأنه ms4938 ~~قائم بنفسه حيث قال عن النجوم ( لا أحب الآفلين ( # فإن الآفل هو الذى يغيب تارة ويظهر تارة فليس هو قائما على PageV16P206 ~~عبده في كل وقت والذين يعبدون ما سوى الله من الكواكب ونحوها ويتخذونها ~~أوثانا يكونون في وقت البزوغ طالبين سائلين وفي وقت الأفول لا يحصل مقصودهم ~~ولا مرادهم فلا يجتلبون منفعة ولا يدفعون مضرة ولا ينتفعون إذ ذاك بعبادة ~~فبين ما في الآلهة التى تعبد من دون الله من النقص وبين ما لربه فاطر ~~السماوات والأرض من الكمال بأنه الخالق الفاطر العليم السميع البصير الهادى ~~الرازق المحيي المميت وسمى ربه بالأسماء الحسنى الدالة على نعوت كماله فقال ~~( يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ~~( وقال ( فمن تبعنى فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ( وقال ( سأستغفر لك ~~ربي إنه كان بى حفيا ( فوصف ربه بالحكمة والرحمة المناسب لمعنى الخلة كما ~~قال ( إنه كان بى حفيا ( # وموسى عليه السلام خاصم فرعون الذى جحد الربوبية والرسالة وقال ( أنا ~~ربكم الأعلى ( و ( ما علمت لكم من إله غيرى ( وقصته في القرآن مثناة مبسوطة ~~لا يحتاج هذا الموضع إلى بسطها # وقرر أيضا أمر الربوبية وصفات الكمال لله ونفى الشرك PageV16P207 # ولما إتخذ قومه العجل بين الله لهم صفات النقص التى تنافى الألوهية فقال ~~( وإتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا إتخذوه وكانوا ظالمين ( وقال ( فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسى أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ~~ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ( # فوصفه بأنه وإن كان قد صوت صوتا هو خوار فإنه لا يكلمهم ولا يرجع إليهم ~~قولا وأنه لا يهديهم سبيلا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا # وكذلك ذكر الله سبحانه على لسان محمد في الشرك عموما وخصوصا فقال ( ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ~~ينصرون ms4939 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صامتون إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن ~~كنتم صادقين ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون ~~بها أم لهم آذان يسمعون بها قل إدعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ~~PageV16P208 و استفهم إستفهام إنكار وجحود لطرق الإدراك التام وهو السمع ~~والبصر والعمل التام وهو اليد والرجل كما أنه سبحانه لما أخبر فيما روى عنه ~~رسوله عن أحبابه المتقربين إليه بالنوافل فقال ( ولا يزال عبدى يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ~~ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها ( ### ||| فصل # وأهل السنة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله ومحبته ورحمته وسائر ما له من ~~الأسماء الحسنى والمثل الأعلى # وينزهونه عن مشابهة الأجساد التى لا حياة فيها فإن الله قال ( وألقينا ~~على كرسيه جسدا ثم أناب ( وقال ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ( وقال ~~( عجلا جسدا له خوار ( فوصف الجسد بعدم الحياة فإن الموتان لا يسمع ولا ~~يبصر ولا ينطق ولا يغنى شيئا # وأما أهل البدع والضلالة من الجهمية ونحوهم فإنهم سلكوا PageV16P209 سبيل ~~أعداء إبراهيم وموسى ومحمد الذين أنكروا أن يكون الله كلم موسى تكليما ~~واتخذ إبراهيم خليلا وقد كلم الله محمدا واتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم ~~خليلا ورفعه فوق ذلك درجات # وتابعوا فرعون الذى قال ( يا هامان بن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه كاذبا ( وتابعوا المشركين الذين ( ~~إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا ( واتبعوا ~~الذين ألحدوا في أسماء الله # فهم يجحدون حقيقة كونه الرحمن أو أنه يرحم أو يكلم أو يود عباده أو ~~يودونه أو أنه فوق السماوات ويزعمون أن من أثبت له هذه الصفات فقد شبهه ~~بالأجسام الحسية وهي الحيوان كالإنسان وأن هذا تشبيه لله ms4940 بخلقه # فهم قد شبهوه بالأجساد الميتة فيما هو نقص وعيب وتشبيه دلت الكتب الإلهية ~~والفطرة العقلية أنه عيب ونقص بل يقتضي عدمه # وأما أهل الإثبات فلو فرض أن فيما قالوه تشبيها ما فليس هو تشبيها بمنقوص ~~معيب ولا هو في صفة نقص أو عيب بل في غاية ما يعلم أنه الكمال وأن لصاحبه ~~الجلال والإكرام PageV16P210 فصار أهل السنة يصفونه بالوجود وكمال الوجود ~~وأولئك يصفونه بعدم كمال الوجود أو بعدم الوجود بالكلية فهم ممثلة معطلة ~~ممثلة في العقل والشرع معطلة في العقل والشرع # أما في العقل فلأنهم مثلوه بالعدم والأجساد الموتان # وأما في الشرع فإنهم مثلوا ما جاءت به الرسل من صفاته بنفس صفات ~~المخلوقات وإن كان هذا التمثيل الذي إدعوا أنه معنى النصوص أقل تمثيلا من ~~تمثيلهم الذى إدعوه # وأما تعطيلهم في العقل فإنه تعطيل للصفات تعطيل مستلزم لعدم الذات ولهذا ~~ألجئ كثير منهم إلى نفى الذات بالكلية وصاروا على طريقة فرعون لا يقرون إلا ~~بوجود المخلوقات وإن كانوا قد ينافقون فيقرون بألفاظ لا معنى لها أو ~~بعبادات لا معبود لها # وأما تعطيلهم للشرع فإنهم جحدوا ما في كتب الله من المعانى وحرفوا الكلم ~~عن مواضعه أو قالوا نحن كالأميين لا نعلم الكتاب إلا أماني أو قلوبنا غلف ~~وقالوا لما جاء به الرسول من الكتاب والسنة نظير ما قالته الكفار ~~PageV16P211 ( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر ومن بيننا ~~وبينك حجاب ( و ( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ( # وهكذا قال هؤلاء لانفقه كثيرا مما يقول الرسول وقالوا كما قال الذين ~~يستمعون للرسول فإذا خرجوا من عنده ( قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ~~آنفا ( # وصاروا كالذين قيل فيهم ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم ~~وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ( # فتدبر ما ذكره الله عن أعداء الرسل من نفي فقههم وتكذيبهم تجد بعض ذلك ~~فيمن أعرض عن ذكر ms4941 الله وعن تدبر كتابه وإتبع ما تتلوه الشياطين وما توحيه ~~إلى أوليائها والله يهدينا صراطا مستقيما # ولهذا كانت هذه الجهمية المعطلة المشابهون للكفار والمشركين من الصابئة ~~وغيرهم الجاحدة لوجود الصانع أو صفاته ترمي أهل العلم والإيمان والكتاب ~~والسنة تارة بأنهم يشبهون اليهود لما في التوراة PageV16P212 و كتب ~~الأنبياء من الصفات ولما إبتدعه بعض اليهود من التشبيه المنفى عن الله ~~وتارة بأنهم يشبهون النصارى لما أثبتته النصارى من صفة الحياة والعلم ولما ~~إبتدعته من أن الأقانيم جواهر وأن أقنوم الكلمة إتحد بالناسوت # وهذا الرمي موجود في كلامهم قبل الإمام أحمد بن حنبل وفى زمنه وهو موجود ~~في كلامه وكلام أصحابه حكاية ذلك ذكره في كتاب ( الرد على الجهمية ~~والزنادقة ( وأنهم قالوا ( إذا أثبتم الصفات فقد قلتم بقول النصارى ( ورد ~~ذلك وفى ( مسائله ( أن طائفة قالوا له من قال ( القرآن غير مخلوق أو هو في ~~الصدور ( فقد قال بقول النصارى # وهكذا الجهمية ترمى الصفاتية بأنهم يهود هذه الأمة وهذا موجود في كلام ~~متقدمي الجهمية ومتأخريهم مثل ما ذكره أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي ~~الجهمي الجبري وإن كان قد يخرج إلى حقيقة الشرك وعبادة الكواكب والأوثان في ~~بعض الأوقات وصنف في ذلك كتابه المعروف في السحر وعبادة الكواكب والأوثان ~~مع أنه كثيرا ما يحرم ذلك وينهى عنه متبعا للمسلمين وأهل الكتب والرسالة # وينصر الإسلام وأهله في مواضع كثيرة كما يشكك أهله ويشكك غير PageV16P213 ~~أهله في أكثر المواضع وقد ينصر غير أهله في بعض المواضع فإن الغالب عليه ~~التشكيك والحيرة أكثر من الجزم والبيان # وهؤلاء لهم أجوبة # ( أحدها ( أن مشابهة اليهود والنصارى ليست محذورا إلا فيما خالف دين ~~الإسلام ونصوص الكتاب والسنة والإجماع وإلا فمعلوم أن دين المرسلين واحد ~~وأن التوراة والقرآن خرجا من مشكاة واحدة # وقد إستشهد الله بأهل الكتاب في غير موضع حتى قال ( قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ( # فإذا أشهد أهل الكتاب على مثل قول المسلمين ms4942 كان هذا حجة ودليلا وهو من ~~حكمة إقرارهم بالجزية فيفرح بموافقة المقالة المأخوذة من الكتاب والسنة لما ~~يأثره أهل الكتاب عن المرسلين قبلهم ويكون هذا من أعلام النبوة ومن حجج ~~الرسالة ومن الدليل على إتفاق الرسل # ( الثاني ( أن المشابهة التى يدعونها ليست صحيحة فإن أهل السنة ~~PageV16P214 لا يوافقون اليهود والنصارى فيما إبتدعوه من الدين والإعتقاد ~~ولهذا قلت في بيان فساد قول بن الخطيب إنه لم يفهم مقالة أهل الحديث والسنة ~~من الحنبلية وغيرهم ولم يفهم مقالة النصارى وأوضحت ذلك في موضعه كما بين ~~الإمام أحمد الفرق بين مقالة أهل السنة وبين مقالة النصارى المبتدعة وكما ~~يبين الفرق بين مقالة أهل السنة ومقالة اليهود المبتدعة # ( الثالث ( أنه إذا فرض مشابهة أهل الإثبات لليهود أو النصارى فأهل النفى ~~والتعطيل مشابهون للكفار والمشركين من النصارى وغيرهم ومعلوم قطعا أن ~~مشابهة أهل الكتابين خير من مشابهة من ليس من أهل الكتاب من الكفار ~~بالربوبية والنبوات ونحوهم ولهذا قيل المشبه أعشى والمعطل أعمى # ولهذا فرح المؤمنون على عهد النبى صلى الله عليه وسلم بإنتصار النصارى ~~على المجوس كما فرح المشركون بانتصار المجوس على النصارى فتدبر هذا فإنه ~~نافع في مواضع والله أعلم # ولهذا كان المعتزلة ونحوهم من القدرية مجوس هذه الأمة # وهم يجعلون الصفاتية نصارى الأمة ويميلون إلى اليهود لموافقتهم ~~PageV16P215 لهم في أمور كثيرة أكثر من النصارى كما يميل طائفة من المتصوفة ~~والمتفقرة إلى النصارى أكثر من اليهود # فإذا كان الصفاتية إلى النصارى أقرب وضدهم إلى المجوس والمشركين أقرب ~~تبين أن الصفاتية أتباع النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين فرحوا ~~بانتصار الروم النصارى على فارس المجوس وأن المعطلة هم إلى المشركين أقرب ~~الذين فرحوا بانتصار المجوس على النصارى PageV16P216 ### || سورة الغاشية # وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل # قوله ( هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا ~~حامية تسقى من عين آنية ( فيها قولان # ( أحدهما ( أن المعنى وجوه في الدنيا خاشعة عاملة ناصبة تصلى يوم القيامة ~~نارا حامية ويعنى بها عباد الكفار كالرهبان وعباد البدود ms4943 وربما تؤولت في ~~أهل البدع كالخوارج ( القول الثاني ( أن المعنى أنها يوم القيامة تخشع أي ~~تذل وتعمل وتنصب قلت هذا هو الحق لوجوه ( أحدها ( أنه على هذا التقدير ~~يتعلق الظرف بما يليه أي وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية وعلى ~~الأول لا يتعلق إلا PageV16P217 بقوله ( تصلى ( ويكون قوله ( خاشعة ( صفة ~~للوجوه قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبى متعلق بصفة أخرى متأخرة والتقدير ~~وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى نارا حامية والتقديم والتأخير على خلاف ~~الأصل فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه # ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة أما مع اللبس فلا يجوز ~~لأنه يلتبس على المخاطب ومعلوم أنه ليس هنا قرينة تدل على التقديم والتأخير ~~بل القرينة تدل على خلاف ذلك فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف ~~البيان وأمر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق # ( الوجه الثاني ( أن الله قد ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة ~~فقال بعد ذلك ( وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية ( ومعلوم أنه ~~إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة لا في الدنيا إذ هذا ليس بمدح فالواجب ~~تشابه الكلام وتناظر القسمين لا إختلافهما وحينئذ فيكون الأشقياء وصفت ~~وجوههم بحالها في الآخرة # ( الثالث ( أن نظير هذا التقسيم قوله ( وجوه يومئذ ناضرة PageV16P218 إلى ~~ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ( وقوله ( وجوه يومئذ ~~مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة ~~الفجرة ( وهذا كله وصف للوجوه لحالها في الآخرة لا في الدنيا # ( الرابع ( أن وصف الوجوه بالأعمال ليس في القرآن وإنما في القرآن ذكر ~~العلامة كقوله ( سيماهم في وجوههم ( وقوله ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم ~~بسيماهم ( وقوله ( تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا ( وذلك لأن العمل والنصب ليس قائما بالوجوه فقط بخلاف ~~السيما والعلامة # ( الخامس ( أن قوله ( خاشعة عاملة ناصبة ( لو جعل صفة لهم في الدنيا لم ~~يكن في هذا اللفظ ذم فإن هذا إلى المدح أقرب ms4944 وغايته أنه وصف مشترك بين عباد ~~المؤمنين وعباد الكفار والذم لا يكون بالوصف المشترك ولو أريد المختص لقيل ~~خاشعة للأوثان مثلا عاملة لغير الله ناصبة في طاعة الشيطان وليس في الكلام ~~ما يقتضي كون هذا الوصف مختصا بالكفار ولا كونه مذموما وليس في القرآن ذم ~~لهذا الوصف مطلقا ولا وعيد عليه فحمله على هذا المعنى خروج عن الخطاب ~~المعروف في القرآن PageV16P219 # السادس ( أن هذا الوصف مختص ببعض الكفار ولا موجب للتخصيص فإن الذين لا ~~يتعبدون من الكفار أكثر وعقوبة فساقهم في دينهم أشد في الدنيا والآخرة فإن ~~من كف منهم عن المحرمات المتفق عليها وأدى الواجبات المتفق عليها لم تكن ~~عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التى حرم الله [ ~~إلا ] بالحق ويزنون فإذا كان الكفر والعذاب على هذا التقدير في القسم ~~المتروك أكثر وأكبر كان هذا التخصيص عكس الواجب # ( السابع ( أن هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة والنسك إبتداء ثم إذا قيد ~~ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة وليس في الخطاب تقييد كان هذا سعيا في إصلاح ~~الخطاب بما لم يذكر فيه PageV16P220 ### || سورة البلد # قال شيخ الاسلام رحمه الله # قوله تعالى ( ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين ( الهداية ~~محلها القلب وهذه الأعضاء الثلاثة التى هي دائمة الحركة والكسب إما للإنسان ~~وإما عليه بخلاف ما يتحرك من داخل فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب وبخلاف ~~بقية الأعضاء الظاهرة فإن السكون أغلب وحركتها قليلة بالنسبة إلى هذه وهذه ~~الثلاثة التى يروى عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال من كان صمته فكرا ~~ونطقه ذكرا ونظره عبرة وفى حديث عند بن أبي حاتم في صفة النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان كثير الصمت دائم الفكر متواصل الأحزان فالصمت والفكر ~~للسان والقلب وأما الحزن فليس المراد به الحزن الذي هو الألم على فوت مطلوب ~~أو حصول مكروه فإن ذلك منهى عنه ولم يكن من حاله وإنما أراد به الإهتمام ~~والتيقظ لما يستقبله من الأمور وهذا مشترك بين ms4945 القلب والعين PageV16P221 و ~~فيه أيضا في الصحيحين حديث إبن عباس أنه كان إذا قام من الليل يصلى ينظر ~~إلى السماء ويقرأ الآيات العشر من أواخر سورة آل عمران فيجمع بين الذكر ~~والنظر والفكر فالنظر أي نظر القلب ونظر العين والذكر أيضا لابد مع ذكر ~~اللسان من ذكر القلب ولما كان النظر مبدأ والذكر منتهى لأن النظر يتقدم ~~الإدراك والعلم والذكر يتأخر عن الإدراك والعلم ولهذا كان المتكلمة في ~~النظر المقتضي للعلم وكان المتصوفة في الذكر المقرر للعلم قدم آلة النظر ~~على آلة الذكر وختم بهداية الملك الجامع الذي هو الناظر الذاكر # وذكر سبحانه اللسان والشفتين لأنهما العضوان الناطقان فأما الهواء والحلق ~~والنطع واللهوات والأسنان فمتصلة حركة بعضها مرتبطة بحركة البعض بمنزلة ~~غيرها من أجزاء الحنك فأما اللسان والشفتان فمنفصلة ثم الشفتان لما كانا ~~النهاية حملا الحروف الجوامع الباء والفاء والميم والواو # فأما الباء والفاء فهما الحرفان السببيان فإن الباء أبدا تفيد الالصاق ~~والسبب وكذلك الفاء تفيد التعقيب والسبب وبالأسباب تجتمع الأمور بعضها ببعض ~~PageV16P222 # وأما الميم والواو فلهما الجمع والإحاطة ألا ترى أن الميم ضمير لجمع ~~المخاطبين في الأنواع الخمسة ضميري الرفع والنصب المتصلين والمنفصلين وضمير ~~الخفض في مثل قوله ( أنتم ( و ( علمتم ( و ( إياكم ( و ( علمكم ( و ( بكم ( ~~وضمير لجمع الغائبين في الأنواع الخمسة أيضا والمضمر أيا كان إما متكلم أو ~~مخاطب أو غائب واحد أو إثنان أو جمع مرفوع أو منصوب أو مجرور فقد أحاطت ~~بالجميع مطلقا أما الجمع المطلق فبنفسها وأما الجمع المقدر بإثنين فبزيادة ~~علم التثنية وهو الألف في مثل أنتما وعلمتما وكذلك الباقي # ولهذا زيدت الواو في الجمع المطلق فقيل عليهموا وإنتموا كما زيدت الألف ~~في التثنية ومن حذفها حذفها تخفيفا ولأن ترك العلامة علامة فصارت الميم ~~مشتركة ثم الفارق الألف أو عدمها مع الواو # وأما الواو فلها جموع الضمائر الغائبة في مثل قالوا ونحوها وأما المتصلة ~~مثل إياكم وهم فعلى اللغتين فلما صارت الواو تمام المضمر المرفوع المنفصل ~~والياء تمام المؤنث صارت للمؤنث مطلقا في ms4946 جميع أحواله لأنه تلو المذكر ~~والمفرد مذكره ومؤنثه قبل المثنى والمجموع فإن المفرد قبل المركب ثم الألف ~~صارت علم التثنية مطلقا في المظهر والمضمر كما أن الواو علم لجمع المذكر ~~وجعل الياء علمي النصب والجر PageV16P223 في المظهر من المثنى والمجموع لأن ~~المظهر قبل المضمر وأقوى منه فكانت أحق أن تكون فيه من الألف فحين ما كان ~~أقوى كانت الواو وحين ما كان أوسط كان الياء # وأما الجموع الظاهرة فالواو هي علم الجمع المذكر الصحيح كما أن الألف علم ~~التثنية ولهذا ينطق بها حيث لا إعراب لكن في حال النصب والخفض قلبتا يائين ~~لأجل الفرق وذلك لأن الأسماء الظاهرة لها الغيبة دون الخطاب في جميع ~~العربية وذلك لأن الواو أقوى حروف العلة والضمة بعضها وهي أقوى الحركات لما ~~فيها من الجمع وكونها آخرا فجعلت للجمع والألف أخف حروف العلة فجعلت ~~للإثنين لأن الياء كانت قد صارت للمؤنث في المفرد المرفوع الذي هو الأصل في ~~قولك وجاءت الميم في مثل اللهم إشعار بجميع الأسماء وذلك لأن حرف الشفة لما ~~كان جامعا للقوة من مبدأ مخارج الحروف إلى منتهاها بمنزلة الخاتم الآخر ~~الذي حوى ما في المتقدم وزيادة كان جامعا لقوى الحروف فجعل جامعا للأسماء ~~مظهرها ومضمرها وجامعا بين المفردات والجمل فالواو والفاء عاطفان والفاء ~~رابطة جملة بجملة # ولما كانت النون قريبة من الفيهة فهي أنفية جعلت لجمع المؤنث PageV16P224 ~~لأنه دون جمع المذكر وثنى العينين والشفتين لأن العينين هما ربيئة القلب ~~وليس من الأعضاء أشد إرتباطا بالقلب من العينين ولهذا جمع بينهما في قوله ( ~~ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ( تتقلب فيه القلوب والأبصار ( وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر ( قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة ( ولأن كليهما له ~~النظر فنظر القلب الظاهر بالعينين والباطن به وحده وكذلك اللسان هو الذكر ~~والشفتان أنثاه PageV16P225 ### || 1 ( سورة الشمس ) 1 # ! 8 < ### ||| فصل # في قوله تعالى ( والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها ~~والليل إذا يغشاها ( وضمير التأنيث في ( جلاها ( و ( يغشاها ( لم يتقدم ما ~~يعود عليه إلا الشمس فيقتضي ms4947 أن النهار يجلى الشمس وأن الليل يغشاها و ( ~~التجلية ( الكشف والإظهار و ( الغشيان ( التغطية واللبس ومعلوم أن الليل ~~والنهار ظرفا الزمان والفعل إذا أضيف إلى الزمان فقيل هذا الزمان أو هذا ~~اليوم يبرد أو يبرد أو ينبت الأرض ونحو ذلك فالمقصود أن ذلك يكون فيه كما ~~يوصف الزمان بأنه عصيب وشديد ونحس وبارد وحار وطيب ومكروه والمراد وصف ما ~~فيه فكون الشيء فاعلا وموصوفا هو بحسب ما يليق به كل شيء بحسبه PageV16P226 ~~فالنهار يجلى الشمس والليل يغشاها وإن كان ظهور الشمس هو سبب النهار ~~ومغيبها سبب الليل وقد ذكر ذلك بقوله ( والشمس وضحاها ( فأضاف الضحى إليها ~~والضحى يعم النهار كله كما قال ( أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ~~ليلها وأخرج ضحاها ( وقال ( والضحى والليل إذا سجى ( # وقوله ( والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها ~~فجورها وتقواها ( # فقد قيل إن ( ما ( مصدرية والتقدير والسماء وبناء الله إياها والأرض وطحو ~~الله إياها ونفس وتسوية الله إياها لابد من ذكر الفاعل في [ الجملة ] لا ~~يصلح أن يقدر المصدر هنا مضافا إلى الفعل فقط فيقال ( وبنائها ( لأن الفاعل ~~مذكور في الجملة في قوله ( وما بناها ( وما طحاها ( فإن الفعل لابد له من ~~فاعل في الجملة ومفعول أيضا فلابد أن يكون في التقدير الفاعل والمفعول لكن ~~إذا كانت مصدرية كانت ( ما ( حرفا ليس فيها ضمير فيكون ضمير الفاعل في ( ~~بناها ( عائدا على غير مذكور بل إلى معلوم والتقدير والسماء وما بناها الله ~~وهذا خلاف الأصل وخلاف الظاهر PageV16P227 # والقول الثاني أنها موصولة والتقدير الذي بناها والذي طحاها و ( ما ( ~~فيها عموم وإجمال يصلح لما لا يعلم ولصفات من يعلم كقوله تعالى ( لا أعبد ~~ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ( وقوله ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~( # وهذا المعنى يجيء في قوله ( وما خلق الذكر والأنثى ) # وهذا المعني كما أنه ظاهر الكلام وأصله هو أكمل في المعنى أيضا فإن القسم ~~بالفاعل يتضمن الإقسام بفعله بخلاف الإقسام بمجرد الفعل # وأيضا فالاقسام التى في ms4948 القرآن عامتها بالذوات الفاعلة وغير الفاعلة يقسم ~~بنفس الفعل كقوله ( والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ( وكقوله ( ~~والنازعات ( والمرسلات ( ونحو ذلك # وهو سبحانه تارة يقسم بنفس المخلوقات وتارة بربها وخالقها كقوله ( فو رب ~~السماء والأرض ( وكقوله ( وما خلق الذكر والأنثى ( وتارة يقسم بها وبربها # وفى هذه السورة أقسم بمخلوق وبفعله وأقسم بمخلوق دون فعله فاقسم بفاعله ~~PageV16P228 # فإنه قال ( والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا ~~يغشاها ( فأقسم بالشمس والقمر والليل والنهار وآثارها وأفعالها كما فرق ~~بينهما في قوله ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ( وقال ( كل في ~~فلك يسبحون ( فإنه بأفعال هذه الأمور وآثارها تقوم مصالح بني آدم وسائر ~~الحيوان # وقال والشمس وضحاها ( ولم يقل ( ونهارها ( ولا ( ضيائها ( لأن ( الضحى ( ~~يدل على النور والحرارة جميعا وبالأنوار والحرارة تقوم مصالح العباد # ثم أقسم بالسماء والأرض وبالنفس ولم يذكر معها فعلا فذكر فاعلها فقال ( ~~وما بناها ( وما طحاها ( ونفس وما سواها ( # فلم يصلح أن يقسم بفعل النفس لأنها تفعل البر والفجور وهو سبحانه لا يقسم ~~إلا بما هو معظم من مخلوقاته لكن ذكر في ضمير القسم أنه خالق أفعالها بقوله ~~( وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ( فإذا كان قد بين أنه خالق فعل العبد ~~الذي [ هو ] أظهر الأشياء فعلا وإختيارا وقدرة فلأن يكون خالق فعل الشمس ~~والقمر والليل والنهار بطريق الأولى والأحرى PageV16P229 و أما السماء ~~والأرض فليس لهما فعل ظاهر يعظم في النفوس حتى يقسم بها إلا ما يظهر من ~~الشمس والقمر والليل والنهار # والسماء والأرض أعظم من الشمس والقمر والليل والنهار والنفس أشرف الحيوان ~~المخلوق فكان القسم بصانع هذه الأمور العظيمة مناسبا وكان إقسامه بصانعها ~~تنبيها على أنه صانع ما فيها من الشمس والقمر والليل والنهار # فتضمن الكلام الأقسام بصانع هذه المخلوقات وبأعيانها وما فيها من الآثار ~~والمنافع لبني آدم # وختم القسم بالنفس التى هي آخر المخلوقات فإن الله خلق آدم يوم الجمعة ~~آخر المخلوقات وبين أنه خالق جميع أفعالها ودل على أنه خالق جميع أفعال ما ~~سواها # وهو ms4949 سبحانه مع ما ذكر من عموم خلقه لجميع الموجودات على مراتبها حتى ~~أفعال العبد المنقسمة إلى التقوى والفجور [ و ] بين إنقسام الأفعال إلى ~~الخير والشر وإنقسام الفاعلين إلى مفلح وخائب سعيد وشقي وهذا يتضمن الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد فكان في ذلك رد على القدرية المجوسية الذين يخرجون ~~أفعال العباد عن خلقه وإلهامه وعلى القدرية المشركية الذين يبطلون أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده إحتجاجا بقضائه وقدره PageV16P230 # وقد قيل في قوله ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ( إن الضمير عائد ~~إلى ( الله ( أي ( قد أفلح من زكاها الله وقد خاب من دساها الله ( وهذا ~~مخالف للظاهر بعيد عن نهج البيان الذي ألف عليه القرآن إذ كان الأحسن ( قد ~~أفلحت من زكاها الله وقد خابت من دساها وهذا ضعيف # وأيضا فقوله ( فألهمها فجورها وتقواها ( بيان للقدر فلا حاجة إلى ذكره ~~مرة ثانية عقب ذلك في مثل هذه السورة القصيرة # ولهذا لم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر إلا هذه الآية ~~دون الثانية كما في صحيح مسلم عن أبى الأسود الدئلي قال قال لي عمران بن ~~حصين أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من ~~قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقلت ~~بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم قال فقال [ أ ] فلايكون ذلك ظلما قال ففزعت من ~~ذلك فزعا شديدا وقلت [ كل شيء ] خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون فقال لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحرز عقلك فإن رجلين ~~من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله أرأيت ما ~~يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى فيهم [ من قدر ~~PageV16P231 قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة ~~عليهم فقال ( لا بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم ] وتصديق ذلك في كتاب الله [ ~~عز وجل ] ( ونفس وما سواها فألهمها ms4950 فجورها وتقواها ( فبين النبى صلى الله ~~عليه وسلم أن تصديق ما أخبر به من القضاء قوله ( فألهمها فجورها وتقواها ( # والذى في الحديث هو القدر السابق من علم الله وكتابه وكلامه وهذا إنما ~~تنكره غالية القدرية وأما [ الذي ] في القرآن فهو خلق الله أفعال العباد ~~وهذا أبلغ فإن القدرية المجوسية تنكره # فالذي في القرآن يدل على ما في الحديث وزيادة ولهذا جعله النبى صلى الله ~~عليه وسلم مصدقا له وذلك من وجوه # أحدها أنه إذا علم أن الله هو الملهم للفجور والتقوى ولم يكن في ذلك ظلم ~~كما تقوله القدرية الإبليسية ولا مخالفة للأمر والنهي والوعد والوعيد كما ~~تقوله القدرية المشركية [ ف ] الإقرار بأن الله كتب ذلك وقدره قبل وجوده ~~مما لا نزاع فيه عند الإنسان من جهة القدر ولهذا قد أقر بالقدر السابق ~~جمهور القدرية الذين ينكرون خلق الأفعال ولم يثبت أحد من القدرية أن الله ~~خالق أفعال العباد وينكره من جهة القدر أن الله خالق ذلك PageV16P232 # الوجه الثاني أنه إذا ثبت أن الله خالق فعل العبد وأنه الملهم الفجور ~~والتقوى كان ذلك من جملة مصنوعاته والشبهة التى عرضت للقدرية التى سأل ~~المزنيان للنبى صلى الله عليه وسلم إنما هي في أعمال العباد التى عليها ~~الثواب والعقاب خاصة ولم ينكروا من جهة القدر أن الله قدر ما يخلقه هو قبل ~~وجوده وإنما أنكر من أنكر منهم إذا إشتبه أمر أفعال العباد # وهؤلاء يقولون إن الله يقدر الأمور قبل وجودها إلا أفعال العباد والسعادة ~~والشقاوة فإن ذلك لا ينبغي أن يعلمه حتى يكون لأن أمر الأمير بما يعلم أن ~~المكلف لا يطيعه فيه بل يكون ضررا عليه مستقبح عندهم وقد حكى طوائف من ~~المصنفين في أصول الفقه وغيرهم الخلاف في ذلك عن المعتزلة وقالوا يجوز أن ~~الله يأمر العبد بما يعلم أنه لا يفعله خلافا للمعتزلة لأن في جنس المعتزلة ~~من يخالف في ذلك وأكثرهم لا يخالف في ذلك وإنما يخالف فيه طائفة منهم # فإذا كان القرآن قد أثبت أنه الملهم ms4951 للنفس فجورها وتقواها كان ذلك من ~~جملة مفعولاته فلا تبقى شبهة القدرية أنه قدر ذلك قبل وجوده كما لا شبهة ~~عندهم في تقديره لما يخلقه من الأعيان والصفات # وأما من أنكر تقديره العلم من منكرة الصفات أو بعضها فأولئك PageV16P233 ~~لهم مأخذ آخر ليس مأخذهم أمر الصفات # الوجه الثالث أنه قد كان ألهم الفجور والتقوى وهو خالق فعل العبد فلابد ~~أن يعلم ما خلقه قبل أن يخلقه كما قال ( ألا يعلم من خلق ( لأن الفاعل ~~المختار يريد ما يفعله والإرادة مستلزمة لتصور المراد وذلك هو العلم ~~بالمراد المفعول # وإذا كان خلقه للشيء مستلزما لعلمه به فذلك أصل القدر السابق وما علمه ~~الله سبحانه بقوله وبكتبه فلا نزاع فيه وهذا بين في جميع الأشياء في هذا ~~وغيره # فإنه سبحانه إذا ألهم الفجور والتقوى فالملهم أن [ لم ] يميز بين الفجور ~~والتقوى ويعلم أن هذا الفعل الذي يريد أن يفعله هذا فجور والذي يريد أن ~~يفعله هذا تقوى لم يصح منه إلهام الفجور والتقوى # فظهر بهذا حسن ما ذكره النبى صلى الله عليه وسلم من تصديق الآية لما أخبر ~~به النبى صلى الله عليه وسلم من القدر السابق # وقوله سبحانه ( فألهمها فجورها وتقواها ( كما يدل على القدر فيدل على ~~الشرع فإنه لو قال ( فألهمها أفعالها ( كما يقول الناس PageV16P234 ( خالق ~~أفعال العباد ( لم يكن في ذلك تمييز بين الخير والشر والمحبوب والمكروه ~~والمأمور به والمنهي عنه بل كان فيه حجة للمشركين من المباحية والجبرية ~~الذين يدفعون الأمر والنهي والحسن والقبح فإنه خلق أفعال العباد فلما قال ( ~~فألهمها فجورها وتقواها ( كان الكلام تفريقا بين الحسن المأمور به والقبيح ~~المنهي عنه وأن الأفعال منقسمة إلى حسن وسيئ مع كونه تعالى خالق الصنفين # وهذه طريقة القرآن في غير موضع يذكر المؤمن والكافر وأفعالهما الحسنة ~~والسيئة [ و ] وعده ووعيده ويذكر أنه خالق الصنفين كقوله ( يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء ( ونحو ذلك # وهذا الأصل ضلت فيه الجبرية والقدرية فإن القدرية المجوسية قالوا إن ~~الأفعال تنقسم إلى حسن وقبيح لصفات ms4952 قائمة بها والعبد هو المحدث لها بدون ~~قدرة الله وبدون خلقه # فقالت الجبرية بل العبد مجبور على فعله والجبر حق يوجب وجود أفعاله عند ~~وجود الأسباب التى يخلقها الله وإمتناع وجودها عند عدم شيء من الأسباب وإذا ~~كان مجبورا يمتنع أن يكون الفعل حسنا أو قبيحا لمعنى يقوم به PageV16P235 # وهذه طريقة أبي عبد الله الرازي ونحوه من الجبرية النافين لإنقسام الفعل ~~في نفسه إلى حسن وقبيح والأولى طريقة أبى الحسين البصري ونحوه من القدرية ~~القائلين بأن فعل العبد لم يحدثه إلا هو والعلم بذلك ضروري أو نظري وأن ~~الفعل ينقسم في نفسه إلى حسن وقبيح والعلم بذلك ضروري وأبو الحسين هو إمام ~~المتأخرين من المعتزلة وله من العقل والفضل ما ليس لأكثر نظرائه لكن هو ~~قليل المعرفة بالسنن ومعانى القرآن وطريقة السلف # وهو وأبو عبد الله الرازي في هذا الباب في طرفي نقيض ومع كل منهما من ~~الحق ما ليس مع الآخر فأبو الحسين يدعى أن العلم بأن العبد يحدث فعله ضرورى ~~والرازى يدعى [ أن العلم ] بأن إفتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب ~~وجوده عنده ويمتنع عند عدمه ضرورى كذلك بل كلاهما صادق فيما ذكره من العلم ~~الضرورى # ثم يعتقد كل فريق أن هذا العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة ~~وليس الأمر كذلك بل كلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضرورى ومصيب في ذلك ~~وإنما وقع غلطه في إنكاره ما مع الآخر من الحق فإنه لا منافاة بين كون ~~العبد محدثا لفعله وكون PageV16P236 هذا الإحداث ممكن الوجود بمشيئة الله ~~تعالى # ولهذا كان مذهب أهل السنة المحضة أن العبد فاعل لفعله حقيقة كما ادعاه ~~أبو الحسين من الضرورة لا يقولون ليس بفاعل حقيقة أو ليس بفاعل كما يقوله ~~المائلون إلى الجبر مثل طائفة أبى عبد الله الرازى يقولون مع ذلك إن الله ~~هو الخالق لهذا الفاعل ولفعله وهو الذى جعله فاعلا حقيقة وهو خالق أفعال ~~العباد كما يقوله أهل الإثبات من الأشعرية طائفة الرازى وغيرهم لا كما ~~يقوله ms4953 القدرية مثل أبى الحسين وطائفته إن الله لم يخلق أفعال العباد # ولهذا نص الأئمة كالإمام أحمد ومن قبله من الأئمة كالأوزاعى وغيره على ~~إنكار إطلاق القول بالجبر نفيا وإثباتا فلا يقال ( ان الله جبر العباد ( ~~ولا يقال ( لم يجبرهم ( فإن لفظ ( الجبر ( فيه إشتراك وإجمال فإذا قيل ( ~~جبرهم ( [ أشعر بأن الله يجبرهم على فعل الخير والشر بغير إختيارهم وإذا ~~قيل ( لم يجبرهم ( ] أشعر بأنهم يفعلون ما يشاؤون بغير إختياره وكلاهما خطأ ~~وقد بسطنا القول في هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن هذين الفريقين إعتقدوا تنافى القدر والشرع كما إعتقد ذلك ~~المجوس والمشركون فقالوا إذا كان خالقا للفعل إمتنع PageV16P237 أن يكون ~~الفعل في نفسه حسنا له ثواب أو قبيحا عليه عقاب ثم قالت القدرية لكن الفعل ~~منقسم فليس خالقا للفعل وقالت الجبرية لكنه خالق فليس الفعل منقسما # ولكن الجبرية المقرون بالرسل يقرون بالإنقسام من جهة أمر الشارع ونهيه ~~فقط ويقولون له أن يأمر بما شاء لا لمعنى فيه وينهي عما يشاء لا لأجل معنى ~~فيه ويقولون في خلقه وفي أمره جميعا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد # وأما من غلب عليه رأي أو هوى فإنه ينحل عن ربقة الشارع إذا عاين الجبر ~~ويقولون ما يقوله المشركون ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ~~من شيء ( # ومن أقر بالشرع والأمر والنهي والحسن والقبح دون القدر وخلق الأفعال كما ~~عليه المعتزلة فهو من القدرية المجوسية الذين شابهوا المجوس وللمعتزلة من ~~مشابهة المجوس واليهود نصيب وافر ومن أقر بالقضاء والقدر وخلق الأفعال ~~وعموم الربوبية وأنكر المعروف والمنكر والهدى والضلال والحسنات والسيئات ~~ففيه شبه من المشركين والصابئة PageV16P238 و كان الجهم بن صفوان ومن إتبعه ~~كذلك لما ناظر أهل الهند كما كان المعتزلة كذلك لما ناظروا المجوس الفرس ~~والمجوس أرجح من المشركين # فإن من أنكر الأمر والنهي أو لم يقر بذلك فهو مشرك صريح كافر أكفر من ~~اليهود والنصارى والمجوس كما يوجد ذلك في كثير من المتكلمة والمتصوفة أهل ~~الاباحة ونحوهم # ولهذا ms4954 لم يظهر هؤلاء ونحوهم في عصر الصحابة والتابعين لقرب عهدهم بالنبوة ~~وإنما ظهر أولئك القدرية المجوسية لأن مذهبهم فيه تعظيم للأمر والنهي ~~والثواب والعقاب فهم أقرب إلى الكتاب والسنة والرسول والدين من هؤلاء ~~المعطلة للأمر والنهي فإن هؤلاء من شر الخلق # وأما القدرية الإبليسية فهم الذين يقرون بوجود الأمر والنهي من الله ~~ويقرون مع ذلك بوجود القضاء والقدر منه لكن يقولون هذا فيه جهل وظلم فإنه ~~بتناقضه يكون جهلا وسفها وبما فيه من عقوبة العبد بما خلق فيه يكون ظلما ~~وهذا حال إبليس فإنه قال ( بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض PageV16P239 و ~~لأغوينهم أجمعين ( فأقر بأن الله أغواه ثم جعل ذلك عنده داعيا يقتضي أن ~~يغوى هو ذرية آدم # وإبليس هو أول من عادى الله وطغى في خلقه وأمره وعارض النص بالقياس ولهذا ~~يقول بعض السلف أول من قاس إبليس فإن الله أمره بالسجود لآدم فاعترض على ~~هذا الأمر بأنى خير منه وإمتنع من السجود فهو أول من عادى الله وهو الجاهل ~~الظالم الجاهل بما في أمر الله من الحكمة الظالم بإستكباره الذي جمع فيه ~~بين بطر الحق وغمط الناس # ثم قوله لربه ( فبما أغويتني لأفعلن ( جعل فعل الله الذي هو إغواؤه له ~~حجة له وداعيا إلى أن يغوى إبن آدم وهذا طعن منه في فعل الله وأمره وزعم ~~منه أنه قبيح فأنا أفعل القبيح أيضا فقاس نفسه على ربه ومثل نفسه بربه # ولهذا كان مضاهيا للربوبية كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( إن إبليس ينصب عرشه على البحر ثم يبعث سراياه فأعظمهم ~~فتنة أقربهم إليه منزلة فيجيء الرجل فيقول ما زلت به حتى فعل كذا ثم يجيء ~~الآخر فيقول ما زلت به حتى فرقت بينه وبين زوجته فيلتزمه ويدنيه منه ويقول ~~أنت أنت PageV16P240 والقدرية قصدوا تنزيه الله عن السفه وأحسنوا في هذا ~~القصد فإنه سبحانه مقدس عما يقول الظالمون من إبليس وجنوده علوا كبيرا حكم ~~عدل لكن ضاق ذرعهم وحصل عندهم نوع ms4955 جهل إعتقدوا معه أن هذا التنزيه لا يتم ~~إلا بأن يسلبوه قدرته على أفعال العباد وخلقه لها وشمول إرادته لكل شيء ~~فناظروا إبليس وحزبه في شيء واستحوذ عليهم إبليس من ناحية أخرى # وهذا من أعظم آفات الجدال في الدين بغير علم أو بغير الحق وهو الكلام ~~الذي ذمه السلف فإن صاحبه يرد باطلا بباطل وبدعة ببدعة # فجاء طوائف ممن ناظرهم من أهل الإثبات ليقرروا أن الله خالق كل شيء ما ~~شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه على كل شيء قدير فضاق ذرعهم وعلمهم ~~واعتقدوا أن هذا لا يتم إن لم ننكر محبة الله ورضاه وما خص به بعض الأفعال ~~دون بعض من الصفات الحسنة والسيئة وننكر حكمته ورحمته فيجوز عليه كل فعل لا ~~ينزه عن ظلم ولا غيره من الأفعال # وزاد قوم في ذلك حتى عطلوا الأمر والنهي والوعد والوعيد رأسا ومال هؤلاء ~~إلى الارجاء كما مال الأولون إلى الوعيد فقالت الوعيدية PageV16P241 كل ~~فاسق خالد في النار لا يخرج منها أبدا وقالت الخوارج هو كافر وغالية ~~المرجئة أنكرت عقاب أحد من أهل القبلة ومن صرح بالكفر أنكر الوعيد في ~~الآخرة رأسا كما يفعله طوائف من الإتحادية والمتفلسفة والقرامطة والباطنية ~~وكان هؤلاء الجبرية المرجئة أكفر بالأمر والنهي والوعد والوعيد من المعتزلة ~~الوعيدية القدرية # وأما مقتصدة المرجئة الجبرية الذين يقرون بالأمر والنهي والوعد والوعيد ~~وأن من أهل القبلة من يدخل النار فهؤلاء أقرب الناس إلى أهل السنة # وقد روى الترمذى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لعنت القدرية ~~والمرجئة على لسان سبعين نبيا أنا آخرهم ( # لكن المعتزلة من القدرية أصلح من الجبرية والمرجئة ونحوهم في الشريعة ~~علمها وعملها فكلامهم في أصول الفقه وفي إتباع الأمر والنهي خير من كلام ~~المرجئة من الأشعرية وغيرهم فإن كلام هؤلاء في أصول الفقه قاصر جدا وكذلك ~~هم مقصرون في تعظيم الطاعات والمعاصي ولكن هم في أصول الدين أصلح من أولئك ~~فإنهم يؤمنون من صفات الله وقدرته وخلقه بما لايؤمن به أولئك ms4956 وهذا الصنف ~~أعلى PageV16P242 فلهذا كانت المرجئة في الجملة خيرا من القدرية حتى إن ~~الارجاء دخل فيه الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بخلاف الإعتزال فإنه ليس فيه ~~أحد من فقهاء السلف وأئمتهم ### ||| فصل # فإذا كان الضلال في القدر حصل تارة بالتكذيب بالقدر والخلق وتارة ~~بالتكذيب بالشرع والوعيد وتارة بتظليم الرب كان في هذه السورة ردا على هذه ~~الطوائف كلها # فقوله تعالى ( فألهمها فجورها وتقواها ( إثبات للقدر بقوله ( ألهمها ( ~~وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ليعلم أنها هي الفاجرة ~~والمتقية وإثبات للتفريق بين الحسن والقبيح والأمر والنهي بقوله ( فجورها ~~وتقواها ( # وقوله بعد ذلك ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ( إثبات لفعل العبد ~~والوعد والوعيد بفلاح من زكى نفسه وخيبة من دساها وهذا صريح في الرد على ~~القدرية المجوسية وعلى الجبرية للشرع أو لفعل العبد وهم المكذبون بالحق ~~PageV16P243 # وأما المظلمون للخالق فإنه قد دل على عدله بقوله ( ونفس وما سواها ( ~~والتسوية التعديل فبين أنه عادل في تسوية النفس التى ألهمها فجورها وتقواها # وذكر بعد ذلك عقوبة من كذب رسله وطغى وأنه لا يخاف عاقبة إنتقامه ممن ~~خالف رسله ليبين أن من كذب بهذا أو بهذا فإن الله ينتقم منه ولا يخاف عاقبة ~~إنتقامه كما إنتقم من إبليس وجنوده وأن تظلمه من ربه وتسفيهه له إنما يهلك ~~به نفسه ولن يضر الله شيئا # ( فان العباد لن يبلغوا ضر الله فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه ولو أن ~~أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه ~~شيئا ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ~~ذلك من ملكه شيئا ( # ولهذا لما سأل عمران بن حصين أبا الأسود الدئلي عن ذلك ليحزر عقله ( هل ~~يكون ذلك ظلما ( فذكر أن ذلك ليس منه ظلما وخاف من قوله ( سبحانه وتعالى ~~عما يقولون علوا كبيرا ( وذكر حديث النبى صلى الله عليه وسلم وإستشهاده ~~بهذه الآية # وقد تبين أن القدرية الخائضين بالباطل إما أن ms4957 يكونوا مكذبين لما ~~PageV16P244 أخبر به الرب من خلقه أو أمره وإما أن يكونوا مظلمين له في ~~حكمه وهو سبحانه الصادق العدل كما قال تعالى ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا ~~مبدل لكلماته وهو السميع العليم ( فإن الكلام إما إنشاء وإما إخبار ~~فالإخبار صدق لا كذب والإنشاء أمر التكوين وأمر التشريع عدل لا ظلم ~~والقدرية المجوسية كذبوا بما أخبر به عن خلقه وشرعه من أمر الدين ~~والإبليسية جعلوه ظالما في مجموعهما أو في كل منهما # وقد ظهر بذلك أن المفترقين المختلفين من الأمة إنما ذلك بتركهم بعض الحق ~~الذي بعث الله به نبيه وأخذهم باطلا يخالفه وإشتراكهم في باطل يخالف ما جاء ~~به الرسول وهو من جنس مخالفة الكفار للمؤمنين كما قال تعالى ( تلك الرسل ~~فضلنا بعضهم على بعض إلى قوله ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما ~~يريد ( # فإذا إشتركوا في باطل خالفوا به المؤمنين المتبعين للرسل نسوا حظا مما ~~ذكروا به فألقى بينهم العداوة والبغضاء وإختلفوا فيما بينهم في حق آخر جاء ~~به الرسول فآمن هؤلاء ببعضه وكفروا ببعضه والآخرون يؤمنون بما كفر به هؤلاء ~~ويكفرون بما يؤمن به هؤلاء # وهنا كلا الطائفتين المختلفتين المفترقتين مذمومة وهذا شأن عامة ~~PageV16P245 الإفتراق والإختلاف في هذه الأمة وغيرها وهذا من ذلك فإنهم ~~إشتركوا [ في ] أن كون الرب خالقا لفعل العبد ينافى كون فعله منقسما إلى ~~حسن وقبيح وهذه المقدمة إشتركوا فيها جدلا من غير أن تكون حقا في نفسها أو ~~عليها حجة مستقيمة # وهي إحدى المقدمتين التى يعتمدها الرازي في مسألة التحسين والتقبيح فإنه ~~إعتقد في ( محصوله ( وغيره على أن العبد مجبور على فعله والمجبور لا يكون ~~فعله قبيحا فلا يكون شيء من أفعال العباد قبيحا # وهذه الحجة بنفى ذلك أصلها حجة المشركين المكذبين للرسل الذين قالوا ( لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ( فإنهم نفوا قبح الشرك ~~وتحريم ما لم يحرمه الله من الطيبات بإثبات القدر # لكن هؤلاء الذين يحتجون بالجبر على نفي الأحكام إذا ms4958 أقروا بالشرع لم ~~يكونوا مثل المشركين من كل وجه ولهذا لم يكن المتكلمون المقرون بالشريعة ~~كالمشركين وإن كان فيهم جزء من باطل المشركين # لكن يوجد في المتكلمين والمتصوفة طوائف يغلب عليهم الجبر حتى PageV16P246 ~~يكفروا حينئذ بالأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب إما قولا وإما ~~حالا وعملا وأكثر ما يقع ذلك في الأفعال التى توافق أهواءهم يطلبون بذلك ~~إسقاط اللوم والعقاب عنهم ولا يزيدهم ذلك إلا ذما وعقابا كالمستجير من ~~الرمضاء بالنار # فإن هذا القول لا يطرد العمل به لأحد إذ لا غنى لبني آدم بعضهم من بعض من ~~إرادة شيء والأمر به وبغض شيء والنهي عنه فمن طلب أن يسوى بين المحبوب ~~والمكروه والمرضى والمسخوط والعدل والظلم والعلم والجهل والضلال والهدى ~~والرشد والغي فإنه لا يستمر على ذلك أبدا بل إذا حصل له ما يكرهه ويؤذيه فر ~~إلى دفع ذلك وعقوبة فاعله بما قدر عليه حتى يعتدي في ذلك # فهم من أظلم الخلق في تفريقهم بين القبيح من الظلم والفواحش منهم ومن ~~غيرهم وممن يهوونه ومن لا يهوونه وإحتجاجهم بالقدر لأنفسهم دون خصومهم # وتجد أحدهم عند فعل ما يحمد عليه يغلب على قلبه حال أهل القدر فيجعل نفسه ~~هو المحدث لذلك دون الله وينسى نعمة الله عليه PageV16P247 في إلهامه إياه ~~تقواه وهذا من أظلم الخلق كما قال أبو الفرج بن الجوزي أنت عند الطاعة قدرى ~~وعند المعصية جبرى أي مذهب وافق هواك تمذهبت به وأهل العدل ضد ذلك إذا ~~فعلوا حسنة شكروا الله عليها لعلمهم بأن الله هو الذي حبب إليهم الإيمان ~~وزينه في قلوبهم وأنه هو الذي كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ( وإذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ( # فاتبعوا أباهم حيث أذنب ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو ~~التواب الرحيم ( وقال ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن ~~من الخاسرين ( # ويقول أحدهم ( أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبى ms4959 ( كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ~~خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما إستطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فإغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب [ إلا أنت ] ~~( وكما في الحديث الصحيح أيضا ( إن الله تعالى يقول يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم ترد PageV16P248 عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا ~~يلومن إلا نفسه ( ويقولون بموجب قوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) # قال إبن القيم رحمه الله # ذكر سبحانه في هذه السورة ثمود دون غيرهم من الأمم المكذبة فقال شيخ ~~الإسلام أبو العباس تقى الدين بن تيمية # هذا والله أعلم من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه لم يكن في الأمم ~~المكذبة أخف ذنبا وعذابا منهم إذ لم يذكر عنهم من الذنوب ما ذكر عن عاد ~~ومدين وقوم لوط وغيرهم # ولهذا لما ذكرهم وعادا قال ( فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ~~وكانوا بآياتنا يجحدون ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ( # وكذلك إذا ذكرهم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنهم ما يذكر عن أولئك من ~~التجبر والتكبر والأعمال السيئة كاللواط وبخس المكيال والميزان والفساد في ~~الأرض كما في سورة هود والشعراء وغيرهما فكان في قوم لوط مع الشرك إتيان ~~الفواحش التى PageV16P249 لم يسبقوا إليها وفى عاد مع الشرك التجبر والتكبر ~~والتوسع في الدنيا وشدة البطش وقولهم ( من أشد منا قوة ( وفى أصحاب مدين مع ~~الشرك الظلم في الأموال وفى قوم فرعون الفساد في الأرض والعلو # وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم فعذب قوم عاد بالريح الشديدة ~~العاتية التى لا يقوم لها شيء وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها ~~أمة غيرهم فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء وطمس ms4960 الأبصار ~~وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها والخسف بهم إلى أسفل سافلين وعذب ~~قوم شعيب بالنار التى أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التى إكتسبوها بالظلم ~~والعدوان # وأما ثمود فأهلكهم بالصيحة فماتوا في الحال فإذا كان هذا عذابه لهؤلاء ~~وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التى جعلها الله آية لهم فمن انتهك محارم الله ~~واستخف بأوامره ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا # ومن اعتبر أحوال العالم قديما وحديثا وما يعاقب به من يسعى في الأرض ~~بالفساد وسفك الدماء بغير حق وأقام الفتن وإستهان بحرمات الله علم أن ~~النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون سورة العلق وقال الشيخ ~~رحمه الله PageV16P250 ### || ( سورة العلق ) # ! 8 < ### ||| فصل # في بيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين ~~وهي الأدلة العقلية الدالة على ثبوت الصانع وتوحيده وصدق رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى المعاد إمكانا ووقوعا # وقد ذكرنا فيما تقدم هذا الأصل غير مرة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بين الأدلة العقلية والسمعية التى يهتدى بها الناس إلى دينهم وما فيه ~~نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة وأن الذين إبتدعوا أصولا تخالف بعض ما ~~جاء به هي أصول دينهم لا أصول دينه وهي باطلة عقلا وسمعا كما قد بسط في غير ~~موضع وبين أن كثيرا من المنتسبين إلى العلم والدين قاصرون أو مقصرون في ~~معرفة ما جاء به من PageV16P251 الدلائل السمعية والعقلية # فطائفة قد إبتدعت أصولا تخالف ما جاء به من هذا وهذا وطائفة رأت أن ذلك ~~بدعة فأعرضت عنه وصاروا ينتسبون إلى السنة لسلامتهم من بدعة أولئك ولكن هم ~~مع ذلك لم يتبعوا السنة على وجهها ولا قاموا بما جاء به من الدلائل السمعية ~~والعقلية بل الذي يخبر به من السمعيات مما يخبر به عن ربه وعن اليوم الآخر ~~غايتهم أن يؤمنوا بلفظه من غير تصور لما أخبر به بل قد يقولون مع هذا إنه ~~نفسه لم يكن يعلم معنى ما أخبر به لأن ذلك عندهم هو ms4961 تأويل المتشابه الذي لا ~~يعلمه إلا الله # وأما الأدلة العقلية فقد لا يتصورون أنه أتى بالأصول العقلية الدالة على ~~ما يخبر به كالأدلة الدالة على التوحيد والصفات ومنهم من يقر بأنه جاء بهذا ~~مجملا ولا يعرف أدلته بل قد يظن أن ما يستدل به كالإستدلال بخلق الإنسان ~~على حدوث جواهره هو دليل الرسول # وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل كالمعاد ~~وحسن التوحيد والعدل والصدق وقبح الشرك والظلم PageV16P252 و الكذب والقرآن ~~يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك وينكر على من لم يستدل بها ويبين أنه ~~بالعقل يعرف المعاد وحسن عبادته وحده وحسن شكره وقبح الشرك وكفر نعمه كما ~~قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع # وكثير من الناس يكون هذا في فطرته وهو ينكر تحسين العقل وتقبيحه إذا صنف ~~في أصول الدين على طريقة النفاة الجبرية أتباع جهم وهذا موجود في عامة ما ~~يقوله المبطلون يقولون بفطرتهم ما يناقض ما يقولونه في إعتقادهم البدعى # وقد ذكر أبو عبد الله بن الجد الأعلى أنه سمع أبا الفرج بن الجوزى ينشد ~~في مجلس وعظه البيتين المعروفين % هب البعث لم تأتنا رسله % وجاحمة النار ~~لم تضرم % أليس من الواجب المستحق % حياء العباد من المنعم % فقد صرح في ~~هذا بأنه من الواجب المستحق حياء الخلق من الخالق المنعم # وهذا تصريح بأن شكره واجب مستحق ولو لم يكن وعيد ولا PageV16P253 رسالة ~~أخبرت بجزاء وهو يبين ثبوت الوجوب والإستحقاق وان قدر أنه لا عذاب # وهذا فيه نزاع قد ذكرناه في غير هذا الموضع وبينا أن هذا هو الصحيح ~~ونتيجة فعل المنهى إنخفاض المنزلة وسلب كثير من النعم التى كان فيها وإن ~~كان لا يعاقب بالضرر # ويبين أن الوجوب والإستحقاق يعلم بالبديهة فتارك الواجب وفاعل القبيح وإن ~~لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابه ما يكون جزاءه وهذا جزاء من ~~لم يشكر النعمة بل كفرها أن يسلبها فالشكر قيد النعم وهو موجب للمزيد ~~والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب وقبل ms4962 ذلك ينقص النعمة ولا يزيد # مع أنه لابد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب فإنه ما ثم دار ~~إلا الجنة أو النار قال تعالى ( لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه ~~أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( وهذا ~~مبسوط في مواضع # والمقصود هنا أن بيان هذه الأصول وقع في أول ما أنزل من القرآن فإن أول ~~ما أنزل من القرآن ( إقرأ باسم ربك ( عند جماهير PageV16P254 العلماء وقد ~~قيل ( يا أيها المدثر ( روى ذلك عن جابر والأول أصح فإن [ ما ] في حديث ~~عائشة الذي في الصحيحين يبين أن أول ما نزل ( اقرأ باسم ربك ( نزلت عليه ~~وهو في غار حراء وأن ( المدثر ( نزلت بعد # وهذا هو الذي ينبغي فإن قوله ( اقرأ ( أمر بالقراءة لا بتبليغ الرسالة ~~وبذلك صار نبيا وقوله ( قم فأنذر ( أمر بالإنذار وبذلك صار رسولا منذرا # ففي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت أول ما بدئ به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى ~~رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتى غار حراء فيتحنث ~~فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم ~~يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء # فجاءه الملك فقال ( اقرأ ( # قال ( ما أنا بقارئ ( # قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلنى فقال ( اقرأ PageV16P255 # فقلت ( ما أنا بقارئ ( # فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال ( اقرأ ( فقلت ( ~~ما أنا بقارئ ( # فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال ( اقرأ باسم ربك ~~الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ~~ما لم يعلم ( # فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت ~~خويلد فقال ( زملوني ( زملوني [ فزملوه ] حتى ذهب عنه الروع # فقال لخديجة وأخبرها الخبر ms4963 ( لقد خشيت على نفسي ( فقالت له خديجة ( كلا ~~والله لا يخزيك الله أبدا انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب ~~المعدوم وتعين على نوائب الحق ( فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ~~بن أسد بن عبد PageV16P256 العزى إبن عم خديجة وكان أمرا تنصر في الجاهلية ~~وكان يكتب الكتاب العبري فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب ~~وكان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة ( يا إبن عم إسمع من إبن أخيك ( ~~فقال له ورقة ( يا إبن أخي ماذا ترى ( # فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى # فقال له ورقة هذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتنى فيها جذعا ليتنى ~~أكون حيا إذ يخرجك قومك ( # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أو مخرجي هم ( قال ( نعم لم يأت أحد ~~قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا ( # ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي # قال إبن شهاب الزهري سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال أخبرنى جابر بن عبد ~~الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث PageV16P257 عن فترة الوحى ~~( فبينما أنا أمشى سمعت صوتا فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني ~~بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجئت حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلى ~~فقلت زملونى زملوني فزملوني فأنزل الله تعالى ( يا أيها المدثر قم فأنذر ~~إلى قوله والرجز فاهجر ) # فهذا يبين أن ( المدثر ( نزلت بعد تلك الفترة وأن ذلك كان بعد أن عاين ~~الملك الذي جاءه بحراء أولا فكان قد رأى الملك مرتين # وهذا يفسر حديث جابر الذي روى من طريق آخر كما أخرجاه من حديث يحيى بن ~~أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال ( ~~يا أيها المدثر ( قلت يقولون ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ( فقال أبو سلمة ~~سألت جابر بن عبد الله عن ذلك [ و ] قلت له مثل ما ms4964 قلت فقال جابر لا أحدثك ~~إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( جاورت بحراء فلما قضيت ~~جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يمينى فلم أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ~~ونظرت أمامي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا ~~فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء باردا فدثروني وصبوا علي ماء باردا ~~PageV16P258 قال ( فنزلت ( يا ايها المدثر قم فأنذر وربك فكبر ) # فهذا الحديث يوافق المتقدم وأن ( المدثر ( نزلت بعد أن هبط من الجبل وهو ~~يمشي وبعد أن ناداه الملك حينئذ وقد بين في الرواية الأخرى أن هذا الملك هو ~~الذي جاءه بحراء وقد بينت عائشة أن ( اقرأ ( نزلت حينئذ في غار حراء لكن ~~كأنه لم يكن علم أن ( اقرأ ( نزلت حينئذ بل علم أنه رأى الملك قبل ذلك وقد ~~يراه ولا يسمع منه لكن في حديث عائشة زيادة علم وهو أمره بقراءة ( اقرأ ( ~~وفى حديث الزهري أنه سمي هذا ( فترة الوحى ( وكذلك في حديث عائشة ( فترة ~~الوحى ( فقد يكون الزهري روى حديث جابر بالمعنى وسمى ما بين الرؤيتين ( ~~فترة الوحى ( كما بينته عائشة وإلا فإن كان جابر سماه ( فترة الوحى ( فكيف ~~يقول أن الوحى لم يكن نزل وبكل حال فالزهري عنده حديث عروة عن عائشة وحديث ~~أبى سلمة عن جابر وهو أوسع علما وأحفظ من يحيى بن أبي كثير لو إختلفا لكن ~~يحيى ذكر أنه سأل أبا سلمة عن الأولى فأخبر جابر بعلمه ولم يكن علم ما نزل ~~قبل ذلك وعائشة أثبتت وبينت PageV16P259 والآيات آيات ( اقرأ ( و ( المدثر ~~( تبين ذلك والحديثان متصادقان مع القرآن ومع دلالة العقل على أن هذا ~~الترتيب هو المناسب # وإذا كان أول ما أنزل ( اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ ~~وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ( ففي الآية الأولى ~~إثبات الخالق تعالى وكذلك في الثانية # وفيها وفى الثانية الدلالة على إمكان النبوة وعلى نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ms4965 # أما الأولى فإنه قال ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ( ثم قال ( خلق الإنسان من ~~علق ( فذكر الخلق مطلقا ثم خص خلق الإنسان أنه خلقه من علق وهذا أمر معلوم ~~لجميع الناس كلهم يعلمون أن الإنسان يحدث في بطن أمه وأنه يكون من علق ~~وهؤلاء بنو آدم # وقوله ( الإنسان ( هو اسم جنس يتناول جميع الناس ولم يدخل فيه آدم الذي ~~خلق من طين فإن المقصود بهذه الآية بيان الدليل على الخالق تعالى ~~والإستدلال إنما يكون بمقدمات PageV16P260 يعلمها المستدل والمقصود بيان ~~دلالة الناس وهدايتهم وهم كلهم يعلمون أن الناس يخلقون من العلق # فأما خلق آدم من طين فذاك إنما علم بخبر الأنبياء أو بدلائل أخر ولهذا ~~ينكره طائفة من الكفار الدهرية وغيرهم الذين لا يقرون بالنبوات # وهذا بخلاف ذكر خلقه في غير هذه السورة فإن ذاك ذكره لما يثبت النبوة ~~وهذه السورة أول ما نزل وبها تثبت النبوة فلم يذكر فيها ما علم بالخبر بل ~~ذكر فيها الدليل المعلوم بالعقل والمشاهدة والأخبار المتواترة لمن لم ير ~~العلق # وذكر سبحانه خلق الإنسان من العلق وهو جمع ( علقة ( وهي القطعة الصغيرة ~~من الدم لأن ما قبل ذلك كان نطفة والنطفة قد تسقط في غير الرحم كما يحتلم ~~الإنسان وقد تسقط في الرحم ثم يرميها الرحم قبل أن تصير علقة فقد صار مبدأ ~~لخلق الإنسان وعلم أنها صارت علقة ليخلق منها الإنسان # وقد قال في سورة القيامة ( ألم يك نطفة من منى يمنى ثم كان علقة فخلق ~~فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر PageV16P261 على أن ~~يحيى الموتى ( فهنا ذكر هذا على إمكان النشأة الثانية التى تكون من التراب ~~ولهذا قال في موضع آخر ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ( ففي القيامة إستدل بخلقه من نطفة فإنه معلوم ~~لجميع الخلق وفي الحج ذكر خلقه من تراب فإنه قد علم بالأدلة القطعية وذكر ~~أول الخلق أدل على إمكان الإعادة # وأما هنا فالمقصود ذكر ما ms4966 يدل على الخالق تعالى إبتداء فذكر أنه خلق ~~الإنسان من علق وهو من العلقة الدم يصير مضغة وهو قطعة لحم كاللحم الذي ~~يمضغ بالفم ثم تخلق فتصور كما قال تعالى ( ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ~~لنبين لكم ( فإن الرحم قد يقذفها غير مخلقة فبين للناس مبدأ خلقهم ويرون ~~ذلك بأعينهم # وهذا الدليل وهو خلق الإنسان من علق يشترك فيه جميع الناس فإن الناس هم ~~المستدلون وهم أنفسهم الدليل والبرهان والآية فالإنسان هو الدليل وهو ~~المستدل كما قال تعالى ( وفى أنفسكم أفلا تبصرون ( وقال ( سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ( وهذا كما قال في آية أخرى ( أم ~~خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون PageV16P262 وهو دليل يعلمه الإنسان من ~~نفسه ويذكره كلما تذكر في نفسه وفيمن يراه من بني جنسه فيستدل به على ~~المبدأ والمعاد كما قال تعالى ( ويقول الانسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أو ~~لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ( وقال تعالى ( وضرب لنا ~~مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم ( # وكذلك قال زكريا لما تعجب من حصول ولد على الكبر فقال ( أنى يكون لي غلام ~~وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ~~وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ( ولم يقل ( إنه أهون عليه ( كما قال في ~~المبدأ والمعاد ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( # وقال سبحانه ( خلق الانسان من علق ( بعد أن قال ( الذي خلق ( فأطلق الخلق ~~الذي يتناول كل مخلوق ثم عين خلق الإنسان فكان كلما يعلم حدوثه داخلا في ~~قوله ( الذي خلق ( # وذكر بعد الخلق التعليم الذي هو التعليم بالقلم وتعليم الإنسان ما لم ~~يعلم فخص هذا التعليم الذي يستدل به على إمكان النبوة # ولم يقل هنا ( هدى ( فيذكر الهدى العام المتناول للإنسان PageV16P263 و ~~سائر الحيوان كما قال في موضع آخر ms4967 ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى ~~والذي قدر فهدى ( وكما قال موسى ( ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ( لأن ~~هذا التعليم الخاص يستلزم الهدى العام ولا ينعكس وهذا أقرب إلى إثبات ~~النبوة فإن النبوة نوع من التعليم # وليس جعل الإنسان نبيا بأعظم من جعله العلقة إنسانا حيا عالما ناطقا ~~سميعا بصيرا متكلما قد علم أنواع المعارف كما أنه ليس أول الخلق بأهون عليه ~~من إعادته والقادر على المبدأ كيف لا يقدر على المعاد والقادر على هذا ~~التعليم كيف لا يقدر على ذاك التعليم وهو بكل شيء عليم ولا يحيط أحد من ~~علمه إلا بما شاء # وقال سبحانه أولا ( علم بالقلم ( فأطلق التعليم والمعلم فلم يخص نوعا من ~~المعلمين فيتناول تعليم الملائكة وغيرهم من الإنس والجن كما تناول الخلق ~~لهم كلهم # وذكر التعليم بالقلم لأنه يقتضي تعليم الخط والخط يطابق اللفظ وهو البيان ~~والكلام ثم اللفظ يدل على المعانى المعقولة التى في القلب فيدخل فيه كل علم ~~في القلوب # وكل شيء له حقيقة في نفسه ثابتة في الخارج عن الذهن ثم PageV16P264 ~~يتصوره الذهن والقلب ثم يعبر عنه اللسان ثم يخطه القلم فله وجود عيني وذهني ~~ولفظي ورسمي وجود في الأعيان والأذهان واللسان والبنان لكن الأول هو هو ~~وأما الثلاث فإنها مثال مطابق له فالأول هو المخلوق والثلاثة معلمة فذكر ~~الخلق والتعليم ليتناول المراتب الأربع فقال ( إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق ~~الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ( # وقد تنازع الناس في الماهيات هل هي مجعولة أم لا وهل ماهية كل شيء زائدة ~~على وجوده كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين الصواب في ذلك وأنه ليس ~~إلا ما يتصور في الذهن ويوجد في الخارج # فإن أريد الماهية ما يتصور في الذهن وبالوجود ما في الخارج أو بالعكس ~~فالماهية غير الوجود إذا كان ما في الأعيان مغايرا لما في الأذهان # وإن أريد بالماهية ما في الذهن أو الخارج أو ms4968 كلاهما وكذلك بالوجود فالذي ~~في الخارج من الوجود هو الماهية الموجودة في الخارج وكذلك ما في الذهن من ~~هذا هو هذا ليس في الخارج شيئان PageV16P265 # وهو سبحانه علم ما في الأذهان وخلق ما في الأعيان وكلاهما مجعول له لكن ~~الذي في الخارج جعله جعلا خلقيا والذي في الذهن جعله جعلا تعليميا فهو الذى ~~( خلق خلق الإنسان من علق ( وهو ( الاكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما ~~لم يعلم ( # وقوله ( علم بالقلم ( يدخل فيه تعليم الملائكة الكاتبين ويدخل فيه تعليم ~~كتب الكتب المنزلة فعلم بالقلم أن يكتب كلامه الذى أنزله كالتوراة والقرآن ~~بل هو كتب التوراة لموسى # وكون محمد كان نبيا أميا هو من تمام كون ما أتى به معجزا خارقا للعادة ~~ومن تمام بيان أن تعليمه أعظم من كل تعليم كما قال تعالى ( وما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ( فغيره يعلم ما كتبه ~~غيره وهو علم الناس ما يكتبونه وعلمه الله ذلك بما أوحاه إليه # وهذا الكلام الذى أنزل عليه هو آية وبرهان على نبوته فإنه لا يقدر عليه ~~الإنس والجن ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة ~~مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ( وفي الآية الأخرى ( ~~فأتوا بعشر سور PageV16P266 مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله ~~إلا هو فهل أنتم مسلمون ( ### ||| فصل # وقد بسطنا في غير هذا الموضع طرق الناس في إثبات الصانع والنبوة [ و ] أن ~~كل طريق تتضمن ما يخالف السنة فإنها باطلة في العقل كما هي مخالفة للشرع # والطريق المشهورة عند المتكلمين هو الإستدلال بحدوث الأعراض على حدوث ~~الأجسام # وقد بينا الكلام على هذه في غير موضع وأنها مخالفة للشرع والعقل وكثير من ~~الناس يعلم أنها بدعة في الشرع لكن لا يعلم ms4969 فسادها في العقل وبعضهم يظن ~~أنها صحيحة في العقل والشرع وأنها طريقة إبراهيم الخليل عليه السلام وقد ~~بين فساد هذا في غير موضع # والمقصود هنا أن طائفة من النظار مثبتة الصفات أرادوا PageV16P267 سلوك ~~سبيل السنة ولم يكن عندهم إلا هذه الطريق # فاستدلوا بخلق الإنسان لكن لم يجعلوا خلقه دليلا كما في الآية بل جعلوه ~~مستدلا عليه وظنوا أنه يعرف بالبديهة والحس حدوث أعراض النطفة وأما جواهرها ~~فاعتقدوا أن الأجسام كلها مركبة من الجواهر المنفردة وأن خلق الإنسان وغيره ~~إنما هو إحداث أعراض في تلك الجواهر بجمعها وتفريقها ليس هو إحداث عين # فصاروا يريدون أن يستدلوا على أن الإنسان مخلوق ثم إذا ثبت أنه مخلوق ~~قالوا إن له خالقا # واستدلوا على أنه مخلوق بدليل الأعراض وأن النطفة والعلقة والمضغة لا ~~تنفك من اعراض حادثة إذ كان عندهم جواهر تجمع تارة وتفرق أخرى فلا تخلو عن ~~إجتماع وإفتراق وهما حادثان فلم يخل الإنسان عن الحوادث وما لم يخل من ~~الحوادث فهو حادث لإمتناع حوادث لا أول لها # وهذه هي الطريقة التى سلكها الأشعري في ( اللمع في الرد على أهل البدع ( ~~وشرحه أصحابه شروحا كثيرة وكذلك في ( رسالته إلى اهل الثغر ( وذكر قوله ~~تعالى ( أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم PageV16P268 نحن الخالقون ( ~~فاستدل على أن الإنسان مخلوق بأنه مركب من الجواهر التى لا تخلو من إجتماع ~~وإفتراق فلم تخل من الحوادث فهي حادثة # وهذه الطريقة هي مقتضية من كون الأجسام كلها كذلك # وتلك هي الطريقة المشهورة التى يسلكها الجهمية والمعتزلة ومن إتبعهم من ~~المتأخرين المنتسبين إلى المذاهب الأربعة وغيرهم من أصحاب أبى حنيفة ومالك ~~والشافعى وأحمد كما ذكرها القاضي وبن عقيل وغيرهما وذكرها أبو المعالي ~~الجوينى وصاحب ( التتمة ( وغيرهما وذكرها أبو الوليد الباجى وأبو بكر بن ~~العربى وغيرهما وذكرها أبو منصور الماتريدي والصابونى وغيرهما # لكن هؤلاء الذين إستدلوا بخلق الإنسان فرضوا ذلك في الإنسان ظنا أن هذه ~~طريقة القرآن وطولوا في ذلك ودققوا حتى إستدلوا على كون عين الإنسان ~~وجواهره مخلوقة لظنهم أن ms4970 المعلوم بالحس وبديهة العقل إنما هو حدوث أعراض لا ~~حدوث جواهر وزعموا أن كل ما يحدثه الله من السحاب والمطر والزرع والثمر ~~والإنسان والحيوان فإنما يحدث فيه أعراضا وهي جمع الجواهر التى كانت موجودة ~~وتفريقها PageV16P269 # وزعموا أن أحدا لا يعلم حدوث غيره من الأعيان بالمشاهدة ولا بضرورة العقل ~~وإنما يعلم ذلك إذا إستدل كما استدلوا فقالوا هذه أعراض حادثة في جواهر ~~وتلك الجواهر لم تخل من الأعراض لامتناع خلو الجواهر من الأعراض # ثم قالوا وما لم يخل من الحوادث فهو حادث # وهذا بنوه على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة التى لا تقبل القسمة ~~وقالوا إن الأجسام لا يستحيل بعضها إلى بعض # وجمهور العقلاء من السلف وأنواع العلماء وأكثر النظار يخالفون هؤلاء فيما ~~يثبتون من الجوهر الفرد ويثبتون إستحالة الأجسام بعضها إلى بعض ويقولون بأن ~~الرب لا يزال يحدث الأعيان كما دل على ذلك القرآن # ولهذا كانت هذه الطريق باطلة عقلا وشرعا وهي مكابرة للعقل فإن كون ~~الإنسان مخلوقا محدثا كائنا بعد أن لم يكن أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس ~~وكل أحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن وأن عينه حدثت كما قال ~~تعالى ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ( وقال تعالى ( أو لا يذكر الانسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا PageV16P270 ليس هذا مما يستدل عليه فإنه ~~أبين وأوضح مما يستدل به عليه لو كان صحيحا فكيف إذا كان باطلا # وقولهم إن الحادث أعراض فقط وإنه مركب من الجواهر الفردة قولان باطلان لا ~~يعلم صحتهما بل يعلم بطلانهما # ويعلم حدوث جوهر الإنسان وغيره من المادة التى خلق منها وهي العلق كما ~~قال ( خلق الانسان من علق ( # وكونه مركبا من جواهر فردة ليس صحيحا ولو كان صحيحا لم يكن معلوما إلا ~~بأدلة دقيقة لا تكون هي أصل الدين الذي هو مقدمات أولية فإن تلك المقدمات ~~يجب أن تكون بينة أولية معلومة بالبديهة # فطريقهم تضمن جحد المعلوم وهو حدوث الأعيان الحادثة وهذا معلوم للخلق ~~وإثبات ms4971 ما ليس بمعلوم بل هو باطل وأن الأحداث لها إنما [ هو ] جمع وتفريق ~~للجواهر وأنه إحداث أعراض فقط # ولهذا كان إستدلالهم بطريقة الجواهر والأعراض على هذا الوجه مما أنكره ~~عليهم أئمة الدين وبينوا أنهم مبتدعون في ذلك بل PageV16P271 بينوا ضلالهم ~~شرعا وعقلا كما بسط كلام السلف والأئمة عليهم في غير هذا الموضع إذ هو كثير # فالقرآن إستدل بما هو معلوم للخلق من أنه ( خلق الإنسان من علق ( وهؤلاء ~~جاؤوا إلى هذا المعلوم فزعموا أنه غير معلوم بل هو مشكوك فيه ثم زعموا أنهم ~~يذكرون الدليل الذي به يصير معلوما فذكروا دليلا باطلا لا يدل على حدوثه بل ~~يظن أنه دليل وهو شبهة ولها لوازم فاسدة # فأنكروا المعلوم بالعقل ثم الشرع وادعوا طريقا معلومة بالعقل وهي باطلة ~~في العقل والشرع فضاهوا الذين قال الله فيهم ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير ( # وكذلك في إثبات النبوات وإمكانها وفي إثبات المعاد وإمكانه عدلوا عن ~~الطريق الهادية التى توجب العلم اليقيني التى هدى الله بها عباده إلى طريق ~~تورث الشك والشبهة والحيرة ولهذا قيل غاية المتكلمين المبتدعين الشك وغاية ~~الصوفية المبتدعين الشطح # ثم لها لوازم باطلة مخالفة للعقل والشرع فألزموا لوازمها التى أوجبت لهم ~~السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات وتكلموا PageV16P272 في دلآئل ~~النبوة والمعاد ودلائل الربوبية بأمور وزعموا أنها أدلة وهي عند التحقيق ~~ليست بأدلة ولهذا يطعن بعضهم في أدلة بعض # وإذا استدلوا بدليل صحيح فهو مطابق لما جاء به الرسول وإن تنوعت العبارات # ولهذا قد يستدل بعضهم بدليل إما صحيح وإما غير صحيح فيطعن فيه آخر ويزعم ~~أنه يذكر ما هو خير منه ويكون الذي يذكره دون ما ذكره ذاك وهذا يصيبهم ~~كثيرا في الحدود يطعن هؤلاء في حد هؤلاء ويذكرون حدا مثله أو دونه # وتكون الحدود كلها من جنس واحد وهي صحيحة إذا أريد بها التمييز بين ~~المحدود وغيره وأما من قال إن الحدود تفيد تصوير ماهية المحدود كما يقوله ~~أهل المنطق فهؤلاء غالطون ضالون كما قد ms4972 بسط هذا في غير هذا الموضع وإنما ~~الحد معرف للمحدود ودليل عليه بمنزلة الإسم لكنه يفصل ما دل عليه الإسم ~~بالإجمال فهو نوع من الأدلة كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع # إذ المقصود هنا التنبيه على الفرق بين الطريق المفيد للعلم واليقين كالتى ~~بينها القرآن وبين ما ليس كذلك من طرق أهل البدع الباطلة شرعا وعقلا ~~PageV16P273 ### ||| فصل # وهؤلاء الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والإستدلال بها على حدوث ~~الأجسام إضطربوا كثيرا كما قد بسط في مواضع ولابد لكل منهم مع مخالفته ~~للشرع المنزل من السماء إلى أن يخالف أيضا صريح العقل ويكابر فيكون ممن لا ~~يسمع ولا يعقل # فإن القول له لوازم فإذا كان باطلا فقد يستلزم أمورا باطلة ظاهرة البطلان ~~وصاحبه يريد إثبات تلك اللوازم فيظهر مخالفته للحس والعقل # كالذين أثبتوا الجواهر المنفردة وقالوا إن الحركات في نفسها لا تنقسم إلى ~~سريع وبطيء إذ كانت الحركة عندهم منقسمة كانقسام المتحرك وكذلك الزمان ~~وأجزاء الزمان والحركة والمتحرك عندهم واحد لا ينقسم فإذا كان المتحركان ~~سواء وحركة أحدهما أسرع قالوا إنما ذاك لتخلل السكنات وإدعوا أن الرحا ~~والدولاب وكل مستدير إذا تحرك فإن زمان حركة المحيط والطوق الصغير واحد مع ~~كثرة أجزاء المحيط فيجب أن تكون حركتها أكثر فيكون زمانها أكثر وليس هو ~~بأكثر PageV16P274 فادعوا أنها تنفك ثم تتصل وهذه مكابرة من جنس ( طفرة ~~النظام ( # وكذلك الذين قالوا بأن العرض لا يبقى زمانين خالفوا الحس وما يعلمه ~~العقلاء بضرورة عقولهم فإن كل أحد يعلم أن لون جسده الذي كان لحظة هو هذا ~~اللون وكذلك لون السماء والجبال والخشب والورق وغير ذلك # ومما ألجأهم إلى هذا ظنهم أنهما لو كانا باقيين لم يمكن إعدامهما فإنهم ~~حاروا في إفناء الله الأشياء إذا أراد أن يفنيها كما حاروا في إحداثها ~~وحيرتهم في الإفناء أظهر هذا يقول يخلق فناء لا في محل فيكون ضدا لها فتفنى ~~بضدها وهذا يقول يقطع عنها الأعراض مطلقا أو البقاء الذي لا تبقى إلا به ~~فيكون فناؤها ms4973 لفوات شرطها # ومن أسباب ذلك ظنهم أو ظن من ظن منهم أن الحوادث لا تحتاج إلى الله إلا ~~حال إحداثها لا حال بقائها وقد قالوا إنه قادر على إفنائها فتكلفوا هذه ~~الأقوال الباطلة # وهؤلاء لا يحتجون على بقاء الرب بافتقار العالم إليه بل بأنه قديم وما ~~وجب قدمه إمتنع عدمه وإلا فالباقي حال بقائه لا يحتاج إلى الرب عندهم ~~PageV16P275 و هؤلاء شر من الذين سألوا موسى هل ينام ربك فضرب الله لهم ~~المثل بالقارورتين لما أرق موسى ليالي ثم أمره بإمساك القارورتين فلما ~~أمسكهما غلبه النوم فتكسرتا فبين الله له لو أخذته سنة أونوم لتدكدك العالم # وعلى رأي هؤلاء لو أخذته سنة أو نوم لم يعدم الباقى لكن منهم من يقول هو ~~محتاج إلى إحداث الأعراض متوالية لأن العرض عنده لا يبقى زمانين فمن هذا ~~الوجه يقول إذ لو أخذته سنة أو نوم لم تحدث الأعراض التى تبقى بها الأجسام ~~لا لأن الأجسام في نفسها مفتقرة إليه في حال بقائها عنده # وكذلك يقولون إن الإرادة لا تتعلق بالقديم ولا بالباقي وكذلك القدرة ~~عندهم لا تتعلق بالباقي ولا العجز يصح أن يكون عجزا عن الباقى والقديم ~~عندهم لأن العجز عندهم إنما يكون عجزا عما تصح القدرة عليه # وهؤلاء يقولون علة الإفتقار إلى الخالق مجرد الحدوث وآخرون من المتفلسفة ~~يقولون هو مجرد الإمكان ويدعون أن القديم الأزلي الذي لم يزل ولا يزال هو ~~مفتقر إلى الصانع فهذا يدعى أن الباقي المحدث لا يفتقر وهذا يدعي أن الباقي ~~القديم يفتقر وكلا القولين PageV16P276 فاسد كما قد بسط في مواضع # والحق أن كل ما سوى الله حادث وهو مفتقر إليه دائما وهو يبقيه ويعدمه كما ~~ينشئه ويحدثه كما يحدث الحوادث من التراب وغيره ثم يفنيها ويحيلها إلى ~~التراب وغيره # وهؤلاء إدعى كثير منهم أن كل ما سوى الله يعدم ثم يعاد وبعضهم قال هذا ~~ممكن لكنه موقوف على الخبر والخبر لم يتعرض لذلك بنفي ولا إثبات وهذا هو ~~المعاد عندهم # وهذا لم يأت به كتاب ms4974 ولا سنة ولا دل عليه عقل بل الكتاب والسنة يبين أن ~~الله يحيل العالم من حال إلى حال كما يشق السماء ويجعل الجبال كالعهن ويكور ~~الشمس إلى غير ذلك مما أخبر الله في كتابه لم يخبر أن جميع الأشياء تعدم ثم ~~تعاد # ثم منهم من يقول إنها تعدم بعد ذلك لإمتناع وجود حوادث لا آخر لها كما ~~تقوله الجهمية وهذا مما أنكره عليهم السلف والأئمة كما قد ذكر في غير هذا ~~الموضع # وهؤلاء إنما قالوا هذا طردا لقولهم بامتناع دوام جنس الحوادث وقالوا ما ~~وجب أن يكون له إبتداء وجب أن يكون له إنتهاء كما قد بسط هذا وبين فساد هذا ~~الأصل PageV16P277 ### ||| فصل # وهو سبحانه تارة يذكر خلق الإنسان مجملا وتارة يذكره مفصلا كقوله ( ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ( ثم ذكر المعادين الأصغر ~~والأكبر فقال ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ( # ومن الناس من يقول لم دخلت لام التوكيد في الموت وهو مشاهد ولم تدخل في ~~البعث وهو غيب فيحتاج إلى التوكيد وذلك والله أعلم أن المقصود بذكر الموت ~~والبعث هو الإخبار بالجزاء والمعاد وأول ذلك هو الموت فنبه على الإيمان ~~بالمعاد والإستعداد لما بعد الموت # وهو إنما قال ( تبعثون ( فقط ولم يقل ( تجازون ( لكن قد علم أن البعث ~~للجزاء # وأيضا ففيه تنبيه على قهر الإنسان وإذلاله يقول بعد هذا PageV16P278 كله ~~إنك تموت فترد إلى أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات كما قال ( ~~لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( # وهذا الرد هو بالموت فإنه يصير في أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كما قال ( كلا إن كتاب الفجار لفى سجين ( وقال ( إن كتاب الأبرار ~~لفي عليين ( # وفى قوله ( أسفل سافلين ( قولان قيل ms4975 الهرم وقيل العذاب بعد الموت وهذا هو ~~الذي دلت عليه الآية قطعا فإنه جعله في أسفل سافلين إلا المؤمنين والناس ~~نوعان فالكافر بعد الموت يعذب في أسفل سافلين والمؤمن في عليين # وأما القول الأول ففيه نظر فإنه ليس كل من سوى المؤمنين يهرم فيرد إلى ~~أسفل سافلين بل كثير من الكفار يموت قبل الهرم وكثير من المؤمنين يهرم وإن ~~كان حال المؤمن في الهرم أحسن حالا من الكافر فكذلك في الشباب حال المؤمن ~~أحسن من حال الكافر فجعل الرد إلى أسفل سافلين في آخر العمر وتخصيصه ~~بالكفار ضعيف # ولهذا قال بعضهم أن الإستثناء منقطع على هذا القول وهو أيضا PageV16P279 ~~ضعيف فإن المنقطع لا يكون في الموجب ولو جاز هذا لجاز لكل أحد أن يدعى في ~~أي إستثناء شاء أنه منقطع وأيضا فالمنقطع لا يكون الثاني منه بعض الأول ~~والمؤمنون بعض نوع الإنسان # وقد فسر ذلك بعضهم على القول الأول بأن المؤمن يكتب له ما كان يعمله إذا ~~عجز قال إبراهيم النخعي إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب الله ~~له ما كان يعمل وهو قوله ( فلهم أجر غير ممنون ( وقال بن قتيبة المعنى ( ~~إلا الذين آمنوا ( في وقت القوة والقدرة فإنهم في حال الكبر غير منقوصين ~~وإن عجزوا عن الطاعات فإن الله يعلم لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن ~~أفعال الخير فهو يجري لهم أجر ذلك # فيقال وهذا أيضا ثابت في حال الشباب إذا عجز الشاب لمرض أو سفر كما في ~~الصحيحين عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إذا مرض العبد أو ~~سافر كتب الله له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ( # وفسره بعضهم بما روى عن بن عباس أنه قال من قرأ القرآن فإنه لا يرد إلى ~~أرذل العمر فيقال هذا مخصوص بقارئ القرآن والآية إستثنت الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء قرأوا القرآن أو لم PageV16P280 يقرأوه وقد قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( مثل المؤمن الذي ms4976 يقرأ القرآن كمثل ~~الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة ~~طعمها طيب ولا ريح لها ( # وأيضا فيقال هرم الحيوان ليس مخصوصا بالإنسان بل غيره من الحيوان إذا كبر ~~هرم # وأيضا فالشيخ وإن ضعف بدنه فعقله أقوى من عقل الشاب ولو قدر أنه ينقص بعض ~~قواه فليس هذا ردا إلى أسفل سافلين فإنه سبحانه إنما يصف الهرم بالضعف ~~كقوله ( ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ( وقوله ( ومن نعمره ننكسه في الخلق ~~( فهو يعيده إلى حال الضعف ومعلوم أن الطفل ليس هو في أسفل سافلين فالشيخ ~~كذلك وأولى # وإنما في أسفل سافلين من يكون في سجين لا في عليين كما قال تعالى ( إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار # ومما يبين ذلك قوله ( فما يكذبك بعد بالدين ( فإنه يقتضي إرتباط هذا بما ~~قبله لذكره بحرف الفاء ولو كان المذكور إنما هو رده إلى الهرم دون ما بعد ~~الموت لم يكن هناك تعرض للدين والجزاء بخلاف PageV16P281 ما إذا كان ~~المذكور أنه بعد الموت يرد إلى أسفل سافلين غير المؤمن المصلح فإن هذا ~~يتضمن الخبر بأن الله يدين العباد بعد الموت فيكرم المؤمنين ويهين الكافرين # وأيضا فإنه سبحانه أقسم على ذلك بأقسام عظيمة بالتين والزيتون وطور سينين ~~وهذا البلد الأمين وهي المواضع التى جاء منها محمد والمسيح وموسى وأرسل ~~الله بها هؤلاء الرسل مبشرين ومنذرين # وهذا الإقسام لا يكون على مجرد الهرم الذي يعرفه كل أحد بل على الأمور ~~الغائبة التى تؤكد بالأقسام فإن إقسام الله هو على أنباء الغيب # وفي نفس المقسم به وهو إرسال هؤلاء الرسل تحقيق للمقسم عليه وهو الثواب ~~والعقاب بعد الموت لأن الرسل أخبروا به # وهو يتضمن أيضا الجزاء في الدنيا كإهلاك من أهلكهم من الكفار فإنه ردهم ~~إلى أسفل سافلين بهلاكهم في الدنيا وهو تنبيه على زوال النعم إذا حصلت ~~المعاصي كمن رد في الدنيا إلى أسفل جزاء على ذنوبه PageV16P282 # وقوله ( فما يكذبك بعد بالدين ( أي بالجزاء يتناول جزاءه على الأعمال ms4977 في ~~الدنيا والبرزخ والآخرة إذ كان قد أقسم بأماكن هؤلاء المرسلين الذين أرسلوا ~~بالآيات البينات الدالة على أمر الله ونهيه ووعده ووعيده مبشرين لأهل ~~الإيمان منذرين لأهل الكفر وقد أقسم بذلك على أن الإنسان بعد أن جعل في ~~أحسن تقويم إن آمن وعمل صالحا كان له أجر غير ممنون وإلا كان في أسفل ~~سافلين # فتضمنت السورة بيان ما بعث به هؤلاء الرسل الذين أقسم بأماكنهم والإقسام ~~بمواضع محنهم تعظيم لهم فإن موضع الإنسان إذا عظم لآجله كان هوأحق بالتعظيم ~~ولهذا يقال في المكاتبات ( إلى المجلس والمقر ونحو ذلك السامي والعالي ( ~~ويذكر بخضوع له وتعظيم والمراد صاحبه # فلما قال ( فما يكذبك بعد بالدين ( دل على أن ما تقدم قد بين فيه ما يمنع ~~التكذيب بالدين # وفي قوله ( يكذبك ( قولان قيل هو خطاب للإنسان كما قال مجاهد وعكرمة ~~ومقاتل ولم يذكر البغوي غيره قال عكرمة يقول فما يكذبك بعد بهذه الأشياء ~~التى فعلت بك وعن مقاتل PageV16P283 فما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء وزعم ~~أنها نزلت في عياش بن أبى ربيعة والثاني أنه خطاب للرسول وهذا أظهر فإن ~~الإنسان إنما ذكر مخبرا عنه لم يخاطب والرسول هو الذي أنزل عليه القرآن ~~والخطاب في هذه السور له كقوله ( ما ودعك ربك وما قلى ( وقوله ( ألم نشرح ~~لك صدرك ( وقوله ( إقرأ باسم ربك ( # والإنسان إذا خوطب قيل له ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ( يا ~~أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ( # وأيضا فبتقدير أن يكون خطابا للإنسان يجب أن يكون خطابا للجنس كقوله ( يا ~~أيها الإنسان إنك كادح ( وعلى قول هؤلاء إنما هو خطاب للكافر خاصة المكذب ~~بالدين # وأيضا فإن قوله ( يكذبك بعد بالدين ( أي يجعلك كاذبا هذا هو المعروف من ~~لغة العرب فإن إستعمال ( كذب غيره أي نسبه إلى الكذب وجعله كاذبا ( مشهور ~~والقرآن مملوء من هذا وحيث ذكر الله تكذيب المكذبين للرسل أو التكذيب بالحق ~~ونحو ذلك فهذا مراده PageV16P284 # لكن هذه الآية فيها غموض من جهة كونه قال ( يكذبك بعد بالدين ( فذكر ms4978 ~~المكذب بالدين فذكر المكذب والمكذب به جميعا وهذا قليل جاء نظيره في قوله ( ~~فقد كذبوكم بما تقولون ( فأما أكثر المواضع فإنما يذكر أحدهما إما المكذب ~~كقوله ( كذبت قوم نوح المرسلين ( وإما المكذب به كقوله ( بل كذبوا بالساعة ~~( وأما الجمع بين ذكر المكذب والمكذب به فقليل # ومن هنا اشتبهت هذه الآية على من جعل الخطاب فيها للإنسان وفسر معنى قوله ~~( فما يكذبك ( فما يجعلك مكذبا # وعبارة آخرين فما يجعلك كذابا قال بن عطية وقال جمهور من المفسرين ~~المخاطب الإنسان الكافر أي ما الذي يجعلك كذابا بالدين تجعل لله أندادا ~~وتزعم أن لا بعث بعد هذه الدلائل # ( قلت ( وكلا القولين غير معروف في لغة العرب أن يقول ( كذبك أي جعلك ~~مكذبا ( بل ( كذبك جعلك كذابا # ( وإذا قيل ( جعلك كذابا ( أي كاذبا فيما يخبر به كما جعل الكفار الرسل ~~كاذبين فيما أخبروا به فكذبوهم وهذا يقول PageV16P285 جعلك كاذبا بالدين ~~فجعل كذبه أنه أشرك وأنه أنكر المعاد وهذا ضد الذي ينكر ذاك جعله مكذبا ~~بالدين وهذا جعله كاذبا بالدين والأول فاسد من جهة العربية والثاني فاسد من ~~جهة المعنى فإن الدين هو الجزاء الذي كذب به الكافر والكافر كذب به لم يكذب ~~هو به # وأيضا فلا يعرف في المخبرأن يقال ( كذبت به ( بل يقال ( كذبته ( # وأيضا فالمعروف في ( كذبه ( أى نسبه إلى الكذب لا أنه جعل الكذب فيه فهذا ~~كله تكلف لا يعرف في اللغة بل المعروف خلافه وهو لم يقل ( فما يكذبك ( ولا ~~قال ( فما كذبك ( # ولهذا كان علماء العربية على القول الأول قال بن عطية واختلف في المخاطب ~~بقوله ( فما يكذبك ( فقال قتادة والفراء والأخفش هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال الله له ( فما الذي يكذبك فيما تخبربه من الجزاء والبعث وهو الدين ~~بعد هذه العبرة التى يوجب النظر فيها صحة ما قلت ( # قال ويحتمل أن يكون الدين على هذا التأويل جميع شرعه ودينه PageV16P286 # ( قلت ) وعلى أن المخاطب محمد صلى الله عليه وسلم في المعنى قولان أحدهما ~~قول قتادة قال ( فما ms4979 يكذبك بعد بالدين ( أي إستيقن فقد جاءك البيان من الله ~~وهكذا رواه عنه بن أبي حاتم بإسناد ثابت # وكذلك ذكره المهدوي ( فما يكذبك بعد بالدين ( أي إستيقن مع ما جاءك من ~~الله أنه أحكم الحاكمين فالخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وقال معناه عن ~~قتادة قال وقيل المعنى فما يكذبك أيها الشاك يعنى الكفار في قدرة الله أي ~~شيء يحملك على ذلك بعد ما تبين لك من قدرته قال وقال الفراء فمن يكذبك ~~بالثواب والعقاب وهو إختيار الطبري # ( قلت ( هذا القول المنقول عن قتادة هو الذي أوجب نفور مجاهد عن أن يكون ~~الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم كما روى الناس ومنهم إبن أبي حاتم عن ~~الثوري عن منصور قال قلت لمجاهد ( فما يكذبك بعد بالدين ( عنى به النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال معاذ الله عنى به الإنسان # وقد أحسن مجاهد في تنزيه النبى صلى الله عليه وسلم أن يقال له ( فما ~~يكذبك ( أي إستيقن ولا تكذب فإنه لو قيل له ( لا تكذب PageV16P287 لكان هذا ~~من جنس أمره بالإيمان والتقوى ونهيه عما نهي الله عنه وأما إذا قيل ( فما ~~يكذبك بعد بالدين ( فهو لم يكذب بالدين بل هو الذي أخبر بالدين وصدق به فهو ~~( الذي جاء بالصدق وصدق به ( فكيف يقال له ( ما يكذبك بعد بالدين ( فهذا ~~القول فاسد لفظا ومعنى # واللفظ الذي رأيته منقولا بالإسناد عن قتادة ليس صريحا فيه بل يحتمل أن ~~يكون أراد به خطاب الإنسان فإنه قال ( فما يكذبك بعد بالدين ( قال ( إستيقن ~~فقد جاءك البيان ( وكل إنسان مخاطب بهذا فإن كان قتادة أراد هذا فالمعنى ~~صحيح لكن هم حكوا عنه أن هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فهذا ~~المعنى باطل فلا يقال للرسول ( فأي شيء يجعلك مكذبا بالدين ( وإن ارتأت به ~~النفس لأن هذا فيه دلائل تدل على فساده ولهذا إستعاذ منه مجاهد # والصواب ما قاله الفراء والأخفش وغيرهما وهو الذي اختاره أبو جعفر محمد ~~بن جرير الطبرى وغيره من العلماء ms4980 كما تقدم # وكذلك ذكره أبو الفرج بن الجوزي عن الفراء فقال إنه خطاب PageV16P288 ~~للنبى صلى الله عليه وسلم والمعنى فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ~~ما تبين له أنا خلقنا الإنسان على ما وصفنا قاله الفراء # قال وأما ( الدين ( فهو الجزاء ( قلت ( وكذلك قال غير واحد كما روى بن ~~أبى حاتم عن النضر بن عربي ( فما يكذبك بعد بالدين ( أي بالحساب ومن تفسير ~~العوفى عن بن عباس أي بحكم الله قلت قال ( بحكم الله ( لقوله ( أليس الله ~~بأحكم الحاكمين ( وهو سبحانه يحكم بين المصدق بالدين والمكذب به # وعلى هذا قوله ( فما ( وصف للأشخاص ولم يقل ( فمن ( لأن ( ما ( يراد به ~~الصفات دون الأعيان وهو المقصود كقوله ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ( ~~وقوله ( لا أعبد ما تعبدون ( وقوله ( ونفس وما سواها ( كأنه قيل فما المكذب ~~بالدين بعد هذا أي من هذه صفته ونعته هو جاهل ظالم لنفسه والله يحكم بين ~~عباده فيما يختلفون فيه من هذا النبأ العظيم # وقوله ( بعد ( قد قيل إنه ( بعد ما ذكر من دلائل الدين PageV16P289 # وقد يقال لم يذكر إلا الإخبار به وأن الناس نوعان في أسفل سافلين ونوع ~~لهم أجر غير ممنون # فقد ذكر البشارة والنذارة والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين # فمن كذبك بعد هذا فحكمه إلى الله أحكم الحاكمين وأنت قد بلغت ما وجب عليك ~~تبليغه وقوله ( فما يكذبك ( ليس نفيا للتكذيب فقد وقع بل قد يقال إنه تعجب ~~منه كما قال ( وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد ( # وقد يقال أن هذا تحقير لشأنه وتصغير لقدره لجهله وظلمه كما يقال ( من ~~فلان ( و ( من يقول هذا إلا جاهل ( لكنه ذكره بصيغة ( ما ( فإنها تدل على ~~صفته وهي المقصودة إذ لا غرض في عينه كأنه قيل ( فأي صنف وأي جاهل يكذبك ~~بعد بالدين فإنه من الذين يردون إلى أسفل سافلين ( # وقوله ( أليس الله بأحكم الحاكمين ( يدل على أنه الحاكم بين المكذب ~~بالدين والمؤمن به والأمر في ذلك له سبحانه وتعالى ms4981 PageV16P290 و القرآن لا ~~تنقضي عجائبه والله سبحانه بين مراده بيانا أحكمه لكن الإشتباه يقع على من ~~لم يرسخ في علم الدلائل الدالة فإن هذه السورة وغيرها فيها عجائب لا تنقضي # منها أن قوله ( فما يكذبك بعد بالدين ( ذكرفيه الرسول المكذب والدين ~~المكذب به جميعا فإن السورة تضمنت الأمرين تضمنت الإقسام بأماكن الرسل ~~المبينة لعظمتهم وما أتوا به من الآيات الدالة على صدقهم الموجبة للإيمان ~~وهم قد أخبروا بالمعاد المذكور في هذه السورة # وقد أقسم الله عليه كما يقسم عليه في غير موضع وكما أمر نبيه أن يقسم ~~عليه في مثل قوله ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ( ~~وقوله ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربى لتأتينكم ( # فلما تضمنت هذا وهذا ذكر نوعي التكذيب فقال ( فما يكذبك بعد بالدين ( ~~والله سبحانه أعلم # وأيضا فإنه لا ذنب له في ذلك والقرآن مراده أن يبين أن هذا الرد جزاء على ~~ذنوبه ولهذا قال ( إلا الذين آمنوا وعملوا PageV16P291 الصالحات ( كما قال ~~( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر ( # لكن هنا ذكر الخسر فقط فوصف المستثنين بأنهم تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ~~مع الإيمان والصلاح وهناك ذكر أسفل سافلين وهو العذاب والمؤمن المصلح لا ~~يعذب وإن كان قد ضيع أمورا خسرها لو حفظها لكان رابحا غير خاسر وبسط هذا له ~~موضع آخر # والمقصود هنا أنه سبحانه يذكر خلق الإنسان مجملا ومفصلا # وتارة يذكر إحياءه كقوله تعالى ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ( وهو كقول الخليل عليه السلام ( ربي ~~الذي يحيى ويميت ( # فإن خلق الحياة ولوازمها وملزوماتها أعظم وأدل على القدرة والنعمة ~~والحكمة PageV16P292 ### ||| فصل # قوله ( إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ( سمى ~~وو صف نفسه بالكرم وبأنه الأكرم بعد إخباره أنه خلق ليتبين أنه ينعم على ~~المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة كما قال في موضع آخر ( الذي خلق ~~فسوى والذي قدر فهدي ( وكما ms4982 قال موسى عليه السلام ( ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى ( وكما قال الخليل عليه السلام ( الذي خلقني فهو يهدين ( # فالخلق يتضمن الإبتداء والكرم تضمن الإنتهاء كما قال في أم القرآن ( رب ~~العالمين ( ثم قال ( الرحمن الرحيم # ولفظ الكرم لفظ جامع للمحاسن والمحامد لا يراد به مجرد الإعطاء بل ~~الإعطاء من تمام معناه فإن الإحسان إلى الغير تمام المحاسن والكرم كثرة ~~الخير ويسرته # ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لا تسموا العنب الكرم فإنما الكرم ~~قلب المؤمن PageV16P293 # وهم سموا العنب ( الكرم ( لأنه أنفع الفواكه يؤكل رطبا ويابسا ويعصر ~~فيتخذ منه أنواع # وهو أعم وجودا من النخل يوجد في عامة البلاد والنخل لا يكون إلا في ~~البلاد الحارة ولهذا قال في رزق الإنسان ( فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا ~~صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ~~ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم ( فقدم العنب وقال في ~~صفة الجنة ( إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا ( # ومع هذا نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن تسميته بالكرم وقال ( الكرم قلب ~~المؤمن ( فإنه ليس في الدنيا أكثر ولا أعظم خيرا من قلب المؤمن # والشيء الحسن المحمود يوصف بالكرم قال تعالى ( أولم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم ( قال بن قتيبة من كل جنس حسن وقال الزجاج ~~الزوج النوع والكريم المحمود وقال غيرهما ( من كل زوج ( صنف وضرب ( كريم ( ~~حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام يقال ( نخلة كريمة ( إذا طاب حملها ~~و ( ناقة كريمة ( إذا كثر لبنها PageV16P294 # وعن الشعبى الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم ومن دخل النار ~~فهو لئيم # والقرآن قد دل على أن الناس فيهم كريم على الله يكرمه وفيهم من يهينه قال ~~تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( وقال تعالى ( ومن يهن الله فما له من ~~مكرم إن الله يفعل ما يشاء ( # وقال النبى صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ( وإياك وكرائم أموالهم واتق ~~دعوة ms4983 المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ( وكرائم الأموال التى تكرم ~~على أصحابها لحاجتهم إليها وانتفاعهم بها من الأنعام وغيرها # وهو سبحانه أخبرأنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها فدل على أنه ~~الأكرم وحده بخلاف ما لو قال ( وربك أكرم ( فإنه لا يدل على الحصر وقوله ( ~~الأكرم ( يدل على الحصر # ولم يقل ( الأكرم من كذا ( بل أطلق الإسم ليبين أنه الأكرم مطلقا غير ~~مقيد فدل على أنه متصف بغاية الكرم الذي لا شيء فوقه ولا نقص فيه # قال إبن عطية ثم قال له تعالى ( إقرأ وربك الأكرم ( على PageV16P295 جهة ~~التأنيس كأنه يقول إمض لما أمرت به وربك ليس كهذه الأرباب بل هو الأكرم ~~الذي لا يلحقه نقص فهو ينصرك ويظهرك # ( قلت ) وقد قال بعض السلف ( لا يهدين أحدكم لله ما يستحيى أن يهديه ~~لكريمه فإن الله أكرم الكرماء ( أي هو أحق من كل شيء بالإكرام إذ كان أكرم ~~من كل شيء # وهو سبحانه ذو الجلال والإكرام فهو المستحق لأن يجل ولأن يكرم والإجلال ~~يتضمن التعظيم والإكرام يتضمن الحمد والمحبة # وهذا كما قيل في صفة المؤمن إنه رزق حلاوة ومهابة وفى حديث هند بن أبي ~~هالة في صفة النبى صلى الله عليه وسلم ( من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة ~~أحبه ( # وهذا لأنه سبحانه له الملك وله الحمد # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن أهل السنة يصفونه ~~بالقدرة الإلهية والحكمة والرحمة وهم الذين يعبدونه ويحمدونه وأنه يجب أن ~~يكون هو المستحق لأن يعبد دون ما سواه والعبادة تتضمن غاية الذل وغاية الحب ~~PageV16P296 # وأن المنكرين لكونه يحب من الجهمية ومن وافقهم حقيقة قولهم أنه لا يستحق ~~أن يعبد كما أن قولهم إنه يفعل بلا حكمة ولا رحمة يقتضي أنه لا يحمد # فهم إنما يصفونه بالقدرة والقهر وهذا إنما يقتضى الإجلال فقط لا يقتضى ~~الإكرام والمحبة والحمد وهو سبحانه الأكرم قال تعالى ( إن بطش ربك لشديد ~~إنه هو يبدئ ويعيد ( ثم قال ( وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال ms4984 لما ~~يريد ( وقال شعيب ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود ( # وفى أول ما نزل وصف نفسه بأنه الذي خلق وبأنه الأكرم والجهمية ليس عندهم ~~إلا كونه خالقا مع تقصيرهم في إثبات كونه خالقا لا يصفونه بالكرم ولا ~~الرحمة ولا الحكمة # وإن أطلقوا ألفاظها فلا يعنون بها معناها بل يطلقونها لأجل مجيئها في ~~القرآن ثم يلحدون في أسمائه ويحرفون الكلم عن مواضعه فتارة يقولون الحكمة ~~هي القدرة وتارة يقولون هي المشيئة وتارة يقولون هي العلم # وأن الحكمة وإن تضمنت ذلك واستلزمته فهي أمر زائد PageV16P297 على ذلك ~~فليس كل من كان قادرا أو مريدا كان حكيما ولا كل من كان له علم يكون حكيما ~~حتى يكون عاملا بعلمه # قال بن قتيبة وغيره الحكمة هي العلم والعمل به وهي أيضا القول الصواب ~~فتتناول القول السديد والعمل المستقيم الصالح # والرب تعالى أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء # والأحكام الذي في مخلوقاته دليل على علمه وهم مع سائر الطوائف يستدلون ~~بالأحكام على العلم وإنما يدل إذا كان الفاعل حكيما يفعل لحكمة # وهم يقولون إنه لا يفعل لحكمة وإنما يفعل بمشيئة تخص أحد المتماثلين بلا ~~سبب يوجب التخصيص وهذا مناقض للحكمة بل هذا سفه # وهو قد نزه نفسه عنه في قوله ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ~~إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ~~مما تصفون ( وقد أخبر أنه إنما خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق وأنه ~~PageV16P298 لم يخلقهما باطلا وأن ذلك ظن الذين كفروا وقال ( أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا ( وقال ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ( أي مهملا لا يؤمر ولا ~~ينهى وهذا إستفهام إنكار على من جوز ذلك على الرب # والجهمية المجبرة تجوز ذلك عليه ولا تنزهه عن فعل وإن كان من منكرات ~~الأفعال ولا تنعته بلوازم كرمه ورحمته وحكمته وعدله فيعلم أنه يفعل ما هو ~~اللائق بذلك ولا يفعل ما يضاد ذلك # بل تجوز كل مقدور أن يكون وأن لا يكون وإنما يجزم بأحدهما ms4985 لأجل خبر سمعى ~~أو عادة مطردة مع تناقضهم في الإستدلال بالخبر أخبار الرسل وعادات الرب كما ~~بسط هذا في مواضع مثل الكلام على معجزات الأنبياء وعلى إرسال الرسل والأمر ~~والنهى وعلى المعاد ونحو ذلك مما يتعلق بأفعاله وأحكامه الصادرة عن مشيئته ~~فإنها صادرة عن حكمته وعن رحمته ومشيئته مستلزمة لهذا وهذا لا يشاء إلا ~~مشيئة متضمنة للحكمة وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها كما ثبت ذلك في ~~الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لله أرحم بعباده من ~~الوالدة بولدها PageV16P299 فهم في الحقيقة لا يقرون بأنه الأكرم # والإرادة التى يثبتونها لم يدل عليها سمع ولا عقل فإنه لا تعرف إرادة ~~ترجح مرادا على مراد بلا سبب يقتضي الترجيح ومن قال من الجهمية والمعتزلة ( ~~إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ( فهو مكابر # وتمثيلهم ذلك بالجائع إذا أخذ أحد الرغيفين والهارب إذا سلك أحد الطريقين ~~حجة عليهم فإن ذلك لا يقع إلا مع رجحان أحدهما إما لكونه أيسر في القدرة ~~وإما لأنه الذي خطر بباله وتصوره أو ظن أنه أنفع فلابد من رجحان أحدهما ~~بنوع ما إما من جهة القدرة وإما من جهة التصور والشعور وحينئذ يرجح إرادته ~~والآخر لم يرده فكيف يقال أن إرادته رجحت أحدهما بلا مرجح أو أنه رجح إرادة ~~هذا على إرادة ذاك بلا مرجح وهذا ممتنع يعرف إمتناعه من تصوره حق التصور # ولكن لما تكلموا في مبدأ الخلق بكلام إبتدعوه خالفوا به الشرع والعقل ~~إحتاجوا إلى هذه المكابرة كما قد بسط في غير هذا الموضع وبذلك تسلط عليهم ~~الفلاسفة من جهة أخرى فلا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا PageV16P300 # ومعلوم بصريح العقل أن القادر إذا لم يكن مريدا للفعل ولا فاعلا ثم صار ~~مريدا فاعلا فلا بد من حدوث أمر إقتضي ذلك # والكلام هنا في مقامين أحدهما في جنس الفعل والقول هل صار فاعلا متكلما ~~بمشيئته بعد أن لم يكن أو ما زال فاعلا متكلما بمشيئته وهذا مبسوط في مسائل ~~الكلام والأفعال ms4986 في مسألة القرآن وحدوث العالم # والثاني إرادة الشيء المعين وفعله كقوله تعالى ( إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون ( وقوله ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ~~( وقوله ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا ( وقوله ( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ( ~~وقوله ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد ~~لفضله ( وقوله ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله أن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته ( # وهو سبحانه إذا أراد شيئا من ذلك فللناس فيها أقوال # قيل الإرادة قديمة أزلية واحدة وإنما يتجدد تعلقها بالمراد PageV16P301 ~~ونسبتها إلى الجميع واحدة ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص فهذا ~~قول بن كلاب والأشعرى ومن تابعهما # وكثير من العقلاء يقول إن هذا فساده معلوم بالإضطرار حتى قال أبو البركات ~~ليس في العقلاء من قال بهذا # وما علم أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر والكلام وبطلانه من جهات من ~~جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك ومن جهة أنه جعل الإرادة تخصص لذاتها ومن ~~جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيئا حدث حتى تخصص أو لا تخصص بل تجددت ~~نسبة عدمية ليست وجودا وهذا ليس بشيء فلم يتجدد شيء فصارت الحوادث تحدث ~~وتتخصص بلا سبب حادث ولا مخصص # ( والقول الثاني ( قول من يقول بإرادة واحدة قديمة مثل هؤلاء لكن يقول ~~تحدث عند تجدد الأفعال إرادات في ذاته بتلك المشيئة القديمة كما تقوله ~~الكرامية وغيرهم # وهؤلاء أقرب من حيث أثبتوا إرادات الأفعال ولكن يلزمهم ما لزم أولئك من ~~حيث أثبتوا حوادث بلا سبب حادث وتخصيصات بلا مخصص وجعلوا تلك الإرادة واحدة ~~تتعلق بجميع الإرادات الحادثة PageV16P302 و جعلوها أيضا تخصص لذاتها ولم ~~يجعلوا عند وجود الإرادات الحادثة شيئا حدث حتى تخصص تلك الإرادات الحدوث # ( والقول الثالث ( قول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون قيام الإرادة به ثم ~~إما ms4987 أن يقولوا بنفي الإرادة أو يفسرونها بنفس الأمر والفعل أو يقولوا بحدوث ~~إرادة لا في محل كقول البصريين # وكل هذه الأقوال قد علم أيضا فسادها ( # والقول الرابع ( أنه لم يزل مريدا بإرادات متعاقبة فنوع الإرادة قديم ~~وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته # وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها ثم بعد ذلك يخلقها فهو إذا قدرها علم ما ~~سيفعله وأراد فعله في الوقت المستقبل لكن لم يرد فعله في تلك الحال فإذا ~~جاء وقته أراد فعله فالأول عزم والثاني قصد # وهل يجوز وصفه بالعزم فيه قولان ( أحدهما ( المنع كقول القاضي أبى بكر ~~والقاضي أبى يعلى ( والثاني ( الجواز وهو أصح فقد قرأ جماعة من السلف ( ~~فإذا عزمت فتوكل على الله ( بالضم وفى الحديث PageV16P303 الصحيح من حديث ~~أم سلمة ثم عزم الله لي وكذلك في خطبة مسلم فعزم لي # وسواء سمي ( عزما ( أو لم يسم فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها في ~~وقتها وأراد أن يفعلها في وقتها فإذا جاء الوقت فلا بد من إرادة الفعل ~~المعين ونفس الفعل ولابد من علمه بما يفعله # ثم الكلام في علمه بما يفعله هل هو العلم المتقدم بما سيفعله وعلمه بأن ~~قد فعله هل هو الأول فيه قولان معروفان والعقل والقرآن يدل على أنه قدر ~~زائد كما قال ( لنعلم ( في بضعة عشر موضعا وقال بن عباس إلا لنرى # وحينئذ فإرادة المعين تترجح لعلمه بما في المعين من المعنى المرجح ~~لإرادته فالإرادة تتبع العلم # وكون ذلك المعين متصفا بتلك الصفات المرجحة إنما هو في العلم والتصور ليس ~~في الخارج شيء # ومن هنا غلط من قال ( المعدوم شيء ( حيث أثبتوا ذلك المراد في الخارج ومن ~~لم يثبته شيئا في العلم أو كان ليس عنده إلا إرادة PageV16P304 واحدة وعلم ~~واحد ليس للمعلومات والمرادات صورة علمية عند هؤلاء فهؤلاء نفوا كونه شيئا ~~في العلم والإرادة وأولئك أثبتوا كونه شيئا في الخارج # وتلك الصورة العلمية الإرادية حدثت بعد أن لم تكن وهي حادثة بمشيئته ~~وقدرته كما يحدث [ الحوادث ] المنفصلة ms4988 بمشيئته وقدرته فيقدر ما يفعله ثم ~~يفعله # فتخصيصها بصفة دون صفة وقدر دون قدر هو للأمور المقتضية لذلك في نفسه فلا ~~يريد إلا ما تقتضي نفسه إرادته بمعنى يقتضي ذلك ولا يرجح مرادا على مراد ~~إلا لذلك # ولا يجوز أن يرجح شيئا لمجرد كونه قادرا فإنه كان قادرا قبل إرادته وهو ~~قادر على غيره فتخصيص هذا بالإرادة لا يكون بالقدرة المشتركة بينه وبين ~~غيره # ولايجوز أيضا أن تكون الإرادة تخصص مثلا على مثل بلا مخصص بل إنما يريد ~~المريد أحد الشيئين دون الآخر لمعنى في المريد والمراد لابد أن يكون المريد ~~إلى ذلك أميل وأن يكون في المراد ما أوجب رجحان ذلك الميل PageV16P305 # والقرآن والسنة تثبت القدر وتقدير الأمور قبل أن يخلقها وأن ذلك في كتاب ~~وهذا أصل عظيم يثبت العلم والإرادة لكل ما سيكون ويزيل إشكالات كثيرة ضل ~~بسببها طوائف في هذا المكان في مسائل العلم والإرادة # فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان كما ذكره النبى صلى الله عليه وسلم في ~~حديث جبريل قال ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد ~~الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره ( وقد تبرأ بن عمر وغيره من الصحابة من ~~المكذبين بالقدر # ومع هذا فطائفة من أهل الكلام وغيرهم لا تثبت القدر إلا علما أزليا ~~وإرادة أزلية فقط وإذا أثبتوا الكتابة قالوا إنها كتابة لبعض ذاك # وأما من يقول إنه قدرها حينئذ كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ( فقد بسط الكلام على ~~ذلك في غير هذا الموضع PageV16P306 # وهو كقوله ( وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب ( وقوله ( لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( وقوله ( ولولا ~~كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ( وقوله ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ( وقوله ( لولا كتاب ~~من الله ms4989 سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( # والكتاب في نفسه لا يكون أزليا وفي حديث رواه حماد بن سلمة عن الأشعث بن ~~عبد الرحمن الجرمي [ عن أبي قلابة ] عن أبى الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بالفى سنة أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ( رواه ~~الترمذي وقال غريب # وهو سبحانه أنزل القرآن ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ~~السماء الدنيا # وكثير من الكتب المصنفة في أصول الدين والكلام يوجد فيها الأقوال ~~المبتدعة دون القول الذي جاء به الكتاب والسنة # فالشهر ستاني مع تصنيفه في الملل والنحل يذكر في مسألة الكلام ~~PageV16P307 و الإرادة وغيرهما أقوالا ليس فيها القول الذي دل عليه الكتاب ~~والسنة وإن كان بعضها أقرب وقبله أبو الحسن كتابه في إختلاف المصلين من ~~أجمع الكتب وقد أستقصى فيه أقاويل أهل البدع ولما ذكر قول أهل السنة ~~والحديث ذكره مجملا غير مفصل وتصرف في بعضه فذكره بما اعتقده هو أنه قولهم ~~من غير أن يكون ذلك منقولا عن أحد منهم # وأقرب الأقوال إليه قول بن كلاب # فأما بن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية وهو مركب من قول أهل السنة وقول ~~الجهمية وكذلك مذهب الأشعري في الصفات وأما في القدر والإيمان فقوله قول ~~جهم # وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث وقال ( وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول ~~وإليه نذهب ( فهو أقرب ما ذكره # وبعضه ذكره عنهم على وجهه وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في ~~الصفات والقدر إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول # وهو يحب الإنتصار لأهل السنة والحديث وموافقتهم فأراد أن PageV16P308 ~~يجمع بين مارآه من رأى أولئك وبين ما نقله عن هؤلاء ولهذا يقول فيه طائفة ~~إنه خرج من التصريح إلى التمويه كما يقوله طائفة إنهم الجهمية الإناث ~~وأولئك الجهمية الذكور # وأتباعه الذين عرفوا رأيه في تلك الأصول ووافقوه أظهروا من مخالفة أهل ~~السنة ms4990 والحديث ما هو لازم لقولهم ولم يهابوا أهل السنة والحديث ويعظموا ~~ويعتقدوا صحة مذاهبهم كما كان هو يرى ذلك # والطائفتان أهل السنة والجهمية يقولون إنه تناقض لكن السني يحمد موافقته ~~لأهل الحديث ويذم موافقته للجهمية والجهمي يذم موافقته لأهل الحديث ويحمد ~~موافقته للجهمية # ولهذا كان متأخروا أصحابه كأبي المعالي ونحوه أظهر تجهما وتعطيلا من ~~متقدميهم وهي مواضع دقيقة يغفر الله لمن أخطأ فيها بعد اجتهاده # لكن الصواب ما أخبر به الرسول فلا يكون الحق في خلاف ذلك قط والله أعلم # ومن أعظم الأصول التى دل عليها القرآن في مواضع كثيرة جدا وكذلك الأحاديث ~~وسائر كتب الله وكلام السلف وعليها تدل PageV16P309 المعقولات الصريحة هو ~~إثبات الصفات الإختيارية مثل أنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما يقوم بذاته ~~وكذلك يقوم بذاته فعله الذي يفعله بمشيئته فإثبات هذا الأصل يمنع ضلال ~~الطوائف الذين كذبوا به والقرآن والحديث مملوء وكلام السلف والأئمة مملوء ~~من إثباته # فالحق المحض ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يكون الحق في خلاف ~~ذلك لكن الهدى التام يحصل بمعرفة ذلك وتصوره فإن الإختلاف تارة ينشأ من سوء ~~الفهم ونقص العلم وتارة من سوء القصد # والناس يختلفون في العلم والإرادة في تعدد ذلك وإيجاده # ومعلوم أن ما يقوم بالنفس من إرادة الأمور لا يمكن أن يقال فيه العلم ~~بهذا هو العلم بهذا ولا إرادة هذا هو إرادة هذا فإن هذا مكابرة وعناد # وليس تمييز العلم عن العلم والإرادة عن الإرادة تمييزا مع إنفصال أحدهما ~~عن الآخر بل نفس الصفات المتنوعة كالعلم PageV16P310 و القدرة والإرادة إذا ~~قامت بمحل واحد لم ينفصل بعضها عن بعض بل محل هذا هو محل هذا كالطعم واللون ~~والرائحة القائمة بالأترجة الواحدة وأمثالها من الفاكهة وغيرها # فإذا قيل ( هي علوم وإرادات ( لم ينفصل هذا عن هذا بفصل حسي بل هو نوع ~~واحد قائم بالنفس وإذا علم هذا بعد علمه بذلك فقد زاد هذا النوع وكثر وإن ~~شئت قلت عظم فلا يزيد فيه زيادة الكمية عن زيادة الكيفية ms4991 # بل يقال ( علم كثير وعلم عظيم ( بأن تكون العظمة ترجع إلى قوته وشرف ~~معلومه ونحو ذلك كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب ( أتدري أي ~~آية من كتاب الله معك أعظم ( قال ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( فقال ~~( ليهنك العلم أبا المنذر ( # وكتب سلمان إلى أبي الدرداء ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن ~~يكثر علمك ويعظم حلمك # وانضمام العلم إلى العلم والإرادة إلى الإرادة والقدرة إلى القدرة هو ~~شبيه بإنضمام الأجسام المتصلة كالماء إذا زيد فيه ماء فإنه يكثر قدره لكن ~~هو كم متصل لا منفصل بخلاف الدراهم PageV16P311 # فإذا قيل ( تعددت العلوم والإرادات ( فهو إخبار عن كثرة قدرها وأنها أكثر ~~وأعظم مما كانت لا أن هناك معدودات منفصلة كما قد يفهم بعض الناس # ولهذا كان العلم اسم جنس فلا يكاد يجمع في القرآن بل يقال ( فمن حاجك فيه ~~من بعد ما جاءك من العلم ( فيذكر الجنس وكذلك الماء ليس في القرآن ذكر مياه ~~بل إنما يذكر جنس الماء ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ( ونحو ذلك # والعلم يشبه بالماء كقوله صلى الله عليه وسلم ( إن مثل ما بعثني الله به ~~من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا الحديث ( وقد قال ( أنزل من السماء ماء ~~فسالت أودية بقدرها إلى قوله كذلك يضرب الله الأمثال ( # وما خلقه الرب تعالى فإنه يراه ويسمع أصوات عباده والمعدوم لا يرى بإتفاق ~~العقلاء # والسالمية كأبي طالب المكي وغيره لم يقولوا إنه يرى قائما بنفسه وإنما ~~قالوا يراه الرب في نفسه وإن كان هو معدوما في ذات الشيء المعدوم فهم ~~يجعلون الرؤية لما يقوم بنفس العالم من صورته العلمية PageV16P312 ما هوعدم ~~محض وهم وإن كانوا غلطوا في بعض ما قالوه فلم يقولوا إن العدم المحض الذي ~~ليس بشيء يرى فإن هذا لا يقوله عاقل وفى الحقيقة إذا رؤى شيء فإنما رؤى ~~مثاله العلمي لا عينه # وأبو الشيخ الأصبهاني لما ذكرت هذه المسألة أمر بالإمساك عنها # فقبل أن يوجد لم يكن ms4992 يرى وبعد أن يعدم لا يرى وإنما يرى حال وجوده وهذا ~~هو الكمال في الرؤية # وكذلك سمع أصوات العباد هو عند وجودها لا بعد فنائها ولا قبل حدوثها قال ~~تعالى ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( وقال ( ثم جعلناكم ~~خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ( ### ||| فصل # الرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين فإنه كما ~~أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية فإنه أرسله بالإحسان إلى ~~الناس والرحمة لهم بلا عوض وبالصبر على أذاهم PageV16P313 و إحتماله فبعثه ~~بالعلم والكرم والحلم عليم هاد كريم محسن حليم صفوح # قال تعالى ( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ( وقال تعالى ( كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز ~~الحميد ( وقال تعالى ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ( ونظائره ~~كثيرة # وقال ( قل ما أسألكم عليه من أجر ( وقال ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ~~إن أجري إلا على الله ( وقال ( قل لا أسألكم عليه أجرا ( فهو يعلم ويهدي ~~ويصلح القلوب ويدلها على صلاحها في الدنيا والآخرة بلا عوض # وهذا نعت الرسل كلهم كل يقول ( وما أسألكم عليه من أجر ( ولهذا قال صاحب ~~يس ( يا قوم اتبعوا المرسلين إتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ( # وهذه سبيل من اتبعه كما قال ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني PageV16P314 # وأما المخالفون لهم فقد قال عن المنتسبين إليهم مع بدعة ( إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ( ~~فهؤلاء أخذوا أموالهم ومنعوهم سبيل الله ضد الرسل فكيف بمن هو شر من هؤلاء ~~من علماء المشركين والسحرة والكهان فهم أوكل لأموالهم بالباطل وأصد عن سبيل ~~الله من الأحبار والرهبان # وهو سبحانه قال ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ms4993 ( فليس كلهم كذلك بل قال ~~في موضع آخر ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك ~~بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ( # وقد قال في وصف الرسول ( وما هو على الغيب بضنين ( وفيها قراءتان فمن قرأ ~~( بظنين ( أي ما هو بمتهم على الغيب بل هو صادق أمين فيما يخبر به ومن قرأ ~~( بضنين ( أي ما هو ببخيل لا يبذله إلا بعوض كالذين يطلبون العوض على ما ~~يعلمونه # فوصفه بأنه يقول الحق فلا يكذب ولا يكتم وقد وصف أهل الكتاب بأنهم ~~يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا وأنهم يشترون به ثمنا قليلا ~~PageV16P315 ومع هذا وهذا قد أمده بالصبر على أذاهم وجعله كذلك يعطيهم ما ~~هم محتاجون إليه غاية الحاجة بلا عوض وهم يكرهونه ويؤذونه عليه # وهذا أعظم من الذي يبذل الدواء النافع للمرضى ويسقيهم إياه بلا عوض وهم ~~يؤذونه كما يصنع الأب الشفيق وهو أب المؤمنين # وكذلك نعت أمته بقوله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ( قال أبو هريرة كنتم ~~خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل حتى تدخلوهم الجنة فيجاهدون يبذلون ~~أنفسهم وأموالهم لمنفعة الخلق وصلاحهم وهم يكرهون ذلك لجهلهم كما قال أحمد ~~في خطبته # ( الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون ~~من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون ~~بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه ~~فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ( إلى آخر كلامه # فهذا هذا والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه وهو سبحانه يجزئ الناس ~~بأعمالهم والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه PageV16P316 فهو ~~ينعم على الرسول بإنعامه جزاء على إحسانهم والجميع منه فهو الرحمن الرحيم ~~الجواد الكريم الحنان المنان له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وله ~~الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه # وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها وهو يحب البصر النافذ عند ~~ورود ms4994 الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات وقد قيل أيضا وقد يحب ~~الشجاعة ولو على قتل الحيات ويحب السماحة ولو بكف من تمرات # والقرآن أخبر أنه يحب المحسنين ويحب الصابرين وهذا هو الكرم والشجاعة ### ||| فصل # وقوله ( الأكرم ( يقتضي إتصافه بالكرم في نفسه وأنه الأكرم وأنه محسن إلى ~~عباده فهو مستحق للحمد لمحاسنه وإحسانه # وقوله ( ذو الجلال والإكرام ( فيه ثلاثة أقوال قيل أهل أن يجل وأن يكرم ~~كما يقال إنه ( أهل التقوى ( أي المستحق لأن PageV16P317 يتقى وقيل أهل أن ~~يجل في نفسه [ و ] أن يكرم أهل ولايته وطاعته وقيل أهل أن يجل في نفسه وأهل ~~أن يكرم # ذكر الخطابي الإحتمالات الثلاثة ونقل بن الجوزي كلامه فقال قال أبو ~~سليمان الخطابي الجلال مصدر الجليل يقال جليل بين الجلالة والجلال والإكرام ~~مصدر أكرم يكرم إكراما والمعنى أنه يكرم أهل ولايته وطاعته وأن الله يستحق ~~أن يجل ويكرم ولا يجحد ولا يكفر به قال ويحتمل أن يكون المعنى يكرم أهل ~~ولايته ويرفع درجاتهم # ( قلت ( وهذا الذي ذكره البغوي فقال ( ذو الجلال ( العظمة والكبرياء ( ~~والإكرام ( يكرم أنبياءه وأولياءه بلطفه مع جلاله وعظمته # قال الخطابي وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين وهو الجلال مضافا إلى الله ~~بمعنى الصفة له والآخر مضافا إلى العبد بمعنى الفعل كقوله تعالى ( هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة ( فانصرف أحد الأمرين إلى الله وهو المغفرة والآخر إلى ~~العباد وهي التقوي # قلت القول الأول هو أقربها إلى المراد مع أن الجلال هنا PageV16P318 ليس ~~مصدر جل جلالا بل هو إسم مصدر أجل إجلالا كقول النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا ~~الجافى عنه و [ إكرام ] ذي السلطان المقسط ( فجعل إكرام هؤلاء من جلال الله ~~أي من إجلال الله كما قال ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ( وكما يقال كلمه ~~كلاما وأعطاه عطاء والكلام والعطاء إسم مصدر التكليم والإعطاء # والجلال قرن بالإكرام وهو مصدر المتعدي فكذلك الإكرام # ومن كلام السلف ( أجلوا الله أن تقولوا ms4995 كذا ( وفي حديث موسى يارب إني ~~أكون على الحال التى أجلك أن أذكرك عليها قال ( أذكرنى على كل حال ( # وإذا كان مستحقا للإجلال والإكرام لزم أن يكون متصفا في نفسه بما يوجب ~~ذلك كما إذا قال الاله هو المستحق لأن يؤله أي يعبد كان هو في نفسه مستحقا ~~لما يوجب ذلك وإذا قيل ( هو أهل التقوى ( كان هو في نفسه متصفا بما يوجب أن ~~يكون هو المتقي # ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع بعد ~~PageV16P319 ما يقول ( ربنا ولك الحمد ( ملء السماوات وملء الأرض وملء ما ~~بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا ~~لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد ( أي هو مستحق لأن يثنى عليه وتمجد نفسه # والعباد لا يحصون ثناء عليه وهو كما أثنى على نفسه كذلك هو أهل أن يجل ~~وأن يكرم وهو سبحانه يجل نفسه ويكرم نفسه والعباد لا يحصون إجلاله وإكرامه # والإجلال من جنس التعظيم والإكرام من جنس الحب والحمد وهذا كقوله ( له ~~الملك وله الحمد ( فله الإجلال والملك وله الإكرام والحمد # والصلاة مبناها على التسبيح في الركوع والسجود والتحميد والتوحيد في ~~القيام والقعود والتكبير في الإنتقالات كما قال جابر ( كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكنا إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة ~~على ذلك ( رواه أبو داود # وفى الركوع يقول ( سبحان ربى العظيم ( وقال النبى صلى الله PageV16P320 ~~عليه وسلم ( إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا أما الركوع فعظموا فيه ~~الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ( # وإذا رفع رأسه حمد فقال ( سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ( فيحمده في ~~هذا القيام كما يحمده في القيام الأول إذا قرأ أم القرآن # فالتحميد والتوحيد مقدم على مجرد التعظيم ولهذا إشتملت الفاتحة على هذا ~~أولها تحميد وأوسطها تمجيد ثم في الركوع تعظيم الرب ms4996 وفى القيام يحمده ويثنى ~~عليه ويمجده # فدل على أن التعظيم المجرد تابع لكونه محمودا وكونه معبودا فإنه يحب أن ~~يحمد ويعبد ولابد مع ذلك من التعظيم فإن التعظيم لازم لذلك # وأما التعظيم فقد يتجرد عن الحمد والعبادة على أصل الجهمية فليس ذلك ~~بمأمور به ولا يصير العبد به لا مؤمنا ولا عابدا ولا مطيعا # وأبو عبد الله بن الخطيب الرازي يجعل الجلال للصفات السلبية والإكرام ~~للصفات الثبوتية فيسمى هذه ( صفات الجلال ( وهذه ( صفات الإكرام ( وهذا ~~إصطلاح له وليس المراد هذا في قوله PageV16P321 ( ويبقي وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام ( وقوله ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام # وهو في مصحف أهل الشام ( تبارك إسم ربك ذو الجلال والإكرام ( وهي قراءة ~~بن عامر فالإسم نفسه يذوى بالجلال والإكرام وفى سائر المصاحف وفى قراءة ~~الجمهور ( ذي الجلال ( فيكون المسمى نفسه # وفى الأولى ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( فالمذوى وجهه سبحانه ~~وذلك يستلزم أنه هو ذو الجلال والإكرام فإنه إذا كان وجهه ذا الجلال ~~والإكرام كان هذا تنبيها كما أن اسمه إذا كان ذا الجلال والإكرام كان ~~تنبيها على المسمى # وهذا يبين أن المراد أنه يستحق أن يجل ويكرم # فإن الإسم نفسه يسبح ويذكر ويراد بذلك المسمى والإسم نفسه لا يفعل شيئا ~~لا إكراما ولا غيره ولهذا ليس في القرآن إضافة شيء من الأفعال والنعم إلى ~~الإسم # ولكن يقال ( سبح اسم ربك الأعلى ( تبارك اسم ربك ( ونحو ذلك فإن اسم الله ~~مبارك تنال معه البركة والعبد يسبح إسم ربه الأعلى فيقول ( سبحان ربى ~~الأعلى ( ولما نزل قوله ( سبح اسم PageV16P322 ربك الأعلى ( قال ( إجعلوها ~~في سجودكم ( فقالوا ( سبحان ربي الأعلى ( # فكذلك كان النبى صلى الله عليه وسلم لا يقول ( سبحان إسم ربى الأعلى ( ~~لكن قوله ( سبحان ربي الأعلى ( هو تسبيح لإسمه يراد به تسبيح المسمى لا ~~يراد به تسبيح مجرد الإسم كقوله ( قل إدعوا الله أو إدعوا الرحمن أياما ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى ( فالداعى يقول ( يا الله ( يا رحمن ( ومراده ~~المسمى وقوله ( أيا ما ( أي ms4997 الإسمين تدعوا ودعاء الإسم هو دعاء مسماه # وهذا هو الذى أراده من قال من أهل السنة أن الإسم هو المسمى أرادوا به أن ~~الإسم إذا دعى وذكر يراد به المسمى فإذا قال المصلي ( الله أكبر ( فقد ذكر ~~اسم ربه ومراده المسمى # لم يريدوا به أن نفس اللفظ هو الذات الموجودة في الخارج فإن فساد هذا لا ~~يخفى على من تصوره ولو كان كذلك كان من قال ( نارا ( إحترق لسانه وبسط هذا ~~له موضع آخر # والمقصود أن الجلال والإكرام مثل الملك والحمد كالمحبة والتعظيم وهذا ~~يكون في الصفات الثبوتية والسلبية فإن كل سلب فهو متضمن PageV16P323 للثبوت ~~وأما السلب المحض فلا مدح فيه # وهذا مما يظهر به فساد قول من جعل أحدهما للسلب والآخر للإثبات لا سيما ~~إذا كان من الجهمية الذين ينكرون محبته ولا يثبتون له صفات توجب المحبة ~~والحمد بل إنما يثبتون ما يوجب القهر كالقدرة فهؤلاء آمنوا ببعض وكفروا ~~ببعض وألحدوا في أسمائه وآياته بقدر ما كذبوا به من الحق كما بسط هذا في ~~غير هذا الموضع ### ||| فصل # قوله تعالى في أول ما أنزل ( إقرأ بإسم ربك الذي خلق ( وقوله ( إقرأ وربك ~~الأكرم ( # ذكر في الموضعين بالإضافة التى توجب التعريف وأنه معروف عند المخاطبين إذ ~~الرب تعالى معروف عند العبد بدون الإستدلال بكونه خلق وأن المخلوق مع أنه ~~دليل وأنه يدل على الخالق لكن هو معروف في الفطرة قبل هذا الإستدلال ~~ومعرفته فطرية مغروزة في الفطرة ضرورية بديهية أولية # وقوله ( إقرأ ( وإن كان خطابا للنبى صلى الله عليه وسلم أو لا فهو ~~PageV16P324 خطاب لكل أحد سواء كان قوله ( إقرأ وربك الأكرم ( هو خطاب ~~للإنسان مطلقا والنبى صلى الله عليه وسلم أول من سمع هذا الخطاب أو من ~~النوع أو هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خصوصا كما قد قيل في نظائر ذلك # مثل قوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ( قيل ~~خطاب له وقيل خطاب للجنس وأمثال ذلك فإنه وإن قيل أنه ms4998 خطاب له فقد تقرر أن ~~ما خوطب به من أمر ونهي فالأمة مخاطبة به ما لم يقم دليل التخصيص # وبهذا يبين أن قوله تعالى ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسأل الذين ~~يقرؤون الكتاب من قبلك ( يتناول غيره حتى قال كثير من المفسرين الخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره أي هم الذين أريد منهم أن ~~يسألوا لما عندهم من الشك وهو لم يرد منه السؤال إذ لم يكن عنده شك # ولا شك أن هذا لا يمنع أن يكون هو مخاطبا ومرادا بالخطاب بل هذا صريح ~~اللفظ فلا يجوز أن يقال إن الخطاب لم يتناوله ولأن ليس في الخطاب أنه أمر ~~بالسؤال مطلقا بل أمر به إن كان عنده شك وهذا لا يوجب أن يكون عنده شك ولا ~~أنه أمر به PageV16P325 مطلقا بل أمر به إن كان هذا موجودا والحكم المعلق ~~بشرط عدم عند عدمه # وكذلك كثير من المفسرين يقول في قوله ( الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين ( وفي قوله ( ولا تطع الكافرين والمنافقين ( ونحو ذلك إن الخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره أي غيره قد يكون ممتريا ~~ومطيعا لأولئك فنهي وهو لا يكون ممتريا ولا مطيعا لهم # ولكن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فهو أيضا مخاطب بهذا وهو منهى عن هذا ~~فالله سبحانه قد نهاه عما حرمه من الشرك والقول عليه بلا علم والظلم ~~والفواحش وبنهى الله له عن ذلك وطاعته لله في هذا استحق عظيم الثواب ولولا ~~النهي والطاعة لما استحق ذلك # ولا يجب أن يكون المأمور المنهى ممن يشك [ في ] طاعته ويجوز عليه أن يعصى ~~الرب أو يعصيه مطلقا ولا يطيعه بل الله أمر الملائكة مع علمه أنهم يطيعونه ~~ويأمر الأنبياء مع علمه أنهم يطيعونه وكذلك المؤمنون كل ما أطاعوه فيه قد ~~أمرهم به مع علمه أنهم يطيعونه PageV16P326 # ولا يقال لا يحتاج إلى الأمر بل بالأمر صار مطيعا مستحقا لعظيم الثواب # ولكن النهي يقتضي قدرته على المنهى عنه ms4999 وأنه لو شاء لفعله ليثاب على ذلك ~~إذا تركه وقد يقتضى قيام السبب الداعى إلى فعله فينهى عنه فإنه بالنهي ~~وإعانة الله له على الإمتثال يمتنع مما نهى عنه إذا قام السبب الداعى له ~~إليه # وكذلك قد قيل في قوله ( سل بنى إسرائيل ( إنه أمر للرسول والمراد به هو ~~والمؤمنون وقيل هو أمر لكل مكلف # فقوله في هذه السورة ( إقرأ ( كقوله في آخرها ( واسجد واقترب ( وقوله ( ~~فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث ( هذا ~~متناول لجميع الأمة وقوله ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ( فإنه كان ~~خطابا للمؤمنين كلهم # وكذلك قوله ( يا أيها المدثر قم فأنذر ( لما أمر بتبليغ ما أنزل إليه من ~~الإنذار وهذا فرض على الكفاية فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إليه ~~وينذروا كما أنذر قال تعالى ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم PageV16P327 يحذرون ( والجن ~~لما سمعوا القرآن ( ولوا إلى قومهم منذرين ( # وإذا كان كذلك فكل إنسان في قلبه معرفة بربه فإذا قيل له ( إقرأ باسم ربك ~~( عرف ربه الذي هو مأمور أن يقرأ باسمه كما يعرف أنه مخلوق والمخلوق يستلزم ~~الخالق ويدل عليه # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن الإقرار والإعتراف بالخالق فطري ~~ضروري في نفوس الناس وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج ~~إلى نظر تحصل له به المعرفة وهذا قول جمهور الناس وعليه حذاق النظار أن ~~المعرفة تارة تحصل بالضرورة وتارة بالنظر كما اعترف بذلك غير واحد من أئمة ~~المتكلمين # وهذه الآية أيضا تدل على أنه ليس النظر أول واجب بل أول ما أوجب الله على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ( إقرأ بإسم ربك ( لم يقل ( أنظر وإستدل حتى تعرف ~~الخالق ( # وكذلك هو أول ما بلغ هذه السورة فكان المبلغون مخاطبين بهذه الآية قبل كل ~~شيء ولم يؤمروا فيها بالنظر والإستدلال # وقد ذهب كثير من أهل الكلام إلى أن ms5000 إعتراف النفس بالخالق وإثباتها له لا ~~يحصل إلا بالنظر PageV16P328 # ثم كثير منهم جعلوا ذلك نظرا مخصوصا وهو النظر في الأعراض وأنها لازمة ~~للأجسام فيمتنع وجود الأجسام بدونها # قالوا وما لا يخلو عن الحوادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث # ثم منهم من إعتقد أن هذه المقدمة بينة بنفسها بل ضرورية ولم يميز بين ~~الحادث المعين والمحدود وبين الجنس المتصل شيئا بعد شيء إما لظنه أن هذا ~~ممتنع أو لعدم خطوره بقلبه لكن وإن قيل هو ممتنع فليس العلم بذلك بديهيا # وإنما العلم البديهي أن الحادث الذي له مبدأ محدود كالحادث والحوادث ~~المقدرة من حين محدود فتلك ما لا يسبقها فهو حادث وما لا يخلو منها لم ~~يسبقها فهو حادث فإنه إذا لم يسبقها كان معها أو متأخرا عنها وعلى ~~التقديرين فهو حادث # وأما إذا قدر حوادث دائمة شيئا بعد شيء فهذا إما أن يقال هو ممكن وإما أن ~~يقال هو ممتنع لكن العلم بإمتناعه يحتاج إلى دليل ولم تعلم طائفة معروفة من ~~العقلاء قالوا إن العلم بإمتناع هذا بديهي ضروري ولا يفتقر إلى دليل ~~PageV16P329 بل كثير من الناس لا يتصور هذا تصورا تاما بل متى تصور الحادث ~~قدر [ في ] ذهنه مبدأ ثم يتقدم في ذهنه شيء قبل ذلك ثم شيء قبل ذلك لكن إلى ~~غايات محدودة بحسب تقدير ذهنه كما يقدر الذهن عددا بعد عدد ولكن كل ما ~~يقدره الذهن فهو منته # ومن الناس من إذا قيل له ( الأزل ( أو ( كان هذا موجودا في الأزل ( تصور ~~ذلك وهذا غلط بل ( الأزل ( ما ليس له أول كما أن ( الأبد ( ليس له آخر وكل ~~ما يومئ إليه الذهن من غاية ف ( الأزل ( وراءها وهذا لبسطه موضع آخر # والمقصود هنا أن هؤلاء الذين قالوا معرفة الرب لا تحصل إلا بالنظر ثم ~~قالوا لا تحصل إلا بهذا النظر هم من أهل الكلام الجهمية القدرية ومن تبعهم ~~وقد إتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء من المتكلمين وغيرهم على خطأ ~~هؤلاء في إيجابهم هذا النظر ms5001 المعين وفى دعواهم أن المعرفة موقوفة عليه إذ ~~قد علم بالإضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يوجب هذا على ~~الأمة ولا أمرهم به بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل هذه ~~المعرفة # ثم هذا النظر هذا الدليل للناس فيه ثلاثة أقوال PageV16P330 # قيل إنه واجب وأن المعرفة موقوفة عليه كما يقوله هؤلاء # وقيل بل يمكن حصول المعرفة بدونه لكنه طريق آخر إلى المعرفة وهذا يقوله ~~كثير من هؤلاء ممن يقول بصحة هذه الطريقة لكن لا يوجبها كالخطابى والقاضي ~~أبى يعلى وأبى جعفر السمنانى قاضي الموصل شيخ أبى الوليد الباجي وكان يقول ~~إيجاب النظر بقية بقيت على الشيخ أبى الحسن الأشعرى من الإعتزال وهؤلاء ~~الذين لا يوجبون هذا النظر # ومنهم من لا يوجب النظر مطلقا كالسمنانى وبن حزم وغيرهما # ومنهم من يوجبه في الجملة كالخطابى وأبى الفرج المقدسي # والقاضي أبو يعلى يقول بهذا تارة وبهذا تارة بل ويقول تارة بإيجاب النظر ~~المعين كما يقوله أبو المعالي وغيره # ثم من الموجبين للنظر من يقول هو أول الواجبات ومنهم من يقول بل المعرفة ~~الواجبة به وهو نزاع لفظي كما أن بعضهم قال أول الواجبات القصد إلى النظر ~~كعبارة أبى المعالي ومن هؤلاء من قال بل الشك المتقدم كما قاله أبو هاشم # وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وغيرها في موضع آخر PageV16P331 و بين ~~أنها كلها غلط مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة بل وباطلة في ~~العقل أيضا # وهذه الآية مما يستدل به على ذلك فإن أول ما أوجب الله على رسوله وعلى ~~المؤمنين هو ما أمر به في قوله ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ( # والذين قالوا المعرفة لا تحصل إلا بالنظر قالوا لو حصلت بغيره لسقط ~~التكليف بها كما ذكر ذلك القاضي أبو بكر وغيره # فيقال لهم وليس فيما قص الله علينا من أخبار الرسل أن منهم أحدا أوجبها ~~بل هي حاصلة عند الأمم جميعهم ولكن أكثر الرسل إفتتحوا دعوتهم بالأمر ~~بعبادة الله وحده دون ما ms5002 سواه كما أخبر الله عن نوح وهود وصالح وشعيب ~~وقومهم كانوا مقرين بالخالق لكن كانوا مشركين يعبدون غيره كما كانت العرب ~~الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم # ومن الكفار من أظهر جحود الخالق كفرعون حيث قال ( يا أيها الملأ ما علمت ~~لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلى أطلع إلى ~~إله موسى وإنى لأظنه من PageV16P332 الكاذبين ( وقال ( أنا ربكم الأعلى ( ~~وقال لموسى ( لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ( وقال ( يا هامان ~~إبن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإنى ~~لأظنه كاذبا ( # ومع هذا فموسى أمره الله أن يقول ما ذكره الله في القرآن قال ( وإذ نادى ~~ربك موسى أن إئت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إنى أخاف أن ~~يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لسانى فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن ~~يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين أن أرسل معنا بنى إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت ~~فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا ~~وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكما وجعلنى من المرسلين ~~( # قال فرعون إنكارا وجحدا ( وما رب العالمين ( قال موسى ( رب السماوات ~~والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب ~~آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق ~~والمغرب وما بينهما الآيات PageV16P333 # وقد ظن بعض الناس أن سؤال فرعون ( وما رب العالمين ( هو سؤال عن ماهية ~~الرب كالذي يسأل عن حدود الأشياء فيقول ( ما الإنسان ما الملك ما الجنى ( ~~ونحو ذلك قالوا ولما لم يكن للمسئول عنه ماهية عدل موسى عن الجواب إلى بيان ~~ما يعرف به وهو قوله ( رب السماوات والأرض ( وهذا قول قاله بعض المتأخرين ~~وهو باطل # فإن فرعون إنما استفهم إستفهام إنكار وجحد لم ms5003 يسأل عن ماهية رب أقر ~~بثبوته بل كان منكرا له جاحدا ولهذا قال في تمام الكلام ( لئن إتخذت إلها ~~غيري لأجعلنك من المسجونين ( وقال ( وإني لأظنه كاذبا ( فإستفهامه كان ~~إنكارا وجحدا يقول ليس للعالمين رب يرسلك فمن هو هذا إنكارا له # فبين موسى أنه معروف عنده وعند الحاضرين وأن آياته ظاهرة بينة لا يمكن ~~معها جحده وأنكم إنما تجحدون بألسنتكم ما تعرفونه بقلوبكم كما قال موسى في ~~موضع آخر لفرعون ( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ( ~~وقال الله تعالى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فأنظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين PageV16P334 # ولم يقل فرعون ( ومن رب العالمين ( فإن ( من ( سؤال عن عينه يسأل بها من ~~عرف جنس المسؤل عنه أنه من أهل العلم وقد شك في عينه كما يقال لرسول عرف ~~انه جاء من عند إنسان ( من أرسلك ( # وأما ( ما ( فهي سؤال عن الوصف يقول أي شيء هو هذا وما هو هذا الذي سميته ~~( رب العالمين ( قال ذلك منكرا له جاحدا # فلما سأل جحدا أجابه موسى بأنه أعرف من أن ينكر وأظهر من أن يشك فيه ~~ويرتاب فقال ( رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ( # ولم يقل ( موقنين بكذا وكذا ( بل أطلق فأي يقين كان لكم بشيء من الأشياء ~~فأول اليقين اليقين بهذا الرب كما قالت الرسل لقومهم ( أفى الله شك ( # وإن قلتم لا يقين لنا بشيء من الأشياء بل سلبنا كل علم فهذه دعوى السفسطة ~~العامة ومدعيها كاذب ظاهر الكذب فإن العلوم من لوازم كل إنسان فكل إنسان ~~عاقل لابد له من علم ولهذا PageV16P335 قيل في حد ( العقل ( إنه علوم ~~ضرورية وهي التى لا يخلو منها عاقل # فلما قال فرعون ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ( وهذا من إفتراء ~~المكذبين على الرسول لما خرجوا عن عاداتهم التى هي محمودة عندهم نسبوهم إلى ~~الجنون ولما كانوا مظهرين للجحد بالخالق أو للإسترابة والشك فيه هذه حال ~~عامتهم ودينهم وهذا عندهم دين حسن وإنما إلههم الذي يطيعونه فرعون ms5004 قال ( إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ( # فبين له موسى أنكم الذين سلبتم العقل النافع وأنتم أحق بهذا الوصف فقال ( ~~رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ( # فإن العقل مستلزم لعلوم ضرورية يقينية وأعظمها في الفطرة الإقرار بالخالق ~~فلما ذكر أولا أن من أيقن بشيء فهو موقن به واليقين بشيء هو من لوازم العقل ~~بين ثانيا أن الإقرار به من لوازم العقل # ولكن المحمود هو العلم النافع الذي يعمل به صاحبه فإن لم يعمل به صاحبه ~~قيل إنه ليس له عقل ويقال أيضا لمن لم يتبع ما أيقن به PageV16P336 إنه ليس ~~له يقين فإن اليقين أيضا يراد به العلم المستقر في القلب ويراد به العمل ~~بهذا العلم فلا يطلق ( الموقن ( إلا على من استقر في قلبه العلم والعمل # وقوم فرعون لم يكن عندهم إتباع لما عرفوه فلم يكن لهم عقل ولا يقين وكلام ~~موسى يقتضى الأمرين إن كان لك يقين فقد عرفته وإن كان لك عقل فقد عرفته وإن ~~ادعيت أنه لا يقين لك ولا عقل لك فكذلك قومك فهذا إقرار منكم بسلبكم خاصية ~~الإنسان # ومن يكون هكذا لا يصلح له ما أنتم عليه من دعوى الإلهية مع أن هذا باطل ~~منكم فإنكم موقنون به كما قال تعالى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا ( # ولكم عقل تعرفونه به ولكن هواكم يصدكم عن إتباع موجب العقل وهو إرادة ~~العلو في الأرض والفساد فأنتم لا عقل لكم بهذا الإعتبار كما قال أصحاب ~~النار ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ( وقال تعالى عن ~~الكفار ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا ( # قال تعالى عن فرعون وقومه ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~PageV16P337 فاسقين ( والخفيف هو السفيه الذي لا يعمل بعلمه بل يتبع هواه ~~وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أنه ليس في الرسل من قال أول ما دعا قومه إنكم مأمورون بطلب ~~معرفة الخالق فانظروا واستدلوا حتى تعرفوه فلم ms5005 يكلفوا أولا بنفس المعرفة ~~ولا بالأدلة الموصلة إلى المعرفة إذ كانت قلوبهم تعرفه وتقر به وكل مولود ~~يولد على الفطرة لكن عرض للفطرة ما غيرها والإنسان إذا ذكر ذكر ما في فطرته # ولهذا قال الله في خطابه لموسى ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر ( ما في ~~فطرته من العلم الذي به يعرف ربه ويعرف إنعامه عليه وإحسانه إليه وإفتقاره ~~إليه فذلك يدعوه إلى الإيمان ( أو يخشى ( ما ينذره به من العذاب فذلك أيضا ~~يدعوه إلى الإيمان # كما قال تعالى ( إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ( فالحكمة ~~تعريف الحق فيقبلها من قبل الحق بلا منازعة ومن نازعه هواه وعظ بالترغيب ~~والترهيب # فالعلم بالحق يدعو صاحبه إلى إتباعه فإن الحق محبوب في الفطرة وهو أحب ~~إليها وأجل فيها وألذ عندها من الباطل الذي لا حقيقة له فإن الفطرة لا تحب ~~ذاك PageV16P338 # فإن لم يدعه الحق والعلم به خوف عاقبة الجحود والعصيان وما في ذلك من ~~العذاب فالنفس تخاف العذاب بالضرورة فكل حى يهرب مما يؤذيه بخلاف النافع # فمن الناس من يتبع هواه فيتبع الأدنى دون الأعلى كما أن منهم من يكذب بما ~~خوف به أو يتغافل عنه حتى يفعل ما يهواه فإنه إذا صدق به واستحضره لم يبعث ~~نفسه إلى هواها بل لابد من نوع من الغفلة والجهل حتى يتبعه ولهذا كان كل ~~عاص لله جاهلا كما قد بسط هذا في مواضع # إذ المقصود هنا التنبيه على أن قوله ( إقرأ باسم ربك ( فيه تنبيه على أن ~~الرب معروف عند المخاطبين وأن الفطر مقرة به # وعلى ذلك دل قوله ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم الآية ( كما قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع # وكذلك قول الرسل ( أفي الله شك ( هو نفي أي ليس في الله شك وهو إستفهام ~~تقرير يتضمن تقرير الأمم على ما هم مقرون به من أنه ليس في الله شك فهذا ~~إستفهام تقرير PageV16P339 # فإن حرف الإستفهام إذا دخل على حرف النفي ms5006 كان تقريرا كقوله ( ألم نشرح لك ~~صدرك ( ألم نجعل له عينين ( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ( ومثله كثير ~~بخلاف إستفهام فرعون فإنه إستفهام إنكار لا تقرير إذ ليس هناك إلا أداة ~~الإستفهام فقط ودل سياق الكلام على أنه إنكار # فإن قيل إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتا في كل فطرة فكيف ينكر ذلك ~~كثير من النظار نظار المسلمين وغيرهم وهم يدعون أنهم الذين يقيمون الأدلة ~~العقلية على المطالب الإلهية # فيقال أولا أول من عرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة هم أهل الكلام الذي ~~إتفق السلف على ذمه من الجهمية والقدرية وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف ~~وأجهلهم ولكن إنتشر كثير من اصولهم في المتأخرين الذين يوافقون السلف على ~~كثير مما خالفهم فيه سلفهم الجهمية فصار بعض الناس يظن أن هذا قول صدر في ~~الأصل عن علماء المسلمين وليس كذلك إنما صدر أولا عمن ذمه ائمة الدين ~~وعلماء المسلمين # الثاني أن الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ~~ما لا يعلم أنه قائم بنفسه فإن قيام الصفة بالنفس غير PageV16P340 شعور ~~صاحبها بانها قامت به فوجود الشيء في الإنسان وغيره غير علم الإنسان به # وهذا كصفات بدنه فإن منها ما لا يراه كوجهه وقفاه ومنها ما يراه إذا تعمد ~~النظر إليه كبطنه وفخذه وعضديه وقد يكون بهما آثار من خيلان وغير خيلان ~~وغير ذلك من الأحوال وهو لم يره ولم يعرفه لكن لو تعمد رؤيته لرآه ومن ~~الناس من لا يستطيع رؤية ذلك لعارض عرض لبصره من العشى أو العمى أو غير ذلك # كذلك صفات نفسه قد يعرف بعضها وبعضها لا يعرفه لكن لو تعمد تأمل حال نفسه ~~لعرفه ومنها ما لا يعرفه ولو تأمل لفساد بصيرته وما عرض لها # والذي يبين ذلك أن الأفعال الإختيارية لا تتصور إلا بإرادة تقوم بنفس ~~الإنسان وكل من فعل فعلا إختياريا وهو يعرفه فلابد أن يريده كالذي يأكل ~~ويشرب ويلبس وهو يعرف أنه يفعل ذلك فلابد أن يريده فالفعل الإختيارى ms5007 يمتنع ~~أن يكون بغير إرادة وإذا تصور الفعل الذي يفعله وقد فعله لزم أن يكون مريدا ~~له وقد تصوره وإذا كان مريدا له وقد تصوره إمتنع أن لا يريد ما تصوره وفعله ~~PageV16P341 فالإنسان إذا قام إلى صلاة يعلم أنها الظهر فمن الممتنع أن ~~يصلي الظهر وهو يعلم هذا لم ينسه ولا يريد صلاة الظهر # وكذلك الصيام إذا تصور أن غدا من رمضان وهو مريد لصوم رمضان إمتنع أن لا ~~ينوى صومه # وكذلك إذا أهل بالحج وهو يعلم أنه مهل به إمتنع أن لا يكون مريدا للحج ~~وكذلك الوضوء إذا علم أنه يتوضأ للصلاة وهو يتوضأ إمتنع أن لايكون مريدا ~~للوضوء ومثل هذا كثير نجد خلقا كثيرا من العلماء دع العامية يستدعون النية ~~بألفاظ يقولونها ويتكلفون ألفاظا ويشكون في وجودها مرة بعد مرة ويخرجون إلى ~~ضرب من الوسوسة التى يشبه أصحابها المجانين # والنية هي الإرادة وهي القصد وهي موجودة في نفوسهم لوجودها في نفس كل من ~~يصلي في ذلك المسجد والجامع ومن توضأ في تلك المطهرة أولئك يعلمون هذا من ~~نفوسهم ولم يحصل لهم وسواس وهؤلاء ظنوا أن النية لم تكن في قلوبهم يطلبون ~~حصولها من قلوبهم PageV16P342 # وهم يعلمون أن التلفظ بها ليس بواجب وإنما الفرض وجود الإرادة في القلب ~~وهي موجودة ومع هذا يعتقدون أنها ليست موجودة وإذا قيل لأحدهم ( النية ~~حاصلة في قلبك ( لم يقبل لما قام به من الإعتقاد الفاسد المناقض لفطرته # وكذلك حب الله ورسوله موجود في قلب كل مؤمن لا يمكنه دفع ذلك من قلبه إذا ~~كان مؤمنا وتظهر علامات حبه لله ولرسوله إذا أخذ أحد يسب الرسول ويطعن عليه ~~أو يسب الله ويذكره بما لا يليق به فالمؤمن يغضب لذلك أعظم مما يغضب لو سب ~~أبوه وأمه # ومع هذا فكثير من أهل الكلام والرأي أنكروا محبة الله وقالوا يمتنع أن ~~يكون محبا أو محبوبا وجعلوا هذا من أصول الدين وقالوا خلافا للحلولية كأنه ~~لم يقل بأن الله يحب إلا الحلولية ومعلوم أن هذا دين الأنبياء ms5008 والمرسلين ~~والصحابة والتابعين وأهل الإيمان أجمعين وقد دل على ذلك الكتاب والسنة كما ~~قد بسطناه في مواضع # فهذه المحبة لله ورسوله موجودة في قلوب أكثر المنكرين لها بل في قلب كل ~~مؤمن وإن أنكرها لشبهة عرضت له PageV16P343 و هكذا المعرفة موجودة في قلوب ~~هؤلاء فإن هؤلاء الذين أنكروا محبته هم الذين قالوا معرفته لا تحصل إلا ~~بالنظر فأنكروا ما في فطرهم وقلوبهم من معرفته ومحبته # ثم قد يكون ذلك الإنكار سببا إلى إمتناع معرفة ذلك في نفوسهم وقد يزول عن ~~قلب أحدهم ما كان فيه من المعرفة والمحبة فإن الفطرة قد تفسد فقد تزول وقد ~~تكون موجودة ولا ترى ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى في ~~الصدور # وقد قال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ( # وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل ~~تحسون فيها من جدعاء ( ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم ( فطرة الله التى ~~فطر الناس عليها ( # والفطرة تستلزم معرفة الله ومحبته وتخصيصه بأنه أحب الأشياء PageV16P344 ~~إلى العبد وهو التوحيد وهذا معنى قول ( لا إله إلا الله ( كما جاء مفسرا ( ~~كل مولود يولد على هذه الملة ( وروى ( على ملة الإسلام ( # وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن النبى صلى الله عليه وسلم قال يقول ~~الله تعالى ( إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ( # فأخبر أنه خلقهم حنفاء وذلك يتضمن معرفة الرب ومحبته وتوحيده فهذه ~~الثلاثة تضمنتها الحنيفية وهي معنى قول ( لا إله إلا الله ( # فإن في هذه الكلمة الطيبة التى هي ( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء ( فيها إثبات معرفته والإقرار به وفيها إثبات محبته فإن الإله ms5009 هو ~~المألوه الذي يستحق أن يكون مألوها وهذا أعظم ما يكون من المحبة وفيها أنه ~~لا إله إلا هو ففيها المعرفة والمحبة والتوحيد # وكل مولود يولد على الفطرة وهي الحنيفية التى خلقهم عليها ولكن أبواه ~~يفسدان ذلك فيهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه PageV16P345 # كذلك يجهمانه فيجعلانه منكرا لما في قلبه من معرفة الرب ومحبته وتوحيده ~~ثم المعرفة يطلبها بالدليل والمحبة ينكرها بالكلية والتوحيد المتضمن للمحبة ~~ينكره من لا يعرفه وإنما ثبت توحيد الخلق والمشركون كانوا يقرون بهذا ~~التوحيد وهذا الشرك # فهما يشركانه [ و ] يهودانه وينصرانه ويمجسانه وقد بسط الكلام على هذا ~~الحديث وأقوال الناس فيه في غير هذا الموضع وأيضا مما يبين أن الإنسان قد ~~يخفى عليه كثير من أحوال نفسه فلا يشعر بها أن كثيرا من الناس يكون في نفسه ~~حب الرياسة كامن لا يشعر به بل إنه مخلص في عبادته وقد خفيت عليه عيوبه ~~وكلام الناس في هذا كثير مشهور ولهذا سميت هذه ( الشهوة الخفية ( # قال شداد بن أوس يا بقايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة ~~الخفية قيل لأبي داود السجستاني ما الشهوة الخفية قال حب الرياسة فهي خفية ~~تخفى على الناس وكثيرا ما تخفى على صاحبها # بل كذلك حب المال والصورة فإن الإنسان قد يحب ذلك ولا يدري بل نفسه ساكنة ~~ما دام ذلك موجودا فإذا فقده ظهر من PageV16P346 جزع نفسه وتلفها ما دل على ~~المحبة المتقدمة والحب مستلزم للشعور فهذا شعور من النفس بأمور وجب لها ~~والإنسان قد يخفى ذلك عليه من نفسه لا سيما والشيطان يغطي على الإنسان ~~أمورا # وذنوبه أيضا تبقى رينا على قلبه قال تعالى ( كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( وفي الترمذي وغيره عن ~~القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل ~~قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك ms5010 الران الذي قال الله ( كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ( قال الترمذى حديث حسن صحيح # ومنه قوله تعالى ( وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما ~~يؤمنون ( # وقال ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ( ~~فالمتقون إذا أصابهم هذا الطيف الذي يطيف بقلوبهم يتذكرون ما علموه قبل ذلك ~~فيزول الطيف ويبصرون الحق الذي كان معلوما ولكن الطيف يمنعهم عن رؤيته # قال تعالى ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ( فإخوان PageV16P347 ~~الشياطين تمدهم الشياطين في غيهم ( ثم لا يقصرون ( لا تقصر الشياطين عن ~~المدد والإمداد ولا الإنس عن الغي فلا يبصرون مع ذلك الغي ما هو معلوم لهم ~~مستقر في فطرهم لكنهم ينسونه # ولهذا كانت الرسل إنما تأتي بتذكير الفطرة ما هو معلوم لها وتقويته ~~وإمداده ونفي المغير للفطرة فالرسل بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها لا بتغيير ~~الفطرة وتحويلها والكمال يحصل بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة ### ||| فصل # وهذا النسيان نسيان الإنسان لنفسه ولما في نفسه حصل بنسيانه لربه ولما ~~أنزله قال تعالى ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون ( وقال تعالى في حق المنافقين ( نسوا الله فنسيهم ( وقال ( كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ( # وقوله ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ( يقتضي أن نسيان ~~الله كان سببا لنسيانهم أنفسهم وأنهم لما نسوا الله عاقبهم بأن أنساهم ~~أنفسهم PageV16P348 و نسيانهم أنفسهم يتضمن إعراضهم وغفلتهم وعدم معرفتهم ~~بما كانوا عارفين به قبل ذلك من حال أنفسهم كما أنه يقتضي تركهم لمصالح ~~أنفسهم فهو يقتضي أنهم لا يذكرون أنفسهم ذكرا ينفعها ويصلحها وأنهم لو ~~ذكروا الله لذكروا أنفسهم # وهذا عكس ما يقال ( من عرف نفسه عرف ربه ( وبعض الناس يروي هذا عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم وليس هذا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم ولا هو في ~~شيء من كتب الحديث ولا يعرف له إسناد # ولكن يروى في بعض الكتب المتقدمة إن صح ( يا إنسان إعرف نفسك تعرف ربك ( ~~وهذا الكلام ms5011 سواء كان معناه صحيحا أو فاسدا لا يمكن الإحتجاج بلفظه فإنه لم ~~يثبت عن قائل معصوم لكن إن فسر بمعنى صحيح عرف صحة ذلك المعنى سواء دل عليه ~~هذا اللفظ أو لم يدل # وإنما القول الثابت ما في القرآن وهو قوله ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم ( فهو يدل على أن نسيان الرب موجب لنسيان النفس # وحينئذ فمن ذكر الله ولم ينسه يكون ذاكرا لنفسه فإنه لو PageV16P349 كان ~~ناسيا لها سواء ذكر الله أو نسيه لم يكن نسيانها مسببا عن نسيان الرب فلما ~~دلت الآية على أن نسيان الإنسان نفسه مسبب عن نسيانه لربه دل على أن الذاكر ~~لربه لا يحصل له هذا النسيان لنفسه # والذكر يتضمن ذكر ما قد علمه فمن ذكر ما يعلمه من ربه ذكر ما يعلمه من ~~نفسه وهو قد ولد على الفطرة التى تقتضي أنه يعرف ربه ويحبه ويوحده فإذا لم ~~ينس ربه الذي عرفه بل ذكره على الوجه الذي يقتضي محبته ومعرفته وتوحيده ذكر ~~نفسه فأبصر ما كان فيها قبل من معرفة الله ومحبته وتوحيده # وأهل البدع الجهمية ونحوهم لما أعرضوا عن ذكر الله الذكر المشروع الذي ~~كان في الفطرة وجاءت به الشرعة الذي يتضمن معرفته ومحبته وتوحيده نسوا الله ~~من هذا الوجه فأنساهم أنفسهم من هذا الوجه فنسوا ما كان في أنفسهم من العلم ~~الفطري والمحبة الفطرية والتوحيد الفطري # وقد قال طائفة من المفسرين ( نسوا الله ( أي تركوا أمر الله ( فأنساهم ~~أنفسهم ( أي حظوظ أنفسهم حيث لم يقدموا لها خيرا هذا لفظ طائفة منهم البغوي ~~ولفظ آخرين منهم بن الجوزي حين لم يعملوا بطاعته وكلاهما قال ( نسوا الله ( ~~أي تركوا أمر الله PageV16P350 # ومثل هذا التفسير يقع كثيرا في كلام من يأتي بمجمل من القول يبين معنى ~~دلت عليه الآية ولا يفسرها بما يستحقه من التفسير فإن قولهم ( تركوا أمر ~~الله ( هو تركهم للعمل بطاعته فصار الأول هو الثاني والله سبحانه قال ( ولا ~~تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ( فهنا شيئان نسيانهم لله ms5012 ثم ~~نسيانهم لأنفسهم الذي عوقبوا به # فإن قيل هذا الثاني هو الأول لكنه تفصيل مجمل كقوله ( وكم من قرية ~~أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ( وهذا هو هذا قيل هو لم يقل ( ~~نسوا الله فنسوا حظ أنفسهم ( حتى يقال هذا هو هذا بل قال ( نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم ( فثم إنساء منه لهم أنفسهم ولو كان هذا هو الأول لكان قد ~~ذكر ما يعذرهم به لا ما يعاقبهم به # فلو كان الثاني هو الأول لكان ( نسوا الله ( أي تركوا العمل بطاعته فهو ~~الذي أنساهم ذلك ومعلوم فساد هذا الكلام لفظا ومعنى # ولو قيل ( نسوا الله ( أي نسوا أمره ( فأنساهم ( العمل بطاعته أي تذكرها ~~لكان أقرب ويكون النسيان الأول على بابه فإن من نسى نفس أمر الله لم يطعه ~~PageV16P351 و لكن هم فسروا نسيان الله بترك أمره وأمره الذي هو كلامه ليس ~~مقدورا لهم حتى يتركوه إنما يتركون العمل به فالأمر بمعنى المأمور به # إلا أن يقال مرادهم بترك أمره هو ترك الإيمان به فلما تركوا الإيمان ~~أعقبهم بترك العمل وهذا أيضا ضعيف فإن الإيمان الذي تركوه إن كان هو ترك ~~التصديق فقط فكفى بهذا كفرا وذنبا فلا تجعل العقوبة ترك العمل به بل هذا ~~أشد وإن كان المراد بترك الإيمان ترك الإيمان تصديقا وعملا فهذا هو ترك ~~الطاعة كما تقدم # وهؤلاء أتوا من حيث أرادوا أن يفسروا نسيان العبد بما قيل في نسيان الرب ~~وذاك قد فسر بالترك ففسروا هذا بالترك وهذا ليس بجيد فإن النسيان المناقض ~~للذكر جائز على العبد بلا ريب والإنسان يعرض عما أمر به حتى ينساه فلا ~~يذكره فلا يحتاج أن يجعل نسيانه تركا مع إستحضار وعلم # وأما الرب تعالى فلايجوز عليه ما يناقض صفات كماله سبحانه وتعالى وفى ~~تفسير نسيانه الكفار بمجرد الترك نظر # ثم هذا قيل في قوله تعالى ( كذلك أتتك آياتنا فنسيتها PageV16P352 أي ~~تركت العمل بها وهنا قال ( نسوا الله ( ولا يقال في حق الله ( تركوه ( ### ||| فصل # قوله ( الذي خلق خلق الإنسان من ms5013 علق ( بيان لتعريفه بما قد عرف من الخلق ~~عموما وخلق الإنسان خصوصا وإن هذا مما تعرف به الفطرة كما تقدم # ثم إذا عرف أنه الخالق فمن المعلوم بالضرورة أن الخالق لا يكون إلا قادرا ~~بل كل فعل يفعله فاعل لا يكون إلا بقوة وقدرة حتى أفعال الجمادات كهبوط ~~الحجر والماء وحركة النار هو بقوة فيها وكذلك حركة النبات هي بقوة فيه ~~وكذلك فعل كل حي من الدواب وغيرها هو بقوة فيها وكذلك الإنسان وغيره # والخلق أعظم الأفعال فإنه لا يقدر عليه إلا الله فالقدرة عليه أعظم من كل ~~قدرة وليس لها نظير من قدر المخلوقين # وأيضا فالتعليم بالقلم يستلزم القدرة فكل من الخلق والتعليم يستلزم ~~القدرة PageV16P353 # وكذلك كل منهما يستلزم العلم فإن المعلم لغيره يجب أن يكون هو عالما بما ~~علمه إياه وإلا فمن الممتنع أن يعلم غيره ما لا يعلمه هو فمن علم كل شيء ~~الإنسان وغيره ما لم يعلم أولى أن يكون عالما بما علمه والخلق أيضا يستلزم ~~العلم كما قال تعالى ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ( وذلك من جهة أن ~~الخلق يستلزم الإرادة فإن فعل الشيء على صفة مخصوصة ومقدار مخصوص دون ما هو ~~خلاف ذلك لا يكون إلا بإرادة تخصص هذا عن ذاك والإرادة تستلزم العلم فلا ~~يريد المريد إلا ما شعر به وتصور في نفسه والإرادة بدون الشعور ممتنعة # وأيضا فنفس الخلق خلق الإنسان هو فعل لهذا الإنسان الذي هو من عجائب ~~المخلوقات وفيه من الإحكام والإتقان ما قد بهر العقول والفعل المحكم المتقن ~~لا يكون إلا من عالم بما فعل وهذا معلوم بالضرورة # فالخلق يدل على العلم من هذا الوجه ومن هذا الوجه # وقد قال في سورة الملك ( وهو اللطيف الخبير ( وهو بيان ما في المخلوقات ~~من لطف الحكمة التى تتضمن إيصال الأمور إلى غاياتها بألطف الوجوه كما قال ~~يوسف عليه السلام ( إن ربى لطيف لما PageV16P354 يشاء ( وهذا يستلزم العلم ~~بالغاية المقصودة والعلم بالطريق الموصل وكذلك الخبرة # وبسط هذا يطول إذ المقصود ms5014 هنا التنبيه على ما في الآيات التى هي أول ما ~~أنزل # ثم إذا ثبت أنه قادر عالم فذلك يستلزم كونه حيا وكذلك الإرادة تستلزم ~~الحياة # والحي إذا لم يكن سميعا بصيرا متكلما كان متصفا بضد ذلك من العمى والصمم ~~والخرس وهذا ممتنع في حق الرب تعالى فيجب أن يتصف بكونه سميعا بصيرا متكلما # والإرادة إما أن تكون لغاية حكيمة أو لا فإن لم تكن لغاية حكيمة كانت ~~سفها وهو منزه عن ذلك فيجب أن يكون حكيما # وهو إما أن يقصد نفع الخلق والإحسان إليهم أو يقصد مجرد ضررهم وتعذيبهم ~~أو لا يقصد واحدا منهما بل يريد ما يريد سواء كان كذا أو كذا والثاني شرير ~~ظالم يتنزه الرب عنه والثالث سفيه عابث فتعين أنه تعالى رحيم كما أنه حكيم ~~كما قد بسط في مواضع PageV16P355 ### ||| فصل # إثبات صفات الكمال له طرق ( أحدها ( ما نبهنا عليه من أن الفعل مستلزم ~~للقدرة ولغيرها فمن النظار من يثبت أولا القدرة ومنهم من يثبت أولا العلم ~~ومنهم من يثبت أولا الإرادة وهذه طرق كثير من أهل الكلام # وهذه يستدل عليها بجنس الفعل وهي طريقة من لا يميز بين مفعول ومفعول كجهم ~~بن صفوان ومن إتبعه # وهؤلاء لا يثبتون حكمة ولا رحمة إذ كان جنس الفعل لا يستلزم ذلك لكن هم ~~أثبتوا بالفعل المحكم المتقن العلم وكذلك تثبت بالفعل النافع الرحمة ~~وبالغايات المحمودة الحكمة # ولكن هم متناقضون في الإستدلال بالإحكام والإتقان على العلم إذ كان ذلك ~~إنما يدل إذا كان فاعلا لغاية يقصدها وهم يقولون إنه يفعل لا لحكمة ثم ~~يستدلون بالأحكام على العلم وهو تناقض # كما تناقضوا في المعجزات حيث جعلوها دالة على صدق النبى إما PageV16P356 ~~للعلم الضروري بذلك وإما لكونه لو لم تدل لزم العجز وهي إنما تدل إذا كان ~~الفاعل يقصد إظهارها ليدل بها على صدق الأنبياء فإذا قالوا إنه لا يفعل ~~شيئا لشيء تناقضوا # وأما الطريق الأخرى في إثبات الصفات [ و ] هي الإستدلال بالأثر على ~~المؤثر وأن من فعل الكامل فهو أحق ms5015 بالكمال # والثالثة طريقة قياس الأولى وهي الترجيح والتفضيل وهو أن الكمال إذا ثبت ~~للمحدث الممكن المخلوق فهو للواجب القديم الخالق أولى # والقرآن يستدل بهذه وهذه وهذه # فالإستدلال بالأثر على المؤثر أكمل كقوله تعالى ( وقالوا من أشد منا قوة ~~( قال الله تعالى ( أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ( # وهكذا كل ما في المخلوقات من قوة وشدة تدل على أن الله أقوى وأشد وما ~~فيها من علم يدل على أن الله أعلم وما فيها من علم وحياة يدل على أن الله ~~أولى بالعلم والحياة PageV16P357 # وهذه طريقة يقر بها عامة العقلاء حتى الفلاسفة يقولون كل كمال في المعلول ~~فهو من العلة # وأما الإستدلال بطريق الأولى فكقوله ( ولله المثل الأعلى ( ومثل قوله ( ~~ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ~~فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ( وأمثال ذلك مما يدل على أن كل ~~كمال لا نقص فيه يثبت للمحدث المخلوق الممكن فهو للقديم الواجب الخالق أولى ~~من جهة أنه أحق بالكمال لأنه أفضل # وذاك من جهة أنه هو جعله كاملا وأعطاه تلك الصفات # وإسمه ( العلى ( يفسر بهذين المعنيين يفسر بأنه أعلى من غيره قدرا فهو ~~أحق بصفات الكمال ويفسر بأنه العالي عليهم بالقهر والغلبة فيعود إلى أنه ~~القادر عليهم وهم المقدورون وهذا يتضمن كونه خالقا لهم وربا لهم # وكلاهما يتضمن أنه نفسه فوق كل شيء فلا شيء فوقه كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر ~~فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء PageV16P358 فلا يكون شيء قبله ~~ولا بعده ولا فوقه ولا دونه كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم وأثنى به ~~على ربه وإلا فلو قدر أنه تحت بعض المخلوقات كان ذلك نقصا وكان ذلك أعلى ~~منه # وإن قيل إنه لا داخل العالم ولا خارجه كان ذلك تعطيلا له فهو منزه عن هذا # وهذا هو العلي الأعلى مع ms5016 أن لفظ ( العلي ( و ( العلو ( لم يستعمل في ~~القرآن عند الإطلاق إلا في هذا وهو مستلزم لذينك لم يستعمل في مجرد القدرة ~~ولا في مجرد الفضيلة # ولفظ ( العلو ( يتضمن الإستعلاء وغير ذلك من الأفعال إذا عدى بحرف ~~الإستعلاء دل على العلو كقوله ( ثم استوى على العرش ( فهو يدل على علوه على ~~العرش # والسلف فسروا ( الإستواء ( بما يتضمن الإرتفاع فوق العرش كما ذكره ~~البخاري في صحيحه عن أبي العالية في قوله ( ثم استوى ( قال إرتفع وكذلك ~~رواه بن أبي حاتم وغيره بأسانيدهم رواه من حديث آدم بن أبى إياس عن أبى ~~جعفر عن أبى الربيع عن أبى العالية ( ثم استوى ( قال إرتفع PageV16P359 و ~~قال البخاري وقال مجاهد في قوله ( ثم إستوى على العرش ( علا على العرش ولكن ~~يقال ( علا على كذا ( و ( علا عن كذا ( وهذا الثاني جاء في القرآن في مواضع ~~لكن بلفظ ( تعالى ( كقوله ( سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ( عالم ~~الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ( وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن كل واحد من ذكر أنه خلق وأنه الأكرم الذي علم بالقلم يدل ~~على هاتين الطريقتين من إثبات الصفات كما دلنا على الطريقة الأولى طريقة ~~الإستدلال بالفعل # فإن قوله ( الأكرم ( يقتضي أنه أفضل من غيره في الكرم والكرم إسم جامع ~~لجميع المحاسن فيقتضي أنه أحق بجميع المحامد والمحامد هي صفات الكمال ~~فيقتضي أنه أحق بالإحسان إلى الخلق والرحمة وأحق بالحكمة وأحق بالقدرة ~~والعلم والحياة وغير ذلك # وكذلك قوله ( خلق ( فإن الخالق قديم أزلي مستغن بنفسه واجب الوجود بنفسه ~~قيوم ومعلوم أنه أحق بصفات الكمال من المخلوق المحدث الممكن # فهذا من جهة قياس الأولى ومن جهة الأثر فإن الخالق لغيره PageV16P360 ~~الذي جعله حيا عالما قادرا سميعا بصيرا هو أولى بأن يكون حيا عالما قديرا ~~سميعا بصيرا # و ( الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ( فجعله عليما ~~والعليم لا يكون إلا حيا وكرمه أيضا أن يكون قديرا سميعا بصيرا والأكرم ~~الذي جعل غيره عليما هو أولى ms5017 أن يكون عليما وكذلك في سائر صفات الكمال ~~والمحامد # فهذا استدلال بالمخلوق الخاص والأول استدلال بجنس الخلق ولهذا دل هذا على ~~ثبوت الصفات بالضرورة من غير تكلف وكذلك طريقة التفضيل والأولى وأن يكون ~~الرب أولى بالكمال من المخلوق # وهذه الطرق لظهورها يسلكها غير المسلمين من أهل الملل وغيرهم كالنصارى ~~فإنهم أثبتوا أن الله قائم بنفسه حتى يتكلم بهذه الطريق لكن سموه ( جوهرا ( ~~وضلوا في جعل الصفات ثلاثة وهي الأقانيم # فقالوا وجدنا الأشياء تنقسم إلى جوهر وغير جوهر والجوهر أعلى النوعين ~~فقلنا هو جوهر ثم وجدنا الجوهر ينقسم إلى حي وغير حي ووجدنا الحي أكمل ~~فقلنا هو حي ووجدنا الحي ينقسم إلى ناطق وغير ناطق فقلنا هو ناطق ~~PageV16P361 # وكذلك يقال لهم في سائر صفات الكمال إن الأشياء تنقسم إلى قادر وغير قادر ~~والقادر أكمل وقد بسط ما في كلامهم من صواب وخطأ في الكتاب الذي سميناه ( ~~الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح # ( والمقصود هنا التنبيه على دلالة هذه الآية وهذه الآيات التى هي أول ما ~~نزل على أصول الدين # وقوله ( علم الإنسان ما لم يعلم ( يدل على قدرته على تعليم الإنسان ما قد ~~علمه مع كون جنس الإنسان فيه أنواع من النقص فإذا كان قادرا على ذلك ~~التعليم فقدرته على تعليم الأنبياء ما علمهم أولى وأحرى وذلك يدخل في قوله ~~( علم الإنسان ما لم يعلم ( فإن الأنبياء من الناس # فقد دلت هذه الآيات على جميع الأصول العقلية فإن إمكان النبوات هو آخرما ~~يعلم بالعقل # وأما وجود الأنبياء وآياتهم فيعلم بالسمع المتواتر مع أن قوله ( علم ~~الإنسان ما لم يعلم ( يدخل فيه إثبات تعليمه للأنبياء ما علمهم فهي تدل على ~~الإمكان والوقوع PageV16P362 # وقد ذكرنا في مواضع أن تنزيهه يرجع إلى أصلين # تنزيهه عن النقص المناقض لكماله فما دل على ثبوت الكمال له فهو يدل على ~~تنزهه عن النقص المناقض لكماله # وهذا مما يبين أن تنزهه عن النقص معلوم بالعقل بخلاف ما قال طائفة من ~~المتكلمين إن ذلك لا يعلم إلا بالسمع # وقد ms5018 بينا في غيرهذا الموضع أن الطرق العقلية التى سلكوها من الإستدلال ~~بالأعراض على حدوث الأجسام لا تدل على إثباته ولا على إثبات شيء من صفات ~~الكمال ولا على تنزهه عن شيء من النقائص فليس عند القوم ما يحيلون به عنه ~~شيئا من النقائص وهم معترفون بأن الأفعال يجوز عليه منها كل شيء بخلاف ~~الصفات لكن طريقهم في الصفات فاسد متناقض كما قد بسط في غير هذا الموضع # الثاني أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال # والقرآن مملوء بإثبات هذين الأصلين بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل ~~وتنزيهه عن التمثيل سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ~~PageV16P363 ### ||| فصل # وقوله ( باسم ربك الذي خلق ( وقوله ( علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ~~( يدل على إثبات أفعاله وأقواله فالخلق فعله والتعليم يتناول تعليم ما ~~أنزله كما قال ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ( وقوله ( ~~بالقلم ( يتناول تعليم كلامه الذي يكتب بالقلم ونزوله في أول السورة التى ~~أنزل فيها كلامه وعلم نبيه كلامه الذي يكتب بالقلم دليل على شمول الآية ~~لذلك فإن سبب اللفظ المطلق والعام لابد أن يكون مندرجا فيه وإذا دل على أنه ~~خلق وتكلم # وقد قال ( خلق الإنسان ( ومعلوم بالعقل وبالخطاب أن الإنسان المخلوق غير ~~خلق الرب له وكذلك خلقه لغيره # والذين نازعوا في ذلك إنما نازعوا لشبهة عرضت لهم كما قد ذكر بعد هذا وفى ~~مواضع وإلا فهم لا يتنازعون أن ( خلق ( فعل له مصدر يقال خلق يخلق خلقا ~~والإنسان مفعول المصدر ( المخلوق ( ليس هو المصدر PageV16P364 # ولكن قد يطلق لفظ المصدر على المفعول كما يقال ( درهم ضرب الأمير ( ومنه ~~قوله ( هذا خلق الله ( والمراد هناك هذا مخلوق الله وليس الكلام في لفظ ( ~~خلق ( المراد به ( المخلوق ( بل في لفظ ( الخلق ( المراد به ( الفعل ( الذي ~~يسمى المصدر كما يقال خلق يخلق خلقا وكقوله ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة ( وقوله ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ( وقوله ( ما ~~أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ( # وإذا كان ms5019 الخلق فعله فهو بمشيئته إذ يمتنع أن يكون فعله بغير مشيئة وما ~~كان بالمشيئة إمتنع قدم عينه بل يجوز قدم نوعه # وإذا كان الخلق للحادث لابد له من مؤثر تام أوجب حدوثه لزم أنه لم يزل ~~متصفا بما يقوم به من الأمور الإختيارية لكن إن يثبت أنه كان قبل هذا ~~المخلوق مخلوق آخر ثبت أنه متصف بخلق بعد خلق # وكذلك الكلام هو متكلم بمشيئته ويمتنع أن لا يكون متكلما ثم يصير متكلما ~~لوجهين # ( أحدهما ( أنه سلب لكماله والكلام صفة كمال # ( والثاني ( أنه يمتنع حدوث ذلك فإن من لا يكون متكلما يمتنع PageV16P365 ~~أن يجعل نفسه متكلما ومن لا يكون عالما يمتنع أن يجعل نفسه عالما ومن لا ~~يكون حيا يمتنع أن يجعل نفسه حيا فهذه الصفات من لوازم ذاته # وكذلك من لا يكون خالقا يمتنع أن يجعل نفسه خالقا فإنه إذا لم يكن قادرا ~~على أن يخلق فجعله نفسه خالقة أعظم فيكون هذا ممتنعا بطريق الأولى فإن جعل ~~نفسه خالقة يستلزم وجود المخلوق # ولهذا لما كان قادرا على جعل الإنسان فاعلا كان هو الخالق لما يفعله ~~الإنسان فلو جعل نفسه خالقة كان هو الخالق لما جعلها تخلقه # فإذا فرض أنه يمتنع أن يكون خالقا في الأزل إمتنع أن يجعل نفسه خالقة ~~بوجه من الوجوه ويلزم من القول بإمتناع الفعل عليه في الأزل إمتناعه دائما ~~وقد دلت الآية على أنه خلق فعلم أنه ما زال قادرا على الخلق ما زال يمكنه ~~أن يخلق وما زال الخلق ممكنا مقدورا وهذا يبطل أصل الجهمية # بل وإذا كان قادرا عليه فالموجب له ليس شيئا بائنا من خارج بل هو من نفسه ~~فيمتنع أن يجعل نفسه مريدة بعد أن لم تكن فيلزم أنه ما زال مريدا قادرا ~~وإذا حصلت القدرة والإرادة وجب وجود المقدور PageV16P366 # وأهل الكلام الذين ينازعون في هذا يقولون لم يزل قادرا على ما سيكون # فيقال لهم القدرة لا تكون إلا مع إمكان المقدور إذا كانت القدرة دائمة ~~فهل كان يمكنه أن يفعل المقدور ms5020 دائما وهم يقولون لا بل الإمكان إمكان الفعل ~~حادث وهذا يناقض إثبات القدرة وإن قالوا بل الإمكان حاصل تبين أنه لم يزل ~~الفعل ممكنا فثبت إمكان وجود ما لا يتناهي من مقدور الرب # وحينئذ فإذا كان لم يزل قادرا والفعل ممكنا وهذا الممكن قد وجد فما لا ~~يزال فالموجب لوجود جنس المقدور كالإرادة مثلا إما أن يكون وجودها في الأزل ~~ممتنعا فيلزم إمتناع الفعل وقد بينا أنه ممكن # وأيضا إذا كان وجودها ممتنعا لم يزل ممتنعا لأنه لا شيء هناك يجعلها ~~ممكنة فضلا عن أن تكون موجودة ومعلوم أن وجودها بعد أن لم تكن لابد له من ~~موجب وإذا كان وجودها في الأزل ممكنا فوجود هذا الممكن لا يتوقف على غير ~~ذاته وذاته كافية في حصوله فيلزم أنه لم يزل مريدا # وهكذا في جميع صفات الكمال متى ثبت إمكانها في الأزل لزم PageV16P367 ~~وجودها في الأزل فإنها لو لم توجد لكانت ممتنعة إذ ليس في الأزل شيء سوى ~~نفسه يوجب وجودها فإذا كانت ممكنة والمقتضي التام لها نفسه لزم وجوبها في ~~الأزل # وهذا مما يدل على أنه لم يزل حيا عليما قديرا مريدا متكلما فاعلا إذ لا ~~مقتضى لهذه الأشياء إلا ذاته وذاته وحدها كافية في ذلك فيلزم قدم النوع ~~وأنه لم يزل متكلما إذا شاء لكن أفراد النوع تحصل شيئا بعد شيء بحسب ~~الإمكان والحكمة # ولهذا قد بين في مواضع أنه ليس في نفس الأمر ممكن يستوي طرفا وجوده وعدمه ~~بل إما أن يحصل المقتضى لوجوده فيجب أو لا يحصل فيمتنع [ فما ] إتصف به ~~الرب فإتصافه به واجب وما لم يتصف به فإتصافه به ممتنع وما شاء كان ووجب ~~وجوده وما لم يشأ لم يكن وإمتنع وجوده فالممكن مع مرجحه التام واجب وبدونه ~~ممتنع # ففى قوله تعالى ( إقرأ بإسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ( وفى قوله ~~( إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ( دلالة على ثبوت صفات الكمال له وأنه ~~لم يزل متصفا بها # وأقوال السلف في ذلك كثيرة ms5021 وبهذا فسروا قوله ( وكان الله PageV16P368 ~~عزيزا حكيما ( ونحوه كما ذكره البخاري في صحيحه عن بن عباس ورواه بن أبى ~~حاتم من عدة طرق لما قيل له قوله ( وكان الله ( كأنه كان شيء ثم مضى فقال ~~إبن عباس هو سمى نفسه بذلك ولم يزل كذلك # هذا لفظ بن أبى حاتم من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن ~~جبير عن بن عباس فقال بن عباس كذلك كان ولم يزل # ومن رواية عمرو بن أبي قيس عن مطرف عن المنهال عن سعيد بن جبير عن بن ~~عباس قال أتاه رجل فقال سمعت الله يقول ( وكان الله ( كأنه شيء كان فقال بن ~~عباس أما قوله ( كان ( فإنه لم يزل ولا يزال و ( هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم ( # ومن رواية عبد الرحمن بن مغرا عن مجمع بن يحيى عن عمه عن بن عباس قال قال ~~يهودي إنكم تزعمون أن الله كان عزيزا حكيما فكيف هو اليوم فقال بن عباس إنه ~~كان في نفسه عزيزا حكيما # وهذه أقوال بن عباس تبين أنه لم يزل متصفا بخبر ( كان ( ولا PageV16P369 ~~يزال كذلك وأن ذلك حصل له من نفسه فلم يزل متصفا في نفسه إذا كان من لوازم ~~نفسه ولهذا لا يزال لأنه من نفسه # وقال أحمد بن حنبل لم يزل الله عالما متكلما غفورا وقال أيضا لم يزل الله ~~متكلما إذا شاء ### ||| فصل # وكما أنه أول آية نزلت من القرآن تدل على ذلك فأعظم آية في القرآن تدل ~~على ذلك لكن مبسوطا دلالة أتم من هذا # وهي آية الكرسي كما ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأبي ~~بن كعب يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم ( فقال ( الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم ( فقال ( ليهنك العلم أبا المنذر ( # وهنا إفتتحها بقوله ( الله ( وهو أعظم من قوله ( وربك ( ولهذا إفتتح به ~~أعظم سورة في القرآن فقال ( الحمد لله رب العالمين PageV16P370 # وقال ( الله ms5022 لا إله إلا هو الحي القيوم ( إذا كان المشركون قد اتخذوا ~~إلها غيره وإن قالوا بأنه الخالق ففى قوله ( خلق ( لم يذكر نفي خالق آخر إذ ~~كان ذلك معلوما فلم يثبت أحد من الناس خالقا آخر مطلقا خلق كل شيء وخلق ~~الإنسان وغيره بخلاف الإلهية # قال تعالى ( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ( وقال تعالى ( ~~وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ( وقال ~~تعالى ( أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله ~~واحد ( وقال تعالى ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا ( # فابتغوا معه آلهة أخرى ولم يثبتوا معه خالقا آخر # فقال في أعظم الآيات ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( ذكره في ثلاثة ~~مواضع من القرآن كل موضع فيه أحد أصول الدين الثلاثة وهي التوحيد والرسل ~~والآخرة # هذه التى بعث بها جميع المرسلين وأخبر عن المشركين أنهم يكفرون بها في ~~مثل قوله ( ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وهم بربهم يعدلون PageV16P371 # فقال هنا ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( قرنها بأنه لا إله إلا هو # وزاد في آل عمران ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل ~~التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان ( وهذا إيمان بالكتب ~~والرسل # وقال في طه ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما وعنت الوجوه للحى القيوم ~~وقد خاب من حمل ظلما ( ### ||| فصل # ومن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه من الصفات الفعلية ~~كقوله في هذه السورة ( الذي خلق خلق الإنسان من علق ( و ( الخلق ( مذكور في ~~مواضع كثيرة وكذلك غيره من الأفعال وهو نوعان # فعل متعد إلى مفعول به مثل ( خلق ( فإنه يقتضى مخلوقا وكذلك ( رزق ( ~~كقوله ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم PageV16P372 هل من ~~شركائكم ms5023 من يفعل من ذلكم من شيء ( وكذلك الهدى والإضلال والتعليم والبعث ~~والإرسال والتكليم # وكذلك ما أخبر به من قوله ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ( فسواهن سبع ~~سماوات ( وقوله ( والسماء بنيناها بأيد ( وقوله ( الذي جعل لكم الأرض فراشا ~~والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ( وقوله في ~~الآية الأخرى ( الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ~~ورزقكم من الطيبات ( وهذا في القرآن [ كثير ] جدا # والأفعال اللازمة كقوله ( ثم استوى إلى السماء ( ثم استوى على العرش ( هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتى ربك أو يأتي بعض آيات ربك ( وقوله ( وجاء ربك والملك صفا ~~صفا ( # فأما النوع الأول فالمسلمون متفقون على إضافته إلى الله وأنه هو الذي ~~يخلق ويرزق ليس ذلك صفة لشيء من مخلوقاته # لكن هل قام به فعل هو الخلق أو الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق وهذا ~~فيه قولان لمن يثبت إتصافه بالصفات فأما PageV16P373 من ينفى الصفات من ~~الجهمية والمعتزلة فهم ينفون قيام الفعل به بطريق الأولى # لكن منهم من يجعل الخلق غير المخلوق ويجعل الخلق إما معنى قام بالمخلوق ~~أو المعانى المتسلسلة كما يقوله معمر بن عباد أو يجعل الخلق قائما لا في ~~محل كقول بعضهم أنه قول ( كن ( لا في محل وقول البصريين إنه إرادة لا في ~~محل وهذا فرار منهم عن قيام الحوادث به مع أن منهم من يلتزم ذلك كما إلتزمه ~~أبو الحسين وغيره # والجمهور المثبتون للصفات هم في الأفعال على قولين # منهم من يقول لا يقوم به فعل وإنما الفعل هو المفعول وهذا قول طائفة منهم ~~الأشعرى ومن وافقه من أصحابه وغير أصحابه كابن عقيل وغيره وهو أول قولى ~~القاضي أبى يعلى # وهؤلاء يقسمون الصفات إلى ذاتية ومعنوية وفعلية وهذا تقسيم لا حقيقة له ~~فإن الأفعال عندهم لا تقوم به فلا يتصف بها لكن يخبر عنه بها # وهذا التقسيم يناسب قول من قال الصفات هي ms5024 الأخبار التى PageV16P374 يخبر ~~بها عنه لا معانى تقوم به كما تقول ذلك الجهمية والمعتزلة فهؤلاء إذا قالوا ~~الصفات تنقسم إلى ذاتية وفعلية أرادوا بذلك ما يخبر به عنه من الكلام تارة ~~يكون خبرا عن ذاته وتارة عن المخلوقات ليس عندهم صفات تقوم به فمن فسر ~~الصفات بهذا أمكنه أن يجعلها ثلاثة أقسام ذاتية ومعنوية وفعلية # وأما من كان مراده بالصفات ما يقوم به فهذا التقسيم لا يصلح على أصلهم ~~ولكن أخذوا التقسيم عن أولئك وهم مخالفون لهم في المراد بالصفات # وهذا التقسيم موجود في كلام أبى الحسن ومن وافقه كالقاضى أبى يعلى وأبي ~~المعالي والباجي وغيرهم # والقول الثانى إنه تقوم به الأفعال وهذا قول السلف وجمهور مثبتة الصفات # ذكر البخاري في كتاب ( خلق أفعال العباد ( أن هذا إجماع العلماء خالق ~~وخلق ومخلوق وذكره البغوى قول أهل السنة وذكره أبو نصر محمد بن إسحاق ~~الكلاباذي في كتاب ( التعرف بمذاهب التصوف ( أنه قول الصوفية وهو قول ~~الحنفية مشهور عندهم يسمونه PageV16P375 ( التكوين ( وهو قول الكرامية ~~والهشامية ونحوهما وهو قول القدماء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وهو آخر ~~قولي القاضي أبى [ يعلى ] # ثم إذا قيل الخلق غير المخلوق وإنه قائم بالرب فهل هو خلق قديم لازم لذات ~~الرب مع حدوث المخلوقات كما يقوله أصحاب أبى حنيفة وغيرهم أو هو خلق حادث ~~بذاته حدث لما حدث جنس المخلوقات أم خلق بعد خلق على ثلاثة أقوال # وهذا أو هذا هو الذي عليه أئمة السنة والحديث وجمهورهم وهو قول طوائف من ~~أهل الكلام من الكرامية والهشامية وغيرهم # فمن قال ( إنه يتكلم بمشيئته وإختياره كلاما يقوم بذاته يمكنه أن يقول ~~إنه يفعل بإختياره ومشيئته فعلا يقوم بذاته ( # والذين يقولون بقيام الأمور الإختيارية بذاته منهم من يصحح دليل الأعراض ~~والإستدلال به على حدوث الأجسام كالكرامية ومتأخرى الحنفية والمالكية ~~والحنبلية والشافعية ومنهم من لا يصححه كأئمة السلف وأئمة السنة والحديث ~~وأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم PageV16P376 و هذه المسألة يعبر عنها ب ( ~~مسألة التأثير ( هل هوأمر وجودي أم لا وهل التأثير ms5025 زائد على المؤثر والأثر ~~أم [ لا ] وكلام الرازي في ذلك مختلف كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع # وعمدة الذين قالوا إن الخلق هو المخلوق والتأثير هو وجود الأثر لم يثبتوا ~~زائدا أن قالوا لو كان الخلق والتأثير زائدا على ذات المخلوق والأثر لكان ~~إما أن يقوم بمحل أولا والثانى باطل فإن المعاني لا تقوم بأنفسها وهذا رد ~~على طائفة من المعتزلة قالوا يقوم بنفسه # قالوا وإذا قام بمحل فإما أن يقوم بالخالق أو بغيره والثاني باطل لأنه لو ~~قام بغيره لكان ذلك الغير هو الخالق لا هو وهذا رد على طائفة ثانية يقولون ~~إنه يقوم بالمخلوق # وإذا قام بالخالق فإما أن يكون قديما أو محدثا ولو كان قديما للزم قدم ~~المخلوق فإن الخلق والمخلوق متلازمان فوجود خلق بلا مخلوق ممتنع وكذلك وجود ~~تأثير بلا أثر # وإن كان محدثا فهو باطل لوجهين ( أحدهما ( أنه يلزم قيام الحوادث به ( ~~والثاني ( أن ذلك الخلق الحادث يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل ومعمر بن ~~عباد إلتزم التسلسل وجعل للخلق خلقا وللخلق خلقا PageV16P377 لكن لا في ذات ~~الله وجعل ذلك في وقت واحد # فهذه عمدة هؤلاء وكل طائفة تخالفهم منعت مقدمة من مقدمات دليلهم # فمن جوز أن يقوم بنفسه أو بالمخلوق منع تينك المقدمتين وأما الجمهور فكل ~~أجاب بحسب قوله # منهم من قال بل الخلق والتكوين قديم كما أن الإرادة عندكم قديمة ومع ~~القول بقدمها لم يلزم تقدم المراد كذلك الخلق والتكوين قديم ولا يلزم تقدم ~~المخلوق وهذا لازم للكلابية من الأشعرية وغيرهم لا جواب لهم عنه # لكن لا يلزم من نفى قدم إرادة معينة بل نفى قدم الإرادة كما يقوله ~~الجهمية والمعتزلة أو يقول بقدم نوع الإرادة كما يقوله أئمة أهل الحديث ومن ~~وافقهم من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم # لكن صاحب هذا القول يقال له التكوين القديم إما أن يكون بمشيئته وإما أن ~~لا يكون بمشيئته فإن كان بغير مشيئته لزم أن يكون قد خلق الخلق بلا مشيئته ~~وإن كان بمشيئته لزم أن ms5026 يكون القديم مرادا وهذا باطل ولو صح لأمكن كون ~~العالم قديما مع كونه مخلوقا PageV16P378 بخلق قديم بإرادة قديمة ومعلوم أن ~~هذا باطل ولهذا كان كل من قال ( القرآن قديم ( يقولون تكلم بغير مشيئته ~~وقدرته # فالمفعول المراد لا يكون إلا حادثا وكذلك الفعل المراد لا يكون إلا حادثا # وأيضا فهؤلاء المنازعون لهم يقولون الإرادة مستلزمة للمراد والخلق مستلزم ~~للمخلوق وما ذكر حجة على هؤلاء وهؤلاء فإن الإرادة والخلق من الأمور ~~الإضافية وثبوت إرادة بلا مراد وخلق بلا مخلوق ممتنع لكن المنازع يقول توجد ~~الإرادة والخلق ويتأخر المراد المخلوق # فيقال لهؤلاء تقولون توجد الإرادة أو الخلق مع الإرادة ولا يوجد لا ~~المراد ولا المخلوق ثم بعد ذلك بما لا يتناهى من تقدير الأوقات يوجد المراد ~~المخلوق من غير سبب وهذا معلوم البطلان في بداية العقول فإن الإرادة أو ~~الخلق كان موجودا مع القدرة فإن كان هذا مؤثرا تاما إستلزم وجود الأثر ولزم ~~وجود الأثر عند وجود المؤثر التام # فإن الأثر ( ممكن ( والممكن يجب وجوده عند وجود المرجح PageV16P379 التام ~~إذ لو لم يكن كذلك كان جائزا بعد وجود المرجح يقبل الوجود والعدم وحينئذ ~~فيفتقر إلى مرجح وهذا يستلزم التسلسل ولا ينقطع التسلسل إلا إذا وجد المرجح ~~التام الموجب # وهنا تنازع الناس فقالت طائفة مثل محمد بن الهيصم الكرامي ومحمود ~~الخوارزمي يكون الممكن أولى بالوقوع لكن لا ينتهي إلى حد الوجوب # وقال أكثر المعتزلة والأشعرية بل لا يصير أولى ولكن القادر أو القادر ~~المريد يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح # وآخرون عرفوا أن هذا لازم فاعترفوا بأنه عند وجود المرجح التام يجب وجود ~~الأثر وعند الداعى التام مع القدرة يجب وجود الفعل كما اعترف بذلك أبو ~~الحسين البصرى والرازي والطوسى وغيرهم وكثير من قدماء المتكلمين يقولون ~~بالإرادة الموجبة وأن الإرادة تستلزم وجود المراد # والمتفلسفة أوردوا هذا على المتكلمين لكن بأن الأثر يقارن وجود التأثير ~~فيكون معه بالزمن # وكثير من الناس لا يعرف إلا هذا القول وذاك القول PageV16P380 كالرازي ~~وغيره فيبقون حيارى في هذا الأصل العظيم ms5027 الذي هو من أعظم أصول العلم والدين ~~والكلام # وقد بسطنا الكلام على هذا في غير موضع وبينا أن قولا ثالثا هو الصواب ~~الذي عليه أئمة العلم وهو أن التأثير التام يستلزم وجود الأثر عقبه لا معه ~~في الزمان ولا متراخيا عنه # فمن قال بالتراخي من أهل الكلام فقد غلط ومن قال بالإقتران كالمتفلسفة ~~فهم أعظم غلطا ويلزم قولهم من المحالات ما قد بيناه في مواضع # وأما هذا القول فعليه يدل السمع والعقل قال الله تعالى ( إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( والعقلاء يقولون ( قطعته فإنقطع وكسرته ~~فانكسر ( و ( طلق المرأة فطلقت وأعتق العبد فعتق ( فالعتق والطلاق يقعان ~~عقب الإعتاق والتطليق لا يتراخى الأثر ولا يقارن وكذلك الإنكسار والإنقطاع ~~مع القطع والكسر # وهذا مما يبين أنه إذا وجد الخلق لزم وجود المخلوق عقبه كما يقال كون ~~الله الشيء فتكون فتكونه عقب تكوين الله لا مع التكوين ولا متراخيا ~~PageV16P381 # وكذلك الإرادة التامة مع القدرة تستلزم وجود المراد المقدور # فهو يريد أن يخلق فيوجد الخلق بإرادته وقدرته ثم الخلق يستلزم وجود ~~المخلوق وإن كان ذلك الخلق حادثا بسبب آخر يكون هذا عقبه فإنما في ذلك وجود ~~الأثر عقب المؤثر التام والتسلسل في الآثار وكلاهما حق والله أعلم # وأما المخلوق فلا يكون إلا بائنا عنه لا يقوم به مخلوق بل نفس الإرادة مع ~~القدرة تقتضي وجود الخلق كما تقتضي وجود الكلام # ولا يفتقر الخلق إلى خلق آخر بل يفتقر إلى ما به يحصل وهو الإرادة ~~المتقدمة وإذا خلق شيئا أراد خلق شيء آخر وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن # ومن قال إن الخلق حادث كالهشامية والكرامية قال نحن نقول بقيام الحوادث # ولا دليل على بطلان ذلك بل العقل والنقل والكتاب والسنة وإجماع السلف يدل ~~على تحقيق ذلك كما قد بسط في موضعه PageV16P382 # ولا يمكن القول بأن الله يدبر هذا العالم إلا بذلك كما اعترف بذلك أقرب ~~الفلاسفة إلى الحق كأبي البركات صاحب ( المعتبر ( وغيره # وأما قولهم يلزم أن ms5028 للخلق خلقا آخر فقد أجابهم من يلتزم ذلك كالكرامية ~~وغيرهم بأنكم تقولون إن المخلوقات المنفصلة تحدث بلا حدوث سبب أصلا وحينئذ ~~فالقول بحدوث الخلق الذي تحصل به المخلوقات بلا حدوث سبب أقرب إلى العقل ~~والنقل # وهذا جواب لازم على هذا التقدير تقدير قيام الأمور الإختيارية # والكرامية يسمون ما قام به ( حادثا ( ولا يسمونه ( محدثا ( كالكلام الذي ~~يتكلم به القرآن أو غيره يقولون هو حادث ويمنعون أن يقال هو محدث لأن ( ~~الحادث ( يحدث بقدرته ومشيئته ك ( الفعل ( وأما ( المحدث ( فيفتقر إلى ~~إحداث فيلزم أن يقوم بذاته إحداث غير المحدث وذلك الإحداث يفتقر إلى إحداث ~~فيلزم التسلسل # وأما غير الكرامية من أئمة الحديث والسنة والكلام فيسمون ذلك ( محدثا ( ~~كما قال ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث PageV16P383 وفى الصحيحين عن بن ~~مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن ~~مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة ( والذي أحدثه هو النهي عن تكلمهم في ~~الصلاة # وقولهم ( إن المحدث يفتقر إلى إحداث وهلم جرا ( هذا يستلزم التسلسل في ~~الآثار مثل كونه متكلما بكلام بعد كلام وكلمات الله لا نهاية لها وأن الله ~~لم يزل متكلما إذا شاء وهذا قول أئمة السنة وهو الحق الذي يدل عليه النقل ~~والعقل # وكذلك أفعاله فإن الفعل والكلام صفة كمال فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ~~ومن يخلق أكمل ممن لا يخلق قال تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ~~( # وحينئذ فهو ما زال متصفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الإكرام والجلال # وبهذا تزول أنواع الإشكال ويعلم أن ما أخبرت به الرسل عن الله من أصدق ~~الأقوال وأن دلائل العقول لا تدل إلا على ما يوافق أخبار الرسول # ولكن نشأ الغلط من جهل كثير من الناس بما أخبر به الرسول PageV16P384 و ~~سلوكهم أدلة برأيهم ظنوها عقلية وهي جهلية فغلطوا في الدلائل السمعية ~~والعقلية فاختلفوا ( وإن الذين إختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ( # وقد بسط الكلام على هذا في مواضع في ms5029 مسألة الكلام والأفعال وذكر ما تيسر ~~من كلام السلف والأئمة في هذا الأصل والمقصود هنا التنبيه على مآخذ الأقوال # وهذا الموضع مما بينه أئمة السنة كالإمام أحمد وغيره فتكلم في ( الرد على ~~الجهمية ( على قوله ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ( وبين أن ( الجعل ( من الله ~~قد يكون ( خلقا ( كقوله ( وجعل الظلمات والنور ( وقد يكون ( فعلا ليس بخلق ~~( وقوله ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ( من هذا الباب # وذلك أن الخلق ونحوه من الأفعال التى ليست خلقا مثل تكلمه بالقرآن وغيره ~~وتكلمه لموسى وغيره ومثل النزول والإتيان والمجيء ونحو ذلك فهذه إنما تكون ~~بقدرته ومشيئته وبأفعال أخر تقوم بذاته ليست خلقا # وبهذا يجيب البخاري وغيره من أئمة السنة للكرامية إذا قالوا ( المحدث ~~لابد له من إحداث ( فيقول ( نعم وذلك الإحداث PageV16P385 فعل ليس بخلق ( و ~~( التسلسل ( نلتزمه # فإن التسلسل الممتنع هو وجود المتسلسلات في آن واحد كوجود خالق للخالق ~~وخالق للخالق أو للخلق خلق وللخلق خلق في آن واحد وهذا ممتنع من وجوه منها ~~وجود ما لا يتناهى في آن واحد وهذا ممتنع مطلقا ومنها أن كل ما ذكر يكون ( ~~محدثا ( لا ( ممكنا ( وليس فيها موجود بنفسه ينقطع به التسلسل وإذا كان ~~أولى بالإمتناع # بخلاف ما إذا قيل ( كان قبل هذا الكلام كلام وقبل هذا الفعل فعل ( جائز ~~عند أكثر العقلاء أئمة السنة وأئمة الفلاسفة وغيرهم فإذا قيل ( هذا الكلام ~~المحدث أحدثه في نفسه ( كان هذا معقولا وهو مثل قولنا ( تكلم به ( وهو معنى ~~قوله ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ( أي تكلمنا به عربيا وأنزلناه عربيا # وكذلك فسره السلف كإسحاق بن راهويه وذكره عن مجاهد قال ( جعلناه قرآنا ~~عربيا ( قلناه عربيا ذكره بن أبي حاتم في تفسيره عن إسحاق بن راهويه قال ~~ذكر لنا عن مجاهد وغيره من التابعين ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ( إنا قلناه ~~ووصفناه وذكره PageV16P386 عن أحمد بن حنبل عن الأشجعي عن سفيان الثوري في ~~قوله ( جعلناه قرآنا عربيا ( بيناه قرآنا عربيا # والإنسان يفرق بين تكلمه وتحركه في نفسه وبين تحريكه لغيره وقد إحتج ms5030 ~~سفيان بن عيينة وغيره من السلف على أنه غير مخلوق بأن الله خلق الأشياء ب ( ~~كن ( فلو كانت ( كن ( مخلوقة لزم أن يكون خلق مخلوقا بمخلوق فيلزم التسلسل ~~الباطل # وذلك أنه إذا لم يخلق إلا ب ( كن ( فلو كانت ( كن ( مخلوقة لزم أن لا ~~يخلق شيئا وهو الدور الممتنع فإنه لا يخلق شيئا حتى يقول ( كن ( ولا يقول ( ~~كن ( حتى يخلقها فلا يخلق شيئا وهذا تسلسل في أصل التأثير والفعل مثل أن ~~يقال لا يفعل حتى يفعل فيلزم أن لا يفعل ولا يخلق حتى يخلق فيلزم أن لا ~~يخلق # وأما إذا قيل قال ( كن ( وقبل ( كن ( كن ( وقبل ( كن ( كن ( فهذا ليس ~~بممتنع فإن هذا تسلسل في آحاد التأثير لا في جنسه كما أنه في المستقبل يقول ~~( كن ( بعد ( كن ( ويخلق شيئا بعد شيء إلى غير نهاية # فالمخلوقات التامة يخلقها بخلقه وخلقه فعله القائم به وذلك إنما يكون ~~بقدرته ومشيئته PageV16P387 # وإذا قيل هذا الفعل القائم به يفتقر إلى فعل آخر يكون هو المؤثر في وجوده ~~غير القدرة والإرادة فإنه لو كان مجرد ذلك كافيا كفى في وجود المخلوق فلما ~~كان لابد له من خلق فهذا الخلق أمر حادث بعد أن لم يكن وهو فعل قائم به ~~فالمؤثر التام فيه يكون مستلزما له مستعقبا له كالمؤثر التام في وجود ~~الكلام الحادث بذاته # والمتكلم من الناس إذا تكلم فوجود الكلام لفظه ومعناه مسبوق بفعل آخر ~~فلابد من حركة تستعقب وجود الحروف التى هي الكلام فتلك الحركة هي التى تجعل ~~الكلام عربيا أو عجميا وهو فعل يقوم بالفاعل وذلك الجعل الحادث حدث بمؤثر ~~تام قبله أيضا # وذات الرب هي المقتضية لذلك كله فهي تقتضي الثاني بشرط إنقضاء الأول لا ~~معه وإقتضاؤها للثاني فعل يقوم بها بعد الأول وهي مقتضية لهذا التأثير وهذا ~~التأثير # ثم هذا التأثير وكل تأثير هو مسبب عما قبله وشرط لما بعده وليس في ذلك ~~شيء مخلوق وإن كانت ( حادثة ( # وإن قال قائل أنا اسمى هذا ( خلقا ( كان نزاعه لفظيا ms5031 وقيل له الذين قالوا ~~( القرآن مخلوق ( لم يكن مرادهم هذا ولا رد السلف والأئمة هذا إنما ردوا ~~قول من جعله مخلوقا بائنا عن الله كما قال PageV16P388 الإمام أحمد كلام ~~الله من الله ليس بائنا عنه # وقالوا القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ # قال أحمد منه بدأ هو المتكلم به لم يبدأ من مخلوق كما قال من قال إنه ~~مخلوق قال تعالى ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ( # ولهذا لا يقول أحد إنه خلق نزوله واستواءه ومجيئه وكذلك تكليمه لموسى ~~ونداؤه له ناداه وكلمه بمشيئته وقدرته والتكليم فعل قام بذاته وليس هو ~~الخلق كما أن الإنسان إذا تكلم فقد فعل كلاما وأحدث كلاما ولكن في نفسه لا ~~مباينا له # ولهذا كان الكلام صفة فعل وهو صفة ذات أيضا على مذهب السلف والأئمة # ومن قال إنه مخلوق يقول إنه صفة فعل ويجعل الفعل بائنا عنه والكلام بائنا ~~عنه ومن قال صفة ذات يقول إنه يتكلم بلا مشيئته وقدرته # ومذهب السلف أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه قائم به فهو صفة ~~PageV16P389 ذات وصفة فعل ولكن الفعل هنا ليس هو الخلق بل كما قال الإمام ~~أحمد الجعل جعلان جعل هو خلق وجعل ليس بخلق وهذا كله يستلزم قيام الأفعال ~~بذاته وأنها تنقسم إلى قسمين أفعال متعدية كالخلق وأفعال لازمة كالتكلم ~~والنزول والسلف يثبتون النوعين هذا وغيره # وأما جعل القرآن عربيا وإن كان متعديا في صناعة العربية بمعنى أنه نصب ~~مفعولا ففي ( الكلام ( الفعل الذي هو ( التكلم ( متصلا بالمفعول الذي هو ( ~~الكلام ( كلاهما قائم بالمتكلم # ولهذا قد يراد بالمفعول المصدر إذا قلت ( قال قولا حسنا ( فقد يراد ب ( ~~القول ( المصدر فقط وقد يراد به ( الكلام ( فقط فيكون المفعول وقد يراد به ~~المجموع فيكون مفعولا به ومصدرا # وكذلك ( القرآن ( هو في الأصل ( قرأ قرآنا ( وهو الفعل والحركة ثم سمى ~~الكلام المقروء ( قرآنا ( قال تعالى في الأول ( إن علينا جمعه وقرآنه فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه ( وقال في الثاني ( إن هذا القرآن ( # وقد بسط هذا ms5032 في غير هذا الموضع وبين أن التلاوة والقراءة في PageV16P390 ~~الأصل مصدر ( تلا تلاوة وقرأ قراءة كالقرآن ( لكن يسمى به الكلام كما يسمى ~~بالقرآن وحينئذ فتكون القراءة هي المقروء والتلاوة هي المتلو # وقد يراد بالتلاوة والقراءة المصدر الذي هو الفعل فلا تكون القراءة ~~والتلاوة هي المقروء المتلو بل تكون مستلزمة له # وقد يراد بالتلاوة والقراءة مجموع الأمرين فلا تكون هي المتلو لأن فيها ~~الفعل ولا تكون مباينة مغايرة للمتلو لأن المتلو جزؤها # هذا إذا أريد بالقراءة والمقروء شيء واحد معين مثل قراءة الرب ومقروءه أو ~~قراءة العبد ومقروءه وأما إذا أريد بالقراءة قراءة العبد وهي حركته ~~وبالمقروء صفة الرب فلا ريب أن حركة العبد ليست صفة الرب # ولكن هذا تكلف بل قراءة العبد مقروءه كمقروئه وقراءته للقرآن إذا عنى بها ~~نفس القرآن فهي مقروءه وإن عنى بها حركته فليست مقروءه وإن عنى بها الأمران ~~فلا يطلق أحدهما # ولهذا كان من المنتسبين إلى السنة من يقول القراءة هي المقروء ومنهم من ~~يقول القراءة غير المقروء ومنهم من لا يطلق واحدا PageV16P391 منهما ولكل ~~قول وجه من الصواب عند التصور التام والإنصاف وليس فيها قول يحيط بالصواب ~~بل كل قول فيه صواب من وجه وقد يكون خطأ من وجه آخر # والبخارى إنما يثبت خلق أفعال العباد حركاتهم وأصواتهم وهذه القراءة هي ~~فعل العبد يؤمر به وينهى عنه وأما الكلام نفسه فهو كلام الله ولم يقل ~~البخاري إن لفظ العبد مخلوق ولا غير مخلوق كما نهى أحمد عن هذا وهذا # والذى قال البخارى إنه مخلوق من أفعال العباد وصفاتهم لم يقل أحمد ولا ~~غيره من السلف إنه غير مخلوق وإن سكتوا عنه لظهور أمره ولكونهم كانوا ~~يقصدون الرد على الجهمية # والذى قال أحمد إنه غير مخلوق هو كلام الله لا صفة العباد لم يقل البخارى ~~إنه مخلوق # ولكن أحمد كان مقصوده الرد على من يجعل كلام الله مخلوقا إذا بلغ عن الله ~~والبخاري كان مقصوده الرد على من يقول أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة ~~وكلا ms5033 القصدين صحيح لا منافاة بينهما وقد بين ذلك إبن قتيبة في PageV16P392 ~~مسألة اللفظ ولكن المنحرفون إلى أحد الطرفين ينكرون على الآخر والله سبحانه ~~أعلم ### ||| فصل # وأما الأفعال اللازمة كالإستواء والمجيء فالناس متنازعون في نفس إثباتها ~~لأن هذه ليس فيها مفعول موجود يعلمونه حتى يستدلوا بثبوت المخلوق على الخلق ~~وإنما عرفت بالخبر فالأصل فيها الخبر لا العقل # ولهذا كان الذين ينفون الصفات الخبرية ينفونها ممن يقول ( الخلق غير ~~المخلوق ( وممن يقول ( الخلق هو المخلوق ( ومن يثبت الصفات الخبرية من ~~الطائفتين يثبتها # والذين أثبتوا الصفات الخبرية لهم في هذه قولان # منهم من يجعلها من جنس الفعل المتعدى بجعلها أمورا حادثة في غيرها وهذا ~~قول الأشعري وأئمة أصحابه ومن وافقهم كالقاضى أبي يعلى وبن الزاغوني وبن ~~عقيل في كثير من أقواله # فالأشعري يقول الإستواء فعل فعله في العرش فصار به PageV16P393 مستويا ~~على العرش وكذلك يقول في الإتيان والنزول ويقول هذه الأفعال ليست من خصائص ~~الأجسام بل توصف بها الأجسام والأعراض فيقال ( جاءت الحمى وجاء البرد وجاء ~~الحر ( ونحو ذلك # وهذا أيضا قول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما # وحملوا ما روى عن السلف كالأوزاعى وغيره أنهم قالوا في النزول يفعل الله ~~فوق العرش بذاته كما حكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبى بكر وكما حكوه ~~عن الأشعري وغيره كما ذكر في غير موضع من كتبه # ولكن عندهم هذا من الصفات الخبرية وهذا قول البيهقي وطائفة وهو أول قولي ~~القاضي أبي يعلى # وكل من قال إن الرب لا تقوم به الصفات الإختيارية فإنه ينفي أن يقوم به ~~فعل شاءه سواء كان لازما أو متعديا لكن من أثبت من هؤلاء فعلا قديما كمن ~~يقول بالتكوين وبهذا فإنه يقول ذلك القديم قام به بغير مشيئته كما يقولون ~~في إرادته القديمة # والقول الثاني أنها كما دلت عليه أفعال تقوم بذاته بمشيئته PageV16P394 و ~~إختياره كما قالوا مثل ذلك في الأفعال المتعدية وهذا قول أئمة السنة ~~والحديث والفقه والتصوف وكثير من أصناف أهل الكلام كما تقدم # وعلى هذا ms5034 ينبني نزاعهم في تفسير قوله ( ثم إستوى إلى السماء ( # وقوله ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ( # وقوله ( ثم استوى على العرش ( ونحو ذلك فمن نفى هذه الأفعال يتأول إتيانه ~~بإتيان أمره أو بأسه والإستواء على العرش بجعله القدرة والإستيلاء أو بجعله ~~علو القدر # فإن الإستواء للناس فيه قولان هل هو من صفات الفعل أو الذات على قولين # والقائلون بأنه صفة ذات يتأولونه بأنه قدر على العرش وهو ما زال قادرا ~~وما زال عالي القدر فلهذا ظهر ضعف هذا القول من وجوه # منها قوله ( ثم استوى على العرش ( فأخبر أنه استوى بحرف ( ثم PageV16P395 ~~ومنها أنه عطف فعلا على فعل فقال خلق ثم استوى # ومنها أن ما ذكروه لا فرق فيه بين العرش وغيره وإذا قيل إن العرش أعظم ~~المخلوقات فهذا لا ينفي ثبوت ذلك لغيره كما في قوله ( رب العرش العظيم ( ~~لما ذكر ربوبيته للعرش لعظمته والربوبية عامة جاز أن يقال ( رب السماوات ~~والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم ( ويقال ( رب العالمين رب موسى وهارون ~~( # والإستواء مختص بالعرش باتفاق المسلمين مع أنه مستول مقتدر على كل شيء من ~~السماء والأرض وما بينهما فلو كان إستواؤه على العرش هو قدرته عليه جاز أن ~~يقال على السماء والأرض وما بينهما وهذا مما احتج به طوائف منهم الأشعري ~~قال في إجماع المسلمين على أن الإستواء مختص بالعرش دليل على فساد هذا ~~القول # وأيضا فإنه ما زال مقتدرا عليه من حين خلقه # ومنها كون لفظ ( الإستواء ( في لغة العرب يقال على القدرة أو علو القدر ~~ممنوع عندهم والإستعمال الموجود في الكتاب والسنة وكلام العرب يمنع هذا كما ~~قد بسط في موضعه # وتكلم على البيت الذي يحتجون به PageV16P396 % ثم إستوى بشر على العراق % ~~من غير سيف ودم مهراق % # وأنه لو كان صحيحا لم يكن فيه حجة فإنهم لم يقولوا إستوى عمر على العراق ~~لما فتحها ولا إستوى عثمان على خراسان ولا إستوى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على اليمن # وإنما قيل ms5035 هذا البيت إن صح في بشر بن مروان لما دخل العراق وإستوى على ~~كرسي ملكها فقيل هذا كما يقال جلس على سرير الملك أو تحت الملك ويقال قعد ~~على الملك والمراد هذا # وأيضا فالآيات الكثيرة والأحاديث الكثيرة وإجماع السلف يدل على أن الله ~~فوق العرش كما قد بسط في مواضع # وأما الذين قالوا الإستواء صفة فعل فهؤلاء لهم قولان هنا على ما تقدم هل ~~هو فعل بائن عنه لأن الفعل بمعنى المفعول أم فعل قائم به يحصل بمشيئته ~~وقدرته # الأول قول إبن كلاب ومن اتبعه كالأشعري وغيره وهو قول القاضي وبن عقيل ~~وبن الزاغونى وغيرهم PageV16P397 # والثانى قول أئمة أهل الحديث والسنة وكثير من طوائف الكلام كما تقدم # ولهذا صار للناس فيما ذكر الله في القرآن من الإستواء والمجيء ونحو ذلك ~~ستة أقوال # طائفة يقولون تجرى على ظاهرها ويجعلون إتيانه من جنس إتيان المخلوق ~~ونزوله من جنس نزولهم وهؤلاء المشبهة الممثلة [ و ] من هؤلاء من يقول إذا ~~نزل خلا منه العرش فلم يبق فوق العرش # وطائفة يقولون بل النصوص على ظاهرها اللائق به كما في سائر ما وصف به في ~~نفسه وهو ( ليس كمثله شيء ( لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ويقولون ~~نزل نزولا يليق بجلاله وكذلك يأتى إتيانا يليق بجلاله وهو عندهم ينزل ويأتى ~~ولم يزل عاليا وهو فوق العرش كما قال حماد بن زيد هو فوق العرش يقرب من ~~خلقه كيف شاء وقال إسحاق بن راهويه ينزل ولا يخلو منه العرش ونقل ذلك عن ~~أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد # وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته هو قول علماء أهل الحديث وهو الذي حكاه ~~أبو عمر بن عبد البر عنهم وهو قول عامة القدماء من أصحاب أحمد وقد صرح به ~~بن حامد وغيره PageV16P398 # والأول نفي قيام الأمور الإختيارية هو قول التميمي موافقة منه لإبن كلاب ~~وهو قول القاضي أبى يعلى وأتباعه # وطائفتان يقولان بل لا ينزل ولا يأتى كما تقدم ثم منهم من يتأول ذلك ~~ومنهم ms5036 من يفوض معناه # وطائفتان واقفتان منهم من يقول ما ندري ما أراد الله بهذا ومنهم من لا ~~يزيد على تلاوة القرآن # وعامة المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف يبطلون تأويل من تأول ذلك بما ~~ينفي أن يكون هو المستوى الآتى لكن كثير منهم يرد التأويل الباطل ويقول ما ~~أعرف مراد الله بهذا # ومنهم من يقول هذا مما نهى عن تفسيره أو مما يكتم تفسيره # ومنهم من يقرره كما جاءت به الأحاديث الصحيحة والآثار الكثيرة عن السلف ~~من الصحابة والتابعين # قال أبو محمد البغوي الحسين بن مسعود الفراء الملقب ب ( محيي السنة ( في ~~تفسيره ( ثم استوى إلى السماء ( قال بن عباس وأكثر مفسري السلف أي إرتفع ~~إلى السماء وقال الفراء وبن كيسان PageV16P399 و جماعة من النحويين أي أقبل ~~على خلق السماء وقيل قصد # وهذا هو الذي ذكره بن الجوزي في تفسيره قال ( ثم استوى إلى السماء ( أي ~~عمد إلى خلقها # وكذلك هو يرجح قول من يفسر الإتيان بإتيان أمره وقول من يتأول الإستواء ~~وقد ذكر ذلك في كتب أخرى ووافق بعض أقوال إبن عقيل قال إبن عقيل له في هذا ~~الباب أقوال مختلفة وتصانيف يختلف فيها رأيه وإجتهاده # وقال البغوي في تفسير قوله ( ثم إستوى على العرش ( قال الكلبى ومقاتل ~~إستقر وقال أبو عبيدة صعد وأولت المعتزلة الإستواء بالإستيلاء # وأما أهل السنة فيقولون الإستواء على العرش صفة لله بلا كيف يجب على ~~الرجل الإيمان به ويكل العلم فيه إلى الله وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله ( ~~الرحمن على العرش استوى ( كيف استوى فأطرق مالك رأسه مليا وعلاه الرحضاء ثم ~~قال الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه ~~بدعة وما أراك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج PageV16P400 قال روى عن سفيان ~~الثوري والأوزاعى والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك ~~وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التى جاءت في الصفات المتشابهة أمروها ~~كما جاءت بلا كيف # وقال في قوله ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم ms5037 الله في ظلل من الغمام ( الأولى ~~في هذه الآية وفيما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله ~~ويعتقد أن الله منزه عن سمات الحدث على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة # قال الكلبي هذا من المكتوم الذي لا يفسر ( # قلت ( وقد حكى عنه أنه قال في تفسير قوله ( ثم استوى ( إستقر ففسر ذاك ~~وجعل هذا من المكتوم الذي لا يفسر لأن ذاك فيه وصفه بأنه فوق العرش وهذا ~~فيه إتيانه في ظلل من الغمام # قال البغوي وكان مكحول والزهري والأوزاعى ومالك وعبد الله بن المبارك ~~وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق يقولون فيه وفى أمثاله أمروها ~~كما جاءت بلا كيف قال سفيان بن عيينة كلما وصف الله به نفسه في كتابه ~~فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله PageV16P401 # وهذه الآية أغمض من آية الإستواء ولهذا كان أبو الفرج يميل إلى تأويل هذا ~~وينكر قول من تأول الإستواء بالإستيلاء # قال في تفسيره قال الخليل بن أحمد ( العرش ( السرير وكل سرير للملك يسمى ~~( عرشا ( وقلما يجمع العرش إلا في الإضطرار # ( قلت ( وقد روى إبن أبى حاتم عن أبي روق عن الضحاك عن إبن عباس قال يسمى ~~( عرشا ( لارتفاعه ( قلت ( والإشتقاق يشهد لهذا كقوله ( وما كانوا يعرشون ( ~~وقوله ( معروشات وغير معروشات ( وقول سعد وهذا كافر بالعرش ومقعد الملك ~~يكون أعلى من غيره فهذا بالنسبة إلى غيره عال عليه وبالنسبة إلى ما فوقه هو ~~دونه وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا سألتم الله ~~فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن ( فدل على ~~أن العرش أعلى المخلوقات كما بسط في مواضع أخر # قال أبو الفرج واعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام ~~قال أمية بن أبى الصلت % مجدوا الله فهو للمجد أهل % ربنا في السماء أمسى ~~كبيرا PageV16P402 بالبناء الأعلى الذي سبق النا % س وسوى فوق السماء سريرا ~~% شرجعا لا يناله بصر العين ترى دونه الملائك صورا % قلت ms5038 يريد أنه ذكره من ~~العرب من لم يكن مسلما أخذه عن أهل الكتاب فإن أمية ونحوه إنما أخذ هذا عن ~~أهل الكتاب وإلا فالمشركون لم يكونوا يعرفون هذا # قال أبو الفرج بن الجوزي وقال كعب إن السماوات في العرش كقنديل معلق بين ~~السماء والأرض # قال وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية وقد شذ قوم ~~فقالوا العرش بمعنى الملك وهو عدول عن الحقيقة إلى التجوز مع مخالفة الأثر ~~ألم يسمعوا قوله ( وكان عرشه على الماء ( أفتراه كان الملك على الماء # قال وبعضهم يقول إستوى بمعنى إستولى ويستدل بقول الشاعر % حتى إستوى بشر ~~على العراق % من غير سيف ودم مهراق % وقال الشاعر أيضا PageV16P403 % قد ~~قلما إستويا بفضلهما جميعا % على عرش الملوك بغير زور % # قال وهو منكر عند اللغويين قال بن الأعرابى إن العرب لا تعلم إستوى بمعنى ~~إستولى ومن قال ذلك فقد أعظم # قال وإنما يقال ( إستولى فلان على كذا ( إذا كان بعيدا عنه غير متمكن ثم ~~تمكن منه والله سبحانه وتعالى لم يزل مستوليا على الأشياء والبيتان لا يعرف ~~قائلهما كذا قال بن فارس اللغوي ولو صحا لم [ يكن ] حجة فيهما لما بينا من ~~إستيلاء من لم يكن مستوليا نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة # قلت فقد تأول قوله ( ثم استوى إلى السماء ( وأنكر تأويل ( ثم استوى على ~~العرش ( وهو في لفظ ( الإتيان ( قد ذكر القولين فقال قوله ( أن يأتيهم الله ~~في ظلل ( كان جماعة من السلف يمسكون عن مثل هذا وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن ~~أحمد أنه قال المراد به قدرته وأمره قال وقد بينه في قوله ( أو يأتى أمر ~~ربك ( # ( قلت ( هذا الذي ذكره القاضي وغيره أن حنبلا نقله عن PageV16P404 أحمد ~~في كتاب ( المحنة ( أنه قال ذلك في المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا ~~عليه بقوله ( تجيء البقرة وأل عمران ( قالوا والمجيء لا يكون إلا لمخلوق ~~فعارضهم أحمد بقوله ( وجاء ربك ( أو يأتى ربك ( وقال المراد بقوله ( تجيء ~~البقرة وآل عمران ( ثوابهما كما ms5039 في قوله ( وجاء ربك ( أمره وقدرته # وقد اختلف أصحاب أحمد فيما نقله حنبل فإنه لا ريب أنه خلاف النصوص ~~المتواترة عن أحمد في منعه من تأويل هذا وتأويل النزول والإستواء ونحو ذلك ~~من الأفعال # ولهم ثلاثة أقوال قيل إن هذا غلط من حنبل إنفرد به دون الذين ذكروا عنه ~~المناظرة مثل صالح وعبد الله والمروذي وغيرهم فإنهم لم يذكروا هذا وحنبل ~~ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة كالخلال وصاحبه قال أبو إسحاق بن شاقلا هذا ~~غلط من حنبل لا شك فيه # وكذلك نقل عن مالك رواية أنه تأول ( ينزل إلى السماء الدنيا ( أنه ينزل ~~أمره لكن هذا من رواية حبيب كاتبه وهو كذاب بإتفاقهم وقد رويت من وجه آخر ~~لكن الإسناد مجهول # والقول الثاني قال طائفة من أصحاب أحمد هذا قاله إلزاما للخصم ~~PageV16P405 على مذهبه لأنهم في يوم المحنة لما إحتجوا عليه بقوله ( تأتى ~~البقرة وآل عمران ( أجابهم بأن معناه يأتى ثواب البقرة وآل عمران كقوله ( ~~أن يأتيهم الله ( أى أمره وقدرته على تأويلهم لا أنه يقول بذلك فإن مذهبه ~~ترك التأويل # والقول الثالث أنهم جعلوا هذا رواية عن أحمد وقد يختلف كلام الأئمة في ~~مسائل مثل هذه لكن الصحيح المشهورعنه رد التأويل وقد ذكر الروايتين بن ~~الزاغونى وغيره وذكر أن ترك التأويل هي الرواية المشهورة المعمول عليها عند ~~عامة المشايخ من أصحابنا # ورواية التأويل فسر ذلك بالعمد والقصد لم يفسره بالأمر والقدرة كما فسروا ~~( ثم استوى إلى السماء ( # فعلى هذا في تأويل ذلك إذا قيل به وجهان # وبن الزاغونى والقاضي أبو يعلى ونحوهما وإن كانوا يقولون بإمرار المجيء ~~والإتيان على ظاهره فقولهم في ذلك من جنس قول بن كلاب والأشعرى فإنه أيضا ~~يمنع تأويل النزول والإتيان والمجيء ويجعله من الصفات الخبرية ويقول إن هذه ~~الأفعال لا تستلزم الأجسام بل يوصف بها غير الأجسام وكلام بن الزاغونى في ~~هذا PageV16P406 النوع وفي إستواء الرب على العرش هو موافق لقول أبى الحسن ~~نفسه # هذا قولهم في الصفات الخبرية الواردة في هذه الأفعال # وأما ms5040 علو الرب نفسه فوق العالم فعند بن كلاب أنه معلوم بالعقل كقول أكثر ~~المثبتة كما ذكر ذلك الخطابى وإبن عبدالبر وغيرهما وهو قول بن الزاغونى وهو ~~آخر قولي القاضي أبي يعلى وكان القاضي أولا يقول بقول الأشعرى أنه من ~~الصفات الخبرية وهذا قول القاضي أبى بكر والبيهقى ونحوهما # وأما أبو المعالي الجوينى وأتباعه فهؤلاء خالفوا الأشعرى وقدماء أصحابه ~~في الصفات الخبرية فلم يثبتوها لكن منهم من نفاها فتأول الإستواء ~~بالإستيلاء وهذا أول قولي أبى المعالي ومنهم من توقف في إثباتها ونفيها ~~كالرازي والآمدى وآخر قولي أبى المعالي المنع من تأويل الصفات الخبرية وذكر ~~أن هذا إجماع السلف وأن التأويل لو كان مسوغا أو محتوما لكان إهتمامهم به ~~أعظم من إهتمامهم بغيره # فإستدل بإجماعهم على أنه لا يجوز التأويل وجعل الوقف التام على ~~PageV16P407 قوله ( وما يعلم تأويله إلا الله ( ذكر ذلك في ( النظامية في ~~الأركان الإسلامية ( # وهذه طريقة عامة المنتسبين إلى السنة يرون التأويل مخالفا لطريقة السلف ~~وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وذكر لفظ ( التأويل ( وما فيه من ~~الإجمال والكلام على قوله ( وما يعلم تأويله إلا الله ( وأن كلا القولين حق # فمن قال لا يعلم تأويله إلا الله فأراد به ما يؤول إليه الكلام من ~~الحقائق التى لا يعلمها إلا الله ومن قال إن الراسخين في العلم يعلمون ~~التأويل فالمراد به تفسير القرآن الذي بينه الرسول والصحابة # وإنما الخلاف في لفظ ( التأويل ( على المعنى المرجوح وأنه حمل اللفظ على ~~الإحتمال المرجوح دون الراجح لدليل يقترن به فهذا إصطلاح متأخر وهو التأويل ~~الذي أنكره السلف والأئمة تأويلات أهل البدع # وكذلك يقول أحمد في ( رده على الجهمية ( الذين تأولوا القرآن على غير ~~تأويله وقد تكلم أحمد على متشابه القرآن وفسره كله PageV16P408 # ومنه تفسير متفق عليه عند السلف ومنه تفسير مختلف فيه # وقد ذكر الجد أبو عبد الله في تفسيره من جنس ما ذكره البغوي لا من جنس ما ~~ذكره بن الجوزي فقال أما الإتيان المنسوب إلى الله فلا يختلف ms5041 قول أئمة ~~السلف كمكحول والزهري والأوزاعى وبن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد ~~ومالك بن أنس والشافعى وأحمد وأتباعهم أنه يمر كما جاء وكذلك ما شاكل ذلك ~~مما جاء في القرآن أو وردت به السنة كأحاديث النزول ونحوها وهي طريقة ~~السلامة ومنهج أهل السنة والجماعة يؤمنون بظاهرها ويكلون علمها إلى الله ~~ويعتقدون أن الله منزه عن سمات الحدث على ذلك مضت الأئمة خلفا بعد سلف كما ~~قال تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ( # وقال بن السائب في قوله ( أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ( هذا من ~~المكتوم الذي لا يفسر وذكر ما يشبه كلام الخطابى في هذا # فإن قيل ( كيف يقع الإيمان بما لا يحيط من يدعى الإيمان به علما بحقيقته ~~( فالجواب كما يصح الإيمان بالله PageV16P409 و ملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر والنار والجنة ومعلوم أنا لا نحيط علما بكل شيء من ذلك على جهة ~~التفصيل وإنما كلفنا الإيمان بذلك في الجملة ألا ترى أنا لا نعرف عدة من ~~الأنبياء وكثيرا من الملائكة ولا نحيط بصفاتهم ثم لا يقدح ذلك في إيماننا ~~بهم وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم في صفة الجنة يقول الله تعالى ( ~~أعددت لعبادي الصالحين ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( # ( قلت ( لا ريب أنه يجب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول وتصديقه فيما أخبر ~~به وإن كان الشخص لم يفقه بالعربية ما قال ولا فهم من الكلام شيئا فضلا عن ~~العرب فلا يشترط في الإيمان المجمل العلم بمعنى كل ما أخبر به هذا لا ريب ~~فيه # فكل من اشتبه عليه آية من القرآن ولم يعرف معناها وجب عليه الإيمان بها ~~وأن يكل علمها إلى الله فيقول ( الله أعلم ( وهذا متفق عليه بين السلف ~~والخلف فما زال كثير من الصحابة يمر بآية ولفظ لا يفهمه فيؤمن به وإن لم ~~يفهم معناه # لكن هل يكون في القرآن ما لا يفهمه أحد من الناس بل ولا ms5042 الرسول عند من ~~يجعل التأويل هو ( معنى الآية ( ويقول إنه لا PageV16P410 يعلمه إلا الله ~~فيلزم أن يكون في القرآن كلام لا يفهمه لا الرسول ولا أحد من الأمة بل ولا ~~جبريل هذا هو الذي يلزم على قول من يجعل معانى هذه الآيات لا يفهمه أحد من ~~الناس # وليس هذا بمنزلة ما ذكر في الملائكة والنبيين والجنة فإنا قد فهمنا ~~الكلام الذي خوطبنا به وأنه يدل على أن هناك نعيما لا نعلمه وهذا خطاب ~~مفهوم وفيه إخبارنا أن من المخلوقات ما لا نعلمه وهذا حق كقوله ( وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو ( وقوله لما سألوه عن الروح ( وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا ( فهذا فيه إخبارنا بأن لله مخلوقات لا نعلمها أو نعلم جنسهم ولا ~~نعلم قدرهم أو نعلم بعض صفاتهم دون بعض # وكل هذا حق لكن ليس فيه أن الخطاب المنزل الذي أمرنا بتدبره لا يفقه ولا ~~يفهم معناه لا الرسول ولا المؤمنون فهذا هو المنكر الذي أنكره العلماء فإن ~~الله قال ( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ( وقال ( أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها ( وقال ( أفلم يدبروا القول ( وقال ( حتى إذا ~~خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله ~~على قلوبهم ( # وفرق بين ما لم يخبر به أو أخبرنا ببعض صفاته دون بعض فما PageV16P411 لم ~~يخبر به لا يضرنا أن لا نعلمه وبين ما أخبرنا به وهو الكلام العربي الذي ~~جعل هدى وشفاء للناس وقال الحسن ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما ~~أنزلت وما عنى بها فكيف يكون في مثل هذا الكلام ما لا يفهمه أحد قط # وفرق بين أن يقال ( الرب هو الذي يأتي إتيانا يليق بجلاله ( أو يقال ( ما ~~ندري هل هو الذي يأتي أو أمره ( فكثير من لا يجزم بأحدهما بل يقول إسكت ~~فالسكوت أسلم ولا ريب أنه من لم يعلم فالسكوت له أسلم كما قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله ms5043 واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ( ~~لكن هو يقول إن الرسول وجميع الأمة كانوا كذلك لا يدرون هل المراد به هذا ~~أو هذا ولا الرسول كان يعرف ذلك فقائل هذا مبطل متكلم بما لا علم له به ~~وكان يسعه أن يسكت عن هذا لا يجزم بأن الرسول والأئمة كلهم جهال يجب عليهم ~~السكوت كما يجب عليه ثم إن هذا خلاف الواقع فأحاديث النبى صلى الله عليه ~~وسلم وكلام السلف في معنى هذه الآية ونظائرها كثير مشهور لكن قال علي رضي ~~الله عنه ( حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ~~ورسوله ( وقال بن مسعود ( ما من PageV16P412 رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه ~~عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ( # وإذا قال بل كان [ من ] السلف من يجزم بأن المراد هو إتيانه نفسه فهذا ~~جزم بأنهم عرفوا معناها وبطلان القول الآخر لم يكونوا ساكتين حيارى ولا ريب ~~أن مقدوره ومأموره مما يأتي أيضا ولكن هو يأتي كما أخبر عن نفسه إتيانا ~~يليق بجلاله # فإذا قيل لا نعلم كيفية الإستواء كان هذا صحيحا وإذا كان الخطاب والكلام ~~مما لا يفهم أحد معناه لا الرسول ولا جبريل ولا المؤمنون لم يكن مما يتدبر ~~ويعقل بل مثل هذا عبث والله منزه عن العبث # ثم هذا يلزمهم في الأحاديث مثل قوله ( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء ( ~~أفكان الرسول يقول هذا الحديث ونحوه وهو لا يفقه ما يقول ولا يفهم له معنى ~~سبحان الله هذا بهتان عظيم وقدح في الرسول وتسليط للملحدين إذا قيل إن نفس ~~الكلام الذي جاء به قد كان لا يفهم معناه قالوا فغيره من العلوم العقلية ~~أولى أن لا يفهم معناه والكلام إنما هو في صفات الرب فإذا قيل إن ما أنزل ~~عليه من PageV16P413 صفات الرب لم يكن هو ولا غيره يفهمه وهو كلام أمي عربي ~~ينزل عليه قيل فالمعاني المعقولة في الأمور الإلهية أولى أن لا يكون يفهمها ~~وحينئذ فهذا الباب لم يكن موجودا في رسالته ولا يؤخذ من ms5044 جهته لا من جهة ~~السمع ولا من جهة العقل قالت الملاحدة فيؤخذ من طريق غيره # فإذا قال لهم هؤلاء هذا غير ممكن لأحد منعوا ذلك وقالوا إنما في القرآن ~~أن ذلك الخطاب لا يعلم معناه إلا الله لكن من أين لكم أن الأمور الإلهية لا ~~تعلم بالأدلة العقلية التى يقصر عنها البيان بمجرد الخطاب والخبر # والملاحدة يقولون إن الرسل خاطبت بالتخييل وأهل الكلام يقولون بالتأويل ~~وهؤلاء الظاهرية يقولون بالتجهيل وقد بسط الكلام على خطأ الطوائف الثلاث ~~وبين أن الرسول قد أتي بغاية العلم والبيان الذي لا يمكن أحدا من البشر أن ~~يأتي بأكمل مما جاء به صلى الله عليه وسلم تسليما فأكمل ما جاء به القرآن ~~والناس متفاوتون في فهم القرآن تفاوتا عظيما # وقول بن السائب إن هذا من المكتوم الذي لا يفسر يقتضي أن له تفسيرا يعلمه ~~العلماء ويكتمونه PageV16P414 و هذا على وجهين إما أن يريد أنه يكتم شيء ~~مما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم عن جميع الناس فهذا من الكتمان المجرد ~~الذي ذم الله عليه وهذه حال أهل الكتاب وعاب الذين يكتمون ما بينه للناس من ~~البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب وقال ( ومن أظلم ممن كتم ~~شهادة عنده من الله ( # وهذه حال أهل الكتاب في كتمان ما في كتابهم من الألفاظ يتأولها بعضهم ~~ويجعلها بعضهم متشابها وهي دلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ~~ذلك فإن ألفاظ التوراة والإنجيل وسائر كتب الأنبياء وهي بضع وعشرون كتابا ~~عند أهل الكتاب لا يمكنهم جحد ألفاظها لكن يحرفونها بالتأويل الباطل ~~ويكتمون معانيها الصحيحة عن عامتهم كما قال تعالى ( ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب إلا أمانى ( # فمن جعل أهل القرآن كذلك وأمرهم أن يكونوا فيه أميين لا يعلمون الكتاب ~~إلا تلاوة فقد أمرهم بنظير ما ذم الله عليه أهل الكتاب # وصبيغ بن عسل التميمي إنما ضربه عمر لأنه قصد باتباع المتشابه إبتغاء ~~الفتنة وإبتغاء تأويله وهؤلاء الذين عابهم الله في كتابه لأنهم PageV16P415 ~~جمعوا شيئين سوء ms5045 القصد والجهل فهم لا يفهمون معناه ويريدون أن يضربوا كتاب ~~الله بعضه ببعض ليوقعوا بذلك الشبهة والشك وفي الصحيح عن عائشة أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال ( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك ~~الذين سماهم الله فاحذروهم ( # فهذا فعل من يعارض النصوص بعضها ببعض ليوقع الفتنة وهي الشك والريب في ~~القلوب كما روى أنه خرج على القوم وهم يتجادلون في القدر هؤلاء يقولون ألم ~~يقل الله كذا وهؤلاء يقولون ألم يقل الله كذا فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان ~~ثم قال ( أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض أنظروا ما أمرتم به ~~فافعلوه ( # فكل من إتبع المتشابه على هذا الوجه فهو مذموم وهو حال من يريد أن يشكك ~~الناس فيما علموه لكونه وإياهم لم يفهموا ماتوهموا أنه يعارضه هذا أصل ~~الفتنة أن يترك المعلوم لغير معلوم كالسفسطة التى تورث شبها يقدح بها فيما ~~علم وتيقن فهذه حال من يفسد قلوب الناس وعقولهم بإفساد ما فيها من العلم ~~والعمل أصل الهدى فإذا شككهم فيما علموه بقوا حيارى # والرسول صلى الله عليه وسلم قد أتى بالآيات البينات الدالة على ~~PageV16P416 صدقه والقرآن فيه الآيات المحكمات اللاتى هي أم الكتاب قد علم ~~معناها وعلم أنها حق وبذلك يهتدي الخلق وينتفعون # فمن اتبع المتشابه ابتغى الفتنة وابتغى تأويله والأول قصدهم فيه فاسد ~~والثانى ليسوا من أهله بل يتكلمون في تأويله بما يفسد معناه إذ كانوا ليسوا ~~من الراسخين في العلم # وإنما الراسخ في العلم الذي رسخ في العلم بمعنى المحكم وصار ثابتا فيه لا ~~يشك ولا يرتاب فيه بما يعارضه من المتشابه بل هو مؤمن به قد يعلمون تأويل ~~المتشابه # وأما من لم يرسخ في ذلك بل إذا عارضه المتشابه شك فيه فهذا يجوز أن يراد ~~بالمتشابه ما يناقض المحكم فلا يعلم معنى المتشابه إذ لم يرسخ في العلم ~~بالمحكم وهو يبتغي الفتنة في هذا وهذا فهذا يعاقب عقوبة تردعه كما فعل عمر ~~بصبيغ # وأما من قصده الهدى والحق فليس من ms5046 هؤلاء وقد كان عمر يسأل ويسأل عن معاني ~~الآيات الدقيقة وقد سأل أصحابه عن قوله ( إذا جاء نصر الله والفتح ( فذكروا ~~ظاهر لفظها ولما فسرها بن عباس بأنها إعلام النبى صلى الله عليه وسلم بقرب ~~وفاته قال ما أعلم منها إلا ما تعلم PageV16P417 # وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها فإنه لما أمر بالإستغفار عند ظهور الدين ~~والإستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة علموا ~~أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أخر وفوق كل ذي علم عليم # والإستدلال على الشيء بملزوماته والشيء قد يكون له لازم وللازمه لازم ~~وهلم جرا فمن الناس من يكون أفطن بمعرفة اللوازم من غيره يستدل بالملزوم ~~على اللازم ومن الناس من لا يتصور اللازم ولو تصوره لم يعرف الملزوم بل ~~يقول يجوز أن يلزم ويجوز أن لا يلزم ويحتمل ويحتمل وتردد الاحتمال هو من ~~عدم العلم وإلا فالواقع هو أحد أمرين فحيث كان إحتمال بلا ترجيح كان لعدم ~~العلم بالواقع وخفاء دليله وغيره قد يعلم ذلك ويعلم دليله # ومن ظن أن ما لا يعلمه هو لا يعلمه غيره كان من جهله فلا ينفي عن الناس ~~إلاما علم إنتفاؤه عنهم وفوق كل ذي علم عليم أعلم منه حتى ينتهي الأمر إلى ~~الله تعالى وهذا قد بسط في مواضع # ثم أنهم يقولون المأثور عن السلف هو السكوت عن الخوض في PageV16P418 ~~تأويل ذلك والمصير إلى الإيمان بظاهره والوقوف عن تفسيره لأنا قد نهينا أن ~~نقول في كتاب الله برأينا ولم ينبهنا الله ورسوله على حقيقة معنى ذلك # فيقال أما كون الرجل يسكت عما لا يعلم فهذا مما يؤمر به كل أحد لكن هذا ~~الكلام يقتضى أنهم لم يعلموا معنى الآية وتفسيرها وتأويلها وإذا كان لم ~~يتبين لهم فمضمونه عدم علمهم بذلك وهو كلام شاك لا يعلم ما أريد بالآية # ثم إذا ذكر لهم بعض التأويلات كتأويل من يفسره بإتيان أمره وقدرته أبطلوا ~~ذلك بأن هذا يسقط فائدة التخصيص وهذا نفي للتأويل وإبطال له # فإذا قالوا مع ms5047 ذلك ( ولا يعلم تأويله إلا الله ( أثبتوا تأويلا لا يعلمه ~~إلا الله وهم ينفون جنس التأويل # ونقول ما الحامل على هذا التأويل البعيد وقد أمكن بدونه أن نثبت إتيانا ~~ومجيئا لا يعقل كما يليق به كما أثبتنا ذاتا لها حقيقة لا تعقل وصفات من ~~سمع وبصر وغير ذلك لا تعقل ولأنه إذا جاز تأويل هذا وأن نقدر مضمرا محذوفا ~~من قدرة أو عذاب ونحو ذلك فما منعكم من تأويل قوله ( ترون ربكم ( كذلك ~~PageV16P419 وهذا كلام في إبطال التأويل وحمل للفظ على ما دل عليه ظاهره ~~على ما يليق بجلال الله # فإذا قيل مع هذا إن له تأويلا لا يعلمه إلا الله وأريد بالتأويل هذا ~~الجنس كان تناقضا كيف ينفي جنس التأويل ويثبت له تأويل لا يعلمه إلا الله # فعلم أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله لا يناقض حمله على ما دل عليه ~~اللفظ بل هو أمر آخر يحقق هذا ويوافقه لا يناقضه ويخالفه كما قال مالك ~~الإستواء معلوم والكيف مجهول # وإذا كان كذلك أمكن أن من العلماء من يعلم من معنى الآية ما يوافق القرآن ~~لم يعلمه غيره ويكون ذلك من تفسيرها وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في ~~العلم كمن يعلم أن المراد بالآية مجيء الله قطعا لا شك في ذلك لكثرة ما دل ~~عنده على ذلك ويعلم مع ذلك أنه العلى الأعلى يأتى إتيانا تكون المخلوقات ~~محيطة به وهو تحتها فإن هذا مناقض لكونه العلي الأعلى والجد الأعلى أبو عبد ~~الله رحمه الله قد جرى في تفسيره على ما ذكر من الطريقة وهذه عادته وعادات ~~غيره PageV16P420 # وذكر كلام إبن الزاغونى فقال قال الشيخ علي بن عبيد الله الزاغوني # وقد اختلف كلام إمامنا أحمد في هذا المجيء هل يحمل على ظاهره وهل يدخل ~~التأويل على روايتين ( إحداهما ( أنه يحمل على ظاهره من مجيء ذاته فعلى هذا ~~يقول لا يدخل التأويل إلا أنه لا يجب أن يحمل مجيئه بذاته إلا على ما يليق ~~به وقد ثبت أنه لا يحمل ms5048 إثبات مجيء هو زوال وانتقال يوجب فراغ مكان وشغل ~~آخر من جهة أن هذا يعرف بالجنس في حق المحدث الذي يقصر عن إستيعاب المواضع ~~والمواطن لأنها أكبر منه وأعظم يفتقر مجيئه إليها إلى الإنتقال عما قرب إلى ~~ما بعد # وذلك ممتنع في حق الباري تعالى لأنه لا شيء أعظم منه ولا يحتاج في مجيئه ~~إلى إنتقال وزوال لأن داعى ذلك وموجبه لا يوجد في حقه فأثبتنا المجئ صفة له ~~ومنعنا ما يتوهم في حقه ما يلزم في حق المخلوقين لإختلافهما في الحاجة إلى ~~ذلك ومثله قوله ( وجاء ربك والملك صفا صفا ( # ومثله الحديث المشهور الذي رواه عامة الصحابة أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث PageV16P421 ~~الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرنى ~~فأغفر له ( فنحن نثبت وصفه بالنزول إلى سماء الدنيا بالحديث ولا نتأول ما ~~ذكروه ولا نلحقه بنزول الآدميين الذي هو زوال وانتقال من علو إلى أسفل بل ~~نسلم للنقل كما ورد وندفع التشبيه لعدم موجبه ونمنع من التأويل لارتفاع ~~نسبته # قال وهذه الرواية هي المشهورة والمعمول عليها عند عامة المشائخ من ~~أصحابنا # ( قلت ( أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ~~ونزوله فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة ومن له عقل فإن الصفات ~~والأفعال تتبع الذات المتصفة الفاعلة فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات ~~ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها ونسبة ~~صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته ولا ريب أنه العلي الأعلى ~~العظيم فهو أعلى من كل شيء وأعظم من كل شيء فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث ~~تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع # وأما لفظ ( الزوال ( و ( الإنتقال ( فهذا اللفظ مجمل ولهذا كان ~~PageV16P422 أهل الحديث والسنة فيه على أقوال # فعثمان بن سعيد الدارمي وغيره أنكروا على الجهمية قولهم إنه لا يتحرك ~~وذكروا أثرا أنه لا ms5049 يزول وفسروا الزوال بالحركة فبين عثمان بن سعيد أن ذلك ~~الأثر إن كان صحيحا لم يكن حجة لهم لأنه في تفسير قوله ( الحي القيوم ( ~~ذكروا عن ثابت دائم باق لا يزول عما يستحقه كما قال بن إسحاق لا يزول عن ~~مكانته # ( قلت ( والكلبى بنفسه الذي روى هذا الحديث هو يقول ( إستوى على العرش ( ~~إستقر ويقول ( ثم استوى إلى السماء ( صعد إلى السماء # وأما ( الإنتقال ( فابن حامد وطائفة يقولون ينزل بحركة وإنتقال وآخرون من ~~أهل السنة كالتميمي من أصحاب أحمد أنكروا هذا وقالوا بل ينزل بلا حركة ~~وإنتقال وطائفة ثالثة كابن بطة وغيره يقفون في هذا # وقد ذكر الأقوال الثلاثة القاضي أبو يعلى في كتاب ( إختلاف الروايتين ~~والوجهين ونفي اللفظ بمجمله ( # والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص فيثبت ما PageV16P423 أثبت ~~الله ورسوله باللفظ الذي أثبته وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه وهو أن ~~يثبت النزول والإتيان والمجيء وينفى المثل والسمى والكفؤ والند # وبهذا يحتج البخاري وغيره على نفي المثل يقال ينزل نزولا ليس كمثله شيء ~~نزل نزولا لا يماثل نزول المخلوقين نزولا يختص به كما أنه في ذلك وفى سائر ~~ما وصف به نفسه ليس كمثله شيء في ذلك وهو منزه أن يكون نزوله كنزول ~~المخلوقين وحركتهم وإنتقالهم وزوالهم مطلقا لا نزول الآدميين ولا غيرهم # فالمخلوق إذا نزل من علو إلى سفل زال وصفه بالعلو وتبدل إلى وصفه بالسفول ~~وصار غيره أعلى منه # والرب تعالى لا يكون شيء أعلى منه قط بل هو العلي الأعلى ولا يزال هو ~~العلي الأعلى مع أنه يقرب إلى عباده ويدنو منهم وينزل إلى حيث شاء ويأتى ~~كما شاء وهو في ذلك العلي الأعلى الكبير المتعالى علي في دنوه قريب في علوه # فهذا وإن لم يتصف به غيره فلعجز المخلوق أن يجمع بين هذا وهذا كما يعجز ~~أن يكون هو الأول والآخر والظاهر والباطن PageV16P424 # ولهذا قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله قال ( بالجمع بين النقيضين ( ~~وأراد أنه يجتمع له ما يتناقض في حق ms5050 الخلق كما إجتمع له أنه خالق كل شيء من ~~أفعال العباد وغيرها من الأعيان والأفعال مع ما فيها من الخبث وأنه عدل ~~حكيم رحيم وأنه يمكن من مكنه من عباده من المعاصى مع قدرته على منعهم وهو ~~في ذلك حكيم عادل فإنه أعلم الأعلمين وأحكم الحاكمين وخير الفاتحين يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم # فأن لا يحيطوا علما بما هو أعظم في ذلك أولى وأحرى وقد سألوا عن الروح ~~فقيل لهم ( الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( وفى الصحيحين ~~أن الخضر قال لموسى لما نقر عصفور في البحر ما نقص علمي وعلمك من علم الله ~~إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر # فالذي ينفى عنه وينزه عنه إما أن يكون مناقضا لما علم من صفاته الكاملة ~~فهذا ينفى عنه جنسه كما قال ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ~~ولا نوم ( وقال ( وتوكل على الحي الذي لا يموت ( فجنس السنة والنوم والموت ~~ممتنع عليه لا يجوز أن يقال في شيء من هذا ( إنه يجوز عليه كما يليق بشأنه ~~( لأن هذا الجنس يوجب نقصا [ في ] كماله PageV16P425 # وكذلك لا يجوز أن يقال هو يكون في السفل لا في العلو وهو سفول يليق ~~بجلاله فإنه سبحانه العلي الأعلى لا يكون قط إلا عاليا والسفول نقص هو منزه ~~عنه # وقوله ( وأنت الباطن فليس دونك شيء ( لا يقتضي السفول إلا عند جاهل لا ~~يعلم حقيقة العلو والسفول فيظن أن السماوات وما فيها قد تكون تحت الأرض إما ~~بالليل وإما بالنهار وهذا غلط كمن يظن أن ما في السماء من المشرق يكون تحت ~~ما فيها مما في المغرب فهذا أيضا غلط بل السماء لا تكون قط إلا عالية على ~~الأرض وإن كان الفلك مستديرا محيطا بالأرض فهو العالي على الأرض علوا ~~حقيقيا من كل جهة وهذا مبسوط في مواضع # والنوع الثانى أنه منزه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته ~~فالألفاظ التى جاء بها الكتاب ms5051 والسنة في الإثبات تثبت والتى جاءت بالنفي ~~تنفى والألفاظ المجملة كلفظ ( الحركة ( و ( النزول ( و ( الإنتقال ( يجب أن ~~يقال فيها إنه منزه عن مماثلة المخلوقين من كل وجه لا يماثل المخلوق لا في ~~نزول ولا في حركة ولا إنتقال ولا زوال ولا غير ذلك # وأما إثبات هذا الجنس كلفظ ( النزول ( أو نفيه PageV16P426 مطلقا كلفظ ( ~~النوم ( و ( الموت ( فقد يسلك كلاهما طائفة تنتسب إلى السنة # والمثبتة يقولون نثبت حركة أو حركة وإنتقالا أو حركة وزوالا تليق به ~~كالنزول والإتيان اللائق به # والنفاة يقولون بل هذا الجنس يجب نفيه # ثم منهم من ينفي جنس ذلك في حقه بكل إعتبار ولا يجوز عليه أن يقوم به شيء ~~من الأحوال المتجددة وهذه طريقة الكلابية ومن اتبعهم ممن ينتسب إلى السنة ~~والحديث # ومنهم من لا ينفي في ذلك ما دل عليه النص ولا ينفى هذا الجنس مطلقا بما ~~ذكروه من أنه لا تقوم به الحوادث لما قد علم بالآيات والسنة والعقل أنه ~~يتكلم بمشيئته وقدرته وأنه يحب عبده المؤمن إذا إتبع رسوله إلى غير ذلك من ~~المعانى التى دل عليها الكتاب والسنة بل ينفي ما ناقض صفات كماله وينفي ~~مماثلة مخلوق له فهذان هما اللذان يجب نفيهما والله أعلم # وكذلك إذا قال القائل الله يجب تنزيهه عن سمات الحدث أو PageV16P427 ~~علامات الحدث أو كل ما أوجب نقصا وحدوثا فالرب منزه عنه فهذا كلام حق معلوم ~~متفق عليه # لكن الشأن فيما تقول النافية إنه من سمات الحدث وآخرون ينازعونهم لا سيما ~~والكتاب والسنة تناقض قولهم قالت الجهمية إن قيام الصفات به أو قيام الصفات ~~الإختيارية هو من سمات الحدث وهذا باطل عند السلف وأئمة السنة بل وجمهور ~~العقلاء بل ما ذكروه يقتضى حدوث كل شيء فإنه ما من موجود إلا وله صفات تقوم ~~به وتقوم به أحوال تحصل بالمشيئة والقدرة فإن كان هذا مستلزما للحدوث لزم ~~حدوث كل شيء وأن لا يكون في العالم شيء قديم وهذا قد بسط في مواضع أيضا # وسمات الحدث التى تستلزم ms5052 الحدوث مثل إفتقار إلى الغير فكل ما إفتقر إلى ~~غيره فإنه محدث كائن بعد أن لم يكن والرب منزه عن الحاجة إلى ما سواه بكل ~~وجه ومن ظن أنه محتاج إلى العرش أو حملة العرش فهو جاهل ضال بل هو الغني ~~بنفسه وكل ما سواه فقير إليه من كل وجه وهو الصمد الغنى عن كل شيء وكل ما ~~سواه يصمد إليه محتاجا إليه ( يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في ~~شأن PageV16P428 ومن سمات الحدث النقائص كالجهل والعمى والصمم والبكم فإن ~~كل ما كان كذلك لم يكن إلا محدثا لأن القديم الأزلى منزه عن ذلك لأن القديم ~~الأزلي متصف بنقيض هذه الصفات وصفات الكمال لازمة له واللازم يمتنع زواله ~~إلا بزوال الملزوم والذات قديمة أزلية واجبة بنفسها غنية عما سواها يستحيل ~~عليها العدم والفناء بوجه من الوجوه فيستحيل عدم لوازمها فيستحيل إتصافها ~~بنقيض تلك اللوازم فلا يوصف بنقيضها إلا المحدث فهي من سمات الحدث ~~المستلزمة لحدوث ما إتصف بها # وهذا يدخل في قول القائل ( كل ما إستلزم حدوثا أو نقصا فالرب منزه عنه ( ~~والنقص المناقض لصفات كماله مستلزم لحدوث المتصف به والحدوث مستلزم للنقص ~~اللازم للمخلوق فإن كل مخلوق فهو يفتقر إلى غيره كائن بعد أن لم يكن لا ~~يعلم إلا ما علم ولا يقدر إلا ما أقدر وهو محاط به مقدور عليه # فهذه النقائص اللازمة لكل مخلوق هي ملزومة للحدوث حيث كان حدوث كانت ~~والحدوث أيضا ملزوم لها فحيث كان محدث كانت هذه النقائص # فقولنا ( ما استلزم نقصا أو حدوثا فالرب منزه عنه ( حق PageV16P429 و ~~الحدوث والنقص اللازم للمخلوق متلازمان والرب منزه عن كل منهما من جهتين من ~~جهة إمتناعه في نفسه ومن جهة أنه مستلزم للآخر وهو ممتنع في نفسه فكل منهما ~~دليل ومدلول عليه بإعتبارين على أن الرب منزه عنه وعن مدلوله الذي هو لازمه # والحاجة إلى الغير والفقر إليه مما يستلزم الحدوث والنقص اللازم للمخلوق ~~وقولي ( اللازم ( ليعم جميع المخلوقين وإلا فمن النقائص ما يتصف ms5053 بها بعض ~~المخلوقين دون بعض فتلك ليست لازمة لكل مخلوق # والرب منزه عنها أيضا لكن إذا نزه عن النقص اللازم لكل مخلوق فعن ما يختص ~~به بعض المخلوقين أولى وأحرى فإنه إذا كان مخلوق ينزه عن نقص فالخالق أولى ~~بتنزيهه عنه وهذه طريقة ( الأولى ( كما دل عليها القرآن في غير موضع وقد ~~ذكرنا في جواب ( المسائل التدمرية ( الملقب ب ( تحقيق الإثبات للأسماء ~~والصفات وبيان حقيقة الجمع بين القدر والشرع ( أنه لا يجوز الإكتفاء فيما ~~ينزه الرب عنه على عدم ورود السمع والخبر به فيقال كل ما ورد به الخبر ~~أثبتناه وما لم يرد به لم نثبته بل ننفيه وتكون عمدتنا في النفي على عدم ~~الخبر PageV16P430 بل هذا غلط لوجهين # ( أحدهما ( أن عدم الخبر هو عدم دليل معين والدليل لا ينعكس فلا يلزم إذا ~~لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفيا في نفس الأمر ولله أسماء سمى بها نفسه ~~واستأثر بها في علم الغيب عنده فكما لا يجوز الإثبات إلا بدليل لا يجوز ~~النفي إلا بدليل ولكن إذا لم يرد به الخبر ولم يعلم ثبوته يسكت عنه فلا ~~يتكلم في الله بلا علم # ( الثانى ( أن أشياء لم يرد الخبر بتنزيهه عنها ولا بأنه منزه عنها لكن ~~دل الخبر على إتصافه بنقائضها فعلم إنتفاؤها فالأصل أنه منزه عن كل ما ~~يناقض صفات كماله وهذا مما دل عليه السمع والعقل # وما لم يرد به الخبر إن علم إنتفاؤه نفيناه وإلا سكتنا عنه فلا نثبت إلا ~~بعلم ولا ننفي إلا بعلم # ونفي الشيء من الصفات وغيرها كنفي دليله طريقة طائفة من أهل النظر والخبر ~~وهي غلط إلا إذا كان الدليل لازما له فإذا عدم اللازم عدم الملزوم # وأما جنس الدليل فيجب فيه الطرد لا العكس فيلزم من وجود الدليل وجود ~~المدلول عليه ولا ينعكس PageV16P431 # فالأقسام ثلاثة ما علم ثبوته أثبت وما علم إنتفاؤه نفي وما لم يعلم نفيه ~~ولا إثباته سكت عنه هذا هو الواجب والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ~~ثبوته # ومن ms5054 لم يثبت ما أثبته إلا بالألفاظ الشرعية التى أثبتها وإذا تكلم بغيرها ~~إستفسر وإستفصل فإن وافق المعنى الذي أثبته الشرع أثبته باللفظ الشرعي فقد ~~إعتصم بالشرع لفظا ومعنى وهذه سبيل من إعتصم بالعروة الوثقى # لكن ينبغي أن تعرف الأدلة الشرعية إسنادا ومتنا فالقرآن معلوم ثبوت ~~ألفاظه فينبغي أن يعرف وجوه دلالته والسنة ينبغي معرفة ما ثبت منها وما علم ~~أنه كذب # فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة وعظم السنة والشرع وظنوا أنهم إعتصموا في ~~هذا الباب بالكتاب والسنة جمعوا أحاديث وردت في الصفات منها ما هو كذب ~~معلوم أنه كذب ومنها ما هو إلى الكذب أقرب ومنها ما هو إلى الصحة أقرب ~~ومنها متردد وجعلوا تلك الأحاديث عقائد وصنفوا مصنفات ومنهم من يكفر من ~~يخالف ما دلت عليه تلك الأحاديث # وبإزاء هؤلاء المكذبين بجنس الحديث ومن يقول عن أخبار PageV16P432 ~~الصحيحين وغيرها هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم # وأبلغ من هؤلاء من يقول دلالة القرآن لفظية سمعية والدلالة السمعية ~~اللفظية لا تفيد اليقين ويجعلون العمدة على ما يدعونه من العقليات وهي ~~باطلة فاسدة منها ما يعلم بطلانه وكذبه # وهؤلاء أيضا قد يكفرون من خالف ذلك كما فعل أولئك وكلا الطريقين باطل ولو ~~لم يكفر مخالفه فإذا كفر مخالفه صار من أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ~~ويكفرون من خالفهم فيها كما فعلت الخوارج وغيرهم # وقد بسط في غير هذا الموضع أن الأدلة التى توجب العلم لا تناقض قط ولا ~~يناقض الدليل العقلي الذي يفيد العلم للدليل السمعي الذي يفيد العلم قط كما ~~قد بينا ذلك في كتاب ( درء تعارض العقل والنقل ( # وهذه الأحاديث قد ذكر بعضها القاضي أبو يعلى في كتاب ( إبطال التأويل ( ~~مثل ما ذكر في حديث المعراج حديثا طويلا عن أبى عبيدة ( أن محمدا رأى ربه # ( وطائفة ممن يقول بأنه رأى ربه بعينه يكفرون من خالفهم لما PageV16P433 ~~ظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة كما فعل أبو الحسن علي بن شكر فإنه ~~سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه ms5055 من السنة وقد يكون مخطئا فيه إما ~~لإحتجاجه بأحاديث ضعيفة أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده وما أصاب ~~فيه من السنة لا يجوز تكفير كل من خالف فيه فليس كل مخطئ كافرا لا سيما في ~~المسائل الدقيقة التى كثر فيها نزاع الأمة كما قد بسط هذا في مواضع # وكذلك أبو علي الأهوازي له مصنف في الصفات قد جمع فيه الغث والسمين # وكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن منده مع أنه من أكثر الناس حديثا لكن يروى ~~شيئا كثيرا من الأحاديث الضعيفة ولا يميز بين الصحيح والضعيف وربما جمع ~~بابا وكل أحاديثه ضعيفة كأحاديث أكل الطين وغيرها وهو يروى عن أبى علي ~~الأهوازي وقد وقع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي فبنى على ذلك ~~عقائد باطلة وادعى أن الله يرى في الدنيا عيانا ثم الذين يقولون بهذا من ~~أتباعه يكفرون من خالفهم وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع كما فعلت الخوارج # ومن ذلك حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن PageV16P434 عمر عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد ~~المقدسى في ( مختاره ( # وطائفة من أهل الحديث ترده لإضطرابه كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وبن ~~الجوزي وغيرهم لكن أكثر أهل السنة قبلوه # وفيه قال ( إن عرشه أو كرسيه وسع السماوات والأرض وإنه يجلس عليه فما ~~يفضل منه قدر أربعة أصابع أو فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع وإنه ليئط ~~به أطيط الرحل الجديد براكبه ( # ولفظ ( الأطيط ( قد جاء في حديث جبير بن مطعم الذي رواه أبو داود في ~~السنن وبن عساكر عمل فيه جزءا وجعل عمدة الطعن في بن إسحاق والحديث قد رواه ~~علماء السنة كأحمد وأبى داود وغيرهما وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية ~~أخرى ولفظ ( الأطيط ( قد جاء في غيره # وحديث إبن خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصرا وذكر أنه حدث به وكيع # لكن كثير ممن رواه رووه بقوله ( أنه ما ms5056 يفضل منه إلا أربع أصابع فجعل ~~العرش يفضل منه أربع أصابع واعتقد القاضي وبن PageV16P435 الزاغونى ونحوهما ~~صحة هذا اللفظ فأمروه وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر لا يحصل عليه ~~الإستواء وذكر عن بن العايذ أنه قال هو موضع جلوس محمد صلى الله عليه وسلم # والحديث قد رواه بن جرير الطبري في تفسيره وغيره ولفظه ( وإنه ليجلس عليه ~~فما يفضل منه قدر أربع أصابع ( بالنفي # فلو لم يكن في الحديث إلا إختلاف الروايتين هذه تنفى ما أثبتت هذه ولا ~~يمكن مع ذلك الجزم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الإثبات وأنه ~~يفضل من العرش أربع أصابع لا يستوى عليها الرب وهذا معنى غريب ليس له قط ~~شاهد في شيء من الروايات بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر ~~وهذا باطل مخالف للكتاب والسنة وللعقل # ويقتضي أيضا أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد جعل العرش ~~أعظم منه فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق وهو أعظم من الرب وهذا معنى ~~فاسد مخالف لما علم من الكتاب والسنة والعقل # فإن طريقة القرآن في ذلك أن يبين عظمة الرب فإنه أعظم من كل ما يعلم ~~عظمته فيذكر عظمة المخلوقات ويبين أن الرب أعظم منها PageV16P436 كما في ~~الحديث الآخر الذي في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما حديث الأطيط لما قال ~~الأعرابي إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله تعالى فسبح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ( ويحك أتدري ما ~~تقول أتدري ما الله شأن الله أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته هكذا ( وقال ~~بيده مثل القبة ( وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه ( # فبين عظمة العرش وأنه فوق السماوات مثل القبة ثم بين تصاغره لعظمة الله ~~وأنه يئط به أطيط الرحل الجديد براكبه فهذا فيه تعظيم العرش وفيه أن الرب ~~أعظم من ذلك كما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( أتعجبون من ~~غيرة سعد لأنا ms5057 أغير منه والله أغير مني ( وقال ( لا أحد أغير من الله من ~~أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( ومثل هذا كثير # وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي وأنه ذكر عظمة العرش وأنه ~~مع هذه العظمة فالرب مستو عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع وهذه غاية ~~ما يقدر به في المساحة من أعضاء الإنسان كما يقدر في الميزان قدره فيقال ما ~~في السماء قدر كف سحابا فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع والذراع وأصغر ما ~~عندهم PageV16P437 الكف فإذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به فقالوا ما ~~في السماء قدر كف سحابا كما يقولون في النفي العام ( إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة ( و ( لا يملكون من قطمير ( ونحو ذلك # فبين الرسول أنه لا يفضل من العرش شيء ولا هذا القدر اليسير الذي هو أيسر ~~ما يقدر به وهو أربع أصابع وهذا معنى صحيح موافق للغة العرب وموافق لما دل ~~عليه الكتاب والسنة موافق لطريقة بيان الرسول له شواهد فهو الذي يجزم بأنه ~~في الحديث # ومن قال ( ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع ( فما فهموا هذا المعنى فظنوا ~~أنه إستثنى فاستثنوا فغلطوا وإنما هو توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام وإلا ~~فأي حكمة في كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية وتلك الأصابع أصابع ~~من الناس والمفهوم من هذا أصابع الإنسان فما بال هذا القدر اليسير لم يستو ~~الرب عليه # والعرش صغير في عظمة الله تعالى وقد جاء حديث رواه بن أبي حاتم في قوله ( ~~لا تدركه الأبصار ( لمعناه شواهد تدل على هذا فينبغي أنا نعتبر الحديث ~~فنطابق بين الكتاب والسنة فهذا هذا والله أعلم PageV16P438 # قال حدثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث أنبأ بشر بن عمارة عن أبي روق عن ~~عطية العوفى عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ( قال ( لو أن الجن والإنس ~~والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا ms5058 صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله ~~أبدا ( # وهذا له شواهد مثل ما في الصحاح في تفسير قوله تعالى ( والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ( قال بن عباس ما السماوات ~~السبع والأرضون السبع ومن فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم # ومعلوم أن العرش لا يبلغ هذا فإن له حملة وله حول قال تعالى ( الذين ~~يحملون العرش ومن حوله ( # وهذا قد بسط في موضع آخر في ( مسألة الإحاطة ( وغيرها والله أعلم ### ||| فصل # فالرسول صلى الله عليه وسلم بين الأصول الموصلة إلى الحق PageV16P439 ~~أحسن بيان وبين الآيات الدالة على الخالق سبحانه وأسمائه الحسنى وصفاته ~~العليا ووحدانيته على أحسن وجه كما قد بسط في مواضع # وأما أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوهم فهم لم يثبتوا الحق بل ~~أصلوا أصولا تناقض الحق فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا ولم يدلوا على الحق حتى ~~أصلوا أصولا تناقض الحق ورأوا أنها تناقض ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فقدموها على ما جاء به الرسول # ثم تارة يقولون الرسول جاء بالتخييل وتارة يقولون جاء بالتأويل وتارة ~~يقولون جاء بالتجهيل # فالفلاسفة ومن وافقهم أحيانا يقولون خاطب الجمهور بالتخييل لم يقصد ~~إخبارهم بالأمر على ما هو عليه بل أخبرهم بخلاف ما الأمر عليه ليتخيلوا ما ~~ينفعهم وهذا قول من يعرف بأنه كان يعرف الحق كابن سينا وأمثاله ويقولون ~~الذي فعله من التخييل غاية ما يمكن # ومنهم من يقول لم يعرف الحق بل تخيل وخيل كما يقوله الفارابى وأمثاله ~~ويجعلون الفيلسوف أفضل من النبى ويجعلون النبوة من جنس المنامات ~~PageV16P440 # وأما أكثر المتكلمين فيقولون بل لم يقصد أن يخبر إلا بالحق لكن بعبارات ~~لا تدل وحدها عليه بل تحتاج إلى التأويل ليبعث الهمم على معرفته بالنظر ~~والعقل ويبعثها على تأويل كلامه ليعظم أجرها # والملاحدة يسلكون مسلك التأويل ويفتحون باب القرمطة وهؤلاء يجوزون ~~التأويل مع الخاصة # وأما أهل التخييل فيقولون الخاصة قد عرفوا أن مراده التخييل للعامة ~~فالتأويل ممتنع # والفريقان يسلكون مسلك إلجام العوام عن التأويل ms5059 لكن أولئك يقولون لها ~~تأويل يفهمه الخاصة # وهي طريقة الغزالي في ( الإلجام ( إستقبح أن يقال كذبوا للمصلحة وهو أيضا ~~لا يرى تأويل الأعمال كالقرامطة بل تأويل الخبر عن الملائكة وعن اليوم ~~الآخر وكذلك طائفة من الفلاسفة ترى التأويل في ذلك وهذا مخالف لطريقة أهل ~~التخييل وقد ذكر الغزالي هذا عنهم في ( الإحياء ( لما ذكر إسرافهم في ~~التأويل وذكره في مواضع كما حكى كلامه في ( السبعينية ( وغيرها PageV16P441 ~~و القسم الثالث الذين يقولون هذا لا يعلم معناه إلا الله أو له تأويل يخالف ~~ظاهره لا يعلمه إلا الله فهؤلاء يجعلون الرسول وغيره غير عالمين بما أنزل ~~الله فلا يسوغون التأويل لأن العلم بالمراد عندهم ممتنع ولا يستجيزون القول ~~بطريقة التخييل لما فيها من التصريح بكذب الرسول بل يقولون خوطبوا بما لا ~~يفهمونه ليثابوا على تلاوته والإيمان بألفاظه وإن لم يفهموا معناه يجعلون ~~ذلك تعبدا محضا على رأي المجبرة الذين يجوزون التعبد بما لا نفع فيه للعامل ~~بل يؤجر عليه # والكلام على هؤلاء وفساد قولهم مذكور في مواضع والمقصود هنا أن الذي ~~دعاهم إلى ذلك ظنهم أن المعقول يناقض ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أو ظاهر ما أخبر به الرسول وقد بسط الكلام على رد هذا في مواضع وبين أن ~~العقل لا يناقض السمع وأن ما ناقضه فهو فاسد وبين بعد هذا أن العقل موافق ~~لما جاء به الرسول شاهد له ومصدق له # لا يقال إنه غير معارض فقط بل هو موافق مصدق فأولئك كانوا يقولون هو مكذب ~~مناقض بين أولا أنه لا يكذب ولا يناقض ثم بين ثانيا أنه مصدق موافق ~~PageV16P442 # وأما هؤلاء فيبين أن كلامهم الذي يعارضون به الرسول باطل لا تعارض فيه ~~ولا يكفى كونه باطلا لا يعارض بل هو أيضا مخالف لصريح العقل فهم كانوا ~~يدعون أن العقل يناقض النقل # فيبين أربع مقامات أن العقل لا يناقضه ثم يبين أن العقل يوافقه ويبين أن ~~عقلياتهم التى عارضوا بها النقل باطلة ويبين أيضا أن العقل الصريح يخالفهم ms5060 # ثم لا يكفى أن العقل يبطل ما عارضوا به الرسول بل يبين أن ما جعلوه دليلا ~~على إثبات الصانع إنما يدل على نفيه فهم أقاموا حجة تستلزم نفي الصانع وإن ~~كانوا يظنون أنهم يثبتون بها الصانع # والمقصود هنا أن كلامهم الذي زعموا أنهم أثبتوا به الصانع إنما يدل على ~~نفي الصانع وتعطيله فلا يكفي فيه أنه باطل لم يدل على الحق بل دل على ~~الباطل الذي يعلمون هم وسائر العقلاء أنه باطل # ولهذا كان يقال في أصولهم ( ترتيب الأصول في تكذيب الرسول ( ويقال أيضا ~~هي ( ترتيب الأصول في مخالفة الرسول والمعقول ( جعلوها أصولا للعلم بالخالق ~~وهي أصول تناقض العلم به فلا يتم العلم بالخالق إلا مع إعتقاد نقيضها وفرق ~~بين الأصل والدليل المستلزم للعلم بالرب وبين المناقض المعارض للعلم بالرب ~~PageV16P443 فالمتفلسفة يقولون إنهم أثبتوا واجب الوجود وهم لم يثبتوه بل ~~كلامهم يقتضي أنه ممتنع الوجود والجهمية والمعتزلة ونحوهم يقولون إنهم ~~أثبتوا القديم المحدث للحوادث وهم لم يثبتوه بل كلامهم يقتضي أنه ما ثم ~~قديم أصلا وكذلك الأشعرية والكرامية وغيرهم ممن يقول إنه أثبت العلم ~~بالخالق فهم لم يثبتوه لكن كلامهم يقتضي أنه ما ثم خالق # وهذه الأسماء الثلاثة هي التى يظهرها هؤلاء واجب الوجود والقديم والصانع ~~أو الخالق ونحو ذلك # ثم إنه من المعلوم بضرورة العقل أنه لابد في الوجود من موجود واجب بنفسه ~~قديم أزلي محدث للحوادث فإذا كان هذا معلوما بالفطرة والضرورة والبراهين ~~اليقينية وكانت أصولهم التى عارضوا بها الرسول تناقض هذا دل على فسادها ~~جملة وتفصيلا وقد ذكرنا في مواضع أن الإقرار بالصانع فطري ضروري مع كثرة ~~دلائله وبراهينه # ونقول هنا لا ريب أنا نشهد الحوادث كحدوث السحاب والمطر والزرع والشجر ~~والشمس وحدوث الإنسان وغيره من الحيوان PageV16P444 و حدوث الليل والنهار ~~وغير ذلك ومعلوم بضرورة العقل أن المحدث لابد له من محدث وأنه يمتنع تسلسل ~~المحدثات بأن يكون للمحدث محدث وللمحدث محدث إلى غير غاية وهذا يسمى تسلسل ~~المؤثرات والعلل والفاعلية وهو ممتنع بإتفاق العقلاء كما قد ms5061 بسط في مواضع ~~وذكر ما أورد عليه من الإشكالات حتى ذكر كلام الآمدى والأبهري مع كلام ~~الرازي وغيرهم # مع أن هذا بديهي ضروري في العقول وتلك الخواطر من وسوسة الشيطان ولهذا ~~أمر النبى صلى الله عليه وسلم العبد إذا خطر له ذلك أن يستعيذ بالله منه ~~وينتهى عنه فقال ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا فيقول ~~الله فيقول فمن خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته ( # ومعلوم أن المحدث الواحد لا يحدث إلا بمحدث فإذا كثرت الحوادث وتسلسلت ~~كان إحتياجها إلى المحدث أولى وكلها محدثات فكلها محتاجة إلى محدث وذلك لا ~~يزول إلا بمحدث لا يحتاج إلى غيره بل هو قديم أزلي بنفسه سبحانه وتعالى # وإذا قيل إن الموجود إما قديم وإما محدث والمحدث لابد له من قديم فيلزم ~~وجود القديم على التقديرين كان برهانا صحيحا PageV16P445 وكذلك إذا قيل إما ~~ممكن وإما واجب وبين الممكن بأنه المحدث كان من هذا الجنس # وأما إذا فسر الممكن بما يتناول القديم كما فعل بن سينا وأتباعه كالرازي ~~كان هذا باطلا فإنه على هذا التقدير لا يمكن إثبات الممكن المفتقر إلى ~~الواجب إبتداء والدليل لا يتم إلا بإثبات هذا إبتداء وإنما يمكن ذلك في أن ~~المحدث لابد له من محدث فإن هذا تشهد أفراده وتعلم بالعقل كلياته # وأما إثبات قديم أزلي ممكن فهذا مما إتفق العقلاء على إمتناعه وبن سينا ~~وأتباعه وافقوا على امتناعه كما ذكروه في المنطق تبعا لسلفهم لكن تناقضوا ~~أولا فسلفهم وهم يقولون الممكن العامي والخاصي الذي يمكن وجوده وعدمه لا ~~يكون إلا حادثا لا يكون ضروريا وكل ما كان قديما أزليا فهو ضروري عندهم # وكذلك إذا قيل الموجود إما أن يكون مخلوقا وإما أن لا يكون مخلوقا ~~والمخلوق لابد له من موجود غير مخلوق فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق ~~على التقديرين # وكذلك إذا قيل الموجود إما غني عن غيره وإما فقير إلى غيره والفقير ~~المحتاج إلى غيره لا تزول حاجته وفقره إلا بغنى ms5062 عن غيره PageV16P446 فيلزم ~~وجود الغنى عن غيره على التقديرين # وكذلك إذا قيل الحي إما حي بنفسه وإما حي حياته من غيره وما كانت حياته ~~من غيره فذلك الغير أولى بالحياة فيكون حيا بنفسه فثبت وجود الحي بنفسه على ~~التقديرين # وكذلك إذا قيل العالم إما عالم بنفسه وإما عالم علمه غيره ومن علم غيره ~~فهو أولى أن يكون عالما وإذا لم يتعلم من غيره كان عالما بنفسه فثبت وجود ~~العالم بنفسه على التقديرين الحاصرين فإنه لا يمكن سوى هذين التقديرين ~~والقسمين # فإذا كان لا يمكن إلا أحدهما وعلى كل تقدير العالم بنفسه موجود والحي ~~بنفسه موجود والغني بنفسه موجود والقديم الواجب بنفسه موجود لزم وجوده في ~~نفس الأمر وإمتناع عدمه في نفس الأمر وهو المطلوب # وكذلك إذا قيل القادر إما قادر بنفسه وإما قادر قدره غيره ومن أقدر غيره ~~فهو أولى أن يكون قادرا وإذا لم تكن قدرته من غيره كانت قدرته من لوازم ~~نفسه فثبت وجود القادر بنفسه الذي قدرته من لوازم نفسه وعلمه من لوازم نفسه ~~وحياته من لوازم نفسه على كل تقدير PageV16P447 # وكذلك الحكيم إما أن يكون حكيما بنفسه وإما أن تكون حكمته من غيره ومن ~~جعل غيره حكيما فهو أولى أن يكون حكيما فيلزم وجود الحكيم بنفسه على ~~التقديرين # وكذلك إذا قيل الرحيم إما أن تكون رحمته من نفسه وإما أن يكون غيره جعله ~~رحيما ومن جعل غيره رحيما [ ف ] هو أولى أن يكون رحيما وتكون رحمته من ~~لوازم نفسه فثبت وجود الرحيم بنفسه الذي رحمته من لوازم نفسه على التقديرين # وكذلك إذا قيل الكريم المحسن إما أن يكون كرمه وإحسانه من نفسه وإما أن ~~يكون من غيره ومن جعل غيره كريما محسنا فهو أولى أن يكون كريما محسنا وذلك ~~من لوازم نفسه وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه رأى إمرأة من ~~السبى إذا رأت طفلا أرضعته رحمة له فقال ( أترون هذه طارحة ولدها في النار ~~( قالوا لا يا رسول الله فقال ( لله أرحم ms5063 بعباده من هذه بولدها ( # فبين أن الله أرحم بعباده من أرحم الوالدات بولدها فإنه من جعلها رحيمة ~~أرحم منها # وهذا مما يدل عليه قوله ( وربك الأكرم ( وقولنا ( الله أكبر PageV16P448 ~~فإنه سبحانه أرحم الراحمين وخير الغافرين وخير الفاتحين وخير الناصرين ~~وأحسن الخالقين وهو نعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير # وهذا يقتضي حمدا مطلقا على ذلك وأنه كافى من توكل عليه وأنه يتولى عبده ~~توليا حسنا وينصره نصرا عزيزا وذلك يقتضي أنه أفضل وأكمل من كل ما سواه كما ~~يدل على ذلك قولنا ( الله أكبر ( # وكذلك إذا قيل المتكلم السميع البصير إما أن يكون متكلما سميعا بصيرا ~~بنفسه وإما أن يكون غيره جعله سميعا بصيرا متكلما ومن جعل غيره متكلما ~~سميعا بصيرا فهو أولى أن يكون متكلما سميعا بصيرا وإلا كان المفعول أكمل من ~~الفاعل فإن هذه صفات كمال # وكذلك يقال العادل إما أن يكون عادلا بنفسه والصادق إما أن يكون صادقا ~~بنفسه وإما أن يكون غيره جعله صادقا عادلا ومن جعل غيره صادقا عادلا فهو ~~أولى أن يكون صادقا عادلا # فهذه كلها طرق صحيحة بينة # فإن قيل يعارض هذا بأن يقال من جعل غيره ظالما أو كاذبا فهو أيضا ظالم ~~كاذب وأهل السنة يقولون إنه جعل غيره كذلك PageV16P449 و ليس هو كذلك ~~سبحانه قيل هذا باطل من وجهين # ( أحدهما ( أنه ليس كل من جعل غيره على صفة أي صفة كانت كان متصفا بها بل ~~من جعل غيره على صفة من صفات الكمال فهو أولى بإتصافه بصفة الكمال من ~~مفعوله # وأما صفات النقص فلا يلزم إذا جعل الجاعل غيره ناقصا أن يكون هو ناقصا ~~فالقادر يقدر أن يعجز غيره ولا يكون عاجزا والحي يمكنه أن يقتل غيره ويميته ~~ولا يكون ميتا والعالم يمكنه أن يجهل غيره ولا يكون جاهلا والسميع والبصير ~~والناطق يمكنه أن يعمى غيره ويصمه ويخرسه ولا يكون هو كذلك # فلا يلزم حينئذ أن من جعل غيره ظالما وكاذبا أن يكون كاذبا وظالما لأن ~~هذه صفة نقص # فإن قيل الكاذب ms5064 والظالم قد يلزم غيره بالصدق والعدل أحيانا قيل هو لم ~~يجعله صادقا وعالما وإنما أمره بذلك وهو فعل ذلك بنفسه ولم نقل كل من أمر ~~غيره بشيء كان متصفا بما أمر به غيره # ( الثانى ( أن الظلم أمر نسبى إضافى فمن أمر غيره أن يقتل شخصا ~~PageV16P450 فقتله هذا القاتل من غير جرم يعلمه كان ظالما وإن كان ذلك ~~الأمر إنما أمره به لكونه قد قتل أباه والمأمور لم يفعله لذلك فلو فعله ~~بطريق النيابة لم يكن ظالما فإن كان له معه غرض فقتله ظلما ولكن الآمر كان ~~مستحقا لقتله # وكذلك من أمر غيره بما هو كذب من المأمور كأمر يوسف للمؤذن أن يقول ( ~~أيتها العير إنكم لسارقون ( يوسف عليه السلام قصد إنكم لسارقون يوسف من ~~أبيه وهو صادق في هذا والمأمور قصد إنكم لسارقون الصواع وهو يظن أنهم سرقوه ~~فلم يكن متعمدا للكذب وإن كان خبره كذبا # والرب تعالى لا تقاس أفعاله بأفعال عباده فهو يخلق جميع ما يخلقه لحكمة ~~ومصلحة وإن كان بعض ما خلقه فيه قبح كما يخلق الأعيان الخبيثة كالنجاسات ~~وكالشياطين لحكمة راجحة وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن دلائل إثبات الرب كثيرة جدا وهؤلاء الذين يزعمون أن ~~المعقول يعارض خبرالرسول الذين يقولون إنهم أثبتوا واجب الوجود أو القديم ~~أو الصانع هم لم يثبتوه بل حججهم تقتضي نفيه وتعطيله فهم نافون له لا ~~مثبتون له وحججهم باطلة PageV16P451 في العقل لا صحيحة في العقل # والمعرفة بالله ليست موقوفة على أصولهم بل تمام المعرفة موقوف على العلم ~~بفساد أصولهم وإن سموها ( أصول العلم والدين ( فهي ( أصول الجهل وأصول دين ~~الشيطان لا دين الرحمن ( وحقيقة كلامهم ( ترتيب الأصول في مخالفة الرسول ~~والمعقول ( كما قال أصحاب النار ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير ( فمن خالف الرسول فقد خالف السمع والعقل خالف الأدلة السمعية ~~والعقلية # أما القائلون بواجب الوجود فقد بينا في غير موضع أنهم لم يقيموا دليلا ~~على واجب الوجود # وأن الرازى لما تبع بن سينا ms5065 لم يكن في كتبه إثبات واجب الوجود فإنهم ~~جعلوا وجوده موقوفا على إثبات ( الممكن ( الذي يدخل فيه القديم فما بقى ~~يمكن إثبات واجب الوجود على طريقهم إلا بإثبات ممكن قديم وهذا ممتنع في ~~بديهة العقل وإتفاق العقلاء فكان طريقهم موقوفا على مقدمة باطلة في صريح ~~العقل وقد إتفق العقلاء على بطلانها فبطل دليلهم ولهذا كان كلامهم في ( ~~الممكن ( مضطربا غاية الإضطراب # ولكن أمكنهم أن يستدلوا على أن المحدث لابد له من قديم وهو PageV16P452 ~~واجب الوجود ولكن قد أثبتوا قديما ليس بواجب الوجود فصار ما أثبتوه من ~~القديم يناقض أن يكون هو رب العالمين إذ أثبتوا قديما ينقسم إلى واجب وإلى ~~غير واجب # وأيضا فالواجب الذي أثبتوه قالوا إنه يمتنع إتصافه بصفة ثبوتية وهذا ~~ممتنع الوجوب لا ممكن الوجوب فضلا عن أن يكون واجب الوجود كما قد بسط هذا ~~في مواضع وبين أن الواجب الذي يدعونه يقولون إنه لا يكون لا صفة ولا موصوفا ~~ألبتة وهذا إنما يتخيل في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان # والواجب إذا فسر بمبدع الممكنات فهو حق وهو إسم للذات المتصفة بصفاتها ~~وإذا فسر بالموجود بنفسه الذي لا فاعل له فالذات واجبة والصفات واجبة وإذا ~~فسر بما لا فاعل له ولا محدث فالذات واجبة والصفات ليست واجبة وإذا فسر بما ~~ليس صفة ولا موصوفا فهذا باطل لا حقيقة له بل هو ممتنع الوجود لا ممكن ~~الوجود ولا واجب الوجود وكلما أمعنوا في تجريده عن الصفات كانوا أشد إيغالا ~~في التعطيل كما قد بسط في مواضع # وأما الذين قالوا إنهم أثبتوا القديم من الجهمية والمعتزلة ومن سلك ~~سبيلهم من الأشعرية والكرامية الذين استدلوا بحدوث الأعراض PageV16P453 و ~~لزومها للأجسام وإمتناع حوادث لا أول لها على حدوث الأجسام فهؤلاء لم ~~يثبتوا الصانع لما عرف من فساد هذا الدليل حيث إدعوا إمتناع كون الرب ~~متكلما بمشيئته أو فعالا لما يشاء بل حقيقة قولهم إمتناع كونه لم يزل قادرا ~~وأدلتهم على هذا الإمتناع قد ذكرت مستوفاة في غير هذا الموضع وذكر ms5066 كلامهم ~~هم في بيان بطلانها # وأما كونهم عطلوا الخالق فلأن حقيقة قولهم أن من لم يزل متكلما بمشيئته ~~فهو محدث فيلزم أن يكون الرب محدثا لا قديما بل حقيقة أصلهم أن ما قامت به ~~الصفات والأفعال فهو محدث وكل موجود فلابد له من ذلك فيلزم أن يكون كل ~~موجود محدثا ولهذا صرح أئمة هذا الطريق الجهمية والمعتزلة بنفى صفات الرب ~~وبنفى قيام الأفعال وسائر الأمور الإختيارية بذاته إذ هذا موجب دليلهم وهذه ~~الصفات لازمة له ونفي اللازم يقتضي نفي الملزوم فكان حقيقة قولهم نفي الرب ~~وتعطيله # وهم يسمون الصفات أعراضا والأفعال ونحوها حوادث فقالوا الرب ينزه عن أن ~~تقوم به الأعراض والحوادث فإن ذلك مستلزم أن يكون جسما قالوا وقد أقمنا ~~الدليل على حدوث كل جسم فإن PageV16P454 الجسم لا ينفك من الأعراض المحدثة ~~ولا يسبقها وما لم ينفك عن الحوادث ولم يسبقها فهو حادث # وقد قامت الأدلة السمعية والعقلية على مذهب السلف وأن الرب لم يزل متكلما ~~إذا شاء فيلزم على قولهم أنه لم يسبق الحوادث ولم ينفك عنها ويجب على قولهم ~~[ كونه ] حادثا # فالأصل الذي أثبتوا به القديم هو نفسه يقتضي أنه ليس بقديم وأنه ليس في ~~الوجود قديم كما أن أولئك أصلهم يقتضى أنه ليس بواجب بذاته وأنه ليس في ~~الوجود واجب بذاته # والطريق التى قالوا بها يثبت الصانع مناقضة لإثبات الصانع وإذا قالوا لا ~~يمكن العلم بالصانع إلا بها كان الحق أن يقال بل لا يمكن تمام العلم ~~بالصانع إلا مع العلم بفسادها # ولهذا كان كل من أقر بصحتها قد كذب بعض ما أخبر به الرسول مما هو من ~~لوازم الرب ونفى اللازم يقتضى نفي الملزوم # والذين زعموا أنهم يحتجون به على حدوث الأجسام من جنس ما زعم أولئك أنهم ~~يحتجون به على إمكان الأجسام وكل منهما باطل PageV16P455 و مقتضاه حدوث كل ~~موجود وإمكان كل موجود وأنه ليس في الوجود قديم ولا واجب بنفسه # فأصولهم تناقض مطلوبهم وهي طريقة مضلة لا هادية لكن كما قال الله تعالى ms5067 ( ~~ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن ~~السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ( # وأما الذين يقولون نثبت الصانع والخالق ويقولون أنا نسلك غير هذه الطريق ~~كالإستدلال بحدوث الصفات على الرب فإن هذه تدل عليه من غيرإحتياج إلى ما ~~التزمه أولئك والرازي قد ذكر هذه الطريق # وأما الأشعري نفسه فلم يستدل بها بل ( في اللمع ( و ( رسالته إلى الثغر ( ~~إستدل بالحوادث على حدوث ما قامت به كما ذكره في النطفة بناء على إمتناع ~~حوادث لا أول لها ثم جعل حدوث تلك الجواهر التى ذكر أنه دل على حدوثها هو ~~الدليل على ثبوت الصانع وهذه الطريق باطلة كما قد بين # وأما تلك فهي صحيحة لكن أفسدوها من جهة كونهم جعلوا PageV16P456 الحوادث ~~المشهود لهم حدوثها هي الأعراض فقط كما قد بينا هذا في مواضع # ثم يقال هؤلاء يثبتون خالقا لا خلق له وهذا ممتنع في بداية العقول فلم ~~يثبتوا خالقا # والكرامية وإن كانوا يقولون الخلق غير المخلوق فهم يقولون بحدوث الخلق ~~بلا سبب يوجب حدوثه وهذا أيضا ممتنع فما أثبتوا خالقا # وأيضا فهؤلاء وهؤلاء يقولون الموجب للتخصيص بحدوث ما حدث دون غيره هو ~~إرادة قديمة أزلية فالكرامية يقولون هي المخصص لما قام به وما خلقه وهؤلاء ~~عندهم لم يقم به شيء يكون مرادا بل يقولون هي المخصص لما حدث والطائفتان ~~ومن وافقهم يقولون تلك الإرادة قديمة أزلية لم تزل على نعت واحد ثم وجدت ~~الحوادث بلا سبب أصلا ويقولون من شأنها أن تخصص مثلا على مثل ومن شأنها أن ~~تتقدم على المراد تقدما لا أول له فوصفوا الإرادة بثلاث صفات باطلة يعلم ~~بصريح العقل أن الإرادة لا تكون هكذا وهي المقتضية للخلق والحدوث فإذا ~~أثبتت فلا خلق ولا حدوث PageV16P457 # وكذلك القدرة التى أثبتوها وصفوها بما يمتنع أن يكون قدرة وهي شرط في ~~الخلق فإذا نفوا شرط الخلق إنتفى الخلق فلم يبق خالقا فالذي وصفوا به ~~الخالق يناقض كونه خالقا ليس بلازم لكونه خالقا وهم جعلوه لازما لا مناقضا ms5068 # أما الإرادة فذكروا لها ثلاثة لوازم والثلاثة تناقض الإرادة # قالوا أنها تكون ولا مراد لها بل لم يزل كذلك ثم حدث مرادها من غير تحول ~~حالها وهذا معلوم الفساد ببديهة العقل فإن الفاعل إذا أراد أن يفعل ~~فالمتقدم كان عزما على الفعل وقصدا له في الزمن المستقبل لم يكن إرادة ~~للفعل في الحال بل إذا فعل فلابد من إرادة الفعل في الحال ولهذا يقال ~~الماضي عزم والمقارن قصد فوجود الفعل بمجرد عزم من غير أن يتجدد قصد من ~~الفاعل ممتنع فكان حصول المخلوقات بهذه الإرادة ممتنعا لو قدر إمكان حدوث ~~الحوادث بلا سبب فكيف وذاك أيضا ممتنع في نفسه فصار الإمتناع من جهة ~~الإرادة ومن جهة تعينت بما هو ممتنع في نفسه # الثانى قولهم أن الإرادة ترجح مثلا على مثل فهذا مكابرة بل لا تكون ~~الإرادة إلا لما ترجح وجوده على عدمه عند الفاعل إما لعلمه بأنه أفضل أو ~~لكون محبته له أقوى وهو إنما يترجح في العلم لكون PageV16P458 عاقبته أفضل ~~فلا يفعل أحد شيئا بإرادته إلا لكونه يحب المراد أو يحب ما يؤول إليه ~~المراد بحيث يكون وجود ذلك المراد أحب إليه من عدمه لا يكون وجوده وعدمه ~~عنده سواء # الثالث أن الإرادة الجازمة يتخلف عنها مرادها مع القدرة فهذا أيضا باطل ~~بل متى حصلت القدرة التامة والإرادة الجازمة وجب وجود المقدور وحيث لا يجب ~~فإنما هو لنقص القدرة أو لعدم الإرادة التامة والرب تعالى ما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن # وهو يخبر في غير موضع أنه لو شاء لفعل أمورا لم يفعلها كما قال ( ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ( ولو شاء ~~الله ما إقتتلوا ( فبين أنه لوشاء ذلك لكان قادرا عليه لكنه لا يفعله لأنه ~~لم يشأه إذ كان عدم مشيئته أرجح في الحكمة مع كونه قادرا عليه لو شاءه # وقد بسط الكلام على ما يذكرونه في القدرة والإرادة هم وغيرهم في غير هذا ~~الموضع وأن من هؤلاء ms5069 من يقول إنما يقدر على الأمور المباينة له دون الأفعال ~~القائمة بنفسه كما يقول ذلك المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الأشعرية ~~وغيرهم ومنهم من يقول بل يقدر على ما يقوم به من الأفعال وعلى ما هو باين ~~عنه كما يحكى عن الكرامية PageV16P459 # والصواب الذي دل عليه القرآن والعقل أنه يقدرعلى هذا وهذا قال تعالى ( ~~بلى قادرين على أن نسوي بنانه ( وقال ( أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى ~~( وقال ( أليس ذلك بقادر على أن يخلق مثلهم ( وقال ( وإنا على ذهاب به ~~لقادرون ( وهذا كثير في القرآن أكثر من النوع الآخر # فإن ما قاله الكرامية والهشامية أقرب إلى العقل والنقل مما قالت الجهمية ~~ومن وافقهم وإن كان فيما حكوه عنهم خطأ من جهة نفيهم القدرة على الأمور ~~المباينة # والله تعالى قد أخبر أنه على كل شيء قدير وفي الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لأبي مسعود لما رآه يضرب غلامه ( لله أقدر عليك منك على ~~هذا ( وفى القرآن ( فأما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم ~~فإنا عليهم مقتدرون ( وبسط هذا له مواضع أخر # فجميع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم هو لازم في نفس الأمر وكل ما ~~أثبته من صفات الرب فهو لازم وإذا قدر عدمه لزم عدم الملزوم فنفى ما أخبر ~~به الرسول مستلزم للتعطيل # لكن من ذلك ما يظهر بالعقل مع تفاوت الناس في العقل ومنه PageV16P460 ما ~~يكفي فيه مجرد خبر الرسول فإن ما أخبر به الرسول فهو حق وكل ما أثبت للرب ~~فهو لازم الثبوت وما إنتفى عنه فهو لازم الإنتفاء فإذا قدر عدم اللازم لزم ~~عدم الملزوم # لكن هذا كله لازم المذهب وهو يدل على بطلانه ولازم المذهب لا يجب أن يكون ~~مذهبا بل أكثر الناس يقولون أقوالا ولا يلتزمون لوازمها فلا يلزم إذا قال ~~القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقدا للتعطيل بل يكون معتقدا للإثبات ~~ولكن لا يعرف ذلك اللزوم # وأيضا فإذا كانت أصولهم التى بنوا عليها ms5070 إثبات الصانع باطلة لم يلزم أن ~~يكونوا هم غير مقرين بالصانع وإن كان هذا لازما من قولهم إذا قالوا إنه لا ~~يعرف إلا بهذه الطريق وقد ظهر فساده لزم أن لا يعرف لكن هذا اللزوم يدل على ~~فساد هذا النفي ولا يلزم أن لا يكونوا هم مقرين بالصانع لما قد بيناه في ~~غير موضع أن الإقرار بالصانع ومعرفته ومحبته وتوحيده فطري يكون ثابتا في ~~قلب الإنسان وهو يظن أنه ليس في قلبه # ولهذا كان عامة هؤلاء مقرين بالصانع معترفين به قبل أن يسلكوا هذه الطريق ~~النظرية سواء كانت صحيحة أو باطلة وهذا PageV16P461 أمر يعرفونه من أنفسهم ~~فعلم أنه لا يلزم من عدم سلوك هذه الطريق عدم المعرفة وقد إعترف كثير منهم ~~بذلك كما قد بيناه في مواضع # ومنهم من يقول إن الطريق النظرية التى يسلكها زادته بصيرة وعلما كما ~~يقوله بن حزم وغيره وهو سلك طريقة الأعراض # وكثير من الناس يقول إن هذه الطريق لم تفدهم إلا شكا وريبا وفطرة هؤلاء ~~أصح فإنها طرق فاسدة # ومنهم من يقول لم يحصل لي بها شيء لا علم ولا شك وذلك أنها لم تحصل له ~~علما ولا سلمها فلم يتبين له صحتها ولا فسادها # ومن الناس من لا يفهم مرادهم بها وأكثر أتباعهم لا يفهمونها بل يتبعونهم ~~تقليدا وإحسانا للظن بهم ### ||| فصل # ومما ينبغي أن يعرف أنا لا نقول إن الشيء لا يعرف إلا بإثبات جميع لوازمه ~~هذا لا يقوله عاقل بل قد تعرف عامة الأشياء وكثير PageV16P462 من لوازمها ~~لا تعرف وقد يعلم المسلمون أن الرب على كل شيء قدير وأنه يفعل ما يشاء وهم ~~لا يعرفون كثيرا من لوازم القدرة والمشيئة لكن أهل الإستقامة كما لا يعرفون ~~اللوازم فلا ينفونها فإن نفيها خطأ # وأما عدم العلم بها كلها فهذا لازم لجميع الناس فسبحان من أحاط بكل شيء ~~علما وأحصى كل شيء عددا وما سواه ( لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ( ~~وهو سبحانه ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ms5071 به علما ( # ولكن المقصود بيان أن المخالفين للرسول صلى الله عليه وسلم ولو في كلمة ~~لابد أن يكون في قولهم من الخطأ بحسب ذلك وأن الأدلة العقلية والسمعية ~~المنقولة عن سائر الأنبياء توافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتناقض ما يقوله أهل البدع المخالفون للكتاب والسنة وإذا قالوا إن العقل ~~يخالف النقل أخطأوا في خمسة أصول ( أحدها ( أن العقل الصريح لا يناقضه ( ~~الثانى ( أنه يوافقه ( الثالث ( أن ما يدعونه من العقل المعارض ليس بصحيح ( ~~الرابع ( أن ما ذكروه من المعقول المعارض هو المعارض للمعقول الصريح ( ~~الخامس ( أن ما أثبتوا به الأصول كمعرفة الباري وصفاته لا يثبتها بل يناقض ~~إثباتها PageV16P463 ### ||| فصل # وذلك أن ما جاء به الرسول هو من علم الله فما أخبر به عن الله فالله أخبر ~~به وهو سبحانه يخبر بعلمه يمتنع أن يخبر بنقيض علمه وما أمر به فهو من حكم ~~الله والله عليم حكيم # قال تعالى ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ~~وكفى بالله شهيدا ( وقال تعالى ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من إستطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ( # وقوله ( أنزله بعلمه ( قال الزجاج أنزله وفيه علمه وقال أبو سليمان ~~الدمشقي أنزله من علمه وهكذا ذكر غيرهما # وهذا المعنى مأثور عن السلف كما روى بن أبى حاتم عن عطاء بن السائب قال ~~أقرأني أبو عبد الرحمن القرآن وكان إذا أقرأ أحدنا القرآن قال قد أخذت علم ~~الله فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل ثم يقرأ ( أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا ( # وكذلك قالوا في قوله تعالى ( فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ( قالوا أنزله ~~وفيه علمه PageV16P464 ( قلت ( الباء قد تكون للمصاحبة كما تقول جاء ~~بأسياده وأولاده فقد أنزله متضمنا لعلمه مستصحبا لعلمه فما فيه من الخبر هو ~~خبر بعلم الله وما فيه من الأمر فهو أمر ms5072 بعلم الله بخلاف الكلام المنزل من ~~عند غير الله فإن ذلك قد يكون كذبا وظلما كقرآن مسيلمة وقد يكون صدقا لكن ~~إنما فيه علم المخلوق الذي قاله فقط لم يدل على علم الله تعالى إلا من جهة ~~اللزوم وهو أن الحق يعلمه الله # وأما القرآن فهو متضمن لعلم الله إبتداء فإنما أنزل بعلمه لا بعلم غيره ~~ولا هو كلام بلا علم # وإذا كان قد أنزل بعلمه فهو يقتضى أنه حق من الله ويقتضى أن الرسول رسول ~~من الله الذي بين فيه علمه قال الزجاج ( الشاهد ( المبين لما شهد به والله ~~يبين ذلك ويعلم مع ذلك أنه حق # ( قلت ( قوله ( لكن الله يشهد ( شهادته هو بيانه وإظهاره دلالته وإخباره ~~فالآيات البينات التى بين بها صدق الرسول تدل عليه ومنها القرآن هو شهادة ~~بالقول # وهو في نفسه آية ومعجزة تدل على الصدق كما تدل سائر الآيات والآيات كلها ~~شهادة من الله كشهادة بالقول وقد تكون أبلغ # ولهذا ذكر هذا في سورة هود لما تحداهم بالإتيان بالمثل فقال PageV16P465 ~~( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من إستطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو ~~فهل أنتم مسلمون ( فإن عجز أولئك عن المعارضة دل على عجز غيرهم بطريق ~~الأولى وتبين أن جميع الخلق عاجزون عن معارضته وأنه آية بينة تدل على ~~الرسالة وعلى التوحيد # وكذلك قوله ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك ( # [ بعد ] قوله ( إنا أوحينا إليك إلى قوله لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل ( وقد ذكروا أن من الكفار من قال لا نشهد لمحمد بالرسالة فقال ~~تعالى ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك ( # وأحسن من هذا أنه لما قال ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ( ~~نفي حجة الخلق على الخالق فقال لكن حجة الله على الخلق قائمة بشهادته ~~بالرسالة فإنه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه فما للخلق على الله حجة بل ~~له الحجة البالغة وهو الذي ms5073 هدى عباده بما أنزله # وعلى ما تقدم فقوله ( أنزله بعلمه ( أي فيه علمه بما كان وسيكون وما أخبر ~~به وهو أيضا مما يدل على أنه حق فإنه إذا أخبر بالغيب الذي لا يعلمه إلا ~~الله دل على أن الله أخبره به PageV16P466 كقوله ( عالم الغيب فلا يظهر على ~~غيبه أحدا إلا من ارتضي من رسول ( الآية # وقد قيل أنزله وهو عالم به وبك قال بن جرير الطبري في آية النساء أنزله ~~إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه # وذكر الزجاج في آية هود قولين ( أحدهما ( أنزله وهو عالم بإنزاله وعالم ~~أنه حق من عنده ( والثانى ( أنه أنزله بما أخبرفيه من الغيوب ودل على ما ~~سيكون وما سلف # ( قلت ( هذا الوجه هو الذي تقدم # وأما الأول فهو من جنس قول إبن جرير فإنه عالم به وبمن أنزل إليه وعالم ~~بأنه حق وأن الذي أنزل عليه أهل لما اصطفاه الله له ويكون هذا كقوله ( ولقد ~~إخترناهم على علم على العالمين ( وقول من قال ( إنما أوتيته على علم ( أي ~~على علم من الله بإستحقاقي # ( قلت ( وهذا الوجه يدخل في معنى الأول فإنه إذا نزل الكلام بعلم الرب ~~تضمن أن كل ما فيه فهو من علمه وفيه الإخبار بحاله وحال الرسول وهذا الوجه ~~هو الصواب وعليه الأكثرون ومنهم من لم يذكر غيره PageV16P467 # والأول وإن كان معناه صحيحا فهو جزء من هذا الوجه # وأما كون الثانى هو المراد بالآية فغلط لأن كون الرب سبحانه يعلم الشيء ~~لا يدل على أنه محمود ولا مذموم وهو سبحانه بكل شيء عليم فلا يقول أحد إنه ~~أنزله وهو لا يعلمه # لكن قد يظن أنه أنزل بغير علمه أي وليس فيه علمه وأنه من تنزيل الشيطان ~~كما قال تعالى ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ( ~~والشياطين هو يرسلهم وينزلهم لكن الكلام الذي يأتون به ليس منزلا منه ولا ~~هو منزل بعلم الله بل منزل بما تقوله الشياطين من كذب وغيره # ولهذا هو سبحانه إذا ذكر نزول ms5074 القرآن قيده بأن نزوله منه كقوله ( تنزيل ~~الكتاب من الله ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ( قل ~~نزله روح القدس من ربك بالحق ( # وهذا مما إستدل به الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة على أن القرآن كلام ~~الله ليس بمخلوق خلقه في محل غيره فإنه كان يكون منزلا من ذلك المحل لا من ~~الله وقال إنه نزل بعلم الله وإنه من علم الله وعلم الله غير مخلوق ~~PageV16P468 # وقال أحمد كلام الله من الله ليس شيئان منه ولهذا قال السلف القرآن كلام ~~الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود فقالوا منه بدأ لم يبدأ من غيره ~~كما تقوله الجهمية يقولون بدأ من المحل الذي خلق فيه وهذا مبسوط في مواضع # والمقصود أنه إذا كان فيه علمه فهو حق والكلام الذي يعارضه به خلاف علم ~~الله فهو باطل كالشرك الذي قال الله تعالى فيه ( ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ( ### ||| فصل # وهذا الذي ذكرته من أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة كما ~~بينته من أن الكتاب بين الأدلة العقلية التى بها تعرف المطالب الإلهية وبين ~~ما يدل على صدق الرسول في كل ما يقوله هو يظهر الحق بأدلته السمعية ~~والعقلية # وبين أن لفظ ( العقل والسمع ( قد صار لفظا مجملا فكل من PageV16P469 وضع ~~شيئا برأيه سماه ( عقليات ( والآخر يبين خطأه فيما قاله ويدعى العقل أيضا ~~ويذكر أشياء أخر تكون أيضا خطأ كما قد بسط في مواضع # وهو نظير من يحتج في السمع بأحاديث ضعيفة أو موضوعة أو نصوص ثابتة لكن لا ~~تدل على مطلوبه # وكثير من أهل الكلام يجعل دلالة القرآن والأحاديث من جهة الخبر المجرد ~~ومعلوم أن ذلك لا يوجب العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر فلهذا يضطرون إلى ~~أن يجعلوا العلوم العقلية أصلا كما يفعل أبو المعالي وأبو حامد والرازي ~~وغيرهم ms5075 # وأئمة المتكلمين يعترفون بأن القرآن بين الأدلة العقلية كما يذكر ذلك ~~الأشعرى وغيره وعبد الجبار بن أحمد وغيره من المعتزلة # ثم هؤلاء قد يذكرون أدلة يجعلونها أدلة القرآن ولا تكون هي إياها كما فعل ~~الأشعري في ( اللمع ( وغيره حيث إحتج بخلق الإنسان وذكر قوله ( أفرأيتم ما ~~تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ( لكن هو يظن أن النطفة فيها جواهر ~~باقية وأن نقلها في PageV16P470 الأعراض يدل على حدوثها فإستدل على حدوث ~~جواهر النطفة # وليست هذه طريقة القرآن ولا جمهور العقلاء بل يعرفون أن النطفة حادثة بعد ~~أن لم تكن مستحيلة عن دم الإنسان وهي مستحيلة إلى المضغة وأن الله يخلق هذا ~~الجوهر الثاني من المادة الأولى بالإستحالة ويعدم المادة الأولى لا تبقى ~~جواهرها بأعيانها دائما كما تقدم # فالنظار في القرآن ثلاث درجات منهم من يعرض عن دلائله العقلية ومنهم من ~~يقر بها لكن يغلط في فهمها ومنهم من يعرفها على وجهها كما أنهم ثلاث طبقات ~~في دلالته الخبرية منهم من يقول لم يدل على الصفات الخبرية ومنهم من يستدل ~~به على غير ما دل عليه ومنهم من يستدل به على ما دل عليه # والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية أخذوا من هؤلاء كلاما صحيحا ~~ومن هؤلاء أصولا عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة فمن الناس من مال إليه من ~~الجهة السلفية ومن الناس من مال إليه من الجهة البدعية الجهمية كأبي ~~المعالي وأتباعه ومنهم من سلك مسلكهم كأئمة أصحابهم كما قد بسط في مواضع # إذا المقصود هنا أن جعل القرآن إماما يؤتم به في أصول الدين PageV16P471 ~~و فروعه هو دين الإسلام وهو طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة ~~المسلمين فلم يكن هؤلاء يقبلون من أحد قط أن يعارض القرآن بمعقول أو رأي ~~يقدمه على القرآن ولكن إذا عرض للإنسان إشكال سأل حتى يتبين له الصواب # ولهذا صنف الإمام أحمد كتابا في ( الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت ~~فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله ( ولهذا كان الأئمة الأربعة ~~وغيرهم يرجعون في ms5076 التوحيد والصفات إلى القرآن والرسول لا إلى رأي أحد ولا ~~معقوله ولا قياسه # قال الأوزاعي كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله فوق عرشه ونؤمن بما ~~وردت به السنة من صفاته # وقال الإمام أحمد بن حنبل لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه ووصفه به ~~رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث # وقال الشافعي في خطبة ( الرسالة ( الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه ~~وفوق ما يصفه به PageV16P472 خلقه # وقال مالك الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه ~~بدعة وكان يكره ما أحدث من الكلام وروى عنه وعن أبي يوسف من طلب الدين ~~بالكلام تزندق # وقال الشافعي حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في ~~الأسواق ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام وقال لقد ~~أطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت أظنه ولأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا ~~الشرك بالله خير له [ من ] أن يبتلى بالكلام # وقد بسط تفسير كلامه وكلام غيره في مواضع وبين أن مرادهم بالكلام هو كلام ~~الجهمية الذي نفوا به الصفات وزعموا أنهم يثبتون به حدوث العالم وهي طريقة ~~الأعراض # وقال أحمد أيضا علماء الكلام زنادقة وما ارتدى أحد بالكلام فأفلح وكلام ~~عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون مبسوط في هذا # وذكر أصحاب أبي حنيفة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال لا ينبغي لأحد أن ~~ينطق في الله بشيء من رأيه ولكنه يصفه بما وصف به نفسه # وقال أبو حنيفة أتانا من خراسان ضيفان كلاهما ضالان الجهمية والمشبهة ~~PageV16P473 و عن أبى عصمة قال سألت أبا حنيفة من أهل الجماعة قال من فضل ~~أبا بكر وعمر وأحب عليا وعثمان ولم يحرم نبيذ الجر ولم يكفر أحدا بذنب ورأى ~~المسح على الخفين وآمن بالقدر خيره وشره من الله ولم ينطق في الله بشيء # وروى خالد بن صبيح عن أبي حنيفة قال الجماعة سبعة أشياء أن يفضل أبا بكر ~~وعمر وأن يحب عثمان وعليا وأن يصلي على من ms5077 مات من أهل القبلة بذنب وأن لا ~~ينطق في الله شيئا # قلت قوله في هاتين الروايتين ( لا ينطق في الله شيئا ( قد بينه في رواية ~~أبى يوسف وهو ( أن لا ينطق في الله بشيء من رأيه ولكنه يصفه بما وصف به ~~نفسه ( # فهذا ذم من الأئمة لكل من يتكلم في صفات الرب بغير ما أخبر به الرسول ~~فكيف بالذين يجعلون الكتاب والسنة لا يفيد علما ويقدمون رأيهم على ذلك مع ~~فساده من وجوه كثيرة # وروى هشام عن محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف وهو قول محمد قالوا السنة التى ~~عليها أمر الناس أن لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ويخرج من الإسلام ولا ~~يشك في الدين يقول الرجل لا أدري أمؤمن أنا أو كافر ولا يقول بالقدر ولا ~~يخرج PageV16P474 على المسلمين بالسيف ويقدم من يقدم من أصحاب النبى صلى ~~الله عليه وسلم ويفضل من فضل # وذكروا عن أبي يوسف أنه قال مذهب أهل الجماعة عندنا وما أدركنا عليه ~~جماعة أهل الفقه ممن لم يأخذ من البدع والأهواء أن لا يشتم أحدا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يذكر فيهم عيبا ولا يذكر ما شجر بينهم ~~فيحرف القلوب عنهم وأن لا يشك بأنهم مؤمنون وأن لا يكفر أحدا من أهل القبلة ~~ممن يقر بالإسلام ويؤمن بالقرآن ولا يخرجه من الإيمان بمعصية إن كانت فيه ~~ولا يقول بقول أهل القدر ولا يخاصم في الدين فإنها من أعظم البدع # فهذا قول أهل السنة والجماعة ولا ينبغى لأحد أن يقول في هذا كيف ولم ولا ~~ينبغي أن يخبر السائل عن هذا إلا بالنهي له عن المسألة وترك المجالسة ~~والمشي معه إن عاد ولا ينبغي لأحد من أهل السنة والجماعة أن يخالط أحدا من ~~أهل الأهواء حتى يصاحبه ويكون خاصته مخافة أن يستزله أو يستزل غيره بصحبة ~~هذا # قال والخصومة في الدين بدعة وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة ~~محدثة لو كانت فضلا لسبق إليها أصحاب رسول الله صلى ms5078 الله عليه وسلم ~~وأتباعهم فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر وقال PageV16P475 الله تعالى ( ~~فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن أتبعن ( ولم يأمره بالجدال ولو شاء لأنزل ~~حججا وقال له قل كذا وكذا # وقال أبو يوسف دعوا قول أصحاب الخصومات وأهل البدع في الأهواء من المرجئة ~~والرافضة والزيدية والمشبهة والشيعة والخوارج والقدرية والمعتزلة والجهمية # قالوا وروى عن محمد قال أبو بكر وعمر أفضل من علي # قلت ما ذكر أبو يوسف في أمر الجدال هو يشبه كلام كثير من أئمة السنة يشبه ~~كلام الإمام أحمد وغيره وفيه بسط وتفصيل ليس هذا موضعه # ولهذا كان بشير بن الوليد صاحب أبى يوسف يحب أحمد ويميل إليه فإن أبا ~~يوسف كان أميل إلى الحديث من غيره والله أعلم وأحكم وقال شيخ الإسلام رحمه ~~الله PageV16P476 ### ||| فصل # السور القصار في أواخر المصحف متناسبة فسورة ( إقرأ ( هي أول ما نزل من ~~القرآن ولهذا إفتتحت بالأمر بالقراءة وختمت بالأمر بالسجود ووسطت بالصلاة ~~التى أفضل أقوالها وأولها بعد التحريم هو القراءة وأفضل أفعالها وآخرها قبل ~~التحليل هو السجود ولهذا لما أمر بأن يقرأ أنزل عليه بعدها المدثر لأجل ~~التبليغ فقيل له ( قم فأنذر ( فبالأولى صار نبيا وبالثانية صار رسولا ولهذا ~~خوطب بالمتدثر وهو المتدفئ من برد الرعب والفزع الحاصل بعظمة ما دهمه لما ~~رجع إلى خديجة ترجف بوادره وقال دثرونى دثرونى فكأنه نهي عن الإستدفاء وأمر ~~بالقيام للإنذار كما خوطب في ( المزمل ( وهو المتلفف للنوم لما أمر بالقيام ~~إلى الصلاة فلما أمر في هذه السورة بالقراءة ذكر في التى تليها نزول القرآن ~~ليلة القدر وذكر فيها تنزل الملائكة والروح وفى ( المعارج ( عروج الملائكة ~~والروح وفى ( النبأ ( قيام الملائكة والروح فذكر الصعود والنزول والقيام ثم ~~PageV16P477 في التى تليها تلاوته على المنذرين حيث قال ( يتلو صحفا مطهرة ~~فيها كتب قيمة ( فهذه السورالثلاث منتظمة للقرآن أمرا به وذكرا لنزوله ~~ولتلاوة الرسول له على المنذرين ثم سورة ( الزلزلة ( و ( العاديات ( و ( ~~القارعة ( و ( التكاثر ( متضمنه لذكر اليوم الآخر وما فيه من الثواب ~~والعقاب ms5079 وكل واحد من القرآن واليوم الآخر قيل هو النبأ العظيم # ثم سورة ( العصر ( و ( الهمزة ( و ( الفيل ( و ( لإيلاف ( و ( أرأيت ( و ~~( الكوثر ( و ( الكافرون ( و ( النصر ( و ( تبت ( متضمنة لذكر الأعمال ~~حسنها وسيئها وإن كان لكل سورة خاصة # وأما سورة ( الإخلاص ( و ( المعوذتان ( ففي الإخلاص الثناء على الله وفي ~~المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه والثناء مقرون بالدعاء كما قرن بينهما في ~~أم القرآن المقسومة بين الرب والعبد نصفها ثناء للرب ونصفها دعاء للعبد ~~والمناسبة في ذلك ظاهرة فإن أول الإيمان بالرسول الإيمان بما جاء به من ~~الرسالة وهو القرآن ثم الإيمان بمقصود ذلك وغايته وهو ما ينتهي الأمر إليه ~~من النعيم والعذاب وهو الجزاء ثم معرفة طريق المقصود وسببه وهو الأعمال ~~خيرها ليفعل وشرها ليترك PageV16P478 ثم ختم المصحف بحقيقة الإيمان وهو ذكر ~~الله ودعاؤه كما بنيت عليه أم القرآن فإن حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق ~~والمنطق قسمان خبر وإنشاء وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرا عن الله ~~كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب وأنفعه وأوجبه ما ~~كان طلبا من الله كالنصف الثانى من الفاتحة والمعوذتين PageV16P479 ### || 1 ( سورة البينة ) 1 # سورة البينة قال شيخ الإسلام رحمه الله ! 8 < ### ||| فصل # في قوله تعالى ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة ( # فإن هذه السورة سورة جليلة القدر وقد ورد فيها فضائل وقد ثبت في الصحيح ~~أن الله أمر نبيه أن يقرأها على أبي بن كعب ففي الصحيحين عن أنس بن مالك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ( إن الله أمرنى أن أقرأ عليك ~~القرآن ( قال آلله سمانى لك قال ( آلله سماك لي ( قال فجعل أبي يبكى وفى ~~رواية أخرى ( إن الله أمرنى أن أقرأ عليك ( لم يكن الذين كفروا ) قال سمانى ~~لك قال ( نعم ( فبكى وفى رواية للبخاري وذكرت عند رب العالمين قال ( نعم ( ~~فذرفت عيناه قال قتادة أنبئت PageV16P480 أنه قرأ عليه ( لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب ( وتخصيص ms5080 هذه السورة بقراءتها على أبي يقتضي إختصاصها ~~وإمتيازها بما إقتضى ذلك # وقوله ( أن اقرأ عليك ( أي قراءة تبليغ وإسماع وتلقين ليس هي قراءة تلقين ~~وتصحيح كما يقرأ المتعلم على المعلم فإن هذا قد ظنه بعضهم وجعلوا هذا من ~~باب التواضع وجعل أبو حامد هذا مما يستدل به على تواضع المتعلم وليس هذا ~~بشيء فإن هذه القراءة كان يقرأها على جبريل يعرض عليه القرآن كل عام فإنه ~~هو الذي نزل عليه القرآن # وأما الناس فمنه تعلموه فكيف يصحح قراءته على أحد منهم أو يقرأ كما يقرأ ~~المتعلم # ولكن قراءته على أبي بن كعب كما كان يقرأ القرآن على الإنس والجن فقد قرأ ~~على الجن القرآن وكان إذا خرج إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام ويقرأ عليهم ~~القرآن ويقرأه على الناس في الصلاة وغير الصلاة # قال تعالى ( فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ( وقال ~~تعالى ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا PageV16P481 سجدا وبكيا ( وقال ~~تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته ( وذكر مثل هذا في غير موضع فهو يتلو على المؤمنين آيات الله # وأبي بن كعب أمر بتخصيصه بالتلاوة عليه لفيضلة أبي وإختصاصه بعلم القرآن ~~كما ثبت في الصحاح عن عمر أنه قال أبي أقرأنا وعلي أقضانا وفي الصحيح أنه ~~قال لابن مسعود ( إقرأ علي القرآن ( قال أقرأ عليك وعليك أنزل قال ( إنى ~~أحب أن أسمعه من غيري ( فقراءة إبن مسعود عليه في هذا الموضع لإسماعه إياه ~~لا لأجل التصحيح والتلقين # وفى معنى قوله تعالى لم يكن هؤلاء وهؤلاء ( منفكين ( ثلاثة أقوال ذكرها ~~غير واحد من المفسرين هل المراد لم يكونوا منفكين عن الكفر أو هل لم يكونوا ~~مكذبين بمحمد حتى بعث فلم يكونوا منفكين عن محمد والتصديق بنبوته حتى بعث ~~أو المراد أنهم لم يكونوا متروكين حتى يرسل إليهم رسول PageV16P482 # وممن ذكر هذا أبو الفرج بن الجوزي قال ( لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ( يعنى اليهود والنصارى ( والمشركين ( وهم ms5081 عبدة الأوثان ( منفكين ( ~~أي منفصلين وزائلين يقال فككت الشيء فإنفك أي إنفصل والمعنى لم يكونوا ~~زائلين عن كفرهم وشركهم حتى أتتهم البينة لفظه لفظ المستقبل معناه الماضي ~~والبينة الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم بين لهم ضلالهم وجهلهم وهذا ~~بيان عن نعمة الله على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم به # ولفظ البغوي نحو هذا قال لم يكونوا منتهين عن كفرهم وشركهم وقال أهل ~~اللغة ( منفكين ( منفصلين زائلين يقال فككت الشيء فإنفك أي إنفصل ( حتى ~~تأتيهم البينة ( لفظه مستقبل ومعناه الماضي أي حتى أتتهم البينة الحجة ~~الواضحة يعنى محمدا أتاهم بالقرآن فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى ~~الإيمان فأنقذهم الله به من الجهل والضلالة # ولم يذكر غير هذا # قال أبو الفرج وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية لم يختلفوا أن الله ~~يبعث إليهم نبيا حتى بعث فافترقوا # وقال بعضهم لم يكونوا منفكين عن حجج الله حتى أقيمت عليهم البينة ~~PageV16P483 قال والوجه هو الأول # وذكر الثلاثة أبو محمد بن عطية لكن الثالث وجهه وقواه ولم يحكه عن غيره ~~فقال قوله ( منفكين ( أي منفصلين متفرقين تقول إنفك الشيء عن الشيء إذا ~~إنفصل عنه # قال و ( ما إنفك ( التى هي من أخوات ( كان ( لا مدخل لها في هذه الآية ~~فبين في هذه أن تكون هذه الصفة منفكة # قال وإختلف الناس عما ذا فقال مجاهد وغيره لم يكونوا منفكين عن الكفر ~~والضلال حتى جاءتهم البينة وأوقع المستقبل موقع الماضي في ( تأتيهم ( لأن ~~بأس الشريعة وعظمها لم يجئ بعد # وقال الفراء وغيره لم يكونوا منفكين عن معرفة نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم والتوكد لأمره حتى جاءتهم البينة فتفرقوا عند ذلك # قال وذهب بعض النحويين إلى أن هذا المنفى المتقدم مع ( منفكين ( يجعلهم ~~تلك هي مع ( كان ( ويروى التقدير في خبرها ( عارفين أمر محمد ( أو نحو هذا # قال وفى معنى الآية قول ثالث بارع المعنى وذلك أن يكون المراد لم يكونوا ~~هؤلاء منفكين من أمر الله وقدرته ونظره لهم حتى PageV16P484 يبعث إليهم ~~رسولا ms5082 منذرا تقوم عليهم به الحجة وتتم على من آمن النعمة فكأنه قال ما ~~كانوا يتركوا سدى قال ولهذا المعنى نظائر في كتاب الله # وقد ذكر الثعلبي ثلاثة أقوال لكن الثالث حكاه عمن جعل مقصوده إهلاكهم ~~بإقامة الحجة وجعل ( منفكين ( بمعنى هالكين # فقال لم يكونوا منفكين منتهين عن كفرهم وشركهم وقال أهل اللغة زائلين ~~تقول العرب ما إنفك فلان يفعل كذا أي ما زال وأصل الفك الفتح ومنه فك ~~الكتاب وفك الخلخال ( حتى تأتيهم البينة ( الحجة الواضحة وهو محمد أتاهم ~~بالقرآن فبين ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان # قال وقال بن كيسان معناه لم يكن هؤلاء الكفار تاركين صفة محمد في كتابهم ~~حتى بعث فلما بعث تفرقوا فيه # وقال قال العلماء في أول السورة إلى قوله ( فيها كتب قيمة ( حكمها فيمن ~~آمن من أهل الكتاب والمشركين ( وما تفرق ( حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتب ~~بعد قيام الحجة عليهم PageV16P485 # قال وقال بعض أئمة اللغة قوله ( منفكين ( أي هالكين من قولهم إنفك صلا ~~المرأة عند الولادة وهو أن ينفصل ولا يلتئم فتهلك ومعنى الآية لم يكونوا ~~هالكين مكذبين إلا بعد إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب # وقد ذكر البغوي هذا والأول قال والأول أصح # ( قلت ( القول الثانى الذي حكاه عن إبن كيسان هو قول الفراء وقد قدمه ~~المهدوي على الأول فقال ( منفكين ( من ( إنفك الشيء من الشيء ( إذا فارقه ~~والمعنى لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول لمفارقتهم ما كان عندهم من ~~خبره وصفته وكفرهم بعد البينات قال ولا يحتاج ( منفكين ( على هذا التأويل ~~إلى خبر ويدل على ذلك قوله ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة ( قال وقال مجاهد المعنى لم يكونوا منتهين عما هم عليه وعن ~~مجاهد أيضا لم يكونوا ليؤمنوا حتى تأتيهم البينة # قال وقال الفراء لم يكونوا تاركين ذكر ما عندهم من ذكر النبى حتى ظهر ~~فلما ظهر تفرقوا واختلفوا PageV16P486 # قلت هذا المعنى الذي قدمه لكن الفراء وبن كيسان جعل الإنفكاك مفارقتهم ~~وتركهم لذكره ms5083 وخبره والبشارة به أي لم يكونوا مفارقين تاركين لما علموه من ~~خبره حتى ظهر فانفكوا حينئذ وذاك يقول لم يكونوا منفكين أي متفرقين إلا إذا ~~جاء الرسول لمفارقتهم ما كان عندهم من خبره وهو معنى ما حكاه أبو الفرج لم ~~يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبيا حتى بعث فافترقوا # فالإنفكاك إنفكاك بعضهم عن بعض أو إنفكاكهم عما كان عندهم من علمه وخبره ~~وهذا القول ضعيف لم يرد بهذه الآية قطعا فإن الله لم يذكر أهل الكتاب بل ~~ذكر الكفار من المشركين وأهل الكتاب ومعلوم أن المشركين لم يكونوا يعرفونه ~~ويذكرونه ويجدونه في كتبهم كما كان ذلك عند أهل الكتاب ولا كانوا قبل مبعثه ~~على دين واحد متفقين عليه فلما جاء تفرقوا # فيمتنع أن يقال لم يكن المشركون تاركين لمعرفة محمد وذكره والإيمان به ~~ولم يكونوا مختلفين في ذلك ولا متفرقين فيه حتى بعث فهذا معنى باطل في ~~المشركين # ولا يستقيم هذا أيضاا في أهل الكتاب فإن الله إنما ذكر الكفار منهم فقال ~~( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب PageV16P487 و المشركين ( ومعلوم أن ~~الذين كانوا يعرفون نبوته ويقرون به ويذكرونه قبل أن يبعث لم يكونوا كلهم ~~كفارا بل كان الإيمان أغلب عليهم # يبين هذا أنه إذا ذكر تفرق الذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءتهم البينة ~~فإنه يعمهم فيقول ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة ( وأنه لا يقول كان الكفار من أهل الكتاب متفقين على الحق حتى ~~جاءتهم البينة # وأيضا فاستعمال لفظ ( الإنفكاك ( في هذا غير معروف لا يعرف في اللغة له ~~شاهد فتسمية الإفتراق والإختلاف ( إنفكاكا ( غير معروف # وأيضا فهو لم يذكر ل ( منفكين ( خبرا كما يقال ما انفكوا يذكرون محمدا ~~وما زالوا يؤمنون به ونحو ذلك وهذه التى هي من أخوات ( كان ( لا يقال فيها ~~( ما كنت منفكا ( بل يقال ( ما إنفككت أفعل كذا ( فهو يلي حرف ( ما ( # وأيضا فليس في اللفظ ما يدل على أن الإنفكاك عن أمر محمد خاصة وأيضا فهذا ms5084 ~~المعنى مذكور في قوله ( وما تفرق الذين أوتوا PageV16P488 الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة ( فلو أريد بهذه لكان تكريرا محضا # والقول الأول أشهر عند المفسرين ومنهم من يذكر غيره كالبغوي وغيره فإنه ~~معروف عن مجاهد والربيع بن أنس كما في التفسير المعروف عن بن أبى نجيح عن ~~مجاهد ( منفكين ( قال منافقين لم يكونوا ليؤمنوا حتى تبين لهم الحق وقال ~~الربيع بن أنس لم يزالوا مقيمين على الشك والريبة حتى جاءتهم البينة والرسل # وهذا القول يتضمن مدحهم والثناء عليهم بعد مجيء البينة ولهذا إحتاج من ~~قاله إلى أن يقول هذا فيمن آمن من الفريقين في أنه بيان لنعمة الله عليهم ~~وجعلوا قوله ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ( فيمن لم يؤمن منهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم # وهذا أيضا ضعيف فإن أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا قبل إرسال محمد إليهم كما ~~أخبر الله بذلك في غير موضع فقال تعالى ( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ~~والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات ~~من الأمر فما إختلفوا إلا من PageV16P489 بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ~~ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ( وقال ( ثم جعلناك على ~~شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ( وقال تعالى ( كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ( ثم قال ( وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما ~~إختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # ( فأخبر أن الله هدى المؤمنين لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فكان ~~الإختلاف قبل وجود أمة محمد صلى الله عليه وسلم # وقال تعالى ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ( وقال تعالى ( ولقد بوأنا بنى إسرائيل ~~مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي ms5085 ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ( ثم قال تعالى ( فإن كنت في شك ~~مما أنزلنا إليك فاسئل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك ~~فلا تكونن من الممترين ( # وقال تعالى ( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قلك فزين لهم PageV16P490 ~~الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب ~~إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ( فقد أخبر تعالى ~~أنه أرسل إلى أمم من قبل محمد وأن الشيطان زين لهم أعمالهم وهو حين يبعث ~~محمد وليهم وأنه أنزل إليهم الكتاب ليبين لهم الذي اختلفوا فيه # وقال تعالى ( إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذي هم فيه ~~يختلفون وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ( وقال لأمة محمد ( ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ( فهذا بين ~~أنهم تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات قبل محمد وقد نهى الله أمته ~~أن يكونوا مثلهم # وقد قال تعالى ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ~~ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ( وقال عن اليهود ~~( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ( وقال ( وقطعناهم في ~~الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ( # وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسند من وجوه عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث ~~وسبعين فرقة ( وإن كان بعض الناس كابن حزم يضعف هذه الأحاديث فأكثر أهل ~~العلم قبلوها وصدقوها PageV16P491 وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~وإختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما إستطعتم ( # وفى الصحيحين عنه أنه قال ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم ~~أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي إختلفوا فيه ~~فهدانا الله له الناس لنا فيه تبع غدا ms5086 لليهود وبعد غد للنصارى ( # وهذا معلوم بالتواتر أن أهل الكتاب إختلفوا وتفرقوا قبل إرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم بل اليهود إفترقوا قبل مجيء المسيح ثم لما جاء المسيح ~~إختلفوا فيه ثم إختلف النصارى إختلافا آخر # فكيف يقال أن قوله ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة ( هو فيمن لم يؤمن بمحمد منهم # وأيضا فالذين كفروا بمحمد كفار وهم المذكورون في قوله ( لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم PageV16P492 البينة ( وهم ~~تفرقوا واختلفوا فيما جاءت به الأنبياء قبل محمد وكفر من كفر منهم قبل ~~إرسال محمد # وكان منهم من لم يكفر بل كان مؤمنا بالأنبياء كما قال تعالى ( ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ~~ومنهم دون ذلك ( وقال تعالى ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ~~آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ( وقال ~~تعالى ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ( # وفى صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل ~~الكتاب وأن ربى قال لي قم في قريش فأنذرهم فقلت أي رب إذا يثلغوا رأسي حتى ~~يدعوه خبزة فقال إنى مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء ~~تقرأه نائما ويقظانا فابعث جندا نبعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك ( ~~والحديث أطول من هذا PageV16P493 # والمقصود هنا الكلام على الآية فنقول القول الثالث وهو أصح الأقوال لفظا ~~ومعنى # أما من جهة اللفظ ودلالته وبيانه فإن هذا اللفظ هو مستعمل فيما يلزم به ~~الإنسان يعنى إختياره ويقهر عليه إذا تخلص منه يقال إنفك منه كالأسير ~~والرقيق المقهور بالرق والأسر يقال فككت الأسير ms5087 فإنفك وفككت الرقبة قال ~~تعالى ( وما أدراك ما العقبة فك رقبة ( # وقال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عودوا ~~المريض وأطعموا الجائع وفكوا العانى ( وفى الصحيح أيضا أن عليا لما سئل عما ~~في الصحيفة فقال فيها العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر # ففكه فصله عمن يقهره ويستولى عليه بغير إختياره والتفريق بينهما # ويقال فلان ما يفك فلانا حتى يوقعه في كذا وكذا والمتولي لا يفك هذا حتى ~~يفعل كذا يقال لمن لزم غيره واستولى عليه إما بقدرة وقهر وإما بتحسين ~~وتزيين وأسباب حتى يصير بها مطيعا له PageV16P494 ويقال للمستولى عليه هو ~~ما ينفك من هذا كما لا ينفك الأسير والرقيق من المستولى عليه # فقوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ( أي لم ~~يكونوا متروكين بإختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه لا حجر عليهم كما أن ~~المنفك لا حجر عليه وهو لم يقل ( مفكوكين ( بل قال ( منفكين ( وهذا أحسن ~~فإنه نفى لفعلهم ولو قال ( مفكوكين ( كان التقدير لم يكونوا مسيبين مخلين ~~فهو نفي لفعل غيرهم والمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون ~~ولا ترسل إليهم رسل بل يفعلون ما شاؤا مما تهواه الأنفس # والمعنى أن الله ما يخليهم ولا يتركهم فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولا ~~وهذا كقوله ( أيحسب الإنسان ان يترك سدى ( لا يؤمر ولا ينهى أي أيظن أن هذا ~~يكون هذا ما لا يكون ألبتة بل لابد أن يؤمر وينهى # وقريب من ذلك قوله تعالى ( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في ~~أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين ( ~~وهذا إستفهام إنكار أي لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر ونعرض عن إرسال الرسل ~~ومن كره إرسالهم PageV16P495 فإن الأول تكذيب بوجودهم والثانى يتضمن بغضهم ~~وكراهة ما جاؤا به قال تعالى ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ~~( وقال عن مؤمن آل فرعون ( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في ms5088 شك ~~مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله ~~من هو مسرف مرتاب ( # وأما من كذب بهم بعد الإرسال فكفره ظاهر ولكن من ظن أن الله لا يرسل إليه ~~رسولا وأنه يترك سدى مهملا لا يؤمر ولا ينهى فهذا أيضا مما ذمه الله إذا ~~كان لابد من إرسال الرسل وإنزال الكتب كما أنه أيضا لابد من الجزاء على ~~الأعمال بالثواب والعقاب وقيام القيامة # ولهذا ينكر سبحانه على من ظن أن ذلك لا يكون فقال تعالى ( وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار ( وقال تعالى ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون ( وقال تعالى ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن ~~الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم ( وقال ( وخلق ~~الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ( ~~PageV16P496 و قال عن أولي الألباب ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم ويتفكرون في خلق السموت والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا ~~عذاب النار ( ونحوه في القرآن مما يبين أن الأمر والنهي والثواب والعقاب ~~والمعاد مما لابد منه وينكر على من ظن أو حسب أن ذلك لا يكون وهو يقتضي ~~وجوب وقوع ذلك وأنه يمتنع أن لا يقع # وهذا متفق عليه بين أهل الملل المصدقين للرسل من المسلمين وغيرهم من جهة ~~تصديق الخبر فإن الله أخبر بذلك وخبره صدق فلابد من وقوع مخبره وهو واجب ~~بحكم وعده وخبره فإنه إذا علم أن ذلك سيكون وأخبر أنه سيكون فلابد أن يكون ~~فيمتنع أن يكون شيء على خلاف ما علمه وأخبر به وكتبه وقدره # وأيضا فإنه قد شاء ذلك وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولابد أن يقع كل ما ~~شاءه # لكن هل يقال إن المشيئة موجبة فيه نزاع وكذلك يقال ms5089 إن ذلك وجب لإيجابه له ~~على نفسه أو لإقتضاء حكمته ذلك فيه أيضا نزاع # وما أقسم ليفعلنه فلابد أن يقع والقسم متضمن معنى الخبر PageV16P497 و ~~معنى الحض والطلب لكن في ثبوت الثاني في حق الله نزاع بين الناس كقوله ( ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( وقوله ( وإذ تأذن ربك ليبعثن ~~عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذب ( # والذين قالوا إن حكمته أو حكمه أو مشيئته توجب ذلك يقولون إن ذلك قد يعرف ~~بالعقل فيقولون أنه قد يعرف بالعقل أنه لابد من إرسال الرسل وأن ذلك واجب ~~في حكمه وحكمته وهذا قول كثير من الطوائف أو أكثرهم # ومنهم من يقول لا يعلم شيء من ذلك إلا بالخبر وهذا قول الجهمية والأشعرية ~~وذاك قول المعتزلة والكرامية والحنفية أو أكثرهم # وأما أصحاب مالك والشافعى وأحمد فمنهم من يقول بهذا ولكن جمهور الفقهاء ~~مع السلف يثبتون الحكمة والتعليل وإنما ينفى ذلك منهم من وافق الجهمية ~~المجبرة كالأشعرى ومن وافقه # وكذلك جمهورهم يثبتون للأفعال صفات بها كانت حسنة أو سيئة قبيحة لا ~~يجعلون حسنها وقبحها ترجيحا لأحد الأمرين بلا مرجح بل لمحض المشيئة كما ~~تقوله الجهمية ومن وافقهم PageV16P498 # هذا قول الأئمة والجمهور كما أن الأئمة والجمهور على إثبات القدر ~~والإيمان به وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا ~~يقولون بقول من أنكر القدر من المعتزلة ونحوهم ولا بقول من أنكر حكمة الرب ~~من الجهمية المجبرة ونحوهم # فلا يقولون بقول القدرية النفاة للقدر ولا بقول القدرية المجبرة الذين ~~يستلزم قولهم إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد والجزاء بالثواب والعقاب ~~لا سيما من أفصح منهم بذلك أو قال إن من شهد القدر سقط عنه الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد # فآمنوا بما جاءت به الرسل في الجملة وأوجبوا ما أوجبه الله وحرموا ما ~~حرمه الله وآمنوا بالجنة والنار واجتهدوا في متابعة الرسل لكن أخطاؤا حيث ~~نفوا القدر وظنوا أن إثباته يناقض الأمر والنهي [ والوعد ] والوعيد وأنه لا ~~يتم إيمانهم بأن ms5090 الله عادل صادق حتى يكذبوا بالقدر وبإخراج أهل الكبائر من ~~النار ظنا منهم أن الله أخبر بأن كل من كان له ذنب يستحق به العذاب لا ~~يخرجه من النار ولا يرحمه أبدا فلم يجوزوا أن يعذب بذنبه ثم يرحم بل عندهم ~~من كان له ذنب يستحق به العذاب لم يرحم أبدا # وهم وإن كانوا لم يتعمدوا تكذيب الرسل فقولهم هذا يتضمن PageV16P499 ~~مخالفة الأخبار المتواترة عند أهل العلم بالحديث عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم في خروج أهل الذنوب من النار وشفاعة الشفعاء فيهم ويتضمن أنهم آيسوا ~~الخلق من رحمة الله مع تكذيبهم بعموم خلق الله ومشيئته وقدرته حيث زعموا أن ~~من الحوادث ما لا يقدر عليه ولا يشاؤه ولا يخلقه # وتشبهوا بالمجوس من هذا الوجه حتى قيل القدرية مجوس هذه الأمة # وقابلهم أولئك فتوقفوا في خبر الله مطلقا حتى أنكروا صنفي العموم فلم ~~يعلموا بخبره ما أخبر به من الوعد والوعيد # فلا يجزمون بالنجاة للصنف الذين يعلم الله أنهم آمنوا وعملوا الصالحات ~~وكانوا من أعظم الناس طاعة لله إذا كان لأحدهم سيئة واحدة صغيرة ولا ~~بالعذاب للصنف الذين يعلم الله أنهم أفجر أهل القبلة وشرها بل يجوزون مع ~~علم الله بهذا وبهذا أن يعذب أهل الحسنات الكبيرة على سيئة صغيرة عذابا ما ~~يعذبه أحدا من أهل القبلة وأن يدخل فجار أهل القبلة الجنة مع السابقين ~~الأولين # وبسط الكلام على هؤلاء وهؤلاء له مقام آخر PageV16P500 # والمقصود هنا أن هذه السورة دلت على ما تدل عليه مواضع أخر من القرآن من ~~أن الله يرسل الرسل إلى الناس تأمرهم وتنهاهم يرسلهم مبشرين ومنذرين كما ~~قال تعالى ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ( ينذرون الذين أساؤا ~~عقوبات أعمالهم ويبشرون الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالنعيم المقيم و ( أن ~~لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا ( # فقوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم ~~البينة ( بيان منه أن الكفار لم يكن الله ليدعهم ويتركهم على ما هم عليه من ~~الكفر بل لا يفكهم ms5091 حتى يرسل إليهم الرسول بشيرا ونذيرا ( ليجزي الذين أساؤا ~~بما عملوا ويجزئ الذين أحسنوا بالحسنى ( # ومما يبين ذلك أن ( حتى ( حرف غاية وما بعد الغاية يخالف ما قبلها كما في ~~قوله ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ( وقوله ( حتى ~~يطهرن ( وقوله ( حتى تنكح زوجا غيره ( ونظائر ذلك # فلو أريد أنهم لم يكونوا منتهين ويؤمنون حتى يتبين لهم الحق لزم أن ~~يكونوا كلهم بعد مجيئ البينة قد إنتهوا وآمنوا فإن اللفظ عام فيهم ~~PageV16P501 # وكذلك لو كان المراد أنهم كانوا متفقين على تصديق الرسول حتى بعث لزم أن ~~يكونوا كلهم كانوا يعرفونه قبل إرساله إليهم وأنهم كلهم بعد إرساله تفرقوا ~~واختلفوا وكلاهما باطل فكثير منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ولم ~~يكونوا يعرفون ما في الكتب من بعثه ومن أمور أخر ولما بعث فقد آمن به خلق ~~كثير منهم ولم يتفرقوا كلهم عن الإيمان به # وحينئذ فالآية لم تتضمن مدحهم مطلقا كما ظن من ظن أن معناها أنهم لم ~~ينتهوا ولم يؤمنوا حتى يتبين لهم الحق ولا تتضمن ذمهم مطلقا كما ظن من ظن ~~أنهم لما جاءهم الرسول تفرقوا واختلفوا بعد ما كانوا متفقين على التصديق بل ~~تضمنت مدح من آمن منهم بالرسول وذم من لم يؤمن والإخبار أنه لابد من إرسال ~~الرسول إليهم فيؤمن به بعضهم ويكفر بعض # قال تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~إقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما إقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد PageV16P502 # ثم أن الذين آمنوا بالرسل لابد أن يمتحنهم ليميز بين الصادق والكاذب كما ~~قال تعالى ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا ~~الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ( ثم قال ( أم ~~حسب الذين يعملون السيئات أن ms5092 يسبقونا ساء ما يحكمون ( # فالناس إذا أرسل إليهم أحد رجلين إما رجل آمن بهم في الظاهر فلابد أن ~~يمتحن حتى يتبين الصادق من الكاذب وإما رجل عمل السيئات ولم يؤمن فلا يفوت ~~الله بل هو آخذه سبحانه وتعالى # ولهذا إنقسم الناس في الرسل إلى ثلاثة أقسام مؤمن باطن وظاهر وكافر مظهر ~~للكفر ومنافق مظهر للإيمان مبطن للكفر ومن حين هاجر النبى صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة حصل هذا الإنقسام وأنزل الله تعالى في أول البقرة أربع ~~آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في صفة ~~المنافقين # وأما حين كان بمكة وكان المؤمنون مستضعفين فلم يكن أحد يحتاج PageV16P503 ~~إلى النفاق بل كان من المؤمنين من يكتم إيمانه من كثير من الناس ومنهم من ~~يتكلم بالكفر مكرها مع طمأنينة قلبه بالإيمان وهذا مؤمن باطنا وظاهرا فإنه ~~وإن أظهر الكفر لبعض الناس ما أكره عليه أو كتم عنه إيمانه فهو يتكلم ~~بالإيمان في خلوته ومع من يأمنه ويعمل بما يمكنه وما عجز عنه فقد سقط عنه # ولهذا قال العلماء منهم أحمد بن حنبل لم يكن يمكنهم نفاق إنما كان النفاق ~~بالمدينة # ولكن كان بمكة من في قلبه مرض كما قال في السورة المكية ( ولا يرتاب ~~الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا ( # وهو سبحانه قد ذكر أن المظهرين للإيمان ما كان ليدعهم حتى يميز الخبيث من ~~الطيب ويمتحنهم كما قال تعالى ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ( وقال ( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ~~والله خبير بما تعملون ( وقال تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم ~~مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ( وأمثال ذلك ~~PageV16P504 # فكذلك الذين كفروا لم يكن ليتركهم ms5093 حتى يبعث إليهم الرسول بالآيات البينات ~~فهذا معنى قوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة ( وهم إذا جاءتهم البينة منهم من يؤمن ومنهم من يكفر وإذا ~~قيل إن الآية بعد ذلك المعنى الآخر وهو أنهم لم يكونوا ليهتدوا ويعرفوا ~~الحق ويؤمنوا حتى تأتيهم البينة إذ لا طريق لهم إلى معرفة الحق إلا برسول ~~يأتي من الله أيضا أو لم يكونوا منتهين متعظين وإن عرفوا الحق حتى يأتيهم ~~من الله من يذكرهم فهذا المعنى لا يناقض ذاك # بخلاف قول من قال لم يكن المشركون وأهل الكتاب تاركين لمعرفة محمد ولذكره ~~ولم يكونوا متفرقين فيه بل متفقين على الإيمان به حتى جاءتهم البينة فتركوا ~~الإيمان به وتفرقوا فإن هذا غير مراد قطعا # ومما يبين ذلك قوله ( حتى تأتيهم البينة ( ولم يقل ( حتى أتتهم ( وأولئك ~~لما لم يفهموا معنى الآية ظنوا أن الموضع موضع الماضي وأن المراد ما إنفكوا ~~عما كانوا عليه إما من كفر وإما من إيمان حتى أتتهم البينة فلما قيل ( حتى ~~تأتيهم البينة ( أشكل عليهم وقال PageV16P505 بعضهم لما تأتهم كلها وأما ~~على المعنى الصحيح فالموضع موضع المضارع كقوله تعالى ( ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ( فإن المراد ما كانوا ~~مفكوكين متروكين حتى تأتيهم البينة # وهو سبحانه قال ( لم يكن الذين كفروا ( و ( لم ( وإن كانت تقلب المضارع ~~ماضيا فذاك إذا تجرد فقيل ( لم يأت ( و ( لم يذهب ( فمعناه ( ما أتى ( و ( ~~ما ذهب ( # وأما إذا قيل ( لم يكن يفعل هذا ( و ( لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم ~~سبيلا ( فالمقصود معنى الفعل الدائم مطلقا وإذا قيل ( لم يكن فلان آتيا حتى ~~يذهب إليه فلان ( بخلاف ما إذا قلت ( لم يكن فلان قد أتى حتى ذهب إليه فلان ~~( ولو قيل ( ما كان فلان فاعلا لهذا حتى يكون كذا ( كان نحو ذاك بخلاف ما ~~إذا قيل ( ما كان فلان قد فعل حتى أتى فلان ( # فنفى المضارع الذي خبره ms5094 إسم فاعل وهو الدائم والمراد لم يكونوا في الحال ~~والإستقبال متروكين حتى تأتيهم البينة ولو قيل هنا ( حتى أتتهم البينة ( لم ~~يكن موضعه PageV16P506 # وكذلك لو أراد الإنتهاء عن الكفر والإيمان لقيل ( حتى تأتيهم البينة ( أي ~~لم يكونوا يعرفون الحق حتى يأتيهم نبى يعرفهم أو لم يكونوا متعظين عاملين ~~حتى يأتي من يعظهم ويذكرهم فليس هذا موضع لماضي بخلاف ما لو قيل ( ما زالوا ~~كافرين حتى أتاهم # ( فالآية تتضمن الإخبار عن وجوب إثبات البينة وإمتناع الإنفكاك بدونها لم ~~يقصد بها مجرد الخبر عن عدم الإنفكاك ثم ثبوته في الماضي وهو كما قيل ( لم ~~يكونوا ينفكوا حتى تأتيهم البينة ( لكن هنا ذكر إسم الفاعلين فقيل ( منفكين ~~( # وهو سبحانه لما ذكر أنه لابد من إرسال الرسل إلى الذين كفروا من المشركين ~~وأهل الكتاب لتقوم عليهم الحجة بذلك ذكر بعد هذا أن أهل الكتاب الذين آمنوا ~~بالرسل ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة وقامت عليهم الحجة فبينات ~~الله وحجته قامت على هؤلاء وهؤلاء # وهو لم يعذب واحدا من الحزبين إلا بعد أن جاءتهم البينة وقامت عليهم ~~الحجة كما في قصة موسى ومن أرسل إليه فإن الله لم يدع فرعون وقومه حتى أرسل ~~إليهم موسى ولم يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة ثم لما آمن بنو إسرائيل بالكتب ~~والرسل لم يتفرقوا ويختلفوا إلا من PageV16P507 بعد ما جاءتهم البينة فلم ~~يكونوا معذورين في ذلك # ولهذا نهيت أمة محمد عن التشبه بهم فقيل ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات # والناس الذين بعث إليهم محمد هم كذلك فمن كان كافرا لم يكن منفكا حتى ~~تأتيه البينة ومن آمن بمحمد من الأمم ثم تفرقوا وإختلفوا فما اختلفوا إلامن ~~بعد ما جاءتهم البينة # وما أمر الجميع ( إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ) # والآية تضمنت مدح الرب وذكر حكمته وعدله وحجته في أنه لا يدعهم حتى يرسل ~~إليهم رسولا كما قال لأهل الكتاب ( قد جاءكم رسولنا يبين لكم ms5095 على فترة من ~~الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ( الآية ~~لم تتضمن مدحهم على بقائهم على الكفر حتى يأتي الرسول فإن هذا غايته أن لا ~~يعاقبوا عليه حتى يأتي الرسول لا أن يحمدوا عليه حتى يأتي الرسول فإن هذا ~~لا يقوله عاقل ولم يقله أحد لا سيما وأهل الكتاب قد قامت عليهم الحجة ~~بأنبياء قبله PageV16P508 # ونظير هذا في اللفظ قوله ( وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا ~~بشق الأنفس ( ليس المراد ما كنتم بالغيه في الماضي بل هذه حالهم دائما # فقوله ( لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم ( يقتضي أن هذه حالهم ~~دائما # وتضمنت السورة ذكر أصناف الخلق وما أمر الله به جميع العباد وأن ذلك أمر ~~لابد منه لابد من إرسال الرسل وإنزال الكتب وبيان السعداء أهل الجنة ~~والأشقياء أهل النار # فقوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم ~~البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ( جملة فيه بيان إرسال [ الرسول ] إلى ~~الجميع وقوله ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( ~~فيه إقامة الحجة على أهل الشرائع وذم تفرقهم وإختلافهم وأن ذلك بعد أن ~~جاءتهم البينة # وهاتان الجملتان نظيرهما قوله ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما إختلفوا فيه ~~( ثم قال ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد PageV16P509 ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما إختلفوا فيه من الحق بإذنه ( # ومثل ذلك قوله تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا ~~إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ~~كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي إليه من ~~ينيب ( ثم قال ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا ~~كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من ms5096 ~~بعدهم لفي شك منه مريب ( وقوله ( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب ( في سورة ( هود ( ~~وسورة ( عسق ( # ثم ذكر ما أمربه الجميع بقوله ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ( # ثم ذكر عاقبة الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين وعاقبة الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات PageV16P510 ### ||| فصل # وقوله ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( قال ~~طائفة من المفسرين هو تفرقهم في محمد بعد أن كانوا مجتمعين على الإيمان به # ثم من هؤلاء من جعل تفرقهم إيمان بعضهم وكفر بعض قال البغوي ثم ذكر من لم ~~يؤمن من أهل الكتاب فقال ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة ( أى البيان في كتبهم انه نبى مرسل قال المفسرون لم يزل أهل ~~الكتاب مجتمعين في تصديق محمد حتى بعثه الله فلما بعث تفرقوا في أمره ~~واختلفوا فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم # وهكذا ذكر طائفة في قوله ( ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من ~~الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ( قال أبو الفرج قال بن عباس ما ~~اختلفوا في أمر محمد لم يزالوا به مصدقين حتى جاءهم العلم يعني القرآن وروى ~~عنه حتى جاءهم العلم يعني محمدا فعلى هذا يكون العلم هنا عبارة عن المعلوم ~~وبيان هذا أنه لما جاءهم PageV16P511 اختلفوا في تصديقه فكفر به أكثرهم ~~بغيا وحسدا بعد أن كانوا مجتمعين على تصديقه بغيا وحسدا # ومنهم من جعل المتفرقين كلهم كفارا قال بن عطية ثم ذكر تعالى مذمة من لم ~~يؤمن من أهل الكتاب من بني إسرائيل من أنهم لم يتفرقوا في أمر محمد إلا من ~~بعد أن رأوا الآيات الواضحة وكانوا من قبل متفقين على نبوته وصفته فلما جاء ~~من العرب حسدوه # وكذلك قال الثعلبى ما تفرق الذين أوتوا الكتاب في أمر محمد فكذبوه إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة البيان في ms5097 كتبهم أنه نبى مرسل قال العلماء من أول هذه ~~السورة إلى قوله ( فيها كتب قيمة ( حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين ~~( وما تفرق ( حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليه # وكذلك قال أبو الفرج قال ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ( يعني من لم ~~يؤمن ( إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( وفيها ثلاثة أقوال # ( أحدها ( أنه محمد والمعنى لم يزالوا مجتمعين على الإيمان به حتى بعث ~~قاله الأكثرون PageV16P512 # ( والثاني ( القرآن قاله أبو العالية # ( والثالث ( ما في كتبهم من بيان نبوته ذكره الماوردي # ( قلت ( هذا هو الذي قطع به أكثر المفسرين ولم يذكر الثعلبى والبغوي ~~وغيرهما سواه # وأبو العالية إنما قال الكتاب لم يقل القرآن هكذا رواه بن أبى حاتم ~~بالإسناد المعروف عن الربيع بن أنس ( إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( قال ~~قال أبو العالية الكتاب ومراد أبي العالية جنس الكتاب فيتناول الكتاب الأول ~~كما قال ( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ( في موضعين من القرآن وقال ~~تعالى ( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه ( ثم قال ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه ( # وهذا التفسير معروف عن أبى العالية ورواه عن أبى بن كعب ورواه إبن أبى ~~حاتم وغيره عن الربيع عن أبى العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها ( كان ~~الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله PageV16P513 النبيين مبشرين ومنذرين ( ~~وأن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب عند الإختلاف ( وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ( قال أنزل الكتاب عند الإختلاف ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ( ~~يعنى بنى إسرائيل أوتوا الكتاب والعلم ( من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم ( يقول بغيا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها أيهم يكون له ~~الملك والمهابة في الناس فبغى بعضهم على بعض وضرب بعضهم رقاب بعض ( فهدى ~~الله الذين آمنوا لما إختلفوا فيه من الحق بإذنه ms5098 ( يقول فهداهم الله عند ~~الإختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الإختلاف أقاموا على ~~الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأقاموا ~~على الأمر الأول الذي كان قبل الإختلاف واعتزلوا الإختلاف فكانوا شهداء على ~~الناس يوم القيامة كانوا شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب ~~وآل فرعون أن رسلهم قد بلغتهم وأنهم كذبوا رسلهم # قلت الإختلاف في كتاب الله نوعان ( أحدهما ( يذم فيه المختلفين كلهم ~~كقوله ( وإن الذين إختلفوا في الكتاب لفى شقاق بعيد ( وقوله ( ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك ( والثاني ( يمدح المؤمنين ويذم الكافرين كقوله ( ~~ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن ~~إختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء PageV16P514 الله ما إقتتلوا ~~ولكن الله يفعل ما يريد ( وقوله ( هذان خصمان إختصموا في ربهم فالذين كفروا ~~قطعت لهم ثياب من نار ( إلى قوله ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ( وقوله ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد ( # وإذا كان كذلك فالذي ذمه من تفرق أهل الكتاب وإختلافهم ذم فيه الجميع ~~ونهى عن التشبه بهم فقال ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات ( وقال ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم ( # وذلك بأن تؤمن طائفة ببعض حق وتكفر بما عند الأخرى من الحق وتزيد في الحق ~~باطلا كما إختلف اليهود والنصارى في المسيح وغير ذلك وحينئذ نقول من قال إن ~~أهل الكتاب ما تفرقوا في محمد إلا من بعد ما بعث إرادة إيمان بعضهم وكفر ~~بعضهم كما قاله طائفة فالمذموم هنا من كفر لا من آمن فلا يذم كل المختلفين ~~ولكن يذم من كان يعرف أنه رسول فلما جاء كفر به حسدا أو بغيا كما قال تعالى ~~( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ms5099 وكانوا من قبل PageV16P515 ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين ( # وإن أريد بالتفرق فيه أنهم كلهم كفروا به وتفرقت أقوالهم فيه فليس الأمر ~~كذلك وقد بين القرآن في غير موضع أنهم تفرقوا واختلفوا قبل إرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم فإختلاف هؤلاء وتفرقهم في محمد صلى الله عليه وسلم هو من ~~جملة ما تفرقوا وإختلفوا فيه والله أعلم PageV16P516 # سورة التكاثر قال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # سورة التكاثر ( قيل فيها ( حتى زرتم المقابر ( تنبيها على أن الزائر لابد ~~أن ينتقل عن مزاره فهو تنبيه على البعث # ثم قال ( كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ( فهذا خبر عن علمهم في ~~المستقبل ولهذا روى عن علي أنه في عذاب القبر ثم قال ( كلا لو تعلمون علم ~~اليقين ( فهذا إشارة إلى علمهم في الحال والخبر محذوف أي لكان الأمر فوق ~~الوصف ولعلمتم أمرا عظيما ولألهاكم عما ألهاكم فإن الإلتهاء بالتكاثر إنما ~~وقع من الغفلة وعدم اليقين كما قال ( كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ( ~~ومثل قول النبى صلى الله عليه وسلم ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا ( وحذف جواب لو كثير في القرآن تعظيما له وتفخيما فإنه أعظم ~~PageV16P517 من أن يوصف أو يتصور بسماع لفظ إذ المخبر ليس كالمعاين ولهذا ~~إتبع ذلك بالقسم على الرؤية التى هي عين اليقين التى هي فوق الخبر الذي هو ~~علم اليقين فقال ( لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ( وهذا الكلام جواب ~~قسم محذوف مستقبل مع كون جواب لو محذوفا كما تقدم في أحد القولين وفى الآخر ~~هو متعلق بلو لكن يقال جواب لو إنما يكون ماضيا فيقال لرأيتم الجحيم كقول ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( لو تكونون على الحال التى تكونون عندي لصافحتكم ~~الملائكة في طرقكم وعلى فرشكم ( ولو كان ماضيا فليس مما يؤكد بل يقال لو ~~يجيء لأجي وجواب هذا أنه جواب قسم محذوف سد مسد جواب لو كقوله ( وإن ~~أطعتموهم أنكم لمشركون ( وله نظائر في القرآن ms5100 وكلام العرب فإن الكلام إذا ~~اشتمل على قسم وشرط وكل منهما يقتضي جوابه أجيب الأول منهما وهو هنا القسم ~~وهو المقصود # وعلى هذا القول يكون المعنى والله لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ~~بقلوبكم والأول هو المشهور ومن المفسرين من لم يذكر سواه وهو الذي أثروه عن ~~متقدميهم ويدل على صحته وأنه الحق أن قوله ( ثم لترونها ثم لتسألن ( معطوف ~~على ما قبله فيكون داخلا في حيزه فلو كان الأول معلقا بالشرط لكان المعطوف ~~عليه PageV16P518 كذلك وهو باطل لأن رؤيتها عين اليقين والمسألة عن النعيم ~~ليس معلقا بأن يعلموها في الدنيا علم اليقين # وأيضا فتفسير الرؤية المطلقة برؤية القلب ليس هو المعروف من كلام العرب # وأيضا فيكون الشرط هو الجواب فإن المعنى حينئذ لو علمتم علم اليقين ~~لرأيتم بقلوبكم وذلك هو العلم فالمعنى لو علمتم لعلمتم وهذا لا يفيد ولو ~~أريد بمشاهدة القلب قدر زائد على مجرد العلم فهذا معلوم أن من علم الشيء ~~أمكنه أن يجعل مشاهدا له بقلبه # وأيضا فهذا المعنى لو كان مفيدا لم يكن مما يستحق القسم عليه فإنه ليس ~~بطائل # وأيضا فقوله ( لو تعلمون علم اليقين ( لم يذكر المعلوم حتى يستلزم العلم ~~به العلم بالجحيم فإن أريد معلوم خاص فلا دليل في الشرط عليه حتى يصح ~~الإرتباط وإن أريد المعلوم العام وهو ما بعد الموت فذاك يستلزم العلم ~~بالجحيم وغيرها وهذا فيه نظر فقد يسأل ويقال قوله ( سوف تعلمون ثم كلا سوف ~~تعلمون ( لم يذكر PageV16P519 فيه المعلوم بل أطلق ومعلوم أن كل أحد سوف ~~يعلم شيئا لم يكن علمه وجوابه أن سياق الكلام يقتضي الوعيد والتهديد حيث ~~إفتتحه بقوله ( ألهاكم التكاثر ( # وأيضا فمثل هذا الكلام قد صار في العرف يستعمل في الوعيد غالبا أو في ~~الوعد وإذا كان العلم مقيدا بالسياق اللفظي وبالوضع العرفي فقوله ( لو ~~تعلمون ( هو ذاك العلم أخبر بوقوعه مستقبلا ثم علق بوقوعه حاضرا وقيد ~~المعلق به بعلم اليقين فإنهم قد يعلمون ما بعد الموت لكن ليس علما هو يقين ~~PageV16P520 سورة الهمزة ms5101 قال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # قوله ( ويل لكل همزة لمزة ( هو الطعان العياب كما قال ( هماز مشاء بنميم ~~( وقال ( ومنهم من يلمزك في الصدقات ( وقال ( الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين ( والهمز أشد لأن الهمز الدفع بشدة ومنه الهمزة من الحروف وهي ~~نقرة في الحلق ومنه ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ( ومنه قول النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ( ~~وقال ( همزه الموتة ( وهي الصرع فالهمز مثل الطعن لفظا ومعنى # واللمز كالذم والعيب وإنما ذم من يكثر الهمز واللمز فإن الهمزة واللمزة ~~هو الذي يفعل ذلك كثيرا والهمزة واللمزة ( PageV16P521 الذي يفعل ذلك به ~~كما في نظائره مثل الضحكة والضحكة واللعبة واللعبة وقوله ( الذي جمع مالا ~~وعدده ( وصفه بالطعن في الناس والعيب لهم وبجمع المال وتعديده وهذا نظير ~~قوله ( إن الله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ( في ( النساء ( و ( ~~الحديد ( فإن الهمزة اللمزة يشبه المختال الفخور والجماع المحصي نظير ~~البخيل وكذلك نظيرهما ( قوله هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ~~ذلك زنيم ( وصفه بالكبر والبخل وكذلك قوله ( وأما من بخل وإستغنى ( فهذه ~~خمس مواضع وذلك ناشيء عن حب الشرف والمال فإن محبة الشرف تحمل على إنتقاص ~~غيره بالهمز واللمز والفخر والخيلاء ومحبة المال تحمل على البخل وضد ذلك من ~~أعطى فلم يبخل وإتقى فلم يهمز ولم يلمز وأيضا فإن المعطى نفع الناس والمتقى ~~لم يضرهم فنفع ولم يضر وأما المختال الفخور البخيل فإنه ببخله منعهم الخير ~~وبفخره سامهم الضر فضرهم ولم ينفعهم وكذلك ( الهمزة الذي جمع مالا ( ونظيره ~~قارون الذي جمع مالا وكان من قوم موسى فبغى عليهم # ومن تدبر القرآن وجد بعضه يفسر بعضا فإنه كما قال بن عباس في رواية ~~الوالبي مشتمل على الأقسام والأمثال وهو تفسير ( متشابها مثاني PageV16P522 # ولهذا جاء كتاب الله جامعا كما قال صلى الله عليه وسلم ( أعطيت جوامع ~~الكلم ( وقال تعالى ( كتابا متشابها مثاني ( فالتشابه يكون في الأمثال ~~والمثاني في الأقسام فإن ms5102 التثنية في مطلق التعديد كما قد قيل في قوله ( ~~إرجع البصر كرتين ( وكما في قول حذيفة ( كنا نقول بين السجدتين رب إغفر لي ~~رب إغفر لي ( وكما يقال فعلت هذا مرة بعد مرة فتثنية اللفظ يراد به التعديد ~~لأن العدد ما زاد على الواحد وهو أول التثنية وكذلك ثنيت الثوب أعم من أن ~~يكون مرتين فقط أو مطلق العدد فهو جميعه متشابه يصدق بعضه بعضا ليس مختلفا ~~بل كل خبر وأمر منه يشابه الخبر لإتحاد مقصود الأمرين ولإتحاد الحقيقة التى ~~إليها مرجع الموجودات # فلما كانت الحقائق المقصودة والموجودة ترجع إلى أصل واحد وهو الله سبحانه ~~كان الكلام الحق فيها خبرا وأمرا متشابها ليس بمنزلة المختلف المتناقض كما ~~يوجد في كلام أكثر البشر والمصنفون الكبار منهم يقولون شيئا ثم ينقضونه وهو ~~جميعه مثانى لأنه إستوفيت فيه الأقسام المختلفة فإن الله يقول ( ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين ( فذكر الزوجين مثاني والإخبار عن الحقائق بما هي عليه بحيث ~~يحكم على الشيء بحكم نظيره وهو حكم على المعنى الواحد المشترك خبرا أو طلبا ~~خطاب متشابه فهو متشابه مثاني PageV16P523 # وهذا في المعاني مثل الوجوه والنظائر في الألفاظ فإن كل شيئين من الأعيان ~~والأعراض وغير ذلك إما أن يكون أحدهما مثل الآخر أو لا يكون مثله فهي ~~الأمثال وجمعها هو التأليف وإذا جاءت بلفظ واحد كانت نظائر وإن لم يكن مثله ~~فهو خلافه سواء كان ضدا أو لم يكن وقد يقال إما أن يجمعهما جنس أولا فإن لم ~~يجمعهما جنس فأحدهما بعيد عن الآخر ولا مناسبة بينهما وإن جمعهما جنس فهي ~~الأقسام وجمعها هو التصنيف ودلالة اللفظ الواحد على المعاني المختلفة تسمى ~~الوجوه والكلام الجامع هو الذي يستوفي الأقسام المختلفة والنظائر المتماثلة ~~جمعا بين المتماثلين وفرقا بين المختلفين بحيث يبقى محيطا وإلا فذكر أحد ~~القسمين أو المثلين لا يفيد التمام ولا يكون الكلم محيطا ولا الكلم جوامع ~~وهو فعل غالب الناس في كلامهم # والحقائق في نفسها منها المختلف ومنها المؤتلف والمختلفان بينهما إتفاق ~~من وجه وإفتراق ms5103 من وجه فإذا أحاط الكلام بالأقسام المختلفة والأمثال ~~المؤتلفة كان جامعا وبإعتبار هذه المعاني كانت ضروب القياس العقلي المنطقي ~~ثلاثة الحمليات والشرطيات المتصلة والشرطيات المنفصلة # فالأول للحقائق المتماثلة الداخلة في القضية الجامعة # والثاني للمختلفات التى ليست متضادة بل تتلازم تارة ولا تتلازم أخرى ~~PageV16P524 # والثالث للحقائق المتضادة المتنافية إما وجودا أو عدما وهي النقيضان وإما ~~وجودا فقط وهو أعم من النقيضين وإما عدما فقط وهو أخص من النقيضين # فالحمليات للمثلين والأمثال والشرطيات المنفصلة للمتضادين والمتضادات ~~ويسمى التقسيم والسبر والترديد والبيانى والمتصلة للخلافين غير المتضادين ~~ويسمى التلازم سورة الكوثر وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم ~~بن عبدالسلام بن تيمية رحمه الله PageV16P525 ### || سورة الكوثر # وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ~~رحمه الله (سورة الكوثر) ما أجلها من سورة وأغزر فوائدها على اختصارها ~~وحقيقة معناها تعلم من آخرها فإنه سبحانه وتعالى بتر شانئ رسوله من كل خير ~~فيبتر ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة ويبتر حياته فلا ينتفع بها ولا ~~يتزود فيها صالحا لمعاده ويبتر قلبه فلا يعي الخير ولا يؤهله لمعرفته ~~ومحبته والإيمان برسله ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة ويبتره من الأنصار ~~فلا يجد له ناصرا ولا عونا ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة فلا يذوق ~~لها طعما ولا يجد لها حلاوة وإن باشرها بظاهره فقلبه شارد عنها وهذا جزاء ~~من شنأ بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ورده لأجل هواه أو متبوعه ~~أو شيخه أو أميره أو كبيرة كمن شنأ آيات الصفات وأحاديث الصفات وتأولها على ~~غير مراد الله PageV16P526 و رسوله منها أو حملها على ما يوافق مذهبه ومذهب ~~طائفته أو تمنى أن لا تكون آيات الصفات أنزلت ولا أحاديث الصفات قالها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # ومن أقوى علامات شناءته لها وكراهته لها أنه إذا سمعها حين يستدل بها أهل ~~السنة على ما دلت عليه من الحق إشمأز من ذلك وحاد ونفر عن ذلك لما ms5104 في قلبه ~~من البغض لها والنفرة عنها فأي شانئ للرسول أعظم من هذا وكذلك أهل السماع ~~الذين يرقصون على سماع الغنا والقصائد والدفوف والشبابات إذا سمعوا القرآن ~~يتلى ويقرأ في مجالسهم إستطالوا ذلك واستثقلوه فأي شنآن أعظم من هذا وقس ~~على هذا سائر الطوائف في هذا الباب # وكذا من آثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة فلولا أنه شانئ لما ~~جاء به الرسول ما فعل ذلك حتى إن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه ويشتغل ~~بقول فلان وفلان ولكن أعظم من شنأه ورده من كفر به وجحده وجعله أساطير ~~الأولين وسحرا يؤثر فهذا أعظم وأطم إنبتارا وكل من شنأه له نصيب من ~~الإنبتار على قدر شناءته له فهؤلاء لما شنؤه وعادوه جازاهم الله بأن جعل ~~الخير كله معاديا لهم فبترهم منه وخص نبيه صلى الله عليه وسلم بضد ذلك وهو ~~أنه أعطاه الكوثر وهو من الخير الكثير الذي آتاه الله في الدنيا ~~PageV16P527 و الآخرة فمما أعطاه في الدنيا الهدى والنصر والتأييد وقرة ~~العين والنفس وشرح الصدر ونعم قلبه بذكره وحبه بحيث لا يشبه نعيمه نعيم في ~~الدنيا ألبتة وأعطاه في الآخرة الوسيلة والمقام المحمود وجعله أول من يفتح ~~له ولأمته باب الجنة وأعطاه في الآخرة لواء الحمد والحوض العظيم في موقف ~~القيامة إلى غير ذلك وجعل المؤمنين كلهم أولاده وهو أب لهم وهذا ضد حال ~~الأبتر الذي يشنؤه ويشنأ ما جاء به # وقوله ( إن شانئك ( أي مبغضك والأبتر المقطوع النسل الذي لا يولد له خير ~~ولا عمل صالح فلا يتولد عنه خير ولا عمل صالح قيل لأبى بكر بن عياش إن ~~بالمسجد قوما يجلسون ويجلس إليهم فقال من جلس للناس جلس الناس إليه ولكن ~~أهل السنة يموتون ويحيى ذكرهم وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم لأن أهل ~~السنة أحيوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لهم نصيب من قوله ( ~~ورفعنا لك ذكرك ( وأهل البدعة شنؤا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فكان لهم نصيب من قوله ms5105 ( إن شانئك هو الأبتر ( # فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئا مما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أو ترده لأجل هواك أوإنتصارا لمذهبك أو PageV16P528 لشيخك أو ~~لأجل إشتغالك بالشهوات أو بالدنيا فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا ~~طاعة رسوله والأخذ بما جاء به بحيث لو خالف العبد جميع الخلق واتبع الرسول ~~ما سأله الله عن مخالفة أحد فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع تبعا للرسول ~~وإلا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع فاعلم ذلك واسمع وأطع واتبع ~~ولا تبتدع تكن أبتر مردودا عليك عملك بل لا خير في عمل أبتر من الإتباع ولا ~~خير في عامله والله أعلم # وقوله تعالى ( إنا أعطيناك الكوثر ( تدل هذه الآية على عطية كثيرة صادرة ~~عن معط كبير غنى واسع وأنه تعالى وملائكته وجنده معه صدر الآية ( بأن ( ~~الدالة على التأكيد وتحقيق الخبر وجاء الفعل بلفظ الماضي الدال على التحقيق ~~وأنه أمر ثابت واقع ولا يدفعه ما فيه من الإيذان بأن إعطاء الكوثر سابق في ~~القدر الأول حين قدرت مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة وحذف ~~موصوف الكوثر ليكون أبلغ في العموم لما فيه من عدم التعيين وأتى بالصفة أي ~~أنه سبحانه وتعالى قال ( إنا أعطيناك الكوثر ( فوصفه بالكوثر والكوثر ~~المعروف إنما هو نهر في الجنة كما قد وردت به الأحاديث الصحيحة الصريحة ~~وقال بن عباس الكوثر إنما هو من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه وإذا ~~كان أقل أهل PageV16P529 الجنة من له فيها مثل الدنيا عشر مرات فما الظن ~~بما لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما أعده الله له فيها فالكوثر علامة ~~وأمارة على تعدد ما أعده الله له من الخيرات واتصالها وزيادتها وسمو ~~المنزلة وارتفاعها وإن ذلك النهر وهو الكوثر أعظم أنهار الجنة وأطيبها ماء ~~وأعذبها وأحلاها وأعلاها # وذلك أنه أتى فيه بلام التعريف الدالة على كمال المسمى وتمامه كقوله زيد ~~العالم زيد الشجاع أي لا أعلم منه ولا أشجع ms5106 منه وكذلك قوله ( إنا أعطيناك ~~الكوثر ( دل على أنه أعطاه الخير كله كاملا موفرا وإن نال منه بعض أمته ~~شيئا كان ذلك الذي ناله ببركة إتباعه والإقتداء به مع أن له صلى الله عليه ~~وسلم مثل أجره من غير أن ينقص من أجر المتبع له شيء ففيه الإشارة إلى أن ~~الله تعالى يعطيه في الجنة بقدر أجور أمته كلهم من غير أن ينتقص من أجورهم ~~فإنه هو السبب في هدايتهم ونجاتهم فينبغي بل يجب على العبد إتباعه ~~والإقتداء به وأن يمتثل ما أمره به ويكثر من العمل الصالح صوما وصلاة وصدقة ~~وطهارة ليكون له مثل أجره فإنه إذا فعل المحظورات فات الرسول مثل أجر ما ~~فرط فيه من الخير فإن فعل المحظور مع ترك المأمور قوي وزره وصعبت نجاته ~~لإرتكابه المحظور وتركه المأمور وإن فعل المأمور وارتكب المحظور دخل فيمن ~~يشفع PageV16P530 فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لكونه ناله مثل أجر ما ~~فعله من المأمور وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم وهو أعلم بحالهم أي ~~بأحوال عباده فإن شفاعته لأهل الكبائر من أمته والمحسن إنما أحسن بتوفيق ~~الله له والمسيء لا حجة له ولا عذر # والمقصود أن الكوثر نهر في الجنة وهو من الخير الكثير الذي أعطاه الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة وهذا غير ما يعطيه الله من ~~الأجر الذي هو مثل أجور أمته إلى يوم القيامة فكل من قرأ وعلم أو عمل صالحا ~~أو علم غيره أو تصدق أو حج أو جاهد أو رابط أو تاب أو صبر أو توكل أو نال ~~مقاما من المقامات القلبية من خشية وخوف ومعرفة وغير ذلك فله مثل أجره من ~~غير أن ينقص من أجر ذلك العامل والله أعلم # وقوله ( فصل لربك وانحر ( أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين ~~العظيمتين وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والإفتقار وحسن ~~الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته وأمره وفضله وخلفه عكس ~~حال أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى ms5107 عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ~~ربهم يسألونه إياها والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر وتركا لإعانة ~~الفقراء وإعطائهم وسوء الظن منهم بربهم ولهذا جمع الله بينهما في قوله ~~تعالى ( قل PageV16P531 إن صلاتى ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ( ~~والنسك هي الذبيحة إبتغاء وجهه # والمقصود أن الصلاة والنسك هما أجل ما يتقرب به إلى الله فإنه أتى فيهما ~~بالفاء الدالة على السبب لأن فعل ذلك وهو الصلاة والنحر سبب للقيام بشكر ما ~~أعطاه الله إياه من الكوثر والخير الكثير فشكر المنعم عليه وعبادته أعظمها ~~هاتان العبادتان بل الصلاة نهاية العبادات وغاية الغايات كأنه يقول ( إنا ~~أعطيناك الكوثر ( الخير الكثير وأنعمنا عليك بذلك لأجل قيامك لنا بهاتين ~~العبادتين شكرا لإنعامنا عليك وهما السبب لأنعامنا عليك بذلك فقم لنا بهما ~~فإن الصلاة والنحر محفوفان بإنعام قبلهما وإنعام بعدهما وأجل العبادات ~~المالية النحر وأجل العبادات البدنية الصلاة وما يجتمع للعبد في الصلاة لا ~~يجتمع له في غيرها من سائر العبادات كما عرفه أرباب القلوب الحية وأصحاب ~~الهمم العالية وما يجتمع له في نحره من إيثار الله وحسن الظن به وقوة ~~اليقين والوثوق بما في يد الله امر عجيب إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص وقد ~~إمتثل النبى صلى الله عليه وسلم أمر ربه فكان كثير الصلاة لربه كثير النحر ~~حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة وكان ينحر في الأعياد وغيرها ~~PageV16P532 # وفى قوله ( إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ( إشارة إلى أنك لا تتأسف ~~على شيء من الدنيا كما ذكر ذلك في آخر ( طه ( والحجر ( وغيرهما وفيها ~~الإشارة إلى ترك الإلتفات إلى الناس وما ينالك منهم بل صل لربك وانحر وفيها ~~التعريض بحال الأبتر الشانئ الذي صلاته ونسكه لغير الله # وفي قوله ( إن شانئك هو الأبتر ( أنواع من التأكيد ( أحدها ( تصدير ~~الجملة بأن ( الثاني ( الإتيان بضمير الفصل الدال على قوة الإسناد ~~والإختصاص ( الثالث ( مجيء الخبر على أفعل التفضيل دون إسم المفعول ( ~~الرابع ( تعريفه باللام الدالة على حصول هذا الموصوف ms5108 له بتمامه وأنه أحق به ~~من غيره ونظير هذا في التأكيد قوله ( لا تخف إنك أنت الأعلى ( # ومن فوائدها اللطيفة الإلتفات في قوله ( فصل لربك وانحر ( الدالة على أن ~~ربك مستحق لذلك وأنت جدير بأن تعبده وتنحر له والله أعلم # سورة الكافرون قال الشيخ رحمه الله PageV16P533 ### || 1 ( سورة الكافرون ) 1 # ! 8 < ### ||| فصل في سورة قل يا أيها الكافرون # للناس في وجه تكرير البراءة من الجانبين طرق حيث قال ( لا أعبد ما تعبدون ~~ولا أنتم عابدون ما أعبد ( ثم قال ( ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد ( منها قولان مشهوران ذكرهما كثير من المفسرين هل كرر الكلام ~~للتوكيد أو لنفى الحال والإستقبال # قال أبو الفرج في تكرار الكلام قولان ( أحدهما ( أنه لتأكيد الأمر وحسم ~~أطماعهم فيه قاله الفراء وقد أفعمنا هذا في سورة الرحمن قال بن قتيبة ~~التكرير في سورة الرحمن للتوكيد قال وهذه مذاهب العرب أن التكرير للتوكيد ~~والإفهام كما أن مذاهبهم الإختصار للتخفيف PageV16P534 و الإيجاز لأن ~~إفتنان المتعلم والخطيب في الفنون أحسن من إقتصاده في المقام على فن واحد ~~يقول القائل والله لا أفعله ثم والله لا أفعله إذا أراد التوكيد وحسم ~~الأطماع من أن يفعله كما يقول والله أفعله بإضمار ( لا ( إذا أراد الإختصار ~~ويقول للمرسل المستعجل أعجل أعجل والرامي إرم إرم قال الشاعر % كم نعمة ~~كانت لكم وكم وكم % وقال الآخر % هل سألت جموع كندة % يوم ولوا أين أينا % # وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها كلمة ~~واحدة فغيروا منها حرفا # قال بن قتيبة فلما عدد الله في هذه السورة إنعامه وذكر عباده آلاءه ~~ونبههم على قدرته جعل كل كلمة فاصلة بين نعمتين لتفهيمهم النعم وتقريرهم ~~بها كقولك للرجل ألم أنزلك منزلا وكنت طريدا أفتنكر هذ ألم أحج بك وكنت ~~صرورا أفتنكر هذا # قلت قال بن قتيبة تكرار الكلام في ( قل يا أيها الكافرون PageV16P535 ~~لتكرار الوقت وذلك أنهم قالوا إن سرك أن ندخل في دينك عاما فادخل في ديننا ~~عاما فنزلت ms5109 هذه السورة # قلت هذا الكلام الذي ذكره بإعادة اللفظ وإن كان كلام العرب وغير العرب ~~فإن جميع الأمم يؤكدون إما في الطلب وإما في الخبر بتكرار الكلام ومنه قول ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( والله لأغزون قريشا ثم والله لأغزون قريشا ثم ~~والله لأغزون قريشا ثم قال إن شاء الله ثم لم يغزهم ( # وروى عنه أنه في غزوة تبوك كان يقود به حذيفة ويسوق به عمار فخرج بضعة ~~عشر رجلا حتى صعدوا العقبة ركبانا متلثمين وكانوا قد أرادوا الفتك برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال لحذيفة قد قد ولعمار سق سق # فهذا أكثر لكن ليس في القرآن من هذا شيء فإن القرآن له شأن إختص به لا ~~يشبهه كلام البشر لا كلام نبى ولا غيره وإن كان نزل بلغة العرب فلا يقدر ~~مخلوق أن يأتى بسورة ولا ببعض سورة مثله # فليس في القرآن تكرار للفظ بعينه عقب الأول قط وإنما في PageV16P536 سورة ~~الرحمن خطابه بذلك بعد كل آية لم يذكر متواليا وهذا النمط أرفع من الأول # وكذلك قصص القرآن ليس فيها تكرارا كما ظنه بعضهم # و ( قل يا أيها الكافرون ( ليس فيها لفظ تكرار إلا قوله ( ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد ( وهو مع الفصل بينهما بجملة # وقد شبهوا ما في سورة الرحمن بقول القائل لمن أحسن إليه وتابع عليه ~~بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها ألم تك فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ألم تك ~~عريانا فكسوتك أفتنكر هذا ألم تك خاملا فعرفتك ونحو ذلك وهذا أقرب من ~~التكرار المتوالي كما في اليمين المكررة # وكذلك ما يقوله بعضهم إنه قد يعطف الشيء لمجرد تغاير اللفظ كقوله % فألفى ~~قولها كذبا ومينا % فليس في القرآن من هذا شيء ولا يذكر فيه لفظا زائدا إلا ~~لمعنى زائد وإن كان في ضمن ذلك التوكيد وما يجيء من زيادة اللفظ في مثل ~~قوله ( فبما رحمة من الله لنت لهم ( وقوله ( عما قليل ليصبحن نادمين ( ~~وقوله ( قليلا ما تذكرون ( فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه فزيادة ~~اللفظ لزيادة ms5110 المعنى وقوة اللفظ لقوة المعنى والضم أقوى PageV16P537 من ~~الكسر والكسر أقوى من الفتح ولهذا يقطع على الضم لما هو أقوى مثل ( الكره ( ~~و ( الكره ( فالكره هو الشيء المكروه كقوله ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ~~( والكره المصدر كقوله ( طوعا وكرها ( والشيء الذي في نفسه مكروه أقوى من ~~نفس كراهة الكاره # وكذلك ( الذبح ( و ( الذبح ( فالذبح المذبوح كقوله ( وفديناه بذبح عظيم ( ~~والذبح الفعل والذبح مذبوح وهو جسد يذبح فهو أكمل من نفس الفعل # قال أبو الفرج والقول الثاني أن المعنى ( لا أعبد ما تعبدون ( في حالي ~~هذه ( ولا أنتم ( في حالكم هذه ( عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ( ~~في ما استقبل وكذلك ( أنتم ( فنفى عنهم في الحال والإستقبال وهذا في قوم ~~بأعيانهم أعلمه الله أنهم لا يؤمنون كما ذكرناه عن مقاتل فلا يكون حينئذ ~~تكرار قال وهذا قول ثعلب والزجاج # قلت قد ذكر القولين جماعة لكن منهم من جعل القول الأول قول أكثر أهل ~~المعاني فقالوا واللفظ للبغوي معنى الآية لا أعبد ما تعبدون في الحال ولا ~~أنا عابد ما عبدتم في الإستقبال PageV16P538 و لا أنتم عابدون ما أعبد في ~~الإستقبال وهذا خطاب لمن سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون # قال وقال أكثر أهل المعاني نزل بلسان العرب على مجاري خطابهم ومن مذاهبهم ~~التكرار إرادة للتوكيد والإفهام كما أن من مذاهبهم الإختصار للتخفيف ~~والإيجاز # قلت ومن المفسرين من لم يذكر غير الثاني منهم المهدوي وإبن عطية قال بن ~~عطية لما كان قوله ( لا أعبد ( محتملا أن يراد به الآن ويبقى المستأنف ~~منتظرا ما يكون فيه من عبادته جاء البيان بقوله ( ولا أنا عابد ما عبدتم ( ~~أي أبدا ما حييت ثم جاء قوله ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( الثاني حتما ~~عليهم أنهم لا يؤمنون أبدا كالذين كشف الغيب عنهم كما قيل لنوح ( إنه لن ~~يؤمن من قومك إلا من قد آمن أما إن هذا فخطاب لمعينين وقوم نوح قد عموا ~~بذلك # قال فهذا معنى الترديد الذي في السورة وهو ms5111 بارع الفصاحة وليس هو بتكرار ~~فقط بل فيه ما ذكرته مع الإبلاغ والتوكيد وزيادة الأمر بيانا وتبريا منهم # قلت هذا القول أجود من الذي قبله من جهة بيانهم لمعنى PageV16P539 زائد ~~على التكرير لكن فيه نقص من جهة أخرى وهو جعلهم هذا خطابا لمعينين فنقصوا ~~معنى السورة من هذا الوجه # وهذا غلط فإن قوله ( قل يا أيها الكافرون ( خطاب لكل كافر وكان يقرأ بها ~~في المدينة بعد موت أولئك المعينين ويأمر بها ويقول هي براءة من الشرك فلو ~~كانت خطابا لأولئك المعينين أو لمن علم منهم أنه يموت كافرا لم يخاطب بها ~~من لم يعلم ذلك منه # وأيضا فأولئك المعينون إن صح أنه إنما خاطبهم فلم يكن إذ ذاك علم أنهم ~~يموتون على الكفر # والقول بأنه إنما خاطب بها معينين قول لم يقله من يعتمد عليه ولكن قد قال ~~مقاتل بن سليمان إنها نزلت في أبي جهل والمستهزئين ولم يؤمن من الذين نزلت ~~فيهم أحد ونقل مقاتل وحده مما لا يعتمد عليه باتفاق أهل الحديث كنقل الكلبى # ولهذا كان المصنفون في التفسير من أهل النقل لا يذكرون عن واحد منهما ~~شيئا كمحمد بن جرير وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأبي بكر بن المنذر فضلا عن ~~مثل أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه # وقد ذكر غيره هذا عن قريش مطلقا كما رواه عبد بن حميد PageV16P540 عن وهب ~~بن منبه قال قالت قريش للنبى صلى الله عليه وسلم إن سرك أن ندخل في دينك ~~عاما وتدخل في ديننا عاما فنزلت ( قل يا أيها الكافرون ( حتى ختمها وعن بن ~~عباس قالت قريش يا محمد لو إستلمت آلهتنا لعبدنا إلهك فنزلت السورة وعن ~~قتادة قال أمره الله أن ينادي الكفار فناداهم بقوله ( يا أيها ( # وروى بن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال كفار قريش فذكره وقال عكرمة برأه ~~الله بهذه السورة من عبدة جميع الأوثان ودين جميع الكفار وقال قتادة أمر ~~الله نبيه أن يتبرأ من المشركين فتبرأ منهم # وروى قتادة عن زرارة بن ms5112 أوفى كانت تسمى ( المقشقشة ( يقال قشقش فلان إذا ~~بريء من مرضه فهي تبرىء صاحبها من الشرك # وبهذا نعتها النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف في المسند ~~والترمذي من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال له ( مجيء ما جاء بك ( قال جئت يا رسول الله ~~لتعلمني شيئا أقوله عند منامي قال ( إذا أخذت مضجعك فاقرأ ( قل يا أيها ~~الكافرون ( ثم نم على PageV16P541 خاتمتها فإنها براءة من الشرك ( # رواه غير واحد عن أبى إسحاق وكان تارة يسنده وتارة يرسله رواه عنه زهير ~~وإسرائيل مسندا ورواه عنه شعبة ولم يذكر عن أبيه وقال ( عن أبى إسحاق عن ~~رجل عن فروة بن نوفل ( ولم يقل ( عن أبيه ( قال الترمذي وحديث زهير أشبه ~~وأصح من حديث شعبة قال وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه فرواه عبد ~~الرحمن بن نوفل عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم وعبد الرحمن بن نوفل ~~هو أخو فروة بن نوفل # قلت وقد رواه عن أبى إسحاق إسماعيل بن أبى خالد قال جاء رجل من أشجع إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني كلاما أقوله عند منامي ~~قال ( إنك لنا ظئر إقرأ ( قل يا أيها الكافرون ) عند منامك فإنها براءة من ~~الشرك ) فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من المسلمين أن يقرأها ~~وأخبره أنها براءة من الشرك فلو كان الخطاب لمن يموت على الشرك كانت براءة ~~من دين اولئك فقط لم تكن براءة من الشرك الذي يسلم صاحبه فيما بعد ومعلوم ~~أن المقصود منها أن تكون براءة من كل شرك إعتقادي وعملي PageV16P542 # وقوله ( لكم دينكم ولي دين ( خطاب لكل كافر وإن اسلم فيما بعد فدينه قبل ~~الإسلام له كان والمؤمنون بريئون منه وإن غفره الله له بالتوبة منه كما قال ~~لنبيه ( فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ( فإنه بريء من معاصي أصحابه وإن ~~تابوا منها وهذا ms5113 كقوله ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون ( # وروى بن أبى حاتم حدثنا أبى ثنا محمد بن موسى الجرشي ثنا أبو خلف عبد ~~الله بن عيسى ثنا داود بن ابى هند عن عكرمة عن بن عباس أن قريشا دعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل فيهم ويزوجوه ما ~~أراد من النساء ويطأوا عقبه أي يسودوه فقالوا هذا لك عندنا يا محمد وكف عن ~~شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة وهي لك ~~ولنا فيها صلاح قال ( ما هي ( قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى ونعبد ~~إلهك سنة قال ( حتى أنظر ما يأتيني من ربى ( فجاءه الوحي من الله من اللوح ~~المحفوظ ( قل يا أيها الكافرون ( إلى آخرها وأنزل الله عليه ( قل أفغير ~~الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ~~PageV16P543 # وقوله ( أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون ( خطاب لكل من عبد غير ~~الله وإن كان قد قدر له أن يتوب فيما بعد وكذلك كل مؤمن يخاطب بهذا من عبد ~~غير الله # وقوله في هذا الحديث ( حتى أنظر ما يأتيني من ربى ( قد يقول هذا من يقصد ~~به دفع الظالمين بالتى هي أحسن ليجعل حجته أن الذي عليه طاعته قد منع من ~~ذلك فيؤخر الجواب حتى يستأمره وإن كان هو يعلم أن هذا القول الذي قالوه لا ~~سبيل إليه # وقد تخطب إلى الرجل إبنته فيقول حتى أشاور أمها وهو يريد أن لا يزوجها ~~بذلك ويعلم أن أمها لا تشير به وكذلك قد يقول النائب حتى أشاور السلطان # فليس في مثل هذا الجواب تردد ولا تجويز منه أن الله يبيح له ذلك # وقد كان جماعة من قريش من الذين يأمرونه وأصحابه أن يعبدوا غير الله ~~ويقاتلونهم ويعادونهم عداوة عظيمة على ذلك ثم تابوا وأسلموا ms5114 وقرأوا هذه ~~السورة # ومن النقلة من يعين ناسا غير الذين عينهم غيره منهم من يذكر أبا جهل ~~وطائفة ومنهم من يذكر عتبة بن ربيعة وطائفة ومنهم من PageV16P544 يذكر ~~الوليد بن مغيرة وطائفة ومنهم من يقول طلبوا أن يعبدوا الله معه عاما ويعبد ~~آلهتهم معهم عاما ومنهم من يقول طلبوا أن يستلم آلهتهم # ومنهم من يقول طلبوا الإشتراك كما روى بن أبى حاتم وغيره عن بن إسحاق قال ~~حدثني سعيد بن ميناء مولى أبى البختري قال لقى الوليد بن المغيرة والعاص بن ~~وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ~~هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله فإن كان ~~الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه وإن كان ~~الذي بأيدينا خيرا مما بيدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه فأنزل ~~الله السورة # وهذا منقول عن عبيد بن عمير وفيه أن القائل له عتبة وأمية # فهذه الروايات متطابقة على معنى واحد وهو أنهم طلبوا منه أن يدخل في شيء ~~من دينهم ويدخلوا في شيء من دينه ثم إن كانت كلها صحيحة فقد طلب منه تارة ~~هذا وتارة هذا وقوم هذا وقوم هذا # وعلى كل تقدير فالخطاب للمشركين كلهم من مضى ومن يأتى إلى يوم القيامة ~~PageV16P545 # وقد أمره الله بالبراءة من كل معبود سواه وهذه ملة إبراهيم الخليل وهو ~~مبعوث بملته قال الله تعالى ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما ~~تعبدون إلا الذي فطرنى فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه ( # وقال الخليل أيضا ( يا قوم إنى بريء مما تشركون إنى وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ( وقال ( قد كانت لكم أسوة حسنة ~~في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~وحده ( # وقال لنبيه ( وإن كذبوك فقل لي ms5115 عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل ~~وأنا بريء مما تعملون ( فقد أمره الله أن يتبرا من عمل كل من كذبه وتبريه ~~هذا يتناول المشركين وأهل الكتاب وقد ذكر المهدوي هذا القول وذكر معه قولين ~~آخرين فقال الألف واللام ترجع إلى معهود وإن كانت للجنس حيث كانت صفة لأن ~~لامها مخاطبة لمن سبق في علم الله أن يموت كافرا فهي من الخصوص الذي جاء ~~بلفظ العموم # وتكرير ما كرر فيها ليس بتكرير في المعنى ولا في اللفظ سوى PageV16P546 ~~موضع واحد منها فإنه تكرير في اللفظ دون المعنى بل معنى ( لا أعبد ما ~~تعبدون ( في الحال ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( في الحال ( ولا أنا عابد ما ~~عبدتم ( في الإستقبال ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( في الإستقبال # قال فقد اختلف اللفظ والمعنى في قوله ( لا أعبد ( وما بعده ( ولا أنا ( ~~وتكرر ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( في اللفظ دون المعنى # قال وقيل إن معنى الأول ولا أنتم عابدون ما عبدت ومعنى الثاني ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد فعدل عن لفظ ( عبدت ( للإشعار بأن ما عبد في الماضي هو الذي ~~يعبد في المستقبل قد يقع أحدهما موقع الآخر وأكثر ما يأتي ذلك في إخبار ~~الله تعالى # ويجوز أن تكون ( ما ( والفعل مصدرا وقيل إن معنى الآيات وتقديرها قل يا ~~أيها الكافرون لا أعبد الأصنام الذي تعبدون ولا أنتم عابدون الذي أعبده لا ~~شراككم به وإتخاذكم معه الأصنام فإن زعمتم أنكم تعبدونه فأنتم كاذبون لأنكم ~~تعبدونه مشركين به فأنا لا أعبد ما عبدتم أي مثل عبادتكم فهو في الثاني ~~مصدر وكذلك ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( هو في الثانى مصدر أيضا معناه ولا ~~أنتم عابدون مثل عبادتى التى هي توحيد PageV16P547 # قلت القول الثالث هو في معنى الثانى لكن جعل قوله ( ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد ( معنيين أحدهما بمعنى ( ما عبدت ( والآخر بمعنى ( ما أعبد ( ليطابق ~~قوله لهم ( لا أعبد ما تعبدون ( ولا أنا عابد ما عبدتم ( # فلما تبرأ من أن يعبد في الحال ms5116 والإستقبال ما يعبدونه في الماضي والحال ~~كذلك برأهم من عبادة ما يعبد في الحال والإستقبال لكن العبارة عنهم وقعت ~~بلفظ الماضي قال هؤلاء وإنما لم يقل في حقه ( ما عبدت ( للإشعار بأن ما ~~أعبده في الماضي هو الذي أعبده في المستقبل # قلت أصحاب هذا القول أرادوا المطابقة كما تقدم # لكن إذا أريد بقوله ( ما عبدتم ( [ ما أريد ] بقوله ( ما أعبد ( في أحد ~~الموضعين الماضي كان التقدير على ما ذكروه لا أنا عابد في المستقبل ما ~~عبدتم في الماضي فيكون قد نفى عن نفسه في المستقبل عبادة ما عبدوه في ~~الماضي دون ما يعبدونه في المستقبل # وكذلك إذا قيل ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( أي في الماضي فسواء أريد بما ~~يعبدون الحال أو الإستقبال إنما نفى عبادة ما عبدوه في الماضي وهذا أنقص ~~لمعنى الآية وكيف يتبرأ في المستقبل من عبادة ما عبدوه في الماضي فقط وكذلك ~~هم PageV16P548 # وإن قيل في المستقبل قد يعبدون الله بالإنتقال عن الكفر فهو في الحال ~~والإستقبال لا يعبد ما عبدوه قيل فعلى هذا لا يقال لهؤلاء ولا أنتم عابدون ~~في المستقبل ما عبدت في الماضي بل قد يعبدون في المستقبل إذا انتقلوا ربه ~~الذي عبده فيما مضى # وإن قيل قول هؤلاء هو القول الثاني لا أعبد في الحال ما تعبدون في الحال ~~ولا أعبد في المستقبل ما تعبدون في المستقبل قيل ولفظ الآية ( ولا أنا عابد ~~ما عبدتم ( ليس لفظها ( ولا أنا عابد ما تعبدون ( فقوله ( ما عبدتم ( إن ~~أريد به الماضى الذي أراده هؤلاء فسد المعنى وإن أريد به المستقبل بطل ما ~~ذكروه من أن المضارع بمعنى الماضي في قوله ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( فإن ~~الماضي هنا بمعنى المضارع فإذا كان المضارع مطابقا له بقي مضارعا لم ينقل ~~إلى الماضي فيكون عكس المقصود # والقول الرابع الذي ذكره قول من جعل ( ما ( مصدرية في الجملة الثانية دون ~~الأخرى وهذا أيضا ليس في الكلام ما يدل على الفرق بينهما وإذا جعلت في ~~الجمل كلها مصدرية ms5117 كان أقرب إلى الصواب مع أن هذا المعنى الذي تدل عليه ( ~~ما ( المصدرية حاصل بقوله ( ما ( فإنه لم يقل ( ولا أنتم عابدون من أعبد ( ~~بل قال ( ما أعبد PageV16P549 # ولفظ ( ما ( يدل على الصفة بخلاف ( من ( فإنه يدل على العين كقوله ( ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء ( أي الطيب ( والسماء وما بناها ( أي وبانيها ~~ونظيره قوله ( إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ~~( ولم يقل ( من تعبدون من بعدي ( # وهذا نظير [ قوله ] ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( سواء فالمعنى لا أعبد ~~معبودكم ولا أنتم عابدون معبودي # فقوله ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( يتناول شركهم فإنه ليس بعبادة لله فإن ~~الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه فإذا أشركوا به لم يكونوا ~~عابدين له وإن دعوه وصلوا له # وأيضا فما عبدوا ما يعبده وهو الموصوف بأنه معبود له على جهة الإختصاص بل ~~هذا يتناول عبادته وحده ويتناول الرب الذي أخبر به بما له من الأسماء ~~والصفات فمن كذب به في بعض ما أخبر به عنه فما عبد ما يعبده من كل وجه # وأيضا فالشرائع قد تتنوع في العبادات فيكون المعبود واحدا وإن لم تكن ~~العبادة مثل العبادة وهؤلاء لا يتبرأ منهم فكل من عبد الله PageV16P550 ~~مخلصا له الدين فهو مسلم في كل وقت ولكن عبادته لا تكون إلا بما شرعه فلو ~~قال لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي فقد يظن أنه تدخل فيه البراءة من كل ~~عبادة تخالف صورتها صورة عبادته وإنما البراءة من المعبود وعبادته ### ||| فصل # إذا تبين هذا فنقول القرآن تنزيل من حكيم حميد وهو كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت # ولو أن رجلا من بني آدم له علم أو حكمة أو خطبة أو قصيدة أو مصنف فهذب ~~ألفاظ ذلك وأتى فيه بمثل هذا التغاير لعلم أنه قصد في ذلك حكمة وأنه لم ~~يخالف بين الألفاظ مع إتحاد المعنى سدى فكيف بكلام رب العالمين وأحكم ~~الحاكمين لا سيما وقد قال فيه ( قل لئن ms5118 إجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( # فنقول الفعل المضارع هو في اللغة يتناول الزمن الدائم سوى الماضي فيعم ~~الحاضر والمستقبل كما قال سيبوية وبنوه لما مضى من PageV16P551 الزمان ولما ~~هو دائم لم ينقطع ولما لم يأت بمعنى الماضى والمضارع وفعل الأمر فجعل ~~المضارع لما هو من الزمان دائما لم ينقطع وقد يتناول الحاضر والمستقبل # فقوله ( لا أعبد ( يتناول نفي عبادته لمعبودهم في الزمان الحاضر والزمان ~~المستقبل وقوله ( ما تعبدون ( يتناول ما يعبدونه في الحاضر والمستقبل ~~كلاهما مضارع # وقال في الجملة الثانية عن نفسه ( ولا أنا عابد ما عبدتم ( فلم يقل ( لا ~~أعبد ( بل قال ( ولا أنا عابد ( ولم يقل ( ما تعبدون ( بل قال ( ما عبدتم ( ~~فاللفظ في فعله وفعلهم مغاير للفظ في الجملة الأولى # والنفى بهذه الجملة الثانية أعم من النفي بالأولى فإنه قال ( ولا أنا ~~عابد ما عبدتم ( بصيغة الماضى فهو يتناول ما عبدوه في الزمن الماضي لأن ~~المشركين يعبدون آلهة شتى وليس معبودهم في كل وقت هو المعبود في الوقت ~~الآخر كما أن كل طائفة لها معبود سوى معبود الطائفة الأخرى # فقوله ( ولا أنا عابد ما عبدتم ( براءة من كل ما عبدوه في الأزمنة ~~PageV16P552 الماضية كما تبرأ أولا مما عبدوه في الحال والإستقبال فتضمنت ~~الجملتان البراءة من كل ما يعبده المشركون والكافرون في كل زمان ماض وحاضر ~~ومستقبل وقوله أولا ( لا أعبد ما تعبدون ( لا يتناول هذا كله # وقوله ( ولا أنا عابد ( إسم فاعل قد عمل عمل الفعل ليس مضافا فهو يتناول ~~الحال والإستقبال أيضا لكنه جملة إسمية والنفى بما بعد الفعل فيه زيادة ~~معنى كما تقول ما أفعل هذا وما أنا بفاعله # وقولك ( ما هو بفاعل هذا أبدا ( أبلغ من قولك ( ما يفعله أبدا ( فإنه نفى ~~عن الذات صدور هذا الفعل عنها بخلاف قولك ( ما يفعل هذا ( فإنه لا ينفي ~~إمكانه وجوازه منه ولا يدل على أنه لا يصلح له ولا ينبغي له بخلاف قوله ( ~~ما ms5119 هو فاعلا وما هو بفاعل ( كما في قوله ( فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ~~ما ملكت أيمانهم ( وقوله ( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ( وقوله ( وما ~~الله بغافل عما تعملون ( وما أنت بهادي العمي ( وما أنت بمسمع من في القبور ~~( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ( # ولا يقال الجملة الإسمية ترك الثبوت ونفى ذلك لا يقتضي نفي PageV16P553 ~~العارض فإن هذه الجملة في معنى الفعلية نفي لكونها عملت عمل الفعل لكنها ~~دلت على إتصاف الذات بهذا فنفت عن الذات أن يعرض لها هذا الفعل تنزيها ~~للذات ونفيا لقبولها لذلك فالأول نفي الفعل في الماضي والمستقبل والثاني ~~نفى قبوله في الماضي مع الحاضر والمستقبل # فقوله ( ولا أنا عابد ما عبدتم ( أي نفسي لا تقبل ولا يصلح لها أن تعبد ~~ما عبدتموه قط ولو كنتم عبدتموه في الماضي فقط فأي معبود عبدتموه في وقت ~~فأنا لا أقبل أن أعبده في وقت من الأوقات # ففي هذا من عموم عبادتهم في الماضي والمستقبل ومن قوة براءته وإمتناعه ~~وعدم قبوله لهذه العبادة في جميع الأزمان ما ليس في الجملة الأولى تلك ~~تضمنت نفي الفعل في الزمان غير الماضي وهذه تضمنت نفي إمكانه وقبوله لما ~~كان معبودا لهم ولو في بعض الزمان الماضي فقط والتقدير ما عبدتموه ولو في ~~بعض الأزمان الماضية فأنا لا يمكنني ولا يسوغ لى أن أعبده أبدا # ولكن لم ينف إلا ما يكون منه في الحاضر والمستقبل لأن المقصود براءته هو ~~في الحال والإستقبال وهذه السورة يؤمر بها كل مسلم وإن كان قد أشرك بالله ~~قبل قراءتها PageV16P554 فهو يتبرأ في الحاضر والمستقبل مما يعبده المشركون ~~في أي زمان كان وينفى جواز عبادته لمعبودهم ويبين أن مثل هذا لا يكون ولا ~~يصلح ولا يسوغ فهو ينفى جوازه شرعا ووقوعا فإن مثل هذا الكلام لا يقال إلا ~~فيما يستقبح من الأفعال كمن دعي إلى ظلم أو فاحشة فقال ( أنا أفعل هذا ما ~~أنا بفاعل هذا أبدا ( فهو أبلغ من قوله ( لا أفعله ms5120 أبدا ( وهذا كقوله ( وما ~~أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ( # فهو يتضمن نفى الفعل بغضا فيه وكراهة له بخلاف قوله ( لا أفعل ( فقد ~~يتركه الإنسان وهو يحبه لغرض آخر فإذا قال ( ما أنا عابد ما عبدتم ( دل على ~~البغض والكراهة والمقت لمعبودهم ولعبادتهم إياه وهذه هي البراءة # ولهذا تستعمل في ضد الولاية فيقال تول فلانا وتبرأ من فلان كما قال تعالى ~~( إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ( الآية # وأما قوله عن الكفار ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( فهو خطاب لجنس الكفار ~~وإن أسلموا فيما بعد فهو خطاب لهم ما داموا كفارا فإذا أسلموا لم يتناولهم ~~ذلك فإنهم حينئذ مؤمنون لا كافرون PageV16P555 و إن كانوا منافقين فهم ~~كافرون في الباطن فيتناولهم الخطاب # وهذا كما يقال قل يا أيها المحاربون والمخاصمون والمقاتلون والمعادون فهو ~~خطاب لهم ما داموا متصفين بهذه الصفة # وما دام الكافر كافرا فإنه لا يعبد الله وإنما يعبد الشيطان سواء كان ~~متظاهرا أو غير متظاهر به كاليهود # فإن اليهود لا يعبدون الله وإنما يعبدون الشيطان لأن عبادة الله إنما ~~تكون بما شرع وأمر وهم وإن زعموا أنهم يعبدونه فتلك الأعمال المبدلة ~~والمنهى عنها هو يكرهها ويبغضها وينهى عنها فليست عبادة # فكل كافر بمحمد لا يعبد ما يعبده محمد ما دام كافرا والفعل المضارع ~~يتناول ما هو دائم لا ينقطع فهو ما دام كافرا لا يعبد معبود محمد صلى الله ~~عليه وسلم لا في الحاضر ولا في المستقبل # ولم يقل عنهم ( ولا تعبدون ما أعبد ( بل ذكر الجملة الإسمية ليبين أن نفس ~~نفوسكم الخبيثة الكافرة بريئة من عبادة إله محمد لا يمكن أن تعبده ما دامت ~~كافرة إذ لا تكون عابدته إلا بان تعبده PageV16P556 وحده بما أمر به على ~~لسان محمد ومن كان كافرا بمحمد لا يكون عمله عبادة لله قط # وتبرئتهم من عبادة الله جاءت بلفظ واحد بجملة إسمية تقتضي براءة ذواتهم ~~من عبادة الله لم تقتصر على نفي الفعل # ولم يحتج ms5121 أن يقول فيهم ( ولا أنتم عابدون ما عبدت ( كما قال في نفسه ( ~~ولا أنا عابد ما عبدتم ( لوجهين # ( أحدهما ( أن كل مؤمن فهو مأمور بقراءة هذه السورة ومنهم من كان معبوده ~~غير الله فلو قال ( ولا أنتم عابدون ما عبدت ( لقالوا بل نحن نعبد ما كنت ~~تعبد لما كنت مشركا بخلاف ما إذا قال ( ولا أنتم عابدون ما أعبده في هذا ~~الوقت ( ولم يقل ( ما أنا عابد له ( إذ نفسه قد لا تكون عابدة له مطلقا وقد ~~يجوز أن يعبد الواحد من الناس غير الله في المستقبل فلا يكون من لم يعبد ما ~~يعبده في المستقبل مذموما بخلاف المؤمن الذي يخاطب بهذه السورة غيره فإنه ~~حين يقولها ما يعبد إلا الله فهو يقول للكفار ( ولا أنتم عابدون ما أعبده ~~الآن ( وذكر النفي عن الكفار في الجملتين لتقارب كل جملة جملة فلما قال ( ~~لا أعبد ما تعبدون ( فنفى الفعل قال ( ولا أنتم عابدون ما أعبد PageV16P557 # ثم لما زاد النفى بنفى جواز ذلك وبراءة النفس منه ذكر ما يدل على كراهته ~~له وقبحه ونفى أن يعبد شيئا مما عبدوه ولو في بعض الزمان قال ( ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد ( بل أنتم بريئون من عبادة ما أعبده فليس لبراءتى وكمال ~~براءتى وبعدي من معبودكم وكمال قربى إلى الله في عبادتى له وحده لا شريك له ~~يكون لكم نصيب من هذه العبادة بل أنتم أيضا في هذه الحال لا تعبدون ما أعبد ~~لا في الحال الأولى ولا في الثانية # ولو إقتصر في تبريهم من عبادة الله على الجملة الأولى لم يكن فيها تبرئة ~~لهم في هذه الحال الثانية فبرأهم من معبوده حين البراءة الأولى الخاصة وحين ~~البراءة الثانية العامة القاطعة # وهم لم يختلف حالهم في الحالين بل هم فيهما لا يعبدون ما يعبد فلم يكن في ~~تغيير العبارة فائدة وإنما غيرت العبارة في حقه وحق المؤمنين لتغيير ~~المعنيين والإنسان يقوى يقينه وإخلاصه وتوحيده وبراءته من الشرك وأهله ~~وبغضه لما يعبدون ولعبادتهم فرفع درجته في ms5122 ذلك وهو في ذلك يقول للكفار ( لا ~~تعبدون ما أعبد ( في هذه الحال سواء كانوا هم قد زاد كفرهم وبغضهم له أو لم ~~يزد PageV16P558 # فالمقصود بالسورة أن المؤمن يتبرأ منهم ويخبرهم أنهم برآء منه وتبريه ~~منهم إنشاء ينشئه كما ينشيء المتكلم بالشهادتين وهذا يزيد وينقص ويقوى ~~ويضعف # وأما هم فهو يخبر ببراءتهم منه في هذه الحال لا ينشيء شيئا لم يكن فيهم ~~فخطاب المؤمن عن حالهم خبر عن حالهم والخبر مطابق للمخبر عنه فلم يتغير لفظ ~~خبره عنهم إذا كانوا في كل وقت من أوقات عبادته لله لا يعبدون ما يعبد فهذا ~~اللفظ الخبري مطابق لحالهم في جميع الأوقات زادوا أو نقصوا # ولا يجوز للمؤمن أن ينشيء زيادة في كفرهم فإن ذلك محرم بل هو مأمور ~~بدعائهم إلى الإيمان وليس له أن ينقصهم في خبره عما هم متصفون به فلم يكن ~~في الإخبار عن حالهم زيادة فيما هم عليه ولا نقص فلم يغير لفظ الخبر في ~~الحالين بلفظ واحد وأما المؤمن نفسه فهو مأمور بأن ينشيء قوة الإخلاص لله ~~وحده وعبادته وحده والبراءة من كل معبود سواه وعبادته وبراءته منه ومن ~~عابديه وقوله ( لا أعبد ما تعبدون ( وإن كان لفظها خبرا ففيها معنى الإنشاء ~~كسائر ألفاظ الإنشاءات كقوله ( أشهد أن لا إله إلا الله ( وقوله ( إنني ~~براء مما تعبدون إلا الذي فطرني ( وقوله ( إني بريء مما تشركون ( فكل هذه ~~الأقوال فيها معنى الإنشاء لها ينشئه المؤمن في PageV16P559 نفسه من زيادة ~~البراءة من الشرك وهي المقشقشة التى تقشقش من الشرك كما يقشقش المريض من ~~المرض فإن الشرك والكفر أعظم أمراض القلوب فأمر المؤمن بقول يوجب في قلبه ~~من البراءة من الشرك ما لم يكن في قلبه قبل ذلك وكلما قاله إزداد براءة من ~~الشرك وقلبه شفاء من المرض وإن كان الكفرة المخاطبون لا يزدادون بالأخبار ~~عنهم إلا كفرا فالجمل الخبرية تطابق المخبر عنه والإنشاء يوجب إحداث ما لم ~~يكن فقيل ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ( أي أنا ممتنع ms5123 من هذا ~~تارك له ثم قال ( ولا أنا عابد ما عبدتم ( أي أنا بريء من هذا متنزه عنه ~~مزك لنفسي منه فإن الشرك اعظم ما تنجس به النفس وأعظم تزكية النفس وتطهيرها ~~تزكيتها منه وتطهيرها منه فما أنا عابد قط ما عبدتم في وقت من الأوقات # وأنتم مع ذلك ما أنتم عابدون ما أعبد بل أنتم بريئون مما أعبد وأنا بريء ~~مما تعبدون مأمور بالبراءة منه وطالب زيادة البراءة منه ومجتهد في ذلك # وأنا أخبر عنكم بأنكم بريئون مما أعبد إما لكونكم تأمرون بذلك وإما ~~لكونكم تعبدونه فلا أخبر به فإنه كذب وإما لكونكم تجتهدون في البراءة ~~وتبالغون فيها فبها تختلف فيه أحوالكم PageV16P560 و أنا لا يسوغ لي أن ~~أذكر ما يزيل براءتكم ولا أكذب عليكم فإنكم تنقصون منها إذا تبرأت بل ~~التبري منها داع وباعث لمن له عقل أن ينظر في سبب هذه البراءة لا سيما في ~~حق الرسول الذي خوطب أولا بقوله ( قل ( # فلينظر العاقل في سبب براءتى من الشرك وما أنتم عليه وإختيارى به عداوتكم ~~والصبر على أذاكم واحتمالي هذه المكاره العظيمة بعد ما كنتم تعظمونى غاية ~~التعظيم وتصفونى بالأمانة وتسموني ( الأمين ( وتفضلونى على غيري ونسبي فيكم ~~أفضل نسب وتعرفون ما جعل الله في من العقل والمعرفة ومكارم الأخلاق وحسن ~~المقاصد وطلب العدل والإحسان وأني لا أختار لأحد منكم سوءا ولا أريد أن ~~أصيب أحدا بشر فإختياري للبراءة مما تعبدون وإظهاري لسبهم وشتمهم أهو سدى ~~ليس له موجب أوجبه فانظروا في ذلك ففي السورة دعاء وبعث للكفار إلى طلب ~~الحق ومعرفته مع ما فيها من كمال البراءة منهم # ومعانيها كثيرة شريفة يطول وصفها # وقوله ( قل يا أيها الكافرون ( يتناول كل كافر فهو لا يعبد ما يعبده أحد ~~من الكفار ولا مشركي العرب ولا غيرهم من المشركين PageV16P561 و الكفار أهل ~~الكتاب لا اليهود لا النصارى ولا غيرهم من أصناف الكفار وذلك أنه قال ( لا ~~أعبد ما تعبدون ( فذكر لفظ ( ما ( ولم يقل ( من تعبدون ( و ( ما ( تدل على ms5124 ~~الصفة كما تقدم وما ذكره المهدوي وغيره من أنه قال ( ما أعبد ( ولم يقل ( ~~من أعبد ( يقابل به ( ولا أنا عابد [ ما عبدتم ] ( الذي يراد به الأصنام ~~فضعيف جدا يغير اللغة ويخص عموم القرآن وهوعموم مقصود ويزيل المعنى الذي به ~~تعلقت هذه البراءة # فإن ( ما ( في اللغة إما لما لا يعلم ولصفات ما يعلم كما في قوله ( ~~فانكحوا ما طاب ( وما سواها ( وما خلق الذكر والأنثى ( وفى التسبيح المأثور ~~أنه يقال عند سماع الرعد ( سبحان ما سبحت له ( ومثله كثير فقوله ( ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد ( جار على أصل اللغة # وأيضا فقوله ( لا أعبد ما تعبدون ( خطاب للكفار مطلقا فهو لا يعبد ~~الملائكة ولا غير ذلك مما عبد من دون الله وإن كان ما عبد أهل العلم والعقل ~~فعبر عن ذواتهم ب ( من ( فتخصيص البراءة من الشرك بشرك مشركي العرب غلط ~~عظيم وإنما هي براءة من كل شرك # وكون الرب يتصف بما تتصف به الأصنام من عدم العلم مالا PageV16P562 يجوز ~~عليه ولا تصح المقابلة في مثل ذلك بل المقصود ذكر الصفات والإخبار بمعبود ~~الرسول والمؤمنين ليتبرأ من معبودهم ويبرئهم من معبوده # وإذا قال اليهود نحن نقصد عبادة الله كانوا كاذبين سواء عرفوا أنهم ~~كاذبون أو لم يعرفوا كما يقول النصارى إنا نعبد الله وحده وما نحن بمشركين ~~وهم كاذبون لأنهم لو أرادوا عبادته لعبدوه بما أمر به وهو الشرع لا ~~بالمنسوخ المبدل # وأيضا فالرب الذي يزعمون أنهم يقصدون عبادته هو عندهم رب لم ينزل الإنجيل ~~ولا القرآن ولا أرسل المسيح ولا محمدا بل هو عند بعضهم فقير وعند بعضهم ~~بخيل وعند بعضهم عاجز وعند بعضهم لا يقدر أن يغير ما شرعه وعند جميعهم أنه ~~أيد الكاذبين المفترين عليه الذين يزعمون أنهم رسله وليسوا رسله بل هم ~~كاذبون سحرة قد أيدهم ونصرهم ونصر أتباعهم على أوليائه المؤمنين لأنهم عند ~~أنفسهم أولياؤه دون الناس فالرب الذي يعبدونه هو دائما ينصر أعداءه # فهم يعبدون هذا الرب والرسول والمؤمنون لا يعبدون هذا المعبود الذي ms5125 تعبده ~~اليهود فهو منزه عما وصفت به اليهود معبودها PageV16P563 من جهة كونه ~~معبودا لهم منزه عن هذه الإضافة فليس هو معبودا لليهود وإنما في جبلاتهم ~~صفات ليست هي صفاته زينها لهم الشيطان فهم يقصدون عبادة المتصف بتلك الصفات ~~وإنما هو الشيطان # فالرسول والمؤمنون لا يعبدون شيئا تعبده اليهود وإن كانوا يعبدون من ~~يعبدونه وهذا مما يظهر به فائدة ما ذكرنا وعلى هذا فقوله ( لكم دينكم ولي ~~دين ( خطاب لجميع الكفار كما دلت عليه الآية وبهذا يظهر خطأ من قال إنه ~~خطاب للمشركين والنصارى دون اليهود كما في قول بن زيد ( لكم دينكم ولي دين ~~( قال للمشركين والنصارى واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون إلا أنهم ~~يكفرون ببعض الأنبياء بما جاؤا به من عند الله ويكفرون برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبما جاء به وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا قال إلا العصابة ~~التى تقول حيث خرج بخت نصر وقيل من سموا عزيرا ( بن الله ( ولم يعبدوه ولم ~~يفعلوا كما فعلت النصارى قالت المسيح بن الله وعبدته # فهذا الذي ذكره من أن اليهود لا تشرك كما أشركت العرب والنصاري صحيح ~~لكنهم مع هذا لا يعبدون الله بل يستكبرون عن عبادته ويعبدون الشيطان لا ~~يعبدون الله ومن قال إن اليهود PageV16P564 تعبد الله فقد غلط غلطا قبيحا ~~فكل من عبد الله كان سعيدا من أهل الجنة وكان من عباد الله الصالحين قال ~~تعالى ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ~~وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ( # وفى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى ~~اليمن ( إنك تأتى قوما هم أهل كتاب فأول ما ندعوهم إليه شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله وفى رواية ( فإدعهم إلى عبادة الله فإذا ~~عرفوا الله فأعلمهم ( # فلا يعبد إلا الله بعد أن أرسل محمدا وعرفت رسالته وبلغت ولهذا إتفق ~~العلماء على أن أعمالهم حابطة ولو عبدوا الله لم تحبط أعمالهم ms5126 فإن الله لا ~~يظلم أحدا # وقبل إرسال محمد إنما كان يعبد الله من عبده بما أمر به فأما من ترك ~~عبادته بما أمر به واتبع هواه فهو لا يعبد الله إنما يعبد الشيطان ويعبد ~~الطاغوت وقد أخبر الله عن اليهود بأنهم عبدوا الطاغوت وأنه لعنهم وغضب ~~عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت # وهو إسم جنس يدخل فيه الشيطان والوثن والكهان PageV16P565 و الدرهم ~~والدينار وغير ذلك وقال تعالى ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت ( وقال ( نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ~~وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما ~~كفر سليمان ( الآية # وهم أشد عداوة للمؤمنين من النصارى وكفرهم أغلظ وهم مغضوب عليهم ولهذا ~~قيل إنهم تحت النصارى في النار واليهود إن لم يعبدوا المسيح فقد افتروا ~~عليه وعلى أمه بما هو أعظم من كفر النصارى ولهذا جعل الله النصارى فوقهم ~~إلى يوم القيامة # فالنصارى مشركون يعبدون الله ويشركون به وأما اليهود فلا يعبدون الله بل ~~هم معطلون لعبادته مستكبرون عنها كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ~~إستكبروا ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون بل هم متبعون أهواءهم عابدون للشيطان # فالنبى والمؤمنون لا يعبدون ما تعبده اليهود وهم وإن وصفوا الله ببعض ما ~~يستحقه فهم يصفونه بما هو منزه عنه وليس في قلوبهم عبادة له وحده فإن ذلك ~~لا يكون إلا لمن عبده بما أمره به # والسورة لم يقل فيها ( يا أيها المشركون ( حتى يقال فيها إنها ~~PageV16P566 إنما تناولت من أشرك بل قال ( يا أيها الكافرون ( فتناولت كل ~~كافر سواء كان ممن يظهر الشرك أو كان فيه تعطيل لما يستحقه الله وإستكبار ~~عن عبادته والتعطيل شر من الشرك وكل معطل فلابد أن يكون مشركا # والنصارى مع شركهم لهم عبادات كثيرة واليهود من أقل الأمم عبادة وأبعدهم ~~عن العبادة لله وحده لكن قد يعرفون ما لا تعرفه النصارى لكن بلا عبادة وعمل ~~بالعلم فهم مغضوب عليهم وأولئك ضالون وكلاهما قد ms5127 برأ الله منهم رسوله ~~والمؤمنين # وفي هذه الأمة من يعرف ما لا تعرفه اليهود والنصارى بلا عمل بالعلم ففيهم ~~شبه كما قال سفيان بن عيينة من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ومن ~~فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى بل قد قال أبو هريرة ما أقرب الليلة ~~من البارحة أنتم أشبه الناس ببنى إسرائيل بل في الحديث الصحيح ( لتتبعن سنن ~~من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ( قالوا ~~اليهود والنصارى قال ( فمن ( وفى رواية فارس والروم قال ( ومن الناس إلا ~~أولئك ( وقال ( إفترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت PageV16P567 ~~النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ~~كلها في النار إلا واحدة ( # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين فيه حال الفرقة الناجية الذين هم على ~~مثل ما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه # ومما يوضح ما تقدم أن قوله ( لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~( معناه المعبود ولكن هو لفظ مطلق يتناول الواحد والكثير والمذكر والمؤنث ~~فهو يتناول كل معبود لهم # والمعبود هو الإله فكأنه قال لا أعبد إلهكم ولا تعبدون إلهي كما ذكر الله ~~في قصة يعقوب قال تعالى ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ~~ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~إلها واحدا ونحن له مسلمون ( واسم الإله والمعبود يتضمن إضافة إلى العابد ~~وقال ( إله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ( هو الذي يعبده هؤلاء صلوات ~~الله وسلامه عليهم ويألهونه # وإنما يعبده من كان على ملتهم كما قال يوسف إني تركت ملة قوم لا يؤمنون ~~بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائى إبراهيم PageV16P568 و ~~إسماعيل وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله ~~علينا وعلى الناس إلى قوله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( ~~فتبين أن ملة آبائه هي عبادة الله ms5128 وهي ملة إبراهيم وقد قال تعالى ( ومن ~~يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه إلى قوله فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~( # وإذا كان كذلك فاليهود والنصارى ليسوا على ملة إبراهيم وإذا لم يكونوا ~~على ملته لم يكونوا يعبدون إله إبراهيم فإن من عبد إله إبراهيم كان على ~~ملته قال تعالى ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين إلى قوله وهو السميع العليم ( فقوله ( قل بل ملة ~~إبراهيم ( يبين أن ما عليه اليهود والنصارى ينافي ملة إبراهيم # وهذا بعد مبعث محمد مما لا ريب فيه فإنه هو الذي بعث بملة إبراهيم ~~والطائفتان كانتا خارجتين عنها بما وقع منهم من التبديل قال تعالى ( إن ~~أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين آمنوا ( وقال ( قل ~~إنني هدانى ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ( الآية # وقال ( ثم أوحينا إليك أن إتبع ملة إبراهيم حنيفا ( # وقوله ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ( يبين PageV16P569 أن ~~كل من رغب عنها فقد سفه نفسه وفيه من جهة الإعراب والمعنى قولان ( أحدهما ( ~~وهو قول الفراء وغيره من نحاة الكوفة وإختيار بن قتيبة وغيره وهو معنى قول ~~أكثر السلف أن النفس هي التى سفهت فإن ( سفه ( فعل لازم لا يتعدى لكن ~~المعنى إلا من كان سفيها فجعل الفعل له ونصب النفس على التمييز لا النكرة ~~كقوله ( وإشتعل الرأس شيبا ( # وأما الكوفيون فعرفوا هذا وهذا قال الفراء نصب النفس على التشبيه ~~بالتفسير كما يقال ضقت بالأمر ذرعا معناه ضاق ذرعى به ومثله ( واشتعل الرأس ~~شيبا ( أي إشتعل الشيب في الرأس قال ومنه قوله ألم فلان رأسه ووجع بطنه ~~ورشد أمره وكان الأصل سفهت نفس زيد ورشد أمره فلما حول الفعل إلى زيد إنتصب ~~ما بعده على التمييز # فهذه شواهد عرفها الفراء من كلام العرب ومثله قوله غبن فلان رأيه وبطر ~~عيشه ومثل هذا قوله ( بطرت معيشتها ( أي بطرت نفس المعيشة وهذا معنى قول ~~يمان بن رباب ms5129 حمق رأيه ونفسه وهو معنى قول بن السائب ضل من قبل نفسه وقول ~~PageV16P570 أبى روق عجز رأيه عن نفسه # والبصريون لم يعرفوا ذلك فمنهم من قال جهل نفسه كما قاله بن كيسان ~~والزجاج قال لأن من عبد غير الله فقد جهل نفسه لأنه لم يعلم خالقها # وهذا الذي قالوه ضعيف فإنه إن قيل إن المعنى صحيح فهو إنما قال ( سفه ( و ~~( سفه ( فعل لازم ليس بمتعد و ( جهل ( فعل متعد وليس في كلام العرب ( سفهت ~~كذا ( ألبتة بمعنى جهلته بل قالوا سفه بالضم سفاهة أي صار سفيها وسفه ~~بالكسر أي حصل منه سفه كما قالوا في ( فقه وفقه ( ونقل بعضهم سفهت الشرب ~~إذا اكثرت منه وهو يوافق ما حكاه الفراء أي صار شربه سفيها فسفه شربه لما ~~جاوز الحد # وقال الأخفش ويونس نصب بإسقاط الخافض أي سفه في نفسه وقولهم ( بإسقاط ~~الخافض ( ليس هو أصلا فيعتبر به ولكن قد تنزع حروف الجر في مواضع مسموعة ~~فيتعدى الفعل بنفسه وإن كان مقيسا في بعض الصور ف ( سفه ( ليس من هذا لا ~~يقال سفهت أمر الله ولا دين الإسلام بمعنى جهلته أي سفهت فيه وإنما يوصف ~~بالسفه وينصب على التمييز ما خص به PageV16P571 مثل نفسه أو شربه ونحو ذلك # والمقصود أن كل من رغب عن ملة إبراهيم فهو سفيه قال أبو العالية رغبت ~~اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم وابتدعوا اليهودية والنصرانية وليست من ~~الله وتركوا دين إبراهيم وكذلك قال قتادة بدلوا دين الأنبياء واتبعوا ~~المنسوخ فأما موسى والمسيح ومن إتبعهما فهم على ملة إبراهيم متبعون له وهو ~~إمامهم وهذا معنى قوله ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين إتبعوه وهذا النبى ~~والذين آمنوا ( فهو يتناول الذين إتبعوه قبل مبعث محمد وبعد مبعثه وقيل إنه ~~عام قال الحسن البصري كل مؤمن ولي إبراهيم ممن مضى وممن بقى وقال الربيع بن ~~أنس هم المؤمنون الذين صدقوا نبى الله وإتبعوه وكان محمد والذين معه من ~~المؤمنين أولى الناس بإبراهيم وهذا وغيره مما يبين أن اليهود والنصارى لا ms5130 ~~يعبدون الله وليسوا على ملة إبراهيم # فإن قيل فالمشرك يعبد الله وغيره بدليل قول الخليل ( أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ( فقد إستثناه ~~مما يعبدون فدل على أنهم كانوا يعبدون الله وكذلك قوله ( إنني برآء مما ~~تعبدون إلا الذي فطرني ( وإستثناه PageV16P572 أيضا وفى المسند وغيره حديث ~~حصين الخزاعى لما قال له النبى صلى الله عليه وسلم ( يا حصين كم تعبد اليوم ~~( قال سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء قال ( فمن الذي تعد لرغبتك ~~ورهبتك ( قال الذي في السماء # قيل هذا قول المشركين كما تقول اليهود والنصارى نحن نعبد الله فهم يظنون ~~أن عبادته مع الشرك به عبادة وهم كاذبون في هذا # وأما قول الخليل ففيه قولان قال طائفة إنه إستثناء منقطع وقال عبد الرحمن ~~بن زيد كانوا يعبدون الله مع آلهتهم # وعلى هذا فهذا لفظ مقيد فإنه قال ( ما تعبدون ( فسماه عبادة إذا عرف ~~المراد لكن ليست هي العبادة التى هي عند الله عبادة فإنه كما قال تعالى ( ~~أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو ~~كله للذي أشرك ( وهذا كقوله تعالى ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ~~( سماه إيمانا مع التقييد وإلا فالمشرك الذي جعل مع الله إلها آخر لايدخل ~~في مسمى الإيمان عند الإطلاق وقد قال ( يؤمنون بالجبت والطاغوت ( فبشرهم ~~بعذاب أليم ( فهذا مع التقييد ومع الإطلاق فالإيمان هو الإيمان بالله ~~والبشارة بالخير PageV16P573 # وقوله ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( نفي العبادة مطلقا ليس هو نفي لما قد ~~يسمى عبادة مع التقييد والمشرك إذا كان يعبد الله ويعبد غيره فيقال إنه ~~يعبد الله وغيره أو يعبده مشركا به لا يقال إنه يعبد مطلقا والمعطل الذي لا ~~يعبد شيئا شر منه والعبادة المطلقة المعتدلة هي المقبولة وعبادة المشرك ~~ليست مقبولة # ومما يوضح هذا قوله ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ( الآية قالوا ~~فيها ( نعبد إلهك وإله آبائك ( ثم قالوا ( إلها واحدا ( فهذا ms5131 بدل من الأول ~~في أظهر الوجهين فإن النكرة تبدل من المعرفة كما في قوله ( لنسفعا بالناصية ~~ناصية كاذبة خاطئة ( فذكرت معرفة وموصوفة كذلك قالوا ( نعبد إلهك ( فعرفوه ~~ثم قالوا ( إلها واحدا ( فوصفوه والبدل في حكم تكرير العامل أحيانا كما في ~~قوله ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ( ~~فالتقدير نعبد إلهك نعبد إلها واحدا ونحن له مسلمون فجمعوا بين الخبرين ~~بأمرين بأنهم يعبدون إلهه وأنهم إنما يعبدون إلها واحدا فمن عبد إلهين لم ~~يكن عابدا لإلهه وإله آبائه وإنما يعبد إلهه من عبد إلها واحدا # ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدا له لكانت عبادته نوعين عبادة ~~إشراك وعبادة إخلاص وإذا كان كذلك لم يكن PageV16P574 قوله ( إلها واحدا ( ~~بدلا لأن هذا كل من كل ليس هو بدل بعض من كل فعلم أن إلهه وإله آبائه لا ~~يكون إلا إلها واحدا # والوجه الثانى قوله ( إلها واحدا ( نصب على الحال لكنها حال لازمة فإنه ~~لا يكون إلا إلها واحدا كقوله ( وهو الحق مصدقا ( وهو لا يكون إلا مصدقا ~~ومنه ( ملة إبراهيم حنيفا ( ويقتلون النبيين بغير حق ( فمن عبد معه غيره ~~فما عبده إلها واحدا ومن أشرك به فما عبده وهو لا يكون إلا إلها واحدا فإذا ~~لم يعبده في الحال اللازمة له لم تكن له حال آخرى يعبده فيها فما عبده # فإن قيل المشرك يجعل معه آلهة أخرى فهو يعبد في حال ليس هو فيها الواحد ~~قيل هذا غلط منشؤه أن لفظ ( الإله ( يراد به المستحق للإلهية ويراد به ما ~~إتخذه الناس إلها وإن لم يكن إلها في نفس الأمر بل هي أسماء سموها هم ~~وآباؤهم فتلك ليست في نفسها آلهة وإنما هي آلهة في أنفس العابدين فالهيتها ~~أمر قدره المشركون وجعلوه في أنفسهم من غير أن يكون مطابقا للخارج كالذي ~~يجعل من ليس بعالم عالما ومن ليس بحي حيا ومن ليس بصادق ولا عدل صادقا ~~وعدلا فيقال هذا عندك صادق وعادل وعالم وتلك إعتقادات غير ms5132 مطابقة وأقوال ~~كاذبة غير لائقة PageV16P575 # ولهذا يجعل سبحانه ذلك من باب الإفتراء والكذب كما قال أصحاب الكهف ( ~~هؤلاء قومنا إتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ~~ممن إفترى على الله كذبا ( وقال الخليل ( إنما تعبدون من دون الله أوثانا ~~وتخلقون إفكا ( وقال ( وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) أي أي شيء يتبع الذين يشركون وإنما يتبعون ~~الظن والخرص وهو الحزر هذا صواب وإن ما إستفهامية وقد قيل أنها نافية ~~وبعضهم لم يذكر غيره كأبى الفرج وهو ضعيف كما قد بين ذلك في غير هذا الموضع # وقال هود إعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون ( # وإذا كانت إلهية ما سوى الله أمرا مختلقا يوجد في الذهن واللسان لا وجود ~~له في الأعيان وهو من باب الكذب والإعتقاد الباطل الذي ليس بمطابق وما عند ~~عابديها من الحب والخوف والرجاء لها تابع لذلك الإعتقاد الباطل كمن إعتقد ~~في شخص أنه صادق فصدقه فيما يقول وبنى على إخباره أعمالا كثيرة فلما تبين ~~كذبه ظهر فساد تلك الأعمال كأتباع مسيلمة والأسود وغيرهما من أصحاب الزوايا ~~والترهات وما يشرعونه لأتباعهم مما لم يأذن به الله بخلاف الصادق والصدق ~~PageV16P576 # ولهذا كانت كلمة التوحيد ( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) ~~وقال في كلمة الشرك ( كشجرة خبيثة أجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ( ~~فليس [ لها ] أساس ثابت ولا فرع ثابت إذ كانت باطلة كأقوال الكاذبين ~~وأعمالهم بل هي أعظم الكذب والإفتراء مع الحب لها # والشرك أعظم الظلم قال بن مسعود قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال ( أن ~~تجعل لله ندا وهو خلقك ( # فنفس تألههم لها وعبادتهم إياها وتعظيمها وحبها ودعائها وإعتقادها آلهة ~~والخبر عنها بأنها آلهة موجود كما كان إعتقاد الكذابين موجودا وأما نفس ~~إتصافها بالإلهية فمفقود كإتصاف مسيلمة بالنبوة # فهنا حالان حال للعابد وحال للمعبود فأما العابدون فكلهم في قلوبهم عبادة ~~وتأله لمن عبدوه ms5133 وأما المعبودون فالرحمن له الإلهية وما سواه لا الهية له ~~بل هو ميت لا يملك لعابديه ضرا ولا نفعا ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون ~~إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( وهو في أصح القولين ( سبيلا ( بالتقرب ~~بعبادته وذكره ولهذا قال بعدها ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء PageV16P577 إلا يسبح بحمده ( فأخبر عن الخلائق كلها أنها تسبح ~~بحمده وقد بسط هذا في موضع آخر # فقوله ( نعبد إلهك إلها واحدا ( إذا قيل أنه منصوب على الحال فإما أن ~~يكون حالا من الفاعل العابد أو من المفعول المعبود فالأول نعبده في حال ~~كوننا مخلصين لا نعبد إلا إياه والثانى نعبده في الحال اللازمة له وهو أنه ~~إله واحد فنعبده مخلصين معترفين له بأنه الإله وحده دون ما سواه # فإن كان التقدير هذا الثانى إمتنع أن يكون المشرك عابدا له فإنه لا يعبده ~~في هذه الحال وهو سبحانه ليست له حال أخرى نعبده فيها وإن كان التقدير ~~الأول فقد يمكن أن نعبده في حال أخرى نتخذ معه آلهة آخرى في أنفسنا # لكن قوله ( إلها واحدا ( دليل على أنها حال من المعبود بخلاف ما إذا قيل ~~نعبده مخلصين له الدين فإن هذه حال من الفاعل # ولهذا يأتى هذا في القرآن كثيرا كقوله ( فاعبد الله مخلصا له الدين ( ~~وقوله ( قل الله أعبد مخلصا له دينى ( فهذا حال من الفاعل PageV16P578 فإنه ~~يكون تارة مخلصا وتارة مشركا وأما الرب تعالى فإنه لا يكون إلا إلها واحدا # والحال وإن كانت صفة للمفعول فهي أيضا حال للفاعل فإنهم قالوا نعبده في ~~هذه الحال فلزم أن عبادتهم له ليست في غير هذا الحال وبين أن قوله ( نعبد ~~إلهك وإله آبائك إلها واحدا ( هي حال متعلقة بالفاعل والمفعول جميعا ~~بالعابد والمعبود فإن العامل فيها المتعلق بها العبادة وهي فعل العابد ~~والذي يقال له المفعول في العربية هو المعبود # كما قيل في الجملة ( ونحن له مسلمون ( قيل هي واو العطف وقيل واو الحال ~~أي نعبده في هذه ms5134 الحال قالوا وهي حال من فاعل ( نعبد ( أو مفعوله لرجوع ~~الهاء إليه في ( له ( وهذا الترديد غلط إذ هي حال منهما جميعا فإنهم إذا ~~عبدوه وهم مسلمون فهم مسلمون حال كونهم عابدين وحال كونه معبودا إذ كونهم ~~عابدين وكونه معبودا ليس مختصا بمقارنة أحدهما دون الآخر # فالظرف والحال هنا كلمة وليست مفردا ولهذا اشتبه عليهم فإن المفرد لا ~~يمكن أن يكون في اللفظ صفة لهذا وهذا فإذا قلت ضربت زيدا قاعدا فالقعود حال ~~للفاعل أو المفعول وإذا قلت ضربته والناس PageV16P579 قعود فليس هذه الحال ~~من أحدهما دون الآخر بل هي مقارنة للضرب المتعلق بها كأنه قال ضربته في ~~زمان قعود الناس فهو ظرف للفعل المتعلق بالفاعل والمفعول بخلاف ما إذا قلت ~~ضربته في حال قعودي أو قعوده فهذا يختلف # والآية فيها ( إلها واحدا ( فهذه حال من المعبود بلا ريب فلزم أنهم إنما ~~عبدوه في حال كونه إلها واحدا وهذه لازمة له # وإذا قيل المراد في حال كونه معبودا واحدا لا نتخذ معه معبودا آخر فهذه ~~حال ليست لازمة لكنه صفة للعابدين لا له قيل هذا ليس فيه مدح له ولا وصف له ~~بأنه يستحق الإلهية لكن فيها وصفهم فقط # وأيضا فقوله ( إلها واحدا ( كقوله ( وإلهكم إله واحد ( فهو في نفسه إله ~~واحد وإن جعل معه المشركون آلهة بالإفتراء والحب فيجب أن يكون المراد ما دل ~~عليه هذا الإسم # ولو أرادوا ذلك المعنى لقالوا نعبده مخلصين له الدين وهذا المعنى قد ~~ذكروه في الجملة الثانية وهي قولهم ( ونحن له مسلمون ( لا سيما إذا جعلت ~~حالا أي نعبده إلها واحدا في حال إسلامنا له PageV16P580 واسلامهم له يتضمن ~~إخلاص الدين له وخضوعهم وإستسلامهم لأحكامه بخلاف غير المسلمين # ولهذا قال آمرا للمؤمنين أن يقولوا ( آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ( # ثم قال ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن ms5135 له عابدون قل أتحاجوننا ~~في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون ( # وفي هذه الآيات معان جليلة ليس هذا موضع إستيفائها ### ||| فصل # وهذا النزاع في قوله ( قل يا أيها الكافرون ( هل هو خطاب لجنس الكفار كما ~~قاله الأكثرون أو لمن علم أنه يموت كافرا كما قاله بعضهم يتعلق بمسمى ( ~~الكافر ( ومسمى ( المؤمن PageV16P581 # فطائفة تقول هذا إنما يتناول من وافى القيامة بالإيمان فاسم المؤمن عندهم ~~إنما هو لمن مات مؤمنا فأما من آمن ثم ارتد فذاك ليس عندهم بإيمان # وهذا إختيار الأشعري وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم وهكذا يقال الكافر [ من ~~] مات كافرا # وهؤلاء يقولون إن حب الله وبغضه ورضاه وسخطه وولايته وعداوته إنما يتعلق ~~بالموافاة فقط فالله يحب من علم أنه يموت مؤمنا ويرضى عنه ويواليه بحب قديم ~~وموالاة قديمة ويقولون إن عمر حال كفره كان وليا لله # وهذا القول معروف عن بن كلاب ومن تبعه كالأشعرى وغيره # وأكثر الطوائف يخالفونه في هذا فيقولون بل قد يكون الرجل عدوا لله ثم ~~يصير وليا لله ويكون الله يبغضه ثم يحبه وهذا مذهب الفقهاء والعامة وهو قول ~~المعتزلة والكرامية والحنفية قاطبة وقدماء المالكية والشافعية والحنبلية # وعلى هذا يدل القرآن كقوله ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ~~( وإن تشكروا يرضه لكم ( وقوله ( إن الذين آمنوا PageV16P582 ثم كفروا ثم ~~آمنوا ثم كفروا ( فوصفهم بكفر بعد إيمان وإيمان بعد كفر وأخبر عن الذين ~~كفروا أنهم كفار وأنهم إن إنتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقال ( فلما آسفونا ~~إنتقمنا منهم ( وقال ( ذلك بانهم إتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم ( # وفى الصحيحين في حديث الشفاعة تقول الأنبياء ( إن ربى قد غضب غضبا لم ~~يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ( # وفى دعاء الحجاج عند الملتزم عن بن عباس وغيره ( فإن كنت رضيت عنى فأزدد ~~عنى رضا وإلا فمن الآن فارض عني ( وبعضهم حذف ( فارض عني ( فظن بعض الفقهاء ~~أنه ( فمن الأن ( أنه من ( المن ( وهو تصحيف وإنما هو من ms5136 حروف الجر كما في ~~تمام الكلام وإلا فمن الآن فارض عنى فبين أنه يزداد رضا وأنه يرضى في وقت ~~محدود وشواهد هذا كثيرة وهو مبسوط في مواضع ### ||| فصل # ونظير القول في ( قل يا أيها الكافرون ( القولان في قوله ( إن الذين ~~كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( فإن للناس في هذه ~~الآية قولين PageV16P583 # ( أحدهما ( أنها خاصة بمن يموت كافرا وهذا منقول عن مقاتل كما قال في ~~قوله ( قل يا أيها الكافرون ( وكذلك نقل عن الضحاك قالا نزلت في مشركى ~~العرب كأبي جهل وأبى طالب وأبي لهب ممن لم يسلم وقال الضحاك نزلت في أبى ~~جهل وخمسة من أهل بيته # وطائفة من المفسرين لم يذكروا غير هذا القول كالثعلبى والبغوي وبن الجوزي ~~قال البغوى هذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله # وقال بن الجوزي قال شيخنا على بن عبيد الله وهذه الآية وردت بلفظ العموم ~~والمراد بها الخصوص لأنها آذنت بأن الكفار حين إنذارهم لا يؤمنون وقد آمن ~~كثير من الكفار عند إنذارهم ولو كانت على ظاهرها في العموم لكان خبر الله ~~بخلاف مخبره فلذلك وجب نقلها إلى الخصوص # ( والقول الثانى ( أن الآية على مقتضاها والمراد بها أن الإنذار وعدمه ~~سواء بالنسبة إلى الكافر ما دام كافرا لا ينفعه الإنذار ولا يؤثر فيه كما ~~قيل مثل ذلك في الآيات إنها غير موجبة للإيمان وقد جمع بينهما في قوله ( ~~وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون PageV16P584 # فالآيات أفقية وأرضية وقرآنية وهي أدلة العلم والإنذار يقتضى الخوف ~~فالآيات لمن إذا عرف الحق عمل به فهذا تنفعه الحكمة والإنذار لمن يعرف الحق ~~وله هوي يصده فينذر بالعذاب الذي يدعوه إلى مخالفة هواه وهو خوف العذاب ~~وهذا هو الذي يحتاج إلى الموعظة الحسنة وآخر لا يقبل الحق فيحتاج إلى الجدل ~~فيجادل بالتى هي أحسن # وقد قال تعالى ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا ~~عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ( وقال ms5137 ( إنما أنت ~~منذر من يخشاها ( إنما تنذر من إتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ( # فالمراد أن الكافر ما دام كافرا لا يقبل الحق سواء انذر أم لم ينذر ولا ~~يؤمن ما دام كذلك لأن على قلبه وسمعه وبصره موانع تصد عن الفهم والقبول ~~وهكذا حال من غلب عليه هواه # وهو سبحانه لم يقل ( أنهم لا يؤمنون ( وقيل ذلك لمن سبقت عليه الشقوة أو ~~حقت عليه الكلمة كقوله ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم ~~كل آية حتى يروا العذاب الأليم ( فبين أن هؤلاء لا يؤمنون إلا حين لا ~~ينفعهم إيمانهم وقت PageV16P585 رؤية العذاب الأليم كإيمان فرعون المذكور ~~قبلها وموسى قد دعا عليه فقال ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما ( # وأما إذا أطلق سبحانه الكفار فهو مثل قوله ( ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة ( الآية فبين أنهم قد يؤمنوا إذا شاء # وآية البقرة مطلقة عامة فإنه ذكر في أول السورة أربع آيات في صفة ~~المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في المنافقين فبين حال ~~الكافر المصر على كفره أن الإنذار لا ينفعه للحجب التى على قلبه وسمعه ~~وبصره وليس قال إن الله لا يهدى أحدا من هؤلاء فيسمع ويقبل ولكن هو حين ~~يكون كافرا لا تتناوله الآية وهذا كما يقال في الكافر الحربى لا يجوز أن ~~تعقد له الذمة ولا يكون قط من أهل دار الإسلام ما دام حربيا # فالكفار ما داموا كفارا هم بهذه المثابة لهم موانع تمنعهم من الإيمان كما ~~أن للمنافقين موانع تمنعهم ما داموا كذلك وإن أنذروا وهذا كقوله ( ومثل ~~الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون ( فهذا مثل كل كافر ما دام كافرا PageV16P586 # وذلك لا يمنع أن يكونوا قد يسمعون [ إذا زال الغطاء الذي على قلوبهم ~~وسمعهم وابصارهم فإنهم لا يسمعون ] لذلك المعنى المشتق منه وهو الكفر فما ~~داموا هذه حالهم فهم ms5138 كذلك ولكن تغير الحال ممكن كما قال ( إلا أن يشاء الله ~~( وكما هو الواقع # ومثل هذا يفيد أن الإنسان لا يعتقد أنه بدعائه وإنذاره وبيانه يحصل الهدى ~~ولو كان أكمل الناس وأن الداعى وإن كان صالحا ناصحا مخلصا فقد لا يستجيب ~~المدعو لا لنقص في الدعاء لكن لفساد في المدعو # وهذا لأن حصول المطلوب متوقف على فعل الفاعل وقبول القابل كالسيف القاطع ~~يؤثر بشرط قبول المحل فيه لا يقطع الحجارة والحديد ونحو ذلك والنفخ يؤثر ~~إذا كان هناك قابل لا يؤثر في الرماد # والدعاء والتعليم والإرشاد وكل ما كان من هذا الجنس له فاعل وهو المتكلم ~~بالعلم والهدى والنذارة وله قابل وهو المستمع فإذا كان المستمع قابلا حصل ~~الإنذار التام والتعليم التام والهدى التام وإن لم يكن قابلا قيل علمته فلم ~~يتعلم وهديته فلم يهتد وخاطبته فلم يصغ ونحو ذلك PageV16P587 # فقوله في القرآن ( هدى للمتقين ( هو من هذا إنما يهتدي من يقبل الإهتداء ~~وهم المتقون لا كل أحد وليس المراد أنهم كانوا متقين قبل اهتدائهم بل قد ~~يكونوا كفارا لكن إنما يهتدى به من كان متقيا فمن إتقى الله إهتدى بالقرآن ~~والعلم والإنذار إنما يكون بما أمر به القرآن # وهكذا قوله ( لينذر من كان حيا ( الإنذار التام فإن الحي يقبله ولهذا قال ~~( ويحق القول على الكافرين ( فهم لم يقبلوا الإنذار # ومثله قوله ( إنما أنت منذر من يخشاها ( # وعكسه قوله ( وما يضل به إلا الفاسقين ( أي كل من ضل به فهو فاسق فهو ذم ~~لمن يضل به فإنه فاسق ليس أنه كان فاسقا قبل ذلك # ولهذا تأولها سعد بن أبى وقاص في الخوارج وسماهم ( فاسقين ( لأنهم ضلوا ~~بالقرآن فمن ضل بالقرآن فهو فاسق # فقوله ( إن الذين كفروا ( من هذا الباب والتقدير من ختم على قلبه وجعل ~~على سمعه وبصره غشاوة فسواء عليك أنذرته أم لم تنذره هو لا يؤمن أي ما دام ~~كذلك PageV16P588 و لكن هذا قد يزول وفى صفة النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ( وحرزا ms5139 للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك ( ~~المتوكل ( لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزئ بالسيئة السيئة ~~ولكن يعفو ويغفر ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء فأفتح [ به ] أعينا ~~عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا # وقد قال ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم ~~فهم لا يؤمنون ( فدل على أن بعضهم يؤمنون ثم قال ( إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا إلى قوله إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب ( فهذا هو ~~الإنذار التام وهو الإنذار الذي يقبله المنذر وينتفع به # وقوله ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ( هو أصل الإنذار كما يقال في ~~البليد والمشغول الذهن بأمور الدنيا والشهوات سواء عليك أعلمته أم لم تعلمه ~~لا يتعلم ولا يقبل الهدى ويقال في الذكى الفارغ إنما يتعلم مثل هذا ثم ~~المشغول قد يتفرغ وقد يصلح ذهن بعد فساده ويفسد بعد صلاحه لفساد قلبه ~~وصلاحه # وعلى هذا القول أكثر تفسير السلف كما ذكره بن إسحاق وقد رواه بن أبى حاتم ~~وغيره قال بن إسحاق حدثنى محمد بن أبى PageV16P589 محمد عن عكرمة أو سعيد ~~بن جبير عن بن عباس ( إن الذين كفروا ( أي بما أنزل إليك وإن قالوا إنا قد ~~آمنا بما جاءنا قبلك ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( أي ~~إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا ~~بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا # فقد تبين أنهم لا يسمعون الإنذار لكفرهم بما عندهم وما جاءهم من الحق ~~ومعلوم ان منهم خلقا تابوا بعد ذلك وآمنوا # وروى عن الربيع بن أنس عن أبى العالية قال آيتان في قادة الأحزاب ( إن ~~الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( قال هم الذين ~~ذكرهم الله في هذه الآية ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا ~~قومهم دار البوار ( قلت ( جعلهم قادة الأحزاب لكونهم أضلوا الأتباع فأحلوهم ~~دار البوار والأحزاب ms5140 يوم الخندق قد أسلم عامة قادتها وحسن إسلامهم مثل ~~عكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وأبى سفيان وهؤلاء أسلم ~~منهم من أسلم عام الفتح وهم الطلقاء ومنهم من أسلم قبل ذلك والحزب الآخر ~~غطفان وقد أسلموا أيضا PageV16P590 # والآية لابد أن تتناول كفار أهل الكتاب كما قال بن إسحاق فإن السورة ~~مدنية وإن تناولت مع ذلك المشركين فهي تعم كل كافر ومقاتل والضحاك يخصها ~~ببعض مشركي العرب وبن السائب يقول هي إنما نزلت في اليهود منهم حيي بن أخطب ~~وكذلك ما ذكره بن إسحاق عن بن عباس أنها في اليهود وأبو العالية يقول إنها ~~نزلت في قادة الأحزاب # والآية تعم هؤلاء كلهم وغيرهم كما أن آيات المؤمنين والمنافقين كان سبب ~~نزولها [ المؤمنين والمنافقين الموجودين وقت النزول وهي تعمهم ] وغيرهم من ~~المؤمنين والمنافقين إلى قيام الساعة # والمقصود أن قوله ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( كقوله ~~( فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي ~~العمي عن ضلالتهم ( وقوله ( أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لايعقلون ومنهم من ~~ينظر إليك أفأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون ( # وكل هذا فيه بيان أن مجرد دعائك وتبليغك وحرصك على هداهم ليس موجب ذلك ~~وإنما يحصل ذلك إذا شاء الله هداهم فشرح صدورهم للإسلام كما قال تعالى ( إن ~~تحرص على هداهم فإن الله PageV16P591 لا يهدى من يضل ( ففيه تعزية لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم وبينت الآية له أن تبليغك وإن لم يهتدوا به ففيه مصالح ~~عظيمة غير ذلك # وفيه بيان أن الهدى هدى الله ف ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن ~~تجد له وليا مرشدا ( وقد قال له ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء ( ففيه تقرير التوحيد وتقرير مقصود الرسالة # وهو سبحانه أخبر عمن لا يؤمن فقال ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا ~~يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ( وقال ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ( ~~ثم قال ms5141 ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ( فخص في هذه الآية وفى ~~تلك ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ( وهم الذين حق عليهم القول أي حق عليهم ~~ما قاله الله سبحانه وكتبه وقدره فجعل الموجب هو التقدير السابق وهو قوله # والقول وإن كان قد يكون خبرا مجردا بما سيكون وقد يكون قولا يتضمن أشياء ~~كاليمين المتضمنة للحض والمنع فقد ذكر في مواضع تقدم اليمين كقوله ( ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى ( ونحو ذلك PageV16P592 # فهو خبر عما قاله أو قاله وكتبه وهو التقدير الذي يتضمن أنه قدر ما يفعله ~~وعلمه وكتبه كما تظاهرت النصوص بأن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة والقدر تضمن علمه بما سيكون ومشيئته لوجود ~~ما قدره وعلم أن سيخلقه # والقول قد يكون خبرا وقد يكون فيه معنى الطلب الحض والمنع بالقسم وإما ~~لكتابته على نفسه كقوله ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ( وقوله ( وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين ( وقوله ( يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا ( # وأما قوله ( ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ( فهذا مختص بالكفار وهو ~~الوعيد المتضمن الجزاء على الأعمال كما قال تعالى لإبليس ( لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين ) # وقوله ( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ( أي إن عذابهم له ~~أجل مسمى إما يوم القيامة وإما في الدنيا كيوم بدر وإما عقب الموت وقد ذكر ~~في الآية الأقوال الثلاثة فلولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لكان العذاب ~~لزاما أي لازما لهم فإن المقتضي له قائم تام وهو كفرهم PageV16P593 # وأما إذا أطلق القول على الكفار من غير تقييد فإنه لا يريد من [ لا ] ~~يؤمن منهم فإن اللفظ لا يدل على ذلك ألبتة # وأيضا فإن هذا لا فائدة فيه إذ كان أولئك غير معروفين وإنما هم طائفة قد ~~حق عليهم القول وهم لا يتميزون من غيرهم بل هو مأمور بإنذار الجميع وفيهم ~~من يؤمن ms5142 ومن لا يؤمن فذكر اللفظ العام وإرادة أولئك دون غيرهم ليس فيه بيان ~~للمراد الخاص وذكر المعنى الذي أوجب أنهم لا يؤمنون قط ولا فيه تعليق الحكم ~~بالمعنى العام وكلام الله تعالى يصان عن مثل ذلك # وما ذكر من الموانع هي موجودة في كل من لم يقبل الإنذار سواء كان كافرا ~~أو منافقا أو فاسقا أو غير ذلك لسبب يوجب ذلك فيمتنع قبول الإنذار بسبب ~~الموانع ولكن هذه الموانع قد تزول فإنها ليست لازمة لكل كافر # وإذا كان المانع ما سبق من القول الذي حق عليهم فقد لا يزول أبدا كما قال ~~( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم ( وقد يذكر هذا وهذا PageV16P594 # وأما إذا اقتصر على ذكر الموانع التى فيهم ولم يذكر ما سبق من القول فهذه ~~الموانع يرجى زوالها ويمكن ما لم يذكر معها ما يقتضي إمتناع تغير حالهم ~~وحصول الهدى ### ||| فصل # ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ( جاء الخطاب فيها ب ( ما ( ولم ~~يجيء ب ( من ( فقيل ( لا أعبد ما تعبدون ( لم يقل ( لا أعبد من تعبدون ( ~~لأن ( من ( لمن يعلم والأصنام لا تعلم # [ وهذا القول ضعيف جدا ] فإن معبود المشركين يدخل فيه من يعلم كالملائكة ~~والأنبياء والجن والإنس ومن لم يعلم وعند الإجتماع تغلب صيغة أولي العلم ~~كما في قوله ( فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من ~~يمشي على أربع ( # فإذا أخبر عنهم بحال من يعلم عبر عنهم بعبادته كما في قوله ( إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ~~ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها ( الآية فعبر عنهم بضمير الجمع ~~المذكر وهو لأولى العلم PageV16P595 # وأما ما لا يعلم فجمعه مؤنث كما تقول الأموال جمعتها والحجارة قذفتها # ف ( ما ( هي لما لا يعلم ولصفات من يعلم ولهذا تكون للجنس العام لأن شمول ~~الجنس لما تحته هو باعتبار صفاته كما قال ( فانكحوا ms5143 ما طاب لكم من النساء ( ~~أي الذي طاب والطيب من النساء فلما قصد الإخبار عن الموصوف بالطيب وقصد هذه ~~الصفة دون مجرد العين عبر ب ( ما ( # ولو عبر ب ( من ( كان المقصود مجرد العين والصفة للتعريف حتى لو فقدت ~~لكانت غير مقصودة كما إذا قلت جاءني من يعرف ومن كان أمس في المسجد ومن فعل ~~كذا ونحو ذلك فالمقصود الإخبار عن عينه والصلة للتعريف وإن كانت تلك الصفة ~~قد ذهبت # ومنه قوله ( والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها ( على ~~القول الصحيح إنها إسم موصول والمعنى وبانيها وطاحيها ومسويها [ و ] لما ~~قال ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ( أخبر ب ( من ( لأن المقصود ~~الإخبار عن فلاح عينه وإن كان فعله للتزكية والتدسية قد ذهب في الدنيا # فالقسم هناك بالموصوف بحيث أنه إنما أقسم بهذا الموصوف والصفة ~~PageV16P596 لازمة فإنه لا توجد مبنية إلا ببانيها ولا مطحية إلا بطاحيها ~~ولا مسواة إلا بمسويها وأما المرء المزكى نفسه والمدسيها فقد انقضى عمله في ~~الدنيا وفلاحه وخيبته في الآخرة ليسا مستلزما لذلك العمل # ونحو هذا قوله ( وما خلق الذكر والأنثى ( # ولهذا يستفهم بها عن صفات من يعلم في قوله ( وما رب العالمين ( كما ~~يستفهم على وجه بها في قوله ( ماذا تعبدون ( # وأما قوله ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ( ~~فالإستفهام عن عين الخالق للتمييز بينه وبين الآلهة التى تعبد فإن ~~المستفهمين بها كانوا مقرين بصفة الخالق وإنما طلب بالإستفهام تعيينه ~~وتمييزه ولتقام عليهم الحجة باستحقاقه وحده العبادة # وأما فرعون فكان منكرا للموصوف المسمى فاستفهم بصيغة ( ما ( لأنه لم يكن ~~مقرى به طالبا لتعيينه ولهذا كان الجواب في هذا الإستفهام بقول موسى ( رب ~~السماوات والأرض ( وبقوله ( ربكم ورب آبائكم الاولين ) فأجاب ايضا بالصفة ~~وهناك قال ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) فكان الجواب بالاسم المميز ~~للمسمى عن غيره وكذلك قوله ( قل لمن الأرض ومن فيها ) إلى تمام الآيات ~~PageV16P597 # فقوله ( لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ( يقتضى ms5144 تنزيهه عن كل ~~موصوف بأنه معبودهم لأن كل ما عبده الكافر وجبت البراءة منه لأن كل من كان ~~كافرا لا يكون معبوده الإله الذي يعبده المؤمن إذ لو كان هو معبوده لكان ~~مؤمنا لا كافرا وذلك يتضمن أمورا # ( أحدها ( أن ذلك يستلزم براءته من أعيان من يعبدونهم من دون الله # ( الثاني ( أنهم إذا عبدوا الله وغيره فمعبودهم المجموع وهو لا يعبد ~~المجموع لا يعبد إلا الله وحده فيعبده على وجه إخلاص الدين له لا على وجه ~~الشرك بينه وبين غيره # وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين قول الخليل ( إنني برآء مما تعبدون إلا ~~الذي فطرني ( وقوله ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين ( بأن يقال هنا نفي عبادة المجموع وذلك لا ينفى ~~عبادة الواحد الذي هو الله والخليل تبرأ من المجموع وذلك يقتضي البراءة من ~~كل واحد فاستثنى أو يقال الخليل تبرأ من جميع المعبودين من الجميع فوجب أن ~~يستثنى رب العالمين ولهذا لما وقع مستثنى في أول الكلام في قوله ~~PageV16P598 ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ( لم يحتج إلى إستثناء آخر # وأما هذه السورة فإن فيها التبري من عبادة ما يعبدون لا من نفس ما يعبدون ~~وهو بريء منهم ومن عبادتهم ومما يعبدون فإن ذلك كله باطل كما ثبت في الصحيح ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم يقول الله ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل ~~عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك # ( فعبادة المشرك كلها باطلة لا يقال نصيب الله منها حق والباقي باطل ~~بخلاف معبودهم فإن الله إله حق وما سواه آلهة باطلة # فلما تبرأ الخليل من المعبودين إحتاج إلى إستثناء رب العالمين ولما كان ~~في هذه تبرؤه من أن يعبد ما يعبدون فكان المنفي هو العبادة تبرأ من عبادة ~~المجموع الذين يعبدهم الكافرون # ( الثالث ( إن كان النفي عن الموصوف بأنه معبودهم لا ms5145 عن عينه فهو لا يعبد ~~شيئا من حيث هو معبودهم لأنه من حيث هو معبودهم هم مشركون به فوجبت البراءة ~~من عبادته على ذلك الوجه ولو قال ( من تعبدون ( لكان يقال إلا رب العالمين ~~لأن النفي واقع على PageV16P599 عين المعبود وليس إذا لم يعبد ما يعبدون ~~متبرئا منه ومعاديا له حتى يحتاج إلى الإستثناء بل هو تارك لعبادة ما ~~يعبدون # وهذا يتبين بالوجه الرابع وهو قوله ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ( نفى عنهم ~~عبادة معبوده فهم إذا عبدوا الله مشركين به لم يكونوا عابدين معبوده وكذلك ~~هو إذا عبده مخلصا له الدين لم يكن عابدا معبودهم # ( الوجه الخامس ( أنهم لو عينوا الله بما ليس هو الله وقصدوا عبادة الله ~~معتقدين أن هذا هو الله كالذين عبدوا العجل والذين عبدوا المسيح والذين ~~يعبدون الدجال والذين يعبدون ما يعبدون من دنياهم وهواهم ومن عبد من هذه ~~الأمة فهم عند نفوسهم إنما يعبدون الله لكن هذا المعبود الذي لهم ليس هو ~~الله # فإذا قال ( لا أعبد ما تعبدون ( كان متبرئا من هؤلاء المعبودين وإن كان ~~مقصود العابدين هو الله # ( الوجه السادس ( أنهم إذا وصفوا الله بما هو بريء منه كالصاحبة والولد ~~والشريك وأنه فقير أو بخيل أو غير ذلك وعبدوه كذلك فهو بريء من المعبود ~~الذي لهؤلاء فإن هذا ليس هو الله PageV16P600 كما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش يسبون مذمما وأنا محمد ( فهم ~~وإن قصدوا عينه لكن لما وصفوه بأنه مذمم كان سبهم واقعا على من هو مذمم وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم وذاك ليس هو الله فالمؤمنون برآء مما يعبد هؤلاء # ( الوجه السابع ( أن كل من لم يؤمن بما وصف به الرسول ربه فهو في الحقيقة ~~لم يعبد ما عبده الرسول من تلك الجهة # وقس على هذا فلتتأمل هذه المعاني وتلخص وتهذب والله تعالى أعلم ~~PageV16P601 ### || سورة تبت # قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ( سورة تبت ( نزلت في هذا وامرأته وهما من ~~أشرف ms5146 بطنين في قريش وهو عم علي وهي عمة معاوية واللذان تداولا الخلافة في ~~الأمة هذان البطنان بنو أمية وبنو هاشم وأما أبو بكر وعمر فمن قبيلتين أبعد ~~عنه صلى الله عليه وسلم وإتفق في عهدهما ما لم يتفق بعدهما # وليس في القرآن ذم من كفر به صلى الله عليه وسلم باسمه إلا هذا وامرأته ~~ففيه أن الأنساب لا عبرة بها بل صاحب الشرف يكون ذمه على تخلفه عن الواجب ~~أعظم كما قال تعالى ( يا نساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها ~~العذاب ( الآية # قال النحاس ( تبت يدا أبي لهب ( دعاء عليه بالخسر وفى قراءة عبد الله ( ~~وقد تب ( وقوله ( وما كسب ( أي ولده فإن قوله PageV16P602 ( وما كسب ( ~~يتناوله كما في الحديث ولده من كسبه واستدل بها على جواز الأكل من مال ~~الولد ثم أخبر أنه ( سيصلى نارا ( أخبر بزوال الخير وحصول الشر و ( الصلي ( ~~الدخول والإحتراق جميعا وقوله ( حمالة الحطب ( إن كان مثلا للنميمة لأنها ~~تضرم الشر فيكون حطب القلوب وقد يقال ذنبها أعظم وحمل النميمة لا يوصف ~~بالحبل في الجيد وإن كان وصفا لحالها في الآخرة كما وصف بعلها وهو يصلى وهي ~~تحمل الحطب عليه كما أعانته على الكفر فيكون من حشر الأزواج وفيه عبرة لكل ~~متعاونين على الإثم أو على إثم ما أو عدوان ما ويكون القرآن قد عمم الأقسام ~~الممكنة في الزوجين وهي أربعة إما كإبراهيم وامرأته وإما هذا وامرأته وإما ~~فرعون وامرأته وإما نوح وامرأته ولوط ويستقيم أن يفسر حمل الحطب بالنميمة ~~بحمل الوقود في الآخرة كقوله ( من كان له لسانان ( إلخ والله أعلم PageV16P603 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده ### || سورة الإخلاص ### |||| سئل شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضى 2 الله عنه # عما ورد في سورة @QB@ قل هو الله أحد @QE@ أنها تعدل ثلث القرآن وكذلك ~~ورد في سورة ( الزلزلة ( و @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ و ( الفاتحة ( هل ~~ما ورد في هذه المعادلة ms5147 ثابت في المجموع أم في البعض ومن روى ذلك وما ثبت ~~من ذلك وما معنى هذه المعادلة وكلام الله واحد بالنسبة إليه عز وجل وهل هذه ~~المفاضلة بتقدير ثبوتها متعدية إلى الأسماء والصفات أم لا والصفات القديمة ~~والأسماء PageV17P005 القديمة هل يجوز المفاضلة بينها مع أنها قديمة ومن ~~القائل بذلك وفي أي كتبه قال ذلك ووجه الترجيح في ذلك بما يمكن من دليل ~~عقلي ونقلي ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله أما الذي أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم فأخرجوا فضل ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ # وروى عن الدار قطنى أنه قال لم يصح في فضل سورة أكثر مما صح في فضلها ~~وكذلك أخرجوا فضل ( فاتحة الكتاب ( قال فيها ( إنه لم ينزل في التوراة ولا ~~في الإنجيل ولا في القرآن مثلها ( لم يذكر فيها أنها تعدل جزءا من القرآن ~~كما قال في @QB@ قل هو الله أحد @QE@ إنها تعدل ثلث القرآن ( ففي صحيح ~~البخاري عن الضحاك المشرقي عن أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأصحابه ( أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة ( فشق ذلك ~~عليهم وقالوا أينا يطيق ذلك يا رسول الله قال ( الله الواحد الصمد ثلث ~~القرآن ( وفى صحيح مسلم عن معدان بن أبى طلحة عن أبى الدرداء عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال ( أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرأن PageV17P006 # قالوا وكيف يقرأ ثلث القرآن قال ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ( # وروى مسلم أيضا عن ابى الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إن ~~الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء القرآن ( ~~وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبي سعيد أن ~~رجلا سمع رجلا يقرأ @QB@ قل هو الله أحد @QE@ يرددها فلما أصبح جاء إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث ms5148 القرآن ( وأخرج عن ~~أبي سعيد قال أخبرني أخي قتادة بن النعمان أن رجلا قام في زمن رسول الله ~~يقرأ من السحر @QB@ قل هو الله أحد @QE@ لايزيد عليها الحديث ( بنحوه وفى ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إحشدوا ~~فإنى سأقرأ عليكم ثلث القرآن ( قال فحشد من حشد ثم خرج نبى الله صلى الله ~~عليه وسلم فقرأ ( قل هو الله أحد ( ثم دخل فقال بعضنا لبعض إنى أري هذا ~~خبرا جاءه من السماء فذاك الذي أدخله ثم خرج نبى الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال ( إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن ( وفي ~~لفظ له قال خرج علينا رسول الله PageV17P007 صلى الله عليه وسلم فقال ( ~~أقرأ عليكم ثلث القرآن ( فقرأ @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ حتى ~~ختمها # وأما حديث ( الزلزلة ( و @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ فروى الترمذي عن ~~أنس بن مالك قال قال رسول الله ( من قرأ إذا زلزلت عدلت له نصف القرآن ومن ~~قرأ قل يا أيها الكافرون عدلت له ربع القرآن ( وعن إبن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( إذا زلزلت تعدل نصف القرآن وقل يا أيها الكافرون ~~تعدل ربع القرآن ( رواهما الترمذي وقال عن كل منهما غريب # وأما حديث ( الفاتحة ( فروى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلي قال ~~كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله فلم أجبه فقلت يا رسول الله إنى كنت ~~أصلي قال ( ألم يقل الله إستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ( ثم قال ( ~~لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قال ( الحمد لله رب العالمين هي السبع ~~المثانى والقرآن العظيم ( وفى السنن والمسانيد من حديث العلاء بن عبد ~~الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله قال لأبى بن كعب ( ألا أعلمك ~~سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان ~~مثلها قال فإنى أرجو أن لا PageV17P008 # تخرج من هذا الباب حتى تعلمها ms5149 ( وقال فيه ( كيف تقرأ في الصلاة ( فقرأت ~~عليه أم القرآن فقال ( والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ~~ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها إنها السبع المثانى والقرآن العظيم الذي ~~أعطيته ( ورواه مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبى سعيد مولى ~~عامر بن كريز مرسلا وفى صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ( ألم ~~تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ~~( وفى لفظ قال لي رسول الله ( أنزل علي آيات لم ير مثلهن قط المعوذتان ( ~~فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح أنه لم ير مثل المعوذتين كما أخبر أنه لم ~~ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثل الفاتحة ~~وهذا مما يبين فضل بعض القرآن على بعض ### ||| فصل # وأما السؤال عن معنى هذه المعادلة مع الإشتراك في كون الجميع كلام الله ~~فهذا السؤال يتضمن شيئين ( أحدهما ( أن كلام الله هل بعضه أفضل من بعض أم ~~لا ( والثاني ( ما معنى كون ( قل هو الله أحد ( تعدل ثلث القرآن وما سبب ~~ذلك PageV17P009 فنقول # أما الأول فهو ( مسألة كبيرة ( والناس متنازعون فيها نزاعا منتشرا فطوائف ~~يقولون بعض كلام الله أفضل من بعض كما نطقت به النصوص النبوية حيث أخبر عن ~~( الفاتحة ( أنه لم ينزل في الكتب الثلاثة مثلها وأخبر عن سورة ( الإخلاص ( ~~أنها تعدل ثلث القرآن وعدلها لثلثه يمنع مساواتها لمقدارها في الحروف وجعل ~~( آية الكرسي ( أعظم آية في القرآن كما ثبت ذلك في الصحيح أيضا وكما ثبت ~~ذلك في صحيح مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب ( يا أبا ~~المنذر أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم ( قال قلت الله ورسوله أعلم قال ~~( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله أعظم ( قال فقلت @QB@ الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم @QE@ قال فضرب في صدري وقال ( ليهنك العلم أبا ~~المنذر ( ورواه إبن ms5150 أبى شيبة في مسنده بإسناد مسلم وزاد فيه ( والذي نفسي ~~بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش ( وروى أنها ~~سيدة آي القرآن وقال في المعوذتين ( لم ير مثلهن قط # وقد قال تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ~~فأخبر أنه ياتى بخير منها أو مثلها وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد ~~يأتى بمثلها تارة أو خير منها أخرى فدل ذلك على أن الآيات تتماثل تارة # PageV17P010 وتتفاضل أخرى # وأيضا فالتوراة والإنجيل والقرآن جميعها كلام الله مع علم المسلمين بأن ~~القرآن أفضل الكتب الثلاثة قال تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ فأخبر أنه أحسن ~~الحديث فدل على أنه أحسن من سائر الأحاديث المنزلة من عند الله وغير ~~المنزلة وقال تعالى @QB@ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم @QE@ ~~وسواء كان المراد بذلك الفاتحة أو القرآن كله فإنه يدل على أن القرآن ~~العظيم له إختصاص بهذا الوصف على ما ليس كذلك وقد سمى الله القرآن كله ~~مجيدا وكريما وعزيزا وقد تحدى الخلق بأن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه ~~أو بمثل سورة منه فقال @QB@ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين @QE@ وقال ~~@QB@ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ وقال @QB@ فأتوا بسورة من مثله @QE@ # وخصه بأنه لا يقرأ في الصلاة إلا هو فليس لأحد أن يقرأ غيره مع قراءته ~~ولا بدون قراءته ولا يصلي بلا قرآن فلا يقوم غيره PageV17P011 مقامه مع ~~القدرة عليه # وكذلك لا يقوم غير الفاتحة مقامها من كل وجه بإتفاق المسلمين سواء قيل ~~بأنها فرض تعاد الصلاة بتركها أو قيل بأنها واجبة يأثم ms5151 تاركها ولا إعادة ~~عليه أو قيل إنها سنة فلم يقل أحد إن قراءة غيرها مساو لقراءتها من كل وجه # وخص القرآن بأنه لا يمس مصحفه إلا طاهر كما ثبت ذلك عن الصحابة مثل سعد ~~وسلمان وإبن عمر وجماهير السلف والخلف الفقهاء الأربعة وغيرهم ومضت به سنة ~~رسول الله في كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم الذي لا ريب في أنه كتبه له ودل ~~على ذلك كتاب الله وكذلك لا يقرأ الجنب القرآن عند جماهير العلماء الفقهاء ~~الأربعة وغيرهم كما دلت على ذلك السنة # وتفضيل أحد الكلامين بأحكام توجب تشريفه يدل على أنه أفضل في نفسه وإن ~~كان ذلك ترجيحا لأحد المتماثلين بلا مرجح وهذا خلاف ما علم من سنة الرب ~~تعالى في شرعه بل وفى خلقه وخلاف ما تدل عليه الدلائل العقلية مع الشرعية # وأيضا فقد قال تعالى @QB@ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها @QE@ فدل على PageV17P012 أن # فيما أنزل حسن وأحسن سواء كان الأحسن هو الناسخ الذي يجب الأخذ به دون ~~المنسوخ إذ كان لا ينسخ آية إلا يأتى بخير منها أو مثلها أو كان غير ذلك # والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف وهو ~~الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم وكلام القائلين بذلك ~~كثير منتشر في كتب كثيرة مثل ما سيأتى ذكره عن أبى العباس بن سريج في ~~تفسيره لهذا الحديث بأن الله أنزل القرآن على ثلاثة أقسام ثلث منه أحكام ~~وثلث منه وعد ووعيد وثلث منه الأسماء والصفات وهذه السورة جمعت الأسماء ~~والصفات # ومثل ما ذكره أصحاب الشافعى وأحمد في مسألة تعيين الفاتحة في الصلاة قال ~~أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي في كتابه ( الإصطلام ( وأما ~~قولهم إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة قلت سائر الأحكام ~~قد تعلقت بالقرآن على العموم وهذا على الخصوص بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة ms5152 ~~على التعيين مشروعة على الوجوب وعندكم على السنة قال وقد قال أصحابنا إن ~~قراءة الفاتحة لما وجبت في الصلاة وجب أن تتعين الفاتحة لأن القرآن إمتاز ~~عن غيره بالإعجاز وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة وهذه السورة أشرف السور ~~لأنها السبع المثاني ولأنها تصلح عوضا عن جميع السور PageV17P013 ولا تصلح ~~جميع السور عوضا عنها ولأنها تشتمل على ما لا تشتمل سورة ما على قدرها من ~~الآيات وذلك من الثناء والتحميد للرب والإستعانة والإستعاذة والدعاء من ~~العبد فإذا صارت هذه السورة أشرف السور وكانت الصلاة أشرف الحالات فتعينت ~~أشرف السور في أشرف الحالات هذا لفظه فقد نقل عن أصحاب الشافعي أن هذه ~~السورة أشرف السور كما أن الصلاة أشرف الحالات وبينوا من شرفها على غيرها ~~ما ذكروه # وكذلك ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلي بن القاضي أبي ~~حازم إبن القاضي أبي يعلي إبن الفرء قال في تعليقه ومن خطه نقلت قال في ~~مسألة كون قراءة الفاتحة ركنا في الصلاة أما الطريق المعتمد في المسألة فهو ~~أنا نقول الصلاة أشرف العبادات وجبت فيها القراءة فوجب أن يتعين لها أشرف ~~السور والفاتحة أشرف السور فوجب أن تتعين قال واعلم أنا نحتاج في تمهيد هذه ~~الطريقة إلى شيئين ( أحدهما ( أن الصلاة أشرف العبادات ( والثانى ( أن ~~الحمد أشرف السور وإستدل على ذلك بما ذكره قال وأما الدليل على أن فاتحة ~~الكتاب أشرف فالنص والمعنى والحكم أما النص فما تقدم من أنها عوض من غيرها ~~وعن أبى سعيد PageV17P014 الخدري عن النبى قال ( فاتحة الكتاب شفاء من السم ~~( وقال الحسن البصري أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب من السماء أودع علومها ~~أربعة منها التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ثم أودع علوم هذه الأربعة ~~الفرقان ثم أودع علوم القرآن المفصل ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب فمن ~~علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة ومن قرأها فكأنما قرأ ~~التوراة والإنجيل والزبور والقرآن # وأما المعنى فهو أن الله قابلها بجميع القرآن فقال @QB@ ولقد ms5153 آتيناك سبعا ~~من المثاني والقرآن العظيم @QE@ وهذه حقيقة لا يدانيها غيرها فيها قلت هذا ~~على قول من جعلها هي السبع المثانى وجعل القرآن العظيم جميع القرآن قال ~~ولأنها تسمى ( أم القرآن ( وأم الشيء أصله ومادته ولهذا سمى الله مكة ( أم ~~القرى ( لشرفها عليهن ولأنها السبع المثانى ولأنها تشتمل على ما لا تشتمل ~~عليه سورة من الثناء والتحميد للرب تعالى والإستعانة به والإستعاذة والدعاء ~~من العبد على ما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تعالى قسمت ~~الصلاة بينى وبين عبدي ( الحديث المشهور قال ولأنه لم ينزل مثلها في ~~التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في شيء من الكتب يدل عليه أنها ~~تيسر قراءتها على كل أحد ما لا يتيسر غيرها من القرآن PageV17P015 # وتضرب بها الأمثال ولهذا يقال فلان يحفظ الشيء مثل الفاتحة وإذا كانت ~~بهذه المثابة فغيرها لا يساويها في هذا فإختصت بالشرف ولأنها السبع المثاني ~~قال أهل التفسير معنى ذلك أنها تثنى قراءتها في كل ركعة قال بعضهم ثنى ~~نزولها على النبى قلت وفيه أقوال أخر # قال وأما الحكم فلأنه تستحب قراءتها في كل ركعة ويكره الإخلال بها ولولا ~~أنها أشرف لما إختصت بهذا المعنى يدل عليه أن عند المنازعين يعنى أصحاب أبي ~~حنيفة أن من أخل بقراءتها وجب عليه سجود السهو فنقول لا يخلو إما أن تكون ~~ركنا أو ليست بركن فإن كانت ركنا وجب أن لا تجبر بالسجود وإن لم تكن ركنا ~~وجب أن لا يجب عليه سجود قلت يعني بذلك أن السجود لا يجب إلا بترك واجب في ~~حال العمد فإذا سها عنه وجب له السجود وما كان واجبا فإذا تعمد تركه وجب أن ~~تبطل صلاته لأنه لم يفعل ما أمر به بخلاف من سها عن بعض الواجبات فإن هذا ~~يمكن أن يجبر ما تركه بسجود السهو ومذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة أن سجود ~~السهو واجب لأن من الواجبات عندهم ما إذا تركه سهوا لم تبطل الصلاة كما لا ~~تبطل بالزيادة سهوا بإتفاق ms5154 العلماء ولو زاد عمدا لبطلت الصلاة لكن مالكا ~~وأحمد في المشهور عنهما يقولان PageV17P016 # ما كان واجبا إذا تركه عمدا بطلت صلاته وإذا تركه سهوا فمنه ما يبطل ~~الصلاة ومنه ما ينجبر بسجود السهو فترك الركوع والسجود والقراءة يبطل ~~الصلاة مطلقا وترك التشهد الأول عندهما يبطل الصلاة عمده ويجب السجود لسهوه ~~وأما أبو حنيفة فيقول الواجب الذي ليس بفرض كالفاتحة إذا تركه كان مسيئا ~~ولا يبطل الصلاة والشافعي لايفرق في الصلاة بين الركن والواجب ولكن فرق ~~بينهما في الحج هو وسائر الأئمة # والمقصود هنا ذكر بعض من قال إن الفاتحة أشرف من غيرها # وقال أبو عمر بن عبدالبر وأما قول النبى لأبي ( هل تعلم سورة ما أنزل ~~الله لافى التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها ( ~~فمعناه مثلها في جمعها لمعانى الخير لأن فيها الثناء على الله عز وجل بما ~~هو أهله وما يستحقه من الحمد الذي هو له حقيقة لا لغيره لأن كل نعمة وخير ~~منه لا من سواه فهو الخالق الرازق لامانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهو ~~محمود على ذلك وإن حمد غيره فإليه يعود الحمد وفيها التعظيم له وأنه الرب ~~للعالم أجمع ومالك الدنيا والآخرة وهو المعبود والمستعان وفيها تعليم ~~الدعاء والهدى ومجانبة طريق من ضل وغوى والدعاء لباب العبادة فهي أجمع سورة ~~للخير ليس في الكتب مثلها على هذه PageV17P017 # الوجوه قال وقد قيل إن معنى ذلك أنها تجزيء الصلاة بها دون غيرها ولا ~~يجزيء غيرها عنها وليس هذا بتأويل مجتمع عليه قلت يعنى بذلك أن في هذا ~~نزاعا بين العلماء وهو كون الصلاة لاتجزيء إلا بها وهذا يدل على أن الوصف ~~الأول متفق عليه بين العلماء وهو أنها أفضل السور # ومن هذا الباب ما في الكتاب والسنة من تفضيل القرآن على غيره من كلام ~~الله التوراة والإنجيل وسائر الكتب وأن السلف كلهم كانوا مقرين بذلك ليس ~~فيهم من يقول الجميع كلام الله فلا يفضل القرآن على غيره قال الله تعالى ~~@QB@ الله ms5155 نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني @QE@ فأخبر أنه أحسن الحديث ~~وقال تعالى @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن ~~كنت من قبله لمن الغافلين @QE@ # ( وأحسن القصص ( قيل إنه مصدر وقيل إنه مفعول به قيل المعنى نحن نقص عليك ~~أحسن الإقتصاص كما يقال نكلمك أحسن التكليم ونبين لك أحسن البيان قال ~~الزجاج نحن نبين لك أحسن البيان والقاص الذي يأتى بالقصة على حقيقتها قال ~~وقوله @QB@ بما أوحينا إليك هذا القرآن @QE@ أي بوحينا إليك هذا القرآن ومن ~~قال هذا قال بما أوحينا إليك هذا القرآن وعلى هذا القول فهو كقوله نقرأ ~~PageV17P018 # عليك أحسن القراءة ونتلوا عليك أحسن التلاوة والثانى أن المعنى نقص عليك ~~أحسن ما يقص أي أحسن الأخبار المقصوصات كما قال في السورة الأخرى @QB@ الله ~~نزل أحسن الحديث @QE@ وقال @QB@ ومن أصدق من الله قيلا @QE@ ويدل على ذلك ~~قوله في قصة موسى @QB@ فلما جاءه وقص عليه القصص @QE@ وقوله @QB@ لقد كان ~~في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ المراد خبرهم ونبأهم وحديثهم ليس المراد ~~مجرد المصدر # والقولان متلازمان في المعنى كما سنبينه ولهذا يجوز أن يكون هذا المنصوب ~~قد جمع معنى المصدر ومعنى المفعول به لأن فيه كلا المعنيين بخلاف المواضع ~~التى يباين فيها الفعل المفعول به فإنه إذا إنتصب بهذا المعنى إمتنع المعنى ~~الآخر # ومن رجح الأول من النحاة كالزجاج وغيره قالوا القصص مصدر يقال قص أثره ~~يقصه قصصا ومنه قوله تعالى @QB@ فارتدا على آثارهما قصصا @QE@ وكذلك إقتص ~~أثره وتقصص وقد إقتصصت الحديث رويته على وجهه وقد إقتص عليه الخبر قصصا ~~وليس القصص بالفتح جمع قصة كما يظنه بعض العامة فإن ذلك يقال في قصص بالكسر ~~واحدة قصة والقصة هي الأمر والحديث الذي يقص فعلة بمعنى مفعول وجمعه قصص ~~بالكسر وقوله @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص @QE@ بالفتح لم يقل أحسن القصص ~~بالكسر ولكن PageV17P019 # بعض الناس ظنوا أن المراد أحسن القصص بالكسر وأن تلك القصة قصة يوسف وذكر ~~هذا طائفة من المفسرين # ثم ذكروا لم سميت أحسن القصص فقيل لأنه ليس ms5156 في القرآن قصة تتضمن من العبر ~~والحكم والنكت ما تتضمن هذه القصة وقيل لإمتداد الأوقات بين مبتدأها ~~ومنتهاها وقيل لحسن محاورة يوسف وإخوته وصبره على أذاهم وإغضائه عن ذكر ما ~~تعاطوه عند اللقاء وكرمه في العفو وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين ~~والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك ~~والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ومكرهن وحيلهن وفيها ايضا ذكر ~~التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش ~~فصارت أحسن القصص لما فيها من المعانى والفوائد التى تصلح للدين والدنيا ~~وقيل فيها ذكر الحبيب والمحبوب وقيل ( أحسن ( بمعنى أعجب # والذين يجعلون قصة يوسف أحسن القصص منهم من يعلم أن ( القصص ( بالفتح هو ~~النبأ والخبر ويقولون هي أحسن الأخبار والأنباء وكثير منهم يظن أن المراد ~~أحسن القصص بالكسر وهؤلاء جهال بالعربية وكلا القولين خطأ وليس المراد ~~بقوله ( أحسن القصص ( قصة يوسف وحدها بل هي مما قصه الله ومما يدخل في أحسن ~~القصص PageV17P020 # ولهذا قال تعالى في آخر السورة @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل ~~وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم ~~المجرمين لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ فبين أن ~~العبرة في قصص المرسلين وأمر بالنظر في عاقبة من كذبهم وعاقبتهم بالنصر # ومن المعلوم أن قصة موسى وما جرى له مع فرعون وغيره أعظم وأشرف من قصة ~~يوسف بكثير كثير ولهذا هي أعظم قصص الأنبياء التى تذكر في القرآن ثناها ~~الله أكثر من غيرها وبسطها وطولها أكثر من غيرها بل قصص سائر الأنبياء كنوح ~~وهود وصالح وشعيب وغيرهم من المرسلين أعظم من قصة يوسف ولهذا ثنى الله تلك ~~القصص في القرآن ولم يثن قصة يوسف وذلك لأن الذين ms5157 عادوا يوسف لم يعادوه على ~~الدين بل عادوه عداوة دنيوية وحسدوه على محبة أبيه له وظلموه فصبر واتقى ~~الله وإبتلي صلوات الله عليه بمن ظلمه وبمن دعاه إلى الفاحشة فصبر وإتقى ~~الله في هذا وفي هذا وإبتلى أيضا بالملك فإبتلى بالسراء والضراء فصبر وإتقى ~~الله في هذا وهذا فكانت قصته من أحسن القصص وهي PageV17P021 # أحسن من القصص التى لم تقص في القرآن فإن الناس قد يظلمون ويحسدون ويدعون ~~إلى الفاحشة ويبتلون بالملك لكن ليس من لم يذكر في القرآن ممن إتقى الله ~~وصبر مثل يوسف ولا فيهم من كانت عاقبته أحسن العواقب في الدنيا والآخرة مثل ~~يوسف # وهذا كما أن قصة أهل الكهف وقصة ذي القرنين كل منهما هي في جنسها أحسن من ~~غيرها فقصة ذي القرنين أحسن قصص الملوك وقصة أهل الكهف أحسن قصص أولياء ~~الله الذين كانوا في زمن الفترة # فقوله تعالى @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص @QE@ يتناول كل ما قصه في ~~كتابه فهو أحسن مما لم يقصه ليس المراد أن قصة يوسف أحسن ما قص في القرآن ~~وأين ما جرى ليوسف مما جرى لموسى ونوح وإبراهيم وغيرهم من الرسل وأين ما ~~عودى أولئك مما عودى فيه يوسف وأين فضل أولئك عند الله وعلو درجتهم من يوسف ~~صلوات الله عليهم أجمعين وأين نصر أولئك من نصر يوسف فإن يوسف كما قال الله ~~تعالى @QB@ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من ~~نشاء ولا نضيع أجر المحسنين @QE@ وأذل الله الذين ظلموه ثم تابوا فكان فيها ~~من العبرة أن المظلوم المحسود إذا صبر وإتقى الله كانت له العاقبة وأن ~~الظالم الحاسد PageV17P022 # قد يتوب الله عليه ويعفو عنه وأن المظلوم ينبغي له العفو عن ظالمه إذا ~~قدر عليه # وبهذا إعتبر النبى صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لما قام على باب ~~الكعبة وقد أذل الله له الذين عادوه وحاربوه من الطلقاء فقال ( ماذا أنتم ~~قائلون ( فقالوا نقول أخ كريم وإبن عم كريم فقال ( إني قائل لكم ms5158 كما قال ~~يوسف لأخوته @QB@ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ~~@QE@ وكذلك عائشة لما ظلمت وافتري عليها وقيل لها إن كنت ألممت بذنب ~~فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت في كلامها أقول كما قال أبو يوسف @QB@ فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون @QE@ ففي قصة يوسف أنواع من العبرة ~~للمظلوم والمحسود والمبتلى بدواعى الفواحش والذنوب وغير ذلك # لكن أين قصة نوح وإبراهيم وموسى والمسيح ونحوهم ممن كانت قصته أنه دعا ~~الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له فكذبوه وآذوه وآذوا من آمن به فإن ~~هؤلاء أوذوا إختيارا منهم لعبادة الله فعودوا وأوذوا في محبة الله وعبادته ~~بإختيارهم فإنهم لولا إيمانهم ودعوتهم الخلق إلى عبادة الله لما أوذوا وهذا ~~بخلاف من أوذي بغير إختياره كما أخذ يوسف من أبيه بغير إختياره ولهذا كانت ~~محنة يوسف بالنسوة وإمرأة العزيز وإختياره السجن على معصية الله ~~PageV17P023 # أعظم من إيمانه ودرجته عند الله وأجره من صبره على ظلم إخوته له ولهذا ~~يعظم يوسف بهذا أعظم مما يعظم بذلك ولهذا قال تعالى فيه @QB@ كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ # وهذا كالصبر عن المعاصي مع الصبر على المصائب فالأول أعظم وهو صبر ~~المتقين أولياء الله قال سهل بن عبد الله التستري أفعال البر يفعلها البر ~~والفاجر ولن يصبر عن المعاصي إلا صديق ويوسف صلوات الله عليه كان صديقا ~~نبيا وأما من يظلم بغير إختياره ويصبر فهذا كثير ومن لم يصبر صبر الكرام ~~سلاسلو البهائم وكذلك إذا مكن المظلوم وقهر ظالمه فتاب الظالم وخضع له ~~فعفوه عنه من المحاسن والفضائل لكن هذا يفعله خلق كثير من أهل الدين وعقلاء ~~الدنيا فإن حلم الملوك والولاة أجمع لأمرهم وطاعة الناس لهم وتأليفهم لقلوب ~~الناس وكان معاوية من أحلم الناس وكان المأمون حليما حتى كان يقول لو علم ~~الناس محبتى في العفو تقربوا إلى بالذنوب ولهذا لما قدر على من نازعه في ~~الملك وهو عمه إبراهيم بن المهدي عفا عنه # وأما الصبر عن الشهوات والهوى ms5159 الغالب لله لا رجاء لمخلوق ولا خوفا منه مع ~~كثرة الدواعى إلى فعل الفاحشة وإختياره الحبس الطويل على ذلك كما قال يوسف ~~@QB@ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه @QE@ PageV17P024 # فهذا لا يوجد نظيره إلا في خيار عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين كما ~~قال تعالى @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ ~~فهذا من عباد الله المخلصين الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان @QE@ ولهذا لم يصدر من يوسف الصديق ذنب أصلا بل الهم الذي ~~هم به لما تركه لله كتب له به حسنة ولهذا لم يذكر عنه سبحانه توبة ~~وإستغفارا كما ذكر توبة الأنبياء كآدم وداود ونوح وغيرهم وإن لم يذكر عن ~~أولئك الأنبياء فاحشة ولله الحمد وإنما كانت توباتهم من أمور أخر هي حسنات ~~بالنسبة إلى غيرهم ولهذا لا يعرف ليوسف نظير فيما إبتلى به من دواعى ~~الفاحشة وتقواه وصبره في ذلك وإنما يعرف لغيره ما هو دون ذلك كما في ~~الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( سبعة يظلهم الله تحت ظل ~~عرشه يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل معلق قلبه ~~بالمسجد إذا خرج حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله إجتمعا على ذلك وتفرقا ~~عليه ورجل دعته إمرأة ذات منصب وجمال فقال إنى أخاف الله ورجل ذكر الله ~~خاليا ففاضت عيناه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما تنفق يمينه ~~( # وإذا كان الصبر على الأذى لئلا يفعل الفاحشة أعظم من صبره على ظلم إخوته ~~فكيف بصبر الرسل على أذى المكذبين لئلا يتركوا ماأمروا به من دعوتهم إلى ~~عبادة الله وحده وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن PageV17P025 المنكر # فهذا الصبر هو من جنس الجهاد في سبيل الله إذ كان الجهاد مقصودا به أن ~~تكون كلمة الله هي العليا وأن الدين كله لله فالجهاد والصبر فيه أفضل ~~الأعمال كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( رأس الأمر الإسلام وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل ms5160 الله ( وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد ~~والترمذي وصححه وهو من حديث معاذ بن جبل الطويل وهو أحب الأعمال إلى الله ~~فالصبر على تلك المعصية صبر المهاجر الذي هجر ما نهى عنه وصبر المجاهد الذي ~~جاهد نفسه في الله وجاهد عدو الله الظاهر والباطن والمهاجر الصابر على ترك ~~الذنب إنما جاهد نفسه وشيطانه ثم يجاهد عدو الله الظاهر لتكون كلمة الله هي ~~العليا ويكون الدين كله لله وصبر المظلوم صبر المصاب # لكن المصاب بمصيبة سماوية تصبر نفسه ما لا تصبر نفس من ظلمه الناس فإن ~~ذاك يستشعر أن الله هو الذي فعل به هذا فتيأس نفسه من الدفع والمعاقبة وأخذ ~~الثأر بخلاف المظلوم الذي ظلمه الناس فإن نفسه تستشعر أن ظالمه يمكن دفعه ~~وعقوبته وأخذ ثأره منه فالصبر على هذه المصيبة أفضل وأعظم كصبر يوسف صلوات ~~الله عليه وسلامه وهذا يكون لأن صاحبه يعلم أن الله قدر ذلك فيصبر على ذلك ~~كالمصائب السماوية ويكون أيضا لينال ثواب الكاظمين الغيظ والعافين ~~PageV17P026 # عن الناس والله يحب المحسنين وليسلم قلبه من الغل للناس وكلا النوعين ~~يشترك في أن صاحبه يستشعر أن ذلك بذنوبه وهو مما يكفر الله به سيئاته ~~ويستغفر ويتوب وأيضا فيرى أن ذلك الصبر واجب عليه وأن الجزع مما يعاقب عليه ~~وإن إرتقى إلى الرضا رأي أن الرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين وباب الله ~~الأعظم وإن رأي ذلك نعمة لما فيه من صلاح قلبه ودينه وقربه إلى الله وتكفير ~~سيئاته وصونه عن ذنوب تدعوه إليها شياطين الإنس والجن شكر الله على هذه ~~النعم # فالمصائب السماوية والآدمية تشترك في هذه الأمور ومعرفة الناس بهذه ~~الأمور وعلمهم بها هو من فضل الله يمن به على من يشاء من عباده ولهذا كانت ~~أحوال الناس في المصائب وغيرها متباينة تباينا عظيما ثم إذا شهد العبد ~~القدر وأن هذا أمر قدره الله وقضاه وهو الخالق له فهو مع الصبر يسلم للرب ~~القادر المالك الذي يفعل ما يشاء وهذا حال الصابر وقد يسلم تسليمة للرب ~~المحسن المدبر ms5161 له بحسن إختياره الذي ( لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ~~إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ( كما ~~رواه مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبى صلى الله عليه وسلم وهذا تسليم راض ~~لعلمه بحسن إختيار الله له وهذا يورث الشكر وقد يسلم تسليمة للرب المحسن ~~إليه المتفضل عليه بنعم عظيمة PageV17P027 # وإن لم ير هذا نعمة فيكون تسليمه تسليم راض غير شاكر وقد يسلم تسليمه لله ~~الذي لا إله إلا هو المستحق لأن يعبد لذاته وهو محمود على كل ما يفعله فإنه ~~عليم حكيم رحيم لا يفعل شيئا إلا لحكمة وهو مستحق لمحبته وعبادته وحمده على ~~كل ما خلقه فهذا تسليم عبد عابد حامد وهذا من الحمادين الذين هم أول من ~~يدعى إلى الجنة ومن بينهم صاحب لواء الحمد وآدم فمن دونه تحت لوائه وهذا ~~يكون القضاء خيرا له ونعمة من الله عليه # لكن يكون حمده لله ورضاه بقضائه من حيث عرف الله وأحبه وعبده لإستحقاقه ~~الألوهية وحده لا شريك له فيكون صبره ورضاه وحمده من عبادته الصادرة عن هذه ~~المعرفة والشهادة وهذا يشهد بقلبه أنه لا إله إلا الله والإله عنده هو ~~المستحق للعبادة بخلاف من لم يشهد إلا مجرد ربوبيته ومشيئته وقدرته أو مجرد ~~إحسانه ونعمته فإنهما مشهدان ناقصان قاصران وإنما يقتصر عليهما من نقص علمه ~~بالله وبدينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه كأهل البدع من الجهمية ~~والقدرية الجبرية والقدرية المعتزلة فإن الأول مشهد أولئك والثاني مشهد ~~هؤلاء وشهود ربوبيته وقدرته ومشيئته مع شهود رحمته وإحسانه وفضله مع شهود ~~إلهيته ومحبته ورضاه وحمده والثناء عليه ومجده هو مشهد أهل العلم والإيمان ~~من أهل السنة والجماعة التابعين بإحسان PageV17P028 للسابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار # وهذه الأمور لبسطها موضع آخر # والمقصود هنا أن هذا يكون للمؤمن في عموم المصائب وما يكون بأفعال ~~المؤمنين فله فيه كظم الغيظ والعفو عن الناس ويوسف الصديق صلوات الله عليه ~~كان له هذا وأعلى من ms5162 ذلك الصبر عن الفاحشة مع قوة الداعى إليها فهذا الصبر ~~أعظم من ذلك الصبر بل وأعظم من الصبر على الطاعة ولهذا قال سبحانه في وصف ~~المتقين الذين أعد لهم الجنة @QB@ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين @QE@ # فوصفهم بالكرم والحلم وبالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس ثم لما جاءت ~~الشهوات المحرمات وصفهم بالتوبة منها فقال ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فإستغفروا لذنوبهم PageV17P029 # @QB@ ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا @QE@ فوصفهم ~~بالتوبة منها وترك الإصرار عليها لا بترك ذلك بالكلية فإن النبى قال في ~~الحديث الصحيح ( كتب على إبن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان ~~تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها السمع واللسان يزني وزناه المنطق ~~واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي ~~والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ( وفى الحديث ( كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين ~~التوابون ( فلابد للإنسان من مقدمات الكبيرة وكثير منهم يقع في الكبيرة ~~فيؤمر بالتوبة ويؤمرون أن لا يصروا على صغيرة فإنه لا صغيرة مع إصرار ولا ~~كبيرة مع إستغفار # ويوسف صلى الله عليه وسلم صبر على الذنب مطلقا ولم يوجد منه إلا هم تركه ~~لله كتب له به حسنة وقد ذكر طائفة من المفسرين أنه وجد منه بعض المقدمات ~~مثل حل السراويل والجلوس مجلس الخاتن ونحو ذلك لكن ليس هذا منقولا نقلا ~~يصدق به فإن هذا لم ينقل عن النبى ومثل هذه الإسرائيليات إذا لم تنقل عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم لم يعرف صدقها ولهذا لا يجوز تصديقها ولا تكذيبها ~~إلا بدليل والله تعالى يقول في ms5163 القرآن @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ~~@QE@ فدل القرآن على أنه صرف عنه السوء PageV17P030 # والفحشاء مطلقا ولو كان قد فعل صغيرة لتاب منها والقرآن ليس فيه ذكر ~~توبته ومن وقع منه بعض أنواع السوء والفحشاء لم يكن ذلك قد صرف عنه بل يكون ~~قد وقع وتاب الله عليه منه والقرآن يدل على خلاف هذا وقد شهدت النسوة له ~~أنهن ما علمن عليه من سوء ولو كان قد بدت منه هذه المقدمات لكانت المرأة قد ~~رأت ذلك وهي من النسوة اللاتى شهدن وقلن ما علمنا عليه من سوء وقالت مع ذلك ~~@QB@ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم @QE@ وقالت @QB@ أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين @QE@ وقوله ( سوء ( نكرة في سياق النفي فدل ذلك على أن المرأة ~~لم تر منه سوءا فإن الهم في القلب لم تطلع عليه ولو أطلعت عليه فإنه إذا ~~تركه لله كان حسنة ولو تركه مطلقا لم يكن حسنة ولا سيئة فإنه لا إثم فيه ~~إلا مع القول أو العمل # وأما قصة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلوات الله عليهم فتلك أعظم ~~والواقع فيها من الجانبين فما فعلته الأنبياء من الدعوة إلى توحيد الله ~~وعبادته ودينه وإظهار آياته وأمره ونهيه ووعده ووعيده ومجاهدة المكذبين لهم ~~والصبر على أذاهم هو أعظم عند الله ولهذا كانوا أفضل من يوسف صلوات الله ~~عليهم أجمعين وما صبروا عليه وعنه أعظم من الذي صبر يوسف عليه وعنه ~~وعبادتهم لله PageV17P031 # وطاعتهم وتقواهم وصبرهم بما فعلوه أعظم من طاعة يوسف وعبادته وتقواه ~~أولئك أولوا العزم الذين خصهم الله بالذكر في قوله @QB@ وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ وهم يوم ~~القيامة الذين تطلب منهم الأمم الشفاعة وبهم أمر خاتم الرسل أن يقتدى في ~~الصبر فقيل له @QB@ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ms5164 ~~@QE@ فقصصهم أحسن من قصة يوسف ولهذا ثناها الله في القرآن لا سيما قصة موسى ~~قال الإمام أحمد بن حنبل احسن أحاديث الأنبياء حديث تكليم الله لموسى # والمقصود هنا أن قوله ( أحسن القصص ( قد قيل إنه مصدر وقيل إنه مفعول به ~~والقولان متلازمان لكن الصحيح أن القصص مفعول به وإن كان أصله مصدرا فقد ~~غلب استعماله في المقصوص كما في لفظ الخبر والنبأ والإستعمال يدل على ذلك ~~كما تقدم ذكره وقد إعترف بذلك أهل اللغة قال الجوهري وقد قص عليه الخبر ~~قصصا والإسم أيضا القصص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه فقوله ~~أحسن القصص كقوله نخبرك أحسن الخبر وننبؤك أحسن النبأ PageV17P032 # ونحدثك أحسن الحديث ولفظ ( الكلام ( يراد به مصدر كلمة تكليما ويراد به ~~نفس القول فإن القول فيه فعل من القائل هو مسمى المصدر والقول ينشأ عن ذلك ~~الفعل ولهذا تارة يجعل القول نوعا من العمل لأنه حاصل بعمل وتارة يجعل ~~قسيما له يقال القول والعمل وكذلك قد يقال في لفظ ( القصص ( و ( البيان ( و ~~( الحديث ( و ( الخبر ( ونحو ذلك # فإذا أريد بالقصص ونحوه المصدر الذي مسماه الفعل فهو مستلزم للقول والقول ~~تابع وإذا أريد به نفس الكلام والقول فهو مستلزم للفعل تابع للفعل فالمصادر ~~الجارية على سنن الأفعال يراد بها الفعل كقولك كلمته تكليما وأخبرته إخبارا ~~وأما ما لم يجر على سنن الفعل مثل الكلام والخبر ونحو ذلك فإن هذا إذا أطلق ~~أريد به القول وكذلك قد يقال في لفظ القصص فإن مصدره القياسي قصا مثل عده ~~عدا ومده مدا وكذلك قصه قصا وأما قصص فليس هو قياس مصدر المضعف ولم يذكروا ~~على كونه مصدرا إلا قوله @QB@ فارتدا على آثارهما قصصا @QE@ وهذا لا يدل ~~على أنه مصدر بل قد يكون إسم مصدر أقيم مقامه كقوله @QB@ والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا @QE@ وإن جعل مصدر قص الأثر لم يلزم أن يكون مصدر قص الحديث ~~لأن الحديث خبر ونبأ فكان لفظ قصص كلفظ خبر ونبأ وكلام PageV17P033 وأسماء ~~المصار في باب الكلام ms5165 تتضمن القول نفسه وتدل على فعل القائل بطريق التضمن ~~واللزوم فإنك إذا قلت الكلام والخبر والحديث والنبأ والقصص لم يكن مثل قولك ~~التكليم والأنباء والإخبار والتحديث ولهذا يقال أنه منصوب على المفعول به ~~وإسم المصدر ينتصب على المصدر كما في قوله @QB@ والله أنبتكم من الأرض ~~نباتا @QE@ فإذا قال كلمته كلاما حسنا وحدثته حديثا طيبا وأخبرته أخبارا ~~سارة وقصصت عليه قصصا صادقة ونحو ذلك كان هذا منصوبا على المفعول به لم يكن ~~هذا كقولك كلمته تكليما وأنبأته أنباء فتبين أن قوله @QB@ أحسن القصص @QE@ ~~منصوب على المفعول وكل ما قصه الله فهو أحسن القصص ولكن هذا إذا كان يتضمن ~~معنى المصدر ومعنى المفعول به جاز أن ينتصب على المعنيين جميعا فإنهما ~~متلازمان تقول قلت قولا حسنا وقد أسمعته قولا ولم يسمع الفعل الذي هو مسمى ~~المصدر وإنما سمع الصوت وتقول قال يقول قولا فتجعله مصدرا والصوت نفسه ليس ~~هو مسمى المصدر إنما مسمى المصدر الفعل المستلزم للصوت ولكن هما متلازمان # ولهذا تنازع أهل السنة والحديث في التلاوة والقرآن هل هي القرآن المتلو ~~أم لا وقد تفطن إبن قتيبة وغيره لما يناسب هذا المعنى وتكلم عليه وسبب ~~الإشتباه أن المتلو هو القرآن نفسه الذي هو الكلام والتلاوة قد يراد بها ~~هذا وقد يراد بها نفس حركة التالي PageV17P034 # وفعله وقد يراد بها الأمران جميعا فمن قال التلاوة هي المتلو أراد ~~بالتلاوة نفس القرآن المسموع وذلك هو المتلو ومن قال غيره أراد بالتلاوة ~~حركة العبد وفعله وتلك ليست هي القرآن ومن نهى عن أن يقال التلاوة هي ~~المتلو أو غير المتلو فلأن لفظ التلاوة يجمع الأمرين كما نهى الإمام أحمد ~~وغيره عن أن يقال لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق لأن اللفظ يراد به ~~الملفوظ نفسه الذي هو كلام الله ويراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا وهو فعل العبد ~~وأطلق قوم من أهل الحديث أن لفظي بالقرآن غير مخلوق وأطلق ناس آخرون أن ~~لفظي به مخلوق قال إبن قتيبة لم يتنازع أهل الحديث في شيء ms5166 من أقوالهم إلا ~~في مسألة اللفظ وهذا كان تنازع أهل الحديث والسنة الذين كانوا في زمن أحمد ~~بن حنبل وأصحابه الذين أدركوه # ثم جاء بعد هؤلاء طائفة قالوا التلاوة غير المتلو وأرادوا بالتلاوة نفس ~~كلام الله العربى الذي هو القرآن وأرادوا بالمتلو معنى واحدا قائما بذات ~~الله وقال آخرون التلاوة هي المتلو وأرادوا بالتلاوة نفس الأصوات المسموعة ~~من القرآن جعلوا ما سمع من الأصوات هو نفس الكلام الذي ليس بمخلوق ولم ~~يميزوا بين سماع الكلام من المتكلم وبين سماعه من المبلغ له عنه فزاد كل من ~~هؤلاء وهؤلاء من البدع ما لم يكن يقوله أحد من أهل السنة والعلم فلم يكن من ~~أهل PageV17P035 # السنة من يقول إن القرآن العربى ليس هو كلام الله ولا يجعل المتلو مجرد ~~معنى ولا كان فيهم من يقول إن أصوات العباد وغيرها من خصائصهم غير مخلوق بل ~~هم كلهم متفقون على أن القرآن المتلو هو القرآن العربي الذي نزله روح القدس ~~من الله بالحق وهو كلام الله الذي تكلم به ولكن تنازعوا في تلاوة العباد له ~~هل هي القرآن نفسه أم هي الفعل الذي يقرأ به القرآن # والتحقيق أن لفظ ( التلاوة ( يراد به هذا وهذا ولفظ ( القرآن يراد به ~~المصدر ويراد به الكلام قال الله تعالى @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ وفى الصحيحين عن بن عباس قال إن ~~علينا أن نجمعه في قلبك وتقرأه بلسانك وقال أهل العربية يقال قرأت الكتاب ~~قراءة وقرآنا ومنه قول حسان % ضحوا بأشمط عنوان السجود به % يقطع الليل ~~تسبيحا % وقرآنا وقد قال تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا @QE@ وهم إنما يستمعون الكلام نفسه ولا يستمعون ~~PageV17P036 # مسمى المصدر الذي هو الفعل فإن ذلك لا يسمع فقوله @QB@ نحن نقص عليك أحسن ~~القصص @QE@ من هذا الباب من باب نقرأ عليك أحسن ms5167 القصص ونتلو عليك أحسن ~~القصص كما قال تعالى @QB@ نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق @QE@ وقال ~~@QB@ فإذا قرأناه @QE@ قال إبن عباس أي قراءة جبريل @QB@ فاتبع قرآنه @QE@ ~~فإستمع له حتى يقضي قراءته والمشهور في قوله @QB@ وإذا قرأت القرآن @QE@ ~~أنه منصوب على المفعول به فكذلك أحسن القصص لكن في كلاهما معنى المصدر أيضا ~~كما تقدم ففيه معنى المفعول به ومعنى المصدر جميعا وقد يغلب هذا كما في ~~قوله @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه @QE@ فالمراد هنا نفس مسمى المصدر وقد يغلب ~~هذا تارة كما في قوله @QB@ فاستمعوا له وأنصتوا @QE@ وقوله @QB@ قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ ~~وقوله @QB@ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم @QE@ وغالب ما يذكر لفظ ( ~~القرآن ( إنما يراد به نفس الكلام لا يراد به التكلم بالكلام الذي هو مسمى ~~المصدر # ومثل هذا كثير في اللغة يكون أمران متلازمان إما دائما وإما غالبا فيطلق ~~الإسم عليهما ويغلب هذا تارة وهذا تارة وقد يقع على أحدهما مفردا كلفظ ( ~~النهر ( و ( القرية ( و ( الميزاب ( ونحو ذلك مما فيه حال ومحل فالإسم ~~يتناول مجرى الماء والماء الجاري وكذلك لفظ PageV17P037 # القرية يتناول المساكن والسكان ثم تقول حفر النهر فالمراد به المجرى ~~وتقول جرى النهر فالمراد به الماء وتقول جرى الميزاب تعنى الماء ونصب ~~الميزاب تعنى الخشب وقال تعالى @QB@ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~@QE@ والمراد السكان في المكان وقال تعالى @QB@ وكم من قرية أهلكناها ~~فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل القرية التي ~~كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها @QE@ وقال تعالى @QB@ وتلك القرى ~~أهلكناهم لما ظلموا @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة @QE@ وقال تعالي @QB@ لتنذر أم القرى ومن حولها @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر ~~مشيد @QE@ والخاوي على عروشه المكان لا السكان وقال تعالى @QB@ أو كالذي مر ~~على قرية ms5168 وهي خاوية على عروشها @QE@ لما كان المقصود بالقرية هم السكان كان ~~إرادتهم أكثر في كتاب الله وكذلك لفظ النهر لما كان المقصود هو الماء كان ~~إرادته أكثر كقوله @QB@ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم @QE@ وقوله @QB@ ~~وفجرنا خلالهما نهرا @QE@ فهذا كثير أكثر من قولهم حفرنا النهر # وكذلك إطلاق لفظ القرآن على نفس الكلام أكثر من إطلاقه على نفس التكلم ~~وكذلك لفظ الكلام والقول والقصص وسائر أنواع PageV17P038 # الكلام يراد بها نفس الكلام أكثر مما يراد بها فعل المتكلم وهذه الأمور ~~لبسطها موضع آخر # والمقصود هنا أن قوله تعالى @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص @QE@ المراد ~~الكلام الذي هو أحسن القصص وهو عام في كل ما قصه الله لم يخص به سورة يوسف ~~ولهذا قال @QB@ بما أوحينا إليك هذا القرآن @QE@ ولم يقل بما أوحينا إليك ~~هذه السورة والآثار المأثورة في ذلك عن السلف تدل كلها على ذلك وعلى أنهم ~~كانوا يعتقدون أن القرآن أفضل من سائر الكتب وهو المراد والمراد من هذا ~~حاصل على كل تقدير فسواء كان أحسن القصص مصدرا أو مفعولا أو جامعا للأمرين ~~فهو يدل على أن القرآن وما في القرآن من القصص أحسن من غيره فإنا قد ذكرنا ~~أنهما متلازمان فأيهما كان أحسن كان الآخر أحسن فتبين أن قوله تعالى @QB@ ~~أحسن القصص @QE@ كقوله @QB@ الله نزل أحسن الحديث @QE@ والاثار السلفية تدل ~~على ذلك # والسلف كانوا مقرين بأن القرآن أحسن الحديث وأحسن القصص كما أنه المهيمن ~~على ما بين يديه من كتب السماء فكيف يقال إن كلام الله كله لا فضل لبعضه ~~على بعض روى إبن أبي حاتم عن المسعودى عن القاسم أن أصحاب رسول الله ملوا ~~ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص ~~@QE@ ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فنزلت @QB@ الله نزل أحسن ~~الحديث @QE@ PageV17P039 # ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله @QB@ ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق @QE@ # وقد روى أ بو عبيد في ( فضائل ms5169 القرآن ( عن بعض التابعين فقال حدثنا حجاج ~~عن المسعودى عن عون بن عبد الله بن عتبة قال مل أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ملة فقالوا يا رسول الله حدثنا فأنزل الله تعالى @QB@ الله نزل ~~أحسن الحديث @QE@ قال ثم نعته فقال @QB@ كتابا متشابها مثاني تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ إلى آخر ~~الآية قال ثم ملوا ملة أخرى فقالوا يا رسول الله حدثنا شيئا فوق الحديث ~~ودون القرآن يعنون القصص فأنزل الله @QB@ الر تلك آيات الكتاب المبين @QE@ ~~إلى قوله @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت ~~من قبله لمن الغافلين @QE@ قال فإن أرادوا الحديث دلهم على أحسن الحديث وإن ~~أرادوا القصص دلهم على أحسن القصص ورواه بن أبي حاتم بإسناد حسن مرفوعا عن ~~مصعب بن سعد عن سعد قال نزل على رسول الله القرآن فتلاه عليهم زمانا فقالوا ~~يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى @QB@ الر تلك آيات الكتاب ~~المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص @QE@ ~~PageV17P040 فتلاه عليهم زمانا # ولما كان القرآن أحسن الكلام نهوا عن إتباع ما سواه قال تعالى @QB@ أو لم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم @QE@ وروى النسائى وغيره عن النبى ~~أنه رأي بيد عمر بن الخطاب [ شيئا من التوراة فقال ] لو كان موسى حيا ثم ~~إتبعتموه وتركتمونى لضللتم وفى رواية ما وسعه إلى إتباعى وفى لفظ فتغير وجه ~~النبى صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه عمر ذلك فقال له بعض الأنصار يا إبن ~~الخطاب ألا ترى إلى وجه رسول الله فقال عمر رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبمحمد نبيا ولهذا كان الصحابة ينهون عن إتباع كتب غير القرآن # وعمر إنتفع بهذا حتى أنه لما فتحت الإسكندرية وجد فيها كتب كثيرة من كتب ~~الروم فكتبوا فيها إلى عمر فأمر بها أن تحرق وقال حسبنا كتاب الله وروى إبن ~~أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن ms5170 خليل حدثنا على بن مسهر حدثنا عبد ~~الرحمن بن إسحاق عن خليفة بن قيس عن خالد بن عرفطة قال كنت عند عمر بن ~~الخطاب إذ أتى برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس فقال له عمر أنت فلان إبن ~~فلان العبدي قال نعم قال وأنت النازل بالسوس قال نعم فضربه بقناة معه فقال ~~له ما ذنبى قال PageV17P041 # فقرأ عليه @QB@ الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت ~~من قبله لمن الغافلين @QE@ فقرأها عليه ثلاث مرات وضربه ثلاث ضربات ثم قال ~~له عمر أنت الذي إنتسخت كتاب دانيال قال نعم قال إذهب فإمحه بالحميم والصوف ~~الأبيض ولا تقرأه ولا تقرئه أحدا من الناس فقرأ عليه عمر هذه الآية ليبين ~~له أن القرآن أحسن القصص فلا يحتاج معه إلى غيره وهذا يدل على أن القصص عام ~~لا يختص بسورة يوسف ويدل على أنهم كانوا يعلمون أن القرآن أفضل من كتاب ~~دانيال ونحوه من كتب الأنبياء وكذلك مثل هذه القصة مأثورة عن إبن مسعود لما ~~أتي بما كتب من الكتب محاه وذكر فضيلة القرآن كما فعل عمر رضي الله عنهما # وروى إبن أبي حاتم عن قتادة ( نحن نقص عليك أحسن القصص ( قال من الكتب ~~الماضية وأمور الله السالفة في الأمم @QB@ بما أوحينا إليك هذا القرآن @QE@ ~~وهذا يدل على أن أحسن القصص يعم هذا كله بل لفظ ( القصص ( يتناول ما قصه ~~الأنبياء من آيات الله غير أخبار الأمم كقوله تعالى @QB@ ألم يأتكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ~~@QE@ وقال في موضع آخر @QB@ يتلون عليكم آيات ربكم @QE@ وقد قال تعالى @QB@ ~~وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه @QE@ ~~PageV17P042 وروى إبن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن إبن عباس قال مؤتمنا ~~عليه قال وروى عن عكرمة والحسن وسعيد بن جبير وعطاء الخرساني أنه الأمين ~~وروى من تفسير الوالبي عن إبن عباس قال ms5171 المهيمن الأمين قال على كل كتاب ~~قبله وكذلك عن الحسن قال مصدقا بهذه الكتب وأمينا عليها ومن تفسير الوالبي ~~أيضا عن إبن عباس ومهيمنا عليه قال شهيدا وكذلك قال السدي عن إبن عباس وقال ~~في قوله @QB@ ومهيمنا عليه @QE@ على كل كتاب قبله قال وروى عن سعيد بن جبير ~~وعكرمة وعطية وعطاء الخرساني ومحمد بن كعب وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن ~~زيد بن أسلم نحو ذلك وإبن أبى حاتم قد ذكر في أول كتابه في التفسير أنه طلب ~~منه إخراج تفسير القرآن مختصرا بأصح الأسانيد وإنه تحرى إخراجه بأصح ~~الأخبار إسنادا وأشبعها متنا وذكر إسناده عن كل من نقل عنه شيئا # فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين ~~يديه من الكتب ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة ومن أسماء الله ~~( المهيمن ( ويسمى الحاكم على الناس القائم بأمورهم ( المهيمن ( قال المبرد ~~والجوهري وغيرهما المهيمن في اللغة المؤتمن وقال الخليل الرقيب الحافظ وقال ~~الخطابى المهيمن PageV17P043 # الشهيد قال وقال بعض أهل اللغة الهيمنة القيام على الشيء والرعاية له ~~وأنشد % ألا إن خير الناس بعد نبيهم % مهيمنه التاليه في العرف والنكر % # يريد القائم على الناس بالرعاية لهم وفي مهيمن قولان قيل أصله مؤيمن ~~والهاء مبدلة من الهمزة وقيل بل الهاء أصلية # وهكذا القرآن فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم ~~الآخر وزاد ذلك بيانا وتفصيلا وبين الأدلة والبراهين على ذلك وقرر نبوة ~~الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين وقرر الشرائع الكلية التى بعثت بها الرسل ~~كلهم وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين وبين عقوبات ~~الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها وبين ما حرف منها وبدل وما فعله ~~أهل الكتاب في الكتب المتقدمة وبين أيضا ما كتموه مما أمر الله ببيانه وكل ~~ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التى نزل بها القرآن فصارت له ~~الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة فهو شاهد بصدقها وشاهد ~~بكذب ما حرف منها ms5172 وهو حاكم بإقرار ما أقره الله ونسخ ما نسخه فهو شاهد في ~~الخبريات حاكم في الأمريات PageV17P044 # وكذلك معنى ( الشهادة ( و ( الحكم ( يتضمن إثبات ما أثبته الله من صدق ~~ومحكم وإبطال ما أبطله من كذب ومنسوخ وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور ~~بهذه المثابة بل هي متبعة لشريعة التوراة إلا يسيرا نسخه الله بالإنجيل ~~بخلاف القرآن ثم إنه معجز في نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله ففيه ~~دعوة الرسول وهو آية الرسول وبرهانه على صدقه ونبوته وفيه ما جاء به الرسول ~~وهو نفسه برهان على ما جاء به # وفيه أيضا من ضرب الأمثال وبيان الآيات على تفضيل ما جاء به الرسول ما لو ~~جمع إليه علوم جميع العلماء لم يكن ما عندهم إلا بعض ما في القرآن ومن تأمل ~~ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الإلهية وأمور المعاد ~~والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها ~~وسعادتها ونجاتها لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل ~~الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن ولهذا لم تحتج الأمة مع ~~رسولها وكتابها إلى نبى آخر وكتاب آخر فضلا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل ~~بنفسه غيره سواء كان من علم المحدثين والملهمين أو من علم أرباب النظر ~~والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء ولهذا قال النبى ~~PageV17P045 # صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( أنه كان في الأمم قبلكم محدثون ~~فإن يكن في أمتى أحد فعمر ( فعلق ذلك تعليقا في أمته مع جزمه به فيمن تقدم ~~لأن الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدثين كما كانوا محتاجين إلى نبى بعد ~~نبى وأما أمة محمد فأغناهم الله برسولهم وكتابهم عن كل ما سواه حتى أن ~~المحدث منهم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما يؤخذ منه ما وافق الكتاب ~~والسنة وإذا حدث شيئا في قلبه لم يكن له أن يقبله حتى يعرضه على الكتاب ~~والسنة وكذلك لا يقبله إلا أن وافق ms5173 الكتاب والسنة وهذا باب واسع في فضائل ~~القرآن على ما سواه # والمقصود أن نبين أن مثل هذا هو من العلم المستقر في نفوس الأمة السابقين ~~والتابعين ولم يعرف قط أحد من السلف رد مثل هذا ولا قال لا يكون كلام الله ~~بعضه أشرف من بعض فإنه كله من صفات الله ونحو ذلك إنما حدث هذا الإنكار لما ~~ظهرت بدع الجهمية الذين إختلفوا في الكتاب وجعلوه عضين # وممن ذكر ( تفضيل بعض القرآن على بعض في نفسه ( أصحاب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما كالشيخ أبي حامد الإسفرائيني والقاضي أبى الطيب وأبى إسحاق ~~الشيرازي وغيرهم ومثل القاضي أبي يعلى والحلوانى الكبير وإبنه عبد الرحمن ~~وإبن عقيل PageV17P046 # قال أبو الوفاء بن عقيل في ( كتاب الواضح في أصول الفقه ( في إحتجاجه على ~~أن القرآن لا ينسخ بالسنة قال فمن ذلك قوله @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها ~~نأت بخير منها أو مثلها @QE@ وليست السنة مثل القرآن ولا خيرا منه فبطل ~~النسخ بها لأنه يؤدي إلى المحال وهو كون خبره بخلاف مخبره وذلك محال على ~~الله فما أدي إليه فهو محال # قال فإن قيل أصل إستدلالكم مبني على أن المراد بالخير الفضل وليس المراد ~~به ذلك وإنما المراد نأت بخير منها لكم وذلك يرجع إلى أحد أمرين في حقنا ~~إما سهولة في التكليف فهو خير عاجل أو أكثر ثوابا لكونه أثقل وأشق ويكون ~~نفعا في الآجل والعاقبة وكلاهما قد يتحقق بطريق السنة ويحتمل نأت بخير منها ~~لا ناسخا لها بل يكون تكليفا مبتدأ هو خير لكم وإن لم يكن طريقه القرآن ~~الناسخ ولا السنة الناسخة قالوا يوضح هذه التأويلات أن القرآن نفسه ليس ~~بعضه خيرا من بعض فلابد أن يصرفوا اللفظ عن ظاهره من خير يعود إلى التكليف ~~لا إلى الطريق # وقال في الجواب قولهم الخير يرجع إلى ما يخصنا من سهولة أو ثواب لا يصح ~~لأنه لو أراد ذلك لقال ( لكم ( فلما حذف ذلك دل على ما يقتضيه الإطلاق وهو ~~كون الناسخ خيرا من جهة نفسه وذاته ms5174 ومن جهة الإنتفاع به في العاجل والآجل ~~على أن ظاهره يقتضي PageV17P047 # بآيات خير منها فإن ذلك يعود إلى الجنس كما إذا قال القائل ما آخذ منك ~~دينارا ألا أعطيك خيرا منه لا يعقل بالإطلاق إلا دينارا خيرا منه فيتخير من ~~الجنس أو لا ثم النفع فأما أن يرجع ذلك إلى ثوب أو عرض غير الدينار فلا وفى ~~آخر الآية ما يشهد بأنه أراد به القرآن لأنه قال @QB@ ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير @QE@ ووصفه لنفسه بالقدرة يدل على أن الذي يأتى به هو أمر يرجع ~~إليه دون غيره وكذلك قوله ( أو مثلها ( يشهد لما ذكرناه لأن المماثلة يقتضي ~~إطلاقها من كل وجه لا سيما وقد أنثها تأنيث الآية فكأنه قال نأت بآية خير ~~منها أو بآية مثلها # ( قلت ( وأيضا فلا يجوز أن يراد بالخير من جهة كونه أخف عملا أو أشق ~~وأكثر ثوابا لأن هذين الوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به مبتدأ وناسخا فإنه ~~إما أن يكون أيسر من غيره في الدنيا وإما أن يكون أشق فيكون ثوابه أكثر ~~فإذا كانت هذه الصفة لازمة لجميع الأحكام لم يحسن أن يقال ما ننسخ من حكم ~~نأت بخير منه أو مثله فإن المنسوخ أيضا يكون خيرا ومثلا بهذا الاعتبار ~~فإنهم إن فسروا الخير بكونه أسهل فقد يكون المنسوخ أسهل فيكون خيرا وإن ~~فسروه بكونه أعظم أجرا لمشقته فقد يكون المنسوخ كذلك والله قد أخبر أنه ~~لابد أن يأتى بخير مما ينسخه أو مثله فلا يأتى بما هو دونه PageV17P048 # وأيضا فعلى ما قالوه لا يكون شيء خيرا من شيء بل إن كان خيرا من جهة ~~السهولة فذلك خير من جهة كثرة الأجر قال إبن عقيل وأما قولهم إن القرآن في ~~نفسه لا يتخاير ولا يتفاضل فعلم أنه لم يرد به الخير الذي هو الأفضلية فليس ~~كذلك فإن توحيد الله الذي في ( سورة الإخلاص ( وما ضمنها من نفي التجزي ~~والإنقسام أفضل من ( تبت ( المتضمنة ذم أبى لهب وذم زوجته إن شئت ms5175 في كون ~~المدح أفضل من القدح وإن شئت في الإعجاز فإن تلاوة غيرها من الآيات التى ~~تظهر منها الفصاحة والبيان أفضل وليس من حيث كان المتكلم واحدا لا يكون ~~التفاضل لمعنى يعود إلى الكلام ثانيا كما أن المرسل واحد لذي النون ~~وإبراهيم وإبراهيم أفضل من ذي النون قال وأما قولهم ( نأت بخير منها ( لا ~~يكون ناسخا بل مبتدأ فلا يصح لأنه خرج مخرج الجزاء مجزوما وهذا يعطي ~~البدلية والمقابلة مثل قولهم إن تكرمني أكرمك وإن أطعتني أطعتك يقتضي أن ~~يكون الجزاء مقابلة وبدلا لا فعلا مبتدأ # قلت المقصود هنا ذكر ما نصره من كون القرآن في نفسه بعضه خيرا من بعض ليس ~~المقصود الكلام في مسألة النسخ وكذلك غير هؤلاء صرحوا بأن بعض القرآن قد ~~يكون خيرا من بعض وممن ذكر ذلك أبو حامد الغزالي في كتابه ( جواهر القرآن ( ~~قال PageV17P049 # لعلك تقول قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض آيات القرآن على ~~بعض والكل كلام الله فكيف يفارق بعضها بعضا وكيف يكون بعضها أشرف من بعض ~~فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسى وآية ~~المداينات وبين سورة الإخلاص وسورة تبت وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك ~~الخوارة المستغرقة في التقليد فقلد صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فهو ~~الذي أنزل عليه القرآن وقال ( قلب القرآن يس ( وقد دلت الأخبار على شرف ~~بعضه على بعض فقال ( فاتحة الكتاب أفضل سور القرآن ( وقال ( آية الكرسي ~~سيدة آي القرآن ( وقال ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ( والأخبار ~~الواردة في فضائل قوارع القرآن وتخصص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة ~~الثواب في تلاوتها لا تحصى فإطلبه من كتب الحديث إن أردت وننبهك الآن على ~~معنى هذه الأخبار الأربعة في تفضيل هذه السور # قلت وسنذكر إن شاء الله ما ذكره في تفضيل @QB@ قل هو الله أحد @QE@ وممن ~~ذكر كلام الناس في ذلك وحكى هذا القول عمن حكاه من السلف القاضي عياض في ( ~~شرح مسلم ( قال في قول النبى ms5176 صلى الله عليه وسلم لأبي ( أتدري أي آية من ~~كتاب الله أعظم ( # وذكر آية الكرسي فيه حجة لتفضيل بعض القرآن على بعض PageV17P050 # وتفضيل القرآن على سائر كتب الله عند من إختاره منهم إسحاق بن راهوية ~~وغيره من العلماء والمتكلمين قال وذلك راجع إلى عظم أجر قارئي ذلك وجزيل ~~ثوابه على بعضه أكثر من سائره قال وهذا مما إختلف أهل العلم فيه فأبي ذلك ~~الأشعري وإبن الباقلاني وجماعة من الفقهاء وأهل العلم لأن مقتضي الأفضل نقص ~~المفضول عنه وكلام الله لا يتبعض قالوا وما ورد من ذلك بقوله ( أفضل ( و ( ~~أعظم ( لبعض الآي والسور فمعناه عظيم وفاضل قال وقيل كانت آية الكرسي أعظم ~~لأنها جمعت أصول الأسماء والصفات من الإلهية والحياة والوحدانية والعلم ~~والملك والقدرة والإرادة وهذه السبعة قالوا هي أصول الأسماء والصفات # قلت المقصود ما ذكره من كلام العلماء وأما قول القائل إن هذه السبعة هي ~~أصول الأسماء فهذه السبعة عند كثير من المتكلمين هي المعروفة بالعقل وما ~~سواها قالوا إنما يعلم بالسمع وهذا أمر يرجع إلى طريق علمنا لا إلى أمر ~~حقيقي ثابت لها في نفس الأمر فكيف والجمهور على أن ما سواها قد يعلم بالعقل ~~أيضا كالمحبة والرضا والأمر والنهي ومذهب إبن كلاب وأكثر قدماء الصفاتية أن ~~العلو من الصفات العقلية وهو مذهب أبى العباس القلانسي والحارث المحاسبى ~~ومذهب طوائف من أهل الكلام والحديث والفقه وهو آخر قولي القاضي PageV17P051 # أبي يعلي وأبي الحسن بن الزاغونى وغيره ومذهب إبن كرام وأصحابه وهو قول ~~عامة أئمة الحديث والفقه والتصوف # وكذلك ما فسره القاضي عياض من قول المفضلين إن المراد كثرة الثواب فهذا ~~لا ينازع فيه الأشعري وإبن الباقلاني فإن الثواب مخلوق من مخلوقات الله ~~تعالى فلا ينازع أحد في أن بعضه أفضل من بعض وإنما النزاع في نفس كلام الله ~~الذي هو كلامه فحكايته النزاع يناقض ما فسر به قول المثبتة وقد بين مأخذ ~~الممتنعين عن التفضيل منهم من نفى التفاضل في الصفات مطلقا بناء على أن ~~القديم لا يتفاضل ms5177 والقرآن من الصفات ومنهم من خص القرآن بأنه واحد على أصله ~~فلا يعقل فيه معنيان فضلا أن يعقل فيه فاضل ومفضول وهذا أصل أبى الحسن ومن ~~وافقه كما سنبينه إن شاء الله تعالى # وهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم في أن كلام الله يكون بعضه أفضل من بعض ليس ~~فيهم أحد من القائلين بأن كلام الله مخلوق كما يقول ذلك من يقوله من أهل ~~البدع كالجهمية والمعتزلة بل كل هؤلاء يقولون إن كلام الله غير مخلوق ولو ~~تتبع ذكر من قال ذلك لكثروا فإن هذا قول جماهير المسلمين من السلف والخلف ~~أهل السنة وأهل البدعة أما السلف كالصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يعرف ~~لهم في هذا الأصل تنازع بل الآثار متواترة عنهم به PageV17P052 # وإشتهر القول بإنكار تفاضله بعد المائتين لما أظهرت الجهمية القول بأن ~~القرآن مخلوق وإتفق أئمة السنة وجماهير الأمة على إنكار ذلك ورده عليهم ~~وظنت طائفة كثيرة مثل أبى محمد بن كلاب ومن وافقه أن هذا القول لا يمكن رده ~~إلا إذا قيل أن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته ولا كلم موسى حين أتاه ولا ~~قال للملائكة إسجدوا لآدم بعد أن خلقه ولا يغضب على أحد بعد أن يكفر به ولا ~~يرضي عنه بعد أن يطيعه ولا يحبه بعد أن يتقرب إليه بالنوافل ولا يتكلم ~~بكلام بعد كلام فتكون كلماته لا نهاية لها إلى غير ذلك مما ظنوا إنتفاءه عن ~~الله وقالوا إنما يمكن مخالفة هؤلاء إذا قيل بأن القرآن وغيره من الكلام ~~لازم لذات الله تعالى لم يزل ولا يزال يتكلم بكل كلام له كقوله يا آدم يا ~~نوح وصاروا طائفتين طائفة تقول إنه معنى واحد قائم بذاته وطائفة تقول إنه ~~حروف أو حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا وإن كانت مترتبة في ذاتها ~~ترتبا ذاتيا لا ترتبا وجوديا كما قد بين مقالات الناس في كلام الله في غير ~~هذا الموضع والأولون عندهم كلام الله شيء واحد لا بعض له فضلا عن أن يقال ~~بعضه أفضل من بعض ms5178 والآخرون يقولون هو قديم لازم لذاته والقديم لا يتفاضل # وربما نقل عن بعض السلف في قوله تعالى @QB@ نأت بخير منها @QE@ ~~PageV17P053 # أنه قال خير لكم منها أو أنفع لكم فيظن الظان أن ذلك القائل موافق لهؤلاء ~~وليس كذلك بل مقصوده بيان وجه كونه خيرا وهو أن يكون أنفع للعباد فإن ما ~~كان أكثر من الكلام نفعا للعباد كان في نفسه أفضل كما بين في موضعه وصار من ~~سلك مسلك الكلابية من متأخرى أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم يظنون أن ~~القول بتفاضل كلام الله بعضه على بعض إنما يمكن على قول المعتزلة ونحوهم ~~الذين يقولون إنه مخلوق فإن القائلين بأنه مخلوق يرون فضل بعضه على بعض فضل ~~مخلوق على مخلوق وتفضيل بعض المخلوقات على بعض لا ينكره أحد فإذا ظن أولئك ~~أن القول بتفضيل بعض كلام الله على بعض مستلزم لكون القرآن مخلوقا فروا من ~~ذلك وأنكروا القول به لأجل ما ظنوه من التلازم وليس الأمر كما ظنوه بل سلف ~~الأمة وجمهورها يقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق وكذلك سائر كلام الله ~~غير مخلوق ويقولون مع ذلك إن كلام الله بعضه أفضل من بعض كما نطق بذلك ~~الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين من غير خلاف يعرف في ذلك عنهم # وحدثنا أبى عن جدنا أبي البركات وصاحبه أبى عبد الله بن عبد الوهاب أنهما ~~نظرا فيما ذكره بعض المفسرين من الأقوال في قوله @QB@ نأت بخير منها أو ~~مثلها @QE@ وأظنه كان نظرهم في تفسير أبى عبد الله محمد بن تيمية فلما رآيا ~~تلك الأقوال قالا هذا إنما يجيء على قول المعتزلة وزار مرة أبو عبد ~~PageV17P054 الله بن عبد الوهاب هذا لشيخنا أبى زكريا بن الصيرفي وكان ~~مريضا فدعا أبو زكريا بدعاء مأثور عن الإمام أحمد يقول فيه ( أسألك بقدرتك ~~التى قدرت بها أن تقول للسموات والأرض أئتيا طوعا أو كرها قالتا آتينا ~~طائعين أن تفعل بنا كذا وكذا ( فلما خرج الناس من عنده قال له ما هذا ~~الدعاء الذي دعوت به هذا إنما ms5179 يجيء على قول المعتزلة الذين يقولون القرآن ~~مخلوق فأما أهل السنة فلا يقال عندهم قدر أن يتكلم أو يقول فإن كلامه قديم ~~لازم لذاته لا يتعلق بمشيئته وقدرته # وكان أبو عبد الله بن عبد الوهاب رحمه الله قد تلقى هذا عن البحوث التى ~~يذكرها أبو الحسن بن الزاغونى وأمثاله وقبله أبو الوفاء بن عقيل وأمثاله ~~وقبلهما القاضي أبو يعلى ونحوه فإن هؤلاء وأمثالهم من أصحاب مالك والشافعي ~~كأبي الوليد الباجي وأبى المعالى الجوينى وطائفة من أصحاب أبي حنيفة ~~يوافقون إبن كلاب على قوله إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وعلى قوله إن ~~القرآن لازم لذات الله بل يظنون أن هذا قول السلف قول أحمد بن حنبل ومالك ~~والشافعي وسائر السلف الذين يقولون القرآن غير مخلوق حتى إن من سلك مسلك ~~السالمية من هؤلاء كالقاضي وإبن عقيل وإبن PageV17P055 الزاغونى يصرحون بأن ~~مذهب أحمد أن القرآن قديم وأنه حروف وأصوات وأحمد بن حنبل وغيره من الأئمة ~~الأربعة لم يقولوا هذا قط ولا ناظروا عليه ولكنهم وغيرهم من اتباع الأئمة ~~الأربعة لم يعرفوا أقوالهم في بعض المسائل # ولكن الذين ظنوا أن قول إبن كلاب وأتباعه هو مذهب السلف ومن أن القرآن ~~غير مخلوق هم الذين صاروا يقولون إن كلام الله بعضه أفضل إنما يجيء على قول ~~أهل البدع الجهمية والمعتزلة كما صار يقول ذلك طوائف من أتباع الأئمة كما ~~سنذكره من أقوال بعض أصحاب مالك والشافعي ولم يعلموا أن السلف لم يقل أحد ~~منهم بهذا بل أنكروا على إبن كلاب هذا الأصل وأمر أحمد بن حنبل وغيره بهجر ~~الكلابية على هذا الأصل حتى هجر الحارث المحاسبى لأنه كان صاحب إبن كلاب ~~وكان قد وافقه على هذا الأصل ثم روى عنه أنه رجع عن ذلك وكان أحمد يحذر عن ~~الكلابية وكان قد وقع بين أبى بكر بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة وبين بعض ~~أصحابه مشاجرة على هذا الأصل لأنهم كانوا يقولون بقول إبن كلاب وقد ذكر ~~قصتهم الحاكم أبو عبد الله النيسابورى في ( تاريخ ms5180 نيسابور ( وبسط الكلام ~~على هذا الأصل له موضع آخر وإنما نبهنا على المآخذ التى تعرف بها حقائق ~~الأقوال PageV17P056 ### ||| فصل # وفى الجملة فدلالة النصوص النبوية والآثار السلفية والأحكام الشرعية ~~والحجج العقلية على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو من الدلالات الظاهرة ~~المشهورة # وأيضا فإن القرآن وإن كان كله كلام الله وكذلك التوراة والإنجيل ~~والأحاديث الإلهية التى يحكيها الرسول عن الله تبارك وتعالى كقوله ( يا ~~عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( الحديث ~~وكقوله ( من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ( وأمثال ذلك هي وإن إشتركت في ~~كونها كلام الله فمعلوم أن الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم به ونسبة إلى ~~المتكلم فيه فهو يتفاضل بإعتبار النسبتين وبإعتبار نفسه أيضا مثل الكلام ~~الخبري له نسبتان نسبة إلى المتكلم المخبر ونسبة إلى المخبر عنه المتكلم ~~فيه فقل هو الله أحد وتبت يدا أبى لهب كلاهما كلام الله وهما مشتركان من ~~هذه الجهة لكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه المخبر عنه فهذه كلام الله ~~وخبره الذي يخبر به عن نفسه وصفته التى يصف بها نفسه PageV17P057 و كلامه ~~الذي يتكلم به عن نفسه وهذه كلام الله الذي يتكلم به عن بعض خلقه ويخبر به ~~عنه ويصف به حاله وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود ~~بالكلامين # ألا ترى أن المخلوق يتكلم بكلام هو كله كلامه لكن كلامه الذي يذكر به ربه ~~أعظم من كلامه الذي يذكر به بعض المخلوقات والجميع كلامه فإشتراك الكلامين ~~بالنسبة إلى المتكلم لا يمنع تفاضلهما بالنسبة إلى المتكلم فيه سواء كانت ~~النسبتان أو إحداهما توجب التفضيل أو لا توجبه فكلام الأنبياء ثم العلماء ~~والخطباء والشعراء بعضه أفضل من بعض وإن كان المتكلم واحدا وكذلك كلام ~~الملائكة والجن وسواء أريد بالكلام المعاني فقط أو الألفاظ فقط أو كلاهما ~~أو كل منهما فلا ريب في تفاضل الألفاظ والمعاني من المتكلم الواحد فدل ذلك ~~على أن مجرد إتفاق الكلامين في أن المتكلم بهما واحد لا يوجب ms5181 تماثلهما من ~~سائر الجهات # فتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه سواء كان خبرا أو إنشاء أمر معلوم ~~بالفطرة والشرعة فليس الخبر المتضمن للحمد لله والثناء عليه بأسمائه الحسنى ~~كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس وإن كان هذا كلاما عظيما معظما ~~تكلم الله به وكذلك ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله وغير ذلك من ~~أصول الدين الذي أمرت PageV17P058 به الشرائع كلها وغير ذلك مما يتضمن ~~الأمر بالمأمورات العظيمة والنهي عن الشرك وقتل النفس والزنا ونحو ذلك مما ~~حرمته الشرائع كلها وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع وإماطة ~~الأذى عن اللقمة الساقطة والنهي عن القران في التمر ولو كان الأمران واجبين ~~فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد والأمر ~~بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت # ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاضل أنواع الإيجاب والتحريم وقالوا إن ~~إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر وتحريمه أشد من تحريم الآخر ~~فهذا أعظم إيجابا وهذا أعظم تحريما ولكن طائفة من أهل الكلام نازعوا في ذلك ~~كإبن عقيل وغيره فقالوا التفاضل ليس في نفس الإيجاب والتحريم لكن في متعلق ~~ذلك وهو كثرة الثواب والعقاب والجمهور يقولون بل التفاضل في الأمرين ~~والتفاضل في المسببات دليل على التفاضل في الأسباب وكون أحد الفعلين ثوابه ~~أعظم وعقابه أعظم دليل على أن الأمر به والنهي عنه أوكد وكون أحد الأمرين ~~والنهيين مخصوصا بالتوكيد دون الثاني مما لا يستريب فيه عاقل ولو تساويا من ~~كل وجه لإمتنع الإختصاص بتوكيد أو غيره من أسباب الترجيح فإن التسوية ~~والتفضيل متضادان # وجمهور أئمة الفقهاء على التفاضل في الإيجاب والتحريم وإطلاق PageV17P059 ~~ذلك هو قول جماهير المتأخرين من أصحاب الأئمة الأربعة وهو قول القاضي أبي ~~يعلى وأبي الخطاب والقاضي يعقوب البرزيني وعبد الرحمن الحلوانى وأبى الحسن ~~بن الزاغونى وغيرهم لكن من هؤلاء من يفسر التفاضل بتفاضل الثواب والعقاب ~~ونحو ذلك مما لا ينازع فيه النفاة والتحقيق أن نفس المحبة والرضا والبغض ~~والإرادة والكرامة والطلب والإقتضاء ونحو ms5182 ذلك من المعانى تتفاضل وتتفاضل ~~الألفاظ الدالة عليها ونفس حب العباد لربهم يتفاضل كما قال تعالى @QB@ ~~والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ ونفس حب الله لهم يتفاضل إيضا فإن الخليلين ~~إبراهيم ومحمدا إحب إليه ممن سواهما وبعض الأعمال أحب إلى الله من بعض ~~والقول بأن هذا الفعل أحب إلي من هذا مشهور ومستفيض في الآثار النبوية ~~وكلام خير البرية كقول بعض الصحابة لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله ~~لفعلناه فأنزل الله سورة الصف وهو مشهور ثابت رواه الترمذي وغيره # وكون هذا أحب إلى الله من هذا هو داخل في تفضيل بعض الأعمال وبعض الأشخاص ~~على بعض وبعض الأمكنة والأزمنة على بعض وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ~~لمكة ( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أن قومي ~~أخرجوني منك لما خرجت ( قال الترمذي حديث حسن صحيح رواه من PageV17P060 ~~حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء وكذلك تفضيل حبه وبغضه على حب غيره وبغضه ~~كما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا أحد أحب إليه ~~المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ~~ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ( وقال ( لا أحد أغير من الله ( وهذا في ~~الصحيحين وقال تعالى ( لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ( الآية ومن المعلوم ~~بالإضطرار تفاضل المأمورات فبعضها أفضل من بعض وبعض المنهيات شر من بعض ~~وحينئذ فطلب الأفضل يكون في نفسه أكمل من طلب المفضول والطالب إذا كان ~~حكيما يكون طلبه لهذا أوكد # ففي الجملة من المستقر في فطر العقلاء أن كلا من الخبر والأمر يلحقهما ~~التفاضل من جهة المخبر عنه والمأمور به فإذا كان المخبر به أكمل وأفضل كان ~~الخبر به أفضل وإذا كان المأمور به أفضل كان الأمر به أفضل ولهذا كان الخبر ~~بما فيه نجاة النفوس من العذاب وحصول السعادة الأبدية أفضل من الخبر بما ~~فيه نيل منزلة أو حصول دراهم والرؤيا التى تتضمن أفضل ms5183 الخبرين أعظم من ~~الرؤيا التى تتضمن أدناهما وهذا أمر مستقر في فطر العقلاء قاطبة وإذا قدر ~~أميران أمر أحدهما بعدل عام عمر به البلاد ودفع به الفساد كان هذا الأمر ~~أعظم من أمر أمير PageV17P061 يعدل بين خصمين في ميراث بعض الأموات # وأيضا فالخبر يتضمن العلم بالمخبر به والأمر يتضمن طلبا وإرادة للمأمور ~~به وإن لم يكن ذلك إرادة فعل الأمر والله تعالى أمر العباد بما أمرهم به ~~ولكن أعان أهل الطاعة فصار مريدا لأن يخلق أفعالهم ولم يعن أهل المعصية فلم ~~يرد أن يخلق أفعالهم فهذه الإرادة الخلقية القدرية لا تستلزم الأمر واما ~~الإرادة بمعنى أنه يجب فعل ما أمر به ويرضاه إذا فعل ويريد من المأمور أن ~~يفعله من حيث هو مأمور فهذه لابد منها في الأمر ولهذا أثبت الله هذه ~~الإرادة في الأمر دون الأولى ولكن في الناس من غلط فنفى الإرادة مطلقا وكلا ~~الفريقين لم يميز بين الإرادة الخلقية والإرادة الأمرية والقرآن فرق بين ~~الإرادتين فقال في الأولى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ وقال نوح ولا ينفعكم نصحي إن ~~أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ( وقال ( ولو شاء الله ما ~~اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ( وقال ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء ~~الله لا قوة إلا بالله ( ولهذا قال المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشا لم ~~يكن وقال في الثانية ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ( وقال ( ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ( وقال ( ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ( ~~PageV17P062 و قال @QB@ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ~~ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ~~@QE@ وهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أنه ms5184 لابد في الأمر من طلب وإستدعاء وإقتضاء سواء قيل إن ~~هناك إرادة شرعية وأنه لا إرادة للرب متعلقة بأفعال العباد سواها كما تقوله ~~المعتزلة ونحوهم من القدرية أو قيل لا إرادة للرب إلا الإرادة الخلقية ~~القدرية التى يقال فيها ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن إرادته عين ~~نفس محبته ورضاه وأن إرادته ومحبته ورضاه متعلقة بكل ما يوجد من إيمان وكفر ~~ولا تتعلق بما لا يوجد سواء كان إيمانا أو كفرا وأنه ليس للعبد قدرة لها ~~أثر في وجود مقدوره وليس في المخلوقات قوى وأسباب يخلق بها ولا لله حكمة ~~يخلق ويامر لأجلها كما يقول هذا وما يشبهه جهم بن صفوان رأس الجبرية هو ومن ~~وافقه على ذلك أو بعضه من طوائف أهل الكلام وبعض متأخري الفقهاء وغيرهم ~~المثبتين للقدر على هذه الطريقة لا على طريقة السلف والأئمة كأبي الحسن ~~وغيره فإن هؤلاء ناقضوا القدرية المعتزلة مناقضة ألجأتهم إلى إنكار حقيقة ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد وإن كان من يقول ببعض ذلك يتناقض وقد يثبت ~~أحدهم من ذلك ما لا حقيقة له في المعنى PageV17P063 # وأما السلف وأئمة الفقهاء وجمهور المسلمين فيثبتون الخلق والأمر والإرادة ~~الخلقية القدرية الشاملة لكل حادث والإرادة الأمرية الشرعية المتناولة لكل ~~ما يحبه الله ويرضاه لعباده وهو ما أمرت به الرسل وهو ما ينفع العباد ~~ويصلحهم ويكون له العاقبة الحميدة النافعة في المعاد الدافعة للفساد فهذه ~~الإرادة الأمرية الشرعية متعلقة بالهيته المتضمنة لربوبيته كما أن تلك ~~الإرادة الخلقية القدرية متعلقة بربوبيته ولهذا كان من نظر إلى هذه فقط ~~وراعى هذه الخلقية الكونية القدرية دون تلك يكون له بداية بلا نهاية فيكون ~~من الأخسرين أعمالا يحصل لهم بعض مطالبهم في الدنيا لإستعانتهم بالله إذ ~~شهدوا ربوبيته ولا خلاق لهم في الآخرة إذ لم يعبدوا الله مخلصين له الدين ~~وقد وقع في هذا طوائف من أهل التصوف والكلام # ومن نظر إلى الحقيقة الشرعية الأمرية دون تلك فإنه قد يكون له عاقبة ~~حميدة وقد يراعى الأمر لكنه ms5185 يكون عاجزا مخذولا حيث لم يشهد ربوبية الله ~~وفقره إليه ليكون متوكلا عليه بريا من الحول والقوة إلا به فهذا قد يقصد أن ~~يعبده ولا يقصد حقيقة الإستعانة به وهي حال القدرية من المعتزلة ونحوهم ~~الذين يقرون أن الله ليس خالقا أفعال العباد ولا مريدا للكائنات ولهذا قال ~~أبو سليمان الداراني إنما يعجب بفعله القدري لأنه لا يرى أنه هو الخالق ~~لفعله فأما أهل السنة الذين PageV17P064 يقرون أن الله خالق أفعالهم وأن ~~لله المنة عليهم في ذلك فكيف يعجبون بها أو كما قال # والأول قد يقصد أن يستعينه ويسأله ويتوكل عليه ويبرأ من الحول والقوة إلا ~~به ولكن لا يقصد أن يعبده بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه على ألسن رسله ~~ولا يشهد أن الله يحب أن يعبد ويطاع وأنه يفرح بتوبة التائبين ويحب المتقين ~~ويغضب على الكفار والمنافقين بل ينسلخ من الدين أو بعضه لا سيما في نهاية ~~أمره وهذه الحال إن طردها صاحبها كان شرا من حال المعتزلة القدرية بل إن ~~طردها طردا حقيقيا أخرجته من الدين خروج الشعرة من العجين وهي حال المشركين ~~وأما من هداه الله فإنه يحقق قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ويعلم ~~أن كل عمل لا يراد به وجه الله ولا يوافق أمره فهو مردود على صاحبه وكل ~~قاصد لم يعنه الله فهو مصدود من مآربه فإنه يشهد أن لا إله إلا الله فيعبد ~~الله مخلصا له الدين مستعينا بالله على ذلك مؤمنا بخلقه وأمره بقدره وشرعه ~~فيستعين الله على طاعته ويشكره عليها ويعلم أنها منة من الله عليه ويستعيذ ~~بالله من شر نفسه وسيئات عمله ويعلم أن ما أصابه من سيئة فمن نفسه مع علمه ~~بأن كل شيء بقضاء الله وقدره وأن لله الحجة البالغة على خلقه وأن له في ~~خلقه وأمره حكمة بالغة ورحمة سابغة وهذه الأمور أصول عظيمة لبسطها موضع آخر ~~PageV17P065 # والمقصود هنا أن الخبر الصادق يتضمن جنس العلم والإعتقاد والأمر يتضمن ~~جنس الطلب بإتفاق العقلاء ثم هل مدلول ms5186 الخبر جنس من المعاني غير جنس العلم ~~ومدلول الأمر جنس من المعاني غير جنس الإرادة كما يقول ذلك طائفة من النظار ~~مثل إبن كلاب ومن وافقه أو المدلول من جنس العلم والإرادة كما يقوله جمهور ~~نظار أهل السنة الذين يثبتون الصفات والقدر فيقولون إن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق ويقولون إن الله خالق أفعال العباد والمعتزلة وغيرهم ممن يخالف ~~أهل السنة في هذين الأصلين فإن هؤلاء يخالفون إبن كلاب ومن وافقه في ذينك ~~الأصلين ولهذا يقال إنه لم يوافقه أحد من الطوائف على ما أحدثه من القول في ~~الكلام والصفات وإن كان قوله خيرا من قول المعتزلة والجهمية المحضة وأما ~~جمهور المسلمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف النظار فلا يقولون ~~بقول المعتزلة ولا الكلابية كما ذكر ذلك فقهاء الطوائف من أصحاب أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم في أصول الفقه فضلا عن غيرها من الكتب # والمقصود هنا أن الناس متفقون على أن كلا من أنواع الخبر والأمر لها معان ~~سواء سمى طلبا أو إرادة أو علما أو حكما أو كلاما نفسانيا وهذه المعانى ~~تتفاضل في نفسها فليس علمنا بالله وأسمائه PageV17P066 كعلمنا بحال أبي لهب ~~وليس الطلب القائم بنا إذا أمرنا بالإيمان بالله ورسوله كالطلب القائم بنا ~~إذا أمرنا برفع اليدين في الصلاة والأكل باليمين وإخراج الدرهم من الزكاة # فعلم بذلك أن معانى الكلام قد تتفاضل في نفسها كما قد تتماثل وتبين بذلك ~~أن ما تضمنه الأمر والنهي من المعانى التى تدل عليها صيغة الأمر سواء سميت ~~طلبا أو إقتضاء أو إستدعاء أو إرادة أو محبة أو رضا أو غير ذلك فإنها ~~متفاضلة بحسب تفاضل المأمور به وما تضمنه الخبر من أنواع العلوم ~~والاعتقادات والأحكام النفسانية فهي متفاضلة في نفسها بحسب تفاضل المخبر ~~عنه فهذا نوع من تفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه وإن كان المتكلم به واحدا ~~وهو أيضا متفاضل من جهة المتكلم به وإن كان المتكلم فيه واحدا كما قال ~~تعالى @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ms5187 وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ ومعلوم أن تكليمه من وراء حجاب أفضل من ~~تكليمه بالإيحاء وبإرسال رسول ولهذا كان من فضائل موسى عليه السلام أن الله ~~كلمه تكليما وقال ( إنى إصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامي ( وقال ( @QB@ ~~تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات @QE@ # والذي يجد الناس من أنفسهم أن الشخص الواحد تتفاضل أحواله PageV17P067 في ~~أنواع الكلام بل وفى الكلام الواحد يتفاضل ما يقوم بقلبه من المعانى وما ~~يقوم بلسانه من الألفاظ بحيث قد يكون إذا كان طالبا هو أشد رغبة ومحبة ~~وطلبا لأحد الأمرين منه للآخر ويكون صوته به أقوى ولفظه به أفصح وحاله في ~~الطلب أقوى وأشد تأثيرا ولهذا يكون للكلمة الواحدة من الموعظة بل للاية ~~الواحدة إذا سمعت من إثنين من ظهور التفاضل ما لا يخفى على عاقل والأمر في ~~ذلك أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى تمثيل وكذلك في الخبر قد يقوم بقلبه من ~~المعرفة والعلم وتصور المعلوم وشهود القلب إياه باللسان من حسن التعبير عنه ~~لفظا وصوتا ما لا يقاربه ما يقوم بالقلب واللسان إذا أخبر عن غيره # فهذا نوع إشارة إلى قول من يقول بتفضيل بعض كلام الله على بعض موافقا لما ~~دل عليه الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة # والطائفة الثانية تقول إن كلام الله لا يفضل بعضه على بعض ثم لهؤلاء في ~~تأويل النصوص الواردة في التفضيل قولان ( أحدهما ( أنه إنما يقع التفاضل في ~~متعلقه مثل كون بعضه أنفع للناس من بعض لكون الثواب عليه أكثر أو العمل به ~~أخف مع التماثل في الأجر وتأولوا قوله @QB@ نأت بخير منها @QE@ أي نأت بخير ~~منها لكم لا أنها في نفسها خير من تلك وهذا قول طائفة من المفسرين كمحمد بن ~~جرير الطبري قال نأت بحكم خير لكم من حكم الآية المنسوخة إما في العاجل ~~لخفته PageV17P068 عليكم وإما في الآخرة لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله قال ~~والمراد ما ننسخ من حكم آية كقوله ms5188 @QB@ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ~~@QE@ أي حبه قال ودل على أن ذلك كذلك قوله @QB@ نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خيرا من شيء لأن جميعه كلام الله ولا ~~يجوز في صفات الله تعالى أن يقال بعضها أفضل من بعض أو بعضها خير من بعض ~~وطرد ذلك في أسماء الله فمنع أن يكون بعض أسمائه أعظم أو أفضل أو أكبر من ~~بعض وقال معنى الإسم الأعظم العظيم وكلها سواء في العظمة وإنما يتفاضل حال ~~الناس حين الدعاء فيكون الأعظم بحسب حال الدعاء لا أنه في نفسه أعظم # وهذا القول الذي قاله في أسماء الله نظير القول الثاني في تفضيل بعض كلام ~~الله على بعض فإن القول الثاني لمن منع تفضيله أن المراد يكون هذا أفضل أو ~~خيرا كونه فاضلا في نفسه لا أنه أفضل من غيره وهذا القول يحكى عن أبى الحسن ~~الأشعري ومن وافقه قالوا إن معنى ذلك أنه عظيم فاضل وقالوا مقتضي الأفضل ~~تقصير المفضول عنه وكلام الله لا يتبعض وهذا يقولونه في الكلام لأنه واحد ~~بالعين عندهم يمتنع فيه تماثل أو تفاضل وأما في الصفات بعضها على بعض ~~فلإمتناع التغاير ولا يقولون هذا في القرآن العربى فإن القرآن العربي عندهم ~~مخلوق وليس هو كلام الله على قول الجمهور منهم قالوا لأن الكلام ~~PageV17P069 يمتنع قيامه بغير المتكلم كسائر الصفات والقرآن العربي يمتنع ~~عندهم قيامه بذات الله تعالى ولو جوزوا أن يكون كلام الله قائما بغيره لبطل ~~أصلهم الذي إتفقوا عليه هم وسائر أهل السنة وردوا به على المعتزلة في قولهم ~~إن القرآن مخلوق وهؤلاء يسلمون أن القرآن العربي بعضه أفضل من بعض لأنه ~~مخلوق عندهم ولكن ليس هو كلام الله عند جماهيرهم # وبعض متأخريهم يقول إن لفظ ( كلام الله ( يقع بالإشتراك على المعنى ~~القائم بالنفس وعلى الكلام العربى المخلوق الدال عليه وأما كلام الله الذي ~~ليس بمخلوق عندهم فهو ذلك المعنى وهو الذي يمتنع تفاضله عندهم وأصل هؤلاء ~~أن كلام الله هو المعانى ms5189 بل هو المعنى الواحد فقط وأن معانى كتاب الله هي ~~شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض فمعنى آية الكرسي وآية الدين والفاتحة وقل هو ~~الله أحد وتبت ومعنى التوراة والإنجيل وكل حديث إلهي وكل ما يكلم به الرب ~~عباده يوم القيامة وكل ما يكلم به الملائكة والأنبياء إنما هي معنى واحد ~~بالعين لا بالنوع ولا يتعدد ولا يتبعض وأن القرآن العربى ليس هو كلام الله ~~بل كلام غيره جبريل أو محمد أو مخلوق من مخلوقاته عبر به عن ذلك الواحد ~~وذلك الواحد هو الأمر بكل ما أمر به والنهى عن كل ما نهى عنه والإخبار بكل ~~ما أخبر به وأن الأمر والنهي والخبر ليست أنواعا للكلام وأقساما له # فإن الواحد بالعين لا يقبل PageV17P070 التنويع والتقسيم بخلاف الواحد ~~بالنوع فإنه يقبل التنويع والتقسيم وإنما هي صفات لذلك الواحد بالعين وهي ~~صفات إضافية له فاذا تعلق بما يطلب من أفعال العباد كان أمرا وإذا تعلق بما ~~ينهى عنه كان نهيا وإذا تعلق بما يخبر عنه كان خبرا # وجمهور العقلاء يقولون فساد هذا معلوم بالاضطرار فإنا نعلم أن معانى @QB@ ~~قل هو الله أحد @QE@ ليست هي معانى @QB@ تبت يدا أبي لهب @QE@ ولامعانى آية ~~الدين معانى آية الكرسى ولا معانى الخبر عن صفات الله هي معانى الخبر عن ~~مخلوقات الله وأن تعلق ذلك المعنى بالحقائق المخبر عنها والأفعال التى تعلق ~~بها الأمر والنهى إن كان أمرا وجوديا فلابد له من محل فإن قام بذات الله ~~فقد تعددت معانى الكلام القائمة بذاته وإن قام بذات غيره كان صفة لذلك ~~الغير لا لله وإن قام لا بمحل كان ممتنعا فإن المعانى لا تقوم بأنفسها وإن ~~كان تعلق ذلك المعنى بالحقائق أمرا عدميا لم يكن هناك ما يميز بين الخبر ~~والأمر والنهي بل لا يميز بين خبر الله عن نفسه وعن قوم نوح وعاد إذ كان ~~المعنى الواحد لا تعدد فيه فضلا عن أن يمتاز بعضه عن بعض # والحقائق المخبر عنها والمأمور بها والمنهى عنها لا تكون بأنفسها ms5190 مخبرا ~~بها ومأمورا بها ومنهيا عنها بل الخبر عنها والأمر بها والنهى عنها هو غير ~~ذواتها فإذا لم يكن هنا أمر موجود غير ذلك المعنى الذي لا إمتياز فيه ولا ~~تعدد وغير المخلوقات التى لا تميز بين الأمر والنهي والخبر لم PageV17P071 ~~يكن هنا ما يميز بين النهي والخبر ولا ما يجعل معانى آية الوضوء غير معاني ~~آية الدين فإن الحروف المخلوقة الدالة على ذلك المعنى إن لم تدل إلا عليه ~~فلا تعدد فيه ولا تنويع وإن دلت على التعلقات التى هي عدمية فالعدم ليس ~~بشيء حتى يكون أمرا ونهيا وخبرا وليس عند هؤلاء إلا ذلك المعنى وتعلقه ~~بالحقائق المخبر عنها والمأمور بها ونفس القرآن العربى المخلوق عندهم هو ~~الدال على ذلك المعنى فالمدلول إن كان هو ذلك المعنى فلا يتميز فيه أمر عن ~~خبر ولا أمر بصلاة عن أمر بزكاة ولا نهى عن الكفر عن إخبار بتوحيد وإن كانت ~~التعلقات عدمية فالمعدوم ليس بشيء ولا يكون العدم أمرا ونهيا وخبرا ولا ~~يكون مدلول التوراة والإنجيل والقرآن وسائر كتب الله أمورا عدمية لا وجود ~~لها ولا تكون الأمور العدمية هي التى بها وجبت الصلاة وحرم الظلم ولا يكون ~~المعنى الواحد بتلك الأمور العدمية إلا صفات إضافية وهي من معنى السلبية ~~فإنها إن لم تكن سلب أمر موجود فهي تعلق ليس بموجود فحقيقة الأمر على قول ~~هؤلاء أنه ليس لله كلام لا معان ولا حروف إلا بمعنى واحد لا حقيقة له ~~موجودة ولا معلومة # ومن حجة هؤلاء أنه إذا قيل بعضه أفضل من بعض كان المفضول ناقصا عن الفاضل ~~وصفات الله كاملة لا نقص فيها والقرآن PageV17P072 من صفاته قال هؤلاء صفات ~~الله كلها متوافرة في الكمال متناهية إلى غاية التمام لا يلحق شيئا منها ~~نقص بحال ثم لما إعتقد هؤلاء أن التفاضل في صفات الله ممتنع ظنوا أن القول ~~بتفضيل بعض كلامه على بعض لا يمكن إلا على قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم ~~القائلين بأنه مخلوق فإنه إذا قيل إنه مخلوق أمكن ms5191 القول بتفضيل بعض ~~المخلوقات على بعض فيجوز أن يكون بعضه أفضل من بعض قالوا وأما على قول أهل ~~السنة والجماعة الذين أجمعوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق فيمتنع أن ~~يقع التفاضل في صفات الله القائمة بذاته # ولأجل هذا الإعتقاد صار من يعتقده يذكر إجماع أهل السنة على إمتناع ~~التفضيل في القرآن كما قال أبو عبد الله بن الدراج في مصنف صنفه في هذه ~~المسألة قال ( أجمع أهل السنة على أن ما ورد في الشرع مما ظاهره المفاضلة ~~بين آي القرآن وسوره ليس المراد به تفضيل ذوات بعضها على بعض إذ هو كله ~~كلام الله وصفة من صفاته بل هو كله لله فاضل كسائر صفاته الواجب لها نعت ~~الكمال ( وهذا النقل للإجماع هو بحسب ما ظنه لازما لأهل السنة فلما علم ~~أنهم يقولون القرآن كلام الله ليس بمخلوق وظن هو أن المفاضلة إنما تقع في ~~المخلوقات لا في الصفات قال ما قال وإلا فلا ينقل عن أحد من السلف والأئمة ~~أنه أنكر فضل كلام الله بعضه PageV17P073 على بعض لا في نفسه ولا في لوازمه ~~ومتعلقاته فضلا عن أن يكون هذا إجماعا # وليس هو لازما لإبن كلاب ومن وافقه كالأشعري وأتباعه فإن هؤلاء يجوزون ~~وقوع المفاضلة في القرآن العربى وهو مخلوق عندهم وهذا المخلوق يسمى ( كتاب ~~الله ( والمعنى القديم يسمى ( كلام الله ( ولفظ ( القرآن ( يراد به عندهم ~~ذلك المعنى القديم والقرآن العربى المخلوق وحينئذ فهم يتأولون ما ورد من ~~تفضيل بعض القرآن على بعض على القرآن المخلوق عندهم # وإنما القول المتواتر عن أئمة السلف أنهم قالوا القرآن كلام الله غير ~~مخلوق وأنهم أنكروا مقالة الجهمية الذين جعلوا القرآن مخلوقا منفصلا عن ~~الله بل كفروا من قال ذلك والكتب الموجودة فيها ألفاظهم بأسانيدها وغير ~~أسانيدها كثيرة مثل ( كتاب الرد على الجهمية ( للإمام أبى محمد عبد الرحمن ~~بن أبى حاتم و ( الرد على الجهمية ) لعبدالله بن محمد الجعفى شيخ البخارى و ~~( الرد على الجهمية ( للحكم بن معبد الخزاعي و ( كتاب السنة ( لعبدالله ms5192 بن ~~أحمد بن حنبل و ( السنة ) لحنبل إبن عم الإمام أحمد و ( السنة ) لأبى داود ~~السجستاني و ( السنة ( للأثرم و ( السنة ( لأبي بكر الخلال و ( السنة والرد ~~على أهل الأهواء ( لخشيش بن أصرم PageV17P074 و ( الرد على الجهمية ( ~~لعثمان بن سعيد الدارمي و ( نقض عثمان إبن سعيد على الجهمي الكاذب العنيد ~~فيما إفترى على الله في التوحيد ( و ( كتاب التوحيد ( لإبن خزيمة و ( السنة ~~( للطبرانى ولأبي الشيخ الأصبهانى و ( شرح أصول السنة ( لأبى القاسم ~~اللالكائي و ( الإبانة ( لأبي عبد الله بن بطة وكتب أبى عبد الله بن منده و ~~( السنة ) لأبي ذر الهروي و ( الأسماء والصفات ( للبيهقى و ( الأصول ( لأبي ~~عمر الطلمنكي و ( الفاروق ( لأبي إسماعيل الأنصارى و ( الحجة ( لأبي القاسم ~~التيمي إلى غير ذلك من المصنفات التى يطول تعدادها التى يذكر مصنفوها ~~العلماء الثقات مذاهب السلف بالأسانيد الثابتة عنهم بألفاظهم الكثيرة ~~المتواترة التى تعرف منها أقوالهم مع أنه من حين محنة الجهمية لأهل السنة ~~التى جرت في زمن أحمد بن حنبل لما صبر فيها الإمام أحمد وقام بإظهار السنة ~~والصبر على محنة الجهمية حتى نصر الله الإسلام والسنة وأطفأ نار تلك الفتنة ~~ظهر في ديار الإسلام وإنتشر بين الخاص والعام أن مذهب أهل السنة والحديث ~~المتبعين للسلف من الصحابة والتابعين أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن ~~الذين أحدثوا في الإسلام القول بأن القرآن مخلوق هم الجعد بن درهم والجهم ~~بن صفوان ومن إتبعه من المعتزلة وغيرهم من أصناف الجهمية لم يقل هذا القول ~~أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان فهذا القول هو القول المعروف عن ~~أهل السنة والجماعة وهو القول بأن القرآن PageV17P075 كلام الله وهو غير ~~مخلوق # أما كونه لا يفضل بعضه على بعض فهذا القول لم ينقل عن أحد من سلف الأمة ~~وأئمة السنة الذين كانوا أئمة المحنة كأحمد بن حنبل وأمثاله ولا عن أحد ~~قبلهم ولو قدر أنه نقل عن عدد من أئمة السنة لم يجز أن يجعل ذلك إجماعا ~~منهم فكيف إذا لم ينقل عن ms5193 أحد منهم وإنما هذا نقل لما يظنه الناقل لازما ~~لمذهبهم فلما كان مذهب أهل السنة أن القرآن من صفات الله لا من مخلوقات ~~الله وظن هذا الناقل أن التفاضل يمتنع في صفات الخالق نقل إمتناع التفاضل ~~عنهم بناء على هذا التلازم # ولكن يقال له أما المقدمة الأولى فمنقوله عنهم بلا ريب وأما المقدمة ~~الثانية وهي ان صفات الرب لا تتفاضل فهل يمكنك أن تنقل عن أحد من السلف ~~قولا بذلك فضلا عن أن تنقل إجماعهم على ذلك ما علمت أحدا يمكنه أن يثبت عن ~~أحد من السلف أنه قال ما يدل على هذا المعنى لا بهذا اللفظ ولا بغيره فضلا ~~عن أن يكون هذا إجماعا ولكن إن كان قال قائل ذلك ولم يبلغنا قوله فالله ~~أعلم لكن الذي أقطع به ويقطع به كل من له خبرة بكلام السلف أن القول بهذا ~~لم يكن مشهورا بين السلف ولا قاله واحد وإشتهر قوله عند الباقين فسكتوا عنه ~~ولا هو معروف في الكتب التى نقل PageV17P076 فيها ألفاظهم بأعيانها بل ~~المنقول الثابت عنهم أو عن كثير منهم يدل على أنهم كانوا يرون تفاضل صفات ~~الله تعالى وهكذا من قال من أصحاب مالك أو الشافعي أو أحمد عن أهل السنة أن ~~القرآن لا يفضل بعضه على بعض فإنما مستندهم أن أهل السنة متفقون على أن ~~القرآن كلام الله غير مخلوق وأن كلامه من صفاته القائمة بنفسه ليس من ~~مخلوقاته وهذا أيضا صحيح عن أهل السنة # ثم ظنوا أن التفاضل إنما يقع في المخلوق لا في الصفات وهذا الظن لم ~~ينقلوه عن أحد من أئمة الإسلام كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والثوري ~~والأوزاعي ولا من قبل هؤلاء ولهذا شنع هؤلاء على من ظن فضل بعضه على بعض ~~كما دلت عليه النصوص والأثار لظنهم أن ذلك مستلزم لخلاف مذهب أهل السنة كما ~~قال أبو عبد الله بن المرابط في الكلام على حديث البخاري في رده لتأويل من ~~تأول هذا الحديث على أن هذه السورة إذا عدلت بثلث ms5194 القرآن أنها تفضل الربع ~~منه وخمسه وما دون الثلث فهو التفاضل في كتاب الله تعالى وهو صفة من صفات ~~الله جل جلاله وقال فهذا لولا عذر الجهالة لحكم على قائله بالكفر إذ لا يصح ~~التفاضل إلا في المخلوقات إذ صفاته كلها فاضلة في غاية الفضيلة ونهاية ~~العلو والكرامة فمن تنقص شيئا منها عن سائرها فقد ألحد فيها الا تسمعه منع ~~ذلك بقوله تعالى @QB@ الذين جعلوا القرآن عضين @QE@ PageV17P077 # قال وقد أجمع أهل السنة على أن القرآن صفة من صفات الله لا من صفة خلقه ~~قال وإنما أوقعهم في تأويل ذلك قوله تعالى @QB@ نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ ولا يخلو معنى ذلك من أحد وجهين إما أن تكون الناسخة خيرا من المنسوخة ~~في ذاتها وإما أن تكون خيرا منها لمن تعبد بها إذ محال أن يتفاضل القرآن في ~~ذاته على ما ذهب إليه أهل السنة والإستقامة إذ كل من عند الله لأن القرآن ~~العزيز صفة الله وأسماء الله وصفاته كلها متوافرة في الكمال متناهية إلى ~~غاية التمام لا يلحق شيئا منها نقص بحال فلما إستحال أن تكون آية خيرا من ~~آية في ذاتها علمنا أن المراد بخير منها إنما هو للمتعبدين بها لم ينقل ~~عباده من تخفيف إلى تثقيل ولكنه نقلهم بالنسخ من تحريم إلى تحليل ومن إيجاب ~~إلى تخيير ومن تطهير إلى تطهير والشاهد لنا قوله @QB@ يريد الله أن يخفف ~~عنكم وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ # فيقال أما قول القائل ( لولا عذر الجهالة لحكم على مثبت المفاضلة بالكفر ~~( فهم يقابلونه بمثل ذلك وحجتهم أقوى وذلك لأن الكفر حكم شرعي وإنما يثبت ~~بالأدلة الشرعية ومن أنكر شيئا لم يدل عليه الشرع بل علم بمجرد العقل لم ~~يكن كافرا وإنما الكافر من أنكر ما جاء به الرسول ومعلوم أنه ليس في الكتاب ~~والسنة نص يمنع تفضيل بعض كلام الله على بعض بل ولا يمنع تفاضل صفاته ~~PageV17P078 تعالى بل ولا نقل هذا النفي عن أحد من الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ولا عن أئمة المسلمين الذين لهم ms5195 لسان صدق في الأمة بحيث جعلوا ~~أعلاما للسنة وأئمة للأمة # وأما تفضيل بعض كلام الله على بعض بل تفضيل بعض صفاته على بعض فدلالة ~~الكتاب والسنة والأحكام الشرعية والآثار السلفية كثيرة على ذلك فلو قدر أن ~~الحق في نفس الأمر أنها لا تتفاضل لم يكن نفي تفاضلها معلوما إلا بالعقل لا ~~بدليل شرعي وإذا قدر أنها تتفاضل فالدال على ذلك هو الأدلة الشرعية مع ~~العقلية فإذا قدر أن الحق في نفس الأمر هو التفضيل لكان كفر جاحد ذلك أولى ~~من كفر من يثبت التفضيل إذا لم يكن حقا في نفس الأمر لأن ذلك جحد موجب ~~الأدلة الشرعية بغير دليل شرعي بل لما رآه بعقله وأخطأ فيه إذ نحن نتكلم في ~~هذا التقدير ومعلوم أن من خالف ما جاءت به الرسل عن الله بمجرد عقله فهو ~~أولى بالكفر ممن لم يخالف ما جاءت به الرسل عن الله وإنما خالف ما علم ~~بالعقل إن كان ذلك حقا # ونظير هذا قول بعض نفاة الصفات لما تأمل حال أصحابه وحال مثبتيها قال لا ~~ريب أن حال هؤلاء عند الله خير من حالنا فإن هؤلاء إن كانوا مصيبين فقد ~~نالوا الدرجات العلى والرضوان الأكبر وإن كانوا مخطئين فإنهم يقولون نحن يا ~~رب صدقنا ما دل عليه كتابك PageV17P079 و سنة رسولك إذ لم تبين لنا بالكتاب ~~والسنة نفى الصفات كما دل كلامك على إثباتها فنحن أثبتنا ما دل عليه كلامك ~~وكلام رسولك فإن كان الحق في خلاف ذلك فلم يبين الرسول ما يخالف ذلك ولم ~~يكن خلاف ذلك مما يعلم ببداهة العقول بل إن قدر أنه حق فلا يعلمه إلا ~~الأفراد فكيف وعامة المنتهين في خلاف ذلك إلى الغاية يقرون بالحيرة ~~والإرتياب قال النافى وإن كنا نحن مصيبين فإنه يقال لنا أنتم قلتم شيئا لم ~~آمركم بقوله وطلبتم علما لم آمركم بطلبه فالثواب إنما يكون لأهل الطاعة ~~وأنتم لم تمتثلوا أمري قال وإن كنا مخطئين فقد خسرنا خسرانا مبينا # وهذا حال من أثبت المفاضلة في كلام ms5196 الله وصفاته ومن نفاها فإن المثبت ~~معتصم بالكتاب والسنة والآثار ومعه من المعقولات الصريحة التى تبين صحة ~~قوله وفساد قول منازعه ما لا يتوجه إليها طعن صحيح وأما النافى فليس معه ~~آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قول أحد من ~~سلف الأمة وإنما معه مجرد رأي يزعم أن عقله دل عليه ومنازعه يبين أن العقل ~~إنما دل على نقيضه وأن خطأه معلوم بصريح المعقول كما هو معلوم بصحيح ~~المنقول وإحتجاج المحتج على نفي التفاضل بقوله @QB@ جعلوا القرآن عضين @QE@ ~~في غاية الفساد فإن الآية لا تدل على هذا بوجه من الوجوه PageV17P080 سواء ~~أريد بها من آمن ببعضه وكفر ببعضه أو أريد بها من عضهه فقال هو سحر وشعر ~~ونحو ذلك بل من نفى فضل @QB@ قل هو الله أحد @QE@ على @QB@ تبت يدا أبي لهب ~~@QE@ فهو أولى بأن يكون ممن جعله عضين إن دلت الآية على هذه المسألة # وذلك أن من آمن بما وصف الله به كلامه فأقر بأنه جميعه كلام الله وأقر به ~~كله فلم يكفر بحرف منه وعلم أن كلام الله أفضل من كل كلام وأن خير الكلام ~~كلام الله وأنه لا أحسن من الله حديثا ولا أصدق منه قيلا وأقر بما أخبر ~~الله به ورسوله من فضل بعض كلامه كفضل ( فاتحة الكتاب ( و ( آية الكرسى و ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ ونحو ذلك بل وتفضيل @QB@ يس @QE@ و @QB@ تبارك ~~@QE@ والآيتين من آخر سورة البقرة بل وتفضيل البقرة و آل عمران وغير ذلك من ~~السور والآيات التى نطقت النصوص بفضلها وأقر بأنه كلام الله ليس منه شيء ~~كلاما لغيره لا معانيه ولا حروفه فهو أبعد عن جعله عضين ممن لم يؤمن بما ~~فضل الله به بعضه على بعض بل آمن بفضله من جهة المتكلم ولم يؤمن بفضله من ~~جهة المتكلم فيه فإن هذا في الحقيقة آمن به من وجه دون وجه # وكذلك من قال إنه معنى واحد وأن القرآن العربي لم يتكلم الله به بل ms5197 هو ~~مخلوق خلقه الله في الهواء أو أحدثه جبريل أو محمد فهذا PageV17P081 أولى ~~بأن يكون داخلا فيمن عضه القرآن ورماه بالإفك وجعل القرآن العربي كلام ~~مخلوق إما بشر وإما ملك وإما غيرهما فمن جعل القرآن كله كلام الله ليس ~~بمخلوق ولا هو من إحداث مخلوق لا جبريل ولا محمد ولا شيء منه بل جبريل رسول ~~ملك ومحمد رسول بشر والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس فإصطفى لكلامه ~~الرسول الملكى فنزل به على الرسول البشري الذي إصطفاه وقد أضافه إلى كل من ~~الرسولين لأنه بلغه وأداه لا لأنه أنشأه وإبتداه قال تعالى @QB@ إنه لقول ~~رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين @QE@ فهذا نعت جبريل الذي ~~قال فيه @QB@ من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله @QE@ وقال ~~@QB@ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين @QE@ ~~وقال @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق @QE@ وقال في ~~الآية الأخرى @QB@ إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ~~ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين @QE@ فهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم # وأضاف القول إلى كل منهما بإسم الرسول فقال لقول رسول PageV17P082 لأن ~~الرسول يدل على المرسل فدل على أنه قول رسول بلغه عن مرسل لم يقل إنه لقول ~~ملك ولا بشر بل كفر من جعله قول بشر بقوله @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت ~~له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان ~~لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم ~~نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول ~~البشر @QE@ فمن ms5198 قال إنه قول بشر أو قول مخلوق غير البشر فقد كفر ومن جعله ~~قول رسول من البشر فقد صدق لأن الرسول ليس له فيه إلا التبليغ والأداء كما ~~قال تعالى @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك @QE@ وفى سنن أبي ~~داود عن جابر بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على ~~الناس في الموسم ويقول ( ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا ~~قد منعونى أن أبلغ كلام ربى ( # والذي إتفق عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق وقال غير واحد منهم ~~منه بدأ وإليه يعود قال أحمد بن حنبل وغيره ( منه بدأ ( أي هو المتكلم به ~~لم يبتد من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق قالوا خلقه في ~~غيره فهو مبتدأ من ذلك المحل المخلوق ويلزمهم أن يكون كلاما لذلك المحل ~~المخلوق لا لله PageV17P083 تعال لا سيما والجهمية كلهم يقولون بأن الله ~~خالق أفعال العباد وهم غلاة في الجبر ولكن المعتزلة توافقهم على نفي الصفات ~~والقول بخلق القرآن وتخالفهم في القدر والأسماء والأحكام فإذا كان الله ~~خالق كل ما سواه لزمهم ان يكون كل كلام كلامه لأنه هو الذي خلقه ولذلك قال ~~إبن عربى الطائى وكان من غلاة هؤلاء الجهمية يقول بوحدة الوجود قال # وكل كلام في الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % # ولهذا قال سليمان بن داود الهاشمي نظير أحمد بن حنبل الذي قال الشافعي ما ~~رأيت أعقل من رجلين أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي قال من قال @QB@ ~~إنني أنا الله لا إله إلا أنا @QE@ مخلوق فهو كافر وإن كان القرآن مخلوقا ~~كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال @QB@ أنا ربكم ~~الأعلى @QE@ وزعموا أن هذا مخلوق ومعنى ذلك كون قول فرعون ( أنا ربكم ~~الأعلى ( كلاما قائما بذات فرعون فإن كان قوله ( إنني أنا الله لا إله إلا ~~انا ( كلاما خلقه في الشجرة كانت الشجرة هي القائلة لذلك كما كان ms5199 فرعون هو ~~القائل لذلك وحينئذ فيكون جعل الشجرة إلها أعظم كفرا من جعل فرعون إلها ~~PageV17P084 والجهمية والمعتزلة لم يقم عندهم بذات الله لا طلب ولا إرادة ~~ولا محبة ولا رضا ولا غضب ولا غير ذلك مما يجعل مدلول الأصوات المخلوقة ولا ~~قام بذاته عندهم إيجاب وإلزام ولا تحريم وحظر فلم يكن للكلام المخلوق في ~~غيره معنى قائم بذاته يدل عليه ذلك المخلوق حتى يفرق بين ما خلقه في الجماد ~~وما خلقه في الحيوان وكان مقصود السلف رضوان الله عليهم أن الله هو المتكلم ~~بالقرآن وسائر كلامه وأنه منه نزل لم ينزل من غيره كما قال تعالى @QB@ ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~قل نزله روح القدس من ربك بالحق @QE@ لم يقل أحد من السلف إن القرآن قديم ~~وإنما قالوا هو كلام الله غير مخلوق وقالوا لم يزل الله متكلما إذا شاء ~~ومتى شاء وكيف شاء وكما شاء ولا قال أحد منهم إن الله في الأزل نادى موسى ~~ولا قال إن الله لم يزل ولا يزال يقول يا آدم يا نوح يا موسى يا إبليس ونحو ~~ذلك مما أخبر أنه قال # ولكن طائفة ممن إتبع السلف إعتقدوا أنه إذا كان غير مخلوق فلابد أن يكون ~~قديما إذ ليس عندهم إلا هذا وهذا وهؤلاء ينكرون أن يكون الله يتكلم بمشيئته ~~وقدرته أو يغضب على الكفار إذا عصوه أو يرضى عن المؤمنين إذا أطاعوه أو ~~يفرح بتوبة التائبين إذا تابوا أو يكون نادى موسى حين أتى الشجرة ونحو ذلك ~~مما دل عليه PageV17P085 الكتاب والسنة كقوله @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ فلما آسفونا ~~انتقمنا منهم @QE@ وقوله @QB@ فلما أتاها نودي يا موسى @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~~@QE@ وقد أخبر أن كلماته لا نفاد لها بقوله @QB@ لو كان البحر مدادا لكلمات ms5200 ~~ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما ~~نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم @QE@ # وأتباع السلف يقولون إن كلام الله قديم أي لم يزل متكلما إذا شاء لا ~~يقولون أن نفس الكلمة المعينة قديمة كندائه لموسى ونحو ذلك لكن هؤلاء ~~إعتقدوا أن القرآن وسائر كلام الله قديم العين وإن الله لا يتكلم بمشيئته ~~وقدرته ثم إختلفوا فمنهم من قال القديم هو معنى واحد هو جميع معانى التوراة ~~والإنجيل والقرآن وأن التوراة إذا عبر عنها بالعربية صارت قرآنا والقرآن ~~إذا عبر عنه بالعبرية صار توراة قالوا والقرآن العربي لم يتكلم الله به بل ~~إما أن يكون خلقه في بعض الأجسام وإما أن يكون أحدثه جبريل أو محمد فيكون ~~كلاما لذلك الرسول ترجم به عن المعنى الواحد القائم بذات الرب الذي هو ~~PageV17P086 جميع معانى الكلام ومنهم من قال بل القرآن القديم هو حروف أو ~~حروف وأصوات وهي قديمة أزلية قائمة بذات الرب أزلا وأبدا وهي متعاقبة في ~~ذاتها وماهيتها لا في وجودها فإن القديم لا يكون بعضه متقدما على بعض ~~ففرقوا بين ذات الكلام وبين وجوده وجعلوا التعاقب في ذاته لا في وجوده كما ~~يفرق بين وجود الأشياء بأعيانها وماهياتها من يقول بذلك من المعتزلة ~~والمتفلسفة وكلا الطائفتين تقول إنه إذا كلم موسى أو الملائكة أو العباد ~~يوم القيامة فإنه لا يكلمه بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته حين يكلمه ولكن ~~يخلق له إدراكا يدرك ذلك الكلام القديم اللازم لذات الله أزلا وأبدا وعندهم ~~لم يزل ولا يزال يقول @QB@ يا آدم اسكن أنت وزوجك @QE@ و @QB@ يا نوح @QB@ ~~اهبط بسلام منا وبركات عليك @QE@ @QB@ يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي @QE@ ونحو ذلك وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وغيرها في مواضع # والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحدا منهما عن أحد من ~~السلف أعني الصحابة والتابعين لهم بإحسان ms5201 وسائر أئمة المسلمين المشهورين ~~بالعلم والدين الذين لهم في الأمة لسان صدق في زمن أحمد بن حنبل ولا زمن ~~الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم وأول من أحدث هذا الأصل هو أبو محمد ~~عبد الله بن سعيد بن كلاب وعرف أن الحروف متعاقبة فيمتنع أن تكون قديمة ~~الأعيان فإن المتأخر PageV17P087 قد سبقه غيره والقديم لا يسبقه غيره ~~والصوت المعين لا يبقى زمانين فكيف يكون قديما فقال بأن القديم هو المعنى ~~ثم جعل المعنى واحدا لا يتعدد ولا يتبعض لإمتناع إختصاصه بعدد معين وإمتناع ~~معان لا نهاية لها في آن واحد وجعل القرآن العربي ليس هو كلام الله # فلما شاع قوله وعرف جمهور المسلمين فساده شرعا وعقلا قالت طائفة أخرى ممن ~~وافقته على مذهب السلف إن القرآن كلام الله غير مخلوق وعلى الأصل الذي ~~أحدثه من القول بقدم القرآن إن القرآن قديم وهو مع ذلك الحروف المتعاقبة ~~والأصوات المؤلفة فصار قول هؤلاء مركبا من قول المعتزلة وقول الكلابية فإذا ~~ناظروا المعتزلة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ناظروهم بطريقة إبن ~~كلاب واذا ناظرهم الكلابية على أن القرآن العربي كلام الله وأن القرآن الذي ~~يقرأه المسلمون كلام الله ناظروهم بحجج المعتزلة وليس شيء من هذه الأقوال ~~قول أحد من السلف كما بسط في غير هذا الموضع ولا قال شيئا من هذه الأقوال ~~لا الأئمة الأربعة ولا أصحابهم الذين أدركوهم وإنما قاله ممن ينتسب إليهم ~~بعض المتأخرين الذين تلقوها عمن قالها من أهل الكلام ولم يكن لهم خبرة لا ~~بأقوال السلف التى دل عليها الكتاب والسنة والعقل الصريح PageV17P088 و لا ~~بحقائق أقوال أهل الكلام الذي ذمه السلف ولم قالوا هذا وما الذي ألجأهم إلى ~~هذا وقد شاع عند العامة والخاصة أن القرآن ليس بمخلوق والقول بأنه مخلوق ~~قول مبتدع مذموم عند السلف والأئمة فصار من يطالع كتب الكلام التى لا يجد ~~فيها إلا قول المعتزلة وقول من رد عليهم وإنتسب إلى السنة يظن أنه ليس في ~~المسألة إلا هذا القول وهذا ms5202 وذاك قد عرف أنه قول مذموم عند السلف فيظن ~~القول الآخر قول السلف كما يقع مثل ذلك في كثير من المسائل في غير هذه لا ~~يعرف الرجل في المسألة إلا قولين أو ثلاثة فيظن الصواب واحدا منها ويكون ~~فيها قول لم يبلغه وهو الصواب دون تلك وهذا باب واسع في كثير من المسائل ~~والله يهدينا وسائر إخواننا المسلمين إلى ما يحبه ويرضاه من القول والعمل ~~ومن إجتهد بقصد طاعة الله ورسوله بحسب إجتهاده لم يكلفه الله ما يعجز عنه ~~بل يثيبه الله على ما فعله من طاعته ويغفر ما أخطأ فيه فعجز عن معرفته ### ||| فصل # والنصوص والآثار في تفضيل كلام الله بل وتفضيل بعض صفاته على بعض متعددة ~~وقول القائل ( صفات الله كلها فاضلة PageV17P089 في غاية التمام والكمال ~~ليس فيها نقص ( كلام صحيح لكن توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض كان ~~المفضول معيبا منقوصا خطأ منه فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل من ~~بعض ولهذا يقال دعا الله بإسمه الأعظم وتدل على أن بعض صفاته أفضل من بعض ~~وبعض أفعاله أفضل من بعض ففي الآثار ذكر إسمه العظيم وإسمه الأعظم وإسمه ~~الكبير والأكبر كما في السنن ورواه أحمد وإبن حبان في صحيحه عن إبن بريدة ~~عن أبيه قال دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا رجل يصلي ~~يدعو اللهم إنى أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد ~~الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~والذي نفسي بيده لقد سأل الله بإسمه الأعظم الذى إذا سئل به أعطى وإذا دعي ~~به أجاب ( # وعن أنس قال كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلقة ورجل ~~قائم يصلى فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال في في دعائه اللهم إنى أسألك بأن ~~لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال ~~والإكرام يا حي يا قيوم ms5203 فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( والذى نفسي بيده ~~لقد دعا بإسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى ( وقد ثبت ~~في الصحيح PageV17P090 عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~إن الله كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتى تغلب غضبى ( وفي ~~رواية ( سبقت رحمتى غضبى ( فوصف رحمته بأنها تغلب وتسبق غضبه وهذا يدل على ~~فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده ( اللهم إنى أعوذ برضاك من ~~سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك ( وروى الترمذي أنه كان يقول ذلك في ~~وتره لكن هذا فيه نظر # وقد ثبت في الصحيح والسنن والمساند من غير وجه الإستعاذة بكلماته التامات ~~كقوله ( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات ~~الشياطين وأن يحضرون ( وفى صحيح مسلم عن خولة أنه قال صلى الله عليه وسلم ( ~~من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامة لم يضره شيء حتى يرتحل منه ( ~~وفى الصحيح أنه قال لعثمان بن أبى العاص ( قل أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ~~ما أجد وأحاذر ( ومعلوم أن المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه فقد إستعاذ ~~برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته # وأما إستعاذته به منه فلابد أن يكون بإعتبار جهتين يستعيذ به بإعتبار تلك ~~الجهة ومنه بإعتبار تلك الجهة ليتغاير المستعاذ به والمستعاذ PageV17P091 ~~منه إذ أن المستعاذ منه مخوف مرهوب منه والمستعاذ به مدعو مستجار به ملتجأ ~~إليه والجهة الواحدة لا تكون مطلوبة مهروبا منها لكن بإعتبار جهتين تصح كما ~~في الحديث الذي في الصحيحين عن البراء بن عازب أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~علم رجلا أن يقول عند النوم ( اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك ~~وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك لا منجا ولا ملجأ منك ~~إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ms5204 وبنبيك الذي أرسلت ( فبين أنه لا ينجى منه ~~إلا هو ولا يلتجأ منه إلا إليه وأعمل الفعل الثانى لما تنازع الفعلان في ~~العمل ومعلوم أن جهة كونه منجيا غير جهة كونه منجيا منه وكذلك جهة كونه ~~ملتجأ إليه غير كونه ملتجأ منه سواء قيل إن ذلك يتعلق بمفعولاته أو أفعاله ~~القائمة به أو صفاته أو بذاته بإعتبارين # وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين ~~يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا ( وقد جاء ذكر اليدين في عدة أحاديث ويذكر ~~فيها أن كلتاهما يمين مع تفضيل اليمين قال غير واحد من العلماء لما كانت ~~صفات المخلوقين متضمنة للنقص فكانت يسار أحدهم ناقصة في القوة ناقصة في ~~الفعل PageV17P092 بحيث تفعل بمياسرها كل ما يذم كما يباشر بيده اليسرى ~~النجاسات والأقذار بين النبى صلى الله عليه وسلم أن كلتا يمين الرب مباركة ~~ليس فيها نقص ولا عيب بوجه من الوجوه كما في صفات المخلوقين مع أن اليمين ~~أفضلهما كما في حديث آدم قال ( إخترت يمين ربى وكلتا يدي ربى يمين مباركة ( ~~فإنه لا نقص في صفاته ولا ذم في أفعاله بل أفعاله كلها إما فضل وإما عدل ~~وفي الصحيحين عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( يمين الله ~~ملأي لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات ~~والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض ( # فبين صلى الله عليه وسلم أن الفضل بيده اليمنى والعدل بيده الأخرى ومعلوم ~~أنه مع أن كلتا يديه يمين فالفضل أعلى من العدل وهو سبحانه كل رحمة منه فضل ~~وكل نقمة منه عدل ورحمته أفضل من نقمته ولهذا كان المقسطون على منابر من ~~نور عن يمين الرحمن ولم يكونوا عن يده الأخرى وجعلهم عن يمين الرحمن تفضيل ~~لهم كما فضل في القرآن أهل اليمين وأهل ms5205 الميمنة على أصحاب الشمال وأصحاب ~~المشأمة وإن كانوا إنما عذبهم بعدله وكذلك الأحاديث والآثار جاءت بأن أهل ~~قبضة اليمين هم أهل السعادة وأهل القبضة الأخرى هم أهل الشقاوة PageV17P093 ~~و مما يبين هذا أن الشر لم يرد في أسمائه وإنما ورد في مفعولاته ولم يضف ~~إليه إلا على سبيل العموم وأضافه إلى السبب المخلوق أو بحذف فاعله وذلك ~~كقوله تعالى @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ و @QB@ من شر ما خلق @QE@ وكأسمائه ~~المقترنة مثل المعطى المانع الضار النافع المعز المذل الخافض الرافع وكقوله ~~@QB@ وإذا مرضت فهو يشفين @QE@ وكقوله @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وكقول الجن @QB@ وأنا لا ندري أشر أريد بمن ~~في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا @QE@ وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعاء الإستفتاح ( والخير بيديك والشر ليس ~~إليك ( وسواء أريد به أنه لا يضاف إليك ولا يتقرب به إليك أو قيل إن الشر ~~إما عدم وإما من لوازم العدم وكلاهما ليس إلى الله فهذا يبين أنه سبحانه ~~إنما يضاف إليه الخير وأسماؤه تدل على صفاته وذلك كله خير حسن جميل ليس فيه ~~شر وإنما وقع الشر في المخلوقات قال تعالى @QB@ نبئ عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم @QE@ وقال تعالى @QB@ اعلموا أن الله ~~شديد العقاب وأن الله غفور رحيم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ربك سريع العقاب ~~وإنه لغفور رحيم @QE@ فجعل المغفرة والرحمة من معاني أسمائه الحسنى التى ~~يسمى بها نفسه فتكون المغفرة PageV17P094 و الرحمة من صفاته وأما العقاب ~~الذي يتصل بالعباد فهو مخلوق له وذلك هو الأليم فلم يقل وإني أنا المعذب ~~ولا في أسمائه الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم إسم المنتقم وإنما جاء ~~المنتقم في القرآن مقيدا كقوله @QB@ إنا من المجرمين منتقمون @QE@ وجاء ~~معناه مضافا إلى الله في قوله @QB@ إن الله عزيز ذو انتقام @QE@ وهذه نكرة ~~في سياق الإثبات والنكرة في سياق الإثبات مطلقة ليس فيها عموم على سبيل ~~الجمع # وذلك أن ms5206 الله سبحانه حكيم رحيم وقد أخبر أنه لم يخلق المخلوقات إلا ~~بحكمته كما قال في قوله تعالى @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~باطلا ذلك ظن الذين كفروا @QE@ وقال تعالى @QB@ إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين @QE@ وقال في السورة الأخرى ما ~~خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون وهذا يبين أن معنى قوله في سائر ~~الأيات ( بالحق ( هو لهذا المعنى الذي يتضمن حكمته كما قال @QB@ وهو الذي ~~خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون @QE@ وقوله @QB@ وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ~~إن ربك هو الخلاق العليم @QE@ PageV17P095 # وبعض الناس يظن أن قوله @QB@ هو الخلاق @QE@ إشارة إلى أنه خالق أفعال ~~العباد فلا ينبغي التشديد في الإنكار عليهم بل يصفح عنهم الصفح الجميل لأجل ~~القدر وهذا من أعظم الجهل فإنه سبحانه قد عاقب المخالفين له ولرسله وغضب ~~عليهم وأمر بمعاقبتهم وأعد لهم من العذاب ما ينافى قول هؤلاء المعطلين ~~لأمره ونهيه ووعده ووعيده وقوله @QB@ فاصفح الصفح الجميل @QE@ تعلق بما ~~قبله وهو قوله @QB@ وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل @QE@ فإن لهم ~~موعدا يجزون فيه كما قال تعالى في نظائر ذلك @QB@ فإنما عليك البلاغ وعلينا ~~الحساب @QE@ @QB@ فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر ~~فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم @QE@ وقوله ~~@QB@ فتول عنهم حتى حين @QE@ وقوله @QB@ فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ~~@QE@ # ولم يعذر الله أحدا قط بالقدر ولو عذر به لكان أنبياؤه وأولياؤه أحق بذلك ~~وآدم إنما حج موسى لأنه لامه على المصيبة التى أصابت الذرية فقال له لماذا ~~أخرجتنا ونفسك من الجنة وما أصاب العبد من المصائب فعليه أن يسلم فيها لله ~~ويعلم أنها ms5207 مقدرة عليه كما قال تعالى @QB@ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ~~ومن يؤمن بالله يهد قلبه @QE@ قال PageV17P096 علقمة وقد روى عن إبن مسعود ~~هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم فالعبد مأمور ~~بالتقوى والصبر فالتقوى فعل ما أمر به ومن الصبر الصبر على ما أصابه وهذا ~~هو صاحب العاقبة المحمودة كما قال يوسف عليه السلام @QB@ إنه من يتق ويصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن تصبروا وتتقوا فإن ~~ذلك من عزم الأمور @QE@ وقال @QB@ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ~~@QE@ وقال @QB@ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين @QE@ # ولا بد لكل عبد من أن يقع منه ما يحتاج معه إلى التوبة والإستغفار ويبتلى ~~بما يحتاج معه إلى الصبر فلهذا يؤمر بالصبر والإستغفار كما قيل لأفضل الخلق ~~@QB@ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ~~@QE@ وقد بسط الكلام في غير هذا الموضع على مناظرة آدم وموسى فإن كثيرا من ~~الناس حملوها على محامل مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومنهم من كذب ~~بالحديث لعدم فهمه له والحديث حق يوجب أن الإنسان إذا جرت عليه مصيبة بفعل ~~غيره مثل أبيه أو غير أبيه لا سيما إذا كان أبوه قد تاب منها فلم يبق عليه ~~من جهة الله تبعة كما جرى لآدم صلوات الله عليه قال تعالى @QB@ وعصى آدم ~~ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى @QE@ PageV17P097 و قال @QB@ فتلقى ~~آدم من ربه كلمات فتاب عليه @QE@ وكان آدم وموسى أعلم بالله من أن يحتج ~~أحدهما لذنبه بالقدر ويوافقه الآخر ولو كان كذلك لم يحتج آدم إلى توبة ولا ~~أهبط من الجنة وموسى هو القائل @QB@ رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي @QE@ وهو ~~القائل @QB@ رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين @QE@ ~~وهو القائل @QB@ أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين @QE@ وهو ~~القائل لقومه @QB@ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند ms5208 ~~بارئكم @QE@ فلو كان المذنب يعذر بالقدر لم يحتج إلى هذا بل كان الإحتجاج ~~بالقدر لما حصل من موسى ملام على ما قدر عليه من المصيبة التى كتبها الله ~~وقدرها # ومن الإيمان بالقدر أن يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه ~~لم يكن ليصيبه فالمؤمن يصبر على المصائب ويستغفر من الذنوب والمعائب ~~والجاهل الظالم يحتج بالقدر على ذنوبه وسيئاته ولا يعذر بالقدر من أساء ~~إليه ولا يذكر القدر عند ما ييسره الله له من الخير فعكس القضية بل كان ~~الواجب عليه إذا عمل حسنة أن يعلم أنها نعمة من الله هو يسرها وتفضل بها ~~فلا يعجب بها ولا يضيفها إلى نفسه كأنه الخالق لها وإذا عمل سيئة إستغفر ~~وتاب منها وإذا أصابته مصيبة سماوية أو بفعل العباد يعلم أنها كانت مقدرة ~~مقضية عليه PageV17P098 و هذا مبسوط في موضعه # والمراد هنا أنه سبحانه بين أنه إنما خلق المخلوقات لحكمته وهذا معنى ~~قوله @QB@ بالحق @QE@ وقد ذم من ظن أنه خلق ذلك باطلا وعبثا فقال @QB@ ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون @QE@ وقال @QB@ أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى @QE@ وقال @QB@ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~فقنا عذاب النار @QE@ فلابد من جزاء العباد على أعمالهم فلهذا قيل @QB@ ~~فاصفح الصفح الجميل @QE@ ولله سبحانه في كل ما يخلقه حكمة يحبها ويرضاها ~~وهو سبحانه أحسن كل شيء خلقه وأتقن كل ما صنع فما وقع من الشر الموجود في ~~المخلوقات فقد وجد لأجل تلك الحكمة المطلوبة المحبوبة المرضية فهو من الله ~~حسن جميل وهو سبحانه محمود عليه وله الحمد على كل حال وإن كان شرا بالنسبة ~~إلى بعض الأشخاص # وهذا موضوع عظيم قد بسط في غير هذا الموضع فإن الناس في باب خلق الرب ~~وأمره ولم فعل ذلك على طرفين ووسط فالقدرية من المعتزلة وغيرهم قصدوا تعظيم ~~الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحا ms5209 من الأفعال وظلما فأنكروا عموم قدرته ومشيئته ~~ولم يجعلوه خالقا PageV17P099 لكل شيء ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن بل قالوا يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة ~~فيما يجب عليه ويحرم بالقياس على أنفسهم وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا ~~القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق فضلوا وأضلوا وقابلهم ~~الجهمية الغلاة في الجبر فأنكروا حكمة الله ورحمته وقالوا لم يخلق لحكمة ~~ولم يأمر بحكمة وليس في القرآن ( لام كي ( لا في خلقه ولا في أمره # وزعموا أن قوله @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا @QE@ و ~~@QB@ خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ وقوله @QB@ ولله ما في السماوات وما ~~في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى @QE@ ~~وقوله @QB@ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم @QE@ وقوله @QB@ ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ وأمثال ذلك إنما اللام فيه ~~لام العاقبة كقوله @QB@ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا @QE@ وقول ~~القائل ( لدوا للموت وابنوا للخراب ( ولم يعلموا أن لام العاقبة إنما تصح ~~ممن يكون جاهلا بعاقبة فعله كفرعون الذي لم يكن يدري ما ينتهي إليه أمر ~~موسى أو ممن يكون عاجزا عن رد عاقبة فعله كعجز بني آدم عن دفع الموت عن ~~أنفسهم والخراب عن ديارهم فأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو ~~مريد لكل PageV17P100 ما خلق فيمتنع في حقه لام العاقبة التى تتضمن نفى ~~العلم أو نفى القدرة # وأنكر هؤلاء محبة الله ورضاه لبعض الموجودات دون بعض وقالوا المحبة ~~والرضا هو من معنى الإرادة والله مريد لكل ما خلقه فهو راض بذلك محب له ~~وزعموا أن ما في القرآن من نفي حبه ورضاه بالكفر والمعاصي كقوله @QB@ والله ~~لا يحب الفساد @QE@ @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ محمول على عباده الذين ~~لم يقع ذلك منهم أو أنه لم يرده دينا يثيبهم عليه وزعموا أن الله لا يحب ~~ولا يرضي ما أمر به من العبادات ms5210 إلا إذا وقع فيريده كما يريد حينئذ ما وقع ~~من الكفر والمعاصي إلى غير ذلك من أقوالهم المبسوطة في غير هذا الموضع ~~وكثير من المتأخرين يظن أن هذا قول أهل السنة وهذا مما لم يقله أحد من سلف ~~الأمة وأئمتها بل جميع مثبتة القدر المتقدمين كانوا يفرقون بين المحبة ~~والرضا وبين الإرادة ولكن أبو الحسن الأشعري إتبع جهما في ذلك # قال أبو المعالي الجوينى ومما إختلف أهل الحق في إطلاقه وعدم إطلاقه ~~المحبة والرضا فصار المتقدمون إلى أنه سبحانه لا يحب الكفر ولا يرضاه وكذلك ~~كل معصية وقال شيخنا أبو الحسن المحبة هي الإرادة نفسها وكذلك الرضا ~~والإصطفاء وهو سبحانه يريد الكفر PageV17P101 و يرضاه كفرا قبيحا معاقبا ~~عليه وهو كما قال أبو المعالى فإن المتقدمين من جميع أهل السنة على ما دل ~~عليه الكتاب والسنة من أنه سبحانه لا يرضي ما نهى عنه ولا يحبه وعلى ذلك ~~قدماء أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد كأبي بكر ~~عبد العزيز وغيره من قدمائهم ولكن من المتأخرين من سوى بين الجميع كما قاله ~~أبو الحسن وهو في الأصل قول لجهم فهو الذي قال في القدر بالجبر وبما يخالف ~~أهل السنة وأنكر رحمة الله تعالى وكان يخرج إلى الجذمى فيقول أرحم الراحمين ~~يفعل هذا فنفى أن يكون الله أرحم الراحمين وقد قال الصادق المصدوق ( لله ~~أرحم بعباده من الوالدة بولدها ( وهذه مسائل عظيمة ليس هذا موضع بسطها # وإنما المقصود هنا التنبيه على الجمل فإن كثيرا من الناس يقرأ كتبا مصنفة ~~في أصول الدين وأصول الفقه بل في تفسير القرآن والحديث ولا يجد فيها القول ~~الموافق للكتاب والسنة الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وهو الموافق لصحيح ~~المنقول وصريح المعقول بل يجد أقوالا كل منها فيه نوع من الفساد والتناقض ~~فيحار ما الذي يؤمن به في هذا الباب وما الذي جاء به الرسول وما هو الحق ~~والصدق إذ لم يجد في تلك الأقوال ما يحصل به ذلك وإنما الهدى فيما جاء به ~~الرسول ms5211 الذي قال الله فيه @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي ~~له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ PageV17P102 ### ||| فصل # وإذا علم ما دل عليه الشرع مع العقل وإتفاق السلف من أن بعض القرآن أفضل ~~من بعض وكذلك بعض صفاته أفضل من بعض بقى الكلام في كون @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ تعدل ثلث القرآن ما وجه ذلك وهل ثوابها بقدر ثواب ثلث القرآن وإذا قدر ~~أن الأمر كذلك فما وجه قراءة سائر القرآن فيقال # أما الأول فقد قيل فيه وجوه أحسنها والله أعلم الجواب المنقول عن الإمام ~~أبى العباس بن سريج فعن أبي الوليد القرشي أنه سأل أبا العباس بن سريج عن ~~معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم ( قل هو الله أحد 2 تعدل ثلث القرآن ( ~~فقال معناه أنزل القرآن على ثلاثة أقسام ثلث منها الأحكام وثلث منها وعد ~~ووعيد وثلث منها الأسماء والصفات وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات # وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي في هذا الحديث ثلاثة أوجه بدأ بهذا الوجه ~~فروى قول إبن سريج هذا بإسناده عن زاهد عن الصابونى والبيهقي عن الحاكم أبى ~~عبد الله الحافظ قال سمعت أبا الوليد PageV17P103 حسان بن محمد الفقيه يقول ~~سالت أبا العباس بن سريج قلت ما معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم @QB@ قل ~~هو الله أحد @QE@ تعدل ثلث القرآن ( قال إن القرآن أنزل على ثلاثة اقسام ~~فثلث أحكام وثلث وعد ووعيد وثلث أسماء وصفات وقد جمع في @QB@ قل هو الله ~~أحد @QE@ أحد الأثلاث وهو الصفات فقيل أنها تعدل ثلث القرآن # ( الوجه الثاني ( من الوجوه الثلاثة التى ذكرها أبو الفرج إبن الجوزي أن ~~معرفة الله هي معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله فهذه السورة ~~تشتمل على معرفة ذاته إذ لا يوجد شيء إلا وجد من شيء [ ما خلا الله فإنه ~~ليس له كفء ] ولا له مثل قال أبو الفرج ذكره بعض فقهاء السلف # قال و ( الوجه الثالث ( أن المعنى من عمل ما تضمنته ms5212 من الإقرار بالتوحيد ~~والإذعان للخالق كان كمن قرأ ثلث القرآن ولم يعمل بما تضمنته ذكره إبن عقيل ~~قال إبن عقيل ولا يجوز أن يكون المعنى من قرأها فله أجر ثلث القرآن لقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ( # قلت كلا الوجهين ضعيف # أما الأول فيدل على ضعفه وجوه ( الأول ( أن نقول القرآن PageV17P104 ليس ~~كله هو المعرفة المذكورة بل فيه أمر بالأعمال الواجبة ونهى عن المحرمات ~~والمطلوب من العباد المعرفة الواجبة والعمل الواجب والأمة كلها متفقة على ~~وجوب الأعمال التى فرضها الله لم يقل أحد بأنها ليست من الواجبات وإن كان ~~طائفة من الناس نازعوا في كون الأعمال من الإيمان فلم ينازعوا في أن الله ~~فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام وحرم الفواحش @QB@ ما ظهر منها ~~وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ وإذا كان كذلك وقدر أن سورة من ~~السور تضمنت ثلث المعرفة لم يكن هذا ثلث القرآن # الثاني ( أن يقال قول القائل معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة ~~أفعاله إن أراد بذلك أن ذاته تعرف بدون معرفة شيء من أسمائه وصفاته ~~الثبوتية والسلبية فهذا ممتنع ولو قدر إمكان ذلك أو فرض العبد في نفسه ذاتا ~~مجردة عن جميع القيود السلبية والثبوتية فليس ذاك معرفته بالله ألبتة ولا ~~هو رب العالمين ذات مجردة عن كل أمر سلبى أو ثبوتي ولهذا لم يقل أحد من ~~العقلاء هذا إلا القرامطة الباطنية يقولون يسلب عنه كل أمر ثبوتي وعدمي فلا ~~يقال موجود ولا معدوم ولا عالم ولا ليس بعالم ولا قادر ولا ليس بقادر ولا ~~نحو ذلك وهؤلاء مع أن قولهم معلوم الفساد بضرورة العقل فإنهم PageV17P105 ~~متناقضون # أما الأول فلأن سلب النقيضين ممتنع كما أن جمعهما ممتنع فيمتنع أن يكون ~~شيء من الأشياء لا موجودا ولا معدوما وأما تناقضهم لابد أن يذكروا ما ذكروا ~~أنه يسلب عنه النقيضان ببعض الأمور ms5213 التى يتميز بها ليخبر عنه بهذا السلب ~~وأي شيء قالوه فلابد أن يتضمن نفيا أو إثباتا بل لابد أن يتضمن إثباتا وقد ~~بسطنا الرد عليهم في غير هذا الموضع # ولهذا كان كثير من الملاحدة لا يصلون إلى هذا الحد بل يقولون كما قال أبو ~~يعقوب السجستانى وغيره من الملاحدة نحن لا ننفي النقيضين بل نسكت عن إضافة ~~واحد منهما إليه فلا نقول هو موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا ~~جاهل فيقال لهم إعراض قلوبكم عن العلم به وكف ألسنتكم عن ذكره لايوجب أن ~~يكون هو في نفسه مجردا عن النقيضين بل يفيد هذا كفركم بالله وكراهتكم ~~لمعرفته وذكره وعبادته وهذا حقيقة مذهبكم # ومن قال من الملاحدة المنتسبين إلى التصوف والتحقيق كإبن سبعين والصدر ~~القونوي وغيرهما إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق عن كل وصف ثبوتى وسلبى فهو من ~~جنس هؤلاء لكن هؤلاء يقولون هو وجود مطلق فيخصونه بالوجود دون العدم ثم ~~يقولون هو مطلق والمطلق بشرط الإطلاق عن كل قيد سلبى وثبوتى إنما يكون ~~PageV17P106 في الأذهان لا في الأعيان وهؤلاء يقولون الوجود الكلي المقسوم ~~إلى واجب وممكن الذي يجعله الفلاسفة موضوع العلم الإلهي ويسمونه ( الحكمة ~~العليا ( و ( الفلسفة الأولى ( إنما يكون كليا في الأذهان لا في الأعيان ~~فليس في الخارج قط وجود هو بعينه واجب وهو بعينه ممكن ولا وجود هو نفسه ~~يتصف به الواجب وهو نفسه يتصف به الممكن بل صفة الواجب تختص به وصفة الممكن ~~تختص به ووجود الواجب يخصه لا يشركه فيه غيره ووجود الممكن يخصه لا يشركه ~~فيه غيره # ولهذا كان كل ما وصف به الرب نفسه من صفاته فهي صفات مختصة به يمتنع أن ~~يكون له فيها مشارك أو مماثل فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئا من الذوات ~~وصفاته مختصة به فلا تماثل شيئا من الصفات بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد فإسمه ( الأحد ( دل على نفي المشاركة والمماثلة ~~وإسمه ( الصمد ( دل على أنه ms5214 مستحق لجميع صفات الكمال كما بسط الكلام على ~~ذلك في الشرح الكبير المصنف في تفسير هذه السورة وصفات التنزيه كلها بل ~~وصفات الإثبات يجمعها هذان المعنيان وقد بسط الكلام في التوحيد وأنه نوعان ~~علمي قولي وعملي قصدي ( فقل يا أيها الكافرون ( إشتملت على التوحيد العملي ~~نصا وهي دالة على العلمي PageV17P107 لزوما # ( و @QB@ قل هو الله أحد @QE@ إشتملت على التوحيد العلمي القولي نصا وهي ~~دالة على التوحيد العملي لزوما ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقرا ~~بهما في ركعتى الفجر وركعتى الطواف وغير ذلك وقد ثبت أنه كان يقرأ أيضا في ~~ركعتى الفجر بآية الإيمان التى في البقرة @QB@ قولوا آمنا بالله @QE@ في ~~الركعة الأولى وآية الإسلام التى في آل عمران @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون @QE@ # والمقصود هنا أن صفات التنزيه يجمعها هذان المعنيان المذكوران في هذه ~~السورة # ( أحدهما ( نفي النقائص عنه وذلك من لوازم إثبات صفات الكمال فمن ثبت له ~~الكمال التام إنتفى النقصان المضاد له والكمال من مدلول إسمه الصمد # ( والثاني ( أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال الثابتة وهذا من مدلول ~~إسمه الأحد فهذان الإسمان العظيمان الأحد الصمد يتضمنان تنزيهه عن كل نقص ~~وعيب وتنزيهه في صفات الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء منها وإسمه الصمد ~~يتضمن إثبات جميع PageV17P108 صفات الكمال فتضمن ذلك إثبات جميع صفات ~~الكمال ونفي جميع صفات النقص فالسورة تضمنت كل ما يجب نفيه عن الله وتضمنت ~~أيضا كل ما يجب إثباته من وجهين من إسمه الصمد ومن جهة أن ما نفى عنه من ~~الأصول والفروع والنظراء مستلزم ثبوت صفات الكمال أيضا فإن كل ما يمدح به ~~الرب من النفي فلابد أن يتضمن ثبوتا بل وكذلك كل ما يمدح به شيء من ~~الموجودات من النفي فلابد أن يتضمن ثبوتا وإلا فالنفي المحض معناه عدم محض ~~والعدم ms5215 المحض ليس بشيء فضلا عن أن يكون صفة كمال # وهذا كما يذكره سبحانه في آية الكرسي مثل قوله @QB@ الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ فنفي أخذ السنة والنوم له مستلزم ~~لكمال حياته وقيوميته فإن النوم ينافي القيومية والنوم أخو الموت ولهذا كان ~~أهل الجنة لا ينامون ثم قال @QB@ له ما في السماوات وما في الأرض من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ فنفي الشفاعة بدون إذنه مستلزم لكمال ملكه ~~إذ كل من شفع إليه شافع بلا إذنه فقبل شفاعته كان منفعلا عن ذلك الشافع فقد ~~أثرت شفاعته فيه فصيرته فاعلا بعد أن لم يكن وكان ذلك الشافع شريكا للمشفوع ~~إليه في ذلك الأمر المطلوب بالشفاعة إذ كانت بدون إذنه لا سيما والمخلوق ~~إذا شفع إليه بغير إذنه فقبل الشفاعة فإنما يقبلها لرغبة أو لرهبة إما من ~~PageV17P109 الشافع أو من غيره وإلا فلو كانت داعيته من تلقاء نفسه تامة مع ~~القدرة لم يحتج إلى شفاعة والله تعالى منزه عن ذلك كله كما قال في الحديث ~~الإلهي ( يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعونى ولن تبلغوا ضري فتضرونى ( ~~ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالشفاعة إليه فكان إذا ~~أتاه طالب حاجة يقول ( إشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء ( ~~أخرجاه في الصحيحين وكان مقصوده أنهم يؤجرون على الشفاعة وهو إنما يفعل ما ~~أمره الله به وكذلك قوله @QB@ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ بين أنهم لا يعلمون من علمه إلا ما علمهم ~~إياه كما قالت الملائكة @QB@ لا علم لنا إلا ما علمتنا @QE@ فكان في هذا ~~النفي إثبات أن عباده لا يعلمون إلا ما علمهم إياه فأثبت أنه الذي علمهم لا ~~ينالون العلم إلا منه فإنه ( الذي خلق خلق الإنسان من علق ( و @QB@ علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ # ثم قال @QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما @QE@ أي لا ~~يكرثه ولا يثقله ms5216 وهذا النفي تضمن كمال قدرته فإنه مع حفظه للسموات والأرض ~~لا يثقل ذلك عليه كما يثقل على من في قوته ضعف وهذا كقوله تعالى @QB@ ولقد ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب @QE@ فنزه ~~نفسه عن مس اللغوب قال أهل PageV17P110 اللغة اللغوب الإعياء والتعب وكذلك ~~قوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ الإدراك عند السلف والأكثرين هو الإحاطة ~~وقال طائفة هو الرؤية وهو ضعيف لأن نفي الرؤية عنه لا مدح فيه فإن العدم لا ~~يرى وكل وصف يشترك فيه الوجود والعدم لا يستلزم امرا ثبوتيا فلا يكون فيه ~~مدح إذ هو عدم محض بخلاف ما إذا قيل لا يحاط به فإنه يدل على عظمة الرب جل ~~جلاله وإن العباد مع رؤيتهم له لا يحيطون به رؤية كما انهم مع معرفته لا ~~يحيطون به علما وكما أنهم مع مدحه والثناء عليه لا يحيطون ثناء عليه بل هو ~~كما أثنى على نفسه المقدسة ولهذا قال أفضل الخلق وأعلمهم ( لا أحصى ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك ( وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر # والمقصود هنا الكلام على معنى كون @QB@ قل هو الله أحد @QE@ تعدل ثلث ~~القرآن وبيان أن الصواب القول الأول # ( الوجه الثالث ( الذي يدل على فساد القول الثاني أن يقال قول القائل ( ~~معرفة أفعاله ( إن أراد بذلك معرفة آياته الدالة عليه فهذه من تمام معرفته ~~ويبقى معرفة وعده ووعيده وقصص الأمم المؤمنة والكافرة لم يذكره وهو القسم ~~الثانى من أقسام معانى القرآن كما لم يذكر أمره ونهيه وإن جعل هذه من ~~مفعولاته فمعلوم أن معرفة الوعد والوعيد والقصص المطلوب فيها الإيمان ~~باليوم الآخر وجزاء الأعمال PageV17P111 كما أن المطلوب بالأمر والنهي ~~طاعته فإنه لابد من الإيمان بالله واليوم الآخر ومن العمل الصالح لكل أمة ~~كما قال تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ( # ( الوجه الرابع ( أن يقال ما ذكره من نفي المثل عنه ms5217 ومن نفى الولادة ~~مذكور في غير هذه السورة فلم يختص بهذا المعنى # ( الوجه الخامس ( أن يقال هب أنها تضمنت التنزيه كما ذكره الله فمعرفة ~~الله ليست بمعرفة صفات السلب بل الأصل فيها صفات الإثبات والسلب تابع ~~ومقصوده تكميل الإثبات كما أشرنا إليه من أن كل تنزيه مدح به الرب ففيه ~~إثبات ولهذا كان قول ( سبحان الله ( متضمنا تنزيه الرب وتعظيمه ففيها ~~تنزيهه من العيوب والنقائص وفيها تعظيمه سبحانه وتعالى كما قد بسط الكلام ~~على ذلك في مواضع # وأما القول الثالث وهو المراد به أن من عمل بما تضمنته كان كمن قرأ ثلث ~~القرآن ولم يعمل بما تضمنته فهذا أيضا ضعيف وما نفاه من المعادلة فهو مبنى ~~على قول من إعتبر في مقدار الأجر كثرة الحروف وهو قول باطل كما قد بين في ~~موضعه وذلك أن العمل بها إن أراد PageV17P112 به العمل الواجب من التصديق ~~بمضمونها وتوحيد الله فهذا أجره أعظم من أجر من قرأ القرآن جملة ولم يعمل ~~بذلك فإنه إن خلا عن الإيمان بمضمون القرآن فهو منافق وإن خلا عما يجب عليه ~~من العمل فهو فاسق ومعلوم أن هذا لو قرأ القرآن عشر مرات لم يكن أجره مثل ~~أجر المؤمن المتقى وأيضا فإن هذا الأجر على الإيمان بمضمونها سواء قرأها أو ~~لم يقرأها والأجر المذكور في الحديث هو لمن قرأها فلا بد أن يكون قد قرأها ~~مع الإيمان بما تضمنته وأيضا فالنبى صلى الله عليه وسلم جعل قراءتها تعدل ~~ثلث القرآن وقرأها على أصحابه وأخبرهم أنه قرأ عليهم ثلث القرآن فكانت ~~قراءته لها تعدل قراءته هو للثلث وكذلك الرجل الذي جعل يرددها وكذلك إخباره ~~لهم بأنها تعدل ثلث القرآن وإنما يراد به ثلثه إذا قرأوه هم لم يرد به ~~الثلث إذا قرأها منافق لا يؤمن بمعنى @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ثم إن كون ~~المراد بذلك من قرأ الثلث بلا إيمان بها معنى ليس في اللفظ ما يدل عليه ~~وإنما يدل اللفظ على نقيضه وهذا التأويل وأمثاله هو من تحريف ms5218 الكلم عن ~~مواضعه الذي ذم الله عليه من فعل ذلك من أهل الكتاب وهو نوع من الإلحاد في ~~كلام الله ورسوله # وقد ذكر أبو حامد الغزالي وجها آخر غير هذه الثلاثة فقال في كتابه ( ~~جواهر القرآن ودرره ( أما قوله @QB@ قل هو الله أحد @QE@ PageV17P113 تعدل ~~ثلث القرآن ( # ما أراك تفهم وجه ذلك فتارة تقول ذكر هذا للترغيب في التلاوة وليس المعنى ~~به التقدير وحاشا منصب النبوة عن ذلك وتارة تقول هذا بعيد عن الفهم ~~والتأويل فإن آيات القرآن تزيد على ستة آلاف آية فهذا القدر كيف يكون ثلثها ~~وهذا لقلة معرفتك بحقائق القرآن ونظرك إلى ظاهر ألفاظه فتظن أنها تعظم ~~وتكثر بطول الألفاظ وتقصر بقصرها وذلك كظن من يؤثر الدراهم الكثيرة على ~~الجوهرة الواحدة نظرا إلى كثرتها فاعلم أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ~~قطعا وترجع إلى الأقسام الثلاثة التى ذكرناها في مهمات القرآن وهي معرفة ~~الله ومعرفة الآخرة ومعرفة الصراط المستقيم فهذه المعارف الثلاثة هي المهمة ~~والباقى توابع وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من الثلاث وهي معرفة الله ~~وتقديسه وتوحيده عن مشارك في الجنس والنوع وهو المراد بنفي الأصل والفرع ~~والكفء والوصف بالصمد يشعر بأنه السيد الذي لا يقصد في الوجود للحوائج سواه ~~نعم ليس فيها حديث الآخرة والصراط المستقيم فلذلك تعدل ثلث القرآن أي ثلث ~~الأصول من القرآن كما قال ( الحج عرفة ( أي هو الأصل والباقى تبع # قلت آيات القرآن نوعان علمية وعملية وفي الايات ما يجمع الأمرين وأبو ~~حامد جمع العلميات المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله دون ما يتعلق ~~PageV17P114 باليوم الآخر والقصص وسماها ( جواهر القرآن ( وجمع العمليات ~~وسماها ( درر القرآن ( وجعل الشطر الأول من الفاتحة من الجواهر والثانى من ~~الدرر والآيات التى تجمع المعنيين يذكرها في أغلب النوعين عليها ومجموع ما ~~ذكره من القسمين ربع آيات القرآن نحو ألف وخمسمائة آية وجعل معانى القرآن ~~ستة أصناف ثلاثة أصول وثلاثة توابع فذكر أن القرآن هو البحر المحيط ومنه ~~يتشعب علم الأولين والآخرين وقال سر القرآن ولبابه الأصفى ومقصده الأقصى ms5219 ~~دعوة العباد إلى الجبار الأعلى رب الآخرة والأولى وخالق السماوات العلى ~~والأرضين السفلى فالثلاثة المهمة تعريف المدعو إليه وتعريف الصراط المستقيم ~~الذي تجب ملازمته في السلوك إليه وتعريف الحال عند الوصول إليه وأما ~~الثلاثة المعنية فأحدها أحوال المجيبين للدعوة ولطائف صنع الله فيهم وسره ~~ومقصوده التشويق والترغيب وتعريف أحوال الناكبين والناكلين عن الإجابة ~~وكيفية قمع الله لهم وتنكيله بهم وسره ومقصوده الإعتبار والترهيب وثانيها ~~حكاية أقوال الجاحدين وكشف فضائحهم وجهلهم بالمجادلة والمحاجة على الحق ~~ومقصوده وسره في جنبة الباطل الإفصاح والتحذير والتنفير وفى جنبة الحق ~~الإيضاح والتثبيت والتقرير وثالثها تعريف عمارة منازل الطريق وكيفية أخذ ~~الزاد والراحلة والأهبة للإستعداد # قلت ما ذكره من أن أصول الإيمان ثلاثة فهو حق كما ذكره PageV17P115 و ~~لابد من الثلاثة في كل ملة ودين # كما قال الله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ~~من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون @QE@ ونحو ذلك في سورة المائدة فذكر هذه الأصول الثلاثة ~~الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وأما الثلاثة الأخر التابعة فهي ~~داخلة في هذه الثلاثة فإن ما في القرآن من ذكر أحوال السعداء والأشقياء في ~~الآخرة فهو من تفصيل الإيمان باليوم الآخر وما فيه من عمارة الطريق فهو من ~~العمل الصالح وما فيه من المجادلة والمحاجة فذاك من تمام الإخبار بالثلاثة ~~فإنه إذا أخبر بالثلاثة ذكر الأيات والأدلة المثبتة لذلك وذكر شبه الجاحدين ~~وبين فسادها وقد ذكر أبو حامد ذلك فقال القسم الجائي لمحاجة الكفار ~~ومجادلتهم وإيضاح مخازيهم بالبرهان الواضح وكشف أباطيلهم وتخاييلهم ~~وأباطيلهم ثلاثة أنواع ( الأول ( ذكر الله بما لا يليق به من أن الملائكة ~~بناته وأن له ولدا شريكا وأنه ثالث ثلاثة ( الثاني ( ذكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأنه ساحر وكاهن وشاعر وإنكار نبوته ( وثالثها ( إنكار ~~اليوم الآخر وجحد البعث والنشور والجنة والنار وإنكار عاقبة الطاعة ~~والمعصية # وأما ما فيه من الإخبار بأحوال المؤمنين والكفار في الدنيا وهو الذي ~~أراده ms5220 أبو حامد بذكر أحوال المستجيبين والناكبين فهذا من PageV17P116 تمام ~~الأدلة والأيات فإن هذا أمر شوهد في الدنيا ورؤيت آثاره وتواترت أخباره ليس ~~هو مما بعد الموت الذي هو غيب عن العباد ولهذا يذكر سبحانه هذا في معرض ~~الإحتجاج والإستدلال مع ما في ذلك من الموعظة كقوله @QB@ لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب @QE@ @QB@ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في ~~سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء ~~إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار @QE@ وقوله @QB@ هو الذي أخرج الذين كفروا ~~من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم ~~حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون ~~بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ وقوله @QB@ ~~قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين @QE@ وقوله @QB@ فكأين ~~من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ~~أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها ~~لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ وقوله @QB@ أو لم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات @QE@ الآيات ~~PageV17P117 # وقوله تعالى لما ذكر قصة قوم لوط ( فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم ~~حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم ( والمتوسم ~~المستدل بالسمة والسيما وهي العلامة قال تعالى @QB@ ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول @QE@ فمعرفة المنافقين في لحن ~~القول ثابتة مقسم عليها لكن هذا يكون إذا تكلموا وأما معرفتهم بالسيما ~~فموقوف على مشيئة الله فإن ذلك أخفى وفى الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه عن ~~أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر ~~بنور الله ( ثم قرأ قوله تعالى @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ قال ~~مجاهد وإبن قتيبة للمتفرسين ms5221 قال إبن قتيبة يقال توسمت في فلان الخير أي ~~تبينته وقال الزجاج المتوسمون في اللغة النظار المثبتون في نظرهم حتى ~~يعرفوا حقيقة سمة الشيء يقال توسمت في فلان كذا أي عرفت وقوله ( المثبتون ~~في نظرهم ( أي في نظر أعينهم حتى يعرفوا السيما بخلاف الذين قيل فيهم ( ~~وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ( وقال ~~الضحاك الناظرون وقال إبن زيد المنتقدون وقال قتادة المعتبرون وكل هذا صحيح ~~فإن المتوسم يجمع هذا كله ثم قال تعالى @QB@ وإنها لبسبيل مقيم @QE@ ثم ذكر ~~قصة أصحاب الأيكة ثم قال @QB@ وإنهما لبإمام مبين @QE@ اي بطريق متبين ~~للناس واضح PageV17P118 # وكذلك في موضع آخر لما قال @QB@ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب ~~الأليم @QE@ وقال في سفينة نوح @QB@ ولقد تركناها آية فهل من مدكر @QE@ ~~فأخبر أنه أبقى آيات وهي العلامات والدلالات فدل ذلك على أن ما يخصه من ~~أخبار المؤمنين وحسن عاقبتهم في الدنيا وأخبار الكفار وسوء عاقبتهم في ~~الدنيا هو من باب الآيات والدلالات التى يستدل بها ويعتبر بها علما ووعظا ~~فيفيد معرفة صحة ما أخبرت به الرسل ويفيد الترغيب والترهيب ويدل ذلك على أن ~~الله يرضي عن أهل طاعته ويكرمهم ويغضب على أهل معصيته ويعاقبهم كما يستدل ~~بمخلوقاته العامة على قدرته فإن الفعل يستلزم قدرة الفاعل [ ويستدل ] ~~بأحكام الأفعال على علمه لأن الفعل المحكم يستلزم علم الفاعل وبالتخصيص على ~~مشيئته لأن التخصيص مستلزم لإرادته فكذلك يستدل بالتخصيص بما هو أحمد عاقبة ~~على حكمته لأن تخصيص الفعل بما هو محمود في العاقبة مستلزم للحكمة ويستدل ~~بتخصيص الأنبياء وإتباعهم بالنصر وحسن العاقبة وتخصيص مكذبيهم بالخزي وسوء ~~العاقبة على أنه يأمر ويحب ويرضي ما جاءت به الأنبياء ويكره ويسخط ما كان ~~عليه مكذبوهم لأن تخصيص أحد النوعين بالإكرام والنجاة والذكر الحسن والدعاء ~~وتخصيص الآخر بالعذاب والهلاك وقبح الذكر واللعنة يستلزم محبة ما فعله ~~الصنف الأول وبغض ما فعله الصنف الثانى PageV17P119 و أما الإرادة ms5222 التى ~~يقال فيها إنها تخص أحد المثلين عن الاخر بلا سبب فتلك هل يوصف الله بها ~~فيه نزاع فإن قيل إنه لا يوصف بها فلا كلام وإن قيل إنه يوصف بها فمعلوم أن ~~تخصيص الأنبياء عليهم السلام بهذا وتخصيص أعدائهم بهذا لم يصدر عن تخصيص ~~بلا مخصص بل يعلم أنه قصد تخصيص هؤلاء بالإكرام وهؤلاء بالعقاب وإن إيمان ~~هؤلاء سبب تخصيصهم بهذا وكفر هؤلاء سبب تخصيصهم بهذا ولبسط هذه الأمور موضع ~~آخر # لكن المقصود هنا أن هذه الثلاثة داخلة في الثلاثة الأول ولكن أبو حامد ~~يجعل الحجاج صنعة الكلام ويجعل عمارة الطريق علم الفقه ويجعل أخبار ~~الأنبياء علم القصص ويقول إن الكلام والجدل ليس فيه بيان حق بدليل بل إنما ~~فيه دفع البدع ببيان تناقضها ويجعل أهله من جنس خفراء الحجيج ويجعل علم ~~الفقه ليس غايته إلا مصلحة الدنيا وهذا مما نازعه فيه أكثر الناس وتكلموا ~~فيه بكلام ليس هذا موضعه كما تكلموا على ما ذكره في هذا الكتاب ( جواهر ~~القرآن ( وغيره من كتبه من معاني الفلسفة وجعل ذلك هو باطن القرآن وكلام ~~علماء المسلمين على رد هذا أكثر من كلامهم على رد ذلك فإن هذا فيه مما ~~يناقض مقصود الرسول أمور عظيمة كما تكلموا على ما ذكره في النبوة بما يشبه ~~كلام الفلاسفة فيها PageV17P120 والمقصود أن هذا الذي ذكره في @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ أحسن من قول كثير من الناس فيها وهو أقرب إلى القول الذي ~~ذكرناه عن إبن سريج ونصرناه لكن ذلك القول هو الصواب بلا ريب فإن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أخبر بأن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل @QB@ قل هو الله ~~أحد @QE@ جزءا من أجزاء القرآن وهذا يقتضي أن مجموع القرآن ثلاثة أجزاء ليس ~~هو ستة ثلاثة أصول وثلاثة فروع وكذلك أخبر أن @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ~~تعدل ثلث القرآن لم يقل ثلث المهم منه ولا ثلث أكثره ولا أصوله فوجب أن ~~يكون القرآن كله ثلاثة أصناف وعلى ما ذكره أبو حامد هو ستة ثلاثة ms5223 مهمة ~~وثلاثة توابع والسورة أحد الثلاثة المهمة وهذا خلاف الحديث وأيضا فإن تقسيم ~~القرآن إلى ثلاثة أقسام تقسيم بالدليل فإن القرآن كلام والكلام إما إخبار ~~وإما إنشاء والإخبار إما عن الخالق وإما عن المخلوق فهذا تقسيم بين وإما ~~جعل علم الفقه خارجا عن الصراط المستقيم والعمل الصالح وجعل علم الأدلة ~~والحجج خارجا عن الإيمان والمعرفة بالله واليوم الآخر فهذا مردود عند ~~جماهير السلف والخلف # وأبو حامد إنما ذكر هذا لأنه يقول إنما يعرف معانى ذلك بطريق التصفية فقط ~~لا بطريق الخبر النبوى ولا بطريق النظر الإستدلالي PageV17P121 فلا يعرف ~~ذلك بالسمع ولا بالعقل وهذا مما أنكره عليه الناس وصنفوا كتبا في رد ذلك ~~كما فعل جماعات من العلماء ولكن عذر أبى حامد أنه لم يجد فيما علمه من طريق ~~الفلاسفة وأهل الكلام ما يبين الحق في ذلك ولم يعلم طرقا عقلية غير ذلك ~~فنفى أن يعلم بطريق النظر فيه وأما الطرق الخبرية النبوية فلم يكن له خبرة ~~بما صح من ألفاظ الرسول وبطريق دلالة ألفاظه على مقاصده وظن بما شارك به ~~بعض أهل الكلام والفلسفة أن الرسول لم يبين مراده بألفاظه فتركب من هذا ~~وهذا سد باب الطريق العقلي والسمعي وظن أن المطلوب يحصل له بطريق التصفية ~~والعمل فسلك ذلك فلم يحصل له المقصود أيضا فرجع في آخر عمره إلى قراءة ~~البخاري ومسلم # وقد ذكر القاضي عياض أقوالا في كون @QB@ قل هو الله أحد @QE@ تعدل ثلث ~~القرآن وكذلك المازري قبله قال قال الإمام يعنى أبا عبد الله المازري قيل ~~معنى ذلك أن القرآن على ثلاثة أنحاء قصص واحكام وأوصاف لله جلت قدرته و ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ تشتمل على ذكر الصفات فكانت ثلثا من هذه الجهة ~~قال وربما أسعد هذا التأويل ظاهر الحديث الذي ذكر أن الله جزأ القرآن قلت ~~هذا هو قول إبن سريج وهو الذي نصرناه ذكره المازري في كلام إبن بطال كما ~~سيأتى قال وقيل معنى ثلث القرآن لشخص PageV17P122 بعينه قصده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذكره ms5224 إبن بطال أيضا قال وقيل معناه إن الله يتفضل بتضعيف ~~الثواب لقارئها ويكون منتهى التضعيف إلى مقدار ثلث ما يستحق من الأجر على ~~قراءة القرآن من دون تضعيف أجر قال وفى بعض روايات هذا الحديث أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حشد الناس وقال ساقرأ عليكم ثلث القرآن فقرا ( قل هو ~~الله أحد ( قال المازري وهذه الرواية تقدح في تأويل من جعل ذلك لشخص بعينه # قال القاضي عياض قال بعضهم قال الله تعالى @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير @QE@ ( ثم بين التفصيل فقال ( @QB@ أن لا تعبدوا إلا ~~الله @QE@ فهذا فصل الألوهية ثم قال @QB@ إنني لكم منه نذير وبشير @QE@ ~~وهذا فصل النبوة ثم قال @QB@ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه @QE@ فهذا ~~فصل التكليف وما وراءه من الوعد والوعيد وعامة أجزاء القرآن مما فيه من ~~القصص فمن فصل النبوة لأنها من أدلتها وفهمها أيضا وهذا يدل على أن @QB@ قل ~~هو الله أحد @QE@ جمعت الفصل الأول # قلت مضمون هذا القول أن معانى القرآن ثلاثة أصناف الإلهيات والنبوات ~~والشرائع وأن هذه السورة منها الإلهيات وجعل صاحب هذا القول الوعد والوعيد ~~والقصص من قسم PageV17P123 النبوة لأن ذلك مما أخبر به النبى صلى الله عليه ~~وسلم أو مما يدل على نبوته وهذا القول ضعيف أيضا فإنه يقال والأمر والنهي ~~أيضا مما جاء به النبى كما جاء بالوعد والوعيد # ويقال أيضا القصص # تدل على الأمر والنهي كما تدل على النبوة فإنها تدل على إكرامه لمن أطاعه ~~وعقوبته لمن عصاه وهذا تقرير للأمر والنهي كما تقدم وأيضا فإن مقصود النبوة ~~هو الإخبار بما أمر الله به وبما أخبر به وما دل على إثبات النبوة من القصص ~~يدل على إثبات ما جاء به النبى وما دل على إثبات ما جاء به النبى يدل على ~~الأمر والنهي الذي جاء به النبى فهما متلازمان # ثم الإلهيات أيضا هي مما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم فبين الدلائل ~~العقلية على ما يمكن أن يعرف بالعقل وأخبر ms5225 عن الغيب المطلق الذي تعجز ~~العقول عن معرفته فلا معنى لجعل القصص داخلة في النبوة دون الإلهيات فإنه ~~إن عنى أن القصص تدل على نبوته فهي تدل من جهة إخباره بها كإخباره بغيرها ~~من الغيب وفيما أخبر به من الإلهيات والأمور المستقبلات ما هو كالقصص في ~~ذلك وأبلغ وإن عنى أن تعذيب المكذبين يدل على النبوة فهي تدل على جنس ~~النبوة وعلى PageV17P124 نبوة من عذب قومه لا تدل على نبوة المتأخر إلا أن ~~يكون ما أخبر به من جنس ما أخبر به الأول وهذه الأمور كلها موجودة في ~~الإلهيات وزيادة فإنه قد أخبر فيها بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله قد ذكر ~~الله ذلك في غير موضع كقوله @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقوله @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقوله @QB@ ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ # وقد أخبر الله عن الأنبياء الذين قص إخبارهم كنوح وهود وصالح وشعيب صلوات ~~الله عليهم أجمعين أن كلا منهم يقول لقومه @QB@ يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره @QE@ بل يفتتح دعوته بذلك وذكر تعالى عن الأنبياء وأممهم من ~~نوح إلى الحواريين أنهم كانوا مسلمين كما قد بسط في غير موضع # وأيضا فالإلهيات التى تعلم منها قدرة الرب وإرادته وحكمته وأفعاله منها ~~يعلم النبى من المتنبئ ومنها يعلم صدق النبى فهي أدل على صدق النبى من مجرد ~~القصص وما في القصص من الدلالة على صدقه إنما يدل مع الإلهيات وإلا فلو ~~تجرد لم يدل على شيء فالنبوة مرتبطة بالإلهيات أعظم من إرتباطها بغيرها ~~والأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى الله PageV17P125 و حده وقد يذكرون ~~المعاد مجملا ومفصلا والقصص قد يذكر بعضهم بعضها مجملا وأما الإلهيات فهي ~~الأصل ولابد من تفصيل الأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه فلا بد لكل نبى ~~من الأصول الثلاثة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح والأصول ms5226 ~~الكلية التى يشترك فيها الأنبياء يذكرها الله في السور المكية مثل الأنعام ~~والاعراف وذوات @QB@ الر @QE@ وطسم وحم ( ( وأكثر المفصل ونحو ذلك ~~والمدنيات تتضمن خطاب من آمن بجنس الرسل من أهل الكتاب من المؤمنين ~~بالشرائع التى بعث بها خاتم الرسل وأما قول من قال إن هذا في شخص بعينه ففى ~~غاية الفساد لفظا ومعنى ثم إن الله إنما يخص الشيء المعين بحكم يخصه لمعنى ~~يختص به كما قال لأبي بردة بن نيار وكان قد ذبح في العيد قبل الصلاة قبل أن ~~يشرع لهم النبى صلى الله عليه وسلم أن الذبح يكون بعد الصلاة فلما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نذبح ~~فمن ذبح قبل الصلاة فليعد فإنما هي شاة لحم قدمها لأهله ( ذكر له أبو بردة ~~أنه ذبح قبل الصلاة ولم يكن يعرف أن ذلك لا يجوز وذكر له أن عنده عناقا ~~خيرا من جذعة فقال ( تجزى عنك ولا تجزى عن أحد بعدك ( فخصه بهذا الحكم لأنه ~~كان معذورا في ذبحه قبل الصلاة إذ فعل ذلك قبل شرع الحكم فلم PageV17P126 ~~يكن ذلك الذبح منهيا عنه بعد مع أنه لم يكن عنده إلا هذا السن وأما أمره ~~لإمرأة أبى حذيفة بن عتبة أن ترضع سالما مولاه خمس رضعات ليصير لها محرما ~~فهذا مما تنازع فيه السلف هل هو مختص أو مشترك وإذا قيل هذا لمن يحتاج إلى ~~ذلك كما إحتاجت هي إليه كان في ذلك جمع بين الأدلة # وبالجملة فالشارع حكيم لا يفرق بين متماثلين إلا لإختصاص أحدهما بما يوجب ~~الإختصاص ولا يسوى بين مختلفين غير متساويين بل قد أنكر سبحانه على من نسبه ~~إلى ذلك وقبح من يحكم بذلك فقال تعالى @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ما لكم كيف ms5227 تحكمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أكفاركم خير من أولئكم ~~أم لكم براءة في الزبر @QE@ وقال تعالى @QB@ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ وإنما يكون الاعتبار إذا سوى بين ~~المتماثلين وأما إذا قيل ليس الواقع كذلك فلا إعتبار # وقد تنازع الناس في هذا الأصل وهو أنه هل يخص بالأمر PageV17P127 و النهي ~~ما يخصه لا لسبب ولا لحكمة قط بل مجرد تخصيص أحد المتماثلين على الآخر فقال ~~بذلك جهم بن صفوان ومن وافقه من الجبرية ووافقهم كثير من المتكلمين ~~المثبتين للقدر وأما السلف وأئمة الفقه والحديث والتصوف وأكثر طوائف الكلام ~~المثبتين للقدر كالكرامية وغيرهم ونفاته كالمعتزلة وغيرهم فلا يقولون بهذا ~~الأصل بل يقولون هو سبحانه يخص ما يخص من خلقه وأمره لأسباب ولحكمة له في ~~التخصيص كما بسط الكلام على هذا الأصل في مواضع # وكذلك قول من قال يضعف لقارئها مقدار ما يعطاه قارئ ثلث القرآن بلا تضعيف ~~قول لا يدل عليه الحديث ولا في العقل ما يدل عليه وليس فيه مناسبة ولا حكمة ~~فإن النص أخبر أن قراءتها تعدل ثلث القرآن وأن من قرأها فكأنما قرأ ثلث ~~القرآن فإن كان في هذا تضعيف ففي هذا تضعيف وإن لم يكن في هذا تضعيف لم يكن ~~في الآخر فتخصيص أحدهما بالتضعيف تحكم ثم جعل التضعيف بقدر ثلث القرآن إنما ~~هو لما إختصت به السورة من الفضل وحينئذ ففضلها هو سبب هذا التقدير من غير ~~حاجة إلى نقص ثواب سائر القرآن وأيضا فهذا تحكم محض لا دليل عليه ولا سبب ~~يقتضيه ولا حكمة فيه والناس كثيرا ما يغلطون من جهة نقص علمهم وإيمانهم ~~بكلام الله ورسوله وقدر ذلك وما إشتمل عليه PageV17P128 ذلك من العلم الذي ~~يفوق علم الأولين والآخرين ومن علم أن الرسول أعلم الخلق بالحق وأفصح الخلق ~~في البيان وأنصح ا لخلق للخلق علم أنه قد إجتمع في حقه كمال العلم بالحق ~~وكمال القدرة على بيانه وكمال الإرادة له ومع كمال العلم والقدرة والإرادة ~~يجب وجود المطلوب على أكمل وجه فيعلم أن ms5228 كلامه أبلغ ما يكون وأتم ما يكون ~~وأعظم ما يكون بيانا لما بينه في الدين من أمور الإلهية وغير ذلك فمن وقر ~~هذا في قلبه لم يقدر على تحريف النصوص بمثل هذه التأويلات التى إذا تدبرت ~~وجد من إرادها بذلك القول من أبعد الناس عما يجب إتصاف الرسول به وعلم أن ~~من سلك هذا المسلك فإنما هو لنقص ما أوتيه من العلم والأيمان وقد قال تعالى ~~@QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات @QE@ فنسأل الله ~~أن يجعلنا وإخواننا ممن رفع درجاته من أهل العلم والإيمان # وإذ قد تبين ضعف هذه الأقوال غير القول الأول الذي نصرناه وهو قول إبن ~~سريج وغيره كالمهلب والأصيلي وغيرهما فنقول قد علم أن تفاضل القرآن وغيره ~~من كلام الله ليس بإعتبار نسبته إلى المتكلم فإنه سبحانه واحد ولكن بإعتبار ~~معانيه التى يتكلم بها وبإعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه # والذى قد صح عن النبى ( ( انه فضل من السور سورة الفاتحة وقال ( انه لم ~~ينزل في PageV17P129 التوراة ولا في الانجيل ولا في القرآن مثلها والاحكام ~~الشرعية تدل على ذلك وقد بسط الكلام على معانيها في غير هذا الموضع وفضل من ~~الايات آية الكرسى وقال في الحديث الصحيح لابى بن كعب ( أتدرى أي آية في ~~كتاب الله معك أعظم ( قال @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ فضرب ~~بيده في صدره وقال ( ليهنك العلم أبا المنذر ( وليس في القرآن آية واحدة ~~تضمنت ما تضمنته آية الكرسى وانما ذكر الله في اول سورة الحديد وآخر سورة ~~الحشر عدة آيات لا آية واحدة # وسنبين إن شاء الله أنه إذا كانت ( قل هو الله أحد ( تعدل ثلث القرآن لم ~~يلزم من ذلك أنها أفضل من الفاتحة ولا أنها يكتفى بتلاوتها ثلاث مرات عن ~~تلاوة القرآن بل قد كره السلف أن تقرأ إذا قرئ القرآن كله إلا مرة واحدة ~~كما كتبت في المصحف فإن القرآن يقرأ كما كتب في المصحف لا يزاد على ذلك ولا ~~ينقص منه # والتكبير المأثور عن بن ms5229 كثير ليس هو مسندا عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~ولم يسنده أحد إلى ا لنبى صلى الله عليه وسلم إلا البزي وخالف بذلك سائر من ~~نقله فإنهم إنما نقلوه إختيارا ممن هو دون ا لنبى صلى الله عليه وسلم ~~وإنفرد هو برفعه وضعفه نقلة أهل العلم بالحديث والرجال من علماء القراءة ~~وعلماء الحديث كما ذكر ذلك غير PageV17P130 و أحد من العلماء فالمقصود أن ~~من السنة في القرآن أن يقرأ كما في المصاحف ولكن إذا قرئت ( قل هو الله أحد ~~( مفردة تقرأ ثلاث مرات وأكثر من ذلك ومن قرأها فله من الأجر ما يعدل ثلث ~~أجر القرآن لكن عدل الشيء بالفتح يكون من غير جنسه كما سنذكره إن شاء الله # والثواب أجناس مختلفة كما أن الأموال أجناس مختلفة من مطعوم ومشروب ~~وملبوس ومسكون ونقد وغير ذلك وإذا ملك الرجل من أحد أجناس المال ما يعدل ~~ألف دينار مثلا لم يلزم من ذلك أن يستغنى عن سائر أجناس المال بل إذا كان ~~عنده مال وهو طعام فهو محتاج إلى لباس ومسكن وغير ذلك وكذلك إن كان من جنس ~~غير النقد فهو محتاج إلى غيره وإن لم يكن معه إلا النقد فهو محتاج إلى جميع ~~الأنواع التى يحتاج إلى أنواعها ومنافعها والفاتحة فيها من المنافع ثناء ~~ودعاء مما يحتاج الناس إليه ما لا تقوم @QB@ قل هو الله أحد @QE@ مقامه في ~~ذلك وإن كان أجرها عظيما فذلك الأجر العظيم إنما ينتفع به صاحبه مع أجر ~~فاتحة الكتاب ولهذا لو صلى بها وحدها بدون الفاتحة لم تصح صلاته ولو قدر ~~أنه قرأ القرآن كله إلا الفاتحة لم تصح صلاته لأن معاني الفاتحة فيها ~~الحوائج الأصلية التى لابد للعباد منها وقد بسط الكلام عليها في غير هذا ~~الموضع وبين أن ما في الفاتحة من الثناء PageV17P131 و الدعاء وهو قول @QB@ ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ هو أفضل دعاء دعا به العبد ربه وهو أوجب دعاء دعا به العبد ~~ربه ms5230 وأنفع دعاء دعا به العبد ربه فإنه يجمع مصالح الدين والدنيا والآخرة ~~والعبد دائما محتاج إليه لا يقوم غيره مقامه فلو حصل له أجر تسعه أعشار ~~القرآن دع ثلثه ولم يحصل له مقصود هذا الدعاء لم يقم مقامه ولم يسد مسده # وهذا كما لو قدر أن الرجل تصدق بصدقات عظيمة وجاهد جهادا عظيما يكون أفضل ~~من قراءة القرآن مرات وهو لم يصل ذلك اليوم الصلوات الخمس لم يقم ثواب هذه ~~الأعمال مقام هذه كما لو كان عند الرجل من الذهب والفضة والرقيق والحيوان ~~والعقار أموال عظيمة وليس عنده ما يتغدى به ويتعشى من الطعام فإنه يكون ~~جائعا متألما فاسد الحال ولا يقوم مقام الطعام الذي يحتاج إليه تلك الأموال ~~العظيمة ولهذا قال الشيخ أبو مدين رحمه الله أشرف العلوم علم التوحيد وأنفع ~~العلم أحكام العبيد فليس الأفضل الأشرف هو الذي ينفع في وقت بل الأنفع في ~~كل وقت ما يحتاج إليه العبد في ذلك الوقت وهو فعل ما أمر الله به وترك ما ~~نهى الله عنه ولهذا يقال المفضول في مكانه وزمانه أفضل من الفاضل إذ دل ~~الشرع على أن الصلاة أفضل من القراءة والقراءة أفضل من الذكر والذكر أفضل ~~من PageV17P132 الدعاء فهذا أمر مطلق # وقد تحرم الصلاة في أوقات فتكون القراءة أفضل منها في ذلك الوقت والتسبيح ~~في الركوع والسجود هو المأمور به والقراءة منهى عنها ونظائر هذا كثيرة ~~فهكذا يعلم الأمر في فضل ( قل هو الله أحد ( وغيرها فقراءة الفاتحة في أول ~~الصلاة أفضل من قراءتها بل هو الواجب والاجتزاء بها وحدها لا يمكن بل تبطل ~~معه الصلاة ولهذا وجب التقرب بالفرائض قبل النوافل والتقرب بالنوافل إنما ~~يكون تقربا إذا فعلت الفرائض لا كما ظنه بعض الاتحادية كصاحب ( الفتوحات ~~المكية ( ونحوه من أن قرب الفرائض تكون بعد قرب النوافل والنوافل تجعل الحق ~~غطاءه وتلك تجعل الحق عينه فهذا بناء على أصله الفاسد من الاتحاد كما بين # وبين أن الحديث يناقض مذهبه من وجوه كما رواه البخاري في صحيحه ms5231 عن أبي ~~هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم ( يقول الله من عادى لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما إفترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر ~~به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى ~~يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن إستعاذنى لأعيذنه PageV17P133 و ما ترددت عن ~~شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا ~~بد له منه ( # وقد بين في هذا الحديث أن المتقرب ليس هو المتقرب إليه بل هو غيره وأنه ~~ما تقرب إليه عبده بمثل أداء المفروض وأنه لا يزال بعد ذلك يتقرب بالنوافل ~~حتى يصير محبوبا لله فيسمع به ويبصر به ويبطش به ويمشي به ثم قال ( ولئن ~~سألني لأعطينه ولئن إستعاذنى لأعيذنه ( ففرق بين السائل والمسؤل والمستعيذ ~~والمستعاذ به وجعل العبد سائلا لربه مستعيذا به وهذا حديث شريف جامع لمقاصد ~~عظيمة ليس هذا موضعها بل المقصود هنا الكلام على ( قل هو الله أحد ( # وقد بينا أن أحسن الوجوه أن معانى القرآن ثلاثة أنواع توحيد وقصص وأحكام ~~وهذه السورة صفة الرحمن فيها التوحيد وحده وذلك لأن القرآن كلام الله وا ~~لكلام نوعان إما إنشاء وإما إخبار والاخبار إما خبر عن الخالق وإما خبر عن ~~المخلوق فالإنشاء هو الأحكام كالأمر والنهي والخبر عن المخلوق هو القصص ~~والخبر عن الخالق هو ذكر أسمائه وصفاته وليس في القرآن سورة هي وصف الرحمن ~~محضا إلا هذه السورة وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية PageV17P134 فكان يقرأ لأصحابه ~~في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال ( سلوه لأي شيء يصنع ذلك ( فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن ~~فأنا أحب أن أقرأ بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms5232 ( أخبروه أن الله ~~يحبه ( وقال البخاري في ( باب الجمع بين السورتين في ركعة ( وقال عبيد الله ~~عن ثابت عن أنس كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء فكان كلما إفتتح ~~سورة يقرأ لهم بها في الصلاة مما يقرأ به إفتتح ب @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ~~حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى معها فكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه ~~أصحابه وقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بأخرى ~~فأما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى فقال ما أنا بتاركها إن أحببتم ~~أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم ذلك تركتكم وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا ~~أن يؤمهم غيره فلما أتاهم ا لنبى صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال ( ~~يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه ~~السورة في كل ركعة ( قال إنى أحبها قال ( حبك إياها أدخلك ا لجنة ( وقول ا ~~لنبى صلى الله عليه وسلم ( إنها تعدل ثلث القرآن ( حق كما أخبر به فإنه صلى ~~الله عليه وسلم الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى لم يخرج من بين شفتيه ~~إلا حق PageV17P135 # والذين أشكل عليهم هذا القول لهم مأخذان # ( أحدهما ( منع تفاضل كلام الله بعضه على بعض وقد تبين ضعفه # ( الثانى ( إعتقادهم أن الأجر يتبع كثرة الحروف فما كثرت حروفه من الكلام ~~يكون أجره أعظم قالوا لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( من قرأ القرآن ~~فله بكل حرف عشر حسنات أما إنى لا أقول @QB@ الم @QE@ حرف ولكن ألف حرف ~~ولام حرف وميم حرف ( قال الترمذي حديث صحيح قالوا ومعلوم أن ثلث القرآن ~~حروفه أكثر بكثير فتكون حسناته أكثر # فيقال لهم هذا حق كما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم ولكن الحسنات ~~فيها كبار وصغار والنبى صلى الله عليه وسلم مقصوده أن الله يعطى العبد بكل ~~حسنة عشر أمثالها كما قال تعالى @QB@ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها @QE@ ~~فإذا قرأ حرفا ms5233 كان ذلك حسنة فيعطيه بقدر تلك الحسنة عشر مرات لكن لم يقل إن ~~الحسنات في الحروف متماثلة كما أن من تصدق بدينار يعطى بتلك الحسنة عشر ~~أمثالها والواحد من بعد السابقين الأولين لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد ~~أحدهم ولا نصيفه كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم فهو ~~إذا أنفق مدا كان له بهذه الحسنة عشر أمثالها ولكن PageV17P136 # لا تكون تلك الحسنة بقدر حسنة من أنفق مدا من الصحابة السابقين ونظائر ~~هذا كثيرة فكذلك حروف القرآن تتفاضل لتفاضل المعانى وغير ذلك فحروف الفاتحة ~~له بكل حرف منها حسنة أعظم من حسنات حروف من @QB@ تبت يدا أبي لهب @QE@ ~~وإذا كان الشيء يعدل غيره فعدل الشيء بالفتح هو مساويه وإن كان من غير جنسه ~~كما قال تعالى ( أو عدل ذلك صياما ( والصيام ليس من جنس الطعام والجزاء ~~ولكنه يعادله في القدر وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يقبل الله منه ~~صرفا ولا عدلا ( وقوله تعالى @QB@ ولا يقبل منها عدل @QE@ أي فدية والفدية ~~ما يعدل بالمفدى وإن كان من غير جنسه @QB@ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ~~@QE@ أي يجعلون له عدلا أي ندا في الإلهية وإن كانوا يعلمون أنه ليس من جنس ~~الرب سبحانه # ولو كان لرجل أموال من أصناف متنوعة ولآخر ذهب بقدر ذلك لكان مال هذا ~~يعدل مال هذا وإن لم يكن من جنسه ولهذا قد يكون عند الرجل من الذهب وغيره ~~من الأموال ما يعدل شيئا عظيما وإذا إحتاج إلى دواء أو مركب أو مسكن أو نحو ~~ذلك ولم يكن قادرا على إشترائه لم تنفعه تلك الأموال العظيمة فالقرآن يحتاج ~~ا لناس إلى ما فيه من الأمر والنهي والقصص وإن كان التوحيد أعظم من ذلك ~~وإذا احتاج الانسان إلى معرفة ما أمر به وما نهى عنه من الأفعال أو ~~PageV17P137 إحتاج إلى ما يؤمر به ويعتبر به من القصص والوعد والوعيد لم ~~يسد غيره مسده فلا يسد التوحيد مسد هذا ولا تسد القصص مسد ms5234 الأمر والنهي ولا ~~الأمر والنهي مسد القصص بل كل ما أنزل الله ينتفع به الناس ويحتاجون إليه # فإذا قرأ الإنسان @QB@ قل هو الله أحد @QE@ حصل له ثواب بقدر ثواب ثلث ~~القرآن لكن لا يجب أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل ببقية القرآن بل قد ~~يحتاج إلى جنس الثواب الحاصل بالأمر والنهي والقصص فلا تسد @QB@ قل هو الله ~~أحد @QE@ مسد ذلك ولا تقوم مقامه فلهذا لو لم يقرأ @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ فإنه وإن حصل له أجر عظيم لكن جنس الأجر الذي يحصل بقراءة غيرها لا ~~يحصل له بقراءتها بل يبقى فقيرا محتاجا إلى ما يتم به إيمانه من معرفة ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد ولو قام بالواجب عليه فالمعارف التى تحصل ~~بقراءة سائر القرآن لا تحصل بمجرد قراءة هذه السورة فيكون من قرأ القرآن ~~كله أفضل ممن قرأها ثلاث مرات من هذه الجهة لتنوع الثواب وإن كان قارئ @QB@ ~~قل هو الله أحد @QE@ ثلاثا يحصل له ثواب بقدر ذلك الثواب لكنه جنس وا حد ~~ليس فيه الأنواع التى يحتاج إليها العبد كمن معه ثلاثة آلاف دينار وآخر معه ~~طعام ولباس ومساكن ونقد يعدل ثلاثة آلاف دينار فإن هذا معه ما ينتفع به في ~~جميع أموره وذاك محتاج إلى ما مع هذا وإن كان ما معه يعدل ما مع هذا وكذلك ~~لو كان معه PageV17P138 طعام من أشرف الطعام يساوي ثلاثة آلاف دينار فإنه ~~محتاج إلى لباس ومساكن وما يدفع به الضرر من السلاح والأدوية وغير ذلك مما ~~لا يحصل بمجرد الطعام # ومما ينبغي أن يعلم أن فضل القراءة والذكر والدعاء والصلاة وغير ذلك قد ~~يختلف بإختلاف حال الرجل فالقراءة بتدبر أفضل من القراءة بلا تدبر والصلاة ~~بخشوع وحضور قلب أفضل من الصلاة بدون ذلك وفى الأثر ( إن الرجلين ليكون ~~مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض ( وكان بعض ~~الشيوخ يرقى ب @QB@ قل هو الله أحد @QE@ وكان لها بركة عظيمة فيرقى بها ~~غيره فلا يحصل ذلك فيقول ليس @QB@ قل هو ms5235 الله أحد @QE@ من كل أحد تنفع كل ~~أحد # وإذا عرف ذلك فقد يكون تسبيح بعض الناس أفضل من قراءة غيره ويكون قراءة ~~بعض ا لسور من بعض الناس أفضل من قراءة غيره ل ( قل هو الله أحد ( وغيرها ~~والإنسان الواحد يختلف أيضا حاله فقد يفعل العمل المفضول على وجه كامل ~~فيكون به أفضل من سائر أعماله الفاضلة وقد غفر الله لبغي لسقيها الكلب كما ~~ثبت ذلك في الصحيحين وهذا لما حصل لها في ذلك العمل من الأعمال القلبية ~~وغيرها وقد ينفق الرجل أضعاف ذلك فلا يغفر له لعدم الأسباب المزكية للعمل ~~فإن الله إنما يتقبل من المتقين وقد قال ا لنبى صلى الله PageV17P139 عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه ( يقوله عن أصحابه ا لسابقين الأولين رضي الله عنهم # فإذا قيل إن @QB@ قل هو الله أحد @QE@ يعدل ثوابها ثواب ثلث القرآن فلابد ~~من إعتبار التماثل في سائر الصفات وإلا فإذا إعتبر قراءة غيرها مع التدبر ~~والخشوع بقراءتها مع الغفلة والجهل لم يكن الأمر كذلك بل قد يكون قول العبد ~~( سبحان الله وا لحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ( مع حضور القلب ~~وإتصافه بمعانيها أفضل من قراءة هذه السورة مع الجهل والغفلة والناس ~~متفاضلون في فهم هذه السورة وما إشتملت عليه كما أنهم متفاضلون في فهم سائر ~~القرآن ### ||| فصل # وأصل هذه المسألة أن يعلم أن التفاضل والتماثل إنما يقع بين شيئين فصاعدا ~~إذ الواحد من كل وجه لا يعقل فيه شيء أفضل من شيء فالتفاضل في صفاته تعالى ~~إنما يعقل إذا اثبت له صفات متعددة كالعلم والقدرة والإرادة والمحبة والبغض ~~والرضا والغضب وكإثبات أسماء له متعددة تدل على معان متعددة وأثبت له كلمات ~~متعددة PageV17P140 تقوم بذاته حتى يقال هل بعضها أفضل من بعض أم لا وكل ~~قول سوى قول السلف والأئمة في هذا الباب فهو خطأ متناقض وأي شيء قاله في ~~جواب هذه المسألة كان خطأ لا يمكنه أن ms5236 يجيب فيه بجواب صحيح فمن قال إنه ليس ~~له صفة ثبوتية بل ليس له صفة إلا سلبية أو إضافية كما يقول ذلك الجهمية ~~المحضة من المتفلسفة والمتكلمة أتباع جهم بن صفوان فهذا إذا قيل له أيهما ~~أفضل نسبته التى هي الخلق إلى السماوات والأرض أم إلى بعوضة أم أيما أفضل ~~نفى الجهل بكل شيء عنه والعجز عن كل شيء أم نفي الجهل بالكليات لم يمكنه أن ~~يجيب بجواب صحيح على أصله الفاسد # فإنه إن قال خلق السماوات مماثل خلق البعوضة كان هذا مكابرة للعقل والشرع ~~قال تعالى ( لخلق ا لسموات والأرض أكبر من خلق الناس ( وإن قال بل ذلك أعظم ~~وأكبر كما في القرآن قيل له ليس عندك أمران وجوديان يفضل أحدهما الآخر إذ ا ~~لخلق على قولك لا يزيد على المخلوق فلم يبق إلا العدم المحض فكيف يعقل في ~~المعدومين من كل وجه أن يكون أحدهما أفضل من صاحبه إذا لم يكن هناك وجود ~~يحصل فيه التفاضل وكذلك إذا قيل نفي الجهل والعجز عن بعض الأشياء مثل نفي ~~ذلك عن بعض الأشياء كان هذا مكابرة وإن قال بل نفي ا لجهل العام أكمل من ~~نفي الجهل الخاص قيل له إذا لم PageV17P141 يلزم من نفي الجهل ثبوت علم ~~بشيء من الأشياء بل كان النفيان عدمين محضين فكيف يعقل ا لتفاضل في الشيء ~~الواحد من كل وجه فإنه لا يعقل في العدم المحض والنفي الصرف فإن ذلك ليس ~~بشيء أصلا ولا حقيقة له في الوجود ولا فيه كمال ولا مدح وإنما يكون ا ~~لتفاضل بصفات الكمال والكمال لا بد أن يكون وجودا قائما بنفسه أو صفة ~~موجودة قائمة بغيرها فأما ا لعدم المحض فلا كمال فيه أصلا # ولهذا إنما يصف الله نفسه بصفات التنزيه لا السلبية العدمية لتضمنها ~~أمورا وجودية تكون كمالا يتمدح سبحانه بها كما قد بسط في غير هذا ا لموضع ~~كقوله تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ~~@QE@ فنفى ذلك يتضمن كمال ms5237 الحياة والقيومية وكذلك قوله ( من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه ( يتضمن كمال الملك والربوبية وإنفراده بذلك ونفس إنفراده ~~بالملك والهداية والتعليم وسائر صفات الكمال هو من صفات ا لكمال ولهذا كانت ~~السورة فيها الإسمان الأحد الصمد وكل منهما يدل على ا لكمال فقوله @QB@ أحد ~~@QE@ يدل على نفي ا لنظير وقوله @QB@ الصمد @QE@ بالتعريف يدل على إختصاصه ~~بالصمدية # ولهذا جاء التعريف في إسمه ا لصمد دون الأحد لأن أحدا لا يوصف به في ~~الإثبات غيره بخلاف الصمد فإن العرب تسمى السيد صمدا قال يحيى بن أبى كثير ~~الملائكة تسمى صمدا والآدمي أجوف فقوله PageV17P142 @QB@ الصمد @QE@ بيان ~~لاختصاصه بكمال ا لصمدية وقد ذكرنا تفسير ا لصمد وإشتماله على جميع صفات ا ~~لكمال كما رواه ا لعلماء من تفسير إبن أبي طلحة عن إبن عباس وقد ذكره إبن ~~جرير وإبن أبي حاتم والبيهقى وغيرهم في قوله @QB@ الصمد @QE@ يقول السيد ~~الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه وا لعظيم الذي قد كمل في ~~عظمته والحكيم الذي قد كمل في حكمته والعليم الذي قد كمل في علمه والحليم ~~الذي قد كمل في حلمه وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو سبحانه ~~هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفؤ وليس كمثله شيء سبحانه الواحد ا لقهار # وكذلك قد ثبت من حديث الأعمش عن أبى وائل وقد ذكره ا لبخاري في صحيحه ~~ورواه كثير من أهل العلم في كتبهم قال الصمد السيد الذي إنتهي سؤدده وقد ~~قال غير واحد من ا لسلف كإبن مسعود وإبن عباس وغيرهما ا لصمد الذي لا جوف ~~له وكلا ا لقولين حق موافق للغة كما قد بسط في موضعه أما كون ا لصمد هو ا ~~لسيد فهذا مشهور وأما الآخر فهو أيضا معروف في اللغة وقد ذكر الجوهري وغيره ~~أن الصمد لغة في ا لصمت وليس هذا من إبدال ا لدال بالتاء كما ظنه بعضهم بل ~~لفظ صمد يصمد صمدا يدل على ذلك # وا لمقصود ms5238 هنا أن صفات ا لكمال إنما هي في الأمور الموجودة PageV17P143 و ~~الصفات السلبية إنما تكون كمالا إذا تضمنت أمورا وجودية ولهذا كان تسبيح ~~الرب يتضمن تنزيهه وتعظيمه جميعا فقول ا لعبد ( سبحان ا لله ( يتضمن تنزيه ~~ا لله وبراءته من ا لسوء وهذا ا لمعنى يتضمن عظمته في نفسه ليس هو عدما ~~محضا لا يتضمن وجودا فإن هذا لا مدح فيه ولا تعظيم وكذلك سائر ما تنزه ا ~~لرب عنه من ا لشركاء والأولاد وغير ذلك كقوله تعالى @QB@ أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما @QE@ إلى قوله ~~إذا لإبتغوا إلى ذي العرش سبيلا @QB@ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ~~تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا @QE@ وقوله تعالى @QB@ سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون وسلام على المرسلين @QE@ وغير ذلك # فنفى العيوب والنقائص يستلزم ثبوت ا لكمال ونفي ا لشركاء يقتضي الوحدانية ~~وهو من تمام ا لكمال فإن ماله نظير قد إنقسمت صفات ا لكمال وأفعال ا لكمال ~~فيه وفي نظيره فحصل له بعض صفات ا لكمال لا كلها فالمنفرد بجميع صفات ا ~~لكمال أكمل ممن له شريك يقاسمه إياها ولهذا كان أهل ا لتوحيد والإخلاص أكمل ~~حبا لله من المشركين ا لذين يحبون غيره الذين إتخذوا من دونه أندادا ~~يحبونهم كحبه # قال PageV17P144 تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وهذا مبسوط في غير هذا ا ~~لموضع قد بين فيه أن هذا من ا لشرك الأكبر الذي لا يغفره ا لله تعالى # وفي الصحيحين عن إبن مسعود قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال ? < ~~أن تجعل لله ندا وهو خلقك > ? قلت ثم أي قال ( أن تقتل ولدك خشية أن يطعم ~~معك ( قلت ثم أي قال ( أن تزاني بحليلة جارك ( وأنزل الله تعالى تصديق ذلك ~~@QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ms5239 ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون @QE@ الآية فمن جعل لله ندا يحبه كحب ا لله فهو ممن دعا مع ~~الله إلها آخر وهذا من ا لشرك الأكبر # والمقصود هنا أن ا لشيء إذا إنقسم وو قعت فيه ا لشركة نقص ما يحصل لكل ~~واحد فإذا كان جميعه لواحد كان أكمل فلهذا كان حب المؤمنين الموحدين ~~المخلصين لله أكمل وكذلك سائر ما نهوا عنه من كبائر الإثم والفواحش يوجب ~~كمال الأمور الوجودية في عبادتهم وطاعتهم ومعرفتهم ومحبتهم وذلك من زكاهم ~~كما أن الزرع كلما نقي عنه الدغل كان أزكي له وأكمل لصفات ا لكمال الوجودية ~~فيه قال تعالى @QB@ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة @QE@ وأصل الزكاة ~~التوحيد PageV17P145 و الإخلاص كما فسرها بذلك أكابر ا لسلف وقال تعالى ~~@QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم @QE@ وقال ~~@QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها @QE@ وهذا كله مبسوط في غير ~~هذا الموضع والمقصود هنا أن من نفي عن الله ا لنقائص كالموت والجهل والعجز ~~والصمم والعمى والبكم ولم يثبت له صفات وجودية كالحياة والعلم والقدرة ~~والسمع والبصر والكلام بل زعم أن صفاته ليست إلا عدمية محضة وأنه لا يوصف ~~بأمر وجودي فهذا لم يثبت له صفة كمال أصلا فضلا عن أن يقال أي الصفتين أفضل ~~فإن التفضيل بين الشيئين فرع كون كل منهما له كمال ما ثم ينظر أيهما أكمل ~~فأما إذا قدر أن كلا منهما عدم محض فلا كمال ولا فضيلة هناك أصلا وكذلك من ~~أثبت له الأسماء دون ا لصفات فقال أنه حي عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم ~~ولكن هذه الأسماء لا تتضمن إتصافه بحياة ولا علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ~~ولا عزة ولا حكمة فإذا قيل له أي الإسمين أفضل لم يجب بجواب صحيح فإنه إن ~~قال ا لعليم أعظم من ا لسميع لعموم تعلقه مثلا أو قال ا لعزيز أكمل من ا ~~لقدير لأنه مستلزم للقدرة من غير عكس قيل ms5240 إذا لم يكن للأسماء عندك ~~PageV17P146 معان موجودة تقوم به لم يكن هناك لا علم ولا سمع ولا بصر ولا ~~عزة ولا قدرة ليس إلا ذات مجردة عن صفات ومخلوقات والذات المجردة ليس فيها ~~ما يمكن أن يقع فيه تفاضل ولا تماثل والمخلوقات لم يكن السؤال عن تفضيل ~~بعضها على بعض فإن ذلك مما يعلمه كل واحد ولا يشتبه على عاقل # وكذلك من جعل بعض صفاته بعضا أو جعل الصفة هي ا لموصوف مثل من قال ا لعلم ~~هو القدرة والعلم والقدرة هما العالم القادر كما يقول ذلك من يقوله من ~~جهمية ا لفلاسفة ونحوهم # أو قال كلامه كله هو معنى واحد قائم بذاته هو الأمر بكل مأمور وا لخبر عن ~~كل مخبر به إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة ~~وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا وأن معني آية الكرسي وآية ا لدين واحد ~~وإن الأمر وا لنهي صفات نسبية للكلام ليست أنواعا بل ذات الكلام الذي هو ~~أمر هو ذات الكلام الذي هو نهي وإنما تنوعت الإضافة فهذا الكلام الذي تقوله ~~ا لكلابية وإن كان جمهور العقلاء يقولون إن مجرد تصوره كاف في ا لعلم ~~بفساده فلا يمكن على هذا القول الجواب بتفضيل كلام ا لله بعضه على بعض ولا ~~مماثلة بعضه لبعض لأن ا لكلام على قولهم شيء واحد بالعين PageV17P147 لا ~~يتعدد ولا يتبعض فكيف يمكن أن يقال هل بعضه أفضل من بعض أم بعضه مثل بعض ~~ولا بعض له عندهم وإن قالوا التماثل وا لتفاضل يقع في العبارة الدالة عليه ~~قيل تلك ليست كلاما لله على أصله ولا عند أئمتهم بل هي مخلوق من مخلوقاته ~~والتفاضل في المخلوقات لا إشكال فيه # ومن قال من أتباعهم إنها تسمى كلام ا لله حقيقة وأن إسم ا لكلام يقع ~~عليها وعلى معنى ذلك المعنى القائم بالنفس بالإشتراك ا للفظي فإنه لم يعقل ~~حقيقة قولهم بل قوله هذا يفسد أصلهم لأن أصل قولهم أن الكلام لا ms5241 يقوم إلا ~~بالمتكلم لا يقوم بغيره إذ لو جاز قيام ا لكلام بغير ا لمتكلم لجاز أن يكون ~~كلام ا لله مخلوقا قائما بغيره مع كونه كلام ا لله وهذا أصل الجهمية المحضة ~~والمعتزلة الذي خالفهم فيه ا لكلابية وسائر المثبتة وقالوا أن ا لمتكلم لا ~~يكون متكلما حتى يقوم به ا لكلام وكذلك في سائر ا لصفات قالوا لا يكون ا ~~لعالم عالما حتى يقوم به ا لعلم ولا يكون المريد مريدا حتى تقوم به الإرادة ~~فلو جوزوا أن يكون لله ما هو كلام له وهو مخلوق منفصل عنه بطل هذا الأصل # وأصل النفاة المعطلة من الجهمية والمعتزلة أنهم يصفون ا لله بما لم يقم ~~به بل بما قام بغيره أو بما لم يوجد ويقولون هذه إضافات لا صفات فيقولون هو ~~رحيم ويرحم والرحمة لا تقوم به بل هي PageV17P148 مخلوقة وهي نعمته ويقولون ~~هو يرضي ويغضب والرضا والغضب لا يقوم به بل هو مخلوق وهو ثوابه وعقابه ~~ويقولون هو متكلم ويتكلم وا لكلام لا يقوم به بل هو مخلوق قائم بغيره وقد ~~يقولون هو مريد ويريد ثم قد يقولون ليست الإرادة شيئا موجودا وقد يقولون ~~إنها هي ا لمخلوقات والأمر ا لمخلوق وقد يقولون أحدث إرادة لا في محل # وهذا الأصل الباطل الذي أصله نفاة الصفات الجهمية المحضة من ا لمعتزلة ~~وغيرهم هو ا لذي فارقهم به جميع المثبتة للصفات من ا لسلف والأئمة وأهل ~~الفقه والحديث والتصوف والتفسير وأصناف نظار المثبتة كالكلابية ومن إتبعهم ~~من الأشعرية وغيرهم وكالهشامية والكرامية وغيرهما من طوائف النظار المثبتة ~~للصفات وعلى هذا أئمة المسلمين المشهورون بالإمامة وأئمة الفقهاء من ~~أتباعهم من أصحاب مالك وا لشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم # فقول من قال إن ا لكلام يقع حقيقة على ا لعبارة وهي مع ذلك مخلوقة يناقض ~~الأصل ا لفارق بين المثبتة والمعطلة إلا أن يسمى متعلق ا لصفة بإسم ا لصفة ~~كما يسمى المأمور به أمرا والمرحوم به رحمة والمخلوق خلقا وا لقدر قدرة ms5242 وا ~~لمعلوم علما لكن يقال له هذا كله ليس هو ا لحقيقة عند الإطلاق PageV17P149 ~~وأيضا فهذه الأمور اعيان قائمة بأنفسها فإذا أضيفت إلى ا لله علم أنها ~~إضافة ملك لا إضافة وصف بخلاف ا لعبارة فإنها لا تقوم بنفسها كما لا يقوم ~~المعنى بنفسه وهذا هو الأصل ا لفارق بين إضافة ا لصفات وإضافة ا لمخلوقات ~~فإن المعطلة النفاة من الصابئة والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم من ا لجهمية ومن ~~إتبعهم كإبن عقيل وإبن ا لجوزي وغيرهما في بعض مصنفاتهما وإن كانا في موضع ~~آخر يقولان بخلاف ذلك يقولون ليس في النصوص إلا إضافة هذه الأمور إلى الله ~~وهذه الأمور تسمى نصوص الإضافات لا نصوص ا لصفات ويقولون نصوص الإضافات ~~وأحاديث الإضافات لا آيات ا لصفات وأحاديث الصفات والإضافة تكون إضافة ~~مخلوق لإختصاصه ببعض الوجوه كإضافة البيت والناقة والروح في قوله @QB@ وطهر ~~بيتي @QE@ وقوله @QB@ ناقة الله @QE@ وقوله @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل ~~لها بشرا سويا @QE@ # وقالت الحلولية من النصارى وغلاة الشيعة والصوفية ومن اتبعهم ممن يقول ~~بقدم الروح أرواح العباد وينتسب إلى أئمة المسلمين كالشافعي وأحمد وغيرهما ~~مثل طائفة من أهل جيلان وغيرهم بل إضافة الروح إلى الله كاضافة الكلام ~~والقدرة والكلام والقدرة صفاته فكذلك الروح وقالوا في قوله @QB@ فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي @QE@ دليل على أن روح العبد صفة لله قديمة وقالت النصارى ~~PageV17P150 عيسى كلمه الله وكلام الله غير مخلوق فعيسى غير مخلوق وقالت ~~الصابئة والجهمية عيسى كلمه الله وهومخلوق والقرآن كلام الله فهو أيضا ~~مخلوق # وهذه المواضع إشتبهت على كثير من الناس وقد تكلم فيها الأئمة كأحمد بن ~~حنبل وغيره وتكلموا في إضافة الكلام والروح ومناظرة الجهمية والنصاري وقد ~~سئلت عن ذلك من جهة الحلولية تارة ومن جهة المعطلة تارة والسائلون تارة من ~~أهل القبلة وتارة من غير أهلها وقد بسط جواب ذلك في غير موضع لكن المقصود ~~هنا أن الفارق بين المضافين أن المضاف إن كان شيئا قائما بنفسه أو حالا في ~~ذلك القائم بنفسه فهذا لا يكون صفة ms5243 لله لأن الصفة قائمة بالموصوف فالأعيان ~~التى خلقها الله قائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها تمتنع أن تكون صفات لله ~~فإضافتها إليه تتضمن كونها مخلوقة مملوكة لكن أضيفت لنوع من الإختصاص ~~المقتضي للإضافة لا لكونها صفة والروح الذي هو جبريل من هذا الباب كما أن ~~الكعبة والناقة من هذا الباب ومال الله من هذا الباب وروح بنى آدم من هذا ~~وذلك كقوله @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا @QE@ @QB@ فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي @QE@ @QB@ وطهر بيتي @QE@ @QB@ ناقة الله وسقياها ~~@QE@ @QB@ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول @QE@ # و PageV17P151 أما إن كان المضاف إليه لا يقوم بنفسه بل لا يكون إلا صفة ~~كالعلم والقدرة والكلام والرضا والغضب فهذا لا يكون إلا إضافة صفة إليه ~~فتكون قائمة به سبحانه فإذا قيل أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك فعلمه صفة ~~قائمة به وقدرته صفة قائمة به وكذلك إذا قيل ( اعوذ برضاك من سخطك ~~وبمعافاتك من عقوبتك ( فرضاه وسخطه قائم به وكذلك عفوه وعقوبته # وأما أثر ذلك وهو ما يحصل للعبد من النعمة وإندفاع النقمة فذاك مخلوق ~~منفصل عنه ليس صفة له وقد يسمى هذا بإسم ذاك كما في الحديث الصحيح ( يقول ~~الله للجنة أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادي ( فالرحمة هنا عين قائمة ~~بنفسها لا يمكن أن تكون صفة لغيرها فهذا هو الفارق بين ما يضاف إضافة وصف ~~وإضافة ملك وإذا قيل ( المسيح كلمة الله ( فمعناه أنه مخلوق بالكلمة إذ ~~المسيح نفسه ليس كلاما وهذا بخلاف القرآن فإنه نفسه كلام والكلام لا يقوم ~~بنفسه إلا بالمتكلم فإضافته إلى المتكلم إضافة صفة إلى موصوفها وإن كان ~~يتكلم بقدرته ومشيئته وإن سمى فعلا بهذا الإعتبار فهو صفة بإعتبار قيامه ~~بالمتكلم # وإذا كان كذلك فمن قال إن الكلام معنى واحد قائم بذات المتكلم لم يمكنه ~~أن يجيب عن هذه المسالة بجواب صحيح فإذا قيل PageV17P152 له كلام الله هل ~~بعضه أفضل من بعض إمتنع الجواب على أصله بنعم أم لا لإمتناع تبعضه عنده ~~ولكون العبارة ms5244 ليست كلاما لله لكن إذا أريد بالكلام العبارة أو قيل له هل ~~بعض القرآن أفضل من بعض وأريد بالقرآن الكلام العربي الذي نزل به جبريل فهو ~~عنده مخلوق لم يتكلم الله به بل هو عنده إنشاء جبريل أو غيره أو قيل هل بعض ~~كتب الله أفضل من بعض وكتاب الله عنده هو القرآن العربي المخلوق عنده فهذا ~~السؤال يتوجه على قوله في الظاهر وأما في نفس الأمر فكلاهما ممتنع على قوله ~~لأن العبارة تدل على المعاني فإن المعاني القائمة في النفس تدل عليها ~~العبارات وقد علم أن العبارات تدل على معان متنوعة وعلى أصله ليس المعنى ~~إلا واحدا فيمتنع بالضرورة العقلية أن يكو ن القرآن العربي كله والتوراة ~~والإنجيل وسائر ما يضاف إلى الله من العبارات إنما يدل على معنى واحد لا ~~يتعدد ولا يتبعض وحينئذ فتبعض العبارات الدالة على المعاني بدون تبعض تلك ~~المعاني ممتنع # ولهذا قيل لهم موسى عليه السلام لما سمع كلام الله أسمعه كله أم سمع بعضه ~~إن قلتم ( كله ( فقد علم كل ما أخبر الله به وما أمر به وقد ثبت في الصحيح ~~أن الخضر قال له ( ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور ~~من هذا البحر ( وقد PageV17P153 قال تعالى @QB@ قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا @QE@ وإن ~~قلتم ( سمع بعضه ( فقد تبعض وعندكم لا يتبعض وأيضا فقد فرق الله بين تكليمه ~~لموسى عليه الصلاة والسلام وبين إيحائه إلى غيره من النبيين وفرق بين ~~الإيحاء وبين التكليم من وراء حجاب فلو كان المعنى واحدا لكان الجميع إيحاء ~~ولم يكن هناك تكليم يتميز على ذلك ولا يمتنع أن يكون الرب تعالى مناديا ~~لأحد إذ المعنى القائم بالنفس لا يكون نداء وقد أخبر الله تعالى بندائه في ~~القرآن في عدة مواضع # وعلى هذا فمن قال من هؤلاء إن كلام الله لا يفضل بعضه بعضا فحقيقة قوله ~~أن هذه المسالة ممتنعة فليس ms5245 هناك أمران حتى يقال إن أحدهما يكون مثل الآخر ~~أو أفضل منه والتماثل والتفاضل إنما يعقل بين إثنين فصاعدا وهكذا عند هؤلاء ~~في إرادته وعلمه وسمعه وبصره فكل من جعل الصفة وا حدة بالعين إمتنع على ~~قوله أن يقال هل بعضها أفضل من بعض أم لا إذ لا بعض لها عنده وكذلك من وافق ~~هؤلاء على وحدة هذه الصفات بالعين وقال إن كلام الله حروف قديمة الأعيان أو ~~حروف وأصوات قديمة الأعيان سواء قال مع ذلك إنها أعيان الأصوات المسموعة من ~~القراء أو قال إنها بعض الأصوات المسموعة من القراء وإن كان فساد ذلك ~~معلوما بالإضطرار PageV17P154 و قال إن هذه الأصوات غير تلك # فمن قال بأن الكلام حروف أو حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا وهي ~~مع ذلك شيء واحد فقوله معلوم الفساد عند جمهور العقلاء كما أن من جعلها ~~قولا وا حدا فقوله معلوم الفساد عند جمهور العقلاء على كل تقدير فيمتنع مع ~~القول بوحدة شيء أن يقال هل بعضه أفضل من بعض أم لا وأما من أثبت ما يتعدد ~~من المعاني والحروف أو أحدهما فهذا يعقل على قوله السؤال عن التماثل ~~والتفاضل ثم حينئذ يقع السؤال هل يتفاضل كلام الله وصفاته وأسماؤه أم لا ~~يقع التفاضل إلافى المخلوق # وعلى هذا فما ذكره إبن بطال في شرح البخاري لما تكلم على هذا الحديث حيث ~~قال قال المهلب وحكاه عن الأصيلى ومذهب الأشعري وأبى بكر بن الطيب وإبن أبي ~~زيد والداودي وأبى الحسن القابسي وجماعة علماء السنة أن القرآن لا يفضل ~~بعضه بعضا إذ كله كلام الله تعالى وصفته وهو غير مخلوق ولا يجوزالتفاضل إلا ~~في المخلوقات هو نقل لأقوال هؤلاء بحسب ما ظنه لازما لهم حيث إعتقد أن ~~التفاضل لا يكون إلا في المخلوق والقرآن عند هؤلاء ليس بمخلوق لكن قدمنا أن ~~السلف الذين قالوا إنه غير مخلوق لم ينقل عن أحد منهم أنه قال ليس بعضه ~~أفضل من بعض بل المنقول عنهم PageV17P155 خلاف ذلك وأما نقل هذا ms5246 القول عن ~~الأشعري وموافقيه فغلط عليهم إذ كلام الله عندهم ليس له كل ولا بعض ولا ~~يجوز أن يقال هل يفضل بعضه بعضا أولا يفضل فإمتناع التفاضل فيه عنده ~~كإمتناع التماثل ولا يجوز أن يقال أنه متماثل ولا متفاضل إذ ذلك لا يكون ~~إلا بين شيئين # ولكن هذا السؤال يتصور عنده في الصفات المتعددة كالعلم والقدرة فيقال ~~أيها أفضل فإن كان قال أن صفات الرب لا تتفاضل لأن مقتضي الأفضل نقص ~~المفضول عنه فإنما يستقيم هذا الجواب في هذه الصفات المتعددة لا في نفس ~~الكلام مع أن هذا النقل عن الأشعري في نفي تفاضل الصفات غير محرر فإن ~~الأشعري لم يقل إن الصفات لا تتفاضل بل هذا خطأ عليه ولكن هو يقول إن ~~الكلام لا يدخله التفاضل كما لا يدخله التماثل لأنه واحد عنده لا لما ذكر ~~وأما الصفات المتعددة فإنه قد صرح بأنها ليست متماثلة ومذهبه أن الذات ليست ~~مثل الصفات ولا كل صفة مثل الأخرى فهو لا يثبت تماثل المعانى القديمة عنده ~~فكيف يقال على أصله ما يوجب تماثلها وإذا إمتنع من إطلاق التفاضل فهو ~~كإمتناعه من إطلاق لفظ التماثل وكإمتناعه من إطلاق لفظ التغاير # وفى الجملة فمن نقل عنه أنه نفى التفاضل وأثبت التماثل فقد أخطأ ~~PageV17P156 لكن قد لا يطلق لفظ التفاضل كما لا يطلق لفظ التماثل لا لأن ~~الصفات متماثلة عنده بل هو ينفي التماثل لعدم التعدد ولعدم إطلاق التغاير ~~كما يقال هل يقال الصفات مختلفة أم لا وهل هي متغايرة أم لا وهل يقال في كل ~~صفة إنها الذات أو غيرها أو لا يجمع بين نفيهما وإنما يفرد كل نفي منهما أو ~~لا يطلق شيء من ذلك فهذه الأمور لا إختصاص لها بهذه المسألة مسألة التفضيل # ولا ريب أن التماثل أو التفاضل لا يعقل إلا مع التعدد وتعدد أسماء الله ~~وصفاته وكلماته هو القول الذي عليه جمهور المسلمين وهو الذي كان عليه سلف ~~الأمة وأئمتها وهو الموافق لفطرة الله التى فطر عليها عباده فلهذا كان ms5247 ~~الناس يتخاطبون بموجب الفطرة والشرعة وإن كانت لبعضهم أقوال أخر تنافى ~~الفطرة والشرعة وتستلزم بطلان ما يقوله بمقتضى الفطرة والشرعة فإن القرآن ~~والسنة قد دلا على تعدد كلمات الله في غير موضع وقد قال تعالى @QB@ قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله @QE@ # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع قول السلف وأنهم كانوا يثبتون لله كلمات لا ~~نهاية لها وبينا النزاع في تعدد العلوم والإرادات وأن PageV17P157 كثيرا من ~~أهل الكلام يقول ما عليه جمهور الناس من تعدد ذلك وأن الذين قالوا يريد ~~جميع المرادات بإرادة واحدة إنما أخذوه عن إبن كلاب وجمهور العقلاء قالوا ~~هذا معلوم الفساد بالضرورة حتى أن من فضلاء النظار من ينكر أن يذهب إلى هذا ~~عاقل من الناس لأنه رآه ظاهر الفساد في العقل ولم يعلم أنه قاله طائفة من ~~النظار # وكذلك من جعل نفس إرادته هي رحمته وهي غضبه يكون قوله صلى الله عليه وسلم ~~( أعوذ برضاك من سخطك ( معناه يكون مستعيذا عنده بنفس الإرادة من نفس ~~الإرادة وهذا ممتنع فإنه ليس عنده للإرادة صفة ثبوتية يستعاذ بها من أحد ~~الوجهين بإعتبار ذلك الوجه منها بإعتبار الوجه الآخر بل الإرادة عنده لها ~~مجرد تعلق بالمخلوقات والتعلق أمر عدمي وهذا بخلاف الإستعاذة به منه لأن له ~~سبحانه صفات متنوعة فيستعاذ به بإعتبار ومنه بإعتبار ومن قال إنه ذات لا ~~صفة لها أو موجود مطلق لا يتصف بصفة ثبوتية فهذا يمتنع تحققه في الخارج ~~وإنما يمكن تقدير هذا في الذهن كما تقدر الممتنعات فضلا عن أن يكون ربا ~~خالقا للمخلوقات كما قد بسط في موضعه # وهؤلاء ألجاهم إلى هذه الأمور مضايقات الجهمية والمعتزلة لهم في مسائل ~~الصفات فإنهم صاروا يقولون لهم كلام الله هو الله أو غير الله إن قلتم هو ~~غيره فما كان غير الله فهو مخلوق ms5248 وإن قلتم هو PageV17P158 هو فهو مكابرة ~~وهذا أول ما إحتجوا به على الإمام أحمد في المحنة فإن المعتصم لما قال لهم ~~ناظروه قال له عبد الرحمن بن إسحاق يا أبا عبد الله ما تقول في القرآن أو ~~قال في كلام الله يعنى أهوالله أو غيره فقال له أحمد ما تقول في علم الله ~~أهو الله أو غيره فعارضه أحمد بالعلم فسكت عبد الرحمن وهذا من حسن معرفة ~~أبى عبد الله بالمناظرة رحمه الله فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد ~~متى ذكرت له الحق الذي عندك إبتداء أخذ يعارضك فيه لما قام في نفسه من ~~الشبهة فينبغي إذا كان المناظر مدعيا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده ~~فإذا إنكسر وطلب الحق فأعطه إياه وإلا فما دام معتقدا نقيض الحق لم يدخل ~~الحق إلى قلبه كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل أمحه أولا ثم أكتب فيه الحق ~~وهؤلاء كان قصدهم الإحتجاج لبدعتهم فذكر لهم الإمام أحمد رحمه الله من ~~المعارضة والنقض ما يبطلها # وقد تكلم الإمام أحمد في رده على الجهمية في جواب هذا وبين أن لفظ ( ~~الغير ( لم ينطق به الشرع لا نفيا ولا إثباتا وحينئذ فلا يلزم أن يكون ~~داخلا لفظ ( الغير ( في كلام الشارع ولا غير داخل فلا يقوم دليل شرعى على ~~أنه مخلوق وأيضا فهو لفظ مجمل يراد بالغير ما هو منفصل عن الشيء ويراد ~~بالغير ما ليس هو الشيء PageV17P159 فلهذا لا يطلق القول بأن كلام الله ~~وعلم الله ونحو ذلك هو هو لأن هذا باطل ولا يطلق أنه غيره لئلا يفهم أنه ~~بائن عنه منفصل عنه وهذا الذي ذكره الإمام أحمد عليه الحذاق من أئمة السنة ~~فهؤلاء لا يطلقون أنه هو ولا يطلقون أنه غيره ولا يقولون ليس هو هو ولا ~~غيره فإن هذا أيضا إثبات قسم ثالث وهو خطأ ففرق بين ترك إطلاق اللفظين لما ~~في ذلك من الإجمال وبين نفى مسمى اللفظين مطلقا وإثبات معنى ثالث خارج عن ~~مسمى اللفظين # فجاء ms5249 بعد هؤلاء ( أبوالحسن ( وكان أحذق ممن بعده فقال ننفي مفردا لا ~~مجموعا فنقول مفردا ليست الصفة هي الموصوف ونقول مفردا ليست غيره ولا يجمع ~~بينهما فيقال لا هي هو ولا هي غيره لأن الجمع بين النفي فيه من الإيهام ما ~~ليس في التفريق وجاء بعده أقوا م فقالوا بل ننفي مجموعا فنقول لا هي هو ولا ~~هي غيره ثم كثير من هؤلاء إذا بحثوا يقولون هذا المعنى أما إن يكون غيره ~~فيتناقضون # وسبب ذلك أن لفظ ( الغير ( مجمل يراد بالغير المباين المنفصل ويراد ~~بالغير ما ليس هو عين الشيء وقد يعبر عن الأول بأن الغيرين ما جاز وجود ~~أحدهما وعدمه أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود ويعبر ~~عن الثاني بأنه ما جاز العلم بأحدهما مع PageV17P160 عدم العلم بالآخر # وبين هذا وهذا فرق ظاهر فصفات الرب اللازمة له لا تفارقه البتة فلا تكون ~~غيرا بالمعنى الأول ويجوز أن تعلم بعض الصفات دون بعض وتعلم الذات دون ~~الصفة فتكون غيرا بإعتبار الثاني ولهذا أطلق كثير من مثبتة الصفات عليها ~~أغيارا للذات ومنهم من قال نقول إنها غير الذات ولا نقول إنها غير الله فإن ~~لفظ الذات لا يتضمن الصفات بخلاف إسم الله فإنه يتناول الصفات ولهذا كان ~~الصواب على قول أهل السنة أن لا يقال في الصفات إنها زائدة على مسمى إسم ~~الله بل من قال ذلك فقد غلط عليهم # وإذا قيل هل هي زائدة على الذات أم لا كان الجواب أن الذات الموجودة في ~~نفس الأمر مستلزمة للصفات فلا يمكن وجود الذات مجردة عن الصفات بل ولا يوجد ~~شيء من الذوات مجردا عن جميع الصفات بل لفظ ( الذات ( تأنيث ( ذو ( ولفظ ( ~~ذو ( مستلزم للإضافة وهذا اللفظ مولد وأصله أن يقال ذات علم ذات قدرة ذات ~~سمع كما قال تعالى ( فإتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ( ويقال فلانة ذات مال ~~ذات جمال ثم لما علموا أن نفس الرب ذات علم وقدرة وسمع وبصر ردا على من نفى ~~صفاتها ms5250 عرفوا لفظ الذات وصار التعريف يقوم مقام الإضافة فحيث قيل لفظ الذات ~~فهو ذات كذا فالذات لا تكون إلا ذات علم وقدرة PageV17P161 و نحو ذلك من ~~الصفات لفظا ومعنى وإنما يريد محققوا أهل السنة بقولهم ( الصفات زائدة على ~~الذات ( أنها زائدة على ما أثبتة نفاة الصفات من الذات فإنهم أثبتوا ذاتا ~~مجردة لا صفات لها فأثبت أهل السنة الصفات زائدة على ما أثبته هؤلاء فهي ~~زيادة في العلم والإعتقاد والخبر لا زيادة على نفس الله جل جلاله وتقدست ~~أسماؤه بل نفسه المقدسة متصفة بهذه الصفات لا يمكن أن تفارقها فلا توجد ~~الصفات بدون الذات ولا الذات بدون الصفات وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا ~~الموضع # والمقصود أن الأشعري وغيره من الصفاتية الذين سلكوا مسلك إبن كلاب إذا ~~قال أحدهم في الصفات إنها متماثلة فإن هذا لا يقوله عاقل إذ المثلان ما سد ~~أحدهما مسد الآخر وقام مقامه والعلم ليس مثلا للقدرة ولا القدرة مثلا ~~للإرادة وأما الكلام فإنه عنده شيء واحد والواحد يمتنع فيه تفاضل أو تماثل # وفى الجملة فالذين يمنعون أن يكون كلام الله بعضه افضل من بعض لهم مأخذان # ( أحدهما ( أن صفات الرب لا يكون بعضها أفضل من بعض وقد يعبرون عن ذلك ~~بأن القديم لا يتفاضل PageV17P162 ( والثاني ( أنه واحد والواحد لا يتصور ~~فيه تفاضل ولا تماثل وهذا على قول من يقول إنه واحد بالعين وهؤلاء الذين ~~يقولون إنه واحد بالعين منهم من يجعله مع ذلك حروفا أو حروفا وأصواتا قديمة ~~الأعيان ويقول هو مع ذلك شيء واحد كما يوجد في كلام طائفة من المتأخرين ~~الذين أخذوا عن الكلابية أنه ليس له إلا إرادة واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة ~~وكلام واحد وأن القرآن قديم وأخذوا عن المعتزلة وغيرهم أنه مجرد الحروف ~~والأصوات وإلتزموا أن الحروف والأصوات قديمة الأعيان مع أنها مترتبة في ~~نفسها ترتبا ذاتيا في الوجود أزلية لم يزل بعضها مقارنا لبعض وفرقوا بين ~~ذات الشيء وبين وجوده في الخارج موافقة لمن يقول ذلك من المعتزلة وكثير ms5251 من ~~القائلين بقدمه وأنه حروف وأصوات لا يقولون إنه شيء واحد بل يجعلونه متعددا ~~مع قدم القرآن وقدم أعيان الحروف والأصوات # والقول الآخر لمن يقول إنه واحد بالعين أن القديم هو معنى واحد لا يتعدد ~~ولا يتبعض كما قد بين حقيقة قولهم وهذا هو القول المنسوب إلى إبن كلاب ~~والأشعري وهذا القول أول من عرف أنه قاله في الإسلام إبن كلاب لم يسبقه ~~إليه أحد من الصحابة ولا التابعين ولا غيرهم من أئمة المسلمين مع كثرة ما ~~تكلم الصحابة والتابعون في كلام الله تعالى ومع أنه من أعظم وأهم أمور ~~الدين الذي تتوفر PageV17P163 الهمم على معرفته وذكره ومع تواتر نص الكتاب ~~والسنة وآثار الصحابة على خلاف هذا القول وكل من هذه الأقوال مما يدل ~~الكتاب والسنة وآثار السلف على خلافه وكل منها مما إتفق جمهور العقلاء ~~الذين يتصورونه على أن فساده معلوم بضرورة العقل ويجوز إتفاق طائفة من ~~العقلاء على قول يعلم فساده بضرورة العقل إذا كان عن تواطؤ كما يجوز ~~إتفاقهم على الكذب تواطؤا وأما بدون ذلك فلا يجوز # فالمذهب الذي تقلده بعض الناس عن بعض كقول النصاري والرافضة والجهمية ~~والدهرية ونحو ذلك يجوز أن يكون فيه ما يعلم فساده بضرورة العقل وإن كان ~~طائفة من العقلاء قالوه على هذا الوجه فأما أن يقولوه من غير تواطؤ فهذا لا ~~يقع وأكثر المتقلدين للأقوال الفاسدة لا يتصورونها تصورا تاما حتى يكون ~~تصورها التام موجبا للعلم بفسادها ثم إذا إشتهر القول عند طائفة لم يعلموا ~~غيره عن أهل السنة ظنوا أنه قول أهل السنة # ولما كان المشهور عند المسلمين أن أهل السنة لا يقولون القرآن مخلوق صار ~~كل من رأي طائفة تنكر قول من يقول القرآن مخلوق يظن أن كل ما قالته في هذا ~~الباب هو قول السلف وأئمة السنة والذين قالوا إن القرآن غير مخلوق بل قائم ~~بذات الله ووافقوا PageV17P164 السلف والأئمة في هذا لما ظهرت محنة الجهمية ~~وثبت فيها الإمام أحمد الذي أيد الله به السنة ونصر السنة صار ms5252 شعار أهل ~~السنة أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله يري في الآخرة فكل من أنكر ~~ذلك فهو من أهل البدعة في اللسان العام فكثر حينئذ من يوافق أهل السنة ~~والحديث على ذلك وإن كان لا يعرف حقيقة قولهم بل معه أصول من أصول أهل ~~البدع الجهمية يريد أن يجمع بينها وبين قول أهل السنة كما يريد المتفلسف أن ~~يجمع بين أقوال المتفلسفة المخالفين للرسل وبين ما جاءت به الرسل # فلهذا صار المنتسبون إلى السنة الذين يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق ~~لهم أقوال # ( أحدها ( قول من يقول إنه قديم العين وإن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته ~~ولا يتكلم بكلام بعد كلام ثم هؤلاء على قولين منهم من يقول ذلك القديم هو ~~معنى واحد لازم لذات الله أبدا أو خمسة معان ( ومنهم ( من يقول بل هو حروف ~~وأصوات قديمة الأعيان لازمة لذات الله أبدا ( الثالث ( قول من يقول بل الرب ~~في أزله لم يكن الكلام ممكنا 2 له كما لم يكن الفعل ممكنا له عندهم لأن ~~وجود الكلام والفعل لا يكون إلا بمشيئته وإختياره ووجود ما يكون بالمشيئة ~~والإختيار محال عندهم دوامه ثم ( المشهور ( عن هؤلاء قول من يقول ~~PageV17P165 تكلم فيما لا يزال بحروف وأصوات تقوم بذاته كما يقوله طوائف ~~متعددة منهم الكرامية وبعض الناس يذكر ما يقتضى أن الكلام الذي قام به شيئا ~~بعد شيء إنما هو علوم وإرادات وأبو عبد الله الرازي يميل إلى هذا في بعض ~~كتبه # و ( الخامس ( قول من يقول لم يزل متكلما كيف شاء وهذا هو المعروف عن ~~السلف وأئمة السنة مثل عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وسائر أهل الحديث ~~والسنة # ثم هؤلاء منهم من يقول لم يزل متكلما لا يسكت بل لا يزال متكلما بمشيئته ~~وقدرته وهذا هو الذي جعله إبن حامد المشهور من مذهب أحمد وأصحابه مع أنه ~~حكى أنه لا يختلف قول أحمد أنه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء ( والقول ~~الثاني ( أنه يتكلم إذا شاء ويسكت ms5253 إذا شاء وهذا القول حكاه أبو بكر عبد ~~العزيز عن طائفة من أصحاب أحمد وكذلك خرجه إبن حامد قولا في المذهب مع ذكره ~~أنه لم يختلف مذهبه في أنه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء وأنه لا يجوز أن ~~يكون لم يزل ساكتا ثم صار متكلما كما يقوله الكرامية وهذه الأقوال وتوابعها ~~مبسوطة في موضع آخر # والمقصود هنا أن الذين قالوا ( كلام الله غير مخلوق ( تنازعوا ~~PageV17P166 بعد ذلك على هذه الأقوال مع أن أكثر الذين قالوا بعض هذه ~~الأقوال لا يعلمون ما قال غيرهم بل غاية ما عند أئمتهم المصنفين في هذا ~~الباب معرفة قولين أو ثلاثة أو أربعة من هذه الأقوال كقول المعتزلة ~~والكلابية والسالمية والكرامية ولا يعرفون أن في الإسلام من قال سوى ذلك ~~ويصنف أحدهم كتابا كبيرا في ( مقالات الإسلاميين ( وفى ( الملل والنحل ( ~~ويذكر عامة الأقوال المبتدعة في هذا الباب والقول المأثور عن السلف والأئمة ~~لا يعرفه ولا ينقله مع أن الكتاب والسنة مع المعقول الصريح لا يدل إلا عليه ~~وكل ما سواه أقوال متناقضة كما بسط في موضعه # والقصد هنا أن من كان عنده أن قول المعتزلة مثلا أو قول المعتزلة ~~والكرامية أو قول هؤلاء وقول الكلابية أو قول هؤلاء وقول السالمية هو باطل ~~من اقوال أهل البدع لم يبق عنده قول أهل السنة إلا القول الآخر الذي هو ~~أيضا من الأقوال المبتدعة المخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول فيفرع على ~~ذلك القول ما يضيفه إلى السنة ثم إذا تدبر نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف ~~وجدها تخالف ذلك القول أصلا وفرعا كما وقع لمن أنكر فضل ( فاتحة الكتاب ( و ~~( آية الكرسى ( و ( قل هو الله أحد ( على غيرها من القرآن فإن عمدتهم ما ~~قدمته من الأصل الفاسد أما كون الكلام واحدا فلا يتصور فيه PageV17P167 ~~تفاضل ولا تماثل ولا تعدد وأما كون صفات الرب لاتتفاضل وربما قالوا القديم ~~لايتفاضل وهو من جنس قول الجهمية والمعتزلة ونحوهم القديم لايتعدد فهذا لفظ ~~مجمل فإن القديم إذا أريد به رب ms5254 العالمين فرب العالمين إله واحد لا شريك له ~~وإذا أريد به صفاته فمن قال إن صفات الرب لاتتعدد فهو يقول العلم هو القدرة ~~والقدرة هي الإرادة والسمع والبصر هو العلم وقد يقول بعضهم أيضا العلم هو ~~الكلام ويقول آخرون العلم والقدرة هو الإرادة ثم قد يقولون إن الصفة هي ~~الموصوف فالعلم هو العالم والقدرة هي القادر وهذه الأقوال صرح بها نفاة ~~الصفات من الفلاسفة والجهمية ونحوهم كما حكيت ألفاظهم في غير هذا الموضع ~~ومعلوم أن في هذه الأقوال من مخالفة المعقول الصريح والمنقول الصحيح بل ~~مخالفة المعلوم بالإضطرار للعقلاء والمعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ودين ~~الرسل ما يبين أنها في غاية الفساد شرعا وعقلا # ثم أن هؤلاء تأولوا نصوص الكتاب والسنة بتأويلات باطلة منهم من قال ~~المراد بكونه أعظم وأفضل وخيرا كونه عظيما في نفسه وإمتنع هؤلاء من إجراء ~~التفضيل عليه وحكى هذا عن الأشعرى وإبن الباقلانى وجماعة غيرهما ومعلوم أن ~~من تدبر ألفاظ الكتاب والسنة تبين له أنها لاتحتمل هذا المعنى بل هو من نوع ~~القرمطة فإن الله PageV17P168 تعالى يقول ( نزل أحسن الحديث ( وقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم لأبى ( أتدرى أى آية معك في كتاب الله أعظم ( وقال ( ~~لأعلمنك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في ~~القرآن مثلها ( إلى غير ذلك مما تقدم ذكره # ومنهم من قال بل المراد بقوله ( خيرمنها ( أي خير منها لكم اي أكثر ثوابا ~~أو أقل تعبا وقال ما دل على أن بعضه أفضل من بعض فليس هو تفضيلا لنفس ~~الكلام بل لمتعلقه وهو أن تلاوة هذا والعمل به يحصل به من الأجر أكثر مما ~~يحصل بالآخر فيقال لهؤلاء ما ذكرتموه حجة عليكم مع ما فيه من مخالفة النص ~~وذلك أن كون الثواب على أحد القولين أو الفعلين أكثر منه على الثاني إنما ~~كان لأنه في نفسه أفضل ولهذا إنما تنطق النصوص بفضل القول والعمل في نفسه ~~كما قد سئل النبى صلى الله عليه وسلم غير مرة أي ms5255 العمل أفضل فيجيب بتفضيل ~~عمل على عمل وذلك مستلزم لرجحان ثوابه وأما رجحان الثواب مع تماثل العملين ~~فهذا مخالف للشرع والعقل # وكذلك الكلام ففي صحيح مسلم عن سمرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله اكبر PageV17P169 فأخبر أنها أفضل الكلام بعد القرآن مع ~~كونها من القرآن ففضل نفس هذه الأقوال بعد القرآن على سواها وكذلك في صحيح ~~مسلم أنه سئل أي الكلام أفضل فقال ( ما إصطفى الله لملائكته سبحان الله ~~وبحمده ( وفى الموطأ وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( افضل ما ~~قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير ( فأخبر أن هذا الكلام أفضل ما قاله هو والنبيون ~~من قبله وفى سنن إبن ماجه عنه أنه قال ( أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل ~~الدعاء الحمد لله ( وقد رواه إبن أبى الدنيا وفى الصحيحين أنه قال ( ~~الإيمان بضع وستون أو وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ( ومثل هذا ~~كثير في النصوص يفضل العمل على العمل والقول على القول ويعلم من ذلك فضل ~~ثواب أحدهما على الآخر # أما تفضيل الثواب بدون تفضيل نفس القول والعمل فلم يرد به نقل ولا يقتضيه ~~عقل فانه اذا كان القولان متماثلين من كل وجه أو العملان متماثلين من كل ~~وجه كان جعل ثواب أحدهما أعظم من ثواب الآخر ترجيحا لأحد المتماثلين على ~~الآخر بلا مرجح وهذا أصل قول القدرية والجهمية الذين يقولون ان القادر يرجح ~~أحد مقدوريه بلا مرجح وظنوا أنهم بهذا الاصل ينصرون الاسلام فلا للاسلام ~~PageV17P170 نصروا ولا لعدوه كسروا بل تسلط عليهم سلف الامة وأئمتها ~~بالتبديع والتضليل والتكفير والتجهيل وتسلط عليهم خصومهم الدهرية وغيرهم ~~بالزامهم مخالفة المعقول وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزيادة في مخالفة المشروع ~~والمعقول كما جرى للملحدين مع المبتدعين # وأيضا فقول القائل إنه ليس ms5256 بعض ذلك خيرا من بعض بل بعضه أكثر ثوابا رد ~~لخبر الله الصريح فإن الله يقول @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ فكيف ~~يقال ليس بعضه خيرا من بعض وإذا كان الجميع متماثلا في نفسه إمتنع أن يكون ~~فيه شيء خيرا من شيء وكون معنى الخير أكثر ثوابا مع كونه متماثلا في نفسه ~~أمرلا يدل عليه اللفظ حقيقة ولا مجازا فلا يجوز حمله عليه فإنه لا يعرف قط ~~أن يقال هذا خير من هذا وأفضل من هذا مع تساوي الذاتين بصفاتهما من كل وجه ~~بل لابد مع إطلاق هذه العبارة من التفاضل ولو ببعض الصفات فأما إذا قدر أن ~~مختارا جعل لأحدهما مع التماثل ما ليس للآخر مع إستوائهما بصفاتهما من كل ~~وجه فهذا لا يعقل وجوده ولو عقل لم يقل إن هذا خير من هذا أو أفضل لأمر لا ~~يتصف به أحدهما ألبتة # وأيضا ففي الحديث الصحيح أنه قال في الفاتحة ( لم ينزل في التوراة ولا في ~~الإنجيل ولا في القرآن مثلها ( فقد صرح الرسول PageV17P171 بأن الله لم ~~ينزل لها مثلا فمن قال إن كل ما نزل من كلام الله فهو مثل لها من كل وجه ~~فقد ناقض الرسول في خبره # وأيضا فقد تقدم قوله ( أحسن الحديث ( ومع تماثل كل حديث لله فليس القرآن ~~أحسن من التوراة والإنجيل وكذلك تقدم ما خص الله به القرآن من الأحكام # فإن قيل نحن نسلم لكم أن الله خص بعض كلامه من الثواب والأحكام بما لا ~~يشركه فيه غيره لكن هذا عندنا بمحض مشيئته لا لإختصاص ذلك الكلام بوصف ~~إمتاز به عن الآخر قيل أولا هذا مخالف لصريح نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف ~~الأمة مع مخالفته لصريح المعقول ثم هذا مبني على أصل الجهمية والقدرية وهو ~~أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهؤلاء لما ~~جوزوا هذا قالوا إن الرب لم يزل معطلا وما كان يمكن في الأزل أن يتكلم ولا ~~أن يفعل ثم صار الكلام والفعل ممكنا من غير حدوث ms5257 شيء إقتضي إنتقالهما من ~~الإمتناع إلى الإمكان وقالوا إن القادر المرجح يرجح بلا مرجح # ثم قالت الجهمية والعبد ليس بقادر في الحقيقة فلا يرجح شيئا بل الله هو ~~الفاعل لفعله وفعله هو نفس فعل الرب وقالت PageV17P172 القدرية العبد قادر ~~تام القدرة يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا سبب حادث ولا حاجة إلى أن يحدث ~~الله ما به يختص به فعل أحدهما بل هو مع أن نسبته إلى الضدين الإيمان ~~والكفر سواء يرجح أحدهما بلا مرجح لا من الله ولا من العبد ولا يفتقر إلى ~~إعانة الله ولا إلى أن يجعله شائيا ولا يجعله يقيم الصلاة ولا يجعله مسلما ~~ومعلوم بالعقول خلاف هذا والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن لكن المدح في هذا الكلام معناه أنه مطلق المشيئة لا ~~معوق له إذا أراد شيئا كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لا يقولن أحد 6 ~~كم اللهم إغفر لي إن شئت اللهم إرحمنى إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله ~~لا مكره له ( فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يفعل إلا بمشيئته ليس له مكره ~~حتى يقال له إفعل إن شئت ولا يفعل إن لم يشأ # فهو سبحانه إذا أراد شيئا كان قادرا عليه لا يمنعه منه مانع لا يعنى بذلك ~~أنه يفعل لمجرد مشيئة ليس معها حكمة بل يفعل عندهم ما وجود فعله وعدمه ~~بالنسبة إليه سواء من كل وجه فإن هذا ليس بمدح بل المعقول من هذا أنه صفة ~~ذم فمن فعل لمجرد إرادته الفعل من غير حكمة لفعله ولا تضمن غاية مجردة كان ~~إن لا يفعل خيرا له وقد ذم الله سبحانه في كتابه من نسبه إلى هذا فقال ~~تعالى PageV17P173 @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن ~~الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار @QE@ وقال تعالى @QB@ أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو ~~رب العرش الكريم ms5258 @QE@ قال المفسرون العبث أن يعمل عملا لا لحكمة وهو جنس من ~~اللعب وقال @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين @QE@ وقال @QB@ أيحسب الإنسان أن ~~يترك سدى @QE@ قال المفسرون وأهل اللغة السدي المهمل الذي لا يؤمر ولا ينهى ~~كالذي يترك الإبل سدى مهملة وقال تعالى @QB@ وهو الذي خلق السماوات والأرض ~~بالحق ويوم يقول كن فيكون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو ~~الخلاق العليم @QE@ # وقد بين سبحانه الفرق بين ما أمر به وما نهى عنه وبين من يحمده ويكرمه من ~~أوليائه ومن يذمه ويعاقبه من أعدائه وأنهم مختلفون لا يجوز التسوية بينهما ~~وجعل خلاف ذلك من المنكر الذي لا مساغ له فقال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون @QE@ وقال @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ وقال تعالى ~~PageV17P174 @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ فبين أن هذا الحكم ~~سيء في نفسه ليس الحكم به مساويا للحكم بالتفاضل ثم قال @QB@ وخلق الله ~~السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون @QE@ فأخبر ~~أنه خلق الخلق ليجزى كل نفس بما كسبت وأنه لا يظلم أحدا فينقص من حسناته ~~شيئا بل كما قال @QB@ ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا @QE@ # وقد نزه نفسه في غير موضع من القرآن أن يظلم أحدا من خلقه فلا يؤتيه أجره ~~أو يحمل عليه ذنب غيره فقال تعالى @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا ~~يخاف ظلما ولا هضما @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك ~~من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ~~فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما ms5259 جاء أمر ربك وما ~~زادوهم غير تتبيب @QE@ وفي الحديث الصحيح الإلهي ( يا عبادي إني حرمت الظلم ~~على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا # وما تزعمه القدرية من أن تفضيل بعض عباده على بعض بفضله وإحسانه من باب ~~الظلم جهل منهم وكذلك جزاؤهم بأعمالهم التى جري PageV17P175 بها القدر ليس ~~بظلم فإن الواحد من الناس إذا عاقبه غيره بسيئاته وإنتصف للمظلوم من الظالم ~~لم يكن ذلك ظلما منه بإتفاق العقلاء بل ذلك أمر محمود منه ولا يقول أحد إن ~~الظالم معذور لأجل القدر فرب العالمين إذا أنصف بعض عباده من بعض وأخذ ~~للمظلومين حقهم من الظالمين كيف يكون ذلك ظلما منه لأجل القدر وكذلك الواحد ~~من العباد إذا وضع كل شيء موضعه فجعل الطيب مع الطيب في المكان المناسب له ~~وجعل الخبيث مع الخبيث في المكان المناسب له كان ذلك عدلا منه وحكمة فرب ~~العالمين إذا وضع كل شيء موضعه ولم يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض ولم يجعل المتقين كالفجار ولا المسلمين كالمجرمين ~~والجنة طيبة لا يصلح أن يدخلها إلا طيب ولهذا لا يدخلها أحد إلا بعد القصاص ~~الذي ينظفهم من الخبث كما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( ان المؤمنين إذا عبروا الجسر وهو الصراط المنصوب على متن جهنم ~~فإنهم يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت ~~بينهم في الدنيا فإذا هذبوا ونقوا إذن لهم في دخول الجنة ( وهذه الأمور ~~مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن ما يقوله القدرية من الظلم والعدل الذي يقيسون به الرب ~~على عباده من بدعهم التى ضلوا بها وخالفوا بها الكتاب والسنة PageV17P176 و ~~إجماع سلف الأمة وكذلك من قابلهم فنفى حكمة الرب الثابتة في خلقه وأمره وما ~~كتبه على نفسه من الرحمة وما حرمه على نفسه من الظلم وما جعله للمخلوقات ~~والمشروعات من الأسباب التى شهد بها النص مع العقل والحس وإتفق عليها سلف ~~الأمة وأئمة الدين كقوله تعالى @QB@ وما ms5260 أنزل الله من السماء من ماء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها @QE@ وقوله تعالى @QB@ فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من ~~كل الثمرات @QE@ ونحو ذلك فإن هذه الأقاويل أصلها مأخوذ من الجهم بن صفوان ~~إمام غلاة المجبرة وكان ينكر رحمة الرب ويخرج إلى الجذمي فيقول أرحم ~~الراحمين يفعل مثل هذا يريد بذلك أنه ما ثم إلا إرادة رجح بها أحد ~~المتماثلين بلا مرجح لا لحكمة ولا رحمة # ولهذا كان الذين وافقوه على قوله من المنتسبين إلى مذهب أهل السنة ~~والجماعة يتناقضون لإنهم إذا خاضوا في الشرع إحتاجوا أن يسلكوا مسالك أئمة ~~الدين في إثبات محاسن الشريعة وما فيها من الأمر بمصالح العباد وما ينفعهم ~~من النهي عن مفاسدهم وما يضرهم وأن الرسول الذي بعث بها بعث رحمة كما قال ~~تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ ( وقد وصفه الله تعالى ~~بقوله ( ورحمتى وسعت 2 كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم PageV17P177 عن المنكر ~~ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ( فأخبر أنه يأمر بما هو معروف وينهي ~~عما هو منكر ويحل ما هو طيب ويحرم ما هو خبيث # ولو كان المعروف لا معنى له إلا المأمور به والمنكر لا معنى له إلا ما ~~حرم لكان هذا كقول القائل يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم ويحل لهم ~~ما أحل لهم ويحرم عليهم ما حرم عليهم وهذا كلام لا فائدة فيه فضلا عن أن ~~يكون فيه تفضيل له على غيره ومعلوم أن كل من أمر بأمر يوصف بذلك وكل نبى ~~بعث فهذه حاله وقد قال تعالى @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم @QE@ فعلم أن الطيب وصف للعين وأن الله قد يحرمها مع ذلك عقوبة ~~للعباد كما قال تعالى لما ذكر ما حرمه على بنى إسرائيل @QB@ ذلك جزيناهم ~~ببغيهم وإنا لصادقون @QE@ وقال تعالى ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات ( فلو كان معنى الطيب ms5261 هو ما أحل كان الكلام لا فائدة فيه فعلم أن ~~الطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان # وليس المراد به مجرد التذاذ الأكل فإن الإنسان قد يلتذ بما يضره من ~~السموم وما يحميه الطبيب منه ولا المراد به إلتذاذ طائفة من الأمم كالعرب ~~ولا كون العرب تعودته فإن مجرد كون أمة من الأمم تعودت أكله وطاب لها أو ~~كرهته لكونه ليس في بلادها PageV17P178 لا يوجب أن يحرم الله على جميع ~~المؤمنين ما لم تعتده طباع هؤلاء ولا أن يحل لجميع المؤمنين ما تعودوه كيف ~~وقد كانت العرب قد إعتادت أكل الدم والميتة وغير ذلك وقد حرمه الله تعالى ~~وقد قيل لبعض العرب ما تأكلون قال ما دب ودرج إلا أم حبين فقال ليهن أم ~~حبين العافية ونفس قريش كانوا يأكلون خبائث حرمها الله وكانوا يعافون مطاعم ~~لم يحرمها الله وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قدم له لحم ~~ضب فرفع يده ولم يأكل فقيل أحرام هو يا رسول الله قال ( لا ولكنه لم يكن ~~بأرض قومي فأجدني أعافه ( فعلم أن كراهة قريش وغيرها لطعام من الأطعمة لا ~~يكون موجبا لتحريمه على المؤمنين من سائر العرب والعجم # وأيضا فإن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يحرم أحد منهم ما كرهته ~~العرب ولم يبح كل ما أكلته العرب وقوله تعالى ( ويحل لهم الطيبات ويحرم ~~عليهم الخبائث ( إخبار عنه أنه سيفعل ذلك فأحل النبى صلى الله عليه وسلم ~~الطيبات وحرم الخبائث مثل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير فإنها ~~عادية باغية فإذا أكلها الناس والغاذي شبيه بالمغتذي صار في أخلاقهم شوب من ~~أخلاق هذه البهائم وهو البغي والعدوان كما حرم الدم المسفوح لأنه مجمع قوى ~~النفس الشهوية الغضبية وزيادته توجب طغيان هذه القوى PageV17P179 و هو مجرى ~~الشيطان من البدن كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان يجري من ~~إبن آدم مجرى الدم ( ولهذا كان شهر رمضان إذا دخل صفدت الشياطين لأن الصوم ~~جنة # فالطيبات التى ms5262 أباحها هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق والخبائث هي ~~الضارة للعقول والأخلاق كما أن الخمر أم الخبائث لأنها تفسد العقول ~~والأخلاق فأباح الله للمتقين الطيبات التى يستعينون بها على عبادة ربهم ~~التى خلقوا لها وحرم عليهم الخبائث التى تضرهم في المقصود الذي خلقوا له ~~وأمرهم مع أكلها بالشكر ونهاهم عن تحريمها فمن أكلها ولم يشكر ترك ما أمر ~~الله به وإستحق العقوبة ومن حرمها كالرهبان فقد تعدى حدود الله فإستحق ~~العقوبة قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون @QE@ وفى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( إن الله ليرضي عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ~~ويشرب الشربة فيحمده عليها ( وفى حديث آخر ( الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم ~~الصابر ( وقال تعالى @QB@ لتسألن يومئذ عن النعيم @QE@ أي عن شكره فإنه لا ~~يبيح شيئا ويعاقب من فعله ولكن يسأله عن الواجب الذي أوجبه معه وعما حرمه ~~عليه هل فرط بترك مأمور أو فعل محظور # كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ PageV17P180 فنهاهم عن تحريم ~~الطيبات كما كان طائفة من الصحابة قد عزموا على الترهب فأنزل الله هذه ~~الآية وفى الصحيحين أن رجالا من الصحابة قال أحدهم أما أنا فأصوم لا أفطر ~~وقال آخر أما انا فأقوم لا أنام وقال آخر أما أنا فلا أقرب النساء وقال آخر ~~أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( ما بال رجال يقول ~~أحدهم كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن ~~رغب عن سنتى فليس مني ( ولبسط هذه الأمور موضع آخر # والمقصود هنا أن الله بين في كتابه وعلى لسان رسوله حكمته في خلقه وأمره ~~كقوله @QB@ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا @QE@ فعلل التحريم ~~بأنها فاحشة بدون النهي وأن ذلك علة للنهي عنها وقوله @QB@ وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ms5263 والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء @QE@ فذكر براءته من هذا على وجه المدح له بذلك وتنزيهه عن ذلك ~~فدل على أن من الأمور ما لا يجوز أن يضاف إلى الله الأمر به ليست الأشياء ~~كلها مستوية في أنفسها ولا عنده وأنه لا يخصص المأمور على المحظور لمجرد ~~التحكم بل يخصص المأمور بالأمر والمحظور بالحظر لما إقتضته حكمته ~~PageV17P181 وقد تدبرت عامة ما رأيته من كلام السلف مع كثرة البحث عنه ~~وكثرة ما رأيته من ذلك هل كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أو أحد منهم ~~على ما ذكرته من هذه الأقوال التى وجدتها في كتب أهل الكلام من الجهمية ~~والقدرية ومن تلقى ذلك عنهم مثل دعوى الجهمية أن الأمور المتماثلة يأمر ~~الله بأحدها وينهى عن الآخر لا لسبب ولا لحكمة أو أن الأقوال المتماثلة ~~والأعمال المتماثلة من كل وجه يجعل الله ثواب بعضها أكثر من الآخر بلا سبب ~~ولا حكمة ونحو ذلك مما يقولونه كقولهم إن كلام الله كله متماثل وإن كان ~~الأجر في بعضه أعظم فما وجدت في كلام السلف ما يوافق ذلك بل يصرحون بالحكم ~~والأسباب وبيان ما في المأمور به من الصفات الحسنة المناسبة للأمر به وما ~~في المنهي عنه من الصفات السيئة المناسبة للنهي عنه ومن تفضيل بعض الأقوال ~~والأعمال في نفسها على بعض ولم أر عن أحد منهم قط أنه خالف النصوص الدالة ~~على ذلك ولا إستشكل ذلك ولا تأوله على مفهومه مع أنه يوجد عنهم في كثير من ~~الآيات والأحاديث إستشكال وإشتباه وتفسيرها على أقوال مختلفة قد يكون بعضها ~~خطأ والصواب هو القول الآخر وما وجدتهم في مثل قوله تعالى @QB@ الله نزل ~~أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني @QE@ وقول النبى صلى الله عليه وسلم لأبي ~~( أي آية في كتاب الله أعظم ( وقوله في الفاتحة ( لم ينزل في التوراة ولا ~~في الإنجيل ولا في القرآن مثلها PageV17P182 و نحو ذلك إلا مقرين لذلك ~~قائلين بموجبه # والنبى صلى الله عليه وسلم سأل أبيا ( أي آية في كتاب ms5264 الله أعظم ( فأجابه ~~أبي بأنها آية الكرسي فضرب بيده في صدره وقال ( ليهنك العلم أبا المنذر ( ~~ولم يستشكل أبى ولا غيره السؤال عن كون بعض القرآن أعظم من بعض بل شهد ~~النبى صلى الله عليه وسلم بالعلم لمن عرف فضل بعضه على بعض وعرف أفضل ~~الآيات وكذلك قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها @QE@ # وما رأيتهم تنازعوا في تفسير @QB@ خير منها @QE@ فإن هذه الآية فيها ~~قراءتان مشهورتان قراءة الأكثرين @QB@ أو ننسها @QE@ من أنساه ينسيه وقرأ ~~إبن كثير وأبو عمرو / < أو ننسأها > / بالهمز من نساه ينسأه فالأول من ~~النسيان والثاني من نسأ إذا أخر قال أهل اللغة نسأته نسأ إذا أخرته وكذلك ~~أنسأته يقال نسأته البيع وأنسأته قال الأصمعي أنسأ الله في أجله ونسأ في ~~أجله بمعنى ومن هذه المادة بيع النسيئة ومن كلام العرب من أراد النساء ولا ~~نساء فليبكر الغداء وليخفف الرداء وليقلل من غشيان النساء # فأما القراءة الأولى فمعناها ظاهر عند أكثر المفسرين قالوا المراد به ما ~~أنساه الله من القرآن كما جاءت الآثار بذلك فإن ما يرفع PageV17P183 من ~~القرآن إما أن يكون رفعا شرعيا بإزالته من القلوب وهو الإنساء فأخبر تعالى ~~أن ما ينسخه أو ينسيه فإنه يأتي بخير منه أو مثله بين ذلك فضله ورحمته ~~لعباده المؤمنين فإنه قال قبل ذلك @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ~~راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ما يود الذين كفروا من ~~أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ فنهاهم عن التشبه بأهل الكتاب في سوء ~~أدبهم على الرسول وعلى ما جاء به وأخبر أنهم لحسدهم ما يودون أن الله ينزل ~~عليه شيئا من الكتاب والحكمة ثم أخبر بنعمته على المؤمنين فإنه قد كان بعض ~~القرآن ينسخ وبعضه ينسى كما جاءت الآثار بذلك وما أنساه سبحانه هو مما نسخ ~~حكمه وتلاوته بخلاف المنسوخ الذي يتلى وقد نسخ ما نسخ من حكمه أو نسخ ~~تلاوته ولم ms5265 ينس وفى النسخ والإنساء نقص ما أنزله على عباده # فبين سبحانه أنه لا نقص في ذلك بل كل ما نسخ أو ينسى فإن الله يأتي بخير ~~منه أو مثله فلا يزال المؤمنون في نعمة من الله لا تنقص بل تزيد فإنه إذا ~~أتى بخير منها زادت النعمة وإن أتي بمثلها كانت النعمة باقية وقال تعالى ~~@QB@ أو ننسها @QE@ فأضاف الإنساء إليه فإن هذا الإنساء ليس مذموما بخلاف ~~نسيان ما يجب حفظه فإنه مذموم PageV17P184 فإن هذا إنساء لما رفعه الله ~~وأما نسيان ما أمر بحفظه فمذموم قال تعالى @QB@ كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى @QE@ وهذا النسيان وإن كان متضمنا لترك العمل بها مع ~~حفظها فإذا نسيت الآيات بالكلية حتى لا يعرف ما فيها كان ذلك أبلغ في ترك ~~العمل بها فكان هذا مذموما قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في ~~السنن ( من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم ولهذا كره النبى صلى الله ~~عليه وسلم أن يضيف الإنسان النسيان إلى نفسه فقال في الحديث المتفق عليه ( ~~بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل هو أنسى إستذكروا القرآن فلهو ~~أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من عقلها ( # ثم منهم من جعل @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ هو ما ترك تلاوته ورسمه ونسخ ~~حكمه وما أنسى هو ما رفع فلا يتلى ومنهم من أدخل في الأول ما نسخت تلاوته ~~وإن كان محفوظا فالأول قول مجاهد وأصحاب عبد الله بن مسعود وروى الناس ~~بالأسانيد الثابتة عن إبن أبى نجيح عن مجاهد قوله ( ما ننسخ من آية ( قال ~~نثبت خطها ونبدل حكمها قال وهو قول عبد الله بن مسعود ( أو ننسها ( أي ~~نمحوها فإن ما نسى لم يترك وروى إبن أبي حاتم بإسناده عن عكرمة عن إبن عباس ~~قال كان مما ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل PageV17P185 و ~~ينساه بالنهار فأنزل الله @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها @QE@ وكذلك ms5266 روى عن سعد بن أبى وقاص ومحمد بن كعب وقتادة وعكرمة وكان ~~سعد بن أبى وقاص يقرأها / < أو تنسها > / بالخطاب أي تنسها أنت يا محمد ~~وتلا قوله @QB@ سنقرئك فلا تنسى @QE@ وقوله @QB@ واذكر ربك إذا نسيت @QE@ # وقد جاءت الآثار بأن أحدهم كان يحفظ قرآنا ثم ينساه ويذكرون ذلك للنبى ~~صلى الله عليه وسلم فيقول ( إنه رفع ( مثل ما صح من حديث الزهري حدثنى أبو ~~أمامة بن سهل بن حنيف في مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا كان معه سورة فقام ~~يقرأها من الليل فلم يقدرعليها وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها وقام آخر ~~يقرأها فلم يقدر عليها فأصبحوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~بعضهم ذهبت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها وقال الآخر ما جئت ~~إلا لذلك وقال الآخر ما جئت إلا لذلك وقال الآخر وأنا يا رسول الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنها نسخت البارحة ( # وقوله ( أو ننسأها ( النسأ بمعنى التأخير وفيه قولان للسلف القول الأول ~~يروى عن طائفة قال السدي @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ قال نسخها قبضها ( أو ~~ننسأها ( فنتركها لا ننسخها @QB@ نأت بخير @QE@ من PageV17P186 الذي نسخناه ~~أو مثل الذي تركناه وكذلك في تفسير الوالبى عن إبن عباس @QB@ ما ننسخ من ~~آية أو ننسها @QE@ يقول ما نبدل من آية أو نتركها فلا نرفعها من عندكم @QB@ ~~نأت بخير منها أو مثلها @QE@ روى ذلك عن الربيع بن أنس ومن الناس من فسر ~~بهذا المعنى القراءة الأولى فقالوا معنى ننسها نتركها عندكم فإن النسيان هو ~~الترك وقال الأزهري ننسها نأمر بتركها يقال أنسيت الشيء وأنشد % إنى على ~~عقبة أقضيها % لست بناسيها ولا منسيها % أي ولا آمر بتركها والقول الثالث ~~نؤخرها عن العمل بها بنسخنا إياها # والصواب القول الأوسط روى إبن أبي حاتم بإسناده عن إبن عباس قال خطبنا ~~عمر رضي الله عنه فقال يقول الله @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها @QE@ أي ~~نؤخرها وبإسناده المعروف عن أبى العالية @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ فلا يعمل ms5267 ~~بها @QB@ أو ننسها @QE@ أي نرجئها عندنا وفي لفظ عن أبى العالية نؤخرها ~~عندنا وعن عطاء نؤخرها وقد ذكر قول ثالث عن السلف وهو قول رابع أن المعنى ~~@QB@ ما ننسخ من آية @QE@ وهو ما أنزلناه إليكم ولا نرفعه ( أو ننسأها ( أي ~~نؤخر تنزيله فلا ننزله ونقل هذا بعضهم عن سعيد بن المسيب وعطاء أما ~~PageV17P187 @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من ~~النسخة ( أو ننسأها ( أي نؤخرها فلا يكون وهو ما لم ينزل # وهذا فيه نظر فإن إبن أبى حاتم روى بالإسناد الثابت عن عطاء ( ما ننسخ من ~~آية ( أما ما نسخ فهو ما ترك من القرآن ( بالكاف ( وكأنه تصحف على من ظنه ~~نزل من النزول فإن لفظ ترك فيه إبهام ولذلك قال إبن أبى حاتم يعني ترك لم ~~ينزل على محمد وليس مراد عطاء هذا وإنما مراده أنه ترك مكتوبا متلوا ونسخ ~~حكمه كما تقدم عن غيره وما أنسأه هو ما أخره لم ينزله وسعيد وعطاء من أعلم ~~التابعين لا يخفى عليهما هذا وقد قرأ إبن عامر @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ ~~وزعم أبو حاتم أنه غلط وليس كما قال بل فسرها بعضهم بهذا المعنى فقال ما ~~ننسخ نجعلكم تنسخونها كما يقال أكتبته هذا وقيل أنسخ جعله منسوخا كما يقال ~~قبره إذا أراد دفنه وأقبره أي جعل له قبرا وطرده إذا نفاه وأطرده إذا جعله ~~طريدا وهذا أشبه بقراءة الجمهور # والصواب قول من فسر / < أو ننسأها > / أي نؤخرها عندنا فلا ننزلها ~~والمعنى أن ما ننسخه من الآيات التى أنزلناها أو نؤخر نزوله من الآيات التى ~~لم ننزلها بعد @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ فكما أنه يعوضهم من ~~المرفوع يعوضهم من المنتظر الذي لم ينزله بعد إلى أن ينزله PageV17P188 فإن ~~الحكمة إقتضت تأخير نزوله فيعوضهم بمثله أو خير منه في ذلك الوقت إلى أن ~~يجيء وقت نزوله فينزله أيضا مع ما تقدم ويكون ما عوضه مثله أو خيرا منه قبل ~~نزوله وأما ما أنزله إليهم ولم ينسخه فهذا ms5268 لا يحتاج إلى بدل ولو كان كل ما ~~لم ينسخه الله يأت بخير منه أو مثله لزم إنزال ما لا نهاية له # وكذلك إن قدر أن المراد يؤخر نسخه إلى وقت ثم ينسخه فإنه ما دام عندهم لم ~~يحتج إلى بدل يكون مثله أو خيرا منه وإنما البدل لما ليس عندهم مما أنسوه ~~أو أخر نزوله فلم ينزله بعد ولهذا لم يجعل البدل لكل ما لم ينزله بل لما ~~نسأه فأخر نزوله إذ لو كان كل ما لم ينزل يكون له بدل لزم إنزال ما لا ~~نهاية له بل ما كان يعلم أنه سينزله وقد آخر نزوله يكونون فاقديه إلى حين ~~ينزل كما يفقدون ما نزل ثم نسخ فيجعل سبحانه لهذا بدلا ولهذا بدلا وأما ما ~~أنزله وأقره عندهم وأخر نسخه إلى وقت فهذا لا يحتاج إلى بدل فإنه نفسه باق ~~ولو كان هذا مرادا لكان كل قرآن قد نسخه يجب أن ينزل قبل نسخه ما هو مثله ~~أو خير منه ثم إذا نسخه ياتى بخير منه أو مثله فيكون لكل منسوخ بدلان بدل ~~قبل نسخه وبدل بعد نسخه والبدل الذي قبل نسخه لا إبتداء لنزوله فيجب أن ~~ينزل من أول الأمر فيلزم نزول ذلك كله في أول الوحي وهذا باطل PageV17P189 ~~قطعا فإن قيل فهذا يلزم فيما أخره فلم ينزله فإن له بدلا ولا وقت لنزول ذلك ~~البدل قيل ما أخر نزوله وهو يريد إنزاله معلوم والبدل الذي هو مثله أو خير ~~منه يؤتى به في كل وقت فإن القرآن ما زال ينزل وقد تضمن هذا أن كل ما أخر ~~نزوله فلابد أن ينزل قبله ما هو مثله أو خير منه وهذا هو الواقع فإن الذي ~~تقدم من القرآن نزوله لم ينسخ كثير منه خير مما تأخر نزوله كالآيات المكية ~~فإن فيها من بيان التوحيد والنبوة والمعاد وأصول الشرائع ما هو أفضل من ~~تفاصيل الشرائع كمسائل الربا والنكاح والطلاق وغير ذلك فهذا الذي أخره الله ~~مثل آية الربا فإنها من ms5269 أواخر ما نزل من القرآن وقد روى أنها آخر ما نزل ~~وكذلك آية الدين والعدة والحيض ونحو ذلك قد أنزل الله قبله ما هو خير منه ~~من الآيات التى فيها من الشرائع ما هو أهم من هذا وفيها من الأصول ما هو ~~أهم من هذا # ولهذا كانت سورة ( الأنعام ( أفضل من غيرها وكذلك سورة ( يس ( ونحوها من ~~السور التى فيها أصول الدين التى إتفق عليها الرسل كلهم صلوات الله عليهم ~~ولهذا كانت @QB@ قل هو الله أحد @QE@ مع قلة حروفها تعدل ثلث القرآن لأن ~~فيها التوحيد فعلم أن آيات التوحيد أفضل من غيرها وفاتحة الكتاب نزلت بمكة ~~بلا ريب كما دل عليه قوله PageV17P190 تعالى @QB@ ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني والقرآن العظيم @QE@ وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ( وسورة الحجر ~~مكية بلا ريب وفيها كلام مشركي مكة وحاله معهم فدل ذلك على أن ما كان الله ~~ينسأه فيؤخر نزوله من القرآن كان ينزل قبله ما هو أفضل منه و @QB@ قل يا ~~أيها الكافرون @QE@ مكية بلا ريب وهو قول الجمهور وقد قيل إنها مدنية وهو ~~غلط ظاهر # وكذلك قول من قال الفاتحة لم تنزل إلا بالمدينة غلط بلا ريب ولو لم تكن ~~معنا أدلة صحيحة تدلنا على ذلك لكان من قال إنها مكية معه زيادة علم وسورة ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ أكثرهم على أنها مكية وقد ذكر في أسباب نزولها ~~سؤال المشركين بمكة وسؤال الكفار من أهل الكتاب اليهود بالمدينة ولا منافاة ~~فإن الله أنزلها بمكة أولا ثم لما سئل نحو ذلك أنزلها مرة أخرى وهذا مما ~~ذكره طائفة من العلماء وقالوا إن الآية أو السورة قد تنزل مرتين وأكثر من ~~ذلك # فما يذكر من أسباب النزول المتعددة قد يكون جميعه حقا والمراد بذلك أنه ~~إذا حدث سبب يناسبها نزل جبريل فقرأها عليه ليعلمه أنها تتضمن جواب ذلك ~~السبب وإن كان الرسول يحفظها قبل ذلك PageV17P191 و الواحد منا قد يسأل ms5270 عن ~~مسالة فيذكر له الآية أو الحديث ليبين له دلالة النص على تلك المسألة وهو ~~حافظ لذلك لكن يتلى عليه ذلك النص ليتبين وجه دلالته على المطلوب # فقد تبين أن البدل لما أخر نزوله بخلاف ما كان عندهم لم ينسخ فإن هذا لا ~~بدل له ولو قدر أنه سينسخ فإنه ما دام محكما لم يكن بدله خيرا منه وكذلك ~~البدل عن المنسوخ يكون خيرا منه وأكثر السلف أطلقوا لفظ @QB@ خير منها @QE@ ~~كما في القرآن ولم يستشكل ذلك أحد منهم وفى تفسير الوالبى خير لكم في ~~المنفعة وأرفق بكم وعن قتادة @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ آية فيها ~~تخفيف فيها رخصة فيها أمر فيها نهي وهذان لم يستشكلا كونها خيرا من الأولى ~~بل بينا وجه الفضيلة كما تقدم من أن الكلام الأمري يتفاضل بحسب المطلوب ~~فإذا كان المطلوب أنفع للمامور كان طلبه أفضل كما أن رحمة الله التى سبقت ~~غضبه هي أفضل من غضبه فما قالاه تقرير للخيرية لا نفي لها # فإن قيل فآية الكرسي قد ثبت أنها أعظم آية في كتاب الله وإنما نزلت في ~~سورة البقرة وهي مدنية بالإتفاق فقد أخر نزولها ولم ينزل قبلها ما هو خير ~~منها ولا مثلها قيل عن هذا أجوبة PageV17P192 ( أحدها ( أن الل 4 ه قال ~~@QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ولم يقل بآية خير منها بل يأتي بقرآن خير ~~منها أو مثلها وآية الكرسي وإن كانت أفضل الآيات فقد يكون مجموع آيات أفضل ~~منها والبقرة وإن كانت مدنية بالإتفاق وقد قيل إنها أول ما نزل بالمدينة ~~فلا ريب أن هذا في بعض ما نزل وإلا فتحريم الربا إنما نزل متأخرا وقوله ~~@QB@ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله @QE@ من آخر ما نزل وقوله @QB@ ~~وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ نزلت عام الحديبية سنة ست بإتفاق العلماء وقد ~~كانت سورة الحشر قبل ذلك فإنها نزلت في بني النضير بإتفاق الناس وقصة بني ~~النضير كانت متقدمة على الحديبية بل على الخندق بإتفاق الناس وإنما تأخر عن ~~الخندق أمر ms5271 بني قريظة فهم الذين حاصرهم النبى صلى الله عليه وسلم عقب ~~الخندق وأما بنو النضيرفكان أجلاهم قبل ذلك بإتفاق العلماء وكذلك سورة ~~الحديد مدنية عند الجمهور وقد قيل إنها مكية وهو ضعيف لأن فيها ذكر ~~المنافقين وذكر أهل الكتاب وهذا إنما نزل بالمدينة لكن يمكن أنها نزلت قبل ~~كثير من البقرة # ففي الجملة نزول أول الحديد وآخر الحشر قبل آية الكرسي ممكن والأنعام ويس ~~وغيرها نزل قبل آية الكرسي بالإتفاق PageV17P193 ( الجواب الثاني ( أنه ~~تعالى إنما وعد أنه إذا نسخ آية أو نسأها أتى بخير منها أو مثلها لما أنزل ~~هذه الآية # قوله @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ فإن هذه ~~الآية جملة شرطية تضمنت وعده أنه لابد أن يأتى بذلك وهو الصادق الميعاد فما ~~نسخه بعد هذه الآية أو أنسأ نزوله مما يريد إنزاله يأت بخير منه أو مثله ~~وأما ما نسخه قبل هذه أو أنسأه فلم يكن قد وعد حينئذ أنه يأتى بخير منه أو ~~مثله وبهذا أيضا يندفع الجواب عن الفاتحة فإنه لا ريب أنه تأخر نزولها عن ~~سورة @QB@ اقرأ باسم ربك @QE@ وهي أفضل منها فعلم أنه قد يتأخر إنزال ~~الفاضل وأنه ليس كل ما تأخر نزوله نزل قبله مثله أو خير منه لكن إذا كان ~~الموعود به بعد الوعد لم يرد هذا السؤال # يدل على ذلك قوله @QB@ ما ننسخ @QE@ فإن هذا الفعل المضارع المجزوم إنما ~~يتناول المستقبل وجوازم الفعل ( إن ( وأخواتها ونواصبه تخلصه للإستقبال # وقد يجاب بجواب ثالث وهو أن يقال ما نزل في وقته كان خيرا لهم وإن كان ~~غيره خيرا لهم في وقت آخر وحينئذ فيكون فضل بعضه على بعض على وجهين لازم ~~كفضل آية الكرسي وفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وفضل عارض بحيث تكون هذه ~~أفضل في وقت وهذه أفضل في وقت آخر كما قد يقال في آية التخيير للمقيم بين ~~الصوم والفطر مع الفدية ومع آية إيجاب الصوم عزما وهذا كما أن PageV17P194 ~~الأفعال المأمور بها كل منها ms5272 في وقته أفضل فالصلاة إلى القدس قبل النسخ ~~كانت أفضل وبعد النسخ الصلاة إلى الكعبة أفضل # وعلى ما ذكر فيتوجه الإحتجاج بهذه الآية على أنه لا ينسخ القرآن إلا قرآن ~~كما هو مذهب الشافعى وهو أشهر الروايتين عن الإمام أحمد بل هي المنصوصة عنه ~~صريحا أن لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده وعليها عامة أصحابه وذلك لأن ~~الله قد وعد أنه لابد للمنسوخ من بدل مماثل أو خير ووعد بأن ما أنسأه ~~المؤمنين فهو كذلك وأن ما أخره فلم يأت وقت نزوله فهو كذلك وهذا كله يدل ~~على أنه لا يزال عند المؤمن القرآن الذي رفع أو آخر مثله أو خير منه ولو ~~نسخ بالسنة فإن لم يأت قرآن مثله أو خير منه فهو خلاف ما وعد الله وإن قيل ~~بل يأتى بعد نسخه بالسنة كان بين نسخه وبين الإتيان بالبدل مدة خالية عن ~~ذلك وهو خلاف مقصود الآية فإن مقصودها أنه لابد من المرفوع أو مثله أو خير ~~منه # وأيضا فقوله @QB@ نأت @QE@ لم يرد به بعد مدة فإن الذي نسأه وهو يريد ~~إنزاله قد علم أنه ينزله بعد مدة فلما أخبر أن ما أخره يأتى بمثله أو خير ~~منه قبل نزوله علم أنه لا يؤخر الأمر بلا بدل فلو جاز أن يبقى مدة بلا بدل ~~لكان ما لم ينزل أحق بأن لا يكون له بدل من المنسوخ فلما كان ذاك قد حصل له ~~بدل قبل وقت نزوله لتكميل الأنعام فلأن يكون البدل لما نسخ من PageV17P195 ~~حين نسخ بعد أولى وأحرى ولأنه قد علم أن القرآن نزل شيئا بعد شيء فلو كان ~~ما ينزله بدلا عن المنسوخ يؤخره لم يعرف أنه بدل ولم يتميز البدل من غيره ~~ولم يكن لقوله @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ فائدة إلا كالفائدة ~~المعلومة لو لم ينسخ شيء # غاية ما يقال أنه لو لم ينسخ شيء لجاز أن لا ينزل بعد ذلك شيء وإذا نسخ ~~شيء فلابد من بدله ولو بعد حين وهذا مما ms5273 يعتقدونه فإنهم قد إعتادوا نزول ~~القرآن عند الحوادث والمسائل والحاجة فما كانوا يظنونه إذا نسخت آية أن لا ~~ينزل بعدها شيء فإنها لو لم تنسخ لم يظنوا ذلك فكيف يظنون إذا نسخت ( ~~الثاني ( أنه إذا كان قد ضمن لهم الإتيان بالبدل عن المنسوخ علم أن مقصوده ~~أنه لا ينقصهم شيء مما أنزله بل لابد من مثل المرفوع أو خير منه ولو بقوا ~~مدة بلا بدل لنقصوا # وأيضا فإن هذا وعد معلق بشرط والوعد المعلق بشرط يلزم عقبه فإنه من جنس ~~المعاوضة وذلك مما يلزم فيه أداء العوض على الفور إذا قبض المعوض كما إذا ~~قال ما ألقيت من متاعك في البحر فعلي بدله وليس هذا وعدا مطلقا كقوله @QB@ ~~لتدخلن المسجد الحرام @QE@ ولهذا يفرق بين قوله والله لأعطينك مائة وبين ~~قوله والله لا آخذ منك شيئا إلا أعطيتك بدله فإن هذا واجب على الفور ~~PageV17P196 و مما يدل على المسألة أن الصحابة والتابعين الذين أخذ عنهم ~~علم الناسخ والمنسوخ إنما يذكرون نسخ القرآن بقرآن لا يذكرون نسخه بلا قرآن ~~بل بسنة وهذه كتب الناسخ والمنسوخ المأخوذة عنهم إنما تتضمن هذا وكذلك قول ~~علي رضي الله عنه للقاص هل تعرف الناسخ من المنسوخ في القرآن فلو كان ناسخ ~~القرآن غير القرآن لوجب أن يذكر ذلك أيضا # وأيضا الذين جوزوا نسخ القرآن بلا قرآن من أهل الكلام والرأي إنما عمدتهم ~~أنه ليس في العقل ما يحيل ذلك وعدم المانع الذي يعلم بالعقل لا يقتضي ~~الجواز الشرعي فإن الشرع قد يعلم بخبره ما لا علم للعقل به وقد يعلم من ~~حكمة الشارع التى علمت بالشرع ما لا يعلم بمجرد العقل ولهذا كان الذين ~~جوزوا ذلك عقلا مختلفين في وقوعه شرعا وإذا كان كذلك فهذا الخبر الذي في ~~الآية دليل على إمتناعها شرعا # وأيضا فإن الناسخ مهيمن على المنسوخ قاض عليه مقدم عليه فينبغي أن يكون ~~مثله أو خيرا منه كما أخبر بذلك القرآن ولهذا لما كان القرآن مهيمنا على ما ~~بين يديه من الكتاب بتصديق ms5274 ما فيه من حق وإقرار ما أقره ونسخ ما نسخه كان ~~أفضل منه فلو كانت السنة ناسخة للكتاب لزم أن تكون مثله أو أفضل منه ~~PageV17P197 و أيضا فلا يعرف في شيء من آيات القرآن أنه نسخه إلا قرآن ~~والوصية للوالدين والأقربين منسوخة بآية المواريث كما إتفق على ذلك السلف ~~قال تعالى @QB@ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين @QE@ والفرائض المقدرة من حدوده ~~ولهذا ذكر ذلك عقب ذكر الفرائض فمن أعطى صاحب الفرائض أكثر من فرضه فقد ~~تعدى حدود الله بأن نقص هذا حقه وزاد هذا على حقه فدل القرآن على تحريم ذلك ~~وهو الناسخ ### ||| فصل # والناس في هذا المقام وهو مقام حكمة الأمر والنهي على ثلاثة أصناف ~~فالمعتزلة القدرية يقولون إن ما أمر به ونهي عنه كان حسنا وقبيحا قبل الأمر ~~والنهي والأمر والنهي كاشف عن صفته التى كان عليها لا يكسبه حسنا ولا قبحا ~~ولا يجوز عندهم أن يأمر وينهى لحكمة تنشأ من الأمر نفسه ولهذا أنكروا جواز ~~النسخ قبل التمكن من فعل العبادة كما في قصة الذبيح ونسخ الخمسين صلاة التى ~~أمر بها ليلة المعراج إلى خمس ووافقهم على منع النسخ قبل وقت العبادة ~~PageV17P198 طائفة من أهل السنة المثبتين للقدر لظنهم أنه لابد من حكمة ~~تكون في المأمور به والمنهى عنه فلا يجوز أن ينهى عن نفس ما أمر به وهذا ~~قياس من يقول إن النسخ تخصيص في الأزمان فإن التخصيص لا يكون برفع جميع ~~مدلول اللفظ لكنهم تناقضوا # والجهمية الجبرية يقولون ليس للأمر حكمة تنشأ لا من نفس الأمر ولا من نفس ~~المأمور به ولا يخلق الله شيئا لحكمه ولكن نفس المشيئة أوجبت وقوع ما وقع ~~وتخصيص أحد المتماثلين بلا مخصص وليست الحسنات سببا للثواب ولا السيئات ~~سببا للعقاب ولا لواحد منهما صفة صار بها حسنة وسيئة بل لا معنى للحسنة إلا ~~مجرد ms5275 تعلق الامر بها ولا معنى للسيئة إلا مجرد تعلق النهي بها فيجوز أن ~~يأمر بكل أمر حتى الكفر والفسوق والعصيان ويجوز أن ينهى عن كل أمر حتى عن ~~التوحيد والصدق والعدل وهو لو فعل لكان كما لو أمر بالتوحيد والصدق والعدل ~~ونهى عن الشرك والكذب والظلم هكذا يقول بعضهم وبعضهم يقول يجوز الأمر بكل ~~ما لا ينافي معرفة الأمر بخلاف ما ينافي معرفته وليس في الوجود عندهم سبب ~~ولكن إذا اقترن أحد الشيئين بالآخر خلقا أو شرعا صار علامة عليه فالأعمال ~~مجرد علامات محضة لا أسباب مقتضية # وقالوا أمر من لم يؤمن بالإيمان معناه أني أريد أن أعذبكم PageV17P199 ~~وعدم إيمانكم علامة على العذاب وكذلك أمره بالإيمان من علم أنه يؤمن معناه ~~إني أريد أن أثيبك والإيمان علامة وهؤلاء منهم من ينفى القياس في الشرع ~~والتعليل للأحكام ومن أثبت القياس منهم لم يجعل العلل إلا مجرد علامات ثم ~~إنه مع هذا قد علم أن الحكم في الأصل ثابت بالنص والإجماع وذلك دليل عليه ~~فأي حاجة إلى العلة وكيف يتصور أن تكون العلة علامة على الحكم في الأصل ~~وإنما تطلب علته بعد أن يعلم ثبوت الحكم وحينئذ فلا فائدة في العلامة وأما ~~الفرع فلا يكون علة له حتى يكون علة للأصل وهؤلاء منهم من ينكر العلل ~~المناسبة ويقول المناسبة ليست طريقا لمعرفة العلل وهم أكثر أصحاب هذا القول ~~ومن قال بالمناسبة من متأخريهم يقول يقول إنه قد اعتبر في الشرع اعتبار ~~المناسب فيستدل بمجرد الإقتران لا لأن الشارع حكم بما حكم به لتحصيل ~~المصلحة المطلوبة بالحكم ولا لدفع مفسدة أصلا فإن عندهم أنه ليس في خلقه ~~ولا أمره لام كي فجهم رأس الجبرية واتباعه في طرق والقدرية في الطرف الآخر # وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة الإسلام كالفقهاء المشهورين ~~وغيرهم ومن سلك سبيلهم من أهل الفقه والحديث والمتكلمين في أصول الدين ~~وأصول الفقه فيقرون بالقدر ويقرون بالشرع ويقرون بالحكمة لله في خلقه وأمره ~~لكن قد يعرف أحدهم الحكمة وقد لا يعرفها PageV17P200 ويقرون ms5276 بما جعله من ~~الأسباب وما في خلقه وأمره من المصالح التي جعلها رحمة بعباده مع أنه خالق ~~كل شيء وربه ومليكه أفعال العباد وغير أفعال العباد وإنه ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن وأن كل ما وقع من خلقه وأمره فعدل وحكمه سواء عرف العبد وجه ذلك ~~أو لم يعرفه والحكمة الناشئة من الأمر ثلاثة أنواع ( أحدها ( أن تكون في ~~نفس الفعل وإن لم يؤمر به كما في الصدق والعدل ونحوهما من المصالح الحاصلة ~~لمن فعل ذلك وإن لم يؤمر به والله يأمر بالصلاح وينهى عن الفساد # ( والنوع الثانى ( أن ما أمر به ونهى عنه صار متصفا بحسن إكتسبه من الأمر ~~وقبح إكتسبه من النهي كالخمر التى كانت لم تحرم ثم حرمت فصارت خبيثة ~~والصلاة إلى الصخرة التى كانت حسنة فلما نهى عنها صارت قبيحة فإن ما أمر به ~~يحبه ويرضاه وما نهى عنه يبغضه ويسخطه وهو إذا أحب عبدا ووالاه أعطاه من ~~الصفات الحسنة ما يمتاز بها على من أبغضه وعاداه وكذلك المكان والزمان الذي ~~يحبه ويعظمه كالكعبة وشهر رمضان يخصه بصفات يميزه بها على ما سواه بحيث ~~يحصل في ذلك الزمان والمكان من رحمته PageV17P201 و إحسانه ونعمته ما لا ~~يحصل في غيره # فإن قيل الخمر قبل التحريم وبعده سواء فتخصيصها بالخبث بعد التحريم ترجيح ~~بلا مرجح # قيل ليس كذلك بل إنما حرمها في الوقت الذي كانت الحكمة تقتضي تحريمها ~~وليس معنى كون الشيء حسنا وسيئا مثل كونه أسود وأبيض بل هو من جنس كونه ~~نافعا وضارا وملائما ومنافرا وصديقا وعدوا ونحو هذا من الصفات القائمة ~~بالموصوف التي تتغير بتغير الأحوال فقد يكون الشيء نافعا في وقت ضارا في ~~وقت والشيء الضار قد يترك تحريمه إذا كانت مفسدة التحريم أرجح كما لو حرمت ~~الخمر في أول الإسلام فإن النفوس كانت قد اعتادتها عادة شديدة ولم يكن حصل ~~عندهم من قوة الإيمان ما يقبلون ذلك التحريم ولا كان إيمانهم ودينهم تاما ~~حتى لم يبق فيه نقص إلا ما ms5277 يحصل بشرب الخمر من صدها عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فلهذا وقع التدريج في تحريمها فأنزل الله أولا فيها @QB@ يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ ثم ~~أنزل فيها لما شربها طائفة وصلوا فغلط الإمام في القراءة آية النهي عن ~~الصلاة سكارى ثم أنزل الله آية التحريم PageV17P202 # والنوع الثالث أن تكون الحكمة ناشئة من نفس الأمر وليس في الفعل ألبتة ~~مصلحة لكن المقصود ابتلاء العبد هل يطيع أو يعصي فإذا اعتقد الوجوب وعزم ~~على الفعل حصل المقصود بالأمر فينسخ حينئذ كما جرى للخليل في قصة الذبح ~~فإنه لم يكن الذبح مصلحة ولا كان هو مطلوب الرب في نفس الأمر بل كان مراد ~~الرب ابتلاء إبراهيم ليقدم طاعة ربه ومحبته على محبة الولد ولا يبقى في ~~قلبه التفات إلى غير الله فإنه كان يحب الولد محبة شديدة وكان قد سأل الله ~~أن يهبه إياه وهو خليل الله فأراد تعالى تكميل خلته لله بأن لا يبقى في ~~قلبه ما يزاحم به محبة ربه @QB@ فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين ~~@QE@ ومثل هذا الحديث الذي في صحيح البخاري حديث أبرص وأقرع وأعمى كان ~~المقصود إبتلاءهم لا نفس الفعل وهذا الوجه والذي قبله مما خفى على المعتزلة ~~فلم يعرفوا وجه الحكمة الناشئة من الأمر ولا من المأمور لتعلق الأمر به بل ~~لم يعرفوا إلا الأول والذين أنكروا الحكمة عندهم الجميع سواء لا يعتبرون ~~حكمة ولا تخصيص فعل بأمر ولا غير ذلك كما قد عرف من أصلهم # ثم إن كثيرا من هؤلاء وهؤلاء يتكلمون في تفسير القرآن والحديث والفقه ~~فيبنون على تلك الأصول التى لهم ولا يعرف حقائق أقوالهم PageV17P203 إلا من ~~عرف مأخذهم فقول القائل إن @QB@ قل هو الله أحد @QE@ وفاتحة الكتاب قد تكون ~~كل واحدة منهما في نفسها مماثلة لسائر السور وآية الكرسي مماثلة لسائر ~~الآيات وإنما خصت بكثرة ثواب قارئها أو لم تتعين ms5278 الفاتحة في الصلاة ونحو ~~ذلك إلا لمحض المشيئة من غير أن يكون فيها صفة تقتضي التخصيص هو مبنى على ~~أصول جهم في الخلق والأمر وإن كان وافقه عليه أبو الحسن وغيره وكتب السنة ~~المعروفة التى فيها آثار السلف يذكر فيها هذا وهذا ويجعل هذا القول قول ~~الجبرية المتبعين لجهم في أقوال القدرية الجبرية المبتدعة والسلف كانوا ~~ينكرون قول الجبرية الجهمية كما ينكرون قول المعتزلة القدرية وهذا معروف عن ~~سفيان الثوري والأوزاعى والزبيدي وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم ~~وقد ذكر ذلك غير واحد من أتباع الأئمة من الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية وسائر أهل السنة في كتبهم كما قد بسط في مواضعه وذكرت أقوال ~~السلف والأئمة في ذلك # وإنما نبهنا هنا على الأصل لأن كثيرا من الناس لا يعرف ذلك ولا يظن قول ~~أهل السنة في القدر إلا القول الذي هو عند أهل السنة قول جهم وأتباعه ~~المجبرة أو ما يشبه ذلك كما أن منهم من يظن أن قول أهل السنة في مسائل ~~الأسماء والأحكام والوعد والوعيد هو أيضا القول المعروف عند أهل السنة بقول ~~جهم وهذا يعرفه من يعرف PageV17P204 أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام ~~المشهورين في هذه الأصول وذلك موجود في الكتب المصنفة التى فيها أقوال ~~جمهور الأئمة التى يذكر فيها أقوالهم في الفقه كثيرا والعلماء الأكابر من ~~أتباع الأئمة الأربعة على مذهب السلف في ذلك وكثير من الكتب المصنفة التى ~~يذكر فيها أقوال السلف على وجه الإتباع من تصنيف أصحاب مالك والشافعي وأبى ~~حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم يذكرون ذلك فيها # وينبغي للعاقل أن يعرف أن مثل هذه المسائل العظيمة التى هي من أعظم مسائل ~~الدين لم يكن السلف جاهلين بها ولا معرضين عنها بل من لم يعرف ما قالوه فهو ~~الجاهل بالحق فيها وبأقوال السلف وبما دل عليه الكتاب والسنة والصواب في ~~جميع مسائل النزاع ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~وقولهم هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والعقل الصريح وقد بسط هذا ms5279 في مواضع ~~كثيرة والله سبحانه أعلم PageV17P205 ### |||| وسئل شيخ الإسلام ومفتى الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية رضي الله عنه # عن فتيا صورتها # ما تقول السادة العلماء في تفسير قول النبى صلى الله عليه وسلم في سورة ~~الإخلاص ( إنها تعدل ثلث القرآن ( فكيف ذلك مع قلة حروفها وكثرة حروف ~~القرآن بينوا لنا ذلك بيانا مبسوطا شافيا وأفتونا مأجورين إن شاء الله ~~تعالى ### ||||| فأجاب رضي الله عنه بما صورته # الحمد لله الأحاديث المأثورة عن النبى صلى الله عليه وسلم في فضل @QB@ قل ~~هو الله أحد @QE@ وأنها تعدل ثلث القرآن من أصح الأحاديث وأشهرها حتى قال ~~طائفة من الحفاظ كالدارقطنى لم يصح عن النبى صلى الله عليه وسلم في فضل ~~سورة من القرآن أكثر مما صح عنه في فضل @QB@ قل هو الله أحد @QE@ وجاءت ~~الأحاديث بالألفاظ كقوله ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ( وقوله ( من ~~قرأ قل هو الله PageV17P206 أحد مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن ومن قرأها مرتين ~~فكأنما قرأ ثلثي القرآن ومن قرأها ثلاثا فكأنما قرأ القرآن كله ( وقوله ~~للناس ( إحتشدوا حتى أقرأ عليكم ثلث القرآن فحشدوا حتى قرأ عليهم @QB@ قل ~~هو الله أحد @QE@ قال والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن # وأما توجيه ذلك فقد قالت طائفة من أهل العلم أن القرآن بإعتبار معانيه ~~ثلاثة أثلاث ثلث توحيد وثلث قصص وثلث أمر ونهي و @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ~~هي صفة الرحمن ونسبه وهي متضمنة ثلث القرآن وذلك لأن القرآن كلام الله ~~تعالى والكلام إما إنشاء وإما إخبار فالإنشاء هو الأمر والنهي وما يتبع ذلك ~~كالإباحة ونحوها وهو الإحكام والإخبار إما إخبارعن الخالق وإما إخبار عن ~~المخلوق فالإخبار عن الخالق هو التوحيد وما يتضمنه من أسماء الله وصفاته ~~والإخبار عن المخلوق هو القصص وهو الخبر عما كان وعما يكون ويدخل فيه الخبر ~~عن الأنبياء وأممهم ومن كذبهم والإخبار عن الجنة والنار والثواب والعقاب ~~قالوا فبهذا الإعتبار تكون @QB@ قل هو الله أحد @QE@ تعدل ثلث القرآن لما ms5280 ~~فيها من التوحيد الذي هو ثلث معانى القرآن # بقي أن يقال فإذا كانت تعدل ثلث القرآن مع قلة حروفها كان PageV17P207 ~~للرجل أن يكتفي بها عن سائر القرآن فيقال في جواب ذلك إن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال ( إنها تعدل ثلث القرآن ( وعدل الشيء بالفتح يقال على ما ليس ~~من جنسه كما قال تعالى ( أو عدل ذلك صياما ( فجعل الصيام عدل كفارة وهما ~~جنسان ولاريب أن الثواب أنواع مختلفة في الجنة فإن كل ما ينتفع به العبد ~~ويلتذ به من مأكول ومشروب ومنكوح ومشموم هو من الثواب وأعلاه النظر إلى وجه ~~الله تعالى وإذا كانت أحوال الدنيا لإختلاف منافعها يحتاج إليها كلها وإن ~~كان بعضها يعدل ما هو أكبر منه في الصورة كما أن الف دينار تعدل من الفضة ~~والطعام والثياب وغير ذلك ما هو أكبر منها ثم من ملك الذهب فقد ملك ما يعدل ~~مقدار ألف دينار من ذلك وإن كان لا يستغني بذلك عن سائر أنواع المال التى ~~ينتفع بها لأن المساواة وقعت في القدرلا في النوع والصفة فكذلك ثواب @QB@ ~~قل هو الله أحد @QE@ وإن كان يعدل ثواب ثلث القرأن في القدر فلا يجب أن ~~يكون مثله في النوع والصفة وأما سائر القرآن ففيه من الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد ما يحتاج إليه العباد فلهذا كان الناس محتاجين لسائر القرآن ~~ومنتفعين به منفعة لا تغني عنها هذه السورة وإن كانت تعدل ثلث القرآن # فهذه المسالة مبنية على أصل وهو أن القرآن هل يتفاضل في PageV17P208 نفسه ~~فيكون بعضه أفضل من بعض وهذا فيه للمتأخرين قولان مشهوران منهم من قال لا ~~يتفاضل في نفسه لأنه كله كلام الله وكلام الله صفة له قالوا وصفة الله لا ~~تتفاضل لا سيما مع القول بأنه قديم فإن القديم لا يتفاضل كذلك قال هؤلاء في ~~قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ~~قالوا فخير إنما يعود إلى غير الآية مثل نفع العباد وثوابهم والقول الثاني ~~أن بعض القرآن أفضل ms5281 من بعض وهذا قول الأكثرين من الخلف والسلف فإن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح في الفاتحة أنه لم ينزل في ~~التوراة ولا في الإنجيل ولا الزبور ولا القرآن مثلها ( فنفى أن يكون لها ~~مثل فكيف يجوز أن يقال إنه متماثل وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال لأبي بن ~~كعب ( يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله أعظم قال @QB@ الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم @QE@ فضرب بيده في صدره وقال له ليهنك العلم أبا المنذر ~~( فقد بين أن هذه الآية أعظم آية في القرآن وهذا بين أن بعض الآيات أعظم من ~~بعض # وأيضا فإن القرآن كلام الله والكلام يشرف بالمتكلم به سواء كان خبرا أو ~~أمرا فالخبر يشرف بشرف المخبر وبشرف المخبر عنه والأمر يشرف بشرف الآمر ~~وبشرف المأمور به فالقرآن وإن كان PageV17P209 كله مشتركا فإن الله تكلم به ~~لكن منه ما أخبر الله به عن نفسه ومنه ما أخبر به عن خلقه ومنه ما أمرهم به ~~فمنه ما أمرهم فيه بالإيمان ونهاهم فيه عن الشرك ومنه ما أمرهم به بكتابة ~~الدين ونهاهم فيه عن الربا # ومعلوم أن ما أخبر به عن نفسه ك @QB@ قل هو الله أحد @QE@ أعظم مما أخبر ~~به عن خلقه ك @QB@ تبت يدا أبي لهب @QE@ وما أمر فيه بالإيمان وما نهى فيه ~~عن الشرك أعظم مما أمر فيه بكتابة الدين ونهي فيه عن الربا ولهذا كان كلام ~~العبد مشتركا بالنسبة إلى العبد وهو كلام لمتكلم واحد ثم إنه يتفاضل بحسب ~~المتكلم فيه فكلام العبد الذي يذكر به ربه ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن ~~المنكر أفضل من كلامه الذي يذكر فيه خلقه ويأمر فيه بمباح أو محظور وإنما ~~غلط من قال بالأول لأنه نظر إلى إحدى جهتى الكلام وهي جهة المتكلم به وأعرض ~~عن الجهة الأخرى وهي جهة المتكلم فيه وكلاهما للكلام به تعلق يحصل به ~~التفاضل والتماثل # قالوا ومن أعاد التفاضل إلى مجرد كثرة الثواب أو قلته من ms5282 غير أن يكون ~~الكلام في نفسه أفضل كان بمنزلة من جعل عملين متساويين وثواب أحدهما أضعاف ~~ثواب الآخر مع أن العملين في أنفسهما لم يختص أحدهما بمزية بل كدرهم ودرهم ~~تصدق بهما رجل واحد في وقت واحد ومكان PageV17P210 و أحد على إثنين ~~متساويين في الإستحقاق ونيته بهما واحدة ولم يتميز أحدهما على الآخر بفضيلة ~~فكيف يكون ثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر بل تفاضل الثواب والعقاب دليل على ~~تفاضل الأعمال في الخير والشر وهذا الكلام متصل بالكلام في إشتمال الأعمال ~~على صفات بها كانت صالحة حسنة وبها كانت فاسدة قبيحة وقد بسط هذا في غير ~~هذا الموضع # وقول من قال صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك قول لا دليل عليه بل هو مورد ~~النزاع ومن الذي جعل صفته التى هي الرحمة لا تفضل على صفته التى هي الغضب ~~وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم ( إن الله كتب في كتاب موضوع عنده فوق ~~العرش إن رحمتى تغلب غضبى وفى رواية تسبق غضبى ( وصفة الموصوف من العلم ~~والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات تتفاضل من ~~وجهين # ( أحدهما ( أن بعض الصفات أفضل من بعض وأدخل في كل الموصوف بها فإنا نعلم ~~أن إتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل من إتصافه بضد ذلك لكن الله ~~تعالى لا يوصف بضد ذلك ولا يوصف إلا بصفات الكمال وله الأسماء الحسنى يدعى ~~بها فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى وأسماؤه متضمنة لصفاته وبعض أسمائه أفضل ~~من بعض PageV17P211 و أدخل في كمال الموصوف بها ولهذا في الدعاء المأثور ( ~~أسألك بإسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر ( و ( لقد دعا الله بإسمه العظيم ~~الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى ( وأمثال ذلك فتفاضل الأسماء ~~والصفات من الأمور البينات # ( والثانى ( أن الصفة الواحدة قد تتفاضل فالأمر بمأمور يكون أكمل من ~~الأمر بمأمور آخر والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم والرحمة لهم ~~أكمل من الرحمة لغيرهم وتكليم الله لبعض عباده أكمل من تكليمه لبعض وكذلك ~~سائر ms5283 هذا الباب وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة فهي أيضا متفاضلة كما دل على ~~ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع العقل وإنما شبهة من منع تفاضلها من جنس ~~شبهة من منع تعددها وذلك يرجع إلى نفي الصفات كما يقوله الجهمية لما إدعوه ~~من التركيب وقد بينا فساد هذا مبسوطا في موضعه PageV17P212 ### |||| وسئل # عمن يقرأ القرآن هل يقرأ ( سورة الإخلاص ( مرة أو ثلاثا وما السنة في ذلك ### ||||| فأجاب # إذا قرأ القرآن كله ينبغي أن يقرأها كما في المصحف مرة واحدة هكذا ~~قال العلماء لئلا يزاد على ما في المصحف وأما إذا قرأها وحدها أو مع بعض ~~القرآن فإنه إذا قرأها ثلاث مرات عدلت القرآن والله أعلم PageV17P213 ### || 1 ( تفسير سورة الاخلاص ) 1 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ~~ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده ~~الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لاشريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم تسليما ! 8 ~~< ### ||| فصل # في تفسير @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد @QE@ # والإسم ( الصمد ( فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة وليست كذلك ~~بل كلها صواب والمشهور منها قولان ( أحدهما ( أن الصمد هو الذي لا جوف له ( ~~والثاني ( أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج والأول هو قول PageV17P214 ~~أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة والثاني قول طائفة من ~~السلف والخلف وجمهور اللغويين والآثار المنقولة عن السلف بأسانيدها في كتب ~~التفسير المسندة وفى كتب السنة وغير ذلك وقد كتبنا من الآثار في ذلك شيئا ~~كثيرا بإسناده فيما تقدم # وتفسير ( الصمد ( بأنه الذي لا جوف له معروف عن إبن مسعود موقوفا ومرفوعا ~~وعن إبن عباس والحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك والسدي ~~وقتادة وبمعنى ذلك قال سعيد بن المسيب قال هو الذي لا حشو له وكذلك قال ms5284 إبن ~~مسعود هو الذي ليست له أحشاء وكذلك قال الشعبى هو الذي لا يأكل ولا يشرب ~~وعن محمد بن كعب القرظي وعكرمة هو الذي لا يخرج منه شيء وعن ميسرة قال هو ~~المصمت قال إبن قتيبة كأن الدال في هذا التفسير مبدلة من تاء والصمت من هذا # قلت لا إبدال في هذا ولكن هذا من جهة الإشتقاق الأكبر وسنبين إن شاء الله ~~وجه القول من جهة الإشتقاق واللغة # وفي الحديث المأثور في سبب نزول هذه الآية رواه الإمام أحمد في المسند ~~وغيره من حديث أبى سعد الصغانى حدثنا أبو جعفرالرازي PageV17P215 # عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبى بن كعب ( أن المشركين قالوا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنسب لنا ربك فأنزل الله @QB@ قل هو الله ~~أحد الله الصمد @QE@ إلى آخر السورة قال الصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ~~ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وأن الله لا يموت ولا يورث ~~( # وأما تفسيره بأنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج فهو أيضا مروى عن إبن ~~عباس موقوفا ومرفوعا فهو من تفسير الوالبى عن إبن عباس قال ( الصمد ( السيد ~~الذي كمل في سؤدده وهذا مشهور عن أبى وائل شقيق بن سلمة قال هو السيد الذي ~~إنتهى سؤدده وعن أبى إسحاق الكوفى عن عكرمة الصمد الذي ليس فوقه أحد ويروى ~~هذا عن علي وعن كعب الأحبار الذي لا يكافئه من خلقه أحد وعن السدي أيضا هو ~~المقصود إليه في الرغائب والمستغاث به عند المصائب وعن أبى هريرة رضي الله ~~عنه هو المستغنى عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد وعن سعيد بن جبير أيضا ~~الكامل في جميع صفاته وأفعاله وعن الربيع الذي لا تعتريه الآفات وعن مقاتل ~~بن حيان الذي لا عيب فيه وعن إبن كيسان هو الذي لا يوصف بصفته أحد قال أبو ~~بكر الأنبارى لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد الذي ~~يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم ms5285 PageV17P216 و قال الزجاج هو الذي ~~ينتهى إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء أي قصد قصده وقد أنشدوا في هذا بيتين ~~مشهورين أحدهما # % ألا بكر الناعى بخيرى بني أسد % بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد % # وقال الآخر % # علوته بحسامي ثم قلت له % خذها حذيف فأنت السيد الصمد % # وقال بعض أهل اللغة الصمد هو السيد المقصود في الحوائج تقول العرب صمدت ~~فلانا أصمده بكسر الميم وأصمده بضم الميم صمدا بسكون الميم إذا قصدته ~~والمصمود صمد كالقبض بمعنى المقبوض والنقض بمعنى المنقوض ويقال بيت مصمود ~~ومصمد إذا قصده الناس في حوائجهم قال طرفة # و % أن يلتق الحي الجميع تلاقني % إلى ذروة البيت الرفيع المصمد % وقال ~~الجوهري صمده يصمده صمدا إذا قصده والصمد بالتحريك السيد لأنه يصمد إليه في ~~الحوائج ويقال بيت مصمد بالتشديد أي مقصود PageV17P217 # وقال الخطابى أصح ~~الوجوه أنه السيد الذى يصمد إليه في الحوائج لان الاشتقاق يشهد له فان أصل ~~الصمد القصد يقال اصمد صمد فلان أى أقصد قصده فالصمد السيد الذى يصمد إليه ~~في الامور ويقصد في الحوائج وقال قتادة الصمد الباقى بعد خلقه وقال مجاهد ~~ومعمر هو الدائم وقد جعل الخطابى وأبو الفرج بن الجوزى الاقوال فيه أربعة ~~هذين واللذين تقدما وسنبين ان شاء الله أن بقاءه ودوامه من تمام الصمدية ~~وعن مرة الهمدانى هو الذى لا يبلى ولا يفنى وعنه أيضا قال هو الذى يحكم ما ~~يريد ويفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه # وقال إبن عطاء هو المتعالي عن الكون والفساد وعنه أيضا قال الصمد الذي لم ~~يتبين عليه أثر فيما أظهر يريد قوله @QB@ وما مسنا من لغوب @QE@ وقال ~~الحسين بن الفضل هو الأزلي بلا إبتداء وقال محمد بن علي الحكيم الترمذي هو ~~الأول بلا عدد والباقى بلا أمد والقائم بلا عمد وقال أيضا الصمد الذي لا ~~تدركه الأبصار ولا تحويه الأفكارولا تبلغه الأقطار وكل شيء عنده بمقدار ~~وقيل هو الذي جل عن شبه المصورين وقيل هو بمعنى نفى التجزي والتأليف عن ~~ذاته وهذا قول ms5286 كثير من أهل الكلام وقيل هو الذي أيست العقول من الإطلاع على ~~كيفيته وكذلك قيل هو الذي لا تدرك حقيقة نعوته PageV17P218 و صفاته فلا ~~يتسع له اللسان ولا يشير إليه البنان وقيل هو الذي لم يعط خلقه من معرفته ~~إلا الإسم والصفة وعن الجنيد قال الذي لم يجعل لأعدائه سبيلا إلى معرفته # ونحن نذكر ما حضرنا من ألفاظ السلف بأسانيدها فروى إبن أبي حاتم في ~~تفسيره قال ( ثنا أبى ثنا محمد بن موسى بن نفيع الجرشي ثنا عبد الله بن ~~عيسى يعنى أبا خلف الخزاز ثنا داود بن أبى هند عن عكرمة عن إبن عباس في ~~قوله ( الصمد ( قال الصمد الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء # حدثنا أبو زرعة ثنا محمد بن ثعلبة بن سواء السدوسي ثنا محمد بن سواء ثنا ~~سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم قال الصمد الذي يصمد العباد إليه ~~في حوائجهم حدثنا أبي ثنا عبد الرحمن بن الضحاك ثنا سويد بن عبد العزيز ثنا ~~سفيان بن حسين عن الحسن قال الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له حدثنا أبى ~~ثنا نصر بن علي ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال الصمد ~~الباقى بعد خلقه وهو قول قتادة حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا إبن نمير عن ~~الأعمش عن شقيق في قوله @QB@ الصمد @QE@ قال السيد الذي قد إنتهى سؤدده ~~PageV17P219 حدثنا أبي ثنا أبو صالح ثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ~~عن إبن عباس في قوله @QB@ الصمد @QE@ قال السيد الذي قد كمل في سؤدده ~~والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد ~~كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو ~~الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد هو الله سبحانه وتعالى هذه صفته لا ~~تنبغي لأحد إلا له ليس له كفؤ وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار # حدثنا كثير ms5287 بن شهاب المذحجي القزوينى ثنا محمد بن سعيد بن سابق ثنا أبو ~~جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في قوله @QB@ الصمد @QE@ قال الذي لم يلد ولم ~~يولد حدثنا أبو سعيد الاشج ثنا إبن علية عن أبى رجاء عن عكرمة في قوله @QB@ ~~الصمد @QE@ قال الذي لم يخرج منه شيء حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أبو أحمد ~~ثنا مندل بن علي عن أبى روق عطية بن الحارث عن أبى عبد الرحمن السلمى عن ~~عبد الله بن مسعود قال @QB@ الصمد @QE@ الذي ليس له أحشاء وروى عن سعيد بن ~~المسيب # مثله حدثنا أبى ثنا محمد بن عمر بن عبد الله الرومي ثنا عبيد الله بن ~~سعيد قائد الأعمش عن صالح بن حيان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال لا ~~أعلمه إلا قد رفعه قال ( الصمد ( الذي لا جوف PageV17P220 له وروى عن عبد ~~الله بن عباس وعبد الله بن مسعود في إحدي الروايات والحسن وعكرمة وعطية ~~وسعيد بن جبير ومجاهد في إحدي الروايات والضحاك مثل ذلك حدثنا أبى ثنا ~~قبيصة ثنا سفيان عن منصور عن مجاهد قال الصمد المصمت الذي لا جوف له # حدثنا أبو عبد الله الطهرانى ثنا حفص بن عمر العدنى ثنا الحكم بن أبان عن ~~عكرمة في قوله @QB@ الصمد @QE@ قال @QB@ الصمد @QE@ الذي لا يطعم حدثنا أبى ~~ثنا على بن هاشم بن مرزوق ثنا هشيم عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى أنه ~~قال ( الصمد ( الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب حدثنا أبي وأبو زرعة ~~قالا ثنا أحمد بن منيع ثنا محمد بن ميسر يعنى أبا سعد الصغانى ثنا أبو جعفر ~~الرازى عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى بن كعب في قوله @QB@ الصمد ~~@QE@ قال @QB@ الصمد @QE@ الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يلد إلا يموت ~~وليس شيء يموت إلا يورث وإن الله لا يموت ولا يورث ( ولم يكن له كفوا أحد ( ~~قال لم يكن له شبه ولا عدل وليس كمثله شيء # حدثنا علي بن الحسين ثنا ms5288 محمود بن خداش ثنا أبو سعد الصغانى ثنا أبو جعفر ~~الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ( أن المشركين قالوا ~~إنسب لنا ربك فأنزل الله PageV17P221 هذه السورة ( حدثنا أبو زرعة ثنا ~~العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة @QB@ ولم يكن له كفوا ~~أحد @QE@ قال أن الله لا يكافئه من خلقه أحد حدثنا علي بن الحسين ثنا أبو ~~عبد الله الجرشي ثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى ثنا داود بن أبى هند عن ~~عكرمة عن إبن عباس قال ( إن اليهود جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم منهم ~~كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وجدي بن أخطب فقالوا يا محمد صف لنا ربك الذي ~~بعثك فأنزل الله @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد @QE@ فيخرج منه ~~الولد ( ولم يولد ( فيخرج منه شيء ( # وقال إبن جرير الطبري في تفسيره حدثنا أحمد بن منيع المروزي ومحمود بن ~~خداش الطالقاني فذكر مثل إسناد إبن أبي حاتم عن أبي بن كعب سؤال المشركين ~~للنبى صلى الله عليه وسلم إنسب لنا ربك فأنزل الله @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ حدثنا إبن حميد ثنا يحيى بن واضح ثنا الحسين عن يزيد عن عكرمة أن ~~المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن صفة ربك ما هو ومن ~~أي شيء هو فأنزل الله هذه السورة ورواه أيضا عن أبي العالية وعن جابر بن ~~عبد الله حدثنا شريح ثنا إسماعيل بن مجاهد عن الشعبي عن جابر فذكره قال ~~وقيل هومن سؤال اليهود # حدثنا إبن حميد ثنا سلمة ثنا إبن إسحاق عن محمد بن سعيد PageV17P222 قال ~~( أتى رهط من اليهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد هذا الله ~~خلق الخلق فمن خلقه فغضب النبى صلى الله عليه وسلم حتى إنتقع لونه ثم ~~ساورهم غضبا لربه فجاءه جبريل فسكنه وقال أخفض عليك جناحك يا محمد وجاءه من ~~الله جواب ما سألوه عنه قال يقول الله @QB@ قل ms5289 هو الله أحد @QE@ إلى آخرها ~~فلما تلاها عليهم النبى صلى الله عليه وسلم قالوا له صف لنا ربك كيف خلقه ~~كيف عضده كيف ساعده وكيف ذراعه فغضب النبى صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه ~~الأول وساورهم فأتاه جبريل فقال له مثل مقالته الأولى وأتاه بجواب ما سألوه ~~فأنزل الله @QB@ وما قدروا الله حق قدره @QE@ # وروى الحكم بن معبد في ( كتاب الرد على الجهمية ( قال ثنا عبد الله بن ~~محمد بن النعمان ثنا سلمة بن شبيب ثني يحيى بن عبد الله ثني ضرار عن أبان ~~عن أنس قال ( أتت يهود خيبر إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا ~~القاسم خلق الله الملائكة من نور الحجاب وآدم من حمأ مسنون وإبليس من لهب ~~النار والسماء من دخان والأرض من زبد الماء فأخبرنا عن ربك قال فلم يجبهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل فقال يامحمد @QB@ قل هو الله أحد ~~الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ليس له عروق شعب ~~إليها @QB@ الصمد @QE@ ليس بأجوف ولا يأكل PageV17P223 و لا يشرب ( لم يلد ~~ولم يولد ( ليس له ولد ولا والد ينسب إليه ( ولم يكن له كفوا أحد ( ليس شيء ~~من خلقه يعدل مكانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ( الحديث # وقال إبن جرير ثنا عبد الرحمن بن الأسود ثنا محمد بن ربيعة عن سلمة بن ~~سابور عن عطية عن إبن عباس قال @QB@ الصمد @QE@ الذي ليس بأجوف حدثنا إبن ~~بشار ثنا عبد الرحمن ثنا سفيان عن منصور عن مجاهد @QB@ الصمد @QE@ المصمت ~~الذي لا جوف له حدثنا أبو كريب ثنا وكيع عن سفيان عن منصور مثله سواء # حدثنا الحارث ثنا الحسن ثنا ورقاء عن إبن أبي نجيح عن مجاهد مثله حدثنا ~~إبن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا الربيع بن مسلم عن الحسن قال @QB@ الصمد @QE@ ~~الذي لا جوف له وبهذا الإسناد عن إبراهيم بن ميسرة قال أرسلنى مجاهد إلى ~~سعيد بن جبير أسأله عن ( الصمد ( فقال الذي لا جوف له ms5290 حدثنا إبن بشار ثنا ~~يحيى ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبى قال ( الصمد ( الذي لا يطعم الطعام ~~ورواه يعقوب عن هشيم عن إسماعيل عنه قال لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب # حدثنا إبن بشار وزيد بن أخزم قالا ثنا إبن داود عن المستقيم بن عبد الملك ~~عن سعيد بن المسيب قال @QB@ الصمد @QE@ الذي لا حشو PageV17P224 له حدثنا ~~الحسين ثنا أبو معاذ ثنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول @QB@ الصمد @QE@ الذي ~~لا جوف له وروى عن إبن بريدة فيه حديثا مرفوعا لكنه ضعيف قال وقال آخرون هو ~~الذي لا يخرج منه شيء حدثنا يعقوب بن أبي علية عن أبى رجاء سمعت عكرمة قال ~~في قوله @QB@ الصمد @QE@ لم يخرج منه شيء لم يلد ولم يولد حدثنا إبن بشار ~~ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي رجاء محمد بن يوسف عن عكرمة قال @QB@ ~~الصمد @QE@ الذي لا يخرج منه شيء # وقال آخرون لم يلد ولم يولد وذكر حديث أبي بن كعب الذي رواه إبن أبى حاتم ~~والذي فيه أنه سبحانه لا يموت ولا يورث قال وقال آخرون هو السيد الذي إنتهي ~~في سؤدده قال وثنا أبو السائب ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق قال @QB@ ~~الصمد @QE@ هو السيد الذي إنتهى في سؤدده حدثنا أبو كريب وإبن بشار وإبن ~~عبدالأعلى قالوا ثنا وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال @QB@ الصمد @QE@ السيد ~~الذي إنتهى في سؤدده حدثنا إبن حميد ثنا مهران عن سفيان عن الأعمش عن أبي ~~وائل مثله حدثنا أبو صالح ثنا معاوية عن علي عن إبن عباس في قوله @QB@ ~~الصمد @QE@ قال السيد الذي قد كمل في سؤدده وذكر مثل الحديث الذي رواه إبن ~~أبي حاتم كما PageV17P225 تقدم قلت الاشتقاق يشهد للقولين جميعا قول من قال ~~ان ( الصمد ) الذى لا جوف له وقول من قال انه السيد وهو على الاول ادل فان ~~الاول اصل للثانى ولفظ الصمد يقال على ما لا جوف له في اللغة قال يحيى بن ~~ابى كثير الملائكة صمد والادميون جوف ms5291 وفى حديث آدم ان ابليس قال عنه انه ~~اجوف ليس بصمد وقال الجوهرى المصمد لغة في المصمت وهو الذى لا جوف له قال ~~والصماد عفاص القارورة وقال الصمد المكان المرتفع الغليظ قال أبو النجم # يغادر الصمد كظهر الاجزل # وأصل هذه المادة الجمع والقوة ومنه يقال يصمد المال أي يجمعه وكذلك ( ~~السيد ( أصله سيود إجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ~~وأدغمت كما قيل ميت وأصله ميوت والمادة في السواد والسؤدد تدل على الجمع ~~واللون الأسود هو الجامع للبصر وقد قال تعالى @QB@ وسيدا وحصورا @QE@ قال ~~أكثر السلف ( سيدا ( حليما وكذلك يروى عن الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء ~~وأبى الشعثاء والربيع بن أنس ومقاتل وقال أبو روق عن الضحاك أنه الحسن ~~الخلق وروى سالم عن سعيد بن جبير أنه إلتقى ولا يسود الرجل الناس حتى يكون ~~في نفسه مجتمع الخلق ثابتا PageV17P226 # وقال عبد الله بن عمر ما رأيت بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية فقيل له ولا أبو بكر ولا عمر ~~قال كان أبو بكر وعمر خيرا منه وما رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أسود من معاوية قال أحمد بن حنبل يعنى به الحليم أو قال الكريم ولهذا قيل # % إذا شئت يوما أن تسود قبيلة % فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم % ولهذا ~~فسرطائفة من السلف السيد بأنه سيد قومه في الدين وقال إبن زيد هو الشريف ~~وقال الزجاج الذي يفوق قومه في الخير وقال إبن الأنباري السيد هنا الرئيس ~~والإمام في الخير وعن إبن عباس ومجاهد هو الكريم على ربه وعن سعيد بن ~~المسيب هو الفقيه العالم وقد تقدم أنهم يقولون لعفاص القارورة صماد قال ~~الجوهري العفاص جلد يلبسه رأس القارورة وأما الذي يدخل في فمه فهو الصمام ~~وقد عفصت القارورة شددت عليها العفاص # ( قلت ( وفى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم في اللقطة ( ثم ~~أعرف عفاصها وو كاءها ( والمراد بالعفاص ما يكون فيه الدراهم كالخرقة التى ~~تربط فيها الدراهم والوكاء ms5292 مثل الخيط الذي يربط به وهذا من جنس عفاص ~~القارورة ولفظ العفص والسد والصمد PageV17P227 و الجمع والسؤدد معانيها ~~متشابهة فيها الجمع والقوة ويقال طعام عفص وفيه عفوصة أي تقبض ومنه العفص ~~الذي يتخذ منه الحبر # وقد قال الجوهري هو مولد ليس من كلام أهل البادية وهذا لا يضر لأنه لم ~~يكن عندهم عفص يسمونه بهذا الإسم لكن التسمية به جارية على أصول كلام العرب ~~وكذلك تسميتهم لما يدخل في فمها صمام فإن هذه المادة فيها معنى الجمع والسد # قال الجوهري صمام القارورة سدادها والحجر الأصم الصلب المصمت والرجل ~~الأصم هو الذي لا يسمع لانسداد سمعه والرجل الصمة الشجاع والصمة الذكر من ~~الحيات وصميم الشيء خالصه حيث لم يدخل إليه ما يفرقه ويضعفه يقال صميم الحر ~~وصميم البرد وفلان من صميم قومه والصمصام الصارم القاطع الذي لا ينثنى وصمم ~~في السير وغيره أي مضى ورجل صم أي غليظ # ومنه في الإشتقاق الأكبرالصوم فإن الصوم هو الإمساك قال أبو عبيدة كل ~~ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم لأن الإمساك فيه إجتماع والصائم لا ~~يدخل جوفه شيء ويقال صام الفرس إذا قام في غير إعتلاف قال النابغة # % خيل صيام وخيل غير صائمة % تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما PageV17P228 # وكذلك السد والسداد والسؤدد والسواد وكذلك لفظ الصمد فيه الجمع والجمع ~~فيه القوة فإن الشيء كلما إجتمع بعضه إلى بعض ولم يكن فيه خلل كان أقوى مما ~~إذا كان فيه خلو ولهذا يقال للمكان الغليظ المرتفع صمد لقوته وتماسكه ~~وإجتماع أجزائه والرجل الصمد هو السيد المصمود أي المقصود يقال قصدته وقصدت ~~له وقصدت إليه وكذلك هو مصمود ومصمود له وإليه والناس إنما يقصدون في ~~حوائجهم من يقوم بها وإنما يقوم بها من يكون في نفسه مجتمعا قويا ثابتا وهو ~~السيد الكريم بخلاف من يكون هلوعا جزوعا يتفرق ويقلق ويتمزق من كثرة ~~حوائجهم وثقلها فإن هذا ليس بسيد صمد يصمدون إليه في حوائجهم # فهم إنما سموا السيد من الناس صمدا لما فيه من المعنى ms5293 الذي لأجله يقصده ~~الناس في حوائجهم فليس معنى السيد في لغتهم معنى إضافي فقط كلفظ القرب ~~والبعد بل هو معنى قائم بالسيد لأجله يقصده الناس والسيد من السؤدد والسواد ~~وهذا من جنس السداد في الإشتقاق الأكبر فإن العرب تعاقب بين حرف العلة ~~والحرف المضاعف كما يقولون تقضى البازي وتقضض والساد هو الذي يسد غيره فلا ~~يبقى فيه خلو ومنه سداد القارورة وسداد الثغر بالكسر فيهما وهو ما يسد ذلك ~~ومنه السداد بالفتح وهو الصواب ومنه القول السديد قال PageV17P229 الله ~~تعالى @QB@ اتقوا الله وقولوا قولا سديدا @QE@ قالوا قصدا حقا وعن إبن عباس ~~صوابا وعن قتادة ومقاتل عدلا وعن السدى مستقيما وكل هذه الأقوال صحيح فإن ~~القول السديد هو المطابق الموافق فإن كان خبرا كان صدقا مطابقا لمخبره لا ~~يزيد ولا ينقص وإن كان أمرا كان أمرا بالعدل الذي لا يزيد ولا ينقص ولهذا ~~يفسرون السداد بالقصد والقصد بالعدل # قال الجوهري التسديد التوفيق للسداد وهو الصواب والقصد في القول والعمل ~~ورجل مسدد إذا كان يعمل بالسداد والقصد والمسدد المقوم وسدد رمحه وأمر سديد ~~وأسد أي قاصد وقد إستد الشيء إستقام قال الشاعر % أعلمه الرماية كل يوم % ~~فلما إستد ساعده رماني % # وقال الأصمعي إشتد بالشين المعجمة ليس بشيء وتعبيرهم عن السد بالقصد يدلك ~~على أن لفظ القصد فيه معنى الجمع والقوة والقصد العدل كما أنه السداد ~~والصواب وهو المطابق الموافق الذي لا يزيد ولا ينقص وهذا هو الجامع المطابق ~~ومنه قوله تعالى @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ أي السبيل القصد وهو ~~السبيل العدل أي إليه تنتهي السبيل العادلة كما قال تعالى @QB@ إن علينا ~~للهدى @QE@ أي الهدي إلينا PageV17P230 هذا أصح الأقوال في الآيتين وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ قال هذا صراط علي مستقيم @QE@ # ومنه في الإشتقاق الأوسط الصدق فإن حروفه حروف القصد فمنه الصدق في ~~الحديث لمطابقته مخبره كما قيل في السداد والصدق بالفتح الصلب من الرماح ~~ويقال المستوى فهو معتدل صلب ليس فيه خلل ولا عوج والصندوق واحد الصناديق ~~فإنه يجمع ما يوضع فيه # ومما ينبغى ms5294 ان يعرف في باب الاشتقاق انه اذا قيل هذا مشتق من هذا فله ~~معنيان # ( أحدهما ان بين القولين تناسبا في اللفظ والمعنى سواء كان اهل اللغة ~~تكلموا بهذا بعد هذا أو بهذا بعد هذا وعلى هذا فكل من القولين مشتق من ~~الاخر فان المقصود انه مناسب له لفظا ومعنى كما يقال هذا الماء من هذا ~~الماء وهذا الكلام من هذا الكلام وعلى هذا فاذا قيل ان الفعل مشتق من ~~المصدر أو المصدر مشتق من الفعل كان كلا القولين صحيحا وهذا هو الاشتقاق ~~الذى يقوم عليه دليل التصريف # واما المعنى الثانى في الاشتقاق وهو أن يكون احدهما اصلا للاخر ~~PageV17P231 فهذا اذا عنى به أن احدهما تكلم به قبل الاخر لم يقم على هذا ~~دليل في اكثر المواضع وان عنى به ان احدهما متقدم على الاخر في العقل لكون ~~هذا مفردا وهذا مركبا فالفعل مشتق من المصدر والاشتقاق الاصغر اتفاق ~~القولين في الحروف وترتيبها والاوسط اتفاقهما في الحروف لا في الترتيب ~~والاكبر اتفاقهما في اعيان بعض الحروف وفى الجنس لا في الباقى كاتفاقهما في ~~كونهما من حروف الحلق اذا قيل حزر وعزر وازر فان الجميع فيه معنى القوة ~~والشدة وقد اشتركت مع الراء والزاي والحاء في ان الثلاثة حروف حلقية وعلى ~~هذا فاذا قيل الصمد بمعنى المصمت وانه مشتق منه بهذا الاعتبار فهو صحيح فان ~~الدال اخت التاء فان الصمت السكوت وهو امساك واطباق للفم عن الكلام # قال أبو عبيد المصمت الذى لا جوف له وقد اصمته انا وباب مصمت قد ابهم ~~اغلاقه والمصمت من الخيل البهيم أي لا يخالط لونه لون اخر ومنه قول بن عباس ~~انما حرم من الحرير المصمت فالمصمد والمصمت متفقان في الاشتقاق الاكبر ~~وليست الدال منقلبة عن التاء بل الدال اقوى والمصمد اكمل في معناه من ~~المصمت وكلما قوى الحرف كان معناه اقوى فان لغة العرب في غاية الاحكام ~~والتناسب ولهذا كان الصمت إمساك عن الكلام مع PageV17P232 امكانه والانسان ~~اجوف يخرج الكلام من فيه لكنه قد يصمت ms5295 بخلاف الصمد فانه انما استعمل فيما ~~لا تفرق فيه كالصمد والسيد والصمد من الأرض وصماد القارورة ونحو ذلك فليس ~~في هذه الالفاظ المتناسبة اكمل من الفاظ الصمد فان فيه الصاد والميم والدال ~~وكل من هذه الحروف الثلاثة لها مزية على ما يناسبها من الحروف والمعانى ~~المدلول عليها بمثل هذه الحروف أكمل # ومما يناسب هذه المعاني معنى ( الصبر ( فإن الصبر فيه جمع وإمساك ولهذا ~~قيل الصبر حبس النفس عن الجزع يقال صبر وصبرته أنا ومنه قوله تعالى @QB@ ~~واصبر نفسك @QE@ وكذلك معنى السيد الصمد خلاف معنى الجزوع المنوع ومنه ~~الصبرة من الطعام فإنها مجتمعة مكومة والصبارة الحجارة وصبر الشيء غلظه ~~وضده الجزع وفيه معنى التقطع والتفرق يقال جزع له جزعة من المال أي قطع له ~~قطعة والجزوعة القطعة من الغنم وإجتزعت من الشجر عودا أي إقتطعته وإكتسرته ~~وجزعت الوادي إذا قطعته عرضا والجزع منعطف الوادى ومنه الجزع وهو الخرز ~~اليمانى الذي فيه بياض وسواد وكذلك جزع البسر تجزيعا إذا أرطب نصفه [ أو ] ~~ثلثاه وهو خلاف قولهم مصمت للون الواحد لما في ذلك من الإجتماع وفي هذا من ~~التفرق # وقد قال تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه ~~الخير منوعا @QE@ PageV17P233 قال الجوهري الهلع أفحش الجزع وقال غيره هو ~~في اللغة أشد الحرص وأسوأ الجزع ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم ( شرما ~~في المرء شح هالع وجبن خالع ( وناقة هلوع إذا كانت سريعة السير خفيفة وذئب ~~هلع بلع والهلع من الحرص والبلع من الإبتلاع ولهذا كان كلام السلف في ~~تفسيره يتضمن هذه المعاني فروى عن إبن عباس قال هو الذي إذا مسه الشر جزوعا ~~وإذا مسه الخير منوعا وروى عنه أنه قال هو الحريص على ما لا يحل له وعن ~~سعيد بن جبير شحيحا وعن عكرمة ضجورا وعن جعفر حريصا وعن الحسن والضحاك ~~بخيلا وعن مجاهد شرها وعن الضحاك أيضا الهلوع الذي لا يشبع وعن مقاتل ضيق ~~القلب وعن عطاء عجولا وهذه المعاني كلها تنافي الثبات والقوة والإجتماع ~~والإمساك ms5296 والصبر وقد قال تعالى @QB@ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم @QE@ وهذا وإن كان قد قيل أن المراد به أنها ~~تنصدع فيموتون فإنه كما قيل في مثل ذلك قد إنصدع قلبه وقد تفرق قلبى وقد ~~تشتت قلبى وقد تقسم قلبى ومنه يقال للخوف قد فرق قلبه ويقال بإزاء ذلك هو ~~ثابت القلب مجتمع القلب مجموع القلب PageV17P234 ### ||| فصل # قال الله تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ فأدخل اللام في ~~الصمد ولم يدخلها في أحد لأنه ليس في الموجودات ما يسمى أحدا في الإثبات ~~مفردا غير مضاف إلا الله تعالى بخلاف النفي وما في معناه كالشرط والإستفهام ~~فإنه يقال هل عندك أحد وإن جاءني أحد من جهتك أكرمته وإنما إستعمل في العدد ~~المطلق يقال أحد إثنان ويقال أحد عشر وفى أول الأيام يقال يوم الأحد فإن ~~فيه على أصح القولين # إبتدأ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما كما دل عليه القرآن والأحاديث ~~الصحيحة فإن القرآن أخبر في غير موضع أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما ~~في ستة أيام وقد ثبت في الحديث الصحيح المتفق على صحته أن آخر المخلوقات ~~كان آدم خلق يوم الجمعة وإذا كان آخر الخلق كان يوم الجمعة دل على أن أوله ~~كان يوم الأحد لأنها ستة # وأما الحديث الذي رواه مسلم في قوله ( خلق الله التوبة يوم السبت ( فهو ~~حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره PageV17P235 قال البخاري ~~الصحيح أنه موقوف على كعب وقد ذكر تعليله البيهقى أيضا وبينوا أنه غلط ليس ~~مما رواه أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم وهو مما أنكر الحذاق على ~~مسلم إخراجه إياه كما أنكرواعليه إخراج أشياء يسيرة وقد بسط هذا في مواضع ~~أخر وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي في قوله تعالى ( خلق الأرض في يومين ( قال ~~إبن عباس خلق الأرض في يوم الأحد والإثنين وبه قال عبد الله بن سلام ~~والضحاك ومجاهد وإبن جريج والسدي والأكثرون وقال مقاتل في يوم الثلاثاء ~~والأربعاء ms5297 # قال وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة ( خلق الله التربة يوم السبت ( قال ~~وهذا الحديث مخالف لما تقدم وهو أصح فصحح هذا لظنه صحة الحديث إذ رواه مسلم ~~ولكن هذا له نظائر روى مسلم أحاديث قد عرف أنها غلط مثل قول أبي سفيان لما ~~أسلم أريد أن أزوجك أم حبيبة ولا خلاف بين الناس أنه تزوجها قبل إسلام أبي ~~سفيان ولكن هذا قليل جدا ومثل ما روى في بعض طرق حديث صلاة الكسوف أنه ~~صلاها بثلاث ركوعات وأربع والصواب أنه لم يصلها إلا مرة واحدة بركوعين ~~ولهذا لم يخرج البخاري إلا هذا وكذلك الشافعي وأحمد بن حنبل في إحدي ~~الروايتين عنه وغيرهما والبخاري سلم من مثل هذا فإنه إذا وقع في بعض ~~PageV17P236 الروايات غلط ذكر الروايات المحفوظة التى تبين غلط الغالط فإنه ~~كان أعرف بالحديث وعلله وافقه في معانيه من مسلم ونحوه وذكر إبن الجوزي في ~~موضع آخر أن هذا قول بن إسحاق قال وقال إبن الإنباري وهذا إجماع أهل العلم # وذكر قولا ثالثا في إبتداء الخلق أنه يوم الإثنين وقاله إبن إسحاق وهذا ~~تناقض وذكر أن هذا قول أهل الإنجيل والإبتداء بيوم الأحد قول أهل التوراة ~~وهذا النقل غلط على أهل الإنجيل كما غلط من جعل الأول إجماع أهل العلم من ~~المسلمين وكأن هؤلاء ظنوا أن كل أمة تجعل إجتماعها في اليوم السابع من ~~الأيام السبعة التى خلق الله فيها العالم وهذا غلط فإن المسلمين إنما ~~إجتماعهم في آخر يوم خلق الله فيه العالم وهو يوم الجمعة كما ثبت ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة # والمقصود هنا أن لفظ الأحد لم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله وحده ~~وإنما يستعمل في غير الله في النفي قال أهل اللغة يقول لا أحد في الدار ولا ~~تقل فيها أحد ولهذا لم يجيء في القرآن إلا في غير الموجب كقوله تعالى @QB@ ~~فما منكم من أحد عنه حاجزين @QE@ وكقوله @QB@ لستن كأحد من النساء @QE@ ~~وقوله @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره @QE@ PageV17P237 وفى ~~الإضافة كقوله فاعثوا ms5298 أحدكم / < وجعلنا لأحدهما جنتين > / # وأما إسم ( الصمد ( فقد إستعمله أهل اللغة في حق المخلوقين كما تقدم فلم ~~يقل الله صمد بل قال @QB@ الله الصمد @QE@ فبين أنه المستحق لأن يكون هو ~~الصمد دون ما سواه فإنه المستوجب لغايته على الكمال والمخلوق وإن كان صمدا ~~من بعض الوجوه فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه فإنه يقبل التفرق والتجزئة وهو ~~ايضا محتاج إلى غيره فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه فليس أحد ~~يصمد إليه كل شيء ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله تبارك وتعالى وليس في ~~المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق ويتقسم وينفصل بعضه من بعض والله ~~سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك بل حقيقة الصمدية وكمالها له ~~وحده واجبة لازمة لا يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه كما لا يمكن تثنية ~~أحديته بوجه من الوجوه فهو أحد لا يماثله شيء من الأشياء بوجه من الوجوه ~~كما قال في آخر السورة @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ إستعملها هنا في ~~النفي أي ليس شيء من الأشياء كفوا له في شيء من الأشياء لأنه أحد # وقال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم أنت سيدنا فقال ( PageV17P238 السيد ~~الله ( ودل قوله الأحد الصمد على أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ~~فإن الصمد هو الذي لا جوف له ولا أحشاء فلا يدخل فيه شيء فلا يأكل ولا يشرب ~~سبحانه وتعالى كما قال @QB@ أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو ~~يطعم ولا يطعم @QE@ وفي قراءة الأعمش وغيره ولا يطعم بالفتح وقال تعالى ~~@QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطعمون إن الله هو الرزاق @QE@ ومن مخلوقاته الملائكة وهم صمد لا يأكلون ~~ولا يشربون فالخالق لهم جل جلاله أحق بكل غنى وكمال جعله لبعض مخلوقاته ~~فلهذا فسر بعض السلف الصمد بأنه الذي لا يأكل لا يشرب والصمد المصمد الذي ~~لا جوف له فلا يخرج منه عين من الأعيان ms5299 فلا يلد # ولذلك قال من قال من السلف هو الذي لا يخرج منه شيء ليس مرادهم أنه لا ~~يتكلم وإن كان يقال في الكلام إنه خرج منه كما قال في الحديث ( ما تقرب ~~العباد إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه ( يعنى القرآن وقال أبو بكر الصديق ~~لما سمع قرآن مسيلمة إن هذا لم يخرج من إل فخروج الكلام من المتكلم هو ~~بمعنى أنه يتكلم به فيسمع منه ويبلغ إلى غيره ليس بمخلوق في غيره كما يقول ~~الجهمية ليس بمعنى أن شيئا من الأشياء القائمة به يفارقه وينتقل عنه إلى ~~غيره PageV17P239 فإن هذا ممتنع في صفات المخلوقين إن تفارق الصفة محلها ~~وتنتقل إلى غير محلها فكيف بصفات الخالق جل جلاله وقد قال تعاللى في كلام ~~المخلوقين @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا @QE@ وتلك ~~الكلمة هي قائمة بالمتكلم وسمعت منه ليس خروجها من فيه أن ما قام بذاته من ~~الكلام فارق ذاته وإنتقل إلى غيره فخروج كل شيء بحسبه ومن شأن العلم ~~والكلام إذا إستفيد من العالم والمتكلم أن لا ينقص من محله ولهذا شبه ~~بالنور الذي يقتبس منه كل أحد الضوء وهو باق على حاله لم ينقص فقول من قال ~~من السلف الصمد هو الذي لم يخرج منه شيء كلام صحيح بمعنى أنه لا يفارقه شيء ~~منه # ولهذا إمتنع عليه أن يلد وأن يولد وذلك أن الولادة والتولد وكل ما يكون ~~من هذه الألفاظ لا يكون إلا من أصلين وما كان من المتولد عينا قائمة بنفسها ~~فلابد لها من مادة تخرج منها وما كان عرضا قائما بغيره فلابد له من محل ~~يقوم به فالأول نفاه بقوله ( أحد ( فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له ولا نظير ~~فيمتنع أن تكون له صاحبة والتولد إنما يكون بين شيئين قال تعالى @QB@ أنى ~~يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم @QE@ فنفى ~~سبحانه الولد بإمتناع لازمه عليه فإن إنتفاء اللازم يدل PageV17P240 على ~~إنتفاء الملزوم وبأنه ms5300 خالق كل شيء وكل ما سواه مخلوق له ليس فيه شيء مولود ~~له والثاني نفاه بكونه سبحانه الصمد وهذا المتولد من أصلين يكون بجزئين ~~ينفصلان من الأصلين كتولد الحيوان من أبيه وأمه بالمنى الذي ينفصل من أبيه ~~وأمه فهذا التولد يفتقر إلى أصل آخر وإلى أن يخرج منهما شيء وكل ذلك ممتنع ~~في حق الله تعالى فإنه أحد فليس له كفؤ يكون صاحبة ونظيرا وهو صمد لا يخرج ~~منه شيء فكل واحد من كونه أحدا ومن كونه صمدا يمنع أن يكون والدا ويمنع أن ~~يكون مولودا بطريق الأولى والأخرى # وكما أن التوالد في الحيوان لا يكون إلا من أصلين سواء كان الأصلان من ~~جنس الولد وهو الحيوان المتوالد أو من غير جنسه وهو المتولد فكذلك في غير ~~الحيوان كالنار المتولدة من الزندين سواء كانا خشبتين أو كانا حجرا وحديدا ~~أو غير ذلك قال الله تعالى @QB@ فالموريات قدحا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها ~~تذكرة ومتاعا للمقوين @QE@ وقال تعالى @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من ~~يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي ~~جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون @QE@ PageV17P241 قال ~~غير واحد من المفسرين هما شجرتان يقال لأحداهما المرخ والأخرى العفار فمن ~~أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما ~~الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثي فتخرج منهما النار بإذن ~~الله تعالى وتقول العرب في كل شجر نار وإستمجد المرخ والعفار وقال بعض ~~الناس في كل شجرة نار إلا العناب @QB@ فإذا أنتم منه توقدون @QE@ فذلك ~~زنادهم # وقد قال أهل اللغة الجوهري وغيره الزند العود الذي يقدح به النار ~~وهوالأعلى والزندة السفلى فيها ثقب وهي الأنثي فإذا إجتمعا قيل زندان # وقال أهل الخبرة بهذا أنهم يسحقون الثقب الذي في الأنثي بالأعلى كما يفعل ~~ذكر الحيوان في أنثاه فبذلك السحق والحك يخرج منهما أجزاء ناعمة تنقدح ms5301 منها ~~النار فتتولد النار من مادة الذكر والأنثي كما يتولد الولد من مادة الرجل ~~والمرأة وسحق الأنثى بالذكر وقدحها به يقتضي حرارة كل منهما ويتحلل من كل ~~منهما مادة تنقدح منها النار كما أن إيلاج ذكر الحيوان في أنثاه بقدح وحك ~~فرجها بفرجه فتقوى حرارة كل منهما ويتحلل من كل منهما مادة تمتزج بالأخرى ~~ويتولد منهما الولد ويقال علقت النار في المحل الذي يقدح عليه الذي هو ~~PageV17P242 كالرحم للولد وهو الحراق والصوفان ونحو ذلك مما يكون أسرع ~~قبولا للنار من غيره كما علقت المرأة من الرجل وقد لا تعلق النار كما قد لا ~~تعلق المرأة وقد لا تنقدح نار كما لا ينزل مني والنار ليست من جنس الزنادين ~~بل تولد النار منهما كتولد حيوان من الماء والطين فإن الحيوان نوعان متوالد ~~كالإنسان وبهميمة الأنعام وغير ذلك مما يخلق من أبوين ومتولد كالذي يتولد ~~من الفاكهة والخل وكالقمل الذي يتولد من وسخ جلد الإنسان وكالفأر والبراغيث ~~وغير ذلك مما يخلق من الماء والتراب # وقد تنازع الناس فيما يخلقه الله من الحيوان والنبات والمعدن والمطر ~~والنار التى تورى بالزناد وغير ذلك هل تحدث أعيان هذه الأجسام فيقلب هذا ~~الجنس إلى جنس آخر كما يقلب المنى علقة ثم مضغة أولا تحدث إلا أعراض وأما ~~الأعيان التى هي الجواهر فهي باقية بغير صفاتها بما يحدثه فيها من الأكوان ~~الأربعة الإجتماع والإفتراق والحركة والسكون على قولين # فالقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة التى لا تقبل التجزي ~~كما يقوله كثير من أهل الكلام وإما من جواهر لا نهاية لها كما يحكى عن ~~النظام # PageV17P243 # فالقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر يقولون أن الله لا يحدث شيئا ~~قائما بنفسه وإنما يحدث الأعراض التى هي الإجتماع والإفتراق والحركة ~~والسكون وغير ذلك من الأعراض ثم من قال منهم بأن الجواهر محدثة قال إن الله ~~أحدثها إبتداء ثم جميع ما يحدثه إنما هو إحداث أعراض فيها لا يحدث الله بعد ~~ذلك جواهر وهذا قول أكثر المعتزلة والجهمة والأشعرية ونحوهم ومن ms5302 أكابر ~~هؤلاء من يظن أن هذا مذهب المسلمين ويذكر إجماع المسلمين عليه وهو قول لم ~~يقل به أحد من سلف الأمة ولاجمهور الأمة بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل ~~الكلام ينكرون الجوهر الفرد وتركب الأجسام من الجواهر وإبن كلاب إمام ~~أتباعه هو ممن ينكر الجوهر الفرد وقد ذكر ذلك أبو بكر بن فورك في مصنفه ~~الذي صنفه في مقالات إبن كلاب وما بينه وبين الأشعري من الخلاف وهكذا نفي ~~الجوهر الفرد قول الهشامية والضرارية وكثير من الكرامية والنجارية أيضا # وهؤلاء القائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة المشهور عنهم بأن ~~الجواهر متماثلة بل ويقولون أو أكثرهم أن الأجسام متماثلة لأنها مركبة من ~~الجواهر المتماثلة وإنما إختلفت بإختلاف الأعراض وتلك صفات عارضة لها ليست ~~لازمة فلا تنفي التماثل فإن حد المثلين أن يجوز على أحدهما ما يجوز على ~~الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه وهم يقولون إن الجواهر ~~متماثلة فيجوز PageV17P244 على كل واحد ما جاز على الآخر ويجب له ما يجب له ~~ويمتنع عليه مما يمتنع عليه # وكذلك الأجسام المؤلفة من الجواهر ولهذا إذا أثبتوا حكما لجسم قالوا هذا ~~ثابت لجميع الأجسام بناء على التماثل وأكثر العقلاء ينكرون هذا وحذاقهم قد ~~أبطلوا الحجج التى إحتجوا بها على التماثل كما ذكر ذلك الرازي والآمدي ~~وغيرهمتا وقد بسط الكلام على هذا في مواضع والشعري في ( كتاب الإبانة ( جعل ~~القول بتماثل الأجسام من أقوال المعتزلة التى أنكرها # وهؤلاء يقولون إن الله يخص أحد الجسمين المتماثلين بأعراض دون الآخر ~~بمجرد المشيئة على أصل الجهمية أو لمعنى آخر كما تقوله القدرية ويقولون ~~يمتنع إنقلاب الأجناس فلا ينقلب الجسم عرضا ولا جنس من الأعراض إلى جنس آخر ~~فلو قالوا إن الأجسام مخلوقة وأن المخلوق ينقلب من جنس إلى جنس آخر لزم ~~إنقلاب الأجناس فهؤلاء يقولون أن التولد الحاصل في الرحم والثمر الحاصل في ~~الشجر والنار الحاصلة من الزناد هي جواهر كانت في المادة التى خلق ذلك منها ~~وهي باقية لكن غيرت ms5303 صفتها بالإجتماع والإفتراق والحركة والسكون # PageV17P245 # ولهذا لما ذكر أبو عبد الله الرازي أدلة ( إثبات الصانع ( ذكر أربعة طرق ~~إمكان الذوات وحدوثها وإمكان الصفات وحدوثها والطرق الثلاثة الأول ضعيفة بل ~~باطلة فإن الذوات التى إدعوا حدوثها أو إمكانها أو إمكان صفاتها ذكروها ~~بألفاظ مجملة لا يتميز فيها الخالق عن المخلوق ولم يقيموا على ما إدعوه ~~دليلا صحيحا # وأما ( الطريق الرابع ( وهو الحدوث لما يعلم حدوثه فهو طريق صحيح وهو ~~طريق القرآن لكن قصروا فيه غاية التقصير فإنهم على أصلهم لم يشهدوا حدوث ~~شيء من الذوات بل حدوث الصفات وطريقة القرآن تبين أن كل ما سوى الله مخلوق ~~وأنه آية لله وقد بسط الكلام على ما في القرآن من البراهين والآيات التى لم ~~يصل إليها هؤلاء المتكلمة والمتفلسفة وأن كل ما عندهم من حق فهو جزء مما دل ~~عليه القرآن في غير موضع # والمقصود هنا أن هؤلاء لما كان هذا أصلهم في إبتداء الخلق وهو القول ~~بإثبات الجوهر الفرد كان أصلهم في المعاد مبنيا عليه فصاروا على قولين # منهم من يقول تعدم الجواهر ثم تعاد ومنهم من قال نتفرق الأجزاء ثم تجتمع ~~فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان وذلك PageV17P246 الحيوان أكله إنسان ~~آخر فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا لم تعد من هذا وأورد عليهم أن الإنسان ~~يتحلل دائما فما الذي يعاد أهو الذي كان وقت الموت فإن قيل بذلك لزم أن ~~يعاد على صورة ضعيفة وهو خلاف ما جاءت به النصوص وإن كان غير ذلك فليس بعض ~~الأبدان بأولى من بعض فإدعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل ولا ~~يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني والعقلاء يعلمون أن بدن ~~الإنسان نفسه كله يتحلل ليس فيه شيء باق فصار ما ذكروه في المعاد مما قوى ~~شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان وأوجب أن صار طائفة من النظار إلى أن ~~الله يخلق بدنا آخر تعود الروح إليه # والمقصود تنعيم الروح وتعذيبها سواء كان هذا في البدن أو في ms5304 غيره وهذا ~~أيضا مخالف للنصوص الصريحة بإعادة هذا البدن وهذا المذكور في كتب الرازي ~~فليس في كتبه وكتب أمثاله في مسائل أصول الدين الكبار القول الصحيح الذي ~~يوافق المنقول والمعقول الذي بعث الله به الرسول وكان عليه سلف الأمة ~~وأئمتها بل يذكر بحوث المتفلسفة الملاحدة وبحوث المتكلمين المبتدعة الذين ~~بنوا على أصول الجهمية والقدرية في مسائل الخلق والبعث والمبدأ والمعاد ~~وكلا الطريقين فاسد إذ بنوه على مقدمات فاسدة # والقول الذي عليه PageV17P247 السلف وجمهور العقلاء من أن الأجسام تنقلب ~~من حال إلى حال إنما يذكره عن الفلاسفة والأطباء وهذا القول وهو القول في ~~خلق الله للأجسام التى يشاهد حدوثها أنه يقبلها ويحيلها من جسم إلى جسم هو ~~الذي عليه السلف والفقهاء قاطبة والجمهور # ولهذا يقول الفقهاء في النجاسة هل تطهر بالإستحالة أم لا كما تستحيل ~~العذرة رمادا والخنزير وغيره ملحا ونحو ذلك والمنى الذي في الرحم يقلبه ~~الله علقة ثم مضغة وكذلك الثمر يخلق بقلب المادة التى يخرجها من الشجرة من ~~الرطوبة مع الهواء والماء الذي نزل عليها غير ذلك من المواد التى يقلبها ~~ثمرة بمشيئته وقدرته وكذلك الحبة يفلقها وتنقلب المواد التى يخلقها منها ~~سنبلة وشجرة وغير ذلك وهكذا خلقه لما يخلقه سبحانه وتعالى كما خلق آدم من ~~الطين فقلب حقيقة الطين فجعلها عظما ولحما وغير ذلك من أجزاء البدن وكذلك ~~المضغة يقلبها عظاما وغير عظام قال الله تعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا ~~العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون @QE@ # وكذلك النار يخلقها بقلب بعض أجزاء الزناد نارا كما قال تعالى ~~PageV17P248 @QB@ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا @QE@ فنفس تلك الأجزاء ~~التى خرجت من الشجر الأخضر جعلها الله نارا من غير أن يكون كان في الشجر ~~الأخضر نار أصلا كما لم يكن في الشجرة ثمرة أصلا ولا ms5305 كان في بطن المرأة ~~جنين أصلا بل خلق هذ الموجود من مادة غيره بقلبه تلك المادة إلى هذا وبما ~~ضمه إلى هذا من مواد آخر وكذلك الإعادة يعيده بعد أن يبلي كله إلا عجب ~~الذنب كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كل إبن آدم ~~يبلى إلا عجب الذنب منه خلق إبن آدم ومنه يركب ( # وهو إذا أعاد الإنسان في النشأة الثانية لم تكن تلك النشأة مماثلة لهذه ~~فإن هذه كائنة فاسدة وتلك كائنة لا فاسدة بل باقية دائمة وليس لأهل الجنة ~~فضلات فاسدة تخرج منهم كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا ولا يبصقون ولا يتمخطون وإنما ~~هو رشح كرشح المسك ( وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~يحشر الناس حفاة عراة غرلا ثم قرأ @QB@ كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين @QE@ فهم يعودون غلفا لا مختونين # وقال الحسن البصري ومجاهد كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا ~~كذلك تعودون يوم القيامة أحياء وقال قتادة بدأهم PageV17P249 من التراب ~~وإلى التراب يعودون كما قال تعالى @QB@ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها ~~نخرجكم تارة أخرى @QE@ وقال ( فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ( # وهو قد شبه سبحانه إعادة الناس في النشأة الأخرى بإحياء الأرض بعد موتها ~~في غير موضع كقوله @QB@ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون @QE@ وقال @QB@ والأرض مددناها ~~وألقينا فيها رواسي @QE@ إلى قوله @QB@ وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر ~~في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من ~~يتوفى ms5306 ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض ~~هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن ~~الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها كذلك النشور @QE@ ( # PageV17P250 # وهو سبحانه مع إخباره أنه يعيد الخلق وأنه يحيى العظام وهي رميم وأنه ~~يخرج الناس من الأرض تارة أخرى هو يخبر أن المعاد هو المبدأ كقوله تعالى ~~@QB@ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده @QE@ ويخبر أن الثانى مثل الأول كقوله ~~تعالى @QB@ وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا @QE@ ~~@QB@ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ~~وجعل لهم أجلا لا ريب فيه @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا أئذا كنا عظاما ~~ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر ~~في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ~~ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا @QE@ وقال تعالى @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض ~~بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم @QE@ وقال تعالى @QB@ أو لم ~~يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير @QE@ وقال @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا ~~تذكرون @QE@ # والمراد بقدرته على خلق مثلهم هو قدرته على إعادتهم كما أخبر PageV17P251 ~~بذلك في قوله @QB@ أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي ~~بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى @QE@ فإن القوم ما كانوا ينازعون في أن ~~الله يخلق في هذه الدار ناسا أمثالهم فإن هذا هو الواقع المشاهد يخلق ms5307 قرنا ~~بعد قرن يخلق الولد من الوالدين وهذه هي النشأة الأولى وقد علموها وبها ~~إحتج عليهم على قدرته على النشأة الآخرة كما قال @QB@ ولقد علمتم النشأة ~~الأولى فلولا تذكرون @QE@ وقال @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي ~~العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم @QE@ وقال ~~@QB@ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم @QE@ # ولهذا قال @QB@ على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون @QE@ قال ~~الحسن بن الفضل البجلي الذي عندي في هذه الآية @QB@ وننشئكم في ما لا ~~تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى @QE@ أي أخلقكم للبعث بعد الموت من حيث لا ~~تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات ~~وليست الأخرى كذلك ومعلوم أن النشأة الأولى كان الإنسان نطفة ثم علقة ثم ~~مضغة مخلقة ثم ينفخ فيه الروح وتلك النطفة من منى الرجل والمرأة وهو يعذبه ~~بدم الطمث الذي يربي به الجنين في ظلمات ثلاث ظلمة المشيمة وظلمة ~~PageV17P252 الرحم وظلمة البطن والنشأة الثانية لا يكونون في بطن إمرأة ولا ~~يغذون بدوم ولا يكون أحدهم نطفة رجل وإمرأة ثم يصير علقة بل ينشئون نشأة ~~أخرى وتكون المادة من التراب كما قال @QB@ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها ~~نخرجكم تارة أخرى @QE@ وقال تعالى @QB@ فيها تحيون وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون @QE@ @QB@ والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا @QE@ وفي الحديث ( أن الأرض تمطر مطرا كمنى الرجال ينبتون في القبور ~~كما ينبت النبات ( كما قال تعالى @QB@ كذلك الخروج @QE@ @QB@ كذلك النشور ~~@QE@ ( كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ( # فعلم أن النشأتين نوعان تحت جنس يتفقان ويتماثلان ويتشابهان من وجه ~~ويفترقان ويتنوعان من وجه آخر ولهذا جعل المعاد هو المبدأ وجعل مثله أيضا ~~فباعتبار إتفاق المبدأ والمعاد فهو هو وبإعتبار ما بين النشأتين من الفرق ~~فهو مثله وهكذا كل ما أعيد فلفظ الإعادة يقتضي المبدأ والمعاد ms5308 سواء في ذلك ~~إعادة الأجسام والأعراض كإعادة الصلاة وغيرها فإن النبى صلى الله عليه وسلم ~~مر برجل يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة ويقال للرجل أعد كلامك ~~وفلان قد أعاد كلام فلان بعينه ويعيد الدرس فالكلام هو الكلام وإن كان صوت ~~الثاني غير صوت الأول وحركته ولا PageV17P253 يطلق القول عليه أنه مثله بل ~~قد قال تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله @QE@ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة ~~أعادها ثلاثا # وإن كان يسمى مثلا مقيدا حتى يقال لمن حكى كلام غيره هكذا قال فلان أي ~~مثل هذا قال ويقال فعل هذا عودا على بدء إذا فعله مرة ثانية بعد أولى ومنه ~~البئر البدي والبئر العادي فالبدي التى إبتدئت والعادي التى أعيدت وليست ~~بنسبة إلى عاد كما قيل ويقال إستعدته الشيءفأعاده إذا سالته ان يفعله مرة ~~ثانية ومنه سميت العادة يقال عادة وإعتاده وتعوده أي صار عادة له وعود كلبه ~~الصيد فتعوده وهو المعاودة والمعاودة الرجوع إلى الأمر الأول ويقال الشجاع ~~معاود لأنه لا يمل المراس وعاودته الحمى وعاوده بالمسألة أي سأله مرة بعد ~~مرة وتعاود القوم في الحرب وغيرها إذا عاد كل فريق إلى صاحبه والعواد بالضم ~~ما أعيد من الطعام بعد ما أكل منه مرة أخرى وعواد بمعنى عد مثل نزال بمعنى ~~أنزل # ففي جميع هذه المواضع يستعمل لفظ الإعادة بإعتبار الحقيقة فإن الحقيقة ~~الموجودة في المرة الثانية هي الأولى وإن تعدد الشخص ولهذا يقال هو مثله ~~ويقال هذا هو هذا وكلاهما صحيح وأعني بالحقيقة الأمر الذي يختص بذلك الشخص ~~ليس المراد القدر المشترك بين PageV17P254 الفاعلين فإن من فعل مثل فعل ~~غيره لا يقال أعاده وإنما يقال حاكاه وشابهه بخلاف ما إذا فعلا ثانيا مثل ~~ما فعل أولا فإنه يقال أعاد فعله وكذلك يقال لمن أعاد كلام غيره قد أعاده ~~ولا يقال لمن أنشأ مثله قد أعاده ويقال قرئ على هذا وأعاد على هذا وهذا ms5309 ~~يقرأ أي يدرس وهذا يعيد ولو كان كلاما آخر مما يماثله لم يقل فيه يعيد ~~وكذلك من كسر خاتما أو غيره من المصوغ يقال أعده كما كان ويقال من هدم دارا ~~أعدها كما كانت بخلاف من أنشأ أخرى مثلها فإن هذا لا يسمى معيدا والمعاد ~~يقال فيه هذا هو الأول بعينه ويقال هذا مثل الأول من كل وجه ونحو ذلك من ~~العبارات الدالة على أنه هو هو من وجه وهو مثله من وجه # وبهذا تزول الشبهات الواردة على هذا الموضع كقول من قال الإعادة لا تكون ~~إلا مع إعادة ذلك الزمان ونحو ذلك مما يمنع إعادته في صريح العقل وإنما ~~يعاد بالإتيان بمثله وإن قال بعض المتكلمين أنه لا مغايرة أصلا بوجه من ~~الوجوه # والإعادة التى أخبر الله بها هي الإعادة المعقولة في هذا الخطاب وهي ~~الإعادة التى فهمها المشركون والمسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهي التى يدل عليها لفظ الإعادة والمعاد هو الأول بعينه وإن كان بين لوازم ~~الإعادة ولوازم البدأة فرق فذلك الفرق لا يمنع PageV17P255 أن يكون قد أعيد ~~الأول ليس الجسد الثانى مباينا للأول من كل وجه كما زعم بعضهم ولا أن ~~النشأة الثانية كالأولى من كل وجه كما ظن بعضهم وكما إنه سبحانه خلق ~~الإنسان ولم يكن شيئا كذلك يعيده بعد أن لم يكن شيئا وعلى هذا فالإنسان ~~الذي صار ترابا ونبت من ذلك التراب نبات آخر أكله إنسان آخر وهلم جرا ~~والإنسان الذي أكله إنسان أو حيوان وأكل ذلك الحيوان إنسانا آخر ففي هذا ~~كله قد عدم هذا الإنسان وهذا الإنسان وصار كل منهما ترابا كما كان قبل أن ~~يخلق ثم يعاد هذا ويعاد هذا من التراب وإنما يبقى عجب الذنب منه خلق ومنه ~~يركب # وأما سائره فعدم فيعاد من المادة التى إستحال إليها فإذا إستحال في القبر ~~الواحد ألف ميت وصاروا كلهم ترابا فإنهم يعادون ويقومون من ذلك القبر ~~وينشئهم الله تعالى بعد أن كانوا عدما محضا كما أنشأهم أولا بعد ms5310 أن كانوا ~~عدما محضا وإذا صار ألف إنسان ترابا في قبر أنشأ هؤلاء من ذلك القبر من غير ~~أن يحتاج أن يخلقهم كما خلقهم في النشأة الأولى التى خلقهم منها من نطفة ثم ~~من علقة ثم من مضغة وجعل نشأتهم بما يستحيل إلى أبدانهم من الطعام والشراب ~~كما يستحيل إلى بدن أحدهم ما يأكله من نبات وحيوان وكذلك لو أكل إنسانا أو ~~أكل حيوانا قد أكل إنسانا فالنشأة PageV17P256 الثانية لا يخلقهم فيها بمثل ~~هذه الإستحالة بل يعيد الأجساد من غير أن ينقلهم من نطفة إلى علقة إلى مضغة ~~ومن غير أن يغذوها بدم الطمث ومن غير أن يغذوها بلبن الأم وبسائر ما يأكله ~~من الطعام والشراب فمن ظن أن الإعادة تحتاج إلى إعادة الأغذية التى إستحالت ~~إلي أبدانهم فقد غلط # وحينئذ فإذا أكل إنسان إنسانا فإنما صار غذاء له كسائر الأغذية وهو لا ~~يحتاج إلى إعادة الأغذية ومعلوم أن الغذاء ينزل إلى المعدة طعاما وشرابا ثم ~~يصير كلوسا كالثردة ثم كيموسا كالحريرة ثم ينطبخ دما فيقسمه الله تعالى في ~~البدن كله ويأخذ كل جزء من البدن نصيبه فيستحيل الدم إلى شبيه ذلك الجزء ~~العظم عظما واللحم لحما والعرق عرقا وهذا في الرزق كإسستحالتهم في مبدأ ~~الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة وكما أنه سبحانه لا يحتاج في الإعادة إلى أن ~~يحيل أحدهم نطفة ثم علقة ثم مضغة فكذلك أغذيتهم لا يحتاج أن يجعلها خبزا ~~وفاكهة ولحما ثم يجعلها كلوسا وكيموسا ثم دما ثم عظما ولحما وعروقا بل يعيد ~~هذا البدن على صفة أخرى لنشأة ثانية ليست مثل هذه النشأة كما قال @QB@ ~~وننشئكم في ما لا تعلمون @QE@ ولا يحتاج مع ذلك إلى شيء من هذه الإستحالات ~~التى كانت في النشأة الأولى PageV17P257 و بهذا يظهر الجواب عن قوله البدن ~~دائما في التحلل فإن تحلل البدن ليس بأعجب من إنقلاب النطفة علقة والعلقة ~~مضغة وحقيقة كل منهما خلاف حقيقة الأخرى # وأما البدن المتحلل فالأجزاء الثانية تشابه الأولى وتماثلها وإذا كان في ~~الإعادة لا ms5311 يحتاج إلى إنقلابه من حقيقة إلى حقيقة فكيف بإنقلابه بسبب ~~التحلل ومعلوم أن من رأي شخصا وهو شاب ثم رآه وهو شيخ علم أن هذا هو ذاك مع ~~هذه الإستحالة وكذلك سائر الحيوان والنبات كمن غاب عن شجرة مدة ثم جاء ~~فوجدها علم أن هذه هي الأولى مع أن التحلل والإستحالة ثابت في سائر الحيوان ~~والنبات كما هو في بدن الإنسان ولا يحتاج عاقل في إعتقاده أن هذه الشجرة هي ~~الأولى وأن هذه الفرس هي التى كانت عنده من سنين ولا أن هذا الإنسان هو ~~الذي رآه من عشرين سنة إلى أن يقدر بقاء أجزاء أصلية لم تتحلل ولا يخطر هذا ~~ببال أحد ولا ولا يقتصر العقلاء في قولهم هذا هو ذاك على تلك الأجزاء التى ~~لا تعرف ولا تتميز عن غيرها بل إنما يشيرون إلى جملة الشجرة والفرس ~~والإنسان مع أنه قد يكون كان صغيرا فكبر ولا يقال إنما كان هو ذاك ~~بإعتبارأن النفس الناطقة واحدة كما زعمه من إدعى أن البدن الثاني ليس هو ~~ذاك الأول ولكن المقصود جزاء النفس بنعيم أو عذاب PageV17P258 ففي أي بدن ~~كانت حصل المقصود فإن هذا أيضا باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف ~~مخالف للمعقول من الإعادة # فإنا قد ذكرنا أن العقلاء كلهم يقولون هذا الفرس هو ذاك وهذه الشجرة هي ~~تلك التى كانت من سنين مع علم العقلاء أن النبات ليس له نفس ناطقة تفارقه ~~وتقوم بذاتها وكذلك يقولون مثل هذا في الحيوان وفي الإنسان مع أنه لم يخطر ~~بقلوبهم أن المشار إليه بهذا وذاك نفس مفارقة بل قد لا يخطر هذا بقلوبهم ~~فدل على أن العقلاء كانوا يعلمون أن هذا البدن هو ذاك مع وجود الإستحالة ~~وعلم بذلك أن ما ذكر من الإستحالة لا ينافى أن يكون البدن الذي يعاد في ~~النشأة الثانية هو هذا البدن ولهذا يشهد البدن المعاد بما عمل في الدنيا ~~كما قال تعالى @QB@ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ~~بما كانوا يكسبون @QE@ وقال تعالى @QB@ حتى ms5312 إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء @QE@ # ومعلوم أن الإنسان لو قال قولا أو فعل فعلا أو رأي غيره يفعل أو سمعه ~~يقول ثم بعد ثلاثين سنة شهد على نفسه بما قال أو فعل وهو الإقرار الذي ~~يؤاخذ بموجبه أو شهد على غيره بما قبضه PageV17P259 من الأموال وأقربه من ~~الحقوق لكانت الشهادة على عين ذلك المشهود عليه مقبولة مع إستحالة بدنه في ~~هذه المدة الطويلة ولا يقول عاقل من العقلاء إن هذه الشهادة على مثله أو ~~على غيره ولو قدر أن المعين حيوان أو نبات وشهد أن هذا الحيوان قبضه هذا من ~~هذا وأن هذا الشجر سلمه هذا إلى هذا كان كلاما معقولا مع الإستحالة وإذا ~~كانت الإستحالة غير مؤثرة فقول القائل يعيده على صفة ما كان وقت موته أو ~~سمنه أو هزاله أو غير ذلك جهل منه فإن صفة تلك النشأة الثانية ليست مماثلة ~~لصفة هذه النشأة حتى يقال أن الصفات هي المغيرة إذ ليس هناك إستحالة ولا ~~إستفراغ ولا إمتلاء ولا سمن ولا هزال ولا سيما اهل الجنة إذا دخلوها فإنهم ~~يدخلونها على صورة أبيهم آدم طول أحدهم ستون ذراعا كما ثبت في الصحيحن ~~وغيرهما وروى أن عرضه سبعة أذرع وهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا ~~يتمخطون # وليست تلك النشأة من أخلاط متضادة حتى يستلزم مفارقة بعضها بعضا كما في ~~هذه النشأة ولا طعامهم مستحيلا ولا شرابهم مستحيلا من التراب والماء ~~والهواء كما هي أطعماتهم في هذه النشأة ولهذا أبقى الله طعام الذي مر على ~~قرية وشرابه مائة عام لم يتغير ودلنا سبحانه بهذا على قدرته فإذا كان في ~~دارالكون والفساد يبقى الطعام الذي PageV17P260 هو رطب وعنب أو نحو ذلك ~~والشراب الذي هو ماء أو ما فيه ماء مائة عام لم يتغير فقدرته سبحانه وتعالى ~~على أن يجعل الطعام والشراب في النشأة الأخرى لا يتغير بطريق الأولى ~~والأخرى وهذه الأمور ms5313 لبسطها موضع آخر ### ||| فصل # والمقصود هنا أن التولد لابد له من أصلين وإن ظن ظان أن نفس الهواء الذي ~~بين الزنادين يستحيل نارا بسخونته من غير مادة تخرج منهما تنقلب نارا فقد ~~غلط وذلك لأنه لا تخرج نار إن لم يخرج منهما مادة بالحك ولا تخرج النار ~~بمجرد الحك # وأيضا فإنهم يقدحون على شيء أسفل من الزنادين كالصوفان والحراق فتنزل ~~النار عليه وإنما ينزل الثقيل فلولا أن هناك جزءا ثقيلا من الزناد الحديد ~~والحجر لما نزلت النار ولو كان الهواء وحده إنقلب نارا لم ينزل لأن الهواء ~~طبعه الصعود لا الهبوط لكن بعد أن تنقلب المادة الخارجة نارا قد ينقلب ~~الهواء القريب منها نارا أما دخانا وإما لهيبا PageV17P261 و المقصود أن ~~المتولدات خلقت من أصلين كما خلق آدم من التراب والماء وإلا فالتراب المحض ~~الذي لم يختلط به ماء لا يخلق منه شيء لا حيوان ولا نبات والنبات جميعه ~~إنما يتولد من أصلين أيضا والمسيح خلق من مريم ونفخة جبريل كما قال تعالى ~~@QB@ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا @QE@ وقال ~~@QB@ والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا @QE@ وقال @QB@ فأرسلنا إليها ~~روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما ~~أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا @QE@ # وقد ذكر المفسرون أن جبريل نفخ في جيب درعها والجيب هو الطوق الذي في ~~العنق ليس هو ما يسميه بعض العامة جيبا وهو ما يكون في مقدم الثوب لوضع ~~الدراهم ونحوها وموسى لما أمره الله أن يدخل يده في جيبه هو ذلك الجيب ~~المعروف في اللغة وذكر أبو الفرج وغيره قولين هل كانت النفخة في جيب الدرع ~~أو في الفرج فإن من قال بالأول قال في فرج درعها وأن من قال هو مخرج الولد ~~قال الهاء كناية عن غير مذكور لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها وهذا ليس ~~بشيء بل هو عدول عن صريح القرآن وهذا النقل إن كان ثابتا لم يناقض ms5314 القرآن ~~وإن لم يكن ثابتا لم يلتفت إليه فإن من نقل أن جبريل نفخ في جيب الدرع ~~فمراده أنه صلى الله عليه وسلم PageV17P262 لم يكشف بدنها وكذلك جبريل كان ~~إذا أتى النبى صلى الله عليه وسلم وعائشة متجردة لم ينظر إليها متجردة فنفخ ~~في جيب الدرع فوصلت النفخة إلى فرجها # والمقصود إنما هو النفخ في الفرج كما أخبر الله به في آيتين وإلا فالنفخ ~~في الثوب فقط من غير وصول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن مع أنه لا تأثير له ~~في حصول الولد ولم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا نقله أحد عن عالم ~~معروف من السلف # والمقصود هنا أن المسيح خلق من أصلين من نفخ جبريل ومن أمه مريم # وهذا النفخ ليس هو النفخ الذي يكون بعد مضي أربعة أشهر والجنين مضغة فإن ~~ذلك نفخ في بدن قد خلق وجبريل حين نفخ لم يكن المسيح خلق بعد ولا كانت مريم ~~حملت وإنما حملت به بعد النفخ بدليل قوله @QB@ قال إنما أنا رسول ربك لأهب ~~لك غلاما زكيا @QE@ @QB@ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا @QE@ فلما نفخ فيها ~~جبريل حملت به ولهذا قيل في المسيح @QB@ وروح منه @QE@ بإعتبار هذا النفخ ~~وقد بين الله سبحانه أن الرسول الذي هو روحه وهو جبريل هو الروح الذي ~~خاطبها وقال @QB@ إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا @QE@ فقوله @QB@ ~~فنفخنا فيها @QE@ أو @QB@ فيه من روحنا @QE@ أي من هذا الروح الذي هو جبريل ~~وعيسي روح من هذا الروح فهو روح من الله بهذا PageV17P263 الإعتبار ومن ~~لإبتداء الغاية # والمقصود هنا أنه قد يكون الشيء من أصلين بإنقلاب المادة التى بينهما إذا ~~إلتقيا كان بينهما مادة فتنقلب وذلك لقوة حك أحدهما بالآخر فلابد من نقص ~~أجزائها وهذا مثل تولد النار بين الزنادين إذا قدح الحجر بالحديد أو الشجر ~~بالشجر كالمرخ والعفار فإنه بقوة الحركة الحاصلة من قدح أحدهما بالآخر ~~يستحيل بعض أجزائهما ويسخن الهواء الذي بينهما فيصير نارا والزندان كلما ~~قدح أحدهما بالآخر نقصت أجزاؤهما بقوة الحك فهذه ms5315 النار إستحالت عن الهواء ~~وتلك الأجزاء بسبب قدح أحد الزندين بالآخر # وكذلك النور الذي يحصل بسبب إنعكاس الشعاع على ما يقابل المضيء كالشمس ~~والنار فإن لفظ النور والضوء يقال تارة على الجسم القائم بنفسه كالنار التى ~~في رأس المصباح وهذه لا تحصل إلا بمادة تنقلب نارا كالحطب والدهن ويستحيل ~~الهواء أيضا نارا ولا ينقلب الهواء أيضا نارا إلا بنقص المادة التى اشتعلت ~~أو نقص الزندين وتارة يراد بلفظ النور والضوء والشعاع الشعاع الذي يكون على ~~الأرض والحيطان من الشمس أو من النار فهذا عرض ليس بجسم قائم بنفسه لابد له ~~من محل يقوم به يكون قابلا له فلابد في الشعاع من جسم مضيء ولابد من شيء ~~يقابله حتى ينعكس عليه الشعاع PageV17P264 # وكذلك النار الحاصلة في ذبالة المصباح إذا وضعت في النار أو وضع فيها حطب ~~فإن النار تحيل أولا المادة التى هي الدهن أو الحطب فيسخن الهواء المحيط ~~بها فينقلب نارا وإنما ينقلب بعد نقص المادة وكذلك الريح التى تحرك النار ~~مثل ما تهب الريح فتشتعل النار في الحطب ومثل ما ينفخ في الكير وغيره تبقى ~~الريح المنفوخة تضرم النار لما في محل النار كالخشب والفحم من الإستعداد ~~لإنقلابه نارا وما في حركة الريح القوية من تحريك النار إلى المحل القابل ~~له وقد ينقلب أيضا الهواء القريب من النار فإن اللهب هوالهواء إنقلب نارا ~~مثل ما في ذبالة المصباح ولهذا إذا طفئت صار دخانا وهو هواء مختلط بنار ~~كالبخار وهو هواء مختلط بماء والغبار هواء مختلط بتراب # وقد يسمى البخار دخانا ومنه قوله تعالى @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان @QE@ قال المفسرون بخار الماء كما جاءت الأثار إن الله خلق السماوات ~~من بخار الماء وهو الدخان فإن الدخان الهواء المختلط بشيء حار ثم قد لا ~~يكون فيه ماء وهو الدخان الصرف وقد يكون فيه ماء فهو دخان وهو بخار كبخار ~~القدر وقد يسمى الدخان بخارا فيقال لمن استجمر بالطيب تبخر وإن كان لا ~~رطوبة هنا بل دخان الطيب سمي بخارا ms5316 قال الجوهري بخار الماء ما يرتفع منه ~~كالدخان والبخور بالفتح ما يتبخر به لكن إنما يصير الهواء نارا PageV17P265 ~~بعد أن تذهب المادة التي انقلبت نارا كالحطب والدهن فلم تتولد النار إلا من ~~مادة كما لم يتولد الحيوان إلا من مادة ### ||| فصل # والمقصود أن كل ما يستعمل فيه لفظ التولد من الأعيان القائمة فلابد أن ~~يكون من أصلين ومن إنفصال جزء من الأصل وإذا قيل في الشبع والري إنه متولد ~~أو في زهوق الروح ونحو ذلك من الأعراض أنه متولد فلابد في جميع ما يستعمل ~~فيه هذا اللفظ من أصلين لكن العرض يحتاج إلى محل لا يحتاج إلى مادة تنقلب ~~عرضا بخلاف الأجسام فإنها إنما تخلق من مواد تنقلب أجساما كما تنقلب إلى ~~نوع آخر كإنقلاب المنى علقة ثم مضغة وغير ذلك من خلق الحيوان والنبات # وأما ما كان من أصل واحد كخلق حواء من الضلع القصري لآدم وهو وإن كان ~~مخلوقا من مادة أخذت من آدم فلا يسمى هذا تولدا ولهذا لا يقال أن آدم ولد ~~حواء ولا يقال أنه أبو حواء بل خلق الله حواء من آدم كما خلق آدم من الطين ~~PageV17P266 # وأما المسيح فيقال أنه ولدته مريم ويقال المسيح بن مريم فكان المسيح جزءا ~~من مريم وخلق بعد نفخ الروح في فرج مريم كما قال تعالى @QB@ ومريم ابنة ~~عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت ~~من القانتين @QE@ وفى الأخرى @QB@ فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها ~~آية للعالمين @QE@ # وأما حواء فخلقها الله من مادة أخذت من آدم كما خلق آدم من المادة ~~الأرضية وهي الماء والتراب والريح الذي أيبسته حتى صار صلصالا فلهذا لا ~~يقال إن آدم ولد حواء ولا آدم ولده التراب ويقال في المسيح ولدته مريم فإنه ~~كان من أصلين من مريم ومن النفخ الذي نفخ فيها جبريل قال الله تعالى @QB@ ~~فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا قال إنما أنا رسول ربك ms5317 لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم ~~يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ~~ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا @QE@ إلى آخر ~~القصة فهي إنما حملت به بعد النفخ لم تحمل به مدة بلا نفخ ثم نفخت فيه روح ~~الحياة كسائر الآدميين ففرق بين النفخ للحمل وبين النفخ لروح الحياة ~~PageV17P267 فتبين أن ما يقال أنه متولد من غيره من الأعيان القائمة بنفسها ~~فلا يكون إلا من مادة تخرج من ذلك الوالد ولا يكون إلا من أصلين والرب ~~تعالى صمد فيمتنع أن يخرج منه شيء وهو سبحانه لم يكن له صاحبة فيمتنع أن ~~يكون له ولد # وأما ما يستعمل من تولد الأعراض كما يقال تولد الشعاع وتولد العلم عن ~~الفكر وتولد الشبع عن الأكل وتولدت الحرارة عن الحركة ونحو ذلك فهذا ليس من ~~تولد الأعيان مع أن هذا لابد له من محل ولابد له من أصلين ولهذا كان قول ~~النصاري أن المسيح إبن الله تعالى الله عن ذلك مستلزما لأن يقولوا إن مريم ~~صاحبة الله فيجعلون له زوجة وصاحبة كما جعلوا له ولدا وبأي معنى فسروا كونه ~~إبنه فإنه يفسر الزوجة بذلك المعنى والأدلة الموجبة تنزيهه عن الصاحبة توجب ~~تنزيهه عن الولد فإذا كانوا يصفونه بما هو ابعد عن إتصافه به كان إتصافه ~~بما هو أقل بعدا لازما لهم وقد بسط هذا في الرد على النصارى ### ||| فصل # وهذا مما يبين أن ما نزه الله نفسه ونفاه عنه بقوله @QB@ لم يلد ولم يولد ~~@QE@ وبقوله @QB@ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون @QE@ ~~PageV17P268 # وقوله @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له ~~صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم @QE@ يعم جميع الأنواع التى تذكر في ~~هذا الباب عن بعض الأمم كما أن ما نفاه من إتخاذ الولد يعم أيضا ms5318 جميع أنواع ~~الإتخاذات الإصطفائية كما قال تعالى @QB@ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء ~~الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير @QE@ قال ~~السدي قالوا إن الله أوحي إلي إسرائيل إن ولدك بكرى من الولد فأدخلهم النار ~~فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ثم ينادي مناد أخرجوا ~~كل مختون من بنى إسرائيل # وقد قال تعالى @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله @QE@ وقال ~~@QB@ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ~~ولي من الذل @QE@ وقال @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك ~~في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا @QE@ وقال @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل ~~منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين @QE@ PageV17P269 ~~وقال @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ~~وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا @QE@ إلى قوله @QB@ ويجعلون لما ~~لا يعلمون نصيبا @QE@ ( إلى قوله ( @QB@ ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون @QE@ وقال @QB@ ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما ~~مدحورا أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا ~~عظيما ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا قل لو كان ~~معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا @QE@ وقال @QB@ ~~فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا ~~إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما ~~لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم ~~صادقين وجعلوا بينه وبين ms5319 الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان ~~الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه ~~بفاتنين إلا من هو صال الجحيم @QE@ وقال @QB@ أفرأيتم اللات والعزى ومناة ~~الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ PageV17P270 إلى قوله @QB@ إن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وجعلوا له من عباده جزءا @QE@ # قال بعض المفسرين @QB@ جزءا @QE@ أي نصيبا وبعضا وقال بعضهم جعلوا لله ~~نصيبا من الولد وعن قتادة ومقاتل عدلا وكلا القولين صحيح فإنهم يجعلون له ~~ولدا والولد يشبه أباه ولهذا قال @QB@ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ~~ظل وجهه مسودا @QE@ أي البنات كما قال في الآية الأخرى @QB@ وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى @QE@ فقد جعلوها للرحمن مثلا وجعلوا له من عباده جزءا فإن الولد ~~جزء من الوالد كما تقدم قال صلى الله عليه وسلم ( إنما فاطمة بضعة منى ( ~~وقوله @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~@QE@ قال الكلبي نزلت في الزنادقة قالوا إن الله وإبليس شريكان فالله خالق ~~النور والناس والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات ~~والعقارب # وأما قوله @QB@ وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا @QE@ فقيل هو قولهم الملائكة ~~بنات الله وسمى الملائكة جنا لإجتنانهم عن الأبصار وهو قول مجاهد وقتادة ~~وقيل قالوا لحي من الملائكة يقال لهم الجن PageV17P271 و منهم إبليس وهم ~~بنات الله وقال الكلبى قالوا لعنهم الله بل تزوج من الجن فخرج بينهما ~~الملائكة # وقوله @QB@ وخرقوا له بنين وبنات بغير علم @QE@ قال بعض المفسرين ~~كالثعلبى وهم كفار العرب قالوا الملائكة والأصنام بنات الله واليهود قالوا ~~عزير إبن الله والنصاري قالوا المسيح إبن الله ### ||| فصل # وأما الذين كانوا يقولون من العرب أن الملائكة بنات الله وما نقل عنهم من ~~أنه صاهر الجن فولدت له الملائكة فقد نفاه الله عنه بإمتناع الصاحبة ms5320 ~~وبإمتناع أن يكون منه جزء فإنه صمد وقوله @QB@ ولم تكن له صاحبة @QE@ وهذا ~~كما تقدم من أن الولادة لا تكون إلا من أصلين سواء في ذلك تولد الأعيان ~~التى تسمى الجواهر وتولد الأعراض والصفات بل ولا يكون تولد الأعيان إلا ~~بإنفصال جزء من الوالد فإذا إمتنع أن يكون له صاحبة إمتنع أن يكون له ولد ~~وقد علموا كلهم أن لا صاحبة له لا من الملائكة ولا من الجن ولا من الإنس ~~فلم يقل أحد منهم أن له صاحبة فلهذا إحتج بذلك عليهم وما حكى عن بعض كفار ~~العرب أنه صاهر الجن فهذا فيه نظر وذلك PageV17P272 إن كان قد قيل فهو مما ~~يعلم إنتفاؤه من وجوه كثيرة وكذلك ما قالته النصاري من أن المسيح إبن الله ~~وما قاله طائفة من اليهود أن العزير إبن الله فإنه قد نفاه سبحانه بهذا ~~وبهذا # فإن قيل أما عوام النصاري فلا تنضبط أقوالهم وأما الموجود في كلام ~~علمائهم وكتبهم فإنهم يقولون أن أقنوم الكلمة ويسمونها الإبن تدرع المسيح ~~أي إتخذه درعا كما يتدرع الإنسان قميصه فاللاهوت تدرع الناسوت ويقولون بإسم ~~الاب والإبن وروح القدس إله واحد قيل قصدهم أن الرب موجود حي عليم فالموجود ~~هو الأب والعلم هو الإبن والحياة هو روح القدس هذا قول كثير منهم ومنهم من ~~يقول بل موجود عالم قادر ويقول العلم هو الكلمة وهو المتدرع والقدرة هي روح ~~القدس فهم مشتركون في أن المتدرع هو أقنوم الكلمة وهي الإبن # ثم إختلفوا في التدرع وإختلفوا هل هما جوهر أو جوهران وهل لهما مشيئة أو ~~مشيئتان ولهم في الحلول والإتحاد كلام مضطرب ليس هذا موضع بسطه فإن مقالة ~~النصاري فيها من الإختلاف بينهم ما يتعذر ضبطه فإن قولهم ليس مأخوذا عن ~~كتاب منزل ولا نبى مرسل ولا هو موافق لعقول العقلاء فقالت اليعقوبية صار ~~جوهرا واحدا وطبيعة واحدة وأقنوما واحدا كالماء في اللبن وقالت PageV17P273 ~~النسطورية بل هما جوهران وطبيعتان ومشيئتان لكن حل اللاهوت في الناسوت حلول ~~الماء في الظرف وقالت الملكية بل ms5321 هما جوهر واحد له مشيئتان وطبيعتان أو ~~فعلان كالنار في الحديد # وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح ابن مريم @QE@ هم اليعقوبية وفى قوله @QB@ وقالت النصارى المسيح ~~ابن الله @QE@ هم الملكية وقوله @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة @QE@ هم النسطورية وليس بشيء بل الفرق الثلاث تقول المقالات التى ~~حكاها الله عز وجل عن النصارى فكلهم يقولون إنه الله ويقولون إنه إبن الله ~~وكذلك في أمانتهم التى هم متفقون عليها يقولون إله حق من إله حق وأما قوله ~~@QB@ ثالث ثلاثة @QE@ فإنه قال تعالى @QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن ~~أقول ما ليس لي بحق @QE@ # قال أبو الفرج إبن الجوزي في قوله @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة @QE@ قال المفسرون معنى الآية أن النصارى قالوا بأن الإلهية مشتركة ~~بين الله وعيسى ومريم كل واحد منهم إله وذكر عن الزجاج الغلو مجاوزة القدر ~~في الظلم وغلو النصارى في عيسى قول بعضهم هو الله وقول بعضهم هو إبن الله ~~وقول بعضهم هو PageV17P274 ثالث ثلاثة # فعلماء النصارى الذين فسروا قولهم هو إبن الله بما ذكروه من أن الكلمة هي ~~الإبن والفرق الثلاثة متفقة على ذلك وفساد قولهم معلوم بصريح العقل من وجوه # ( أحدها ( أنه ليس في شيء من كلام الأنبياء تسمية صفة الله إبنا لا كلامه ~~ولا غيره فتسميتهم صفة الله إبنا تحريف لكلام الأنبياء عن مواضعه وما نقلوه ~~عن المسيح من قوله عمدوا الناس بإسم الأب والإبن وروح القدس لم يرد بالإبن ~~صفة الله التى هي كلمته ولا بروح القدس حياته فإنه لا يوجد في كلام ~~الأنبياء إرادة هذا المعنى كما قد بسط هذا في الرد على النصارى # ( الوجه الثاني ( أن هذه الكلمة التى هي الإبن أهي صفة الله قائمة به أم ~~هي جوهر قائم بنفسه فإن كانت صفته بطل مذهبهم من وجوه ( أحدها ( أن ms5322 الصفة ~~لا تكون إلها يخلق ويرزق ويحيى ويميت والمسيح عندهم إله يخلق ويرزق ويحيى ~~ويميت فإذا كان الذي تدرعه ليس بإله فهو أولى أن لا يكون إلها ( الثاني ( # أن الصفة لا تقوم بغير الموصوف فلا تفارقه وإن قالوا نزل عليه كلام الله ~~أو قالوا أنه الكلمة أو غير ذلك فهذا قدر مشترك بينه وبين سائر الأنبياء ~~PageV17P275 ( الثالث ( أن الصفة لا تتحد وتتدرع شيئا إلا مع الموصوف فيكون ~~الأب نفسه هو المسيح والنصارى متفقون على أنه ليس هو الأب فإن قولهم متناقض ~~ينقض بعضه بعضا يجعلونه إلها يخلق ويرزق ولا يجعلونه الأب الذي هو الإله ~~ويقولون إله واحد وقد شبهه بعض متكلميهم كيحيى بن عدى بالرجل الموصوف بأنه ~~طبيب وحاسب وكاتب وله بكل صفة حكم فيقال هذا حق لكن قولهم ليس نظير هذا ~~فإذا قلتم أن الرب موجود حي عالم وله بكل صفة حكم فمعلوم أن المتحد إن كان ~~هو الذات المتصفة فالصفات كلها تابعة لها فإنه إذا تدرع زيد الطبيب الحاسب ~~الكاتب درعا كانت الصفات كلها قائمة به وإن كان المتدرع صفة دون صفة عاد ~~المحذور وإن قالوا المتدرع الذات بصفة دون صفة لزم إفتراق الصفتين وهذا ~~ممتنع فإن الصفات القائمة بموصوف واحد وهي لازمة له لا تفترق وصفات ~~المخلوقين قد يمكن عدم بعضها مع بقاء الباقي بخلاف صفات الرب تبارك وتعالى # ( الرابع ( أن المسيح نفسه ليس هو كلمات الله ولا شيئا من صفاته بل هو ~~مخلوق بكلمة الله وسمي كلمة لأنه خلق بكن من غير الحبل المعتاد كما قال ~~تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان ~~لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ ~~PageV17P276 ولو قدر أنه نفسه كلام الله كالتوراة والإنجيل وسائر كلام الله ~~لم يكن كلام الله ولا شيء من صفاته خالقا ولا ربا ولا إلها فالنصارى إذا ~~قالوا ms5323 إن المسيح هو الخالق كانوا ضالين من جهة جعل الصفة خالقة ومن جهة ~~جعله هو نفس الصفة وإنما هو مخلوق بالكلمة ثم قولهم بالتثليث وإن الصفات ~~ثلاث باطل وقولهم ايضا بالحلول والإتحاد باطل فقولهم يظهر بطلانه من هذه ~~الوجوه وغيرها # فلو قالوا أن الرب له صفات قائمة به ولم يذكروا إتحادا ولا حلولا كان هذا ~~قول جماهير المسلمين المثبتين للصفات وإن قالوا أن الصفات أعيان قائمة ~~بنفسها فهذا مكابرة فهم يجمعون بين المتناقضين وايضا فجعلهم عدد الصفات ~~ثلاثة باطل فإن صفات الرب أكثر من ذلك فهو سبحانه موجود حي عليم قدير ~~والأقانيم عندهم التى جعلوها الصفات ليست إلا ثلاثة ولهذا تارة يفسرونها ~~بالوجود والحياة والعلم وتارة يفسرونها بالوجود والقدرة والعلم وإضطرابهم ~~كثير فإن قولهم في نفسه باطل ولا يضبطه عقل عاقل ولهذا يقال لو إجتمع عشرة ~~من النصارى لإفترقوا على أحد عشر قولا PageV17P277 و ايضا فكلمات الله ~~كثيرة لا نهاية لها كما قال سبحانه وتعالى @QB@ قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا @QE@ ~~وهذا قول جماهير الناس من المسلمين وغير المسلمين وهذا مذهب سلف الأمة ~~الذين يقولون لم يزل سبحانه متكلما بمشيئته وقول من قال أنه لم يزل قادرا ~~على الكلام لكن تكلم بمشيئته كلاما قائما بذاته حادثا وقول من قال كلامه ~~مخلوق في غيره # وأما من قال كلامه شيء واحد قديم العين فهؤلاء منهم من يقول أنه أمور لا ~~نهاية لها مع ذلك ومنهم من يقول بل هو معنى واحد ولكن العبارات عنه متعددة ~~وهؤلاء يمتنع عندهم أن يكون ذلك المعنى قائما بغير الله وإنما يقوم بغيره ~~عندهم العبارات المخلوقة ويمتنع أن يكون المسيح شيئا من تلك العبارات فاذا ~~إمتنع أن يكون المسيح غير كلام الله على قول هؤلاء فعلى قول الجمهور أشد ~~امتناعا لأن كلمات الله كثيرة والمسيح ليس هو جميعها بل ولا مخلوقا بجميعها ~~وإنما خلق بكلمة منها وليس هوعين تلك الكلمة فإن الكلمة صفة من الصفات ms5324 ~~والمسيح عين قائم بنفسه # ثم يقال لهم تسميتكم العلم والكلمة ولدا وابنا تسمية باطلة بإتفاق ~~العلماء والعقلاء ولم ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء قالوا لأن الذات ~~PageV17P278 يتولد عنها العلم والكلام كما يتولد ذلك عن نفس الرجل العالم ~~منها فيتولد من ذاته العلم والحكمة والكلام فلهذا سميت الكلمة إبنا قيل هذا ~~باطل من وجوه # أحدها أن صفاتنا حادثة تحدث بسبب تعلمنا ونظرنا وفكرنا وإستدلالنا وأما ~~كلمة الرب وعلمه فهو قديم لازم لذاته فيمتنع أن يوصف بالتولد إلا أن يدعي ~~المدعي أن كل صفة لازمة لموصوفها متولدة عنه وهي إبن له ومعلوم أن هذا من ~~أبطل الأمور في العقول واللغات فإن حياة الإنسان ونطقه وغير ذلك من صفاته ~~اللازمة له لا يقال إنها متولدة عنه وإنها بن له وأيضا فيلزم أن تكون حياة ~~الرب ايضا إبنه ومتولدة وكذلك قدرته وإلا فما الفرق بين تولد العلم وتولد ~~الحياة والقدرة وغير ذلك من الصفات # وثانيها أن هذا إن كان من باب تولد الجواهر والأعيان القائمة بنفسها ~~فلابد له من اصلين ولابد أن يخرج من الأصل جزء وأما علمنا وقولنا فليس عينا ~~قائما بنفسه وإن كان صفة قائمة بموصوف وعرضا قائما في محل كعلمنا وكلامنا ~~فذاك أيضا لا يتولد إلا عن أصلين ولابد له من محل يتولد فيه والواحد منا لا ~~يحدث له العلم والكلام إلا بمقدمات تتقدم على ذلك وتكون أصولا للفروع ويحصل ~~العلم والكلام في محل لم يكن حاصلا فيه قبل ذلك PageV17P279 # فإن قلتم أن علم الرب كذلك لزم أن يصير عالما بالأشياء بعد ان لم يكن ~~عالما بها وأن تصير ذاته متكلمة بعد أن لم يكن متكلما وهذا مع أنه كفر عند ~~جماهير الأمم من المسلمين والنصارى وغيرهم فهو باطل في صريح العقل فإن ~~الذات التى لا تكون عالمة يمتنع أن تجعل نفسها عالمة بلا أحد يعلمها والله ~~تعالى يمتنع عليه أن يكون متعلما من خلقه وكذلك الذات التى تكون عاجزة عن ~~الكلام يمتنع أن تصير قادرة عليه بلا أحد يجعلها ms5325 قادرة والواحد منها لا ~~يولد جميع علومه بل ثم علوم خلقت فيه لا يستطيع دفعها فاذا نظر فيها حصلت ~~له علوم أخرى فلا يقول أحد من بني آدم إن الإنسان يولد علومه كلها ولا يقول ~~أحد أنه يجعل نفسه متكلمة بعد أن لم تكن متكلمة بل الذي يقدره على النطق هو ~~الذي انطق كل شيء فإن قالوا ان الرب يولد بعض علمه وبعض كلامه دون بعض بطل ~~تسمية العلم الذي هو الكلمة مطلقا الإبن وصار لفظ الإبن إنما يسمى به بعض ~~علمه أو بعض كلامه وهم يدعون أن المسيح هو الكلمة وهو أقنوم العلم مطلقا ~~وذلك ليس متولدا عنه كله ولا يسمى كله إبنا باتفاق العقلاء ( # وثالثها ( أن يقال تسمية علم العالم وكلامه ولدا له لا يعرف في شيء من ~~اللغات المشهورة وهو باطل بالعقل فإن علمه وكلامه كقدرته وعلمه فإن ~~PageV17P280 جاز هذا جاز تسمية صفات الإنسان كلها الحادثة متولدات عنه له ~~وتسميتها أبناءه ومن قال من أهل الكلام القدرية أن العلم الحاصل بالنظر ~~متولد عنه فهو كقوله إن الشبع والري متولد عن الأكل والشرب لا يقول ان ~~العلم إبنه وولده كما لا يقول إن الشبع والري إبنه ولا ولده لأن هذا من باب ~~تولد الأعراض والمعانى القائمة بالإنسان وتلك لا يقال إنها أولاده وأبناؤه ~~ومن إستعار فقال بنيات فكره فهو كما يقال بنيات الطريق ويقال إبن السبيل ~~ويقال لطير الماء إبن ماء وهذه تسمية مقيدة قد عرف أنها ليس المراد بها ما ~~هو المعقول من الأب والإبن والوالد والولد وأيضا فكلام الأنبياء ليس في شيء ~~منه تسمية شيء من صفات الله إبنا فمن حمل شيئا من كلام الأنبياء على ذلك ~~فقد كذب عليهم وهذا مما يقر به علماء النصارى وما وجد عندهم من لفظ الإبن ~~في حق المسيح واسرائيل وغيرهما فهو إسم للمخلوق لا لشيء من صفات الخالق ~~والمراد به أنه مكرم معظم # ورابعها أن يقال فإذا قدر أن الأمر كذلك فالذي حصل للمسيح إن كان هو ما ~~علمه ms5326 الله إياه من علمه وكلامه فهذا موجود لسائر النبيين فلا معنى لتخصيصه ~~بكونه إبن الله وإن كان هو أن العلم والكلام إله اتحد به فيكون العلم ~~والكلام جوهرا قائما بنفسه فإن كان هو الأب فيكون المسيح هو الأب وإن كان ~~العلم والكلام جوهرا آخر فيكون إلهان قائمان PageV17P281 بانفسهما فتبين ~~فساد ما قالوه بكل وجه # وخامسها أن يقال من المعلوم عند الخاصة والعامة أن المعنى الذي خص به ~~المسيح إنما هو ان خلق من غير أب فلما لم يكن له أب من البشر جعل النصاري ~~الرب أباه وبهذا ناظر نصارى نجران النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا إن لم ~~يكن هو إبن الله فقل لنا من أبوه فعلم ان النصارى إنما ادعوا فيه البنوة ~~الحقيقية وأن ما ذكر من كلام علمائهم هو تأويل منهم للمذهب ليزيلوا به ~~الشناعة التى لا يبلغها عاقل وإلا فليس في جعله إبن الله وجه يختص به معقول ~~فعلم أن النصارى جعلوه إبن الله وأن الله أحبل مريم والله هو أبوه وذلك لا ~~يكون إلا بإنزال جزء منه فيها وهو سبحانه الصمد ويلزمهم أن تكون مريم صاحبة ~~وزوجة له ولهذا يتألهونها كما أخبر الله عنهم وأي معنى ذكروه في بنوة عيسى ~~غير هذا لم يكن فيه فرق بين عيسى وبين غيره ولا صار فيه معنى البنوة بل ~~قالوا كما قال بعض مشركي العرب أنه صاهر الجن فولدت له الملائكة وإذا قالوا ~~اتخذه إبنا على سبيل الإصطفاء فهذا هو المعنى الفعلي وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى إبطاله # وقوله تعالى @QB@ وروح منه @QE@ ليس فيه أن بعض الله صار في عيسى بل من ~~لإبتداء الغاية كما قال @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه @QE@ PageV17P282 # وقال @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ وما أضيف ~~إلى الله أو قيل هو منه فعلى وجهين إن كان عينا قائمة بنفسها فهو مملوك له ~~ومن لابتداء الغاية كما قال تعالى @QB@ فأرسلنا إليها روحنا @QE@ وقال في ~~المسيح @QB@ وروح منه @QE@ وما كان صفة لا ms5327 يقوم بنفسه كالعلم والكلام فهو ~~صفة له كما يقال كلام الله وعلم الله وكما قال تعالى @QB@ قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق @QE@ وقال @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق @QE@ # وألفاظ المصادر يعبر بها عن المفعول فيسمى المأمور به أمرا والمقدور قدرة ~~والمرحوم به رحمة والمخلوق بالكلمة كلمة فإذا قيل في المسيح أنه كلمة الله ~~فالمراد به أنه خلق بكلمة قوله كن ولم يخلق على الوجه المعتاد من البشر ~~وإلا فعيسى بشر قائم بنفسه ليس هو كلاما صفة للمتكلم يقوم به وكذلك إذا قيل ~~عن المخلوق أنه أمر الله فالمراد أن الله كونه بأمره كقوله @QB@ أتى أمر ~~الله فلا تستعجلوه @QE@ وقوله @QB@ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل @QE@ فالرب تعالى أحد صمد لا يجوز أن يتبعض ~~ويتجزأ فيصير بعضه في غيره سواء سمى ذلك روحا أو غيره فبطل ما يتوهمه ~~النصارى من كونه ابنا له وتبين أنه عبد من عباد الله # وقد قيل منشأ ضلال القوم أنه كان في لغة من قبلنا يعبر PageV17P283 عن ~~الرب بالأب وبالإبن عن العبد المربي الذي يربه الله ويربيه فقال المسيح ~~عمدوا الناس بإسم الأب والابن وروح القدس فأمرهم أن يؤمنوا بالله ويؤمنوا ~~بعبده ورسوله المسيح ويؤمنوا بروح القدس جبريل فكانت هذه الأسماء لله ~~ولرسوله الملكى ورسوله البشري قال الله تعالي @QB@ الله يصطفي من الملائكة ~~رسلا ومن الناس @QE@ # وقد أخبر تعالى في غير آية أنه أيد المسيح بروح القدس وهو جبريل عند ~~جمهور المفسرين كقوله تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده ~~بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس @QE@ فعند جمهور ~~المفسرين أن روح القدس هو جبريل بل هذا قول إبن عباس وقتادة والضحاك والسدى ~~وغيرهم ودليل هذا قوله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين @QE@ وروى الضحاك عن بن عباس ms5328 ~~أنه الإسم الذي كان يحيى به الموتى وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه ~~الانجيل وقال تعالى @QB@ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده @QE@ PageV17P284 ~~فما ينزله الله في قلوب أنبيائه مما تحيا به قلوبهم من الإيمان الخالص ~~يسميه روحا وهو ما يؤيد الله به المؤمنين من عباده فكيف بالمرسلين منهم ~~والمسيح عليه السلام من أولي العزم فهو أحق بهذا من جمهور الرسل والأنبياء ~~وقال تعالى @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس @QE@ وقد ذكر ~~الزجاج في تأييده بروح القدس ثلاثة أوجه # ( أحدها ( أنه أيده به لإظهار أمره ودينه ( # الثاني ( لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله # ( الثالث ( أنه أيده به في جميع أحواله # ومما يبين ذلك أن لفظ الإبن في لغتهم ليس مختصا بالمسيح بل عندهم أن الله ~~تعالى قال في التوراة لإسرائيل أنت ابنى بكري والمسيح كان يقول أبى وأبوكم ~~فيجعله أبا للجميع ويسمى غيره ابنا له فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك ولكن ~~النصاري يقولون هو ابنه بالطبع وغيره ابنه بالوضع فيفرقون فرقا لا دليل ~~عليه ثم قولهم هو إبنه بالطبع يلزم عليه من المحالات عقلا وسمعا ما يبين ~~بطلانه PageV17P285 ### ||| فصل # وأما ما يقوله الفلاسفة القائلون بأن العالم قديم صدر عن علة موجبة بذاته ~~وأنه صدر عنه عقل ثم عقل ثم عقل إلى تمام عشرة عقول وتسعة أنفس وقد يجعلون ~~العقل بمنزلة الذكر والنفس بمنزلة الأنثى فهؤلاء قولهم أفسد من قول مشركي ~~العرب وأهل الكتاب عقلا وشرعا ودلالة القرآن على فساده أبلغ وذلك من وجوه # أحدها أن هؤلاء يقولون بقدم الأفلاك وقدم هذه الروحانيات التى يثبتونها ~~ويسمونها المجردات والمفارقات والجواهر العقلية وأن ذلك لم يزل قديما ms5329 أزليا ~~وما كان قديما أزليا إمتنع أن يكون مفعولا بوجه من الوجوه ولا يكون مفعولا ~~إلا ما كان حادثا وهذه قضية بديهية عند جماهير العقلاء وعليها الأولون ~~والآخرون من الفلاسفة وسائر الأمم ولهذا كان جماهير الأمم يقولون كل ممكن ~~أن يوجد وأن لا يوجد فلا يكون إلا حادثا وإنما إدعى وجود ممكن قديم معلول ~~طائفة من المتأخرين كابن سينا ومن وافقه زعموا أن الفلك PageV17P286 قديم ~~معلول لعلة قديمة وأما الفلاسفة القدماء فمن كان منهم يقول بحدوث الفلك وهم ~~جمهورهم ومن كان قبل ارسطو فهؤلاء موافقون لأهل الملل ومن قال بقدم الفلك ~~كارسطو وشيعته فإنما يثبتون له علة غائية يتشبه الفلك بها لا يثبتون له علة ~~فاعلة وما يثبتونه من العقول والنفوس فهو من جنس الفلك كل ذلك قديم واجب ~~بنفسه وإن كان له علة غائية وهؤلاء أكفر من هؤلاء المتأخرين لكن الغرض أن ~~يعرفوا أن قول هؤلاء ليس قول أولئك # الثاني أن هؤلاء يقولون إن الرب واحد والواحد لا يصدر عنه إلا واحد ~~ويعنون بكونه واحدا أنه ليس له صفة ثبوتية أصلا ولا يعقل فيه معان متعددة ~~لأن ذلك عندهم تركيب ولهذا يقولون لا يكون فاعلا وقابلا لأن جهة الفعل غير ~~جهة القبول وذلك يستلزم تعدد الصفة المستلزم للتركيب ومع هذا يقولون أنه ~~عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق ولذيذ وملتذ ولذة إلى غير ذلك من ~~المعانى المتعددة ويقولون إن كل واحدة من هذه الصفات هي الصفة الأخرى ~~والصفة هي الموصوف والعلم هو القدرة وهو الإرادة والعلم هو العالم وهو ~~القادر # ومن المتأخرين منهم من قال العلم هو المعلوم فاذا تصور العاقل أقوالهم حق ~~التصور تبين له أن هذا الواحد الذي أثبتوه لا يتصور PageV17P287 و جوده إلا ~~في الأذهان لا في الأعيان وقد بسط الكلام عليه وبين فساد ما يقولونه في ~~التوحيد والصفات وبين فساد شبه التركيب من وجوه كثيرة في مواضع غير هذا ~~واذا كان كذلك فالأصل الذي بنوا عليه قولهم ( أن الواحد لا يصدر عنه إلا ~~واحد ( أصل ms5330 فاسد # الثالث أن يقال قولهم بصدور الأشياء مع ما فيها من الكثرة والحدوث عن ~~واحد بسيط في غاية الفساد # الرابع أنه لا يعلم في العالم واحد بسيط صدر عنه شيء لا واحد ولا اثنان ~~فهذه الدعوى الكلية لا يعلم ثبوتها في شيء أصلا # الخامس أنهم يقولون صدر عنه واحد وعن ذلك الواحد عقل ونفس وفلك فيقال إن ~~كان الصادر عنه واحدا من كل وجه فلا يصدر عن هذا الواحد الا واحد أيضا ~~فيلزم أن يكون كل ما في العالم إنما هو واحد عن واحد وهو مكابرة وإن كان في ~~الصادر الأول كثرة ما بوجه من الوجوه فقد صدر عن الأول ما فيه كثرة ليس ~~واحدا من كل وجه فقد صدر عن الواحد ما ليس بواحد # ولهذا اضطرب متأخروهم فأبو البركات صاحب ( المعتبر ( أبطل هذا القول ورده ~~غاية الرد وبن رشد الحفيد زعم أن الفلك بما فيه صادر عن الأول والطوسي وزير ~~الملاحدة يقرب من هذا فجعل الأول PageV17P288 شرطا في الثاني والثاني شرطا ~~في الثالث وهم مشتركون في الضلال وهو إثبات جواهر قائمة بنفسها أزلية مع ~~الرب لم تزل ولا تزال معه لم تكن مسبوقة بعدم وجعل الفلك أيضا أزليا وهذا ~~وحده فيه من مخالفة صريح المعقول والكفر بما جاءت به الرسل ما فيه كفاية ~~فكيف إذا ضم إليه غير ذلك من أقاويلهم المخالفة للعقل والنقل # الوجه السادس أن الصوادر المعلومة في العالم انما تصدر عن اثنين وأما ~~واحد وحده فلا يصدر عنه شيء كما تقدم التنبيه عليه في المتولدات من الأعيان ~~والأعراض وكل ما يذكرونه من صدور الحرارة عن الحار والبرودة عن البارد ~~والشعاع عن الشمس وغير ذلك فإنما هو صدور أعراض ومع هذا فلابد لها من أصلين ~~وأما صدور الأعيان عن غيرها فهذا لا يعلم الا بالولادة المعروفة وتلك لا ~~تكون الا بإنفصال جزء من الأصل وهذا الصدور والتولد والمعلولية التى ~~يدعونها في العقول والنفوس والأفلاك يقولون أنها جواهر قائمة بأنفسها صدرت ~~عن جوهر واحد بسيط فهذا من أبطل ms5331 قول قيل في الصدور والتولد لأن فيه صدور ~~جواهر عن جوهر واحد وهذا لا يعقل وفيه صدوره عنه من غير جزء منفصل من الأصل ~~وهذا لا يعقل وهم غاية ما عندهم أن يشبهوا هذا بحدوث بعض الأعراض كالشعاع ~~عن الشمس وحركة الخاتم عن حركة اليد وهذا تمثيل PageV17P289 باطل لأن تلك ~~ليست علة فاعلة وإنما هي شرط فقط والصادر هناك لم يكن عن أصل واحد بل عن ~~أصلين والصادر عرض لا جوهر قائم بنفسه # فتبين أن ما ذكره هؤلاء من التولد العقلي الذي يدعونه من أبعد الأمور عن ~~التولد والصدور وهو أبعد من قول النصارى ومشركى العرب وهم جعلوا مفعولاته ~~بمنزلة صفة أزلية لازمة لذاته وقد ذكرنا أن هذا مما يمتنع أن يقال فيه أنه ~~متولد عنه وحينئذ فهم في دعواهم إلهية العقول والنفوس والكواكب أكفر من ~~هؤلاء وهؤلاء ومن جعل من المنتسبين إلى الملل منهم هؤلاء هم الملكية فقوله ~~في جعل الملائكة متولدين عن الله شر من قول العرب وعوام النصارى فإن أولئك ~~أثبتوا ولادة حسية وكونه صمدا يبطلها لكن ما أثبتوه معقول وهؤلاء ادعوا ~~تولدا عقليا باطلا من كل وجه أبطل مما ادعته النصارى من تولد الكلمة عن ~~الذات فكان نفى ما ادعوه أولى من نفى ما ادعاه أولئك لأن المحال الذي يعلم ~~امتناعه في الخارج لا يمكن تصوره موجودا في الخارج فانه يمتنع وجوده في ~~الخارج بل هو يفرض في الذهن وجوده في الخارج وذلك إنما يمكن إذا كان له ~~نظير من بعض الوجوه فيقدر له في الوجود الخارجي ما يشبهه كما إذا قدر مع ~~الله إلها آخر وقدر أن له ولدا فانه يشبه من له ولد من العباد ومن له شريك ~~من PageV17P290 العباد ثم يبين امتناع ذلك عليه فكلما كان المحال أبعد عن ~~مشابهة الموجود كان أعظم استحالة # والولادة التى ادعتها النصارى ثم هؤلاء الفلاسفة أبعد عن مشابهة الولادة ~~المعلومة من الولادة التى ادعاها بعض مشركي العرب وعوام النصارى واليهود ~~فكانت هذه الولادة العقلية أشد استحالة من ms5332 تلك الولادة الحسية اذ الولادة ~~الحسية تعقل في الأعيان القائمة بنفسها وأما الولادة العقلية فلا تعقل في ~~الأعيان أصلا وأيضا فأولئك أثبتوا ولادة من أصلين وهذا هو الولادة المعقولة ~~وهؤلاء أثبتوا ولادة من أصل واحد وأولئك أثبتوا ولادة بانفصال جزء وهذا ~~معقول وهؤلاء أثبتوا ولادة بدون ذلك وهو لايعقل وأولئك أثبتوا ولادة قاسوها ~~على ولادة الأعيان للأعيان وهؤلاء أثبتوا ولادة قاسوها على تولد الأعراض عن ~~الأعيان فعلم أن قول أولئك أقرب إلى المعقول وهو باطل كما بين الله فساده ~~وانكره فقول هؤلاء أولى بالبطلان وهذا كما أن الله اذا كفر من أثبت مخلوقا ~~يتخذ شفيعا معبودا من دون الله فمن أثبت قديما دون الله يعبد ويتخذ شفيعا ~~كان أولى بالكفر ومن أنكر المعاد مع قوله بحدوث هذا العالم فقد كفره الله ~~فمن أنكره مع قوله بقدم العالم فهو اعظم كفرا عند الله تعالى # وهذا كما أن النبى صلى الله عليه وسلم لما نهى أمته عن مشابهة ~~PageV17P291 فارس المجوس والروم النصارى فنهيه عن مشابهة الروم اليونان ~~المشركين والهند المشركين أعظم واعظم واذا كان ما دخل في بعض المسلمين من ~~مشابهة اليهود والنصارى وفارس والروم مذموما عند الله ورسوله فما دخل من ~~مشابهة اليونان والهند والترك المشركين وغيرهم من الأمم الذين هم أبعد عن ~~الإسلام من أهل الكتاب ومن فارس والروم أولى أن يكون مذموما عند الله تعالى ~~وأن يكون ذمه أعظم من ذاك # فهؤلاء الأمم الذين هم أبعد عن الإسلام الذين ابتلى بهم أواخر المسلمين ~~شر من الأمم الذين ابتلى بهم أوائل المسلمين وذلك لأن الإسلام كان أهله ~~أكمل وأعظم علما ودينا فإذا ابتلى بمن هو أرجح من هؤلاء غلبهم المسلمون ~~لفضل علمهم ودينهم وأما هؤلاء المتأخرون فالمسلمون وإن كانوا أنقص من سلفهم ~~فإنه يظهر رجحانهم على هؤلاء لعظم بعدهم عن الإسلام ولكن لما كثرت البدع من ~~متأخري المسلمين استطال عليهم من استطال من هؤلاء ولبسوا عليهم دينهم وصارت ~~شبه الفلاسفة أعظم عند هؤلاء من غيرهم كما صار قتال الترك الكفار ms5333 أعظم من ~~قتال من كان قبلهم عند أهل الزمان لأنهم انما ابتلوا بسيوف هؤلاء وألسنة ~~هؤلاء وكان فيهم من نقص الإيمان ما أورث ضعفا في العلم والجهاد وكما كان ~~كثير من العرب في زمن النبى صلى الله عليه وسلم فهذا هذا PageV17P292 ومما ~~يبين هذا أن مشركي العرب واليهود والنصارى يقولون إن الله خلق السماوات ~~والأرض بمشيئته وقدرته بل يقولون إنه خلق ذلك في ستة أيام وهؤلاء المتفلسفة ~~عندهم لم يحدثها بعد أن لم تكن فضلا عن أن يكون ذلك في ستة أيام ثم يلبسون ~~على المسلمين فيقولون العالم محدث يعنون بحدوثه أنه معلول علة قديمة فهو ~~بمنزلة قولهم متولد عن الله تعالى لكن هو أمر لا حقيقة له ولا يعقل # وأيضا فمشركوا العرب وأهل الكتاب يقرون بالملائكة وإن كان كثير منهم ~~يجعلون الملائكة والشياطين نوعا واحدا فمن خرج منهم عن طاعة الله أسقطه ~~وصار شيطانا وينكرون أن يكون إبليس كان أبا الجن وأن يكون الجن ينكحون ~~ويولدون ويأكلون ويشربون فهؤلاء النصارى الذين ينكرون هذا مع كفرهم هم خير ~~من هؤلاء المتفلسفة فإن هؤلاء لا حقيقة للملائكة عندهم إلا ما يثبتونه من ~~العقول والنفوس أو من أعراض تقوم بالأجسام كالقوي الصالحة وكذلك الجن جمهور ~~أولئك يثبتونها فان العرب كانت تثبت الجن وكذلك أكثر أهل الكتاب وهؤلاء لا ~~يثبتونها ويجعلون الشياطين القوي الفاسدة وأيضا فمشركوا العرب مع أهل ~~الكتاب يدعون الله ويقولون أنه يسمع دعاءهم ويجيبهم # وهؤلاء عندهم لا يعلم شيئا من جزئيات العالم ولا يسمع دعاء أحد ~~PageV17P293 و لا يجيب أحدا ولا يحدث في العالم شيئا ولا سبب للحدوث عندهم ~~إلا حركات الفلك والدعاء عندهم يؤثر لأنه تصرف النفس الناطقة في هيولى ~~العالم وقد ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال ( يقول الله عز وجل شتمنى بن آدم وما ينبغي له ذلك ~~وكذبني بن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأنا ~~الأحد الصمد الذي لم ms5334 ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه اياي ~~فقوله لن يعيدنى كما بدأنى وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ( وهذا وإن ~~كان متناولا قطعا لكفار العرب الذين قالوا هذا وهذا كما قال تعالى @QB@ ~~ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج @QE@ إلى قوله @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه @QE@ فذكر الله هذا وهذا ~~فتناول النصوص لهؤلاء بطريق الأولى فان هؤلاء ينكرون الإعادة والإبتداء ~~أيضا فلا يقولون ان الله ابتدأ خلق السماوات والأرض ولا كان للبشر ابتداء ~~أولهم آدم وأما شتمهم إياه بقولهم اتخذ ولدا فهؤلاء عندهم الفلك كله لازم ~~له معلول له أعظم من لزوم الولد والده والوالد له اختيار وقدرة في حدوث ~~الولد منه وهؤلاء عندهم ليس لله مشيئة وقدرة في لزوم الفلك له بل ولا يمكنه ~~أن يدفع لزومه عنه فالتولد الذي يثبتونه أبلغ من التولد الموجود في الخلق ~~ولا يقولون إنه اتخذ ولدا بقدرته فانه لا يقدر PageV17P294 عندهم على تغيير ~~شيء من العالم بل ذلك لازم له لزوما حقيقته أنه لم يفعل شيئا بل ولا هو ~~موجود وإن سموه علة ومعلولا فعند التحقيق لا يرجعون إلى شيء محصل فان في ~~قولهم من التناقض والفساد أعظم مما في قول النصارى # وقد ذكر طائفة من أهل الكلام أن قولهم بالعلة والمعلول من جنس قول غيرهم ~~بالوالد والولد وأرادوا بذلك أن يجعلوهم من جنسهم في الذم وهذا تقصير عظيم ~~بل أولئك خير من هؤلاء وهؤلاء اذا حققت ما يقوله من هو أقر بهم إلى الإسلام ~~كابن رشد الحفيد وجدت غايته أن يكون الرب شرطا في وجود العالم لا فاعلا له ~~وكذلك من سلك مسلكهم من المدعين للتحقيق من ملاحدة الصوفية كابن عربى وبن ~~سبعين حقيقة قولهم أن هذا العالم موجود واجب أزلى ليس له صانع غير نفسه وهم ~~يقولون الوجود واحد وحقيقة قولهم أنه ليس في الوجود خالق خلق موجودا آخر ~~وكلامهم في المعاد والنبوات والتوحيد شر من كلام اليهود والنصارى ms5335 وعباد ~~الأصنام فإن هؤلاء يجوزون عبادة كل صنم في العالم لا يخصون بعض الأصنام ~~بالعبادة PageV17P295 ### ||| فصل # وقد إحتج ب ( سورة الإخلاص ( من أهل الكلام المحدث من يقول الرب تعالى ~~جسم كبعض الذين وافقوا هشام بن الحكم ومحمد بن كرام وغيرهما ومن ينفى ذلك ~~ويقول ليس بجسم ممن وافق جهم بن صفوان وأبا الهذيل العلاف ونحوهما فأولئك ~~قالوا هو صمد والصمد لا جوف له وهذا إنما يكون في الأجسام المصمتة فانها لا ~~جوف لها كما في الجبال والصخور وما يصنع من عواميد الحجارة وكما قيل ان ~~الملائكة صمد ولهذا قيل إنه لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه شيء ولا يأكل ولا ~~يشرب ونحو ذلك ونفى هذا لا يعقل إلا عمن هو جسم وقالوا أصل @QB@ الصمد @QE@ ~~الإجتماع ومنه تصميد المال وهذا إنما يعقل في الجسم المجتمع وأما النفاة ~~فقالوا @QB@ الصمد @QE@ الذي لا يجوز عليه التفرق والإنقسام وكل جسم في ~~العالم يجوز عليه التفرق والإنقسام # وقالوا أيضا ( الاحد ( الذي لا يقبل التجزي والإنقسام وكل جسم في العالم ~~يجوز عليه التفرق والتجزى والإنقسام وقالوا PageV17P296 اذا قلتم هو جسم ~~كان مركبا مؤلفا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة وما كان مركبا ~~مؤلفا من غيره كان مفتقرا إليه وهو سبحانه صمد والصمد الغني عما سواه ~~فالمركب لا يكون صمدا # فيقال أما القول بأنه سبحانه مركب مؤلف من أجزاء وأنه يقبل التجزى ~~والانقسام والانفصال فهذا باطل شرعا وعقلا فان هذا ينافى كونه صمدا كما ~~تقدم وسواء أريد بذلك أنه كانت الأجزاء متفرقة ثم اجتمعت أو قيل إنها لم ~~تزل مجتمعة لكن يمكن انفصال بعضها عن بعض كما في بدن الإنسان وغيره من ~~الأجسام فإن الإنسان وان كان لم يزل مجتمع الأعضاء لكن يمكن أن يفرق بين ~~بعضه من بعض والله سبحانه منزه عن ذلك ولهذا قدمنا ان كمال الصمدية له فإن ~~هذا انما يجوز على ما يجوز أن يفنى بعضه أو يعدم وما قبل العدم والفناء لم ~~يكن واجب الوجود بذاته ولا قديما أزليا فإن ms5336 ما وجب قدمه امتنع عدمه وكذلك ~~صفاته التى لم يزل موصوفا بها وهي من لوازم ذاته فيمتنع أن يعدم اللازم الا ~~مع عدم الملزوم # ولهذا قال من قال من السلف @QB@ الصمد @QE@ هو الدائم وهو الباقى بعد ~~فناء خلقه فإن هذا من لوازم الصمدية اذ لو قبل العدم لم تكن صمديته لازمة ~~له بل جاز عدم صمديته فلا يبقى صمدا ولا PageV17P297 تنتفي عنه الصمدية الا ~~بجواز العدم عليه وذلك محال فلا يكون مستوجبا للصمدية الا اذا كانت لازمة ~~له وذلك ينافى عدمه وهو مستوجب للصمدية لم يصر صمدا بعد أن لم يكن تعالى ~~وتقدس فإن ذلك يقتضي أنه كان متفرقا فجمع وأنه مفعول محدث مصنوع وهذه صفة ~~مخلوقاته وأما الخالق القديم الذي يمتنع عليه أن يكون معدوما أو مفعولا أو ~~محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه فلا يجوز عليه شيء من ذلك فعلم أنه لم يزل ~~صمدا ولا يزال صمدا فلا يجوز أن يقال كان متفرقا فاجتمع ولا أنه يجوز أن ~~يتفرق بل ولا أن يخرج منه شيء ولا يدخل فيه شيء # وهذا مما هو متفق عليه بين طوائف المسلمين سنيهم وبدعيهم وان كان أحد من ~~الجهال أو من لا يعرف قد يقول خلاف ذلك فمثل هؤلاء لا تنضبط خيالاتهم ~~الفاسدة كما أنه ليس في طوائف المسلمين من يقول إنه مولود ووالد وإن كان ~~هذا قد قاله بعض الكفار وقد قال المتفلسفة المنتسبون إلى الإسلام من التولد ~~والتعليل ما هو شر من قول أولئك وأما اثبات الصفات له وأنه يرى في الآخرة ~~وأنه يتكلم بالقرآن وغيره وكلامه غير مخلوق فهذا مذهب الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان وأئمة المسلمين وأهل السنة والجماعة من جميع الطوائف والخلاف في ~~ذلك مشهور مع الجهمية والمعتزلة PageV17P298 و كثير من الفلاسفة والباطنية # وهؤلاء يقولون أن اثبات الصفات يوجب أن يكون جسما وليس بجسم فلا تثبت له ~~الصفات قالوا لأن المعقول من الصفات اعراض قائمة بجسم لا تعقل صفته إلا ~~كذلك قالوا والرؤية لا تعقل إلا مع المعاينة فالمعاينة ms5337 لا تكون إلا اذا كان ~~المرئي بجهة ولا يكون بجهة إلا ما كان جسما قالوا ولأنه لو قام به كلام أو ~~غيره للزم أن يكون جسما فلا يكون الكلام المضاف إليه إلا مخلوقا منفصلا عنه # وهذه المعاني مما ناظروا بها الإمام أحمد في ( المحنة ( وكان ممن احتج ~~على أن القرآن مخلوق بنفى التجسيم أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث تلميذ حسين ~~النجار وهو من أكابر المتكلمين فإن بن أبي دؤاد كان قد جمع للإمام أحمد من ~~أمكنه من متكلمي البصرة وبغداد وغيرهم ممن يقول أن القرآن مخلوق وهذا القول ~~لم يكن مختصا بالمعتزلة كما يظنه بعض الناس فإن كثيرا من أولئك المتكلمين ~~أو أكثرهم لم يكونوا معتزلة وبشر المريسي لم يكن من المعتزلة بل فيهم ~~نجارية ومنهم برغوث وفيهم ضرارية وحفص الفرد الذي ناظر الشافعي كان من ~~الضرارية أتباع ضرار بن عمرو وفيهم مرجئة ومنهم بشر المريسي # ومنهم جهمية محضة ومنهم معتزلة وبن أبى PageV17P299 دؤاد لم يكن معتزليا ~~بل كان جهميا ينفي الصفات والمعتزلة تنفي الصفات فنفاة الصفات الجهمية أعم ~~من المعتزلة فلما احتج عليه برغوث بأنه لو كان يتكلم ويقوم به الكلام لكان ~~جسما وهذا منفى عنه وأحمد وأمثاله من السلف كانوا يعلمون أن هذه الألفاظ ~~التى ابتدعها المتكلمون كلفظ الجسم وغيره ينفيها قوم ليتوصلوا بنفيها إلى ~~نفي ما أثبته الله تعالى ورسوله ويثبتها قوم ليتوصلوا باثباتها إلى اثبات ~~ما نفاه الله ورسوله # فالأولى طريقة الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينفون الجسم حتى يتوهم ~~المسلمون أن قصدهم التنزيه ومقصودهم بذلك أن الله لا يرى في الاخرة وأنه لم ~~يتكلم بالقرآن ولا غيره بل خلق كلاما في غيره وأنه ليس له علم يقوم به ولا ~~قدرة ولا حياة ولا غير ذلك من الصفات قال الامام أحمد في خطبته في ( الرد ~~على الجهمية والزنادقة ( # الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون ~~من ضل إلى الهدي ويصبرون منهم على الأذي يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون ms5338 ~~بنوره أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد احيوه وكم ضال تائه قد هدوه فما ~~أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف ~~الغالين وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة ~~وأطلقوا عنان الفتنة PageV17P300 فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب ~~مجتمعون على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفى الله وفى كتاب الله بغير ~~علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم ~~فنعوذ بالله من فتن المضلين # والثانية طريقة هشام وأتباعه يحكى عنهم أنهم أثبتوا ما قد نزه الله نفسه ~~عنه من إتصافه بالنقائص ومماثلته للمخلوقات فأجابهم الإمام أحمد بطريقة ~~الأنبياء واتباعهم وهو الإعتصام بحبل الله الذي قال الله فيه @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ وقال @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في ~~صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ PageV17P301 # وقال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا ~~بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين ms5339 آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين ~~يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ PageV17P302 وقوله تعالى @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ~~ينبئهم بما كانوا يفعلون @QE@ وقوله تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ~~من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ وقوله @QB@ ~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ # فهذه النصوص وغيرها تبين أن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان الحق من ~~الباطل وبيان ما اختلف فيه الناس وأن الواجب على الناس اتباع ما أنزل اليهم ~~من ربهم ورد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة وان من لم يتبع ذلك كان ~~منافقا وان من اتبع الهدى الذي جاءت به الرسل فلا يضل ولا يشقى ومن ms5340 أعرض عن ~~ذلك حشر أعمى ضالا شقيا معذبا وأن الذين فرقوا دينهم قد بريء الله ورسوله ~~منهم # فاتبع الإمام أحمد طريقة سلفه من أئمة السنة والجماعة المعتصمين ~~PageV17P303 بالكتاب والسنة المتبعين ما أنزل [ الله ] اليهم من ربهم وذلك ~~أن ننظر فما وجدنا الرب قد أثبته لنفسه في كتابه أثبتناه وما وجدناه قد ~~نفاه عن نفسه نفيناه وكل لفظ وجد في الكتاب والسنة بالإثبات أثبت ذلك اللفظ ~~وكل لفظ وجد منفيا نفي ذلك اللفظ وأما الألفاظ التى لا توجد في الكتاب ~~والسنة بل ولا في كلام الصحابة والتابعين لهم باحسان وسائر أئمة المسلمين ~~لا إثباتها ولا نفيها # وقد تنازع فيها الناس فهذه الألفاظ لا تثبت ولا تنفى إلا بعد الإستفسار ~~عن معانيها فان وجدت معانيها مما أثبته الرب لنفسه أثبتت وان وجدت مما نفاه ~~الرب عن نفسه نفيت وان وجدنا اللفظ أثبت به حق وباطل أو نفى به حق وباطل أو ~~كان مجملا يراد به حق وباطل وصاحبه أراد به بعضها لكنه عند الاطلاق يوهم ~~الناس أو يفهمهم ما أراد وغير ما أراد فهذه الألفاظ لا يطلق اثباتها ولا ~~نفيها كلفظ الجوهر والجسم والتحيز والجهة ونحو ذلك من الألفاظ التى تدخل في ~~هذا المعنى فقل من تكلم بها نفيا أو إثباتا إلا وأدخل فيها باطلا وأن أراد ~~بها حقا # والسلف والأئمة كرهوا هذا الكلام المحدث لاشتماله على باطل وكذب وقول على ~~الله بلا علم وكذلك ذكر أحمد في رده على الجهمية أنهم يفترون على الله فيما ~~ينفونه عنه ويقولون عليه بغير علم وكل PageV17P304 ذلك مما حرمه الله ~~ورسوله ولم يكره السلف هذه لمجرد كونها اصطلاحية ولا كرهوا الإستدلال بدليل ~~صحيح جاء به الرسول بل كرهوا الأقوال الباطلة المخالفة للكتاب والسنة ولا ~~يخالف الكتاب والسنة إلا ما هو باطل لا يصح بعقل ولا سمع # ولهذا لما سئل أبو العباس بن سريج عن التوحيد فذكر توحيد المسلمين وقال ~~وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض وإنما بعث [ الله ] ~~النبى صلى الله عليه ms5341 وسلم بانكار ذلك ولم يرد بذلك أنه أنكر هذين اللفظين ~~فإنهما لم يكونا قد أحدثا في زمنه وإنما أراد إنكار ما يعنى بهما من ~~المعاني الباطلة فإن أول من أحدثهما الجهمية والمعتزلة وقصدهم بذلك إنكار ~~صفات الله تعالى أو أن يرى أو أن يكون له كلام يتصف به وأنكرت الجهمية ~~أسماءه أيضا # وأول من عرف عنه إنكار ذلك الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله ~~القسري بواسط وقال يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد ~~بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى ~~الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه # وكلام السلف والأئمة في ذم هذا الكلام وأهله مبسوط في غير هذا الموضع ~~PageV17P305 # والمقصود هنا أن أئمة السنة كأحمد بن حنبل وغيره كانوا اذا ذكرت لهم أهل ~~البدع الألفاظ المجملة كلفظ الجسم والجوهر والحيز ونحوها لم يوافقوهم لا ~~على اطلاق الاثبات ولا على اطلاق النفي وأهل البدع بالعكس ابتدعوا ألفاظا ~~ومعانى إما في النفي واما في الاثبات وجعلوها هي الأصل المعقول المحكم الذي ~~يجب اعتقاده والبناء عليه ثم نظروا في الكتاب والسنة فما أمكنهم أن يتأولوه ~~على قولهم تأولوه وإلا قالوا هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التى لا ~~ندري ما أريد بها فجعلوا بدعهم أصلا محكما وما جاء به الرسول فرعا له ~~ومشكلا اذا لم يوافقه وهذا أصل الجهمية والقدرية وأمثالهم وأصل الملاحدة من ~~الفلاسفة الباطنية جميع كتبهم توجد على هذا الطريق ومعرفة الفرق بين هذا ~~وهذا من أعظم ما يعلم به الفرق بين الصراط المستقيم الذي بعث الله به رسوله ~~وبين السبل المخالفة له وكذلك الحكم في المسائل العلمية الفقهية ومسائل ~~أعمال القلوب وحقائقها وغير ذلك كل هذه الأمور قد دخل فيها ألفاظ ومعان ~~محدثة وألفاظ ومعان مشتركة # فالواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلا في جميع هذه ~~الأمور ثم يرد ما تكلم فيه الناس إلى ذلك ويبين ما في الألفاظ المجملة ms5342 من ~~المعانى الموافقة للكتاب والسنة فتقبل وما فيها من المعانى PageV17P306 ~~المخالفة للكتاب والسنة فترد # ولهذا كل طائفة أنكر عليها ما ابتدعت احتجت بما ابتدعته الأخرى كما يوجد ~~في ألفاظ أهل الرأي والكلام والتصوف وإنما يجوز أن يقال في بعض الآيات إنه ~~مشكل ومتشابه اذا ظن أنه يخالف غيره من الآيات المحكمة البينة فاذا جاءت ~~نصوص بينة محكمة بأمر وجاء نص آخر يظن أن ظاهره يخالف ذلك يقال في هذا إنه ~~يرد المتشابه إلى المحكم أما اذا نطق الكتاب أو السنة بمعنى واحد لم يجز أن ~~يجعل ما يضاد ذلك المعنى هو الأصل ويجعل ما في القرآن والسنة مشكلا متشابها ~~فلا يقبل ما دل عليه # نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها فتكون مشكلة بالنسبة ~~إليهم لعجز فهمهم عن معانيها ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح ~~العقل والحس الا وفي القرآن بيان معناه فان القرآن جعله الله شفاءا لما في ~~الصدور وبيانا للناس فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك لكن قد تخفى آثار الرسالة ~~في بعض الأمكنة والأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إما أن لا يعرفوا اللفظ وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه فحينئذ ~~يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة ومن ها هنا يقع الشرك وتفريق الدين ~~شيعا كالفتن التى تحدث السيف فالفتن القولية والعملية PageV17P307 هي من ~~الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم كما قال مالك بن أنس اذا قل العلم ظهر ~~الجفاء واذا قلت الآثار ظهرت الأهواء # ولهذا شبهت الفتن بقطع الليل المظلم ولهذا قال أحمد في خطبته الحمد لله ~~الذي جعل في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم فالهدي الحاصل لأهل الأرض ~~انما هو من نور النبوة كما قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى @QE@ فأهل الهدي والفلاح هم المتبعون للأنبياء وهم ~~المسلمون المؤمنون في كل زمان ومكان وأهل العذاب والضلال هم المكذبون ~~للأنبياء يبقى أهل الجاهلية ms5343 الذين لم يصل اليهم ما جاءت به الأنبياء # فهؤلاء في ضلال وجهل وشرك وشر لكن الله يقول @QB@ وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا @QE@ وقال @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل @QE@ وقال @QB@ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون @QE@ ~~فهؤلاء لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل اليهم رسولا وقد رويت آثار متعددة ~~في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في ~~عرصات القيامة PageV17P308 # وقد زعم بعضهم أن هذا يخالف دين المسلمين فإن الآخرة لا تكليف فيها وليس ~~كما قال انما ينقطع التكليف إذا دخلوا دار الجزاء الجنة أو النار والا فهم ~~في قبورهم ممتحنون ومفتونون يقال لأحدهم من ربك وما دينك ومن نبيك وكذلك في ~~عرصات القيامة يقال ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون فيتبع من كان يعبد الشمس ~~الشمس ومن كان يعبد القمر القمر ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه ~~الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التى رأوه فيها أول ~~مرة ويقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا وفى ~~رواية فيسألهم ويثبتهم وذلك امتحان لهم هل يتبعون غير الرب الذي عرفوا أنه ~~الله الذي تجلى لهم أول مرة فيثبتهم الله تعالى عند هذه المحنة كما يثبتهم ~~في فتنة القبر فاذا لم يتبعوه لكونه أتى في غير الصورة التى يعرفون أتاهم ~~حينئذ في الصورة التى يعرفون فيكشف عن ساق فاذا رأوه خروا له سجدا الا من ~~كان منافقا فانه يريد السجود فلا يستطيعه يبقى ظهره مثل الطبق وهذا المعنى ~~مستفيض عن النبى صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث ثابتة من حديث أبي هريرة ~~وأبى سعيد وقد أخرجاهما في الصحيحين ومن حديث جابر وقد رواه مسلم من حديث ~~بن مسعود وأبى موسى وهو معروف من رواية أحمد وغيره فدل PageV17P309 ذلك على ~~أن المحنة انما تنقطع إذا دخلوا دار ms5344 الجزاء وأما قبل دار الجزاء امتحان ~~وابتلاء # فاذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن وحدثت البدع والفجور ~~ووقع الشر بينهم كما في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( سألت ~~ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعنى الثالثة سألته ان لا يهلك أمتى بسنة عامة ~~فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها ~~وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ( والبأس مشتق من البؤس قال الله ~~تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ وفى الصحيحين عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( أنه لما نزل قوله تعالى ( قل هو القادر على ان يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم ( قال أعوذ بوجهك ( أو من تحت ارجلكم ( قال أعوذ بوجهك ( ~~@QB@ أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ قال هاتان اهون ( فدل على ~~أنه لابد أن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض مع براءة الرسول في هذه الحال ~~وهم فيها في جاهلية # ولهذا قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~متوافرون فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج PageV17P310 أصيب بتأويل ~~القرآن فهو هدر انزلوهم منزلة الجاهلية وقد روى مالك بإسناده الثابت عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول ترك الناس العمل بهذه الآية تعنى قوله ~~تعالى ( وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) فإن المسلمين ~~لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله تعالى فلما لم يعمل ~~بذلك صارت فتنة وجاهلية # وهكذا مسائل النزاع التى تنازع فيها الأمة في الأصول والفروع اذا لم ترد ~~إلى الله والرسول لم يتبين فيها الحق بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة ~~من أمرهم فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضا ولم يبغ بعضهم على بعض كما كان ~~الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الإجتهاد فيقر بعضهم ~~بعضا ولا يعتدى عليه وان لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم ms5345 فبغى بعضهم ~~على بعض إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله ~~وهذه حال أهل البدع والظلم كالخوارج وأمثالهم يظلمون الأمة ويعتدون عليهم ~~اذا نازعوهم في بعض مسائل الدين وكذلك سائر أهل الأهواء فإنهم يبتدعون بدعة ~~ويكفرون من خالفهم فيها كما تفعل الرافضة والمعتزلة والجهمية وغيرهم والذين ~~امتحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من هؤلاء إبتدعوا بدعة وكفروا من خالفهم ~~فيها PageV17P311 و استحلوا منع حقه وعقوبته # فالناس اذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم إما ~~عادلون واما ظالمون فالعادل فيهم الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء ~~ولا يظلم غيره والظالم الذي يعتدي على غيره وهؤلاء ظالمون مع علمهم بأنهم ~~يظلمون كما قال تعالى @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ والا فلو سلكوا ما علموه من العدل أقر بعضهم ~~بعضا كالمقلدين لأئمة الفقه الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة ~~حكم الله ورسوله في تلك المسائل فجعلوا أئمتهم نوابا عن الرسول وقالوا هذه ~~غاية ما قدرنا عليه فالعادل منهم لا يظلم الآخر ولا يعتدى عليه بقول ولا ~~فعل مثل أن يدعى أن قول متبوعه هو الصحيح بلا حجة يبديها ويذم من يخالفه مع ~~أنه معذور # وكان الذين امتحنوا أحمد وغيره من هؤلاء الجاهلين فإبتدعوا كلاما متشابها ~~نفوا به الحق فأجابهم أحمد لما ناظروه في المحنة وذكروا الجسم ونحو ذلك ~~وأجابهم بأنى أقول كما قال الله تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ # وأما لفظ الجسم فلفظ مبتدع محدث ليس على أحد أن يتكلم به ألبتة والمعنى ~~الذي يراد به مجمل ولم تبينوا مرادكم حتى نوافقكم على المعنى الصحيح فقال ~~ما أدري ما تقولون PageV17P312 لكن أقول @QB@ الله أحد الله الصمد لم يلد ~~ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ # يقول ما أدري ما تعنون بلفظ الجسم فأنا لا أوافقكم على إثبات لفظ ونفيه ~~إذ لم يرد الكتاب والسنة باثباته ولا نفيه إن لم ندر ms5346 معناه الذي عناه ~~المتكلم فان عنى في النفي والاثبات ما يوافق الكتاب والسنة وافقناه وإن عنى ~~ما يخالف الكتاب والسنة في النفى والإثبات لم نوافقه # ولفظ ( الجسم ( و ( الجوهر ( ونحوهما لم يأت في كتاب الله ولا سنة رسوله ~~ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسائر أئمة ~~المسلمين التكلم بها في حق الله تعالى لا بنفي ولا إثبات ولهذا قال أحمد في ~~رسالته إلى المتوكل لا أحب الكلام في شيء من ذلك إلا ما كان في كتاب الله ~~أو في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة أو التابعين لهم ~~بإحسان وأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود # وذكر أيضا فيما حكاه عن الجهمية أنهم يقولون ليس فيه كذا ولا كذا ولا كذا ~~وهو كما قال فإن لفظ الجسم له في اللغة التى نزل بها القرآن معنى كما قال ~~تعالى @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم @QE@ ~~PageV17P313 # وقال تعالى @QB@ وزاده بسطة في العلم والجسم @QE@ قال بن عباس ~~كان طالوت أعلم بنى إسرائيل بالحرب وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه و ~~( البسطة ( السعة قال بن قتيبة هو من قولك بسطت الشيء إذا كان مجموعا ~~ففتحته ووسعته قال بعضهم والمراد بتعظيم الجسم فضل القوة اذ العادة أن من ~~كان أعظم جسما كان أكثر قوة فهذا لفظ الجسم في لغة العرب التى نزل بها ~~القرآن قال الجوهري قال أبو زيد الأنصاري الجسم الجسد وكذلك الجسمان ~~والجثمان وقال الأصمعي الجسم والجسد والجثمان الشخص وقال جماعة جسم الإنسان ~~يقال له الجثمان وقد جسم الشيء أي عظم فهو جسيم وجسام والجسام بالكسر جمع ~~جسيم قال أبو عبيدة تجسمت فلانا من بين القوم أي اخترته كأنك قصدت جسمه كما ~~تقول تأتيته أي قصدت أتيه وشخصه وأنشد أبو عبيدة % تجسمته من بينهن بمرهف % ~~وتجسمت الأرض اذا أخذت نحوها تريدها وتجسم من الجسم وقال بن السكيت تجسمت ~~الأمر أي ركبت أجسمه وجسيمه أي معظمه قال وكذلك تجسمت الرمل والجبل ms5347 أي ركبت ~~أعظمه والأجسم الأضخم قال عامر بن الطفيل PageV17P314 لقد علم الحي من عامر ~~% بأن لنا الذروة الأجسما % # فهذا الجسم في لغة العرب وعلى هذا فلا يقال للهواء جسم ولا للنفس الخارج ~~من الإنسان جسم ولا لروحه المنفوخة فيه جسم ومعلوم أن الله سبحانه لا يماثل ~~شيئا من ذلك لا بدن الإنسان ولا غيره فلا يوصف الله تعالى بشيء من خصائص ~~المخلوقين ولا يطلق عليه من الأسماء ما يختص بصفات المخلوقين فلا يجوز أن ~~يقال هو جسم ولا جسد # ( وأما أهل الكلام ) فالجسم عندهم أعم من هذا وهم مختلفون في معناه ~~إختلافا كثيرا عقليا وإختلافا لفظيا اصطلاحيا فهم يقولون كل ما يشار إليه ~~اشارة حسية فهو جسم ثم اختلفوا بعد هذا فقال كثير منهم كل ما كان كذلك فهو ~~مركب من الجواهر الفردة ثم منهم من قال الجسم أقل ما يكون جوهرا بشرط أن ~~ينضم إلى غيره وقيل بل الجوهران والجواهر فصاعدا وقيل بل أربعة فصاعدا وقيل ~~بل ستة وقيل بل ثمانية وقيل بل ستة عشر وقيل بل اثنان وثلاثون وهذا قول من ~~يقول إن الأجسام كلها مركبة من الجواهر التى لا تنقسم # وقال آخرون من أهل الفلسفة كل الأجسام مركبة من الهيولى PageV17P315 و ~~الصورة لا من الجواهر الفردة # وقال كثير من أهل الكلام وغير أهل الكلام ليست مركبة لا من هذا ولا من ~~هذا ولا من هذا ولا من هذا وهذا قول الهشامية والكلابية والضرارية وغيرهم ~~من الطوائف الكبار لا يقولون بالجوهر الفرد ولا بالمادة والصورة وآخرون ~~يدعون إجماع المسلمين على إثبات الجوهر الفرد كما قال أبو المعالي وغيره ~~اتفق المسلمون على أن الأجسام تتناهي في تجزئها وانقسامها حتى تصير افرادا ~~ومع هذا فقد شك هو فيه وكذلك شك فيه أبو الحسين البصري وأبو عبد الله ~~الرازي # ومعلوم أن هذا القول لم يقله أحد من أئمة المسلمين لا من الصحابة ولا من ~~التابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة العلم المشهورين بين المسلمين وأول من ~~قال ذلك في الإسلام ms5348 طائفة من الجهمية والمعتزلة وهذا من الكلام الذي ذمه ~~السلف وعابوه ولكن حاكي هذا الإجماع لما لم يعرف أصول الدين الا ما في كتب ~~الكلام ولم يجد الا من يقول بذلك اعتقد هذا إجماع المسلمين والقول بالجوهر ~~الفرد باطل والقول بالهيولى والصورة باطل وقد بسط الكلام على هذه المقالات ~~في مواضع أخر PageV17P316 # وقال آخرون الجسم هو القائم بنفسه وكل قائم بنفسه جسم وكل جسم فهو قائم ~~بنفسه وهو مشار إليه واختلفوا في الأجسام هل هي متماثلة أم لا على قولين ~~مشهورين # واذا عرف ذلك فمن قال إنه جسم وأراد أنه مركب من الأجزاء فهذا قوله باطل ~~وكذلك إن أراد أنه يماثل غيره من المخلوقات فقد علم بالشرع والعقل أن الله ~~ليس كمثله شيء في شيء من صفاته فمن أثبت لله مثلا في شيء من صفاته فهو مبطل ~~ومن قال إنه جسم بهذا المعنى فهو مبطل ومن قال انه ليس بجسم بمعنى أنه لا ~~يري في الآخرة ولا يتكلم بالقرآن وغيره من الكلام ولا يقوم به العلم ~~والقدرة وغيرهما من الصفات ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء ولا عرج بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم إليه ولا يصعد إليه الكلم الطيب ولا تعرج الملائكة ~~والروح إليه فهذا قوله باطل وكذلك كل من نفى ما أثبته الله ورسوله وقال أن ~~هذا تجسيم فنفيه باطل وتسمية ذلك تجسيما تلبيس منه فإنه إن أراد أن هذا في ~~اللغة يسمى جسما فقد أبطل وإن أراد أن هذا يقتضي أن يكون جسما مركبا من ~~الجواهر الفردة أو من المادة والصورة أو أن هذا يقتضي أن يكون جسما ~~والأجسام متماثلة قيل له أكثر العقلاء يخالفونك في تماثل الأجسام المخلوقة ~~وفى أنها مركبة فلا يقولون أن الهواء مثل الماء PageV17P317 و لا أبدان ~~الحيوان مثل الحديد والجبال فكيف يوافقونك على أن الرب تعالى يكون مماثلا ~~لخلقه اذا اثبتوا له ما أثبت له الكتاب والسنة والله تعالى قد نفى ~~المماثلات في بعض المخلوقات وكلاهما جسم كقوله @QB@ وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ms5349 ثم لا يكونوا أمثالكم @QE@ مع أن كلاهما بشر فكيف يجوز أن يقال إذا ~~كان لرب السماوات علم وقدرة أنه يكون مماثلا لخلقه والله تعالى ليس كمثله ~~شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله # ونكتة الأمر أن الجسم في اعتقاد هذا النافي يستلزم مماثلة سائر الأجسام ~~ويستلزم أن يكون مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة وأكثر ~~العقلاء يخالفونه في هذا التلازم وهذا التلازم منتف بإتفاق الفريقين وهو ~~المطلوب فإذا # إتفقوا على إنتفاء النقص المنفى عن الله شرعا وعقلا بقى بحثهم في الجسم ~~الإصطلاحي هل هو مستلزم لهذا المحذور وهو بحث عقلي كبحث الناس في الأعراض ~~هل تبقى أو لاتبقى وهذا البحث العقلي لم يرتبط به دين المسلمين بل لم ينطق ~~كتاب ولا سنة ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى لا نفيا ولا ~~اثباتا فليس لأحد أن يبتدع اسما مجملا يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ~~ويعلق به دين المسلمين ولو كان قد نطق باللغة العربية فكيف اذا PageV17P318 ~~أحدث للفظ معنى آخر # والمعنى الذي يقصده اذا كان حقا عبر عنه بالعبارة التى لا لبس فيها فإذا ~~كان معتقده أن الأجسام متماثلة وأن الله ليس كمثله شيء وهو سبحانه لا سمي ~~له ولا كفوله ولا ند له فهذه عبارات القرآن تؤدي هذا المعنى بلا تلبيس ولا ~~نزاع وان كان معتقده أن الأجسام غير متماثلة وأن كل ما يرى وتقوم به الصفات ~~فهو جسم فإن عليه أن يثبت ما أثبته الله ورسوله من علمه وقدرته وسائر صفاته ~~كقوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ وقوله @QB@ إن الله ~~هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ وقوله عليه السلام في حديث الاستخارة ( ~~اللهم إنى استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك ( وقوله في الحديث الآخر ( اللهم ~~بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ( ويقول كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( انكم ترون ربكم يوم القيامة عيانا كما ترون الشمس والقمر لا تضامون ~~في رؤيته ( فشبه الرؤية بالرؤية وإن لم ms5350 يكن المرئي كالمرئي فهذه عبارات ~~الكتاب والسنة عن هذا المعنى الصحيح بلا تلبيس ولا نزاع بين أهل السنة ~~المتبعين للكتاب والسنة وأقوال الصحابة ثم بعد هذا من كان قد تبين له معنى ~~من جهة العقل أنه لازم للحق لم يدفعه عن عقله فلازم الحق حق لكن ذلك المعنى ~~لابد أن يدل PageV17P319 الشرع عليه فيبينه بالألفاظ الشرعية وإن قدر أن ~~الشرع لم يدل عليه لم يكن مما يجب على الناس اعتقاده وحينئذ فليس لأحد أن ~~يدعو الناس إليه وان قدر أنه في نفسه حق ( ومسألة ( تماثل الأجسام وتركيبها ~~من الجواهر الفردة قد اضطرب فيها جماهير أهل الكلام وكثير منهم يقول بهذا ~~تارة وبهذا تارة وأكثر ذلك لأجل الألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة وقد ~~بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع # لكن المقصود هنا أنه لو قدر أن الإنسان تبين له أن الأجسام ليست متماثلة ~~ولا مركبة لا من هذا ولا من هذا لم يكن له أن يبتدع في دين الإسلام قوله ان ~~الله جسم ويناظر على المعنى الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة بل يكفيه ~~إثبات ذلك المعنى بالعبارات الشرعية ولو قدر أنه تبين له أن الأجسام ~~متماثلة وأن الجسم مركب لم يكن له أن يبتدع النفي بهذا الإسم ويناظر على ~~معناه الذي إعتقده بعقله بل ذلك المعنى المعلوم بالشرع والعقل يمكن اظهاره ~~بعبارة لا إجمال فيها ولا تلبيس والذين يقولون أن الجسم مركب من الجواهر ~~يدعى كثير منهم أنه كذلك في لغة العرب لأن العرب يقولون هذا أجسم من هذا ~~يريدون به أنه أكثر أجزاء منه ويقولون هذا جسيم أي كثير الأجزاء ~~PageV17P320 قال والتفضيل بصيغة أفعل إنما يكون لما يدل عليه الإسم فإذا ~~قيل هذا أعلم وأحلم كان ذلك دالا على الفضيلة فيما دل عليه لفظ العلم ~~والحلم فلما قالوا أجسم لما كان أكثر أجزاء دل على أن لفظ الجسم عندهم ~~المراد به المركب فمن قال جسم وليس بمركب فقد خرج عن لغة العرب # قالوا وهذه تخليطة في اللفظ وإن كنا ms5351 لا نكفره اذا لم يثبت خصائص الجسم من ~~التركيب والتأليف وقد نازعهم بعضهم في قولهم هذا أجسم من هذا وقالوا ليس ~~هذا اللفظ من لغة العرب كما يحكى عن ابى زيد فيقال له لا ريب أن العرب تقول ~~هذا جسيم أي عظيم الجثة وهذا أجسم من هذا أي أعظم جثة لكن كون العرب تعتقد ~~أن ذلك لكثرة الأجزاء التى هي الجواهر الفردة إنما يكون اذا كان أهل اللغة ~~قاطبة يعتقدون أن الجسم مركب من الجواهر الفردة والجوهر الفرد هو شيء قد ~~بلغ من الصغر والحقارة إلى أنه لا يتميز يمينه من يساره ومعلوم أن أكثر ~~العقلاء من بني آدم لا يتصور الجوهر الفرد والذين يتصورونه أكثرهم لا ~~يثبتونه والذين أثبتوه إنما يثبتونه بطرق خفية طويلة بعيدة فيمتنع أن يكون ~~اللفظ الشائع في اللغة التى ينطق بها خواصها وعوامها أرادوا به هذا # وقد علم بالإضطرار أن أحدا من الصحابة والتابعين لهم PageV17P321 بإحسان ~~لم ينطق بإثبات الجوهر الفرد ولا بما يدل على ثبوته عنده بل ولا العرب ~~قبلهم ولا سائر الأمم الباقين على الفطرة ولا إتباع الرسل فكيف يدعى عليهم ~~أنهم لم يقولوا لفظ جسم إلا لما كان مركبا مؤلفا ولو قلت لمن شئت من العرب ~~الشمس والقمر والسماء مركب عندك من اجزاء صغار كل منها لا يقبل التجزي أو ~~الجبال أو الهواء أو الحيوان أو النبات لم يتصور هذا المعنى إلا بعد كلفة ~~ثم اذا تصوره قد يكذبه بفطرته ويقول كيف يمكن أن يكون شيء لا يتميز منه ~~جانب عن جانب وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد ~~فالفقهاء قاطبة تنكره وكذلك أهل الحديث والتصوف # ولهذا كان الفقهاء متفقين على إستحالة بعض الأجسام إلى بعض كاستحالة ~~العذرة رمادا والخنزير ملحا ثم تكلموا في هذه الإستحالة هل تطهر أم لا تطهر ~~والقائلون بالجوهر الفرد لا تستحيل الذوات عندهم بل تلك الجواهر التى كانت ~~في الأول هي بعينها في الثانى وإنما إختلف التركيب ولهذا يتكلم بلفظ ~~التركيب في الماء ونحوه من ms5352 الفقهاء المتأخرين من كان قد أخذ هذا التركيب عن ~~المتكلمين ويقول ان الماء يفارق غيره في التركيب فقط وكذلك القائلون ~~بالجوهر الفرد عندهم انا لم نشاهد قط احداث الله تعالى لشيء من الجواهر ~~والأعيان القائمة بنفسها وان جميع ما يخلقه من الحيوان والنبات والمعدن ~~والثمار والمطر PageV17P322 و السحاب وغير ذلك إنما هو جمع الجواهر ~~وتفريقها وتغيير صفاتها من حال إلى حال لا أنه يبدع شيئا من الجواهر ~~والأجسام القائمة بأنفسها وهذا القول أكثر العقلاء ينكره ويقول هو مخالف ~~للحس والعقل والشرع فضلا عن أن يكون الجسم في لغة العرب مستلزما لهذا ~~المعنى # ثم الجسم قد يراد به الغلظ نفسه وهو عرض قائم بغيره وقد يراد به الشيء ~~الغليظ وهو القائم بنفسه فنقول هذا الثوب له جسم أي غلظ وقوله @QB@ وزاده ~~بسطة في العلم والجسم @QE@ قد يحتج به على هذا فإنه قرن الجسم بالعلم الذي ~~هو مصدر فنقول المعنى @QB@ وزاده بسطة @QE@ في قدره فجعل قدر بدنه أكبر من ~~بدن غيره فيكون الجسم هو القدر نفسه لا نفس المقدر # وكذلك قوله تعالى @QB@ تعجبك أجسامهم @QE@ أي صورهم القائمة بأبدانهم كما ~~تقول أعجبني حسنه وجماله ولونه وبهاؤه فقد يراد صفة الأبدان وقد يراد نفس ~~الأبدان وهم إذا قالوا هذا اجسم من هذا أرادوا أنه أغلظ وأعظم منه إما ~~كونهم يريدون بذلك أن ذلك العظم والغلظ كان لزيادة الأجزاء فهذا مما يعلم ~~قطعا أنه لم يخطر ببال أهل اللغة إلا من أخذ ذلك عمن اعتقده من أهل الكلام ~~المحدث الذي أحدث في الإسلام بعد إنقراض عصر الصحابة وأكثر التابعين فإن ~~هذا لم PageV17P323 يعرف في الإسلام من تكلم به أو بمعناه إلا في أواخر ~~الدولة الأموية لما ظهر جهم بن صفوان والجعد بن درهم ثم ظهر في المعتزلة # فقد تبين أن من قال الجسم هو المؤلف المركب واعتقد أن الأجسام مركبة من ~~الجواهر الفردة فقد ادعى معنى عقليا ينازعه فيه أكثر العقلاء من بنى آدم ~~ولم ينقل عن أحد من السلف أنه وافقه عليه وأنه جعل ms5353 لفظ الجسم في إصطلاحه ~~يدل على معنى لا يدل عليه اللفظ في اللغة فقد غير معنى اللفظ في اللغة ~~وادعى معنى عقليا فيه نزاع طويل وليس معه من الشرع ما يوافق ما ادعاه من ~~معنى اللفظ ولا ما ادعاه من المعنى العقلي فاللغة لا تدل على ما قال والشرع ~~لا يدل على ما قال والعقل لم يدل على مسميات الألفاظ وإنما يدل على المعنى ~~المجرد وذلك فيه نزاع طويل ونحن نعلم بالاضطرار أن ذلك المعنى الذي وجب ~~نفيه عن الله لا يحتاج نفيه إلى ما أحدثه هذا من دلالة اللفظ ولا ما ادعاه ~~من المعنى العقلي بل الذين جعلوا هذا عمدتهم في تنزيه الرب على نفى مسمى ~~الجسم لا يمكنهم أن ينزهوه عن شيء من النقائص ألبتة فإنهم إذا قالوا هذا من ~~صفات الأجسام فكل ما أثبتوه هو أيضا من صفات الأجسام مثل كونه حيا عليما ~~قديرا بل كونه موجودا قائما بنفسه فإنهم لا يعرفون هذا في الشاهد ~~PageV17P324 الا جسما فإذا قال المنازع أنا أقول فيما نفيتموه نظير قولكم ~~فيما أثبتموه إنقطعوا # ثم هؤلاء لهم في استحقاق الرب لصفات الكمال عندهم هل علم بالإجماع فقط أو ~~علم بالعقل أيضا فيه قولان فمن قال إن ذلك لم يعلم بالعقل كأبى المعالي ~~والرازي وغيرهما لم يبق معهم دليل عقلي ينزهون به الرب عن كثير من النقائص ~~هذا اذا لم ينف الا ما يجب نفيه عن الله مثل نفيه للنقائص فإنه يجب تنزيه ~~الرب عنها وينفى عنه مماثلة المخلوقات فإنه كما يجب تنزيه الرب عن كل نقص ~~وعيب يجب تنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفات الكمال ~~الثابتة له وهذان النوعان يجمعان التنزيه الواجب لله و @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ دلت على النوعين # فقوله ( أحد ( مع قوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ينفى المماثلة ~~والمشاركة وقوله ( الصمد ( يتضمن جميع صفات الكمال فالنقائص جنسها منفى عن ~~الله تعالى وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التى يجب تنزيه الرب ms5354 ~~عنها بخلاف ما يوصف به الرب ويوصف العبد بما يليق به مثل العلم والقدرة ~~والرحمة ونحو ذلك فإن هذه ليست نقائص بل ما ثبت لله من هذه المعانى فإنه ~~يثبت لله على وجه لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات فضلا عن أن يماثله فيه بل ~~ما خلقه الله في PageV17P325 الجنة من المآكل والمشارب والملابس لا يماثل ~~ما خلقه في الدنيا وإن إتفقا في الاسم وكلاهما مخلوق قال بن عباس رضى الله ~~عنهما ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء فقد أخبر الله أن في الجنة ~~لبنا وخمرا وعسلا وماء وحريرا وذهبا وفضة وتلك الحقائق ليست مثل هذه ~~وكلاهما مخلوق فالخالق تعالى أبعد عن مماثلة المخلوقات من المخلوق إلى ~~المخلوق # وقد سمى الله نفسه عليما حليما رؤوفا رحيما سميعا بصيرا عزيزا ملكا جبارا ~~متكبرا مؤمنا عظيما كريما غنيا شكورا كبيرا حفيظا شهيدا حقا وكيلا وليا ~~وسمى أيضا بعض مخلوقاته بهذه الأسماء فسمى الإنسان سميعا بصيرا وسمى نبيه ~~رؤوفا رحيما وسمى بعض عباده ملكا وبعضهم شكورا وبعضهم عظيما وبعضهم حليما ~~وعليما وسائر ما ذكر من الأسماء مع العلم بأنه ليس المسمى بهذه الأسماء من ~~المخلوقين مماثلا للخالق جل جلاله في شيء من الأشياء # وكذلك النزاع في لفظ التحيز والجهة ونحو ذلك فمن الناس من يقول هو متحيز ~~وهوفي جهة ومنهم من يقول ليس بمتحيز وليس في جهة ومنهم من يقول هو في جهة ~~وليس بمتحيز ولفظ المتحيز يتناول الجسم والجوهر الفرد ولفظ الجوهر قد يراد ~~به PageV17P326 المتحيز وقد يراد به الجوهر الفرد # ومن الفلاسفة من يدعى إثبات جواهر قائمة بأنفسها غير متحيزة ومتأخروا أهل ~~الكلام كالشهر ستانى والرازى والآمدى ونحوهم يقولون ليس في العقل ما يحيل ~~ذلك ولهذا كان من سلك سبيل هؤلاء وهو إنما يثبت حدوث العالم بحدوث الأجسام ~~يقول بتقدير وجود جواهر عقلية فليس في هذا الدليل ما يدل على حدوثها ولهذا ~~صار طائفة ممن خلط الكلام بالفلسفة إلى قدم الجواهر العقلية وحدوث الأجسام ~~وأن السبب الموجب لحدوثها هو ms5355 حدوث تصور من تصورات النفس وبعض أعيان ~~المصنفين كان يقول بهذا # وكذلك الأرموي صاحب ( اللباب ( الذي أجاب عن شبهة الفلاسفة على دوام ~~الفاعلية المتضمنة أنه لابد للحدوث من سبب فأجاب بالجواب الباهر الذي أخذه ~~من كلام الرازي في ( المطالب العالية ( فإنه أجاب به وهو في ( المطالب ~~العالية ( يخلط كلام الفلاسفة بكلام المتكلمين وهو في مسألة الحدوث والقدم ~~حائر وهذا الجواب من أفسد الأجوبة # فإنه يقال ما الموجب لحدوث تلك التصورات دائما ثم أن النفس عندهم لابد أن ~~تكون متصلة بالجسم فيمتنع وجود نفس بدون جسم PageV17P327 # وأيضا فالذي علم بالإضطرار من دين الرسل أن كل ما سوى الله مخلوق محدث ~~كائن بعد أن لم يكن # وأيضا فما تثبته الفلاسفة من الجواهر العقلية إنما يوجد في الذهن لا في ~~الخارج وأما أكثر المتكلمين فقالوا انتفاء هذه معلوم بضرورة العقل وقد بسط ~~الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن ما تدعى الفلاسفة اثباته من ~~الجواهر العقلية التى هي العقل والنفس والمادة والصورة فلا حقيقة لها في ~~الخارج وإنما هي أمور معقوله في الذهن يجردها العقل من الأمور المعينة كما ~~يجرد العقل الكليات المشتركة بين الأصناف كالحيوانية الكلية والإنسانية ~~الكلية والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان # ومن هؤلاء من يظن أنها تكون في الخارج كليات وان في الخارج ماهيات كلية ~~مقارنة للأعيان غير الموجودات المعينة وكذلك منهم من يثبت كليات مجردة عن ~~الأعيان يسمونها ( المثل الأفلاطونية ( ومنهم من يثبت دهرا مجردا عن ~~المتحرك والحركة ويثبت خلاءا مجردا ليس هو متحيزا ولا قائما بمتحيز ويثبت ~~هيولى مجردة عن جميع الصور والهيولى في لغتهم بمعنى المحل يقال الفضة هيولى ~~الخاتم والدرهم والخشب هيولى الكرسي أي هذا المحل الذي تصنع فيه هذه الصورة ~~وهذه الصورة الصناعية عرض من الأعراض ويدعون أن للجسم هيولى محل ~~PageV17P328 الصورة الجسمية غير نفس الجسم القائم بنفسه وهذا غلط وإنما هذا ~~يقدر في النفس كما يقدر امتداد مجرد عن كل ممتد وعدد مجرد عن كل معدود ~~ومقدار مجرد ms5356 عن كل مقدر وهذه كلها أمور مقدرة في الأذهان لا وجود لها في ~~الأعيان وقد اعترف بذلك من عادته نصر الفلاسفة من أهل النظر كما قد بسط هذا ~~في غير هذا الموضع # فالجواهر العقلية التى يثبتها هؤلاء الفلاسفة يعلم بصريح العقل بعد ~~التصور التام انتفاؤها في الخارج وأما الملائكة الذين أخبر الله عنهم فهذه ~~لا يعرفها هؤلاء الفلاسفة أتباع أرسطو ولا يذكرونها بنفى ولا اثبات كما لا ~~يعرفون النبوات ولا يتكلمون عليها بنفي ولا اثبات انما تكلم في ذلك ~~متأخروهم كابن سينا وأمثاله الذين أرادوا أن يجمعوا بين النبوات وبين ~~الفلسفة فلبسوا ودلسوا # وكذلك ( العلة الأولى ( التى يثبتونها لهذا العالم انما أثبتوا علة غائية ~~يتحرك الفلك للتشبه بها وتحريكها للفلك من جنس تحريك الإمام المقتدى به ~~للمؤتم المقتدي اذا كان يحب أن يتشبه بإمامه ويقتدي بإمامه ولفظ ( الاله ( ~~في لغتهم يراد به المتبوع الإمام الذي يتشبه به فالفلك عندهم يتحرك للتشبه ~~بالاله ولهذا جعلوا ( الفلسفة العليا ( و ( الحكمة الأولى ( إنما هي التشبه ~~بالاله على قدر الطاقة وكلام أرسطو في علم ما بعد الطبيعة في ( مقالة اللام ~~( التى هي منتهى فلسفته PageV17P329 و في غيرها كله يدور على هذا وتارة ~~يشبه تحريكه للفلك بتحريك المعشوق للعاشق لكن التحريك هنا قد يكون لمحبة ~~العاشق ذات المعشوق أو لغرض يناله منه وحركة الفلك عندهم ليست كذلك بل ~~يتحرك ليتشبه بالعلة الأولى فهو يحبها أي يحب التشبه بها لا يحب أن يعبدها ~~ولا يحب شيئا يحصل منها ويشبه ذلك أرسطو بحركة النواميس لإتباعها أي اتباع ~~الناموس قائمون بما في الناموس ويقتدون به # والناموس عندهم هي السياسة الكلية للمدائن التى وضعها لهم ذوو الرأي ~~والعقل لمصلحة دنياهم لئلا يتظالموا ولا تفسد دنياهم # ومن عرف النبوات منهم يظن أن شرائع الأنبياء من جنس نواميسهم وأن المقصود ~~بها مصلحة الدنيا بوضع قانون عدلي ولهذا أوجب بن سينا وأمثاله النبوة ~~وجعلوا النبوة لابد منها لأجل وضع هذا الناموس ولما كانت الحكمة العملية ~~عندهم هي الخلقية والمنزلية والمدنية جعلوا ما ms5357 جاءت به الرسل من العبادات ~~والشرائع والأحكام هي من جنس الحكمة الخلقية والمنزلية والمدنية فإن القوم ~~لا يعرفون الله بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير # وأرسطو المعلم الأول من أجهل الناس برب العالمين إلى الغاية لكن لهم ~~معرفة جيدة بالأمور الطبيعية وهذا بحر علمهم وله تفرغوا PageV17P330 و فيه ~~ضيعوا زمانهم وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جدا وأما ملائكته ~~وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد فلا يعرفون ذلك ألبتة ولم يتكلموا فيه لا ~~بنفى ولا إثبات وانما تكلم في ذلك متأخروهم الداخلون في الملل # وأما قدماء اليونان فكانوا مشركين من أعظم الناس شركا وسحرا يعبدون ~~الكواكب والاصنام ولهذا عظمت عناياتهم بعلم الهيئة والكواكب لاجل عبادتها ~~وكانوا يبنون لها الهياكل وكان آخر ملوكهم ( بطليموس ( صاحب ( المجسطى ( # ولما دخلت الروم في النصرانية فجاء دين المسيح صلوات الله عليه وسلامه ~~أبطل ما كانوا عليه من الشرك # ولهذا بدل من بدل دين المسيح فوضع دينا مركبا من دين الموحدين ودين ~~المشركين فان أولئك كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب ويصلون لها ويسجدون ~~فجاء قسطنطين ملك النصارى ومن اتبعه فابتدعوا الصلاة إلى المشرق وجعلوا ~~السجود إلى الشمس بدلا عن السجود لها وكان اولئك يعبدون الاصنام المجسدة ~~التى لها ظل فجاءت النصارى وصورت تماثيل القداديس في الكنائس وجعلوا الصور ~~المرقومة في الحيطان والسقوف بدل الصور المجسدة القائمة بأنفسها التى لها ~~ظل PageV17P331 # وأرسطو كان وزير الإسكندر بن فيلبس المقدوني نسبة إلى مقدونية وهي جزيرة ~~هؤلاء الفلاسفة اليونانيين الذين يسمون المشائين وهي اليوم خراب أو غمرها ~~الماء وهو الذي يؤرخ له النصارى واليهود التاريخ الرومي وكان قبل المسيح ~~بنحو ثلاثمائة سنة فيظن من يعظم هؤلاء الفلاسفة أنه كان وزير لذي القرنين ~~المذكور في القرآن ليعظم بذلك قدره وهذا جهل فإن ذا القرنين كان قبل هذا ~~بمدة طويلة جدا وذو القرنين بنى سد يأجوج ومأجوج وهذا المقدوني ذهب إلى ~~بلاد فارس ولم يصل إلى بلاد الصين فضلا عن السد # والملائكة التى أخبر الله ورسوله بها لا يعلم ms5358 عددهم إلا الله تعالى ليسوا ~~عشرة ولا تسعة وهم عباد الله أحياء ناطقون ينزلون إلى الأرض ويصعدون إلى ~~السماء ولا يفعلون الا باذن ربهم كما أخبر الله عنهم بقوله @QB@ وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون @QE@ وقال تعالى @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ وأمثال هذه النصوص # وهؤلاء يدعون أن العقول قديمة أزلية وأن العقل الفعال هو PageV17P332 رب ~~كل ما تحت هذا الفلك والعقل الأول هو رب السماوات والأرض وما بينهما ~~والملاحدة الذين دخلوا معهم من أتباع بنى عبيد كأصحاب رسائل اخوان الصفا ~~وغيرهم وكملاحدة المتصوفة مثل بن عربي وبن سبعين وغيرهما يحتجون لمثل ذلك ~~بالحديث الموضوع ( أول ما خلق الله العقل ( وفي كلام أبي حامد الغزالي في ( ~~الكتب المضنون بها على غير أهلها ( وغير ذلك من معانى هؤلاء قطعة كبيرة ~~ويعبر عن مذاهبهم بلفظ الملك والملكوت والجبروت ومراده بذلك الجسم والنفس ~~والعقل فيأخذ هؤلاء العبارات الإسلامية ويودعونها معانى هؤلاء وتلك ~~العبارات مقبولة عند المسلمين فاذا سمعوها قبلوها ثم اذا عرفوا المعانى ~~التى قصدها هؤلاء ضل بها من لم يعرف حقيقة دين الاسلام وأن هذه معانى هؤلاء ~~الملاحدة ليست هي المعانى التى عناها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واخوانه المرسلون مثل موسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين # 3 ولهذا ضل كثير من المتأخرين بسبب هذا الإلتباس وعدم المعرفة بحقيقة ما ~~جاء به الرسول وما يقوله هؤلاء حتى يضل بهم خلق من أهل العلم والعبادة ~~والتصوف ومن ليس له غرض في مخالفة محمد صلى الله عليه وسلم بل يحب اتباعه ~~مطلقا ولو عرف ان هذا مخالف لما جاء به لم يقبله لكن لعدم كمال علمه بمعانى ~~ما أخبر PageV17P333 به الرسول ومقاصد هؤلاء يقبل هذا لا سيما اذا كان ~~المتكلم به ممن له نصيب وافر ms5359 في العلم والكلام والتصوف والزهد والفقه ~~والعبادة # ورأى الطالب أن هذا مرتبته فوق مرتبة الفقهاء الذين انما يعرفون الشرع ~~الظاهر وفوق مرتبة المحدث الذي غايته أن ينقل ألفاظا لا يعلم معانيها وكذلك ~~المقرئ والمفسر ورأى من يعظمه من أهل الكلام اما موافق لهم وإما خائف منهم ~~ورأى بحوث المتكلمين معهم في مواضع كثيرة لم يأتوا بتحقيق يبين فساد قولهم ~~بل تارة يوافقونهم على أصول لهم تكون فاسدة وتارة يخالفونهم في أمر قالته ~~الفلاسفة ويكون حقا مثل من يرى كثير من المتكلمين يخالفهم في أمور طبيعية ~~ورياضية ظانا أنه ينصر الشرع ويكون الشرع موافقا لما علم بالعقل مثل ~~استدارة الأفلاك فإنه لم يعلم بين السلف خلاف في أنها مستديرة والآثار بذلك ~~معروفة والكتاب والسنة قد دلا على ذلك وكذلك استحالة الأجسام بعضها إلى بعض ~~هو مما اتفق عليه الفقهاء كما قال هؤلاء إلى أمور أخر # لكن كثيرا من المتكلمين أو أكثرهم لا خبرة لهم بما دل عليه الكتاب والسنة ~~وآثار الصحابة والتابعين لهم باحسان بل ينصر مقالات يظنها دين المسلمين بل ~~اجماع المسلمين ولا يكون قد قالها أحد من PageV17P334 السلف بل الثابت عن ~~السلف مخالف لها فلما وقع بين المتكلمين تقصير وجهل كثير بحقائق العلوم ~~الشرعية وهم في العقليات تارة يوافقون الفلاسفة على باطلهم وتارة يخالفونهم ~~في حقهم صارت المناظرات بينهم دولا وان كان المتكلمون أصح مطلقا في ~~العقليات الإلهية والكلية كما أنهم أقرب إلى الشرعيات من الفلاسفة فإن ~~الفلاسفة كلامهم في الإلهيات والكليات العقلية كلام قاصر جدا وفيه تخليط ~~كثيروانما يتكلمون جيدا في الأمور الحسية الطبيعية وفى كلياتها فكلامهم ~~فيها في الغالب جيد # وأما الغيب الذي تخبر به الأنبياء والكليات العقلية التى تعم الموجودات ~~كلها وتقسيم الموجودات كلها قسمة صحيحة فلا يعرفونها ألبتة فإن هذا لا يكون ~~الا ممن أحاط بأنواع الموجودات وهم لا يعرفون الا الحسيات وبعض لوازمها ~~وهذا معرفة بقليل من الموجودات جدا فإن ما لا يشهده الآدميون من الموجودات ~~أعظم قدرا وصفة مما يشهدونه بكثير # ولهذا كان ms5360 هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة اذا سمعوا أخبار الأنبياء ~~بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار وهم يظنون أن لا موجود الا ما ~~علموه هم والفلاسفة يصيرون حائرين متأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه وإن ~~كان هذا لا دليل عليه وليس لهم بهذا PageV17P335 النفي علم فإن عدم العلم ~~ليس علما بالعدم # لكن نفيهم هذا كنفى الطبيب للجن لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت ~~الجن والا فليس في علم الطب ما ينفى وجود الجن وهكذا تجد من عرف نوعا من ~~العلم وامتاز به على العامة الذين لا يعرفونه فيبقى بجهله نافيا لما لم ~~يعلمه وبنوا آدم ضلالهم فيما جحدوه ونفوه بغير علم اكثر من ضلالهم فيما ~~اثبتوه وصدقوا به قال تعالى @QB@ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله @QE@ وهذا لان الغالب على الادميين صحة الحس والعقل فاذا أثبتوا ~~شيئا وصدقوا به كان حقا # ولهذا كان التواتر مقبولا من جميع اجناس بنى آدم لانهم يخبرون عما شاهدوه ~~وسمعوه وهذا امر لا يشترك الخلق العظيم في الغلط فيه ولا في تعمد الكذب فيه ~~فاذا علم انهم لم يتواطؤا عليه ولم يأخذه بعضهم عن بعض كما تؤخذ المذاهب ~~والآراء التى يتلقاها المتاخر عن المتقدم وقد علم ان هذا مما لا يغلط فيه ~~عادة علم قطعا صدقهم فان المخبر اما أ ن يتعمد الكذب واما ان يغلط وكلاهما ~~مأمون في المتواترات بخلاف ما نفوه وكذبوا به فان غالبهم أو كثيرا منهم ~~ينفون ما لا يعلمون ويكذبون بما لم يحيطوا بعلمه # فصار هؤلاء الذين ظنوا الموجودات ما عرفه هؤلاء المتفلسفة اذا سمعوا ما ~~أخبرت به الأنبياء من العرش والكرسي قالوا العرش هو PageV17P336 الفلك ~~التاسع والكرسي هو الثامن وقد تكلمنا على ذلك في ( مسألة الاحاطة ( وبينا ~~جهل من قال هذا عقلا وشرعا واذا سمعهم يذكرون الملائكة ظن أنهم العقول ~~والنفوس التى يثبتها المتفلسفة والقوي التى في الأجسام وكذلك الجن ~~والشياطين يظن أنها أعراض قائمة بالنفوس حيث كان هذا مبلغه من العلم وكذلك ~~يظن ms5361 ما ذكره بن سينا وأمثاله من أن الغرائب في هذا العالم سببها قوة فلكية ~~أو طبيعية أو نفسانية ويجعل معجزات الأنبياء من باب القوى النفسانية وهي من ~~جنس السحر لكن الساحر قصده الشر والنبى قصده الخير وهذا كله من الجهل ~~بالأمور الكلية المحيطة بالموجودات وأنواعها ومن الجهل بما جاء به الرسول ~~فلا يعرفون من العلوم الكلية ولا العلوم الإلهية الا ما يعرفه الفلاسفة ~~المتقدمون وزيادات تلقوها عن بعض أهل الكلام أو عن أهل الملة # فلهذا صار كلام المتأخرين كإبن سينا وأمثاله في الإلهيات والكليات أجود ~~من كلام سلفه ولهذا قربت فلسفة اليونان إلى أهل الإلحاد المبتدعة من أهل ~~الملل لما فيها من شوب الملة ولهذا دخل فيها بنو عبيد الملاحدة فأخذوا عن ~~هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركين العقل والنفس وعن المجوس النور والظلمة ~~وسموه هم السابق والتالي وكذلك الملاحدة المنتسبون إلى التصوف والتأله كابن ~~سبعين وأمثاله سلكوا PageV17P337 مسلكا جمعوا فيه بزعمهم بين الشرع ~~والفلسفة وهم ملاحدة ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة وقد بسط الكلام على ~~هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع # وانما ذكروا هنا لأن أهل الكلام المحدث صاروا لعدم علمهم بما علمه السلف ~~وأئمة السنة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة ولما وقعوا فيه من الكلاميات ~~الباطلة يدخل بسببهم هؤلاء الفلاسفة في الإسلام أمورا باطلة ويحصل بهم من ~~الضلال والغي ما لا يتسع هذا الموضع لذكره # ولما أحدثت الجهمية محنتهم ودعوا الناس اليها وضرب أحمد بن حنبل في سنة ~~عشرين ومائتين كان مبدأ حدوث القرامطة الملاحدة الباطنية من ذلك الزمان ~~فصارت البدع باب الالحاد كما أن المعاصي بريد الكفر ولبسط هذا موضع آخر # والمقصود هنا الكلام على لفظ التحيز والجهة وهؤلاء المتكلمون المتفلسفة ~~صار بينهم نزاع في الملائكة هل هي متحيزة أم لا فمن مال إلى الفلسفة ورأى ~~أن الملائكة هي العقول والنفوس التى يثبتها الفلاسفة وان تلك ليست متحيزة ~~قال إن الملائكة ليست متحيزة لا سيما وطائفة من الفلاسفة لم تجعل عددها ~~عشرة عقول وتسعة نفوس كما PageV17P338 هو المشهور عن ms5362 المشائين بل قال لا ~~دليل على نفى الزيادة ورأي النبوات قد أخبرت بكثرة الملائكة فأراد أن يثبت ~~كثرتهم بطريقة فلسفية كما فعل ذلك أبو البركات صاحب ( المعتبر ( والرازي في ~~( المطالب العالية ( وغيرهما # وأما المتكلمون فإنهم يقولون إن كل ممكن أوكل محدث أو كل مخلوق فهو إما ~~متحيز وإما قائم بمتحيز وكثير منهم يقول كل موجود إما متحيز واما قائم ~~بمتحيز ويقولون لا يعقل موجود الا كذلك كما قاله طوائف من أهل الكلام ~~والنظر ثم المتفلسفة كابن سينا وأتباعه والشهرستانى والرازي وغيرهم لما ~~أرادوا اثبات موجود ليس كذلك كان أكبر عمدتهم اثبات الكليات كالإنسانية ~~المشتركة والحيوانية المشتركة وإذا كانت هذه لا تكون كليات الا في الذهن ~~فلم ينازعهم الناس في ذلك وانما نازعوهم في اثبات موجود خارج الذهن قائم ~~بنفسه لا يمكن الإحساس به بحال بل لا يكون معقولا # وقالوا لهم المعقول ما كان في العقل وأما ما كان موجودا قائما بنفسه ~~فلابد أن يمكن الإحساس به وإن لم نحس نحن به في الدنيا كما لا نحس بالجن ~~والملائكة وغير ذلك فلابد أن يحس به غيرنا كالملائكة والجن وأن يحس به بعد ~~الموت أو في الدار الآخرة أو PageV17P339 يحس به بعض الناس دون بعض في ~~الدنيا كالأنبياء الذين رأوا الملائكة وسمعوا كلامهم # وهذه الطريقة وهو أن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته هي التى سلكها أئمة النظار ~~كابن كلاب وغيره وسلكها بن الزاغونى وغيره وأما من قال أن كل موجود يجوز ~~رؤيته أو يجوز أن يحس بسائر الحواس الخمس كما يقوله الأشعري وموافقوه ~~كالقاضي أبي يعلي وأبي المعالي وغيرهما فهذه الطريقة مردودة عند جماهير ~~العقلاء بل يقولون فسادها معلوم بالضرورة بعد التصور التام كما بسط في ~~موضعه # وكذلك نزاعهم في روح الإنسان التى تفارقه بالموت على قول الجمهور الذين ~~يقولون هي عين قائمة بنفسها ليست عرضا من أعراض البدن كالحياة وغيرها ولا ~~جزءا من أجزاء البدن كالهواء الخارج منه فإن كثيرا من المتكلمين زعموا أنها ~~عرض قائم بالبدن أو جزء من أجزاء ms5363 البدن لكن هذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~السلف والخلف ولقول جماهير العقلاء من جميع الأمم ومخالف للأدلة العقلية # وهذا مما استطال به الفلاسفة على كثير من أهل الكلام قال القاضي أبو بكر ~~اكثر المتكلمين على أن الروح عرض من الأعراض PageV17P340 و بهذا نقول إذا ~~لم يعن بالروح النفس فإنه قال الروح الكائن في الجسد ضربان # أحدهما الحياة القائمة به والآخر النفس والنفس ريح ينبث به والمراد ~~بالنفس ما يخرج بنفس التنفس من أجزاء الهواء المتحلل من المسام وهذا قول ~~الإسفرائينى وغيره وقال بن فورك هو ما يجري في تجاويف الأعضاء وأبو المعالي ~~خالف هؤلاء وأحسن في مخالفتهم فقال إن الروح أجسام لطيفة مشابكة للأجسام ~~المحسوسة أجرى الله العادة بحياة الأجساد ما استمرت مشابكتها لها فاذا ~~فارقتها تعقب الموت الحياة في استمرار العادة # ومذهب الصحابة والتابعين لهم باحسان وسائر سلف الأمة وأئمة السنة أن ~~الروح عين قائمة بنفسها تفارق البدن وتنعم وتعذب ليست هي البدن ولا جزءا من ~~أجزائه كالنفس المذكور ولما كان الإمام أحمد ممن نص على ذلك كما نص عليه ~~غيره من الأئمة لم يختلف أصحابه في ذلك لكن طائفة منهم كالقاضي أبي يعلي ~~زعموا أنها جسم وأنها الهواء المتردد في مخاريق البدن موافقة لأحد المعنيين ~~الذين ذكرهما بن الباقلانى وهذه الأقوال لما كانت من أضعف الأقوال تسلط بها ~~عليهم خلق كثير PageV17P341 # والمقصود هنا أن الذين قالوا أنها عين قائمة بنفسها غير البدن وأجزائه ~~وأعراضه تنازعوا هل هي جسم متحيز على قولين كتنازعهم في الملائكة # فالمتكلمون منهم يقولون جسم والمتفلسفة يقولون جوهر عقلي ليس بجسم وقد ~~أشرنا فيما تقدم إلى أن ما تسمية المتفلسفة جواهر عقلية لا توجد الا في ~~الذهن وأصل تسميتهم المجردات والمفارقات هو مأخوذ من نفس الإنسان فإنها لما ~~كانت تفارق بدنه بالموت وتتجرد عنه سموها مفارقة مجردة ثم أثبتوا ما أثبتوه ~~من العقول والنفوس وسموها مفارقات ومجردات بناء على ذلك وهم يريدون ~~بالمفارق للمادة ما لا يكون جسما ولا قائما بجسم لكن النفس متعلقة بالجسم ms5364 ~~تعلق التدبير والعقل ولا تعلق له بالأجسام أصلا ولا ريب أن جماهير العقلاء ~~على اثبات الفرق بين البدن والروح التى تفارق والجمهور يسمون ذلك روحا وهذا ~~جسما # لكن لفظ الجسم في اللغة ليس هو الجسم في اصطلاح المتكلمين بل الجسم هو ~~الجسد كما تقدم وهو الجسم الغليظ أو غلظه والروح ليست مثل البدن في الغلظ ~~والكثافة ولذلك لا تسمى جسما # فمن جعل الملائكة والأرواح ونحو ذلك ليست أجساما بالمعنى اللغوي فقد أصاب ~~في ذلك ورب العالمين أولى أن لا يكون جسما فانه من المشهور في اللغة الفرق ~~بين الأرواح والأجسام PageV17P342 ( وأما أهل الإصطلاح ) من المتكلمين ~~والمتفلسفة فيجعلون مسمى الجسم أعم من ذلك وهو ما أمكنت الإشارة الحسية ~~إليه وما قيل أنه هنا وهناك وما قبل الأبعاد الثلاثة ونحو ذلك # وكذلك المتحيز في اصطلاح هؤلاء هو الجسم ويدخل فيه الجوهر الفرد عند من ~~أثبته وقد تقدم معنى الجسم في اللغة وأما المتحيز فقد قال تعالى @QB@ ومن ~~يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ~~@QE@ # وقال الجوهري الحوز الجمع وكل من ضم إلى نفسه شيئا فقد حازه حوزا وحيازة ~~واحتازه أيضا والحوز والحيز السوق اللين وقد حاز الإبل يحوزها ويحيزها وحوز ~~الابل ساقها إلى الماء وقال الأصمعي اذا كانت الإبل بعيدة المرعى عن الماء ~~فأول ليلة توجهها إلى الماء ليلة الحوز وتحوزت الحية وتحيزت تلوت يقال مالك ~~تتحوز تحوز الحية وتتحيز تحيز الحية قال سيبويه هو تفعل من حزت الشيء قال ~~القطامي # % تحيز منى خشية أن أضيفها % كما انحازت الأفعى مخافة ضارب % يقول تتنحى ~~عنى هذه العجوز وتتأخر خشية أن أنزل عليها ضيفا PageV17P343 و الحيز ما ~~إنضم إلى الدار من مرافقها وكل ناحية حيز وأصله من الواو والحيز تخفيف ~~الحيز مثل هين وهين ولين ولين والجمع أحياز والحوزة الناحية وانحاز عنه ~~انعدل وانحاز القوم تركوا مركزهم إلى آخر يقال للأولياء انحازوا عن العدو ~~وحاصوا والاعداء انهزموا وولوا مدبرين وتحاوز الفريقان في الحرب انحاز كل ~~فريق ms5365 عن الآخر # فهذا المذكور عن أهل اللغة في هذا اللفظ ومادته يقتضي أن التحيز ~~والإنحياز والتحوز ونحو ذلك يتضمن عدولا من محل إلى محل وهذا أخص من كونه ~~يحوزه أمر موجود فهم يراعون في معنى الحوز ذهابه من جهة إلى جهة ولهذا ~~يقولون حزت المال وحزت الابل وذلك يتضمن نقله من جهة إلى جهة فالشيء ~~المستقر في موضعه كالجبل والشمس والقمر لا يسمونه متحيزا وأعم من هذا أن ~~يراد بالمتحيز ما يحيط به حيز موجود فيسمى كل ما أحاط به غيره أنه متحيز ~~وعلى هذا فما بين السماء والأرض متحيز بل ما في العالم متحيز إلا سطح ~~العالم الذي لا يحيط به شيء فإن ذلك ليس بمتحيز وكذلك العالم جملة ليس ~~بمتحيز بهذا الإعتبار فإنه ليس في عالم آخر أحاط به والمتكلمون يريدون ~~بالمتحيز ما هو أعم من هذا والحيز عندهم أعم من المكان فالعالم كله في حيز ~~وليس هو في مكان PageV17P344 و المتحيز عندهم لا يعتبر فيه أنه يحوزه غيره ~~ولا يكون له حيز وجودي بل كلما أشير إليه وامتاز منه شيء عن شيء فهو متحيز ~~عندهم # ثم هم مختلفون بعد هذا في المتحيز هل هو مركب من الجواهر المنفردة أو من ~~المادة والصورة أو هو غير مركب لا من هذا ولا من هذا كما تقدم نزاعهم في ~~الجسم فالجسم عندهم متحيز ولا يخرج عنه شيء إلا الجوهر الفرد عند من أثبته ~~وهؤلاء يعتقد كثير منهم أو أكثرهم أن كل متحيز فهو مركب أي يقبل الإنقسام ~~إلى جزء لا يتجزأ بل يظن بعضهم أن هذا إجماع المسلمين وأكثرهم يقولون ~~المتحيزات متماثلة في الحد والحقيقة ومن كان معنى المتحيز عنده هذا فعليه ~~أن ينزه الله تعالى أن يكون متحيزا بهذا الاعتبار واذا قال الملائكة ~~متحيزون بهذا الإعتبار أو الروح متحيزة بهذا الإعتبار نازعه في ذلك جمهور ~~العقلاء من المسلمين وغيرهم بل لا يعرف أحد من سلف الأمة وأئمتها يقول إن ~~الملائكة متحيزة بهذا الإعتبار ولا قالوا لفظا يدل على هذا ms5366 المعنى وكذلك ~~روح بني آدم التى تفارقه بالموت لم يقل أحد من السلف إنها متحيزة بهذا ~~الإعتبار ولا قال فيها لفظا يدل على هذا المعنى فإذا كان إثبات هذا التحيز ~~للملائكة والروح بدعة في الشرع وباطلا في العقل فلأن يكون ذلك بدعة وباطلا ~~في رب PageV17P345 العالمين بطريق الأولى والأحرى # ومن هنا يتبين أن عامة ما يقوله المتفلسفة وهؤلاء المتكلمة في نفوس بني ~~آدم وفي الملائكة باطل فكيف بما يقولونه في رب العالمين ولهذا توجد الكتب ~~المصنفة التى يذكر فيها مقالات هؤلاء وهؤلاء في هذه المسائل الكبار في رب ~~العالمين وفى ملائكته وفي أرواح بنى آدم وفى المعاد وفى النبوات ليس فيها ~~قول يطابق العقل والشرع ولا يعرفون ما قاله السلف والأئمة في هذا الباب ولا ~~ما دل عليه الكتاب والسنة # فلهذا يغلب على فضلائهم الحيرة فإنهم اذا أنهوا النظر لم يصلوا إلى علم ~~لأن ما نظروا فيه من كلام الطائفتين مشتمل على باطل من الجانبين ولهذا قال ~~أبو عبد الله الرازي في آخر عمره لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج ~~الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة ~~القرآن اقرأ في الإثبات @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ~~@QE@ @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ واقرأ في النفي @QB@ ليس كمثله شيء ~~@QE@ @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى # وأما من اعتقد أن المتحيز هو ما باين غيره فانحاز عنه وليس PageV17P346 ~~من شرطه أن يكون مركبا من الأجزاء المنفردة ولا أنه يقبل التفريق والتقسيم ~~فإذا قال أن الرب متحيز بهذا المعنى أي أنه بائن عن مخلوقاته فقد أراد معنى ~~صحيحا لكن إطلاق هذه العبارة بدعة وفيها تلبيس فإن هذا الذي أراده ليس معنى ~~المتحيز في اللغة وهو اصطلاح له ولطائفته وفى المعنى المصطلح نزاع بين ~~العقلاء فصار يحتمل معنى فاسدا يجب تنزيه الرب عنه وليس للإنسان أن يطلق ~~لفظا يدل عند غيره على معنى فاسد ويفهم ذلك الغير ذلك المعنى الفاسد من غير ~~بيان مراده بل ms5367 هؤلاء المتكلمون الذين أرادوا بالمتحيز ما كان مؤلفا من ~~أجزاء لا تقبل القسمة وهو ما كان قابلا للقسمة إذا قالوا ان كل ممكن أو كل ~~محدث أو كل مخلوق فهو إما متحيز واما قائم بمتحيز كان جماهير العقلاء ~~يخالفونهم في هذا التقسيم ولم يكن أحد من أئمة المسلمين لا من الصحابة ولا ~~من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ولا سائر أئمة المسلمين موافقا لهم ~~على هذا التقسيم فكيف اذا قال من قال منهم كل موجود فهو اما متحيز واما ~~قائم بمتحيز وأراد بالمتحيز ما أراده هؤلاء فإن قوله حينئذ يكون أبعد عن ~~الشرع والعقل من قول أولئك ولهذا طالبهم متأخروهم بالدليل على هذا الحصر ~~وليس خطأ هؤلاء من جهة ما أثبته المتفلسفة من الجواهر العقلية فإن تلك قد ~~علم بطلانها بصريح العقل أيضا PageV17P347 # وما يقوله هؤلاء المتفلسفة في النفس الناطقة من أنها لا يشار إليها ولا ~~توصف بحركة ولا سكون ولا صعود ولا نزول وليست داخل العالم ولا خارجه هو ~~أيضا كلام أبطل من كلام أولئك المتكلمين عند جماهير العقلاء ولا سيما من ~~يقول منهم كابن سينا وأمثاله أنها لا تعرف شيئا من الأمور الجزئية وإنما ~~تعرف الأمور الكلية فإن هذا مكابرة ظاهرة فإنها تعرف بدنها وتعرف كل ما ~~تراه بالبدن وتشمه وتسمعه وتذوقه وتقصده وتأمر به وتحبه وتكرهه إلى غير ذلك ~~مما تتصرف فيه بعلمها وعملها فكيف يقال إنها لا تعرف الأمور المعينة وانما ~~تعرف أمورا كلية # وكذلك قولهم إن تعلقها بالبدن ليس إلا مجرد تعلق التدبير والتصريف كتدبير ~~الملك لمملكته من أفسد الكلام فإن الملك يدبر أمر مملكته فيأمر وينهى ولكن ~~لا يصرفهم هو بمشيئته وقدرته ان لم يتحركوا هم بارادتهم وقدرتهم والملك لا ~~يلتذ بلذة أحدهم ولا يتالم بتألمه وليس كذلك الروح والبدن بل قد جعل الله ~~بينهما من الإتحاد والائتلاف ما لا يعرف له نظير يقاس به ولكن دخول الروح ~~فيه ليس هو مماثلا لدخول شيء من الأجسام المشهودة فليس دخولها فيه كدخول ~~الماء ونحوه ms5368 من المائعات في الأوعية فإن هذه انما تلاقي السطح الداخل من ~~الأوعية لا بطونها ولا ظهورها وإنما يلاقي PageV17P348 الأوعية منها ~~أطرافها دون أوساطها وليس كذلك الروح والبدن بل الروح متعلقة بجميع أجزاء ~~البدن باطنه وظاهره وكذلك دخولها فيها ليس كدخول الطعام والشراب في بدن ~~الآكل فإن ذلك له مجار معروفة وهو مستحيل إلى غير ذلك من صفاته ولا جريانها ~~في البدن كجريان الدم فإن الدم يكون في بعض البدن دون بعض # ففي الجملة كل ما يذكر من النظائر لا يكون كل شيء منه متعلقا بالآخر ~~بخلاف الروح والبدن لكن هي مع هذا في البدن قد ولجت فيه وتخرج منه وقت ~~الموت وتسل منه شيئا فشيئا فتخرج من البدن شيئا فشيئا لا تفارقه كما يفارق ~~الملك مدينته التى يدبرها والناس لما لم يشهدوا لها نظيرا عسر عليهم ~~التعبير عن حقيقتها وهذا تنبيه لهم على أن رب العالمين لم يعرفوا حقيقته ~~ولا تصوروا كيفيته سبحانه وتعالى وان ما يضاف إليه من صفاته هو على ما يليق ~~به جل جلاله فإن الروح التى هي بعض عبيده توصف بأنها تعرج اذا نام الإنسان ~~وتسجد تحت العرش وهي مع هذا في بدن صاحبها لم تفارقه بالكلية والإنسان في ~~نومه يحس بتصرفات روحه تصرفات تؤثر في بدنه فهذا الصعود الذي توصف به الروح ~~لا يماثل صعود المشهودات فإنها اذا صعدت إلى مكان فارقت الأول بالكلية ~~وحركتها PageV17P349 إلى العلو حركة انتقال من مكان إلى مكان وحركة الروح ~~بعروجها وسجودها ليس كذلك # فالرب سبحانه إذا وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ينزل إلى سماء ~~الدنيا كل ليلة وأنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج وأنه كلم موسى في الوادي ~~الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة وأنه استوى إلى السماء وهي دخان فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين لم يلزم من ذلك أن تكون ~~هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة حتى يقال ذلك ~~يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر فإن نزول ms5369 الروح وصعودها لا يستلزم ذلك فكيف برب ~~العالمين وكذلك الملائكة لهم صعود ونزول من هذا الجنس # فلا يجوز نفي ما أثبته الله ورسوله من الأسماء والصفات ولا يجوز تمثيل ~~ذلك بصفات المخلوقات لا سيما ما لا نشاهده من المخلوقات فإن ما ثبت لما لا ~~نشاهده من المخلوقات من الأسماء والصفات ليس مماثلا لما نشاهده منها فكيف ~~برب العالمين الذي هو أبعد عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق لمخلوق وكل ~~مخلوق فهو أشبه بالمخلوق الذي لا يماثله من الخالق بالمخلوق سبحانه وتعالى ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا PageV17P350 # وهذا الذي نبهنا عليه مما يظهر به أن ما يذكره صاحب ( المحصل ( وأمثاله ~~من تقسيم الموجودات على رأي المتفلسفة والمتكلمة كله تقسيم غير حاصر وكل من ~~الفريقين مقصر عن سلفه اما المتكلمون فلم يسلكوا من التقسيم المسلك الذي دل ~~عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وكذلك هؤلاء المتفلسفة اتباع أرسطو ~~لم يسلكوا مسلك الفلاسفة الأساطين المتقدمين فإن أولئك كانوا يقولون بحدوث ~~هذا العالم وكانوا يقولون إن فوق هذا العالم عالما آخر يصفونه ببعض ما وصف ~~النبى صلى الله عليه وسلم به الجنة وكانوا يثبتون معاد الأبدان كما يوجد ~~هذا في كلام سقراط وتاليس وغيرهما من أساطين الفلاسفة وقد ذكروا أن أول من ~~قال منهم بقدم العالم أرسطو ### ||| فصل # وهذه الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ ( المركب ( و ( المؤ لف ( ~~و ( المنقسم ( ونحو ذلك قد صار كل من أراد نفي شيء مما أثبته الله لنفسه من ~~الأسماء والصفات عبر بها عن مقصوده فيتوهم من لا يعرف مراده أن المراد ~~تنزيه الرب الذي ورد به القرآن وهو إثبات أحديته وصمديته ويكون قد أدخل في ~~تلك الألفاظ ما رآه هو منفيا PageV17P351 و عبر عنه بتلك العبارة وضعا له ~~وإصطلاحا إصطلح عليه هو ومن وافقه على ذلك المذهب وليس ذلك من لغة العرب ~~التى نزل بها القرآن ولا من لغة أحد من الأمم ثم يجعل ذلك المعنى هو مسمى ~~الأحد والصمد والواحد ونحو ذلك من الأسماء ms5370 الموجودة في الكتاب والسنة ويجعل ~~ما نفاه من المعاني التى أثبتها الله ورسوله من تمام التوحيد # وإسم ( التوحيد ( إسم معظم جاءت به الرسل ونزلت به الكتب فإذا جعل تلك ~~المعانى التى نفاها من التوحيد ظن من لم يعرف مخالفة مراده لمراد الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أنه يقول بالتوحيد الذي جاءت به الرسل ويسمى طائفته ~~الموحدين كما يفعل ذلك الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم على نفي شيء من الصفات ~~ويسمون ذلك توحيدا وطائفتهم الموحدين ويسمون علمهم علم التوحيد كما تسمى ~~المعتزلة ومن وافقهم نفي القدر عدلا ويسمون أنفسهم العدلية وأهل العدل ومثل ~~هذه البدع كثير جدا يعبر بألفاظ الكتاب والسنة عن معان مخالفة لما أراده ~~الله ورسوله بتلك الألفاظ ولا يكون أصحاب تلك الأقوال تلقوها إبتداء عن ~~الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بل عن شبه حصلت لهم وأئمة لهم ~~وجعلوا التعبير عنها بألفاظ الكتاب والسنة حجة لهم وعمدة لهم ليظهر بذلك ~~أنهم متابعون للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالفون له وكثير منهم لا ~~يعرفون PageV17P352 أن ما ذكروه مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم بل يظن أن ~~هذا المعنى الذي أراده هو المعنى الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فلهذا يحتاج المسلمون إلى شيئين # ( أحدهما ( معرفة ما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بألفاظ الكتاب ~~والسنة بأن يعرفوا لغة القرآن التى بها نزل وما قاله الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان وسائر علماء المسلمين في معانى تلك الألفاظ فإن الرسول لما خاطبهم ~~بالكتاب والسنة عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ وكانت معرفة الصحابة لمعانى ~~القرآن أكمل من حفظهم لحروفه وقد بلغوا تلك المعانى إلى التابعين أعظم مما ~~بلغوا حروفه فإن المعانى العامة التى يحتاج إليها عموم المسلمين مثل معنى ~~التوحيد ومعنى الواحد والأحد والإيمان والإسلام ونحو ذلك كان جميع الصحابة ~~يعرفون ما أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من معرفته ولا يحفظ القرآن ~~كله إلا القليل منهم وإن كان كل شيء من القرآن يحفظه منهم أهل التواتر ms5371 ~~والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد وواحد ومن ذكر أن إلهكم واحد ومن ~~ذكر أنه لا اله إلا الله ونحو ذلك # فلابد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إليه الخلق وهو أول PageV17P353 ما يقاتلهم عليه ~~وهو أول ما أمر رسله أن يأمروا الناس به وقد تواتر عنه أنه أول ما دعا ~~الخلق إلى أن يقولوا لا إله إلا الله ولما أمر بالجهاد بعد الهجرة قال ( ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ( وفى ~~الصحيحين أنه لما بعث معاذا إلى اليمن قال له ( إنك تأتى قوما من أهل ~~الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ~~فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في ~~اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فإعلمهم أن الله تعالى إفترض عليهم ~~صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك ~~وكرائم أموالهم وإتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ( # فقال لمعاذ ليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد ومع هذا كانوا من أهل الكتاب ~~كانوا يهودا فإن اليهود كانوا كثيرين بأرض اليمن وهذا الذي أمر به معاذا ~~موافق لقوله تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ وفى الآية الأخرى @QB@ فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين @QE@ وهذا مطابق لقوله تعالى @QB@ ~~وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم ~~PageV17P354 أنه قال ( الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا ~~إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ( # ( فالمقصود ( أن معرفة ما جاء به الرسول وما أراده بألفاظ ms5372 القرآن والحديث ~~هو أصل العلم والإيمان والسعادة والنجاة ثم معرفة ما قال الناس في هذا ~~الباب لينظر المعاني الموافقة للرسول والمعانى المخالفة لها # والألفاظ نوعان نوع يوجد في كلام الله ورسوله ونوع لا يوجد في كلام الله ~~ورسوله فيعرف معنى الأول ويجعل ذلك المعنى هو الأصل ويعرف ما يعنيه الناس ~~بالثانى ويرد إلى الأول هذا طريق أهل الهدى والسنة وطريق أهل الضلال والبدع ~~بالعكس يجعلون الألفاظ التى أحدثوها ومعانيها هي الأصل ويجعلون ما قاله ~~الله ورسوله تبعا لهم فيردونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم ويقولون نحن ~~نفسر القرآن بالعقل واللغة يعنون أنهم يعتقدون معنى بعقلهم ورأيهم ثم ~~يتأولون القرآن عليه بما يمكنهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف ~~الكلم عن مواضعه ولهذا قال الإمام أحمد أكثر ما يخطىء الناس من جهة التأويل ~~والقياس وقال يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين المجمل والقياس وهذه ~~الطريق يشترك فيها جميع أهل البدع الكبار والصغار PageV17P355 # فهي طريق الجهمية والمعتزلة ومن دخل في التأويل من الفلاسفة والباطنية ~~الملاحدة # وأما حذاق الفلاسفة فيقولون ان المراد بخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إنما هو أن يخيل إلى الجمهور ما ينتفعون به في مصالح دنياهم وان لم يكن ذلك ~~مطابقا للحق قالوا وليس مقصود الرسول صلى الله عليه وسلم بيان الحق وتعريفه ~~بل مقصوده أن يخيل إليهم ما يعتقدونه ويجعلون خاصة النبوة قوة التخييل فهم ~~يقولون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين ولم يفهم بل ولم يقصد ذلك وهم ~~متنازعون هل كان يعلم الأمورعلى ما هي عليه على قولين # منهم من قال كان يعلمها لكن ما كان يمكنه بيانها وهؤلاء قد يجعلون الرسول ~~أفضل من الفيلسوف ومنهم من يقول بل ما كان يعرفها أو ما كان حاذقا في ~~معرفتها وانما كان يعرف الأمور العملية وهؤلاء يجعلون الفيلسوف أكمل من ~~النبى صلى الله عليه وسلم لأن الأمور العملية أكمل من العلمية فهؤلاء ~~يجعلون خبر الله وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم إنما فيه التخييل وأولئك ~~يقولون لم يقصد به ms5373 التخييل ولكن قصد معنى يعرف بالتأويل وكثير من أهل ~~الكلام الجهمية يوافق أولئك على أنه ما كان يمكنه أن يبوح بالحق في باب ~~التوحيد فخاطب الجمهور بما يخيل لهم كما يقولون إنه لو قال PageV17P356 # إن ربكم ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ولا هو فوق العالم ولا ~~كذا ولا كذا لنفرت قلوبهم عنه وقالوا هذا لا يعرف قالوا فخاطبهم بالتجسيم ~~حتى يثبت لهم ربا يعبدونه وان كان يعرف أن التجسيم باطل وهذا يقوله طوائف ~~من أعيان الفقهاء المتأخرين المشهورين الذين ظنوا أن مذهب النفاة هو الصحيح ~~وإحتاجوا أن يعتذروا عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الإثبات كما ~~يوجد في كلام غير واحد # وتارة يقولون إنما عدل الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيان الحق ليجتهدوا ~~في معرفة الحق من غير تعريفه ويجتهدوا في تأويل ألفاظه فتعظم أجورهم على ~~ذلك وهو إجتهادهم في عقلياتهم وتأويلاتهم ولا يقولون إنه قصد به إفهام ~~العامة الباطل كما يقول أولئك المتفلسفة وهذا قول أكثر المتكلمين النفاة من ~~الجهمية والمعتزلة ومن سلك مسلكهم حتى إبن عقيل وأمثاله وأبو حامد وإبن رشد ~~الحفيد وأمثالهما يوجد في كلامهم المعنى الأول وأبو حامد إنما ذم التأويل ~~في آخر عمره وصنف ( الجام العوام عن علم الكلام ( محافظة على هذا الأصل ~~لأنه رأى مصلحة الجمهور لا تقوم إلا بإبقاء الظواهر على ما هي عليه وإن كان ~~هو يرى ما ذكره في كتبه ( المضنون بها ( أن النفي هو الثابت في نفس الأمر ~~PageV17P357 فلم يجعلوا مقصوده بالخطاب البيان والهدي كما وصف الله به ~~كتابه ونبيه حيث قال @QB@ هدى للمتقين @QE@ وقال @QB@ هذا بيان للناس @QE@ ~~وقال @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ وقال @QB@ وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ وقال @QB@ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور @QE@ وأمثال ذلك وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( تركتكم ~~على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك ( وقال تعالى @QB@ ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ms5374 عن سبيله @QE@ ~~وقال @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه ~~سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ~~@QE@ وقال @QB@ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي ~~به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ وقال @QB@ فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ~~@QE@ # وثم طائفة ثالثة كثرت في المتأخرين المنتسبين إلى السنة يقولون ما يتضمن ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف معاني ما أنزل عليه من القرآن ~~كآيات الصفات بل لازم قولهم أيضا أنه كان يتكلم بأحاديث الصفات ولا يعرف ~~معانيها # وهؤلاء مساكين لما رأوا المشهور عن جمهور السلف من الصحابة PageV17P358 و ~~التابعين لهم بإحسان أن الوقف التام عند قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا ~~الله @QE@ وافقوا السلف وأحسنوا في هذه الموافقة لكن ظنوا أن المراد ~~بالتأويل هو معنى اللفظ وتفسيره أو هو التأويل الإصطلاحى الذي يجري في كلام ~~كثير من متأخري أهل الفقه والأصول وهو صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى ~~الإحتمال المرجوح لدليل يقترن به فهم قد سمعوا كلام هؤلاء وهؤلاء فصار لفظ ~~التأويل عندهم هذا معناه # ولما سمعوا قول الله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله ( ظنوا أن لفظ ~~التأويل في القرآن معناه هو معنى لفظ التأويل في كلام هؤلاء فلزم من ذلك ~~أنه لا يعلم أحد معنى هذه النصوص إلا الله لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما بل ~~كل من الرسولين على قولهم يتلو أشرف ما في القرآن من الأخبار عن الله ~~بأسمائه وصفاته وهو لا يعرف معنى ذلك أصلا ثم كثير منهم يذمون ويبطلون ~~تأويلات أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهما وهذا جيد لكن قد يقولون ~~تجرى على ظواهرها وما يعلم تأويلها إلا الله فإن عنوا بظواهرها ما يظهر ~~منها من المعانى كان هذا مناقضا لقولهم إن لها تأويلا يخالف ظاهرها لا ~~يعلمه إلا الله وإن عنوا بظواهرها مجرد الألفاظ كان معنى ms5375 كلامهم أنه يتكلم ~~بهذه الألفاظ ولها باطن يخالف ما ظهر منها وهو التأويل وذلك لا يعلمه إلا ~~الله # وفيهم من يريد بإجرائها على ظواهرها هذا المعنى وفيهم من PageV17P359 ~~يريد الأول وعامتهم يريدون بالتأويل المعنى الثالث وقد يريدون به الثانى ~~فإنه أحيانا قد يفسر النص بما يوافق ظاهره وتبين من هذا [ أنه ] ليس من ~~التأويل الثالث فيأبون ذلك ويكرهون تدبر النصوص والنظر في معانيها أعني ~~النصوص التى يقولون إنه لم يعلم تأويلها إلا الله # ثم هم في هذه النصوص بحسب عقائدهم فإن كانوا من القدرية قالوا النصوص ~~المثبتة لكون العبد فاعلا محكمة والنصوص المثبتة لكون الله تعالى خالق ~~أفعال العباد أو مريدا لكل ما وقع نصوص متشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله ~~إذا كانوا ممن لا يتأولها فإن عامة الطوائف منهم من يتأول ما يخالف قوله ~~ومنهم من لا يتأوله وإن كانوا من الصفاتية المثبتين للصفات التى زعموا أنهم ~~يعلمونها بالعقل دون الصفات الخبرية مثل كثير من متأخري الكلابية كأبي ~~المعالي في آخر عمره وإبن عقيل في كثير من كلامه قالوا عن النصوص المتضمنة ~~للصفات التى لا تعلم عندهم بالعقل هذه نصوص متشابهة لا يعلم تأويلها إلا ~~الله وكثير منهم يكون له قولان وحالان تارة يتأول ويوجب التأويل أو يجوزه ~~وتارة يحرمه كما يوجد لأبي المعالي ولإبن عقيل ولأمثالهما من إختلاف ~~الأقوال # ومن أثبت العلو بالعقل وجعله من الصفات العقلية كأبي محمد إبن كلاب وأبي ~~الحسن بن الزاغونى ومن وافقه وكالقاضي أبي PageV17P360 يعلى في آخر قوليه ~~وأبى محمد أثبتوا العلو وجعلوا الإستواء من الصفات الخبرية التى يقولون لا ~~يعلم معناها إلا الله وإن كانوا ممن يري أن الفوقية والعلو أيضا من الصفات ~~الخبرية كقول القاضي أبى بكر وأكثر الأشعرية وقول القاضي أبي يعلى في أول ~~قوليه وإبن عقيل في كثير من كلامه وأبي بكر البيهقي وأبي المعالي وغيرهم ~~ومن سلك مسلك أولئك وهذه الأمور مبسوطة في موضعها # ( والمقصود هنا ( أن كل طائفة تعتقد من الآراء ما يناقض ما دل عليه ~~القرآن ms5376 يجعلون تلك النصوص من المتشابه ثم إن كانوا ممن يرى الوقف عند قوله ~~وما يعلم تأويله ( إلا الله ( قالوا لا يعلم معناها إلا الله فيلزم أن لا ~~يكون محمد وجبريل ولا أحد علم معانى تلك الآيات والأخبار وإن رأوا أن الوقف ~~على قوله @QB@ والراسخون في العلم @QE@ جعلوا الراسخين يعلمون ما يسمونه هم ~~تأويلا ويقولون إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما لم يبين الحق بخطابه ~~ليجتهد الناس في معرفة الحق من غير جهته بعقولهم وأذهانهم ويجتهدون في ~~تخريج ألفاظه على اللغات العربية فيجتهدون في معرفة غرائب اللغات التى ~~يتمكنون بها من التأويل وهذا إن قالوا أنه قصد بالقرآن والحديث معنى حقا في ~~نفس الأمر وإن قالوا بقول الفلاسفة والباطنية الذين لا يرون التأويل قالوا ~~لم يقصد بهذه الألفاظ إلا ما يفهمه العامة PageV17P361 و الجمهور وهو باطل ~~في نفس الأمر لكن أراد أن يخيل لهم ما ينتفعون به ولم يمكنه أن يعرفهم الحق ~~فإنهم كانوا ينفرون عنه ولا يقبلونه وأما من قال من الباطنية الملاحدة ~~وفلاسفتهم بالتاويل فإنه يتأول كل شيء مما أخبرت به الرسل من أمر الإيمان ~~بالله واليوم الآخر ثم يؤولون العبارات كما هو معروف من تأويلات القرامطة ~~الباطنية # وأبو حامد في ( الأحياء ( ذكر قول هؤلاء المتأولين من الفلاسفة وقال أنهم ~~أسرفوا في التأويل واسرفت الحنابلة في الجمود وذكر عن أحمد بن حنبل كلاما ~~لم يقله أحمد فإنه لم يكن يعرف ما قاله أحمد ولا ما قاله غيره من السلف في ~~هذا الباب ولا ما جاء به القرآن والحديث وقد سمع مضافا إلى الحنابلة ما ~~يقوله طائفة منهم ومن غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم في الحرف والصوت ~~وبعض الصفات مثل قولهم إن الأصوات المسموعة من القراء قديمة أزلية وإن ~~الحروف المتعاقبة قديمة الأعيان وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ويخلو منه العرش ~~حتى يبقى بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته إلى غير ذلك من المنكرات فإنه ما ~~من طائفة إلا وفى بعضهم من يقول أقوالا ظاهرها الفساد وهي التى يحفظها من ms5377 ~~ينفر عنهم ويشنع بها عليهم وإن كان أكثرهم ينكرها ويدفعها كما في هذه ~~المسائل المنكرة التى يقولها بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعي فإن جماهير هذه ~~الطوائف PageV17P362 # ينكرها وأحمد وجمهور أصحابه منكرون لها # وكلامهم في إنكارها وردها كثير جدا لكن يوجد في أهل الحديث مطلقا من ~~الحنبلية وغيرهم من الغلط في الإثبات أكثر مما يوجد في أهل الكلام ويوجد في ~~أهل الكلام من الغلط في النفي أكثر مما يوجد في أهل الحديث لأن الحديث إنما ~~جاء بإثبات الصفات ليس فيه شيء من النفي الذي إنفرد به أهل الكلام والكلام ~~المأخوذ عن الجهمية والمعتزلة مبني على النفي المناقض لصرائح القرآن ~~والحديث بل والعقل الصريح أيضا لكنهم يدعون أن العقل دل على النفي وقد ~~ناقضهم طوائف من أهل الكلام وزادوا في الإثبات كالهشامية والكرامية وغيرهم ~~لكن النفي في جنس الكلام المبتدع الذي ذمه السلف أكثر # والمنتسبون إلى السنة من الحنابلة وغيرهم الذين جعلوا لفظ التأويل يعم ~~القسمين يتمسكون بما يجدونه في كلام الأئمة في المتشابه مثل قول أحمد في ~~رواية حنبل ولا كيف ولا معنى ظنوا أن مراده أنا لا نعرف معناها وكلام أحمد ~~صريح بخلاف هذا في غير موضع وقد بين أنه إنما ينكر تأويلات الجهمية ونحوهم ~~الذين يتأولون القرآن على غير تأويله وصنف كتابه في ( الرد على الزنادقة ~~والجهمية ( فيما أنكرته من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله فأنكر ~~عليهم تأويل القرآن PageV17P363 على غير مراد الله ورسوله وهم إذا تأولوه ~~يقولون معنى هذه الآية كذا والمكيفون يثبتون كيفية يقولون أنهم علموا كيفية ~~ما أخبر به من صفات الرب فنفى أحمد قول هؤلاء وقول هؤلاء قول المكيفة الذين ~~يدعون أنهم علموا الكيفية وقول المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون معناه كذا وكذا # وقد كتبت كلام أحمد بألفاظه كما ذكره الخلال في كتاب السنة وكما ذكره من ~~نقل كلام أحمد بإسناده في الكتب المصنفة في ذلك في غير هذا الموضع وبين أن ~~لفظ التأويل في الآية إنما أريد به التأويل في لغة ms5378 القرآن كقوله تعالى @QB@ ~~هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ~~@QE@ # وعن إبن عباس في قوله @QB@ هل ينظرون إلا تأويله @QE@ تصديق ما وعد في ~~القرآن وعن قتادة تأويله ثوابه وعن مجاهد جزاءه وعن السدي عاقبته وعن إبن ~~زيد حقيقته قال بعضهم تأويله ما يؤول إليه أمرهم من العذاب وورود النار # وقوله تعالى @QB@ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله @QE@ ~~PageV17P364 # قال بعضهم تصديق ما وعدوا به من الوعيد والتأويل ما يؤول إليه إلأمر وعن ~~الضحاك يعنى عاقبة ما وعد الله في القرآن أنه كائن من الوعيد والتأويل ما ~~يئول إليه الأمر وقال الثعلبى تفسيره وليس بشيء وقال الزجاج لم يكن معهم ~~علم تأويله وقال يوسف الصديق عليه السلام @QB@ يا أبت هذا تأويل رؤياي من ~~قبل @QE@ فجعل نفس سجود أبويه له تأويل رؤياه # وقال قبل هذا @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما @QE@ أي قبل أن يأتيكما التأويل والمعنى لا يأتيكما طعام ترزقانه ~~في المنام لما قال أحدهما @QB@ إني أراني أعصر خمرا @QE@ @QB@ وقال الآخر ~~إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا @QE@ إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة @QB@ قبل ~~أن يأتيكما @QE@ الطعام هذا قول أكثر المفسرين وهو الصواب وقال بعضهم لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه تطعمانه وتأكلانه الا نبأتكما بتأويله بتفسيره ~~وألوانه أي طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم فقالوا هذا فعل العرافين ~~والكهنة فقال ما أنا بكاهن وإنما ذلك العلم مما يعلمنى ربى وهذا القول ليس ~~بشيء فإنه قال ( إلا نبأتكما بتأويله ( وقد قال أحدهما @QB@ إني أراني أعصر ~~خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله @QE@ فطلبا منه تأويل ما رأياه وأخبرهما بتأويل ذاك ولم يكن تأويل ~~الطعام في PageV17P365 اليقظة ولا في القرآن أنه أخبرهما بما يرزقانه في ~~اليقظة فكيف يقول قولا عاما @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه @QE@ وهذا ~~الإخبار العام لا يقدر ms5379 عليه إلا الله والأنبياء يخبرون ببعض ذلك لا يخبرون ~~بكل هذا # وأيضا فصفة الطعام وقدره ليس تأويلا له # وأيضا فالله إنما أخبر أنه علمه تأويل الرؤيا قال يعقوب عليه السلام @QB@ ~~وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث @QE@ وقال يوسف عليه السلام ~~@QB@ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث @QE@ وقال @QB@ هذا ~~تأويل رؤياي من قبل @QE@ ولما رأي الملك الرؤيا قال له الذي أدكر بعد أمة ~~@QB@ أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون @QE@ والملك قال @QB@ يا أيها الملأ ~~أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل ~~الأحلام بعالمين @QE@ فهذا لفظ التأويل في مواضع متعددة كلها بمعنى واحد ~~وقال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ قال مجاهد وقتادة جزاء ~~وثوابا وقال السدي وإبن زيد وإبن قتيبة والزجاج عاقبة وعن إبن زيد أيضا ~~تصديقا كقوله @QB@ هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ وكل هذه الأقوال صحيحة ~~والمعنى واحد وهذا تفسير PageV17P366 السلف أجمعين ومنه قوله @QB@ سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا @QE@ فلما ذكر له ما ذكر قال @QB@ ذلك تأويل ~~ما لم تسطع عليه صبرا @QE@ وهذا تأويل فعله ليس هو تأويل قوله والمراد به ~~عاقبة هذه الأفعال بما يؤول إليه ما فعلته من مصلحة أهل السفينة ومصلحة ~~أبوي الغلام ومصلحة أهل الجدار # وأما قول بعضهم ردكم إلى الله والرسول أحسن من تأويلكم فهذا قد ذكره ~~الزجاج عن بعضهم وهذا من جنس ما ذكر في تلك الآية في لفظ التأويل وهو تفسير ~~له بالإصطلاح الحادث لا بلغة القرآن فأما قدماء المفسرين فلفظ التأويل ~~والتفسير عندهم سواء كما يقول إبن جرير القول في تأويل هذه الآية أي في ~~تفسيرها # ولما كان هذا معنى التأويل عند مجاهد وهو إمام التفسير جعل الوقف على ~~قوله @QB@ والراسخون في العلم @QE@ فإن الراسخين في العلم يعلمون تفسيره ~~وهذا القول إختيار إبن قتيبة وغيره من أهل السنة وكان إبن قتيبة يميل إلى ~~مذهب أحمد وإسحاق وقد بسط الكلام ms5380 على ذلك في كتابه في ( المشكل ( وغيره # وأما متأخروا المفسرين كالثعلبي فيفرقون بين التفسير والتأويل قال فمعنى ~~التفسير هو التنوير وكشف المغلق من المراد بلفظه PageV17P367 و التأويل صرف ~~الآية إلى معنى تحتمله يوافق ما قبلها وما بعدها وتكلم في الفرق بينهما ~~بكلام ليس هذا موضعه إلا أن التأويل الذي ذكره هو المعنى الثالث المتأخر ~~وأبو الفرج إبن الجوزي يقول إختلف العلماء هل التفسير والتأويل بمعنى واحد ~~أم يختلفان فذهب قوم يميلون إلى العربية إلى أنهما بمعنى وهذا قول جمهور ~~المفسرين المتقدمين # وذهب قوم يميلون إلى الفقه إلى إختلافهما فقالوا التفسير إخراج الشيء عن ~~مقام الخفاء إلى مقام التجلي والتأويل نقل الكلام عن وضعه إلى ما يحتاج في ~~إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ فهو مأخوذ من قولك آل الشيء إلى ~~كذا أي صار إليه فهؤلاء لا يذكرون للتأويل إلا المعنى الأول والثانى وأما ~~التاويل في لغة القرآن فلا يذكرونه وقد عرف أن التأويل في القرآن هو ~~الموجود الذي يؤول إليه الكلام وإن كان ذلك موافقا للمعنى الذي يظهر من ~~اللفظ بل لا يعرف في القرآن لفظ التأويل مخالفا لما يدل عليه اللفظ خلاف ~~إصطلاح المتأخرين # والكلام نوعان إنشاء وإخبار فالإنشاء الأمر والنهي والإباحة وتأويل الأمر ~~والنهي نفس فعل المأمور ونفس ترك المحظور كما في الصحيح عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده ~~سبحانك اللهم ربنا وبحمدك PageV17P368 اللهم اغفر لي يتأول القرآن ( فكان ~~هذا الكلام تأويل قوله @QB@ فسبح بحمد ربك واستغفره @QE@ قال إبن عيينة ~~السنة تأويل الأمر والنهي وقال أبو عبيد لما ذكر إختلاف الفقهاء وأهل اللغة ~~في نهي النبى صلى الله عليه وسلم عن إشتمال الصماء قال والفقهاء أعلم ~~بالتأويل يقول هم أعلم بتأويل ما أمر الله به وما نهي عنه فيعرفون أعيان ~~الأفعال الموجودة التى أمر بها وأعيان الأفعال المحظورة التى نهى عنها # وتفسير كلامه ليس هو نفس ما يوجد في الخارج بل هو بيانه وشرحه ms5381 وكشف معناه ~~فالتفسير من جنس الكلام يفسر الكلام بكلام يوضحه واما التأويل فهو فعل ~~المأمور به وترك المنهى عنه ليس هو من جنس الكلام # والنوع الثانى الخبر كإخبار الرب عن نفسه تعالى بأسمائه وصفاته وإخباره ~~عما ذكره لعباده من الوعد والوعيد وهذا هو التأويل المذكور في قوله @QB@ ~~ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا ~~تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ~~@QE@ وهذا كقولهم @QB@ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون @QE@ ومثله قوله @QB@ انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون @QE@ وقوله ~~@QB@ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل إنما العلم عند الله وإنما ~~أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به ~~تدعون @QE@ PageV17P369 ونظائره متعددة في القرآن وكذلك قوله @QB@ أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله @QE@ فإن ما وعدوا ~~به في القرآن لما يأتهم بعد وسوف يأتيهم # فالتفسير هو الإحاطة بعلمه والتأويل هو نفس ما وعدوا به إذا أتاهم فهم ~~كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله وقد يحيط الناس ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله فالرسول صلى الله عليه وسلم يحيط بعلم ما أنزل ~~الله عليه وإن كان تأويله لم يأت بعد وفى الحديث عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم لما نزل قوله @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ~~@QE@ الآية قال إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد قال تعالى @QB@ وكذب به ~~قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر @QE@ قال بعضهم موضع قرار ~~وحقيقة ومنتهى ينتهي إليه فيبين حقه من باطله وصدقه من كذبه # وقال مقاتل لكل خبر يخبر به الله وقت ومكان يقع فيه من غيرخلف ولا تأخير ~~وقال إبن السائب لكل قول وفعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه ms5382 وما ~~كان منه في الآخرة فسوف PageV17P370 يبدو لكم وسوف تعلمون وقال الحسن لكل ~~عمل جزاء فمن عمل عملا من الخير جوزي به في الجنة ومن عمل عمل سوء جوزي به ~~في النار وسوف تعلمون ومعنى قول الحسن أن الأعمال قد وقع عليها الوعد ~~والوعيد فالوعد والوعيد عليها هو النبأ الذي له المستقر فبين المعنى ولم ~~يرد أن نفس الجزاء هو نفس النبأ # وعن السدي قال ( لكل نبأ مستقر ( أي ميعاد وعدتكموه فسيأتيكم حتى تعرفونه ~~وعن عطاء ( لكل نبأ مستقر ( تؤخر عقوبته ليعمل ذنبه فإذا عمل ذنبه عاقبه أي ~~لا يعاقب بالوعيد حتى يفعل الذنب الذي توعده عليه ومنه قول كثير من السلف ~~في آيات هذه ذهب تأويلها وهذه لم يأت تأويلها # مثل ما روى أبو الأشهب عن الحسن والربيع عن أبى العالية أن هذه الاية ~~قرئت على إبن مسعود @QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم @QE@ الآية فقال ~~إبن مسعود ليس هذا بزمانها قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم ~~أنفسكم ثم قال إن القرآن نزل حيث نزل فمنه آي قد مضي تأويلهن قبل أن ينزلن ~~ومنه آي وقع تأويلهن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم ومنه آي وقع تأويلهن ~~بعد النبى صلى الله عليه وسلم بيسير ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه آي ~~يقع تأويلهن في آخر الزمان ومنه آي يقع تأويلهن يوم القيامة ما ذكر من ~~الحساب والجنة والنار فما PageV17P371 دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم ~~تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا فإذا إختلفت القلوب ~~والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فأمرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل ~~هذه الآية # فابن مسعود رضي الله عنه قد ذكر في هذا الكلام تأويل الأمر وتأويل الخبر ~~فهذه الآية عليكم أنفسكم من باب الأمر وما ذكر من الحساب والقيامة من باب ~~الخبر وقد تبين أن تأويل الخبر هو وجود المخبر به وتأويل الأمر هو فعل ~~المأمور به فالآية التى مضي تأويلها قبل نزولها هي من باب الخبر ms5383 يقع الشيء ~~فيذكره الله كما ذكر ما ذكره من قول المشركين للرسول وتكذيبهم له وهي وإن ~~مضي تأويلها فهي عبرة ومعناها ثابت في نظيرها ومن هذا قول إبن مسعود خمس قد ~~مضين ومنه قوله تعالى @QB@ اقتربت الساعة وانشق القمر @QE@ # وإذا تبين ذلك فالمتشابه من الأمر لابد من معرفة تأويله لأنه لابد من فعل ~~المأمور وترك المحظور وذلك لا يمكن إلا بعد العلم لكن ليس في القرآن ما ~~يقتضي أن في الأمر متشابها فإن قوله ( وأخر متشابهات ( قد يراد به من الخبر ~~فالمتشابه من الخبر مثل ما أخبر به في الجنة من اللحم واللبن والعسل والماء ~~والحرير والذهب فإن بين PageV17P372 # هذا وبين ما في الدنيا تشابه في اللفظ والمعنى ومع هذا فحقيقة ذلك مخالفة ~~لحقيقة هذا وتلك الحقيقة لا نعلمها نحن في الدنيا وقد قال الله تعالى ( فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( وفى الحديث ~~الصحيح يقول الله تعالى ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر ( فهذا الذي وعد الله به عباده المؤمنين لا تعلمه ~~نفس هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله وكذلك وقت الساعة لا يعلمه إلا ~~الله وأشراطها وكذلك كيفيات ما يكون فيها من الحساب والصراط والميزان ~~والحوض والثواب والعقاب لا يعلم كيفيته إلا الله فإنه لم يخلق بعد حتى ~~تعلمه الملائكة ولا له نظير مطابق من كل وجه حتى يعلم به فهو من تأويل ~~المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله # وكذلك ما أخبر به الرب عن نفسه مثل إستوائه على عرشه وسمعه وبصره وكلامه ~~وغير ذلك فإن كيفيات ذلك لا يعلمها إلا الله كما قال ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن ومالك بن أنس وسائر أهل العلم تلقوا هذا الكلام عنهما بالقبول لما ~~قيل @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ كيف إستوى فقال الإستواء معلوم ~~والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة هذا لفظ مالك فأخبر أن ~~الإستواء معلوم وهذا تفسير اللفظ وأخبرأن ms5384 الكيف مجهول وهذا هو الكيفية التى ~~إستأثر الله بعلمها PageV17P373 # وكذلك سائر السلف كابن الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهما يبينون أن العباد ~~لا يعلمون كيفية ما أخبر الله به عن نفسه فالكيف هو التأويل الذي لا يعلمه ~~إلا الله وأما نفس المعنى الذي بينه الله فيعلمه الناس كل على قدر فهمه ~~فإنهم يفهمون معنى السمع ومعنى البصر وأن مفهوم هذا ليس هو مفهوم هذا ~~ويعرفون الفرق بينهما وبين العليم والقدير وإن كانوا لا يعرفون كيفية سمعه ~~وبصره بل الروح التى فيهم يعرفونها من حيث الجملة ولا يعرفون كيفيتها كذلك ~~يعلمون معنى الإستواء على العرش وأنه يتضمن علو الرب على عرشه وإرتفاعه ~~عليه كما فسره بذلك السلف قبلهم وهذا معنى معروف من اللفظ لا يحتمل في ~~اللغة غيره كما قد بسط في موضعه ولهذا قال مالك الإستواء معلوم # ومن قال الإستواء له معان متعددة فقد أجمل كلامه فإنهم يقولون إستوى فقط ~~ولا يصلونه بحرف وهذا له معنى ويقولون إستوى على كذا وله معنى وإستوى إلى ~~كذا وله معنى وإستوى مع كذا وله معنى فتتنوع معانيه بحسب صلاته وأما إستوى ~~على كذا فليس في القرآن ولغة العرب المعروفة إلا بمعنى واحد قال تعالى @QB@ ~~فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه @QE@ وقال @QB@ واستوت على الجودي @QE@ وقال ~~@QB@ لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه @QE@ وقال ~~@QB@ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك @QE@ PageV17P374 وقد أتي النبى ~~صلى الله عليه وسلم بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الغرز قال ( بسم الله ( ~~فلما إستوى على ظهرها قال ( الحمد لله ( وقال إبن عمر أهل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالحج لما إستوى على بعيره وهذا المعنى يتضمن شيئين علوه ~~على ما إستوى عليه وإعتداله أيضا فلا يسمون المائل على الشيء مستويا عليه ~~ومنه حديث الخليل بن أحمد لما قال إستووا وقوله % ثم استوى بشر على العراق ~~% من غير سيف ودم مهراق % هو من هذا الباب فإن المراد به بشر بن مروان ~~وإستواؤه عليها أي على كرسي ملكها ms5385 لم يرد بذلك مجرد الإستيلاء بل إستواء ~~منه عليها إذ لو كان كذلك لكان عبد الملك الذي هو الخليفة قد إستوى أيضا ~~على العراق وعلى سائر مملكة الإسلام ولكان عمر بن الخطاب قد إستوى على ~~العراق وخراسان والشام ومصر وسائر ما فتحه ولكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد إستوى على اليمن وغيرها مما فتحه ومعلوم أنه لم يوجد في كلامهم ~~إستعمال الإستواء في شيء من هذا وإنما قيل فيمن إستوى بنفسه على بلد فإنه ~~مستو على سرير ملكه كما يقال جلس فلان على السرير وقعد على التخت ومنه قوله ~~@QB@ ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا @QE@ وقوله ( أني وجدت إمرأة ~~تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم PageV17P375 # وقول الزمخشري وغيره ( إستوى على كذا بمعنى ملك ( دعوى مجردة فليس لها ~~شاهد في كلام العرب ولو قدر ذلك لكان هذا المعنى باطلا في إستواء الله على ~~العرش لأنه أخبر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم إستوى على العرش ~~وقد أخبر أن العرش كان موجودا قبل خلق السماوات والأرض كما دل على ذلك ~~الكتاب والسنة وحينئذ فهو من حين خلق العرش مالك له مستول عليه فكيف يكون ~~الإستواء عليه مؤخرا عن خلق السماوات والأرض # وأيضا فهو مالك لكل شيء مستول عليه فلا يخص العرش بالإستواء وليس هذا ~~كتخصيصه بالربوبية في قوله @QB@ رب العرش العظيم @QE@ فإنه قد يخص لعظمته ~~ولكن يجوز ذلك في سائر المخلوقات فيقال رب العرش ورب كل شيء وأما الإستواء ~~فمختص بالعرش فلا يقال إستوى على العرش وعلى كل شيء ولا إستعمل ذلك أحد من ~~المسلمين في كل شيء ولا يوجد في كتاب ولا سنة كما إستعمل لفظ الربوبية في ~~العرش خاصة وفى كل شيء عامة وكذلك لفظ الخلق ونحوه من الألفاظ التى تخص ~~وتعم كقوله تعالى @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق @QE@ ~~فالإستواء من الألفاظ المختصة بالعرش لا تضاف إلى غيره لا خصوصا ولا عموما ~~وهذا مبسوط في موضع آخر # وإنما الغرض ms5386 بيان صواب كلام السلف في قولهم الإستواء معلوم PageV17P376 ~~بخلاف من جعل هذا اللفظ له بضعة عشر معنى كما ذكر ذلك إبن عربى المعافري # يبين هذا أن سبب نزول هذه الآية كان قدوم نصارى نجران ومناظرتهم للنبى ~~صلى الله عليه وسلم في أمر المسيح كما ذكر ذلك أهل التفسير وأهل السيرة وهو ~~من المشهور بل من المتواتر أن نصارى نجران قدموا على النبى صلى الله عليه ~~وسلم ودعاهم إلى المباهلة المذكورة في سورة آل عمران فأقروا بالجزية ولم ~~يباهلوه وصدر آل عمران نزل بسبب ما جري ولهذا عامتها في أمر المسيح وذكروا ~~أنهم إحتجوا بما في القرآن من لفظ ( إنا ) و ( نحن ( ونحو ذلك على أن ~~الآلهة ثلاثة فإتبعوا المتشابه وتركوا المحكم الذي في القرآن من أن الإله ~~واحد @QB@ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله @QE@ فإنهم قصدوا بذلك الفتنة وهي ~~فتنة القلوب بالكفر وإبتغاء تأويل لفظ @QB@ إنا @QE@ و @QB@ نحن @QE@ @QB@ ~~وما يعلم تأويله @QE@ هذه الأسماء @QB@ إلا الله @QE@ لأن هذه الأسماء إنما ~~تقال للواحد الذي له أعوان إما أن يكونوا شركاء له وإما أن يكونوا مماليك ~~له # ولهذا صارت متشابهة فإن الذي معه شركاء يقول فعلنا نحن كذا وأنا نفعل نحن ~~كذا وهذا ممتنع في حق الله تعالى والذي له مماليك ومطيعون يطيعونه كالملك ~~يقول فعلنا كذا أي أنا PageV17P377 فعلت بأهل ملكى وملكى وكل ما سوى الله ~~مخلوق له مملوك له وهو سبحانه يدبر أمر العالم بنفسه وملائكته التى هي رسله ~~في خلقه وأمره وهو سبحانه أحق من قال إنا ونحن بهذا الإعتبار فإن ما سواه ~~ليس له ملك تام ولا أمر مطاع طاعة تامة فهو المستحق أن يقول @QB@ إنا @QE@ ~~و @QB@ نحن @QE@ والملوك لهم شبه بهذا فصار فيه أيضا من المتشابه معنى آخر ~~ولكن الذي ينسب لله من هذا الإختصاص لا يماثله فيه شيء وتأويل ذلك معرفة ~~ملائكته وصفاتهم وأقدارهم وكيف يدبر بهم أمر السماء والأرض وقد قال تعالى ( ~~وما يعلم جنود ربك إلا هو ( فهذا التأويل لهذا المتشابه لا يعلمه إلا هو ~~وإن علمنا ms5387 تفسيره ومعناه لكن لم نعلم تأويله الواقع في الخارج بخلاف قوله ~~@QB@ الله الذي خلق @QE@ فإنها آية محكمة ليس فيها تشابه فإن هذا الإسم ~~مختص بالله ليس مثل @QB@ إنا @QE@ و @QB@ نحن @QE@ التى تقال لمن له شركاء ~~ولمن له أعوان يحتاج إليهم والله تعالى منزه عن هذا وهذا كما قال @QB@ قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير @QE@ وقال @QB@ وقل الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ~~وكبره تكبيرا @QE@ فالمعنى الذي يراد به هذا في حق المخلوقين لا يجوز أن ~~يكون نظيره ثابتا لله فلهذا صار متشابها PageV17P378 # وكذلك قوله @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ فإنه قد قال @QB@ واستوت على ~~الجودي @QE@ وقال @QB@ فاستوى على سوقه @QE@ وقال @QB@ فإذا استويت أنت ومن ~~معك على الفلك @QE@ وقال @QB@ لتستووا على ظهوره @QE@ فهذا الإستواء كله ~~يتضمن حاجة المستوى إلى المستوى عليه وأنه لو عدم من تحته لخر والله تعالى ~~غني عن العرش وعن كل شيء بل هو سبحانه بقدرته يحمل العرش وحملة العرش وقد ~~روى أنهم إنما أطاقوا حمل العرش لما أمرهم أن يقولوا لا حول ولا قوة إلا ~~بالله # فصار لفظ الإستواء متشابها يلزمه في حق المخلوقين معاني ينزه الله عنها ~~فنحن نعلم معناه وأنه العلو والإعتدال لكن لا نعلم الكيفية التى إختص بها ~~الرب التى يكون بها مستويا من غير إفتقار منه إلى العرش بل مع حاجة العرش ~~وكل شيء محتاج إليه من كل وجه وأنا لم نعهد في الموجودات ما يستوى على غيره ~~مع غناه عنه وحاجة ذلك المستوى عليه إلى المستوى فصار متشابها من هذا الوجه ~~فإن بين اللفظين والمعنيين قدرا مشتركا وبينهما قدرا فارقا هو مراد في كل ~~منهما ونحن لا نعرف الفارق الذي إمتاز الرب به فصرنا نعرفه من وجه ونجهله ~~من وجه وذلك هو تأويله والأول هو تفسيره # وكذلك ما أخبر الله به ms5388 في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس كاللبن ~~والعسل والخمر والماء فإنا لا نعرف لبنا إلا مخلوقا من ماشية PageV17P379 ~~يخرج من بين فرث ودم وإذا بقى أياما يتغير طعمه ولا نعرف عسلا إلا من نحل ~~تصنعه في بيوت الشمع المسدسة فليس هو عسلا مصفى ولا نعرف حريرا إلا من دود ~~القز وهو يبلى وقد علمنا أن ما وعد الله به عباده ليس مماثلا لهذه لا في ~~المادة ولا في الصورة والحقيقة بل له حقيقة تخالف حقيقة هذه وذلك هو من ~~التأويل الذي لا نعلمه نحن قال إبن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة إلا ~~الأسماء # لكن يقال فالملائكة قد تعلم هذا فيقال هي لا تعلم ما لم يخلق بعد ولا ~~تعلم كل ما في الجنة وأيضا فمن النعم ما لا تعرفه الملائكة والتأويل يتناول ~~هذا كله وإذا قدرنا أنها تعرف ما لا نعرفه فذاك لا يكون من المتشابه عندها ~~ويكون من المتشابه عندنا فإن المتشابه قد يراد به ما هو صفة لازمة للآية ~~وقد يراد به ما هو من الأمور النسبية فقد يكون متشابها عند هذا ما لا يكون ~~متشابها عند هذا # وكلام الإمام أحمد وغيره من السلف يحتمل أن يراد به هذا فإن أحمد ذكر في ~~رده على الجهمية أنها إحتجت بثلاث آيات من المتشابه قوله تعالى @QB@ وهو ~~الله في السماوات وفي الأرض @QE@ وقوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وقوله @QB@ ~~لا تدركه الأبصار @QE@ ( وقد فسر أحمد قوله PageV17P380 @QB@ وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض @QE@ فإذا كانت هذه الآيات مما علمنا معناها لم تكن ~~متشابهة عندنا وهي متشابهة عند من إحتج بها وكان عليه أن يردها هو إلى ما ~~يعرفه من المحكم وكذلك قال أحمد في ترجمة كتابه الذي صنفه في الحبس وهو ( ~~الرد على الزنادقة والجهمية ( فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على ~~غير تأويله ثم فسر أحمد تلك الآيات آية آية فبين أنها ليست متشابهة عنده بل ~~قد عرف معناها وعلى هذا فالراسخون في العلم يعلمون تأويل هذا المتشابه الذي ms5389 ~~هو تفسيره وأما التأويل الذي هو الحقيقة الموجودة في الخارج فتلك لا يعلمها ~~إلا الله ولكن قد يقال هذا المتشابه الإضافى ليس هو المتشابه المذكور في ~~القرآن فإن ذلك قد أخبر الله أنه لا يعلم تأويله إلا الله وإنما هذا كما ~~يشكل على كثير من الناس آيات لا يفهمون معناها وغيرهم من الناس يعرف معناها ~~وعلى هذا فقد يجاب بجوابين # ( أحدهما ( أن يكون في الآية قراءتان قراءة من يقف على قوله @QB@ إلا ~~الله @QE@ وقراءة من يقف عند قوله @QB@ والراسخون في العلم @QE@ وكلتا ~~القراءتين حق ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي إستأثر الله بعلم تأويله ~~ويراد بالثانية المتشابه الإضافى الذي يعرف الراسخون تفسيره وهو تأويله ~~ومثل هذا يقع في القرآن # كقوله @QB@ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال @QE@ PageV17P381 و @QB@ ~~لتزول @QE@ فيه قراءتان مشهورتان بالنفى والإثبات وكل قراءة لها معنى صحيح # وكذلك القراءة المشهورة @QB@ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ~~@QE@ وقرأ طائفة من السلف / < لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة > / وكلا ~~القراءتين حق فإن الذي يتعدى حدود الله هو الظالم وتارك الإنكار عليه قد ~~يجعل غير ظالم لكونه لم يشاركه وقد يجعل ظالما بإعتبار ما ترك من الإنكار ~~الواجب وعلى هذا قوله @QB@ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون @QE@ فأنجى الله ~~الناهين وأما أولئك الكارهون للذنب الذين قالوا ( لم تعظون قوما ( ~~فالأكثرون على أنهم نجوا لأنهم كانوا كارهين فأنكروا بحسب قدرتهم # وأما من ترك الإنكار مطلقا فهو ظالم يعذب كما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ~~( وهذا الحديث موافق للآية # والمقصود هنا أنه يصح النفي والإثبات بإعتبارين كما أن قوله ( لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة ( أي لا تختص بالمعتدين بل يتناول من رأى المنكر فلم ~~يغيره ومن قرأ ( لتصيبن الذين ظلموا منكم PageV17P382 خاصة ( أدخل في ذلك ~~من ترك الإنكار مع قدرته عليه وقد يراد بذلك أنهم يعذبون ms5390 في الدنيا ويبعثون ~~على نياتهم كالجيش الذين يغزون البيت فيخسف بهم كلهم ويحشر المكره على نيته # والجواب الثاني القطع بأن المتشابه المذكور في القرآن هو تشابهها في ~~نفسها اللازم لها وذاك الذي لا يعلم تأويله إلا الله وأما الإضافي الموجود ~~في كلام من أراد به التشابه الإضافي فمرادهم أنهم تكلموا فيما إشتبه معناه ~~وأشكل معناه على بعض الناس وأن الجهمية إستدلوا بما إشتبه عليهم وأشكل وإن ~~لم يكن هو من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله وكثيرا ما يشتبه على ~~الرجل ما لا يشتبه على غيره # ويحتمل كلام الإمام أحمد أنه لم يرد إلا المتشابه في نفسه الذي يلزمه ~~التشابه لم يرد بشيء منه التشابه الإضافي وقال تأولته على غير تاويله أي ~~غير تأويله الذي هو تأويله في نفس الأمر وإن كان ذلك التأويل لا يعلمه إلا ~~الله وأهل العلم يعلمون أن المراد به ذلك التأويل فلا يبقى مشكلا عندهم ~~محتملا لغيره ولهذا كان المتشابه في الخبريات إما عن الله وإما عن الآخرة ~~وتأويل هذا كله لا يعلمه إلا الله بل المحكم من القرآن قد يقال له تأويل ~~كما للمتشابه تأويل كما قال @QB@ هل ينظرون إلا تأويله @QE@ ومع هذا فذلك ~~التأويل لا يعلم وقته وكيفيته إلا الله وقد يقال بل التأويل للمتشابه لأنه ~~في الوعد PageV17P383 و الوعيد وكله متشابه وأيضا فلا يلزم في كل آية ظنها ~~بعض الناس متشابها أن تكون من المتشابه # فقول أحمد إحتجوا بثلاث آيات من المتشابه وقوله ما شكت فيه من متشابه ~~القرآن قد يقال أن هؤلاء أو أن أحمد جعل بعض ذلك من المتشابه وليس منه فإن ~~قول الله تعالى @QB@ منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ لم ~~يرد به هنا الأحكام العام والتشابه العام الذي يشترك فيه جميع آيات القرآن ~~وهو المذكور في قوله @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ وفي قوله @QB@ ~~الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ~~@QE@ فوصفه هنا كله بأنه متشابه أي متفق غير ms5391 مختلف يصدق بعضه بعضا وهو عكس ~~المتضاد المختلف المذكور في قوله @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ وقوله @QB@ إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك @QE@ ~~فإن هذا التشابه يعم القرآن كما أن إحكام آياته تعمه كله وهنا قد قال @QB@ ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ فجعل بعضه محكما وبعضه ~~متشابها فصارالتشابه له معنيان وله معنى ثالث وهو الإضافى يقال قد إشتبه ~~علينا هذا كقول بنى إسرائيل @QB@ إن البقر تشابه علينا @QE@ وإن كان في ~~نفسه متميزا منفصلا بعضه عن بعض وهذا من باب إشتباه الحق PageV17P384 ~~بالباطل كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ( الحلال بين والحرام بين وبين ~~ذلك أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس ( فدل ذلك على أن من الناس من ~~يعرفها فليست مشتبهة على جميع الناس بل على بعضهم بخلاف ما لا يعلم تأويله ~~إلا الله فإن الناس كلهم مشتركون في عدم العلم بتأويله ومن هذا ما يروى عن ~~المسيح عليه السلام أنه قال الأمور ثلاثة أمر تبين رشده فإتبعوه وأمر تبين ~~غيه فاجتنبوه وأمر إشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه # فهذا المشتبه على بعض الناس يمكن الآخرين أن يعرفوا الحق فيه ويبينوا ~~الفرق بين المشتبهين وهذا هو الذي أراده من جعل الراسخين يعلمون التأويل ~~فإنه جعل المشتبهات في القرآن من هذا الباب الذي يشتبه على بعض الناس دون ~~بعض ويكون بينهما من الفروق المانعة للتشابه ما يعرفه بعض الناس وهذا ~~المعنى صحيح في نفسه لا ينكر ولا ريب أن الراسخين في العلم يعلمون ما إشتبه ~~على غيرهم وقد يكون هذا قراءة في الآية كما تقدم من أنه يكون فيها قراءتان ~~لكن لفظ التأويل على هذا يراد به التفسير ووجه ذلك أنهم يعلمون تأويله من ~~حيث الجملة كما يعلمون تأويل المحكم فيعرفون الحساب والميزان والصراط ~~والثواب والعقاب وغير ذلك مما أخبر الله به ورسوله معرفة مجملة فيكونون ~~عالمين بالتأويل وهو ما يقع في الخارج على هذا الوجه PageV17P385 و لا ~~يعلمونه مفصلا إذ ms5392 هم لا يعرفون كيفيته وحقيقته إذ ذلك ليس مثل الذي علموه ~~في الدنيا وشاهدوه وعلى هذا يصح أن يقال علموا تأويله وهو معرفة تفسيره ~~ويصح أن يقال لم يعلموا تأويله وكلا القراءتين حق # وعلى قراءة النفي هل يقال أيضا إن المحكم له تأويل لا يعلمون تفصيله فإن ~~قوله وما يعلم تأويل ما تشابه منه @QB@ إلا الله @QE@ لا يدل على أن غيره ~~يعلم تأويل المحكم بل قد يقال أن من المحكم أيضا ما لا يعلم تأويله إلا ~~الله وإنما خص المتشابه بالذكر لأن أولئك طلبوا علم تاويله أو يقال بل ~~المحكم يعلمون تأويله لكن لا يعلمون وقت تأويله ومكانه وصفته # وقد قال كثير من السلف إن المحكم ما يعمل به والمتشابه ما يؤمن به ولا ~~يعمل به كما يجيء في كثير من الآثار ونعمل بحكمه ونؤمن بمتشابهه وكما جاء ~~عن إبن مسعود وغيره في قوله تعالى @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته @QE@ قال يحللون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بمحكمه ويؤمنون ~~بمتشابهه وكلام السلف في ذلك يدل على أن التشابه أمر إضافى فقد يشتبه على ~~هذا ما لا يشتبه على هذا فعلى كل أحد أن يعمل بما إستبان له ويكل ما إشتبه ~~عليه إلى الله كقول أبي بن كعب رضي الله عنه في الحديث الذي رواه ~~PageV17P386 الثوري عن مغيرة وليس بشيء عن أبى العالية قال قيل لأبي بن كعب ~~أوصني فقال إتخذ كتاب الله إماما إرض به قاضيا وحاكما هو الذي إستخلف فيكم ~~رسوله شفيع مطاع وشاهد لا يتهم فيه خبر ما قبلكم وخبر ما بينكم وذكر ما ~~قبلكم وذكر ما فيكم وقال سفيان عن رجل سماه عن إبن أبزي عن أبي قال فما ~~إستبان لك فاعمل به وما شبه عليك فآمن به وكله إلى عالمه # فمنهم من قال المتشابه هو المنسوخ ومنهم من جعله الخبريات مطلقا فعن ~~قتادة والربيع والضحاك والسدي المحكم الناسخ الذي يعمل به والمتشابه ~~المنسوخ يؤمن به ولا يعمل به وكذلك في تفسير العوفى عن إبن عباس وأما ms5393 تفسير ~~الوالبى عن إبن عباس فقال محكمات القرآن ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده ~~وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله ~~وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به # اما القول الاول فهو والله اعلم ماخوذ من قوله @QB@ فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته @QE@ فقابل بين المنسوخ وبين المحكم وهو سبحانه ~~انما أراد نسخ ما ألقاه الشيطان لم يرد نسخ ما أنزله لكن هم جعلوا جنس ~~المنسوخ متشابها لانه يشبه غيره في التلاوة والنظم PageV17P387 وانه كلام ~~الله وقرآن ومعجز وغير ذلك من المعانى مع أن معناه قد نسخ # ومن جعل المتشابه كل ما لا يعمل به من المنسوخ والأقسام والأمثال فلأن ~~ذلك متشابه ولم يؤمر الناس بتفصيله بل يكفيهم الإيمان المجمل به بخلاف ~~المعمول به فإنه لابد فيه من العلم المفصل وهذا بيان لما يلزم كل الأمة ~~فإنهم يلزمهم معرفة ما يعمل به تفصيلا ليعملوا به وما أخبروا به فليس عليهم ~~معرفته بل عليهم الإيمان به وإن كان العلم به حسنا أو فرضا على الكفاية ~~فليس فرضا على الأعيان بخلاف ما يعمل به ففرض على كل انسان معرفة ما يلزمه ~~من العمل مفصلا وليس عليه معرفة العلميات مفصلا # وقد روى عن مجاهد وعكرمة المحكم ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك ~~متشابه يصدق بعضه بعضا فعلى هذا القول يكون المتشابه هو المذكور في قوله ~~@QB@ كتابا متشابها مثاني @QE@ والحلال مخالف للحرام وهذا على قول مجاهد إن ~~العلماء يعلمون تأويله لكن تفسير المتشابه بهذا مع أن كل القرآن متشابه ~~وهنا خص البعض به فيستدل به على ضعف هذا القول # وكذلك قوله @QB@ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة @QE@ لو أريد ~~بالمتشابه PageV17P388 تصديق بعضه بعضا لكان اتباع ذلك غير محذور وليس في ~~كونه يصدق بعضه بعضا ما يمنع ابتغاء تأويله وقد يحتج لهذا القول بقوله ~~متشابهات فجعلها أنفسها متشابهات وهذا يقتضي أن بعضها يشبه بعضا ليست ~~مشابهة لغيرها # ويجاب عن هذا بأن اللفظ إذا ذكر في موضعين بمعنيين صار ms5394 من المتشابه كقوله ~~@QB@ إنا @QE@ و @QB@ نحن @QE@ المذكور في سبب نزول الآية وقد ذكر محمد بن ~~إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير لما ذكر قصة أهل نجران ونزول الآية قال ~~المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما إحتمل في ~~التأويل أوجها ومعنى هذا أن ذلك اللفظ المحكم لا يكون تأويله في الخارج الا ~~شيئا واحدا وأما المتشابه فيكون له تأويلات متعددة لكن لم يرد الله إلا ~~واحدا منها وسياق الآية يدل على المراد وحينئذ فالراسخون في العلم يعلمون ~~المراد من هذا كما يعلمون المراد من المحكم لكن نفس التأويل الذي هو ~~الحقيقة ووقت الحوادث ونحو ذلك لا يعلمونه لا من هذا ولا من هذا # وقد قيل إن نصارى نجران إحتجوا بقوله كلمة الله @QB@ وروح منه @QE@ ولفظ ~~كلمة الله يراد به الكلام ويراد به المخلوق بالكلام وروح منه يراد به ~~إبتداء الغاية ويراد به التبعيض فعلى هذا إذا قيل تأويله لا يعلمه إلا الله ~~المراد به الحقيقة أي لا يعلمون كيف خلق PageV17P389 عيسى بالكلمة ولا كيف ~~أرسل إليها روحه فتمثل لها بشرا سويا ونفخ فيها من روحه وفى صحيح البخاري ~~عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ? < إذا رأيتم الذين يتبعون ما ~~تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم > ? # والمقصود هنا أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلاما لا معنى له ولا يجوز ~~أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم وجميع الأمة لا يعلمون معناه كما يقول ~~ذلك من يقوله من المتأخرين وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ سواء كان مع هذا ~~تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون أو كان للتأويل معنيان يعلمون أحدهما ولا ~~يعلمون الآخر وإذا دار الأمر بين القول بأن الرسول كان لا يعلم معنى ~~المتشابه من القرآن وبين أن يقال الراسخون في العلم يعلمون كان هذا الإثبات ~~خيرا من من ذلك النفي فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال ~~السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره وهذا ms5395 مما يجب القطع ~~به وليس معناه قاطع على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تفسير المتشابه فإن ~~السلف قد قال كثير منهم أنهم يعلمون تأويله منهم مجاهد مع جلالة قدره ~~والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر بن الزبير ونقلوا ذلك عن إبن عباس وأنه قال ~~أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله PageV17P390 # وقول أحمد فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من ~~متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله وقوله عن الجهمية أنها تأولت ثلاث ~~آيات من المتشابه ثم تكلم على معناها دليل على أن المتشابه عنده تعرف ~~العلماء معناه وأن المذموم تأويله على غير تأويله فأما تفسيره المطابق ~~لمعناه فهذا محمود ليس بمذموم وهذا يقتضي أن الراسخين في العلم يعلمون ~~التأويل الصحيح للمتشابه عنده وهو التفسير في لغة السلف ولهذا لم يقل أحمد ~~ولا غيره من السلف إن في القرآن آيات لا يعرف الرسول ولا غيره معناها بل ~~يتلون لفظا لا يعرفون معناه وهذا القول إختيار كثير من أهل السنة منهم إبن ~~قتيبة وأبو سليمان الدمشقي وغيرهما # وإبن قتيبة هو من المنتسبين إلى أحمد وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة ~~المشهورة وله في ذلك مصنفات متعددة قال فيه صاحب ( كتاب التحديث بمناقب أهل ~~الحديث ( وهو أحد أعلام الأئمة والعلماء والفضلاء أجودهم تصنيفا وأحسنهم ~~ترصيفا له زهاء ثلاثمائة مصنف وكان يميل إلى مذهب أحمد وإسحاق وكان معاصرا ~~لإبراهيم الحربي ومحمد بن نصر المروزي وكان أهل المغرب يعظمونه ويقولون من ~~إستجاز الوقيعة في إبن قتيبة يتهم بالزندقة ويقولون كل بيت ليس فيه شيء من ~~تصنيفه فلا خير فيه قلت PageV17P391 و يقال هو لأهل السنة مثل الجاحظ ~~للمعتزلة فإنه خطيب السنة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة # وقد نقل عن إبن عباس أيضا القول الآخر ونقل ذلك عن غيره من الصحابة ~~وطائفة من التابعين ولم يذكر هؤلاء على قولهم نصا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فصارت مسألة نزاع فترد إلى الله وإلى الرسول وأولئك إحتجوا بأنه ~~قرن إبتغاء الفتنة بإبتغاء تأويله وبأن ms5396 النبى صلى الله عليه وسلم ذم مبتغي ~~المتشابه وقال ? < إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم > ? ولهذا ~~ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغ بن عسل لما سأله عن المتشابه ولأنه ~~قال ( والراسخون في العلم يقولون ( ولو كانت الواو واو عطف مفرد على مفرد ~~لا واو الإستئناف التى تعطف جملة على جملة لقال ويقولون # فأجاب الآخرون عن هذا بأن الله قال @QB@ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ~~من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا @QE@ ثم قال @QB@ والذين ~~تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون @QE@ الآية ~~ثم قال @QB@ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان @QE@ قالوا فهذا عطف مفرد على مفرد والفعل حال من المعطوف ~~فقط وهو نظير # قوله @QB@ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا @QE@ ~~PageV17P392 ) قالوا ولانه لو كان المراد مجرد الوصف بالايمان لم يخص ~~الراسخين بل قال والمؤمنون يقولون امنا به فان كل مؤمن يجب عليه ان يؤمن به ~~فلما خص الراسخين في العلم بالذكر علم انهم امتازوا بعلم تاويله فعلموه ~~لانهم عالمون وامنوا به لانهم يؤمنون وكان ايمانهم به مع العلم اكمل في ~~الوصف وقد قال عقيب ذلك @QB@ وما يذكر إلا أولوا الألباب @QE@ وهذا يدل على ~~ان هنا تذكرا يختص به اولوا الالباب فان كان ما ثم الا الايمان بالفاظ فلا ~~يذكر لما بدلهم على ما اريد بالمتشابه # ونظير هذا قوله في الاية الاخرى ( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ~~يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك ) فلما وصفهم بالرسوخ في العلم ~~وانهم يؤمنون قرن بهم المؤمنين فلو اريد هنا مجرد الايمان لقال والراسخون ~~في العلم والمؤمنون يقولون امنا به كما قال في تلك الاية لما كان مراده ~~مجرد الاخبار بالايمان جمع بين الطائفتين قالوا # وأما الذم فإنما وقع على من يتبع المتشابه لإبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله ~~وهو حال أهل القصد الفاسد الذين يريدون القدح في القرآن فلا يطلبون إلا ~~المتشابه لإفساد القلوب وهي ms5397 فتنتها به ويطلبون تأويله وليس طلبهم لتأويله ~~لأجل العلم والإهتداء بل هذا PageV17P393 لأجل الفتنة وكذلك صبيغ بن عسل ~~ضربه عمر لأن قصده بالسؤال عن المتشابه كان لإبتغاء الفتنة وهذا كمن يورد ~~أسئلة وإشكالات على كلام الغير ويقول ماذا أريد بكذا وغرضه التشكيك والطعن ~~فيه ليس غرضه معرفة الحق وهؤلاء هم الذين عناهم النبى صلى الله عليه وسلم ~~بقوله ( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ( # ولهذا ( يتبعون ( أي يطلبون المتشابه ويقصدونه دون المحكم مثل المتبع ~~للشيء الذي يتحراه ويقصده وهذا فعل من قصده الفتنة وأما من سأل عن معنى ~~المتشابه ليعرفه ويزيل ما عرض له من الشبه وهو عالم بالمحكم متبع له مؤمن ~~بالمتشابه لا يقصد فتنة فهذا لم يذمه الله وهكذا كان الصحابة يقولون رضى ~~الله عنهم مثل الأثر المعروف الذي رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وقد ~~ذكره الطلمنكي حدثنا يزيد بن عبدربه ثنا بقية ثنا عتبة بن أبى حكيم ثني ~~عمارة بن راشد الكناني عن زياد عن معاذ بن جبل قال يقرأ القرآن رجلان فرجل ~~له فيه هوى ونية يفليه فلي الرأس يلتمس أن يجد فيه أمرا يخرج به على الناس ~~أولئك شرارأمتهم أولئك يعمى الله عليهم سبل الهدى ورجل يقرؤه ليس فيه هوي ~~ولا نية يفليه فلي الرأس فما تبين له منه عمل به وما إشتبه عليه وكله إلى ~~الله ليتفقهن فيه فقها ما فقهه قوم قط حتى لو أن أحدهم مكث عشرين سنة ~~فليبعثن الله له من يبين له الآية التى أشكلت عليه أو يفهمه إياها من قبل ~~نفسه PageV17P394 # قال بقية أشهدنى إبن عيينة حديث عتبة هذا # فهذا معاذ يذم من إتبع المتشابه لقصد الفتنة وأما من قصده الفقه فقد أخبر ~~أن الله لابد أن يفقهه بفهمه المتشابه فقها ما فقهه قوم قط قالوا والدليل ~~على ذلك أن الصحابة كانوا إذا عرض لأحدهم شبهة في آية أو حديث سأل عن ذلك ~~كما سأله عمر فقال ألم تكن تحدثنا أنا نأتى البيت ونطوف به وسأله أيضا عمر ms5398 ~~ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا ولما نزل قوله @QB@ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~@QE@ شق عليهم وقالوا أينا لم يظلم نفسه حتى بين لهم ولما نزل قوله @QB@ ~~وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ شق عليهم حتى بين ~~لهم الحكمة في ذلك ولما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من نوقش الحساب عذب ~~( قالت عائشة ( ألم يقل الله @QB@ فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ قال إنما ~~ذلك العرض ( # قالوا والدليل على ما قلناه إجماع السلف فإنهم فسروا جميع القرآن وقال ~~مجاهد عرضت المصحف على إبن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية ~~وأسأله عنها وتلقوا ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم كما قال أبو عبد ~~الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله ~~بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر ~~آيات لم يجاوزوها حتى PageV17P395 يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا ~~فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا وكلام أهل التفسير من الصحابة ~~والتابعين شامل لجميع القرآن إلا ما قد يشكل على بعضهم فيقف فيه لا لأن ~~أحدا من الناس لا يعلمه لكن لأنه هو لم يعلمه # وأيضا فإن الله قد أمر بتدبر القرآن مطلقا ولم يستثن منه شيئا لا يتدبر ~~ولا قال لا تدبروا المتشابه والتدبر بدون الفهم ممتنع ولو كان من القرآن ما ~~لا يتدبر لم يعرف فإن الله لم يميز المتشابه بحد ظاهر حتى يجتنب تدبره # وهذا أيضا مما يحتجون به ويقولون المتشابه أمر نسبى إضافى فقد يشتبه على ~~هذا ما لا يشتبه على غيره قالوا ولأن الله أخبر أن القرآن بيان وهدى وشفاء ~~ونور ولم يستثن منه شيئا عن هذا الوصف وهذا ممتنع بدون فهم المعنى قالوا ~~ولأن من العظيم أن يقال أن الله أنزل على نبيه كلاما لم يكن يفهم معناه لا ~~هو ولا جبريل بل وعلى قول هؤلاء كان النبى صلى الله عليه وسلم يحدث بأحاديث ~~الصفات والقدر والمعاد ونحو ذلك مما ms5399 هو نظير متشابه القرآن عندهم ولم يكن ~~يعرف معنى ما يقوله وهذا لا يظن بأقل الناس PageV17P396 # وأيضا فالكلام إنما المقصود به الإفهام فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثا ~~وباطلا والله تعالى قد نزه نفسه عن فعل الباطل والعبث فكيف يقول الباطل ~~والعبث ويتكلم بكلام ينزله على خلقه لا يريد به إفهامهم وهذا من أقوى حجج ~~الملحدين # وأيضا فما في القرآن آية إلا وقد تكلم الصحابة الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان في معناها وبينوا ذلك وإذا قيل فقد يختلفون في بعض ذلك قيل كما قد ~~يختلفون في آيات الأمر والنهي وآيات الأمر والنهي مما إتفق المسلمون على أن ~~الراسخين في العلم يعلمون معناها وهذا أيضا مما يدل على أن الراسخين في ~~العلم يعلمون تفسير المتشابه فإن المتشابه قد يكون في آيات الأمر والنهي ~~كما يكون في آيات الخبر وتلك مما إتفق العلماء على معرفة الراسخين لمعناها ~~فكذلك الأخرى فإنه على قول النفاة لم يعلم معنى المتشابه إلا الله لا ملك ~~ولا رسول ولا عالم وهذا خلاف إجماع المسلمين في متشابه الأمر والنهي # وأيضا فلفظ التأويل يكون للمحكم كما يكون للمتشابه كما دل القرآن والسنة ~~وأقوال الصحابة على ذلك وهم يعلمون معنى المحكم فكذلك معنى المتشابه وأي ~~فضيلة في المتشابه حتى ينفرد الله بعلم معناه والمحكم أفضل منه وقد بين ~~معناه لعباده فأي فضيلة في المتشابه حتى يستأثر الله بعلم معناه وما إستأثر ~~الله بعلمه كوقت الساعة لم ينزل به PageV17P397 خطابا ولم يذكر في القرآن ~~آية تدل على وقت الساعة ونحن نعلم أن الله إستأثر بأشياء لم يطلع عباده ~~عليها وإنما النزاع في كلام أنزله وأخبر أنه هدي وبيان وشفاء وأمر بتدبره ~~ثم يقال أن منه ما لا يعرف معناه إلا الله ولم يبين الله ولا رسوله ذلك ~~القدر الذي لا يعرف أحد معناه ولهذا صار كل من أعرض عن آيات لا يؤمن ~~بمعناها يجعلها من المتشابه بمجرد دعواه ثم سبب نزول الآية قصة أهل نجران ~~وقد إحتجوا بقوله @QB@ إنا @QE@ و @QB@ نحن ms5400 @QE@ وبقوله @QB@ بكلمة منه ~~@QE@ وروح منه وهذا قد إتفق المسلمون على معرفة معناه فكيف يقال أن ~~المتشابه لا يعرف معناه لا الملائكة ولا الأنبياء ولا أحد من السلف وهو من ~~كلام الله الذي أنزله إلينا وأمرنا أن نتدبره ونعقله وأخبر أنه بيان وهدى ~~وشفاء ونور وليس المراد من الكلام إلا معانيه ولولا المعنى لم يجز التكلم ~~بلفظ لا معنى له # وقد قال الحسن ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما ذا أنزلت وماذا ~~عنى بها # ومن قال أن سبب نزول الآية سؤال اليهود عن حروف المعجم في @QB@ الم @QE@ ~~بحساب الجمل فهذا نقل باطل # أما أولا فلأنه من رواية الكلبى PageV17P398 و أما ثانيا فهذا قد قيل ~~أنهم قالوه في أول مقدم النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وسورة آل ~~عمران إنما نزل صدرها متأخرا لما قدم وفد نجران بالنقل المستفيض المتواتر ~~وفيها فرض الحج وإنما فرض سنة تسع أو عشر لم يفرض في أول الهجرة بإتفاق ~~المسلمين # وأما ثالثا فلأن حروف المعجم ودلالة الحرف على بقاء هذه الأمة ليس هو من ~~تأويل القرآن الذي إستأثر الله بعلمه بل إما أن يقال أنه ليس مما أراده ~~الله بكلامه فلا يقال أنه إنفرد بعلمه بل دعوي دلالة الحروف على ذلك باطل ~~وإما أن يقال بل يدل عليه فقد علم بعض الناس ما يدل عليه وحينئذ فقد علم ~~الناس ذلك 2 أما دعوي دلالة القرآن على ذلك وأن أحدا لا يعلمه فهذا هو ~~الباطل # وأيضا فإذا كانت الأمور العلمية التى أخبر الله بها في القرآن لا يعرفها ~~الرسول كان هذا من أعظم قدح الملاحدة فيه وكان حجة لما يقولونه من أنه كان ~~لا يعرف الأمور العلمية أو أنه كان يعرفها ولم يبينها بل هذا القول يقتضي ~~أنه لم يكن يعلمها فإن ما لا يعلمه إلا الله لا يعلمه النبى ولا غيره # وبالجملة فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان قول من يقول إن في القرآن ~~آيات لا يعلم معناها 2 الرسول ولا غيره ms5401 PageV17P399 # نعم قد يكون في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء فضلا عن ~~غيرهم وليس ذلك في آية معينة بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا وذلك تارة ~~يكون لغرابة اللفظ وتارة لإشتباه المعنى بغيره وتارة لشبهة في نفس الإنسان ~~تمنعه من معرفة الحق وتارة لعدم التدبر التام وتارة لغير ذلك من الأسباب ~~فيجب القطع بأن قوله ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به ( أن الصواب قول من يجعله معطوفا ويجعل الواو لعطف مفرد على مفرد ~~أو يكون كلا القولين حقا وهي قراءتان والتأويل المنفي غير التأويل المثبت ~~وإن كان الصواب هو قول من يجعلها واو إستئناف فيكون التأويل المنفي علمه عن ~~غير الله هو الكيفيات التى لا يعلمها غيره وهذا فيه نظر وإبن عباس جاء عنه ~~أنه قال إنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله وجاء عنه أن الراسخين ~~لايعلمون تأويله # وجاء عنه أنه قال التفسير على أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلامها ~~وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله ~~من إدعى علمه فهو كاذب وهذا القول يجمع القولين ويبين أن العلماء يعلمون من ~~تفسيره ما لا يعلمه غيرهم وأن فيه ما لا يعلمه إلا الله فأما من جعل الصواب ~~قول من جعل الوقف عند قوله @QB@ إلا الله @QE@ وجعل التأويل بمعنى التفسير ~~فهذا خطأ قطعا PageV17P400 # وأما التأويل بالمعنى الثالث وهو صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى ~~الإحتمال المرجوح فهذا الإصطلاح لم يكن بعد عرف في عهد الصحابة بل ولا ~~التابعين بل ولا الأئمة الأربعة ولا كان التكلم بهذا الإصطلاح معروفا في ~~القرون الثلاثة بل ولا علمت أحدا منهم خص لفظ التأويل بهذا ولكن لما صار ~~تخصيص لفظ التأويل بهذا شائعا في عرف كثير من المتأخرين فظنوا أن التأويل ~~في الآية هذا معناه صاروا يعتقدون أن لمتشابه القرآن معاني تخالف ما يفهم ~~منه وفرقوا دينهم بعد ذلك وصاروا شيعا والمتشابه المذكور الذي كان سبب نزول ~~الآية لا يدل ms5402 ظاهره على معنى فاسد وإنما الخطأ في فهم السامع نعم قد يقال ~~أن مجرد هذا الخطاب لا يبين كمال المطلوب ولكن فرق بين عدم دلالته على ~~المطلوب وبين دلالته على نقيض المطلوب فهذا الثاني هو المنفي بل وليس في ~~القرآن ما يدل على الباطل ألبتة كما قد بسط في موضعه # ولكن كثير من الناس يزعم أن لظاهر الآية معنى إما معنى يعتقده وإما معنى ~~باطلا فيحتاج إلى تأويله ويكون ما قاله باطلا لا تدل الآية على معتقده ولا ~~على المعنى الباطل وهذا كثير جدا وهؤلاء هم الذين يجعلون القرآن كثيرا ما ~~يحتاج إلى التأويل المحدث وهو صرف اللفظ عن مدلوله إلى خلاف مدلوله ~~PageV17P401 # ومما يحتج به من قال الراسخون في العلم يعلمون التأويل ما ثبت في صحيح ~~البخارى وغيره عن بن عباس ان النبى دعا له وقال ( اللهم فقهه في الدين ~~وعلمه التاويل ) فقد دعا له بعلم التاويل مطلقا وبن عباس فسر القرآن كله ~~قال مجاهد عرضت المصحف على بن عباس من اوله إلى اخره اقفه عند كل آية ~~واساله عنها وكان يقول انا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تاويله # وايضا فالنقول متواترة عن بن عباس رضى الله عنهما انه تكلم في جميع معانى ~~القرآن من الامر والخبر فله من الكلام في الاسماء والصفات والوعد والوعيد ~~والقصص ومن الكلام في الامر والنهى والاحكام ما يبين انه كان يتكلم في جميع ~~معانى القرآن # وايضا قد قال بن مسعود ما من آية في كتاب الله الا وانا اعلم فيما ذا ~~انزلت # وأيضا فانهم متفقون على ان آيات الاحكام يعلم تاويلها وهى نحو خمسمائة ~~آية وسائر القرآن خبر عن الله واسمائه وصفاته أو عن اليوم الاخر والجنة ~~والنار أو عن القصص وعاقبة اهل الايمان وعاقبة اهل الكفر فان كان هذا هو ~~المتشابه الذى لا يعلم معناه الا الله PageV17P402 # فجمهور القرآن لا يعرف أحد معناه لا الرسول ولا أحد من الامة ومعلوم ان ~~هذا مكابرة ظاهرة # وايضا فمعلوم ان العلم بتاويل الرؤيا اصعب ms5403 من العلم بتاويل الكلام الذى ~~يخبر به فان دلالة الرؤيا على تاويلها دلالة خفية غامضة لا يهتدى لها جمهور ~~الناس بخلاف دلالة لفظ الكلام على معناه فاذا كان الله قد علم عباده تاويل ~~الاحاديث التى يرونها في المنام فلان يعلمهم تاويل الكلام العربى المبين ~~الذى ينزله على انبيائه بطريق الاولى والاحرى قال يعقوب ليوسف ( وكذلك ~~يجتبيك ربك ويعلمك من تاويل الاحاديث ) وقال يوسف ( رب قد اتيتنى من الملك ~~وعلمتنى من تاويل الاحاديث ) وقال ( لا ياتيكما طعام ترزقانه الا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما ) # وايضا فقد ذم الله الكفار بقوله ( أم يقولون افتراه قل فاتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله ) وقال ( ويوم نحشر من كل امة فوجا ممن يكذب ~~باياتنا فهم يوزعون حتى اذا جاؤوا قال اكذبتم باياتى ولم تحيطوا بها علما ~~اما ذا كنتم تعملون ) وهذا ذم لمن كذب بما لم يحط بعلمه PageV17P403 # فما قاله الناس من الاقوال المختلفة في تفسير القران وتاويله ليس لاحد ان ~~يصدق بقول دون قول بلا علم ولا يكذب بشيء منها الا ان يحيط بعلمه وهذا لا ~~يمكن الا اذا عرف الحق الذى اريد بالاية فيعلم ان ماسواه باطل فيكذب ~~بالباطل الذى احاط بعلمه واما اذا لم يعرف معناها ولم يحط بشيء منها علما ~~فلا يجوز له التكذيب بشيء منها مع ان الاقوال المتناقضة بعضها باطل قطعا ~~ويكون حينئذ المكذب بالقران كالمكذب بالاقوال المتناقضة والمكذب بالحق ~~كالمكذب بالباطل وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم # وأيضا فانه ان بنى على ما يعتقده من انه لا يعلم معانى الايات الخبرية ~~الا الله لزمه ان يكذب كل من احتج باية من القرآن خبرية على شيء من امور ~~الايمان بالله واليوم الاخر ومن تكلم في تفسير ذلك وكذلك يلزم مثل ذلك في ~~احاديث الرسول وان قال المتشابه هو بعض الخبريات لزمه ان يبين فصلا يتبين ~~به ما يجوز ان يعلم معناه من آيات القرآن ms5404 وما لا يجوز ان يعلم معناه بحيث ~~لا يجوز ان يعلم معناه لا ملك مقرب ولا نبى مرسل ولا أحد من الصحابة ولا ~~غيرهم ومعلوم انه لا يمكن احدا ذكر حد فاصل بين ما يجوز ان يعلم معناه بعض ~~الناس وبين ما لا يجوز ان يعلم معناه أحد ولو ذكر ما ذكر انتقض عليه فعلم ~~ان المتشابه ليس هو PageV17P404 # الذى لا يمكن احدا معرفة معناه وهذا دليل مستقل في المسالة # وأيضا فقوله @QB@ لم يحيطوا بعلمه @QE@ @QB@ أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا ~~بها علما @QE@ ذم لهم على عدم الإحاطة مع التكذيب ولو كان الناس كلهم ~~مشتركين في عدم الإحاطة بعلم المتشابه لم يكن في ذمهم بهذا الوصف فائدة ~~ولكان الذم على مجرد التكذيب فإن هذا بمنزلة أن يقال أكذبتم بما لم تحيطوا ~~به علما ولا يحيط به علما إلا الله ومن كذب بما لا يعلمه إلا الله كان أقرب ~~إلى العذر من أن يكذب بما يعلمه الناس فلو لم يحط بها علما الراسخون كان ~~ترك هذا الوصف أقوى في ذمهم من ذكره # ويتبين هذا بوجه آخر هو دليل في المسألة وهو أن الله ذم الزائغين بالجهل ~~وسوء القصد فإنهم يقصدون المتشابه يبتغون تأويله ولا يعلم تأويله إلا ~~الراسخون في العلم وليسوا منهم وهم يقصدون الفتنة لا يقصدون العلم والحق ~~وهذا كقوله تعالى @QB@ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون @QE@ فإن المعنى بقوله ( لأسمعهم ( فهم القرآن يقول لو علم الله ~~فيهم حسن قصد وقبولا للحق لأفهمهم القرآن لكن لو أفهمهم لتولوا عن الإيمان ~~وقبول الحق لسوء قصدهم فهم جاهلون ظالمون كذلك الذين في قلوبهم زيغ هم ~~PageV17P405 # مذمومون بسوء القصد مع طلب علم ما ليسوا من أهله وليس إذا عيب هؤلاء على ~~العلم ومنعوه يعاب من حسن قصده وجعله الله من الراسخين في العلم # فإن قيل فأكثر السلف على أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل وكذلك ~~أكثر أهل اللغة يروى هذا عن إبن مسعود وأبي إبن كعب وإبن عباس وعروة ms5405 وقتادة ~~وعمر بن عبد العزيز والفراء وأبي عبيد وثعلب وإبن الأنباري قال إبن ~~الأنباري في قراءة عبد الله إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم وفى ~~قراءة أبي وإبن عباس ويقول الراسخون في العلم قال وقد أنزل الله في كتابه ~~أشياء إستأثر بعلمها كقوله تعالى @QB@ قل إنما علمها عند الله @QE@ وقوله ~~@QB@ وقرونا بين ذلك كثيرا @QE@ فأنزل المحكم ليؤمن به المؤمن فيسعد ويكفر ~~به الكافر فيشقى قال إبن الأنباري والذي روى القول الآخر عن مجاهد هو إبن ~~أبي نجيح ولا تصح روايته التفسير عن مجاهد # فيقال قول القائل أن أكثر السلف على هذا قول بلا علم فإنه لم يثبت عن أحد ~~من الصحابة أنه قال أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه وعن إبن ~~أبي مليكة عن عائشة أنها قالت ( كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ~~وبمتشابهه ولا يعلمونه PageV17P406 # فقد روى البخاري عن إبن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها ~~الحديث المرفوع في هذا وليس فيه هذه الزيادة ولم يذكر أنه سمعها من القاسم ~~بل الثابت عن الصحابة أن المتشابه يعلمه الراسخون كما تقدم حديث معاذ بن ~~جبل في ذلك وكذلك نحوه عن إبن مسعود وإبن عباس وأبي بن كعب وغيرهم وما ذكر ~~من قراءة إبن مسعود وأبي بن كعب ليس لها إسناد يعرف حتى يحتج بها والمعروف ~~عن إبن مسعود أنه كان يقول ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيما ذا ~~أنزلت وماذا عني بها وقال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا ~~تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يعلموا ما ~~فيها من العلم والعمل وهذا أمر مشهور رواه الناس عن عامة أهل الحديث ~~والتفسير وله إسناد معروف بخلاف ما ذكر من قراءتهما وكذلك إبن عباس قد عرف ~~عنه أنه كان يقول أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله وقد صح عن النبى صلى ms5406 ~~الله عليه وسلم أنه دعا له بعلم تأويل الكتاب فكيف لا يعلم التأويل مع أن ~~قراءة عبد الله إن تأويله إلا عند الله لا تناقض هذا القول فإن نفس التأويل ~~لا يأتى به إلا الله كما قال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي ~~تأويله @QE@ وقال @QB@ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ~~@QE@ PageV17P407 # وقد إشتهر عن عامة السلف أن الوعد والوعيد من المتشابه وتأويل ذلك هو ~~مجيء الموعود به وذلك عند الله لا يأتى به إلا هو وليس في القرآن إن علم ~~تأويله إلا عند الله كما قال في الساعة @QB@ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ~~قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا ~~تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء @QE@ وكذلك لما قال فرعون ~~لموسى @QB@ فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ~~ولا ينسى @QE@ # فلو كانت قراءة إبن مسعود تقتضي نفي العلم عن الراسخين لكانت إن علم ~~تأويله إلا عند الله لم يقرأ أن تأويله إلا عند الله فإن هذا حق بلا نزاع ~~وأما القراءة الأخرى المروية عن أبي وإبن عباس فقد نقل عن إبن عباس ما ~~يناقضه وأخص أصحابه بالتفسير مجاهد وعلى تفسير مجاهد يعتمد أكثر الأئمة ~~كالثوري والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري قال الثوري إذا جاءك التفسير عن ~~مجاهد فحسبك به والشافعى في كتبه أكثر الذي ينقله عن إبن عيينة عن إبن أبي ~~نجيح عن مجاهد وكذلك البخاري في صحيحه يعتمد على هذا PageV17P408 التفسير # وقول القائل لا تصح رواية إبن أبي نجيح عن مجاهد جوابه أن تفسير إبن أبي ~~نجيح عن مجاهد من أصح التفاسير بل ليس بأيدى أهل التفسير كتاب في التفسير ~~أصح من تفسير إبن أبي نجيح عن مجاهد إلا ms5407 أن يكون نظيره في الصحة ثم معه ما ~~يصدقه وهو قوله عرضت المصحف على إبن عباس أقفه عند كل آية وأسأله عنها # وأيضا فأبي بن كعب رضي الله عنه قد عرف عنه أنه كان يفسر ما تشابه من ~~القرآن كما فسر قوله @QB@ فأرسلنا إليها روحنا @QE@ وفسر قوله @QB@ الله ~~نور السماوات والأرض @QE@ وقوله @QB@ وإذ أخذ ربك @QE@ وغير ذلك ونقل ذلك ~~معروف عنه بالإسناد أثبت من نقل هذه القراءة التى لا يعرف لها إسناد وقد ~~كان يسئل عن المتشابه من معنى القرآن فيجيب عنه كما سأله عمر وسئل عن ليلة ~~القدر # وأما قوله أن الله أنزل المجمل ليؤمن به المؤمن فيقال هذا حق لكن هل في ~~الكتاب والسنة أو قول أحد من السلف أن الأنبياء والملائكة والصحابة لا ~~يفهمون ذلك الكلام المجمل أم العلماء متفقون على أن المجمل في القرآن يفهم ~~معناه ويعرف ما فيه من الإجمال كما مثل به من وقت الساعة فقد علم المسلمون ~~كلهم معنى الكلام الذي أخبر الله به عن الساعة وأنها آتية لا محالة وأن ~~الله إنفرد بعلم وقتها فلم يطلع على ذلك أحدا ولهذا قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم PageV17P409 لما سأله السائل عن الساعة وهو في الظاهر أعرابي لا ~~يعرف قال له متى الساعة ( قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ( ولم يقل ~~أن الكلام الذي نزل في ذكرها لا يفهمه أحد بل هذا خلاف إجماع المسلمين بل ~~والعقلاء فإن أخبار الله عن الساعة وأشراطها كلام بين واضح يفهم معناه ~~وكذلك قوله ( وقرونا بين ذلك كثيرا ( قد علم المراد بهذا الخطاب وأن الله ~~خلق قرونا كثيرة لا يعلم عددهم إلا الله كما قال @QB@ وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو @QE@ فأي شيء في هذا مما يدل على أن ما أخبر الله به من أمر الإيمان ~~بالله واليوم الآخر لا يفهم معناه أحد لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا ~~الصحابة ولا غيرهم # وأما ما ذكر عن عروة فعروة قد عرف من طريقه أنه كان لا يفسر ms5408 عامة آي ~~القرآن إلا آيات قليلة رواها عن عائشة ومعلوم أنه إذا لم يعرف عروة التفسير ~~لم يلزم أنه لا يعرفه غيره من الخلفاء الراشدين وعلماء الصحابة كإبن مسعود ~~وأبي بن كعب وإبن عباس وغيرهم # وأما اللغويون الذين يقولون أن الراسخين لا يعلمون معنى المتشابه فهم ~~متناقضون في ذلك فإن هؤلاء كلهم يتكلمون في تفسير كل شيء في القرآن ~~ويتوسعون في القول في ذلك حتى ما منهم أحد إلا وقد قال في ذلك أقوالا لم ~~يسبق إليها وهي خطأ وإبن الأنباري الذي PageV17P410 بالغ في نصر ذلك القول ~~هو من أكثر الناس كلاما في معاني الآي المتشابهات يذكر فيها من الأقوال ما ~~لم ينقل عن أحد من السلف ويحتج لما يقوله في القرآن بالشاذ من اللغة وقصده ~~بذلك الإنكار على إبن قتيبة وليس هو أعلم بمعانى القرآن والحديث وإتبع ~~للسنة من إبن قتيبة ولا أفقه في ذلك وإن كان إبن الأنباري من أحفظ الناس ~~للغة لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة # وقد نقم هو وغيره على إبن قتيبة كونه رد على أبي عبيد أشياء من تفسيره ~~غريب الحديث وإبن قتيبة قد إعتذر عن ذلك وسلك في ذلك مسلك أمثاله من أهل ~~العلم وهو وأمثاله يصيبون تارة ويخطئون أخرى فإن كان المتشابه لا يعلم ~~معناه إلا الله فهم كلهم يجترئون على الله يتكلمون في شيء لا سبيل إلى ~~معرفته وإن كان ما بينوه من معانى المتشابه قد أصابوا فيه ولو في كلمة ~~واحدة ظهر خطؤهم في قولهم أن المتشابه لا يعلم معناه إلا الله ولا يعلمه ~~أحد من المخلوقين فليختر من ينصر قولهم هذا أو هذا # ومعلوم أنهم أصابوا في شيء كثير مما يفسرون به المتشابه وأخطأوا في بعض ~~ذلك فيكون تفسيرهم هذه الآية مما أخطأوا فيه العلم اليقينى فإنهم أصابوا في ~~كثير من تفسير المتشابه وكذلك ما نقل عن قتادة من أن الراسخين في العلم لا ~~يعلمون تأويل المتشابه فكتابه PageV17P411 في التفسير من أشهر الكتب ونقله ~~ثابت عنه ms5409 من رواية معمر عنه ورواية سعيد بن أبي عروبة عنه ولهذا كان ~~المصنفون في التفسير عامتهم يذكرون قوله لصحة النقل عنه ومع هذا يفسر ~~القرآن كله محكمه ومتشابهه # والذي إقتضي شهرة القول عن أهل السنة بأن المتشابه لا يعلم تأويله إلا ~~الله ظهور التأويلات الباطلة من أهل البدع كالجهمية والقدرية من المعتزلة ~~وغيرهم فصار أولئك يتكلمون في تأويل القرآن برأيهم الفاسد وهذا أصل معروف ~~لأهل البدع أنهم يفسرون القرآن برأيهم العقلي وتأويلهم اللغوي فتفاسير ~~المعتزلة مملوءة بتأويل النصوص المثبتة للصفات والقدر على غير ما أراده ~~الله ورسوله فإنكار السلف والأئمة هو لهذه التأويلات الفاسدة كما قال ~~الإمام أحمد في ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من ~~متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله فهذا الذي أنكره السلف والأئمة من ~~التأويل # فجاء بعدهم قوم إنتسبوا إلى السنة بغير خبرة تامة بها وبما يخالفها ظنوا ~~أن المتشابه لا يعلم معناه إلا الله فظنوا أن معنى التأويل هو معناه في ~~إصطلاح المتأخرين وهو صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى المرجوح فصاروا في ~~موضع يقولون وينصرون أن المتشابه لا يعلم PageV17P412 # معناه إلا الله ثم يتناقضون في ذلك من وجوه # ( أحدها ( أنهم يقولون النصوص تجري على ظواهرها ولا يزيدون على المعنى ~~الظاهر منها ولهذا يبطلون كل تأويل يخالف الظاهر ويقرون المعنى الظاهر ~~ويقولون مع هذا أن له تأويلا لا يعلمه إلا الله والتأويل عندهم ما يناقض ~~الظاهر فكيف يكون له تأويل يخالف الظاهر وقد قرر معناه الظاهر وهذا مما ~~أنكره عليهم مناظروهم حتى أنكر ذلك إبن عقيل على شيخه القاضي أبي يعلى # ومنها أنا وجدنا هؤلاء كلهم لا يحتج عليهم بنص يخالف قولهم لا في مسألة ~~أصلية ولا فرعية إلا تأولوا ذلك النص بتأويلات متكلفة مستخرجة من جنس تحريف ~~الكلم عن مواضعه من جنس تأويلات الجهمية والقدرية للنصوص التى تخالفهم فأين ~~هذا من قولهم لا يعلم معاني النصوص المتشابهة إلا الله تعالى وإعتبر هذا ~~بما تجده في كتبهم من مناظرتهم للمعتزلة في ms5410 مسائل الصفات والقرآن والقدر ~~إذا إحتجت المعتزلة على قولهم بالآيات التى تناقض قول هؤلاء مثل أن يحتجوا ~~بقوله @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ @QB@ ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ @QB@ ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ @QB@ وإذ قال ربك ~~للملائكة @QE@ ونحو ذلك كيف تجدهم يتأولون هذه النصوص بتأويلات غالبها فاسد ~~PageV17P413 # وإن كان في بعضها حق فإن كان ما تأولوه حقا دل على أن الراسخين في العلم ~~يعلمون تأويل المتشابه فظهر تناقضهم وإن كان باطلا فذلك أبعد لهم # وهذا أحمد بن حنبل إمام أهل السنة الصابر في المحنة الذي قد صار للمسلمين ~~معيارا يفرقون به بين أهل السنة والبدعة لما صنف كتابه في الرد على ~~الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله ~~تكلم على معانى المتشابه الذي إتبعه الزائغون إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله ~~آية آية وبين معناها وفسرها ليبين فساد تأويل الزائغين وإحتج على أن الله ~~يري وأن القرآن غير مخلوق وأن الله فوق العرش بالحجج العقلية والسمعية ورد ~~ما إحتج به النفاة من الحجج العقلية والسمعية وبين معاني الآيات التى سماها ~~هو متشابهة وفسرها آية آية وكذلك لما ناظروه وإحتجوا عليه بالنصوص جعل ~~يفسرها آية آية وحديثا حديثا ويبين فساد ما تأولها عليه الزائغون ويبين هو ~~معناها ولم يقل أحمد إن هذه الآيات والأحاديث لا يفهم معناها إلا الله ولا ~~قال أحد له ذلك بل الطوائف كلها مجتمعة على إمكان معرفة معناها لكن ~~يتنازعون في المراد كما يتنازعون في آيات الأمر والنهي وكذلك كان أحمد يفسر ~~المتشابه من الآيات والأحاديث التى يحتج بها الزائغون من الخوارج ~~PageV17P414 و غيرهم كقوله ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الشارب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ( ~~وأمثال ذلك # ويبطل قول المرجئة والجهمية وقول الخوارج والمعتزلة وكل هذه الطوائف تحتج ~~بنصوص المتشابه على قولها ولم يقل أحد لا من أهل السنة ولا ms5411 من هؤلاء لما ~~يستدل به هو أو يستدل به عليه منازعه هذه آيات وأحاديث لا يعلم معناها أحد ~~من البشر فأمسكوا عن الإستدلال بها وكان الإمام أحمد ينكر طريقة أهل البدع ~~الذين يفسرون القرآن برأيهم وتأويلهم من غير إستدلال بسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين الذين بلغهم الصحابة معاني القرآن ~~كما بلغوهم ألفاظه ونقلوا هذا كما نقلوا هذا لكن أهل البدع يتأولون النصوص ~~بتأويلات تخالف مراد الله ورسوله ويدعون أن هذا هو التأويل الذي يعلمه ~~الراسخون وهم مبطلون في ذلك لا سيما تأويلات القرامطة والباطنية الملاحدة ~~وكذلك أهل الكلام المحدث من الجهمية والقدرية وغيرهم # ولكن هؤلاء يعترفون بأنهم لا يعلمون التأويل وإنما غايتهم أن يقولوا ~~ظاهرهذه الآية غير مراد ولكن يحتمل أن يراد كذا وأن يراد كذا ولو تأولها ~~الواحد منهم بتأويل معين فهو لا يعلم أنه PageV17P415 # مراد الله ورسوله بل يجوز أن يكون مراد الله ورسوله عندهم غيرذلك ~~كالتأويلات التى يذكرونها في نصوص الكتاب كما يذكرونه في قوله @QB@ وجاء ~~ربك والملك صفا صفا @QE@ و ينزل ربنا @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~@QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ @QB@ وغضب الله عليهم @QE@ و @QB@ إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ وأمثال ذلك من النصوص فإن ~~غاية ما عندهم يحتمل أن يراد به كذا ويجوز كذا ونحو ذلك وليس هذا علما ~~بالتأويل وكذلك كل من ذكر في نص أقوالا وإحتمالات ولم يعرف المراد فإنه لم ~~يعرف تفسير ذلك وتأويله وإنما يعرف ذلك من عرف المراد # ومن زعم من الملاحدة أن الأدلة السمعية لا تفيد العلم فمضمون مدلولاته لا ~~يعلم أحد تفسير المحكم ولا تفسير المتشابه ولا تأويل ذلك وهذا إقرار منه ~~على نفسه بأنه ليس من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويل المتشابه فضلا ~~عن تأويل المحكم فإذا إنضم إلى ذلك أن يكون كلامهم في العقليات فيه من ~~السفسطة والتلبيس ما لا يكون معه دليل على الحق لم يكن عند هؤلاء لا معرفة ~~بالسمعيات ولا بالعقليات وقد أخبر ms5412 الله عن أهل النار أنهم قالوا @QB@ لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ ومدح الذين إذا ذكروا بآياته ~~لم يخروا عليها صما وعميانا والذين يفقهون ويعقلون وذم الذين PageV17P416 ~~لا يفقهون ولا يعقلون في غير موضع من كتابه وأهل البدع المخالفون للكتاب ~~والسنة يدعون العلم والعرفان والتحقيق وهم من أجهل الناس بالسمعيات ~~والعقليات وهم يجعلون ألفاظا لهم مجملة متشابهة تتضمن حقا وباطلا يجعلونها ~~هي الأصول المحكمة ويجعلون ما عارضها من نصوص الكتاب والسنة من المتشابه ~~الذي لا يعلم معناه عندهم إلا الله وما يتأولونه بالإحتمالات لا يفيد ~~فيجعلون البراهين شبهات والشبهات براهين كما قد بسط ذلك في موضع آخر # وقد نقل القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد أنه قال المحكم ما إستقل بنفسه ~~ولم يحتج إلى بيان والمتشابه ما إحتاج إلى بيان وكذلك قال الإمام أحمد في ~~رواية والشافعي قال المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا ~~والمتشابه ما إحتمل من التأويل وجوها وكذلك قال الإمام أحمد وكذلك قال إبن ~~الأنباري المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه الذي ~~تعتوره التأويلات فيقال حينئذ فجميع الأمة سلفها وخلفها يتكلمون في معاني ~~القرآن التى تحتمل التأويلات # وهؤلاء الذين ينصرون أن الراسخين في العلم لا يعلمون معنى المتشابه هم من ~~أكثر الناس كلاما فيه # PageV17P417 # والأئمة كالشافعي وأحمد ومن قبلهم كلهم يتكلمون فيما يحتمل معانى ويرجحون ~~بعضها على بعض بالأدلة في جميع مسائل العلم الأصولية والفروعية لا يعرف عن ~~عالم من علماء المسلمين أنه قال عن نص إحتج به محتج في مسألة أن هذا لا ~~يعرف أحد معناه فلا يحتج به ولو قال أحد ذلك لقيل له مثل ذلك وإذا إدعى في ~~مسائل النزاع المشهورة بين الأئمة أن نصه محكم يعلم معناه وأن النص الآخر ~~متشابه لا يعلم أحد معناه قوبل بمثل هذه الدعوى وهذا بخلاف قولنا أن من ~~النصوص ما معناه جلى واضح ظاهر لا يحتمل إلا وجها واحدا لا يقع فيه إشتباه ~~ومنها ما فيه ms5413 خفاء وإشتباه يعرف معناه الراسخون في العلم فإن هذا تفسير ~~صحيح وحينئذ فالخلف في المتشابه يدل على أنه كله يعرف معناه فمن قال أنه ~~يعرف معناه يبين حجته على ذلك # وأيضا فما ذكره السلف والخلف في المتشابه يدل على أنه كله يعرف معناه فمن ~~قال أن المتشابه هو المنسوخ فمعنى المنسوخ معروف وهذا القول مأثور عن إبن ~~مسعود وإبن عباس وقتادة والسدي وغيرهم وإبن مسعود وإبن عباس وقتادة هم ~~الذين نقل عنهم أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله ومعلوم قطعا بإتفاق ~~المسلمين أن الراسخين يعلمون معنى المنسوخ وأنه منسوخ فكان هذا النقل عنهم ~~يناقض ذلك النقل ويدل على أنه كذب إن كان هذا صدقا وإلا تعارض النقلان ~~PageV17P418 عنهم والمنقول عنهم أن الراسخين يعلمون معنى المتشابه # والقول الثانى مأثور عن جابر بن عبد الله أنه قال المحكم ما علم العلماء ~~تأويله والمتشابه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل كقيام الساعة ومعلوم ~~أن وقت قيام الساعة مما إتفق المسلمون على أنه لا يعلمه الا الله فإذا أريد ~~بلفظ التأويل هذا كان المراد به لا يعلم وقت تأويله إلا الله وهذا حق ولا ~~يدل ذلك على أنه لا يعرف معنى الخطاب بذلك وكذلك إن أريد بالتأويل حقائق ما ~~يوجد وقيل لا يعلم كيفية ذلك إلا الله فهذا قد قدمناه وذكر أنه على قول ~~هؤلاء من وقف عند قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ هو الذي يجب أن ~~يراد بالتأويل وإما أن يراد بالتأويل التفسير ومعرفة المعنى ويوقف على قوله ~~إلا الله فهذا خطأ قطعا مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين # ومن قال ذلك من المتأخرين فإنه متناقض يقول ذلك ويقول ما يناقضه وهذا ~~القول يناقض الإيمان بالله ورسوله من وجوه كثيرة ويوجب القدح في الرسالة ~~ولا ريب أن الذي قالوه لم يتدبروا لوازمه وحقيقته بل أطلقوه وكان أكبر ~~قصدهم دفع تأويلات أهل البدع للمتشابه وهذا الذي قصدوه حق وكل مسلم يوافقهم ~~عليه لكن لا ندفع باطلا بباطل آخر ولا نرد بدعة ببدعة ms5414 ولا يرد تفسير ~~PageV17P419 أهل الباطل للقرآن بأن يقال الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة كانوا لا يعرفون تفسير ما تشابه من القرآن ففي هذا من الطعن في ~~الرسول وسلف الأمة ما قد يكون أعظم من خطأ طائفة في تفسير بعض الآيات ~~والعاقل لا يبنى قصرا ويهدم مصرا # والقول الثالث أن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور يروى هذا عن ~~إبن عباس وعلى هذا القول فالحروف المقطعة ليست كلاما تاما من الجمل الإسمية ~~والفعلية وانما هي أسماء موقوفة ولهذا لم تعرب فإن الأعراب إنما يكون بعد ~~العقد والتركيب وإنما نطق بها موقوفة كما يقال أ ب ت ث ولهذا تكتب بصورة ~~الحرف لا بصورة الإسم الذي ينطق به فإنها في النطق أسماء ولهذا لما سأل ~~الخليل أصحابه عن النطق بالزاى من زيد قالوا زا قال نطقتم بالإسم وإنما ~~النطق بالحرف زه فهي في اللفظ أسماء وفى الخط حروف مقطعة @QB@ الم @QE@ لا ~~تكتب ألف لام ميم كما يكتب قول النبى صلى الله عليه وسلم ( من قرأ القرآن ~~فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولكن @QB@ ألف @QE@ ~~حرف و لام حرف و ميم حرف # والح لغة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتناول الذي يسميه النحاة ~~أسما وفعلا وحرفا ولهذا قال سيبويه في تقسيم الكلام PageV17P420 إسم وفعل ~~وحرف جاء لمعنى ليس بإسم ولا فعل فإنه لما كان معروفا من اللغة أن الإسم ~~حرف والفعل حرف خص هذا القسم الثالث الذي يطلق النحاة عليه الحرف أنه جاء ~~لمعنى ليس بإسم ولا فعل وهذه حروف المعانى التى يتألف منها الكلام # وأما حروف الهجاء فتلك إنما تكتب على صورة الحرف المجرد وينطق بها غير ~~معربة ولا يقال فيها معرب ولا مبنى لأن ذلك إنما يقال في المؤلف فإذا كان ~~على هذا القول كل ما سوى هذه محكم حصل المقصود فإنه ليس المقصود إلا معرفة ~~كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يقال هذه الحروف قد تكلم في ~~معناها أكثر ms5415 الناس فإن كان معناها معروفا فقد عرف معنى المتشابه وإن لم يكن ~~معروفا وهي المتشابه كان ما سواها معلوم المعنى وهذا المطلوب # وأيضا فإن الله تعالى قال @QB@ منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات @QE@ وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العلماء وإنما يعدها آيات ~~الكوفيون # وسبب نزول هذه الآية الصحيح يدل على أن غيرها أيضا متشابه ولكن هذا القول ~~يوافق ما نقل عن اليهود من طلب علم المدد من حروف الهجاء # PageV17P421 # والرابع أن المتشابه ما إشتبهت معانيه قال مجاهد وهذا يوافق قول أكثر ~~العلماء وكلهم يتكلم في تفسير هذا المتشابه ويبين معناه # والخامس أن المتشابه ما تكررت ألفاظه قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال ~~المحكم ما ذكر الله تعالى في كتابه من قصص الأنبياء ففصله وبينه والمتشابه ~~هو ما إختلفت ألفاظه في قصصهم عند التكرير كما قال في موضع من قصة نوح @QB@ ~~احمل فيها @QE@ وقال في موضع آخر @QB@ فاسلك فيها @QE@ وقال في عصي موسى ~~@QB@ فإذا هي حية تسعى @QE@ وفى موضع آخر @QB@ فإذا هي ثعبان مبين @QE@ ~~وصاحب هذا القول جعل المتشابه إختلاف اللفظ مع إتفاق المعنى كما يشتبه على ~~حافظ القرآن هذا اللفظ بذاك اللفظ وقد صنف بعضهم في هذا المتشابه لأن القصة ~~الواحدة يتشابه معناها في الموضعين فإشتبه على القارئ أحد اللفظين بالآخر ~~وهذا التشابه لا ينفى معرفة المعاني بلا ريب ولا يقال في مثل هذا أن ~~الراسخين يختصون بعلم تأويله فهذا القول إن كان صحيحا كان حجة لنا وإن كان ~~ضعيفا لم يضرنا # والسادس أنه ما إحتاج إلى بيان كما نقل عن أحمد # والسابع أنه ما إحتمل وجوها كما نقل عن الشافعي وأحمد وقد روي عن أبي ~~الدرداء رضي الله عنه أنه قال إنك لا تفقه # كل PageV17P422 الفقه حتى ترى للقرآن وجوها وقد صنف الناس ( كتب الوجوه ~~والنظائر ( فالنظائر اللفظ الذي إتفق معناه في الموضعين وأكثر والوجوه الذي ~~إختلف معناه كما يقال الأسماء المتواطئة والمشتركة وإن كان بينهما فرق ~~ولبسطه موضع آخر # وقد قيل هي نظائر ms5416 في اللفظ ومعانيها مختلفة فتكون كالمشتركة وليس كذلك بل ~~الصواب أن المراد بالوجوه والنظائر هو الأول وقد تكلم المسلمون سلفهم ~~وخلفهم في معانى الوجوه وفيما يحتاج إلى بيان وما يحتمل وجوها فعلم يقينا ~~أن المسلمين متفقون على أن جميع القرآن مما يمكن العلماء معرفة معانيه وعلم ~~أن من قال إن من القرآن ما لا يفهم أحد معناه ولا يعرف معناه إلا الله فإنه ~~مخالف لاجماع الأمة مع مخالفته للكتاب والسنة # والثامن أن المتشابه هو القصص والأمثال وهذا أيضا يعرف معناه # والتاسع أنه ما يؤمن به ولا يعمل به وهذا أيضا مما يعرف معناه # والعاشر قول بعض المتأخرين إن المتشابه آيات الصفات وأحاديث الصفات وهذا ~~أيضا مما يعلم معناه فإن أكثر آيات الصفات إتفق PageV17P423 المسلمون على ~~أنه يعرف معناها والبعض الذي تنازع الناس في معناه إنما ذم السلف منه ~~تأويلات الجهمية ونفوا علم الناس بكيفيته كقول مالك الإستواء معلوم والكيف ~~مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك قال سائر أئمة السنة وحينئذ ~~ففرق بين المعنى المعلوم وبين الكيف المجهول فإن سمى الكيف تأويلا ساغ أن ~~يقال هذا التأويل لا يعلمه إلا الله كما قدمناه أولا # وأما إذا جعل معرفة المعنى وتفسيره تأويلا كما يجعل معرفة سائر آيات ~~القرآن تأويلا وقيل أن النبى صلى الله عليه وسلم وجبريل والصحابة والتابعين ~~ما كانوا يعرفون معنى قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ولا يعرفون ~~معنى قوله @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ ولا معنى قوله @QB@ غضب ~~الله عليهم @QE@ بل هذا عندهم بمنزلة الكلام العجمي الذي لا يفهمه العربي ~~وكذلك إذا قيل كان عندهم قوله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ وقوله @QB@ لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ وقوله @QB@ وكان الله سميعا بصيرا @QE@ ~~وقوله @QB@ رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ وقوله @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله وكرهوا رضوانه @QE@ وقوله @QB@ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ~~@QE@ وقوله ( وقل إعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( وقوله ~~PageV17P424 @QB@ إنا جعلناه قرآنا ms5417 عربيا @QE@ وقوله @QB@ فأجره حتى يسمع ~~كلام الله @QE@ وقوله @QB@ فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~@QE@ وقوله @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~@QE@ وقوله @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وقوله ( هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو يأتي بعض آيات ربك ( وقوله ( ثم إستوى إلى ~~السماء وهي دخان ( وقوله ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( ~~إلى أمثال هذه الآيات # فمن قال عن جبريل ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما وعن الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان وأئمة المسلمين والجماعة أنهم كانوا لا يعرفون شيئا من معاني ~~هذه الآيات بل إستاثر الله بعلم معناها كما إستاثر بعلم وقت الساعة وإنما ~~كانوا يقرأون ألفاظا لا يفهمون لها معنى كما يقرأ الإنسان كلاما لا يفهم ~~منه شيئا فقد كذب على القوم والنقول المتواترة عنهم تدل على نقيض هذا وأنهم ~~كانوا يفهمون هذا كما يفهمون غيره من القرآن وإن كان كنه الرب عز وجل لا ~~يحيط به العباد ولا يحصون ثناءا عليه فذاك لا يمنع أن يعلموا من أسمائه ~~وصفاته ما علمهم سبحانه وتعالى كما أنهم إذا علموا أنه بكل شيء عليم وأنه ~~على كل شيء قدير لم يلزم أن يعرفوا كيفية علمه وقدرته وإذا عرفوا أنه حق ~~موجود لم يلزم أن يعرفوا كيفية ذاته # PageV17P425 # وهذا مما يستدل به على أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل فإن الناس ~~متفقون على أنهم يعرفون تأويل المحكم ومعلوم أنهم لا يعرفون كيفية ما أخبر ~~الله به عن نفسه في الآيات المحكمات فدل ذلك على أن عدم العلم بالكيفية لا ~~ينفى العلم بالتأويل الذي هو تفسير الكلام وبيان معناه بل يعلمون تأويل ~~المحكم والمتشابه ولا يعرفون كيفية الرب لا في هذا ولا في هذا # فإن قيل هذا يقدح فيما ذكرتم من الفرق بين التأويل الذي يراد به التفسير ~~وبين التأويل الذي في كتاب الله تعالى قيل لا يقدح في ذلك فإن معرفة تفسير ~~اللفظ ومعناه وتصور ذلك ms5418 في القلب غير معرفة الحقيقة الموجودة في الخارج ~~المرادة بذلك الكلام فإن الشيء له وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود ~~في اللسان ووجود في البنان فالكلام لفظ له معنى في القلب ويكتب ذلك اللفظ ~~بالخط فإذا عرف الكلام وتصور معناه في القلب وعبر عنه باللسان فهذا غير ~~الحقيقة الموجودة في الخارج وليس كل من عرف الأول عرف عين الثانى # مثال ذلك أن أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وخبره ونعته وهذا معرفة الكلام ومعناه وتفسيره وتأويل ذلك هو نفس محمد ~~المبعوث فالمعرفة بعينه معرفة تأويل PageV17P426 ذلك الكلام وكذلك الإنسان ~~قد يعرف الحج والمشاعر كالبيت والمسجد ومنى وعرفة ومزدلفة ويفهم معنى ذلك ~~ولا يعرف أعيان الأمكنة حتى يشاهدها فيعرف أن الكعبة المشاهدة المذكورة في ~~قوله @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ وكذلك أرض عرفات هي المذكورة في ~~قوله @QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله @QE@ وكذلك المشعر الحرام هي ~~المزدلفة التى بين مأزمي عرفة ووادي محسر يعرف أنها المذكورة في قوله @QB@ ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام @QE@ # وكذلك الرؤيا قد يراها الرجل ويذكر له العابر تأويلها فيفهمه ويتصوره مثل ~~أن يقول هذا يدل على أنه كان كذا ويكون كذا وكذا ثم إذا كان ذلك فهو تأويل ~~الرؤيا ليس تأويلها نفس علمه وتصوره وكلامه ولهذا قال يوسف الصديق @QB@ هذا ~~تأويل رؤياي من قبل @QE@ وقال @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما @QE@ فقد أنبأهما بالتأويل قبل أن يأتي التأويل ~~والأنباء ليس هو التاويل فالنبي صلى الله عليه وسلم عالم بالتأويل وإن كان ~~التأويل لم يقع بعد وإن كان لا يعرف متى لا يقع فنحن نعلم تأويل ما ذكر ~~الله في القرآن من الوعد والوعيد وإن كنا لا نعرف متى يقع هذا التأويل ~~المذكور في قوله سبحانه وتعالى @QB@ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ~~@QE@ الآية وقال تعالى @QB@ لكل نبإ مستقر @QE@ PageV17P427 # فنحن نعلم مستقر نبأ الله وهو الحقيق التى أخبر الله بها ولا نعلم متى ~~يكون ms5419 وقد لا نعلم كيفيتها وقدرها وسواء في هذا تأويل المحكم والمتشابه كما ~~قال الله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد فقد عرف تأويلها وهو وقوع ~~الإختلاف والفتن وإن لم يعرف متى يقع وقد لا يعرف صفته ولا حقيقته فإذا وقع ~~عرف العارف أن هذا هو التأويل الذي دلت عليه الآية وغيره قد لا يعرف ذلك أو ~~ينساه بعد ما كان عرفه فلا يعرف أن هذا تأويل القرآن فإنه لما نزل قوله ~~تعالى @QB@ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة @QE@ قال الزبير ~~لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها وإذا نحن المعنيون بها @QB@ ~~واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة @QE@ # وأيضا فإن الله قد ذم في كتابه من يسمع القرآن ولا يفقه معناه وذم من لم ~~يتدبره ومدح من يسمعه ويفقهه فقال تعالى @QB@ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا ~~خرجوا من عندك @QE@ الآية فأخبر أنهم كانوا يقولون لأهل العلم ماذا قال ~~الرسول في هذا الوقت المتقدم فدل على أن أهل العلم من الصحابة كانوا يعرفون ~~من معانى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يعرفه غيرهم # وهؤلاء هم الراسخون في العلم PageV17P428 الذين يعلمون معاني القرآن ~~محكمه ومتشابهه وهذا كقوله تعالى @QB@ وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون @QE@ فدل على أن العالمين يعقلونها وإن كان غيرهم لا ~~يعقلها # والأمثال هي المتشابه عند كثير من السلف وهي إلى المتشابه أقرب من غيرها ~~لما بين المثل والممثل به من التشابه وعقل معناها هو معرفة تأويلها الذي ~~يعرفه الراسخون في العلم دون غيرهم ويشبه هذا قوله تعالى @QB@ ويرى الذين ~~أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ~~@QE@ فلولا أنهم عرفوا معنى ما أنزل كيف عرفوا أنه حق أو باطل وهل يحكم على ~~كلام لم ms5420 يتصور معناه أنه حق أو باطل وقال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ~~أم على قلوب أقفالها @QE@ # وقال @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت ~~آباءهم الأولين @QE@ وقال تعالى @QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه @QE@ وقال @QB@ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها ~~صما وعميانا @QE@ وقال @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ ~~وقال @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير @QE@ وقال @QB@ كتاب ~~فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا @QE@ PageV17P429 إلى ~~قوله @QB@ ومن بيننا وبينك حجاب @QE@ ( # فإذا كان كثير من القرآن أو أكثره مما لا يفهم أحد معناه لم يكن المتدبر ~~المعقول إلا بعضه وهذا خلاف ما دل عليه القرآن لا سيما عامة ما كان ~~المشركون ينكرونه كالآيات الخبرية والأخبار عن اليوم الآخر أو الجنة والنار ~~وعن نفي الشركاء والأولاد عن الله وتسميته بالرحمن فكان عامة إنكارهم لما ~~يخبرهم به من صفات الله نفيا وإثباتا وما يخبرهم به عن اليوم الآخر وقد ذم ~~الله من لا يعقل ذلك ولا يفقهه ولا يتدبره # فعلم أن الله يأمر بعقل ذلك وتدبره وقد قال تعالى @QB@ ومنهم من يستمعون ~~إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي ~~العمي ولو كانوا لا يبصرون @QE@ وقال @QB@ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ وإذا ~~قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا @QE@ الآية # وقد إستدل بعضهم بأن الله لم ينف عن غيره علم شيء PageV17P430 إلا كان ~~منفردا به كقوله @QB@ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ~~@QE@ وقوله @QB@ لا يجليها لوقتها إلا هو @QE@ وقوله @QB@ وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو @QE@ # فيقال ليس الأمر كذلك بل هذا بحسب العلم المنفى فإن كان مما إستأثر الله ~~به قيل فيه ذلك وإن كان ms5421 مما علمه بعض عباده ذكر ذلك كقوله @QB@ ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ وقوله @QB@ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا @QE@ إلى قوله @QB@ رصدا @QE@ وقوله @QB@ قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب @QE@ وقوله @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط @QE@ وقوله @QB@ لكن الله يشهد بما ~~أنزل إليك أنزله بعلمه @QE@ إلى قوله @QB@ شهيدا @QE@ وقوله @QB@ قل ربي ~~أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل @QE@ وقال للملائكة @QB@ إني أعلم ما لا ~~تعلمون @QE@ وقالت الملائكة @QB@ لا علم لنا إلا ما علمتنا @QE@ وفى كثير ~~من كلام الصحابة الله ورسوله أعلم وفى الحديث المشهور / < أسألك بكل إسم هو ~~لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو إستأثرت به ~~في علم الغيب عندك > / # وقد قال تعالى ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ( وأول ~~النزاع النزاع في معاني القرآن فإن لم يكن الرسول عالما بمعانيه ~~PageV17P431 إمتنع الر إليه وقد إتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر ~~أئمة الدين أن السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عن مجمله وأنها ~~تفسر مجمل القرآن من الأمر والخبر وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين @QE@ إلى قوله @QB@ فيما اختلفوا فيه ~~@QE@ # ومن أعظم الإختلاف الإختلاف في المسائل العلمية الخبرية المتعلقة ~~بالإيمان بالله واليوم الآخر فلابد أن يكون الكتاب حاكما بين الناس فيما ~~إختلفوا فيه من ذلك ويمتنع أن يكون حاكما إان لم يكن معرفة معناه ممكنا وقد ~~نصب الله عليه دليلا وإلا فالحاكم الذي يبين ما في نفسه لا يحكم بشيء وكذلك ~~إذا قيل هو الحاكم بالكتاب فإن حكمه فصل يفصل به بين الحق والباطل وهذا ~~إنما يكون بالبيان وقد قال تعالى في القرآن @QB@ إنه لقول فصل @QE@ أي فاصل ~~يفصل بين الحق والباطل فكيف يكون فصلا إذا لم يكن إلى معرفة معناه سبيل # وأيضا فإن الله قال @QB@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم ~~إلا يظنون @QE@ فذم هؤلاء الذين لا ms5422 يعلمون الكتاب إلا أمانى كما ذم الذين ~~يحرفون معناه ويكذبون فقال تعالى @QB@ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق ~~منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون @QE@ ~~PageV17P432 إلى قوله @QB@ أفلا تعقلون @QE@ فهذا أ الصنفين ثم قال تعالى ~~@QB@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني @QE@ أي تلاوة @QB@ وإن هم ~~إلا يظنون @QE@ ثم ذم الذين يفترون كتبا يقولون هي من عند الله وما هي من ~~عند الله فقال @QB@ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم @QE@ إلى قوله @QB@ ~~يكسبون @QE@ # وهذه الأصناف الثلاثة تستوعب أهل الضلال والبدع فإن أهل البدع الذين ذمهم ~~الله ورسوله نوعان # ( أحدهما ( عالم بالحق يتعمد خلافه ( والثاني ( جاهل متبع لغيره # فالأولون يبتدعون ما يخالف كتاب الله ويقولون هو من عند الله إما أحاديث ~~مفتريات وإما تفسير وتأويل للنصوص باطل ويعضدون ذلك بما يدعونه من الرأي ~~والعقل وقصدهم بذلك الرياسة والمأكل فهؤلاء يكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا ~~به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم من الباطل وويل لهم مما يكسبون من ~~المال على ذلك وهؤلاء إذا عورضوا بنصوص الكتب الإلهية وقيل لهم هذه تخالفكم ~~حرفوا الكلم عن مواضعه بالتأويلات الفاسدة قال الله تعالى @QB@ أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون @QE@ PageV17P433 و أما النوع الثانى الجهال فهؤلاء الأميون ~~الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون فعن إبن عباس وقتادة في ~~قوله @QB@ ومنهم أميون @QE@ أي غير عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظا ~~وقراءة بلا فهم ولا يدرون ما فيه وقوله @QB@ إلا أماني @QE@ أي تلاوة فهم ~~لا يعلمون فقه الكتاب إنما يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم قاله الكسائي ~~والزجاج وكذلك قال إبن السائب لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته إلا أمانى ~~إلا ما يحدثهم به علماؤهم وقال أبو روق وأبو عبيدة أي تلاوة وقراءة عن ظهر ~~القلب ولا يقرأونها في الكتب ففي هذا القول جعل الأماني التى هي التلاوة ~~تلاوة الأميين أنفسهم وفي ذلك جعله ما يسمعونه ms5423 من تلاوة علمائهم وكلا ~~القولين حق والآية تعمهما فإنه سبحانه وتعالى قال ( لا يعلمون الكتاب ( لم ~~يقل لا يقرأون ولا يسمعون ثم قال @QB@ إلا أماني @QE@ وهذا إستثناء منقطع ~~لكن يعلمون أمانى إما بقراءتهم لها وإما بسماعهم قراءة غيرهم وإن جعل ~~الإستثناء متصلا كان التقدير لا يعلمون الكتاب إلا علم أماني لا علم تلاوة ~~فقط بلا فهم والأماني جمع أمنية وهي التلاوة ومنه قوله تعالى @QB@ وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم @QE@ قال الشاعر ~~PageV17P434 # % تمنى كتاب الله أول ليلة % وآخرها لاقي حمام المقادر % # والأميون نسبة إلى الأمة قال بعضهم إلى الأمة وما عليه العامة فمعنى ~~الأمي العامي الذي لا تمييز له وقد قال الزجاج هو على خلق الأمة التى لم ~~تتعلم فهو على جبلته وقال غيره هو نسبة إلى الأمة لأن الكتابة كانت في ~~الرجال دون النساء ولأنه على ما ولدته أمه # والصواب أنه نسبة إلى الأمة كما يقال عامي نسبة إلى العامة التى لم تتميز ~~عن العامة بما تمتاز به الخاصة وكذلك هذا لم يتميز عن الأمة بما يمتاز به ~~الخاصة من الكتابة والقراءة ويقال الأمي لمن لا يقرأ ولا يكتب كتابا ثم ~~يقال لمن ليس لهم كتاب منزل من الله يقرأونه وإن كان قد يكتب ويقرأ ما لم ~~ينزل وبهذا المعنى كان العرب كلهم أميين فإنه لم يكن عندهم كتاب منزل من ~~الله قال الله تعالى @QB@ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا @QE@ وقال @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ ~~وقد كان في العرب كثير ممن يكتب ويقرأ المكتوب وكلهم أميون فلما نزل القرآن ~~عليهم لم يبقوا أميين بإعتبار أنهم لا يقرأون كتابا من حفظهم بل هم يقرأون ~~القرآن من حفظهم وأنا جيلهم في صدورهم لكن بقوا أميين بإعتبار أنهم لا ~~يحتاجون إلى كتابة دينهم بل قرآنهم محفوظ في قلوبهم # PageV17P435 # كما في الصحيح عن عياض ms5424 بن حمار المجاشعي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( خلقت عبادي يوم خلقتهم حنفاء وقال فيه إنى مبتليك ومبتل لك وأنزلت ~~عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا ( فأمتنا ليست مثل أهل ~~الكتاب الذين لا يحفظون كتبهم في قلوبهم بل لوعدمت المصاحف كلها كان القرآن ~~محفوظا في قلوب الأمة وبهذا الإعتبار فالمسلمون أمة أمية بعد نزول القرآن ~~وحفظه كما في الصحيح عن إبن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا ( فلم ~~يقل إنا لا نقرأ كتابا ولا نحفظ بل قال لا نكتب ولا نحسب فديننا لا يحتاج ~~أن يكتب ويحسب كما عليه أهل الكتاب من أنهم يعلمون مواقيت صومهم وفطرهم ~~بكتاب وحساب ودينهم معلق بالكتب لو عدمت لم يعرفوا دينهم ولهذا يوجد أكثر ~~أهل السنة يحفظون القرآن والحديث أكثر من أهل البدع وأهل البدع فيهم شبه ~~بأهل الكتاب من بعض الوجوه # وقوله @QB@ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي @QE@ هو أمي بهذا الإعتبار ~~لأنه لا يكتب ولا يقرأ ما في الكتب لا بإعتبار أنه لا يقرأ من حفظه بل كان ~~يحفظ القرآن أحسن حفظ والأمي إصطلاح الفقهاء خلاف القارئ وليس هو خلاف ~~الكاتب بالمعنى الأول ويعنون PageV17P436 به في الغالب من لا يحس الفاتحة ~~فقوله تعالى @QB@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني @QE@ أي لا ~~يعلمون الكتاب إلا تلاوة لا يفهمون معناها وهذا يتناول من لا يحسن الكتابة ~~ولا القراءة من قبل وإنما يسمع أماني علما كما قال إبن السائب ويتناول من ~~يقرأه عن ظهر قلبه ولا يقرأه من الكتاب كما قال أبو روق وأبو عبيدة # وقد يقال ان قوله ( @QB@ لا يعلمون الكتاب @QE@ أي الخط أي لا يحسنون ~~الخط وانما يحسنون التلاوة ويتناول ايضا من يحسن الخط والتلاوة ولا يفهم ما ~~يقرأه ويكتبه كما قال بن عباس وقتادة غير عارفين معانى الكتاب يعلمونها ~~حفظا وقراءة بلا فهم ولا يدرون ما فيه والكتاب هنا المراد ms5425 به الكتاب المنزل ~~وهو التوراة ليس المراد به الخط فانه قال ( @QB@ وإن هم إلا يظنون @QE@ ~~فهذا يدل على أنه نفى عنهم العلم بمعانى الكتاب ولا فكون الرجل لا يكتب ~~بيده لا يستلزم ان يكون لا علم عنده بل يظن ظنا بل كثير ممن يكتب بيده لا ~~يفهم ما يكتب وكثير ممن لا يكتب يكون عالما بمعانى ما يكتبه غيره # وأيضا فإن الله ذكر هذا في سياق الذم لهم وليس في كون الرجل لا يخط ذم ~~إذا قام بالواجب وإنما الذم على كونه لا يعقل PageV17P437 الكتاب الذي أنزل ~~إليه سواء كتبه وقرأه أو لم يكتبه ولم يقرأه كما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( هذا أوأن يرفع العلم فقال له زياد بن لبيد كيف يرفع العلم وقد قرأنا ~~القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا فقال له إن كنت لأحسبك من أفقه أهل ~~المدينة أو ليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصاري فماذا تغني عنهم ( ~~وهو حديث معروف رواه الترمذي وغيره ولأنه قال تعالى قبل هذا ( وقد كان فريق ~~منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ( فأولئك ~~عقلوه ثم حرفوه وهم مذمومون سواء كانوا يحفظونه بقلوبهم ويكتبونه ويقرأونه ~~حفظا وكتابة أو لم يكونوا كذلك فكان من المناسب أن يذكرالذين لا يعقلونه ~~وهم الذين لا يعلمونه إلا أمانى فإن القرآن أنزله الله كتابا متشابها مثانى ~~ويذكر فيه الأقسام والأمثال فيستوعب فيكون مثاني ويذكر الأمثال فيكون ~~متشابها وهؤلاء وإن كانوا يكتبون ويقرأون فهم أميون من أهل الكتاب كما نقول ~~نحن لمن كان كذلك هو أمي وساذج وعامي وإن كان يحفظ القرآن ويقرأ المكتوب ~~إذا كان لا يعرف معناه # وإذا كان الله قد ذم هؤلاء الذين لا يعرفون الكتاب إلا تلاوة دون فهم ~~معانيه كما ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون دل ~~على أن كلا النوعين مذموم الجاهل الذي PageV17P438 لا يفهم معانى النصوص ~~والكاذب الذي يحرف الكلم عن مواضعه وهذا حال أهل البدع فإنهم أحد رجلين ms5426 إما ~~رجل يحرف الكلم عن مواضعه ويتكلم برأيه ويؤوله بما يضيفه إلى الله فهؤلاء ~~يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله ويجعلون تلك المقالات التى ~~إبتدعوها هي مقالة الحق وهي التى جاء بها الرسول والتى كان عليها السلف ~~ونحو ذلك ثم يحرفون النصوص التى تعارضها فهؤلاء إذا تعمدوا ذلك وعلموا أن ~~الذي يفعلونه مخالف للرسول فهم من جنس هؤلاء اليهود وهذا يوجد في كثير من ~~الملاحدة ويوجد في بعض الأشياء في غيرهم # وأما الذين قصدهم أتباع الرسول باطنا وظاهرا وغلطوا فيما كتبوه وتأولوه ~~فهؤلاء ليسوا من جنسهم لكن قد وقع بسبب غلطهم ما هو من جنس ذلك الباطل كما ~~قيل إذا زل العالم زل بزلته عالم وهذا حال المتأولين من هذه الأمة وأما رجل ~~مقلد أمي لا يعرف من الكتاب إلا ما يسمعه منهم أو ما يتلوه هو ولا يعرف إلا ~~أمانى وقد ذمه الله على ذلك فعلم أن الله ذم الذين لا يعرفون معاني القرآن ~~ولا يتدبرونه ولا يعقلونه كما صرح القرآن بذمهم في غير موضع فيمتنع مع هذا ~~أن يقال إن أكثر القرآن أو كثيرا منه لا يعلمه أحد من الخلق إلا أماني لا ~~جبريل ولا محمد ولا الصحابة ولا أحد PageV17P439 من المسلمين فإن هذا تشبيه ~~لهم بهؤلاء فيما ذمهم الله به # فإن قيل أفلا يجب على كل مسلم معرفة معنى كل آية قيل نعم لكن معرفة معانى ~~الجميع فرض على الكفاية وعلى كل مسلم معرفة ما لابد منه وهؤلاء ذمهم الله ~~لأنهم لا يعلمون معانى الكتاب إلا تلاوة وليس عندهم إلا الظن وهذا يشبه ~~قوله @QB@ وإنهم لفي شك منه مريب @QE@ # فإن قيل فقد قال بعض المفسرين @QB@ إلا أماني @QE@ إلا ما يقولونه ~~بأفواههم كذبا وباطلا وروى هذا عن بعض السلف وإختاره الفراء وقال @QB@ ~~الأماني @QE@ الأكاذيب المفتعلة قال بعض العرب لإبن دأب وهو يحدث أهذا شيء ~~رويته أم تمنيته أي إفتعلته فأراد بالأمانى الأشياء التى كتبها علماؤهم من ~~قبل أنفسهم ثم أضافوها إلى الله من تغيير صفة محمد ms5427 صلى الله عليه وسلم وقال ~~بعضهم @QB@ الأماني @QE@ يتمنون على الله الباطل والكذب كقولهم @QB@ لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة @QE@ وقولهم @QB@ لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى @QE@ وقولهم @QB@ نحن أبناء الله وأحباؤه @QE@ وهذا أيضا ~~يروى عن بعض السلف # قيل كلا القولين ضعيف والصواب الأول لأنه سبحانه قال PageV17P440 # ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ( وهذا الإستثناء إما أن يكون ~~متصلا أو منقطعا فإن كان متصلا لم يجز إستثناء الكذب ولا أماني القلب من ~~الكتاب وإن كان منقطعا فالإستثناء المنقطع إنما يكون فيما كان نظير المذكور ~~وشبيها له من بعض الوجوه فهو من جنسه الذي لم يذكر في اللفظ ليس من جنس ~~المذكور ولهذا لايصلح المنقطع حيث يصلح الإستثناء المفرغ وذلك كقوله @QB@ ~~لا يذوقون فيها الموت @QE@ ثم قال @QB@ إلا الموتة الأولى @QE@ فهذا منقطع ~~لأنه يحسن أن يقال ( لا يذقون إلا الموتة الأولى ( وكذلك قوله تعالى @QB@ ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ لأنه ~~يحسن أن يقال لا تأكلوا أموالكم بينكم إلا أن تكون تجارة وقوله @QB@ ما لهم ~~به من علم إلا اتباع الظن @QE@ يصلح أن يقال وما لهم إلا إتباع الظن فهنا ~~لما قال @QB@ لا يعلمون الكتاب إلا أماني @QE@ يحسن أن يقال لا يعلمونه إلا ~~أماني فإنهم يعلمونه تلاوة يقرأونها ويسمعونها ولا يحسن أن يقال لا يعلمون ~~إلا ما تتمناه قلوبهم أو لا يعلمون إلا الكذب فإنهم كانوا يعلمون ما هو صدق ~~أيضا فليس كل ما علموه من علمائهم كان كذبا بخلاف الذي لا يعقل معنى الكتاب ~~فإنه لا يعلم إلا تلاوة # وأيضا فهذه الأماني الباطلة التى تمنوها بقلوبهم وقالوها بألسنتهم ~~PageV17P441 كقوله تعالى @QB@ تلك أمانيهم @QE@ قد إشتركوا فيها كلهم فلا ~~يخص بالذم الأميون منهم وليس لكونهم أميين مدخل في الذم بهذه ولا لنفي ~~العلم بالكتاب مدخل في الذم بهذه بل الذم بهذه مما يعلم أنها باطل أعظم من ~~ذم من لا يعلم أنها باطل ولهذا لما ذم الله بها عمم ولم يخص فقال تعالى ms5428 ~~@QB@ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم @QE@ ~~الآية # وأيضا فإنه قال @QB@ وإن هم إلا يظنون @QE@ فدل على أنه ذمهم على نفى ~~العلم وعلى أنه ليس معهم إلا الظن وهذا حال الجاهل بمعانى الكتاب لا حال من ~~يعلم أنه يكذب فظهر أن هذا الصنف ليس هم الذين يقولون بأفواههم الكذب ~~والباطل ولو أريد ذلك لقيل لا يقولون إلا أماني لم يقل لايعلمون الكتاب إلا ~~أماني بل ذلك الصنف هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويلوون ألسنتهم ~~بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو ~~من عند الله ويكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا به ثمنا قليلا فهم يحرفون ~~معاني الكتاب وهم يحرفون لفظه لمن لم يعرفه ويكذبون في لفظهم وخطهم وقد ثبت ~~في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر PageV17P442 ضب لدخلتموه قالوا يا ~~رسول الله اليهود والنصارى قال فمن ( وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ? < لتأخذن أمتى مآخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا ~~يا رسول الله فارس والروم قال ومن الناس إلا أولئك > ? # فهذا دليل على أن ما ذم الله به أهل الكتاب في هذه الآية يكون في هذه ~~الأمة من يشبههم فيه وهذا حق قد شوهد قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد @QE@ فمن تدبر ما أخبر الله به ورسوله رأي أنه قد وقع من ذلك أمور ~~كثيرة بل أكثر الأمور ودله ذلك على وقوع الباقي ### ||| فصل # فقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك كما كان على ذلك الصحابة والتابعون ~~لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم فقد بينه الله ~~ورسوله بيانا شافيا فكيف بأصول التوحيد ms5429 والإيمان ثم إذا عرف ما بينه الرسول ~~نظر في أقوال PageV17P443 الناس وما أرادوه بها فعرضت على الكتاب والسنة # والعقل الصريح دائما موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا يخالفه قط فإن ~~الميزان مع الكتاب والله أنزل الكتاب بالحق والميزان لكن قد تقصر عقول ~~الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا ~~فيه لا بما يعلمون بعقولهم بطلانه فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم تخبر ~~بمحارات العقول لا تخبر بمحالات العقول فهذا سبيل الهدى والسنة والعلم وأما ~~سبيل الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك أن يبتدع بدعة برأي رجال وتأويلاتهم ~~ثم يجعل ما جاء به الرسول تبعا لها ويحرف ألفاظه ويتأول على وفق ما أصلوه # وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول ولا يتلقون ~~الهدى منه ولكن ما وافقهم منه قبلوه وجعلوه حجة لا عمدة وما خالفهم تأولوه ~~كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه أو فوضوه كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وهؤلاء قد لا يعرفون ما جاء به الرسول إما عجزا وإما تفريطا فإنه يحتاج إلى ~~مقدمتين أن الرسول قال كذا وأنه أراد به كذا أما الأولى فعامتهم لا يرتابون ~~في أنه جاء بالقرآن وإن كان من غلاة أهل البدع من يرتاب في بعضه لكن ~~الأحاديث عامة أهل البدع جهال بها وهم يظنون أن هذه رواها آحاد يجوزون ~~عليهم الكذب والخطأ ولا يعرفون من كثرة PageV17P444 طرقها وصفات رجالها ~~والأسباب الموجبة للتصديق بها ما يعلمه أهل العلم بالحديث فإن هؤلاء يقطعون ~~قطعا يقينا بعامة المتون الصحيحة التى في الصحيحين كما قد بسطناه في غير ~~هذا الموضع # وأما المقدمة الثانية فإنهم قد لا يعرفون معانى القرآن والحديث ومنهم من ~~يقول الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم وقد بسطنا الكلام على ~~فساد ذلك في غير هذا الموضع # وكثير منهم إنما ينظر من تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقوه على ~~المذهب فيتأول تأويلاتهم فالنصوص التى توافقهم يحتجون بها والتى تخالفهم ~~يتأولونها وكثير منهم لم يكن ms5430 عمدتهم في نفس الأمر إتباع نص أصلا وهذا في ~~البدع الكبار مثل الرافضة والجهمية فإن الذي وضع الرفض كان زنديقا إبتدأ ~~تعمد الكذب الصريح الذى يعلم أنه كذب كالذين ذكرهم الله من اليهود الذين ~~يفترون على الله الكذب وهم يعلمون ثم جاء من بعدهم من ظن صدق ما إفتراه ~~أولئك وهم في شك منه كما قال تعالى @QB@ وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ~~لفي شك منه مريب @QE@ # وكذلك الجهمية ليس معهم على نفي الصفات وعلو الله على العرش ونحو ذلك نص ~~أصلا لا آية ولا حديث ولا أثر عن الصحابة PageV17P445 بل الذي إبتدأ ذلك لم ~~يكن قصده إتباع الأنبياء بل وضع ذلك كما وضعت عبادة الأوثان وغير ذلك من ~~أديان الكفار مع علمهم بأن ذلك مخالف للرسل كما ذكر عن مبدلة اليهود ثم فشا ~~ذلك فيمن لم يعرفوا أصل ذلك # وهذا بخلاف بدعة الخوارج فإن أصلها ما فهموه من القرآن فغلطوا في فهمه ~~ومقصودهم إتباع القرآن باطنا وظاهرا ليسو زنادقة # وكذلك القدرية أصل مقصودهم تعظيم الأمر والنهي والوعد والوعيد الذي جاءت ~~به الرسل ويتبعون من القرآن ما دل على ذلك فعمرو إبن عبيد وأمثاله لم يكن ~~أصل مقصودهم معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم كالذي إبتدع الرفض # وكذلك الإرجاء إنما أحدثه قوم قصدهم جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا ~~كفارا قابلوا الخوارج والمعتزلة فصاروا في طرف آخر # وكذلك التشيع المتوسط الذي مضمونه تفضيل علي وتقديمه على غيره ونحو ذلك ~~لم يكن هذا من إحداث الزنادقة بخلاف دعوى النص فيه والعصمة فإن الذي إبتدع ~~ذلك كان منافقا زنديقا PageV17P446 و لهذا قال عبد الله بن المبارك ويوسف ~~بن اسباط وغيرهما أصول البدع أربعة الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة ~~قالوا والجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة وكذلك ذكر أبو عبد الله بن ~~حامد عن أصحاب أحمد في ذلك قولين هذا أحدهما وهذا أرادوا به التجهم المحض ~~الذي كان عليه جهم نفسه ومتبعوه عليه وهو نفي الأسماء مع نفي الصفات بحيث ~~لا يسمى الله بشيء ms5431 من أسمائه الحسنى ولا يسميه شيئا ولا موجودا ولا غير ذلك ~~وإنما نقل عنه أنه كان يسميه قادرا لأن جميع الأسماء يسمى بها الخلق فزعم ~~أنه يلزم منها التشبيه بخلاف القادر فانه كان رأس الجبرية وعنده ليس للعبد ~~قدرة ولا فعل ولا يسمى غير الله قادرا فلهذا نقل عنه أنه سمى الله قادرا # وشر منه نفاة الأسماء والصفات وهم الملاحدة من الفلاسفة والقرامطة ولهذا ~~كان هؤلاء عند الأئمة قاطبة ملاحدة منافقين بل فيهم من الكفر الباطن ما هو ~~أعظم من كفر اليهود والنصارى وهؤلاء لا ريب أنهم ليسوا من الثنتين وسبعين ~~فرقة واذا أظهروا الإسلام فغايتهم أن يكونوا منافقين كالمنافقين الذين ~~كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولئك كانوا أقرب إلى الإسلام ~~من هؤلاء فإنهم كانوا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة وهؤلاء قد PageV17P447 ~~يقولون برفعها فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة لكن قد يقال إن أولئك ~~كانوا قد قامت عليهم الحجة بالرسالة أكثر من هؤلاء # وأما من يقول ببعض التجهم كالمعتزلة ونحوهم الذين يتدينون بدين الإسلام ~~باطنا وظاهرا فهؤلاء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بلا ريب # وكذلك من هو خير منهم كالكلابية والكرامية # وكذلك الشيعة المفضلين لعلي ومن كان منهم يقول بالنص والعصمة مع إعتقاده ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا وظنه أن ما هو عليه هو دين ~~الإسلام فهؤلاء اهل ضلال وجهل ليسوا خارجين عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بل هم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا # وعامة هؤلاء ممن يتبع ما تشابه من القرآن إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله ~~كما أن من المنافقين والكفار من يفعل ذلك ولهذا قال طائفة من المفسرين ~~كالربيع بن أنس هم النصارى كنصاري نجران وقالت طائفة كالكلبي هم اليهود ~~وقالت طائفة كإبن جريج هم المنافقون وقالت طائفة كالحسن هم الخوارج وقالت ~~طائفة كقتادة هم الخوارج والشيعة وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية @QB@ فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ @QE@ PageV17P448 يقول إن لم يكونوا الحرورية ~~والسبائية فلا ms5432 أدري من هم والسبائية نسبة إلى عبد الله بن سبأ رأس الرافضة ### ||| فصل # والمعنى الصحيح الذي هو نفي المثل والشريك والند قد دل عليه قوله سبحانه ~~@QB@ أحد @QE@ وقوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ وقوله @QB@ هل تعلم له ~~سميا @QE@ وأمثال ذلك فالمعاني الصحيحة ثابتة بالكتاب والسنة والعقل يدل ~~على ذلك # وقول القائل الأحد أو الصمد أو غير ذلك هو الذي لا ينقسم ولا يتفرق أو ~~ليس بمركب ونحو ذلك هذه العبارات إذا عنى بها أنه لا يقبل التفرق والانقسام ~~فهذا حق وأما إن عنى به أنه لا يشار إليه بحال أو من جنس ما يعنون بالجوهر ~~الفرد أنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء فهذا عند أكثر العقلاء يمتنع وجوده ~~وإنما يقدر في الذهن تقديرا وقد علمنا أن العرب حيث أطلقت لفظ @QB@ الواحد ~~@QE@ و الأحد نفيا وإثباتا لم ترد هذا المعنى فقوله تعالى @QB@ وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره @QE@ لم يرد به هذا المعنى الذي فسروا به الواحد ~~والأحد وكذلك قوله @QB@ وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ PageV17P449 وكذلك ~~قوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ فإن المعنى لم يكن له أحد من الآحاد ~~كفوا له فإن كان الأحد عبارة عمالا يتميز منه شيء عن شيء ولا يشار إلى شيء ~~منه دون شيء فليس في الموجودات ما هو أحد إلا ما يدعونه من الجوهر الفرد ~~ومن رب العالمين وحينئذ لا يكون قد نفى عن شيء من الموجودات أن يكون كفوا ~~للرب لأنه لم يدخل في مسمى أحد # وقد بسطنا الكلام على هذا بسطا كثيرا في المباحث العقلية والسمعية التى ~~يذكرها نفاة الصفات من الجهمية وأتباعهم في كتابنا المسمى ( بيان تلبيس ~~الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية # ولهذا لما إحتجت الجهمية على السلف كالإمام أحمد وغيره على نفي الصفات ~~بإسم الواحد قال أحمد قالوا لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا قد كان الله ~~ولا شيء قلنا نحن نقول كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا أن الله لم يزل ~~بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها ms5433 واحدا وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا ~~أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار وإسمها شيء ~~واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله ~~واحد لا نقول أنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة ~~ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى PageV17P450 # خلق له علما ولكن نقول لم يزل عالما قادرا مالكا لا متى ولا كيف ومما ~~يبين هذا أن سبب نزول هذه السورة الذي ذكره المفسرون يدل على ذلك فإنهم ~~ذكروا أسبابا # ( أحدها ( ما تقدم عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنسب لنا ربك فنزلت هذه السورة # ( والثاني ( أن عامر بن الطفيل قال للنبى صلى الله عليه وسلم ( إلى م ~~تدعونا إليه يا محمد قال إلى الله قال فصفه لي أمن ذهب هو أم من فضة أم من ~~حديد فنزلت هذه السورة ( وروى ذلك عن إبن عباس من طريق أبى ظبيان وأبى صالح ~~عنه # ( والثالث ( أن بعض اليهود قال ذلك قالوا من أي جنس هو وممن ورث الدنيا ~~ولمن يورثها فنزلت هذه السورة قاله قتادة والضحاك قال الضحاك وقتادة ومقاتل ~~( جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد صف ~~لنا ربك لعلنا نؤمن بك فإن الله أنزل نعته في التوراة فأخبرنا به من أي شيء ~~هو ومن أي جنس هو أمن ذهب أم من نحاس هو أم من صفر أم من حديد أم من فضة ~~وهل يأكل ويشرب وممن ورث الدنيا ولمن يورثها فأنزل الله هذه السورة ( وهي ~~نسبة الله خاصة PageV17P451 # ( والرابع ( ما روى عن الضحاك عن إبن عباس أن وفد نجران قدموا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بسبعة أساقفة من بني الحارث بن كعب منهم السيد والعاقب ~~فقالوا للنبى صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك من أي شيء هو قال النبى صلى ~~الله ms5434 عليه وسلم ( إن ربى ليس من شيء وهو بائن من الأشياء فأنزل الله تعالى ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ فهؤلاء سألوا هل هو من جنس من أجناس المخلوقات ~~وهل هو من مادة فبين الله تعالى أنه أحد ليس من جنس شيء من المخلوقات وأنه ~~صمد ليس من مادة بل هو صمد لم يلد ولم يولد وإذا نفي عنه أن يكون مولودا من ~~مادة الوالد فلأن ينفى عنه أن يكون من سائر المواد أولى وأحرى فإن المولود ~~من نظير مادته أكمل من مادة ما خلق من مادة أخرى كما خلق آدم من الطين ~~فالمادة التى خلق منها أولاده أفضل من المادة التى خلق منها هو ولهذا كان ~~خلقه أعجب فإذا نزه الرب عن المادة العليا فهو عن المادة السفلى أعظم ~~تنزيها وهذا كما أنه إذا كان منزها عن أن يكون أحد كفوا له فلأن يكون منزها ~~عن أن يكون أحد أفضل منه أولى وأحرى # وهذا مما يبين أن هذه السورة إشتملت على جميع أنواع التنزيه والتحميد على ~~النفى والإثبات ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن فالصمدية تثبت الكمال المنافى ~~للنقائص والأحدية تثبت الإنفراد بذلك PageV17P452 و كذلك إذا نزه نفسه عن ~~أن يلد فيخرج منه مادة الولد التى هي أشرف المواد فلأن ينزه نفسه عن أن ~~يخرج منه مادة غير الولد بطريق الأولى والأحرى وإذا نزه نفسه عن أن يخرج ~~منه مواد للمخلوقات فلأن ينزه عن أن يخرج منه فضلات لا تصلح أن تكون مادة ~~بطريق الأولى والأحرى والإنسان يخرج منه مادة الولد ويخرج منه مادة غير ~~الولد كما يخلق من عرقه ورطوبته القمل والدود وغيرؤ ذلك ويخرج منه المخاط ~~والبصاق وغير ذلك وقد نزه الله أهل الجنة عن أن يخرج منهم شيء من ذلك وأخبر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا ~~يتمخطون وأنه يخرج منهم مثل رشح المسك وأنهم يجامعون بذكر لا يخفى وشهوة لا ~~تنقطع ولا مني ولا منية وإذا إشتهى أحدهم الولد كان حمله ms5435 ووضعه في زمن يسير # فقد تضمن تنزيه نفسه عن أن يكون له ولد وأن يخرج منه شيء من الأشياء كما ~~يخرج من غيره من المخلوقات وهذا أيضا من تمام معنى الصمد كما سبق في تفسيره ~~أنه الذي لا يخرج منه شيء وكذلك تنزيه نفسه عن أن يولد فلا يكون من مثله ~~تنزيه له أن يكون من سائر المواد بطريق الأولى والأحرى # وقد تقدم في حديث أبي بن كعب أنه ليس شيء يولد إلا سيموت PageV17P453 # وليس شيء يموت إلا يورث والله تعالى لا يموت ولا يورث وهذا رد لقول ~~اليهود ممن ورث الدنيا ولمن يورثها وكذلك ما نقل من سؤال النصارى صف لنا ~~ربك من أي شيء هو فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( إن ربي ليس من شيء وهو ~~بائن من الأشياء ( وكذلك سؤال المشركين واليهود أمن فضة هو أم من ذهب هو أم ~~من حديد وذلك لأن هؤلاء عهدوا الآلهة التى يعبدونها من دون الله يكون لها ~~مواد صارت منها فعباد الأوثان تكون أصنامهم من ذهب وفضة وحديد وغير ذلك # وعباد البشر سواء كان البشر لم يأمروهم بعبادتهم أو أمروهم بعبادتهم ~~كالذين يعبدون المسيح وعزير وكقوم فرعون الذين قال لهم @QB@ أنا ربكم ~~الأعلى @QE@ و @QB@ ما علمت لكم من إله غيري @QE@ وقال لموسى @QB@ لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين @QE@ وكالذي آتاه الله نصيبا من ~~الملك الذي حاج إبراهيم في ربه إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيى ويميت قال أنا ~~أحيي وأميت وكالدجال الذي يدعى الألهية وما من خلق آدم إلى قيام الساعة ~~فتنة أعظم من فتنة الدجال وكالذين قالوا @QB@ لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ # وقد قال غير واحد من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا فيهم فلما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم بعد ذلك PageV17P454 عبدوهم ~~وذلك أول ما عبدت الأصنام وأن هذه الأصنام صارت إلى العرب وقد ذكر ذلك ~~البخاري في صحيحه عن إبن عباس قال صارت الأوثان ms5436 التى في قوم نوح في العرب ~~بعد أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل وأما يغوث فكانت ~~لمراد ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبأ وأما يعوق فكانت لهمدان وأما نسر فكانت ~~لحمير لآل ذى الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان ~~إلى قومهم أن إنصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها ~~بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت # ونوح عليه السلام أقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى ~~التوحيد وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض كما ثبت ذلك في الصحيح ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل وكلا المرسلين بعث إلى مشركين يعبدون هذه ~~الأصنام التى صورت على صور الصالحين من البشر والمقصود بعبادتها عبادة ~~أولئك الصالحين # وكذلك المشركون من أهل الكتاب ومن مبتدعة هذه الأمة وضلالها هذا غاية ~~شركهم فإن النصارى يصورون في الكنائس صور من يعظمونه من الإنس غير عيسى ~~وأمه مثل مار جرجس وغيره من القداديس ويعبدون تلك الصور ويسألونها ويدعونها ~~ويقربون PageV17P455 لها القرابين وينذرون لها النذور ويقولون هذه تذكرنا ~~بأولئك الصالحين # والشياطين تضلهم كما كانت تضل المشركين تارة بأن يتمثل الشيطان في صورة ~~ذلك الشخص الذي يدعى ويعبد فيظن داعيه أنه قد اتي أو يظن أن الله صور ملكا ~~على صورته فإن النصرانى مثلا يدعو في الأسر وغيره مارجرجس أو غيره فيراه قد ~~أتاه في الهواء وكذلك أخر غيره وقد سألوا بعض بطارقتهم عن هذا كيف يوجد في ~~هذه الأماكن فقال هذه ملائكة يخلقهم الله على صورته تغيث من يدعوه وإنما ~~تلك شياطين أضلت المشركين # وهكذا كثير من أهل البدع والضلال والشرك المنتسبين إلى هذه الأمة فإن ~~أحدهم يدعو ويستغيث بشيخه الذي يعظمه وهو ميت أو يستغيث به عند قبره ويسأله ~~وقد ينذر له نذرا ونحو ذلك ويرى ذلك الشخص قد أتاه في الهواء ودفع عنه بعض ~~ما يكره أو كلمه ببعض ما سأله عنه ونحو ذلك فيظنه ms5437 الشيخ نفسه أتى إن كان ~~حيا حتى إنى أعرف من هؤلاء جماعات يأتون إلى الشيخ نفسه الذي إستغاثوا به ~~وقد رأوه أتاهم في الهواء فيذكرون ذلك له هؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ وهؤلاء ~~يأتون إلى هذا الشيخ فتارة يكون الشيخ نفسه لم يكن يعلم بتلك القضية فإن ~~كان يحب الرياسة سكت وأوهم أنه نفسه أتاهم وأغاثهم وإن كان فيه صدق مع جهل ~~وضلال قال هذا ملك صوره الله على PageV17P456 صورتى وجعل هذا من كرامات ~~الصالحين وجعله عمدة لمن يستغيث بالصالحين ويتخذهم أربابا وأنهم إذا ~~إستغاثوا بهم بعث الله ملائكة على صورهم تغيث المستغيث بهم # ولهذا أعرف غير واحد من الشيوخ الأكابر الذين فيهم صدق وزهد وعبادة لما ~~ظنوا هذا من كرامات الصالحين صار أحدهم يوصى مريديه يقول إذا كانت لأحدكم ~~حاجة فليستغث بي وليستنجدنى وليستوصنى ويقول أنا أفعل بعد موتى ما كنت أفعل ~~في حياتى وهو لايعرف أن تلك شياطين تصورت على صورته لتضله وتضل أتباعه ~~فتحسن لهم الإشراك بالله ودعاء غير الله والإستغاثة بغير الله وأنها قد ~~تلقى في قلبه أنا نفعل بعد موتك بأصحابك ما كنا نفعل بهم في حياتك فيظن هذا ~~من خطاب إلهي ألقي في قلبه فيأمر أصحابه بذلك وأعرف من هؤلاء من كان له ~~شياطين تخدمه في حياته بأنواع الخدم مثل خطاب أصحابه المستغيثين به ~~وأعانتهم وغير ذلك فلما مات صاروا يأتون أحدهم في صورة الشيخ ويشعرونه أنه ~~لم يمت ويرسلون إلى أصحابه رسائل بخطاب وقد كان يجتمع بى بعض أتباع هذا ~~الشيخ وكان فيه زهد وعبادة وكان يحبني ويحب هذا الشيخ ويظن أن هذا من ~~الكرامات وأن الشيخ لم يمت # وذكر لي الكلام الذي أرسله إليه بعد موته فقرأه فإذا هو كلام الشياطين ~~PageV17P457 # بعينه وقد ذكر لي غير واحد ممن أعرفهم أنهم إستغاثوا بى فرأونى في الهواء ~~وقد أتيتهم وخلصتهم من تلك الشدائد مثل من أحاط به النصارى الأرمن ليأخذوه ~~وآخر قد أحاط به العدو ومعه كتب ملطفات من مناصحين لو أطلعوا على ما ms5438 معه ~~لقتلوه ونحو ذلك فذكرت لهم أنى مادريت بما جرى أصلا وحلفت لهم على ذلك حتى ~~لا يظنوا أنى كتمت ذلك كما تكتم الكرامات وأنا قد علمت أن الذي فعلوه ليس ~~بمشروع بل هو شرك وبدعة ثم تبين لي فيما بعد وبينت لهم أن هذه شياطين تتصور ~~على صورة المستغاث به # وحكى لي غير واحد من أصحاب الشيوخ أنه جرى لمن إستغاث بهم مثل ذلك وحكى ~~خلق كثير أنهم إستغاثوا بأحياء وأموات فرأوا مثل ذلك وإستفاض هذا حتى عرف ~~أن هذا من الشياطين والشياطين تغوى الإنسان بحسب الإمكان فإن كان ممن لا ~~يعرف دين الإسلام أوقعته في الشرك الظاهر والكفر المحض فأمرته أن لا يذكر ~~الله وأن يسجد للشيطان ويذبح له وأمرته أن يأكل الميتة والدم ويفعل الفواحش ~~وهذا يجري كثيرا في بلاد الكفر المحض وبلاد فيها كفر وإسلام ضعيف ويجري في ~~بعض مدائن الإسلام في المواضع التى يضعف إيمان أصحابها حتى قد جرى ذلك في ~~مصر والشام على أنواع يطول وصفها وهو في أرض الشرق قبل ظهور PageV17P458 ~~الإسلام في التتار كثير جدا وكلما ظهر فيهم الإسلام وعرفوا حقيقته قلت آثار ~~الشياطين فيهم وإن كان مسلما يختار الفواحش والظلم أعانته على الظلم ~~والفواحش وهذا كثير جدا أكثر من الذي قبله في البلاد التى في أهلها إسلام ~~وجاهلية وبر وفجور وإن كان الشيخ فيه إسلام وديانة ولكن عنده قلة معرفة ~~بحقيقة ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وقد عرف من حيث الجملة أن ~~لأولياء الله كرامات وهو لايعرف كمال الولاية وأنها الإيمان والتقوى وإتباع ~~الرسل باطنا وظاهرا أو يعرف ذلك مجملا ولا يعرف من حقائق الإيمان الباطن ~~وشرائع الإسلام الظاهرة ما يفرق به بين الأحوال الرحمانية وبين النفسانية ~~والشيطانية كما أن الرؤيا ثلاثة أقسام رؤيا من الله ورؤيا مما يحدث المرء ~~به نفسه في اليقظة فيراه في المنام ورؤيا من الشيطان # فكذلك الأحوال فإذا كان عنده قلة معرفة بحقيقة دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم أمرته الشياطين بأمر ms5439 لا ينكره فتارة يحملون أحدهم في الهواء ويقفون به ~~بعرفات ثم يعيدونه إلى بلده وهو لابس ثيابة لم يحرم حين حاذى المواقيت ولا ~~كشف رأسه ولا تجرد عما يتجرد عنه المحرم ولا يدعونه بعد الوقوف يطوف طواف ~~الإفاضة ويرمي الجمار ويكمل حجه بل يظن أن مجرد الوقوف كما فعل PageV17P459 ~~عبادة وهذا من قلة علمه بدين الإسلام ولو علم دين الإسلام لعلم أن هذا الذي ~~فعله ليس عبادة لله وأنه من إستحل هذا فهو مرتد يجب قتله بل إتفق المسلمون ~~على أنه يجب الإحرام عند الميقات ولا يجوز للإنسان المحرم اللبس في الإحرام ~~إلا من عذر وأنه لا يكتفي بالوقوف بل لابد من طواف الإفاضة بإتفاق المسلمين ~~بل وعليه أن يفيض إلى المشعر الحرام ويرمي جمرة العقبة وهذا مما تنوزع فيه ~~هل هو ركن أو واجب يجبره دم وعليه أيضا رمي الجمار أيام منى بإتفاق ~~المسلمين وقد تحمل أحدهم الجن فتزوره بيت المقدس وغيره وتطير به في الهواء ~~وتمشي به في الماء وقد تريه أنه قد ذهب به إلى مدينة الأولياء وربما أرته ~~أنه يأكل من ثمار الجنة ويشرب من أنهارها # وهذا كله وأمثاله مما أعرفه قد وقع لمن أعرفه لكن هذا باب طويل ليس هذا ~~موضع بسطه # وإنما المقصود أن أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين ~~وعبادة تماثيلهم وهم المقصودون ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب إما ~~الشمس وإما القمر وإما غيرهما وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب وشرك قوم ~~إبراهيم والله أعلم كان من هذا أو كان بعضه من هذا # ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن وضعت الأصنام لأجلهم وإلا ~~فنفس الأصنام PageV17P460 الجمادية لم تعبد لذاتها بل لأسباب إقتضت ذلك ~~وشرك العرب كان أعظمه الأول وكان فيه من الجميع # فإن عمرو بن لحي هو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام وكان قد أتى ~~الشام ورآهم بالبلقاء لهم أصنام يستجلبون بها المنافع ويدفعون بها المضار ~~فصنع مثل ذلك في مكة لما كانت خزاعة ms5440 ولاة البيت قبل قريش وكان هو سيد خزاعة ~~وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( رأيت عمرو بن لحي بن ~~قمعة بن خندف يجر قصبه في النار أي أمعاءه وهو أول من غير دين إبراهيم وسيب ~~السوائب وبحر البحيرة ( وكذلك والله أعلم شرك قوم نوح وإن كان مبدؤه من ~~عبادة الصالحين فالشيطان يجر الناس من هذا إلى غيره لكن هذا أقرب إلى الناس ~~لأنهم يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه فيعكفون على قبره ويقصدون ذلك منه ~~فتارة يسألونه وتارة يسألون الله به وتارة يصلون ويدعون عند قبره ظانين أن ~~الصلاة والدعاء عند قبره أفضل منه في المساجد والبيوت # ولما كان هذا مبدأ الشرك سد النبى صلى الله عليه وسلم هذا الباب كما سد ~~باب الشرك بالكواكب ففي صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ( إن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد الا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى ~~أنهاكم عن ذلك ( وفي PageV17P461 الصحيحين عنه أنه صلى الله عليه وسلم ذكر ~~له كنيسة بأرض الحبشة وذكر من حسنها وتصاوير فيها فقال ( إن أولئك إذا مات ~~فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك هم شرار ~~الخلق عند الله يوم القيامة ( وفى الصحيحين عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم ~~في مرض موته ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ~~ما فعلوا ( قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفى ~~مسند أحمد وصحيح أبي حاتم عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم ( إن من شرار ~~الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد ( وفى سنن ~~أبي داود وغيره عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم ( لا تتخذوا قبري عيدا ~~وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني # وفي موطأ مالك عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد إشتد غضب الله على قوم إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وفي صحيح مسلم عن ms5441 ~~أبي الهياج الأسدي قال قال لي على بن أبي طالب رضى الله عنه ألا أبعثك على ~~ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن لا أدع قبرا مشرفا ~~إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته فأمره بمحو التمثالين الصورة الممثلة على ~~صورة الميت والتمثال الشاخص المشرف فوق قبره فإن الشرك يحصل بهذا وبهذا ~~PageV17P462 و قد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان في سفر فرأي ~~قوما ينتابون مكانا للصلاة فقال ما هذا فقالوا هذا مكان صلى فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال إنما هلك من كان قبلكم بهذا أنهم إتخذوا آثار ~~أنبيائهم مساجد من أدركته الصلاة فليصل وإلا فليمض وبلغه أن قوما يذهبون ~~إلى الشجرة التى بايع النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها فأمر بقطعها ~~وارسل إليه أبو موسى يذكر له أنه ظهر بتستر قبر دانيال وعنده مصحف فيه ~~أخبار ما سيكون قد ذكر فيه أخبار المسلمين وأنهم إذا أجدبوا كشفوا عن القبر ~~فمطروا فأرسل إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا ويدفنه بالليل ~~في واحد منها لئلا يعرفه الناس لئلا يفتنوا به فإتخاذ القبور مساجد مما ~~حرمه الله ورسوله وإن لم يبن عليها مسجدا كان بناء المساجد عليها أعظم # كذلك قال العلماء يحرم بناء المساجد على القبور ويجب هدم كل مسجد بنى على ~~قبر وإن كان الميت قد قبر في مسجد وقد طال مكثه سوى القبر حتى لا تظهر ~~صورته فإن الشرك إنما يحصل إذا ظهرت صورته ولهذا كان مسجد النبى صلى الله ~~عليه وسلم أو لا مقبرة للمشركين وفيها نخل وخرب فأمر بالقبور فنبشت وبالنخل ~~فقطع وبالخرب فسويت فخرج عن أن يكون مقبرة فصار مسجدا PageV17P463 # ولما كان إتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرما ولم يكن شيء من ~~ذلك على عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يكن يعرف قط مسجد على قبر ~~وكان الخليل عليه السلام في المغارة التى دفن فيها وهي مسدودة لا أحد يدخل ~~إليها ولا ms5442 تشد الصحابة الرحال لا إليه ولا إلى غيره من المقابر لأن في ~~الصحيحين من حديث أبى هريرة وأبى سعيد رضى الله عنهما عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ~~والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ( فكان يأتى من يأتى منهم إلى المسجد الأقصى ~~يصلون فيه ثم يرجعون لا يأتون مغارة الخليل ولا غيرها وكانت مغارة الخليل ~~مسدودة حتى إستولى النصارى على الشام في أواخر المائة الرابعة ففتحوا الباب ~~وجعلوا ذلك المكان كنيسة ثم لما فتح المسلمون البلاد إتخذه بعض الناس مسجدا ~~وأهل العلم ينكرون ذلك والذى يرويه بعضهم في حديث الإسراء أنه قيل للنبى ~~صلى الله عليه وسلم هذه طيبة أنزل فصل فنزل فصلى هذا مكان أبيك أنزل فصل ~~كذب موضوع لم يصل النبى صلى الله عليه وسلم تلك الليلة إلا في المسجد ~~الأقصى خاصة كما ثبت ذلك في الصحيح ولا نزل إلا فيه # ولهذا لما قدم الشام من الصحابة من لا يحصى عددهم إلا الله PageV17P464 و ~~قدمها عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس وبعد فتح الشام لما صالح النصارى ~~على الجزية وشرط عليهم الشروط المعروفة وقدمها مرة ثالثة حتى وصل إلى سرغ ~~ومعه أكابر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فلم يذهب أحد منهم إلى ~~مغارة الخليل ولا غيرها من آثار الأنبياء التى بالشام لا ببيت المقدس ولا ~~بدمشق ولا غير ذلك مثل الآثار الثلاثة التى بجبل قاسيون في غربية الربوة ~~المضافة إلى عيسى عليه السلام وفي شرقيه المقام المضاف إلى الخليل عليه ~~السلام وفى وسطه وأعلاه مغارة الدم المضافة إلى هابيل لما قتله قابيل فهذه ~~البقاع وأمثالها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها ولا يزورونها ولا يرجون ~~منها بركة فإنها محل الشرك # ولهذا توجد فيها الشياطين كثيرا وقد رآهم غير واحد على صورة الإنس ~~ويقولون لهم رجال الغيب يظنون أنهم رجال من الإنس غائبين عن الأبصار وإنما ~~هم جن والجن يسمون رجالا كما قال الله تعالى ( @QB@ وأنه كان رجال من الإنس ms5443 ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ والإنس سموا إنسا لأنهم يؤنسون أى ~~يرون كما قال تعالى @QB@ إني آنست نارا @QE@ أي رأيتها والجن سموا جنا ~~لأجتنانهم يجتنون عن الأبصار أي يستترون كما قال تعالى @QB@ فلما جن عليه ~~الليل @QE@ أي إستولى عليه فغطاه وستره وليس أحد من الإنس يستتر دائما عن ~~PageV17P465 أبصار الإنس وإنما يقع هذا لبعض الإنس في بعض الأحوال تارة على ~~وجه الكرامة له وتارة يكون من باب السحر وعمل الشياطين ولبسط الكلام على ~~الفرق بين هذا وبين هذا موضع آخر # والمقصود ها هنا أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على قبر ~~نبى ولا رجل صالح مسجدا ولا جعلوه مشهدا ومزارا ولا على شيء من آثار ~~الأنبياء مثل مكان نزل فيه أوصلى فيه أو فعل فيه شيئا من ذلك لم يكونوا ~~يقصدون بناء مسجد لأجل آثار الأنبياء والصالحين ولم يكن جمهورهم يقصدون ~~الصلاة في مكان لم يقصد الرسول الصلاة فيه بل نزل فيه أو صلى فيه إتفاقا بل ~~كان أئمتهم كعمر بن الخطاب وغيره ينهى عن قصد الصلاة في مكان صلى فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إتفاقا لا قصدا وإنما نقل عن إبن عمر خاصة أنه كان ~~يتحرى أن يسير حيث سار رسول الله صلى الله عليه وسلم وينزل حيث نزل ويصلى ~~حيث صلى وإن كان النبى صلى الله عليه وسلم لم يقصد تلك البقعة لذلك الفعل ~~بل حصل إتفاقا وكان إبن عمر رضي الله عنهما رجلا صالحا شديد الإتباع فرأى ~~هذا من الإتباع وأما أبوه وسائر الصحابة من الخلفاء الراشدين عثمان وعلي ~~وسائر العشرة وغيرهم مثل إبن مسعود ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب فلم يكونوا ~~يفعلون ما فعل إبن عمر وقول الجمهور أصح PageV17P466 وذلك أن المتابعة أن ~~يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل لأجل أنه فعل فإذا قصد الصلاة والعبادة ~~في مكان معين كان قصد الصلاة والعبادة في ذلك المكان متابعة له وأما إذا لم ~~يقصد تلك البقعة فإن قصدها يكون مخالفة ms5444 لا متابعة له مثال الأول لما قصد ~~الوقوف والذكر والدعاء بعرفة ومزدلفة وبين الجمرتين كان قصد تلك البقاع ~~متابعة له وكذلك لما طاف وصلى خلف المقام ركعتين كان فعل ذلك متابعة له ~~وكذلك لما صعد على الصفا والمروة للذكر والدعاء كان قصد ذلك متابعة له وقد ~~كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الإسطوانة قال لأني رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها فلما رآه يقصد تلك البقعة لأجل ~~الصلاة كان ذلك القصد للصلاة متابعة وكذلك لما أراد عتبان بن مالك أن يبني ~~مسجدا لما عمى فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أنى أحب أن ~~تأتيني تصلي في منزلي فأتخذه مصلى وفى رواية فقال تعال فحط لي مسجدا فأتي ~~النبى صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه وفي رواية فغدا علي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق حين إرتفع النهار فإستأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت فقال أين تحب أن أصلي ~~من بيتك فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقمنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم الحديث PageV17P467 فإنه قصد أن يبني مسجدا ~~وأحب أن يكون أول من يصلى فيه النبى صلى الله عليه وسلم وأن يبنيه في ~~الموضع الذي صلى فيه فالمقصود كان بناء المسجد وأراد أن يصلي النبى صلى ~~الله عليه وسلم في المكان الذي يبنيه فكانت الصلاة مقصودة لأجل المسجد لم ~~يكن بناء المسجد مقصودا لأجل كونه صلى فيه إتفاقا وهذا المكان مكان قصد ~~النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة فيه ليكون مسجدا فصار قصد الصلاة فيه ~~متابعة له بخلاف ما إتفق أنه صلى فيه بغير قصد وكذلك قصد يوم الإثنين ~~والخميس بالصوم متابعة لأنه قصد صوم هذين اليومين وقال في الحديث الصحيح ( ~~أنه تفتح أبواب الجنة في كل خميس وإثنين فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا ~~إلا رجلا كان بينه وبين ms5445 أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا ( # وكذلك قصد إتيان مسجد قباء متابعة له فإنه قد ثبت عنه في الصحيحين أنه ~~كان يأتى قباء كل سبت راكبا وماشيا وذلك أن الله أنزل عليه ( لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ( وكان مسجده هو الأحق بهذا الوصف وقد ~~ثبت في الصحيح أنه سئل عن المسجد المؤسس على التقوى فقال ( هو مسجدي هذا ( ~~يريد أنه أكمل في هذا الوصف من مسجد قباء ومسجد قباء أيضا أسس على التقوى ~~وبسببه نزلت الآية ولهذا قال ( فيه رجال يحبون PageV17P468 أن يتطهروا ~~والله يحب المطهرين ( وكان أهل قباء مع الوضوء والغسل يستنجون بالماء ~~تعلموا ذلك من جيرانهم اليهود ولم تكن العرب تفعل ذلك فأراد النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن لا يظن ظان أن ذاك هو الذي أسس على التقوى دون مسجده ~~فذكر أن مسجده أحق بأن يكون هو المؤسس على التقوى فقوله ( لمسجد أسس على ~~التقوى ( يتناول مسجده ومسجد قباء ويتناول كل مسجد أسس على التقوى بخلاف ~~مساجد الضرار # ولهذا كان السلف يكرهون الصلاة فيما يشبه ذلك ويرون العتيق أفضل من ~~الجديد لأن العتيق أبعد عن أن يكون بنى ضرارا من الجديد الذي يخاف ذلك فيه ~~وعتق المسجد مما يحمد به ولهذا قال ( ثم محلها إلى البيت العتيق ( وقال ( ~~إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ( فإن قدمه يقتضي كثرة العبادة فيه أيضا ~~وذلك يقتضي زيادة فضله ولهذا لم يستحب علماء السلف من أهل المدينة وغيرها ~~قصد شيء من المساجد والمزارات التى بالمدينة وما حولها بعد مسجد النبى صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلا مسجد قباء لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقصد ~~مسجدا بعينه يذهب إليه إلا هو وقد كان بالمدينة مساجد كثيرة لكل قبيلة من ~~الأنصار مسجد لكن ليس في قصده دون أمثاله فضيلة بخلاف مسجد قباء فإنه أول ~~مسجد بنى بالمدينة PageV17P469 على الإطلاق وقد قصده الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بالذهاب إليه وصح عنه صلى الله ms5446 عليه وسلم أنه قال ( من توضأ في بيته ~~ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة ( # ومع هذا فلا يسافر إليه لكن إذا كان الإنسان بالمدينة أتاه ولا يقصد ~~إنشاء السفر إليه بل يقصد إنشاء السفر إلى المساجد الثلاثة لقوله صلى الله ~~عليه وسلم ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى ومسجدي هذا ( ولهذا لو نذر السفر إلى مسجد قباء لم يوف بنذره عند ~~الأئمة الأربعة وغيرهم بخلاف المسجد الحرام فإنه يجب الوفاء بالنذر إليه ~~بإتفاقهم وكذلك مسجد المدينة وبيت المقدس في أصح قوليهم وهو مذهب مالك ~~وأحمد والشافعي في أحد قوليه وفى الآخر وهو قول أبي حنيفة ليس عليه ذلك ~~لكنه جائز ومستحب لأن من أصله أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان واجبا بالشرع ~~والأكثرون يقولون يجب بالنذر كل ما كان طاعة لله كما ثبت في صحيح البخاري ~~عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ( # ويستحب أيضا زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد للدعاء لهم والإستغفار لأن ~~النبى صلى الله عليه وسلم كان يقصد ذلك مع PageV17P470 أن هذا مشروع لجميع ~~موتى المسلمين كما يستحب السلام عليهم والدعاء لهم والإستغفار وزيارة ~~القبور بهذا القصد مستحبة وسواء في ذلك قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم ~~وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول السلام عليك يا رسول الله السلام ~~عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف # وأما زيارة قبور الأنبياء والصالحين لأجل طلب الحاجات منهم أو دعائهم ~~والإقسام بهم على الله أو ظن أن الدعاء أو الصلاة عند قبورهم أفضل منه في ~~المساجد والبيوت فهذا ضلال وشرك وبدعة بإتفاق أئمة المسلمين ولم يكن أحد من ~~الصحابة يفعل ذلك ولا كانوا إذا سلموا على النبى صلى الله عليه وسلم يقفون ~~يدعون لأنفسهم ولهذا كره ذلك مالك وغيره من العلماء وقالوا إنه من البدع ~~التى لم يفعلها ms5447 السلف وإتفق العلماء الأربعة وغيرهم من السلف على أنه إذا ~~أراد أن يدعو يستقبل القبلة ولا يستقبل قبر النبى صلى الله عليه وسلم وأما ~~إذا سلم عليه فأكثرهم قالوا يستقبل القبر قاله مالك والشافعي وأحمد وقال ~~أبو حنيفة بل يستقبل القبلة أيضا ويكون القبر عن يساره وقيل بل يستدبر ~~القبلة # ومما يبين هذا الأصل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر هو وأبو ~~بكر ذهبا إلى الغار الذي بجبل ثور ولم يكن على طريقهما PageV17P471 ~~بالمدينة فإنه من ناحية اليمن والمدينة من ناحية الشام ولكن إختبآ 2 فيه ~~ثلاثا لينقطع خبرهما عن المشركين فلا يعرفون أين ذهبا فإن المشركين كانوا ~~طالبين لهما وقد بذلوا في كل واحد منهما ديته لمن يأتى به وكانوا يقصدون ~~منع النبى صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى أصحابة بالمدينة وأن لا يخرج من ~~مكة بل لما عجزوا عن قتله أرادوا حبسه بمكة فلو سلك الطريق إبتداء لأدركوه ~~فأقام بالغار ثلاثا لأجل ذلك فلو أراد المسافر من مكة إلى المدينة أن يذهب ~~إلى الغار ثم يرجع لم يكن ذلك مستحبا بل مكروها والنبى صلى الله عليه وسلم ~~في الهجرة سلك طريق الساحل وهي طويلة وفيها دورة وأما في عمره وحجته فكان ~~يسلك الوسط وهو أقرب إلى مكة فسلك في الهجرة طريق الساحل لأنها كانت أبعد ~~عن قصد المشركين فإن الطريق الوسطى كانت أقرب إلى المدينة فيظنون أنه سلكها ~~كما كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها # وهو صلى الله عليه وآله وسلم لما قسم غنائم حنين بالجعرانة إعتمر منها ~~ولما صده المشركون عن مكة حل بالحديبية وكان قد أنشأ الإحرام بالعمرة من ~~ميقات المدينة ذي الحليفة ولما إعتمر من العام القابل عمرة القضية إعتمر من ~~ذي الحليفة ولم يدخل الكعبة في عمره ولا حجته وإنما دخلها عام الفتح وكان ~~بها صور مصورة فلم يدخلها حتى PageV17P472 محيت تلك الصور وصلى بها ركعتين # وصلى يوم الفتح ثمان ركعات وقت الضحى كما روت ذلك أم هانئ ولم يكن ms5448 يقصد ~~الصلاة وقت الضحى إلا لسبب مثل أن يقدم من سفر فيدخل المسجد فيصلى فيه ~~ركعتين ومثل أن يشغله نوم أو مرض عن قيام الليل فيصلي بالنهار ثنتي عشرة ~~ركعة وكان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة فصلى ثنتي عشرة ركعة شفعا لفوات وقت ~~الوتر فإنه صلى الله عليه وسلم قال ( المغرب وتر صلاة النهار فأوتروا صلاة ~~الليل ( وقال ( إجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ( وقال ( صلاة الليل مثنى ~~مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة ( # والمأثور عن السلف أنهم إذا ناموا عن الوتر كانوا يوترون قبل صلاة الفجر ~~ولا يؤخرونه إلى ما بعد الصلاة وفي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أنها ~~قالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحي قط وإنى لأسبحها وإن ~~كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم وقد ~~ثبت عنه في الصحيح أنه أوصى بركعتى الضحى لأبي هريرة ولأبي الدرداء وفيها ~~أحاديث لكن صلاته ثمان ركعات يوم الفتح جعلها بعض العلماء صلاة الضحى # وقال آخرون لم يصلها إلا يوم الفتح فعلم أنه صلاها لأجل PageV17P473 ~~الفتح وكانوا يستحبون عند فتح مدينة أن يصلى الإمام ثمانى ركعات شكرا لله ~~ويسمونها صلاة الفتح قالوا لأن الإتباع يعتبر فيه القصد والنبى صلى الله ~~عليه وسلم لم يقصد الصلاة لأجل الوقت ولو قصد ذلك لصلى كل يوم أو غالب ~~الأيام كما كان يصلي ركعتي الفجر كل يوم وكذلك كان يصلي بعد الظهر ركعتين ~~وقبلها ركعتين أو أربعا ولما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما بعد العصر ~~وهو صلى الله عليه وسلم لما نام هو وأصحابه عن صلاة الفجر في غزوة خيبر ~~فصلوا بعد طلوع الشمس ركعتين ثم ركعتين لم يقل أحد أن هذه الصلاة في هذا ~~الوقت سنة دائما لأنهم إنما صلوها قضاء لكونهم ناموا عن الصلاة ولما فاتته ~~العصر في بعض أيام الخندق فصلاها بعد ما غربت الشمس وروى أن الظهر فاتته ~~أيضا فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب لم يقل أحد ms5449 إنه يستحب أن يصلي بين ~~العشاءين أحد عشر ركعة لأن ذلك كان قضاء بل ولا نقل عنه أحد أنه خص ما بين ~~العشاءين بصلاة # وقوله تعالى @QB@ ناشئة الليل @QE@ عند أكثر العلماء هو إذا قام الرجل ~~بعد نوم ليس هو أول الليل وهذا هو الصواب لأن النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم هكذا كان يصلي والأحاديث بذلك متواترة عنه كان يقوم بعد النوم لم يكن ~~يقوم بين العشاءين PageV17P474 # وكذلك أكله ما كان يجد من الطعام ولبسه الذي يوجد بمدينته طيبة مخلوقا ~~فيها ومجلوبا إليها من اليمن وغيرها لأنه هو الذي يسره الله له فأكله التمر ~~وخبزه الشعير وفاكهته الرطب والبطيخ الأخضر والقثاء ولبس ثياب اليمن لأن ~~ذلك هو كان أيسر في بلده من الطعام والثياب لا لخصوص ذلك فمن كان ببلد آخر ~~وقوتهم البر والذرة وفاكهتهم العنب والرمان ونحو ذلك وثيابهم مما ينسج بغير ~~اليمن القز لم يكن إذا قصد أن يتكلف من القوت والفاكهة واللباس ما ليس في ~~بلده بل يتعسر عليهم متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان ذلك الذي ~~يتكلفه تمرا أو رطبا أو خبز شعير فعلم أنه لابد في المتابعة للنبى صلى الله ~~عليه وسلم من إعتبار القصد والنية ( فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ~~ما نوى ( فعلم أن الذي عليه جمهور الصحابة وأكابرهم هو الصحيح ومع هذا فإبن ~~عمر رضي الله عنهما لم يكن يقصد أن يصلي إلا في مكان صلى فيه النبى صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يقصد الصلاة في موضع نزوله ومقامه ولا كان أحد من ~~الصحابة يذهب إلى الغار المذكور في القرآن للزيارة والصلاة فيه وإن كان ~~النبى صلى الله عليه وسلم وصاحبه أقاما به ثلاثا يصلون فيه الصلوات الخمس ~~ولا كانوا أيضا يذهبون إلى حراء وهو المكان الذي كان يتعبد فيه قبل النبوة ~~PageV17P475 و فيه نزل عليه الوحي أولا وكان هذا مكان يتعبدون فيه قبل ~~الإسلام فإن حراء أعلى جبل كان هناك فلما جاء الإسلام ذهب النبى صلى الله ~~عليه ms5450 وآله وسلم إلى مكة مرات بعد أن أقام بها قبل الهجرة بضع عشرة سنة ومع ~~هذا فلم يكن هو ولا أصحابه يذهبون إلى حراء # ولما حج النبى صلى الله عليه وسلم إستلم الركنين اليمانيين ولم يستلم ~~الشاميين لأنهما لم يبنيا على قواعد إبراهيم فإن أكثر الحجر من البيت ~~والحجر الأسود إستلمه وقبله واليمانى إستلمه ولم يقبله وصلى بمقام إبراهيم ~~ولم يستلمه ولم يقبله فدل ذلك على أن التمسح بحيطان الكعبة غير الركنين ~~اليمانيين وتقبيل شيء منها غير الحجر الأسود ليس بسنة ودل على أن إستلام ~~مقام إبراهيم وتقبيله ليس بسنة وإذا كان هذا نفس الكعبة ونفس مقام إبراهيم ~~بها فمعلوم أن جميع المساجد حرمتها دون الكعبة وأن مقام إبراهيم بالشام ~~وغيرها وسائر مقامات الأنبياء دون المقام الذي قال الله فيه @QB@ واتخذوا ~~من مقام إبراهيم مصلى @QE@ # فعلم أن سائر المقامات لا تقصد للصلاة فيها كما لا يحج إلى سائر المشاهد ~~ولا يتمسح بها ولا يقبل شيء من مقامات الأنبياء ولا المساجد ولا الصخرة ولا ~~غيرها ولا يقبل ما على وجه الأرض إلا الحجر الأسود PageV17P476 # وأيضا فالنبى صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل بمسجد بمكة إلا المسجد ~~الحرام ولم يأت للعبادات إلا المشاعر منى ومزدلفة وعرفة فلهذا كان أئمة ~~العلماء على أنه لا يستحب أن يقصد مسجدا بمكة للصلاة غير المسجد الحرام ولا ~~تقصد بقعة للزيارة غير المشاعر التى قصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإذا كان هذا في آثارهم فكيف بالمقابر التى لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من إتخذها مساجد وأخبر أنهم شرار الخلق عند الله يوم القيامة # ودين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدا فقط ولهذا مشاعر ~~الحج غير المسجد الحرا م تقصد للنسك لا للصلاة فلا صلاة بعرفة وإنما صلى ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر يوم عرفة بعرنة خطب بها ثم صلى ~~ثم بعد الصلاة ذهب إلى عرفات فوقف بها وكذلك يذكر الله ويدعى بعرفات ~~وبمزدلفة على قزح ms5451 وبالصفا والمروة وبين الجمرات وعند الرمي ولا تقصد هذه ~~البقاع للصلاة وأما غير المساجد ومشاعر الحج فلا تقصد بقعة لا للصلاة ولا ~~للذكر ولا للدعاء بل يصلى المسلم حيث أدركته الصلاة إلا حيث نهى ويذكر الله ~~ويدعوه حيث تيسر من غير قصد تخصيص بقعة بذلك وإذا إتخذ بقعة لذلك كالمشاهد ~~نهى عن ذلك كما نهى عن الصلاة في المقبرة إلا ما يفعله الرجل عند السلام ~~على الميت من PageV17P477 الدعاء له وللمسلمين كما يفعل مثل ذلك في الصلاة ~~على الجنازة فإن زيارة قبر المؤمن من جنس الصلاة على جنازته يفعل في هذا من ~~جنس ما يفعل في هذا ويقصد بالدعاء هنا ما يقصد بالدعاء هنا # ومما يشبه هذا أن الأنصار بايعوا النبى صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ~~بالوادي الذي وراء جمرة العقبة لأنه مكان منخفض قريب من منى يستر من فيه ~~فإن السبعين الأنصار كانوا قد حجوا مع قومهم المشركين وما زال الناس يحجون ~~إلى مكة قبل الإسلام وبعده فجاؤوا مع قومهم إلى منى لأجل الحج ثم ذهبوا ~~بالليل إلى ذلك المكان لقربه وستره لا لفضيلة فيه ولم يقصدوه لفضيلة تخصه ~~بعينه # ولهذا لما حج النبى صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه لم يذهبوا إليه ولا ~~زاروه وقد بنى هناك مسجد وهو محدث وكل مسجد بمكة وما حولها غير المسجد ~~الحرام فهو محدث ومنى نفسها لم يكن بها على عهد النبى صلى الله عليه وسلم ~~مسجد مبنى ولكن قال منى مناخ لمن سبق فنزل بها المسلمون وكان يصلي ~~بالمسلمين بمنى وغير منى وكذلك خلفاؤه من بعده وإجتماع الحجاج بمنى أكثر من ~~اجتماعهم بغيرها فإنهم يقيمون بها أربعا وكان النبى صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر وعمر يصلون بالناس بمنى وغير منى وكانوا يقصرون PageV17P478 ~~الصلاة بمنى وعرفة ومزدلفة ويجمعون بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب ~~والعشاء بمزدلفة ويصلي بصلاتهم جميع الحجاج من أهل مكة وغير أهل مكة وكلهم ~~يقصرون الصلاة بالمشاعر وكلهم يجمعون بعرفة ومزدلفة # وقد تنازع العلماء في أهل مكة ms5452 ونحوهم هل يقصرون أو يجمعون فقيل لا يقصرون ~~ولا يجمعون كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعى وأحمد وقيل يجمعون ولا ~~يقصرون كما يقول ذلك أبو حنيفة وأحمد ومن وافقه من أصحابه وأصحاب الشافعي ~~وقيل يجمعون ويقصرون كما قال ذلك مالك وإبن عيينة وإسحاق بن راهويه وبعض ~~أصحاب أحمد وغيرهم وهذا هو الصواب بلا ريب فإنه الذي فعله أهل مكة خلف ~~النبى صلى الله عليه وسلم بلا ريب ولم يقل النبى صلى الله عليه وسلم قط ولا ~~أبو بكر ولا عمر بمنى ولا عرفة ولا مزدلفة يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا ~~قوم سفر ولكن ثبت أن عمر قال ذلك في جوف مكة وكذلك في السنن عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ذلك في جوف مكة في غزوة الفتح وهذا من أقوى الأدلة ~~على أن القصر مشروع لكل مسافر ولو كان سفره بريدا فإن عرفة من مكة بريد ~~أربع فراسخ ولم يصل النبى صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه بمكة صلاة عيد بل ~~ولا صلى في أسفاره قط صلاة PageV17P479 العيد ولا صلى بهم في أسفاره صلاة ~~جمعة يخطب ثم يصلي ركعتين بل كان يصلي يوم الجمعة في السفر ركعتين كما يصلي ~~في سائر الأيام # وكذلك لما صلى بهم الظهر والعصر بعرفة صلى ركعتين كصلاته في سائر الأيام ~~ولم ينقل أحد أنه جهر بالقراءة يوم الجمعة في السفر لا بعرفة ولا بغيرها ~~ولا أنه خطب بغير عرفة يوم الجمعة في السفر فعلم أن الصواب ما عليه سلف ~~الأمة وجماهيرها من الأئمة الأربعة وغيرهم من أن المسافر لا يصلي جمعة ولا ~~غيرها وجمهورهم أيضا على أنه لا يصلي عيدا وهو قول مالك وأبى حنيفة وأحمد ~~في إحدى الروايتين وهذا هو الصواب أيضا فإن النبى صلى الله عليه وسلم ~~وخلفاءه لم يكونوا يصلون العيد إلا في المقام لا في السفر ولم يكن يصلي ~~صلاة العيد إلا في مكان واحد مع الإمام يخرج بهم إلى الصحراء فيصلي هناك ~~فيصلي المسلمون كلهم ms5453 خلفه صلاة العيد كما يصلون الجمعة ولم يكن أحد من ~~المسلمين يصلي صلاة عيد في مسجد قبيلته ولا بيته كما لم يكونوا يصلون جمعة ~~في مساجد القبائل ولا كان أحد منهم بمكة يوم النحر يصلي صلاة عيد على عهد ~~النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه بل عيدهم بمنى بعد إفاضتهم من المشعر ~~الحرام ورمى جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لسائر أهل الأمصار يرمون ثم ~~ينحرون وسائر أهل PageV17P480 الأمصار يصلون ثم ينحرون والنبى صلى الله ~~عليه وسلم لما أفاض من منى نزل بالمحصب فإختلف أصحابه هل التحصيب سنة ~~لإختلافهم في قصده هل قصد النزول به أو نزل به لأنه كان أسمح لخروجه وهذا ~~مما يبين أن المقاصد كانت معتبرة عندهم في المتابعة # ولما إعتمر عمرة القضية وكانت مكة مع المشركين لم تفتح بعد وكان المشركون ~~قد قالوا يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمي يثرب وقعد المشركون خلف قعيقعان وهو ~~جبل المروة ينظرون إليهم فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا ~~ثلاثة أشواط من الطواف ليرى المشركون جلدهم وقوتهم وروى أنه دعا لمن فعل ~~ذلك ولم يرملوا بين الركنين لأن المشركين لم يكونوا يرونهم من ذلك الجانب ~~فكان المقصود بالرمل إذ ذاك من جنس المقصود بالجهاد فظن بعض المتقدمين أنه ~~ليس من النسك لأنه فعل لقصد وزال لكن ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه لما حجوا رملوا من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود فكملوا ~~الرمل بين الركنين وهذا قدر زائد على ما فعلوه في عمرة القضية وفعل ذلك في ~~حجة الوداع مع الأمن العام فإنه لم يحج معه إلا مؤمن فدل ذلك على أن الرمل ~~صار من سنة الحج فإنه فعل أولا لمقصود الجهاد ثم شرع نسكا كما روى في سعي ~~هاجر وفى رمي الجمار وفى ذبح الكبش PageV17P481 أنه فعل أولا لمقصود ثم ~~شرعه الله نسكا وعبادة لكن هذا يكون إذا شرع الله ذلك وأمر به # وليس لأحد أن يشرع ما لم يشرعه الله كما لو ms5454 قال قائل أنا أستحب الطواف ~~بالصخرة سبعا كما يطاف بالكعبة أو أستحب أن أتخذ من مقام موسى وعيسي مصلى ~~كما أمر الله أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى ونحو ذلك لم يكن له ذلك لأن ~~الله تعالى يختص ما يختصه من الأعيان والأفعال بأحكام تخصه يمتنع معها قياس ~~غيره عليه إما لمعنى يختص به لا يوجد بغيره على قول أكثر أهل العلم وإما ~~لمحض تخصيص المشيئة على قول بعضهم كما خص الكعبة بأن يحج إليها ويطاف بها ~~وكما خص عرفات بالوقوف بها وكما خص منى برمي الجمار بها وكما خص الأشهر ~~الحرم بتحريمها وكما خص شهر رمضان بصيامه وقيامه إلى أمثال ذلك # وابراهيم ومحمد كل منهما خليل الله فإنه قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن الله إتخذنى خليلا كما إتخذ إبراهيم ~~خليلا ( وقد ثبت في الصحيح ( أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم يا خير ~~البرية قال ( ذاك إبراهيم ( فإبراهيم أفضل الخلق بعد محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقوله ( ذاك إبراهيم ( تواضع منه فإنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ~~في الصحيح أنه قال ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر آدم فمن دونه تحت لوائي يوم ~~القيامة ولا فخر ( إلى غير PageV17P482 ذلك من النصوص المبينة أنه أفضل ~~الخلق وأكرمهم على ربه وإبراهيم هو الإمام الذي قال الله فيه @QB@ إني ~~جاعلك للناس إماما @QE@ وهو الأمة أي القدوة الذي قال الله فيه @QB@ إن ~~إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا @QE@ وهو الذي بوأه الله مكان البيت وأمره ~~أن يؤذن في الناس بالحج إليه وقد حرم الله الحرم على لسانه وإسماعيل نبأه ~~معه وهو الذبيح الذي بذل نفسه لله وصبر على المحنة كما بينا ذلك بالدلائل ~~الكثيرة في غير هذا الموضع وأمه هاجر هي التى أطاعت الله ورسوله إبراهيم في ~~مقامها مع إبنها في ذلك الوادي الذي لم يكن به أنيس كما قال الخليل ( ربنا ~~إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذي ms5455 زرع عند بيتك المحرم # وكان لإبراهيم ولآل إبراهيم من محبة الله وعبادته والإيمان به وطاعته ما ~~لم يكن لغيرهم فخصهم الله بأن جعل لبيته الذي بنوه له خصائص لا توجد لغيره ~~وجعل ما جعله من أفعالهم قدوة للناس وعبادة يتبعونهم فيها ولا ريب أن الله ~~شرع لإبراهيم السعى ورمى الجمار والوقوف بعرفات بعد ما كان من أمر هاجر ~~وإسماعيل وقصة الذبح وغير ذلك ما كان كما شرع لمحمد الرمل في الطواف حيث ~~أمره أن ينادي في الناس بحج البيت والحج مبناه على الذل والخضوع لله ولهذا ~~خص بإسم النسك و النسك في اللغة العبادة PageV17P483 قال الجوهري النسك ~~العبادة والناسك العابد وقد نسك وتنسك أي تعبد ونسك بالضم أي صار ناسكا ثم ~~خص الحج بإسم النسك لأنه أدخل في العبادة والذل لله من غيره ولهذا كان فيه ~~من الأفعال ما لا يقصد فيه إلا مجرد الذل لله والعبادة له كالسعي ورمي ~~الجمار قال النبى صلى الله عليه وسلم ( إنما جعل رمي الجمار والسعي بين ~~الصفا والمروة لإقامة ذكر الله ( رواه الترمذي وخص بذلك الذبح الفداء أيضا ~~دون مطلق الذبح لأن إراقة الدم لله أبلغ في الخضوع والعبادة له ولهذا كان ~~من كان قبلنا لا يأكلون القربان بل تأتي نار من السماء فتأكله ولهذا قال ~~تعالى @QB@ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين @QE@ # وكذلك كانوا إذا غنموا غنيمة جمعوها ثم جاءت النار فأكلتها ليكون قتالهم ~~محضا لله لا للمغنم ويكون ذبحهم عبادة محضة لله لا لأجل أكلهم وأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وسع الله عليهم لكمال يقينهم وإخلاصهم وأنهم يقاتلون ~~لله ولو أكلوا المغنم ويذبحون لله ولو أكلوا القربان ولهذا كان عباد ~~الشياطين والأصنام يذبحون لها الذبائح أيضا فالذبح للمعبود غاية الذل ~~والخضوع له # ولهذا لم يجز الذبح لغير الله ولا أن يسمى غير الله على الذبائح ~~PageV17P484 و حرم سبحانه ms5456 ما ذبح على النصب وهو ما ذبح لغير الله وما سمى ~~عليه غير إسم الله وإن قصد به اللحم لا القربان ولعن النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم من ذبح لغير الله ونهي عن ذبائح الجن وكانوا يذبحون للجن بل حرم ~~الله ما لم يذكر إسم الله عليه مطلقا كما دل على ذلك الكتاب والسنة في غير ~~موضع # وقد قال تعالى @QB@ فصل لربك وانحر @QE@ أي إنحر لربك كما قال الخليل ~~@QB@ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين @QE@ وقد قال هو ~~وإسماعيل إذ يرفعان القواعد من البيت @QB@ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع ~~العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا @QE@ ~~فالمناسك هنا مشاعر الحج كلها كما قال تعالى @QB@ لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه @QE@ وقال تعالى @QB@ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام @QE@ وقال @QB@ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ~~ولكن يناله التقوى منكم @QE@ كما قال تعالى @QB@ ومن يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى القلوب @QE@ # فالمقصود تقوى القلوب لله وهوعبادتها له وحده دون ما سواه بغاية العبودية ~~له والعبودية فيها غاية المحبة وغاية الذل والإخلاص وهذه ملة إبراهيم ~~الخليل وهذا كله مما يبين أن عبادة القلوب هي الأصل كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله ألا وهي القلب PageV17P485 و النية والقصد هما عمل القلب فلابد في ~~المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم من إعتبار النية والقصد # ومن هذا الباب أن النبى صلى الله عليه وسلم لما إحتجم وأمر بالحجامة وقال ~~في الحديث الصحيح ( شفاء أمتى في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وما ~~أحب أن أكتوى ( كان معلوما أن المقصود بالحجامة إخراج الدم الزائد الذي يضر ~~البدن فهذا هو المقصود وخص الحجامة لأن البلاد الحارة يخرج الدم فيها إلى ~~سطح البدن فيخرج بالحجامة فلهذا كانت الحجامة في الحجاز ونحوه من البلاد ~~الحارة يحصل ms5457 بها مقصود إستفراغ الدم وأما البلاد الباردة فالدم يغور فيها ~~إلى العروق فيحتاجون إلى قطع العروق بالفصاد وهذا أمر معروف بالحس والتجربة ~~فإنه في زمان البرد تسخن الأجواف وتبرد الظواهر لأن شبيه الشيء منجذب إليه ~~فإذا برد الهواء برد ما يلاقيه من الأبدان والأرض فيهرب الحر الذي فيها من ~~البرد المضاد له إلى الأجواف فيسخن باطن الأرض وأجواف الحيوان ويأوي ~~الحيوان إلى الأكنان الدافئة ولقوة الحرارة في باطن الإنسان يأكل في الشتاء ~~وفى البلاد الباردة أكثر مما يأكل في الصيف وفى البلاد الحارة لأن الحرارة ~~تطبخ الطعام وتصرفه ويكون الماء النابع في الشتاء سخنا لسخونة جوف الأرض ~~والدم سخن فيكون في جوف العروق لا في سطح الجلد فلو إحتجم لم ينفعه ذلك بل ~~قد يضره وفى الصيف PageV17P486 و البلاد الحارة تسخن الظواهر فتكون البواطن ~~باردة فلا ينهضم الطعام فيها كما ينهضم في الشتاء ويكون الماء النابع باردا ~~لبرودة باطن الأرض وتظهر الحيوانات إلى البراري لسخونة الهواء فهؤلاء قد لا ~~ينفعهم الفصاد بل قد يضرهم والحجامة أنفع لهم # وقوله ( شفاء أمتى ( إشارة إلى من كان حينئذ من أمته وهم كانوا بالحجاز ~~كما قال ما بين المشرق والمغرب قبلة لأن هذا كان قبلة أمته حينئذ لأنهم ~~كانوا بالمدينة وما حولها وهذا كما أنه في آخر الأمر بعد أن فرض الحج سنة ~~تسع أو سنة عشر وقت ثلاث مواقيت للمدينة ولنجد وللشام ولما فتح اليمن وقت ~~لهم يلملم ثم وقت ذات عرق لأهل العراق وهذا كما أنه فرض صدقة الفطر صاعا من ~~تمر أو صاعا من شعير عن كل صغير وكبير ذكرا وأنثي من المسلمين وكان هذا هو ~~الفرض على أهل المدينة لأن الشعير والتمر كان قوتهم ولهذا كان جماهير ~~العلماء على أنه من إقتات الأرز والذرة ونحو ذلك يخرج من قوته وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد وهل يجزيه أن يخرج التمر والشعير إذا لم يكن يقتاته فيه ~~قولان للعلماء # وكان الصحابة يرمون بالقوس العربية الطويلة التى تشبه قوس الندف وفتح ~~الله لهم ms5458 بها البلاد وقد رويت آثار في كراهة الرمي بالقوس الفارسية عن بعض ~~السلف لكونها كانت شعار الكفار فأما بعد PageV17P487 أن إعتادها المسلمون ~~وكثرت فيهم وهي في أنفسها أنفع في الجهاد من تلك القوس فلا تكره في أظهر ~~قولي العلماء أو قول أكثرهم لأن الله تعالى قال @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة ومن رباط الخيل @QE@ # والقوة في هذا أبلغ بلا ريب والصحابة لم تكن هذه عندهم فعدلوا عنها إلى ~~تلك بل لم يكن لهم غيرها فينظر في قصدهم بالرمي أكان لحاجة إليها إذ ليس ~~لهم غيرها أم كان لمعنى فيها ومن كره الرمي بها كرهه لمعنى لازم كما يكره ~~الكفر وما يستلزم الكفر أم كرهها لكونها كانت من شعائر الكفار فكره التشبه ~~بهم # وهذا كما أن الكفار من اليهود والنصاري إذا لبسوا ثوب الغيار من أصفر ~~وأزرق نهى عن لباسه لما فيه من التشبه بهم وإن كان لو خلا عن ذلك لم يكره ~~وفي بلاد لا يلبس هذه الملابس عندهم إلا الكفار فنهى عن لبسها والذين ~~إعتادوا ذلك من المسلمين لا مفسدة عندهم في لبسها # ولهذا كره أحمد وغيره لباس السواد لما كان في لباسه تشبه بمن يظلم أو ~~يعين على الظلم وكره بيعه لمن يستعين بلبسه على الظلم فأما إذا لم يكن فيه ~~مفسدة لم ينه عنه # وكره من كره من الصحابة والتابعين بيع الأرض الخراجية لأن PageV17P488 ~~المسلم المشتري لها إذا أدى الخراج عنها أشبه أهل الذمة في إلتزام الجزية ~~فإن الخراج جزية الأرض وإن لم يؤدها ظلم المسلمين بإسقاط حقهم من الأرض لم ~~يكرهوا بيعها لكونها وقفا فإن الوقف إنما منع من بيعه لأن ذلك يبطل الوقف ~~ولهذا لا يباع ولا يوهب ولا يورث والأرض الخراجية تنتقل إلى الوارث بإتفاق ~~العلماء وتجوز هبتها والمتهب المشتري يقوم فيها مقام البائع فيؤدي ما كان ~~عليه من الخراج وليس في بيعها مضرة لمستحقي الخراج كما في بيع الوقف وقد ~~غلط كثير من الفقهاء فظنوا أنهم كرهوا بيعها لكونها وقفا وإشتبه عليهم ms5459 ~~الأمر لأنهم رأوا الآثار مروية في كراهة بيعها وقد عرفوا أن عمر جعلها فيئا ~~لم يقسمها قط وذلك في معنى الوقف فظنوا أن بيعها مكروه لهذا المعنى ولم ~~يتأملوا حق التأمل فيرون أن هذا البيع ليس هو من جنس البيع المنهي عنه في ~~الوقف فإن هذه يصرف مغلها إلى مستحقها قبل البيع وبعده وعلى حد واحد ليست ~~كالدار التى إذا بيعت تعطل نفعها عن أهل الوقف وصارت للمشتري # وأعجب من ذلك أن طائفة من هؤلاء قالوا مكة إنما كره بيع رباعها لكونها ~~فتحت عنوة ولم تقسم أيضا وهم قد قالوا مع جميع الناس أن الأرض العنوة التى ~~جعلت أرضها فيئا يجوز بيع مساكنها والخراج إنما جعل على المزارع لا على ~~المساكن فلو كانت PageV17P489 مكة قد جعلت أرضها للمسلمين وجعل عليها خراج ~~لم يمتنع بيع مساكنها لذلك فكيف ومكة أقرها النبى صلى الله عليه وسلم بيد ~~أهلها على ما كانت عليه مساكنها ومزارعها ولم يقسمها ولم يضرب عليها خراجا ~~ولهذا قال من قال إنها فتحت صلحا ولا ريب أنها فتحت عنوة كما تدل عليه ~~الأحاديث الصحيحة المتواترة لكن النبى صلى الله عليه وسلم أطلق أهلها ~~جميعهم فلم يقتل إلا من قاتله ولم يسب لهم ذرية ولا غنم لهم مالا ولهذا ~~سموا الطلقاء # وأحمد وغيره من السلف إنما عللوا ذلك بكونها فتحت عنوة مع كونها مشتركة ~~بين المسلمين كما قال تعالى @QB@ والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء ~~العاكف فيه والباد @QE@ وهذه هي العلة التى إختصت بها مكة دون سائر الأمصار ~~فإن الله أوجب حجها على جميع الناس وشرع إعتمارها دائما فجعلها مشتركة بين ~~جميع عباده كما قال @QB@ سواء العاكف فيه والباد @QE@ ولهذا كانت منى ~~وغيرها من المشاعر من سبق إلى مكان فهو أحق به حتى ينتقل عنه كالمساجد ومكة ~~نفسها من سبق إلى مكان فهو أحق به والإنسان أحق بمسكنه ما دام محتاجا إليه ~~وما إستغنى عنه من المنافع فعليه بذله بلا عوض لغيره من الحجيج وغيرهم ~~ولهذا كانت الأقوال في إجارة ms5460 دورها وبيع رباعها ثلاثة # قيل لا يجوز لا هذا ولا هذا وقيل يجوز الأمران PageV17P490 و الصحيح أنه ~~يجوز بيع رباعها ولا يجوز إجارتها وعلى هذا تدل الآثار المنقولة في ذلك عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضى الله عنهم فإن الصحابة كانوا ~~يتبايعون دورها والدور تورث وتوهب وإذا كانت تورث وتوهب جاز أن تباع بخلاف ~~الوقف فإنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب # وكذلك أم الولد من لم يجوز بيعها لم يجوز هبتها ولا أن تورث وأما إجارتها ~~فقد كانت تدعى السوائب على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما من إحتاج سكن ومن إستغنى أسكن لأن المسلمين كلهم محتاجون إلى ~~المنافع فصارت كمنافع الأسواق والمساجد والطرقات التى يحتاج إليها المسلمون ~~فمن سبق إلى شيء منها فهو أحق به وما إستغنى عنه أخذه غيره بلا عوض وكذلك ~~المباحات التى يشترك فيها الناس ويكون المشترى لها إستفاد بذلك أنه أحق من ~~غيره ما دام محتاجا وإذا باعها الإنسان قطع إختصاصه بها وتوريثه إياها وغير ~~ذلك من تصرفاته ولهذا له أن لا يبذله إلا بعوض والنبى صلى الله عليه وسلم ~~من على أهل مكة فإن الأسير يجوز المن عليه للمصلحة وأعطاهم مع ذلك ذراريهم ~~وأموالهم كما من على هوازن لما جاؤوا مسلمين بإحدى الطائفتين السبي أو ~~المال فإختاروا السبي فأعطاهم السبي وكان ذلك بعد القسمة PageV17P491 فعوض ~~عن نصيبه من لم يرض بأخذه منهم وكان قد قسم المال فلم يرده عليهم وقريش لم ~~تحاربه كما حاربته هوازن وهو إنما من على من لم يقاتله منهم كما قال ( من ~~أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ( # فلما كف جمهورهم عن قتاله وعرف أنهم مسلمون أطلقهم ولم يغنم أموالهم ولا ~~حريمهم ولم يضرب الرق لا عليهم ولا على أولادهم بل سماهم الطلقاء من قريش ~~بخلاف ثقيف فإنهم سموا العتقاء فإنه أعتق أولادهم بعد الإسترقاق والقسمة ~~وكان في هذا ما دل على ms5461 أن الإمام يفعل بالأموال والرجال والعقار والمنقول ~~ما هو أصلح فإن النبى صلى الله عليه وسلم فتح خيبر فقسمها بين المسلمين ~~وسبي بعض نسائها وأقر سائرهم مع ذراريهم حتى أجلوا بعد ذلك فلم يسترقهم ~~ومكة فتحها عنوة ولم يقسمها لأجل المصلحة # وقد تنازع العلماء في الأرض إذا فتحت عنوة هل يجب قسمها كخيبر لأنها مغنم ~~أو تصير فيئا كما دلت عليه سورة الحشر وليست الأرض من المغنم أو يخير ~~الإمام فيما بين هذا وهذا على ثلاثة أقوال وأكثر العلماء على التخيير وهو ~~الصحيح وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه وغيرهما PageV17P492 # ولو فتح الإمام بلدا وغلب على ظنه أن أهله يسلمون ويجاهدون جاز أن يمن ~~عليهم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم كما فعل النبي بأهل مكة فإنهم أسلموا كلهم ~~بلا خلاف بخلاف أهل خيبر فإنه لم يسلم منهم أحد فأولئك قسم أرضهم لأنهم ~~كانوا كفارا مصرين على الكفر وهؤلاء تركها لهم لأنهم كلهم صاروا مسلمين ~~والمقصود بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله وقد ~~كان النبي يعطي المؤلفة قلوبهم ليتألفهم على الإسلام فكيف لا يتألفهم ~~بإبقاء ديارهم وأموالهم # وهم لما حضروا معه حنينا أعطاهم من غنائم حنين ما تألفهم به حتى عتب بعض ~~الأنصار كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين ~~حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله يعطي رجالا ~~من قريش المائة من الإبل فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا ~~وسيوفنا تقطر من دمائهم قال أنس فحدث ذلك النبي من قولهم فأرسل رسول الله ~~إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال ما حديث بلغني عنكم فقال له فقهاء الأنصار أما ذوو رأينا يا ~~رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما أناس منا حديثه PageV17P493 أسنانهم فقالوا ~~يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول ~~الله فإني أعطي ms5462 رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أفلا ترضون أن يذهب الناس ~~بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله فوالله لما تنقلبون به خير مما ~~ينقلبون به قالوا بلى يا رسول الله قد رضينا قال فإنكم ستجدون بعدي أثرة ~~شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض قالوا سنصبر وفي رواية ~~لو سلك الناس واديا أو شعبا وسلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي ~~الأنصار وشعبهم الناس دثار والأنصار شعار ولولا الهجرة لكنت أمرءا من ~~الأنصار وحدثهم حتى بكوا رضي الله تعالى عنهم # فهذا كله بذل وعطاء لأجل إسلام الناس وهو المقصود بالجهاد # ومن قال إن الإمام يجب عليه قسمة العقار والمنقول مطلقا فقوله في غاية ~~الضعف مخالف لكتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر وليس معه حجة واحدة ~~توجب ذلك فإن قسمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيبر تدل على جواز ما فعل ~~لا تدل على وجوبه إذ الفعل لا يدل بنفسه على الوجوب وهو لم يقسم مكة ولا شك ~~أنها فتحت عنوة وهذا يعلمه ضرورة من تدبر الأحاديث وكذلك المنقول من قال ~~أنه يجب قسمه كله بالسوية بين الغانمين في كل غزاة فقوله PageV17P494 ضعيف ~~بل يجوز فيه التفضيل للمصلحة كما كان النبي يفضل في كثير من المغازي # والمؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غنائم ~~خيبر فيما أعطاهم قولان أحدهما أنه من الخمس والثاني أنه من أصل الغنيمة ~~وهذا أظهر فإن الذي أعطاهم إياه هو شيء كثير لا يحتمله الخمس ومن قال ~~العطاء كان من خمس الخمس فلم يدر كيف وقع الأمر ولم يقل هذاأحد من ~~المتقدمين هذا مع قوله ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود ~~عليكم وهذا لأن المؤلفة قلوبهم كانوا من العسكر ففضلهم في العطاء للمصلحة ~~كما كان يفضلهم فيما يقسمه من الفيء للمصلحة # وهذا دليل على أن الغنيمة للإمام أن يقسمها باجتهاده كما يقسم الفيء ~~باجتهاده إذا كان إمام عدل قسمها بعلم وعدل ليس قسمتها بين الغانمين كقسمة ~~الميراث ms5463 بين الورثة وقسمة الصدقات في الأصناف الثمانية ولهذا قال في ~~الصدقات إن الله لم يرض فيها بقسمة نبي ولا غيره ولكن جعلها ثمانية أصناف ~~فإن كنت من تلك الأصناف أعطيتك فعلم أن ما أفاء الله من الكفار بخلاف ذلك ~~وقد قسم النبي من خيبر لأهل السفينة الذين قدموا مع جعفر ولم يقسم لأحد غاب ~~عنها غيرهم وقسم من غنائم بدر لطلحة والزبير ولعثمان PageV17P495 وكان قد ~~أقام بالمدينة وهؤلاء الذين كانوا يريدون القتال وكانوا مشغولين ببعض مصالح ~~المسلمين الذين هم فيها في جهاد # وأيضا أهل السفينة وطلحة والزبير وعثمان لم يكونوا كغيرهم والقتال لم يكن ~~لأجل الغنيمة فليست الغنيمة كمباح اشترك فيه ناس مثل الإحتشاش والإحتطاب ~~والإصطياد فإن ذلك الفعل مقصوده هو اكتساب المال بخلاف الغنيمة بل من قاتل ~~فيها لأجل المال لم يكن مجاهدا في سبيل الله ولهذا لم تبح الغنائم لمن ~~قبلنا وابيحت لنا معونة على مصلحة الدين # فالغنائم أبيحت لمصلحة الدين وأهله فمن كان قد نفع المجاهدين بنفع ~~استعانوا به على تمام جهادهم جعل منهم وإن لم يحضر ولهذا قال النبي ~~المسلمون يد واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ويرد متسريهم على قاعدهم فإن المتسري ~~إنما تسري بقوة القاعد فالمعاونون للمجاهدين من المجاهدين ولبسط هذه الأمور ~~موضع آخر # والمقصود هنا ذكر متابعة النبي وهو أنه يعتبر فيه متابعته في قصده فإذا ~~قصد مكانا للعبادة فيه كان قصده لتلك PageV17P496 العبادة سنة وأما إذا صلى ~~فيه اتفاقا من غير قصد لم يكن قصده للعبادة سنة ولهذا لم يكن جمهور الصحابة ~~يقصدون مشابهته في ذلك وبن عمر رضي الله عنهما مع أنه كان يحب مشابهته في ~~ظاهر الفعل لم يكن يقصد الصلاة إلا في الموضع الذي صلى فيه لا في كل موضع ~~نزل به ولهذا رخص أحمد بن حنبل في ذلك إذا كان شيئا يسيرا كما فعله بن عمر ~~ونهى عنه رضي الله عنه إذا كثر لأنه يفضي إلى المفسدة وهي اتخاذ آثار ~~الأنبياء مساجد وهي التي تسمى المشاهد وما أحدث في الإسلام ms5464 من المساجد ~~والمشاهد على القبور والآثار فهو من البدع المحدثة في الإسلام من فعل من لم ~~يعرف شريعة الإسلام وما بعث الله به محمدا من كمال التوحيد وإخلاص الدين ~~لله وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم ولهذا يوجد من كان أبعد ~~عن التوحيد وإخلاص الدين لله ومعرفة دين الإسلام هم أكثر تعظيما لمواضع ~~الشرك فالعارفون بسنة رسول الله وحديثه أولى بالتوحيد وإخلاص الدين لله ~~وأهل الجهل بذلك أقرب إلى الشرك والبدع # ولهذا يوجد ذلك في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم لأنهم أجهل من غيرهم ~~وأكثر شركا وبدعا ولهذا يعظمون المشاهد أعظم من غيرهم ويخربون المساجد أكثر ~~من غيرهم فالمساجد لا يصلون فيها PageV17P497 جمعة ولا جماعة ولا يصلون ~~فيها أن صلوا إلا أفرادا وأما المشاهد فيعظمونها أكثر من المساجد حتى قد ~~يرون أن زيارتها أولى من حج بيت الله الحرام ويسمونها الحج الأكبر وصنف بن ~~المفيد منهم كتابا سماه مناسك حج المشاهد وذكر فيه من الأكاذيب والأقوال ~~مالا يوجد في سائر الطوائف وإن كان في غيرهم أيضا نوع من الشرك والكذب ~~والبدع لكن هو فيهم أكثر وكلما كان الرجل اتبع لمحمد كان أعظم توحيدا لله ~~وإخلاصا له في الدين وإذا بعد عن متابعته نقص من دينه بحسب ذلك فإذا كثر ~~بعده عنه ظهر فيه من الشرك والبدع مالا يظهر فيمن هو أقرب منه إلى اتباع ~~الرسول # والله إنما أمر في كتابه وسنة رسوله بالعبادة في المساجد والعبادة فيها ~~هي عمارتها قال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ~~@QE@ ولم يقل مشاهد الله وقال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ ولم يقل عند كل مشهد فإن أهل ~~المشاهد ليس فيهم إخلاص الدين لله بل فيهم نوع من الشرك وقال تعالى @QB@ ما ~~كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت ~~أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر ms5465 وأقام الصلاة @QE@ PageV17P498 الآيات وفي الترمذي عن النبي أنه قال ~~إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ثم قرأ هذه الآية فإن ~~المراد بعمارتها عمارتها بالعبادة فيها كالصلاة والإعتكاف يقال مدينة عامرة ~~إذا كانت مسكونة ومدينة خراب إذا لم يكن فيها ساكن ومنه قوله تعالى @QB@ ~~أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد ~~في سبيل الله لا يستوون عند الله @QE@ # وأما نفس بناء المساجد فيجوز أن يبنيها البر والفاجر والمسلم والكافر ~~وذلك يسمى بناء كما قال النبي من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ~~فبين الله تعالى إن المشركين ما كان لهم عمارة مساجد الله مع شهادتهم على ~~أنفسهم بالكفر وبين إنما يعمرها من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله الذين ~~لا يخشون إلا الله ولا يرجون سواه ولا يستعينون إلا به ولا يدعون إلاإياه ~~وعمار المشاهد يخافون غير الله ويرجون غيره ويدعون غيره وهو سبحانه لم يقل ~~إنما يعمر مشاهد الله فإن المشاهد ليست بيوت الله إنما هي بيوت الشرك ولهذا ~~ليس في القرآن آية فيها مدح المشاهد ولا عن النبي في PageV17P499 ذلك حديث ~~وإنما ذكره الله عمن كان قبلنا أنهم بنوا مسجدا على قبر أهل الكهف وهؤلاء ~~من الذين نهانا الله أن نتشبه بهم حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك # ففي هذا الحديث ذم أهل المشاهد وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة كما قال لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وقال أولئك ~~إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك ~~شرار الخلق عند الله يوم القيامة ثم أهل المشاهد كثير من مشاهدهم أو أكثرها ~~كذب فإن الشرك مقرون بالكذب في كتاب الله كثيرا قال تعالى @QB@ واجتنبوا ~~قول الزور حنفاء ms5466 لله غير مشركين به @QE@ وقال النبي عدلت شهادة الزور ~~الإشراك بالله قالها ثلاثا وذلك كالمشهد الذي بنى بالقاهرة على رأس الحسين ~~وهو كذب باتفاق أهل العلم ورأس الحسين لم يحمل إلى هناك أصلا وأصله من ~~عسقلان وقد قيل أنه كان رأس راهب ورأس الحسين لم يكن بعسقلان وإنما أحدث ~~هذا في أواخر دولة الملاحدة بني عبيد وكذلك مشهد علي رضي الله عنه إنما ~~أحدث في دولة بني PageV17P500 بويه وقال محمد بن عبد الله مطين الحافظ ~~وغيره إنما هو قبر المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه إنما ~~دفن بقصر الإمارة بالكوفة ودفن معاوية بقصر الإمارة بدمشق ودفن عمرو بن ~~العاص بقصر الإمارة بمصر خوفا عليهم إذا دفنوا في المقابر البارزة أن ~~ينبشهم الخوارج المارقون فإن الخوارج كانوا تعاهدوا على قتل الثلاثة فقتل ~~بن ملجم عليا وجرح صاحبه معاوية وعمرو كان استخلف رجلا اسمه خارجة فقتله ~~الخارجي وقال أردت عمرا وأراد الله خارجة فسارت مثلا # فالمقصود أن هذا المشهد إنما أحدث في دولة الملاحدة دولة بني عبيد وكان ~~فيهم من الجهل والضلال ومعاضدة الملاحدة وأهل البدع من المعتزلة والرافضة ~~أمور كثيرة ولهذا كان في زمنهم قد تضعضع الإسلام تضعضعا كثيرا ودخلت ~~النصارى إلى الشام فإن بني عبيد ملاحدة منافقون ليس لهم غرض في الإيمان ~~بالله ورسوله ولا في الجهاد في سبيل الله بل في الكفر والشرك ومعاداة ~~الإسلام بحسب الإمكان واتباعهم كلهم أهل بدع وضلال فاستولت النصارى في ~~دولتهم على أكثر الشام ثم قيض الله من ملوك السنة مثل نور الدين وصلاح ~~الدين وأخوته وأتباعهم ففتحوا بلاد الإسلام وجاهدوا الكفار والمنافقين ~~PageV17P501 ونهى النبي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لأن المشركين ~~يسجدون للشمس حينئذ والشيطان يقارنها وإن كان المسلم المصلي لا يقصد السجود ~~لها لكن سد الذريعة لئلا يتشبه بالمشركين في بعض الأمور التي يختصون بها ~~فيفضي إلى ما هو شرك ولهذا نهى عن تحري الصلاة في هذين الوقتين هذا لفظ بن ~~عمر الذي في الصحيحين فقصد ms5467 الصلاة فيها منهي عنه # وأما إذا حدث سبب تشرع الصلاة لأجله مثل تحية المسجد وصلاة الكسوف وسجود ~~التلاوة وركعتي الطواف وإعادة الصلاة مع إمام الحي ونحو ذلك فهذه فيها نزاع ~~مشهور بين العلماء والأظهر جواز ذلك واستحبابه فإنه خير لا شر فيه وهو يفوت ~~إذا ترك وإنما نهى عن قصد الصلاة وتحريها في ذلك الوقت لما فيه من مشابهة ~~الكفار بقصد السجود ذلك الوقت فما لا سبب له قد قصد فعله في ذلك الوقت وإن ~~لم يقصد الوقت بخلاف ذي السبب فإنه فعل لأجل السبب فلا تأثير فيه للوقت ~~بحال ونهى النبي عن الصلاة في المقبرة عموما فقال الأرض كلها مسجد ~~إلاالمقبرة والحمام رواه أهل السنن وقد روي مسندا ومرسلا وقد صحح الحفاظ ~~أنه مسند فإن الحمام مأوى الشياطين والمقابر نهى عنها PageV17P502 لما فيه ~~من التشبه بالمتخذين القبور مساجد وإن كان المصلي قد لا يقصد الصلاة لأجل ~~فضيلة تلك البقعة بل اتفق له ذلك # لكن فيه تشبه بمن يقصد ذلك فنهى عنه كما ينهى عن الصلاة المطلقة وقت ~~الطلوع والغروب وإن لم يقصد فضيلة ذلك الوقت لما فيه من التشبه بمن يقصد ~~فضيلة ذلك الوقت وهم المشركون فنهيه عن الصلاة في هذا الزمان كنهيه عن ~~الصلاة في ذلك المكان فلما كان الشرك الذي أضل أكثر بني آدم أصله وأعظمه من ~~عبادة البشر والتماثيل المصورة على صورهم فإن المشركين قد اعتادوا آلهة ~~يلدون ويولدون ويرثون ويورثون ويكونون من شيء من الأشياء فسألوا النبي عن ~~إلهه الذي يعبده من أي شيء هو أمن كذا أم من كذا وممن ورث الدنيا ولمن ~~يورثها فقال تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد @QE@ # وفي حديث أبي بن كعب لأنه ليس أحد يولد إلا يموت ولا أحد يرث إلا يورث ~~يقول كل من عبد من دون الله قد ولد مثل المسيح والعزير وغيرهما من الصالحين ~~وتماثيلهم ومثل الفراعنة المدعين الآلهية فهذا مولود يموت وهو وإن كان ورث ms5468 ~~من غيره ما هو فيه فإذا مات ورثه غيره والله سبحانه حي لا يموت ولا يورث ~~سبحانه وتعالى والله أعلم وصلى الله على محمد PageV17P503 ### || سورة الفلق # وقال شيخ الإسلام # ناصر السنة قامع البدعة تقي الدين أحمد بن تيمية نفعنا المولى بعلومه وهو ~~مما كتبه في القلعة ### ||| فصل # في @QB@ قل أعوذ برب الفلق @QE@ # قال تعالى @QB@ فالق الحب والنوى @QE@ وقال تعالى @QB@ فالق الإصباح وجعل ~~الليل سكنا @QE@ والفلق فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض فكل ما فلقه ~~الرب فهو فلق قال الحسن الفلق كل ما إنفلق عن شيء كالصبح والحب والنوى # قال الزجاج وإذا تأملت الخلق بان لك أن أكثره عن إنفلاق PageV17P504 ~~كالأرض بالنبات والسحاب بالمطر # وقد قال كثير من المفسرين الفلق الصبح فإنه يقال هذا أبين من فلق الصبح ~~وفرق الصبح # وقال بعضهم الفلق الخلق كله وأما من قال أنه واد في جهنم أو شجرة في جهنم ~~أو أنه إسم من أسماء جهنم فهذا أمر لا تعرف صحته لا بدلالة الإسم عليه ولا ~~بنقل عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا في تخصيص ربوبيته بذلك حكمة بخلاف ما ~~إذا قال رب الخلق أو رب كل ما إنفلق أو رب النور الذي يظهره على العباد ~~بالنهار فإن في تخصيص هذا بالذكر ما يظهر به عظمة الرب المستعاذ به وإذا ~~قيل الفلق يعم ويخص فبعمومه للخلق أستعيذ من شر ما خلق وبخصوصه للنور ~~النهاري أستعيذ من شر غاسق إذا وقب # فإن الغاسق قد فسر بالليل كقوله @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل @QE@ وهذا قول أكثر المفسرين وأهل اللغة قالوا ومعنى @QB@ وقب @QE@ ~~دخل في كل شيء قال الزجاج الغاسق البارد وقيل الليل غاسق لأنه أبرد من ~~النهار وقد روى الترمذي والنسائي عن عائشة ( أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~نظر إلى القمر فقال يا عائشة تعوذي بالله من شره فإنه الغاسق إذا وقب ( ~~وروي PageV17P505 من حديث أبي هريرة مرفوعا ( أن الغاسق النجم ( وقال إبن ~~زيد هو الثريا وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع ms5469 عند طلوعها ~~وهذا المرفوع قد ظن بعض الناس منافاته لمن فسره بالليل فجعلوه قولا آخر ثم ~~فسروا وقوبه بسكونه # قال إبن قتيبة ويقال الغاسق القمر إذا كسف وأسود ومعنى وقب دخل في الكسوف ~~وهذا ضعيف فإن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعارض بقول غيره وهو ~~لا يقول إلا الحق وهو لم يأمر عائشة بالإستعاذة منه عند كسوفه بل مع ظهوره ~~وقد قال الله تعالى @QB@ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة @QE@ فالقمر آية الليل وكذلك النجوم إنما تطلع ~~فترى بالليل فأمره بالإستعاذة من ذلك أمر بالإستعاذة من آية الليل ودليله ~~وعلامته والدليل مستلزم للمدلول فإذا كان شر القمر موجودا فشر الليل موجود ~~وللقمر من التأثير ما ليس لغيره فتكون الإستعاذة من الشر الحاصل عنه أقوى ~~ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى ( هو مسجدي هذا ( مع أن الآية ~~تتناول مسجد قباء قطعا وكذلك قوله عن أهل الكساء ( هؤلاء أهل بيتى ( مع أن ~~القرآن يتناول نساءه فالتخصيص لكون المخصوص أولى بالوصف فالقمر أحق ما يكون ~~بالليل بالإستعاذة والليل مظلم تنتشر فيه شياطين ا PageV17P506 لإنس والجن ~~مالا تنتشر بالنهار ويجري فيه من أنواع الشر ما لا يجري بالنهار من أنواع ~~الكفر والفسوق والعصيان والسحر والسرقة والخيانة والفواحش وغير ذلك فالشر ~~دائما مقرون بالظلمة ولهذا إنما جعله الله لسكون الآدميين وراحتهم لكن ~~شياطين الإنس والجن تفعل فيه من الشر ما لا يمكنها فعله بالنهار ويتوسلون ~~بالقمر وبدعوته والقمر وعبادته وأبو معشر البلخي له ( مصحف القمر ( يذكر ~~فيه من الكفريات والسحريات ما يناسب الإستعاذة منه # فذكر سبحانه الإستعاذة من شر الخلق عموما ثم خص الأمر بالإستعاذة من شر ~~الغاسق إذا وقب وهو الزمان الذي يعم شره ثم خص بالذكر السحر والحسد # فالسحر يكون من الأنفس الخبيثة لكن بالإستعانة بالأشياء كالنفث في العقد ~~والحسد يكون من الأنفس الخبيثة أيضا إما بالعين وإما بالظلم باللسان واليد ~~وخص من السحر النفاثات في العقد وهن النساء والحاسد الرجال في ms5470 العادة ويكون ~~من الرجال ومن النساء # والشر الذي يكون من الأنفس الخبيثة من الرجال والنساء هو شر منفصل عن ~~الإنسان ليس هو في قلبه كالوسواس الخناس # وفى سورة الناس ذكر ( الوسواس الخناس ( فإنه مبدأ الأفعال PageV17P507 ~~المذمومة من الكفر والفسوق والعصيان ففيها الإستعاذة من شر ما يدخل الإنسان ~~من الأفعال التى تضره من الكفر والفسوق والعصيان وقد تضمن ذلك الإستعاذة من ~~شر نفسه # وسورة الفلق فيها الإستعاذة من شر المخلوقات عموما وخصوصا ولهذا قيل فيها ~~برب الفلق وقيل في هذه برب الناس فإن فالق الإصباح بالنور يزيل بما في نوره ~~من الخير ما في الظلمة من الشر وفالق الحب والنوى بعد إنعقادهما يزيل ما في ~~عقد النفاثات فإن فلق الحب والنوى أعظم من حل عقد النفاثات وكذلك الحسد هو ~~من ضيق الإنسان وشحه لا ينشرح صدره لانعام الله عليه فرب الفلق يزيل ما ~~يحصل بضيق الحاسد وشحه وهو سبحانه لا يفلق شيئا إلا بخير فهو فالق الإصباح ~~بالنور الهادي والسراج الوهاج الذي به صلاح العباد وفالق الحب والنوى ~~بأنواع الفواكه والأقوات التى هي رزق الناس ودوابهم والإنسان محتاج إلى جلب ~~المنفعة من الهدي والرزق وهذا حاصل بالفلق والرب الذي فلق للناس ما تحصل به ~~منافعهم يستعاذ به مما يضر الناس فيطلب منه تمام نعمته بصرف المؤذيات عن ~~عبده الذي إبتدأ بإنعامه عليه وفلق الشيء عن الشيء هو دليل على تمام القدرة ~~وإخراج الشيء من ضده كما يخرج الحي من الميت والميت من الحي وهذا من نوع ~~الفلق فهو سبحانه قادر على دفع الضد المؤذي بالضد النافع PageV17P508 ### || 1 ( سورة الناس ) 1 # وقال رحمه الله ! 8 < ### ||| فصل # في @QB@ قل أعوذ برب الناس @QE@ إلى آخرها # قوله ( من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ( ~~فيها أقوال ولم يذكر بن الجوزي إلا قولين ولم يذكر الثالث وهو الصحيح وهو ~~أن قوله من الجنة والناس لبيان الوسواس أي الذي يوسوس من الجنة ومن الناس ~~في صدور الناس فإن الله تعالى قد أخبر ms5471 أنه جعل لكل نبى عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وإيحاؤهم هو وسوستهم وليس من ~~شرط الموسوس أن يكون مستترا عن البصر بل قد يشاهد قال تعالى @QB@ فوسوس ~~لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن ~~الناصحين @QE@ وهذا كلام من يعرف قائله ليس شيئا يلقي في القلب لا يدري ممن ~~هو وإبليس قد أمر بالسجود لآدم فأبى وإستكبر فلم يكن ممن لا يعرفه آدم وهو ~~ونسله يرون بني آدم من حيث لا يرونهم وأما آدم فقد رآه PageV17P509 # وقد يرى الشياطين والجن كثير من الإنس لكن لهم من الإجتنان والإستتار ما ~~ليس للإنس وقد قال تعالى ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى ~~بريء منكم ( وفى التفسير والسيرة أن الشيطان جاءهم في صورة بعض الناس وكذلك ~~قوله @QB@ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني ~~أخاف الله رب العالمين @QE@ # وفى حديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نعوذ بالله من شياطين ~~الإنس والجن قلت أو للإنس شياطين قال نعم شر من شياطين الجن ( # وأيضا فالنفس لها وسوسة كما قال تعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ~~توسوس به نفسه @QE@ فهذا توسوس به نفسه لنفسه كما يقال حديث النفس قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم ~~تتكلم به أو تعمل به ( أخرجاه في الصحيحين # فالذي يوسوس في صدور الناس نفسه وشياطين الجن وشياطين الإنس # والوسواس الخناس يتناول وسوسة الجنة ووسوسة الإنس والا PageV17P510 أي ~~معنى للإستعاذة من وسوسة الجن فقط مع أن وسوسة نفسه وشياطين الإنس هي مما ~~تضره وقد تكون أضر عليه من وسوسة الجن # وأما قول الفراء أن المراد من شر الوسواس الذي يوسوس ms5472 في صدور الناس ~~الطائفتين من الجن والإنس وأنه سمى الجن ناسا كما سماهم رجالا وسماهم نفرا ~~فهذا ضعيف فإن لفظ الناس أشهر وأظهر وأعرف من أن يحتاج إلى تنويعه إلى الجن ~~والإنس وقد ذكر الله تعالى لفظ الناس في غير موضع # وأيضا فكونه يوسوس في صدور الطائفتين صفة توضيح وبيان وليس وسوسة الجن ~~معروفة عند الناس وإنما يعرف هذا بخبر ولا خبر هنا ثم قد قال @QB@ من الجنة ~~والناس @QE@ فكيف يكون لفظ الناس عاما للجنة والناس وكيف يكون قسيم الشيء ~~قسما منه فهو يجعل الناس قسيم الجن ويجعل الجن نوعا من الناس وهذا كما يقول ~~أكرم العرب من العجم والعرب فهل يقول هذا أحد وإذا سماهم الله تعالى رجالا ~~لم يكن في هذا دليل على أنهم يسمون ناسا وإن قدر أنه يقال جاء ناس من الجن ~~فذاك مع التقييد كما يقال إنسان من طين وماء دافق ولا يلزم من هذا أن ~~يدخلوا في لفظ الناس وقد قال تعالى @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي ~~خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها @QE@ PageV17P511 فالناس كلهم مخلوقون ~~من آدم وحواء مع أنه سبحانه يخاطب الجن والإنس # والرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجنسين لكن لفظ الناس لم يتناول ~~الجن ولكن يقول يا معشر الجن والإنس # وكذلك قول الزجاج أن المعنى @QB@ من شر الوسواس @QE@ الذي هو الجنة ومن ~~شر الناس فيه ضعف وإن كان أرجح من الأول لأن شر الجن أعظم من شر الإنس فكيف ~~يطلق الإستعاذة من جميع الناس ولا يستعيذ إلا من بعض الجن # وأيضا فالوسواس الخناس إن لم يكن إلا من الجنة فلا حاجة إلى قوله @QB@ من ~~الجنة @QE@ ومن @QB@ الناس @QE@ فلماذا يخص الإستعاذة من وسواس الجنة دون ~~وسواس الناس # وأيضا فإنه إذا تقدم المعطوف إسما كان عطفه على القريب أولى كما أن عود ~~الضمير إلى الأقرب أولى إلا إذا كان هناك دليل يقتضي العطف على البعيد فعطف ~~الناس هنا على الجنة المقرون به أولى من عطفه على الوسواس PageV17P512 و ~~يكفي ms5473 أن المسلمين كلهم يقرأون هذه السورة من زمن نبيهم ولم ينقل هذان ~~القولان إلا عن بعض النحاة والأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ليس فيها شيء من هذا بل إنما فيها القول الذي نصرناه كما في تفسير ~~معمر عن قتادة ( من الجنة والناس ( قال إن في الجن شياطينا وإن في الإنس ~~شياطينا فنعوذ بالله من شياطين الإنس والجن فبين قتادة أن المعنى الإستعاذة ~~من شياطين الإنس والجن # وروى إبن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله @QB@ الوسواس الخناس ~~@QE@ قال الخناس الذي يوسوس مرة ويخنس مرة من الجن والإنس فبين إبن زيد أن ~~الوسواس الخناس من الصنفين وكان يقال شياطين الإنس أشد على الناس من شياطين ~~الجن شيطان الجن يوسوس ولا تراه وهذا يعاينك معاينة # وعن إبن جريج @QB@ من الجنة والناس @QE@ قال أنهما وسواسان فوسواس من ~~الجنة فهو @QB@ الخناس @QE@ ووسواس من نفس الإنسان فهو قوله ( والناس ( ~~وهذا القول الثالث وإن كان يشبه قول الزجاج فهذا أحسن منه فإنه جعل من ~~الناس الوسواس الذي من نفس الإنسان فمعناه أحسن ذكر الثلاثة إبن أبي حاتم ~~في تفسيره PageV17P513 و أيضا فإنه ذكر في الآية @QB@ برب الناس ملك الناس ~~إله الناس @QE@ فإن كان المقصود أن يستعيذ الناس بربهم وملكهم وإلههم من شر ~~ما يوسوس في صدورهم فإنه هو الذي يطلب منه الخير الذي ينفعهم ويطلب منه دفع ~~الشر الذي يضرهم والوسواس أصل كل شر يضرهم لأنه مبدأ للكفر والفسوق ~~والعصيان وعقوبات الرب إنما تكون على ذنوبهم وإذا لم يكن لأحدهم ذنب فكل ما ~~يصيبه نعمة في حقه وإذا إبتلى بما يؤلمه فإن الله يرفع درجته ويأجره إذا ~~قدر عدم الذنوب مطلقا لكن هذا ليس بواقع منهم فإن كل بنى آدم خطاء وخير ~~الخاطئين التوابون وقد قال تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ~~ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات @QE@ # فغاية المؤمنين الأنبياء فمن دونهم هي التوبة قال الله تعالى @QB@ فتلقى ~~آدم من ربه كلمات فتاب عليه ms5474 إنه هو التواب الرحيم @QE@ وقال نوح ( رب إني ~~أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم والا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ( ~~وقال إبراهيم وإسماعيل @QB@ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة ~~لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم @QE@ وقال موسى @QB@ أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين @QE@ ودعاء نبينا بمثل ذلك كثير ~~معروف PageV17P514 # فكان الوسواس مبدأ كل شر فإن كانوا قد إستعاذوا بربهم وملكهم والههم من ~~شره فقد دخل في ذلك وسواس الجن والإنس وسائر شر الإنس إنما يقع بذنوبهم فهو ~~جزاء على أعمالهم كالشر الذي يقع من الجن بغير الوسواس وكما يحصل من ~~العقوبات السماوية وهم لم يستعيذوا هنا من شر المخلوقات مطلقا كما إستعاذوا ~~في سورة الفلق بل من الشر الذي يكون مبدؤه في نفوسهم وإن كان ذكر رب الناس ~~ملك الناس إله الناس يستعيذوا به ليعيذهم وليعيذ منهم وهذا أعم المعنيين ~~فذلك يحصل بإعاذته من شر الوسواس الموسوس في صدور الناس فإنه هو الذي يوسوس ~~بظلم الناس بعضهم بعضا وبإغواء بعضهم بعضا وبإعانة بعضهم بعضا على الإثم ~~والعدوان # فما حصل لإنسي شر من إنسي إلا كان مبدؤه من الوسواس الخناس وإلا فما يحصل ~~من أذي بعضهم لبعض إذا لم يكن من الوسواس بل كان من الوحي الذي بعث الله به ~~ملائكته كان عدلا كإقامة الحدود وجهاد الكفار والإقتصاص من الظالمين فهذه ~~الأمور فيها ضرر وأذي للظالمين من الإنس لكن هي بوحي الله لا من الوسواس ~~وهي نعمة من الله في حق عباده حتى في حق المعاقب فإنه إذا عوقب كان ذلك ~~كفارة له إن كان مؤمنا وإلا كان تخفيفا لعذابه في الآخرة بالنسبة إلى عذاب ~~من لم يعاقب في الدنيا PageV17P515 و لهذا كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~رحمة في حق العالمين بإعتبار ما حصل من الخير العام به وما حصل للمؤمنين به ~~من سعادة الدنيا والاخرة وبإعتبار أنه في نفسه رحمة فمن قبلها وإلا كان هو ~~الظالم لنفسه وبإعتبار ms5475 أنه قمع الكفار والمنافقين فنقص شرهم وعجزوا عما ~~كانوا يفعلونه بدونه وقتل من قتل منهم فكان تعجيل موته خيرا من طول عمره في ~~الكفر له وللناس فكان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين بكل إعتبار ~~فلا يستعاذ منه ومن أمثاله من الأنبياء وأتباعهم المؤمنين وهم من الناس وإن ~~كانوا يفعلون بأعدائهم ما هو أذي وعقوبة وألم لهم فلم تبق الإستعاذة من ~~الناس إلا مما يأتى به الوسواس إليهم فيستعاذ برب الناس ملك الناس إله ~~الناس على هذا التقدير من شر الوسواس الذي يوسوس للمستعيذ ومن شر الوسواس ~~الذي يوسوس لسائر الناس حتى لا يحصل منهم شر للمستعيذ فإذا لم يكن للناس شر ~~إلا من الوسواس كانت الإستعاذة من شر الذي يوسوس لهم تحصيلا للمقصود وكان ~~حسما للمادة وأقرب إلى العدل وكان مخرجا لأنبياء الله وأوليائه أن يستعاذ ~~من شرهم وأن يقرنوا بالوسواس الخناس ويكون ذلك تفضيلا للجن على الإنس وهذا ~~لا يقوله عاقل # فإن قيل فإن كان أصل الشر كله من الوسواس الخناس فلا حاجة PageV17P516 ~~إلى ذكر الإستعاذة من وسواس الناس فإنه تابع لوسواس الجن # قيل بل الوسوسة نوعان نوع من الجن ونوع من نفوس الإنس كما قال @QB@ ولقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه @QE@ فالشرمن الجهتين جميعا والإنس ~~لهم شياطين كما للجن شياطين والوسوسة من جنس الوشوشة بالشين المعجمة يقال ~~فلان يوشوش فلانا وقد وشوشه إذا حدثه سرا في أذنه وكذلك الوسوسة ومنه وسوسة ~~الحلي لكن هو بالسين المهملة أخص # ( ورب الناس ( الذي يربيهم بقدرته ومشيئته وتدبيره وهو رب العالمين كلهم ~~فهو الخالق للجميع ولأعمالهم # و @QB@ ملك الناس @QE@ الذي يأمرهم وينهاهم فإن الملك يتصرف بالكلام ~~والجماد لا ملك له فإنه لا يعقل الخطاب لكن له مالك وإنما يكون الملك لمن ~~يفهم عنه والحيوان يفهم بعضه عن بعض كما قال @QB@ علمنا منطق الطير @QE@ ~~@QB@ قالت نملة يا أيها النمل @QE@ فلهذا كان له ملك من جنسه ومن غير جنسه ~~كما كان سليمان ملكهم والإله هو المعبود الذي هو المقصود بالإرادات ms5476 ~~والأعمال كلها كما قد بسط الكلام على ذلك # وقد قيل إنما خص الناس بالذكر لأنهم مستعيذون أو لأنهم PageV17P517 ~~المستعاذ من شرهم ذكرهما أبو الفرج وليس لهما وجه فإن وسواس الجن أعظم ولم ~~يذكره بل ذكر الناس لأنهم المستعيذون فيستعيذون بربهم الذي يصونهم وبملكهم ~~الذي أمرهم ونهاهم وبإلههم الذي يعبدونه من شر الذي يحول بينهم وبين عبادته ~~ويستعيذون أيضا من شر الوسواس الذي يحصل في نفوس الناس منهم ومن الجنة فإنه ~~أصل الشر الذي يصدر منهم والذي يرد عليهم ### ||| فصل # وبهذا يتبين بعض هذه الإستعاذة والتى قبلها كما جاءت بذلك الأحاديث عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه لم يستعذ المستعيذون بمثلهما فإن الوسواس أصل ~~كل كفر وفسوق وعصيان فهو أصل الشر كله فمتى وقي الإنسان شره وقي عذاب جهنم ~~وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال فإن جميع هذه إنما ~~تحصل بطريق الوسواس ووقي عذاب الله في الدنيا والآخرة فإنه إنما يعذب على ~~الذنوب وأصلها من الوسواس ثم إن دخل في الآية وسواس غيره بحيث يكون قوله ~~@QB@ من شر الوسواس @QE@ إستعاذة من الوسواس الذي يعرض له والذي يعرض للناس ~~بسببه فقد وقي ظلمهم وإن كان PageV17P518 إنما يريد وسواسه فهم إنما يسلطون ~~عليه بذنوبه وهي من وسواسه قال تعالى @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم @QE@ أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ( وقال @QB@ وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم @QE@ وقال @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ # والوسواس من جنس الحديث والكلام ولهذا قال المفسرون في قوله ( ما توسوس ~~به نفسه ( قالوا ما تحدث به نفسه وقد قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله ~~تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به ( # وهو نوعان خبر وإنشاء # فالخبر إما عن ماض وإما عن مستقبل فالماضي يذكره به والمستقبل يحدثه بأن ~~يفعل هو أمورا أو أن أمورا ستكون بقدر الله أو فعل غيره فهذه الأماني ~~والمواعيد الكاذبة والإنشاء امر ms5477 ونهي وإباحة # والشيطان تارة يحدث وسواس الشر وتارة ينشيء الخير وكان ذلك بما يشغله به ~~من حديث النفس قال تعالى في النسيان PageV17P519 @QB@ وإما ينسينك الشيطان ~~فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين @QE@ وقال فتى موسى @QB@ فإني نسيت ~~الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان @QE@ وقال تعالى @QB@ فأنساه الشيطان ذكر ~~ربه @QE@ # وثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا أذن المؤذن ~~أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين أقبل فإذا ثوب ~~بالصلاة أدبر فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه فيقول أذكر ~~كذا أذكر كذا لما لم يذكر حتى يظل الرجل لم يدر كم صلى ( فالشيطان ذكره ~~بأمور ماضية حدث بها نفسه مما كانت في نفسه من أفعاله ومن غير أفعاله فبتلك ~~الأمور نسي المصلي كم صلى ولم يدر كم صلى فإن النسيان أزال ما في النفس من ~~الذكر وشغلها بأمر آخر حتى نسي الأول # وأما إخباره بما يكون في المستقبل من المواعيد والأماني فكقوله @QB@ وقال ~~الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم @QE@ ~~وفى هذه الآية أمره ووعده وقال تعالى @QB@ ومن يتخذ الشيطان وليا من دون ~~الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ~~أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا @QE@ PageV17P520 # وقال تعالى @QB@ ~~الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله ~~واسع عليم @QE@ ففي هذه أيضا أمره ووعده وقال موسى لما قتل القبطي @QB@ هذا ~~من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين @QE@ # وقد قال غير واحد من الصحابة كأبي بكر وإبن مسعود فيما يقولونه بإجتهادهم ~~إن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان فجعلوا ما يلقي في ~~النفس من الإعتقادات التى ليست مطابقة من الشيطان وإن لم يكن صاحبها آثما ~~لأنه إستفرغ وسعه كما لا يأثم بالوسواس الذي يكون في الصلاة من الشيطان ولا ~~بما ms5478 يحدث به نفسه وقد قال المؤمنون @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا @QE@ وقد قال الله قد فعلت # والنسيان للحق من الشيطان والخطأ من الشيطان قال تعالى @QB@ وإذا رأيت ~~الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك ~~الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين @QE@ وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم / < من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها > / ولما نام هو ~~وأصحابه عن الصلاة في غزوة خيبر قال لأصحابه ( إرتحلوا فإن هذا مكان حضرنا ~~فيه شيطان ( وقال ( إن الشيطان أتى بلالا فجعل يهديه كما يهدي الصبي حتى ~~نام PageV17P521 و كان النبى صلى الله عليه وسلم وكل بلالا أن يوقظهم عند ~~الفجر والنوم الذي يشغل عما أمر به والنعاس من الشيطان وإن كان معفوا عنه ~~ولهذا قيل النعاس في مجلس الذكر من الشيطان وكذلك الإحتلام في المنام من ~~الشيطان والنائم لا قلم عليه # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( الرؤيا ثلاثة ~~رؤيا من الله ورؤيا من الشيطان ورؤيا ما يحدث به المرء نفسه في اليقظة ~~فيراه في النوم ( وقد قيل أن هذا من كلام إبن سيرين لكن تقسيم الرؤيا إلى ~~نوعين نوع من الله ونوع من الشيطان صحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم بلا ~~ريب فهذان النوعان من وسواس النفس ومن وسواس الشيطان وكلاهما معفو عنه فإن ~~النائم قد رفع القلم عنه ووسواس الشيطان يغشي القلب كطيف الخيال فينسيه ما ~~كان معه من الإيمان حتى يعمى عن الحق فيقع في الباطل فإذا كان من المتقين [ ~~كان ] كما قال الله @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~فإذا هم مبصرون @QE@ فإن الشيطان مسهم بطيف منه يغشي القلب وقد يكون لطيفا ~~وقد يكون كثيفا إلا أنه غشاوة على القلب تمنعه إبصار الحق قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع ~~واستغفر صقل قلبه وإن زاد زيد فيها ms5479 حتى تعلو قلبه فذلك PageV17P522 الران ~~الذي قال الله تعالى @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ # لكن طيف الشيطان غير رين الذنوب هذا جزاء على الذنب والغين ألطف من ذلك ~~كما في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال ( أنه ليغان على قلبي ~~وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة ( فالشيطان يلقي في النفس الشر ~~والملك يلقي الخير وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن قالوا ~~وإياك يا رسول الله قال وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ( وفي رواية ( ~~فلا يأمرني إلا بخير ( أي إستسلم وإنقاد # وكان إبن عيينة يرويه فأسلم بالضم ويقول إن الشيطان لا يسلم لكن قوله في ~~الرواية الأخرى فلا يأمرنى إلا بخير دل على أنه لم يبق يأمره بالشر وهذا ~~إسلامه وإن كان ذلك كناية عن خضوعه وذلته لا عن إيمانه بالله كما يقهر ~~الرجل عدوه الظاهر ويأسره وقد عرف العدو المقهور أن ذلك القاهر يعرف ما ~~يشير به عليه من الشر فلا يقبله بل يعاقبه على ذلك فيحتاج لإنقهاره معه إلى ~~أنه لا يشير عليه إلا بخير لذلته وعجزه لا لصلاحه ودينه ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم ( إلا أن الله أعانني عليه فلا يأمرنى إلا بخير ( وقال إبن مسعود ~~أن للملك لمة وأن الشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير PageV17P523 و تصديق ~~بالحق ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق وقد قال تعالى @QB@ إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه @QE@ أي يخوفكم أولياؤه بما يقذف في قلوبكم من ~~الوسوسة المرعبة كشيطان الإنس الذي يخوف من العدو فيرجف ويخذل # وعكس هذا قوله تعالى @QB@ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب @QE@ وقال تعالى @QB@ يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا @QE@ والتثبت ~~جعل الإنسان ثابتا ms5480 لأمر تابا وذلك بإلقاء ما يثبته من التصديق بالحق والوعد ~~بالخير كما قال إبن مسعود لمة الملك وعد بالخير وتصديق بالحق فمتى علم ~~القلب أن ما أخبر به الرسول حق صدقه وإذا علم أن الله قد وعده بالتصديق وثق ~~بوعد الله فثبت فهذا يثبت بالكلام كما يثبت الإنسان الإنسان في أمر قد ~~إضطرب فيه بأن يخبره بصدقه ويخبره بما يبين له أنه منصور فيثبت وقد يكون ~~التثبت بالفعل بأن يمسك القلب حتى يثبت كما يمسك الإنسان الإنسان حتى يثبت # وفي الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ( من سأل القضاء وإستعان عليه ~~وكل إليه ومن لم يسأل القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده ( ~~فهذا الملك يجعله سديد القول بما يلقي PageV17P524 في قلبه من التصديق ~~بالحق والوعد بالخير وقد قال تعالى @QB@ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور @QE@ فدل ذلك على أن هذه الصلاة سبب لخروجهم ~~من الظلمات إلى النور وقد ذكر إخراجه للمؤمنين من الظلمات إلى النور في غير ~~آية كقوله ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ( وقال ( هو الذي ~~ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ( وقال ( كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ( وفي الحديث ( ~~إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير ( وذلك أن هذا بتعليمه الخير ~~يخرج الناس من الظلمات إلى النور والجزاء من جنس العمل ولهذا كان الرسول ~~أحق الناس بكمال هذه الصلاة كما قال تعالى @QB@ إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي @QE@ # والصلاة هي الدعاء إما بخير يتضمن الدعاء وإما بصيغة الدعاء فالملائكة ~~يدعون للمؤمنين كما في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم ~~يحدث ( فبين أن صلاتهم قولهم اللهم أغفر له اللهم إرحمه # وفي الأثر ( أن الرب يصلي فيقول سبقت أو غلبت ms5481 رحمتي غضبي PageV17P525 و ~~هذا كلامه سبحانه هو خبر وإنشاء يتضمن أن الرحمة تسبق الغضب وتغلبه وهو ~~سبحانه لا يدعو غيره أن يفعل كما يدعوه الملائكة وغيرهم من الخلق بل طلبه ~~بأمره وقوله وقسمه كقوله لأفعلن كذا وقوله كن فيكون وقوله لأفعلن كذا قسم ~~منه كقوله @QB@ لأملأن جهنم منك وممن تبعك @QE@ وقوله @QB@ ولكن حق القول ~~مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين @QE@ وقوله @QB@ وعد الله الذين ~~آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا @QE@ وقوله ~~@QB@ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز @QE@ وهذا وعد مؤكد ~~بالقسم بخلاف قوله @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~@QE@ فإن هذا وعد وخبر ليس فيه قسم لكنه مؤكد باللام التى يمكن أن تكون ~~جواب قسم وقوله @QB@ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها @QE@ وقوله @QB@ وإذ ~~يعدكم الله إحدى الطائفتين @QE@ ونحو ذلك وعد مجرد # وقد قال تعالى @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ فأخبر أنه يوحي إلى البشر تارة ~~وحيا منه وتارة يرسل رسولا فيوحي إلى الرسول بإذنه ما يشاء PageV17P526 # والملائكة رسل الله ولفظ الملك يتضمن معنى الرسالة فإن أصل الكلمة ملأك ~~على وزن مفعل لكن لكثرة الإستعمال خففت بأن ألقيت حركة الهمزة على الساكن ~~قبلها وحذفت الهمزة وملاك مأخوذ من المألك والملأك بتقديم الهمزة على اللام ~~واللام على الهمزة وهو الرسالة وكذلك الألوكة بتقديم الهمزة على اللام قال ~~الشاعر % أبلغ النعمان عني مألكا % أنه قد طال حبسي وإنتظاري % وهذا بتقديم ~~الهمزة لكن الملك هو بتقديم اللام على الهمزة وهذا أجود فإن نظيره في ~~الإشتقاق الأكبر لاك يلوك إذا لاك الكلام واللجام والهمز أقوي من الواو ~~ويليه في الإشتقاق الأوسط أكل يأكل فإن الآكل يلوك ما يدخله في جوفه من ~~الغذاء والكلام والعلم ما يدخل في الباطن ويغذي به صاحبه قال عبد الله بن ~~مسعود أن كل ms5482 آدب يحب أن تؤتى مأدبته وأن مأدبة الله القرآن والآدب المضيف ~~والمأدبة الضيافة وهو ما يجعل من الطعام للضيف فبين أن الله ضيف عباده ~~بالكلام الذي أنزله إليهم فهو غذاء قلوبهم وقوتها وهو أشد إنتفاعا به ~~وإحتياجا إليه من الجسد بغذائه # وقال علي رضي الله عنه الربانيون هم الذين يغذون الناس بالحكمة ~~PageV17P527 و يربونهم عليها وقد قال صلى الله عليه وسلم ( إني أبيت عند ~~ربي يطعمني ويسقيني ( وقد أخبر الله تعالى أن القرآن شفاء لما في الصدور ~~والناس إلى الغذاء أحوج منهم إلى الشفاء في القلوب والأبدان وفي الصحيحين ~~عنه صلى الله عليه وسلم قال ( مثل ما بعثنى الله به من الهدي والعلم كمثل ~~غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة أمسكت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ~~وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا وزرعوا وكانت منها طائفة ~~إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ~~ما بعثنى الله به من الهدي والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي ~~الله الذي أرسلت به ( # فأخبر أن ما بعث به للقلوب كالماء للأرض تارة تشربه فتنبت وتارة تحفظه ~~وتارة لا هذا ولا هذا والأرض تشرب الماء وتغتذي به حتى يحصل الخير وقد أخبر ~~الله تعالى أنه روح تحيا به القلوب فقال @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء ~~من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ # وإذا كان ما يوحيه إلى عباده تارة يكون بوساطة ملك وتارة بغير وساطة فهذا ~~للمؤمنين كلهم مطلقا لا يختص به الأنبياء قال PageV17P528 تعالى @QB@ ~~وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون @QE@ وإذا ~~كان قد قال @QB@ وأوحى ربك إلى النحل @QE@ الآية فذكر أنه يوحي إليهم فالى ~~الإنسان أولى وقال تعالى @QB@ وأوحى في كل سماء أمرها @QE@ وقد قال تعالى ~~@QB@ ونفس وما ms5483 سواها فألهمها فجورها وتقواها @QE@ فهو سبحانه يلهم الفجور ~~والتقوى للنفس والفجور يكون بواسطة الشيطان وهو إلهام وسواس والتقوى بواسطة ~~ملك وهو إلهام وحي هذا أمر بالفجور وهذا أمر بالتقوي والأمر لابد أن يقترن ~~به خبر # وقد صار في العرف لفظ الإلهام إذا أطلق لا يراد به الوسوسة وهذه الآية ~~مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي وبين الوسوسة فالمأمور به أن كان ~~تقوى الله فهو من إلهام الوحي وإن كان من الفجور فهو من وسوسة الشيطان # فيكون الفرق بين الإلهام المحمود وبين الوسوسة المذمومة هو الكتاب والسنة ~~فإن كان مما ألقي في النفس مما دل الكتاب والسنة على أنه تقوى لله فهو من ~~الإلهام المحمود وإن كان مما دل على أنه فجور فهو من الوسواس المذموم وهذا ~~الفرق مطرد لا ينتقض وقد ذكرأبو حازم في الفرق بين وسوسة النفس والشيطان ~~فقال ما كرهته PageV17P529 نفسك لنفسك فهو من الشيطان فاستعذ بالله منه وما ~~أحبته نفسك لنفسك فهو من نفسك فإنهها عنه # وقد تكلم النظار في العلم الحاصل في القلب عقب النظر والإستدلال فذكروا ~~فيه ثلاثة أقوال كما ذكر ذلك أبو حامد في مستصفاه وغيره قول الجهمية وقول ~~القدرية وقول الفلاسفة وكثير من أهل الكلام لا يذكر إلا القولين قول ~~الجهمية وقول القدرية # وذلك أنهم يذكرون في كتبهم ما يعرفونه من أقوال من يعرفونه تكلم في هذا ~~وهم لا يعرفون إلا هؤلاء والمسألة هي من فروع القدر فإن الحاصل في نفس حادث ~~فيها فالقول فيه كالأقوال في أمثاله # ومذهب جهم ومن وافقه كأبي الحسن الأشعري وكثير من المتأخرين المثبتة هو ~~مذهب أهل السنة والجماعة أن الله خالق كل شيء وأن الله خالق أفعال العباد ~~لكنه لا يثبت سببا ولا قدرة مؤثرة ولا حكمة لفعل الرب فأنكر الطبائع والقوي ~~التى في الأعيان وأنكر الأسباب والحكم فلهذا لم يجعل لشيء سببا بل يقول هذا ~~حاصل بخلق الله وقدرته ولم يذكروا له سببا وهم صادقون في PageV17P530 ~~إضافته إلى قدره وأنه خالقه خلافا للقدرية لكن ms5484 من تمام المعرفة إثبات ~~الأسباب ومعرفتها # وأما القدرية من المعتزلة وغيرهم فبنوه على أصلهم وهو أن كل ما تولد عن ~~فعل العبد فهو فعله لا يضاف إلى غيره كالشبع والري وزهوق الروح ونحو ذلك ~~فقالوا هذا العلم متولد عن نظر العبد أو تذكر النظر # والمتفلسفة بنوه على أصلهم في أن ما يحدث من الصور هو من فيض العقل ~~الفعال عند إستعداد المواد القابلة فقالوا يحصل في نفوس البشر من فيض العقل ~~الفعال عند إستعداد النفس بإستحضار المقدمتين وهذا القول خطأ والذي قبله ~~أقرب منه والأول أقرب وليس في شيء منها تحقيق الأمر في ذلك # وحقيقته أن الله وكل بالإنس ملائكة وشياطين يلقون في قلوبهم الخير والشر ~~فالعلم الصادق من الخير والعقائد الباطلة من الشر كما قال إبن مسعود لمة ~~الملك تصديق بالحق ولمة الشيطان تكذيب بالحق وكما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم في القاضي ( أنزل الله عليه ملكا يسدده ( وكما أخبر الله أن الملائكة ~~توحي إلى البشر ما توحيه وإن كان البشر لا يشعر بأنه من الملك كما لا يشعر ~~بالشيطان الموسوس PageV17P531 لكن الله أخبر أنه يكلم البشر وحيا ويكلمه ~~بملك يوحي بإذنه ما يشاء والثالث التكليم من وراء حجاب وقد قال بعض ~~المفسرين المراد بالوحي هنا الوحي في المنام ولم يذكر أبو الفرج غيره وليس ~~الأمر كذلك فإن المنام تارة يكون من الله وتارة يكون من النفس وتارة يكون ~~من الشيطان وهكذا ما يلقي في اليقظة والأنبياء معصومون في اليقظة والمنام # ولهذا كانت رؤيا الأنبياء وحيا كما قال ذلك بن عباس وعبيد بن عمير وقرأ ~~قوله @QB@ إني أرى في المنام أني أذبحك @QE@ وليس كل من رأي رؤيا كانت وحيا ~~فكذلك ليس كل من ألقي في قلبه شيء يكون وحيا والإنسان قد تكون نفسه في ~~يقظته أكمل منها في نومه كالمصلي الذي يناجي ربه فإذا جاز أن يوحي إليه في ~~حال النوم # فلماذا لا يوحي إليه في حال اليقظة كما أوحي إلى أم موسى والحواريين وإلى ~~النحل لكن ليس ms5485 لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في يقظة ~~ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك فإن الوسواس غالب على الناس والله ~~أعلم PageV17P532 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ### ||| فصل في ( سورة الفلق والناس ) # في ( الفلق ( أقوال ترجع إلى تعميم وتخصيص فإنه فسر بالخلق عموما وفسر ~~بكل ما يفلق منه كالفجر والحب والنوى وهو غالب الخلق وفسر بالفجر وأما ~~تفسيره بالنار أو بجب أو شجرة فيها فهذا مرجعه إلى التوقيف # ( والغاسق ( قد روى في الحديث المرفوع عن عائشة في الترمذي والنسائي ( أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر وقال لها يا عائشة تعوذي بالله من ~~هذا فهذا الغاسق إذا وقب ( قال إبن قتيبة ( الغاسق ) القمرإذا كسف فإسود ~~ومعنى وقب دخل في الكسوف # والمشهور عند أهل التفسير واللغة أن الغاسق الليل @QB@ وقب @QE@ ~~PageV17P533 دخل في كل شيء فأظلم و ( الغسق ( الظلمة وقال الزجاج ( الغاسق ~~( البارد فقيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار أو يقال الغسق السيلان ~~والإحاطة وغسق الليل سيلانه وإحاطته بالأرض وإذا فسر بالقمر فقد يقال وقوبه ~~أي دخوله وهو دخوله في الكسوف ولا منافاة بين تفسيره بالليل وبالقمر فإن ~~القمر آية الليل فهنا ثلاث مراتب الليل مطلقا ثم القمر مطلقا ثم القمر حال ~~كسوفه # وهذا مناسب لما ذكر في المستعاذ به فإن عموم الفلق للخلق بإزاء من شر ما ~~خلق وخصوصه بالفجر الذي هو ظهور النور بإزاء الغاسق إذا وقب الذي هو دخول ~~الظلام # وقال إبن زيد الغاسق الثريا إذا سقطت وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند ~~وقوعها وقد تقع عند طلوعها ويشبه والله أعلم أن يكون من الحكمة في ذلك أن ~~النور هو جنس الخير والظلمة جنس الشر وفى الليل يقع من الشرور النفسانية ما ~~لا يقع في النهار والقمر له تأثير في الأرض لا سيما حال كسوفه فإن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال ( إنهما آيتان يخوف الله بهما عباده ( والتخويف ~~إنما يكون بإنعقاد سبب الخوف ولا يكون ذلك إلا عند ms5486 سبب العذاب أو مظنته ~~فعلم أن الكسوف مظنة حدوث عذاب بأهل الأرض PageV17P534 و لهذا شرع عند ~~الكسوف الصلاة الطويلة والصدقة والعتاقة والدعاء لدفع العذاب وكذلك عند ~~سائر الآيات التى هي إنشاء العذاب كالزلزلة وظهور الكواكب وغير ذلك وهو ~~أقرب الكواكب التى لها تأثير في الأرض بالترطيب واليبس وغير ذلك # ولهذا كان الطالبون للمنفعة والمضرة من الكواكب إنما يأخذون الأحداث بحسب ~~سير القمر فإذا كان في شرفه كالسرطان كان الوقت عندهم سعيدا وإذا كان في ~~العقرب وهو هبوطه كان نحسا فهذا في علمهم وكذلك في عملهم من السحر وغيره ~~القمر أقرب المؤثرات حتى صنفوا ( مصحف القمر ( لعبادته وتسبيحه فوقع ترتيب ~~المستعاذ منه في هذه السورة على كمال الترتيب إنتقالا من الأعم الأعلى ~~الأبعد إلى الأخص الأقرب الأسفل فجعلت أربعة أقسام # ( الأول ( من شر المخلوقات عموما وقول الحسن إنه إبليس وذريته وقول بعضهم ~~إنه جهنم ذكر للشر الذي هو لنا شر محض من الأرواح والأجسام # ( والثاني ( شر الغاسق إذا وقب فدخل فيه ما يؤثر من العلويات في السفليات ~~من الليل وما فيه من الكواكب كالثريا وسلطانه الذي هو القمر ودخل في ذلك ~~سحر التمر سحات الذي هو أعلي السحر وأرفعه PageV17P535 ( الثالث ( شر ~~النفاثات في العقد وهن السواحر اللواتي يتصورن بأفعال في أجسام # ( والرابع ( الحاسد وهي النفوس المضرة سفها فإنتظم بذلك جميع أسباب ~~الشرور ثم خص في ( سورة الناس ( الشر الصادر من الجن والإنس وهم الأرواح ~~المضرة ### ||| فصل # وتظهر المناسبة بين السورتين من وجه آخر وهو أن المستعاذ منه هو الشر كما ~~أن المطلوب هو الخير إما من فعل العبد وإما من غير فعله ومبدأ فعله للشر هو ~~الوسواس الذي يكون تارة من الجن وتارة من الإنس وحسم الشر بحسم أصله ومادته ~~أجود من دفعه بعد وقوعه فإذا أعيذ العبد من شر الوسواس الذي يوسوس في ~~الصدور فقد أعيذ من شر الكفر والفسوق والعصيان فهذا في فعل نفسه وتعم الآية ~~أيضا فعل غيره لسوء معه فكانت هذه السورة للشر الصادر من العبد وأما ms5487 الشر ~~الصادر من غيره فسورة ( الفلق ( فإن فيها الإستعاذة من شر المخلوقات عموما ~~وخصوصا والله أعلم PageV17P536 ### | 1 ( كتاب الحديث ) ### || 1 ( أسئلة في مصطلح الحديث ونحوه ) 1 # ( بسم الله الرحمن الرحيم ( # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده ### |||| سؤال ورد على الشيخ رحمه الله # قال السائل الحمد لله رب العالمين % يا متقنا علم الحديث ومن روى ~~% سنن النبى المصطفى المختار % أصبحت في الاسلام طودا راسخا يهدى به وعددت ~~في الأحبار % هذى مسائل أشكلت فتصدقوا % ببيانها يا ناقلى الاخبار % ~~فالمستعان على الأمور بأهلها % إن أشكلت قد جاء في الآثار ولكم كأجر ~~العاملين بسنته حين % سئلتموا يا أولى الأبصار PageV18P005 الأولى ما حد ~~الحديث النبوى أهو ما قاله في عمره أو بعد البعثة أو تشريعا الثانية ما حد ~~الحديث الواحد وهل هو كالسورة أو كالآية أو كالجملة الثالثة إذا صح الحديث ~~هل يلزم ان يكون صدقا أم لا الرابعة تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف ~~تسمية صحيحة أو متداخلة الخامسة ما الحديث المكرر المعاد بغير لفظه ومعناه ~~من غير زيادة ولا نقص وهل هو كالقصص المكررة في القرآن العظيم السادسة كم ~~في صحيح البخارى حديث بالمكرر وكم دونه وكم في مسلم حديث به ودونه وعلى كم ~~حديث اتفقا وبكم إنفرد كل واحد منهما عن الآخر ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله # الحمد لله رب العالمين الحديث النبوى هو عند الاطلاق ينصرف PageV18P006 ~~إلى ما حدث به عنه بعد النبوة من قوله وفعله واقراره فإن سنته ثبتت من هذه ~~الوجوه الثلاثة فما قاله إن كان خبرا وجب تصديقه به وإن كان تشريعا إيجابا ~~أو تحريما أو إباحة وجب اتباعه فيه فان الآيات الدالة على نبوة الأنبياء ~~دلت على انهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل فلا يكون خبرهم إلا ~~حقا وهذا معنى النبوة وهو يتضمن ان الله ينبئه بالغيب وأنه ينبىء الناس ~~بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه # ولهذا كان كل رسول نبيا وليس كل نبى ms5488 رسولا وإن كان قد يوصف بالارسال ~~المقيد في مثل قوله ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ~~القى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم ) وقد اتفق المسلمون على انه لا يستقر فيما بلغه باطل سواء ~~قيل أنه لم يجر على لسانه من هذا الإلقاء ما ينسخه الله أو قيل أنه جرى ما ~~ينسخه الله فعلى التقديرين قد نسخ الله ما ألقاه الشيطان وأحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم ولهذا كان كل ما يقوله فهو حق # وقد روى أن عبد الله بن عمرو كان يكتب ما سمع من النبى فقال له بعض الناس ~~إن رسول الله يتكلم في الغضب فلا تكتب كلما تسمع فسأل النبى صلى الله ~~PageV18P007 عليه وسلم عن ذلك فقال ( اكتب فوالذى نفسى بيده ما خرج من ~~بينهما إلا حق يعنى شفتيه الكريمتين ( وقد ثبت عن أبى هريرة أنه قال لم يكن ~~أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحفظ منى إلا عبد الله بن عمرو ~~فانه كان يكتب بيده ويعى بقلبه وكنت أعى بقلبى ولا اكتب بيدي وكان عند آل ~~عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة كتبها عن النبى وبهذا طعن بعض الناس في ~~حديث عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جده وقالوا هي نسخة وشعيب هو شعيب بن ~~محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص وقالوا عن جده الأدنى محمد فهو مرسل ~~فإنه لم يدرك النبى وإن عنى جده الأعلى فهو منقطع فان شعيبا لم يدركه # وأما أئمة الأسلام وجمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده إذا صح النقل إليه مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ونحوهما ومثل ~~الشافعى واحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم قالوا الجد هو عبد الله ~~فانه يجيء مسمى ومحمد أدركه قالوا وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبى كان ~~هذا أو كد لها وأدل على صحتها ولهذا كان ms5489 في نسخة عمرو بن شعيب PageV18P008 ~~من الأحاديث الفقهية التى فيها مقدرات ما احتاج إليه عامة علماء الاسلام ~~والمقصود أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أطلق دخل فيه ذكر ما قاله ~~بعد النبوة وذكر ما فعله فإن أفعاله التى أقر عليها حجة لا سيما إذا أمرنا ~~أن نتبعها كقوله ( صلوا كما رأيتمونى أصلى ( وقوله ( لتأخذوا عنى مناسككم ) ~~وكذلك ما أحله الله له فهو حلال للأمة ما لم يقم دليل التخصيص ولهذا قال ( ~~فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ( ولما أحل له الموهوبة قال ( وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبى إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن الفعل يذكر للسائل انه ~~يفعله ليبين للسائل أنه مباح وكان إذا قيل له قد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر قال ( انى أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده ( ومما يدخل في مسمى ~~حديثه ما كان يقرهم عليه مثل إقراره على المضاربة التى كانوا يعتادونها ~~وإقراره لعائشة على اللعب بالبنات وإقراره في الأعياد على مثل غناء ~~الجاريتين ومثل لعب الحبشة بالحراب في المسجد ونحو ذلك وإقراره لهم على أكل ~~الضب على مائدته وإن PageV18P009 كان قد صح عنه أنه ليس بحرام إلى أمثال ~~ذلك فهذا كله يدخل في مسمى الحديث وهو المقصود بعلم الحديث فانه إنما يطلب ~~ما يستدل به على الدين وذلك إنما يكون بقوله أو فعله أو إقراره # وقد يدخل فيها بعض أخباره قبل النبوة وبعض سيرته قبل النبوة مثل تحنثه ~~بغار حراء ومثل حسن سيرته لأن الحال يستفاد منه ما كان عليه قبل النبوة من ~~كرائم الأخلاق ومحاسن الأفعال كقول خديجة له كلا والله لا يخزيك الله أبدا ~~إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق ~~ومثل المعرفة فإنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ وأنه لم يجمع متعلم [ مثله ] ~~وإن ms5490 كان معروفا بالصدق والأمانه وأمثال ذلك مما يستدل به على أحواله التى ~~تنفع في المعرفة بنبوته وصدقه فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل النبوة كثيرا ~~ولهذا يذكر مثل ذلك من كتب سيرته كما يذكر فيها نسبه وأقاربه وغير ذلك بما ~~يعلم أحواله وهذا أيضا قد يدخل في مسمى الحديث والكتب التى فيها أخباره ~~منها كتب التفسير ومنها كتب السيرة والمغازى ومنها كتب الحديث وكتب الحديث ~~هي ما كان بعد النبوة أخص وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة فإن تلك لا ~~تذكر لتؤخذ وتشرع فعله قبل النبوة بل قد أجمع المسلمون على أن الذى ~~PageV18P010 فرض على عباده الإيمان به والعمل هو ما جاء به بعد النبوة # ولهذا كان عندهم من ترك الجمعة والجماعة وتخلى في الغيران والجبال حيث لا ~~جمعة ولا جماعة وزعم أنه يقتدى بالنبى لكونه كان متحنثا في غار حراء قبل ~~النبوة في ترك ما شرع له من العبادات الشرعية التى أمر الله بها رسوله ~~وإقتدى بما كان يفعل قبل النبوة كان مخطئا فإن النبى صلى الله عليه وسلم ~~بعد أن أكرمه الله بالنبوة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث في غار ~~حراء أو نحو ذلك وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة وأتاها بعد الهجرة ~~في عمرة القضية وفى غزوة الفتح وفى عمرة الجعرانة ولم يقصد غار حراء وكذلك ~~أصحابه من بعده لم يكن أحد منهم يأتى غار حراء ولا يتخلون عن الجمعة ~~والجماعة في الأماكن المنقطعة ولا عمل أحد منهم خلوة أربعينية كما يفعله ~~بعض المتأخرين بل كانوا يعبدون الله بالعبادات الشرعية التى شرعها لهم ~~النبى صلى الله عليه وسلم الذى فرض الله عليهم الإيمان به وإتباعه مثل ~~الصلوات الخمس وغيرها من الصلوات ومثل الصيام والإعتكاف في المساجد ومثل ~~أنواع الأذكار والأدعية والقراءة ومثل الجهاد # وقول السائل ما قاله في عمره أو بعد النبوة أو تشريعا فكل ما قاله بعد ~~النبوة واقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع لكن التشريع PageV18P011 يتضمن ~~الإيجاب والتحريم ms5491 والإباحة ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب ~~فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والإنتفاع به فهو شرع لإباحته وقد يكون شرعا ~~لإستحبابه # فإن الناس قد تنازعوا في التداوى هل هو مباح أو مستحب أو واجب # والتحقيق أن منه ما هو محرم ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مباح ومنه ما هو ~~مستحب وقد يكون منه ما هو واجب وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا ~~بغيره كما يجب أكل الميتة عند الضرورة فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور ~~العلماء وقد قال مسروق من إضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار ~~فقد يحصل أحيانا للإنسان إذا إستحر المرض ما إن لم يتعالج معه مات والعلاج ~~المعتاد تحصل معه الحياة كالتغذية للضعيف وكإستخراج الدم أحيانا # والمقصود أن جميع أقواله يستفاد منها شرع وهو لما رآهم يلقحون النخل قال ~~لهم ( ما أرى هذا يعنى شيئا ( ثم قال لهم ( إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذونى ~~بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فلن أكذب على الله ( وقال أنتم أعلم بأمور ~~دنياكم فما كان من أمر دينكم فالى ( وهو لم ينههم عن التلقيح لكن هم غلطوا ~~في ظنهم أنه نهاهم كما غلط من غلط في ظنه أن ( الخيط الأبيض ( و ( الخيط ~~الأسود ( هو الحبل الأبيض والأسود PageV18P012 ### ||| فصل # وأما الحديث الواحد فيراد به ما رواه الصاحب من الكلام المتصل بعضه ببعض ~~ولوكان جملا كثيرة مثل حديث توبة كعب بن مالك وحديث بدء الوحى وحديث الإفك ~~ونحو ذلك من الأحاديث الطوال فإن الواحد منها يسمى حديثا وما رواه الصاحب ~~أيضا من جملة واحدة أو جملتين أو أكثر من ذلك متصلا بعضه ببعض فإنه يسمى ~~حديثا كقوله ( لا صلاة إلا بأم القرآن ( الجار أحق بسقبه ( لا يقبل الله ~~صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ وقوله ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل ~~امرئ ما نوى ( إلى آخره فإنه يسمى حديثا وكذلك قوله ( لا تقاطعوا ولا ~~تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله ms5492 إخوانا ( وقوله في البحر ~~( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ( وقد أكمل من أجناس مختلفة # لكن في الأمر العام تكون مشتركة في معنى عام كقوله ( لا يخطب الرجل على ~~خطبة أخية ولا يبيع على بيع أخيه ولا يستام على سوم أخيه ولا PageV18P013 ~~تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها ( ~~فإن هذا يتضمن النهى عن مزاحمة المسلم في البيع والنكاح وفى البيع لا يستام ~~على سومه ولا يبيع على بيعه وإذا نهاه عن السوم فنهيه المشترى على شرائه ~~عليه حرام بطريق الأولى ونهاه أن يخطب على خطبته وهذا نهى عن إخراج امرأته ~~من ملكه بطريق الأولى ونهى المرأة أن تسأل طلاق أختها لتنفرد هي بالزوج ~~فهذه وإن تعلقت بالبيع والنكاح فقد إشتركت في معنى عام وكذلك قوله ( ثلاثة ~~لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ ~~زان وملك كذاب وعائل مستكبر ( فهؤلاء الثلاثة إشتركوا في هذا الوعيد ~~وإشتركوا في فعل هذه الذنوب مع ضعف دواعيهم فإن داعية الزنى في الشيخ ضعيفة ~~وكذلك داعية الكذب في الملك ضعيفة لإستغنائه عنه وكذلك داعية الكبر في ~~الفقير فإذا أتوا بهذه الذنوب مع ضعف الداعى دل على أن في نفوسهم من الشر ~~الذى يستحقون به من الوعيد ما لا يستحقه غيرهم # وقل إن يشتمل الحديث الواحد على جمل إلا لتناسب بينهما وإن كان قد يخفى ~~التناسب في بعضها على بعض الناس فالكلام المتصل بعضه ببعض يسمى حديثا واحدا ~~PageV18P014 # وأما إذا روى الصاحب كلاما فرغ منه ثم روى كلاما آخر وفصل بينهما بأن قال ~~وقال رسول الله أو بأن طال الفصل بينهما فهذان حديثان وهذا بمنزلة ما يتصل ~~بالكلام في الإنسان والإقرارات والشهادات كما يتصل بعقد النكاح والبيع ~~والإقرار والوقف فإذا إتصل به الإتصال المعتاد كان شيئا واحدا يرتبط بعضه ~~ببعض وإنقضى كلامه ثم بعد طول الفصل أنشأ كلاما آخر بغير حكم الأول كان ~~كلاما ثانيا فالحديث الواحد ليس كالجملة الواحدة إذ قد يكون ms5493 جملا ولا ~~كالسورة الواحدة فإن السورة قد يكون بعضها نزل قبل بعض أو بعد بعض ويكون ~~أجنبيا منه بل يشبه الآية الواحدة أو الآيات المتصل بعضها ببعض كما أنزل في ~~أول البقرة أربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة ~~آية في صفة المنافقين وكما في قوله ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم ~~بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ( فإن هذا يتصل بعضه ببعض ~~وهو نزل بسبب قصة بني أبيرق إلى تمام الكلام # وقد يسمى الحديث واحدا وإن إشتمل على قصص متعددة إذا حدث به الصحابى ~~متصلا بعضه ببعض فيكون واحدا بإعتبار إتصاله في كلام الصحابى مثل حديث جابر ~~الطويل الذى يقول فيه ( كنا مع رسول الله ( وذكر فيه ما يتعلق بمعجزاته وما ~~PageV18P015 يتعلق بالصلاة وبغير ذلك فهذا يسمى حديثا بهذا الإعتبار وقد ~~يكون الحديث طويلا وأخذ يفرقه بعض الرواة فجعله أحاديث كما فعل البخارى في ~~كتاب أبى بكر في الصدقة وهذا يجوز إذا لم يكن في ذلك تغيير المعنى ### ||| فصل # وأما قول السائل إذا صح الحديث هل يكون صدقا فجوابه أن الصحيح أنواع ~~وكونه صدقا يعنى به شيئان فمن الصحيح ما تواتر لفظه كقوله ( من كذب على ~~متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ( ومنه ما تواتر معناه كأحاديث الشفاعة ~~وأحاديث الرؤية وأحاديث الحوض وأحاديث نبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك ~~فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق لأنه متواتر إما لفظا وإما معنى ومن الحديث ~~الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به كما عملوا بحديث الغرة في ~~الجنين وكما عملوا بأحاديث الشفعة وأحاديث سجود السهو ونحو ذلك فهذا يفيد ~~العلم ويجزم بأنه صدق لأن الأمة تلقته بالقبول تصديقا وعملا بموجبه والأمة ~~لا تجتمع على ضلالة فلو كان في نفس الأمر كذبا لكانت الأمة قد إتفقت على ~~تصديق الكذب والعمل PageV18P016 به وهذا لا يجوز عليها # ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث كجمهور أحاديث ~~البخارى ومسلم فإن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة ms5494 جمهور أحاديث ~~الكتابين وسائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث فإجماع أهل العلم بالحديث ~~على أن هذا الخبر صدق كإجماع الفقهاء على أن هذا الفعل حلال أو حرام أو ~~واجب وإذا أجمع أهل العلم على شيء فسائر الأمة تبع لهم فإجماعهم معصوم لا ~~يجوز أن يجمعوا على خطأ # ومما قد يسمى صحيحا ما يصححه بعض علماء الحديث وآخرون يخالفونهم في ~~تصحيحه فيقولون هو ضعيف ليس بصحيح مثل ألفاظ رواها مسلم في صحيحه ونازعه في ~~صحتها غيره من أهل العلم إما مثله أو دونه أو فوقه فهذا لا يجزم بصدقه إلا ~~بدليل مثل حديث إبن وعلة عن إبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~( أيما إهاب دبغ فقد طهر ( فإن هذا إنفرد به مسلم عن البخارى وقد ضعفه ~~الإمام أحمد وغيره وقد رواه مسلم ومثل ما روى مسلم أن النبى صلى الكسوف ~~ثلاث ركوعات وأربع ركوعات إنفرد بذلك عن البخارى فإن هذا ضعفه حذاق أهل ~~العلم وقالوا أن النبى لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم ~~وفى نفس هذه الأحاديث التى فيها الصلاة بثلاث ركوعات PageV18P017 وأربع ~~ركوعات أنه إنما صلى ذلك يوم مات إبراهيم ومعلوم أن إبراهيم لم يمت مرتين ~~ولا كان له إبراهيمان وقد تواتر عنه أنه صلى الكسوف يومئذ ركوعين في كل ~~ركعة كما روى ذلك عنه عائشة وإبن عباس وإبن عمرو وغيرهم فلهذا لم يرو ~~البخارى إلا هذه الأحاديث وهذا حذف من مسلم ولهذا ضعف الشافعى وغيره أحاديث ~~الثلاثة والأربعة ولم يستحبوا ذلك وهذا اصح الروايتين عن أحمد وروى عنه أنه ~~كان يجوز ذلك قبل أن يتبين له ضعف هذه الأحاديث # ومثله حديث مسلم ( إن الله خلق التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد ~~وخلق الشجر يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء ~~وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة ( فإن هذا طعن فيه من هو ~~أعلم من مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخارى وغيرهما وذكر ms5495 البخارى أن هذا ~~من كلام كعب الأحبار وطائفة إعتبرت صحته مثل أبى بكر بن الأنبارى وأبى ~~الفرج إبن الجوزى وغيرهما والبيهقى وغيره وافقوا الذين ضعفوه وهذا هو ~~الصواب لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة فيلزم أن يكون أول الخلق يوم ~~الأحد وهكذا هو عند أهل الكتاب وعلى ذلك تدل أسماء الأيام وهذا هو المنقول ~~الثابت في أحاديث وآثار أخر PageV18P018 ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره ~~يوم الجمعة لكان قد خلق في الأيام السبعة وهو خلاف ما أخبر به القرآن مع أن ~~حذاق أهل الحديث يثبتون علة هذا الحديث من غير هذه الجهة وأن رواية فلان ~~غلط فيه لأمور يذكرونها وهذا الذى يسمى معرفة علل الحديث بكون الحديث ~~إسناده في الظاهر جيدا ولكن عرف من طريق آخر أن راوية غلط فرفعه وهو موقوف ~~أو أسنده وهو مرسل أو دخل عليه حديث في حديث وهذا فن شريف وكان يحيى بن ~~سعيد الأنصارى ثم صاحبه على بن المدينى ثم البخارى من أعلم الناس به وكذلك ~~الإمام أحمد وأبوحاتم وكذلك النسائى والدارقطنى وغيرهم وفيه مصنفات معروفة # وفى البخارى نفسه ثلاثة أحاديث نازعه بعض الناس في صحتها مثل حديث أبى ~~بكرة عن النبى أنه قال عن الحسن ( إن إبنى هذا سيد وسيصلح الله به بين ~~فئتين عظيمتين من المسلمين ( فقد نازعه طائفة منهم أبوالوليد الباجى وزعموا ~~أن الحسن لم يسمعه من أبى بكرة لكن الصواب مع البخارى وأن الحسن سمعه من ~~أبى بكرة كما قد بين ذلك في غير هذا الموضع وقد ثبت ذلك في غير هذا الموضع # والبخارى أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم ولهذا لا يتفقان على PageV18P019 ~~حديث إلا يكون صحيحا لا ريب فيه قد إتفق أهل العلم على صحته ثم ينفرد مسلم ~~فيه بألفاظ يعرض عنها البخارى ويقول بعض أهل الحديث # إنها ضعيفة ثم قد يكون الصواب مع من ضعفها كمثل صلاة الكسوف بثلاث ركوعات ~~وأربع ms5496 وقد يكون الصواب مع مسلم وهذا أكثر مثل قوله في حديث أبى موسى ( إنما ~~جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فانصتوا ( فإن هذه الزيادة ~~صححها مسلم وقبله أحمد بن حنبل وغيره وضعفها البخارى وهذه الزيادة مطابقة ~~للقرآن فلو لم يرد بها حديث صحيح لوجب العمل بالقرآن فإن في قوله ( وإذا ~~قرئ القرآن فإستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ( أجمع الناس على أنها نزلت ~~في الصلاة وأن القراءة في الصلاة مرادة من هذا النص # ولهذا كان أعدل الأقوال في القراءة خلف الإمام أن المأموم إذا سمع قراءة ~~الإمام يستمع لها وينصت لا يقرأ بالفاتحة ولا غيرها وإذا لم يسمع قراءته ~~بها يقرأ الفاتحة وما زاد وهذا قول جمهور السلف والخلف وهو مذهب مالك ~~وأصحابه وأحمد بن حنبل وجمهور أصحابه وهو أحد قولى الشافعى وإختاره طائفة ~~من محققى أصحابه وهو قول محمد بن الحسن وغيره من أصحاب أبى حنيفة # وأما قول طائفة من أهل العلم كابى حنيفة وأبى يوسف أنه PageV18P020 لا ~~يقرأ خلف الإمام لا بالفاتحة ولا غيرها لا في السر ولا في الجهر فهذا ~~يقابله قول من أوجب قراءة الفاتحة ولو كان يسمع قراءة الإمام كالقول الآخر ~~للشافعى وهو الجديد وهو قول البخارى وإبن حزم وغيرهما وفيها قول ثالث أنه ~~يستحب القراءة بالفاتحة إذا سمع قراءة الإمام وهذا مروى عن الليث والأوزاعى ~~وهو إختيار جدى أبى البركات # ولكن اظهر الأقوال قول الجمهور لأن الكتاب والسنة يدلان على وجوب الإنصات ~~على المأموم إذا سمع قراءة الإمام وقد تنازعوا فيما إذا قرأ المأموم وهو ~~يسمع قراءة الإمام هل تبطل صلاته على قولين وقد ذكرهما أبو عبد الله بن ~~حامد على وجهين في مذهب أحمد وقد أجمعوا على أنه فيما زاد على الفاتحة كونه ~~مستمعا لقراءة إمامة خير من أن يقرأ معه فعلم أن المستمع يحصل له أفضل مما ~~يحصل للقارىء مع الإمام وعلى هذا فإستماعه لقراءة إمامه بالفاتحة يحصل له ~~به مقصود القراءة وزيادة تغنى عن القراءة معه التى نهى عنها ms5497 وهذا خلاف إذا ~~لم يسمع فإن كونه تاليا لكتاب الله يثاب بكل حرف عشر حسنات خيرا من كونه ~~ساكتا بلا فائدة بل يكون عرضة للوسواس وحديث النفس الذى لا ثواب فيه فقراءة ~~يثاب عليها خير من حديث نفس لا ثواب عليه وبسط هذا له موضع آخر PageV18P021 ~~والمقصود هنا التمثيل بالحديث الذى يروى في الصحيح وينازع فيه بعض العلماء ~~وأنه قد يكون الراجح تارة وتارة [ المرجوح ] ومثل هذا من موارد الإجتهاد في ~~تصحيح الحديث كموارد الإجتهاد في في الأحكام # وأما ما إتفق العلماء على صحته فهو مثل ما إتفق عليه العلماء في الأحكام ~~وهذا لا يكون إلا صدقا وجمهور متون الصحيح من هذا الضرب وعامة هذه المتون ~~تكون مروية عن النبى من عدة وجوه رواها هذا الصاحب وهذا الصاحب من غير أن ~~يتواطآ ومثل هذا يوجب العلم القطعى فإن المحدث إذا روى حديثا طويلا سمعه ~~ورواه آخر ذكر أنه سمعه وقد علم أنهما لم يتواطآ على وضعه علم أنه صدق لأنه ~~لو لم يكن صدقا لكان كذبا إما عمدا وإما خطأ فإن المحدث إذا حدث بخلاف ~~الصدق إما أن يكون متعمدا للكذب وإما أن يكون مخطئا غالطا فإذا قدر أنه لم ~~يتعمد الكذب ولم يغلط لم يكن حديثه إلا صدقا والقصة الطويلة يمتنع في ~~العادة أن يتفق الإثنان على وضعها من غير مواطأة منهما وهذا يوجد كثيرا في ~~الحديث يرويه أبو هريرة وأبو سعيد أو أبوهريرة وعائشة أو أبوهريرة وإبن عمر ~~أو إبن عباس وقد علم أن أحدهما لم يأخذه من الآخر مثل حديث التجلى يوم ~~القيامة الطويل حدث به أبو هريرة وأبو سعيد ساكت لا ينكر منه حرفا بل وافق ~~أبا هريرة عليه جميعه إلا على لفظ واحد في آخره PageV18P022 # وقد يكون النبى حدث به في مجلس وسمعه كل واحد منهما في مجلس فقال هذا ما ~~سمعه منه في مجلس وهذا ما سمعه منه في الآخر وجميعه في حديث الزيادة والله ~~أعلم ### ||| فصل # وأما قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف ms5498 فهذا أول من عرف أنه قسمه هذه ~~القسمة أبوعيسى الترمذى ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله وقد بين أبوعيسى ~~مراده بذلك فذكر أن الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيهم متهم بالكذب ولم يكن ~~شاذا وهو دون الصحيح الذى عرفت عدالة ناقليه وضبطهم وقال الضعيف الذى عرف ~~أن ناقله متهم بالكذب رديء الحفظ فإنه إذا رواه المجهول خيف أن يكون كاذبا ~~أو سىء الحفظ فإذا وافقه آخر لم يأخذ عنه عرف أنه لم يتعمد كذبه وإتفاق ~~الإثنين على لفظ واحد طويل قد يكون ممتنعا وقد يكون بعيدا ولما كان تجويز ~~إتفاقهما في ذلك ممكنا نزل عن درجة الصحيح # وقد أنكر بعض الناس على الترمذى هذه القسمة وقالوا أنه يقول حسن غريب ~~والغريب الذى إنفرد به الواحد والحديث قد PageV18P023 يكون صحيحا غريبا ~~كحديث ( إنما الأعمال بالنيات ( وحديث ( نهى عن بيع الولاء وهبته ( وحديث ~~دخل مكة وعلى رأسه المغفر ( فإن هذه صحيحة متلقاة بالقبول والأول لايعرف ~~ثابتا عن غير عمر والثانى لا يعرف عن غير إبنه عبد الله والثالث لا يعرف ~~إلا من حديث الزهري عن أنس ولكن هؤلاء الذين طعنوا على الترمذى لم يفهموا ~~مراده في كثير مما قاله فإن أهل الحديث قد يقولون هذا الحديث غريب أى من ~~هذا الوجه وقد يصرحون بذلك فيقولون غريب من هذا الوجه فيكون الحديث عندهم ~~صحيحا معروفا من طريق واحد فإذا روى من طريق آخر كان غريبا من ذلك الوجه ~~وإن كان المتن صحيحا معروفا فالترمذى إذا قال حسن غريب قد يعنى به أنه غريب ~~من ذلك الطريق ولكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن # وبعض ما يصححه الترمذى ينازعه غيره فيه كما قد ينازعونه في بعض ما يضعفه ~~ويحسنه فقد يضعف حديثا ويصححه البخارى كحديث إبن مسعود لما قال له النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( أبغنى أحجارا إستنفض بهن ( قال فأتيته بحجرين وروثة ~~قال فأخذ الحجرين وترك الروثة وقال ( إنها رجس ( فإن هذا قد إختلف فيه على ~~أبى إسحاق السبيعى ms5499 فجعل الترمذى هذا الإختلاف PageV18P024 علة ورجح روايته ~~له عن أبى عبيدة عن أبيه وهو لم يسمع من أبيه وأما البخارى فصححه من طريق ~~أخرى لأن أبا إسحاق كان الحديث يكون عنده عن جماعة يرويه عن هذا تارة وعن ~~هذا تارة كما كان الزهري يروى الحديث تارة عن سعيد بن المسيب وتارة عن أبى ~~سلمة وتارة يجمعهما فمن لا يعرفه فيحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا يظن ~~بعض الناس أن ذلك غلط وكلاهما صحيح وهذا باب يطول وصفه # وأما من قبل الترمذى من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثى لكن ~~كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف # والضعيف عندهم نوعان # ضعيف ضعفا لا يمتنع العمل به وهو يشبه الحسن في إصطلاح الترمذى # وضعيف ضعفا يوجب تركه وهو الواهى وهذا بمنزلة مرض المريض قد يكون قاطعا ~~بصاحبه فيجعل التبرع من الثلث وقد لا يكون قاطعا بصاحبه وهذا موجود في كلام ~~الإمام أحمد وغيره ولهذا يقولون هذا فيه لين فيه ضعف وهذا عندهم موجود في ~~الحديث PageV18P025 ومن العلماء المحدثين أهل الأتقان مثل شعبة ومالك ~~والثورى ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى هم في غاية الإتقان ~~والحفظ بخلاف من هو دون هؤلاء وقد يكون الرجل عندهم ضعيفا لكثرة الغلط في ~~حديثه ويكون حديثه إذا الغالب عليه الصحة لأجل الإعتبار به والإعتضاد به ~~فإن تعدد الطرق وكثرتها يقوى بعضها بعضا حتى قد يحصل العلم بها ولو كان ~~الناقلون فجارا فساقا فكيف إذا كانوا علماء عدولا ولكن كثر في حديثهم الغلط # ومثل هذا عبد الله بن لهيعة فإنه من أكابر علماء المسلمين وكان قاضيا ~~بمصر كثير الحديث لكن إحترقت كتبه فصار يحدث من حفظه فوقع في حديثه غلط ~~كثير مع أن الغالب على حديثه الصحة قال أحمد قد اكتب حديث الرجل للإعتبار ~~به مثل إبن لهيعة # وأما من عرف منه أنه يتعمد الكذب فمنهم من لا يروى عن هذا شيئا وهذه ~~طريقة أحمد بن حنبل وغيره لم يرو في مسنده عمن يعرف أنه ms5500 يتعمد الكذب لكن ~~يروى عمن عرف منه الغلط للإعتبار به والإعتضاد # ومن العلماء من كان يسمع حديث من يكذب ويقول أنه PageV18P026 يميز بين ما ~~يكذبه وبين ما لا يكذبه ويذكر عن الثورى انه كان يأخذ عن الكلبى وينهى عن ~~الأخذ عنه ويذكر أنه يعرف ومثل هذا قد يقع لمن كان خبيرا بشخص إذا حدثه ~~بأشياء يميز بين ما صدق فيه وما كذب فيه بقرائن لا يمكن ضبطها وخبر الواحد ~~قد يقترن به قرائن تدل على أنه صدق أو تقترن به القرائن تدل على أنه كذب # إلى هنا آخر ما وجد PageV18P027 ### || 1 ( الحديث وعلومه ) 1 # ( وقال الشيخ رحمه الله ( # ! 8 < ( ### ||| فصل في أنواع الرواية وأسماء الأنواع # مثل حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت وقرأت والمشافهة والمناولة والمكاتبة ~~والإجازة والوجادة ونحو ذلك فنقول الكلام في شيئين ( أحدهما ( مما تصح ~~الرواية به ويثبت به الإتصال ( والثانى ( في التعبير عن ذلك وذلك أنواع ( ~~أحدها ( أن يسمع من لفظ المحدث سواء رآه أو لم يره كما سمع الصحابة القرآن ~~من رسول الله والحديث أيضا وكما كان يقرؤه عليهم وقرأ على أبى ( سورة لم ~~يكن ( فإن هذا لم يفرق الناس بينهما كما فرق بعض الفقهاء في الشهادة ثم ذلك ~~PageV18P028 القائل تارة يقصد التحديث لذلك الشخص وحده أو لأقوام معينين هو ~~أحدهم وتارة يقصد التحديث المطلق لكل من سمعه منه فيكون هو أحد السامعين ~~وتارة يقصد تحديث غيره فيسمع هو ففى جميع هذه المواضع إذا قال سمعت فلانا ~~يقول فقد اصاب # وإن قال حدثنا أو حدثنى وكان المحدث قد قصد التحديث له معينا أو مطلقا ~~فقد أصاب كما يقول الشاهد فيما أشهد عليه من الحكم والإقرار والشهادات ~~أشهدنى وأشهدنا وإن كان قد قصد تحديث غيره فسمع هو فهو كما لو إسترعى ~~الشهادة غيره فسمعها فإنه تصح الشهادة لكن لفظ أشهدنى وحدثنا فيه نظر بل لو ~~قال حدث وأنا أسمع كان حسنا وإن لم يكن يحدث أحدا وإنما سمعه يتكلم بالحديث ~~فهو يشبه الشهادة من غير إسترعاء ويشبه الشهادة على ms5501 الإقرار من غير إشهاد ~~والشهادة على الحكم بخلاف الشهادة على الإثبات كالسمع ونحوه فأنها تصح بدون ~~التحميل بالإتفاق # وأما الشهادة على الأخبارات كالشهادات والإقرارات ففيها نزاع ليس هذا ~~موضعه وباب الرواية أوسع لكن ليس من قصد تحديث غيره بمنزلة من تكلم لنفسه ~~فإن الرجل يتكلم مع نفسه بأشياء ويسترسل في الحديث فإذا عرف أن الغير يتحمل ~~ذلك تحفظ ولهذا كانوا لا يروون أحاديث المذاكرة بذاك PageV18P029 # وكان الإمام أحمد يذاكر باشياء من حفظه فإذا طلب المستمع الرواية أخرج ~~كتابه فحدث من الكتاب فهنا ثلاث مراتب # أن يقصد إسترعاءه الحديث وتحميله ليرويه عنه وأن يقصد محادثته به لا ~~ليرويه عنه وأن لا يقصد إلا التكلم به مع نفسه # ( والنوع الثانى ( أن يقرأ على المحدث فيقر به كما يقرأ المتعلم القرآن ~~على المعلم ويسميه الحجازيون العرض لأن المتحمل يعرض الحديث على المحمل ~~كعرض القراءة وعرض ما يشهد به من الإقرار والحكم والعقود والشهادة على ~~المشهود عليه من الحاكم والشاهد والمقر والعاقد وعرض ضمام بن ثعلبة على ~~النبى صلى الله عليه وسلم ما جاء به رسوله فيقول نعم وهذا عند مالك وأحمد ~~وجمهور السلف كاللفظ # ولهذا قلنا إذا قال الخاطب للولى أزوجت فقال نعم وللزوج أقبلت فقال نعم ~~إنعقد النكاح وكان ذلك صريحا فإن نعم تقوم مقام التكلم بالجملة المستفهم ~~عنها فإنه إذا قيل لهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقا والله أمركم بذلك وأحدثك ~~فلان بكذا وأزوجت فلانا بكذا فقال نعم فهو بمنزلة قوله وجدت ما وعدني ربى ~~والله امرنى بكذا وكذا وحدثنى فلان بكذا وكذا وزوجت فلانا كذا لكن هذا جواب ~~الإستفهام وذاك خبر مبتدأ ونعم كلمة مختصرة تغنى عن التفصيل PageV18P030 # وقد يقول العارض حدثك بلا إستفهام بل إخبار فيقول نعم ثم من أهل المدينة ~~وغيرهم من يرجح هذا العرض لما فيه من كون المتحمل ضبط الحديث وأن المحمل ~~يرد عليه ويصححه له ويذكر هذا عن مالك وغيره ومنهم من يرجح السماع وهو يشبه ~~قول أبى حنيفة والشافعى ومنهم من يجيز فيه ms5502 أخبرنا وحدثنا كقول الحجازيين ~~ومنهم من لايقول فيه إلا أخبرنا كقول جماعات وعن أحمد روايتان ثم منهم من ~~قال لا فرق في اللغة وإنما فرق من فرق إصطلاحا ولهذا يقال في الشهادة ~~المعروضة من الحكم والإقرار والعقود أشهدنى بكذا وقد يقال الخبر في الأصل ~~عن الأمور الباطنة ومنه الخبرة بالأشياء وهو العلم ببواطنها وفلان من أهل ~~الخبرة بكذا والخبير بالأمور المطلع على بواطنها ومنه الخبير وهو الفلاح ~~الذي يجعل باطن الأرض ظاهرا والأرض الخبار اللينة التى تنقلب والمخابرة من ~~ذلك # فقول المبلغ نعم لم يدل بمجرد ظاهر لفظه على الكلام المعروف وإنما دل ~~بباطن معناه وهو أن لفظها يدل على موافقة السائل والمخبر فإذا قال أحدثك ~~وأنكحت فقال نعم فهو موافق لقوله حدثنى وأنكحت وهذه الدلالة حصلت من مجموع ~~لفظ نعم وسؤال السائل كما أن أسماء الإشارة والمضمرات إنما تعين المشار ~~إليه والظاهر PageV18P031 بلفظها ولما إقترن بذلك من الدلالة على المشار ~~إليه والظاهر المفسر للمضمر # وأحسن من ذلك أن قوله حدثنى أن فلانا قال وأخبرنى أن فلانا قال في العرض ~~أحسن من أن يقول أخبرنا فلان قال أخبرنا وحدثنا فلان قال حدثنا كما أن هذا ~~هو الذى يقال في الشهادة فيقول أشهد أن فلان بن فلان أقر وأنه حكم وأنه وقف ~~كما فرق طائفة من الحفاظ بين الإجازة وغيرها فيقولون فيها أنا فلان أن ~~فلانا حدثهم بخلاف السماع # وقد إعتقد طائفة أنه لا فرق بينهما بل ربما رجحوا ( أن ( لأنهم زعموا ~~فيها توكيدا وليس كما توهموا فإن ( أن ( المفتوحة وما في خبرها بمنزلة ~~المصدر فإذا قال حدثنى أنه قال فهو في التقدير حدثنى بقوله ولهذا إتفق ~~النحاة على أن ( إن ( المكسورة تكون في موضع الجمل والمفتوحة في موضع ~~المفردات فقوله ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك ~~( على قراءة الفتح في تقدير قوله فنادته ببشارته وهو ذكر لمعنى ما نادته به ~~وليس فيه ذكر اللفظ ومن قرأ ( إن الله ( فقد حكى لفظه وكذلك الفرق بين قوله ~~أول ms5503 ما أقول أحمد الله وأول ما أقول إنى أحمد الله PageV18P032 وإذا كان مع ~~الفتح هو مصدر فقولك حدثنى بقوله وبخبره لم تذكر فيه لفظ القول والخبر ~~وإنما عبرت عن جملة لفظه فإنه قول وخبر فهو مثل قولك سمعت كلام فلان وخطبة ~~فلان لم تحك لفظها وأما إذا قلت قال كذا فهو إخبار عن عين قوله ولهذا لا ~~ينبغى أن يوجب اللفظ في هذا أحد بخلاف الأول فإنه إنما يسوغ على مذهب من ~~يجوز الرواية بالمعنى فإذا سمعت لفظه وقلت حدثنى فلان قال حدثنى فلان بكذا ~~وكذا فقد أتيت باللفظ فإنك سمعته يقول حدثني فلان بكذا وإذا عرضت عليه فقلت ~~حدثك فلان بكذا فقال نعم وقلت حدثنى أن فلانا حدثه بكذا فأنت صادق على ~~المذهبين لأنك ذكرت أنه حدثك بتحديث فلان إياه بكذا والتحديث لفظ مجمل ~~ينتظم لذلك كما أن قوله نعم لفظ مجمل ينتظم لذلك فقوله نعم تحديث لك بأنه ~~حدثه # وأما إذا قلت حدثنى قال حدثنى فأنت لم تسمعه يقول حدثنى وإنما سمعته يقول ~~نعم وهى معناها لكن هذا من المعانى المتداولة وهذا العرض إذا كان المحمل ~~يدرى ما يقرأه عليه العارض كما يدرى المقرئ فأما إذا كان لا يدرى فالسماع ~~أجود بلا ريب كما إتفق عليه المتأخرون لغلبة الفعل على القارىء للحديث دون ~~المقروء عليه والتفصيل في العرض بين أن يقصد المحمل الأخبار أو لا يقصد كما ~~تقدم في التحديث والسماع PageV18P033 ( النوع الثالث ( المناولة والمكاتبة ~~( وكلاهما إنما أعطاه كتابا لاخطابا لكن المناولة مباشرة والمكاتبة بواسطة ~~فالمناولة أرجح إذا إتفقا من غير هذه الجهة مثل أن يناوله أحاديث معينة ~~يعرفها المناول أو يكتب إليه بها والمناولة عرض العرض فإن قوله لما معه ~~فأما إذا كتب إليه بأحاديث معينة وناوله كتابا مجملا ترجحت المكاتبة # ثم المكاتبة يكفى فيها العلم بأنه خطه ولم ينازع في هذا من نازع في كتاب ~~القاضي إلى القاضي والشهادة بالكتابة فإنه هناك إختلف الفقهاء هل يفتقر إلى ~~الشهادة على الكتاب وإذا إفتقر فهل يفتقر إلى الشهادة ms5504 على نفس ما في الكتاب ~~أو تكفى الشهادة على الكتاب ومن إشترط الشهادة جعل الإعتماد على الشهود ~~الشاهدين على الحاكم الكاتب حتى يعمل بالكتاب غير الحاكم المكتوب إليه # ثم ( المكاتبة ( هي مع قصد الأخبار بما في الكتاب ثم إن كان للمكتوب إليه ~~فقد صح قوله كتب إلى أو أرانى كتابه وإن كتب إلى غيره فقرأ هو الكتاب فهو ~~بمنزلة أن يحدث غيره فيسمع PageV18P034 الخطاب ولو لم يكاتب أحدا بل كتب ~~بخطه فقراءة الخط كسماع اللفظ وهو الذى يسمونه ( وجادة ( وقد تقدم أن ~~المحدث لم يحدث بهذا ولم يرده وإن كان قد قاله وكتبه فليس كل ما يقوله ~~المرء ويكتبه يرى أن يحدث به ويخبر به غيره أو أنه يؤخذ عنه # ( الرابع ( الإجازة فإذا كانت لشيء معين قد عرفه المجيز فهي كالمناولة ~~وهى عرض العرض فإن العارض تكلم بالمعروض مفصلا فقال الشيخ نعم والمستجيز ~~قال أجزت لى أن أحدث بما في هذا الكتاب فقال المجيز نعم فالفرق بينهما من ~~جهة كونه في العرض سمع الحديث كله وهنا سمع لفظا يدل عليه وقد علم مضمون ~~اللفظ برؤية ما في الكتاب ونحو ذلك وهذه الإجازة تحديث وإخبار وما روى عن ~~بعض السلف المدنيين وغيرهم من أنهم كانوا يقولون الإجازة كالسماع وأنهم ~~قالوا حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحد فإنما أرادوا والله أعلم هذه ~~الإجازة مثل من جاء إلى مالك فقال هذا الموطأ أجزه لى فاجازه له # فأماالمطلقة في المجاز فهي شبه المطلقة في المجاز له فإنه إذا قال أجزت ~~لك ما صح عندك من أحاديثى صارت الرواية بذلك موقوفة على أن يعلم أن ذلك من ~~حديثه فإن علم ذلك من جهته إستغنى عن الإجازة وإن عرف ذلك من جهة غيره فذلك ~~الغير هو الذى حدثه به عنه PageV18P035 والإجازة لم تعرفة الحديث وتفيده ~~علمه كما عرفه ذلك السماع منه والعرض عليه ولهذا لا يوجد مثل هذه في ~~الشهادات # وأما نظير المكاتبة والمناولة فقد إختلف الفقهاء في جوازها في الشهادات ~~لكن قد ذكرت في غير هذا ms5505 الموضع أن الرواية لها مقصودان العلم والسلسلة فأما ~~العلم فلا يحصل بالاجازة واما السلسلة فتحصل بها كما أن الرجل إذا قرأ ~~القرآن اليوم على شيخ فهو في العلم بمنزلة من قرأه من خمسمائة سنة وأما في ~~السلسلة فقراءته على المقرئ القريب إلى النبى أعلى في السلسلة وكذلك ~~الأحاديث التى قد تواترت عن مالك والثورى وإبن علية كتواتر الموطأ عن مالك ~~وسنن أبى داود عنه وصحيح البخارى عنه لا فرق في العلم والمعرفة بين أن يكون ~~بين البخارى وبين الإنسان واحد أو إثنان لأن الكتاب متواتر عنه فأما ~~السلسلة فالعلو أشرف من النزول # ففائدة الإجازة المطلقة من جنس فائدة الإسناد العالى بالنسبة إلى النازل ~~إذا لم يفد زيادة في العلم # وهل هذا المقصود دين مستحب هذا يتلقى من الأدلة الشرعية وقد قال أحمد طلب ~~الإسناد العالى سنة عمن مضى كان أصحاب عبد الله يرحلون من الكوفة إلى ~~المدينة ليشافهوا الصحابة فنقول كلما قرب الإسناد كان أيسر مؤونة واقل كلفة ~~وأسهل في الرواية وإذا كان الحديث قد علمت صحته وان PageV18P036 فلانا رواه ~~وأن ما يروى عنه لإتصال الرواية فالقرب فيها خير من البعد فهذا فائدة ~~الإجازة # ومناط الأمر أن يفرق بين الإسناد المفيد للصحة والرواية المحصلة للعلم ~~وبين الإسناد المفيد للرواية والرواية المفيدة للإسناد والله أعلم ~~PageV18P037 ### |||| ( وسئل ( # عن معنى قولهم حديث حسن أو مرسل أو غريب وجمع الترمذى بين الغريب والصحيح ~~في حديث واحد وهل في الحديث متواتر لفظا ومعنى وهل جمهور أحاديث الصحيح ~~تفيد اليقين أو الظن وما هو شرط البخارى ومسلم فإنهم فرقوا بين شرط البخارى ~~ومسلم فقالوا على شرط البخارى ومسلم ### ||||| فأجاب # أما المرسل من الحديث أن يرويه من دون الصحابة ولا يذكر عمن أخذه من ~~الصحابة ويحتمل أنه أخذه من غيرهم # ثم من الناس من لا يسمى مرسلا إلا ما ارسله التابعى ومنهم من يعد ما ~~أرسله غير التابعى مرسلا # وكذلك ما يسقط من إسناده رجل فمنهم من يخصه بإسم المنقطع ومنهم من يدرجه ~~في إسم المرسل كما ms5506 أن فيهم من يسمى كل مرسل منقطعا وهذا كله سائغ في اللغة ~~PageV18P038 # وأما الغريب فهو الذى لا يعرف إلا من طريق واحد ثم قد يكون صحيحا كحديث ( ~~إنما الأعمال بالنيات ( ونهيه عن بيع الولاء وهبته ( وحديث ( أنه دخل مكة ~~وعلى رأسه المغفر ( فهذه صحاح في البخارى ومسلم وهى غريبة عند أهل الحديث ~~فالأول إنما ثبت عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ~~علقمة بن وقاص الليثى عن عمر بن الخطاب والثانى إنما يعرف من حديث عبد الله ~~بن دينار عن إبن عمر والثالث إنما يعرف من رواية مالك عن الزهري عن أنس ~~ولكن أكثر الغرائب ضعيفة # وأما الحسن في إصطلاح الترمذى فهو ما روى من وجهين وليس في رواته من هو ~~متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للإحاديث الصحيحة فهذه الشروط هي التى شرطها ~~الترمذى في الحسن لكن من الناس من يقول قد سمى حسنا ما ليس كذلك مثل حديث ~~يقول فيه حسن غريب فإنه لم يرو إلا من وجه واحد وقد سماه حسنا وقد أجيب عنه ~~بأنه قد يكون غريبا لم يرو إلا عن تابعي واحد لكن روى عنه من وجهين فصار ~~حسنا لتعدد طرقه عن ذلك الشخص وهوفى أصله غريب # وكذلك الصحيح الحسن الغريب قد يكون لأنه روى بإسناد صحيح غريب ثم روى عن ~~الراوى الأصلى بطريق صحيح وطريق آخر PageV18P039 فيصير بذلك حسنا مع أنه ~~صحيح غريب لأن الحسن ما تعددت طرقه وليس فيها متهم فإن كان صحيحا من ~~الطريقين فهذا صحيح محض وإن كان أحد الطريقين لم تعلم صحته فهذا حسن وقد ~~يكون غريب الإسناد فلا يعرف بذلك الإسناد إلا من ذلك الوجه وهو حسن المتن ~~لأن المتن روى من وجهين ولهذا يقول وفى الباب عن فلان وفلان فيكون لمعناه ~~شواهد تبين أن متنه حسن وإن كان إسناده غريبا وإذا قال مع ذلك إنه صحيح ~~فيكون قد ثبت من طريق صحيح وروى من طريق حسن فإجتمع فيه الصحة والحسن وقد ~~يكون غريبا من ms5507 ذلك الوجه لا يعرف بذلك الإسناد إلا من ذلك الوجه وإن كان هو ~~صحيحا من ذلك الوجه فقد يكون صحيحا غريبا وهذا لا شبهة فيه وإنما الشبهة في ~~إجتماع الحسن والغريب وقد تقدم أنه قد يكون غريبا حسنا ثم صار حسنا وقد ~~يكون حسنا غريبا كما ذكر من المعنيين # وأما المتواتر فالصواب الذى عليه الجمهور أن المتواتر ليس له عدد محصور ~~بل إذا حصل العلم عن إخبار المخبرين كان الخبر متواترا وكذلك الذى عليه ~~الجمهور أن العلم يختلف بإختلاف حال المخبرين به فرب عدد قليل أفاد خبرهم ~~العلم بما يوجب صدقهم وأضعافهم لا يفيد خبرهم العلم ولهذا كان الصحيح أن ~~خبر الواحد قد يفيد العلم إذا إحتفت به قرائن تفيد العلم PageV18P040 # وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند اهل العلم بالحديث وإن ~~لم يعرف غيرهم أنه متواتر ولهذا كان اكثر متون الصحيحين مما يعلم علماء ~~الحديث علما قطعيا أن النبى قاله تارة لتواتره عندهم وتارة لتلقى الأمة له ~~بالقبول # وخبر الواحد المتلقى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبى ~~حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وهو قول أكثر أصحاب الأشعرى كالأسفرائينى وإبن ~~فورك فإنه وإن كان في نفسه لا يفيد إلا الظن لكن لما إقترن به إجماع أهل ~~العلم بالحديث على تلقيه بالتصديق كان بمنزلة إجماع أهل العلم بالفقه على ~~حكم مستندين في ذلك إلى ظاهر أو قياس أو خبر واحد فإن ذلك الحكم يصير قطعيا ~~عند الجمهور وأن كان بدون الإجماع ليس بقطعى لأن الإجماع معصوم فأهل العلم ~~بالأحكام الشرعية لا يجمعون على تحليل حرام ولا تحريم حلال كذلك أهل العلم ~~بالحديث لا يجمعون على التصديق بكذب ولا التكذيب بصدق وتارة يكون علم أحدهم ~~لقرائن تحتف بالأخبار توجب لهم العلم ومن علم ما علموه حصل له من العلم ما ~~حصل لهم PageV18P041 ### ||| فصل # وأما ( شرط البخارى ومسلم ( فلهذا رجال يروى عنهم يختص بهم ولهذا رجال ~~يروى عنهم يختص بهم وهما مشتركان في رجال آخرين وهؤلاء الذين إتفقا عليهم ms5508 ~~عليهم مدار الحديث المتفق عليه وقد يروى أحدهم عن رجل في المتابعات ~~والشواهد دون الأصل وقد يروى عنه ما عرف من طريق غيره ولا يروى ما إنفرد به ~~وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه فيظن من لا خبرة له إن كل ما ~~رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح وليس الأمر كذلك فإن معرفة علل الحديث ~~علم شريف يعرفه ائمة الفن كيحيى بن سعيد القطان وعلى بن المدينى وأحمد بن ~~حنبل والبخارى صاحب الصحيح والدارقطنى وغيرهم وهذه علوم يعرفها أصحابها ~~والله أعلم PageV18P042 ### |||| ( وسئل ( # ما معنى قول بعض العلماء هذا حديث ضعيف أو ليس بصحيح وإذا كان في المسألة ~~روايتان أو وجهان فهل يباح للإنسان أن يقلد أحدهما أم كيف الإعتماد في ذلك ### |||| ( فأجاب ( # العالم قد يقول ليس بصحيح أى هذا القول ضعيف في الدليل وإن كان قد قال به ~~بعض العلماء والحديث الضعيف مثل الذى رواه من ليس بثقة إما لسوء حفظه وإما ~~لعدم عدالته وإذا كان في المسألة قولان فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد ~~القولين وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين ~~PageV18P043 ( قال شيخ الإسلام رحمه الله ( # الخبر إما أن يعلم صدقه أو كذبه أولا # الأول ما علم صدقه وهو في غالب الأمر بإنضمام القرائن إليه إما رواية من ~~لا يقتضى العقل تعمدهم وتواطؤهم على الكذب أو إحتفاف قرائن به وهو على ~~ضربين أحدهما ضرورى ليس للنفس في حصوله كسب وومنه ما تلقته الأمة بالقبول ~~وأجمعوا على العمل به أو إستندوا إليه في العمل لأنه لو كان باطلا [ [ لم ~~يعملوا به لإمتناع ] ] إجتماعهم على الخطأ وهو ولا يضره كونه بنفسه [ لا ] ~~يفيد العلم كالحكم المجمع عليه المستند إلى قياس وإجتهاد ورأى و ( 1 ( ل ~~المتخلف هو في نفسه ظنى فكيف ينقلب قطعيا ولم يعلم أن الظن والقطع من عوارض ~~إعتقاد الناظر بحسب ما يظهر له من الأدلة والخبر في نفسه لم يكتسب صفة ( ~~الثانى ( ما يعلم كذبه أو بتكذيب ms5509 العقل الصريح أو الكتاب أو PageV18P044 ~~السنة أو الإجماع أو غير ذلك عند أقسام تلك التأويلات وهو كثير أو بقرائن ~~والقرائن في البابين لا تحصل محققة إلا لذى دراية بهذا الشأن وإلا فغيرهم ~~جهله به # الثالث المحتمل وينقسم إلى مستفيض وغيره وله درجات فالخبر الذى رواه ~~الصديق والفاروق لا يساوى ما رواه غيرهما من أصاغر الصحابة وقليل الصحبة ### ||| فصل # الخطأ في الخبر يقع من الراوى إما عمدا أو سهوا ولهذا إشترط في الراوى ~~العدالة لنأمن من تعمد الكذب والحفظ والتيقظ لنأمن من السهو # والسهو له أسباب ( أحدها ( الإشتغال عن هذا الشأن بغيره فلا ينضبط له ~~ككثير من أهل الزهد والعبادة ( وثانيها ( الخلو عن معرفة هذا الشأن ~~PageV18P045 ( وثالثها ( التحديث من الحفظ فليس كل أحد يضبط ذلك ( ورابعها ~~( أن يدخل في حديثه ما ليس منه ويزور عليه ( وخامسها ( أن يركن إلى الطلبة ~~فيحدث بما يظن أنه من حديثه ( وسادسها ( الإرسال وربما كان الراوى له غير ~~مرضى ( وسابعها ( التحديث من كتاب لإمكان إختلافه # فلهذه الأسباب وغيرها اشترط أن يكون الراوى حافظا ضابطا معه من الشرائط ~~ما يؤمن معه كذبه من حيث لا يشعر وربما كان لا يسهو ثم وقع له السهو في ~~الآخر من حديثه فسبحان من لا يزل ولا يسهو وذلك يعرفه أرباب هذا الشأن ~~برواية النظراء والأقران وربما كان مغفلا وإقترن بحديثه ما يصححه كقرائن ~~تبين أنه حفظ ما حدث به وأنه لم يخلط في الجميع # وتعمد الكذب له أسباب ( أحدها ( الزندقة والإلحاد في دين الله ( ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ( وثانيها ( نصره المذاهب والأهواء ~~وهو كثير في الأصول والفروع والوسائط PageV18P046 و ( ثالثها ( الترغيب ~~والترهيب لمن يظن جواز ذلك ( ورابعها ( الأغراض الدنيوية لجمع الحطام ( ~~وخامسها ( حب الرياسة بالحديث الغريب # ( ### ||| فصل # الراوى إما أن تقبل روايته مطلقا أو مقيدا فأما المقبول إطلاقا فلا بد أن ~~يكون مامون الكذب بالمظنة وشرط ذلك العدالة وخلوه عن الأغراض والعقائد ~~الفاسدة التى يظن معها جواز الوضع وأن يكون مأمون السهو بالحفظ والضبط ~~والإتقان ms5510 وأما المقيد فيختلف بإختلاف القرائن ولكل حديث ذوق ويختص بنظر ليس ~~للآخر ### ||| فصل # كم من حديث صحيح الإتصال ثم يقع في أثنائه الزيادة والنقصان فرب زيادة ~~لفظة تحيل المعنى ونقص أخرى كذلك ومن مارس هذا الفن لم يكد يخفى عليه مواقع ~~ذلك ولتصحيح الحديث وتضعيفه أبواب تدخل وطرق تسلك ومسالك تطرق PageV18P047 ~~قال شيخ الإسلام رحمه الله ( ### ||| فصل # وأما عدة الأحاديث المتواترة التى في الصحيحين فلفظ المتواتر يراد به ~~معان إذ المقصود من المتواتر ما يفيد العلم لكن من الناس من لا يسمى ~~متواترا إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلا بكثرة عددهم فقط ويقولون إن ~~كل عدد أفاد العلم في قضية أفاد مثل ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا قول ~~ضعيف # والصحيح ما عليه الأكثرون أن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة وقد يحصل ~~بصفاتهم لدينهم وضبطهم وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر يحصل العلم بمجموع ذلك ~~وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة # وايضا فالخبر الذى تلقاه الأئمة بالقبول تصديقا له أو عملا بموجبه يفيد ~~العلم عند جماهير الخلف والسلف وهذا في معنى المتواتر لكن من الناس من ~~يسميه المشهور والمستفيض ويقسمون الخبر إلى متواتر PageV18P048 ومشهور وخبر ~~واحد # وإذا كان كذلك فأكثر متون الصحيحين معلومة متقنة تلقاها أهل العلم ~~بالحديث بالقبول والتصديق واجمعوا على صحتها وإجماعهم معصوم من الخطأ كما ~~أن إجماع الفقهاء على الأحكام معصوم من الخطأ ولو أجمع الفقهاء على حكم كان ~~إجماعهم حجة وإن كان مستند أحدهم خبر واحد أو قياس أو عموم فكذلك أهل العلم ~~بالحديث إذا أجمعوا على صحة خبر أفاد العلم وإن كان الواحد منهم يجوز عليه ~~الخطأ لكن إجماعهم معصوم عن الخطأ # ثم هذه الأحاديث التى اجمعوا على صحتها قد تتواتر وتستفيض عند بعضهم دون ~~بعض وقد يحصل العلم بصدقها لبعضهم لعلمه بصفات المخبرين وما إقترن بالخبر ~~من القرائن التى تفيد العلم كمن سمع خبرا من الصديق أو الفاروق يرويه بين ~~المهاجرين والأنصار وقد كانوا شهدوا منه ما شهد وهم مصدقون له في ms5511 ذلك وهم ~~مقرون له على ذلك وقوله ( إنما الأعمال بالنيات ( هو مما تلقاه أهل العلم ~~بالقبول والتصديق وليس هو في اصله متواترا بل هو من غرائب الصحيح لكن لما ~~تلقوه بالقبول والتصديق صار مقطوعا بصحته # وفى السنن أحاديث تلقوها بالقبول والتصديق كقوله صلى الله عليه وسلم ( لا ~~وصية لوارث ( فإن هذا مما تلقته الأمة بالقبول والعمل بموجبه وهو في السنن ~~ليس في الصحيح PageV18P049 # وأما عدد ما يحصل به التواتر فمن الناس من جعل له عددا محصورا ثم يفرق ~~هؤلاء فقيل اكثر من أربعة وقيل إثنا عشر وقيل أربعون وقيل سبعون وقيل ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر وقيل غير ذلك وكل هذه الأقوال باطلة لتكافئها في ~~الدعوى # والصحيح الذى عليه الجمهور أن التواتر ليس له عدد محصور والعلم الحاصل ~~بخبر من الأخبار يحصل في القلب ضرورة كما يحصل الشبع عقيب الأكل والرى عند ~~الشرب وليس لما يشبع كل واحد ويرويه قدر معين بل قد يكون الشبع لكثرة ~~الطعام وقد يكون لجودته كاللحم وقد يكون لإستغناء الآكل بقليله وقد يكون ~~لإشتغال نفسه بفرح أو غضب أو حزن ونحو ذلك # كذلك العلم الحاصل عقيب الخبر تارة يكون لكثرة المخبرين وإذا كثروا فقد ~~يفيد خبرهم العلم وإن كانوا كفارا وتارة يكون لدينهم وضبطهم فرب رجلين أو ~~ثلاثة يحصل من العلم بخبرهم مالا يحصل بعشرة وعشرين لا يوثق بدينهم وضبطهم ~~وتارة قد يحصل العلم بكون كل من المخبرين أخبر بمثل ما أخبر به الآخر مع ~~العلم بأنهما لم يتواطآ وأنه يمتنع في العادة الإتفاق في مثل ذلك مثل من ~~يروى حديثا طويلا فيه فصول # ويرويه آخر لم يلقه وتارة يحصل العلم بالخبر لمن عنده الفطنة والذكاء ~~والعلم بأحوال المخبرين وبما أخبروا به PageV18P050 ما ليس لمن له مثل ذلك ~~وتارة يحصل العلم بالخبر لكونه روى بحضرة جماعة كثيرة شاركوا المخبر في ~~العلم ولم يكذبه أحد منهم فإن الجماعة الكثيرة قد يمتنع تواطؤهم على ~~الكتمان كما يمتنع تواطؤهم على الكذب # وإذا عرف ان العلم بأخبار المخبرين له اسباب غير ms5512 مجرد العدد علم أن من ~~قيد العلم بعدد معين وسوى بين جميع الأخبار في ذلك فقد غلط غلطا عظيما ~~ولهذا كان التواتر ينقسم إلى عام وخاص فأهل العلم بالحديث والفقه قد تواتر ~~عندهم من السنة ما لم يتواتر عند العامة كسجود السهو ووجوب الشفعة وحمل ~~العاقلة العقل ورجم الزانى المحصن وأحاديث الرؤية وعذاب القبر والحوض ~~والشفاعة وأمثال ذلك # وإذا كان الخبر قد تواتر عند قوم دون قوم وقد يحصل العلم بصدقه لقوم دون ~~قوم فمن حصل له العلم به وجب عليه التصديق به والعمل بمقتضاه كما يجب ذلك ~~في نظائره ومن لم يحصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك لأهل الإجماع الذين ~~أجمعوا على صحته كما على الناس أن يسلموا الأحكام المجمع عليها إلى من أجمع ~~عليها من أهل العلم فإن الله عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة وإنما يكون ~~إجماعها بأن يسلم غير العالم للعالم إذ غير العالم لا يكون له قول وإنما ~~القول للعالم فكما أن من لا يعرف أدلة الأحكام لا يعتد بقوله فمن لا يعرف ~~طرق العلم بصحة الحديث لا يعتد بقوله بل على كل من ليس بعالم أن يتبع إجماع ~~أهل العلم PageV18P051 ### || 1 ( رسالة في الرد علي بعض أهل الكلام ) 1 # ( وقال أيضا ( # في الرد على بعض أئمة أهل الكلام لما تكلموا في المتأخرين من أهل الحديث ~~وذموهم بقلة الفهم وأنهم لا يفهمون معانى الحديث ولا يميزون بين صحيحه من ~~ضعيفه ويفتخرون عليهم بحذقهم ودقة علومهم فيها فقال رحمه الله تعالى # لا ريب أن هذا موجود في بعضهم يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع ~~والأصول وآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة ويذكرون من القرآن والحديث ما لا ~~يفهمون معناه وقد رأيت من هذا عجائب لكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك ~~كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل فكل شرفى بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر ~~وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم ~~وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها ms5513 تكلف هؤلاء من القول بغير علم ~~ما هو أعظم من ذلك وأكثر وما أحسن قول الإمام أحمد ضعيف الحديث خير من ~~الرأى # وقد امر الشيخ أبوعمرو إبن الصلاح بإنتزاع مدرسة معروفة PageV18P052 من ~~أبى الحسن الآمدى وقال أخذها منه أفضل من أخذ عكا مع أن الآمدى لم يكن في ~~وقته أكثر تبحرا في الفنون الكلامية والفلسفية منه وكان من أحسنهم إسلاما ~~وأمثلهم إعتقادا ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة سواء كانت حقا أو باطلا ~~إيمانا أو كفرا لا تدرك إلا بذكاء وفطنة # فلذلك يستجهلون من لم يشركهم في عملهم وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم ~~إذا كان منه قصور في الذكاء والبيان وهم كما قال الله تعالى ( إن الذين ~~أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون ( الآيات فإذا ~~تقلدوا عن طواغيتهم أن كل مالم يحصل بهذه الطرق القياسية ليس بعلم وقد لا ~~يحصل لكثير منهم منها ما يستفيد به الإيمان الواجب فيكون كافرا زنديقا ~~منافقا جاهلا ضالا مضلا ظلوما كفورا ويكون من أكابر أعداء الرسل ومنافقى ~~الملة من من الذين قال الله فيهم ( وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين ( # وقد يحصل لبعضهم إيمان ونفاق ويكون مرتدا أما عن أصل الدين أو بعض شرائعه ~~إما ردة نفاق وإما ردة كفر وهذا كثير غالب لا سيما في الأعصار والأمصار ~~التى تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم ~~والكذب والكفر والنفاق والضلال مالا يتسع لذكره المقال PageV18P053 # وإذا كان في المقالات الخفية فقد يقال أنه فيها مخطىء ضال لم تقم عليه ~~الحجة التى يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التى ~~يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين المسلمين بل اليهود والنصارى ~~والمشركون يعلمون أن محمدا بعث بها وكفر من خالفها مثل أمره بعبادة الله ~~وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين وغيرهم ~~فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ومثل ~~تحريم الفواحش والربا والخمر ms5514 والميسر ونحو ذلك # ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين وإن كانوا قد ~~يتوبون من ذلك ويعودون كرؤوس القبائل مثل الأقرع وعيينة ونحوهم ممن إرتد عن ~~الإسلام ثم دخل فيه ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب وفيهم من لم يكن ~~كذلك فكثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة وتارة ~~يعود إليها ولكن مع مرض في قلبه ونفاق وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان ~~فيها النفاق لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة # وقد ذكر إبن قتيبة عن ذلك طرفا في أول ( مختلف الحديث ( وقد حكى أهل ~~المقالات بعضهم عن بعض من ذلك طرفا كما يذكره PageV18P054 أبو الحسن ~~الأشعرى والقاضى أبوبكر إبن الباقلانى وأبو عبد الله الشهرستانى وغيرهم # وأبلغ من ذلك ان منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف ~~الرازى كتابه في عبادة الكواكب وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه ~~وهذه ردة عن الإسلام بإتفاق المسلمين وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام ~~وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفى في النجاة من عذاب ~~الله فضلا أن يكون موصلا لنعيم الآخرة قال الله تعالى ( فمن أظلم ممن إفترى ~~على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ( الآيتين وقال ~~تعالى ( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ( إلى آخر ~~السورة فأخبر هنا بمثل ما أخبر به في الأعراف وأن هؤلاء المعرضين عما جاءت ~~به الرسل لما رأوا بأس الله وحدوا الله وتركوا الشرك فلم ينفعهم ذلك وكذلك ~~أخبر عن فرعون وهو كافر بالتوحيد والرسالة أنه لما أدركه الغرق ( قال ( ~~آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به ( الآية وقال تعالى ( وإذ أخذ ربك من بنى ~~آدم من ظهورهم ( الآيتين # وهذا في القرآن في مواضع يبين أن الرسل امروا بعبادة الله وحده لا شريك ~~له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه وأن PageV18P055 أهل ms5515 السعادة هم ~~أهل التوحيد وان المشركين هم اهل الشقاوة ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل ~~مشركون فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكذلك الإيمان باليوم ~~الآخر فالثلاثة متلازمة ولهذا يجمع بينهما في مثل قوله ( ولا تتبع أهواء ~~الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ( واخبر في ~~غير موضع أن الرسالة عمت جميع بنى آدم فهذه الأصول الثلاثة توحيد الله ~~والإيمان برسله وباليوم الآخر أمور متلازمة ولهذا قال سبحانه ( وكذلك جعلنا ~~لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن ( إلى قوله ( وليقترفوا ما هم مقترفون ( # فأخبر أن جميع الأنبياء لهم أعداء وهم شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى ~~بعض القول المزخرف وهو المزين المحسن يغرون به والغرور التلبيس والتمويه ~~وهذا شأن كل كلام وكل عمل يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتكلمة وغيرهم ~~من الأولين والآخرين ثم قال ( ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ( ~~فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان فمن لم يؤمن بالآخرة ~~أصغى إلى زخرف أعدائهم فخالف الرسل كما هو موجود في أصناف الكفار ~~والمنافقين في هذه الأمة وغيرها ولهذا قال تعالى ( ولقد جئناهم بكتاب ~~فصلناه على علم ( إلى قوله ( هل ينظرون إلا تأويله يوم PageV18P056 يأتى ~~تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ( فأخبر أن الذين ~~تركوا الكتاب وهو الرسالة يقولون إذا جاء تأويله وهو ما اخبر به جاءت رسل ~~ربنا بالحق # وهذا كما قال تعالى ( ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ( الآيتين أخبر ~~أن الذين تركوا إتباع آياته يصيبهم ما ذكر فقد تبين أن أصل السعادة والنجاة ~~من العذاب هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسله واليوم ~~الآخر والعمل الصالح وهذه الأمور ليست في حكمتهم ليس فيها الأمر بعبادة ~~الله وحده لا شريك له والنهى عن عبادة المخلوقات # بل كل شرك في العالم إنما حدث برأى جنسهم فهم الآمرون بالشرك والفاعلون ~~له ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء ms5516 وإن رجح ~~الموحدين ترجيحا ما فقد يرجح غيره المشركين وقد يعرض عن الأمرين جميعا # فتدبر هذا فإنه نافع جدا وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الكواكب ~~والملائكة وعبادة الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء وغيرهم ما هو أصل الشرك ~~وهم إذا إدعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل والتوحيد ~~الذى جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا ~~شريك له وهذا شيء لا يعرفونه PageV18P057 # والتوحيد الذين يدعونه إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات وفيه من ~~الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك فلو كانوا موحدين بالقول ~~والكلام وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله لكان معهم التوحيد دون العمل ~~وذلك لا يكفى في السعادة والنجاة بل لا بد أن يعبدوا الله وحده ويتخذوه ~~إلها دون ما سواه وهذا معنى قول ( لا إله إلا الله ( فكيف وهم في القول ~~والكلام معطلون جاحدون لا موحدون ولا مخلصون فإذا كان ما تحصل به السعادة ~~والنجاة من الشقاوة ليس عندهم أصلا كان ما يأمرون به من الأخلاق والأعمال ~~والسياسات كما قال تعالى ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون ( وقد جعل الله لكل شيء قدرا # والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة وفيهم زهد وأخلاق فهذا القول لا يوجب ~~السعادة والنجاة من العذاب إلا بالأصول المتقدمة وإنما قوة الذكاء بمنزلة ~~قوة البدن والإرادة فالذى يؤتى فضائل علمية وإرادية بدون هذه الأصول بمنزلة ~~من يؤتى قوة في جسمه وبدنه بدون هذه الأصول واهل الرأى والعلم بمنزلة أهل ~~الملك والإمارة وكل من هؤلاء وهؤلاء لا ينفعه ذلك شيئا إلا أن يعبد الله ~~وحده لا شريك له ويؤمن برسله واليوم الآخر # ولما كان كل واحد من أهل الملك والعلم قد يعارضون الرسل PageV18P058 وقد ~~يتابعونهم ذكر الله ذلك في غير موضع فذكر فرعون والذى حاج إبراهيم لما آتاه ~~الله الملك والملأ من قوم نوح وعاد وغيرهم وذكر قول علمائهم كقوله ( فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ms5517 ( وقال ( ما يجادل في آيات ~~الله إلا الذين كفروا # ( إلى قوله ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ( إلى قوله ( الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله ( الآية والسلطان ~~هو الوحى المنزل من عند الله # وقد ذكر في هذه السورة ( حم غافر ( من حال مخالفى الرسل من الملوك ~~والعلماء ومجادلتهم ما فيه عبرة مثل قوله ( الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم الأكبر ما هم ببالغيه ( ومثل قوله ( ألم تر ~~إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون ( إلى قوله ( ذلكم بما كنتم ~~تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ( # وكذلك في سورة الأنعام والأعراف وعامة السور المكية وطائفة من السور ~~المدنية فإنها تشتمل على خطاب هؤلاء وضرب المقاييس والأمثال لهم وذكر قصصهم ~~وقصص الأنبياء وأتباعهم معهم ولهذا قال سبحانه ( ولقد مكناهم فيما إن ~~مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ( الآية فأخبر بما مكنوا فيه من ~~أصناف PageV18P059 الإدراكات والحركات وأخبر أن ذلك لم يغن عنهم شيئا حيث ~~جحدوا بآيات الله والرسالة # ولهذا حدثنى إبن الشيخ الفقيه الخضرى عن والده شيخ الحنفية في زمنه قال ~~كان فقهاء بخارى يقولون في إبن سينا ( كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في ~~الأرض ( الآية والقوة تعم قوة الإدراك النظرية وقوة الحركة العملية وقال في ~~الآية الأخرى ( كانوا أكثر منهم وأشد قوة ( فأخبر بفضلهم في الكم والكيف ~~وأنهم أشد في انفسهم وفى آثارهم في الأرض ( # وقد قال سبحانه عن أتباع هؤلاء الأئمة من أهل الملك والعلم المخالفين ~~للرسل ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله واطعنا ~~الرسولا ( إلى قوله ( والعنهم لعنا كبيرا ( وقال تعالى ( وإذ يتحاجون في ~~النار فيقول الضعفاء للذين إستكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا ~~نصيبا من النار ( ومثل هذا في القرآن كثير يذكر فيه قول اعداء الرسل ~~وأفعالهم وما أوتوه من قوى الإدراكات والحركات التى لم تنفعهم لما خالفوا ~~الرسل وقد ذكر الله سبحانه ما في المنتسبين ms5518 إلى أتباع الرسل من العلماء ~~والعباد والملوك من النفاق والضلال في مثل قوله ( يا أيها الذين آمنوا إن ~~كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ( الآية و ( يصدون ~~( يستعمل لازما يقال صد صدودا PageV18P060 أعرض ( كقوله ( رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا ( ويقال صد غيره يصده والوصفان يجتمعان فيهم ومثل قوله ~~تعالى ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ( ~~الآية # وفى الصحيحين عن أبى موسى عن النبى ( مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل ~~الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل التمرة ~~طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها ~~طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ~~ريح لها ( فبين أن في الذين يقرأون القرآن مؤمنين ومنافقين وإذا كان سعادة ~~الأولين والآخرين هي إتباع المرسلين فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك أعلمهم ~~بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم ~~أهل السعادة في كل زمان ومكان وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة وهم أهل ~~السنة والحديث من هذه الأمة والرسل عليهم البلاغ المبين وقد بلغوا البلاغ ~~المبين # وخاتم الرسل أنزل إليه كتابا مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فهو الأمين على جميع الكتب وقد PageV18P061 بلغ أبين البلاغ واتمه واكمله ~~وكان أنصح الخلق لعباد الله وكان بالمؤمنين رؤفا رحيما بلغ الرسالة وادى ~~الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين فأسعد الخلق ~~وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة أعظمهم إتباعا له وموافقة علما وعملا والله ~~سبحانه وتعالى أعلم PageV18P062 ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( ### ||| فصل # في أحاديث يحتج بها بعض الفقهاء على أشياء وهى باطلة # منها قولهم أنه ( نهى عن بيع وشرط ( فإن هذا حديث باطل ليس في شيء من كتب ~~المسلمين وإنما يروى في حكاية منقطعة # ومنها قولهم ( نهى عن قفيز الطحان ( وهذا أيضا باطل # ومنها حديث محلل السباق إذا أدخل فرس بين فرسين فإن هذا ms5519 معروف عن سعيد بن ~~المسيب من قوله هكذا رواه الثقات من اصحاب الزهري عن الزهري عن سعيد وغلط ~~سفيان بن حسين فرواه عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة مرفوعا وأهل العلم ~~بالحديث يعرفون أن هذا ليس من قول النبى صلى الله عليه وسلم وقد ذكر ذلك ~~أبو داود السجستانى وغيره من أهل العلم PageV18P063 وهم متفقون على أن ~~سفيان بن حسين هذا يغلط فيما يرويه عن الزهري وانه لا يحتج بما ينفرد به ~~ومحلل السباق لا اصل له في الشريعة ولم يأمر النبى أمته بمحلل السباق وقد ~~روى عن أبى عبيدة بن الجراح وغيره أنهم كانوا يتسابقون بجعل ولا يدخلون ~~بينهم محللا والذين قالوا هذا من الفقهاء ظنوا أنه يكون قمارا ثم منهم من ~~قال بالمحلل يخرج عن شبه القمار ( و ) ليس الأمر كما قالوه بل بالمحلل من ~~المخاطرة وفى المحلل ظلم لأنه إذا سبق أخذ وإذا سبق لم يعط وغيره إذا سبق ~~أعطى فدخول المحلل ظلم لا تأتى به الشريعة والكلام على هذا مبسوط في مواضع ~~أخر والله أعلم PageV18P064 قال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # قول أحمد بن حنبل إذا جاء الحلال والحرام شددنا في الأسانيد وإذا جاء ~~الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد وكذلك ما عليه العلماء من العمل ~~بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس معناه إثبات الإستحباب بالحديث الذى ~~لا يحتج به فإن الإستحباب حكم شرعى فلا يثبت إلا بدليل شرعى ومن أخبر عن ~~الله أنه يحب عملا من الأعمال من غير دليل شرعى فقد شرع من الدين ما لم ~~يأذن به الله كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم ولهذا يختلف العلماء في ~~الإستحباب كما يختلفون في غيره بل هو أصل الدين المشروع # وإنما مرادهم بذلك أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله أو مما ~~يكرهه الله بنص أو إجماع كتلاوة القرآن والتسبيح والدعاء والصدقة والعتق ~~والإحسان إلى الناس وكراهة الكذب والخيانة ونحو ذلك فإذا روى حديث في فضل ~~بعض الأعمال PageV18P065 المستحبة وثوابها وكراهة بعض ms5520 الأعمال وعقابها ~~فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه إذا روى فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت ~~روايته والعمل به بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب كرجل ~~يعلم أن التجارة تربح لكن بلغه أنها تربح ربحا كثيرا فهذا إن صدق نفعه وإن ~~كذب لم يضره ومثال ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات وكلمات ~~السلف والعلماء ووقائع العلماء ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعى ~~لا إستحباب ولا غيره ولكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب والترجية ~~والتخويف # فما علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع فإن ذلك ينفع ولا يضر وسواء كان في نفس ~~الأمر حقا أو باطلا فما علم أنه باطل موضوع لم يجز الإلتفات إليه فإن الكذب ~~لا يفيد شيئا وإذا ثبت أنه صحيح أثبتت به الأحكام وإذا إحتمل الأمرين روى ~~لإمكان صدقه ولعدم المضرة في كذبه وأحمد إنما قال إذا جاء الترغيب والترهيب ~~تساهلنا في الأسانيد ومعناه أنا نروى في ذلك بالأسانيد وإن لم يكن محدثوها ~~من الثقات الذين يحتج بهم وكذلك قول من قال يعمل بها في فضائل الأعمال إنما ~~العمل بها العمل بما فيها من PageV18P066 الأعمال الصالحة مثل التلاوة ~~والذكر والإجتناب لما كره فيها من الأعمال السيئة # ونظير هذا قول النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذى رواه البخارى عن ~~عبد الله بن عمرو ( بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن ~~كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ( مع قوله في الحديث الصحيح ( إذا ~~حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ( فإنه رخص في الحديث عنهم ومع ~~هذا نهى عن تصديقهم وتكذيبهم فلو لم يكن في التحديث المطلق عنهم فائدة لما ~~رخص فيه وأمر به ولو جاز تصديقهم بمجرد الأخبار لما نهى عن تصديقهم فالنفوس ~~تنتفع بما تظن صدقه في مواضع # فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرا وتحديدا مثل صلاة في وقت معين ~~بقراءة معينة أو على صفة معينة لم يجز ذلك لأن إستحباب هذا الوصف المعين لم ms5521 ~~يثبت بدليل شرعى بخلاف ما لو روى فيه من دخل السوق فقال لا إله إلا الله ~~كان له كذا وكذا فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله بين ~~الغافلين كما جاء في الحديث المعروف ( ذاكر الله في الغافلين كالشجرة ~~الخضراء بين الشجر اليابس PageV18P067 # فأما تقدير الثواب المروى فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته وفى مثله جاء ~~الحديث الذي رواه الترمذى ( من بلغه عن الله شيء فيه فضل فعمل به رجاء ذلك ~~الفضل أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك ( # فالحاصل أن هذا الباب يروى ويعمل به في الترغيب والترهيب لا في الإستحباب ~~ثم إعتقاد موجبه وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف على الدليل الشرعى ~~PageV18P068 ### |||| وسئل # عن قوم إجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد ومنهم من يقول لم يثبت عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم حديث واحد بالتواتر إذ التواتر نقل الجم الغفير ~~عن الجم الغفير ### |||| ( فأجاب ( # أما من أنكر تواتر حديث واحد فيقال له التواتر نوعان تواتر عن العامة ~~وتواتر عن الخاصة وهم أهل علم الحديث وهو أيضا قسمان ما تواتر لفظه وما ~~تواتر معناه فأحاديث الشفاعة والصراط والميزان والرؤية وفضائل الصحابة ونحو ~~ذلك متواتر عند أهل العلم وهى متواترة المعنى وإن لم يتواتر لفظ بعينه ~~وكذلك معجزات النبى الخارجه عن القرآن متواترة أيضا وكذلك سجود السهو ~~متواتر أيضا عند العلماء وكذلك القضاء بالشفعة ونحو ذلك # وعلماء الحديث يتواتر [ عندهم ] ما لا يتواتر عند غيرهم لكونهم ~~PageV18P069 سمعوا مالم يسمع غيرهم وعلموا من أحوال النبى ما لم يعلم غيرهم ~~والتواتر لا يشترط له عدد معين بل من العلماء من إدعى أن له عددا يحصل له ~~به العلم من كل ما أخبر به كل مخبر ونفوا ذلك عن الأربعة وتوقفوا فيما زاد ~~عليها وهذا غلط فالعلم يحصل تارة بالكثرة وتارة بصفات المخبرين وتارة ~~بقرائن تقترن بأخبارهم وبأمور أخر وأيضا فالخبر الذى رواه الواحد من ~~الصحابة والإثنان إذا تلقته الأمة بالقبول والتصديق أفاد العلم عند جماهير ~~العلماء ومن ms5522 الناس من يسمى هذا المستفيض والعلم هنا حصل بإجماع العلماء على ~~صحته فإن الإجماع لا يكون على خطاء ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يعلم ~~صحته عند علماء الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ~~والأشعرية وإنما خالف في ذلك فريق من أهل الكلام كما قد بسط في موضعه ~~PageV18P070 ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عن رجل سمع كتب الحديث والتفسير وإذا قرئ عليه ( كتاب الحلية ( لم يسمعه ~~فقيل له لم لا تسمع أخبار السلف فقال لا أسمع من كتاب أبى نعيم شيئا فقيل ~~هو إمام ثقة شيخ المحدثين في وقته فلم لا تسمع ولا تثق بنقله فقيل له بيننا ~~وبينك عالم الزمان وشيخ الإسلام إبن تيمية في حال أبى نعيم فقال أنا أسمع ~~ما يقول شيخ الإسلام وأرجع إليه # فأرسل هذا السؤال من دمشق ### |||| ( فأجاب ( # فيه الشيخ الحمد لله رب العالمين أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهانى ~~صاحب كتاب ( حلية الأولياء ( و ( تاريخ أصبهان ( و ( المستخرج على البخارى ~~ومسلم ( وكتاب الطب ( و ( عمل اليوم والليلة ( و ( فضائل الصحابة و ( و ( ~~دلائل النبوة ( و ( صفة الجنة ( و ( محجة الواثقين ( وغير ذلك من المصنفات ~~من أكبر حفاظ الحديث ومن أكثرهم تصنيفات وممن إنتفع الناس بتصانيفه وهو أجل ~~من أن يقال له ثقة فإن درجته فوق ذلك وكتابه ( كتاب الحلية ( من أجود ~~PageV18P071 الكتب المصنفة في أخبار الزهاد والمنقول فيه أصح من المنقول في ~~رسالة القشيرى ومصنفات أبى عبد الرحمن السلمى شيخه ومناقب الأبرار لإبن ~~خميس وغير ذلك فإن أبا نعيم أعلم بالحديث واكثر حديثا وأثبت رواية ونقلا من ~~هؤلاء ولكن كتاب الزهد للإمام أحمد والزهد لإبن المبارك وامثالهما أصح نقلا ~~من الحلية # وهذه الكتب وغيرها لا بد فيها من أحاديث ضعيفة وحكايات ضعيفة بل باطلة ~~وفى الحلية من ذلك قطع ولكن الذى في غيرها من هذه الكتب أكثر مما فيها فإن ~~في مصنفات أبى عبد الرحمن السلمى ورسالة القشيرى ومناقب الأبرار ونحو ذلك ~~من الحكايات الباطلة بل ومن الأحاديث الباطلة ما لا يوجد مثله في ms5523 مصنفات ~~أبى نعيم ولكن ( صفوة الصفوة ( لأبى الفرج إبن الجوزى نقلها من جنس نقل ~~الحلية والغالب على الكتابين الصحة ومع هذا ففيهما أحاديث وحكايات باطلة ~~وأما الزهد للإمام أحمد ونحوه فليس فيه من الأحاديث والحكايات الموضوعة مثل ~~ما في هذه فإنه لا يذكر في مصنفاته عمن هو معروف بالوضع بل قد يقع فيها ما ~~هو ضعيف بسوء حفظ ناقله وكذلك الأحاديث المرفوعة ليس فيها ما يعرف أنه ~~موضوع قصد الكذب فيه كما ليس ذلك في مسنده لكن فيه ما يعرف أنه غلط غلط فيه ~~رواته ومثل هذا يوجد في غالب كتب الإسلام فلا يسلم كتاب من الغلط إلا ~~القرآن PageV18P072 # وأجل ما يوجد في الصحة ( كتاب البخارى ( وما فيه متن يعرف أنه غلط على ~~الصاحب لكن في بعض ألفاظ الحديث ما هو غلط وقد بين البخارى في نفس صحيحه ما ~~بين غلط ذلك الراوي كما بين إختلاف الرواة في ثمن بعير جابر وفيه عن بعض ~~الصحابة ما يقال إنه غلط كما فيه عن إبن عباس أن رسول الله تزوج ميمونة وهو ~~محرم والمشهور عند أكثر الناس أنه تزوجها حلالا وفيه عن أسامة أن النبى لم ~~يصل في البيت وفيه عن بلال أنه صلى فيه وهذا أصح عند العلماء # وأما مسلم ففيه ألفاظ عرف أنها غلط كما فيه ( خلق الله التربة يوم السبت ~~( وقد بين البخارى أن هذا غلط وأن هذا من كلام كعب وفيه أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم صلى الكسوف بثلاث ركعات في كل ركعة والصواب أنه لم يصل الكسوف ~~إلا مرة واحدة وفيه أن أبا سفيان سأله التزوج بأم حبيبة وهذا غلط # وهذا من أجل فنون العلم بالحديث يسمى علم ( علل الحديث ( وأما كتاب حلية ~~الأولياء فمن أجود مصنفات المتأخرين في أخبار الزهاد وفيه من الحكايات مالم ~~يكن به حاجة إليه والأحاديث المروية في أوائلها احاديث كثيرة ضعيفة بل ~~موضوعة PageV18P073 ### |||| وسئل # عمن نسخ بيده صحيح البخارى ومسلم والقرآن وهو ناو كتابة الحديث وغيره ~~وإذا نسخ لنفسه أو للبيع ms5524 هل يؤجر إلخ ### |||| ( فأجاب ( # وأما كتب الحديث المعروفة مثل البخارى ومسلم فليس تحت أديم السماء كتاب ~~أصح من البخارى ومسلم بعد القرآن وما جمع بينهما مثل الجمع بين الصحيحين ~~للحميدى ولعبد الحق الأشبيلى وبعد ذلك كتب السنن كسنن أبى داود والنسائى ~~وجامع الترمذى والمساند كمسند الشافعى ومسند الإمام أحمد # وموطأ مالك فيه الأحاديث والآثار وغير ذلك وهو من أجل الكتب حتى قال ~~الشافعى ليس تحت أديم السماء بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك يعنى بذلك ما ~~صنف على طريقته فإن المتقدمين كانوا يجمعون في الباب بين المأثور عن النبى ~~والصحابة والتابعين ولم تكن وضعت كتب الرأى التى تسمى ( كتب PageV18P074 ~~الفقه ( وبعد هذا جمع الحديث المسند في جمع الصحيح للبخارى ومسلم والكتب ~~التى تحب ويؤجر الإنسان على كتابتها سواء كتبها لنفسه أو كتبها ليبيعها كما ~~قال النبى ( إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة صانعه والرامى به ~~والممد به ( فالكتابة كذلك لينتفع به أو لينفع به غيره كلاهما يثاب عليه ~~PageV18P075 ### || 1 ( الأربعون التي رواها المؤلف في الحديث ) 1 # ( بسم الله الرحمن الرحيم ( # ( رب أعن ( # أخبرنا الزين أبو محمد عبد الرحمن بن العماد أبى بكر إبن زريق الحنبلى في ~~كتابه إلى غير مرة أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبى بكر بن أحمد إبن عبد ~~الحميد المقدسى سماعا في يوم السبت 24 صفر سنة 797 ( ح ) وكتب إلى الأشياخ ~~الثلاثة أبو إسحاق الحرملى وأبو محمد البقرى وأبو العباس الرسلانى قالوا ~~أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبى إذنا مطلقا قالا ~~أخبرنا الشيخ الإمام العالم العلامة البارع الأوحد القدوة الحافظ أبو ~~العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية قال الذهبى بقراءتى عليه ~~في جمادى الآخرة سنة 721 قال الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ~~ونعوذ بالله من PageV18P076 شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله ~~فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد 2 أن ms5525 محمدا عبده ورسوله ~~أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وصلى الله ~~على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ( ### || الحديث الأول # ( # أخبرنا الإمام زين الدين أبوالعباس أحمد بن عبدالدائم بن نعمة إبن أحمد ~~المقدسى قراءة عليه وأنا أسمع سنة 667 أخبرنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد ~~الوهاب بن سعد بن كليب قراءة عليه أخبرنا أبو القاسم على بن أحمد بن محمد ~~بن بيان الرزاز قراءة عليه أخبرنا أبوالحسن محمد بن محمد بن محمد ( بن ~~إبراهيم ) بن مخلد البزاز أخبرنا أبو على إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~الصفار حدثنا الحسن بن عرفة بن يزيد العبدى حدثنى أبو بكر بن عياش عن أبى ~~إسحاق السبيعى عن البراء إبن عازب قال ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فأحرمنا بالحج PageV18P077 قال فلما قدمنا مكة قال إجعلوا حجكم ~~عمرة ( قال فقال الناس ( يا رسول الله قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة ( ~~قال # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنظروا الذى آمركم به فإفعلوا ( قال ~~فردوا عليه القول فغضب ثم إنطلق حتى دخل على عائشة رضى الله عنها غضبان ~~فرأت الغضب في وجهه فقالت من أغضبك أغضبه الله ( قال ( ومالى لا أغضب وأنا ~~آمر بالأمر ولا أتبع ( # رواه النسائى وإبن ماجه من حديث أبى بكر إبن عياش مولده في صفر سنة 575 ~~وتوفى يوم الإثنين ثامن رجب سنة 668 ( ### || الحديث الثانى # ( # أخبرنا الشيخ المسند كمال الدين أبو نصر عبد العزيز بن عبدالمنعم إبن ~~الخضر بن شبل بن عبد الحارثي قراءة عليه وأنا أسمع في يوم الجمعة سادس ~~شعبان سنة 669 بجامع دمشق أخبرنا الحافظ أبو محمد القاسم بن الحافظ أبى ~~القاسم على بن الحسن بن هبة الله بن عساكر PageV18P078 قراءة عليه في ربيع ~~الآخر سنة 596 أخبرنا أبو الفضائل ناصر بن محمود إبن على القدسى الصائغ ~~وأبوالقاسم نصر بن أحمد بن مقاتل السوسى قراءة عليهما قالا أخبرنا أبوالحسن ~~على بن أحمد بن زهير المالكى حدثنا أبوالحسن على بن محمد ms5526 بن شجاع الربعى ~~المالكى أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله القطان حدثنا ~~خيثمة حدثنا العباس بن الوليد حدثنا عقبة بن علقمة حدثنا سعيد بن عبد ~~العزيز عن عطية بن قيس # عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله إنى رأيت عمود الكتاب إنتزع من ~~تحت وسادتى فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن الإيمان إذا ~~وقعت الفتن بالشام ( مولده سنة 589 وتوفى في شعبان سنة 672 ( ### || الحديث الثالث # ( # أخبرنا الإمام تقى الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبى اليسر ~~التنوخى قراءة عليه وأنا أسمع في سنة 669 أخبرنا أبوطاهر بركات بن إبراهيم ~~الخشوعى قراءة عليه أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن PageV18P079 ~~الخضر السلمى اخبرنا أبوالحسين طاهر بن أحمد بن على بن محمود المحمودى ~~العانى أخبرنا أبو الفضل منصور بن نصر بن عبد الرحيم بن بنت الكاغدى حدثنا ~~أبو عمرو الحسن بن على بن الحسن العطار حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر ~~بن بكير بن الحارث القيسى حدثنا وكيع إبن الجراح بن مليح الرواسى عن الأعمش ~~عن أبى صالح عن أبى سعيد ( الخدرى ( # قال # قال رسول الله ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له ( هل بلغت فيقول نعم ~~فيدعى قومه فيقال لهم ( هل بلغكم ( فيقولون ( ما أتانا من نذير وما أتانا ~~من أحد فيقال لنوح ( من يشهد لك ( فيقول ( محمد وأمته ( فذلك قوله ( وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا ( قال الوسط العدل مولده سنة 589 توفى في صفر سنة 672 ( ### || الحديث الرابع # ( # أخبرنا الفقيه سيف الدين أبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن نجم إبن عبد ~~الوهاب الحنبلى قراءة عليه وانا PageV18P080 أسمع في يوم الجمعة عاشر شوال ~~75 سنة 669 وابو عبد الله محمد بن عبدالمنعم بن القواس والمؤمل بن محمد ~~البالسى وأبو عبد الله محمد بن أبى بكر العامرى في التاريخ وابوالعباس أحمد ~~بن شيبان وأبو بكر بن محمد الهروى وأبو زكريا يحيى إبن ابى منصور بن ~~الصيرفى وأبو الفرج ms5527 عبد الرحمن بن سليمان البغدادى والشمس بن الزين والكمال ~~عبد الرحيم وإبن العسقلانى وزينب بنت مكى وست العرب قال الأل وإبن شيبان ~~وزينب أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد إبن طبرزد وقال الباقون وإبن شيبان ~~أخبرنا زيد بن الحسن الكندى زاد إبن الصيرفى فقال وابو محمد عبد العزيز بن ~~معالى بن غنيمة بن منينا قراءة عليه قالوا أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن ~~عبدالباقى بن محمد بن عبد الله الأنصارى أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر ~~بن أحمد البرمكى أخبرنا أبومحمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسى حدثنا ~~أبومسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجى حدثنا محمد بن عبد الله ~~الأنصارى 4 حدثنى حميد عن أنس أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت ~~سنها PageV18P081 فعرضوا عليهم الأرش فأبوا فطلبوا العفو فأبوا فأتوا النبى ~~صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فجاء اخوها أنس بن النضر فقال يا رسول ~~الله اتكسر سن الربيع والذى بعثك بالحق لا تكسر سنها قال ( يا أنس كتاب ~~الله القصاص ( # فعفا القوم فقال رسول الله ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ~~( أخرجه البخارى عن الأنصارى مولده سنة 592 وتوفى في شوال سنة 672 ( ### || الحديث الخامس # ( # أخبرنا الحاج المسند أبو محمد أبو بكر إبن محمد بن أبى بكر بن عبد الواسع ~~الهروى في رابع ربيع الأول سنة 668 والمذكورون بسندهم إلى الأنصارى قال ~~حدثنى حميد عن أنس قال # قال رسول الله ( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ( قال قلت يا رسول الله أنصره ~~مظلوما فكيف أنصره ظالما ( قال ( تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه ( # أخرجه البخارى عن عثمان بن أبى شيبة عن هشيم واخرجه PageV18P082 الترمذى ~~عن محمد بن حاتم عن الأنصارى كما أخرجناه وقال حسن صحيح واخبرنا به الشيخ ~~شمس الدين بن ابى عمر قراءة عليه أخبرنا أبو اليمن الكندى ( فذكره ( مولده ~~سنة 594 وتوفى في رجب سنة 673 ### || الحديث السادس # أخبرنا الشيخ المسند زين الدين ابوالعباس المؤمل بن محمد بن ms5528 على إبن محمد ~~بن على بن منصور بن المؤمل البالسى قراءة عليه وانا اسمع سنة 669 ~~والمذكورون بسندهم إلى الأنصارى قال حدثنى سليمان التيمي عن انس بن مالك ~~قال # قال رسول الله ( من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ( # رواه البخارى ومسلم بمعناه من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس مولده سنة ~~602 وقيل ثلاث وتوفى في رجب سنة PageV18P083 ( ### || الحديث السابع # ( # أخبرنا الشيخ العدل رشيد الدين أبو عبد الله محمد بن أبى بكر محمد بن ~~محمد بن سليمان العامرى قراءة عليه وأنا اسمع سنة 669 والمذكورون بسندهم ~~إلى الأنصارى حدثنى التيمي حدثنا أنس بن مالك قال # عطس عند النبى رجلان فشمت أو فسمت احدهما ولم يشمت الآخر أو فسمته ولم ~~يسمت الآخر فقيل يا رسول الله عطس عندك رجلان فشمت احدهما ولم تشمت الآخر ~~أو فسمته ولم تسمت الآخر فقال ( إن هذا حمد الله فشمته وإن هذا لم يحمد ~~الله فلم أشمته ( # رواه البخارى عن محمد بن كثير عن سفيان الثورى ورواه مسلم عن محمد بن عبد ~~الله بن نمير عن حفص بن غياث كلاهما عن التيمي # توفى في ذى الحجة سنة PageV18P084 ( ### || الحديث الثامن # ( # أخبرنا الإمام العالم الزاهد كمال الدين أبو زكريا يحيى بن ابى منصور بن ~~أبى الفتح بن رافع بن على الحرانى إبن الصيرفى قراءة عليه في شوال سنة 668 ~~أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن بركة إبن الديبقى قراءة عليه وأنا اسمع ~~أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد بن الحسن القزاز قراءة ~~عليه في حادى عشرين جمادى الأولى سنة 534 أخبرنا أبوجعفر محمد بن أحمد بن ~~محمد بن عمر إبن المسلم المعدل إملاء من لفظه بإستملاء شيخنا أبى بكر ~~الخطيب في صفر سنة 463 أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد ~~الزهري أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض الفريابى حدثنا ~~قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبى سهيل نافع بن مالك ms5529 بن أبى عامر ~~عن أبيه عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # ( آية المنافق ثلاثة إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ~~PageV18P085 ( ### || الحديث التاسع # ( # أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام العالم البارع جمال الدين أبو الفرج عبد ~~الرحمن بن سليمان بن سعيد بن سليمان البغدادى قراءة عليه وانا اسمع سنة 668 ~~أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندى قراءة عليه أخبرنا أبو عبد ~~الله الحسين بن على بن أحمد بن المقرئ اخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن ~~أحمد بن النقور أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس المخلص سنة ~~390 حدثنا يحيى حدثنا يونس حدثنا أبو الأحوص عن اشعث بن ابى الشعثاء عن ~~محمد بن عمير عن ابى هريرة قال # نهى رسول الله عن بيعتين وعن لبستين أن يلبس الرجل الثوب الواحد ويشتمل ~~به ويطرح أحد جانبيه على منكبه ويحتبى في الثوب الواحد وأن يقول أنبذ إلى ~~ثوبك وأنبذ إليك ثوبى من غير ان يقلبا # مولده سنة 585 بحران وتوفى في شعبان سنة 670 بدمشق PageV18P086 ( ### || الحديث العاشر # اخبرنا شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن ~~غدير بن القواس الطائى قراءة عليه وانا اسمع سنة 675 وابوالحسن إبن البخارى ~~قالا أخبرنا أبو العباس الخضر بن كامل إبن سالم السروجى قراءة عليه اخبرنا ~~أبو عبد الله الحسين بن على بن أحمد المقرئ # وقال الفخر البخارى اخبرنا أبو اليمن الكندى أيضا اخبرنا أبوالقاسم ~~إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندى قالا اخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن ~~أحمد بن عبد الله بن النقور أخبرنا أبوالحسين محمد بن عبد الله بن الحسين ~~بن عبد الله بن هارون إبن أخى ميميى الدقاق حدثنا عبد الله حدثنا داود ~~حدثنا الوليد بن مسلم عن أبى غسان محمد بن مطرف عن زيد بن اسلم عن على بن ~~الحسين عن سعيد بن مرجانة عن أبى هريرة عن النبى قال # ( من أعتق رقبة ms5530 اعتق الله عز وجل بكل عضو منها عضوا منه PageV18P087 من ~~النار حتى فرجه بفرجه # ) # رواه البخارى عن محمد بن عبد الرحيم عن داود بن رشيد ورواه مسلم عن داود ~~نفسه ورواه الترمذى عن قتيبة عن الليث عن إبن الهاد عن عمر بن على بن ~~الحسين عن سعيد بن مرجانة ولد سنة 602 وتوفى في ربيع الآخر سنة 682 ( ### || الحديث الحادى عشر # ( # أخبرنا المشايخ الصلحاء المسندون أبو عبد الله محمد بن بدر بن محمد بن ~~يعيش الجزرى وأبو العباس أحمد بن شيبان وأبو الفضل إسماعيل بن أبى عبد الله ~~بن العسقلانى وزينب بنت أحمد بن كامل قراءة عليهم وأنا اسمع في شعبان سنة ~~675 بقاسيون قالوا أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادى قراءة ~~عليه ونحن نسمع أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عبدالقادر بن يوسف ~~وابو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز وأبو الفتح عبد الله ~~بن محمد بن محمد البيضاوى قراءة عليهم وانا أسمع قالوا أخبرنا أبو جعفر ~~محمد بن أحمد بن محمد بن المسلم المعدل أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~PageV18P088 عبد الرحمن بن العباس المخلص اخبرنا أبو القاسم عبد الله بن ~~محمد إبن عبد العزيز البغوى حدثنى عبد الله بن مطيع حدثنا إسماعيل إبن جعفر # قال البغوى وحدثنى صالح بن مالك حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال البغوى ~~وحدثنى جدى حدثنا يزيد بن هارون كلهم عن حميد # عن أنس # أن النبى قال ( دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر ( ~~فقالوا لشاب من قريش فظننت أنى أنا هو فقلت ومن هو قالوا عمر بن الخطاب ( ~~واللفظ لإبن مطيع توفى # في شعبان سنة 675 ( ### || الحديث الثانى عشر # ( # أخبرنا الفقيه الإمام العالم العامل زين الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد ~~بن ابى الفرج بن ابى طاهر بن محمد بن نصر عرف بإبن السديد PageV18P089 ~~الأنصارى الحنفى قراءة عليه في رجب سنة 675 اخبرنا ابواليمن زيد إبن الحسن ~~بن زيد الكندى ms5531 قراءة عليه وأخبرتنا زينب بنت مكى قالت اخبرنا أبو حفص إبن ~~طبرزذ # قالا اخبرنا القاضي ابوبكر محمد بن عبدالباقى بن محمد بن الأنصارى أخبرنا ~~أبو الحسن على بن إبراهيم بن عيسى الباقلانى حدثنا ابوبكر أحمد بن جعفر بن ~~حمدان بن مالك القطيعى حدثنا محمد بن موسى القرشى حدثنا عون بن عمارة حدثنا ~~حميد الطويل عن أنس بن مالك قال # قال رسول الله ( الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار ( # توفى في جمادى الأولى سنة 677 وله ثلاث وسبعون سنة ( ### || الحديث الثالث عشر # ( # أخبرنا الشيخ الإمام المقرئ الرئيس الفاضل كمال الدين أبو إسحاق إبراهيم ~~بن أحمد بن إسماعيل بن فارس التميمى السعدى قراءة عليه وأنا أسمع في رمضان ~~سنة 674 أخبرنا أبواليمن زيد بن الحسن بن زيد PageV18P090 الكندى أخبرنا ~~القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقى الأنصارى أخبرنا أبو الحسين محمد بن ~~أحمد بن حسنون النرسى سنة 455 اخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص ~~حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوى حدثنا شريح بن يونس ومحمد بن ~~يزيد الأدمى وإبن البزار وهارون بن عبد الله قالوا حدثنا معن عن معاوية بن ~~صالح عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عقبة بن عامر الجهنى قال # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ~~والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة ( # أخبرنا ه عاليا بدرجة ويوافقه أحمد بن عبدالدائم أخبرنا إبن كليب أخبرنا ~~إبن بيان حدثنا إبن مخلد أخبرنا الصفار حدثنا إبن عرفة حدثنا إسماعيل بن ~~عياش عن بحير ( فذكره ( مولده سنة 596 وتوفى في صفر سنة 676 ( ### || الحديث الرابع عشر # ( # أخبرنا الإمام المسند زين الدين أبو العباس أحمد بن أبى الخير سلامة بن ~~إبراهيم بن سلامة بن الحداد الدمشقى بقراءتى عليه وأنا PageV18P091 أسمع في ~~ربيع الأول سنة 675 قلت له أخبرك أبوسعيد خليل إبن أبى الرجاء بن ابى الفتح ~~الرارانى اجازة وقرىء على والدى وأنا اسمع بحران سنة 666 أخبرك يوسف بن ~~خليل اخبرنا الرارانى أخبرنا أبوعلى ms5532 الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد أخبرنا ~~أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الحافظ أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~يوسف بن خلاد حدثنا الحارث بن ابى اسامة حدثنا عبد الله بن بكر حدثنا حميد ~~عن أنس قال # رأى رسول الله حبلا ممدودا بين ساريتين من سوارى المسجد قال ( ما هذا ~~الحبل ( قالوا ( يا رسول الله فلانة تصلى ما عقلت فإذا غلبت أخذت به قال ( ~~فلتصل ما عقلت فإذا غلبت فلتنم # مولده في ربيع الاول سنة 609 وتوفى في يوم عاشوراء سنة 678 ( ### || الحديث الخامس عشر # ( # اخبرنا العدل المسند أمين الدين أبو محمد القاسم بن ابى بكر إبن قاسم بن ~~غنيمة الأربلى وأبو بكر إبن عمر بن يونس المزى الحنفى PageV18P092 وابو عبد ~~الله محمد بن محمد بن سليمان العامرى قراءة عليهم وانا أسمع سنة 677 # قال الأول أخبرنا أبوالحسن المؤيد عن محمد بن الفضل بن أحمد الفراوى # وقال الآخران أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن الحرستانى قراءة عليه ~~أخبرنا الفراوي أجازة أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر إبن محمد بن عبد الغافر ~~الفارسى أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى إبن عمروية الجلودى أخبرنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج القشيرى حدثنا خلف بن هشام ~~وابو الربيع الزهرانى وقتيبة بن سعيد كلهم عن حماد # قال خلف حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن زياد حدثنا أبو هريرة قال # قال محمد صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ( أما يخشى الذى يرفع ~~رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار ( # ولد الأربلى في سنة 595 أو قبلها باربل وتوفى في جمادى الأولى سنة 680 ~~وولد المزى سنة 593 وتوفى في شعبان سنة PageV18P093 ( ### || الحديث السادس عشر # ( # أخبرنا الشيخ الإمام العالم قاضى القضاة شمس الدين ابومحمد عبد الله بن ~~محمد بن عطاء بن حسن الحنفى قراءة عليه وانا اسمع في سنة 667 وابو العباس ~~إبن علان وابو العباس إبن شيبان قالوا أخبرنا أبو على حنبل ms5533 بن عبد الله بن ~~الفرج الرصافى قراءة عليه أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد ~~الواحد بن الحصين الشيبانى أخبرنا أبو على الحسن بن على بن محمد بن المذهب ~~التميمى أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعى حدثنا أبو ~~عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانى ~~رضى الله عنه حدثنى أبى أحمد بن محمد حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار ~~سمعت عمر يقول # قال رسول الله ( من إقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو كلب قنص نقص من أجره كل ~~يوم قيراطان PageV18P094 مولده سنة 595 وتوفى في جمادى الأولى سنة 673 ( ### || الحديث السابع عشر # ( # أخبرنا الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد قاضى القضاة شمس الدين أبو ~~محمد عبد الرحمن بن أبى عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى الحنبلى ~~قراءة عليه وأنا أسمع في شعبان سنة 667 بقاسيون وإبن شيبان وبن العسقلانى ~~وبن الحموى قالوا أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ أخبرنا أبوالقاسم ~~هبة الله بن محمد بن عبد الواحد إبن الحصين أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد ~~بن إبراهيم بن غيلان البزاز أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم ~~الشافعى حدثنا محمد بن سلمة الواسطى حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سليمان ~~التيمي عن أبى عثمان النهدى عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال # كنا مع رسول الله وكان القوم يصعدون عقبة أو ثنية فإذا صعد الرجل قال ( ~~لا إله إلا الله والله أكبر ( قال أحسبه قال بأعلى صوته ورسول الله على ~~بغلته يعرضها في الجبل فقال النبى ( يا أبا موسى PageV18P095 أنكم لا ~~تنادون اصم ولا غائبا ( ثم قال ( يا عبد الله بن قيس أو يا أبا موسى ألا ~~أدلك على كلمة من كنوز الجنة ( قال ( قلت بلى يا رسول الله ( قال ( قل ~~لاحول ولا قوة إلا بالله ( مولده سنة 597 وتوفى في سنة 682 ( ### || الحديث الثامن عشر # ( # أخبرنا المسند ms5534 الأصيل العدل مجد الدين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن ~~عثمان بن المظفر بن هبة الله بن عساكر الدمشقى قراءة عليه وأنا اسمع في ~~شعبان سنة 667 أخبرنا الحافظ أبو محمد القاسم بن على إبن الحسن بن هبة الله ~~بن عساكر قراءة عليه أخبرنا أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومى التاجر مولى ~~إبن البخارى قراءة عليه # واخبرتنا زينب بنت مكى وإسماعيل بن العسقلانى قالا أخبرنا إبن طبرزذ ~~اخبرنا القاضي أبو بكر الأنصارى وأبوبكر أحمد بن الأشقر الدلال وأبوغالب ~~محمد بن أحمد بن قريش وأبو بكر أحمد بن دحروج # قالوا جميعهم أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن ~~PageV18P096 هزار مرد الصريفينى قراءة عليه حدثنا أبو طاهر محمد بن عبد ~~الرحمن بن العباس المخلص إملاء في شعبان سنة 393 حدثنا أبو القاسم عبد الله ~~بن محمد بن البغوى حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا مبارك إبن فضالة حدثنا الحسن ~~عن أنس قال # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جانب خشبة مسندا ~~ظهره إليها فلما كثر الناس قال ( إبنوا لى منبرا له عتبتان فلما قام على ~~المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول الله قال أنس وأنا في المسجد فسمعت الخشبة ~~تحن حنين الواله فما زالت تحن حتى نزل إليها فإحتضنها فسكتت ) # وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال يا عباد الله الخشبة تحن إلى ~~رسول الله شوقا إليه لمكانه من الله عز وجل فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه ~~مولده سنة 587 وتوفى في ذى القعدة سنة 699 ( ### || الحديث التاسع عشر # ( # أخبرنا الشيخ الإمام الصدر الرئيس شمس الدين أبو الغنائم المسلم إبن محمد ~~بن المسلم بن علان القيسى قراءة عليه وأنا اسمع في سنة PageV18P097 680 ~~وأبو الحسن بن البخارى قالا أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندى ~~قراءة عليه أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقى بن محمد الأنصارى ~~حدثنا أبومحمد الحسن بن على بن محمد إبن الحسن ms5535 الجوهرى إملاء أخبرنا أبو ~~بكر أحمد بن جعفر بن حمدان إبن مالك القطيعى حدثنا بشر بن موسى حدثنا أبو ~~نعيم حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال # قال رسول الله ( قال الله عز وجل الصوم لى وانا أجزى به يدع شهوته وأكله ~~وشربه من أجلى والصوم جنة وللصائم فرحتان فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى ~~الله عز وجل ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ( # ولد سنة 594 وتوفى في سادس ذى الحجة سنة 680 ( ### || الحديث العشرون # ( # أخبرنا الرئيس عماد الدين أبومحمد عبد الرحمن بن أبى الصعر إبن السيد بن ~~الصانع الأنصارى قراءة عليه وأنا اسمع في سنة PageV18P098 وأبو العز يوسف ~~بن يعقوب بن المجاور والمسلم بن علان قالوا أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن ~~بن زيد الكندى قراءة عليه أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق ~~القزاز الشيبانى قراءة عليه أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن على بن ثابت ~~الخطيب البغدادى أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدى ~~حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملى حدثنا أبو موسى محمد ~~بن المثنى حدثنا إبن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها ~~أن النبى لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها ( رواه البخارى ~~ومسلم وأبوداود والترمذى والنسائى عن أبى موسى توفى في رمضان سنة 679 ( ### || الحديث الحادى والعشرون # ( # أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علوى بن ~~الحسين الدرجى القرشى قراءة عليه وأنا اسمع في رجب سنة PageV18P099 أخبرنا ~~أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر بن أبى الفتح الصيدلانى اجازة أخبرنا أبو على ~~الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد ~~بن إسحاق الحافظ أخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال ~~سمعت سفيان بن عيينة يقول ( حدثنا ( عاصم عن زر قال # أتيت صفوان بن ms5536 عسال المرادى فقال لى ما جاء بك قلت جئت إبتغاء العلم قال ~~فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب قلت حك في نفسى أو صدرى ~~مسحا على الخفين بعد الغائط والبول فهل سمعت من رسول الله في ذلك شيئا قال ~~نعم كان يأمرنا إذا كنا سفرا أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة ايام ~~ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط أو بول أو نوم قلت هل سمعته يذكر الهدى ~~قال نعم بينا نحن معه في مسير إذ ناداه اعرابى بصوت له جهورى فقال يا محمد ~~فأجابه على نحو من كلامه هاؤم قال أرأيت رجلا يحب قوما ولم يلحق بهم قال ~~المرء مع من أحب ثم لم يزل يحدثنا أن من قبل المغرب بابا يفتح الله عز وجل ~~للتوبة مسيرة عرضه أربعون سنة ولا يغلق حتى تطلع الشمس من قبله وذلك قول ~~الله @QB@ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها @QE@ ( الآية ولد ~~سنة 599 وتوفى في صفر سنة PageV18P100 ( ### || الحديث الثانى والعشرون # ( # أخبرنا نجيب الدين أبوالمرهف المقداد بن أبى القاسم هبة الله إبن المقداد ~~بن على القيسى قراءة عليه وانا اسمع أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود ~~بن المبارك بن الأخضر قراءة عليه أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقى ~~الأنصاري أخبرنا أبواسحاق البرمكى اخبرنا أبو محمد بن ماسى حدثنا أبو مسلم ~~الكجى حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى حدثنى سليمان التيمي عن أنس بن مالك ~~قال # قال رسول الله لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام أو قال ثلاث ليال ( ### || الحديث الثالث والعشرون # ( # أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن عامر بن أبى بكر الغسولى بقراءتى ~~عليه في سنة 682 أخبرنا أبو البركات داود بن أحمد بن محمد إبن ملاعب قراءة ~~عليه أخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف PageV18P101 الأرموى قراءة عليه ~~أخبرنا أبو الغنائم عبد الصمد بن على بن محمد إبن المأمون أخبرنا أبوالحسن ~~على بن عمر بن أحمد بن مهدى الدارقطنى حدثنا ms5537 عبد الله بن محمد بن عبد ~~العزيز البغوى حدثنا صالح إبن حاتم بن وردان حدثنا المعتمر بن سليمان حدثنى ~~عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال # قلت ( يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ومنعت فلانا وهو مؤمن ( قال ( أو ~~مسلم ( # توفى في جمادى الآخرة سنة 684 وقد قارب الثمانين ( ### || الحديث الرابع والعشرون # ( # أخبرنا الشيخ فخر الدين أبوالحسن على بن أحمد بن عبد الواحد إبن أحمد بن ~~عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن البخارى المقدسى قراءة عليه وأنا اسمع ~~سنة 681 والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبى عمر سنة 667 أخبرنا أبو ~~المحاسن محمد بن كامل بن أحمد التنوخى قراءة عليه أخبرنا أبو محمد طاهر بن ~~سهل بن بشر الأسفرائينى أخبرنا أبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمد بن ~~إبراهيم الحنائى PageV18P102 حدثنا أبو الحسن عبد الوهاب بن الوليد بن موسى ~~بن راشد بن خالد إبن يزيد بن عبد الله الكلابى من لفظه أخبرنا أبو بكر محمد ~~بن خريم بن مروان العقيلى قراءة عليه وأنا أسمع أخبرنا أبو الوليد هشام بن ~~عمار بن نصير بن ميسرة السلمى حدثنا مالك بن أنس حدثنا إسحاق بن عبد الله ~~بن أبى طلحة عن أنس بن مالك # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح ~~جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ( # رواه البخارى عن القعنبى عن مالك ولد في سلخ سنة 595 وتوفى في ربيع الآخر ~~سنة 690 ### || الحديث الخامس والعشرون # ( # أخبرنا أبو العباس أحمد بن شيبان بن تغلب بن حيدرة الشيبانى قراءة عليه ~~وأنا أسمع سنة 684 أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادى قراءة ~~عليه أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء قراءة ~~عليه ونحن نسمع أخبرنا أبو محمد الحسن بن على بن محمد بن الحسن بن عبد الله ~~الجوهرى قراءة عليه PageV18P103 في رمضان سنة 452 أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~جعفر ms5538 بن حمدان بن مالك القطيعى قراءة عليه وأنا حاضر أسمع حدثنا أبو على ~~بشر بن موسى بن صالح الأسدى حدثنا أبو نعيم حدثنا الأعمش عن شقيق إبن سلمة ~~قال قال عبد الله رضى الله عنه # كنا إذا صلينا خلف النبى قلنا ( السلام على الله دون عباد الله السلام ~~على جبريل وميكائيل السلام على فلان وعلى فلان ( فإلتفت إلينا النبى فقال ( ~~الله هو السلام فإذا صلى أحدكم فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام ~~عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ( # أخرجه البخارى وأخرجه مسلم عن إبن المثنى عن غندر عن شعبة عن منصور ~~كلاهما عن شقيق # مولده سنة 599 وتوفى في صفر سنة PageV18P104 ### || الحديث السادس والعشرون # أخبرنا أبو يحيى إسماعيل بن أبى عبد الله بن حماد بن عبد الكريم ~~العسقلانى بقراءتى عليه في سنة 681 وأبو العباس إبن شيبان والجمال أحمد بن ~~أبى بكر الحموى وأبو الحسن إبن البخارى وعلى بن محمود بن شهاب قالوا أخبرنا ~~أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادى قراءة عليه أخبرنا هبة الله بن محمد ~~بن الحصين الشيبانى اخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان ~~البزار اخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعى أخبرنا ~~ابوالحسن على إبن الحسن بن عبدويه الجرار حدثنا عبد الله بن بكر السهمى ~~حدثنا حميد عن أنس قال # كان رسول الله في طريق ومعه أناس من أصحابه فعرضت له إمرأة فقالت ( ~~يارسول الله لى إليك حاجة ( فقال ( يا أم فلان إجلسى في أدنى نواحى السكك ~~حتى أجلس إليك ( ففعلت فجلس إليها حتى قصت حاجتها ( # رواه أحمد عن عبد الله بن بكر PageV18P105 سمع بن العسقلاني في الرابعة ~~سنة 599 وتوفى في رمضان سنة 682 ومولد إبن شهاب في سنة 595 وتوفى في رمضان ~~سنة 680 ( ### || الحديث السابع والعشرون # ) # أخبرنا الشيخ الجليل الصالح كمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد ms5539 الملك ~~بن يوسف بن قدامة المقدسى قراءة عليه وأنا أسمع في صفر سنة 680 وأبو العباس ~~إبن شيبان أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادى قراءة عليه اخبرنا ~~القاضي أبو بكر محمد بن عبدالباقى بن محمد البزار وأبو المواهب أحمد ( بن ~~محمد ( بن عبد الملك بن ملوك الوراق قالا أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن ~~عبد الله الطبرى أخبرنا محمد بن أحمد بن الغطريف حدثنا أبو خليفة حدثنا ~~مسلم بن إبراهيم عن هشام وشعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن إبن عباس قال # قال رسول الله ( العائد في هبته كالعائد في قيئة ( متفق عليه # ولد في حدود سنة 598 وتوفى في جمادى الأولى سنة PageV18P106 ( ### || الحديث الثامن والعشرون # ( # أخبرنا الشيخ الثقة زين الدين أبو بكر محمد بن أبى طاهر إسماعيل إبن عبد ~~الله بن عبدالمحسن الأنماطى قراءة عليه وأنا أسمع في رجب سنة 668 وأبو حامد ~~إبن الصابونى والرشيد محمد بن محمد العامرى قالوا أخبرنا أبو القاسم عبد ~~الصمد بن محمد بن أبى الفضل الحرستانى أخبرنا أبو محمد طاهر بن سهل بن بشر ~~الأسفرائينى أخبرنا أبو الحسين محمد بن بكر بن عثمان الأزدى أخبرنا أبو ~~الحسن أحمد بن عبد الله بن زريق بإنتقاء خلف الحافظ حدثنا أبو محمد عبد ~~الرحمن إبن أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين المهدى قراءة عليه حدثنا أبو ~~عمرو الحارث بن مسكين حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه # ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إقتلوا الحيات وذا الطفيتين ~~والأبتر فإنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل ( # وكان إبن عمر يقتل كل حية فرآه أبولبابة أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حية ~~فقال له قد نهى عن دواب البيوت PageV18P107 # أخبرنا به هبة الله بن محمد الحارثى والشيخ شمس الدين إبن أبى عمر واحمد ~~بن شيبان قالوا أخبرنا إبن ملاعب أخبرنا الأرموى أخبرنا أبو القاسم إبن ~~البسرى أخبرنا أبوأحمد الفرضى حدثنا أبوبكر المطيرى أخبرنا بشر بن مطر ~~حدثنا سفيان ( فذكره ( ولد ms5540 سنة 609 وتوفى في ذى الحجة سنة 684 بالقاهرة ( ### || الحديث التاسع والعشرون # ( # أخبرنا الإمام شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الملك بن ~~عثمان بن عبد الله بن سعد المقدسى سنة 681 وأبو العباس إبن شيبان وإسماعيل ~~بن العسقلانى قال الاولان أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندى ~~وقال الآخران أخبرنا أبو حفص بن طبرزذ قالا أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن ~~عبد الباقى بن محمد الأنصارى أخبرنا أبوالقاسم عمر بن الحسين بن إبراهيم بن ~~محمد الخفاف قراءة عليه وأنا أسمع سنة 447 أخبرنا أبوالفضل عبد الله بن عبد ~~الرحمن بن محمد الزهري قراءة عليه في سنة 373 حدثنا محمد PageV18P108 إبن ~~هارون حدثنا محمد بن سليمان بن حبيب حدثنا سعيد بن راشد عن عطاء عن إبن عمر # عن النبى قال ( لا يقيم إلا من أذن ( # مولده سنة 606 وتوفى في ذى القعدة سنة 689 ( ### || الحديث الثلاثون # أخبرنا الأصيل المسند نجم الدين أبو العز يوسف بن يعقوب بن محمد بن على ~~المجاور الشيبانى قراءة عليه وأنا أسمع في المحرم سنة 680 والمسلم بن علان ~~قالا اخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندى قراءة عليه اخبرنا أبو ~~منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق القزاز الشيبانى اخبرنا الحافظ أبو بكر ~~أحمد بن على بن ثابت الخطيب اخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن ~~المؤدب حدثنى على بن الحسن بن المثنى العنبرى بأستراباد حدثنا أبو بكر محمد ~~بن جعفر بن سعيد الجوهرى البغدادى بأرجان حدثنا الحسن بن عرفة # قال الخطيب وأخبرنا أبو عمر بن مهدى وجماعة قالوا أخبرنا إسماعيل بن محمد ~~الصفار حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن PageV18P109 عياش حدثنا موسى ~~بن عقبة عن نافع عن إبن عمر رضى الله عنهما قال # قال رسول الله ( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن ( # لفظ حديث الجوهرى رواه الترمذى عن إبن عرفة وإبن حجر ورواه إبن ماجه عن ~~هشام بن عمار كلهم عن إسماعيل ms5541 # واخبرنا عاليا أحمد بن عبدالدائم قراءة عليه أخبرنا [ أبو ] الفرج إبن ~~كليب أخبرنا أبو القاسم إبن بيان أخبرنا أبو الحسن إبن مخلد أخبرنا الصفار ~~( فذكره ) مولده في سنة 601 وتوفى في ذى القعدة سنة 690 ( ### || الحديث الحادى والثلاثون # ( # أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ جمال الدين أبو حامد محمد بن على بن محمود بن ~~أحمد بن على بن الصابونى قراءة عليه وأنا أسمع في رمضان سنة 668 أخبرنا أبو ~~القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل PageV18P110 الحرستانى قراءة عليه ~~أخبرنا جمال الإسلام أبو الحسن على بن المسلم إبن محمد بن على بن الفتح ~~السلمى سنة 526 أخبرنا أبو عبد الله الحسن إبن أحمد بن عبد الواحد بن محمد ~~بن أبى الحديد أخبرنا أبوالحسن على بن موسى بن الحسين أخبر نا أبو القاسم ~~على بن يعقوب بن إبراهيم إبن أبى الصعب حدثنا أبوزرعة عبد الرحمن بن عمرو ~~بن عبد الله بن صفوان البصرى حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا الوليد بن ~~مسلم عن الأوزاعى قال سألت الزهري عن التى إستعاذت من رسول الله فقال ~~أخبرنى عروة عن عائشة # أن رسول الله لما أتى بابنة الجون فدنا منها قالت ( أعوذ بالله منك ) قال ~~( الحقى باهلك تطليقة ( # قال أبو زرعة لم يروه من الأئمة في الحديث غير الأوزاعى مولده سنة 604 ~~وتوفى في ذى القعدة سنة 680 ( ### || الحديث الثانى والثلاثون # ( # أخبرنا الجمال أحمد بن أبى بكر بن سليمان الواعظ إبن الحموى بقراءتى عليه ~~وأنا اسمع في رجب سنة 680 وقراءة عليه في سنة 681 أيضا PageV18P111 # أخبرنا أبو محمد عبد الجليل بن ابى غالب بن أبى المعالى بن مندويه قراءة ~~عليه وأنا أسمع في سنة 610 أخبرنا أبو المحاسن أحمد بن محمد بن عبد الله ~~إبن النقور البزار قراءة عليه أخبرنا أبوالقاسم عبيد الله بن محمد بن إسحاق ~~إبن حبابة حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوى في سنة ~~315 حدثنا أبو عثمان طالوت بن عباد الصيرفى من كتابه حدثنا فضال ms5542 إبن جبير ~~سمعت أبا أمامة الباهلى يقول # سمعت رسول الله يقول ( اكفلوا لى بست اكفل لكم بالجنة إذا حدث أحدكم فلا ~~يكذب وإذا أؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم ~~وإحفظوا فروجكم ( ولد في حدود سنة ستمائة وتوفى في ذى الحجة سنة 687 ( ### || الحديث الثالث والثلاثون # أخبرنا الشيخ الأمين الصدوق شمس الدين أبو غالب المظفر بن عبد الصمد بن ~~خليل الأنصارى قراءة عليه وأنا أسمع في جمادى الآخرة سنة 684 وابو محمد عبد ~~الرحمن بن أحمد بن عباس الفاقوسى وأبو عبد الله ( محمد ) بن محمد بن سليمان ~~العامرى أخبرنا القاضي أبوالقاسم PageV18P112 عبد الصمد بن محمد بن أبى ~~الفضل بن الحرستاني أخبرنا أبو محمد طاهر بن سهل بن بشر بن أحمد ~~الأسفرائينى أخبرنا أبو الحسين محمد إبن مكى بن عثمان بن عبد الله الأزدى ~~المصرى حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن العباس الأخميمى بإنتقاء عبد الغنى ~~بن سعيد حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة حدثنا يونس بن عبد الأعلى ~~حدثنا عبد الله بن وهب حدثنى طلحة بن أبى سعيد أن سعيدا المقبرى حدثه عن ~~أبى هريرة # عن رسول الله قال ( من إحتبس فرسا في سبيل الله عز وجل إيمانا بالله ~~وتصديق موعود الله كان شبعه وريه وروثه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة ~~( توفى في جمادى الأولى سنة 688 وعمره إثنان وثمانون سنة # وتوفى الفاقوسى في شعبان سنة 682 وله خمس وسبعون سنة ( ### || الحديث الرابع والثلاثون # ( # أخبرنا الشيخ الإمام محيى الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد ~~بن أبى عصرون التميمى بقراءتى عليه وأنا اسمع سنة 682 وأبو حامد الصابونى # قالا أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل الحرستانى أخبرنا ~~أبو محمد طاهر بن سهل الأسفرائنيى أخبرنا أبو الحسين محمد بن مكى الأزدى ~~أخبرنا القاضي أبو الحسين على بن محمد إبن إسحاق بن يزيد الحلبى سنة 390 ~~حدثنا أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد القاضي حدثنا عبد ms5543 الرحمن بن جابر ~~الكلاعي حدثنا يحيى PageV18P113 بن صالح الوحاظى حدثنا العلاء بن سليمان عن ~~الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال # قال رسول الله ( إن الله لا يقبض العلم إنتزاعا ينتزعه من الناس ولكن ~~يقبض العلماء فإذا لم يبق عالما إتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير ~~علم فضلوا وأضلو ( # وأخبرناه عاليا أبو الحسن إبن البخارى اخبرنا إبن طبرزذ أخبرنا القاضي ~~أبو بكر أخبرنا على بن إبراهيم الباقلانى حدثنا محمد إبن إسماعيل الوراق ~~إملاء حدثنا أبوبكر محمد بن محمد بن سليمان الواسطى حدثنا سويد بن سعيد ~~حدثنا مالك بن أنس وحفص إبن ميسرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن ~~عمرو ( فذكره PageV18P114 أخرجه البخارى ومسلم من حديث هشام مولده سنة 599 ~~وتوفى في ثالث ذى القعدة سنة 682 ( ### || الحديث الخامس والثلاثون # ( # أخبرنا أقضى القضاة نفيس الدين أبو القاسم هبة الله بن محمد بن على بن ~~جرير الحارثى الشافعى قراءة عليه وانا أسمع في سنة 679 والشيخ شمس الدين ~~عبد الرحمن بن أبى عمر واحمد إبن شيبان # قالوا اخبرنا أبو البركات داود بن أحمد بن ملاعب البغدادى قراءة عليه ~~أخبرنا الإمام أبوالفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموى قراءة عليه وأنا أسمع ~~سنة 546 أخبرنا أبو القاسم على بن أحمد بن محمد بن البسرى سنة 465 أخبرنا ~~أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أحمد بن ابى مسلم الفرضى حدثنا أبو بكر محمد ~~بن جعفر بن أحمد المطيرى سنة 333 أخبرنا أبو أحمد بشر بن مطر الواسطى بسر ~~من رأى حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه PageV18P115 عن ~~النبى قال ( لا حسد إلا في إثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء ~~الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ~~في حقه ( # توفى في صفر سنة 680 وله ثلاث وسبعون سنة ( ### || الحديث السادس والثلاثون # ( # أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الكمال عبد ~~الرحيم ms5544 بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن وشمس الدين عبد الرحمن بن ~~الزين أحمد بن عبد الملك المقدسيان قراءة عليهما وأنا أسمع في سنة 681 قالا ~~أخبرنا الشريف أبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن عمرون البكرى قراءة عليه ~~أخبرنا أبوالأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد بن أبى القاسم عبدالكريم بن ~~هوازن القشيرى أخبرنا جدى أخبرنا أبو الحسين الخفاف أخبرنا أبوالعباس ~~السراج حدثنا قتيبة إبن سعيد حدثنا الليث عن نافع عن إبن عمر عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال PageV18P116 ( إن الذى تفوته صلاة العصر فكأنما وتر ~~أهله وماله ( ولد في سنة 607 وتوفى في جمادى الأولى سنة 688 # ( ### || الحديث السابع والثلاثون # ( # أخبرتنا الشيخة الصالحة أم الخير ست العرب بنت يحيى بن قايماز إبن عبد ~~الله التاجية الكندية قراءة عليها وأنا أسمع في رمضان سنة 681 وأبو العباس ~~إبن شيبان وإبن العسقلانى وأبو الحسن إبن البخارى قالوا أخبرنا أبو حفص عمر ~~بن محمد بن طبرزذ قراءة عليه ونحن نسمع أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن ~~أحمد بن عبد الله بن البناء قراءة عليه وأنا أسمع سنة 524 أخبرنا أبو محمد ~~ألحسن بن على إبن محمد بن الحسن الجوهرى قراءة عليه أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~جعفر بن حمدان بن مالك القطيعى حدثنا محمد بن يونس بن موسى حدثنا أبو عاصم ~~النبيل عن حنظلة بن أبى سفيان عن القاسم عن عائشة # ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من جنابة فيأخذ PageV18P117 ~~حفنة لشق رأسه الأيمن ثم يأخذ حفنة لشق رأسه الأيسر ( # أخرجه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى عن أبى موسى الزمن عن أبى عاصم # ولدت في سنة 599 وتوفيت سنة 684 ( ### || الحديث الثامن والثلاثون # ( # أخبرتنا الشيخة الجليلة الأصيلة أم العرب فاطمة بنت أبى القاسم على إبن ~~أبى محمد القاسم بن أبى القاسم على بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن ~~الحسين بن عساكر قراءة عليها وأنا أسمع في رمضان سنة 681 وأبو العباس إبن ms5545 ~~شيبان وست العرب بنت يحيى بن قايماز # قالوا أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ قراءة عليه ونحن نسمع أخبرنا ~~أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن الحصين الشيبانى ~~قراءة عليه أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان قراءة عليه ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكى النيسابورى قراءة عليه في ~~سنة 354 أخبرنا أبو القاسم محمد بن PageV18P118 إسحاق حدثنا قتيبة بن سعيد ~~حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال # مطرنا مع رسول الله فحسر عن رأسه حتى أصابه المطر فقلت له لم صنعت هذا يا ~~رسول الله قال ( إنه حديث عهد بربه عز وجل ( # ولد ت سنة 598 وتوفيت في شعبان سنة 683 ( ### || الحديث التاسع والثلاثون # أخبرتنا الصالحة العابدة المجتهدة أم أحمد زينب بنت مكى بن على بن كامل ~~الحرانى وأحمد بن شيبان وإسماعيل بن العسقلانى وفاطمة بنت على بن عساكر ~~قراءة عليهم # قالوا أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادى أخبرنا أبو غالب ~~أحمد بن الحسن بن أحمد بن البناء أخبرنا أبو محمد الحسن بن على بن محمد ~~الجوهرى أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعى قراءة عليه ~~حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله بن PageV18P119 مسلم البصرى حدثنا ~~سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عدى بن ثابت سمعت البراء قال # لما مات إبراهيم بن رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( له ~~موضع في الجنة ( # رواه البخارى عن سلمان بن حرب # ولدت في سنة 598 وتوفيت في شوال سنة 688 ( ### || الحديث الأربعون # ( # أخبرتنا الشيخة الصالحة أم محمد زينب بنت أحمد بن عمر بن كامل المقدسية ~~قراءة عليها وأنا أسمع سنة 684 وأبو عبد الله إبن بدر وأبو العباس إبن ~~شيبان وإبن العسقلانى # قالوا أخبرنا بن طبرزذ أخبرنا إبن البيضاوى والقزاز وإبن يوسف قالوا ~~أخبرنا إبن المسلمة أخبرنا المخلص أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ~~حدثنا ms5546 الحسن بن إسرائيل النهر تيرى حدثنا عيسى بن يونس عن أسامة بن زيد عن ~~سليمان بن يسار عن أم PageV18P120 سلمة زوج النبى قالت # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من غير إحتلام ثم يتم صومه ~~ولدت سنة 601 وتوفيت في شوال سنة PageV18P121 ### |||| سئل شيخ الإسلام # عما يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل قال ( ما وسعنى لا ~~سمائى ولا أرضى ولكن وسعنى قلب عبدى المؤمن ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله هذا ما ذكروه في الإسرائيليات ليس له إسناد معروف عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم ومعناه وسع قلبه محبتى ومعرفتى وما يروى القلب بيت الرب هذا ~~من جنس الأول فإن القلب بيت الإيمان بالله تعالى ومعرفته ومحبته # وما يرووه كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فعرفتهم بى فبى ~~عرفونى هذا ليس من كلام النبى صلى الله عليه وسلم ولا أعرف له إسنادا صحيحا ~~ولا ضعيفا # وما يرووه عن النبى ( إن الله خلق العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له ~~أدبر فأدبر فقال وعزتى PageV18P122 وجلالى ما خلقت خلقا أشرف منك فبك آخذ ~~وبك أعطى ( هذا الحديث باطل موضوع بإتفاق أهل العلم بالحديث # وما يرووه ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ( هذا معروف عن جندب بن عبد الله ~~البجلى وأما عن النبى فليس له إسناد معروف # وما يرووه ( الدنيا خطوة رجل مؤمن ( هذا لا يعرف عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم ولا غيره من سلف الأمة ولا أئمتها # وما يرووه ( من بورك له في شيء فليلزمه ومن ألزم نفسه شيئا لزمه ( الأول ~~يؤثر عن بعض السلف والثانى باطل فإن من ألزم نفسه شيئا قد يلزمه وقد لا ~~يلزمه بحسب ما يأمر به الله ورسوله # وما يرووه عن النبى ( إتخذوا مع الفقراء أيادى فإن لهم في غد دولة واى ~~دولة ( الفقر فخرى وبه إفتخر ( كلاهما كذب لا يعرف في شيء من كتب المسلمين ~~المعروفة # وما يرووه عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنا مدينة العلم ms5547 وعلى بابها ( ~~هذا الحديث ضعيف بل موضوع عند أهل العلم بالحديث PageV18P123 ولكن قد رواه ~~الترمذى وغيره ورفع هذا وهو كذب # وما يرووه أنه يقعد الفقراء يوم القيامة ويقول وعزتى وجلالى ما زويت ~~الدنيا عنكم لهوانكم على ولكن أردت أن ارفع قدركم في هذا اليوم إنطلقوا إلى ~~الموقف فمن أحسن إليكم بكسرة أو سقاكم شربة ماء أو كساكم خرقة إنطلقوا به ~~إلى الجنة ( قال الشيخ الثانى كذب لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث وهو ~~باطل خلاف الكتاب والسنة والإجماع # وما يرووه عن النبى صلى الله عليه وسلم لما قدم إلى المدينة خرجن بنات ~~النجار بالدفوف وهن يقلن % طلع البدر علينا % من ثنيات الوداع % إلى آخر ~~الشعر فقال لهن رسول الله ( هزوا غرابيلكم بارك الله فيكم حديث النسوة وضرب ~~الدف في الأفراح صحيح فقد كان على عهد رسول الله وأما قوله ( هزوا غرابيلكم ~~( هذا لا يعرف عنه PageV18P124 وما يرووه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( اللهم أنك أخرجتنى من أحب البقاع إلى فأسكنى في أحب البقاع إليك ( ~~هذا حديث باطل كذب وقد رواه الترمذى وغيره بل أنه قال لمكة ( إنك أحب بلاد ~~الله إلى ( وقال ( إنك لأحب البلاد إلى الله ( # وما يرووه عن النبى صلى الله عليه وسلم ( من زارنى وزار أبى إبراهيم في ~~عام دخل الجنة ( هذا كذب موضوع ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث # وما يرووه عن على رضى الله عنه أن أعرابيا صلى ونقر صلاته فقال على لا ~~تنقر صلاتك فقال الأعرابى يا على لو نقرها أبوك ما دخل النار هذا كذب # وما يرووه عن عمر أنه قتل أباه هذا كذب فإن أباه مات قبل مبعث النبى # وما يرووه عن النبى ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ( وكنت وآدم لا ماء ~~ولا طين ( هذا اللفظ كذب باطل # وما يرووه ( العازب فراشه من نار مسكين رجل بلا امرأة ومسكينة امرأة بلا ~~رجل ( هذا ليس من كلام النبى PageV18P125 ولم يثبت عن إبراهيم الخليل عليه ~~السلام لما بنى ms5548 البيت صلى في كل ركن ألف ركعة فأوحى الله تعالى إليه ( يا ~~إبراهيم ما هذا سد جوعه أو ستر عورة ) هذا كذب ظاهر ليس هو في شيء من كتب ~~المسلمين # وما يرووه ( لا تكرهوا الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين ( هذا ليس معروفا ~~عن النبى # وما يرووه ( من علم أخاه آية من كتاب الله ملك رقه ( هذا كذب ليس في شيء ~~من كتب أهل العلم # وما يرووه عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أطلعت على ذنوب أمتى فلم أجد ~~اعظم ذنبا ممن تعلم آية ثم نسيها ( إذا صح هذا الحديث فهذا عنى بالنسيان ~~التلاوة ولفظ الحديث أنه قال ( يوجد من سيئات أمتى الرجل يؤتيه الله آية من ~~القرآن فينام عنها حتى ينساها والنسيان الذى هو بمعنى الإعراض عن القرآن ~~وترك الإيمان والعمل به وإما إهمال درسه حتى ينسى فهو من الذنوب ~~PageV18P126 # وما يرووه ( إن آية من القرآن خير من محمد وآل محمد القرآن كلام الله ~~منزل غير مخلوق فلا يشبه بغيره ( اللفظ المذكور غير مأثور وما يرووه عن ~~النبى ( من علم علما نافعا وأخفاه عن المسلمين الجمه الله يوم القيامة ~~بلجام من نار ( هذا معناه معروف في السنن عن النبى ( من سئل عن علم يعلمه ~~فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ( # وما يرووه عن النبى ( إذا وصلتم إلى ما شجر بين أصحابى فأمسكوا وإذا ~~وصلتم إلى القضاء والقدر فأمسكوا ( هذا مأثور بأسانيد منقطعة وما يرووه عن ~~النبى أنه قال لسلمان الفارسى وهو يأكل العنب دو دو يعنى عنبتين عنبتين هذا ~~ليس من كلام النبى وهو باطل # وما يرووه عن النبى ( من زنى بامرأة فجاءت منه ببنت فللزانى أن يتزوج ~~بإبنته من الزنى ( هذا يقوله من ليس من أصحاب الشافعى وبعضهم ينقله عن ~~الشافعى ومن أصحاب الشافعى من أنكر ذلك عنه وقال أنه لم يصرح بتحليل ذلك ~~ولكن صرح بحل ذلك من الرضاعة إذا رضع من لبن المرأة الحامل من الزنى وعامة ~~العلماء كأحمد وأبى حنيفة وغيرهما متفقون على تحريم ms5549 ذلك وهذا أظهر القولين ~~في مذهب مالك # وما يرووه ( أحق ما اخذتم عليه اجرة كتاب الله ( نعم ثبت PageV18P127 ذلك ~~أنه قال ( احق ما اخذتم عليه أجرة كتاب الله ( لكنه في حديث الرقية وكان ~~الجعل على عافية مريض القوم لا على التلاوة وهل يحرم إتخاذ أبراج الحمام ~~إذا طارت من الأبراج تحط على زراعات الناس وتأكل الحب فهل يحرم إتخاذ أبراج ~~الحمام في القرى والبلدان لهذا السبب نعم إذا كان يضر بالناس منع منه # وما يرووه عن النبى ( من ظلم ذميا كان الله خصمه يوم القيامة أو كنت خصمه ~~يوم القيامة ( هذا ضعيف لكن المعروف عنه أنه قال ( من قتل معاهدا بغير حق ~~لم يرح رائحة الجنة ( # وما يرووه عنه ( من أسرج سراجا في مسجد لم تزل الملائكة وحملة العرش ~~تستغفر له ما دام في المسجد ضوء ذلك السراج ( هذا لا أعرف له إسنادا عن ~~النبى PageV18P128 ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عن قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه عز وجل ( وما ترددت عن شيء ~~أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ( ما معنى ~~تردد الله ### |||| ( فأجاب ( # هذا حديث شريف قد رواه البخارى من حديث أبى هريرة وهو أشرف حديث روى في ~~صفة الأولياء وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا إن الله لا يوصف بالتردد ~~وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور والله أعلم بالعواقب وربما قال بعضهم ~~إن الله يعامل معاملة المتردد # والتحقيق أن كلام رسوله حق وليس أحد اعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة ~~منه ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه ~~من اضل الناس وأجهلهم واسوئهم أدبا بل يجب تأديبه وتعزيره ويجب أن يصان ~~كلام رسول صلى الله عليه PageV18P129 وسلم عن الظنون الباطلة والإعتقادات ~~الفاسدة ولكن المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة ~~الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا فإن الله ~~ليس كمثله ms5550 شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ثم هذا باطل فإن ~~الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب وتارة لما في الفعلين من ~~المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من ~~المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذى يحب من وجه ويكره من وجه كما قيل ~~% الشيب كره وكره أن أفارقه % فأعجب لشيء على البغضاء محبوب % وهذا مثل ~~إرادة المريض لدوائه الكريه بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة ~~التى تكرهها النفس هو من هذا الباب وفى الصحيح ( حفت النار بالشهوات وحفت ~~الجنة بالمكاره ( وقال تعالى ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ( الآية # ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث فإنه قال لا يزال ~~عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإن العبد الذى هذا حاله صار محبوبا للحق ~~محبا له يتقرب إليه أولا بالفرائض وهو PageV18P130 يحبها ثم إجتهد في ~~النوافل التى يحبها ويحب فاعلها فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق فأحبه ~~الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد إتفاق الإرادة بحيث يحب ما يحبه محبوبه ~~ويكره ما يكرهه محبوبه والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه فلزم من هذا أن ~~يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه # والله سبحانه وتعالى قد قضى بالموت فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه ~~فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده وهى ~~المساءة التى تحصل له بالموت فصار الموت مرادا للحق من وجه مكروها له من ~~وجه وهذا حقيقة التردد وهو أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه مكروها من ~~وجه وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين كما ترجح إرادة الموت لكن مع وجود ~~كراهة مساءة عبده وليس إرادته لموت المؤمن الذى يحبه ويكره مساءته كارادته ~~لموت الكافر الذى يبغضه ويريد مساءته # ثم قال بعد كلام سبق ذكره ومن هذا الباب ما يقع في الوجود من الكفر ~~والفسوق والعصيان فإن الله تعالى يبغض ذلك ms5551 ويسخطه ويكرهه وينهى عنه وهو ~~سبحانه قد قدره وقضاه وشاءه بإرادته الكونية وإن لم يرده بإرادة دينية وهذا ~~هو فصل الخطاب فيما تنازع فيه الناس من أنه سبحانه هل يأمر بمالا يريده ~~PageV18P131 # فالمشهور عند متكلمة أهل الإثبات ومن وافقهم من الفقهاء أنه يأمر بما لا ~~يريده وقالت القدرية والمعتزلة وغيرهم إنه لا يأمر إلا بما يريده # والتحقيق أن الإرادة في كتاب الله نوعان إرادة دينية شرعية وإرادة كونية ~~قدرية فالأول كقوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ( ~~وقوله تعالى ( ولكن يريد ليطهركم ( وقوله تعالى ( يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم ( إلى قوله ( والله يريد أن يتوب عليكم ( فإن ~~الإرادة هنا بمعنى المحبة والرضى وهى الإرادة الدينية وإليه الإشارة بقوله ~~@QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ وأما الإرادة الكونية القدرية ~~فمثل قوله تعالى ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ( ومثل قول المسلمين ما شاء ~~الله كان ومالم يشأ لم يكن فجميع الكائنات داخلة في هذه الإرادة والإشاءة ~~لا يخرج عنها خير ولا شر ولا عرف ولا نكر وهذه الإرادة والإشاءة تتناول ما ~~لا يتناوله الأمر الشرعى وأما الإرادة الدينية فهي مطابقة للأمر الشرعى لا ~~يختلفان وهذا التقسيم الوارد في إسم الإرادة يرد مثله في إسم الأمر ~~والكلمات والحكم والقضاء والكتاب والبعث PageV18P132 والإرسال ونحوه فإن ~~هذا كله ينقسم إلى كونى قدرى وإلى دينى شرعى # والكلمات الكونية هي التى لا يخرج عنها بر ولا فاجر وهى التى إستعان بها ~~النبى صلى الله عليه وسلم في قوله أعوذ بكلمات الله التامات التى لا ~~يجاوزهن بر ولا فاجر ( قال الله تعالى ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون ( # وأما الدينية فهي الكتب المنزلة التى قال فيها النبى ( من قاتل لتكون ~~كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ( وقال تعالى ( وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه ( # وكذلك الأمر الدينى كقوله تعالى ( إن الله يأمركم ms5552 أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها ( والكونية ( إنما أمره إذا أراد شيئا ( # والبعث الدينى كقوله تعالى ( هو الذى بعث في الأميين رسولا منهم ( والبعث ~~الكونى ( بعثنا عليكم عبادا لنا ( # والإرسال الدينى كقوله ( هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ( والكونى ~~( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا PageV18P133 وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع فما يقع في الوجود من المنكرات هي مرادة لله إرادة ~~كونية داخلة في كلماته التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر وهو سبحانه مع ذلك لم ~~يردها إرادة دينية ولا هي موافقة لكلماته الدينية ولا يرضى لعباده الكفر ~~ولا يأمر بالفحشاء فصارت له من وجه مكروهة ولكن هذه ليست بمنزلة قبض المؤمن ~~فإن ذلك يكرهه والكراهة مساءة المؤمن وهو يريده لما سبق في قضائه له بالموت ~~فلا بد منه وارادته لعبده المؤمن خير له ورحمة به فإنه قد ثبت في الصحيح ( ~~أن الله تعالى لا يقضى للمؤمن قضاءا إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر ~~فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ( # وأما المنكرات فإنه يبغضها ويكرهها فليس لها عاقبة محمودة من هذه الجهة ~~إلا أن يتوبوا منها فيرحمون بالتوبة وإن كانت التوبة لا بد أن تكون مسبوقة ~~بمعصية ولهذا يجاب عن قضاء المعاصى على المؤمن بجوابين ( أحدهما ( أن هذا ~~الحديث لم يتناولها وإنما تناول المصائب ( والثانى ( أنه إذا تاب منها كان ~~ما تعقبه التوبة ( خيرا ( فإن التوبة حسنة وهى من أحب الحسنات إلى الله ~~والله يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أشد ما يمكن أن يكون من الفرح وأما ~~المعاصى التى لا يتاب منها فهي شر على صاحبها والله سبحانه قدر كل شيء ~~وقضاه لما له في ذلك من PageV18P134 الحكمة كما قال ( صنع الله الذى أتقن ~~كل شيء ( وقال تعالى ( الذى أحسن كل شيء خلقه ( فما من مخلوق إلا ولله فيه ~~حكمة # ولكن هذا بحر واسع قد بسطناه في مواضع والمقصود هنا التنبيه على أن الشيء ~~المعين يكون محبوبا من وجه مكروها ms5553 من وجه وأن هذا حقيقة التردد وكما أن هذا ~~في الأفعال فهو في الأشخاص والله أعلم PageV18P135 ### || 1 ( شرح حديث أني حرمت الظلم ) 1 ### |||| ! 8 < ( سئل شيخ الإسلام ( # عن معنى حديث أبى ذر رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه فيما يروى ~~عن الله تبارك وتعالى أنه قال ( يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادى كلكم ضال إلا من هديته فإستهدونى أهدكم ~~يا عبادى كلكم جائع إلا من أطعمته فإستطعمونى أطعمكم يا عبادى كلكم عار إلا ~~من كسوته فإستكسونى أكسكم يا عبادى أنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر ~~الذنوب جميعا فإستغفرونى أغفر لكم يا عبادى أنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى ولن ~~تبلغوا نفعى فتنفعونى يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على ~~اتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا يا عبادى لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى ~~شيئا يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألونى ~~فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا ~~ادخل البحر يا عبادى إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم PageV18P136 ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله أما قوله تعالى ( يا ~~عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى ( ففيه مسألتان كبيرتان كل منهما ذات شعب ~~وفروع # ( إحداهما ( في الظلم الذى حرمه الله على نفسه ونفاه عن نفسه بقوله ( وما ~~ظلمناهم ( وقوله ( ولا يظلم ربك أحدا ( وقوله ( وما ربك بظلام للعبيد ( ~~وقوله ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ( وقوله قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن أتقى ولا تظلمون فتيلا ( ونفى إرادته بقوله ( ~~وما الله يريد ظلما للعالمين ( وقوله ( وما الله يريد ظلما للعباد ( ونفى ms5554 ~~خوف العباد له بقوله ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما ( # فإن الناس تنازعوا في معنى هذا الظلم تنازعا صاروا فيه بين طرفين ~~متباعدين ووسط بينهما وخيار الأمور أوساطها وذلك بسبب البحث في القدر ~~ومجامعته للشرع إ ذ الخوض في ذلك بغير علم تام أوجب ضلال عامة الأمم ولهذا ~~نهى النبى اصحابه عن التنازع فيه PageV18P137 # فذهب المكذبون بالقدر القائلون بأن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يرد أن ~~يكون إلا ما أمر بأن يكون وغلاتهم المكذبون بتقدم علم الله وكتابه بما ~~سيكون من أفعال العباد من المعتزلة وغيرهم إلى أن الظلم منه هو نظير الظلم ~~من الآدميين بعضهم لبعض وشبهوه ومثلوه في الأفعال بأفعال العباد حتى كانوا ~~هم ممثلة الأفعال وضربوا لله الأمثال ولم يجعلوا له المثل الأعلى بل أوجبوا ~~عليه وحرموا ما رأوا أنه يجب على العباد ويحرم بقياسه على العباد وإثبات ~~الحكم في الأصل بالرأى وقالوا عن هذا إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر ~~عليه من وجوه الإعانة كان ظالما له وإلتزموا أنه لا يقدر أن يهدى ضالا كما ~~قالوا إنه لا يقدر أن يضل مهتديا وقالوا عن هذا إذا أمر إثنين بأمر واحد ~~وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالما إلى أمثال ذلك من الأمور ~~التى هي من باب الفضل والإحسان جعلوا تركه لها ظلما ( # وكذلك ظنوا أن التعذيب لمن كان فعله مقدرا ظلم له ولم يفرقوا بين التعذيب ~~لمن قام به سبب إستحقاق ذلك ومن لم يقم وإن كان ذلك الإستحقاق خلقه لحكمة ~~أخرى عامة أو خاصة # وهذا الموضع زلت فيه اقدام وضلت فيه أفهام فعارض هؤلاء آخرون من أهل ~~الكلام المثبتين للقدر فقالوا ليس للظلم منه حقيقة PageV18P138 يمكن وجودها ~~بل هو من الأمور الممتنعة لذاتها فلا يجوز أن يكون مقدورا ولا أن يقال أنه ~~هو تارك له بإختياره ومشيئته وإنما هو من باب الجمع بين الضدين وجعل الجسم ~~الواحد في مكانين وقلب القديم محدثا والمحدث قديما وإلا فمهما ms5555 قدر في الذهن ~~وكان وجوده ممكنا والله قادر عليه فليس بظلم منه سواء فعله أو لم يفعله # وتلقى هذا القول عن هؤلاء طوائف من أهل الإثبات من الفقهاء واهل الحديث ~~من أصحاب مالك والشافعى واحمد وغيرهم ومن شراح الحديث ونحوهم وفسروا هذا ~~الحديث بما ينبنى على هذا القول وربما تعلقوا بظاهر من أقوال مأثورة كما ~~روينا عن إياس بن معاوية أنه قال ما ناظرت بعقلى كله أحدا إلا القدرية قلت ~~لهم ما الظلم قالوا إن تأخذ ما ليس لك أو أن تتصرف فيما ليس لك قلت فلله كل ~~شيء وليس هذا من إياس إلا ليبين أن التصرفات الواقعة هي في ملكه فلا يكون ~~ظلما بموجب حدهم وهذا مما لا نزاع بين أهل الإثبات فيه فإنهم متفقون مع أهل ~~الإيمان بالقدر على أن كل ما فعله الله فهو عدل # وفى حديث الكرب الذى رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول ~~الله ( ما اصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إنى عبدك إبن عبدك إبن أمتك ~~ناصيتى بيدك PageV18P139 ماض في حكمك عدل في قضاؤك اسألك بكل إسم هو لك ~~سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو إستاثرت به في ~~علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب همى ~~وغمى إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يا رسول الله أفلا ~~نتعلمهن قال بلى ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن ( فقد بين أن كل قضائه في عبده ~~عدل ولهذا يقال كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ويقال أطعتك بفضلك والمنة ~~لك وعصيتك بعلمك أو بعد لك والحجة لك فأسالك بوجوب حجتك على وإنقطاع حجتى ~~إلا ما غفرت لى # وهذه المناظرة من إياس كما قال ربيعة بن أبى عبد الرحمن لغيلان حين قال ~~له غيلان نشدتك الله أترى الله يحب أن يعصى فقال نشدتك الله أترى الله يعصى ~~قسرا يعنى قهرا فكأنما القمة حجرا فإن ms5556 قوله يحب أن يعصى لفظ فيه إجمال وقد ~~لا يتأتى في المناظرة تفسير المجملات خوفا من لدد الخصم فيؤتى بالواضحات ~~فقال إفتراه يعصى قسرا فإن هذا الزام له بالعجز الذى هو لازم للقدرية ولمن ~~هو شر منهم من الدهرية الفلاسفة وغيرهم # وكذلك إياس رأى أن هذا الجواب المطابق لحدهم خاصم لهم ولم يدخل معهم في ~~التفصيل الذى يطول PageV18P140 # وبالجملة فقوله تعالى ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما ( قال أهل التفسير من السلف لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه سيئات غيره ~~ولا يهضم فينقص من حسناته ولا يجوز أن يكون هذا الظلم هو شيء ممتنع غير ~~مقدور عليه فيكون التقدير لا يخاف ما هو ممتنع لذاته خارج عن الممكنات ~~والمقدورات فإن مثل هذا إذا لم يكن وجوده ممكنا حتى يقولوا أنه غير مقدور ~~ولو أراده كخلق المثل له فكيف يعقل وجوده فضلا أن يتصور خوفه حتى ينفى خوفه ~~ثم أي فائدة في نفى خوف هذا وقد علم من سياق الكلام أن المقصود بيان أن هذا ~~العامل المحسن لا يجزى على إحسانه بالظلم والهضم فعلم أن الظلم والهضم ~~المنفى يتعلق بالجزاء كما ذكره أهل التفسير وإن الله لا يجزيه إلا بعمله ~~ولهذا كان الصواب الذى دلت عليه النصوص إن الله لا يعذب في الآخرة إلا من ~~أذنب كما قال ( لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( فلو دخلها أحد من ~~غير أتباعه لم تمتلىء منهم ولهذا ثبت في الصحيحين في حديث تحاج الجنة ~~والنار من حديث أبى هريرة وأنس ( إن النار لا تمتلىء ممن كان القى فيها حتى ~~ينزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعد قولها ( هل من مزيد ( وأما الجنة ~~فيبقى فيها فضل عمن يدخلها من اهل الدنيا فينشىء الله لها خلقا آخر ~~PageV18P141 # ولهذا كان الصواب الذى عليه الأئمة فيمن لم يكلف في الدنيا من أطفال ~~المشركين ونحوهم ما صح به الحديث وهو أن الله أعلم بما كانوا عاملين فلا ~~نحكم لكل منهم بالجنة ولا ms5557 لكل منهم بالنار بل هم ينقسمون بحسب ما يظهر من ~~العلم إذا كلفوا يوم القيامة في العرصات كما جاءت بذلك الآثار # وكذلك قوله تعالى ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام ~~للعبيد ( يدل الكلام على أنه لا يظلم محسنا فينقصه من إحسانه أو يجعله ~~لغيره ولا يظلم مسيئا فيجعل عليه سيئات غيره بل لها ما كسبت وعليها ما ~~إكتسبت وهذا كقوله ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذى وفى ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى وإن ليس للإنسان إلا ما سعى ( فأخبر أنه ليس على أحد من وزر ~~غيره شيء وأنه لا يستحق إلا ما سعاه وكلا القولين حق على ظاهره وإن ظن بعض ~~الناس أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ينافى الأول فليس كذلك إذ ذلك النائح ~~يعذب بنوحه لا يحمل الميت وزره ولكن الميت يناله ألم من فعل هذا كما يتألم ~~الإنسان من أمور خارجة عن كسبه وإن لم يكن جزاء الكسب # والعذاب أعم من العقاب كما قال ( السفر قطعة من العذاب PageV18P142 ( ~~وكذلك ظن قوم أن إنتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحى ينافى قوله ( وإن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى ( فليس الأمر كذلك فإن إنتفاع الميت بالعبادات ~~البدنية من الحى بالنسبة إلى الآية كإنتفاعه بالعبادات المالية ومن إدعى أن ~~الاية تخالف أحدهما دون الآخر فقوله ظاهر الفساد بل ذلك بالنسبة إلى الآية ~~كإنتفاعه بالدعاء والإستغفار والشفاعة وقد بينا في غير هذا الموضع نحوا من ~~ثلاثين دليلا شرعيا يبين إنتفاع الإنسان بسعى غيره إذ الآية إنما نفت ~~إستحقاق السعى وملكه وليس كل ما لا يستحقه الإنسان ولا يملكه لا يجوز أن ~~يحسن إليه مالكه ومستحقه بما ينتفع به منه فهذا نوع وهذا نوع وكذلك ليس كل ~~مالا يملكه الإنسان لا يحصل له من جهته منفعة فإن هذا كذب في الأمور ~~الدينية والدنيوية # وهذه النصوص النافية للظلم تثبت العدل في الجزاء وأنه لا يبخس عامل عمله ~~وكذلك قوله فيمن عاقبهم ( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما ms5558 أغنت عنهم ~~آلهتهم التى يدعون من دون الله من شيء ( وقوله ( وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ~~الظالمين ( بين أن عقاب المجرمين عدلا لذنوبهم لا لأنا ظلمناهم فعاقبناهم ~~بغير ذنب # والحديث الذى في السنن ( لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو ~~غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم ( يبين أن العذاب ~~لو وقع لكان لإستحقاقهم ذلك لا لكونه بغير ذنب وهذا يبين أن من PageV18P143 ~~الظلم المنفى عقوبة من لم يذنب # وكذلك قوله تعالى ( وقال الذي آمن يا قوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ~~مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ( ~~يبين أن هذا العقاب لم يكن ظلما لإستحقاقهم ذلك وأن الله لا يريد الظلم ~~والأمر الذى لا يمكن القدرة عليه لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته ~~وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرا عليها فعلم أن الله ~~قادر على ما نزه نفسه عنه من الظلم وأنه لا يفعله وبذلك يصح قوله ( إنى ~~حرمت الظلم على نفسى ( وأن التحريم هو المنع وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ~~ممتنع لذاته فلا يصلح أن يقال حرمت على نفسى أو منعت نفسى من خلق مثلى أو ~~جعل المخلوقات خالقة ونحو ذلك من المحالات وأكثر ما يقال في تأويل ذلك ما ~~يكون معناه إنى أخبرت عن نفسى بان ما لا يكون مقدورا لا يكون منى وهذا ~~المعنى مما يتيقن المؤمن أنه ليس مراد الرب وأنه يجب تنزيه الله ورسوله عن ~~إرادة مثل هذا المعنى الذى لا يليق الخطاب بمثله إذ هو مع كونه شبه التكرير ~~وإيضاح الواضح ليس فيه مدح ولا ثناء ولا ما يستفيده المستمع فعلم أن الذى ~~حرمه على نفسه هو أمر مقدور عليه لكنه لا يفعله لأنه حرمه على نفسه وهو ~~سبحانه منزه عن فعله مقدس عنه PageV18P144 # يبين ذلك أن ما قاله الناس في حدود الظلم يتناول هذا دون ذلك كقول بعضهم ~~الظلم وضع الشيء ms5559 في غير موضعه كقولهم من أشبه اباه فما ظلم أى فما وضع ~~الشبه غير موضعه ومعلوم أن الله سبحانه حكم عدل لا يضع الأشياء إلا مواضعها ~~ووضعها غير مواضعها ليس ممتنعا لذاته بل هو ممكن لكنه لا يفعله لأنه لا ~~يريده بل يكرهه ويبغضه إذ قد حرمه على نفسه # وكذلك من قال الظلم إضرار غير مستحق فإن الله لا يعاقب أحدا بغير حق ~~وكذلك من قال هو نقص الحق وذكر أن أصله النقص كقوله ( كلتا الجنتين آتت ~~أكلها ولم تظلم منه شيئا ( # وأما من قال هو التصرف في ملك الغير فهذا ليس بمطرد ولا منعكس فقد يتصرف ~~الإنسان في ملك غيره بحق ولا يكون ظالما وقد يتصرف في ملكه بغير حق فيكون ~~ظالما وظلم العبد نفسه كثير في القرآن وكذلك من قال فعل المأمور خلاف ما ~~امر به ونحو ذلك ان سلم صحة مثل هذا الكلام فالله سبحانه قد كتب على نفسه ~~الرحمة وحرم على نفسه الظلم فهو لا يفعل خلاف ما كتب ولا يفعل ما حرم # وليس هذا الجواب موضع بسط هذه الأمور التى نبهنا عليها فيه PageV18P145 ~~وإنما نشير إلى النكت وبهذا يتبين القول المتوسط وهو أن الظلم الذى حرمه ~~الله على نفسه مثل ان يترك حسنات المحسن فلا يجزيه بها ويعاقب البرىء على ~~مالم يفعل من السيئات ويعاقب هذا بذنب غيره أو يحكم بين الناس بغير القسط ~~ونحو ذلك من الأفعال التى ينزه الرب عنها لقسطه وعدله وهو قادر عليها وإنما ~~إستحق الحمد والثناء لأنه ترك هذا الظلم وهو قادر عليه وكما أن الله منزه ~~عن صفات النقص والعيب فهو أيضا منزه عن أفعال النقص والعيب # وعلى قول الفريق الثانى ما ثم فعل يجب تنزيه الله عنه أصلا والكتاب ~~والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها يدل على خلاف ذلك ولكن متكلموا أهل ~~الإثبات لما ناظروا متكلمة النفى ألزموهم لوازم لم ينفصلوا عنها إلا ~~بمقابلة الباطل بالباطل وهذا مما عابه الأئمة وذموه كما عاب الأوزاعى ~~والزبيدى والثورى واحمد بن حنبل ms5560 وغيرهم مقابلة القدرية بالغلو في الإثبات ~~وأمروا بالإعتصام بالكتاب والسنة وكما عابوا أيضا على من قابل الجهمية نفاة ~~الصفات بالغلو في الإثبات حتى دخل في تمثيل الخالق بالمخلوق وقد بسطنا ~~الكلام في هذا وهذا وذكرنا كلام السلف والأئمة في هذا في غير هذا الموضع # ولو قال قائل هذا مبنى على ( مسألة تحسين العقل وتقبيحه ( فمن قال العقل ~~يعلم به حسن الأفعال وقبحها فإنه ينزه الرب عن بعض PageV18P146 الأفعال ومن ~~قال لا يعلم ذلك إلا بالسمع فإنه يجوز جميع الأفعال عليه لعدم النهى في حقه ~~قيل له ليس بناء هذه على تلك بلازم وبتقدير لزومها ففى تلك تفصيل وتحقيق قد ~~بسطناه في موضعه وذلك إنا فرضنا إنا نعلم بالعقل حسن بعض الأفعال وقبحها ~~لكن العقل لا يقول إن الخالق كالمخلوق حتى يكون ما جعله حسنا لهذا أو قبيحا ~~له جعله حسنا للآخر أو قبيحا له كما يفعل مثل ذلك القدرية لما بين الرب ~~والعبد من الفروق الكثيرة وإن فرضنا أن حسن الأفعال وقبحها لا يعلم إلا ~~بالشرع فالشرع قد دل على أن الله قد نزه نفسه عن افعال وأحكام فلا يجوز ان ~~يفعلها تارة بخبره مثنيا على نفسه بأنه لا يفعلها وتارة بخبره أنه حرمها ~~على نفسه # وهذا يبين المسألة الثانية فنقول # الناس لهم في أفعال الله بإعتبار ما يصلح منه ويجوز وما لا يجوز منه ~~ثلاثة اقوال طرفان ووسط # فالطرف الواحد طرف القدرية وهم الذين حجروا عليه أن يفعل إلا ما ظنوا ~~بعقلهم أنه الجائز له حتى وضعوا له شريعة التعديل والتجويز فأوجبوا عليه ~~بعقلهم أمورا كثيرة وحرموا عليه بعقلهم أمورا كثيرة لا بمعنى أن العقل آمر ~~له وناه فإن هذا لا يقوله عاقل بل بمعنى أن تلك الأفعال مما PageV18P147 ~~علم بالعقل وجوبها وتحريمها ولكن إدخلوا في ذلك المنكرات ما بنوه على ~~بدعتهم في التكذيب بالقدر وتوابع ذلك والطرف الثانى طرف الغلاة في الرد ~~عليهم وهم الذين قالوا لا ينزه الرب عن فعل من الأفعال ولا نعلم وجه إمتناع ~~الفعل ms5561 منه إلا من جهة خبره أنه لا يفعله المطابق لعلمه بأنه لا يفعله ~~وهؤلاء منعوا حقيقة ما اخبر به من أنه كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه ~~الظلم قال الله تعالى ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة ( # وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى قال ( إن الله لما قضى ~~الخلق كتب على نفسه كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتى تغلب غضبى ( ~~ولم يعلم هؤلاء أن الخبر المجرد المطابق للعلم لا يبين وجه فعله وتركه إذ ~~العلم يطابق المعلوم فعلمه بأنه يفعل هذا وانه لا يفعل هذا ليس فيه تعرض ~~لأنه كتب هذا على نفسه وحرم هذا على نفسه كما لو أخبر عن كائن من كان أنه ~~يفعل كذا ولا يفعل كذا لم يكن في هذا بيان لكونه محمودا ممدوحا على فعل هذا ~~وترك هذا ولا في ذلك ما يبين قيام المقتضى لهذا والمانع من هذا فإن الخبر ~~المحض كاشف عن المخبر عنه ليس فيه بيان ما يدعو إلى الفعل ولا إلى الترك ~~بخلاف قوله ( كتب PageV18P148 على نفسه الرحمة ( وحرم على نفسه الظلم ) # فإن التحريم مانع من الفعل وكتابته على نفسه داعية إلى الفعل وهذا بين ~~واضح إذ ليس المراد بذلك مجرد كتابته انه يفعل وهو كتابة التقدير كما قد ~~ثبت في الصحيح ( انه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بخمسين الف سنة وكان عرشه على الماء ( فإنه قال ( كتب على نفسه الرحمة ( ~~ولو أريد كتابة التقدير لكان قد كتب على نفسه الغضب كما كتب على نفسه ~~الرحمة إذ كان المراد مجرد الخبر عما سيكون ولكان قد حرم على نفسه كل مالم ~~يفعله من الإحسان كما حرم الظلم # وكما أن الفرق ثابت في حقنا بين قوله ( كتب عليكم القصاص في القتلى ( ~~وبين قوله ( وكل شيء فعلوه في الزبر ( وقوله ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في انفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ( وقوله ms5562 ( فيبعث إليه الملك ~~فيؤمر بأربع كلمات فيقال له أكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد ( فهكذا ~~الفرق أيضا ثابت في حق الله # ونظير ما ذكره من كتابته على نفسه كما تقدم قوله تعالى ( وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين ( وقول النبى في الحديث الصحيح ( يا معاذ أتدرى ما حق الله ~~على عباده قلت الله PageV18P149 ورسوله اعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا اتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله ~~اعلم قال حقهم عليه ألا يعذبهم ( ومنه قوله في غير حديث ( كان حقا على الله ~~أن يفعل به كذا ( فهذا الحق الذى عليه هو أحقه على نفسه بقوله # ونظير تحريمه على نفسه وإيجابه على نفسه ما اخبر به من قسمه ليفعلن ~~وكلمته السابقة كقوله ( ولولا كلمة سبقت من ربك ( وقوله ( لاملأن جهنم ( ~~ولنهلكن الظالمين ( فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلى ~~وقاتلوا وقتلوا لا كفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~( فلنسألن الذين أرسل إليهم ( ونحو ذلك من صيغ القسم المتضمنة معنى الإيجاب ~~والمعنى بخلاف القسم المتضمن للخبر المحض ولهذا قال الفقهاء اليمين إما أن ~~توجب حقا أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا وإذا كان معقولا في الإنسان أنه يكون ~~آمرا مأمورا كقوله ( إن النفس لأمارة بالسوء ( وقوله ( واما من خاف مقام ~~ربه ونهى النفس عن الهوى ( مع أن العبد له آمر وناه فوقه والرب الذى ليس ~~فوقه أحد لأن يتصور أن يكون هو الآمر الكاتب على نفسه الرحمة والناهى ~~المحرم على نفسه الظلم أولى PageV18P150 واحرى وكتابته على نفسه ذلك تستلزم ~~إرادته لذلك ومحبته له ورضاه بذلك وتحريمه الظلم على نفسه يستلزم بغضه لذلك ~~وكراهته له وإرادته ومحبته للفعل توجب وقوعه منه وبغضه له وكراهته لأن ~~يفعله يمنع وقوعه منه فأما ما يحبه ويبغضه من أفعال عباده فذلك نوع آخر ~~ففرق بين فعله هو وبين ما هو مفعول مخلوق له وليس في مخلوقه ما هو ظلم منه ~~وإن كان بالنسبة إلى ms5563 فاعله الذى هو الإنسان هو ظلم كما ان أفعال الإنسان هي ~~بالنسبة إليه تكون سرقة وزنا وصلاة وصوما والله تعالى خالقها بمشيئته وليست ~~بالنسبة إليه كذلك إذ هذه الأحكام هي للفاعل الذى قام به هذا الفعل كما أن ~~الصفات هي صفات للموصوف الذى قامت به لا للخالق الذى خلقها وجعلها صفات ~~والله تعالى خلق كل صانع وصنعته كما جاء ذلك في الحديث وهو خالق كل موصوف ~~وصفته # ثم صفات المخلوقات ليست صفات له كالألوان والطعوم والروائح لعدم قيام ذلك ~~به وكذلك حركات المخلوقات ليست حركات له ولا أفعالا له بهذا الإعتبار ~~لكونها مفعولات هو خلقها وبهذا الفرق تزول شبة كثيرة والأمر الذى كتبه على ~~نفسه يستحق عليه الحمد والثناء وهو مقدس عن ترك هذا الذى لو ترك لكان تركه ~~نقصا وكذلك الأمر الذى حرمه على نفسه يستحق الحمد والثناء على تركه وهو ~~مقدس عن فعله الذي لو كان لأوجب نقصا PageV18P151 # وهذا كله بين ولله الحمد عند الذين اوتوا العلم والإيمان وهو أيضا مستقر ~~في قلوب عموم المؤمنين ولكن القدرية شبهوا على الناس بشبههم فقابلهم من ~~قابلهم بنوع من الباطل كالكلام الذى كان السلف والأئمة يذمونه وذلك أن ~~المعتزلة قالوا قد حصل الإتفاق على أن الله ليس بظالم كما دل عليه الكتاب ~~والسنة والظالم من فعل الظلم كما أن العادل من فعل العدل هذا هو المعروف ~~عند الناس من مسمى هذا الإسم سمعا وعقلا قالوا ولو كان الله خالقا لأفعال ~~العباد التى هي الظلم لكان ظالما فعارضهم هؤلاء بان قالوا ليس الظالم من ~~فعل الظلم بل الظالم من قام به الظلم وقال بعضهم الظالم من إكتسب الظلم ~~وكان منهيا عنه وقال بعضهم الظالم من فعل محرما عليه أو ما نهى عنه # ومنهم من قال من فعل الظلم لنفسه وهؤلاء يعنون أن يكون الناهى له والمحرم ~~عليه غيره الذى يجب عليه طاعته ولهذا كان تصور الظلم منه ممتنعا عندهم ~~لذاته كإمتناع أن يكون فوقه آمر له وناه ويمتنع عند الطائفتين أن يعود ms5564 إلى ~~الرب من أفعاله حكم لنفسه وهؤلاء لم يمكنهم أن ينازعوا أولئك في ان العادل ~~من فعل العدل بل سلموا ذلك لهم وأن نازعهم بعض الناس منازعة عنادية ~~PageV18P152 # والذى يكشف تلبيس المعتزلة أن يقال لهم الظالم والعادل الذى يعرفه الناس ~~وأن كان فاعلا للظلم والعدل فذلك يأثم به أيضا ولا يعرف الناس من يسمى ~~ظالما ولم يقم به الفعل الذى به صار ظالما بل لا يعرفون ظالما إلا من قام ~~به الفعل الذى فعله وبه صار ظالما وإن كان فعله متعلقا بغيره وله مفعول ~~منفصل عنه لكن لا يعرفون الظالم إلا بأن يكون قد قام به ذلك فكونكم أخذتم ~~في حد الظالم أنه من فعل الظلم وعنيتم بذلك من فعله في غيره فهذا تلبيس ~~وإفساد للشرع والعقل واللغة كما فعلتم في مسمى المتكلم حيث قلتم هو من فعل ~~الكلام ولو في غيره وجعلتم من أحدث كلاما منفصلا عنه قائما بغيره متكلما ~~وإن لم يقم به هو كلام أصلا وهذا من أعظم البهتان والقرمطة والسفسطة ولهذا ~~الزمهم السلف أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات وكذلك ايضا ما خلقه ~~في الحيوانات ولا يفرق حينئذ بين نطق وانطق وإنما قالت الجلود ( أنطقنا ~~الله الذى أنطق كل شيء ( ولم تقل نطق الله بذلك ولهذا قال من قال من السلف ~~كسليمان بن داود الهاشمى وغيره ما معناه أنه على هذا يكون الكلام الذى خلق ~~في فرعون حتى قال ( أنا ربكم الأعلى ( كالكلام الذى خلق في الشجرة حتى قالت ~~( إننى أنا الله لا إله إلا أنا ( فأما أن يكون فرعون محقا أو PageV18P153 ~~تكون الشجرة كفرعون وإلى هذا المعنى ينحو الإتحادية من الجهمية وينشدون % ~~وكل كلام في الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % # وهذا يستوعب أنواع الكفر ولهذا كان من الأمر البين للخاصة والعامة ان من ~~قال المتكلم لا يقوم به كلام أصلا فإن حقيقة قوله أنه ليس بمتكلم إذ ليس ~~المتكلم إلا هذا ولهذا كان أولوهم يقولون ليس بمتكلم ثم قالوا هو متكلم ~~بطريق ms5565 المجاز وذلك لما إستقر في الفطر أن المتكلم لابد أن يقوم به كلام وإن ~~كان مع ذلك فاعلا له كما يقوم بالإنسان كلامه وهو كاسب له أما إن يجعل مجرد ~~أحداث الكلام في غيره كلاما له فهذا هو الباطل # وهكذا القول في الظلم فهب أن الظالم من فعل الظلم فليس هو من فعله في ~~غيره ولم يقم به فعل أصلا بل لا بد ان يكون قد قام به فعل وإن كان متعديا ~~إلى غيره فهذا جواب ثم يقال لهم الظلم فيه نسبة وإضافة فهو ظلم من الظالم ~~بمعنى أنه عدوان وبغى منه وهو ظلم للمظلوم بمعنى أنه بغى وإعتداء عليه وإما ~~من لم يكن متعدى عليه به ولا هو منه عدوان على غيره فهو في حقه ليس بظلم لا ~~منه ولا له PageV18P154 والله سبحانه إذا خلق أفعال العباد فذلك من جنس ~~خلقه لصفاتهم فهم الموصوفون بذلك فهو سبحانه إذا جعل بعض الأشياء أسود ~~وبعضها ابيض أو طويلا أو قصيرا أو متحركا أو ساكنا أو عالما أو جاهلا أو ~~قادرا أو عاجزا أو حيا أو ميتا أو مؤمنا أو كافرا أو سعيدا أو شقيا أو ~~ظالما أو مظلوما كان ذلك المخلوق هو الموصوف بانه الأبيض والأسود والطويل ~~والقصير والحى والميت والظالم والمظلوم ونحو ذلك والله سبحانه لا يوصف بشيء ~~من ذلك وإنما أحداثه للفعل الذى هو ظلم من شخص وظلم لآخر بمنزلة أحداثه ~~الأكل والشرب الذى هو أكل من شخص واكل لآخر وليس هو بذلك آكلا ولا مأكولا # ونظائر هذا كثيرة وإن كان في خلق افعال العباد لأزمها ومتعديها حكم بالغة ~~كما له حكمة بالغة في خلق صفاتهم وسائر المخلوقات لكن ليس هذا موضع تفصيل ~~ذلك وقد ظهر بهذين الوجهين تدليس القدرية وأما تلك الحدود التى عورضوا بها ~~فهي دعاو ومخالفة أيضا للمعلوم من الشرع واللغة والعقل أو مشتملة على نوع ~~من الإجمال فإن قول القائل الظالم من قام به الظلم يقتضى أنه لا بد أن يقوم ~~به لكن يقال له ms5566 وإن لم يكن فاعلا له آمرا له لابد أن يكون فاعلا له ~~PageV18P155 مع ذلك فإن أراد الأول كان إقتصاره على تفسير الظالم بمن قام ~~به الظلم كإقتصار أولئك على تفسير الظالم في فعل الظلم والذى يعرفه الناس ~~عامهم وخاصهم ان الظالم فاعل للظلم وظلمه فعل قائم به وكل من الفريقين جحد ~~بعض الحق # واما قولهم من فعل محرما عليه أو منهيا عنه ونحو ذلك فالإطلاق صحيح لكن ~~يقال قد دل الكتاب والسنة على أن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة وكان حقا ~~عليه نصر المؤمنين وكان حقا عليه أن يجزى المطيعين وانه حرم الظلم على نفسه ~~فهو سبحانه الذى حرم بنفسه على نفسه الظلم كما أنه هو الذى كتب بنفسه على ~~نفسه الرحمة لا يمكن ان يكون غيره محرما عليه أو موجبا عليه فضلا عن أن ~~يعلم ذلك بعقل أو غيره وإذا كان كذلك فهذا الظلم الذى حرمه على نفسه هو ظلم ~~بلا ريب وهو أمر ممكن مقدور عليه وهو سبحانه يتركه مع قدرته عليه بمشيئته ~~وإختياره لأنه عادل ليس بظالم كما يترك عقوبة الأنبياء والمؤمنين وكما يترك ~~أن يحمل البرىء ذنوب المعتدين ### ||| فصل # قوله ( وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( ينبغى أن يعرف أن هذا الحديث ~~شريف القدر عظيم المنزلة ولهذا كان الإمام أحمد PageV18P156 يقول هو أشرف ~~حديث لأهل الشام وكان أبو إدريس الخولانى إذا حدث به جثا على ركبتيه وراويه ~~أبو ذر الذى ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة منه وهو من ~~الأحاديث الإلهية التى رواها الرسول عن ربه واخبر أنها من كلام الله تعالى ~~وإن لم تكن قرآنا وقد جمع في هذا الباب زاهر السحامى وعبدالغنى المقدسى ~~وابو عبد الله المقدسى وغيرهما # وهذا الحديث قد تضمن من قواعد الدين العظيمة في العلوم والأعمال والأصول ~~والفروع فإن تلك الجملة الأولى وهى قوله ( حرمت الظلم على نفسى ( يتضمن جل ~~مسائل الصفات والقدر إذا أعطيت حقها من التفسير وإنما ذكرنا فيها ما لا بد ~~من التنبيه عليه من اوائل ms5567 النكت الجامعة وأما هذه الجملة الثانية وهى قوله ~~( وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( فإنها تجمع الدين كله فإن ما نهى الله ~~عنه راجع إلى الظلم وكل ما أمر به راجع إلى العدل # ولهذا قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ( فاخبر أنه أرسل الرسل وأنزل الكتاب ~~والميزان لأجل قيام الناس بالقسط وذكر أنه أنزل الحديد الذى به ينصر هذا ~~الحق PageV18P157 فالكتاب يهدى والسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا # ولهذا كان قوام الناس بأهل الكتاب وأهل الحديد كما قال من قال من السلف ~~صنفان إذا صلحوا صلح الناس الأمراء والعلماء وقالوا في قوله تعالى ( أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ( أقوالا تجمع العلماء والأمراء ~~ولهذا نص الإمام أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه الآية إذ كل منهما تجب ~~طاعته فيما يقوم به من طاعة الله وكان نواب رسول الله في حياته كعلى ومعاذ ~~وأبى موسى وعتاب بن أسيد وعثمان بن أبى العاص وأمثالهم يجمعون الصنفين ~~وكذلك خلفاؤه من بعده كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى ونوابهم # ولهذا كانت السنة أن الذي يصلى بالناس صاحب الكتاب والذى يقوم بالجهاد ~~صاحب الحديد إلى أن تفرق الأمر بعد ذلك فإذا تفرق صار كل من قام بأمر الحرب ~~من جهاد الكفار وعقوبات الفجار يجب أن يطاع فيما يأمر به من طاعة الله في ~~ذلك وكذلك من قام بجمع الأموال وقسمها يجب أن يطاع فيما يأمر به من طاعة ~~الله في ذلك وكذلك من قام بالكتاب بتبليغ أخباره وأوامره وبيانها يجب أن ~~يصدق ويطاع فيما أخبر به من الصدق في ذلك وفيما يأمر به من طاعة الله في ~~ذلك PageV18P158 والمقصود هنا أن المقصود بذلك كله هو أن يقوم الناس بالقسط ~~ولهذا لما كان المشركون يحرمون أشياء ما أنزل الله بها من سلطان ويأمرون ~~بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان أنزل الله في سورة الأنعام والأعراف ms5568 ~~وغيرهما يذمهم على ذلك وذكر ما أمر به هو وما حرمه هو فقال ( قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وإدعوه مخلصين له الدين ( وقال تعالى ( ~~قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون ( # وهذه الآية تجمع أنواع المحرمات كما قد بيناه في غير هذا الموضع وتلك ~~الآية تجمع أنواع الواجبات كما بيناه أيضا وقوله ( أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد وإدعوه مخلصين له الدين ( أمر مع القسط بالتوحيد الذى ~~هو عبادة الله وحده لا شريك له وهذا أصل الدين وضده هو الذنب الذى لايغفر ~~قال تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( وهو ~~الدين الذى أمر الله به جميع الرسل وأرسلهم به إلى جميع الأمم قال تعالى ( ~~وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فإعبدون ) ~~وقال تعالى ( وأسأل من PageV18P159 أرسلنا من قبلك من رسلنا إجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون ( وقال تعالى ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن إعبدوا ~~الله وإجتنبوا الطاغوت ( وقال تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه ( وقال تعالى ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إنى بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فإتقون ( # ولهذا ترجم البخارى في صحيحه ( باب ما جاء في أن دين الأنبياء واحد ( ~~وذكر الحديث الصحيح في ذلك وهو الإسلام العام الذى إتفق عليه جميع النبيين ~~قال نوح عليه السلام ( وأمرت أن أكون من المسلمين ( وقال تعالى في قصة ~~إبراهيم ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم ~~بنيه ويعقوب يا بنى إن الله إصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ( ~~وقال موسى يا قوم إن كنتم ms5569 آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ( وقال ~~تعالى ( قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون ( وقال ~~في قصة بلقيس ( رب إنى ظلمت نفسى واسلمت مع سليمان لله رب العالمين ( وقال ~~( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا PageV18P160 # وهذا التوحيد الذى هو اصل الدين هو أعظم العدل وضده وهو الشرك أعظم الظلم ~~كما أخرجا في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال ( لما نزلت هذه الآية ( ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) شق ذلك على أصحاب النبى وقالوا أينا ~~لم يظلم نفسه فقال ( ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم ( ~~وفى الصحيحين عن إبن مسعود قال قلت يا رسول الله أى الذنب أعظم قال ( إن ~~تجعل لله ندا وهو خلقك ( قلت ثم أى قال ( ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ~~( قلت ثم أى قال ( أن تزانى بحليلة جارك ( فأنزل الله تصديق ذلك ( والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ( الآية # وقد جاء عن غير واحد من السلف وروى مرفوعا ( الظلم ثلاثة دواوين فديوان ~~لا يغفر الله منه شيئا وديوان لا يترك الله منه شيئا وديوان لا يعبأ الله ~~به شيئا فأما الديوان الذى لا يغفر الله منه شيئا فهو الشرك فإن الله لا ~~يغفر أن يشرك به وأما الديوان الذى لا يترك الله منه شيئا فهو ظلم العباد ~~بعضهم بعضا فإن الله لا بد أن ينصف المظلوم من الظالم وأما الديوان الذى لا ~~يعبأ الله به شيئا فهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين PageV18P161 ربه ( أى ~~مغفرة هذا الضرب ممكنة بدون رضى الخلق فإن شاء عذب هذا الظالم لنفسه وإن ~~شاء غفر له # وقد بسطنا الكلام في هذه الأبواب الشريفة والأصول الجامعة في القواعد ~~وبينا أنواع الظلم وبينا كيف كان الشرك أعظم أنواع الظلم ومسمى الشرك جليله ~~ودقيقه فقد جاء في الحديث ( الشرك في هذه الأمة ms5570 أخفى من دبيب النمل ( # وروى أن هذه الآية نزلت في أهل الرياء ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ( وكان شداد بن أوس يقول يا بقايا ~~العرب يا بقايا العرب إنما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية قال أبو داود ~~السجستانى صاحب السنن المشهورة الخفية حب الرياسة وذلك أن حب الرياسة هو ~~أصل البغى والظلم كما أن الرياء هو من جنس الشرك أو مبدأ الشرك # والشرك أعظم الفساد كما أن التوحيد أعظم الصلاح ولهذا قال تعالى ( إن ~~فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيى نساءهم أنه كان من المفسدين ( إلى أن ختم السورة بقوله ( تلك الدار ~~الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ( وقال ( وقضينا ~~إلى بنى إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ( وقال ~~PageV18P162 ( من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس ~~جميعا ( وقالت الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( # فاصل الصلاح التوحيد والإيمان وأصل الفساد الشرك والكفر كما قال عن ~~المنافقين ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا ~~أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ( وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل ~~له وبه المقصود الذى يراد منه ولهذا يقول الفقهاء العقد الصحيح ما ترتب ~~عليه أثره وحصل به مقصوده والفاسد ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به مقصود ~~والصحيح المقابل للفاسد في إصطلاحهم هو الصالح # وكان يكثر في كلام السلف هذا لا يصلح أو يصلح كما كثر في كلام المتأخرين ~~يصح ولا يصح والله تعالى إنما خلق الإنسان لعبادته وبدنه تبع لقلبه كما قال ~~النبى في الحديث الصحيح ( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر ~~الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهى القلب وصلاح القلب في أن يحصل ms5571 ~~له وبه المقصود الذى خلق له من PageV18P163 معرفة الله ومحبته وتعظيمه ~~وفساده في ضد ذلك فلا صلاح للقلوب بدون ذلك قط # والقلب له قوتان العلم والقصد كما أن للبدن الحس والحركة الإرادية فكما ~~أنه متى خرجت قوى الحس والحركة عن الحال الفطرى الطبيعى فسدت فإذا خرج ~~القلب عن الحال الفطرية التى يولد عليها كل مولود وهى أن يكون مقرى لربه ~~مريدا له فيكون هو منتهى قصده وإرادته وذلك هي العبادة إذ العبادة كمال ~~الحب بكمال الذل فمتى لم تكن حركة القلب ووجهه وإرادته لله تعالى كان فاسدا ~~إما بأن يكون معرضا عن الله وعن ذكره غافلا عن ذلك مع تكذيب أو بدون تكذيب ~~أو بان يكون له ذكر وشعور ولكن قصده وإرادته غيره لكون الذكر ضعيفا لم ~~يجتذب القلب إلى إرادة الله ومحبته وعبادته وإلا فمتى قوى علم القلب وذكره ~~أوجب قصده وعلمه قال تعالى ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة ~~الدنيا ذلك مبلغهم من العلم ( فأمر نبيه بأن يعرض عمن كان معرضا عن ذكر ~~الله ولم يكن له مراد إلا ما يكون في الدنيا وهذه حال من فسد قلبه ولم يذكر ~~ربه ولم ينب إليه فيريد وجهه ويخلص له الدين ثم قال ( ذلك مبلغهم من العلم ~~( فأخبر أنهم PageV18P164 لم يحصل لهم علم فوق ما يكون في الدنيا فهي أكبر ~~همهم ومبلغ علمهم وأما المؤمن فأكبر همه هو الله وإليه إنتهى علمه وذكره ~~وهذا الآن باب واسع عظيم قد تكلمنا عليه في مواضعه # وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس والإشراك أصل فسادهم والقسط مقرون ~~بالتوحيد إذ التوحيد أصل العدل وإرادة العلو مقرونة بالفساد إذ هو أصل ~~الظلم فهذا مع هذا وهذا مع هذا كالملزوزين في قرن فالتوحيد وما يتبعه من ~~الحسنات هو صلاح وعدل ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات وهو البر ~~وهو العدل والذنوب التى فيها تفريط أو عدوان في حقوق الله تعالى وحقوق ~~عباده هي فساد وظلم ولهذا سمى قطاع الطريق مفسدين وكانت عقوبتهم ms5572 حقا لله ~~تعالى لإجتماع الوصفين والذى يريد العلو على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له ~~باغ إذ ليس كونك عاليا عليه بأولى من كونه عاليا عليك وكلاكما من جنس واحد ~~فالقسط والعدل أن يكونوا أخوة كما وصف الله المؤمنين بذلك # والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل ولهذا قال تعالى ( قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا ~~مسلمون ( ولهذا كان تخصيصه PageV18P165 بالذكر في مثل قوله ( قل أمر ربى ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وإدعوه مخلصين له الدين ( لا يمنع أن ~~يكون داخلا في القسط كما أن ذكر العمل الصالح بعد الإيمان لا يمنع أن يكون ~~داخلا في الإيمان كما في قوله ( وملائكته وجبريل وميكال ( و ( من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ( هذا إذا قيل إن إسم الإيمان يتناوله سواء قيل إنه في مثل ~~هذا يكون داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين أو قيل بل عطفه عليه يقتضى أنه ~~ليس داخلا فيه هنا وأن كان داخلا فيه منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ ~~الفقراء والمساكين وأمثال ذلك مما تتنوع دلالته بالإفراد والإقتران لكن ~~المقصود إن كل خير فهو داخل في القسط والعدل وكل شر فهو داخل في الظلم # ولهذا كان العدل أمرا واجبا في كل شيء وعلى كل أحد والظلم محرما في كل ~~شيء ولكل أحد فلا يحل ظلم أحد أصلا سواء كان مسلما أو كافرا أو كان ظالما ~~بل الظلم إنما يباح أو يجب فيه العدل عليه أيضا قال تعالى ( يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن ( أى لا يحملنكم ~~شنآن أى بغض قوم وهم الكفار على عدم العدل ( قوم على أن لا تعدلوا أعدلوا ~~هو أقرب للتقوى ( وقال تعالى ( فمن إعتدى عليكم فإعتدوا عليه بمثل ما إعتدى ~~عليكم ( وقال تعالى ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل PageV18P166 ما عوقبتم به ms5573 ( ~~وقال تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ( # وقد دل على هذا قوله في الحديث ( يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم ~~أحد أحدا وأمر العالم في الشريعة مبنى على هذا وهو العدل في الدماء ~~والأموال والإبضاع والأنساب والأعراض ولهذا جاءت السنة بالقصاص في ذلك ~~ومقابلة العادى بمثل فعله لكن المماثلة قد يكون علمها أو عملها متعذرا أو ~~متعسرا ولهذا يكون الواجب ما يكون أقرب إليها بحسب الإمكان ويقال هذا أمثل ~~وهذا أشبه وهذه الطريقة المثلى لما كان أمثل بما هو العدل والحق في نفس ~~الأمر إذ ذاك معجوز عنه ولهذا قال تعالى ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها ( فذكر أنه لم يكلف نفسا إلا وسعها حين أمر بتوفية ~~الكيل والميزان بالقسط لأن الكيل لا بد له أن يفضل أحد المكيلين على الآخر ~~ولو بحبة أو حبات وكذلك التفاضل في الميزان قد يحصل بشيء يسير لا يمكن ~~الإحتراز منه فقال تعالى ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ( # ولهذا كان القصاص مشروعا إذا أمكن إستيفاؤه من غير جنف كالإقتصاص في ~~الجروح التى تنتهى إلى عظم وفى الأعضاء التى تنتهى إلى مفصل فإذا كان الجنف ~~واقعا في الإستيفاء عدل إلى بدله وهو PageV18P167 الدية لأنه أشبه بالعدل ~~من إتلاف زيادة في المقتص منه وهذه حجة من رأى من الفقهاء أنه لا قود إلا ~~بالسيف في العنق قال لأن القتل بغير السيف وفى غير العنق لا نعلم فيه ~~المماثلة بل قد يكون التحريق والتغريق والتوسيط ونحو ذلك أشد إيلاما لكن ~~الذين قالوا يفعل به مثل ما فعل قولهم أقرب إلى العدل فإنه مع تحرى التسوية ~~بين الفعلين يكون العبد قد فعل ما يقدر عليه من العدل وما حصل من تفاوت ~~الألم خارج عن قدرته # وأما إذا قطع يديه ورجليه ثم وسطه فقوبل ذلك بضرب عنقه بالسيف أو رض رأسه ~~بين حجرين فضرب بالسيف فهنا قد تيقنا عدم المعادلة والمماثلة وكنا قد ms5574 فعلنا ~~ما تيقنا إنتفاء المماثلة فيه وأنه يتعذر معه وجودها بخلاف الأول فإن ~~المماثلة قد تقع إذ التفاوت فيه غير متيقن # وكذلك القصاص في الضربة واللطمة ونحو ذلك عدل عنه طائفة من الفقهاء إلى ~~التعزير لعدم إمكان المماثلة فيه والذى عليه الخلفاء الراشدون وغيرهم من ~~الصحابة وهو منصوص أحمد ما جاءت به سنة رسول الله من ثبوت القصاص به لأن ~~ذلك أقرب إلى العدل والمماثلة فإنا إذا تحرينا أن نفعل به من جنس فعله ~~ونقرب PageV18P168 القدر من القدر كان هذا أمثل من ان نأتى بجنس من العقوبة ~~تخالف عقوبته جنسا وقدرا وصفة # وهذا النظر أيضا في ضمان الحيوان والعقار ونحو ذلك بمثله تقريبا أو ~~بالقيمة كما نص أحمد على ذلك في مواضع ضمان الحيوان وغيره ونص عليه الشافعى ~~فيمن خرب حائط غيره أنه يبنيه كما كان وبهذا قضى سليمان عليه السلام في ~~حكومة الحرث التى حكم فيها هو وأبوه كما قد بين ذلك في موضعه # فجميع هذه الأبواب المقصود للشريعة فيها تحرى العدل بحسب الإمكان وهو ~~مقصود العلماء لكن أفهمهم من قال بما هو أشبه بالعدل في نفس الأمر وإن كان ~~كل منهم قد أوتى علما وحكما لأنه هو الذى أنزل الله به الكتب وأرسل به ~~الرسل وضده الظلم كما قال سبحانه ( يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( # ولما كان العدل لا بد أن يتقدمه علم إذ من لا يعلم لا يدرى ما العدل ~~والإنسان ظالم جاهل إلا من تاب الله عليه فصار عالما عادلا صار الناس من ~~القضاة وغيرهم ثلاثة اصناف العالم الجائر والجاهل الظالم فهذان من اهل ~~النار كما قال النبى صلى الله عليه وسلم PageV18P169 ( القضاة ثلاثة قاضيان ~~في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس ~~على جهل فهو في النار ( ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ( فهذان ~~القسمان كما قال ( من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن قال في ms5575 ~~القرآن برأيه فأخطأ فليتبوأ مقعدة من النار ( # وكل من حكم بين إثنين فهو قاض سواء كان صاحب حرب أو متولى ديوان أو ~~منتصبا للإحتساب بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حتى الذي يحكم بين ~~الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام ولما كان الحكام ~~مأمورين بالعدل والعلم وكان المفروض إنما هو بما يبلغه جهد الرجل قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( إذا إجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا إجتهد فأخطأ ~~فله أجر ( ### ||| فصل # فلما ذكر في أول الحديث ما أوجبه من العدل وحرمه من الظلم على نفسه وعلى ~~عباده ذكر بعد ذلك إحسانه إلى عباده مع غناه عنهم وفقرهم إليه وأنهم لا ~~يقدرون على جلب منفعة لأنفسهم ولا دفع مضرة إلا أن يكون هو الميسر لذلك ~~وأمر العباد أن يسألوه ذلك وأخبر PageV18P170 أنهم لا يقدرون على نفعه ولا ~~ضره مع عظم ما يوصل إليهم من النعماء ويدفع عنهم من البلاء وجلب المنفعة ~~ودفع المضرة إما أن يكون في الدين أو في الدنيا فصارت أربعة أقسام الهداية ~~والمغفرة وهما جلب المنفعة ودفع المضرة في الدين والطعام والكسوة وهما جلب ~~المنفعة ودفع المضرة في الدنيا وإن شئت قلت الهداية والمغفرة يتعلقان ~~بالقلب الذى هو ملك البدن وهو الأصل في الأعمال الإرادية والطعام والكسوة ~~يتعلقان بالبدن الطعام لجلب منفعته واللباس لدفع مضرته # وفتح الأمر بالهداية فإنها وإن كانت الهداية النافعة هي المتعلقة بالدين ~~فكل اعمال الناس تابعة لهدى الله إياهم كما قال سبحانه ( سبح إسم ربك ~~الأعلى الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى ( وقال موسى ( ربنا الذى أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى ( وقال تعالى ( وهديناه النجدين ) وقال ( إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا ( # ولهذا قيل الهدى أربعة أقسام # ( احدها ( الهداية إلى مصالح الدنيا فهذا مشترك بين الحيوان الناطق ~~والأعجم وبين المؤمن والكافر PageV18P171 و ( الثانى ( الهدى بمعنى دعاء ~~الخلق إلى ما ينفعهم وأمرهم بذلك وهو نصب الأدلة وإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~فهذا أيضا يشترك فيه جميع المكلفين سواء آمنوا أو كفروا ms5576 كما قال تعالى وأما ~~ثمود فهديناهم فإستحبوا العمى على الهدى ( وقال تعالى ( إنما أنت منذر ولكل ~~قوم هاد ( وقال تعالى ( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم ( فهذا مع قوله ( إنك ~~لا تهدى من أحببت ( يبين أن الهدى الذى أثبته هو البيان والدعاء والأمر ~~والنهى والتعليم وما يتبع ذلك ليس هو الهدى الذى نفاه وهو القسم الثالث ~~الذى لا يقدر عليه إلا الله # والقسم الثالث ( الهدى الذى هو جعل الهدى في القلوب وهو الذى يسميه بعضهم ~~بالإلهام والإرشاد وبعضهم يقول هو خلق القدرة على الإيمان كالتوفيق عندهم ~~ونحو ذلك وهو بناء على أن الإستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فمن قال ذلك من ~~أهل الإثبات جعل التوفيق والهدى ونحو ذلك خلق القدرة على الطاعة # وأما من قال أنهما إستطاعتان # ( إحداهما ( قبل الفعل وهى الإستطاعة المشروطة في التكليف كما قال تعالى ~~( ولله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا PageV18P172 # وقال النبى ~~لعمران بن حصين ( صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ( ~~وهذه الإستطاعة يقترن بها الفعل تارة والترك أخرى وهى الإستطاعة التى لم ~~تعرف القدرية غيرها كما أن أؤلئك المخالفين لهم من أهل الإثبات لم يعرفوا ~~إلا المقارنة وأما الذى عليه المحققون من أئمة الفقه والحديث والكلام ~~وغيرهم فاثبات النوعين جميعا كما قد بسطناه في غير هذا الموضع فإن الأدلة ~~الشرعية والعقلية تثبت النوعين جميعا والثانية المقارنة للفعل وهى الموجبة ~~له وهى المنفية عمن لم يفعل في مثل قوله ( ما كانوا يستطيعون السمع وما ~~كانوا يبصرون ( وفى قوله ( لا يستطيعون سمعا ( وهذا الهدى الذى يكثر ذكره ~~في القرآن في مثل قوله ( إهدنا الصراط المستقيم ( وقوله ( فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ( وفى قوله ( ~~من يهدى الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ( وأمثال ذلك # وهذا هو الذى تنكر القدرية أن يكون الله هو الفاعل له ويزعمون أن العبد ~~هو الذى يهدى نفسه وهذا الحديث وأمثاله ms5577 حجة عليهم حيث قال ( يا عبادى كلكم ~~ضال إلا من هديته فإستهدونى أهدكم ( فأمر العباد بأن يسألوه الهداية كما ~~امرهم بذلك في أم PageV18P173 الكتاب في قوله ( إهدنا الصراط المستقيم ( ~~وعند القدرية إن الله لا يقدر من الهدى إلا على ما فعله من إرسال الرسل ~~ونصب الأدلة وإزاحة العلة ولا مزية عندهم للمؤمن على الكافر في هداية الله ~~تعالى ولا نعمة له على المؤمن أعظم من نعمته على الكافر في باب الهدى # وقد بين الإختصاص في هذه بعد عموم الدعوة في قوله ( والله يدعو إلى دار ~~السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ( فقد جمع الحديث تنزيهه عن الظلم ~~الذى يجوزه عليه بعض المثبتة وبيان أنه هو الذى يهدى عباده ردا على القدرية ~~فأخبر هناك بعدله الذى يذكره بعض المثبتة وأخبر هنا بإحسانه وقدرته الذى ~~تنكره القدرية وإن كان كل منهما قصده تعظيما لا يعرف ما إشتمل عليه قوله # والقسم الرابع الهدى في الآخرة كما قال تعالى ( إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار يحلون فيها من اساور من ذهب ~~ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ~~( وقال ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من ~~تحتهم الأنهار في جنات النعيم ( فقوله ( يهديهم ربهم بإيمانهم ( كقوله ~~PageV18P174 ( والذين آمنوا وإتبعتهم ذريتهم بإيمان الحقنا بهم ذريتهم وما ~~التناهم من عملهم من شيء ( على أحد القولين في الآية وهذا الهدى ثواب ~~الإهتداء في الدنيا كما أن ضلال الآخرة جزاء ضلال الدنيا وكما أن قصد الشر ~~في الدنيا جزاؤه الهدى إلى طريق النار كما قال تعالى ( إحشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فإهدوهم إلى صراط الجحيم ( # وقال ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ( # وقال ( فأما يأتينكم منى هدى فمن إتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ~~ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى أعمى وقد ms5578 ~~كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ( وقال ( من يهدى ~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم عميا وبكما وصما ( الآية فأخبر أن الضالين في الدنيا يحشرون يوم ~~القيامة عميا وبكما وصما فإن الجزاء أبدا من جنس العمل كما قال ( صلى الله ~~عليه وسلم الراحمون يرحمهم الرحمن إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ~~( وقال ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ومن ~~يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في ~~الدنيا PageV18P175 والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ( ~~وقال ( من سئل عن علم يعلمه فكتمه الجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ( # وقد قال تعالى ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ( وقال ( ~~إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ( وأمثال ~~هذا كثير في الكتاب والسنة # ولهذا أيضا يجزى الرجل في الدنيا على ما فعله من خير الهدى بما يفتح عليه ~~من هدى آخر ولهذا قيل من عمل بما علم ورثه الله علم مالم يعلم وقد قال ~~تعالى ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ( إلى قوله ~~( مستقيما ( وقال ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من إتبع ~~رضوانه سبل السلام وقال ( يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وآمنوا برسوله ~~يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ( وقال ( أن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا ( فسروه بالنصر والنجاة كقوله يوم الفرقان ( وقد قيل ~~نور يفرق به بين الحق والباطل ومثله قوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب ( وعد المتقين بالمخارج من الضيق وبرزق المنافع # ومن هذا الباب قوله ( والذين إهتدوا زادهم هدى وآتاهم PageV18P176 تقواهم ~~( وقوله ( أنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ( ومنه قوله ( إنا فتحنا لك ms5579 ~~فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا ( # وبإزاء ذلك أن الضلال والمعاصى تكون بسبب الذنوب المتقدمة كما قال الله ( ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ( وقالوا ( قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم ( وقال ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ( وقال ( ~~وإقسموا بالله جهد أيمانهم ( إلى قوله ( لايؤمنون ( إلى قوله ( يعمهون ( ~~وهذا باب واسع # ولهذا قال من قال من السلف أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وأن من عقوبة ~~السيئة السيئة بعدها # وقد شاع في لسان العامة أن قوله ( إتقوا الله ويعلمكم الله ( من الباب ~~الأول حيث يستدلون بذلك على إن التقوى سبب تعليم الله وأكثر الفضلاء يطعنون ~~في هذه الدلالة لأنه لم يربط الفعل الثانى بالأول ربط الجزاء بالشرط فلم ~~يقل وإتقوا الله ويعلمكم ولا قال فيعلمكم وإنما أتى بواو العطف وليس من ~~العطف ما يقتضى أن الأول سبب الثانى وقد يقال العطف قد يتضمن معنى الإقتران ~~والتلازم كما يقال زرنى وأزورك وسلم علينا ونسلم PageV18P177 عليك ونحو ذلك ~~مما يقتضى إقتران الفعلين والتعاوض من الطرفين كما لو قال لسيده إعتقنى ولك ~~على ألف أو قالت المرأة لزوجها طلقنى ولك ألف أو إخلعنى ولك الف فإن ذلك ~~بمنزلة قولها بألف أو على ألف # وكذلك أيضا لو قال أنت حر وعليك الف أو أنت طالق وعليك الف فإنه كقوله ~~على ألف أو بالف عند جمهور الفقهاء والفرق بينهما قول شاذ ويقول أحد ~~المتعاوضين للآخر أعطيك هذا وآخذ هذا ونحو ذلك من العبارات فيقول الآخر نعم ~~وإن لم يكن أحدهما هو السبب للآخر دون العكس فقوله ( وإتقوا الله ويعلمكم ~~الله ( قد يكون من هذا الباب فكل من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ~~ويلازمه ويقتضيه فمتى علمه الله العلم النافع إقترن به التقوى بحسب ذلك ~~ومتى اتقاه زاده من العلم وهلم جرا ### ||| فصل # وأما قوله ( يا عبادى كلكم جائع إلا من أطعمته فإستطعمونى أطعمكم وكلكم ~~عار إلا من ms5580 كسوته فإستكسونى أكسكم ( فيقتضي أصلين عظيمين PageV18P178 ( ~~أحدهما ( وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة كالطعام ودفع ~~المضرة كاللباس وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرة مطلقة ~~وإنما القدرة التى تحصل لبعض العباد تكون على بعض أسباب ذلك ولهذا قال ( ~~وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ( وقال ( ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التى جعل الله لكم قياما وإرزقوهم فيها وإكسوهم ( فالمأمور به هو ~~المقدور للعباد وكذلك قوله ( أو إطعام في يوم ذى مسغبة يتيما ذا مقربة أو ~~مسكينا ذا متربة ( وقوله ( فإطعموا القانع والمعتر ( وقوله ( وكلوا منها ~~وأطعموا البائس الفقير ( وقال ( وإذا قيل لهم انفقوا مما رزقكم الله قال ~~الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ( فذم من يترك ~~المأمور به إكتفاء بما يجرى به القدر # ومن هنا يعرف أن السبب المأمور به أو المباح لا ينافى وجوب التوكل على ~~الله في وجود السبب بل الحاجة والفقر إلى الله ثابتة مع فعل السبب إذ ليس ~~في المخلوقات ما هو وحده سبب تام لحصول المطلوب ولهذا لا يجب أن تقترن ~~الحوادث بما قد يجعل سببا إلا بمشيئة الله تعالى فإنه ما شاء الله كان وما ~~لم يشأ لم يكن # فمن ظن الإستغناء بالسبب عن التوكل فقد ترك ما أوجب الله عليه من التوكل ~~وأخل بواجب التوحيد ولهذا يخذل أمثال هؤلاء PageV18P179 إذا اعتمدوا على ~~الأسباب فمن رجا نصرا أو رزقا من غير الله خذله الله كما قال على رضى الله ~~عنه لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه وقد قال تعالى ( ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم ( وقال تعالى ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده ( وقال ( قل أرأيتم ما تدعون ~~من دون الله أن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ~~ممسكات ms5581 رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ( # وهذا كما أن من أخذ يدخل في التوكل تاركا لما أمر به من الأسباب فهو أيضا ~~جاهل ظالم عاص لله بترك ما أمره فإن فعل المأمور به عبادة لله وقد قال ~~تعالى ( فإعبده وتوكل عليه ( وقال ( إياك نعبد وإياك نستعين ( وقال ( قل هو ~~ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ( وقال شعيب عليه السلام ( عليه ~~توكلت وإليه أنيب ( وقال ( وما إختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم ~~الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب ( وقال ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا ~~بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة PageV18P180 والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا ~~عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ( فليس من فعل شيئا أمر به وترك ما ~~أمر به من التوكل بأعظم ذنبا ممن فعل توكلا أمر به وترك فعل ما أمر به من ~~السبب إذ كلاهما مخل ببعض ما وجب عليه وهما مع إشتراكهما في جنس الذنب فقد ~~يكون هذا ألوم وقد يكون الآخر مع أن التوكل في الحقيقة من جملة الأسباب # وقد روى أبو داود في سننه أن النبى قضى بين رجلين فقال المقضى عليه حسبى ~~الله ونعم الوكيل فقال النبى ( إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس ~~فإن غلبك أمر فقل حسبى الله ونعم الوكيل ( # وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى أنه قال ( المؤمن ~~القوى خير واحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير إحرص على ما ينفعك ~~وإستعن بالله ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ~~ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ( ففى قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( إحرص على ما ينفعك وإستعن بالله ولا تعجز ( أمر بالتسبب ~~المأمور به ms5582 وهو الحرص على المنافع وأمر مع PageV18P181 ذلك بالتوكل وهو ~~الإستعانة بالله فمن إكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين ونهى عن العجز الذى ~~هو ضد الكيس كما قال في الحديث الآخر ( إن الله يلوم على العجز ولكن عليك ~~بالكيس # وكما في الحديث الشامى ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز ~~من إتبع نفسه هواها وتمنى على الله ( فالعاجز في الحديث مقابل الكيس ومن ~~قال العاجز هو مقابل البر فقد حرف الحديث ولم يفهم معناه ومنه الحديث ( كل ~~شيء بقدر حتى العجز والكيس ( # ومن ذلك ما روى البخارى في صحيحه عن إبن عباس قال كان أهل اليمن يحجون ~~ولا يتزودون يقولون نحن المتوكلون فإذا قدموا سألوا الناس فقال الله تعالى ~~( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ( فمن فعل ما أمر به من التزود فإستعان به ~~على طاعة الله وأحسن منه إلى من يكون محتاجا كان مطيعا لله في هذين الأمرين ~~بخلاف من ترك ذلك ملتفتا إلى ازواد الحجيج كلا على الناس وإن كان مع هذا ~~قلبه غير ملتفت إلى معين فهو ملتفت إلى الجملة لكن إن كان المتزود غير قائم ~~بما يجب عليه من التوكل على الله ومواساة المحتاج فقد يكون في تركه لما أمر ~~به من جنس هذا التارك للتزود المأمور به PageV18P182 # وفى هذه النصوص بيان غلط طوائف طائفة تضعف أمر السبب المأمور به فتعده ~~نقصا أو قدحا في التوحيد والتوكل وإن تركه من كمال التوكل والتوحيد وهم في ~~ذلك ملبوس عليهم وقد يقترن بالغلط إتباع الهوى في إخلاد النفس إلى البطالة ~~ولهذا تجد عامة هذا الضرب التاركين لما أمروا به من الأسباب يتعلقون بأسباب ~~دون ذلك فأما إن يعلقوا قلوبهم بالخلق رغبة ورهبة وإما أن يتركوا لأجل ما ~~تبتلوا له من الغلو في التوكل واجبات أو مستحبات أنفع لهم من ذلك كمن يصرف ~~همته في توكله إلى شفاء مرضه بلا دواء أو نيل رزقه بلا سعى فقد يحصل ذلك ~~لكن كان مباشرة الدواء الخفيف والسعى اليسير وصرف تلك الهمة ms5583 والتوجه في عمل ~~صالح أنفع له بل قد يكون أوجب عليه من تبتله لهذا الأمر اليسير الذى قدره ~~درهم أو نحوه # وفوق هؤلاء من يجعل التوكل والدعاء أيضا نقصا وإنقطاعا عن الخاصة ظنا أن ~~ملاحظة ما فرغ منه في القدر هو حال الخاصة # وقد قال في هذا الحديث ( كلكم جائع إلا من أطعمته فإستطعمونى أطعمكم ( ~~وقال ( فإستكسونى أكسكم ( وفى الطبرانى أو غيره عن النبى قال ( ليسأل أحدكم ~~ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا إنقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر ( وهذا ~~قد يلزمه أن يجعل أيضا إستهداء الله وعمله بطاعته من ذلك PageV18P183 # وقولهم يوجب دفع المأمور به مطلقا بل دفع المخلوق والمأمور وإنما غلطوا ~~من حيث ظنوا [ أن ] سبق التقدير يمنع أن يكون بالسبب المأمور به كمن يتزندق ~~فيترك الأعمال الواجبة بناء على أن القدر قد سبق باهل السعادة واهل الشقاوة ~~ولم يعلم أن القدر سبق بالأمور على ما هي عليه فمن قدره الله من أهل ~~السعادة كان مما قدره الله تيسيره لعمل أهل السعادة ومن قدره من أهل الشقاء ~~كان مما قدره أنه تيسره لعمل أهل الشقاء كما قد أجاب النبى عن هذا السؤال ~~في حديث على بن أبى طالب وعمران بن حصين وسراقة بن جعشم وغيرهم # ومنه حديث الترمذى حدثنا إبن أبى عمر حدثنا سفيان عن الزهري عن أبى خزامة ~~عن أبيه قال سالت النبي فقلت يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى ~~نسترقى بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله ( # وطائفة تظن أن التوكل إنما هو من مقامات الخاصة المتقربين إلى الله ~~بالنوافل وكذلك قولهم في أعمال القلوب وتوابعها كالحب والرجاء والخوف ~~والشكر ونحو ذلك وهذا ضلال مبين بل جميع هذه الأمور فروض على الأعيان ~~بإتفاق اهل الإيمان ومن تركها بالكلية PageV18P184 فهو أما كافر وإما منافق ~~لكن الناس هم فيها كما هم في الأعمال الظاهرة فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات ونصوص الكتاب والسنة طافحة بذلك ms5584 وليس هؤلاء المعرضون ~~عن هذه الأمور علما وعملا بأقل لوما من التاركين لما إمروا به من أعمال ~~ظاهرة مع تلبسهم ببعض هذه الأعمال بل إستحقاق الذم والعقاب يتوجه إلى من ~~ترك المأمور من الأمور الباطنة والظاهرة وإن كانت الأمور الباطنة مبتدأ ~~الأمور الظاهرة وأصولها والأمور الظاهرة كما لها وفروعها التى لا تتم إلا ~~بها ### ||| فصل # وأما قوله ( يا عبادى إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ~~( وفى رواية ( وأنا اغفر الذنوب ولا أبالى فاستغفرونى أغفر لكم ( فالمغفرة ~~العامة لجميع الذنوب نوعان # أحدهما المغفرة لمن تاب كما في قوله تعالى ( قل يا عبادى الذين اسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله # ( إلى قوله ( ثم لا تنصرون ( فهذا السياق مع سبب نزول الآية يبين أن ~~المعنى لا ييأس مذنب من مغفرة الله ولو كانت ذنوبه ما كانت فإن الله ~~PageV18P185 سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لعبده التائب وقد دخل في هذا ~~العموم الشرك وغيره من الذنوب فإن الله تعالى يغفر ذلك لمن تاب منه قال ~~تعالى ( فإذا إنسلخ الأشهر الحرم فإقتلوا المشركين ( إلى قوله ( فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ( وقال في الآية الأخرى ( فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ( وقال ( لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ( إلى قوله ( أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه والله غفور رحيم ( # وهذا القول الجامع بالمغفرة لكل ذنب للتائب منه كما دل عليه القرآن ~~والحديث هو الصواب عند جماهير أهل العلم وإن كان من الناس من يستثنى بعض ~~الذنوب كقول بعضهم ( إن توبة الداعية إلى البدع لا تقبل باطنا للحديث ~~الإسرائيلى الذى فيه فكيف من أضللت # وهذا غلط فإن الله قد بين في كتابه وسنة رسوله أنه يتوب على ائمة الكفر ~~الذين هم اعظم من أئمة البدع وقد قال تعالى ( إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ( قال الحسن ~~البصرى إنظروا إلى هذا الكرم عذبوا أولياءه وفتنوهم ثم هو يدعوهم إلى ms5585 ~~التوبة PageV18P186 # وكذلك توبة القاتل ونحوه وحديث أبى سعيد المتفق عليه في الذى قتل تسعة ~~وتسعين نفسا يدل على قبول توبته وليس في الكتاب والسنة ما ينافى ذلك ولا ~~نصوص الوعيد فيه وفى غيره من الكبائر بمنافية لنصوص قبول التوبة فليست آية ~~الفرقان بمنسوخة بآية النساء إذ لا منافاة بينهما فإنه قد علم يقينا أن كل ~~ذنب فيه وعيد فإن لحوق الوعيد مشروط بعدم التوبة إذ نصوص التوبة مبينة لتلك ~~النصوص كالوعيد في الشرك واكل الربا واكل مال اليتيم والسحر وغير ذلك من ~~الذنوب ومن قال من العلماء توبته غير مقبولة فحقيقة قوله التى تلائم أصول ~~الشريعة أن يراد بذلك أن التوبة المجردة تسقط حق الله من العقاب # وأما حق المظلوم فلا يسقط بمجرد التوبة وهذا حق ولا فرق في ذلك بين ~~القاتل وسائر الظالمين فمن تاب من ظلم لم يسقط بتوبته حق المظلوم لكن من ~~تمام توبته أن يعوضه بمثل مظلمته وإن لم يعوضه في الدنيا فلا بد له من ~~العوض في الآخرة فينبغى للظالم التائب أن يستكثر من الحسنات حتى إذا إستوفى ~~المظلومون حقوقهم لم يبق مفلسا ومع هذا فإذا شاء الله ان يعوض المظلوم من ~~عنده فلا راد لفضله كما إذا شاء أن يغفر ما دون الشرك لمن يشاء ولهذا في ~~حديث القصاص الذى ركب فيه جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن PageV18P187 ~~أنيس شهرا حتى شافهه به وقد رواه الإمام أحمد وغيره وإستشهد به البخارى في ~~صحيحه وهو من جنس حديث الترمذى صحاحه أو حسانه قال فيه ( إذا كان يوم ~~القيامة فإن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد يسمعهم الداعى وينفذهم البصر ~~ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ~~ينبغى لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا لأحد من أهل النار قبله مظلمة ~~ولا ينبغى لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولا لأحد من أهل الجنة حتى اقصه ~~منه ( فبين في الحديث العدل والقصاص بين اهل ms5586 الجنة واهل النار # وفى صحيح مسلم من حديث ابى سعيد ( ان أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا ~~على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا اذن لهم ~~في دخول الجنة ( وقد قال سبحانه لما قال ( ولا يغتب بعضكم بعضا ( والإغتياب ~~من ظلم الأعراض قال ( أيحب احدكم أن يأكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه وإتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم ( فقد نبههم على التوبة من الإغتياب وهو من الظلم ~~وفى الحديث الصحيح من كان عنده لأخيه مظلمة في دم أو مال أو عرض فليأته ~~فليستحل منه قبل أن ياتى يوم ليس فيه درهم PageV18P188 ولا دينار إلا ~~الحسنات والسيئات فإن كان له حسنات وإلا اخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم ~~يلقى في النار ( أو كما قال ( وهذا فيما علمه المظلوم من العوض فاما إذا ~~إغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك فقد قيل من شرط توبته إعلامه وقيل لا يشترط ~~ذلك وهذا قول الأكثرين وهما روايتان عن أحمد لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع ~~المظلوم حسنات كالدعاء له والإستغفار وعمل صالح يهدى إليه يقوم مقام ~~إغتيابه وقذفه قال الحسن البصرى كفارة الغيبة أن تستغفر لمن إغتبته # وأما الذنوب التى يطلق الفقها ء فيها نفى قبول التوبة مثل قول أكثرهم لا ~~تقبل توبة الزنديق وهو المنافق وقولهم إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه ~~تسقط عنه حدود الله وكذلك قول كثير منهم أو أكثرهم في سائر الجرائم كما هو ~~أحد قولى الشافعى واصح الروايتين عن أحمد وقولهم في هؤلاء إذا تابوا بعد ~~الرفع إلى الإمام لم تقبل توبتهم فهذا إنما يريدون به رفع العقوبة المشروعة ~~عنهم أى لا تقبل توبتهم بحيث يخلى بلا عقوبة بل يعاقب أما لأن توبته غير ~~معلومة الصحة بل يظن به الكذب فيها وأما لأن رفع العقوبة بذلك يفضى إلى ~~إنتهاك المحارم وسد باب العقوبة على الجرائم ولا يريدون بذلك إن من تاب من ~~هؤلاء توبة صحيحة فإن الله لا يقبل توبته في الباطن إذ PageV18P189 ليس ms5587 هذا ~~قول أحد من أئمة الفقهاء بل هذه التوبة لا تمنع إلا إذا عاين أمر الآخرة ~~كما قال تعالى ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون ~~من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن ولا الذين يموتون ~~وهم كفار ( الآية # قال أبو العالية سألت اصحاب محمد عن ذلك فقالوا لى كل من عصى الله فهو ~~جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وأما من تاب عند معاينة الموت ~~فهذا كفرعون الذى قال ( أنا الله ( فلما أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذى آمنت به بنواإسرائيل وأنا من المسلمين ( قال الله ( الآن وقد عصيت ~~قبل وكنت من المفسدين ( وهذا إستفهام إنكار بين به أن هذه التوبة ليست هي ~~التوبة المقبولة المأمور بها فإن إستفهام الإنكار إما بمعنى النفى إذا قابل ~~الأخبار وإما بمعنى الذم والنهى إذا قابل الإنشاء وهذا من هذا # ومثله قوله تعالى ( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما PageV18P190 راوا ~~بأسنا ( الآية بين أن التوبة بعد رؤية البأس لا تنفع وإن هذه سنة الله التى ~~قد خلت في عباده كفرعون وغيره وفى الحديث ) ( إن الله يقبل توبة العبد ما ~~لم يغرغر ( وروى ( مالم يعاين ( # وقد ثبت في الصحيحين أنه عرض على عمه التوحيد في مرضه الذى مات فيه وقد ~~عاد يهوديا كان يخدمه فعرض عليه الإسلام فأسلم فقال ( الحمد لله الذى انقذه ~~بى من النار ( ثم قال لأصحابه ( آووا أخاكم ( # ومما يبين ان المغفرة العامة في الزمر هي للتائبين أنه قال في سورة ~~النساء ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( فقيد ~~المغفرة بما دون الشرك وعلقها على المشيئة وهناك أطلق وعمم فدل هذا ms5588 التقييد ~~والتعليق على أن هذا في حق غير التائب ولهذا إستدل أهل السنة بهذه الآية ~~على جواز المغفرة لأهل الكبائر في الجملة خلافا لمن أوجب نفوذ الوعيد بهم ~~من الخوارج والمعتزلة وإن كان المخالفون لهم قد أسرف فريق منهم من المرجئة ~~حتى توقفوا في لحوق الوعيد بأحد من أهل القبلة كما يذكر عن غلاتهم أنهم ~~نفوه مطلقا ودين الله وسط بين الغالى فيه والجافى عنه ونصوص الكتاب والسنة ~~مع إتفاق سلف الأمة وأئمتها متطابقة على أن من اهل الكبائر PageV18P191 من ~~يعذب وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان # ( النوع الثانى ( من المغفرة العامة التى دل عليها قوله ( يا عبادى إنكم ~~تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ( # المغفرة بمعنى تخفيف العذاب أو بمعنى تأخيره إلى أجل مسمى وهذا عام مطلقا ~~ولهذا شفع النبى في ابى طالب مع موته على الشرك فنقل من غمرة من نار حتى ~~جعل في ضحضاح من نار في قدميه نعلان من نار يغلى منهما دماغه قال ( ولولا ~~انا لكان في الدرك الأسفل من النار ( وعلى هذا المعنى دل قوله سبحانه ( ولو ~~يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ( ولو يؤاخذ الله ~~الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير ( ### ||| فصل # واما قوله عز وجل ( يا عبادى أنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى ولن تبلغوا نفعى ~~فتنفعونى ( فإنه هو بين بذلك أنه ليس هو فيما يحسن به إليهم من إجابة ~~الدعوات وغفران الزلات بالمستعيض PageV18P192 بذلك منهم جلب منفعة أو دفع ~~مضرة كما هي عادة المخلوق الذى يعطى غيره نفعا ليكافئه عليه بنفع أو يدفع ~~عنه ضررا ليتقى بذلك ضرره فقال ( أنكم لن تبلغوا نفعى فتنفعونى ولن تبلغوا ~~ضرى فتضرونى ) فلست إذا أخصكم بهداية المستهدى وكفاية المستكفى المستطعم ~~والمستكسى بالذى أطلب أن تنفعونى ولا أنا إذا غفرت خطاياكم بالليل والنهار ~~أتقى بذلك ان تضرونى فإنكم لن تبلغوا نفعى فتنفعونى ولن تبلغوا ms5589 ضرى فتضرونى ~~إذ هم عاجزون عن ذلك بل ما يقدرون عليه من الفعل لا يقدرون عليه إلا ~~بتقديره وتدبيره فكيف بما لا يقدرون عليه فكيف بالغنى الصمد الذى يمتنع ~~عليه أن يستحق من غيره نفعا أو ضرا وهذا الكلام كما بين أن ما يفعله بهم من ~~جلب المنافع ودفع المضار فإنهم لن يبلغوا أن يفعلوا به مثل ذلك فكذلك يتضمن ~~أن ما يأمرهم به من الطاعات وما ينهاهم عنه من السيئات فإنه لا يتضمن ~~إستجلاب نفعهم كامر السيد لعبده أو الوالد لولده والأمير لرعيته ونحو ذلك ~~ولا دفع مضرتهم كنهى هؤلاء أو غيرهم لبعض الناس عن مضرتهم # فإن المخلوقين يبلغ بعضهم نفع بعض ومضرة بعض وكانوا في أمرهم ونهيهم قد ~~يكونون كذلك والخالق سبحانه مقدس عن ذلك فبين تنزيهه عن لحوق نفعهم وضرهم ~~في إحسانه إليهم بما يكون من PageV18P193 أفعاله بهم وأوأمره لهم قال قتادة ~~أن الله لم يأمر العباد بما امرهم به لحاجته إليهم ولا نهاهم عما نهاهم عنه ~~بخلا به عليهم ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم ### ||| فصل # ولهذا ذكر هذين الأصلين بعد هذا فذكر أن برهم وفجورهم الذى هو طاعتهم ~~ومعصيتهم لا يزيد في ملكه ولا ينقص وأن إعطاءه إياهم غاية ما يسألونه نسبته ~~إلى ما عنده أدنى نسبة وهذا بخلاف الملوك وغيرهم ممن يزداد ملكه بطاعة ~~الرعية وينقص ملكه بالمعصية وإذا أعطى الناس ما يسألونه أنفد ما عنده ولم ~~يغنهم وهم في ذلك يبلغون مضرته ومنفعته وهو يفعل ما يفعله من إحسان وعفو ~~وامر ونهى لرجاء المنفعة وخوف المضرة فقال يا عبادى لو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا يا ~~عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ~~ذلك من ملكى شيئا ( إذ ملكه هو قدرته على التصرف فلا تزداد بطاعتهم ولا ~~تنقص بمعصيتهم كما تزداد قدرة الملوك بكثرة المطيعين لهم وتنقص بقلة ~~المطيعين لهم ms5590 فإن ملكه متعلق PageV18P194 بنفسه وهو خالق كل شيء وربه ~~ومليكه وهو الذى يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء # والملك قد يراد به القدرة على التصرف والتدبير ويراد به نفس التدبير ~~والتصرف ويراد به المملوك نفسه الذى هو محل التدبير ويراد به ذلك كله وبكل ~~حال فليس بر الأبرار وفجور الفجار موجبا لزيادة شيء من ذلك ولا نقصه بل هو ~~بمشيئته وقدرته يخلق ما يشاء فلو شاء أن يخلق مع فجور الفجار ما شاء لم ~~يمنعه من ذلك مانع كما يمنع الملوك فجور رعاياهم التى تعارض أوامرهم عما ~~يختارونه من ذلك ولو شاء أن لا يخلق مع بر الأبرار شيئا مما خلقه لم يكن ~~برهم محوجا له إلى ذلك ولا معينا له كما يحتاج الملوك ويستعينون بكثرة ~~الرعايا المطيعين ### ||| فصل # ثم ذكر حالهم في النوعين سؤال بره وطاعة أمره الذين ذكرهما في الحديث حيث ~~ذكر الإستهداء والإستطعام والإستكساء وذكر الغفران والبر والفجور فقال ( لو ~~أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا في صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان ~~منهم مسألته PageV18P195 ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل ~~البحر ( والخياط والمخيط ما يخاط به إذ الفعال والمفعل والمفعال من صيغ ~~الآلات التى يفعل بها كالمسعر والمخلاب والمنشار فبين أن جميع الخلائق إذا ~~سألوا وهم في مكان واحد وزمان واحد فأعطى كل إنسان منهم مسألته لم ينقصه ~~ذلك مما عنده إلا كما ينقص الخياط ( وهى الإبرة ( إذا غمس في البحر # وقوله ( لم ينقص مما عندى ( فيه قولان # ( أحدهما ( أنه يدل على أن عنده أمورا موجودة يعطيهم منها ما سألوه إياه ~~وعلى هذا فيقال لفظ النقص على حاله لأن الإعطاء من الكثير وإن كان قليلا ~~فلا بد أن ينقصه شيئا ما ومن رواه ( لم ينقص من ملكى ( يحمل على ما عنده ~~كما في هذا اللفظ فإن قوله ( مما عندى ( فيه تخصيص ليس هو في قوله ( من ~~ملكى ( وقد يقال المعطى أما أن يكون أعيانا قائمة بنفسها أو صفات قائمة ms5591 ~~بغيرها فأما الأعيان فقد تنقل من محل إلى محل فيظهر النقص في المحل الأول ~~وأما الصفات فلا تنقل من محلها وأن وجد نظيرها في محل آخر كما يوجد نظير ~~علم المعلم في قلب المتعلم من غير زوال علم المعلم وكما يتكلم المتكلم ~~بكلام المتكلم قبله من غير إنتقال كلام المتكلم الأول إلى PageV18P196 ~~الثانى وعلى هذا فالصفات لا تنقص مما عنده شيئا وهى من المسؤول كالهدى # وقد يجاب عن هذا بانه هو من الممكن في بعض الصفات أن لا يثبت مثلها في ~~المحل الثانى حتى تزول عن الأول كاللون الذى ينقص وكالروائح التى تعبق ~~بمكان وتزول كما دعا النبى على حمى المدينة أن تنقل إلى مهيعة وهى الجحفة ~~وهل مثل هذا الإنتقال بإنتقال عين العرض الأول أو بوجود مثله من غير إنتقال ~~عينه فيه للناس قولان إذ منهم من يجوز إنتقال الأعراض بل من يجوز أن تجعل ~~الأعراض أعيانا كما هو قول ضرار والنجار وأصحابهما كبرغوث وحفص الفرد لكن ~~إن قيل هو بوجود مثله من غير إنتقال عينه فذلك يكون مع إستحالة العرض الأول ~~وفنائه فيعدم عن ذلك المحل ويوجد مثله في المحل الثانى # والقول الثانى أن لفظ النقص هنا كلفظ النقص في حديث موسى والخضر الذى في ~~الصحيحين من حديث إبن عباس عن أبى بن كعب عن النبى وفيه ( أن الخضر قال ~~لموسى لما وقع عصفور على قارب السفينة فنقر في البحر فقال يا موسى ما نقص ~~علمى وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر ( ومن ~~المعلوم أن نفس علم الله القائم بنفسه لا يزول منه PageV18P197 شيء بتعلم ~~العباد وإنما المقصود أن نسبة علمى وعلمك إلى علم الله كنسبة ما علق بمنقار ~~العصفور إلى البحر # ومن هذا الباب كون العلم يورث كقوله ( العلماء ورثة الأنبياء ( ومنه قوله ~~( وورث سليمان داود ( ومنه توريث الكتاب أيضا كقوله ( ثم أورثنا الكتاب ~~الذين إصطفينا من 2 عبادنا ( ومثل هذه العبارة من النقص ونحوه تستعمل في ~~هذا وإن كان العلم ms5592 الأول ثابتا كما قال سعيد بن المسيب لقتادة وقد أقام ~~عنده أسبوعا سأله فيه مسائل عظيمة حتى عجب من حفظه وقال نزفتنى يا أعمى ~~وإنزاف القليب ونحوه هو رفع ما فيه بحيث لا يبقى فيه شيء ومعلوم إن قتادة ~~لو تعلم جميع علم سعيد لم يزل علمه من قلبه كما يزول الماء من القليب لكن ~~قد يقال التعليم إنما يكون بالكلام والكلام يحتاج إلى حركة وغيرها مما يكون ~~بالمحل ويزول عنه ولهذا يوصف بأنه يخرج من المتكلم كما قال تعالى ( كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا ( # ويقال قد أخرج العالم هذا الحديث ولم يخرج هذا فإذا كان تعليم العلم ~~بالكلام المستلزم زوال بعض ما يقوم بالمحل وهذا نزيف وخروج كان كلام سعيد ~~بن المسيب على حقيقته ومضمونه أنه في تلك السبع الليالى من كثرة ما أجابه ~~وكلمه فارقه أمور قامت به من حركات وأصوات PageV18P198 بل ومن صفات قائمة ~~بالنفس كان ذلك نزيفا ومما يقوى هذا المعنى أن الإنسان وإن كان علمه في ~~نفسه فليس هو أمرا لازما للنفس لزوم الألوان للمتلونات بل قد يذهل الإنسان ~~عنه ويغفل وقد ينساه ثم يذكره فهو شيء يحضر تارة ويغيب أخرى وإذا تكلم به ~~الإنسان وعلمه فقد تكل النفس وتعى حتى لا يقوى على استحضاره إلا بعد مدة ~~فتكون في تلك الحال خالية عن كمال تحققه واستحضاره الذى يكون به العالم ~~عالما بالفعل وإن لم يكن نفس ما زال هو بعينه القائم في نفس السائل ~~والمستمع ومن قال هذا يقول كون التعليم يرسخ العلم من وجه لا ينافى ما ~~ذكرناه وإذا كان مثل هذا النقص والنزيف معقولا في علم العباد كان إستعمال ~~لفظ النقص في علم الله بناء على اللغة المعتادة في مثل ذلك وإن كان هو ~~سبحانه منزها عن إتصافه بضد العلم بوجه من الوجوه أو عن زوال علمه عنه لكن ~~في قيام أفعال به وحركات نزاع بين الناس من المسلمين وغيرهم وتحقيق الأمر ~~أن المراد ما أخذ علمى وعلمك ms5593 من علم الله وما نال علمى وعلمك من علم الله ~~وما أحاط علمى وعلمك من علم الله كما قال ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شاء ( إلا كما نقص أو أخذ أو نال هذا العصفور من هذا البحر أى نسبة هذا ~~إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا وإن كان المشبه به جسما ينتقل من محل إلى محل ~~ويزول PageV18P199 عن المحل الأول # وليس المشبه كذلك فإن هذا الفرق هو فرق ظاهر يعلمه المستمع من غير التباس ~~كما قال ( أنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ( فشبه الرؤية بالرؤية ~~وهى وأن كانت متعلقة بالمرئى في الرؤية المشبهة والرؤية المشبه بها لكن قد ~~علم المستمعون أن المرئى ليس مثل المرئى فكذلك هنا شبه النقص بالنقص وإن ~~كان كل من الناقص والمنقوص والمنقوص منه المشبه ( به ) ليس مثل الناقص ~~والمنقوص والمنقوص منه المشبه به # ولهذا كل أحد يعلم أن المعلم لا يزول علمه بالتعليم بل يشبهونه بضوء ~~السراج الذى يحدث يقتبس منه كل أحد ويأخذون ما شاءوا من الشهب وهو باق ~~بحاله وهذا تمثيل مطابق فإن المستوقد من السراج يحدث الله في فتيلته أو ~~وقوده نارا من جنس تلك النار وإن كان قد يقال أنها تستحيل عن ذلك الهواء مع ~~أن النار الأولى باقية كذلك المتعلم يجعل في قلبه مثل علم المعلم مع بقاء ~~علم المعلم ولهذا قال على رضى الله عنه العلم يزكو على العمل أو قال على ~~التعليم والمال ينقصه النفقة وعلى هذا فيقال في حديث أبى ذر أن قوله ( مما ~~عندى ( وقوله ( من ملكى ( هو من هذا الباب # وحينئذ فله وجهان # ( أحدهما ( أن يكون ما أعطاهم خارجا عن مسمى ملكه ومسمى ما PageV18P200 ~~عنده كما أن علم الله لا يدخل فيه نفس علم موسى والخضر # و ( الثانى ( أن يقال بل لفظ الملك وما عنده يتناول كل شيء وما أعطاهم ~~فهو جزء من ملكه ومما عنده ولكن نسبته إلى الجملة هذه النسبة الحقيرة ومما ~~يحقق هذا القول الثانى أن الترمذى روى هذا ms5594 الحديث من طريق عبد الرحمن بن ~~غنم عن أبى ذر مرفوعا فيه ( لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ورطبكم ~~ويابسكم سألونى حتى تنتهى مسألة كل واحد منهم فأعطيتهم ما سألونى ما نقص ~~ذلك مما عندى كمغرز إبرة لو غمسها أحدكم في البحر وذلك إنى جواد ما جد واجد ~~عطائى كلام وعذابى كلام إنما أمرى لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون ( ~~فذكره سبحانه ( أن عطاءه كلام وعذابه كلام يدل على أنه هو أراد بقوله ( من ~~ملكى ( و ( مما عندى ( أى من مقدورى فيكون هذا في القدرة كحديث الخضر في ~~العلم والله أعلم # ويؤيد ذلك أن في اللفظ الآخر الذى في نسخة أبى مسهر ( لم ينقص ذلك من ~~ملكى شيئا إلا كما ينقص البحر ( وهذا قد يقال فيه انه إستثناء منقطع أى لم ~~ينقص من ملكى شيئا لكن يكون حاله حال هذه النسبة وقد يقال بل هو تام ~~والمعنى على ما سبق PageV18P201 ### ||| فصل # ثم ختمه بتحقيق ما بينه فيه من عدله وإحسانه فقال ( يا عبادى إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( فبين أنه محسن إلى عباده في الجزاء على أعمالهم ~~الصالحة إحسانا يستحق به الحمد لأنه هو المنعم بالأمر بها والإرشاد إليها ~~والإعانة عليها ثم إحصائها ثم توفية جزائها فكل ذلك فضل منه وإحسان إذ كل ~~نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وهو وإن كان قد كتب على نفسه الرحمة وكان ~~حقا عليه نصر المؤمنين كما تقدم بيانه فليس وجوب ذلك كوجوب حقوق الناس ~~بعضهم على بعض الذى يكون عدلا لا فضلا لأن ذلك إنما يكون لكون بعض الناس ~~أحسن إلى البعض فإستحق المعاوضة وكان إحسانه إليه بقدرة المحسن دون المحسن ~~إليه ولهذا لم يكن المتعاوضان ليخص أحدهما بالتفضل على الآخر لتكافئهما وهو ~~قد بين في الحديث أن العباد لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه ~~فإمتنع حينئذ أن يكون لأحد من جهة ms5595 نفسه عليه حق بل هو الذى أحق الحق على ~~نفسه بكلماته فهو المحسن بالإحسان وبإحقاقه PageV18P202 وكتابته على نفسه ~~فهو في كتابة الرحمة على نفسه وإحقاقه نصر عباده المؤمنين ونحو ذلك محسن ~~إحسانا مع إحسان # فليتدبر اللبيب هذه التفاصيل التى يتبين بها فصل الخطاب في هذه المواضع ~~التى عظم فيها الإضطراب فمن بين موجب على ربه بالمنع أن يكون محسنا متفضلا ~~ومن بين مسو بين عدله وإحسانه وما تنزه عنه من الظلم والعدوان وجاعل الجميع ~~نوعا واحدا وكل ذلك حيد عن سنن الصراط المستقيم والله يقول الحق وهو يهدى ~~السبيل # وكما بين أنه محسن في الحسنات متم إحسانه بإحصائها والجزاء عليها بين أنه ~~عادل في الجزاء على السيئات فقال ( ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( ~~كما تقدم بيانه في مثل قوله ( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ( وعلى هذا ~~الأصل إستقرت الشريعة الموافقة لفطرة الله التى فطر الناس عليها كما في ~~الحديث الصحيح الذى رواه البخارى عن شداد بن أوس عن النبى أنه قال سيد ~~الإستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك ~~وأنا على عهدك ووعدك ما إستطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على ~~وأبوء بذنبى فإغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ( ففى قوله ( أبوء لك ~~بنعمتك على ( إعتراف بنعمته عليه في الحسنات وغيرها وقوله ( وأبوء بذنبى ~~PageV18P203 إعتراف منه بأنه مذنب ظالم لنفسه وبهذا يصير العبد شكورا لربه ~~مستغفرا لذنبه فيستوجب مزيد الخير وغفران الشر من الشكور الغفور الذى يشكر ~~اليسير من العمل ويغفر الكثير من الزلل # وهنا إنقسم الناس ثلاثة أقسام في إضافة الحسنات والسيئات التى هى الطاعات ~~والمعاصى إلى ربهم وإلى نفوسهم فشرهم الذى إذا أساء أضاف ذلك إلى القدر ~~وإعتذر بأن القدر سبق بذلك وأنه لا خروج له على القدر فركب الحجة على ربه ~~في ظلمه لنفسه وإن أحسن أضاف ذلك إلى نفسه ونسى نعمة الله عليه في تيسيره ~~لليسرى وهذا ليس مذهب طائفة ms5596 من بنى آدم ولكنه حال شرار الجاهلين الظالمين ~~الذين لاحفظوا حدود الأمر والنهى ولا شهدوا حقيقة القضاء والقدر كما قال ~~فيهم الشيخ أبو الفرج إبن الجوزى أنت عند الطاعة قدرى وعند المعصية جبرى أى ~~مذهب وافق هواك تمذهبت به # وخير الأقسام وهو القسم المشروع وهو الحق الذى جاءت به الشريعة أنه إذا ~~أحسن شكر نعمة الله عليه وحمده إذ أنعم عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله ~~مسيئا فإنه فقير محتاج في ذاته وصفاته وجميع حركاته وسكناته إلى ربه ولا ~~حول ولا قوة إلا به فلو لم يهده لم يهتد كما قال أهل الجنة ( الحمد لله ~~الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق ( وإذا PageV18P204 أساء إعترف بذنبه وإستغفر ربه وتاب منه وكان ~~كابيه آدم الذى قال ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين ( ولم يكن كإبليس الذى قال ( فبما أغويتنى لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ( ولم يحتج بالقدر على ترك مأمور ~~ولا فعل محظور مع إيمانه بالقدر خيره وشره وإن الله خالق كل شيء وربه ~~ومليكه وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه يهدى من يشاء ويضل من ~~يشاء ونحو ذلك # وهؤلاء هم الذين اطاعوا الله في قوله في هذا الحديث الصحيح ( فمن وجد ~~خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( ولكن بسط ذلك ~~وتحقيق نسبة الذنب إلى النفس مع العلم بأن الله خالق أفعال العباد فيه ~~أسرار ليس هذا موضعها ومع هذا فقوله تعالى ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك ( ليس المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصى ~~كما يظنه كثير من الناس حتى يحرف بعضهم القرآن ويقرأ ( فمن نفسك ( ومعلوم ms5597 ~~أن معنى هذه القراءة يناقض القراءة المتواترة وحتى يضمر بعضهم القول على ~~وجه الإنكار له وهو قول PageV18P205 الله الحق فيجعل قول الله الصدق الذى ~~يحمد ويرضى قولا للكفار يكذب به ويذم ويسخط بالإضمار الباطل الذى يدعيه من ~~غير أن يكون في السياق ما يدل عليه # ثم إن من جهل هؤلاء ظنهم أن في هذه الآية حجة للقدرية وإحتجاج بعض ~~القدرية بها وذلك أنه لا خلاف بين الناس في أن الطاعات والمعاصى سواء من ~~جهة القدر فمن قال إن العبد هو الموجد لفعله دون الله أو هو الخالق لفعله ~~وأن الله لم يخلق أفعال العباد فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية # ومن أثبت خلق الأفعال وأثبت الجبر أو نفاه أو أمسك عن نفيه وإثباته مطلقا ~~وفصل المعنى أو لم يفصله فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية فتبين أن إدخال ~~هذه الآية في القدر في غاية الجهالة وذلك أن الحسنات والسيئات في الآية ~~المراد بها المسار والمضار دون الطاعات والمعاصى كما في قوله تعالى ( ~~وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ( وهو الشر والخير في قوله ( ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة ( # وكذلك قوله ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ( وقوله ~~تعالى ( ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى ( ~~وقوله تعالى ( وما أرسلنا في PageV18P206 قرية من نبى إلا أخذنا أهلها ~~بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء ~~والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ( وقال تعالى ( فإذا جاءتهم الحسنة ~~قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ( # فهذه حال فرعون وملئه مع موسى ومن معه كحال الكفار والمنافقين والظالمين ~~مع محمد وأصحابه إذا أصابهم نعمة وخير قالوا لنا هذه أو قالوا هذه من عند ~~الله وإن اصابهم عذاب وشر تطيروا بالنبى والمؤمنين وقالوا هذه بذنوبهم ~~وإنما هي بذنوب أنفسهم لا بذنوب المؤمنين وهو سبحانه ذكر هذا في بيان حال ~~الناكلين عن الجهاد الذين يلومون المؤمنين على الجهاد فإذا ms5598 أصابهم نصر ~~ونحوه قالوا هذا من عند الله وإن أصابتهم محنة قالوا هذه من عند هذا الذى ~~جاءنا بالأمر والنهى والجهاد قال الله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا خذوا ~~حذركم ( إلى قوله ( وإن منكم لمن ليبطئن ( إلى قوله ( ألم تر إلى الذين قيل ~~لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا ~~فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا ~~القتال ( إلى قوله ( اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن ~~تصبهم حسنة ( أى هؤلاء المذمومين ( يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك ( أي بسبب أمرك ونهيك PageV18P207 قال الله تعالى ( فما ~~لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما اصابك من حسنة ( أى من نعمة ( فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ( أى فبذنبك # كما قال ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ( وقال ( وإن تصبهم سيئة ~~بما قدمت ايديهم ( # واما القسم الثالث في هذا الباب فهم قوم لبسوا الحق بالباطل وهم بين أهل ~~الإيمان اهل الخير وبين شرار الناس وهم الخائضون في القدر بالباطل فقوم ~~يرون أنهم هم الذين يهدون انفسهم ويضلونها ويوجبون لها فعل الطاعة وفعل ~~المعصية بغير إعانة منه وتوفيق للطاعة ولا خذلان منه في المعصية وقوم لا ~~يثبتون لأنفسهم فعلا ولا قدرة ولا أمرا # ثم من هؤلاء من ينحل عن الأمر والنهى فيكون أكفر الخلق وهم في إحتجاجهم ~~بالقدر متناقضون إذ لابد من فعل يحبونه وفعل يبغضونه ولا بد لهم ولكل أحد ~~من دفع الضرر الحاصل بأفعال المعتدين فإذا جعلوا الحسنات والسيئات سواسيه ~~لم يمكنهم أن يذموا أحدا ولا يدفعوا ظالما ولا يقابلوا مسيئا وان يبيحوا ~~للناس من انفسهم كل ما يشتهيه مشته ونحو ذلك من الأمور التى لا يعيش ~~PageV18P208 عليها بنو آدم إذ هم مضطرون إلى شرع فيه أمر ونهى أعظم من ~~إضطرارهم إلى الأكل واللباس # وهذا باب واسع لشرحه موضع غير هذا وإنما نبهنا على ما في الحديث ms5599 من ~~الكلمات الجامعة والقواعد النافعة بنكت مختصرة تنبه الفاضل على ما في ~~الحقائق من الجوامع والفوارق التى تفصل بين الحق والباطل في هذه المضائق ~~بحسب ما أحتملته أوراق السائل والله ينفعنا وسائر إخواننا المؤمنين بما ~~علمناه ويعلمنا ما ينفعنا ويزيدنا علما ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ ~~منه إلا إليه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وإستغفر الله العظيم لي ~~ولجميع إخواننا المؤمنين # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما PageV18P209 ### || 1 ( شرح حديث كان الله ولم يكن شىء قبله ) 1 # ! 8 < ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( # ( بسم الله الرحمن الرحيم ( # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات ~~اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ونشهد ان لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله تسليما ( ! 8 < ### ||| فصل # في صحيح البخارى وغيره من حديث عمران بن حصين رضى الله عنه ان النبى قال ~~( يا بنى تميم اقبلوا البشرى ( قالوا قد بشرتنا فإعطنا فأقبل على أهل اليمن ~~فقال ( يا اهل PageV18P210 اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم ( ~~فقالوا ( قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن ~~أول هذا الأمر فقال ( كان الله ولم يكن شيء قبله ( وفى لفظ ( معه ( وفى لفظ ~~( غيره ( وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض ( ~~وفى لفظ ثم خلق السماوات والأرض ( ثم جاءنى رجل فقال ادرك ناقتك فذهبت فإذا ~~السراب ينقطع دونها فوالله لوددت أنى تركتها ولم أقم # قوله ( كتب في الذكر ( يعنى اللوح المحفوظ كما قال ( ولقد كتبنا في ~~الزبور من بعد الذكر ( أى من بعد اللوح المحفوظ يسمى ما يكتب في الذكر ذكرا ~~كما يسمى ما يكتب فيه كتابا كقوله عز وجل ( أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ( # والناس في هذا الحديث على قولين منهم من قال إن مقصود الحديث اخباره بأن ~~الله كان موجودا ms5600 وحده ثم أنه إبتدأ إحداث جميع الحوادث واخباره بأن الحوادث ~~لها إبتداء بجنسها واعيانها مسبوقة بالعدم وإن جنس الزمان حادث لافى زمان ~~وجنس الحركات والمتحركات حادث وإن الله صار فاعلا بعد ان لم يكن يفعل شيئا ~~من الأزل إلى حين إبتدأ الفعل ولا كان الفعل ممكنا # ثم هؤلاء على قولين منهم من يقول وكذلك صار متكلما بعد PageV18P211 إن لم ~~يكن يتكلم بشيء بل ولا كان الكلام ممكنا له ومنهم من يقول الكلام امر يوصف ~~به بأنه يقدر عليه لا أنه يتكلم بمشيئته وقدرته بل هو امر لازم لذاته بدون ~~قدرته ومشيئته ثم هؤلاء منهم من يقول هو المعنى دون اللفظ المقروء عبر عنه ~~بكل من التوارة والإنجيل والزبور والفرقان ومنهم من يقول بل هو حروف وأصوات ~~لازمة لذاته لم تزل ولا تزال وكل ألفاظ الكتب التى أنزلها وغير ذلك والقول ~~الثانى في معنى الحديث أنه ليس مراد الرسول هذا بل ان الحديث يناقض هذا ~~ولكن مراده اخباره عن خلق هذا العالم المشهود الذى خلقه الله في ستة أيام ~~ثم إستوى على العرش ( كما اخبر القرآن العظيم بذلك في غير موضع فقال تعالى ~~( وهو الذى خلق السماوات والأرض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ( وقد ثبت ~~في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين الف سنة وكان ~~عرشه على الماء ( فأخبر صلى الله عليه وسلم أن تقدير خلق هذا العالم ~~المخلوق في ستة أيام وكان حينئذ عرشه على الماء كما اخبر بذلك القرآن ~~والحديث المتقدم الذى رواه البخارى في صحيحه عن عمران رضى الله عنه # PageV18P212 # ومن هذا الحديث الذى رواه الترمذى وأبوداود وغيرهما من عبادة بن الصامت ~~عن النبى أنه قال ( أول ما خلق الله القلم فقال له ( أكتب قال وما اكتب قال ~~ما هو كائن إلى يوم القيامة ( فهذا القلم خلقه لما امره بالتقدير المكتوب ~~قبل خلق السماوات والأرض بخمسين الف ms5601 سنة وكان مخلوقا قبل خلق السماوات ~~والأرض وهو اول ما خلق من هذا العالم وخلقه بعد العرش كما دلت عليه النصوص ~~وهو قول جمهور السلف كما ذكرت أقوال السلف في غير هذا الموضع # والمقصود هنا بيان ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة # والدليل على هذا القول الثانى وجوه # ( أحدها ( أن قول أهل اليمن ( جئناك لنسألك عن اول هذا الأمر ( إما أن ~~يكون الأمر المشار إليه هذا العالم أو جنس المخلوقات فإن كان المراد هو ~~الأول كان النبى صلى الله عليه وسلم قد أجابهم لأنه اخبرهم عن أول خلق هذا ~~العالم وإن كان المراد الثانى لم يكن قد اجابهم لأنه لم يذكر أول الخلق ~~مطلقا بل قال ( كان الله ولا شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر ~~كل شيء ثم خلق السماوات والأرض ( فلم يذكر إلا خلق السماوات والأرض ~~PageV18P213 لم يذكر خلق العرش مع ان العرش مخلوق أيضا فإنه يقول ( وهو رب ~~العرش العظيم ( وهو خالق كل شيء العرش وغيره ورب كل شيء العرش وغيره وفى ~~حديث أبى رزين قد أخبر النبى بخلق العرش وأما في حديث عمران فلم يخبر بخلقه ~~بل أخبر بخلق السماوات والأرض فعلم أنه أخبر بأول خلق هذا العالم لا بأول ~~الخلق مطلقا # وإذا كان إنما أجابهم بهذا علم أنهم إنما سألوه عن هذا لم سألوه عن أول ~~الخلق مطلقا فإنه لا يجوز أن يكون أجابهم عما لم يسألوه عنه ولم يجبهم عما ~~سألوا عنه بل هو منزه عن ذلك مع ان لفظه إنما يدل على هذا لا يدل على ذكره ~~أول الخلق وإخباره بخلق السماوات والأرض بعد ان كان عرشه على الماء يقصد به ~~الإخبار عن ترتيب بعض المخلوقات على بعض فإنهم لم يسألوه عن مجرد الترتيب ~~وإنما سألوه عن اول هذا الأمر فعلم انهم سألوه عن مبدأ خلق هذا العالم ~~فأخبرهم بذلك كما نطق في أولها في اول الأمر ( خلق الله السماوات والأرض ( ~~وبعضهم يشرحها في البدء أو في الإبتداء خلق الله السماوات ms5602 والأرض # والمقصود أن فيها الإخبار بإبتداء خلق السماوات والأرض وانه كان الماء ~~غامرا للأرض وكانت الريح تهب على الماء فأخبر أنه PageV18P214 حينئذ كان ~~هذا ماء وهواء وترابا وأخبر في القرآن العظيم انه خلق السماوات والأرض في ~~ستة ايام وكان على عرشه في الماء وفى الاية الآخرى ( ثم إستوى إلى السماء ~~وهى دخان فقال لها وللأرض ائتنيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ( وقد ~~جاءت الآثار عن السلف بان السماء خلقت من بخار الماء وهو الدخان والمقصود ~~هنا ان النبى أجابهم عما سألوه عنه ولم يذكر إلا إبتداء خلق السماوات ~~والأرض فدل على ان قولهم ( جئنا لنسألك عن أول هذا الأمر ( كان مرادهم خلق ~~هذا العالم والله أعلم # ( الوجه الثانى ( أن قولهم ( هذا الأمر إشارة إلى حاضر موجود والأمر يراد ~~به المصدر ويراد به المفعول به وهو المأمور الذى كونه الله بأمره وهذا ~~مرادهم فإن الذى هو قوله كن ليس مشهودا مشارا إليه بل المشهود المشار إليه ~~هذا المأمور به قال تعالى ( وكان أمر الله قدرا مقدورا ( وقال تعالى ( أتى ~~أمر الله ونظائره متعددة ولو سألوه عن اول الخلق مطلقا لم يشيروا إليه بهذا ~~فإن ذاك لم يشهدوه فلا يشيرون إليه بهذا بل لم يعلموه أيضا فإن ذاك لا يعلم ~~إلا بخبر الأنبياء والرسول لم يخبرهم بذلك ولو كان قد أخبرهم به لما سألوه ~~عنه فعلم أن سؤالهم كان PageV18P215 عن أول هذا العالم المشهود # ( الوجه الثالث ( أنه قال ( كان الله ولم يكن شيء قبله ( وقد روى معه ~~وروى غيره والألفاظ الثلاثة في البخارى والمجلس كان واحدا وسؤالهم وجوابه ~~كان في ذلك المجلس وعمران الذى روى الحديث لم يقم منه حين إنقضى المجلس بل ~~قام لما اخبر بذهاب راحلته قبل فراغ المجلس وهو المخبر بلفظ الرسول فدل على ~~أنه إنما قال أحد الألفاظ والآخران رويا بالمعنى وحينئذ فالذى ثبت عنه لفظ ~~( القبل ( فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى أنه كان يقول في ~~دعائه ( أنت الأول فليس قبلك ms5603 شيء وانت الآخر فليس بعدك شيء وانت الظاهر ~~فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ( وهذا موافق ومفسر لقوله تعالى ( ~~هو الأول والآخر والظاهر والباطن ( # وإذا ثبت في هذا الحديث لفظ ( القبل ) فقد ثبت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قاله واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما ابدا وكان اكثر أهل ~~الحديث إنما يروونه بلفظ القبل ( كان الله ولا شيء قبله ( مثل الحميدى ~~والبغوى وإبن الأثير وغيرهم وإذا كان إنما قال ( كان الله ولم يكن شيء قبله ~~( لم يكن في هذا اللفظ تعرض لإبتداء الحوادث ولا لأول مخلوق # PageV18P216 ( الوجه الرابع ( انه قال فيه ( كان الله ولم يكن شيئا قبله ~~أو معه أو غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ( فأخبر عن هذه ~~الثلاثة بلفظ الواو لم يذكر في شيء منها ثم وإنما جاء ثم في قوله ( خلق ~~السماوات والأرض ( وبعض الرواة ذكر فيه خلق السماوات والأرض بثم وبعضهم ~~ذكرها بالواو # فأما الجمل الثلاث المتقدمة فالرواة متفقون على أنه ذكرها بلفظ الواو ~~ومعلوم ان لفظ الواو لا يفيد الترتيب على الصحيح الذى عليه الجمهور فلا ~~يفيد الأخبار بتقديم بعض ذلك على بعض وإن قدر أن الترتيب مقصود إما من ~~ترتيب الذكر لكونه قدم بعض ذلك على بعض وإما من الواو عند من يقول به فإنما ~~فيه تقديم كونه على كون العرش على الماء وتقديم كون العرش على الماء على ~~كتابته في الذكر كل شيء وتقديم كتابته في الذكر كل شيء على تقديم خلق ~~السماوات والأرض وليس في هذا ذكر اول المخلوقات مطلقا بل ولا فيه الأخبار ~~بخلق العرش والماء وإن كان ذلك كله مخلوقا كما أخبر به في مواضع أخر لكن في ~~جواب اهل اليمن إنما كان مقصوده إخباره إياهم عن بدء خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما وهى المخلوقات التى خلقت في ستة ايام لا بإبتداء ما خلقه الله ~~قبل ذلك # ( الوجه الخامس ( أنه ذكر تلك الأشياء بما يدل على كونها ووجودها ~~PageV18P217 ولم يتعرض لإبتداء خلقها ms5604 وذكر السماوات والأرض بما يدل على ~~خلقها وسواء كان قوله ( وخلق السماوات والأرض ( أو ثم خلق السماوات والأرض ~~( فعلى التقديرين اخبر بخلق ذلك وكل مخلوق محدث كائن بعد ان لم يكن وإن كان ~~قد خلق من مادة كما في صحيح مسلم عن عائشة رضى الله عنها عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( خلق الله الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار ~~وخلق آدم مما وصف لكم ( # فإن كان لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ( ثم خلق ( فقد دل على أن خلق ~~السماوات والأرض بعد ما تقدم ذكره من كون عرشه على الماء ومن كتابته في ~~الذكر وهذا اللفظ أولى بلفظ رسول الله لما فيه من تمام البيان وحصول ~~المقصود بلفظة الترتيب وإن كان لفظه الواو فقد دل سياق الكلام على أن ~~مقصوده أنه خلق السماوات والأرض بعد ذلك وكما دل على ذلك سائر النصوص فإنه ~~قد علم أنه لم يكن مقصوده الإخبار بخلق العرش ولا الماء فضلا عن أن يقصد أن ~~خلق ذلك كان مقارنا لخلق السماوات والأرض وإذا لم يكن في اللفظ ما يدل على ~~خلق ذلك إلا مقارنة خلقه لخلق السماوات والأرض وقد اخبر عن خلق السماوات مع ~~كون ذلك علم أن مقصوده أنه خلق السماوات والأرض حين كان PageV18P218 العرش ~~على الماء كما اخبر بذلك في القرآن وحينئذ يجب أن يكون العرش كان على الماء ~~قبل خلق السماوات والأرض كما اخبر بذلك في الحديث الصحيح حيث قال ( قدر ~~الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين الف سنة وكان عرشه ~~على الماء ( فأخبر أن هذا التقدير السابق لخلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة حين كان عرشه على الماء ( الوجه السادس ( أن النبى إما أن يكون قد قال ~~( كان ولم يكن قبله شيء ( وإما أن يكون قد قال ( ولا شيء معه ( أو غيره ) ~~فإن كان إنما قال اللفظ الأول لم يكن فيه تعرض لوجوده تعالى قبل جميع ~~الحوادث وإن كان قد قال الثانى أو ms5605 الثالث فقوله ( ولم يكن شيء معه وكان ~~عرشه على الماء وكتب في الذكر ( إما أن يكون مراده أنه حين كان لا شيء معه ~~كان عرشه على الماء أو كان بعد ذلك كان عرشه على الماء فإن أراد الأول كان ~~معناه لم يكن معه شيء من هذا الأمر المسؤول عنه وهو هذا العالم ويكون ~~المراد أنه كان الله قبل هذا العالم المشهود وكان عرشه على الماء # وأما القسم الثالث وهو أن يكون المراد به كان لا شيء معه وبعد ذلك كان ~~عرشه على الماء وكتب في الذكر ثم خلق السماوات PageV18P219 والأرض فليس في ~~هذا اخبار بأول ما خلقه الله مطلقا بل ولا فيه إخباره بخلق العرش والماء بل ~~إنما فيه أخباره بخلق السماوات والأرض ولا صرح فيه بأن كون عرشه على الماء ~~كان بعد ذلك بل ذكره بحرف الواو والواو للجمع المطلق والتشريك بين المعطوف ~~والمعطوف عليه وإذا كان لم يبين الحديث أول المخلوقات ولا ذكر متى كان خلق ~~العرش الذى أخبر أنه كان على الماء مقرونا بقوله ( كان الله ولا شيء معه ( ~~دل ذلك على أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقصد الإخبار بوجود الله وحده ~~قبل كل شيء وبإبتداء المخلوقات بعد ذلك إذ لم يكن لفظه دالا على ذلك وإنما ~~قصد الإخبار بإبتداء خلق السماوات والأرض ( الوجه السابع ( أن يقال لا يجوز ~~أن يجزم بالمعنى الذى أراده الرسول إلا بدليل يدل على مراده فلو قدر أن ~~لفظه يحتمل هذا المعنى وهذا المعنى لم يجز الجزم بأحدهما إلا بدليل فيكون ~~إذا كان الراجح هو أحدهما فمن جزم بأن الرسول أراد ذلك المعنى الآخر فهو ~~مخطىء ( # الوجه الثامن ( أن يقال هذا المطلوب لو كان حقا لكان أجل من أن يحتج عليه ~~بلفظ محتمل في خبر لم يروه إلا واحد ولكان ذكر هذا في القرآن والسنة من أهم ~~الأمور لحاجة الناس إلى معرفة PageV18P220 ذلك لما وقع فيه من الإشتباه ~~والنزاع وإختلاف الناس فلما لم يكن في السنة ما يدل على هذا ms5606 المطلوب لم يجز ~~إثباته بما يظن أنه معنى الحديث بسياقه وإنما سمعوا أن النبى قال ( كان ~~الله ولا شيء معه ( فظنوه لفظا ثابتا مع تجرده عن سائر الكلام الصادر عن ~~النبى وظنوا معناه الإخبار بتقدمه تعالى على كل شيء وبنوا على هذين الظنين ~~نسبة ذلك إلى النبى وليس عندهم بواحدة من المقدمتين علم بل ولا ظن يستند ~~إلى إمارة # وهب أنهم لم يجزموا بأن مراده المعنى الآخر فليس عندهم ما يوجب الجزم ~~بهذا المعنى وجاء بينهم الشك وهم ينسبون إلى الرسول مالا علم عندهم بأنه ~~قاله وقد قال تعالى ( ولا تقف ماليس به علم ( وقال تعالى ( قل إنما حرم ربى ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ( وهذا كله لا يجوز # ( الوجه العاشر ( أنه قد زاد فيه بعض الناس ( وهو الآن على ما عليه كان ( ~~وهذه الزيادة إنما زادها بعض الناس من عنده وليست في شيء من الروايات ثم إن ~~منهم من يتأولها على أنه ليس معه الآن موجود بل وجوده عين وجود المخلوقات ~~كما يقوله أهل PageV18P221 وحدة الوجود الذين يقولون عين وجود الخالق هو ~~عين وجود المخلوق كما يقوله إبن عربى وإبن سبعين والقونوى والتلمسانى وإبن ~~الفارض ونحوهم وهذا القول مما يعلم بالإضطرار شرعا وعقلا أنه باطل # ( الوجه الحادى عشر ( أن كثيرا من الناس يجعلون هذا عمدتهم من جهة السمع ~~أن الحوادث لها إبتداء وإن جنس الحوادث مسبوق بالعدم إذ لم يجدوا في الكتاب ~~والسنة ما ينطق به مع أنهم يحكون هذا عن المسلمين واليهود والنصارى كما ~~يوجد مثل هذا في كتب أكثر أهل الكلام المبتدع في الإسلام الذى ذمه السلف ~~وخالفوا به الشرع والعقل وبعضهم يحكيه إجماعا للمسلمين وليس معهم بذلك نقل ~~لا عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن الكتاب والسنة فضلا عن ~~أن يكون هو قول جميع المسلمين وبعضهم يظن ان من خالف ذلك فقد قال بقدم ms5607 ~~العالم ووافق الفلاسفة الدهرية لأنه نظر في كثير من كتب الكلام فلم يجد ~~فيها إلا قولين قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم إما صورته وإما مادته ~~سواء قيل هو موجود بنفسه أو معلول لغيره وقول من رد على هؤلاء من أهل ~~الكلام الجهمية والمعتزلة والكرامية الذين يقولون إن PageV18P222 الرب لم ~~يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء ثم أحدث الكلام والفعل بلا سبب اصلا # وطائفة أخرى كالكلابية ومن وافقهم يقولون بل الكلام قديم العين إما معنى ~~واحد وأما حرف وأصوات قديمة أزلية قديمة الأعيان ويقول هؤلاء إن الرب لم ~~يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم حدث ما يحدث بقدرته ومشيئته ~~إما قائما بذاته أو منفصلا عنه عند من يجوز ذلك وإما منفصلا عنه عند من لم ~~يجوز قيام ذلك بذاته # ومعلوم أن هذا القول أشبه بما أخبرت به الرسل من ان الله خالق كل شيء وأن ~~الله خلق السماوات والأرض في ستة ايام فمن ظن أنه ليس للناس إلا هذان ~~القولان وكان مؤمنا بأن الرسل لا يقولون إلا حقا يظن أن هذا قول الرسل ومن ~~إتبعهم ثم إذا طولب بنقل هذا القول عن الرسل لم يمكنه ذلك ولم يمكن لأحد أن ~~يأتى بآية ولا حديث يدل على ذلك لا نصا ولا ظاهرا بل ولا يمكنه أن ينقل ذلك ~~عن أحد من أصحاب النبى والتابعين لهم بإحسان # وقد جعلوا ذلك معنى حدوث العالم الذى هو أول مسائل أصول PageV18P223 ~~الدين عندهم فيبقى أصل الدين الذى هو دين الرسل عندهم ليس عندهم ما يعلمون ~~به أن الرسول قاله ولا في العقل ما يدل عليه بل العقل والسمع يدل على خلافه ~~ومن كان أصل دينه الذى هو عنده دين الله ورسوله لا يعلم أن الرسول جاء به ~~كان من اضل الناس في دينه # ( الوجه الثانى عشر ( أنهم لما إعتقدوا أن هذا هو دين الإسلام أخذوا ~~يحتجون عليه بالحجج العقلية المعروفة لهم وعمدتهم التى هي أعظم الحجج ~~مبناها على إمتناع حوادث لا أول ms5608 لها وبها اثبتوا حدوث كل موصوف بصفة وسموا ~~ذلك اثباتا لحدوث الأجسام فلزمهم على ذلك نفى صفات الرب عز وجل وأنه ليس له ~~علم ولا قدرة ولا كلام يقوم به بل كلامه مخلوق منفصل عنه وكذلك رضاه وغضبه ~~والتزموا على ذلك أن الله لا يرى في الآخرة وأنه ليس فوق العرش إلى غير ذلك ~~من اللوازم التى نفوا بها ما أثبته الله ورسوله وكان حقيقة قولهم تكذيبا ~~لما جاء به الرسول وتسلط أهل العقول على تلك الحجج التى لهم فبينوا فسادها # وكان ذلك مما سلط الدهرية القائلين بقدم العالم لما علموا حقيقة قولهم ~~وأدلتهم ونسوا فساده ثم لما ظنوا أن هذا قول الرسول الله وإعتقدوا أنه باطل ~~قالوا أن الرسول لم يبين PageV18P224 الحقائق سواء علمها أو لم يعلمها ~~وإنما خاطب الجمهور بما يخيل لهم ما ينتفعون به فصار أولئك المتكلمون ~~النفاة مخطئين في السمعيات والعقليات وصار خطؤهم من أكبر أسباب تسلط ~~الفلاسفة لما ظن أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ليس في هذا المطلوب إلا قولان ~~قول أولئك المتكلمين وقولهم وقد رأوا أن قول أولئك باطل فجعلوا ذلك حجة في ~~تصحيح قولهم # مع انه ليس للفلاسفة الدهرية على قولهم بقدم الأفلاك حجة عقلية اصلا وكان ~~من أعظم أسباب هذا أنهم لم يحققوا معرفة ما بعث الله به رسوله ( الوجه ~~الثالث عشر ( أن الغلط في معنى هذا الحديث هو من عدم المعرفة بنصوص الكتاب ~~والسنة بل والمعقول الصريح فإنه أوقع كثيرا من النظار واتباعهم في الحيرة ~~والضلال فإنهم لم يعرفوا إلا قولين قول الدهرية القائلين بالقدم وقول ~~الجهمية القائلين بأنه لم يزل معطلا عن أن يفعل أو يتكلم بقدرته ومشيئته ~~ورأوا لوازم كل قول تقتضى فساده وتناقضه فبقوا حائرين مرتابين جاهلين وهذا ~~حال من لا يحصى منهم ومنهم من صرح بذلك عن نفسه كما صرح به الرازى وغيره # ومن أعظم أسباب ذلك انهم نظروا في حقيقة قول الفلاسفة فوجدوا أنه لم يزل ~~المفعول المعين مقارنا للفاعل أزلا وأبدا وصريح PageV18P225 العقل يقتضى ~~بأنه لا ms5609 بد أن يتقدم الفاعل على فعله وأن تقدير مفعول الفاعل مع تقدير انه ~~لم يزل مقارنا له لم يتقدم الفاعل عليه بل هو معه أزلا وأبدا امر يناقض ~~صريح العقل وقد إستقر في الفطر أن كون الشيء المفعول مخلوقا يقتضى أنه كان ~~بعد أن لم يكن ولهذا كان ما اخبر الله به في كتابه من انه خلق السماوات ~~والأرض مما يفهم جميع الخلائق أنهما حدثتا بعد ان لم تكونا وأما تقدير ~~كونهما لم يزالا معه مع كونهما مخلوقين له فهذه تنكره الفطر ولم يقله إلا ~~شر ذمة قليلة من الدهرية كإبن سينا وأمثاله # واما جمهور الفلاسفة الدهرية كارسطو واتباعه فلا يقولون أن الأفلاك ~~معلولة لعلة فاعلة كما يقوله هؤلاء بل قولهم وإن كان أشد فسادا من قول ~~متأخريهم فلم يخالفوا صريح المعقول في هذا المقام الذى خالفه هؤلاء وإن ~~كانوا خالفوه من جهات أخرى ونظروا في حقيقة قول أهل الكلام الجهمية ~~والقدرية ومن إتبعهم فوجدوا أن الفاعل صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من ~~غير حدوث شيء أوجب كونه فاعلا ورأوا صريح العقل يقتضي بأنه إذا صار فاعلا ~~بعد أن لم يكن فاعلا فلابد من حدوث شيء وانه يمتنع في العقل في أن يصير ~~ممكنا بعد ان كان ممتنعا بلا حدوث وأنه لا سبب يوجد حصول وقت حدث وقت ~~الحدوث وأن حدوث جنس الوقت ممتنع # فصاروا PageV18P226 ظنون إذا جمعوا بين هؤلاء انه يلزم الجمع بين ~~النقيضين وهو أن يكون الفاعل قبل الفعل وانه يمتنع ان يصير فاعلا بعد ان لم ~~يكن فيكون الفعل معه فيكون الفعل مقارنا غير مقارن بان كان بعد أن لم يكن ~~حادثا مسبوقا بالعدم فإمتنع على هذا التقدير أن يكون فعل الفاعل مسبوق ~~بالعدم ووجب على التقدير الأول أن يكون فعل الفاعل مسبوقا بالعدم ووجدوا ~~عقولهم تقصر عما يوجب هذا الإثبات وما يوجب هذا النفى والجمع بين النقيضين ~~ممتنع فأوقعهم ذلك في الحيرة والشك # ومن اسباب ذلك انهم لم يعرفوا حقيقة السمع والعقل فلم يعرفوا ms5610 ما دل عليه ~~الكتاب والسنة ولم يميزوا في المعقولات بين المشتبهات وذلك ان العقل يفرق ~~بين كون المتكلم متكلما بشيء بعد شيء دائما وكون الفاعل يفعل شيئا بعد شيء ~~دائما وبين آحاد الفعل والكلام فيقول كل واحد من افعاله لأبد أن يكون ~~مسبوقا بالفاعل وأن يكون مسبوقا بالعدم ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل ~~أزلا وابدا واما كون الفاعل لم يزل يفعل فعلا بعد فعل فهذا من كمال الفاعل ~~فإذا كان الفاعل حيا وقيل إن الحياة مستلزمة الفعل والحركة كما قال ذلك ~~أئمة اهل الحديث كالبخارى والدارمى وغيرهما وانه لم يزل متكلما إذا شاء ~~وبما شاء ونحو ذلك # كما قاله إبن المبارك وأحمد وغيرهما PageV18P227 من أئمة أهل الحديث ~~والسنة كان كونه متكلما أو فاعلا من لوازم حياته وحياته لازمة له فلم يزل ~~متكلما فعالا مع العلم بان الحى يتكلم ويفعل بمشيئته وقدرته وإن ذلك يوجب ~~وجود كلام بعد كلام وفعل بعد فعل فالفاعل يتقدم على كل فعل من أفعاله وذلك ~~يوجب أن كل ما سواه محدث مخلوق ولا نقول أنه كان في وقت من الأوقات ولا ~~قدرة حتى خلق ( له قدرة ( والذى ليس له قدرة هو عاجز ولكن نقول لم يزل الله ~~عالما قادرا مالكا لا شبه له ولا كيف # فليس مع الله شيء من مفعولاته قديم معه لا بل هو خالق كل شيء وكل ما سواه ~~مخلوق له وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وإن قدر أنه لم يزل خالقا ~~فعالا # وإذا قيل إن الخلق صفة كمال لقوله تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ( أمكن ~~أن تكون خاليفته دائمة وكل مخلوق له محدث مسبوق بالعدم وليس مع الله شيء ~~قديم وهذا أبلغ في الكمال من أن يكون معطلا غير قادر على الفعل ثم يصير ~~قادرا والفعل ممكنا له بلا سبب وأما جعل المفعول المعين مقارنا له أزلا ~~وأبدا فهذا في الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله فإن كون الفاعل مقارنا لمفعوله ~~أزلا وابدا مخالف لصريح المعقول # PageV18P228 فهؤلاء الفلاسفة الدهرية ms5611 وإن إدعوا إنهم يثبتون دوام ~~الفاعلية فهم في الحقيقة معطلون للفاعلية وهى الصفة التى هي أظهر صفات الرب ~~تعالى ولهذا وقع الإخبار بها في اول ما أنزل على الرسول فإن أوله ( إقرأ ~~بإسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم ~~علم الإنسان مالم يعلم ( فأطلق الخلق ثم خص الإنسان وأطلق التعليم ثم خص ~~التعليم بالقلم والخلق يتضمن فعله والتعليم يتضمن قوله فإنه يعلم بتكليمه ~~وتكليمه بالإيحاء وبالتكليم من وراء حجاب وبإرسال رسول يوحى بإذنه ما يشاء ~~قال تعالى ( وعلمك ما لم تكن تعلم ( وقال تعالى ( فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم ( وقال تعالى ( ولا تعجل بالقرآن من قبل ان يقضى إليك وحيه ~~وقل رب زدنى علما # ) وقال تعالى ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر ~~بحسبان ( # وهؤلاء الفلاسفة يتضمن قولهم في الحقيقة أنه لم يخلق ولم يعلم فإن ما ~~يثبتونه من الخلق والتعليم إنما يتضمن التعطيل فإنه على قولهم لم يزل الفلك ~~مقارنا له أزلا وأبدا فإمتنع حينئذ أن يكون مفعولا له فإن الفاعل لابد أن ~~يتقدم على فعله وعندهم أنه لا يعلم شيئا من جزئيات العلم والتعليم فرع ~~العلم فمن لم يعلم الجزئيات يمتنع PageV18P229 أن يعلمها غيره وكل موجود ~~فهو جزئى لا كلى كذا الكليات إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان فإذا لم ~~يعلم شيئا من الجزئيات لم يعلم شيئا من الموجودات فإمتنع ان يعلم غيره شيئا ~~من العلم بالموجودات المعينة ومن قال منهم لا يعلم لا كليا ولا جزئيا فقوله ~~أقبح ومن قال يعلم الكليات الثابتة دون المتغيرة فهو عندهم لا يعلم شيئا من ~~الحوادث ولا يعلمها لأحد من خلقه كما يقتضى قولهم أنه لم يخلقها فعلى قولهم ~~لا خلق ولا علم وهذا حقيقة قول مقدمهم أرسطوا فإنه لم يثبت أن الرب مبدع ~~للعالم ولا جعله علة فاعلة بل الذى أثبته أنه علة غائبة يتحرك الفلك لتشبهه ~~به كتحريك المعشوق للعاشق وصرح بأنه لا يعلم الأشياء ms5612 فعنده لا خلق ولا علم ~~وأول ما انزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( إقرأ بإسم ربك الذى ~~خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان مالم ~~يعلم ( # ( الوجه الرابع عشر ( أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة الخلق ~~إلى عبادته وحده لا شريك له وذلك يتضمن معرفته لما أبدعه من مخلوقاته وهى ~~المخلوقات المشهودة الموجودة من السماوات والأرض وما بينهما فأخبر ( في ) ~~الكتاب الذى لم يأت من عنده كتاب PageV18P230 أهدى منه بأنه خلق أصول هذه ~~المخلوقات الموجودة المشهودة في ستة أيام ثم إستوى على العرش # وشرع لأهل الإيمان أن يجتمعوا كل أسبوع يوما يعبدون الله فيه ويحتفلون ~~بذلك ويكون ذلك آية على الأسبوع الأول الذى خلق الله فيه السماوات والأرض ~~ولما لم يعرف الأسبوع إلا بخبر الأنبياء فقد جاء في لغتهم عليهم السلام ~~اسماء أيام الأسبوع فإن التسمية تتبع النصوص فالإسم يعبر عما تصوره فلما ~~كان تصور اليوم والشهر والحول معروفا بالعقل تصورت ذلك الإسم وعبرت عن ذلك ~~وأما الأسبوع فلما لم يكن في مجرد العقل ما يوجب معرفته فإنما عرف بالسمع ~~صارت معرفته عند أهل السمع المتلقين عن الأنبياء دون غيرهم وحينئذ فأخبروا ~~الناس بخلق هذا العالم الموجود المشهود وإبتداء خلقه وأنه خلقه في ستة أيام ~~وأما ما خلقه قبل ذلك شيئا بعد شيء فهذا بمنزلة ما سيخلقه بعد قيام القيامة ~~ودخول أهل الجنة وأهل النار منازلهما وهذا مما لا سبيل للعباد إلى معرفته ~~تفصيلا # ولهذا قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه ( قام فينا رسول الله مقاما ~~فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم واهل النار منازلهم ( رواه ~~البخارى فالنبى أخبرهم ببدء الخلق إلى دخول أهل الجنة والنار منازلهما ~~PageV18P231 # وقوله ( بدأ الخلق ( مثل قوله في الحديث الآخر ( قدر الله مقاديرالخلائق ~~قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ( فإن الخلائق هنا المراد بها ~~الخلائق المعروفة المخلوقة بعد خلق العرش وكونه على الماء ولهذا كان ~~التقدير للمخلوقات هو ms5613 التقدير لخلق هذا العالم كما في حديث القلم إن الله ~~لما خلقه قال أكتب قال وماذا أكتب قال أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة # وكذلك في الحديث الصحيح ( إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ( وقوله في الحديث ~~الآخر الصحيح ( كان الله ولا شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر ~~كل شيء ثم خلق السماوات والأرض ( يراد به انه كتب كل ما أراد خلقه من ذلك ~~فإن لفظ كل شيء يعم في كل موضع بحسب ما سيقت له كما في قوله ( بكل شيء عليم ~~( وعلى كل شيء قدير ( وقوله ( الله خالق كل شيء ( و ( تدمر كل شيء ( وأوتيت ~~من كل شيء ( و ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ( # وأخبرت الرسل بتقدم أسمائه وصفاته كما في قوله ( وكان الله عزيزا حكيما ( ~~سميعا بصيرا ( غفورا رحيما ( وامثال ذلك # قال إبن عباس ( كان ولا يزال ( ولم يقيد كونه بوقت دون وقت PageV18P232 ~~ويمتنع أن يحدث له غيره صفة بل يمتنع توقف شيء من لوازمه على غيره سبحانه ~~فهوالمستحق لغاية الكمال وذاته هي المستوجبة لذلك فلا يتوقف شيء من كماله ~~ولوازم كماله على غيره بل نفسه المقدسة وهو المحمود على ذلك أزلا وأبدا وهو ~~الذى يحمد نفسه ويثنى عليها بما يستحقه وأما غيره فلا يحصى ثناء عليه بل هو ~~نفسه كما اثنى على نفسه كما قال سيد ولد آدم في الحديث الصحيح ( اللهم أنى ~~اعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك ~~انت كما اثنيت على نفسك ( # وإذا قيل لم يكن متكلما ثم تكلم أو قيل كان الكلام ممتنعا ثم صار ممكنا ~~له كان هذا مع وصفه له بالنقص في الأزل وأنه تجدد له الكمال ومع تشبيهه له ~~بالمخلوق الذى ينتقل من النقص إلى الكمال ممتنعا من جهة أن الممتنع لا يصير ~~ممكنا بلا سبب والعدم المحض لا شيء فيه فإمتنع أن ms5614 يكون الممتنع فيه يصير ~~ممكنا بلا سبب حادث # وكذلك اذا قيل كلامه كله معنى واحد لازم لذاته ليس له فيه قدرة ولا مشيئة ~~كان هذا في الحقيقة تعطيلا للكلام وجمعا بين المتناقضين إذ هو إثبات لموجود ~~لا حقيقة له بل يمتنع أن يكون موجودا مع أنه لا مدح فيه ولا كمال ~~PageV18P233 # وكذلك إذا قيل كلامه كله قديم العين وهو حروف واصوات قديمة لازمة لذاته ~~ليس له فيه قدرة ولا مشيئة كان هذا مع ما يظهر من تناقضه وفساده في المعقول ~~لا كمال فيه إذ لا يتكلم بمشيئتة ولا قدرته ولا إذا شاءه # أما قول من يقول ليس كلامه إلا ما يخلقه في غيره فهذا تعطيل للكلام من كل ~~وجه وحقيقته أنه لا يتكلم كما قال ذلك قدماء الجهمية وهو سلب للصفات إذ فيه ~~من التناقض والفساد حيث أثبتوا الكلام المعروف ونفوا لوازمه ما يظهر به انه ~~من أفسد اقوال العالمين بأنهم أثبتوا أنه يأمر وينهى ويخبر ويبشر وينذر ~~وينادي من غير أن يقوم به شيء من ذلك كما قالوا أنه يريد ويحب ويبغض ويغضب ~~من غير أن يقوم به شيء من ذلك وفى هذا من مخالفة صريح المعقول وصحيح ~~المنقول ما هو مذكور في غير هذا الموضع # واما القائلون بقدم هذا العالم فهم ابعد عن المعقول والمنقول من جميع ~~الطوائف ولهذا أنكروا الكلام القائم بذاته والذى يخلقه في غيره ولم يكن ~~كلامه عندهم إلا ما يحدث في النفوس من المعقولات والمتخيلات وهذا معنى ~~تكليمه لموسى عليه السلام عندهم فعاد التكليم إلى مجرد علم المكلم ثم إذا ~~قالوا مع ذلك أنه لا يعلم الجزئيات فلا علم ولا أعلام وهذا غاية التعطيل ~~والنقص وهم ليس لهم دليل قط PageV18P234 على قدم شيء من العالم بل حججهم ~~إنما تدل على قدم نوع الفعل وأنه لم يزل الفعل فاعلا أو لم يزل لفعله مدة ~~أو أنه لم يزل للمادة مادة وليس في شيء من ادلتهم ما يدل على قدم الفلك ولا ~~قدم شيء من حركاته ms5615 ولا قدم الزمان الذي هو مقدار حركة الفلك والرسل أخبرت ~~بخلق الأفلاك وخلق الزمان الذى هو مقدار حركاتها مع أخبارها بأنها خلقت من ~~مادة قبل ذلك وفى زمان قبل هذا الزمان فإنه سبحانه أخبر أنه خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام وسواء قيل إن تلك الأيام بمقدار هذه الأيام المقدرة ~~بطلوع الشمس وغروبها أو قيل أنها أكبر منها كما قال بعضهم إن كل يوم قدره ~~ألف سنة فلا ريب أن تلك الأيام التى خلقت فيها السماوات والأرض غير هذه ~~الأيام وغير الزمان الذى هو مقدار حركة هذه الأفلاك وتلك الأيام مقدرة ~~بحركة أجسام موجودة قب خلق السماوات والأرض # وقد اخبر سبحانه أنه ( إستوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ( فخلقت من الدخان وقد جاءت الآثار عن ~~السلف أنها خلقت من بخار الماء وهو الماء الذى كان العرش عليه المذكور في ~~قوله ( وهو الذى خلق السماوات والأرض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ( ~~فقد أخبر أنه خلق السماوات والأرض في مدة ومن مادة ولم يذكر القرآن خلق شيء ~~PageV18P235 من لا شيء بل ذكر أنه خلق المخلوق بعد أن لم يكن شيئا كما قال ~~( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ( مع اخباره أنه خلقه من نطقة # وقوله ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ( فيها قولان # فالأكثرون على أن المراد أم خلقوا من غير خالق بل من العدم المحض كما قال ~~تعالى ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ( وكما قال تعالى ~~( وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ( وقال تعالى ( وما بكم من نعمة فمن ~~الله ( # وقيل أم خلقوا من غير مادة وهذا ضعيف لقوله بعد ذلك ( أم هم الخالقون ( ~~فدل ذلك على أن التقسيم أم خلقوا من غير خالق أم هم الخالقون ولو كان ~~المراد من غير مادة لقال أم خلقوا من غير شيء أم من ماء مهين فدل على ان ~~المراد أنا خالقهم لا مادتهم # ولأن ms5616 كونهم خلقوا من غير مادة ليس فيه تعطيل وجود الخالق فلو ظنوا ذلك لم ~~يقدح في إيمانهم بالخالق بل دل على جهلهم ولأنهم لم يظنوا ذلك ولا يوسوس ~~الشيطان لإبن آدم بذلك بل كلهم يعرفون PageV18P236 أنهم خلقوا من أبائهم ~~وأمهاتهم ولان إعترافهم بذلك لا يوجب إيمانهم ولا يمنع كفرهم والإستفهام ~~إستفهام إنكار مقصوده تقريرهم أنهم لم يخلقوا من غير شيء فإذا اقروا بأن ~~خالقا خلقهم نفعهم ذلك وأما إذا اقروا بأنهم خلقوا من مادة لم يغن ذلك عنهم ~~من الله شيئا # ( الوجه الخامس عشر ( أن الإقرار بأن الله لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم ~~بما يشاء هو وصف الكمال الذى يليق به وما سوى ذلك نقص يجب نفيه عنه فإن ~~كونه لم يكن قادرا ثم صار قادرا على الكلام أو الفعل مع أنه وصف له فإنه ~~يقتضى أنه كان ناقصا عن صفة القدرة التى هي من لوازم ذاته والتى هي من أظهر ~~صفات الكمال فهو ممتنع في العقل بالبرهان اليقينى فإنه إذا لم يكن قادرا ثم ~~صار قادرا فلا بد من أمر جعله قادرا بعد أن لم يكن فإذا لم يكن هناك إلا ~~العدم المحض إمتنع أن يصير قادرا بعد أن لم يكن وكذلك يمتنع أن يصير عالما ~~بعد أن لم يكن قبل هذا بخلاف الإنسان فإنه كان غير عالم ولا قادر ثم جعله ~~غيره عالما قادرا وكذلك إذا قالوا كان غير متكلم ثم صار متكلما # وهذا مما أورده الإمام أحمد على الجهمية إذ جعلوه كان غير متكلم ثم صار ~~متكلما قالوا كالإنسان قال فقد جمعتم بين تشبيه وكفر وقد حكيت ألفاظه في ~~غير هذا الموضع PageV18P237 # وإذا قال القائل كان في الأزل قادرا على أن يخلق فيما لا يزال كان هذا ~~كلاما متناقضا لأنه في الأزل عندهم لم يكن يمكنه أن يفعل ومن لم يمكنه ~~الفعل في الأزل إمتنع أن يكون قادرا في الأزل فإن الجمع بين كونه قادرا ~~وبين كون المقدور ممتنعا بين جمع الضدين فإنه في حال إمتناع ms5617 الفعل لم يكن ~~قادرا # وأيضا يكون الفعل ينتقل من كونه ممتنعا إلى كونه ممكنا بغير سبب موجب ~~يحدد ذلك وعدم ممتنع # وأيضا فما من حال يقدرها العقل إلا والفعل فيها ممكن وهو قادر وإذا قدر ~~قبل ذلك شيئا شاءه الله فالأمر كذلك فلم يزل قادرا والفعل ممكن وليس لقدرته ~~وتمكنه من الفعل أول فلم يزل قادرا يمكنه أن يفعل فلم يكن الفعل ممتنعا ~~عليه قط # وأيضا فإنهم يزعمون أنه يمتنع في الأزل والأزل ليس شيئا محدودا يقف عنده ~~العقل بل ما من غاية ينتهى إليها تقدير الفعل إلا والأزل قبل ذلك بلا غاية ~~محدودة حتى لو فرض وجود مدائن أضعاف مدائن الأرض في كل مدينة من الخردل ما ~~يملؤها وقدر أنه كلما مضت الف ألف سنة فنيت خردلة فنى الخردل كله والأزل لم ~~ينته ولو قدر أضعاف ذلك أضعافا لا ينتهى فمن من وقت يقدر إلا والأزل قبل ~~PageV18P238 ذلك وما من وقت صدر فيه الفعل إلا وقد كان قبل ذلك ممكنا وإذا ~~كان ممكنا فما الموجب لتخصيص حال الفعل بالخلق دون ما قبل ذلك فيما لا ~~يتناهى # وأيضا فالأزل معناه عدم الأولية ليس الأزل شيئا محدودا فقولنا لم يزل ~~قادرا بمنزلة قولنا هو قادر دائما وكونه قادرا وصف دائم لا إبتداء له فكذلك ~~إذا قيل لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل يفعل ما شاء يقتضى دوام كونه متكلما ~~وفاعلا بمشيئته وقدرته وإذا ظن الظان أن هذا يقتضى قدم شيء معه كان من فساد ~~تصوره فإنه إذا كان خالق كل شيء فكل ما سواه مخلوق مسبوق بالعدم فليس معه ~~شيء قديم بقدمه وإذا قيل لم يزل يخلق كان معناه لم يزل يخلق مخلوقا بعد ~~مخلوق كما لا يزال في الأبد يخلق مخلوقا بعد مخلوق تنفى ما تنفيه من ~~الحوادث والحركات شيئا بعد شيء وليس في ذلك إلا وصفه بدوام الفعل لا بأن ~~معه مفعولا من المفعولات بعينه # وإن قدر أن نوعها لم يزل معه فه 6 ذه المعية لم ينفها ms5618 شرع ولا عقل بل هي ~~من كماله قال تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ( والخلق لا ~~يزالون معه وليس في كونهم لايزالون معه في المستقبل ما ينافى كماله وبين ~~الأزل في المستقبل مع أنه في الماضى حدث بعد أن لم يكن إذ كان كل مخلوق فله ~~إبتداء ولا نجزم أن يكون له إنتهاء PageV18P239 وهذا فرق في أعيان ~~المخلوقات وهو فرق صحيح لكن يشتبه على كثير من الناس النوع بالعين كما ~~إشتبه ذلك على كثير من الناس في الكلام فلم يفرقوا بين كون كلامه قديما ~~بمعنى أنه لم يزل متكلما إذا شاء وبين كون الكلام المعين قديما # وكذلك لم يفرقوا بين كون الفعل المعين ( قديما وبين كون نوع الفعل ) ~~المعين قديما كالفلك محدث مخلوق مسبوق بالعدم وكذلك كل ما سواه وهذا الذى ~~دل عليه الكتاب والسنة والآثار وهو الذى تدل عليه المعقولات الصريحة ~~الخالصة من الشبه كما قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع وبينا ~~مطابقة العقل الصريح للنقل الصحيح # وإن غلط أهل الفلسفة والكلام أو غيرهم فيها أو في أحدهما وإلا فالقول ~~الصدق المعلوم بعقل أو سمع يصدق بعضه بعضا لا يكذب بعضه بعضا قال تعالى ( ~~والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ( بعد قوله ( ومن أظلم ممن ~~إفترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ( وإنما مدح من جاء بالصدق وصدق ~~بالحق الذى جاءه وهذه حال من لم يقبل إلا الصدق ولم يرد ما يجيئه به غيره ~~من الصدق بل قبله ولم يعارض بينهما ولم يدفع أحدهما بالآخر PageV18P240 ~~وحال من كذب على الله ونسب إليه بالسمع أو العقل ما لا يصح نسبته إليه أو ~~كذب بالحق لما جاءه فكذب من جاء بحق معلوم من سمع أو عقل وقال تعالى عن أهل ~~النار ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ( فاخبر أنه لو حصل ~~لهم سمع أو عقل ما دخلوا النار وقال تعالى ( أو لم يسيروا في الأرض فتكون ~~لهم قلوب يعقلون ms5619 بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التى في الصدور ( وقال تعالى ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم ~~حتى يتبين لهم أنه الحق ( أى أن القرآن حق فأخبر أنه سيرى عباده الآيات ~~المشهودة المخلوقة حتى يتبين أن الآيات المتلوة المسموعة حق # ومما يعرف به منشأ غلط هاتين الطائفتين غلطهم في الحركة والحدوث ومسمى ~~ذلك # فطائفة كأرسطو وأتباعه قالت لا يعقل أن يكون جنس الحركة والزمان والحوداث ~~حادثا وأن يكون مبدأ كل حركة وحادث صار فاعلا لذلك بعد أن لم يكن وأن يكون ~~الزمان حادثا بعد أن لم يكن حادثا مع أن قبل وبعد لا يكون إلا في زمان وهذه ~~القضايا كلها إنما تصدق كلية لا تصدق معينة ثم ظنوا أن الحركة المعينة وهى ~~حركة الفلك هي PageV18P241 القديمة الأزلية وزمانها قديم فضلوا ضلالا مبينا ~~مخالفا لصحيح المنقول المتواتر عن الأنبياء صلى الله عليهم وسلم مع مخالفته ~~لصريح المعقول الذى عليه جمهور العقلاء من الأولين والآخرين # وطائفة ظنوا أنه لا يمكن أن يكون جنس الحركة والحوادث والفعل إلا بعد أن ~~لم يكن شيء من ذلك أو أنه يجب أن يكون فاعل الجميع لم يزل معطلا ثم حدثت ~~الحوداث بلا سبب أصلا وإنتقل الفعل من الإمتناع إلى الإمكان بلا سبب وصار ~~قادرا بعد أن لم يكن بلا سبب وكان الشيء بعد مالم يكن في غير زمان وأمثال ~~ذلك مما يخالف صريح العقل # وهم يظنون مع ذلك أن هذا قول أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى ~~وليس هذا القول منقولا عن موسى ولا عيسى ولا محمد صلوات الله عليهم وسلامه ~~ولا عن أحد من اصحابهم إنما هو مما أحدثه بعض اهل البدع وإنتشر عند الجهال ~~بحقيقة أقوال الرسل واصحابهم فظنوا ان هذا قول الرسل صلى الله عليهم وسلم ~~وصار نسبة هذا القول إلى الرسل واتباعهم يوجب القدح فيهم إما بعدم المعرفة ~~بالحق في هذه المطالب العالية وإما بعدم بيان الحق وكل منهما يوجب عند ~~هؤلاء أن يعزلوا الكتاب والسنة ms5620 وآثار السلف عن الإهتداء PageV18P242 وإنما # ضلوا لعدم علمهم بما كان عليه الرسول واصحابه رضى الله عنهم والتابعون ~~لهم بإحسان فإن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله وكفى بالله شهيدا # PageV18P243 ### || 1 ( شرح حديث إنما الأعمال بالنيات ) 1 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم # لحمد لله المستوجب لصفات المدح والكمال المستحق للحمد على كل حال لا يحصى ~~أحد ثناءا عليه بل هو كما أثنى على نفسه بأكمل الثناء وأحسن المقال فهو ~~المنعم على العباد بالخلق وبإرسال الرسل إليهم وبهداية المؤمنين منهم لصالح ~~الأعمال وهو المتفضل عليهم بالعفو عنهم وبالثواب الدائم بلا إنقطاع ولا ~~زوال له الحمد في الأولى والآخرة حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه متصلا بلا ~~إنفصال # وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم الغيب والشهادة الكبير ~~المتعال # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى هدى به من الضلال وأمر المؤمنين ~~بالمعروف ونهاهم عن المنكر وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث ووضع عنهم ~~الآصار والأغلال فصلى الله عليه وعلى آله خير PageV18P244 آل وعلى أصحابه ~~الذين كانوا نصرة للدين حتى ظهر الحق وإنطمست أعلام الضلال # ( أما بعد ( فإن الله تعالى خلق الخلق لما شاء من حكمته وأسبغ عليهم مالا ~~يحصونه من نعمته وكرم بنى آدم بأصناف كرامته وخص عباده المؤمنين بإصطفائه ~~وهدايته وجعل أمة محمد خير أمة أخرجت للناس من بريته وبعث فيهم رسولا من ~~انفسهم يعلمون صدقه وأمانته وجميل سيرته يتلو عليهم آياته ليخرجهم من ظلمة ~~الكفر وحيرته ويهديهم إلى صراط مستقيم ويدعوهم إلى عبادته # وأنزل عليهم أفضل كتاب أنزله إلى خليقته وجعله آية باقية إلى قيام ساعته ~~معجزة باهرة مبدية عن حجته وبينته ظاهرة موضحة لدعوته يهدى به الله من إتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويدلهم على طريق ~~جنته فالسعيد من إعتصم بكتاب الله واتبع الرسول في سنته وشريعته والمهتدى ~~بمناره المقتفى لآثاره هو افضل الخلق في دنياه وآخرته والمحيى لشيء من سنته ~~له أجرها ms5621 وأجر من عمل بها من غير نقصان في أجر طاعته فإن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة بل يضاعف الحسنات بفضله ورحمته PageV18P245 وإحياء سنته يشمل ~~أنواعا من البر لسعة فضل الله وكرامته فيكون بالتبليغ لها والبيان لأجل ~~ظهور الحق ونصرته ويكون بالإعانة عليها بإنفاق المال والجهاد إعانة على دين ~~الله وعلو كلمته فالجهاد بالمال مقرون بالجهاد بالنفس قد ذكره الله تعالى ~~قبله وفى غير موضع لعظم منزلته وثمرته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من ~~جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا ( وقال ( من فطر صائما ~~فله مثل أجره ( ومثوبته لا سيما ما يبقى نفعه بعد موت الإنسان ومصيره إلى ~~تربته كما قال في الحديث ( إذا مات إبن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث ( فهذه ~~الثلاث هي من أعماله الباقية بعد ميتته بخلاف ما ينفعه بعد موته من أعمال ~~غيره من الدعاء والصدقة والعتق فإن ذلك ليس من سعيه بل من سعى غيره وشفاعته ~~وكما يلحق بالمؤمن من يدخله الله الجنة من ذريته # وأصل العمل الصالح هو إخلاص العبد لله في نيته فإنه سبحانه إنما أنزل ~~الكتب وارسل الرسل وخلق الخلق لعبادته وهى دعوة الرسل لكافة بريته كما ذكر ~~ذلك في كتابه على ألسنة رسله بأوضح دلالته ولهذا كان السلف يستحبون أن ~~يفتتحوا مجالسهم وكتبهم وغير ذلك بحديث ( إنما الأعمال بالنيات ( في أول ~~الأمر وبدايته فنجرى في ذلك على منهاجهم إذ كانوا أفضل جيش الإسلام ومقدمته ~~فنقول PageV18P246 مستعينين بالله على سلوك سبيل أهل ولايته وأحبته # ( عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص ~~الليثى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول ( إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه ( # هذا حديث صحيح متفق على صحته تلقته الأمة بالقبول والتصديق مع أنه ms5622 من ~~غرائب الصحيح فإنه وإن كان قد روى عن النبى من طرق متعددة كما جمعها إبن ~~منده وغيره من الحفاظ فأهل الحديث متفقون على أنه لا يصح منها إلا من طريق ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه هذه المذكورة ولم يروه عنه إلا علقمة بن وقاص ~~الليثى ولا عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم ولا عن محمد إلا يحيى إبن سعيد ~~الأنصارى قاضى المدينة # ورواه عن يحيى بن سعيد ائمة الإسلام يقال إنه رواه عنه نحو من مائتى عالم ~~مثل مالك والثورى وإبن عيينة وحماد وحماد وعبد الوهاب الثقفى وأبى خالد ~~الأحمر وزائدة ويحيى بن سعيد PageV18P247 القطان ويزيد بن هارون وغير هؤلاء ~~خلق من أهل مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام وغيرها من شيوخ الشافعى ~~واحمد وإسحاق وطبقتهم ويحيى بن معين وعلى بن المدينى وأبى عبيد # ولهذا الحديث نظائر من غرائب الصحاح مثل حديث إبن عمر عن النبى أنه نهى ~~بيع الولاء وهبته أخرجاه تفرد به عبد الله بن دينار عن إبن عمر # ومثل حديث أنس ( أن النبى دخل مكة وعلى رأسه المغفر فقيل إن إبن خطل ~~متعلق بأستار الكعبة فقال ( إقتلوه ( أخرجاه تفرد به الزهري عن أنس وقيل ~~تفرد به مالك عن الزهري فالحديث الغريب ما تفرد به واحد وقد يكون غريب ~~المتن أو غريب الإسناد ومثل أن يكون متنه صحيحا من طريق معروفة وروى من ~~طريق أخرى غريبة # ومن الغرائب ما هو صحيح وغالبها غير صحيح كما قال أحمد إتقوا هذه الغرائب ~~فإن عامتها عن الكذابين ولهذا يقول الترمذى في بعض الأحاديث أنه غريب من ~~هذا الوجه # والترمذي أول من قسم الأحاديث إلى صحيح وحسن وغريب PageV18P248 وضعيف ولم ~~يعرف قبله هذا التقسيم عن أحد لكن كانوا يقسمون الأحاديث إلى صحيح وضعيف ~~كما يقسمون الرجال إلى ضعيف وغير ضعيف والضعيف عندهم نوعان ضعيف لا يحتج به ~~وهو الضعيف في إصطلاح الترمذى والثانى ضعيف يحتج به وهو الحسن في إصطلاح ~~الترمذى كما أن ضعف المرض في إصطلاح الفقهاء نوعان نوع يجعل ms5623 تبرعات صاحبه ~~من الثلث كما إذا صار صاحب فراش ونوع يكون تبرعات صاحبه من ر أس المال ~~كالمرض اليسير الذى لا يقطع صاحبه ولهذا يوجد في كلام أحمد وغيره من ~~الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف كحديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجرى ~~وغيرهما فإن ذلك الذى سماه أولئك ضعيفا هو أرفع من كثير من الحسن بل هو مما ~~يجعله كثير من الناس صحيحا والترمذى قد فسر مراده بالحسن أنه ما تعددت طرقه ~~ولم يكن فيها متهم ولم يكن شاذا ### ||| فصل # ( والمعنى الذي دل عليه هذا الحديث أصل عظيم من اصول الدين بل هو أصل كل ~~عمل ولهذا قالوا مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث فذكروه منها كقول أحمد حديث ~~( إنما الأعمال بالنيات ( و ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ( والحلال ~~بين والحرام PageV18P249 بين ( ووجه هذا الحديث أن الدين فعل ما أمر الله ~~به وترك ما نهى عنه فحديث الحلال بين فيه بيان ما نهى عنه والذى امر الله ~~به نوعان ( أحدهما العمل الظاهر وهو ما كان واجبا أو مستحبا والثانى العمل ~~الباطن وهو إخلاص الدين لله فقوله ( من عمل عملا ( إلخ ينفى التقرب إلى ~~الله بغير ما أمر الله به أمر إيجاب أو أمر إستحباب # وقوله ( إنما الأعمال بالنيات ( إلخ يبين العمل الباطن وإن التقرب إلى ~~الله إنما يكون بالإخلاص في الدين لله كما قال الفضيل في قوله تعالى ( ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا ( قال أخلصه وأصوبه قال فإن العمل إذا كان خالصا ~~ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون ~~خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة # وعلى هذا دل قوله تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا ( فالعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب ~~أو أمر إستحباب وأن لا يشرك العبد بعبادة ربه أحدا وهو إخلاص الدين لله # وكذلك قوله تعالى ( بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن ms5624 فله أجره عند ربه ( ~~الآية وقوله ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه PageV18P250 لله وهو محسن وإتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا ( وقوله ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد إستمسك ~~بالعروة الوثقى ( فإن إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص العمل لله والإحسان هو ~~إحسان العمل لله وهو فعل ما أمر به فيه كما قال تعالى ( إنا لا نضيع أجر من ~~احسن عملا ( فإن الإساءة في العمل الصالح تتضمن الإستهانة بالأمر به ~~والإستهانة بنفس العمل والإستهانة بما وعده الله من الثواب فإذا اخلص العبد ~~دينه لله وأحسن العمل له كان ممن أسلم وجهه لله وهو محسن فكان من الذين لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ### ||| فصل # لفظ ( النية ( في كلام العرب من جنس لفظ القصد والإرادة ونحو ذلك تقول ~~العرب نواك الله بخير أى أرادك بخير ويقولون نوى منوية وهو المكان الذى ~~ينويه يسمونه نوى كما يقولون قبض بمعنى مقبوض والنية يعبر بها عن نوع من ~~إرادة ويعبر بها عن نفس المراد كقول العرب هذه نيتى يعنى هذه البقعة هي ~~التى نويت إتيانها ويقولون نيته قريبة أو بعيدة أى البقعة التى PageV18P251 ~~نوى قصدها لكن من الناس من يقول ( إنها أخص من الإرادة فإن إرادة الإنسان ~~تتعلق بعمله وعمل غيره والنية لا تكون إلا لعمله فإنك تقول أردت من فلان ~~كذا ولا تقول نويت من فلان كذا ### ||| فصل # وقد تنازع الناس في قوله ( إنما الأعمال بالنيات ( هل فيه إضمار أو تخصيص ~~أو هو على ظاهرة وعمومه فذهب طائفة من المتأخرين إلى الأول قالوا لأن ~~المراد بالنيات الأعمال الشرعية التى تجب أو تستحب والأعمال كلها لا تشترط ~~في صحتها هذه النيات فإن قضاء الحقوق الواجبة من الغصوب والعوارى والودائع ~~والديون تبرأ ذمة الدافع وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية بل تبرأ ذمته منها ~~من غير فعل منه كما لو تسلم المستحق عين ماله أو اطارت الريح الثوب المودع ~~أو المغصوب فأوقعته في يد صاحبه ونحو ذلك # ثم قال بعض ms5625 هؤلاء تقديره إنما ثواب الأعمال المترتبة عليها بالنيات أو ~~إنما تقبل بالنيات وقال بعضهم تقديره إنما الأعمال الشرعية PageV18P252 أو ~~إنما صحتها أو إنما إجزاؤها ونحو ذلك # وقال الجمهور بل الحديث على ظاهره وعمومه فإنه لم يرد بالنيات فيه ~~الأعمال الصالحة وحدها بل أراد النية المحمودة والمذمومة والعمل المحمود ~~والمذموم ولهذا قال في تمامه ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله إلخ ( فذكر ~~النية المحمودة بالهجرة إلى الله ورسوله فقط والنية المذمومة وهى الهجرة ~~إلى امرأة أو مال وهذا ذكره تفصيلا بعد إجمال فقال ( إنما الأعمال بالنيات ~~وإنما لكل امرئ ما نوى ( ثم فصل ذلك بقوله ( فمن كانت هجرته ( إلخ # وقد روى أن سبب هذا الحديث أن رجلا كان قد هاجر من مكة إلى المدينة لأجل ~~امرأة كان يحبها تدعى أم قيس فكانت هجرته لأجلها فكان يسمى مهاجر أم قيس ~~فلهذا ذكر فيه ( أو امرأة يتزوجها وفى رواية ينكحها ( فخص المرأة بالذكر ~~لإقتضاء سبب الحديث لذلك والله أعلم # والسبب الذى خرج عليه اللفظ العام لا يجوز إخراجه منه بإتفاق الناس ~~والهجرة في الظاهر هي سفر من مكان إلى مكان والسفر جنس تحته أنواع مختلفة ~~تختلف بإختلاف نية صاحبه فقد يكون سفرا واجبا كحج أو جهاد متعين وقد يكون ~~محرما كسفر العادى لقطع PageV18P253 الطريق والباغى على جماعة المسلمين ~~والعبد الآبق والمرأة الناشز ولهذا تكلم الفقهاء في الفرق بين العاصى بسفره ~~والعاصى في سفره فقالوا إذا سافر سفرا مباحا كالحج والعمرة والجهاد جاز له ~~فيه القصر والفطر بإتفاق الأئمة الأربعة وإن عصى في ذلك السفر وأما إذا كان ~~عاصيا بسفره كقطع الطريق وغير ذلك فهل يجوز له الترخص برخص السفر كالفطر ~~والقصر فيه نزاع # فمذهب مالك والشافعى وأحمد أنه لا يجوز له القصر والفطر ومذهب أبى حنيفة ~~يجوز له ذلك وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد ذكر هذا السفر وهذا ~~السفر علم أن مقصوده ذكر جنس الأعمال مطلقا لا نفس العمل الذى هو قربة ~~بنفسه كالصلاة والصيام ومقصوده ذكر جنس النية وحينئذ ms5626 يتبين أن قوله ( إنما ~~الأعمال بالنيات ( مما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم كما قال ( بعثت ~~بجوامع الكلم ( وهذا الحديث من أجمع الكلم الجوامع التى بعث بها فإن كل عمل ~~يعمله عامل من خير وشر هو بحسب ما نواه فإن قصد بعمله مقصودا حسنا كان له ~~ذلك المقصود الحسن وإن قصد به مقصودا سيئا كان له ما نواه PageV18P254 ### ||| فصل # ولفظ النية يراد بها النوع من المصدر ويراد بها المنوى وإستعمالها في هذا ~~لعله أغلب في كلام العرب فيكون المراد إنما الأعمال بحسب ما نواه العامل أى ~~بحسب منويه ولهذا قال في تمامه ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته ~~إلى الله ورسوله ( فذكر ما ينويه العامل ويريده بعمله وهو الغاية المطلوبة ~~له فإن كل متحرك بالإرادة لا بد له من مراد ولهذا قال ( أحب الأسماء إلى ~~الله عبد الله وعبد الرحمن وأقبحها حرب ومرة وأصدقها حارث وهمام ( فإن كل ~~آدمى حارث وهمام والحارث هو العامل الكاسب والهمام الذى يهم ويريد قال ~~تعالى ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ( فقوله حرث الدنيا أى كسبها وعملها ~~ولهذا وضع الحريرى مقاماته على لسان الحارث بن همام لصدق هذا الوصف على كل ~~أحد PageV18P255 ### ||| فصل # ولفظ النية يجرى في كلام العلماء على نوعين فتارة يريدون بها تمييز عمل ~~من عمل وعبادة من عبادة وتارة يريدون بها تمييز معبود عن معبود ومعمول له ~~عن معمول له # فالأول كلامهم في النية هل هي شرط في طهارة الأحداث وهل تشترط نية ~~التعيين والتبييت في الصيام ( وإذا نوى بطهارته ما يستحب لها هل تجزيه عن ~~الواجب أو أنه لا بد في الصلاة من نية التعيين ونحو ذلك # والثانى كالتمييز بين إخلاص العمل لله وبين أهل الرياء والسمعة كما سألوا ~~النبى صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياءا فاى ذلك في ~~سبيل الله فقال ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ms5627 فهو في سبيل الله ( ~~وهذا الحديث يدخل فيه سائر الأعمال وهذه النية تميز بين من يريد الله بعمله ~~والدار الآخرة وبين من يريد الدنيا مالا وجاها ومدحا وثناءا وتعظيما وغير ~~ذلك والحديث دل على هذه النية بالقصد وإن كان قد يقال أن عمومه يتناول ~~PageV18P256 النوعين فإنه فرق بين من يريد الله ورسوله وبين من يريد دنيا ~~أو أمرأة ففرق بين معمول له ومعمول له ولم يفرق بين عمل وعمل # وقد ذكر الله تعالى الإخلاص في كتابه في غير موضع كقوله تعالى ( وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ( وقوله ( فإعبد الله مخلصا له ~~الدين ألا لله الدين الخالص ( وقوله ( قل الله أعبد مخلصا له دينى ( وغير ~~ذلك من الآيات وإخلاص الدين هو أصل دين الإسلام ولذلك ذم الرياء في مثل ~~قوله ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ( وقوله ( ~~وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ~~( وقال تعالى ( كالذى ينفق ماله رئاء الناس ( الآية وقوله تعالى ( الذين ~~ينفقون أموالهم رئاء الناس ( الآية ### ||| فصل # وقد إتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها كالصلاة والصيام والحج ~~لا تصح الا بنية # وتنازعوا في الطهارة مثل من يكون عليه جنابة فينساها ويغتسل للنظافة فقال ~~مالك والشافعى وأحمد النية PageV18P257 شرط لطهارة الأحداث كلها وقال ~~أبوحنيفة لا تشترط في الطهارة بالماء بخلاف التيمم وقال زفر لا تشترط لا في ~~هذا ولا في هذا # وقال بعض المتأخرين من اصحاب الشافعى وأحمد تشترط لإزالة النجاسة وهذا ~~القول شاذ فإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها عمل العبد بل تزول بالمطر ~~النازل والنهر الجارى ونحو ذلك فكيف تشترط لها النية # وأيضا فإن إزالة النجاسة من باب التروك لا من باب الأعمال ولهذا لو لم ~~يخطر بقلبه في الصلاة أنه مجتنب النجاسة صحت صلاته إذا كان مجتنبا لها ~~ولهذا قال مالك وأحمد في المشهور عنه والشافعى في أحد قوليه لو صلى وعليه ~~نجاسة لم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم يعد ms5628 لأنه من باب التروك وقد ذكر الله ~~عن المؤمنين قولهم ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( وثبت عن النبى ( ~~أن الله تعالى قال قد فعلت ( فمن فعل ما نهى عنه ناسيا أو مخطئا فلا إثم ~~عليه بخلاف من ترك ما أمر به كمن ترك الصلاة فلا بد من قضائها # ولهذا فرق أكثر العلماء في الصلاة والصيام والإحرام بين من فعل المحظور ~~ناسيا وبين من ترك الواجب ناسيا كمن تكلم في الصلاة ناسيا ومن أكل في ~~الصيام ناسيا ومن تطيب أو لبس ناسيا في الإحرام والذين يوجبون النية في ~~طهارة الأحداث يحتجون بهذا الحديث على PageV18P258 أبى حنيفة وأبوحنيفة ~~يسلم أن الطهارة غير المنوية ليست عبادة ولا ثواب فيها وإنما النزاع في صحة ~~الصلاة بها فقوله ( إنما الأعمال بالنيات ( لا يدل على محل النزاع إلا إذا ~~ضمت إليه مقدمة أخرى وهو أن الطهارة لا تكون إلا عبادة والعبادة لا تصح إلا ~~بنية وهذه المقدمة إذا سلمت لم تحتج إلى الإستدلال بهذا فإن الناس متفقون ~~على أن ما لا يكون إلا عبادة لا يصح إلا بنية بخلاف ما يقع عبادة وغير ~~عبادة كأداء الأمانات وقضاء الديون # وحينئذ فالمسألة مدارها على أن الوضوء هل يقع غير عبادة والجمهور يحتجون ~~بالنصوص الواردة في ثوابه كقوله ( إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع ~~الماء أو مع آخر قطر الماء ( وأمثال ذلك فيقولون ففيه الثواب لعموم النصوص ~~والثواب لا يكون إلا مع النية فالوضوء لا يكون إلا بنية # وأبو حنيفة يقول الطهارة شرط من شرائط الصلاة فلا تشترط لها النية ~~كاللباس وإزالة النجاسة وأولئك يقولون اللباس والإزالة يقعان عبادة وغير ~~عبادة ولهذا لم يرد نص بثواب الإنسان على جنس اللباس والإزالة وقد وردت ~~النصوص بالثواب على جنس الوضوء # وابوحنيفة يقول النصوص وردت بالثواب على الوضوء المعتاد PageV18P259 ~~وعامة المسلمين إنما يتوضؤون بالنية والوضوء الخالى عن النية نادر لا يقع ~~إلا لمثل من اراد تعليم غيره ونحو ذلك والجمهور يقولون هذا الوضوء الذى ~~إعتاده المسلمون هو الوضوء الشرعى ms5629 الذى تصح به الصلاة وما سوى هذا لا يدخل ~~في نصوص الشارع كقوله ( لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ( فإن ~~المخاطبين لا يعرفون الوضوء المأمور به إلا الوضوء الذى اثنى عليه وحث عليه ~~وغير هذا لا يعرفونه فلا يقصد إدخاله في عموم كلامه ولا يتناوله النص ### ||| فصل # وأما النية التى هي إخلاص الدين لله فقد تكلم الناس في حدها وحد الإخلاص ~~كقول بعضهم المخلص هو الذى لا يبالى لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من اجل ~~صلاح قلبه مع الله عز وجل ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله ~~وأمثال ذلك من كلامهم الحسن لكن كلامهم يتضمن الإخلاص في سائر الأعمال وهذا ~~لا يقع من سائر الناس بل لا يقع من أكثرهم بل غالب المسلمين يخلصون لله في ~~كثير من أعمالهم كإخلاصهم في الأعمال المشتركة بينهم PageV18P260 مثل صوم ~~شهر رمضان فغالب المسلمين يصومونه لله وكذلك من داوم على الصلوات فإنه لا ~~يصلى إلا لله عز وجل بخلاف من لم يحافظ عليها فإنما يصلى حياء أو رياء أو ~~لعلة دنيوية ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذى ( إذا رايتم ~~الرجل يعتاد المسجد فإشهدوا له بالإيمان فإن الله تعالى ( يقول ( إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله ( الآية # ومن لم يصل إلا بوضوء وإغتسال فإنه لا يفعل ذلك إلا لله ولهذا قال فيما ~~رواه أحمد وإبن ماجه من حديث ثوبان عنه أنه قال ( إستقيموا ولن تحصوا ~~وإعلموا ان خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن فإن الوضوء ~~سر بين العبد وبين الله عز وجل ( وقد ينتقض وضوؤه ولا يدرى به أحد فإذا ~~حافظ عليه لم يحافظ عليه إلا لله سبحانه ومن كان كذلك لا يكون إلا مؤمنا ~~والإخلاص في النفع المتعدى أقل منه في العبادات البدنية ولهذا قال في ~~الحديث المتفق على صحته ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل ms5630 إلا ظله ( ~~الحديث PageV18P261 ### ||| فصل # والنية محلها القلب بإتفاق العلماء فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه ~~أجزأته النية بإتفاقهم وقد خرج بعض أصحاب الشافعى وجها من كلام الشافعى غلط ~~فيه على الشافعى فإن الشافعى إنما ذكر الفرق بين الصلاة والإحرام بأن ~~الصلاة في أولها كلام فظن بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية وإنما أراد ~~التكبير والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله فلا بد أن ينويه ضرورة كمن ~~قدم بين يديه طعاما ليأكله فإذا علم أنه يريد الأكل فلابد ان ينويه وكذلك ~~الركوب وغيره بل لو كلف العباد أن يعملوا عملا بغير نية كلفوا ما لايطيقون ~~فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملا مشروعا أو غير مشروع فعلمه سابق إلى قلبه ~~وذلك هو النية وإذا علم الإنسان أنه يريد الطهارة والصلاة والصوم فلابد أن ~~ينويه إذا علمه ضرورة وإنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد مثل من ~~نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد أو من يريد أن يعلم غيره الوضوء ولم ~~يرد أنه يتوضأ لنفسه أو من لا يعلم ان غدا من رمضان فيصبح غير ناو للصوم ~~PageV18P262 # وأما المسلم الذى يعلم أن غدا من رمضان وهو يريد صوم رمضان فهذا لابد أن ~~ينويه ضرورة ولا يحتاج أن يتكلم به وأكثر ما يقع عدم التبييت والتعيين في ~~رمضان عند الإشتباه مثل من لا يعلم ان غدا من رمضان أم لا فينوى صوما رمضان ~~مطلقا أو يقصد تطوعا ثم يتبين أنه من رمضان ولو تكلم بلسانه بشيء وفى قلبه ~~خلافه كانت العبرة بما في قلبه لا بما لفظ به ولو إعتقد بقاء الوقت فنوى ~~الصلاة أداء ثم تبين خروج الوقت أو إعتقد خروجه فنواها قضاء ثم تبين له ~~بقاؤه أجزأته صلاته بالإتفاق # ومن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم في غاية اليسر لا تحتاج إلى وسوسة ~~وآصار واغلال ولهذا قال بعض العلماء الوسوسة إنما تحصل للعبد من جهل بالشرع ~~أو خبل في العقل # وقد تنازع الناس هل ms5631 يستحب التلفظ بالنية فقالت طائفة من أصحاب أبى حنيفة ~~والشافعى وأحمد يستحب ليكون أبلغ وقالت طائفة من اصحاب مالك واحمد لا يستحب ~~ذلك بل التلفظ بها بدعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه والتابعين لم ~~ينقل عن واحد منهم أنه تكلم بلفظ النية لا في صلاة ولا طهارة ولا صيام ~~قالوا لأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورة فالتكلم بها نوع هوس وعبث وهذيان ~~والنية تكون في قلب الإنسان ويعتقد انها ليست في قلبه فيريد PageV18P263 ~~تحصيلها بلسانه وتحصيل الحاصل محال فلذلك يقع كثير من الناس في انواع من ~~الوسواس وإتفق العلماء على أنه لا يسوغ الجهر بالنية لا لإمام ولا لمأموم ~~ولا لمنفرد ولا يستحب تكريرها وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سرا هل ~~يكره أو يستحب ### ||| فصل # لفظه ( إنما ( للحصر عند جماهير العلماء وهذا مما يعرف بالإضطرار من لغة ~~العرب كما تعرف معانى حروف النفى والإستفهام والشرط وغير ذلك لكن تنازع ~~الناس هل دلالتها على الحصر بطريق المنطوق أو المفهوم على قولين والجمهور ~~على أنه بطريق المنطوق والقول الآخر قول بعض مثبتى المفهوم كالقاضى أبى ~~يعلى في أحد قوليه وبعض الغلاة من نفاته وهؤلاء زعموا أنها تفيد الحصر ~~وإحتجوا بمثل قوله ( إنما المؤمنون ( # وقد إحتج طائفة من الأصوليين على أنها للحصر بأن حرف ( إن ( للإثبات وحرف ~~( ما ( للنفى ( فإذا إجتمعا حصل النفى والإثبات جميعا PageV18P264 وهذا خطأ ~~عند العلماء بالعربية فإن ( ما ( هنا هي ما الكافة ليست ما النافية وهذه ~~الكافة تدخل على إن وأخواتها فتكفها عن العمل وذلك لأن الحروف العاملة ~~اصلها ان تكون للإختصاص فإذا إختصت بالإسم أو بالفعل ولم تكن كالجزء منه ~~عملت فيه فإن وأخواتها إختصت بالإسم فعملت فيه وتسمى الحروف المشبهة ~~للأفعال لأنها عملت نصبا ورفعا وكثرت حروفها وحروف الجر اختصت بالإسم فعملت ~~فيه وحروف الشرط إختصت بالفعل فعملت فيه بخلاف أدوات الإستفهام فإنها تدخل ~~على الجملتين ولم تعمل وكذلك ما المصدرية # ولهذا القياس في ما النافية أن لا تعمل أيضا على لغة تميم ولكن ms5632 تعمل على ~~اللغة الحجازية التى نزل بها القرآن في مثل قوله تعالى ( ما هن أمهاتهم ( و ~~( ما هذا بشرا ( إستحسانا لمشابهتها ( ليس ( هنا لما دخلت ما الكافة على أن ~~أزالت إختصاصها فصارت تدخل على الجملة الإسمية والجملة الفعلية فبطل عملها ~~كقوله ( إنما أنت منذر ( وقوله ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ( وقد تكون ما ~~التى بعد أن إسما لا حرفا كقوله ( إنما صنعوا كيد ساحر ( بالرفع أي ان الذى ~~صنعوه كيد ساحر خلاف قوله ( إنما تقضى هذه الحياة الدنيا ( فإن القراءة ~~بالنصب لا تستقيم إذا كانت ما بمعنى الذى وفى كلا المعنين الحصر موجود لكن ~~إذا PageV18P265 كانت ما بمعنى الذى فالحصر جاء من جهة أن المعارف هي من ~~صيغ العموم فإن الأسماء أما معارف وإما نكرات والمعارف من صيغ العموم ~~والنكرة في غير الموجب كالنفى وغيره من صيغ العموم فقوله ( إنما صنعوا كيد ~~ساحر ( تقديره أن الذى صنعوه كيد ساحر وأما الحصر في إنما فهو من جنس الحصر ~~بالنفى والإستثناء كقوله تعالى ( ما انت إلا بشر مثلنا ( وما محمد إلا رسول ~~( والحصر قد يعبر عنه بأن الأول محصور في الثانى وقد يعبر عنه بالعكس ~~والمعنى واحد وهو أن الثانى أثبته الأول ولم يثبت له غيره مما يتوهم أنه ~~ثابت له وليس المراد أنك تنفى عن الأول كل ما سوى الثانى فقوله ( إنما أنت ~~منذر ( أى انك لست ربا لهم ولا محاسبا ولا مجازيا ولا وكيلا عليهم كما قال ~~( لست عليهم بمسيطر ( وكما قال ( فإنما عليك البلاغ ( ما المسيح إبن مريم ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمة صديقة ( ليس هو إلها ولا أمة الهة بل ~~غايته أن يكون رسولا كما غاية محمد أن يكون رسولا وغاية مريم أن تكون صديقة # وهذا مما إستدل به على بطلان قول بعض المتأخرين أنها نبية وقد حكى ~~الإجماع على عدم نبوة أحد من النساء القاضي ابوبكر PageV18P266 إبن الطيب ~~والقاضى أبويعلى والأستاذ ابوالمعالى الجوينى وغيرهم # وكذلك قوله تعالى ( وما محمد إلا رسول قد خلت من ms5633 قبله الرسل ( أى ليس ~~مخلدا في الدنيا لا يموت ولا يقتل بل يجوز عليه ما جاز على اخوانه المرسلين ~~من الموت أو القتل ( أفان مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ( نزلت يوم أحد ~~لما قيل أن محمدا قد قتل وتلاها الصديق يوم مات رسول الله فقال من كان يعبد ~~محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت وتلى هذه ~~الآية فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها ابوبكر رضى الله تعالى عنه فكان لا ~~يوجد أحد إلا يتلوها ### ||| فصل # وأما قوله تعالى ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ( الآية ~~فهذه الآية أثبت فيها الإيمان لهؤلاء ونفاه عن غيرهم كما نفاه النبى صلى ~~الله عليه وسلم عمن نفاه عنه في الأحاديث مثل قوله ( لا يزنى الزانى حين ~~يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها وهو مؤمن فإياكم وإياكم ( وكذلك قوله ( لا إيمان لمن لا أمانة له ~~ولا دين لمن لا عهد له ( ومن هذا PageV18P267 الباب قوله تعالى ( إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ( الآية وقوله ( إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع ( الآية # وهذه المواضع قد تنازع الناس في نفيها والذى عليه جماهير السلف وأهل ~~الحديث وغيرهم أن نفى الإيمان لإنتفاء بعض الواجبات فيه والشارع دائما لا ~~ينفى المسمى الشرعى إلا لإنتفاء واجب فيه وإذا قيل المراد بذلك نفى الكمال ~~فالكمال نوعان واجب ومستحب فالمستحب كقول بعض الفقهاء الغسل ينقسم إلى كامل ~~ومجزىء أى كامل المستحبات وليس هذا الكمال هو المنفى في لفظ الشارع بل ~~المنفى هو الكمال الواجب وإلا فالشارع لم ينف الإيمان ولا الصلاة ولا ~~الصيام ولا الطهارة ولا نحو ذلك من المسميات الشرعية لإنتفاء بعض مستحباتها ~~إذ لو كان كذلك لانتفى الإيمان عن جماهير المؤمنين بل إنما نفاه لإنتفاء ~~الواجبات كقوله عليه الصلاة والسلام ( لا صيام لمن لم يبيت النية ( و ( لا ~~صلاة إلا بأم ms5634 القرآن ( # وقد رويت عنه ألفاظ تنازع الناس في ثبوتها عنه مثل قوله ( لا صيام لمن لم ~~يبيت الصيام من الليل ( ولا صلاة إلا بوضوء ولا وضوء لمن لم يذكر إسم الله ~~عليه ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ( من ثبتت عنده هذه الألفاظ ~~فعليه ان يقول بموجبها PageV18P268 فيوجب ما تضمنته من التبييت وذكر إسم ~~الله وإجابة المؤذن ونحو ذلك ثم إذا ترك الإنسان بعض واجبات العبادة هل ~~يقال بطلت كلها فلا ثواب له عليها أم يقال يثاب على ما فعله ويعاقب على ما ~~تركه وهل عليه إعادة ذلك هذا يكون بحسب الأدلة الشرعية فمن الواجبات في ~~العبادة ما لا تبطل العبادة بتركه ولا إعادة على تاركه بل يجبر المتروك ~~كالواجبات في الحج التى ليست أركانا مثل رمى الجمار وأن يحرم من غير ~~الميقات ونحو ذلك وكذلك الصلاة عند الجمهور كمالك واحمد وغيرهم فيها واجب ~~لا تبطل الصلاة بتركه عندهم كما يقول أبو حنيفة في الفاتحة والطمانينة وكما ~~يقول مالك وأحمد في التشهد الأول لكن مالك وأحمد يقولان ما تركه من هذا ~~سهوا فعليه أن يسجد للسهو وأما إذا تركه عمدا فتبطل صلاته كما تبطل الصلاة ~~بترك التشهد الأول عمدا في المشهور من مذهبيهما لكن اصحاب مالك يسمون هذا ~~سنة مؤكدة ومعناه معنى الواجب عندهم # وأما أبو حنيفة فيقول من ترك الواجب الذى ليس بفرض عمدا أساء ولا إعادة ~~عليه والجمهور يقولون لا نعهد في العبادة واجبا فيما يتركه الإنسان إلى غير ~~بدل ولا إعادة عليه فلابد من وجوب البدل للإعادة ولكن مع هذا إتفقت الأئمة ~~على أن من ترك PageV18P269 واجبا في الحج ليس بركن ولم يجبره بالدم الذى ~~عليه لم يبطل حجة ولا تجب إعادته فهكذا يقول جمهور السلف وأهل الحديث ان من ~~ترك واجبا من واجبات الإيمان الذى لا يناقض أصول الإيمان فعليه أن يجبر ~~إيمانه إما بالتوبة وإما بالحسنات المكفرة فالكبائر يتوب منها والصغائر ~~تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإن لم ~~يفعل لم ms5635 يحبط إيمانه جملة # واصلهم أن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه كما في قوله عليه الصلاة ~~والسلام ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ( ولهذا مذهبهم ~~أن الإيمان يتفاضل ويتبعض هذا مذهب مالك والشافعى وأحمد وغيرهم # وأما الذين أنكروا تبعضه وتفاضله كأنهم قالوا متى ذهب بعضه ذهب سائره ثم ~~إنقسموا قسمين فقالت الخوارج والمعتزلة فعل الواجبات وترك المحرمات من ~~الإيمان فإذا ذهب بعض ذلك ذهب الإيمان كله فلا يكون مع الفاسق إيمان اصلا ~~بحال # ثم قالت الخوارج هو كافر وقالت المعتزلة ليس بكافر ولا مؤمن بل هو فاسق ~~ننزله منزلة بين المنزلتين فخالفوا الخوارج في الإسم ووافقوهم في الحكم ~~وقالوا أنه مخلد في النار لا يخرج منها PageV18P270 بشفاعة ولا غيرها ~~والحزب الثانى وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد ~~أحد ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان لإعتقادهم ان الإيمان ~~لا يتبعض فقالوا كل فاسق فهو كامل الإيمان وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل ~~وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال وقالوا الأعمال ليست من الإيمان ~~لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال في كتابه ثم قال الفقهاء المعتبرون من ~~أهل هذا القول إن الإيمان هو تصديق اللسان وقول القلب وهذا المنقول عن حماد ~~بن أبى سليمان ومن وافقه كأبى حنيفة وغيره وقال جهم والصالحى ومن وافقهما ~~من أهل الكلام كأبى الحسن وغيره أنه مجرد تصديق القلب # وفصل الخطاب في هذا الباب أن إسم الإيمان قد يذكر مجردا وقد يذكر مقرونا ~~بالعمل أو بالإسلام فإذا ذكر مجردا تناول الأعمال كما في الصحيحين ( ~~الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق ( وفيهما انه قال لوفد عبدالقيس ( آمركم بالإيمان ~~بالله أتدرون ما الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ( وإذا ذكر مع ~~الإسلام كما في حديث جبريل ms5636 أنه سأل النبى عن PageV18P271 الإيمان والإسلام ~~والإحسان فرق بينهما فقال ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ( ~~إلى آخره وفى المسند عن النبى ( الإسلام علانية والإيمان في القلب ( فلما ~~ذكرهما جميعا ذكر أن الإيمان في القلب والإسلام ما يظهر من الأعمال وإذا ~~أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة لأنها لوازم ما في القلب لأنه متى ~~ثبت الإيمان في القلب والتصديق بما اخبر به الرسول وجب حصول مقتضى ذلك ~~ضرورة فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه ~~فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه ألبتة فلا تستقر معرفة ~~تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها اثر في الظاهر ولهذا ينفى الله الإيمان عمن ~~إنتفت عنه لوازمه فإن إنتفاء اللازم يقتضى إنتفاء الملزوم كقوله تعالى ( ~~ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما إتخذوهم أولياء ( وقوله ( ~~لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ( الآية ~~ونحوها فالظاهر والباطن متلازمان لا يكون الظاهر مستقيما إلا مع إستقامة ~~الباطن وإذا إستقام الباطن فلا بد ان يستقيم الظاهر ولهذا قال النبى ( ألا ~~إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد الا وهى القلب PageV18P272 # وقال عمر لمن رآه يعبث في صلاته ( لو خشع ~~قلب هذا لخشعت جوارحه وفى الحديث ( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه ~~ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه ( # ولهذا كان الظاهر لازما للباطن من وجه وملزوما له من وجه وهو دليل عليه ~~من جهة كونه ملزوما لا من جهة كونه لازما فإن الدليل ملزوم المدلول يلزم من ~~وجود الدليل وجود المدلول ولا يلزم من وجود الشيء وجود ما يدل عليه والدليل ~~يطرد ولا ينعكس بخلاف الحد فإنه يطرد وينعكس # وتنازعوا في العلة هل يجب طردها بحيث تبطل بالتخصيص والإنتقاض والصواب ان ~~لفظ العلة يعبر به عن العلة التامة وهو مجموع ما يستلزم الحكم فهذه يجب ~~طردها ويعبر به عن المقتضى للحكم الذى ms5637 يتوقف إقتضاؤه على ثبوت الشروط ~~وإنتفاء الموانع فهذه إذا تخلف الحكم عنها لغير ذلك بطلت # وكذلك تنازعوا في إنعكاسها وهو أنه هل يلزم من عدم الحكم عدمها فقيل لا ~~يجب إنعكاسها لجواز تعليل الحكم بعلتين وقيل يجب الإنعكاس لأن الحكم متى ~~ثبت مع عدمها لم تكن مؤثرة فيه بل كان غنيا عنها وعدم التأثير مبطل للعلة ~~وكثير من الناس يقول PageV18P273 بأن عدم التأثير يبطل العلة ويقول بأن ~~العكس ليس بشرط فيها وآخرون يقولون هذا تناقض والتحقيق في هذا ان العلة إذا ~~عدمت عدم الحكم المتعلق بها بعينه لكن يجوز وجود مثل ذلك الحكم بعلة اخرى ~~فإذا وجد ذلك الحكم بدون علة أخرى علم انها عديمة التاثير وبطلت وأما إذا ~~وجد نظير ذلك الحكم بعلة أخرى كان نوع ذلك الحكم معللا بعلتين وهذا جائز ~~كما إذا قيل في المرأة المرتدة كفرت بعد إسلامها فتقتل قياسا على الرجل ~~لقول النبى ( لا يحل دم إمرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث ~~رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا فقتل بها ( فإذا قيل له ~~لا تأثير لقولك كفر بعد إسلامه فإن الرجل يقتل بمجرد الكفر وحينئذ فالمرأة ~~لا تقتل بمجرد الكفر فيقول هذه علة ثابتة بالنص وبقوله ( من بدل دينه ~~فإقتلوه ( وأما الرجل فما قتلته لمجرد كفره بل لكفره وجراءته ولهذا لا أقتل ~~من كان عاجزا عن القتال كالشيخ الهرم ونحوه وإما الكفر بعد الإسلام فعلة ~~أخرى مبيحة للدم ولهذا قتل بالردة من كان عاجزا عن القتال كالشيخ الكبير # وهذا قول مالك وأحمد وإن كان ممن يرى أن مجرد الكفر PageV18P274 يبيح ~~القتال كالشافعى قال الكفر وحدة علة والكفر بعد الإسلام علة أخرى وليس هذا ~~موضع بسط هذه الأمور وإنما ننبه عليها # والمقصود أن لفظ الإيمان تختلف دلالته بالإطلاق والإقتران فإذا ذكر مع ~~العمل أريد به اصل الإيمان المقتضى للعمل وإذا ذكر وحده دخل فيه لوازم ذلك ~~الأصل # وكذلك إذا ذكر بدون الإسلام كان الإسلام جزءا منه ms5638 وكان كل مسلم مؤمنا ~~فإذا ذكر لفظ الإسلام مع الإيمان تميز أحدهما عن الآخر كما في حديث جبريل ~~وكما في قوله تعالى ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ( ولهذا ~~نظائر كلفظ المعروف والمنكر والعدل والإحسان وغير ذلك ففي قوله @QB@ يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ يدخل في لفظ المعروف كل مأمور به وفى لفظ ~~المنكر كل منهى عنه وفى قوله تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ~~جعل الفحشاء غير المنكر وقوله ( ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ( جعل ~~الفحشاء والبغى غير المنكر وإذا قيل هذا من باب عطف الخاص على العام والعام ~~على الخاص PageV18P275 فللناس هنا قولان منهم من يقول الخاص دخل في العام ~~وخص بالذكر فقد ذكر مرتين ومنهم من يقول تخصيصه بالذكر يقتضى أنه لم يدخل ~~في العام وقد يعطف الخاص على العام كما في قوله ( وملائكته وجبريل ( وقوله ~~( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ( الآية وقد يعطف العام على الخاص كما ~~في قوله تعالى ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها ( # واصل الشبهة في الإيمان أن القائلين أنه لا يتبعض قالوا أن الحقيقة ~~المركبة من امور متى ذهب بعض اجزائها إنتفت تلك الحقيقة كالعشرة المركبة من ~~آحاد فلو قلنا إنه يتبعض لزم زوال بعض الحقيقة مع بقاء بعضها فيقال لهم إذا ~~زال بعض أجزاء المركب تزول الهيئة الإجتماعية الحاصلة بالتركيب لكن لا يلزم ~~أن يزول سائر الأجزاء والإيمان المؤلف من الأقوال الواجبة والأعمال الواجبة ~~الباطنة والظاهرة هو المجموع الواجب الكامل وهذه الهيئة الإجتماعية تزول ~~بزوال بعض الأجزاء وهذه هي المنفية في الكتاب والسنة في مثل قوله ( لا يزنى ~~الزانى ( إلخ وعلى ذلك جاء قوله تعالى ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا ( الآيات ولكن لا يلزم أن تزول سائر الأجزاء ولا أن ~~سائر الأجزاء الباقية لا تكون من الإيمان بعد زوال بعضه كما ان واجبات الحج ~~من الحج الواجب الكامل وإذا زالت زال PageV18P276 هذا الكمال ولم يزل سائر ~~الحج وكذلك الإنسان الكامل يدخل في مسماه أعضاؤه كلها ms5639 ثم لو قطعت يداه ~~ورجلاه لم يخرج عن إسم الإنسان وإن كان قد زال منه بعض ما يدخل [ في ] ~~الإسم الكامل # وكذلك لفظ الشجرة والباب والبيت والحائط وغير ذلك يتناول المسمى في حال ~~كمال اجزائه بعد ذهاب بعض اجزائه # وبهذا تزول الشبهة التى اوردها الرازى ومن إتبعه كالأصبهانى وغيره على ~~الشافعى فإن مذهبه في ذلك مذهب جمهور أهل الحديث والسلف وقد اعترض هؤلاء ~~بهذه الشبهة الفاسدة على السلف والإيمان يتفاضل من جهة الشارع فليس ما امر ~~الله به كل عبد هو ما أمر الله به غيره ولا الإيمان الذى يجب على كل عبد ~~يجب على غيره بل كانوا في أول الإسلام يكون الرجل مؤمنا كامل الإيمان ~~مستحقا للثواب إذا فعل ما اوجبه الله عليه ورسوله وإن كان لم يقع منه ~~التصديق المفصل بما لم ينزل من القرآن ولم يصم رمضان ولم يحج البيت كما أن ~~من آمن في زمننا هذا إيمانا تاما ومات قبل دخول وقت صلاة عليه مات مستكملا ~~للإيمان الذى وجب عليه كما أنه مستحق للثواب على إيمانه ذلك PageV18P277 ~~وأما بعد نزول ما نزل من القرآن وإيجاب ما اوجبه الله ورسوله من الواجبات ~~وتمكن من فعل ذلك فإنه لا يكون مستحقا للثواب بمجرد ما كان يستحق به الثواب ~~قبل ذلك فلذلك يقول هؤلاء لم يكن هذا مؤمنا بما كان به مؤمنا قبل ذلك وهذا ~~لأن الإيمان الذى شرع لهذا اعظم من الإيمان الذى شرع لهذا وكذلك المستطيع ~~الحج يجب عليه مالا يجب على العاجز عنه وصاحب المال يجب عليه من الزكاة ما ~~لا يجب على الفقير ونظائره متعددة # وأما تفاصيله من جهة العبد فتارة يقوم هذا من الإقرار والعمل بأعظم مما ~~يقوم به هذا وكل أحد يعلم أن ما في القلب من الأمور يتفاضل حتى ان الإنسان ~~يجد نفسه أحيانا أعظم حبا لله ورسوله وخشية لله ورجاء لرحمته وتوكلا عليه ~~وإخلاصا منه في بعض الأوقات وكذلك المعرفة والتصديق تتفاضل في اصح القولين ~~وهذا اصح الروايتين عن أحمد وقد ms5640 قال غير واحد من الصحابة كعمر بن حبيب ~~الخطمى وغيره الإيمان يزيد وينقص فإذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك ~~زيادته وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه ولهذا سن الإستثناء في ~~الإيمان فإن كثيرا من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم إستثنوا في ~~الإيمان وآخرون أنكروا الإستثناء فيه PageV18P278 # وقالوا هذا شك والذين ~~إستثنوا فيه منهم من اوجبه ومنهم من لم يوجبه بل جوز تركه بإعتبار حالتين ~~وهذا أصح الأقوال وهذان القولان في مذهب أحمد وغيره فمن إستثنى لعدم علمه ~~بانه غير قائم بالواجبات كما امر الله ورسوله فقد أحسن وكذلك من إستثنى ~~لعدم علمه بالعاقبة وكذلك من إستثنى تعليقا للأمر بمشيئة الله تعالى لا شكا ~~ومن جزم بما هو في نفسه في هذه الحال كمن يعلم من نفسه أنه شهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله فجزم بما هو متيقن حصوله في نفسه فهو محسن في ~~ذلك # وكثير من منازعات الناس في مسائل الإيمان ومسائل الأسماء والأحكام هي ~~منازعات لفظية فإذا فصل الخطاب زال الإرتياب والله سبحانه أعلم بالصواب ### ||| فصل # قوله ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ( ليس هو ~~تحصيل للحاصل لكنه إخبار بأن من نوى بعمله شيئا فقد حصل له ما نواه أى من ~~قصد بهجرته الله ورسوله حصل له ما قصده ومن كان قصده الهجرة إلى دنيا أو ~~امرأة فليس له إلا ذلك فهذا تفصيل لقوله ( إنما الأعمال بالنيات ~~PageV18P279 ولما أخبر أن لكل امرئ ما نوى ذكر أن لهذا ما نواه ولهذا ما ~~نواه # والهجرة مشتقة من الهجر وقد صح عن النبى أنه قال ( المهاجر من هجر ما نهى ~~الله عنه والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله ( كما قال ( المسلم من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم واموالهم ( وهذا ~~بيان منه لكمال مسمى هذا الإسم كما قال ( ليس المسكين بهذا الطواف ( إلخ # وقد يشبه هذا قوله ( ما تعدون المفلس فيكم قالوا من ليس له درهم ولا ~~دينار ms5641 قال ليس هذا المفلس ولكن المفلس من ياتى يوم القيامة بحسنات أمثال ~~الجبال فيأتى وقد ضرب هذا وشتم هذا واخذ مال هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا ~~من حسناته فإذا لم يبق له حسنة أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ~~( وقال ( ما تعدون الرقوب فيكم قالوا من لا يولد له قال الرقوب من لم يقدم ~~من ولده شيئا ( # ومثله قوله ( ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب ~~( # لكن في هذه الأحاديث مقصود وبيان ما هو أحق بأسماء المدح والذم مما ~~يظنونه فإن الإفلاس حاجة وذلك مكروه فبين أن حقيقة الحاجة إنما تكون يوم ~~القيامة وكذلك عدم الولد تكرهه النفوس لعدم الولد النافع فبين أن الإنتفاع ~~بالولد حقيقة إنما يكون في الآخرة لمن PageV18P280 قدم أولاده بين يديه ~~وكذلك الشدة والقوة محبوبة فبين ان قوة النفوس أحق بالمدح من قوة البدن وهو ~~أن يملك نفسه عند الغضب كما قيل لبعض سادات العرب ما بال عبيدكم أصبر منكم ~~عند الحرب وعلى الأعمال قال هم أصبر أجسادا ونحن اصبر نفوسا وأما قوله في ~~إسم المسلمين فهو من جنس قوله في المسلم والمؤمن والمهاجر والمجاهد وهذا ~~مطابق لما تقدم من ان الشارع لا ينفى مسمى إسم شرعى إلا لإنتفاء كماله ~~الواجب فإن هجر ما نهى الله عنه واجب وسلامة المسلمين من عدوان الإنسان ~~بلسانه ويده واجب والمؤمن على دمائهم وأموالهم لا يكون من أمنه الناس إلا ~~إذا كان أمينا والأمانة واجبة والمسكين الذى لا يسأل ولا يعرف هو أحق ~~بالإعطاء ممن أظهر حاجته وسؤاله وعطاؤه واجب وتخصيص السائل بالعطاء دون هذا ~~لا يجوز بل تخصيص الذى لا يسأل أولى وأوجب وأحب # وقد قال ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا إستنفرتم فإنفروا ( ~~وقال ( لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو ( وكلاهما حق فالأول أراد به الهجرة ~~المعهودة في زمانه وهى الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب فإن ~~هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار ms5642 كفر وحرب وكان الإيمان ~~بالمدينة فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبه لمن قدر عليها ~~فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام ودخلت العرب في الإسلام PageV18P281 صارت ~~هذه الأرض كلها دار الإسلام فقال ( لا هجرة بعد الفتح ( # وكون الأرض دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها بل هي ~~صفة عارضة بحسب سكانها فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله ~~في ذلك الوقت وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت وكل أرض ~~سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت ~~بغيرهم فهي دارهم # وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة يشرك ~~فيها بالله كان بحسب سكانه وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جعلت مسجدا ~~يعبد الله فيه جل وعز كان بحسب ذلك وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقا والكافر ~~يصير مؤمنا أو المؤمن يصير كافرا أو نحو ذلك كل بحسب إنتقال الأحوال من حال ~~إلى حال # وقد قال تعالى ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ) الآية نزلت في ~~مكة لما كانت دار كفر وهى ما زالت في نفسها خير ارض الله وأحب أرض الله ~~إليه وإنما أراد سكانها فقد روى الترمذى مرفوعا ( أنه قال لمكة وهو واقف ~~بالحزورة والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أن قومى ~~أخرجونى منك لما خرجت ( وفى رواية خير أرض الله وأحب أرض الله إلى ( فبين ~~أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله وكان مقامه بالمدينة ومقام PageV18P282 ~~من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم ولهذا كان ~~الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة كما ثبت في الصحيح ( رباط يوم ~~وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مات مجاهدا وجرى ~~عليه عمله وأجرى رزقه من الجنة وأمن الفتان ( # وفى السنن عن عثمان عن النبى أنه قال ( رباط يوم في سبيل ms5643 الله خير من ألف ~~يوم فيما سواه من المنازل ( وقال أبو هريرة لأن أرابط ليلة في سبيل الله ~~أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود ولهذا كان أفضل الأرض في ~~حق كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله وهذا يختلف بإختلاف الأحوال ولا ~~تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها افضل وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان ~~بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور وقد كتب أبوالدرداء إلى سلمان ~~هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان أن الأرض لا تقدس احدا وإنما يقدس ~~العبد عمله وكان النبى قد آخى بين سلمان وابى الدرداء وكان سلمان أفقه من ~~أبى الدرداء في أشياء من جملتها هذا # وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام ( سأريكم دار الفاسقين ( وهى الدار ~~التى كان بها أولئك العمالقة ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين وهى الدار التى ~~دل عليها القرآن من الأرض المقدسة PageV18P283 وأرض مصر التى أورثها ال 6 ~~له بنى إسرائيل فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلما وتارة ~~كافرا وتارة مؤمنا وتارة منافقا وتارة برا تقيا وتارة فاسقا وتارة فاجرا ~~شقيا # وهكذا المساكن بحسب سكانها فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصى إلى ~~مكان الإيمان والطاعة كتوبته وإنتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان ~~والطاعة وهذا أمر باق إلى يوم القيامة والله تعالى قال ( والذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم # قالت طائفة من السلف هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة ~~وهكذا قوله تعالى ( والذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم ( يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه ~~في معصية ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو وجاهد المنافقين ~~بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وغير ذلك وصبر على ما اصابه من قول أو ~~فعل والله سبحانه وتعالى أعلم PageV18P284 ### |PARATEXT| # وقال ### ||| فصل # الأذكار الثلاثة التى إشتملت عليها خطبة إبن مسعود وغيره وهى الحمد لله ~~نستعينه ونستغفره هي ms5644 التى يروى عن الشيخ عبدالقادر ثم ابى الحسن الشاذلى ~~أنها جوامع الكلام النافع وهى الحمد لله واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله وذلك أن العبد بين أمرين أمر يفعله الله به فهي نعم الله التى تنزل ~~عليه فتحتاج إلى الشكر وأمر يفعله هو إما خير وإما شر فالخير يفتقر إلى ~~معونة الله له فيحتاج إلى الإستعانة والشر يفتقر إلى الإستغفار ليمحو أثره # وجاء في حديث ضماد الأزدى ( الحمد لله نحمده ونستعينه ( فقط وهذا موافق ~~لفاتحة الكتاب حيث قسمت نصفين نصفا للرب ونصفا للعبد فنصف الرب مفتتح ~~بالحمد لله ونصف العبد مفتتح بالإستعانة به فقال نحمده ونستعينه وقد يقرن ~~بين الحمد والإستغفار كما في الأثر الذى رواه أحمد في الزهد ( أن رجلا كان ~~على عهد PageV18P285 الحسن فقيل له تلقينا هذه الخطبة عن الوالد عن والده ~~كما يقولها كثير من الناس الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ~~ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا فأما نحمده ونستعينه ففى ~~حديث ضماد ( ونستعينه ونستغفره ( في حديث إبن مسعود وأما نستهديه ففى فاتحة ~~الكتاب لأن نصفها للرب وهو الحمد ونصفها للعبد وهو الإستعانة والإستهداء ~~وليس فيها الإستغفار لأنه لا يكون إلا مع الذنب والسورة اصل الإيمان ~~والفاتحة باب السعادة المانعة من الذنوب كما قال تعالى ( إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ( # وعن بن عباس ان ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان يرقى من هذه الريح ~~فسمع سفهاء من اهل مكة يقولون إن محمدا مجنون فقال لو أنى رأيت هذا الرجل ~~لعل الله يشفيه على يدى قال فلقيه فقال يا محمد إنى أرقى من هذه الريح وإن ~~الله يشفى على يدى من شاء الله فهل لك فقال رسول الله ( إن الحمد لله نحمده ~~ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له واشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد ( قال فقال أعد ~~على كلماتك هؤلاء فاعادهن عليه رسول الله ms5645 ثلاث مرات قال فقال PageV18P286 ~~لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت بمثل كلماتك هؤلاء ~~ولقد بلغت قاعوس البحر قال فقال هات يدك أبايعك على الإسلام قال فبايعه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قومك فقال وعلى قومى ( رواه مسلم ~~في صحيحه # ولهذا إستحبت وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عموما وخصوصا من تعليم الكتاب ~~والسنة والفقة في ذلك وموعظة الناس ومجادلتهم أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية ~~النبوية وكان الذى عليه شيوخ زماننا الذين أدركناهم وأخذنا عنهم وغيرهم ~~يفتتحون مجلس التفسير أو الفقه في الجوامع والمدارس وغيرها بخطبة أخرى # مثل الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم المرسلين وعلى آله ~~وصحبه أجمعين ورضى الله عنا وعنكم وعن مشايخنا وعن جميع المسلمين أو وعن ~~السادة الحاضرين وجميع المسلمين كما رأيت قوما يخطبون للنكاح بغير الخطبة ~~المشروعة وكل قوم لهم نوع غير نوع الآخرين فإن حديث إبن مسعود لم يخص ~~النكاح وإنما هي خطبة لكل حاجة في مخاطبة العباد بعضهم بعضا والنكاح من ~~جملة ذلك فإن مراعاة السنن الشرعية في الأقوال والأعمال في جميع العبادات ~~والعادات هو كمال الصراط المستقيم وما سوى ذلك إن لم يكن PageV18P287 منهيا ~~عنه فإنه منقوص مرجوح إذ خير الهدى هدى محمد # والتحقيق أن قوله ( الحمد لله نستعينه ونستغفره ( هي الجوامع كما في ~~الحديث النبوى حديث إبن مسعود ذكر ذلك وأن النبى صلى الله عليه وسلم أوتى ~~جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه كما في سورتى ( أبى ( فإن الإستهداء يدخل في ~~الإستعانة وتكرير نحمده قد إستغنى به بقوله ( الحمد لله ( فإذا فصلت جاز ~~كما في دعاء القنوت ( اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل ~~عليك ونثنى عليك الخير كله ونشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك ( فهذه ~~إحدى سورتى أبى وهى مفتتحة بالإستعانة التى هي نصف العبد مع ما بعدها من ~~فاتحة الكتاب وفى السورة الثانية ( اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك ~~نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق ms5646 ( فهذا ~~مفتتح بالعبادة التى هي نصف الرب مع ما قبلها من الفاتحة ففى سورتى القنوت ~~مناسبة لفاتحة الكتاب وفيهما جميعا مناسبة لخطبة الحاجة وذلك جميعه من ~~فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه # وأما قوله ( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ( فإن ~~المستعاذ منه نوعان فنوع موجود يستعاذ من ضرره الذى لم PageV18P288 يوجد ~~بعد ونوع مفقود يستعاذ من وجوده فإن نفس وجوده ضرر مثال الأول ( أعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم ) ومثال الثانى ( رب أعوذ بك من همزات الشياطين واعوذ بك ~~رب أن يحضرون ( و ( اللهم أنى أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل ( # وأما قوله ( قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر ~~النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد ( فيشترك فيه النوعان فإنه يستعاذ ~~من الشر الموجود أن لا يضر ويستعاذ من الشر الضار المفقود أن لا يوجد فقوله ~~في الحديث ( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ( يحتمل القسمين يحتمل نعوذ بالله ~~أن يكون منها شر ونعوذ بالله ان يصيبنا شرها وهذا أشبه والله أعلم # وقوله ( ومن سيئات أعمالنا ( السيئات هي عقوبات الأعمال كقوله ( سيئات ما ~~مكروا ( فإن الحسنات والسيئات يراد بها النعم والنقم كثيرا كما يراد بها ~~الطاعات والمعاصى وإن حملت على السيئات التى هي المعاصى فيكون قد إستعاذ أن ~~يعمل السيئات أو أن تضره وعلى الأول وهو أشبه فقد إستعاذ من عقوبة أعماله ~~أن تصيبه وهذا أشبه PageV18P289 فيكون الحديث قد إشتمل على الإستعاذة من ~~الضرر الفاعلى والضرر الغائى فإن سبب الضرر هو شر النفس وغايته عقوبة الذنب ~~وعلى هذا فيكون قد إستعاذ من الضرر المفقود الذى إنعقد سببه أن لا يكون فإن ~~النفس مقتضية للشر والأعمال مقتضية للعقوبة فإستعاذ أن يكون شر نفسه أو أن ~~تكون عقوبة عمله وقد يقال بل الشر هو الصفة القائمة بالنفس الموجبة للذنوب ~~وتلك موجودة كوجود الشيطان فإستعاذ منها أن تضره أو تصيبه كما يقال ( أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم ( وان حمل على ms5647 الشرور الواقعة وهى الذنوب من النفس ~~فهذا قسم ثالث PageV18P290 ### || 1 ( شرح حديث بدأ الإسلام غريبا ) 1 # ! 8 < ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( # ! 8 < ( فصل ( في قول النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( بدأ ~~الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ( # لا يقتضى هذا انه إذا صار غريبا يجوز تركه والعياذ بالله بل الأمر كما ~~قال تعالى ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين ( وقال تعالى ( إن الدين عند الله الإسلام ( وقال تعالى ( يا أيها ~~الذين آمنوا إتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلإ وأنتم مسلمون ( وقال تعالى ~~( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى ~~بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلإ ~~وأنتم مسلمون PageV18P291 # وقد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر وبينا أن الأنبياء كلهم كان دينهم ~~الإسلام من نوح إلى المسيح # ولهذا لما بدأ الاسلام غريبا لم يكن غيره من الدين مقبولا بل قد ثبت في ~~الحديث الصحيح حديث عياض بن حمار عن النبى أنه قال ( إن الله نظر إلى أهل ~~الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ( الحديث # ولا يقتضى هذا أنه إذا صار غريبا أن المتمسك به يكون في شر بل هو أسعد ~~الناس كما قال في تمام الحديث ( فطوبى للغرباء ( و ( طوبى ( من الطيب قال ~~تعالى ( طوبى لهم وحسن مآب ( فإنه يكون من جنس السابقين الأولين الذين ~~إتبعوه لما كان غريبا # وهم أسعد الناس أما في الآخرة فهم أعلى الناس درجة بعد الأنبياء عليهم ~~السلام # واما في الدنيا فقد قال تعالى ( يا أيها النبى حسبك الله ومن إتبعك من ~~المؤمنين ( أى أن الله حسبك وحسب متبعك وقال تعالى ( إن وليي الله الذى نزل ~~الكتاب وهو يتولى الصالحين ( وقال تعالى ( أليس PageV18P292 الله بكاف عبده ~~( وقال ( ومن يتق الله يجعل ms5648 له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبة ( فالمسلم المتبع للرسول الله تعالى حسبه وكافيه وهو وليه ~~حيث كان ومتى كان # ولهذا يوجد المسلمون المتمسكون بالإسلام في بلاد الكفر لهم السعادة كلما ~~كانوا أتم تمسكا بالإسلام فإن دخل عليهم شر كان بذنوبهم حتى إن المشركين ~~وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم بالإسلام عظموه وأكرموه وأعفوه من ~~الإعمال التى يستعملون بها المنتسبين إلى ظاهر الإسلام من غير عمل بحقيقته ~~لم يكرم # وكذلك كان المسلمون في أول الإسلام وفى كل وقت # فإنه لابد أن يحصل للناس في الدنيا شر ولله على عباده نعم لكن الشر الذى ~~يصيب المسلم اقل والنعم التى تصل إليه اكثر فكان المسلمون في أول الإسلام ~~وإن إبتلوا بأذى الكفار والخروج من الديار فالذى حصل للكفار من الهلاك كان ~~أعظم بكثير والذى كان يحصل للكفار من عز أو مال كان يحصل للمسلمين أكثر منه ~~حتى من الأجانب PageV18P293 # فرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما كان المشركون يسعون في أذاه بكل ~~طريق كان الله يدفع عنه ويعزه ويمنعه وينصره من حيث كان أعز قريش ما منهم ~~إلا من كان يحصل له من يؤذيه ويهينه من لا يمكنه دفعه إذ لكل كبير كبير ~~يناظره ويناويه ويعاديه وهذه حال من لم يتبع الإسلام يخاف بعضهم بعضا ويرجو ~~بعضهم بعضا # وأتباعه الذين هاجروا إلى الحبشة أكرمهم ملك الحبشة وأعزهم غاية الإكرام ~~والعز والذين هاجروا إلى المدينة فكانوا أكرم وأعز والذى كان يحصل لهم من ~~أذى الدنيا كانوا يعوضون عنه عاجلا من الإيمان وحلاوته ولذته ما يحتملون به ~~ذلك الأذى وكان أعداؤهم يحصل لهم من الأذى والشر أضعاف ذلك من غير عوض لا ~~آجلا ولا عاجلا إذ كانوا معاقبين بذنوبهم # وكان المؤمنون ممتحنين ليخلص إيمانهم وتكفر سيأتهم وذلك أن المؤمن يعمل ~~لله فإن أوذى إحتسب أذاه على الله وإن بذل سعيا أو مالا بذله لله فإحتسب ~~أجره على الله PageV18P294 والإيمان له حلاوة في القلب ولذة لا يعدلها شيء ms5649 ~~ألبتة وقد قال النبى ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان ~~يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ( ~~أخرجاه في الصحيحين وفى صحيح مسلم ( ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا ~~وبالإسلام دينا ( وبمحمد نبيا ( وكما أن الله نهى نبيه أن يصيبه حزن أو ضيق ~~ممن لم يدخل في الإسلام في أول الأمر فكذلك في آخره فالمؤمن منهى أن يحزن ~~عليهم أو يكون في ضيق من مكرهم # وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام جزع وكل ~~وناح كما ينوح أهل المصائب وهو منهى عن هذا بل هو مأمور بالصبر والتوكل ~~والثبات على دين الإسلام وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ~~وأن العاقبة للتقوى وأن ما يصيبه فهو بذنوبه فليصبر إن وعد الله حق ~~وليستغفر لذنبه وليسبح بحمد ربه بالعشى والأبكار # وقوله صلى الله عليه وسلم ( ثم يعود غريبا كما بدأ ( يحتمل شيئين ~~PageV18P295 أحدهما انه في أمكنة وازمنة يعود غريبا بينهم ثم يظهر كما كان ~~في اول الامر غريبا ثم ظهر ولهذا قال ( سيعود غريبا كما بدأ ) وهو لما بدأ ~~كان غريبا لا يعرف ثم ظهر وعرف فكذلك يعود حتى لا يعرف ثم يظهر ويعرف فيقل ~~من يعرفه في اثناء الامر كما كان من يعرفه اولا # ويحتمل انه في اخر الدنيا لا يبقى مسلما الا قليل وهذا انما يكون بعد ~~الدجال وياجوج وماجوج عند قرب الساعة وحينئذ يبعث الله ريحا تقبض روح كل ~~مؤمن ومؤمنة ثم تقوم القيامة # واما قبل ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من امتى ظاهرين ~~على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة ) وهذا الحديث ~~في الصحيحين ومثله من عدة اوجه # فقد اخبر الصادق المصدوق انه لا تزال طائفة ممتنعة من امته على ms5650 الحق ~~اعزاء لا يضرهم المخالف ولا خلاف الخاذل فاما بقاء الاسلام غريبا ذليلا في ~~الأرض كلها قبل الساعة فلا يكون هذا # وقوله ( ثم يعود غريبا كما بدأ ) أعظم PageV18P296 ما تكون غربته اذا ~~ارتد الداخلون فيه عنه وقد قال تعالى ( من يرتد منكم عن دينه فسوف ياتى ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) فهؤلاء يقيمونه اذا ارتد عنه اولئك # وكذلك بدأ غريبا ولم يزل يقوى حتى انتشر فهكذا يتغرب في كثير من الامكنة ~~والازمنة ثم يظهر حتى يقيمه الله عز وجل كما كان عمر بن عبد العزيز لما ولى ~~قد تغرب كثير من الاسلام على كثير من الناس حتى كان منهم من لا يعرف تحريم ~~الخمر فاظهر الله به في الاسلام ما كان غريبا # وفى السنن ( ان الله يبعث لهذه الامة في راس كل مائة سنة من يجدد لها ~~دينها ) والتجديد انما يكون بعد الدروس وذاك هو غربة الاسلام # وهذا الحديث يفيد المسلم انه لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الاسلام ولا ~~يضيق صدره بذلك ولا يكون في شك من دين الاسلام كما كان الامر حين بدأ قال ~~تعالى ( فان كنت في شك مما انزلنا اليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ~~) إلى غير ذلك من الايات PageV18P297 والبراهين الدالة على صحة الاسلام # وكذلك اذا تغرب يحتاج صاحبه من الادلة والبراهين إلى نظير ما احتاج إليه ~~في اول الامر وقد قال له ( افغير الله ابتغى حكما وهو الذى انزل إليكم ~~الكتاب مفصلا والذين اتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق فلا ~~تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع ~~العليم وان تطع اكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن ~~وان هم الا يخرصون ) وقال تعالى ( أم تحسب ان اكثرهم يسمعون أو يعقلون ان ~~هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا ) # وقد تكون الغربة في بعض شرائعه وقد يكون ذلك ms5651 في بعض الامكنة ففى كثير من ~~الامكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريبا بينهم لا يعرفه منهم الا ~~الواحد بعد الواحد # ومع هذا فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما امر الله ورسوله فان اظهاره ~~والامر به والانكار على من خالفه هو بحسب القوة والاعوان وقد قال النبى ( ~~من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه ~~PageV18P298 ليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل ) واذا قدر ان في الناس من ~~حصل له سوء في الدنيا والاخرة بخلاف ما وعد الله به رسوله واتباعه فهذا من ~~ذنوبه ونقص اسلامه كالهزيمة التى أصابتهم يوم أحد # والا فقد قال تعالى ( انا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الاشهاد ) وقال تعالى ( ولقدسبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم ~~لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون ) وفيما قصة الله تعالى من قصص ~~الانبياء واتباعهم ونصرهم ونجاتهم وهلاك اعدائهم عبرة والله أعلم # فإن قيل قوله تبارك وتعالى ( من يرتد منكم عن دينه فسوف ياتى الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه ) هو خطاب لذلك القرن كقوله تعالى ( وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) ~~ولهذا بين النبى انهم أهل اليمن الذين دخلوا في الاسلام لما ارتد من ارتد ~~من العرب ويدل على ذلك انه في اخر الامر لا يبقى مؤمن # قيل قوله تبارك وتعالى ( يا ايها الذين آمنوا ) خطاب لكل من PageV18P299 ~~بلغه القرآن من المؤمنين كسائر انواع هذا الخطاب كقوله تعالى ( يا ايها ~~الذين امنوا اذا قمتم إلى الصلاة ) وامثالها وكذلك قوله تعالى ( وعد الله ~~الذين امنوا منكم ) # وكلاهما وقع ويقع كما اخبر الله عز وجل فانه ما ارتد عن الاسلام طائفة ~~الا اتى الله بقوم يحبهم يجاهدون عنه وهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة # يبين ذلك أنه ذكر هذا في سياق النهى عن موالاة الكفار فقال تعالى ( يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم اولياء بعض ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم ms5652 إن الله لا يهدى القوم الظالمين فترى الذين في ~~قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله ان يأتى ~~بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في انفسهم نادمين إلى قوله يا ~~أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف ياتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~( فالمخاطبون بالنهى عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية الردة ~~ومعلوم ان هذا يتناول جميع قرون الأمة وهو لما نهى عن موالاة الكفار وبين ~~ان من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم بين أن من تولاهم وإرتد عن دين ~~الإسلام لا يضر الإسلام شيئا PageV18P300 # بل سيأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه فيتولون المؤمنين دون الكفار ويجاهدون ~~في سبيل الله لا يخافون لومة لائم كما قال في أول الأمر ( فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ( فهؤلاء الذين لم يدخلوا في ~~الإسلام واولئك الذين خرجوا منه بعد الدخول فيه لا يضرون الإسلام شيئا بل ~~يقيم الله من يؤمن بما جاء به رسوله وينصر دينه إلى قيام الساعة # واهل اليمن هم ممن جاء الله بهم لما إرتد من إرتد إذ ذاك وليست الآية ~~مختصة بهم ولا في الحديث ما يوجب تخصيصهم بل قد أخبر الله أنه يأتى بغير ~~أهل اليمن كابناء فارس لا يختص الوعد بهم # بل قد قال تعالى ( يا ايها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم إنفروا في ~~سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض ارضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ألا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير ( وهذا ايضا خطاب لكل قرن ~~وقد أخبر فيه أنه من نكل عن الجهاد المأمور به عذبه وإستبدل به من يقوم ~~بالجهاد وهذا هو الواقع # وكذلك قوله في الآية الآخرى ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله PageV18P301 الغنى وأنتم ~~الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما ms5653 غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ( فقد أخبر ~~تعالى أنه من يتول عن الجهاد بنفسه أو عن الإنفاق في سبيل الله إستبدل به # فهذه حال الجبان البخيل يستبدل الله به من ينصر الإسلام وينفق فيه فكيف ~~تكون حال أصل الإسلام من إرتد عنه أتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم # وهذا موجود في أهل العلم والعبادة والقتال والمال مع الطوائف الأربعة ~~مؤمنون مجاهدون منصورون إلى قيام الساعة كما منهم من يرتد أو من ينكل عن ~~الجهاد والإنفاق # وكذلك قوله تعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم ~~في الأرض ( فهذا الوعد مناسب لكل من إتصف بهذا الوصف فلما إتصف به الأولون ~~إستخلفهم الله كما وعد وقد إتصف بعدهم به قوم بحسب إيمانهم وعملهم الصالح ~~فمن كان اكمل إيمانا وعمل صالحا كان إستخلافه المذكور اتم فإن كان فيه نقص ~~وخلل كان في تمكينه خلل ونقص وذلك ان هذا جزاء هذا العمل فمن قام بذلك ~~العمل إستحق ذلك الجزاء PageV18P302 # لكن ما بقى قرن مثل القرن الأول فلا جرم ما بقى قرن يتمكن تمكن القرن ~~الأول قال ( خير القرون القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم ( # ولكن قد يكون هذا لبعض أهل القرن كما يحصل هذا لبعض المسلمين في بعض ~~الجهات كما هو معروف في كل زمان # وأما قوله ( إن الله يبعث ريحا تقبض روح كل مؤمن ( فذاك ليس فيه ردة بل ~~فيه موت المؤمنين وهو لم يقل ( إذا مات كل مؤمن ( أن يستبدل الله موضعه آخر ~~وإنما وعد بهذا إذا إرتد بعضهم عن دينه # وهو مما يستدل به على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا ترتد جميعها بل لا ~~بد أن يبقى الله من المؤمنين من هو ظاهر إلى قيام الساعة فإذا مات كل مؤمن ~~فقد جاءت الساعة # وهذا كما في حديث العلم ( إن الله لا يقبض العلم إنتزاعا ينتزعه من الناس ~~ولكن يقبض العلم بقبض ms5654 العلماء فإذا لم يبق عالم إتخذ الناس رؤساء جهالا ~~فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا واضلوا ( والحديث مشهور في الصحاح من حديث ~~عبد الله بن عمرو عن النبى PageV18P303 # فإن قيل ففى حديث إبن مسعود وغيره انه قال ( يسرى على القرآن فلا يبقى في ~~المصاحف منه آية ولا في الصدور منه آية ( وهذا يناقض هذا # قيل ليس كذلك فإن قبض العلم ليس قبض القرآن بدليل الحديث الآخر ( هذا ~~أوان يقبض العلم ( فقال بعض الأنصار وكيف يقبض وقد قرانا القرآن وأقرأناه ~~نساءنا وأبناءنا فقال ( ثكلتك أمك إن كنت لأحسبك لمن أفقه أهل المدينة أو ~~ليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغنى عنهم ( # فتبين أن مجرد بقاء حفظ الكتاب لا يوجب هذا العلم لا سيما فإن القرآن ~~يقرأه المنافق والمؤمن ويقرأه الأمى الذى لا يعلم الكتاب إلا أمانى وقد قال ~~الحسن البصرى ( العلم علمان ( علم في القلب وعلم على اللسان فعلم القلب هو ~~العلم النافع وعلم اللسان حجة الله على عباده ( فإذا قبض الله العلماء بقى ~~من يقرأ القرآن بلا علم فيسرى عليه من المصاحف والصدور # فإن قيل ففى حديث حذيفة الذى في الصحيحين أنه حدثهم عن قبض الأمانة وأن ( ~~الرجل ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام ~~النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل PageV18P304 أثرها مثل اثر المجل كجمر ~~دحرجته على رجلك فتراه منتبرأ وليس فيه شيء ( قيل وقبض الأمانة والإيمان ~~ليس هو قبض العلم فإن الإنسان قد يؤتى إيمانا مع نقص علمه فمثل هذا الإيمان ~~قد يرفع من صدره كإيمان بنى إسرائيل لما رأوا العجل واما من أوتى العلم مع ~~الإيمان فهذا لا يرفع من صدره ومثل هذا لا يرتد عن الإسلام قط بخلاف مجرد ~~القرآن أو مجرد الإيمان فإن هذا قد يرتفع فهذا هو الواقع # لكن أكثر ما نجد الردة فيمن عنده قرآن بلا علم وإيمان أو من عنده إيمان ~~بلا علم وقرآن فأما من أوتى القرآن والإيمان فحصل فيه العلم فهذا لا يرفع ~~من صدره ms5655 والله أعلم PageV18P305 ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( ### ||| فصل # وأما قوله ( مثل امتى كمثل الغيث لا يدرى أوله خير أو آخره ( فهذا قد ~~رواه أحمد في المسند وقد ضعفه بعض الناس وبعضهم لم يضعفه لكن قال معناه أنه ~~يكون في آخر الأمة من يقارب أولهم في الفضل وإن لم يكن منهم حتى يشتبه على ~~الناظر ايهما افضل وإن كان الله يعلم أن الأول أفضل كما يقال في الثوب ~~المتشابه الطرفين هذا الثوب لا يدرى أى طرفيه خير مع العلم بأن أحد طرفيه ~~خير من الآخر وذلك لأنه قال لا يدرى اوله خير أو آخره ومن المعلوم أن الله ~~يعلم أيهما خير إذا كان الأمر كذلك وإنما ينفى العلم عن المخلوق لا عن ~~الخالق لأن المقصود التشابه والتقارب وما كان كذلك إشتبه على المخلوق أيهما ~~خير PageV18P306 ### |||| ( وسئل ( # عن حديث أنس بن مالك عن النبى انه قال ( سبعة لا ~~تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء النار وسكانها واللوح والقلم والكرسى والعرش ~~( فهل هذا الحديث صحيح أم لا ### |||| ( فأجاب ( # هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبى وإنما هو من كلام بعض العلماء ~~وقد إتفق سلف الأمة وائمتها وسائر اهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ~~ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك ولم يقل بفناء ~~جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن ~~وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع ~~سلف الأمة وأئمتها كما في ذلك من الدلالة على بقاء الجنة وأهلها وبقاء غير ~~ذلك مما لا تتسع هذه الورقة لذكره وقد إستدل طوائف من اهل الكلام ~~والمتفلسفة على إمتناع فناء جميع المخلوقات بأدلة عقلية والله أعلم ~~PageV18P307 ### || 1 ( شرح حديث أوتيت جوامع ) 1 # ! 8 < ( وقال شيخ الإسلام ! 8 < ( فصل ( # قال ( أعطيت جوامع الكلم ( وروى ( وخواتمة ( وروى ( وفواتحه وخواتمه ( ~~وقال في حديث ( أعطى نبيكم جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه ( وهذا حديث شريف ~~جامع وذلك ان الكلم نوعان انشائية فيها الطلب والإرادة ms5656 والعمل وإخبارية ~~فيها الإعتقاد والعلم وكل واحد من العلم والإرادة الذى هو الخبر والطلب فيه ~~فروع كثيرة وله أصول محيطة وهى نوعان كلية جامعة عامة وأولية علية فالعلوم ~~الكلية والأولية والإرادات والتدابير والأوامر الكلية والأولية هي جماع أمر ~~الوجود كله والخبر المطلوب كله الحق الموجود والحق المقصود # ولهذا كان القياس العقلى والشرعى وغيرهما نوعين قياس شمول وقياس تعليل ~~فإن قياس التمثيل مندرج في احدهما لأن القدر المشترك بين المثلين إن كان هو ~~محل الحكم فهو قياس شمول PageV18P308 وإن كان مناط الحكم فهو قياس تعليل # وذلك ان العلوم والإرادات وما يظهر ذلك من الكلمة الخبرية والطلبية إذا ~~كانت عامة جامعة كلية فقد دخل فيها كل مطلوب فلم يبق مما يطلب علمه شيء وكل ~~مقصود من الخبر فلم يبق فيها مما يطلب قصده شيء ثم ذلك علم وإرادة لنفسها ~~وذاتها سواء كانت مفردة أو مركبة ثم لابد أن يتعلق بها علتان # ( إحداهما ( السبب وهى العلة الفاعلة ( والثانى ( الحكمة وهى العلة ~~الغائية فذلك هو العلم والإرادة للأمور الأولية فإن السبب والفاعل أدل في ~~الوجود العينى والحكمة والغاية أدل في الوجود العلمى الإرادى ولهذا كانت ~~العلة الغائية علة فاعلية للعلة الفاعلية وكانت هي في الحقيقة علة العلل ~~لتقدمها علما وقصدا وأنها قد تستغنى عن المعلول والمعلول لا يستغنى عنها ~~وأن الفاعل لا يكون فاعلا إلا بها وأنها هي كمال الوجود وتمامه ولهذا قدمت ~~في قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ( فإذا كانت الحكم المظهرة للعلم والطلب ~~فيها الفواتح وفيها الخواتم جمعت نوعى العلتين الأوليين وإذا كانت جامعة ~~كانت علة عامة PageV18P309 ( وقال الشيخ رحمه الله ( # قوله في حديث الكرب الذى رواه أحمد من حديث إبن مسعود ( اللهم إنى عبدك ~~إبن عبدك إبن أمتك ناصيتى بيدك أسالك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته ~~في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو إستأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل ~~القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب همى وغمى إلا أذهب الله همه ~~وغمه ms5657 وأبدله به فرحا ( # الربيع هو المطر المنبت للربيع ومنه قوله في دعاء الإستسقاء ( اللهم ~~أسقنا غيثا مغيثا ربيعا مربعا ( وهو المطر الوسمى الذى يسم الأرض بالنبات ~~ومنه قوله ( القرآن ربيع للمؤمن ( فسأل الله أن يجعله ماء يحي به قلبه كما ~~يحي الأرض بالربيع ونورا لصدره # والحياة والنور جماع الكمال كما قال ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشى به في الناس ( وفى خطبة أحمد بن حنبل يحيون بكتاب الله الموتى ~~ويبصرون بنور الله أهل العمى لأنه PageV18P310 بالحياة يخرج عن الموت ~~وبالنور يخرج عن ظلمة الجهل فيصير حيا عالما ناطقا وهو كمال الصفات في ~~المخلوق وكذلك قد قيل ( في ( الخالق حتى النصارى فسروا الأب والأبن وروح ~~القدس بالموجود الحى العالم والغزالى رد صفات الله إلى الحى العالم وهو ~~موافق في المعنى لقول الفلاسفة عاقل ومعقول وعقل لأن العلم يتبع الكلام ~~الخبرى ويستلزم الإرادة والكلام الطلبى لأن كل حى عالم فله إرادة وكلام ~~ويستلزم السمع والبصر لكن هذا ليس بجيد لأنه يقال فالحى نفسه مستلزم لجميع ~~الصفات وهو أصلها ولهذا كان أعظم آية في القرآن ( الله لا إله إلا هو الحى ~~القيوم ( ) وهو الإسم الأعظم لأنه ما من حى إلا وهو شاعر مريد فإستلزم جميع ~~الصفات فلو إكتفى في الصفات بالتلازم لإكتفى بالحى وهذا ينفع في الدلالة ~~والوجود لكن لا يصح أن يجعل معنى العالم هو معنى المريد فإن الملزوم ليس هو ~~عين اللازم وإلا فالذات المقدسة مستلزمة لجميع الصفات فإن قيل فلم جمع في ~~المطلوب لنا بين ما يوجب الحياة والنور فقط دون الإقتصار على الحياة أو ~~الإزدياد من القدرة وغيرها ( # قيل لأن الأحياء الآدميين فيهم من يهتدى إلى الحق وفيهم من لا يهتدى ~~فالهداية كمال الحياة وأما القدرة فشرط في PageV18P311 التكليف لا في ~~السعادة فلا يضر فقدها ونور الصدر يمنع أن يريد سواه # ثم قوله ( ربيع قلبى ونور صدرى ( لأنه والله أعلم الحيا لا يتعدى محله بل ~~إذا نزل الربيع بأرض أحياها اما النور فإنه ينتشر ضوؤه عن محله ms5658 فلما كان ~~الصدر حاويا للقلب جعل الربيع في القلب والنور في الصدر لإنتشاره كما فسرته ~~المشكاة في قوله ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ( وهو ~~القلب PageV18P312 ### || 1 ( قاعدة لطيفة في المحبة ) 1 # وقال شيخ الاسلام ! 8 < فصل # واما قوله ( المرء مع من احب ) فهو من اصح الاحاديث وقال انس فما فرح ~~المسلمون بشيء بعد الاسلام فرحهم بهذا الحديث فانا احب رسول الله وابا بكر ~~وعمر وارجو ان يحشرنى الله معهم وان لم اعمل مثل اعمالهم وكذلك ( اوثق عرى ~~الاسلام الحب في الله والبغض في الله ) لكن هذا بحيث ان يحب المرء ما يحبه ~~الله ومن يحبه الله فيحب انبياء الله كلهم لان الله يحبهم ويحب كل من علم ~~انه مات على الايمان والتقوى فان هؤلاء اولياء الله والله يحبهم كالذين ~~يشهد لهم النبى بالجنة وغيرهم من اهل بدر واهل بيعة الرضوان # فمن شهد له النبى بالجنة شهدنا له بالجنة واما من لم يشهد له بالجنة فقد ~~قال طائفة من اهل العلم لا يشهد له بالجنة PageV18P313 ولا نشهد ان الله ~~يحبه وقال طائفة بل من استفاض من بين الناس ايمانه وتقواه واتفق المسلمون ~~على الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز والحسن البصرى وسفيان الثورى وابى ~~حنيفة ومالك والشافعى واحمد والفضيل بن عياض وابى سليمان الدارانى ومعروف ~~الكرخى وعبد الله بن المبارك رضى الله عنهم وغيرهم شهدنا له بالجنة لان في ~~الصحيح ( ان النبى صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فاثنوا عليها خيرا ~~فقال وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فاثنوا عليها شرا فقال وجبت وجبت قالوا يا ~~رسول الله ما قولك وجبت وجبت قال هذه الجنازة اثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت ~~لها الجنة وهذه الجنازة اثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار قيل بم يا ~~رسول الله قال بالثناء الحسن والثناء السىء ) # واذا علم هذا فكثير من المشهورين بالمشيخة في هذه الازمان قد يكون فيهم ~~من الجهل والضلال والمعاصى والذنوب ما يمنع شهادة الناس لهم بذلك بل قد ~~يكون ms5659 فيهم المنافق والفاسق كما ان فيهم من هو من اولياء الله المتقين وعباد ~~الله الصالحين وحزب الله المفلحين كما ان غير المشائخ فيهم هؤلاء وهؤلاء في ~~الجنة كالتجار والفلاحين وغيرهم من الاصناف PageV18P314 واذا كان كذلك فمن ~~طلب ان يحشر مع شيخ لم يعلم عاقبته كان ضالا بل عليه ان ياخذ فيطلب بما ~~يعلم ان يحشره الله مع نبيه والصالحين من عباده كما قال الله تعالى @QB@ ~~وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين @QE@ وقال الله ~~تعالى ( انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين امنوا فان حزب الله هم ~~الغالبون ) # وعلى هذا فمن احب شيخا مخالفا للشريعة كان معه فاذا ادخل الشيخ النار كان ~~معه ومعلوم ان الشيوخ المخالفين للكتاب والسنة اهل الضلال والجهالة فمن كان ~~معهم كان مصيره مصير اهل الضلالة والجهالة واما من كان من اولياء الله ~~المتقين كابى بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم فمحبة هؤلاء من اوثق عرى الايمان ~~واعظم حسنات المتقين # ولو احب الرجل لما ظهر له من الخير الذى يحبه الله ورسوله اثابه الله ~~تعالى على محبة ما يحبه الله ورسوله وان لم يعلم حقيقة باطنه فان الاصل هو ~~حب الله وحب ما يحبه الله فمن احب الله واحب ما يحبه الله كان من اولياء ~~الله # لكن كثيرا من الناس يدعى المحبة من غير تحقيق قال الله تعالى ( قل ان ~~كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) قال بعض السلف ~~ادعى قوم على عهد رسول الله أنهم PageV18P315 يحبون الله فانزل الله هذه ~~الاية فمحبة الله ورسوله وعباده المتقين تقتضى فعل محبوباته وترك مكروهاته ~~والناس يتفاضلون في هذا تفاضلا عظيما فمن كان اعظم نصيبا من ذلك كان أعظم ~~درجة عند الله واما من احب شخصا لهواه مثل ان يحبه لدنيا يصيبها منه أو ~~لحاجة يقوم له بها أو لمال يتاكله به أو بعصبية فيه ونحو ذلك من الاشياء ~~فهذه ليست محبة لله ms5660 بل هذه محبة لهوى النفس وهذه المحبة هي التى توقع ~~اصحابها في الكفر والفسوق والعصيان # وما اكثر من يدعى حب مشايخ لله ولو كان يحبهم لله لاطاع الله الذى احبهم ~~لاجله فان المحبوب لاجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ذلك الغير وكيف يحب ~~شخصا لله من لا يكون محبا لله وكيف يكون محبا لله من يكون معرضا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسبيل الله وما أكثر من يحب شيوخا أو ملوكا وغيرهم ~~فيتخذهم اندادا يحبهم كحب الله والفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله ~~ظاهرة فاهل الشرك يتخذون اندادا يحبونهم كحب الله والذين امنوا اشد حبا لله ~~واهل الايمان يحبون وذلك ان اهل الايمان اصل حبهم هو حب الله ومن احب الله ~~احب من يحبه الله ومن احبه الله احب الله فمحبوب المحبوب محبوب لله يحب ~~الله فمن احب الله احبه الله فيحب من احب الله PageV18P316 واما اهل الشرك ~~فيتخذون اندادا وشفعاء يدعونهم من دون الله قال الله تعالى ( ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم اول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم ~~شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون ) وقال الله تعالى ( ومالى لا اعبد الذى فطرنى واليه ترجعون ااتخذ ~~من دونه الهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون انى ~~اذا لفى ضلال مبين انى امنت بربكم فاسمعون ) وقال الله تعالى ( وانذر به ~~الذين يخافون ان يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون ~~) وقال الله تعالى ( ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يامركم ان تتخذوا الملائكة والنبيين اربابا ~~ايامركم بالكفر بعد اذ أنتم مسلمون ) # والله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله وقال النبى في ~~الحديث الصحيح ( انا معشر الأنبياء ديننا واحد ( فالدين واحد ms5661 وان تفرقت ~~الشرعة والمنهاج قال الله تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحى ~~إليه أنه لا اله الا أنا فاعبدون ( وقال الله تعالى ( واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ( وقال الله تعالى ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا PageV18P317 أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( ومن ~~حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ما يقبل من أحد بلغته الدعوة الا ~~الدين الذى بعثة به فان دعوتة عامة لجميع الخلائق قال الله تعالى ( وما ~~أرسلناك الا كافة للناس ( وقال صلى الله علية وآلة وسلم ( لا يسمع بى من ~~هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ثم لا يؤمن بى الا دخل النار ( # وقال الله تعالى ( ورحمتى وسعت كل شيء فسأ كتبها للذين يتقون ويؤتون ~~الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمى الذى ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه وإتبعوا النور الذى أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى له ~~ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى ~~الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته وإتبعوه لعلكم تهتدون ( # فعلى الخلق كلهم إتباع محمد صلى الله عليه وسلم فلا يعبدون إلا الله ~~ويعبدونه بشريعة محمد لا بغيرها قال الله تعالى ( ثم جعلناك على شريعة من ~~الأمر فإتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا وإن الظالمين بعضهم PageV18P318 أولياء بعض والله ولى المتقين ( # ويجتمعون على ذلك ولا يتفرقون كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله امركم ( ~~وعبادة الله تتضمن كمال محبة الله وكمال الذل لله فاصل الدين ms5662 وقاعدته يتضمن ~~أن يكون الله هو المعبود الذى تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه ( ~~والإله ( ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال ~~والإعظام ونحو ذلك # والله سبحانه وتعالى أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ~~ما سواه ( بمحبته ) وبرجائه وعن سؤال ما سواه بسؤاله وعن العمل لما سواه ~~بالعمل له وعن الإستعانة بما سواه بالإستعانة به # ولهذا كان وسط الفاتحة ( إياك نعبد وإياك نستعين ( قال النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح يقول الله تعالى ( قسمت الصلاة بينى وبين ~~عبدى فإذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال أثنى على عبدى وإذا قال ( مالك يوم ~~الدين ( قال مجدنى عبدى وإذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ( قال هذه الآية ~~بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل وإذا قال ( إهدنا الصراط المستقيم ~~PageV18P319 صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( قال ~~هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل فوسط السورة ( إياك نعبد وإياك نستعين ( فالدين ~~أن لا يعبد إلا الله ولا يستعان إلا إياه # والملائكة والأنبياء وغيرهم عباد الله كما قال الله تعالى ( لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين إستنكفوا وإستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ( فالحب لغير الله كحب النصارى ~~للمسيح وحب اليهود لموسى وحب الرافضة لعلى وحب الغلاة لشيوخهم وأئمتهم مثل ~~من يوالى شيخا أو إماما وينفر عن نظيره وهما متقاربان أو متساويان في ~~الرتبة فهذا من جنس أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض وحال ~~الرافضة الذين يوالون بعض الصحابة ويعادون بعضهم وحال أهل العصبية من ~~المنتسبين إلى فقه وزهد الذين يوالون الشيوخ والأئمة دون البعض # وإنما المؤمن من يوالى جميع أهل الإيمان قال الله تعالى ( إنما المؤمنون ~~إخوة ( وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا وشبك ms5663 بين أصابعه ( وقال ( مثل PageV18P320 المؤمنين في توادهم ~~وتراحمهم كمثل الجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ~~وقال عليه السلام ( لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ( # ومما يبين الحب لله والحب لغير الله أن أبا بكر رضى الله عنه كان يحب ~~النبى صلى الله عليه وسلم مخلصا لله وأبوطالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا ~~لله فتقبل الله عمل أبى بكر وأنزل فيه ( وسيجنبها الأتقى الذى يؤتى ماله ~~يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا إبتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ( ~~وأما أبوطالب فلم يتقبل منه [ فأبو بكر لم يطلب أجره ] وجزاءه من الخلق لا ~~من النبى ولا غيره بل آمن به وأحبه وكلأه واعانه بنفسه وماله متقربا بذلك ~~إلى الله وطالبا الأجر من الله ورسوله يبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ~~ووعيده قال الله تعالى ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ( # والله هو الذى يخلق ويرزق ويعطى ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل وهو سبحانه ~~مسبب الأسباب ورب كل شيء ومليكه والأسباب التى تفعلها العباد منها ما أمر ~~الله به وأباحه فهذا يسلك ومنها ما نهى عنه نهيا خالصا أو كان من البدع ~~التى لم يأذن الله بها فهذا لا يسلك قال الله تعالى ( قل أدعوا الذين زعمتم ~~PageV18P321 من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ~~ومالهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له ( # بين سبحانه ضلال الذين يدعون المخلوق من الملائكة والأنبياء وغيرهم فبين ~~أن المخلوقين لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ثم بين أنه لا ~~شركة لهم ثم بين أنه لا عون له ولا ظهير لأن أهل الشرك يشبهون الخالق ~~بالمخلوق كما يقول بعضهم إذا كانت لك حاجة إستوح الشيخ فلانا فإنك تجده أو ~~توجه إلى ضريحه خطوات وناد يا شيخ تقضى حاجتك وهذا غلط لا يحل فعله وإن كان ~~من هؤلاء الداعين لغير الله من يرى صورة ms5664 المدعو أحيانا فذلك شيطان يمثل له ~~كما وقع مثل هذا لعدد كثير ونظير هذا قول بعض الجهال من أتباع الشيخ عدى ~~وغيره كل رزق لا يجيء على يد الشيخ لا أريده والعجب من ذى عقل سليم يستوحى ~~من هو ميت ويستغيث به ولا يستغيث بالحى الذى لا يموت فيقول أحدهم إذا كانت ~~لك حاجة إلى ملك توسلت إليه بأعوانه فهكذا يتوسل إليه بالشيوخ وهذا كلام ~~أهل الشرك والضلال فإن الملك لا يعلم حوائج رعيته ولا يقدر على قضائها وحده ~~ولا يريد ذلك إلا لغرض يحصل PageV18P322 له بسبب ذلك والله أعلم بكل شيء ~~يعلم السر وأخفى وهو على كل شيء قدير فالأسباب منه وإليه # وما من سبب من الأسباب إلا دائر موقوف على اسباب أخرى وله معارضات فالنار ~~لا تحرق إلا إذا كان المحل قابلا فلا تحرق السمندل وإذا شاء الله منع أثرها ~~كما فعل بإبراهيم عليه السلام وأما مشيئة الرب فلا تحتاج إلى غيره ولا مانع ~~لها بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهو سبحانه أرحم من الوالدة ~~بولدها يحسن إليهم ويرحمهم ويكشف ضرهم مع غناه عنهم وإفتقارهم إليه ( ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير ( فنفى الرب هذا كله فلم يبق إلا الشفاعة فقال ~~( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ( وقال ( من ذا الذى يشفع عنده إلا ~~بإذنه ( فهو الذى يأذن في الشفاعة وهو الذى يقبلها فالجميع منه وحده # وكلما كان الرجل أعظم إخلاصا لله كانت شفاعة الرسول أقرب إليه قال له أبو ~~هريرة ( من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال من قال لا إله إلا الله ~~يبتغى بها وجه الله ( # وأما الذين يتوكلون على فلان ليشفع لهم من دون الله تعالى ويتعلقون بفلان ~~فهؤلاء من جنس المشركين الذين إتخذوا شفعاء من PageV18P323 دون الله تعالى ~~قال الله تعالى ( أم إتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا ( وقال الله تعالى ( ثم إستوى على ms5665 ~~العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع ( وقال ( قل إدعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~( قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فبين الله ~~تعالى أن هؤلاء الأنبياء والملائكة عباده كما أن هؤلاء عباده هؤلاء يتقربون ~~إلى الله وهؤلاء يرجون رحمة الله وهؤلاء يخافون عذاب الله فالمشركون إتخذوا ~~مع الله أندادا يحبونهم كحب الله وإتخذوا شفعاء يشفعون لهم عند الله ففيهم ~~محبة لهم واشراك بهم وفيهم من جنس ما في النصارى من حب المسيح واشراك به # والمؤمنون أشد حبا لله فلا يعبدون إلا الله وحده ولا يجعلون معه شيئا ~~يحبونه كحبه لا أنبياءه ولا غيرهم بل أحبوا ما أحبه بمحبتهم لله وأخلصوا ~~دينهم لله وعلموا أن أحدا لا يشفع لهم إلا بإذن الله فأحبوا عبد الله ~~ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم لحب الله وعلموا أنه عبد الله المبلغ عن ~~الله فأطاعوه فيما أمر وصدقوه فيما اخبر ولم يرجوا إلا الله ولم يخافوا إلا ~~الله ولم يسألوا إلا الله وشفاعته لمن PageV18P324 يشفع له هو بإذن الله ~~ولا ينفع رجاؤنا للشفيع ولا مخافتنا له وإنما ينفع توحيدنا وإخلاصنا لله ~~وتوكلنا عليه فهو الذى يأذن للشفيع # فعلى المسلم أن يفرق بين محبة النصارى والمشركين ودينهم ويتبع اهل ~~التوحيد والإيمان ويخرج عن مشابهة المشركين وعبدة الصلبان وفى الصحيحين عن ~~النبى أنه قال ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله احب ~~إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع ~~في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ( قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال إقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدى ms5666 القوم الفاسقين ( وقال الله ~~تعالى ( من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لأئم ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ( وهذا باب واسع ودين الإسلام مبنى ~~على هذا الأصل والقرآن يدور عليه PageV18P325 ### |||| وسئل رحمه الله # عن ( المسكنة ( وعن قوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم أحينى مسكينا وأمتنى ~~مسكينا وأحشرنى في زمرة المساكين ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله هذا الحديث قد رواه الترمذى وقد ذكره أبو الفرج في الموضوعات ~~وسواء صح لفظه أو لم يصح فالمسكين المحمود هو المتواضع الخاشع لله ليس ~~المراد بالمسكنة عدم المال بل قد يكون الرجل فقيرا من المال وهو جبار كما ~~قال النبى في الحديث الصحيح ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ملك كذاب وفقير مختال وشيخ زان ( وكان ~~النبى يقول ( أنا عبد آكل كما ياكل العبد وأجلس كما يجلس العبد ( ) ~~فالمسكنة خلق في النفس وهو التواضع والخشوع واللين ضد الكبر كما قال عيسى ~~عليه السلام ( وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا ( ومنه قول الشاعر ~~PageV18P326 % مساكين أهل الحب حتى قبورهم % عليها تراب الذل بين المقابر % # أى أذلاء فالحب يعطى الذل وعبادة الله تجمع كمال الحب له وكمال الذل له ~~فمن كان محبا شيئا ولم يكن ذليلا له لم يكن عابدا ومن كان ذليلا له وهو ~~مبغض لم يكن عابدا والحب درجات أعلاه التتيم وهو التعبد وتيم الله عبد الله ~~وقد قال تعالى ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما ( الآيات ( وشواهد هذا الأصل كثيرة PageV18P327 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل # ( # جمع النبى بين العفة والغنى في عدة أحاديث منها قوله في حديث أبى سعيد ~~المخرج في الصحيحين ( من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ( ومنها ~~قوله في حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم ( أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط ~~ورجل غنى عفيف متصدق ( ومنها قوله ms5667 في حديث الخيل الذى في الصحيح ( ورجل ~~إرتبطها تغنيا # وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها فهي له ستر ( ومنها ما روى عنه ~~( من طلب المال إستغناء عن الناس وإستعفافا عن المسالة لقى الله ووجهه ~~كالقمر ليلة البدر ( ومنها قوله في حديث عمر وغيره ( ما اتاك من هذا المال ~~وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه ( فالسائل بلسانه وهو ضد المتعفف والمشرف ~~بقلبه وهو ضد الغنى # قال في حق الفقراء ( يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف PageV18P328 أى عن ~~السؤال للناس وقال ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس ( فغنى ~~النفس الذى لا يستشرف إلى المخلوق فإن الحر عبد ما طمع والعبد حر ما قنع ~~وقد قيل % أطعت مطامعى فإستعبدتنى % فكره أن يتبع نفسه ما إستشرفت له لئلا ~~يبقى في القلب فقر وطمع إلى المخلوق فإنه خلاف التوكل المأمور به وخلاف غنى ~~النفس PageV18P329 ( وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل # ( # جاء في حديث ( إن أكبر الكبائر الكفر والكبر ( وهذا صحيح فإن هذين ~~الذنبين أساس كل ذنب في الإنس والجن فإن إبليس هو الذى فعل ذلك أو لا وهو ~~أصل ذلك قال الله تعالى ( إلا إبليس إستكبر وكان من الكافرين ( وقال ( إلا ~~إبليس أبى وإستكبر وكان من الكافرين ( وفى صحيح مسلم عن إبن مسعود قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من ~~إيمان ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ( فجعل الكبر يضاد ~~الإيمان وكذلك الشرك في مثل قوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ( وقال إبن ~~مسعود قال رسول الله ( من مات وهو لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ( قال وأنا ~~أقول من مات وهو يشرك بالله شيئا دخل النار PageV18P330 # ثم من الناس من يجمع بينهما ومنهم من ينفرد له أحدهما والمؤمن الصالح ~~عافاه الله منهما فإن الإنسان إما أن يخضع لله وحده أو يخضع لغيره مع خضوعه ~~له أو لا يخضع لا لله ولا لغيره فالأول هو المؤمن والثانى ms5668 هو المشرك ~~والثالث هو المتكبر الكافر وقد لا يكون كافرا في بعض المواضع والنصارى ~~آفتهم الشرك واليهود آفتهم الكبر كما قال تعالى عن النصارى ( إتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح إبن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ( وقال عن اليهود ( ~~سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ( ولهذا عوقبت اليهود ~~بضرب الذلة والمسكنة عليهم والنصارى بالضلال والبدع والجهالة PageV18P331 ~~وقال شيخ الإسلام ### ||| فصل # ومما يتعلق بالثلاث المهلكات والمنجيات التى ذكر أنه عند المهلكات عليك ~~بخويصة نفسك أنه قال ( شح مطاع وهوى متبع ( فجعل هذا مطاعا وهذا متبعا وهذا ~~والله أعلم لأن الهوى هوى النفس وهو محبتها للشيء وشهوتها له سواء أريد به ~~المصدر أو المفعول فصاحب الهوى يأمره هواه ويدعوه فيتبعه كما تتبع حركات ~~الجوارح إرادة القلب ولهذا قال الله تعالى ( ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا ( وقال ( ومن اضل ممن إتبع هواه بغير هدى من الله ( # وهذا يعم الهوى في الدين كالنصارى واهل البدع في المقال والقدر كما كان ~~السلف يسمونهم أهل الأهواء من الرافضة والخوارج وهذا الهوى موجود في كثير ~~من الفقراء والفقهاء إلا من عصمه الله PageV18P332 وقد اختلف أصحابنا هل ~~يدخل الفقهاء المختلفون في إسم أهل الأهواء على وجهين أدخلهم في التقسيم ~~القاضي أبو يعلى وكذلك قبله الشيخ أبو حامد الإسفرائينى فيما اظن وأنكره بن ~~عقيل # واما الشح المطاع ( فقد ذكرنا أن مفسدته عائدة إلى منع الخير وهذا في ~~الأصل ليس هو محبوبا وإنما يحمل عليه الحرص على المشحوح به فإنه من باب ~~النفرة والبغض فهو يأمر صاحبه فيطيعه وليس كل مطاع متبعا وإن كان كل متبع ~~مطاعا فإن الإنسان يطيع الطبيب والأمير وغيرهما في أمور خاصة وليس متبعا ~~لهم أما التابع لغيره فهو مطيع وزيادة فإنه يذهب معه حيثما ذهب # وفرق ثان أن المتبع الذي يطلب في نفسه فغاية المتبع إدراكه ونيله وهذا ~~شأن الهوى وأما المطاع فغاية لغيره وهذا شأن ms5669 الشح # وتحقيق معنى الشح أنه شدة المنع التى تقوم في النفس كما يقال شحيح بدينه ~~وضنين بدينه فهو خلق في النفس والبخل من فروعه كما في الصحيحين عن أبى ~~هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إياكم والشح فإن الشح أهلك من ~~كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة ~~فقطعوا ( وكذلك في حديث عبد الرحمن بن عوف أنه كان يقول في طوافه رب قنى ~~PageV18P333 شح نفسى فقيل له ما أكثر ما تستعيذ من ذلك فقال إذا وقيت شح ~~نفسى وقيت الظلم والبخل والقطيعة أو كما قال ولهذا بين الكتاب والسنة أن ~~الشح والحسد من جنس واحد في قوله ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ~~( فأخبر عنهم بأنهم يبذلون ما عندهم من الخير مع الحاجة وأنهم لا يكرهون ما ~~أنعم به على إخوانهم وضد الأول البخل وضد الثانى الحسد # ولهذا كان البخل والحسد من نوع واحد فإن الحاسد يكره عطاء غيره والباخل ~~لا يحب عطاء نفسه # ثم قال ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ( فإن الشح أصل للبخل واصل ~~للحسد وهو ضيق النفس وعدم إرادتها وكراهتها للخير على الغير فيتولد عن ذلك ~~إمتناعه من النفع وهو البخل وإضرار المنعم عليه وهو الظلم وإذا كان في ~~الأقارب كان قطيعة # ولهذا في حديث أبى هريرة الذى رواه النسائى من حديث محمد بن عجلان عن ~~سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريره رضى الله عنه أن رسول الله قال ( لا ~~يجتمع في النار PageV18P334 مسلم قتل كافرا ثم سدد وقارب ولا يجتمعان في ~~جوف مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم ولا يجتمعان في قلب عبدالإيمان ~~والحسد ( ورواه النسائى أيضا من حديث جماعة عن سهيل بن أبى يزيد عن القعقاع ~~واللحلاح عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يجتمع ~~غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف ms5670 عبد أبدا ولا يجتمع الشح والإيمان في ~~قلب عبد أبدا ( # فانظر كيف ذكر الشح في الروايات المشهورة وفى الآخرى والحسد واللفظ الأول ~~أجمع وكيف قرن في الحديث السماحة والشجاعة كما قال في الحديث الآخر ( شر ما ~~في المرء شح هالع وجبن خالع ( فمدح الشجاعة في سبيل الله وذم الشح ونظير ~~هذا قوله ( إن من الخيلاء ما يحبها الله وهو اختيال الرجل بنفسه عند الحرب ~~وعند الصدقة ( وقصد من الحديث قوله ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ( ~~فحصر المفلحين فيمن يوق شح نفسه والشحيح الذى لا يحب فعل الخير والذى يضر ~~نفسه ويكره النعمة على غيره PageV18P335 ### |||| ( وسئل # عن أحاديث هل هي صحيحة وهل رواها أحد من المعتبرين بإسناد صحيح وهى قوله ~~( أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فادبر ثم قال ~~وعزتى وجلالى ما خلقت خلقا أكرم على منك بك آخذ وبك أعطى وبك أثيب وبك ~~أعاقب ( وقوله ( أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم ( وهل هذا اللفظ هو ~~لفظ حديث أو فيه تحريف أو زيادة أو نقص وقوله ( إن الله من على فيما من على ~~إن أعطيتك فاتحة الكتاب وهى من كنوز عرشى قسمتها بينى وبينك نصفين ( وقوله ~~( الناس شركاء في ثلاث ( الماء والكلأ والنار ( ### |||| ( فأجاب ( # أما الحديث الأول فهو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث ليس هو في شيء من ~~كتب الإسلام المعتمدة وإنما يرويه مثل داود إبن المحبر وأمثاله من المصنفين ~~في العقل ويذكره اصحاب ( رسائل إخوان الصفا ( ونحوهم من المتفلسفة وقد ذكره ~~أبوحامد في بعض PageV18P336 كتبه وإبن عربي وإبن سبعين وأمثال هؤلاء وهو ~~عند أهل العلم بالحديث كذب على النبى كما ذكر ذلك أبو حاتم الرازى وأبو ~~الفرج إبن الجوزى وغيرهما من المصنفين في علم الحديث ومع هذا فلفظ الحديث ( ~~أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر قال ما خلقت ~~خلقا أكرم على منك فبك آخذ وبك أعطى وبك الثواب وبك العقاب ( وفى لفظ ms5671 ( لما ~~خلق الله العقل قال له ( كذلك ( ومعنى هذا اللفظ أنه قال للعقل في أول ~~أوقات خلقه ليس فيه أن العقل اول المخلوقات لكن المتفلسفة القائلون بقدم ~~العالم أتباع أرسطو هم ومن سلك سبيلهم من باطنية الشيعة والمتصوفة ~~والمتكلمة رووه أول ما خلق الله العقل بالضم ليكون ذلك حجة لمذهبهم في أن ~~أول المبدعات هو العقل الأول وهذا اللفظ لم يروه به أحد من أهل الحديث بل ~~اللفظ المروى مع ضعفه يدل على نقيض هذا المعنى فإنه قال ( ما خلقت خلقا ~~أكرم على منك ( فدل على أنه قد خلق قبله غيره والذى يسميه الفلاسفة العقل ~~الأول ليس قبله مخلوق عندهم # وأيضا فإنه قال ( بك آخذ وبك اعطى وبك الثواب وبك العقاب ( فجعل به هذه ~~الأعراض الأربعة وعند أولئك المتفلسفة الباطنية PageV18P337 أن جميع العالم ~~صدر عن العقل الأول وهو رب السماوات والأرض وما بينهما عندهم وإن كان ~~مربوبا للواجب بنفسه وهو عندهم متولد عن الله لازم لذاته وليس هذا قول أحد ~~من أهل الملل لا المسلمين ولا اليهود ولا النصارى إلا من ألحد منهم ولا هو ~~قول المجوس ولا جمهور الصابئين ولا أكثر المشركين ولا جمهور الفلاسفة بل هو ~~قول طائفة منهم # وأيضا فإن العقل في لغة المسلمين عرض من الأعراض قائم بغيره وهو غريزة أو ~~علم أو عمل بالعلم ليس العقل في لغتهم جوهرا قائما بنفسه فيمتنع أن يكون ~~أول المخلوقات عرضا قائما بغيره فإن العرض لا يقوم إلا بمحل فيمتنع وجوده ~~قبل وجود شيء من الأعيان وأما اولئك المتفلسفة ففى اصطلاحهم أنه جوهر قائم ~~بنفسه وليس هذا المعنى هو معنى العقل في لغة المسلمين والنبى خاطب المسلمين ~~بلغة العرب لا بلغة اليونان فعلم ان المعنى الذى أرادة المتفلسفة لم يقصده ~~الرسول لو كان تكلم بهذا اللفظ فكيف إذا لم يتكلم به # وأما الحديث الثانى وهو قوله ( أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم ( ~~فهذا لم يروه أحد من علماء المسلمين الذين يعتمد عليهم في الرواية وليس هو ~~في شيء ms5672 من كتبهم وخطاب الله ورسوله للناس PageV18P338 عام يتناول جميع ~~المكلفين كقوله ( يا أيها الناس ( يا أيها الذين آمنوا ( يا عبادى ( يا بنى ~~إسرائيل ( وكذلك النبى صلى الله عليه وسلم كان يخاطب الناس على منبره بكلام ~~واحد يسمعه كل أحد لكن الناس يتفاضلون في فهم الكلام بحسب ما يخص الله به ~~كل واحد منهم من قوة الفهم وحسن العقيدة # ولهذا كان أبو بكر الصديق أعلمهم بمراده كما في الصحيحين عن أبى سعيد ( ~~أن النبى خطب الناس فقال أن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فإختار ذلك ~~العبد ما عند الله قال فبكى أبو بكر وقال نفديك بانفسنا وأموالنا فجعل ~~الناس يعجبون منه ويقولون عجبا لهذا الشيخ بكى أن ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة قال فكان رسول صلى الله عليه ~~وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به ( فالنبى ذكر عبدا مطلقا لم يعينه ~~ولكن أبو بكر عرف عينه # وما يرويه بعض الناس عن عمر أنه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجى بينهما ( فهذا كذب مختلق # وكذلك ما يروى أنه أجاب أبا بكر بجواب وأجاب عائشة بجواب فهذا كذب بإتفاق ~~أهل العلم PageV18P339 ### |||| سئل # عن هذه الأحاديث ( من طاف بهذا البيت اسبوعا إيمانا وإحتسابا غفر له ما ~~قد سلف ( وقوله ( من وقف بعرفات وظن أن الله لا يغفر له لا غفر الله له ( ~~وأيضا ( لو مر بعرفات راعى غنم ولم يعلم أنه يوم عرفة غفر له ( وقوله عليه ~~السلام ( من حج ولم يزرنى فقد جفانى ومن زارنى فقد وجبت له شفاعتى ( هل هذه ~~الأحاديث في الصحيح أم لا وما معنى قوله عز وجل ( مقام إبراهيم ومن دخله ~~كان آمنا ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين ليس في هذه الأحاديث حديث لا في الصحيح ولا في ~~السنن وفيها ما معناه مخالف للكتاب والسنة فإنه لو وقف الرجل بعرفات خائفا ~~من الله أن لا يغفر له ذنوبه لكونها كبائر لم يقل ms5673 إن الله لا يغفر له فإن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فما دون الشرك إن شاء ~~الله غفره لصاحبه وإن شاء لم يغفره لكن إذا تاب العبد من الذنب غفره الله ~~له شركا كان أو غير شرك كما قال تعالى ( يا عبادى الذين اسرفوا على ~~PageV18P340 أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ( ~~فهذا في حق التائب # وأيضا فالواقف بعرفات لا يسقط عنه ما وجب عليه من صلاة وزكاة بإجماع ~~المسلمين بل هم متفقون على أن الصلاة أوكد من الحج بمالا نسبة بينهما فإن ~~الحج يجب مرة في العمر على المستطيع والنبى لم يحج بعد الهجرة إلا حجة ~~واحدة وأما الصلاة فإنها فرض على كل عاقل بالغ إلا الحائض والنفساء سواء ~~كان صحيحا أو مريضا آمنا أو خائفا غنيا أو فقيرا رجلا أو امرأة في اليوم ~~والليلة نحو أربعين ركعة سبعة عشر فريضة والسنن الرواتب عشر ركعات أو إثنا ~~عشرة ركعة وقيام الليل أحد عشر ركعة أو ثلاث عشرة ركعة وكذلك حقوق العباد ~~من الذنوب والمظالم وغيرها لا تسقط بالحج بإتفاق الأئمة # والحديث الذى يروى في سقوط المظالم وغيرها بذلك في حديث عباس بن مرداس ~~حديث ضعيف وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( الصلوات الخمس والجمعة إلى ~~الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا إجتنبت الكبائر ( فهذه الأمور ~~التى هي أعظم من الحج ولكن الكبائر تكفرها التوبة منها بالكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة PageV18P341 وكذلك قوله ( من حج ولم يزرنى فقد جفانى ( كذب ~~فإن جفاء النبى صلى الله عليه وسلم حرام وزيارة قبره ليست واجبة بإتفاق ~~المسلمين ولم يثبت عنه حديث في زيارة قبره بل هذه الأحاديث التى تروى من ~~زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة وأمثال ذلك كذب بإتفاق ~~العلماء # وقد روى الدارقطنى وغيره في زيارة قبره أحاديث وهى ضعيفة وقد كره الإمام ~~مالك وهو من أعلم الناس بحقوق رسول الله صلى الله ms5674 عليه وسلم وبالسنة التى ~~عليها أهل مدينته من الصحابة والتابعين وتابعيهم كره أن يقال زرت قبر رسول ~~الله ولو كان هذا اللفظ ثابتا عن رسول الله معروفا عند علماء المدينة لم ~~يكره مالك ذلك وأما إذا قال سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا ~~يكره بالإتفاق كما في السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما من رجل ~~يسلم على إلا رد الله على روحى حتى ارد عليه السلام ( وكان إبن عمر يقول ~~السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت وفى ~~سنن أبى داود عنه أنه قال ( ) أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة وليلة ~~الجمعة فإن صلاتكم معروضة على قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال إن ~~الله حرم على PageV18P342 الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ( # واما قوله تعالى ( ومن دخله كان آمنا ( فهذا من باب البيت كما قال تعالى ~~( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ( وقال تعالى ( ~~فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( وقال تعالى ( أو ~~لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء ( فكانوا في الجاهلية يقتل ~~بعضهم بعضا خارج الحرم فإذا دخلوا الحرم أو لقى الرجل قاتل أبيه لم يهجه ~~وكان هذا من الآيات التى جعلها الله فيه كما قال ( فيه آيات بينات مقام ~~إبراهيم ومن دخله كان آمنا ( والإسلام زاد حرمته # فمذهب أكثر الفقهاء أن من أصاب حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يقم ~~عليه الحد حتى يخرج منه كما قال إبن عمر وإبن عباس وهو مذهب أبى حنيفة ~~وأحمد وغيرهما لما ثبت في الصحيح أن النبى قال ( إن مكة حرمها الله ولم ~~يحرمها الناس فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا ~~يعضد بها شجرا وأنها لم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدى وإنما أحلت لى ~~ساعة من نهار ثم قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها ms5675 بالأمس PageV18P343 # ومن ظن أن من دخل الحرم كان آمنا من عذاب الآخرة مع ترك الفرائض من ~~الصلاة وغيرها ومع إرتكاب المحارم فقد خالف إجماع المسلمين فقد دخل البيت ~~من الكفار والمنافقين والفاسقين من هو من أهل النار بإجماع المسلمين والله ~~أعلم PageV18P344 ### |||| سئل رحمه الله # عن هذا الحديث ( من علمك آية من كتاب الله فكأنما ملك رقك إن شاء باعك ~~وإن شاء أعتقك ( فهل هذا في الكتب الستة أو هو كذب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ### |||| ( فأجاب ( # ليس هذا في شيء من كتب المسلمين لا في الستة ولا في غيرها بل مخالف ~~لاجماع المسلمين فإن من علم غيره لا يصير به مالكا إن شاء باعه وإن شاء ~~أعتقه ومن إعتقد هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل والحر المسلم لا يسترق ~~وسيد معلم الناس رسول الله علمهم الكتاب والحكمة وهو أولى بهم من أنفسهم ~~ومع هذا فهم أحرار لم يسترقهم ولم يستعبدهم بل كان حكمه في أمته الأحرار ~~خلاف حكمه فيما ملكته يمينه ولو كان المؤمنات ملكا له لجاز أن يطأ كل مؤمنة ~~بلا عقد نكاح ولكان لمن علم امرأة آية من القرآن أن يطاها بلا نكاح وهذا لا ~~يقوله مسلم PageV18P345 ### |||| سئل # عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( من إنتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه ~~امنا وإيمانا وآمنه يوم الفزع الأكبر ### |||| ( فأجاب ( # أما قوله ( من إنتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ( وقوله ( من ~~وقر صاحب بدعة أعان على هدم الإسلام ( ونحو ذلك فهذا الكلام معروف عن ~~الفضيل بن عياض # والبدعة ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الإعتقادات ~~والعبادات كاقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية وكالذين يتعبدون ~~بالرقص والغناء في المساجد والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وانواع ~~ذلك من البدع التى يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة والله أعلم ~~PageV18P346 ### |||| سئل # عمن سمع رجلا يقول لو كنت فعلت كذا لم يجر عليك شيء من هذا فقال له رجل ~~آخر سمعه هذه الكلمة قد نهى ms5676 النبى عنها وهى كلمة تؤدى قائلها إلى الكفر ~~فقال رجل آخر قال النبى في قصة موسى مع الخضر ( يرحم الله موسى وددنا لو ~~كان صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما ( وإستدل الآخر بقوله ( المؤمن القوى ~~خير واحب إلى الله من المؤمن الضعيف إلى أن قال فإن كلمة لو تفتح عمل ~~الشيطان ( فهل هذا ناسخ لهذا أم لا ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله جميع ما قاله الله ورسوله حق ( و ( لو ( تستعمل على وجهين ( # أحدهما ( على وجه الحزن على الماضى والجزع من المقدورفهذا هو الذى نهى ~~عنه كما قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا PageV18P347 كالذين ~~كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ~~ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ( وهذا هو الذى نهى عنه ~~النبى حيث قال ( وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل ~~قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ( أى تفتح عليك الحزن والجزع ~~وذلك بضر ولا ينفع بل أعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما اخطاك لم يكن ~~ليصيبك كما قال تعالى ( ما اصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه ( قالوا هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم انها من عند الله فيرضى # ويسلم ( والوجه الثانى ( أن يقال ( لو ( لبيان علم نافع كقوله تعالى ( لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( ولبيان محبة الخير وإرادته كقوله ( لو أن ~~لى مثل ما لفلان لعملت مثل ما يعمل ( ونحوه جائز # وقول النبى صلى الله عليه وسلم ( وددت لو ان موسى صبر ليقص الله علينا من ~~خبرهما ( هو من هذا الباب كقوله ( ودوا لو تدهن فيدهنون ( فإن نبينا أحب ان ~~يقص الله خبرهما فذكرهما لبيان محبته للصبر المترتب عليه فعرفه ما يكون لما ~~في ذلك من المنفعة ولم يكن في ذلك جزع ولا حزن ولا ترك لما PageV18P348 يحب ~~من الصبر على المقدور وقوله ( وددت لو أن موسى صبر ( قال ms5677 النحاة تقديره ~~وددت أن موسى صبر وكذلك قوله ( ودوا لو تدهن فيدهنون ( تقديره ودوا أن تدهن ~~وقال بعضهم بل هي ( لو ) شرطية وجوابها محذوف والمعنى على التقديرين معلوم ~~وهو محبة ذلك الفعل وإرادته ومحبة الخير وإرادته محمود والحزن والجزع وترك ~~الصبر مذموم والله أعلم PageV18P349 ### |||| ( وسئل ( # عن قصة إبليس وإخباره النبى وهو في المسجد مع جماعة من اصحابه وسؤال ~~النبى له عن أمور كثيرة والناس ينظرون إلى صورته عيانا ويسمعون كلامه جهرا ~~فهل ذلك حديث صحيح أم كذب مختلق وهل جاء ذلك في شيء من الصحاح والمسانيد ~~والسنن أم لا وهل يحل لأحد أن يروى ذلك وما ذا يجب على من يروى ذلك ويحدثه ~~للناس ويزعم انه صحيح شرعى ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله بل هذا حديث مكذوب مختلق ليس هو في شيء من كتب المسلمين ~~المعتمدة لا الصحاح ولا السنن ولا المسانيد ومن علم أنه كذب على النبى لم ~~يحل له ان يرويه عنه ومن قال إنه صحيح فإنه يعلم بحاله فإن أصر عوقب على ~~ذلك ولكن فيه كلام كثير قد جمع من أحاديث نبوية فالذى كذبه وإختلقه جمعه من ~~أحاديث بعضها كذب وبعضها صدق فلهذا يوجد فيه كلمات متعددة صحيحة وإن كان ~~أصل الحديث وهو مجيء إبليس عيانا إلى النبى بحضرة اصحابه وسؤاله له كذبا ~~مختلقا لم ينقله أحد من علماء المسلمين والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV18P350 ( وقال رحمه الله تعالى ( # إن كتاب ( تنقلات الأنوار ( المنسوب إلى ( أحمد ( بن عبد الله البكرى ( ~~من اعظم الكتب كذبا وإفتراء على الله ورسوله وعلى أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد إفترى فيه من الأمور من جنس ما إفتراه المفترون في سيرة ~~دلهمة والبطال وسيرة عنترة وحكايات الرشيد ووزيره جعفر البرمكى وحكايات ~~العيارين مثل الزئبق المصرى وأحمد الدنق ونحو ذلك لكن هؤلاء يفترون الكذب ~~على من ليس من الأنبياء وصاحب الكتاب الذى سماه ( تنقلات الأنوار ( يفترى ~~الكذب على رسول الله وعلى أصحابه ويكذب عليه كذبا لا يعرف أن أحدا كذب مثله ~~في كتاب # وإن ms5678 كان في بعض ما يذكره صدق قليل جدا فهو من جنس ما في سيرة عنترة ~~والبطال فإن عنترة كان شاعرا فارسا من فرسان الجاهلية وله شعر معروف ~~وقصيدته إ حدى السبع المعلقات لكن إفتروا عليه من الكذب مالا يحصيه إلا ~~الله وكل من جاء زاد ما فيها من الأكاذيب PageV18P351 وكذلك أبومحمد البطال ~~كان من أمراء المسلمين المعروفين وكان المسلمون قد غزوا القسطنطينية غزوتين # الأولى في خلافة معاوية أمر فيها إبنه يزيد وغزا معه ابوأيوب الأنصارى ~~الذى نزل النبى صلى الله عليه وسلم في داره لما قدم مهاجرا إلى المدينة ~~ومات أبوأيوب في تلك الغزوة ودفن إلى جانب القسطنطينية وقد روى البخارى في ~~صحيحه عن إبن عمر عن النبى أنه قال ( أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له ( ~~والغزوة الثانية في خلافة عبد الملك بن مروان أمر إبنه مسلمة أو خلف الوليد ~~إبنه وارسل معه جيشا عظيما وحاصروها واقاموا عليها مدة سنين ثم صالحوهم على ~~أن يدخلوها وبنوا فيها مسجدا وذلك المسجد باق إلى اليوم فجاء الكذابون ~~فزادوا في سيرة البطال وعبدالوهاب من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله وذكر ~~دلهمة والقاضى عقبة وأشياء لا حقيقة لها # والبكرى صاحب ( تنقلات الأنوار ( سلك مسلك هؤلاء المفترين الكذابين لكن ~~كذبه على رسول الله وعلى أصحابه افضل الخلق بعد النبيين أكثر وفيه من انواع ~~الأكاذيب المفتريات وغرائب الموضوعات ما يجل عن الوصف مثل حديث السبع حصون ~~PageV18P352 وهضام بن جحاف ومثل حديث الدهر ورأس الغول وكلندجة وغير ذلك من ~~كتبه وغير ذلك من ذكر أماكن لا وجود لها وغزوات لا حقيقة لها وأسماء ~~ومسميات لا يعرفها أحد من أهل العلم ورواية أحاديث تخالف كتاب الله وسنة ~~رسوله وإجماع المسلمين وتخالف ما تواتر عن النبى # وفيها من الأقوال والأفعال المضافة إلى النبى وأصحابه ما برأه الله منه ~~وهى من جنس أحاديث الزنادقة النصيرية وأشباههم الذين يختلقون ما فيه غلو في ~~على وغيره وفيه من القدح في دين الإسلام والإفساد له ما يوجب إباحة دم من ~~يقول ذلك ms5679 وإن كان جاهلا أستتيب فإن تاب وإلا قتل # واقل ما يفعل بمن يروى مثل هذا أن يعاقب عقوبة تردعه عن مثل ذلك وكذلك ~~يستحق العقوبة من يكريها لمن يقرؤها ويصدق ما فيها ومن ينسخها أيضا كذلك # ويجب على أهل العلم إظهار ما يعلمون من كذب هذه وأمثالها فكما يجب بيان ~~كذب ما نقل عنه في الأحاديث كأحاديث البخارى يجب بيان كذب ما كذب عليه من ~~الأحاديث الموضوعة التى يعلم أنها كذب كما بين أهل العلم من حال من كان ~~يكذب عليه من الرواة PageV18P353 وبيان ما نقل عنه من الكذب الذى يعلمون ~~أنه كذب وكثير من الموضوعات إنما يعلم أنها موضوعة خواص أهل العلم ~~بالأحاديث وأما مثل ما في ( تنقلات الأنوار ( من الأحاديث فهو مما يعلمه من ~~له ادنى علم بأحوال الرسول ومغازيه أنه كذب وعلى ولاة الأمور عقوبة من يروى ~~هذه أو يعين على ذلك بنوع من أنواع الإعانة ولولى الأمر أن يحرقها فقد حرق ~~عثمان رضى الله عنه كتبا هذه أولى بالتحريق منها والله أعلم PageV18P354 ### || ما تقوله السادة العلماء رضى الله عنهم أجمعين في اناس قصاصين # ينقلون مغازى النبى وقصص الأنبياء عليهم السلام تحت القلعة وفى الجوامع ~~والأسواق ويقولون أن النبى أتى إليه ملك يقال له حبيب فقال له إن كنت رسول ~~الله فأنا نريد ان القمر ليلة تسع وعشرين يعود وينزل من طوقك ويطلع من ~~أكمامك فأراهم ذلك فآمنوا به جميعهم وقال كانوا الرب # ويقولون إنه أتى إليه ملك يقال له بشير بن غنام عمل عليه حيلة واخذ منه ~~تسع أنفس علقهم على النخل فبعث النبى عليا فخلصهم وكان من جملتهم خالد # وأتى إليه ملك وهو في مكة يقال له الملك الدحاق وكانت له بنت إسمها حمانة ~~فكسر النبى وزوج بنته لبلال فقتله وهو في الصلاة فحط النبى بردته فأحياه ~~الله له PageV18P355 وأنه بعث المقداد إلى ملك يقال له الملك الخطار فالتقى ~~في طريقه ملكة يقال لها روضة فتزوج بها وراح إلى الملك الذى ارسل إليه ~~فإقتتل هو ms5680 وإياه فأسره وجاء إلى النبى وقاتل في غزاة تبوك بولص بن ~~عبدالصليب وأنه قاتل في الأحزاب وكانوا ألوفا وإنكسرت الأحزاب قدام على سبع ~~عشرة فرقة وخلف كل واحدة رجل يضرب بالسيف ويقول أنا على وليه ضرب عمرو بن ~~العامرى فقطع فخذه فأخذ عمرو فخذه وضرب بها في المسلمين فقلع شجره وقتل بها ~~جماعة منهم والملائكة ضجت عند ذلك وقالوا لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا ~~على # وإن عليا قاتل الجن في البئر ورماه بالمنجنيق إلى حصن الغراب وجاءت رميته ~~ناقصة فمشى في الهواء وأنه ضرب مرحب اليهودى وكان على رأسه جرن رخام فقسم ~~له وللفرس نصفين وأنه عبر العسكر على زنده إلى خيبر وهد الحصن وأن ذو ~~الفقار أنزل إليه من السماء فإن الله سماه من السماء وقال على اسبق من ~~العجل وأنه بعث مع كل نبى سرا وبعث مع النبى جهرا وأنه كان عصا موسى وسفينة ~~نوح وخاتم سليمان وأنه شرب من سرة النبى لما مات فوزن علم الأولين والآخرين # وإن ملك الموت جاء إلى النبى في زى أعرابى PageV18P356 فقال له النبى ~~قابض أم زائر فقال له ما زرت أحدا من قبلك حتى أزورك فأعطاه تفاحة فشمها ~~فخرجت روحه فيها وإن فاطمة بكت عليه حتى أقلقت أهل المدينة حتى أخرجوها إلى ~~بيوت الأحزان وينقلون قصص الأنبياء من جنس هذا السؤال ويفسرونها بآيات لم ~~تسمع من أهل العلم وكل واحدة من هذه تحزبوا فيها ليلة # وكان بعض العلماء قد منعهم من هذا النقل وأنهم لا ينقلون إلا من كتب ~~عليها سماعات المشايخ أهل العلم فإعتمدوا على كتب فيها من جنس ما ذكر من ~~تصنيف رجل يقال له البكرى فما يجب عليهم في مثل هذه الأمور لأنهم ينقلون ما ~~يخالف ما ثبت عن الرسل عليهم السلام وينقلون في بعض الأشياء ما هو تنقيص ~~بهم وهل يثاب من أمر بمنعهم # وينقلون أيضا أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرقت ودلقت فخلق ~~الله من كل قطرة نبيا وكانت ms5681 القبضة إلنبى وبقى كوكب درى وكان نورا منقولا ~~من أصلاب الرجال إلى بطون النساء ### ||||| فأجاب شيخ الإسلام # قدوة الإيمان تقى الدين أبوالعباس أحمد بن عبد الحليم ~~بن عبد السلام بن تيمية الحرانى فقال PageV18P357 الحمد لله رب العالمين ~~هذه الأحاديث من الأحاديث المفتراة بإتفاق أهل العلم وإنما تؤخذ مثل هذه ~~الأحاديث من مثل ( تنقلات الأنوار ( للبكرى وامثاله ممن روى الأكاذيب ~~الكثيرة # أما الأول فإن القمر لم يدخل في طوق النبى ولا ثيابه ولا باشر النبى ولكن ~~إنشق فرقتين فرقة دون الجبل وفرقة فوق الجبل # وكذلك حبيب أبى مالك لا وجود له والحديث المذكور عن بشير بن غنام أيضا ~~كذب وهذا الإسم غير معروف وخالد بن الوليد لم يؤسر أصلا بل اسلم بعد ~~الحديبية وما زال منصورا في حروبه # وكذلك ما ذكر عن المسمى بالملك الدحاق كذب وهذا الإسم لا وجود له فيمن ~~حار به النبى عاش ولكن الذين عاشوا بعد الموت في هذه الأمة كان بينهم طائفة ~~في زمن الصحابة والتابعين وأما من احيا الله له دابته بعد الموت من ~~المؤمنين فهؤلاء بعضهم كان من المسلمين على عهد النبى ومنهم من كان بعد ~~موته PageV18P358 وكذلك ما ذكر عن الملك المسمى بالخطار هو من الأكاذيب ولا ~~وجود له # وأما غزاة تبوك فلم يكن بها قتال بل قدم النبى بالشام رومهم وعربهم ~~وغيرهم ولم يجتمع المسلمون في غزاة مع النبى اكثر مما إجتمع معه عام تبوك ~~وهى آخر المغازى وأقام بتبوك عشرين يوما فلم تقدم عليه النصارى # وكذلك الأحزاب لم يكن فيها إقتتال بين الجيشين بل كان الأحزاب محاصرين ~~للمسلمين خارج الخندق الذى حفره المسلمون حول المدينة وكان المسلمون داخل ~~الخندق وكان فيها مناوشة قليلة بين بعض المسلمين وبعض الكفار بمنزلة ~~المبارزة أو ما يشبهها وقتل على رضى الله عنه عمرو بن عبد ود العامرى ولم ~~تنكسر الأحزاب بقتال ولا قتل منهم ولا من المسلمين عدد له قدر بل أرسل الله ~~عليهم الريح ريح الصبا وأرسل الملائكة كما قال تعالى في قصة الأحزاب ms5682 ( يا ~~أيها الذين آمنوا إذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها ( الآيات # وما ذكر من كيفية قتل عمرو بن عبدود العامرى فهو كذب وكذلك ضرب عمرو بن ~~عبد ود الشجرة بفخذه وقلعها كذب ولم يكن هناك شجر وإنما النخيل كان بعيدا ~~من العسكر # وكذلك ما ذكر من مناداة المنادى بقوله ( لا سيف إلا ذو PageV18P359 ~~الفقار ولا فتى إلا على ( كذب مفترى وكذلك من نقل أن ذلك كان يوم بدر أو ~~غيره وذو الفقار لم يكن سيفا لعلى ولكن كان سيفا لأبى جهل غنمه المسلمون ~~منه يوم بدر وكان سيفا من السيوف المعدنية ولم ينزل من السماء سيف ولم يكن ~~سيف يطول لا هو ولا غيره # وكذلك ما ذكره من قتال الجن وأن عليا أو غيره من الإنس قاتلهم في بئر ذات ~~العلم أو غيره من الإنس فهذا كله كذب والجن لم تكن لتقاتل الصحابة أصلا ~~ولكن الجن الكفار كانوا يقاتلون الجن المؤمنين وأما على وأمثاله من الصحابة ~~فهم أجل قدرا من أن يثبت الجن لقتالهم وقد ثبت في الصحيح أن النبى قال لعمر ~~بن الخطاب ( ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك ( # وما ذكر من رمى على في المنجنيق ومحاصرة المسمى بحصن الغراب كله كذب ~~مفترى ولم يرم المسلمون قط أحدا في منجنيق إلى الكفار لا عليا ولا غيره بل ~~ولم ينصب المسلمون على عهد النبى منجنيقا إلا على الطائف لما حاصرها النبى ~~بعد وقعة حنين وهزيمة هوازن حاصر الطائف ونصب المنجنيق واقام عليها شهرا ~~ولم تفتح حتى اسلم أهل الطائف بعد ذلك طوعا ولما كان PageV18P360 المسلمون ~~يقاتلون مسيلمة الكذاب واصحابه ألجأوهم إلى حديقتهم فحمل الناس البراء بن ~~مالك حتى ألقوه إليهم داخل السور ففتح لهم الباب # وأما قصة مرحب فقد روى في الصحيح أن عليا رضى الله عنه قتل مرحبا وروى في ~~الصحيح ان محمد بن مسلمة قتل مرحبا وقال بعضهم بل إحدى الروايتين غلط # واما كون البيضة التى على ms5683 راسه كانت جرن رخام فكذب وكذلك كون الضربة قسمت ~~الفارس وفرسه ونزلت إلى الأرض فهذا كله كذب ولم ينقل مثل هذا أهل العلم ~~بالمغازى والسير وإنما ينقله الجهال والكذابون # وأظهر من ذلك عبور العسكر على ساعد على ومرور البغلة ودعاء على عليها ~~بقطع النسل فإن هذا وأمثاله إنما يرويه من هو من أجهل الناس باحوال الصحابة ~~ومن هو من أجهل الناس باحوال الوجود فإن البغلة ما زالت عقيما وعسكر خيبر ~~لم يكن فيه بغلة اصلا ولم يكن مع المسلمين بغلة ولا في المدينة بغلة ولا ~~حولها من أرض العرب بغلة إلا البغلة التى أهداها المقوقس صاحب مصر للنبى ~~صلى الله عليه وسلم وكان اهداها له بعد خيبر فإنه لما صالح أهل الحديبية ~~رجع منصرفا PageV18P361 ففتح الله عليهم خيبر ثم رجع وارسل إلى الملوك رسله ~~فأرسل إلى كسرى وقيصر والمقوقس وملوك العرب بالشام واليمن واليمامة والمشرق ~~ولكن المعروف عند اهل العلم ان عليا قلع باب خيبر # وما ذكر من نزول ذو الفقار من السماء كذب وقد تقدم انه كان سيفا من سيوف ~~أبى جهل غنمه المسلمون يوم بدر منه فأما على فقد سماه أبوه بهذا الإسم قبل ~~ان يبعث الله محمدا بالنبوة وقبل أن يثبت لأحد حكم الإسلام لا من الرجال ~~ولا من الصبيان # واما قول القائل إنه كان عصى موسى وسفينة نوح وخاتم سليمان فهذا لا يقوله ~~عاقل يتصور ما يقول وهو بكلام المجانين أشبه منه بكلام العقلاء وهذا لا ~~يقصد [ أحد ] مدح على به إلا لفرط في الجهل فإن عليا هو ومن دونه من ~~الصحابة أشرف قدرا عند الله من هذه الجمادات وإن كانت العصى آية لموسى فليس ~~كل ما كان معجزة لنبى أفضل من المؤمنين بل المؤمنون افضل من الطير الذي كان ~~المسيح يصوره من الطين فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأفضل من الجراد ~~والقمل والضفادع والدم الذى كان آية لموسى وأفضل من العصى والحية وأفضل من ~~ناقة صالح فمن ظن أنه بهذا الكذب والجهل يمدح عليا ms5684 كان جهله من المدح ~~والثناء من جنس جهله بأن هذه الجمادات لم تكن آدميين قط PageV18P362 وأما ~~قول القائل أنه شرب من سرة النبى فدرى علم الأولين والآخرين فهو أيضا من ~~الأكاذيب فإن العلم الذى تعلم على من النبى كان حاصلا قبل موته وما رزقه ~~الله من الفهم والسماع وزيادة العلم بعد موته فلم يكن سببه شرب ماء السرة ~~ولا شرب أحد على نبى ولا غير نبى فحصل له بذلك علم أصلا ولا كان أحد من ~~الصحابة لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم يعلم علم الأولين ~~والآخرين # وقد ثبت للصحابة رضى الله عنهم من الفضائل الثابتة في الصحاح ما أغنى ~~الله بها عن أكاذيب المفترين مثل قوله الذى صح عنه من غير وجه ( لو كنت ~~متخذا من أهل الأرض خليلا لإتخذت أبا بكر خليلا ( وقوله ( لا يبقين في ~~المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر ( وقوله ( إن أمن الناس علينا في ~~صحبته وذات يده أبو بكر ) ( ) وقوله أيها الناس إنى أتيت إليكم فقلت إنى ~~رسول الله إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت فهل أنتم تاركوا لى صاحبى ~~فهل أنتم تاركوا لى صاحبى فهل أنتم تاركوا لى صاحبى ( وقوله في مرضه الذى ~~توفى فيه ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ( مرة بعد مرة ومثل قوله لعائشة ( ~~إدعى لى أباك وأخاك حتى أكتب كتابا لأبى بكر لا يختلف الناس من بعدى ( ثم ~~قال ( يأبى الله PageV18P363 والمؤمنون إلا أبا بكر ( وأمثال ذلك # ومثل قوله ( إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد فعمر ( ~~وقوله لعمر ( ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك ( وقوله ( رأيت ~~كأنى أتيت بإناء من لبن فشربت ثم ناولت فضلى عمر قالوا فما أولته قال العلم ~~( وقوله ( رأيت كان الناس يعرضون على وعليهم قمص منها ما بلغ الثدى ومنها ~~ما يبلغ دون ذلك وعرض على عمر وعليه قميص يجره قالوا فما أولته قال الدين ( ~~وقوله ( رأيت كأنى على قليب ms5685 إنتزع منها فأخذها إبن أبى قحافة فنزع ذنوبا أو ~~ذنوبين وفى نزعه ضعف والله يغفر له ثم أخذها إبن الخطاب فإستحالت غربا فلم ~~أر عبقريا يفرى فريه حتى صدر الناس بعطن ( # وأمثال ذلك مثل قوله عن عثمان ألا أستحى ممن تستحيي منه ملائكة السماء ( ~~وقوله ( من يشترى بئر رومة وله الجنة ( فإشتراها عثمان وقوله في عثمان لما ~~جهز جيش العسرة ( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم وقوله يوم بيعة الرضوان لما ~~بايع المسلمين تحت الشجرة ( هذه يدى عن يمين عثمان ( وكان قد بعثه رسولا ~~إلى أهل مكة وقال إبن عمر كنا نقول على عهد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم ~~عثمان وأمثال ذلك PageV18P364 ومثل قوله عام خيبر ( لأعطين الراية غدا رجلا ~~يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ( وكان على غائبا ~~بالمدينة لأنه كان أرمد فلحق بالنبى صلى الله عليه وسلم فلما اصبح قدم على ~~فأعطاه الراية حتى فتح الله على يديه ولما خرج في غزوة تبوك بجميع الناس ~~ولم يأذن في التخلف إلا لأهل العذر وإستخلف عليا على المدينة فطعن فيه بعض ~~المنافقين فلحقه على وهو يبكى وقال أتخلفنى مع النساء والصبيان فقال ( أما ~~ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبى بعدى ( وأدار كساءه ~~على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال ( اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا ( ولما أراد أن يباهل أهل نجران أخذ عليا وفاطمة وحسنا ~~وحسينا وخرج ليباهل بهم ولما تنازع على وجعفر وزيد في حضانة إبنة حمزة قضى ~~بها لخالتها وكانت تحت جعفر وقال لجعفر ( أشبهت خلقى وخلقى ( وقال لعلى ( ~~أنت منى وأنا منك ( وقال لزيد ) ( أنت أخونا ومولانا ( # وكذلك قال ( إن الأشعريين إذا أرملوا في السفر أو قلت نفقة عيالهم ~~بالمدينة جمعوا ما كان معهم في ثوب واحد ثم قسموه بالسوية هم منى وأنا منهم # وقال ( إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة إبن الجراح ~~PageV18P365 # وقال ( إن لكل نبى حواريين وحواريى ms5686 الزبير ( # فهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح فيها غنية عن الكذب # وكذلك ما ذكر من إتيان ملك الموت في صورة أعرابى واعطاؤه إياه تفاحة ~~فشمها هو أيضا من الكذب بل الحديث الطويل الذى روى في قصة موت النبى وأنه ~~طرق الباب فخرج إليه واحد بعد واحد وأنهم لما عرفوا أنه ملك الموت خضعوا له ~~هو أيضا من الكذب بإتفاق أهل المعرفة بالحديث مع أنه قد رواه الطبرانى من ~~حديث عبدالمنعم بن إدريس عن أبيه من حديث وهب إبن منبه عن إبن عباس ~~وعبدالمنعم هذا معروف بالأكاذيب # وكذلك ما ذكر من بكاء فاطمة على النبى حتى أقلقت أهل المدينة وأخرجوها ~~إلى بيوت الأحزان هذا أيضا من الأكاذيب المفتراة وما يروى مثل هذا إلا جاهل ~~أو من قصده أن يسب فاطمة والصحابة رضى الله عنهم ينقل مثل هذا الفعل الذى ~~نزه الله فاطمة والصحابة عنه # وكذلك ما ذكر من ( أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرقت ودلقت ~~فخلق من كل قطرة نبيا # وان القبضة كانت PageV18P366 هي النبى وانه بقى كوكب درى ) فهذا ايضا كذب ~~باتفاق اهل المعرفة بحديثه # وكذلك ما يشبه هذا مثل أحاديث يذكرها شيرويه الديلمى في كتابه ( الفردوس ~~) ويذكرها بن حمويه في حقائقه مثل كتاب المحبوب ونحو ذلك مثل ما يذكرون ان ~~النبى كان كوكبا أو ان العالم كله خلق منه أو انه كان موجودا قبل ان يخلق ~~ابواه أو انه كان يحفظ القرآن قبل ان ياتيه به جبريل وامثال هذه الامور فكل ~~ذلك كذب مفترى باتفاق اهل العلم بسيرته # والانبياء كلهم لم يخلقوا من النبى بل خلق كل واحد من ابويه ونفخ الله ~~فيه الروح ولا كان كلما يعلم الله لرسله وانبيائه بوحيه ياخذونه بواسطة سوى ~~جبريل ( بل ) تارة يكلمهم الله وحيا يوحيه اليهم وتارة يكلمهم من وراء حجاب ~~كما كلم موسى بن عمران وتارة يبعث ملكا فيوحى باذنه ما يشاء # ومن الانبياء من يكون على شريعة غيره كما كان انبياء بنى اسرائيل على ~~شريعة التوراة # واما ms5687 كونهم كلهم ياخذون من واحد فهذا يقوله ونحوه اهل PageV18P367 ~~الالحاد من اهل الوحدة والاتحاد كابن عربى صاحب ( الفتوحات ) ( المكية ( و ~~( الفصوص ( وامثالهما فإنه لما ذكر مذهبه الذى مضمونه ان الوجود واحد وأن ~~الوجود الخالق هو الوجود المخلوق وإن تعددت الأعيان الثابتة في العدم قال ~~وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء ~~والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم وما يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة ~~الولى الخاتم حتى أن الرسل لا يرونه إذا رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ~~فإن الرسالة والنبوة أعنى نبوة التشريع ورسالته ينقطعان وأما الولاية فلا ~~تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرونه إلا من مشكاة خاتم الأولياء # وساق الكلام إلى أن ذكر ان خاتم الأنبياء موضع لبنة فضة وان خاتم ~~الأولياء موضع لبنتين لبنة ذهب ولبنة فضة فهو موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره ~~وما يتبعه من الأحكام لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا ~~وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه ~~الملك الذى يوحى به إلى الرسل # فهذا الكلام ونحوه فيه كثير من الضلال مثل دعواه أن جميع الأنبياء والرسل ~~يستفيدون معرفة الله من خاتم الأنبياء فإن هذا كذب PageV18P368 ومن قال أن ~~إبراهيم الخليل وموسى وعيسى وغيرهم إنما إستفادوا معرفة الله من النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقد كذب بل الله أوحى إليهم وعلمهم والنبى صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن موجودا حين خلقوا والمتقدم لا يستفيد من المتأخر # وقوله ( كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد ( وفى لفظ ( كتبت نبيا ( كقوله ( ~~إنى عند الله لمكتوب خاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته ( فإن الله بعد ~~خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه كتب وأظهر ما سيكون من ذريته فكتب نبوة ~~محمد وأظهرها كما ثبت في الصحيحين عن النبى قال ( يجمع خلق أحدكم في بطن ~~أمه أربعين يوما ( نطفة ) ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ms5688 ذلك ثم ~~يبعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيقال ( أكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو ~~سعيد ثم ينفخ فيه الروح ( فقد أخبر أنه بعد أن يخلق بدن الجنين في بطن أمه ~~وقبل نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أم سعيد فهكذا كتب خبر سيد ~~ولد آدم وآدم منجدل في طينته قبل أن ينفخ الروح فيه # وأما قول بعضهم ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ( فهذا نقل باطل نقلا ~~وعقلا فإن آدم [ ليس ] بين الماء والطين بل الطين ماء وتراب ولكن كان بين ~~الروح والجسد فهذا ونحوه فيه PageV18P369 علم الله بالأشياء قبل كونها ~~وكتابته إياها وإخباره بها وذلك غير وجود أعيانها لأنها لا توجد أعيانها ~~حتى تخلق ومن لم يفرق بين ثبوت الشيء في العلم والكلام والكتاب وبين حقيقته ~~[ في ] الخارج وكذلك بين الوجود العلمى والعينى عظم جهله وضلاله # وأهل العلم قد أعظموا النكبة على من يقول المعدوم شيء ثابت في الخارج وإن ~~كان لهؤلاء شبهة عقلية لكونهم ظنوا أن تميزه في العلم والإرادة يقتضى ~~تمييزه في الخارج فإنهم أخطأوا في ذلك والتحقيق الفرق بين الثبوت العلمى ~~والعينى وأما وجود الأشياء قبل خلقها فهذا أعظم في الجهل والضلال # [ وأما ] دعواه أن الأولياء كلهم حتى الأنبياء يستفيدون من خاتم الأولياء ~~فهذا مخالف للعقل والشرع فإن الأنبياء أفضل من الأولياء وخيار الأولياء ~~أتبعهم للأنبياء كما كان أبو بكر أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبيين ~~والمرسلين # وكذلك دعواه أن خاتم الأولياء يأخذ العلم الظاهر من حيث يأخذه النبى ~~ويأخذ العلم الباطن من المعدن الذى يأخذ منه الملك ما يوحيه إلى النبى فهذا ~~من أعظم الكفر والضلال وهو مبنى على قول المتفلسفة الذين يجعلون النبوة ~~فيضا يفيض على عقل النبى ويقولون أن الملك PageV18P370 هو ( ما ) يتمثل في ~~نفس النبى من الأشكال النورانية فيقولون أن النبى يأخذ عن تلك الصور ~~الخيالية وهى الملك عندهم فمن أخذ المعانى العقلية عن العقل المجرد كان ~~أعظم وأكمل ممن يأخذ عن الأمثلة الخيالية فهؤلاء إعتقدوا أقوال هؤلاء ms5689 ~~الفلاسفة الملحدين وسلكوا مسلك الرياضة فأخذوا يتكلمون بتلك الأمور ~~الإلحادية الفلسفية ويخرجونها في قالب المكاشفات والمخاطبات # وما ذكروه من خاتم الأولياء لا حقيقة له وإن كان قد ذكره الحكيم الترمذى ~~في كتاب ( خاتم الأولياء ( فقد غلط في ذلك الكتاب غلطا معروفا عند أهل ~~المعرفة والعلم والإيمان وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع # فهذه الأحاديث وأمثالها مما هو كذب وفرية عند أهل العلم لا سيما إذا كانت ~~معلومة البطلان بالعقل بل متخلية في العقل ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها ~~إلا على وجه البيان لكونها كذبا كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من ~~روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ( # وعلى ولاة الأمور أن يمنعوا من التحدث بها في كل مكان ومن اصر على ذلك ~~فإنه يعاقب العقوبة البليغة التى تزجره وامثاله عن الكذب على النبى صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه وأهل بيته وغيرهم من أهل العلم والدين والله أعلم ~~PageV18P371 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ( # في الصحيحين عن أبى موسى عن النبى قال ( على كل مسلم صدقة ( قيل أرأيت إن ~~لم يجد قال يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال أرأيت إن لم يستطع قال يعين ~~ذا الحاجة الملهوف قال قيل له أرأيت إن لم يستطع قال يأمر بالمعروف أو ~~الخير قال أرأيت إن لم يفعل قال يمسك عن الشر فإنها صدقة ( # وفى الصحيحين عن ابى ذر قال قلت يا رسول الله أى الأعمال أفضل قال ( ~~الإيمان بالله والجهاد في سبيله ( قال قلت أى الرقاب أفضل قال ( أنفسها عند ~~أهلها وأكثرها ثمنا ( قال ( قلت فإن لم أفعل قال ( تعين صانعا أو تصنع ~~لأخرق ( قال قلت يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل قال ( تكف شرك عن ~~الناس فإنها صدقة منك على نفسك ( # ففى هذا الحديث انه اوجب الصدقة على كل مسلم وجعلها خمس مراتب على البدل ~~الأولى الصدقة بماله فإن لم يجد إكتسب المال PageV18P372 فنفع وتصدق وفيه ~~دليل وجوب الكسب فإن لم يستطع فيعين المحتاج ms5690 ببدنه فإن لم يستطع فبلسانه ~~فإن لم يفعل فيكف عن الشر فالأوليان تقع بمال إما بموجود أو بمكسوب ~~والأخريان تقع ببدن إما بيد وإما بلسان # وفى صحيح مسلم عن ابى ذر عن النبى قال ( يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ~~فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر ~~بالمعروف صدقة ونهى عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ( ~~ففى هذا الحديث أنه جعل الصدقة الكلمات الأربع والأمر والنهى وركعتا الضحى ~~كافيتان # وفيه عنه ان ناسا من اصحاب رسول الله قالوا للنبى يا رسول الله ذهب أهل ~~الدثور بالأجور يصلون كما نصلى ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ~~قال ( أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة ~~صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهى عن منكر ~~صدقة وفى بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتى أحدنا شهوته ويكون له ~~فيها أجر قال PageV18P373 أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا ~~وضعها في الحلال كان له أجر ( قلت يشبه والله أعلم أن يكون قوله صدقة أي ~~تقوم مقام الصدقة التى للأغنياء فيكون الحديث الثاني مفسرا للأول بخلاف ~~حديث أبى موسى فإنه موجب للصدقة أو تكون صدقة نفسه على نفسه كما في حديث ~~أبى ذر المتقدم تكف شرك عن الناس PageV18P374 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن أحاديث يرويها القصاص وغيرهم بالطرق وغيرها عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم ### |||| ( فأجاب عنها ( # منها ما يروون أنه قال ( أدبنى ربى فأحسن تأديبى ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله المعنى صحيح لكن لا يعرف له إسناد ثابت # ومما يروونه عنه أنه قال ( لو كان المؤمن في ذروة جبل قيض الله له من ~~يؤذيه أو شيطانا يؤذيه ( # فأجاب الحمد لله ليس هذا معروفا من كلام النبى # ومما يروونه عنه انه قال ( لو كانت الدنيا دما عبيطا كان قوت المؤمن منها ~~حلالا ( # فأجاب الحمد لله ليس هذا من كلام النبى ms5691 ولا يعرف عنه بإسناد ولكن المؤمن ~~لا بد أن يتيح الله له من الرزق ما يغنيه ويمتنع في الشرع أن يحرم على ~~المؤمن ما لا بد منه فإن الله PageV18P375 لم يوجب على المؤمنين ما لا ~~يستطيعونه ولا حرم عليهم ما يضطرون إليه من غير معصية منهم قاله وكتبه أحمد ~~بن تيمية # ومما يروونه عنه عن الله ( ما وسعنى سمائى ولا أرضى ولكن وسعنى قلب عبدى ~~المؤمن ( # فاجاب الحمد لله هذا مذكور في الإسرائيليات ليس له إسناد معروف عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم ومعنى ( وسعنى قلبه ( الإيمان بى ومحبتى ومعرفتى ولا من ~~قال إن ذات الله تحل في قلوب الناس فهذا من النصارى خصوا ذلك بالمسيح وحده # ومما يروونه عنه أيضا ( القلب بيت الرب ( # فأجاب الحمد لله هذا كلام من جنس الأول فإن القلب بيت الإيمان بالله ~~ومعرفته ومحبته وليس هذا من كلام النبى # ومما يروونه عنه أيضا ( كنت كنزا لا ~~أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فعرفتهم بى فعرفونى ( فأجاب ليس هذا من ~~كلام الله النبى صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف # ومما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم ( أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ~~كان رسول الله إذا تكلم مع ابى بكر كنت كالزنجى بينهما ( الذى لا يفهم ~~PageV18P376 # فأجاب الحمد لله هذا كذب ظاهر لم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث ولم ~~يروه إلا جاهل أو ملحد # ومما يروونه عن النبى انه قال ( أنا مدينة العلم وعلى بابها ( # فأجاب هذا حديث ضعيف بل موضوع عند أهل المعرفة بالحديث لكن قد رواه ~~الترمذى وغيره ومع هذا فهو كذب # ومما يروون عن النبى ( إن الله يعتذر للفقراء يوم القيامة ويقول وعزتى ~~وجلالى ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم على لكن أردت أن أرفع قدركم في هذا ~~اليوم إنطلقوا إلى الموقف فمن أحسن إليكم بكسرة أو سقاكم شربة من الماء أو ~~كساكم خرقة إنطلقوا به إلى الجنة ( # فأجاب الحمد لله هذا الشأن كذب لم يروه ms5692 أحد من أهل العلم بالحديث وهو ~~باطل مخالف للكتاب والسنة بالإجماع # ومما يروون عنه ( أنه لما قدم المدينة في الهجرة خرجت بنات النجار ~~بالدفوف وهن يقلن % طلع البدر علينا % من ثنيات الوداع % إلى آخر الشعر قال ~~رسول الله هزوا كرابيلكم بارك الله فيكم ( # فأجاب أما ضرب النسوة الدف في الزواج فقد كان معروفا على عهد PageV18P377 ~~رسول الله واما قوله ( هزوا كرابيلكم بارك الله فيكم ( فهذا لا يعرف عنه # ومما يروون عنه أنه قال ( لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان الناس لرجح إيمان ~~ابى بكر على ذلك ( # ( فاجاب ( # الحمد لله هذا جاء معناه في حديث معروف في السنن أن أبا بكر رضى الله عنه ~~وزن هذه الأمة فرجح # ومما يروون عنه أنه قال ( اللهم إنك أخرجتنى من احب البقاع إلى فإسكنى في ~~أحب البقاع إليك ( # فاجاب الحمد لله هذا باطل بل ثبت في الترمذى وغيره أنه قال لمكة والله ~~إنك لأحب بلاد الله إلى الله وقال إنك لأحب البلاد إلى ( فأخبر أنها احب ~~البلاد إلى الله وإليه # ومما يروون عنه ( من زارنى وزار أبى إبراهيم في عام واحد دخل الجنة ( # فأجاب الحمد لله هذا حديث كذب موضوع ولم يروه أحد من اهل العلم بالحديث # ومما يروون عنه ( فقراؤكم ( # فأجاب الحمد لله هذا اللفظ ليس مأثورا لكن ~~معناه صحيح وإن الفقراء موضع الإحسان إليهم فبهم تحصل الحسنات # ومما يروون عنه ( البركة مع أكابركم PageV18P378 # فأجاب الحمد لله قد ثبت في ~~الصحيح من حديث جبير أنه قال ( كبر كبر ( أى يتكلم الأكبر وثبت من حديث ~~الإمامة أنه قال ( فإن إستووا أي في القراءة والسنة والهجرة فليؤمهم أكبرهم ~~سنا ( # ومما يروون ايضا ( الشيخ في قومه كالنبى في أمته PageV18P379 # فأجاب الحمد لله ليس هذا من كلام النبى وإنما يقوله بعض الناس # ومما يروون أيضا ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لأعتدلا # فاجاب الحمد لله هذا ماثور عن بعض السلف وهو كلام صحيح # ومما رووا عن على رضى الله عنه أن أعرابيا صلى ونقر صلاته فقال له على ms5693 لا ~~تنقر صلاتك فقال له الأعرابى لو نقرها أبوك ما دخل النار # ( فأجاب ( # الحمد لله هذا كذب ورووه عن عمر وهو كذب # ومما يروون عن عمر رضى الله عنه أنه قتل أباه # فأجاب هذا كذب فإن أبا عمر رضى الله عنه مات في الجاهلية قبل أن يبعث ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # ومما يروون عنه ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين وكنت نبيا وآدم لا ماء ~~ولا طين ( # فأجاب الحمد لله هذا اللفظ كذب باطل ولكن اللفظ المأثور الذى رواه ~~الترمذى وغيره انه قيل يا رسول الله متى كنت نبيا قال ( وآدم بين الروح ~~والجسد ( وفى السنن عن العرباض بن سارية أنه قال ( أنى عند الله لمكتوب ~~خاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته # ( ومما يروون أيضا ( العازب فراشة من ~~النار ومسكين رجل بلا أمرأة ومسكينة امرأة بلا رجل ( # فأجاب الحمد لله هذا ليس من كلام النبى ولم أجده مرويا ولم يثبت # ومما ~~يروون أن إبراهيم عليه السلام لما بنى البيت صلى 2 في كل ركن ألف ركعة ~~فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم أفضل من هذا سد جوعة أو ستر عورة # فأجاب الحمد لله هذا كذب ظاهر ليس هو في شيء من كتب المسلمين # ومما يروون عنه أنه قال ( ( إذا ذكر إبراهيم وذكرت أنا فصلوا عليه ثم ~~صلوا على وإذا ذكرت انا والأنبياء غيره فصلوا على ثم صلوا عليهم # ( فأجاب ~~الحمد لله هذا لا يعرف من كتب أهل العلم ولا عن أحد من العلماء المعروفين ~~بالحديث PageV18P380 # ومما يروون عنه ( من اكل مع مغفور له غفر له ( # فأجاب الحمد لله هذا ليس له إسناد عن أهل العلم ولا هو في شيء من كتب ~~المسلمين وإنما يروونه عن سالم وليس معناه صحيحا على الإطلاق فقد يأكل مع ~~المسلمين الكفار والمنافقون # ومما يروون أيضا ( من اشبع جوعة أو ستر عورة ضمنت له الجنة # ( فاجاب الحمد لله هذا اللفظ لا يعرف عن النبى # ومما يروون ( لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين ( # فأجاب ms5694 الحمد لله هذا ليس معروفا عن النبى # ومما يروون ( سب أصحابى ذنب لا يغفر ( # فأجاب رحمه الله هذا كذب على النبى صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى ( ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( # ومما يروون ( من علم أخاه آية من كتاب الله فقد ملك رقه ( فأجاب الحمد ~~لله هذا كذب ليس في شيء من كتب أهل العلم # ومما يروون عنه ( آية من القرآن خير من محمد وآله PageV18P381 # فأجاب ~~الحمد لله القرآن كلام الله منزل غير مخلوق فلا يشبه بالمخلوقين واللفظ ~~المذكور غير مأثور # ومما يروون عن النبى ( أنا من العرب وليس العرب منى ( # فأجاب الحمد لله هذا ليس من كلام النبى # ومما يروون عنه أيضا ( اللهم أحينى مسكينا وامتنى مسكينا وأحشرنى في زمرة ~~المساكين ( فأجاب هذا يروى لكنه ضعيف لا يثبت ومعناه أحينى خاشعا متواضعا ~~لكن اللفظ لم يثبت # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا سمعتم عنى حديثا ~~فإعرضوه على الكتاب والسنة فإن وافق فارووه وإن لم يوافق فلا ( # فأجاب الحمد لله هذا مروى ولكنه ضعيف عن غير واحد من الأئمة كالشافعى ~~وغيره # ومما يروون عنه أنه قال ( يا على إتخذ لك نعلين من حديد وأفنهما في طلب ~~العلم ولو بالصين ( فأجاب الحمد لله ليس هذا ولا هذا من كلام النبى ~~PageV18P382 # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يقول الله تعالى ( لا قونى ~~بنياتكم ولا تلاقونى بأعمالكم ( # فأجاب الحمد لله ليس هذا اللفظ معروفا عن النبى صلى الله عليه وسلم # ومما ~~يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من قدم إبريقا لمتوضىء فكأنما قدم ~~جوادا مسرجا ملجوما يقاتل عليه في سبيل الله ( # فأجاب هذا ليس من كلام النبى صلى الله عليه وسلم ولا يعرف في شيء من كتب ~~المسلمين المعروفة # ومما يروون عنه ( ياتى على أمتى زمان ما يسلم بدينه إلا من يفر من شاهق ~~إلى شاهق ( # فأجاب الحمد لله هذا اللفظ ليس معروفا عن النبى ms5695 # ومما يروون عنه أنه قال ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ( # فاجاب الحمد لله هذا كلام بعض الناس وليس هو من كلام النبى # ومما يروون عنه أنه قال ( ستروا من اصحابى هدنة القاتل والمقتول في الجنة PageV18P383 # فأجاب الحمد لله هذا اللفظ لا يعرف عن النبى صلى الله عليه وسلم # ومما يروون عنه ( إذا وصلتم إلى ما شجر بين أصحابى فإمسكوا وإذا ~~وصلتم إلى القضاء والقدر فإمسكوا ( # فأجاب الحمد لله هذا مأثور بإسناد منقطع وماله إسناد ثابت # ومما يروون عنه إذا كثرت الفتن فعليكم بأطراف اليمن # فاجاب الحمد لله هذا اللفظ لايعرف # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من بات في حراسة كلب بات في ~~غضب الرب ( # فأجاب الحمد لله هذا ليس من كلام النبى صلى الله عليه وسلم # ومما يروون عنه ( أنه أمر النساء بالغنج لأزواجهن عند الجماع # فأجاب ليس هذا عنه صلى الله عليه وسلم # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من كسر قلبا فعليه جبره ( # فأجاب الحمد لله هذا أدب من الآداب وهذا اللفظ ليس معروفا عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم وكثير من الكلام يكون صحيحا PageV18P384 # لكن يمكن أن يقال عن الرسول صلى الله عليه وسلم مالم يقدح إذ هذا اللفظ ~~ليس بمطلق في كسر قلوب الكفار والمنافقين إذ به اقامة الملة # والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى ~~يوم الدين وعلى آله وأصحابه وأزواجه والتابعين PageV18P385 ### | 1 ( كتاب اصول الفقه الجزء الأول الاتباع ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى ~~بعده # قال شيخ الإسلام رحمه الله ! 8 < ### ||| فصل # الكتاب والسنة والإجماع وبازائه لقوم آخرين المنامات والإسرائيليات ~~والحكايات وذلك أن الحق الذى لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله وذلك ~~في حقنا ويعرف بالكتاب والسنة والإجماع وأما ما لم تجىء به الرسل عن الله ~~أو جاءت به ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به ففيه الحق والباطل ms5696 فلهذا ~~كانت الحجة الواجبة الإتباع للكتاب والسنة والإجماع فان هذا حق لا باطل فيه ~~واجب الإتباع لا يجوز تركه بحال عام الوجوب لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه ~~هذه الأصول وليس لأحد الخروج عن شيء مما دلت عليه وهى مبنية على أصلين ~~PageV19P005 ( أحدهما ( أن هذا جاء به الرسول ( والثانى ( أن ما جاء به ~~الرسول وجب اتباعه # وهذه الثانية إيمانية ضدها الكفر أو النفاق وقد دخل في بعض ذلك طوائف من ~~المتكلمة والمتفلسفة والمتأمرة والمتصوفة إما بناء على نوع تقصير بالرسالة ~~وإما بناء على نوع تفضل عليها وإما على عين إعراض عنها وإما على انها لا ~~تقبل إلا في شيء يتغير كالفروع مثلا دون الأصول العقلية أو السياسية أو غير ~~ذلك من الأمور القادحة في الإيمان بالرسالة # أما الأولى فهي مقدمة علمية مبناها على العلم بالإسناد والعلم بالمتن ~~وذلك لأهل العلم بالكتاب والسنة والإجماع لفظا ومعنى وإسنادا ومتنا وأما ما ~~سوى ذلك فاما أن يكون مأثورا عن الأنبياء أولا # أما الأول فيدخل فيه الإسرائيليات مما بأيدى المسلمين وأيدى أهل الكتاب ~~وذلك قد لبس حقه بباطله قال النبى ( إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم فاما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه ( ولكن ~~يسمع ويروى إذا علمنا موافقته لما علمناه لأنه مؤنس مؤكد PageV19P006 وقد ~~علم أنه حق وأما إثبات حكم بمجرده فلا يجوز اتفاقا وشرع من قبلنا إنما هو ~~شرع لنا فيما ثبت أنه شرع لهم دون ما رووه لنا وهذا يغلط فيه كثير من ~~المتعبدة والقصاص وبعض اهل التفسير وبعض اهل الكلام # وأما الثانى فما يروى عن الأوائل من المتفلسفة ونحوهم وما يلقى في قلوب ~~المسلمين يقظة ومناما وما دلت عليه الأقيسة الأصلية أو الفرعية وما قاله ~~الأكابر من هذه الملة علمائها وأمرائها فهذا التقليد والقياس والإلهام فيه ~~الحق والباطل لا يرد كله ولا يقبل كله وأضعفه ما كان منقولا عمن ليس قوله ~~حجة باسناد ضعيف مثل المأثور عن الأوائل بخلاف المأثور عن بعض أمتنا مما ms5697 صح ~~نقله فان هذا نقله صحيح ولكن القائل قد يخطئ وقد يصيب ومن التقليد تقليد ~~أفعال بعض الناس وهو الحكايات # ثم هذه الأمور لا ترد ردا مطلقا لما فيها من حق موافق ولا تقبل قبولا ~~مطلقا لما فيها من الباطل بل يقبل منها ما وافق الحق ويرد منها ما كان ~~باطلا والأقيسة العقلية الأصلية والفرعية الشرعية هي من هذا الباب فليست ~~العقليات كلها صحيحة ولا كلها فاسدة بل فيها حق وباطل PageV19P007 بل ما في ~~الكتاب والسنة والإجماع فانه حق ليس فيه باطل بحال فما علم من العقليات أنه ~~حق فهو حق لكن كثير من اهلها يجعلون الظن يقينا بشبهة وشهوة وهم ( إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) ويدلك على ذلك ~~كثرة نزاعهم مع ذكائهم في مسائل ودلائل يجعلها أحدهم قطعية الصحة ويجعلها ~~الآخر قطعية الفساد بل الشخص الواحد يقطع بصحتها تارة وبفسادها أخرى وليس ~~في المنزل من عند الله شيء أكثر ما في الباب أنه إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ويحكم الله آياته والله عليم حكيم فغاية ~~ذلك غلط في اللسان يتداركه الله فلا يدوم # وجميع ما تلقته الأمة عن الرسول صلى الله عليه وسلم حق لا باطل فيه وهدى ~~لا ضلال فيه ونور لا ظلمة فيه وشفاء ونجاة والحمد لله الذى هدانا لهذا وما ~~كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله PageV19P008 ### || 1 ( إيضاح الدلالة على عموم الرسالة ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام رحمه الله ! 8 < فصل # يجب على الإنسان أن يعلم ان الله عز وجل أرسل محمدا إلى جميع الثقلين ~~الإنس والجن وأوجب عليهم الايمان به وبما جاء به وطاعته وان يحللوا ما حلل ~~الله ورسوله ويحرموا ما حرم الله ورسوله وأن يوجبوا ما أوجبه الله ورسوله ~~ويحبوا ما احبه الله ورسوله ويكرهوا ما كرهه الله ورسوله وأن كل من قامت ~~عليه الحجة برسالة محمد من الانس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى ~~كما يستحقه أمثاله ms5698 من الكافرين الذين بعث اليهم الرسول # وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم باحسان وأئمة المسلمين ~~وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم رضى PageV19P009 الله عنهم ~~اجمعين لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن ولا في ان الله أرسل ~~محمدا اليهم وجمهور طوائف الكفار على اثبات الجن أما أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى فهم مقرون بهم كاقرار المسلمين وان وجد فيهم من ينكر ذلك وكما ~~يوجد في المسلمين من ينكر ذلك كما يوجد في طوائف المسلمين كالجهمية ~~والمعتزلة من ينكر ذلك وان كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك # وهذا لأن وجود الجن تواترت به اخبار الأنبياء تواترا معلوما بالإضطرار ~~ومعلوم بالإضطرار انهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة بل مأمورون منهيون ~~ليسوا صفات واعراضا قائمة بالانسان أو غيره كما يزعمه بعض الملاحدة فلما ~~كان أمر الجن متواترا عن الأنبياء تواترا ظاهرا تعرفه العامة والخاصة لم ~~يمكن طائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل أن تنكرهم كما لم يمكن لطائفة ~~كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل انكار الملائكة ولا انكار معاد الأبدان ~~ولا انكار عبادة الله وحده لا شريك له ولا انكار أن يرسل الله رسولا من ~~الانس إلى خلقه ونحو ذلك مما تواترت به الأخبار عن الأنبياء تواترا تعرفه ~~العامة والخاصة كما تواتر عند العامة والخاصة مجيء موسى إلى فرعون وغرق ~~فرعون ومجيء المسيح إلى اليهود وعداوتهم له وظهور محمد PageV19P010 بمكة ~~وهجرته إلى المدينة ومجيئه بالقرآن والشرائع الظاهرة وجنس الآيات الخارقة ~~التى ظهرت على يديه كتكثير الطعام والشراب والاخبار بالغيوب الماضية ~~والمستقبلة التى لا يعلمها بشر إلا باعلام الله وغير ذلك # ولهذا أمر الله رسوله بسؤال أهل الكتاب عما تواتر عندهم كقوله ( وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى اليهم فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون ~~) فان من الكفار من أنكر أن يكون لله رسول بشر فأخبر الله ان الذين أرسلهم ~~قبل محمد كانوا بشرا وامر بسؤال أهل الكتاب عن ذلك لمن لا يعلم # وكذلك سؤالهم عن التوحيد وغيره مما ms5699 جاءت به الأنبياء وكفر به الكافرون ~~قال تعالى ( قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) وقال ~~تعالى ( فان كنت في شك مما أنزلنا اليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ~~) وقال تعالى ( قل أرأيتم ان كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى ~~اسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ) # وكذلك شهادة أهل الكتاب بتصديق ما أخبر به من أنباء الغيب التى لا يعلمها ~~إلا نبى أو من أخبره نبى وقد علموا أن محمدا لم يتعلم PageV19P011 من أهل ~~الكتاب شيئا # وهذا غير شهادة أهل الكتاب له نفسه بما يجدونه من نعته في كتبهم كقوله ~~تعالى ( أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى اسرائيل ) وقوله تعالى ( ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) وأمثال ذلك # وهذا بخلاف ما تواتر عند الخاصة من أهل العلم كأحاديث الرؤية وعذاب القبر ~~وفتنته وأحاديث الشفاعة والصراط والحوض فهذا قد ينكره بعض من لم يعرفه من ~~اهل الجهل والضلال ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائى وأبى بكر الرازى ~~وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع ولم ينكروا وجود الجن إذ لم يكن ظهور هذا ~~في المنقول عن الرسول كظهور هذا وان كانوا مخطئين في ذلك ولهذا ذكر الأشعرى ~~في مقالات اهل السنة والجماعة أنهم يقولون ان الجنى يدخل في بدن المصروع ~~كما قال تعالى ( الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذى يتخبطه ~~الشيطان من المس ) وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل قلت لأبى ان قوما يزعمون ~~أن الجنى لا يدخل في بدن الانسى فقال يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه ~~وهذا مبسوط في موضعه PageV19P012 # والمقصود هنا أن جميع طوائف المسلمين يقرون بوجود الجن وكذلك جمهور 2 ~~الكفار كعامة أهل الكتاب وكذلك عامة مشركى العرب وغيرهم من أولاد سام ~~والهند وغيرهم من أولاد حام وكذلك جمهور الكنعانيين واليونانيين وغيرهم من ~~أولاد يافث فجماهير الطوائف تقر بوجود الجن بل يقرون بما يستجلبون به ~~معاونة الجن من العزائم ms5700 والطلاسم سواء أكان ذلك سائغا عند أهل الايمان أو ~~كان شركا فان المشركين يقرأون من العزائم والطلاسم والرقى ما فيه عبادة ~~للجن وتعظيم لهم وعامة ما بأيدى الناس من العزائم والطلاسم والرقى التى لا ~~تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن # ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التى لا يفقه معناها لأنها مظنة الشرك ~~وان لم يعرف الراقى انها شرك وفى صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعى قال كنا ~~نرقى في الجاهلية فقلنا يارسول الله كيف ترى في ذلك فقال اعرضوا على رقاكم ~~لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ( وفى صحيح مسلم أيضا عن جابر قال نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله انه كانت عندنا رقية نرقى بها من ~~العقرب وانك نهيت عن الرقى قال فعرضوها عليه فقال ( ما أرى بأسا من استطاع ~~منكم أن ينفع أخاه فلينفعه PageV19P013 # وقد كان للعرب ولسائر الامم من ذلك امور يطول وصفها واخبار العرب في ذلك ~~متواترة عند من يعرف اخبارهم من علماء المسلمين وكذلك عند غيرهم ولكن ~~المسلمين اخبر بجاهلية العرب منهم بجاهلية سائر الأمم إذ كان خير القرون ~~كانوا عربا وكانوا قد عاينوا وسمعوا ما كانوا عليه في الجاهلية وكان ذلك من ~~أسباب نزول القرآن فذكروا في كتب التفسير والحديث والسير والمغازى والفقه ~~فتواترت ايام جاهلية العرب في المسلمين وإلا فسائر الأمم المشركين هم من ~~جنس العرب المشركين في هذا وبعضهم كان أشد كفرا وضلالا من مشركى العرب ~~وبعضهم أخف # والآيات التى أنزلها الله على محمد فيها خطاب لجميع الخلق من الانس والجن ~~إذ كانت رسالته عامة للثقلين وان كان من أسباب نزول الايات ما كان موجودا ~~في العرب فليس شيء من الآيات مختصا بالسبب المعين الذى نزل فيه باتفاق ~~المسلمين وانما تنازعوا هل يختص بنوع السبب المسؤول عنه وأما بعين السبب ~~فلم يقل أحد من المسلمين ان آيات الطلاق ms5701 أو الظهار أو اللعان أو حد السرقة ~~والمحاربين وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذى كان سبب نزول الآية # وهذا الذى يسميه بعض الناس تنقيح المناط وهو أن يكون PageV19P014 الرسول ~~صلى الله عليه وسلم حكم في معين وقد علم ان الحكم لا يختص به فيريد أن ينقح ~~مناط الحكم ليعلم النوع الذى حكم فيه كما أنه لما أمر الاعرابى الذى واقع ~~امرأته في رمضان بالكفارة وقد علم ان الحكم لا يختص به وعلم أن كونه ~~أعرابيا أو عربيا أو الموطوءة زوجته لا أثر له فلو وطىء المسلم العجمى ~~سريته كان الحكم كذلك ولكن هل المؤثر في الكفارة كونه مجامعا في رمضان أو ~~كونه مفطرا فالأول مذهب الشافعى وأحمد في المشهور عنه والثانى مذهب مالك ~~وأبى حنيفة وهو رواية منصوصة عن أحمد في الحجامة فغيرها أولى ثم مالك يجعل ~~المؤثر جنس المفطر وأبو حنيفة يجعلها المفطر كتنوع جنسه فلا يوجبه في ~~ابتلاع الحصاة والنواة # وتنازعوا هل يشترط أن يكون أفسد صوما صحيحا وأحمد لا يشترط ذلك بل كل ~~امساك وجب في شهر رمضان أوجب فيه الكفارة كما يوجب الأربعة مثل ذلك في ~~الاحرام الفاسد فالصيام الفاسد عنده كالاحرام الفاسد كلاهما يجب اتمامه ~~والمضى فيه والشافعى وغيره لا يوجبونها إلا في صوم صحيح والنزاع فيمن أكل ~~ثم جامع أو لم ينو الصوم ثم جامع ومن جامع وكفر ثم جامع # ومثل قوله لمن أحرم بالعمرة في جبة متضمخا بالخلوق ( انزع PageV19P015 ~~عنك الجبة واغسل عنك أثر الصفرة ) هل أمره بالغسل لكون المحرم لا يستديم ~~الطيب كما يقوله مالك أو لكونه نهى أن يتزعفر الرجل فلا يمنع من استدامة ~~الطيب كقول الثلاثة وعلى الأول فهل هذا الحديث منسوخ بتطييب عائشة له في ~~حجة الوداع # ومثل قوله لما سئل عن فأرة وقعت في سمن ( القوها وما حولها وكلوا سمنكم ) ~~هل المؤثر عدم التغير بالنجاسة أو بكونه جامدا أو كونها فأرة وقعت في سمن ~~فلا يتعدى إلى سائر المائعات ومثل هذا كثير وهذا لابد منه في الشرائع ولا ms5702 ~~يسمى قياسا عند كثير من العلماء كأبى حنيفة ونفاة القياس لاتفاق الناس على ~~العمل به كما اتفقوا على تحقيق المناط وهو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلى ~~فينظر في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان كأمره باستقبال الكعبة ~~وكأمره بإستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضى من الشهداء وكتحريمه الخمر ~~والميسر وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة وكتفريقه بين الفدية والطلاق وغير ~~ذلك # فيبقى النظر في بعض الأنواع هل هي خمر ويمين وميسر وفدية أو طلاق وفى بعض ~~الأعيان هل هي من هذا النوع وهل هذا المصلى مستقبل القبلة وهذا الشخص عدل ~~مرضى ونحو ذلك فان هذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين بل بين ~~العقلاء فيما يتبعونه من شرائع دينهم وطاعة ولاة أمورهم ومصالح دنياهم ~~وآخرتهم PageV19P016 # وحقيقة ذلك يرجع إلى تمثيل الشيء بنظيره وادراج الجزئى تحت الكلى وذاك ~~يسمى قياس التمثيل وهذا يسمى قياس الشمول وهما متلازمان فان القدر المشترك ~~بين الافراد في قياس الشمول الذى يسميه المنطقيون الحد الأوسط هو القدر ~~المشترك في قياس التمثيل الذى يسميه الأصوليون الجامع والمناط والعلة ~~والامارة والداعى والباعث والمقتضى والموجب والمشترك وغير ذلك من العبارات # وأما تخريج المناط وهو القياس المحض وهو أن ينص على حكم في امور قد يظن ~~أنه يختص الحكم بها فيستدل على أن غيرها مثلها إما لانتفاء الفارق أو ~~للإشتراك في الوصف الذى قام الدليل على أن الشارع علق الحكم به في الأصل ~~فهذا هو القياس الذى تقر به جماهير العلماء وينكره نفاة القياس وإنما يكثر ~~الغلط فيه لعدم العلم بالجامع المشترك الذى علق الشارع الحكم به وهو الذى ~~يسمى سؤال المطالبة وهو مطالبة المعترض للمستدل بأن الوصف المشترك بين ~~الأصل والفرع هو علة الحكم أو دليل العلة فأكثر غلط القائسين من ظنهم علة ~~في الأصل ما ليس بعلة ولهذا كثرت شناعاتهم على أهل القياس الفاسد فأما إذا ~~قام دليل على الغاء الفارق وانه ليس بين الأصل والفرع فرق يفرق الشارع ~~لأجله بين الصورتين أو قام PageV19P017 الدليل على ان ms5703 المعنى الفلانى هو ~~الذى لأجله حكم الشارع بهذا الحكم في الأصل وهو موجود في صورة أخرى فهذا ~~القياس لا ينازع فيه الا من لم يعرف هاتين المقدمتين وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة للثقلين الإنس والجن ~~على إختلاف أجناسهم فلا يظن أنه خص العرب بحكم من الأحكام أصلا بل إنما علق ~~الأحكام بإسم مسلم وكافر ومؤمن ومنافق وبر وفاجر ومحسن وظالم وغير ذلك من ~~الأسماء المذكورة في القرآن والحديث وليس في القرآن ولا الحديث تخصيص العرب ~~بحكم من أحكام الشريعة ولكن بعض العلماء ظن ذلك في بعض الأحكام وخالفه ~~الجمهور كما ظن طائفة منهم أبو يوسف أنه خص العرب بأن لا يسترقوا وجمهور ~~المسلمين على أنهم يسترقون كما صحت بذلك الأحاديث الصحيحة حيث إسترق بنى ~~المصطلق وفيهم جويرية بنت الحارث ثم أعتقها وتزوجها وأعتق بسببها من إسترق ~~من قومها # وقال في حديث هوازن ( اختاروا احدى الطائفتين اما السبى واما المال ( وفى ~~الصحيحين عن أبي أيوب الأنصارى عن رسول الله أنه قال ( من قال لا إله إلا ~~الله وحده PageV19P018 لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ( # وفى الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أنه كانت سبية من سبى هوازن عند عائشة ~~فقال ( أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل ( وعامة من استرقه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من النساء والصبيان كانوا عربا وذكر هذا يطول ولكن عمر بن الخطاب ~~لما رأى كثرة السبى من العجم وإستغناء الناس عن إسترقاق العرب رأى أن ~~يعتقوا العرب من باب مشورة الإمام وأمره بالمصلحة لا من باب الحكم الشرعى ~~الذى يلزم الخلق كلهم فأخذ من أخذ بما ظنه من قول عمر وكذلك ظن من ظن أن ~~الجزية لا تؤخذ من مشركى العرب مع كونها تؤخذ من سائر المشركين # وجمهور العلماء على أنه لا يفرق بين العرب وغيرهم ثم منهم من يجوز أخذها ~~من كل ms5704 مشرك ومنهم من لا يأخذها الا من أهل الكتاب والمجوس وذلك أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم لم يأخذ الجزية من مشركي العرب وأخذها من المجوس وأهل ~~الكتاب # فمن قال تؤخذ من كل كافر قال ان آية الجزية لما نزلت PageV19P019 أسلم ~~مشركوا العرب فإنها نزلت عام تبوك ولم يبق عربى مشرك محاربا ولم يكن النبى ~~ليغزو النصارى عام تبوك بجميع المسلمين الا من عذر الله ويدع الحجاز وفيه ~~من يحاربه ويبعث أبا بكر عام تسع فنادى في الموسم أن لا يحج بعد العام مشرك ~~ولا يطوف بالبيت عريان ونبذ العهود المطلقة وأبقى المؤقته مادام أهلها ~~موفين بالعهد كما أمر الله بذلك في أول سورة التوبة وأنظر الذين نبذ إليهم ~~أربعة أشهر وأمر عند إنسلاخها بغزو المشركين كافة قالوا فدان المشركون كلهم ~~كافة بالاسلام ولم يرض بذل أداء الجزية لأنه لم يكن لمشركي العرب من الدين ~~بعد ظهور دين الإسلام ما يصبرون لأجله على أداء الجزية عن يد وهم صاغرون إذ ~~كان عامة العرب قد أسلموا فلم يبق لمشركى العرب عز يعتزون به فدانوا ~~بالإسلام حيث أظهره الله في العرب بالحجة والبيان والسيف والسنان # وقول النبى ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ( مراده قتال المحاربين ~~الذين أذن الله في قتالهم لم يرد قتال المعاهدين الذين أمر الله بوفاء ~~عهدهم وكان النبى قبل نزول ( براءة ( يعاهد من عاهده من الكفار PageV19P020 ~~من غير أن يعطى الجزية عن يد فلما أنزل الله براءة وأمره بنبذ العهود ~~المطلقة لم يكن له أن يعاهدهم كما كان يعاهدهم بل كان عليه أن يجاهد الجميع ~~كما قال ( فإذا إنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم ان الله غفور رحيم ( وكان دين أهل الكتاب خيرا من دين المشركين ومع ~~هذا فأمروا بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإذا كان أهل ms5705 الكتاب ~~لا تجوز معاهدتهم كما كان ذلك قبل نزول براءة فالمشركون أولى بذلك أن لا ~~تجوز معاهدتهم بدون ذلك # قالوا فكان في تخصيص أهل الكتاب بالذكر تنبيها بطريق الأولى على ترك ~~معاهدة المشركين بدون الصغار والجزية كما كان يعاهدهم في مثل هدنة الحديبية ~~وغير ذلك من المعاهدات قالوا وقد ثبت في الصحيح من حديث بريدة قال ( كان ~~رسول الله إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن ~~معه من المسلمين خيرا ثم قال اغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر ~~بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت ~~عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل ~~منهم PageV19P021 وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف ~~عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم ان ~~فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فان أبوا أن يتحولوا ~~منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذى يجرى ~~على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفىء شيء الا أن يجاهدوا مع ~~المسلمين فإن هم أبوا فاسألهم الجزية فان هم أجابوك 2 فاقبل منهم وكف عنهم ~~فإن هم أبوا فإستعن بالله عليهم وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن ~~تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل ~~لهم ذمتك وذمة أصحابك فانكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن ~~تخفروا ذمة الله وذمة رسوله واذا حاصرت اهل حصن فأرادوك ان تنزلهم على حكم ~~الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدرى أتصيب حكم ~~الله فيهم أم لا ) # قالوا ففى الحديث أمره لمن أرسله أن يدعو الكفار إلى الإسلام ثم إلى ~~الهجرة إلى الأمصار والا فالى أداء الجزية وإن لم يهاجروا كانوا كأعراب ~~المسلمين والأعراب عامتهم كانوا مشركين فدل على أنه دعا إلى أداء ms5706 الجزية من ~~حاصره من المشركين وأهل الكتاب والحصون كانت باليمن كثيرة بعد نزول آية ~~الجزية وأهل اليمن كان PageV19P022 فيهم مشركون وأهل كتاب وأمر معاذا أن ~~يأخذ من كل حالم دينارا أو عد له معافريا ولم يميز بين المشركين وأهل ~~الكتاب فدل ذلك على أن المشركين من العرب آمنوا كما آمن من آمن من أهل ~~الكتاب ومن لم يؤمن من أهل الكتاب أدى الجزية # وقد أخذ النبى الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا وأسلمت عبد القيس ~~وغيرهم من أهل البحرين طوعا ولم يكن النبى ضرب الجزية على أحد من اليهود ~~بالمدينة ولا بخيبر بل حاربهم قبل نزول آية الجزية وأقر اليهود بخيبر ~~فلاحين بلا جزية إلى أن أجلاهم عمر لأنهم كانوا مهادنين له وكانوا فلاحين ~~في الأرض فأقرهم لحاجة المسلمين إليهم ثم أمر بإجلائهم قبل موته وأمر ~~بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب فقيل هذا الحكم مخصوص بجزيرة العرب ~~وقيل بل هو عام في جميع أهل الذمة إذا إستغنى المسلمون عنهم أجلوهم من ديار ~~الإسلام وهذا قول بن جرير وغيره ومن قال أن الجزية لا تؤخذ من مشرك قال ان ~~آية الجزية نزلت والمشركون موجودون فلم يأخذها منهم # والمقصود أنه لم يخص العرب بحكم وان قيل أنه خص جزيرة العرب التى هي حول ~~المسجد الحرام كما خص المسجد الحرام بقوله ( انما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا PageV19P023 وكذلك من قال من العلماء أنه حرم ~~على جميع المسلمين ما تستخبثه العرب وأحل لهم ما تستطيبه فجمهور العلماء ~~على خلاف هذا القول كمالك وأبى حنيفة وأحمد وقدماء أصحابه ولكن الخرقى ~~وطائفة منهم وافقوا الشافعى على هذا القول وأما أحمد نفسه فعامة نصوصه ~~موافقة لقول جمهور العلماء وما كان عليه الصحابة والتابعون أن التحليل ~~والتحريم لا يتعلق بإستطابة العرب ولا بإستخباثهم بل كانوا يستطيبون أشياء ~~حرمها الله كالدم والميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة ~~السبع وما أهل به لغير الله وكانوا بل خيارهم يكرهون أشياء لم يحرمها الله ~~حتى لحم الضب ms5707 كان النبى يكرهه وقال ( لم يكن بأرض قومي فأجدنى أعافه ( وقال ~~مع هذا ( أنه ليس بمحرم ( وأكل على مائدته وهو ينظر وقال فيه ( لا آكله ولا ~~أحرمه ( # وقال جمهور العلماء الطيبات التى أحلها الله ما كان نافعا لآكلة في دينه ~~والخبيث ما كان ضارا له في دينه # وأصل الدين العدل الذى بعث الله الرسل بإقامته فما أورث الآكل بغيا وظلما ~~حرمه كما حرم كل ذى ناب من السباع لأنها باغية عادية والغاذى شبيه بالمغتذى ~~فإذا تولد اللحم منها صار في الإنسان خلق البغى والعدوان PageV19P024 وكذلك ~~الدم يجمع قوى النفس من الشهوة والغضب فإذا إغتذى منه زادت شهوته وغضبه على ~~المعتدل ولهذا لم يحرم منه الا المسفوح بخلاف القليل فانه لا يضر # ولحم الخنزير يورث عامة الأخلاق الخبيثة إذ كان أعظم الحيوان في أكل كل ~~شيء لا يعاف شيئا والله لم يحرم على أمة محمد شيئا من الطيبات وإنما حرم ~~ذلك على أهل الكتاب كما قال تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم ) وقال تعالى ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر ~~والغنم حرمنا عليهم شحومهما الا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما إختلط ~~بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وانا لصادقون ( # وأما المسلمون فلم يحرم عليهم الا الخبائث كالدم المسفوح فاما غير ~~المسفوح كالذى يكون في العروق فلم يحرمه بل ذكرت عائشة أنهم كانوا يضعون ~~اللحم في القدر فيرون آثار الدم في القدر ولهذا عفى جمهور الفقهاء عن الدم ~~اليسير في البدن والثياب إذا كان غير مسفوح وإذا عفى عنه في الأكل ففى ~~اللباس والحمل أولى أن يعفى عنه # وكذلك ريق الكلب يعفى عنه عند جمهور العلماء في الصيد كما هو PageV19P025 ~~مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد في أظهر القولين في مذهبه وهو أحد الوجهين في ~~مذهب الشافعى وان وجب غسل الإناء من ولوغه عند جمهورهم إذ كان الريق في ~~الولوغ كثيرا ساريا في المائع لا يشق الإحتراز منه بخلاف ما يصيب الصيد ~~فإنه قليل ناشف في ms5708 جامد يشق الإحتراز منه # وكذلك التقديم في إمامة الصلاة بالنسب لا يقول به أكثر العلماء وليس فيه ~~نص عن النبى بل الذي ثبت في الصحيح عنه أنه قال ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب ~~الله فان كانوا في القراة سواء فأعلمهم بالسنة فان كانوا في السنة سواء ~~فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ( فقدمه بالفضيلة ~~العلمية ثم بالفضيلة العملية وقدم العالم بالقرآن على العالم بالسنة ثم ~~الأسبق إلى الدين بإختياره ثم الأسبق إلى الدين بسنه ولم يذكر النسب # وبهذا أخذ أحمد وغيره فرتب الأئمة كما رتبهم النبى ولم يذكر النسب وكذلك ~~أكثر العلماء كمالك وأبى حنيفة لم يرجحوا بالنسب ولكن رجح به الشافعى ~~وطائفة من أصحاب أحمد كالخرقى وبن حامد والقاضى وغيرهم وإحتجوا بقول سلمان ~~PageV19P026 الفارسى أن لكم علينا معشر العرب ألا نؤمكم في صلاتكم ولا ننكح ~~نساءكم # والأولون يقولون إنما قال سلمان هذا تقديما منه للعرب على الفرس كما يقول ~~الرجل لمن هو أشرف منه حقك على كذا وليس قول سلمان حكما شرعيا يلزم جميع ~~الخلق اتباعه كما يجب عليهم اتباع أحكام الله ورسوله ولكن من تأسى من الفرس ~~بسلمان فله به أسوة حسنة فإن سلمان سابق الفرس # وكذلك إعتبار النسب في أهل الكتاب ليس هو قول أحد من الصحابة ولا يقول به ~~جمهور العلماء كمالك وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل وقدماء أصحابه ولكن طائفة ~~منهم ذكرت عنه روايتين واختار بعضهم إعتبار النسب موافقة للشافعى والشافعى ~~أخذ ذلك عن عطاء وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن النبى أنما علق الأحكام بالصفات المؤثرة فيما يحبه الله ~~وفيما يبغض فامر بما يحبه الله ودعا إليه بحسب الإمكان ونهى عما يبغضه الله ~~وحسم مادته بحسب الإمكان لم يخص العرب بنوع من أنواع الأحكام الشرعية إذ ~~كانت دعوته لجميع البرية لكن نزل القرآن بلسانهم بل نزل بلسان قريش كما ثبت ~~PageV19P027 عن عمر بن الخطاب أنه قال لإبن مسعود أقرئ الناس بلغة قريش فإن ~~القرآن نزل بلسانهم وكما قال عثمان للذين ms5709 يكتبون المصحف من قريش والأنصار ~~إذا إختلفتم في شيء فإكتبوه بلغة هذا الحى من قريش فإن القرآن نزل بلسانهم ~~وهذا لأجل التبليغ لأنه بلغ قومه أولا ثم بواسطتهم بلغ سائر الأمم وأمره ~~الله بتبليغ قومه أولا ثم بتبليغ الأقرب فالأقرب إليه كما أمر بجهاد الأقرب ~~فالأقرب # وما ذكره كثير من العلماء من أن غير العرب ليسوا أكفاء للعرب في النكاح ~~فهذه مسألة نزاع بين العلماء فمنهم من لا يرى الكفاءة إلا في الدين ومن ~~رآها في النسب أيضا فإنه يحتج بقول عمر لأمنعن ذوات الإحساب الا من الأكفاء ~~لأن النكاح مقصوده حسن الألفة فإذا كانت المرأة أعلى منصبا إشتغلت عن الرجل ~~فلا يتم به المقصود وهذه حجة من جعل ذلك حقا لله حتى أبطل النكاح إذا زوجت ~~المرأة بمن لا يكافئها في الدين أو المنصب ومن جعلها حقا لآدمى قال ان في ~~ذلك غضاضة على أولياء المرأة وعليها والأمر اليهم في ذلك # ثم هؤلاء لا يخصون الكفاءة بالنسب بل يقولون هي من الصفات التى تتفاضل ~~بها النفوس كالصناعة واليسار والحرية وغير ذلك وهذه مسائل إجتهادية ترد إلى ~~الله والرسول فان جاء عن الله ورسوله PageV19P028 ما يوافق أحد القولين فما ~~جاء عن الله لا يختلف والا فلا يكون قول أحد حجة على الله ورسوله # وليس عن النبى نص صحيح صريح في هذه الأمور بل قد قال ( إن الله أذهب عنكم ~~عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس رجلان مؤمن تقى وفاجر شقى ( وفى صحيح ~~مسلم عنه أنه قال ( أربع في أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر ~~بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة والإستسقاء بالنجوم ) # وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ( إن الله إصطفى كنانة من ~~بنى إسماعيل وإصطفى قريشا من كنانة وإصطفى بني هاشم من قريش وإصطفانى من ~~بنى هاشم فأنا خيركم نفسا وخيركم نسبا ( # وجمهور العلماء على أن جنس العرب خير من غيرهم كما أن جنس قريش خير من ~~غيرهم وجنس بنى هاشم خير من غيرهم وقد ثبت ms5710 في الصحيح عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم ~~في الإسلام إذا فقهوا ( # لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد ~~فان في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب PageV19P029 وفى غير قريش من ~~المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش وفى غير بنى هاشم من قريش وغير ~~قريش من هو خير من أكثر بنى هاشم كما قال رسول الله ( إن خير القرون القرن ~~الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( وفى القرون المتأخرة من ~~هو خير من كثير من القرن الثانى والثالث ومع هذا فلم يخص النبى القرن ~~الثانى والثالث بحكم شرعى كذلك لم يخص العرب بحكم شرعى بل ولا خص بعض ~~أصحابه بحكم دون سائر أمته ولكن الصحابة لما كان لهم من الفضل أخبر بفضلهم ~~وكذلك السابقون الأولون لم يخصهم بحكم ولكن أخبر بما لهم من الفضل لما ~~إختصوا به من العمل وذلك لا يتعلق بالنسب # والمقصود هنا أنه أرسل إلى جميع الثقلين الإنس والجن فلم يخص العرب دون ~~غيرهم من الأمم بأحكام شرعية ولكن خص قريشا بأن الأمامة فيهم وخص بنى هاشم ~~بتحريم الزكاة عليهم وذلك لأن جنس قريش لما كانوا أفضل وجب أن تكون الإمامة ~~في أفضل الأجناس مع الامكان وليست الإمامة أمرا شاملا لكل أحد منهم وإنما ~~يتولاها واحد من الناس # وأما تحريم الصدقة فحرمها عليه وعلى أهل بيته تكميلا لتطهيرهم ودفعا ~~للتهمة عنه كما لم يورث فلا يأخذ ورثته درهما ولا دينارا PageV19P030 بل لا ~~يكون له ولمن يمونه من مال الله الا نفقتهم وسائر مال الله يصرف فيما يحبه ~~الله ورسوله وذوو قرباه يعطون بمعروف من مال الخمس والفيء الذى يعطى منه في ~~سائر مصالح المسلمين لا يختص بأصناف معينة كالصدقات ثم ما جعل لذوى القربى ~~قد قيل أنه سقط بموته كما يقوله أبو حنيفة وقيل هو لقربى من يلى الأمر بعده ~~كما روى ms5711 عنه ( ما أطعم الله نبيا طعمة إلا كانت لمن يلى الأمر بعده ( وهذا ~~قول أبى ثور وغيره وقيل أن هذا كان مأخذ عثمان في إعطاء بنى أمية وقيل هو ~~لذوي قربى الرسول صلى الله عليه وسلم دائما # ثم من هؤلاء من يقول هو مقدر بالشرع وهو خمس الخمس كما يقوله الشافعى ~~وأحمد في المشهور عنه وقيل بل الخمس والفىء يصرف في مصالح المسلمين بإجتهاد ~~الإمام ولا يقسم على أجزاء مقدرة متساوية وهذا قول مالك وغيره وعن أحمد أنه ~~جعل خمس الزكاة فيئا وعلى هذا القول يدل الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء ~~الراشدين وبسط هذه الأمور له موضع آخر # والمقصود هنا أن بعض آيات القرآن وان كان سببه أمورا كانت في العرب فحكم ~~الآيات عام يتناول ما تقتضيه الآيات لفظا PageV19P031 ومعنى في أى نوع كان ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس والجن # وجماهير الأمم يقر بالجن ولهم معهم وقائع يطول وصفها ولم ينكر الجن الا ~~شر ذمة قليلة من جهال المتفلسفة والأطباء ونحوهم وأما أكابر القوم فالمأثور ~~عنهم اما الإقرار بها وأما أن لا يحكى عنهم في ذلك قول ومن المعروف عن ~~بقراط أنه قال في بعض المياه انه ينفع من الصرع لست أعني الذى يعالجه أصحاب ~~الهياكل وإنما أعنى الصرع الذى يعالجه الأطباء وأنه قال طبنا مع طب أهل ~~الهياكل كطب العجائز مع طبنا # وليس لمن أنكر ذلك حجة يعتمد عليها تدل على النفي وإنما معه عدم العلم إذ ~~كانت صناعته ليس فيها ما يدل على ذلك كالطبيب الذى ينظر في البدن من جهة ~~صحته ومرضه الذى يتعلق بمزاجه وليس في هذا تعرض لما يحصل من جهة النفس ولا ~~من جهة الجن وان كان قد علم من غير طبه أن للنفس تأثيرا عظيما في البدن ~~أعظم من تأثير الأسباب الطبية وكذلك للجن تأثير في ذلك كما قال النبى في ~~الحديث الصحيح ( ان الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم ) وفى الدم الذى هو ~~البخار الذى تسميه الأطباء الروح الحيواني ms5712 المنبعث من القلب الساري في ~~البدن الذي به حياة البدن كما PageV19P032 قد بسط هذا في موضع آخر # والمراد هنا أن محمدا أرسل إلى الثقلين الإنس والجن وقد أخبر الله في ~~القرآن أن الجن استمعوا القرآن وأنهم آمنوا به كما قال تعالى ( وإذ صرفنا ~~إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ) إلى قوله ( ~~أولئك في ضلال مبين ( ثم أمره أن يخبر الناس بذلك فقال تعالى ( قل أوحي إلى ~~أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ) الخ فأمره أن يقول ~~ذلك ليعلم الإنس بأحوال الجن وأنه مبعوث إلى الإنس والجن لما في ذلك من هدى ~~الإنس والجن ما يجب عليهم من الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر وما يجب من ~~طاعة رسله ومن تحريم الشرك بالجن وغيرهم كما قال في السورة ( وأنه كان رجال ~~من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) # كان الرجل من الإنس ينزل بالوادي والأودية مظان الجن فإنهم يكونون ~~بالأودية أكثر مما يكونون بأعالي الأرض فكان الإنسي يقول أعوذ بعظيم هذا ~~الوادي من سفهائه فلما رأت الجن أن الإنس تستعيذ بها زاد طغيانهم وغيرهم ~~وبهذا يجيبون المعزم والراقى بأسمائهم وأسماء ملوكهم فإنه يقسم عليهم ~~بأسماء من يعظمونه PageV19P033 فيحصل لهم بذلك من الرئاسة والشرف على الإنس ~~ما يحملهم على أن يعطوهم بعض سؤلهم لا سيما وهم يعلمون أن الإنس أشرف منهم ~~وأعظم قدرا فإذا خضعت الإنس لهم وإستعاذت بهم كان بمنزلة أكابر الناس إذا ~~خضع لأصاغرهم ليقضى له حاجته # ثم الشياطين منهم من يختار الكفر والشرك ومعاصي الرب وإبليس وجنوده من ~~الشياطين يشتهون الشر ويلتذون به ويطلبونه ويحرصون عليه بمقتضى خبث أنفسهم ~~وان كان موجبا لعذابهم وعذاب من يغوونه كما قال ابليس ( فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين الا عبادك منهم المخلصين ) وقال تعالى ( قال أرأيتك هذا الذى كرمت ~~على لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) وقال تعالى ( ~~ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فإتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) # والإنسان إذا فسدت نفسه أو مزاجه ms5713 يشتهي ما يضره ويلتذ به بل يعشق ذلك ~~عشقا يفسد عقله ودينه وخلقه وبدنه وماله والشيطان هو نفسه خبيث فإذا تقرب ~~صاحب العزائم والأقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك اليهم بما ~~يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض أغراضه ~~كمن يعطى غيره مالا PageV19P034 ليقتل له من يريد قتله أو يعينه على فاحشة ~~أو ينال معه فاحشة # ولهذا كثير من هذه الأمور يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة وقد يقلبون ~~حروف كلام الله عز وجل إما حروف الفاتحة وإما حروف قل هو الله أحد وأما ~~غيرهما إما دم واما غيره واما بغير نجاسة أو يكتبون غير ذلك مما يرضاه ~~الشيطان أو يتكلمون بذلك فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم ~~على بعض أغراضهم أما تغوير ماء من المياة واما أن يحمل في الهواء إلى بعض ~~الأمكنة واما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس كما تسرقه الشياطين من ~~أموال الخائنين ومن لم يذكر إسم الله عليه وتأتى به وإما غير ذلك # وأعرف في كل نوع من هذه الأنواع من الأمور المعينة ومن وقعت له ممن أعرفه ~~ما يطول حكايته فإنهم كثيرون جدا # والمقصود أن محمدا بعث إلى الثقلين واستمع الجن لقراءته وولوا إلى قومهم ~~منذرين كما اخبر الله عز وجل وهذا متفق عليه بين المسلمين ثم اكثر المسلمين ~~من الصحابة والتابعين وغيرهم يقولون انهم جاؤوه بعد هذا وانه قرأ عليهم ~~القرآن وبايعوه وسألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال لهم ( لكم كل عظم ~~PageV19P035 ذكر اسم الله عليه يعود اوفر ما يكون لحما ولكم كل بعرة علف ~~لدوابكم ) قال النبى صلى الله عليه وسلم ( فلا تستنجوا بهما فانهما زاد ~~اخوانكم من الجن ) وهذا ثابت في صحيح مسلم وغيره من حديث بن مسعود # وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبى هريرة نهيه عن الإستنجاء ~~بالعظم والروث في أحاديث متعددة وفى صحيح مسلم وغيره عن سلمان قال قيل له ~~قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال فقال أجل لقد ms5714 نهانا أن نستقبل ~~القبلة بغائط أو بول وان نستنجي باليمين وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ~~وأن نستنجي برجيع أو عظم وفى صحيح مسلم وغيره أيضا عن جابر قال ( نهى رسول ~~الله أن نتمسح بعظم أو ببعر ( وكذلك النهى عن ذلك في حديث خزيمة بن ثابت ~~وغيره # وقد بين علة ذلك في حديث بن مسعود ففي صحيح مسلم وغيره عن إبن مسعود أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال ( أتانى داعى الجن فذهبت معه فقرأت عليهم ~~القرآن قال فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال لكم ~~كل عظم ذكر إسم الله عليه يقع PageV19P036 في أيديكم لحما وكل بعرة علف ~~لدوابكم فقال النبى فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد أخوانكم ) وفى صحيح ~~البخاري وغيره عن أبى هريرة ( أنه كان يحمل مع النبى أداوة لوضوئه وحاجته ~~فبينما هو يتبعه بها قال من هذا قلت أبا هريرة قال ابغنى أحجارا أستنفض بها ~~ولا تأتني بعظم ولا بروثة فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبى حتى وضعتها إلى ~~جنبه ثم إنصرفت حتى إذا فرغ مشيت فقلت ما بال العظم والروثة قال هما من ~~طعام الجن وأنه أتانى وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألونى الزاد فدعوت الله ~~لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة الا وجدوا عليها طعاما # ولما نهى النبى عن الإستنجاء بما يفسد طعام الجن وطعام دوابهم كان هذا ~~تنبيها على النهي عما يفسد طعام الإنس وطعام دوابهم بطريق الأولى لكن كراهة ~~هذا والنفور عنه ظاهر في فطر الناس بخلاف العظم والروثة فإنه لا يعرف نجاسة ~~طعام الجن فلهذا جاءت الأحاديث الصحيحة المتعددة بالنهي عنه وقد ثبت بهذه ~~الأحاديث الصحيحة انه خاطب الجن وخاطبوه وقرأ عليهم القرآن وأنهم سألوه ~~الزاد # وقد ثبت في الصحيحين عن بن عباس أنه كان يقول ان النبى PageV19P037 لم ير ~~الجن ولا خاطبهم ولكن أخبره أنهم سمعوا القرآن وبن عباس قد علم ما دل عليه ~~القرآن من ذلك ولم يعلم ما علمه بن مسعود وأبو هريرة وغيرهما من إتيان ms5715 الجن ~~إليه ومخاطبته إياهم وأنه أخبره بذلك في القرآن وأمره أن يخبر به وكان ذلك ~~في أول الأمر لما حرست السماء وحيل بينهم وبين خبر السماء وملئت حرسا شديدا ~~وكان في ذلك من دلائل النبوة ما فيه عبرة كما قد بسط في موضع آ خر وبعد هذا ~~أتوه وقرأ عليهم القرآن وروى أنه قرأ عليهم سورة الرحمن وصار كلما قال ( ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان ) قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد # وقد ذكر الله في القرآن من خطاب الثقلين ما يبين هذا الأصل كقوله تعالى ( ~~يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ) وقد أخبر الله عن الجن أنهم قالوا ( ~~وانا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ) أي مذاهب شتى مسلمون ~~وكفار وأهل سنة وأهل بدعة وقالوا ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن ~~أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) والقاسط الجائر ~~يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل # وكافرهم معذب في الآخرة بإتفاق العلماء وأما مؤمنهم فجمهور PageV19P038 ~~العلماء على أنه في الجنة وقد روى ( أنهم يكونون في ربض الجنة تراهم الإنس ~~من حيث لا يرونهم ( وهذا القول مأثور عن مالك والشافعى وأحمد وأبى يوسف ~~ومحمد وقيل إن ثوابهم النجاة من النار وهو مأثور عن أبى حنيفة وقد إحتج ~~الجمهور بقوله ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) قالوا فدل ذلك على تأتى ~~الطمث منهم لأن طمث الحور العين إنما يكون في الجنة ### ||| فصل # وإذا كان الجن أحياء عقلاء مأمورين منهيين لهم ثواب وعقاب وقد أرسل اليهم ~~النبى فالواجب على المسلم أن يستعمل فيهم ما يستعمله في الإنس من الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر والدعوة إلى الله كما شرع الله ورسوله وكما ~~دعاهم النبى ويعاملهم إذا إعتدوا بما يعامل به المعتدون فيدفع صولهم بما ~~يدفع صول الإنس # وصرعهم للإنس قد يكون عن شهوة وهوى وعشق كما يتفق للإنس مع الإنس وقد ~~يتناكح الإنس والجن ms5716 ويولد بينهما ولد وهذا كثير معروف وقد ذكر العلماء ذلك ~~وتكلموا عليه وكره أكثر PageV19P039 العلماء مناكحة الجن وقد يكون وهو كثير ~~أو الأكثر عن بغض ومجازاة مثل أن يؤذيهم بعض الإنس أو يظنوا أنهم يتعمدوا ~~أذاهم إما ببول على بعضهم وإما بصب ماء حار وإما بقتل بعضهم وإن كان الإنسي ~~لا يعرف ذلك وفى الجن جهل وظلم فيعاقبونه بأكثر مما يستحقه وقد يكون عن عبث ~~منهم وشر بمثل سفهاء الإنس # وحينئذ فما كان من الباب الأول فهو من الفواحش التى حرمها الله تعالى كما ~~حرم ذلك على الإنس وإن كان برضى الآخر فكيف إذا كان مع كراهته فإنه فاحشة ~~وظلم فيخاطب الجن بذلك ويعرفون أن هذا فاحشة محرمة أو فاحشة وعدوان لتقوم ~~الحجة عليهم بذلك ويعلموا أنه يحكم فيهم بحكم الله ورسوله الذى أرسله إلى ~~جميع الثقلين الإنس والجن # وما كان من القسم الثانى فان كان الإنسي لم يعلم فيخاطبون بأن هذا لم ~~يعلم ومن لم يتعمد الأذى لا يستحق العقوبة وإن كان قد فعل ذلك في داره ~~وملكه عرفوا بأن الدار ملكه فله أن يتصرف فيها بما يجوز وأنتم ليس لكم أن ~~تمكثوا في ملك الإنس بغير أذنهم بل لكم ما ليس من مساكن الإنس كالخراب ~~والفلوات ولهذا يوجدون كثيرا في الخراب PageV19P040 والفلوات ويوجدون في ~~مواضع النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل والقمامين والمقابر والشيوخ ~~الذين تقترن بهم الشياطين وتكون أحوالهم شيطانية لا رحمانية يأوون كثيرا ~~إلى هذه الأماكن التى هي مأوى الشياطين # وقد جاءت الآثار بالنهي عن الصلاة فيها لأنها مأوى الشياطين والفقهاء ~~منهم من علل النهى بكونها مظنة النجاسات ومنهم من قال أنه تعبد لا يعقل ~~معناه والصحيح أن العلة في الحمام وأعطان الإبل ونحو ذلك أنها مأوى ~~الشياطين وفى المقبرة أن ذلك ذريعة إلى الشرك مع أن المقابر تكون أيضا مأوى ~~للشياطين # والمقصود أن أهل الضلال والبدع الذين فيهم زهد وعبادة على غير الوجه ~~الشرعى ولهم أحيانا مكاشفات ولهم تأثيرات يأوون كثيرا إلى مواضع الشياطين ~~التى نهى عن ms5717 الصلاة فيها لأن الشياطين تتنزل عليهم بها وتخاطبهم الشياطين ~~ببعض الأمور كما تخاطب الكهان وكما كانت تدخل في الأصنام وتكلم عابدي ~~الأصنام وتعينهم في بعض المطالب كما تعين السحرة وكما تعين عباد الأصنام ~~وعباد الشمس والقمر والكواكب إذا عبدوها بالعبادات التى يظنون أنها تناسبها ~~من تسبيح لها ولباس وبخور وغير ذلك فإنه قد تنزل عليهم شياطين يسمونها ~~روحانية الكواكب وقد تقضي بعض حوائجهم أما قتل بعض أعدائهم أو PageV19P041 ~~إمراضه وإما جلب بعض من يهوونه وإما إحضار بعض المال ولكن الضرر الذي يحصل ~~لهم بذلك أعظم من النفع بل قد يكون أضعاف أضعاف النفع # والذين يستخدمون الجن بهذه الأمور يزعم كثير منهم أن سليمان كان يستخدم ~~الجن بها فإنه قد ذكر غير واحد من علماء السلف أن سليمان لما مات كتبت ~~الشياطين كتب سحر وكفر وجعلتها تحت كرسيه وقالوا كان سليمان يستخدم الجن ~~بهذه فطعن طائفة من أهل الكتاب في سليمان بهذا وآخرون قالوا لولا أن هذا حق ~~جائز لما فعله سليمان فضل الفريقان هؤلاء بقدحهم في سليمان وهؤلاء باتباعهم ~~السحر فأنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى ( ولما جاءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم ) إلى ~~قوله تعالى ( ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون ) ( بين سبحانه أن هذا لا يضر ولا ينفع إذ كان النفع هو الخير ~~الخالص أو الراجح والضرر هو الشر الخالص أو الراجح وشر هذا إما خالص وإما ~~راجح # والمقصود أن الجن إذا إعتدوا على الإنس أخبروا بحكم الله ورسوله وأقيمت ~~عليهم الحجة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر كما يفعل PageV19P042 بالإنس ~~لأن الله يقول ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وقال تعالى ( يا معشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا ) ولهذا نهى النبى عن قتل حيات البيوت حتى تؤذن ثلاثا كما في صحيح مسلم ~~وغيره عن أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله ms5718 ( ان بالمدينة نفرا من الجن قد ~~أسلموا فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا فان بدا له بعد فليقتله ~~فإنه شيطان ( # وفى صحيح مسلم أيضا عن أبى السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبى ~~سعيد الخدري في بيته قال فوجدته يصلى فجلست أنتظره حتى يقضى صلاته فسمعت ~~تحريكا في عراجين في ناحية البيت فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلى ~~أن أجلس فجلست فلما إنصرف أشار إلى بيت في الدار فقال أترى هذا البيت فقلت ~~نعم فقال كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس قال فخرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأنصاف النهار ويرجع إلى أهله فإستأذنه يوما فقال له رسول الله ( خذ عليك ~~سلاحك فإنى أخشى عليك قريظة ) فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين ~~البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة فقالت ~~PageV19P043 أكفف عليك رمحك وإدخل البيت حتى تنظر ما الذى أخرجنى فدخل فإذا ~~بحية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى اليها بالرمح فإنتظمها به ثم خرج فركزه ~~في الدار فاضطربت عليه فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى قال ~~فجئنا إلى رسول الله فذكرنا له ذلك وقلنا ادع الله يحييه لنا قال ( ~~إستغفروا لصاحبكم ( ثم قال ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا فاذا رأيتم منهم ~~شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فانما هو شيطان ( وفى ~~لفظ آخر لمسلم أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ان لهذه البيوت ~~عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليه ثلاثا فان ذهب والا فاقتلوه فانه ~~كافر ( وقال لهم ( اذهبوا فادفنوا صاحبكم ( # وذلك ان قتل الجن بغير حق لا يجوز كما لا يجوز قتل الإنس بلا حق والظلم ~~محرم في كل حال فلا يحل لأحد أن يظلم أحدا ولو كان كافرا بل قال تعالى ( ~~ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ms5719 ) ( # والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم فيتصورون في صور الحيات والعقارب ~~وغيرها وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وفى صور الطير ~~وفى صور بنى آدم كما أتى الشيطان قريشا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما ~~أرادوا الخروج إلى بدر قال تعالى ( وإذ زين لهم الشيطان PageV19P044 ~~أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وانى جار لكم ) إلى قوله ( والله ~~شديد العقاب ) # وكما روى أنه تصور في صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة هل يقتلوا ~~الرسول أو يحبسوه أو يخرجوه كما قال تبارك وتعالى ( وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ~~) فإذا كان حيات البيوت قد تكون جنا فتؤذن ثلاثا فان ذهبت والا قتلت فانها ~~ان كانت حية قتلت وإن كانت جنية فقد أصرت على العدوان بظهورها للإنس في ~~صورة حية تفزعهم بذلك والعادي هو الصائل الذي يجوز دفعه بما يدفع ضرره ولو ~~كان قتلا وأما قتلهم بدون سبب يبيح ذلك فلا يجوز # وأهل العزائم والأقسام يقسمون على بعضهم ليعينهم على بعض تارة يبرون قسمه ~~وكثيرا لا يفعلون ذلك بان يكون ذلك الجني معظما عندهم وليس للمعزم وعزيمته ~~من الحرمة ما يقتضى إعانتهم على ذلك إذ كان المعزم قد يكون بمنزلة الذى ~~يحلف غيره ويقسم عليه بمن يعظمه وهذا تختلف أحواله فمن أقسم على الناس ~~ليؤذوا من هو عظيم عندهم لم يلتفتوا إليه وقد يكون ذاك منيعا فأحوالهم ~~شبيهة بأحوال PageV19P045 الإنس لكن الإنس أعقل وأصدق وأعدل وأوفى بالعهد ~~والجن أجهل وأكذب وأظلم وأغدر # والمقصود أن أرباب العزائم مع كون عزائمهم تشتمل على شرك وكفر لا تجوز ~~العزيمة والقسم به فهم كثيرا ما يعجزون عن دفع الجني وكثيرا ما تسخر منهم ~~الجن إذا طلبوا منهم قتل الجنى الصارع للأنس أو حبسه فيخيلوا اليهم أنهم ~~قتلوه أو حبسوه ويكون ذلك تخييلا وكذبا هذا إذا كان الذي يرى ما يخيلونه ~~صادقا في الرؤية فان عامة ما يعرفونه لمن يريدون تعريفه ms5720 إما بالمكاشفة ~~والمخاطبة أن كان من جنس عباد المشركين وأهل الكتاب ومبتدعة المسلمين الذين ~~تضلهم الجن والشياطين وأما ما يظهرونه لأهل العزائم والأقسام أنهم يمثلون ~~ما يريدون تعريفه فإذا رأى المثال أخبر عن ذلك وقد يعرف أنه مثال وقد ~~يوهمونه أنه نفس المرئى وإذا أرادوا سماع كلام من يناديه من مكان بعيد مثل ~~من يستغيث ببعض العباد الضالين من المشركين وأهل الكتاب وأهل الجهل من عباد ~~المسلمين إذا إستغاث به بعض محبيه فقال يا سيدي فلان فان الجني يخاطبه بمثل ~~صوت ذلك الإنسي فإذا رد الشيخ عليه الخطاب أجاب ذلك الإنسي بمثل ذلك الصوت ~~وهذا وقع لعدد كثير أعرف منهم طائفة PageV19P046 ### ||| فصل # وكثيرا ما يتصور الشيطان بصورة المدعو المنادى المستغاث به إذا كان ميتا ~~وكذلك قد يكون حيا ولا يشعر بالذى ناداه بل يتصور الشيطان بصورته فيظن ~~المشرك الضال المستغيث بذلك الشخص أن الشخص نفسه أجابه وانما هو الشيطان ~~وهذا يقع للكفار المستغيثين بمن يحسنون به الظن من الأموات والأحياء ~~كالنصارى المستغيثين بجرجس وغيره من قداد بسهم ويقع لأهل الشرك والضلال من ~~المنتسبين إلى الإسلام الذين يستغيثون بالموتى والغائبين يتصور لهم الشيطان ~~في صورة ذلك المستغاث به وهو لا يشعر # واعرف عددا كثيرا وقع لهم في عدة أشخاص يقول لى كل من الأشخاص انى لم ~~أعرف ان هذا استغاث بى والمستغيث قد رأى ذلك الذى هو على صورة هذا وما ~~اعتقد انه الا هذا وذكر لى غير واحد انهم استغاثوا بى كل يذكر قصة غير قصة ~~صاحبه فاخبرت كلا منهم انى لم أجب أحدا منهم ولا علمت باستغاثته فقيل ~~PageV19P047 هذا يكون ملكا فقلت الملك لا يغيث المشرك انما هو شيطان أراد ~~ان يضله # وكذلك يتصور بصورته ويقف بعرفات فيظن من يحسن به الظن انه وقف بعرفات ~~وكثير منهم حمله الشيطان إلى عرفات أو غيرها من الحرم فيتجاوز الميقات بلا ~~احرام ولا تلبية ولا يطوف بالبيت ولا بالصفا والمروة وفيهم من لا يعبر مكة ~~وفيهم من يقف بعرفات ويرجع ولا يرمى ms5721 الجمار إلى أمثال ذلك من الأمور التى ~~يضلهم بها الشيطان حيث فعلوا ما هو منهى عنه في الشرع اما محرم وأما مكروه ~~ليس بواجب ولا مستحب وقد زين لهم الشيطان أن هذا من كرامات الصالحين وهو من ~~تلبيس الشيطان فان الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب وكل من عبد عبادة ~~ليست واجبة ولا مستحبة وظنها واجبة أو مستحبة فانما زين ذلك له الشيطان وان ~~قدر أنه عفى عنه لحسن قصده واجتهاده لكن ليس هذا مما يكرم الله به أولياءه ~~المتقين إذ ليس في فعل المحرمات والمكروهات اكرام بل الإكرام حفظه من ذلك ~~ومنعه منه فان ذلك ينقصه لا يزيده وان لم يعاقب عليه بالعذاب فلا بد ان ~~يخفضه عما كان ويخفض اتباعه الذين يمدحون هذه الحال ويعظمون صاحبها فان مدح ~~المحرمات والمكروهات وتعظيم صاحبها هو من الضلال عن سبيل الله وكلما ازداد ~~العبد في PageV19P048 البدع اجتهادا ازداد من الله بعدا لأنها تخرجه عن ~~سبيل الله سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين إلى بعض سبيل المغضوب عليهم والضالين ### ||| فصل # إذا عرف الأصل في هذا الباب فنقول يجوز بل يستحب وقد يجب ان يذب عن ~~المظلوم وأن ينصر فان نصر المظلوم مأمور به بحسب الامكان وفى الصحيحين حديث ~~البرآء بن عازب قال ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن ~~سبع امرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وابرار القسم أو ~~المقسم ونصر المظلوم واجابة الداعى وافشاء السلام ونهانا عن خواتيم أو تختم ~~الذهب وعن شرب بالفضة وعن المياثر وعن القسي ولبس الحرير والإستبرق ~~والديباج ) وفى الصحيح عن أنس قال قال رسول الله ( انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما قلت يارسول الله انصره مظلوما فكيف انصره ظالما قال تمنعه من الظلم ~~فذلك نصرك إياه ( # وايضا ففيه تفريج كربة هذا المظلوم وفى صحيح مسلم عن ابى PageV19P049 ~~هريرة عن النبى انه قال ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه ~~كربة من كرب ms5722 يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ~~ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان ~~العبد في عون أخيه ( وفى صحيح مسلم أيضا عن جابر أن رسول الله لما سئل عن ~~الرقى قال ( من استطاع منكم أن ينفع اخاه فليفعل ( # لكن ينصر بالعدل كما أمر الله ورسوله مثل الأدعية والأذكار الشرعية ومثل ~~امر الجنى ونهيه كما يؤمر الانسي وينهى ويجوز من ذلك ما يجوز مثله في حق ~~الإنسى مثل أن يحتاج إلى انتهار الجنى وتهديده ولعنه وسبه كما ثبت في صحيح ~~مسلم عن ابى الدرداء قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعناه يقول ( ~~اعوذ بالله منك ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثا ( وبسط يده كأنه يتناول شيئا ~~فلما فرغ من الصلاة قلنا يارسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم ~~نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال ( ان عدو الله ابليس جاء بشهاب ~~من نار ليجعله في وجهى فقلت اعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة ~~الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم اردت أخذه ووالله لولا دعوة اخينا ~~سليمان لا صبح موثقا يلعب به ولدان اهل المدينة ( ففى هذا الحديث الإستعاذة ~~منه PageV19P050 ولعنته بلعنة الله ولم يستأخر بذلك فمد يده إليه وفى ~~الصحيحين عن ابى هريرة عن النبى قال ( ان الشيطان عرض لى فشد على ليقطع ~~الصلاة على فامكننى الله منه فذعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى ~~تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول اخى سليمان ( رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ~~ينبغى لأحد من بعدى ) فرده الله خاسئا ( # فهذا الحديث يوافق الأول ويفسره وقوله ( ذعته ( أى خنقته فبين أن مد اليد ~~كان لخنقه وهذا دفع لعدوانه بالفعل وهو الخنق وبه اندفع عدوانه فرده الله ~~خاسئا # واما الزيادة وهو ربطه إلى السارية فهو من باب التصرف الملكى الذى تركه ~~لسليمان فان نبينا كان يتصرف في الجن كتصرفه في الانس تصرف عبد ms5723 رسول يأمرهم ~~بعبادة الله وطاعته لا يتصرف لأمر يرجع إليه وهو التصرف الملكى فانه كان ~~عبدا رسولا وسليمان نبى ملك والعبد الرسول افضل من النبى الملك كما أن ~~السابقين المقربين افضل من عموم الأبرار اصحاب اليمين وقد روى النسائى على ~~شرط البخارى عن عائشة ان النبى كان يصلى فأتاه الشيطان فأخذه فصرعه فخنقه ~~قال رسول الله ( حتى وجدت برد لسانه على يدى ولولا PageV19P051 دعوة سليمان ~~لأصبح موثقا حتى يراه الناس ) ورواه أحمد وابو داود من حديث ابى سعيد وفيه ~~( فأهويت بيدي فما زلت اخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعى هاتين الابهام ~~والتى تليها ( وهذا فعله في الصلاة وهذا مما احتج به العلماء على جواز مثل ~~هذا في الصلاة وهو كدفع المار وقتل الاسودين والصلاة حال المسايفة # وقد تنازع العلماء في شيطان الجن اذا مر بين يدى المصلي هل يقطع على ~~قولين هما قولان في مذهب أحمد كما ذكرهما بن حامد وغيره # أحدهما يقطع لهذا الحديث ولقوله لما أخبر ان مرور الكلب الأسود يقطع ~~للصلاة ( الكلب الأسود شيطان ( فعلل بأنه شيطان وهو كما قال رسول الله فان ~~الكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيرا وكذلك بصورة القط ~~الأسود لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة # ومما يتقرب به إلى الجن الذبائح فان من الناس من يذبح للجن وهو من الشرك ~~الذى حرمه الله ورسوله وروى أنه نهى عن ذبائح الجن واذا بريء المصاب ~~بالدعاء والذكر وأمر الجن ونهيهم وانتهارهم PageV19P052 وسبهم ولعنهم ونحو ~~ذلك من الكلام حصل المقصود وان كان ذلك يتضمن مرض طائفة من الجن أو موتهم ~~فهم الظالمون لأنفسهم اذا كان الراقى الداعى المعالج لم يتعد عليهم كما ~~يتعدى عليهم كثير من أهل العزائم فيأمرون بقتل من لا يجوز قتله وقد يحبسون ~~من لا يحتاج إلى حبسه ولهذا قد تقاتلهم الجن على ذلك ففيهم من تقتله الجن ~~أو تمرضه وفيهم من يفعل ذلك باهله وأولاده أو دوابه # وأما من سلك في دفع عداوتهم مسلك العدل ms5724 الذى أمر الله به ورسوله فإنه لم ~~يظلمهم بل هو مطيع لله ورسوله في نصر المظلوم وإغاثه الملهوف والتنفيس عن ~~المكروب بالطريق الشرعى التى ليس فيها شرك بالخالق ولا ظلم للمخلوق ومثل ~~هذا لا تؤذيه الجن أما لمعرفتهم بأنه عادل وإما لعجزهم عنه وإن كان الجن من ~~العفاريت وهو ضعيف فقد تؤذيه فينبغى لمثل هذا أن يحترز بقراءة العوذ مثل ~~آية الكرسى والمعوذات والصلاة والدعاء ونحو ذلك مما يقوى الإيمان ويجنب ~~الذنوب التى بها يسلطون عليه فانه مجاهد في سبيل الله وهذا من أعظم الجهاد ~~فليحذر أن ينصر العدو عليه بذنوبه وإن كان الأمر فوق قدرته فلا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها فلا يتعرض من البلاء لما لا يطيق # ومن أعظم ما ينتصر به عل 4 يهم آية الكرسى فقد ثبت في صحيح PageV19P053 ~~البخارى حديث أبى هريرة قال وكلنى رسول الله بحفظ زكاة رمضان فأتانى آت ~~فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال إنى محتاج وعلى عيال ولي حاجة شديدة قال فخليت عنه فأصبحت فقال رسول ~~الله ( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ) قلت يارسول الله شكى حاجة ~~شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله قال ( إما أنه قد كذبك وسيعود ( فعرفت أنه ~~سيعود لقول رسول الله فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى ~~رسول الله قال دعنى فإنى محتاج وعلى عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله ~~فأصبحت فقال لى رسول الله ( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك ) قلت يارسول الله ~~شكى حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال ( اما إنه قد كذبك وسيعود ) فرصدته ~~الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله وهذا آخر ~~ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود قال دعنى أعلمك كلمات ينفعك الله بها ~~قلت ما هن قال إذا أويت إلى فراشك فإقرأ آية الكرسي ( الله لا إله إلا هو ~~الحى القيوم ) حتى تختم الآية فانك لن يزال عليك من الله حافظ ولا ms5725 يقربك ~~شيطان حتى PageV19P054 تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ( ما فعل ~~أسيرك البارحة ( قلت يارسول الله زعم أنه يعلمنى كلمات ينفعنى الله بها ~~فخليت سبيله قال ما هي قلت قال لى إذا أويت إلى فراشك فإقرأ آية الكرسى من ~~أولها حتى تختم الآية ( الله لا إله إلا هو الحى القيوم ) وقال لي ( لن ~~يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح ( وكانوا أحرص شيء على ~~الخير فقال النبى ( أما أنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال ~~يا أبا هريرة ( قلت لا قال ( ذاك شيطان ( # ومع هذا فقد جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة أن لها من التأثير في دفع ~~الشياطين وإبطال أحوالهم مالا ينضبط من كثرته وقوته فان لها تأثيرا عظيما ~~في دفع الشيطان عن نفس الإنسان وعن المصروع وعن من تعينه الشياطين مثل أهل ~~الظلم والغضب وأهل الشهوة والطرب وأرباب السماع المكاء والتصدية إذا قرئت ~~عليهم بصدق دفعت الشياطين وبطلت الأمور التى يخيلها الشيطان ويبطل ما عند ~~إخوان الشياطين من مكاشفة شيطانية وتصرف شيطاني إذ كانت الشياطين يوحون إلى ~~أوليائهم بأمور يظنها الجهال من كرامات أولياء الله PageV19P055 المتقين ~~وإنما هي من تلبيسات الشياطين على أوليائهم المغضوب عليهم والضالين والصائل ~~المعتدى يستحق دفعه سواء كان مسلما أو كافرا وقد قال النبى ( من قتل دون ~~ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ( فإذا ~~كان المظلوم له أن يدفع عن مال المظلوم ولو بقتل الصائل العادى فكيف لا ~~يدفع عن عقله وبدنه وحرمته فان الشيطان يفسد عقله ويعاقبه في بدنه وقد يفعل ~~معه فاحشة إنسي بإنسي وان لم يندفع الا بالقتل جاز قتله # وأما إسلام صاحبه والتخلى عنه فهو مثل إسلام أمثاله من المظلومين وهذا ~~فرض على الكفاية مع القدرة ففى الصحيحين عن النبى أنه قال ( المسلم أخو ~~المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ( فإن كان عاجزا عن ذلك أو هو مشغول بما هو أوجب ~~منه أو ms5726 قام به غيره لم يجب وإن كان قادرا وقد تعين عليه ولا يشغله عما هو ~~أوجب منه وجب عليه # وأما قول السائل هل هذا مشروع فهذا من أفضل الأعمال وهو من أعمال ~~الأنبياء والصالحين فإنه ما زال الأنبياء والصالحون PageV19P056 يدفعون ~~الشياطين عن بنى آدم بما أمر الله به ورسوله كما كان المسيح يفعل ذلك وكما ~~كان نبينا يفعل ذلك فقد روى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه من حديث مطر ~~بن عبد الرحمن الأعنق قال حدثتنى أم أبان بنت الوازع بن زارع بن عامر ~~العبدي عن أبيها أن جدها الزارع إنطلق إلى رسول الله فإنطلق معه بإبن له ~~مجنون أو إبن أخت له قال جدي فلما قدمنا على رسول الله قلت إن معي إبنا لي ~~أو إبن أخت لي مجنون أتيتك به تدعو الله له قال ( إئتنى به ( قال فانطلقت ~~به إليه وهو في الركاب فأطلقت عنه وألقيت عنه ثياب السفر وألبسته ثوبين ~~حسنين وأخذت بيده حتى إنتهيت به إلى رسول الله فقال ادنه منى إجعل ظهره مما ~~يلينى ( قال بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله فجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض ~~إبطيه ويقول ( أخرج عدو الله أخرج عدو الله ( فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس ~~بنظره الأول ثم أقعده رسول الله بين يديه فدعا له بماء فمسح وجهه ودعا له ~~فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله يفضل عليه # وقال أحمد في المسند ثنا عبد الله بن نمير عن عثمان بن حكيم انا عبد ~~الرحمن بن عبد العزيز عن يعلى بن مرة قال لقد رأيت من PageV19P057 رسول ~~الله ثلاثا ما رآها أحد قبلي ولا يراها أحد بعدي لقد خرجت معه في سفر حتى ~~إذا كنا ببعض الطريق مررنا بإمرأة جالسة معها صبى لها فقالت يارسول الله ~~هذا صبى أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة قال ( ~~ناولينيه ) فرفعته إليه فجعله بينه وبين واسطة الرحل ثم فغر ( فاه ( فنفث ~~فيه ثلاثا وقال ( بسم الله ms5727 أنا عبد الله اخسأ عدو الله ( ثم ناولها إياه ~~فقال إلقينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا ما فعل قال فذهبنا ورجعنا ~~فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث فقال ما فعل صبيك فقالت والذي بعثك ~~بالحق ما حسسنا منه شيئا حتى الساعة فإجترر هذه الغنم قال أنزل خذ منها ~~واحدة ورد البقية وذكر الحديث بتمامه # ثنا وكيع قال ثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة عن أبيه قال ~~وكيع مرة يعنى الثقفي ولم يقل مرة عن أبيه أن إمرأة جاءت إلى النبى معها ~~صبى لها به لمم فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( اخرج عدو الله أنا رسول ~~الله ( قال فبرأ قال فاهدت إليه كبشين وشيئا من أقط وشيئا من سمن قال فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خذ الأقط والسمن وخذ أحد الكبشين ورد عليها ~~الآخر PageV19P058 # ( ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عطاء بن السائب عن عبد الله إبن حفص عن ~~يعلى بن مرة الثقفي قال ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله وذكر الحديث وفيه ~~قال ثم سرنا فمررنا بماء فأتته إمرأة بإبن لها به جنة فأخذ النبى بمنخره ~~فقال ( اخرج انى محمد رسول الله ( قال ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا ~~بذلك الماء فأتته المرأة بجزر ولبن فأمرها أن ترد الجزر وأمر أصحابه فشربوا ~~من اللبن فسألها عن الصبى فقالت والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك ~~ولو قدر أنه لم ينقل ذلك لكون مثله لم يقع عند الأنبياء لكون الشياطين لم ~~تكن تقدر تفعل ذلك عند الأنبياء وفعلت ذلك عندنا فقد أمرنا الله ورسوله من ~~نصر المظلوم والتنفيس عن المكروب ونفع المسلم بما يتناول ذلك # وقد ثبت في الصحيحين حديث الذين رقوا بالفاتحة وقال النبى ( وما أدراك ~~إنها رقية ( وأذن لهم في أخذ الجعل على شفاء اللديغ بالرقية وقد قال النبى ~~للشيطان الذى أراد قطع صلاته ( اعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله التامة ~~ثلاث مرات ( وهذا كدفع ظالمي الإنس من ms5728 الكفار والفجار فإن النبى وأصحابه ~~وإن كانوا لم يروا الترك ولم يكونوا يرمون بالقسى الفارسية ونحوها مما ~~يحتاج إليه في قتال فقد PageV19P059 ثبت عن النبى أنه أمر بقتالهم وأخبر أن ~~أمته ستقاتلهم ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسى الفارسية ولو قوتلوا ~~بالقسى العربية التى تشبه قوس القطن لم تغن شيئا بل إستطالوا على المسلمين ~~بقوة رميهم فلابد من قتالهم بما يقهرهم # وقد قال بعض المسلمين لعمر بن الخطاب أن العدو إذا رأيناهم قد لبسوا ~~الحرير وجدنا في قلوبنا روعة فقال وأنتم فالبسوا كما لبسوا وقد أمر النبى ~~أصحابه في عمرة القضية بالرمل والإضطباع ليرى المشركين قوتهم وان لم يكن ~~هذا مشروعا قبل هذا ففعل لأجل الجهاد ما لم يكن مشروعا بدون ذلك # ولهذا قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب فيضرب ضربا ~~كثيرا جدا والضرب إنما يقع على الجنى ولا يحس به المصروع حتى يفيق المصروع ~~ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك ولا يؤثر في بدنه ويكون قد ضرب بعصا قوية على ~~رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل بحيث لو كان على الإنسى ~~لقتله وإنما هو على الجنى والجنى يصيح ويصرخ ويحدث الحاضرين بأمور متعددة ~~كما قد فعلنا نحن هذا وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين ~~PageV19P060 # وأما الإستعانة عليهم بما يقال ويكتب مما لا يعرف معناه فلا يشرع لا سيما ~~إن كان فيه شرك فإن ذلك محرم وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك وقد ~~يقرأون مع ذلك شيئا من القرآن ويظهرونه ويكتمون ما يقولونه من الشرك وفى ~~الإستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله # والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير فلا ~~يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال لأن ذلك محرم في كل ~~حال وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه فإن ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه ~~مطمئنا بالإيمان والتكلم به إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه ولو تكلم به مع ms5729 ~~طمأنينة قلبه بالإيمان لم يؤثر والشيطان إذا عرف أن صاحبه مستخف بالعزائم ~~لم يساعده وأيضا فإن المكره مضطر إلى التكلم به ولا ضرورة إلى إبراء المصاب ~~به لوجهين # أحدهما أنه قد لا يؤثر أكثر مما يؤثر من يعالج بالعزائم فلا يؤثر بل ~~يزيده شرا # والثانى أن في الحق ما يغنى عن الباطل PageV19P061 # والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف قوم يكذبون بدخول الجنى في الإنس وقوم ~~يدفعون ذلك بالعزائم المذمومة فهؤلاء يكذبون بالموجود وهؤلاء يعصون بل ~~يكفرون بالمعبود والأمة الوسط تصدق بالحق الموجود وتؤمن بالإله الواحد ~~المعبود وبعبادته ودعائه وذكره واسمائه وكلامه فتدفع شياطين الإنس والجن # وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم فهذا إن كان على وجه التصديق لهم في كل ~~ما يخبرون به والتعظيم للمسئول فهو حرام كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ~~معاوية بن الحكم السلمي قال قلت يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية ~~كنا نأتى الكهان قال ( فلا تأتوا الكهان ( وفى صحيح مسلم أيضا عن عبيد الله ~~عن نافع عن صفية عن بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ( من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما ( # وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز به ~~صدقه من كذبه فهذا جائز كما ثبت في الصحيحين ( أن النبى سأل إبن صياد فقال ~~ما يأتيك فقال يأتينى صادق وكاذب قال ما ترى قال أرى عرشا على الماء قال ~~فإنى قد خبأت لك خبيئا قال الدخ الدخ قال اخسأ فلن PageV19P062 تعدو قدرك ~~فإنما أنت من إخوان الكهان # وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما ~~يقول الكفار والفجار ليعرفوا ما عندهم فيعتبروا به وكما يسمع خبر الفاسق ~~ويتبين ويتثبت فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى ( إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا ( وقد ثبت في صحيح البخارى عن أبى هريرة أن أهل الكتاب ~~كانوا ms5730 يقرأون التوارة ويفسرونها بالعربية فقال النبى ( إذا حدثكم أهل ~~الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فأما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن ~~يحدثوكم بباطل فتصدقوه وقولوا ( آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ~~وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ( فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه ولم ~~يصدقوه ولم يكذبوه # وقد روى عن أبى موسى الأشعرى أنه أبطأ عليه خبر عمر وكان هناك إمرأة لها ~~قرين من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة وفي خبر آخر أن ~~عمر أرسل جيشا فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم إنتصروا على عدوهم وشاع ~~الخبر فسأل عمر عن ذلك فذكر له فقال هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن ~~وسيأتى بريد الإنس بعد ذلك فجاء بعد ذلك بعدة أيام PageV19P063 ### ||| فصل # ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئا من كتاب الله وذكره بالمداد ~~المباح ويغسل ويسقى كما نص على ذلك أحمد وغيره قال عبد الله بن أحمد قرأت ~~على أبى ثنا يعلى بن عبيد ثنا سفيان عن محمد بن أبى ليلى عن الحكم عن سعيد ~~بن جبير عن إبن عباس قال إذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب بسم الله لا ~~إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب ~~العالمين ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيه أو ضحاها ( كأنهم يوم يرون ~~ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ( ~~قال أبى ثنا أسود بن عامر بإسناده بمعناه وقال يكتب في إناء نظيف فيسقى قال ~~أبى وزاد فيه وكيع فتسقى وينضح ما دون سرتها قال عبد الله رأيت أبى يكتب ~~للمرأة في جام أو شيء نظيف # وقال أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيرى أنا الحسن بن سفيان النسوي ~~حدثنى عبد الله بن أحمد بن شبويه ثنا علي بن PageV19P064 الحسن بن شقيق ثنا ~~عبد الله بن المبارك عن سفيان عن إبن أبى ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ms5731 ~~إبن عباس قال إذا عسر على المرأة ولادها فليكتب بسم الله لا إله إلا الله ~~العلى العظيم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله وتعالى رب العرش ~~العظيم والحمد لله رب العالمين ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيه أو ~~ضحاها ( كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعه من نهار بلاغ فهل ~~يهلك إلا القوم الفاسقون ( قال علي يكتب في كاغدة فيعلق على عضد المرأة قال ~~علي وقد جربناه فلم نر شيئا أعجب منه فإذا وضعت تحله سريعا ثم تجعله في ~~خرقه أو تحرقه آخر كلام شيخ الإسلام بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه ~~PageV19P065 ### || 1 ( رسالة في الاكتفاء بالرسالة المحمدية ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام رحمه الله ! 8 < فصل # في الإكتفاء بالرسالة والإستغناء بالنبى عن إتباع ما سواه إتباعا عاما ~~وأقام الله الحجة على خلقه برسله فقال تعالى ( انا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده ) إلى قوله ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل ) # فدلت هذه الآية على أنه لا حجة لهم بعد الرسل بحال وأنه قد يكون لهم حجة ~~قبل الرسل # ف ( الأول ( يبطل قول من أحوج الخلق إلى غير الرسل حاجة عامة كالأئمة و ( ~~الثانى ) يبطل قول من أقام الحجة عليهم قبل الرسل من المتفلسفة والمتكلمة ~~PageV19P066 # وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) فأمر بطاعة ~~أولي الأمر من العلماء والأمراء إذا لم يتنازعوا وهو يقتضى أن إتفاقهم حجة ~~وأمرهم بالرد عند التنازع إلى الله والرسول فأبطل الرد إلى امام مقلد أو ~~قياس عقلى فاضل # وقال تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) فبين أنه ~~بالكتاب يحكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه # وقال تعالى ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) وقال تعالى ( كتاب ~~أنزلناه إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ms5732 لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما ~~أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ) ففرض اتباع ما أنزله من ~~الكتاب والحكمة وحظر إتباع أحد من دونه وقال تعالى ( أو لم يكفهم انا ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) فزجر من لم يكتف بالكتاب المنزل وقال ~~تعالى ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آيات ربكم ) ~~الآيات وقال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وقال تعالى ( وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا ) الآيات وقال تعالى ( كلما ألقي فيها فوج سألهم ~~خزنتها ) الآيتين فدلت هذه PageV19P067 الآيات على أن من أتاه الرسول ~~فخالفه فقد وجب عليه العذاب وإن لم يأته إمام ولا قياس وأنه لا يعذب أحد ~~حتى يأتيه الرسول وإن أتاه إمام أو قياس وقال تعالى ( ومن يطع الله ورسوله ~~فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~) ( ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ) # الآية وقد ذكر سبحانه هذا المعنى في غير موضع فبين أن طاعة الله ورسوله ~~موجبة للسعادة وان معصية الله موجبة للشقاوة وهذا يبين أن مع طاعة الله ~~ورسوله لا يحتاج إلى طاعة إمام أو قياس ومع معصية الله ورسوله لا ينفع طاعة ~~إمام أو قياس # ودليل هذا الأصل كثير في الكتاب والسنة وهو أصل الاسلام ( شهادة أن لا ~~إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله ( وهو متفق عليه بين الذين أوتوا ~~العلم والايمان قولا واعتقادا وإن خالفه بعضهم عملا وحالا فليس عالم من ~~المسلمين يشك في أن الواجب على الخلق طاعة الله ورسوله وان ما سواه إنما ~~تجب طاعته حيث أوجبها الله ورسوله PageV19P068 وفى الحقيقة فالواجب في ~~الأصل إنما هو طاعة الله لكن لا سبيل إلى العلم بمأموره وبخبره كله إلا من ~~جهة الرسل والمبلغ عنه اما مبلغ امره وكلماته فتجب طاعته وتصديقه في جميع ~~ما أمر وأخبر وأما ماسوى ذلك فإنما يطاع في حال دون حال ms5733 كالأمراء الذين تجب ~~طاعتهم في محل ولايتهم ما لم يأمروا بمعصية الله والعلماء الذين تجب طاعتهم ~~على المستفتى والمأمور فيما أوجبوه عليه مبلغين عن الله أو مجتهدين اجتهادا ~~تجب طاعتهم فيه على المقلد ويدخل في ذلك مشايخ الدين ورؤساء الدنيا حيث أمر ~~بطاعتهم كاتباع أئمة الصلاة فيها وأتباع أئمة الحج فيه واتباع امراء الغزو ~~فيه واتباع الحكام في احكامهم واتباع المشايخ المهتدين في هديهم ونحو ذلك # والمقصود بهذا الأصل أن من نصب إماما فأوجب طاعته مطلقا اعتقادا أو حالا ~~فقد ضل في ذلك كأئمة الضلال الرافضة الامامية حيث جعلوا في كل وقت إماما ~~معصوما تجب طاعته فإنه لا معصوم بعد الرسول ولا تجب طاعة أحد بعده في كل ~~شيء والذين عينوهم من أهل البيت منهم من كان خليفة راشدا تجب طاعته كطاعة ~~الخلفاء قبله وهو علي ومنهم أئمة في العلم والدين يجب لهم ما يجب لنظرائهم ~~من أئمة العلم والدين كعلى بن الحسين وأبى جعفر الباقر وجعفر إبن محمد ~~الصادق ومنهم دون ذلك PageV19P069 # وكذلك من دعا لاتباع شيخ من مشايخ الدين في كل طريق من غير تخصيص ولا ~~استثناء وأفرده عن نظرائه كالشيخ عدي والشيخ أحمد والشيخ عبد القادر والشيخ ~~حيوة ونحوهم # وكذلك من دعا إلى اتباع امام من أئمة العلم في كل ما قاله وأمر به ونهى ~~عنه مطلقا كالأئمة الأربعة # وكذلك من أمر بطاعة الملوك والأمراء والقضاة والولاة في كل ما يأمرون ~~وينهون عنه من غير تخصيص ولا استثناء لكن هؤلاء لا يدعون العصمة لمتبوعيهم ~~إلا غالية اتباع المشايخ كالشيخ عدي وسعد المديني بن حمويه ونحوهما فإنهم ~~يدعون فيهم نحوا مما تدعيه الغالية في أئمة بني هاشم من العصمة ثم من ~~الترجيح على النبوة ثم من دعوى الالهية # وأما كثير من أتباع أئمة العلم ومشايخ الدين فحالهم وهواهم بضاهي حال من ~~يوجب اتباع متبوعه لكنه لا يقول ذلك بلسانه ولا يعتقده علما فحاله يخالف ~~اعتقاده بمنزلة العصاة أهل الشهوات وهؤلاء أصلح ممن يرى وجوب ذلك ويعتقده ~~وكذلك اتباع ms5734 الملوك والرؤساء هم كما أخبر الله عنهم بقوله ( أنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ) فهم مطيعون حالا وعملا وانقيادا وأكثرهم ~~من غير عقيدة دينية وفيهم PageV19P070 من يقرن بذلك عقيدة دينية ولكن طاعة ~~الرسول إنما تمكن مع العلم بما جاء به والقدرة على العمل به فإذا ضعف العلم ~~والقدرة صار الوقت وقت فترة في ذلك الأمر فكان وقت دعوة ونبوة في غيره ~~فتدبر هذا الأصل فإنه نافع جدا والله أعلم # وكذا من نصب القياس أو العقل أو الذوق مطلقا من أهل الفلسفة والكلام ~~والتصوف أو قدمه بين يدي الرسول من أهل الكلام والرأي والفلسفة والتصوف ~~فإنه بمنزلة من نصب شخصا فالاتباع المطلق دائر مع الرسول وجودا وعدما ### ||| فصل # أول البدع ظهورا في الاسلام وأظهرها ذما في السنة والآثار بدعة الحرورية ~~المارقة فإن أولهم قال للنبى في وجهه اعدل يامحمد فإنك لم تعدل وأمر النبى ~~بقتلهم وقتالهم وقاتلهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب # والأحاديث عن النبى مستفيضة بوصفهم وذمهم PageV19P071 والأمر بقتالهم قال ~~أحمد بن حنبل صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ~~يقرأون القرآن لايجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية ~~أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ~~( # ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمتهم أحدهما خروجهم ~~عن السنة وجعلهم ماليس بسيئة سيئة أو ماليس بحسنة حسنة وهذا هو الذي أظهروه ~~في وجه النبى حيث قال له ذو الخويصرة التميمي اعدل فانك لم تعدل حتى قال له ~~النبى ( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ( فقوله فانك ~~لم تعدل جعل منه لفعل النبى سفها وترك عدل وقوله ( اعدل ( أمر له بما ~~اعتقده هو حسنة من القسمة التى لا تصلح وهذا الوصف تشترك فيه البدع ~~المخالفة للسنة فقائلها لابد أن يثبت ما نفته ms5735 السنة وينفى ما أثبتته السنة ~~ويحسن ما قبحته السنة أو يقبح ما حسنت السنة وإلا لم يكن بدعة وهذا القدر ~~قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل لكن أهل البدع يخالفون السنة ~~الظاهرة المعلومة PageV19P072 والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل ~~في سنته ولم يوجبوا طاعته ومتابعته وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما ~~شرعه من السنة التى تخالف بزعمهم ظاهر القرآن # وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا فإنهم يرون أن ~~الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه كما يحكى عن عمرو بن عبيد في حديث ~~الصادق المصدوق وإنما يدفعون ( عن ) نفوسهم الحجة اما برد النقل وإما ~~بتأويل المنقول فيطعنون تارة في الاسناد وتارة في المتن وإلا فهم ليسوا ~~متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التى جاء بها الرسول بل ولا بحقيقة القرآن # الفرق الثانى في الخوارج وأهل البدع انهم يكفرون بالذنوب والسيئات ويترتب ~~على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم وان دار الاسلام دار ~~حرب ودارهم هي دار الايمان وكذلك يقول جمهور الرافضة وجمهور المعتزلة ~~والجهمية وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم فهذا ~~أصل البدع التى ثبت بنص سنة رسول الله وإجماع السلف أنها بدعة وهو جعل ~~العفو سيئة وجعل السيئة كفرا PageV19P073 فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين ~~الأصلين الخبيثين وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال ~~دمائهم وأموالهم # وهذان الأصلان هما خلاف السنة والجماعة فمن خالف السنة فيما أتت به أو ~~شرعته فهو مبتدع خارج عن السنة ومن كفر المسلمين بما رآه ذنبا سواء كان ~~دينا أو لم يكن دينا وعاملهم معاملة الكفار فهو مفارق للجماعة وعامة البدع ~~والأهواء إنما تنشأ من هذين الأصلين أما الأول فشبه التأويل الفاسد أو ~~القياس الفاسد أما حديث بلغه عن الرسول لا يكون صحيحا أو أثر عن غير الرسول ~~قلده فيه ولم يكن ذلك القائل مصيبا أو تأويل تأوله من آية من كتاب الله أو ~~حديث عن رسول الله ms5736 صلى الله عليه وسلم صحيح أو ضعيف أو أثر مقبول أو مردود ~~ولم يكن التأويل صحيحا وإما قياس فاسد أو رأي رآه اعتقده صوابا وهو خطأ # فالقياس والرأي والذوق هو عامة خطأ المتكلمة والمتصوفة وطائفة من ~~المتفقهة # وتأويل النصوص الصحيحة أو الضعيفة عامة خطأ طوائف المتكلمة والمحدثة ~~والمقلدة والمتصوفة والمتفقهة PageV19P074 # وأما التكفير بذنب أو اعتقاد سنى فهو مذهب الخوارج # والتكفير باعتقاد سنى مذهب الرافضة والمعتزلة وكثير من غيرهم # وأما التكفير باعتقاد بدعى فقد بينته في غير هذا الموضع ودون التكفير قد ~~يقع من البغض والذم والعقوبة وهو العدوان أو من ترك المحبة والدعاء ~~والاحسان وهو التفريط ببعض هذه التأويلات ما لا يسوغ وجماع ذلك ظلم في حق ~~الله تعالى أو في حق المخلوق كما بينته في غير هذا الموضع ولهذا قال أحمد ~~بن حنبل لبعض أصحابه أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس ~~PageV19P075 ### || 1 ( قاعدة في الاعتصام بكتاب الله ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام # إمام الأئمة والمسلمين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم إبن عبد السلام بن ~~تيمية قدس الله روحه # الحمد لله نستعينه ونستغفرة ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ~~من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ان لا إله إلا الله ~~وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا ### || أصل جامع # ( # في الاعتصام بكتاب الله ووجوب اتباعه وبيان الاهتداء به في كل ما يحتاج ~~إليه الناس من دينهم وأن النجاة والسعادة في اتباعه والشقاء في مخالفته وما ~~دل عليه من اتباع السنة والجماعة قال الله تعالى ( قال اهبطوا منها جميعا ~~بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال PageV19P076 ~~رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ms5737 ~~تنسى ) قال إبن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في ~~الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية # وفى السورة الأخرى ( فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وقال تعالى ( ~~المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ~~اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ) ~~وقال تعالى ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ان ~~تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ~~أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم ~~وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزى الذين يصدفون عن ~~آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ) # وقال تعالى ( يابني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى فمن اتقى ~~وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون PageV19P077 # وقال تعالى ( كلما ألقي فيها ~~فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ) وقال تعالى ( وسيق الذين كفروا ~~إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل ~~منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت ~~كلمة العذاب على الكافرين ) وقال تعالى ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد ) إلى قوله ( الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على ~~كل قلب متكبر جبار ) إلى قوله ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) إلى قوله ( ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بنى ~~إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب فاصبر ms5738 إن وعد الله حق واستغفر ~~لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع ~~البصير ) # وفى قوله ( يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ) بيان أنه لا يجوز أن ~~يعارض كتاب الله بغير كتاب الله لا بفعل أحد ولا أمره لا دولة ولا سياسة ~~فإنه حال الذين يجادلون في آيات الله بغير PageV19P078 سلطان أتاهم ولكن ~~يجوز أن يكون في آيات الله ناسخ ومنسوخ فيعارض منسوخه بناسخه كما قال تعالى ~~( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) وكما قال تعالى ( ~~سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ونظائره متعددة # وقال تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ~~وقال تعالى ( الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) وقال تعالى ( هو الذي ينزل على عبده آيات ~~بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) وقال تعالى ( قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ~~إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف ~~تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي ~~إلى صراط PageV19P079 مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ~~ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ) فأمر بالاعتصام بحبل ~~الله وهو كتابه كما قال النبى ( إن هذا القرآن حبل ممدود طرفه بيد ms5739 الله ~~وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ما تمسكتم به ( وفى الحديث الآخر ~~( وهو حبل الله المتين ( ثم قال تعالى ( ولاتفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ كنتم أعداء فالف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) الآيات # وقال تعالى ( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا ~~على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) ~~وقال تعالى ( ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) وقال تعالى ( الم ذلك الكتاب لاريب فيه هدى ~~للمتقين ) وقال ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) وقال ( ان الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في ~~الغي ثم لايقصرون وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما اتبع ما ~~يوحى إلى من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) # وقال تعالى ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين PageV19P080 ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا ) وقال تعالى ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ~~أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) وقال ~~تعالى ( يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا ) وقال تعالى ( قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) وقال تعالى ( فالذين آمنوا به ~~وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) وقال تعالى ~~( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط ~~الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) وقال ~~تعالى ( اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ( وقال تعالى ( الذين ~~آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ms5740 وقال تعالى ( والذين ~~يمسكون بالكتاب واقاموا الصلاة انا لانضيع أجر المصلحين ) وقال تعالى ( ~~واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين PageV19P081 ### ||| فصل # قد أمرنا الله تعالى بإتباع ما أنزل إلينا من ربنا وبإتباع ما يأتى منه ~~من الهدى وقد أنزل علينا الكتاب والحكمة كما قال تعالى ( واذكروا نعمة الله ~~عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ) والحكمة من الهدى قال ~~تعالى ( وان تطيعوه تهتدوا ) والأمر باتباع الكتاب والقرآن يوجب الأمر ~~باتباع الحكمة التى بعث بها الرسول وباتباعه وطاعته مطلقا # وقال تعالى ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) وقال ~~تعالى ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويزكيهم ) وقال تعالى ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم ~~آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) وقال ~~تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين ) ~~وقال تعالى ( هو الذى بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~PageV19P082 ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين ~~منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم # وقد أمر بطاعة الرسول في نحو أربعين موضعا كقوله تعالى ( قل أطيعوا الله ~~والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) وقوله تعالى ( وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين ~~) وقوله ( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ماحمل ~~وعليكم ماحملتم وأن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) إلى ~~قوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ) إلى قوله ~~تعالى ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر ~~جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) إلى قوله ( أو يصيبهم عذاب أليم ) وقوله ~~تعالى ( وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ms5741 لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك ~~لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما ) # وقوله تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم ) وقوله تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ~~وقوله تعالى ( ومن يطع الله والرسول فاولئك PageV19P083 # مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~اولئك رفيقا ) وقوله تعالى ( ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ) إلى قوله ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها ) وقوله تعالى ( ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها ~~ابدا ) وقوله تعالى ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا اطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) وقوله تعالى ( ويوم يعض ~~الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتى ليتني لم اتخذ ~~فلانا خليلا لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للانسان خذولا ) # فهذه النصوص توجب اتباع الرسول وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في ~~الكتاب كما أن تلك الآيات توجب اتباع الكتاب وان لم نجد ما في الكتاب ~~منصوصا بعينه في حديث عن الرسول غير الكتاب فعلينا ان نتبع الكتاب وعلينا ~~أن نتبع الرسول واتباع أحدهما هو اتباع الآخر فإن الرسول بلغ الكتاب ~~والكتاب أمر بطاعة الرسول ولا يختلف الكتاب والرسول ألبتة كما لا يخالف ~~الكتاب بعضه بعضا قال تعالى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا PageV19P084 والأحاديث كثيرة عن النبى في وجوب اتباع الكتاب وفى وجوب ~~اتباع سنته كقوله ( لا الفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من امري ~~مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول بيننا وبينكم هذا القرآن فما وجدنا فيه من ~~حلال حللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه آلا واني أوتيت الكتاب ومثله معه ~~ألا وانه مثل القرآن أو أعظم ( هذا الحديث في ms5742 السنن والمسانيد مأثور عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم من عدة جهات من حديث أبي ثعلبة وأبى رافع وأبي ~~هريرة وغيرهم # وفى صحيح مسلم عنه من حديث جابر أنه قال في خطبة الوداع ( وقد تركت فيكم ~~ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله تعالى ( وفى الصحيح عن عبد الله ~~بن أبي أوفى أنه قيل له هل أوصى رسول الله قال لا قيل فكيف كتبه على الناس ~~الوصية قال أوصى بكتاب الله وسنة رسول الله تفسر القرآن كما فسرت أعداد ~~الصلوات وقدر القراءة فيها والجهر والمخافتة وكما فسرت فرائض الزكاة ونصبها ~~وكما فسرت المناسك وقدر الطواف بالبيت والسعي ورمي الجمار ونحو ذلك # وهذه السنة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب PageV19P085 ~~اتباعها وقد يكون من سنته ما يظن أنه مخالف لظاهر القرآن وزيادة عليه ~~كالسنة المفسرة لنصاب السرقة والموجبة لرجم الزاني المحصن فهذه السنة أيضا ~~مما يجب اتباعه عند الصحابة والتابعين لهم باحسان وسائر طوائف المسلمين ( # إلا من نازع في ذلك من الخوارج المارقين الذين قال فيهم النبى ( يحقر ~~أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن ~~لايجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قاتلهم يوم القيامة ( # وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة في وصفهم وذمهم والأمر بقتالهم عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال أحمد بن حنبل صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه ~~وقد روى مسلم في صحيحه حديثهم من عشرة أوجه كأنها هي التى أشار إليها أحمد ~~بن حنبل فإن مسلما أخذ عن أحمد # وقد روى البخاري حديثهم من عدة أوجه وهؤلاء أولهم قال للنبى يا محمد اعدل ~~فانك لم تعدل فمن جوز عليه أن يظلمه فلا يعدل كمن يوجب طاعته فيما ظلم فيه ~~لكنهم يوجبون اتباع مابلغه عن الله وهذا من جهلهم وتناقضهم ولهذا قال النبى ~~PageV19P086 ( ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل ( وقال ( لقد خبت وخسرت إن لم ~~أعدل ms5743 ( أي إن اتبعت من هو غير عادل فأنت خائب خاسر وقال ( أيأمنني من في ~~السماء ولا تأمنوني ( يقول إذا كان الله قد ائتمننى على تبليغ كلامه أفلا ~~تأمنوني على أن أؤدي الأمانة إلى الله قال تعالى ( وما كان لنبى أن يغل # وفى الجملة فالقرآن يوجب طاعته في حكمه وفي قسمه ويذم من يعدل عنه في هذا ~~أو هذا كما قال تعالى في حكمه ( فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) وقال تعالى ( ~~ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ~~ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف اذا اصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم ~~جاءوك يحلفون بالله إن اردنا الا احسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما ~~في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول PageV19P087 لوجدوا الله توابا رحيما ) وقال تعالى ( ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم ~~يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون ) # وقال في قسمه للصدقات والفىء قال في الصدقات ( ومنهم من يلمزك في الصدقات ~~فان أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ms5744 ورسوله إنا إلى ~~الله راغبون ) وقال في الفيء ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وبن السبيل كيلا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ) الآيات ~~الثلاث # فالطاعن في شيء من حكمه أو قسمه كالخوارج طاعن في PageV19P088 كتاب الله ~~مخالف لسنة رسول الله مفارق لجماعة المسلمين وكان شيطان الخوارج مقموعا لما ~~كان المسلمون مجتمعين في عهد الخلفاء الثلاثة أبى بكر وعمر وعثمان فلما ~~إفترقت الأمة في خلافة علي رضي الله عنه وجد شيطان الخوارج موضع الخروج ~~فخرجوا وكفروا عليا ومعاوية ومن والاهما فقاتلهم أولى الطائفتين بالحق علي ~~بن أبى طالب كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( تمرق مارقة على حين فرقة ~~من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ( # ولهذا لما ناظرهم من ناظرهم كابن عباس وعمر بن عبد العزيز وغيرهما بينوا ~~لهم بطلان قولهم بالكتاب والميزان كما بين لهم بن عباس حيث أنكروا على علي ~~بن أبي طالب قتاله لأهل الجمل ونهيه عن اتباع مدبرهم والاجهاز على جريحهم ~~وغنيمة أموالهم وذراريهم وكانت حجة الخوارج أنه ليس في كتاب الله الا مؤمن ~~أو كافر فإن كانوا مؤمنين لم يحل قتالهم وإن كانوا كفارا أبيحت دماؤهم ~~وأموالهم وذراريهم فأجابهم بن عباس بأن القرآن يدل على أن عائشة أم ~~المؤمنين وبين أن أمهات المؤمنين حرام فمن أنكر أمومتها فقد خالف كتاب الله ~~ومن استحل فرج أمه فقد خالف كتاب الله # وموضع غلطهم ظنهم ان من كان مؤمنا لم يبح قتاله بحال وهذا مما ضل به من ~~ضل من الشيعة حيث ظنوا أن من قاتل عليا كافر PageV19P089 فإن هذا خلاف ~~القرآن قال تعالى ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين ms5745 أخويكم ) فأخبر سبحانه أنهم مؤمنون مقتتلون وأمر إن بغت ~~احداهما على الأخرى ان تقاتل التى تبغى فانه لم يكن امر بقتال أحدهما ~~ابتداء ثم أمر إذا فاءت إحداهما بالاصلاح بينهما بالعدل وقال ( إنما ~~المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم ) فدل القرآن على إيمانهم واخوتهم مع ~~وجود الأقتتال والبغي وأنه يأمر بقتال الباغية حيث أمر الله به # وكذلك عمر بن عبد العزيز لما ناظرهم وأقروا بوجوب الرجوع إلى ما نقله ~~الصحابة عن الرسول من فرائض الصلاة بين لهم عمر أنه كذلك يجب ( الرجوع ) ~~إلى ما نقلوه عنه من فريضة الرجم ونصاب الزكاة وان الفرق بينهما فرق بين ~~المتماثلين فرجعوا إلى ذلك وكذلك بن عباس ناظرهم لما أنكروا تحكيم الرجال ~~بأن الله قال في الزوجين إذا خيف شقاق بينهما أن يبعث حكما من أهله وحكما ~~من أهلها وقال ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) وأمر ايضا أن يحكم في ~~الصيد بجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم فمن أنكر التحكيم ~~مطلقا فقد خالف كتاب الله تعالى وذكر إبن عباس ان PageV19P090 التحكيم في ~~أمر أميرين لأجل دماء الأمة أولى من التحكيم في أمر الزوجين والتحكيم لأجل ~~دم الصيد وهذا استدلال من إبن عباس بالاعتبار وقياس الأولى وهو من الميزان ~~فاستدل عليهم بالكتاب والميزان قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) # أمر سبحانه بطاعته وطاعه رسوله وأولي الأمر منا وأمر إن تنازعنا في شيء ~~أن نرده إلى الله والرسول فدل هذا على ان كل ما تنازع المؤمنون فيه من شيء ~~فعليهم ان يردوه إلى الله والرسول والمعلق بالشرط يعدم عند عدم الشرط فدل ~~ذلك على أنهم اذا لم يتنازعوا لم يكن هذا الأمر ثابتا وكذلك إنما يكون ~~لأنهم إذا لم يتنازعوا كانوا على هدى وطاعة لله ورسوله فلا يحتاجوا حينئذ ~~ان يأمروا بما هم فاعلون من ms5746 طاعة الله والرسول # ودل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا بل اجتمعوا فانهم لايجتمعون على ضلالة ~~ولو كانوا قد يجتمعون على ضلالة لكانوا حينئذ أولى بوجوب الرد إلى الله ~~والرسول منهم اذا تنازعوا فقد يكون أحد الفريقين مطيعا لله والرسول فإذا ~~كانوا مأمورين في هذا الحال بالرد إلى الله والرسول ليرجع إلى ذلك فريق ~~منهم خرج عن ذلك فلأن يؤمروا بذلك PageV19P091 إذا قدر خروجهم كلهم عنه ~~بطريق الأولى والأحرى أيضا فقد قال لهم ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) فلما نهاهم عن ~~التفرق مطلقا دل ذلك على أنهم لايجتمعون على باطل إذ لو اجتمعوا على باطل ~~لوجب اتباع الحق المتضمن لتفرقهم وبين أنه ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته ~~إخوانا كما قال ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ~~ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) فإذا كانت ~~قلوبهم متألفة غير مختلفة على أمر من الأمور كان ذلك من تمام نعمة الله ~~عليهم ومما من به عليهم فلم يكن ذلك اجتماعا على باطل لأن الله تعالى أعلم ~~بجميع الأمور انتهى والحمد لله رب العالمين PageV19P092 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام # تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن ابى القاسم بن ~~محمد بن تيمية الحرانى رضى الله عنه ونور ضريحه # الحمد لله رب العالمين ### || ( قاعدة نافعة في وجوب الاعتصام بالرسالة ( # وبيان ~~ان السعادة والهدى في متابعة الرسول وأن الضلال والشقاء في مخالفته وان كل ~~خير في الوجود إما عام وإما خاص فمنشأه من جهة الرسول وأن كل شر في العالم ~~مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به وأن سعادة العباد في ~~معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة # والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها وحاجتهم اليها فوق حاجتهم إلى كل ~~شيء والرسالة روح العالم ونوره وحياته فأى صلاح للعالم إذا ms5747 عدم الروح ~~والحياة والنور والدنيا مظلمة ملعونة الا ما طلعت عليه شمس الرسالة وكذلك ~~العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة ~~وهو من الأموات قال الله PageV19P093 تعالى ( أو من كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) ~~فهذا وصف المؤمن كان ميتا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور ~~الإيمان وجعل له نورا يمشى به في الناس واما الكافر فميت القلب في الظلمات # وسمى الله تعالى رسالته روحا والروح اذا عدم فقد فقدت الحياة قال الله ~~تعالى ( وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا ~~الايمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ) فذكر هنا الأصلين ~~وهما الروح والنور فالروح الحياة والنور النور # وكذلك يضرب الله الأمثال للوحى الذى انزله حياة للقلوب ونورا لها بالماء ~~الذى ينزله من السماء حياة للأرض وبالنار التى يحصل بها النور وهذا كما في ~~قوله تعالى ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) # فشبه العلم بالماء المنزل من السماء لأن به حياة القلوب كما ان ~~PageV19P094 بالماء حياة الأبدان وشبه القلوب بالأودية لأنها محل العلم كما ~~ان الأودية محل الماء فقلب يسع علما كثيرا وواد يسع ماء كثيرا وقلب يسع ~~علما قليلا وواد يسع ماء قليلا وأخبر تعالى أنه يعلو على السيل من الزبد ~~بسبب مخالطة الماء وأنه يذهب جفاء أى يرمى به ويخفى والذى ينفع الناس يمكث ~~في الأرض ويستقر وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات فاذا ترابى فيها ~~الحق ثارت فيها تلك الشهوات والشبهات ثم تذهب جفاء ويستقر فيها الايمان ~~والقرآن الذى ينفع صاحبه والناس وقال ( ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء ~~حلية أو متاع زبد ms5748 مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل ) فهذا المثل الآخر وهو ~~النارى فالأول للحياة والثانى للضياء # ونظير هذين المثالين المثالان المذكوران في سورة البقرة في قوله تعالى ( ~~مثلهم كمثل الذى استوقد نارا ) إلى قوله ( أو كصيب من السماء ) إلى آخر ~~الآية واما الكافر ففى ظلمات الكفر والشرك غير حى وإن كانت حياته حياة ~~بهيمية فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التى سببها سبب الايمان وبها ~~يحصل للعبد السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة فان الله سبحانه جعل الرسل ~~وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم وتكميل ما يصلحهم في ~~معاشهم ومعادهم وبعثوا جميعا بالدعوة إلى الله وتعريف الطريق الموصل إليه ~~وبيان حالهم بعد الوصول إليه PageV19P095 # فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام الله في ~~أوليائه واعدائه وهى القصص التى قصها على عباده والأمثال التى ضربها لهم ~~والأصل الثانى يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهى والاباحة وبيان ما يحبه ~~الله وما يكرهه # والأصل الثالث يتضمن الايمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب # وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر والسعادة والفلاح موقوفة ~~عليها ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل فان العقل لا يهتدى إلى ~~تفاصيلها ومعرفة حقائقها وإن كان قد يدرك وجه الضرورة اليها من حيث الجملة ~~كالمريض الذى يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه ولا يهتدى إلى تفاصيل ~~المرض وتنزيل الدواء عليه # وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب فان آخر ما ~~يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان وأما اذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها ~~مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدا أو شقى PageV19P096 شقاوة لا سعادة ~~معها أبدا فلا فلاح إلا باتباع الرسول فان الله خص بالفلاح اتباعه المؤمنين ~~وأنصاره كما قال تعالى ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى ~~أنزل معه اولئك هم المفلحون ) أى لا مفلح إلا هم كما قال تعالى ( ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون ) فخص هؤلاء ms5749 بالفلاح كما خص المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة وينفقون مما رزقهم ويؤمنون بما انزل إلى رسوله وما أنزل من قبله ~~ويوقنون بالآخرة وبالهدى والفلاح فعلم بذلك ان الهدى والفلاح دائر حول ربع ~~الرسالة وجودا وعدما وهذا مما اتفقت عليه الكتب المنزلة من السماء وبعث به ~~جميع الرسل ولهذا قص الله علينا أخبار الأمم المكذبة للرسل وما صارت إليه ~~عاقبتهم وأبقى آثارهم وديارهم عبرة لمن بعدهم وموعظة وكذلك مسخ من مسخ قرده ~~وخنازير لمخالفتهم لأنبيائهم وكذلك من خسف به وأرسل عليه الحجارة من السماء ~~وأغرقه في اليم وأرسل عليه الصيحة وأخذه بأنواع العقوبات وإنما ذلك بسبب ~~مخالفتهم للرسل واعراضهم عما جاؤوا به واتخاذهم أولياء من دونه # وهذه سنته سبحانه فيمن خالف رسله وأعرض عما جاؤوا به PageV19P097 واتبع ~~غير سبيلهم ولهذا أبقى الله سبحانه آثار المكذبين لنعتبر بها ونتعظ لئلا ~~نفعل كما فعلوا فيصيبنا ما أصابهم كما قال تعالى ( إنا منزلون على أهل هذه ~~القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم ~~يعقلون ) وقال تعالى ( ثم دمرنا الآخرين وانكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون ) أي تمرون عليهم نهارا بالصباح وبالليل ثم قال ( أفلا تعقلون ~~( وقال تعالى في مدائن قوم لوط ( وامطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم ) يعنى مدائنهم بطريق مقيم يراها المار ~~بها وقال تعالى ( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم ) # وهذا كثير في الكتاب العزيز يخبر الله سبحانه عن إهلاك المخالفين للرسل ~~ونجاة اتباع المرسلين ولهذا يذكر سبحانه في سورة الشعراء قصة موسى وابراهيم ~~ونوح وعاد وثمود ولوط وشعيب ويذكر لكل نبى إهلاكه لمكذبيهم والنجاة لهم ~~ولأتباعهم ثم يختم القصة بقوله ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم ) فختم القصة باسمين من اسمائه تقتضيها تلك الصفة ~~وهو ( العزيز الرحيم فانتقم من أعدائه بعزته وانجى رسله واتباعهم برحمته ~~PageV19P098 ### ||| فصل # والرسالة ضرورية في اصلاح العبد في معاشه ms5750 ومعاده فكما أنه لا صلاح له في ~~آخرته إلا باتباع الرسالة فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع ~~الرسالة فان الانسان مضطر إلى الشرع فانه بين حركتين حركة يجلب بها ما ~~ينفعه وحركة يدفع بها ما يضره والشرع هو النور الذى يبين ما ينفعه وما يضره ~~والشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده وحصنه الذى من دخله كان آمنا # وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس فان ذلك يحصل ~~للحيوانات العجم فان الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب بل التمييز بين ~~الأفعال التى تضر فاعلها في معاشه ومعاده كنفع الايمان والتوحيد والعدل ~~والبر والتصدق والاحسان والأمانة والعفة والشجاعة والحلم والصبر والأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر وصلة الأرحام وبر الوالدين والاحسان إلى ~~المماليك والجار واداء الحقوق وإخلاص العمل لله والتوكل عليه والإستعانة به ~~والرضا بمواقع القدر به والتسليم لحكمه والانقياد لأمره وموالاة أوليائه ~~ومعاداة أعدائه PageV19P099 وخشيته في الغيب والشهادة والتقوى إليه بأداء ~~فرائضه واجتناب محارمه واحتساب الثواب عنده وتصديقه وتصديق رسله في كل ما ~~اخبروا به وطاعته في كل ما أمروا به مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه ~~وآخرته وفى ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته # ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد ~~فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم أن أرسل اليهم رسله وأنزل ~~عليهم كتبه وبين لهم الصراط المستقيم ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الانعام ~~والبهائم بل أشر حالا منها فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير ~~البرية ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية وأسوأ حالا من الكلب والخنزير ~~والحيوان البهيم # وفى الصحيح من حديث أبى موسى رضى الله عنه عن النبى قال ( مثل ما بعثنى ~~الله به من الهدى والعلم كمثل غيث اصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء ~~فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب امسكت الماء فنفع الله بها ~~الناس فشربوا منها وانتفعوا وزرعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي ms5751 قيعان لا ~~تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثنى ~~الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت ~~به ( متفق على صحته PageV19P100 # فالحمد لله الذى أرسل الينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آيات الله ~~ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفى ضلال مبين وقال اهل ~~الجنة ( الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله لقد ~~جاءت رسل ربنا بالحق ) والدنيا كلها ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أشرقت ~~عليه شمس الرسالة وأسس بنيانه عليها ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار ~~الرسل موجودة فيهم فاذا درست آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية خرب الله ~~العالم العلوى والسفلى وأقام القيامة # وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح ~~والمطر ولا كحاجة الانسان إلى حياته ولا كحاجة العين إلى ضوئها والجسم إلى ~~الطعام والشراب بل أعظم من ذلك وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال ~~فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه وهم السفراء بينه وبين ~~عباده # وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربه محمد بن عبد الله يقول ( يا ايها ~~الناس إنما أنا رحمه مهداة ( وقال الله تعالى ( وما أرسلناك الا رحمة ~~للعالمين ) وقال صلوات الله وسلامه عليه ( إن الله نظر إلى اهل الأرض ~~فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ( وهذا المقت كان لعدم ~~هدايتهم بالرسل PageV19P101 فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله فبعثه ~~رحمه للعالمين ومحجة للسالكين وحجة على الخلائق أجمعين وافترض على العباد ~~طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بأداء حقوقه وسد إليه جميع الطرق فلم ~~يفتح لأحد إلا من طريقه وأخذ العهود والمواثيق بالايمان به واتباعه على ~~جميع الأنبياء والمرسلين وأمرهم أن يأخذوها على من اتبعهم من المؤمنين # أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدى الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى ~~الله باذنه وسراجا منيرا فختم به الرسالة وهدى به ms5752 من الضلالة وعلم به من ~~الجهالة وفتح برسالته أعينا عميا وآذنا صما وقلوبا غلفا فأشرقت برسالته ~~الأرض بعد ظلماتها وتألفت بها القلوب بعد شتاتها فأقام بها الملة العوجاء ~~وأوضح بها المحجة البيضاء وشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع ذكره وجعل الذلة ~~والصغار على من خالف أمره أرسله على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب حين ~~حرف الكلم وبدلت الشرائع واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم وحكموا على الله ~~وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم فهدى الله به الخلائق وأوضح به ~~الطريق وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور وأبصر به من العمى وأرشد به من ~~الغى وجعله قسيم الجنة والنار وفرق ما بين الأبرار والفجار وجعل الهدى ~~والفلاح في إتباعه وموافقته PageV19P102 والضلال والشقاء في معصيته ~~ومخالفته # وإمتحن به الخلائق في قبورهم فهم في القبور عنه مسؤولون وبه ممتحنون يؤتى ~~العبد في قبره فيقال ما كنت تقول في هذا الرجل الذى بعث فيكم # فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به ~~واتبعناه فيقال له صدقت على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله نم ~~نومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ثم يفسح له في قبره وينور له فيه ~~ويفتح له باب إلى الجنة فيزداد غبطة وسرورا وأما الكافر والمنافق فيقول لا ~~أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيقال له قد كنا نعلم ذلك وعلى ذلك حييت ~~وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها ~~كل شيء إلا الانسان # وقد أمر الله بطاعة رسوله في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن وقرن طاعته ~~بطاعته وقرن بين مخالفته ومخالفته كما قرن بين اسمه واسمه فلا يذكر الله ~~إلا ذكر معه قال بن عباس PageV19P103 رضى الله عنه في قوله تعالى ( ورفعنا ~~لك ذكرك ) قال لا أذكر إلا ذكرت معى وهذا كالتشهد والخطب والأذان أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فلا يصح الاسلام إلا ms5753 بذكره ~~والشهادة له بالرسالة # وكذلك لا يصح الأذان إلا بذكره والشهادة له ولا تصح الصلاة إلا بذكره ~~والشهادة له ولا تصح الخطبة إلا بذكره والشهادة له # وحذر الله سبحانه وتعالى من العذاب والكفر لمن خالفه قال تعالى ( لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون ~~منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن امره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم ) قال الامام أحمد رحمه الله تعالى أى فتنة هي إنما هي الكفر # وكذلك ألبس الله سبحانه الذلة والصغار لمن خالف أمره كما في مسند الامام ~~أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( بعثت ~~بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعلت ~~الذلة والصغار على من خالف أمرى ومن تشبه بقوم فهو منهم PageV19P104 # وكما ان من خالفه وشاقه وعاداه هو الشقى الهالك فكذلك من أعرض عنه وعما ~~جاء به واطمأن إلى غيره ورضى به بدلا منه هو هالك أيضا فالشقاء والضلال في ~~الاعراض عنه وفى تكذيبه والهدى والفلاح في الاقبال على ما جاء به وتقديمه ~~على كل ما سواه فالأقسام ثلاثة المؤمن به وهو المتبع له المحب له المقدم له ~~على غيره والمعادى له والمنابذ له والمعرض عما جاء به فالأول هو السعيد ~~والآخران هما الهالكان # فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من المتبعين له المؤمنين به وأن يحيينا على ~~سنته ويتوفانا عليها لا يفرق بيننا وبينها إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وأصحابه الطيبين الطاهرين PageV19P105 ### || 1 ( قاعدة في توحد الملة وتعدد الشرائع ) 1 # ! 8 < قال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < فصل # في توحد الملة وتعدد الشرائع وتنوعها وتوحد الدين الملى دون الشرعى وما ~~في ذلك من اقرار ونسخ وجريان ذلك في اهل الشريعة الواحدة بنوع من الاعتبار ~~قال الله تعالى ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال انى ms5754 جاعلك للناس ~~اماما فهذا نص في انه امام الناس كلهم وقال ( ان إبراهيم كان أمة ) وهو ~~القدوة الذى يؤتم به وهو معلم الخير وقال ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم الا من ~~سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وانه في الاخرة لمن الصالحين اذ قال له ~~ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى ان ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء اذ حضر ~~يعقوب الموت اذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد الهك واله ابائك ~~PageV19P106 ابراهيم واسماعيل واسحاق الها واحدا ونحن له مسلمون تلك امة قد ~~خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون # ) فقد بين انه لا يرغب عن ملة إبراهيم الا من هو سفيه وانه امر بالاسلام ~~فقال ( اسلمت لرب العالمين ) وان هذه وصية إلى بنيه ووصية اسرائيل إلى بنيه ~~وقد اصطفى ادم ونوحا وال إبراهيم وال عمران على العالمين # ثم قال ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين ) فامر باتباع ملة إبراهيم ونهى عن التهود والتنصر وامر ~~بالايمان الجامع كما انزل على النبيين وما اوتوه والاسلام له وان نصبغ ~~بصبغة الله وأن نكون له عابدين ورد على من زعم ان إبراهيم وبنيه واسرائيل ~~وبنيه كانوا هودا أو نصارى وقد قال قبل هذا ( ولن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصارى حتى تتبع ملتهم قل ان هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم ) ~~الاية والمعنى ولن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتهم ولا النصارى حتى تتبع ~~ملتهم # وقد يستدل بهذا على ان لكل طائفة ملة لقوله تعالى PageV19P107 ( وقالت ~~اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) وقال ~~تعالى في اخر السورة ( امن الرسول بما انزل إليه من ربه ) إلى اخر السورة ~~كما قال في اولها ( والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالاخرة ~~هم يوقنون ففتحها بالايمان الجامع وختمها بالايمان الجامع ms5755 ووسطها بالايمان ~~الجامع ونبينا اعطى فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه # وقال تعالى في آل عمران بعد ان قص امر المسيح ويحيى ( قل يا اهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ان لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ~~ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا ~~مسلمون ) وهى التى كتبها النبى صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم لما ~~دعاهم إلى الاسلام وقال ( يا اهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما انزلت ~~التوراة والانجيل الا من بعده افلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ~~به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ان ~~اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين امنوا والله ولى ~~المؤمنين ) إلى قوله ( واذ اخذ الله ميثاق PageV19P108 النبيين لما اتيتكم ~~من كتاب وحكمة ) إلى قوله ( وله اسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) ~~فانكر على من يبغى غير دين الله كما قال في اول السورة ( شهد الله انه لا ~~اله الا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز ~~الحكيم ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ~~ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) فاخبر ان الدين عند الله الاسلام وان الذين ~~اختلفوا من اهل الكتاب وصاروا على ملل شتى ما اختلفوا الا من بعد ما جاءهم ~~العلم وفيه بيان ان الدين واحد لا اختلاف فيه # وقال تعالى ( قل اننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركن قل ان صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين ~~) هذا بعد ان ذكر الانبياء فقال ( اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) # وذكر في الاعراف دعوة المرسلين جميعهم واتفاقهم على عبادة الله وحده لا ~~شريك له فقال ( ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت ms5756 ) الاية وقال ( ان إبراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم واتيناه في الدنيا ~~حسنة وانه في الاخرة لمن الصالحين PageV19P109 ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) وقال ( ذلك عيسى بن مريم قول الحق ~~الذى فيه يمترون ) إلى قوله ( مشهد يوم عظيم ) # وقال في سورة الانبياء ( وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحى إليه انه ~~لا اله الا انا فاعبدون ) وقال بعد ان قص قصصهم ( ان هذه امتكم امة واحدة ~~وانا ربكم فاعبدون ) وقال في اخرها ( قل انما يوحى إلى انما الهكم اله واحد ~~فهل أنتم مسلمون ) وقال في سورة المؤمنين ( يا ايها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا انى بما تعملون عليم وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم ~~فاتقون فتقطعوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ) # وقال في آخر سورة الحج التى ذكر فيها الملل الست وذكر ما جعل لهم من ~~المناسك والمعابد وذكر ملة إبراهيم خصوصا ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو ~~اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم إبراهيم هو سماكم ~~المسلمين من قبل ) وقال ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى اوحينا ~~اليك ) الاية وقال ( لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب ) إلى قوله ( وذلك ~~دين القيمة PageV19P110 # وهذا في القرآن مذكور في مواضع كثيرة # وكذلك في الأحاديث الصحيحة مثل ما ترجم عليه البخارى فقال ( باب ما جاء ~~في أن دين الأنبياء واحد ) وذكر الحديث المتفق عليه عن أبى هريرة عن النبى ~~قال ( انا معاشر الأنبياء اخوة لعلات ( ومثل صفته في التوراة ( لن أقبضه ~~حتى أقيم به الملة العوجاء فافتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ~~ولهذا وحد الصراط والسبيل في مثل قوله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) ومثل قوله تعالى ( وأن ~~هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ) ومثل قوله ( الله ولى الذين ~~آمنوا ms5757 يخرجهم من الظلمات إلى النور ) وقوله ( مثل الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله ) ( وجاهدوا في سبيل الله ) وقوله ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله ) # والاسلام دين جميع المرسلين قال نوح عليه السلام ( فان توليتم فما سالتكم ~~من أجر إن أجرى الا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) وقال الله عن ~~إبراهيم وبنيه ما تقدم وقال الله عن السحرة ( ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا ~~مسلمين ) وعن فرعون ( آمنت أنه لا اله إلا الذى آمنت به بنوا اسرائيل وأنا ~~من المسلمين PageV19P111 # وقال الحواريون ( آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) ~~وفى السورة الاخرى ( واشهد بأننا مسلمون ) وقال يوسف الصديق ( توفنى مسلما ~~وألحقنى بالصالحين ) وقال موسى ( ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم ~~مسلمين ) وقالت بلقيس ( رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ~~) وقال في التوراة ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون ~~والاحبار ) # قال شيخ الاسلام وقد قررت في غير هذا الموضع الاسلام العام والخاص ~~والايمان العام والخاص كقوله ( ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون ) # وأما تنوع الشرائع وتعددها فقال تعالى لما ذكر القبلة بعد الملة بقوله ( ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وان الذين أوتوا ~~الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ) إلى قوله ( ~~ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ) فأخبر أن لكل أمة وجهة ولم يقل ~~جعلنا لكل أمة وجهة بل قد يكون هم ابتدعوها كما ابتدعت النصارى وجهة المشرق ~~بخلاف ما ذكره في الشرع والمناهج فانه قال ( يا ايها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر ) إلى قوله PageV19P112 ( ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون ) وهذه الآيات نزلت بسبب الحكم في الحدود والقصاص والديات أخبر أن ~~التوراة ( يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار ~~بما إستحفظوا ) وهذا عام في النبيين جميعهم والربانيين والاحبار # ثم ms5758 لما ذكر الانجيل قال ( وليحكم أهل الانجيل بما انزل الله فيه ) فامر ~~هؤلاء بالحكم لأن الانجيل بعض ما في التوراة واقر الاكثر والحكم بما انزل ~~الله فيه حكم بما في التوراة أيضا ثم قال ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا ~~تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) فأمره أن ~~يحكم بما أنزل الله على من قبله لكل جعلنا من الرسولين والكتابين شرعة ~~ومنهاجا أى سنة وسبيلا فالشرعة الشريعة وهى السنة والمنهاج الطريق والسبيل ~~وكان هذا بيان وجه تركه لما جعل لغيره من السنة والمنهاج إلى ما جعل له ثم ~~أمره أن يحكم بينهم بما أنزل الله إليه فالأول نهى له أن يأخذ بمنهاج غيره ~~وشرعته والثانى وان كان حكما غير الحكم الذى أنزل نهى له ان يترك شيئا مما ~~انزل فيها عن اتباع محمد الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل فمن ~~لم يتبعه لم يحكم بما أنزل الله وان لم يكن من أهل الكتاب الذين أمروا أن ~~يحكموا بما فيها مما يخالف حكمه PageV19P113 # وقال تعالى في الحج ( ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الانعام ) ( ولكل امة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في ~~الأمر ) وذكر في أثناء السورة ( لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها ~~اسم الله كثيرا ) فبين انه هو جعل المناسك وذكر مواضع العبادات كما ذكر في ~~البقرة الوجهة التى يتوجهون اليها وقال في سورة الجاثية بعد أن ذكر بنى ~~اسرائيل ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا ~~يعلمون ) الآية وقال في النسخ ووجوب اتباعهم للرسول ( واذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ) إلى قوله ( وأنا معكم من الشاهدين ) ~~وقال ( فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ) الآية والتى بعدها وقد تقدم ~~ما في البقرة وآل عمران من أمرهم بالايمان بما أنزل الله على محمد صلى الله ~~عليه وسلم وكذلك في سورة النساء وهو كثير في القرآن ### ||| فصل # قال الله تعالى ms5759 لنا ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن ~~الا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا PageV19P114 واذكروا ~~نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فألف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا ) ~~إلى قوله تعالى ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات ) إلى قوله ( كنتم خير امة اخرجت للناس # فامرنا بملازمة الاسلام إلى الممات كما أمر الأنبياء جميعهم بالاسلام وان ~~نعتصم بحبلة جميعا ولا نتفرق ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ~~ما جاءهم البينات وذكر أنه تبيض وجوه وتسود وجوه قال بن عباس تبيض وجوه أهل ~~السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة وذكر انه يقال لهم ( أكفرتم ~~بعد ايمانكم ) وهذا عائد إلى قوله ( ولا تموتن الا وأنتم مسلمون ) فأمر ~~بملازمة الاسلام وبين ان المسودة وجوههم أهل التفرق والاختلاف يقال لهم ~~أكفرتم بعد ايمانكم وهذا دليل على كفرهم وارتدادهم وقد تأولها الصحابه في ~~الخوارج # وهذا نظير قوله للرسل ( ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) وقد قال في ~~البقرة ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) الآية وقال ايضا ( ان ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) وقال تعالى ( فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما PageV19P115 لديهم فرحون ) وقال تعالى ( وان ~~اقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) وقال تعالى ( إن الدين عند الله الاسلام وما ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) الآية ( ~~وما تفرق الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءتهم البينة ) الآية ونظيرها ~~في الجاثية # وقال الله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى ~~الامر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) وقال تعالى ( والذين جاؤوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولا خواننا الذين ms5760 سبقونا بالايمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنواربنا إنك رؤوف رحيم ) ### ||| فصل # اذا كان الله تعالى قد أمرنا بطاعة الله وطاعة رسوله وأولى الامر منا ~~وامرنا عند التنازع في شيء أن نرده إلى الله والى الرسول وامرنا بالاجتماع ~~والائتلاف ونهانا عن التفرق والاختلاف وأمرنا PageV19P116 أن نستغفر لمن ~~سبقنا بالايمان وسمانا المسلمين وأمرنا ان ندوم عليه إلى الممات فهذه ~~النصوص وما كان في معناها توجب علينا الاجتماع في الدين كاجتماع الأنبياء ~~قبلنا في الدين وولاة الأمور فينا هم خلفاء الرسول قال النبى في الحديث ~~الصحيح ( إن بنى اسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبى قام نبى وإنه ~~لا نبى بعدى وسيكون خلفاء ويكثرون قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال اوفوا ~~بيعة الأول فالأول وأدوا لهم الذى لهم فان الله سائلهم عما استرعاهم ( وقال ~~ايضا ( العلماء ورثة الأنبياء ( وروى عنه أنه قال ( وددت أنى قد رأيت ~~خلفائى قالوا ومن خلفاؤك قال الذين يحيون سنتى يعلمونها الناس ( فهؤلاء هم ~~ولاة الأمر بعده وهم الأمراء والعلماء وبذلك فسرها السلف ومن تبعهم من ~~الأئمة كالامام أحمد وغيره وهو ظاهر قد قررناه في غير هذا الموضع # فالأصول الثابتة بالكتاب والسنة والاجماع هي بمنزلة الدين المشترك بين ~~الأنبياء ليس لأحد خروج عنها ومن دخل فيها كان من أهل الاسلام المحض وهم ~~أهل السنة والجماعة وما تنوعوا فيه من الأعمال والأقوال المشروعة فهو ~~بمنزلة ما تنوعت فيه الأنبياء قال الله تعالى ( والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا ) وقال تعالى ( قد PageV19P117 جاءكم من الله نور وكتاب ~~مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) وقال 0 يا أيهاالذين آمنوا ~~ادخلوا في السلم كافة ) والتنوع قد يكون في الوجوب تارة وفى الاستحباب أخرى # فالأول مثل ما يجب على قوم الجهاد وعلى قوم الزكاة وعلى قوم تعليم العلم ~~وهذا يقع في فروض الأعيان وفى فروض الكفايات ففروض الأعيان مثل ما يجب على ~~كل رجل إقامة الجماعة والجمعة في مكانه مع أهل بقعته ويجب عليه زكاة نوع ~~ماله بصرفه إلى ms5761 مستحقه لجيران ماله ويجب عليه إستقبال الكعبة من ناحيته ~~والحج إلى بيت الله من طريقه ويجب عليه بر والديه وصلته ذوى رحمه والاحسان ~~إلى جيرانه وأصحابه ومماليكه ورعيته ونحو ذلك من الأمور التى تتنوع فيها ~~أعيان الوجوب وان اشتركت الأمة في جنس الوجوب وتارة تتنوع بالقدرة والعجز ~~كتنوع صلاة المقيم والمسافر والصحيح والمريض والآمن والخائف # وفروض الكفايات تتنوع تنوع فروض الأعيان ولها تنوع يخصها وهو أنها تتعين ~~على من لم يقم بها غيره فقد تتعين في وقت ومكان وعلى شخص أو طائفة وفى وقت ~~آخر أو مكان آخر على شخص آخر أو طائفة أخرى كما يقع مثل ذلك في الولايات ~~والجهاد والفتيا والقضاء وغير ذلك PageV19P118 # وأما في الاستحباب فهو أبلغ فان كل تنوع يقع في الوجوب فانه يقع مثله في ~~المستحب ويزداد المستحب بان كل شخص انما يستحب له من الأعمال التى يتقرب ~~بها إلى الله تعالى التى يقول الله فيها ( وما يزال عبدى يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى أحبه ) ما يقدر عليه ويفعله وينتفع به والأفضل له من الأعمال ~~ما كان أنفع له وهذا يتنوع تنوعا عظيما فاكثر الخلق يكون المستحب لهم ما ~~ليس هو الأفضل مطلقا اذ اكثرهم لا يقدرون على الأفضل ولا يصبرون عليه اذا ~~قدروا عليه وقد لا ينتفعون به بل قد يتضررون اذا طلبوه مثل من لا يمكنه فهم ~~العلم الدقيق اذا طلب ذلك فانه قد يفسد عقله ودينه أو من لا يمكنه الصبر ~~على مرارة الفقر ولا يمكنه الصبر على حلاوة الغنى أولا يقدر على دفع فتنة ~~الولاية عن نفسه والصبر على حقوقها # ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه عز وجل ( ان من ~~عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادى من لا ~~يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ( وقال النبى لأبى ذر لما سأله ~~الامارة ( يا أبا ذر إنى أراك ضعيفا وانى أحب لك ما أحب لنفسى لا تأمرن على ~~اثنين ولا تولين ms5762 مال يتيم ( وروى عنه أنه قال للعباس عمه ( نفس تنجيها خير ~~من امارة لا تحصيها ( ولهذا اذا قلنا هذا العمل أفضل فهذا قول مطلق ~~PageV19P119 # ثم المفضول يكون افضل في مكانه ويكون أفضل لمن لا يصلح له الأفضل مثال ~~ذلك أن قراءة القرآن أفضل من الذكر بالنص والاجماع والاعتبار # أما النص فقوله ( أفضل الكلام بعد القرآن اربع وهن من القرآن سبحان الله ~~والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر ( وقوله ( فضل القرآن على سائر ~~الكلام كفضل الله على خلقه ( وقوله عن الله ( من شغله قراءة القرآن عن ذكرى ~~ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ( وقوله ( ما تقرب العباد إلى الله ~~بمثل ما خرج منه ) وقول الاعرابى له انى لا استطيع أن آخذ شيئا من القرآن ~~فعلمنى ما يجزينى في صلاتى فقال ( قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله اكبر ) # وأما الاجماع على ذلك فقد حكاه طائفة ولا عبرة بخلاف جهال المتعبدة # وأما الاعتبار فان الصلاة تجب فيها القراءة فان عجز عنها انتقل إلى الذكر ~~ولا يجزيه الذكر مع القدرة على القراءة والمبدل منه أفضل من البدل الذى لا ~~يجوز إلا عند العجزعن المبدل PageV19P120 # وايضا فالقراءة تشترط لها الطهارة الكبرى كما تشترط للصلاة الطهارتان ~~والذكر لا يشترط له الكبرى ولا الصغرى فعلم أن أعلى انواع ذكر الله هو ~~الصلاة ثم القراءة ثم الذكر المطلق ثم الذكر في الركوع والسجود أفضل بالنص ~~والاجماع من قراءة القرآن وكذلك كثير من العباد قد ينتفع بالذكر في ~~الابتداء مالا ينتفع بالقراءة اذ الذكر يعطيه ايمانا والقرآن يعطيه العلم ~~وقد لا يفهمه ويكون إلى الايمان احوج منه لكونه في الابتداء والقرآن مع ~~الفهم لأهل الايمان افضل بالاتفاق # فهذا وأمثاله يشبه تنوع شرائع الأنبياء فانهم متفقون على ان الله أمر كلا ~~منهم بالدين الجامع وان نعبده بتلك الشرعة والمنهاج كما أن الامة الاسلامية ~~متفقة على ان الله امر كل مسلم من شريعة القرآن بما هو مأمور به اما ايجابا ~~وإما استحبابا وان تنوعت الأفعال ms5763 في حق أصناف الامة فلم يختلف اعتقادهم ولا ~~معبودهم ولا اخطأ أحد منهم بل كلهم متفقون على ذلك يصدق بعضهم بعضا ~~PageV19P121 ### ||| فصل # وأما ما يشبه ذلك من وجه دون وجه فهو ما تنازعوا فيه مما اقروا عليه وساغ ~~لهم العمل به من اجتهاد العلماء والمشايخ والامراء والملوك كاجتهاد الصحابة ~~في قطع اللينة وتركها واجتهادهم في صلا ة العصر لما بعثهم النبى إلى بنى ~~قريظة وأمرهم ان لا يصلوا العصر الا في بنى قريظة فصلى قوم في الطريق في ~~الوقت وقالوا انما اراد التعجل لا تفويت الصلاة وأخرها قوم إلى أن وصلوا ~~وصلوها بعد الوقت تمسكا بظاهر لفظ العموم فلم يعنف النبى صلى الله عليه ~~وسلم واحدة من الطائفتين وقال ( اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران واذا ~~اجتهد فأخطأ فله أجر ( # وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على اقرار كل فريق للفريق الآخر ~~على العمل باجتهادهم كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء ~~والسياسة وغير ذلك وحكم عمر أول عام في الفريضة الحمارية بعدم التشريك وفى ~~العام الثانى بالتشريك في واقعة مثل الأولى ولما سئل عن ذلك قال تلك على ما ~~قضينا وهذه على ما نقضى PageV19P122 وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص انهم لا ~~يجتمعون على باطل ولا ضلالة ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم # وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحى وتعذيب الميت ~~ببكاء اهله ورؤية محمد ربه قبل الموت مع بقاء الجماعة والألفة # وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ قطعا ومنها ما المصيب في نفس الأمر ~~واحد عند الجمهور اتباع السلف والآخر مؤد لما وجب عليه بحسب قوة ادراكه وهل ~~يقال له مصيب أو مخطىء فيه نزاع ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ولا حكم ~~في نفس الامر # ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا اثم على من اجتهد وإن أخطأ فهذا النوع ~~يشبه النوع الأول من وجه دون وجه أما وجه المخالفة فلأن الأنبياء عليهم ~~السلام معصومون عن الاقرار على الخطأ بخلاف الواحد من العلماء والامراء ~~فانه ms5764 ليس معصوما من ذلك ولهذا يسوغ بل يجب ان نبين الحق الذى يجب اتباعه ~~وإن كان فيه بيان خطأ من أخطأ من العلماء والامراء وأما الأنبياء فلا يبين ~~أحدهما ما يظهر به خطأ الآخر وأما المشابهة فلأن كلا مأمور باتباع ما بان ~~له من الحق بالدليل الشرعى كأمر النبى باتباع ما أوحى إليه PageV19P123 ~~وليس لاحدهما أن يوجب على الآخر طاعته كما ليس ذلك لاحد النبيين مع الآخر ~~وقد يظهر له من الدليل ما كان خافيا عليه فيكون انتقاله بالاجتهاد عن ~~الاجتهاد ويشبه النسخ في حق النبى لكن هذا رفع للإعتقاد وذاك رفع للحكم ~~حقيقة وعلى الاتباع اتباع من ولى أمرهم من الامراء والعلماء فيما ساغ له ~~اتباعه وأمر فيه باتباع اجتهاده كما على الامة اتباع أى نبى بعث اليهم وان ~~خالف شرعه شرع الاول لكن تنوع الشرع لهؤلاء وانتقاله لم يكن لتنوع نفس ~~الامر النازل على الرسول ولكن تنوع أحوالهم وهو ادراك هذا لما بلغه من ~~الوحى سمعا وعقلا وعجز الآخر عن ادراك ذلك البلاغ اما سمعا لعدم تمكنه من ~~سماع ذلك النص وإما عقلا لعدم فهمه لما فهمه الاول من النص واذا كان عاجزا ~~سقط عنه الاثم فيما عجز عنه وقد يتبين لاحدهما عجز الآخر وخطؤه وتعذره في ~~ذلك وقد لا يتبين له عجزه وقد لا يتبين لكل منهما أيهما الذى أدرك الحق ~~وأصابه # ولهذا امتنع من امتنع من تسمية مثل هذا خطأ قال لان التكليف مشروط ~~بالقدرة فما عجز عنه من العلم لم يكن حكم الله في حقه فلا يقال اخطأه # وأما الجمهور فيقولون أخطأه كما دلت عليه السنة والاجماع لكن خطؤه معذور ~~فيه وهو معنى قوله عجز عن ادراكه وعلمه لكن PageV19P124 هذا لايمنع أن يكون ~~ذاك هو مراد الله وماموره فان عجز الانسان عن فهم كلام العالم لايمنع أن ~~يكون قد أراد بكلامه ذلك المعنى وان يكون الذى فهمه هو المصيب الذى له ~~الأجران # ولهذا تنازع أصحابنا فيمن لم يصب الحكم الباطن هل يقال إنه مصيب في ms5765 ~~الظاهر لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده واقتصاره أو لا يطلق عليه ~~اسم الاصابة بحال وإن كان له اجر على اجتهاده وقصده الحق على قولين هما ~~روايتان عن أحمد وذلك لأنه لم يصب الحكم الباطن ولكن قصد الحق وهل اجتهد ~~الاجتهاد المأمور به التحقيق أنه اجتهد الاجتهاد المقدور عليه فهو مصيب من ~~هذا الوجه من جهة المأمور المقدور وإن لم يكن مصيبا من جهة إدراك المطلوب ~~وفعل المأمور المطلق # يوضح ذلك أن السلطان نوعان سلطان الحجة والعلم وهو أكثر ما سمى في القرآن ~~سلطانا حتى روى عن بن عباس أن كل سلطان في القرآن فهو الحجة والثانى سلطان ~~القدرة والعمل الصالح لا يقوم الا بالسلطانين فاذا ضعف سلطان الحجة كان ~~الأمر بقدره واذا ضعف سلطان القدرة كان الأمر بحسبه والأمر مشروط بالقدرة ~~على السلطانين فالاثم ينتفى عن الأمر بالعجز عن كل منهما وسلطان الله في ~~العلم هوالرسالة وهو حجة الله على خلقه كما قال تعالى PageV19P125 ( لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) وقال تعالى ( ان هي الا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) وقال ( أم أنزلنا عليهم ~~سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ) ونظائره متعددة # فالمذاهب والطرائق والسياسات للعلماء والمشايخ والامراء اذا قصدوا بها ~~وجه الله تعالى دون الاهواء ليكونوا مستمسكين بالملة والدين الجامع الذى هو ~~عبادة الله وحده لا شريك له واتبعوا ما أنزل اليهم من ربهم من الكتاب ~~والسنة بحسب الامكان بعد الاجتهاد التام هي لهم من بعض الوجوه بمنزلة الشرع ~~والمناهج للأنبياء وهم مثابون على ابتغائهم وجه الله وعبادته وحده لا شريك ~~له وهو الدين الاصلى الجامع كما يثاب الأنبياء على عبادتهم الله وحده لا ~~شريك له ويثابون على طاعة الله ورسوله فيما تمسكوا به لا من شرعة رسوله ~~ومنهاجه كما يثاب كل نبى على طاعة الله في شرعه ومنهاجه # ويتنوع شرعهم ومناهجهم مثل أن يبلغ أحدهم الاحاديث بألفاظ غير الالفاظ ~~التى بلغت الآخر وتفسر له بعض آيات القرآن بتفسير ms5766 يخالف لفظه لفظ التفسير ~~الآخر ويتصرف في الجمع بين النصوص واستخراج الاحكام منها بنوع من الترتيب ~~والتوفيق ليس هو النوع PageV19P126 الذى سلكه غيره وكذلك في عباداته ~~وتوجهاته وقد يتمسك هذا بآية أو حديث وهذا بحديث أو آية أخرى # وكذلك في العلم من العلماء من يسلك بالاتباع طريقة ذلك العالم فتكون هي ~~شرعهم حتى يسمعوا كلام غيره ويروا طريقته فيرجح الراجح منهما فتتنوع في ~~حقهم الاقوال والافعال السالفة لهم من هذا الوجه وهم مأمورون بأن يقيموا ~~الدين ولا يتفرقوا فيه كما أمرت الرسل بذلك ومأمورون بأن لا يفرقوا بين ~~الأمة بل هي أمة واحدة كما أمرت الرسل بذلك وهؤلاء آكد فان هؤلاء تجمعهم ~~الشريعة الواحدة والكتاب الواحد # وأما القدر الذى تنازعوا فيه فلا يقال ان الله أمر كلا منهم باطنا وظاهرا ~~بالتمسك بما هو عليه كما أمر بذلك الانبياء وان كان هذا قول طائفة من أهل ~~الكلام فانما يقال ان الله أمر كلا منهم أن يطلب الحق بقدر وسعه وامكانه ~~فان اصابه والا فلا يكلف الله نفسا الا وسعها وقد قال المؤمنون ( ربنا لا ~~تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ) وقال الله قد فعلت وقال تعالى ( وليس عليكم ~~جناح فيما أخطأتم به ) فمن ذمهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم الله عليه فقد ~~اعتدى ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله وينتصر ~~لها بغير هدى من الله فقد اعتدى واتبع هواه بغير هدى PageV19P127 من الله ~~ومن فعل ما أمر به بحسب حاله من اجتهاد يقدر عليه أو تقليد إذا لم يقدر على ~~الاجتهاد وسلك في تقليده مسلك العدل فهو مقتصد اذ الأمر مشروط بالقدرة ( لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها ) فعلى المسلم في كل موطن أن يسلم وجهه لله وهو ~~محسن ويدوم على هذا الاسلام فإسلام وجهه اخلاصه لله واحسان فعله الحسن ~~فتدبر هذا فانه اصل جامع نافع عظيم PageV19P128 ### || 1 ( قاعدة في العلوم والاعتقادات ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام # هذه ( قاعدة عظيمة جامعة متشعبة ( وللناس في تفاصيلها اضطراب عظيم حتى ms5767 إن ~~منهم من صار في طرفى نقيض في كلا نوعى الاحكام العلمية والاحكام العينية ~~النظرية وذلك ان كل واحد من العلوم والاعتقادات والاحكام والكلمات بل ~~والمحبة والارادات اما ان يكون تابعا لمتعلقه مطابقا له وإما أن يكون ~~متبوعه تابعا له مطابقا له # ولهذا انقسمت الحق والحقائق والكلمات إلى موجود ومقصود إلى كونى ودينى ~~إلى قدرى وشرعى كما قد بينته في غير هذا الموضع وقد تنازع النظار في العلم ~~هل هو تابع للمعلوم غير مؤثر فيه بل هو انفعالى كما يقوله كثير من أهل ~~الكلام أو المعلوم تابع له والعلم مؤثر فيه وهو فعلى كما يقوله كثير من أهل ~~الفلسفة # والصواب أن العلم نوعان أحدهما تابع والثانى متبوع والوصفان يجتمعان في ~~العلم غالبا أو دائما فعلمنا بما لا يفتقر إلى علمنا كعلمنا بوجود السماوات ~~والأرض وكذلك علمنا بالله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الاخر والنبيين وغير ذلك PageV19P129 علم تابع انفعالى وعلمنا بما يقف على ~~علمنا مثل ما نريده من أفعالنا علم فعلى متبوع وهو سبب لوجود المعلوم وكذلك ~~علم الله بنفسه المقدسة تابع غير مؤثر فيها واما علمه بمخلوقاته فهو متبوع ~~وبه خلق الله الخلق كما قال تعالى ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ~~فان الارادة مستلزمة للعلم في كل مريد كما أن هذه الصفات مستلزمة للحياة ~~فلا ارادة إلا بعلم ولا إرادة وعلم إلا بحياة وقد يجوز أن يقال كله علم فهو ~~تابع للمعلوم مطابق سواء كان سببا في وجود المعلوم أو لم يكن فيكون اطلاق ~~المتكلمين أحسن وأصوب من اطلاق المتفلسفة ان كل علم فهو فعلى متبوع # وما أظن العقلاء من الفريقين الا يقصدون معنى صحيحا وهو أن يشيروا إلى ما ~~تصوروه فينظر هؤلاء في ان العلم تابع لمعلومه مطابق له ويشير هؤلاء إلى ما ~~في حسن العلم في الجملة من أنه قد يؤثر في المعلوم وغيره ويكون سببا له وأن ~~وجود الكائنات كان بعلم الله وعلم الانسان بما هو حق أو باطل وهدى أو ضلال ~~ورشاد ms5768 أو غى وصدق أو كذب وصلاح أو فساد من اعتقاداته واراداته وأقواله ~~وأعماله ونحو ذلك يجتمع فيه الوصفان بل غالب العلم أو كله يجتمع فيه ~~الأمران # ولهذا كان الايمان قولا وعملا قول القلب وعمله وقول الجسد PageV19P130 ~~وعمله فانه من عرف الله أحبه فعمله بالله تابع للمعلوم ومتبوع لحبه لله ومن ~~عرف الشيطان أبغضه فمعرفته به تابعة للمعلوم ومتبوعة لبغضه وكذلك عامة ~~العلم لابد أن يتبعه أثر ما في العالم من حب أو غيره حتى علم الرب سبحانه ~~بنفسه المقدسة يتبعه صفات وكلمات وأفعال متعلقة بنفسه المقدسة فما من علم ~~الا ويتبعه حال ما وعمل ما فيكون متبوعا مؤثرا فاعلا بهذا الاعتبار وما من ~~علم إلا وهو مطابق لمعلومه موافق له سواء كان المعلوم مستغنيا عنه أو كان ~~وجود المعلوم بوجوده فيكون تابعا منفعلا مطابقا بهذا الاعتبار لكن كل علم ~~وان كان له تأثير فلا يجب أن يكون تأثيره في معلومه فان من آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فأحب الله وملائكته وأنبياءه والجنة ~~وأبغض النار لم يكن علمه بذلك مؤثرا في المعلوم وإنما أثر في محبة المعلوم ~~وإرادته أو في بغضه وكراهته لذلك # وإن كان كل علم فانه مطابق للمعلوم لكن قد يكون ثبوت المعلوم في ذهن ~~العالم وتصوره قبل وجوده في الخارج كتصور الانسان لأقواله وأعماله وقد يكون ~~وجوده في الخارج قبل تصور الانسان له وعلمه أو بدون تصور الانسان له فلهذا ~~التفريق حصل التقسيم الذى قدمناه من أنه ينقسم إلى مؤثر في المعلوم وغير ~~مؤثر فيه والى تابع للمعلوم وغير تابع له وان كان كل علم فان له أثرا في ~~نفس العالم وان كان PageV19P131 كل علم فانه تابع تبع المطابقة والموافقة ~~وإن لم يكن بعضه تابعا تبع التأخر والتأثر والافتقار والتعلل # فهذه مقدمة جامعة نافعة جدا في أمور كثيره إذا تبين هذا في جنس العلم ظهر ~~ذلك في الإعتقاد والرأى والظن ونحو ذلك الذى قد يكون علما وقد لايكون علما ~~بل يكون اعتقادا صحيحا أو غير صحيح ms5769 أو ظنا صحيحا أو غير صحيح أو غير ذلك من ~~أنواع الشعور والاحساس والادراك فان هذا الجنس هو الأصل في الحركات ~~والأفعال الروحانية والجسمانية ما كان من جنس الحب والبغض وغير ذلك وما كان ~~من جنس القيام والقعود وغير ذلك فان جميع ذلك تابع للشعور مفتقر إليه مسبوق ~~به والعلم أصل العمل مطلقا وإن كان قد يكون فرعا لعلوم غير العمل كما تقدم # فالاعتقاد تارة يكون فرعا للمعتقد تابعا له كاعتقاد الأمور الخارجة عن ~~كسب العبد كاعتقاد المؤمنين والكفار في الله تعالى وفى اليوم الآخر وقد ~~يكون أصلا للمعتقد متبوعا له كاعتقاد المعتقد وظنه أن هذا العمل يجلب له ~~منفعة أو يدفع عنه مضره إما في الدنيا وإما في الآخرة مثل اعتقاده أن أكل ~~هذا الطعام يشبعه وأن تناول هذا السم يقتله وأن هذه الرمية تصيب هذا الغرض ~~وهذه الضربة تقطع هذا العنق وهذا البيع والتجارة يورثه ربحا أوخسارة وأن ~~PageV19P132 صلاته وزكاته وحجه وبره وصدقه ونحو ذلك من الأعمال الصالحة ~~يورثه السعادة في الدنيا والآخرة وأن كفره وفسوقه وعصيانه يورثه الشقاوة في ~~الدنيا والآخرة # وهذا باب واسع تدخل فيه الديانات والسياسات وسائر الأعمال الدينية ~~والدنيوية ويشترك فيه الدين الصحيح والفاسد لكن هذا الإعتقاد العملى لابد ~~أن يتعلق أيضا بأمور غير العمل فان اعتقاده أن هذا العمل ينفعه في الدنيا ~~والآخرة أو يضره يتعلق أيضا بصفات ثابته الأعيان لا يتعلق باعتقاده كما أن ~~الإعتقاد النظرى وإن كان معتقده غير العمل فانه يتبعه عمل كما تقدم أن كلا ~~من الاعتقادين تابع متبوع # والأحكام أيضا من جنس الاعتقادات فانه أيضا ينقسم قسمين أحكام عينيه ~~تابعة للمحكوم فيه كالحكم بما يستحقه الله تعالى من الحمد والثناء وما ~~يتقدس عنه من الفقر والشركاء وأحكام عملية يتبعها المحكوم فيه كالحكم بأن ~~هذا العمل حسن أو قبيح صالح أو فاسد خير أو شر نافع أو ضار واجب أو محرم ~~مأمور به أو منهى عنه رشاد أوغى عدل أو ظلم وكذلك الكلمات فانها تنقسم إلى ~~خبرية وإنشائية فالكلمات ms5770 الخبرية PageV19P133 تطابق المخبر عنه وتتبعه وهى ~~موافقة للعلم التابع والاعتقاد التابع والحكم التابع والكلمات الانشائية ~~مثل الأمر والنهى والاباحة تستتبع المتكلم فيه المأمور به والمنهى عنه ~~والمباح وتكون سببا في وجوده أو عدمه كالعلم المتبوع والاعتقاد المتبوع وهو ~~الحكم العملي # إذا عرف هذان النوعان فمن الناس من يسمى العلم والاعتقاد والحكم والقول ~~الخبرى التابع علم الأصول وأصول الدين أو علم الكلام أو الفقه الأكبر ونحو ~~ذلك من الأسماء المتقاربه وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات ويسمى النوع ~~الآخر علم الفروع وفروع الدين وعلم الفقه والشريعة ونحو ذلك من الأسماء ~~وهذا اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين # ومن الناس من يجعل أصول الدين اسما لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسخ ~~ولا يغير سواء كان علميا أو عمليا سواء كان من القسم الأول أو الآخر حتى ~~يجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين وقد يجعل بعض ~~الأمور الاعتقادية الخبرية من فروعه ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد ~~والأعمال ونحو ذلك وهذا اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف وعليه أئمة ~~الفقهاء وطائفة من أهل الكلام PageV19P134 ### ||| فصل # إذا تبين هذا فمن الناس من صار في طرفى نقيض فحكى عن بعض السوفسطائية أنه ~~جعل جميع العقائد هي المؤثرة في الاعتقادات ولم يجعل للأشياء حقائق ثابتة ~~في نفسها يوافقها الإعتقاد تارة ويخالفها أخرى بل جعل الحق في كل شيء ما ~~اعتقده المعتقد وجعل الحقائق تابعه للعقائد وهذا القول على اطلاقه وعمومه ~~لا يقوله عاقل سليم العقل وإنما هو من جنس ما يحكى أن السوفسطائية أنكروا ~~الحقائق ولم يثبتوا حقيقة ولا علما بحقيقة وأن لهم مقدما يقال له سوفسطا ~~كما يذكره فريق من أهل الكلام # وزعم آخرون ان هذا القول لا يعرف أن عاقلا قاله ولا طائفة تسمى بهذا ~~الاسم وإنما هي كلمة معربة من اللغة اليونانية ومعناها الحكمة المموهة ~~يعنون الكلام الباطل الذى قد يشبه الحق كما قد يتخيله الانسان لفساد عقله ~~أو مزاجه أو اشتباه الأمر عليه وجعلوا PageV19P135 هذا نوعا من ms5771 الكلام ~~والرأى يعرض للنفوس لا أنه صنف من الآدميين # وبكل حال فمعلوم أن التخيلات الفاسدة كثيرا ما تعرض لبنى آدم بل هي كثيرة ~~عليهم وهم يجحدون الحق إما عنادا وإما خطأ في أمور كثيرة وفى أحوال كثيرة ~~وإن كان الجاحد قد يقر بحق آخر أو يقر بذلك الحق في وقت آخر فالجهل والعناد ~~الذى هو السفسطة هو فيهم خاص مقيد لا أنه عام مطلق قد يبتلى به بعضهم مطلقا ~~وان لم يستمر به الأمر وقد يبتلى به في شيء بعينه على سبيل الدوام واما ~~ابتلاء الشخص المعين به فقد يكون اما مع فساد العقل المسقط للتكليف وهو ~~الجنون وإما مع صحة العقل المشروط في التكليف فما أعلم شخصا جاهلا بكل شيء ~~معاندا لكل شيء حتى يكون سوفسطائيا # ومما يبين أن هذا لم يقع عند المتكلمة أيضا أن كثيرا من متكلمة أهل ~~الحديث والسنة وغيرهم يقولون إن العقل المشروط في التكليف نوع من العلوم ~~الضرورية كالعلم بوجوب الواجبات وجواز الجائزات وامتناع الممتنعات واستدلوا ~~على ذلك بأن العاقل لا يخلو من علم شيء من ذلك وهذا قول القاضي أبى بكر وبن ~~الباقلانى وأبى الطيب الطبرى والقاضى أبى يعلى وبن عقيل وغيرهم فمن كان هذا ~~PageV19P136 # قوله لم يصح أن يحكى عن عاقل أنه أنكر العلوم جميعها إلا على سبيل العناد ~~ومعلوم أن العناد لا يكون إلا لغرض وليس لأحد غرض أن يعاند في كل شيء ~~ويجحده على سبيل الدوام # ومن الناس بازاء هؤلاء من قد يتوهم أنه لا تأثير للعقائد في المعتقدات ~~ولا تختلف الأحكام باختلاف العقائد بل يتخيل أنه إذا اعتقد وجوب فعل أو ~~تحريمه كان من خرج عن اعتقاده مبطلا مرتكبا للمحرم أو تاركا للواجب وأنه ~~يستحق من الذم والعقاب ما يستحقه جنس من ترك الواجب أو فعل المحرم واذا ~~عورض بأنه متأول أو مجتهد لم يلتفت إلى هذا وقال هو ضال مخطىء مستحق للعقاب ~~وهذا ايضا على اطلاقه وعمومه لايعتقده صحيح العقل والدين ما أعلم قائلا به ~~على الاطلاق والعموم ms5772 كالطرف الأول وإنما أعلم أقواما وطوائف يبتلون ببعض ~~ذلك ولوازمه في بعض الأشياء فان من غالب من يقول بعصمة الأنبياء والأئمة ~~الأثنى عشر عن الخطأ في الأقوال والأعمال من قد يرى أنه لو أخطأ الامام في ~~فعل لكان ذلك عيبا وذما وبين هذين الطرفين المتباعدين أطراف ايضا نشأ عنها ~~اختلاف الناس في تصويب المجتهدين وتخطئتهم في الأصول والفروع كما سننبه ~~عليه إن شاء الله PageV19P137 ### ||| فصل # والمتحقق أن الأحكام والأقوال والاعتقادات كما تقدم نوعان عيني وعملى ~~تابع للمعتقد ومتبوع للمعتقد فرع للمعتقد وأصل له # فأما الأول وهوالعينى التابع للمعتقد المتفرع عليه فهذا لا تؤثر فيه ~~الاعتقادات ولا يختلف باختلافها فان حقائق الموجودات ثابتة في نفسها سواء ~~اعتقدها الناس أو لم يعتقدوها وسواء اتفقت عقائدهم فيها أو اختلفت واذ ~~اختلف الناس فيها على قولين متناقضين لم يكن كل مجتهد مصيبا بمعنى ان قوله ~~مطابق للمعتقد موافق له لايقول ذلك عاقل كما تقدم ومن حكى عن أحد من علماء ~~المسلمين سواء كان عبيد الله بن الحسن العنبرى أو غيره أنه قال كل مجتهد في ~~الأصول مصيب بمعنى أن القولين المتناقضين صادقان مطابقان فقد حكى عنه ~~الباطل بحسب توهمه وإذا رد هذا القول وأبطله فقد أحسن في رده وابطاله وإن ~~كان هذا القول المردود لا قائل به # ولكن المنازعات والمخالفات في هذا الجنس تشتمل على أقسام وذلك أن التنازع ~~إما أن يكون في اللفظ فقط أو في المعنى فقط أو في كل منهما أو في مجموعهما ~~PageV19P138 # فان كان في المعنى مع اللفظ أو بدونه فلايخلو اما أن يتناقض المعنيان أو ~~يمكن الجمع بينهما فان كان النزاع في المعنيين المتناقضين فأحد القولين ~~صواب والآخر خطأ وأما بقية الأقسام فيمكن فيها أن يكون القولان صوابا ويمكن ~~أن يكون الجميع خطأ ويمكن أن يكون كل منهما أو احدهما صوابا من وجه خطأ من ~~وجه وحيث كان القولان خطأ وقد لايكون واذا لم يكن كفرا فقد يكون فسوقا وقد ~~لا يكون فمن قال ان المتنازعين كل منهما صواب ms5773 بمعنى الاصابة في بعض الأقسام ~~المتقدمة أو بمعنى أنه لا يعاقب على ذلك فهذا ممكن وأما تصويب المتناقضين ~~فمحال فانه كثيرا ما يكون النزاع في المعنى نزاع تنوع لا نزاع تضاد وتناقض ~~فيثبت أحدهما شيئا وينفى الآخر شيئا آخر ثم قد لا يشتركان في لفظ ما نفاه ~~أحدهما وأثبته الآخر وقد يشتركان في اللفظ فيكون التناقض والاختلاف في ~~اللفظ وأما المعنى فلا يختلفان فيه ولا يتناقضان # ثم قد يكونان متفقين عليه يقوله كل منهما وقد يكون أحدهما قاله أو يقوله ~~والآخر لا يتعرض له باثبات ولا نفى وقد يكون النزاع اللفظى مع اتحاد المعنى ~~لا تنوعه وكثير من تنازع الأمة في دينهم هو من هذا الباب في الأصول والفروع ~~والقرآن والحديث وغير ذلك # مثال التنوع الذى ليس فيه نزاع لفظى أن يقول أحدهما الصراط PageV19P139 ~~المستقيم هو الاسلام ويقول الآخر هو السنة والجماعة ويقول الآخر هو القرآن ~~ويقول الآخر هو طريق العبودية فان هذا تنوع في الأسماء والصفات التى يبين ~~بها الصراط المستقيم بمنزلة اسماء الله وأسماء رسوله وكتابه وليس بينها ~~تضاد لا في اللفظ ولا في المعنى # وكذلك إذا 6 قال بعضهم في السابق والمقتصد والظالم أقوالا يذكر فيها كل ~~قوم نوعا من المسلمين ويكون الاسم متناولا للجميع من غير منافاة # ومثال التنوع الذى فيه نزاع لفظى لأجل اشتراك اللفظ كما قيل اكثر اختلاف ~~العقلاء من جهة اشتراك الأسماء تنازع قوم في ان محمدا رأى ربه في الدنيا أو ~~في الآخرة فقال قوم رآه في الدنيا لأنه رآه قبل الموت وقال آخرون بل في ~~الآخرة لأنه رآه وهو فوق السماوات ولم يره وهو في الأرض والتحقيق أن لفظ ~~الآخرة يراد به الحياة الدنيا والحياة الآخرة ويراد به الدار الدنيا والدار ~~الآخرة ومحمد رأى ربه في الحياة الدنيا في الدار الآخرة # وكذلك كثير ممن يتنازعون في أن الله في السماء أو ليس في السماء فالمثبته ~~تطلق القول بان الله في السماء كما جاءت به النصوص ودلت عليه بمعنى أنه فوق ~~السماوات ms5774 على عرشه بائن من خلقه وآخرون ينفون PageV19P140 القول بان الله ~~في السماء ومقصودهم أن السماء لا تحويه ولا تحصره ولا تحمله ولا تقله ولا ~~ريب أن هذا المعنى صحيح أيضا فان الله لا تحصره مخلوقاته بل وسع كرسيه ~~السماوات والأرض والكرسى في العرش كحلقة ملقاه بأرض فلاة وكذلك ليس هو ~~مفتقرا إلى غيره محتاجا إليه بل هو الغنى عن خلقه الحى القيوم الصمد فليس ~~بين المعنيين تضاد ولكن هؤلاء أخطأوا في نفى اللفظ الذى جاء به الكتاب ~~والسنة وفى توهم ان اطلاقه دال على معنى فاسد # وقد يعذر بعضهم إذا رأى من أطلق هذا اللفظ وأراد به أن السماء تقله أو ~~تظله واذا أخطأ من عنى هذا المعنى فقد أصاب وأما الأول فقد أصاب في اللفظ ~~لا طلاقه ما جاء به النص وفى المعنى الذى تقدم لأنه المعنى الحق الذى دل ~~عليه النص لكن قد يخطىء بعضهم في تكفير من يطلق اللفظ الثانى إذا كان ~~مقصوده المعنى الصحيح فان من عنى المعنى الصحيح لم يكفر باطلاق لفظ وان كان ~~مسيئا أو فاعلا أمرا محرما وأما من فسر قوله انه ليس في السماء بمعنى أنه ~~ليس فوق العرش وانما فوق السماوات عدم محض فهؤلاء هم الجهمية الضلال ~~المخالفون لاجماع الأنبياء ولفطرة العقلاء PageV19P141 ### ||| فصل # ونحن نذكر من ذلك أصولا # أحدها تأثير الاعتقادات في رفع العذاب والحدود فنقول ان الاحكام الشرعية ~~التى نصبت عليها ادلة قطعية معلومة مثل الكتاب والسنة المتواترة والاجماع ~~الظاهر كوجوب الصلاة والزكاة والحج والصيام وتحريم الزنى والخمر والربا اذا ~~بلغت هذه الأدلة للمكلف بلاغا يمكنه من اتباعها فخالفها تفريطا في جنب الله ~~وتعديا لحدود الله فلا ريب انه مخطىء آثم وان هذا الفعل سبب لعقوبه الله في ~~الدنيا والآخرة فان الله أقام حجته على خلقه بالرسل الذين بعثهم اليهم ~~مبشرين ومنذرين ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) قال تعالى عن ~~أهل النار ( كلما القى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا ms5775 وقلنا ما نزل الله من شيء أن أنتم الا في ضلال كبير ) ~~وقال تعالى ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى اذا جاءوها فتحت أبوابها ~~وقال لهم خزنتها الم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم ~~PageV19P142 لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ) # وأما إذا كان في الفعل والحادثه والمسألة العملية نص لا يتمكن المكلف من ~~معرفته ومعرفة دلالته مثل أن يكون الحديث النبوى الوارد فيها عند شخص لم ~~يعلم به المجتهد ولم يشعر بما يدله عليه أو تكون دلالته خفيه لا يقدر ~~المجتهد على فهمها أو لم يكن فيها نص بحال فهذا مورد نزاع فذهب فريق من أهل ~~الكلام مثل أبى على وأبى هاشم والقاضى أبى بكر والغزالى إلى قول مبتدع يشبه ~~في المجتهدات قول الزنادقة الاباحية في المنصوصات وهو أنه ليس لهذه الحادثة ~~حكم عند الله في نفس الأمر وانما حكمه في حق كل مكلف يتبع اجتهاده واعتقاده ~~فمن اعتقد وجوب الفعل فهو واجب عليه ومن اعتقد تحريمه فهو حرام عليه وبنوا ~~ذلك على مقدمتين # احداهما أن الحكم انما يكون بالخطاب فما لا خطاب فيه لا حكم لله فيه فاذا ~~لم يكن للعقل فيه حكم اما لعدم الحكم العقلى مطلقا أو في هذه الصورة علم ~~أنه لا حكم فيه يكون من اصابه مصيبا ومن أخطأه مخطئا # الثانى انه قد علم أن من اعتقد وجوب شيء فعليه فعله ومن PageV19P143 ~~اعتقد تحريمه فعليه اجتنابه فالحكم فيه يتبع الإعتقاد قالوا والأحكام ~~الشرعية تختلف باختلاف أحوال المكلفين في إجتهاداتهم وغير اجتهاداتهم بدليل ~~اتفاق الفقهاء واهل السنة على أن الاجتهاد والاعتقاد يؤثر في رفع الاثم ~~والعقاب كما جاءت به النصوص وأن الوجوب والتحريم يختلف بالاقامة والسفر ~~والطهارة والحيض والعجز والقدرة وغير ذلك فيجوز أن تختلف الأحكام باختلاف ~~الاعتقادات ويكون الحكم في حق المجتهد عند عدم النص ما اعتقده هذا ملخص ~~قولهم وأما السلف والفقهاء والصوفية والعامة وجمهور المتكلمين فعلى انكار ~~هذا القول وأنه مخالف للكتاب والسنة واجماع السلف ms5776 بل هو مخالف للعقل الصريح ~~حتى قال أبو إسحاق الاسفرائينى وغيره هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة ~~يعنى أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه فمن قال ان الإيجاب ~~والتحريم يتبع الإعتقادات فقد سفسط في الأحكام العملية وان لم يكن مسفسطا ~~في الاحكام العينية وقد قدمنا أنه لم تجر العادة بان عاقلا يسفسط في كل شيء ~~لا خطأ ولا عمدا لا ضلالا ولا عنادا لا جهلا ولا تجاهلا واما كون آخره ~~زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهى والايجاب والتحريم والوعيد في هذه الأحكام ~~ويبقى الانسان ان شاء أن يوجب وان شاء PageV19P144 أن يحرم وتستوى ~~الاعتقادات والأفعال وهذا كفر وزندقة # وجماع الكلام على هؤلاء في مقامين # أحدهما امتناع هذا القول في نفسه واستحالته وذلك معلوم بالعقل والثاني ~~أنه لو كان جائزا في العقل لكن لم يرد به الشرع بل هو مخالف له وتعرف ~~مخالفته للنص والاجماع أما الأول فمن وجوه # أحدها أنه قد تقدم ان كل علم واعتقاد وحكم لابد له من معلوم معتقد محكوم ~~به يكون الإعتقاد مطابقا له موافقا سواء كان للاعتقاد تأثير في وجوده أو لم ~~يكن فان الاعتقادات العملية المؤثرة في المعتقد مثل اعتقاد ان أكل هذا ~~الخبز يشبع واعتقاد أن أكل هذا السم يقتل وان كان هذا الإعتقاد يؤثر في ~~وجود الأكل مثلا فلا بد له من معتقد ثابت بدونه وهو كون أكل ذلك الخبز ~~موصوفا بتلك الصفة والأكل فان كان معدوما قبل وجوده فان محله وهو الخبز ~~والأكل موجودان فان لم يكن الخبز متصفا بالاشباع اذا أكل والأكل متصفا بأنه ~~يشبع اذا أكله لم يكن الإعتقاد صحيحا بل PageV19P145 فاسدا كما لو اعتقد في ~~شيء انه رغيف فاكله فاذا هو جص أو جبصين فان اعتقاده وان أقدم به على الأكل ~~فانه لا يشبعه لفساد الإعتقاد وهكذا من اعتقد في شيء أنه ينفعه أو يضره فان ~~الإعتقاد يدعوه إلى الفعل أو الترك ويبعثه على ذلك فان كان مطابقا حصلت ~~المنفعة واندفعت المضرة اذا انتفت الموانع والا فمجرد ms5777 الانتفاع بالفعل أو ~~الضرر به لا يوجب حصول المنفعة والمضرة وانما هذا قول بعض جهال الكفار لو ~~أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه فيجعلون الانتفاع بالشيء تبعا لظن المنفعة فيه # وقد اعتقد المشركون الانتفاع بالاصنام التى قال الله فيها ( يدعو لمن ضره ~~اقرب من نفعه ( فاذا اعتقد المعتقد ان هذا الفعل مأمور به أمر استحباب يثيب ~~الله عليه ثواب الفعل المستحب أو أمر ايجاب يعاقب من تركه عقوبة العاصى أو ~~اعتقد ان الله نهى عنه كذلك فهو معتقد اما صفة في ربه فقط من الأمر والنهي ~~وهي صفة إضافية للفعل كما يقوله طائفة من المتكلمة والفقهاء من اصحابنا ~~وغيرهم واما صفة في الفعل فقط من الحسن والقبح والامر والنهى كاشفة لذلك ~~كما يقوله طائفة من المتكلمة والفقهاء من اصحابنا وغيرهم وإما ثبوت الصفتين ~~جميعا للأمر والمأمور به كما عليه جمهور الفقهاء وهو انما يعتقد وجود تلك ~~الصفة التى هي الحكم الشرعى لاعتقاده انها ثابتة في PageV19P146 نفسها ~~موجودة بدون اعتقاده لا أنه يطلب باعتقاده أن يثبت للأمر والفعل صفة لم تكن ~~له قبل ذلك اذ ليس لأحد من المجتهدين غرض في ان يثبت للأفعال احكاما ~~باعتقاده ولا ان يشرع دينا لم يأذن به الله وإنما مطلوبه ان يعتقد حكم الله ~~ودينه ولا له مقصود ان يجيء إلى الأفعال المتساوية في ذواتها وفي أمر الله ~~فيعتقد في أحدها الوجوب على نفسه وفى الآخر التحريم من غير سبب تختص به ~~الأفعال # فهذا موضع ينبغى تدبره فان المؤمن الطالب لحكم الله اذا علم ان تلك ~~الأفعال عند الله سواء لم يميز بعضها عن بعض بأمر ولا نهي وهى في أنفسها ~~سواء لم يميز بعضها عن بعض بحسن ولا سوء ولا مصلحة ولا مفسدة فان هذا ~~الإعتقاد منه موجب لاستوائها وتماثلها فاعتقاده بعد هذا أن هذا واجب يذم ~~تاركه وهذا حرام يعاقب فاعله تناقض في العقل وسفسطة وكفر في الدين وزندقة # أما الأول فلأن اعتقاد التساوى والتماثل ينافى اعتقاد الرجحان والتفضيل ~~فضلا عن وجوب هذا وتحريم ms5778 هذا فكيف يجمع العاقل بين الاعتقادين المتناقضين ~~الا أن يكون اخرق كافرا فيقول أنا اوجب هذا وأحرم هذا بلا أمر من الله ولا ~~مرجح لاحدهما من جهة العقل فإذا فعل هذا كان شارعا من الدين لما لم يأذن به ~~الله وهو مع هذا دين معلوم الفساد بالعقل حيث جعل الأفعال المستوية ~~PageV19P147 بعضها واجب وبعضها محرم بلا سبب يوجب التخصيص الا محض التحكم ~~الذى لا يفعله حيوان اصلا لا عاقل ولا مجنون اذ لو فرض اختصاص أحد الفعلين ~~لشهوة أو لذة امكن ان يقال تلك جهة توجب الترجيح وهى جهة حسن عند من يقول ~~بالتحسين العقلي فيجب لذلك والغرض انتفاء ذلك جميعه واذا انتفى ذلك كله علم ~~أن اعتقاد حسن الفعل وقبحه ووجوبه وتحريمه يتبع امرا ثابتا في نفسه يكون ~~مطابقا له أو غير مطابق واذا كان كذلك فالاعتقاد المطابق صواب والاعتقاد ~~المخالف ليس بصواب لا ان الحكم يتبع الإعتقاد من كل وجه # الثانى ان الطالب المستدل بالدليل ليستبين له الأحكام هو يطلب العلم ~~بمدلول الدليل فإن لم يكن للدليل مدلول وإنما مدلول الدليل يحصل عقب التأمل ~~لم يكن مطلوبه العلم بالمدلول وانما مطلوبه وجود المدلول وليس هذا شأن ~~الأدلة التى تبين المدلولات وانما هو شأن الأسباب والعلل توجد المسببات ~~وفرق كثير بين الدليل المقتضى للعلم القائم بالقلب وبين العلم المقتضى ~~للوجود القائم في الخارج فان مقتضى الأول الإعتقاد الذهنى ومقتضى الثانى ~~الوجود الخارجى وأحد النوعين مباين للآخر PageV19P148 ### ||| فصل # وأما الأحكام والاعتقادات والأقوال العملية التى يتبعها المحكوم فهي ~~الأمر والنهى والتحسين والتقبيح واعتقاد الوجوب والتحريم ويسميها كثير من ~~المتفقهة والمتكلمة الأحكام الشرعية وتسمى الفروع والفقه ونحو ذلك وهذه ~~تكون في جميع الملل والاديان وتكون في الامور الدنيوية من السياسات ~~والصناعات والمعاملات وغير ذلك وهي التى قصدنا الكلام عليها في هذه القاعدة ~~حيث قلنا ان الاعتقادات قد تؤثر في الاحكام الشرعية فهذه ايضا الناس فيها ~~طرفان ووسط # الطرف الأول طرف الزنادقة الاباحية الكافرة بالشرائع والوعيد والعقاب في ~~الدار الآخرة الذين يرون ان ms5779 هذه الأحكام تتبع الإعتقاد مطلقا والاعتقاد هو ~~المؤثر فيها فلا يكون الشيء واجبا الا عند من اعتقد تحريمه ويرون أن الوعيد ~~الذي يلحق هؤلاء هو عذاب نفوسهم بما اعتقدوه من الأمر والنهى والايجاب ~~والتحريم وما اعتقدوه من أنهم إذا فعلوا المحرمات وتركوا الواجبات عذبوا ~~وعوقبوا فيبقى في PageV19P149 نفوسهم خوف وتألم وتوهم للعذاب وتخيل له ~~فيزعمون ان هذا الألم الناشىء عن هذا الإعتقاد والتخيل هو عقابهم وعذابهم ~~وذاك ناشىء عما اعتقدوه كمن اعتقد ان هنا اسدا أو لصا أو قاطع طريق من غير ~~ان يكون له وجود فيتألم ويتضرر بخوفه من هذا المحذور الذى اعتقده فاجتمع ~~اعتقاد غير مطابق ومعتقد يؤلم وجوده فتألمت النفس بهذا الإعتقاد والتخيل ~~وقد يقول حذاق هؤلاء من الاسماعيلية والقرامطة وقوم يتصوفون أو يتكلمون وهم ~~غالية المرجئة ان الوعيد الذى جاءت به الكتب الالهية انما هو تخويف للناس ~~لتنزجر عما نهيت عنه من غير ان يكون له حقيقة بمنزلة ما يخوف العقلاء ~~الصبيان والبله بما لا حقيقة له لتأديبهم وبمنزلة مخادعة المحارب لعدوه اذا ~~اوهمه امرا يخافه لينزجر عنه أو ليتمكن هو من عدوه وغير ذلك # وهؤلاء هم الكفار برسل الله وكتبه واليوم الآخر المنكرون لأمره ونهيه ~~ووعده ووعيده وما ضربه الله في القرآن من الأمثال وقصة من اخبار الأمم ~~المكذبة للرسل فهو متناول لهؤلاء ويكفى ما عاقب الله به اهل الكفر والفسوق ~~والعصيان في الدنيا من انواع المثلات فانه امر محسوس مشاهد لا يمكن دفعه ~~وما من أحد الا قد سمع من ذلك انواعا أو رأى بعضه # وأهل الأرض متفقون على أن الصادق البار العادل ليس حاله كحال PageV19P150 ~~الكاذب الفاجر الظالم بل يرون من ثواب الحسنات وعقوبة السيئات ما فيه عبرة ~~ومزدجر كما كانوا عليه في الجاهلية قبل الرسل فلما جاءت الرسالة بوعيد ~~الآخرة بين ذلك ما كان الناس عنه غافلين # الطرف الثانى طرف الغالية المتشددين الذين لا يرون للاعتقاد اثرا في ~~الأفعال بل يقول غاليتهم كقوم من متكلمة المعتزلة ان لله حكما في كل فعل ms5780 من ~~أخطأه كان آثما معاقبا فيرون المسلم العالم المجتهد متى خفى عليه دليل شرعى ~~وقد اجتهد واستفرغ وسعه في طلب حكم الله انه آثم معاقب على خطئه فهذا قولهم ~~في الاجتهاد والاعتقاد ثم اذا ترك واجبا أو فعل محرما قالوا بنفوذ الوعيد ~~فيه فيوجبون تخليد فساق اهل الملة في النار وهذا قول جمهور المعتزلة ~~والخوارج ولكن الخوارج يكفرون بالذنب الكبير أو الصغير عند بعضهم واما ~~المعتزلة فيقولون هو في منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر # وأما الأمة الوسط فعلى ان الإعتقاد قد يؤثر في الأحكام وقد لا يؤثر بحسب ~~الأدلة والأسباب كما ان ذلك هو الواقع في الامور الطبيعية فالاغذية ~~والادوية قد يختلف حكمها بحسب اعتقاد الطبيب والمتداوى وقد لا يختلف وقد ~~يعتقد الانسان في الشيء صفة نافعة أو ضارة فينتفع به أو يتضرر وان لم يكن ~~كذلك وقد يعتقد ذلك PageV19P151 فلا يؤثر فلو اعتقد في الخبز واللحم أنه ~~غير مشبع لم يؤثر ذلك بل هو مشبع ولو اعتقد ضد ذلك ### ||| فصل # مذاهب الأئمة تؤخذ من اقوالهم وأما افعالهم فقد اختلف اصحابنا في فعل ~~الامام أحمد هل يؤخذ منه مذهبه على وجهين # أحدهما لا لجواز الذنب عليه أو ان يعمل بخلاف معتقده أو يكون عمله سهوا ~~أو عادة أو تقليدا أو لسبب ما غير الإعتقاد الذى يفتى به فان عمل المرء ~~بعلمه في كل حادثة والا يعمل الا بعلم يفتى به في كل حادثة يفتقر إلى ان ~~يكون له في ذلك رأى وان يذكره وان يكون مريدا له من غير صارف اذ الفعل مع ~~القدرة يقف على الداعى والداعى هو الشعور وميل القلب # والثانى بل يؤخذ منه مذهبه لما عرف من تقوى أبي عبد الله وورعه وزهده ~~فإنه كان من أبعد الناس عن تعمد الذنب وان لم ندع فيه العصمة لكن الظاهر ~~والغالب أن عمله موافق لعلمه فيكون الظاهر فيما عمله أنه مذهبه وهكذا القول ~~فيمن يغلب عليه التقوى PageV19P152 والورع وبعضهم أشد من بعض فكل ما كان ~~الرجل اتقى ms5781 لله واخشى له كان ذلك اقوى فيه وابو عبد الله من اتقى الأمة ~~واعظمهم زهدا وورعا بل هو في ذلك سابق ومقدم كما تشهد به سيرته وسيرة غيره ~~المعروفة عند الخاص والعام # وكذلك أصحاب الشافعى لما رأوا نصه انه لا يجوز بيع الباقلا الاخضر ثم انه ~~اشتراه في مرضه فاختلف اصحابه هل يخرج له في ذلك مذهب على وجهين وقد ذكروا ~~مثل هذا في اقامة جمعتين في مكان واحد لما دخل بغداد فاذا قلنا هو مذهب ~~الامام أحمد فهل يقال فيما فعله انه كان افضل عنده من غيره هذا اضعف من ~~الأول فان فعله يدل على جوازه فيما ليس من تعبداته واذا كان متعبدا به دل ~~على انه مستحب عنده أو واجب اما كونه افضل من غيره عنده فيفتقر إلى دليل ~~منفصل وكثيرا ما يعدل الرجل عن الأفضل إلى الفاضل لما في الأفضل من الموانع ~~وما يفتقر إليه من الشروط أو لعدم الباعث واذا كان فعله جائزا أو مستحبا أو ~~افضل فانه لا عموم له في جميع الصور بل لا يتعدى حكمه الا إلى ما هو مثله ~~فان هذا شأن جميع الأفعال لا عموم لها حتى فعل النبى لا عموم له # ثم يقال فعل الأئمة وتركهم ينقسم كما تنقسم افعال النبى صلى PageV19P153 ~~الله عليه وسلم تارة يفعله على وجه العبادة والتدين فيدل على استحبابه عنده ~~وأما رجحانه ففيه نظر واما على غير وجه التعبد ففى دلالته الوجهان فعلى هذا ~~ما يذكر عن الأئمة من انواع التعبدات والتزهدات والتورعات يقف على مقدمات # إحداها هل يعتقد حسنها بحيث يقوله ويفتى به أو فعله بلا إعتقاد لذلك بل ~~تأسيا بغيره أو ناسيا على الوجهين كالوجهين في المباح # والثانية هل فيه ارادة لها توافق اعتقاده فكثيرا ما يكون طبع الرجل يخالف ~~اعتقاده # والثالثة هل يرى ذلك افضل من غيره أو يفعل المفضول لأغراض اخرى مباحة ~~والأول أرجح # والرابعة أن ذلك الرجحان هل هو مطلق أو في بعض الأحوال والله أعلم ~~PageV19P154 ### || 1 ( معارج الوصول ) 1 ms5782 # بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الامام العالم تقى الدين أوحد ~~المجتهدين أحمد بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات اعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ونشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم تسليما ! 8 < ### ||| فصل # في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميع الدين اصوله وفروعه باطنه ~~وظاهره علمه وعمله فان هذا الاصل هو أصل PageV19P155 أصول العلم والايمان ~~وكل من كان اعظم اعتصاما بهذا الاصل كان أولى بالحق علما وعملا # ومن كان أبعد عن الحق علما وعملا كالقرامطة والمتفلسفة الذين يظنون ان ~~الرسل ما كانوا يعلمون حقائق العلوم الالهية والكلية وانما يعرف ذلك بزعمهم ~~من يعرفه من المتفلسفة ويقولون خاصة النبوة هي التخييل ويجعلون النبوة افضل ~~من غيرها عند الجمهور لا عند أهل المعرفة كما يقول هذا ونحوه الفارابى ~~وامثاله مثل مبشر بن فاتك وامثاله من الاسماعيلية وآخرون يعترفون بأن ~~الرسول علم الحقائق لكن يقولون لم يبينها بل خاطب الجمهور بالتخييل فيجعلون ~~التخييل في خطابه لا في علمه كما يقول ذلك بن سينا وامثاله # وآخرون يعترفون بأن الرسل علموا الحق وبينوه لكن يقولون لا يمكن معرفته ~~من كلامهم بل يعرف بطريق آخر اما المعقول عند طائفة واما المكاشفة عند ~~طائفة اما قياس فلسفى واما خيال صوفى ثم بعد ذلك ينظر في كلام الرسول فما ~~وافق ذلك قبل وما خالفه اما ان يفوض واما ان يؤول وهذه طريقة كثير من اهل ~~الكلام الجهمية والمعتزلة وهى طريقة خيار الباطنية والفلاسفة الذين يعظمون ~~الرسول وينزهونه عن الجهل والكذب لكن يدخلون في التأويل PageV19P156 # وأبو حامد الغزالى لما ذكر في كتابه طرق الناس في التأويل وان الفلاسفة ~~زادوا فيه حتى انحلوا وان الحق بين جمود الحنابلة وبين انحلال الفلاسفة وان ~~ذلك لا يعرف من جهة السمع بل تعرف الحق بنور يقذف ms5783 في قلبك ثم ينظر في السمع ~~فما وافق ذلك قبلته والا فلا وكان مقصوده بالفلاسفة المتأولين خيار ~~الفلاسفة وهم الذين يعظمون الرسول عن ان يكذب للمصلحة ولكن هؤلاء وقعوا في ~~نظير ما فروا منه نسبوه إلى التلبيس والتعمية واضلال الخلق بل إلى ان يظهر ~~الباطل ويكتم الحق # وبن سينا وامثاله لما عرفوا ان كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات ~~الفلسفية بل قد عرفوا انه اراد مفهوم الخطاب سلك مسلك التخييل وقال انه ~~خاطب الجمهور بما يخيل اليهم مع علمه ان الحق في نفس الأمر ليس كذلك فهؤلاء ~~يقولون ان الرسل كذبوا للمصلحة # وهذا طريق بن رشد الحفيد وامثاله من الباطنية فالذين عظموا الرسل من ~~هؤلاء عن الكذب نسبوهم إلى التلبيس والاضلال والذين اقروا بأنهم بينوا الحق ~~قالوا انهم كذبوا للمصلحة # وأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على ان الرسل لم يقولوا الا PageV19P157 ~~الحق وانهم بينوه مع علمهم بأنهم اعلم الخلق بالحق فهم الصادقون المصدوقون ~~علموا الحق وبينوه فمن قال انهم كذبوا للمصلحة فهو من اخوان المكذبين للرسل ~~لكن هذا لما رأى ما عملوا من الخير والعدل في العالم لم يمكنه ان يقول ~~كذبوا لطلب العلو والفساد بل قال كذبوا لمصلحة الخلق كما يحكى عن بن ~~التومرت وامثاله # ولهذا كان هؤلاء لا يفرقون بين النبى والساحر الا من جهة حسن القصد فان ~~النبى يقصد الخير والساحر يقصد الشر والا فلكل منهما خوارق هي عندهم قوى ~~نفسانية وكلاهما عندهم يكذب لكن الساحر يكذب للعلو والفساد والنبى عندهم ~~يكذب للمصلحة اذ لم يمكنه اقامة العدل فيهم الا بنوع من الكذب # والذين علموا ان النبوة تناقض الكذب على الله وان النبى لا يكون الاصادقا ~~من هؤلاء قالوا انهم لم يبينوا الحق ولو انهم قالوا سكتوا عن بيانه لكان ~~اقل الحادا لكن قالوا انهم اخبروا بما يظهر منه للناس الباطل ولم يبينوا ~~لهم الحق فعندهم انهم جمعوا بين شيئين بين كتمان حق لم يبينوه وبين اظهار ~~ما يدل على الباطل وان كانوا لم يقصدوا الباطل فجعلوا ms5784 كلامهم من جنس ~~المعاريض التى يعنى بها المتكلم معنى صحيحا لكن لا يفهم المستمع منها الا ~~الباطل واذا قالوا قصدوا التعريض كان اقل الحادا ممن قال انهم قصدوا الكذب ~~PageV19P158 والتعريض نوع من الكذب اذ كان كذبا في الافهام ولهذا قال النبى ~~( ان إبراهيم لم يكذب الا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله ( وهى معاريض كقوله ~~عن سارة انها أختى اذ كان ليس هناك مؤمن الا هو وهى # وهؤلاء يقولون ان كلام إبراهيم وعامة الأنبياء مما اخبروا به عن الغيب ~~كذب من المعاريض واما جمهور المتكلمين فلا يقولون بهذا بل يقولون قصدوا ~~البيان دون التعريض لكن مع هذا يقول الجهمية ونحوهم ان بيان الحق ليس في ~~خطابهم بل انما في خطابهم ما يدل على الباطل والمتكلمون من الجهمية ~~والمعتزلة والأشعرية ونحوهم ممن سلك في اثبات الصانع طريق الاعراض يقولون ~~أن الصحابة لم يبينوا اصول الدين بل ولا الرسول اما لشغلهم بالجهاد أو لغير ~~ذلك # وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع وبينا ان اصول الدين الحق ~~الذى انزل الله به كتابه وأرسل به رسوله وهى الأدلة والبراهين والآيات ~~الدالة على ذلك قد بينها الرسول أحسن بيان وانه دل الناس وهداهم إلى الأدلة ~~العقلية والبراهين اليقينية التى بها يعلمون المطالب الالهية وبها يعلمون ~~اثبات ربوبية الله ووحدانيته PageV19P159 وصفاته وصدق رسوله والمعاد وغير ~~ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة العقلية بل وما يمكن بيانه بالأدلة ~~العقلية وان كان لا يحتاج اليها فان كثيرا من الامور تعرف بالخبر الصادق ~~ومع هذا فالرسول بين الأدلة العقلية الدالة عليها فجمع بين الطريقين السمعى ~~والعقلى # وبينا ان دلالة الكتاب والسنة على اصول الدين ليست بمجرد الخبر كما تظنه ~~طائفة من الغالطين من اهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم بل ~~الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى الآيات والبراهين والأدلة المبينة ~~لأصول الدين وهؤلاء الغالطون الذين أعرضوا عما في القرآن من الدلائل ~~العقلية والبراهين اليقينية صاروا اذا صنفوا في اصول الدين أحزابا # حزب يقدمون في كتبهم الكلام ms5785 في النظر والدليل والعلم وان النظر يوجب ~~العلم وانه واجب ويتكلمون في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم بكلام قد ~~اختلط فيه الحق بالباطل ثم اذا صاروا إلى ما هوالاصل والدليل للذين استدلوا ~~بحدوث الأعراض على حدوث الاجسام وهو دليل مبتدع في الشرع وباطل في العقل # والحزب الثانى عرفوا ان هذا الكلام مبتدع وهو مستلزم مخالفة الكتاب ~~والسنة وعنه ينشأ القول بأن القرآن مخلوق وان PageV19P160 الله لا يرى في ~~الآخرة وليس فوق العرش ونحو ذلك من بدع الجهمية فصنفوا كتبا قدموا فيها ما ~~يدل على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة من القرآن والحديث وكلام السلف ~~وذكروا اشياء صحيحة لكنهم قد يخلطون الآثار صحيحها بضعيفها وقد يستدلون بما ~~لا يدل على المطلوب وايضا فهم انما يستدلون بالقرآن من جهة اخباره لا من ~~جهة دلالته فلا يذكرون ما فيه من الادلة على اثبات الربوبية والوحدانية ~~والنبوة والمعاد وأنه قد بين الأدلة العقلية الدالة على ذلك ولهذا سموا ~~كتبهم أصول السنة والشريعة ونحو ذلك وجعلوا الايمان بالرسول قد استقر فلا ~~يحتاج ان يبين الأدلة الدالة عليه فذمهم اولئك ونسبوهم إلى الجهل اذ لم ~~يذكروا الأصول الدالة على صدق الرسول وهؤلاء ينسبون اولئك إلى البدعة بل ~~إلى الكفر لكونهم أصلوا أصولا تخالف ما قاله الرسول والطائفتان يلحقهما ~~الملام لكونهما اعرضتا عن الاصول التى بينها الله بكتابه فإنها اصول الدين ~~وأدلته وآياته فلما أعرض عنها الطائفتان وقع بينهما العداوة كما قال الله ~~تعالى ( فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة PageV19P161 وحزب ثالث قد عرف تفريط هؤلاء وتعدى اولئك وبدعتهم ~~فذمهم وذم طالب العلم الذكى الذي اشتاقت نفسه إلى معرفة الأدلة والخروج عن ~~التقليد اذا سلك طريقهم وقال ان طريقهم ضارة وان السلف لم يسلكوها ونحو ذلك ~~مما يقتضى ذمها وهو كلام صحيح لكنه انما يدل على أمر مجمل لا تتبين دلالته ~~على المطلوب بل قد يعتقد طريق المتكلمين مع قوله انه بدعة ولا يفتح ابواب ~~الأدلة التى ذكرها الله في القرآن ms5786 التى تبين ان ما جاء به الرسول حق ويخرج ~~الذكي بمعرفتها عن التقليد وعن الضلال والبدعة والجهل # فهؤلاء أضل بفرقهم لانهم لم يتدبروا القرآن وأعرضوا عن آيات الله التى ~~بينها بكتابه كما يعرض من يعرض عن آيات الله المخلوقة قال الله تعالى ( ~~وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ( وقال تعالى ~~( وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ( وقال تعالى ( ان الذين لا ~~يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا ~~غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ( وقال تعالى ( كتاب انزلناه ~~اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الالباب ( وقال تعالى ( ولقد ضربنا ~~للناس في هذا القرآن من كل مثل ( وقال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك الا ~~رجالا نوحى اليهم فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر ( ~~الآية وقال PageV19P162 تعالى ( وان يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ( وقال ~~تعالى ( وان يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات والزبر ~~والكتاب لمنير ) ومثل هذا كثير لبسطه مواضع أخر # والمقصود ان هؤلاء الغالطين الذين أعرضوا عما في القرآن من الدلائل ~~العقلية والبراهين اليقينية لا يذكرون النظر والدليل والعلم الذى جاء به ~~الرسول والقرآن مملوء من ذلك والمتكلمون يعترفون بأن في القرآن من الأدلة ~~العقلية الدالة على أصول الدين ما فيه لكنهم يسلكون طرقا أخر كطريق الأعراض # ومنهم من يظن ان هذه طريق إبراهيم الخليل وهو غالط # والمتفلسفة يقولون القرآن جاء به بالطريق الخطابية والمقدمات الاقناعية ~~التى تقنع الجمهور ويقولون ان المتكلمين جاؤوا بالطرق الجدلية ويدعون أنهم ~~هم أهل البرهان اليقينى وهم أبعد عن البرهان في الالهيات من المتكلمين ~~والمتكلمون اعلم منهم بالعلميات البرهانية في الالهيات والكليات ولكن ~~للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الالهيات فانهم من أجهل ~~الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها وكلام ارسطو معلمهم فيها قليل كثير ~~الخطأ فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى وهذا ~~مبسوط في غير ms5787 هذا الموضع PageV19P163 والقرآن جاء بالبينات والهدى بالآيات ~~البينات وهى الدلائل اليقينيات وقد قال الله تعالى لرسوله ( أدع إلى سبيل ~~ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هي أحسن ( والمتفلسفة يفسرون ~~ذلك بطرقهم المنطقية في البرهان والخطابة والجدل وهو ضلال من وجوه قد بسطت ~~في غير هذا الموضع بل الحكمة هي معرفة الحق والعمل به فالقلوب التى لها فهم ~~وقصد تدعى بالحكمة فيبين لها الحق علما وعملا فتقبله وتعمل به # وآخرون يعترفون بالحق لكن لهم أهواء تصدهم عن اتباعه فهؤلاء يدعون ~~بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل والوعظ ~~أمر ونهى بترغيب وترهيب كما قال تعالى ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ( ~~وقال تعالى ( يعظكم الله ان تعودوا لمثله أبدا ( فالدعوة بهذين الطريقين ~~لمن قبل الحق ومن لم يقبله فانه يجادل بالتى هي أحسن # والقرآن مشتمل على هذا وهذا ولهذا إذا جادل يسأل ويستفهم عن المقدمات ~~البينة البرهانية التى لا يمكن أحد ان يجحدها لتقرير المخاطب بالحق ~~ولاعترافه بانكار الباطل كما في مثل قوله ( أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون ( وقوله ( أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ( وقوله ~~( أو ليس الذى خلق PageV19P164 السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ( ~~وقوله ( أيحسب الانسان ان يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة ~~فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والانثى اليس ذلك بقادر على أن يحيي ~~الموتى ( وقوله ( أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ( وقوله ~~( وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ( ~~وقوله ( أو لم يكفهم انا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ( وقوله ( أو لم ~~يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى اسرائيل ( وقوله ( ألم نجعل له عينين ~~ولسانا وشفتين وهديناه النجدين ( إلى أمثال ذلك مما يخاطبهم باستفهام ~~التقرير المتضمن اقرارهم واعترافهم بالمقدمات البرهانية التى تدل على ~~المطلوب فهو من أحسن جدل بالبرهان فان الجدل انما يشترط فيه أن يسلم الخصم ~~المقدمات وان ms5788 لم تكن بينة معروفة فاذا كانت بينة معروفة كانت برهانية # والقرآن لا يحتج في مجادلته بمقدمة لمجرد تسليم الخصم بها كما هي الطريقة ~~الجدلية عند اهل المنطق وغيرهم بل بالقضايا والمقدمات التى تسلمها الناس ~~وهى برهانية وان كان بعضهم يسلمها وبعضهم ينازع فيها ذكر الدليل على صحتها ~~كقوله ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل ~~من أنزل الكتاب الذى PageV19P165 جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ( فان ~~الخطاب لما كان مع من يقر بنبوة موسى من أهل الكتاب ومع من ينكرها من ~~المشركين ذكر ذلك بقوله ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ( وقد بين ~~البراهين الدالة على صدق موسى في غير موضع # وعلى قراءة من قرأ يبدونها كابن كثير وابي عمرو جعلوا الخطاب مع المشركين ~~وجعلوا قوله ( وعلمتم ما لم تعلموا ( احتجاجا على المشركين بما جاء به محمد ~~فالحجة على اولئك نبوة موسى وعلى هؤلاء نبوة محمد ولكل منهما من البراهين ~~ما قد بين بعضه في غير موضع # وعلى قراءة الأكثرين بالتاء هو خطاب لأهل الكتاب وقوله ( وعلمتم ما لم ~~تعلموا ( بيان لما جاءت به الأنبياء مما انكروه فعلمهم الأنبياء ما لم ~~يقبلوه ولم يعلموه فاستدل بما عرفوه من أخبار الأنبياء وما لم يعرفوه # وقد قص سبحانه قصة موسى وأظهر براهين موسى وآياته التى هي من أظهر ~~البراهين والادلة حتى اعترف بها السحرة الذين جمعهم فرعون وناهيك بذلك فلما ~~أظهر الله حق موسى وأتى بالآيات التى علم بالاضطرار أنها من الله وابتلعت ~~عصاه الحبال والعصي التى أتى PageV19P166 بها السحرة بعد ان جاؤوا بسحر ~~عظيم وسحروا أعين الناس واسترهبوا الناس ثم لما ظهر الحق وانقلبوا صاغرين ~~قالوا ( آمنا برب العالمين رب موسى وهرون ( فقال لهم فرعون ( آمنتم به قبل ~~أن آذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر فلا قطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ~~ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد ms5789 عذابا وأبقى قالوا لن نؤثرك على ~~ما جاءنا من البينات ( من الدلائل البينات اليقينية القطعية وعلى الذى ~~فطرنا وهو خالقنا وربنا الذي لابد لنا منه لن نؤثرك على هذه الدلائل ~~اليقينية وعلى خالق البرية ( فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا ~~إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير ~~وأبقى ( # وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن يبين في كل موضع منها من ~~الاعتبار والاستدلال نوعا غير النوع الآخر كما يسمى الله ورسوله وكتابه ~~بأسماء متعددة كل اسم يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر وليس في هذا ~~تكرار بل فيه تنويع الآيات مثل أسماء النبى إذا قيل محمد وأحمد والحاشر ~~والعاقب والمقفى ونبى الرحمة ونبى التوبة ونبى الملحمة في كل اسم دلالة على ~~معنى ليس في الاسم الآخر وإن كانت الذات واحدة فالصفات متنوعة PageV19P167 ~~وكذلك القرآن إذا قيل فيه قرآن وفرقان وبيان وهدى وبصائر وشفاء ونور ورحمة ~~وروح فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الآخر # وكذلك أسماء الرب تعالى إذا قيل الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ~~العزيز الجبار المتكبر الخالق البارىء المصور فكل اسم يدل على معنى ليس هو ~~المعنى الذى في الاسم الآخر فالذات واحدة والصفات متعددة فهذا في الاسماء ~~المفردة # وكذلك في الجمل التامة يعبر عن القصة بجمل تدل على معان فيها ثم يعبر ~~عنها بجمل أخرى تدل على معان أخر وان كانت القصة المذكورة ذاتها واحدة ~~فصفاتها متعددة ففى كل جملة من الجمل معنى ليس في الجمل الأخر # وليس في القرآن تكرار أصلا وأما ما ذكره بعض الناس من انه كرر القصص مع ( ~~إمكان ) الاكتفاء بالواحدة وكان الحكمة فيه ان وفود العرب كانت ترد على ~~رسول الله فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا وكان يبعث إلى ~~القبائل PageV19P168 المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الآيات والقصص ~~مثناة متكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم ~~فأراد ms5790 الله أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض وأن يلقيها إلى كل سمع فهذا ~~كلام من لم يقدر القرآن قدره وأبو الفرج اقتصر على هذا الجواب في قوله ( ~~مثانى ( لما قيل لم ثنيت وبسط هذا له موضع آخر فان التثنية هي التنويع ~~والتجنيس وهي استيفاء الأقسام ولهذا يقول من يقول من السلف الأقسام ~~والأمثال # والمقصود هنا التنبيه على أن القرآن اشتمل على أصول الدين التى تستحق هذا ~~الاسم وعلى البراهين والآيات والأدلة اليقينية بخلاف ما أحدثه المبتدعون ~~والملحدون كما قال الرازي مع خبرته بطرق هؤلاء لقد تأملت الطرق الكلامية ~~والمناهج الفلسفية فما وجدتها تشفى عليلا ولا تروى غليلا ورأيت أقرب الطرق ~~طريقة القرآن اقرأ في الاثبات ( إليه يصعد الكلم الطيب ( الرحمن على العرش ~~استوى ( واقرأ في النفى ( ليس كمثله شيء ( ولا يحيطون به علما ( قال ومن ~~جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى # والخير والسعادة والكمال والصلاح منحصر في نوعين في العلم النافع والعمل ~~الصالح وقد بعث الله محمدا بافضل ذلك وهو الهدى PageV19P169 # ودين الحق كما قال ( هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله وكفى بالله شهيدا ( وقد قال تعالى ( واذكر عبادنا إبراهيم واسحاق ~~ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ( فذكر النوعين قال الوالبى عن بن عباس يقول ~~أولوا القوة في العبادة قال بن أبي حاتم وروى عن سعيد بن جبير وعطاء ~~الخراسانى والحسن والضحاك والسدى وقتادة وأبي سنان ومبشر بن عبيد نحو ذلك و ~~( الابصار ( قال الأبصار الفقه في الدين وقال مجاهد ( الابصار ( الصواب في ~~الحكم وعن سعيد بن جبير قال البصيرة بدين الله وكتابه وعن عطاء الخراسانى ( ~~أولى الأيدى والأبصار ( قال أولوا القوة في العبادة والبصر والعلم بأمر ~~الله وعن مجاهد وروى عن قتادة قال أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين # وجميع حكماء الأمم يفضلون هذين النوعين مثل حكماء اليونان والهند والعرب ~~قال بن قتيبة الحكمة عند العرب العلم والعمل فالعمل الصالح هو عبادة الله ~~وحده لا شريك له وهو الدين دين الاسلام والعلم والهدى هو ms5791 تصديق الرسول فيما ~~أخبر به عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وغير ذلك فالعلم النافع ~~هو الايمان والعمل الصالح هو الاسلام العلم النافع من علم الله والعمل ~~الصالح هو العمل بأمر الله هذا تصديق الرسول فيما أخبر وهذا PageV19P170 ~~طاعته فيما أمر وضد الأول ان يقول على الله ما لا يعلم وضد الثانى ان يشرك ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا والأول أشرف فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا ~~( قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ( وجميع الطوائف تفضل ~~هذين النوعين لكن الذي جاء به الرسول هو أفضل ما فيهما كما قال ( ان هذا ~~القرآن يهدى للتى هي أقوم ( # وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتى الفجر تارة ( سورة الاخلاص ~~( و ( قل يا أيها الكافرون ( ففى ( قل يا أيها الكافرون ( عبادة الله وحده ~~وهو دين الاسلام وفي ( قل هو الله أحد ( صفة الرحمن وان يقال فيه ويخبر عنه ~~بما يستحقه وهو الايمان هذا هو التوحيد القولي وذلك هو التوحيد العملى # وكان تارة يقرأ فيهما في الأولى بقوله في البقرة ( قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى ~~موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ~~( وفى الثانية ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ( إلى ~~قوله ( فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون PageV19P171 قال أبو العالية ~~في قوله ( فلنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ( قال خلتان يسئل عنهما كل ~~أحد ماذا كنت تعبد وماذا أجبت المرسلين فالأولى تحقيق شهادة أن لا إله إلا ~~الله والثانية تحقيق الشهادة بان محمدا رسول الله # والصوفية بنوا أمرهم على الارادة ولا بد منها لكن بشرط أن تكون ارادة ~~عبادة الله وحده بما أمر # والمتكلمون بنوا أمرهم على النظر المقتضى للعلم ولا بد منه لكن بشرط ان ~~يكون علما بما أخبر به الرسول والنظر في الأدلة التى دل بها الرسول وهي ~~آيات الله ولا ms5792 بد من هذا وهذا # ومن طلب علما بلا إرادة أو ارادة بلا علم فهو ضال ومن طلب هذا وهذا بدون ~~اتباع الرسول فيهما فهو ضال بل كما قال من قال من السلف الدين والايمان قول ~~وعمل واتباع السنة وأهل الفقه في الأعمال الظاهرة يتكلمون في العبادات ~~الظاهرة وأهل التصوف والزهد يتكلمون في قصد الانسان وارادته وأهل النظر ~~والكلام وأهل العقائد من اهل الحديث وغيرهم يتكلمون في العلم والمعرفة ~~والتصديق الذي هو أصل الارادة ويقولون العبادة لابد فيها من القصد والقصد ~~لايصح إلا بعد العلم بالمقصود المعبود وهذا صحيح PageV19P172 فلابد من ~~معرفة المعبود وما يعبد به فالضالون من المشركين والنصارى وأشباههم لهم ~~عبادات وزهادات لكن لغير الله أو بغير أمر الله وانما القصد والارادة ~~النافعة هو ارادة عبادة الله وحده وهو انما يعبد بما شرع لا بالبدع # وعلى هذين الأصلين يدور دين الاسلام على أن يعبد الله وحده وأن يعبد بما ~~شرع ولا يعبد بالبدع وأما العلم والمعرفة والتصوف فمدارها على أن يعرف ما ~~أخبر به الرسول ويعرف ان ما أخبر به حق اما لعلمنا بانه لا يقول الا حقا ~~وهذا تصديق عام واما لعلمنا بان ذلك الخبر حق بما أظهر الله من آيات صدقه ~~فانه انزل الكتاب والميزان وأرى الناس آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم ان القرآن حق ### ||| فصل # وأما ( العمليات ( وما يسميه ناس الفروع والشرع والفقه فهذا قد بينه ~~الرسول أحسن بيان فما شيء مما أمر الله به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه الا ~~بين ذلك وقد قال تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وقال تعالى ( ما كان ~~حديثا يفترى ولكن تصديق PageV19P173 الذى بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ~~ورحمه لقوم يؤمنون ) وقال تعالى ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمه وبشرى للمسلمين ) وقال تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه ) وقال تعالى ( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين ms5793 لهم ~~الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب ~~الا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) فقد بين سبحانه ~~أنه ما أنزل عليه الكتاب إلا ليبين لهم الذى أختلفوا فيه كما بين أنه أنزل ~~جنس الكتاب مع النبيين ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه # وقال تعالى ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربى عليه ~~توكلت واليه أنيب ) وقال تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون ) فقد بين للمسلمين جميع ما يتقونه كما قال ( وقد فصل ~~لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه ) وقال تعالى ( فان تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول ) وهو الرد إلى كتاب الله أو إلى سنة الرسول بعد ~~موته وقوله ( فان تنازعتم ) شرط والفعل نكرة في سياق الشرط فاى شيء تنازعوا ~~فيه ردوه إلى الله والرسول ولو لم يكن بيان الله PageV19P174 والرسول فاصلا ~~للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه # والرسول أنزل الله عليه الكتاب والحكمة كما ذكر ذلك في غير موضع وقد علم ~~أمته الكتاب والحكمة كما قال ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) وكان يذكر في بيته ~~الكتاب والحكمة وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك فقال ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من آيات الله والحكمة ) فآيات الله هي القرآن اذ كان نفس القرآن يدل على ~~انه منزل من الله فهو علامة ودلالة على منزله و ( الحكمة ) قال غير واحد من ~~السلف هي السنة وقال أيضا طائفة كمالك وغيره هي معرفة الدين والعمل به وقيل ~~غير ذلك وكل ذلك حق فهي تتضمن التمييز بين المأمور والمحظور والحق والباطل ~~وتعليم الحق دون الباطل وهذه السنة التى فرق بها بين الحق والباطل وبين ~~الأعمال الحسنة من القبيحة والخير من الشر وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم ~~انه قال ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي الا هالك ) # وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كلام نحو هذا وهذا كثير في الحديث ms5794 ~~والآثار يذكرونه في الكتب التى تذكر فيها هذه الآثار كما يذكر مثل ذلك غير ~~واحد فيما يصنفونه في السنة مثل بن بطة واللالكائى والطلمنكى وقبلهم ~~المصنفون في السنة كاصحاب PageV19P175 احمد مثل عبد الله والاثرم وحرب ~~الكرماني وغيرهم ومثل الخلال وغيره # والمقصود هنا تحقيق ذلك وان الكتاب والسنة وافيان بجميع أمور الدين # وأما اجماع الأمة فهو في نفسه حق لا تجتمع الأمة على ضلالة وكذلك القياس ~~الصحيح حق فان الله بعث رسله بالعدل وأنزل الميزان مع الكتاب والميزان ~~يتضمن العدل وما يعرف به العدل وقد فسروا انزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ~~ذلك والله ورسوله يسوى بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين وهذا هو القياس ~~الصحيح وقد ضرب الله في القرآن من كل مثل وبين القياس الصحيح وهى الأمثال ~~المضروبة ما بينه من الحق لكن القياس الصحيح يطابق النص فان الميزان يطابق ~~الكتاب والله أمر نبيه أن يحكم بما أنزل وأمره أن يحكم بالعدل فهو أنزل ~~الكتاب وانما أنزل الكتاب بالعدل قال تعالى ( وان احكم بينهم بما أنزل الله ~~) ( وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) # واما اجماع الأمة فهو حق لا تجتمع الأمة ولله الحمد على ضلالة كما وصفها ~~الله بذلك في الكتاب والسنة فقال تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون PageV19P176 بالله ) وهذا وصف لهم بأنهم ~~يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر كما وصف نبيهم بذلك في قوله ( الذى ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ) وبذلك وصف المؤمنين في قوله ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) فلو قالت الامة في الدين بما هو ~~ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك ولم تنه عن المنكر فيه وقال تعالى ( ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ~~) والوسط العدل الخيار وقد جعلهم الله شهداء على الناس وأقام شهادتهم مقام ~~شهادة الرسول # وقد ثبت في الصحيح أن النبى مر عليه بجنازة فاثنوا عليها خيرا فقال ( ~~وجبت ms5795 وجبت ) ثم مر عليه بجنازة فاثنوا عليها شرا فقال ( وجبت وجبت ( قالوا ~~يارسول الله ما قولك وجبت وجبت قال ( هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت ~~وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم ~~شهداء الله في الأرض ) # فاذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل فاذا شهدوا ان الله أمر ~~بشيء فقد أمر به واذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه ولو كانوا ~~يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله PageV19P177 في الأرض بل زكاهم ~~الله في شهادتهم كما زكى الأنبياء فيما يبلغون عنه أنهم لا يقولون عليه إلا ~~الحق وكذلك الأمة لا تشهد على الله الا بحق وقال تعالى ( واتبع سبيل من ~~أناب الي ) والأمة منيبة إلى الله فيجب اتباع سبيلها وقال تعالى ( ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ) فرضي عمن اتبع السابقين إلى يوم القيامة فدل على ان ~~متابعهم عامل بما يرضى الله والله لا يرضى الا بالحق لا بالباطل وقال تعالى ~~( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) # وكان عمر بن عبد العزيز يقول كلمات كان مالك يأثرها عنه كثيرا قال سن ~~رسول الله وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال ~~لطاعة الله ومعونة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأى من ~~خالفها فمن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله تعالى ما تولى وأصلاه ~~جهنم وساءت مصيرا والشافعى رضى الله عنه لما جرد الكلام في أصول الفقه احتج ~~بهذه الآية على الاجماع كما كان هو وغيره ومالك ذكر عن عمر بن عبد العزيز ~~والآية دلت على أن متبع غير سبيل المؤمنين مستحق PageV19P178 للوعيد كما أن ~~مشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى مستحق للوعيد ومعلوم أن هذا الوصف ~~يوجب الوعيد بمجرده فلو لم يكن الوصف الآخر يدخل في ذلك ms5796 لكان لا فائدة في ~~ذكره # وهنا للناس ثلاثة أقوال قيل اتباع غير سبيل المؤمنين هو بمجرد مخالفة ~~الرسول المذكورة في ألآية وقيل بل مخالفة الرسول مستقلة بالذم فكذلك اتباع ~~غير سبيلهم مستقل بالذم وقيل بل اتباع غير سبيل المؤمنين يوجب الذم كما دلت ~~عليه الآية لكن هذا لا يقتضى مفارقة الأول بل قد يكون مستلزما له فكل متابع ~~غير سبيل المؤمنين هو في نفس الأمر مشاق للرسول وكذلك مشاق الرسول متبع غير ~~سبيل المؤمنين وهذا كما في طاعة الله والرسول فان طاعة الله واجبة وطاعة ~~الرسول واجبة وكل واحد من معصية الله ومعصية الرسول موجب للذم وهما ~~متلازمان فانه من يطع الرسول فقد أطاع الله # وفى الحديث الصحيح عن النبى قال ( من أطاعنى فقد أطاع الله ومن أطاع ~~أميرى فقد أطاعنى ومن عصانى فقد عصى الله ومن عصى أميرى فقد عصانى ) وقال ( ~~انما الطاعة في المعروف ) يعنى اذا أمر اميرى بالمعروف فطاعته من طاعتى وكل ~~من عصى الله فقد عصى الرسول فان الرسول يأمر بما أمر الله PageV19P179 به ~~بل من أطاع رسولا واحدا فقد أطاع جميع الرسل ومن آمن بواحد منهم فقد آمن ~~بالجميع ومن عصى واحدا منهم فقد عصى الجميع ومن كذب واحدا منهم فقد كذب ~~الجميع لأن كل رسول يصدق الآخر ويقول انه رسول صادق ويأمر بطاعته فمن كذب ~~رسولا فقد كذب الذي صدقه ومن عصاه فقد عصى من أمر بطاعته # ولهذا كان دين الأنبياء واحدا كما في الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه ~~عن النبى أنه قال ( انا معاشر الأنبياء ديننا واحد ) وقال تعالى ( شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) وقال تعالى ( يا أيها الرسل كلوا ~~من الطيبات واعملوا صالحا اني بما تعملون عليم وان هذه أمتكم أمة واحدة ~~وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ) وقال ~~تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ms5797 التى فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما لديهم فرحون ) # ودين الأنبياء كلهم الاسلام كما أخبر الله بذلك في غير موضع PageV19P180 ~~وهو الإستسلام لله وحده وذلك انما يكون بطاعته فيما أمر به في ذلك الوقت ~~فطاعة كل نبى هي من دين الاسلام اذ ذاك واستقبال بيت المقدس كان من دين ~~الاسلام قبل النسخ ثم لما أمر باستقبال الكعبة صار استقبالها من دين ~~الاسلام ولم يبق استقبال الصخرة من دين الاسلام ولهذا خرج اليهود والنصارى ~~عن دين الاسلام فانهم تركوا طاعة الله وتصديق رسوله واعتاضوا عن ذلك بمبدل ~~أو منسوخ # وهكذا كل مبتدع دينا خالف به سنة الرسول لا يتبع الا دينا مبدلا أو ~~منسوخا فكل من خالف ما جاء به الرسول اما أن يكون ذلك قد كان مشروعا لنبى ~~ثم نسخ على لسان محمد واما أن لا يكون شرع قط فهذا كالأديان التى شرعها ~~الشياطين على ألسنة أوليائهم قال تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ~~ما لم يأذن به الله ( وقال ( وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ~~وان أطعتموهم انكم لمشركون ( وقال ( وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس ~~والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون ( # ولهذا كان الصحابة اذا قال أحدهم برأيه شيئا يقول ان كان صوابا فمن الله ~~وان كان خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله بريئان PageV19P181 منه كما قال ~~ذلك بن مسعود وروى عن أبى بكر وعمر فالأقسام ثلاثة فانه اما ان يكون هذا ~~القول موافقا لقول الرسول اولا يكون واما أن يكون موافقا لشرع غيره واما أن ~~لا يكون فهذا الثالث المبدل كأديان المشركين والمجوس وما كان شرعا لغيره ~~وهو لا يوافق شرعه فقد نسخ كالسبت وتحريم كل ذى ظفر وشحم الثرب والكليتين ~~فان اتخاذ السبت عيدا وتحريم هذه ms5798 الطيبات قد كان شرعا لموسى ثم نسخ بل قد ~~قال المسيح ( ولا حل لكم بعض الذى حرم عليكم ( فقد نسخ الله على لسان ~~المسيح بعض ما كان حراما في شرع موسى # وأما محمد فقال الله فيه ( الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~ويضع عنهم اصرهم والاغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون ( والشرك كله من المبدل لم ~~يشرع الله الشرك قط كما قال ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون ) وقال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول الا ~~نوحى إليه أنه لا اله الا أنا فاعبدون ( # وكذلك ما كان يحرمه أهل الجاهلية مما ذكره الله في القرآن PageV19P182 ~~كالسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك هو من الدين المبدل ولهذا لما ذكر الله ~~ذلك عنهم في سورة الأنعام بين ان من حرم ذلك فقد كذب على الله وذكر تعالى ~~ما حرمه على لسان محمد وعلى لسان موسى في الانعام فقال ( قل لا أجد فيما ~~أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ~~خنزير فانه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك ~~غفور رحيم وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما الا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ~~ببغيهم وانا لصادقون ( وكذلك قال بعد هذا ( وعلى الذين هادوا حرمنا ما ~~قصصنا عليك من قبل ( # فبين ان ما حرمه المشركون لم يحرمه على لسان موسى ولا لسان محمد وهذان ~~هما اللذان جاءا بكتاب فيه الحلال والحرام كما قال تعالى ( قل فأتوا بكتاب ~~من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ( وقال تعالى ( ومن قبله كتاب موسى اماما ~~ورحمة ( وقال تعالى ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ( إلى قوله ( ~~وهذا ms5799 كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه ( وقالت الجن لما سمعت القرآن ~~( انا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق والى ~~طريق مستقيم ( وقال ورقة بن نوفل PageV19P183 ان هذا والذى جاء به موسى ~~ليخرجان من مشكاة واحدة وكذلك قال النجاشى # فالقرآن والتوراة هما كتابان جاءا من عند الله لم يأت من عنده كتاب أهدى ~~منهما كل منهما أصل مستقل والذى فيهما دين واحد وكل منهما يتضمن اثبات صفات ~~الله تعالى والأمر بعبادته وحده لا شريك له ففيه التوحيد قولا وعملا كما في ~~سورتى الاخلاص ( قل يا أيها الكافرون ( و ( قل هو الله أحد ( # وأما الزبور فان داود لم يأت بغير شريعة التوراة وانما في الزبور ثناء ~~على الله ودعاء وأمر ونهى بدينه وطاعته وعبادته مطلقا # واما المسيح فانه قال ( ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم ( فاحل لهم بعض ~~المحرمات وهو في الاكثر متبع لشريعة التوراة ولهذا لم يكن بد لمن اتبع ~~المسيح من ان يقرأ التوراة ويتبع ما فيها اذ كان الانجيل تبعا لها # وأما القرآن فانه مستقل بنفسه لم يحوج أصحابه إلى كتاب آخر بل اشتمل على ~~جميع ما في الكتب من المحاسن وعلى زيادات كثيرة لا توجد في الكتب فلهذا كان ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب PageV19P184 ومهيمنا عليه يقرر ما فيها من ~~الحق ويبطل ما حرف منها وينسخ ما نسخه الله فيقرر الدين الحق وهو جمهور ما ~~فيها ويبطل الدين المبدل الذى لم يكن فيها والقليل الذى نسخ فيها فان ~~المنسوخ قليل جدا بالنسبة إلى المحكم المقرر # والأنبياء كلهم دينهم واحد وتصديق بعضهم مستلزم تصديق سائرهم وطاعة بعضهم ~~تستلزم طاعة سائرهم وكذلك التكذيب والمعصية لا يجوز ان يكذب نبى نبيا بل ان ~~عرفه صدقه والا فهو يصدق بكل ما أنزل الله مطلقا وهو يأمر بطاعة من أمر ~~الله بطاعته ولهذا كان من صدق محمدا فقد صدق كل نبى ومن أطاعه فقد أطاع كل ~~نبى ومن كذبه فقد كذب كل نبى ومن ms5800 عصاه فقد عصى كل نبى قال تعالى ( ان الذين ~~يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا ( وقال ~~تعالى أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا ~~خزى في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل ~~عما تعملون ( # ومن كذب هؤلاء تكذيبا بجنس الرسالة فقد صرح بأنه يكذب الجميع ولهذا يقول ~~تعالى ( كذبت قوم نوح المرسلين ( ولم PageV19P185 يرسل اليهم قبل نوح أحدا ~~وقال تعالى ( وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ( # وكذلك من كان من الملاحدة والمتفلسفة طاعنا في جنس الرسل كما قدمنا بأن ~~يزعم أنهم لم يعلموا الحق أو لم يبينوه فهو مكذب لجميع الرسل كالذين قال ~~فيهم ( الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون اذ الأغلال ~~في اعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ( وقال تعالى ( ~~فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ~~فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التى قد خلت في عباده وخسر ~~هنالك الكافرون ( وقال تعالى عن الوليد ( انه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل ~~كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال ان هذا الا سحر يؤثر ان ~~هذا الا قول البشر ( # وأهل الكتاب منهم من يؤمن بجنس الرسالة لكن يكذب بعض الرسل كالمسيح ومحمد ~~فهؤلاء لما آمنوا ببعض وكفروا ببعض كانوا كافرين حقا وكثير من الفلاسفة ~~والباطنية وكثير من أهل الكلام والتصوف لا يكذب الرسل تكذيبا صريحا ولا ~~يؤمن بحقيقة النبوة والرسالة بل يقر بفضلهم في الجملة مع كونه يقول ان ~~غيرهم أعلم PageV19P186 منهم أو انهم لم يبينوا الحق أو لبسوه أو ان النبوة ~~هي فيض يفيض على النفوس من العقل الفعال من جنس ما يراه النائم ولا يقر ms5801 ~~بملائكة مفضلين ولا بالجن ونحو ذلك فهؤلاء يقرون ببعض صفات الأنبياء دون ~~بعض وبما أوتوه دون بعض ولا يقرون بجميع ما أوتيه الأنبياء وهؤلاء قد يكون ~~أحدهم شرا من اليهود والنصارى الذين أقروا بجميع صفات النبوة لكن كذبوا ~~ببعض الأنبياء فان الذي أقر به هؤلاء مما جاءت به الأنبياء أعظم واكثر اذ ~~كان هؤلاء يقرون بأن الله خلق السماوات والأرض في ستة ايام ويقرون بقيام ~~القيامة ويقرون بأنه تجب عبادته وحده لا شريك له ويقرون بالشرائع المتفق ~~عليها وأولئك يكذبون بهذا وانما يقرون ببعض شرع محمد # ولهذا كان اليهود والنصارى أقل كفرا من الملاحدة الباطنية والمتفلسفة ~~ونحوهم لكن من كان من اليهود والنصارى قد دخل مع هؤلاء فقد جمع نوعى الكفر ~~اذ لم يؤمن بجميع صفاتهم ولا بجميع أعيانهم وهؤلاء موجودون في دول الكفار ~~كثيرا كما يوجد أيضا في المنتسبين إلى الاسلام من هؤلاء وهؤلاء اذ كانوا في ~~دولة المسلمين # وأهل الكتاب كانوا منافقين فيهم من النفاق بحسب ما فيهم PageV19P187 من ~~الكفر والنفاق يتبعض والكفر يتبعض ويزيد وينقص كما ان الايمان يتبعض ويزيد ~~وينقص قال الله تعالى ( انما النسيء زيادة في الكفر ( وقال ( واذا ما أنزلت ~~سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايمانا فاما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا ~~وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون ( وقال ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين الا خسارا ( وقال ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل اليك من ربك ~~طغيانا وكفرا ( وقال ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ( وقال ( في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ( وقال ( ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا ( # وكثير من المصنفين في الكلام لا يردون على أهل الكتاب الا ما يقولون انه ~~يعلم بالعقل مثل تثليث النصارى ومثل تكذيب محمد ولا يناظرونهم في غير هذا ~~من أصول الدين وهذا تقصير منهم ومخالفة لطريقة القرآن فان الله يبين في ~~القرآن ما خالفوا به الأنبياء ويذمهم ms5802 على ذلك والقرآن مملوء من ذلك اذ كان ~~الكفر والايمان يتعلق بالرسالة والنبوة فاذا تبين ما خالفوا فيه الأنبياء ~~ظهر كفرهم PageV19P188 وأولئك المتكلمون لما أصلوا لهم دينا بما أحدثوه من ~~الكلام كالاستدلال بالاعراض على حدوث الأجسام ظنوا ان هذا هو أصول الدين ~~ولو كان ما قالوه حقا لكان ذلك جزءا من الدين فكيف اذا كان باطلا # وقد ذكرت في الرد على النصارى من مخالفتهم للانبياء كلهم مع مخالفتهم ~~لصريح العقل ما يظهر به من كفرهم ما يظهر ولهذا قيل فيه ( الجواب الصحيح ~~لمن بدل دين المسيح ( وخطابهم في مقامين # أحدهما # تبديلهم لدين المسيح # والثانى تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم واليهود خطابهم في تكذيب من ~~بعد موسى إلى المسيح ثم في تكذيب محمد كما ذكر الله ذلك في سورة البقرة في ~~قوله ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ~~ما يؤمنون ( ثم قال ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من ~~قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين ( إلى أن ذكر انهم أعرضوا PageV19P189 عن كتاب الله مطلقا واتبعوا ~~السحر فقال ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كانهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلو ~~الشياطين على ملك سليمان ( إلى قوله ( ولقد علموا لمن اشتراه ماله في ~~الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا ~~واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون # والنصارى نذمهم على الغلو والشرك الذى ابتدعوه وعلى تكذيب الرسول ~~والرهبانية التى ابتدعوها ولا نحمدهم عليها اذ كانوا قد ابتدعوها وكل بدعة ~~ضلالة لكن اذا كان صاحبها قاصدا للحق فقد يعفى عنه فيبقى عمله ضائعا لا ~~فائدة فيه وهذا هو ms5803 الضلال الذي يعذر صاحبه فلا يعاقب ولا يثاب ولهذا قال ( ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( فان المغضوب عليه يعاقب بنفس الغضب والضال ~~فاته المقصود وهو الرحمة والثواب ولكن قد لا يعاقب كما عوقب ذلك بل يكون ~~ملعونا مطرودا ولهذا جاء في حديث زيد بن عمرو بن نفيل ان اليهود قالوا له ~~لن تدخل في ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله وقال له النصارى حتى تأخذ ~~نصيبك من لعنة الله # وقال الضحاك وطائفة ان جهنم طبقات فالعليا لعصاة هذه الامة والتى تليها ~~للنصارى والتى تليها لليهود فجعلوا اليهود تحت النصارى PageV19P190 والقرآن ~~قد شهد بان المشركين واليهود يوجدون أشد عداوة للذين آمنوا من الذين قالوا ~~انا نصارى وشدة العداوة زيادة في الكفر فاليهود أقوى كفرا من النصارى وان ~~كان النصارى أجهل وأضل لكن أولئك يعاقبون على عملهم اذ كانوا عرفوا الحق ~~وتركوه عنادا فكانوا مغضوبا عليهم وهؤلاء بالضلال حرموا أجر المهتدين ~~ولعنوا وطردوا عما يستحقه المهتدون ثم اذا قامت عليهم الحجة فلم يؤمنوا ~~استحقوا العقاب إذ كان اسم الضلال عاما # وقد كان النبى يقول في الحديث الصحيح في خطبة يوم الجمعة ( خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ( ولم ~~يقل وكل ضلالة في النار بل يضل عن الحق من قصد الحق وقد اجتهد في طلبه فعجز ~~عنه فلا يعاقب وقد يفعل بعض ما أمر به فيكون له أجر على اجتهاده وخطؤه الذي ~~ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له # وكثير من مجتهدى السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا انه ~~بدعة إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها ~~وإما لرأى رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم PageV19P191 واذا اتقى الرجل ~~ربه ما استطاع دخل في قوله ( ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو اخطأنا ( وفي ~~الصحيح ان الله قال ( قد فعلت ( وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا ان الرسول بين جميع الدين بالكتاب والسنة وأن الاجماع ms5804 اجماع ~~الأمة حق فانها لا تجتمع على ضلالة وكذلك القياس الصحيح حق يوافق الكتاب ~~والسنة # والآية المشهورة التى يحتج بها على الاجماع قوله ( ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ( ومن الناس من ~~يقول انها لا تدل على مورد النزاع فان الذم فيها لمن جمع الامرين وهذا لا ~~نزاع فيه أو لمن اتبع غير سبيل المؤمنين التى بها كانوا مؤمنين وهي متابعة ~~الرسول وهذا لا نزاع فيه أو أن سبيل المؤمنين هو الاستدلال بالكتاب والسنة ~~وهذا لا نزاع فيه فهذا ونحوه قول من يقول لا تدل على محل النزاع # وآخرون يقولون بل تدل على وجوب اتباع المؤمنين مطلقا وتكلفوا لذلك ما ~~تكلفوه كما قد عرف من كلامهم ولم يجيبوا عن أسئلة أولئك باجوبة شافية ~~PageV19P192 والقول الثالث الوسط انها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين ~~وتحريم اتباع غير سبيلهم ولكن مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى وهو يدل على ذم كل من هذا وهذا كما تقدم لكن لا ينفى تلازمهما كما ~~ذكر في طاعة الله والرسول وحينئذ نقول الذم اما أن يكون لاحقا لمشاقة ~~الرسول فقط أو باتباع غير سبيلهم فقط أو أن يكون الذم لا يلحق بواحد منهما ~~بل بهما إذا اجتمعا أو يلحق الذم بكل منهما وان انفرد عن الآخر أو بكل ~~منهما لكونه مستلزما للآخر والأولان باطلان لأنه لو كان المؤثر احدهما فقط ~~كان ذكر الآخر ضائعا لا فائدة فيه وكون الذم لا يلحق بواحد منهما باطل قطعا ~~فان مشاقة الرسول موجبة للوعيد مع قطع النظر عمن اتبعه ولحوق الذم بكل ~~منهما وان انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية فان الوعيد فيها انما هو على ~~المجموع # بقي القسم الآخر وهو ان كلا من الوصفين يقتضى الوعيد لأنه مستلزم للآخر ~~كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول ومخالفة القرآن والاسلام فيقال من ~~خالف القرآن والاسلام أو من خرج عن القرآن والاسلام فهو من أهل ms5805 النار ومثله ~~قوله ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا ~~بعيدا ( فان الكفر بكل من هذه الاصول يستلزم الكفر بغيره فمن كفر بالله كفر ~~PageV19P193 بالجميع ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرا بالله ~~إذ كذب رسله وكتبه وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل فكان كافرا # وكذلك قوله ( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم ~~تعلمون ( ذمهم على الوصفين وكل منهما مقتض للذم وهما متلازمان ولهذا نهى ~~عنهما جميعا في قوله ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ~~( فانه من لبس الحق بالباطل فغطاه به فغلط به لزم أن يكتم الحق الذى تبين ~~أنه باطل إذ لو بينه زال الباطل الذي لبس به الحق # فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ومن شاقه فقد اتبع غير ~~سبيلهم وهذا ظاهر ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه ايضا فانه قد جعل له مدخلا ~~في الوعيد فدل على أنه وصف مؤثر في الذم فمن خرج عن اجماعهم فقد اتبع غير ~~سبيلهم قطعا والآية توجب ذم ذلك وإذا قيل هي انما ذمته مع مشاقة الرسول ~~قلنا لأنهما متلازمان وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فانه يكون منصوصا ~~عن الرسول فالمخالف لهم مخالف للرسول كما أن المخالف للرسول مخالف لله ولكن ~~هذا يقتضى ان كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول وهذا هو الصواب PageV19P194 # فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك ~~على بعض الناس ويعلم الاجماع فيستدل به كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف ~~دلالة النص وهو دليل ثان مع النص كالأمثال المضروبة في القرآن وكذلك ~~الاجماع دليل آخر كما يقال قد دل على ذلك الكتاب والسنة والاجماع وكل من ~~هذه الاصول يدل على الحق مع تلازمها فان ما دل عليه الاجماع فقد دل عليه ~~الكتاب والسنة وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ فالكتاب والسنة كلاهما ~~مأخوذ عنه ولا يوجد مسألة يتفق الاجماع عليها ms5806 الا وفيها نص # وقد كان بعض الناس يذكر مسائل فيها اجماع بلا نص كالمضاربة وليس كذلك بل ~~المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش فان الأغلب كان عليهم ~~التجارة وكان أصحاب الاموال يدفعونها إلى العمال ورسول الله قد سافر بمال ~~غيره قبل النبوة كما سافر بمال خديجة والعير التى كان فيها أبو سفيان كان ~~اكثرها مضاربة مع أبى سفيان وغيره فلما جاء الاسلام أقرها رسول الله وكان ~~أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة ولم ينه عن ذلك والسنة قوله وفعله ~~واقراره فلما اقرها كانت ثابتة بالسنة PageV19P195 والاثر المشهور فيها عن ~~عمر الذي رواه مالك في الموطأ ويعتمد عليه الفقهاء لما أرسل أبو موسى بمال ~~أقرضه لا بنيه واتجرا فيه وربحا وطلب عمر أن يأخذ الربح كله للمسلمين لكونه ~~خصهما بذلك دون سائر الجيش فقال له أحدهما لو خسر المال كان علينا فكيف ~~يكون لك الربح وعلينا الضمان فقال له بعض الصحابة اجعله مضاربا فجعله ~~مضاربة وانما قال ذلك لأن المضاربة كانت معروفة بينهم والعهد بالرسول قريب ~~لم يحدث بعده فعلم انها كانت معروفة بينهم على عهد الرسول كما كانت الفلاحة ~~وغيرها من الصناعات كالخياطة والجزارة وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد ~~تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأى ~~الموافق للنص لكن كان النص عند غيرهم # وبن جرير وطائفة يقولون لا ينعقد الاجماع إلا عن نص نقلوه عن الرسول مع ~~قولهم بصحة القياس # ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل ~~الأخبار لكن استقرأنا موارد الاجماع فوجدناها كلها منصوصة وكثير من العلماء ~~لم يعلم النص وقد وافق الجماعة كما أنه قد يحتج بقياس وفيها اجماع لم يعلمه ~~فيوافق الاجماع وكما يكون في المسألة نص خاص وقد استدل فيها بعضهم بعموم ~~كاستدلال بن مسعود وغيره بقوله ( وأولات الأحمال أجلهن ان يضعن حملهن ( ~~وقال بن مسعود PageV19P196 سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى أي بعد ~~البقرة وقوله ( أجلهن أن يضعن حملهن ( يقتضى انحصار الأجل ms5807 في ذلك فلو أوجب ~~عليها أن تعتد بأبعد الأجلين لم يكن أجلها أن تضع حملها وعلي وبن عباس ~~وغيرهما أدخلوها في عموم الآيتين وجاء النص الخاص في قصة سبيعة الاسلمية ~~بما يوافق قول بن مسعود # وكذلك لما تنازعوا في المفوضة إذا مات زوجها هل لها مهر المثل أفتى بن ~~مسعود فيها برأيه أن لها مهر المثل ثم رووا حديث بروع بنت واشق بما يوافق ~~ذلك وقد خالفه علي وزيد وغيرهما فقالوا لا مهر لها # فثبت أن بعض المجتهدين قد يفتى بعموم أو قياس ويكون في الحادثة نص خاص لم ~~يعلمه فيوافقه ولا يعلم مسألة واحدة اتفقوا على انه لا نص فيها بل عامة ما ~~تنازعوا فيه كان بعضهم يحتج فيه بالنصوص أولئك احتجوا بنص كالمتوفى عنها ~~الحامل وهؤلاء احتجوا بشمول الآيتين لها والآخرين قالوا إنما يدخل في آية ~~الحمل فقط وإن آية الشهور في غير الحامل كما أن آية القروء في غير الحامل # وكذلك لما تنازعوا في الحرام احتج من جعله يمينا بقوله ( لم تحرم ~~PageV19P197 ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم ( # وكذلك لما تنازعوا في المبتوتة هل لها نفقة أو سكنى احتج هؤلاء بحديث ~~فاطمة وبان السكنى التى في القرآن للرجعية وأولئك قالوا بل هي لهما # ودلالات النصوص قد تكون خفية فخص الله بفهمهن بعض الناس كما قال علي الا ~~فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه # وقد يكون النص بينا ويذهل المجتهد عنه كتيمم الجنب فانه بين في القرآن في ~~آيتين ولما احتج أبو موسى على بن مسعود بذلك قال الحاضر ما درى عبد الله ما ~~يقول إلا أنه قال لو أرخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا وجد المرء البرد أن ~~يتيمم وقد قال بن عباس وفاطمة بنت قيس وجابر ان المطلقة في القرآن هي ~~الرجعية بدليل قوله ( لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ( وأى أمر يحدثه ~~بعد الثلاثة # وقد احتج طائفة على وجوب العمرة بقوله ( وأتموا ms5808 الحج والعمرة لله ( واحتج ~~بهذه الآية من منع الفسخ وآخرون يقولون إنما أمر PageV19P198 بالاتمام فقط ~~وكذلك أمر الشارع أن يتم وكذلك في الفسخ قالوا من فسخ العمرة إلى غير حج ~~فلم يتمها أما إذا فسخها ليحج من عامه فهذا قد أتى بما تم مما شرع فيه فانه ~~شرع في حج مجرد فأتى بعمرة في الحج ولو لم يكن هذا إتماما لما أمر به النبى ~~أصحابه عام حجة الوداع # وتنازعوا في الذي بيده عقدة النكاح وفي قوله ( أو لامستم النساء ( ونحو ~~ذلك مما ليس هذا موضع استقصائه # وأما مسألة مجردة اتفقوا على أنه لا يستدل فيها بنص جلى ولا خفى فهذا ما ~~لا أعرفه # والجد لما قال أكثرهم انه أب استدلوا على ذلك بالقرآن بقوله ( كما أخرج ~~أبويكم من الجنة ( وقال بن عباس لو كانت الجن تظن ان الانس تسمى أبا الاب ~~جدا لما قالت ( وانه تعالى جد ربنا ( يقول إنما هو أب لكن أب أبعد من أب # وقد روى عن على وزيد أنهما احتجا بقياس فمن ادعى إجماعهم على ترك العمل ~~بالرأى والقياس مطلقا فقد غلط ومن ادعى ان من المسائل ما لم يتكلم فيها أحد ~~منهم إلا بالرأى والقياس فقد غلط بل PageV19P199 كان كل منهم يتكلم بحسب ما ~~عنده من العلم فمن رأى دلالة الكتاب ذكرها ومن رأى دلالة الميزان ذكرها ~~والدلائل الصحيحة لا تتناقض لكن قد يخفى وجه اتفاقها أو ضعف أحدها على بعض ~~العلماء # وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين كما أن لهم معرفة بأمور ~~من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين فانهم شهدوا الرسول ~~والتنزيل وعاينوا الرسول وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله مما يستدلون به ~~على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك فطلبوا الحكم ~~مما اعتقدوه من إجماع أو قياس # ومن قال من المتأخرين إن الاجماع مستند معظم الشريعة فقد أخبر عن حاله ~~فانه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ذلك وهذا كقولهم ان أكثر ~~الحوادث يحتاج فيها إلى ms5809 القياس لعدم دلالة النصوص عليها فانما هذا قول من ~~لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتهما على الاحكام وقد قال الامام أحمد رضي ~~الله عنه إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها فانه لما ~~فتحت البلاد وانتشر الاسلام حدثت جميع أجناس الاعمال فتكلموا فيها بالكتاب ~~والسنة وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة والاجماع لم يكن يحتج به ~~عامتهم ولا يحتاجون إليه إذ هم أهل الاجماع فلا اجماع قبلهم لكن لما جاء ~~التابعون كتب عمر إلى شريح اقض بما في كتاب PageV19P200 الله فان لم تجد ~~فبما في سنة رسول الله فان لم تجد فبما به قضى الصالحون قبلك وفي رواية ~~فبما أجمع عليه الناس # وعمر قدم الكتاب ثم السنة وكذلك بن مسعود قال مثل ما قال وعمر قدم الكتاب ~~ثم السنة ثم الاجماع وكذلك بن عباس كان يفتى بما في الكتاب ثم بما في السنة ~~ثم بسنة أبي بكر وعمر لقوله ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ( وهذه ~~الآثار ثابتة عن عمر وبن مسعود وبن عباس وهم من أشهر الصحابة بالفتيا ~~والقضاء وهذا هو الصواب # ولكن طائفة من المتأخرين قالوا يبدأ المجتهد بان ينظر أولا في الاجماع ~~فان وجده لم يلتفت إلى غيره وإن وجد نصا خالفه اعتقد انه منسوخ بنص لم ~~يبلغه وقال بعضهم الاجماع نسخه والصواب طريقة السلف # وذلك لأن الاجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع الاجماع نص معروف به أن ~~ذلك منسوخ فأما ان يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ ~~فهذا لا يوجد قط وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه واضاعة ما أمرت ~~باتباعه وهي معصومة عن ذلك ومعرفة الاجماع قد تتعذر كثيرا أو غالبا فمن ذا ~~الذي PageV19P201 يحيط بأقوال المجتهدين بخلاف النصوص فان معرفتها ممكنة ~~متيسرة # وهم إنما كانوا يقضون بالكتاب اولا لأن السنة لا تنسخ الكتاب فلا يكون في ~~القرآن شيء منسوخ بالسنة بل إن كان فيه منسوخ كان في القرآن ms5810 ناسخه فلا يقدم ~~غير القرآن عليه ثم إذا لم يجد ذلك طلبه في السنة ولا يكون في السنة شيء ~~منسوخ إلا والسنة نسخته لا ينسخ السنة اجماع ولا غيره ولا تعارض السنة ~~باجماع واكثر الفاظ الآثار فان لم يجد فالطالب قد لا يجد مطلوبه في السنة ~~مع انه فيها وكذلك في القرآن فيجوز له إذا لم يجده في القرآن أن يطلبه في ~~السنة واذا كان في السنة لم يكن ما في السنة معارضا لما في القرآن وكذلك ~~الاجماع الصحيح لا يعارض كتابا ولا سنة # تم بحمد الله وعونه وصلواته على خير بريته محمد وآله وسلم PageV19P202 ### || 1 ( قاعدة في تصويب المجتهدين وتخطئتهم ) 1 # وقال رحمه الله بعد كلام له # ونحن نذكر ( قاعدة جامعة ( في هذا الباب لسائر الامة فنقول # لابد أن يكون مع الانسان أصول كلية ترد اليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ~~ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت والا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم ~~في الكليات فيتولد فساد عظيم فنقول ان الناس قد تكلموا في تصويب المجتهدين ~~وتخطئتهم وتأثيمهم وعدم تأثيمهم في مسائل الفروع والاصول ونحن نذكر أصولا ~~جامعة نافعة ### || الاصل الاول # انه هل يمكن كل واحد أن يعرف باجتهاده الحق في كل مسألة فيها نزاع وإذا ~~لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق بل قال ما اعتقد أنه هو ~~الحق في نفس الامر ولم يكن هو الحق في نفس الأمر هل PageV19P203 يستحق أن ~~يعاقب أم لا هذا أصل هذه المسألة # وللناس في هذا الاصل ثلاثة أقوال كل قول عليه طائفة من النظار # الأول قول من يقول ان الله قد نصب على الحق في كل مسألة دليلا يعرف به ~~يتمكن كل من اجتهد واستفرغ وسعه ان يعرف الحق وكل من لم يعرف الحق في مسألة ~~أصولية أو فروعية فانما هو لتفريطه فيما يجب عليه لا لعجزه وهذا القول هو ~~المشهور عن القدرية والمعتزلة وهو قول طائفة من أهل الكلام غير هؤلاء ثم ~~قال هؤلاء أما المسائل العلمية ms5811 فعليها أدلة قطعية تعرف بها فكل من لم ~~يعرفها فانه لم يستفرغ وسعه في طلب الحق فيأثم وأماالمسائل العملية الشرعية ~~فلهم مذهبان # أحدهما أنها كالعلمية وأنه على كل مسألة دليل قطعى من خالفه فهو آثم ~~وهؤلاء الذين يقولون المصيب واحد في كل مسألة أصلية وفرعية وكل من سوى ~~المصيب فهو آثم لأنه مخطيء والخطأ والاثم عندهم متلازمان وهذا قول بشر ~~المريسي وكثير من المعتزلة البغداديين # الثانى ان المسائل العملية ان كان عليها دليل قطعي فان من خالفه ~~PageV19P204 آثم مخطىء كالعلمية وان لم يكن عليها دليل قطعي فليس لله فيها ~~حكم في الباطن وحكم الله في حق كل مجتهد ما أداه اجتهاده إليه # وهؤلاء وافقوا الأولين في ان الخطأ والاثم متلازمان وان كل مخطىء آثم لكن ~~خالفوهم في المسائل الاجتهادية فقالوا ليس فيها قاطع والظن ليس عليه دليل ~~عند هؤلاء وانما هو من جنس ميل النفوس إلى شيء دون شيء فجعلوا الاعتقادات ~~الظنية من جنس الارادات وادعوا أنه ليس في نفس الامر حكم مطلوب بالاجتهاد ~~والاثم في نفس الأمر أمارة أرجح من أمارة وهذا القول قول أبى الهذيل العلاف ~~ومن اتبعه كالجبائى وابنه وهو أحد قولي الاشعرى وأشهرهما وهو اختيار القاضي ~~الباقلانى وأبى حامد الغزالي وأبى بكر بن العربى ومن اتبعهم وقد بسطنا ~~القول في ذلك بسطا كثيرا في غير هذا الموضع # والمخالفون لهم كابى إسحاق الاسفرائينى وغيره من الاشعرية وغيرهم يقولون ~~هذا القول أوله سفسطة وآخره زندقة وهذا قول من يقول ان كل مجتهد في المسائل ~~الاجتهادية العملية فهو مصيب باطنا وظاهرا إذ لا يتصور عندهم أن يكون ~~مجتهدا مخطئا إلا بمعنى أنه خفى عليه بعض الأمور وذلك الذى خفى عليه ليس هو ~~حكم الله لا PageV19P205 في حقه ولا في حق أمثاله واما من كان مخطئا وهو ~~المخطىء في المسائل القطعية فهو آثم عندهم والقول الثانى في أصل المسألة ان ~~المجتهد المستدل قد يمكنه ان يعرف الحق وقد يعجز عن ذلك لكن اذا عجز عن ذلك ~~فقد يعاقبه الله تعالى ms5812 وقد لا يعاقبه فان له أن يعذب من يشاء ويغفر لمن ~~يشاء بلا سبب أصلا بل لمحض المشيئة وهذا قول الجهمية والاشعرية وكثير من ~~الفقهاء واتباع الأئمة الأربعة وغيرهم # ثم قال هؤلاء قد علم بالسمع أن كل كافر فهو في النار فنحن نعلم ان كل ~~كافر فان الله سيعذبه سواء كان قد اجتهد وعجز عن معرفة دين الاسلام أو لم ~~يجتهد وأما المسلمون المختلفون فان كان اختلافهم في الفروعيات فأكثرهم يقول ~~لا عذاب فيها وبعضهم يقول لأن الشارع عفا عن الخطأ فيها وعلم ذلك باجماع ~~السلف على أنه لا إثم على المخطىء فيها وبعضهم يقول لأن الخطأ في الظنيات ~~ممتنع كما تقدم ذكره عن بعض الجهمية والاشعرية # وأما القطعيات فأكثرهم يؤثم المخطىء فيها ويقول إن السمع قد دل على ذلك ~~ومنهم من لا يؤثمه والقول المحكى عن عبيد الله بن الحسن العنبرى هذا معناه ~~أنه كان لا يؤثم المخطىء من المجتهدين من PageV19P206 هذه الأمة لا في ~~الأصول ولا في الفروع وأنكر جمهور الطائفتين من أهل الكلام والرأى على عبيد ~~الله هذا القول وأما غير هؤلاء فيقول هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبى ~~حنيفة والشافعى والثورى وداود بن على وغيرهم لا يؤثمون مجتهدا مخطئا في ~~المسائل الاصولية ولا في الفروعية كما ذكر ذلك عنهم بن حزم وغيره ولهذا كان ~~أبو حنيفة والشافعى وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ويصححون ~~الصلاة خلفهم # والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين ولا يصلى خلفه وقالوا هذا هو القول ~~المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين أنهم لا يكفرون ولا ~~يفسقون ولا يؤثمون أحدا من المجتهدين المخطئين لا في مسألة عملية ولا علمية ~~قالوا والفرق بين مسائل الفروع والأصول انما هو من أقوال أهل البدع من أهل ~~الكلام والمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم وانتقل هذا القول إلى أقوام ~~تكلموا بذلك في اصول الفقه ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره # قالوا والفرق بين ذلك في مسائل الأصول والفروع كما أنها محدثة في الاسلام ~~لم ms5813 يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة ~~فهي باطلة عقلا فان المفرقين بين ما جعلوه مسائل PageV19P207 أصول ومسائل ~~فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين بل ذكروا ثلاثة فروق أو ~~أربعة كلها باطلة فمنهم من قال مسائل الأصول هي العلمية الاعتقادية التى ~~يطلب فيها العلم والا عتقاد فقط ومسائل الفروع هي العملية التى يطلب فيها ~~العمل قالوا وهذا فرق باطل فان المسائل العملية فيها ما يكفر جاحده مثل ~~وجوب الصلوات الخمس والزكاة وصوم شهر رمضان وتحريم الزنى والربا والظلم ~~والفواحش وفى المسائل العلمية مالا يأثم المتنازعون فيه كتنازع الصحابة هل ~~رأى محمد ربه وكتنازعهم في بعض النصوص هل قاله النبى أم لا وما أراد بمعناه ~~وكتنازعهم في بعض الكلمات هل هي من القرآن أم لا وكتنازعهم في بعض معانى ~~القرآن والسنة هل أراد الله ورسوله كذا وكذا وكتنازع الناس في دقيق الكلام ~~كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام وبقاء الاعراض ونحو ذلك فليس في هذا ~~تكفير ولا تفسيق # قالوا والمسائل العملية فيها عمل وعلم فاذا كان الخطأ مغفورا فيها فالتي ~~فيها علم بلا عمل أولى أن يكون الخطأ فيها مغفورا PageV19P208 ومنهم من قال ~~المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعى والفرعية ما ليس عليها دليل ~~قطعى قال اولئك وهذا الفرق خطأ ايضا فان كثيرا من المسائل العملية عليها ~~أدلة قطعية عند من عرفها وغيرهم لم يعرفها وفيها ما هو قطعى بالاجماع ~~كتحريم المحرمات ووجوب الواجبات الظاهرة ثم لو أنكرها الرجل بجهل وتأويل لم ~~يكفر حتى تقام عليه الحجة كما أن جماعة استحلوا شرب الخمر على عهد عمر منهم ~~قدامة ورأوا أنها حلال لهم ولم تكفرهم الصحابة حتى بينوا لهم خطأهم فتابوا ~~ورجعوا # وقد كان على عهد النبى طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى تبين لهم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود ولم يؤثمهم النبى صلى الله عليه وسلم فضلا عن ~~تكفيرهم وخطؤهم قطعى وكذلك أسامة بن زيد قد قتل الرجل المسلم وكان ms5814 خطؤه ~~قطعيا وكذلك الذين وجدوا رجلا في غنم له فقال إنى مسلم فقتلوه وأخذوا ماله ~~كان خطؤهم قطعيا # وكذلك خالد بن الوليد قتل بنى جذيمة وأخذ أموالهم كان مخطئا قطعا وكذلك ~~الذين تيمموا إلى الآباط وعمار الذى تمعك في التراب للجنابة كما تمعك ~~الدابة بل والذين أصابتهم جنابة فلم يتيمموا ولم يصلوا كانوا مخطئين قطعا ~~وفى زماننا لو أسلم قوم في بعض الأطراف ولم PageV19P209 يعلموا بوجوب الحج ~~أو لم يعلموا تحريم الخمر لم يحدوا على ذلك وكذلك لو نشأوا بمكان جهل # وقد زنت على عهد عمر امرأة فلما أقرت به قال عثمان انها لتستهل به ~~استهلال من لا يعلم أنه حرام فلما تبين للصحابة أنها لا تعرف التحريم لم ~~يحدوها واستحلال الزنى خطأ قطعا # والرجل إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه فهو مخطىء قطعا ~~ولا إثم عليه باتفاق وكذلك لا كفارة عليه عند الاكثرين # ومن اعتقد بقاء الفجر فأكل فهو مخطىء قطعا إذا تبين له الأكل بعد الفجر ~~ولا إثم عليه وفى القضاء نزاع وكذلك من اعتقد غروب الشمس فتبين بخلافه ومثل ~~هذا كثير # وقول الله تعالى في القرآن ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) قال ~~الله تعالى ( قد فعلت ( ولم يفرق بين الخطأ القطعى في مسألة قطعية أو ظنية ~~والظنى مالا يجزم بأنه خطأ إلا إذا كان اخطأ قطعا قالوا فمن قال ان المخطىء ~~في مسألة قطعية أو ظنية يأثم فقد خالف الكتاب والسنة والاجماع القديم ~~PageV19P210 قالوا وأيضا فكون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافى بحسب حال ~~المعتقدين ليس هو وصفا للقول في نفسه فان الانسان قد يقطع بأشياء علمها ~~بالضرورة أو بالنقل المعلوم صدقه عنده وغيره لا يعرف ذلك لا قطعا ولا ظنا ~~وقد يكون الانسان ذكيا قوى الذهن سريع الإدراك فيعرف من الحق ويقطع به مالا ~~يتصوره غيره ولا يعرفه لا علما ولا ظنا # فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل إلى الانسان من الأدلة وبحسب قدرته على ~~الاستدلال والناس يختلفون في ms5815 هذا وهذا فكون المسألة قطعية أو ظنية ليس هو ~~صفة ملازمة للقول المتنازع فيه حتى يقال كل من خالفه قد خالف القطعى بل هو ~~صفة لحال الناظر المستدل المعتقد وهذا مما يختلف فيه الناس فعلم أن هذا ~~الفرق لا يطرد ولا ينعكس # ومنهم من فرق بفرق ثالث وقال المسائل الأصولية هي المعلومة بالعقل فكل ~~مسألة علمية استقل العقل بدركها فهي من مسائل الأصول التى يكفر أو يفسق ~~مخالفها والمسائل الفروعية هي المعلومة بالشرع قالوا فالأول كمسائل الصفات ~~والقدر والثانى كمسائل الشفاعة وخروج أهل الكبائر من النار PageV19P211 ~~فيقال لهم ما ذكرتموه بالضد أولى فان الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من ~~الأحكام التى يستقل بها العقل إلى أن قال وحينئذ فان كان الخطأ في المسائل ~~العقلية التى يقال إنها أصول الدين كفرا فهؤلاء السالكون هذه الطرق الباطلة ~~في العقل المبتدعة في الشرع هم الكفار لا من خالفهم وان لم يكن الخطأ فيها ~~كفرا فلا يكفر من خالفهم فيها فثبت أنه ليس كافرا في حكم الله ورسوله على ~~التقديرين ولكن من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالا يجعلونها واجبة في ~~الدين بل يجعلونها من الايمان الذى لابد منه ويكفرون من خالفهم فيها ~~ويستحلون دمه كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم # واهل السنة لا يبتدعون قولا ولا يكفرون من اجتهد فاخطأ وإن كان مخالفا ~~لهم مستحلا لدمائهم كما لم تكفر الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان وعلى ~~ومن والاهما وإستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم # وكلام هؤلاء المتكلمين في هذه المسائل بالتصويب والتخطئة والتأثيم ونفيه ~~والتكفير ونفيه لكونهم بنوا على القولين المتقدمين في قول القدرية الذين ~~يجعلون كل مستدل قادرا على معرفة الحق PageV19P212 فيعذب كل من لم يعرفه ~~وقول الجهمية الجبرية الذين يقولون لا قدرة للعبد على شيء أصلا بل الله ~~يعذب بمحض المشيئة فيعذب من لم يعمل ذنبا قط وينعم من كفر وفسق وقد وافقهم ~~على ذلك كثير من المتأخرين # وهؤلاء يقولون يجوز أن يعذب الأطفال والمجانين وإن لم يفعلوا ذنبا قط ثم ~~منهم ms5816 من يجزم بعذاب أطفال الكفار في الآخرة ومنهم من يجوزه ويقول لا أدري ~~ما يقع وهؤلاء يجوزون أن يغفر لأفسق أهل القبلة بلا سبب أصلا ويعذب الرجل ~~الصالح على السيئة الصغيرة وان كانت له حسنات أمثال الجبال بلا سبب أصلا بل ~~بمحض المشيئة # وأصل الطائفتين أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا ~~مرجح إلى آخر ما نقل رحمه الله # ثم قال وبهذا يظهر القول الثالث في هذا الأصل وهو أنه ليس كل من اجتهد ~~واستدل يتمكن من معرفة الحق ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأمورا أو فعل ~~محظورا وهذا هو قول الفقهاء والأئمة وهو القول المعروف عن سلف الأمة وقول ~~جمهور المسلمين وهذا القول يجمع الصواب من القولين PageV19P213 فالصواب من ~~القول الأول قول الجهمية الذى وافقوا فيه السلف والجمهور وهو أنه ليس كل من ~~طلب واجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق فيه بل استطاعة الناس في ذلك ~~متفاوتة # والقدرية يقولون ان الله تعالى سوى بين المكلفين في القدرة ولم يخص ~~المؤمنين بما فضلهم به على الكفار حتى آمنوا ولا خص المطيعين بما فضلهم به ~~على العصاة حتى أطاعوا وهذا من أقوال القدرية والمعتزلة وغيرهم التى خالفوا ~~بها الكتاب والسنة واجماع السلف والعقل الصريح كما بسط في موضعه # ولهذا قالوا إن كل مستدل فمعه قدرة تامة يتوصل بها إلى معرفة الحق ومعلوم ~~ان الناس إذا اشتبهت عليهم القبلة في السفر فكلهم مأمورون بالاجتهاد ~~والاستدلال على جهة القبلة ثم بعضهم يتمكن من معرفة جهتها وبعضهم يعجز عن ~~ذلك فيغلط فيظن في بعض الجهات أنها جهتها ولا يكون مصيبا في ذلك لكن هو ~~مطيع لله ولا إثم عليه في صلاته اليها لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها فعجزهم عن العلم بها كعجزه عن التوجه اليها كالمقيد والخائف والمحبوس ~~والمريض الذى لا يمكنه التوجه اليها # ولهذا كان الصواب في الأصل الثاني قول من يقول إن الله لايعذب في الآخرة ~~إلا من عصاه بترك PageV19P214 المأمور أو فعل المحظور والمعتزلة في ms5817 هذا ~~وافقوا الجماعة بخلاف الجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم فإنهم قالوا ~~بل يعذب من لا ذنب له أو نحو ذلك # ثم هؤلاء يحتجون على المعتزلة في نفى الايجاب والتحريم العقلى بقوله ~~تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وهو حجة عليهم أيضا في نفى العذاب ~~مطلقا إلا بعد ارسال الرسل وهم يجوزون التعذيب قبل ارسال الرسل فأولئك ~~يقولون يعذب من لم يبعث إليه رسولا لأنه فعل القبائح العقلية وهؤلاء يقولون ~~بل يعذب من لم يفعل قبيحا قط كالأطفال وهذا مخالف للكتاب والسنة والعقل ~~أيضا قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وقال تعالى عن أهل النار ~~( كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم الا في ضلال كبير ) فقد أخبر ~~سبحانه وتعالى بصيغة العموم أنه كلما القى فيها فوج سألهم الخزنة هل جاءهم ~~نذير فيعترفون بأنهم قد جاءهم نذير فلم يبق فوج يدخل النار الا وقد جاءهم ~~نذير فمن لم يأته نذير لم يدخل النار # وقال ( ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ) أى هذا بهذا ~~السبب فعلم أنه لا يعذب من كان غافلا ما لم يأته PageV19P215 نذير ودل أيضا ~~على أن ذلك ظلم تنزه سبحانه عنه # وأيضا فان الله تعالى قد أخبر في غير موضع انه لا يكلف نفسا الا وسعها ~~كقوله ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) وقوله تعالى ( والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها ) وقوله ( لا تكلف نفس إلا وسعها ) وقوله ~~( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) # وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة فقال ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وقد دعاه ~~المؤمنون بقولهم ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ( ~~ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به ) فقال ( قد فعلت ) # فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسا ما تعجز عنه خلافا للجهمية المجبرة ~~ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطىء والناسى خلافا ms5818 للقدرية والمعتزلة # وهذا فصل الخطاب في هذا الباب فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم ~~وناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو ~~الذى كلفه الله إياه وهو مطيع لله مستحق PageV19P216 للثواب إذا اتقاه ما ~~استطاع ولا يعاقبه الله ألبته خلافا للجهمية المجبرة وهو مصيب بمعنى أنه ~~مطيع لله لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه خلافا للقدرية ~~والمعتزلة في قولهم كل من استفرغ وسعه علم الحق فان هذا باطل كما تقدم بل ~~كل من استفرغ وسعه استحق الثواب # وكذلك الكفار من بلغه دعوة النبى في دار الكفر وعلم أنه رسول الله فآمن ~~به وآمن بما أنزل عليه واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشى وغيره ولم ~~تمكنه الهجرة إلى دار الاسلام ولا التزام جميع شرائع الاسلام لكونه ممنوعا ~~من الهجرة وممنوعا من إظهار دينه وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الاسلام ~~فهذا مؤمن من أهل الجنة كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون وكما كانت ~~امرأة فرعون بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر فإنهم كانوا ~~كفارا ولم يمكنه ان يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الاسلام فإنه دعاهم إلى ~~التوحيد والايمان فلم يجيبوه قال تعالى عن مؤمن آل فرعون ( ولقد جاءكم يوسف ~~من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث ~~الله من بعده رسولا # وكذلك النجاشى هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في PageV19P217 # الدخول في الاسلام بل إنما دخل معه نفر منهم ولهذا لما مات لم يكن هناك ~~أحد يصلى عليه فصلى عليه النبى بالمدينة خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم ~~صفوفا وصلى عليه وأخبرهم بموته يوم مات وقال ( إن أخا لكم صالحا من أهل ~~الحبشة مات ) وكثير من شرائع الاسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ~~ذلك فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت بل قد روى أنه لم يصل الصلوات الخمس ~~ولا ms5819 يصوم شهر رمضان ولا يؤدى الزكاة الشرعية لأن ذلك كان يظهر عند قومه ~~فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن ~~يحكم بينهم بحكم القرآن والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل ~~الكتاب لم يحكم بينهم إلا بما أنزل الله إليه وحذره أن يفتنوه عن بعض ما ~~أنزل الله إليه # وهذا مثل الحكم في الزنى للمحصن بحد الرجم وفى الديات بالعدل والتسوية في ~~الدماء بين الشريف والوضيع النفس بالنفس والعين بالعين وغير ذلك # والنجاشى ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن فان قومه لا يقرونه على ذلك ~~وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا بل وإماما وفى نفسه أمور ~~من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك بل هناك من يمنعه ذلك ولا يكلف ~~الله نفسا ألا وسعها PageV19P218 وعمر بن عبد العزيز عودى وأوذى على بعض ما ~~أقامه من العدل وقيل إنه سم على ذلك فالنجاشى وأمثاله سعداء في الجنة وان ~~كانوا لم يلتزموا من شرائع الاسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا ~~يحكمون بالأحكام التى يمكنهم الحكم بها # ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب قال الله تعالى ( وإن من أهل الكتاب ~~لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل اليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات ~~الله ثمنا قليلا اولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ) وهذه ~~الآية قد قال طائفة من السلف إنها نزلت في النجاشى ويروى هذا عن جابر وبن ~~عباس وأنس ومنهم من قال فيه وفى اصحابه كما قال الحسن وقتادة وهذا مراد ~~الصحابة ولكن هو المطاع فان لفظ الآية لفظ الجمع لم يرد بها واحد # وعن عطاء قال نزلت في أربعين من أهل نجران وثلاثين من الحبشة وثمانية من ~~الروم وكانوا على دين عيسى فآمنوا بمحمد ولم يذكر هؤلاء من آمن بالنبى صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة مثل عبد الله بن سلام وغيره ممن كان يهوديا وسلمان ~~الفارسى وغيره ممن كان ms5820 نصرانيا الا هؤلاء صاروا من المؤمنين فلا يقال فيهم ~~( وان من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم PageV19P219 وما أنزل ~~اليهم ) ولا يقول أحد إن اليهود والنصارى بعد اسلامهم وهجرتهم ودخولهم في ~~جملة المسلمين المهاجرين المجاهدين يقال انهم من أهل الكتاب أى من جملتهم ~~وقد آمنوا بالرسول كما قال تعالى في المقتول خطأ ( وان كان من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق ) إلى قوله ( عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) فهو من ~~العدو ولكن هو كان قد آمن وما أمكنه الهجرة وإظهار الايمان والتزام شرائعه ~~فسماه مؤمنا لأنه فعل من الايمان ما يقدر عليه # وهذا كما أنه قد كان بمكة جماعة من المؤمنين يستخفون بإيمانهم وهم عاجزون ~~عن الهجرة قال تعالى ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم ~~كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله ان يعفو عنهم ~~وكان الله عفوا غفورا ) فعذر سبحانه المستضعف العاجز عن الهجرة وقال تعالى ~~( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ~~وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) فأولئك كانوا عاجزين عن اقامة دينهم فقد ~~سقط عنهم ما عجزوا عنه فاذا PageV19P220 كان هذا فيمن كان مشركا وآمن فما ~~الظن بمن كان من أهل الكتاب وآمن # وقوله ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ) قيل هو الذى يكون عليه لباس ~~أهل الحرب مثل ان يكون في صفهم فيعذر القاتل لأنه مأمور بقتاله فتسقط عنه ~~الدية وتجب الكفارة وهو قول الشافعى وأحمد في أحد القولين وقيل بل هو من ~~أسلم ولم يهاجر كما يقوله أبو حنيفة لكن هذا قد أوجب فيه الكفارة وقيل اذا ~~كان من اهل الحرب لم يكن له وارث فلا يعطى أهل الحرب ديته بل تجب الكفارة ms5821 ~~فقط وسواء عرف أنه مؤمن وقتل خطأ أو ظن أنه كافر وهذا ظاهر الآية # وقد قال بعض المفسرين ان هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه كما ~~نقل عن بن جريج ومقاتل وبن زيد يعنى قوله ( وان من أهل الكتاب ) وبعضهم قال ~~انها في مؤمنى أهل الكتاب فهو كالقول الأول وإن أراد العموم فهو كالثانى ~~وهذا قول مجاهد ورواه أبو صالح عن بن عباس # وقول من ادخل فيها بن سلام وأمثاله ضعيف فان هؤلاء من المؤمنين ظاهرا ~~وباطنا من كل وجه لا يجوز أن يقال فيهم ( وان PageV19P221 من أهل الكتاب ~~لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل اليهم خاشعين لله لايشترون بآيات ~~الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ) # أما أولا فان بن سلام أسلم في أول ما قدم النبى المدينة وقال فلما رأيت ~~وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب وسورة آل عمران إنما نزل ذكر أهل الكتاب ~~فيها لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر # وثانيا أن بن سلام وأمثاله هو واحد من جملة الصحابة والمؤمنين وهو من ~~أفضلهم وكذلك سلمان الفارسى فلا يقال فيه إنه من أهل الكتاب وهؤلاء لهم ~~أجور مثل أجور سائر المؤمنين بل يؤتون أجرهم مرتين وهم ملتزمون جميع شرائع ~~الاسلام فأجرهم أعظم من أن يقال فيه ( أولئك لهم أجرهم عند ربهم ) # وأيضا فان أمر هؤلاء كان ظاهرا معروفا ولم يكن أحد يشك فيهم فأى فائدة في ~~الاخبار بهم وما هذا الا كما يقال الاسلام دخل فيه من كان مشركا أو كان ~~كتابيا وهذا معلوم لكل أحد بأنه دين لم يعرف قبل محمد فكل من دخل فيه كان ~~قبل ذلك إما مشركا وإما من أهل الكتاب إما كتابيا وإما PageV19P222 أميا ~~فأى فائدة في الاخبار بهذا بخلاف أمر النجاشى وأصحابه ممن كانوا متظاهرين ~~بكثير مما عليه النصارى فان أمرهم قد يشتبه # ولهذا ذكروا في سبب نزول هذه الآية انه لما مات النجاشى صلى عليه النبى ~~صلى ms5822 الله عليه وسلم فقال قائل تصلى على هذا العلج النصرانى وهو في أرضه ~~فنزلت هذه الآية هذا منقول عن جابر وأنس بن مالك وبن عباس وهم من الصحابة ~~الذين باشروا الصلاة على النجاشى وهذا بخلاف بن سلام وسلمان الفارسى فانه ~~اذا صلى على واحد من هؤلاء لم ينكر ذلك أحد # وهذا مما يبين أن المظهرين للإسلام فيهم منافق لا يصلى عليه كما نزل في ~~حق بن أبى وأمثاله وان من هو في أرض الكفر يكون مؤمنا يصلى عليه كالنجاشى # ويشبه هذه الآية انه لما ذكر تعالى اهل الكتاب فقال ( ولو آمن أهل الكتاب ~~لكان خيرا لهم منهم المؤمنون واكثرهم الفاسقون لن يضروكم الا أذى وإن ~~يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا الا ~~بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون PageV19P223 ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات ~~الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ) وهذه الآية قيل ~~انها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه وقيل أن قوله ( منهم المؤمنون ~~وأكثرهم الفاسقون ) هو عبد الله بن سلام واصحابه # وهذا والله اعلم من نمط الذى قبله فان هؤلاء ما بقوا من أهل الكتاب وإنما ~~المقصود من هو منهم في الظاهر وهو مؤمن لكن لا يقدر على ما يقدر عليه ~~المؤمنون المهاجرون المجاهدون كمؤمن آل فرعون هو من آل فرعون وهو مؤمن ~~ولهذا قال تعالى ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه اتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) فهو من آل فرعون وهو مؤمن # وكذلك هؤلاء منهم المؤمنون ولهذا قال ( واكثرهم الفاسقون وقد قال قبل هذا ~~( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون واكثرهم الفاسقون ) ثم ~~قال ( لن يضروكم الا أذى ) وهذا عائد اليهم ms5823 جميعهم لا إلى أكثرهم ولهذا قال ~~( وان يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) وقد يقاتلون وفيهم مؤمن يكتم ~~إيمانه يشهد القتال معهم ولايمكنه الهجرة وهو مكره على القتال ويبعث ~~PageV19P224 يوم القيامة على نيته كما في الصحيح عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم انه قال ( يغزو جيش هذا البيت فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم ~~فقيل يارسول الله وفيهم المكره قال يبعثون على نياتهم وهذا في ظاهر الأمر ~~وان قتل وحكم عليه بما يحكم على الكفار فالله يبعثه على نيته كما ان ~~المنافقين منا يحكم لهم في الظاهر بحكم الاسلام ويبعثون على نياتهم # والجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر ولهذا روى ان ~~العباس قال يارسول الله كنت مكرها قال ( اما ظاهرك فكان علينا واما سريرتك ~~فالى الله ) # وبالجملة لا خلاف بين المسلمين ان من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز ~~عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها بل الوجوب بحسب الامكان ~~وكذلك ما لم يعلم حكمه فلو لم يعلم ان الصلاة واجبة عليه وبقى مدة لم يصل ~~لم يجب عليه القضاء في اظهر قولى العلماء وهذا مذهب ابى حنيفة وأهل الظاهر ~~وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد # وكذلك سائر الواجبات من صوم شهر رمضان وأداء الزكاة وغير ذلك ولو لم يعلم ~~تحريم الخمر فشربها لم يحد باتفاق المسلمين وإنما PageV19P225 اختلفوا في ~~قضاء الصلوات وكذلك لو عامل بما يستحله من ربا أو ميسر ثم تبين له تحريم ~~ذلك بعد القبض هل يفسخ العقد أم لا كما لا نفسخه لو فعل ذلك قبل الاسلام ~~وكذلك لو تزوج نكاحا يعتقد صحته على عادتهم ثم لما بلغته شرائع الاسلام رأى ~~أنه قد أخل ببعض شروطه كما لو تزوج في عدة وقد انقضت فهل يكون هذا فاسدا أو ~~يقر عليه كما لو عقده قبل الاسلام ثم أسلم # وأصل هذا كله ان الشرائع هل تلزم من لم يعلمها أم لا تلزم أحدا إلا بعد ~~العلم ms5824 أو يفرق بين الشرائع الناسخة والمبتدأة هذا فيه ثلاثة أقوال هي ثلاثة ~~أوجه في مذهب أحمد ذكر القاضي أبو يعلى الوجهين المطلقين في كتاب له وذكر ~~هو وغيره الوجه المفرق في أصول الفقه وهو أن النسخ لا يثبت في حق المكلف ~~حتى يبلغه الناسخ وأخرج أبو الخطاب وجها في ثبوته # ومن هذا الباب من ترك الطهارة الواجبة ولم يكن علم بوجوبها أو صلى في ~~الموضع المنهى عنه قبل علمه بالنهى هل يعيد الصلاة فيه روايتان منصوصتان عن ~~أحمد # والصواب في هذا الباب كله أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم وأنه ~~لا يقضى ما لم يعلم وجوبه فقد ثبت في الصحيح أن PageV19P226 من الصحابة من ~~أكل بعد طلوع الفجر في رمضان حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ~~يأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالقضاء ومنهم من كان يمكث جنبا مدة لا ~~يصلى ولم يكن يعلم جواز الصلاة بالتيمم كأبى ذر وعمر بن الخطاب وعمار لما ~~أجنب ولم يأمر النبى أحدا منهم بالقضاء ولا شك ان خلقا من المسلمين بمكة ~~والبوادى صاروا يصلون إلى بيت المقدس حتى بلغهم النسخ ولم يؤمروا بالاعادة ~~ومثل هذا كثير # وهذا يطابق الأصل الذى عليه السلف والجمهور أن الله لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها فالوجوب مشروط بالقدرة والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور أو فعل ~~محظور بعد قيام الحجة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم PageV19P227 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # قول الناس العلوم الشرعية والعقلية قد يكون بينهما عموم وخصوص وقد يكون ~~احدهما قسيم الآخر ويكون الصواب في مواضع ان يقال السمعية والعقلية وذلك ان ~~قولنا العلوم الشرعية قد يراد به ما أمر به الشارع وقد يراد به ما أخبر به ~~الشارع وقد يراد به ما شرع أن يعلم وقد يراد به ما علمه الشارع # فالأول هو العلم المشروع كما يقال العمل المشروع وهو الواجب أو المستحب ~~وربما دخل فيه المباح بالشرع # والثانى هو العلم المستفاد ms5825 من الشارع وهو ما علمه الرسول لأمته بما بعث ~~به من الايمان والقرآن والكتاب والحكمة وهو ما دل عليه الكتاب والسنة أو ~~الاجماع أو توابع ذلك # فالأول اضافه له بحسب حكمه في الشرع والثانى اضافه إلى PageV19P228 طريقه ~~ودليله فقولنا في الأول علم شرعى كما يقال عمل شرعى والثانى كما يقال علم ~~عقلى وسمعى الأول نظر فيه من جهة المدح والذم والثواب والعقاب والأمر ~~والنهى وهو خطاب التكليف والثانى نظر فيه من جهة طريقه ودليله وصحته وفساده ~~ومطابقته ومخالفته وهو من جهة خطاب الأخبار # ثم كل من القسمين على قسمين فإنه إذا عرف أن الشرعى إما أن يكون ما أخبر ~~به وأما أن يكون ما أمر به فما أخبر به إما أن يبين له دليلا عقليا أو لا ~~يذكر وما أمر به اما أن يكون مقصودا للشارع أو لازما لمقصود الشارع وهو ما ~~لا يتم مقصوده الواجب أو المستحب إلا به فهذه أربعة أقسام # وان شئت أن تقسم المأمور به إلى ما يعرف بالعقل فقط والى ما يعرف بالشرع ~~أيضا فيكون شرعيا خبرا وأمرا فان ما علم بالشرع لا يخلو اما أن يراد به ~~اخبار الشارع أو دلالة الشارع فاذا عنى به ما دل عليه الشارع مثل دلالته ~~على آيات الربوبية ودلالة الرسالة ونحو ذلك فانه يجتمع في هذا ان يكون ~~شرعيا عقليا فان الشارع لما نبه العقول على الآيات والبراهين والعبر اهتدت ~~العقول فعلمت ما هداها إليه الشارع PageV19P229 واعلم أن عامة مسائل أصول ~~الدين الكبار مثل الاقرار بوجود الخالق وبوحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته ~~وعظمته والاقرار بالثواب وبرسالة محمد وغير ذلك مما يعلم بالعقل قد دل ~~الشارع على أدلته العقلية وهذه الأصول التى يسميها أهل الكلام العقليات وهى ~~ما تعلم بالعقل فانها تعلم بالشرع لا أعنى بمجرد أخباره فان ذلك لا يفيد ~~العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر فالعلم بها من هذا الوجه موقوف على ما ~~يعلم بالعقل من الاقرار بالربوبية وبالرسالة وإنما أعنى بدلالته وهدايته ~~كما أن ما يتعلمه المتعلمون ms5826 ببيان المعلمين وتصنيف المصنفين إنما هو لما ~~بينوه للعقول من الأدلة # فهذا موضع يجب التفطن له فان كثيرا من الغالطين من متكلم ومحدث ومتفقه ~~وعامى وغيرهم يظن أن العلم المستفاد من الشرع إنما هو لمجرد اخباره تصديقا ~~له فقط وليس كذلك بل يستفاد منه بالدلالة والتنبيه والارشاد جميع ما يمكن ~~ذلك فيه من علم الدين # والقسم الثانى من الشرعى ما يعلم باخبار الشارع فهذا لا يخلو إما أن يمكن ~~علمه بالعقل أيضا أولا يمكن فان لم يمكن فهذا يعلم بمجرد اخبار الشارع وأن ~~امكن علمه بالعقل فهل يوجد مثل هذا وهو أن يكون أمر أخبر الشارع به وعلمه ~~ممكن بالعقل أيضا ولم يدل الشارع على دليل له عقلى فهذا ممكن ولا نقص إذا ~~وقع مثل PageV19P230 هذا في الشريعة فانه اذا عرف صدق المبلغ جاز أن يعلم ~~بخبره كل ما يحتاج إليه ولا ريب ان كثيرا من الناس لا ينالون علم ذلك الا ~~من جهة خبر الشارع وقد أحسنوا في ذلك حيث آمنوا به لكن هل ذلك واقع مطلقا # وقد ذهب خلائق من المتفلسفة والمتكلمة والمتفقهة والمتصوفة والعامة وغير ~~ذلك إلى وقوع ذلك وهو ان فيما أخبر به الشارع أمورا قد تعلم بالعقل أيضا ~~وان كان الشارع لم يذكر دلالته العقلية # وهذا فيه نظر فان من تأمل وجوه دلالة الكتاب والسنة وما فيها من جلى وخفى ~~وظاهر وباطن قد يقول ان الشارع نبه في كل ما يمكن علمه بالعقل على دلالة ~~عقلية كما قد حصل الاتفاق على أن ذلك واقع في مسائل أصول الدين الكبار وفى ~~هذا نظر # فصارت العلوم بهذا الاعتبار أما أن تعلم بالشرع فقط وهو ما يعلم بمجرد ~~اخبار الشرع مما لا يهتدى العقل إليه بحال لكن هذه العلوم قد تعلم بخبر آخر ~~غير خبر شارعنا محمد واما أن تعلم بالعقل فقط كمرويات الطب والحساب ~~والصناعات واما أن تعلم بهما فاما أن يكون الشارع قد هدى إلى دلالتها كما ~~أخبر بها أم لا فإن كان الأول فهي عقليات ms5827 الشرعيات أو عقلى PageV19P231 ~~الشارع أو ما شرع عقله أو العقل المشروع واما أن يكون قد أخبر بها فقط فهذه ~~عقلية من غير الشارع فيجب التفطن # لكن العقلى قد يعقل من الشارع وهو عامة أصول الدين وقد يعقل من غيره ولم ~~يعقل منه فهذا في وجوده نظر # وبهذا التحرير يتبين لك أن عامة المتفلسفة وجمهور المتكلمة جاهلة بمقدار ~~العلوم الشرعية ودلالة الشارع عليها ويوهمهم علو العقلية عليها فان جهلهم ~~ابتنى على مقدمتين جاهليتين # إحداهما ان الشريعة ما أخبر الشارع بها # والثانية أن ما يستفاد بخبره فرع للعقليات التى هي الأصول فلزم من ذلك ~~تشريف العقلية على الشرعية # وكلا المقدمتين باطلة فان الشرعيات ما أخبر الشارع بها وما دل الشارع ~~عليها وما دل الشارع عليه وينتظم جميع ما يحتاج إلى علمه بالعقل وجميع ~~الأدلة والبراهين وأصول الدين ومسائل العقائد بل قد تدبرت عامة ما يذكره ~~المتفلسفة والمتكلمة والدلائل العقلية فوجدت دلائل الكتاب والسنة تأتى ~~بخلاصته الصافيه عن الكدر وتأتى بأشياء PageV19P232 لم يهتدوا لها وتحذف ما ~~وقع منهم من الشبهات والأباطيل مع كثرتها واضطرابها وقد بينت تفصيل هذه ~~الجملة في مواضع # وأما إذا أريد بالشرعية ما شرع علمه فهذا يدخل فيه كل علم مستحب أو واجب ~~وقد يدخل فيه المباح وأصول الدين على هذا من العلوم الشرعية أيضا وما علم ~~بالعقل وحده فهو من الشرعية أيضا إذا كان علمه مأمورا به في الشرع # وعلى هذا فتكون الشرعية قسمين عقلية وسمعية وتجعل السمعية هنا بدل ~~الشرعية في الطريقة الأولى وقد تبين بهذا أن كل علم عقلى أمر الشرع به أو ~~دل الشرع عليه فهو شرعى أيضا اما باعتبار الأمر أو الدلالة أو باعتبارهما ~~جميعا # ويتبين بهذا التحرير أن ما خرج من العلوم العقلية عن مسمى الشرعية وهو ما ~~لم يأمر به الشارع ولم يدل عليه فهو يجرى مجرى الصناعات كالفلاحة والبناية ~~والنساجة وهذا لا يكون إلا في العلوم المفضولة المرجوحه ويتبين أن مسمى ~~الشرعية أشرف وأوسع وأن بين العقلية والشرعية عموما وخصوصا ليس أحدهما ms5828 قسيم ~~الآخر وانما السمعى قسيم العقلى وأنه يجتمع في العلم أن يكون عقليا وهو ~~شرعى بالاعتبارات الثلاثة إخباره به أمره به دلالة عليه فتدبر أن النسبة ~~PageV19P233 إلى الشرع بهذه الوجوه الثلاثة ثم ما أمر به الشارع من العلم ~~إما أن يكون أمره به يعود أو لزوما من جهة ما لا يتأتى المشروع إلا به # وكذلك الحكم الشرعى يريد به المعتزلة ما أخبر به الشارع فقط ويريد به ~~الأشعرية ما أثبته الشارع وقد وافق كل فريق قوم من أصحابنا وغيرهم والصواب ~~أن الحكم الشرعى يكون تارة ما أخبر به ويكون تارة ما أثبته وتارة يجتمع ~~الأمران والله أعلم PageV19P234 ### || 1 ( رسالة في حدود الاسماء التي علق الله به الأحكام ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام ! 8 < ### ||| فصل جامع نافع # الأسماء التى علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة منها ما يعرف حده ~~ومسماه بالشرع فقد بينه الله ورسوله كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ~~والايمان والاسلام والكفر والنفاق ومنه ما يعرف حده باللغة كالشمس والقمر ~~والسماء والأرض والبر والبحر ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم ~~فيتنوع بحسب عادتهم كاسم البيع والنكاح والقبض والدرهم والدينار ونحو ذلك ~~من الأسماء التى لم يحدها الشارع بحد ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع أهل ~~اللغة بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس # فما كان من النوع الأول فقد بينه الله ورسوله وما كان من النوع الثانى ~~والثالث فالصحابة والتابعون المخاطبون بالكتاب والسنة قد عرفوا المراد به ~~لمعرفتهم بمسماه المحدود في اللغة أو المطلق في عرف الناس PageV19P235 # وعادتهم من غير حد شرعى ولا لغوي وبهذا يحصل التفقه في الكتاب والسنة # والاسم اذا بين النبى حد مسماه لم يلزم أن يكون قد نقله عن اللغة أو زاد ~~فيه بل المقصود أنه عرف مراده بتعريفه هو صلى الله عليه وسلم كيفما كان ~~الأمر فان هذا هو المقصود وهذا كاسم الخمر فانه قد بين أن كل مسكر خمر فعرف ~~المراد بالقرآن وسواء كانت العرب قبل ذلك تطلق لفظ الخمر ms5829 على كل مسكر أو ~~تخص به عصير العنب لا يحتاج إلى ذلك اذ المطلوب معرفة ما أراد الله ورسوله ~~بهذا الاسم وهذا قد عرف ببيان الرسول وبأن الخمر في لغة المخاطبين بالقرآن ~~كانت تتناول نبيذ التمر وغيره ولم يكن عندهم بالمدينة خمر غيرها وإذا كان ~~الامر كذلك فما أطلقه الله من الأسماء وعلق به الأحكام من الأمر والنهى ~~والتحليل والتحريم لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورسوله # فمن ذلك اسم الماء مطلق في الكتاب والسنة ولم يقسمه النبى صلى الله عليه ~~وسلم إلى قسمين طهور وغير طهور فهذا التقسيم مخالف للكتاب والسنة وانما قال ~~الله ( فلم تجدوا ماء ) وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا ان كل ما ~~وقع عليه اسم الماء فهو طاهر طهور سواء كان مستعملا في طهر واجب أو مستحب ~~PageV19P236 أو غير مستحب وسواء وقعت فيه نجاسة أو لم تقع اذا عرف انها قد ~~استحالت فيه واستهلكت واما أن ظهر أثرها فيه فانه يحرم استعماله لأنه ~~استعمال للمحرم ### ||| فصل # ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاما متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر ~~لا أقله ولا أكثره ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك ~~واحتياجهم إليه واللغة لا تفرق بين قدر وقدر فمن قدر في ذلك حدا فقد خالف ~~الكتاب والسنة والعلماء منهم من يحد أكثره وأقله ثم يختلفون في التحديد ~~ومنهم من يحد أكثره دون أقله والقول الثالث أصح انه لا حد لا لأقله ولا ~~لأكثره بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض وان قدر أنه أقل من يوم ~~استمر بها على ذلك فهو حيض وان قدر ان أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك ~~فهو حيض وأما اذا استمر الدم بها دائما فهذا قد علم أنه ليس بحيض لأنه قد ~~علم من الشرع واللغة ان المرأة تارة تكون طاهرا وتارة تكون حائضا ولطهرها ~~أحكام ولحيضها أحكام PageV19P237 والعادة الغالبة انها تحيض ربع الزمان ستة ~~أو سبعة والى ذلك رد ms5830 النبى المستحاضة التى ليس لها عادة ولا تمييز والطهر ~~بين الحيضتين لا حد لأكثره باتفاقهم إذ من النسوة من لا تحيض بحال وهذه اذا ~~تباعد ما بين اقرائها فهل تعتد بثلث حيض أو تكون كالمرتابة تحيض سنة فيه ~~قولان للفقهاء وكذلك أقله على الصحيح لا حد له بل قد تحيض المرأة في الشهر ~~ثلاث حيض وان قدر انها حاضت ثلاث حيض في اقل من ذلك أمكن لكن اذا ادعت ~~انقضاء عدتها فيما يخالف العادة المعروفة فلا بد ان يشهد لها بطانة من ~~أهلها كما روى عن على رضى الله عنه فيمن ادعت ثلاث حيض في شهر # والأصل في كل ما يخرج من الرحم انه حيض حتى يقوم دليل على انه استحاضة ~~لأن ذلك هو الدم الأصلى الجبلى وهو دم ترخيه الرحم ودم الفساد دم عرق ينفجر ~~وذلك كالمرض والأصل الصحة لا المرض فمتى رأت المرأة الدم جار من رحمها فهو ~~حيض تترك لأجله الصلاة ومن قال أنها تغتسل عقيب يوم وليلة فهو قول مخالف ~~للمعلوم من السنة واجماع السلف فانا نعلم أن النساء كن يحضن على عهد النبى ~~وكل امرأة تكون في أول أمرها مبتدأة قد ابتدأها الحيض ومع هذا فلم يأمر ~~النبى صلى الله عليه PageV19P238 وسلم واحدة منهن بالاغتسال عقب يوم وليلة ~~ولو كان ذلك منقولا لكان ذلك حدا لأقل الحيض والنبى لم يحد اقل الحيض ~~باتفاق اهل الحديث والمروى في ذلك ثلاث وهى أحاديث مكذوبة عليه باتفاق اهل ~~العلم بحديثه وهذا قول جماهير العلماء وهو أحد القولين في مذهب أحمد # وكذلك المرأة المنتقلة اذا تغيرت عادتها بزيادة أو نقص أو انتقال فذلك ~~حيض حتى يعلم أنه استحاضة باستمرار الدم فانها كالمبتدأة # والمستحاضة ترد إلى عادتها ثم إلى تمييزها ثم إلى غالب عادات النساء كما ~~جاء في كل واحدة من هؤلاء سنة عن النبى صلى الله عليه وسلم وقد أخذ الامام ~~أحمد بالسنن الثلاث ومن العلماء من أخذ بحديثين ومنهم من لم يأخذ الا بحديث ~~بحسب ما بلغه وما ms5831 أدى إليه اجتهاده رضى الله عنهم أجمعين # والحامل اذا رأت الدم على الوجه المعروف لها فهو دم حيض بناء على الأصل # والنفاس لا حد لأقله ولا لأكثره فلو قدر أن امرأة رأت PageV19P239 الدم ~~أكثر من أربعين أو ستين أو سبعين وانقطع فهو نفاس لكن ان اتصل فهو دم فساد ~~وحينئذ فالحد أربعون فانه منتهى الغالب جاءت به الآثار # ولا حد لسن تحيض فيه المرأة بل لو قدر انها بعد ستين أو سبعين زاد الدم ~~المعروف من الرحم لكان حيضا واليأس المذكور في قوله ( واللائي يئسن من ~~المحيض ) ليس هو بلوغ سن لو كان بلوغ سن لبينه الله ورسوله وانما هو ان ~~تيأس المرأة نفسها من أن تحيض فاذا انقطع دمها ويئست من أن يعود فقد يئست ~~من المحيض ولو كانت بنت أربعين ثم اذا تربصت وعاد الدم تبين انها لم تكن ~~آيسة وان عاودها بعد الأشهر الثلاثة فهو كما لو عاود غيرها من الآيسات ~~والمستريبات ومن لم يجعل هذا هو اليأس فقوله مضطرب ان جعله سنا وقوله مضطرب ~~ان لم يحد اليأس لا بسن ولا بانقطاع طمع المرأة في المحيض وبنفس الانسان لا ~~يعرف وإذا لم يكن للنفاس قدر فسواء ولدت المرأة توأمين أو أكثر ما زالت ترى ~~الدم فهي نفساء وما تراه من حين تشرع في الطلق فهو نفاس وحكم دم النفاس حكم ~~دم الحيض # ومن لم يأخذ بهذا بل قدر أقل الحيض بيوم أو يوم وليلة أو ثلاثة ايام فليس ~~معه في ذلك ما يعتمد عليه فان النقل في ذلك عن PageV19P240 النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه باطل عند أهل العلم بالحديث والواقع لا ضابط له فمن لم ~~يعلم حيضا الا ثلاثا قال غيره قد علم يوما وليلة ومن لم يعلم الا يوما ~~وليلة قد علم غيره يوما ونحن لا يمكننا ان ننفى مالا نعلم واذا جعلنا حد ~~الشرع ما علمناه فقلنا لا حيض دون ثلاث أو يوم وليلة أو يوم لانا لم نعلم ~~الا ذلك كان هذا ms5832 وضع شرع من جهتنا بعد العلم فان عدم العلم ليس علما بالعدم ~~ولو كان هذا حدا شرعيا في نفس الأمر لكان الرسول أولى بمعرفته وبيانه منا ~~كما حد للأمة ما حده الله لهم من اوقات الصلوات والحج والصيام ومن اماكن ~~الحج ومن نصب الزكاة وفرائضها وعدد الصلوات وركوعها وسجودها فلو كان للحيض ~~وغيره مما لم يقدره النبى حد عند الله ورسوله لبينه الرسول فلما لم يحده دل ~~على انه رد ذلك إلى ما يعرفه النساء ويسمى في اللغة حيضا ولهذا كان كثير من ~~السلف اذا سئلوا عن الحيض قالوا سلوا النساء فانهن اعلم بذلك يعنى هن يعلمن ~~ما يقع من الحيض ومالا يقع # والحكم الشرعى تعلق بالاسم الدال على الواقع فما وقع من دم فهو حيض اذا ~~لم يعلم انه دم عرق أو جرح فان الدم الخارج اما أن ترخيه الرحم أو ينفجر من ~~عرق من العروق أو من جلد المرأة أو PageV19P241 لحمها فيخرج منه وذلك يخرج ~~من عروق صغار لكن دم الجرح الصغير لا يسيل سيلا مستمرا كدم العرق الكبير ~~ولهذا قال النبى للمستحاضة ان هذا دم عرق وليست بالحيضة وانما يسيل الجرح ~~اذا انفجر عرق كما ذكرنا فصد الانسان فان الدم في العروق الصغار والكبار ### || ( فصل ) # والنبى صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته بالمسح على الخفين فقال صفوان بن ~~عسال أمرنا رسول الله اذا كنا سفرا أو مسافرين ( ان لا ننزع خفافنا ثلاثة ~~أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم ) ولم يقيد ذلك بكون ~~الخف يثبت بنفسه أولا يثبت بنفسه وسليما من الخرق والفتق أو غير سليم فما ~~كان يسمى خفا ولبسه الناس ومشوا فيه مسحوا عليه المسح الذى اذن الله فيه ~~ورسوله وكلما كان بمعناه مسح عليه فليس لكونه يسمى خفا معنى موثر بل الحكم ~~يتعلق بما يلبس ويمشى فيه ولهذا جاء في الحديث المسح على الجوربين ~~PageV19P242 ### ||| فصل # والله ورسوله علق القصر والفطر بمسمى السفر ولم يحده بمسافة ولافرق بين ~~طويل وقصير ولو ms5833 كان للسفر مسافة محدودة لبينه الله ورسوله ولا له في اللغة ~~مسافة محدودة فكلما يسميه أهل اللغة سفرا فانه يجوز فيه القصر والفطر كما ~~دل عليه الكتاب والسنة وقد قصر أهل مكة مع النبى إلى عرفات وهى من مكة بريد ~~فعلم ان التحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة ليس حدا شرعيا عاما وما نقل في ذلك ~~عن الصحابة قد يكون خاصا كان في بعض الأمور لايكون السفر الا كذلك ولهذا ~~اختلفت الرواية عن كل منهم كابن عمر وبن عباس وغيرهما فعلم انهم لم يجعلوا ~~للمسافر ولا الزمان حدا شرعيا عاما كمواقيت الصوم والصلاة بل حدوه لبعض ~~الناس بحسب ما رأوه سفرا لمثله في تلك الحال وكما يحد الحاد الغنى والفقير ~~في بعض الصور بحسب ما يراه لا لأن الشرع جعل للغنى والفقير مقدارا من المال ~~يستوى فيه الناس كلهم بل قد يستغنى الرجل بالقليل وغيره لا يغنيه اضعافه ~~لكثرة عياله وحاجاته وبالعكس # وبعض الناس قد يقطع المسافة العظيمة ولا يكون مسافرا كالبريد PageV19P243 ~~إذا ذهب من البلد لتبليغ رسالة أو أخذ حاجة ثم كر راجعا من غير نزول فان ~~هذا لا يسمى مسافرا بخلاف ما إذا تزود زاد المسافر وبات هناك فانه يسمى ~~مسافرا وتلك المسافة يقطعها غيره فيكون مسافرا يحتاج ان يتزود لها ويبيت ~~بتلك القرية ولا يرجع إلا بعد يوم أو يومين فهذا يسميه الناس مسافرا وذلك ~~الذى ذهب إليها طردا وكر راجعا على عقبه لا يسمونه مسافرا والمسافة واحدة # فالسفر حال من أحوال السير لا يحد بمسافة ولا زمان وكان النبى صلى الله ~~عليه وسلم يذهب إلى قباء كل سبت راكبا وماشيا ولم يكن مسافرا وكان الناس ~~يأتون الجمعة من العوالى والعقيق ثم يدركهم الليل في أهلهم ولا يكونون ~~مسافرين وأهل مكة لما خرجوا إلى منى وعرفة كانوا مسافرين يتزودون لذلك ~~ويبيتون خارج البلد ويتأهبون أهبة السفر بخلاف من خرج لصلاة الجمعة أو ~~غيرها من الحاجات ثم رجع من يومه ولو قطع بريدا فقد لايسمى مسافرا # وما زال ms5834 الناس يخرجون من مساكنهم إلى البساتين التى حول مدينتهم ويعمل ~~الواحد في بستانه اشغالا من غرس وسقى وغير ذلك كما كانت الأنصار تعمل في ~~حيطانهم ولا يسمون مسافرين ولو أقام أحدهم طول النهار ولو بات في بستانه ~~وأقام فيه أياما ولو كان البستان ابعد من بريد فان البستان من توابع البلد ~~عندهم والخروج PageV19P244 إليه كالخروج إلى بعض نواحى البلد والبلد الكبير ~~الذى يكون اكثر من بريد متى سار من أحد طرفيه إلى الآخر لم يكن مسافرا ~~فالناس يفرقون بين المتنقل في المساكن وما يتبعها وبين المسافر الراحل عن ~~ذلك كله كما كان أهل مدينة النبى يذهبون إلى حوائطهم ولا يكونون مسافرين ~~والمدينة لم يكن لها سور بل كانت قبائل قبائل ودورا دورا وبين جانبيها ~~مسافة كبيرة فلم يكن الراحل من قبيلة إلى قبيلة مسافرا ولو كان كل قبيلة ~~حولهم حيطانهم ومزارعهم فان اسم المدينة كان يتناول هذا كله # ولهذا قال تعالى ( وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا ~~على النفاق ) فجعل الناس قسمين أهل بادية هم الاعراب وأهل المدينة فكان ~~الساكنون كلهم في المدر أهل المدينة وهذا يتناول قباء وغيرها ويدل على أن ~~اسم المدينة كان يتناول ذلك كله فانه لم يكن لها سور كما هي اليوم والأبواب ~~تفتح وتغلق وانما كان لها انقاب وتلك الأنقاب وان كانت داخل قباء وغيرها ~~لكن لفظ المدينة قد يعم حاضر البلد وهذا معروف في جميع المدائن يقول القائل ~~ذهبت إلى دمشق أو مصر أو بغداد أو غير ذلك وسكنت فيها واقمت فيها مدة ونحو ~~ذلك وهو انما كان ساكنا خارج السور فاسم المدينة يعم تلك المساكن كلها وان ~~كان الداخل PageV19P245 المسور أخص بالاسم من الخارج # وكذلك مدينة رسول الله كان لها داخل وخارج تفصل بينهما الانقاب واسم ~~المدينة يتناول ذلك كله في كتاب الله تعالى ولهذا كان هؤلاء كلهم يصلون ~~الجمعة والعيدين خلف النبى وخلفائه لم تكن تقام جمعة ولا عيدان لا بقباء ~~ولا غيرها كما كانوا يصلون الصلوات الخمس في ms5835 كل قبيلة من القبائل # ومن هذا الباب قول النبى ( ان بالمدينة لرجالا ) هو يعم جميع المساكن # وكذلك لفظ القرى الشامل للمدائن كقوله ( وكم من قرية أهلكناها ) وقوله ( ~~لتنذر أم القرى ومن حولها ) وقوله ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في ~~أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون ) ~~وقوله ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد ) فان هذا يتناول ~~المساكن الداخلية والخارجية وان فصل بينها سور ونحوه فان البعث والاهلاك ~~وغير ذلك لم يخص بعضهم دون بعض وعامة المدائن لها داخل وخارج PageV19P246 # ولفظ الكعبة هو في الأصل اسم لنفس البنية ثم في القرآن قد استعمل فيما ~~حولها كقوله ( هديا بالغ الكعبة ) وكذلك لفظ المسجد الحرام يعبر به عن ~~المسجد وعما حوله من الحرم وكذلك لفظ بدر هو اسم للبئر ويسمى به ما حولها ~~وكذلك أحد اسم للجبل ويتناول ما حوله فيقال كانت الوقعة بأحد وانما كانت ~~تحت الجبل وكذلك يقال لمكان العقبة ولمكان القصر والعقيبة تصغير العقبة ~~والقصير تصغير قصر ويكون قد كان هناك قصر صغير أو عقبة صغيرة ثم صار الاسم ~~شاملا لما حول ذلك مع كبره فهذا كثير غالب في اسماء البقاع # والمقصود أن المتردد في المساكن لا يسمى مسافرا وإذا كان الناس يعتادون ~~المبيت في بساتينهم ولهم فيها مساكن كان خروجهم اليها كخروجهم إلى بعض ~~نواحى مساكنهم فلا يكون المسافر مسافرا حتى يسفر فيكشف ويظهر للبرية ~~الخارجة عن المساكن التى لا يسير السائر فيها بل يظهر فيها وينكشف في ~~العادة والمقصود أن السفر يرجع فيه إلى مسماه لغة وعرفا PageV19P247 ### ||| فصل # وكذلك النبى قال ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيها دون خمس أواق ~~صدقة وليس فيها دون خمس ذود صدقة ) وقال ( لا شيء في الرقة حتى تبلغ مائتى ~~درهم ) وقال في السارق ( يقطع اذا سرق ما يبلغ ثمن المجن ) وقال ( تقطع ~~اليد في ربع دينار ) والاوقية في لغته أربعون درهما ولم يذكر للدرهم ولا ~~للدينار حدا ولا ضرب هو ms5836 درهما ولا كانت الدراهم تضرب في أرضه بل تجلب ~~مضروبة من ضرب الكفار وفيها كبار وصغار وكانوا يتعاملون بها تارة عددا ~~وتارة وزنا كما قال ( زن وأرجح فان خير الناس أحسنهم قضاء ) وكان هناك وازن ~~يزن بالأجر ومعلوم انهم إذا وزنوها فلابد لهم من صنجة يعرفون بها مقدار ~~الدراهم لكن هذا لم يحده النبى صلى الله عليه وسلم ولم يقدره وقد ذكروا أن ~~الدراهم كانت ثلاثة أصناف ثمانية دوانق وستة وأربعة فلعل البائع قد يسمى ~~أحد تلك الأصناف فيعطيه المشترى من وزنها ثم هو مع هذا اطلق لفظ الدينار ~~والدرهم ولم يحده فدل على أنه يتناول هذا كله وان من ملك من PageV19P248 ~~الدراهم الصغار خمس أواق مائتى درهم فعليه الزكاة وكذلك من الوسطى وكذلك من ~~الكبرى # وعلى هذا فالناس في مقادير الدراهم والدنانير على عاداتهم فما اصطلحوا ~~عليه وجعلوه درهما فهو درهم وما جعلوه دينارا فهو دينار وخطاب الشارع ~~يتناول ما اعتادوه سواء كان صغيرا أو كبيرا فاذا كانت الدراهم المعتادة ~~بينهم كبارا لا يعرفون غيرها لم تجب عليه الزكاة حتى يملك منها مائتى درهم ~~وان كانت صغارا لا يعرفون غيرها وجبت عليه اذا ملك منها مائتى درهم وان ~~كانت مختلطة فملك من المجموع ذلك وجبت عليه وسواء كانت بضرب واحد أو ضروب ~~مختلفة وسواء كانت خالصة أو مغشوشة مادام يسمى درهما مطلقا وهذا قول غير ~~واحد من أهل العلم # فاما إذا لم يسم إلا مقيدا مثل أن يكون أكثره نحاسا فيقال له درهم أسود ~~لا يدخل في مطلق الدرهم فهذا فيه نظر وعلى هذا فالصحيح قول من أوجب الزكاة ~~في مائتى درهم مغشوشة كما هو قول أبى حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد وإذا ~~سرق السارق ثلاثة دراهم من الكبار أو الصغار أو المختلطة قطعت يده # وأما الوسق فكان معروفا عندهم أنه ستون صاعا والصاع PageV19P249 معروف ~~عندهم وهو صاع واحد غير مختلف المقدار وهم صنعوه لم يجلب إليهم فلما علق ~~الشارع الوجوب بمقدار خمسة أوسق كان هذا تعليقا بمقدار ms5837 محدود يتساوى فيه ~~الناس بخلاف الاواقى الخمسة فانه لم يكن مقدارا محدودا يتساوى فيه الناس بل ~~حده في عادة بعضهم أكثر من حده في عادة بعضهم كلفظ المسجد والبيت والدار ~~والمدينة والقرية هو مما تختلف فيه عادات الناس في كبرها وصغرها ولفظ ~~الشارع يتناولها كلها # ولو قال قائل ان الصاع والمد يرجع فيه إلى عادات الناس واحتج بان صاع عمر ~~كان أكبر وبه كان يأخذ الخراج وهو ثمانية أرطال كما يقوله أهل العراق لكان ~~هذا يمكن فيما يكون لأهل البلد فيه مكيالان كبير وصغير وتكون صدقة الفطر ~~مقدرة بالكبير والوسق ستون مكيالا من الكبير فان النبى صلى الله عليه وسلم ~~قدر نصاب الموسقات ومقدار صدقة الفطر بصاع ولم يقدر بالمد شيئا من النصب ~~والواجبات لكن لم اعلم بهذا قائلا ولا يمكن أن يقال إلا ما قاله السلف ~~قبلنا لأنهم علموا مراد الرسول قطعا فان كان من الصحابة أو التابعين من جعل ~~الصاع غير مقدر بالشرع صارت مسألة اجتهاد # وأما الدرهم والدينار فقد عرفت تنازع الناس فيه واضطراب PageV19P250 ~~أكثرهم حيث لم يعتمدوا على دليل شرعى بل جعلوا مقدار ما أراده الرسول هو ~~مقدار الدراهم التى ضربها عبد الملك لكونه جمع الدراهم الكبار والصغار ~~والمتوسطة وجعل معدلها ستة دوانيق فيقال لهم هب أن الأمر كذلك لكن الرسول ~~لما خاطب أصحابه وأمته بلفظ الدرهم والدينار وعندهم أوزان مختلفة المقادير ~~كما ذكرتم لم يحد لهم الدرهم بالقدر الوسط كما فعل عبد الملك بل اطلق لفظ ~~الدرهم والدينار كماأطلق لفظ القميص والسراويل والازار والرداء والدار ~~والقرية والمدينة والبيت وغير ذلك من مصنوعات الآدميين فلو كان للمسمى عنده ~~حد لحده مع علمه باختلاف المقادير فاصطلاح الناس على مقدار درهم ودينار أمر ~~عادى # ولفظ الذراع أقرب إلى الأمور الخلقية منه فان الذراع هو في الأصل ذراع ~~الانسان والانسان مخلوق فلا يفضل ذراع على ذراع إلا بقدر مخلوق لا اختيار ~~فيه للناس بخلاف ما يفعله الناس باختيارهم من درهم ومدينة ودار فان هذا لا ~~حد له بل الثياب ms5838 تتبع مقاديرهم والدور والمدن بحسب حاجتهم وأما الدرهم ~~والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعى بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح وذلك ~~لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به بل الغرض أن يكون معيارا لما يتعاملون ~~به والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل PageV19P251 ~~بها ولهذا كانت أثمانا بخلاف سائر الأموال فان المقصود الانتفاع بها نفسها ~~فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية والوسيلة المحضة التى لا ~~يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت # وأيضا فالتقدير انما كان لخمسة أوسق وهى خمسة أحمال فلو لم يعتبر في ذلك ~~حدا مستويا لوجب أن تعتبر خمسة أحمال من أحمال كل قوم # وأيضا فسائر الناس لايسمون كلهم صاعا فلا يتناوله لفظ الشارع كما يتناول ~~الدرهم والدينار اللهم إلا أن يقال ان الصاع اسم لكل ما يكال به بدليل قوله ~~( صواع الملك ) فيكون كلفظ الدرهم ### ||| فصل # وكذلك لفظ الاطعام لعشرة مساكين لم يقدره الشرع بل كما قال الله ( من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم ) وكل بلد يطعمون من أوسط ما يأكلون كفاية غيره كما ~~قد بسطناه في غير هذا الموضع PageV19P252 # وكذلك لفظ ( الجزية ) و ( الدية ) فانها فعلة من جزى يجزى إذا قضى وأدى ~~ومنه قول النبى ( تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك ) وهى في الاصل جزا جزية ~~كما يقال وعد عدة ووزن زنة وكذلك لفظ ( الدية ) هو من ودى يدى دية كما يقال ~~وعد يعد عدة والمفعول يسمى باسم المصدر كثيرا فيسمى المودى دية والمجزى ~~المقضى جزية كما يسمى الموعود وعدا في قوله ( ويقولون متى هذا الوعد ان ~~كنتم صادقين قل انما العلم عند الله وانما أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة ) ~~وانما رأوا ما وعدوه من العذاب وكما يسمى مثل ذلك الاتاوة لأنه تؤتى أى ~~تعطى وكذلك لفظ الضريبة لما يضرب على الناس فهذه الألفاظ كلها ليس لها حد ~~في اللغة ولكن يرجع إلى عادات الناس فان كان الشرع قد حد لبعض حدا كان ms5839 ~~اتباعه واجبا # ولهذا اختلف الفقهاء في الجزية هل هي مقدرة بالشرع أو يرجع فيها إلى ~~اجتهاد الأئمة # وكذلك الخراج والصحيح أنها ليست مقدرة بالشرع وأمر النبى لمعاذ ( أن يأخذ ~~من كل حالم دينارا أو عدله معافريا ) قضية في عين لم يجعل ذلك شرعا عاما ~~لكل من تؤخذ منه الجزية إلى يوم القيامة بدليل أنه صالح لأهل البحرين على ~~PageV19P253 حالم ولم يقدره هذا التقدير وكان ذلك جزية وكذلك صالح أهل ~~نجران على أموال غير ذلك ولا مقدرة بذلك فعلم أن المرجع فيها إلى ما يراه ~~ولي الأمر مصلحة وما يرضى به المعاهدون فيصير ذلك عليهم حقا يجزونه أى ~~يقصدونه ويؤدونه # وأما الدية ففى العمد يرجع فيها إلى رضى الخصمين وأما في الخطأ فوجبت ~~عينا بالشرع فلا يمكن الرجوع فيها إلى تراضيهم بل قد يقال هي مقدرة بالشرع ~~تقديرا عاما للأمة كتقدير الصلاة والزكاة وقد تختلف باختلاف أقوال الناس في ~~جنسها وقدرها وهذا أقرب القولين وعليه تدل الآثار وان النبى انما جعلها ~~مائة لاقوام كانت أموالهم الابل ولهذا جعلها على أهل الذهب ذهبا وعلى أهل ~~الفضة فضة وعلى أهل الشاء شاءا وعلى أهل الثياب ثيابا وبذلك مضت سيرة عمر ~~بن الخطاب وغيره ### ||| فصل # وقال الله تعالى ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ازواجهم أو ما ملكت ~~ايمانهم ) وقال النبى ( احفظ عورتك إلا من زوجتك أوما ملكت يمينك ) وقد دل ~~القرآن على ان ما حرم وطؤه بالنكاح PageV19P254 حرم بملك اليمين فلا يحل ~~التسري بذوات محارمه ولا وطىء السرية في الاحرام والصيام والحيض وغير ذلك ~~مما يحرم وطء الزوجة فيه بطريق الأولى # وأما الاستبراء فلم تأت به السنة مطلقا في كل مملوكة بل قد نهى أن يسقي ~~الرجل ماءه زرع غيره وقال في سبايا أو طاس ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ~~ذات حمل حتى تستبرأ ) وهذا كان في رقيق سبى ولم يقل مثل ذلك فيما ملك بارث ~~أو شراء أو غيره فالواجب أنه ان كانت توطأ المملوكة لا يحل وطؤها حتى ~~تستبرأ ms5840 لئلا يسقى الرجل ماءه زرع غيره وأما اذا علم انها لم يكن سيدها ~~يطؤها إما لكونها بكرا أو لكون السيد امرأة أو صغيرا أو قال وهو صادق اني ~~لم أكن أطأها لم يكن لتحريم هذه حتى تستبرأ وجه لا من نص ولا من قياس ### ||| فصل # النبى صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة وهم الذين ينصرون الرجل ~~ويعينونه وكانت العاقلة على عهده هم عصبته فلما كان في زمن عمر جعلها على ~~أهل الديوان ولهذا اختلف فيها الفقهاء PageV19P255 فيقال أصل ذلك أن ~~العاقلة هم محدودون بالشرع أو هم من ينصره ويعينه من غير تعيين فمن قال ~~بالأول لم يعدل عن الأقارب فانهم العاقلة على عهده ومن قال بالثانى جعل ~~العاقلة في كل زمان ومكان من ينصر الرجل ويعينه في ذلك الزمان والمكان فلما ~~كان في عهد النبى انما ينصره ويعينه أقاربه كانوا هم العاقلة إذ لم يكن على ~~عهد النبى ديوان ولا عطاء فلما وضع عمر الديوان كان معلوما أن جند كل مدينة ~~ينصر بعضه بعضا ويعين بعضه بعضا وان لم يكونوا أقارب فكانوا هم العاقلة ~~وهذا أصح القولين وانها تختلف باختلاف الاحوال والافرجل قد سكن بالمغرب ~~وهناك من ينصره ويعينه كيف تكون عاقلته من بالمشرق في مملكة أخرى ولعل ~~أخباره قد انقطعت عنهم والميراث يمكن حفظه للغائب فان النبى ( قضى في ~~المرأة القاتلة ان عقلها على عصبتها وان ميراثها لزوجها وبنيها ) فالوارث ~~غير العاقلة # وكذلك تأجيلها ثلاث سنين فان النبى لم يؤجلها بل قضى بها حالة وعمر اجلها ~~ثلاث سنين فكثير من الفقهاء يقولون لا تكون إلا مؤجله كما قضى به عمر ويجعل ~~ذلك بعضهم اجماعا وبعضهم قال لا تكون إلا حالة والصحيح ان تعجيلها وتأجيلها ~~بحسب الحال والمصلحة فان كانوا مياسير ولا ضرر عليهم في التعجيل أخذت ~~PageV19P256 حالة وان كان في ذلك مشقة جعلت مؤجلة وهذا هو المنصوص عن أحمد ~~ان التأجيل ليس بواجب كما ذكر كثير من أصحابه انه واجب موافقة لمن ذكر ذلك ~~من أصحاب ابى ms5841 حنيفة والشافعى ومالك وغيرهم فان هذا القول في غاية الضعف وهو ~~يشبه قول من يجعل الأمة يجوز لها نسخ شريعة نبيها كما يقوله بعض الناس من ~~ان الاجماع ينسخ وهذا من انكر الأقوال عند أحمد فلا تترك سنة ثابتة إلا ~~بسنة ثابتة ويمتنع انعقاد الاجماع على خلاف سنة إلا ومع الاجماع سنة معلومة ~~نعلم انها ناسخة للأولى ### ||| فصل # وقد قال الله تعالى في آية الخمس ( فأن لله خمسة وللرسول ولذى القربى ~~واليتامى والمساكين ) ومثل ذلك في آية الفيء وقال في آية الصدقات ( للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها ) الآية فاطلق الله ذكر الاصناف وليس في اللفظ ~~ما يدل على التسوية بل على خلافها فمن أوجب باللفظ التسوية فقد قال ما ~~يخالف الكتاب والسنة إلا ترى أن الله لما قال ( ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبة ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين PageV19P257 وبن السبيل ) وقال تعالى ( وآت ذاالقربى ~~حقه والمسكين وبن السبيل ) وقال تعالى ( واذا حضر القسمة أولوا القربى ~~واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) وقال تعالى ( والذين في أموالهم حق ~~معلوم للسائل والمحروم ) وقال تعالى ( فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر ) ~~وأمثال ذلك لم تكن التسوية في شيء من هذه المواضع واجبة بل ولا مستحبة في ~~أكثر هذه المواضع سواء كان الاعطاء واجبا أو مستحبا بل بحسب المصلحة # ونحن اذا قلنا في الهدى والاضحية يستحب ان يأكل ثلثا ويتصدق بثلث فانما ~~ذلك إذا لم يكن هناك سبب يوجب التفضيل والا فلو قدر كثرة الفقراء لاستحببنا ~~الصدقة بأكثر من الثلث وكذلك إذا قدر كثرة من يهدى إليه على الفقراء وكذلك ~~الأكل فحيث كان الأخذ بالحاجة أو المنفعة كان الاعتبار بالحاجة والمنفعة ~~بحسب ما يقع بخلاف المواريث فانها قسمت بالأنساب التى لايختلف فيها أهلها ~~فان إسم الإبن يتناول الكبير والصغير والقوى والضعيف ولم يكن الأخذ لا ~~لحاجته ولا لمنفعته بل لمجرد نسبه فلهذا سوى فيها بين الجنس الواحد # وأما هذه المواضع فالأخذ فيها بالحاجة والمنفعة فلا يجوز أن تكون التسوية ~~بين ms5842 الاصناف لا واجبة ولا مستحبة بل العطاء بحسب الحاجة والمنفعة كما كان ~~أصل الاستحقاق معلقا بذلك والواو تقتضي PageV19P258 التشريك بين المعطوف ~~والمعطوف عليه في الحكم المذكور والمذكور أنه لايستحق الصدقة إلا هؤلاء ~~فيشتركون في أنها حلال لهم وليس إذا اشتركوا في الحكم المذكور وهو مطلق ~~الحل يشتركون في التسوية فان اللفظ لا يدل على هذا بحال # ومثله يقال في كلام الواقف والموصي وكان بعض الواقفين قد وقف على المدرس ~~والمعيد والقيم والفقهاء والمتفقهة وجرى الكلام في ذلك فقلنا يعطى بحسب ~~المصلحة فطلب المدرس الخمس بناء على هذا الظن فقيل له فاعطى القيم أيضا ~~الخمس لأنه نظير المدرس فظهر بطلان حجته آخره والحمد لله رب العالمين ~~PageV19P259 ### || 1 ( التقليد الذي حرمه الله ورسوله ) 1 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < فصل # قد ذم الله تعالى في القرآن من عدل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من ~~دين آبائه وهذا هو التقليد الذى حرمه الله ورسوله وهو أن يتبع غير الرسول ~~فيما خالف فيه الرسول وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد فانه لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة في ~~كل وقت وكل مكان في سره وعلانيته وفى جميع أحواله # وهذا من الايمان قال الله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) وقال ( ~~انما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا ) وقال ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) وقال ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة PageV19P260 أو يصيبهم عذاب أليم ) وقال ( قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعونى يحببكم الله ) # وقد أوجب الله طاعة الرسول على جميع الناس في قريب من أربعين موضعا من ~~القرآن وطاعته طاعة الله وهى عبادة الله وحده لا شريك له وذلك هو دين الله ~~وهو الاسلام وكل من ms5843 أمر الله بطاعته من عالم وأمير ووالد وزوج فلان طاعته ~~طاعة لله وإلآ فاذا أمر بخلاف طاعة الله فانه لا طاعة له وقد يأمر الوالد ~~والزوج بمباح فيطاع وكذلك الامير إذا أمر عالما يعلم أنه معصية لله والعالم ~~إذا أفتى المستفتى بما لم يعلم المستفتى أنه مخالف لأمر الله فلا يكون ~~المطيع لهؤلاء عاصيا واما إذا علم أنه مخالف لأمر الله فطاعته في ذلك معصية ~~لله ولهذا نقل غير واحد الاجماع على أنه لا يجوز للعالم أن يقلد غيره إذا ~~كان قد اجتهد واستدل وتبين له الحق الذى جاء به الرسول فهنا لا يجوز له ~~تقليد من قال خلاف ذلك بلا نزاع ولكن هل يجوز مع قدرته على الاستدلال أنه ~~يقلد هذا فيه قولان # فمذهب الشافعى وأحمد وغيرهما لا يجوز وحكى عن محمد بن الحسن جوازه ~~والمسألة معروفة وحكى بعض الناس ذلك عن أحمد PageV19P261 ولم يعرف هذا ~~الناقل قول أحمد كما هو مذكور في غير هذا الموضع # وتقليد العاجز عن الاستدلال للعالم يجوز عند الجمهور وفى صفة من يجوز له ~~التقليد تفصيل ونزاع ليس هذا موضعه # والمقصود هنا ان التقليد المحرم بالنص والاجماع أن يعارض قول الله ورسوله ~~بما يخالف ذلك كائنا من كان المخالف لذلك قال الله تعالى ( ويوم يعض الظالم ~~على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتنى لم أتخذ ~~فلانا خليلا لقد اضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للانسان خذولا ~~وقال الرسول يارب ان قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) وقال تعالى ( يوم ~~تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ) إلى قوله ~~( والعنهم لعنا كبيرا # وقال تعالى ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت ~~بهم الأسباب ) إلى قوله ( ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا ~~دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون ) فذكر براءة المتبوعين من اتباعهم في ~~خلاف طاعة الله ذكر هذا بعد قوله ( وإلهكم إله واحد ) فالاله الواحد هو ~~المعبود ms5844 والمطاع فمن أطاع PageV19P262 متبوعا في خلاف ذلك فله نصيب من هذا ~~الذم قال تعالى ( ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ) إلى ~~قوله ( وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلى ) # ثم خاطب الناس بأكل ما في الأرض حلالا طيبا وأن لا يتبعوا خطوات الشيطان ~~في خلاف ذلك فانه إنما يأمر بالسوء والفحشاء وأن يقولوا على الله مالا ~~يعلمون فيقولوا هذا حرام وهذا حلال أو غير ذلك مما يقولونه على الله في ~~الأمور الخبرية والعملية بلا علم كما قال تعالى ( ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام # ثم إن هؤلاء الذين يقولون على الله بغير علم إذا قيل لهم ( اتبعوا ما ~~أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) فليس عندهم علم بل عندهم ~~اتباع سلفهم وهو الذى اعتادوه وتربوا عليه # ثم خاطب المؤمنين خصوصا فقال ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به فأمرهم بأكل الطيبات مما رزقهم لأنهم هم ~~المقصودون بالرزق ولم يشترط الحل هنا PageV19P263 لأنه إنما حرم ما ذكر فما ~~سواه حلال لهم والناس إنما أمرهم بأكل ما في الأرض حلالا طيبا وهو إنما أحل ~~للمؤمنين والكفار لم يحل لهم شيئا فالحل مشروط بالايمان ومن لم يستعن برزقه ~~على عبادته لم يحل له شيئا وإن كان أيضا لم يحرمه فلا يقال إن الله أحله ~~لهم ولا حرمه وإنما حرم على الذين هادوا ما ذكره في سورة الأنعام # ولهذا أنكر في سورة الأنعام وغيرها على من حرم ما لم يحرمه كقوله ( قل ~~آلذكرين حرم أم الانثيين ) ثم قال ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ) ثم ~~قال تعالى ( قل تعالوا اتلو ما حرم ربكم عليكم ) الآيات وقال في سورة النحل ~~( وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ) الآية ms5845 وأخبر أنه حرم ذلك ~~ببغيهم فقال ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) وقال ( ~~ذلك جزيناهم ببغيهم ) # وهذا كله يدل على أصح قولى العلماء وهو أن هذا التحريم باق عليهم بعد ~~مبعث محمد لا يزول إلا بمتابعته لأنه تحريم عقوبة على ظلمهم وبغيهم وهذا لم ~~يزل بل زاد وتغلظ فكانوا أحق بالعقوبة # وايضا فان الله تعالى أخبر بهذا التحريم بعد مبعث محمد ليبين أنه لم يحرم ~~إلا هذا وهذا فلو كان ذلك التحريم قد زال لم يستثنه PageV19P264 # وأيضا فان التحريم لا يزول الا بتحليل منه وهو انما أحل أكل الطيبات ~~للمؤمنين بقوله ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) ~~الآية وقوله ( احلت لكم بهيمة الأنعام الا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ) ~~وقوله ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ) إلى قوله ( وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ) وهذا خطاب للمؤمنين ولهذا قال ( ~~وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم ) ثم قال ( وطعامكم حل لهم ) فلو كان ما ~~أحل لنا حلا لهم لم يحتج إلى هذا وقوله ( وطعامكم حل لهم ) لا يدخل فيه ما ~~حرم عليهم كما أن قوله ( وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم ) لا يدخل فيه ما ~~حرم علينا مما يستحلونه هم كصيد الحرم وما أهل به لغير الله # وهل يدخل في طعامهم الذى احل لنا ما حرم عليهم ولم يحرم علينا مثل ما اذا ~~ذكوا الابل هذا فيه نزاع معروف فالمشهور من مذهب مالك وهو أحد القولين في ~~مذهب أحمد تحريمه ومذهب ابى حنيفة والشافعى والقول الآخر في مذهب أحمد حله # وهل العلة انهم لم يقصدوا ذكاته أو العلة انه ليس من طعامهم فيه نزاع ~~PageV19P265 # وإذا ذبحوا للمسلم فهل هو كما اذا ذبحوا لأنفسهم فيه نزاع # وفى جواز ذبحهم النسك اذا كانوا ممن يحل ذبحهم قولان هما روايتان عن أحمد ~~فالمنع مذهب مالك والجواز مذهب ابى حنيفة والشافعى فاذا كان الذابح يهوديا ~~صار في الذبح علتان وليس هذا موضع هذه ms5846 المسائل # ثم إنه سبحانه لما ذكر حال من يقول على الله بلا علم بل تقليدا لسلفه ذكر ~~حال من يكتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في ~~الكتاب فقال ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) فهذا حال من كتم علم الرسول وذاك حال من عدل ~~عنها إلى خلافها والعادل عنها إلى خلافها يدخل فيه من قلد أحدا من الأولين ~~والآخرين فيما يعلم أنه خلاف قول الرسول سواء كان صاحبا أو تابعا أو أحد ~~الفقهاء المشهورين الأربعة أو غيرهم وأما من ظن أن الذين قلدهم موافقون ~~للرسول فيما قالوه فان كان قد سلك في ذلك طريقا علميا فهو مجتهد له حكم ~~أمثاله وإن كان متكلما بلا علم فهو من المذمومين PageV19P266 # ومن إدعى إجماعا يخالف نص الرسول من غير نص يكون موافقا لما يدعيه واعتقد ~~جواز مخالفة أهل الاجماع للرسول برأيهم وأن الاجماع ينسخ النص كما تقوله ~~طائفة من أهل الكلام والرأى فهذا من جنس هؤلاء # وأما إن كان يعتقد أن الاجماع يدل على نص لم يبلغنا يكون ناسخا للأول ~~فهذا وإن كان لم يقل قولا سديدا فهو مجتهد في ذلك يبين له فساد ما قاله كمن ~~عارض حديثا صحيحا بحديث ضعيف اعتقد صحته فان قوله وإن لم يكن حقا لكن يبين ~~له ضعفه وذلك بان يبين له عدم الاجماع المخالف للنص أو يبين له انه لم ~~تجتمع الأمة على مخالفة نص إلا ومعها نص معلوم يعلمون أنه الناسخ للأول ~~فدعوى تعارض النص والاجماع باطلة ويبين له أن مثل هذا لا يجوز فان النصوص ~~معلومة محفوظة والأمة مأمورة بتتبعها واتباعها وأما ثبوت الاجماع على ~~خلافها بغير نص فهذا لا يمكن العلم بان كل واحد من علماء المسلمين خالف ذلك ~~النص # والاجماع نوعان قطعى فهذا لا سبيل إلى أن يعلم اجماع قطعى على خلاف النص ms5847 ~~واما الظنى فهوالاجماع الاقرارى والاستقرائى بأن يستقرىء أقوال العلماء فلا ~~يجد في ذلك خلافا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم احدا أنكره فهذا ~~الاجماع وإن جاز الاحتجاج به PageV19P267 فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة ~~به لأن هذا حجة ظنية لا يجزم الانسان بصحتها فانه لا يجزم بانتفاء المخالف ~~وحيث قطع بانتفاء المخالف فالاجماع قطعى وأما إذا كان يظن عدمه ولا يقطع به ~~فهو حجة ظنية والظنى لا يدفع به النص المعلوم لكن يحتج به ويقدم على ما هو ~~دونه بالظن ويقدم عليه الظن الذى هو أقوى منه فمتى كان ظنه لدلالة النص ~~أقوى من ظنه بثبوت الاجماع قدم دلالة النص ومتى كان ظنه للإجماع أقوى قدم ~~هذا والمصيب في نفس الأمر واحد # وإن كان قد نقل له في المسألة فروع ولم يتعين صحته فهذا يوجب له أن لا ~~يظن الاجماع إن لم يظن بطلان ذلك النقل وإلا فمتى جوز ان يكون ناقل النزاع ~~صادقا وجوز أن يكون كاذبا يبقى شاكا في ثبوت الاجماع ومع الشك لا يكون معه ~~علم ولا ظن بالاجماع ولا تدفع الأدلة الشرعية بهذا المشتبه مع أن هذا لا ~~يكون فلا يكون قط إجماع يجب اتباعه مع معارضته لنص آخر لا مخالف له ولا ~~يكون قط نص يجب اتباعه وليس في الأمة قائل به بل قد يخفى القائل به على ~~كثير من الناس قال الترمذى كل حديث في كتابى قد عمل به بعض أهل العلم إلا ~~حديثين حديث الجمع وقتل الشارب ومع هذا فكلا الحديثين قد عمل به طائفة ~~وحديث الجمع قد عمل به أحمد وغيره PageV19P268 ولكن من ثبت عنده نص ولم ~~يعلم قائلا به وهو لا يدرى أجمع على نقيضه أم لا فهو بمنزلة من رأى دليلا ~~عارضه آخر وهو بعد لم يعلم رجحان أحدهما فهذا يقف إلى ان يتبين له رجحان ~~هذا أو هذا فلا يقول قولا بلا علم ولا يتبع نصا مع ظن نسخه وعدم نسخه عنده ~~سواء لما عارضه عنده من نص ms5848 آخر أو ظن اجماع ولا عاما ظن تخصيصه وعدم تخصيصه ~~عنده سواء فلا بد أن يكون الدليل سالما عن المعارض المقاوم فيغلب على ظنه ~~نفى المعارض المقاوم وإلا وقف # وأيضا فمن ظن أن مثل هذا الاجماع يحتج به في خلاف النص إن لم يترجح عنده ~~ثبوت الاجماع أو يكون معه نص آخر ينسخ الأول وما يظنه من الاجماع معه وأكثر ~~مسائل أهل المدينة التى يحتجون فيها بالعمل يكون معهم فيها نص فالنص الذى ~~معه العمل مقدم على الآخر وهذا هو الصحيح في مذهب أحمد وغيره كتقديم حديث ~~عثمان ( لا ينكح المحرم ) على حديث بن عباس وأمثال ذلك # وأما رد النص بمجرد العمل فهذا باطل عند جماهير العلماء وقد تنازع الناس ~~في مخالف الاجماع هل يكفر على قولين PageV19P269 # والتحقيق أن الاجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن ~~هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به وأما العلم بثبوت الاجماع في مسألة ~~لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره # وحينئذ فالاجماع مع النص دليلان كالكتاب والسنة # وتنازعوا في الاجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية والتحقيق أن قطعية قطعى ~~وظنية ظنى والله أعلم # وقد ذكر نظير هذه الآية في سورة المائدة وذكر في سورة الزخرف قوله ( أو ~~لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ) وهذا يتناول من بين له أن القول ~~الآخر هو أهدى من القول الذى نشأ عليه فعليه أن يتبعه كما قال ( واتبعوا ~~أحسن ما أنزل اليكم من ربكم ) وقال ( فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ~~) وقال ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) والواجب في الإعتقاد أن يتبع ~~أحسن القولين ليس لأحد أن يعتقد قولا وهو يعتقد أن القول المخالف له أحسن ~~منه وما خير فيه بين فعلين وأحدهما أفضل فهو أفضل وإن جاز له فعل المفضول ~~فعليه أن يعتقد أن ذلك أفضل ويكون ذاك أحب إليه من هذا وهذا اتباع للأحسن ~~PageV19P270 # وإذا نقل عالم الاجماع ونقل آخر النزاع إما نقلا سمى قائله ms5849 وإما نقلا ~~بخلاف مطلقا ولم يسم قائله فليس لقائل أن يقول نقلا لخلاف لم يثبت فانه ~~مقابل بأن يقال ولا يثبت نقل الاجماع بل ناقل الاجماع ناف للخلاف وهذا مثبت ~~له والمثبت مقدم على النافى # وإذا قيل يجوز في ناقل النزاع أن يكون قد غلط فيما أثبته من الخلاف إما ~~لضعف الاسناد أو لعدم الدلالة قيل له ونافى النزاع غلطه أجوز فانه قد يكون ~~في المسألة أقوال لم تبلغه أو بلغته وظن ضعف اسنادها وكانت صحيحة عند غيره ~~أو ظن عدم الدلالة وكانت دالة فكلما يجوز على المثبت من الغلط يجوز على ~~النافى مع زيادة عدم العلم بالخلاف # وهذا يشترك فيه عامة الخلاف فان عدم العلم ليس علما بالعدم لا سيما في ~~أقوال علماء أمة محمد التى لا يحصيها الا رب العالمين ولهذا قال أحمد وغيره ~~من العلماء من ادعى الاجماع فقد كذب هذه دعوى المريسى والأصم ولكن يقول لا ~~أعلم نزاعا والذين كانوا يذكرون الاجماع كالشافعى وأبى ثور وغيرهما يفسرون ~~مرادهم بأنا لا نعلم نزاعا ويقولون هذا هو الاجماع الذى ندعيه # فتبين أن مثل هذا الاجماع الذى قوبل بنقل نزاع ولم يثبت واحد PageV19P271 ~~منهما لا يجوز أن يحتج به ومن لم يترجح عنده نقل مثبت النزاع على نافيه ولا ~~نافيه على مثبته فليس له أيضا أن يقدمه على النص ولا يقدم النص عليه بل يقف ~~لعدم رجحان أحدهما عنده فان ترجح عنده المثبت غلب على ظنه ان النص لم ~~يعارضه إجماع يعمل به وينظر في ذلك إلى مثبت الاجماع والنزاع فمن عرف منه ~~كثرة ما يدعيه من الاجماع والأمر بخلافه ليس بمنزله من لم يعلم منه اثبات ~~اجماع علم انتفاؤه وكذلك من علم منه في نقل النزاع أنه لا يغلط الا نادرا ~~ليس بمنزلة من علم منه كثرة الغلط # واذا تظافرعلى نقل النزاع اثنان لم يأخذ احدهما عن صاحبه فهذا يثبت به ~~النزاع بخلاف دعوى الاجماع فانه لو تظافر عليه عدد لم يستفد بذلك إلا عدم ~~علمهم بالنزاع وهذا ms5850 لمن أثبت النزاع في جمع الثلاث ومن نفى النزاع مع أن ~~عامة من أثبت النزاع يذكر نقلا صحيحا لا يمكن دفعه وليس مع النافى ما يبطله # وكثير من الفقهاء المتأخرين أو أكثرهم يقولون انهم عاجزون عن تلقى جميع ~~الأحكام الشرعية من جهة الرسول فيجعلون نصوص أئمتهم بمنزلة نص الرسول ~~ويقلدونهم ولا ريب ان كثيرا من الناس يحتاج إلى تقليد العلماء في الأمور ~~العارضة التى لا يستقل هو بمعرفتها ومن سالكى طريق الارادة والعبادة والفقر ~~والتصوف من يجعل شيخه PageV19P272 كذلك بل قد يجعله كالمعصوم ولا يتلقى ~~سلوكه الا عنه ولا يتلقى عن الرسول سلوكه مع أن تلقى السلوك عن الرسول أسهل ~~من تلقى الفروع المتنازع فيها فان السلوك هو بالطريق التى أمر الله بها ~~ورسوله من الاعتقادات والعبادات والأخلاق وهذا كله مبين في الكتاب والسنة ~~فان هذا بمنزلة الغذاء الذى لابد للمؤمن منه # ولهذا كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن ~~الرسول لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة ولم يحصل بين الصحابة نزاع في ~~ذلك كما تنازعوا في بعض مسائل الفقه التى خفيت معرفتها على أكثر الصحابة ~~وكانوا يتكلمون في الفتيا والاحكام طائفة منهم يستفتون في ذلك # وأما ما يفعله من يريد التقرب إلى الله من واجب ومستحب فكلهم يأخذه عن ~~الكتاب والسنة فان القرآن والحديث مملوء من هذا وإن تكلم أحدهم في ذلك ~~بكلام لم يسنده هو يكون هو أو معناه مسندا عن الله ورسوله وقد ينطق أحدهم ~~بالكلمة من الحكمة فتجدها مأثورة عن النبى صلى الله عليه وسلم وهذا كما قيل ~~في تفسير قوله ( نور على نور ) ولكن كثير من أهل العبادة والزهادة أعرض عن ~~طلب العلم النبوى الذى يعرف به طريق الله ورسوله فإحتاج لذلك إلى تقليد شيخ ~~PageV19P273 وفى السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ لكن يوجد في الكتاب والسنة ~~من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين فمسائل السلوك ~~من جنس مسائل العقائد كلها منصوصة في الكتاب والسنة وانما إختلف أهل ms5851 الكلام ~~لما أعرضوا عن الكتاب والسنة فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف وهكذا طريق ~~العبادة عامة ما يقع فيه من الاختلاف انما هو بسبب الاعراض عن الطريق ~~المشروع فيقعون في البدع فيقع فيهم الخلاف # وهكذا الفقه إنما وقع فيه الاختلاف لما خفى عليهم بيان صاحب الشرع ولكن ~~هذا إنما يقع النزاع في الدقيق منه وأما الجليل فلا يتنازعون فيه والصحابة ~~أنفسهم تنازعوا في بعض ذلك ولم يتنازعوا في العقائد ولا في الطريق إلى الله ~~التى يصير بها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين ولهذا كان عامة ~~المشايخ اذا احتاجوا في مسائل الشرع مثل مسائل النكاح والفرائض والطهارة ~~وسجود السهو ونحو ذلك قلدوا الفقهاء لصعوبة أخذ ذلك عليهم من النصوص وأما ~~مسائل التوكل والاخلاص والزهد ونحو ذلك فهم يجتهدون فيها فمن كان منهم ~~متبعا للرسول أصاب ومن خالفه أخطأ # ولا ريب أن البدع كثرت في باب العبادة والارادة اعظم مما كثرت في باب ~~الإعتقاد والقول لأن الارادة يشترك الناس فيها اكثر مما PageV19P274 ~~يشتركون في القول فان القول لا يكون الا بعقل والنطق من خصائص الانسان وأما ~~جنس الارادة فهو مما يتصف به كل الحيوان فما من حيوان الا وله ارادة وهؤلاء ~~اشتركوا في ارادة التأله لكن افترقوا في المعبود وفى عبادته ولهذا وصف الله ~~في القرآن رهبانية النصارى بأنهم ابتدعوها وذم المشركين في القرآن على ما ~~ابتدعوه من العبادات والتحريمات وذلك اكثر مما ابتدعوه من الاعتقادات فان ~~الاعتقادات كانوا فيها جهالا في الغالب فكانت بدعهم فيها أقل ولهذا كلما ~~قرب الناس من الرسول كانت بدعهم أخف فكانت في الأقوال ولم يكن في التابعين ~~وتابعيهم من تعبد بالرقص والسماع كما كان فيهم خوارج ومعتزلة وشيعة وكان ~~فيهم من يكذب بالقدر ولم يكن فيهم من يحتج بالقدر # فالبدع الكثيرة التى حصلت في المتأخرين من العباد والزهاد والفقراء ~~والصوفية لم يكن عامتها في زمن التابعين وتابعيهم بخلاف أقوال اهل البدع ~~القولية فانها ظهرت في عصر الصحابة والتابعين فعلم أن الشبهة فيها أقوى ~~وأهلها أعقل ms5852 وأما بدع هؤلاء فاهلها اجهل وهم أبعد عن متابعة الرسول # ولهذا يوجد في هؤلاء من يدعى الالهية والحلول والاتحاد ومن يدعى أنه أفضل ~~من الرسول وأنه مستغن عن الرسول وأن PageV19P275 لهم إلى الله طريقا غير ~~طريق الرسول وهذا ليس من جنس بدع المسلمين بل من جنس بدع الملاحدة من ~~المتفلسفة ونحوهم وأولئك قد عرف الناس أنهم ليسوا مسلمين وهؤلاء يدعون أنهم ~~أولياء الله مع هذه الأقوال التى لا يقولها الا من هو أكفر من اليهود ~~والنصارى وكثير منهم أو أكثرهم لا يعرف ان ذلك مخالفة للرسول بل عند طائفة ~~منهم أن أهل الصفة قاتلوا الرسول وأقرهم على ذلك وعند آخرين أن الرسول أمر ~~أن يذهب ليسلم عليهم ويطلب الدعاء منهم وانهم لم يأذنوا له وقالوا اذهب إلى ~~من ارسلت اليهم وانه رجع إلى ربه فأمره ان يتواضع ويقول خويدمكم جاء ليسلم ~~عليكم فجبروا قلبه وأذنوا له بالدخول # فمع اعتقادهم هذا الكفر العظيم الذى لا يعتقده يهودى ولا نصرانى يقر بانه ~~رسول الله إلى الأميين يقولون ان الرسول أقرهم على ذلك واعترف به واعترف ~~انهم خواص الله وأن الله يخاطبهم بدون الرسول لم يحوجهم إليه كبعض خواص ~~الملك مع وزرائه ويحتجون بقصة الخضر مع موسى وهى حجة عليهم لا لهم من وجوه ~~كثيرة قد بسطت في موضع آخر # والضلال والجهل في جنس العباد والمبتدعة أكثر منه في جنس اهل الأقوال لكن ~~فيهم من الزهد والعبادة والأخلاق مالا يوجد في PageV19P276 اولئك وفى أولئك ~~من الكبر والبخل والقسوة ما ليس فيهم فهؤلاء فيهم شبه من النصارى وهؤلاء ~~فيهم شبه من اليهود والله تعالى أمرنا ان نقول ( اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) ولهذا آل الأمر ~~بكثير من اكابر مشايخهم إلى انهم شهدوا توحيد الربوبية والايمان بالقدر ~~وذلك شامل لجميع الكائنات فعدوا الفناء في هذا بزوال الفرق بين الحسنات ~~والسيئات غاية المقامات وليس بعده الا ما سموه توحيدا وهو من جنس الحلول ~~والاتحاد الذى تقوله النصارى ولكنهم يهابون ms5853 الافصاح عن ذلك ويجعلونه من ~~الأسرار المكتومة # ومنهم من يقول ان الحلاج هذا كان مشهده وانما قتل لأنه باح بالسر الذى ما ~~ينبغى البوح به واذا انضم إلى ذلك ان يكون أحدهم قد أخذ عمن يتكلم في إثبات ~~القدر من أهل الكلام أو غيرهم ويجعل الجميع صادرا عن ارادة واحدة وليس هنا ~~حب ولا بغض ولا رضا ولا سخط ولا فرح ولكن المرادات متنوعة فما كان ثوابا ~~سمى تعلق الارادة به رضا وما كان عقابا سمى سخطا فحينئذ مع هذا المشهد لا ~~يبقى عنده تمييز ويسمون هذا الجمع والاصطلام # وكان الجنيد قدس الله روحه لما وصل أصحابه كالثورى PageV19P277 وأمثاله ~~إلى هذا المقام امرهم بالفرق الثانى وهو ان يفرقوا بين المأمور والمحظور ~~ومحبوب الله ومرضيه ومسخوطه ومكروهه وهو مشهد الالهية الذى جاءت به الرسل ~~ونزلت به الكتب وهو حقيقة قول لا اله الا الله فمنهم من انكر على الجنيد ~~ومنهم من توقف ومنهم من وافق والصواب ما قاله الجنيد من ذكر هذه الكلمة في ~~الفرق بين المأمور والمحظور والكلمة الاخرى في الفرق بين الرب والعبد وهو ~~قوله التوحيد إفراد الحدوث عن القدم فهذا رد على الاتحادية والحلولية منهم ~~وتلك رد على من يقف عند الحقيقة الكونية منهم وما اكثر من ابتلى بهذين منهم # ثم من الناس من يقوم بهذا الفرق لكن لنفسه وهواه لا عبادة وطاعة لله فهذا ~~مثل من يجاهد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لهواه كالمقاتل شجاعة وحمية ~~ورياء وذاك بمنزلة من لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يجاهد هذا شبيه ~~بالراهب وذاك شبيه بمن لم يطلب الا الدنيا ذاك مبتدع وهذا فاجر # وقد كثر في المتزهدة والمتفقرة البدع وفى المعرضين عن ذلك طلب الدنيا ~~وطلاب الدنيا لا يعارضون تاركها الا لأغراضهم وإن كانوا مبتدعة وأولئك لا ~~يعارضون ابناء الدنيا الا لأغراضهم فتبقى المنازعات للدنيا PageV19P278 لا ~~لتكون كلمة الله هي العليا ولا ليكون الدين لله بخلاف طريقة السلف رضى الله ~~عنهم أجمعين وكلاهما خارج عن الصراط المستقيم ms5854 # نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا آخره والحمد لله رب ~~العالمين PageV19P279 ### || 1 ( رسالة في شمول النصوص ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه الله # عمن يقول ان النصوص لا تفى بعشر معشار الشريعة هل قوله صواب وهل أراد ~~النص الذى لا يحتمل التأويل أو الالفاظ الواردة المحتملة ومن نفى القياس ~~وأبطله من الظاهريه هل قوله صواب وما حجته على ذلك وما معنى قولهم النص ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذا القول قاله طائفة من أهل الكلام والرأى كأبى ~~المعالى وغيره وهو خطأ بل الصواب الذى عليه جمهور أئمة المسلمين ان النصوص ~~وافية بجمهور احكام أفعال العباد ومنهم من يقول انها وافية بجميع ذلك وإنما ~~انكر ذلك من انكره لأنه لم يفهم معانى النصوص العامة التى هي أقوال الله ~~ورسوله وشمولها لأحكام أفعال العباد وذلك أن الله بعث محمدا بجوامع الكلم ~~فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التى هي قضية كليه وقاعدة عامة تتناول ~~أنواعا كثيرة وتلك الأنواع تتناول أعيانا لا تحصى فبهذا الوجه تكون النصوص ~~محيطة بأحكام أفعال العباد PageV19P280 # مثال ذلك أن الله حرم الخمر فظن بعض الناس ان لفظ الخمر لا يتناول الا ~~عصير العنب خاصة ثم من هؤلاء من لم يحرم الا ذلك اوحرم معه بعض الأنبذة ~~المسكرة كما يقول ذلك من يقوله من فقهاء الكوفة فان أبا حنيفة يحرم عصير ~~العنب المشتد الزبد وهذا الخمر عنده ويحرم المطبوخ منه ما لم يذهب ثلثاه ~~فاذا ذهب ثلثاه لم يحرمه ويحرم النيء من نبيذ التمر فان طبخ ادنى طبخ حل ~~عنده وهذه المسكرات الثلاثة ليست خمرا عنده مع أنها حرام وما سوى ذلك من ~~الأنبذة فانما يحرم 4 منه ما يسكر # وأما محمد بن الحسن فوافق الجمهور في تحريم كل مسكر قليله وكثيره وبه ~~أفتى المحققون من أصحاب أبى حنيفة وهو اختيار أبى الليث السمرقندى # ومن العلماء من حرم كل مسكر بطريق القياس إما في الاسم وإما في الحكم ~~وهذه الطريقة ms5855 التى سلكها طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعى وأحمد ~~يظنون أن تحريم كل مسكر انما كان بالقياس في الأسماء أو القياس في الحكم # والصواب الذى عليه الأئمة الكبار أن الخمر المذكورة في القرآن تناولت كل ~~مسكر فصار تحريم كل مسكر بالنص العام PageV19P281 والكلمة الجامعة لا ~~بالقياس وحده وان كان القياس دليلا آخر يوافق النص وثبتت أيضا نصوص صحيحة ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم بتحريم كل مسكر ففى صحيح مسلم عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ) وفى الصحيحين عن ~~عائشة رضى الله عنها عن النبى أنه قال ( كل شراب أسكر فهو حرام ) وفى ~~الصحيحين عن أبى موسى عن النبى انه سئل فقيل له عندنا شراب من العسل يقال ~~له البتع وشراب من الذرة يقال له المزر قال وكان قد أوتى جوامع الكلم فقال ~~( كل مسكر حرام ) إلى احاديث أخر يطول وصفها وعلى هذا فتحريم ما يسكر من ~~الأشربة والأطعمة كالحشيشة المسكرة ثابت بالنص وكان هذا النص متناولا لشرب ~~الأنواع المسكرة من أى مادة كانت من الحبوب أو الثمار أو من لبن الخيل أو ~~من غير ذلك ومن ظن أن النص انما يتناول خمر العنب قال انه لم يبين حكم هذه ~~المسكرات التى هي في الأرض أكثر من خمر العنب بل كان ذلك ثابتا بالقياس ~~وهؤلاء غلطوا في فهم النص ومما يبين ذلك انه قد ثبت بالأحاديث الكثيرة ~~المستفيضة أن الخمر لما حرمت لم يكن بالمدينة PageV19P282 من خمر العنب شيء ~~فان المدينة لم يكن فيها شجر العنب وانما كان عندهم النخل فكان خمرهم من ~~التمر ولما حرمت الخمر اراقوا تلك الأشربة التى كانت من التمر وعلموا أن ~~ذلك الشراب هو خمر محرم فعلم ان لفظ الخمر لم يكن عندهم مخصوصا بعصير العنب ~~وسواء كان ذلك في لغتهم فتناول غيره أو كانوا عرفوا التعميم ببيان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فانه المبين عن الله مراده فان الشارع يتصرف في اللغة ~~تصرف أهل العرف ms5856 يستعمل اللفظ تارة فيما هو أعم من معناه في اللغة وتارة ~~فيما هو أخص # وكذلك لفظ الميسر هو عند أكثر العلماء يتناول اللعب بالنرد والشطرنج ~~ويتناول بيوع الغرر التى نهى عنها النبى فان فيها معنى القمار الذى هو ميسر ~~إذ القمار معناه أن يؤخذ مال الانسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوضه أو لا ~~يحصل كالذى يشترى العبد الآبق والبعير الشارد وحبل الحبلة ونحو ذلك مما قد ~~يحصل له وقد لا يحصل له وعلى هذا فلفظ الميسر في كتاب الله تعالى يتناول ~~هذا كله وما ثبت في صحيح مسلم عن النبى انه نهى عن بيع الغرر يتناول كل ما ~~فيه مخاطرة كبيع الثمار قبل بدو صلاحها وبيع الأجنة في البطون وغير ذلك # ومن هذا الباب لفظ الربا فانه يتناول كل ما نهى عنه من ربا PageV19P283 ~~النسأ وربا الفضل والقرض الذى يجر منفعة وغير ذلك فالنص متناول لهذا كله ~~لكن يحتاج في معرفة دخول الأنواع والأعيان في النص إلى ما يستدل به على ذلك ~~وهذا الذى يسمى تحقيق المناط # وكذلك قوله تعالى ( يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) ~~وقوله ( والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء ) ونحو ذلك يعم بلفظه كل ~~مطلقة ويدل على ان كل طلاق فهو رجعى ولهذا قال أكثر العلماء بذلك وقالوا لا ~~يجوز للرجل ان يطلق المرأة ثلاثا ويدل أيضا على ان الطلاق لا يقع إلا رجعيا ~~وأن ما كان بائنا فليس من الطلقات الثلاث فلا يكون الخلع من الطلقات الثلاث ~~كقول بن عباس والشافعى في قول وأحمد في المشهور عنه لكن بينهم نزاع هل ذلك ~~مشروط بان يخلو الخلع عن لفظ الطلاق ونيته أو بالخلو عن لفظه فقط أو لا ~~يشترط شيء من ذلك على ثلاثة أقوال # وكذلك قوله تعالى ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) و ( ذلك كفارة ~~أيمانكم ) هو متناول لكل يمين من أيمان المسلمين فمن العلماء من قال كل ~~يمين من أيمان المسلمين ففيها كفارة كما دل عليه الكتاب والسنة ومنهم من ms5857 ~~قال لا يتناول النص الا الحلف باسم الله وغير ذلك لا تنعقد ولا شيء فيها ~~ومنهم من قال بل PageV19P284 هي أيمان يلزم الحالف بها ما التزمه ولا تدخل ~~في النص ولا ريب ان النص يدل على القول الأول فمن قال ان النص لم يبين حكم ~~جميع أيمان المسلمين كان هذا رأيا منه لم يكن هذا مدلول النص # وكذلك الكلام في عامة مسائل النزاع بين المسلمين إذا طلب ما يفصل النزاع ~~من نصوص الكتاب والسنة وجد ذلك وتبين ان النصوص شاملة لعامة أحكام الأفعال ~~وكان الامام أحمد يقول انه ما من مسألة يسأل عنها الا وقد تكلم الصحابة ~~فيها أو في نظيرها والصحابة كانوا يحتجون في عامة مسائلهم بالنصوص كما هو ~~مشهور عنهم وكانوا يجتهدون رأيهم ويتكلمون بالرأى ويحتجون بالقياس الصحيح ~~أيضا # والقياس الصحيح نوعان # أحدهما أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرق غير مؤثر في الشرع ~~كما ثبت عن النبى في الصحيح انه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال ألقوها وما ~~حولها وكلوا سمنكم ) وقد أجمع المسلمون على أن هذا الحكم ليس مختصا بتلك ~~الفأرة وذلك السمن فلهذا قال جماهير العلماء إنه أى نجاسة وقعت في دهن من ~~الأدهان كالفأرة التى تقع في الزيت وكالهر الذى يقع في السمن فحكمها حكم ~~تلك الفأرة التى وقعت في السمن ومن قال من PageV19P285 اهل الظاهر ان هذا ~~الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن فقد أخطأ فان النبى لم يخص الحكم ~~بتلك الصورة لكن لما استفتى عنها أفتى فيها والاستفتاء إذا وقع عن قضية ~~معينة أو نوع فأجاب المفتى عن ذلك خصه لكونه سئل عنه لا لاختصاصه بالحكم # ومثل هذا انه سئل عن رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة مضمخة بخلوق فقال ( انزع ~~عنك الجبة واغسل عنك الخلوق واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك ) فاجابه عن ~~الجبة ولو كان عليه قميص أو نحوه كان الحكم كذلك بالاجماع 3 والنوع الثانى ~~من القياس # أن ينص على حكم ms5858 لمعنى من المعانى ويكون ذلك المعنى موجودا في غيره فاذا ~~قام دليل من الأدلة على ان الحكم متعلق بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع ~~سوى بينهما وكان هذا قياسا صحيحا # فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم باحسان يستعملونهما وهما من باب ~~فهم مراد الشارع فان الاستدلال بكلام الشارع يتوقف على ان يعرف ثبوت اللفظ ~~عنه وعلى ان يعرف مراده باللفظ واذا عرفنا مراده فان علمنا انه حكم للمعنى ~~المشترك لا لمعنى يخص PageV19P286 الاصل أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى ~~المشترك وان علمنا انه قصد تخصيص الحكم بمورد النص منعنا القياس كما أنا ~~علمنا ان الحج خص به الكعبة وان الصيام الفرض خص به شهر رمضان وان ~~الاستقبال خص به جهة الكعبة وان المفروض من الصلوات خص به الخمس ونحو ذلك ~~فانه يمتنع هنا أن نقيس على المنصوص غيره # وإذا عين الشارع مكانا أو زمانا للعبادة كتعيين الكعبة وشهر رمضان أو عين ~~بعض الأقوال والأفعال كتعيين القراءة في الصلاة والركوع والسجود بل وتعيين ~~التكبير وأم القرآن فالحاق غير المنصوص به يشبه حال أهل اليمن الذين أسقطوا ~~تعيين الأشهر الحرم وقالوا المقصود أربعة أشهر من السنة فقال تعالى ( انما ~~النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ) وقياس الحلال بالنص على ~~الحرام بالنص من جنس قياس الذين قالوا ( إنما البيع مثل الربا واحل الله ~~البيع وحرم الربا ) وكذلك قياس المشركين الذين قاسوا الميتة بالمذكى وقالوا ~~أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله قال تعالى ( وان الشياطين ليوحون ~~إلى أوليائهم ليجادلوكم وان أطعتموهم انكم لمشركون ) فهذه الأقيسة الفاسدة # وكل قياس دل النص على فساده فهو فاسد وكل من ألحق PageV19P287 منصوصا ~~بمنصوص يخالف حكمه فقياسه فاسد وكل من سوى بين شيئين أو فرق بين شيئين بغير ~~الأوصاف المعتبرة في حكم الله ورسوله فقياسه فاسد لكن من القياس ما يعلم ~~صحته ومنه ما يعلم فساده ومنه ما لم يتبين أمره فمن أبطل القياس ms5859 مطلقا ~~فقوله باطل ومن استدل بالقياس المخالف للشرع فقوله باطل ومن استدل بقياس لم ~~يقم الدليل على صحته فقد استدل بما لا يعلم صحته بمنزلة من استدل برواية ~~رجل مجهول لا يعلم عدالته # فالحجج الأثرية والنظرية تنقسم إلى ما يعلم صحته والى ما يعلم فساده والى ~~ما هو موقوف حتى يقوم الدليل على أحدهما ولفظ النص يراد به تارة الفاظ ~~الكتاب والسنة سواء كان اللفظ دلالته قطعية أو ظاهرة وهذا هو المراد من قول ~~من قال النصوص تتناول أحكام أفعال المكلفين ويراد بالنص ما دلالته قطعية لا ~~تحتمل النقيض كقوله ( تلك عشرة كاملة ) و ( الله الذى أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان ) فالكتاب هو النص والميزان هو العدل # والقياس الصحيح من باب العدل فانه تسوية بين المتماثلين وتفريق بين ~~المختلفين ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص فكل قياس خالف دلالة النص ~~فهو قياس فاسد ولا يوجد نص يخالف قياسا صحيحا كما لا يوجد معقول صريح يخالف ~~المنقول الصحيح PageV19P288 ومن كان متبحرا في الأدلة الشرعية أمكنه ان ~~يستدل على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة فثبت ان كل واحد من النص والقياس ~~دل على هذا الحكم كما ذكرناه من الأمثلة فان القياس يدل على تحريم كل مسكر ~~كما يدل النص على ذلك فان الله حرم الخمر لأنها توقع بيننا العداوة ~~والبغضاء وتصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة كما دل القرآن على هذا المعنى وهذا ~~المعنى موجود في جميع الأشربة المسكرة لافرق في ذلك بين شراب وشراب فالفرق ~~بين الأنواع المشتركة من هذا الجنس تفريق بين المتماثلين وخروج عن موجب ~~القياس الصحيح كما هو خروج عن موجب النصوص وهم معترفون بان قولهم خلاف ~~القياس لكن يقولون معنا آثار توافقه اتبعناها ويقولون ان اسم الخمر لم ~~يتناول كل مسكر وغلطوا في فهم النص وإن كانوا مجتهدين مثابين على اجتهادهم ~~ومعرفة عموم الأسماء الموجودة في النص وخصوصها من معرفة حدود ما أنزل الله ~~على رسوله وقد قال تعالى ( الأعراب اشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا ~~حدود ما ms5860 أنزل الله على رسوله ) # والكلام في ترجيح نفاة القياس ومثبتيه يطول إستقصاؤه لا تحتمل هذه الورقة ~~بسطه أكثر من هذا والله أعلم PageV19P289 ### |PARATEXT| # وقال ### ||| فصل # العبادات المأمور بها كالايمان الجامع وكشعبة مثل الصلاة والوضوء ~~والاغتسال والحج والصيام والجهاد والقراءة والذكر وغير ذلك لها ثلاثة أحوال ~~وربما لم يشرع لها الا حالان لأن العبد إما أن يقتصر على الواجب فقط وإما ~~أن يأتى بالمستحب فيها وإما أن ينقص عن الواجب فيها فالأول حال المقتصدين ~~فيها وإن كان سابقا في غيرها والثانى حال السابق فيها والثالث حال الظالم ~~فيها # والعبادة الكاملة تارة تكون ما أدى فيها الواجب وتارة ما أتى فيها ~~بالمستحب وبازاء الكاملة الناقصة قد يعنى بالنقص نقص بعض واجباتها وقد يعنى ~~به ترك بعض مستحباتها فاما تفسير الكامل بما كمل بالمستحبات فهو غالب ~~استعمال الفقهاء في الطهارة والصلاة وغير ذلك فانهم يقولون الوضوء ينقسم ~~إلى كامل ومجزى والغسل ينقسم إلى كامل ومجزى ويريدون بالمجزى الاقتصار ~~PageV19P290 على الواجب وبالكامل ما اتى فيه بالمستحب في العدد والقدر ~~والصفة وغير ذلك # ولذلك استعملوا ما جاء في حديث بن مسعود مرفوعا ( إذا قال في ركوعه سبحان ~~ربى العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه وذلك ادناه وإذا قال في سجوده سبحان ربى ~~الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده وذلك أدناه ) فقالوا أدنى الكمال ثلاث تسبيحات ~~يعنون أدنى الكمال المسنون وقالوا أقل الوتر ركعة وأدنى الكمال ثلاث فجعلوا ~~للكمال أدنى وأعلى وكلاهما في الكمال المسنون لا المفروض # ثم يختلفون في حرف النفى الداخل على المسميات الشرعية كقوله ( لا قراءة ~~الا بام الكتاب ) ( ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ) ( ولا صلاة لمن ~~لا وضوء له ) ( ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) فاكثرهم يقولون هو ~~لنفى الفعل فلا يجزى مع هذا النفى ومنهم من يقول هو لنفى الكمال يريدون نفى ~~الكمال المسنون # وأما تفسيره بما كمل بالواجب فهو في عرف الشارع لكن الموجود فيه كثيرا ~~لفظ التمام كقوله ( وأتموا الحج والعمرة لله ) والمراد بالاتمام الواجب ~~الاتمام ms5861 بالواجبات وكذلك قوله ( ثم أتموا الصيام PageV19P291 إلى الليل ) ~~وقوله ( لا تتم صلاة عبد حتى يضع الطهور مواضعه ) الحديث وقوله ( فما ~~انتقصت من هذا فقد انتقصت من صلاتك ( ويمكن ان يقال في اتمام الحج والصيام ~~ونحو ذلك هو أمر مطلق بالاتمام واجبه ومستحبه فما كان واجبا فالامر به ~~ايجاب وما كان مستحبا فالأمر به استحباب وجاء لفظ التمام في قوله ( فقد تم ~~ركوعه وذلك أدناه ( وقوله ( أقيموا صفوفكم فان إقامة الصف من تمام الصلاة ( ~~وروى ( من إقامة الصلاة ( # والنقص بازاء التمام والكمال كقوله ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم ~~الكتاب فهي خداج ( فالجمهور يقولون هو نقص الواجبات لأن الخداج هو الناقص ~~في أعضائه وأركانه وآخرون يقولون هو الناقص عن كماله المستحب فان النقص ~~يستعمل في نقص الاستحباب كثيرا كما تقدم في تقسيم الفقهاء الطهارة إلى كامل ~~ومجزى ليس بكامل وما ليس بكامل فهو ناقص وقوله ( فقد تم ركوعه وسجوده وذلك ~~أدناه ( وما لم يتم فهو ناقص وإن كان مجزئا # ثم النقص عن الواجب نوعان نوع يبطل العبادة كنقص أركان الطهارة والصلاة ~~والحج ونقص لا يبطلها كنقص واجبات الحج التى ليست بأركان ونقص واجبات ~~الصلاة إذا تركها سهوا على المشهور عند أحمد ونقص الواجبات التى يسميه أبو ~~حنيفة فيها مسيئا ولا تبطل PageV19P292 صلاته كقراءة الفاتحة ونحوها # وبهذا تزول الشبهة في ( مسائل الاسماء والاحكام ( وهى مسألة الايمان ~~وخلاف المرجئة والخوارج فان الايمان وان كان اسما لدين الله الذى أكمله ~~بقوله ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وهو اسم لطاعة الله وللبر وللعمل الصالح ~~وهو جميع ما أمر الله به فهذا هو الايمان الكامل التام وكماله نوعان كمال ~~المقربين وهو الكمال بالمستحب وكمال المقتصدين وهو الكمال بالواجب فقط # وإذا قلنا في مثل قول النبى ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن ( ولا إيمان لمن لا أمانة له ) وقوله ( إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ( الآية وقوله ( إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ms5862 بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله ) وقوله ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) الآية إلى ~~قوله ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) إذا قال القائل في مثل هذا ~~ليس بمؤمن كامل الايمان أو نفى عنه كمال الايمان لا أصله فالمراد به كمال ~~الايمان الواجب ليس بكمال الايمان المستحب كمن ترك رمى الجمار أو ارتكب ~~محظورات الإحرام غير الوطىء ليس هذا مثل قولنا غسل كامل ووضوء كامل وأن ~~المجزى منه ليس PageV19P293 بكامل ذاك نفى الكمال المستحب # وكذا المؤمن المطلق هو المؤدى للايمان الواجب ولا يلزم من كون إيمانه ~~ناقصا عن الواجب أن يكون باطلا حابطا كما في الحج ولا أن يكون معه الايمان ~~الكامل كما تقوله المرجئة ولا أن يقال ولو أدى الواجب لم يكن ايمانه كاملا ~~فان الكمال المنفى هنا الكمال المستحب # فهذا فرقان يزيل الشبهة في هذا المقام ويقرر النصوص كما جاءت وكذلك قوله ~~( من غشنا فليس منا ( ونحو ذلك لا يجوز أن يقال فيه ليس من خيارنا كما ~~تقوله المرجئة ولا أن يقال صار من غير المسلمين فيكون كافرا كما تقوله ~~الخوارج بل الصواب أن هذا الاسم المضمر ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الايمان ~~الواجب الذى به يستحقون الثواب بلا عقاب ولهم الموالاة المطلقة والمحبة ~~المطلقة وان كان لبعضهم درجات في ذلك بما فعله من المستحب فاذا غشهم لم يكن ~~منهم حقيقة لنقص إيمانه الواجب الذى به يستحقون الثواب المطلق بلا عقاب ولا ~~يجب أن يكون من غيرهم مطلقا بل معه من الإيمان ما يستحق به مشاركتهم في بعض ~~الثواب ومعه من الكبيرة ما يستحق به العقاب كما يقول من استأجر قوما ~~ليعملوا عملا فعمل بعضهم بعض الوقت فعند التوفية يصلح أن يقال هذا ليس منا ~~فلا يستحق PageV19P294 الأجر الكامل وإن استحق بعضه # وقد بسطت القول في هذه المسألة في غير هذا الموضع وبينت ارتباطها بقاعدة ~~كبيرة في ان الشخص الواحد أو العمل الواحد يكون مأمورا به من وجه منهيا عنه ~~من وجه وأن هذا هو مذهب أهل ms5863 السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة وقد ~~وافقهم طائفة من أهل الاثبات متكلميهم وفقهائهم من أصحابنا وغيرهم في مسألة ~~العمل الواحد في أصول الفقه فقالوا لا يجوز أن يكون مأمورا به منهيا عنه ~~وإن كانوا مخالفين لهم في مسألة الشخص الواحد في أصول الدين ولا ريب أن ~~إحدى الروايتين عن أحمد أن هذا العمل لا يجزئ وهى مسألة الصلاة في الدار ~~المغصوبة وفى الرواية الأخرى يجزى كقول أكثر الفقهاء لكن من أصحابنا من ~~جعلها عقلية ورأى أنه لا يمتنع ذلك عقلا وهو قول أكثر المعتزلة وكثير من ~~الأشعرية كابن الباقلانى وبن الخطيب # فالكلام في مقامين في الامكان العقلى وفى الاجزاء الشرعى والناس فيها على ~~أربعة أقوال # منهم من يقول يمتنع عقلا ويبطل شرعا وهو قول طائفة من PageV19P295 متكلمى ~~أصحابنا وفقهائهم # ومنهم من يقول يجوز عقلا لكن المانع سمعى وهذا قد يقوله أيضا من لا يرى ~~الاجزاء من أصحابنا ومن وافقهم وهو أشبه عندى بقول أحمد فان أصوله تقتضى ~~أنه يجوز ورود التعبد بذلك كله وهذا هو الذى يشبه أصول أهل السنة وأئمة ~~الفقه ومنهم من يجوزه عقلا وسمعا كأكثر الفقهاء ومنهم من يمنعه عقلا لكن ~~يقول ورد سمعا وهذا قول بن الباقلانى وأبى الحسن وبن الخطيب زعموا أن العقل ~~يمنع كون الفعل الواحد مأمورا به منهيا عنه ولكن لما دل السمع إما الاجماع ~~أو غيره على عدم وجوب القضاء قالوا حصل الاجزاء عنده لا به وهذا القول عندى ~~أفسد الأقوال # والصواب أن ذلك ممكن في العقل فأما الوقوع السمعى فيرجع فيه إلى دليله ~~وذلك أن كون الفعل الواحد محبوبا مكروها مرضيا مسخوطا مأمورا به منهيا عنه ~~مقتضيا للحمد والثواب والذم والعقاب ليس هو من الصفات اللازمة كالأسود ~~والأبيض والمتحرك والساكن والحى والميت وإن كان في هذه الصفات كلام أيضا ~~وإنما هو من PageV19P296 الصفات التى فيها إضافة متعدية إلى الغير مثل كون ~~الفعل نافعا وضارا ومحبوبا ومكروها والنافع هو الجالب للذة والضار هو ~~الجالب للألم وكذلك المحبوب هوالذى فيه فرح ولذة للمحب ms5864 مثلا والمكروه هو ~~الذى فيه ألم للكاره ولهذا كان الحسن والقبح العقلى معناه المنفعة والمضرة ~~والأمر والنهى يعودان إلى المطلوب والمكروه فهذه صفة في الفعل متعلقة ~~بالفاعل أو غيره وهذه صفة في الفعل متعلقة بالآمر الناهى # ولهذا قلت غير مرة إن حسن الفعل يحصل من نفسه تارة ومن الآمر تارة ومن ~~مجموعهما تارة والمعتزلة ومن وافقهم من الفقهاء أصحابنا وغيرهم الذين ~~يمنعون النسخ قبل التمكن من الفعل لا يثبتون الا الأول والأشعرية ومن ~~وافقهم من الفقهاء أصحابنا وغيرهم الذين لا يثبتون للفعل صفة الا إضافة ~~لتعلق الخطاب به لا يثبتون الا الثانى والصواب إثبات الآمرين وقدر زائد ~~يحصل للفعل من جنس تعلق الخطاب غير تعلق الخطاب ويحصل للفعل بعد الحكم ~~فالخطاب مظهر تارة ومؤثر تارة وجامع بين الأمرين تارة وبسط هذا له موضع آخر # وإذا كان كذلك فنحن نعقل ونجد أن الفعل الواحد من الشخص أو من غيره يجلب ~~له منفعة ومضرة معا والرجل يكون له عدوان PageV19P297 يقتل أحدهما صاحبه ~~فيسر من حيث عدم عدو ويساء من حيث غلب عدو ويكون له صديقان يعزل أحدهما ~~صاحبه فيساء من حيث إنعزال الصديق ويسر من حيث تولى صديق واكثر أمور الدنيا ~~من هذا فان المصلحة المحضة نادرة فأكثر الحوادث فيها ما يسوء ويسر فيشتمل ~~الفعل على ما ينفع ويحب ويراد ويطلب وعلى ما يضر ويبغض ويكره ويدفع وكذلك ~~الآمر يأمر بتحصيل النافع وينهى عن تحصيل الضار فيأمر بالصلاة المشتملة على ~~المنفعة وينهى عن الغضب المشتمل على المضرة # فاذا قالوا الممتنع أن يأمره بفعل واحد من وجه واحد فيقول صل هنا ولا تصل ~~هنا فان هذا جمع بين النقيضين والجمع بين النقيضين ممتنع لأنه جمع بين ~~النفى والاثبات فقد يقال لهم الجمع بين النقيضين ممتنع في الخبر فاذا قلت ~~صلى زيد هنا لم يصل هنا امتنع ذلك لأن الصلاة هنا إما ان تكون وإما أن لا ~~تكون وكونها هو عينها وما يتبعه من الصفات اللازمة التى ليس فيها نسبة ~~وإضافة وتعلق فأما الجمع ms5865 بينهما في الإرادة والكراهة والطلب والدفع والمحبة ~~والبغضة والمنفعة والمضرة فهذا لا يمتنع فان وجود الشيء قد يكون مرادا ~~ويكون عدمه مرادا أيضا إذا كان في كل منهما منفعة للمريد ويكون أيضا وجوده ~~أو عدمه مرادا مكروها بحيث يلتذ العبد ويتألم بوجوده وبعدمه كما قيل ~~PageV19P298 % الشيب كره وكره أن نفارقه % فاعجب لشيء على البغضاء محبوب % ~~فهو يكره الشيب ويبغضه لما فيه من زوال الشباب النافع ووجود المشيب الضار # وهو يحبه أيضا ويكره عدمه لما فيه من وجود الحياة وفى عدمه من الفناء # وهذه حال ما اجتمع فيه مصلحة ومفسدة من جميع الأمور لكن التحقيق أن الفعل ~~المعين كالصلاة في الدار المعينة لا يؤمر بعينها وينهى عن عينها لأنه تكليف ~~مالا يطاق فانه تكليف للفاعل أن يجمع بين وجود الفعل المعين وعدمه وإنما ~~يؤمر بها من حيث هي مطلقة وينهى عن الكون في البقعة فيكون مورد الأمر غير ~~مورد النهى ولكن تلازما في المعين والعبد هو الذى جمع بين المأمور به ~~والمنهى عنه لا أن الشارع أمره بالجمع بينهما فأمره بصلاة مطلقة ونهاه عن ~~كون مطلق وأما المعين فالشارع لا يأمر به ولاينهى عنه كما في سائر المعينات ~~وهذا أصل مطرد في جميع ما أمر الله به من المطلقات بل في كل أمر فانه اذا ~~أمر بعتق رقبة مطلقة كقوله ( فتحرير رقبة ( أو باطعام ستين مسكينا أو صيام ~~شهرين متتابعين أو بصلاة في مكان أو غير ذلك فان العبد لا يمكنه الامتثال ~~إلا باعتاق رقبة معينة وإطعام طعام معين لمساكين معينين وصيام أيام معينة ~~وصلاة PageV19P299 معينة في كل مكان معين فالمعين في جميع المأمورات ~~المطلقة ليس مأمورا بعينه وإنما المأمور به مطلق والمطلق يحصل بالمعين # فالمعين فيه شيئان خصوص عينه والحقيقة المطلقة فالحقيقة المطلقة هي ~~الواجبة واما خصوص العين فليس واجبا ولا مامورا به وانما هو أحد الاعيان ~~التى يحصل بها المطلق بمنزلة الطريق إلى مكة ولا قصد للآمر في خصوص التعيين # وهذا الكلام مذكور في مسألة الواجب على التخيير والواجب ms5866 المطلق والواجب ~~المعين والفرق بينها أن الواجب المخير قد أمر فيه بأحد أشياء محصورة ~~والمطلق لم يؤمر فيه بأحد أشياء محصورة وانما أمر بالمطلق ولهذا اختلف في ~~الواجب المخير فيه هل الواجب هو القدر المشترك كالواجب المطلق أو الواجب هو ~~المشترك والمميز أيضا على التخيير فيه وجهان والمشترك هو كونه أحدها فعلى ~~هذا ما تميز به أحدها عن الاخر لا يثاب عليه ثواب الواجب بخلاف ما اذا قيل ~~المتميز واجب أيضا على البدل وأما المطلق فلم يتعرض فيه للأعيان المتميزة ~~بقصد لكنه من ضرورة الواقع فهو من باب ما لايتم الواجب إلا به وهو وإن قيل ~~هو واجب فهو واجب في الفعل وهو مخير فيه فاختياره لاحدى العينين لا يجعله ~~واجبا عينا فتبين بذلك أن تعيين عين الفعل وعين المكان ليس مأمورا به فاذا ~~نهى PageV19P300 عن الكون فيه لم يكن هذا المنهى عنه قد امر به إذ المأمور ~~به مطلق وهذا المعين ليس من لوازم المأمور به وإنما يحصل به الامتثال كما ~~يحصل بغيره # فان قيل أن لم يكن مأمورا به فلا بد أن يباح الامتثال به والجمع بين ~~النهى والاباحة جمع بين النقيضين قيل ولا يجب أن يباح الامتثال به بل يكفى ~~أن لا ينهى عن الامتثال به فما به يؤدى الواجب لايفتقر إلى إيجاب ولا إلى ~~اباحة بل يكفى أن لايكون منهيا عن الامتثال به فاذا نهاه عن الامتثال به ~~امتنع ان يكون المأمور به داخلا فيه من غير معصية فهنا اربعة أقسام # أن يكون ما به يمتثل واجبا كإيجاب صيام شهر رمضان بالامساك فيه عن الواجب # وان يكون مباحا كخصال الكفارة فانه قد أبيح له نوع كل منها وكما لو قال ~~اطعم زيدا أو عمرا وأن لا يكون منهيا عنه كالصيام المطلق والعتق المطلق ~~فالمعين ليس منهيا عنه ولا مباحا بخطاب بعينه اذ لايحتاج إلى ذلك # والرابع أن يكون منهيا عنه كالنهى عن الأضاحى المعيبة وإعتاق PageV19P301 ~~الكافر فاذا صلى في مكان مباح كان ممتثلا لاتيانه بالواجب بمعين ms5867 ليس منهيا ~~عنه واذا صلى في المغصوب فقد يقال إنما نهى عن جنس الكون فيه لا عن خصوص ~~الصلاة فيه فقد أدى الواجب بما لم ينه عن الامتثال به لكن نهى عن جنس فعله ~~فبه اجتمع في الفعل المعين ما امر به من الصلاة المطلقة وما نهى عنه من ~~الكون المطلق فهو مطيع عاص ولا نقول إن الفعل المعين مأمور به منهى عنه لكن ~~إجتمع فيه المأمور به والمنهى عنه كما لو صلى ملابسا لمعصية من حمل مغصوب # وقد يقال بل هو منهى عن الامتثال به كما هو منهى عن الامتثال بالصلاة في ~~المكان النجس والثوب النجس لأن المكان شرط في الصلاة والنهى عن الجنس نهى ~~عن أنواعه فيكون منهيا عن بعض هذه الصلاة بخلاف المنهى عنه إذا كان منفصلا ~~عن أبعاضها كالثوب المحمول فالحمل ليس من الصلاة فهذا محل نظر الفقهاء وهو ~~محل للاجتهاد لا أن عين هذه الاكوان هي مأمور بها ومنهى عنها فان هذا باطل ~~قطعا بل عينها وإن كانت منهيا عنها فهي مشتملة على المأمور به وليس ما ~~اشتمل على المأمور به المطلق يكون مأمورا به # ثم يقال ولو نهى عن الامتثال على وجه معين مثل أن يقال PageV19P302 صل ~~ولا تصل في هذه البقعة وخط هذا الثوب ولا تخطه في هذا البيت فاذا صلى فيه ~~وخاط فيه فلا ريب أنه لم يأت بالمأمور به كما أمر لكن هل يقال أتى ببعض ~~المأمور به أو بأصله دون وصفه وهو مطلق الصلاة والخياطة دون وصفه أو مع ~~منهى عنه بحيث يثاب على ذلك الفعل وإن لم يسقط الواجب أو عوقب على المعصية ~~قد تقدم القول في ذلك وبينت أن الأمر كذلك وهى تشبه مسألة صوم يوم العيد ~~ونحوه مما يقول أبو حنيفة فيه بعدم الفساد # وأن الاجزاء والاثابة يجتمعان ويفترقان فالاجزاء براءة الذمة من عهدة ~~الأمر وهو السلامة من ذم الرب أو عقابه والثواب الجزاء على الطاعة وليس ~~الثواب من مقتضيات مجرد الامتثال بخلاف الاجزاء فان الأمر يقتضى ms5868 اجزاء ~~المأمور به لكن هما مجتمعان في الشرع إذ قد استقر فيه أن المطيع مثاب ~~والعاصى معاقب وقد يفترقان فيكون الفعل مجزئا لا ثواب فيه اذا قارنه من ~~المعصية ما يقابل الثواب كما قيل ( رب صائم حظه من صيامه العطش ورب قائم ~~حظه من قيامه السهر ( فان قول الزور والعمل به في الصيام اوجب إثما يقابل ~~ثواب الصوم وقد اشتمل الصوم على الامتثال المامور به والعمل المنهى عنه ~~فبرئت الذمة للامتثال ووقع الحرمان للمعصية وقد يكون مثابا عليه غير مجزىء ~~إذا فعله ناقصا عن الشرائط والأركان فيثاب على ما فعل ولا تبرأ الذمة إلا ~~بفعله كاملا PageV19P303 # وهذا تحرير جيد أن فعل المأمور به يوجب البراءة فان قارنه معصية بقدرة ~~تخل بالمقصود قابل الثواب وإن نقص المأمور به أثيب ولم تحصل البراءة التامة ~~فاما أن يعاد وإما أن يجبر وإما أن يأثم # فتدبر هذا الأصل فان المأمور به مثل المحبوب المطلوب إذا لم يحصل تاما لم ~~يكن المأمور بريئا من العهدة فنقصه إما أن يجبر بجنسه أو ببدل أو باعادة ~~الفعل كاملا إذا كان مرتبطا وإما أن يبقى في العهدة كركوب المنهى عنه # فالأول مثل من أخرج الزكاة ناقصا فانه يخرج التمام # والثانى مثل من ترك واجبات الحج فانه يجبر بالدم ومن ترك واجبات الصلاة ~~المجبورة بالسجود # والثالث مثل من ضحى بمعيبة أو اعتق معيبا أو صلى بلا طهارة # والرابع مثل من فوت الجمعة والجهاد المتعين # وإذا حصل مقارنا لمحظور يضاد بعض أجزائه لم يكن قد حصل كالوطىء في ~~الاحرام فانه يفسده وإن لم يضاد بعض الأجزاء يكون PageV19P304 قد اجتمع ~~المأمور والمحظور كفعل محظورات الاحرام فيه أو فعل قول الزور والعمل به في ~~الصيام فهذه ثلاثة أقسام في المخظور كالمأمور إذ المأمور به إذا تركه ~~يستدرك تارة بالجبران والتكميل وتارة بالاعادة وتارة لا يستدرك بحال # والمحظور كالمأمور إما أن يوجب فساده فيكون فيه الإعادة أو لا يستدرك ~~وإما أن يوجب نقصه مع الاجزاء فيجبر أو لا يجبر وإما أن يوجب إثما ms5869 فيه ~~يقابل ثوابه فالأول كافساد الحج والثانى كافساد الجمعة والثالث كالحج مع ~~محظوراته والرابع كالصلاة مع مرور المصلى أمامه والخامس كالصوم مع قول ~~الزور والعمل به # فهذه المسائل مسألة الفعل الواحد والفاعل الواحد والعين الواحدة هل يجتمع ~~فيه أن يكون محمودا مذموما مرضيا مسخوطا محبوبا مبغضا مثابا معاقبا متلذذا ~~متألما يشبه بعضها بعضا والاجتماع ممكن من وجهين لكن من وجه واحد متعذر وقد ~~قال تعالى ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما PageV19P305 ### ||| فصل # قد كتبت فيما قبل هذا مسمى العلم الشرعى وانه ينقسم إلى ما أخبر به ~~الشارع أو عرف بخبره والى ما أمر به الشارع # والذى أخبر به ينقسم إلى ما دل على علمه بالعقل والى ما ليس كذلك والذى ~~أمر به إما أن يكون مستفادا بالعقل أو مستفادا بالشرع وإما أن يكون مقصودا ~~للشارع أو لازما للمقصود # وكذلك اسم الشريعة والشرع والشرعة فانه ينتظم كلما شرعه الله من العقائد ~~والاعمال وقد صنف الشيخ أبو بكر الاجرى ( كتاب الشريعة ) وصنف الشيخ أبو ~~عبد الله بن بطة ( كتاب الابانة عن شريعة الفرقة الناجية ) وغير ذلك وانما ~~مقصود هؤلاء الائمة في السنة باسم الشريعة العقائد التى يعتقدها اهل السنة ~~من الايمان مثل اعتقادهم ان الايمان قول وعمل وان الله موصوف بما وصف به ~~نفسه ووصفه به رسوله وان القرآن كلام الله غير مخلوق وان الله خالق ~~PageV19P306 كل شيء وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وانه على كل شيء ~~قدير وانهم لا يكفرون اهل القبلة بمجرد الذنوب ويؤمنون بالشفاعة لأهل ~~الكبائر ونحو ذلك من عقود اهل السنة فسموا اصول اعتقادهم شريعتهم وفرقوا ~~بين شريعتهم وشريعة غيرهم # وهذه العقائد التى يسميها هؤلاء الشريعة هي التى يسمى غيرهم عامتها ~~العقليات ) و ( علم الكلام ) أو يسميها الجميع ( اصول الدين ) ويسميها ~~بعضهم ( الفقه الاكبر ) وهذا نظير تسمية سائر المصنفين في هذا الباب ( كتاب ~~السنة ) كالسنة لعبدالله بن أحمد والخلال والطبرانى والسنة للجعفى وللأثرم ~~ولخلق كثير صنفوا ms5870 في هذه الابواب وسموا ذلك كتب السنة ليميزوا بين عقيدة ~~أهل السنة وعقيدة أهل البدعة # فالسنة كالشريعة هي ما سنه الرسول وما شرعه فقد يراد به ما سنه وشرعه من ~~العقائد وقد يراد به ما سنه وشرعه من العمل وقد يراد به كلاهما فلفظ السنة ~~يقع على معان كلفظ الشرعة ولهذا قال بن عباس وغيره في قوله ( شرعة ومنهاجا ~~) سنة وسبيلا ففسروا الشرعة بالسنة والمنهاج بالسبيل واسم ( السنة ( و ( ~~الشرعة ( قد يكون في العقائد والأقوال وقد يكون في المقاصد والأفعال ~~فالأولى في طريقة العلم والكلام PageV19P307 والثانية في طريقة الحال ~~والسماع وقد تكون في طريقة العبادات الظاهرة والسياسات السلطانية فالمتكلمة ~~جعلوا بازاء الشرعيات العقليات أو الكلاميات والمتصوفة جعلوا بازائها ~~الذوقيات والحقائق والمتفلسفة جعلوا بازاء الشريعة الفلسفة والملوك جعلوا ~~بازاء الشريعة السياسة وأما الفقهاء والعامة فيخرجون عما هو عندهم الشريعة ~~إلى بعض هذه الأمور أو يجعلون بازائها العادة أو المذهب أو الرأى # والتحقيق أن الشريعة التى بعث الله بها محمدا جامعة لمصالح الدنيا ~~والآخرة وهذه الأشياء ما خالف الشريعة منها فهو باطل وما وافقها منها فهو ~~حق لكن قد يغير أيضا لفظ الشريعة عند اكثر الناس فالملوك والعامة عندهم ان ~~الشرع والشريعة اسم لحكم الحاكم ومعلوم ان القضاء فرع من فروع الشريعة وإلا ~~فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا والشريعة إنما هي ~~كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال ~~والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات ثم هي مستعملة ~~في كلام الناس على ثلاثة أنحاء شرع منزل وهو ما شرعه الله ورسوله وشرع ~~متأول وهو ما ساغ فيه الاجتهاد وشرع مبدل وهو ما كان من الكذب والفجور الذى ~~يفعله المبطلون بظاهر من الشرع أو البدع أو الضلال الذى يضيفه PageV19P308 ~~الضالون إلى الشرع والله سبحانه وتعالى أعلم # وبما ذكرته في مسمى الشريعة والحكم الشرعى والعلم الشرعى يتبين أنه ليس ~~للإنسان أن يخرج عن الشريعة في شيء من أموره بل كلما يصلح له فهو في الشرع ~~من ms5871 أصوله وفروعه وأحواله وأعماله وسياسته ومعاملته وغير ذلك والحمد لله رب ~~العالمين # وسبب ذلك أن الشريعة هي طاعة الله ورسوله وأولى الأمر منا وقد قال الله ~~تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ~~) وقد أوجب طاعته وطاعة رسوله في آى كثير من القرآن وحرم معصيته ومعصية ~~رسوله ووعد برضوانه ومغفرته ورحمته وجنته على طاعته وطاعة رسوله وأوعد بضد ~~ذلك على معصيته ومعصية رسوله فعلى كل أحد من عالم أو أمير أو عابد أو معامل ~~أن يطيع الله ورسوله فيما هو قائم به من علم أو حكم أو أمر أو نهى أو عمل ~~أو عبادة أو غير ذلك # وحقيقة الشريعة اتباع الرسل والدخول تحت طاعتهم كما أن الخروج عنها خروج ~~عن طاعة الرسل وطاعة الرسل هي دين الله الذى أمر بالقتال عليه فقال ( ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنه ويكون الدين PageV19P309 كله لله ) فانه قد قال ~~( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) والطاعة له دين له وقال النبى ( من أطاعنى ~~فقد أطاع الله ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى ومن عصانى فقد عصا الله ومن عصى ~~أميرى فقد عصانى ) والأمراء والعلماء لهم مواضع تجب طاعتهم فيها وعليهم هم ~~أيضا أن يطيعوا الله والرسول فيما يأمرون فعلى كل من الرعاة والرعية ~~والرؤوس والمرؤوسين أن يطيع كل منهم الله ورسوله في حاله ويلتزم شريعة الله ~~التى شرعها له # وهذه جملة تفصيلها يطول غلط فيها صنفان من الناس # صنف سوغوا لنفوسهم الخروج عن شريعة الله ورسوله وطاعة الله ورسوله لظنهم ~~قصور الشريعة عن تمام مصالحهم جهلا منهم أو جهلا وهوى أو هوى محضا وصنف ~~قصروا في معرفة قدر الشريعة فضيقوها حتى توهموا هم والناس أنه لا يمكن ~~العمل بها وأصل ذلك الجهل بمسمى الشريعة ومعرفة قدرها وسعتها والله أعلم # ومن العلماء والعامة من يرى أن اسم الشريعة والشرع لا يقال إلا للأعمال ~~التى يسمى علمها علم الفقه ويفرقون بين العقائد والشرائع أو الحقائق ~~والشرائع فهذا الإصطلاح مخالف لذلك وأما قوله ( ثم ms5872 جعلناك على PageV19P310 ~~شريعة من الأمر ) فاما أن يحمل # وكذلك الأحكام الشرعية قد يراد بها ما أخبر بها الشارع بناء على أن ~~الأحكام صفات للفعل وأن الشارع بينها وكشفها ومنها ما يعلم بالعقل ضرورة أو ~~نظرا ومنها ما يعلم بهما ويسمى الجميع أحكاما شرعية أو تخص الأحكام الشرعية ~~بما لم يستفد إلا من الشارع وهذا إصطلاح المعتزلة وغيرهم من المتكلمين ~~والفقهاء من اصحابنا وغيرهم وقد يراد بها ما أثبتها الشارع واتى بها ولم ~~تكن ثابتة بدونه بناء على أن الفعل حكم له في نفسها وإنما الحكم ما أتى به ~~الشارع وهذا قول الأشعرية ومن وافقهم من أصحابنا وغيرهم ثم قد يقال الحكم ~~هو خطاب الشارع وهو الايجاب والتحريم منه وقد يقال هو مقتضى الخطاب وموجبه ~~وهو الوجوب والحرمة مثلا وقد يقال المتعلق الذى بين الخطاب والفعل # والصحيح ان إسم الحكم الشرعى ينطبق على هذه الثلاثة وقد يقال بل الحكم ~~الشرعى يقال على ما أخبر به وعلى ما جاء به من الخطاب ومقتضاه وهذا كما ~~قلناه في العلم الشرعى فتدبر هذه الأصول الثلاثة العلم الشرعى والحكم ~~الشرعي والشريعة والله أعلم PageV19P311 ### | 1 ( كتاب أصول الفقه الجزء الثاني التمذهب ) # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده # قال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونثنى عليه ~~الخير بما هو أهله ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله ~~فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # ونشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ~~ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا فهدى به من ~~الضلالة وعلم به من الجهالة وبصر به من العمى وارشد به من الغي وفتح به ~~آذانا صما واعينا عميا وقلوبا غلفا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما ms5873 كثيرا # وبعد فان الله سبحانه دلنا على نفسه الكريمة بما أخبرنا به في ~~PageV20P005 كتابه العزيز وعلى لسان نبيه وبذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل ~~فقال تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) إلى قوله ( منيب ) وقال ( ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) وقال ~~تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون ) # وقد ثبت عن النبى أنه قال ( انا معاشر الأنبياء ديننا واحد والشرائع ~~مختلفة ( فجميع الرسل متفقون في الدين الجامع في الأصول الاعتقادية ~~والعلمية كالايمان بالله ورسله واليوم الآخر والعملية كالأعمال العامة ~~المذكورة في سورة الأنعام والأعراف وبني إسرائيل وهو قوله تعالى @QB@ قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا @QE@ الآيات الثلاث وقوله ~~( قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) الآية وقوله ( قل إنما ~~حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) الآية وقوله @QB@ وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه @QE@ إلى آخر الوصايا وقوله @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة @QE@ الآية # فالدعوة والعبادة اسم جامع لغاية الحب لله وغاية الذل له فمن ذل له من ~~غير حب لم يكن عابدا بل يكون هو المحبوب المطلق فلا يحب PageV20P006 شيئا ~~إلا له ومن أشرك غيره في هذا وهذا لم يجعل له حقيقة الحب فهو مشرك وإشراكه ~~يوجب نقص الحقيقة كقوله تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله ) الآية # والحب يوجب الذل والطاعة والاسلام أن يستسلم لله لا لغيره فمن إستسلم له ~~ولغيره فهو مشرك ومن لم يستسلم له فهو متكبر وكلاهما ضد الاسلام # والقلب لا يصلح إلا بعبادة الله وحده وتحقيق هذا تحقيق الدعوة النبوية # ومن المحبة الدعوة إلى الله وهي الدعوة إلى الايمان به وبما جاءت به رسله ~~بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم بما أمروا به فالدعوة إليه من الدعوة إلى ~~الله تعالى وما أبغضه الله ورسوله فمن الدعوة إلى الله النهي عنه ms5874 ومن ~~الدعوة إلى الله أن يفعل العبد ما أحبه الله ورسوله ويترك ما أبغضه الله ~~ورسوله من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة بما أخبر به الرسول من أسماء ~~الله وصفاته ومن سائر المخلوقات كالعرش والكرسي والملائكة والأنبياء وأن ~~يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما PageV20P007 # والدعوة إلى الله واجبة على من اتبع الرسول وهم أمته وقد وصفهم الله بذلك ~~كقوله تعالى @QB@ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي @QE@ إلى قوله @QB@ ~~المفلحون @QE@ فهذه في حقه وفى حقهم قوله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ~~الآية وقوله ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ) الآية # وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة وهو فرض كفاية يسقط عن البعض بالبعض ~~كقوله ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ) الآية فجميع الأمة تقوم مقامه في ~~الدعوة فبهذا إجماعهم حجة وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله فاذا ~~تقرر هذا فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحب الله ورسوله وأن يبغض ما أبغضه ~~الله ورسوله مما دل عليه في كتابه فلا يجوز لأحد أن يجعل الأصل في الدين ~~لشخص إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لقول إلا لكتاب الله عز وجل # ومن نصب شخصا كائنا من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو ~~( من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) الآية وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة ~~قوم من المؤمنين مثل إتباع الأئمه والمشايخ فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه ~~هم العيار فيوالي من وافقهم PageV20P008 # ويعادي من خالفهم فينبغي للانسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه ~~والعمل به فهذا زاجر وكمائن القلوب تظهر عند المحن وليس لأحد أن يدعو إلى ~~مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه ولا يناجز عليها بل لأجل أنها مما أمر ~~الله به ورسوله أو أخبر الله به ورسوله لكون ذلك طاعة لله ورسوله # وينبغى للداعي أن يقدم فيما استدلوا به من القرآن فانه نور وهدى ثم يجعل ~~إمام الأئمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كلام # الأئمة ولا ms5875 يخلو أمر الداعي من أمرين # الأول أن يكون مجتهدا اومقلدا فالمجتهد ينظر في تصانيف المتقدمين من ~~القرون الثلاثة ثم يرجح ما ينبغي ترجيحه # الثانى المقلد يقلد السلف إذ القرون المتقدمة أفضل مما بعدها # فاذا تبين هذا فنقول كما أمرنا ربنا ( قولوا آمنا بالله ) إلى قوله ( ~~مسلمون ) ونأمر بما أمرنا به وننهى عما نهانا عنه في نص كتابه وعلى لسان ~~نبيه كما قال تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) الآية فمبنى أحكام هذا ~~الدين على ثلاثة أقسام الكتاب والسنه والاجماع PageV20P009 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن معنى اجماع العلماء وهل يسوغ للمجتهد خلافهم وما معناه وهل قول ~~الصحابى حجة ### |||| ( فأجاب ) # الحمد لله معنى الاجماع أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الاحكام ~~وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن اجماعهم ~~فان الأمة لا تجتمع على ضلالة ولكن كثير من المسائل يظن بعض الناس فيها ~~إجماعا ولا يكون الأمر كذلك بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة # وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم فليس حجة لازمه ولا ~~إجماعا باتفاق المسلمين بل قد ثبت عنهم رضي الله عنهم أنهم نهوا الناس عن ~~تقليدهم وأمروا إذا رأوا قولا في الكتاب والسنة أقوى من قولهم أن يأخذوا ~~بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم ولهذا كان الأكابر من أتباع ~~الأئمة الأربعة لا يزالون إذا PageV20P010 ظهر لهم دلالة الكتاب أو السنة ~~على ما يخالف قول متبوعهم اتبعوا ذلك مثل مسافة القصر فان تحديدها بثلاثة ~~أيام أو ستة عشر فرسخا لما كان قولا ضعيفا كان طائفة من العلماء من أصحاب ~~أحمد وغيرهم ترى قصر الصلاة في السفرالذي هو دون ذلك كالسفر من مكة إلى ~~عرفة فانه قد ثبت ان أهل مكة قصروا مع النبى صلى الله عليه وسلم بمنى وعرفة # وكذلك طائفة من أصحاب مالك وأبى حنيفة وأحمد قالوا ان جمع الطلاق الثلاث ~~محرم وبدعة لأن الكتاب والسنة عندهم انما يدلان على ذلك وخالفوا ائمتهم # وطائفة من أصحاب مالك والشافعي ms5876 وأبي حنيفة رأوا غسل الدهن النجس وهو خلاف ~~قول الأئمة الاربعة # وطائفة من أصحاب أبى حنيفة رأوا تحليف الناس بالطلاق وهو خلاف الائمة ~~الأربعة بل ذكر بن عبدالبر ان الاجماع منعقد على خلافه وطائفة من أصحاب ~~مالك وغيرهم قالوا من حلف بالطلاق فانه يكفر يمينه وكذلك من حلف بالعتاق ~~وكذلك قال طائفة من اصحاب PageV20P011 أبي حنيفة والشافعي قالوا ان من قال ~~الطلاق يلزمني لا يقع به طلاق ومن حلف بذلك لا يقع به طلاق وهذا منقول عن ~~أبى حنيفة نفسه وطائفة من العلماء قالوا ان الحالف بالطلاق لا يقع به طلاق ~~ولا تلزمه كفارة وقد ثبت عن الصحابة وأكابر التابعين في الحلف بالعتق أنه ~~لا يلزمه بل تجزئه كفارة يمين وأقوال الأئمة الأربعة بخلافه فالحلف بالطلاق ~~بطريق الأولى ولهذا كان من هو من أئمة التابعين يقول الحلف بالطلاق لا يقع ~~به الطلاق ويجعله يمينا فيه الكفارة # وهذا بخلاف ايقاع الطلاق فانه إذا وقع على الوجه الشرعي وقع باتفاق الأمة ~~ولم تكن فيه كفارة باتفاق الأمة بل لا كفارة في الايقاع مطلقا وإنما ~~الكفارة خاصة في الحلف # فاذا تنازع المسلمون في مسألة وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ~~فأي القولين دل عليه الكتاب والسنة وجب اتباعه كقول من فرق بين النذر ~~والعتق والطلاق وبين اليمين بذلك فان هذا هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة ~~وأقوال الصحابة والقياس فان الله ذكر حكم الطلاق في قوله تعالى @QB@ إذا ~~طلقتم النساء @QE@ وذكر حكم اليمين في قوله @QB@ قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم @QE@ وثبت في الصحاح عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( من حلف ~~PageV20P012 على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن ~~يمينه ) فمن جعل اليمين بها لها حكم والنذر والاعتاق والتطليق له حكم آخر ~~كان قوله موافقا للكتاب والسنة # ومن جعل هذا وهذا سواء فقد خالف الكتاب والسنة # ومن ظن في هذا اجماعا كان ظنه بحسب علمه حيث لم يعلم فيه نزاعا وكيف ~~تجتمع الامة على ms5877 قول ضعيف مرجوح ليس عليه حجة صحيحة بل الكتاب والسنة ~~والآثار عن الصحابة والقياس الصحيح يخالفه # والصيغ ثلاثة صيغة ايقاع كقوله أنت طالق فهذه ليست يمينا باتفاق الناس # وصيغة قسم كقوله الطلاق يلزمني لافعلن كذا فهذه صيغة يمين باتفاق الناس # وصيغة تعليق كقوله ان زنيت فانت طالق فهذا ان قصد به الايقاع عند وجود ~~الصفة بأن يكون يريد إذا زنت ايقاع الطلاق PageV20P013 ولا يقيم مع زانية ~~فهذا ايقاع وليس بيمين وان قصد منعها وزجرها ولا يريد طلاقها إذا زنت فهذا ~~يمين باتفاق الناس ### ||| فصل # وأما أقوال الصحابة فان انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير ~~العلماء وان تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ولم يكن قول بعضهم ~~حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء وان قال بعضهم قولا ولم يقل بعضهم ~~بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه وفى كتبه الجديدة الاحتجاج ~~بمثل ذلك في غير موضع ولكن من الناس من يقول هذا هو القول القديم ~~PageV20P014 ### |||| وسئل # عن الاجتهاد والاستدلال والتقليد والاتباع ### |||| ( فأجاب ) # أما التقليد الباطل المذموم فهو قبول قول الغير بلا حجة قال الله تعالى ~~@QB@ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون @QE@ في البقرة وفى ~~المائدة وفى لقمان @QB@ أولو كان الشيطان يدعوهم @QE@ وفي الزخرف @QB@ قال ~~أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم @QE@ وفى الصافات @QB@ إنهم ألفوا ~~آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون @QE@ وقال @QB@ يوم تقلب وجوههم في ~~النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا @QE@ الآيه وقال @QB@ إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب @QE@ وقال @QB@ ~~فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا ~~من النار @QE@ وفى الآيه الأخرى @QB@ من عذاب الله من شيء @QE@ وقال @QB@ ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ms5878 القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم @QE@ ~~PageV20P015 # فهذا الاتباع والتقليد الذى ذمه الله هو اتباع الهوى اما للعادة والنسب ~~كاتباع الآباء وأما للرئاسة كاتباع الا كابر والسادة والمتكبرين فهذا مثل ~~تقليد الرجل لأبيه أو سيده أو ذي سلطانه وهذا يكون لمن لم يستقل بنفسه وهو ~~الصغير فان دينه دين أمه فان فقدت فدين ملكه وأبيه فان فقد كاللقيط فدين ~~المتولى عليه وهو أهل البلد الذي هو فيه فأما إذا بلغ وأعرب لسانه فاما ~~شاكرا وإما كفورا # وقد بين الله أن الواجب الاعراض عن هذا التقليد إلى اتباع ما أنزل الله ~~على رسله فانهم حجة الله التى أعذربها إلى خلقه # والكلام في التقليد في شيئين في كونه حقا أو باطلا من جهة الدلالة وفي ~~كونه مشروعا أو غير مشروع من جهة الحكم # أما الأول فان التقليد المذكور لا يفيد علما فان المقلد يجوز أن يكون ~~مقلده مصيبا ويجوز أن يكون مخطئا وهو لا يعلم أمصيب هو أم مخطىء فلا تحصل ~~له ثقة ولا طمأنينة فان علم ان مقلده مصيب PageV20P016 كتقليد الرسول أو ~~أهل الاجماع فقد قلده بحجة وهو العلم بأنه عالم وليس هو التقليد المذكور ~~وهذا التقليد واجب للعلم بأن الرسول معصوم وأهل الاجماع معصومون # وأما تقليد العالم حيث يجوز فهو بمنزلة اتباع الأدلة المتغلبة على الظن ~~كخبر الواحد والقياس لأن المقلد يغلب على ظنه إصابه العالم المجتهد كما ~~يغلب على ظنه صدق المخبر لكن بين اتباع الراوى والرأى فرق يذكر إن شاء الله ~~في موضع آخر # فان اتباع الراوي واجب لأنه انفرد بعلم ما أخبر به بخلاف الرأى فانه يمكن ~~أن يعلم من حيث علم ولأن غلط الرواية بعيد فان ضبطها سهل ولهذا نقل عن ~~النساء والعامه بخلاف غلط الرأي فأنه كثير لدقة طرقة وكثرتها وهذا هو العرف ~~لمن يجوز قبول الخبر مع إمكان مراجعه المخبر عنه ولا يجوز قبول المعنى مع ~~إمكان معرفة الدليل # وأما العرف الأول فمتفق عليه بين أهل العلم ولهذا يوجبون اتباع الخبر ولا ~~يوجب أحد ms5879 تقليد العالم على من أمكنه الاستدلال وإنما يختلفون في جوازه لأنه ~~يمكنه أن يعلم من حيث علم فهذه جمله PageV20P017 وأما تفصيلها فنقول # الناس في الاستدلال والتقليد على طرفى نقيض منهم من يوجب الاستدلال حتى ~~في المسائل الدقيقه أصولها وفروعها على كل أحد ومنهم من يحرم الاستدلال في ~~الدقيق على كل أحد وهذا في الأصول والفروع وخيار الأمور أوساطها ~~PageV20P018 ### || 1 ( قاعدة هل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد ) 1 ### |||| وسئل # هل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد والباقى مخطئون ### |||| ( فأجاب ) # قد بسط الكلام في هذه المسألة في غير موضع وذكر نزاع الناس فيها وذكر ~~أن لفظ الخطأ قد يراد به الاثم وقد يراد به عدم العلم # فان أريد الأول فكل مجتهد اتقى الله ما استطاع فهو مصيب فانه مطيع لله ~~ليس بآثم ولا مذموم # وإن أريد الثانى فقد يخص بعض المجتهدين بعلم خفي على غيره ويكون ذلك علما ~~بحقيقة الأمر لو أطلع عليه الآخر لوجب عليه اتباعه لكن سقط عنه وجوب اتباعه ~~لعجزه عنه وله أجر على اجتهاده ولكن الواصل إلى الصواب له أجران كما قال ~~النبى في الحديث المتفق على صحته ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا ~~اجتهد وأخطأ فله أجر PageV20P019 # ولفظ ( الخطأ ( يستعمل في العمد وفى غيرالعمد قال تعالى @QB@ ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا @QE@ والا ~~كثرون يقرؤون ( خطأ ) على وزن ردأ وعلما وقرأ بن عامر ( خطأ ) على وزن عملا ~~كلفظ الخطأ في قوله ( وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطأ ) وقرا إبن كثير ~~( خطاء ) على وزن هجاء وقرا بن رزين ( خطاء ) على وزن شرابا وقرأ الحسن ~~وقتادة ( خطا ) على وزن قتلا وقرأ الزهري ( خطا ) بلا همز على وزن عدى قال ~~الاخفش خطى يخطأ بمعنى أذنب وليس معنى أخطأ لان اخطأ في ما لم يصنعه عمدا ~~يقول فيما اتيته عمدا خطيت وفيما لم يتعمده أخطأت # وكذلك قال أبو بكر إبن الانباري الخطأ الاثم يقال قد خطا يخطا اذا اثم ~~وأخطأ ms5880 يخطىء اذا فارق ا لصواب # وكذلك قال بن الانبارى في قوله @QB@ تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا ~~لخاطئين @QE@ فان المفسرين كابن عباس وغيره ( قالوا ) لمذنبين آثمين في ~~أمرك وهو كما قالوا فانهم قالوا @QB@ يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين @QE@ وكذلك قال العزيز لامرأته @QB@ واستغفري لذنبك إنك كنت من ~~الخاطئين @QE@ قال بن الانباري ولهذا اختير خاطئين على مخطئين وان كان اخطأ ~~على ألسن الناس اكثر من خطا يخطى لان معنى خطا يخطى فهو خاطىء آثم ومعنى ~~أخطأ يخطىء ترك الصواب PageV20P020 ولم ياثم قال عبادك يخطئون وأنت رب تكفل ~~المنايا والحتوم وقال الفراء الخطأ الاثم الخطا والخطا والخطا ممدود ثلاث ~~اللغات قلت يقال في العمد خطأ كما يقال في غير العمد على قراءة بن عامر ~~فيقال لغير المتعمد أخطأت كما يقال له خطيت ولفظ الخطيئة من هذا ومنه قوله ~~تعالى @QB@ مما خطيئاتهم أغرقوا @QE@ وقول السحرة إنا نطمع أن يغفر لنا ~~ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين # ومنه قوله في الحديث الصحيح الالهي يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار ~~وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم وفي الصحيحين عن أبى موسى عن ~~النبي أنه كان يقول في دعائه اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري ~~وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي أنه قال أرأيت سكوتك بين التكبير ~~والقراءة ماذا تقول قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين ~~المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس اللهم ~~اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد PageV20P021 والذين قالوا كل مجتهد ~~مصيب والمجتهد لا يكون على خطأ وكرهوا أن يقال للمجتهد إنه أخطأ هم وكثير ~~من العامة يكره أن يقال عن إمام كبير إنه أخطأ وقوله أخطأ لأن هذا اللفظ ~~يستعمل في الذنب كقراءة بن عامر إنه كان خطأ كبيرا ولأنه يقال في العامد ~~أخطأ يخطىء كما قال يا عبادي إنكم ms5881 تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ~~جميعا فاستغفروني أغفر لكم فصار لفظ الخطا وأخطأ قد يتناول النوعين كما يخص ~~غير العامل وأما لفظ الخطيئة فلا يستعمل إلا في الاثم # والمشهور أن لفظ الخطأ يفارق العمد كما قال تعالى @QB@ وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ @QE@ الاية ثم قال بعد ذلك @QB@ ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم @QE@ # وقد بين الفقهاء أن الخطأ ينقسم إلى خطأ في الفعل وإلى خطأ في القصد # فالأول أن يقصد الرمى إلى ما يجوز رميه من صيد وهدف فيخطىء بها وهذا فيه ~~الكفارة والدية # والثانى أن يخطى في قصده لعدم العلم كما أخطأ هناك لضعف PageV20P022 ~~القوة وهو أن يرمى من يعتقده مباح الدم ويكون معصوم الدم كمن قتل رجلا في ~~صفوف الكفار ثم تبين أنه كان مسلما والخطأ في العلم هو من هذا النوع ولهذا ~~قيل في أحد القولين إنه لا دية فيه لأنه مأمور به بخلاف الأول # وأيضا فقد قال تعالى @QB@ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم @QE@ ففرق بين النوعين وقال تعالى @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا @QE@ وقد ثبت في الصحيح ان الله تعالى قال قد فعلت # فلفظ الخطا وأخطا عند الاطلاق يتناول غير العامد واذا ذكر مع النسيان أو ~~ذكر في مقابلة العامد كان نصا فيه وقد يراد به مع القرينة العمد أو العمد ~~والخطأ جميعا كما في قراءة بن عامر وفى الحديث الالهي إن كان لفظه كما ~~يرويه عامة المحدثين ( تخطئون ( بالضم # واما اسم الخاطىء فلم يجيء في القرآن الا للاثم بمعنى الخطيئة كقوله ( ~~@QB@ واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين @QE@ وقوله @QB@ لقد آثرك الله ~~علينا وإن كنا لخاطئين @QE@ وقوله ( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين ) وقوله ( لا يأكله إلا الخاطئون PageV20P023 # وإذا تبين هذا فكل مجتهد مصيب غير خاطىء وغير مخطىء أيضا إذا أريد بالخطأ ~~الاثم على قراءة بن عامر ولا يكون من مجتهد خطأ وهذا هو الذي اراده من قال ~~كل ms5882 مجتهد مصيب وقالوا الخطا والاثم متلازمان فعندهم لفظ الخطأ كلفظ الخطيئة ~~على قراءة بن عامر وهم يسلمون أنه يخفى عليه بعض العلم الذي عجز عنه لكن لا ~~يسمونه خطا لانه لم يؤمر به وقد يسمونه خطأ إضافيا بمعنى أنه اخطأ شيئا لو ~~علمه لكان عليه ان يتبعه وكان هو حكم الله في حقه ولكن الصحابة والأئمة ~~الأربعة رضي الله عنهم وجمهور السلف يطلقون لفظ الخطأ على غير العمد وإن لم ~~يكن إثما كما نطق بذلك القرآن والسنة في غير موضع كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران واذا اجتهد ~~فاخطأ فله أجر ( # وقال غير واحد من الصحابة كابن مسعود أقول فيها برأيي فان يكن صوابا فمن ~~الله وان يكن خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه وقال علي في ~~قصة التى أرسل اليها عمر فاسقطت لما قال له عثمان وعبد الرحمن رضي الله ~~عنهما انت مؤدب ولا شيء عليك ان كانا اجتهدا فقد أخطآ وان لم يكونا اجتهدا ~~فقد غشاك PageV20P024 وأحمد يفرق في هذا الباب فاذا كان في المسألة حديث ~~صحيح لا معارض له كان من أخذ بحديث ضعيف أو قول بعض الصحابة مخطئا وإذا كان ~~فيها حديثان صحيحان نظر في الراجح فأخذ به ولا يقول لمن أخذ بالآخر إنه ~~مخطىء وإذا لم يكن فيها نص اجتهد فيها برأيه قال ولا أدري أصبت الحق أم ~~اخطأته ففرق بين أن يكون فيها نص يجب العمل به وبين أن لا يكون كذلك وإذا ~~عمل الرجل بنص وفيها نص آخر خفي عليه لم يسمه مخطئا لأنه فعل ما وجب عليه ~~لكن هذا التفصيل في تعيين الخطأ فان من الناس من يقول لا أقطع بخطأ منازعي ~~في مسائل الاجتهاد ومنهم من يقول أقطع بخطئه وأحمد فصل وهو الصواب وهو إذا ~~قطع بخطئه بمعنى عدم العلم لم يقطع باثمه هذا لا يكون إلا في من علم أنه لم ~~يجتهد وحقيقة الأمر أنه إذا كان فيها ms5883 نص خفي على بعض المجتهدين وتعذر عليه ~~علمه ولو علم به لوجب عليه اتباعه لكنه لما خفي عليه اتبع النص الآخر وهو ~~منسوخ أو مخصوص فقد فعل ما وجب عليه بحسب قدرته كالذين صلوا إلى بيت المقدس ~~بعد أن نسخت وقبل أن يعلموا بالنسخ وهذا لان حكم الخطاب لايثبت في حق ~~المكلفين إلا بعد تمكنهم من معرفته في أصح الأقوال وقيل يثبت معنى وجوب ~~القضاء لا PageV20P025 بمعنى الاثم وقيل يثبت في الخطاب المبتدأ دون الناسخ ~~والأقوال الثلاثه في مذهب أحمد وغيره وإذا كان كذلك فما لم يسمعه المجتهد ~~من النصوص الناسخة أو المخصوصة فلم تمكنه معرفته فحكمه ساقط عنه وهو مطيع ~~لله في عمله بالنص المنسوخ والعام ولا إثم عليه فيه وهنا تنازع الناس على ~~ثلاثة أقوال # قيل عليه اتباع الحكم الباطن وأنه إذا أخطأ كان مخطئا عند الله وفى الحكم ~~تارك لما أمر به مع قولهم إنه لا إثم عليه وهذا تناقض فان من ترك ما أمر به ~~فهو آثم فكيف يكون تاركا لمأمور به وهو غير آثم # وقيل بل لم يؤمر قط بالحكم الباطن ولا هو حكم في حقه ولا أخطأ حكم الله ~~ولا لله في الباطن حكم في حقه غير ما حكم به ولا يقال له أخطأ فان الخطأ ~~عندهم ملازم للاثم وهم يسلمون أنه لو علمه لوجب عليه العمل به ولكان حكما ~~في حقه فكان النزاع لفظيا وقد خالفوا في منع اللفظ في الكتاب والسنة وإجماع ~~الصحابة وأيضا فقولهم ليس في الباطن حكم خطأ بل حكم الله في الباطن ~~PageV20P026 هو ما جاء به النص الناسخ والخاص ولكن لا يجب عليه أن يعمل به ~~حتى يتمكن من معرفته فسقط عنه لعجزه # وقيل كان حكم الله في حقه هو الأمر الباطن ولكن لما إجتهد فغلب على ظنه ~~أن هذا هو حكم الله انتقل حكم الله في حقه فصار مأمورا بهذا # والصحيح ما قاله أحمد وغيره أن عليه أن يجتهد فالواجب عليه الاجتهاد ولا ~~يجب عليه إصابته في الباطن ms5884 إذا لم يكن قادرا عليه وأنما عليه أن يجتهد فان ~~ترك الاجتهاد أثم وإذا اجتهد ولم يكن في قدرته أن يعلم الباطن لم يكن ~~مأمورا به مع العجز ولكن هو مأمور به وهو حكم الله في حقه بشرط أن يتمكن ~~منه # ومن قال إنه حكم الله في الباطن بهذا الاعتبار فقد صدق وإذا اجتهد فبين ~~الله له الحق في الباطن فله أجران كما قال تعالى ( ففهمناها سليمان ) ولا ~~نقول ان حكم الله انتقل في حقه فكان مأمورا قبل الاجتهاد بالحق للباطن ثم ~~صار مامورا بعد الاجتهاد لما ظنه بل مازال مأمورا بأن يجتهد ويتقى الله ما ~~استطاع وهو إنما أمر بالحق لكن بشرط أن يقدر عليه فاذا عجز عنه لم يؤمر به ~~وهو مأمور بالاجتهاد فاذا كان اجتهاده اقتضى قولا آخر فعليه أن يعمل ~~PageV20P027 به لا لأنه أمر بذلك القول بل لان الله أمره أن يعمل بما ~~يقتضيه اجتهاده وبما يمكنه معرفته وهو لم يقدر إلا على ذلك القول فهو مأمور ~~به من جهة أنه مقدوره لا من جهة عينه كالمجتهدين في القبلة إذا صلوا إلى ~~أربع جهات فالمصيب للقبلة واحد والجميع فعلوا ما أمروا به لا إثم عليهم ~~وتعيين القبلة سقط عن العاجزين عن معرفتها وصار الواجب على كل أحد أن يفعل ~~ما يقدر عليه من الاجتهاد وهو ما يعتقد أنه الكعبة بعد اجتهاده فهو مأمور ~~بعين الصواب لكن بشرط القدرة على معرفته ومأمور بما يعتقد أنه الصواب وأنه ~~الذي يقدر عليه وإذا رآه لم يتعين من جهة الشارع صلوات الله وسلامة عليه بل ~~من جهة قدرته لكن إذا كان متبعا لنص ولم يبلغه ناسخه فهو مأمور باتباعه إلى ~~أن يعلم الناسخ فان المنسوخ كان حكم الله في حقه باطنا وظاهرا وذلك لا يقبل ~~إلا بعد بلوغ الناسخ له وأما اللفظ العام إذا كان مخصوصا فقد يقال صورة ~~التخصيص لم يردها الشارع لكن هو اعتقد أنه أرادها لكونه لم يعلم التخصيص ~~وهكذا يقال فيما نسخ من النصوص قبل ان ms5885 يجب العمل به على المجتهد كالنصوص ~~التى نسخت في حياة النبى صلى الله عليه وسلم ولم يعلم بعض الناس بنسخها وقد ~~بلغه المنسوخ بها لا يقال إن المنسوخ PageV20P028 ثبت حكمه في حقه باطنا ~~وظاهرا كما قيل في أهل القبلة الذين وجب عليهم استقبالها باطنا وظاهرا قبل ~~النسخ ولكن يقال من لم يبلغه النص الناسخ وبلغه النص الآخر فعليه اتباعه ~~والعمل به وعلى هذا فتختلف الأحكام في حق المجتهدين بحسب القدرة على معرفة ~~الدليل فمن كان غير متمكن من معرفة الدليل الراجح كالناسخ والمخصص فهذا حكم ~~الله من جهة العمل بما قدر عليه من الأدلة وان كان في نفس الأمر دليل معارض ~~راجح لم يتمكن من معرفته فليس عليه اتباعه الا اذا قدر على ذلك # وعلى هذا فالآية اذا احتملت معنيين وكان ظهور أحدهما غير معلوم لبعض ~~الناس بل لم يعلم الا ما لايظهر للآخر كان الواجب عليه العمل بما دله على ~~ذلك المعنى وان كان غيره عليه العمل بما دله على المعنى الآخر وكل منهما ~~فعل ماوجب عليه لكن حكم الله في نفس الأمر واحد بشرط القدرة واذا قيل فما ~~فعله ذاك أمره الله به أيضا قيل لم يأمر به عينيا بل أمره أن يتقي الله ما ~~استطاع ويعمل بما ظهر له ولم يظهر له الا هذا فهو مأمور به من جهة جنس ~~المقدور والمعلوم والظاهر بالنسبة إلى المجتهد ليس مأمورا به من جهة عينه ~~نفسه فمن قال لم يؤمر به فقد أصاب ومن قال هو مأمور به من جهة أنه هو الذى ~~قدر عليه وعلمه وظهر له ودل عليه الدليل فقد أصاب PageV20P029 كما لو شهد ~~شاهدان عند الحاكم وقد غلطا في الشهادة فهو مأمور أن يحكم بشهادة ماشهدا به ~~مطلقا لم يؤمر بغير ماشهدا به في هذه القضية # ولهذا قال ( إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم ان يكون الحن بحجته من بعض ~~وانما أقضى بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فانما ~~أقطع له قطعة ms5886 من النار ( فهو اذا ظهرت له حجة أحدهما فلم يذكر الآخر حجته ~~فقد عمل بما ظهر له ولا يكلف الله نفسا الا وسعها وهو مطيع لله في حقه من ~~جهة قدرته وعلمه لا من جهة كون ذلك المعين أمر الله به فإن الله لايأمر ~~بالباطل والظلم والخطأ ولكن لا يكلف نفسا الا وسعها وهذا يتناول الأحكام ~~النبوية والخبرية # والمجتهد المخطىء له أجر لأن قصده الحق وطلبه بحسب وسعه وهو لا يحكم الا ~~بدليل كحكم الحاكم باقرار الخصم بما عليه ويكون قد سقط بعد ذلك بابراء أو ~~قضاء ولم يقم به حجة PageV20P030 وحكمه بالبراءة مع اليمين ويكون قد اشتغلت ~~الذمة باقتراض أو ابتياع أو غير ذلك لكن لم يقم به حجة وحكم لرب اليد مع ~~اليمين ويكون قد انتقل الملك عنه أو يده يد غاصب لكن لم يقم به حجة وكذلك ~~الأدلة العامة يحكم المجتهد بعمومه وما يخصه ولم يبلغه أو بنص وقد نسخ ولم ~~يبلغه أو يقول بقياس ظهر وفيه التسوية وتكون تلك الصورة امتازت بفرق مؤثر ~~وتعذرت عليه معرفته فان تأثير الفرق قد يكون بنص لم يبلغه وقد يكون وصفا ~~خفيا # ففى الجملة الاجر هو على اتباعه الحق بحسب اجتهاده و ( لو ) كان في ~~الباطن حق يناقضه هو أولى بالاتباع لو قدر على معرفته لكن لم يقدر فهذا ~~كالمجتهدين في جهات الكعبة وكذلك كل من عبد عبادة نهى عنها ولم يعلم بالنهى ~~لكن هي من جنس المأمور به مثل من صلى في أوقات النهى وبلغه الأمر العام ~~بالصلاة ولم يبلغه النهى أو تمسك بدليل خاص مرجوح مثل صلاة جماعة من السلف ~~ركعتين بعد العصر لأن النبى صلاهما ومثل صلاة رويت فيها أحاديث ضعيفة أو ~~موضوعة كالفية نصف شعبان وأول رجب وصلاة التسبيح كما جوزها بن المبارك وغير ~~ذلك فانها اذا دخلت في عموم استحباب الصلاة ولم يبلغه ما يوجب النهى أثيب ~~على ذلك وان كان فيها نهى من وجه لم يعلم بكونها بدعة تتخذ شعارا ويجتمع ~~عليها كل عام ms5887 فهو مثل أن يحدث صلاة سادسه ولهذا لو أراد أن يصلى مثل هذه ~~الصلاة بلا حديث لم يكن له ذلك لكن لما روى الحديث اعتقد أنه صحيح فغلط في ~~ذلك فهذا يغفر له PageV20P031 خطؤه ويثاب على جنس المشروع وكذلك من صام يوم ~~العيد ولم يعلم بالنهى بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك فان هذا لا ثواب ~~فيه وإن كان الله لا يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة كما قال تعالى @QB@ ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ لكنه وإن كان لا يعذب فان هذا لا يثاب ~~بل هذا كما قال تعالى @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ~~@QE@ قال بن المبارك هي الأعمال التي عملت لغير الله وقال مجاهد هي الأعمال ~~التي لم تقبل وقال تعالى @QB@ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت ~~به الريح @QE@ الآية فهؤلاء أعمالهم باطلة لا ثواب فيها # وإذا نهاهم الرسول عنها فلم ينتهوا عوقبوا فالعقاب عليها مشروط بتبليغ ~~الرسول وأما بطلانها في نفسها فلأنها غير مأمور بها فكل عبادة غير مأمور ~~بها فلا بد أن ينهى عنها ثم إن علم أنها منهي عنها وفعلها استحق العقاب فان ~~لم يعلم لم يستحق العقاب وإن اعتقد أنها مأمور بها وكانت من جنس المشروع ~~فانه يثاب عليها وإن كانت من جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به ~~لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به وهذا لا يكون مجتهدا لأن ~~المجتهد لابد أن يتبع دليلا شرعيا وهذه لا يكون عليها دليل شرعي لكن قد ~~يفعلها باجتهاد مثله وهو تقليده لمن فعل ذلك من الشيوخ والعلماء والذين ~~فعلوا ذلك قد فعلوه لأنهم رأوه ينفع أو لحديث كذب سمعوه فهؤلاء إذا لم تقم ~~عليهم الحجة بالنهي لا يعذبون وأما الثواب فانه قد يكون ثوابهم أنهم أرجح ~~من أهل جنسهم وأما الثواب بالتقرب إلى الله فلا يكون بمثل هذه الأعمال ~~PageV20P032 ### ||| فصل # والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما قد ~~بسط ms5888 في غير موضع كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما ~~يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه مثل من اعتقد ان الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ~~ثبوته أو اعتقد ان الله لا يرى لقوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ ولقوله ~~@QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب @QE@ كما احتجت ~~عائشة بهاتين الآيتين على إنتفاء الرؤية في حق النبى وانما يدلان بطريق ~~العموم PageV20P033 وكما نقل عن بعض التابعين ان الله لا يرى وفسروا قوله ~~@QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ بإنها تنتظر ثواب ربها كما نقل ~~عن مجاهد وأبي صالح # أو من اعتقد ان الميت لا يعذب ببكاء الحى لاعتقاده ان قوله ( ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ) يدل على ذلك وان ذلك يقدم على رواية الراوي لان السمع ~~يغلط كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف # أو اعتقد ان الميت لا يسمع خطاب الحي لاعتقاده ان قوله @QB@ إنك لا تسمع ~~الموتى @QE@ يدل على ذلك أو اعتقد ان الله لا يعجب كما اعتقد ذلك شريح ~~لاعتقاده ان العجب انما يكون من جهل السبب والله منزه عن الجهل # أو اعتقد ان عليا أفضل الصحابة لاعتقاده صحة حديث الطير وان النبى صلى ~~الله عليه PageV20P034 وسلم قال ( اللهم ائتنى بأحب الخلق اليك يأكل معى من ~~هذا الطائر ( # أو اعتقد ان من جس للعدو وعلمهم بغزو النبى صلى الله عليه وسلم فهو منافق ~~كما اعتقد ذلك عمر في حاطب وقال دعنى اضرب عنق هذا المنافق أو اعتقد ان من ~~غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق كما اعتقد ذلك اسيد بن حضير في سعد بن ~~عبادة وقال انك منافق تجادل عن المنافقين # أو اعتقد ان بعض الكلمات أو الآيات انها ليست من القرآن لان ذلك لم يثبت ~~عنده بالنقل الثابت كما نقل عن غير واحد من السلف انهم انكروا الفاظا من ~~القران كانكار بعضهم @QB@ وقضى ربك @QE@ وقال انما هي ووصى ربك وإنكار ~~بعضهم قوله @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين @QE@ وقال انما هو ميثاق ms5889 بنى ~~اسرائيل وكذلك هي في قراءة عبد الله وانكار بعضهم ( أو لم ييئس الذين آمنوا ~~) انما هي أو لم يتبين الذين آمنوا وكما انكر عمر على هشام بن الحكم لما ~~رآه يقرا سورة الفرقان على غير ماقرأها وكما انكر طائفة من السلف على بعض ~~القراء بحروف لم يعرفوها حتى جمعهم عثمان على المصحف الامام # وكما أنكر طائفة من السلف والخلف ان الله يريد المعاصى لاعتقادهم أن ~~معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به وانكر طائفة PageV20P035 من السلف ~~والخلف ان الله يريد المعاصى لكونهم ظنوا ان الارادة لا تكون الابمعنى ~~المشيئة لخلقها وقد علموا ان الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن والقران قد جاء بلفظ الارادة بهذا المعنى وبهذا المعنى لكن كل طائفة ~~عرفت أحد المعنيين وأنكرت الآخر # وكالذى قال لاهله اذا أنامت فأحرقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر ~~الله علي ليعذبنى عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين # وكما قد ذكره طائفة من السلف في قوله @QB@ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ~~@QE@ وفي قول الحواريين @QB@ هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ~~@QE@ وكالصحابة الذين سألوا النبى هل نرى ربنا يوم القيامة فلم يكونوا ~~يعلمون انهم يرونه وكثير من الناس لا يعلم ذلك اما لانه لم تبلغه الاحاديث ~~واما لانه ظن أنه كذب وغلط PageV20P036 ### ||| فصل # وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام وجمع بينهما ~~في أسماء وأحكام وذلك حجة على الطائفتين على من قال ان الافعال ليس فيها ~~حسن وقبيح ومن قال انهم يستحقون العذاب على القولين # اما الاول فانه سماهم ظالمين وطاغين ومفسدين لقوله ( إذهب إلى فرعون إنه ~~طغى ) وقوله @QB@ وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا ~~يتقون @QE@ وقوله @QB@ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة ~~منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين @QE@ فاخبر انه ~~ظالما وطاغيا ومفسدا هو وقومه وهذه اسماء ذم الافعال والذم ms5890 انما يكون في ~~الافعال السيئة القبيحة فدل ذلك على ان الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء ~~الرسول اليهم لا يستحقون العذاب الا بعد اتيان الرسول اليهم لقوله @QB@ وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ # وكذلك أخبر عن هود انه قال لقومه ( اعبدوا الله ما لكم من PageV20P037 ~~اله غيره إن أنتم إلا مفترون ) فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه ~~لكونهم جعلوا مع الله الها آخر فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة فانه يشرك بربه ~~ويعدل به ويجعل معه آلهه أخرى ويجعل له أندادا قبل الرسول ويثبت أن هذه ~~الاسماء مقدم عليها وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال جاهلية وجاهلا قبل مجيء ~~الرسول واما التعذيب فلا # والتولى عن الطاعة كقوله @QB@ فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى @QE@ فهذا ~~لا يكون الا بعد الرسول مثل قوله عن فرعون ( فكذب وعصى ) كان هذا بعد مجيء ~~الرسول إليه كما قال تعالى @QB@ فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى @QE@ وقال ~~@QB@ فعصى فرعون الرسول @QE@ # هذا آخر ما وجد PageV20P038 ### |||| وسئل أيضا رضي الله عنه # هل البخارى ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائى وبن ماجة وأبو داود ~~الطيالسى والدارمي والبزار والدار قطنى والبيهقى وبن خزيمة وأبو يعلى ~~الموصلى هل كان هؤلاء مجتهدين لم يقلدوا أحدا من الائمة أم كانوا مقلدين # وهل كان من هؤلاء أحد ينتسب إلى مذهب ابى حنيفة وهل اذا وجد في موطأ مالك ~~عن يحيى بن سعيد عن إبراهيم بن محمد بن الحارث التيمي عن عائشة ووجد في ~~البخارى حدثنى معاذ بن فضالة قال حدثنا هشام عن يحيى هو بن ابى كثير عن أبي ~~سلمة عن أبى هريرة فهل يقال ان هذا أصح من الذي في الموطا وهل اذا كان ~~الحديث في البخارى بسند وفي الموطأ بسند فهل يقال ان الذي في البخارى أصح # واذا روينا عن رجال البخارى حديثا ولم يروه البخارى في صحيحه فهل يقال هو ~~مثل الذي في الصحيح PageV20P039 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اما البخارى وأبو داود فإمامان في الفقه من أهل ~~الاجتهاد # وأما مسلم والترمذى والنسائى ms5891 وبن ماجة وبن خزيمة وأبو يعلى والبزار ~~ونحوهم فهم على مذهب أهل الحديث ليسوا مقلدين لواحد بعينه من العلماء ولا ~~هم من الائمة المجتهدين على الاطلاق بل هم لا يميلون إلى قول أئمة الحديث ~~كالشافعى وأحمد واسحاق وأبى عبيد وأمثالهم ومنهم من له اختصاص ببعض الائمة ~~كاختصاص ابى داود ونحوه بأحمد بن حنبل وهم إلى مذاهب أهل الحجاز كمالك ~~وأمثاله أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق كأبى حنيفة والثورى # وأما أبو داود الطيالسى فأقدم من هؤلاء كلهم من طبقة يحيى بن سعيد القطان ~~ويزيد بن هارون الواسطى وعبد الله بن داود ووكيع بن الجراح وعبد الله بن ~~ادريس ومعاذ بن معاذ وحفص بن غياث وعبد الرحمن بن مهدي وأمثال هؤلاء من ~~طبقة شيوخ الامام أحمد # وهؤلاء كلهم يعظمون السنة والحديث ومنهم من يميل إلى مذهب PageV20P040 ~~العراقيين كأبى حنيفة والثوري ونحوهما كوكيع ويحيى بن سعيد ومنهم من يميل ~~إلى مذهب المدنيين مالك ونحوه كعبد الرحمن بن مهدى # وأما البيهقى فكان على مذهب الشافعى منتصرا له في عامة أقواله # والدار قطنى هو أيضا يميل إلى مذهب الشافعى وأئمة السند والحديث لكن ليس ~~هو في تقليد الشافعى كالبيهقي مع ان البيهقي له اجتهاد في كثير من المسائل ~~واجتهاد الدار قطنى أقوى منه فانه كان أعلم وأفقه منه PageV20P041 # وقال شيخ الاسلام # القلب المعمور بالتقوى اذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعى قال فمتى ما ~~وقع عنده وحصل في قلبه ما بطن معه إن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى لله ~~ورسوله كان هذا ترجيحا بدليل شرعي والذين أنكروا كون الالهام ليس طريقا إلى ~~الحقائق مطلقا أخطأوا فاذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه لما ~~رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة فالهام مثل هذا دليل في حقه وهو أقوى من كثير ~~من الأقيسة الضعيفة والموهومة والظواهر والاستصحابات الكثيرة التى يحتج بها ~~كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه # وقد قال عمر بن الخطاب اقربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون ~~فانهم ms5892 تتجلى لهم أمور صادقة وحديث مكحول المرفوع ( ما أخلص عبد العبادة لله ~~تعالى أربعين يوما إلا أجرى الله الحكمة على قلبه وأنطق بها لسانه ( وفى ~~رواية ( إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ( وقال أبو سليمان ~~الداراني إن القلوب إذا اجتمعت PageV20P042 على التقوى جالت في الملكوت ~~ورجعت إلى أصحابها بطرف الفوائد من غير أن يؤدى اليها عالم علما # وقد قال النبى ( الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء ( ومن معه نور ~~وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها ولا سيما ~~الأحاديث النبوية فانه يعرف ذلك معرفة تامة لأنه قاصد العمل بها فتتساعد في ~~حقه هذه الأشياء مع الامتثال ومحبة الله ورسوله حتى أن المحب يعرف من فحوى ~~كلام محبوبه مراده منه تلويحا لا تصريحا % والعين تعرف من عيني محدثها % إن ~~كان من حزبها أو من أعاديها % انارة العقل مكشوف بطوع هوى % وعقل عاصي ~~الهوى يزداد تنويرا % # وفي الحديث الصحيح ( لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فاذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله ~~التى يمشي بها ( ومن كان توفيق الله له كذلك فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ~~ونفس فعالة وإذا كان PageV20P043 الاثم والبر في صدور الخلق له تردد وجولان ~~فكيف حال من الله سمعه وبصره وهو في قلبه وقد قال بن مسعود الاثم حواز ~~القلوب وقد قدمنا أن الكذب ريبة والصدق طمأنينة فالحديث الصدق تطمئن إليه ~~النفس ويطمئن إليه القلب # وأيضا فان الله فطر عباده على الحق فاذا لم تستحل الفطرة شاهدت الأشياء ~~على ما هي عليه فأنكرت منكرها وعرفت معروفها قال عمر الحق أبلج لا يخفى على ~~فطن # فاذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن تجلت لها ~~الأشياء على ما هي عليه في تلك المزايا وانتفت عنها ظلمات الجهالات فرأت ~~الأمور عيانا مع غيبها عن غيرها # وفى السنن والمسند وغيره عن النواس بن سمعان عن النبى قال ( ضرب الله ~~مثلا صراطا مستقيما ms5893 وعلى جنبتى الصراط سوران وفى السورين أبواب مفتحة وعلى ~~الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو من فوق الصراط ~~والصراط المستقيم هو الاسلام والستور المرخاة حدود الله والأبواب المفتحة ~~محارم الله فاذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه المنادي يا ~~عبد الله لا تفتحه فانك إن فتحته تلجه والداعي على رأس PageV20P044 الصراط ~~كتاب الله والداعى فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن ( فقد بين في هذا ~~الحديث العظيم الذي من عرفه انتفع به انتفاعا بالغا إن ساعده التوفيق ~~واستغنى به عن علوم كثيرة أن في قلب كل مؤمن واعظ والوعظ هو الأمر والنهي ~~والترغيب والترهيب # وإذا كان القلب معمورا بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت بخلاف القلب ~~الخراب المظلم قال حذيفة بن اليمان إن في قلب المؤمن سراجا يزهر وفى الحديث ~~الصحيح ( إن الدجال مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ ( ~~فدل على أن المؤمن يتبين له مالا يتبين لغيره ولا سيما في الفتن وينكشف له ~~حال الكذاب الوضاع على الله ورسوله فإن الدجال أكذب خلق الله مع أن الله ~~يجري على يدية أمورا هائلة ومخاريق مزلزلة حتى ان من رآه افتتن به فيكشفها ~~الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها وبطلانها # وكلما قوي الايمان في القلب قوي انكشاف الأمور له وعرف حقائقها من ~~بواطلها وكلما ضعف الايمان ضعف الكشف وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف ~~في البيت المظلم ولهذا قال بعض السلف في قوله @QB@ نور على نور @QE@ قال هو ~~المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق وإن لم يسمع فيها بالأثر فاذا سمع فيها ~~بالأثر كان نورا PageV20P045 على نور فالايمان الذي في قلب المؤمن يطابق ~~نور القرآن فالالهام القلبى تارة يكون من جنس القول والعلم والظن أن هذا ~~القول كذب وأن هذا العمل باطل وهذا أرجح من هذا أو هذا أصوب # وفي الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( قد كان في الأمم قبلكم ~~محدثون فان يكن في أمتى منهم أحد فعمر ( والمحدث ms5894 هو الملهم المخاطب في سره ~~وما قال عمر لشيء إنى لأظنه كذا وكذا إلا كان كما ظن وكانوا يرون أن ~~السكينة تنطق على قلبه ولسانه # وأيضا فاذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقينا ~~وظنا فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى فانه إلى كشفها أحوج ~~فالمؤمن تقع في قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب فان ~~كل أحد لا يمكنه إبانة المعانى القائمة بقلبه فاذا تكلم الكاذب بين يدي ~~الصادق عرف كذبه من فحوى كلامه فتدخل عليه نخوة الحياء الايمانى فتمنعه ~~البيان ولكن هو في نفسه قد أخذ حذره منه وربما لوح أو صرح به خوفا من الله ~~وشفقة على خلق الله ليحذروا من روايته أو العمل به PageV20P046 # وكثير من أهل الايمان والكشف يلقي الله في قلبه أن هذا الطعام حرام وأن ~~هذا الرجل كافر أو فاسق أو ديوث أو لوطي أو خمار أو مغن أو كاذب من غير ~~دليل ظاهر بل بما يلقي الله في قلبه # وكذلك بالعكس يلقي في قلبه محبة لشخص وأنه من أولياء الله وأن هذا الرجل ~~صالح وهذا الطعام حلال وهذا القول صدق فهذا وأمثاله لا يجوز أن يستبعد في ~~حق أولياء الله المؤمنين المتقين # وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب وان الخضر علم هذه الأحوال المعينة ~~بما أطلعه الله عليه وهذا باب واسع يطول بسطه قد نبهنا فيه على نكت شريفة ~~تطلعك على ما وراءها وقال PageV20P047 ### || 1 ( فصل في تعارض الحسنات أو السيئات ) 1 # ! 8 < # جامع في تعارض الحسنات أو السيئات أو هما جميعا إذا اجتمعا ولم يمكن ~~التفريق بينهما بل الممكن إما فعلهما جميعا وإما تركهما جميعا # وقد كتبت ما يشبه هذا في ( قاعدة الامارة والخلافة ( وفى أن الشريعة جاءت ~~بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين ~~وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين ~~باحتمال أدناهما فنقول # قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة وإن كان الواجب مستحبا ms5895 وزيادة ~~ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة والدين هو طاعته وطاعة رسوله وهو الدين ~~والتقوى والبر والعمل الصالح والشرعة والمنهاج وإن كان بين هذه الأسماء ~~فروق وكذلك حمد أفعالا هي الحسنات ووعد عليها وذم أفعالا هي السيئات وأوعد ~~عليها وقيد PageV20P048 الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة فقال ~~تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وقال تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن قدر عليه ~~رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها @QE@ وكل من ~~الآيتين وإن كانت عامه فسبب الأولى المحاسبه على ما في النفوس وهو من جنس ~~أعمال القلوب وسبب الثانيه الاعطاء الواجب # وقال @QB@ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك @QE@ وقال @QB@ يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وقال ( يريد الله أن يخفف عنكم ) وقال ~~@QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج @QE@ وقال @QB@ وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج @QE@ وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم @QE@ الآيه ~~وقال @QB@ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة @QE@ وقال @QB@ ولله على الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا @QE@ وقال @QB@ ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله @QE@ # وقد ذكر في الصيام والاحرام والطهارة والصلاة والجهاد من هذا أنواعا # وقال في المنهيات @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ~~@QE@ PageV20P049 ) وقال @QB@ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه @QE@ ~~@QB@ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم @QE@ @QB@ ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ @QB@ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به @QE@ ~~@QB@ ولو شاء الله لأعنتكم @QE@ وقال تعالى @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام ~~@QE@ الآية # وقال في المتعارض @QB@ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ وقال @QB@ كتب عليكم القتال وهو ~~كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون ms5896 @QE@ وقال @QB@ فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ وقال @QB@ والفتنة أكبر من ~~القتل @QE@ وقال @QB@ فإن خفتم فرجالا أو ركبانا @QE@ @QB@ وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك @QE@ إلى قوله @QB@ ولا جناح عليكم ~~إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم @QE@ وقال @QB@ ~~ووصينا الإنسان بوالديه حسنا @QE@ إلى قوله @QB@ وإن جاهداك على أن تشرك بي ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب ~~إلي @QE@ # ونقول إذا ثبت أن الحسنات لها منافع وإن كانت واجبة كان في تركها مضار ~~والسيئات فيها مضار وفى المكروه بعض PageV20P050 حسنات فالتعارض إما بين ~~حسنتين لا يمكن الجمع بينهما فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح وإما بين سيئتين ~~لا يمكن الخلو منهما فيدفع اسوأهما باحتمال أدناهما واما بين حسنة وسيئة لا ~~يمكن التفريق بينهما بل فعل الحسنه مستلزم لوقوع السيئة وترك السيئة مستلزم ~~لترك الحسنة فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة # فالأول كالواجب والمستحب وكفرض العين وفرض الكفاية مثل تقديم قضاء الدين ~~المطالب به على صدقة التطوع # والثانى كتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين وتقديم نفقة ~~الوالدين عليه كما في الحديث الصحيح أي العمل أفضل قال ( الصلاة على ~~مواقيتها ( قلت ثم أي قال ( ثم بر الوالدين ( قلت ثم أى قال ( ثم الجهاد في ~~سبيل الله ( وتقديم الجهاد على الحج كما في الكتاب والسنة متعين على متعين ~~ومستحب على مستحب وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب ~~واللسان وتقديم الصلاة عليهما إذا شاركتهما في عمل القلب والا فقد يترجح ~~الذكر بالفهم والوجل على القراءة التى لا تجاوز الحناجر وهذا باب واسع # والثالث كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها ~~PageV20P051 بدار الحرب كما فعلت أم كلثوم التى أنزل الله فيها آية ~~الامتحان @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات @QE@ ~~وكتقديم قتل النفس على الكفر كما قال تعالى @QB@ والفتنة أكبر من القتل ~~@QE@ فتقتل النفوس ms5897 التى تحصل بها الفتنه عن الايمان لأن ضرر الكفر أعظم من ~~ضرر قتل النفس وكتقديم قطع السارق ورجم الزانى وجلد الشارب على مضرة السرقه ~~والزنا والشرب وكذلك سائر العقوبات المأمور بها فانما أمر بها مع أنها في ~~الأصل سيئه وفيها ضرر لدفع ما هو أعظم ضررا منها وهى جرائمها إذ لا يمكن ~~دفع ذلك الفساد الكبير الا بهذا الفساد الصغير # وكذلك في ( باب الجهاد ( وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان ~~وغيرهم حراما فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل الرمى بالمنجنيق والتبييت ~~بالليل جاز ذلك كما جاءت فيها السنه في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق وفى ~~أهل الدار من المشركين يبيتون وهو دفع لفساد الفتنه أيضا بقتل من لا يجوز ~~قصد قتله # وكذلك ( مسأله التترس ( التى ذكرها الفقهاء فان الجهاد هو دفع فتنه الكفر ~~فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن ~~دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي ( إلى ) قتل اولئك المتترس بهم جاز ذلك ~~وأن لم يخف الضرر لكن PageV20P052 لم يمكن الجهاد الا بما يفضي إلى قتلهم ~~ففيه قولان # ومن يسوغ ذلك يقول قتلهم لأجل مصلحة الجهاد مثل قتل المسلمين المقاتلين ~~يكونون شهداء ومثل ذلك إقامة الحد على المباذل وقتال البغاة وغير ذلك ومن ~~ذلك إباحة نكاح الأمة خشية العنت وهذا باب واسع أيضا # وأما الرابع فمثل أكل الميتة عند المخمصة فان الأكل حسنة واجبة لا يمكن ~~إلا بهذه السيئة ومصلحتها راجحة وعكسه الدواء الخبيث فان مضرته راجحة على ~~مصلحته من منفعة العلاج لقيام غيره مقامه ولأن البرء لا يتيقن به وكذلك شرب ~~الخمر للدواء # فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها اذا لم تدفع الا ~~بها وتحصل بما هو أنفع من تركها اذا لم تحصل الا بها والحسنة تترك في ~~موضعين اذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على ~~منفعة الحسنة هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية # وأما سقوط الواجب ms5898 لمضرة في الدنيا واباحة المحرم لحاجة في الدنيا كسقوط ~~الصيام لأجل السفر وسقوط محظورات الاحرام PageV20P053 وأركان الصلاة لأجل ~~المرض فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج الذي قد تختلف فيه ~~الشرائع بخلاف الباب الأول فان جنسه مما لا يمكن اختلاف الشرائع فيه وان ~~اختلفت في أعيانه بل ذلك ثابت في العقل كما يقال ليس العاقل الذى يعلم ~~الخير من الشر وإنما العاقل الذى يعلم خير الخيرين وشر الشرين وينشد % ان ~~اللبيب اذا بدى من جسمه % مرضان مختلفان داوى الأخطرا % # وهذا ثابت في سائر الأمور فان الطبيب مثلا يحتاج إلى تقوية القوة ودفع ~~المرض والفساد أداة تزيدهما معا فانه يرجح عند وفور القوة تركه إضعافا ~~للمرض وعند ضعف القوة فعله لان منفعة ابقاء القوة والمرض إولى من إذهابهما ~~جميعا فان ذهاب القوة مستلزمة للهلاك ولهذا استقر في عقول الناس انه عند ~~الجدب يكون نزول المطر لهم رحمه وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم ~~لكن عدمه اشد ضررا عليهم ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان كما ~~قال بعض العقلاء ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان # ثم السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من PageV20P054 ~~الحقوق مع التمكن لكن اقول هنا اذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض فروعة ~~كالامارة والولاية والقضاء ونحو ذلك اذا كان لا يمكنه اداء واجباته وترك ~~محرماته ولكن يتعمد ذلك مالا يفعله غيره قصدا وقدرة جازت له الولاية وربما ~~وجبت وذلك لان الولاية اذا كانت من الواجبات التى يجب تحصيل مصالحها من ~~جهاد العدو وقسم الفيء واقامة الحدود وامن السبيل كان فعلها واجبا فاذا كان ~~ذلك مستلزما لتولية بعض من لا يستحق واخذ بعض مالا يحل واعطاء بعض من لا ~~ينبغي ولا يمكنه ترك ذلك صار هذا من باب مالا يتم الواجب أو المستحب الا به ~~فيكون واجبا أو مستحبا إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب بل ~~لو كانت الولاية غير واجبة ms5899 وهي مشتملة على ظلم ومن تولاها اقام الظلم حتى ~~تولاها شخص قصدة بذلك تخفيف الظلم فيها ودفع أكثره باحتمال أيسره كان ذلك ~~حسنا مع هذه النية وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو اشد منها ~~جيدا # وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد فمن طلب منه ظالم قادر والزمه ~~مالا فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم واخذ منه واعطى الظالم ~~مع اختياره ان لا يظلم ودفعه ذلك لو امكن كان محسنا ولو توسط اعانه للظالم ~~كان مسيئا PageV20P055 # وانما الغالب في هذه الاشياء فساد النية والعمل اما النية فبقصده السلطان ~~والمال واما العمل فبفعل المحرمات وبترك الواجبات لا لاجل التعارض ولا لقصد ~~الانفع والاصلح # ثم الولايه وان كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل ~~المعين غيرها اوجب أو احب فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبا تارة واستحبابا ~~أخرى # ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر بل ومسألته أن ~~يجعله على خزائن الأرض وكان هو وقومه كفارا كما قال تعالى @QB@ ولقد جاءكم ~~يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به @QE@ الآية وقال تعالى ~~عنه @QB@ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما ~~تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم @QE@ ( الآية ومعلوم أنه ~~مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الاموال وصرفها على حاشية ~~الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم ~~ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فان القوم ~~لم يستجيبوا له لكن فعل الممكن من العدل والاحسان ونال بالسلطان من اكرام ~~المؤمنين من أهل بيته مالم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك وهذا كله داخل في ~~قوله PageV20P056 @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ # فاذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما لم يكن الآخر في هذه ~~الحال واجبا ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة ms5900 # وكذلك اذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما الا بفعل أدناهما لم يكن فعل ~~الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة وان سمى ذلك ترك واجب وسمى هذا فعل ~~محرم باعتبار الاطلاق لم يضر ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم ~~للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أحرم وهذا كما يقال لمن نام عن ~~صلاة أو نسيها إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء # هذا وقد قال النبى ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها فان ذلك ~~وقتها لاكفارة لها الا ذلك ( # وهذا باب التعارض باب واسع جدا لاسيما في الأزمنة والأمكنة التى نقصت ~~فيها آثار النبوة وخلافة النبوة فان هذه المسائل تكثر فيها وكلما ازداد ~~النقص ازدادت هذه المسائل ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة فانه اذا ~~اختلطت الحسنات بالسيئات وقع PageV20P057 الاشتباه والتلازم فأقوام قد ~~ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وان تضمن سيئات عظيمة وأقوام قد ~~ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وان ترك حسنات عظيمة والمتوسطون ~~الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أولأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة أو ~~يتبين لهم فلا يجدون من يعنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات لكون الأهواء ~~قارنت الآراء ولهذا جاء في الحديث ( إن الله يحب البصر النافذ عند ورود ~~الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ( فينبغي للعالم أن يتدبر ~~أنواع هذه المسائل وقد يكون الواجب في بعضها كما بينته فيما تقدم العفو عند ~~الأمر والنهي في بعض الأشياء لا التحليل والاسقاط مثل أن يكون في أمره ~~بطاعة فعلا لمعصية أكبرمنها فيترك الأمر بها دفعا لوقوع تلك المعصية مثل أن ~~ترفع مذنبا إلى ذي سلطان ظالم فيعتدى عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضررا من ~~ذنبه ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركا لمعروف هو أعظم منفعة من ~~ترك المنكرات فيسكت عن النهي خوفا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما ~~هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر # فالعالم تارة يأمر ms5901 وتارة ينهي وتارة يبيح وتارة يسكت عن PageV20P058 ~~الأمر أو النهي أو الاباحة كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح أو النهي عن ~~الفساد الخالص أو الراجح وعند التعارض يرجح الراجح كما تقدم بحسب الامكان ~~فأما اذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن إما لجهله واما لظلمه ولا ~~يمكن ازالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح الكف والامساك عن أمره ونهيه كما ~~قيل ان من المسائل مسائل جوابها السكوت كما سكت الشارع في أول الأمر عن ~~الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الاسلام وظهر # فالعالم في البيان والبلاغ كذلك قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت ~~التمكن كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله ~~تسليما إلى بيانها # يبين حقيقة الحال في هذا أن الله يقول @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا @QE@ والحجة على العباد انما تقوم بشيئين بشرط التمكن من العلم بما ~~أنزل الله والقدرة على العمل به فاما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز ~~عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي واذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز ~~عن بعضه كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم ~~بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلا وهذه أوقات الفترات فاذا حصل من ~~يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به ~~الرسول PageV20P059 شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئا فشيئا ~~ومعلوم أن الرسول لا يبلغ الا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأت الشريعة جملة ~~كما يقال اذا أردت ان تطاع فأمر بما يستطاع # فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ الا ما أمكن علمه والعمل به ~~كما أن الداخل في الاسلام لا يمكن حين دخوله ان يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها ~~كلها # وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد لا يمكن في اول الأمر ان يؤمر ~~بجميع الدين ويذكر له جميع العلم فانه لا يطيق ذلك واذا لم يطقه لم يكن ~~واجبا عليه ms5902 في هذه الحال واذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير ان يوجبه ~~جميعه ابتداء بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت ~~الامكان كما عفى الرسول عما عفى عنه إلى وقت بيانه ولا يكون ذلك من باب ~~اقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بامكان ~~العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط فتدبر هذا الأصل فانه نافع # ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وان كانت واجبة أو محرمة في ~~الأصل لعدم امكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في PageV20P060 الوجوب أو ~~التحريم فان العجز مسقط للأمر والنهي وان كان واجبا في الأصل والله أعلم # ومما يدخل في هذه الأمور الاجتهاديه علما وعملا ان ما قاله العالم أو ~~الأمير أو فعله باجتهاد أو تقليد فاذا لم ير العالم الآخر والأمير الآخر ~~مثل رأي الأول فانه لا يأمر به أو لا يأمر الا بما يراه مصلحة ولا ينهى عنه ~~اذ ليس له ان ينهى غيره عن اتباع اجتهاده ولا ان يوجب عليه اتباعه فهذه ~~الأمور في حقه من الأعمال المعفوة لا يأمر بها ولا ينهى عنها بل هي بين ~~الاباحة والعفو وهذا باب واسع جدا فتدبره PageV20P061 # وقال ### ||| فصل # قد كتبت في كراس قبل هذا أن الحسنات والعبادات ثلاثة أقسام عقلية وهو ما ~~يشترك فيه العقلاء مؤمنهم وكافرهم وملي وهو ما يختص به اهل الملل كعبادة ~~الله وحده لا شريك له وشرعي وهو ما اختص به شرع الاسلام مثلا وأن الثلاثة ~~واجبة فالشرعي باعتبار الثلاثة المشروعة وباعتبار يختص بالقدر المميز # وهكذا العلوم والأقوال عقلي وملي وشرعي فالعقل المحض مثل ما ينظر فيه ~~الفلاسفة من عموم المنطق والطبيعي والالهي ولهذا كان فيهم المشرك والمؤمن ~~والملي مثل ما ينظر فيه المتكلم من إثبات الصانع وإثبات النبوات والشرائع # فان المتكلمين متفقون على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~ولكنهم في رسائلهم ومسائلهم لا يلتزمون حكم الكتاب PageV20P062 والسنة ~~ففيهم السنى والبدعى ويجتمعون هم والفلاسفة ms5903 في النظر في الأمور الكلية من ~~العلم والدليل والنظر والوجود والعدم والمعلومات لكنهم أخص بالنظر في العلم ~~الالهي من الفلاسفة وأبسط علما ولسانا فيه وإن شركهم الفلاسفة في بعضه كما ~~أن الفلاسفة أخص بالنظر في الأمور الطبيعية وإن شركهم المتكلمون في بعضه # والشرعى ما ينظر فيه أهل الكتاب والسنة ثم هم إما قائمون بظاهر الشرع فقط ~~كعموم أهل الحديث والمؤمنين الذين في العلم بمنزلة العباد الظاهرين في ~~العبادة وإما عالمون بمعاني ذلك وعارفون به فهم في العلوم كالعارفين من ~~الصوفية الشرعية فهؤلاء هم علماء أمة محمد المحضة وهم أفضل الخلق وأكملهم ~~وأقومهم طريقة والله أعلم # ويدخل في العبادات السماع فانه ثلاثة أقسام سماع عقلي وملى وشرعي # فالأول ما فيه تحريك محبة أو مخافة أو حزن أو رجاء مطلقا # والثانى ما في غيرهم كمحبة الله ومخافته ورجائه وخشيته والتوكل عليه ونحو ~~ذلك PageV20P063 # والثالث السماع الشرعي وهو سماع القرآن كما أن الصلاة أيضا ثلاثة أقسام # وهذه الأقسام الثلاثة أصولها صحيحة دل عليها قوله @QB@ إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~@QE@ الآية فالذين آمنوا هم أهل شريعه القرآن وهو الدين الشرعى بما فيه من ~~الملي والعقلى والذين هادوا والنصارى أهل دين ملى بشريعه التوراة والانجيل ~~بما فيه من ملي وعقلى والصابئون أهل الدين العقلى بما فيه من ملى أو ملي ~~وشرعيات PageV20P064 # وقال ### ||| فصل # ( قاعدة جامعة ( كل واحد من الدين الجامع بين الواجبات وسائر العبادات ~~ومن التحريمات كما قال تعالى @QB@ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق @QE@ وكما قال تعالى @QB@ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ~~ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء @QE@ ~~وكما أخبر عما ذمه من حال المشركين في دينهم وتحريمهم حيث قال @QB@ وجعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا @QE@ إلى آخر الكلام فانه ذكر فيه ما ~~كانوا عليه من العبادات الباطلة من أنواع الشرك ومن الاباحة الباطلة في قتل ~~الأولاد ومن التحريمات ms5904 الباطلة من السائبة والبحيرة والوصيلة والحامي ونحو ~~ذلك فذم المشركين في عباداتهم وتحريماتهم وإباحتهم وذم النصارى فيما تركوه ~~من دين الحق والتحريم كما ذمهم على الدين الباطل في قوله ( اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم ) وأصناف ذلك PageV20P065 # فكل واحد من العبادات وسائر المأمور به من الواجبات والمستحبات ومن ~~المكروهات المنهى عنها نهى حظر أو نهى تنزيه ينقسم إلى ثلاثة أقسام عقلي ~~وملي وشرعي والمراد بالعقلي ما اتفق عليه اهل العقل من بنى آدم سواء كان ~~لهم صلة كتاب أو لم يكن والمراد بالملي ما اتفق عليه أهل الملل والكتب ~~المنزلة ومن اتبعهم والمراد بالشرعي ما اختص به أهل الشريعة القرآنية وهم ~~أمة محمد وأخص من ذلك ما اختص به أهل مذهب أو أهل طريقة من الفقهاء ~~والصوفية ونحو ذلك # لكن هذا التخصيص والامتياز لا توجبه شريعة الرسول مطلقا وإنما قد توجبه ~~ما قد توجب بتخصيص بعض العلماء والعباد والأمراء في استفتاء أو طاعة كما ~~يجب على أهل كل غزاة طاعة أميرهم وأهل كل قرية استفتاء عالمهم الذى لا ~~يجدون غيره ونحوذلك وما من أهل شريعة غير المسلمين الا وفي شرعهم هذه ~~الأقسام الثلاثة فان مأموراتهم ومنهياتهم تنقسم إلى ما يتفق عليه العقلاء ~~وما يتفق عليه الأنبياء وأما السياسات الملكية التى لا تتمسك بملة وكتاب ~~فلابد فيها من القسم الأول والثالث فان القدر المشترك بين الآدميين لابد من ~~الأمر به في كل سياسة وإمامة # وكذلك لا بد لكل ملك من خصيصة يتميز بها ولو لم تكن الا PageV20P066 ~~رعاية من يواليه ودفع من يعاديه فلابد لهم من الأمر بما يحفظ الولي ويدفع ~~العدو كما في مملكة جنكزخان ملك الترك ونحوه من الملوك # ثم قد يكون لهم ملة صحيحة توحيدية وقد يكون لهم ملة كفرية وقد لا يكون ~~لهم ملة بحال ثم قد يكون دينهم مما يوجبونه وقد يكون مما يستحبونه # ووجه القسمة أن جميع بنى آدم العقلاء لا بد لهم من أمور يأمرون بها وأمور ~~ينهون عنها فان ms5905 مصلحتهم لا تتم بدون ذلك ولا يمكن أن يعيشوا في الدنيا بل ~~ولا يعيش الواحد منهم لو انفرد بدون أمور يفعلونها تجلب لهم المنفعة وامور ~~ينفونها تدفع عنهم المضرة بل سائر الحيوان لا بد فيه من قوتى الاجتلاب ~~والاجتناب ومبدأهما الشهوة والنفرة والحب والبغض فالقسم المطلوب هو المأمور ~~به والقسم المرهوب هو المنهى عنه # فأما ان تكون تلك الأمور متفقا عليها بين العقلاء بحيث لا يلتفت إلى ~~الشواذ منهم الذين خرجوا عند الجمهور عن العقل وإما أن لا تكون كذلك وما ~~ليس كذلك فاما أن يكون متفقا عليه بين الأنبياء والمرسلين وإما أن يختص به ~~أهل شريعة الاسلام PageV20P067 # فالقسم الأول الطاعات العقلية وليس الغرض بتسميتها عقلية إثبات كون العقل ~~يحسن ويقبح على الوجه المتنازع فيه بل الغرض ما اتفق عليه المسلمون وغيرهم ~~من التحسين والتقبيح العقلي الذي هو جلب المنافع ودفع المضار وإنما الغرض ~~اتفاق العقلاء على مدحها مثل الصدق والعدل وأداء الامانة والاحسان إلى ~~الناس بالمال والمنافع ومثل العلم والعبادة المطلقة والورع المطلق والزهد ~~المطلق مثل جنس التأله والعبادة والتسبيح والخشوع والنسك المطلق بحيث لا ~~يمنع القدر المشترك أن يكون لأي معبود كان وبأي عبادة كانت فان هذا الجنس ~~متفق عليه بين الآدميين ما منهم الا من يمدح جنس التأله مع كون بعضه فيه ما ~~يكون صالحا حقا وبعضه فيه ما يكون فاسدا باطلا # وكذلك الورع المشترك مثل الكف عن قتل النفس مطلقا وعن الزنى مطلقا وعن ~~ظلم الخلق وكذلك الزهد المشترك مثل الامساك عن فضول الطعام واللباس وهذا ~~القسم انما عبر أهل العقل باعتقاد حسنه ووجوبه لأن مصلحة دنياهم لا تتم إلا ~~به وكذلك مصلحة دينهم سواء كان دينا صالحا أو فاسدا # ثم هذه الطاعات والعبادات العقلية قسمان PageV20P068 # أحدهما ما هو نوع واحد لا يختلف أصلا كالعلم والصدق وهما تابعان للحق ~~الموجود ومنها ما هو جنس تختلف أنواعه كالعدل وأداء الأمانة والصلاة ~~والصيام والنسك والزهد والورع ونحو ذلك فانه قد يكون العدل في ملة وسياسة ~~خلاف العدل عند ms5906 آخرين كقسمة المواريث مثلا وهذه الأمور تابعة للحق المقصود # لكن قد يقال الناس وإن اتفقوا على أن العلم يجب ان يكون مطابقا للمعلوم ~~وأن الخبر مطابق للمخبر لكن هم مختلفون في المطابقة اختلافا كثيرا جدا فان ~~منهم من يعد مطابقا علما وصدقا ما يعده الآخر مخالفا جهلا وكذبا لا سيما في ~~الأمور الالهية فكذلك العدل هم متفقون على أنه يجب فيه التسوية بين ~~المتماثلين لكن يختلفون في الاستواء والموافقة والتماثل فكل واحد من العلم ~~والصدق والعدل لا بد فيه من موافقة ومماثلة واعتبار ومقايسة لكن يختلفون في ~~ذلك فيقال هذا صحيح لكن الموافقة العلمية والصدقية هي بحسب وجود الشيء في ~~نفسه وهو الحق الموجود فلا يقف على أمر وإرادة وأما الموافقة العدلية فبحسب ~~ما يجب قصده وفعله وهذا يقف على القصد والأمر الذي قد يتنوع بحسب الأحوال # ولهذا لم تختلف الشرائع في جنس العلم والصدق كما اختلفت في جنس العدل ~~وأما جنس العبادات كالصلاة والصيام والنسك والورع عن PageV20P069 السيئات ~~وما يتبع ذلك من زهد ونحو ذلك فهذا مختلف اختلافا كثيرا وإن كان يجمع جنس ~~الصلاة التأله بالقلب والتعبد للمعبود ويجمع جنس الصوم الامساك عن الشهوات ~~من الطعام والشراب والنكاح على اختلاف أنو اع ذلك وكذلك أنواع النسك بحسب ~~الأمكنة التى تقصد وما يفعل فيها وفى طريقها لكن تجتمع هذه الأنواع في جنس ~~العبادة وهو تأله القلب بالمحبة والتعظيم وجنس الزهادة وهو الاعراض عن ~~الشهوات البدنية وزينة الحياة الدنيا وهما جنس نوعي الصلاة والصيام # القسم الثانى الطاعات الملية من العبادات وسائر المأمور به والتحريمات ~~مثل عبادة الله وحده لا شريك له بالاخلاص والتوكل والدعاء والخوف والرجاء ~~وما يقترن بذلك من الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ~~وتحريم الشرك به وعبادة ما سواه وتحريم الايمان بالجبت وهو السحر والطاغوت ~~وهو الأوثان ونحو ذلك # وهذا القسم هو الذي حضت عليه الرسل ووكدت أمره وهو أكبر المقاصد بالدعوة ~~فان القسم الأول يظهر أمره ومنفعته بظاهر العقل وكأنه في الاعمال مثل ~~العلوم البديهية ms5907 PageV20P070 # والقسم الثالث تكملة وتتميم لهذا القسم الثاني فان الأول كالمقدمات ~~والثالث كالمعقبات وأما الثانى فهو المقصود بخلق الناس كما قال تعالى ( وما ~~خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ) وذلك لأن التعبد المطلق والتأله المطلق ~~يدخل فيه الاشراك بجميع أنواعه كما عليه المشركون من سائر الأمم وكان ~~التأله المطلق هو دين الصابئة ودين التتار ونحوهم مثل الترك فأنهم كانوا ~~يعبدون الله وحده تارة ويبنون له هيكلا يسمونه هيكل العله الأولى ويعبدون ~~ما سواه تارة من الكواكب السبعة والثوابت وغيرها بخلاف المشركة المحضة ~~فانهم لايعبدون الله وحده قط فلا يعبدونه إلا بالاشراك بغيره من شركائهم ~~وشفعائهم # والصابئون منهم يعبده مخلصا له الدين ومنهم من يشرك به والحنفاء كلهم ~~يخلص له الدين فلهذا صار الصابئون فيهم من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل ~~صالحا بخلاف المشركين والمجوس ولهذا كان رأس دين الاسلام الذى بعث به خاتم ~~المرسلين كلمتان شهادة أن لا إله إلا الله تثبت التأله الحق الخالص وتنفي ~~ما سواه من تأله المشركين أو تأله مطلق قد يدخل فيه تأله المشركين فأخرجت ~~هذه الكلمة كل تأله ينافي الملي من التأله المختص بالكفار أو المطلق ~~المشترك PageV20P071 # والكلمة الثانية شهادة أن محمدا رسول الله وهي توجب التأله الشرعى النبوي ~~وتنفي ما كان من العقلي والملي والشرعي خارجا عنه # القسم الثالث الطاعات الشرعية التى تختص بشريعة القرآن مثل خصائص الصلوات ~~الخمس وخصائص صوم شهر رمضان وحج البيت العتيق وفرائض الزكوات وأحكام ~~المعاملات والمناكحات ومقادير العقوبات ونحو ذلك من العبادات الشرعية وسائر ~~ما يؤمر به من الشرعية وسائر ما ينهى عنه ### ||| فصل # إذا تبين ذلك فغالب الفقهاء إنما يتكلمون به في الطاعات الشرعية مع ~~العقلية وغالب الصوفية إنما يتبعون الطاعات الملية مع العقلية وغالب ~~المتفلسفة يقفون على الطاعات العقلية # ولهذا كثر في المتفقهة من ينحرف عن طاعات القلب وعباداته من الاخلاص لله ~~والتوكل عليه والمحبة له والخشية له ونحو ذلك PageV20P072 # وكثر في المتفقرة والمتصوفة من ينحرف عن الطاعات الشرعية فلا يبالون إذا ~~حصل لهم توحيد القلب وتألهه أن ms5908 يكون ما أوجبه الله من الصلوات وشرعه من ~~أنواع القراءة والذكر والدعوات أن يتناولوا ما حرم الله من المطاعم وأن ~~يتعبدوا بالعبادات البدعية من الرهبانية ونحوها ويعتاضوا بسماع المكاء ~~والتصدية عن سماع القرآن وأن يقفوا مع الحقيقة القدرية معرضين عن الأمر ~~والنهي فان كل ما خلقه الله فهو دال على وحدانيته وقائم بكلماته التامات ~~التى لا يجاوزها بر ولا فاجر وصادر عن مشيئته النافذة ومدبر بقدرته الكاملة ~~فقد يحصل للانسان تأله ملي فقط ولابد فيه من العقلي والملي وهو ما جاءت به ~~الرسل بحيث ينيب إلى الله ويحبه ويتوكل عليه ويعرض عن الدنيا لكن لا يقف ~~عند المشروع من الأفعال الظاهرة فعلا وتركا وقد يحصل العكس بحيث يقف عند ~~المشروع من الأفعال الظاهرة من غير أن يحصل لقلبه إنابة وتوكل ومحبة وقد ~~يحصل التمسك بالواجبات العقلية من الصدق والعدل وأداء الامانة ونحو ذلك من ~~غير محافظة على الواجبات الملية والشرعية # وهؤلاء الأقسام الثلاثة إذا كانوا مؤمنين مسلمين فقد شابوا الاسلام إما ~~بيهودية وإما بنصرانية وإما بصابئية إذا كان ما انحرفوا إليه مبدلا منسوخا ~~وإن كان أصله مشروعا فموسوية أو عيسوية PageV20P073 # وقال ### ||| فصل # الصدق أساس الحسنات وجماعها والكذب أساس السيئات ونظامها ويظهر ذلك من ~~وجوه # أحدها أن الانسان هو حي ناطق فالوصف المقوم له الفاصل له عن غيره من ~~الدواب هو المنطق والمنطق قسمان خبر وانشاء والخبر صحته بالصدق وفساده ~~بالكذب فالكاذب أسوأ حالا من البهيمة العجماء والكلام الخبري هو المميز ~~للانسان وهو أصل الكلام الانشائى فانه مظهر العلم والانشاء مظهر العمل ~~والعلم متقدم على العمل وموجب له فالكاذب لم يكفه أنه سلب حقيقة الانسان ~~حتى قلبها إلى ضدها ولهذا قيل لامروءة لكذوب ولا راحة لحسود ولا إخاء لملوك ~~ولا سؤدد لبخيل فان المروءة مصدر المرء كما ان الانسانية مصدر الانسان # الثانى أن الصفة المميزة بين النبى والمتنبىء هو الصدق والكذب ~~PageV20P074 فإن محمدا رسول الله الصادق الأمين ومسيلمة الكذاب قال الله ~~تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ms5909 بالحق لما جاءه أليس ~~في جهنم مثوى للكافرين @QE@ @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون @QE@ # الثالث أن الصفة الفارقة بين المؤمن والمنافق هو الصدق فان أساس النفاق ~~الذى بنى عليه الكذب وعلى كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب وفى ~~الصحيحين عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ( ثلاث من كن فيه كان منافقا ~~إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ( # الرابع أن الصدق هو أصل البر والكذب أصل الفجور كما في الصحيحين عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( عليكم بالصدق فان الصدق يهدي إلى البر وإن ~~البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله ~~صديقا وإياكم والكذب فان الكذب يهدي إلى الفجور وان الفجور يهدي إلى النار ~~ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا # الخامس ان الصادق تنزل عليه الملائكة والكاذب تنزل عليه الشياطين كما قال ~~تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ PageV20P075 # السادس أن الفارق بين الصديقين والشهداء والصالحين وبين المتشبه بهم من ~~المرائين والمسمعين والملبسين هو الصدق والكذب # السابع أنه مقرون بالاخلاص الذي هو أصل الدين في الكتاب وكلام العلماء ~~والمشايخ قال الله تعالى @QB@ واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ~~@QE@ ولهذا قال ( عدلت شهادة الزور الاشراك بالله مرتين ( وقرأ هذه الآية ~~وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الاشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا ~~فجلس فقال ( ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور ( فما زال يكررها حتى قلنا ~~ليته سكت # الثامن أنه ركن الشهادة الخاصة عند الحكام التى هي قوام الحكم والقضاء ~~والشهادة العامة في جميع الأمور والشهادة خاصة هذه الأمة التى ميزت بها في ~~قوله @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس @QE@ وركن ~~الاقرار الذي هو شهادة المرء على نفسه وركن الأحاديث والأخبار التى بها ~~يقوم الاسلام بل هي ركن النبوة والرسالة التى هي واسطة بين الله وبين خلقه ~~وركن الفتيا ms5910 التى PageV20P076 هي إخبار المفتى بحكم الله وركن المعاملات ~~التى تتضمن اخبار كل واحد من المتعاملين للآخر بما في سلعته وركن الرؤيا ~~التى قيل فيها أصدقهم رؤيا أصدقهم كلاما والتى يؤتمن فيها الرجل على ما رأى # التاسع أن الصدق والكذب هو المميز بين المؤمن والمنافق كما جاء في الأثر ~~أساس النفاق الذي بني عليه الكذب وفى الصحيحين عن أنس عن النبى أنه قال ( ~~آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ( وفى حديث آخر ~~( على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب ( ووصف الله المنافقين في ~~القرآن بالكذب في مواضع متعددة ومعلوم أن المؤمنين هم أهل الجنة وان ~~المنافقين هم أهل النار في الدرك الأسفل من النار # العاشر أن المشايخ العارفين اتفقوا على ان أساس الطريق إلى الله هو الصدق ~~والاخلاص كما جمع الله بينهما في قوله @QB@ واجتنبوا قول الزور حنفاء لله ~~غير مشركين به @QE@ ونصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة دال على ذلك في مواضع ~~كقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين @QE@ @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون @QE@ PageV20P077 ) وقال تعالى لما بين الفرق بين النبى والكاهن ~~والساحر @QB@ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون ~~من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين @QE@ إلى قوله @QB@ هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم ~~كاذبون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي ~~إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا @QE@ PageV20P078 # وقال ### ||| فصل # قد كتبت في غير موضع أن الحسنات كلها عدل والسيئات كلها ظلم وأن الله ~~إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل ليقوم ms5911 الناس بالقسط وقد ذكرت أن القسط والظلم ~~نوعان نوع في حق الله تعالى كالتوحيد فانه راس العدل والشرك رأس الظلم ونوع ~~في حق العباد إما مع حق الله كقتل النفس أو مفردا كالدين الذي ثبت برضا ~~صاحبه # ثم إن الظلم في حق العباد نوعان نوع يحصل بغير رضا صاحبه كقتل نفسه وأخذ ~~ماله وانتهاك عرضه ونوع يكون برضا صاحبه وهو ظلم كمعاملة الربا والميسر فان ~~ذلك حرام لما فيه من أكل مال غيره بالباطل وأكل المال بالباطل ظلم ولو رضي ~~به صاحبة لم يبح ولم يخرج عن أن يكون ظلما فليس كل ما طابت به نفس صاحبه ~~يخرج عن الظلم وليس كل ما كرهه باذله يكون ظلما بل القسمة رباعية ~~PageV20P079 # أحدها ما نهى عنه الشارع وكرهه المظلوم # الثاني ما نهي عنه الشارع وإن لم يكرهه المظلوم كالزنا والميسر # والثالث ما كرهه صاحبه ولكن الشارع رخص فيه فهذا ليس بظلم # والرابع ما لم يكرهه صاحبه ولا الشارع وإنما نهى الشارع عن ما يرضى به ~~صاحبه إذا كان ظلما لأن الانسان جاهل بمصلحته فقد يرضى مالا يعرف أن عليه ~~فيه ضررا ويكون عليه فيه ضرر غير مستحق ولهذا إذا إنكشف له حقيقة الحال لم ~~يرض ولهذا قال طاووس ما اجتمع رجلان على غير ذات الله إلا تفرقا عن تقال ~~فالزانى بامرأة أو غلام إن كان استكرهها فهذا ظلم وفاحشة وان كانت طاوعته ~~فهذا فاحشة وفيه ظلم أيضا للآخر لأنه بموافقته أعان الآخر على مضرة نفسه لا ~~سيما إن كان أحدهما هو الذي دعا الآخر إلى الفاحشة فانه قد سعى في ظلمه ~~واضراره بل لو أمره بالمعصية التى لا حظ له فيها لكان ظالما له ولهذا يحمل ~~من أوزار الذي يضله بغير علم فكيف إذا سعى في أن ينال غرضه منه مع إضراره ~~PageV20P080 # ولهذا يكو ن دعاء الغلام إلى الفجور به أعظم ظلما من دعاء المرأة لأن ~~المرأة لها هوى فيكون من باب المعاوضة كل منهما نال غرضه الذي هو من جنس ~~غرض ms5912 الاخر فيسقط هذا بهذا ويبقى حق الله عليهما فلهذا ليس في الزنى المحض ~~ظلم الغير إلا أن يفسد فراشا أو نسبا أو نحو ذلك # وأما المتلوط فان الغلام لا غرض له فيه إلا برغبة أو برهبة والرغبة ~~والمال من جنس الحاجات المباحة فاذا طلب منه الفجور قد يبذله له فهذا إذا ~~رضى الآن به من جنس ظلم المؤتى لحاجته إلى المال لكن هذا الظلم في نفسه ~~وحرمته فهو أشد وكذلك استئجاره على الأفعال المحرمة كالكهانة والسحر وغير ~~ذلك كلها ظلم له وإن كانت برضاه وإن كان الاخر قد ظلم الآخر أيضا بما افسد ~~عليه من دينه حيث وافقه على الذنب لكن أحد نوعي الظلم من غير جنس الآخر ~~وهذا باب ينبغى التفطن له فاكثر الذنوب مشتملة على ظلم الغير وجميعها ~~مشتملة على ظلم النفس PageV20P081 # وقال ### ||| فصل # في العدل القولى والصدق # ذكرت في مواضع شيئا من الصدق والعدل وموقعهما من الكتاب والسنة ومصالح ~~الدنيا والآخرة وذكرت أيضا في مواضع أن عامة السيئات يدخل في الظلم وأن ~~الحسنات غالبها عدل وأن القسط هو المقصود بارسال الرسل وإنزال الكتب والقسط ~~والعدل هو التسوية بين الشيئين فان كان بين متماثلين كان هو العدل الواجب ~~المحمود وإن كان بين الشيء وخلافه كان من باب قوله ( ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون ) كما قالوا ( لقد كنا في ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ) فهذا ~~العدل والتسوية والتمثيل والاشراك هو الظلم العظيم # وإذا عرف أن مادة العدل والتسوية والتمثيل والقياس والاعتبار والتشريك ~~والتشبيه والتنظير من جنس واحد فيستدل بهذه الأسماء على القياس الصحيح ~~العقلي والشرعي ويؤخذ من ذلك تعبير الرؤيا فان مداره على القياس والاعتبار ~~والمشابهة التى بين الرؤيا PageV20P082 وتأويلها ويؤخذ من ذلك ما في ~~الأسماء واللغات من الاستعارة والتشبيه إما في وضع اللفظ بحيث يصير حقيقة ~~في الاستعمال وإما في الاستعمال فقط مع القرينة اذا كانت الحقيقة أحرى فان ~~مسميات الأسماء المتشابهة متشابهة ويؤخذ من ذلك ضرب الأمثال للتصور تارة ~~وللتصديق أخرى وهي نافعة جدا وذلك أن ms5913 إدراك النفس لعين الحقائق قليل وما لم ~~يدركه فإنما يعرفه بالقياس على ما عرفته فاذا كان هذا في المعرفة ففي ~~التعريف ومخاطبة الناس أولى وأحرى # ثم التماثل والتعادل يكون بين الوجودين الخارجين وبين الوجودين العلميين ~~الذهنيين وبين الوجود الخارجي والذهني فالأول يقال هذا مثل هذا والثانى ~~يقال فيه مثل هذا كمثل هذا والثالث يقال فيه هذا كمثل هذا # فالمثل إما أن يذكر مره أو مرتين أو ثلاث مرات إذا كان التمثيل بالحقيقة ~~الخارجية كما في قوله @QB@ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا @QE@ فهذا باب ~~المثل وأما باب العدل فقد قال تعالى @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ~~قربى @QE@ ) وقال تعالى @QB@ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله @QE@ الآية ~~وقال @QB@ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط @QE@ وقال @QB@ شهادة بينكم إذا ~~حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم @QE@ @QB@ وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم @QE@ فهذا العدل والقسط في هذه المواضع هو الصدق PageV20P083 المبين ~~وضده الكذب والكتمان # وذلك أن العدل هو الذي يخبر بالأمر على ما هو عليه لا يزيد فيكون كاذبا ~~ولا ينقص فيكون كاتما والخبر مطابق للمخبر كما تطابق الصورة العلمية ~~والذهنية للحقيقة الخارجية ويطابق اللفظ للعلم ويطابق الرسم للفظ فاذا كان ~~العلم يعدل المعلوم لا يزيد ولا ينقص والقول يعدل العلم لا يزيد ولا ينقص ~~والرسم يعدل القول كان ذلك عدلا والقائم به قائم بالقسط وشاهد بالقسط ~~وصاحبه ذو عدل ومن زاد فهو كاذب ومن نقص فهو كاتم ثم قد يكون عمدا وقد يكون ~~خطأ فتدبر هذا فانه عظيم نافع جدا PageV20P084 ### || 1 ( قاعدة في أن جنس فعل المأمور أعظم من جنس ترك المنهى ) 1 # وقال الشيخ الامام العالم # شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه قاعدة # في أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهى عنه وان جنس ترك ~~المأمور به أعظم من جنس فعل المنهى عنه وان مثوبة بني آدم على أداء ~~الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات وان عقوبتهم على ترك الواجبات ~~أعظم من ms5914 عقوبتهم على فعل المحرمات # وقد ذكرت بعض ما يتعلق بهذه القاعدة فيما تقدم لما ذكرت أن العلم والقصد ~~يتعلق بالموجود بطريق الأصل ويتعلق بالمعدوم بطريق التبع # وبيان هذه القاعدة من وجوه PageV20P085 ### || الوجه الأول # ان أعظم الحسنات هو الايمان بالله ورسوله وأعظم السيئات الكفر والايمان ~~أمر وجودي فلا يكون الرجل مؤمنا ظاهرا حتى يظهر أصل الايمان وهو شهادة أن ~~لا إله الا الله وشهادة أن محمدا رسول الله ولا يكون مؤمنا باطنا حتى يقر ~~بقلبه بذلك فينتفي عنه الشك ظاهرا وباطنا مع وجود العمل الصالح والا كان ~~كمن قال الله فيه @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم @QE@ وكمن قال تعالى فيه @QB@ ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ وكمن قال فيه @QB@ إذا ~~جاءك المنافقون @QE@ الآية والكفر عدم الايمان باتفاق المسلمين سواء اعتقد ~~نقيضه وتكلم به أو لم يعتقد شيئا ولم يتكلم ولا فرق في ذلك بين مذهب أهل ~~السنة والجماعة الذين يجعلون الايمان قولا وعملا بالباطن والظاهر وقول من ~~يجعله نفس اعتقاد القلب كقول الجهمية واكثر الاشعرية أو إقرار اللسان كقول ~~الكرامية أو جميعها كقول فقهاء المرجئة وبعض الأشعرية فان هؤلاء مع أهل ~~الحديث وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية وعامة الصوفية ~~وطوائف من أهل الكلام من متكلمي السنة وغير متكلمي السنة من المعتزلة ~~والخوارج PageV20P086 وغيرهم متفقون على أن من لم يؤمن بعد قيام الحجة عليه ~~بالرسالة فهو كافر سواء كان مكذبا أو مرتابا أو معرضا أو مستكبرا أو مترددا ~~أو غير ذ لك # وإذا كان أصل الايمان الذي هو أعظم القرب والحسنات والطاعات فهو مأمور به ~~والكفر الذي هو أعظم الذنوب والسيئات والمعاصي ترك هذا المأمور به سواء ~~اقترن به فعل منهى عنه من التكذيب أو لم يقترن به شيء بل كان تركا للايمان ~~فقط علم ان جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهى عنه # واعلم أن الكفر بعضه أغلظ من بعض فالكافر المكذب أعظم جرما ms5915 من الكافر غير ~~المكذب فانه جمع بين ترك الايمان المأمور به وبين التكذيب المنهى عنه ومن ~~كفر وكذب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه أعظم جرما ممن اقتصر ~~على مجرد الكفر والتكذيب ومن كفر وقتل وزنا وسرق وصد وحارب كان اعظم جرما ~~كما أن الايمان بعضه أفضل من بعض والمؤمنون فيه متفاضلون تفاضلا عظيما وهم ~~عند الله درجات كما أن أولئك دركات فالمقتصدون في الايمان افضل من ظالمي ~~انفسهم والسابقون بالخيرات افضل من PageV20P087 المقتصدين @QB@ لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم @QE@ الآيات @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله @QE@ # وانما ذكرنا أن أصل الايمان مأمور به وأصل الكفر نقيضه وهو ترك هذا ~~الايمان المأمور به وهذا الوجه قاطع بين ### || الوجه الثاني # أن أول ذنب عصى الله به كان من أبى الجن وابى الانس أبوي الثقلين ~~المأمورين وكان ذنب أبي الجن أكبر وأسبق وهو ترك المأمور به وهو السجود ~~إباء واستكبارا وذنب أبى الانس كان ذنبا صغيرا ( فتلقى آدم من ربه كلمات ~~فتاب عليه ) وهو إنما فعل المنهى عنه وهو الأكل من الشجرة وإن كان كثير من ~~الناس المتكلمين في العلم يزعم أن هذا ليس بذنب وان آدم تأول حيث نهى عن ~~الجنس بقوله ( ولا تقربا هذه الشجرة ) فظن أنه الشخص فاخطأ أو نسى والمخطىء ~~والناسي ليسا مذنبين # وهذا القول يقوله طوائف من أهل البدع والكلام والشيعة وكثير من المعتزلة ~~وبعض الأشعرية وغيرهم ممن يوجب عصمة الأنبياء من الصغائر وهؤلاء فروا من ~~شيء ووقعوا فيما هو اعظم منه في PageV20P088 تحريف كلام الله عن مواضعه # وأما السلف قاطبة من القرون الثلاثة الذين هم خير قرون الأمة وأهل الحديث ~~والتفسير وأهل كتب قصص الأنبياء والمبتدأ وجمهور الفقهاء والصوفية وكثير من ~~أهل الكلام كجمهور الاشعرية وغيرهم وعموم المؤمنين فعلى ما دل عليه الكتاب ~~والسنة مثل قوله تعالى @QB@ وعصى آدم ربه فغوى @QE@ وقوله @QB@ ربنا ظلمنا ms5916 ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ بعد أن قال لهما ~~@QB@ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ~~@QE@ مع أنه عوقب باخراجه من الجنة # وهذه نصوص لا ترد إلا بنوع من تحريف الكلم عن مواضعه والمخطىء والناسي ~~إذا كانا مكلفين في تلك الشريعة فلا فرق وإن لم يكونا مكلفين امتنعت ~~العقوبة ووصف العصيان والاخبار بظلم النفس وطلب المغفرة والرحمة وقوله ~~تعالى @QB@ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ~~@QE@ وإنما ابتلى الله الأنبياء بالذنوب رفعا لدرجاتهم بالتوبة وتبليغا لهم ~~إلى محبته وفرحه بهم فان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ويفرح بتوبة ~~التائب اشد فرح فالمقصود كمال الغاية لا نقص البداية فان العبد تكون له ~~الدرجة لا ينالها إلا بما قدره الله له من العمل أو البلاء PageV20P089 # وليس المقصود هنا هذه المسألة وانما الغرض أن ينظر تفاوت ما بين الذنبين ~~اللذين احدهما ترك المأمور به فانه كبير وكفر ولم يتب منه والآخر صغير تيب ~~منه ### || الوجه الثالث # انه قد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة أنهم ~~لا يكفرون احدا من أهل القبلة بذنب ولا يخرجونه من الاسلام بعمل إذا كان ~~فعلا منهيا عنه مثل الزنى والسرقة وشرب الخمر ما لم يتضمن ترك الايمان واما ~~إن تضمن ترك ما أمر الله بالايمان به مثل الايمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله والبعث بعد الموت فانه يكفر به وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات ~~الظاهرة المتواترة وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة # فان قلت فالذنوب تنقسم إلى ترك مأمور به وفعل منهى عنه # قلت لكن المأمور به إذا تركه العبد فاما ان يكون مؤمنا بوجوبه أولا يكون ~~فان كان مؤمنا بوجوبه تاركا لادائه فلم يترك الواجب كله بل ادى بعضه وهو ~~الايمان به وترك بعضه وهو العمل PageV20P090 به وكذلك المحرم إذا فعله فاما ~~أن يكون مؤمنا بتحريمه ms5917 أولا يكون فان كان مؤمنا بتحريمه فاعلا له فقد جمع ~~بين اداء واجب وفعل محرم فصار له حسنة وسيئة والكلام إنما هو فيما لا يعذر ~~بترك الايمان بوجوبه وتحريمه من الامور المتواترة واما من لم يعتقد ذلك ~~فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل يعذر به فالكلام في تركه هذا الإعتقاد ~~كالكلام فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل يعذر به # واما كون ترك الايمان بهذه الشرائع كفرا وفعل المحرم المجرد ليس كفرا ~~فهذا مقرر في موضعه وقد دل على ذلك كتاب الله في قوله @QB@ فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين @QE@ اذ الاقرار بها مراد ~~بالاتفاق وفى ترك الفعل نزاع وكذلك قوله @QB@ ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين @QE@ فان عدم الايمان ~~بوجوبه وتركه كفر والايمان بوجوبه وفعله يجب أن يكون مرادا من هذا النص كما ~~قال من قال من السلف هو من لا يرى حجه برا ولا تركه اثما وأما الترك المجرد ~~ففيه نزاع # وأيضا حديث ابى بردة بن نيار لما بعثه النبى إلى من تزوج امرأة أبيه ~~فامرة ان يضرب عنقه ويخمس ماله فإن PageV20P091 تخميس المال دل على أنه كان ~~كافرا لا فاسقا وكفره بأنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله # وكذلك الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما لما شرب الخمر قدامة بن عبد الله ~~وكان بدريا وتأول انها تباح للمؤمنين المصلحين وانه منهم بقوله @QB@ ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ~~وعملوا الصالحات @QE@ الآية فاتفق الصحابة على أنه إن أصر قتل وان تاب جلد ~~فتاب فجلد # واما الذنوب ففي القرآن قطع السارق وجلد الزاني ولم يحكم بكفرهم وكذلك ~~فيه اقتتال الطائفتين مع بغي احداهما على الأخرى والشهادة لهما بالايمان ~~والاخوة وكذلك فيه قاتل النفس الذي يجب عليه القصاص جعله أخا وقد قال الله ~~فيه @QB@ فمن عفي له من أخيه شيء @QE@ فسماه اخا وهو قاتل # وقد ثبت في الصحيحين حديث ابى ms5918 ذر لما قال له النبى صلى الله عليه وسلم عن ~~جبريل ( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وان زنا وان سرق وان شرب الخمر ~~على رغم انف أبي ذر ( وثبت في الصحاح حديث ابى سعيد وغيره في الشفاعة في ~~أهل الكبائر وقوله ( اخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال برة من ايمان ~~مثقال حبة من PageV20P092 ايمان مثقال ذرة من إيمان ( فهذه النصوص كما دلت ~~على أن ذا الكبيرة لا يكفر مع الايمان وانه يخرج من النار بالشفاعة خلافا ~~للمبتدعة من الخوارج في الاولى ولهم وللمعتزلة في الثانية نزاع فقد دلت على ~~أن الايمان الذي خرجوا به من النار هو حسنة مأمور بها وأنه لا يقاومها شيء ~~من الذنوب وهذا هو ### || الوجه الرابع # وهو ان الحسنات التى هي فعل المأمور به تذهب بعقوبة الذنوب والسيئات التى ~~هي فعل المنهى عنه فان فاعل المنهى يذهب اثمه بالتوبة وهي حسنة مأمور بها ~~وبالأعمال الصالحة المقاومة وهي حسنات مأمور بها وبدعاء النبى صلى الله ~~عليه وسلم وشفاعته ودعاء المؤمنين وشفاعتهم وبالأعمال الصالحة التى تهدى ~~إليه وكل ذلك من الحسنات المأمور بها فما من سيئة هي فعل منهى عنه إلا لها ~~حسنة تذهبها هي فعل مأمور به حتى الكفر سواء كان وجوديا أو عدميا فإن حسنه ~~الايمان تذهبه كما قال تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف @QE@ وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( الاسلام يجب ما كان قبله ( وفى ~~رواية ( يهدم ما كان قبله ( رواه مسلم # وأما الحسنات فلا تذهب ثوابها السيئات مطلقا فان حسنة الايمان ~~PageV20P093 لا تذهب إلا بنقيضها وهو الكفر لأن الكفر ينافى الايمان فلا ~~يصير الكافر مؤمنا فلو زال الايمان زال ثوابه لا لوجود سيئة ولهذا كان كل ~~سيئة لا تذهب بعمل لا يزول ثوابه وهذا متفق عليه بين المسلمين حتى المبتدعة ~~من الخوارج والمعتزلة فان الخوارج يرون الكبيرة موجبة للكفر المنافى ~~للإيمان والمعتزلة يرونهامخرجة له من الايمان وإن لم يدخل بها في الكفر ~~واهل ms5919 السنة والجماعة يرون أصل إيمانه باقيا فقد اتفقت الطوائف على انه مع ~~وجود إيمانه لا يزول ثوابه بشيء من السيئات والكفر وان كانوا متفقين على ان ~~مع وجوده لا يزول عقابه بشيء من الحسنات فذلك لأن الكفر يكفى فيه عدم ~~الايمان ولا يجب أن يكون امرا موجودا كما تقدم فعقوبة الكفر هي ترك الايمان ~~وان انضم إليها عقوبات على ما فعله من الكفر الوجودى أيضا # وكذلك قد روى في بعض ثواب الطاعات المأمور بها ما يدفع ويرفع عقوبة ~~المعاصي المنهى عنها فاذا كان جنس ثواب الحسنات المأمور بها يدفع عقوبة كل ~~معصية وليس جنس عقوبات السيئات المنهى عنها يدفع ثواب كل حسنة ثبت رجحان ~~الحسنات المأمور بها على ترك السيئات المنهى عنها وفي هذا المعنى ما ورد في ~~فضل لا اله الا الله وانها تطفىء نا ر السيئات مثل حديث البطاقة وغيره ~~PageV20P094 ### || الوجة الخامس # أن تارك المأمور به عليه قضاؤه وان تركه لعذر مثل ترك الصوم لمرض أولسفر ~~ومثل النوم عن الصلاة أو نسيانها ومثل من ترك شيئا من نسكه الواجب فعليه دم ~~أو عليه فعل ما ترك ان امكن وأما فاعل المنهى عنه إذا كان نائما أو ناسيا ~~أو مخطئا فهو معفو عنه ليس عليه جبران الا اذا اقترن به اتلاف كقتل النفس ~~والمال والكفارة فيه هل وجبت جبرا أو زجرا أو محوا فيه نزاع بين الفقهاء ~~فحاصله ان تارك المأمور به وان عذر في الترك لخطأ أو نسيان فلابد له من ~~الاتيان بالمثل أو بالجبران من غير الجنس بخلاف فاعل المنهى عنه فإنه تكفى ~~فيه التوبة الا في مواضع لمعنى آخر فعلم ان اقتضاء الشارع لفعل المأمور به ~~اعظم من اقتضائه لترك المنهى عنه ### || الوجه السادس # ان مباني الاسلام الخمس المأمور بها وان كان ضرر تركها لا يتعدى صاحبها ~~فانه يقتل بتركها في الجملة عند جماهير العلماء ويكفر أيضا PageV20P095 عند ~~كثير منهم أو اكثر السلف واما فعل المنهى عنه الذى لا يتعدى ضرره صاحبه ~~فانه لا يقتل به ms5920 عند أحد من الأئمة ولا يكفر به إلا اذا ناقض الايمان لفوات ~~الايمان وكونه مرتدا أو زنديقا # وذلك ان من الأئمة من يقتله ويكفره بترك كل واحدة من الخمس لأن الاسلام ~~بنى عليها وهو قول طائفة من السلف ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه # ومنهم من لا يقتله ولا يكفره الا بترك الصلاة والزكاة وهي رواية اخرى عن ~~أحمد كما دل عليه ظاهر القرآن في براءة وحديث بن عمر وغيره ولأنهما منتظمان ~~لحق الحق وحق الخلق كانتظام الشهادتين للربوبية والرسالة ولابدل لهما من ~~غير جنسهما بخلاف الصيام والحج # ومنهم من يقتله بهما ويكفره بالصلاة وبالزكاة اذا قاتل الامام عليها ~~كرواية عن أحمد # ومنهم من يقتله بهما ولا يكفره إلا بالصلاة كرواية عن أحمد # ومنهم من يقتله بهما ولا يكفره كرواية عن أحمد ومنهم من PageV20P096 لا ~~يقتله الا بالصلاة ولا يكفره كالمشهور من مذهب الشافعي لا مكان الاستيفاء ~~منه # وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة ~~والتابعين # ومورد النزاع هو فيمن اقر بوجوبها والتزم فعلها ولم يفعلها واما من لم ~~يقر بوجوبها فهو كافر باتفاقهم وليس الأمر كما يفهم من اطلاق بعض الفقهاء ~~من اصحاب أحمد وغيرهم أنه إن جحد وجوبها كفر وان لم يجحد وجوبها فهو مورد ~~النزاع بل هنا ثلاثة اقسام # أحدها إن جحد وجوبها فهو كافر بالاتفاق # والثانى ان لا يجحد وجوبها لكنه ممتنع من التزام فعلها كبرا أو حسدا أو ~~بغضا لله ورسوله فيقول اعلم أن الله اوجبها على المسلمين والرسول صادق في ~~تبليغ القرآن ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارا أو حسدا للرسول أو ~~عصبية لدينه أو بغضا لما جاء به الرسول فهذا أيضا كافر بالاتفاق فان إبليس ~~لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدا للايجاب فان الله تعالى باشره ~~بالخطاب وانما أبى واستكبر وكان من الكافرين وكذلك أبو طالب كان ~~PageV20P097 مصدقا للرسول فيما بلغه لكنه ترك اتباعه حمية لدينه وخوفا من ~~عار الانقياد واستكبارا عن ان تعلو أسته رأسه فهذا ms5921 ينبغي ان يتفطن له # ومن اطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها فيكون الجحد عنده ~~متناولا للتكذيب بالايجاب ومتناولا للامتناع عن الاقرار والالتزام كما قال ~~تعالى @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون @QE@ ) وقال ~~تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين @QE@ والا فمتى لم يقر ويلتزم فعلها قتل وكفر بالاتفاق # والثالث أن يكون مقرى ملتزما لكن تركها كسلا وتهاونا أو اشتغالا بأغراض ~~له عنها فهذا مورد النزاع كمن عليه دين وهو مقر بوجوبه ملتزم لأدائه لكنه ~~يمطل بخلا أو تهاونا # وهنا قسم رابع وهو ان يتركها ولا يقر بوجوبها ولا يجحد وجوبها لكنه مقر ~~بالاسلام من حيث الجملة فهل هذا من موارد النزاع أو من موارد الاجماع ولعل ~~كلام كثير من السلف متناول لهذا وهو المعرض عنها لا مقرى ولا منكرا وإنما ~~هو متكلم بالإسلام فهذا فيه نظر فان قلنا يكفر بالاتفاق فيكون اعتقاد وجوب ~~هذه الواجبات على التعيين من الايمان لا يكفي فيها الإعتقاد العام كما في ~~PageV20P098 الخبريات من احوال الجنة والنار والفرق بينهما أن الأفعال ~~المأمور بها المطلوب فيها الفعل لا يكفي فيها الإعتقاد العام بل لا بد من ~~اعتقاد خاص بخلاف الأمور الخبرية فان الايمان المجمل بما جاء به الرسول من ~~صفات الرب وأمر المعاد يكفي فيه ما لم ينقض الجملة بالتفصيل ولهذا اكتفوا ~~في هذه العقائد بالجمل وكرهوا فيها التفصيل المفضى إلى القتال والفتنة ~~بخلاف الشرائع المأمور بها فانه لا يكتفى فيها بالجمل بل لا بد من تفصيلها ~~علما وعملا # وأما القاتل والزانى والمحارب فهؤلاء انما يقتلون لعدوانهم على الخلق لما ~~في ذلك من الفساد المتعدي ومن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه حد الله ولا ~~يكفر أحد منهم # وأيضا فالمرتد يقتل لكفره بعد ايمانه وان لم يكن محاربا # فثبت ان الكفر والقتل لترك المأمور به اعظم منه لفعل المنهى عنه # وهذا الوجه قوى على مذهب الثلاثة مالك والشافعى وأحمد وجمهور السلف ~~ودلائله من الكتاب والسنة متنوعة ms5922 وأما على مذهب أبى حنيفة فقد يعارض بما قد ~~يقال انه لا يوجب قتل PageV20P099 احد على ترك واجب اصلا حتى الايمان فانه ~~لا يقتل الا المحارب لوجود الحراب منه وهو فعل المنهي عنه ويسوى بين الكفر ~~الأصلي والطارئ فلا يقتل المرتد لعدم الحراب منه ولا يقتل من ترك الصلاة أو ~~الزكاة الا اذا كان في طائفة ممتنعة فيقاتلهم لوجود الحراب كما يقاتل ~~البغاة واما المنهى عنه فيقتل القاتل والزانى المحصن والمحارب اذا قتل ~~فيكون الجواب من ثلاثة أوجه # أحدها ان الاعتبار عند النزاع بالرد إلى الله والى الرسول والكتاب والسنة ~~دال على ما ذكرناه من ان المرتد يقتل بالاتفاق وان لم يكن من أهل القتال ~~إذا كان أعمى أو زمنا أو راهبا والأسير يجوز قتله بعد أسره وان كان حرابه ~~قد انقضى # الثانى ان ما وجب فيه القتل انما وجب على سبيل القصاص الذى يعتبر فيه ~~المماثلة فان النفس بالنفس كما تجب المقاصة في الأموال فجزاء سيئة سيئة ~~مثلها في النفوس والأموال والأعراض والأبشار لكن ان لم يضر الا المقتول كان ~~قتله صائرا إلى أولياء المقتول لأن الحق لهم كحق المظلوم في المال وان قتله ~~لأخذ المال كان قتله واجبا لأجل المصلحة العامة التى هي حد الله كما يجب ~~قطع يد السارق لأجل حفظ الأموال ورد المال المسروق حق لصاحبه ان شاء اخذه ~~وان شاء تركه فخرجت هذه الصور عن PageV20P100 النقض لم يبق ما يوجب القتل ~~عنده بلا مماثلة الا الزنى وهو من نوع العدوان أيضا ووقوع القتل به نادر ~~لخفائه وصعوبة الحجة عليه # الثالث ان العقوبة في الدنيا لا تدل على كبر الذنب وصغره فان الدنيا ليست ~~دار الجزاء وانما دار الجزاء هي الآخرة ولكن شرع من العقوبات في الدنيا ما ~~يمنع الفساد والعدوان كما قال تعالى @QB@ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا @QE@ وقالت الملائكة @QB@ أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء @QE@ فهذان السببان اللذان ذكرتهما الملائكة هما اللذان ~~كتب الله على ms5923 بني اسرائيل القتل بهما ولهذا يقر كفار أهل الذمة بالجزية مع ~~أن ذنبهم في ترك الايمان أعظم باتفاق المسلمين من ذنب من نقتله من زان ~~وقاتل # فأبو حنيفة رأى أن الكفر مطلقا إنما يقاتل صاحبه لمحاربته فمن لا حراب ~~فيه لا يقاتل ولهذا يأخذ الجزية من غير أهل الكتاب العرب وإن كانوا وثنيين # وقد وافقه على ذلك مالك وأحمد في أحد قوليه ومع هذا يجوز القتل تعزيرا ~~وسياسة في مواضع PageV20P101 # وأما الشافعي فعنده نفس الكفر هو المبيح للدم الا أن النساء والصبيان ~~تركوا لكونهم مالا للمسلمين فيقتل المرتد لوجو د الكفر وامتناع سببها عنده ~~من الكفر بلا منفعة # وأما أحمد فالمبيح عنده انواع أما الكافر الأصلي فالمبيح عنده هو وجود ~~الضرر منه أو عدم النفع فيه أما الأول فالمحاربة بيد أو لسان فلا يقتل من ~~لا محاربة فيه بحال من النساء والصبيان والرهبان والعميان والزمنى ونحوهم ~~كما هو مذهب الجمهور وأما المرتد فالمبيح عنده هو الكفر بعد الايمان وهو ~~نوع خاص من الكفر فانه لو لم يقتل ذلك لكان الداخل في الدين يخرج منه فقتله ~~حفظ لأهل الدين وللدين فان ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه بخلاف ~~من لم يدخل فيه فانه ان كان كتابيا أو مشبها له فقد وجد احدى غايتى القتال ~~في حقه وإن كان وثنيا فان اخذت منه الجزية فهو كذلك وإن لم تؤخذ منه ففي ~~جواز استرقاقه نزاع فمتى جاز استرقاقه كان ذلك كأخذ الجزية منه ومتى لم ~~يمكن استرقاقه ولا أخذ الجزية منه بقى كافرا لا منفعة في حياته لنفسه لأنه ~~يزداد إثما ولا للمؤمنين فيكون قتله خيرا من إبقائه # وأما تارك الصلاة والزكاة فاذا قتل كان عنده من قسم المرتدين لأنه ~~بالاسلام ملتزم لهذه الأفعال فاذا لم يفعلها فقد ترك ما التزمه PageV20P102 ~~أو لأنها عنده من الغاية التى يمتد القتال اليها كالشهادتين فانه لو تكلم ~~باحداهما وترك الأخرى لقتل لكن قد يفرق بينهما وأما اذا لم ويفرق في المرتد ~~بين الردة المجردة ms5924 فيقتل الا أن يتوب وبين الردة المغلظة فيقتل بلا استتابة # فهذه مآخذ فقهية نبهنا بها على بعض أسباب القتل وقد تبين أنهم لا ~~يتنازعون ان ترك المأمور به في الآخرة أعظم وأما في الدنيا فقد ذكرنا ما ~~تقدم ### || الوجه السابع # أن أهل البدع شر من أهل المعاصى الشهوانية بالسنة والاجماع فان النبى صلى ~~الله عليه وسلم أمر بقتال الخوارج ونهى عن قتال أئمة الظلم وقال في الذي ~~يشرب الخمر ( لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله ( وقال في ذى الخويصرة ( يخرج ~~من ضئضىء هذا أقوام يقرأون القرأن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين وفي ~~رواية من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية يحقر أحدكم صلاته مع ~~PageV20P103 صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم اينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم فان في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ( # وقد قررت هذه القاعدة بالدلائل الكثيرة مما تقدم من القواعد ثم ان أهل ~~المعاصي ذنوبهم فعل بعض ما نهوا عنه من سرقة أو زنا أو شرب خمر أو أكل مال ~~بالباطل # وأهل البدع ذنوبهم ترك ما امروا به من اتباع السنة وجماعة المؤمنين فان ~~الخوارج أصل بدعتهم انهم لا يرون طاعة الرسول واتباعه فيما خالف ظاهر ~~القرآن عندهم وهذا ترك واجب وكذلك الرافضة لا يرون عدالة الصحابة ومحبتهم ~~والاستغفار لهم وهذا ترك واجب وكذلك القدرية لا يؤمنون بعلم الله تعالى ~~القديم ومشيئته الشاملة وقدرته الكاملة وهذا ترك واجب وكذلك الجبرية لا ~~تثبت قدرة العبد ومشيئته وقد يدفعون الأمر بالقدر وهذا ترك واجب وكذلك ~~مقتصدة المرجئة مع ان بدعتهم من بدع الفقهاء ليس فيها كفر بلا خلاف عند أحد ~~من الأئمة ومن ادخلهم من أصحابنا في البدع التى حكى فيها التكفير ونصره فقد ~~غلط في ذلك وإنما كان لأنهم لا يرون إدخال الأعمال أو الأقوال في الايمان ~~وهذا ترك واجب وأما غالية المرجئة الذين يكفرون بالعقاب ويزعمون ان النصوص ~~خوفت بما لا حقيقة له فهذا القول عظيم وهو ترك واجب PageV20P104 وكذلك ~~الوعيدية لا يرون اعتقاد خروج ms5925 أهل الكبائر من النار ولا قبول الشفاعة فيهم ~~وهذا ترك واجب فان قيل قد يضمون إلى ذلك اعتقادا محرما من تكفير وتفسيق ~~وتخليد قيل هم في ذلك مع أهل السنة بمنزلة الكفار مع المؤمنين فنفس ترك ~~الايمان بما دل عليه الكتاب والسنة والاجماع ضلالة وان لم يكن معه اعتقاد ~~وجودي فاذا انضم إليه اجتمع الأمران ولو كان معهم أصل من السنة لما وقعوا ~~في البدعة ### || الوجه الثامن # ان ضلال بنى آدم وخطأهم في أصول دينهم وفروعه اذا تأملته تجد اكثره من ~~عدم التصديق بالحق لا من التصديق بالباطل فما من مسألة تنازع الناس فيها في ~~الغالب الا وتجد ما اثبته الفريقان صحيحا وانما تجد الضلال وقع من جهة ~~النفي والتكذيب مثال ذلك ان الكفار لم يضلوا من جهة ما أثبتوه من وجود الحق ~~وانما أتوا من جهة ما نفوه من كتابه وسنة رسوله وغير ذلك وحينئذ وقعوا في ~~الشرك وكل أمة مشركة أصل شركها عدم كتاب منزل من السماء وكل أمة مخلصة أصل ~~اخلاصها كتاب منزل من السماء فان بنى آدم PageV20P105 محتاجون إلى شرع يكمل ~~فطرهم فافتتح الله الجنس بنبوة آدم كما قال تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء ~~كلها @QE@ وهلم جرا # فمن خرج عن النبوات وقع في الشرك وغيره وهذا عام في كل كافر غير كتابى ~~فانه مشرك وشركه لعدم إيمانه بالرسل الذين قال الله فيهم @QB@ ولقد بعثنا ~~في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ # ولم يكن الشرك أصلا في الآدميين بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على ~~التوحيد لله لاتباعهم النبوة قال تعالى @QB@ وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~فاختلفوا @QE@ قال بن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام ~~فبتركهم اتباع شريعة الانبياء وقعوا في الشرك لا بوقوعهم في الشرك خرجوا عن ~~شريعة الاسلام فان آدم أمرهم بما أمره الله به حيث قال له @QB@ فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا أولئك ms5926 أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ وقال في الآية ~~الأخرى @QB@ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ PageV20P106 فهذا الكلام ~~الذي خاطب الله به آدم وغيره لما اهبطهم قد تضمن أنه اوجب عليهم اتباع هداه ~~المنزل وهو الوحي الوارد على أنبيائه وتضمن ان من اعرض عنه وان لم يكذب به ~~فانه يكون يوم القيامة في العذاب المهين وان معيشتة تكون ضنكا في هذه ~~الحياة وفي البرزخ والآخرة وهي المضنوكة النكدة المحشوة بأنواع الهموم ~~والغموم والاحزان كما أن الحياة الطيبة هي لمن آمن وعمل صالحا # فمن تمسك به فانه لا يشرك بربه فان الرسل جميعهم أمروا بالتوحيد وأمروا ~~به قال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحي إليه إنه لا إله الا ~~أنا فاعبدون ) فبين انه لا بد ان يوحي بالتوحيد إلى كل رسول وقال تعالى ( ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) فبين ~~انه لم يشرع الشرك قط فهذان النصان قد دلا على أنه امر بالتوحيد لكل رسول ~~ولم يأمر بالاشراك قط وقد أمر آدم وبنية من حين اهبط باتباع هداه الذي ~~يوحيه إلى الأنبياء فثبت ان علة الشرك كان من ترك اتباع الانبياء والمرسلين ~~فيما امروا به من التوحيد والدين لا أن الشرك كان علة للكفر بالرسل فان ~~الاشراك والكفر بالرسل متلازمان في الواقع فهذا في الكفار بالنبوات ~~المشركين # وأما أهل الكتاب فان اليهود لم يؤتوا من جهة ما أقروا به PageV20P107 من ~~نبوة موسى والايمان بالتوراة بل هم في ذلك مهتدون وهو رأس هداهم وإنما أتوا ~~من جهة ما لم يقروا به من رسالة المسيح ومحمد كما قال تعالى فيهم @QB@ ~~فباؤوا بغضب على غضب @QE@ غضب بكفرهم بالمسيح وغضب بكفرهم بمحمد وهذا من ~~باب ترك المأمور به # وكذلك النصارى لم يؤتوا من جهة ماأقروا به من ms5927 الايمان بانبياء بنى ~~اسرائيل والمسيح وانما أتوا من جهة كفرهم بمحمد واما ما وقعوا فيه من ~~التثليث والاتحاد الذي كفروا فيه بالتوحيد والرسالة فهو من جهة عدم اتباعهم ~~لنصوص التوراة والانجيل المحكمة التى تأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ~~وتبين عبودية المسيح وأنه عبد لله كما أخبر الله عنه بقوله @QB@ ما قلت لهم ~~إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد @QE@ فلما تركوا ~~اتباع هذه النصوص ايمانا وعملا وعندهم رغبة في العبادة والتأله ابتدعوا ~~الرهبانية وغلوا في المسيح هوى من عند أنفسهم وتمسكوا بمتشابه من الكلمات ~~لظن ظنوه فيها وهوى اتبعوه خرج بهم عن الحق فهم ( @QB@ إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ ولهذا كان سيماهم الضلال ~~كما قال تعالى PageV20P108 @QB@ ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ والضال ضد المهتدي وهو العادل عن ~~طريق الحق بلا علم وعدم العلم المأمور به والهدى بالمأمور ترك واجب فاصل ~~كفرهم ترك الواجب وحينئذ تفرقوا في التثليث والاتحاد ووقعت بينهم العداوة ~~والبغضاء وصاروا ملكية ويعقوبية ونسطورية وغيرهم وهذا المعنى قد بينه ~~القرآن مع أن هذا يصلح أن يكون دليلا مستقلا لما فيه من بيان أن ترك الواجب ~~سبب لفعل المحرم قال تعالى @QB@ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ~~فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ~~@QE@ فهذا نص في أنهم تركوا بعض ما أمروا به فكان تركه سببا لوقوع العداوة ~~والبغضاء المحرمين وكان هذا دليلا على أن ترك الواجب يكون سببا لفعل المحرم ~~كالعداوة والبغضاء والسبب أقوى من المسبب # وكذلك قال في اليهود @QB@ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ~~يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به @QE@ فنقض الميثاق ترك ما ~~أمروا به فان الميثاق يتضمن واجبات وهي قوله @QB@ ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرائيل وبعثنا ms5928 منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل ~~سواء السبيل فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية @QE@ ~~PageV20P109 ) الآيات # فقد أخبر تعالى انه بترك ما أوجبه عليهم من الميثاق وان كان واجبا بالأمر ~~حصلت لهم هذه العقوبات التى منها فعل هذه المحرمات من قسوة القلوب وتحريف ~~الكلم عن مواضعه وانهم نسوا حظا مما ذكروا به وأخبر في اثناء السورة انه ~~ألقى بينهم العداوة والبغضاء في قوله @QB@ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ~~أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء @QE@ الآية وقد ~~قال المفسرون من السلف مثل قتادة وغيره في فرق النصارى ما اشرنا إليه # وهكذا اذا تأملت أهل الضلال والخطأ من هذه الأمة تجد الأصل ترك الحسنات ~~لا فعل السيئات وانهم فيما يثبتونه أصل امرهم صحيح وانما اتوا من جهة ما ~~نفوه والاثبات فعل حسنة والنفي ترك سيئة فعلم ان ترك الحسنات اضر من فعل ~~السيئات وهو أصله # مثال ذلك أن الوعيدية من الخوارج وغيرهم فيما يعظمونه PageV20P110 من أمر ~~المعاصي والنهي عنها واتباع القرآن وتعظيمه أحسنوا لكن إنما أتوا من جهة ~~عدم اتباعهم للسنة وايمانهم بما دلت عليه من الرحمة للمؤمن وان كان ذا ~~كبيرة # وكذلك المرجئة فيما اثبتوه من ايمان أهل الذنوب والرحمة لهم احسنوا لكن ~~إنما أصل اساءتهم من جهة ما نفوه من دخول الأعمال في الايمان وعقوبات أهل ~~الكبائر # فالأولون بالغوا في النهي عن المنكر وقصروا في الأمر بالمعروف وهؤلاء ~~قصروا في النهي عن المنكر وفى الأمر بكثير من المعروف # وكذلك القدرية هم في تعظيم المعاصي وذم فاعلها وتنزيه الله تعالى عن ~~الظلم وفعل القبيح محسنون وانما أساءوا في نفيهم مشيئة الله الشاملة وقدرته ~~الكاملة وعلمه القديم ايضا # وكذلك الجهمية فان أصل ضلالهم انما هو التعطيل وجحد ما جاءت به الرسل عن ~~الله عز وجل من أسمائه ms5929 وصفاته # والأمر فيهم ظاهر جدا ولهذا قلنا غير مرة ان الرسل جاؤوا بالاثبات المفصل ~~والنفى المجمل والكفار من المتفلسفة الصابئين والمشركين PageV20P111 جاؤوا ~~بالنفي المفصل والاثبات المجمل والاثبات فعل حسنات مأمور بها ايجابا ~~واستحبابا والنفي ترك سيئات أو حسنات مأمور بها فعلم ان ضلالهم من باب ترك ~~الواجب وترك الاثبات # وبالجملة فالأمور نوعان اخبار وانشاء # فالاخبار ينقسم إلى اثبات ونفي ايجاب وسلب كما يقال في تقسيم القضايا إلى ~~إيجاب وسلب # والانشاء فيه الأمر والنهي # فاصل الهدى ودين الحق هو اثبات الحق الموجود وفعل الحق المقصود وترك ~~المحرم ونفي الباطل تبع واصل الضلال ودين الباطل التكذيب بالحق الموجود ~~وترك الحق المقصود ثم فعل المحرم واثبات الباطل تبع لذلك فتدبر هذا فانه ~~امر عظيم تنفتح لك به أبواب من الهدى ### || الوجه التاسع # ان الكلمات الجوامع التى في القرآن تتضمن امتثال المأمور به والوعيد على ~~المعصية بتركه مثل قوله تعالى لنبيه @QB@ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا ~~تطغوا @QE@ PageV20P112 ) وقال @QB@ فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع ~~أهواءهم @QE@ وقال @QB@ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من ~~المشركين @QE@ وقال @QB@ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت ~~لأن أكون أول المسلمين @QE@ وقال @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ @QB@ إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم @QE@ وقال @QB@ واتبع ما يوحى إليك واصبر ~~حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين @QE@ وقال @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ إلى أمثال هذه النصوص ~~التى يوصى فيها باتباع ما أمر ويبين أن الاستقامة في ذلك وانه لم يأمر الا ~~بذلك وأنه ان ترك ذلك كان عليه العذاب ونحو ذلك مما يبين ان اتباع الامر ~~أصل عام وان اجتناب المنهى عنه فرع خاص ### || الوجه العاشر # ان عامة ما ذم الله به المشركين في القرآن من الدين المنهي عنه انما هو ~~الشرك والتحريم وكذلك حكى ms5930 عنهم في قوله @QB@ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ~~ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء @QE@ ~~PageV20P113 ) ومثل ذلك في النحل وفى الزخرف @QB@ وقالوا لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم @QE@ وقال ( @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ~~الله @QE@ وقال @QB@ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون @QE@ وقال @QB@ ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام @QE@ وقال @QB@ قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق @QE@ # وأما من ترك المأمور به فقد ذمهم الله كما ذمهم على ترك الايمان به ~~وبأسمائه وآياته وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وترك ~~الصلاة والزكاة والجهاد وغير ذلك من الاعمال والشرك قد تقدم أن أصله ترك ~~المأمور به من عبادة الله واتباع رسله وتحريم الحلال فيه ترك ما أمروا به ~~من الاستعانة به على عبادته # ولما كان أصل المنهى عنه الذي فعلوه الشرك والتحريم روى في الحديث ( بعثت ~~بالحنيفية السمحة ( فالحنيفية ضد الشرك والسماحة ضد الحجر والتضييق وفي ~~صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه ~~( انى خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت ~~لهم وامرتهم ان يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا PageV20P114 # وظهر اثر هذين الذنبين في المنحرفة من العلماء والعباد والملوك والعامة ~~بتحريم ما أحله الله تعالى والتدين بنوع شرك لم يشرعه الله تعالى والأول ~~يكثر في المتفقهة والمتورعة والثانى يكثر في المتصوفة والمتفقرة فتبين بذلك ~~أن ما ذمه الله تعالى وعاقب عليه من ترك الواجبات اكثر مما ذمه الله وعاقب ~~عليه من فعل المحرمات ### || الوجه الحادى عشر # أن الله تعالى خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون @QE@ وذلك هو أصل ما أمرهم به على السن الرسل كما قال ~~نوح وهود وصالح وابراهيم وشعيب ms5931 @QB@ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ ~~وقال @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه @QE@ إلى قوله @QB@ ~~إلها واحدا ونحن له مسلمون @QE@ وقال لموسى @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا فاعبدني @QE@ وقال المسيح @QB@ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا ~~الله ربي وربكم @QE@ # والاسلام هو الاستسلام لله وحده وهو أصل عبادته وحده وذلك يجمع معرفته ~~ومحبته والخضوع له وهذا المعنى الذي PageV20P115 خلق الله له الخلق هو أمر ~~وجودي من باب المأمور به ثم الأمر بعد ذلك بما هو كمال ما خلق له واما ~~المنهى عنه فاما مانع من أصل ما خلق له واما من كمال ما خلق له نهوا عن ~~الاشراك لأنه مانع من الاصل وهو ظلم في الربوبية كما قال تعالى @QB@ إن ~~الشرك لظلم عظيم @QE@ ومنعوا عن ظلم بعضهم بعضا في النفوس والاموال ~~والابضاع والاعراض لأنه مانع من كمال ما خلق له # فظهر ان فعل المأمور به أصل وهو المقصود وان ترك المنهى عنه فرع وهو ~~التابع وقال تعالى ( # ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # ) لان الشرك منع الاصل فلم يك في النفس استعداد للفلاح في الاخرة بخلاف ~~ما دونه فان مع المغفور له أصل الايمان الذي هو سبب السعادة ### || الوجه الثاني عشر # ان مقصود النهي ترك المنهى عنه والمقصود منه عدم المنهى عنه والعدم لا ~~خير فيه الا إذا تضمن حفظ موجود والا فلا خير في لا شيء وهذا معلوم بالعقل ~~والحس لكن من الاشياء ما يكون وجوده مضرا بغيره فيطلب عدمه لصلاح الغير كما ~~يطلب عدم القتل لبقاء النفس PageV20P116 وعدم الزنى لصلاح النسل وعدم الردة ~~لصلاح الايمان فكل ما نهى عنه انما طلب عدمه لصلاح أمر موجود # وأما المأمور به فهو أمر موجود والموجود يكون خيرا ونافعا ومطلوبا لنفسه ~~بل لا بد في كل موجود من منفعة ما أو خير ما فلا يكون الموجود شرا محضا فان ~~الموجود خلقه الله تعالى والله لم يخلق شيئا ms5932 إلا لحكمه وتلك الحكمة وجه خير ~~بخلاف المعدوم فانه لا شيء ولهذا قال سبحانه @QB@ الذي أحسن كل شيء خلقه ~~@QE@ وقال @QB@ صنع الله الذي أتقن كل شيء @QE@ فالموجود اما خير محض أو ~~فيه خير والمعدوم اما انه لا خير فيه بحال أو خيره حفظ الموجود وسلامته ~~والمأمور به قد طلب وجوده والمنهى عنه قد طلب عدمه فعلم أن المطلوب بالأمر ~~اكمل واشرف من المطلوب بالنهي وانه هو الاصل المقصود المراد لذاته وانه هو ~~الذى يكون عدمه شرا محضا ### || الوجه الثالث # عشر أن المأمور به هو الأمور التى يصلح بها العبد ويكمل والمنهى عنه هو ~~ما يفسد به وينقص فان المأمور به من العلم والايمان وارادة PageV20P117 وجه ~~الله تعالى وحده ومحبته والانابة إليه ورحمة الخلق والاحسان اليهم والشجاعة ~~التى هي القوة والقدرة والصبر الذي يعود إلى القوة والامساك والحبس إلى غير ~~ذلك كل هذه من الصفات والاخلاق والأعمال التى يصلح بها العبد ويكمل ولا ~~يكون صلاح الشيء وكماله إلا في أمور وجودية قائمة به لكن قد يحتاج إلى عدم ~~ما ينافيها فيحتاج إلى العدم بالعرض فعلم أن المأمور به أصل والمنهى عنه ~~تبع فرع ### || الوجه الرابع عشر # أن الناس اتفقوا على أن المطلوب بالأمر وجود المأمور به وأن لزم من ذلك ~~عدم ضده ويقول الفقهاء الأمر بالشيء نهى عن ضده فان ذلك متنازع فيه ~~والتحقيق أنه منهى عنه بطريق اللازم وقد يقصده الآمر وقد لا يقصده واما ~~المطلوب بالنهي فقد قيل أنه نفس عدم المنهى عنه وقيل ليس كذلك لأن العدم ~~ليس مقدورا ولا مقصودا بل المطلوب فعل ضد المنهى عنه وهو الامتناع وهو أمر ~~وجودي # والتحقيق أن مقصود الناهي قد يكون نفس عدم المنهى عنه وقد يكون فعل ضده ~~وذلك العدم عدم خاص مقيد يمكن أن يكون PageV20P118 مقدورا بفعل ضده فيكون ~~فعل الضد طريقا إلى مطلوب الناهي وان لم يكن نفس المقصود وذلك أن الناهي ~~إنما نهى عن الشيء لما فيه من الفساد فالمقصود عدمه كما ينهى عن قتل النفس ~~وشرب ms5933 الخمر وإنما نهى لابتلاء المكلف وامتحانه كما نهى قوم طالوت عن الشرب ~~الا بملء الكف فالمقصود هنا طاعتهم وانقيادهم وهو أمر وجودي وإذا كان ~~وجوديا فهو الطاعة التى هي من جنس فعل المأمور به فصار المنهى عنه إنما هو ~~تابع للمأمور به فان مقصوده اما عدم ما يضر المأمور به أو جزء من أجزاء ~~المأمور به وإذا كان اما حاويا للمأمور به أو فرعا منه ثبت أن المأمور به ~~أكمل وأشرف وهو المقصود الأول ### || الوجه الخامس عشر # أن الأمر أصل والنهي فرع فان النهى نوع من الأمر إذ الأمر هو الطلب ~~والاستدعاء والاقتضاء وهذا يدخل فيه طلب الفعل وطلب الترك لكن خص النهي ~~باسم خاص كما جرت عادة العرب ان الجنس إذا كان له نوعان احدهما يتميز بصفة ~~كمال أو نقص افردوه باسم وابقوا الاسم العام على النوع الآخر كما يقال مسلم ~~ومنافق ويقال نبى ورسول PageV20P119 # ولهذا تنازع الفقهاء لو قال لها إذا خالفت أمرى فانت طالق فعصت نهيه هل ~~يحنث على ثلاثة أوجه لآصحابنا وغيرهم # أحدها يحنث لان ذلك مخالفة لأمره في العرف ولان النهي نوع من الأمر # والثانى لا يحنث لعدم الدخول فيه في اللغة كما زعموا والثالث يفرق بين ~~العالم بحقيقة الأمر والنهي وغير العالم # والأول هو الصواب فكل من عصى النهي فقد عصى الأمر لأن الأمر استدعاء ~~الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والناهي مستدع من النهى فعلا اما بطريق ~~القصد أو بطريق اللزوم فان كان نوعا منه فالأمر اعم والأعم أفضل وان لم يكن ~~نوعا منه فهو أشرف القسمين ولهذا اتفق العلماء على تقديمه على النهي وبذلك ~~جاء الكتاب والسنة قال تعالى @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ ~~وقال ( ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي PageV20P120 ### || الوجه السادس عشر # ان الله لم يأمر بأمر الا وقد خلق سببه ومقتضيه في جبلة العبد وجعله ~~محتاجا إليه وفيه صلاحه وكما له فانه أمر بالايمان به وكل مولود يولد على ~~الفطرة فالقلوب فيها اقوى ms5934 الاسباب لمعرفة باريها والاقرار به وأمر بالعلم ~~والصدق والعدل وصلة الارحام واداء الأمانة وغير ذلك من الامور التى في ~~القلوب معرفتها ومحبتها ولهذا سميت معروفا ونهى عن الكفر الذي هو أصل الجهل ~~والظلم وعن الكذب والظلم والبخل والجبن وغير ذلك من الامور التى تنكرها ~~القلوب وانما يفعل الآدمي الشر المنهى عنه لجهله به أو لحاجته إليه بمعنى ~~انه يشتهيه ويلتذ بوجوده أو يستضر بعدمه والجهل عدم العلم فما كان من ~~المنهى عنه سببه الجهل فلعدم فعل المأمور به من العلم وما كان سببه الحاجة ~~من شهوة أو نفرة فلعدم المأمور به الذي يقتضى حاجته مثل أن يزني لعدم ~~استعفافه بالنكاح المباح أو يأكل الطعام الحرام لعدم استعفافه بما أمر به ~~من المباح والا فاذا فعل المأمور به الذي يغنيه عن الحرام لم يقع فيه # فثبت ان المأمور به خلق الله في العبد سببه ومقتضيه وأن المنهى ~~PageV20P121 عنه انما يقع لعدم الفعل المأمور به المانع عنه فثبت بذلك أن ~~المأمور به في خلقته ما يقتضيه وما يحتاج إليه وبه صلاحه بمنزلة الاكل ~~للجسد بل هو من جملة المأمور به وبمنزلة النكاح للنوع وهو من المأمور به ~~والمنهى عنه ليس فيه سببه الا لعدم المأمور به فكان وجوده لعدم المأمور به ~~فكان عدم المأمور به أضر عليه من وجود المنهى عنه لتضرره به من وجهين وفى ~~تركه أشد استحقاقا للذم والعقاب لوجود مقتضيه فيه المعين له عليه والمنهى ~~عنه ليس فيه مقتضيه في الأصل الا مع عدم المأمور به وأما عدمه فلا يقتضيه ~~إلا بفعل المأمور به فهذا هذا ### || الوجه السابع عشر # أن فعل الحسنات يوجب ترك السيئات وليس مجرد ترك السيئات يوجب فعل الحسنات ~~لأن ترك السيئات مع مقتضيها لا يكون إلا بحسنة وفعل الحسنات عند عدم ~~مقتضيها لا يقف على ترك السيئة وذلك يؤجر لأنه ترك السيئات مع مقتضيها وذلك ~~لأن الله خلق بن آدم هماما حارثا كما قال النبى ( اصدق الاسماء حارث وهمام ~~( والحارث PageV20P122 العامل الكاسب والهمام الكثير الهم ms5935 وهذا معنى قولهم ~~متحرك بالارادة والهم والارادة لا تكون الا بشعور واحساس فهو حساس متحرك ~~بالارادة دائما # ولهذا جاء في الحديث ( للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا ( و ~~( مثل القلب مثل ريشة ملقاة بارض فلاة ( و ( ما من قلب من قلوب العباد الا ~~بين اصبعين من أصابع الرحمن ( واذا كان كذلك فعدم احساسه وحركته ممتنع فان ~~لم يكن احساسه وحركته من الحسنات المأمور بها أوالمباحات وإلا كان من ~~السيئات المنهي عنها فصار فعل الحسنا ت يتضمن الأمرين فهو أشرف وأفضل # وذلك لأن من فعل ما أمر به من الايمان والعمل الصالح قد يمتنع بذلك عما ~~نهي عنه من أحد وجهين اما من جهة اجتماعهما فان الايمان ضد الكفر والعمل ~~الصالح ضد السيء فلا يكون مصدقا مكذبا محبا مبغضا وإما من جهة اقتضاء ~~الحسنة ترك السيئة كما قال تعالى ( ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ( ~~وهذا محسوس فان الانسان اذا قرأ القرآن وتدبره كان ذلك من أقوى الأسباب ~~المانعة له من المعاصي أو بعضها وكذلك الصوم جنة وكذلك نفس الايمان بتحريم ~~المحرمات وبعذاب الله عليها يصد القلب عن ارادتها PageV20P123 # فالحسنات اما ضد السيئات واما مانعة منها فهي إما ضد وإما صد وإنما تكون ~~السيئات عند ضعف الحسنات المانعة منها كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( فان كمال الايمان وحقيقته يمنع ذلك فلا ~~يقع إلا عند نوع ضعف في الايمان يزيل كماله # وأما ترك السيئات فاما أن يراد به مجرد عدمها فالعدم المحض لا ينافي شيئا ~~ولا يقتضيه بل الخالي القلب متعرض للسيئات اكثر من تعرضه للحسنات وإما أن ~~يراد به الامتناع من فعلها فهذا الامتناع لا يكون الا مع اعتقاد قبحها وقصد ~~تركها وهذا الإعتقاد والاقتصاد حسنتان مأمور بهما وهما من أعظم الحسنات # فثبت بذلك أن وجود الحسنات يمنع السيئات وان عدم السيئات لا يوجب الحسنات ~~فصار ms5936 في وجود الحسنات الامران بخلاف مجرد عدم السيئات فليس فيه الا أمر ~~واحد وهذا هو المقصود PageV20P124 ### || الوجه الثامن عشر # ان فعل الحسنات موجب للحسنات ايضا فان الايمان يقتضي الأعمال الصالحة ~~والعمل الصالح يدعو إلى نظيره وغير نظيره كما قيل ان من ثواب الحسنة الحسنة ~~بعدها # واما عدم السيئة فلا يقتضى عدم سيئة الا إذا كان امتناعا فيكون من باب ~~الحسنات كما تقدم وما اقتضى فرعا أفضل مما لا يقتضى فرعا له وهذا من نمط ~~الذي قبله ### || الوجه التاسع عشر # ترجيح الوجود على العدم اذا علم أنه حسنة وأما المختلط والمشتبه عليه فقد ~~يكون الامساك خيرا ( له ) ليبقى مع الفطرة فهذا حال المهتدي والضال وحال ~~فاذا قام المقتضى للكفر والفسوق والعصيان في قلبه من الشبهات والشهوات لم ~~يزل هذا الحس والحركة الا بما يزيله أو يشغل عنه من إيمان وصلاح كالعلم ~~الذي يزيل الشبهة والقصد الذى يمنع الشهوة وهذا أمر يجده المرء في نفسه وهو ~~في كل شيء فإن ما وجد مقتضيه فلا يزول الا بوجود منافيه فان قيل فقد يزول ~~ذلك بمباح PageV20P125 ### || الوجه العشرون # أن الله تعالى بعث الرسل وانزل الكتب في العلوم والاعمال بالكلم الطيب ~~والعمل الصالح بالهدى ودين الحق وذلك بالأمور الموجودة في العقائد والأعمال ~~فامرهم في الاعتقادات بالاعتقادات المفصلة في أسماء الله وصفاته وسائر ما ~~يحتاج إليه من الوعد والوعيد وفى الاعمال بالعبادات المتنوعة من أصناف ~~العبادات الباطنة والظاهرة وأما في النفي فجاءت بالنفي المجمل والنهي عما ~~يضر المأمور به فالكتب الالهية وشرائع الرسل ممتلئة من الاثبات فيما يعلم ~~ويعمل # واما المعطلة من المتفلسفة ونحوهم فيغلب عليهم النفي والنهي فانهم في ~~عقائدهم الغالب عليهم السلب ليس بكذا ليس بكذا ليس بكذا وفى الأفعال الغالب ~~عليهم الذم والترك من الزهد الفاسد والورع الفاسد لا يفعل لا يفعل لا يفعل ~~من غير أن يأتوا بأعمال صالحة يعملها الرجل تنفعه وتمنع ما يضره من الأعمال ~~الفاسدة ولهذا كان غالب من سلك طرائقهم بطالا متعطلا معطلا في عقائده ~~وأعماله PageV20P126 # واتباع الرسل ms5937 في العلم والهدى والصلاح والخير في عقائدهم واعمالهم وهذا ~~بين في أن الذي جاءت به الرسل يغلب عليه الأمر والاثبات وطريق الكافرين من ~~المعطلة ونحوهم يغلب عليه النهي والنفي وهذا من أوضح الادلة على ترجيح ~~الأمر والاثبات على النهى والنفى ### || الوجه الحادى والعشرون # ان النفى والنهى لا يستقل بنفسه بل لابد ان يسبقه ثبوت وامر بخلاف الامر ~~والاثبات فانه يستقل بنفسه وهذا لأن الانسان لا يمكنه أن يتصور المعدوم ~~ابتداء ولا يقصد المعدوم ابتداء وقد قررت هذا فيما تقدم وبينت ان الانسان ~~لا يمكنه ان يتصور المعدوم الا بتوسط تصور الموجود فاذا لم يمكنه تصوره لم ~~يمكنه قصده بطريق الاولى فان القصد والارادة مسبوق بالشعور والتصور والامر ~~في القصد والارادة أوكد منه في الشعور والعلم فان الانسان يتصور الموجود ~~والمعدوم ويخبر عنهما واما ارادة المعدوم فلا يتصور من كل وجه وانما ارادة ~~عدم الشيء هي بغضه وكراهته فان الانسان اما ان يريد وجود الشيء أو عدمه أو ~~لا يريد وجوده ولا عدمه فالاول هو اصل الارادة والمحبة واما الثانى وهو ~~ارادة عدمه فهو بغضه وكراهته وذلك مسبوق بتصور المبغض المكروه فصار البغض ~~والكراهة للشيء المقتضى لتركه الذى هو مقصود الناهى وهو المطلوب من المنهى ~~فرعا من جهتين PageV20P127 # من جهة ان تصوره فرع على تصور المحبوب المراد المأمور به وان قصد عدمه ~~الذى هو بغضه وكراهته فرع على ارادة وجود المأمور به الذى هو حبه وارادته ~~وذلك لأن الانسان اذا علم عدم شيء واخبر عن عدمه مثل قولنا اشهد ان لا اله ~~الا الله وقولنا لا نبى بعد محمد وقولنا ليس المسيح باله ولا رب وقولنا ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه إلى امثال ذلك حتى ينتهى التمثيل إلى قول القائل ليس ~~الجبل ياقوتا ولا البحر زئبقا ونحو ذلك فان هذه الجمل الخبرية النافية التى ~~هي قضايا سلبية لولا تصور النفى والمنفى عنه لما أمكنه الاخبار بالنفى ~~والحكم فلابد أن يتصور النفى والمنفى عنه مثل تصور الجبل والياقوت # والمنفى هو عدم محض ms5938 ونفس الانسان التى هي الشاعرة العالمة المدركة بقواها ~~وآلاتها لم تجد العدم ولم تفقهه ولم تصادفه ولم تحسه بشيء من حواسها ~~الباطنة ولا الظاهرة ولا شعرت الا بموجود لكن لما شعرت بموجود اخذ العقل ~~والخيال يقدر في النفس امورا تابعة لتلك الامور الموجودة اما امور مركبة ~~واما مشابهة لها فانه أدرك الياقوت وأدرك الجبل ثم ركب في خياله جبل ياقوت ~~وعرف جنس النبوة وعرف الزمان المتأخر عن مبعث محمد ثم قدر نبيا في هذا ~~الزمان المتأخر وعرف الاله والالوهية الثابتة لله رب PageV20P128 العالمين ~~ثم قدر وجودها بغيره من الموجودات # ثم المؤمن ينفى هذا المقدر من ألوهية غير الله تعالى ونبوة أحد بعد محمد ~~والكافر قد يعتقد ثبوت هذا القدر فيرى ثبوت الالوهية للشمس أو القمر أو ~~الكواكب أو الملائكة أو النبيين أو بعضهم أو الصالحين أو بعضهم أو غيرهم من ~~البشر أو الاوثان المصنوعة مثلا لبعض هذه الآلهة المتخذة من دون الله ~~سبحانه فالمقصود ان الانسان لم يمكنه تصور عدم شيء ولا الاخبار به الا بعد ~~ان يتصور وجودا قاس به عليه وقدر به شيئا آخر ثم نفى ذلك المقيس المقدر به ~~ثم اثبته والفرع المقيس المقدر تبع للاصل المقيس عليه المقدر به فلا يتصور ~~العدم الا بطريق القياس والتمثيل والتفريع لا بطريق الاستقلال والحقيقة ~~والتأصيل وان كان بعض الموجودات لا يمكن الناس أو بعضهم ان يتصوره في ~~الدنيا الا بطريق القياس أو التمثيل لكن من الموجودات ما يدركه الانسان ~~حقيقة وتأويلا ومنها ما يدركه قياسا أو تمثيلا كمدركات المنام # واما المعدوم فلا يدركه الا قياسا أو تمثيلا اذ ليس له حقيقة ينالها الحى ~~المدرك وتباشرها الذوات الشاعرة اذ حقيقة كل شيء في الخارج عين ماهيته واما ~~ما يقدر في العقل من الماهيات والحقائق فقد يكون له حقيقة في الوجود ~~الخارجى العينى الكونى وقدلا يكون PageV20P129 # وهكذا الأمر في القصد والحب والارادة من جهتين # من جهة أن المقصود المحبوب أو المكروه المبغض لا يتصور حبه ولا بغضه الا ~~بعد نوع من ms5939 الشعور به والشعور في الموجود اصل وفى المعدوم فرع فالحب والبغض ~~الذي يتبعه أولى بذلك # ومن جهة أن الانسان إنما يحب ما يلائمه ويناسبه وله به لذة ونعيم ونفسه ~~لا تلائم العدم المحض والنفي الصرف ولا تناسبه ولا له في العدم المحض لذة ~~ولا سرور ولا نعمة ولا نعيم ولا خير اصلا ولا فائدة قطعا بل محبة العدم ~~المحض كعدم المحبة واللذة بالعدم المحض كعدم اللذة وما ليس شيء اصلا كيف ~~يكون فيه منفعة أو لذة أو خير ولكن نفسه تحب ما لها فيه منفعة ولذة مثل ~~محبة اللبن عند ولادته ولغير ذلك من الاغذية ثم لما يلتذ به من منكوح ونحوه ~~ثم ما يلتذ به من شرف ورياسة ونحو ذلك ثم ما يلتذ به من العقل والعلم ~~والايمان ويحب ما يدفع عنه المضرة من اللباس والمساكن والخير الذى يقيه ~~عدوه من الحر والبرد والآدميين المؤذين والدواب المؤذية وغير ذلك فيحب وجود ~~ما ينفعه وعدم ما يضره # والنافع له انما هو امر موجود كما تقدم واما الضار له فتارة PageV20P130 ~~يراد به عدم النافع فان اكثر ما يضره عدم النافع وعدم النافع إنما يقصد ~~بوجود النافع وتارة يضرة امر موجود فذلك الذي يضره لم يبغض منه إلا مضرته ~~له ومضرته له إزالة نعيمه أو تحصيل عذابه فإن # قيل ما ذكرته معارض فان القرآن من اوله إلى آخره يأمر بالتقوى ويحض عليها ~~حتى لم يذكر في القرآن شيء اكثر منها وهى وصية الله إلى الاولين والاخرين ~~وهى شعار الاولياء واول دعوة الانبياء واهل اصحاب العاقبة واهل المقعد ~~الصدق إلى غير ذلك من صفاتها والتقوى هي ترك المنهى عنه وقد قال سهل بن عبد ~~الله أعمال البر يعملها البر والفاجر ولن يصبر عن الآثام الا صديق # وفى تعظيم الورع واهله والزهد وذويه ما يضيق هذا الموضع عن ذكره # وانما ذلك عائد إلى ترك المحرمات والمكروهات وفضول المباحات وهى بقسم ~~المنهى عنه أشبه منها بقسم المأمور به والناس يذكرون من فضائل أهل هذا ~~الورع ms5940 ومناقبهم ما لا يذكرون عن غيرهم PageV20P131 # فنقول هذا السؤال مؤلف من شيئين جهل بحقيقة التقوى والورع والزهد وجهل ~~بجهة حمد ذلك # فنقول اولا ومن الذى قال ان التقوى مجرد ترك السيئات بل التقوى كما فسرها ~~الاولون والاخرون فعل ما امرت به وترك ما نهيت عنه كما قال طلق بن حبيب لما ~~وقعت الفتنة اتقوها بالتقوى قالوا وما التقوى قال ان تعمل بطاعة الله على ~~نور من الله ترجو ثواب الله وان تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب ~~الله # وقد قال الله تعالى في اكبر سورة في القرآن @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~@QE@ إلى اخرها فوصف المتقين بفعل المأمور به من الإ يمان والعمل الصالح من ~~اقام الصلاة وايتاء الزكاة وقال @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون @QE@ # وقال @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ PageV20P132 ) وهذه الاية ~~عظيمة جليله القدر من أعظم آى القرآن واجمعه لامر الدين وقد روى ان النبى ~~صلى الله عليه وسلم سئل عن خصال الايمان فنزلت وفى الترمذى عن فاطمة بنت ~~قيس عنه أنه قال ( ان في المال حقا سوى الزكاة وقرأ هذه الآية ) وقددلت على ~~امور # أحدها انه اخبر ان الفاعلين لهذه الامور هم المتقون وعامة هذه الامور فعل ~~مأمور به # الثانى انه أخبر ان هذه الأ مور هي البر واهلها هم الصادقون يعنى في قوله ~~( آمنا ) وعامتها امور وجودية هي افعال مأمور بها فعلم أن المامور به أدخل ~~في البر والتقوى والايمان من عدم المنهى عنه وبهذه الاسماء الثلاثة استحقت ~~الجنة كما قال تعالى ( ان الابرار لفى نعيم وان الفجار لفى ms5941 جحيم ) وقال ( ~~أم نجعل المتقين كالفجار ) ( ان المتقين في جنات ونهر ) وقال ( افمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) # وهذه الخصال المذكورة في الآية قد دلت على وجوبها لأنه PageV20P133 اخبر ~~ان اهلها هم الذين صدقوا في قولهم وهم المتقون والصدق واجب والايمان واجب ~~ايجاب حقوق سوى الزكاة وقوله @QB@ فاقرؤوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله هو خيرا وأعظم أجرا @QE@ وقوله لبنى اسرائيل @QB@ لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا @QE@ وقوله ~~@QB@ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون @QE@ وقوله @QB@ واعبدوا الله ~~ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين ~~والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ~~أيمانكم @QE@ وقوله @QB@ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل @QE@ في ( ~~سبحان ) ( والروم ) فاتيان ذى القربى حقه صله الرحم والمسكين اطعام الجائع ~~وبن السبيل قرى الضيف وفى الرقاب فكاك العانى واليتيم نوع من اطعام الفقير # وفى البخارى عن النبى ( عودوا المريض واطعموا الجائع وفكوا العانى ) وفى ~~الحديث الذى أفتى به أحمد ( لو صدق السائل ( ما ) أفلح من رده ) # وأيضا فالرسول مثل نوح وهود وصالح وشعيب فاتحة دعواهم في هود @QB@ أن ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ وفى الشعراء PageV20P134 @QB@ ألا ~~تتقون @QE@ @QB@ فاتقوا الله وأطيعون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولكن البر من ~~اتقى @QE@ وقال تعالى @QB@ بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ~~@QE@ وقال @QB@ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين @QE@ # فقد بين ان الوفاء بالعهود من التقوى التى يحبها الله والوفاء بالعهود هو ~~جملة المأمور به فان الواجب اما بالشرع أو بالشرط وكل ذلك فعل مأمور به ~~وذلك وفاء بعهد الله وعهد العبيد وذلك أن التقوى اما تقوى الله واما تقوى ~~عذابه كما قال @QB@ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة @QE@ @QB@ ~~واتقوا النار التي أعدت للكافرين @QE@ فالتقوى اتقاء المحذور بفعل ms5942 المأمور ~~به وبترك المنهى عنه وهو بالأول اكثر وانما سمى ذلك تقوى لأن ترك المأمور ~~به وفعل المنهى عنه سبب الأمن من ذم الله وسخط الله وعذاب الله فالباعث ~~عليه خوف الاثم بخلاف ما فيه منفعة وليس في تركه مضرة فان هذا هو المستحب ~~الذى له ان يفعله وله أن لا يفعله فذكر ذلك باسم التقوى ليبين وجوب ذلك وان ~~صاحبه متعرض للعذاب بترك التقوى # ونقول ثانيا انه حيث عبر بالتقوى عن ترك المنهى ان قيل ذلك كما في قوله ~~@QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ قال بعض السلف البر ما امرت به ~~والتقوى ما نهيت عنه فلا يكون ذلك الا مقرونا PageV20P135 بفعل المأمور به ~~كما ذكر معها البر وكما في قول نوح @QB@ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ~~@QE@ وذلك لان هذه التقوى مستلزمة لفعل المامور به # ونقول ثالثا ان اكثر بنى آدم قد يفعل بعض المامور به ولا يترك المنهى عنه ~~الا الصديقون كما قال سهل لان المأمور به له مقتضى في النفس واما ترك ~~المنهى عنه إلى خلاف الهوى ومجاهدة النفس فهو أصعب وأشق فقل أهله ولا يمكن ~~أحدا أن يفعله الا مع فعل المأمور به لا تتصور تقوى وهى فعل ترك قط فان من ~~ترك الشرك واتباع الهوى المضل واتباع الشهوات المحرمات فلابد أن يفعل من ~~المامور به أمورا كثيرة تصده عن ذلك فتقواهم تحفظ لهم حسناتهم التى امروا ~~بها وتمنعهم من السيئات التى تضرهم بخلاف من فعل ما أمر به وما نهى عنه ~~مثلا فان وجود المنهى عنه يفسد عليه من المأمور به ما يفسد فلا يسلم له ~~ولهذا كانت العاقبة للتقوى كما قال تعالى @QB@ والعاقبة للتقوى @QE@ @QB@ ~~والعاقبة للمتقين @QE@ @QB@ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا @QE@ # وذلك لأن المتقين بمنزلة من أكل الطعام النافع واتقى الاطعمة المؤذية فصح ~~جسمه وكانت عاقبته سليمة وغير المتقى بمنزلة من خلط من الاطعمة فانه وان ~~اغتذى بها لكن تلك التخاليط قد تورثه PageV20P136 أمراضا اما مؤذية واما ~~مهلكة ومع هذا فلا يقول عاقل ان ms5943 حاجته وانتفاعه بترك المضر من الاغذية اكثر ~~من حاجته وانتفاعه بالأغذية النافعة بل حاجته وانتفاعه بالأغذية التى ~~تناولها اعظم من انتفاعه بما تركه منها بحيث لو لم يتناول غذاء قط لهلك ~~قطعا واما اذا تناول النافع والضار فقد يرجى له السلامة وقد يخاف عليه ~~العطب واذا تناول النافع دون الضار حصلت له الصحة والسلامة # فالاول نظير من ترك المامور به والثانى نظير من فعل المامور به والمنهى ~~عنه وهو المخلط الذى خلط عملا صالحا واخر سيئا والثالث نظير المتقى الذى ~~فعل ما امر به واجتنب ما نهى عنه فعظم امر التقوى لتضمنها السلامة مع ~~الكرامة لا لأجل السلامة فقط فانه ليس في الاخرة دارا الا الجنة أو النار ~~فمن سلم من النار دخل الجنة ومن لم ينعم عذب فليس في الادميين من يسلم من ~~العذاب والنعيم جميعا فتدبر هذا فكل ( خصلة ) قد أمر ( الله بها ) أو أثنى ~~عليها ففيها فعل المأمور به ولابد تضمنا أو استلزاما وحمدها لنيل الخير عن ~~الشر والثواب عن العقاب # وكذلك الورع المشروع والزهد المشروع من نوع التقوى الشرعية ولكن قد غلط ~~بعض الناس في ذلك فاما الورع المشروع المستحب الذى بعث الله به محمدا فهو ~~اتقاء من يخاف PageV20P137 ان يكون سببا للذم والعذاب عند عدم المعارض ~~الراجح ويدخل في ذلك اداء الواجبات والمشتبهات التى تشبه الواجب وترك ~~المحرمات والمشتبهات التى تشبه الحرام وان ادخلت فيها المكروهات قلت نخاف ~~ان يكون سببا للنقص والعذاب # واما الورع الواجب فهو اتقاء ما يكون سببا للذم والعذاب وهو فعل الواجب ~~وترك المحرم والفرق بينهما فيما اشتبه امن الواجب هوام ليس منه وما اشتبه ~~تحريمه امن المحرم أم ليس منه فاما ما لا ريب في حله فليس تركه من ا لورع ~~وما لا ريب في سقوطه فليس فعله من الورع وقولى عند عدم المعارض الراجح فانه ~~قد لا يترك الحرام البين اوالمشتبه الا عند ترك ما هو حسنة موقعها في ~~الشريعة اعظم من ترك تلك السيئة مثل من يترك الائتمام ms5944 بالامام الفاسق فيترك ~~الجمعة والجماعة والحج والغزو وكذلك قد لا يؤدى الواجب البين أو المشتبه ~~الا بفعل سيئة اعظم اثما من تركه مثل من لا يمكنه اداء الواجبات من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان الا بقتال فيه من الفساد اعظم من ~~فساد ظلمه # والاصل في الورع المشتبه قول النبى ( الحلال بين والحرام بين وبين ذلك ~~امور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات استبرأ عرضه ودينه ~~ومن وقع في الشبهات وقع في PageV20P138 الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك ~~ان يواقعه وهذا ( في الصحيحين وفى السنن قوله ( دع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك ( وقوله ( البر مااطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب ( وقوله في صحيح ~~مسلم في رواية ( البر حسن الخلق والاثم ما حاك في نفسك وان افتاك الناس ( ~~وانه رأى على فراشه تمرة فقال لولا انى اخاف ان تكون من تمر الصدقة لأكلتها ~~( # واما في الواجبات لكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات # احدها اعتقاد كثير من الناس انه من باب الترك فلا يرون الورع الا في ترك ~~الحرام لا في اداء الواجب وهذا يبتلى به كثير من المتدينة المتورعة ترى ~~احدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة وعن الدرهم فيه شبهة لكونه من مال ظالم أو ~~معاملة فاسدة ويتورع ( عن ) الركون إلى الظلمة من اجل البدع في الدين وذوى ~~الفجور في الدنيا ومع هذا يترك امورا واجبة عليه اما عينا واما كفاية وقد ~~تعينت عليه من صلة رحم وحق جار ومسكين وصاحب ويتيم وبن سبيل وحق مسلم وذى ~~سلطان وذى علم وعن أمر بمعروف PageV20P139 ونهى عن منكر وعن الجهاد في سبيل ~~الله إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه أو يفعل ~~ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى بل من جهة التكليف ونحو ذلك # وهذا الورع قد يوقع صاحبه في البدع الكبار فان ورع الخوارج والروافض ~~والمعتزلة ونحوهم من هذا الجنس تورعوا عن الظلم وعن ما اعتقدوه ظلما من ~~مخالطة ms5945 الظلمة في زعمهم حتى تركوا الواجبات الكبار من الجمعة والجماعة ~~والحج والجهاد ونصيحة المسلمين والرحمة لهم وأهل هذا الورع ممن أنكر عليهم ~~الأئمة كالأئمة الأربعة وصار حالهم يذكر في اعتقاد أهل السنة والجماعة ~~الجهة الثانية من الإعتقاد الفاسد انه اذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحرم ~~والمشتبه فينبغى ان يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة ~~وبالعلم لا بالهوى والا فكثير من الناس تنفر نفسه عن اشياء لعادة ونحوها ~~فيكون ذلك مما يقوى تحريمها واشتباهها عنده ويكون بعضهم في اوهام وظنون ~~كاذبة فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد فيكون صاحبه ممن قال الله ~~تعالى فيه @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس @QE@ وهذه حال اهل ~~الوسوسة في النجاسات فانهم من اهل الورع الفاسد المركب من نوع دين وضعف عقل ~~وعلم وكذلك ورع قوم يعدون غالب اموال الناس محرمة PageV20P140 اومشتبهه أو ~~كلها وآل الأمر ببعضهم إلى احلالها لذى سلطان لانه مستحق لها والى انه لا ~~يقطع بها يد السارق ولا يحكم فيها بالأموال المغصوبة # وقدانكر حال هؤلاء الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وذم المتنطعين في الورع ~~وقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ( هلك ~~المتنطعون ( قالها ثلاثا # وورع اهل البدع كثير منه من هذا الباب بل ورع اليهود والنصارى والكفار عن ~~واجبات دين الاسلام من هذا الباب وكذلك ما ذمه الله تعالى في القرآن من ~~ورعهم عما حرموه ولم يحرمه الله تعالى كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام ~~ومن هذا الباب الورع الذى ذمه الرسول في الحديث الذى في الصحيح لما ترخص في ~~اشياء فبلغه ان اقواما تنزهوا عنها فقال ( ما بال رجال يتنزهون عن اشياء ~~اترخص فيها والله انى لأرجو أن اكون اعلمهم بالله واخشاهم ( وفى رواية ( ~~اخشاهم واعلمهم بحدوده له ( وكذلك حديث صاحب القبلة # ولهذا يحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة والفقه ~~PageV20P141 في الدين والا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه كما فعله ~~الكفار واهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم # الثالثة ms5946 جهة المعارض الراجح هذا اصعب من الذى قبله فان الشيء قد يكون جهة ~~فساده يقتضى تركه فيلحظه المتورع ولا لحظ ما يعارضه من الصلاح الراجح ~~وبالعكس فهذا هذا وقد تبين ان من جعل الورع الترك فقط وادخل في هذا الورع ~~افعال قوم ذوي مقاصد صالحة بلا بصيرة من دينهم واعرض عما فوتوه بورعهم من ~~الحسنات الراجحة فان الذى فاته من دين الاسلام اعظم مما ادركه فانه قد يعيب ~~اقواما هم إلى النجاة والسعادة اقرب # وهذه القاعدة منفعتها لهذا الضرب وامثاله كثيرة فانه ينتفع بها اهل الورع ~~الناقص أو الفاسد وكذلك اهل الزهد الناقص اوالفاسد فان الزهد المشروع الذي ~~به امر الله ورسوله هو عدم الرغبة فيما لا ينفع من فضول المباح فترك فضول ~~المباح الذى لا ينفع في الدين زهد وليس بورع ولا ريب ان الحرص والرغبة في ~~الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا من المال والسلطان مضر كما روى الترمذى عن ~~كعب بن مالك قال قال رسول الله ( ما ذئبان جائعان ارسلا في زريبة غنم بافسد ~~لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ( قال الترمذى حديث حسن صحيح فذم ~~النبى الحرص PageV20P142 على المال والشرف وهو الرياسة والسلطان واخبر ان ~~ذلك يفسد الدين مثل أو فوق افساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم # وهذا دليل على أن هذا الحرص انما ذم لانه يفسد الدين الذى هو الايمان ~~والعمل الصالح فكان ترك هذا الحرص لصالح العمل وهذان هما المذكوران في قوله ~~تعالى @QB@ ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه @QE@ وهما اللذان ذكرهما ~~الله في سورة القصص حيث افتتحها بأمر فرعون وذكر علوه في الأرض وهو الرياسة ~~والشرف والسلطان ثم ذكر في آخرها قارون وما أوتيه من الاموال وذكر عاقبة ~~سلطان هذا وعاقبة مال هذا ثم قال @QB@ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا @QE@ كحال فرعون وقارون فان جمع الاموال من ~~غير انفاقها في مواضعها المامور بها وأخذها من غير وجهها هو من نوع الفساد # وكذلك الانسان اذا اختار ms5947 السلطان لنفسه بغير العدل والحق لا يحصل الا ~~بفساد وظلم واما نفس وجود السلطان والمال الذى يبتغى به وجه الله والقيام ~~بالحق والدا ر الاخرة ويستعان به على طاعة الله ولا يفتر القلب عن محبة ~~الله ورسوله والجهاد في سبيله كما كان النبى وابو بكر وعمر ولا يصده عن ذكر ~~الله فهذا من اكبر نعم الله تعالى على عبده اذا كان كذلك ولكن قل أن ~~PageV20P143 تجد ذا سلطان أو مال الا وهو مبطأ مثبط عن طاعة الله ومحبته ~~متبع هواه فيما آتاه الله وفيه نكول حال الحرب والقتال في سبيل الله والامر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر فبهذه الخصال يكتسب المهانة والذم دنيا واخرى # وقد قال تعالى لنبيه واصحابه @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ~~@QE@ فاخبر انهم هم الاعلون وهم مع ذلك لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~وقال تعالى @QB@ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم @QE@ ~~@QB@ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة @QE@ وقال ~~@QB@ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما @QE@ فالشرف ~~والمال لا يحمد مطلقا ولا يذم مطلقا بل يحمد منه ما أعان على طاعة الله وقد ~~يكون ذلك واجبا وهو ما لابد منه في فعل الواجبات وقد يكون مستحبا وانما ~~يحمد اذا كان بهذه النية ويذم ما استعين به على معصية الله أو صد عن ~~الواجبات فهذا محرم # وينتقص منه ما شغل عن المستحبات واوقع في المكروهات والله اعلم كما جاء ~~في الحديث ( من طلب هذا المال استغناء عن الناس واستعفافا عن المسالة وعودا ~~على جاره الضعيف والارملة والمسكين لقى الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر ~~ومن طلبه مرائيا مفاخرا PageV20P144 مكاثرا لقى الله وهو عليه غضبان ) وقال ~~( التاجر الامين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) وقال ( ~~نعم المال الصالح للرجل الصالح ) # واعلم أن الورع لا ينفع صاحبه فيكون له ثواب الا بفعل المامور به من ~~الاخلاص اما في الورع بفعل المامور به فظاهر فان الله تعالى لا يقبل من ~~العمل ms5948 الا ما اريد به وجهه واما بترك المنهى عنه الذى يسميه بعض الناس ورعا ~~فانه اذا ترك السيئات لغير وجه الله لم يثب عليها وان لم يعاقب عليها وان ~~تركها لوجه الله اثيب عليها ولا يكون ذلك الا بما يقوم بقلبه من رجاء رحمة ~~الله أو خشية عذابه ورجاء رحمته وخشية عذابه من الامور الوجودية المأمور ~~بها فتبين ان الورع لا يكون عملا صالحا الا بفعل المأمور به من الرجاء ~~والخشية والا فمجرد الترك العدمى لا ثواب فيه # واما الزهد الذى هو ضد الرغبة فانما يحمد حمدا مطلقا وتذم الرغبة لترك ~~العمل للآخرة قال تعالى @QB@ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~@QE@ وقال @QB@ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب @QE@ وقال @QB@ من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا @QE@ PageV20P145 ) فمن لم يرد الدار الاخرة قولا وعملا وايثارا ~~ومحبة ورغبة وانابة فلا خلاق له في الاخرة ولا فائدة له في الدار الدنيا بل ~~هو كافر ملعون مشتت معذب لكن قد ينتفع بزهده في الدنيا بنوع من الراحة ~~العاجلة وهو زهد غير مشروع وقد يستضر بما يفوته من لذات الدنيا وان كان غير ~~زاهد فلا راحة له في هذا # فمن زهد لطلب راحة الدنيا أو رغب لطلب لذاتها لم يكن واحد منهما في عمل ~~صالح ولا هو محمود في الشرع على ذلك ولكن قد يترجح هذا تارة وهذا تارة في ~~مصلحة الدنيا كما تترجح صناعة على صناعة وتجارة على تجارة وذلك ان لذات ~~الدنيا لا تنال غالبا الا بنوع من التعب فقد تترجح تارة لذة الترك على تعب ~~الطلب وقد يترجح تعب الطلب على لذة الترك فلا حمد على ترك الدنيا لغير عمل ~~الاخرة كما لا حمد لطلبها لغير عمل الاخرة # فثبت ms5949 ان مجرد الزهد في الدنيا لا حمد فيه كما لا حمد على الرغبة فيها ~~وانما الحمد على ارادة الله والدار الاخرة والذم على ارادة الدنيا المانعة ~~من ارادة ذلك كما تقدم وكما في قوله تعالى @QB@ إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما @QE@ ولهذا جرت عادة ~~اهل المعرفة بتسمية هذا الطالب المريد PageV20P146 فان أول الخير ارادة ~~الله ورسوله والدار الاخرة ولهذا قال النبى ( انما الاعمال بالنيات ) فثبت ~~أن الزهد الواجب هو ترك ما يمنع عن الواجب من ارادة الله والدار الاخرة ~~والزهد المستحب هو ما يشغل عن المستحب من اعمال المقربين والصديقين # فظهر بذلك ان المطلوب بالزهد فعل المامور به من ثلاثة أوجه # احدها أنه لولا كون الدنيا تشغل عن عبادة الله والدار الاخرة لم يشرع ~~الزهد فيها بل كان يكون فعله وتركه سواء أو يرجح هذا أو يرجح هذا ترجحا ~~دنيويا # الثانى انه اذا قدر أن شخصين أحدهما يريد الآخرة ويريد الدنيا والاخر ~~زاهد في الدنيا وفي الآخرة لكان الاول منهما مؤمنا محمودا والثانى كافرا ~~ملعونا مع ان الثانى زاهد في الدنيا والاول طالب لها لكن امتاز الاول بفعل ~~مامور مع ارتكاب محظور والثانى لم يكن معه ذلك المامور به فثبت أن فعل ~~المأمور به من ارادة الاخرة ينفع والزهد بدون فعل هذا المامور لا ينفع # الثالث المحمود في الكتاب والسنة انما هوارادة الدار الاخرة والمذموم ~~انما هو من ترك ارادة الدار الاخرة واشتغل بارادة الدنيا PageV20P147 عنها ~~فاما مجرد مدح ترك الدنيا فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا تنظر إلى ~~كثرة ذم الناس الدنيا ذما غير دينى فان اكثر العامة انما يذمونها لعدم حصول ~~اغراضهم منها فانها لم تصف لاحد قط ولو نال منها ما عساه ان ينال وما ~~امتلأت دار حبرة الا امتلات عبرة فالعقلاء يذمون الجهال الذين يركنون اليها ~~ويظنون بقاء الرياسة والمال وتناول الشهوات فيها وهم مع ms5950 هذا يحتاجون إلى ما ~~لابد لهم منه منها واكثرهم طالب لما يذمه منها وهؤلاء حقيقة ذمهم لها ذم ~~دنيوى لما فيها من الضرر الدنيوى كما يذم العقلاء التجارة والصناعة التى لا ~~ربح فيها بل فيها تعب وكما تذم معاشرة من يضرك ولا ينفعك في التزويج بسيئة ~~الخلق ونحو ذلك من الامور التى لا تعود مضرتها ومنفعتها الا إلى الدنيا ~~ايضا # ولا ريب أن ما فيه ضرر في الدنيا مذموم اذا لم يكن نافعا في الاخرة ~~كاضاعة المال والعبادات الشاقة التى لم يأمر الله بها ولا رسوله وما فيه ~~منفعة في الدنيا مذموم اذا كان ضارا في الاخرة كنيل اللذات وادراك الشهوات ~~المحرمة وكذلك اللذات والشهوات المباحات اذا حصل للعبد بها وهنا وتاخيرا في ~~امر الاخرة وطلبها وما كان مضرا في الدنيا والاخرة فهو شر وشدة وما كان ~~نافعا في الاخرة فهو محمود وان كان ضارا في الدنيا كاذهاب النفوس والاموال ~~PageV20P148 في الجهاد في سبيل الله وكذلك ما لم يكن ضارا في الدنيا مثل ~~كثير من العبادات وما كان نافعا في الدنيا والاخرة فهو محمود ايضا فالاقسام ~~سبعة # فما كان نافعا في الاخرة فهو محمود سواء ضر في الدنيا أو نفع أو لم ينفع ~~ولم يضر وما كان ضارا في الاخرة فهو مذموم وان كان نافعا في الدنيا أو ضارا ~~أو لا نافعا ولا ضارا # وبقى ثلاثة أقسام ما كان نافعا في الدنيا غير ضار في الاخرة وضارا في ~~الدنيا غير نافع في الاخرة والنافع محمود والضار مذموم # والقسم الثالث فيه قولان قيل لا حمد فيه ولا ذم وقيل بل هو مذموم # فاكثر ذم الناس للدنيا ليس من جهة شغلها لهم عن الاخرة وانما هو من جهة ~~ما يلحقهم من الضرر فيها وهى مذمومة من ذلك الوجه # واعلى وجوه الذم هو ما شغل عن الاخرة ولكن الانسان قد يعدد المصائب وينسى ~~النعم فقد يذم امورا كثيرة لمضرة تلحقه ويكون فيها منافع كثيرة لا يذكرها ~~وهذا الذم من نوع الهلع والجزع كما ms5951 PageV20P149 قال تعالى @QB@ إن الإنسان ~~خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين @QE@ وانما ~~الذم المحقق هو ما يشغل عن مصلحة الاخرة من الواجب والنقص هو ما يشغل عن ~~مصلحتها المستحبة ويذم ما ترجحت مضرته على منفعته فيها فهذه ثلاثة امور هي ~~فصل الخطاب فقد تبين ان المحمود فيها وجودى أو عدمى # وقد يقع الغلط في الزهد من وجوه كما وقع في الورع # أحدها ان قوما زهدوا فيما ينفعهم بلا مضرة فوقعوا به في ترك واجبات أو ~~مستحبات كمن ترك النساء واللحم ونحو ذلك وقد قال لكنى اصوم وافطر واتزوج ~~النساء واكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى ) # والثانى ان زهد هذا اوقعه في فعل محظورات كمن ترك تناول ما ابيح له من ~~المال والمنفعة واحتاج إلى ذلك فاخذه من حرام أو سأل الناس المسالة المحرمة ~~أو استشرف اليهم والاستشراف مكروه # والثالث من زهد زهد الكسل والبطالة والراحة لا لطلب الدار الاخرة بالعمل ~~الصالح والعلم النافع فان العبد اذا كان زاهدا بطالا فسد أعظم فساد فهؤلاء ~~لا يعمرون الدنيا ولا الاخرة كما قال PageV20P150 عبد الله بن مسعود انى ~~لاكره ان ارى الرجل بطالا ليس في امر الدنيا ولا في امر الاخرة وهؤلاء من ~~اهل النار وكما قال النبى في الحديث الذى رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن ~~حمار عن النبى قال ( اهل النار خمسة فذكر منهم الضعيف الذي لا زبر له الذين ~~هم فيكم تبع لا يبتغون اهلا ولا مالا ) # فمن ترك بزهده حسنات مامور بها كان ما تركه خيرا من زهده أو فعل سيئات ~~منهيا عنها أو دخل في الكسل والبطالات فهو من ( الاخسرين اعمالا الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ) # ومن زهد فيما يشغله عن الواجبات أو يوقعه في المحرمات فهو من المقتصدين ~~اصحاب اليمين # ومن زهد فيما يشغله عن المستحبات والدرجات فهو من المقدمين السابقين # فهذه جملة مختصرة في الزهد وقد تبين المطلوب الاول انما هو فعل ms5952 المامور ~~به لأنه يعين عليه وهذا هو المقصود هنا والله أعلم PageV20P151 واحذر ان ~~تغتر بزهد الكافرين والمبتدعين فان الفاسق المؤمن الذى يريد الاخرة ويريد ~~الدنيا خير من زهاد اهل البدع وزهاد الكفار اما لفساد عقدهم واما لفساد ~~قصدهم واما لفسادهما جميعا ### || الوجه الثانى والعشرون # أن الحسنات سبب للتحليل دينا وكونا والسيئات سبب للتحريم دينا وكونا فان ~~التحريم قد يكون حمية وقد يكون عقوبة والاحلال قد يكون سعة وقد يكون عقوبة ~~وفتنة قال تعالى @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم @QE@ فاباح بهيمة الأنعام في حال كونهم غير محلى الصيد وهو ~~اعتقاد تحريم ذلك واجتنابه وقال @QB@ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~@QE@ إلى قوله @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي @QE@ وقد ثبت ~~أنها نزلت عشية عرفة في حجة الوداع فأكمل الله الدين بايجابه لما اوجبه من ~~الواجبات التى آخرها الحج وتحريمه للمحرمات المذكورة في هذه الآية هذا من ~~جهة شرعه ومن جهة الفعل الذي هو تقويته واعانته ونصره بئس الذين كفروا من ~~ديننا وحج النبى حجة الاسلام فلما اكملوا الدين قال عقب ذلك PageV20P152 ~~@QB@ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~@QE@ إلى قوله @QB@ اليوم أحل لكم الطيبات @QE@ فكان احلاله الطيبات يوم ~~اكمل الدين فاكمله تحريما وتحليلا لما اكملوه امتثالا # وقال @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ الآية وهي بينة في ~~الاصلاح والتقوى والاحسان موجبة لرفع الحرج وان المؤمن العامل الصالحات ~~المحسن لا حرج عليه ولا جناح فيما طعم فان فيه عونا له وقوة على الايمان ~~والعمل الصالح والاحسان ومن سواهم على الحرج والجناح لان النعم إنما خلقها ~~الله ليستعان بها على الطاعة والآية مدنية وهي من آخر ما نزل من القرآن ~~وقال تعالى عن إبراهيم @QB@ وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر @QE@ وقال @QB@ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ~~@QE@ وقال @QB@ ولو ms5953 أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض @QE@ # وقال @QB@ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم ~~من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم @QE@ PageV20P153 # واما الطرف الآخر فقال تعالى @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ~~وأكلهم أموال الناس بالباطل @QE@ وقال @QB@ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر @QE@ إلى قوله @QB@ ذلك جزيناهم ببغيهم @QE@ وقال تعالى @QB@ واسألهم ~~عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت @QE@ إلى آخر الآيات # واما كون الاحلال والاعطاء فتنة فقوله ( # @QB@ وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه @QE@ ~~@QB@ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ~~فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون @QE@ الآيات @QB@ إنا جعلنا ~~ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا @QE@ @QB@ وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين @QE@ @QB@ يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~@QE@ إلى قوله @QB@ كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم ~~غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى @QE@ # ويختلف التحليل والتحريم باعتبار النية كما قال تعالى @QB@ وبعولتهن أحق ~~بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا @QE@ وقال @QB@ من بعد وصية يوصى بها أو دين ~~غير مضار @QE@ PageV20P154 # وقد كتبت في قاعدة ( العهود والعقود ( القاعدة في العهود الدينية في ~~القواعد المطلقة والقاعدة في العقود الدنيوية في القواعد الفقهية وفى كتاب ~~النذر أيضا أن ما وجب بالشرع إن نذره العبد أو عاهد الله عليه أو بايع عليه ~~الرسول أو الامام أو تحالف عليه جماعة فان هذه العهود والمواثيق تقتضي له ~~وجوبا ثانيا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول فتكون واجبة من وجهين ~~بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهد والميثاق وما يستحقه ~~عاصي الله ورسوله هذا هو التحقيق # ومن قال من أصحاب أحمد انه إذا نذر واجبا فهو بعد النذر كما ms5954 كان قبل ~~النذر بخلاف نذر المستحب فليس كما قال بل النذر إذا كان يوجب فعل المستحب ~~فايجابه لفعل الواجب اولى وليس هذا من باب تحصيل الحاصل بل هما وجوبان من ~~نوعين لكل نوع حكم غير حكم الآخر مثل الجدة إذا كانت أم أم أم وأم أب أب ~~فان فيها شيئين كل منهما تستحق به السدس # وكذلك من قال من أصحاب أحمد ان الشروط التى هي من مقتضى العقد لا يصح ~~اشتراطها أو قد تفسده حتى قال بعض أصحاب الشافعي إذا قال زوجتك على ما أمر ~~الله به من امساك بمعروف أو تسريح باحسان كان النكاح فاسدا لأنه شرط فيه ~~الطلاق فهذا PageV20P155 كلام فاسد جدا فان العقود إنما وجبت موجباتها ~~لايجاب المتعاقدين لها على أنفسهما ومطلق العقد له معنى مفهوم فاذا اطلق ~~كانا قد اوجبا ما هو المفهوم منه فان موجب العقد هو واجب بالعقد كموجب ~~النذر لم يوجبه الشارع ابتداء وإنما اوجب الوفاء بالعقود كما اوجب الوفاء ~~بالنذر فاذا كان له موجب معلوم بلفظ مطلق أو يعرف المتعاقدان إيجابه بلفظ ~~خاص كان هذا من باب عطف الخاص على العام فيكون قد أوجبه مرتين أو جعل له ~~إيجابا خاصا يستغنى به عن الايجاب العام # وفى القرآن من هذا نظائر مثل قوله @QB@ من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين @QE@ وقوله @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم @QE@ ومثل قوله @QB@ ~~حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ وقوله @QB@ قل لأزواجك وبناتك ~~ونساء المؤمنين @QE@ وقوله @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ وقوله @QB@ الذين ينقضون عهد ~~الله من بعد ميثاقه @QE@ فان الله أعلن عهد الله االذي امرهم به من بعد ما ~~أخذ عليهم الميثاق بالوفاء به فاجتمع فيه الوجهان العهدي والميثاقي ~~PageV20P156 # وفى القرآن من العهود والمواثيق على ما وجب بأمر الله شيء كثير فمن ذلك ~~قوله تعالى @QB@ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور @QE@ الاية وقوله ~~@QB@ وإذ أخذنا ميثاق بني ms5955 إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ~~@QE@ إلى آخر الكلام وقوله @QB@ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ~~ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا @QE@ وقوله @QB@ ومن أهل ~~الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك @QE@ الاية إلى قوله @QB@ بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب ~~المتقين إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم ~~في الآخرة @QE@ فان قوله @QB@ بلى من أوفى بعهده @QE@ بعد ذكره للايمان ~~يقتضى انه الوفاء بموجب العقود في المعاملات ونحوها كما قال في آية البيع ~~@QB@ فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته @QE@ فاداء الامانة هو ~~الوفاء بموجب العقود في المعاملات من القبض والتسليم فان ذلك واجب بعقده ~~فقط ثم قال بعده @QB@ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم @QE@ فعهد الله ~~ما عهده اليهم وايمانهم ما عقدوه من الايمان وسبب نزولها قصة الاشعث بن قيس ~~التى في الصحيحين في محاكمته مع اليهودى حين قال النبى ( من حلف على يمين ~~فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان ) وأنزل الله هذه ~~الاية فان ذلك المال كان يجب تسليمه إلى مستحقه PageV20P157 # بموجب عهده فاذا حلف بعد هذا على استحقاقه دون مستحقه فقد صار عاصيا من ~~وجهين نظير قوله ( ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) وضدهم الذين يوفون بعهد ~~الله ولا ينقضون الميثاق وقوله @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا @QE@ الآية قال بن عباس ما بعث الله ~~نبيا الا اخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه وامر أن ~~يأخذ الميثاق على أمته ان بعث محمد وهم احياء ليؤمنن به ولينصرنه # ومعلوم أن محمدا اذا بعثه الله برسالة عامة وجب الايمان به ونصرته على كل ~~من بلغته دعوته وان لم يكن قد أخذ عليه ميثاق بذلك وقد أخذ عليهم الميثاق ~~بما ms5956 هو واجب بأمر الله بلا ميثاق وقوله تعالى @QB@ فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك @QE@ إلى قوله @QB@ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا ~~الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا فبما ~~نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا ~~غلف @QE@ الآيات فهذا ميثاق أخذه الله PageV20P158 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### || # تنازع الناس في الأمر بالشيء هل يكون أمرا بلوازمه وهل يكون نهيا عن ضده ~~مع اتفاقهم على أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده # ومنشأ النزاع أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصوده اللوازم ولا ترك الضد ~~ولهذا إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا على ترك المأمور فقط لا يعاقبه على ~~ترك لوازمه وفعل ضده وهذه المسألة هي الملقبة بأن مالا يتم الواجب إلا به ~~فهو واجب وقد غلط فيها بعض الناس فقسموا ذلك إلى مالا يقدر المكلف عليه ~~كالصحة في الاعضاء والعدد في الجمعة ونحو ذلك مما لا يكون قادرا على تحصيله ~~وإلى ما يقدر عليه كقطع المسافة في الحج وغسل جزء من الرأس في الوضوء ~~وإمساك جزء من الليل في الصيام ونحو ذلك فقالوا مالا يتم الواجب المطلق إلا ~~به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب PageV20P159 # وهذا التقسيم خطأ فان هذه الأمور التى ذكروها هي شرط في الوجوب فلا يتم ~~الواجب إلا بها وما لا يتم الواجب إلا به يجب على العبد فعله باتفاق ~~المسلمين سواء كان مقدورا عليه أولا كالاستطاعة في الحج واكتساب نصاب ~~الزكاة فان العبد إذا كان مستطيعا للحج وجب عليه الحج وإذا كان ما لكا ~~لنصاب الزكاة وجبت عليه الزكاة فالوجوب لا يتم إلا بذلك فلا يجب عليه تحصيل ~~استطاعة الحج ولا ملك النصاب ولهذا من يقول إن الاستطاعة في الحج ملك المال ~~كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد فلا يوجبون عليه الاكتساب ولم ~~يتنازعوا إلا فيما إذا بذلت له الاستطاعة إما بذل الحج وإما بذل المال له ~~من ولده # وفيه نزاع معروف ms5957 في مذهب الشافعي وأحمد ولكن المشهور من مذهب أحمد عدم ~~الوجوب وإنما أوجبه طائفة من أصحابه لكون الأب له على أصله أن يتملك مال ~~ولده فيكون قبوله كتملك المباحات والمشهور من مذهب الشافعي الوجوب ببذل ~~الابن بالفعل # والمقصود هنا الفرق بين ما لا يتم الواجب إلا به وما لا يتم الوجوب إلا ~~به وأن الكلام في القسم الثانى إنما هو فيما لايتم الواجب إلا به كقطع ~~المسافة في الجمعة والحج ونحو ذلك فعلى المكلف فعله باتفاق المسلمين لكن من ~~ترك الحج وهو بعيد الدار عن مكة أو ترك PageV20P160 الجمعة وهو بعيد الدار ~~عن الجامع فقد ترك أكثر مما ترك قريب الدار ومع هذا فلا يقال إن عقوبة هذا ~~أعظم من عقوبة قريب الدار # والواجب ما يكون تركه سببا للذم والعقاب فلو كان هذا الذي لزمه فعله ~~بطريق التبع مقصودا بالوجوب لكان الذم والعقاب لتاركه أعظم فيكون من ترك ~~الحج من أهل الهند والأندلس أعظم عقابا ممن تركه من أهل مكة والطائف ومن ~~ترك الجمعة من أقصى المدينة أعظم عقابا ممن تركها من جيران المسجد الجامع ~~فلما كان من المعلوم أن ثواب البعيد أعظم وعقابه إذا ترك ليس أعظم من عقاب ~~القريب نشأت من ها هنا الشبهة هل هو واجب أو ليس بواجب # والتحقيق أن وجوبه بطريق اللزوم العقلي لا بطريق قصد الأمر بل الأمر ~~بالفعل قد لا يقصد طلب لوازمه وإن كان عالما بأنه لابد من وجودها وإن كان ~~ممن تجوز عليه الغفلة فقد لا تخطر بقلبه اللوازم # ومن فهم هذا انحلت عنه شبه الكعبى هل في الشريعة مباح أم لا فان الكعبى ~~زعم أنه لا مباح في الشريعة الخ فلا تجد قط مبتدعا إلا وهو يجب كتمان ~~النصوص التى تخالفه ويبغضها ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ويبغض من ~~يفعل ذلك كما قال بعض السلف PageV20P161 ما أبتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة ~~الحديث من قلبه # ثم إن قوله الذي يعارض به النصوص لابد أن يلبس فيه حقا بباطل بحسب ما ms5958 ~~يقول من الألفاظ المجملة المتشابهة ولهذا قال الامام أحمد في أول ما كتبه ~~في ( الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته ~~على غير تأويله ( مما كتبه في حبسه وقد ذكره الخلال في ( كتاب السنة ( ~~والقاضى أبو يعلي وأبو الفضل التميمي وأبو الوفاء بن عقيل وغير واحد من ~~أصحاب أحمد ولم ينفه أحد منهم عنه والحمد لله # والمقصود قوله يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما ~~يشبهون عليهم فان كانوا في مقام دعوة الناس إلى قولهم والتزامهم به أمكن أن ~~يقال لهم لا يجب على أحد أن يجيب داعيا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله فما ~~لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس اجابة من دعا إليه ولا ~~له دعوة الناس إلى ذلك ولو قدر أن ذلك المعنى حق وهذه الطريق تكون أصلح إذا ~~لبس ملبس منهم على ولاة الأمور وأدخلوه في بدعهم كما فعلت الجهمية بمن ~~لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك ~~فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك ~~وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة PageV20P162 # وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء وإذا ردوا ~~إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل # ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقا أو اعتقادا زعم أن الايمان لا يتم الا ~~به مع العلم بأن الرسول لم يذكره وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين ~~وما لم يعلم أنه خالفها فقد لا يسمى بدعة قال الشافعي رحمه الله البدعة ~~بدعتان بدعة خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض ( أصحاب ) رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فهذه بدعه ضلاله وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد ~~تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي ~~باسنادة الصحيح في المدخل ويروى عن مالك رحمه الله أنه قال إذا قل ms5959 العلم ~~ظهر الجفا وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء # ولهذا تجد قوما كثيرين يحبون قوما ويبغضون قوما لأجل أهواء لا يعرفون ~~معناها ولا دليلها بل يوالون على إطلاقها أو يعادون من غير أن تكون منقولة ~~نقلا صحيحا عن النبى وسلف الأمة ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها ولا ~~يعرفون لازمها ومقتضاها # وسبب هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة وجعلها مذاهب يدعى PageV20P163 إليها ~~ويوالى ويعادى عليها وقد ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول في خطبته ( إن أصدق الكلام كلام الله الخ ( فدين المسلمين مبني على ~~اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة فهذه الثلاثة هي أصول ~~معصومة وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول # وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير ~~النبى ولا ينصب لهم كلاما يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما ~~اجتمعت عليه الأمة بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما ~~يفرقون به بين الأمة يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون # والخوارج إنما تأولوا آيات من القرآن على ما أعتقدوه وجعلوا من خالف ذلك ~~كافرا لاعتقادهم أنه خالف القرآن فمن ابتدع اقوالا ليس لها أصل في القرآن ~~وجعل من خالفها كافرا كان قوله شرا من قول الخوارج # ويجب أن يعلم أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب ~~عما يعارضها جوابا قاطعا لا شبهة فيه بخلاف ما يسلكه من يسلكه من أهل ~~الكلام فكل من لم يناظر أهل الالحاد والبدع PageV20P164 مناظرة تقطع دابرهم ~~لم يكن أعطى الاسلام حقه ولا وفى بموجب العلم والايمان ولا حصل بكلامه شفاء ~~الصدور وطمأنينة النفوس ولا أفاد كلامه العلم واليقين # وقد أوجب الله على المؤمنين الايمان بالرسول والجهاد معه ومن الايمان به ~~تصديقه في كل ما أخبر به ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء به والحد في ~~أسماء الله وآياته # ومن المعلوم أنه لا بد في ms5960 كل مسألة دائرة بين النفي والاثبات من حق ثابت ~~في نفس الأمر أو تفصيل لكن من لم يكن عارفا بآثار السلف وحقائق أقوالهم ~~وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة وحقيقة المعقول الصريح الذي لا يتصور أن ~~يناقض ذلك لم يمكنه أن يقول بمبلغ علمه ولا يكلف الله نفسا الا وسعها # ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل ~~العلمية ولولا ذلك لهلك اكثر فضلاء الأمة وإذا كان الله يغفرلمن جهل تحريم ~~الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونة لم يطلب العلم فالفاضل المجتهد في طلب ~~العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب ~~إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما ~~أخطأ تحقيقا لقوله PageV20P165 @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~@QE@ # وأهل السنة جزموا بالنجاة لكل من اتقى الله تعالى كما نطق به القرآن ~~وإنما توقفوا في شخص معين لعدم العلم بدخوله في المتقين وحال سائر أهل ~~الأقوال الضعيفة الذين يحتجون بظاهر القرآن على ما يخالف السنة إذا خفي ~~الأمر عليهم مع إنه لم يوجد في ظاهر القرآن ما يخالف السنة كمن قال من ~~الخوارج لا يصلى في السفر إلا اربعا ومن قال إن الأربع أفضل ومن قال لانحكم ~~بشاهد ويمين وما دل عليه ظاهر القرآن حق وأنه ليس بعام مخصوص فانه ليس هناك ~~عموم لفظى وإنما هو مطلق كقوله @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ فانه عام في ~~الأعيان مطلق في الأحوال وقوله @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ عام في ~~الأولاد مطلق في الأحوال # ولفظ الظاهر يراد به ما يظهر للأنسان وقد يراد به مايدل عليه اللفظ ~~فالأول يكون بحسب مفهوم الناس وفى القرآن مما يخالف الفهم الفاسد شيء كثير # وقال شيخ الاسلام رحمه الله PageV20P166 ### || 1 ( رسالة في تعليل الحكم الواحد بعلتين ) 1 # ! 8 < # في تعليل الحكم الواحد بعلتين وما يشبه ذلك من وجود مقدر واحد بين قادرين ~~ووجود الفعل الواحد من فاعلين فنقول # النزاع وان كان مشهورا ms5961 في ذلك فأكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم يجوز ~~تعليل الحكم بعلتين وكثير من الفقهاء والمتكلمين يمنع ذلك فالنزاع في ذلك ~~يعود إلى نزاع تنوعي ونزاع في العبارة وليس بنزاع تناقض ونظير ذلك النزاع ~~في تخصيص العلة فان هذا فيه خلاف مشهور بين الطوائف كلها من أصحابنا وغيرهم ~~حتى يذكر ذلك روايتان عن أحمد # وأصل ذلك أن مسمى العلة قد يعنى به العلة الموجبة وهى التامة التى يمتنع ~~تخلف الحكم عنها فهذه لايتصور تخصيصها ومتى انتقضت فسدت ويدخل فيها ما يسمى ~~جزء العله وشرط الحكم PageV20P167 وعدم المانع فسائر ما يتوقف الحكم عليه ~~يدخل فيها # وقد يعنى بالعله ما كان مقتضيا للحكم يعنى أن فيه معنى يقتضى الحكم ~~ويطلبه وإن لم يكن موجبا فيمتنع تخلف الحكم عنه فهذه قد يقف حكمها على ثبوت ~~شروط وانتفاء موانع فاذا تخصصت فكان تخلف الحكم عنها لفقدان شرط أو وجود ~~مانع لم يقدح فيها وعلى هذا فينجبر النقص بالفرق وإن كان التخلف عنها لا ~~لفوات شرط ولا وجود مانع كان ذلك دليلا على أنها ليست بعلة إذ هي بهذا ~~التقدير علة تامة إذا قدر أنها جميعها بشروطها وعدم موانعها موجودة حكما ~~والعلة التامة يمتنع تخلف الحكم عنها فتخلفه يدل على أنها ليست علة تامة ~~والمقصود من التنظير ان سؤال النقض الوارد على العلة مبنى على تخصيص العلة ~~وهو ثبوت الوصف بدون الحكم وسؤال عدم التأثير عكسه وهو ثبوت الحكم بدون ~~الوصف وهو ينافى عكس العلة كما أن الأول ينافى طردها والعكس مبني على تعليل ~~الحكم بعلتين # وجمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم وان كانوا لا يشترطون الانعكاس في ~~العلل الشرعية ويجوزون تعليل الحكم الواحد بعلتين فهم مع ذلك يقولون العلة ~~تفسد بعدم التأثير لأن ثبوت الحكم بدون هذا الوصف يبين أن هذا الوصف ليس ~~علة اذا لم يخلف هذا PageV20P168 الوصف وصفا آخر يكون عله له فهم يوردون ~~هذا السؤال في الموضع الذي ليست العلة فيه الا علة واحدة إما لقيام الدليل ~~على ذلك وإما لتسليم المستدل لذلك ms5962 # والمقصود هنا أن نبين أن النزاع في تعليل الحكم بعلتين يرجع إلى نزاع ~~تنوع ونزاع في العبارة لا إلى نزاع تناقض معنوي وذلك أن الحكم الواحد ~~بالجنس والنوع لا خلاف في جواز تعليله بعلتين يعنى أن بعض أنواعه أو أفراده ~~يثبت بعلة وبعض أنواعه أو أفراده يثبت بعله أخرى كالارث الذي يثبت بالرحم ~~وبالنكاح وبالولاء والملك الذي يثبت بالبيع والهبة والارث وحل الدم الذي ~~يثبت بالردة والقتل والزنا ونواقض الوضوء وموجبات الغسل وغير ذلك # وأما التنازع بينهم في الحكم المعين الواحد بالشخص مثل من لمس النساء ومس ~~ذكره وبال هل يقال انتقاض وضوئه ثبت بعلل متعددة فيكون الحكم الواحد معللا ~~بعلتين ومثل من قتل وارتد وزنا ومثل الربيبة إذا كانت محرمة بالرضاع كما ~~قال النبى في درة بنت أم سلمة لما قالت له أم حبيبة إنا نتحدث أنك ناكح درة ~~بنت أم سلمة فقال ( بنت أبي سلمة ( فقالت نعم فقال ( إنها لو لم تكن ربيبتى ~~في حجري لما حلت لي لأنها بنت أخي من الرضاعة أرضعتنى وأبا سلمة ثويبة ~~مولاة أبي لهب ( وكما قال أحمد PageV20P169 في بعض ما يذكره هذا كلحم خنزير ~~ميت حرام من وجهين وأمثال ذلك # فنقول لا نزاع بين الطائفتين في أمثال هذه الأمور ان كل واحدة من العلتين ~~مستقلة بالحكم في حال الانفراد وأنه يجوز أن يقال إنه اجتمع لهذا الحكم ~~علتان كل واحدة منهما مستقلة به إذا انفردت فهذا أيضا مما لا نزاع فيه وهو ~~معنى قولهم يجوز تعليله بعلتين على البدل بلا نزاع # ولا يتنازع العقلاء أن العلتين إذا اجتمعتا لم يجز أن يقال إن الحكم ~~الواحد ثبت بكل منهما حال الاجتماع على سبيل الاستقلال فان استقلال العلة ~~بالحكم هو ثبوته بها دون غيرها فاذا قيل ثبت بهذه دون غيرها وثبت بهذه دون ~~غيرها كان ذلك جمعا بين النقيضين وكان التقدير ثبت بهذه ولم يثبت بها وثبت ~~بهذه ولم يثبت بها فكان ذلك جمعا بين إثبات التعليل بكل منهما وبين نفي ~~التعليل عن كل ms5963 منهما وهذا معنى ما يقال إن تعليله بكل منهما على سبيل ~~الاستقلال ينفى ثبوته بواحدة منهما وما أفضى إثباته إلى نفيه كان باطلا # وهنا يتقابل النفاة والمثبتة والنزاع لفظى فتقول النفاة إثبات الحكم بهذه ~~العلة على سبيل الاستقلال ينافى إثباته بالأخرى على سبيل الاستقلال وتقول ~~المثبتة نحن لا نعنى بالاستقلال الاستقلال في حال PageV20P170 الاجتماع ~~وإنما نعنى أن الحكم ثبت بكل منهما وهي مستقلة به إذا انفردت # فهؤلاء لم ينازعوا الأولين في أنهما حال إلاجتماع لم تستقل واحدة منهما ~~به وأولئك لم ينازعوا هؤلاء في أن كل واحدة من العلتين مستقلة حال انفرادها # فهذا هو الكلام في العلتين المجتمعتين # وأما الحكم الثابت حين اجتماعهما فقد يكون مختلفا كحل القتل الثابت ~~بالردة وبالزنا وبالقصاص فان هذه الأحكام مختلفة غير متماثلة لا يسد كل ~~واحد منها مسد الآخر وقد تكون الأحكام متماثلة كانتقاض الوضوء فالذين ~~يمنعون تعليل الحكم بعلتين يقولون الثابت بالعلل أحكام متعددة لا حكم واحد ~~لا سيما عند من سلم لهم على أحد قولي الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما أنه إذا نوى التوضؤ أو الاغتسال من حدث بعض الاسباب لم يرتفع الحدث ~~الآخر والخلاف معروف في اجتماع ذلك في الحدث الأصغر والاكبر وهو ينزع إلى ~~اجتماع الامثال في المحل الواحد وأن الامثال هل هي متضادة أم لا وفيه نزاع ~~معروف # ومن يقول بتعليل الحكم الواحد بعلتين لا ينازع في أنه إذا اجتمع ~~PageV20P171 علتان كان الحكم أقوى وأوكد مما إذا انفردت إحداهما ولهذا إذا ~~جاء تعليل الحكم الواحد بعلتين في كلام الشارع أو الأئمة كان ذلك مذكورا ~~لبيان توكيد ثبوت الحكم وقوته كقول أحمد في بعض ما يغلظ تحريمه هذا كلحم ~~خنزير ميت فانه ذكر ذلك لتغليظ التحريم وتقويته وهذا أيضا يرجع إلى ان ~~الايجاب والتحريم والاباحة هل يتفاوت في نفسه فيكون ايجاب أعظم من إيجاب ~~وتحريم أعظم من تحريم وهذا فيه أيضا نزاع والمشهور عند اكثر الفقهاء من ~~أصحابنا وغيرهم تجويز تفاوت ذلك ومنع منه طائفة منهم بن عقيل وغيرهم ms5964 # وكذلك النزاع في أنه هل يكون عقل اكمل من عقل وهو يشبه النزاع في أن ~~التصديق والمعرفة التى في القلب هل تتفاوت وقد ذكر في ذلك روايتان عن أحمد ~~والذي عليه أئمة السنة المخالفون للمرجئة أن جميع ذلك يتفاوت ويتفاضل وكذلك ~~سائر صفات الحي من الحب والبغض والارادة والكراهة والسمع والبصر والشم ~~والذوق واللمس والشبع والري والقدرة والعجز وغير ذلك فالنزاع في هذا ~~كالنزاع في جواز اجتماع المثلين مثل سوادين وحلاوتين فانه لا نزاع أنه قد ~~يكون أحد السوادين أقوى واحدى الحلاوتين اقوى لكن هل يقال إنه اجتمع في ~~المحل سوادان وحلاوتان أو هو سواد واحد قوي وهذا أيضا نزاع لفظي ~~PageV20P172 # فقول من يقول إنه اجتمع في المحل حكمان كايجابين وتحريمين وإباحتين وهو ~~شبيه بقول من يقول إجتمع سوادان وقول من يقول هو حكم واحد مؤكد كقول من ~~يقول سواد واحد قوي وكلا القولين مقصودهما واحد فان التوكيد لا ينافى تعدد ~~الامثال اذ التوكيد قد يكون بتكرير الامثال كقول النبى صلى الله عليه وسلم ~~( والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لا غزون قريشا ( وقول ~~القائل ثم ثم وجاء زيد جاء زيد وأمثال ذلك فالقول بثبوت أحكام والقول بثبوت ~~حكم قوي مؤكد هما سواء في المعنى # ومن المعلوم أنه سواء قال القائل ثبت أحكام متعددة أو حكم قوي مؤكد فذلك ~~المجموع لم يحصل الا بمجموع العلتين لم تستقل به إحداهما ولا تستقل به ~~إحداهما لا في حال الاجتماع ولا في حال الانفراد فكل منهما جزء من العلة ~~التى لهذا المجموع لا علة له كما أنه من المعلوم ان كل واحدة من العلتين ~~مستقلة بأصل الحكم الواحد حال انفرادها ولكن لفظ الواحد فيه إجمال كما أن ~~في لفظ الاستقلال إجمالا فكما أن من أثبت استقلال العلة حال الانفراد لا ~~يعارض من نفى استقلالها حال الاجتماع فكذلك من قال يجوز تعليل الحكم الواحد ~~بعلتين إذا أراد به أن كلا منهما تستقل به حال الانفراد فهذا لا نزاع فيه ~~PageV20P173 # ومن قال ان المجموع ms5965 الواحد الحاصل بمجموعهما لا يحصل بأحدهما فهذا لا ~~نزاع فيه # ومن جعل هذا المجموع احكاما متعددة لم يعارض قول من جعله واحدا إذا عنى ~~به وحدة النوع في المحل الواحد فيكون المقصود أن الحكم الواحد بالنوع تارة ~~يكون شخصان منه في محلين فهذا ظاهر وتارة يجتمع منه شخصان في محل واحد فهما ~~نوعان باعتبار أنفسهما وهما شخص واحد باعتبار محلهما فمن قال إن الحكم ~~الحاصل بالعلتين حكم واحد فان أراد به نوعا واحدا في عين واحدة فقد صدق ومن ~~أراد به شخصين من نوع في عين واحدة فقد صدق ### ||| فصل # وقد تبين بذلك أن العلتين لا تكونان مستقلتين بحكم واحد حال الاجتماع ~~وهذا معلوم بالضرورة البديهية بعد التصور فان الاستقلال ينافي الاشتراك إذ ~~المستقل لا شريك له فالمجتمعان على أمر واحد لا يكون أحدهما مستقلا به وأن ~~الحكم الثابت بعلتين سواء قيل هو أحكام أو حكم واحد مؤكد لا تستقل به ~~إحداهما بل كل منهما جزء من علته لا علة له PageV20P174 # وهكذا يقال في اجتماع الأدلة على المدلول الواحد أنها توجب علما مؤكدا أو ~~علوما متماثلة ومن هنا يحصل بها من الايضاح والقوة مالا يحصل بالواحد وهذا ~~داخل في القاعدة الكلية وهو أن المؤثر الواحد سواء كان فاعلا بارادة ~~واختيار أو بطبع أو كان داعيا إلى الفعل وباعثا عليه متى كان له شريك في ~~فعله وتأثيره كان معاونا ومظاهرا له ومنعه أن يكون مستقلا بالحكم منفردا به ~~ولزم من ذلك حاجة كل منهما إلى الآخر وعدم استغنائه بنفسه في فعله وأن ~~الاشتراك موجب للافتقار مزيل للغنى فان المشتركين في الفعل متعاونان عليه ~~وأحدهما لا يجوز إذا لم يتغير بالاشتراك والانفراد أن يفعل وحده ما فعله هو ~~والآخر فانه إذا فعل شيئا حال الانفراد وقدر أنه لم يتغير وأنه اجتمع ~~بنظيره امتنع أن يكون مفعولهما حال الاشتراك هو مثل مفعول كل منهما حال ~~الانفراد فان المفعول إذا لم يكن له وجود الا من الفاعل والفاعل حال ~~انفراده له مفعول فاذا اجتمعا ms5966 كان مفعولهما جميعا اكثر أو أكبر من مفعول ~~أحدهما وإلا كان الزائد كالناقص بخلاف ما إذا تغير الفاعل كالانسان الذي ~~يرفع هو وآخر خشبة أو يصنع طعاما ثم هو وحده مثل ذلك فان ذلك لا بد أن يكون ~~بتغيير منه في إرادته وحركته وآلاته ونحو ذلك وإلا فاذا استوى حالاه امتنع ~~تساوي المفعولين حال الانفراد والاشتراك PageV20P175 # وفى الجملة فكل من المشتركين في مفعول فأحدهما مفتقر إلى الأخر في وجود ~~ذلك المفعول محتاج إليه فيه والا لم يكونا مشتركين لأن كلا منهما إما أن ~~يكون مستقلا بالفعل منفردا به أو لايكون فإن كان مستقلا به منفردا به إمتنع ~~أن يكون له فيه شريك أو معاون وإن لم يكن مستقلا منفردا به لم يكن المفعول ~~به وحده بل به وبالأخر ولم يكن هو وحده كافيا في وجود ذلك المفعول بل كان ~~محتاجا إلى الأخر في وجود ذلك المفعول مفتقرا إليه فيه # وهذا يقتضى أنه ليس رب ذلك المفعول ولا مالكه ولا خالقه بل هو شريك فيه # ويقتضى أنه لم يكن غنيا عن الشريك في ذلك المفعول بل كان مفتقرا إليه فيه ~~محتاجا إليه فيه # وذلك يقتضى عجزه وعدم قدرته عليه حال الانفراد أيضا كما نبهنا عليه من أن ~~الانسان لا ينفرد بما شاركه فيه غيره وإن لم يتغير تغيرا يوجب تمام قدرته ~~على ما شاركه فيه الغير وذلك أن الفاعل إذا كان حال الانفراد قادرا تام ~~القدرة والتقدير انه مريد للمفعول إرادة جازمه إذ لو لم يرده إرادة جازمه ~~لما وجد حال الانفراد ولا حال الاجتماع والاشتراك إذ الارادة التى ليست ~~بجازمه لا يوجد مرادها الذى يفعله PageV20P176 المريد بحال والارادة ~~الجازمه بلا قدرة لا يوجد مرادها والارادة الجازمة مع القدرة التامة تستلزم ~~وجود المراد فلو كان أحد المشتركين تام القدرة تام الارادة لوجب وجود ~~المفعول به وحده ووجوده به وحده يمنع وجوده بالأخر فيلزم إجتماع النقيضين ~~وهو وجود المفعول به وحده وعدم وجود المفعول به وحده وأن يكون فاعلا غير ~~فاعل وذلك ms5967 ظاهر البطلان # وهذا التمانع ليس هو أن كل واحد من الفاعلين يمنع الآخر كما يقال إذا ~~أراد أحدهما تحريك جسم والأخر تسكينه أو اماتة شخص والآخر إحياءه وإنما هو ~~تمانع ذاتى وهو أنه تمانع اشتراك شريكين تامى القدرة والارادة في مفعول هما ~~عليه تاما القدرة والارادة فان من كان على الشيء تام القدرة وهو له تام ~~الارادة وجب وجود المفعول به وحده وإذا كان الآخر كذلك وجب وجود المفعول به ~~وهذان يتتابعان ويتمانعان إذ الاثبات يمنع النفى والنفى يمنع الاثبات ~~تمانعا وتناقضا ذاتيا فتبين أن الاشتراك موجب لنقص الشريك في نفس القدرة ~~وإذا قدر إثنان مريدان لأمر من الأمور فلابد من أمرين # إما أن يكون المفعول الذي يفعله هذا ليس هو المفعول الذى يفعله الأخر ~~ولكن كل منهما مستقل ببعض المفعول PageV20P177 # وإما أن يكون المفعول الذى اشتركا فيه لا يقدر أحدهما على أن يفعله إذا ~~انفرد الا أن يتجدد له قدره أكمل من القدرة التى كانت موجوده حال الاشتراك ~~فاذا كان المفعول واحدا قد اختلط بعضه ببعض على وجه لا يمكن انفراد فاعل ~~ببعضه وفاعل أخر ببعضه امتنع فيه اشتراك الامتياز كاشتراك بنى آدم في ~~مفعولاتهم التى يفعل هذا بعضها وهذا بعضها وامتنع فيه إشتراك الاختلاط الا ~~مع عجز أحدهما ونقص قدرته وأنه ليس على شيء قدير وهذا الذى ذكرناه بقولنا ~~أن الاشتراك موجب لنقص القدرة ### ||| فصل # ثم يقال هذا أيضا يقتضى أن كلا منهما ليس واجبا بنفسه غنيا قويا بل ~~مفتقرا إلى غيره في ذاته وصفاته كما كان مفتقرا إليه في مفعولاته وذلك أنه ~~إذا كان كل منهما مفتقرا إلى الآخر في مفعولاته عاجزا عن الانفراد بها إذ ~~الاشتراك مستلزم لذلك كما تقدم فاما أن يكون قابلا للقدرة على الاستقلال ~~بحيث يمكن ذلك فيه أولا يمكن # والثانى ممتنع لأنه إذا امتنع أن يكون الشيء مقدورا ممكنا لواحد ~~PageV20P178 امتنع أن يكون مقدورا ممكنا لاثنين فان حال الشيء في كونه ~~مقدورا ممكنا لا يختلف بتعدد القادر عليه وتوحده فاذا امتنع أن ms5968 يكون مفعولا ~~مقدورا لواحد امتنع أن يكون مفعولا مقدورا لاثنين وإذا جاز أن يكون مفعولا ~~مقدورا عليه لاثنين هو ممكن جاز أن يكون أيضا لواحد # وهذا بين إذا كان الامكان والامتناع لمعنى في الممكن المفعول المقدور ~~عليه إذ صفات ذاته لا تختلف في الحال وكذلك إذا كان لمعنى في القادر فان ~~القدرة القائمة باثنين لا يمتنع أن تقوم بواحد بل امكان ذلك معلوم ببديهة ~~العقل فان من المعلوم ببديهة العقل أن الصفات بأسرها من القدرة وغيرها كل ~~ما كان محلها متحدا مجتمعا كان أكمل لها في أن يكون متعددا متفرقا ولهذا ~~كان الاجتماع والاشتراك في المخلوقات يوجب لها من القوة والقدرة مالا يحصل ~~لها إذا تفرقت وانفردت وان كانت احوالها باقية بل الأشخاص والاعضاء وغيرها ~~من الاجسام المفترقة قد قام بكل منها قدرة فإذا قدر إتحادها واجتماعها كانت ~~تلك القدرة أقوى واكمل لأنه حصل لها من الاتحاد والاجتماع بحسب الامكان ما ~~لم يكن حين الافتراق والتعداد # وهذا يبين أن القدرة القائمة باثنين إذا قدر أن ذينك الاثنين كانا شيئا ~~واحدا تكون القدرة أكمل فكيف لا تكون مساوية للقدرة PageV20P179 القائمة ~~بمحلين وإذا كان من المعلوم أن المحلين المتباينين اللذين قام بهما قدرتان ~~إذا قدر أنهما محل واحد وأن القدرتين قامتا به لم تنقص القدرة بذلك بل تزيد ~~علم أن المفعول الممكن المقدور عليه لقادرين منفصلين إذا قدر أنهما بعينهما ~~قادر واحد قد قام به ما قام بهما لم ينقص بذلك بل يزيد فعلم أنه يمكن أن ~~يكون كل منهما قابلا للقدرة على الاستقلال فإن ذلك ممكن فيه # فتبين أنه ليس يمكن في المشتركين على المفعول الواحد أن يكون كل منهما ~~قادرا عليه بل من الممكن أن يكونا شيئا واحدا قادرا عليه فتبين أن كلا ~~منهما يمكن أن يكون أكمل مما هو عليه وأن يكون بصفة أخرى وإذا كان يمكن في ~~كل منهما أن تتغير ذاته وصفاته ومعلوم أنه هو لا يمكن أن يكمل نفسه وحده ~~ويغيرها إذ التقدير أنه عاجز عن ms5969 الانفراد بمفعول منفصل عنه فان يكون عاجزا ~~عن تكميل نفسه وتغييرها أولى واذا كان هذا يمكن أن يتغير ويكمل وهو لا ~~يمكنه ذلك بنفسه لم يكن واجب الوجود بنفسه بل يكون فيه إمكان وافتقار إلى ~~غيره والتقدير أنه واجب الوجود بنفسه ( غير واجب الوجود بنفسه ) فيكون ~~واجبا ممكنا وهذا تناقض اذ ما كان واجب الوجود بنفسه تكون نفسه كافية في ~~حقيقة ذاته وصفاته لا يكون في شيء من ذاته وأفعاله وصفاته مفتقرا إلى غيره ~~إذ ذلك كله داخل في مسمى ذاته بل ويجب أن لا يكون مفتقرا إلى غيره في شيء ~~من أفعاله ومفعولاته فان أفعاله القائمة به داخلة في PageV20P180 مسمى نفسه ~~وافتقاره إلى غيره في بعض المفعولات يوجب افتقاره في فعله وصفته القائمة به ~~إذ مفعوله صدر عن ذلك فلو كانت ذاته كافية غنية لم تفتقر إلى غيره في فعلها ~~فافتقاره إلى غيره بوجه من الوجوه دليل عدم غناه وعلى حاجته إلى الغير وذلك ~~هو الامكان المناقض لكونه واجب الوجود بنفسه # ولهذا لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين والغنى عن الغير من ~~خصائص رب العالمين كان الاستقلال بالفعل من خصائص رب العالمين وكان التنزه ~~عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين فليس في المخلوقات ما هو ~~مستقل بشيء من المفعولات وليس فيها ما هو وحده عله تامه وليس فيها ما هو ~~مستغنيا عن الشريك في شيء من المفعولات بل لا يكون في العالم شيء موجود عن ~~بعض الأسباب إلا يشاركه سبب آخر له فيكون وان سمي علة علة مقتضية سببية لا ~~علة تامة ويكون كل منهما شرطا للآخر # كما أنه ليس في العالم سبب إلا وله مانع يمنعه في الفعل فكل ما في ~~المخلوق مما يسمى علة أو سببا أو قادرا أو فاعلا أو مؤثرا فله شريك هو له ~~كالشرط وله معارض هو له مانع وضد وقد قال سبحانه @QB@ ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين @QE@ والزوج يراد به النظير المماثل والضد المخالف PageV20P181 # وهذا كثير فما من ms5970 مخلوق إلا له شريك وند والرب سبحانه وحده هو الذى لا ~~شريك له ولا ند ولا مثل له بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولهذا لا يستحق ~~غيره أن يسمى خالقا ولا ربا مطلقا ونحو ذلك لأن ذلك يقتضى الاستقلال ~~والانفراد بالمفعول المصنوع وليس ذلك الا لله وحده # ولهذا وان تنازع بعض الناس في كون العلة يكون ذات أوصاف وادعى أن العلة ~~لا تكون إلا ذات وصف واحد فان اكثر الناس خالفوا في ذلك وقالوا يجوز أن ~~تكون ذات أوصاف بل قيل لا يكون في المخلوق علة ذات وصف واحد إذ ( ليس ) في ~~المخلوق ما يكون وحده عله ولا يكون في المخلوق علة إلا ما كان مركبا من ~~أمرين فصاعدا فليس في المخلوقات واحد يصدر عنه شيء فضلا عن أن يقال الواحد ~~لا يصدر عنه إلا واحد بل لا يصدر من المخلوق شيء إلا عن اثنين فصاعدا # وأما الواحد الذى يفعل وحده فليس إلا الله فكما أن الوحدانية واجبة له ~~لازمة له فالمشاركة واجبة للمخلوق لازمة له والوحدانية مستلزمة للكمال ~~والكمال مستلزم لها والاشتراك مستلزم للنقصان والنقصان مستلزم له ~~والوحدانية مستلزمة للغنى عن الغير والقيام بنفسه ووجوبه بنفسه وهذه الأمور ~~من الغنى والوجوب بالنفس PageV20P182 والقيام بالنفس مستلزمة للوحدانية ~~والمشاركة مستلزمة للفقر إلى الغير والامكان بالنفس وعدم القيام بالنفس ~~وكذلك الفقر والامكان وعدم القيام بالنفس مستلزم للاشتراك # فهذه وأمثالها من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها وهي من دلائل إمكان ~~المخلوقات المشهودات وفقرها وأنها مربوبة فهي من أدلة إثبات الصانع لأن ما ~~فيها من الافتراق والتعداد والاشتراك يوجب إفتقارها وإمكانها والممكن ~~المفتقر لابد له من واجب غني بنفسه وإلا لم يوجد ولو فرض تسلسل الممكنات ~~المفتقرات فهي بمجموعها ممكنة والممكن قد علم بالاضطرار أنه مفتقر في وجوده ~~إلى غيره فكل ما يعلم أنه ممكن فقير فانه يعلم أنه فقير أيضا في وجوده إلى ~~غيره فلابد من غنى بنفسه واجب الوجود بنفسه وإلا لم يوجد ما هو فقير ممكن ~~بحال وهذه ms5971 المعاني تدل على توحيد الربوبية وعلى توحيد الالهية وهو التوحيد ~~الواجب الكامل الذي جاء به القرآن لوجوه قد ذكرنا منها ما ذكرنا في غير هذا ~~الموضع مثل أن المتحركات لا بد لها من حركة إرادية ولابد للارادة من مراد ~~لنفسه وذلك هو الاله والمخلوق يمتنع أن يكون مرادا لنفسه كما يمتنع أن يكون ~~فاعلا بنفسه فاذا امتنع أن يكون فاعلان بأنفسهما إمتنع أن يكون مرادان ~~بأنفسهما PageV20P183 # وقال شيخ الاسلام ### ||| فصل # المنحرفون من اتباع الأئمة في الأصول والفروع كبعض الخراسانيين من أهل ~~جيلان وغيرهم المنتسبين إلى أحمد وغير أحمد انحرافهم انواع # أحدها قول لم يقله الامام ولا أحد من المعروفين من أصحابه بالعلم كما ~~يقوله بعضهم من قدم روح بني آدم ونور الشمس والقمر والنيران وقال بعض ~~متأخريهم بقدم كلام الآدميين وخرس الناس إذا رفع القرآن وتكفير أهل الرأي ~~ولعن أبى فلان وقدم مداد المصحف # الثاني قول قاله بعض علماء أصحابه وغلط فيه كقدم صوت العبد ورواية أحاديث ~~ضعيفة يحتج فيها بالسنة في الصفات والقدر والقرآن والفضائل ونحو ذلك ~~PageV20P184 # الثالث قول قاله الامام فزيد عليه قدرا أو نوعا كتكفيره نوعا من أهل ~~البدع كالجهمية فيجعل البدع نوعا واحدا حتى يدخل فيه المرجئة والقدرية أو ~~ذمه لأصحاب الرأي بمخالفة الحديث والارجاء فيخرج ذلك إلى التكفير واللعن أو ~~رده لشهادة الداعية وروايته وغير الداعية في بعض البدع الغليظة فيعتقد رد ~~خبرهم مطلقا مع نصوصه الصرائح بخلافه وكخروج من خرج في بعض الصفات إلى ~~زيادة من التشبيه # الرابع أن يفهم من كلامه ما لم يرده أو ينقل عنه ما لم يقله # الخامس أن يجعل كلامه عاما أو مطلقا وليس كذلك ثم قد يكون في اللفظ إطلاق ~~أو عموم فيكون لهم فيه بعض العذر وقد لا يكون كاطلاقه تكفير الجهمية ~~الخلقية مع أنه مشروط بشروط انتفت فيمن ترحم عليه من الذين امتحنوه وهم ~~رؤوس الجهمية # السادس أن يكون عنه في المسألة اختلاف فيتمسكون بالقول المرجوح # السابع أن لا يكون قد قال أو نقل عنه ما ms5972 يزيل شبهتهم مع كون لفظه محتملا ~~لها PageV20P185 # الثامن أن يكون قوله مشتملا على خطأ # فالوجوه الستة تبين من مذهبه نفسه أنهم خالفوه وهو الحق والسابع خالفوا ~~الحق وإن لم يعرف مذهبه نفيا وإثباتا والثامن خالفوا الحق وإن وافقوا مذهبه ~~فالقسمة ثلاثية لآنهم إذا خالفوا الحق فاما أن يكونوا قد خالفوه أيضا أو ~~وافقوه أو لم يوافقوه ولم يخالفوه لانتفاء قوله في ذلك وكذلك إذا وافقوا ~~الحق فاما أن يوافقوه هو أو يخالفوه أو ينتفي الأمران # وأهل البدع في غير الحنبلية أكثر منهم في الحنبلية بوجوه كثيرة لأن نصوص ~~أحمد في تفاصيل السنة ونفى البدع أكثر من غيره بكثير فالمبتدعة المنتسبون ~~إلى غيره إذا كانوا جهمية أو قدرية أو شيعة أو مرجئة لم يكن ذلك مذهبا ~~للامام إلا في الارجاء فانه قول أبى فلان وأما بعض التجهم فاختلف النقل عنه ~~ولذلك اختلف اصحابه المنتسبون إليه ما بين سنية وجهمية ذكور وإناث مشبهة ~~ومجسمة لأن أصوله لا تنفي البدع وإن لم تثبتها # وفى الحنبلية أيضا مبتدعة وإن كانت البدعة في غيرهم أكثر وبدعتهم غالبا ~~في زيادة الاثبات في حق الله وفى زيادة الانكار على مخالفهم بالتكفير وغيره ~~لأن أحمد كان مثبتا لما جاءت به السنة منكرا على من خالفها مصيبا في غالب ~~الأمور مختلفا عنه في البعض ومخالفا في البعض PageV20P186 # واما بدعة غيرهم فقد تكون أشد من بدعة مبتدعهم في زيادة الاثبات والانكار ~~وقد تكون في النفي وهو الأغلب كالجهمية والقدرية والمرجئة والرافضة وأما ~~زيادة الانكار من غيرهم على المخالف من تكفير وتفسيق فكثير # والقسم الثالث من البدع الخلو عن السنة نفيا وإثباتا وترك الأمر بها ~~والنهي عن مخالفتها وهو كثير في المتفقهة والمتصوفة PageV20P187 # وقال رحمه الله تعالى ### ||| فصل # المتكلم باللفظ العام لابد أن يقوم بقلبه معنى عام فان اللفظ لابد له من ~~معنى ومن قال العموم من عوارض الألفاظ دون المعانى فما أراد والله أعلم إلا ~~المعانى الخارجة عن الذهن كالعطاء والمطر على أن قوله مرجوح فاذا حكم بحكم ~~عام لمسمى ms5973 من أمر أو نهي أو خبر سلب أو ايجاب فهذا لابد أن يستشعر ذلك ~~المعنى العام والحكم عليه ولا يجب أن يتصور الأفراد من جهة تميز بعضها عن ~~بعض بل قد لا يتصور ذلك إذا كانت مما لا ينحصر للبشر وإنما يتصورها ويحكم ~~عليها من جهة المعنى العام المشترك بينها سواء كانت صيغة العموم اسم جمع أو ~~اسم واحد فانه لا بد أن يعم الاسم لتلك المسميات لفظا ومعنى فهو يحكم عليها ~~باعتبار القدر المشترك العام بينها وقد يستحضر أحيانا بعض آحاد ذلك العام ~~بخصوصه أو بعض الأنواع بخصوصه وقد يستحضر الجميع إن كان مما يحصر وقد لا ~~يستحضر ذلك بل يكون عالما بالأفراد على وجه كلي جملة PageV20P188 لا تفصيلا ~~ثم إن ذلك الحكم يتخلف عن بعض تلك الآحاد لمعارض # مثل أن يقول أعط لكل فقير درهما فاذا قيل له فان كان كافرا أو عدوا فقد ~~ينهى عن الاعطاء # فهذا الذي أراد دخوله في العموم إما أن يريد دخوله بخصوصه أو لمجرد شمول ~~المعنى له من غير استشعار خصوصه بحيث لم يقم به ما يمنع الدخول مع قيام ~~المقتضى للدخول وأما الأول فقد أراد دخوله بعينه فهذا نظير ما ورد عليه ~~اللفظ العام من السبب وهذا إحدى فوائد عطف الخاص على العام وهو ثبوت المعنى ~~المشترك فيه من غير معارض وإن كان من فوائده أن يتبين دخوله بعموم المعنى ~~المشترك وبخصوص المعنى المميز وإن لم يكن الحكم ثابتا للمشترك # وأما الذى لم يرد دخوله في العموم فأما أن يكون حين التكلم بالعموم قد ~~استشعر قيام المعارض فيه فذاك يمنعه عن أن يكون أراد دخوله في حكم المعنى ~~العام مع قيام المقتضى فيه وهو المعنى العام وإما أن يكون قد استشعر ذلك ~~قبل التكلم بالعام وذهل وقت التكلم بالعموم عن دخوله وخروجه فالأول كالمخصص ~~المقارن وهذا كالمخصص السابق وإما أن يستشعر ذلك المعنى بعد تكلمه بالعام ~~مع PageV20P189 علمه بأنه لا يريد بالعموم ما قام فيه ذلك المعارض فهنا قد ~~يقال قد ms5974 دخل في اللفظ العام من غير تخصيص واستشعار المانع من إرادته فيما ~~بعد يكون نسخا لأن المقتضى للدخول في الارادة هو ثبوت ذلك المعنى فيه وهو ~~حاصل وهذا المعنى إنما يصلح أن يكون مانعا من الارادة إذا استشعر حين ~~الخطاب ولم يكن مستشعرا # ومن قال هذا فقد يقول في استشعار المانع السابق لا يؤثر إلا إذا قارن بل ~~إذا غفل وقت التعميم عن إخراج شيء دخل في الارادة العامة كما دخل في ~~استشعار المعنى العام إذ التخصيص بيان ما لم يرد باللفظ العام وهذا الفرد ~~قد أريد باللفظ العام لأنه لا يشترط إرادته بخصوصه وإنما يراد إرادة القدر ~~المشترك وذاك حاصل # وقد يقال بل هذا لم يرده بالاسم العام لأنه إنما أراد بالاسم العام ما لم ~~يقم فيه معارض وكل من الأمرين وإن كان لم يتصور المعارض مفصلا ذلك المعنى ~~فمراده أن ذلك المعنى مقتض لارادته لا موجب لثبوت الحكم فيه بمجرد ذلك ~~المعنى من غير التفات إلى المعارض وإذا كان مراده أن ذلك المعنى مقتض فاذا ~~عارض ما هو عنده مانع لم يكن قد أراده فمدار الأمر على أن ثبوت المعنى ~~العام يقتضي ثبوت الارادة في مراده إلا أن يزول عن بعضها أو ثبوت المقتضى ~~لأرادة الأفراد والمقتضى يقتضى ثبوت الأفراد إذا لم يعارضه معارض ~~PageV20P190 وعلى هذا فلو لم يستشعر المعارض المانع لكن إذا استشعره لعلم ~~أنه لا يريده هل يقال لم يتناوله حكمه وإرادته من جهة المعنى وإن تناوله ~~لفظه ومعنى لفظه العام قد يقال ذلك فانه أراد المعنى الكلي المشترك باعتبار ~~معناه العام ولم يرد من الافراد ما فيه معنى معارض لذلك المعنى العام راجحا ~~عليه عنده ثم لا يكلف استشعار الموانع مطلقا في الأنواع والأشخاص لكثرتها ~~ولو استشعر بعضها لم يحسن التعرض لنفي كل مانع مانع منها فان الكلام فيه ~~هجنة ولكنة وطول وعى فقد يتعسر أو يتعذر علم الموانع أو بيانها أو هما ~~جميعا فهنا ما قام بالأفراد من الخصائص المعارضة مانع من إرادة المتكلم ms5975 وإن ~~كان لفظه ومعناه العام يشمل ذلك باعتبار القدر المشترك # وعلى هذا فاذا كان ذلك المانع يحتمل أنه يكون عنده مانعا ويحتمل أن لا ~~يكون فهل نحكم بدخوله لقيام المقتضى وانتفاء المخصص بالأصل أو نقف فيه لأن ~~المقتضى قائم والمعارض محتمل فيه نظر فان لصاحب القول الثانى أن يقول هذا ~~المانع يمنع أن يكون المقتضى مقتضيا مع قيام هذا المانع وللأول أن يقول بل ~~اقتضاؤه ثابت والمانع مشكوك فيه والأظهر التوقف في إرادة المتكلم حينئذ ~~PageV20P191 # وقال شيخ الاسلام ### ||| فصل # قاعدة ( الحسنات تعلل بعلتين احداهما ما تتضمنه من جلب المصلحة والمنفعة ~~والثانية ما تتضمنه من دفع المفسدة والمضرة # وكذلك السيئات تعلل بعلتين إحداهما ما تتضمنه من المفسدة والمضرة ~~والثانية ما تتضمنه من الصد عن المنفعة والمصلحة # مثال ذلك قوله تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله ~~أكبر @QE@ فبين الوجهين جميعا فقوله @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر @QE@ بيان لما تتضمنه من دفع المفاسد والمضار فان النفس إذا قام ~~بها ذكر الله ودعاؤه لا سيما على وجه الخصوص أكسبها ذلك صبغة صالحة تنهاها ~~عن الفحشاء والمنكر كما يحسه الانسان من نفسه ولهذا قال تعالى @QB@ ~~واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ فان القلب يحصل له من الفرح والسرور وقرة ~~العين ما يغنيه عن PageV20P192 اللذات المكروهة ويحصل له من الخشية ~~والتعظيم لله والمهابة وكل واحد من رجائه وخشيته ومحبته ناه ينهاه # وقوله @QB@ ولذكر الله أكبر @QE@ بيان لما فيها من المنفعة والمصلحة أي ~~ذكر الله الذي فيها أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر فان هذا هو ~~المقصود لنفسه كما قال @QB@ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله @QE@ والأول تابع فهذه المنفعة والمصلحة أعظم من دفع تلك المفسدة ~~ولهذا كان المؤمن الفاسق يؤول أمره إلى الرحمة والمنافق المتعبد أمره صائر ~~إلى الشقاء فان الايمان بالله ورسوله هو جماع السعادة وأصلها # ومن ظن أن المعنى ولذكر الله أكبر من الصلاة فقد أخطأ فان الصلاة أفضل من ~~الذكر المجرد بالنص والاجماع والصلاة ذكر الله لكنها ms5976 ذكر على أكمل الوجوه ~~فكيف يفضل ذكر الله المطلق على أفضل أنواعه ومثال ذلك قوله ( عليكم بقيام ~~الليل فانه قربة إلى ربكم ودأب الصالحين قبلكم ومنهاة عن الاثم ومكفرة ~~للسيئات ومطردة لداعى الحسد ( فبين ما فيه من المصلحة بالقرب إلى الله ~~وموافقة الصالحين ومن دفع المفسدة بالنهي عن المستقبل من السيئات والتكفير ~~للماضي منها وهو نظير الآية PageV20P193 # وكذلك قوله @QB@ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات @QE@ فهذا دفع المؤذي ثم قال @QB@ ذلك ذكرى للذاكرين @QE@ ~~فهذا مصلحة وفضائل الأعمال وثوابها وفوائدها ومنافعها كثير في الكتاب ~~والسنة من هذا النمط كقوله في الجهاد @QB@ يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار @QE@ إلى قوله @QB@ وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح ~~قريب @QE@ فبين ما فيه من دفع مفسدة الذنوب ومن حصول مصلحة الرحمة بالجنة ~~فهذا في الآخرة وفى الدنيا النصر والفتح وهما أيضا دفع المضرة وحصول ~~المنفعة ونظائره كثيرة # وأما من السيئات فكقوله @QB@ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة @QE@ فبين فيه ~~العلتين # إحداهما حصول مفسدة العداوة الظاهرة والبغضاء الباطنة # والثانية المنع من المصلحة التى هي رأس السعادة وهي ذكر الله والصلاة ~~فيصد عن المأمور به إيجابا أو استحبابا # وبهذا المعنى عللوا أيضا كراهة أنواع الميسر من الشطرنج ونحوه ~~PageV20P194 فانه يورث هذه المفسدة ويصد عن المأمور به وكذلك الغناء فانه ~~يورث القلب نفاقا ويدعو إلى الزنى ويصد القلب عن ما أمر به من العلم النافع ~~والعمل الصالح فيدعو إلى السيئات وينهى عن الحسنات مع أنه لا فائدة فيه ~~والمستثنى منه عارضه ما أزال مفسدته كنظائره # وكذلك البدع الاعتقادية والعملية تتضمن ترك الحق المشروع الذى يصد عنه من ~~الكلم الطيب والعمل الصالح إما بالشغل عنه وإما بالمناقضة وتتضمن أيضا حصول ~~ما فيها من مفسدة الباطل اعتقادا وعملا وهذا باب واسع إذا تؤمل انفتح به ~~كثير من معاني الدين PageV20P195 # وقال ### ||| فصل # قاعدة شرعية شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والاطلاق لا ms5977 يقتضى أن ~~يكون مشروعا بوصف الخصوص والتقييد فان العام والمطلق لا يدل على ما يختص ~~بعض أفراده ويقيد بعضها فلا يقتضى أن يكون ذلك الخصوص والتقييد مشروعا ولا ~~مأمورا به فان كان في الأدلة ما يكره ذلك الخصوص والتقييد كره وإن كان فيها ~~ما يقتضي استحبابه استحب وإلا بقى غير مستحب ولا مكروه # مثال ذلك أن الله شرع دعاءه وذكره شرعا مطلقا عاما فقال @QB@ اذكروا الله ~~ذكرا كثيرا @QE@ وقال @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ ونحو ذلك من النصوص ~~فالاجتماع للدعاء والذكر في مكان معين أو زمان معين أو الاجتماع لذلك تقييد ~~للذكر والدعاء لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتقييده لكن ~~تتناوله لما فيه من القدر المشترك فان دلت أدلة الشرع على استحباب ذلك ~~كالذكر PageV20P196 والدعاء يوم عرفة بعرفة أو الذكر والدعاء المشروعين في ~~الصلوات الخمس والأعياد والجمع وطرفي النهار وعند الطعام والمنام واللباس ~~ودخول المسجد والخروج منه والأذان والتلبية وعلى الصفا والمروة ونحو ذلك ~~صار ذلك الوصف الخاص مستحبا مشروعا استحبابا زائدا على الاستحباب العام ~~المطلق # وفى مثل هذا يعطف الخاص على العام فانه مشروع بالعموم والخصوص كصوم يوم ~~الاثنين والخميس بالنسبة إلى عموم الصوم وإن دلت أدلة الشرع على كراهة ذلك ~~كان مكروها مثل اتخاذ ما ليس بمسنون سنة دائمة فان المداومة في الجماعات ~~على غير السنن المشروعة بدعة كالاذان في العيدين والقنوت في الصلوات الخمس ~~والدعاء المجتمع عليه أدبار الصلوات الخمس أو البردين منها والتعريف ~~المداوم عليه في الأمصار والمداومة على الاجتماع لصلاة تطوع أو قراءة أو ~~ذكر كل ليلة ونحو ذلك فان مضاهاة غير المسنون بالمسنون بدعة مكروهة كما دل ~~عليه الكتاب والسنة والآثار والقياس # وإن لم يكن في الخصوص أمر ولا نهي بقي على وصف الاطلاق كفعلها أحيانا على ~~غير وجه المداومة مثل التعريف أحيانا كما فعلت الصحابة والاجتماع أحيانا ~~لمن يقرأ لهم أو على ذكر أو دعاء PageV20P197 والجهر ببعض الأذكار في ~~الصلاة كما جهر عمر بالاستفتاح وبن عباس بقراءة الفاتحة وكذلك الجهر ~~بالبسملة أحيانا ms5978 # وبعض هذا القسم ملحق بالأول فيكون الخصوص مأمورا به كالقنوت في النوازل ~~وبعضها ينفى مطلقا ففعل الطاعة المأمور بها مطلقا حسن وإيجاب ما ليس فيه ~~سنة مكروه # وهذه القاعدة اذا جمعت نظائرها نفعت وتميز بها ما هو البدع من العبادات ~~التى يشرع جنسها من الصلاة والذكر والقراءة وأنها قد تميز بوصف اختصاص تبقى ~~مكروهة لأجله أو محرمة كصوم يومي العيدين والصلاة في أوقات النهي كما قد ~~تتميز بوصف اختصاص تكون واجبة لأجله أو مستحبة كالصلوات الخمس والسنن ~~الرواتب ولهذا قد يقع من خلقه العبادة المطلقة والترغيب فيها في أن شرع من ~~الدين ما لم يأذن به الله كما قد يقع من خلقه العلم المجرد في النهي عن بعض ~~المستحب أو ترك الترغيب ولهذا لما عاب الله على المشركين أنهم شرعوا من ~~الدين ما لم يأذن به الله وأنهم حرموا ما لم يحرمه الله وهذا كثير في ~~المتصوفة من يصل ببدع الأمر لشرع الدين وفى المتفقهة من يصل ببدع التحريم ~~إلى الكفر PageV20P198 # وقال ### ||| فصل # الايجاب والتحريم ( قد يكون نعمة وقد يكون عقوبة وقد يكون محنة # فالأول كايجاب الايمان والمعروف وتحريم الكفر والمنكر وهو الذى أثبته ~~القائلون بالحسن والقبح العقليين والعقوبة كقوله @QB@ فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ وقوله @QB@ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما @QE@ إلى قوله @QB@ ذلك جزيناهم ~~ببغيهم @QE@ وقوله ( ويضع عنهم اصرهم والأغلال التى كانت عليهم ) فسماها ~~آصارا وأغلالا والآصار في الايجاب والأغلال في التحريم وقوله @QB@ ولا تحمل ~~علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا @QE@ ويشهد له قوله @QB@ وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج @QE@ وقوله @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~@QE@ فان هذا النفي العام ينفي كل ما يسمى حرجا PageV20P199 والحرج الضيق ~~فما أوجب الله ما يضيق ولا حرم ما يضيق وضده السعة والحرج مثل الغل وهو ~~الذى لا يمكنه الخروج منه مع حاجته إلى الخروج وأما المحنة فمثل قوله @QB@ ~~إن الله مبتليكم بنهر @QE@ الآية # ثم ذلك ms5979 قد يكون بانزال الخطاب وهذا لا يكون الا في زمن الأنبياء وقد ~~انقطع وقد يكون باظهار الخطاب لمن لم يكن سمعه ثم سمعه وقد يكون باعتقاد ~~نزول الخطاب أو معناه وإن كان إعتقادا مخطئا لآن الحكم الظاهر تابع لاعتقاد ~~المكلف # فالتكليف الشرعى إما أن يكون باطنا وظاهرا مثل الذي تيقن أنه منزل من عند ~~الله وإما أن يكون ظاهرا مثل الذي يعتقد أن حكم الله هو الايجاب أو التحريم ~~إما اجتهادا وإما تقليدا وإما جهلا مركبا بأن نصب سبب يدل على ذلك ظاهرا ~~دون ما يعارضه تكليف ظاهر إذ المجتهد المخطىء مصيب في الظاهر لما أمر به ~~وهو مطيع في ذلك هذا من جهة الشرع وقد يكون من جهة الكون بأن يخلق سبحانه ~~ما يقتضى وجود التحريم الثابت بالخطاب والوجوب الثابت بالخطاب كقوله @QB@ ~~واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون @QE@ فأخبر أنه PageV20P200 بلاهم بفسقهم حيث أتى بالحيتان يوم ~~التحريم ومنعها يوم الاباحة كما يؤتى المحرم المبتلى بالصيد يوم إحرامه ولا ~~يؤتى به يوم حله أو يؤتى بمن يعامله ربا ولا يؤتى بمن يعامله بيعا # ومن ذلك مجيء الاباحة والاسقاط نعمة وهذا كثير كقوله @QB@ الآن خفف الله ~~عنكم @QE@ وقد تقدم نظائرها PageV20P201 # وقال رحمه الله ### || # أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم ~~من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد حتى على العامة والنساء حتى يوجبوه في ~~المسائل التى تنازع فيها فضلاء الأمة قالوا لأن العلم بها واجب ولا يحصل ~~العلم إلا بالنظر الخاص # وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك فان ما وجب علمه انما يجب على من يقدر ~~على تحصيل العلم وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق فكيف يكلف ~~العلم بها وأيضا فالعلم قد يحصل بلا نظر خاص بل بطرق أخر من اضطرار وكشف ~~وتقليد من يعلم أنه مصيب وغير ذلك # وبازاء هؤلاء قوم من المحدثة ms5980 والفقهاء والعامة قد يحرمون النظر في دقيق ~~العلم والاستدلال والكلام فيه حتى ذوى المعرفة به وأهل الحاجة إليه من أهله ~~ويوجبون التقليد في هذه المسائل أو الاعراض عن تفصيلها PageV20P202 # وهذا ليس بجيد أيضا فان العلم النافع مستحب وإنما يكره إذا كان كلاما ~~بغير علم أو حيث يضر فاذا كان كلاما بعلم ولا مضرة فيه فلا بأس به وإن كان ~~نافعا فهو مستحب فلا إطلاق القول بالوجوب صحيحا ولا إطلاق القول بالتحريم ~~صحيحا # وكذلك المسائل الفروعية من غالية المتكلمة والمتفقهة من يوجب النظر ~~والاجتهاد فيها على كل أحد حتى على العامة وهذا ضعيف لأنه لو كان طلب علمها ~~واجبا على الأعيان فانما يجب مع القدرة والقدرة على معرفتها من الأدلة ~~المفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة # وبازائهم من أتباع المذاهب من يوجب التقليد فيها على جميع من بعد الأئمة ~~علمائهم وعوامهم # ومن هؤلاء من يوجب التقليد بعد عصر أبى حنيفة ومالك مطلقا ثم هل يجب على ~~كل واحد اتباع شخص معين من الأئمة يقلده في عزائمه ورخصه على وجهين وهذان ~~الوجهان ذكرهما أصحاب أحمد والشافعي لكن هل يجب على العامي ذلك # والذى عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة والتقليد ~~PageV20P203 جائز في الجملة لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد ~~ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد وأن الاجتهاد جائز للقادر ~~على الاجتهاد والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد فأما القادر على الاجتهاد ~~فهل يجوز له التقليد هذا فيه خلاف والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد ~~إما لتكافؤ الأدلة وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد وإما لعدم ظهور دليل له ~~فانه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد كما لو ~~عجز عن الطهارة بالماء # وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد فان ~~الاجتهاد منصب يقبل التجزى والانقسام فالعبرة بالقدرة والعجز وقد يكون ~~الرجل قادرا في بعض عاجزا في بعض لكن القدرة على الاجتهاد لا تكون الا ~~بحصول علوم ms5981 تفيد معرفة المطلوب فأما مسألة واحدة من فن فيبعد الاجتهاد فيها ~~والله سبحانه أعلم PageV20P204 # وقال شيخ الاسلام ### ||| فصل # وأما حلف كل واحد أن أفضل المذاهب مذهب فلان فهذا إن كان كل منهم يعتقد ~~أن الأمر كما حلف عليه ففيها قولان أظهرهما لا يحنث واحد منهم والثانى ~~يحنثون إلا واحدا منهم فان حنثه مشكوك فيه يجوز أن يكون صادقا ويجوز كونهم ~~سواء فيحنثون كلهم وإذا حنثوا إلا واحدا منهم وقد وقع الشك في عينه فهي كما ~~لو قال أحد الزوجين إن كان غرابا فزوجته طالق وقال الآخر إن لم يكن غرابا ~~فزوجته طالق وهذه فيها قولان في مذهب أحمد وغيره # أحدهما لا يقع بواحد منهما طلاق وهو مذهب الشافعي وغيره لكن يكف كل منهما ~~عن وطىء زوجته قيل حتما وقيل ردعا # والقول الثانى انه يقع بأحدهما كما لو كان الحالف واحدا وأوقعه ~~PageV20P205 باحدى زوجتيه وعلى هذا فهل تخرج المطلقة بالقرعة أو يوقف الأمر ~~على قولين أيضا في مذهب أحمد والوقف قول الشافعي # والصحيح أن من حلف على شيء يعتقده كما لو حلف عليه فتبين بخلافه فلا طلاق ~~عليه وأما مالك فانه يحنث الجميع ولو تبين صدق الحالف بناء على أصله فيمن ~~حلف على ما لا يعلم صحته كما لو حلف أنه يدخل الجنة والنزاع فيها كالنزاع ~~في أصل تلك المسألة # وجمهور العلماء لا يوقعون الطلاق لأجل الشك ومالك يوقعه لعدم علم الحالف ~~بما حلف عليه فهذه كما لو حلف واحد على ما لا يعلمه ولم يناقضه غيره مثل أن ~~يحلف أن مذهب فلان أفضل وهو غير عالم بذلك PageV20P206 ### |||| وسئل # عمن يقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد فهل ينكر عليه أم يهجر وكذلك من ~~يعمل بأحد القولين ### ||||| فأجاب # الحمد لله مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر ~~عليه ولم يهجر ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه وإذا كان في المسألة ~~قولان فان كان الانسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قلد بعض ~~العلماء الذين يعتمد عليهم ms5982 في بيان أرجح القولين والله أعلم PageV20P207 ### |||| وسئل رضي الله عنه # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في رجل سئل إيش ~~مذهبك فقال محمدي أتبع كتاب الله وسنة رسوله محمد فقيل له ينبغي لكل مؤمن ~~أن يتبع مذهبا ومن لا مذهب له فهو شيطان فقال إيش كان مذهب أبى بكر الصديق ~~والخلفاء بعده رضي الله عنهم فقيل له لا ينبغي لك إلا أن تتبع مذهبا من هذه ~~المذاهب فأيهما المصيب أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله إنما يجب على الناس طاعة الله والرسول وهؤلاء أولوا ~~الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم @QE@ إنما تجب طاعتهم تبعا لطاعة الله ورسوله لا استقلالا ~~ثم قال @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ # وإذا نزلت بالمسلم نازلة فانه يستفتى من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ~~PageV20P208 ورسوله من أي مذهب كان ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص ~~بعينه من العلماء في كل ما يقول ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب ~~شخص معين غير الرسول في كل ما يوجبه ويخبر به بل كل أحد من الناس يؤخذ من ~~قوله ويترك الا رسول الله صلى الله عليه وسلم # واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو ~~مما يسوغ له ليس هو مما يجب على كل أحد اذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك ~~الطريق بل كل أحد عليه أن يتقى الله ما استطاع ويطلب علم ما أمر الله به ~~ورسوله فيفعل المأمور ويترك المحظور والله أعلم PageV20P209 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل تفقه في مذهب من المذاهب الأربعة وتبصر فيه واشتغل بعده بالحديث فرأى ~~أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخا ولا مخصصا ولا معارضا وذلك المذهب مخالف ~~لها فهل يجوز له العمل بذلك المذهب أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالأحاديث ~~ويخالف مذهبه ### ||||| فأجاب # الحمد لله ms5983 قد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع أن الله سبحانه وتعالى فرض على ~~الخلق طاعته وطاعة رسوله ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما ~~يأمر به وينهى عنه الا رسول الله حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها ~~يقول أطيعونى ما أطعت الله فاذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم # واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوما في كل ما يأمر به وينهى PageV20P210 ~~عنه الا رسول الله ولهذا قال غير واحد من الأئمة كل أحد من الناس يؤخذ من ~~قوله ويترك الا رسول الله صلى الله عليه وسلم # وهؤلاء الائمة الاربعة رضى الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما ~~يقولونه وذلك هو الواجب عليهم فقال أبو حنيفة هذا رأيى وهذا أحسن ما رأيت ~~فمن جاء برأى خير منه قبلناه ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بمالك ~~فسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضراوات ومسألة الأجناس فاخبره مالك بما تدل ~~عليه السنة في ذلك فقال رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبى ما ~~رايت لرجع إلى قولك كما رجعت # ومالك كان يقول انما انا بشر اصيب واخطىء فاعرضوا قولى على الكتاب والسنة ~~أوكلاما هذا معناه # والشافعى كان يقول اذا صح الحديث فاضربوا بقولى الحائط واذا رايت الحجة ~~موضوعه على الطريق فهي قولى وفى مختصر المزنى لما ذكر أنه اختصره من مذهب ~~الشافعى لمن اراد معرفة مذهبه قال مع اعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من ~~العلماء والامام أحمد كان يقول لا تقلدونى ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعى ~~PageV20P211 ولاالثورى وتعلموا كما تعلمنا وكان يقول من قلة علم الرجل ان ~~يقلد دينه الرجال وقال لا تقلد دينك الرجال فانهم لن يسلموا من ان يغلطوا # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من يرد الله به خيرا يفقهه في ~~الدين ( ولازم ذلك أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرا فيكون ~~التفقه في الدين فرضا والتفقه في الدين معرفة الاحكام الشرعية بأدلتها ms5984 ~~السمعية فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها في الدين لكن من الناس من قد يعجز ~~عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته لا ~~كل ما يعجز عنه من التفقه ويلزمه ما يقدر عليه وأما القادر على الاستدلال ~~فقيل يحرم عليه التقليد مطلقا وقيل يجوز مطلقا وقيل يجوز عند الحاجة كما ~~اذا ضاق الوقت عن الاستدلال وهذا القول أعدل الأقوال # والاجتهاد ليس هو أمرا واحدا لا يقبل التجزي والانقسام بل قد يكون الرجل ~~مجتهدا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة وكل أحد فاجتهاده بحسب ~~وسعه فمن نظر في مسألة تنازع العلماء فيها ورأى مع أحد القولين نصوصا لم ~~يعلم لها معارضا بعد نظر مثله فهو بين أمرين PageV20P212 # إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الامام الذى اشتغل على مذهبه ~~ومثل هذا ليس بحجة شرعية بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره واشتغال على مذهب ~~إمام آخر وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه وحينئذ ~~فتكون موافقته لامام يقاوم ذلك الامام وتبقى النصوص سالمة في حقه عن ~~المعارض بالعمل فهذا هو الذي يصلح # وانما تنزلنا هذا التنزل لانه قد يقال إن نظر هذا قاصر وليس اجتهاده ~~قائما في هذه المسأله لضعف آلة الاجتهاد في حقه أما اذا قدر على الاجتهاد ~~التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النص فهذا يجب ~~عليه اتباع النصوص وان لم يفعل كان متبعا للظن وما تهوى الانفس وكان من ~~اكبر العصاة لله ولرسوله بخلاف من يقول قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على ~~هذا النص وأنا لا أعلمها فهذا يقال له قد قال الله تعالى @QB@ فاتقوا الله ~~ما استطعتم @QE@ وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم ( والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلك على ~~أن هذا القول هو الراجح فعليك أن تتبع ذلك ثم إن تبين لك فيما ms5985 بعد أن للنص ~~معارضا راجحا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل اذا تغير اجتهاده ~~وانتقال الانسان من قول إلى PageV20P213 قول لأجل ما تبين له من الحق هو ~~محمود فيه بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه وترك القول الذي وضحت حجته ~~أو الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم # واذا كان الامام المقلد قد سمع الحديث وتركه لا سيما إذا كان قد رواه ~~أيضا فمثل هذا وحده لا يكون عذرا في ترك النص فقد بينا فيما كتبناه في ( ~~رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) نحو عشرين عذرا للأئمة في ترك العمل ببعض ~~الحديث وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار وأما نحن فمعذورون في ~~تركها لهذا القول # فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه لم يصح أو أن راويه مجهول ونحو ذلك ويكون ~~غيره قد علم صحته وثقة راويه فقد زال عذر ذلك في حق هذا ومن ترك الحديث ~~لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه أو القياس أو عمل لبعض الأمصار وقد تبين ~~للآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه وان نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ~~ومقدم على القياس والعمل لم يكن عذر ذلك الرجل عذرا في حقه فان ظهور ~~المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه لا سيما اذا كان ~~التارك للحديث معتقدا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار أهل المدينة ~~النبوية وغيرها الذين يقال انهم لا يتركون الحديث الا لاعتقادهم أنه منسوخ ~~أو معارض براجح وقد بلغ من بعده أن المهاجرين PageV20P214 والأنصار لم ~~يتركوه بل عمل به طائفه منهم أو من سمعه منهم ونحو ذلك مما يقدح في هذا ~~المعارض للنص # وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد أنت أعلم أم الامام الفلاني كانت هذه ~~معارضة فاسدة لأن الامام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من ~~الأئمة ولست أعلم من هذا ولا هذا ولكن نسبة هؤلاء إلى الأئمة ( كنسبة ) أبى ~~بكر وعمر وعثمان وعلي وبن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم ms5986 فكما ~~أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض اكفاء في موارد النزاع وإذا تنازعوا في شيء ~~ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول وان كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع ~~آخر فكذلك موارد النزاع بين الأئمة وقد ترك الناس قول عمر وبن مسعود في ~~مسألة تيمم الجنب وأخذوا بقول من هو دونهما كأبى موسى الأشعري وغيره لما ~~احتج بالكتاب والسنة وتركوا قول عمر في دية الأصابع وأخذوا بقول معاوية لما ~~كان معه من السنة أن النبى قال ( هذه وهذه سواء ( # وقد كان بعض الناس يناظر بن عباس في المتعة فقال له قال أبو بكر وعمر ~~فقال بن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله ~~وتقولون قال أبو بكر وعمر PageV20P215 # وكذلك بن عمر لما سألوه عنها فأمر بها فعارضوا بقول عمر فتبين لهم أن عمر ~~لم يرد ما يقولونه فألحوا عليه فقال لهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أحق أن يتبع أم أمر عمر مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق بن ~~عمر وبن عباس # ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله ويبقى كل امام في ~~اتباعه بمنزلة النبى صلى الله عليه وسلم في أمته وهذا تبديل للدين يشبه ما ~~عاب الله به النصارى في قوله ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون ) والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله وحده PageV20P216 ### |||| وسئل شيخ الاسلام قدس الله روحه # هل لازم المذهب مذهب أم لا ### ||||| فأجاب # وأما قول السائل هل لازم المذهب مذهب أم ليس بمذهب فالصواب أن مذهب ~~الانسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه فانه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت ~~إضافته إليه كذبا عليه بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال غير ~~التزامه اللوازم التى يظهر أنها من قبل الكفر والمحال مما هو اكثر فالذين ~~قالوا بأقوال يلزمهاأقوال يعلم ms5987 أنه لا يلتزمها لكن لم يعلم أنها تلزمه ولو ~~كان لازم المذهب مذهبا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات ~~انه مجاز ليس بحقيقة فإن لازم هذا القول يقتضى أن لا يكون شيء من أسمائه أو ~~صفاته حقيقه وكل من لم يثبت بين الاسمين قدرا مشتركا لزم أن لا يكون شيء من ~~الايمان بالله ومعرفته والاقرار به ايمانا فانه ما من شيء يثبته القلب إلا ~~ويقال فيه نظير ما يقال في الآخر ولازم قول هؤلاء يستلزم قول غلاة الملاحدة ~~المعطلين الذين هم اكفر من اليهود والنصارى PageV20P217 # لكن نعلم أن كثيرا ممن ينفي ذلك لا يعلم لوازم قوله بل كثير منهم يتوهم ~~أن الحقيقة ليست إلا محض حقائق المخلوقين وهؤلاء جهال بمسمى الحقيقة ~~والمجاز وقولهم افتراء على اللغة والشرع وإلا فقد يكون المعنى الذي يقصد به ~~نفي الحقيقة نفي مماثلة صفات الرب سبحانه لصفات المخلوقين قيل له أحسنت في ~~نفي هذا المعنى الفاسد ولكن أخطأت في ظنك أن هذا هو حقيقة ما وصف الله به ~~نفسه فصار هذا بمنزلة من قال إن الله ليس بسميع حقيقة ولا بصير حقيقة ولا ~~متكلم حقيقة لأن الحقيقة في ذلك هو ما يعهده من سمع المخلوقين وبصرهم ~~وكلامهم والله تعالى منزه عن ذلك فيقال له أصبت في تنزيه الله عن مماثلته ~~خلقه لكن أخطأت في ظنك أنه إذا كان الله سميعا حقيقة بصيرا حقيقة متكلما ~~حقيقة كان هذا متضمنا لمماثلته خلقه # فكذلك لو قال القائل إذا قلنا إنه مستو على عرشه حقيقة لزم التجسيم والله ~~منزه عنه فيقال له هذا المعنى الذي سميته تجسيما ونفيته هو لازم لك إذا قلت ~~ان له علما حقيقة وقدرة حقيقة وسمعا حقيقة وبصرا حقيقة وكلاما حقيقه وكذلك ~~سائر ما أثبته من الصفات فان هذه الصفات هي في حقنا أعراض قائمة بجسم فاذا ~~كنت تثبتها لله تعالى مع تنزيهك له عن مماثلة المخلوقات وما يدخل في ذلك من ~~التجسيم فكذلك القول في الاستواء ولا فرق PageV20P218 # فان ms5988 قلت أهل اللغة إنما وضعوا هذه الألفاظ لما يختص به المخلوق فلا يكون ~~حقيقة في غير ذلك قلت ولكن هذا خطأ باجماع الأمم مسلمهم وكافرهم وبإجماع ~~أهل اللغات فضلا عن أهل الشرائع والديانات وهذا نظير قول من يقول ان لفظ ~~الوجه إنما يستعمل حقيقة في وجه الانسان دون وجه الحيوان والملك والجني أو ~~لفظ العلم إنما إستعمل حقيقة في علم الإنسان دون علم الملك والجنى ونحو ذلك ~~بل قد بينا أن أسماء الصفات عند أهل اللغة بحسب ما تضاف إليه فالقدر ~~المشترك أن نسبة كل صفة إلى موصوفها كنسبة تلك الصفة إلى موصوفها فالقدر ~~المشترك هو النسبة فنسبة علم الملك والجنى ووجوههما إليه كنسبة علم الانسان ~~ووجهه إليه وهكذا في سائر الصفات والله أعلم PageV20P219 ### |||| وسئل شيخ الاسلام # أن يشرح ما ذكره نجم الدين بن حمدان من التزم مذهبا ~~أنكر عليه مخالفته بغير دليل ولا تقليد أو عذر آخر ### ||||| فأجاب # هذا يراد به شيئان # أحدهما أن من التزم مذهبا معينا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر ~~أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله ~~فانه يكون متبعا لهواه وعاملا بغير اجتهاد ولا تقليد فاعلا للمحرم بغير عذر ~~شرعى فهذا منكر وهذا المعنى هو الذي أورده الشيخ نجم الدين وقد نص الامام ~~أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبا أو حراما ثم يعتقده غير ~~واجب ولا حرام بمجرد هواه مثل أن يكون طالبا لشفعة الجوار فيعتقدها أنها حق ~~له ثم إذا طلبت منه شفعة الجوار اعتقدها أنها ليست ثابتة أو مثل من يعتقد ~~إذا كان أخا مع جد أن الأخوة تقاسم الجد فاذا صار جدا مع أخ اعتقد أن الجد ~~لا يقاسم الأخوة أو إذا كان له عدو يفعل بعض الأمور المختلف فيها كشرب ~~النبيذ المختلف فيه ولعب الشطرنج PageV20P220 وحضور السماع أن هذا ينبغي أن ~~يهجر وينكر عليه فاذا فعل ذلك صديقه اعتقد ذلك من مسائل الاجتهاد التى لا ~~تنكر ms5989 فمثل هذا ممكن في اعتقاده حل الشيء وحرمته ووجوبه وسقوطه بحسب هواه هو ~~مذموم بخروجه خارج عن العدالة وقد نص أحمد وغيره على أن هذا لا يجوز # وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول إما بالأدلة المفصلة إن كان ~~يعرفها ويفهمها واما بأن يرى أحد رجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو ~~أتقى لله فيما يقوله فيرجع عن قول إلى قول لمثل هذا فهذا يجوز بل يجب وقد ~~نص الامام أحمد على ذلك # وما ذكره بن حمدان المراد به القسم الأول ولهذا قال من التزم مذهبا أنكر ~~عليه مخالفته بغير دليل أو تقليد أو عذر شرعي فدل على أنه إذا خالفه لدليل ~~فتبين له بالقول الراجح أو تقليد يسوغ له أن يقلد في خلافه أو عذر شرعي ~~أباح المحظور الذى يباح بمثل ذلك العذر لم ينكر عليه # وهنا مسألة ثانية قد يظن أنه أرادها ولم يردها لكنا نتكلم على تقدير ~~إرادتها وهو أن من التزم مذهبا لم يكن له أن ينتقل عنه PageV20P221 قاله ~~بعض أصحاب أحمد وكذلك غير هذا ما يذكره بن حمدان أو غيره يكون مما قاله بعض ~~أصحابه وإن لم يكن منصوصا عنه وكذلك ما يوجد في كتب أصحاب الشافعي ومالك ~~وأبي حنيفة كثير منه يكون مما ذكره بعض أصحابهم وليس منصوصا عنهم بل قد ~~يكون المنصوص عنهم خلاف ذلك # وأصل هذه المسألة أن العامي هل عليه أن يلتزم مذهبا معينا يأخذ بعزائمه ~~ورخصه فيه وجهان لأصحاب أحمد وهما وجهان لأصحاب الشافعي والجمهور من هؤلاء ~~وهؤلاء لا يوجبون ذلك والذين يوجبونه يقولون إذا التزمه لم يكن له أن يخرج ~~عنه ما دام ملتزما له أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه # ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر دينى مثل أن ~~يلتزم مذهبا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه ونحو ذلك فهذا مما لا يحمد عليه ~~بل يذم عليه في نفس الأمر ولو كان ما انتقل إليه ms5990 خيرا مما انتقل عنه وهو ~~بمنزلة من لا يسلم إلا لغرض دنيوى أو يهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة ~~يتزوجها أو دنيا يصيبها وقد كان في زمن النبى رجل هاجر لامرأة يقال لها أم ~~قيس فكان يقال له مهاجر أم قيس فقال النبى صلى الله عليه وسلم على المنبر ~~في الحديث الصحيح ( إنما الأعمال PageV20P222 بالنيات وإنما لكل امرئ ما ~~نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته ~~إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ( # وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر دينى مثل أن يتبين رجحان قول ~~على قول فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله فهو مثاب على ~~ذلك بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر إن لا يعدل عنه ~~ولا يتبع أحدا في مخالفة الله ورسوله فان الله فرض طاعة رسوله على كل أحد ~~في كل حال وقال تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم @QE@ # وقد صنف الامام أحمد كتابا في طاعة الرسول وهذا متفق عليه بين أئمة ~~المسلمين فطاعة الله ورسوله وتحليل ما حلله الله ورسوله وتحريم ما حرمه ~~الله ورسوله وإيجاب ما أوجبه الله ورسوله واجب على جميع الثقلين الانس ~~والجن واجب على PageV20P223 كل أحد في كل حال سرا وعلانية لكن لما كان من ~~الأحكام مالا يعرفه كثير من الناس رجع الناس في ذلك إلى من يعلمهم ذلك لأنه ~~أعلم بما قاله الرسول وأعلم بمراده فأئمة المسلمين الذين اتبعوهم وسائل ~~وطرق وأدلة بين الناس وبين الرسول يبلغونهم ما قاله ويفهمونهم مراده بحسب ~~اجتهادهم واستطاعتهم وقد يخص الله هذا العالم من العلم ms5991 والفهم ما ليس عند ~~الآخر وقد يكون عند ذلك في مسألة أخرى من العلم ما ليس عند هذا # وقد قال تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ ~~فهذان نبيان كريمان حكما في قضية واحدة فخص الله أحدهما بالفهم وأثنى على ~~كل منهما والعلماء ورثة الأنبياء واجتهاد العلماء في الأحكام كاجتهاد ~~المستدلين على جهة الكعبة فاذا صلى أربعة أنفس كل واحد منهم بطائفة إلى ~~أربع جهات لاعتقادهم أن القبلة هناك فان صلاة الأربعة صحيحة والذي صلى إلى ~~جهة الكعبة واحد وهو المصيب الذي له أجران كما في الصحيح عن النبى أنه قال ~~( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر ( # وأكثر الناس إنما التزموا المذاهب بل الأديان بحكم ما تبين لهم ~~PageV20P224 فان الانسان ينشأ على دين أبيه أو سيده أو أهل بلده كما يتبع ~~الطفل في الدين أبويه وسابيه وأهل بلده ثم إذا بلغ الرجل فعليه أن يقصد ~~طاعة الله ورسوله حيث كانت ولا يكون ممن ( إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ~~قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) فكل من عدل عن اتباع الكتاب والسنة ~~وطاعة الله والرسول إلى عادته وعادة أبيه وقومه فهو من أهل الجاهلية ~~المستحقين للوعيد # وكذلك من تبين له في مسألة من المسائل الحق الذي بعث الله به رسوله ثم ~~عدل عنه إلى عادته فهو من أهل الذم والعقاب وأما من كان عاجزا عن معرفة حكم ~~الله ورسوله وقد اتبع فيها من هو من أهل العلم والدين ولم يتبين له أن قول ~~غيره أرجح من قوله فهو محمود يثاب لا يذم على ذلك ولا يعاقب وإن كان قادرا ~~على الاستدلال ومعرفة ما هو الراجح وتوقى بعض المسائل فعدل عن ذلك إلى ~~التقليد فهو قد اختلف في مذهب أحمد المنصوص عنه والذي عليه أصحابه أن هذا ~~آثم أيضا وهو مذهب الشافعي وأصحابه وحكى عن محمد بن الحسن وغيره أنه ms5992 يجوز ~~له التقليد مطلقا وقيل يجوز تقليد الأعلم # وحكى بعضهم هذا عن أحمد كما ذكره أبو إسحاق في اللمع وهو غلط على أحمد ~~فان أحمد إنما يقول هذا في أصحابه فقط PageV20P225 على اختلاف عنه في ذلك ~~وأما مثل مالك والشافعي وسفيان ومثل إسحاق بن راهويه وأبى عبيد فقد نص في ~~غير موضع على أنه لا يجوز للعالم القادر على الاستدلال أن يقلدهم وقال لا ~~تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثورى وكان يحب الشافعى ويثنى ~~عليه ويحب إسحاق ويثنى عليه ويثني على مالك والثوري وغيرهما من الأئمة ~~ويأمر العامي أن يستفتى إسحاق وأبا عبيد وأبا ثور وأبا مصعب وينهى العلماء ~~من أصحابه كأبى داود وعثمان بن سعيد وإبراهيم الحربي وأبى بكر الأثرم وأبي ~~زرعة وأبى حاتم السجستاني ومسلم وغيرهم أن يقلدوا أحدا من العلماء ويقول ~~عليكم بالأصل بالكتاب والسنة PageV20P226 ### |||| وسئل رحمه الله # أن يشرح ما ذكره نجم الدين بن حمدان في آخر ( كتاب الرعاية ( وهو قوله ( ~~من التزم مذهبا انكر عليه مخالفته بغير دليل أو تقليد أو عذر آخر ) ويبين ~~لنا ما أشكل علينا من كون بعض المسائل يذكر فيها في ( الكافى ( و ( المحرر ~~( و ( المقنع ( و ( الرعاية ( و ( الخلاصة ( و ( الهداية ( روايتان أو ~~وجهان ولم يذكر الأصح والأرجح فلا ندري بأيهما نأخذ وإن سألونا عنه أشكل ~~علينا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما هذه الكتب التى يذكر فيها روايتان أو وجهان ولا يذكر ~~فيها الصحيح فطالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخرى مثل كتاب ( التعليق ( ~~للقاضي أبى يعلى و ( الانتصار ( لأبى الخطاب و ( عمد الأدلة ) لابن عقيل ~~وتعليق القاضي يعقوب البرزيني وأبى الحسن بن الزاغوني وغير ذلك من الكتب ~~الكبار التى يذكر فيها مسائل الخلاف ويذكر فيها الراجح # وقد اختصرت رؤوس مسائل هذه الكتب في كتب مختصرة PageV20P227 مثل ( رؤوس ~~المسائل ( للقاضى أبى الحسين وقد نقل عن الشيخ أبى البركات صاحب ( المحرر ( ~~أنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر مذهب أحمد أنه ما رجحه أبو الخطاب في رؤوس ~~مسائله # ومما ms5993 يعرف منه ذلك كتاب ( المغنى ( للشيخ أبى محمد وكتاب شرح الهداية ~~لجدنا أبي البركات وقد ( شرح الهداية ( غير واحد كأبى حليم النهروانى وأبى ~~عبد الله بن تيمية صاحب ( التفسير ( الخطيب عم أبي البركات وأبى المعالي بن ~~المنجا وأبي البقاء النحوي لكن لم يكمل ذلك # وقد اختلف الاصحاب فيما يصححونه فمنهم من يصحح رواية ويصحح آخر رواية فمن ~~عرف ذلك نقله ومن ترجح عنده قول واحد على قول آخر اتبع القول الراجح ومن ~~كان مقصوده نقل مذهب أحمد نقل ما ذكروه من اختلاف الروايات والوجوه والطرق ~~كما ينقل أصحاب الشافعى وأبى حنيفه ومالك مذاهب الأئمة فانه في كل مذهب من ~~اختلاف الأقوال عن الأئمة واختلاف أصحابهم في معرفة مذهبهم ومعرفة الراجح ~~شرعا ما هو # معروف ومن كان خبيرا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة ~~المسائل وان كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في PageV20P228 الشرع ~~وأحمد كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم ~~باحسان ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصا كما يوجد لغيره ولا يوجد له ~~قول ضعيف في الغالب إلا وفى مذهبه قول يوافق القول الأقوى واكثر مفاريده ~~التى لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحا كقوله بجواز فسخ الافراد ~~والقران إلى التمتع وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة ~~كالوصية في السفر وقوله بتحريم نكاح الزانية حتى تتوب وقوله بجواز شهادة ~~العبد وقوله بأن السنة للمتيمم ان يمسح الكوعين بضربة واحدة # وقوله في المستحاضة بانها تارة ترجع إلى العادة وتارة ترجع إلى التمييز ~~وتارة ترجع إلى غالب عادات النساء فانه روى عن النبى فيها ثلاث سنن عمل ~~بالثلاثة أحمد دون غيره # وقوله بجواز المساقاة والمزارعة على الأرض البيضاء والتى فيها شجر وسواء ~~كان البذر منهما أو من احدهما وجواز ما يشبه ذلك وان كان من باب المشاركة ~~ليس من باب الاجارة ولا هو على خلاف القياس ونظير هذا كثير # وأما ما يسميه بعض الناس مفردة لكونه انفرد بها عن ms5994 أبي حنيفة والشافعي مع ~~أن قول مالك فيها موافق لقول أحمد أو قريب منه PageV20P229 وهي التى صنف ~~لها الهراسي ردا عليها وانتصر لها جماعة كابن عقيل والقاضي أبي يعلى الصغير ~~وأبي الفرج بن الجوزي وأبى محمد بن المثنى فهذه غالبها يكون قول مالك وأحمد ~~ارجح من القول الآخر وما يترجح فيها القول الآخر يكون مما اختلف فيه قول ~~أحمد وهذا كابطال الحيل المسقطة للزكاة والشفعة ونحو ذلك الحيل المبيحة ~~للربا والفواحش ونحو ذلك وكاعتبار المقاصد والنيات في العقود والرجوع في ~~الايمان إلى سبب اليمين وما هيجها مع نيه الحالف وكاقامة الحدود على أهل ~~الجنايات كما كان النبى وخلفاؤه الراشدون يقيمونها كما كانوا يقيمون الحد ~~على الشارب بالرائحة والقيء ونحو ذلك وكاعتبار العرف في الشروط وجعل الشرط ~~العرفى كالشرط اللفظى والاكتفاء في العقود المطلقة بما يعرفه الناس وان ما ~~عده الناس بيعا فهو بيع وما عدوه اجارة فهو اجارة وما عدوه هبة فهو هبة وما ~~عدوه وقفا فهو وقف لا يعتبر في ذلك لفظ معين ومثل هذا كثير PageV20P230 ### || 1 ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله # الحبر الكامل العلامة الأوحد الحافظ الزاهد العابد الورع الربانى المقذوف ~~في قلبه النور الالهي والعلوم الرفيعة والفنون البديعة الآخذ بازمة الشريعة ~~الناكص عن الآراء المزلة والأهواء المضلة المقتفي لآثار السلف علما وعملا ~~مفتى الفرق مجتهد العصر أوحد الدهر تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد ~~الحليم بن عبد السلام بن تيمية أدام الله بركته ورفع في الدنيا والآخرة ~~محله ودرجته # الحمد لله على آلائه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أرضه ~~وسمائه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه صلى الله عليه وعلى آله ~~وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم لقائه وسلم تسليما # وبعد فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق ~~به القرآن خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين PageV20P231 جعلهم ~~الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر ms5995 والبحر وقد أجمع المسلمون على ~~هدايتهم ودرايتهم إذ كل أمة قبل مبعث محمد فعلماؤها شرارها الا المسلمين ~~فان علماءهم خيارهم فانهم خلفاء الرسول في أمته والمحيون لما مات من سنته ~~بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا # وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد ~~مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل فانهم ~~متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول وعلى ان كل أحد من الناس يؤخذ ~~من قوله ويترك إلا رسول الله ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح ~~بخلافه فلابد له من عذر في تركه # وجميع الاعذار ثلاثة أصناف # أحدها عدم اعتقاده أن النبى قاله # والثاني عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول # والثالث اعتقاده ان ذلك الحكم منسوخ PageV20P232 # وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة # السبب الأول أن لايكون الحديث قد بلغه ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن ~~يكون عالما بموجبه وإذا لم يكن قد بلغه وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر ~~آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب فقد يوافق ذلك الحديث تارة ~~ويخالفه أخرى وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا ~~لبعض الأحاديث فان الاحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد ~~من الأمة # وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يحدث أو يفتى أو يقضى أو يفعل الشيء ~~فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا ويبلغه أولئك أو بعضهم لمن يبلغونه فينتهى ~~علم ذلك إلى من يشاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ثم في ~~مجلس آخر قد يحدث أو يفتى أو يقضى أو يفعل شيئا ويشهده بعض من كان غائبا عن ~~ذلك المجلس ويبلغونه لمن أمكنهم فيكون عند هؤلاء من العلم ماليس عند هؤلاء ~~وعند هؤلاء ماليس عند هؤلاء وانما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم ~~بكثرة العلم أو جودته # وأما احاطة ms5996 واحد بجميع حديث رسول الله PageV20P233 فهذا لا يمكن ادعاؤه ~~قط واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول الله ~~وسنته وأحواله خصوصا الصديق رضي الله عنه الذي لم يكن يفارقه حضرا ولا سفرا ~~بل كان يكون معه في غالب الأوقات حتى أنه يسمر عنده بالليل في أمور ~~المسلمين وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فانه صلى الله عليه وسلم كثيرا ~~ما يقول دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت انا وأبو بكر وعمر ثم مع ذلك لما سئل ~~أبو بكر رضى الله عنه عن ميراث الجدة قال مالك في كتاب الله من شيء وما ~~علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من شيء ولكن أسأل الناس ~~فسألهم فقام المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فشهدا ان النبى أعطاها السدس ~~وقد بلغ هذه السنة عمران بن حصين أيضا وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر ~~وغيره من الخلفاء ثم قد اختصوا بعلم هذه السنة التى قد اتفقت الأمة على ~~العمل بها # وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره ~~بها أبو موسى واستشهد بالأنصار وعمر أعلم ممن حدثه بهذه السنة # ولم يكن عمر أيضا يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها بل يرى PageV20P234 أن ~~الدية للعاقلة حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان وهو أمير لرسول الله على بعض ~~البوادي يخبره أن رسول الله ورث امرأة اشيم الضبابى من دية زوجها فترك رأيه ~~لذلك وقال لو لم نسمع بهذا لقضينا بخلافه # ولم يكن يعلم حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف رضي الله ~~عنهما أن رسول الله قال ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ( # ولما قدم سرغ وبلغه أن الطاعون بالشام استشار المهاجرين الأولين الذين ~~معه ثم الأنصار ثم مسلمة الفتح فاشار كل عليه بما رأى ولم يخبره أحد بسنة ~~حتى قدم عبد الرحمن بن عوف فاخبره بسنة رسول الله في الطاعون وأنه قال ( ~~إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا ms5997 تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بارض فلا ~~تقدموا عليه ( # وتذاكر هو وبن عباس أمر الذى يشك في صلاته فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك ~~حتى قال عبد الرحمن بن عوف عن النبى ( إنه يطرح الشك ويبني على ما استيقن ( # وكان مرة في السفر فهاجت ريح فجعل يقول من يحدثنا عن PageV20P235 الريح ~~قال أبو هريرة فبلغنى وأنا في أخريات الناس فحثثت راحلتى حتى أدركته فحدثته ~~بما أمر به النبى عند هبوب الريح # فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه اياها من ليس مثله ومواضع أخر لم ~~يبلغه ما فيها من السنة فقضى فيها أو أفتى فيها بغير ذلك مثل ما قضى في دية ~~الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها وقد كان عند أبى موسى وبن عباس وهما دونه ~~بكثير في العلم علم بأن النبى قال ( هذه وهذه سواء ( يعني الابهام والخنصر ~~فبلغت هذه السنة لمعاوية رضي الله عنه في إمارته فقضى بها ولم يجد المسلمون ~~بدا من اتباع ذلك ولم يكن عيبا في عمر رضي الله عنه حيث لم يبلغه الحديث # وكذلك كان ينهى المحرم عن التطيب قبل الإحرام وقبل الافاضة إلى مكة بعد ~~رمي جمرة العقبة هو وابنه عبد الله رضي الله عنهما وغيرهما من أهل الفضل ~~ولم يبلغهم حديث عائشة رضى الله عنها ( طيبت رسول الله لاحرامه قبل ان يحرم ~~ولحله قبل أن يطوف ( # وكان يأمر لابس الخف ان يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير PageV20P236 توقيت ~~واتبعه على ذلك طائفة من السلف ولم تبلغهم احاديث التوقيت التى صحت عند بعض ~~من ليس مثلهم في العلم وقد روي ذلك عن النبى من وجوه متعددة صحيحة # وكذلك عثمان رضي الله عنه لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد ~~في بيت الموت حتى حدثته الفريعة بنت مالك أخت أبى سعيد الخدري بقضيتها لما ~~توفى زوجها وان النبى قال لها ( أمكثى في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ( فأخذ ~~به عثمان # وأهدى له مرة صيد كان قد صيد لأجله فهم ms5998 بأكله حتى أخبره على رضي الله عنه ~~أن النبى رد لحما أهدي له # وكذلك علي رضي الله عنه قال كنت إذا سمعت من رسول الله حديثا نفعني الله ~~بما شاء ان ينفعنى منه وإذا حدثنى غيره استحلفته فاذا حلف لى صدقته وحدثنى ~~أبو بكر وصدق أبو بكر وذكر حديث صلاة التوبة المشهور # وأفتى هو وبن عباس وغيرهما بان المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد ~~PageV20P237 بأبعد الأجلين ولم يكن قد بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سبيعة الأسلمية حيث أفتاها النبى صلى الله عليه وسلم بان عدتها وضع ~~حملها # وأفتى هو وزيد وبن عمر وغيرهم بان المفوضة إذا مات عنها زوجها فلا مهر ~~لها ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق # وهذا باب واسع يبلغ المنقول منه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عددا كثيرا جدا # وأما المنقول منه عن غيرهم فلا يمكن الاحاطة به فانه ألوف فهؤلاء كانوا ~~أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها فمن بعدهم أنقص فخفاء بعض السنة عليه ~~أولى فلا يحتاج إلى بيان فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من ~~الأئمة أو إماما معينا فهو مخطىء خطا فاحشا قبيحا # ولا يقولن قائل الأحاديث قد دونت وجمعت فخفاؤها والحال هذه بعيد لأن هذه ~~الدواوين المشهورة في السنن انما جمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين ومع هذا ~~فلا يجوز ان يدعى انحصار حديث PageV20P238 رسول الله في دواوين معينة ثم لو ~~فرض انحصار حديث رسول الله فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم ولا يكاد ذلك ~~يحصل لأحد بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها بل ~~الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين اعلم بالسنة من المتأخرين بكثير لأن ~~كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا الا عن مجهول أو باسناد منقطع أولا ~~يبلغنا بالكلية فكانت دواوينهم صدورهم التى تحوي اضعاف ما في الدواوين وهذا ~~امر لا يشك فيه من علم ms5999 القضية # ولا يقولن قائل من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهدا لأنه ان اشترط في ~~المجتهد علمه بجميع ما قاله النبى وفعله فيما يتعلق بالأحكام فليس في الأمة ~~مجتهد وانما غاية العالم أن يعلم جمهور ذلك ومعظمه بحيث لا يخفى عليه إلا ~~القليل من التفصيل ثم انه قد يخالف ذلك القليل من التفصيل الذى يبلغه # السبب الثاني ان يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه أو ~~محدث محدثه أو غيره من رجال الاسناد مجهول عنده أو متهم أو سيء الحفظ وإما ~~لأنه لم يبلغه مسندا بل منقطعا أو لم يضبط لفظ الحديث مع أن ذلك الحديث قد ~~رواه الثقات لغيره باسناد متصل بأن يكون غيره يعلم من المجهول عنده الثقة ~~أو يكون قد PageV20P239 رواه غير أولئك المجروحين عنده أو قد اتصل من غير ~~الجهة المنقطعة وقد ضبط الفاظ الحديث بعض المحدثين الحفاظ أو لتلك الرواية ~~من الشواهد والمتابعات ما يبين صحتها # وهذا أيضا كثير جدا وهو في التابعين وتابعيهم إلى الأئمة المشهورين من ~~بعدهم أكثر من العصر الأول أو كثير من القسم الأول فان الآحاديث كانت قد ~~انتشرت واشتهرت لكن كانت تبلغ كثيرا من العلماء من طرق ضعيفة وقد بلغت ~~غيرهم من طرق صحيحة غير تلك الطرق فتكون حجة من هذا الوجه مع انها لم تبلغ ~~من خالفها من هذا الوجه ولهذا وجد في كلام غير واحد من الأئمة تعليق القول ~~بموجب الحديث على صحته فيقول قولي في هذه المسألة كذا وقد روي فيها حديث ~~بكذا فان كان صحيحا فهو قولي # السبب الثالث اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره مع قطع النظر ~~عن طريق آخر سواء كان الصواب معه أو مع غيره أو معهما عند من يقول كل مجتهد ~~مصيب ولذلك أسباب # منها أن يكون المحدث بالحديث يعتقده أحدهما ضعيفا ويعتقده الآخر ثقة ~~ومعرفة الرجال علم واسع ثم قد يكون المصيب من PageV20P240 يعتقد ضعفه ~~لاطلاعه على سبب جارح وقد يكون الصواب مع الآخر ms6000 لمعرفته ان ذلك السبب غير ~~جارح اما لأن جنسه غير جارح أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح وهذا باب ~~واسع وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الاجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم ~~من سائر أهل العلم في علومهم # ومنها أن لايعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه وغيره يعتقد أنه سمعه ~~لأسباب توجب ذلك معروفه # ومنها أن يكون للمحدث حالان حال استقامة وحال اضطراب مثل أن يختلط أو ~~تحترق كتبه فما حدث به في حال الاستقامة صحيح وما حدث به في حال الاضطراب ~~ضعيف فلا يدرى ذلك الحديث من أي النوعين وقد علم غيره أنه مما حدث به في ~~حال الاستقامة # ومنها أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث فلم يذكره فيما بعد أو انكر أن ~~يكون حدثه معتقدا أن هذا علة توجب ترك الحديث ويرى غيره أن هذا مما يصح ~~الاستدلال به والمسألة معروفة # ومنها ان كثيرا من الحجازيين يرون ان لا يحتج بحديث عراقي أو شامى ان لم ~~يكن له أصل بالحجاز حتى قال قائلهم نزلوا أحاديث PageV20P241 أهل العراق ~~بمنزلة أحاديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقيل لآخر سفيان عن منصور ~~عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة قال ان لم يكن له أصل بالحجاز فلا # وهذا لاعتقادهم أن أهل الحجاز ضبطوا السنة فلم يشذ عنهم منها شيء وان ~~أحاديث العراقيين وقع فيها اضطراب أوجب التوقف فيها # وبعض العراقيين يرى أن لايحتج بحديث الشاميين وان كان اكثر الناس على ترك ~~التضعيف بهذا فمتى كان الاسناد جيدا كان الحديث حجة سواء كان الحديث حجازيا ~~أو عراقيا أو شاميا أو غير ذلك # وقد صنف أبو داود السجستانى كتابا في مفاريد أهل الأمصار من السنن يبين ~~ما اختص به أهل كل مصر من الأمصار من السنن التى لا توجد مسندة عند غيرهم ~~مثل المدينة ومكة والطائف ودمشق وحمص والكوفة والبصرة وغيرها إلى أسباب أخر ~~غير هذه # السبب الرابع اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطا يخالفه فيها ms6001 غيره ~~مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب PageV20P242 والسنة واشتراط بعضهم ~~أن يكون المحدث فقيها اذا خالف قياس الأصول واشتراط بعضهم انتشار الحديث ~~وظهوره اذا كان فيما تعم به البلوى إلى غير ذلك مما هو معروف في مواضعه # السبب الخامس أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكن نسيه وهذا يرد في ~~الكتاب والسنة مثل الحديث المشهور عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن الرجل ~~يجنب في السفر فلا يجد الماء فقال لا يصل حتى يجد الماء فقال له عمار يا ~~أمير المؤمنين أما تذكر اذ كنت أنا وأنت في الابل فاجنبنا فأما أنا فتمرغت ~~كما تمرغ الدابة وأما أنت فلم تصل فذكرت ذلك للنبى فقال ( انما يكفيك هكذا ~~( وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه فقال له عمر اتق الله يا عمار ~~فقال ان شئت لم أحدث به فقال بل نوليك من ذلك ما توليت فهذه سنة شهدها عمر ~~ثم نسيها حتى أفتى بخلافها وذكره عمار فلم يذكر وهو لم يكذب عمارا بل أمره ~~أن يحدث به # وأبلغ من هذا انه خطب الناس فقال لا يزيد رجل على صداق أزواج النبى صلى ~~الله عليه وسلم وبناته الا رددته فقالت امرأة يا أمير المؤمنين لم تحرمنا ~~شيئا أعطانا الله اياه ثم قرأت PageV20P243 ( وآتيتم احداهن قنطارا ) فرجع ~~عمر إلى قولها وقد كان حافظا للآية ولكن نسيها # وكذلك ما روي ان عليا ذكر الزبير يوم الجمل شيئا عهده اليهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكره حتى انصرف عن القتال وهذا كثير في السلف والخلف # السبب السادس عدم معرفته بدلالة الحديث تارة لكون اللفظ الذي في الحديث ~~غريبا عنده مثل لفظ المزابنة والمحاقلة والمخابرة والملامسة والمنابذة ~~والغرر إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التى قد يختلف العلماء في تفسيرها ~~وكالحديث المرفوع ( لا طلاق ولا عتاق في اغلاق ( فانهم قد فسروا الاغلاق ~~بالاكراه ومن يخالفه لا يعرف هذا التفسير # وتارة لكون معناه في لغته وعرفه غير معناه في لغة النبى صلى الله ms6002 عليه ~~وسلم وهو يحمله على ما يفهمه في لغته بناء على ان الاصل بقاء اللغة كما سمع ~~بعضهم آثارا في الرخصة في النبيذ فظنوه بعض أنواع المسكر لأنه لغتهم وانما ~~هو ما ينبذ لتحلية الماء قبل أن يشتد فانه جاء مفسرا في أحاديث كثيرة صحيحة ~~وسمعوا لفظ الخمر في الكتاب والسنة فاعتقدوه عصير العنب المشتد خاصة بناء ~~على انه كذلك في PageV20P244 اللغة وان كان قد جاء من الأحاديث أحاديث ~~صحيحة تبين أن الخمر اسم لكل شراب مسكر # وتارة لكون اللفظ مشتركا أو مجملا أو مترددا بين حقيقة ومجاز فيحمله على ~~الأقرب عنده وان كان المراد هو الآخر كما حمل جماعة من الصحابة في أول ~~الأمر الخيط الأبيض والخيط الأسود على الحبل وكما حمل آخرون قوله @QB@ ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم @QE@ على اليد إلى الابط # وتارة لكون الدلالة من النص خفية فان جهات دلالات الأقوال متسعة جدا ~~يتفاوت الناس في إدراكها وفهم وجوه الكلام بحسب منح الحق سبحانه ومواهبه ثم ~~قد يعرفها الرجل من حيث العموم ولا يتفطن لكون هذا المعنى داخلا في ذلك ~~العام ثم قد يتفطن له تارة ثم ينساه بعد ذلك # وهذا باب واسع جدا لا يحيط به الا الله وقد يغلط الرجل فيفهم من الكلام ~~ما لا تحتمله اللغة العربية التى بعث الرسول صلى الله عليه وسلم بها # السبب السابع اعتقاده أن لا دلالة في الحديث والفرق بين هذا وبين الذي ~~قبله ان الأول لم يعرف جهة الدلالة والثانى عرف PageV20P245 جهة الدلالة ~~لكن اعتقد انها ليست دلالة صحيحة بان يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة ~~سواء كانت في نفس الأمر صوابا أو خطأ مثل أن يعتقد أن العام المخصوص ليس ~~بحجة وان المفهوم ليس بحجة وان العموم الوارد على سبب مقصور على سببه أو أن ~~الأمر المجرد لا يقتضي الوجوب أو لا يقتضى الفور أو أن المعرف باللام لا ~~عموم له أو ان الأفعال المنفية لا تنفي ذواتها ولا جميع أحكامها أو ان ~~المقتضى لا عموم له ms6003 فلا يدعى العموم في المضمرات والمعاني إلى غير ذلك مما ~~يتسع القول فيه فان شطر أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف منه في هذا القسم وان ~~كانت الأصول المجردة لم تحط بجميع الدلالات المختلف فيها وتدخل فيه أفراد ~~أجناس الدلالات هل هي من ذلك الجنس أم لا مثل أن يعتقد أن هذا اللفظ المعين ~~مجمل بأن يكون مشتركا لا دلالة تعين أحد معنييه أو غير ذلك # السبب الثامن اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست ~~مرادة مثل معارضة العام بخاص أو المطلق بمقيد أو الأمر المطلق بما ينفي ~~الوجوب أو الحقيقة بما يدل على المجاز إلى أنواع المعارضات # وهو باب واسع أيضا فان تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر ~~خضم PageV20P246 # السبب التاسع اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو ~~تأويله ان كان قابلا للتأويل بما يصلح أن يكون معارضا بالاتفاق مثل آية أو ~~حديث آخر أو مثل اجماع وهذا نوعان # أحدهما أن يعتقد أن هذا المعارض راجح في الجملة فيتعين أحد الثلاثة من ~~غير تعيين واحد منها # وتارة يعين أحدها بأن يعتقد أنه منسوخ أو أنه مؤول ثم قد يغلط في النسخ ~~فيعتقد المتأخر متقدما وقد يغلط في التأويل بأن يحمل الحديث على ما لا ~~يحتمله لفظه أو هناك ما يدفعه واذا عارضه من حيث الجملة فقد لا يكون ذلك ~~المعارض دالا وقد لا يكون الحديث المعارض في قوة الأول اسنادا أو متنا ~~وتجيء هنا الاسباب المتقدمة وغيرها في الحديث الاول والاجماع المدعى في ~~الغالب انما هو عدم العلم بالمخالف # وقد وجدنا من أعيان العلماء من صاروا إلى القول بأشياء متمسكهم فيها عدم ~~العلم بالمخالف مع أن ظاهر الأدلة عندهم يقتضى خلاف ذلك لكن لا يمكن العالم ~~أن يبتدىء قولا لم يعلم به قائلا مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه حتى أن ~~منهم من يعلق القول فيقول ان كان في المسألة اجماع فهو أحق ما يتبع والا ~~فالقول عندي كذا ms6004 وكذا PageV20P247 وذلك مثل من يقول لا أعلم أحدا أجاز ~~شهادة العبد وقبولها محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم ويقول اجمعوا على أن ~~المعتق بعضه لا يرث وتوريثه محفوظ عن علي وبن مسعود وفيه حديث حسن عن النبى # ويقول آخر لا أعلم أحدا أوجب الصلاة على النبى في الصلاة وايجابها محفوظ ~~عن أبي جعفر الباقر وذلك أن غاية كثير من العلماء أن يعلم قول أهل العلم ~~الذين أدركهم في بلاده وأقوال جماعات غيرهم كما تجد كثيرا من المتقدمين لا ~~يعلم إلا قول المدنيين والكوفيين وكثير من المتأخرين لا يعلم إلا قول اثنين ~~أو ثلاثة من الأئمة المتبوعين وما خرج عن ذلك فانه عنده يخالف الاجماع لأنه ~~لا يعلم به قائلا وما زال يقرع سمعه خلافه فهذا لا يمكنه ان يصير إلى حديث ~~يخالف هذا لخوفه أن يكون هذا خلافا للاجماع أو لاعتقاده أنه مخالف للاجماع ~~والاجماع أعظم الحجج # وهذا عذر كثير من الناس في كثير مما يتركونه وبعضهم معذور فيه حقيقة ~~وبعضهم معذور فيه وليس في الحقيقة بمعذور وكذلك كثير من الاسباب قبله وبعده # السبب العاشر معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله PageV20P248 ~~مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارض أو لا يكون في الحقيقة معارضا راجحا ~~كمعارضة كثير من الكوفيين الحديث الصحيح بظاهر القرآن واعتقادهم ان ظاهر ~~القرآن من العموم ونحوه مقدم على نص الحديث ثم قد يعتقد ما ليس بظاهر ظاهرا ~~لما في دلالات القول من الوجوه الكثيرة # ولهذا ردوا حديث الشاهد واليمين وإن كان غيرهم يعلم أن ليس في ظاهر ~~القرآن ما يمنع الحكم بشاهد ويمين ولو كان فيه ذلك فالسنة هي المفسرة ~~للقرآن عندهم # وللشافعي في هذه القاعدة كلام معروف ولأحمد فيها رسالته المشهورة في الرد ~~على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول الله وقد أورد فيها ~~من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره # ومن ذلك دفع الخبر الذي فيه تخصيص لعموم الكتاب أو تقييد لمطلقه أو فيه ~~زيادة عليه واعتقاد ms6005 من يقول ذلك ان الزيادة على النص كتقييد المطلق نسخ وأن ~~تخصيص العام نسخ وكمعارضه طائفه من المدنيين الحديث الصحيح بعمل أهل ~~المدينة بناء على أنهم مجمعون على مخالفة الخبر وأن اجماعهم حجة مقدمة على ~~الخبر كمخالفة أحاديث خيار المجلس بناء على هذا الاصل وان كان أكثر الناس ~~قد يثبتون PageV20P249 ان المدنيين قد اختلفوا في تلك المسألة وانهم لو ~~أجمعوا وخالفهم غيرهم لكانت الحجة في الخبر # وكمعارضة قوم من البلدين بعض الأحاديث بالقياس الجلي بناء على أن القواعد ~~الكلية لا تنقض بمثل هذا الخبر # إلى غير ذلك من أنواع المعارضات سواء كان المعارض مصيبا أو مخطئا فهذه ~~الأسباب العشرة ظاهرة وفى كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك ~~العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها فان مدارك العلم واسعة ولم نطلع نحن على ~~جميع ما في بواطن العلماء والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها وإذا ابداها ~~فقد تبلغنا وقد لا تبلغ وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه ~~سواء كانت الحجة صوابا في نفس الأمر أم لا لكن نحن وان جوزنا هذا فلا يجوز ~~لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول ~~آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وان كان أعلم اذ تطرق ~~الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الادلة الشرعية فان الأدلة ~~الشرعية حجة الله على جميع عبادة بخلاف رأي العالم PageV20P250 # والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر ورأي العالم ~~ليس كذلك ولو كان العمل بهذا التجويز جائزا لما بقي في أيدينا شيء من ~~الأدلة التى يجوز فيها مثل هذا لكن الغرض أنه في نفسه قد يكون معذورا في ~~تركه له ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك وقد قال سبحانه @QB@ تلك أمة قد ~~خلت لها ما كسبت @QE@ الآية وقال سبحانه @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول @QE@ # وليس لأحد أن يعارض الحديث عن ms6006 النبى بقول أحد من الناس كما قال بن عباس ~~رضي الله عنهما لرجل سأله عن مسألة فأجابه فيها بحديث فقال له قال أبو بكر ~~وعمر فقال بن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله ~~وتقولون قال أبو بكر وعمر # وإذا كان الترك يكون لبعض هذه الأسباب فاذا جاء حديث صحيح فيه تحليل أو ~~تحريم أو حكم فلا يجوز أن يعتقد أن التارك له من العلماء الذين وصفنا أسباب ~~تركهم يعاقب لكونه حلل الحرام أو حرم الحلال أو حكم بغير ما أنزل الله # وكذلك ان كان في الحديث وعيد على فعل من لعنة أو غضب أو عذاب ونحو ذلك ~~فلا يجوز أن يقال ان ذلك العالم الذي أباح PageV20P251 هذا أو فعله داخل في ~~هذا الوعيد وهذا مما لا نعلم بين الأمة فيه خلافا إلا شيئا يحكى عن بعض ~~معتزلة بغداد مثل المريسي وأضرابه انهم زعموا أن المخطىء من المجتهدين ~~يعاقب على خطئه وهذا لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم ~~أو بتمكنه من العلم بالتحريم فان من نشأ ببادية أو كان حديث عهد بالاسلام ~~وفعل شيئا من المحرمات غير عالم بتحريمها لم يأثم ولم يحد وإن لم يستند في ~~استحلاله إلى دليل شرعي فمن لم يبلغه الحديث المحرم واستند في الاباحة إلى ~~دليل شرعى أولى أن يكون معذورا ولهذا كان هذا مأجورا محمودا لأجل اجتهاده ~~قال الله سبحانه @QB@ وداود وسليمان @QE@ إلى قوله @QB@ وعلما @QE@ فاختص ~~سليمان بالفهم واثنى عليهما بالحكم والعلم # وفى الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ان النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال ( إذا اجتهد الحاكم فاصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ( فتبين ~~أن المجتهد مع خطئه له أجر وذلك لأجل اجتهاده وخطؤه مغفور له لأن درك ~~الصواب في جميع أعيان الاحكام اما متعذر أو متعسر وقد قال تعالى @QB@ وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ وقال تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر @QE@ # وفى الصحيحين عن ms6007 النبى أنه قال لأصحابه عام الخندق ( لا يصلين أحد العصر ~~إلا في بني قريظة ) فأدركتهم صلاة PageV20P252 العصر في الطريق فقال بعضهم ~~لا نصلي إلا في بني قريظة وقال بعضهم لم يرد منا هذا فصلوا في الطريق فلم ~~يعب واحدة من الطائفتين فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب فجعلوا صورة الفوات ~~داخله في العموم والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن ~~العموم فان المقصود المبادرة إلى القوم وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء ~~اختلافا مشهورا هل يخص العموم بالقياس ومع هذا فالذين صلوا في الطريق كانوا ~~اصوب # وكذلك بلال رضى الله عنه لما باع الصاعين بالصاع امره النبى برده ولم ~~يرتب على ذلك حكم آكل الربا من التفسيق واللعن والتغليظ لعدم علمه بالتحريم # وكذلك عدي بن حاتم وجماعة من الصحابة لما اعتقدوا أن قوله تعالى @QB@ حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود @QE@ معناه الحبال البيض والسود ~~فكان احدهم يجعل عقالين ابيض واسود ويأكل حتى يتبين احدهما من الآخر فقال ~~النبى لعدي ( إن وسادك إذا لعريض انما هو بياض النهار وسواد الليل ( فأشار ~~إلى عدم فقهه لمعنى الكلام ولم يرتب على هذا الفعل ذم من افطر في رمضان وإن ~~كان من اعظم الكبائر بخلاف الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب الغسل ~~فاغتسل فمات فانه قال ( قتلوه PageV20P253 قتلهم الله هلا سألوا اذا لم ~~يعلموا انما شفاء العي السؤال ( فان هؤلاء أخطأوا بغير اجتهاد إذ لم يكونوا ~~من أهل العلم # وكذلك لم يوجب على أسامة بن زيد قودا ولادية ولا كفارة لما قتل الذي قال ~~لا إله إلا الله في غزوة الحرقات فانه كان معتقدا جواز قتله بناء على أن ~~هذا الاسلام ليس بصحيح مع أن قتله حرام # وعمل بذلك السلف وجمهور الفقهاء في أن ما استباحه أهل البغى من دماء أهل ~~العدل بتأويل سائغ لم يضمن بقود ولا دية ولا كفارة وان كان قتلهم وقتالهم ~~محرما # وهذا الشرط الذي ذكرناه في لحوق الوعيد لا يحتاج أن يذكر في كل خطاب ~~لاستقرار ms6008 العلم به في القلوب كما أن الوعد على العمل مشروط باخلاص العمل ~~لله وبعدم حبوط العمل بالردة ثم أن هذا الشرط لايذكر في كل حديث فيه وعد ثم ~~حيث قدر قيام الموجب للوعيد فان الحكم يتخلف عنه لمانع وموانع لحوق الوعيد ~~متعددة منها التوبة ومنها الاستغفار ومنها الحسنات الماحية للسيئات ومنها ~~بلاء الدنيا ومصائبها ومنها شفاعة PageV20P254 شفيع مطاع ومنها رحمة ارحم ~~الراحمين فاذا عدمت هذه الأسباب كلها ولن تعدم إلا في حق من عتا وتمرد وشرد ~~على الله شراد البعير على أهله فهنالك يلحق الوعيد به وذلك أن حقيقة الوعيد ~~بيان أن هذا العمل سبب في هذا العذاب فيستفاد من ذلك تحريم الفعل وقبحه أما ~~أن كل شخص قام به ذلك السبب يجب وقوع ذلك المسبب به فهذا باطل قطعا لتوقف ~~ذلك المسبب على وجود الشرط وزوال جميع الموانع # وإيضاح هذا أن من ترك العمل بحديث فلا يخلو من ثلاثة أقسام إما أن يكون ~~تركا جائزا باتفاق المسلمين كالترك في حق من لم يبلغه ولا قصر في الطلب مع ~~حاجته إلى الفتيا أو الحكم كما ذكرناه عن الخلفاء الراشدين وغيرهم فهذا لا ~~يشك مسلم أن صاحبه لا يلحقه من معرة الترك شيء # وإما أن يكون تركا غير جائز فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة ان شاء الله ~~تعالى لكن قد يخاف على بعض العلماء أن يكون الرجل قاصرا في درك تلك المسألة ~~فيقول مع عدم أسباب القول وان كان له فيها نظر واجتهاد أو يقصر في ~~الاستدلال فيقول قبل أن يبلغ النظر نهايته مع كونه متمسكا بحجة أو يغلب ~~عليه عادة أو غرض يمنعه من استيفاء النظر لينظر فيما يعارض ما عنده وان كان ~~لم يقل إلا PageV20P255 بالاجتهاد والاستدلال فان الحد الذي يجب أن ينتهى ~~إليه الاجتهاد قد لا ينضبط للمجتهد # ولهذا كان العلماء يخافون مثل هذا خشية أن لا يكون الاجتهاد المعتبر قد ~~وجد في تلك المسألة المخصوصة فهذه ذنوب لكن لحوق عقوبة الذنب بصاحبه أنما ~~تنال لمن لم ms6009 يتب وقد يمحوها الاستغفار والإحسان والبلاء والشفاعة والرحمة ~~ولم يدخل في هذا من يغلبه الهوى ويصرعه حتى ينصر ما يعلم أنه باطل أو من ~~يجزم بصواب قول أو خطئه من غير معرفة منه بدلائل ذلك القول نفيا واثباتا ~~فان هذين في النار كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( القضاة ثلاثة قاضيان ~~في النار وقاض في الجنة فأما الذى في الجنة فرجل علم الحق فقضى به وأما ~~اللذان في النار فرجل قضى للناس على جهل ورجل علم الحق وقضى بخلافه ( ~~والمفتون كذلك # لكن لحوق الوعيد للشخص المعين أيضا له موانع كما بيناه فلو فرض وقوع بعض ~~هذا من بعض الاعيان من العلماء المحمودين عند الامة مع أن هذا بعيد أو غير ~~واقع لم يعدم أحدهم أحد هذه الأسباب ولو وقع لم يقدح في امامتهم على ~~الاطلاق فإنا لا نعتقد في القوم العصمة بل تجوز عليهم الذنوب ونرجو لهم مع ~~ذلك أعلى الدرجات لما اختصهم الله به من الأعمال الصالحة والأحوال السنية ~~PageV20P256 وانهم لم يكونوا مصرين على ذنب وليسوا بأعلى درجة من الصحابة ~~رضى الله عنهم والقول فيهم كذلك فيما اجتهدوا فيه من الفتاوى والقضايا ~~والدماء التى كانت بينهم وغير ذلك # ثم إنهم مع العلم بأن التارك الموصوف معذور بل مأجور لا يمنعنا أن نتبع ~~الأحاديث الصحيحة التى لا نعلم لها معارضا يدفعها وأن نعتقد وجوب العمل على ~~الأمة ووجوب تبليغها وهذا مما لا يختلف العلماء فيه # ثم هي منقسمة إلى ما دلالته قطعية بان يكون قطعي السند والمتن وهو ما ~~تيقنا أن رسول الله قاله وتيقنا انه أراد به تلك الصورة والى مادلالته ~~ظاهرة غير قطعية # فأما الأول فيجب اعتقاد موجبه علما وعملا وهذا مما لا خلاف فيه بين ~~العلماء في الجملة وانما قد يختلفون في بعض الأخبار هل هو قطعي السند أو ~~ليس بقطعي وهل هو قطعي الدلالة أو ليس بقطعي مثل اختلافهم في خبر الواحد ~~الذي تلقته الأمة بالقبول والتصديق أو الذي اتفقت على العمل به فعند عامة ms6010 ~~الفقهاء وأكثر المتكلمين أنه يفيد العلم وذهب طوائف من المتكلمين إلى انه ~~لا يفيده # وكذلك الخبر المروي من عدة جهات يصدق بعضها بعضا من أناس PageV20P257 ~~مخصوصين قد تفيد العلم اليقينى لمن كان عالما بتلك الجهات وبحال اولئك ~~المخبرين وبقرائن وضمائم تحتف بالخبر وان كان العلم بذلك الخبر لا يحصل لمن ~~لم يشركه في ذلك # ولهذا كان علماء الحديث الجهابذة فيه المتبحرون في معرفته قد يحصل لهم ~~اليقين التام باخبار وان كان غيرهم من العلماء قد لا يظن صدقها فضلا عن ~~العلم بصدقها ومبنى هذا على أن الخبر المفيد للعلم يفيده من كثرة المخبرين ~~تارة ومن صفات المخبرين أخرى ومن نفس الاخبار به أخرى ومن نفس ادراك المخبر ~~له أخرى ومن الأمر المخبر به أخرى فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم لما هم ~~عليه من الديانة والحفظ الذي يؤمن معه كذبهم أو خطؤهم واضعاف ذلك العدد من ~~غيرهم قد لا يفيد العلم هذا هو الحق الذي لا ريب فيه وهو قول جمهور الفقهاء ~~والمحدثين وطوائف من المتكلمين # وذهب طوائف من المتكلمين وبعض الفقهاء إلى أن كل عدد أفاد العلم خبرهم ~~بقضية أفاد خبر مثل ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا باطل قطعا لكن ليس هذا ~~موضع بيان ذلك # فاما تأثير القرائن الخارجة عن المخبرين في العلم بالخبر فلم نذكره لأن ~~تلك القرائن قد تفيد العلم لو تجردت عن الخبر وإذا كانت PageV20P258 بنفسها ~~قد تفيد العلم لم تجعل تابعة للخبر على الاطلاق كما لم يجعل الخبر تابعا ~~لها بل كل منهما طريق إلى العلم تارة والى الظن أخرى وان اتفق اجتماع ما ~~يوجب العلم به منهما أو اجتماع موجب العلم من أحدهما وموجب الظن من الآخر ~~وكل من كان بالاخبار أعلم قد يقطع بصدق أخبار لا يقطع بصدقها من ليس مثله ~~وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث هل هو نص ~~أو ظاهر واذا كان ظاهرا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أولا وهذا أيضا ~~باب واسع ms6011 فقد يقطع قوم من العلماء بدلالة أحاديث لا يقطع بها غيرهم إما ~~لعلمهم بان الحديث لا يحتمل الا ذلك المعنى أو لعلمهم بان المعنى الآخر ~~يمنع حمل الحديث عليه أو لغير ذلك من الأدلة الموجبة للقطع # وأما القسم الثاني وهو الظاهر فهذا يجب العمل به في الاحكام الشرعية ~~باتفاق العلماء المعتبرين فان كان قد تضمن حكما علميا مثل الوعيد ونحوه فقد ~~اختلفوا فيه # فذهب طوائف من الفقهاء إلى أن خبر الواحد العدل اذا تضمن وعيدا على فعل ~~فانه يجب العمل به في تحريم ذلك الفعل ولا يعمل به في الوعيد الا أن يكون ~~قطعيا وكذلك لو كان المتن قطعيا لكن الدلالة ظاهرة وعلى هذا حملوا قول ~~عائشة رضي الله عنها أبلغي PageV20P259 زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الا أن يتوب قالوا فعائشة ذكرت الوعيد لأنها كانت ~~عالمة به ونحن نعمل بخبرها في التحريم وان كنا لا نقول بهذا الوعيد لأن ~~الحديث انما ثبت عندنا بخبر واحد # وحجة هؤلاء ان الوعيد من الأمور العلمية فلا تثبت الا بما يفيد العلم ~~وأيضا فان الفعل اذا كان مجتهدا في حكمه لم يلحق فاعله الوعيد فعلى قول ~~هؤلاء يحتج باحاديث الوعيد في تحريم الأفعال مطلقا ولا يثبت بها الوعيد الا ~~أن تكون الدلالة قطعية ومثله احتجاج اكثر العلماء بالقراءات التى صحت عن ~~بعض الصحابة مع كونها ليست في مصحف عثمان رضي الله عنه فانها تضمنت عملا ~~وعلما وهي خبر واحد صحيح فاحتجوا بها في اثبات العمل ولم يثبتوها قرآنا ~~لأنها من الأمور العلمية التى لا تثبت الا بيقين # وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في ~~جميع ما تضمنته من الوعيد فان أصحاب رسول الله والتابعين بعدهم مازالوا ~~يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل ويصرحون بلحوق الوعيد ~~الذي فيها للفاعل في الجملة وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم وذلك لأن ~~الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التى ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة ms6012 ~~PageV20P260 وبالأدلة القطعية أخرى فانه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد ~~بل المطلوب الإعتقاد الذي يدخل في اليقين والظن الغالب كما أن هذا هو ~~المطلوب في الأحكام العملية # ولا فرق بين اعتقاد الانسان أن الله حرم هذا وأوعد فاعله بالعقوبة ~~المجملة واعتقاده ان الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة من حيث أن كلا ~~منهما اخبار عن الله فكما جاز الاخبار عنه بالأول بمطلق الدليل فكذلك ~~الاخبار عنه بالثانى بل لو قال قائل العمل بها في الوعيد أوكد كان صحيحا # ولهذا كانوا يسهلون في اسانيد أحاديث الترغيب والترهيب مالا يسهلون في ~~أسانيد احاديث الأحكام لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترك فان كان ~~ذلك الوعيد حقا كان الانسان قد نجا وان لم يكن الوعيد حقا بل عقوبة الفعل ~~أخف من ذلك الوعيد لم يضر الانسان اذا ترك ذلك الفعل خطؤه في اعتقاده زيادة ~~العقوبة لأنه ان اعتقد نقص العقوبة فقد يخطىء أيضا وكذلك ان لم يعتقد في ~~تلك الزيادة نفيا ولا اثباتا فقد يخطىء فهذا الخطأ قد يهون الفعل عنده فيقع ~~فيه فيستحق العقوبة الزائدة ان كانت ثابتة أو يقوم به سبب استحقاق ذلك فاذا ~~الخطأ في الإعتقاد على التقديرين تقدير اعتقاد الوعيد وتقدير عدمه سواء ~~والنجاة من العذاب على تقدير اعتقاد PageV20P261 الوعيد أقرب فيكون هذا ~~التقدير أولى # وبهذا الدليل رجح عامة العلماء الدليل الحاظر على الدليل المبيح وسلك ~~كثير من الفقهاء دليل الاحتياط في كثير من الأحكام بناء على هذا واما ~~الاحتياط في الفعل فكالمجمع على حسنه بين العقلاء في الجملة فاذا كان خوفه ~~من الخطأ بنفى اعتقاد الوعيد مقابلا لخوفه من الخطأ في عدم هذا الإعتقاد ~~بقى الدليل الموجب لاعتقاده والنجاة الحاصلة في اعتقاده دليلين سالمين عن ~~المعارض # وليس لقائل أن يقول عدم الدليل القطعي على الوعيد دليل على عدمه كعدم ~~الخبر المتواتر على القراءات الزائدة على ما في المصحف لأن عدم الدليل لا ~~يدل على عدم المدلول عليه ومن قطع بنفي شيء من الأمور العلمية لعدم الدليل ~~القاطع على وجودها ms6013 كما هو طريقة طائفة من المتكلمين فهو مخطىء خطأ بينا لكن ~~إذا علمنا ان وجود الشيء مستلزم لوجود الدليل وعلمنا عدم الدليل وقطعنا ~~بعدم الشيء المستلزم لأن عدم اللازم دليل على عدم الملزوم وقد علمنا أن ~~الدواعي متوفرة على نقل كتاب الله ودينه فانه لا يجوز على الامة كتمان ما ~~يحتاج إلى نقله حجة عامة فلما لم ينقل نقلا عاما صلاة سادسة ولا سورة اخرى ~~علمنا يقينا عدم ذلك PageV20P262 # وباب الوعيد ليس من هذا الباب فانه لا يجب في كل وعيد على فعل أن ينقل ~~نقلا متواترا كما لا يجب ذلك في حكم ذلك الفعل فثبت أن الأحاديث المتضمنة ~~للوعيد يجب العمل بها في مقتضاها باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعد بذلك ~~الوعيد لكن لحوق الوعيد به متوقف على شروط وله موانع # وهذه القاعدة تظهر بأمثلة منها أنه قد صح عن النبى أنه قال ( لعن الله ~~آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ( وصح عنه من غير وجه أنه قال لمن باع ~~صاعين بصاع يدا بيد ( أوه عين الربا ( كما قال ( البر بالبر ربا الا هاء ~~وهاء ( الحديث وهذا يوجب دخول نوعي الربا ربا الفضل وربا النسأ في الحديث # ثم ان الذين بلغهم قول النبى ( انما الربا في النسيئة ( فاستحلوا بيع ~~الصاعين بالصاع يدا بيد مثل بن عباس رضي الله عنه وأصحابه أبى الشعثاء ~~وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم من أعيان المكيين الذين هم من ~~صفوة الأمة علما وعملا لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدا منهم بعينه أو من ~~قلده بحيث يجوز تقليده تبلغهم لعنة آكل الربا لأنهم فعلوا ذلك متأولين ~~تأويلا سائغا في الجملة PageV20P263 # وكذلك ما نقل عن طائفة من فضلاء المدنيين من إتيان المحاش مع ما رواه أبو ~~داود عن النبى أنه قال ( من أتى امرأة في دبرها فهو كافر بما أنزل على محمد ~~( أفيستحل مسلم أن يقول إن فلانا وفلانا كانا كافرين بما أنزل على محمد # وكذلك قد ثبت عنه أنه لعن في الخمر عشرة عاصر ms6014 الخمر ومعتصرها وشاربها ~~وثبت عنه من وجوه أنه قال ( كل شراب أسكر فهو خمر ( وقال ( كل مسكر خمر ( ~~وخطب عمر رضي الله عنه على منبره فقال بين المهاجرين والانصار الخمر ما ~~خامر العقل وأنزل الله تحريم الخمر وكان سبب نزولها ما كانوا يشربونه في ~~المدينة ولم يكن لهم شراب الا الفضيخ لم يكن لهم من خمر الأعناب شيء # وقد كان رجال من أفاضل الأمة علما وعملا من الكوفيين يعتقدون أن لا خمر ~~الا من العنب وأن ما سوى العنب والتمر لا يحرم من نبيذه الا مقدار ما يسكر ~~ويشربون ما يعتقدون حله فلا يجوز أن يقال ان هؤلاء مندرجون تحت الوعيد لما ~~كان لهم من العذر الذي تأولوا به أو لموانع أخر فلا يجوز أن يقال إن الشراب ~~الذي شربوه ليس من الخمر الملعون شاربها فان سبب القول العام لابد أن يكون ~~داخلا فيه ولم يكن بالمدينة خمر من العنب ثم أن النبى صلى PageV20P264 الله ~~عليه وسلم قد لعن البائع للخمر وقد باع بعض الصحابة خمرا حتى بلغ عمر فقال ~~قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لعن الله ~~اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ( ولم يكن يعلم أن بيعها ~~محرم ولم يمنع عمر رضي الله عنه علمه بعدم علمه أن يبين جزاء هذا الذنب ~~ليتناهى هو وغيره عنه بعد بلوغ العلم به # وقد لعن العاصر والمعتصر وكثير من الفقهاء يجوزون للرجل أن يعصر لغيره ~~عنبا وان علم أن من نيته أن يتخذه خمرا فهذا نص في لعن العاصر مع العلم بأن ~~المعذور تخلف الحكم عنه لمانع # وكذلك لعن الواصلة والموصولة في عدة أحاديث صحاح ثم من الفقهاء من يكرهه ~~فقط # وقال النبى ( ان الذي يشرب في آنية الفضة انما يجرجر في بطنه نار جهنم ( ~~ومن الفقهاء من يكرهه كراهة تنزيه # وكذلك قوله ( اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ( ~~يجب العمل به في تحريم قتال المؤمنين PageV20P265 بغير حق ثم انا نعلم ms6015 أن ~~أهل الجمل وصفين ليسوا في النار لأن لهما عذرا وتأويلا في القتال وحسنات ~~منعت المقتضى أن يعمل عمله # وقال في الحديث الصحيح ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء يمنعه بن السبيل فيقول ~~الله له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ورجل بايع اماما لا ~~يبايعه إلا لدنيا ان أعطاه رضي وان لم يعطه سخط ورجل حلف على سلعة بعد ~~العصر كاذبا لقد أعطى بها أكثر مما أعطى ( فهذا وعيد عظيم لمن منع فضل مائه ~~مع أن طائفة من العلماء يجوزون للرجل أن يمنع فضل مائه فلا يمنعنا هذا ~~الخلاف أن نعتقد تحريم هذا محتجين بالحديث ولا يمنعنا مجيء الحديث أن نعتقد ~~أن المتأول معذور في ذلك لا يلحقه هذا الوعيد # وقال ( لعن الله المحلل والمحلل له ( وهو حديث صحيح قد روى عنه من غير ~~وجه وعن أصحابه مع ان طائفة من العلماء صححوا نكاح المحلل مطلقا ومنهم من ~~صححه اذا لم يشترط في العقد ولهم في ذلك أعذار معروفة فان قياس الأصول عند ~~الاول ان النكاح لا يبطل بالشروط كما لا يبطل بجهالة أحد العوضين وقياس ~~الاصول عند الثانى ان العقود المجردة عن شرط مقترن لا تغير PageV20P266 ~~أحكام العقود ولم يبلغ هذا الحديث من قال هذا القول هذا هو الظاهر فان ~~كتبهم المتقدمة لم تتضمنه ولو بلغهم لذكروه آخذين به أو مجيبين عنه أو ~~بلغهم وتأولوه أو اعتقدوا نسخه أو كان عندهم ما يعارضه فنحن نعلم أن مثل ~~هؤلاء لا يصيبه هذا الوعيد لو أنه فعل التحليل معتقدا حله على هذا الوجه ~~ولا يمنعنا ذلك أن نعلم ان التحليل سبب لهذا الوعيد وإن تخلف في حق بعض ~~الاشخاص لفوات شرط أو وجود مانع # وكذلك استلحاق معاوية رضي الله عنه زياد بن أبيه المولود على فراش الحارث ~~بن كلدة لكون ابى سفيان كان يقول انه من نطفته مع أنه قد قال ( من ادعى إلى ms6016 ~~غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ( وقال ( من ادعى إلى غير ~~أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل ~~الله منه صرفا ولا عدلا ( حديث صحيح وقضى أن الولد للفراش وهو من الاحكام ~~المجمع عليها فنحن نعلم أن من انتسب إلى غير الاب الذي هو صاحب الفراش فهو ~~داخل في كلام الرسول مع أنه لا يجوز أن يعين أحد دون الصحابة فضلا عن ~~الصحابة فيقال ان هذا الوعيد لاحق به لا مكان أنه لم يبلغهم قضاء رسول الله ~~بان الولد للفراش واعتقدوا PageV20P267 أن الولد لمن أحبل أمه واعتقدوا أن ~~أبا سفيان هو المحبل لسمية أم زياد فان هذا الحكم قد يخفى على كثير من ~~الناس لا سيما قبل انتشار السنة مع ان العادة في الجاهلية كانت هكذا أو ~~لغير ذلك من الموانع المانعة هذا المقتضى للوعيد ان يعمل عمله من حسنات ~~تمحو السيئات وغير ذلك # وهذا باب واسع فانه يدخل فيه جميع الامور المحرمة بكتاب أو سنة إذا كان ~~بعض الامة لم يبلغهم أدلة التحريم فاستحلوها أو عارض تلك الادلة عندهم أدلة ~~أخرى رأوا رجحانها عليها مجتهدين في ذلك الترجيح بحسب عقلهم وعلمهم فان ~~التحريم له أحكام من التأثيم والذم والعقوبة والفسق وغير ذلك لكن لها شروط ~~وموانع فقد يكون التحريم ثابتا وهذه الاحكام منتفية لفوات شرطها أو وجود ~~مانع أو يكون التحريم منتفيا في حق ذلك الشخص مع ثبوته في حق غيره # وانما رددنا الكلام لأن للناس في هذه المسألة قولين ( # أحدهما ) وهو قول عامة السلف والفقهاء أن حكم الله واحد وأن من خالفه ~~باجتهاد سائغ مخطىء معذور مأجور فعلى هذا يكون ذلك الفعل الذي فعله المتأول ~~بعينه حراما لكن لا يترتب أثر التحريم عليه لعفو الله عنه فانه لا يكلف ~~نفسا الا وسعها PageV20P268 # والثانى ) في حقه ليس بحرام لعدم بلوغ دليل التحريم له وان كان حراما في ~~حق غيره فتكون نفس حركة ذلك الشخص ليست حراما والخلاف متقارب وهو ms6017 شبيه ~~بالاختلاف في العبارة # فهذا هو الذي يمكن أن يقال في أحاديث الوعيد اذا صادفت محل خلاف اذ ~~العلماء مجمعون على الاحتجاج في تحريم الفعل المتوعد عليه سواء كان محل ~~وفاق أو خلاف بل اكثر ما يحتاجون إليه الاستدلال بها في موارد الخلاف لكن ~~اختلفوا في الاستدلال بها على الوعيد إذا لم تكن قطعية على ما ذكرناه # فان قيل فهلا قلتم إن أحاديث الوعيد لا تتناول محل الخلاف وإنما تتناول ~~محل الوفاق وكل فعل لعن فاعله أو توعد بغضب أو عقاب حمل على فعل اتفق على ~~تحريمه لئلا يدخل بعض المجتهدين في الوعيد إذا فعل ما اعتقد تحليله بل ~~المعتقد أبلغ من الفاعل اذ هو الآمر له بالفعل فيكون قد ألحق به وعيد اللعن ~~أو الغضب بطريق الاستلزام # قلنا الجواب من وجوه ( # أحدها ) أن جنس التحريم اما أن يكون ثابتا في محل خلاف PageV20P269 أو لا ~~يكون فان لم يكن ثابتا في محل خلاف قط لزم أن لا يكون حراما الا ما أجمع ~~على تحريمه فكل ما اختلف في تحريمه يكون حلالا وهذا مخالف لاجماع الأمة وهو ~~معلوم البطلان بالاضطرار من دين الاسلام # وان كان ثابتا ولو في صورة فالمستحل لذلك الفعل المحرم من المجتهدين اما ~~أن يلحقه ذم من حلل الحرام أو فعله وعقوبته أولا فان قيل انه يلحقه أو قيل ~~انه لا يلحقه فكذلك التحريم الثابت في حديث الوعيد اتفاقا والوعيد الثابت ~~في محل الخلاف على ما ذكرناه من التفصيل بل الوعيد انما جاء على الفاعل ~~وعقوبة محلل الحرام في الاصل أعظم من عقوبة فاعله من غير اعتقاد فاذا جاز ~~ان يكون التحريم ثابتا في صورة الخلاف ولا يلحق المحلل المجتهد عقوبة ذلك ~~الاحلال للحرام لكونه معذورا فيه فلأن لا يلحق الفاعل وعيد ذلك الفعل أولى ~~وأحرى # وكما لم يلزم دخول المجتهد تحت حكم هذا التحريم من الذم والعقاب وغير ذلك ~~لم يلزم دخوله تحت حكمه من الوعيد اذ ليس الوعيد الا نوعا من الذم والعقاب ~~فان جاز دخوله ms6018 تحت هذا الجنس فما كان الجواب عن بعض أنواعه كان جوابا عن ~~البعض الآخر ولا يغنى الفرق بقلة الذم وكثرته أو شدة العقوبة وخفتها فان ~~المحذور في قليل الذم PageV20P270 والعقاب في هذا المقام كالمحذور في كثيره ~~فان المجتهد لا يلحقه قليل ذلك ولا كثيره بل يلحقه ضد ذلك من الاجر والثواب ~~( # الثانى ) أن كون حكم الفعل مجمعا عليه أو مختلفا فيه أمور خارجة عن الفعل ~~وصفاته وإنما هي أمور اضافية بحسب ما عرض لبعض العلماء من عدم العلم واللفظ ~~العام ان اريد به الخاص فلابد من نصب دليل يدل على التخصيص إما مقترن ~~بالخطاب عند من لا يجوز تأخير البيان وإما موسع في تأخيره إلى حين الحاجة ~~عند الجمهور ولا شك ان المخاطبين بهذا على عهد رسول الله كانوا محتاجين إلى ~~معرفة حكم الخطاب فلو كان المراد باللفظ العام في لعنة آكل الربا والمحلل ~~ونحوهما المجمع على تحريمه وذلك لا يعلم إلا بعد موت النبى صلى الله عليه ~~وسلم وتكلم الامه في جميع افراد ذلك العام لكان قد أخر بيان كلامه إلى أن ~~تكلم جميع الامة في جميع أفراده وهذا لا يجوز ( # الثالث ) أن هذا الكلام إنما خوطبت الامة به لتعرف الحرام فتجتنبه ~~ويستندون في إجماعهم إليه ويحتجون في نزاعهم به فلو كانت الصورة المرادة هي ~~ما أجمعوا عليه فقط لكان العلم بالمراد موقوفا على الاجماع فلا يصح ~~الاحتجاج به قبل الاجماع فلا يكون مستندا للاجماع لأن مستند الاجماع يجب أن ~~يكون متقدما عليه فيمتنع تأخره PageV20P271 عنه فانه يفضى إلى الدور الباطل ~~فان أهل الاجماع حينئذ لا يمكنهم الاستدلال بالحديث على صورة حتى يعلموا ~~أنها مرادة ولا يعلمون أنها مرادة حتى يجتمعوا فصار الاستدلال موقوفا على ~~الاجماع قبله والاجماع موقوفا على الاستدلال قبله اذا كان الحديث هو ~~مستندهم فيكون الشيء موقوفا على نفسه فيمتنع وجوده ولا يكون حجة في محل ~~الخلاف لأنه لم يرد وهذا تعطيل للحديث عن الدلالة على الحكم في محل الوفاق ~~والخلاف وذلك مستلزم ان لا يكون ms6019 شيء من النصوص التى فيها تغليظ للفعل ~~أفادنا تحريم ذلك الفعل وهذا باطل قطعا ( # الرابع ) أن هذا يستلزم ان لا يحتج بشيء من هذه الاحاديث إلا بعد العلم ~~بأن الأمة أجمعت على تلك الصورة فاذا الصدر الأول لا يجوز أن يحتجوا بها بل ~~ولا يجوز أن يحتج بها من يسمعها من في رسول الله ويجب على الرجل اذا سمع ~~مثل هذا الحديث ووجد كثيرا من العلماء قد عملوا به ولم يعلم له معارض ان لا ~~يعمل به حتى يبحث عنه هل في أقطار الأرض من يخالفه كما لا يجوز له أن يحتج ~~في مسألة بالاجماع الا بعد البحث التام واذا يبطل الاحتجاج بحديث رسول الله ~~بمجرد خلاف واحد من المجتهدين فيكون قول الواحد مبطلا لكلام رسول الله ~~وموافقته محققة لقول رسول الله وإذا كان ذلك الواحد قد أخطأ صار خطؤه ~~PageV20P272 مبطلا لكلام رسول الله # وهذا كله باطل بالضرورة فانه ان قيل لا يحتج به الا بعد العلم بالاجماع ~~صارت دلالة النصوص موقوفة على الإجماع وهو خلاف الاجماع وحينئذ فلا يبقى ~~للنصوص دلالة فان المعتبر إنما هو الاجماع والنص عديم التأثير فان قيل يحتج ~~به إذ لا يعلم وجود الخلاف فيكون قول واحد من الأمة مبطلا لدلالة النص وهذا ~~أيضا خلاف الاجماع وبطلانه معلوم بالاضطرار من دين الاسلام ( # الخامس ) أنه اما أن يشترط في شمول الخطاب اعتقاد جميع الامة للتحريم أو ~~يكتفى باعتقاد العلماء # فان كان الاول لم يجز أن يستدل على التحريم باحاديث الوعيد حتى يعلم أن ~~جميع الامة حتى الناشئين بالبوادي البعيدة والداخلين في الاسلام من المدة ~~القريبة قد اعتقدوا ان هذا محرم وهذا لا يقوله مسلم بل ولا عاقل فان العلم ~~بهذا الشرط متعذر # وان قيل يكتفى باعتقاد جميع العلماء قيل له انما اشترطت إجماع العلماء ~~حذرا من أن يشمل الوعيد لبعض المجتهدين وان كان مخطئا وهذا بعينه موجود ~~فيمن لم يسمع دليل التحريم من العامة فان PageV20P273 محذور شمول اللعنة ~~لهذا كمحذور شمول اللعنة لهذا ولا ينجي من ms6020 هذا الالزام أن يقال ذلك من ~~أكابر الأمة وفضلاء الصديقين وهذا من أطراف الأمة فان افتراقهما من هذا ~~الوجه لا يمنع اشتراكهما في هذا الحكم فان الله سبحانه كما غفر للمجتهد اذا ~~أخطأ غفر للجاهل إذا أخطأ ولم يمكنه التعلم بل المفسدة التى تحصل بفعل واحد ~~من العامة محرما لم يعلم تحريمه ولم يمكنه معرفة تحريمه أقل بكثير من ~~المفسدة التى تنشأ من احلال بعض الائمة لما قد حرمه الشارع وهو لم يعلم ~~تحريمه ولم يمكنه معرفة تحريمه # ولهذا قيل احذروا زلة العالم فانه اذا زل زل بزلته عالم قال بن عباس رضي ~~الله عنهما ويل للعالم من الاتباع فان كان هذا معفوا عنه مع عظم المفسدة ~~الناشئة من فعله فلأن يعفى عن الآخر مع خفة مفسدة فعله أولى نعم يفترقان من ~~وجه آخر وهو أن هذا اجتهد فقال باجتهاد وله من نشر العلم واحياء السنة ما ~~تنغمر فيه هذه المفسدة وقد فرق الله بينهما من هذا الوجه فأثاب المجتهد على ~~اجتهاده وأثاب العالم على علمه ثوابا لم يشركه فيه ذلك الجاهل فهما مشتركان ~~في العفو مفترقان في الثواب ووقوع العقوبة على غير المستحق ممتنع جليلا كان ~~أو حقيرا فلابد من اخراج هذا الممتنع من الحديث بطريق يشمل القسمين ~~PageV20P274 # السادس ) أن من أحاديث الوعيد ما هو نص في صورة الخلاف مثل لعنة المحلل ~~له فان من العلماء من يقول إن هذا لا يأثم بحال فانه لم يكن ركنا في العقد ~~الأول بحال حتى يقال لعن لاعتقاده وجوب الوفاء بالتحليل فمن اعتقد أن نكاح ~~الأول صحيح وان بطل الشرط فانها تحل للثانى جرد الثانى عن الاثم بل وكذلك ~~المحلل فانه اما أن يكون ملعونا على التحليل أو على اعتقاده وجوب الوفاء ~~بالشرط المقرون بالعقد فقط أو على مجموعهما فان كان الأول أو الثالث حصل ~~الغرض وان كان الثانى فهذا الإعتقاد هو الموجب للعنة سواء حصل هناك تحليل ~~أو لم يحصل وحينئذ فيكون المذكور في الحديث ليس هو سبب اللعنة وسبب اللعنة ms6021 ~~لم يتعرض له وهذا باطل # ثم هذا المعتقد وجوب الوفاء ان كان جاهلا فلا لعنة عليه وان كان عالما ~~بانه لا يجب فمحال أن يعتقد الوجوب الا أن يكون مراغما للرسول فيكون كافرا ~~فيعود معنى الحديث إلى لعنة الكفار والكفر لا اختصاص له بانكار هذا الحكم ~~الجزئى دون غيره فان هذا بمنزلة من يقول لعن الله من كذب الرسول في حكمه ~~بأن شرط الطلاق في النكاح باطل ثم هذا كلام عام عموما لفظيا ومعنويا وهو ~~عموم مبتدأ ومثل هذا العموم لا يجوز حمله على الصور النادرة اذ الكلام يعود ~~لكنة PageV20P275 وعيا كتأويل من يتأول قوله ( أيما امرأة نكحت من غير اذن ~~وليها ( على المكاتبة # وبيان ندورة أن المسلم الجاهل لا يدخل في الحديث والمسلم العالم بأن هذا ~~الشرط لا يجب الوفاء به لا يشترطه معتقدا وجوب الوفاء به الا أن يكون كافرا ~~والكافر لا ينكح نكاح المسلمين الا أن يكون منافقا وصدور هذا النكاح على ~~مثل هذا الوجه من أندر النادر ولو قيل إن مثل هذه الصورة لا تكاد تخطر ببال ~~المتكلم لكان القائل صادقا # وقد ذكرنا الدلائل الكثيرة في غير هذا الموضع على أن هذا الحديث قصد به ~~المحلل القاصد وان لم يشترط وكذلك الوعيد الخاص من اللعنة والنار وغير ذلك ~~قد جاء منصوصا في مواضع مع وجود الخلاف فيها مثل حديث بن عباس رضي الله ~~عنهما عن النبى أنه قال ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج ( قال الترمذى حديث حسن وزيارة النساء رخص فيها بعضهم وكرهها بعضهم ~~ولم يحرمها وحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبى ( لعن الله الذين ~~يأتون النساء في محاشهن ( وحديث أنس رضي الله عنه عن النبى انه قال ( ~~الجالب مرزوق والمحتكر ملعون PageV20P276 # وقد تقدم حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم وفيهم من منع فضل مائه وقد لعن بائع الخمر وقد باعها بعض ~~المتقدمين # وقد صح عنه من غير وجه أنه قال ( من ms6022 جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه ~~يوم القيامة ( وقال ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم القيامة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ( مع ان ~~طائفة من الفقهاء يقولون ان الجر والاسبال للخيلاء مكروه غير محرم # وكذلك قوله ( لعن الله الواصلة والمستوصلة وهو من أصح الأحاديث وفي وصل ~~الشعر خلاف معروف # وكذلك قوله ( ان الذي يشرب في آنية الفضة انما يجرجر في بطنه نار جهنم ( ~~ومن العلماء من لم يحرم ذلك ( # السابع ) أن الموجب للعموم قائم والمعارض المذكور لا يصلح أن يكون معارضا ~~لأن غايته أن يقال حمله على صور الوفاق والخلاف يستلزم دخول بعض من لا ~~يستحق اللعن فيه فيقال اذا كان التخصيص على خلاف الأصل فتكثيره على خلاف ~~الأصل فيستثنى من هذا العموم PageV20P277 من كان معذورا بجهل أو اجتهاد أو ~~تقليد مع أن الحكم شامل لغير المعذورين كما هو شامل لصور الوفاق فان هذا ~~التخصيص أقل فيكون أولى ( # الثامن ) انا إذا حملنا اللفظ على هذا كان قد تضمن ذكر سبب اللعن ويبقى ~~المستثنى قد تخلف الحكم عنه لمانع ولا شك ان من وعد وأوعد ليس عليه أن ~~يستثنى من تخلف الوعد أو الوعيد في حقه لمعارض فيكون الكلام جاريا على ~~منهاج الصواب # أما إذا جعلنا اللعن على فعل المجمع على تحريمه أو سبب اللعن هو اعتقاد ~~المخالف للاجماع كان سبب اللعن غير مذكور في الحديث مع أن ذلك العموم لابد ~~فيه من التخصيص أيضا فاذا كان لابد من التخصيص على التقديرين فالتزامه على ~~الأول أولى لموافقة وجه الكلام وخلوه عن الاضمار ( # التاسع ) ان الموجب لهذا انما هو نفي تناول اللعنة للمعذور وقد قدمنا ~~فيما مضى ان أحاديث الوعيد انما المقصود بها بيان أن ذلك الفعل سبب لتلك ~~اللعنة فيكون التقدير هذا الفعل سبب اللعن فلو قيل هذا لم يلزم منه تحقق ~~الحكم في حق كل شخص لكن يلزم منه قيام السبب اذا لم يتبعه الحكم ولا محذور ~~فيه وقد قررنا فيما ms6023 مضى أن PageV20P278 الذم لا يلحق المجتهد حتى انا نقول ~~ان محلل الحرام أعظم اثما من فاعله ومع هذا فالمعذور معذور # فان قيل فمن المعاقب فان فاعل هذا الحرام اما مجتهد أو مقلد له وكلاهما ~~خارج عن العقوبة # قلنا الجواب من وجوه # أحدها أن المقصود بيان أن هذا الفعل مقتض للعقوبة سواء وجد من يفعله أو ~~لم يوجد فاذا فرض انه لا فاعل إلا وقد انتفى فيه شرط العقوبة أو قد قام به ~~ما يمنعها لم يقدح هذا في كونه محرما بل نعلم أنه محرم ليجتنبه من يتبين له ~~التحريم ويكون من رحمة الله بمن فعله قيام عذر له وهذا كما ان الصغائر ~~محرمة وان كانت تقع مكفرة باجتناب الكبائر وهذا شأن جميع المحرمات المختلف ~~فيها فان تبين أنها حرام وان كان قد يعذر من يفعلها مجتهدا أو مقلدا فان ~~ذلك لا يمنعنا أن نعتقد تحريمها # الثانى ان بيان الحكم سبب لزوال الشبهة المانعة من لحوق العقاب فان العذر ~~الحاصل بالاعتقاد ليس المقصود بقاءه بل المطلوب زواله بحسب الامكان ولولا ~~هذا لما وجب بيان العلم ولكان ترك PageV20P279 الناس على جهلهم خيرا لهم ~~ولكان ترك دلائل المسائل المشتبهة خيرا من بيانها الثالث أن بيان الحكم ~~والوعيد سبب لثبات المجتنب على اجتنابه ولولا ذلك لانتشر العمل بها # الرابع ان هذا العذر لا يكون عذرا الا مع العجز عن إزالته والا فمتى أمكن ~~الانسان معرفة الحق فقصر فيها لم يكن معذورا # الخامس انه قد يكون في الناس من يفعله غير مجتهد اجتهادا يبيحه ولا مقلدا ~~تقليدا يبيحه فهذا الضرب قد قام فيه سبب الوعيد من غير هذا المانع الخاص ~~فيتعرض للوعيد ويلحقه الا أن يقوم فيه مانع آخر من توبة أو حسنات ماحية أو ~~غير ذلك ثم هذا مضطرب قد يحسب الانسان ان اجتهاده أو تقليده مبيح له أن ~~يفعل ويكون مصيبا في ذلك تارة ومخطئا أخرى لكن متى تحرى الحق ولم يصده عنه ~~اتباع الهوى فلا يكلف الله نفسا الا وسعها ( # العاشر ) انه ms6024 ان كان ابقاء هذه الأحاديث على مقتضياتها مستلزما لدخول بعض ~~المجتهدين تحت الوعيد واذا كان لازما على التقديرين بقي الحديث سالما عن ~~المعارض فيجب العمل به PageV20P280 # بيان ذلك أن كثيرا من الأئمة صرحوا بأن فاعل الصورة المختلف فيها ملعون ~~منهم عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فانه سأل عمن تزوجها ليحلها ولم تعلم ~~بذلك المرأة ولا زوجها فقال هذا سفاح وليس بنكاح لعن الله المحلل والمحلل ~~له وهذا محفوظ عنه من غير وجه وعن غيره منهم الامام أحمد بن حنبل فانه قال ~~إذا أراد الاحلال فهو محلل وهو ملعون وهذا منقول عن جماعات من الأئمة في ~~صور كثيرة من صور الخلاف في الخمر والربا وغيرهما # فان كانت اللعنة الشرعية وغيرها من الوعيد الذي جاء لم يتناول الا محل ~~الوفاق فيكون هؤلاء قد لعنوا من لا يجوز لعنه فيستحقون من الوعيد الذي جاء ~~في غير حديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم ( لعن المسلم كقتله وقوله فيما ~~رواه بن مسعود رضي الله عنه ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ( متفق عليهما ~~وعن أبى الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ~~ان الطعانين واللعانين لا يكونون يوم القيامة شفعاء ولا شهداء ( وعن أبى ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لاينبغى لصديق ~~أن يكون لعانا ( رواهما مسلم وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ~~ولا البذيء ( رواه الترمذي PageV20P281 # وقال حديث حسن وفى أثر آخر ( ما من ~~رجل يلعن شيئا ليس له بأهل إلا حارت اللعنة عليه # فهذا الوعيد الذي قد جاء في اللعن حتى قيل إن من لعن من ليس بأهل كان هو ~~الملعون وان هذا اللعن فسوق وأنه مخرج عن الصديقية والشفاعة والشهادة ~~يتناول من لعن من ليس بأهل فاذا لم يكن فاعل المختلف فيه داخلا في النص لم ~~يكن أهلا فيكون لا عنه ms6025 مستوجبا لهذا الوعيد فيكون أولئك المجتهدون الذين ~~رأوا دخول محل الخلاف في الحديث مستوجبين لهذا الوعيد فاذا كان المحذور ~~ثابتا على تقدير اخراج محل الخلاف وتقدير بقائه علم أنه ليس بمحذور ولا ~~مانع من الاستدلال بالحديث وإن كان المحذور ليس ثابتا على واحد من ~~التقديرين فلا يلزم محذور ألبتة وذلك أنه إذا ثبت التلازم وعلم أن دخولهم ~~على تقدير الوجود مستلزم لدخولهم على تقدير العدم فالثابت أحد الأمرين إما ~~وجود الملزوم واللازم وهو دخولهم جميعا أو عدم اللازم والملزوم وهو عدم ~~دخولهم جميعا لأنه إذا وجد الملزوم وجد اللازم وإذا عدم اللازم عدم الملزوم # وهذا القدر كاف في ابطال السؤال لكن الذي نعتقده أن الواقع عدم دخولهم ~~على التقديرين على ما تقرر وذلك أن الدخول تحت الوعيد مشروط بعدم العذر في ~~الفعل وأما المعذور عذرا شرعيا فلا PageV20P282 يتناوله الوعيد بحال ~~والمجتهد معذور بل مأجور فينتفي شرط الدخول في حقه فلا يكون داخلا سواء ~~اعتقد بقاء الحديث على ظاهره أو أن في ذلك خلافا يعذر فيه وهذا الزام مفحم ~~لا محيد عنه إلا إلى وجه واحد وهو أن يقول السائل أنا أسلم أن من العلماء ~~المجتهدين من يعتقد دخول مورد الخلاف في نصوص الوعيد ويوعد على مورد الخلاف ~~بناء على هذا الإعتقاد فيلعن مثلا من فعل ذلك الفعل لكن هو مخطيىء في هذا ~~الإعتقاد خطأ يعذر فيه ويؤجر فلا يدخل في وعيد من لعن بغير حق لأن ذلك ~~الوعيد هو عندي محمول على لعن محرم بالاتفاق فمن لعن لعنا محرما بالاتفاق ~~تعرض للوعيد المذكور على اللعن وإذا كان اللعن من موارد الاختلاف لم يدخل ~~في أحاديث الوعيد كما أن الفعل المختلف في حله ولعن فاعله لا يدخل في ~~أحاديث الوعيد فكما أخرجت محل الخلاف من الوعيد الأول أخرج محل الخلاف من ~~الوعيد الثاني # واعتقد أن احاديث الوعيد في كلا الطرفين لم تشمل محل الخلاف لا في جواز ~~الفعل ولا في جواز لعنة فاعله سواء اعتقد جواز الفعل أو عدم جوازه فاني ms6026 على ~~التقديرين لا أجوز لعنة فاعله ولا أجوز لعنة من لعن فاعله ولا اعتقد الفاعل ~~ولا اللاعن داخلا في حديث وعيد ولا أغلظ على اللاعن إغلاظ من يراه متعرضا ~~للوعيد بل PageV20P283 لعنه لمن فعل المختلف فيه عندي من جملة مسائل ~~الاجتهاد وأنا أعتقد خطأه في ذلك كما قد أعتقد خطأ المبيح فان المقالات في ~~محل الخلاف ثلاثة أحدها القول بالجواز والثانى القول بالتحريم ولحوق الوعيد ~~والثالث القول بالتحريم الخالي من هذا الوعيد الشديد # وأنا قد أختار هذا القول الثالث لقيام الدليل على تحريم الفعل وعلى تحريم ~~لعنه فاعل المختلف فيه مع إعتقادى أن الحديث الوارد في توعد الفاعل وتوعد ~~اللاعن لم يشمل هاتين الصورتين # فيقال للسائل أن جوزت أن تكون لعنه هذا الفاعل من مسائل الاجتهاد جاز أن ~~يستدل عليها بالظاهر المنصوص فانه حينئذ لا أمان من إرادة محل الخلاف من ~~حديث الوعيد والمقتضى لارادته قائم فيجب العمل به وان لم تجوز أن يكون من ~~مسائل الاجتهاد كان لعنه محرما تحريما قطعيا # ولا ريب أن من لعن مجتهدا لعنا محرما تحريما قطعيا كان داخلا في الوعيد ~~الوارد للاعن وإن كان متأولا كمن لعن بعض السلف الصالح فثبت أن الدور لازم ~~سواء قطعت بتحريم لعنة فاعل المختلف فيه أو سوغت الاختلاف فيه وذلك ~~الإعتقاد الذي ذكرته لا يدفع الاستدلال بنصوص الوعيد على التقديرين وهذا ~~بين PageV20P284 # ويقال له أيضا ليس مقصودنا بهذا الوجه تحقيق تناول الوعيد لمحل الخلاف ~~وانما المقصود تحقيق الاستدلال بحديث الوعيد على محل الخلاف والحديث أفاد ~~حكمين التحريم والوعيد وما ذكرته إنما يتعرض لنفي دلالته على الوعيد فقط ~~والمقصود هنا انما هو بيان دلالته على التحريم فاذا التزمت أن الأحاديث ~~المتوعدة للاعن لا تتناول لعنا مختلفا فيه لم يبق في اللعن المختلف فيه ~~دليل على تحريمه وما نحن فيه من اللعن المختلف فيه كما تقدم فاذا لم يكن ~~حراما كان جائزا # أو يقال فاذا لم يقم دليل على تحريمه لم يجز اعتقاد تحريمه والمقتضى ~~لجوازه قائم وهي الأحاديث اللاعنة ms6027 لمن فعل هذا وقد اختلف العلماء في جواز ~~لعنته ولا دليل على تحريم لعنته على هذا التقدير فيجب العمل بالدليل ~~المقتضى لجواز لعنته السالم عن المعارض # وهذا يبطل السؤال فقد دار الأمر على السائل من جهة أخرى وإنما جاء هذا ~~الدور الآخر لأن عامة النصوص المحرمة للعن متضمنة للوعيد فان لم يجز ~~الاستدلال بنصوص الوعيد على محل الخلاف لم يجز الاستدلال بها على لعن مختلف ~~فيه كما تقدم # ولو قال انا استدل على تحريم هذه اللعنة بالاجماع # قيل له الاجماع منعقد على تحريم لعنة معين من أهل الفضل PageV20P285 أما ~~لعنة الموصوف فقد عرفت الخلاف فيه وقد تقدم ان لعنة الموصوف لا تستلزم ~~إصابة كل واحد من أفراده إلا إذا وجدت الشروط وارتفعت الموانع وليس الأمر ~~كذلك # ويقال له أيضا كل ما تقدم من الأدلة الدالة على منع حمل هذه الأحاديث على ~~محل الوفاق ترد هنا وهي تبطل هذا السؤال هنا كما أبطلت أصل السؤال وليس هذا ~~من باب جعل الدليل مقدمة من مقدمات دليل آخر حتى يقال هذا مع التطويل انما ~~هو دليل واحد إذ المقصود منه أن نبين أن المحذور الذي ظنوه هو لازم على ~~التقديرين فلا يكون محذورا فيكون دليل واحد قد دل على إرادة محل الخلاف من ~~النصوص وعلى انه لا محذور في ذلك وليس بمستنكر ان يكون الدليل على مطلوب ~~مقدمة في دليل مطلوب آخر وان كان المطلوبان متلازمين ( # الحادي عشر ) ان العلماء متفقون على وجوب العمل بأحاديث الوعيد فيما ~~اقتضته من التحريم فانما خالف بعضهم في العمل [ بآحادها في الوعيد خاصة ~~فاما في التحريم فليس فيه خلاف معتد محتسب وما زال العلماء من الصحابة ~~والتابعين والفقهاء بعدهم رضي الله عنهم أجمعين في خطابهم وكتابهم يحتجون ~~بها في موارد الخلاف وغيره بل إذا كان في الحديث وعيد كان ذلك أبلغ في ~~اقتضاء التحريم على ما تعرفه PageV20P286 القلوب وقد تقدم أيضا التنبيه على ~~رجحان قول من يعمل بها في الحكم واعتقاد الوعيد وانه قول الجمهور وعلى هذا ms6028 ~~فلا يقبل سؤال يخالف الجماعة ( # الثانى عشر ) ان نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جدا والقول بموجبها ~~واجب على وجه العموم والاطلاق من غير ان يعين شخص من الأشخاص فيقال هذا ~~ملعون ومغضوب عليه أو مستحق للنار لا سيما ان كان لذلك الشخص فضائل وحسنات ~~فان من سوى الأنبياء تجوز عليهم الصغائر والكبائر مع امكان أن يكون ذلك ~~الشخص صديقا أو شهيدا أو صالحا لما تقدم أن موجب الذنب يتخلف عنه بتوبة أو ~~استغفار أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة أو لمحض مشيئته ورحمته # فاذا قلنا بموجب قوله تعالى @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ومن يعص ~~الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ~~فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا @QE@ إلى غير ذلك من آيات الوعيد ~~أو قلنا بموجب قوله PageV20P287 ( لعن الله من شرب الخمر أو عق والديه أو ~~من غير منار الأرض أو لعن الله السارق أو لعن الله آكل الربا وموكله ~~وشاهديه وكاتبه أو لعن الله لاوي الصدقة والمعتدى فيها أو من أحدث في ~~المدينة حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين أو من ~~جر ازاره بطرا لم ينظر الله إليه يوم القيامة أو لا يدخل الجنة من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من كبر ومن غشنا فليس منا أو من ادعى إلى غير أبيه أو تولى ~~غير مواليه فالجنة عليه حرام أو من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال امرئ ~~مسلم لقى الله وهو عليه غضبان أو من استحل مال امرئ مسلم بيمين كاذبة فقد ~~أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة أو لا يدخل الجنة قاطع ( إلى غير ذلك ~~من احاديث الوعيد لم يجز ان نعين شخصا ممن ms6029 فعل بعض هذه الأفعال ونقول هذا ~~المعين قد اصابه هذا الوعيد لإمكان التوبة وغيرها من مسقطات العقوبة ولم ~~يجز أن نقول هذا يستلزم لعن المسلمين ولعن أمة محمد أو لعن الصديقين أو ~~الصالحين لأنه يقال الصديق والصالح متى صدرت منه بعض هذه الأفعال فلابد من ~~مانع يمنع لحوق الوعيد به مع قيام سببه ففعل هذه الأمور ممن يحسب انها ~~مباحة باجتهاد أو تقليد أو نحو ذلك غايته أن يكون نوعا من أنواع الصديقين ~~الذين أمتنع لحوق الوعيد بهم لمانع كما امتنع لحوق الوعيد به لتوبة ~~PageV20P288 أو حسنات ماحية أو غير ذلك # واعلم ان هذه السبيل هي التى يجب سلوكها فان ما سواها طريقان خبيثان # احدهما القول بلحوق الوعيد لكل فرد من الأفراد بعينه ودعوى ان هذا عمل ~~بموجب النصوص وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب والمعتزلة وغيرهم ~~وفساده معلوم بالاضطرار وادلته معلومة في غير هذا الموضع # الثاني ترك القول والعمل بموجب احاديث رسول الله ظنا ان القول بموجبها ~~مستلزم للطعن فيما خالفها وهذا الترك يجر إلى الضلال واللحوق بأهل الكتابين ~~الذين اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله والمسيح بن مريم فان ~~النبى قال ( لم يعبدوهم ولكن احلوا لهم الحرام فاتبعوهم وحرموا عليهم ~~الحلال فاتبعوهم ( ويفضي إلى طاعة المخلوق في معصية الخالق ويفضي إلى قبح ~~العاقبة وسوء التأويل المفهوم من فحوى قوله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ PageV20P289 ثم ~~إن العلماء يختلفون كثيرا فان كان كل خبر فيه تغليظ خالفه مخالف ترك القول ~~بما فيه من التغليظ أو ترك العمل به مطلقا لزم من هذا من المحذور ما هو ~~اعظم من ان يوصف من الكفر والمروق من الدين وان لم يكن المحذور من هذا اعظم ~~من الذي قبله لم يكن دونه فلابد ان نؤمن بالكتاب ونتبع ما أنزل إلينا من ~~ربنا جميعه ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض وتلين ms6030 قلوبنا لا تباع بعض ~~السنة وتنفر عن قبول بعضها بحسب العادات والاهواء فان هذا خروج عن الصراط ~~المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين # والله يوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل في خير وعافية لنا ولجميع ~~المسلمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين ~~وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتخبين وازواجه امهات المؤمنين ~~والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا PageV20P290 ### |||| وسئل # عن الشيخ عبد القادر أنه أفضل المشائخ والامام أحمد أنه أفضل الأئمة فهل ~~هذا صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # أما ترجيح بعض الأئمة والمشايخ على بعض مثل من يرجح إمامه الذي تفقه على ~~مذهبه أو يرجح شيخه الذي اقتدى به على غيره كمن يرجح الشيخ عبد القادر أو ~~الشيخ أبا مدين أو أحمد أو غيرهم فهذا الباب أكثر الناس يتكلمون فيه بالظن ~~وما تهوى الأنفس فانهم لا يعلمون حقيقة مراتب الأئمة والمشايخ ولا يقصدون ~~اتباع الحق المطلق بل كل إنسان تهوى نفسه أن يرجح متبوعه فيرجحه بظن يظنه ~~وإن لم يكن معه برهان على ذلك وقد يفضى ذلك إلى تحاجهم وقتالهم وتفرقهم ~~وهذا مما حرم الله ورسوله كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه @QE@ ~~PageV20P291 ) قال بن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل ~~البدع والفرقة # فما دخل في هذا الباب مما نهى الله عنه ورسوله من التعصب والتفرق ~~والاختلاف والتكلم بغير علم فانه يجب النهي عنه فليس لأحد أن يدخل فيما نهى ~~الله عنه ورسوله وأما ms6031 من ترجح عندة فضل امام على امام أو شيخ على شيخ بحسب ~~إجتهاده كما تنازع المسلمون أيما أفضل الترجيع في الأذان أو تركه أو إفراد ~~الاقامة أو إثنائها وصلاة الفجر بغلس أو الاسفار بها والقنوت في الفجر أو ~~تركه والجهر بالتسمية أو المخافتة بها أو ترك قراءتها ونحو ذلك فهذه مسائل ~~الاجتهاد التى تنازع فيها السلف والأئمة فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده من ~~كان فيها أصاب الحق فله أجران ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر وخطؤه مغفور ~~له فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك ومن ~~ترجح عنده تقليد أحمد PageV20P292 لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعى ~~ونحو ذلك # ولا أحد في الاسلام يجيب المسلمين كلهم بجواب عام أن فلانا أفضل من فلان ~~فيقبل منه هذا الجواب لأنه من المعلوم أن كل طائفة ترجح متبوعها فلا تقبل ~~جواب من يجيب بما يخالفها فيه كما أن من يرجح قولا أو عملا لا يقبل قول من ~~يفتى بخلاف ذلك لكن إن كان الرجل مقلدا فليكن مقلدا لمن يترجح عنده أنه ~~أولى بالحق فان كان مجتهدا اجتهد واتبع ما يترجح عنده أنه الحق ولا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها وقد قال تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ لكن ~~عليه أن لا يتبع هواه ولا يتكلم بغير علم قال تعالى @QB@ ها أنتم هؤلاء ~~حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ يجادلونك في الحق بعد ما تبين @QE@ # وما من إمام إلا له مسائل يترجح فيها قوله على قول غيره ولا يعرف هذا ~~التفاضل إلا من خاض في تفاصيل العلم والله أعلم PageV20P293 ### || 1 ( صحة مذهب أهل المدينة ) 1 ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن ( صحة أصول مذهب أهل المدينة ( ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في ~~الامامة والديانة وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة ~~والخبرة من سائر الأعصار ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله مذهب أهل المدينة النبوية دار ms6032 السنة ودار الهجرة ودار النصرة ~~اذ فيها سن الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم سنن الاسلام وشرائعه ~~وإليها هاجر المهاجرون إلى الله ورسوله وبها كان الأنصار ( الذين تبوأوا ~~الدار والايمان من قبلهم ) مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أصح ~~مذاهب أهل المدائن الاسلامية شرقا وغربا في الأصول والفروع # وهذه الأعصار الثلاثة هي أعصار القرون الثلاثة المفضلة التى PageV20P294 ~~قال فيها النبى في الحديث الصحيح من وجوه ( خير القرون القرن الذي بعثت ~~فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( فذكر بن حبان بعد قرنه قرنين بلا ~~نزاع وفى بعض الأحاديث الشك في القرن الثالث بعد قرنه وقد روى في بعضها ~~بالجزم باثبات القرن الثالث بعد قرنه فتكون أربعة # وقد جزم بذلك بن حبان البستى ونحوه من علماء أهل الحديث في طبقات هذه ~~الأمة فان هذه الزيادة ثابتة في الصحيح # أما أحاديث الثلاثة ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ~~( خير أمتى القرن الذين يلوننى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء ~~قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته ( وفى صحيح مسلم عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت سأل رجل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي الناس خير ~~قال ( القرن الذي بعثت فيهم ثم الثاني ثم الثالث ( # وأما الشك في الرابع ففي الصحيحين عن عمران بن حصين ان رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم قال ( ان خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ~~( قال عمران فلا ادري أقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد قرنه ~~مرتين أو ثلاثا ( ثم PageV20P295 يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ~~ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن ( وفى لفظ ( خير ~~هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الحديث ~~وقال فيه ( ويحلفون ولا يستحلفون ( # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~( خير أمتى القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ( والله أعلم ms6033 اذكر الثالث ~~أم لا ( ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا ( # وقوله في هذه الأحاديث ( يشهدون قبل أن يستشهدوا ( قد فهم منه طائفة من ~~العلماء ان المراد به أداء الشهادة بالحق قبل أن يطلبها المشهود له وحملوا ~~ذلك على ما اذا كان عالما جمعا بين هذا وبين قوله ( الا انبئكم بخير ~~الشهداء الذي يأتى بشهادته قبل أن يسألها ( وحملوا الثاني على أن يأتى بها ~~المشهود له فيعرفه بها # والصحيح أن الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل كما جاء في بعض ألفاظ ~~الحديث ثم يفشو فيهم الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ولهذا قرن ذلك ~~بالخيانة وبترك الوفاء بالنذر وهذه الخصال الثلاثة هي آية المنافق كما ثبت ~~في الحديث المتفق عليه عنه PageV20P296 صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال ( ~~آية المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا اؤتمن خان ( وفى لفظ ~~لمسلم ( وان صام وصلى وزعم انه مسلم ( فذمهم صلى الله تعالى عليه وسلم على ~~ما يفشو فيهم من خصال النفاق وبين انهم يسارعون إلى الكذب حتى يشهد الرجل ~~بالكذب قبل أن يطلب منه ذلك فانه شر ممن لا يكذب حتى يسأل أن يكذب # وأما ما فيه ذكر القرن الرابع فمثل ما في الصحيحين عن أبى سعيد الخدري عن ~~النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال ( يأتى على الناس زمان يغزو فئام من ~~الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى ~~أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزو ~~فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى أصحاب أصحاب رسول الله فيقولون نعم ~~فيفتح لهم ( ثم يغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى أصحاب أصحاب أصحاب ~~رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم ( 0 ولفظ البخارى ( ثم يأتى على الناس ~~زمان يغزو فئام من الناس ( ولذلك قال ms6034 صلى الله تعالى عليه وسلم في الثانية ~~والثالثة وقال فيها كلها صحب ولم يقل رأى PageV20P297 # ولمسلم من رواية أخرى ( يأتى على الناس زمان يبعث فيهم البعث فيقولون ~~انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~فيوجد الرجل فيفتح لهم به ثم يبعث البعث الثاني فيقولون هل فيكم من رأى ~~أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يبعث ~~البعث الثالث فيقولون انظروا هل ترون فيكم من رأى من رأى أصحاب رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم ثم يكون البعث الرابع فيقال انظروا هل ترون فيكم ~~أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيوجد ~~الرجل فيفتح لهم به ( # وحديث أبى سعيد هذا يدل على شيئين على أن صاحب النبى هو من رآه مؤمنا به ~~وان قلت صحبته كما قد نص على ذلك الأئمة أحمد وغيره وقال مالك من صحب رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم سنة أو شهرا أو يوما أو رآه مؤمنا به فهو من ~~أصحابه له من الصحبة بقدر ذلك وذلك ان لفظ الصحبة جنس تحته أنواع يقال صحبه ~~شهرا وساعة # وقد بين في هذا الحديث ان حكم الصحبة يتعلق بمن رآه مؤمنا به فانه لابد ~~من هذا # وفى الطريق الثانى لمسلم ذكر أربعة قرون ومن أثبت هذه PageV20P298 ~~الزيادة قال هذه من ثقة وترك ذكرها في بقية الأحاديث لا ينفي وجودها كما ~~انه لما شك في حديث أبى هريرة أذكر الثالث لم يقدح في سائر الأحاديث ~~الصحيحة التى ثبت فيها القرن الثالث ومن أنكرها قال في حديث بن مسعود ~~الصحيح اخبر انه بعد القرون الثلاثة يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ~~ويمينه شهادته فيكون مابعد الثلاثة ذكر بذم وقد يقال لامنافاة بين الخبرين ~~فانه قد يظهر الكذب في القرن الرابع ومع هذا فيكون فيه من يفتح به لاتصال ~~الرؤية # وفى القرون التى اثنى عليها رسول الله صلى الله تعالى ms6035 عليه وسلم كان مذهب ~~أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن فانهم كانوا يتأسون بأثر رسول الله اكثر ~~من سائر الأمصار وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية ~~واتباعها حتى انهم لا يفتقرون إلى نوع من سياسة الملوك وان افتقار العلماء ~~ومقاصد العباد اكثر من افتقار أهل المدينة حيث كانوا أغنى من غيرهم عن ذلك ~~كله بما كان عندهم من الأثار النبوية التى يفتقر إلى العلم بها واتباعها كل ~~أحد # ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن اجماع أهل مدينة من المدائن ~~حجة يجب اتباعها غير المدينة لا في تلك الاعصار ولا فيما PageV20P299 بعدها ~~لا اجماع أهل مكة ولا الشام ولا العراق ولا غير ذلك من أمصار المسلمين ومن ~~حكى عن أبى حنيفة أو أحد من اصحابه ان اجماع أهل الكوفة حجة يجب اتباعها ~~على كل مسلم فقد غلط على أبى حنيفة وأصحابه في ذلك وأما المدينة فقد تكلم ~~الناس في اجماع أهلها واشتهر عن مالك وأصحابه ان اجماع أهلها حجة وان كان ~~بقية الأئمة ينازعونهم في ذلك # والكلام انما هو في اجماعهم في تلك الأعصار المفضلة وأما بعد ذلك فقد ~~اتفق الناس على أن اجماع أهلها ليس بحجة اذ كان حينئذ في غيرها من العلماء ~~ما لم يكن فيها لاسيما من حين ظهر فيها الرفض فان أهلها كانوا متمسكين ~~بمذهبهم القديم منتسبين إلى مذهب مالك إلى أوائل المائة السادسة أو قبل ذلك ~~أو بعد ذلك فانهم قدم إليهم من رافضة المشرق من أهل قاشان وغيرهم من أفسد ~~مذهب كثير منهم لا سيما المنتسبون منهم إلى العترة النبوية وقدم عليهم بكتب ~~أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة وبذل لهم أموالا كثيرة فكثرت البدعة فيها ~~من حينئذ # فاما الاعصار الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ~~ألبتة ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة كما خرج من سائر الامصار فان ~~الامصار الكبار التى سكنها اصحاب رسول الله صلى الله تعالى PageV20P300 ~~عليه وسلم وخرج منها العلم ms6036 والايمان خمسة الحرمان والعراقان والشام منها ~~خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من امور الاسلام # وخرج من هذه الامصار بدع أصولية غير المدينة النبوية # فالكوفة خرج منها التشيع والارجاء وانتشر بعد ذلك في غيرها # والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد وانتشر بعد ذلك في غيرها # والشام كان بها النصب والقدر # وأما التجهم فانما ظهر من ناحية خراسان وهو شر البدع # وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية فلما حدثت الفرقة بعد مقتل ~~عثمان ظهرت بدعة الحرورية وتقدم بعقوبتها الشيعة من الأصناف الثلاثة ~~الغالية حيث حرقهم علي بالنار والمفضلة حيث تقدم بجلدهم ثمانين والسبائية ~~حيث توعدهم وطلب أن يعاقب بن سبأ بالقتل أو بغيره فهرب منه # ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية في آخر عصر بن عمر PageV20P301 وبن ~~عباس وجابر وأمثالهم من الصحابة # وحدثت المرجئة قريبا من ذلك وأما الجهمية فانما حدثوا في أواخر عصر ~~التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز وقد روى انه انذر بهم وكان ظهور جهم ~~بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك وقد قتل المسلمون شيخهم الجعد بن درهم ~~قبل ذلك ضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فاني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا ثم نزل ~~فذبحه وقد روى ان ذلك بلغ الحسن البصري وأمثاله من التابعين فشكروا ذلك # وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور هذه البدع وإن كان بها من هو ~~مضمر لذلك فكان عندهم مهانا مذموما اذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم ولكن ~~كانوا مذمومين مقهورين بخلاف التشيع والارجاء بالكوفة والاعتزال وبدع ~~النساك بالبصرة والنصب بالشام فانه كان ظاهرا # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ان PageV20P302 ~~الدجال لا يدخلها وفى الحكاية المعروفة ان عمرو بن عبيد وهو رأس المعتزلة ~~مر بمن كان يناجي سفيان ms6037 الثوري ولم يعلم انه سفيان فقال عمرو لذلك الرجل من ~~هذا فقال هذا سفيان الثوري أو قال من أهل الكوفة قال لو علمت بذلك لدعوته ~~إلى رأيى ولكن ظننته من هؤلاء المدنيين الذين يجيئونك من فوق ولم يزل العلم ~~والايمان بها ظاهرا إلى زمن أصحاب مالك وهم أهل القرن الرابع حيث اخذ ذلك ~~القرن عن مالك وأهل طبقته كالثورى والأوزاعى والليث بن سعد وحماد بن زيد ~~وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وأمثالهم وهؤلاء أخذوا عن طوائف من التابعين ~~وأولئك اخذوا عمن ادركوا من الصحابة # والكلام في اجماع أهل المدينة في تلك الاعصار # والتحقيق في ( مسألة اجماع أهل المدينة ( ان منه ما هو متفق عليه بين ~~المسلمين ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين ومنه مالا يقول به الا بعضهم # وذلك أن اجماع أهل المدينة على أربع مراتب ( # الاولى ( ما يجري مجرى النقل عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ~~PageV20P303 مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد وكترك صدقة الخضراوات والأحباس ~~فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء أما الشافعي وأحمد واصحابهما فهذا حجة ~~عندهم بلا نزاع كما هو حجة عند مالك وذلك مذهب أبي حنيفة واصحابه # قال أبو يوسف رحمه الله وهو اجل اصحاب ابى حنيفة وأول من لقب قاضي القضاة ~~لما اجتمع بمالك وسأله عن هذه المسائل وأجابه مالك بنقل أهل المدينة ~~المتواتر رجع أبو يوسف إلى قوله وقال لو رأى صاحبى مثل ما رأيت لرجع مثل ما ~~رجعت فقد نقل أبو يوسف ان مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو ~~حجة عند غيره لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل كما لم يبلغه ولم يبلغ غيره ~~من الأئمة كثير من الحديث فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغهم علمه وكان ~~رجوع أبى يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه ~~محمد وتركا قول شيخهما لعلمهما بان شيخهما كان يقول ان هذه الاحاديث أيضا ~~حجة إن صحت لكن لم تبلغه # ومن ظن بأبى حنيفة ms6038 أو غيره من أئمة المسلمين انهم يتعمدون مخالفة الحديث ~~الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم وتكلم اما بظن وإما بهوى فهذا أبو ~~حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ في PageV20P304 السفر مخالفة للقياس ~~وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس لاعتقاده صحتهما وان كان أئمة ~~الحديث لم يصححوهما # وقد بينا هذا في رسالة ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ( وبينا ان أحدا ~~من أئمة الاسلام لا يخالف حديثا صحيحا بغير عذر بل لهم نحو من عشرين عذرا ~~مثل أن يكون احدهم لم يبلغه الحديث أو بلغه من وجه لم يثق به أو لم يعتقد ~~دلالته على الحكم أو اعتقد أن ذلك الدليل قد عارضه ما هو أقوى منه كالناسخ ~~أو ما يدل على الناسخ وأمثال ذلك والاعذار يكون العالم في بعضها مصيبا ~~فيكون له اجران ويكون في بعضها مخطئا بعد اجتهاده فيثاب على اجتهاده وخطؤه ~~مغفور له لقوله تعالى @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ وقد ~~ثبت في الصحيح ان الله استجاب هذا الدعاء وقال ( قد فعلت ) ولأن العلماء ~~ورثة الانبياء # وقد ذكر الله عن داود وسليمان انهما حكما في قضية وأنه فهمها أحدهما ولم ~~يعب الآخر بل اثنى على كل واحد منهما بانه آتاه حكما وعلما فقال @QB@ وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ PageV20P305 وهذه الحكومة ~~تتضمن مسألتين تنازع فيهما العلماء مسألة نفش الدواب في الحرث بالليل وهو ~~مضمون عند جمهور العلماء كمالك والشافعى وأحمد وأبو حنيفة لم يجعله مضمونا ~~والثانى ضمان بالمثل والقيمة وفى ذلك نزاع في مذهب الشافعي واحمد وغيرهما # والمأثور عن أكثر السلف في نحو ذلك يقتضي الضمان بالمثل إذا امكن كما قضى ~~به سليمان وكثير من الفقهاء لا يضمنون ذلك إلا بالقيمة كالمعروف من مذهب ~~أبى حنيفة والشافعي واحمد # والمقصود هنا ان عمل اهل المدينة الذي يجرى مجرى النقل حجه باتفاق ~~المسلمين كما قال مالك لأبي يوسف لما سأله عن الصاع والمد وأمر ms6039 أهل المدينة ~~باحضار صيعانهم وذكروا له ان اسنادها عن اسلافهم أترى هؤلاء يا أبا يوسف ~~يكذبون قال لا والله ما يكذبون فانا حررت هذه الصيعان فوجدتها خمسة أرطال ~~وثلث بأرطالكم يا أهل العراق فقال رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ولو رأى ~~صاحبى ما رأيت لرجع كما رجعت وسأله عن صدقة الخضراوات فقال هذه مباقيل أهل ~~المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله ولا أبي بكر ولا عمر رضي الله ~~عنهما يعنى وهي تنبت فيها الخضراوات وسأله عن الاحباس فقال هذا حبس فلان ~~وهذا حبس فلان يذكر لبيان الصحابة فقال أبو يوسف في كل منهما PageV20P306 ~~قد رجعت يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبى ما رأيت لرجع كما رجعت # وابو يوسف ومحمد وافقا بقية الفقهاء في انه ليس في الخضراوات صدقة كمذهب ~~مالك والشافعي وأحمد وفى انه ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة كمذهب هؤلاء وان ~~الوقف عنده لازم كمذهب هؤلاء # وإنما قال مالك ارطالكم يا أهل العراق لأنه لما انقرضت الدولة الأموية ~~وجاءت دولة ولد العباس قريبا فقام أخوه أبو جعفر الملقب بالمنصور فبنى ~~بغداد فجعلها دار ملكه وكان أبو جعفر يعلم أن أهل الحجاز حينئذ كانوا اعنى ~~بدين الاسلام من أهل العراق ويروى انه قال ذلك لمالك أو غيره من علماء ~~المدينة قال نظرت في هذا الأمر فوجدت أهل العراق اهل كذب وتدليس أو نحو ذلك ~~ووجدت أهل الشام انما هم اهل غزو وجهاد ووجدت هذا الأمر فيكم ويقال انه قال ~~لمالك انت اعلم أهل الحجاز أو كما قال # فطلب أبو جعفر علماء الحجاز ان يذهبوا إلى العراق وينشروا العلم فيه فقدم ~~عليهم هشام بن عروة ومحمد بن إسحاق ويحيى بن PageV20P307 # سعيد الأنصارى وربيعة بن أبي عبد الرحمن وحنظلة بن ابى سفيان الجمحي وعبد ~~العزيز بن ابى سلمة الماجشون وغير هؤلاء وكان أبو يوسف يختلف في مجالس ~~هؤلاء ويتعلم منهم الحديث واكثر عمن قدم من الحجاز ولهذا يقال في اصحاب ابى ~~حنيفة أبو يوسف اعلمهم ms6040 بالحديث وزفر اطردهم للقياس والحسن بن زياد اللؤلؤي ~~اكثرهم تفريعا ومحمد أعلمهم بالعربية والحساب وربما قيل اكثرهم تفريعا فلما ~~صارت العراق دار الملك واحتاج الناس إلى تعريف أهلها بالسنة والشريعة غير ~~المكيال الشرعي برطل أهل العراق وكان رطلهم بالحنطة الثقيلة والعدس اذ ذاك ~~تسعين مثقالا مائة وثمانية وعشرون درهما واربعة اسباع الدرهم فهذا هو ~~المرتبة الأولى لاجماع اهل المدينة وهو حجة باتفاق المسلمين # المرتبة الثانية ( العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان فهذا ~~حجة في مذهب مالك وهو المنصوص عن الشافعي قال في رواية يونس بن عبد الأعلى ~~إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقف في قلبك ريبا انه الحق وكذا ~~ظاهر مذهب أحمد أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها وقال أحمد ~~كل بيعة كانت في المدينة فهي خلافة نبوة ومعلوم ان بيعة أبي بكر وعمر ~~وعثمان كانت بالمدينة وكذلك بيعة علي كانت بالمدينة ثم خرج منها وبعد ذلك ~~لم يعقد بالمدينة بيعة PageV20P308 # وقد ثبت في الحديث الصحيح حديث العرباض بن سارية عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم انه قال ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا ~~بها وعضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة ( # وفى السنن من حديث سفينة عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( خلافة ~~النبوة ثلاثون سنة ثم يصير ملكا عضوضا ( # فالمحكي عن أبي حنيفة يقتضي ان قول الخلفاء الراشدين حجة وما يعلم لأهل ~~المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة الرسول صلى الله ~~تعالى عليه وسلم # و ( المرتبة الثالثة ( اذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل ~~ايهما ارجح واحدهما يعمل به اهل المدينة ففيه نزاع فمذهب مالك والشافعي انه ~~يرجح بعمل أهل المدينة ومذهب ابى حنيفة انه لا يرجح بعمل اهل المدينة # ولاصحاب أحمد وجهان احدهما وهو قول القاضي ابى يعلى وبن عقيل انه لا يرجح ~~والثانى وهو قول ابى الخطاب وغيره انه يرجح به قيل هذا هو المنصوص عن ms6041 أحمد ~~ومن كلامه قال اذا رأى أهل المدينة حديثا وعملوا به فهو الغاية وكان يفتى ~~على مذهب أهل PageV20P309 المدينة ويقدمه على مذهب أهل العراق تقريرا كثيرا ~~وكان يدل المستفتى على مذاهب اهل الحديث ومذهب أهل المدينة ويدل المستفتى ~~على إسحاق وابي عبيد وابى ثور ونحوهم من فقهاء أهل الحديث ويدله على حلقه ~~المدنيين حلقه ابى مصعب الزهري ونحوه وابو مصعب هو آخر من مات من رواة ~~الموطأ عن مالك مات بعد أحمد بسنة سنة اثنتين واربعين ومائتين وكان أحمد ~~يكره ان يرد على أهل المدينة كما يرد على أهل الرأي ويقول انهم اتبعوا ~~الآثار # فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة # واما ( المرتبة الرابعة ( فهي العمل المتأخر بالمدينة فهذا هل هو حجة ~~شرعية يجب اتباعه أم لا فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية هذا مذهب ~~الشافعي وأحمد وأبى حنيفة وغيرهم وهو قول المحققين من اصحاب مالك كما ذكر ~~ذلك الفاضل عبد الوهاب في كتابه ( اصول الفقه ( وغيره ذكر أن هذا ليس ~~اجماعا ولا حجة عند المحققين من اصحاب مالك وربما جعله حجة بعض أهل المغرب ~~من اصحابه وليس معه للأئمة نص ولا دليل بل هم أهل تقليد # قلت ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة وهو في الموطأ انما يذكر ~~الأصل المجمع عليه عندهم فهو يحكي مذهبهم وتارة PageV20P310 يقول الذي لم ~~يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير إلى الاجماع القديم وتارة لا يذكر # ولو كان مالك يعتقد ان العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة اتباعها وان ~~خالفت النصوص لوجب عليه ان يلزم الناس بذلك حد الامكان كما يجب عليه ان ~~يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة التى لا تعارض فيها وبالاجماع وقد عرض ~~عليه الرشيد أو غيره ان يحمل الناس على موطأه فامتنع من ذلك وقال ان اصحاب ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تفرقوا في الامصار وإنما جمعت علم أهل ~~بلدي أو كما قال # واذا تبين ان اجماع ms6042 أهل المدينة تفاوت فيه مذاهب جمهور الأئمة علم بذلك ~~ان قولهم اصح أقوال أهل الامصار رواية ورأيا وانه تارة يكون حجة قاطعة ~~وتارة حجة قوية وتارة مرجحا للدليل اذ ليست هذه الخاصية لشيء من امصار ~~المسلمين # ومعلوم ان من كان بالمدينة من الصحابة هم خيار الصحابة اذ لم يخرج منها ~~أحد قبل الفتنة إلا وأقام بها من هو أفضل منه فانه لما فتح الشام والعراق ~~وغيرهما ارسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الامصار من يعلمهم الكتاب ~~والسنة فذهب إلى العراق عبد الله PageV20P311 بن مسعود وحذيفة بن اليمان ~~وعمار بن ياسر وعمران بن حصين وسلمان الفارسي وغيرهم وذهب إلى الشام معاذ ~~بن جبل وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء وبلال بن رباح وأمثالهم وبقي عنده ~~مثل عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومثل ابى بن كعب ومحمد بن مسلمة وزيد بن ~~ثابت وغيرهم # وكان بن مسعود وهو اعلم من كان بالعراق من الصحابة إذ ذاك يفتى بالفتيا ~~ثم يأتى المدينة فيسأل علماء أهل المدينة فيردونه عن قوله فيرجع إليهم كما ~~جرى في مسألة امهات النساء لما ظن بن مسعود ان الشرط فيها وفي الربيبة وانه ~~اذا طلق امرأته قبل الدخول حلت امها كما تحل ابنتها فلما جاء إلى المدينة ~~وسأل عن ذلك اخبره علماء الصحابة ان الشرط في الربيبة دون الامهات فرجع إلى ~~قولهم وامر الرجل بفراق امرأته بعد ما حملت # وكان أهل المدينة فيما يعملون اما أن يكون سنة عن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم واما أن يرجعوا إلى قضايا عمر بن الخطاب ويقال إن مالكا ~~أخذ جل الموطأ عن ربيعة وربيعة عن سعيد بن المسيب وسعيد بن المسيب عن عمر ~~وعمر محدث وفى الترمذي عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال ( لو لم ~~ابعث فيكم لبعث فيكم عمر ( وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم انه ~~PageV20P312 قال ( كان في الأمم قبلكم محدثون فان يكن في امتى أحد فعمر ( ~~وفى السنن عن النبى صلى ms6043 الله تعالى عليه وسلم انه قال ( اقتدوا باللذين من ~~بعدي أبي بكر وعمر ( # وكان عمر يشاور أكابر الصحابة كعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد ~~الرحمن وهم اهل الشورى ولهذا قال الشعبى انظروا ما قضى به عمر فانه كان ~~يشاور ومعلوم ان ما كان يقضي أو يفتى به عمر ويشاور فيه هؤلاء ارجح مما ~~يقضي أو يفتى به بن مسعود أو نحوه رضي الله عنهم أجمعين # وكان عمر في مسائل الدين والأصول والفروع إنما يتبع ما قضى به رسول الله ~~وكان يشاور عليا وغيره من أهل الشورى كما شاوره في المطلقة المعتدة الرجعية ~~في المرض إذا مات زوجها هل ترث وأمثال ذلك # فلما قتل عثمان وحصلت الفتنة والفرقة وانتقل علي إلى العراق هو وطلحة ~~والزبير لم يكن بالمدينة من هو مثل هؤلاء ولكن كان بها من الصحابة مثل سعد ~~بن أبي وقاص وأبي أيوب ومحمد بن مسلمة وأمثالهم من هو أجل ممن مع علي من ~~الصحابة # فأعلم من كان بالكوفة من الصحابة علي وبن مسعود وعلي كان PageV20P313 ~~بالمدينة إذ كان بها عمر وعثمان وبن مسعود وهو نائب عمر وعثمان ومعلوم ان ~~عليا مع هؤلاء أعظم علما وفضلا من جميع من معه من أهل العراق ولهذا كان ~~الشافعي يناظر بعض أهل العراق في الفقه محتجا على المناظر بقول علي وبن ~~مسعود فصنف الشافعي ( كتاب اختلاف علي وعبد الله ( يبين فيه ما تركه ~~المناظر وغيره من أهل العلم من قولهما وجاء بعده محمد بن نصر المروزي فصنف ~~في ذلك أكثر مما صنف الشافعي قال انكم وسائر المسلمين تتركون قوليهما لما ~~هو راجح من قوليهما وكذلك غيركم يترك ذلك لما هو راجح منه # ومما يوضح الأمر في ذلك ان سائر أمصار المسلمين غير الكوفة كانوا منقادين ~~لعلم أهل المدينة لا يعدون أنفسهم اكفاءهم في العلم كأهل الشام ومصر مثل ~~الأوزاعي ومن قبله وبعده من الشاميين ومثل الليث بن سعد ومن قبل ومن بعد من ~~المصريين وان تعظيمهم لعمل أهل المدينة واتباعهم لمذاهبهم القديمة ظاهر ms6044 بين ~~وكذلك علماء أهل البصرة كايوب وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم # ولهذا ظهر مذهب أهل المدينة في هذه الأمصار فان أهل مصر صاروا نصرة لقول ~~أهل المدينة وهم اجلاء أصحاب مالك المصريين كابن وهب وبن القاسم وأشهب وعبد ~~الله بن الحكم والشاميون PageV20P314 مثل الوليد بن مسلم ومروان بن محمد ~~وأمثالهم لهم روايات معروفة عن مالك # وأما أهل العراق كعبد الرحمن بن مهدي وحماد بن زيد ومثل إسماعيل بن إسحاق ~~القاضي وأمثالهم كانوا على مذهب مالك وكانوا قضاة القضاة واسماعيل ونحوه ~~كانوا من أجل علماء الاسلام # واما الكوفيون بعد الفتنة والفرقة يدعون مكافاة أهل المدينة واما قبل ~~الفتنة والفرقة فقد كانوا متبعين لأهل المدينة ومنقادين لهم لا يعرف قبل ~~مقتل عثمان ان أحدا من أهل الكوفة أو غيرها يدعى أن أهل مدينته أعلم من أهل ~~المدينة فلما قتل عثمان وتفرقت الأمة وصاروا شيعا ظهر من أهل الكوفة من ~~يساوى بعلماء أهل الكوفة علماء أهل المدينة # ووجه الشبهة في ذلك أنه ضعف أمر المدينة لخروج خلافة النبوة منها وقوي ~~أمر أهل العراق لحصول علي فيها لكن ما فيه الكلام من مسائل الفروع والأصول ~~قد استقر في خلافة عمر ومعلوم أن قول أهل الكوفة مع سائر الأمصار قبل ~~الفرقة اولى من قولهم وحديثهم بعد الفرقة قال عبيدة السلماني قاضي علي رضي ~~الله عنه رأيك مع عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة ~~PageV20P315 ومعلوم أنه كان بالكوفة من الفتنة والتفرق ما دل عليه النص ~~والاجماع لقول النبى صلى الله عليه وسلم ( الفتنة من ها هنا الفتنة من ها ~~هنا الفتنة من ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان ( وهذا الحديث قد ثبت عنه في ~~الصحيح من غير وجه # ومما يوضح الأمر في ذلك أن العلم إما رواية واما رأى وأهل المدينة أصح ~~أهل المدن رواية ورأيا وأما حديثهم فاصح الأحاديث وقد اتفق أهل العلم ~~بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة ثم أحاديث أهل البصرة وأما ~~أحاديث ms6045 أهل الشام فهي دون ذلك فانه لم يكن لهم من الاسناد المتصل وضبط ~~الألفاظ ما لهؤلاء ولم يكن فيهم يعنى أهل المدينة ومكة والبصرة والشام من ~~يعرف بالكذب لكن منهم من يضبط ومنهم من لا يضبط # وأما أهل الكوفة فلم يكن الكذب في أهل بلد اكثر منه فيهم ففي زمن ~~التابعين كان بها خلق كثيرون منهم معروفون بالكذب لا سيما الشيعة فانهم ~~أكثر الطوائف كذبا باتفاق أهل العلم ولاجل هذا يذكر عن مالك وغيره من أهل ~~المدينة انهم لم يكونوا يحتجون بعامة أحاديث أهل العراق لانهم قد علموا ان ~~فيهم كذابين ولم يكونوا يميزون بين الصادق والكاذب فاما اذا علموا صدق ~~الحديث فانهم يحتجون به كما روى مالك عن ايوب السختياني وهو عراقي فقيل ~~PageV20P316 له ( في ) ذلك فقال ما حدثتكم عن أحد إلا وايوب افضل منه أو ~~نحو هذا # وهذا القول هو القول القديم للشافعي حتى روى انه قيل له إذا روى سفيان عن ~~منصور عن علقمة عن عبد الله حديثا لا يحتج به فقال ان لم يكن له أصل ~~بالحجاز وإلا فلا ثم ان الشافعى رجع عن ذلك وقال لاحمد بن حنبل أنتم أعلم ~~بالحديث منا فاذا صح الحديث فأخبرنى به حتى أذهب إليه شاميا كان أو بصريا ~~أو كوفيا ولم يقل مكيا أو مدنيا لأنه كان يحتج بهذا قبل # واما علماء اهل الحديث كشعبة ويحيى بن سعيد واصحاب الصحيح والسنن فكانوا ~~يميزون بين الثقات الحفاظ وغيرهم فيعلمون من بالكوفة والبصرة من الثقات ~~الذين لا ريب فيهم وان فيهم من هو أفضل من كثير من أهل الحجاز ولا يستريب ~~عالم في مثل أصحاب عبد الله بن مسعود كعلقمة والاسود وعبيدة السلمانى ~~والحارث التيمي وشريح القاضي ثم مثل إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة ~~وامثالهم من أوثق الناس واحفظهم فلهذا صار علماء اهل الاسلام متفقين على ~~الاحتجاج بما صححه اهل العلم بالحديث من اي مصر كان وصنف أبو داود ~~السجستانى مفاريد اهل الامصار يذكر فيه ما انفرد اهل كل مصر من ms6046 المسلمين من ~~أهل العلم بالسنة PageV20P317 # واما الفقه والرأي فقد علم ان أهل المدينة لم يكن فيهم من ابتدع بدعة في ~~اصول الدين ولما حدث الكلام في الرأي في اوائل الدولة العباسية وفرع لهم ~~ربيعة بن هرمز فروعا كما فرع عثمان البستى وامثاله بالبصرة وابو حنيفة ~~وامثاله بالكوفة وصار في الناس من يقبل ذلك وفيهم من يرد وصار الرادون لذلك ~~مثل هشام بن عروة وابي الزناد والزهري وبن عيينة وامثالهم فان ردوا ما ردوا ~~من الرأى المحدث بالمدينة فهم للرأي المحدث بالعراق اشد ردا فلم يكن أهل ~~المدينة اكثر من أهل العراق فيما لا يحمدوهم فوقهم فيما يحمدونه وبهذا يظهر ~~الرجحان # واما ما قال هشام بن عروة لم يزل امر بني اسرائيل معتدلا حتى فشى فيهم ~~المولدون ابناء سبايا الامم فقالوا فيهم بالرأى فضلوا واضلوا قال بن عيينة ~~فنظرنا في ذلك فوجدنا ما حدث من الرأي انما هو من المولدين ابناء سبايا ~~الامم وذكر بعض من كان بالمدينة وبالبصرة وبالكوفة والذين بالمدينة أحمد ~~عند هذا ممن بالعراق من أهل المدينة # ولما قال مالك رضي الله عنه عن احدى الدولتين انهم كانوا اتبع للسنن من ~~الدولة الاخرى قال ذلك لأجل ما ظهر بمقاربتها من الحدثان لأن اولئك اولى ~~بالخلافة نسبا وقرنا PageV20P318 وقد كان المنصور والمهدي والرشيد وهم ~~سادات خلفاء بنى العباس يرجحون علماء الحجاز وقولهم على علماء أهل العراق ~~كما كان خلفاء بني أمية يرجحون اهل الحجاز على علماء أهل الشام ولما كان ~~فيهم من لم يسلك هذا السبيل بل عدل إلى الآراء المشرقية كثر الأحداث فيهم ~~وضعفت الخلافة # ثم ان بغداد انما صار فيها من العلم والايمان ما صار وترجحت على غيرها ~~بعد موت مالك وامثاله من علماء أهل الحجاز وسكنها من افشى السنة بها واظهر ~~حقائق الاسلام مثل أحمد بن حنبل وأبي عبيد وأمثالهما من فقهاء أهل الحديث ~~ومن ذلك الزمان ظهرت بها السنة في الاصول والفروع وكثر ذلك فيها وانتشر ~~منها إلى الامصار وانتشر ايضا من ذلك الوقت في ms6047 المشرق والمغرب فصار في ~~المشرق مثل إسحاق بن إبراهيم بن راهويه واصحابه واصحاب عبد الله بن المبارك ~~وصار إلى المغرب من علم أهل المدينة ما نقل اليهم من علماء الحديث فصار في ~~بغداد وخراسان والمغرب من العلم مالا يكون مثله إذ ذاك بالحجاز والبصرة # أما أحوال الحجاز فلم يكن بعد عصر مالك واصحابه من علماء الحجاز من يفضل ~~على علماء المشرق والعراق والمغرب PageV20P319 # وهذا باب يطول تتبعه ولو استقصينا فضل علماء اهل المدينة وصحة أصولهم ~~لطال الكلام # اذا تبين ذلك فلا ريب عند أحد أن مالكا رضي الله عنه اقوم الناس بمذهب ~~أهل المدينة رواية ورأيا فانه لم يكن في عصره ولا بعده اقوم بذلك منه كان ~~له من المكانة عند أهل الاسلام الخاص منهم والعام مالا يخفى على من له ~~بالعلم ادنى إلمام وقد جمع الحافظ أبو بكر الخطيب اخبار الرواة عن مالك ~~فبلغوا الفا وسبعمائة أو نحوها وهؤلاء الذين اتصل إلى الخطيب حديثهم بعد ~~قريب من ثلاثمائة سنة فكيف بمن انقطعت اخبارهم أو لم يتصل إليه خبرهم فان ~~الخطيب توفى سنة اثنتين وستين واربعمائة وعصره وعصر بن عبد البر والبيهقي ~~والقاضى أبى يعلى وامثال هؤلاء واحد ومالك توفى سنة تسع وسبعين ومائة وتوفى ~~أبو حنيفة سنة خمسين ومائة وتوفى الشافعى سنة أربع ومائتين وتوفى أحمد إبن ~~حنبل سنة أحدى وأربعين ومائتين ولهذا قال الشافعى رحمه الله ما تحت اديم ~~السماء كتاب اكثر صوابا بعد كتاب الله من موطأ مالك وهو كما قال الشافعى ~~رضى الله عنه # وهذا لا يعارض ما عليه أئمة الاسلام من انه ليس بعد القرآن كتاب أصح من ~~صحيح البخاري ومسلم مع أن الأئمة على أن البخارى PageV20P320 اصح من مسلم ~~ومن رجح مسلما فانه رجحه بجمعه ألفاظ الحديث في مكان واحد فان ذلك ايسر على ~~من يريد جمع ألفاظ الحديث واما من زعم ان الأحاديث التى انفرد بها مسلم أو ~~الرجال الذين انفرد بهم اصح من الأحاديث التى انفرد بها البخارى ومن الرجال ~~الذين انفرد ms6048 بهم فهذا غلط لا يشك فيه عالم كما لا يشك أحد ان البخاري اعلم ~~من مسلم بالحديث والعلل والتاريخ وأنه افقه منه إذ البخارى وأبو داود افقه ~~اهل الصحيح والسنن المشهورة وان كان قد يتفق لبعض ما انفرد به مسلم ان يرجح ~~على بعض ما انفرد به البخاري فهذا قليل والغالب بخلاف ذلك فان الذي اتفق ~~عليه أهل العلم انه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخارى ومسلم # وإنما كان هذان الكتابان كذلك لأنه جرد فيهما الحديث الصحيح المسند ولم ~~يكن القصد بتصنيفهما ذكر آثار الصحابة والتابعين ولا سائر الحديث من الحسن ~~والمرسل وشبه ذلك ولا ريب ان ما جرد فيه الحديث الصحيح المسند عن رسول الله ~~فهو اصح الكتب لأنه اصح منقولا عن المعصوم من الكتب المصنفة # واما الموطأ ونحوه فانه صنف على طريقة العلماء المصنفين اذ ذاك فان الناس ~~على عهد رسول الله كانوا يكتبون القرآن وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد ~~نهاهم ان يكتبوا عنه غير PageV20P321 القرآن وقال ( من كتب عنى شيئا غير ~~القرآن فليمحه ( ثم نسخ ذلك عند جمهور العلماء حيث أذن في الكتابة لعبد ~~الله بن عمرو وقال ( اكتبوا لابى شاه ( وكتب لعمرو بن حزم كتابا قالوا وكان ~~النهي أولا خوفا من اشتباه القرآن بغيره ثم أذن لما أمن ذلك فكان الناس ~~يكتبون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكتبون وكتبوا ايضا غيره # ولم يكونوا يصنفون ذلك في كتب مصنفة إلى زمن تابع التابعين فصنف العلم ~~فاول من صنف بن جريج شيئا في التفسير وشيئا في الاموات وصنف سعيد بن ابى ~~عروبة وحماد بن سلمة ومعمر وامثال هؤلاء يصنفون ما في الباب عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وهذه هي كانت كتب الفقة والعلم والأصول ~~والفروع بعد القرآن فصنف مالك الموطأ على هذه الطريقة # وصنف بعد عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب ووكيع بن الجراح وعبد ~~الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وغير هؤلاء ms6049 فهذه الكتب التى ~~كانوا يعدونها في ذلك الزمان هي التى أشار اليها الشافعي رحمه الله فقال ~~ليس بعد القرآن كتاب اكثر صوابا من موطأ مالك فان حديثه اصح من حديث نظرائه ~~وكذلك الامام أحمد لما سئل عن حديث مالك ورأيه PageV20P322 وحديث غيره ~~ورأيهم رجح حديث مالك ورأيه على حديث أولئك ورأيهم # وهذا يصدق الحديث الذي رواه الترمذى وغيره عن النبى انه قال ( يوشك ان ~~يضرب الناس اكباد الابل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة ~~( فقد روى عن غير واحد كابن جريج وبن عيينة وغيرهما انهم قالوا هو مالك # والذين نازعوا في هذا لهم مأخذان احدهما الطعن في الحديث فزعم بعضهم ان ~~فيه انقطاعا والثاني أنه أراد غير مالك كالعمري الزاهد ونحوه # فيقال ما دل عليه الحديث وانه مالك امر متقرر لمن كان موجودا وبالتواتر ~~لمن كان غائبا فانه لا ريب انه لم يكن في عصر مالك أحد ضرب إليه الناس ~~اكباد الابل اكثر من مالك وهذا يقرر بوجهين # أحدهما بطلب تقديمه على مثل الثوري والأوزاعي والليث وابى حنيفة وهذا فيه ~~نزاع ولا حاجة إليه في هذا المقام # والثانى أن يقال ان مالكا تأخر موته عن هؤلاء كلهم فانه PageV20P323 توفى ~~سنة تسع وسبعين ومائة وهؤلاء كلهم ماتوا قبل ذلك فمعلوم انه بعد موت هؤلاء ~~لم يكن في الأمة اعلم من مالك في ذلك العصر وهذا لا ينازع فيه أحد من ~~المسلمين ولا رحل إلى أحد من علماء المدينة ما رحل إلى مالك لا قبله ولا ~~بعده رحل إليه من المشرق والمغرب ورحل إليه الناس على اختلاف طبقاتهم من ~~العلماء والزهاد والملوك والعامة وانتشر موطأه في الأرض حتى لا يعرف في ذلك ~~العصر كتاب بعد القرآن كان اكثر انتشارا من الموطأ واخذ الموطأ عنه أهل ~~الحجاز والشام والعراق ومن اصغر من اخذ عنه الشافعي ومحمد بن الحسن ~~وأمثالهما وكان محمد بن الحسن إذا حدث بالعراق عن مالك والحجازيين تمتلىء ~~داره وإذا حدث عن أهل العراق يقل الناس لعلمهم ms6050 بان علم مالك واهل المدينة ~~اصح واثبت # وأجل من أخذ عنه الشافعي العلم اثنان مالك وبن عيينة ومعلوم عند كل أحد ~~ان مالكا اجل من بن عيينة حتى إنه كان يقول إنى ومالكا كما قال القائل % ~~وبن اللبون اذا ما لز في قرن % لم يستطع صولة البزل القناعيس % # ومن زعم ان الذي ضربت إليه اكباد الابل في طلب العلم هو العمري الزاهد مع ~~كونه كان رجلا صالحا زاهدا آمرا بالمعروف PageV20P324 ناهيا عن المنكر لم ~~يعرف ان الناس احتاجوا إلى شيء من علمه ولا رحلوا إليه فيه وكان إذا أراد ~~أمرا يستشير مالكا ويستفتيه كما نقل أنه استشاره لما كتب إليه من العراق ان ~~يتولى الخلافة فقال حتى اشاور مالكا فلما استشارة اشار عليه ان لا يدخل في ~~ذلك واخبره ان هذا لايتركه ولد العباس حتى تراق فيه دماء كثيرة وذكر له ما ~~ذكره عمر بن عبد العزيز لما قيل له ول القاسم بن محمد ان بني امية لا يدعون ~~هذا الأمر حتى تراق فيه دماء كثيرة # وهذه علوم التفسير والحديث والفتيا وغيرها من العلوم لم يعلم أن الناس ~~اخذوا عن العمرى الزاهد منها ما يذكر فكيف يقرن هذا بمالك في العلم ورحلة ~~الناس إليه # ثم هذه كتب الصحيح التى اجل ما فيها كتاب البخاري اول ما يستفتح الباب ~~بحديث مالك وان كان في الباب شيء من حديث مالك لا يقدم على حديثه غيره ونحن ~~نعلم ان الناس ضربوا اكباد الابل في طلب العلم فلم يجدوا عالما اعلم من ~~مالك في وقته # والناس كلهم مع مالك وأهل المدينة إما موافق واما منازع فالموافق لهم عضد ~~ونصير والمنازع لهم معظم لهم مبجل لهم PageV20P325 عارف بمقدارهم وما تجد ~~من يستخف باقوالهم ومذاهبهم الا من ليس معدودا من ائمة العلم وذلك لعلمهم ~~ان مالكا هو القائم بمذهب اهل المدينة وهو أظهر عند الخاصة والعامة من ~~رجحان مذهب أهل المدينة على سائر الامصار فان موطأه مشحون اما بحديث أهل ~~المدينة واما بما اجتمع عليه أهل ms6051 المدينة اما قديما واما حديثا واما مسألة ~~تنازع فيها أهل المدينة وغيرهم فيختار فيها قولا ويقول هذا احسن ما سمعت ~~فأما بأثار معروفة عند علماء المدينة ولو قدر انه كان في الازمان المتقدمة ~~من هو اتبع لمذهب اهل المدينة من مالك فقد انقطع ذلك ولسنا ننكر أن من ~~الناس من انكر على مالك مخالفته أولا لاحاديثهم في بعض المسائل كما يذكر عن ~~عبد العزيز الدراوردي انه قال له في مسألة تقدير المهر بنصاب السرقة تعرقت ~~يا أبا عبد الله اي صرت فيها إلى قول أهل العراق الذين يقدرون اقل المهر ~~بنصاب السرقة لكن النصاب عند أبى حنيفة واصحابه عشرة دراهم وأما مالك ~~والشافعى واحمد فالنصاب عندهم ثلاثة دراهم أو ربع دينار كما جاءت بذلك ~~الاحاديث الصحاح # فيقال أولا ان مثل هذه الحكاية تدل على ضعف أقاويل أهل العراق عند أهل ~~المدينة وانهم كانوا يكرهون للرجل أن يوافقهم PageV20P326 وهذا مشهور عندهم ~~يعيبون الرجل بذلك كما قال بن عمر لما استفتاه عن دم البعوض وكما قال بن ~~المسيب لربيعة لما سأله عن عقل أصابع المرأة # وأما ثانيا فمثل هذا في قول مالك قليل جدا وما من عالم الا وله ما يرد ~~عليه وما احسن ما قال بن خويز منداد في مسألة بيع كتب الرأي والاجارة عليها ~~لا فرق عندنا بين رأي صاحبنا مالك وغيره في هذا الحكم لكنه أقل خطأ من غيره ~~وأما الحديث فاكثره نجد مالكا قد قال به في احدى الروايتين وانما تركه ~~طائفة من اصحابه كمسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه وأهل المدينة ~~رووا عن مالك الرفع موافقا للحديث الصحيح الذي رواه لكن بن القاسم ونحوه من ~~البصريين هم الذين قالوا بالرواية الاولى ومعلوم ان مدونة بن القاسم اصلها ~~مسائل اسد بن الفرات التى فرعها اهل العراق ثم سأل عنها اسد بن القاسم ~~فاجابه بالنقل عن مالك وتارة بالقياس على قوله ثم اصلها في رواية سحنون ~~فلهذا يقع في كلام بن القاسم طائفة من الميل إلى اقوال اهل ms6052 العراق وإن لم ~~يكن ذلك من اصول أهل المدينة ثم اتفق انه لما انتشر مذهب مالك بالأندلس ~~وكان يحيى بن يحيى PageV20P327 عامل الاندلس والولاة يستشيرونه فكانوا ~~يأمرون القضاة ان لا يقضوا الا بروايته عن مالك ثم رواية غيره فانتشرت ~~رواية بن القاسم عن مالك لأجل من عمل بها وقد تكون مرجوحة في المذهب وعمل ~~اهل المدينة والسنة حتى صاروا يتركون رواية الموطأ الذي هو متواتر عن مالك ~~وما زال يحدث به إلى ان مات لرواية بن القاسم وان كان طائفة من أئمة ~~المالكية انكروا ذلك فمثل هذا ان كان فيه عيب فانما هو على من نقل ذلك لا ~~على مالك ويمكن المتبع لمذهبه ان يتبع السنة في عامة الأمور اذ قل من سنة ~~إلا وله قول يوافقها بخلاف كثير من مذهب أهل الكوفة فانهم كثيرا ما يخالفون ~~السنة وان لم يتعمدوا ذلك # ثم من تدبر اصول الاسلام وقواعد الشريعة وجد اصول مالك واهل المدينة اصح ~~الأصول والقواعد وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما حتى إن الشافعي لما ~~ناظر محمد بن الحسن حين رجح محمد لصاحبه على صاحب الشافعي فقال له الشافعي ~~بالانصاف أو بالمكابرة قال له بالانصاف فقال ناشدتك الله صاحبنا اعلم بكتاب ~~الله أم صاحبكم فقال بل صاحبكم فقال صاحبنا اعلم بسنة رسول الله أم صاحبكم ~~فقال بل صاحبكم فقال صاحبنا اعلم بأقوال اصحاب رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم ام PageV20P328 صاحبكم فقال بل صاحبكم فقال ما بقي بيننا وبينكم ~~الا القياس ونحن نقول بالقياس ولكن من كان بالاصول اعلم كان قياسه اصح # وقالوا للامام أحمد من اعلم بسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~مالك أم سفيان فقال بل مالك فقيل له ايما اعلم بآثار اصحاب رسول الله مالك ~~أم سفيان فقال بل مالك فقيل له ايما ازهد مالك أم سفيان فقال هذه لكم # ومعلوم ان سفيان الثوري اعلم اهل العراق ذلك الوقت بالفقه والحديث فان ~~أبا حنيفة والثوري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ms6053 والحسن بن صالح بن جني ~~وشريك بن عبد الله النخعي القاضي كانوا متقاربين في العصر وهم أئمة فقهاء ~~الكوفة في ذلك العصر وكان أبو يوسف يتفقه أولا على محمد بن عبد الرحمن بن ~~أبى ليلي القاضي ثم انه اجتمع بأبى حنيفة فرأى انه افقه منه فلزمه وصنف ~~كتاب ( اختلاف ابى حنيفة وبن أبى ليلى ( وأخذه عنه محمد بن الحسن ونقله ~~الشافعي عن محمد بن الحسن وذكر فيه اختياره وهو المسمى بكتاب ( اختلاف ~~العراقيين PageV20P329 ومعلوم أن سفيان الثوري اعلم هذه الطبقة في الحديث ~~مع تقدمه في الفقه والزهد والذين انكروا من أهل العراق وغيرهم ما انكروا من ~~الرأي المحدث بالكوفة لم ينكروا ذلك على سفيان الثوري بل سفيان عندهم أمام ~~العراق فتفضيل أحمد لمذهب مالك على مذهب سفيان تفضيل له على مذهب أهل ~~العراق وقد قال الامام أحمد في علمه وعلم مالك بالكتاب والسنة والآثار ما ~~تقدم مع أن أحمد يقدم سفيان الثورى على هذه الطبقة كلها وهو يعظم سفيان ~~غاية التعظيم ولكنه كان يعلم ان مذهب أهل المدينة وعلمائها اقرب إلى الكتاب ~~والسنة من مذهب اهل الكوفة وعلمائها # واحمد كان معتدلا عالما بالأمور يعطي كل ذي حق حقه ولهذا كان يحب الشافعي ~~ويثنى عليه ويدعو له ويذب عنه عند من يطعن في الشافعي أو من ينسبه إلى بدعة ~~ويذكر تعظيمه للسنة واتباعه لها ومعرفته باصول الفقه كالناسخ والمنسوخ ~~والمجمل والمفسر ويثبت خبر الواحد ومناظرته عن مذهب أهل الحديث من خالفه ~~بالرأي وغيره وكان الشافعي يقول سمونى ببغداد ناصر الحديث # ومناقب الشافعي واجتهاده في اتباع الكتاب والسنة واجتهاده في الرد على من ~~يخالف ذلك كثير جدا وهو كان على مذهب اهل الحجاز وكان قد تفقه على طريقة ~~المكيين اصحاب بن جريج PageV20P330 كمسلم بن خالد الزنجي وسعيد بن سالم ~~القداح ثم رحل إلى مالك واخذ عنه الموطأ وكمل أصول أهل المدينة وهم اجل ~~علما وفقها وقدرا من أهل مكة من عهد النبى إلى عهد مالك ثم اتفقت له محنة ~~ذهب فيها إلى ms6054 العراق فاجتمع بمحمد بن الحسن وكتب كتبه وناظره وعرف اصول أبي ~~حنيفة واصحابه واخذ من الحديث ما أخذه على أهل العراق ثم ذهب إلى الحجاز # ثم قدم إلى العراق مرة ثانية وفيها صنف كتابه القديم المعروف ب ( الحجة ( ~~واجتمع به أحمد بن حنبل في هذه القدمة بالعراق واجتمع به بمكة وجمع بينه ~~وبين إسحاق بن راهويه وتناظرا بحضور أحمد رضي الله عنهم اجمعين ولم يجتمع ~~بابى يوسف ولا بالاوزاعي وغيرهما فمن ذكر ذلك في الرحلة المضافة إليه فهو ~~كاذب فان تلك الرحلة فيها من الأكاذيب عليه وعلى مالك وابى يوسف ومحمد ~~وغيرهم من اهل العلم مالا يخفى على عالم وهي من جنس كذب القصاص ولم يكن أبو ~~يوسف ومحمد سعيا في اذى الشافعي قط ولا كان حال مالك معه ما ذكر في تلك ~~الرحلة الكاذبة # ثم رجع الشافعي إلى مصر وصنف كتابه الجديد وهو في خطابه وكتابه ينسب إلى ~~مذهب اهل الحجاز فيقول قال بعض اصحابنا وهو يعنى أهل المدينة أو بعض علماء ~~أهل المدينة كمالك ويقول في PageV20P331 اثناء كلامه وخالفنا بعض المشرقيين ~~وكان الشافعي عند اصحاب مالك واحدا منهم ينسب إلى أصحابهم وأختار سكنى مصر ~~إذ ذاك لأنهم كانوا على مذهب أهل المدينة ومن يشبههم من أهل مصر كالليث بن ~~سعد وامثاله وكان اهل الغرب بعضهم على مذهب هؤلاء وبعضهم على مذهب الأوزاعي ~~واهل الشام ومذهب اهل الشام ومصر والمدينة متقارب لكن أهل المدينة اجل عند ~~الجميع # ثم ان الشافعى رضى الله عنه لما كان مجتهدا في العلم ورأى من الاحاديث ~~الصحيحة وغيرها من الادلة ما يجب عليه اتباعه وان خالف قول اصحاب المدنيين ~~قام بما رآه واجبا عليه وصنف الاملاء على مسائل بن القاسم واظهر خلاف مالك ~~فيما خالفه فيه وقد احسن الشافعى فيما فعل وقام بما يجب عليه وان كان قد ~~كره ذلك من كرهه واذوه وجرت محنة مصرية معروفة والله يغفر لجميع المؤمنين ~~والمؤمنات الاحياء منهم والاموات # وابو يوسف ومحمد هما صاحبا أبي حنيفة وهما مختصان ms6055 به كاختصاص الشافعي ~~بمالك ولعل خلافهما له يقارب خلاف الشافعي لمالك وكل ذلك اتباعا للدليل ~~وقياما بالواجب # والشافعي رضي الله عنه قرر اصول اصحابه والكتاب PageV20P332 والسنة وكان ~~كثير الاتباع لما صح عنده من الحديث ولهذا كان عبد الله بن الحكم يقول ~~لابنه محمد يابنى الزم هذا الرجل فانه صاحب حجج فما بينك وبين أن تقول قال ~~بن القاسم فيضحك منك الا أن تخرج من مصر قال محمد فلما صرت إلى العراق جلست ~~إلى حلقة فيها بن ابى داود فقلت قال بن القاسم فقال ومن بن القاسم فقلت رجل ~~مفت يقول من مصر إلى اقصى الغرب وأظنه قال قلت رحم الله ابى # وكان مقصود أبيه اطلب الحجة لقول أصحابك ولا تتبع فالتقليد إنما يقبل حيث ~~يعظم المقلد بخلاف الحجة فانها تقبل في كل مكان فان الله أوجب على كل مجتهد ~~أن يقول بموجب ما عنده من العلم والله يخص هذا من العلم والفهم مالا يخص به ~~هذا وقد يكون هذا هو المخصوص بمزيد العلم والفهم في نوع من العلم أو باب ~~منه أو مسألة وهذا هو مخصوص بذلك في نوع آخر # لكن جملة مذاهب اهل المدينة النبوية راجحة في الجملة على مذاهب أهل ~~المغرب والمشرق وذلك يظهر بقواعد جامعة # منها قاعدة الحلال والحرام المتعلقة بالنجاسات في المياه فانه من المعلوم ~~أن الله قال في كتابه @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون ~~الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم @QE@ PageV20P333 ) فالله تعالى أحل لنا الطيبات وحرم ~~علينا الخبائث والخبائث نوعان ما خبثه لعينه لمعنى قام به كالدم والميتة ~~ولحم الخنزير وما خبثه لكسبه كالمأخوذ ظلما أو بعقد محرم كالربا والميسر # فاما الأول فكل ما حرم ملابسته كالنجاسات حرم أكله وليس كل ما حرم أكله ~~حرمت ملابسته كالسموم والله قد حرم علينا اشياء من ms6056 المطاعم والمشارب وحرم ~~أشياء من الملابس # ومعلوم أن مذهب أهل المدينة في الأشربة أشد من مذهب الكوفيين فان أهل ~~المدينة وسائر الامصار وفقهاء الحديث يحرمون كل مسكر وان كل مسكر خمر وحرام ~~وان ما اسكر كثيره فقليله حرام ولم يتنازع في ذلك أهل المدينة لا أولهم ولا ~~آخرهم سواء كان من الثمار أو الحبوب أو العسل أو لبن الخيل أو غير ذلك ~~والكوفيون لا خمر عندهم الا ما اشتد من عصير العنب فان طبخ قبل الاشتداد ~~حتى ذهب ثلثاه حل ونبيذ التمر والزبيب محرم اذا كان مسكرا نيئا فان طبخ ~~ادنى طبخ حل وإن اسكر وسائر الأنبذة PageV20P334 تحل وان اسكرت لكن يحرمون ~~المسكر منها # وأما الأطعمة فأهل الكوفة اشد فيها من أهل المدينة فانهم مع تحريم كل ذي ~~ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وتحريم اللحم حتى يحرمون الضب والضبع ~~والخيل تحرم عندهم في أحد القولين ومالك يحرم تحريما جازما ما جاء في ~~القرآن فذوات الانياب اما أن يحرمها تحريما دون ذلك واما ان يكرهها في ~~المشهور وروي عنه كراهة ذوات المخالب والطير لا يحرم منها شيئا ولا يكرهه ~~وان كان التحريم على مراتب والخيل يكرهها ورويت الاباحة والتحريم أيضا # ومن تدبر الأحاديث الصحيحة في هذا الباب علم أن أهل المدينة اتبع للسنة ~~فان باب الاشربة قد ثبت فيه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من الاحاديث ~~ما يعلم من علمها انها من ابلغ المتواترات بل قد صح عنه في النهي عن ~~الخليطين والاوعية ما لا يخفى على عالم بالسنة واما الاطعمة فانه وان قيل ~~ان مالكا خالف أحاديث صحيحة في التحريم ففي ذلك خلاف والأحاديث الصحيحة ~~التى خالفها من حرم الضب وغيره تقاوم ذلك أو تربو عليه ثم ان هذه الأحاديث ~~قليلة جدا بالنسبة إلى أحاديث الأشربة PageV20P335 # وأيضا فمالك معه في ذلك آثار عن السلف كابن عباس وعائشة وعبد الله بن عمر ~~وغيرهم مع ما تأوله من ظاهر القرآن ومبيح الاشربة ليس معه لا نص ولا ms6057 قياس ~~بل قوله مخالف للنص والقياس # وأيضا فتحريم جنس الخمر اشد من تحريم اللحوم الخبيثة فانها يجب اجتنابها ~~مطلقا ويجب على من شربها الحد ولا يجوز اقتناؤها وأيضا فمالك جوز إتلاف ~~عينها اتباعا لما جاء من السنة في ذلك ومنع من تخليلها وهذا كله فيه من ~~اتباع السنة ما ليس في قول من خالفه من أهل الكوفة فلما كان تحريم الشارع ~~للأشربة المسكرة اشد من تحريمه للأطعمة كان القول الذي يتضمن موافقة الشارع ~~أصح ومما يوضح هذا أن طائفة من أهل المدينة استحلت الغناء حتى صار يحكى ذلك ~~عن أهل المدينة وقد قال عيسى بن إسحاق الطباع سئل مالك عما يترخص فيه بعض ~~أهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق ومعلوم أن هذا أخف مما ~~استحله من استحل الأشربة فانه ليس في تحريم الغناء من النصوص المستفيضة عن ~~النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما في تحريم الأشربة المسكرة فعلم أن أهل ~~المدينة اتبع للسنة PageV20P336 # ثم ان من أعظم المسائل مسألة اختلاط الحلال بالحرام لعينه كاختلاط ~~النجاسات بالماء وسائر المائعات فأهل الكوفة يحرمون كل ماء أو مائع وقعت ~~فيه نجاسة قليلا كان أو كثيرا ثم يقدرون مالا تصل إليه النجاسة بما لا تصل ~~إليه الحركة ويقدرونه بعشرة أذرع في عشرة أذرع ثم منهم من يقول ان البئر ~~اذا وقعت فيها النجاسة لم تطهر بل تطم والفقهاء منهم من يقول تنزح اما دلاء ~~مقدرة منها واما جميعها على ما قد عرف لأجل قولهم ينجس الماء والمائع بوقوع ~~النجاسة فيه # وأهل المدينة بعكس ذلك فلا ينجس الماء عندهم الا اذا تغير لكن لهم في ~~قليل الماء هل يتنجس بقليل النجاسة قولان ومذهب أحمد قريب من ذلك وكذلك ~~الشافعي لكن هذان يقدر أن القليل بما دون القلتين دون مالك وعن مالك في ~~الأطعمة خلاف وكذلك في مذهب أحمد نزاع في سائر المائعات ومعلوم أن هذا أشبه ~~بالكتاب والسنة فان اسم الماء باق والاسم الذي به أبيح قبل الوقوع باق وقد ~~دلت ms6058 سنة رسول الله في بئر بضاعة وغيره على انه لا يتنجس ولم يعارض ذلك الا ~~حديث ليس بصريح في محل النزاع فيه وهو حديث النهي عن البول في الماء الدائم ~~فانه قد يخص البول بالحكم PageV20P337 # وخص بعضهم ان يبال فيه دون ان يجري إليه البول # وقد يخص ذلك بالماء القليل # وقد يقال النهى عن البول لا يستلزم التنجيس بل قد ينهى عنه لان ذلك يفضى ~~إلى التنجيس اذا كثر يقرر ذلك انه لاتنازع بين المسلمين ان النهى عن البول ~~في الماء الدائم لا يعم جميع المياه بل ماء البحر مستثنى بالنص والاجماع ~~وكذلك المصانع الكبار التى لا يمكن نزحها ولا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف ~~الاخر لا ينجسه البول بالاتفاق والحديث الصحيح الصريح لا يعارضه حديث في ~~هذا الاجمال والاحتمال # وكذلك تنجس الماء المستعمل ونحوه مذهب اهل المدينة ومن وافقهم في طهارته ~~ثابت بالاحاديث الصحيحة عن النبى كحديث صب وضوئه على جابر وقوله ( المؤمن ~~لا ينجس ( وأمثال ذلك # وكذلك بول الصبى الذي لم يطعم مذهب بعض أهل المدينة ومن وافقهم لهم فيه ~~أحاديث صحيحة عن النبى لا يعارضها شيء PageV20P338 # وكذلك مذهب مالك وأهل المدينة في أعيان النجاسات الظاهرة في العبادات ~~أشبه شيء بالاحاديث الصحيحة وسيرة الصحابة ثم أنهم لا يقولون بنجاسة البول ~~والروث مما يؤكل لحمه وعلى ذلك بضع عشرة حجة من النص والاجماع القديم ~~والاعتبار ذكرناها في غير هذا الموضع وليس مع المنجس إلا لفظ يظن عمومه ~~وليس بعام أو قياس يظن مساواة الفرع فيه للاصل وليس كذلك # ولما كانت النجاسات من الخبائث المحرمة لاعيانها ومذهبهم في ذلك اخذ من ~~مذهب الكوفيين كما في الاطعمة كان ما ينجسونه اولئك اعظم واذا قيل له خالف ~~حديث الولوغ ونحوه في النجاسات فهو كما يقال انه خالف حديث سباع الطير ~~ونحوه ولا ريب ان هذا اقل مخالفة للنصوص ممن ينجس روث ما يؤكل لحمه وبوله ~~أو بعض ذلك أو يكره سؤر الهرة # وقد ذهب بعض الناس إلى أن جميع الأرواث والابوال طاهرة ms6059 الا بول الانسى ~~وعذرته وليس هذا القول بابعد في الحجة من قول من ينجس الذي يذهب إليه أهل ~~المدينة من أهل الكوفة ومن وافقهم # ومن تدبر مذهب أهل المدينة وكان عالما بسنة رسول الله صلى الله ~~PageV20P339 عليه وسلم تبين له قطعا ان مذهب أهل المدينة المنتظم للتيسير ~~في هذا الباب أشبه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المذهب المنتظم ~~للتعسير وقد قال في الحديث الصحيح لما بال الاعرابى في المسجد وأمرهم بالصب ~~على بوله قال ( انما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ( وهذا مذهب أهل ~~المدينة وأهل الحديث ومن خالفهم يقول انه يغسل ولا يجزئ الصب وروى في ذلك ~~حديثا مرسلا لا يصح ### ||| فصل # وأما النوع الثاني من المحرمات وهو المحرم لكسبه كالمأخوذ ظلما بأنواع ~~الغصب من السرقة والخيانة والقهر وكالمأخوذ بالربا والميسر وكالمأخوذ عوضا ~~عن عين أو نفع محرم كثمن الخمر والدم والخنزير والاصنام ومهر البغي وحلوان ~~الكاهن وأمثال ذلك فمذهب أهل المدينة في ذلك من أعدل المذاهب فان تحريم ~~الظلم وما يستلزم الظلم اشد من تحريم النوع الاول فان الله حرم الخبائث من ~~المطاعم اذ هي تغذى تغذية خبيثة توجب للانسان الظلم كما اذا اغتذى من ~~الخنزير والدم والسباع فان المغذى شبيه بالمغتذى به فيصير في نفسه من البغى ~~والعدوان بحسب ما اغتذى منه PageV20P340 # واباحتها للمضطر لان مصلحة بقاء النفس مقدم على دفع هذه المفسدة مع أن ~~ذلك عارض لا يؤثر فيه مع الحاجة الشديدة اثرا يضر واما الظلم فمحرم قليلة ~~وكثيرة وحرمه تعالى على نفسه وجعله محرما على عباده # وحرم الربا لانه متضمن للظلم فانه أخذ فضل بلا مقابل له وتحريم الربا أشد ~~من تحريم الميسر الذي هو القمار لان المرابى قد اخذ فضلا محققا من محتاج ~~واما المقامر فقد يحصل له فضل وقد لا يحصل له وقد يقمر هذا هذا وقد يكون ~~بالعكس # وقد نهى النبى عن بيع الغرر وعن بيع الملامسة والمنابذة وبيع الثمرة قبل ~~بدو صلاحها وبيع حبل الحبلة ونحو ذلك مما فيه ms6060 نوع مقامرة وارخص في ذلك فيما ~~تدعو الحاجة إليه ويدخل تبعا لغيره كما ارخص في ابتياعها بعد بدو صلاحها ~~مبقاة إلى كمال الصلاح وان كان بعض اجزائها لم يخلق وكما أرخص في ابتياع ~~النخل المؤبر مع جديده اذا اشترطه المبتاع وهو لم يبد صلاحه وهذا جائز ~~باجماع المسلمين وكذلك سائر الشجر الذى فيه ثمر ظاهر وجعل للبائع ثمره ~~النخل المؤبر اذا لم يشترطها المشترى فتكون الشجرة للمشترى والبائع ينتفع ~~بها بابقاء ثمره عليها إلى حين الجذاذ PageV20P341 # وقد ثبت في الصحيح انه أمر بوضع الجوائح وقال ( ان بعت من أخيك ثمرة ~~فأصابتها جائحة فلا يحل لك ان تأخذ من مال اخيك شيئا بم يأخذ احدكم مال ~~اخيه بغير حق ( # ومذهب مالك واهل المدينة في هذا الباب أشبه بالسنة والعدل من مذهب من ~~خالفهم من أهل الكوفة وغيرهم وذلك ان مخالفهم جعل البيع اذا وقع على موجود ~~جاز سواء كان قد بدا صلاحه اولم يكن قد بدا صلاحه وجعل موجب كل عقد قبض ~~المبيع عقبه ولم يجز تاخير القبض فقال انه اذا اشترى الثمر باديا صلاحه ~~اوغير باد صلاحه جاز وموجب العقد القطع في الحال لا يسوغ له تاخير الثمر ~~إلى تكمل صلاحه ولا يجوز له ان يشترطه وجعلوا ذلك القبض قبضا ناقلا للضمان ~~إلى المشترى دون البائع وطردوا ذلك فقالوا اذا باع عينا مؤجرة لم يصح ~~لتأخير التسليم وقالوا اذا استثنى منفعة المبيع كظهر البعير وسكنى الدار لم ~~يجز وذلك كله فرع على ذلك القياس وأهل المدينة وأهل الحديث خالفوهم في ذلك ~~كله واتبعوا النصوص الصحيحة وهو موافقة القياس الصحيح العادل فان قول ~~القائل العقد موجب القبض عقبه يقال له موجب العقد إما أن يتلقى من الشارع ~~أو من قصد العاقد والشارع ليس في كلامه ما يقتضي ان هذا PageV20P342 يوجب ~~موجب العقد مطلقا وأما المتعاقدان فهما تحت ما تراضيا به ويعقدان العقد ~~عليه فتارة يعقدان على ان يتقابضا عقبه وتارة على أن يتأخر القبض كما في ~~الثمر فان العقد المطلق يقتضي ms6061 الحلول ولهما تأجيله إذا كان لهما في التأجيل ~~مصلحة فكذلك الأعيان فاذا كانت العين المبيعة فيها منفعة للبائع أو غيره ~~كالشجر الذي ثمره ظاهر وكالعين المؤجرة وكالعين التي استثنى البائع نفعها ~~مدة لم يكن موجب هذا العقد أن يقتضي المشتري ماليس له ومالم يملكه إذا كان ~~له ان يبيع بعض العين دون بعض كان له أن يبيعها دون منفعتها ثم سواء قيل ان ~~المشترى يقبض العين أو قيل لا يقبضها بحال لا يضر ذلك فان القبض في البيع ~~ليس هو من تمام العقد كما هو في الرهن بل الملك يحصل قبل القبض للمشترى ~~تابعا ويكون نماء المبيع له بلا نزاع وان كان في يد البائع ولكن اثر القبض ~~اما في الضمان واما في جواز التصرف وقد ثبت عن بن عمر انه قال مضت السنة ان ~~ما ادركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان المشترى # ولهذا ذهب إلى ذلك اهل المدينة واهل الحديث فان تعليق الضمان بالتمكين من ~~القبض احسن من تعليقه بنفس القبض وبهذا جاءت السنة ففى الثمار التى اصابتها ~~جائحة لم يتمكن المشترى من الجذاذ PageV20P343 وكان معذورا فاذا تلفت كانت ~~من ضمان البائع ولهذا التى تلفت بعد تفريطه في القبض كانت من ضمانه والعبد ~~والدابة التى تمكن من قبضها تكون من ضمانه على حديث علي وبن عمر # ومن جعل التصرف تابعا للضمان فقد غلط فانهم متفقون على ان منافع الاجارة ~~اذا تلفت قبل تمكن المستأجر من استيفائها كانت من ضمان المؤجر ومع هذا ~~للمستاجر ان يؤجرها بمثل الاجرة وانما تنازعوا في ايجارها باكثر من الاجرة ~~لئلا يكون ذلك ربحا فيما لا يضمن والصحيح جواز ذلك لانها مضمونة على ~~المستاجر فانها اذا تلفت مع تمكنه من الاستيفاء كانت من ضمانه ولكن اذا ~~تلفت قبل تمكنه من الاستيفاء لم تكن من ضمانه # وهذا هو الاصل ايضا فقد ثبت في الصحيح عن بن عمر انه قال كنا نبتاع ~~الطعام جزافا على عهد رسول الله فنهى ان نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا وبن ms6062 ~~عمر هو القائل مضت السنة ان ما ادركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان ~~المشترى فتبين ان مثل هذا الطعام مضمون على المشترى ولا يبيعه حتى ينقله ~~وغلة الثمار والمنافع له ان يتصرف فيها ولو تلفت قبل التمكن من قبضها كانت ~~من ضمان المؤجر والبائع والمنافع لا يمكن التصرف فيها الا بعد PageV20P344 ~~استيفائها وكذلك الثمار لا تباع على الاشجار بعد الجذاذ بخلاف الطعام ~~المنقول # والسنة في هذا الباب فرقت بين القادر على القبض وغيرالقادر في الضمان ~~والتصرف فاهل المدينة اتبع للسنة في هذا الحكم كله وقولهم اعدل من قول من ~~يخالف السنة # ونظائر هذا كثير مثل بيع الاعيان الغائبة من الفقهاء من جوز بيعها مطلقا ~~وان لم توصف ومنهم من منع بيعها مع الوصف ومالك جوز بيعها مع الصفة دون ~~غيرها وهذا # اعدل والعقود من الناس من أوجب فيها الألفاظ وتعاقب الايجاب والقبول ونحو ~~ذلك وأهل المدينه جعلوا المرجع في العقود إلى عرف الناس وعادتهم فما عده ~~الناس بيعا فهو بيع وما عدوه إجارة فهو إجارة وما عدوه هبة فهو هبة وهذا ~~أشبه بالكتاب والسنه وأعدل فإن الأسماء منها ما له حد في اللغة كالشمس ~~والقمر ومنهاما له حد في الشرع كالصلاه والحج ومنها ما ليس له حد لا في ~~اللغه ولا في الشرع بل يرجع إلى العرف كالقبض ومعلوم ان إسم البيع والإجارة ~~والهبة في هذا الباب لم يحدها الشارع ولا لها حد في اللغة بل يتنوع ذلك ~~PageV20P345 بحسب عادات الناس وعرفهم فما عدوه بيعا فهو بيع وما عدوه هبة ~~فهو هبة وما عدوه إجارة فهو إجارة # ومن هذا الباب ان مالكا يجوز بيع المغيب في الأرض كالجزر واللفت وبيع ~~المقاثي جملة كما يجوز هو والجمهور بيع الباقلاء ونحوه في قشره ولا ريب ان ~~هذا هو الذي عليه عمل المسلمين من زمن نبيهم وإلى هذا التاريخ ولا تقوم ~~مصلحة الناس بدون هذا وما يظن أن هذا نوع غرر فمثله جائز في غيره من البيوع ~~لأنه يسير والحاجة داعية إليه ms6063 وكل واحد من هذين يبيح ذلك فكيف إذا اجتمعا # وكذلك ما يجوز مالك من منفعة الشجر تبعا للأرض مثل أن يكرى أرضا أو دارا ~~فيها شجرة أو شجرتان هو أشبه بالأصول من قول من منع ذلك وقد يجوز ذلك طائفة ~~من أصحاب أحمد بن حنبل مطلقا وجوزوا ضمان الحديقة التى فيها أرض وشجر كما ~~فعل عمر بن الخطاب لما قبل الحديقة من أسيد بن الحضير ثلثا وقضى بما تسلفه ~~دينا كان عليه وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع # وهذا يتبين بذكر الربا فان تحريم الربا أشد من تحريم القمار لأنه ظلم ~~محقق والله سبحانه وتعالى لما جعل خلقه نوعين غنيا وفقيرا PageV20P346 اوجب ~~على الأغنياء الزكاة حقا للفقراء ومنع الأغنياء عن الربا الذي يضر الفقراء ~~وقال تعالى @QB@ يمحق الله الربا ويربي الصدقات @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ~~آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة ~~تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون @QE@ فالظالمون يمنعون الزكاة ويأكلون ~~الربا وأما القمار فكل من المتقامرين قد يقمر الآخر وقد يكون المقمور هو ~~الغني أو يكونان متساويين في الغنى والفقر فهو أكل مال بالباطل فحرمه الله ~~لكن ليس فيه من ظلم المحتاج وضرره ما في الربا ومعلوم ان ظلم المحتاج أعظم ~~من ظلم غير المحتاج # ومعلوم أن أهل المدينة حرموا الربا ومنعوا التحيل على استحلاله وسدوا ~~الذريعة المفضية إليه فأين هذا ممن يسوغ الاحتيال على أخذه بل يدل الناس ~~على ذلك # وهذا يظهر بذكر مثل ربا الفضل وربا النسأ # أما ربا الفضل فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة واتفق جمهور الصحابة ~~والتابعين والأئمة الأربعة على أنه لا يباع الذهب والفضة والحنطة والشعير ~~والتمر والزبيب بجنسه إلا مثلا بمثل إذ الزيادة على المثل أكل مال بالباطل ~~وظلم فاذا أراد المدين أن يبيع مائة دينار مكسور PageV20P347 وزنه مائة ~~وعشرون دينارا يسوغ له مبيح الحيل أن يضيف إلى ذلك رغيف خبز أو منديل يوضع ~~فيه مائة دينار ونحو ذلك مما يسهل ms6064 على كل مرب فعله لم يكن لتحريم الربا ~~فائدة ولا فيه حكمة ولا يشاء مرب ان يبيع نوعا من هذا بأكثر منه من جنسه ~~إلا أمكنه أن يضم إلى القليل ما لا قدر له من هذه الأمور # وكذلك إذا سوغ لهما أن يتواطآ على أن يبيعه إياه بعرض لا قصد للمشترى فيه ~~ثم يبتاعه منه بالثمن الكثير أمكن طالب الربا أن يفعل ذلك # ومعلوم أن من هو دون الرسول إذا حرم شيئا لما فيه من الفساد وأذن ان يفعل ~~بطريق لا فائدة فيه لكان هذا عيبا وسفها فان الفساد باق ولكن زادهم غشا وإن ~~كان فيه كلفة فقد كلفهم ما لا فائدة فيه فكيف يظن هذا بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم بل معلوم ان الملوك لو نهوا عما نهى عنه النبى صلى الله عليه ~~وسلم واحتال المنهي على ما نهى عنه بمثل هذه الطريق لعدوه لاعبا مستهزئا ~~بأوامرهم وقد عذب الله أهل الجنة الذين احتالوا على أن لا يتصدقوا وعذب ~~الله القرية التى كانت حاضرة البحر لما استحلوا المحرم بالحيلة بان مسخهم ~~قردة وخنازير وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تركبوا ما ارتكبت ~~اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل PageV20P348 # وقد بسطنا الكلام على ( قاعدة ابطال الحيل وسد الذرائع ( في كتاب كبير ~~مفرد وقررنا فيه مذهب أهل المدينة بالكتاب والسنة واجماع السابقين الأولين ~~من المهاجرين والأنصار # وكذلك ربا النسأ فان أهل ثقيف الذين نزل فيهم القرآن ان الرجل كان يأتى ~~إلى الغريم عند حلول الأجل فيقول اتقضى أم تربى فان لم يقضه والا زاده ~~المدين في المال وزاده الطالب في الأجل فيضاعف المال في المدة لأجل التأخير ~~وهذا هو الربا الذي لا يشك فيه باتفاق سلف الأمة وفيه نزل القرآن والظلم ~~والضرر فيه ظاهر # والله سبحانه وتعالى أحل البيع وأحل التجارة وحرم الربا فالمبتاع يبتاع ~~ما يستنفع به كطعام ولباس ومسكن ومركب وغير ذلك والتاجر يشترى ما يريد أن ~~يبيعه ليربح فيه وأما آخذ الربا فانما مقصوده ms6065 ان يأخذ دراهم بدراهم إلى أجل ~~فيلزم الآخر اكثر مما اخذ بلا فائدة حصلت له لم يبع ولم يتجر والمربى آكل ~~مال بالباطل بظلمه ولم ينفع الناس لا بتجارة ولا غيرها بل ينفق دراهمه ~~بزيادة بلا منفعة حصلت له ولا للناس # فاذا كان هذا مقصودهما فبأي شيء توصلوا إليه حصل الفساد والظلم مثل أن ~~تواطآ على ان يبيعه ثم يبتاعه فهذه بيعتان في بيعة وفي PageV20P349 السنن ~~عن النبى أنه قال ( من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا ( مثل أن ~~يدخل بينهما محللا يبتاع منه أحدهما ما لا غرض له فيه ليبيعه آكل الربا ~~لموكله في الربا ثم الموكل يرده إلى المحلل بما نقص من الثمن وقد ثبت عن ~~النبى أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه ولعن المحلل والمحلل له ومثل ~~ان يضما إلى الربا نوع قرض وقد ثبت عن النبى ( لا يحل سلف وبيع ولا شرطان ~~في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك ( # ثم ان النبى نهى عن المزابنة والمحاقلة وهو اشتراء الثمر والحب بخرص وكما ~~نهى عن بيع الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى لان الجهل ~~بالتساوى فيما يشترط فيه التساوى كالعلم بالتفاضل والخرص لا يعرف مقدار ~~المكال انما هو حزر وحدس وهذا متفق عليه بين الائمة # ثم انه قد ثبت عنه انه ارخص في العرايا يبتاعها اهلها بخرصها تمرا فيجوز ~~ابتياع الربوى هنا بخرصه واقام الخرص عند الحاجة مقام الكيل وهذا من تمام ~~محاسن الشريعة كما انه في العلم بالزكاة وفى المقاسمة أقام الخرص مقام ~~الكيل فكان يخرص الثمار على اهلها يحصى الزكاة وكان عبد الله بن رواحة ~~يقاسم اهل خيبر خرصا بأمر النبى PageV20P350 ومعلوم انه اذا امكن التقدير ~~بالكيل فعل فاذا لم يمكن كان الخرص قائما مقامه للحاجة كسائر الأبدال في ~~المعلوم والعلامة فان القياس يقوم مقام النص عند عدمه والتقويم يقوم مقام ~~المثل وعدم الثمن المسمى عند تعذر المثل والثمن المسمى # ومن هذا الباب القافة التى ms6066 هي استدلال بالشبه على النسب إذا تعذر ~~الاستدلال بالقرائن إذ الولد يشبه والده في الخرص والقافة والتقويم ابدال ~~في العلم كالقياس مع النص وكذلك العدل في العمل فان الشريعة مبناها على ~~العدل كما قال تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط @QE@ @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ # والله قد شرع القصاص في النفوس والأموال والاعراض بحسب الامكان فقال ~~تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ فمن اعتدى عليكم @QE@ الآية وقال تعالى ~~@QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به @QE@ الآية فاذا قتل الرجل من ~~يكافئه عمدا عدوانا كان عليه القود ثم يجوز أن يفعل به مثل ما فعل كما ~~يقوله أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد في إحدى الروايتين بحسب ~~الامكان إذا لم يكن تحريمه بحق الله PageV20P351 كما إذا رضخ رأسه كما رضخ ~~النبى رأس اليهودي الذي رضخ رأس الجارية كان ذلك أتم في العدل بمن قتله ~~بالسيف في عنقه وإذا تعذر القصاص عدل إلى الدية وكانت الدية بدلا لتعذر ~~المثل # وإذا اتلف له مالا كما لو تلفت تحت يده العارية فعليه مثله ان كان له مثل ~~وان تعذر المثل كانت القيمة وهي الدراهم والدنانير بدلا عند تعذر المثل ~~ولهذا كان من أوجب المثل في كل شيء بحسب الامكان مع مراعاة القيمة اقرب إلى ~~العدل ممن أوجب القيمة من غير المثل وفى هذا كانت قصة داود وسليمان وقد ~~بسطنا الكلام على هذه الأبواب كلها في غير هذا الموضع وإنما المقصود هنا ~~التنبيه # وحينئذ فتجويز العرايا ان تباع بخرصها لأجل الحاجة عند تعذر بيعها بالكيل ~~موافق لأصول الشريعة مع ثبوت السنة الصحيحة فيه وهو مذهب أهل المدينة وأهل ~~الحديث ومالك جوز الخرص في نظير ذلك للحاجة وهذا عين الفقه الصحيح # ومذهب أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد في جزاء الصيد انه يضمن ~~بالمثل في الصورة كما مضت بذلك السنة ms6067 واقضية الصحابة فان في السنن أن النبى ~~قضى في الضبع بكبش PageV20P352 وقضت الصحابة في النعامة ببدنة وفى الظبى ~~بشاة وأمثال ذلك # ومن خالفهم من أهل الكوفة انما يوجب القيمة في جزاء الصيد وأنه يشتري ~~بالقيمة الانعام والقيمه مختلفة باختلاف الأوقات ### ||| فصل # ولما كان المحرم نوعين نوع لعينه ونوع لكسبه فالكسب الذي هو معاملة الناس ~~نوعان معاوضه ومشاركة # فالمبايعة والمؤاجرة ونحو ذلك هي المعاوضة # وأما المشاركة فمثل مشاركة العنان وغيرها من المشاركات # ومذهب مالك في المشاركات من أصح المذاهب واعدلها فانه يجوز شركة العنان ~~والابدان وغيرهما ويجوز المضاربة والمزارعة والمساقاة # والشافعى لا يجوز من الشركة الا ما كان تبعا لشركة الملك فان الشركة ~~نوعان شركة في الاملاك وشركة في العقود فاما شركة الاملاك كاشتراك الورثة ~~في الميراث فهذا لا يحتاج إلى عقد ولكن اذا PageV20P353 اشترك اثنان في عقد ~~فمذهب الشافعى ان الشركة لا تحصل بعقد ولا تحصل القسمة بعقد # وأحمد تحصل الشركة عنده بالعقد والقسمة بالعقد فيجوز شركة العنان مع ~~اختلاف المالين وعدم الاختلاط واذا تحاسب الشريكان عنده من غير افراز كان ~~ذلك قسمة حتى لو خسر المال بعد ذلك لم تجبر الوضيعة بالربح # والشافعى لا يجوز شركة الابدان ولا الوجوه ولا الشركة بدون خلط المالين ~~ولا أن يشترط لاحدهما ربحا زائدا على نصيب الاخر من ماله اذ لا تأثير عنده ~~للعقد وجوز المضاربة وبعض المساقاة والمزارعة تبعا لاجل الحاجة لا لوفق ~~القياس # وأما أبو حنيفة نفسه فلا يجوز مساقاة ولا مزارعة لانه راى ذلك من باب ~~المواجرة والمواجرة لابد فيها من العلم بالاجرة # ومالك في هذا الباب اوسع منهما حيث جوز المساقاة على جميع الثمار مع ~~تجويز الانواع من المشاركات التى هي شركة العنان والابدان لكنه لم يجوز ~~المزارعة على الأرض البيضاء موافقة للكوفيين # وأما قدماء أهل المدينة هم وغيرهم من الصحابة والتابعين فكانوا ~~PageV20P354 يجوزون هذا كله وهو قول الليث و ( بن ) ابى ليلى وأبى يوسف ~~ومحمد وفقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وغيره # والشبهة التى منعت اولئك المعاملة انهم ظنوا ms6068 أن هذه المعاملة اجارة ~~والاجارة لابد فيها من العلم بقدر الاجرة ثم استثنوا من ذلك المضاربة لاجل ~~الحاجة اذ الدراهم لا تؤجر # والصواب ان هذه المعاملات من نفس المشاركات لا من جنس المعاوضات فان ~~المستاجر يقصد استيفاء العمل كما يقصد استيفاء عمل الخياط والخباز والطباخ ~~ونحوهم وأما في هذا الباب فليس العمل هو المقصود بل هذا يبذل نفع بدنه وهذا ~~يبذل نفع ماله ليشتركا فيما رزق الله من ربح فاما يغنمان جميعا أو يغرمان ~~جميعا وعلى هذا عامل النبى اهل خيبر ان يعمروها من اموالهم بشطر ما يخرج ~~منها من ثمر وزرع # والذي نهى عنه النبى من كراء المزارعة في حديث رافع بن خديج وغيره متفق ~~عليه كما ذكره الليث وغيره فانه نهى ان يكرى بما تنبت الماذيانات والجداول ~~وشيء من التبن فربما غل هذا ولم يغل هذا فنهى ان يعين المالك زرع بقعة ~~بعينها كما نهى في المضاربة ان يعين العامل مقدارا من الربح وربح ثوب بعينه ~~PageV20P355 لان ذلك يبطل العدل في المشاركة # وأصل أهل المدينة في هذا الباب أصح من أصل غيرهم الذي يوجب أجرة المثل ~~والاول هو الصواب فان العقد لم يكن على عمل ولهذا لم يشترط العلم بالعمل ~~وقد تكون اجرة المثل اكثر من المال وربحه فانما يستحق في الفاسد نظير ما ~~يستحق من الصحيح فاذا كان الواجب في البيع والاجارة الصحيحة ثمنا واجرة وجب ~~في الفاسد قسط من الربح كان الواجب في الفاسد قسطا من الربح وكذلك في ~~المساقاة والمزارعة وغيرهما # وما يضعف في هذا الباب من قول متاخرى اهل المدينة فقول الكوفيين فيه اضعف ~~ويشبه ان يكون هذا كله من الراى المحدث الذي علم به من عابه من السلف واما ~~ما مضت به السنة والعمل فهو العدل # ومن تدبر الاصول تبين له ان المساقاة والمزارعة والمضاربة اقرب إلى العدل ~~من المؤاجرة فان المؤاجرة مخاطرة والمستاجر قد ينتفع وقد لاينتفع بخلاف ~~المساقاة والمزارعة فانهما يشتركان في الغنم والغرم فليس فيها من المخاطرة ~~من أحد الجانبين ms6069 ما في المؤاجرة PageV20P356 ### ||| فصل # واما العبادات فان اصل الدين انه لا حرام الا ما حرمه الله ولا دين الا ~~ما شرعه الله فان الله سبحانه في سورة الانعام والاعراف عاب على المشركين ~~انهم حرموا ما لم يحرمه الله وانهم شرعوا من الدين مالم يأذن به الله كما ~~قال بن عباس اذا أردت ان تعرف جهل العرب فاقرأ من قوله @QB@ وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث والأنعام @QE@ الاية وذلك ان الله ذم المشركين على ما ابتدعوه ~~من تحريم الحرث والانعام وما ابتدعوه من الشرك وذمهم على احتجاجهم على ~~بدعهم بالقدر قال تعالى @QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~@QE@ الاية # وفى الصحيح عن عياض بن حمار عن النبى انه قال يقول الله تعالى ( انى خلقت ~~عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما احللت لهم وأمرتهم ان ~~يشركوا بي ما لم انزل به سلطانا ( وذكر في سورة الاعراف ما حرموه وما شرعوه ~~وقال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش @QE@ الاية وقال PageV20P357 @QB@ ~~قل أمر ربي بالقسط @QE@ الاية فبين لهم ما أمرهم به وما حرمه هو وقال ذما ~~لهم @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين @QE@ الاية وهذا مبسوط في غير ~~هذا الموضع # والمقصود انه ليس لاحد ان يحرم الا ما جاءت الشريعة بتحريمه والا فالاصل ~~عدم التحريم سواء في ذلك الاعيان والافعال وليس له ان يشرع دينا واجبا أو ~~مستحبا ما لم يقم دليل شرعى على وجوبه واستحبابه # اذا عرف هذا فأهل المدينة أعظم الناس اعتصاما بهذا الاصل فانهم اشد أهل ~~المدائن الاسلامية كراهية للبدع وقد نبهنا على ما حرمه غيرهم من الاعيان ~~والمعاملات وهم لا يحرمونه # وأما الدين فهم اشد أهل المدائن اتباعا للعبادات الشرعية وأبعدهم عن ~~العبادات البدعية # ونظائر هذا كثيرة منها ان طائفة من الكوفيين وغيرهم استحبوا للمتوضىء ~~والمغتسل والمصلى ونحوهم ان يتلفظوا بالنية في هذه العبادات وقالوا ان ~~التلفظ بها اقوى من مجرد قصدها بالقصد وان كان التلفظ بها لم يوجبه أحد من ~~الائمة واهل المدينة لم يستحبوا ms6070 شيئا من PageV20P358 ذلك وهذا هو الصواب ~~ولاصحاب أحمد وجهان وذلك ان هذه بدعة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا اصحابه بل كان يفتتح الصلاة بالتكبير ولا يقول قبل التكبير شيئا ~~من هذه الالفاظ وكذلك في تعليمه للصحابة انما علمهم الافتتاح بالتكبير فهذه ~~بدعة في الشرع وهى ايضا غلط في القصد فان القصد إلى الفعل امر ضرورى في ~~النفس فالتلفظ به من باب العبث كتلفظ الاكل بنية الاكل والشارب بنية الشرب ~~والناكح بنية النكاح والمسافر بنية السفر وامثال ذلك # ومن ذلك ( صفات العبادات ( فان مالكا واهل المدينة لا يجوزون تغيير صفة ~~العبادة المشروعة فلا يفتتح الصلاة بغير التكبير المشروع وهو قول الله أكبر ~~كما ان هذا التكبير هو المشروع في الاذان والاعياد ولا يجوزون ان يقرا ~~القرأن بغير العربية ولا يجوزون ان يعدل عن المقصود المنصوص في الزكاة إلى ~~ما يختار المالك من الاموال بالقيمة # وهم في مواقيت الصلاة اتبع للسنة من أهل الكوفة حيث يستحبون تقديم الفجر ~~والعصر ويجعلون وقت العصر اذا صار ظل كل شيء مثله وهو آخر وقت الظهر ~~ويجعلون وقت صلاة العشاء وصلاة المغرب مشتركا للمعذور كالحائض اذا طهرت ~~والمجنون اذا أفاق PageV20P359 ويجوزون الجمع للمسافر الذى جد به السير ~~والمريض وفى المطر # وهم في صلاة السفر معتدلون فان من الفقهاء من يجعل الاتمام أفضل من القصر ~~أو يجعل القصر افضل لكن لايكره الاتمام بل يرى أنه الأظهر وانه لايقصر الا ~~أن ينوى القصر ومنهم من يجعل الاتمام غير جائز وهم يرون ان السنة هي القصر ~~واذا ربع كره له ذلك ويجعلون القصر سنة راتبة والجمع رخصة عارضة ولا ريب ان ~~هذا القول اشبه الأقوال بالسنة # وكذلك في ( السنن الراتبة ( يجعلون الوتر ركعة واحدة وان كان قبلها شفع ~~وهذا أصح من قول الكوفيين الذين يقولون لاوتر الا كالمغرب مع ان تجويز ~~كليهما أصح لكن الفصل أفضل من الوصل فقولهم أرجح من قول الكوفيين مطلقا ولا ~~يرون للجمعة قبلها سنة راتبة خلافا لمن خالفهم من الكوفيين ms6071 # ومالك لا يوقت مع الفرائض شيئا وبعض العراقيين وقت أشياء بأحاديث ضعيفة ~~فقول مالك اقرب إلى السنة # وأهل المدينة يرون الجمع والقصر للحاج بعرفة ومزدلفة والقصر PageV20P360 ~~بمنى سواء كان من أهل مكة أو غيرهم ولا ريب ان هذا هو الذى مضت به سنه رسول ~~الله بلا ريب وهذا القول أحد الأقوال في مذهب الشافعى واحمد ومن قال انه ~~لايجوز القصر الا لمن كان منهم على مسافة القصر فقوله مخالف للسنة وأضعف ~~منه قول من يقول لا يجوز الجمع إلا لمن كان على مسافه القصر وقد علم ان ~~للجمع اسبابا غير السفر الطويل ولهذا كان قول من يقول انه يجوز الجمع في ~~السفرالقصير كما يجوز في الطويل اقوى من قول من لايجوزه الا في الطويل لا ~~في القصير # وظن من قال هذه الأقوال من أهل العراق وغيرهم ان النبى صلى بمنى ثم قال ( ~~يا اهل مكة أتموا صلاتكم فانا قوم سفر ( وهذا باطل عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم باتفاق أهل الحديث وانما الذى في السنن انه قال ذلك لما صلى في مكة في ~~غزوة الفتح وكذلك قد نقلوا هذا عن عمر # ويروى أن الرشيد لما حج أمر أبا يوسف أن يصلى بالناس فلما سلم قال يااهل ~~مكة اتموا صلاتكم فانا قوم سفر فقال له بعض المكيين أتقول لنا هذا ومن ~~عندنا خرجت السنة وقال هذا من فقهك تكلم وانت في الصلاة PageV20P361 # وهذا المكى وافق أبا يوسف على ظنه انهم لايقصرون لكن من قلة فقهه تكلم ~~وتكلم الناسى والجاهل بتحريم الكلام لايبطل صلاته عند مالك والشافعى واحمد ~~في احدى الروايتين ويبطلها عند أبى حنيفة ولو كان المكى عالما بالسنة لقال ~~ليست هذه السنة بل قد صلى بمنى ركعتين وابو بكر وعمر وكذلك صلوا بعرفة ~~ومزدلفة ركعتين ولم يأمروا من خلفهم من المكيين باتمام الصلاة فيها كما هو ~~مذهب اهل المدينة # ومن ذلك ( صلاة الكسوف ( فانه قد تواترت السنن فيها عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم بأنه صلاها بركوعين في كل ركعة ms6072 واتبع اهل المدينة هذه السنة ~~وخفيت على اهل الكوفة حيث منعوا ذلك # وكذلك ( صلاة الاستسقاء ( فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبى انه ~~وسلم صلى صلاة الاستسقاء واهل المدينة يرون ان يصلى للأستسقاء وخفيت هذه ~~السنة على من انكر صلاة الاستسقاء من أهل العراق # ومن ذلك تكبيرات العيد الزوائد فان غالب السنن والآثار توافق مذهب أهل ~~المدينة في الأولى سبع بتكبيرات الافتتاح والاحرام وفى الثانية خمس ~~PageV20P362 # ومن ذلك أن الصلاة هل تدرك بركعة أو بأقل من ركعة فمذهب مالك انها إنما ~~تدرك بركعة وهذا هو الذي صح عن النبى حيث قال ( من ادرك ركعة من الصلاة فقد ~~أدرك الصلاة ( وقال ( من ادرك ركعة من الفجر قبل ان تطلع الشمس فقد ادرك ~~ومن ادرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد أدرك ( فمالك يقول في الجمعة ~~والجماعة انما تدرك بركعة وكذلك ادراك الصلاة في اخر الوقت وكذلك ادراك ~~الوقت كالحائض اذا طهرت والمجنون اذا افاق قبل خروج الوقت # وابو حنيفة يعلق الادراك في الجميع بمقدار التكبيرة حتى في الجمعة يقول ~~اذا أدرك منها مقدار تكبيرة فقد ادركها والشافعى وأحمد يوافقان مالكا في ~~الجمعة ويختلف قولهما في غيرها والاكثرون من اصحابهما يوافقون أبا حنيفة في ~~الباقى ومعلوم ان قول من وافق مالكا في الجميع اصح نصا وقياسا # وقد احتج بعضهم على مالك بقوله في الحديث الصحيح ( من ادرك سجدة من ~~الصلاة ( وليس في هذا حجة لان المراد بالسجدة الركعة كما قال بن عمر حفظت ~~عن رسول الله ( سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها ( ونظائرها متعددة ~~PageV20P363 # ومن ذلك ان مذهب اهل المدينة ان الامام اذا صلى ناسيا لجنابته وحدثه ثم ~~علم اعاد هو ولم يعد المأموم وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين كعمر ~~وعثمان وعند ابى حنيفة يعيد الجميع وقد ذكر ذلك رواية عن أحمد والمنصوص ~~المشهور عنه كقول مالك وهو مذهب الشافعي وغيره ومما يؤيد ذلك ان هذه القصة ~~جرت لابى يوسف فان الخليفة استخلفه في صلاة الجمعة فصلى بالناس ثم ms6073 ذكر انه ~~كان محدثا فاعاد ولم يامر الناس بالاعادة فقيل له في ذلك فقال ربما ضاق ~~علينا الشيء فاخذنا بقول اخواننا المدنيين مع ان صلاة الجمعة فيها خلاف ~~كثير لكون الامامة شرطا فيها # وطرد مالك هذا الاصل أيضا في سائر خطأ الامام فإذا صلى الامام باجتهاده ~~فترك ما يعتقد المأموم وجوبه مثل ان يكون الامام لا يرى وجوب قراءة البسملة ~~أو لا يرى الوضوء من الدم أو من القهقهة أو من مس النساء والمأموم يرى وجوب ~~ذلك فمذهب مالك صحة صلاة المأموم وهذا أحد القولين عن أحمد والشافعى والقول ~~الاخر لا يصح كقول ابى حنيفة # ومذهب أهل المدينة هوالذى لا ريب في PageV20P364 صحته فقد ثبت في صحيح ~~البخارى عن النبى انه قال ( يصلون لكم فان أصابوا فلكم ولهم وان أخطأوا ~~فلكم وعليهم ( وهذا صريح في المسألة ولان الإمام صلى باجتهاده فلا يحكم ~~ببطلان صلاته الا ترى انه ينفذ حكمه اذا حكم باجتهاده فالائتمام به اولى # والمنازع بنى ذلك على ان المأموم يعتقد بطلان صلاة الامام وهذا غلط فان ~~الامام صلى باجتهاده أو تقليده وانه ان كان مصيبا فله اجران وان كان مخطئا ~~فله اجر واحد وخطؤه مغفور له فكيف يقال انه يعتقد بطلان صلاته # ثم من المعلوم بالتواتر عن سلف الامة ان بعضهم ما زال يصلى خلف بعض مع ~~وجود مثل ذلك فما زال الشافعى وأمثاله يصلون خلف اهل المدينة وهم لا يقرأون ~~البسملة سرا ولا جهرا # ومن المأثور ان الرشيد احتجم فاستفتى مالكا فافتاه بانه لا وضوء عليه ~~فصلى خلفه أبو يوسف ومذهب ابى حنيفة واحمد ان خروج النجاسة من غير السبيلين ~~ينقض الوضوء ومذهب مالك والشافعى انه لاينقض الوضوء فقيل لابى يوسف أتصلى ~~خلفه فقال سبحان الله امير المؤمنين فان ترك الصلاة خلف الائمة لمثل ذلك من ~~شعائر اهل البدع كالرافضة والمعتزلة ولهذا لما سئل الامام أحمد عن هذا ~~PageV20P365 فأفتى بوجوب الوضوء فقال له السائل فان كان الامام لايتوضأ ~~أصلي خلفه فقال سبحان الله الا تصلى خلف سعيد ms6074 بن المسيب ومالك بن انس ومالك ~~يرى ان كلام الناسي والجاهل في الصلاة لا يبطلها على حديث ذى اليدين وحديث ~~معاوية بن الحكم لما شمت العاطس وحديث الاعرابى الذى قال في الصلاة اللهم ~~ارحمنى ومحمدا ولا ترحم معنا احدا # وهذا قول الشافعى وأحمد في احدى الروايتين والرواية الاخرى كقول ابى ~~حنيفة قالوا حديث ذي اليدين كان قبل تحريم الكلام وليس كذلك بل حديث ذي ~~اليدين كان بعد خيبر اذ قد شهده أبو هريرة وانما اسلم أبو هريرة عام خيبر ~~وتحريم الكلام كان قبل رجوع بن مسعود من الحبشة وبن مسعود شهد بدرا # ومذهب أهل المدينة في الدعاء في الصلاة والتنبيه بالقرآن والتسبيح وغير ~~ذلك فيه من التوسع ما يوافق السنة بخلاف الكوفيين فانهم ضيقوا في هذا الباب ~~تضييقا كثيرا وجعلوا ذلك كله من الكلام المنهى عنه PageV20P366 ومن ذلك في ~~الطهارة ان مالكا رأى الوضوء من مس الذكر ولمس النساء لشهوة دون القهقهة في ~~الصلاة ولمس النساء لغير شهوة ودون الخارج النادر من السبيلين والخارج ~~النجس من غيرهما وأبو حنيفة رآها من القهقهة والخارج النجس من السبيلين ~~مطلقا ولا يراها من مس الذكر # ومعلوم ان أحاديث نقض الوضوء من مس الذكر اثبت وأعرف من أحاديث القهقهة ~~فانه لم يرو أحد منها في السنن شيئا وهى مراسيل ضعيفة عند اهل الحديث ولهذا ~~لم يذهب إلى وجوب الوضوء من القهقهة أحد من علماء الحديث لعلمهم بانه لم ~~يثبت فيها شيء # والوضوء من مس الذكر فيه طريقان # منهم من يجعله تعبدا لا يعقل معناه فلا يكون بعيدا عن الاصول كالوضوء من ~~القهقهة في الصلاة # ومنهم من لا يجعله تعبدا فهو حينئذ اظهر واقوى # واما لمس النساء ففيه ثلاثة اقوال مشهورة قول ابى حنيفة لا وضوء منه بحال ~~وقول مالك واهل المدينة وهو المشهور عن PageV20P367 احمد انه ان كان بشهوة ~~نقض الوضوء والا فلا وقول الشافعى يتوضأ منه بكل حال # ولا ريب ان قول ابى حنيفة وقول مالك هما القولان المشهوران في السلف واما ~~ايجاب ms6075 الوضوء من لمس النساء بغير شهوة فقول شاذ ليس له اصل في الكتاب ولا ~~في السنة ولا في اثر عن أحد من سلف الامة ولا هو موافق لأصل الشريعة فان ~~اللمس العارى عن شهوة لا يؤثر لا في الاحرام ولا في الاعتكاف كما يؤثر ~~فيهما اللمس مع الشهوة ولا يكره لصائم ولا يوجب مصاهرة ولا يؤثر في شيء من ~~العبادات وغيرها من الاحكام فمن جعله مفسدا للطهارة فقد خالف الاصول وقوله ~~تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ ان اريد به الجماع فقط كما قاله عمر ~~وغيره فمعلوم ان قوله اولامستم في الوضوء كقوله في الاعتكاف @QB@ ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ والمباشرة بغير شهوة لا تؤثر هناك ~~فكذلك هنا وكذلك قوله @QB@ ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن @QE@ # هذا مع أنا نعلم انه مازال الرجال يمسون النساء بغير شهوة فلو كان الوضوء ~~من ذلك واجبا لامر به رسول الله المسلمين ولكان ذلك مما ينقل ويؤثر ~~PageV20P368 # وهذا كما انه احتج من احتج على مالك في مسألة المنى ان الناس لا يزالون ~~يحتلمون في المنام فتصيب الجنابة ابدانهم وثيابهم فلو كان الغسل واجبا لكان ~~النبى يامر به مع انه لم يأمر أحدا من المسلمين بغسل ما اصابه من منى لا في ~~بدنه ولا في ثيابه وقد أمر الحائض ان تغسل دم الحيض من ثوبها ومعلوم ان ~~اصابة الجنابة ثياب الناس اكثر من اصابة دم الحيض ثياب النساء فكيف يبين ~~هذا للحائض ويترك بيان ذلك الحكم العام مع ان تأخير البيان عن وقت الحاجة ~~لا يجوز وما ثبت عنه في الصحيح من ان عائشة كانت تغسل المنى من ثوبه لا يدل ~~على الوجوب وثبت عنها ايضا في الصحيح انها كانت تفركه فكيف وقد ثبت هذا ~~ايضا ان الغسل يكون لقذارته كما قال سعد بن ابى وقاص وبن عباس أمطه عنك ولو ~~بأذخرة فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق # فان كانت هذه الحجة مستقيمة فمثلها يقال في الوضوء من لمس النساء لغير ~~شهوة ولمسهن لشهوة في التوضي منه ms6076 اجتهاد وتنازع قديم واما لمسهن بغير شهوة ~~فكما ترى # وكذلك الاغتسال من الجنابة فمذهب مالك واحد القولين من مذهب أحمد بل هو ~~المأثور عنه اتباع السنة فيه فان من نقل غسل النبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~كعائشة وميمونة لم ينقل انه غسل بدنه PageV20P369 كله ثلاثا بل ذكر انه بعد ~~الوضوء وتخليل اصول الشعر حثاثية على شق رأسه وانه افاض الماء بعدذلك على ~~سائر بدنه # والذين استحبوا الثلاث انما ذكروه قياسا على الوضوء والسنة قد فرقت ~~بينهما # وقد ثبت ان النبى صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع وهو ~~أربعة امداد ومعلوم انه لو كان السنة في الغسل التثليث لم يكفه ذلك فان ~~سائر الأعضاء فوق أعضاء الوضوء اكثر من أربع مرات # ومن ذلك التيمم منهم من يقول لا يجب ان يتيمم لكل صلاة كقول أبى حنيفه ~~ومنهم من يقول بل يتيمم لكل صلاه كقول الشافعى ومذهب مالك يتيمم لوقت كل ~~صلاة وهذا أعدل الأقوال وهو يشبه الآثار المأثورة عن الصحابة والمأثورة في ~~المستحاضة ولهذا كان ذلك هو المشهور فيهما عند فقهاء الحديث # ومن ذلك أهل المدينة يوجبون الزكاة في مال الخليطين كمال المالك الواحد ~~ويجعلون في الابل اذا زادت على عشرين ومائة في كل أربعين بنت لبون وفي كل ~~خمسين حقة وهذا موافق لكتاب النبى في الصدقة الذي أخرجه البخارى من حديث ~~ابى بكر الصديق وعامة كتب النبى PageV20P370 كالتى كانت عند آل عمر بن ~~الخطاب وآل علي بن أبى طالب وغيرهما توافق هذا # ومن خالفهم من الكوفيين يستأنف الفريضة بعد ذلك ولا يحصل للخلطة تأثير ~~ومعهم اثار الاستئناف لكن لا تقاوم هذا وان كان ثابتا فهو منسوخ كما نسخ ما ~~روى في البقر انها تزكى بالغنم # ومذهب اهل المدينة ان لا وقص الا في الماشية ففي النقدين ما زاد فبحسبه ~~كما روى ذلك في الآثار وأبو حنيفة يجعل الوقص تابعا للنصاب ففي النقدين ~~عنده لا زكاة في الوقص كما في الماشية واما المعشرات فعنده لا وقص فيها ms6077 ولا ~~نصاب بل يجب العشر في كل قليل وكثير في الخضراوات لكن صاحباه وافقا اهل ~~المدينة لما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( ليس فيما دون خمسة ~~أوسق صدقة وليس فيما دون خمس ذود صدقة ( وبما ثبت عنه من ترك أخذ الصدقة من ~~الخضراوات مع ما روى عنه ( ليس في الخضراوات صدقة ( # ومذهب أهل المدينة ان الركاز الذي قال عنه ( وفى الركاز الخمس ( لا يدخل ~~المعدن بل المعدن تجب فيه الزكاة PageV20P371 كما أخذت من معادن بلال بن ~~الحارث كما ذكر ذلك مالك في موطأه فان الموطأ لمن تدبره وتدبر تراجمه وما ~~فيه من الاثار وترتيبه علم قول من خالفها من أهل العراق فقصد بذلك الترتيب ~~والآثار بيان السنة والرد على من خالفها ومن كان بمذهب أهل المدينة والعراق ~~اعلم كان اعلم بمقدار الموطأ ولهذا كان يقول كتاب جمعته في كذا وكذا سنة ~~تأخذونه في كذا وكذا يوما كيف تفقهون ما فيه أو كلاما يشبه هذا # ومن خالف ذلك من أهل العراق يجعلون الركاز إسما يتناول المعادن ودفن ~~الجاهلية # وكذلك أمور المناسك فان أهل المدينة لا يرون للقارن أن يطوف الا طوافا ~~واحدا ولا يسعى الا سعيا واحدا ومعلوم ان الاحاديث الصحيحة عن النبى كلها ~~توافق هذا القول # ومن صار من الكوفيين إلى أن يطوف أولا ثم يسعى للعمرة ثم يطوف ثانيا ~~ويسعى للحج فمتمسك بآثار منقولة عن علي وبن مسعود وهذا ان صح لا يعارض ~~السنة الصحيحة # فان قيل فأبو حنيفة يرى القران أفضل ومالك يرى الافراد PageV20P372 أفضل ~~وعلماء الحديث لا يرتابون ان النبى صلى الله عليه وسلم كان قارنا كما هو ~~مبسوط في غير هذا الموضع قيل هذه المسائل كثر نزاع الناس فيها واضطرب عليهم ~~ما نقل فيها وما من طائفة الا وقد قالت فيها قولا مرجوحا والتحقيق الثابت ~~بالاحاديث الصحيحة ان النبى لما حج بأصحابه أمرهم ان يحلوا من احرامهم ~~ويجعلوها عمرة الا من ساق الهدى وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد ساق ~~الهدى ms6078 فلما لم يحلل توقفوا فقال ( لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت ~~الهدى ولجعلتها عمرة ( وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العمرة ~~والحج # فالذى تدل عليه السنة ان من لم يسق الهدى فالتمتع أفضل له وأن من ساق ~~الهدى فالقران افضل له هذا اذا جمع بينهما في سفرة واحدة وأما اذا سافر ~~للحج سفرة وللعمرة سفرة فالافراد أفضل له وهذا متفق عليه بين الأئمة ~~الأربعة اتفقوا على ان الافراد أفضل اذا سافر لكل منهما سفرة والقران الذى ~~فعله رسول الله كان بطواف واحد وبسعى واحد لم يقرن بطوافين وسعيين كما يظنه ~~من يظنه من أصحاب ابى حنيفة كما انه لم يفرد الحج كما يظنه من ظنه من أصحاب ~~الشافعي ومالك ولا اعتمر بعد الحج لا هو ولا أحد من أصحابة الاعائشة لأجل ~~عمرتها التى حاضت فيها مع انه قد PageV20P373 صح انه اعتمر أربع عمر احداهن ~~في حجة الوداع ولم يحل النبى من احرامه كما ظنه بعض اصحاب أحمد # ومذهبهم ان المحصر لاقضاء عليه # وهذا أصح من قول الكوفيين فان النبى وأصحابه صدوا عن العمرة عام الحديبية ~~ثم من العام القابل اعتمر النبى وطائفة ممن معه لم يعتمروا وجميع أهل ~~الحديبية كانوا أكثر من الف وأربعمائة وهم الذين بايعوا تحت الشجرة ومنهم ~~من مات قبل عمرة القضية # ومذهبهم انه لا يستحب لأحد بل يكره ان يحرم قبل الميقات المكانى ~~والكوفيون يستحبون الاحرام قبله # وقول أهل المدينة الموافق لسنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين فان النبى ~~صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر قبل حجة الوداع عمرة الحديبية وعمرة ~~القضية وكلاهما احرم فيهما من ذي الحليفة واعتمر عام حنين من الجعرانة ثم ~~حجة الوداع واحرم فيها من ذي الحليفة ولم يحرم من المدينة قط ولم يكن رسول ~~الله ليداوم على ترك الافضل وخلفاؤه PageV20P374 كعمر وعثمان نهوا عن ~~الاحرام قبل الميقات # وقد سئل مالك عن رجل أحرم قبل الميقات فقال أخاف عليه من الفتنة فقال قال ~~تعالى @QB@ فليحذر الذين ms6079 يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة @QE@ فقال السائل ~~وأي فتنة في ذلك وإنما هي زيادة امتثال في طاعة الله تعالى قال واي فتنة ~~أعظم من أن تظن أنك خصصت بفعل لم يفعله رسول الله أو كما قال وكان يقول لن ~~يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها أو كلما جاءنا رجل اجدل من رجل تركنا ~~ما جاء به جبريل إلى محمد بجدل هذا # ومذهب أهل المدينة ان وطىء بعد التعريف قبل التحلل فسد حجه ومن وطىء بعد ~~التحلل الأول فعليه عمرة وهذا هو المأثور عن الصحابة دون قول من قال ان ~~الوطء بعد التعريف لا يفسد وقول من قال ان الوطء بعد التحلل الأول لا يوجب ~~احراما ثانيا واتبع مالك في ذلك قول بن عباس وذكره في موطأه لكن لم يسم من ~~نقله فيه عن بن عباس إذ الراوي له عكرمة لما بلغه فيه عن بن عمر وسعد وان ~~كان الذي اتمه توثيق عكرمة ولهذا روى له البخاري # فان قيل قد خالف حديث ضباعة بنت الزبير في اشتراطها PageV20P375 التحلل ~~إذا حبسها حابس وحديث عائشة في تطييب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~إحرامه وقبل طوافه بالبيت وحديث بن عباس في أنه مازال يلبى حتى رمى جمرة ~~العقبة وغير ذلك # قيل إذا قيس هذا بما خالفه غيره من الكوفيين ونحوه كان ذلك اكثر مع أنه ~~في مثل هذه المسائل اتبع فيها آثارا عن عمر بن الخطاب وبن عمر وغيرهما وإن ~~كان الصواب عند تنازع الصحابة الرد إلى سنة رسول الله لكن من لم تبلغه بعض ~~السنة فاتبع عمر وبن عمر ونحوهما كان ارجح مما خفي عنه اكثر مما خفي عن أهل ~~المدينة النبوية ولم يكن له سلف مثل سلف أهل المدينة # ومن ذلك حرم المدينة النبوية فان الأحاديث قد تواترت عن النبى من غير وجه ~~باثبات حرمها بل صح عنه أيضا أنه جعل جزاء من عضد بها شجرا ان سلبه لواجده ~~ومذهب أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد أنها ms6080 حرام أيضا وان كان لهم ~~في جزاء الصيد نزاع ومن خالف في ذلك من الكوفيين لم تبلغه هذه السنن ولكن ~~بعض اتباعهم أخذ يعارض ذلك بمثل حديث ابى عمير وحديث الوحش وهذه لو كانت ~~تقاوم ذلك في الصحة لم يجز أن تعارض بها لكن تلك متواترات وحديث ابى عمير ~~محمول على ان PageV20P376 الصيد صيد خارج المدينة ثم ادخل اليها وكذلك حديث ~~الوحش ان صح # وان قدر انهما متعارضان فكان مثل تحريم المدينة لان احاديث الحرم رواها ~~أبو هريرة ونحوه ممن صحبته متأخرة واما دخول النبى عند أبى طلحة فكان من ~~اوائل الهجرة أو انه إذا تعارض نصان احدهما ناقل عن الأصل والآخر ناف مبق ~~لحكم الأصل كان الناقل اولى لانه إذا قدم الناقل لم يلزم تعيين الحكم الا ~~مرة واحدة وإذا قدم المبقى تغير الحكم مرتين فلو قيل ان حديث ابى عمير بعد ~~أحاديث تحريم المدينة لكان قد حرمه ثم أحله واذا قدر انه كان قبل ذلك لم ~~يلزم الا كونه قد حرمه بعد التحليل وهذا لا ريب فيه والله اعلم ### ||| فصل # واما المناكح فلا ريب ان مذهب اهل المدينة في بطلان نكاح المحلل ونكاح ~~الشغار اتبع للسنة ممن لم يبطل ذلك من اهل العراق فانه قد ثبت عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم انه لعن المحلل والمحلل له PageV20P377 وثبت عن أصحابه كعمر ~~وعثمان وعلي وبن مسعود وبن عمر وبن عباس انهم نهوا عن التحليل لم يعرف عن ~~أحد منهم الرخصة في ذلك وهذا موافق لأصول أهل المدينة فان من أصولهم أن ~~القصود في العقود معتبرة كما يجعلون الشرط المتقدم كالشرط المقارن ويجعلون ~~الشرط العرفى كالشرط اللفظي ولأجل هذه الأصول أبطلوا نكاح المحلل وخلع ~~اليمين الذي يفعل حيلة لفعل المحلوف عليه وابطلوا الحيل التى يستحل بها ~~الربا وأمثال ذلك # ومن نازعهم في ذلك من الكوفيين ومن وافقهم الغى النيات في هذه الأعمال ~~وجعل القصد الحسن كالقصد السيء وسوغ اظهار أعمال لا حقيقة لها ولا قصد بل ~~هي نوع من النفاق ms6081 والمكر كما قال أيوب السختيانى يخادعون الله كما يخادعون ~~الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان اهون عليهم # والبخاري قد أورد في صحيحه كتابا في الرد على أهل الحيل وما زال سلف ~~الأمة وائمتها ينكرون على من فعل ذلك كما بسطناه في الكتاب المفرد # ونكاح الشغار قد ثبت عن النبى من غير PageV20P378 وجه النهى عنه ولكن من ~~صححه من الكوفيين رأي أنه لا محذور فيه إلا عدم اعلام المهر والنكاح يصح ~~بدون تسمية المهر ولهذا كان المبطلون له لهم مأخذان # أحدهما ان مأخذه جعل بضع كل واحدة مهر الاخرى فيلزم التشريك في البضع كما ~~يقول ذلك الشافعي وكثير من أصحاب أحمد وهؤلاء منهم طائفة يبطلونه إلا أن ~~يسمى مهرا لأنه مع تسميته انتفى التشريك في البضع ومنهم من لايبطله إلا ~~بقول وبضع كل واحدة مهر للاخرى لكونه إذا لم يقل ذلك لم يتعين جعل البضع ~~مهرا ومنهم من يبطله مطلقا كما جاء عنه بذلك حديث مصرح به في السنن وهذه ~~الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره # والمأخذ الثاني أن بطلانه لاشتراط عدم المهر وفرق بين السكوت عن تسمية ~~المهر وبين اشتراط المهر فان هذا النكاح من خصائص النبى وعلى هذا فلو سمى ~~المهر بما يعلمان تحريمه كخمر وخنزير بطل النكاح كما يقول ذلك من يقوله من ~~أصحاب مالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد وهو اشبه بظاهر القرآن واشبه ~~بقياس الأصول # وكذلك نكاح الحامل أو المعتدة من الزنى باطل في مذهب مالك PageV20P379 ~~وهو أشبه بالآثار والقياس لئلا يختلط الماء الحلال بالحرام وقد خالفه أبو ~~حنيفة فجوز العقد دون الوطء والشافعي جوزهما # وأحمد وافقه وزاد عليه فلم يجوز نكاح الزانية حتى تتوب لدلالة القرآن ~~والأحاديث على تحريم نكاح الزانية وأما من ادعى أن ذلك منسوخ وأن المراد به ~~الوطء ففساد قوله ظاهر من وجوه متعددة # وكذلك مسألة تداخل العدتين من رجلين كالتى تزوجت في عدتها أوالتى وطئت ~~بشبهة فان مذهب مالك أن العدتين لا يتداخلان بل تعتد لكل واحد منهما وهذا ms6082 ~~هو المأثور عن عمر وعلي رضي الله عنهما وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ~~قال بتداخلهما # وكذلك مسألة اصابة الزوج الثاني هل تهدم ما دون الثلاث وهو الذى يطلق ~~امرأته طلقة أو طلقتين ثم تتزوج من يصيبها ثم تعود إلى الأول فانها تعود ~~على ما بقى عند مالك وهو قول الاكابر من الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله ~~وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وإنما قال لا تعود على ما بقى بن ~~عمر وبن عباس وهو قول أبى حنيفة PageV20P380 # وكذلك في الايلاء مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث وغيرهم أنه عند انقضاء ~~أربعة أشهر يوقف إما أن يفي وإما أن يطلق وهذا هو المأثور عن بضعة عشر من ~~الصحابة وقد دل عليه القرآن والأصول من غير وجه وقول الكوفيين أن عزم ~~الطلاق انقضاء العدة فاذا انقضت ولم يف طلقت وغاية ما يروى ذلك عن بن مسعود ~~ان صح عنه # ومسألة الرجعة بالفعل كما إذا طلقها فهل يكون الوطء رجعة فيه ثلاثة أقوال ~~احدها يكون رجعة كقول أبى حنيفة والثانى لا يكون كقول الشافعي والثالث يكون ~~رجعة مع النية وهو المشهور عند مالك وهو اعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد ### ||| فصل # وأما العقوبات والأحكام فمذهب أهل المدينة أرجح من مذهب أهل الكوفة من ~~وجوه # أحدها أنهم يوجبون القود في القتل بالمثقل كما جاءت بذلك السنة وكما تدل ~~عليه الأصول بل بالغ مالك حتى أنكر الخطأ شبه PageV20P381 العمد وخالفه ~~غيره في ذلك لهجر الشبه لكنه في الحقيقة نوع من الخطأ امتاز بمزيد حكم فليس ~~هو قسما من الخطأ المذكور في القرآن # ومن ذلك مسألة قتل المسلم بالكافر والذمي والحر بالعبد للناس فيه ثلاثة ~~أقوال أحدها يقتل به بكل حال كقول أبي حنيفة وأصحابه والثانى لايقتل به ~~بحال كقول الشافعي وأحمد في أحد القولين والثالث لا يقتل به إلا في ~~المحاربة فان القتل فيها حد لعموم المصلحة فلا تتعين فيه المكافأة بل يقتل ~~فيه الحر وان كان المقتول عبدا والمسلم وان كان المقتول ذميا ms6083 وهذا قول أهل ~~المدينة والقول الآخر لأحمد وهو أعدل الأقوال وفيه جمع بين الآثار المنقولة ~~في هذا الباب أيضا # ومذهب مالك في المحاربين وغيرهم اجراء الحكم على الردء والمباشر كما اتفق ~~الناس على مثل ذلك في الجهاد ومن نازعه في هذا سلم ان المشتركين في القتل ~~يجب عليهم القود فانه متفق عليه من مذهب الأئمة كما قال عمر لو تمالأ أهل ~~صنعاء لقتلتهم به فان كانوا كلهم مباشرين فلا نزاع وان كان بعضهم غير مباشر ~~لكنه متسبب سببا يفضى إلى القتل غالبا كالمكره وشاهد الزور اذا رجع والحاكم ~~الجائر اذا رجع فقد سلم له الجمهور على ان القود يجب على هؤلاء كما قال على ~~رضى الله عنه في الرجلين اللذين شهدا على رجل انه سرق PageV20P382 فقطع يده ~~ثم رجعا وقالا اخطأنا قال ( لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما ( فدل على ~~قطع الايدى باليد وعلى وجوب القود على شاهد الزور # والكوفيون يخالفون في هذين وعمر بن الخطاب رضى الله عنه جعل رقبة ~~المحاربين بينهم ومعلوم أن قول من جعل المتعاونين على الاثم والعدوان ~~مشتركين في العقوبة اشبه بالكتاب والسنة لفظا ومعنى ممن لم يوجب العقوبة ~~الا على نفس المباشر # ومن ذلك اهل المدينة يتبعون ما خطب به عمر بن الخطاب على منبر رسول الله ~~حيث قال الرجم في كتاب الله حق على كل من زنا من الرجال والنساء إذا أحصن ~~وقامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف وكذلك يحدون في الخمر بما اذا وجد ~~سكرانا أو تقيأ أو وجدت منه الرائحة ولم يكن هناك شبهة وهذا هو الماثور عن ~~النبى وخلفائه الراشدين كعمر وعثمان وعلى # وابو حنيفة والشافعى لا يرون الحد إلا باقرار أو بينة على الفعل وزعموا ~~ان ذلك شبهة وعن أحمد روايتان # ومعلوم أن الاول اشبه لسنة رسول الله PageV20P383 وسنة خلفائه الراشدين ~~وهو حفظ لحدود الله تعالى التى امر الله بحفظها والشبهة في هذا كالشبهة في ~~البينة والاقرار الذى يحتمل الكذب والخطأ # ومن ذلك أن أهل المدينة يرون ( العقوبات ms6084 المالية ) مشروعة حيث مضت بها ~~سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين كما ان العقوبات البدنية مشروعة حيث ~~مضت بها السنة وقد انكر العقوبات المالية من انكرها من اهل الكوفة ومن ~~اتبعهم وادعوا أنها منسوخة ومن أين ياتون على نسخها بحجة وهذا يفعلونه ~~كثيرا اذا رأوا حديثا صحيحا يخالف قولهم واما علماء اهل المدينة وعلماء ~~الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية كما جاءت بالعقوبات ~~البدنية مثل كسر دنان الخمر وشق ظروفها وتحريق حانوت الخمار كما صنع موسى ~~بالعجل وصنع النبى بالاصنام وكما امر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق ~~الثوبين المعصفرين وكما امرهم عليه السلام بكسر القدور التى فيها لحم الحمر ~~ثم اذن لهم في غسلها وكما ضعف القود على من سرق من غير الحرز وفى حديث عبد ~~الله بن عمر بن الخطاب غرم الضالة المكتومة وضعف ثمن دية الذمى المقتول ~~عمدا # وكذلك مذهبهم في ( العقود والديات ( من أصح المذاهب فمن PageV20P384 ذلك ~~دية الذمى فمن الناس من قال ديته كدية المسلم كقول ابى حنيفة ومنهم من قال ~~ديته ثلث دية المسلم لانه أقل ما قيل كما قاله الشافعى والقول الثالث ان ~~ديته نصف دية المسلم وهذا مذهب مالك وهو أصح الأقوال لان هذا هو الماثور عن ~~النبى كما رواه أهل السنن أبو داود وغيره عن النبى # ومن ذلك العاقلة تحمل جميع الدية كما يقول الشافعى أو تحمل المقدرات كدية ~~الموضحة والاصابع فما فوقها كما يقوله أبو حنيفة أو تحمل ما زاد على الثلث ~~وهو مذهب مالك وهذا الثالث هو الماثور وهو مذهب أحمد وفي الثلث قولان في ~~مذهب مالك واحمد # ويذكر انه تناظر مدنى وكوفى فقال المدنى للكوفى قد بورك لكم في الربع كما ~~تقول يمسح ربع الرأس ويعفى عن النجاسة المخففة عن ربع المحل وكما تقولونه ~~في غير ذلك فقال له الكوفى وأنتم بورك لكم في الثلث كما تقولون اذا نذر ~~صدقة ماله اجزأه الثلث وكما تقولون العاقلة تحمل ما فوق الثلث وعقل المراة ~~كعقل الرجل إلى ms6085 الثلث فاذا زادت كانت على النصف وأمثال ذلك # وهذا صحيح ولكن يقال للكوفى ليس في الربع أصل لا PageV20P385 في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله وانما قالوا الانسان له أربع جوانب ويقال رأيت الانسان ~~اذا رأيت أحد جوانبه وهى أربعة فيقام الربع مقام الجميع واما الثلث فله اصل ~~في غير موضع من سنة رسول الله فانه قد ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق المسلمين ~~ان المريض له ان يوصى بثلث ماله لا اكثر كما أمر به النبى سعد بن أبى وقاص ~~لما عاده في حجة الوداع وكما ثبت في الصحيح في الذى أعتق ستة مملوكين له ~~عند موته فجزاهم النبى ثلاثة اجزاء فاعتق اثنين وارق اربعة وكما روى انه ~~قال لابى لبابة ( يجزيك الثلث ( وكما في غير ذلك فاين هذا من هذا # وما في هذا الحديث يقول ( به ) اهل المدينة والقرعة فيها آية من كتاب ~~الله وستة احاديث عن النبى منها هذا الحديث # ومنها قوله ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول ولم يجدوا الا ان ~~يستهموا عليه ( ومنها ( اذا اراد سفرا أقرع بين نسائه فايتهن خرج سهمها خرج ~~بها معه ( ومنها ان الانصار كانوا يستهمون على المهاجرين لما هاجروا اليهم ~~ومنها في المتداعيين اللذين أمرهما النبى ان يستهما على اليمين حبا أم كرها ~~ومنها في اللذين PageV20P386 اختصما في مواريث درست فقال لهما ( توخيا الحق ~~واستهما وليحلل كل منكما صاحبه ( # والقرعة يقول بها أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي واحمد وغيرهما ومن ~~خالفهم من الكوفيين لا يقول بها بل نقل عن بعضهم انه قال القرعة قمار ~~وجعلوها من الميسر والفرق بين القرعة التى سنها رسول الله وبين الميسر الذي ~~حرمه ظاهر بين فان القرعة انما تكون مع استواء الحقوق وعدم امكان تعيين ~~واحد وعلى نوعين # احدهما ان لا يكون المستحق معينا كالمشتركين اذا عدم المقسوم فيعين لكل ~~واحد بالقرعة وكالعبيد الذين جزأهم النبى ثلاثة اجزاء وكالنساء اللاتي يريد ~~السفر بواحدة منهن فهذا لانزاع بين القائلين بالقرعة انه يقرع فيه # والثانى ما يكون المعين ms6086 مستحقا في الباطن كقصة يونس والمتداعيين وكالقرعة ~~فيما اذا اعتق واحدا بعينه ثم انسيه وفيما اذا طلق امراة من نسائه ثم ~~انسيها أو مات أو نحو ذلك فهذه القرعة فيها نزاع واحمد يجوز ذلك دون ~~الشافعي PageV20P387 ### ||| فصل # ومذهبهم في الاحكام انهم يرجحون جانب اقوى المتداعيين ويجعلون اليمين في ~~جانبه فيقضون بالشاهد ويمين الطالب في الحقوق وفى القسامة يبدءون بتحليف ~~المدعين فان حلفوا خمسين يمينا استحقوا الدم والكوفيون يرون أنه لا يحلف ~~الا المدعى عليه فلا يحلفون المدعى لا في قسامة ولا في غيرها ولا يقضون ~~بشاهد ويمين ولا يرون اليمين على المدعى # ومعلوم أن سنة النبى الصحيحة توافق مذهب المدنيين فان حديث القسامة صحيح ~~ثابت فيه وقد قال النبى للانصار ( تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم ) ~~وكان الشافعى ونحوه من أهل العراق اذا ناظروا علماء اهل المدينة كابى ~~الزناد وغيره في القسامة واحتج عليهما اهل المدينة بالسنة التى لا مندوحة ~~لاحد عن قبولها ويقولون لهم ان السنة ووجوه الحق لتأتى على خلاف الرأى فلا ~~يجد المسلمون بدا من قبولها في كلام طويل مروى باسناد PageV20P388 # وكذلك ( مسالة الحكم بشاهد ويمين ) فيها أحاديث في الصحيح والسنن كحديث ~~بن عباس الذى رواه مسلم وكحديث ابى هريرة وغيره مما رواه أبو داود لما قال ~~بعض العلماء نرى ان من حكم بشاهد ويمين نقض حكمه انتصر لهذه السنة العلماء ~~كمالك والشافعى واحمد بن حنبل وابى عبيد وغيرهم فمالك بحث فيها في موطئه ~~بحثا لا يعد له نظير في الموطأ والشافعى في الام بحث فيها نحو عشر اوراق ~~وكذلك أبو عبيد في كتاب القضاء # وليس مع الكوفيين الا ما يروونه من قوله ( البينة على من ادعى واليمين ~~على من أنكر ) وهذا اللفظ ليس في السنن وان كان قد رواه بعض المصنفين في ~~الاحاديث ولكن في الصحيح حديث بن عباس عن النبى انه قال لو يعطى الناس ~~بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ) وهذا ~~اللفظ اما ان يقال لا عموم فيه بل ms6087 اللام لتعريف المعهود وهو المدعى عليه اذ ~~ليس مع المدعى الا مجرد الدعوى كما قال لو يعطى الناس بدعواهم ومن يحلف ~~المدعى لا يحلفه مع مجرد الدعوى بل انما يحلفه اذا قامت حجة يرجح بها جانبه ~~كالشاهد في الحقوق والارث في القسامة ان قيل هو عام فالخاص يقضى على العام # واحتجاجهم بما في القرآن من ذكر الشاهدين والرجل والمرأتين PageV20P389 ~~ضعيف جدا فان هذا انما هو مذكور في تحمل الشهادة دون الحكم بها ولو كان في ~~الحكم فالحكم بالشهادة المجردة لم يفتقر إلى ذلك ومن حلف مع الشاهد لم يحكم ~~بشهادة غير الشهادة المذكورة في القرآن # ثم الائمة متفقون على انه يحكم بلا شهادة أصلا بل بالنكول أو الرد وانه ~~يحكم بشهادة النساء منفردات في مواضع فكيف يحكم مع ان هذا ليس بمخالف ~~للقرآن فكيف باليمين مع الشاهد # ثم مالك يوجب القود في القسامة ويقيم الحد على المرأة اذا التعن الرجل ~~ولم تلتعن المرأة والشافعى يقيم الحد ولا يقتل من القسامة وأبو حنيفة يخالف ~~في المسألتين واحمد يوافق على القود بالقسامة دون حد المراة بل يحبسها اذا ~~لم تلتعن ويخليها وظاهر الكتاب والسنة يوافق قول مالك # ومن ذلك أهل المدينة يرون قتل اللوطى الفاعل والمفعول به محصنين كانا أو ~~غير محصنين وهذا هو الذى دلت عليه السنة واتفاق الصحابة وهو أحد القولين في ~~مذهب الشافعى واحمد ومن قال لا قتل عليه من الكوفيين فلا سنة معه ولا اثر ~~عن الصحابة وقد قال ربيعة للكوفى الذى ناظره ايجعل مالا يحل بحال كما يباح ~~بحال PageV20P390 دون حال وذكر الزهري ان السنة مضت بذلك # ومن ذلك ان الدعوى في التهم كالسرقة والقتل يراعون فيها حال المتهم هل هو ~~من اهل التهم أم ليس من اهل ذلك ويرون عقوبة من ظهرت التهمة في حقه وقد ذكر ~~ذلك من صنف في الاحكام السلطانية من اصحاب الشافعى واحمد ذكروا في عقوبة ~~مثل هذا هل يعاقبه الوالى والقاضى أم يعاقبه الوالى قولان وكما يجب ان يعرف ~~ان امر ms6088 الله تعالى ورسوله متناول لكل من حكم بين الناس سواء كان واليا أو ~~قاضيا أو غير ذلك فمن فرق بين هذا وهذا بما يتعلق بأمر الله ورسوله فقد غلط ~~واما من فرق بينهما بما يتعلق بالولاية لكون هذا ولى على مثل ذلك دون هذا ~~فهذا متوجه # وهذا كما يوجد في كثير من خطاب بعض إتباع الكوفيين وفى تصانيفهم اذا احتج ~~عليهم محتج بمن قتله النبى صلى الله عليه وسلم أو امر بقتله كقتله اليهودى ~~الذى رض راس الجارية وكاهداره لدم السابة التى سبته وكانت معاهدة وكأمره ~~بقتل اللوطى ونحو ذلك قالوا هذا يعمله سياسة فيقال لهم هذه السياسة ان قلتم ~~هي مشروعة لنا فهي حق وهى سياسة شرعية وان قلتم ليست مشروعة لنا فهذه ~~مخالفة للسنه ثم قول القائل بعد هذا سياسة اما ان يريد ان الناس ~~PageV20P391 يساسون بشريعة الاسلام أم هذه السياسة من غير شريعة الاسلام ~~فان قيل بالاول فذلك من الدين وان قيل بالثاني فهو الخطأ # ولكن منشأ هذا الخطأ ان مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول ~~الله وسياسة خلفائه الراشدين وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال ان بنى اسرائيل ~~كانت تسوسهم الأنبياء كلما مات نبى قام نبى وانه لا نبى بعدى وسيكون خلفاء ~~يكثرون قالوا فما تأمرنا قال ( اوفوا بيعة الأول فالأول واعطوهم حقهم فان ~~الله سائلهم عما استرعاهم ( فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى ~~سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ولم يكن ما معهم من ~~العلم كافيا في السياسة العادلة احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم ~~وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع وتعاظم الامر في كثير من امصار المسلمين ~~حتى صار يقال الشرع والسياسة وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى ~~السياسة سوغ حاكما ان يحكم بالشرع والآخر بالسياسة # والسبب في ذلك ان الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة فصارت ~~امور كثيرة اذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود حتى تسفك الدماء وتؤخذ ~~الاموال وتستباح ms6089 المحرمات والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من ~~الرأى من غير اعتصام PageV20P392 بالكتاب والسنة وخيرهم الذي يحكم بلا هوى ~~وتحرى العدل وكثير منهم يحكمون بالهوى ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو # ذلك وكذلك كانت الامصار التى ظهر فيها مذهب اهل المدينة يكون فيها من ~~الحكم بالعدل ما ليس في غيرها من جعل صاحب الحرب متبعا لصاحب الكتاب مالا ~~يكون في الامصار التى ظهر فيها مذهب اهل العراق ومن اتبعهم حيث يكون في هذه ~~والى الحرب غير متبع لصاحب العلم وقد قال الله تعالى في كتابه @QB@ لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم @QE@ الاية فقوام الدين بكتاب يهدى ~~وسيف ينصر @QB@ وكفى بربك هاديا ونصيرا @QE@ # ودين الاسلام ان يكون السيف تابعا للكتاب فاذا ظهر العلم بالكتاب والسنة ~~وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الاسلام قائما واهل المدينة أولى الامصار ~~بمثل ذلك اما على عهد الخلفاء الراشدين فكان الامر كذلك وأما بعدهم فهم في ~~ذلك أرجح من غيرهم واما اذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير وكان السيف تارة ~~يوافق الكتاب وتارة يخالفه كان دين من هو كذلك بحسب ذلك # وهذه الأمور من اهتدى إليها وإلى أمثالها تبين له ان أصول أهل المدينة ~~أصح من أصول أهل المشرق بما لا نسبة بينهما PageV20P393 # ومن ذلك ان القتال في الفتنة الكبرى كان الصحابة فيها ثلاث فرق فرقة ~~قاتلت من هذه الناحية وفرقة قاتلت من هذه الناحية وفرقة قعدت والفقهاء ~~اليوم على قولين منهم من يرى القتال من ناحية علي مثل أكثر المصنفين لقتال ~~البغاة ومنهم من يرى الامساك وهو المشهور من قول أهل المدينة وأهل الحديث ~~والاحاديث الثابتة الصحيحة عن النبى في أمر هذه الفتنة توافق قول هؤلاء ~~ولهذا كان المصنفون لعقائد اهل السنة والجماعة يذكرون فيه ترك القتال في ~~الفتنة والامساك عما شجر بين الصحابة # ثم ان أهل المدينة يرون قتال من خرج عن الشريعة كالحرورية وغيرهم ويفرقون ~~بين هذا وبين القتال في الفتنة وهو مذهب فقهاء الحديث وهذا هو الموافق لسنة ~~رسول الله وسنة خلفائه ms6090 الراشدين فانه قد ثبت عنه الحديث في الخوارج من عشرة ~~اوجه خرجها مسلم في صحيحه وخرج البخارى بعضها وقال فيه ( يحقر احدكم صلاته ~~مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقراون القران لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم فان في قتلهم اجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ( وقد ثبت ~~اتفاق الصحابة على PageV20P394 # قتالهم وقاتلهم أمير المؤمنين على بن ابى طالب رضي الله عنه وذكر فيهم ~~سنة رسول الله المتضمنة لقتالهم وفرح بقتلهم وسجد لله شكرا لما رأى اباهم ~~مقتولا وهو ذو الثدية بخلاف ما جرى يوم الجمل وصفين فان عليا لم يفرح بذلك ~~بل ظهر منه من التالم والندم ما ظهر ولم يذكر عن النبى في ذلك سنة بل ذكر ~~انه قاتل باجتهاده # فأهل المدينة اتبعوا السنة في قتال المارقين من الشريعة وترك القتال في ~~الفتنة وعلى ذلك ائمة أهل الحديث بخلاف من سوى بين قتال هؤلاء وهؤلاء بل ~~سوى بين قتال هؤلاء وقتال الصديق لما نعي الزكاة فجعل جميع هؤلاء من باب ~~البغاة كما فعل ذلك من فعله من المصنفين في قتال اهل البغى فان هذا جمع بين ~~ما فرق الله بينهما # وأهل المدينة والسنة فرقوا بين ما فرق الله بينه واتبعوا النص الصحيح ~~والقياس المستقيم العادل فان القياس الصحيح من العدل وهو التسوية بين ~~المتماثلين والتفريق بين المتخالفين وأهل المدينة احق الناس باتباع النص ~~الصحيح والقياس العادل # وهذا باب يطول استقصاؤه وقد ذكرنا من ذلك ما شاء الله PageV20P395 من ~~القواعد الكبار في القواعد الفقهية وغير ذلك وانما هذا جواب فتيا نبهنا فيه ~~تنبيها على جمل يعرف بها بعض فضائل اهل المدينة النبوية فان معرفة هذا من ~~الدين لاسيما اذا جهل الناس مقدار علمهم ودينهم فبيان هذا يشبه بيان علم ~~الصحابة ودينهم اذا جهل ذلك من جهله فكما ان بيان السنة وفضائل الصحابة ~~وتقديمهم الصديق والفاروق من اعظم امور الدين عند ظهور بدع الرافضة ونحوهم ~~فكذلك بيان السنة ومذاهب ms6091 اهل المدينة وترجيح ذلك على غيرها من مذاهب اهل ~~الامصار اعظم امور الدين عند ظهور بدع الجهال المتبعين للظن وما تهوى ~~الانفس والله أعلم # والله تعالى يوفقنا وسائر اخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه والحمد لله ~~رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم PageV20P396 # وقال ### ||| فصل # وأما ( نسخ القرآن بالسنة ( فهذا لا يجوزه الشافعى ولا أحمد في المشهور ~~عنه ويجوزه في الرواية الاخرى وهو قول أصحاب أبى حنيفة وغيرهم وقد احتجوا ~~على ذلك بان الوصية للوالدين والاقربين نسخها قوله ( إن الله أعطى كل ذى حق ~~حقه فلا وصية لوارث ) وهذا غلط فان ذلك انما نسخه آية المواريث كما اتفق ~~على ذلك السلف فانه لما قال بعد ذكر الفرائض ( تلك حدود الله ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ~~ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) ~~فلما ذكر ان الفرائض المقدرة حدوده ونهى عن تعديها كان في ذلك بيان انه لا ~~يجوز ان يزاد أحد على ما فرض الله له وهذا معنى قول النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( ان الله قد اعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث ( والا فهذا الحديث ~~وحده انما رواه أبو داود ونحوه من أهل السنن ليس PageV20P397 في الصحيحين ~~ولو كان من اخبار الآحاد لم يجز ان يجعل مجرد خبر غير معلوم الصحة ناسخا ~~للقرآن # وبالجملة فلم يثبت ان شيئا من القرآن نسخ بسنة بلا قرآن وقد ذكروا من ذلك ~~قوله تعالى @QB@ فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا @QE@ وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبى انه قال ( خذوا عنى خذوا عنى قد ~~جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد ~~مائة والرجم ( # وهذه الحجة ضعيفة لوجهين # احدهما ان هذا ليس من النسخ المتنازع فيه فان الله مد الحكم إلى غاية ~~والنبى صلى الله عليه وسلم بين تلك الغاية لكن الغاية ms6092 هنا مجهولة فصار هذا ~~يقال انه نسخ بخلاف الغاية البينة في نفس الخطاب كقوله ( ثم اتموا الصيام ~~إلى الليل ) فان هذا لا يسمى نسخا بلا ريب # الوجه الثانى ان جلد الزانى ثابت بنص القرآن وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه ~~قرآن يتلى ثم نسخ لفظه وبقى حكمه وهو PageV20P398 قوله ( والشيخ والشيخة ~~اذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) وقد ثبت الرجم ~~بالسنة المتواترة واجماع الصحابة # وبهذا يحصل الجواب عما يدعى من نسخ قوله @QB@ واللاتي يأتين الفاحشة من ~~نسائكم @QE@ الآية فان هذا ان قدر انه منسوخ فقد نسخه قرآن جاء بعده ثم نسخ ~~لفظه وبقى حكمه منقولا بالتواتر وليس هذا من موارد النزاع فان الشافعى ~~واحمد وسائر الائمة يوجبون العمل بالسنة المتواترة المحكمة وان تضمنت نسخا ~~لبعض آى القرآن لكن يقولون انما نسخ القرآن بالقرآن لابمجرد السنة ويحتجون ~~بقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ~~ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله لم ينسخه إلا بقرآن PageV20P399 ### || 1 ( الحقيقة والمجاز ) 1 # وقال شيخ الاسلام # تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه ! 8 < فصل # قال أبو الحسن الامدى في أحكامه ( المسألة الثانية ( اختلف الأصوليون في ~~اشتمال اللغة على الأسماء المجازية فنفاه الاستاذ أبو إسحاق ومن تابعه يعنى ~~أبا إسحاق الاسفرائيني واثبته الباقون وهو الحق # قلت الكلام في شيئين # أحدهما في تحرير هذا النقل والثانى في النظر في أدلة القولين # أما الاول فيقال ان اراد بالباقين من الأصوليين كل من تكلم في ~~PageV20P400 أصول الفقه من السلف والخلف فليس الامر كذلك فان الكلام في ~~أصول الفقه وتقسيمها إلى الكتاب والسنة والاجماع واجتهاد الراى والكلام في ~~وجه دلالة الادلة الشرعية على الاحكام امر معروف من زمن اصحاب محمد ~~والتابعين لهم باحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين وهم كانوا اقعد بهذا الفن ~~وغيره من فنون العلم الدينية ممن بعدهم وقد كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~إلى شريح اقض بما في كتاب الله فان ms6093 لم يكن فبما في سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فان لم يكن فبما اجتمع عليه الناس وفى لفظ فبما قضى به الصالحون ~~فان لم تجد فان شئت ان تجتهد رايك وكذلك قال بن مسعود وبن عباس وحديث معاذ ~~من أشهر الأحاديث عند الأصوليين # وان كان مقصوده بالاصولي من يعرف ( أصول الفقه ( وهى ادلة الاحكام ~~الشرعية على طريق الاجمال بحيث يميز بين الدليل الشرعى وبين غيره ويعرف ~~مراتب الادلة فيقدم الراجح منها وهذا هو موضوع اصول الفقه فان موضوعه معرفة ~~الدليل الشرعى ومرتبته فكل مجتهد في الاسلام فهو اصولى اذ معرفة الدليل ~~الشرعى ومرتبته بعض ما يعرفه المجتهد ولا يكفي في كونه مجتهدا ان يعرف جنس ~~الادلة بل لابد ان يعرف اعيان الادلة ومن عرف أعيانها وميز بين اعيان ~~PageV20P401 الادلة الشرعية وبين غيرها كان بجنسها أعرف كمن يعرف ان يميز ~~بين أشخاص الانسان وغيرها فالتمييز بين نوعها لازم لذلك اذ يمتنع تمييز ~~الاشخاص بدون تمييز الأنواع # وأيضا فالأصوليون يذكرون في مسائل أصول الفقه مذاهب المجتهدين كمالك ~~والشافعى والأوزاعي وابى حنيفة واحمد بن حنبل وداود ومذهب أتباعهم بل هؤلاء ~~ونحوهم هم أحق الناس بمعرفة اصول الفقه اذ كانوا يعرفونها بأعيانها ~~ويستعملون الاصول في الاستدلال على الاحكام بخلاف الذين يجردون الكلام في ~~أصول مقدرة بعضها وجد وبعضها لا يوجد من غير معرفة أعيانها فان هؤلاء لو ~~كان ما يقولونه حقا فهو قليل المنفعة أو عديمها اذ كان تكلما في ادلة مقدرة ~~في الاذهان لا تحقق لها في الأعيان كمن يتكلم في الفقه فيما يقدره من افعال ~~العباد وهو لا يعرف حكم الافعال المحققة منه فكيف وأكثر ما يتكلمون به من ~~هذه المقدرات فهو كلام باطل # واذا كان أسم الاصوليين يتناول المجتهدين المشهورين المتبوعين كالأئمة ~~الأربعة والثورى والاوزاعى والليث بن سعد واسحاق بن راهويه وغيرهم وان كان ~~مقصود الاصوليين من جرد الكلام في أصول الفقه عن الادلة المعينة كما فعله ~~الشافعى واحمد بن حنبل ومن بعدهما وكما فعله عيسى بن ابان ونحوه ms6094 وكما فعله ~~المصنفون في اصول PageV20P402 الفقه من الفقهاء والمتكلمين فمعلوم أن أول ~~من عرف انه جرد الكلام في أصول الفقه هو الشافعى وهو لم يقسم الكلام إلى ~~حقيقة ومجاز بل لا يعرف في كلامه مع كثرة استدلاله وتوسعه ومعرفته الادلة ~~الشرعية انه سمى شيئا منه مجازا ولا ذكر في شيء من كتبه ذلك لا في الرساله ~~ولا في غيرها # وحينئذ فمن اعتقد ان المجتهدين المشهورين وغيرهم من أئمة الاسلام وعلماء ~~السلف قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز كما فعله طائفة من المتاخرين كان ذلك ~~من جهله وقلة معرفته بكلام ائمة الدين وسلف المسلمين كما قد يظن طائفة اخرى ~~ان هذا مما اخذ من الكلام العربى توقيفا وانهم قالوا هذا حقيقة وهذا مجاز ~~كما ظن ذلك طائفة من المتكلمين في أصول الفقه وكان هذا من جهلهم بكلام ~~العرب كما سياتى الكلام عليه ان شاء الله تعالى وكما يظن بعضهم ان ما يوجد ~~في كلام بعض المتاخرين كالرازى والامدي وبن الحاجب هو مذهب الائمة ~~المشهورين واتباعهم ولا يعرف ما ذكره اصحاب الشافعى ومالك وابى حنيفة واحمد ~~وغيرهم من اصول الفقه الموافق لطريق ائمتهم فهذا ايضا من جهله وقلة علمه # وان قال الناقل عن كثير من الاصوليين مرادى بذلك اكثر المصنفين في اصول ~~الفقه من اهل الكلام والراى كالمعتزلة والاشعرية وأصحاب PageV20P403 الأئمة ~~الأربعة فان اكثر هؤلاء قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز # قيل له لا ريب ان هذا التقسيم موجود في كتب المعتزلة ومن اخذ عنهم ~~وشابههم واكثر هؤلاء ذكروا هذا التقسيم وأما من لم يكن كذلك فليس الأمر في ~~حقه كذلك # ثم يقال ليس في هؤلاء أمام من أئمة المسلمين الذين اشتغلوا بتلقى الاحكام ~~من أدلة الشرع ولهذا لا يذكر أحد من هؤلاء في الكتب التى يحكى فيها اقوال ~~المجتهدين ممن صنف كتابا وذكر فيه اختلاف المجتهدين المشتغلين بتلقى ~~الاحكام عن الادلة الشرعية وهم اكمل الناس معرفة بأصول الفقه واحق الناس ~~بالمعنى الممدوح من اسم الاصولى فليس من هؤلاء من قسم الكلام إلى الحقيقة ms6095 ~~والمجاز # وان أراد من عرف بهذا التقسيم من المتاخرين المعتزلة وغيرهم من أهل ~~الكلام ومن سلك طريقتهم من ذلك من الفقهاء # قيل له لا ريب ان اكثر هؤلاء قسموا هذا التقسيم لكن ليس فيهم إمام في فن ~~من فنون الاسلام لا التفسير ولا الحديث ولا الفقه ولا اللغة ولا النحو بل ~~أئمة النحاة اهل اللغة كالخليل وسيبويه والكسائى والفراء وامثالهم وابى ~~عمرو بن العلاء وابى PageV20P404 زيد الانصارى والاصمعى وابى عمرو الشيبانى ~~وغيرهم لم يقسموا تقسيم هؤلاء ### ||| فصل # وأما ( المقام الثانى ( ففى أدلة القولين قال الامدى حجة المثبتين انه قد ~~ثبت اطلاق اهل اللغة اسم الاسد على الانسان الشجاع والحمار على الانسان ~~البليد وقولهم ظهر الطريق ومتنها وفلان على جناح السفر وشابت لمة الليل ~~وقامت الحرب على ساق وكبد السماء وغير ذلك واطلاق هذه الاسماء لغة مما لا ~~ينكر الا عن عناد # وعند ذلك فاما ان يقال هذه الاسماء حقيقة في هذه الصورة أو مجازية ~~لاستحالة خلو هذه الاسماء اللغوية عنها ما سوى الوضع الاول كما سبق تحقيقه ~~لا جائز ان يقال بكونها حقيقة فيها لانها حقيقة فيما سواه بالاتفاق فان لفظ ~~الاسد حقيقة في السبع والحمار في البهيمة والظهر والمتن والساق والكبد في ~~الاعضاء المخصوصة بالحيوان واللمة في الشعر اذا جاوز الاذن # وعند ذلك فلو كانت هذه الأسماء حقيقة فيما ذكر من الصور PageV20P405 لكان ~~اللفظ مشتركا ولو كان مشتركا لما سبق إلى الفهم عند اطلاق هذه الالفاظ ~~البعض دون البعض ضرورة التساوى في الأدلة الحقيقية ولاشك ان السابق إلى ~~الفهم من اطلاق لفظ الاسد انما هو السبع ومن اطلاق لفظ الحمار انما هو ~~البهيمة وكذلك في باقى الصور كيف وأن أهل الأعصار لم تزل تتناقل في أقوالها ~~وكتبها عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة وهذا مجازا # فان قيل لو كان في لغة العرب لفظ مجازى فاما ان يقيد معناه بقرينة أولا ~~يقيد بقرينة فان كان الاول فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى فكان مع ~~القرينة حقيقة في ذلك ms6096 المعنى وان كان الثانى فهو ايضا حقيقة اذ لا معنى ~~للحقيقة الا ما يكون مستعملا بالافادة من غير قرينة # وأيضا فانه ما من صورة من الصور الا ويمكن ان يعبر عنها باللفظ الحقيقى ~~الخاص بها فاستعمال اللفظ المجازى فيها مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة ~~بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم # قلنا الجواب عن الأول ان المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة الا بقرينة ولا ~~معنى للمجاز سوى هذا النوع في ذلك اللفظي كيف وان المجاز والحقيقة من صفات ~~الالفاظ دون القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع PageV20P406 ~~وجواب ثان ان الفائدة في استعمال اللفظ المجازى دون الحقيقة قد يكون ~~لاختصاصه بالخفة على اللسان أو لمساعدته على وزن الكلام نظما ونثرا أو ~~للمطابقة والمجانسة والسجع وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقى للتحقير إلى ~~غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام # هذا كلام أبى الحسن الآمدى في كتابه الكبير وهو أجل كتب المتأخرين ~~الناصرين لهذا الفرق # والجواب عن هذه الحجة من وجوه # أحدها ان يقال ما ذكرته من الاستعمال غير ممنوع لكن قولك ان هذه الاسماء ~~اما ان تكون حقيقية أو مجازية انما يصح اذا ثبت انقسام الكلام إلى الحقيقة ~~والمجاز والا فمن ينازعك ويقول لك لم تذكر حدا فاصلا معقولا بين الحقيقة ~~والمجاز يتميز به هذا عن هذا وانا اطالبك بذكر هذا الفرق بين النوعين أو ~~يقول ليس في نفس الامر بينهما فرق ثابت أو يقول انا لا اثبت انقسام الكلام ~~إلى حقيقة ومجاز اما لمانع عقلى أو شرعى أو غير ذلك أو يقول لم يثبت عندى ~~انقسام الكلام إلى هذا وهذا وجواز ذلك في اللغة والشرع والعقل ونحو ذلك من ~~الأقوال ليس لك ان تحتج عليه بقولك أما ان تكون حقيقية أو مجازية اذ دخول ~~هذه الألفاظ في أحد النوعين فرع ثبوت PageV20P407 التقسيم فلو اثبت التقسيم ~~بهذا كان دورا فانه لا يمكن ان يقال ان هذه من أحد القسمين دون الآخر إلا ~~إذا اثبت ان هناك قسمين لا ms6097 ثالث لهما وأنه لا يتناول شيء من أحدهما شيئا من ~~الآخر وهذا محل النزاع فكيف تجعل محل النزاع مقدمة في إثبات نفسه وتصادر ~~على المطلوب فان ذلك أثبت الشيء بنفسه فلم تذكر دليلا وهذا أثبت الاصل ~~بفرعه الذي لايثبت إلا به فهذا التطويل أثبت غاية المصادرة على المطلوب # الوجه الثانى ان يقال من الناس القائلين بالحقيقة والمجاز من جعل بعض ~~الكلام حقيقة ومجازا فوصف اللفظ الواحد بانه حقيقة ومجاز كالفاظ العموم ~~المخصوصة فان كثيرا من الناس قال هي حقيقة باعتبار دلالتها على ما بقى وهى ~~مجاز باعتبار سلب دلالتها على ما اخرج وعند هؤلاء الكلام إما حقيقة وإما ~~مجاز وإما حقيقة ومجاز # الوجه الثالث انك انت وطائفة كالرازى ومن اتبعه كابن الحاجب يقولون ان ~~الالفاظ قبل استعمالها وبعد وضعها ليست حقيقة ولا مجازا أو المجاز هو اللفظ ~~المستعمل في غير ما وضع له وحينئذ فهذه الالفاظ كقولهم ظهر الطريق وجناح ~~السفر ونحوها أن لم يثبتوا أنها وضعت لمعنى ثم استعملت في غيره لم يثبت ~~انها مجاز وهذا مما لا سبيل PageV20P408 لأحد إليه فانه لا يمكن أحدا أن ~~ينقل عن العرب أنها وضعت هذه الألفاظ لغير هذه المعانى المستعملة فيها # فان قالوا قد قالوا جناح الطائر وظهر الانسان وتكلموا بلفظ الظهر والجناح ~~وأرادوا به ظهر الانسان وجناح الطائر # قيل لهم هذا لا يقتضى أنهم وضعوا جناح السفر وظهر الطريق بل هذا استعمل ~~مضافا إلى غير ما اضيف إليه ذاك ان كان ذلك مضافا وأن لم يكن ذلك مضافا ~~فالمضاف ليس هو مثل المعرف الذى ليس بمضاف فاللفظ المعرف والمضاف إلى شيء ~~ليس هو مثل اللفظ المضاف إلى شيء آخر فاذا قال الجناح والظهر وقيل جناح ~~الطائر وظهر الانسان فليس هذا وهذا مثل لفظ جناح السفر وظهر الطريق وجناح ~~الذل # كذلك إذا قيل رأس الطريق وظهره ووسطه وأعلاه وأسفله كان ذلك مختصا ~~بالطريق وان لم يكن ذلك مماثلا كرأس الانسان وظهره ووسطه وأعلاه وأسفله ~~وكذلك أسفل الجبل وأعلاه هو مما يختص به ms6098 وكذلك سائر الاسماء المضافة يتميز ~~معناه بالاضافة ومعلوم ان اللفظ المركب تركيب مزج أو اسناد أو اضافة ليس هو ~~في لغتهم كاللفظ المجرد عن ذلك لا في الاعراب ولا في المعنى بل يفرقون ~~PageV20P409 بينهما في النداء والنفى فيقولون يازيد ويا عمرو بالضم كقوله ~~يا آدم ويا نوح ويقولون في المضاف وما اشبهه يا عبد الله يا غلام زيد كقوله ~~يا بنى آدم يا بنى إسرائيل ويا أهل الكتاب ويا أهل يثرب ويا قومنا أجيبوا ~~داعى الله ونحو ذلك في المضاف المنصوب وكذلك في تركيب المزج فليس قولهم ~~خمسة كقولهم خمسة عشر بل بالتركيب يغير المعنى # واذا كان كذلك فلو قال القائل الخمسة حقيقة في الخمسة وخمسة عشر مجاز كان ~~جاهلا لان هذا اللفظ ليس هو ذلك وان كان لفظ الخمسة موجودا في الموضعين ~~لانها ركبت تركيبا آخر وجنس هذا التركيب موضوع كما أن جنس الأضافة موضوع ~~وكذلك قولهم جناح السفر والذل وظهر الطريق تركيب آخر اضيف فيه الاسم إلى ~~غير ما أضيف إليه في ذلك المكان فليس هذا كالمجرد مثل الخمسة ولا كالمقرون ~~بغيره كلفظ الخمسة والعشرين وهذا المعنى يقال في # الوجه الرابع وهو انه سواء ثبت وضع متقدم على الاستعمال أو كان المراد ~~بالوضع هو ما عرف من الاستعمال فعلى التقديرين هذا اللفظ المضاف لم يوضع ~~ولم يستعمل الا في هذا المعنى ولا يفهم منه غيره بل ولا يحتمل سواه ولا ~~يحتاج في فهم المراد به الا قرينة معنوية غير ما ذكر PageV20P410 في ~~الاضافة بل دلالة الاضافة على معناه كدلالة سائر الالفاظ المضافة فكل لفظ ~~اضيف إلى لفظ دل على معنى يختص ذلك المضاف إليه فكما اذا قيل يد زيد وراسه ~~وعلمه ودينه وقوله وحكمه وخبره دل على ما يختص به وان لم يكن دين زيد مثل ~~دين عمرو بل دين هذا الكفر ودين هذا الاسلام ولا حكمه مثل حكمه بل هذا ~~الحكم بالجور وهذا الحكم بالعدل ولا خبره مثل خبره بل خبر هذا صدق وخبر هذا ~~كذب وكذلك ms6099 اذا قيل لون هذا ولون هذا كان لون كل منهما يختص به وان كان هذا ~~اسود وهذا ابيض فقد يكون اللفظ المضاف واحدا مع اختلاف الحقائق في الموضعين ~~كالسواد والبياض وانما يميز اللون احدهما عن الآخر باضافته إلى ما يميزه # فان قيل لفظ الكون والدين والخبر ونحو ذلك عند الاطلاق يعم هذه الانواع ~~فكانت عامة وتسمى متواطئة بخلاف لفظ الراس والظهر والجناح فانها عند ~~الاطلاق انما تنصرف إلى اعضاء الحيوان # قيل فهب ان الامر كذلك اليست بالاضافة اختصت فكانت عامة مطلقة ثم تخصصت ~~بالاضافة أو التعريف فهي من باب اللفظ العام اذا خص باضافة أو تعريف ~~وتخصيصه بذلك كتخصيصه بالصفة والاستثناء والبدل والغاية كما يقال اللون ~~الاحمر والخبر الصادق PageV20P411 او قيل الف الا خمسين فقد تغيرت دلالتها ~~بالاطلاق والتقييد # ثم انه في كلا الموضعين لم يستعمل اللفظ المعين في غير ما استعمل فيه ~~اولا فان النبى صلى الله عليه وسلم لما قال ( راس الامر الاسلام وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ( وقال ( وهل يكب الناس في النار ~~على مناخرهم الا حصائد السنتهم ( قد اضاف الراس إلى الامر وهذا اللفظ لم ~~يستعمل في راس الحيوان # وكذلك اذا قالوا راس المال والشريكان يقتسمان ما يفضل بعد راس المال ~~والمضارب يستحق نصيبه من الربح بعد راس المال فلفظ راس المال لم يستعمل في ~~راس الحيوان وكذلك لفظ راس العين سواء كان جنسا أو علما بالغلبة # وايضا فقولهم تلك عند الاطلاق ينصرف إلى اعضاء الحيوان عنه جوابان # احدهما ان اللفظ لا يستعمل قط مطلقا لا يكون الامقيدا فانه إنما تقيد بعد ~~العقد والتركيب اما في جملة اسمية أو فعلية من متكلم معروف قد عرفت عاداته ~~بخطابه وهذه قيود يتبين المراد بها PageV20P412 # الثانى ان تجريده عن القيود الخاصة قيد ولهذا يقال للامر صيغة موضوعة له ~~في اللغة تدل بمجردها على كونه امرا وللعموم صيغة موضوعة له في اللغة تدل ~~بمجردها على كونه عاما فنفس التكلم باللفظ مجردا قيد ولهذا يشترط في دلالته ~~الامساك ms6100 عن قيود خاصة فالامساك عن القيود الخاصة قيد كما ان الاسم الذى ~~يتكلم به لقصد الاسناد إليه مع تجريده عن العوامل اللفظية فيه هو المبتدا ~~الذى يرفع وسر ذلك تجريده عن العوامل اللفظية فهذا التجريد قيد في رفعه كما ~~ان تقييده بلفظ مثل ( كان ( و ( ان ( و ( ظننت ( يوجب له حكما اخر # ولهذا كان المتكلم بالكلام له حالان تارة يسكت ويقطع الكلام ويكون مراده ~~معنى وتارة يصل ذلك الكلام بكلام آخر بغير المعنى الذى كان يدل عليه اللفظ ~~الاول اذا جرد فيكون اللفظ الاول له حالان حال يقرنه المتكلم بالسكوت ~~والامساك وترك الصلة وحال يقرنه بزيادة لفظ آخر ومن عادة المتكلم انه اذا ~~امسك اراد معنى آخر واذا وصل اراد معنى آخر وفى كلا الحالين قد تبين مراده ~~وقرن لفظه بما يبين مراده # ومعلوم ان اللفظ دلالة على المعنى والدلالات تارة تكون وجودية وتارة تكون ~~عدمية سواء في ذلك الادلة التى تدل بنفسها التى قد PageV20P413 تسمى الادلة ~~العقلية والادلة التى تدل بقصد الدال وارادته وهى التى تسمى الادلة السمعية ~~أو الوضعية أو الارادية وهى في كلا القسمين كثيرا ما كان مستلزما لغيره فان ~~وجوده يدل على وجود اللازم له وعدم اللازم له يدل على عدمه كما يدل عدم ذات ~~من الذوات على عدم الصفات القائمة بها وعدم كل شرط معنوى على عدم مشروطه ~~كما يدل عدم الحياة على عدم العلم وعدم الفساد على عدم الهية سوى الله ~~وامثال ذلك # واما الثانى الذي يدل بالقصد والاختيار فكما ان حروف الهجاء اذا كتبوها ~~يعلمون بعضها بنقطة وبعضها بعدم نقطة كالجيم والحاء والخاء فتلك علامتها ~~نقطة من اسفل والخاء علامتها نقطة من فوق والحاء علامتها عدم النقطة وكذلك ~~الراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء وكذلك يقال في ~~حروف المعانى علامتها عدم علامات الاسماء والافعال فكذلك الالفاظ اذا قال ~~له علي الف درهم وسكت كان ذلك دليلا على انه اراد الفا وازنة فاذا قال الف ~~زائفة أو ناقصة وإلا خمسين كان وصله ms6101 لذلك بالصفة والاستثناء دليلا ناقض ~~الدليل الاول وهنا ألف متصلة بلفظ وهناك ألف منقطعة عن الصلة والانقطاع ~~فيها غير الدلالة فليست الدلالة هي نفس اللفظ بل اللفظ مع PageV20P414 ~~الاقتصار عليه وعدم زيادة عليه # وسواء قيل ان ترك الزيادة من المتكلم امر وجودى أو قيل انه عدمى فان اكثر ~~الناس يقولون الترك امر وجودى يقوم بذات التارك وذهب أبو هاشم وطائفة إلى ~~انه عدمي ويسمون الذمية لانهم يقولون العبد يذم على ما لم يفعله وعلى ~~التقديرين فهو يقصد الدلالة باللفظ وحده لا باللفظ مع المعنى وكونه وحده ~~قيد في الدلالة وهذا القيد منتف اذا كان معه لفظ آخر # ثم العادة في اللفظ ان الزيادة في الالفاظ المقيدة نقص من اللفظ المفرد ~~ولهذا يقال الزيادة في الحد نقص في المحدود وكلما زادت قيود اللفظ العام ~~نقص معناه فاذا قال الانسان والحيوان كان معنى هذا اعم من معنى الانسان ~~العربى والحيوان الناطق # الوجه الخامس لا جائز ان يقال بكونها حقيقة فيها لانها حقيقة فيما سواها ~~بالاتفاق فان لفظ الاسد حقيقة في السبع والحمار في البهيمة والظهر والمتن ~~والساق والكلكل في الاعضاء المخصوصة بالحيوان ولو كانت حقيقة فيما ذكر كان ~~اللفظ مشتركا ولو كان مشتركا لما سبق إلى الفهم عند الاطلاق هذا البعض دون ~~بعض ضرورة التساوى في الدلالة الحقيقية PageV20P415 # يقال له قولك لو كان حقيقة فيما ذكر كان اللفظ مشتركا ما تعنى بالمشترك ~~ان عنيت الاشتراك الخاص وهو ان يكون اللفظ دالا على معنيين من غير ان يدل ~~على معنى مشترك بينهما البتة فمن الناس من ينازع في وجود معنى هذا في اللغة ~~الواحدة التى تستند إلى وضع واحد ويقول انما يقع هذا في موضعين كما يسمى ~~هذا ابنه باسم ويسمى آخر ابنه بذلك الاسم وهم لا يقولون ان تسمية الكوكب ~~سهيلا والمشترى وقلب الاسد والنسر ونحو ذلك هو باعتبار وضع ثان سماها من ~~سماها من العرب وغيرها باسماء منقولة كالاعلام المنقولة كما يسمى الرجل ~~ابنه كلبا واسدا ونمرا وبحرا ونحو ذلك # ولا ms6102 ريب ان الاشتراك بهذا المعنى مما لا ينازع فيه عاقل لكن معلوم ان هذا ~~وضع ثان وهذا لا يغيره دلالة الاعلام الموضوعة على مسمياتها والعلامة ~~المميزة في المجاز وان كان المسمى بالاسم قد يقصد به اتصاف المسمى اما ~~التفاؤل بمعناها واما دفع العين عنه واما تسميته باسم محبوب له من اب أو ~~استاذ أو مميز أو يكون فيه معنى محمود كعبد الله وعبد الرحمن ومحمد واحمد ~~لكن بكل حال هذا وضع ثان لهذا واللفظ بهذا الاعتبار يصير به مشتركا ولهذا ~~احتيج في الاعلام إلى التمييز باسم الاب أو الجد مع الاب اذا لم يحصل ~~التمييز باسمه واسم أبيه وان حصل التمييز بذلك اكتفى به كما فعل النبى ~~PageV20P416 في كتابه الصلح بينه وبين قريش حيث كتب ( هذا ما قاضى عليه ~~محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو ( بعد ان امتنع المشركون ان يكتبوا محمدا ~~رسول الله وهو صلى الله عليه وسلم متميز بصفة الرسالة والنبوة عند الله ~~فلما غير تمييزه بوصفه الذى يوجب تصديقه والايمان به وافقهم على التمييز ~~باسم أبيه # والمقصود ان من الناس من يقول ما من لفظ على معنيين في اللغة الواحدة الا ~~وبينهما قدر مشترك بل ويلتزم ذلك في الحروف فيجعل بينها وبين المعانى ~~مناسبة تكون باعثة المتكلم على تخصيص ذلك المعنى بذلك اللفظ ولم يقل أحد من ~~العقلاء ان اللفظ يدل على المعنى بنفسه من غير قصد أحد وان تلك الدلالة صفة ~~لازمة للفظ حتى يقول القائل لو كان اللفظ يناسب المعنى لم يختلف باختلاف ~~الامم فان الامور الاختيارية من الالفاظ والاعمال العادية يوجد فيها ~~مناسبات وتكون داعية للفاعل المختار وان كانت تختلف بحسب الامكنة والازمنة ~~والاحوال # والامور الطبيعية التى ليست باختيار حيوان تختلف ايضا فالحر والبرد ~~والسواد والبياض ونحو ذلك من الامور الطبيعية تختلف باختلاف طبائع البلاد ~~والامور الاختيارية من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمركب والمنكح ~~وغير ذلك تختلف باختلاف عادات الناس PageV20P417 مع أنها أمور اختيارية ~~ولها مناسبات فتناسب أهل مكان وزمان من ذلك ما ms6103 لا تناسب أهل زمان آخر كما ~~يختار الناس من ذلك في الشتاء والبلاد الباردة ما لا يختارونه في الصيف ~~والبلاد الحارة مع وجود المناسبة الداعية لهم اذ كانوا يختارون في الحر من ~~المأكل الخفيف والفاكهة ما يخف هظمه لبرد بواطنهم وضعف القوى الهاضمة وفى ~~الشتاء والبلاد الباردة يختارون من المآكل الغليظة ما يخالف ذلك لقوة ~~الحرارة الهاضمة في بواطنهم أو كان زمن الشتاء تسخن فيه الأجواف وتبرد ~~الظواهر من الجماد والحيوان والشجر وغير ذلك لكون الهواء يبرد في الشتاء ~~وشبيه الشيء منجذب إليه فينجذب إليه البرد فتسخن الأجواف وفى الحر يسخن ~~الهواء فتنجذب إليه الحرارة فتبرد الأجواف فتكون الينابيع في الصيف باردة ~~لبرد جوف الأرض وفى الشتاء تسخن لسخونة جوف الأرض # والمقصود هنا ان بشرا من الناس ليس عباد بن سليمان وحده بل كثير من الناس ~~بل اكثر المحققين من علماء العربية والبيان يثبتون المناسبة بين الألفاظ ~~والمعاني ويقسمون الاشتقاق إلى ثلاثة أنواع # الاشتقاق الاصغر وهو اتفاق اللفظين في الحروف والترتيب مثل علم وعالم ~~وعليم # والثاني الاشتقاق الاوسط وهو اتفاقهما في الحروف دون الترتيب PageV20P418 ~~مثل سمي ووسم وقول الكوفييين إن الاسم مشتق من السمة صحيح إذا أريد به هذا ~~الاشتقاق وإذا أريد به الاتفاق في الحروف وترتيبها فالصحيح مذهب البصريين ~~أنه مشتق من السمو فانه يقال في الفعل سماه ولا يقال وسمه ويقال في التصغير ~~سمي ولا يقال وسيم ويقال في جمعه اسماء ولا يقال أوسام # وأما الاشتقاق الثالث فانفاقهما في بعض الحروف دون بعض لكن أخص من ذلك ان ~~يتفقا في جنس الباقي مثل ان يكون حروف حلق كما يقال حزر وعزر وأزر فالمادة ~~تقتضي القوة والحاء والعين والهمزة جنسها واحد ولكن اعتبار كونها من حروف ~~الحلق # ومنه المعاقبة بين الحروف المعتل والمضعف كما يقال تقضى البازي وتقضض # ومنه يقال السرية مشتق من السر وهو النكاح # ومنه قول ابى جعفر الباقر العامة مشتقة من العمى # ومنه قولهم الضمان مشتق من ضم احدى الذمتين إلى الأخرى # وإذا قيل هذا اللفظ ms6104 مشتق من هذا فهذا يراد به شيئان احدهما ان يكون ~~بينهما مناسبة في اللفظ والمعنى من غير اعتبار PageV20P419 كون احدهما أصلا ~~والآخر فرعا فيكون الاشتقاق من جنس آخر بين اللفظين # ويراد بالاشتقاق ان يكون أحدهما مقدما على الآخر أصلا له كما يكون الأب ~~أصلا لولده # وعلى الأول فاذا قيل الفعل مشتق من المصدر أو المصدر مشتق من الفعل فكلا ~~القولين قول البصريين والكفوفيين صحيح # وأما على الثاني فاذا أريد الترتيب العقلي فقول البصريين أصح فان المصدر ~~إنما يدل على الحدث فقط والفعل يدل على الحدث والزمان وان أريد الترتيب ~~الوجودي وهو تقدم وجود أحدهما على الآخر فهذا لا ينضبط فقد يكونون تكلموا ~~بالفعل قبل المصدر وقد يكونون تكلموا بالمصدر قبل الفعل وقد تكلموا بأفعال ~~لا مصادر لها مثل بد وبمصادر لا أفعال لها مثل ( ويح ( و ( ويل ( وقد يغلب ~~عليهم استعمال فعل ومصدر فعل آخر كما في الحب فان فعله المشهور هو الرباعى ~~يقال أحب يحب ومصدره المشهور هو الحب دون الاحباب وفى اسم الفاعل قالوا محب ~~ولم يقولوا حاب وفى المفعول قالوا محبوب ولم يقولوا محب الا في الفاعل وكان ~~القياس ان يقال أحبه إحبابا كما يقال أعلمه اعلاما PageV20P420 وهذا أيضا ~~له أسباب يعرفها النحاة وأهل التصريف إما كثرة الاستعمال وإما نقل بعض ~~الالفاظ وإما غير ذلك كما يعرف ذلك أهل النحو والتصريف اذ كانت أقوى ~~الحركات هي الضمة وأخفها الفتحة والكسرة متوسطة بينهما فجاءت اللغة على ذلك ~~من الالفاظ المعربة والمبنية فما كان من المعربات عمدة في الكلام لا بد له ~~منه كان له المرفوع كالمبتدأ والخبر والفاعل والمفعول القائم مقامه وما كان ~~فضلة كان له النصب كالمفعول والحال والتمييز وما كان متوسطا بينهما لكونه ~~يضاف إليه العمدة تارة والفضلة تارة كان له الجر وهو المضاف إليه # وكذلك في المبنيات مثل ما يقولون في أين وكيف بنيت على الفتح طلبا للتخيف ~~لأجل الياء وكذلك في حركات الالفاظ المبينة الأقوى له الضم وما دونه له ~~الفتح فيقولون كره الشيء ms6105 والكراهية يقولون فيها كرها بالفتح كما قال تعالى ~~@QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ وقال @QB@ ائتيا طوعا ~~أو كرها @QE@ # وكذلك الكسر مع الفتح فيقولون في الشيء المذبوح والمنهوب ذبح ونهب بالكسر ~~كما قال تعالى ( وفديناه بذبح عظيم ( وكما في الحديث ( اتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بنهب ابل ( في المثل السائر ( اسمع جعجعة ولا ارى طحنا ( ~~بالكسر اي ولا ارى PageV20P421 طحينا ومن قال بالفتح أراد الفعل كما ان ~~الذبح والنهب هو الفعل ومن الناس من يغلط هذا القائل # وهذه الأمور وأمثالها هي معروفة من لغة العرب لمن عرفها معروفة ~~بالاستقراء والتجربة تارة وبالقياس أخرى كما تفعل الاطباء في طبائع الاجسام ~~وكما يعرف ذلك في الأمور العادية التي تعرف بالتجربة المركبة من الحس ~~والعقل ثم قد قيل تعرف مالم تجرب بالقياس # ومعلوم ان هذه الأمور لها أسباب ومناسبات عند جماهير العقلاء من المسلمين ~~وغيرهم ومن انكر ذلك من النظار فذلك لا يتكلم معه في خصوص مناسبات هذا فانه ~~ليس عنده في المخلوقات قوة يحصل بها الفعل ولا سبب يخص أحد المتشابهين بل ~~من أصله ان محض مشيئة الخالق تخصص مثلا عن مثل بلا سبب ولالحكمة فهذا يقول ~~كون اللفظ دالا على المعنى ان كان بقول الله فهذا لمجرد الاقتران العادي ~~وتخصيص الرب عنده ليس لسبب ولا لحكمة بل نفس الارادة تخصص مثلا عن مثل بلا ~~حكمة ولا سبب وان كان باختيار العبد فقد يكون السبب خطور ذلك اللفظ في ~~القلب الواضع دون غيره # وبسط هذه الأمور له موضع آخر والمقصود هنا ان الحجة التي PageV20P422 ~~احتج بها على اثبات المجاز وهي قوله ان هذه الالفاظ ان كانت حقيقة لزم ان ~~تكون مشتركة هي مبنية على مقدمتين # إحداهما انه يلزم الاشتراك # والثانية انه باطل # وهذه الحجة ضعيفة فانه قد تمنع المقدمة الاولى وقد تمنع المقدمة الثانية ~~وقد تمنع المقتدمتان جميعا وبذلك ان قوله يلزم الاشترك انما يصح اذا سلم له ~~ان في اللغه الواحدة باعتبار اصطلاح واحد الفاظا تدل على ms6106 معان متباينة من ~~غير قدر مشترك وهذا فيه نزاع مشهور وبتقدير التسليم فالقائلون بالاشتراك ~~متفقون على انه في اللغة الفاظ بينها قدر مشترك وبينها قدر مميز وهذا يكون ~~مع تماثل الألفاظ تارة ومع اختلافها أخرى وذلك أنه كما ان اللفظ قد يتحد ~~ويتعدد معناه فقد يتعدد ويتحد معناها كالألفاظ المترادفة وان كان من الناس ~~من ينكر الترادف المحض فالمقصود أنه قد يكون اللفظان متفقين في الدلالة على ~~معنى ويمتاز أحدهما بزيادة كما إذا قيل في السيف انه سيف وصارم ومهند فلفظ ~~السيف يدل عليه مجردا ولفظ الصارم في الأصل يدل على صفة الصرم عليه والمهند ~~يدل على النسبة إلى الهند وان كان يعرف الاستعمال من نقل الوصفية إلى ~~الأسمية فصار هذا اللفظ يطلق على PageV20P423 ذاته مع قطع النظر عن هذه ~~الاضافة لكن مع مراعاة هذه الاضافة منهم من يقول هذه الاسماء ليست مترادفة ~~لاختصاص بعضها بمزيد معنى ومن الناس من جعلها مترادفة باعتبار اتحادها في ~~الدلالة على الذات وأولئك يقولون هي من المتباينة كلفظ الرجل والأسد فقال ~~لهم هؤلاء ليست كالمتباينة # والانصاف أنها متفقة في الدلالة على الذات متنوعة في الدلالة على الصفات ~~فهي قسم آخر قد يسمى المتكافئة واسماء الله الحسنى واسماه رسوله وكتابه من ~~هذا النوع # فانك إذا قلت ان الله عزيز حكيم غفور رحيم عليم قدير فكلها دالة على ~~الموصوف بهذه الصفات سبحانه وتعالى كل اسم يدل على صفة تخصه فهذا يدل على ~~العزة وهذا يدل على الحكمة وهذا يدل على المغفرة وهذا يدل على الرحمة وهذا ~~يدل على العلم وهذا يدل على القدرة # وكذلك قول النبى ( إن لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وانا الماحي الذي ~~يمحو الله به الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبى وأنا العاقب الذي ~~ليس بعده نبى PageV20P424 والاسماء التى انكرها الله على المشركين بتسميتهم ~~أوثانهم بها من هذا الباب حيث قال ( ان هي إلا اسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان ) فانهم سموها آلهة فاثبتوا لها ms6107 صفة الالهية ~~التى توجب استحقاقها أن تعبد وهذا المعنى لايجوز إثباته الا بسلطان وهو ~~الحجة وكون الشيء معبودا تارة يراد به أن الله أمر بعبادته فهذا لا يثبت ~~إلا بكتاب منزل وتارة يراد به أنه متصف بالربوبية والخلق المقتضى لاستحقاق ~~العبودية فهذا يعرف بالعقل ثبوته وانتفاؤه # ولهذا قال تعالى @QB@ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا ~~من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم ~~إن كنتم صادقين @QE@ وقال في سورة فاطر @QB@ قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون ~~من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم ~~كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا @QE@ ~~فطالبهم ( بحجة ( عقلية عيانية وبحجة سميعة شرعية فقال @QB@ أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات @QE@ ثم قال @QB@ أم آتيناهم كتابا ~~فهم على بينة منه @QE@ كما قال هناك @QB@ أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم ~~شرك في السماوات @QE@ ثم قال ائتونى بكتاب PageV20P425 @QB@ من قبل هذا أو ~~أثارة من علم @QE@ فالكتاب المنزل والاثارة ما يؤثر عن الانبياء بالرواية ~~والاسناد وقد يقيد في الكتاب فلهذا فسر بالرواية وفسر بالخط # وهذا مطالبة بالدليل الشرعى على أن الله شرع ان يعبد غيره فيجعل شفيعا أو ~~يتقرب بعبادته إلى الله وبيان انه لاعبادة اصلا الا بأمر من الله فلهذا قال ~~تعالى @QB@ ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه ~~@QE@ كما قال في موضع اخر @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم ~~منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا ~~بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون أم أنزلنا ms6108 عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون @QE@ # والسلطان الذي يتكلم بذلك الكتاب المنزل كما قال @QB@ أم لكم سلطان مبين ~~فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين @QE@ وقال @QB@ إن الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ ~~PageV20P426 # والمقصود هنا انه اذا كان من الأسماء المختلفة الألفاظ ما يكون معناه ~~واحدا كالجلوس والقعود وهي المترادفة ومنها ما تتباين معانيها كلفظ السماء ~~والأرض ومنها ما يتفق من وجه ويختلف من وجه كلفظ الصارم والمهند وهذا قسم ~~ثالث فانه ليس معنى هذا مباينا لمعنى ذاك كمباينة السماء للأرض ولا هو ~~مماثلا لها كماثلة لفظ الجلوس للقعود فكذلك الاسماء المتفقة اللفظ قد يكون ~~معناها متفقا وهي المتواطئة وقد يكون معناها متباينا وهي المشتركة اشتراكا ~~لفظيا كلفظ سهيل المقول على الكوكب وعلى الرجل وقد يكون معناها متفقا من ~~وجه مختلفا من وجه فهذا قسم ثالث ليس هو كالمشترك اشتراكا لفظيا ولا هو ~~كالمتفقة المتواطئة فيكون بينها اتفاق هو اشتراكا معنوي من وجه وافتراق هو ~~اختلاف معنوي من وجه ولكن هذا لا يكون إلا اذا خص كل لفظ بما يدل على ~~المعنى المختص # وهذه الألفاظ كثيرة في الكلام المؤلف أو هي أكثر الألفاظ الموجودة في ~~الكلام المؤلف الذي تكلم به كل متكلم فان الألفاظ التى يقال انها متواطئة ~~كأسماء الأجناس مثل لفظ الرسول والوالى والقاضي والرجل والمرأة والامام ~~والبيت ونحو ذلك قد يراد بها المعنى العام وقد يراد بها ما هو اخص منه مما ~~يقترن بها تعريف الاضافة أو اللام كما في قوله @QB@ إنا أرسلنا إليكم رسولا ~~شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول @QE@ ~~PageV20P427 ) وقال في موضع اخر ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا ) فلفظ الرسول في الموضعين لفظ واحد مقرون باللام لكن ينصرف في كل ~~موضع إلى المعروف عند المخاطب في ذلك الموضع فلما قال هنا @QB@ كما أرسلنا ~~إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول @QE@ كان اللام لتعريف رسول فرعون وهو ~~موسي بن عمران عليه ms6109 السلام ولما قال لامة محمد @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول ~~بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ كان اللام لتعريف الرسول المعروف عند ~~المخاطبين بالقرآن والمامورين بامرهم والمنتهين بنهيه وهم امة محمد # ومعلوم ان مثل هذا لا يجوز ان يقال وهو مجاز في احدهما باتفاق الناس ولا ~~يجوز ان يقال هو مشترك اشتراكا لفظيا محضا كلفظ المشترى لمبتاع والكوكب ~~وسهيل للكوكب والرجل ولا يجوز ان يقال هو متواطىء دل في الموضعين على القدر ~~المشترك فقط فانه قد علم انه في أحد الموضعين هو محمد وفى الاخر موسى مع ان ~~لفظ الرسول واحد # ولكن هذا اللفظ تكلم به من سياق كلام من مدلول لام التعريف وهكذا جميع ~~اسماء المعارف فان الاسماء نوعان معرفة ونكرة PageV20P428 والمعارف مثل ~~المضمرات واسماء الاشارة مثل انا وانت وهو ومثل وهذا وذاك # والاسماء الموصولة مثل @QB@ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة @QE@ # واسماء المعرفة باللام كالرسول # والاسماء الاعلام مثل إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب ويوسف ومثل شهر ~~رمضان # والمضاف إلى المعرفة مثل قوله @QB@ وطهر بيتي @QE@ وقوله @QB@ فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق @QE@ ومثل @QB@ ناقة الله وسقياها @QE@ ومثل ~~قوله @QB@ أحل لكم ليلة الصيام @QE@ # ومثل المنادى المعين مثل قول يوسف @QB@ يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا ~~@QE@ وقول ابنه صاحب مدين @QB@ يا أبت استأجره @QE@ فان لفظ الاب هناك اريد ~~به يعقوب وهنا اريد به صاحب مدين الذى تزوج موسى ابنته وليس هو شعيبا كما ~~يظنه بعض الغالطين بل علماء المسلمين من اهل السلف واهل الكتاب يعرفون انه ~~ليس شعيبا كما قد بسط في موضع اخر # والمقصود هنا ان هذه الاسماء المعارف وهى اصناف كل PageV20P429 نوع منها ~~لفظه واحد كلفظ انا وانت ولفظ هذا وذاك ومع هذا ففى كل موضع يدل على ~~المتكلم المعين والمخاطب والغائب المعين ولا يجوز ان يقال هي مشتركة كلفظ ~~سهيل ولا متواطئة كلفظ الانسان بل بينها قدر مشترك وقدر مميز فباعتبار ~~المشترك تشبه المتواطئه وباعتبار المميز تشبه المشتركة اشتراكا لفظيا وهى ~~لا تستعمل قط إلا مع ما يقترن بها مما تعين المضمر والمشار ms6110 إليه ونحو ذلك ~~فصارت دلالتها مؤلفة من لفظها ومن قرينة تقترن بها تعيين المعروف وهذه ~~حقيقة باتفاق الناس لا يقول عاقل ان هذه مجاز مع انها لا تدل قط الا مع ~~قرينة تبين تعيين المعروف والمراد # فاذا قيل لفظ انا قيل يدل على المتكلم مطلقا ولكن لم ينطق به أحد قط ~~مطلقا اذ ليس في الوجود متكلم مطلق كلي مشترك بل كل متكلم هو معين متميز عن ~~غيره فاذا طلب معرفة مدلوها ومعناها قيل من هو المتكلم بها ومن هو المخاطب ~~بانت واياك ونحو ذلك فان كان المتكلم بها هو الله كقوله تعالى لموسى @QB@ ~~إنني أنا الله لا إله إلا أنا @QE@ ونحو ذلك كان هذا اللفظ في هذا الموضع ~~اسما لله تعالى لا يحتمل غيره ولا يمكن مخلوق ان يقول @QB@ إنني أنا الله ~~لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري @QE@ PageV20P430 وقد ذكر سبحانه ~~ان الذى حاج إبراهيم في ربه قال @QB@ أنا أحيي وأميت @QE@ وذكر عن صاحب ~~يوسف انه قال @QB@ أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون @QE@ واخبر عن عفريت من الجن ~~انه قال @QB@ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك @QE@ وعن الذى عنده علم من ~~الكتاب انه قال @QB@ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك @QE@ فلفظ انا في ~~كل موضع معين ليس هو مدلوله في الموضع الآخر وان كان لفظ انا في الموضعين ~~واحدا ولم يقل أحد من العقلاء ان هذا اللفظ مشترك ولا مجاز مع انه لا يدل ~~الا بقرينة تبين المراد ### ||| فصل # اذا تبين هذا فيقال له ( هذه الاسماء التى ذكرتها مثل لفظ الظهر والمتن ~~والساق والكبد لا يجوز ان تستعمل في اللغة الا مقرونة بما يبين المضاف إليه ~~وبذلك يتبين المراد # فقولك ظهر الطريق ومتنها ليس هو كقولك ظهر الانسان ومتنه بل ولا كقولك ~~ظهر الفرس ومتنه ولا كقولك ظهر الجبل # وكذلك كبد السماء مثل كبد القوس ولا هذان مثل لفظ كبد الانسان ~~PageV20P431 # وكذلك لفظ السيف في قول النبى ( إن خالدا سيف سله الله على المشركين ليس ms6111 ~~هذا لفظ السيف في قوله ( من جاءكم وامركم على رجل واحد يريد ان يفرق ~~جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان ) فكل من لفظ السيف ها هنا وههنا ~~مقرون بما يبين معناه # نعم قد يقال التشابه بين معنى الرسول والرسول اتم من التشابه بين معنى ~~الكبد والكبد والسيف والسيف فيقال هذا القدر الفارق دل عليه اللفظ المختص ~~كما في قوله @QB@ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت @QE@ وفى قوله @QB@ وطهر ~~بيتي للطائفين @QE@ وقوله @QB@ لا تدخلوا بيوت النبي @QE@ وقول النبى ( من ~~بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ) ومعلوم ان بيت العنكبوت ليس ~~مماثلا في الحقيقة لبيته ولا لبيت النبى ولا لبيت في الجنة مع ان لفظ البيت ~~حقيقة في الجميع بلا نزاع اذ كان المخصص هو الاضافة في بيت العنكبوت وبيت ~~النبى دل على سكنى صاحب البيت فيه وبيت الله لا يدل على ان الله ساكن فيه ~~لكن اضافة كل شيء بحسبه بل بيته هو الذى جعله لذكره وعبادته ودعائه فهو ~~كمعرفته بالقلوب وذكره باللسان وكل موجود فله وجود عينى وعلمى ولفظى ورسمى ~~واسم الله يراد به كل من هذه الاربعة في كلام الرسول وكلام الله ~~PageV20P432 فاذا قال ( انا الله لا اله الا انا ) فهو الله نفسه واذا قال ~~( لا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذى ~~يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى ~~يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ) وقوله ( عبدى مرضت فلم تعدنى فيقول ربى ~~كيف اعودك وانت رب العالمين فيقول اما علمت ان عبدى فلانا مرض فلو عدته ~~لوجدتنى عنده ) فالذى في قلوب المؤمنين هو الايمان بالله ومعرفته ومحبته ~~وقد يعبر عنه بالمثل الأعلى والمثال العلمى ويقال انت في قلبى كما قيل % ~~مثالك في عينى وذكرك في فمى % ومثواك في قلبى فأين تغيب % ويقال % ساكن في ~~القلب يعمره % لست انساه فاذكره % وما ينقل عن داود عليه السلام انه قال ( ~~انت تحل قلوب الصالحين ms6112 ) فمعلوم ان هذا كله لم يرد به ان نفس المذكور ~~المعلوم المحبوب المعبر عنه بالمثال العلمى وقد قال النبي PageV20P433 يقول ~~الله تعالى ( انا مع عبدي ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه ( فقوله ( بى ( اراد ~~انها تتحرك باسمه لم تتحرك بذاته ولا ما في القلب هنا ذاته # وفى الصحيح عن انس ( ان نقش خاتم النبى كان ثلاثة اسطر الله سطر ورسول ~~سطر ومحمد سطر ( فمعلوم ان مراده بلفظ الله هو النقش المنقوش في الخاتم ~~المطابق للفظ الدال على المعنى المعروف بالقلب المطابق للموجود في نفس ~~الامر # فهذه الاسماء العائدة إلى الله تعالى في كل موضع اقترن بها ما بين المراد ~~ولم يكن في شيء من ذلك التباس فكذلك لفظ بيته وقلنا المساجد بيوت الله فيها ~~ما بنى للقلوب والالسنة من معرفته والايمان به وذكره ودعائه والانوار التى ~~يجعلها في قلوب المؤمنين كما في قوله تعالى @QB@ الله نور السماوات والأرض ~~@QE@ ثم قال @QB@ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة @QE@ إلى ~~قوله @QB@ في بيوت أذن الله أن ترفع @QE@ فبين أن هذا النور في هذه القلوب ~~وفى هذه البيوت كما جاء في الاثر ( ان المساجد تضى لاهل السماوات كما تضىء ~~الكواكب لاهل الأرض ( واذا كان كذلك فقول القائل لو كانت هذه الاسماء حقيقة ~~PageV20P434 فيما ذكر لكان اللفظ مشتركا يقال له ما تعني باللفظ المشترك ~~تعني به ما هو الاشتراك االلفظي وهو مذكور في كتابك حيث قلت في تقسيم ~~الألفاظ الاسم إما أن يكون واحدا أو متعددا فان كان واحدا فمفهومه ينقسم ~~على وجوه القسمة الأولى انه إما ان يكون بحيث يصح ان يشترك في مفهومه أو ~~لايصح فان كان الأول فهو طلبي وذكر تمامه بكلام بعضه حق وبعضه باطل اتبع ~~فيه المنطقيين ثم قال أما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه فهو ~~الجزئي وذكر أنه العلم خاصة وقسمه تقسيم النحاة # ثم قال واما إن كان الاسم واحدا والمسمى مختلفا فاما أن يكون موضوعا على ~~الكل حقيقة بالوضع الأول أو هو مستعار في ms6113 بعضها فان كان الأول فهو المشترك ~~وسواء كانت المسميات متباينة كالجون للسواد والبياض أو غير متباينة كما إذا ~~اطلقنا اسم الأسود على شخص بطريقة العلمية وبطريق الاشتقاق من السواد وإن ~~كان الثاني فهو مجاز فان أردت هذا فالمشترك هو الاسم الواحد الذي يختلف ~~مسماه ويكون موضوعا على الكل حقيقة بالوضع الأول وتقسيم هذا ان يكون المسمى ~~واحدا ويكون كليا وجزئيا كما ذكرته # وحينئذ فيقال لك لانسلم ان هذه الأسماء اذا كانت حقيقة فيما ذكر من الصور ~~كان اللفظ مشتركا وذلك لأن هذا التقسيم إنما PageV20P435 يصح في واحد يكون ~~معناه اما واحدا واما متعددا ونحن لا نسلم ان مورد النزاع داخل فيما ذكرته ~~فانما يصح هذا اذا كان اللفظ واحدا في الموضعين وليس الامر كذلك فان اللفظ ~~المذكور في محل النزاع هو لفظ ظهر الطريق ومتنها وجناح السفر ونحو ذلك وهذا ~~اللفظ ليس له الا معنى واحد ليس معناه متعددا مختلفا بل حيث وجد هذا اللفظ ~~كان معناه واحدا كسائر الاسماء # فان قلت لكن لفظ الظهر والمتن والجناح يوجد له معنى غير هذا # قيل لفظ ظهر الطريق وجناحها ليس هو لفظ ظهر الانسان وجناح الطائر ولا ~~اجنحة الملائكة ولفظ الظهر والطريق معرف باللام الدالة على معروف يدل اللفظ ~~عليه وهو ظهر الانسان مثلا ليس هو مثل لفظ الطريق بل هذا اللفظ مغاير لهذا ~~اللفظ فلا يجوز ان يقال اللفظ في موضع واحد بل ابلغ من هذا ان لفظ الظهر ~~يستعمل في جميع الحيوان حقيقة بالاتفاق ومع هذا فكثير من الناس قد لا يسبق ~~إلى ذهنهم الا ظهر الانسان لايخطر بقلبه ظهر الكلب ولا ظهر الثعلب والذئب ~~وبنات عرس وظهر النملة والقملة وذلك لان ظهر الانسان هو الذى يتصورونه ~~ويعبرون عنه كثيرا في عامة كلامهم معرفا باللام ينصرف إلى الظهر المعروف ~~PageV20P436 ولهذا كانت الايمان عند الفقهاء تنصرف إلى ما يعرفه المخاطب ~~بلغته وان كان اللفظ يستعمل في غيره حقيقة ايضا كما اذا حلف لا ياكل الرؤوس ~~فاما ان يراد به رؤوس الانعام ms6114 أو رؤوس الغنم أو الراس الذى يؤكل في العادة ~~وكذلك لفظ البيض يراد به البيض الذى يعرفونه فاما راس النمل والبراغيث ونحو ~~ذلك فلا يدخل في اللفظ ولا يدخل بيض السمك في اليمين وان كان ذلك حقيقة اذا ~~قيل بيض النمل وبيض السمك بالاضافة # وكذلك اذا قال بعتك بعشرة دراهم أو دنانير انصرف الاطلاق إلى ما يعرفونه ~~من مسمى هذا اللفظ في مثل ذلك العقد في ذلك المكان حتى انه في المكان ~~الواحد يكون لفظ الدينار يراد به ثمن بعض السلع الذهب الخالص وفي سلعة اخرى ~~ذهب مغشوش وفى سلعة اخرى مقدار من الدراهم فيحمل العقد المطلق على ما يعرفه ~~المتبايعان باتفاق الفقهاء وان كان اللفظ انما يستعمل في غيره بما يبين ~~معناه فكيف اذا كان نفس اللفظ متغايرا كلفظ ظهر الانسان وظهر الطريق وراس ~~الانسان وراس الدرب وراس المال أو راس العين أو قيد احدهما بالتعريف كلفظ ~~الظهر وقيد الاخر بالاضافة وكان اللام يوجب ارادة المعروف عند المخاطب ~~والاضافة توجب الاختصاص بالمضاف إليه فالمعروف باللام ليس هو المعرف ~~بالاضافة لا لفظا ولا معنى PageV20P437 وقد يكون التعريف باللام في ~~الموضعين ومع هذا يختلف المعنى كما في لفظ الرسول لان جزء الدلالة معرفة ~~المخاطب وهو حقيقة في الموضعين فكيف يكون تعريف الاضافة مع نعريف اللام فقد ~~تبين انه ليس اللفظ الدال على ظهر الانسان هو اللفظ الدال على ظهر الطريق ~~وحينئذ فلا يلزم من اختلاف معنى اللفظين ان يكون مشتركا لان الاشتراك ~~لايكون في لفظ واحد اختلف معناه وليس الامر كذلك # فان قيل فهذا يوجب ان لايكون في اللغة لفظ مشترك اشتراكا لفظيا فان اللفظ ~~المشترك لا يستعمل الا مقرونا بما يبين أحد المعنيين قيل اما ان يكون هذا ~~لازما واما ان لا يكون فان لم يكن لازما بطل السؤال وان كان لازما التزامنا ~~قول من ينفى الاشتراك اذا كان الامر كذلك كما يلتزم قول من ينفى المجاز # فان قيل كيف تمنعون ثبوت الاشتراك وقد قام الدليل على وجوده # قيل لا ms6115 نسلم انه قام دليل على وجوده على الوجه الذي ادعوه وصاحب الكتاب ~~ابى الحسين الامدى يعترف بضعف أدلة مثبتيه وقد ذكر لنفسه دليلا هو اضعف مما ~~ذكره غيره فانه قال في مسائله PageV20P438 ( المسألة الأولى ( اختلف الناس ~~في اللفظ المشترك هل له وجود في اللغة فاثبته قوم ونفاه آخرون قال والمختار ~~جواز وقوعه اما الخطابي العقلى فلا يمتنع من واضع واحد وان يتفق وضع قبيلة ~~للاسم على معناه ووضع أخرى له بازاء معنى آخر من غير شعور كل واحدة بما ~~وضعت الاخرى ثم يشتهر الوضعان لخفاء سببه قال وهو الاشبه # قال واما بيان الوقوع انه لو لم تكن الالفاظ المشتركة واقعة في اللغة مع ~~ان المسببات غير متناهية والاسماء متناهية ضرورة تركيبها من الحروف ~~المتناهية لخلت اكثر المسميات عن الفاظ الاسماء الدالة عليها مع الحاجة ~~اليها وهو ممتنع قال وهو غير سديد من حيث ان الاسماء ان كانت مركبة من ~~الحروف المتناهية فلا يلزم ان تكون متناهية الا ان يكون ما يحصل من تضاعف ~~التركيبات متناهية فلا نسلم ان المسميات المتضادة والمختلفة وهى التى يكون ~~اللفظ مشتركا بالنسبة اليها غير متناهية وان كانت غير متناهية غير ان وضع ~~الاسماء على مسمياتها مشروط بكون كل واحد من المسميات مقصودا بالوضع وما ~~لانهاية له مما يستحيل فيه ذلك وان سلمنا انه غير ممتنع ولكن لا يلزم من ~~ذلك الوضع # ولهذا ياتى كثير من المعانى لم تضع العرب بازائها الفاظا تدل عليها بطريق ~~الاشتراك ولا التفضيل كانواع الروائح وكثير من الصفات PageV20P439 # قال وقال أبو الحسين البصرى أطلق اهل اللغة اسم ( القرء ( على الحيض ~~والطهر وهما ضدان فدل على وقوع الاسم المشترك في اللغة # قال ولقائل ان يقول القول بكونه مشتركا غير منقول عن اهل الوضع بل غاية ~~الموضوع اتحاد الاسم وتعدد المسمى ولعله اطلق عليها باعتبار معنى واحد ~~مشترك بيتهما لا باعتبار اختلاف حقيقتهما أو انه حقيقة في احداهما مجاز في ~~الاخرى وان خفى علينا موضع الحقيقة والمجاز وهذا هو الاولى اما بالنظر إلى ms6116 ~~الاحتمال الاول فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك واما بالنظر إلى الاحتمال ~~( الثاني ) فلان التجوز اولى من الاشتراك كما ياتى في موضعه # قال والاقرب من ذلك اتفاق اجماع الكل على اطلاق اسم الوجود على القديم ~~والحادث حقيقة ولو كان مجازا في احدهما لصح نفيه اذ هي امارة المجاز وهو ~~ممتنع وعند ذلك فاما ان يكون اسم الوجود دالا على ذات الرب أو على حقيقة ~~زائدة على ذاته # فان كان الاول فلا يخفى ان ذات الرب مخالفة بذاتها لما سواها من ~~الموجودات الحادثة والا لوجب الاشتراك بينها وبين ما شاركها في معناها في ~~الوجوب ضرورة التساوى في مفهوم الذات وهو محال # وان كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على ذات الرب تعالى PageV20P440 فاما ~~ان يكون المفهوم منها هو المهوم من اسم الوجود في الحوادث واما خلافه ~~فالأول يلزم منه ان يكون مسمى الوجود في الوجود واجبا لذاته ضرورة ان وجود ~~الباري واجب لذاته أو ان يكون وجود الرب ممكنا ضرورة امكان وجود ما سوى ~~الله وهو محال وان كان الثانى لزم منه الاشتراك وهو المطلوب # فهذا في دليله وهو في غاية الضعف فانه مبنى على مقدمتين على ان اسم ~~الوجود حقيقة في الواجب والممكن وان ذلك يستلزم الاشتراك # والمقدمة الثانية باطلة قطعا # والأولى فيها نزاع خلاف ما دعاه من الإجماع # فمن الناس من قال ان كل اسم تسمى به المخلوق لا يسمى به الخالق الا مجازا ~~حتى لفظ الشيء وهو قول جهم ومن وافقه من الباطنية وهؤلاء لا يسمونه موجودا ~~ولا شيئا ولا غير ذلك من الاسماء # ومن الناس من عكس وقال بل كلما يسمى به الرب فهو حقيقة ومجاز في غيره وهو ~~قول ابى العباس الناشي من المعتزلة PageV20P441 # والجمهور قالوا انه حقيقة فيهما لكن أكثرهم قالوا انه متواطىء التواطىء ~~العام أو مشككا ان جعل المشكك نوعا آخر وهو غير التواطىء الخاص الذي تتماثل ~~معانيه في موارد الفاظه وانما جعله مشتركا شرذمة من المتاخرين لا يعرف هذا ~~القول عن طائفة كبيرة ms6117 ولا نظار مشهورين # ومن حكى ذلك عن الاشعرى كما حكاه الرازي فقد غلط فان مذهب الرجل وعامة ~~اصحابه ان الوجود اسم عام ينقسم إلى قديم وحادث ولكن مذهبه ان وجود كل شيء ~~عين ماهيته وهذا مذهب جماهير العقلاء من المسلمين وغيرهم فظن الظان ان هذا ~~يستلزم ( ان يكون ) اللفظ مشتركا كما احتج به الآمدي وذلك غلط كما قد ~~بسطناه في موضعه وهو يتبين بالكلام على حجته # وقوله اما ان يكون اسم الوجود دالا على الذات أو على صفة زائدة على الذات # يقال له اتريد به لفظ الوجود العام به لفظ الوجودالعام المنقسم إلى واجب ~~وممكن أم لفظ الوجود الخاص كما يقال وجود الواجب ووجود الممكن فانه من ~~المعلوم ان الاسماء التى يسمى بها الرب وغيره بل كل PageV20P442 مسميين ~~تارة تعتبر مطلقة عامة تتناول النوعين وتارة تعتبر مقيدة بهذا المسمى # ولفظ الحي والعليم والقدير والسميع والبصير والموجود والشيء والذات اذا ~~كان عاما يتناول الواجب واذا قيل @QB@ وتوكل على الحي الذي لا يموت @QE@ ~~@QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ @QB@ وهو العليم الحكيم @QE@ ~~ونحو ذلك مما يختص بالرب لم يتناول ذلك الخلوق كما إذا قيل @QB@ يخرج الحي ~~من الميت @QE@ لم يدخل الخالق في اسم هذا الحي # وكذلك اذا قيل العلم والقدرة والكلام والاستواء والنزول ونحو ذلك تارة ~~يذكر مطلقا عاما وتارة يقال علم الله وقدرته وكلامه ونزوله واستواؤه فهذا ~~يختص بالخالق لا يشركه فيه المخلوق كما إذا قيل علم المخلوق وقدرته وكلامه ~~ونزوله واستواؤه فهذا يختص بالمخلوق ولا يشركه فيه الخالق فالاضافة أو ~~التعريف خصص وميز وقطع الاشتراك بين الخالق والمخلوق # وكذلك اذا قيل لفظ الوجود مطلقا وقيل وجود الواجب ووجود الممكن فهذه ~~ثلاثة معان فاذا قيل وجود العبد وذاته وماهيته وحقيقته كان ذلك مختصا به ~~دالا على ذاته المختصة به المتصفة بصفاته PageV20P443 # وكذلك اذا قيل وجود الرب ونفسه وذاته وماهيته وحقيقته كان دالا على ما ~~يختص بالرب وهو نفسه المتصفة بصفاته # فقوله اسم الوجود اما ان يكون دالا على ذات الرب ms6118 أو صفة زائدة يقال له ان ~~اردت لفظ الوجود المطلق العام الذي يتناول الواجب والممكن فهذا لا يدل على ~~ما يختص بالواجب ولا على ما يختص بالممكن بل يدل على المشترك الكلي ~~والمشترك الكلي انما يكون مشتركا كليا في الذهن واللفظ والا فليس في الخارج ~~شيء هو نفسه كلي مع كونه في الخارج # وهذا كما اذا قيل الذات والنفس بحيث يعم الواجب والممكن فانما يدل على ~~المعنى العام الكلي لا على ما يختص بواحد منهما كما اذا قيل الوجود ينقسم ~~إلى واجب وممكن والذات تنقسم إلى واجب وممكن ونحو ذلك واما ان اريد بالوجود ~~ما يعمهما جميعا كما اذا قيل الوجود كله واجبه وممكنه أو الوجود الواجب ~~والممكن فهنا يدل على ما يختص بكل منهما كما اذا قيل وجود الواجب ووجود ~~الممكن # ففي الجملة اللفظ اما ان يدل على المشترك فقط كالوجود المنقسم أو على ~~المميز فقط كقول وجود الواجب وقول وجود الممكن PageV20P444 او عليها كقولك ~~الوجود كله واحبه وممكنه والوجود الواجب والممكن وعلى كل تقدير فلا يلزم ~~الاشتراك # وقوله اذا كان دالا على ذات الرب فذاته مخالفة لما سواها من الموجودات ~~يقال لفظ الوجود المطلق المنقسم لا يدل على ما يختص بالرب واما لفظ الوجود ~~الخاص لوجود الرب أو العام كقولنا الوجود الواجب والممكن ونحو ذلك فهذا يدل ~~على ما يختص بذات الرب وان كان مخالفا لذات غيره كما ان لفظ ذات الرب وذات ~~العبد تدل على ما يختص بالرب وبالعبد وان كان حقيقة هذا مخالفا لحقيقة هذا ~~فكذلك لفظ الوجود يدل عليهما مع اختلاف حقيقة الموجودين # فان قيل اذا كان حقيقة هذا الوجود يخالف حقيقة هذا الوجود كان اللفظ ~~مشتركا قيل هذا غلط منه نشا غلط هذا وامثاله وذلك ان جميع الحقائق المختلفة ~~تتفق في اسماء عامة تتناول بطريق التواطىء والتشكيك كلفظ اللون فانه يتناول ~~السواد والبياض والحمرة مع اختلاف حقائق الالوان # وكذلك لفظ الصفة والعرض والمعنى يتناول العلم والقدرة والحياة والطعم ~~واللون والريح مع اختلاف حقائق الالوان ms6119 PageV20P445 # وكذلك لفظ الحيوان يتناول الانسان والبهيمة مع اختلاف حقائقهما فلفظ ~~الوجود اولى بذلك # وذلك ان هذه الحقائق المختلفة قد تشترك في معنى عام يشملها ويكون اللفظ ~~دالا على ذلك المعنى كلفظ اللون ثم بالتخصيص يتناول ما يختص بكل واحد كما ~~يقال لون الاسود ولون الابيض وقيل وجود الرب ووجود العبد ولو تكلم بالاسم ~~العام المتناول لأفراده كما إذا قيل اللون أو الالوان أو الحيوان والعرض أو ~~الوجود يتناول جميع ما دخل في اللفظ وان كانت حقائق مختلفة لشمول اللفظ لها ~~كسائر الالفاظ العامة وان كانت افرادها تختلف باعتبار آخر من جهة اللفظ ~~العام # وايضا فقوله ان كان مدلول اسم الوجود صفة فان كان المفهوم واحدا في ~~الواجب والممكن لزم كون الواجب ممكنا والممكن واجبا والالزم الاشتراك # يقال له اتعنى مدلول الاسم الوجود المطلق أو المقيد المضاف كما اذا قيل ~~وجود الواجب ووجود الممكن فان عنيت الاول فالمفهوم واحد ولا يلزم تماثلهما ~~في الموضعين وان كان ما في الذهن من معنى الوجود مماثلا لا يلزم ان يكون ما ~~في الخارج منه متماثلا PageV20P446 وانما يلزم ان يطابق الاثنين ويعمهما ~~فقط كسائر الالفاظ المتواطئة المشككة اذا قيل السواد شارك سواد القار ~~والحبر مع عدم تماثلهما واذا قيل الابيض والاحمر ونحو ذلك يتناول الكامل ~~والناقص وكذلك اسم الحى يتناول حياة الملائكة وحياة اهل الجنة وحياة الذباب ~~والبعوض مع عدم تماثلهما فكيف يكون وجود الرب أو علمه أو قدرته مماثلا ~~لوجود المخلوق وعلمه وقدرته اذ يشملها اسم الوجود المطلق أو العلم المطلق ~~أو القدرة المطلقة # وان قال بل اعنى به الوجود المقيد مثل قولنا وجود الواجب ووجود الممكن # قيل هنا المفهوم يختلف لاختصاص كل منهما بلفظ قيد به الوجود وهو الاضافة ~~فهذه الاضافة المقيدة تمنع التماثل ولا يلزم من ذلك الاشتراك اللفظي فان ~~الاختلاف هنا يحصل في نفس لفظ الوجود بل الاضافة الزائدة على اللفظ ~~والاضافة أو التعريف كقولنا وجود الرب أو وجود الواجب ووجود المخلوق أو ~~وجود الممكن ونحو ذلك # فهذا الذى احتج به ms6120 على الاشتراك فيما يسمى به الرب والعبد يلزم منه ~~الاشتراك في سائر الاسماء العامة وهي من جنس الحجة التى PageV20P447 احتج ~~بها على المجاز حيث قال ان كان اللفظ حقيقة في الموضعين لزم الاشتراك وهو ~~غلط فان الذي دل على خصوص هذا المعنى ليس هو الذى دل على خصوص ذاك بل ~~الزائد على اللفظ # فإذا قيل وجود الرب ووجود العبد فهو من جنس ظهر الانسان وظهر الفرس كما ~~تقول ظهر الانسان وظهر الطريق يعنى جميع هذه المواضع الدال على ما يخالف به ~~هذا هو مما يختص بكل موضع لا مجرد اللفظ المشترك بل المشترك يدل على ~~المشترك والمختص يدل على المختص وهذا يقتضى ان بين الظهرين جهة اتفاق ~~وافتراق وكذلك بين الوجودين جهة اتفاق وافتراق وهو الذى يعنى به الاشتراك ~~والامتياز لكن بعض الناس يظن ان المشترك بينهما موجود في الخارج مشتركا ~~بينهما وذلك غلط بل كل واحد مختص بالخارج ولكن الذهن ياخذ منهما قدرا ~~مشتركا كليا ويقال هما مشتركان في الوجود والحيوانية والانسانية كما قال ~~تعالى @QB@ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون @QE@ وقال ~~@QB@ فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون @QE@ فالعذاب الذي يصيب الاخر هو نظيره ~~وهو من حنسه اشتراكا في جنس العذاب ليس في الخارج شيء بعينه يشتركان فيه ~~ولكن اشتركا في العذاب الخاص بمعنى ان كل واحد له منه نصيب كالمشتركين في ~~العقار ونحو ذلك PageV20P448 # الجواب السادس ان يقال منع ( المقدمة الثانية ( قوله لوكان مشتركا لما ~~سبق إلى الفهم عند اطلاق هذه الالفاظ البعض دون البعض ضرورة التساوى في ~~الأدلة الحقيقية ولا شك ان السابق إلى الفهم من اطلاق لفظ الاسد انما ~~هوالسبع ومن اطلاق لفظ الحمار انما هوالبهيمة وكذلك ما في الضرورة # فيقال اطلاق لفظ الاسد والحمار المعرف بالالف واللام ينصرف إلى ما يعرفة ~~المتكلم اوالمخاطب واذا كان المعرف هوالبهيمة انصرف اليها وهذا هو المعروف ~~عند اكثر الناس في اكثر الاوقات ولا يلزم من ذلك اذا كان معرفا يوجب ~~انصرافه إلى البليد والشجاع ولا يكون حقيقة ms6121 ايضا كقول ابى بكر لاها الله ~~اذا لا يعمد إلى اسد من اسد يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه وكما اشير إلى ~~شخص وقيل هذا الاسد أو إلى بليد وقيل هذا الحمار فالتعريف هنا عينه وقطع ~~ارادة غيره كما ان لفظ الرؤوس والبيض والبيوت وغير ذلك ينصرف عند الاطلاق ~~إلى الرؤوس والبيض الذى يؤكل في العادة والبيوت إلى مساكن الناس ثم اذا قيل ~~بيت العنكبوت وبيض النمل ورؤوس الجراد كان أيضا حقيقة باتفاق الناس # الجواب السابع ان يقال انت جعلت دليل الحقيقة ان يسبق إلى الفهم عند ~~اطلاق اللفظ فاعتبرت في المستمع السابق إلى فهمه PageV20P449 وفى المتكلم ~~اطلاق لفظه وهذا لا ضابط له فانه انما يسبق إلى فهم المستمع في كل موضع ما ~~دل عليه دليل في ذلك الموضع فاذا قال ظهر الطريق ومتنها لم يسبق إلى فهمه ~~ظهر الحيوان البتة بل ممتنع عنده ارادته # الجواب الثامن قولك من اطلاق جميع اللفظ كلام مجمل فان اردت كون اللفظ ~~مطلقا عن القيود فهذا لا يوجد قط فان النظر انما هو في الاسماء الموجودة في ~~كلام كل متكلم كلام الله وملائكته وأنبيائه والجن وسائر بنى آدم والامم ~~لايوجد الا مقرونا بغيره اما في ضمن جملة اسمية أو فعلية ولا يوجد الا من ~~متكلم ولا يستدل به الا اذا عرفت عادة ذلك المتكلم في مثل ذلك اللفظ فهنا ~~لفظ مقيد مقرون بغيره من الالفاظ ومتكلم قد عرفت عادته ومستمع قد عرف عادة ~~المتكلم بذلك اللفظ فهذه القيود لا بد منها في كلام يفهم معناه فلا يكون ~~اللفظ مطلقا عنه فان اراد انه مطلق عن قيد دون قيد لم يكن ما ذكره دالا على ~~ذلك فعلم ان قوله يرجع إلى مايفهم من اطلاق اللفظ # الجواب التاسع ان يقال له اذكر أي قيد شئت وفرق بين مقيد ومقيد فلا يذكر ~~شيئا الا انتقض وابين لك من الحدود التى تذكرها فارقة بين الحقيقة والمجاز ~~ان ما جعلته حقيقة تجعله مجازا وما PageV20P450 جعلته مجازا تجعله حقيقة ~~وان ms6122 المتكلم الفارق بين هذا وهذا بالاطلاق والتقييد تكلم بكلام من لا يتصور ~~ما يقول فضلا عن ان يمكنه التعبير عنه فان التعبير فرع التصور فمن لم يتصور ~~ما يقول لم يقل شيئا لا كان خطأ ### ||| فصل # واما حجته الثانية فقوله كيف وان اهل الاعصار لم تزل تتناقل في اقوالها ~~وكتبها عن اهل الوضع تسمية هذا حقيقة وهذا مجازا # فيقال هذا مما يعلم بطلانه قطعا فلم ينقل أحد قط عن اهل الوضع انهم قالوا ~~هذا حقيقة وهذا مجاز وهذا معلوم بالاضطرار ان هذا لم يقع من اهل الوضع ولا ~~نقله عنهم أحد ممن نقل لغتهم بل ولا ذكر هذا أحد عن الصحابة الذين فسروا ~~القران وبينوا معانيه وما يدل في كل موضع فليس منهم أحد قال هذا اللفظ ~~حقيقة وهذا مجاز ولا ما يشبه ذلك لا بن مسعود واصحابه ولا بن عباس واصحابه ~~ولا زيد بن ثابت واصحابه ولا من بعدهم ولا مجاهد ولا سعيد بن جبير ولا ~~عكرمه ولاالضحاك ولا طاوس ولا السدى ولاقتادة ولا غير هؤلاء ولا أحد من ~~أئمة الفقه كالائمة PageV20P451 الاربعة وغيرهم ولا الثورى ولا الاوزاعى ~~ولا الليث بن سعد ولا غيره وانما وجد في كلام أحمد بن حنبل لكن بمعنى اخر ~~كما انه وجد في كلام ابى عبيدة معمر بن المثنى بمعنى أخر # ولم يوجد ايضا تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز في كلام أئمة النحو واللغة ~~كابى عمرو بن العلاء وابى عمرو الشيبانى وابى زيد والاصمعى والخليل وسيبويه ~~والكسائي والفراء ولا يعلمه أحد من هؤلاء عن العرب # وهذا يعلمه بالاضطرار من طلب علم ذلك كما يعلم بالاضطرار عند العرب انها ~~لم تتكلم باصطلاح النحاة التى قسمت بعض الالفاظ فاعلا واللفظ الاخر مفعولا ~~ولفظا ثالثا مصدرا وقسمت بعض الألفاظ معربا وبعضها مبنيا لكن يعلم ان هذا ~~اصطلاح النحاة لكنه اصطلاح مستقيم المعنى بخلاف من اصطلح على لفظ الحقيقة ~~والمجاز فانه اصطلاح حادث وليس بمستقيم في هذا المعنى إذ ليس بين هذا وهذا ~~فرق في نفس الامر حتى ms6123 يخص هذا بلفظ وهذا بلفظ بل أي معنى خصوا به اسم ~~الحقيقة وجد فيما سموه مجازا واى معنى خصوا به اسم المجاز يوجد فيما سموه ~~حقيقة ولا يمكنهم ان ياتوا بما يميز بين النوعين # وليسوا مطالبين بما يقال ان حد الحقيقى مركب من الجنس PageV20P452 والفصل ~~فان هذا لو كان حقا لم يطالبوا به فكيف اذا كان باطلا بل المطلوب التمييز ~~بين المسميين وهو معنى الحد اللفظى كما يميز بين مسمي الاسم المعرب والمبنى ~~والفاعل والمفعول ويميز بين مسميات سائر الاسماء فيطالبون بما يميزون بين ~~ما سموه حقيقة وما سموه مجازا وهذا منتف في نفس الأمر إذ ليس في نفس الأمر ~~نوعان ينفصل أحدهما عن الآخر حتى يسمى هذا حقيقة وهذا مجازا وهذا بحث عقلى ~~غير البحث اللفظى فانهم يعترفون بان النزاع في المسألة لفظى # وقد ظنوا ان هذه التسمية والفرق منقول عن العرب وغلطوا في ذلك كما يغلط ~~من يظن ان هذه التسمية والفرق يوجد في كلام الصحابة والتابعين وائمة العلم ~~وان هذا ذكره الشافعى أو غيره من العلماء اوتكلم به واحد من هؤلاء فان هذا ~~غلط يشبه ان الواحد تربى على اصطلاح اصطلحه طائفة فيظن ان المتقدمين من اهل ~~العلم كان هذا اصطلاحهم # ومن ظن ان العرب قسمت هذا التقسيم أو ان هذا اخذ عنها توقيف كما يوجد في ~~كلام طائفة من المصنفين في اصول الفقه فغلطه اظهر وقد وجد في كلام طائفة ~~كابى الحسين البصرى والقاضى ابى الطيب والقاضى ابى يعلى وغيرهم PageV20P453 ~~واعجب من هذا دعوى تواتر هذا عن أهل الوضع وعن اهل الاعصار لم يزل يتناقل ~~في اقوالها وكتبها عن اهل الوضع تسمية هذا حقيقة وهذا مجازا وهذا التواتر ~~الذى ادعاه لا يمكنه ولا غيره ان ياتى بخبر واحد فضلا عن هذا التواتر الذى ~~ادعاه ### ||| فصل # واما حجة النفاة التى ذكرها فانه قال فان قيل لو كان في لغة العرب لفظ ~~مجازى فاما ان يقيد معناه بقرينة اولا يقيد بقرينة فان كان الاول فهو مع ~~القرينة لا ms6124 يحتمل غير ذلك فكان مع القرينة حقيقة في ذلك المعنى وان كان ~~الثانى فهو ايضا حقيقة اذ لا معنى للحقيقة الا ما يكون مستقلا بالافادة من ~~غير قرينة ثم قال قلنا جواب الاول ان المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة الا ~~بقرينة ولا معنى للمجاز الا هذا والنزاع في ذلك لفظى كيف وان المجاز ~~والحقيقة من صفات الالفاظ دون القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة ~~للمجموع # فيقال هو قد سلم ان النزاع لفظى فيقال اذا كان النزاع لفظيا وهذا التفريق ~~اصطلاح حادث لم يتكلم به العرب ولا امة من الامم ولا الصحابة والتابعون ولا ~~السلف كان المتكلم بالالفاظ الموجودة التى تكلموا بها ونزل بها القران اولى ~~من المتكلم باصطلاح PageV20P454 حادث لو لم يكن فيه مفسدة واذا كان فيه ~~مفاسد كان ينبغى تركه لو كان الفرق معقولا فكيف اذا كان الفرق غير معقول ~~وفيه مفاسد شرعية وهو احداث في اللغة كان باطلا عقلا وشرعا ولغة اما العقل ~~فانه لا يتميز فيه هذا عن هذا واما الشرع فان فيه مفاسد يوجب الشرع ازالتها ~~واما اللغة فلان تغيير الاوضاع اللغوية غير مصلحة راجحة بل مع وجود المفسدة # فان قيل وما المفاسد # قيل من المفاسد ان لفظ المجاز المقابل للحقيقة سواء جعل من عوارض الالفاظ ~~أو من عوارض الاستعمال يفهم ويوهم نقص درجة المجاز عن درجة الحقيقة لاسيما ~~ومن علامات المجاز صحة اطلاق نفيه فاذا قال القائل ان الله تعالى ليس برحيم ~~ولا برحمن لا حقيقة بل مجاز إلى غير ذلك مما يطلقونه على كثير من اسمائه ~~وصفاته وقال ( لا اله الا الله ( مجاز لا حقيقة كما ذكر هذا الامدى من ان ~~العموم المخصوص مجاز وقال من جهة منازعه فان قيل لو قال ( لا اله ( تامة ~~مطلقة يكون كفرا ولو اقترن به الاستثناء وهو قوله ( الا الله ( كان ايمانا ~~وكذلك لو قال لزوجته انت طالق كانت مطلقة بتنجيز الطلاق ولو اقترن به الشرط ~~وهو قوله ان دخلت الدار كان PageV20P455 تعليقا مع ان الاستثناء والشرط ms6125 له ~~معنى ولولا الدلالة والوضع لما كان كذلك # قلنا لا نسلم التغيير في الوضع بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه من جهة ~~اطلاقه إلى غيره بالقرينة فقد تكلم في ( لا اله الا الله ( اذا كانت من ~~مورد النزاع فانه يزعم ان كل عام خص ولو بالاستثناء كان مجازا فيكون ( لا ~~اله الا الله ( عنده مجازا # ومعلوم ان هذا الكلام من اعظم المنكرات في الشرع وقائله إلى ان يستتاب ~~فان تاب والا قتل اقرب منه إلى ان يجعل من علماء المسلمين ثم هذا القائل ~~مفتر على اللغة والشرع والعقل فان العرب لم تتكلم بلفظ ( لا اله ( مجردا ~~ولا كانوا نافين للصانع حتى يقولوا ( لا اله ( بل كانوا يجعلون مع الله ~~آلهة اخرى قال تعالى ( أإنكم لتشهدون ان مع الله آلهة اخرى قل لا اشهد ) ~~ولهذا قالوا ( اجعل الآلهة الها واحدا ان هذا لشيء عجاب ) # والقرآن كله يثبت توحيد الالهية ويعيب عليهم الشرك وقد تواتر عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه اول مادعى الخلق إلى شهادة أن لا اله الا الله وقال ( ~~أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ( ~~والمشركون لم يكونوا ينازعونه في PageV20P456 الاثبات بل في النفي فكان ~~الرسول والمشركون متفقين على اثبات إلهية الله وكان الرسول ينفى إلهية ما ~~سوى الله وهم يثبتون فلم يتكلم أحد لا من المسلمين ولا من المشركين بهذه ~~الكلمة إلا لاثبات إلهية الله ولنفى إلهية ماسواه والمشركون كانوا يثبتون ~~إلهية ما سواه مع إلهيته أما الآلهة مطلقا بهذا المعنى فلم يكونوا مما ~~يعتقدونه حتي يعبروا عنه فكيف يقال هذا المعنى هو الذى وضعوا له هذا اللفظ ~~في اصل لغتهم # وأما قول القائل لانسلم تغيير الدلالة بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه من ~~جهة إطلاقه إلى غيره بالقرينة # فيقال له هذه مغلطة فانه في حال القيد لم يكن مطلقا وهو لا يقتضي النفي ~~العام إذا كان مطلقا غير مقيد فأما مع القيد فقوله ( لا اله الا الله ( ~~اللفظ ms6126 مطلقا فكيف يقال إنه صرف عما كان يقتضيه لو كان مطلقا فلو كان مطلقا ~~لكان يقتضي النفي العام فبالتقييد زال الاطلاق المقتضى لذلك وهذا معنى ~~تغيير الدلالة فانه لو كان له دلالة عند الاطلاق بطلت وصارت له دلالة أخرى ~~عند التقييد والاستثناء فخرج من اللفظ ما لولاه لدخل في اللفظ عند الجمهور ~~القائلين بالعموم وعند اهل الوقف فخرج من اللفظ ما لولاه لصلح ان يدخل فعلى ~~القولين لا يخرج من اللفظ ما دخل بل ما لولا الاستثناء لكان الاستثناء ~~PageV20P457 يمنع ذلك الاقتضاء فلم يبق اللفظ مع الاستثناء مقتضيا لنفي ~~المستثني البتة كما أنه لم يبق مقتضيا بقوله صرفه عن مقتضاه من جهة اطلاقه ~~ليس بسديد فانه لو كان مقتضيا مطلقا لم يكن هناك استثناء ولا يصرف شيء واذا ~~لم يكن مطلقا بل مقيدا بالاستثناء فليس هناك اطلاق يكون له اقتضاء ولا هناك ~~لفظ يقتضى نفي المستثنى ولا هناك مستثنى منفي # وايضا من مفاسد هذا جعل عامة القرآن مجازا كما صنف بعضهم مجازات القراءات ~~وكما يكثرون من تسمية آيات القرآن مجازا وذلك يفهم ويوهم المعانى الفاسدة ~~هذا اذا كان ما ذكروه من المعانى صحيحا فكيف واكثر هؤلاء يجعلون ما ليس ~~بمجاز مجازا وينفون ما أثبته الله من المعانى الثابتة ويلحدون في اسماء ~~الله وآياته كما وجد ذلك للمتوسعين في المجاز من الملاحدة اهل البدع # واما قوله كيف والمجاز والحقيقه من صفات الالفاظ دون القرائن المعنويه # فيقال أولا ليس الامر كذلك عندكم بل كثيرا ما تجعلون الحقيقة والمجاز ~~اسما للمعنى فتقولون حقيقه هذا اللفظ كذا ومجازه كذا وتقولون حقيقة هذا ~~اللفظ فتجعلونه من عوارض الالفاظ تارة ومن PageV20P458 عوارض المعنى أخرى ~~وقد تجعلونه من عوارض الاستعمال فيقال استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى ~~حقيقة وفى هذا مجاز # ثم يقال لا ضابط لهؤلاء فان منهم من يجعل استعمال اللفظ في بعض معناه ~~حقيقه ومنهم من يجعله مجازا ومنهم من يجعله حقيقه ومجازا جميعا كما قد ذكر ~~ذلك في مسأله العموم والامر اذا اريد به ms6127 الندب هو مما يبين تناقض هذا الاصل # ثم يقال هب ان هذا من عوارض الالفاظ فانما هو من عوارض اللفظ المستعمل ~~الذى اريد به معناه فقولك هو من صفات الالفاظ دون القرائن المعنويه فلا ~~تكون الحقيقة صفه للمجموع باطل من وجوه # أحدها ان اللفظ لم يدل قط الا بقرائن معنويه وهو كون المتكلم عاقلا له ~~عادة باستعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى وهو يتكلم بعادته والمستمع يعلم ذلك ~~وهذه كلها قرائن معنويه تعلم بالعقل ولا يدل اللفظ الا معها فدعوى المدعى ~~ان اللفظ يدل مع تجرده عن جميع القرائن العقليه غلط # الثانى ان يقال انت لم تفرق بين القرائن المعنويه واللفظيه فان ~~PageV20P459 العامل المخصوص بالاستثناء والشرط والصفه والبدل انما اقترن به ~~قرائن لفظيه وقد جعلته مجازا وايضا فقول النبى ( ان خالدا سيف سله الله على ~~المشركين ( وقول ابى بكر رضي الله عنه لا يعمد إلى اسد من اسد الله يقاتل ~~عن الله ورسوله وامثال ذلك وما مثلت به من قوله ظهر الطريق ومتنه هي قرائن ~~لفظية بها عرف المعنى وهو عندك مجاز # الثالث ان نقول اذكر لنا ضابطا من القرائن التى بها يكون حقيقه والقرائن ~~التى يكون بها مجازا فان هذا ممتنع لا سبيل لك إليه لبطلان الفرق في نفس ~~الامر # الرابع ان يقال هب انه مفتقر إلى قرينه معنويه فلو قيل لك الحقيقه اسم ~~لنفس اللفظ لكان يشترط ان يقترن به ما يبين معناه سواء كانت القرينه لفظيه ~~أو معنوية ولفظ الحقيقة في الموضعين اسم اللفظ لما اقترن به لم يكن ما يدفع ~~ذلك # الخامس انه لو قيل لك انا اجعل لك لفظ الحقيقة اسما للفظ ولما اقترن ~~مطلقا لم يكن لك جواب عن هذا الا ان يقول انا اجعله اسما للفظ والقرينه ~~اللفظيه دون المعنويه وهذا المعنى لو كان صحيحا لم يكن معك الا مجرد تحكم ~~قابلت به تحكما وليس تحكمك اولى PageV20P460 فكيف تجعل ذلك حجه معنويه على ~~بطلان قول خصمك # وتحقيق ذلك ( بالوجه السادس ( وهو ان يقال ms6128 قولك كيف وان المجاز والحقيقة ~~من صفات الالفاظ دون القرائن المعنويه فلا تكون الحقيقه صفه للمجموع ليس ~~فيه الا مجرد حكاية اللفظ الذى ابتدعته فاذا قال لك المنازع بل الحقيقه اسم ~~لمجموع الدال من اللفظ والقرينه المعنويه كان قد قابل اصطلاحك باصطلاحه ~~الذى هو احسن من اصطلاحك حيث سمى جميع البيان الذى علمة الله عباده حقيقه ~~وانت جعلت كثيرا منه أو اكثره مجازا # فان قلت فهذا النزاع لفظي قيل لك فهذا جوابك الاول وهو قولك النزاع في ~~ذلك لفظي # قوله لى بعد هذا جوابا آخر وهو قولك كيف وان المجاز والحقيقه من صفات ~~الالفاظ دون القرائن المعنويه فلا تكون الحقيقه صفه للمجموع يقتضي أنك ذكرت ~~جوابا ثانيا غير الاول وليس فيه الا اعادة معنى ذلك الاصطلاح هو انا ~~اصطلحنا على ان يسمى بالحقيقة اللفظ دون القرائن المعنويه فتبين أنه ليس ~~معك الا اعترافك بان النزاع لفظى فلو كان الاصطلاح مستقيما لم يكن نفاة ~~المجاز الذين سموا جميع الكلام حقيقه اذا كان قد بين به المراد بأنقص ~~PageV20P461 حالا ممن سمى ما هو من خيارالكلام واحسنه واتمه بيانا مجازا ~~وجعله فرعا في اللغه لا أصلا ووضعا حادثا غير به الوضع المتقدم وجعله تابعا ~~لغيره لا متبوعا ### ||| فصل # وقد ذكر نفاة المجاز حجه ضعيفه وهى قولهم وايضا ما من صورة من الصور الا ~~ويمكن ان يعبر عنها باللفظ الحقيقي الخاص بها فاستعمال اللفظ المجازى فيها ~~مع افتقاره إلى القرينه من غير حاجه بعيد عن اهل الحكمة والبلاغة في وضعهم # وقد أجاب عن هذا بقوله وجواب الثانى ان الفائده في استعمال اللفظ المجازي ~~دون الحقيقة قد يكون لاختصاصه بالخفه على اللسان أو لمساغته في وزن الكلام ~~لفظا ونثرا والمطابقة والمجانسة والسجع وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقي ~~للتحقيق إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة من الكلام # فيقال هذه الحجة ضعيفة والمحتج بها يلزمه ان يسلم لها انقسام الكلام إلى ~~حقيقه ومجاز لكنه يوجب استعمال الحقيقه دون المجاز وهذا يناقض قوله ليس في ~~اللغه مجاز بل ms6129 المواضع التى سموها PageV20P462 مجازا اذا ثبت استعمالها في ~~اللغة فهي كلها حقيقة على هذا القول والتعبير لبعض الحقائق يكون أحسن وأبلغ ~~من بعض ومراتب البيان والبلاغة متفاوتة وكل ذلك مما يدل عليه اللفظ بطريقة ~~الحقيقة واللفظ لا يدل الا مع قرينة ومن ظن ان الحقيقة في مثل قوله ( واسال ~~القرية ) هو سؤال الجدران فهو جاهل # وهذا البحث يشبه بحث هؤلاء كلهم ينكرون استعمال اللفظ في حال في معنى وفى ~~حال اخرى في معنى آخر كما يستعمل لفظ القرية تارة في السكان وتارة في ~~المساكن ويدعون انه لا يعنى به الا المساكن وهذا غلط وافقوا فيه اولئك لكن ~~أولئك يقولون هنا محذوف تقديره واسأل أهل القريه وأولئك يقولون بل المراد ~~واسال الجدران # والصواب ان المراد بالقرية نفس الناس المشتركين الساكنين في ذلك المكان ~~فلفظ القريه هنا أريد به هؤلاء كما في قوله تعالى @QB@ وكأين من قرية هي ~~أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم @QE@ وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة @QE@ وقوله @QB@ وكأين من قرية ~~عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا @QE@ ~~ونظائره متعددة PageV20P463 ### ||| فصل # وتمام هذا بالكلام على ما ذكره من المجاز في القرآن فانه قال يعتذر عن ~~قوله @QB@ تجري من تحتها الأنهار @QE@ والانهار غير جارية # فيقال النهر كالقرية والميزاب ونحو ذلك يراد به الحال ويراد به المحل ~~فاذا قيل حفر النهر أريد به المحل واذا قيل جرى النهر أريد به الحال # وعن قوله @QB@ واشتعل الرأس شيبا @QE@ وهو غير مشتعل كاشتعال النار فهذا ~~مسلم لكن يقال لفظ الاشتعال لم يستعمل في هذا المعنى إنما استعمل في البياض ~~الذى سرى من السواد سريان الشعلة من النار وهذا تشبيه واستعارة لكن قوله ( ~~واشتعل الراس ) استعمل فيه لفظ الاشتعال مقيدا بالراس لم يحتمل اللفظ ( في ~~) اشتعال الحطب وهذا اللفظ وهو قوله @QB@ واشتعل الرأس شيبا @QE@ لم يستعمل ~~قط في غير موضعه بل لم يستعمل الا في هذا المعنى وإن كان هذا الوضع يغير ms6130 ~~بعد وضع اشتعلت النار فلا يضر وإن قصد به تشبيه ذلك المعنى بهذا المعنى فلا ~~يضر بل هذا شأن الاسماء العامة لابد ان PageV20P464 يكون بين المعنيين قدر ~~مشترك تشتبه فيه تلك الافراد # واما تسميته استعارة فمعلوم انهم لم يستعيروا ذلك اللفظ بعينه بل ركبوا ~~لفظ ( اشتعل ) مع ( الراس ) تركيبا لم يتكلموا به ولا ارادوا به غير هذا ~~المعنى قط ولهذا لا يجوز ان يقال في مثل هذا لم يشتعل الراس شيبا بل يقال ~~ليس اشتعال الراس مثل اشتعال الحطب وان اشبهه من بعض الوجوه # قال وعن قوله @QB@ واخفض لهما جناح الذل @QE@ والذل لا جناح له # فيقال له لاريب ان الذل ليس له جناح مثل جناح الطائر كما انه ليس للطائر ~~جناح مثل اجنحة الملائكة ولا جناح الذل مثل جناح السفر لكن جناح الانسان ~~جانبه كما ان جناح الطير جانبه والولد مامور بان يخفض جانبه لابويه ويكون ~~ذلك على وجه الذل لهما لا على وجه الخفض الذي لا ذل معه وقد قال للنبى صلى ~~الله عليه وسلم ( @QB@ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين @QE@ ولم يقل ~~جناح الذل فالرسول امر بخفض جناحه وهو جانبه والولد امر بخفض جناحه ذلا ~~فلابد مع خفض جناحه ان يذل لابويه بخلاف الرسول فانه لم يؤمر بالذل فاقتران ~~الفاظ القرآن تدل على اقتران معانيه واعطاء كل معنى حقه PageV20P465 # ثم انه سبحانه كمل ذلك بقوله @QB@ من الرحمة @QE@ فهو جناح ذل من الرحمة ~~لا جناح ذل من العجز والضعف اذ الاول محمود والثانى مذموم # قال وقوله @QB@ أشهر معلومات @QE@ والاشهر ليست هي الحج فيقال معلوم أن ~~أوقات الحج أشهر معلومات ليس المراد أن نفس الافعال هي الزمان ولا يفهم هذا ~~أحد من اللفظ ولكن قد يقال في الكلام محذوف تقديره وقت الحج أشهر معلومات ~~ومن عادة العرب الحسنة في خطابها انهم يحذفون من الكلام ما يكون المذكور ~~دليلا عليه اختصارا كما انهم يوردون الكلام بزيادة تكون مبالغة في تحقيق ~~المعنى فالأول كقوله @QB@ أن اضرب بعصاك البحر فانفلق @QE@ فمعلوم ان ~~المراد ms6131 فضرب فانفلق لكن لم يحتج إلى ذكر ذلك في اللفظ إذ كان قوله قلنا ~~اضرب فانفلق دليلا على انه ضرب فانفلق وكذلك قوله @QB@ من آمن @QE@ تقديره ~~بر من آمن أو صاحب من آمن وكذلك قوله @QB@ الحج أشهر @QE@ أى أوقات الحج ~~أشهر فالمعنى متفق عليه لكن الكلام في تسمية هذا مجازا وقول القائل نفس ~~الحج ليس بأشهر إنما يتوجه لو كان هذا مدلول الكلام وليس كذلك بل مدلوله ~~عند من تكلم به أو سمعه ان أوقات الحج أشهر معلومات PageV20P466 # قال وقوله @QB@ لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد @QE@ والصلوات لا تنهدم ~~فيقال قد قيل إن الصلوات اسم لمعابد اليهود يسمونها صلوات باسم ما يفعل ~~فيها كنظائره وهو انما استعمل لفظ الصلوات في المكان مقرونا بقوله ( لهدمت ~~) والهدم انما يكون للمكان فاستعمله مع هذا اللفظ في المكان # قال وقوله @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ # فنقول لفظ الغائط في القرآن يستعمل في معناه اللغوى وهو المكان المطمئن ~~من الأرض وكانوا ينتابون الاماكن المنخفضة لذلك وهو الغائط كما يسمى خلاء ~~لقصد قاضي الحاجة الموضع الخالي ويسمى مرحاضا لاجل الرحض بالماء ونحو ذلك ~~والمجيء من الغائط اسم لقضاء الحاجة لان الانسان في العادة انما يجيء من ~~الغائط اذا قضى حاجته فصار اللفظ حقيقة عرفية يفهم منها عند الاطلاق التغوط ~~فقد يسمون ما يخرج من الانسان غائطا تسمية للحال باسم محله كما في قوله جرى ~~الميزاب ومنه قول عائشة مرن أزواجكم يغسلن عنهن اثر الغائط وليس في قوله ~~@QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ استعمال اللفظ في غير معناه بل المجيء ~~من الغائط يتضمن التغوط فكنى عن ذلك المعنى باللفظ الدال على العمل ~~PageV20P467 الظاهر المستلزم الامر المستور وكلاهما مراد # وهذا كثير في الكلام يذكر الملزوم ليفهم منه لازمه المدلول وكلاهما دل ~~عليه اللفظ لكن احدهما وسيلة إلى الآخر كقول أحدى النسوة في حديث أم زرع ( ~~زوجي عظيم الرماد طويل النجاد قريب البيت من الناد ( فان عظم الرماد يستلزم ~~كثرة الطبخ المستلزم في عادتهم لكثرة الضيف المستلزم للكرم ms6132 وطول النجاد ~~يستلزم طول القامة وقرب البيت من الناد يستلزم قصده بحجة الناد إلى بيته ~~والناد اسم للحال والمحل ايضا ومنه قوله ( فليدع ناديه ) وقوله ( وتاتون في ~~ناديكم المنكر ) فهنا هو المحل وفي تلك هو الحال وهم القوم الذين ينتدون ~~ومنه ( دار الندوة ( # واصله من مناداة بعضهم لبعض بخلاف النجاء فانهم الذين يتناجون قال الشعبى ~~اذا كثرت الحلقة فهي اما نداء واما نجاء قال تعالى @QB@ وناديناه من جانب ~~الطور الأيمن وقربناه نجيا @QE@ فناداه وناجاه # وقال قوله @QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ # فيقال قد ثبت في الصحيح ان النبى كان يقول في دعائه ( اللهم لك الحمد انت ~~قيم السماوات والارض PageV20P468 ومن فيهن ولك الحمد انت نور السماوات ~~والأرض ومن فيهن ( فليس مفهوم اللفظ انه شعاع الشمس والنار فان هذا ليس هو ~~نور السماوات والأرض كما ظن بعض الغالطين ان هذا مدلول اللفظ والنور يراد ~~به المستنير المنير لغيره بهديه فيدخل في هذا انت الهادي لاهل السماوات ~~والأرض وقد قال بن مسعود ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات من ~~نور وجهه واذا كان كونه رب السماوات والأرض وقيمها لا يناقض ان يكون قد جعل ~~بعض عباده يرب بعضا من بعض الوجوه ويفهمه فكذلك كونه @QB@ نور السماوات ~~والأرض @QE@ منيرها لا يناقض ان يجعل بعض مخلوقاته منيرا لبعض # واسم النور اذا تضمن صفته وفعله كان ذلك داخلا في مسمى النور فانه لما ~~جعل القمر نورا كان متصفا بالنور وكان منيرا على غيره وهو مخلوق من ~~مخلوقاته والخالق اولى بصفة الكمال الذى لا نقص فيه من كل ما سواه # قال وقوله @QB@ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ قال والقصاص ليس ~~بعدوان # فيقال العدوان مجاوزة الحد لكن ان كان بطريق الظلم كان محرما وان كان ~~بطريق القصاص كان عدلا مباحا فلفظ العدوان في PageV20P469 مثل هذا هو تعدى ~~الحد الفاصل لكن لما اعتدى صاحبه جاز الاعتداء عليه والاعتداء الاول ظلم ~~والثاني مباح ولفظ عدل مباح ولفظ الاعتداء هنا مقيد بما يبين انه اعتداء ~~على وجه ms6133 القصاص بخلاف العدوان ابتداء فانه ظلم فاذا لم يقيد بالجزاء فهم ~~منه الابتداء اذ الاصل عدم ما يقابله # قال وقوله @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ وقوله @QB@ الله يستهزئ بهم ~~@QE@ @QB@ ويمكرون ويمكر الله @QE@ # فيقال السيئة اسم لما سبق صاحبها فان فعلت به على وجه العدل والقصاص كان ~~مستحقا لما فعل معه من السيئة وليس المراد انها تسبق الفاعل حتى ينهى عنها ~~بل تسبق المجازى بها ولفظ السيئة والحسنة يراد به الطاعة والمعصية ويراد به ~~النعمة والمصيبة كقوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك @QE@ وقوله @QB@ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ~~@QE@ وقوله @QB@ وجزاء سيئة @QE@ لم يرد به كل من عمل ذنبا وانما المراد ~~جزاء من اساء إلى غيره بظلم فهي من سيئات المصاب فجزاؤها ان يصاب المسيء ~~بسيئة مثلها كانه قيل جزاء من اساء اليك ان تسيء إليه مثل ما اساء اليك ~~وهذه سيئة حقيقة PageV20P470 واما الاستهزاء والمكر بان يظهر الانسان الخير ~~والمراد شر فهذا اذا كان على وجه جحد الحق وظلم الخلق فهو ذنب محرم واما ~~اذا كان جزاء على من فعل ذلك بمثل فعله كان عدلا حسنا قال الله تعالى @QB@ ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم @QE@ فان الجزاء من جنس العمل وقال ~~تعالى @QB@ ومكروا مكرا ومكرنا مكرا @QE@ كما قال @QB@ إنهم يكيدون كيدا ~~وأكيد كيدا @QE@ وقال @QB@ كذلك كدنا ليوسف @QE@ # وكذلك جزاء المعتدى بمثل فعله فان الجزاء من جنس العمل وهذا من العدل ~~الحسن وهو مكر وكيد اذا كان يظهر له خلاف ما يبطن قال @QB@ كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله @QE@ فهذا اللفظ اصله ان المحاربين يوقدون نارا ~~يجتمع اليها اعوانهم وينصرون وليهم ( على ) عدوهم فلا تتم محاربتهم الا بها ~~فاذا طفئت لم يجتمع امرهم ثم صار هذا كما تستعمل الامثال في كل محارب بطل ~~كيده كما يقال يداك اوكتا وفوك نفخ ومعناه انت الجانى على نفسك وكما يقال ~~الصيف ضيعت ms6134 اللبن معناه فرطت وقت الامكان # وهذه الالفاظ كان لها معنى خاص نقلت بعرف الاستعمال إلى معنى PageV20P471 ~~اعم من ذلك وصاريفهم منها ذلك عند الاطلاق لغلبة الاستعمال ولا يفهم منها ~~خصوص معناها الاول كسائر الالفاظ التى نقلها اهل العرف إلى اعم من معناها ~~مثل لفظ الرقبة والراس في قوله @QB@ فتحرير رقبة @QE@ وقد يقال ان هذا من ~~باب دلالة اللزوم فان تحرير العنق يستلزم تحرير سائر البدن ولهذا تنازع ~~الفقهاء اذا قال يدك حر ان دخلت الدار فقطعت يده ثم دخل الدار هل يعتق على ~~وجهين بناء على انه من باب السراية أو من باب العبادة # والصحيح انه من باب العبادة ومعناه انت حر ان فعلت كذا والحقيقة العرفية ~~والشرعية معلومة في اللغة # قال إلى مالا يحصى ذكره من المجازات وقالوا ما يذكر من هذا الباب اما ان ~~يكون النزاع في معناه أو المعنى متفق عليه والنزاع في تسميته مجازا وعلى ~~التقديرين فلا حجة لك فيه كقوله @QB@ يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ~~وغيض الماء @QE@ قيل اراد بالسماء المطر أي يا مطر انقطع وليس كذلك بل ~~الاقلاع الامساك اي ياسماء امسكي عن الامطار # وكثيرا ما ياتى المدعى إلى الفاظ لها معان معروفة فيدعي استعمالها ~~PageV20P472 في غير تلك المعانى بلا حجة ويقول هذا مجاز فهذا لا يقبل ومن ~~قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز متفقون على ان الاصل في الكلام هو الحقيقة وهذا ~~يراد به شيئان يراد به انه اذا عرف معنى اللفظ وقيل هذا الاستعمال مجاز قيل ~~بل الاصل الحقيقة واذا عرف ان للفظ مدلولان حقيقي ومجازى فالاصل ان يحمل ~~على معناه الحقيقى فيستدل تارة بالمعنى المعروف على دلالة اللفظ عليه وتارة ~~باللفظ المعروف دلالته على المعنى المدلول عليه # فاذا قيل في قوله تعالى @QB@ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف @QE@ ان أصل ~~الذوق بالفم قيل ذلك ذوق الطعام فالذوق يكون للطعام ويكون لجنس العذاب كما ~~قال @QB@ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون @QE@ ~~وقوله @QB@ ذق إنك أنت العزيز الكريم @QE@ وقوله @QB@ ذوقوا ms6135 مس سقر @QE@ ~~فقوله @QB@ ذوقوا مس سقر @QE@ صريح في ذوق مس العذاب لا يحتمل ذوق الطعام # ثم الجوع والخوف اذا لبس البدن كان اعظم في الالم بخلاف القليل منه فاذا ~~قال ( اذاقها الله لباس الجوع والخوف ) فانه لم يكن يدل على لبسه لصاحبه ~~واحاطته به فهذه المعانى تدل عليها هذه الالفاظ دون ما اذا قيل جاعت وخافت ~~فانه يدل على جنس لا على عظم كيفيته وكميته فهذا من كمال البيان والجميع ~~انما استعمل فيه اللفظ في معناه المعروف في اللغة فان قوله ذوق لباس الجوع ~~والخوف ليس PageV20P473 هو ذوق الطعام وذوق الجوع ليس هو ذوق لباس الجوع # ولهذا كان تحرير هذا الباب هو من علم البيان الذي يعرف به الانسان بعض ~~قدر القرآن وليس في القرآن لفظ الا مقرون بما يبين به المراد ومن غلط في ~~فهم القرآن فمن قصوره أو تقصيره فاذا قال القائل ( يشرب بها ) أن الباء ~~زائدة كان من قبله علمه فان الشارب قد يشرب ولا يروى فاذا قيل يشرب منها لم ~~يدل على الري واذا ضمن معنى الري فقيل ( يشرب بها ) كان دليلا على الشرب ~~الذي يحصل به الري وهذا شرب خاص دل عليه لفظ الباء # كما دل لفظ الباء في قوله PageV20P474 @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم @QE@ ~~على الصاق الممسوح به بالعضو ليس المراد مسح الوجه فمن قال الباء زائدة جعل ~~المعنى امسحوا وجوهكم وليس في مجرد مسح الوجه الصاق الممسوح من الماء ~~والصعيد ومن قرأ @QB@ وأرجلكم @QE@ فانه عائد على الوجه والأيدي بدليل انه ~~قال @QB@ إلى الكعبين @QE@ ولو كان عطفا على المحل لفسد المعنى وكان يكون ~~@QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ وايضا فكلهم قرأوا قوله في التيمم @QB@ فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ ولفظ الآيتين من جنس واحد فلو كان المعطوف على ~~المجرور معطوفا على المحل لقرأوا ايديكم بالنصب فلما لم يقرأوها كذلك علم ~~ان قوله @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ عطف على الوجوه ~~والايدي # قال بن عقيل ### ||| فصل # في أسئلتهم وقد تكلفوا غاية التكليف وتعسفوا غاية التعسيف في بيان انه ~~حقيقة # فمن ذلك ms6136 قولهم ان القرية هي مجتمع الناس مأخوذ من قريت الماء في الحوض ~~وما قرأت الناقة في رحمها فالضيافة مقرىء ومقرى لاجتماع الاضياف عندهم وسمي ~~القرآن والقراءة لذلك لكونه مجموع كلام فكذلك حقيقة الاجتماع انما هو للناس ~~دون الجدران فما اراد الا مجمع الناس وهو في نفسه حقيقة القرية يوضح ذلك ~~قوله تعالى @QB@ وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله @QE@ وهذا يرجع إلى المجتمع إلى الناس ~~دون الجدران والعير اسم للقافلة # قالوا والابنية والحمير اذا اراد الله نطقها أنطقها وزمن النبوات وقت ~~لخوارق العادات ولو سألها لأجابته عن حاله معجزة له وكرامة PageV20P475 ~~وقوله تعالى @QB@ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق @QE@ انما اشار بقوله @QB@ ~~قول الحق @QE@ إلى اسمه ونسبته إلى امه وذلك حقيقة قول الله وقد قال صاحبكم ~~أحمد الله هو الله يعنى الاسم هو المسمى وقوله تعالى @QB@ وأشربوا في ~~قلوبهم العجل بكفرهم @QE@ فانه لما نسف بعد ان برد في البحر وشربوا من ~~الماء كان ذلك حقيقة ذلك العجل فلا شيء مما ذكرتم الا وهو حقيقة # قال بن عقيل فيقال للقرية ما جمعت واجتمع فيها لانفس المجتمع فلهذا سمى ~~القرء والاقراء لزمان الحيض اوزمان الطهر والتصرية والمصراة والصراة اسم ~~مجمع اللبن والماء لا لنفس اللبن والماء المجتمع والقارى الجامع للقرى ~~والمقري الجامع للاضياف فأما نفس الأضياف فلا والقافلة لا تسمى عيرا ان لم ~~تكن ذات بهائم مخصوصة فان المشاة والرجال لا تسمى عيرا فلو كان اسما لمجرد ~~القافلة لكان يقع على الرجال كما يقع على ارباب الدواب فبطل ما قالوه # وقولهم لو سأل لاجاب الجدار فمثل ذلك لا يقع بحسب الاختيار ولا يكون ~~معتمدا على وقوعه إلا عند التحدي به فاما ان يقع بالهاجس وعموم الاوقات فلا ~~PageV20P476 وقوله @QB@ ذلك عيسى @QE@ يرجع إلى الاسم فانهم اذا حملوه على ~~هذا كان مجازا لأن القول الذي هو الاسم ليس بمضاف إليه ولذا نقول @QB@ ما ~~كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه @QE@ والاسم الذي هو القول ليس بابن ms6137 مريم ~~وانما بن مريم نفس الجسم والروح الذي يقع عليهما الاسم الذي ظهرت على يديه ~~الآيات الخارقة التى جعلوه لأجل ظهورها الها # وقولهم المراد نفس ذات العجل لما نسفه فاذا نسف خرج عن ان يكون عجلا بل ~~العجل حقيقة الصورة المخصوصة التى خارت والابرادة الذهب لاتصل إلى القلوب ~~وغاية ما تصل إلى الاجواف فاما ان يسبقها الطبع فيحيلها إلى ان تصل إلى ~~القلب فليس كذلك بل سحالة الذهب اذا حصلت في المعدة رسبت بحيث لا ترتقى إلى ~~غير محلها فضلا عن ان تصل إلى القلب ولان قول العرب اشربوا لا يرجع إلى ~~الشرب انما يرجع إلى الاسباب وهو الا يساغ وذلك يرجع إلى الحب لاالى الذوات ~~التى هي الاجسام ولهذا لا يقال اشربوا في قلوبهم الماء اذ هو مشروب فكيف ~~يقال في العجل على أن إضافته نفسه إلى القلب إضافه له إلى محل الحب وقد ورد ~~في الخبر انهم كانوا يقولون في سحالته اذا تناولوها هذا أحب الينا من موسى ~~ومن اله موسى لما نالهم من محبته في قلوبهم PageV20P477 # قلت أما ما ذكروه من القرية فالقرية والنهر ونحو ذلك اسم للحال والمحل ~~فهو اسم يتناول المساكن وسكانها ثم الحكم قد يعود إلى الساكن وقد يعود إلى ~~المساكن وقد يعود اليهما كاسم الانسان فانه اسم للروح والجسد وقد يعود ~~الحكم على احدهما وكذلك الكلام اسم للفظ والمعنى وقد يعود الحكم إلى احدهما # وأما الاشتقاق فهذا الموضع غلط فيه طائفة من العلماء لم يفرقوا بين قرأ ~~بالهمزة وقرى يقري بالياء فان الذى بمعنى الجمع هو قرى يقرى بلا همزة ومنه ~~القرية والقراءة ونحو ذلك ومنه قريت الضيف اقريه أي جمعته وضممته اليك ~~وقريت الماء في الحوض جمعته وتقريت المياه تتبعتها وقروت البلاد وقريتها ~~واستقريتها اذا تتبعتها تخرج من بلد إلى بلد ومنه الاستقراء وهو تتبع الشيء ~~اجمعه وهذا غير قولك استقرأته القرآن فان ذاك من المهموز فالقرية هي المكان ~~الذي يجتمع فيه الناس والحكم يعود إلى هذا تارة والى هذا اخرى # وأما ms6138 قرأ بالهمز فمعناه الاظهار والبيان والقرء والقراءة من هذا الباب ~~ومنه قولهم ما قرأت الناقة سلا جزور قط أى ما أظهرته وأخرجته من رحمها ~~والقاري هو الذي يظهر القرآن ويخرجه قال تعالى @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه ~~@QE@ ففرق بين الجمع والقرآن PageV20P478 والقرء هو الدم لظهوره وخروجه ~~وكذلك الوقت فان التوقيت انما يكون بالامر الظاهر # ثم الطهر يدخل في اسم القرء تبعا كما يدخل الليل في اسم اليوم قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم للمستحاضة ( دعي الصلاة أيام أقرائك ( والطهر الذي ~~يتعقبه حيض هو قرء فالقرء اسم للجميع # وأما الطهر المجرد فلا يسمى قرءا ولهذا اذا طلقت في أثناء حيضة لم تعتد ~~بذلك قرءا لأن عليها أن تعتد بثلاثة قروء وإذا طلقت في اثناء طهر كان القرء ~~الحيضة مع ما تقدمها من الطهر ولهذا كان اكابر الصحابة على ان الاقراء ~~الحيض كعمر وعثمان وعلي وابى موسى وغيرهم لأنها مامورة بتربص ثلاثة قروء ~~فلو كان القرء هو الطهر لكانت العدة قرأين وبعض الثالث فان النزاع من ~~الطائفتين في الحيضة الثالثة فان اكابر الصحابة ومن وافقهم يقولون هو احق ~~بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وصغار الصحابة اذا طعنت في الحيضة ~~الثالثة فقد حلت فقد ثبت بالنص والاجماع ان السنة ان يطلقها طاهرا من غير ~~جماع وقد مضى بعض الطهر والله امر ان يطلق لاستقبال العدة لا في اثناء ~~العدة وقوله @QB@ ثلاثة قروء @QE@ عدد ليس هو كقوله @QB@ أشهر @QE@ فان ذاك ~~صيغة جمع لاعدد فلا بد من ثلاثة قروء كما امر الله لايكفى بعض الثالث ~~PageV20P479 # وأما قولك @QB@ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق @QE@ ففيه قراءتان مشهورتان ~~الرفع والنصب وعلى القراءتين قد قيل ان المراد بقول الحق عيسى كما سمي كلمة ~~الله وقيل بل المراد هذا الذي ذكرناه قول الحق فيكون خبر مبتدأ محذوف وهذا ~~له نظائر كقوله @QB@ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم @QE@ الآية @QB@ وقل الحق ~~من ربكم @QE@ أي هذا الحق من ربكم وان اريد به عيسى فتسميته قول الحق ~~كتسميته كلمة الله وعلى هذا فيكون ms6139 خبرا وبدلا # وعلى كل قول فله نظائر فالقول في تسميته مجازا كالقول في نظائره # والأظهر ان المراد به ان هذا القول الذي ذكرناه عن عيسى بن مريم قول الحق ~~الا انه بن عبد الله يدخل في هذا ومن قال المراد بالحق الله والمراد قول ~~الله فهو وإن كان معنى صحيحا فعادة القرآن إذا أضيف القول إلى الله ان يقال ~~قول الله لا يقال قول الحق الا اذا كان المراد القول الحق كما في قوله @QB@ ~~قوله الحق @QE@ وقوله الله يقول الحق وقوله @QB@ فالحق والحق أقول @QE@ # ثم مثل هذا اذا اضيف فيه الموصوف إلى الصفة كقوله ( حب الحصيد ) وقولهم ~~صلاة الأولى ودار الآخرة هو عند كثير من PageV20P480 نحاة الكوفة وغيرهم ~~اضافة الموصوف إلى صفته بلا حذف وعند كثير من نحاة البصرة ان المضاف إليه ~~محذوف تقديره صلاة الساعة الأولى والأول اصح ليس في اللفظ ما يدل على ~~المحذوف ولا يخطر بالبال وقد جاء في غير موضع كقوله @QB@ الدار الآخرة @QE@ ~~وقال @QB@ قوله الحق @QE@ ) # وبالجملة فنظائر هذا في القرآن وكلام العرب كثير وليس في هذا حجة لمن سمى ~~ذلك مجازا الا كحجته في نظائره فيرجع في ذلك إلى الاصل # قال بن عقيل ومن ادلتنا قوله تعالى @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ واذا ثبت ~~انه عربي فلغة العرب مشتملة على الاستعارة والمجاز وهي بعض طرق البيان ~~والفصاحة فلو أخل بذلك لما تمت اقسام الكلام وفصاحته على التمام والكمال ~~وانما يبين تعجيز القوم اذا طال وجمع من استعارتهم وامثالهم وصفاتهم ولا نص ~~بجواز الالفاظ الا اذا طالت ولهذا لا يحصل التحدي بمثل بيت ولا بالاية ~~والآيتين ولهذا جعل حكم القليل منه غير محترم احترام الطويل فسوغ الشرع ~~للجنب والحائض تلاوته كل ذلك لانه لا اعجاز فيه فاذا اتى بالمجاز والحقيقة ~~وسائر ضروب الكلام واقسامه ففاق كلامه الجامع المشتمل على تلك الاقسام كان ~~الاعجاز وظهر التعجيز لهم فهذا يوجب ان يكون في القرآن مجاز PageV20P481 # قلت ما ذكره من ان السورة القصيرة لا اعجاز فيها مما ينازعه اكثر العلماء ~~ويقولون ms6140 بل السورة معجزة بل ونازعه بعض الاصحاب في الآية والايتين قال أبو ~~بكر بن العماد شيخ جدي ابى البركات قوله انما جاز للجنب قراءة اليسير من ~~القرآن لانه لا اعجاز فيه ما أراه صحيحا لان الكل محترم وانما ساغ للجنب ~~قراءة بعض الآية توسعة على المكلف ونظرا في تحصيل المثوبة والحرج مع قيام ~~الحرمة كما سوغ له الصلاة مع يسير الدم مع نجاسته # قلت وأما قوله ان القرآن نزل بلغة العرب فحق بل بلسان قريش كما قال تعالى ~~@QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ وقال عمر وعثمان ان هذا ~~القرآن نزل بلغة هذا الحي من قريش وحينئذ فمن قال أن الألفاظ التى فيه ليست ~~مجازا ونظيرها من كلام العرب مجاز فقد تناقض لكن الاصحاب الذين قالوا ليس ~~في القرآن مجاز لم يعرف عنهم أنهم اعترفوا بأن في لغة العرب مجازا فلا ~~يلزمهم التناقض # وأيضا فقول القائل ان في لغة العرب مجازا غير ما يوجد نظيره في القرآن ~~فان كلام المخلوقين فيه من المبالغة والمجازفة من المدح والهجو والمراثى ~~وغير ذلك ما يصان عنه كلام الحكيم فضلا عن كلام الله فاذا كان المسمى لا ~~يسمى مجازا الا ما كان كذلك لم يلزمه ان يسمي PageV20P482 ما في القرآن ~~مجازا وهذا لان تسمية بعض الكلام مجازا انما هو امر اصطلاحي ليس امرا شرعيا ~~ولا لغويا ولا عقليا # ولهذا كان بعضهم يسمى بالمجاز ما استعمل فيما هو مباين لمسماه وما استعمل ~~بعض مسماه لا يسميه مجازا فلا يسمون استعمال العام في بعض معناه مجازا ولا ~~الامر اذا اريد به الندب مجازا وهو اصطلاح اكثر الفقهاء وقد لا يقولون ان ~~ذلك استعمال في غير ما وضع له بناء على ان بعض الجملة لايسمى غيرا عند ~~الاطلاق فلا يقال الواحد من العشرة انه غيرها ولا ليد الانسان انها غيره ~~ولان المجاز عندهم ما احتيج إلى القرينه في اثبات المراد الا في دفع مالم ~~يرد والقرينة في الامر تخرج بعض ما دل عليه اللفظ وتبقى الباقي ms6141 مدلولا عليه ~~اللفظ بخلاف القرينة في الاسد فانها تبين ان المراد لا يدخل في لفظ الاسد ~~عند الاطلاق # واذا كان اصطلاح اكثر الفقهاء التفريق بين الحقيقة والمجاز وآخرون ~~اصطلحوا على انه متى لم يرد باللفظ جميع معناه فهو مجاز عندهم ثم هؤلاء ~~اكثرهم يفرقون بين القرينة المنفصلة أو المستقلة وبين ما تأصلت باللفظ أو ~~كانت من لفظه أو لم تستقل فلم يجعلوا ذلك مجازا لئلا يلزم ان يكون عامة ~~الكلام مجازا حتى يكون قوله لا اله الا الله مجازا مع العلم بان المشركين ~~لم يكونوا ينازعون PageV20P483 في ان الله اله حق وانما كانوا يجعلون معه ~~آلهة أخرى فكان النزاع بين الرسول وبينهم في نفي الالهية عما سوى الله ~~حقيقة اذ لم يستعمل في غير ما وضع له وان الموضوع الاصل هو النفي وهو نفي ~~الاله مطلقا فهذا المعنى لم يعتقده أحد من العرب بل ولا لهم قصد في التعبير ~~عنه ولا وضعوا له لفظا بالقصد الاول اذ كان التعبير هو عما يتصور من ~~المعانى وهذا المعنى لم يتصوروه الا نافين له يتصوروه مثبتين له ونفي النفي ~~اثبات # فمن قال ان هذا اللفظ قصدوا به في لغتهم كان ان يبعث الرسول لنفي كل اله ~~وان هذا هو موضوع اللفظ الذي قصدوه به اولا وقولهم لا اله الا الله استعمال ~~لذلك اللفظ في غير المعنى الذي كان موضوع اللفظ عندهم فكذبه ظاهر عليهم في ~~حال الشرك فكيف في حال الايمان # ولا ريب ان جميع التخصيصات المتصلة كالصفة والشرط والغاية والبدل ~~والاستثناء هو بهذه المنزلة لكن اكثر الالفاظ قد استعملوها تارة مجردة عن ~~هذه التخصيصات وتارة مقرونة بها بخلاف قول لا اله الا الله فانهم لم يعرفوا ~~قط عنهم انهم استعملوها مجردة عن الاستثناء اذ كان هذا المعنى باطلا عندهم ~~فمن جعل هذا حقيقة في لغتهم ظهر كذبه عليهم وان فرق بين ا ستثناء واستثناء ~~تناقض وخالف الاجماع وذلك PageV20P484 لانه بني على اصل فاسد متناقض والقول ~~المتناقض اذا طرده صاحبه والزم صاحبه لوازمه ms6142 ظهر من فساده وقبحه ما لم يكن ~~ظاهرا قبل ذلك وان لم يطرده تناقض وظهر فساده فيلزم فساده على التقديرين # ولهذا لا يوجد للقائلين بالمجاز قول البته بل كل اقوالهم متناقضة وحدودهم ~~والعلامات التى ذكروها فاسدة اذ كان اصل قولهم باطلا فابتدعوا في اللغة ~~تقسيما وتعبيرا لاحقيقة له في الخارج بل هو باطل فلا يمكن ان يتصور تصورا ~~مطابقا ولا يعبر عنه بعبارة سديدة بخلاف المعنى المستقيم فانه يعبر عنه ~~بالقول السديد كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا ~~قولا سديدا @QE@ والسديد الساد الصواب المطابق للحق من غير زيادة ولانقصان ~~وهو العدل والصدق بخلاف من أراد ان يفرق بين المتماثلين ويجعلهما مختلفين ~~بل متضادين فان قوله ليس بسديد وهذا يبسط في موضعه # والمقصود هنا ان الذين يقولون ليس في القرآن مجاز ارادوا بذلك ان قوله ~~@QB@ واسأل القرية @QE@ اسأل الجدران والعير البهائم ونحو ذلك مما نقل عنهم ~~فقد أخطأوا وان جعلوا اللفظ المستعمل في معنى في غير القرآن مجازا وفيه ليس ~~بمجاز فقد أخطأوا ايضا وان قصدوا ان في غير القرآن من المبالغات والمجازفات ~~والالفاظ التى لا يحتاج اليها ونحو ذلك مما ينزه القرآن عنه فقد اصابوا في ~~ذلك واذا قالوا PageV20P485 نحن نسمى تلك الامور مجازا بخلاف ما استعمل في ~~القران ونحوه من كلام العرب فهذا اصطلاح هم فيه اقرب إلى الصواب ممن جعل ~~اكثر كلام العرب مجازا كما يحكى عن بن جني انه قال قول القائل خرج زيد مجاز ~~لان الفعل يدل على المصدر والمصدر المعرف باللام يستوعب جميع افراد الخروج ~~فيقتضى ذلك ان زيدا حصل منه جميع انواع الخروج هذا حقيقة اللفظ فان اريد ~~فرد من افراد الخروج فهو مجاز # فهذا الكلام لا يقوله من يتصور ما يقول وبن جني له فضيلة وذكاء وغوص على ~~المعانى الدقيقة في سر الصناعة والخصائص واعراب القران وغير ذلك فهذا ~~الكلام ان كان لم يقله فهو اشبه بفضيلته واذا قاله فالفاضل قد يقول مالا ~~يقوله الا من هو من اجهل ms6143 الناس وذلك ان الفعل انما يدل على مسمى المصدر وهو ~~الحقيقة المطلقة من غير ان يكون مقيدا بقيد العموم بل ولا بقيد آخر # فاذا قيل خرج زيد وقام بكر ونحو ذلك فالفعل دل على انه وجد منه مسمى خروج ~~ومسمى قيام من غير ان يدل اللفظ على نوع ذلك الخروج والقيام ولا على قدره ~~بل هو صالح لذلك على سبيل البدل لا على سبيل الجمع كقوله @QB@ فتحرير رقبة ~~@QE@ فانه اوجب رقبة واحدة لم يوجب كل رقبة وهي تتناول جميع PageV20P486 ~~الرقاب على سبيل البدل فاى رقبة أعتقها اجزأته كذلك اذا قيل خرج دل على ~~وجود خروج ثم قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا وقد يكون راكبا وقد يكون ماشيا ~~ومع هذا فلا يتناول على سبيل البدل الا خروجا يمكن من زيد # واما ان هذا اللفظ يقتضى عموم كل ما يسمى خروجا في الوجود لا على سبيل ~~الجمع فهذا لا يقوله القائل الا اذا فسد تصوره وكان إلى الحيوان اقرب والظن ~~بابن جني انه لا يقول هذا # ثم هذا المعنى موجود في سائر اللغات فهل يقول عاقل ان اهل اللغات جميعهم ~~الذين يتكلمون بالجمل الفعلية التى لابد منها في كل امة انما وضعوا تلك ~~الجملة الفعلية على جميع انواع ذلك الفعل الموجود في العالم وان استعمال ~~ذلك في بعض الافراد عدول باللفظ عما وضع له ولكن هذا مما يدل على فساد اصل ~~القول بالمجاز اذا افضى إلى ان يقال في الوجود مثل هذا الهذيان ويجعل ذلك ~~مسألة نزاع توضع في أصول الفقه # فمن قال من نفاة المجاز في القران انا لا نسمي ما كان في القرآن ونحوه من ~~كلام العرب مجازا وانما نسمى مجازا ما خرج عن ميزان العدل مثل ما يوجد في ~~كلام الشعراء من المبالغة في المدح والهجو PageV20P487 والمراثي والحماسة ~~فمعلوم انه ان كان الفرق بين الحقيقة والمجاز اصطلاحا صحيحا فهذا الاصطلاح ~~اولى بالقبول ممن يجعل اكثر الكلام مجازا بل وممن يجعل التخصيص المتصل كله ~~مجازا فيجعل من المجاز قوله ms6144 @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا @QE@ وقوله @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ وقوله @QB@ فتحرير رقبة ~~مؤمنة @QE@ وقوله @QB@ فصيام شهرين متتابعين @QE@ وقوله @QB@ فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات @QE@ وقوله @QB@ والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير ~~مسافحين ولا متخذي أخدان @QE@ وقوله @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون @QE@ وقوله @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون @QE@ إلى قوله @QB@ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ وقوله ~~@QB@ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ وقوله @QB@ لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى @QE@ وقوله @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد @QE@ وقوله @QB@ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد @QE@ ~~وقوله @QB@ فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون @QE@ وقوله @QB@ وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها @QE@ وقوله @QB@ إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ~~@QE@ وقوله @QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن ~~لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث @QE@ وقوله @QB@ ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا @QE@ PageV20P488 ) وقوله @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ~~ودية مسلمة إلى أهله @QE@ وقوله @QB@ فاعبد الله مخلصا له الدين @QE@ وقوله ~~@QB@ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق @QE@ وقوله @QB@ إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم @QE@ وقوله @QB@ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~@QE@ وقوله @QB@ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا @QE@ وقوله ~~@QB@ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن @QE@ وقوله @QB@ فشربوا ~~منه إلا قليلا منهم @QE@ وقوله @QB@ ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم @QE@ ~~وقوله @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين @QE@ وامثال هذا مما لا ~~يعد الا بكلفة # فمن جعل هذا كله مجازا وان العرب تستعمل هذا كله وما اشبهه في غير ما وضع ~~اللفظ له اولا فقوله معلوم الفساد بالضرورة ولزمه أن يكون اكثر الكلام ~~مجازا إذ كان هذا يلزمه في كل لفظ مطلق قيد بقيد والكلام جملتان اسمية ~~وفعليه والاسميه اصلها المبتدأ والخبر فيلزم اذا ms6145 وصف المبتدأ والخبر أو ~~استثني منه أو قيد بحال كان مجازا # ويلزمه اذا دخل عليه كان واخواتها وان واخواتها وظننت واخواتها فغيرت ~~معناه واعرابه ان يصير مجازا فان دخول القيد عليه تارة يكون في اول الكلام ~~وتارة في وسطه وتارة في آخرة PageV20P489 لاسيما باب ظننت فانهم يقولون زيد ~~منطلق وزيدا منطلقا ظننت ولهذا عند التقديم يجب الاعمال وفى التوسط يجوز ~~الالغاء وفى التأخر يحسن مع جواز الاعمال فانه اذا قدم المفعول ضعف العمل ~~ولهذا يقوونه بدخول حرف الجر كما يقوونه في اسم الفاعل لكونه اضعف من الفعل ~~كقوله @QB@ لربهم يرهبون @QE@ وقوله @QB@ إن كنتم للرؤيا تعبرون @QE@ وقوله ~~@QB@ وإنهم لنا لغائظون @QE@ # ويلزمه في الجمله الفعلية اذا قيدت بمصدر موصوف أو معدود أو نوع من ~~المصدر ان يكون مجازا كقوله ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) وقوله ( وينصرك الله ~~نصرا عزيزا ) وكذلك ظرف المكان والزمان وكذلك سائر ما يقيد به الفعل من ~~حروف الجر كقوله @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ وقوله @QB@ على هدى ~~من ربهم @QE@ وقوله @QB@ وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم @QE@ وقوله ~~@QB@ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق @QE@ # ومما ينبغى ان يعرف ان بن عقيل مع مبالغته هنا في الرد على من يقول ليس ~~في القران مجاز فهو في موضع آخر ينصر انه ليس في اللغة مجاز لا في القرآن ~~ولا غيره وذكر ذلك في مناظرة جرت PageV20P490 له مع بعض أصحابة الحنبليين ~~الذين قالوا بالمجاز فقال في فنونه جرت مسألة هل في اللغة مجاز فاستدل ~~حنبلي ان فيها مجازا بانا وجدنا ان من الأسماء ما يحصل نفيه وهو تسمية ~~الرجل المقدام اسدا والعالم والكريم الواسع العطاء والجود بحرا فنقول فيه ~~ليس ببحر ولا باسد ولا يحسن ان نقول في السبع المخصوص والبحر ليس باسد ولا ~~بحر فعلم ان الذى حسن نفى الاسم عنه انه مستعار كما نقول في المستعير لمال ~~غيره ليس بمالك له ولا يحسن ان نقول في المالك ليس بمالك له # قال اعترض عليه معترض اصولى حنبلي فقال الذي عولت ms6146 عليه لا اسلمه ولا ~~تعويل على الصورة بل على المخصصة فان قولنا حيوان يشمل السبع والانسان فاذا ~~قلنا سبع واسد كان هذا لما فيه من الاقدام والهواش والتفخم للصيال وذلك ~~موجود في صورة الانسان وصورة السبع والاتفاق واقع في الحقيقة كسواد الحبر ~~وسواد القار جميعا لا يختلفان في اسم السواد بالمعنى وهي الحقيقة التى هي ~~هبة تجمع البصر اتساع الحدقة فكذلك اتساع الجود والعلم واتساع الماء جميعا ~~يجمعه الاتساع فيسمى كل واحد منهما بحرا للمعنى الذي جمعهما وهو حقيقة ~~الاتساع ولانه لا يجوز ان يدعي الاستعارة لاحدهما الا اذا ثبت سبق التسمية ~~لاحدهما ولاسيما على اصل من يقول ان الكلام PageV20P491 قديم والقديم لا ~~يسبق بعضه بعضا فان السابق والمسبوق من صفات بعضه الحادث من الزمان # قلت فقد جعل هذا اللفظ متواطئا دالا على القدر المشترك كسائر الاسماء ~~المتواطئة ولكنه يختص في كل موضع بقدر متميز لما امتاز به من القرينة كما ~~في ما مثله به من السواد وهذا بعينه يرد عليه فيما احتج به للمجاز # قال ومن ادله المجاز ما زعم المستدلون له من اجود الاستدلال على النفاة ~~وهو قوله تعالى @QB@ لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه @QE@ ~~والصلوات في لغة العرب اما الادعية واما الافعال المخصوصة وكلاهما لا يوصف ~~بالتهدم والجماد لا يتصف بالارادة # فان قيل كان من لغة العرب تسمية المصلى صلاه وقد ورد في التفسير ( وان ~~المساجد لله ) اعضاء السجود والجدار وان لم يكن له ارادة لكنه لا يستحيل من ~~الله فعل الارادة فيه من غير احداث ابنية مخصوصة # فيقال هذا دعوى عن الوضع اذ لا يعلم ان الصلاة في الاصل PageV20P492 الا ~~الدعاء وزيد في الشرع أو نقل إلى الافعال المخصوصة فأما الأبنية فلا يعلم ~~ذلك من نقل عن العرب وان سميت صلوات فانما هو استعارة لانها مواضع الصلوات ~~ولو خلق الله في الجدار ارادة لم يكن بها مريدا كما لو خلق فيه كلاما لم ms6147 ~~يكن به متكلما # واما قوله ان كلمة الله المراد بها عيسى نفسه فلا ريب ان المصدر يعبر به ~~عن المفعول به في لغة العرب كقولهم هذا درهم ضرب الامير ومنه قوله ( هذا ~~خلق الله ) ومنه تسمية المامور به امرا والمقدور قدرة والمرحوم به رحمة ~~والمخلوق بالكلمة كلمة لكن هذا اللفظ انما يستعمل مع ما يقترن به مما يبين ~~المراد كقوله @QB@ يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن ~~مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين @QE@ فبين ان الكلمة هو المسيح # ومعلوم ان المسيح نفسه ليس هو الكلام @QB@ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم ~~يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون @QE@ فبين لما تعجبت من الولد انه سبحانه يخلق ما يشاء اذا قضى امرا ~~فانما يقول له كن فيكون فدل ذلك على ان هذا الولد مما يخلقه الله بقوله ~~@QB@ كن فيكون @QE@ ولهذا قال أحمد بن حنبل عيسى مخلوق بالكن ليس هو نفس ~~الكن PageV20P493 ولهذا قال في الاية الاخرى @QB@ إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون @QE@ فقد بين مراده انه خلق بكن ~~لا انه نفس كن ونحوها من الكلام # وكذلك قوله @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ قد علم انه لم يرد ان الافعال ~~ازمنة وانما اراد الخبر عن زمان الحج ولهذا قال بعدها ( فمن فرض فيهن الحج ~~) والحج المفروض فيهن ليس هو الاشهر فعلم ان قوله ( اشهر ) لم يرد به نفس ~~الفعل بل بين مراده بكلامه لما بين ( ان ) اللفظ لا يدل على ان الافعال ~~ازمنة # وكذلك قوله ( ولكن البر من اتقى ) لما قال @QB@ وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى @QE@ دل الكلام على ان مراده ولكن البر ~~هو التقوى فلا يوجد مثل هذا الاستعمال الا مع ما يبين المراد وحينئذ فهو ~~مستعمل مع قيد يبين المراد هنا كما هو مستعمل في موضع آخر مع قيد يبين ~~المراد هناك ms6148 وبين المعنيين اشتراك وبينهما امتياز بمنزلة الاسماء المترادفة ~~والمتباينة كلفظ الصارم والمهند والسيف فانها تشترك في دلالتها على الذات ~~فهي من هذا الوجه كالمتواطئة ويمتاز كل منها بدلالته على معنى خاص فتشبه ~~المتباينة واسماء الله وأسماء رسوله وكتابه من هذا الباب PageV20P494 # وكذلك ما يعرف باللام لام العهد ينصرف في كل موضع إلى ما يعرفه المخاطب ~~اما بعرف متقدم واما باللفظ المتقدم وان كان غير هذا المراد ليس هو ذاك لكن ~~بينهما قدر مشترك وقدر فارق كقوله تعالى @QB@ إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا ~~عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ ففي الموضعين لفظ ~~الرسول ولام التعريف لكن المعهود المعروف هناك هو رسول فرعون وهو موسى عليه ~~السلام والمعروف المعهود هنا عند المخاطبين بقوله ( لا تجعلوا دعاء الرسول ~~بينكم ) هو محمد وكلاهما حقيقة والاسم متواطىء وهو معرف باللام في الموضعين ~~لكن العهد في أحد الموضعين غير العهد في الموضع الاخر وهذا أحد الاسباب ~~التى بها يدل اللفظ فان لام التعريف لا تدل الا مع معرفة المخاطب بالمعهود ~~المعروف # وكذلك اسم الاشارة كقوله هذا وهؤلاء واولئك انما يدل في كل موضع على ~~المشار إليه هناك فلابد من دلالة حالية اولفظية تبين ان المشار إليه غير ~~لفظ الاشارة فتلك الدلالة لا يحصل المقصود الا بها وبلفظ الاشارة كما ان ~~لام التعريف لا يحصل المقصود الا بها PageV20P495 وبالمعهود ومثل هذه ~~الدلالة لا يقال انها مجاز والا لزم ان تكون دلالة اسماء الاشارة بل ~~والضمائر ولام العهد وغير ذلك مجازا وهذا لا يقوله عاقل وان قاله جاهل دل ~~على انه لم يعرف دلالة الالفاظ وظن ان الحقائق تدل بدون هذه الامور التى ~~لابد منها في دلالة اللفظ بل لا يدل شيء من الالفاظ الا مقرونا بغيره من ~~الالفاظ وبحال المتكلم الذي يعرف عادته بمثل ذلك الكلام والا فنفس استماع ~~اللفظ بدون المعرفة للمتكلم وعادته لا يدل على شيء اذا كانت دلالتها دلالة ~~قصدية إرادية ms6149 تدل على ما أراد المتكلم أن يدل بها عليه لا تدل بذاتها فلابد ~~أن تعرف ما يجب أن يريده المتكلم بها ولهذا لا يعلم بالسمع بل بالعقل مع ~~السمع # ولهذا كانت دلالة الألفاظ على معانيها سمعية عقلية تسمى الفقه ولهذا يقال ~~لمن عرفها هو يفقه ولمن لم يعرفها لا يفقه قال تعالى @QB@ فما لهؤلاء القوم ~~لا يكادون يفقهون حديثا @QE@ وقال تعالى @QB@ وجد من دونهما قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا @QE@ وقال @QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم إنه كان @QE@ PageV20P496 المقصود من اصول الفقه ان يفقه مراد الله ~~ورسوله بالكتاب والسنة # تم بحمد الله وتوفيقه لا اله الا هو وصلى الله على نبيه وحبيبه وافضل ~~خلقه محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل PageV20P497 # وقال رحمه الله ### ||| فصل في أصول العلم والدين # قال الله تعالى @QB@ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا @QE@ إلى قوله ~~@QB@ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ # وفى التشهد ( التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك ايها النبى ~~ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) # وهذه الاصول التى امر بها عمر بن الخطاب لشريح حيث قال اقض بما في كتاب ~~الله فان لم يكن فبما في سنة رسول الله فان لم يكن فبما اجتمع عليه الناس ~~وفى رواية فبما قضى به الصالحون # وكذلك قال بن مسعود من سئل عن شيء فليفت بما في كتاب PageV20P498 الله ~~فان لم يكن فبما في سنة رسول الله فان لم يكن فبما اجتمع عليه الناس وكذلك ~~روى نحوه عن بن عباس وغيره ولذلك قال العلماء الكتاب والسنة والاجماع وذلك ~~أنه أوجب طاعتهم اذا لم يكن نزاع ولم يأمر بالرد إلى الله والرسول الا اذا ~~كان نزاع # فدل من وجهين من جهة وجوب طاعتهم ومن جهة ان الرد إلى الكتاب والسنة انما ~~وجب عند النزاع فعلم ms6150 أنه عند عدم النزاع لا يجب وان جاز لأن اتفاقهم دليل ~~على موافقة الكتاب والسنة وأمر بموالاتهم والموالاة تقتضى الموافقة ~~والمتابعة كما أن المعاداة تقتضى المخالفة والمجانبة فمن وافقته مطلقا فقد ~~واليته مطلقا ومن وافقته في غالب الأمور فقد واليته في غالبها ومورد النزاع ~~لم تواله فيه وان لم تعاده # فأما الأمر باتباع الكتاب والسنة فكثير جدا كقوله @QB@ اتبعوا ما أنزل ~~إليكم من ربكم @QE@ @QB@ فاتبعوه واتقوا @QE@ @QB@ واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه @QE@ و @QB@ يتبعون الرسول النبي الأمي @QE@ @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول @QE@ @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ @QB@ فلا ~~وربك لا يؤمنون @QE@ الاية @QB@ فردوه إلى الله والرسول @QE@ @QB@ وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه @QE@ @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ PageV20P499 @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة @QE@ @QB@ فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره @QE@ وهذا كثير # واما السلف فآيات احدها ما تقدم مثل قوله @QB@ وأولي الأمر @QE@ وقوله ~~@QB@ فإن تنازعتم @QE@ وقوله @QB@ والمؤمنين @QE@ وقوله @QB@ ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين @QE@ ولو خرج المؤمنون عن الحق والهدى لما كانت لهم ~~العزة اذ ذاك من تلك الجهة لآن الباطل والضلال ليس من الايمان الذى يستحق ~~به العزة والعزة مشروطة بالايمان لقوله @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ # ومنها قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ أمر بسؤاله الهداية إلى صراطهم وقال @QB@ ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم @QE@ الآية وفيها الدلالة # ومنها قوله @QB@ واتبع سبيل من أناب إلي @QE@ والسلف المؤمنون منيبون أي ~~فيجب اتباع سبيلهم # ومنها قوله @QB@ اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون @QE@ والسلف كذلك # ومنها قوله @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ ومن خرج عن اجماعهم ~~PageV20P500 فقد اتبع غير سبيلهم # ومنها قوله @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا @QE@ وقوله @QB@ ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهداء على الناس @QE@ وقال قوم عيسى @QB@ فاكتبنا مع الشاهدين @QE@ في ال ~~عمران والمائدة لان لنا الشاهدة ولهم العبادة بلا شهادة والامة الوسط العدل ~~الخيار والشهداء على الناس لابد أن يكونوا عالمين عادلين ms6151 كالرسول ولهذا قال ~~في الجنازة ( وجبت وجبت ) وقال ( أنتم شهداء الله في الأرض ) وقال ( توشكوا ~~ان تعلموا أهل الجنة من أهل النار بالثناء الحسن والثناء السىء ) فعلم أن ~~شهادتهم مقبولة فيما يشهدون عليه من الاشخاص والأفعال ولو كانوا قد يشهدون ~~بما ليس بحق لم يكونوا شهداء مطلقا # ومنها قوله ( كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله ) وفيها أدلة مثل قوله ( خير أمة ) ومثل قوله ( تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر ) فلابد ان يامروا بكل معروف وينهوا عن كل منكر ~~والصواب في الاحكام معروف والخطأ منكر PageV20P501 # ومنها قوله @QB@ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين @QE@ ومنها قول الخليل ~~@QB@ رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين @QE@ وقول يوسف @QB@ توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين @QE@ ومنها قوله @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ والرضوان لا ~~يكون مع اتفاقهم واصرارهم على ذنب أو خطأ فان ذلك مقتضاه العفو # ومنها قوله @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا @QE@ وقوله ~~@QB@ وسلام على عباده الذين اصطفى @QE@ فانه يدل من وجهين من جهة ان ~~الاصطفاء يقتضى التصفية وذلك لا يكون مع الاتفاق والاصرار على الذنب والخطأ ~~والثانى التسليم عليهم وذلك يقتضى سلامتهم من العيوب كما سلم على المرسلين ~~وعلى نوح وعلى المسيح # ومنها قوله @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ ~~ومنها قوله @QB@ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه @QE@ ~~فانه يدل على انه هدى في كل شيء وقوله @QB@ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور @QE@ فانه يقتضى اخراجهم من كل ظلمة PageV20P502 # ومنها قوله @QB@ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور @QE@ وقوله @QB@ هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور @QE@ ومنها قوله @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا @QE@ وما كان نحوها من الامر بالجماعة والنهى عن الفرقة PageV20P503 ### || 1 ( رسالة في القياس ) 1 ### |||| وسئل شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله # عما يقع في كلام كثير من الفقهاء ms6152 من قولهم هذا خلاف القياس لما ثبت بالنص ~~أو قول الصحابة أو بعضهم وربما كان حكما مجمعا عليه # فمن ذلك قولهم تطهير الماء اذا وقع فيه نجاسة خلاف القياس بل وتطهير ~~النجاسة على خلاف القياس والتوضؤ من لحوم الابل على خلاف القياس والفطر ~~بالحجامة على خلاف القياس والسلم على خلاف القياس والاجارة والحوالة ~~والكتابة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والقرض وصحة صوم المفطر ناسيا ~~والمضي في الحج الفاسد كل ذلك على خلاف القياس وغير ذلك من الاحكام فهل هذا ~~القول صواب أم لا وهل يعارض القياس الصحيح النص أم لا ### ||||| فاجاب # الحمد # لله رب العالمين أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل يدخل فيه القياس ~~الصحيح والقياس الفاسد # فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين PageV20P504 ~~المتماثلين والفرق بين المختلفين الاول قياس الطرد والثاني قياس العكس وهو ~~من العدل الذي بعث الله به رسوله # فالقياس الصحيح مثل ان تكون العلة التى علق بها الحكم في الاصل موجودة في ~~الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها ومثل هذا القياس لا تأتى الشريعة ~~بخلافه قط وكذلك القياس بالغاء الفارق وهو ان لا يكون بين الصورتين فرق ~~مؤثر في الشرع فمثل هذا القياس لا تأتى الشريعة بخلافه وحيث جاءت الشريعة ~~باختصاص بعض الانواع بحكم يفارق به نظائره فلا بد ان يختص ذلك النوع بوصف ~~يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر ~~لبعض الناس وقد لا يظهر وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل ان يعلم صحته كل ~~أحد فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس فانما هو مخالف للقياس الذي ~~انعقد في نفسه ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الامر # وحيث علمنا ان النص جاء بخلاف قياس علمنا قطعا انه قياس فاسد بمعنى ان ~~صورة النص امتازت عن تلك الصور التى يظن انها مثلها بوصف اوجب تخصيص الشارع ~~لها بذلك الحكم فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا لكن فيها ما يخالف ~~القياس الفاسد ms6153 وان كان من الناس من لا يعلم فساده PageV20P505 # ونحن نبين أمثلة ذلك مما ذكر في السؤال فالذين قالوا المضاربة والمساقاة ~~والمزارعة على خلاف القياس ظنوا ان هذه العقود من جنس الاجارة لانها عمل ~~بعوض والاجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض فلما رأوا العمل في هذه ~~العقود غير معلوم والربح فيها غير معلوم قالوا تخالف القياس وهذا من غلطهم ~~فان هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات الخاصة التى يشترط ~~فيها العلم بالعوضين والمشاركات جنس غير جنس المعاوضة وان قيل ان فيها شوب ~~المعاوضة # وكذلك المقاسمة جنس غير جنس المعاوضة الخاصة وان كان فيها شوب معاوضة حتى ~~ظن بعض الفقهاء انها بيع يشترط فيها شروط البيع الخاص # وايضاح هذا ان العمل الذى يقصد به المال ثلاثة أنواع # أحدها ان يكون العمل مقصودا معلوما مقدورا على تسليمه فهذه الاجارة ~~اللازمه # والثاني ان يكون العمل مقصودا لكنه مجهول أو غرر فهذه الجعالة وهي عقد ~~جائز ليس بلازم فاذا قال من رد عبدى الآبق فله مائة فقد يقدر على رده وقد ~~لا يقدر وقد يرده من مكان قريب وقد PageV20P506 يرده من مكان بعيد فلهذا لم ~~تكن لازمة لكن هي جائزة فان عمل هذا العمل استحق الجعل والا فلا ويجوز ان ~~يكون الجعل فيها اذا حصل بالعمل جزءا شائعا ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم ~~مثل ان يقول امير الغزو من دل على حصن فله ثلث ما فيه ويقول للسرية التى ~~يسريها لك خمس ما تغنمين أو ربعه # وقد تنازع العلماء في سلب القاتل هل هو مستحق بالشرع كقول الشافعى أو ~~بالشرط كقول ابى حنيفة ومالك على قولين هما روايتان عن أحمد فمن جعله ~~مستحقا بالشرط جعله من هذا الباب # ومن هذا الباب اذا جعل للطبيب جعلا على شفاء المريض جاز كما أخذ اصحاب ~~النبى الذين جعل لهم قطيع على شفاء سيد الحي فرقاه بعضهم حتى برا فاخذوا ~~القطيع فان الجعل كان على الشفاء لا على القراءة ولو استأجر طبيبا اجارة ~~لازمة على الشفاء ms6154 لم يجز لان الشفاء غير مقدور له فقد يشفيه الله وقد لا ~~يشفيه فهذا ونحوه مما تجوز فيه الجعالة دون الاجارة اللازمة # واما النوع الثالث فهو مالا يقصد فيه العمل بل المقصود المال وهوالمضاربة ~~فان رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كما للجاعل والمستاجر قصد في ~~عمل العامل ولهذا لو عمل PageV20P507 ما عمل ولم يربح شيئا لم يكن له شيء ~~وان سمى هذا جعالة بجزء مما يحصل بالعمل كان نزاعا لفظيا بل هذه مشاركة هذا ~~بنفع بدنه وهذا بنفع ماله وما قسم الله من الربح كان بينهما على الاشاعة ~~ولهذا لا يجوز ان يخص احدهما بربح مقدر لان هذا يخرجهما عن العدل الواجب في ~~الشركة # وهذا هو الذي نهى عنه من المزارعة فانهم كانوا يشرطون لرب المال زرع بقعة ~~بعينها وهو ما ينبت على الماذيانات واقبال الجداول ونحو ذلك فنهى النبى عن ~~ذلك ولهذا قال الليث بن سعد وغيره ان الذي نهى عنه هو امر اذا نظرفيه ذو ~~البصر بالحلال والحرام علم انه لا يجوز أو كما قال فبين ان النهي عن ذلك ~~موجب القياس فان مثل هذا لو شرط في المضاربة لم يجز لان مبنى المشاركات على ~~العدل بين الشريكين فاذا خص احدهما بربح دون الاخر لم يكن هذا عدلا بخلاف ~~ما اذا كان لكل منهما جزء شائع فإنهما يشتركان في المغنم وفى المغرم فان ~~حصل ربح اشتركا في المغنم وان لم يحصل ربح اشتركا في الحرمان وذهب نفع بدن ~~هذا كما ذهب نفع مال هذا ولهذا كانت الوضيعة على المال لان ذلك في مقابلة ~~ذهاب نفع العامل PageV20P508 # ولهذا كان الصواب انه يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل لا اجرة المثل ~~فيعطى العامل ما جرت به العادة ان يعطاه مثله من الربح اما نصفه واما ثلثه ~~واما ثلثاه فاما ان يعطى شيئا مقدرا مضمونا في ذمة المالك كما يعطى في ~~الاجارة والجعالة فهذا غلط ممن قاله وسبب الغلط ظنه ان هذا اجارة فاعطاه في ~~فاسدها عوض ms6155 المثل كما يعطيه في المسمى الصحيح ومما يبين غلط هذا القول ان ~~العامل قد يعمل عشر سنين فلو اعطى اجرة المثل لأعطي اضعاف راس المال وهو في ~~الصحيحة لا يستحق الا جزءا من الربح ان كان هناك ربح فكيف يستحق في الفاسدة ~~اضعاف ما يستحقه في الصحيحة # وكذلك الذين ابطلوا المزارعة والمساقاة ظنوا انها اجارة بعوض مجهول ~~فابطلوها وبعضهم صحح منها ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم ~~امكان اجارتها بخلاف الأرض فانه تمكن اجارتها وجوزوا من المزارعة ما يكون ~~تبعا للمساقاة اما مطلقا واما اذا كان البياض الثلث وهذا كله بناء على ان ~~مقتضى الدليل بطلان المزارعة وانما جوزت للحاجة # ومن اعطى النظر حقه علم ان المزارعة ابعد عن الظلم والقمار من الاجارة ~~باجرة مسماة مضمونة في الذمة فان المستاجر انما يقصد الانتفاع بالزرع ~~النابت في الأرض فاذا وجب عليه الاجرة ومقصوده من PageV20P509 الزرع قد ~~يحصل وقد لا يحصل كان في هذا حصول أحد المتعاوضين على مقصوده دون الاخر ~~واما المزارعة فان حصل الزرع اشتركا فيه وان لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان ~~فلا يختص احدهما بحصول مقصوده دون الاخر فهذا اقرب إلى العدل وابعد عن ~~الظلم من الاجارة # والاصل في العقود جميعها هو العدل فانه بعثت به الرسل وانزلت الكتب قال ~~تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط @QE@ والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم وعن الميسر لما ~~فيه من الظلم والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا وكلاهما أكل المال بالباطل وما ~~نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل ~~بدو صلاحه وبيع السنين وبيع حبل الحبلة وبيع المزابنة والمحاقلة ونحو ذلك ~~هي داخلة اما في الربا واما في الميسر فالاجارة بالاجرة المجهولة مثل ان ~~يكريه الدار بما يكسبه المكتري في حانوته من المال هو من الميسر فهذا لا ~~يجوز واما المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر بل هو من ~~اقوم العدل # وهذا مما ms6156 يبين لك ان المزارعة التى يكون فيها البذر من العامل ~~PageV20P510 احق بالجواز من المزارعة التى يكون فيها من رب الأرض ولهذا كان ~~اصحاب رسول الله يزارعون على هذا الوجه وكذلك عامل النبى اهل خيبر بشطر ما ~~يخرج منها من ثمر وزرع على ان يعمروها من اموالهم # والذين اشترطوا ان يكون البذر من رب الأرض قاسوا ذلك على المضاربة فقالوا ~~في المضاربة المال من واحد والعمل من آخر وكذلك ينبغى ان يكون في المزارعة ~~وجعلوا البذر من رب المال كالارض # وهذا القياس مع انه مخالف للسنة ولاقوال الصحابة فهو من افسد القياس وذلك ~~ان المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه ويقتسمان الربح فهو نظير الأرض في ~~المزارعة واما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع ~~الأرض فالحاقة بالنفع الذاهب اولى من الحاقة بالاصل الباقى فالعاقد اذا ~~اخرج البذر ذهب عمله وبذره ورب الأرض ذهب نفع ارضه وبذر هذا كارض هذا فمن ~~جعل البذر كالمال كان ينبغي له ان يعيد مثل البذر إلى صاحبه كما قال مثل ~~ذلك في المضاربة فكيف ولو اشترط رب البذر نظير عود بذره إليه لم يجوزوا ذلك ~~PageV20P511 # وليس هذا موضع بسط هذه المسائل وانما الغرض التنبيه على جنس قول القائل ~~هذا يخالف القياس ### ||| فصل # واما ( الحوالة ( فمن قال تخالف القياس قال انها بيع دين بدين وذلك لا ~~يجوز وهذا غلط من وجهين # أحدهما ان بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا اجماع وانما ورد النهى عن ~~بيع الكالىء وبالكالىء والكالئ هو المؤخر الذى لم يقبض بالمؤخر الذي لم ~~يقبض وهذا كما لو اسلم شيئا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز ~~بالاتفاق وهو بيع كالىء بكالىء واما بيع الدين بالدين فينقسم إلى بيع واجب ~~بواجب كما ذكرناه وينقسم إلى بيع ساقط بساقط وساقط بواجب وهذا فيه نزاع # الوجه الثانى ان الحوالة من جنس ايفاء الحق لا من جنس البيع فان صاحب ~~الحق اذا استوفى من المدين ماله كان هذا ms6157 استيفاء فاذا احاله على غيره كان ~~قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل ولهذا ذكر النبى ~~PageV20P512 الحوالة في معرض الوفاء فقال في الحديث الصحيح ( مطل الغنى ظلم ~~واذا اتبع احدكم على ملىء فليتبع ( فامر المدين بالوفاء ونهاه عن المطل ~~وبين انه ظالم اذا مطل وامر الغريم بقبول الوفاء اذا احيل على ملىء وهذا ~~كقوله تعالى @QB@ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان @QE@ امر المستحق ان ~~يطالب بالمعروف وامر المدين ان يؤدي باحسان # ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص وان كان فيه شوب المعاوضة وقد ظن بعض ~~الفقهاء ان الوفاء انما يحصل باستيفاء الدين بسبب ان الغريم اذا قبض الوفاء ~~صار في ذمته للمدين مثله يتقاص ما عليه بماله وهذا تكلف انكره جمهور ~~الفقهاء وقالوا بل نفس المال الذي قبضه يحصل به الوفاء ولا حاجة ان نقدر في ~~ذمة المستوفى دينا واولئك قصدوا ان يكون وفاء الدين بدين وهذا لا حاجة إليه ~~بل الدين من جنس المطلق الكلي والمعين من جنس المعين فمن ثبت في ذمته دين ~~مطلق كلي فالمقصود منه هو الاعيان الموجودة واي معين استوفاه حصل به ~~المقصود من ذلك الدين المطلق PageV20P513 ### ||| فصل # ومن قال القرض خلاف القياس قال لانه بيع ربوي بجنسه من غير قبض وهذا غلط ~~فان القرض من جنس التبرع بالمنافع كالعارية ولهذا سماه النبى منيحة فقال ( ~~أو منيحة ذهب أو منيحة ورق ( وباب العارية اصلة ان يعطيه اصل المال لينتفع ~~بما يستخلف منه ثم يعيده إليه فتارة ينتفع بالمنافع كما في عارية العقار ~~وتارة يمنحه ماشية ليشرب لبنها ثم يعيدها وتارة يعيره شجرة ليأكل ثمرها ثم ~~يعيدها فان اللبن والثمر يستخلف شيئا بعد شيء بمنزلة المنافع ولهذا كان في ~~الوقف يجرى مجرى المنافع والمقرض يقرضه ما يقرضه لينتفع به ثم يعيد له ~~بمثله فان اعادة المثل تقوم مقام اعادة العين ولهذا نهي ان يشترط زيادة على ~~المثل كما لو شرط في العارية ان يرد مع الاصل غيره # وليس هذا من باب البيع فان ms6158 عاقلا لا يبيع درهما بمثله من كل وجه إلى اجل ~~ولا يباع الشيء بجنسه إلى اجل الا مع اختلاف الصفة أو القدر كما يباع نقد ~~بنقد آخر وصحيح بمكسور ونحو ذلك PageV20P514 ولكن قد يكون في القرض منفعة ~~للمقرض كما في مسالة السفتجة ولهذا كرهها من كرهها والصحيح انها لا تكره ~~لان المقترض ينتفع بها ايضا ففيها منفعة لهما جميعا اذا اقرضه ### ||| فصل # وأما قول من يقول ازالة النجاسة على خلاف القياس والنكاح على خلاف القياس ~~ونحو ذلك فهو من افسد الاقوال وشبهتهم انهم يقولون الانسان شريف والنكاح ~~فيه ابتذال المراة وشرف الانسان ينافي الابتذال وهذا غلط فان النكاح من ~~مصلحة شخص المراة ونوع الانسان والقدر الذي فيه من كون الذكر يقوم على ~~الانثى هو من الحكمة التى بها تتم مصلحة جنس الحيوان فضلا عن نوع الانسان ~~ومثل هذا الابتذال لا ينافى الانسانية كما لا ينافيها ان يتغوط الانسان اذا ~~احتاج إلى ذلك وان ياكل ويشرب وان كان الاستغناء عن ذلك اكمل بل ما احتاج ~~إليه الانسان وحصلت له به مصلحته فانه لا يجوز ان يمنع منه والمراة محتاجة ~~إلى النكاح وهو من تمام مصلحتها فكيف يقال القياس يقتضى منعها ان تتزوج # وكذلك ازالة النجاسة فان شبهة من قال انها تخالف القياس ان PageV20P515 ~~الماء اذا لاقاها نجس الماء ثم اذا صب ماء آخر لاقى الاول وهلم جرا قالوا ~~فكان القياس انه تنجس المياه المتلاحقة والنجس لا يزيل النجس # وهذا غلط فانه يقال لم قلتم القياس يقتضى ان الماء اذا لاقى النجاسة نجس # فان قلتم لانه في بعض الصور كذلك قيل الحكم في الاصل ممنوع عند من يقول ~~الماء لا ينجس الا بالتغير ومن سلم الاصل قال ليس جعل الازالة مخالفة ~~للقياس باولى من جعل تنجس الماء مخالفا للقياس بان يقال القياس يقتضى ان ~~الماء اذا لاقى نجاسة لا ينجس كما انه اذا لاقاها حال الازالة لا ينجس فهذا ~~القياس اصح من ذلك لان النجاسة تزول بالماء بالنص والاجماع واما تنجس الماء ms6159 ~~بالملاقاة فمورد نزاع فكيف يجعل مواقع النزاع حجة على مواقع الاجماع ~~والقياس ان يقاس موارد النزاع على مواقع الاجماع # ثم يقال الذي يقتضيه المعقول ان الماء اذا لم تغيره النجاسة لا ينجس فانه ~~باق على اصل خلقه وهو طيب داخل في قوله تعالى @QB@ ويحل لهم الطيبات ويحرم ~~عليهم الخبائث @QE@ وهذا هو القياس في المائعات جميعها اذا وقعت فيها نجاسة ~~فاستحالت حتى لم يظهر طعمها PageV20P516 ولا لونها ولا ريحها ان لا تنجس ~~فقد تنازع الفقهاء هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة الا ~~مااستثناه الدليل أو القياس يقتضي انه لا ينجس اذا لم يتغير على قولين ~~والأول قول أهل العراق والثاني قول اهل الحجاز # وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا ومنهم من يختار هذا وهم اهل الحجازوهو ~~الصواب الذي تدل عليه الاصول والنصوص والمعقول فان الله اباح الطيبات وحرم ~~الخبائث والطيب والخبث باعتبار صفات قائمة بالشيء فما دام على حاله فهو طيب ~~فلا وجه لتحريمه ولهذا لو وقعت قطرة خمر في جب لم يجلد شاربه # والذين يسلمون ان القياس نجاسة الماء بالملاقاة فرقوا بين ملاقاته في ~~الازالة وبين غيرها بفروق # منهم من قال الماء ها هنا وارد على النجاسة وهناك وردت النجاسة عليه وهذا ~~ضعيف فانه لو صب ماء في جب نجس ينجس عندهم # ومنهم من قال الماء اذا كان في مورد التطهير لازالة الخبث أو الحدث لم ~~يثبت له حكم النجاسة ولا الاستعمال الا اذا انفصل واما قبل الانفصال فلا ~~يكون مستعملا ولا نجسا وهذا حكاية مذهب ليس فيه حجة PageV20P517 # ومنهم من قال الماء في حال الازالة جار والماء الجاري لا ينجس الا ~~بالتغير وهومذهب أبي حنيفة ومالك وهو انص الروايتين عن أحمد وهو القول ~~القديم للشافعي ولكن ازالة النجاسة تارة تكون بالجريان وتارة تكون بدونه ~~كما لو صب الماء على الثوب في الطست # فالصواب ان مقتضى القياس ان الماء لا ينجس الا بالتغير والنجاسة لا تزول ~~به حتى يكون غير متغير واما في حال تغيره فهو نجس لكن تخفف ms6160 به النجاسة واما ~~الازالة فانما تحصل بالماء الذي ليس بمتغير # وهذا القياس في الماء هو القياس في المائعات كلها انها لا تنجس اذا ~~استحالت النجاسة فيها ولم يبق لها فيها اثر فانها حينئذ من الطيبات لا من ~~الخبائث وهذا القياس هو القياس في قليل الماءوكثيره وقليل المائع وكثيره ~~فان قام دليل شرعى على نجاسة شيء من ذلك فلا نقول انه خلاف القياس بل نقول ~~دل ذلك على ان النجاسة ما استحالت # ولهذا كان اظهر الاقوال في المياه مذهب اهل المدينة والبصرة انه لا ينجس ~~الا بالتغير وهو احدى الروايات عن الامام أحمد نصرها طائفة من اصحابه ~~كالامام ابى الوفاء بن عقيل وابى محمد بن المني PageV20P518 # وكذلك الماء المستعمل في طهارة الحدث باق على طهوريته وقد صح عن النبى ~~انه قال ( الماء لا ينجس ( فلا يصير الماء جنبا ولا يتعدى إليه حكم الجنابة ~~ونهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الدائم أو عن الاغتسال فيه لا ~~يدل على انه يصير نجسا بذلك بل قد نهى عنه لما يفضي إليه البول بعد البول ~~من افساده أو لما يؤدى إلى الوسواس كما نهى عن بول الرجل في مستحمه وقال ( ~~عامة الوسواس منه ( ونهيه عن الاغتسال قد جاء فيه انه نهى عن الاغتسال فيه ~~بعد البول وهذا يشبه نهيه عن بول الانسان في مستحمه # وقد ثبت في الصحيح عنه انه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال ( ألقوها وما ~~حولها وكلوا سمنكم ( والتفريق المروي فيه ( ان كان جامدا فألقوهاوما حولها ~~وان كان مائعا فلا تقربوه ( غلط كما بينه البخاري والترمذي وغيرهما وهو من ~~غلط معمر فيه وبن عباس رواية افتى فيما اذا ماتت ان تلقى وما حولها ويؤكل ~~فقيل لهما انها قد دارت فيه فقال انما ذاك لما كانت حية فلما ماتت استقرت ~~رواه أحمد في مسائل ابنه صالح وكذلك الزهري راوي الحديث افتى في الجامد ~~والمائع القليل والكثير سمنا كان أو زيتا أو غير ذلك بأن تلقى وما قرب منها ~~ويؤكل ms6161 الباقى PageV20P519 # واحتج بالحديث فكيف قد يكون روى فيه الفرق # وحديث القلتين ان صح عن النبى يدل على ذلك ايضا فان قوله ( اذا بلغ الماء ~~قلتين لم يحمل الخبث ( وفى اللفظ الآخر ( لم ينجسه شيء ( يدل على ان الموجب ~~لنجاسته كون الخبث فيه محمولا فمتى كان مستهلكا فيه لم يكن محمولا فمنطوق ~~الحديث وتعليله لم يدل على ذلك # واما تخصيص القلتين بالذكر فانهم سألوه عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ~~ينوبه من السباع والدواب وذلك الماء الكثير في العادة فبين ان مثل ذلك لا ~~يكون فيه خبث في العادة بخلاف القليل فانه قد يحمل الخبث وقد لا يحمله فان ~~الكثرة تعين على احالة الخبث إلى طبعه والمفهوم لايجب فيه العموم فليس إذا ~~كان القلتان لاتحمل الخبث يلزم ان ما دونها يلزمه مطلقا على ان التخصيص وقع ~~جوابا لأناس سألوه عن مياه معينة فقد يكون التخصيص لأن هذه كثيرة لا تحمل ~~الخبث والقلتان كثير ولا يلزم ان لا يكون الكثير الا قلتين والا فلو كان ~~هذا حدا فاصلا بين الحلال والحرام لذكره ابتداء ولأن الحدود الشرعية تكون ~~معروفة كنصاب الذهب والمعشرات ونحو ذلك والماء الذى تقع فيه النجاسة لا ~~يعلم كيله الا خرصا ولا يمكن كيله في العادة فكيف يفصل بين PageV20P520 ~~الحلال والحرام بما يتعذر معرفته على غالب الناس في غالب الاوقات وقد أطلق ~~في غيرحديث قوله ( الماء طهور لاينجسه شيء ( و ( الماء لايجنب ( ولم يقدره ~~مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ومنطوق هذا الحديث يوافق تلك ~~ومفهومه انما يدل عند من يقول بدلالة المفهوم اذا لم يكن هناك سبب يوجب ~~التخصيص بالذكر لا الاختصاص بالحكم وهذا لا يعلم هنا # وحديث الامر باراقة الاناء من ولوغ الكلب لأن الآنية التى يلغ فيها الكلب ~~في العادة صغيرة ولعابه لزج يبقى في الماء ويتصل بالاناء فيراق الماء ويغسل ~~الاناء من ريقه الذى لم يستحل بعد بخلاف ما اذا ولغ في اناء كبير وقد نقل ~~حرب عن أحمد في كلب ولغ في ms6162 جب كبير فيه زيت فامره بأكله # وبسط هذه المسائل له موضع آخر وانما المقصود التنبيه على مخالفة القياس ~~وموافقته ### ||| فصل # وقول القائل ان تطهير الماء على خلاف القياس هو بناء على هذا الاصل ~~الفاسد والا فمن كان من أصله ان القياس ان الماء لا PageV20P521 ينجس الا ~~بالتغير فالقياس عنده تطهيره فان الحكم اذا ثبت بعلة زال بزوالها واذا كانت ~~العلة التغير فاذا زال التغير زالت النجاسة كما أن العلة لما كانت في الخمر ~~الشدة المطربة فاذا زالت طهرت كيف والنجاسة في الماء واردة عليه كنجاسة ~~الأرض ولكن قد يقال هذا مبنى على ( مسالة الاستحالة ) وفيها نزاع مشهور ففى ~~مذهب مالك واحمد قولان ومذهب ابى حنيفة واهل الظاهر انها تطهر بالاستحالة ~~ومذهب الشافعى لا تطهر بالاستحالة # وقول القائل انها تطهر بالاستحالة اصح فان النجاسة اذا صارت ملحا أو ~~رمادا فقد تبدلت الحقيقة وتبدل الاسم والصفة فالنصوص المتناولة لتحريم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير لا تتناول الملح والرماد والتراب لالفظا ولا ~~معنى والمعنى الذى لاجله كانت تلك الاعيان خبيثة معدوم في هذه الاعيان فلا ~~وجه للقول بانها خبيثة نجسة والذين فرقوا بين ذلك وبين الخمر قالوا الخمر ~~نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة فيقال لهم وكذلك البول والدم والعذرة ~~انما نجست بالاستحالة فينبغى ان تطهر بالاستحالة ### ||| فصل # واما قول القائل التوضؤ من لحوم الابل على خلاف القياس فهذا انما قاله ~~لأنها لحم واللحم لا يتوضأ منه وصاحب الشرع قد PageV20P522 فرق بين لحم ~~الغنم ولحم الابل كما فرق بين معاطن هذه ومبارك هذه فامر بالصلاة في هذا ~~ونهى عن الصلاة في هذا فدعوى المدعى ان القياس التسوية بينهما من جنس قول ~~الذين قالوا @QB@ إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ ~~والفرق بينهما ثابت في نفس الامر كما فرق بين اصحاب الابل واصحاب الغنم ~~فقال ( الفخر والخيلاء في الفدادين اصحاب الابل والسكينة في اهل الغنم ) ~~وروى في الابل ( انها جن خلقت من جن ) وروى ( على ذروة كل بعير شيطان ) ~~فالابل فيها قوة شيطانية والغاذى شبيه ms6163 بالمغتذى # ولهذا حرم كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير لانها دواب عادية ~~بالاغتذاء بها تجعل في خلق الانسان من العدوان ما يضره في دينه فنهى الله ~~عن ذلك لأن المقصود ان يقوم الناس بالقسط والابل اذا أكل منها تبقى فيه قوة ~~شيطانية # وفى الحديث الذى في السنن عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ( ~~الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار وانما تطفأ النار بالماء ) قال ~~النبى ( ) ( فاذا غضب أحدكم فليتوضأ ) فاذا توضأ العبد من لحوم الابل كان ~~في ذلك من اطفاء القوة الشيطانية ما يزيل المفسدة بخلاف من لم يتوضأ منها ~~فان الفساد حاصل معه ولهذا يقال ان الاعراب بأكلهم لحوم الابل مع عدم ~~PageV20P523 الوضوء منها صار فيهم من الحقد ما صار # ولهذا امر بالوضوء مما مست النار وهو حديث صحيح وقد ثبت في أحاديث صحيحة ~~أنه أكل مما مست النار ولم يتوضأ فقيل ان الأول منسوخ لكن لم يثبت ان ذلك ~~متقدم على هذا بل رواه أبو هريرة واسلامه متأخر عن تاريخ بعض تلك الاحاديث ~~كحديث السويق الذى كان بخيبر فانه كان قبل اسلام أبى هريرة وقيل بل الامر ~~بالتوضؤ مما مست النار استحباب كالأمر بالتوضؤ من الغضب وهذا أظهر القولين ~~وهما وجهان في مذهب أحمد فان النسخ لا يصار إليه الا عند التنافى والتاريخ ~~وكلاهما منتف بخلاف حمل الامر على الاستحباب فان له نظائر كثيرة # وكذلك التوضؤ من مس الذكر ومس النساء هو من هذا الباب لما فيه من تحريك ~~الشهوة فالتوضؤ مما يحرك الشهوة كالتوضؤ من الغضب وما مسته النار هو من هذا ~~الباب فان الغضب من الشيطان والشيطان من النار واما لحم الابل فقد قيل ~~التوضؤ منه مستحب لكن تفريق النبى ( ) بينه وبين لحم الغنم مع ان ذلك مسته ~~النار والوضوء منه مستحب دليل على الاختصاص وما فوق الاستحباب الا الايجاب ~~ولان الشيطنة في الابل لازمة وفيما مسته النار عارضة ولهذا نهى عن الصلاة ~~في أعطانها للزوم الشيطان لها بخلاف ms6164 الصلاة في مباركها في السفر فانه جائز ~~لأنه عارض والحشوش PageV20P524 محتضرة فهي أولى بالنهى من أعطان الابل و # كذلك الحمام بيت الشيطان وفى الوضوء من اللحوم الخبيثة عن أحمد روايتان ~~على أن الحكم مما عقل معناه فيعدى أو ليس كذلك والخبائث التى أبيحت للضرورة ~~كلحوم السباع أبلغ في الشيطنة من لحوم الابل فالوضوء منها أولى # وقد تنازع العلماء في الوضوء من النجاسة الخارجة من غير السبيلين كالفصاد ~~والحجامة والجرح والقيء والوضوء من مس النساء لشهوة وغير شهوة والتوضؤ من ~~مس الذكر والتوضؤ من القهقهة فبعض الصحابة كان يتوضأ من مس الذكر كسعد وبن ~~عمر وكثير منهم لم يكن يتوضأ منه والوضوء منه هل هو واجب أو مستحب فيه عن ~~مالك وأحمد روايتان وايجابه قول الشافعى وعدم الايجاب مذهب ابى حنيفة # وكذلك مس النساء لشهوة اذا قيل باستحبابه فهذا يتوجه وأما وجوب ذلك فلا ~~يقوم الدليل الا على خلافه ولا يقدر أحد قط أن ينقل عن النبى ( ) أنه كان ~~يأمر أصحابه بالوضوء من مس النساء ولا من النجاسات الخارجة لعموم البلوى ~~بذلك وقوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ المراد به الجماع كما فسره ~~بذلك بن عباس وغيره PageV20P525 لوجوه متعددة وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~للمستحاضة ( انما ذلك عرق وليس بالحيضة ) تعليل لعدم وجوب الغسل لا لوجوب ~~الوضوء فان وجوب الوضوء لا يختص بدم العروق بل كانت قد ظنت ان ذلك الدم هو ~~دم الحيض الذى يوجب الغسل فبين لها النبى ( ) ان هذا ليس هو دم الحيض الذى ~~يوجب الغسل فان ذلك يرشح من الرحم كالعرق وانما هذا دم عرق انفجر في الرحم ~~ودماء العروق لا توجب الغسل وهذه مسائل مبسوطة في مواضع أخر # والمقصود هنا التنبيه على فساد ( قول ) من يدعى التناقض في معانى الشريعة ~~أو ألفاظها ويزعم ان الشارع يفرق بين المتماثلين بل نبينا محمد بعث بالهدى ~~ودين الحق بالحكمة والعدل والرحمة فلا يفرق بين شيئين في الحكم الا لافتراق ~~صفاتهما المناسبة للفرق ولايسوى بين شيئين الا لتماثلهما في الصفات ~~المناسبة ms6165 للتسوية والاظهر أنه لايجب الوضوء من مس الذكر ولا النساء ولا ~~خروج النجاسات من غير السبيلين ولا القهقهة ولا غسل الميت فانه ليس مع ~~الموجبين دليل صحيح بل الادلة الراجحة تدل على عدم الوجوب لكن الاستحباب ~~متوجه ظاهر فيستحب ان يتوضأ PageV20P526 من مس النساء لشهوة ويستحب ان ~~يتوضأ من الحجامة والقيء ونحوهما كما في السنن ان النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قاء فتوضأ والفعل انما يدل على الاستحباب ولم يثبت عنه أنه أمر ~~بالوضوء من الحجامة ولا امر أصحابه بالوضوء اذا جرحوا مع كثرة الجراحات ~~والصحابة نقل عنهم فعل الوضوء لا ايجابه # وكذلك القهقهة في الصلاة ذنب ويشرع لكل من أذنب أن يتوضأ وفى استحباب ~~الوضوء من القهقهة وجهان في مذهب أحمد وغيره # وأما الوضوء من الحدث الدائم لكل صلاة ففيه أحاديث متعددة عن النبى ( ) ~~قد صحح بعضها غير واحد من العلماء فقول الجمهور الذين يوجبون الوضوء لكل ~~صلاة أظهر وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد والله أعلم ### ||| فصل # وأما الحجامة فانما اعتقد ان الفطر منها مخالف للقياس من اعتقد ان الفطر ~~مما خرج لا مما دخل وهؤلاء اشكل عليهم القيء والاحتلام ودم الحيض والنفاس ~~PageV20P527 # وأما من تدبر أصول الشرع ومقاصده فانه رأى الشارع لما أمر بالصوم أمر فيه ~~بالاعتدال حتى كره الوصال وامر بتعجيل الفطر وتاخير السحور وجعل اعدل ~~الصيام وأفضله صيام داود وكان من العدل ان لا يخرج من الانسان ما هو قيام ~~قوته فالقيء يخرج الغذاء والاستمناء يخرج المنى والحيض يخرج الدم وبهذه ~~الامور قوام البدن لكن فرق بين ما يمكن الاحتراز منه وما لا يمكن فالاحتلام ~~لا يمكن الاحتراز منه وكذلك من ذرعه القيء وكذا دم الاستحاضة فانه ليس له ~~وقت معين بخلاف دم الحيض فان له وقتا معينا فالمحتجم اخرج دمه وكذلك ~~المفتصد بخلاف من خرج دمه بغير اختياره كالمجروح فان هذا لا يمكن الاحتراز ~~منه فكانت الحجامة من جنس القيء والاستمناء والحيض وكان خروج دم الجرح من ~~جنس الاستحاضة والاحتلام وذرع القيء فقد تناسبت ms6166 الشريعة وتشابهت ولم تخرج ~~عن القياس # والاظهر انه لا يفطر بالكحل ولا بالتقطير في الاحليل ولا بابتلاع ما لا ~~يغذى كالحصاة ولكن يفطر بالسعوط لقوله ( وبالغ في الاستنشاق الا ان تكون ~~صائما PageV20P528 ### ||| فصل # وأما قولهم السلم على خلاف القياس فقولهم هذا من جنس ما رووا عن النبى ~~انه قال ( لا تبع ما ليس عندك وارخص في السلم ) وهذا لم يرو في الحديث ~~وانما هو من كلام بعض الفقهاء وذلك انهم قالوا السلم بيع الانسان ما ليس ~~عنده فيكون مخالفا للقياس ونهى النبى حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده اما ~~ان يراد به بيع عين معينة فيكون قد باع مال الغير قبل ان يشتريه وفيه نظر ~~واما ان يراد به بيع ما لا يقدر على تسليمه وان كان في الذمة وهذا اشبه ~~فيكون قد ضمن له شيئا لا يدرى هل يحصل اولا يحصل وهذا في السلم الحال اذا ~~لم يكن عنده ما يوفيه والمناسبة فيه ظاهرة # فاما السلم المؤجل فانه دين من الديون وهو كالابتياع بثمن مؤجل فاى فرق ~~بين كون أحد العوضين مؤجلا في الذمة وكون العوض الاخر مؤجلا في الذمة وقد ~~قال تعالى @QB@ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه @QE@ وقال بن عباس ~~اشهد ان السلف المضمون PageV20P529 في الذمة حلال في كتاب الله وقرا هذه ~~الاية فاباحه هذا على وفق القياس لا على خلافه ### ||| فصل # وأما الكتابة فقال من قال هي خلاف القياس لكونه بيع ماله بماله وليس كذلك ~~بل باعه نفسه بمال في الذمة والسيد لا حق له في ذمة العبد وانما حقه في ~~بدنه فان السيد حقه مالية العبد في انسانيته فهو من حيث يؤمر وينهى انسان ~~مكلف فيلزمه الايمان والصلاة والصيام لانه انسان والذمة العهد وانما يطالب ~~العبد بما في ذمته بعد عتقه وحينئذ لا ملك للسيد عليه فالكتابة بيعه نفسه ~~بمال في ذمته ثم إذا اشترى نفسه كان كسبه له ونفعه له وهو حادث على ملكه ~~الذى استحقه بعقد الكتابة لكن لا يعتق ms6167 فيها الا بالاذن لان السيد لم يرض ~~بخروجه من ملكه إلا بأن يسلم له العوض فمتى لم يحصل له العوض وعجز العبد ~~عنه كان له الرجوع في المبيع وهذا هو القياس في المعاوضات # ولهذا يقول اذا عجز المشترى عن الثمن لإفلاسه كان للبائع الرجوع في ~~المبيع فالعبد المكاتب مشتر لنفسه فعجزه عن أداء العوض كعجز المشترى وهذا ~~القياس في جميع المعاوضات اذا عجز PageV20P530 المعاوض عما عليه من العوض ~~كان للاخر الرجوع في عوضه ويدخل في ذلك عجز الرجل عن الصداق وعجز الزوج عن ~~الوطء وطرده عجز الرجل عن العوض في الخلع والصلح عن القصاص ### ||| فصل # وأما الاجارة فالذين قالوا هي على خلاف القياس قالوا انها بيع معدوم لان ~~المنافع معدومة حين العقد وبيع المعدوم لا يجوز # ثم ان القرآن جاء باجارة الظئر للرضاع في قوله تعالى @QB@ فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن @QE@ فقال كثير من الفقهاء ان اجارة الظئر للرضاع على خلاف ~~قياس الاجارة فان الاجارة عقد على منافع واجارة الظئر عقد على اللبن واللبن ~~من باب الاعيان لا من باب المنافع ومن العجب انه ليس في القرآن ذكر اجارة ~~جائزة الا هذه وقالوا هذه خلاف القياس والشيء انما يكون خلاف القياس اذا ~~كان النص قد جاء في موضع بحكم وجاء في موضع يشابه ذلك بنقيضة فيقال هذا ~~خلاف لقياس ذلك النص وليس في القران ذكر الاجارة الباطلة حتى يقال القياس ~~يقتضي بطلان هذه الاجارة بل فيه ذكر جواز هذه الاجارة وليس فيه ذكر فساد ~~أجارة تشبهها بل ولا في السنة بيان اجارة فاسدة تشبه هذه وانما اصل قولهم ~~PageV20P531 ظنهم ان الاجارة الشرعية انما تكون على المنافع التى هي أعراض ~~لا على أعيان هي اجسام وسنبين ان شاء الله كشف هذه الشبهة # ولما اعتقد هؤلاء ان اجارة الظئر على خلاف القياس صار بعضهم يحتال لا ~~جرائها على القياس الذي اعتقدوه فقالوا المعقود عليه فيها هو إلقام الثدي ~~أو وضعه في الحجر أو نحو ذلك من المنافع التى هي مقدمات الرضاع ومعلوم ms6168 ان ~~هذه الاعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الاجارة والا فهي بمجردها ليست ~~مقصودة ولا معقودا عليها بل ولاقيمة لها اصلا وانما هو كفتح الباب لمن ~~اكترى دارا أو حانوتا أو كصعود الدابه لمن اكترى دابه ومقصود هذا هو السكنى ~~ومقصود هذا هو الركوب وانما هذه الاعمال مقدمات ووسائل إلى المقصود بالعقد # ثم هؤلاء الذين جعلوا اجارة الظئر على خلاف القياس طردوا ذلك في مثل ماء ~~البئر والعيون التى تنبع في الأرض فقالوا أدخلت ضمنا وتبعا في العقد حتى أن ~~العقد إذا وقع على نفس الماء كالذي يعقد على عين تنبع ليسقى بها بستانه أو ~~ليسوقها إلى مكانه ليشرب منها وينتفع بمائها قالوا المعقود عليه الاجراء في ~~الأرض أو نحو ذلك مما يتكلفونه ويخرجوا الماء المقصود بالعقود عن أن يكون ~~معقودا عليه PageV20P532 ونحن ننبه على هذين الاصلين على قول من جعل ~~الإجارة على خلاف القياس وعلى قول من جعل اجارة الظئر ونحوها على خلاف ~~القياس # أما الاول فنقول قولهم الاجارة بيع معدوم وبيع المعدوم على خلاف القياس ~~مقدمتان مجملتان فيهما تلبيس فان قولهم الاجارة بيع ان ارادوا انها البيع ~~الخاص الذي يعقد على الاعيان فهو باطل وان أرادوا البيع العام الذي هو ~~معاوضة اما على عين واما على منفعة فقولهم في المقدمة الثانية ان بيع ~~المعدوم لا يجوز انما يسلم ان سلم في الاعيان لا في المنافع ولما كان لفظ ~~البيع يحتمل هذا وهذا تنازع الفقهاء في الاجارة هل تنعقد بلفظ البيع على ~~وجهين # والتحقيق ان المتعاقدين ان عرفا المقصود انعقدت فأي لفظ من الالفاظ عرف ~~به المتعاقدان مقصودهما انعقد به العقد وهذا عام في جميع العقود فان الشارع ~~لم يحد في الفاظ العقود حدا بل ذكرها مطلقة فكما تنعقد العقود بما يدل ~~عليها من الالفاظ الفارسية والرومية وغيرهما من الالسن العجمية فهي تنعقد ~~بما يدل عليها من الالفاظ العربية ولهذا وقع الطلاق والعتاق بكل لفظ يدل ~~عليه وكذلك البيع وغيره # وطرد هذا النكاح فان اصح قولي العلماء انه ms6169 ينعقد بكل لفظ PageV20P533 يدل ~~عليه لا يختص بلفظ الانكاح والتزويج وهذا مذهب جمهور العلماء كابى حنيفة ~~ومالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد بل نصوصه لم تدل الا على هذا الوجه ~~واما الوجه الاخر من انه انما ينعقد بلفظ الانكاح والتزويج فهو قول ابى عبد ~~الله بن حامد واتباعه كالقاضي ابى يعلى ومتبعيه واما قدماء أصحاب أحمد ~~وجمهورهم فلم يقولوا بهذا الوجه وقد نص أحمد في غير موضع على انه اذا قال ~~اعتقت امتى وجعلت عتقها صداقها انعقد النكاح وليس هنا لفظ انكاح وتزويج ~~ولهذا ذكر بن عقيل وغيره ان هذا يدل على أنه لا يختص النكاح بلفظ # وأما بن حامد فطرد قوله وقال لا بد أن يقول مع ذلك وتزوجتها والقاضى أبو ~~يعلى جعل هذا خارجا عن القياس فجوز النكاح هنا بدون لفظ الانكاح والتزويج ~~واصول الامام أحمد ونصوصه تخالف هذا فان من أصله ان العقود تنعقد بما يدل ~~على مقصودها من قول أو فعل فهو لا يرى اختصاصها بالصيغ ومن اصله ان الكناية ~~مع دلالة الحال كالصريح لا تفتقر إلى اظهار النية ولهذا قال بذلك في الطلاق ~~والقذف وغير ذلك # والذين قالوا ان النكاح لا ينعقد الا بلفظ الانكاح والتزويج من أصحاب ~~الشافعي قالوا لان ما سوى اللفظين كناية والكناية لا يثبت PageV20P534 ~~حكمها الابالنية والنية باطن والنكاح مفتقر إلى شهادة والشهادة انما تقع ~~على السمع فهذا أصل أصحاب الشافعى الذين خصوا عقد النكاح باللفظين # وبن حامد واتباعه وافقوهم لكن أصول أحمد ونصوصه تخالف هذا فان هذه ~~المقدمات باطلة على اصله أما قول القائل ما سوى هذين كناية فانما يستقيم أن ~~لو كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع كما يقوله الشافعى ومن ~~وافقه من اصحاب أحمد كالخرقى والقاضى أبى يعلى وغيرهما ان الصريح في الطلاق ~~هو الطلاق والفراق والسراح لمجيء القرآن بذلك # فاما جمهور العلماء كابى حنيفة ومالك وغيرهما وجمهور أصحاب أحمد كابى بكر ~~وبن حامد وابى الخطاب وغيرهم فلا يوافقون على هذا الاصل بل منهم من يقول ms6170 ~~الصريح هو لفظ الطلاق فقط كابى حنيفة وبن حامد وابى الخطاب وغيرهما من ~~اصحاب أحمد وبعض اصحاب الشافعى ومنهم من يقول بل الصريح أعم من هذه الالفاظ ~~كما يذكر عن مالك وهو قول أبى بكر وغيره من اصحاب أحمد والجمهور يقولون كلا ~~المقدمتين المذكورتين ان صريح الطلاق تليه مقدمة باطلة # أما قولهم ان هذه الالفاظ صريحة في خطاب الشارع فليس PageV20P535 كذلك بل ~~لفظ السراح والفراق في القرآن مستعمل في غير الطلاق قال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا @QE@ فامر بتسريحهن بعد ~~الطلاق قبل الدخول وهو طلاق بائن لا رجعة فيه وليس التسريح هنا تطليقا ~~باتفاق المسلمين وقال تعالى @QB@ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف @QE@ وفى الآية الآخرى @QB@ أو فارقوهن بمعروف @QE@ فلفظ الفراق ~~والسراح ليس المراد به هنا الطلاق فاما المطلقة الرجعية فهو مخير بين ~~ارتجاعها وبين تخلية سبيلها لا يحتاج إلى طلاق ثان # واما المقدمة الثانية فلا يلزم من كون اللفظ صريحا في خطاب الشارع ان ~~يكون صريحا في خطاب كل من يتكلم وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا ان قول ~~القائل ان الاجارة نوع من البيع ان اراد به البيع الخاص وهو الذى يفهم من ~~لفظ البيع عند الاطلاق فليس كذلك فان ذاك انما ينعقد على اعيان معينة أو ~~مضمونة في الذمة وان اراد به انها نوع من المعاوضة العامة التى تتناول ~~العقد على الاعيان والمنافع فهذا صحيح لكن قوله ان المعاوضة العامة لا تكون ~~على معدوم دعوى مجردة بل دعوى كاذبة # 537 # فان الشارع جوز المعاوضة العامة على المعدوم وان قاس بيع المنافع ~~PageV20P536 على بيع الاعيان فقال كما ان بيع الاعيان لا يكون الا على ~~موجود فكذلك بيع المنافع وهذه حقيقة كلامه فهذا القياس في غاية الفساد فان ~~من شرط القياس ان يمكن اثبات حكم الاصل في الفرع وهو هنا متعذر لان المنافع ~~لا يمكن ان يعقد عليها ms6171 في حال وجودها فلا يتصور ان تباع المنافع في حال ~~وجودها كما تباع الاعيان في حال وجودها # والشارع امر الانسان ان يؤخر العقد على الاعيان التى لم تخلق إلى ان تخلق ~~فنهى عن بيع السنين وبيع حبل الحبلة وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وعن بيع الحب ~~حتى يشتد ونهى عن بيع المضامين والملاقيح وعن المجر وهو الحمل وهذا كله نهى ~~عن بيع حيوان قبل ان يخلق وعن بيع حب وثمر قبل ان يخلق وامر بتاخير بيعه ~~إلى ان يخلق # وهذا التفصيل وهو منع بيعه في الحال واجارته في حال يمتنع مثله في ~~المنافع فانه لا يمكن ان تباع الا هكذا فما بقى حكم الاصل مساويا لحكم ~~الفرع الا ان يقال فانا اقيسه على بيع الاعيان المعدومة فيقال له هنا شيئان ~~أحدهما يمكن بيعه في حال وجوده وحال عدمه فنهى الشارع عن بيعه الا اذا وجد ~~والشيء الاخر لا يمكن بيعه الا في حال عدمه فالشارع لما نهى عن بيع ذاك حال ~~عدمه فلا بد اذا PageV20P537 قست عليه ان تكون العلة الموجبة للحكم في ~~الاصل ثابتة في الفرع فلم قلت ان العلة في الاصل مجرد كونه معدوما ولم لا ~~يجوز ان يكون بيعه في حال عدمه مع امكان تاخير بيعه إلى حال وجوده # وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص وهو معدوم يمكن بيعه بعد وجوده ~~وانت ان لم تبين ان العلة في الاصل القدر المشترك كان قياسك فاسدا وهذا ~~سؤال المطالبة وهو كاف في وقف قياسك # لكن نبين فساده فنقول ما ذكرناه علة مطردة وما ذكرته علة منتقضة فانك إذا ~~عللت المنع بمجرد العدم انتقضت علتك ببعض الأعيان والمنافع واذا عللته بعدم ~~ما يمكن تاخير بيعه إلى حال وجوده أو بعدم هو غرر اطردت العلة وايضا ~~فالمناسبة تشهد لهذه العلة فانه اذا كان له حال وجود وعدم كان بيعه حال ~~العدم فيه مخاطرة وقمار وبها علل النبى المنع حيث قال ( أرأيت ان منع الله ~~الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه ms6172 بغير حق ) بخلاف ما ليس له إلا حال واحده ~~والغالب فيه السلامة فان هذا ليس مخاطرة فالحاجة داعية إليه # ومن أصول الشرع أنه اذا تعارض المصلحة والمفسدة قدم ارجحهما فهو انما نهى ~~عن بيع الغرر لما فيه من المخاطرة التى تضر باحدهما وفى PageV20P538 المنع ~~مما يحتاجون إليه من البيع ضرر اعظم من ذلك فلا يمنعهم من الضرر اليسير ~~بوقوعهم في الضرر الكثير بل يدفع اعظم الضررين باحتمال ادناهما ولهذا لما ~~نهاهم عن المزابنة لما فيها من نوع ربا أو مخاطرة فيها ضرر اباحها لهم في ~~العرايا للحاجة لان ضرر المنع من ذلك اشد وكذلك لما حرم عليهم الميتة لما ~~فيها من خبث التغذية اباحها لهم عند الضرورة لان ضرر الموت اشد ونظائره ~~كثيره # فان قيل فهذا كله على خلاف القياس # قيل قد قدمنا ان الفرع اختص بوصف اوجب الفرق بينه وبين الاصل فكل فرق ~~صحيح على خلاف القياس الفاسد وان اريد بذلك ان الاصل والفرع استويا في ~~المقتضى والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعا # ففى الجملة الشيء اذا شابه غيره في وصف وفارقه في وصف كان اختلافهما في ~~الحكم باعتبار الفارق مخالفا لاستوائهما باعتبار الجامع لكن هذا هو القياس ~~الصحيح طردا وعكسا وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين واما ~~التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يوجب الحكم ويمنعه فهذا قياس ~~فاسد # والشرع دائما يبطل القياس الفاسد كقياس ابليس وقياس PageV20P539 المشركين ~~الذين قالوا @QB@ إنما البيع مثل الربا @QE@ والذين قاسوا الميت على المذكى ~~وقالوا اتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله فجعلوا العلة في الاصل ~~كونه قتل آدمى وقياس الذين قاسوا المسيح على اصنامهم فقالوا لما كانت ~~الهتنا تدخل النار لانها عبدت من دون الله فكذلك ينبغى ان يدخل المسيح ~~النار قال الله تعالى @QB@ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ~~وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون @QE@ وهذا ~~كان وجه مخاصمة بن الزبعرى لما انزل الله @QB@ إنكم وما تعبدون ms6173 من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ~~@QE@ فان الخطاب للمشركين لا لاهل الكتاب والمشركون لم يعبدوا المسيح وانما ~~كانوا يعبدون الاصنام والمراد بقوله @QB@ وما تعبدون @QE@ الاصنام فالاية ~~لم تتناول المسيح لا لفظا ولا معنى # وقول من قال ان الآية عامة تتناول المسيح ولكن اخر بيان تخصيصها غلط منه ~~ولو كان ذلك صحيحا لكانت حجة المشركين متوجهة فان من خاطب بلفظ العام ~~يتناول حقا وباطلا لم يبين مراده توجه الاعتراض عليه وقد قال تعالى @QB@ ~~ولما ضرب ابن مريم مثلا @QE@ أي هم ضربوه مثلا كما قال @QB@ ما ضربوه لك ~~إلا جدلا @QE@ أي جعلوه مثلا لآلهتهم فقاسوا الالهة عليه واوردوه مورد ~~المعارضة PageV20P540 فقالوا اذا دخلت الهتنا النار لكونها معبودة فهذا ~~المعنى موجود في المسيح فيجب ان يدخل النار وهو لايدخل النار فهي لا تدخل ~~النار وهذا قياس فاسد لظنهم ان العلة مجرد كونه معبودا وليس كذلك بل العلة ~~انه معبود ليس مستحقا للثواب أو معبود لاظلم في ادخاله النار # فالمسيح والعزير والملائكة وغيرهم ممن عبد من دون الله وهو من عباد الله ~~الصالحين وهو مستحق لكرامة الله بوعد الله وعدله وحكمته فلا يعذب بذنب غيره ~~فانه لاتزر وازرة وزر اخرى والمقصود بالقاء الاصنام في النار اهانة عابديها ~~واولياء الله لهم الكرامة دون الاهانة فهذا الفارق بين فساد تعليق الحكم ~~بذلك الجامع والاقيسة الفاسدة من هذا الجنس # فمن قال ان الشريعة تاتى بخلاف مثل هذا القياس فقد أصاب وهذا من كمال ~~الشريعة واشتمالها على العدل والحكمة التى بعث الله بها رسوله # ومن لم يخالف مثل هذه الاقيسة الفاسدة بل سوى بين الشيئين باشتراكهما في ~~امر من الامور لزمه ان يسوى بين كل موجودين لاشتراكهما في مسمى الوجود ~~فيسوى بين رب العالمين وبين بعض PageV20P541 المخلوقين فيكون من الذين هم ~~بربهم يعدلون ويشركون فان هذا من اعظم القياس الفاسد وهؤلاء يقولون @QB@ ~~تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين @QE@ ولهذا قال طائفة ~~من السلف ms6174 أول من قاس ابليس وما عبدت الشمس والقمر الا بالمقاييس اي بمثل ~~هذه المقاييس التى يشتبه فيها الشيء بما يفارقه كاقيسة المشركين # ومن كان له معرفه بكلام الناس في العقليات راى عامة ضلال من ضل من ~~الفلاسفة والمتكلمين بمثل هذه الاقيسة الفاسدة التى يسوى فيها بين الشيئين ~~لاشتراكهما في بعض الامور مع ان بينهما من الفرق ما يوجب أعظم المخالفة ~~واعتبر هذا بكلامهم في وجود الرب ووجود المخلوقات فان فيه من الاضطراب ما ~~قد بسطناه في غير هذا الموضع # وهذا الذي ذكرناه في الاجارة بناء على تسليم قولهم ان بيع الاعيان ~~المعدومه لايجوز وهذه المقدمه الثانية والكلام عليها من وجهين # أحدهما أن نقول لا نسلم صحه هذه المقدمه فليس في كتاب الله ولا سنه رسوله ~~بل ولا عن أحد من الصحابه ان بيع المعدوم PageV20P542 لا يجوز لا لفظ عام ~~ولا معنى عام وانما فيه النهي عن بيع بعض الاشياء التى هي معدومه كما فيه ~~النهي عن بيع بعض الاشياء التى هي موجودة وليست العلة في المنع لا الوجود ~~ولا العدم بل الذي ثبت في الصحيح عن النبى انه نهي عن بيع الغرر والغرر ما ~~لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودا أو معدوما كالعبد الابق والبعير الشارد ~~ونحو ذلك مما قد لا يقدر على تسليمة بل قد يحصل وقد لا يحصل هو غرر لا يجوز ~~بيعه وان كان موجودا فان موجب البيع تسليم المبيع والبائع عاجز عنه ~~والمشترى انما يشتريه مخاطرة ومقامرة فان امكنه اخذه كان المشترى قد قمر ~~البائع وان لم يمكنه أخذه كان البائع قد قمر المشترى # وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهى عن بيعه لكونه غررا لا لكونه معدوما كما ~~اذا باع ما يحمل هذا الحيوان أو ما يحمل هذا البستان فقد يحمل وقد لا يحمل ~~واذا حمل فالمحمول لا يعرف قدره ولا وصفة فهذا من القمار وهو من الميسر ~~الذي نهى الله عنه # ومثل هذا اذا أكراه دواب لايقدر على تسليمها أو عقارا لا يمكنه تسليمه ms6175 بل ~~قد يحصل وقد لا يحصل فانه اجارة غرر PageV20P543 الوجه الثانى أن نقول بل ~~الشارع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع فانه ثبت عنه من غير وجه أنه نهى عن ~~بيع الثمر حتى يبدو صلاحه ونهى عن بيع الحب حتى يشتد وهذا من اصح الحديث ~~وهو في الصحيح عن غير واحد من الصحابه فقد فرق بين ظهور الصلاح وعدم ظهوره ~~فأحل احدهما وحرم الاخر ومعلوم انه قبل ظهور الصلاح لو اشتراه بشرط القطع ~~كما يشترى الحصرم ليقطع حصرما جاز بالاتفاق وانما نهى عنه اذا بيع على أنه ~~باق فيدل ذلك على أنه جوزه بعد ظهور الصلاح أن يبيعه على البقاء إلى كمال ~~الصلاح وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي واحمد وغيرهم # ومن جوز بيعه في الموضعين بشرط القطع ونهى عنه بشرط التبقية أو مطلقا لم ~~يكن عنده لظهور الصلاح فائدة ولم يفرق بين ما نهى عنه النبى صلى الله عليه ~~وسلم وما أذن فيه # وصاحب هذا القول يقول موجب العقد التسليم عقيبة فلا يجوز التاخير فيقال ~~له لا نسلم ان هذا موجب العقد اما ان يكون ما اوجبة الشارع بالعقد أو ما ~~اوجبة المتعاقدان على انفسهما وكلاهما منتف فلا الشارع أوجب أن يكون كل بيع ~~مستحق التسليم عقب العقد ولا العاقدان التزما ذلك بل تارة يعقدان العقد على ~~هذا الوجه كما اذا باع معينا بدين حال وتارة يشترطان تاخير تسليم الثمن ~~PageV20P544 كما في السلم وكذلك في الاعيان # وقد يكون للبائع مقصود صحيح في تأخير التسليم كما كان لجابر حين باع ~~بعيره من النبى واستثنى ظهره إلى المدينة ولهذا كان الصواب انه يجوز لكل ~~عاقد ان يستثنى من منفعة المعقود عليه ماله فيه غرض صحيح كما اذا باع عقارا ~~واستثنى سكناه مدة أو دوابه واستثنى ظهرها أو وهب ملكا واستثنى منفعته أو ~~اعتق العبد واستثنى خدمته مدة أو ما دام السيد أو وقف عينا واستثنى غلتها ~~لنفسه مدة حياته وامثال ذلك وهذا منصوص أحمد وغيره وبعض اصحاب أحمد قال لا ~~بد ms6176 اذا استثنى منفعه المبيع من ان يسلم العين إلى المشترى ثم يأخذها ~~ليستوفى المنفعة بناء على هذا الاصل الفاسد وهو انه لا بد من استحقاق القبض ~~عقب العقد وهو قول ضعيف # وعلى هذا الاصل قال من قال انه لا تجوز الاجارة الا لمدة تلي العقد ~~وهؤلاء نظروا إلى ما يفعله الناس احيانا جعلوه لازما لهم في كل حال وهو من ~~القياس الفاسد وعلى هذا بنوا اذا باع العين المؤجرة فمنهم من قال البيع ~~باطل لكون المنفعة لا تدخل في البيع فلا يحصل التسليم ومنهم من قال هذا ~~مستثنى بالشرع بخلاف المستثنى بالشرط ولو باع الامه المزوجة صح باتفاقهم ~~وان كانت منفعة PageV20P545 البضع للزوج وقد فرق من فرق بينهما بما قد بسط ~~في موضعه # والمقصود هنا ان هذا كله تفريع على ذلك الاصل الضعيف وهو ان موجب العقد ~~استحقاق التسليم عقبه والشرع لم يدل على هذا الاصل بل القبض في الاعيان ~~والمنافع كالقبض في الدين تارة يكون موجب العقد قبضه عقبه بحسب الامكان ~~وتارة يكون موجب العقد تاخير التسليم لمصلحة من المصالح # وعلى هذا فالنبى جوز بيع الثمر بعد بدو الصلاح مستحق الابقاء إلى كمال ~~الصلاح وعلى البائع السقي والخدمة إلى كمال الصلاح ويدخل في هذا ما هو ~~معدوم لم يخلق وهذا اذا قبض كان بمنزلة قبض العين المؤجرة فقبضه يبيح له ~~التصرف فيه في اظهر قولي العلماء وهو اصح الروايتين عن أحمد وقبضه لا يوجب ~~انتقال الضمان إليه بل اذا تلف الثمر بعد بدو صلاحه كان من ضمان البائع كما ~~هو مذهب اهل المدينة مالك وغيره وهو مذهب اهل الحديث أحمد رضي الله عنه ~~وغيره وهو قول معلق للشافعي وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم انه قال ( ان بعت من اخيك ثمرة فاصابتها جائحة فلا يحل لك ان تاخذ من ~~مال اخيك شيئا بم ياخذ احدكم مال اخيه بغير حق ( وليس مع المنازع دليل شرعى ~~يدل على ان كل قبض جوز التصرف ينقل الضمان وما ms6177 لم يجوز PageV20P546 التصرف ~~لم ينقل الضمان بل قبض العين المؤجرة يجوز التصرف ولا ينقل الضمان # ومن هذا الباب بيع المقاثي فان من العلماء من لم يجوز بيعها الا لقطة ~~لقطة لانه بيع معدوم وجعلوا هذا من بيع الثمر قبل بدو صلاحه ثم من هؤلاء من ~~قال اذا بيعت بعروقها كان كبيع اصل الشجر مع الثمر وذلك يجوز قبل ظهور ~~صلاحه لقوله في الحديث المتفق على صحته ( من باع نخلا قد أبرت فثمرها ~~للبائع الا ان يشترطه المبتاع ( فاذا اشترط الثمر دخل في البيع وهنا جاز ~~بيع الثمر قبل بدو صلاحه تبعا للأصل ولهذا تكون خدمته على المشترى ومعلوم ~~ان المقصود من الشجر هو الاصل والمقصود في المقاثى هو الثمر فلا يقاس ~~أحدهما بالآخر # ومن العلماء من جوز بيع المقاثى كما هو قول مالك وغيره وهو قول في مذهب ~~أحمد وهذا أصح فانه لا يمكن بيعها الاعلى هذا الوجه اذ لا تتميز لقطة عن ~~لقطة وما لا يباع الاعلى وجه واحد لا ينهى عن بيعه كما تقدم والنبى انما ~~نهى عن بيع الثمار التى يمكن تاخير بيعها حتى يبدو صلاحها فلم تدخل المقاثى ~~في نهيه ولذلك كثير من العلماء ادخلوا ضمان البساتين في نهيه فقالوا اذا ~~ضمن الحديقة لمن يعمل عليها حتى تثمر بشيء معلوم كان هذا بيعا PageV20P547 ~~للثمر قبل بدو صلاحه فلا يجوز # ومن الناس من حكى الاجماع على منع هذا وليس كما قال بل قد ثبت ان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قبل حديقة اسيد بن حضير ثلاث سنين ويستلف الضمان فقضى ~~به دينا كان على اسيد لانه كان وصيه وقد جوز بن عقيل ضمانها مع الأراضي ~~المؤجرة اذا لم يمكن افراد احدهما عن الآخر وجوز مالك ذلك تبعا للأرض في ~~قدر الثلث وقضية عمر بن الخطاب مما يشتهر مثلها في العادة ولم ينقل ان احدا ~~من الصحابة انكره فالصواب ما فعله عمر بن الخطاب اذ الفرق بين البيع ~~والضمان هو الفرق بين البيع والاجارة الا ترى ان ms6178 النبى صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن بيع الحب حتى يشتد # ثم اذا استاجر ارضا ليزرعها جاز هذا مع ان المستاجر مقصوده الحب لكن ~~مقصوده ذلك بعمله هو لا بعمل البائع وكذلك الذي يستاجر البستان ليخدم شجره ~~ويسقيها حتى تثمر هو بمنزلة المستاجر ليس بمنزلة المشترى الذي يشترى ثمرا ~~وعلى البائع مؤونه خدمتها وسقيها # فان قيل هذه اعيان والإجارة لا تكون على الاعيان قيل الجواب من وجهين # أحدهما ان الاعيان هنا حصلت بعمله هو من الاصل المستاجر PageV20P548 كما ~~حصل الحب بعمله المؤجر في أرض واذا قيل الحب حصل من بذره والثمر حصل من شجر ~~المؤجر كان هذا فرقا لا اثر له في الشرع ألا ترى ان المساقاة كالمزارعة ~~والمساقى يستحق جزءا من الثمرة الحاصلة من اصل المالك والمزارع يستحق جزءا ~~من الزرع النابت في ارض المالك وان كان البذر من المالك وكذلك ان كان البذر ~~منه كما ثبت بالسنة واجماع الصحابه فالبذر يتلف لا يعود إلى صاحبه وقد ثبت ~~في الصحيح ان النبى عامل اهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على ان ~~يعمروها من أموالهم فالارض والنخل والماء كان للنبى واستحقوا بعملهم جزءا ~~من الثمر كما استحقوا جزءا من الزرع وان كان البذر منهم والشجر من النبى ~~فعلم ان هذا الفر ق لا تاثير له في الشرع واذا لم يؤثر في المساقاة ~~والمزارعة التى يكون النماء مشتركا لم يؤثر في الاجارة بطريق الاولى فان ~~استئجار الأرض ليس فيه من النزاع ما في المزارعة فاذا كانت اجارتها اجوز من ~~المزارعة فاجارة الشجر أجوز من المساقاة # الوجه الثانى ان نقول هذا كاجاره الظئر والبئر ونحو ذلك والكلام على هذا ~~هو الكلام على الاصل الثانى في الاجارة فنقول قول القائل ان اجارة الظئر ~~على خلاف القياس انما هو لاعتقاده ان PageV20P549 الاجارة لا تكون الاعلى ~~منافع اعراض لا تستحق بها اعيان وهذا القدر لم يدل عليه كتاب ولا سنه ولا ~~إجماع ولا قياس بل الذي دلت عليه الاصول ان الاعيان التى ms6179 تحدث شيئا بعد شيء ~~مع بقاء اصلها حكمها حكم المنافع كالثمر والشجر واللبن في الحيوان ولهذا ~~سوى بين هذا وهذا في الوقف فان الاصل تحبيس الاصل وتسبيل الفائدة فلا بد ان ~~يكون الاصل باقيا وان تكون الفائدة تحدث مع بقاء الأصل فيجوز أن تكون فائدة ~~الوقف منفعه كالسكنى ويجوز ان تكون ثمرة كوقف الشجر ويجوز ان تكون لبنا ~~كوقف الماشية للإنتفاع بلبنها # وكذلك ( باب التبرعات ( فان العارية والعرية والمنحة هي اعطاء العين لمن ~~ينتفع بها ثم يردها فالمنحة اعطاء الماشية لمن يشرب لبنها ثم يردها والعريه ~~اعطاء الشجرة لمن ياكل ثمرها ثم يردها والسكنى اعطاء الدار لمن يسكنها ثم ~~يعيدها فكذلك في الاجارة تارة تكريه العين للمنفعه التى ليست اعيانا ~~كالسكنى والركوب وتارة للعين التى تحدث شيئا بعد شيء مع بقاء الاصل كلبن ~~الظئر ونقع البئر والعين فان الماء واللبن لما كانا شيئا بعد شيء مع بقاء ~~الاصل كان كالمنفعة والمسوغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك وهو حدث ~~والمقصود بالعقد شيئا فشيئا سواء كان الحادث عينا أو منفعة اذ كونه ~~PageV20P550 جسما أو معنى قائما بالجسم لا أثر له في جهة الجواز مع ~~اشتراكهما في المقتضى للجواز بل هذا أحق بالجواز فان الاجسام اكمل من ~~صفاتها ولا يمكن العقد عليها الاكذلك # وطرد هذا اكثر في الظئر من الحيوان للارضاع ثم الظئر تارة تستاجر باجرة ~~مقدرة وتارة بطعامها وكسوتها وتارة يكون طعامها وكسوتها من جمله الأجرة # وأما الماشية اذا عقد على لبنها بعوض فتارة يشترى لبنها مع أن علفها ~~وخدمتها على المالك وتارة على ان ذلك على المشترى فهذا الثانى يشبه ضمان ~~البساتين وهو بالاجارة اشبه لأن اللبن تسقيه الطفل فيذهب وينتفع به فهو ~~كاستئجار العين يستقى بمائها ارضه بخلاف من يقبض اللبن فانه هنا قبض العين ~~المعقود عليها وتسمية هذا بيعا وهذا اجارة نزاع لفظى والاعتبار بالمقاصد # ومن الفقهاء من يجعل اختلاف العبارات مؤثرا في صحة العقد وفساده حتى ان ~~من هؤلاء من يصحح العقد بلفظ دون لفظ كما ms6180 يقول بعضهم ان السلم الحال لا ~~يجوز واذا كان بلفظ البيع جاز ويقول بعضهم ان المزارعة على ان يكون البذر ~~من العامل لا تجوز واذا عقده بلفظ الاجارة جاز وهذا قول بعض اصحاب أحمد ~~وهذا ضعيف فان الاعتبار PageV20P551 في العقود بمقاصدها واذا كان المعنى ~~المقصود في الموضعين واحد فتجويزه بعبارة دون عبارة كتجويزه بلغة دون لغة ~~نعم اذا كان أحد اللفظين يقتضى حكما لا يقتضيه الاخر فهذا له حكم آخر وليس ~~هذا موضع بسط هذه المسائل # وانما المقصود التنبيه على ما يقال انه موافق للقياس أو مخالفه وان ~~الشارع اذا سوى بين شيئين كما سوى بين الاستئجار على الرضاع والخدمة ~~فالفارق بينهما عدم التاثير وهو كون هذا عينا وهذا منفعة واذا فرق بين ~~شيئين فالجامع بينهما ليس هو وحده مناط الحكم بل للفارق تأثير ### ||| فصل # ومن هذا الباب قول من يقول حمل العقل على خلاف القياس فيقال لا ريب ان من ~~اتلف مضمونا كان ضمانه عليه والناس متنازعون في العقل هل تحمله العاقلة ~~ابتداء أو تحملا # كما تنازعوا في صدقة الفطر التى تجب على الغير كصدقة الفطر عن الزوجة ~~والولد هل تجب ابتداء أو تحملا وفى ذلك نزاع معروف في مذهب أحمد وغيره وعلى ~~ذلك ينبنى لو أخرجها الذى يخرج عنه بدون اذن PageV20P552 المخاطب بها فمن ~~قال هي واجبة على المخاطب تحملا قال تجزىء ومن قال هي واجبة عليه ابتداء ~~قال هي كاداء الزكاة عن الغير # ولذلك تنازعوا في العقل اذا لم تكن عاقلة هل تجب في ذمة القاتل أم لا ~~والعقل فارق غيره من الحقوق في اسباب اقتضت اختصاصه بالحكم وذلك ان دية ~~المقتول مال كثير والعاقلة انما تحمل الخطأ لا تحمل العمد بلا نزاع وفى شبه ~~العمد نزاع والاظهر انها لا تحمله والخطأ مما يعذر فيه الانسان فايجاب ~~الدية في ماله ضرر عظيم به من غير ذنب تعمده ولابد من ايجاب بدل المقتول # فالشارع اوجب على من عليهم موالاة القاتل ونصره ان يعينوه على ذلك فكان ~~هذا كايجاب ms6181 النفقات التى تجب للقريب أو تجب للفقراء والمساكين وايجاب فكاك ~~الاسير من بلد العدو فان هذا اسير بالدية التى تجب عليه وهى لم تجب باختيار ~~مستحقها ولا باختياره كالديون التى تجب بالقرض والبيع وليست ايضا قليلة في ~~الغالب كابدال المتلفات فان اتلاف مال كثير بقدر الدية خطأ نادر جدا بخلاف ~~قتل النفس خطأ فما سببه العمد في نفس أو مال فالمتلف ظالم مستحق فيه ~~للعقوبة وما سببه الخطأ في الاموال فقليل في العادة بخلاف الدية ~~PageV20P553 ولهذا كان عند الاكثرين لا تحمل العاقلة الا ماله قدر كثير ~~فعند مالك واحمد لا تحمل ما دون الثلث وعند أبى حنيفة ما دون السن والموضحة ~~فكان ايجابها من جنس ما اوجبه الشارع من الاحسان إلى المحتاجين كبنى السبيل ~~والفقراء والمساكين والاقارب المحتاجين ومعلوم أن هذا من اصول الشرائع التى ~~بها قيام مصلحة العالم فان الله لما قسم خلقه إلى غنى وفقير ولا تتم ~~مصلحتهم الا بسد خلة الفقراء وحرم الربا الذى يضر الفقراء فكان الامر ~~بالصدقة من جنس النهى عن الربا ولهذا جمع الله بين هذا وهذا في مثل قوله ~~تعالى @QB@ يمحق الله الربا ويربي الصدقات @QE@ وفى مثل قوله تعالى @QB@ ~~وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون @QE@ # وقد ذكر الله في آخر البقرة احكام الاموال وهى ثلاثة اصناف عدل وفضل وظلم ~~فالعدل البيع والظلم الربا والفضل الصدقة فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم وذم ~~المربين وبين عقابهم واباح البيع والتداين إلى اجل مسمى فالعقل من جنس ما ~~اوجبه من الحقوق لبعض الناس على بعض كحق المسلم وحق ذى الرحم وحق الجار وحق ~~المملوك والزوجة PageV20P554 ### ||| فصل # والاحكام التى يقال إنها على خلاف القياس نوعان نوع مجمع عليه ونوع ~~متنازع فيه # فما لا نزاع في حكمه تبين أنه على وفق القياس الصحيح وينبنى على هذا ان ~~مثل هذا هل يقاس عليه أم لا فذهب طائفة من الفقهاء إلى أن ما ثبت على خلاف ms6182 ~~القياس لا يقاس عليه ويحكى هذا عن اصحاب أبى حنيفة والجمهور انه يقاس عليه ~~وهذا هو الذى ذكره أصحاب الشافعى واحمد وغيرهما # وقالوا انما ينظر إلى شروط القياس فما علمت علته الحقنا به ما شاركه في ~~العلة سواء قيل انه على خلاف القياس أو لم يقل وكذلك ما علم انتفاء الفارق ~~فيه بين الأصل والفرع والجمع بدليل العلة كالجمع بالعلة واما اذا لم يقم ~~دليل على ان الفرع كالاصل فهذا لا يجوز فيه القياس سواء قيل انه على وفق ~~القياس أو خلافه ولهذا كان الصحيح أن العرايا يلحق بها ما كان في معناها ~~PageV20P555 وحقيقة الامر انه لم يشرع شيء على خلاف القياس الصحيح بل ما ~~قيل انه على خلاف القياس فلابد من اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التى ~~خالفها واقتضى مفارقته لها في الحكم واذا كان كذلك فذلك الوصف ان شاركه ~~غيره فيه فحكمه كحكمه والا كان من الامور المفارقة له # وأما المتنازع فيه فمثل ما يأتى حديث بخلاف امر فيقول القائلون هذا بخلاف ~~القياس أو بخلاف قياس الاصول وهذا له امثلة من اشهرها المصراة فان النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ( قال ( لا تصروا الابل ولا الغنم فمن ابتاع مصراة فهو ~~بخير النظرين بعد ان يحلبها ان رضيها امسكها وان سخطها ردها وصاعا من تمر ( ~~وهو حديث صحيح فقال قائلون هذا يخالف قياس الاصول من وجوه # منها انه رد المبيع بلا عيب ولا خلف في صفة # ومنها ان الخراج بالضمان فاللبن الذى يحدث عند المشترى غير مضمون عليه ~~وهنا قد ضمنه # ومنها ان اللبن من ذوات الامثال فهو مضمون بمثله # ومنها ان ما لا مثل له يضمن بالقيمة من النقد وهنا ضمنه بالتمر ~~PageV20P556 # ومنها ان المال المضمون يضمن بقدرة لا بقدر بدله بالشرع وهنا قدر بالشرع # فقال المتبعون للحديث بل ما ذكرتموه خطأ والحديث موافق للاصول ولو خالفها ~~لكان هو اصلا كما ان غيره اصل فلا تضرب الأصول بعضها ببعض بل يجب اتباعها ~~كلها فانها كلها من عند الله ms6183 # اما قولهم رد بلا عيب ولا فوات صفة فليس في الأصول ما يوجب انحصار الرد ~~في هذين الشيئين بل التدليس نوع ثبت به الرد وهو من جنس الخلف في الصفة فان ~~البيع تارة تظهر صفاته بالقول وتارة بالفعل فاذا ظهر انه على صفة وكان على ~~خلافها فهو تدليس وقد اثبت النبى الخيار للركبان اذا تلقوا واشترى منهم قبل ~~ان يهبطوا السوق ويعلموا السعر وليس كذلك واحد من الأمرين ولكن فيه نوع ~~تدليس # واما قوله ( الخراج بالضمان ( فأولا حديث المصراة اصح منه باتفاق اهل ~~العلم مع انه لا منافاة بينهما فان الخراج ما يحدث في ملك المشترى ولفظ ~~الخراج اسم للغلة مثل كسب العبد واما اللبن ونحوه فملحق بذلك وهنا كان ~~اللبن موجودا في الضرع فصار جزءا من المبيع ولم يجعل الصاع عوضا عما حدث ~~بعد العقد بل عوضا عن PageV20P557 اللبن الموجود في الضرع وقت العقد واما ~~تضمين اللبن بغيره وتقديره بالشرع فلأن اللبن المضمون اختلط باللبن الحادث ~~بعد العقد فتعذرت معرفة قدره فلهذا قدر الشارع البدل قطعا للنزاع وقدر بغير ~~الجنس لان التقدير بالجنس قد يكون اكثر من الأول أو اقل فيفضى إلى الربا ~~بخلاف غير الجنس فانه كأنه ابتاع لذلك اللبن الذى تعذرت معرفة قدره بالصاع ~~من التمر والتمر كان طعام اهل المدينة وهو مكيل مطعوم يقتات به كما ان ~~اللبن مكيل مقتات وهو ايضا يقتات به بلا صنعه بخلاف الحنطة والشعير فانه لا ~~يقتات به الا بصنعة فهو اقرب الأجناس التى كانوا يقتاتون بها إلى اللبن # ولهذا كان من موارد الاجتهاد ان جميع الأمصار يضمنون ذلك بصاع من تمر أو ~~يكون ذلك لمن يقتات التمر فهذا من موارد الاجتهاد كأمره في صدقة الفطر بصاع ~~من شعير أو تمر # ومن ذلك قول بعضهم ان امره للمصلى خلف الصف وحده بالاعادة على خلاف ~~القياس فان الامام يقف وحده والمرأة تقف خلف الرجال وحدها كما جاءت به ~~السنة # وليس الأمر كذلك فان الامام يسن في حقه التقدم بالاتفاق والمؤتمون يسن في ms6184 ~~حقهم الاصطفاف بالاتفاق فكيف يشبه هذا بهذا PageV20P558 وذلك لأن الامام ~~يؤتم به فاذا كان امامهم رأوه وكان اقتداؤهم به اكمل # واما المرأة فانها تقف وحدها اذا لم يكن هناك امرأة غيرها فالسنة في حقها ~~الاصطفاف لكن قضية المرأة تدل على شيئين # تدل على انه اذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر الدخول في الصف صلى ~~وحده للحاجة وهذا هو القياس فان الواجبات تسقط للحاجة وأمره بأن يصاف غيره ~~من الواجبات فاذا تعذر ذلك سقط للحاجة كما سقط غير ذلك من فرائض الصلاة ~~للحاجة في مثل صلاة الخوف محافظة على الجماعة # وطرد ذلك اذا لم يمكنه ان يصلى مع الجماعة الا قدام الامام فانه يصلى هنا ~~لأجل الحاجة امامه وهو قول طوائف من اهل العلم وهو أحد الوجهين في مذهب ~~أحمد وان كانوا لا يجوزون التقدم على الامام اذا امكن ترك التقدم عليه # وفى الجملة فليست المصافة اوجب من غيرها فاذا سقط غيرها للعذر في الجماعة ~~فهي اولى بالسقوط # ومن الاصول الكلية ان المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب وان المضطر إليه ~~بلا معصية غير محظور فلم يوجب الله ما يعجز عنه PageV20P559 العبد ولم يحرم ~~ما يضطر إليه العبد # ومن ذلك قول بعضهم في الحديث الصحيح الذى فيه ( ان الرهن مركوب ومحلوب ~~وعلى الذى يركب ويحلب النفقة ( انه على خلاف القياس وليس كذلك فان الرهن ~~اذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه ولمالكه فيه حق وللمرتهن فيه حق واذا كان ~~بيد المرتهن فلم يركب ولم يحلب ذهبت منفعته باطلة وقد قدمنا ان اللبن يجرى ~~مجرى المنفعة فاذا استوفى المرتهن منفعته وعوض عنها نفقته كان في هذا جمع ~~بين المصلحتين وبين الحقين فان نفقته واجبة على صاحبه والمرتهن اذا انفق ~~عليه ادى عنه واجبا وله فيه حق فله ان يرجع ببدله والمنفعة تصلح ان تكون ~~بدلا فاخذها خير من ان تذهب على صاحبها وتذهب باطلا # وقد تنازع الفقهاء فيمن ادى عن غيره واجبا بغير اذنه كالدين فمذهب مالك ~~واحمد في ms6185 المشهور عنه له ان يرجع به عليه ومذهب ابى حنيفة والشافعى ليس له ~~ذلك # واذا انفق نفقة تجب عليه مثل ان ينفق على ولده الصغير أو عبده فبعض اصحاب ~~أحمد قال لا يرجع وفرقوا بين النفقة والدين والمحققون من اصحابه سووا ~~بينهما وقالوا الجميع واجب ولو افتداه PageV20P560 من الاسر كان له مطالبته ~~بالفداء وليست دينا والقرآن يدل على هذا القول فان الله قال @QB@ فإن أرضعن ~~لكم فآتوهن أجورهن @QE@ فأمر بايتاء الآجر بمجرد الارضاع ولم يشترط عقدا ~~ولا اذن الاب وكذلك قال @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف @QE@ فأوجب ~~ذلك عليه ولم يشترط عقدا ولا اذنا ونفقة الحيوان واجبة على ربه والمرتهن ~~والمستأجر له فيه حق فاذا انفق عليه النفقة الواجبة على ربه كان احق ~~بالرجوع من الانفاق على ولده فاذا قدر ان الراهن قال لم آذن لك في النفقة ~~قال هي واجبة عليك وانا استحق ان اطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر # واذا كان المنفق قد رضى بأن يعتاض بمنفعة الرهن التى لا يطالبه بنظير ~~النفقة كان قد احسن إلى صاحبه فهذا خير محض مع الراهن وكذلك لو قدر ان ~~المؤتمن على حيوان الغير كالمودع والشريك والوكيل انفق من مال نفسه واعتاض ~~بمنفعة المال لأن هذا احسان إلى صاحبه اذا لم ينفق عليه صاحبه # ومما يقال انه ابعد الاحاديث عن القياس الحديث الذى في السنن عن الحسن عن ~~قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق ( ان رسول الله قضى في رجل وقع على جارية ~~امرأته PageV20P561 ان كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها وان كانت ~~طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها ( وقد روى في لفظ آخر ( وان كانت طاوعته ~~فهي ومثلها من ماله لسيدتها ( وهذا الحديث تكلم بعضهم في اسناده لكنه حديث ~~حسن وهم يحتجون بما هو دونه في القوة ولكن لاشكاله قوى عندهم تضعيفه # وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة اصول هي صحيحة كل منها قول طائفة ~~من الفقهاء ms6186 # احدها ان من غير مال غيره بحيث يفوت مقصودة عليه فله ان يضمنه اياه بمثله ~~وهذا كما اذا تصرف في المغصوب بما ازال اسمة ففيه ثلاثة اقوال في مذهب أحمد ~~وغيره # احدها انه باق على ملك صاحبه وعلى الغاصب ضمان النقص ولا شيء له في ~~الزيادة كقول الشافعى # والثانى يملكه الغاصب بذلك ويضمنه لصاحبه كقول ابى حنيفة # والثالث يخير المالك بين اخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبدل وهذا ~~اعدل الأقوال واقواها فان فوت صفاته المعنوية مثل PageV20P562 ان ينسيه ~~صناعته أو يضعف قوته أو يفسد عقله ودينه فهذا ايضا يخير المالك بين تضمين ~~النقص وبين المطالبة بالبدل ولو قطع ذنب بغلة القاضي فعند مالك يضمنها ~~بالبدل ويملكها لتعذر مقصودها على المالك في العادة أو يخير المالك وكذلك ~~السلطان اذا قطع آذان فرسة وذنبها # الأصل الثانى ان جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الامكان مع مراعاة ~~القيمة حتى الحيوان كما انه في القرض يجب فيه رد المثل واذا اقترض حيوانا ~~رد مثله كما اقترض النبى بكرا ورد خيرا منه وكذلك في المغرور يضمن ولده ~~بمثلهم كما قضت به الصحابه وكذلك اذا استثنى رأس المبيع ولم يذبحه فان ~~الصحابة قضوا بشرائه أي برأس مثله في القيمة وهذا أحد القولين في مذهب أحمد ~~وغيره # وقصة داود وسليمان عليهما السلام من هذا الباب فان الماشية كانت قد اتلفت ~~حرث القوم وهو بستانهم قالوا وكان عينا والحرث اسم للشجر والزرع فقضى داود ~~بالغنم لاصحاب الحرث كانه ضمنهم ذلك بالقيمة ولم يكن لهم مال الا الغنم ~~فأعطاهم الغنم بالقيمة واما سليمان فحكم بأن اصحاب الماشية يقومون على ~~الحرث حتى يعود كما كان فضمنهم اياه بالمثل واعطاهم الماشية يأخذون منفعتها ~~عوضا PageV20P563 عن المنفعة التى فاتت من حين تلف الحرث إلى ان يعود وبذلك ~~افتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن كان اتلف له شجرا فقال يغرسه حتى يعود ~~كما كان وقيل ربيعة وابو الزناد قالا عليه القيمة فغلظ الزهري القول فيهما # وهذا موجب الأدلة فان الواجب ضمان المتلف بالمثل ms6187 بحسب الامكان قال تعالى ~~@QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ وقال @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ وقال @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ~~@QE@ وقال @QB@ والحرمات قصاص @QE@ فاذا اتلف نقدا أو حبوبا ونحو ذلك امكن ~~ضمانها بالمثل وان كان المتلف ثيابا أو آنية أو حيوانا فهنا مثله من كل وجه ~~وقد يتعذر فالأمر دائر بين شيئين اما ان يضمنه بالقيمة وهى دراهم مخالفة ~~للمتلف في الجنس والصفة لكنها تساويه في الماليه واما ان يضمنه بثياب من ~~جنس ثياب المثل أو آنية من جنس آنيته أو حيوان من جنس حيوانه مع مراعاة ~~القيمة بحسب الامكان ومع كون قيمته بقدر قيمته فهنا المالية مساوية كما في ~~النقد وامتاز هذا بالمشاركة في الجنس والصفة فكان ذلك امثل من هذا وما كان ~~امثل فهو اعدل فيجب الحكم به اذا تعذر المثل من كل وجه # ونظير هذا ما ثبت بالسنة واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة PageV20P564 ~~والضربة وهو قول كثير من السلف وقد نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد ~~الشالنجى التى شرحها الجوزجاني في كتابه المسمى بالمترجم فقال طائفة من ~~الفقهاء المساواة متعذرة في ذلك فيرجع إلى التعزير فيقال لهم ما جاءت به ~~الآثار هو موجب القياس فان التعزير عقاب غير مقدر الجنس ولا الصفة ولا ~~القدر والمرجع فيه إلى اجتهاد الوالى ومن المعلوم الأمر بضرب يقارب ضربة ~~وان لم يعلم انه مساو له اقرب إلى العدل والمماثلة من عقوبة تخالفه في ~~الجنس والوصف غير مقدرة اصلا # واعلم ان المماثل من كل وجه متعذر حتى في المكيلات فضلا عن غيرها فانه ~~اذا اتلف صاعا من بر فضمن بصاع من بر لم يعلم ان أحد الصاعين فيه من الحب ~~ما هو مثل الآخر بل قد يزيد احدهما على الآخر ولهذا قال تعالى @QB@ وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ فان تحديد الكيل والوزن ~~مما قد يعجز عنه البشر ولهذا يقال هذا امثل من هذا اذا كان اقرب إلى ~~المماثلة منه ms6188 اذا لم تحصل المماثلة من كل وجه # الاصل الثالث من مثل بعبده عتق عليه وهذا مذهب مالك واحمد وغيرهما وقد ~~جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبى وأصحابه كعمر بن الخطاب كما قد ذكر في غير ~~هذا PageV20P565 الموضع فهذا الحديث موافق لهذه الاصول الثلاثة الثابتة ~~بالأدلة الموافقة للقياس العادل فاذا طاوعته فقد افسدها على سيدها فانها مع ~~المطاوعة تبقى زانية وذلك ينقص قيمتها ولا يمكن سيدها من استخدامها كما ~~كانت تمكن قبل ذلك لبغضه لها ولطمع الجارية في السيد ولاستشراف السيد اليها ~~لا سيما ويعسر على سيدها فلا يطيعها كما كانت تطيعه وإذا تصرف بالمال بما ~~ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبه بالمثل فقضى لها بالمثل ومعلوم انها لو ~~رضيت أن تبقى ملكا لها وتغرمه ما نقص من قيمتها لم يمتنع من ذلك وانما ~~المقضى به ما ابيح لها ولكن موجب هذا ان الامة اذا افسدها رجل على اهلها ~~حتى طاوعت على الزنى فلأهلها ان يطالبوه ببدلها ووجب مثلها بناء على ان ~~المثل يجب في كل مضمون بحسب الامكان واما اذا استكرهها فان هذا من باب ~~المثلة فان الاكراه على الوطء مثلة فان الوطء يجري مجرى الاتلاف # ولهذا قيل ان من استكره عبده على التلوط به عتق عليه ولهذا لا يخلو من ~~عقر أو عقوبة لا تجري مجرى منفعة الخدمة فهي لما صارت له بافسادها على ~~سيدها أوجب عليه مثلها كما في المطاوعة واعتقها عليه لكونه مثل بها وقد ~~يقال انه يلزم على هذا اذا استكره عبده على الفاحشة عتق عليه ولو استكره ~~امة الغير على الفاحشة عتقت وضمنها PageV20P566 بمثلها الا أن يفرق بين أمة ~~امرأته وبين غيرها فان كان بينهما فرق شرعى والا فموجب القياس التسوية واما ~~قوله عز وجل @QB@ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم @QE@ فهذا ~~النهي عن اكراههن على كسب المال بالبغاء كما نقل ان بن أبي المنافق كان له ~~من الاماء ما يكرههن ms6189 على البغاء وليس هو استكراها للأمة على ان يزني هو بها ~~فان هذا بمنزلة التمثيل بها وذاك الزام لها بأن تذهب فتزني بنفسها مع انه ~~قد يمكن ان يقال العتق بالمثلة لم يكن مشروعا عند نزول الآية ثم شرع بعد ~~ذلك # والكلام على هذا الحديث من ادق الامور فان كان ثابتا فهذا الذي ظهر في ~~توجيهه وتخرجه على الاصول الثابتة وان لم يكن ثابتا فلا يحتاج إلى الكلام ~~عليه # وبالجملة فما عرفت حديثا صحيحا الا ويمكن تخرجه على الاصول الثابتة وقد ~~تدبرت ما أمكننى من ادلة الشرع فما رايت قياسا صحيحا يخالف حديثا صحيحا كما ~~ان المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح بل متى رايت قياسا يخالف اثرا ~~فلا بد من ضعف احدهما لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير ~~منه على افاضل العلماء فضلا عمن هو دونهم فان ادراك الصفات المؤثرة في ~~الاحكام على وجهها PageV20P567 ومعرفه الحكم والمعاني التى تضمنتها الشريعة ~~من اشرف العلوم فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس ومنه الدقيق الذي لا ~~يعرفه الا خواصهم فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفا للنصوص لخفاء ~~القياس الصحيح عليهم كما يخفي على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل ~~الدقيقة التى تدل على الاحكام ### ||| فصل # واما قولهم ان المضي في الحج الفاسد على خلاف القياس فليس الامر كذلك فان ~~الله امر باتمام الحج والعمرة فعلى من شرع فيهما ان يمضي فيهما وان كان ~~متطوعا بالدخول باتفاق الائمة وهم متنازعون فيما سوى ذلك من التطوعات هل ~~تلزم بالشروع فقد وجب عليه بالاحرام ان يمضي إلى حين يتحلل وأن لا يطأ في ~~الحج فاذا وطيء في الحج لم يمنع وطؤه ماوجب عليه من اتمام الحج # ونظير هذا الصيام في رمضان لما وجب عليه الاتمام بقوله @QB@ ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل @QE@ فاذا افطر لم يسقط عنه فطره ما وجب من الاتمام بل ~~يجب عليه اتمام صوم رمضان وان افسده وهذا لان الصيام له حد محدود وهو غروب ms6190 ~~الشمس كما للحج وقت مخصوص PageV20P568 وهو يوم عرفة وما بعده ومكان مخصوص ~~وهو عرفة ومزدلفه ومنى فلا يمكنه احلال الحج قبل وصوله إلى مكانه كما لا ~~يمكنه احلال الصيام اللهم الا اذا كان معذورا كالمحصر فهذا كالمعذور في ~~الفطر وهذا بخلاف الصلاة اذا افسدها فانه يبتديها لان الصلاة يمكنه فعلها ~~في اثناء الوقت والحج لا يمكنه فعله في اثناء الوقت ### ||| فصل # واما الأكل ناسيا فالذين قالوا هو خلاف القياس قالوا هو من باب ترك ~~المامور ومن ترك المامور ناسيا لم تبرا ذمته كما لو ترك الصلاة ناسيا أو ~~ترك نية الصيام ناسيا لم تبطل عبادته الامن فعل محظور ولكن من يقول هو على ~~وفق القياس يقول القياس ان من فعل محظورا ناسيا لم تبطل عبادته لان من فعل ~~محظورا ناسيا فلا اثم عليه كما دل عليه قولة تعالى @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا @QE@ وقد ثبت في الصحيح ان الله قال ( قد فعلت ( وهذا مما ~~لا يتنازع فيه العلماء ان الناسي لا يأثم # لكن يتنازعون في بطلان عبادته فيقول القائل اذا لم ياثم لم يكن قد فعل ~~محرما ومن لم يفعل محرما لم تبطل عبادته فان العبادة انما تبطل بترك واجب ~~أو فعل محرم فاذا كان ما فعله من باب فعل المحرم وهو ناس فيه لم تبطل ~~عبادته وصاحب هذا القول يقول القياس ان PageV20P569 لا تبطل الصلاة بالكلام ~~في الصلاة ناسيا وكذلك يقول القياس ان من فعل شيئا من محظورات الاحرام ~~ناسيا لا فدية عليه # وقيل الصيد هو من باب ضمان المتلفات كدية المقتول بخلاف الطيب واللباس ~~فانه من باب الترفه وكذلك الحلق والتقليم هو في الحقيقة من باب الترفه لا ~~من باب متلف له قيمة فانه لا قيمة لذلك فلهذا كان أعدل الأقوال أن لا كفارة ~~في شيء من ذلك إلا في جزاء الصيد # وطرد هذا ان من فعل المحلوف عليه ناسيا لا يحنث سواء حلف بالطلاق أو ~~العتاق أو غيرهما لان من فعل المنهى عنه ناسيا لم ms6191 يعص ولم يخالف والحنث في ~~الايمان كالمعصية في الامر والنهي # وكذلك من باشر النجاسة في الصلاة ناسيا فلا اعادة عليه لانه من باب فعل ~~المحظور بخلاف ترك طهارة الحدث فانه من باب المأمور فان # قيل الترك في الصوم مأمور به ولهذا يشترط فيه النية بخلاف الترك في هذه ~~المواضع فانه ليس مأمورا به فانه لا يشترط فيه النية # قيل لاريب ان النية في الصوم واجبة ولولا ذلك لما أثيب PageV20P570 لان ~~الثواب لا يكون الا مع النية وتلك الأمور اذا قصد تركها لله أثيب على ذلك ~~ايضا وان لم يخطر بقلبه قصد تركها لم يثب ولم يعاقب ولو كان ناويا تركها ~~لله وفعله ناسيا لم يقدح نسيانه في اجره بل يثاب على قصد تركها لله وان ~~فعلها ناسيا كذلك الصوم فانما يفعله الناسي لا يضاف إليه بل فعله الله به ~~من غير قصده ولهذا قال النبى ( من اكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فانما اطعمه ~~الله وسقاه ( فاضاف اطعامه واسقاءه إلى الله لانه لم يتعمد ذلك ولم يقصده ~~وما يكون مضافا إلى الله لا ينهى عنه العبد فانما ينهى عن فعله والافعال ~~التى ليست اختيارية لا تدخل تحت التكليف ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون ~~والصغير ونحو ذلك # يبين ذلك ان الصائم اذا احتلم في منامه لم يفطر ولو استمنى باختياره افطر ~~ولو ذرعه القيء لم يفطر ولو استدعى القيء افطر فلو كان ما يوجد بغير قصده ~~بمنزله ما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا # فان قيل فالمخطىء يفطر مثل من يأكل يظن بقاء الليل ثم تبين انه طلع الفجر ~~أو ياكل يظن غروب الشمس ثم تبين له ان الشمس لم تغرب PageV20P571 # قيل هذا فيه نزاع بين السلف والخلف والذين فرقوا بين الناسي والمخطىء ~~قالوا هذا يمكن الاحتراز منه بخلاف النسيان وقاسوا ذلك على ما اذا افطر يوم ~~الشك ثم تبين انه من رمضان ونقل عن بعض السلف انه يقضي في مسألة الغروب دون ~~الطلوع كما لو استمر الشك والذين قالوا لا يفطر ms6192 في الجميع قالوا حجتنا اقوى ~~ودلالة الكتاب والسنة على قولنا اظهر فان الله قال @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا @QE@ فجمع بين النسيان والخطأ ولأن من فعل المحظورات الحج ~~والصلاة مخطئا كمن فعلها ناسيا وقد ثبت في الصحيح انهم افطروا على عهد ~~النبى ثم طلعت الشمس ولم يذكروا في الحديث انهم امروا بالقضاء ولكن هشام بن ~~عروة قال لا بد من القضاء وابوه اعلم منه وكان يقول لا قضاء عليهم # وثبت في الصحيحين ان طائفة من الصحابة كانوا يأكلون حتى يظهر لأحدهم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود وقال النبى لأحدهم ( ان وسادك لعريض انما ذلك ~~بياض النهار وسواد الليل ( ولم ينقل انه امرهم بقضاء وهؤلاء جهلوا الحكم ~~فكانوا مخطئين وثبت عن عمر بن الخطاب انه افطر ثم تبين النهار فقال لا نقضي ~~فانا لم نتجانف لاثم وروى عنه انه قال نقضي ولكن PageV20P572 اسناد الاول ~~اثبت وصح عنه انه قال الخطب يسير فتأول ذلك من تأوله على انه أراد خفة امر ~~القضاء لكن اللفظ لا يدل على ذلك # وفى الجملة فهذا القول اقوى اثرا ونظرا واشبه بدلالة الكتاب والسنة ~~والقياس وبه يظهر أن القياس في الناسى أنه لايفطر والأصل الذي دل عليه ~~الكتاب والسنة ان من فعل محظورا ناسيا لم يكن قد فعل منهيا عنه فلا يبطل ~~بذلك شيء من العبادات ولا فرق بين الوطء وغيره سواء كان في احرام أو صيام ### ||| فصل # وأما قول القائل انهم يقولون ذلك فيما يروى عن بعض الصحابة فهذا باب واسع ~~والذي يلتزمه انما كان من اقوال الصحابة فقال بعضهم بقول وقال بعضهم ~~بخلافهم فقد يكون أحد القولين مخالفا للقياس الصحيح بل وللنص الصريح والذي ~~لا ريب فيه انه حجة ما كان من سنة الخلفاء الراشدين الذي سنوه للمسلمين ولم ~~ينقل ان احدا من الصحابة خالفهم فيه فهذا لا ريب انه حجة بل اجماع وقد دل ~~عليه قول النبى ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء PageV20P573 الراشدين المهديين ~~من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات ms6193 الأمور فإن كل ~~بدعة ضلالة # مثال ذلك حبس عمر وعثمان رضى الله 2 عنهما للأرضين المفتوحة وترك قسمتها ~~على الغانمين فمن قال ان هذا لا يجوز قال لأن النبى قسم خيبر وقال ان ~~الامام اذا حبسها نقض حكمه لأجل مخالفة السنة فهذا القول خطا وجراة على ~~الخلفاء الراشدين فان فعل النبى في خيبر انما يدل على جواز ما فعله لا يدل ~~على وجوبه فلو لم يكن معنا دليل يدل على عدم وجوب ذلك لكان فعل الخلفاء ~~الراشدين دليلا على عدم الوجوب فكيف وقد ثبت انه فتح مكة عنوة كما استفاضت ~~به الأحاديث الصحيحة بل تواتر ذلك عند أهل المغازى والسير فانه قدم حين ~~نقضوا العهد ونزل بمر الظهران ولم يأت أحد منهم يصالحه ولا أرسل اليهم احدا ~~يصالحهم بل خرج أبو سفيان يتجسس الاخبار فاخذه العباس وقدم به كالأسير ~~وغايته ان يكون العباس أمنه فصار مستأمنا ثم اسلم فصار من المسلمين فكيف ~~يتصور أن يعقد عقد صلح الكفار بعد اسلامه بغير اذن منهم # مما يبين ذلك ان النبى علق الامان بأسباب كقوله ( من دخل دار أبى سفيان ~~فهو آمن ومن دخل المسجد PageV20P574 فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ( فأمن ~~من لم يقاتله فلو كانوا معاهدين لم يحتاجوا إلى ذلك وأيضا فسماهم النبى ~~طلقاء لأنه أطلقهم بعد القدرة عليهم كما يطلق الأسير فصاروا بمنزلة من ~~أطلقهم من الأسر كثمامة بن أثال وغيره وأيضا فإنه أذن في قتل جماعة منهم من ~~الرجال والنساء # وأيضا فقد ثبت عنه في الصحاح انه قال في خطبته ( ان مكة لم تحل لأحد قبلى ~~ولا تحل لأحد بعدى وانما أحلت لى ساعة من نهار ( ودخل مكة وعلى راسه المغفر ~~لم يدخلها باحرام فلو كانوا قد صالحوه لم يكن قد أحل له شيء كما لو صالح ~~مدينة من مدائن الحل لم تكن قد أحلت فكيف يحل له البلد الحرام وأهله ~~مسالمون له صلح معه وأيضا فقد قاتلوا خالدا وقتل طائفة منهم # وفى الجملة من تدبرالآثار المنقولة علم ms6194 بالاضطرار ان مكة فتحت عنوة ومع ~~هذا فالنبى لم يقسم أرضها كما لم يسترق رجالها ففتح خيبر عنوة وقسمها وفتح ~~مكة عنوة ولم يقسمها فعلم جواز الأمرين # والأقوال في هذا الباب ثلاثة اما وجوب قسم العقار كقول الشافعى واما ~~تحريم قسمه ووجوب تحبيسه كقول مالك واما التخيير PageV20P575 بينهما كقول ~~الأكثرين الثورى وأبى حنيفة وأبى عبيد وهو ظاهر مذهب أحمد وعنه كالقولين ~~الأولين # ومن أشكل ما أشكل على الفقهاء من أحكام الخلفاء الراشدين امرأة المفقود ~~فانه قد ثبت عن عمر بن الخطاب انه لما أجل امرأته أربع سنين وأمرها أن ~~تتزوج بعد ذلك ثم قدم المفقود خيره عمر بين امراته وبين مهرها وهذا مما ~~اتبعه فيه الامام أحمد وغيره # وأما طائفة من متأخرى أصحابه فقالوا هذا يخالف القياس والقياس انها باقية ~~على نكاح الأول الا ان نقول الفرقة تنفذ ظاهرا وباطنا فهي زوجة الثانى ~~والأول قول الشافعى والثاني قول مالك # وآخرون اسرفوا في إنكار هذا حتى قالوا لو حكم حاكم بقول عمر لنقض حكمه ~~لبعده عن القياس وآخرون أخذوا ببعض قول عمر وتركوا بعضه فقالوا اذا تزوجت ~~فهي زوجة الثانى واذا دخل بها الثانى فهي زوجته ولا ترد إلى الأول # ومن خالف عمر لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر ولم يكن له من الخبرة ~~بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر فان هذا مبنى على PageV20P576 أصل وهو وقف ~~العقود # اذا تصرف الرجل في حق الغيربغير اذنه هل يقع تصرفه مردودا أو موقوفا على ~~اجازته على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد # أحدهما الرد في الجملة على تفصيل عنه والرد مطلقا قول الشافعى # والثانى انه موقوف وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وهذا في النكاح والبيع ~~والاجارة وغير ذلك فظاهر مذهب أحمد أن المتصرف اذا كان معذورا لعدم تمكنه ~~من الاستئذان وحاجته إلى التصرف وقف على الاجازة بلا نزاع وان أمكنه ~~الاستئذان أو لم يكن به حاجة إلى التصرف ففيه النزاع فالأول مثل من عنده ~~أموال لايعرف أصحابها كالغصوب والعوارى ونحوهما إذا تعذرت عليه ms6195 معرفة أرباب ~~الأموال ويئس منها فان مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد أنه يتصدق به عنهم فان ~~ظهروا بعد ذلك كانوا مخيرين بين الامضاء وبين التضمين وهذا مما جاءت به ~~السنة في اللقطة فان الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرف فيها ثم ان جاء ~~صاحبها كان مخيرا بين امضاء تصرفه وبين المطالبة بها فهو تصرف موقوف لكن ~~تعذر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرف # وكذلك الموصى بما زاد على الثلث وصيته موقوفة على اجازة الورثة ~~PageV20P577 عند الأكثرين وانما يخيرون عند الموت ففى المفقود المنقطع خبره ~~ان قيل ان امرأته تبقى إلى ان يعلم خبره بقيت لا أيما ولا ذات زوج إلى ان ~~تصير عجوزا وتموت ولم تعلم خبره والشريعة لم تأت بمثل هذا فلما اجلت أربع ~~سنين ولم ينكشف خبره حكم بموته ظاهرا وان قيل انه يسوغ للامام ان يفرق ~~بينهما للحاجة فانما ذلك لاعتقاده موته والا فلو علم حياته لم يكن مفقودا ~~كما ساغ التصرف في الأموال التى تعذر معرفة أصحابها فاذا قدم الرجل تبين ~~انه كان حيا كما اذا ظهر صاحب المال والامام قد تصرف في زوجته بالتفريق ~~فيبقى هذا التفريق موقوفا على اجازته فان شاء أجاز ما فعله الامام واذا ~~أجازه صار كالتفريق المأذون فيه # ولو أذن للامام ان يفرق بينهما ففرق وقعت الفرقة بلا ريب وحينئذ فيكون ~~نكاح الأول صحيحا وان لم يجز ما فعله الامام كان التفريق باطلا من حين ~~اختار امرأته لا ما قبل ذلك بل المجهول كالمعدوم كما في اللقطة فانه اذا ~~ظهر مالكها لم يبطل ما تقدم قبل ذلك وتكون باقية على نكاحه من حين اختارها ~~فتكون زوجته فيكون القادم مخيرا بين اجازة ما فعله الامام ورده واذا أجازه ~~فقد أخرج البضع عن ملكه # وخروج البضع من ملك الزوج متقوم عند الأكثرين كمالك PageV20P578 والشافعى ~~وأحمد في أنص الروايتين عنه وهو مضمون بالمسمى كما يقوله مالك وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه والشافعى يقول هو مضمون بمهر المثل # والنزاع بينهم فيما اذا شهد شهود انه طلق امراته ms6196 ورجعوا عن الشهادة فقيل ~~لاشيء عليهم بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم وهو قول أبى ~~حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين اختارها متأخروا أصحابه كالقاضى أبى يعلى ~~وأصحابه وقيل عليهم مهر المثل وهو قول الشافعى وهو وجه في مذهب أحمد وقيل ~~عليهم المسمى وهو مذهب مالك وهو أشهر في نصوص أحمد وقد نص على ذلك فيما اذا ~~أفسد نكاح امراته برضاع أنه يرجع بالمسمى والكتاب والسنة دلا على هذا القول ~~ففى سورة الممتحنة في قول الله تعالى @QB@ واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما ~~أنفقوا @QE@ وقوله @QB@ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا @QE@ # وهذا المسمى دون مهر المثل وكذلك أمر النبى زوج المختلعة أن يأخذ ما ~~أعطاها ولم يأمر بمهر المثل وهو انما يأمر في المعاوضات المطلقة بالعدل وهو ~~مبسوط في غير هذا الموضع فقصة عمر تنبنى على هذا # والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة ثبت PageV20P579 ~~ذلك عنهم في قضايا متعددة ولم يعلم أن أحدا أنكر ذلك مثل قصة بن مسعود في ~~صدقته عن سيد الجارية التى ابتاعها بالثمن الذى كان له عليه في ذمته لما ~~تعذرت عليه معرفته وكتصدق الغال بالمال المغلول لما تعذر قسمته بين الجيش ~~واقرار معاوية على ذلك وغير ذلك من القضايا مع أن القول بوقف العقود مطلقا ~~هو الأظهر في الحجة وهو قول الجمهور وليس ذلك اضرارا أصلا بل صلاح بلا فساد ~~فان الرجل قد يرى أن يشترى لغيره أو يبيع له أو يستأجر له أو يوجب له ثم ~~يشاوره فان رضى والا فلم يصبه ما يضره وكذلك في تزويج موليته ونحو ذلك # وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه فمسألة المفقود هي مما يقف فيها ~~تعريف الامام على اذن الزوج اذا جاء كما يقف تصرف الملتقط على اذن المالك ~~اذا جاء والقول برد المهر إليه لخروج امرأته من ملكه ولكن تنازعوا في المهر ~~الذى يرجع به هل هو ما أعطاها هو أو ما أعطاها الثانى وفيه روايتان عن أحمد ms6197 ~~والصواب انه انما يرجع بمهره هو فانه الذى استحقه وأما المهر الذى أصدقها ~~الثانى فلا حق له فيه # واذا ضمن الأول للثانى المهر فهل يرجع به عليها فيه روايتان PageV20P580 ~~إحداهما يرجع لانها التى أخذته والثانى قد أعطاها المهر الذى عليه فلا يضمن ~~مهرين بخلاف المرأة فانها لما اختارت فراق الاول ونكاح الثانى فعليها أن ~~ترد المهر لان الفرقة جاءت منها # والثانية لايرجع لان المرأة تستحق المهر بما استحل من فرجها والأول يستحق ~~المهر لخروج البضع من ملكه فكان على الثانى مهران # وهذا المأثور عن عمر في ( مسألة المفقود ( هو عند طائفة من أئمة الفقهاء ~~من أبعد الاقوال عن القياس حتى قال من أئمة الفقهاء فيه ما قال وهو مع هذا ~~أصح الاقوال وأجراها على القياس وكل قول قيل سواه فهو خطا فمن قال انها ~~تعاد إلى الأول وهو لايختارها ولا يريدها وقد فرق بينه وبينها تفريقا سائغا ~~في الشرع وأجاز هو ذلك التفريق فانه وان كان الامام تبين ان الامر بخلاف ما ~~اعتقده فالحق في ذلك للزوج فاذا أجاز ما فعله الامام زال المحذور # وأما كونها زوجة الثانى بكل حال مع ظهور زوجها وتبين الامر بخلاف ما فعل ~~فهو خطا أيضا فانه لم يفارق امرأته وانما فرق بينهما بسبب ظهر أنه لم يكن ~~كذلك وهو يطلب امرأته فكيف يحال بينهما وهو لو طلب ماله أو بدله رد إليه ~~فكيف لا ترد إليه امرأته وأهله PageV20P581 أعز عليه من ماله وان قيل تعلق ~~حق الثانى بها قيل حقه سابق على حق الثانى وقد ظهر انتقاض السبب الذى به ~~استحق الثانى أن تكون زوجة له وما الموجب لمراعاة حق الثانى دون حق الاول # فالصواب ما قضى به امير المؤمنين عمر بن الخطاب واذا ظهر صواب الصحابة في ~~مثل هذه المشكلات التى خالفهم فيها مثل ابى حنيفة ومالك والشافعي فلأن يكون ~~الصواب معهم فيما وافقهم فيه هؤلاء بطريق الاولى وقد تأملت من هذا الباب ما ~~شاء الله فرأيت الصحابة افقه الامة واعلمها واعتبر هذا ms6198 بمسائل الايمان ~~بالنذر والعتق والطلاق وغير ذلك ومسائل تعليق الطلاق بالشروط ونحو ذلك وقد ~~بينت فيما كتبته ان المنقول فيها عن الصحابة هو اصح الاقوال قضاء وقياسا ~~وعليه يدل الكتاب والسنة وعليه يدل القياس الجلى وكل قول سوى ذلك تناقض في ~~القياس مخالف للنصوص # وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة بن الملاعنة ومسألة ميراث المرتد وما ~~شاء الله من المسائل لم اجد اجود الاقوال فيها الا الاقوال المنقولة عن ~~الصحابة PageV20P582 # والى ساعتى هذه ما علمت قولا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه الا وكان ~~القياس معه لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من اجل العلوم وانما يعرف ذلك من ~~كان خبيرا بأسرار الشرع ومقاصده وما اشتملت عليه شريعة الاسلام من المحاسن ~~التى تفوق التعداد وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد وما فيها ~~من الحكمة البالغة والرحمة السابغة والعدل التام والله اعلم بالصواب واليه ~~المرجع والمآب ### |||| وسئل رحمه الله # هل يسوغ تقليد هؤلاء الائمة كحماد بن ابى سليمان وبن المبارك وسفيان ~~الثوري والاوزاعى وقد قال عنهم رجل اعنى هؤلاء الائمة المذكورين هؤلاء لا ~~يلتفت اليهم فصاحب هذا الكلام ما حكمه ### ||||| فأجاب # اما الائمة المذكورون فمن سادات ائمة الاسلام فان الثوري امام اهل ~~العراق وهو عند اكثرهم اجل من اقرانه كابن ابى ليلى والحسن بن صالح بن حي ~~وابى حنيفة وغيره وله مذهب باق إلى اليوم بأرض خراسان والأوزاعي امام اهل ~~الشام وما زالوا على مذهبه إلى المائة الرابعة بل اهل المغرب كانوا على ~~مذهبه قبل ان يدخل اليهم مذهب مالك وحماد بن ابى سليمان هو شيخ ابى حنيفة ~~PageV20P583 # ومع هذا فهذا القول هو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما ومذهبه ~~باق إلى اليوم وهو مذهب داود بن علي واصحابه ومذهبهم باق إلى اليوم فلم ~~يجمع الناس اليوم على خلاف هذا القول بل القائلون به كثير في المشرق ~~والمغرب وليس في الكتاب والسنة فرق في الائمة المجتهدين بين شخص وشخص فمالك ~~والليث بن سعد والاوزاعى والثوري هؤلاء ائمة في ms6199 زمانهم وتقليد كل منهم ~~كتقليد الآخر لا يقول مسلم انه يجوز تقليد هذا دون هذا ولكن من منع من ~~تقليد أحد هؤلاء في زماننا فانما يمنعه لأحد شيئين ( # أحدهما ) اعتقاده انه لم يبق من يعرف مذاهبهم وتقليد الميت فيه نزاع ~~مشهور فمن منعه قال هؤلاء موتى ومن سوغه قال لابد ان يكون في الاحياء من ~~يعرف قول الميت # و ( الثاني ) ان يقول الاجماع اليوم قد انعقد على خلاف هذا القول وينبني ~~ذلك على مسألة معروفة في اصول الفقه وهي ان الصحابة مثلا أو غيرهم من اهل ~~الاعصار اذا اختلفوا في مسألة على قولين ثم اجمع التابعون أو اهل العصر ~~الثانى على احدهما فهل يكون هذا اجماعا يرفع ذلك الخلاف وفى المسألة نزاع ~~مشهور في مذهب أحمد وغيره من العلماء فمن قال ان مع اجماع اهل العصر الثانى ~~لا يسوغ الأخذ بالقول الآخر واعتقد ان اهل العصر اجمعوا على ذلك يركب من ~~هذين PageV20P584 الاعتقادين المنع # ومن علم ان الخلاف القديم حكمه باق لأن الاقوال لا تموت بموت قائلها فانه ~~يسوغ الذهاب إلى القول الآخر للمجتهد الذي وافق اجتهاده واما التقليد ~~فينبني على مسألة تقليد الميت وفيها قولان مشهوران ايضا في مذهب الشافعي ~~واحمد وغيرهما واما اذا كان القول الذي يقول به هؤلاء الائمة أو غيرهم قد ~~قال به بعض العلماء الباقية مذاهبهم فلا ريب ان قوله مؤيد بموافقة هؤلاء ~~ويعتضد به ويقابل بهؤلاء من خالفه من أقرانهم فيقابل بالثوري والاوزاعي أبا ~~حنيفة ومالك اذا الامة متفقة على انه اذا اختلف مالك والاوزاعي والثوري ~~وأبو حنيفة لم يجز ان يقال قول هذا هو صواب دون هذا إلا بحجة والله أعلم # PageV20P585 ### | 1 ( كتاب الفقه الجزء الأول الطهارة ) ### || 1 ( الطهارات ) 1 ### ||| 2 باب المياه #2 قال الشيخ الإمام العالم # العامل القدوة ربانى الأمة ومحيي السنة العلامة شيخ الإسلام تقي الدين ~~أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني قدس الله ~~روحه ونور ضريحه الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك ms6200 على عبده ~~ورسوله محمد خاتم المرسلين وإمام المهتدين وعلى آله أجمعين ### ||| فصل # أما العبادات فأعظمها الصلاة والناس إما أن يبتدئوا مسائلها بالطهور ~~لقوله ( مفتاح الصلاة الطهور ( كما رتبه أكثرهم وإما بالمواقيت التى تجب ~~بها الصلاة كما فعله مالك وغيره PageV21P005 فأما الطهارة والنجاسة فنوعان ~~من الحلال والحرام في اللباس ونحوه تابعان للحلال والحرام في الأطعمة ~~والأشربة # ومذهب أهل الحديث في هذا الأصل العظيم الجامع وسط بين مذهب العراقيين ~~والحجازيين فان أهل المدينة مالكا وغيره يحرمون من الأشربة كل مسكر كما صحت ~~بذلك النصوص عن النبى من وجوه متعددة وليسوا في الأطعمة كذلك بل الغالب ~~عليهم فيها عدم التحريم فيبيحون الطيور مطلقا وإن كانت من ذات المخالب ~~ويكرهون كل ذي ناب من السباع وفى تحريمها عن مالك روايتان وكذلك في الحشرات ~~عنه هل هي محرمة أو مكروهة روايتان وكذلك البغال والحمير وروى عنه أنها ~~مكروهة أشد من كراهة السباع وروى عنه انها محرمة بالسنة دون تحريم الحمير ~~والخيل أيضا يكرهها لكن دون كراهة السباع وأهل الكوفة في باب الأشربة ~~مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس ليست الخمر عندهم إلا من العنب ولا ~~يحرمون القليل من المسكر إلا أن يكون خمرا من العنب أو أن يكون من نبيذ ~~التمر أو الزبيب النيء أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه وهم ~~في PageV21P006 الأطعمة في غاية التحريم حتى حرموا الخيل والضباب وقيل أن ~~أبا حنيفة يكره الضب والضباع ونحوها فأخذ أهل الحديث في الأشربة بقول أهل ~~المدينة وسائر أهل الأمصار موافقة للسنة المستفيضة عن النبى وأصحابه في ~~التحريم وزادوا عليهم في متابعة السنة وصنف الإمام أحمد كتابا كبيرا في ~~الأشربه ما علمت أحدا صنف أكبر منه وكتابا أصغر منه وهو أول من أظهر في ~~العراق هذه السنة حتى إنه دخل بعضهم بغداد فقال هل فيها من يحرم النبيذ ~~فقالوا لا إلا أحمد بن حنبل دون غيره من الأئمة وأخذ فيه بعامة السنة حتى ~~إنه حرم العصير والنبيذ بعد ثلاث وإن لم يظهر فيه ms6201 شدة متابعة للسنة ~~المأثورة في ذلك لأن الثلاث مظنة ظهور الشدة غالبا والحكمة هنا مما تخفى ~~فأقيمت المظنة مقام الحكمة حتى إنه كره الخليطين إما كراهة تنزية أو تحريم ~~على إختلاف الروايتين عنه وحتى إختلف قوله في الإنتباذ في الأوعية هل هو ~~مباح أو محرم أو مكروه لأن أحاديث النهى كثيرة جدا وأحاديث النسخ قليلة ~~فاختلف إجتهاده هل تنسخ تلك الأخبار المستفيضة بمثل هذه الأخبار التى لا ~~تخرج عن كونها أخبار آحاد ولم يخرج البخارى منها شيئا PageV21P007 وأخذوا ~~في الأطعمة بقول أهل الكوفة لصحة السنن عن النبى بتحريم كل ذى ناب من ~~السباع وكل ذى مخلب من الطير وتحريم لحوم الحمر لأن النبى أنكر على من تمسك ~~في هذا الباب بعدم وجود نص التحريم في القرآن حيث قال ( لا ألفين أحدكم ~~متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول بيننا ~~وبينكم هذا القرآن فما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام ~~حرمناه ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ~~تعالى ( وهذا المعنى محفوظ عن النبى من غير وجه وعلموا أن ما حرمه رسول ~~الله إنما هو زيادة تحريم ليس نسخا للقرآن لأن القرآن إنما دل على أن الله ~~لم يحرم إلا الميتة والدم ولحم الخنزير وعدم التحريم ليس تحليلا وإنما هو ~~بقاء للأمر على ما كان وهذا قد ذكره الله في سورة الأنعام التى هي مكية ~~بإتفاق العلماء ليس كما ظنه أصحاب مالك والشافعى أنها من آخر القرآن نزولا ~~وإنما سورة المائدة هي المتأخرة وقد قال الله فيها ( أحل لكم الطيبات ( ~~فعلم أن عدم التحريم المذكور في سورة الأنعام ليس تحليلا وإنما هو عفو ~~فتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع PageV21P008 للعفو ليس نسخا ~~للقرآن لكن لم يوافق أهل الحديث الكوفيين على جميع ما حرموه بل أحلوا الخيل ~~لصحة السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم بتحليلها يوم خيبر وبأنهم ذبحوا ~~على عهد ms6202 رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا وأكلوا لحمه وأحلوا الضب لصحة ~~السنن عن النبى بأنه قال ( لا أحرمه ( وبأنه أكل على مائدته وهو ينظر ولم ~~ينكر على من أكله وغير ذلك مما جاءت فيه الرخصة فنقصوا عما حرمه أهل الكوفة ~~من الأطعمة كما زادوا على أهل المدينة في الأشربة لأن النصوص الدالة على ~~تحريم الأشربة المسكرة أكثر من النصوص الدالة على تحريم الأطعمة ولأهل ~~المدينة سلف من الصحابة والتابعين في إستحلال ما أحلوه أكثر من سلف أهل ~~الكوفة في إستحلال المسكر والمفاسد الناشئة من المسكر أعظم من مفاسد خبائث ~~الأطعمة ولهذا سميت الخمر ( أم الخبائث ( كما سماها عثمان بن عفان رضى الله ~~عنه وغيره وأمر النبى بجلد شاربها وفعله هو وخلفاؤه وأجمع عليه العلماء دون ~~المحرمات من الأطعمة فانه لم يحد فيها أحد من أهل العلم إلا ما بلغنا عن ~~الحسن البصرى # بل قد أمر صلى الله عليه وسلم PageV21P009 بقتل شارب الخمر في الثالثة أو ~~الرابعة وإن كان الجمهور على أنه منسوخ ونهى النبى فيما صح عنه عن تخليل ~~الخمر وأمر بشق ظروفها وكسر دنانها وإن كان قد إختلفت الرواية عن أحمد هل ~~هذا باق أو منسوخ ولما كان الله سبحانه وتعالى إنما حرم الخبائث لما فيها ~~من الفساد إما في العقول أو الأخلاق أو غيرها ظهر على الذين استحلوا بعض ~~المحرمات من الأطعمة أو الأشربة من النقص بقدر ما فيها من المفسدة ولولا ~~التأويل لاستحقوا العقوبة ثم إن الامام أحمد وغيره من علماء الحديث زادوا ~~في متابعة السنة على غيرهم بأن أمروا بما أمر الله به ورسوله مما يزيل ضرر ~~بعض المباحات مثل لحوم الإبل فإنها حلال بالكتاب والسنة والإجماع ولكن فيها ~~من القوة الشيطانية ما أشار إليه النبى بقوله ( انها جن خلقت من جن ( وقد ~~قال فيما رواه أبو داود ( الغضب من الشيطان وإن الشيطان من النار وإنما ~~تطفأالنار بالماء فاذا غضب أحدكم فليتوضأ ( فأمر بالتوضؤ من الأمر العارض ~~من الشيطان فأكل لحمها يورث قوة شيطانية تزول ms6203 بما أمر به النبى صلى الله ~~عليه وسلم من الوضوء من لحمها كما صح ذلك عنه من غير وجه من حديث جابر بن ~~سمرة والبراء بن PageV21P010 عازب وأسيد بن الحضير وذى الغرة وغيرهم فقال ~~مرة ( توضؤا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم وصلوا في مرابض الغنم ~~ولا تصلوا في معاطن الإبل ( فمن توضأ من لحومها اندفع عنه ما يصيب المدمنين ~~لأكلها من غير وضوء كالأعراب من الحقد وقسوة القلب التى أشار اليها النبى ~~بقوله المخرج عنه في الصحيحين ( إن الغلظة وقسوة القلوب في الفدادين أصحاب ~~الإبل وإن السكينة في أهل الغنم ( # وإختلف عن أحمد هل يتوضأ من سائر اللحوم المحرمة على روايتين بناء على أن ~~الحكم مختص بها أو أن المحرم أولى بالتوضؤ منه من المباح الذى فيه نوع مضرة # وسائر المصنفين من أصحاب الشافعى وغيره وافقوا أحمد على هذا الأصل وعلموا ~~أن من إعتقد أن هذا منسوخ بترك الوضوء مما مست النار فقد أبعد لأنه فرق في ~~الحديث بين اللحمين ليتبين أن العلة هي الفارقة بينهما لا الجامع # وكذلك قالوا بما إقتضاه الحديث من أنه يتوضأ منه نيئا ومطبوخا ولأن هذا ~~الحديث كان بعد النسخ ولهذا قال في لحم الغنم ( وإن شئت فلا تتوضأ ( ولأن ~~النسخ لم يثبت إلا بالترك PageV21P011 من لحم غنم فلا عموم له وهذا معنى ~~قول جابر ( كان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار ( فانه رآه يتوضأ ~~ثم رآه أكل لحم غنم ولم يتوضأ ولم ينقل عن النبى صيغة عامة في ذلك ولو ~~نقلها لكان فيه نسخ للخاص بالعام الذى لم يثبت شموله لذلك الخاص عينا وهو ~~أصل لا يقول به أكثر المالكيه والشافعية والحنبلية هذا مع أن أحاديث الوضوء ~~مما مست النار لم يثبت أنها منسوخه بل قد قيل إنها متأخرة ولكن أحد الوجهين ~~في مذهب أحمد أن الوضوء منها مستحب ليس بواجب والوجه الآخر لا يستحب # فلما جاءت السنة بتجنب الخبائث الجسمانية والتطهر منها كذلك جاءت بتجنب ~~الخبائث الروحانية والتطهر ms6204 منها حتى قال ( إذا قام أحدكم من الليل فليستنشق ~~بمنخريه من الماء فان الشيطان يبيت على خيشومه ) وقال ( إذا قام أحدكم من ~~نوم الليل فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فان أحدكم لا يدري أين ~~باتت يده ( فعلل الأمر بالغسل بمبيت الشيطان على خيشومه فعلم أن ذلك سبب ~~للطهارة من غير النجاسة الظاهرة فلا يستبعد أن يكون هو السبب لغسل يد ~~القائم من نوم الليل PageV21P012 وكذلك نهى عن الصلاة في أعطان الإبل وقال ~~( إنها جن خلقت من جن ( كما ثبت عنه أنه قال ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة ~~والحمام ( وقد روى عنه ( أن الحمام بيت الشيطان ( وثبت عنه أنه لما إرتحل ~~عن المكان الذى ناموا فيه عن صلاة الفجر قال ( إنه مكان حضرنا فيه الشيطان ~~( فعلل الأماكن بالأرواح الخبيثة كما يعلل بالأجسام الخبيثة وبهذا يقول ~~أحمد وغيره من فقهاء الحديث ومذهبه الظاهر عنه أن ما كان مأوى للشياطين ~~كالمعاطن والحمامات حرمت الصلاة فيه وما عرض الشيطان فيه كالمكان الذى ~~ناموا فيه عن الصلاة كرهت فيه الصلاة والفقهاء الذين لم ينهوا عن ذلك إما ~~لأنهم لم يسمعوا هذه النصوص سماعا تثبت به عندهم أو سمعوها ولم يعرفوا ~~العلة فاستبعدوا ذلك عن القياس فتأولوه # وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة خلاف هذه المسائل ~~وأنهم لم يكونوا يتوضؤن من لحوم الإبل فقد غلط عليهم وإنما توهم ذلك لما ~~نقل عنهم ( أنهم لم يكونوا يتوضؤن مما مست النار ( وإنما المراد أن أكل ما ~~مس النار ليس هو سببا عندهم لوجوب PageV21P013 الوضوء والذى أمر به النبى ~~من الوضوء من لحوم الإبل ليس سببه مس النار كما يقال كان فلان لا يتوضأ من ~~مس الذكر وإن كان يتوضأ منه إذا خرج منه مذى # ومن تمام هذا أنه قد صح عن النبى في صحيح مسلم وغيره من حديث أبى ذر وأبى ~~هريرة رضى الله عنهما وجاء من حديث غيرهما أنه ( يقطع الصلاة الكلب الأسود ~~والمرأة والحمار ( وفرق النبى صلى الله عليه وسلم ms6205 بين الكلب الأسود والأحمر ~~والأبيض بأن ( الأسود شيطان ( وصح عنه أنه قال ( إن الشيطان تفلت على ~~البارحة ليقطع صلاتى فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد ( ~~الحديث فأخبر أن الشيطان أراد أن يقطع عليه صلاته فهذا أيضا يقتضى أن مرور ~~الشيطان يقطع الصلاة فلذلك أخذ أحمد بذلك في الكلب الأسود وإختلف قوله في ~~المرأة والحمار لأنه عارض هذا الحديث حديث عائشة لما كان النبى يصلى وهى في ~~قبلته وحديث بن عباس رضى الله عنهما لما إجتاز على أتانه بين يدي بعض الصف ~~والنبى يصلى بأصحابه بمنى مع أن المتوجه أن الجميع يقطع وأنه يفرق بين ~~المار واللابث كما فرق بينهما في الرجل في كراهة مروره دون لبثه في القبلة ~~إذا إستدبره المصلى ولم يكن متحدثا PageV21P014 وأن مروره ينقص ثواب الصلاة ~~دون اللبث وإختلف المتقدمون من أصحاب أحمد في الشيطان الجني إذا علم بمروره ~~هل يقطع الصلاة والاوجه أنه يقطعها بتعليل رسول الله وبظاهر قوله ( يقطع ~~صلاتى ( لأن الأحكام التى جاءت بها السنة في الأرواح الخبيثة من الجن ~~وشياطين الدواب في الطهارة والصلاة في أمكنتهم وممرهم ونحو ذلك قوية في ~~الدليل نصا وقياسا ولذلك أخذ بها فقهاء الحديث ولكن مدرك علمها أثرا هو ~~لأهل الحديث ومدركه قياسا هو في باطن الشريعة وظاهرها دون التفقه في ظاهرها ~~فقط ولو لم يكن في الأئمة من إستعمل هذه السنن الصحيحة النافعة لكان وصمة ~~على الأمة ترك مثل ذلك والأخذ بما ليس بمثله لا أثرا ولا رأيا # ولقد كان أحمد رحمه الله يعجب ممن يدع حديث ( الوضوء من لحوم الإبل ( مع ~~صحته التى لا شك فيها وعدم المعارض له ويتوضأ من مس الذكر مع تعارض ~~الأحاديث فيه وأن أسانيدها ليست كأحاديث الوضوء من لحوم الإبل ولذلك أعرض ~~عنها الشيخان البخارى ومسلم وإن كان أحمد على المشهور عنه يرجح أحاديث ~~الوضوء PageV21P015 من مس الذكر لكن غرضه أن الوضوء من لحوم الإبل أقوى في ~~الحجة من الوضوء من مس الذكر وقد ذكرت ما يبين أنه ms6206 أظهر في القياس منه فإن ~~تأثير المخالطة أعظم من تأثير الملامسة ولهذا كان كل نجس محرم الأكل وليس ~~كل محرم الاكل نجسا وكان أحمد يعجب أيضا ممن لا يتوضأ من لحوم الإبل ويتوضأ ~~من الضحك في الصلاة مع أنه أبعد عن القياس والأثر فيه مرسل قد ضعفه أكثر ~~الناس وقد صح عن الصحابة ما يخالفه # والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف بعضهم وهو ~~تضعيف من لم يعرف الحديث كما ذكر أصحابه أو بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا يقطع الصلاة شيء ( أو بما روى في ~~ذلك عن الصحابة وقد كان الصحابة مختلفين في هذه المسألة أو برأى ضعيف لو صح ~~لم يقاوم هذه الحجة خصوصا مذهب أحمد فهذا أصل في الخبائث الجسمانية ~~والروحانية # وأصل آخر وهو أن الكوفيين قد عرف تخفيفهم في العفو PageV21P016 عن ~~النجاسة فيعفون من المغلظة عن قدر الدرهم البغلي ومن المخففة عن ربع المحل ~~المتنجس والشافعى بإزائهم في ذلك فلا يعفو عن النجاسات إلا عن أثر ~~الإستنجاء وونيم الذباب ونحوه ولا يعفو عن دم ولا عن غيره إلا عن دم ~~البراغيث ونحوه مع أنه ينجس أرواث البهائم وأبوالها وغير ذلك فقوله في ~~النجاسات نوعا وقدرا أشد أقوال الأئمة الأربعة ومالك متوسط في نوع النجاسة ~~وفى قدرها فإنه لا يقول بنجاسة الأرواث والأبوال مما يؤكل لحمه ويعفو عن ~~يسير الدم وغيره وأحمد كذلك فإنه متوسط في النجاسات فلا ينجس الأرواث ~~والأبوال ويعفو عن اليسير من النجاسات التى يشق الإحتراز عنها حتى أنه في ~~إحدى الروايتين عنه يعفو عن يسير روث البغل والحمار وبول الخفاش وغير ذلك ~~مما يشق الإحتراز عنه بل يعفو في إحدى الروايتين عن اليسير من الروث والبول ~~من كل حيوان طاهر كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في شرح المذهب وهو مع ذلك ~~يوجب إجتناب النجاسة في الصلاة في الجملة من غير خلاف عنه لم يختلف قوله في ~~ذلك كما إختلف أصحاب مالك ولو صلى ms6207 بها جاهلا أو ناسيا لم تجب عليه الإعادة ~~في أصح الروايتين كقول مالك كما دل عليه حديث PageV21P017 النبى لما خلع ~~نعليه في أثناء الصلاة لأجل الأذى الذى فيهما ولم يستقبل الصلاة ولما صلى ~~الفجر فوجد في ثوبه نجاسة أمر بغسلها ولم يعد الصلاة والرواية الأخرى تجب ~~الإعادة كقول أبى حنيفة والشافعى وأصل آخر في إزالتها فمذهب أبى حنيفة تزال ~~بكل مزيل من المائعات والجامدات والشافعى لا يرى إزالتها إلا بالماء حتى ما ~~يصيب أسفل الخف والحذاء والذيل لا يجزئ فيه إلا الغسل بالماء وحتى نجاسة ~~الأرض ومذهب أحمد فيه متوسط فكل ما جاءت به السنة قال به يجوز في الصحيح ~~عنه مسحها بالتراب ونحوه من النعل ونحوه كما جاءت به السنة كما يجوز مسحها ~~من السبيلين فان السبيلين بالنسبة إلى سائر الأعضاء كأسفل الخف بالنسبة إلى ~~سائر الثياب في تكرر النجاسة على كل منها وإختلف أصحابه في أسفل الذيل هل ~~هو كأسفل الخف كما جاءت به السنة واستوائها للأثر في ذلك والقياس إزالتها ~~عن الأرض بالشمس والريح يجب التوسط فيه فان التشديد في النجاسات جنسا وقدرا ~~هو دين اليهود والتساهل PageV21P018 هو دين النصارى ودين الإسلام هو الوسط ~~فكل قول يكون فيه شيء من هذا الباب يكون أقرب إلى دين الإسلام # وأصل آخر وهو إختلاط الحلال بالحرام كإختلاط المائع الطاهر بالنجس فقول ~~الكوفيين فيه من الشدة مالا خفاء به وسر قولهم إلحاق الماء بسائر المائعات ~~وأن النجاسة إذا وقعت في مائع لم يمكن إستعمالة إلا بإستعمال الخبث فيحرم ~~الجميع مع أن تنجيس المائع غير الماء الآثار فيه قليلة وبإزائهم مالك وغيره ~~من أهل المدينة فانهم في المشهور لا ينجسون الماء إلا بالتغير ولا يمنعون ~~من المستعمل ولا غيره مبالغة في طهورية الماء مع فرقهم بينه وبين غيره من ~~المائعات ولأحمد قول كمذهبهم لكن المشهور عنه التوسط بالفرق بين قليله ~~وكثيره كقول الشافعى وإختلف قوله في المائعات غير الماء هل يلحق بالماء ~~أولا يلحق به كقول مالك والشافعى أو يفرق بين الماء ms6208 وغير الماء كخل العنب ~~على ثلاث روايات PageV21P019 وفى هذه الأقوال من التوسط أثرا ونظرا مالا ~~خفاء به مع أن قول أحمد الموافق لقول مالك راجح في الدليل # وأصل آخر وهو أن للناس في أجزاء الميتة التى لا رطوبة فيها كالشعر والظفر ~~والريش مذاهب هل هو طاهر أو نجس ثلاثة أقوال أحدها نجاستها مطلقا كقول ~~الشافعى ورواية عن أحمد بناء على أنها جزء من الميتة والثانى طهارتها مطلقا ~~كقول أبى حنيفة وقول في مذهب أحمد بناء على أن الموجب للنجاسة هو الرطوبات ~~[ وهى إنما تكون فيما يجرى فيه الدم ] ولهذا حكم بطهارة مالا نفس له سائلة ~~فمالا رطوبة فيه من الأجزاء بمنزلة مالا نفس له سائلة والثالث نجاسة ما كان ~~فيه حس كالعظم الحاقا له باللحم اليابس وعدم نجاسة مالم يكن فيه إلا النماء ~~كالشعر إلحاقا له بالنبات # وأصل آخر وهو طهارة الأحداث التى هي الوضوء والغسل فان مذهب فقهاء الحديث ~~استعملوا فيها من السنن مالا يوجد لغيرهم PageV21P020 ويكفى المسح على ~~الخفين وغيرهما من اللباس والحوائل فقد صنف الإمام أحمد ( كتاب المسح على ~~الخفين ( وذكر فيه من النصوص عن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المسح ~~على الخفين والجوربين وعلى العمامة بل على خمر النساء كما كانت أم سلمة زوج ~~النبى وغيرها تفعله وعلى القلانس كما كان أبو موسى وأنس يفعلانه ما إذا ~~تأمله العالم علم فضل علم أهل الحديث على غيرهم مع أن القياس يقتضى ذلك ~~إقتضاء ظاهرا وإنما توقف عنه من توقف من الفقهاء لأنهم قالوا بما بلغهم من ~~الأثر وجبنوا عن القياس ورعا ولم يختلف قول أحمد فيما جاء عن النبى كأحاديث ~~المسح على العمائم والجوربين والتوقيت في المسح وإنما إختلف قوله فيما جاء ~~عن الصحابة كخمر النساء وكالقلانس الدنيات ومعلوم أن في هذا الباب من ~~الرخصة التى تشبه أصول الشريعة وتوافق الآثار الثابتة عن النبى وأعلم أن كل ~~من تأول في هذه الأخبار تأويلا مثل كون المسح على العمامة مع بعض الرأس هو ~~المجزىء ونحو ذلك ms6209 لم يقف على مجموع الأخبار وإلا فمن وقف على مجموعها ~~أفادته علما يقينا بخلاف ذلك PageV21P021 وأصل آخر في التيمم فان أصح حديث ~~فيه حديث عمار بن ياسر رضى الله عنه المصرح بأنه يجزئ ضربة واحدة للوجه ~~والكفين وليس في الباب حديث يعارضه من جنسه وقد أخذ به فقهاء الحديث أحمد ~~وغيره وهذا أصح من قول من قال يجب ضربتان والى المرفقين كقول أبى حنيفة ~~والشافعى في الجديد أو ضربتان إلى الكوعين # وأصل آخر في الحيض والاستحاضة فان مسائل الإستحاضة من أشكل أبواب الطهارة ~~وفى الباب عن النبى صلى الله عليه وسلم ثلاث سنن سنة في المعتادة أنها ترجع ~~إلى عادتها وسنة في المميزة أنها تعمل بالتمييز وسنة في المتحيرة التى ليست ~~لها عادة ولا تمييز بأنها تتحيض غالب عادات النساء ستا أو سبعا وأن تجمع ~~بين الصلاتين إن شاءت فأما السنتان الأولتان ففى الصحيح وأما الثالثة فحديث ~~حمنة بنت جحش رواه أهل السنن وصححه الترمذى وكذلك قد روى أبو داود وغيره في ~~سهلة بنت سهيل بعض معناه وقد إستعمل أحمد هذه السنن الثلاث في المعتادة ~~المميزة والمتحيرة فان إجتمعت العادة والتمييز قدم العادة في أصح الروايتين ~~كما جاء في أكثر الأحاديث PageV21P022 فأما أبو حنيفة فيعتبر العادة إن ~~كانت ولا يعتبر التمييز ولا الغالب بل إن لم تكن عادة إن كانت مبتدأة حيضها ~~حيضة الأكثر وإلا حيضة الأقل ومالك يعتبر التمييز ولا يعتبر العادة ولا ~~الأغلب فان لم يعتبر العادة ولا الأغلب فلا يحيضها بل تصلى أبدا إلا في ~~الشهر الأول فهل تحيض أكثر الحيض أو عادتها وتستظهر ثلاثة أيام على روايتين ~~والشافعى يستعمل التمييز والعادة دون الأغلب فان إجتمع قدم التمييز وإن عدم ~~صلت أبدا وإستعمل من الإحتياط في الإيجاب والتحريم والإباحة ما فيه مشقة ~~عظيمة علما وعملا فالسنن الثلاث التى جاءت عن النبى في هذه الحالات الفقهية ~~إستعملها فقهاء الحديث ووافقهم في كل منها طائفة من الفقهاء PageV21P023 ### |||| وسئل # عن مسائل كثير وقوعها ويحصل الإبتلاء بها ويحصل الضيق والحرج والعمل ms6210 ~~بها على رأي إمام بعينه منها مسألة المياه اليسرة ووقوع النجاسة فيها من ~~غير تغير وتغييرها بالطاهرات ### ||||| فأجاب رحمة الله تعالى # الحمد لله رب العالمين أما مسألة تغير الماء ~~اليسير أو الكثير بالطاهرات كالأشنان والصابون والسدر والخطمي والتراب ~~والعجين وغير ذلك مما قد يغير الماء مثل الإناء إذا كان فيه أثر سدر أو ~~خطمى ووضع فيه ماء فتغير به مع بقاء إسم الماء فهذا فيه قولان معروفان ~~للعلماء أحدهما أنه لا يجوز التطهير به كما هو مذهب مالك والشافعى وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه التى إختارها الخرقى والقاضى وأكثر متأخري أصحابه لأن ~~هذا ليس بماء مطلق فلا يدخل في قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء ) ثم إن أصحاب ~~هذا القول إستثنوا من هذا أنواعا بعضها متفق عليه بينهم وبعضها مختلف فيه ~~فما كان من التغير حاصلا بأصل الخلقة أو بما يشق صون الماء عنه فهو طهور ~~PageV21P024 باتفاقهم وما تغير بالأدهان والكافور ونحو ذلك ففيه قولان ~~معروفان في مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما وما كان تغيره يسيرا فهل يعفى عنه ~~أولا يعفى عنه أو يفرق بين الرائحة وغيرها على ثلاثة أوجه إلى غير ذلك من ~~المسائل والقول الثانى أنه لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ولا بما ~~يشق الإحتراز عنه ولا بمالا يشق الإحتراز عنه فما دام يسمى ماء ولم يغلب ~~عليه أجزاء غيره كان طهورا كما هو مذهب أبى حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى ~~عنه وهى التى نص عليها في أكثر أجوبته وهذا القول هو الصواب لأن الله ~~سبحانه وتعالى قال ( وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ~~أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه ) وقوله ( فلم تجدوا ماء ( نكرة في سياق النفي فيعم كل ما هو ~~ماء لا فرق في ذلك بين نوع ونوع فإن قيل ان المتغير لا يدخل في اسم الماء ~~قيل تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلى والطارئ ولا بين ~~التغير الذى يمكن ms6211 الإحتراز منه والذى لا يمكن الإحتراز منه فإن الفرق بين ~~هذا وهذا إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلى PageV21P025 استعمال هذا ~~المتغير دون هذا فأما من جهة اللغة وعموم الإسم وخصوصه فلا فرق بين هذا ~~وهذا ولهذا لو وكله في شراء ماء أو حلف لا يشرب ماء أو غير ذلك لم يفرق بين ~~هذا وهذا بل إن دخل هذا دخل هذا وإن خرج هذا خرج هذا فلما حصل الإتفاق على ~~دخول المتغير تغيرا أصليا أو حادثا بما يشق صونه عنه علم أن هذا النوع داخل ~~في عموم الآية وقد ثبت بسنة رسول الله أنه قال في البحر ( هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته ) والبحر متغير الطعم تغيرا شديدا لشدة ملوحته فاذا كان النبي ~~قد أخبر أن ماءه طهور مع هذا التغير كان ما هو أخف ملوحة منه أولى أن يكون ~~طهورا وإن كان الملح وضع فيه قصدا إذ لا فرق بينهما في الإسم من جهة اللغة ~~وبهذا يظهر ضعف حجة المانعين فإنه لو استقى ماء أو وكله في شراء ماء لم ~~يتناول ذلك ماء البحر ومع هذا فهو داخل في عموم الآية فكذلك ما كان مثله في ~~الصفة وأيضا فقد ثبت أن النبى ( أمر بغسل المحرم بماء وسدر ( وأمر بغسل ~~ابنته بماء وسدر ( وأمر الذى أسلم أن يغتسل بماء وسدر ( ومن المعلوم أن ~~السدر لابد أن يغير الماء فلو كان التغير يفسد الماء لم يأمر به ~~PageV21P026 وقول القائل إن هذا تغير في محل الاستعمال فلا يؤثر تفريق بوصف ~~غير مؤثر لا في اللغة ولا في الشرع فان المتغير إن كان يسمى ماء مطلقا وهو ~~على البدن فيسمى ماء مطلقا وهو في الإناء وإن لم يسم ماء مطلقا في أحدهما ~~لم يسم مطلقا في الموضع الآخر فانه من المعلوم أن أهل اللغة لا يفرقون في ~~التسمية بين محل ومحل وأما الشرع فان هذا فرق لم يدل عليه دليل شرعى فلا ~~يلتفت إليه والقياس عليه إذا جمع أو فرق أن يبين أن ms6212 ما جعله مناط الحكم ~~جمعا أو فرقا مما دل عليه الشرع وإلا فمن علق الأحكام بأوصاف جمعا وفرقا ~~بغير دليل شرعى كان واضعا لشرع من تلقاء نفسه شارعا في الدين ما لم يأذن به ~~الله ولهذا كان على القائس أن يبين تأثير الوصف المشترك الذى جعله مناط ~~الحكم بطريق من الطرق الدالة على كون الوصف المشترك هو علة الحكم وكذلك في ~~الوصف الذى فرق فيه بين الصورتين عليه أن يبين تأثيره بطريق من الطرق ~~الشرعية وأيضا فان النبى ( توضأ من قصعة فيها أثر العجين ومن المعلوم أنه ~~لابد في العادة من تغير الماء بذلك لا سيما في PageV21P027 آخر الأمر إذا ~~قل الماء وإنحل العجين فان قيل ذلك التغير كان يسيرا قيل وهذا أيضا دليل في ~~المسألة فانه إن سوى بين التغير اليسير والكثير مطلقا كان مخالفا للنص وإن ~~فرق بينهما لم يكن للفرق بينهما حد منضبط لا بلغة ولا شرع ولا عقل ولا عرف ~~ومن فرق بين الحلال والحرام بفرق غير معلوم لم يكن قوله صحيحا وأيضا فان ~~المانعين مضطربون إضطرابا يدل على فساد أصل قولهم منهم من يفرق بين الكافور ~~والدهن وغيره ويقول إن هذا التغير عن مجاورة لا عن مخالطة ومنهم من يقول بل ~~نحن نجد في الماء أثر ذلك ومنهم من يفرق بين الورق الربيعى والخريفى ومنهم ~~من يسوى بينهما ومنهم من يسوى بين الملحين الجبلي والمائي ومنهم من يفرق ~~بينهما وليس على شيء من هذه الأقوال دليل يعتمد عليه لا من نص ولا قياس ولا ~~إجماع إذ لم يكن الأصل الذى تفرعت عليه مأخوذا من جهة الشرع وقد قال الله ~~سبحانه وتعالى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) وهذا ~~بخلاف ما جاء من عند PageV21P028 الله فانه محفوظ كما قال تعالى ( إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) فدل ذلك على ضعف هذا القول وأيضا فان القول ~~بالجواز موافق للعموم اللفظي والمعنوي مدلول عليه بالظواهر والمعانى فان ~~تناول إسم الماء لمواقع الإجماع كتناوله ms6213 لموارد النزاع في اللغة وصفات هذا ~~كصفات هذا في الجنس فتجب التسوية بين المتماثلين وأيضا فانه على قول ~~المانعين يلزم مخالفة الأصل وترك العمل بالدليل الشرعى لمعارض راجح إذ كان ~~يقتضى القياس عندهم أنه لا يجوز إستعمال شيء من المتغيرات في طهارتي الحدث ~~والخبث لكن إستثنى المتغير بأصل الخلقة وبما يشق صون الماء عنه للحرج ~~والمشقة فكان هذا موضع إستحسان ترك له القياس وتعارض الأدلة على خلاف الأصل ~~وعلى القول الأول يكون رخصة ثابتة على وفق القياس من غير تعارض بين أدلة ~~الشرع فيكون هذا أقوى PageV21P029 ### ||| فصل # وأما الماء إذا تغير بالنجاسات فانه ينجس بالاتفاق وأما ما لم يتغير ففيه ~~أقوال معروفة أحدها لاينجس وهو قول أهل المدينة ورواية المدنيين عن مالك ~~وكثير من أهل الحديث وإحدى الروايات عن أحمد إختارها طائفة من أصحابه ~~ونصرها بن عقيل في المفردات وبن البناء وغيرهما والثانى ينجس قليل الماء ~~بقليل النجاسة وهى رواية البصريين عن مالك والثالث وهو مذهب الشافعى وأحمد ~~في الرواية الأخرى إختارها طائفة من أصحابه الفرق بين القلتين وغيرهما ~~فمالك لا يحد الكثير بالقلتين والشافعى وأحمد يحدان الكثير بالقلتين ~~والرابع الفرق بين البول والعذرة المائعة وغيرهما فالأول ينجس PageV21P030 ~~منه ما أمكن نزحه دون ما لم يمكن نزحه بخلاف الثانى فانه لا ينجس القلتين ~~فصاعدا وهذا أشهر الروايات عن أحمد واختيار أكثر أصحابه والخامس أن الماء ~~ينجس بملاقاة النجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه ~~لكن ما لم يصل إليه لا ينجسه ثم حدوا ما لا يصل إليه بما لا يتحرك أحد ~~طرفيه بتحريك الطرف الآخر ثم تنازعوا هل يحد بحركة المتوضيء أو المغتسل ~~وقدر ذلك محمد بن الحسن بمسجده فوجدوه عشرة أذرع في عشرة أذرع وتنازعوا في ~~الآبار إذا وقعت فيها نجاسة هل يمكن تطهيرها فزعم المزني أنه لا يمكن وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه يمكن تطهيرها بالنزح ولهم في تقدير الدلاء أقوال معروفة ~~والسادس قول أهل الظاهر الذين ينجسون ما بال فيه البائل دون ما ألقى ms6214 فيه ~~البول ولا ينجسون ما سوى ذلك إلا بالتغير PageV21P031 وأصل هذه المسألة من ~~جهة المعنى أن إختلاط الخبيث وهو النجاسة بالماء هل يوجب تحريم الجميع أم ~~يقال بل قد إستحال في الماء فلم يبق له حكم فالمنجسون ذهبوا إلى القول ~~الأول ثم من إستثنى الكثير قال هذا يشق الإحتراز من وقوع النجاسة فيه ~~فجعلوا ذلك موضع إستحسان كما ذهب إلى ذلك طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد ~~وأما أصحاب أبى حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها وقدروه ~~بالحركة أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق والصواب هو القول الأول ~~وأنه متى علم أن النجاسة قد إستحالت فالماء طاهر سواء كان قليلا أو كثيرا ~~وكذلك في المائعات كلها وذلك لأن الله تعالى أباح الطيبات وحرم الخبائث ~~والخبيث متميز عن الطيب بصفاته فاذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيب دون ~~الخبيث وجب دخوله في الحلال دون الحرام وأيضا فقد ثبت من حديث أبى سعيد ( ~~أن النبى قيل له أنتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيها الحيض PageV21P032 ~~ولحوم الكلاب والنتن فقال الماء طهور لا ينجسه شيء ( قال أحمد حديث بئر ~~بضاعة صحيح وهو في المسند أيضا عن بن عباس ( أن النبى قال الماء طهور لا ~~ينجسه شيء ) وهذا اللفظ عام في القليل والكثير وهو عام في جميع النجاسات ~~وأما إذا تغير بالنجاسة فانما حرم إستعماله لأن جرم النجاسة باق ففى ~~إستعماله إستعمالها بخلاف ما إذا إستحالت النجاسة فان الماء طهور وليس هناك ~~نجاسة قائمة ومما يبين ذلك أنه لو وقع خمر في ماء وإستحالت ثم شربها شارب ~~لم يكن شاربا للخمر ولم يجب عليه حد الخمر إذ لم يبق شيء من طعمها ولونها ~~وريحها ولو صب لبن إمرأة في ماء وإستحال حتى لم يبق له أثر وشرب طفل ذلك ~~الماء لم يصر إبنها من الرضاعة بذلك وأيضا فان هذا باق على أوصاف خلقته ~~فيدخل في عموم قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء ( فان الكلام إنما هو فيما لم ~~يتغير بالنجاسة لا طعمة ms6215 ولا لونه ولا ريحه # فان قيل فان النبى قد نهى عن البول PageV21P033 في الماء الدائم وعن ~~الإغتسال فيه ( قيل نهيه عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس ~~بمجرد البول إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك بل قد يكون نهيه سدا للذريعة ~~لأن البول ذريعة إلى تنجيسه فانه إذا بال هذا ثم بال هذا تغير الماء بالبول ~~فكان نهيه سدا للذريعة أو يقال إنه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنه ينجسه ~~وأيضا فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم أنه يعم القليل والكثير فيقال ~~لصاحب القلتين أتجوز بوله فيما فوق القلتين إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص ~~وإن حرمته فقد نقضت دليلك وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزحه ومالا يمكن ~~أتسوغ للحجاج أن يبولوا في المصانع المبنية بطريق مكة إن جوزته خالفت ظاهر ~~النص فإن هذا ماء دائم والحديث لم يفرق بين القليل والكثير وإلا نقضت قولك ~~وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع إذا كان لأهل القرية غدير مستطيل أكثر من ~~عشرة أذرع رقيق أتسوغ لأهل القرية البول فيه فإن سوغته خالفت ظاهر النص ~~وإلا نقضت قولك فاذا كان النص PageV21P034 بل والاجماع دل على أنه نهى عن ~~البول فيما ينجسه البول بل تقدير الماء وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل ~~والكثير كان هذا الوصف المشترك بين القليل والكثير مستقلا بالنهى فلم يجز ~~تعليل النهى بالنجاسة ولا يجوز أن يقال إنه إنما نهى عن البول فيه لأن ~~البول ينجسه فإن هذا خلاف النص والإجماع وأما من فرق بين البول فيه وبين صب ~~البول فقوله ظاهر الفساد فإن صب البول أبلغ من أن ينهى عنه من مجرد البول ~~إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يبول وأما صب الأبوال في المياه فلا حاجة إليه ~~فإن قيل ففي حديث القلتين أنه ### |||| سئل # عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب ### ||||| فقال # ( إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث ( وفى لفظ ( لم ينجسه ~~شيء ( قيل حديث القلتين فيه كلام ms6216 قد بسط في غير هذا الموضع وبين أنه من ~~كلام بن عمر لا من كلام النبى PageV21P035 ### |||| وسئل رحمه الله # عن الماء الكثير ~~إذا تغير لونه بمكثه أو تغير لونه وطعمه لا الرائحة فهل يكون طهورا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما ما تغير بمكثه ومقره فهو باق على طهوريته بإتفاق العلماء ~~وأما النهر الجارى فان علم أنه متغير بنجاسة فإنه يكون نجسا فان خالطه ما ~~يغيره من طاهر ونجس وشك في التغير هل هو بطاهر أو نجس لم يحكم بنجاسته ~~بمجرد الشك والأغلب أن هذه الأنهار الكبار لا تتغير بهذه القنى التى عليها ~~لكن إذا تبين تغيره بالنجاسة فهو نجس وإن كان متغيرا بغير نجس ففي طهوريته ~~القولان المشهوران والله أعلم PageV21P036 ### |||| وسئل # عن بئر كثير الماء وقع فيه ~~كلب ومات وبقى فيه حتى انهرى جلده وشعره ولم يغير من الماء وصفا قط لا طعم ~~ولا لون ولا رائحة ### ||||| فأجاب # الحمد لله هو طاهر عند جماهير العلماء كمالك والشافعى وأحمد إذا ~~بلغ الماء قلتين وهما نحو القربتين فكيف إذا كان أكثر من ذلك وشعر الكلب في ~~طهارته نزاع بين العلماء فانه طاهر في مذهب مالك ونجس في مذهب الشافعى وعن ~~أحمد روايتان فاذا لم يعلم أن في الدلو الصاعد شيئا من شعره لم يحكم ~~بنجاسته بلا ريب وقد ثبت عن النبى أنه قيل له يا رسول الله إنك تتوضأ من ~~بئر بضاعة وهى بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب وعذر الناس فقال ( الماء ~~طهور لا ينجسه شيء ( وبئر بضاعة واقعة معروفة في شرقي المدينة باقية إلى ~~اليوم ومن قال PageV21P037 إنها كانت جارية فقد أخطأ فإنه لم يكن على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عين جارية بل الزرقاء وعيون حمزة ~~حدثتا بعد موته والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاه ~~ثم مات فيها وذهب شعره وجلده ولحمه وهو فوق القلتين فكيف يصنع به ### ||||| فأجاب # الحمد لله أي بئر وقع ms6217 فيه شيء مما ذكر أو غيره إن كان الماء لم ~~يتغير بالنجاسة فهو طاهر فان كانت عين النجاسة باقية نزحت منه وألقيت وسائر ~~الماء طاهر وشعر الكلب والخنزير إذا بقى في الماء لم يضره ذلك في أصح قولي ~~العلماء فإنه طاهر في أحد أقوالهم وهو إحدى الروايتين عند أحمد وهذا القول ~~أظهر في الدليل فان جميع الشعر والريش والوبر والصوف طاهر سواء كان على جلد ~~ما يؤكل لحمه أو جلد مالا يؤكل لحمه وسواء كان على حي أو ميت هذا ~~PageV21P038 أظهر الأقوال للعلماء وهو إحدى الروايات عن أحمد وأما إن كان ~~الماء قد تغير بالنجاسة فانه ينزح منه حتى يطيب وإن لم يتغير الماء لم ينزح ~~منه شيء فإنه قيل للنبى إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيها الحيض ~~ولحوم الكلاب والنتن فقال ( الماء طهور لا ينجسه شيء ( وقد بسط الكلام على ~~هذه المسألة في غير هذا الموضع والله أعلم ### |||| وسئل # عن بئر سقطت فيه دجاجة ثم ~~ماتت هل ينجس أم لا ### ||||| فأجاب # إذا لم يتغير الماء لم ينجس والله أعلم ### |||| وسئل # عن البئر تكون في وسط البلد فيتغير لونه بالزبل فيصير أصفر ~~PageV21P039 وهو روث ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل وربما صار فيه اللحمة هل ~~ينجس أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كان الزبل مما يؤكل لحمه فهو طاهر عند جمهور ~~العلماء كمالك وأحمد بن حنبل وقد دلت على ذلك الدلائل الشرعية الكثيرة كما ~~قد بسط القول في ذلك وذكر فيه بضعة عشر حجة وأما ما تيقن أن تغيره بالنجاسه ~~فإنه ينجس وإن شك هل الروث روث ما يؤكل لحمه أو روث ما لا يؤكل لحمه ففيه ~~قولان في مذهب أحمد وغيره والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الماء الجاري إذا كان مزبلا هل يجوز الوضوء به ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا لم يتيقن أنه مزبل بزبل نجس جاز أن يكون طاهرا وجاز أن يكون ~~نجسا فجاز الوضوء به في إحدى الروايتين في مذهب أحمد وغيره PageV21P040 ### |||| وسئل رحمه ms6218 الله # عن القلتين هل حديثه صحيح أم لا ومن قال إنه قلة الجبل وفى ~~سؤر الهرة إذا أكلت نجاسة ثم شربت من ماء دون القلتين هل يجوز الوضوء به أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله قد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قيل له إنك ~~تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال ( ~~الماء طهورلا ينجسه شيء ) وبئر بضاعة بإتفاق العلماء وأهل العلم بها هي بئر ~~ليست جارية وما يذكر عن الواقدى من أنها جارية أمر باطل فإن الواقدى لا ~~يحتج به بإتفاق أهل العلم ولا ريب أنه لم يكن بالمدينة على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ماء جار وعين الزرقاء وعيون حمزة محدثة بعد النبى صلى ~~الله تعالى عليه وسلم وبئر بضاعة باقية إلى اليوم في شرقي المدينة وهى ~~معروفة وأما حديث القلتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج ~~به وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه وصنف أبو عبد PageV21P041 الله محمد بن ~~عبد الواحد المقدسي جزءا رد فيه ما ذكره إبن عبد البر وغيره وأما لفظ القلة ~~فإنه معروف عندهم أنه الجرة الكبيرة كالحب وكان صلى الله عليه وسلم يمثل ~~بهما كما في الصحيحين أنه قال في سدرة المنتهى ( وإذا ورقها مثل آذان ~~الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر ) وهى قلال معروفة الصفة والمقدار فإن ~~التمثيل لا يكون بمختلف متفاوت وهذا مما يبطل كون المراد قلة الجبل لأن ~~قلال الجبال فيها الكبار والصغار وفيها المرتفع كثيرا وفيها ما هو دون ذلك ~~وليس في الوجود ماء يصل إلى قلال الجبل إلا ماء الطوفان فحمل كلام النبى ~~صلى الله عليه وسلم على مثل هذا يشبه الإستهزاء بكلامه ومن عادته صلى الله ~~عليه وسلم أنه يقدر المقدرات بأوعيتها كما قال ( ليس فيما دون خمسة أوسق ~~صدقة ) والوسق حمل الجمل وكما كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع وذلك من أوعية ~~الماء وهكذا تقدير الماء بالقلال مناسب فإن القلة وعاء الماء وأما الهرة ms6219 ~~فقد ثبت عنه أنه قال ( إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات ~~PageV21P042 وتنازع العلماء فيما إذا أكلت فأرة ونحوها ثم ولغت في ماء قليل ~~على أربعة أقوال في مذهب أحمد وغيره قيل أن الماء طاهر مطلقا وقيل نجس ~~مطلقا حتى تعلم طهارة فمها وقيل إن غابت غيبة يمكن فيها ورودها على ما يطهر ~~فمها كان طاهرا وإلا فلا وهذه الأوجه في مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما وقيل ~~إن طال الفصل كان طاهرا جعلا لريقها مطهرا لفمها لأجل الحاجة وهذا قول ~~طائفة من أصحاب أبى حنيفة وأحمد وهو أقوى الأقوال والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل غمس يده في الماء قبل أن يغسلها من قيامه من نوم الليل فهل ~~هذا الماء يكون طهورا وما الحكمة في غسل اليد إذا باتت طاهرة أفتونا ~~مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما مصيره مستعملا لا يتوضأ به فهذا فيه نزاع مشهور وفيه ~~روايتان عن أحمد إختار كل واحدة طائفة من أصحابه فالمنع إختيار أبى بكر ~~والقاضى وأكثر أتباعه ويروى ذلك عن الحسن وغيره والثانية لا يصير مستعملا ~~وهى إختيار الخرقى وأبي محمد وغيرهما PageV21P043 وهو قول أكثر الفقهاء ~~وأما الحكمة في غسل اليد ففيها ثلاثة أقوال أحدها أنه خوف نجاسة تكون على ~~اليد مثل مرور يده موضع الإستجمار مع العرق أو على زبلة ونحو ذلك والثانى ~~أنه تعبد ولا يعقل معناه والثالث أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان كما في ~~الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( إذا إستيقظ أحدكم من منامه ~~فليستنشق بمنخريه من الماء فان الشيطان يبيت على خيشومه ( فأمر بالغسل ~~معللا بمبيت الشيطان على خيشومه فعلم أن ذلك سبب للغسل عن النجاسة والحديث ~~معروف وقوله ( فان أحدكم لا يدري أين باتت يده ( يمكن أن يراد به ذلك فتكون ~~هذه العلة من العلل المؤثرة التى شهد لها النص بالإعتبار والله أعلم ~~PageV21P044 ### |PARATEXT| # وقال رضى الله عنه ### ||| فصل # وأما نهيه ( أن يغمس القائم من نوم الليل يده في الإناء قبل أن يغسلها ~~ثلاثا ( فهو لا يقتضي ms6220 تنجيس الماء بالإتفاق بل قد يكون لأنه يؤثر في الماء ~~أثرا وأنه قد يفضي إلى التأثير وليس ذلك بأعظم من النهى عن البول في الماء ~~الدائم وقد تقدم أنه لا يدل على التنجيس وأيضا ففى الصحيحين عن أبى هريرة ( ~~إذا إستيقظ أحدكم من نومه فاليستنثر بمنخريه من الماء فان الشيطان يبيت على ~~خيشومه ( فعلم أن ذلك الغسل ليس مسببا عن النجاسة بل هو معلل بمبيت الشيطان ~~على خيشومه والحديث المعروف ( فان أحدكم لا يدري أين باتت يده ( يمكن أن ~~يراد به ذلك فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التى شهد لها النص بالإعتبار # وأما نهيه عن الإغتسال فيه بعد البول فهذا إن صح عن النبى PageV21P045 ~~فهو كنهيه عن البول في المستحم وقوله ( فان عامة الوسواس منه ) فانه إذا ~~بال في المستحم ثم إغتسل حصل له وسواس وربما بقي شيء من أجزاء البول فعاد ~~عليه رشاشة وكذلك إذا بال في الماء ثم إغتسل فيه فقد يغتسل قبل الإستحالة ~~مع بقاء أجزاء البول فنهى عنه لذلك ونهيه عن الإغتسال في الماء الدائم إن ~~صح يتعلق بمسألة الماء المستعمل وهذا قد يكون لما فيه من تقذير الماء على ~~غيره لا لأجل نجاسته ولا لصيرورته مستعملا فانه قد ثبت في الصحيح عنه أنه ~~قال ( إن الماء لا يجنب ) ### |||| وسئل أيضا رحمه الله # عن الماء إذا غمس الرجل يده فيه هل يجوز إستعماله أم لا ### ||||| فأجاب # لا ينجس بذلك بل يجوز إستعماله عند جمهور العلماء كمالك وأبى حنيفة ~~والشافعى وأحمد وعنه رواية أخرى أنه يصير مستعملا والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV21P046 ### |||| وسئل # عن الرجل يغتسل إلى جانب الحوض أو الجرن في الحمام وغيره ~~وهو ناقص ثم يرجع بعض الماء من على بدنه إلى الجرن هل يصير ذلك الماء ~~مستعملا أم لا وكذلك الجنب اذا وضع يده في الماء أو الجرن هل يصير مستعملا ~~أم لا وعن مقدار الماء الذى اذا اغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا وعن ~~الطاسة التى تحط على ارض الحمام والماء المستعمل جار ms6221 عليها ثم يغترف بها من ~~الجرن الناقص من غير أن تغسل أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله # ما يطير من ~~بدن المغتسل أو المتوضىء من الرشاش في اناء الطهارة لا يجعله مستعملا وكذلك ~~غمس الجنب يده في الاناء والجرن الناقص لا يصير مستعملا وأما مقدار الماء ~~الذى إذا إغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا إذا كان كثيرا مقدار قلتين ~~PageV21P047 وأما الطاسة التى توضع على أرض الحمام فالماء المستعمل طاهر لا ~~ينجس إلا بملاقاه النجاسه فالأصل في الأرض الطهارة حتى تعلم نجاستها لا ~~سيما ما بين يدى الحياض الفائضه في الحمامات فإن الماء يجرى عليها كثيرا ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل تدركه الصلاة وهو في مدرسة فيجد في المدارس بركا ~~فيها ماء له مدة كثيرة ومثل ماء الحمام الذى في الحوض فهل يجوز من ذلك ~~الوضوء والطهارة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين قد ثبت في الصحيحين عن ~~النبى من غير وجه كحديث عائشة وأم سلمة وميمونه وبن عمر رضي الله عنهم أن ~~النبى كان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد حتى يقول لها ( أبقى لي ( وتقول هي ~~( أبق لي ( وفى صحيح البخارى عن عبد الله بن عمر قال كان الرجال والنساء ~~يغتسلون على عهد رسول الله من إناء واحد ولم PageV21P048 يكن بالمدينة على ~~عهد رسول الله ماء جار ولا حمام فاذا كانوا يتوضؤن جميعا ويغتسلون جميعا من ~~إناء واحد بقدر الفرق وهو بضعه عشر رطلا بالمصرى أو أقل وليس لهم ينبوع ولا ~~أنبوب فتوضؤهم وإغتسالهم جميعا من حوض الحمام أولى وأحرى فيجوز ذلك وإن كان ~~الحوض ناقصا والأنبوب مسدودا فكيف إذا كان الأنبوب مفتوحا وسواء فاض أو لم ~~يفض وكذلك برك المدارس ومن منع غيره حتى ينفرد وحده بالإغتسال فهو مبتدع ~~مخالف للسنة ### || 1 ( رسالة في الحمام ) 1 ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عن هؤلاء الذين يعبرون إلى الحمام فإذا أرادوا أن ~~يغتسلوا من الجنابة وقف واحد منهم على الطهور وحده ولا يغتسل أحد معه حتى ~~يفرغ واحدا بعد واحد فهل إذا ms6222 إغتسل معه غيره لا يطهر وإن تطهر من بقية ~~أحواض الحمام فهل يجوز وإن كان الماء بائتا فيها وهل الماء الذى يتقاطر من ~~على بدن الجنب من الجماع طاهر أو نجس وهل ماء الحمام عند كونه مسخنا ~~بالنجاسة نجس أم لا وهل الزنبور الذى PageV21P049 يكون في الحمام أيام ~~الشتاء هو من دخان النجاسة يتنجس به الرجل إذا إغتسل وجسده مبلول أم لا ~~والماء الذى يجرى في أرض الحمام من إغتسال الناس طاهر أم نجس أفتونا ليزول ~~الوسواس ### ||||| فأجاب # الحمد لله قد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أنها ~~كانت تغتسل هي ورسول الله من إناء واحد يغترفان جميعا وفى رواية أنها كانت ~~تقول ( دع لي ( ويقول هو ( دعى لي ( من قلة الماء وثبت أيضا في الصحيح أنه ~~كان يغتسل هو وغير عائشة من أمهات المؤمنين من إناء واحد مثل ميمونه بنت ~~الحارث وأم سلمة وثبت عن عائشة أنها قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من إناء واحد قدر الفرق والفرق بالرطل العراقى القديم ستة ~~عشر رطلا وبالرطل المصرى أقل من خمسة عشر رطلا وثبت في الصحيح عن النبى أنه ~~كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع وثبت في الصحيح عن بن عمر أنه قال كان ~~الرجال والنساء على عهد رسول الله يتوضؤون من ماء واحد وهذه السنن الثابتة ~~عن النبى وأصحابه الذين كانوا بمدينته على عهده دلت على أمور PageV21P050 ~~أحدها هو إشتراك الرجال والنساء في الإغتسال من إناء واحد وإن كان كل منهما ~~يغتسل بسؤر الآخر وهذا مما إتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم أن ~~الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤا وإغتسلوا من ماء واحد جاز كما ~~ثبت ذلك بالسنن الصحيحة المستفيضة # وإنما تنازع العلماء فيما إذا إنفردت المرأة بالإغتسال أو خلت به هل ينهى ~~الرجل عن التطهر بسؤرها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها لا بأس ~~بذلك مطلقا والثانى يكره مطلقا والثالث ينهى عنه إذا خلت به دون ما إنفردت ~~به ms6223 ولم تخل به وقد روى في ذلك أحاديث في السنن وليس هذا موضع هذه المسألة ~~فاما إغتسال الرجال والنساء جميعا من إناء واحد فلم يتنازع العلماء في ~~جوازه وإذا جاز إغتسال الرجال والنساء جميعا فإغتسال الرجال دون النساء ~~جميعا أو النساء دون الرجال جميعا أولى بالجواز وهذا مما لانزاع فيه فمن ~~كره أن يغتسل معه غيره أو رأى أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده فقد خرج عن ~~إجماع المسلمين وفارق جماعة المؤمنين PageV21P051 يوضح ذلك أن الآنية التى ~~كان النبى وأزواجه والرجال والنساء يغتسلون منها كانت آنية صغيرة ولم يكن ~~لها مادة لا أنبوب ولا غيره ولم يكن يفيض فإذا كان تطهر الرجال والنساء ~~جميعا من تلك الآنية جائزا فكيف بهذه الحياض التى في الحمامات وغير ~~الحمامات التى يكون الحوض أكبر من قلتين فان القلتين أكثر ما قيل فيهما على ~~الصحيح أنهما خمسمائة رطل بالعراقى القديم فيكون هذا الرطل المصرى أكثر من ~~ذلك بعشرات من الأرطال فان الرطل العراقى القديم مائة وثمانية وعشرون درهما ~~وأربعة أسباع درهم وهذا الرطل المصرى مائة وأربعة وأربعون درهما يزيد على ~~ذلك بخمسة عشر درهما وثلاثة أسباع درهم وذلك أكثر من أوقيه وربع مصرية ~~فالخمسمائة رطل بالعراقى أربعة وستون ألف درهم ومائتا درهم وخمسة وثمانون ~~درهما وخمسة أسباع درهم وذلك بالرطل الدمشقى الذى هو ستمائة درهم مائة ~~وسبعة أرطال وسبع رطل وهذا الرطل المصرى أربعمائة رطل وستة وأربعون رطلا ~~وكسر أوقية ومساحة القلتين ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا ومعلوم ~~أن غالب هذه الحياض التى في الحمامات المصرية وغير الحمامات أكثر من هذا ~~المقدار بكثير فان القلة نحو من هذه القرب الكائنة التى تستعمل بالشام ومصر ~~فالقلتان قربتان بهذه القرب وهذا كله تقريب بلا ريب فان تحديد القلتين إنما ~~هو بالتقريب على أصوب القولين PageV21P052 ومعلوم أن هذه الحياض فيها أضعاف ~~ذلك فاذا كان النبى يتطهر هو وأزواجه من تلك الآنية فكيف بالتطهر من هذه ~~الحياض # الأمر الثانى أنه يجوز التطهر من هذه الحياض ms6224 سواء كانت فائضة أو لم تكن ~~وسواء كانت الأنبوب تصب فيها أو لم تكن وسواء كان الماء بائنا فيها أو لم ~~يكن فانها طاهرة والأصل بقاء طهارتها وهى بكل حال أكثر ماء من تلك الآنية ~~الصغار التى كان النبى وأصحابه يتطهرون منها ولم تكن فائضة ولا كان بها ~~مادة من انبوب ولا غيره ومن إنتظر الحوض حتى يفيض ولم يغتسل إلا وحده ~~وإعتقد ذلك دينا فهو مبتدع مخالف للشريعة مستحق للتعزير الذى يردعه وأمثاله ~~عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ويعبدون الله بإعتقادات فاسدة ~~وأعمال غير واجبة ولا مستحبة # الأمر الثالث الإقتصاد في صب الماء فقد ثبت عن النبى ( أنه كان يتوضأ ~~بالمد ويغتسل بالصاع ( والصاع أكثر ما قيل فيه إنه ثمانية أرطال بالعراقى ~~كما قال أبو حنيفة وأما أهل الحجاز وفقهاء الحديث كمالك والشافعى وأحمد ~~وغيرهم PageV21P053 فعندهم أنه خمسة أرطال وثلث بالعراقى # وحكاية أبى يوسف مع مالك في ذلك مشهورة لما سأله عن مقدار الصاع والمد ~~فأمر أهل المدينة أن يأتوه بصيعانهم حتى إجتمع عنده منها شيء كثير فلما حضر ~~أبو يوسف قال مالك لواحد منهم من أين لك هذا الصاع قال حدثنى أبى عن أبيه ~~أنه كان يؤدى به صدقة الفطر إلى رسول الله وقال الآخر حدثتنى أمى عن أمها ~~أنها كانت تؤدى به يعنى صدقة حديقتها إلى رسول الله وقال الآخر نحو ذلك ~~وقال الآخرنحو ذلك فقال مالك لأبى يوسف أترى هؤلاء يكذبون قال لا والله ما ~~يكذب هؤلاء قال مالك فأنا حررت هذا برطلكم يا أهل العراق فوجدته خمسة ارطال ~~وثلثا فقال أبو يوسف لمالك قد رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبى ~~ما رأيت لرجع كما رجعت فهذا النقل المتواتر عن أهل المدينة بمقدار الصاع ~~والمد وقد ذهب طائفة من العلماء كابن قتيبه والقاضى أبى يعلى في تعليقه ~~وجدي أبى البركات إلى أن صاع الطعام خمسة أرطال وثلث وصاع الماء ثمانية ~~وإحتجوا بحجج منها خبر عائشة أنها كانت ms6225 تغتسل هي ورسول الله بالفرق والفرق ~~ستة عشر رطلا بالعراقى والجمهور على أن الصاع والمد في الطعام والماء ~~PageV21P054 واحد وهو أظهر وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا أن مقدار طهور النبى في الغسل ما بين ثمانية أرطال عراقية ~~إلى خمسة وثلث والوضوء ربع ذلك وهذا بالرطل المصرى أقل من ذلك # وإذا كان كذلك فالذى يكثر صب الماء حتى يغتسل بقنطار ماء أو أقل أو أكثر ~~مبتدع مخالف للسنة ومن تدين [ به عوقب عقوبة تزجره وأمثاله عن ذلك كسائر ~~المتدينين بالبدع المخالفة للسنة وهذا كله بين في هذه الأحاديث # فان قيل إنما يفعل نحو هذا لأن الماء قد يكون نجسا أو مستعملا بان تكون ~~الآنية مثل الطاسة اللاصقة بالأرض قد تنجست بما على الأرض من النجاسة ثم ~~غرف بها منه أو بأن الجنب غمس يده فيه فصار الماء مستعملا أو قطر عليه من ~~عرق سقف الحمام النجس أو المحتمل للنجاسة أو غمس بعض الداخلين أعضاءه فيه ~~وهى نجسه فنجسته فلاحتمال كونه نجسا أو مستعملا إحتطنا لديننا وعدلنا إلى ~~الماء الطهور بيقين لقول النبى ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ( ولقوله ( ~~من إتقى الشبهات إستبرأ لعرضه ودينه PageV21P055 قيل الجواب عن هذا من وجوه ~~أحدها أن الإحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحبا ولا مشروعا بل ولا ~~يستحب السؤال عن ذلك بل المشروع أن يبنى الأمر على الإستصحاب فان قام دليل ~~على النجاسة نجسناه وإلا فلا يستحب أن يجتنب إستعماله بمجرد إحتمال النجاسة ~~وأما إذا قامت إمارة ظاهرة فذاك مقام آخر والدليل القاطع أنه ما زال النبى ~~صلى الله عليه وسلم والصحابه والتابعون يتوضؤون ويغتسلون ويشربون من المياه ~~التى في الآنية والدلاء الصغار والحياض وغيرها مع وجود هذا الإحتمال بل كل ~~احتمال لا يستند إلى إمارة شرعية لم يلتفت إليه وذلك أن المحرمات نوعان ~~محرم لوصفه ومحرم لكسبه فالمحرم لكسبه كالظلم والربا والميسر والمحرم لوصفه ~~كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والأول أشد تحريما ~~والتورع فيه مشهور ولهذا ms6226 كان السلف يحترزون في الأطعمة والثياب من الشبهات ~~الناشئة من المكاسب الخبيثة وأما الثانى فانما حرم لما فيه من وصف الخبث ~~وقد أباح الله لنا طعام أهل الكتاب مع إمكان أن لا يذكوه التذكية الشرعية ~~أو يسموا عليه غير الله وإذا علمنا أنهم سموا عليه غير الله حرم ذلك ~~PageV21P056 في أصح قولى العلماء وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم سئل عن قوم يأتون باللحم ولا يدرى أسموا عليه أم لا ~~فقال ( سموا أنتم وكلوا ( وأما الماء فهو في نفسه طهور ولكن إذا خالطته ~~النجاسة وظهرت فيه صار استعماله إستعمالا لذلك الخبيث فإنما نهى عن ~~إستعماله لما خالطه من الخبيث لا لأنه في نفسه خبيث فإذا لم يكن هنا إمارة ~~ظاهرة على مخالطة الخبيث له كان هذا التقدير والإحتمال مع طيب الماء وعدم ~~التغيير فيه من باب الحرج الذى نفاه الله عن شريعتنا ومن باب الآصار ~~والأغلال المرفوعة عنا # وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه توضأ من جرة نصرانية مع قيام هذا ~~الإحتمال ومر عمر بن الخطاب رضى الله عنه وصاحب له بميزاب فقال صاحبه يا ~~صاحب الميزاب ماؤك طاهر أم نجس فقال عمر يا صاحب الميزاب لا تخبره فان هذا ~~ليس عليه وقد نص على هذه المسألة الأئمة كأحمد وغيره نصوا على أنه إذا سقط ~~عليه ماء من ميزاب ونحوه ولا إمارة تدل على النجاسة لم يلزم السؤال عنه بل ~~يكره وإن سأل فهل يلزم رد الجواب على وجهين وقد إستحب بعض الفقهاء من أصحاب ~~أحمد وغيره السؤال وهو ضعيف PageV21P057 والوجه الثانى أن يقول هذه ~~الإحتمالات هنا منتفية أو في غاية البعد فلا يلتفت اليها والإلتفات إليها ~~حرج ليس من الدين ووسوسة يأتى بها الشيطان وذلك أن الطاسات وغيرها من ~~الآنية التى يدخل بها الناس الحمامات طاهرة في الأصل وإحتمال نجاستها أضعف ~~من إحتمال نجاسة الأوعية التى في حوانيت الباعة فإذا كانت آنية الأدهان ~~والألبان والخلول والعجين وغير ذلك من ms6227 المائعات والجامدات والرطبة محكوما ~~بطهارتها غير ملتفت فيها إلى هذا الوسواس فكيف بطاسات الناس وأما قول ~~القائل أنها تقع على الأرض فنعم وما عند الحياض من الأرض طاهر لا شبهة فيه ~~فان الأصل فيه الطهارة وما يقع عليه من المياه والسدر والخطمى والأشنان ~~والصابون وغير ذلك طاهر وأبدان الجنب من الرجال والنساء طاهرة # وقد ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينه قال فانخنست منه فإغتسلت ثم أتيته فقال ~~( أين كنت ( فقلت انى كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا جنب فقال ( سبحان الله ~~إن المؤمن لا ينجس ( وهذا متفق عليه بين الأئمة أن بدن الجنب طاهر وعرقه ~~طاهر والثوب الذى يكون فيه عرقه طاهر ولو سقط الجنب PageV21P058 في دهن أو ~~مائع لم ينجسه بلا نزاع بين الأئمة بل وكذلك الحائض عرقها طاهر وثوبها الذى ~~يكون فيه عرقها طاهر # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه أذن للحائض أن تصلى في ثوبها الذى تحيض ~~فيه وأنها إذا رأت فيه دما ازالته وصلت فيه # فإذا كان كذلك فمن أين ينجس ذلك البلاط أكثر ما يقال إنه قد يبول عليه ~~بعض المغتسلين أو يبقى عليه أو يكون على بدن بعض المغتسلين نجاسة يطأ بها ~~الأرض ونحو ذلك وجواب هذا من وجوه أحدها أن هذا قليل نادر وليس هذا المتيقن ~~من كل بقعة الثانى أن غالب من تقع منه نجاسة يصب عليها الماء الذى يزيلها ~~الثالث أنه إذا أصاب ذلك البلاط شيء من هذا فان الماء الذى يفيض من الحوض ~~والذى يصبه الناس يطهر تلك البقعة وإن لم يقصد تطهيرها فان القصد في إزالة ~~النجاسة ليس بشرط عند أحد من الأئمة الأربعة ولكن بعض المتأخرين من أصحاب ~~الشافعى وأحمد ذكروا وجها ضعيفا في ذلك ليطردوا قياسهم في مناظرة أبى حنيفة ~~في إشتراط النية في طهارة الحدث كما أن زفر نفى وجوب النية في PageV21P059 ~~التيمم طردا لقياسه وكلا القولين مطرح # وقد نص ms6228 الأئمة على أن ماء المطر يطهر الأرض التى يصيبها وغالب الماء الذى ~~يصب على الأرض ليس بمستعمل فان أكثر الماء الذى يصبه الناس لا يكون عن ~~جنابة ولا يكون متغيرا # الوجه الثالث أن يقال هب أن الحوض وقعت فيه نجاسة محققة أو انغمس فيه جنب ~~فهذا ماء كثير وقد ثبت عن أبى سعيد أن النبى صلى الله عليه وسلم قيل له ~~يارسول الله أنك تتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب ~~والنتن فقال ( الماء طهور لا ينجسه شيء ( قال الإمام أحمد حديث بئر بضاعة ~~صحيح وفى السنن عن بن عمر أن النبى سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ~~ينوبه من السباع والدواب فقال ( إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء ( وفى ~~لفظ ( لم يحمل الخبث ( وبئر بضاعة بئر كسائر الآبار وهى باقية إلى الآن ~~بالمدينة من الناحية الشرقية ومن قال أنها كانت عينا جارية فقد غلط غلطا ~~بينا فانه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عين جارية ~~أصلا ولم يكن بها الا الآبار منها يتوضؤون ويغتسلون PageV21P060 ويشربون ~~مثل بئر أريس التى بقباء أو البئر التى ببيرحاء ( حديقة أبى طلحة ( والبئر ~~التى إشتراها عثمان وحبسها على المسلمين وغير هذه الآبار وكان سقيهم للنخل ~~والزرع من الآبار بالنواضح والسوانى ونحو ذلك أو بماء السماء وما يأتى من ~~السيول فاما عين جارية فلم تكن لهم وهذه العيون التى تسمى عيون حمزة إنما ~~أحدثها معاوية في خلافته وأمر الناس بنقل الشهداء من موضعها فصاروا ~~ينبشونهم وهم رطاب لم ينتنوا حتى أصابت المسحاة رجل أحدهم فانبعثت دما ~~وكذلك عين الزرقاء محدثة لكن لا أدري متى حدثت وهذا أمر لا ينازع فيه أحد ~~من العلماء العالمين بالمدينة وأحوالها وإنما ينازع في مثل هذا بعض أتباع ~~علماء العراق الذين ليس لهم خبرة بأحوال النبى صلى الله عليه وسلم ومدينته ~~وسيرته وإذا كان النبى يتوضأ من تلك البئر التى يلقى فيها الحيض ولحوم ~~الكلاب والنتن فكيف يشرع لنا ms6229 أن نتنزه عن أمر فعله النبى وقد ثبت عنه أنه ~~أنكر على من يتنزه عما يفعله وقال ( ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص ~~فيها والله انى لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده PageV21P061 ولو قال قائل نتنزه ~~عن هذا لأجل الخلاف فيه فان من أهل العراق من يقول الماء إذا وقعت فيه ~~نجاسة نجسته وإن كان كثيرا إلا أن يكون مما لا تبلغه النجاسة ويقدرونه بما ~~لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر وهل العبرة بحركة المتوضىء أو بحركة ~~المغتسل على قولين وقدر بعضهم ذلك بعشرة أذرع في عشرة أذرع ويحتجون بقول ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه ( ~~ثم يقولون إذا تنجست البئر فانه ينزح منها دلاء مقدرة في بعض النجاسات وفى ~~بعضها تنزح البئر كلها وذهب بعض متكلميهم إلى أن البئر تطم فهذا الإختلاف ~~يورث شبهة في الماء إذا وقعت فيه نجاسة # قيل لهذا القائل الإختلاف إنما يورث شبهة إذا لم تتبين سنة رسول الله ~~فأما إذا تبينا ان النبى صلى الله عليه وسلم أرخص في شيء وقد كره أن نتنزه ~~عما ترخص فيه وقال لنا ( إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى ~~معصيته ( رواه أحمد وبن خزيمة في صحيحة فإن تنزهنا عنه عصينا رسول الله ~~والله ورسوله أحق أن نرضيه وليس لنا أن نغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لشبهة وقعت لبعض العلماء كما كان عام الحديبية ولو فتحنا هذا الباب لكنا ~~نكره لمن أرسل هديا أن يستبيح PageV21P062 ما يستبيحه الحلال لخلاف إبن ~~عباس ولكنا نستحب للجنب إذا صام أن يغتسل لخلاف أبى هريرة ولكنا نكره تطيب ~~المحرم قبل الطواف لخلاف عمر وإبنه ومالك ولكنا نكره له أن يلبى إلى أن ~~يرمى الجمرة بعد التعريف لخلاف مالك وغيره ومثل هذا واسع لا ينضبط وأما من ~~خالف في شيء من هذا من السلف والأئمة رضى الله عنهم فهم مجتهدون قالوا ~~بمبلغ علمهم وإجتهادهم وهم إذا أصابوا فلهم أجران وإذا ms6230 أخطأوا فلهم أجر ~~والخطأ محطوط عنهم فهم معذورون لإجتهادهم ولأن السنة البينة لم تبلغهم ومن ~~إنتهى إلى ما علم فقد أحسن فأما من تبلغه السنة من العلماء وغيرهم وتبين له ~~حقيقة الحال فلم يبق له عذر في أن يتنزه عما ترخص فيه النبى صلى الله عليه ~~وسلم ولا يرغب عن سنته لأجل إجتهاد غيره فإنه قد ثبت عنه في الصحيحين أنه ~~بلغه أن أقواما يقول أحدهم أما أنا فأصوم لا أفطر ويقول الآخر فأنا أقوم ~~ولا أنام ويقول الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء ويقول الآخر أما أنا فلا ~~آكل اللحم فقال ( بل أصوم وأفطر وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن ~~سنتى فليس منى PageV21P063 ومعلوم أن طائفة من المنتسبين إلى العلم والدين ~~يرون ان المداومة على قيام الليل وصيام النهار وترك النكاح وغيره من ~~الطيبات أفضل من هذا وهم في هذا إذا كانوا مجتهدين معذورون ومن علم السنة ~~فرغب عنها لأجل اعتقاد أن ترك السنة إلى هذا أفضل وإن هذا الهدى أفضل من ~~هدى محمد لم يكن معذورا بل هو تحت الوعيد النبوى بقوله ( من رغب عن سنتى ~~فليس منى ( # وفى الجملة ( باب الإجتهاد والتأويل ( باب واسع يؤول بصاحبه إلى أن يعتقد ~~الحرام حلالا كمن تأول في ربا الفضل والأنبذة المتنازع فيها وحشوش النساء ~~والى أن يعتقد الحلال حراما مثل بعض ما ذكرناه من صور النزاع مثل الضب ~~وغيره بل يعتقد وجوب قتل المعصوم أو بالعكس فأصحاب الإجتهاد وإن عذروا ~~وعرفت مراتبهم من العلم والدين فلا يجوز ترك ما تبين من السنة والهدى لأجل ~~تأويلهم والله أعلم # وبهذا يظهر الجواب عن قولهم أنه قد يغمس يده فيه أو ينغمس فيه الجنب فانه ~~قد ثبت بالسنة أن هذا لا يؤثر فيه النجاسة فكيف تؤثر فيه الجنابة وقد أجاب ~~الجمهور عن نهى النبى عن ( أن يبول الرجل في الماء الدائم ثم يغتسل منه ( ~~بأجوبة PageV21P064 أحدها أن النهى عن الإغتسال وعن البول لأن ذلك قد يفضى ~~إلى الإكثار من ذلك حتى ms6231 يتغير الماء وإذا بال ثم إغتسل فقد يصيبه البول قبل ~~إستحالته وهذا جواب من يقول الماء لا ينجس الا بالتغير كما يقول ذلك من ~~يقوله من أصحاب مالك وأحمد في رواية إختارها أبو محمد البغدادى صاحب ~~التعليقة الثانى أن ذلك محمول على ما دون القلتين توفيقا بين الأحاديث وهذا ~~جواب الشافعى وطائفة من أصحاب أحمد الثالث أن النص إنما ورد في البول ~~والبول أغلظ من غيره لأن أكثر عذاب القبر منه وصيانة الماء منه ممكنة لأنه ~~يكون باختيار الإنسان فلما غلظ وصيانة الماء عنه ممكنة فرق بينه وبين ما ~~يعسر صيانة الماء عنه وهو دونه وهذا جواب أحمد في المشهور عنه وإختيار ~~جمهور أصحابه الجواب الرابع انا نفرض أن الماء قليل وان المغتسلين غمسوا ~~فيه أيديهم فهذا بعينه صورة النصوص التى وردت عن النبى فانه كان يغتسل هو ~~والمرأة من أزواجة من إناء واحد وقد تنازع الفقهاء الذين يقولون بأن الماء ~~المتطهر به يصير مستعملا إذا غمس الجنب يده فيه هل يصير مستعملا على قولين ~~مشهورين PageV21P065 وهو نظير غمس المتوضىء يده بعد غسل وجهه عند من يوجب ~~الترتيب كالشافعى وأحمد والصحيح عندهم الفرق بين أن ينوى الغسل أو لا ينويه ~~فان نوى مجرد الغسل صار مستعملا وأن نوى مجرد الإغتراف لم يصر مستعملا وأن ~~أطلق لم يصر مستعملا على الصحيح # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه إغترف من الإناء بعد ~~غسل وجهه كما ثبت عنه أنه إغترف منه في الجنابة ولم يحرج على المسلمين في ~~هذا الموضع بل قد علمنا يقينا أن أكثر توضؤ المسلمين وإغتسالهم على عهده ~~كان من الآنية الصغار وأنهم كانوا يغمسون أيديهم في الوضوء والغسل جميعا ~~فمن جعل الماء مستعملا بذلك فقد ضيق ما وسعه الله فإن قيل فنحن نحترز من ~~ذلك لأجل قول من ينجس الماء المستعمل قيل هذا أبعد عن السنة فان نجاسة ~~الماء المستعمل نجاسة حسية كنجاسة الدم ونحوه وإن كان إحدى الروايتين عن ~~أبى حنيفة فهو مخالف ms6232 لقول سلف الأمة وأئمتها مخالف للنصوص الصحيحة والأدلة ~~الجلية وليست هذه المسألة من موارد الظنون بل هي قطعية بلا ريب فقد ثبت في ~~الصحيح عن النبى أنه توضأ وصب وضوءه على جابر وأنهم كانوا يقتتلون على ~~وضوئه كما يأخذون PageV21P066 نخامته وكما إقتسموا شعره عام حجة الوداع فمن ~~نجس الماء المستعمل كان بمنزلة من نجس شعور الآدميين بل بمنزلة من نجس ~~البصاق كما يروى عن سلمان وأيضا فبدن الجنب طاهر بالنص والإجماع والماء ~~الطاهر إذا لاقى محلا طاهرا لم ينجس بالإجماع وأما إحتجاجهم بتسمية ذلك ~~طهارة وأنها ضد النجاسة فضعيف من وجهين أحدهما أنه لا يسلم أن كل طهارة ~~فضدها النجاسة فإن الطهارة تنقسم إلى طهارة خبث وحدث طهارة عينية وحكمية ~~الثانى أنا نسلم ذلك ونقول النجاسة أنواع كالطهارة فيراد بالطهارة الطهارة ~~من الكفر والفسوق كما يراد بالنجاسة ضد ذلك كقوله تعالى ( انما المشركون ~~نجس ) وهذه النجاسة لا تفسد الماء بدليل أن سؤر اليهودى والنصرانى طاهر ~~وآنيتهم التى يصنعون فيها المائعات ويغمسون فيها أيديهم طاهرة وقد أهدى ~~اليهودى للنبى صلى الله عليه وسلم شاة مشوية وأكل منها لقمة مع علمة أنهم ~~باشروها وقد أجاب صلى الله عليه وسلم يهوديا إلى خبز شعير وأهالة سنخة ~~PageV21P067 والثانى يراد بالطهارة الطهارة من الحدث وضد هذه نجاسة الحدث ~~كما قال أحمد في بعض أجوبته لما سئل عن نحو ذلك أنه أنجس الماء فظن بعض ~~أصحابه أنه أراد نجاسة الجنب فذكر ذلك رواية عنه وإنما أراد أحمد نجاسة ~~الحدث واحمد رضى الله عنه لا يخالف سنة ظاهرة معلومة له قط والسنة في ذلك ~~أظهر من أن تخفى على أقل أتباعه لكن نقل عنه أنه قال اغسل بدنك منه والصواب ~~أن هذا لا يدل على النجاسة فان غسل البدن من الماء المستعمل لا يجب ~~بالإتفاق ولكن ذكروا عن أحمد رحمه الله في إستحباب غسل البدن منه روايتين ~~الرواية التى تدل على الإستحباب لأجل الشبهة والصحيح أن ذلك لا يجب ولا ~~يستحب لأن هذا عمل النبى لم يكونوا ms6233 يغسلون ثيابهم بما يصيبهم من الوضوء ~~الثالث يراد بالطهارة الطهارة من الأعيان الخبيثة التى هي نجسة والكلام في ~~هذه النجاسة بالقول بأن الماء المستعمل صار بمنزلة الأعيان الخبيثة كالدم ~~والماء المنجس ونحو ذلك هو القول الذى دلت النصوص والإجماع القديم والقياس ~~الجلى على بطلانه وعلى هذا فجميع هذه المياه التى في الحياض والبرك التى في ~~الحمامات والطرقات وعلى أبواب المساجد وفى المدارس وغير ذلك لا يكره التطهر ~~بشيء منها وإن سقط فيها PageV21P068 الماء المستعمل وليس للإنسان أن يتنزه ~~عن أمر ثبتت فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرخصة لأجل شبهة وقعت ~~لبعض العلماء رضى الله عنهم أجمعين وقد تبين بما ذكرناه جواب السائل عن ~~الماء الذى يقطر من بدن الجنب بجماع أوغيره وتبين أن الماء طاهر وأن التنزه ~~عنه أو عن ملامسته للشبهة التى في ذلك بدعة مخالفة للسنة ولا نزاع بين ~~المسلمين أن الجنب لو مس مغتسلا لم يقدح في صحة غسله # وأما المسخن بالنجاسة فليس بنجس بإتفاق الأئمة إذا لم يحصل له ما ينجسه ~~وأما كراهته ففيها نزاع لا كراهة فيه مذهب الشافعى وأبى حنيفة ومالك وأحمد ~~في إحدى الروايتين عنهما وكرهه مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنهما وهذه ~~الكراهة لها مأخذان أحدهما إحتمال وصول أجزاء النجاسة إلى الماء فيبقى ~~مشكوكا في طهارته شكا مستندا إلى إمارة ظاهرة فعلى هذا المأخذ متى كان بين ~~الوقود والماء حاجز حصين كمياه الحمامات لم يكره لأنه قد تيقن أن الماء لم ~~تصل إليه النجاسة وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد كالشريف أبى جعفر وإبن ~~عقيل وغيرهما PageV21P069 والثانى أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة ~~وإستعمال النجاسة مكروه عندهم والحاصل بالمكروه مكروه وهذه طريقة القاضي ~~وغيره فعلى هذا إنما الكراهة إذا كان التسخين حصل بالنجاسة فاما إذا كان ~~غالب الوقود طاهرا أوشك فيه لم تكن هذه المسألة # وأما دخان النجاسة فهذا مبنى على أصل وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا ~~إستحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة مثل أن ms6234 يصير ما يقع في ~~الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحا طيبا كغيرها من الملح أو يصير الوقود ~~رمادا وخرسفا وقصرملا ونحو ذلك ففيه للعلماء قولان أحدهما لا يطهر كقول ~~الشافعى وهو أحد القولين في مذهب مالك وهو المشهور عن أصحاب أحمد واحدى ~~الروايتين عنه والرواية الأخرى أنه طاهر وهذا مذهب ابى حنيفة ومالك في أحد ~~القولين وأحدى الروايتين عن أحمد ومذهب أهل الظاهر وغيرهم أنها تطهر وهذا ~~هو الصواب المقطوع به فان هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظا ~~ولا معنى فليست محرمه ولا في معنى المحرم فلا وجه لتحريمها بل تتناولها ~~نصوص الحل فانها من الطيبات وهى أيضا في معنى ما إتفق على حله PageV21P070 ~~فالنص والقياس يقتضى تحليلها وأيضا فقد إتفقوا كلهم على الخمر إذا صارت خلا ~~بفعل الله تعالى صارت حلالا طيبا وإستحالة هذه الأعيان أعظم من إستحالة ~~الخمر والذين فرقوا بينهما قالوا الخمر نجست بالإستحالة فطهرت بالإستحالة ~~بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير وهذا الفرق ضعيف فان جميع النجاسات نجست ~~أيضا بالإستحالة فإن الدم مستحيل عن أعيان طاهرة وكذلك العذرة والبول ~~والحيوان النجس مستحيل عن مادة طاهرة مخلوقة وأيضا فإن الله تعالى حرم ~~الخبائث لما قام بها من وصف الخبث كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف ~~الطيب وهذه الأعيان المتنازع فيها ليس فيها شيء من وصف الخبث وإنما فيها ~~وصف الطيب فإذا عرف هذا فعلى أصح القولين فالدخان والبخار المستحيل عن ~~النجاسة طاهر لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية وليس فيه شيء من وصف الخبث ~~وعلى القول الآخر فلا بد أن يعفى من ذلك عما يشق الإحتراز منه كما يعفى عما ~~يشق الإحتراز منه على أصح القولين ومن حكم بنجاسة PageV21P071 ذلك ولم يعف ~~عما يشق الإحتراز منه فقوله أضعف الأقوال هذا إذا كان الوقود نجسا فأما ~~الطاهر كالخشب والقصب والشوك فلا يؤثر بإتفاق العلماء وكذلك أرواث ما يؤكل ~~لحمه من الإبل والبقر والغنم والخيل فانها طاهرة في أصح قولي العلماء والله ~~أعلم # وأما الماء الذى ms6235 يجرى على أرض الحمام مما يفيض وينزل من أبدان المغتسلين ~~غسل النظافة وغسل الجنابة وغير ذلك فانه طاهر وإن كان فيه من الغسل كالسدر ~~والخطمى والأشنان ما فيه إلا إذا علم في بعضه بول أوقىء أو غير ذلك من ~~النجاسات فذلك الماء الذى خالطته هذه النجاسات له حكم وأما ما قبله وما ~~بعده فلا يكون له حكمه بلا نزاع لا سيما وهذه المياه جارية بلا ريب بل ماء ~~الحمام الذى هو فيه إذا كان الحوض فائضا فانه جار في أصح قولى العلماء وقد ~~نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء وهو بمنزلة ما يكون في الأنهار من حفرة ~~ونحوها فان هذا الماء وإن كان الجريان على وجهه فانه يستخلف شيئا فشيئا ~~ويذهب ويأتى ما بعده لكن يبطىء ذهابه بخلاف الذى يجرى جميعه وقد تنازع ~~العلماء في الماء الجارى على قولين PageV21P072 أحدهما لا ينجس إلا بالتغير ~~وهذا مذهب أبى حنيفة مع تشديده في الماء الدائم وهو أيضا مذهب مالك والقول ~~القديم للشافعى وهو أنص الروايتين عن أحمد وإختيار محققى أصحابه والقول ~~الآخر للشافعى وهى الرواية الأخرى عن أحمد أنه كالدائم فتعتبر الجرية ~~والصواب الأول فإن النبى صلى الله عليه وسلم فرق بين الدائم والجارى في ~~نهيه عن الإغتسال فيه والبول فيه وذلك يدل على الفرق بينهما ولأن الجارى ~~إذا لم تغيره النجاسة فلا وجه لنجاسته وقوله ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل ~~الخبث ( إنما دل على ما دونهما بالمفهوم والمفهوم لا عموم له فلا يدل ذلك ~~على أن ما دون القلتين يحمل الخبث بل إذا فرق فيه بين دائم وجار أو إذا كان ~~في بعض الأحيان يحمل الخبث كان الحدث معمولا به فإذا كان طاهرا بيقين وليس ~~في نجاسته نص ولا قياس وجب البقاء على طهارته مع بقاء صفاته وإذا كان حوض ~~الحمام الفائض إذا كان قليلا ووقع فيه بول أو دم أو عذرة ولم تغيره لم ~~ينجسه على الصحيح فكيف بالماء الذى جميعه يجرى على أرض الحمام فإنه إذا ~~وقعت ms6236 فيه نجاسة ولم تغيره لم ينجس PageV21P073 وهذا يتضح بمسألة أخرى وهو ~~أن الأرض وإن كانت ترابا أو غير تراب إذا وقعت عليها نجاسة من بول أو عذرة ~~أو غيرهما فانه إذا صب الماء على الأرض حتى زالت عين النجاسة فالماء والأرض ~~طاهران وإن لم ينفصل الماء في مذهب جماهير العلماء فكيف بالبلاط ولهذا ~~قالوا أن السطح إذا كانت عليه نجاسه وأصابه ماء المطر حتى أزال عينها كان ~~ما ينزل من الميازيب طاهرا فكيف بأرض الحمام فإذا كان بها بول أو قىء فصب ~~عليه ماء حتى ذهبت عينه كان الماء والأرض طاهرين وإن لم يجر الماء فكيف إذا ~~جرى وزال عن مكانه والله أعلم # وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وذكرنا بضعة عشر دليلا شرعيا ~~على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه فإذا كانت طاهرة فكيف بالمستحيل منها ~~أيضا وطهارة هذه الأرواث بينة في السنة فلا يجعل الخلاف فيها شبهة يستحب ~~لأجله إتقاء ما خالطته إذ قد ثبت بالسنة الصحيحة أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه كانوا يلابسونها وأما روث مالا يؤكل لحمه كالبغال والحمير ~~فهذه نجسة عند جمهور العلماء وقد ذهب طائفة إلى طهارتها وأنه لا ينجس من ~~الأرواث والأبوال الا بول الآدمى وعذرته لكن على القول المشهور قول الجمهور ~~إذا شك في الروثه هل هي من روث ما يؤكل لحمه أو PageV21P074 من روث مالا ~~يؤكل لحمه ففيها قولان للعلماء هما وجهان في مذهب أحمد أحدهما يحكم ~~بنجاستها لأن الأصل في الأرواث النجاسة والثانى وهو الأصح يحكم بطهارتها ~~لأن الأصل في الأعيان الطهارة ودعوى أن الأصل في الأرواث النجاسة ممنوع فلم ~~يدل على ذلك لا نص ولا إجماع ومن إدعى أصلا بلا نص ولا إجماع فقد أبطل وإذا ~~لم يكن معه إلا القياس فروث ما يؤكل لحمه طاهر فكيف يدعى أن الأصل نجاسة ~~الأرواث إذا عرف ذلك فان تيقن ان الوقود نجس فالدخان من مسائل الإستحالة ~~كما تقدم وأما إذا تيقن طهارته فلا نزاع فيه وان ms6237 شك هل فيه نجس فالأصل ~~الطهارة وإن تيقن أن فيه روثا وشك في نجاسته فالصحيح الحكم بطهارته وإن علم ~~إشتماله على طاهر ونجس وقلنا بنجاسة المستحيل عنه كان له حكمه فيما يصيب ~~بدن المغتسل يجوز أن يكون من الطاهر ويجوز أن يكون من النجس فلا ينجس بالشك ~~كما لو اصابه بعض رماد مثل هذا الوقود فانا لا نحكم بنجاسة البدن بذلك وإن ~~تيقنا أن في الوقود نجسا لامكان أن يكون هذا الرماد غير نجس والبدن طاهر ~~بيقين فلا نحكم بنجاستة بالشك وهذا إذا لم يختلط الرماد النجس بالطاهر أو ~~البخار النجس بالطاهر PageV21P075 فأما إذا إختلطا بحيث لا يتميز أحدهما عن ~~الآخر فما أصاب الإنسان يكون منهما جميعا ولكن الوقود في مقره لا يكون ~~مختلطا بل رماد كل نجاسة يبقى في حيزها # فإن قيل لو إشتبه الحلال بالحرام كإشتباه أخته بأجنبية أو الميتة ~~بالمذكاة إجتنبهما جميعا ولو إشتبه الماء الطاهر بالنجس فقيل يتحرى للطهارة ~~إذا لم يكن النجس نجس الأصل بان يكون بولا كما قاله الشافعى وقيل لا يتحرى ~~بل يجتنبهما كما لو كان أحدهما بولا وهو المشهور من مذهب أحمد وطائفة من ~~أصحاب مالك وقيل يتحرى إذا كانت الآنية أكبر وهذا مذهب أبى حنيفة وطائفة من ~~أصحاب أحمد وفى تقدير الكبير نزاع معروف عندهم فهنا أيضا إشتبهت الأعيان ~~النجسة بالطاهرة فإشتبه الحلال بالحرام قيل هذا صحيح ولكن مسألتنا ليست من ~~هذا الباب فانه إذا إشتبه الحلال بالحرام إجتنبهما لأنه إذا إستعملهما لزم ~~إستعمال الحرام قطعا وذلك لا يجوز فهو بمنزلة إختلاط الحلال بالحرام على ~~وجه لا يمكن تمييزه كالنجاسة إذا ظهرت في الماء وإن إستعمل أحدهما من غير ~~دليل شرعى كان ترجيحا بلا مرجح وهما مستويان في الحكم فليس إستعمال هذا ~~بأولى من هذا فيجتنبان جميعا PageV21P076 وأما إشتباه الماء الطاهر بالنجس ~~فإنما نشأ فيه النزاع لأن الطهارة بالطهور واجبة وبالنجس حرام فقد إشتبه ~~واجب بحرام والذين منعوا التحرى قالوا إستعمال النجس حرام وأما إستعمال ~~الطهور فانما يجب مع العلم والقدرة ms6238 وذلك منتف هنا ولهذا تنازعوا هل يحتاج ~~إلى أن يعدم الطهور بخلط أوراقه على قولين مشهورين أصحهما أنه لا يجب لأن ~~الجهل كالعجز والشافعى رحمه الله إنما جوز التحرى إذا كان الأصل فيهما ~~الطهارة لأنه حينئذ يكون قد إستعمل ما أصله طاهر وقد شك في تنجسه فيبقى ~~الأمر فيه على إستصحاب الحال والذين نازعوه قالوا ما صار نجسا بالتغير فهو ~~بمنزلة نجس الأصل وقد زال الإستصحاب بيقين النجاسة كما لو حرمت إحدى ~~إمرأتيه برضاع أو طلاق أوغيرهما فانه بمنزلة من تكون محرمة الأصل عنده ~~ومسألة إشتباه الحلال بالحرام ذات فروع متعددة وأما إذا إشتبه الطاهر ~~بالنجس وقلنا يتحرى أو لا يتحرى فانه إذا وقع على بدن الإنسان أو ثوبه أو ~~طعامه شيء من أحدهما لا ينجسه لأن الأصل الطهارة وما ورد عليه مشكوك في ~~نجاسته ونحن منعنا من إستعمال أحدهما لأنه ترجيح بلا مرجح فأما تنجس ما ~~أصابه ذلك فلا يثبت بالشك نعم لو أصابا ثوبين حكم بنجاسة أحدهما ولو اصابا ~~بدنين فهل يحكم بنجاسة أحدهما PageV21P077 هذا مبنى على ما إذا تيقن ~~الرجلان أن أحدهما أحدث أو أن أحدهما طلق إمرأته وفيه قولان أحدهما أنه لا ~~يجب على واحد منهما طهارة ولا طلاق كما هو مذهب الشافعى وغيره وأحد القولين ~~في مذهب أحمد لأن الشك في رجلين لا في واحد فكل واحد منهما له أن يستصحب ~~حكم الأصل في نفسه والثانى ان ذلك بمنزلة الشخص الواحد وهو القول الآخر في ~~مذهب أحمد وهو أقوى لأن حكم الإيجاب أو التحريم يثبت قطعا في حق أحدهما فلا ~~وجه لرفعه عنهما جميعا # وسر ما ذكرناه أنه إذا إشتبه الطاهر بالنجس فإجتنابهما جميعا واجب لأنه ~~يتضمن لفعل المحرم واجتناب أحدهما لأن تحليله دون الآخر تحكم ولهذا لما رخص ~~من رخص في بعض الصور عضده بالتحرى أو به وإستصحابه الحلال فاما ما كان ~~حلالا بيقين ولم يخالطة ما حكم بأنه نجس فكيف ينجس # ولهذا لو تيقن أن في المسجد أو غيره بقعة نجسه ولم يعلم ms6239 عينها وصلى في ~~مكان منه ولم يعلم أنه المتنجس صحت صلاته لأنه كان طاهرا بيقين ولم يعلم ~~أنه نجس # وكذلك لو أصابه شيء من طين الشوارع لم يحكم بنجاسته وأن علم أن بعض طين ~~الشوارع PageV21P078 نجس ولا يفرق في هذا بين العدد المنحصر وغير المنحصر ~~وبين القلتين والكثير كما قيل مثل ذلك في إشتباه الأخت بالأجنبية لأنه هناك ~~إشتبه الحلال بالحرام وهنا شك في طريان التحريم على الحلال # وإذا شك في النجاسة هل أصابت الثوب أو البدن فمن العلماء من يأمر بنضحه ~~ويجعل حكم المشكوك فيه النضح كما يقوله مالك ومنهم من لا يوجب ذلك فاذا ~~إحتاط ونضح المشكوك فيه كان حسنا كما روى في نضح أنس للحصير الذى إسود من ~~طول ما لبس ونضح عمر ثوبه ونحو ذلك والله أعلم ### |||| وسئل # عن أناس في مفازة ومعهم قليل ماء فولغ الكلب فيه وهم في مفازة معطشة ~~فما الحكم فيه ### ||||| فأجاب # يجوز لهم حبسه لأجل شربه إذا عطشوا ولم يجدوا ماء طيبا ~~فان الخبائث جميعا تباح للمضطر فله أن يأكل عند الضرورة الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وله أن يشرب عند الضرورة ما يرويه كالمياه النجسة والأبوال التى ~~ترويه وإنما منعه أكثر الفقهاء عن شرب PageV21P079 الخمر قالوا لأنها تزيده ~~عطشا وأما التوضؤ بماء الولوغ فلا يجوز عند جماهير العلماء بل يعدل عنه إلى ~~التيمم # ويجب على المضطر أن يأكل ويشرب ما يقيم به نفسه فمن إضطر إلى الميتة أو ~~الماء النجس فلم يشرب ولم يأكل حتى مات دخل النار ولو وجد غيره مضطرا إلى ~~ما معه من الماء الطيب أو النجس فعليه أن يسقيه إياه ويعدل إلى التيمم سواء ~~كان عليه جنابة أو حدث صغير ومن إغتسل وتوضأ وهناك مضطر من أهل الملة أو ~~الذمة أو دوابهم المعصومة فلم يسقه كان آثما عاصيا والله أعلم PageV21P080 ### ||| 2 باب الآنية 2 ### |||| سئل # عن أواني النحاس المطعمة بالفضة كالطاسات وغيرها هل حكمها حكم آنية الذهب ~~والفضة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اما المضبب بالفضة من ms6240 الآنية وما يجري مجراها من الآلات ~~سواء سمى الواحد من ذلك إناء أو لم يسم وما يجري مجرى المضبب كالمباخر ~~والمجامر والطشوت والشمعدانات وأمثال ذلك فإن كانت الضبة يسيرة لحاجة مثل ~~تشعيب القدح وشعيرة السكين ونحو ذلك مما لا يباشر بالاستعمال فلا بأس بذلك # ومراد الفقهاء بالحاجة هنا ان يحتاج إلى تلك الصورة كما يحتاج إلى ~~التشعيب والشعيرة سواء كان من فضة أو نحاس أو حديد أو غير ذلك وليس مرادهم ~~أن يحتاج إلى كونها من فضة بل هذا يسمونه في مثل هذا ضرورة والضرورة تبيح ~~الذهب والفضة مفردا وتبعا حتى لو احتاج إلى شد أسنانه بالذهب أو اتخذ أنفا ~~من ذهب ونحو ذلك جاز كما جاءت به السنة مع أنه ذهب ومع انه مفرد # وكذلك لو لم يجد ما يشربه إلا في إناء ذهب أو فضة جاز له PageV21P081 ~~شربه ولو لم يجد ثوبا يقيه البرد أو يقيه السلاح أو يستر به عورته إلا ثوبا ~~من حرير منسوج بذهب أو فضة جاز له لبسه فإن الضرورة تبيح اكل الميتة والدم ~~ولحم الخنزير بنص القرآن والسنة واجماع الامة مع أن تحريم المطاعم أشد من ~~تحريم الملابس لأن تأثير الخبائث بالممازجة والمخالطة للبدن أعظم من ~~تأثيرها بالملابسة والمباشرة للظاهر ولهذا كانت النجاسات التي تحرم ~~ملابستها يحرم أكلها ويحرم من أكل السموم ونحوها من المضرات ما ليس بنجس ~~ولا يحرم مباشرتها # ثم ما حرم لخبث جنسه أشد مما حرم لما فيه من السرف والفخر والخيلاء فإن ~~هذا يحرم القدر الذي يقتضي ذلك منه ويباح للحاجة كما أبيح للنساء لبس الذهب ~~والحرير لحاجتهن إلى التزين وحرم ذلك على الرجال وابيح للرجال من ذلك ~~اليسير كالعلم ونحو ذلك مما ثبت في السنة ولهذا كان الصحيح من القولين في ~~مذهب أحمد وغيره جواز التداوي بهذا الضرب دون الأول كما رخص النبي للزبير ~~وطلحة في لبس الحرير من حكة كانت بهما # ونهى عن التداوي بالخمر وقال انها داء وليست بدواء ونهى عن الدواء الخبيث ~~ونهى عن قتل ms6241 الضفدع لأجل التداوي بها وقال ان نقنقتها تسبيح وقال ان الله ~~لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ولهذا استدل باذنه للعرنيين في التداوي ~~بأبوال الابل وألبانها على أن ذلك ليس من الخبائث المحرمة النجسة لنهيه عن ~~التداوي بمثل PageV21P082 ذلك ولكونه لم يأمر بغسل ما يصيب الأبدان والثياب ~~والآنية من ذلك # واذا كان القائلون بطهارة أبوال الإبل تنازعوا في جواز شربها لغير ~~الضرورة وفيه عن أحمد روايتان منصوصتان فذاك لما فيها من القذارة الملحق ~~لها بالمخاط والبصاق والمنى ونحو ذلك من المستقذرات التي ليست بنجسه التي ~~يشرع النظافة منها كما يشرع نتف الابط وحلق العانة وتقليم الأظفار وإحفاء ~~الشارب ولهذا ايضا كان هذا الضرب محرما في باب الآنية والمنقولات على ~~الرجال والنساء فآنية الذهب والفضة حرام على الصنفين بخلاف التحلي بالذهب ~~ولباس الحرير فانه مباح للنساء # وباب الخبائث بالعكس فانه يرخص في استعمال ذلك فيما ينفصل عن بدن الانسان ~~ما لا يباح إذا كان متصلا به كما يباح اطفاء الحريق بالخمر واطعام الميتة ~~للبزاة والصقور وإلباس الدابة الثوب النجس وكذلك الاستصباح بالدهن النجس في ~~أشهر قولي العلماء وهو أشهر الروايتين عن أحمد وهذا لأن استعمال الخبائث ~~فيها يجري مجرى الاتلاف ليس فيه ضرر وكذلك في الأمور المنفصلة بخلاف ~~استعمال الحرير والذهب فان هذا غاية السرف والفخر والخيلاء # وبهذا يظهر غلط من رخص من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في إلباس دابته ~~الثوب الحرير قياسا على الباس الثوب النجس فان هذا بمنزلة من يجوز افتراش ~~الحرير ووطأه قياسا على المصورات أو PageV21P083 من يبيح تحلية دابته ~~بالذهب والفضة قياسا على من يبيح إلباسها الثوب النجس فقد ثبت بالنص تحريم ~~إفتراش الحرير كما ثبت تحريم لباسه # وبهذا يظهر أن قول من حرم افتراشه على النساء كما هو قول المراوزة من ~~أصحاب الشافعي أقرب إلى القياس من قول من أباحه للرجال كما قاله أبو حنيفة ~~وان كان الجمهور على أن الافتراش كاللباس يحرم على الرجال دون النساء لأن ~~الافتراش لباس كما قال أنس فقمت ms6242 إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس إذ لا ~~يلزم من اباحة التزين على البدن اباحة المنفصل كما في آنية الذهب والفضة ~~فانهم اتفقوا على أن إستعمال ذلك حرام على الزوجين الذكر والأنثى # واذا تبين الفرق بين ما يسميه الفقهاء في هذا الباب حاجة وما يسمونه ~~ضرورة فيسير الفضة التابع يباح عندهم للحاجة كما في حديث أنس ان قدح رسول ~~الله لما انكسر شعب بالفضة سواء كان الشاعب له رسول الله أو كان هو أنسا # وأما إن كان اليسير للزينة ففيه اقوال في مذهب أحمد وغيره التحريم ~~والاباحة والكراهة قيل والرابع انه يباح من ذلك PageV21P084 ما لا يباشر ~~بالاستعمال وهذا هو المنصوص عنه فينهى عن الضبة في موضع الشرب دون غيره ~~ولهذا كره حلقة الذهب في الاناء اتباعا لعبد الله بن عمر في ذلك فانه كره ~~ذلك وهو أولى ما اتبع في ذلك # وأما ما يروى عنه مرفوعا من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ~~ذلك فاسناده ضعيف ولهذا كان المباح من الضبة إنما يباح لنا استعماله عند ~~الحاجة فاما بدون ذلك قيل يكره وقيل يحرم ولذلك كره أحمد الحلقة في الاناء ~~اتباعا لعبد الله بن عمر والكراهة منه هل تحمل على التنزيه أو التحريم على ~~قولين لأصحابه وهذا المنع هو مقتضى النص والقياس فان تحريم الشيء مطلقا ~~يقتضي تحريم كل جزء منه كما أن تحريم الخنزير والميتة والدم اقتضى ذلك ~~وكذلك تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة يقتضي المنع من ابعاض ذلك ~~وكذلك النهي عن لبس الحرير اقتضى النهي عن ابعاض ذلك لولا ما ورد من ~~استثناء موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع في الحديث الصحيح ولهذا وقع الفرق في ~~كلام الله ورسوله وكلام سائر الناس بين باب النهي والتحريم وباب الامر ~~والايجاب فاذا نهى عن شيء نهى عن بعضه واذا أمر بشيء كان أمرا بجميعه ~~PageV21P085 ولهذا كان النكاح حيث أمر به كان أمرا بمجموعه وهو العقد ~~والوطء وكذلك إذا ابيح ms6243 كما في قوله @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ ~~@QB@ حتى تنكح زوجا غيره @QE@ @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم @QE@ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج وحيث ~~حرم النكاح كان تحريما لأبعاضه حتى يحرم العقد مفردا والوطء مفردا كما في ~~قوله @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف @QE@ وكما في ~~قوله @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ الآية إلى آخرها وكما في قوله لا ينكح ~~المحرم ولا ينكح ونحو ذلك # ولهذا فرق مالك وأحمد في المشهور عنه بين من حلف ليفعلن شيئا ففعل بعضه ~~انه لا يبر ومن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه انه يحنث # وإذا كان تحريم الذهب والحرير على الرجال وآنية الذهب والفضة على الزوجين ~~يقتضي شمول التحريم لأبعاض ذلك بقي اتخاذ اليسير لحاجة أو مطلقا فالاتخاذ ~~اليسير فيه تفصيل ولهذا تنازع العلماء في جواز اتخاذ الآنية بدون إستعمالها ~~فرخص فيه أبو حنيفة والشافعي وأحمد في قول وإن كان المشهور عنهما تحريمه إذ ~~الأصل ان ما حرم إستعماله حرم إتخاذه كآلات الملاهي PageV21P086 # وأما إن كانت الفضة التابعة كثيرة ففيها أيضا قولان في مذهب الشافعي ~~وأحمد وفي تحديد الفرق بين الكثير واليسير والترخيص في لبس خاتم الفضة أو ~~تحلية السلاح من الفضة وهذا فيه إباحة يسير الفضة مفردا لكن في اللباس ~~والتحلي وذلك يباح فيه ما لا يباح في باب الآنية كما تقدم التنبيه على ذلك ~~ولهذا غلط بعض الفقهاء من أصحاب أحمد حيث حكى قولا بإباحة يسير الذهب تبعا ~~في الآنية عن أبي بكر عبد العزيز وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس ~~والتحلي كعلم الذهب ونحوه # وفي يسير الذهب في باب اللباس عن أحمد اقوال # أحدها الرخصة مطلقا لحديث معاوية نهى عن الذهب إلا مقطعا ولعل هذا القول ~~اقوى من غيره وهو قول أبي بكر # والثاني الرخصة في السلاح فقط # والثالث في السيف خاصة وفيه وجه بتحريمه مطلقا لحديث أسماء لا يباح من ~~الذهب ولا خريصة والخريصة عين الجرادة لكن هذا قد ms6244 يحمل على الذهب المفرد ~~دون التابع ولا ريب أن هذا PageV21P087 محرم عند الأئمة الأربعة لأنه قد ~~ثبت عن النبي أنه نهى عن خاتم الذهب وان كان قد لبسه من الصحابة من لم ~~يبلغه النهي # ولهذا فرق أحمد وغيره بين يسير الحرير مفردا كالتكة فنهى عنه وبين يسيره ~~تبعا كالعلم إذ الإستثناء وقع في هذا النوع فقط # فكما يفرق في الرخصة بين اليسير والكثير فيفرق بين التابع والمفرد ويحمل ~~حديث معاوية الا مقطعا على التابع لغيره وإذا كانت الفضة قد رخص منها في ~~باب اللباس والتحلي في اليسير وان كان مفردا فالذين رخصوا في اليسير أو ~~الكثير التابع في الآنية الحقوها بالحرير الذي أبيح يسيره تبعا للرجال في ~~الفضة التي أبيح يسيرها مفردا أولا ولهذا أبيح في أحد قولي العلماء وهو ~~احدى الروايتين عن أحمد حلية المنطقة من الفضة وما يشبه ذلك من لباس الحرب ~~كالخوذة والجوشن والران وحمائل السيف # وأما تحلية السيف بالفضة فليس فيه هذا الخلاف والذين منعوا قالوا الرخصة ~~وقعت في باب اللباس دون باب الآنية وباب اللباس أوسع كما تقدم وقد يقال إن ~~هذا اقوى إذ لا أثر في هذه الرخصة والقياس كما ترى PageV21P088 # وأما المضبب بالذهب فهذا داخل في النهي سواء كان قليلا أو كثيرا والخلاف ~~المذكور في الفضة منتف ها هنا لكن في يسير الذهب في الآنية وجه للرخصة فيه # وأما التوضؤ والاغتسال من آنية الذهب والفضة فهذا فيه نزاع معروف في مذهب ~~أحمد لكنه مركب على إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه في الصلاة في الدار ~~المغصوبة واللباس المحرم كالحرير والمغصوب والحج بالمال الحرام وذبح الشاة ~~بالسكين المحرمة ونحو ذلك مما فيه أداء واجب واستحلال محظور فاما على ~~الرواية الأخرى التي يصحح فيها الصلاة والحج ويبيح الذبح فانه يصحح الطهارة ~~من آنية الذهب والفضة وأما على المنع فلأصحابه قولان أحدهما الصحة كما هو ~~قول الخرقي وغيره والثاني البطلان كما هو قول أبي بكر طردا لقياس الباب # والذين نصروا قول الخرقي أكثر اصحاب أحمد فرقوا بفرقين ms6245 # أحدهما أن المحرم هنا منفصل عن العبادة فان الإناء منفصل عن المتطهر ~~بخلاف لابس المحرم وآكله والجالس عليه فانه مباشر له قالوا فاشبه ما لو ذهب ~~إلى الجمعة بدابة مغصوبة وضعف آخرون هذا الفرق بأنه لا فرق بين أن يغمس يده ~~في الإناء المحرم وبين أن PageV21P089 يغترف منه وبأن النبي جعل الشارب من ~~آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم وهو حين انصباب الماء في ~~بطنه يكون قد انفصل عن الاناء # والفرق الثاني وهو أفقه قالوا التحريم إذا كان في ركن العبادة وشرطها أثر ~~فيها كما إذا كان في الصلاة في اللباس أو البقعة وأما إذا كان في أجنبي ~~عنها لم يؤثر والاناء في الطهارة اجنبي عنها فلهذا لم يؤثر فيها والله أعلم ### |||| وسئل # عن جلود الحمر وجلد ما لا يؤكل لحمه والميتة هل تطهر بالدباغ أم لا ~~أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما طهارة جلود الميتة بالدباغ ففيها قولان ~~مشهوران للعلماء في الجملة # أحدهما انها تطهر بالدباغ وهو قول أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد في احدى الروايتين PageV21P090 # والثاني لا تطهر وهو المشهور في مذهب مالك ولهذا يجوز استعمال المدبوغ في ~~الماء دون المائعات لان الماء لا ينجس بذلك وهو أشهر الروايتين عن أحمد ~~أيضا اختارها أكثر اصحابه لكن الرواية الأولى هي آخر الروايتين عنه كما ~~نقله الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه أنه كان يذهب إلى حديث بن عكيم ~~ثم ترك ذلك بآخرة وحجة هذا القول شيئان # أحدهما انهم قالوا هي من الميتة ولم يصح في الدباغ شيء ولهذا لم يرو ~~البخاري ذكر الدباغ في حديث ميمونة من قول النبي وطعن هؤلاء فيما رواه مسلم ~~وغيره إذ كانوا أئمة لهم في الحديث اجتهاد وقالوا روى بن عيينة الدباغ عن ~~الزهري والزهري كان يجوز استعمال جلود الميتة بلا دباغ وذلك يبين أنه ليس ~~في روايته ذكر الدباغ وتكلموا في بن وعلة # والثاني انهم قالوا أحاديث الدباغ منسوخة بحديث بن عكيم وهو قوله فيما ~~كتب ms6246 إلى جهينة كنت رخصت في جلود الميتة فاذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا ~~من الميتة باهاب ولا عصب فكلا هاتين الحجتين مأثورة عن الإمام أحمد نفسه في ~~جوابه ومناظراته في الرواية الأولى المشهورة PageV21P091 # وقد احتج القائلون بالدباغ بما في الصحيحين عن عبد الله بن عباس أن النبي ~~مر بشاة ميتة فقال هلا استمتعتم باهابها قالوا يا رسول الله انها ميتة قال ~~انما حرم من الميتة أكلها وفي رواية لمسلم ألا أخذوا إهابها فدبغوه ~~فانتفعوا به وعن سودة بنت زمعة زوج النبي قالت ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها ~~فما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنا وعن بن عباس قال سمعت رسول الله يقول إذا ~~دبغ الأهاب فقد طهر قلت وفي رواية له عن عبد الرحمن بن وعلة انا نكون ~~بالمغرب ومعنا البربر والمجوس نؤتى بالكبش قد ذبحوه ونحن لا نأكل ذبائحهم ~~ونؤتى بالسقاء يجعلون فيه الدلوك فقال بن عباس قد سألنا رسول الله عن ذلك ~~فقال دباغه طهوره # وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت ~~رواه الإمام أحمد وأبو داود وبن ماجة والنسائي وفي رواية عن عائشة قالت سئل ~~رسول الله عن جلود الميتة فقال دباغها طهورها رواه الامام أحمد والنسائي ~~وعن سلمة بن المحبق رضي الله عنه أن رسول الله مر ببيت بفنائه قربة معلقة ~~فاستقى فقيل انها PageV21P092 ميتة فقال ذكاة الأديم دباغه رواه الامام ~~أحمد وأبو داود والنسائي # وأما حديث بن عكيم فقد طعن بعض الناس فيه بكون حامله مجهولا ونحو ذلك مما ~~لا يسوغ رد الحديث به قال عبد الله بن عكيم أتانا كتاب رسول الله قبل أن ~~يموت بشهر أو شهرين أن لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب رواه الامام ~~أحمد وقال ما أصلح إسناده وأبو داود وبن ماجة والنسائي والترمذي وقال حديث ~~حسن وأجاب بعضهم عنه بأن الاهاب اسم للجلد قبل الدباغ كما نقل ذلك النضر بن ~~شميل وغيره من أهل اللغة وأما بعد الدبغ فإنما هو أديم ms6247 فيكون النهي عن ~~استعمالها قبل الدبغ فقال المانعون هذا ضعيف فإن في بعض طرقه كتب رسول الله ~~ونحن في أرض جهينة إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا ~~فلا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب رواه الطبراني في المعجم الأوسط من ~~رواية فضالة بن مفضل بن فضالة المصري وقد ضعفه أبو حاتم الرازي لكن هو شديد ~~في التزكية وإذا كان النهي بعد الرخصة فالرخصة انما كانت في المدبوغ # وتحقيق الجواب أن يقال حديث بن عكيم ليس فيه نهي عن استعمال المدبوغ واما ~~الرخصة المتقدمة فقد قيل انها كانت للمدبوغ PageV21P093 وغيره ولهذا ذهب ~~طائفة منهم الزهري وغيره إلى جواز استعمال جلود الميتة قبل الدباغ تمسكا ~~بقوله المطلق في حديث ميمونة وقوله انما حرم من الميتة أكلها فان هذا اللفظ ~~يدل على التحريم ثم لم يتناول الجلد وقد رواه الامام أحمد في المسند عن بن ~~عباس قال ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت يا رسول الله صلى الله عليك وسلم ~~ماتت فلانة تعني الشاة فقال فلولا أخذتم مسكها فقالت آخذ مسك شاة قد ماتت ~~فقال لها رسول الله انما قال @QB@ لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير @QE@ وانكم لا تطعمونه ~~ان تدبغوه تنتفعوا به فأرسلت اليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى ~~تخرقت عندها # فهذا الحديث يدل على أن التحريم لم يتناول الجلد وإنما ذكر الدباغ لابقاء ~~الجلد وحفظه لا لكونه شرطا في الحل وإذا كان كذلك فتكون الرخصة لجهينة في ~~هذا والنسخ عن هذا فان الله تعالى ذكر تحريم الميتة في سورتين مكيتين ~~الانعام والنحل ثم في سورتين مدنيتين البقرة والمائدة والمائدة من آخر ~~القرآن نزولا كما روى المائدة آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا ~~حرامها وقد ذكر الله فيها من التحريم ما لم يذكره في غيرها وحرم النبي ~~PageV21P094 اشياء مثل اكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير واذا ~~كان ms6248 التحريم زاد بعد ذلك على ما في السورة المكية التي استندت اليها الرخصة ~~المطلقة فيمكن أن يكون تحريم الانتفاع بالعصب والاهاب قبل الدباغ ثبت ~~بالنصوص المتأخرة وأما بعد الدباغ فلم يحرم ذلك قط بل بين أن دباغه طهوره ~~وذكاته وهذا يبين أنه لا يباح بدون الدباغ # وعلى هذا القول فللناس فيما يطهره الدباغ أقوال # قيل انه يطهر كل شيء حتى الحمير كما هو قول أبي يوسف وداود # وقيل يطهر كل شيء سوى الحمير كما هو قول أبي حنيفة # وقيل يطهر كل شيء الا الكلب والحمير كما هو قول الشافعي وهو أحد القولين ~~في مذهب أحمد على القول بتطهير الدباغ والقول الآخر في مذهبه وهو قول طوائف ~~من فقهاء الحديث انه انما يطهر ما يباح بالذكاة فلا يطهر جلود السباع # ومأخذ التردد ان الدباغ هل هو كالحياة فيطهر ما كان طاهرا في الحياة أو ~~هو كالذكاة فيطهر ما طهر بالذكاة والثاني أرجح PageV21P095 # ودليل ذلك نهى النبي عن جلود السباع كما روى عن أسامة بن عمير الذهلي أن ~~النبي نهى عن جلود السباع رواه أحمد وأبو داود والنسائي زاد الترمذي ان ~~تفرش وعن خالد بن معدان قال وفد المقدام بن معدي كرب على معاوية فقال أنشدك ~~بالله هل تعلم أن رسول الله نهى عن جلود السباع والركوب عليها قال نعم رواه ~~أبو داود والنسائي وهذا لفظه وعن أبي ريحانة نهى رسول الله عن ركوب النمور ~~رواه أحمد وأبو داود وبن ماجة وروى أبو داود والنسائي عن معاوية عن النبي ~~قال لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر رواه أبو داود وفي هذا القول جمع ~~بين الأحاديث كلها والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عن عظام الميتة وحافرها وقرنها وظفرها وشعرها وريشها وانفحتها هل ذلك كله ~~نجس أم طاهر أم البعض منه طاهر والبعض نجس ### ||||| فأجاب # أما عظم الميتة وقرنها وظفرها وما هو من جنس PageV21P096 ذلك ~~كالحافر ونحوه وشعرها وريشها ووبرها ففي هذين النوعين للعلماء ثلاثة أقوال # أحدها نجاسة الجميع كقول الشافعي في المشهور ms6249 عنه وذلك رواية عن أحمد # والثاني أن العظام ونحوها نجسة والشعور ونحوها طاهرة وهذا هو المشهور من ~~مذهب مالك وأحمد # والثالث أن الجميع طاهر كقول أبي حنيفة وهو قول في مذهب مالك وأحمد # وهذا القول هو الصواب وذلك لأن الأصل فيها الطهارة ولا دليل على النجاسة # وأيضا فان هذه الأعيان هي من الطيبات ليست من الخبائث فتدخل في آية ~~التحليل وذلك لأنها لم تدخل فيما حرمه الله من الخبائث لا لفظا ولا معنى ~~فان الله تعالى حرم الميتة وهذه الأعيان لا تدخل فيما حرمه الله لا لفظا ~~ولا معنى # أما اللفظ فلان قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ لا يدخل فيها ~~الشعور وما أشبهها وذلك لأن الميت ضد الحي والحياة نوعان PageV21P097 حياة ~~الحيوان وحياة النبات فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الارادية وحياة ~~النبات خاصتها النمو والاغتذاء وقوله @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ إنما هو ~~بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ~~ينجس باتفاق المسلمين وقد قال تعالى @QB@ والله أنزل من السماء ماء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها @QE@ وقال @QB@ اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ~~@QE@ فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين وإنما الميتة المحرمة ما ~~فارقها الحس والحركة الارادية وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة ~~النبات لا من جنس حياة الحيوان فانه ينمو ويغتذى ويطول كالزرع وليس فيه حس ~~ولا يتحرك بارادته فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها فلا وجه ~~لتنجيسه # وايضا فلو كان الشعر جزءا من الحيوان لما ابيح أخذه في حال الحياة فان ~~النبي سئل عن قوم يحبون أسنمة الابل وأليات الغنم فقال ما أبين من البهيمة ~~وهي حية فهو ميت رواه أبو داود وغيره وهذا متفق عليه بين العلماء فلو كان ~~حكم الشعر حكم السنام والألية لما جاز قطعه في حال الحياة ولا كان طاهرا ~~حلالا فلما اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان طاهرا ~~حلالا علم أنه ليس مثل اللحم PageV21P098 # وايضا فقد ثبت أن النبي أعطى ms6250 شعره لما حلق رأسه للمسلمين وكان يستنجي ~~ويستجمر فمن سوى بين الشعر والبول والعذرة فقد أخطأ خطأ بينا # وأما العظام ونحوها فاذا قيل إنها داخلة في الميتة لأنها تحس وتألم قيل ~~لمن قال ذلك أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ فان ما لا نفس له سائلة كالذباب ~~والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم وعند جمهور العلماء مع أنها ميتة موتا ~~حيوانيا وقد ثبت في الصحيح أن النبي قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم ~~فليغمسه ثم لينزعه فان في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء ومن نجس هذا قال ~~في أحد القولين إنه لا ينجس المائعات الواقع فيها لهذا الحديث # وإذا كان كذلك علم أن علة نجاسة الميتة إنما هو إحتباس الدم فيها فما لا ~~نفس له سائلة ليس فيه دم سائل فاذا مات لم يحتبس فيه الدم فلا ينجس فالعظم ~~ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا فان العظم ليس فيه دم سائل ولا كان متحركا ~~بالارادة إلا على وجه التبع فاذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك ~~بالارادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم ~~سائل PageV21P099 # ومما يبين صحة قول الجمهور أن الله سبحانه إنما حرم علينا الدم المسفوح ~~كما قال تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا @QE@ فاذا عفي عن الدم غير المسفوح مع أنه من جنس ~~الدم علم أنه سبحانه فرق بين الدم الذي يسيل وبين غيره ولهذا كان المسلمون ~~يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم في القدور بين ويأكلون ذلك على عهد رسول ~~الله كما أخبرت بذلك عائشة ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق كما يفعل ~~اليهود والله تعالى حرم ما مات حتف انفه أو بسبب غير جارح محدد فحرم ~~المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وحرم النبي ما صيد بعرض المعراض ~~وقال إنه وقيذ دون ما صيد بحده والفرق بينهما إنما هو سفح الدم فدل على أن ~~سبب التنجيس هو احتقان الدم ms6251 واحتباسه واذا سفح بوجه خبيث بأن يذكر عليه غير ~~اسم الله كان الخبث هنا من جهة أخرى فإن التحريم يكون تارة لوجود الدم ~~وتارة لفساد التذكية كذكاة المجوسي والمرتد والذكاة في غير المحل # وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظفر والظلف وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح ~~فلا وجه لتنجيسه وهذا قول جمهور السلف قال الزهري كان خيار هذه الأمة ~~يمتشطون بأمشاط من عظام الفيل وقد PageV21P100 روي في العاج حديث معروف لكن ~~فيه نظر ليس هذا موضعه فانا لا نحتاج إلى الاستدلال بذلك # وايضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال في شاة ميمونة هلا أخذتم ~~إهابها فانتفعتم به قالوا انها ميتة قال إنما حرم أكلها وليس في صحيح ~~البخاري ذكر الدباغ ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه ولكن ذكره بن عيينة ~~ورواه مسلم في صحيحه وقد طعن الامام أحمد في ذلك واشار إلى غلط بن عيينة ~~فيه وذكر أن الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ ~~لاجل هذا الحديث وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز الانتفاع بها بعد الدبغ بطريق ~~الأولى لكن إذا قيل إن الله حرم بعد ذلك الانتفاع بالجلود حتى تدبغ أو قيل ~~إنها لا تطهر بالدباغ لم يلزم تحريم العظام ونحوها لأن الجلد جزء من الميتة ~~فيه الدم كما في سائر أجزائها والنبي جعل دباغه ذكاته لأن الدباغ ينشف ~~رطوباته فدل على أن سبب التنجيس هو الرطوبات والعظم ليس فيه رطوبة سائلة ~~وما كان فيه منها فانه يجف وييبس وهو يبقى ويحفظ أكثر من الجلد فهو أولى ~~بالطهارة من الجلد # والعلماء تنازعوا في الدباغ هل يطهر PageV21P101 فذهب مالك وأحمد في ~~المشهور عنهما أنه لا يطهر # ومذهب أبي حنيفة والشافعي والجمهور أنه يطهر وإلى هذا القول رجع أحمد كما ~~ذكر ذلك عنه الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه # وحديث بن عكيم يدل على ان النبي نهاهم أن ينتفعوا من الميتة باهاب أو عصب ~~بعد أن كان أذن لهم في ذلك لكن هذا قد يكون قبل ms6252 الدباغ فيكون قد أرخص فان ~~حديث الزهري الصحيح يبين أنه كان قد رخص في جلود الميتة قبل الدباغ فيكون ~~قد أرخص لهم في ذلك ثم لما نهى عن الانتفاع بها قبل الدباغ نهاهم عن ذلك ~~ولهذا قال طائفة من أهل اللغة ان الاهاب اسم لما لم يدبغ ولهذا قرن معه ~~العصب والعصب لا يدبغ ### ||| فصل # وأما لبن الميتة وانفحتها ففيه قولان مشهوران للعلماء # أحدهما أن ذلك طاهر كقول أبي حنيفة وغيره وهو إحدى الروايتين عن أحمد ~~PageV21P102 # والثاني أنه نجس كقول مالك والشافعي والرواية الأخرى عن أحمد # وعلى هذا النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس فان ذبائح المجوس حرام عند ~~جماهير السلف والخلف وقد قيل إن ذلك مجمع عليه بين الصحابة فاذا صنعوا جبنا ~~والجبن يصنع بالأنفحة كان فيه هذان القولان # والأظهر أن جبنهم حلال وان أنفحة الميتة ولبنها طاهر وذلك لأن الصحابة ~~لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس وكان هذا ظاهرا شائعا بينهم وما ~~ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر فانه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر ~~وأهل العراق كانوا أعلم بهذا فان المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض ~~الحجاز # ويدل على ذلك ان سلمان الفارسي كان هو نائب عمر بن الخطاب على المدائن ~~وكان يدعو الفرس إلى الإسلام وقد ثبت عنه أنه سئل عن شيء من السمن والجبن ~~والفراء فقال الحلال ما احل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه ~~وما سكت عنه فهو مما عفى عنه وقد رواه أبو داود مرفوعا إلى النبي ومعلوم ~~أنه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب فان هذا امر PageV21P103 ~~بين وإنما كان السؤال عن جبن المجوس فدل ذلك على ان سلمان كان يفتي بحلها ~~وإذا كان روى ذلك عن النبي انقطع النزاع بقول النبي # وأيضا فاللبن والأنفحة لم يموتا وإنما نجسهما من نجسهما لكونهما في وعاء ~~نجس فيكون مائعا في وعاء نجس فالتنجيس مبني على مقدمتين على ان المائع لاقى ~~وعاء نجسا وعلى أنه إذا كان ms6253 كذلك صار نجسا # فيقال أولا لا نسلم ان المائع ينجس بملاقاة النجاسة وقد تقدم ان السنة ~~دلت على طهارته لا على نجاسته # ويقال ثانيا إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها كما قال تعالى @QB@ نسقيكم ~~مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين @QE@ ولهذا يجوز ~~حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في بطنه والله أعلم PageV21P104 ### ||| 2 باب الاستنجاء2 ### |||| سئل رحمه الله # عمن قال إن النبي قال غربوا ولا تشرقوا ومنهم من قال شرقوا ولا تغربوا ### ||||| فأجاب # الحديثان كذب ولكن في الصحيح عنه أنه قال لا تستقبلوا القبلة بغائط ~~ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا وفي السنن عنه أنه قال ما بين المشرق والمغرب ~~قبلة وهذا خطاب منه لأهل المدينة ومن جرى مجراهم كأهل الشام والجزيرة ~~والعراق وأما مصر فقبلتهم بين المشرق والجنوب من مطلع الشمس في الشتاء ~~والله أعلم PageV21P105 ### |||| وسئل # عن الاستنجاء هل يحتاج إلى أن يقوم الرجل ~~ويمشي ويتنحنح ويستجمر بالأحجار وغيرها بعد كل قليل في ذهابه ومجيئه لظنه ~~أنه خرج منه شيء فهل فعل هذا السلف رضي الله عنهم أو هو بدعة أو هو مباح ### ||||| فأجاب # الحمد لله التنحنح بعد البول والمشي والطفر إلى فوق والصعود في ~~السلم والتعلق في الحبل وتفتيش الذكر باسالته وغير ذلك كل ذلك بدعة ليس ~~بواجب ولا مستحب عند أئمة المسلمين بل وكذلك نتر الذكر بدعة على الصحيح لم ~~يشرع ذلك رسول الله # وكذلك سلت البول بدعة لم يشرع ذلك رسول الله والحديث المروي في ذلك ضعيف ~~لا أصل له والبول يخرج بطبعه وإذا فرغ انقطع بطبعه وهو كما قيل كالضرع إن ~~تركته قر وإن حلبته در PageV21P106 # وكلما فتح الانسان ذكره فقد يخرج منه ولو تركه لم يخرج منه وقد يخيل إليه ~~أنه خرج منه وهو وسواس وقد يحس من يجده بردا لملاقاة رأس الذكر فيظن انه ~~خرج منه شيء ولم يخرج # والبول يكون واقفا محبوسا في رأس الإحليل لا يقطر فاذا عصر الذكر أو ~~الفرج أو الثقب بحجر ms6254 أو أصبع أو غير ذلك خرجت الرطوبة فهذا ايضا بدعة وذلك ~~البول الواقف لا يحتاج إلى اخراج باتفاق العلماء لا بحجر ولا أصبع ولا غير ~~ذلك بل كلما أخرجه جاء غيره فانه يرشح دائما # والاستجمار بالحجر كاف لا يحتاج إلى غسل الذكر بالماء ويستحب لمن استنجى ~~أن ينضح على فرجه ماء فاذا احس برطوبته قال هذا من ذلك الماء # وأما من به سلس البول وهو أن يجري بغير اختياره لا ينقطع فهذا يتخذ حفاظا ~~يمنعه فان كان البول ينقطع مقدار ما يتطهر ويصلي وإلا صلى وإن جرى البول ~~كالمستحاضة تتوضأ لكل صلاة والله أعلم PageV21P107 ### ||| 2 باب السواك 2 ### |||| سئل رحمه الله # عن السواك هل هو باليد اليسرى أولى من اليد اليمنى أو بالعكس وهل يسوغ ~~الانكار على من يستاك باليسرى وأيما أفضل ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين الأفضل أن يستاك باليسرى نص عليه الامام ~~أحمد في رواية بن منصور الكوسج ذكره عنه في مسائله وما علمنا أحدا من ~~الأئمة خالف في ذلك وذلك لأن الاستياك من باب إماطة الأذى فهو كالاستنثار ~~والامتخاط ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى وذلك باليسرى كما أن إزالة ~~النجاسات كالاستجمار ونحوه باليسرى وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى # والأفعال نوعان أحدهما مشترك بين العضوين والثاني مختص بأحدهما # وقد استقرت قواعد الشريعة على ان الأفعال التي تشترك فيها PageV21P108 ~~اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة كالوضوء والغسل ~~والإبتداء بالشق الأيمن في السواك ونتف الابط وكاللباس والانتعال والترجل ~~ودخول المسجد والمنزل والخروج من الخلاء ونحو ذلك # وتقدم اليسرى في ضد ذلك كدخول الخلاء وخلع النعل والخروج من المسجد # والذي يختص بأحدهما إن كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل والشرب ~~والمصافحة ومناولة الكتب وتناولها ونحو ذلك وإن كان ضد ذلك كان باليسرى ~~كالاستجمار ومس الذكر والاستنثار والامتخاط ونحو ذلك # فان قيل السواك عبادة مقصودة تشرع عند القيام إلى الصلاة وإن لم يكن هناك ~~وسخ وما كان عبادة مقصودة كان باليمين # قيل كل من المقدمتين ممنوع ms6255 فان الاستياك إنما شرع لازالة ما في داخل الفم ~~وهذه العلة متفق عليها بين العلماء ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة له ~~كالنوم والاغماء وعند العبادة التي يشرع لها تطهير كالصلاة والقراءة ولما ~~كان الفم في مظنة التغير شرع عند PageV21P109 القيام إلى الصلاة كما شرع ~~غسل اليد للمتوضئ قبل وضوئه لأنها آلة لصب الماء وقد تنازع العلماء فيما ~~إذا تحقق نظافتها هل يستحب غسلها على قولين مشهورين ومن استحب ذلك كالمعروف ~~في مذهب الشافعي وأحمد يستحب على النادر بل الغالب وإزالة الشك باليقين # وقد يقال مثل ذلك في السواك إذا قيل باستحبابه مع نظافة الفم عند القيام ~~إلى الصلاة مع أن غسل اليد قبل المضمضة المقصود بها النظافة فهذا توجيه ~~المنع للمقدمة الأولى # وأما الثانية فاذا قدر أنه عبادة مقصودة فما الدليل على أن ذلك مستحب ~~باليمنى وهذه مقدمة لا دليل عليها بل قد يقال العبادات تفعل بما يناسبها ~~ويقدم فيها ما يناسبها # ثم قول القائل إن ذلك عبادة مقصودة إن أراد به أنه تعبد محض لا تعقل علته ~~فليس هذا بصواب لاتفاق المسلمين على أن السواك معقول ليس بمنزلة رمي الجمار ~~وان أراد أنها مقصودة أنه لا بد فيها من النية كالطهارة وأنها مشروعة مع ~~تيقن النظافة ونحو ذلك فهذا الوصف إذا سلم لم يكن في ذلك ما يوجب كونها ~~باليمنى إذ لا دليل على ذلك فان كونها منوية أو مشروعة مع تيقن النظافة ~~PageV21P110 لا ينافي أن يكون من باب الكرامة تختص بها اليمنى بل يمكن ذلك ~~فيها مع هذا الوصف ألا ترى أن الطواف بالبيت من أجل العبادات المقصودة ~~ويستحب القرب فيه من البيت ومع هذا فالجانب الأيسر فيه أقرب إلى البيت لكون ~~الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى فلما كان الاكرام في ذلك ~~للخارج جعل لليمين ولم ينقل اذا كانت مقصودة فينبغي تقديم اليمنى فيها إلى ~~البيت لأن إكرام اليمين في ذلك أن تكون هي الخارجة # وكذلك الاستنثار جعله باليسرى إكرام لليمين وصيانة لها وكذلك السواك ثم ms6256 ~~إذا قيل هو في الأصل من باب إزالة الأذى وإذا قيل إنه مشروع فيه العدول عن ~~اليمنى إلى اليسرى أعظم في إكرام اليمين بدون ذلك لم يمنع أن يكون إزالة ~~الأذى فيه ثابتة مقصودة كالاستجمار بالثلاث عند من يوجبه كالشافعي وأحمد ~~فانهم يوجبون الحجر الثالث مع حصول الانقاء بما دونه # وكذلك التثليث والتسبيع في غسل النجاسات حيث وجب وعند من يوجبه يأمر به ~~وإن حصلت الازالة بما دونه # وكذلك التثليث في الوضوء مستحب وإن تنظف العضو بما دونه مع أنه لا شك أن ~~إزالة النجاسة مقصودة في الاستنجاء بالماء والحجر PageV21P111 # فكذلك إماطة الأذى من الفم مقصودة بالسواك قطعا وإن شرع مع عدمه تحقيقا ~~لحصول المقصود وذلك لا يمنع من أن يجعل باليسرى كما أن الحجر الثالث في ~~الاستجمار يكون باليسرى والمرة السابعة في ولوغ الكلب تكون باليسرى ونحو ~~ذلك مما كان المقصود به في الأصل إزالة الأذى وان قيل يشرع مع عدمه تكميلا ~~للمقصود به وإزالة للشك باليقين إلحاقا للنادر بالغالب ولأن الحكمة في ذلك ~~قد تكون خفية فعلق الحكم فيها بالمظنة إذ زوال الأذى بالكلية قد يظنه الظان ~~من غير تيقن ويعسر اليقين في ذلك فأقيمت المظنة فيه مقام الحكمة فجعل ~~مشروعا للقيام إلى الصلاة مع عدم النظر إلى التغير وعدمه لأن العبادة حصول ~~التغير # فهذا اذا قيل به فهو من جنس أقوال العلماء وذلك لا يخرج جنس هذا الفعل أن ~~يكون من باب إزالة الأذى وان كان عبادة مقصودة تشرع فيها النية وحينئذ يكون ~~باليسرى كالاستنثار والاستنجاء بالأحجار ومباشرة محل الولوغ بالدلك ونحوه ~~بخلاف صب الماء فانه من باب الكرامة ولهذا كان المتوضئ يستنشق باليمنى ~~ويستنثر باليسرى والمستنجي يصب الماء باليمين ويدلك باليسرى # وكذلك المغتسل والمتوضئ من الماء كما فعل النبي يدخل يده اليمنى في ~~الاناء فيصب بها على اليسرى مع أن PageV21P112 مباشرة العورة في الغسل ~~باليسرى وهكذا غاسل مورد النجاسة يصب باليمنى واذا احتاج إلى مباشرة المحل ~~باشره باليسرى وشواهد الشريعة وأصولها على ذلك متظاهرة والله أعلم ms6257 ### |||| وسئل # عن الختان متى يكون ### ||||| فأجاب # أما الختان فمتى شاء اختتن لكن اذا راهق البلوغ فينبغي أن يختتن ~~كما كانت العرب تفعل لئلا يبلغ الا وهو مختون # وأما الختان في السابع ففيه قولان هما روايتان عن أحمد قيل لا يكره لأن ~~إبراهيم ختن إسحاق في السابع وقيل يكره لأنه عمل اليهود فيكره التشبه بهم ~~وهذا مذهب مالك والله أعلم ### |||| وسئل # عن مسلم بالغ عاقل يصوم ويصلي وهو غير مختون وليس مطهرا هل يجوز ذلك ومن ~~ترك الختان كيف حكمه ### ||||| فأجاب # إذا لم يخف عليه ضرر الختان فعليه أن يختتن فان PageV21P113 ذلك ~~مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة وهو واجب عند الشافعي وأحمد في المشهور ~~عنه وقد اختتن إبراهيم الخليل عليه السلام بعد ثمانين من عمره ويرجع في ~~الضرر إلى الأطباء الثقات واذا كان يضره في الصيف أخره إلى زمان الخريف ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن المرأة هل تختتن أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم تختتن وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك ~~قال رسول الله للخافضة وهي الخاتنة أشمي ولا تنهكي فانه أبهى للوجه وأحظى ~~لها عند الزوج يعني لا تبالغي في القطع وذلك أن المقصود بختان الرجل تطهيره ~~من النجاسة المحتقنة في القلفة والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها فانها ~~اذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة # ولهذا يقال في المشاتمة يا بن القلفاء فان القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر ~~ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الافرنج ما لا يوجد في نساء ~~المسلمين وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة فلا يكمل مقصود الرجل ~~فاذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال والله أعلم PageV21P114 ### |||| وسئل # اذا مات الصبي وهو غير مختون هل يختن بعد موته ### ||||| فأجاب # ولا يختن أحد بعد الموت ### |||| وسئل # كم مقدار أن يقعد الرجل حتى يحلق عانته ### ||||| فأجاب # عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وقت لهم في حلق العانة ونتف ~~الابط ونحو ذلك أن لا يترك أكثر من أربعين يوما وهو في الصحيح ms6258 والله أعلم ### |||| # ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين # في اقوام يحلقون رؤوسهم على ايدي الأشياخ وعند القبور التي PageV21P115 ~~يعظمونها ويعدون ذلك قربة وعبادة فهل هذا سنة أو بدعة وهل حلق الرأس مطلقا ~~سنة أو بدعة أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام # الحمد لله رب العالمين # حلق الرأس على أربعة أنواع # أحدها حلقه في الحج والعمرة فهذا مما أمر الله به ورسوله وهو مشروع ثابت ~~بالكتاب والسنة وإجماع الأمة قال تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون @QE@ وقد تواتر عن النبي أنه ~~حلق راسه في حجه وفي عمره وكذلك أصحابه منهم من حلق ومنهم من قصر والحلق ~~أفضل من التقصير ولهذا قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله ~~والمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم ~~اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين وقد أمر الصحابة ~~الذين لم يسوقوا الهدى في حجة الوداع أن يقصروا رؤوسهم للعمرة إذا طافوا ~~بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يحلقوا إذا قضوا الحج فجمع لهم بين التقصير ~~أولا وبين الحلق ثانيا PageV21P116 # والنوع الثاني حلق الرأس للحاجة مثل أن يحلقه للتداوي فهذا ايضا جائز ~~بالكتاب والسنة والاجماع فان الله رخص للمحرم الذي لا يجوز له حلق رأسه أن ~~يحلقه اذا كان به أذى كما قال تعالى @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ~~@QE@ وقد ثبت باتفاق المسلمين حديث كعب بن عجرة لما مر به النبي في عمرة ~~الحديبية والقمل ينهال من رأسه فقال أيؤذيك هوامك قال نعم فقال احلق رأسك ~~وانسك شاة أو صم ثلاثة أيام أو أطعم فرقا بين ستة مساكين وهذا الحديث متفق ~~على صحته متلقى بالقبول من جميع المسلمين # النوع الثالث حلقه على وجه التعبد والتدين والزهد من غير حج ولا عمرة مثل ~~ما يأمر بعض الناس التائب اذا تاب بحلق رأسه ومثل أن ms6259 يجعل حلق الراس شعار ~~أهل النسك والدين أو من تمام الزهد والعبادة أو يجعل من يحلق رأسه أفضل ممن ~~لم يحلقه أو أدين أو أزهد أو أن يقصر من شعر التائب كما يفعل بعض المنتسبين ~~إلى المشيخة إذا توب أحدا أن يقص بعض شعره ويعين الشيخ صاحب مقص وسجادة ~~فيجعل صلاته على السجادة وقصه رؤوس الناس من تمام المشيخة التي يصلح بها ان ~~يكون قدوة يتوب PageV21P117 التائبين فهذا بدعة لم يأمر الله بها ولا رسوله ~~وليست واجبة ولا مستحبة عند أحد من أئمة الدين ولا فعلها أحد من الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان ولا شيوخ المسلمين المشهورين بالزهد والعبادة لا من ~~الصحابة ولا من التابعين ولا تابعيهم ومن بعدهم مثل الفضيل بن عياض ~~وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأحمد بن أبي الحواري ~~والسري السقطي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثال هؤلاء لم ~~يكن هؤلاء يقصون شعر أحد إذا تاب ولا يأمرون التائب أن يحلق رأسه # وقد أسلم على عهد النبي جميع أهل الأرض ولم يكن يأمرهم بحلق رؤوسهم إذا ~~أسلموا ولا قص النبي رأس أحد ولا كان يصلي على سجادة بل كان يصلي إماما ~~بجميع المسلمين يصلي على ما يصلون عليه ويقعد على ما يقعدون عليه لم يكن ~~متميزا عنهم بشيء يقعد عليه لا سجادة ولا غيره ولكن يسجد أحيانا على ~~الخميرة وهي شيء يصنع من الخوص صغير يسجد عليها أحيانا لأن المسجد لم يكن ~~مفروشا بل كانوا يصلون على الرمل والحصى وكان أكثر الأوقات يسجد على الأرض ~~حتى يبين الطين في جبهته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما # ومن اعتقد البدع التي ليست واجبة ولا مستحبة قربة وطاعة PageV21P118 ~~وطريقا إلى الله وجعلها من تمام الدين ومما يؤمر به التائب والزاهد والعابد ~~فهو ضال خارج عن سبيل الرحمن متبع لخطوات الشياطين # والنوع الرابع أن يحلق راسه في غير النسك لغير حاجة ولا على وجه التقرب ~~والتدين فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد ms6260 # أحدهما أنه مكروه وهو مذهب مالك وغيره # والثاني أنه مباح وهو المعروف عند أصحاب أبي حنيفة والشافعي لأن النبي ~~رأى غلاما قد حلق بعض رأسه فقال احلقوه كله أو دعوه كله وأتي بأولاد صغار ~~بعد ثلاث فحلق رؤوسهم ولأنه نهى عن القزع والقزع حلق البعض فدل على جواز ~~حلق الجميع والأولون يقولون حلق الرأس شعار أهل البدع فان الخوارج كانوا ~~يحلقون رؤوسهم وبعض الخوارج يعدون حلق الرأس من تمام التوبة والنسك وقد ثبت ~~في الصحيحين أن النبي لما كان يقسم جاءه رجل عام الفتح كث اللحية محلوق ~~PageV21P119 ### |||| وسئل # عن رجل جندي يقلع بياض لحيته فهل عليه في ذلك إثم أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين نتف الشيب مكروه للجندي وغيره فان في الحديث ~~أن النبي نهى عن نتف الشيب وقال إنه نور المسلم ### |||| وسئل # عن الرجل اذا كان جنبا وقص ظفره أو شاربه أو مشط رأسه هل عليه شيء في ذلك ~~فقد أشار بعضهم إلى هذا وقال إذا قص الجنب شعره أو ظفره فانه تعود إليه ~~أجزاؤه في الآخرة فيقوم يوم القيامة وعليه قسط من الجنابة بحسب ما نقص من ~~ذلك وعلى كل شعرة قسط من الجنابة فهل ذلك كذلك أم لا ### ||||| فأجاب # قد ثبت عن النبي من حديث حذيفة PageV21P120 ومن حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنهما أنه لما ذكر له الجنب قال إن المؤمن لا ينجس وفي صحيح الحاكم ~~حيا ولا ميتا وما أعلم على كراهية إزالة شعر الجنب وظفره دليلا شرعيا بل قد ~~قال النبي للذي أسلم الق عنك شعر الكفر واختتن فأمر الذي أسلم أن يغتسل ولم ~~يأمره بتأخير الاختتان وإزالة الشعر عن الاغتسال فاطلاق كلامه يقتضي جواز ~~الأمرين وكذلك تؤمر الحائض بالامتشاط في غسلها مع أن الامتشاط يذهب ببعض ~~الشعر والله أعلم PageV21P121 ### ||| 2 باب الوضوء ### |||| 2 سئل رحمه الله # عن مسح الرأس في الوضوء من العلماء من أوجب جميع الرأس ومنهم من أوجب ربع ~~الرأس ومنهم من قال بعض شعره يجزئ فما ينبغي أن يكون ms6261 الصحيح من ذلك بينوا ~~لنا ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله اتفق الأئمة كلهم على أن السنة مسح جميع الرأس كما ثبت ~~في الأحاديث الصحيحة والحسنة عن النبي فان الذين نقلوا وضوءه لم ينقل عنه ~~أحد منهم أنه اقتصر على مسح بعض رأسه وما يذكره بعض الفقهاء كالقدوري في ~~أول مختصره وغيره انه توضأ ومسح على ناصيته إنما هو بعض الحديث الذي في ~~الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي توضأ عام تبوك ومسح على ناصيته # ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى جواز مسح بعض الرأس وهو PageV21P122 مذهب ~~أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب مالك وأحمد وذهب آخرون إلى وجوب مسح جميعه ~~وهو المشهور من مذهب مالك وأحمد وهذا القول هو الصحيح فان القرآن ليس فيه ~~ما يدل على جواز مسح بعض الرأس فان قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم ~~وأرجلكم @QE@ نظير قوله @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم @QE@ لفظ المسح في ~~الآيتين وحرف الباء في الآيتين فاذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح البعض ~~مع أنه بدل عن الوضوء وهو مسح بالتراب لا يشرع فيه تكرار فكيف تدل على ذلك ~~آية الوضوء مع كون الوضوء هو الأصل والمسح فيه بالماء المشروع فيه التكرار ~~هذا لا يقوله من يعقل ما يقول # ومن ظن أن من قال باجزاء البعض لأن الباء للتبعيض أو دالة على القدر ~~المشترك فهو خطأ أخطأه على الأئمة وعلى اللغة وعلى دلالة القرآن والباء ~~للإلصاق وهي لا تدخل الا لفائدة فاذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدرا ~~زائدا كما في قوله @QB@ عينا يشرب بها عباد الله @QE@ فانه لو قيل يشرب ~~منها لم تدل على الري فضمن يشرب معنى يروي فقيل @QB@ يشرب بها @QE@ فأفاد ~~ذلك أنه شرب يحصل معه الري # وباب تضمين الفعل معنى فعل آخر حتى يتعدى بتعديته كقوله @QB@ لقد ظلمك ~~بسؤال نعجتك إلى نعاجه @QE@ وقوله @QB@ ونصرناه من القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا @QE@ PageV21P123 وقوله @QB@ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل ~~الله إليك @QE@ وأمثال ذلك كثير في القرآن وهو يغني عند البصريين ms6262 من النحاة ~~عما يتكلفه الكوفيون من دعوى الاشتراك في الحروف # وكذلك المسح في الوضوء والتيمم لو قال فامسحوا رؤوسكم أو وجوهكم لم تدل ~~على ما يلتصق بالمسح فانك تقول مسحت رأس فلان وان لم يكن بيدك بلل فاذا قيل ~~فامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الالصاق فأفاد أنكم تلصقون ~~برؤوسكم وبوجوهكم شيئا بهذا المسح وهذا يفيد في آية التيمم أنه لا بد أن ~~يلتصق الصعيد بالوجه واليد ولهذا قال @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ~~@QE@ وإنما مأخذ من جوز البعض الحديث # ثم تنازعوا فمنهم من قال يجزئ قدر الناصية كرواية عن أحمد وقول بعض ~~الحنفية ومنهم من قال يجزئ الأكثر كرواية عن أحمد وقول بعض المالكية ومنهم ~~من قال يجزئ الربع ومنهم من قال قدر ثلاث أصابع وهما قولان للحنفية ومنهم ~~من قال ثلاث شعرات أو بعضها ومنهم من قال شعرة أو بعضها وهما قولان ~~للشافعية # وأما الذين أوجبوا الاستيعاب كمالك وأحمد في المشهور من PageV21P124 ~~مذهبهما فحجتهم ظاهر القرآن وإذا سلم لهم منازعوهم وجوب الاستيعاب في مسح ~~التيمم كان في مسح الوضوء أولى وأحرى لفظا ومعنى ولا يقال التيمم وجب فيه ~~الاستيعاب لأنه بدل عن غسل الوجه واستيعابه واجب لأن البدل إنما يقوم مقام ~~المبدل في حكمه لا في وصفه ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين ولا ~~يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين وأيضا للسنة المستفيضة من عمل رسول ~~الله # وأما حديث المغيرة بن شعبة فعند أحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح ~~على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك وإذا مسح عنده بناصيته وكمل ~~الباقي بعمامته أجزأه ذلك عنده بلا ريب # وأما مالك فلا جواب له عن الحديث الا أن يحمله على أنه كان معذورا لا ~~يمكنه كشف الرأس فتيمم على العمامة للعذر ومن فعل ما جاءت به السنة من ~~المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع وأجزأه بدون العذر عند ~~الثلاثة ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة # وتنازعوا في مسحه ms6263 ثلاثا هل يستحب فمذهب الجمهور أنه لا يستحب كمالك وأبي ~~حنيفة وأحمد في المشهور عنه PageV21P125 # وقال الشافعي وأحمد في رواية عنه يستحب لما في الصحيح أنه توضأ ثلاثا ~~ثلاثا وهذا عام وفي سنن أبي داود أنه مسح برأسه ثلاثا ولأنه عضو من أعضاء ~~الوضوء فسن فيه الثلاث كسائر الأعضاء والأول أصح فان الأحاديث الصحيحة عن ~~النبي تبين انه كان يمسح رأسه مرة واحدة ولهذا قال أبو داود السجستاني ~~احاديث عثمان الصحاح تدل على أنه مسح مرة واحدة وبهذا يبطل ما رواه من مسحه ~~ثلاثا فانه يبين أن الصحيح أنه مسح رأسه مرة وهذا المفصل يقضي على المجمل ~~وهو قوله توضأ ثلاثا ثلاثا كما أنه لما قال اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما ~~يقول كان هذا مجملا وفسره حديث بن عمر أنه يقول عند الحيعلة لا حول ولا قوة ~~الا بالله فإن الخاص المفسر يقضي على العام المجمل # وأيضا فان هذا مسح والمسح لا يسن فيه التكرار كمسح الخف والمسح في التيمم ~~ومسح الجبيرة وإلحاق المسح بالمسح أولى من إلحاقه بالغسل لأن المسح إذا كرر ~~كان كالغسل وما يفعله الناس من أنه يمسح بعض رأسه بل بعض شعره ثلاث مرات ~~خطأ مخالف للسنة المجمع عليها من وجهين من جهة مسحه بعض رأسه فانه خلاف ~~السنة باتفاق الأئمة ومن جهة تكراره فانه خلاف السنة على الصحيح ومن يستحب ~~التكرار كالشافعي وأحمد في قول لا يقولون PageV21P126 امسح البعض وكرره بل ~~يقولون امسح الجميع وكرر المسح # ولا خلاف بين الأئمة أن مسح جميع الرأس مرة واحدة أولى من مسح بعضه ثلاثا ~~بل إذا قيل ان مسح البعض يجزئ وأخذ رجل بالرخصة كيف يكرر المسح ثم المسلمون ~~متنازعون في جواز الاقتصار على البعض وفي استحباب تكرار المسح فكيف يعدل ~~إلى فعل لا يجزئ عند أكثرهم ولا يستحب عند أكثرهم ويترك فعل يجزئ عند ~~جميعهم وهو الأفضل عند أكثرهم والله أعلم ### |||| وسئل # هل صح عن النبي أنه مسح على عنقه في الوضوء أو أحد من الصحابة ms6264 رضي الله ~~عنهم ### ||||| فأجاب # لم يصح عن النبي أنه مسح على عنقه في الوضوء بل ولا روي عنه ذلك في ~~حديث صحيح بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبي لم يكن يمسح على ~~عنقه ولهذا لم يستحب ذلك جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر ~~مذهبهم ومن استحبه فاعتمد فيه على أثر يروى عن PageV21P127 أبي هريرة رضي ~~الله عنه أو حديث يضعف نقله انه مسح رأسه حتى بلغ القذال ومثل ذلك لا يصلح ~~عمدة ولا يعارض ما دلت عليه الأحاديث ومن ترك مسح العنق فوضوؤه صحيح باتفاق ~~العلماء والله أعلم وقال شيخ الاسلام رحمه الله # غسل القدمين في الوضوء منقول عن النبي نقلا متواترا منقول عمله بذلك ~~وأمره به كقوله في الحديث الصحيح من وجوه متعددة كحديث أبي هريرة وعبد الله ~~بن عمر وعائشة ويل للأعقاب من النار وفي بعض الفاظه ويل للأعقاب وبطون ~~الأقدام من النار فمن توضأ كما تتوضأ المبتدعة فلم يغسل باطن قدميه ولا ~~عقبه بل مسح ظهرهما فالويل لعقبه وباطن قدميه من النار وتواتر عن النبي ~~المسح على الخفين ونقل عنه المسح على القدمين في موضع الحاجة مثل أن يكون ~~في قدميه نعلان يشق نزعهما # وأما مسح القدمين مع ظهورهما جميعا فلم ينقله أحد عن النبي وهو مخالف ~~للكتاب والسنة أما مخالفته للسنة فظاهر PageV21P128 متواتر وأما مخالفته ~~للقرآن فلأن قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ فيه ~~قراءتان مشهورتان النصب والخفض فمن قرأ بالنصب فإنه معطوف على الوجه ~~واليدين والمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا ~~برؤوسكم ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا أرجلكم كما يظنه بعض الناس ~~لأوجه # أحدها ان الذين قرأوا ذلك من السلف قالوا عاد الأمر إلى الغسل # الثاني أنه لو كان عطفا على الرؤوس لكان المأمور به مسح الأرجل لا المسح ~~بها والله إنما أمر في الوضوء والتيمم بالمسح بالعضو لا مسح العضو فقال ~~تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ وقال @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ ولم يقرأ القراء المعروفون في ms6265 آية التيمم وأيديكم ~~بالنصب كما قرأوا في آية الوضوء فلو كان عطفا لكان الموضعان سواء وذلك أن ~~قوله @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ وقوله @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم @QE@ ~~يقتضي إلصاق الممسوح لأن الباء للالصاق وهذا يقتضي إيصال الماء والصعيد إلى ~~أعضاء الطهارة وإذا قيل امسح رأسك ورجلك لم يقتض ايصال الماء إلى العضو ~~وهذا يبين أن الباء حرف جاء لمعنى لا زائدة كما يظنه بعض الناس وهذا خلاف ~~قوله PageV21P129 % معاوي إننا بشر فأسجح % فلسنا بالجبال ولا الحديدا % # فان الباء هنا مؤكدة فلو حذفت لم يختل المعنى والباء في آية الطهارة إذا ~~حذفت اختل المعنى فلم يجز أن يكون العطف على محل المجرور بها بل على لفظ ~~المجرور بها أو ما قبله # الثالث أنه لو كان عطفا على المحل لقرئ في آية التيمم فامسحوا بوجوهكم ~~وامسحوا أيديكم فكان في الآية ما يبين فساد مذهب الشارح بأنه قد دلت عليه ~~@QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ بالنصب لأن اللفظين سواء فلما ~~اتفقوا على الجر في آية التيمم مع امكان العطف على المحل لو كان صوابا علم ~~أن العطف على اللفظ ولم يكن في آية التيمم منصوب معطوف على اللفظ كما في ~~آية الوضوء # الرابع أنه قال @QB@ وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ ولم يقل إلى الكعاب فلو ~~قدر أن العطف على المحل كالقول الآخر وان التقدير أن في كل رجلين كعبين وفي ~~كل رجل كعب واحد لقيل إلى الكعاب كما قيل @QB@ إلى المرافق @QE@ لما كان في ~~كل يد مرفق وحينئذ فالكعبان هما العظمان الناتئان في جانبي الساق ليس هو ~~معقد الشراك مجمع الساق والقدم كما يقوله من يرى المسح على الرجلين فاذا ~~كان الله تبارك وتعالى انما أمر بطهارة الرجلين إلى الكعبين الناتئين ~~PageV21P130 والماسح يمسح إلى مجمع القدم والساق علم أنه مخالف للقرآن # الوجه الخامس أن القراءتين كالآيتين والترتيب في الوضوء إما واجب وإما ~~مستحب مؤكد الاستحباب فاذا فصل ممسوح بين مغسولين وقطع النظير عن النظير دل ~~ذلك على الترتيب المشروع في الوضوء # الوجه السادس أن السنة تفسر القرآن وتدل عليه ms6266 وتعبر عنه وهي قد جاءت ~~بالغسل # الوجه السابع أن التيمم جعل بدلا عن الوضوء عند الحاجة فحذف شطر أعضاء ~~الوضوء وخفف الشطر الثاني وذلك لأنه حذف ما كان ممسوحا ومسح ما كان مغسولا # وأما القراءة الأخرى وهي قراءة من قرأ @QB@ وأرجلكم @QE@ بالخفض فهي لا ~~تخالف السنة المتواترة إذ القراءتان كالآيتين والسنة الثابتة لا تخالف كتاب ~~الله بل توافقه وتصدقه ولكن تفسره وتبينه لمن قصر فهمه عن فهم القرآن فإن ~~القرآن فيه دلالات خفية تخفى على كثير من الناس وفيه مواضع ذكرت مجملة ~~تفسرها السنة وتبينها PageV21P131 # والمسح اسم جنس يدل على الصاق الممسوح به بالممسوح ولا يدل لفظه على ~~جريانه لا بنفي ولا إثبات قال أبو زيد الأنصاري وغيره العرب تقول تمسحت ~~للصلاة فتسمى الوضوء كله مسحا ولكن من عادة العرب وغيرهم إذا كان الاسم ~~عاما تحته نوعان خصوا أحد نوعيه باسم خاص وأبقوا الاسم العام للنوع الآخر ~~كما في لفظ الدابة فإنه عام للإنسان وغيره من الدواب لكن للإنسان اسم يخصه ~~فصاروا يطلقونه على غيره وكذلك لفظ الحيوان ولفظ ذوي الأرحام يتناول لكل ذي ~~رحم لكن للوارث بفرض أو تعصيب اسم يخصه وكذلك لفظ المؤمن يتناول من آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله ومن آمن بالجبت والطاغوت فصار لهذا النوع اسم ~~يخصه وهو الكافر وأبقى اسم الإيمان مختصا بالأول وكذلك لفظ البشارة ونظائر ~~ذلك كثيرة # ثم إنه مع القرينة تارة ومع الاطلاق أخرى يستعمل اللفظ العام في معنيين ~~كما اذا أوصى لذوي رحمه فإنه يتناول أقاربه من مثل الرجال والنساء فقوله ~~تعالى في آية الوضوء @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم @QE@ يقتضي ايجاب مسمى ~~المسح بينهما وكل واحد من المسح الخاص الخالي عن الاسالة والمسح الذي معه ~~إسالة يسمى مسحا فاقتضت الآية القدر المشترك في الموضعين ولم يكن في لفظ ~~الآية ما يمنع كون الرجل PageV21P132 يكون المسح بها هو المسح الذي معه ~~إساله ودل على ذلك قوله @QB@ إلى الكعبين @QE@ فأمر بمسحهما إلى الكعبين # وأيضا فان المسح الخاص هو إسالة الماء مع الغسل فهما نوعان ms6267 للمسح العام ~~الذي هو ايصال الماء ومن لغتهم في مثل ذلك أن يكتفى بأحد اللفظين كقولهم % ~~علفتها تبنا وماء باردا % والماء سقى لا علف % وقوله % ورأيت زوجك في الوغى ~~% متقلدا سيفا ورمحا % # والرمح لا يتقلد ومنه قوله تعالى @QB@ يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ~~وأباريق وكأس @QE@ إلى قوله @QB@ وحور عين @QE@ فكذلك اكتفى بذكر أحد ~~اللفظين وان كان مراده الغسل ودل عليه قوله @QB@ إلى الكعبين @QE@ والقراءة ~~الأخرى مع السنة المتواترة # ومن يقول يمسحان بلا إسالة يمسحهما إلى الكعاب لا إلى الكعبين فهو مخالف ~~لكل واحدة من القراءتين كما أنه مخالف للسنة المتواترة وليس معه لا ظاهر ~~ولا باطن ولا سنة معروفة وانما هو غلط في فهم القرآن وجهل بمعناه وبالسنة ~~المتواترة وذكر المسح بالرجل مما يشعر بان الرجل يمسح بها بخلاف الوجه ~~واليد فانه لا يمسح بهما بحال ولهذا جاء في المسح على الخفين اللذين على ~~الرجلين PageV21P133 ما لم يجئ مثله في الوجه واليد ولكن دلت السنة مع ~~دلالة القرآن على المسح بالرجلين # ومن مسح على الرجلين فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن ولا يجوز ~~لأحد أن يعمل بذلك مع امكان الغسل والرجل اذا كانت ظاهرة وجب غسلها وإذا ~~كانت في الخف كان حكمها كما بينته السنة كما في آية الفرائض فان السنة بينت ~~حال الوارث إذا كان عبدا أو كافرا أو قاتلا ونظائره متعددة والله سبحانه ~~أعلم PageV21P134 ### || 1 ( رسالة في الموالاة في الوضوء ) 1 # وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ! 8 < فصل # الموالاة في الوضوء فيها ثلاثة اقوال # أحدها الوجوب مطلقا كما يذكره أصحاب الامام أحمد ظاهر مذهبه وهو القول ~~القديم للشافعي وهو قول في مذهب # والثاني عدم الوجوب مطلقا كما هو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد والقول ~~الجديد للشافعي # والثالث الوجوب الا اذا تركها لعذر مثل عدم تمام الماء كما هو المشهور في ~~مذهب مالك وهو قول في مذهب # قلت هذا القول الثالث هو الأظهر والأشبه باصول الشريعة PageV21P135 ~~وبأصول مذهب أحمد وغيره وذلك أن أدلة الوجوب لا ms6268 تتناول الا المفرط لا ~~تتناول العاجز عن الموالاة فالحديث الذي هو عمدة المسألة الذي رواه أبو ~~داود وغيره عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي أنه رأى رجلا يصلي وفي ظهر ~~قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي أن يعيد الوضوء والصلاة ~~فهذه قضية عين والمأمور بالاعادة مفرط لأنه كان قادرا على غسل تلك اللمعة ~~كما هو قادر على غسل غيرها وانما باهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت ~~اللمعة نظير الذين كانوا يتوضؤون واعقابهم تلوح فناداهم بأعلى صوته ويل ~~للأعقاب من النار وكذلك الحديث الذي في صحيح مسلم عن عمر أن رجلا توضأ فترك ~~موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي فقال ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى رواه ~~مسلم # فالقدم كثيرا ما يفرط المتوضئ بترك استيعابها حتى قد اعتقد كثير من أهل ~~الضلال انها لا تغسل بل فرضها مسح ظهرها عند طائفة من الشيعة والتخيير بينه ~~وبين الغسل عند طائفة من المعتزلة الذين لم يوجبوا الموالاة عمدتهم في ~~الأمر حديث عن بن عمر أنه توضأ PageV21P136 # موالاة لفقد تمام الماء وأصول الشريعة تدل على ذلك قال تعالى @QB@ فاتقوا ~~الله ما استطعتم @QE@ وقال النبي إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم # والذي لم يمكنه الموالاة لقلة الماء أو انصبابه أو اغتصابه منه بعد ~~تحصيله أو لكون المنبع أو المكان الذي يأخذ منه هو وغيره كالأنبوب أو البئر ~~لم يحصل له منه الماء الا متفرقا تفرقا كثيرا ونحو ذلك لم يمكنه أن يفعل ما ~~أمر به إلا هكذا بأن يغسل ما أمكنه بالماء الحاضر وإذا فعل ذلك ثم غسل ~~الباقي بماء حصله فقد اتقى الله ما استطاع وفعل ما استطاع مما أمر به يبين ~~ذلك أنه لو عجز عن غسل الأعضاء بالكلية لعدم الماء لسقط عنه ولكان فرضه ~~التيمم ولو قدر على غسل بعضها فعنه ثلاثة أقوال # قيل يتيمم فقط لئلا يجمع بين بدل ومبدل # وقيل يستعمل ما قدر عليه ويتيمم للباقي وهو المشهور في مذهب أحمد وغيره # وقيل بل ms6269 يستعمل ذلك في الغسل دون الوضوء كما يذكر عن أبي بكر وهو مبني ~~على وجوب الموالاة في الوضوء دون الغسل PageV21P137 # قال صاحب هذا القول فينتفع باستعمال البعض في الغسل دون التيمم وضعفوا ~~ذلك بأنه يفعل المقدور عليه فعلم بذلك أن هذا عندهم طهارة نافعة عند العجز ~~في الوضوء كما هي نافعة في الغسل واذا كان كذلك لم يجب عليه عند القدرة على ~~الماء اعادة ما غسله من أعضاء الوضوء كما لا يجب عليه ما صلاه بالتيمم وكما ~~لا يجب عليه اعادة ما غسل في الغسل على المشهور عند أصحاب أحمد من الفرق ~~بين الوضوء والغسل كما سنذكره ان شاء الله وذلك لأنه قد فعل ما أمر به كما ~~امر ومن كان ممتثلا الأمر أجزأ عنه فلا اعادة عليه # يوضح هذا أنه في حال العجز لم يكن مأمورا بغسل العضو الثاني وانما يؤمر ~~بتحصيل الطهور الذي يتمكن به من غسله أو بتأخره إلى القدرة وهو قادر على ~~غسل العضو الأول وهو المستطاع من المأمور فعليه فعله كما لو قدر على غسل ~~بعض الأعضاء أو بعض العضو الواحد دون بعض فان عليه غسله كالمقطوع يده من ~~بعض الذراع # وطرد ذلك ما ذكرناه لو كان ببعض أعضائه ما يمنع الوجوب من جرح أو مرض أو ~~غير ذلك فغسل الصحيح ثم قدر أن الألم زال وقد نشف ذلك العضو فانه اذا غسل ~~الباقي فقد فعل المقدور عليه PageV21P138 # وايضا فالترتيب واجب في صوم الشهرين بنص القرآن والسنة والاجماع ثم اتفق ~~المسلمون على أنه اذا قطع لعذر لا يمكن الاحتراز منه كالحيض فانه لا يقطع ~~التتابع الواجب # ومذهب أحمد في هذا أوسع من مذهب غيره فعنده اذا قطع التتابع لعذر شرعي لا ~~يمكن مع امكان الاحتراز منه مثل أن يتخلل الشهرين صوم شهر رمضان أو يوم ~~الفطر أو يوم النحر أو أيام منى أو مرض أو نفاس ونحو ذلك فانه لا يمنع ~~التتابع الواجب ولو أفطر لعذر مبيح كالسفر فعلى وجهين فالوضوء أولى اذا ترك ~~التتابع ms6270 فيه لعذر شرعي وان أمكن الاحتراز منه # وأيضا فالموالاة واجبة في قراءة الفاتحة قالوا إنه لو قرأ بعضها وسكت ~~سكوتا طويلا لغير عذر كان عليه اعادة قراءتها ولو كان السكوت لأجل استماع ~~قراءة الامام أو لو فصل بذكر مشروع كالتأمين ونحوه لم تبطل الموالاة بل يتم ~~قراءتها ولا يبتدئها ومسألة الوضوء كذلك سواء فانه فرق الوضوء لعذر شرعي ~~ومعلوم أن الموالاة في الكلام أوكد من الموالاة في الأفعال # وأيضا فالمنصوص عن أحمد في العقود كذلك فان الموالاة بين الايجاب والقبول ~~واجبة بحيث لو تأخر القبول عن الايجاب حتى PageV21P139 خرجا من ذلك الكلام ~~إلى غيره أو تفرقا بأبدانهما فلا بد من ايجاب ثان وقد نص أحمد على أنه إذا ~~أوجب النكاح لغائب وذهب إليه الرسول فقبل في مجلس البلاغ انه يصح العقد فظن ~~طائفة من أصحابه أن ذلك قول منه ثان بأنه يصح تراخي القبول مطلقا وان كانا ~~في مجلس واحد بعد تفرقهما وطول الفصل وهي الرواية التي ذكرت في مثل الهداية ~~والمقنع والمحرر وغيرها أنه يصح في النكاح ولو بعد المجلس # وذلك خطأ كما نبه عليه الجد فيما أظن في كتابه الكبير ولا فرق في ذلك بين ~~النكاح والبيع والاجارة والفرق بين الصورتين ظاهر ويذهب إلى الفرق غيره من ~~الفقهاء كأبي يوسف وغيره وهذا التفريق من أحسن الأقوال ويشبه أن يكون ~~المنصوص عنه في الوضوء كذلك لكني لم أتأمل بعد نصه في الوضوء فانه كثيرا ما ~~يحكي عنه روايتان في مثل ذلك ويكون منصوصه التفريق بين حال وحال ويكون هو ~~الصواب كمسألة اخراج القيم ومسألة قتل الموصى # وايضا فالموالاة في الطواف والسعي اوكد منه في الوضوء ومع هذا فتفريق ~~الطواف لمكتوبة تقام أو جنازة تحضر ثم يبنى على الطواف ولا يستأنف فالوضوء ~~أولى بذلك وعلى هذا فلو توضأ بعد PageV21P140 الوضوء ثم عرض أمر واجب يمنعه ~~عن الاتمام كانقاذ غريق أو أمر بمعروف ونهي عن منكر فعله ثم اتم وضوءه ~~كالطواف وأولى وكذلك لو قدر أنه عرض له مرض منعه من ms6271 اتمام الوضوء # وايضا فان أصول الشريعة تفرق في جميع مواردها بين القادر والعاجز والمفرط ~~والمعتدي ومن ليس بمفرط ولا معتد والتفريق بينهما أصل عظيم معتمد وهو الوسط ~~الذي عليه الأمة الوسط وبه يظهر العدل بين القولين المتباينين # وقد تأملت ما شاء الله من المسائل التي يتباين فيها النزاع نفيا وإثباتا ~~حتى تصير مشابهة لمسائل الأهواء وما يتعصب له الطوائف من الأقوال كمسائل ~~الطرائق المذكورة في الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي وبين الأئمة الأربعة ~~وغير هذه المسائل فوجدت كثيرا منها يعود الصواب فيه إلى الوسط كمسألة إزالة ~~النجاسة بغير الماء ومسألة القضاء بالنكول وإخراج القيم في الزكاة والصلاة ~~في أول الوقت والقراءة خلف الامام ومسالة تعيين النية وتبييتها وبيع ~~الأعيان الغائبة واجتناب النجاسة في الصلاة ومسائل الشركة كشركة الأبدان ~~والوجوه والمفاوضة ومسألة صفة القاضي # وكذلك هو الأصل المعتمد في المسائل الخبرية العلمية التي تسمى ~~PageV21P141 مسائل الأصول أو أصول الدين أو أصول الكلام يقع ( فيها ) اتباع ~~الظن وما تهوى الأنفس وقد قررنا أيضا ما دل عليه الكتاب والسنة فيها وفي ~~غيرها من الفرق بين المؤمن باطنا وظاهرا وبين المنافق الزنديق المؤمن ظاهرا ~~لا باطنا وأن المؤمنين قد عفى لهم عن الخطأ والنسيان ثم غالب الخلاف ~~المتباين فيها يعود الحق فيه إلى القول الوسط في مسائل التوحيد والصفات ~~ومسائل القدر والعدل ومسائل الأسماء والأحكام ومسائل الإيمان والاسلام ~~ومسائل الوعد والوعيد ومسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على ~~الأمراء ومذاهبهم أو موافقتهم على طاعة الله فأمرهم ونهيهم بحسب الامكان ~~والامتناع عن الخروج والفتن وأمثال هذه الأهواء # وأيضا فعمدة القياس في مسألة الترتيب والموالاة إنما هو قياس ذلك على ~~الصلاة فان الصلاة يجب فيها الترتيب فلا يجوز تقديم السجود على الركوع وتجب ~~فيه الموالاة فلا يفرق بين ابعاضها بما ينافيها والصلاة مع هذا عبادة واحدة ~~متصلة الأجزاء ليس بين أجزائها فصل اصلا حتى يمكن في ذلك المتابعة أو ~~التفريق ثم مع ذلك اذا فرق بينهما لعذر كالعمل الكثير لضرورة كما في حديث ~~بن عمر ms6272 أن الطائفة الأولى بعد صلاة ركعة تذهب وجاه العدو فاذا صلت الثانية ~~الركعة الثانية ذهبت أيضا إلى وجاه العدو ثم رجعت PageV21P142 الأولى إلى ~~موقفها فأتمت الصلاة ثم الثانية والصفة في الصحيحين وهي جائزة غير مكروهة ~~عند أئمة الحديث كأحمد وغيره وهي الصلاة المختارة في الخوف عند أبي حنيفة ~~إذ ليس فيها مخالفة لصلاة الأمن إلا في استدبار القبلة والعمل الكثير وهذان ~~يجوزان للعذر كمن سبقه الحدث فانه عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وقول ~~الشافعي وأحمد في إحدى الروايات يقول إنه يتوضأ ويبني على ما مضى إذا لم ~~تبطل صلاته بكلام عمد ونحوه وهذا مأثور عن أكثر الصحابة وفيه حديثان مرسلان ~~عن النبي والمرسل إذا عمل به جمهور الصحابة يحتج به الشافعي وغيره # وأيضا فاذا سلم من صلاته ساهيا كما فعل النبي في حديث ذي اليدين وفصل بين ~~ابعاض الصلاة بالقيام إلى الخشبة والاتكاء عليها وتشبيك أصابعه ووضع خده ~~عليها والكلام منه ومن المنبه له السائل له المخبر له أنه لم ينس ولم تقصر ~~والمجيبين له الموافقين للمنبه ثم أتم الصلاة لم يكن هذا التفريق والفصل ~~مانعا من الاتمام # ومعلوم أنه لو فعل ذلك عمدا لأبطل الصلاة بلا نزاع فاذا كانت الصلاة التي ~~لم تشرع إلا متصلة لا يستوي تفريقها في حال العذر وعدمه فكيف يستوي تفريق ~~الوضوء في حال العذر وعدمه مع أن الوضوء PageV21P143 أفعال منفصلة لا يجب ~~اتصالها بالاتفاق وليس لقائل أن يقول إذا عمل عملا كثيرا لعذر كما في صلاة ~~الخوف والساهي إذا سلم فانه في حكم المصلي بدليل أنه لو تعمد حينئذ الحدث ~~أو الكلام المبطل أو العمل الكثير الذي لا يحتاج إليه أو استدبار القبلة ~~الذي لا يحتاج إليه أو كشف العورة بطلت صلاته ولو كان في غير صلاة لم تبطل ~~صلاته بذلك فلا يكون هذا تركا للموالاة الواجبة لأنه يقال بل هذا من أوكد ~~الأدلة على ما قلناه فانه من المعلوم أن هذه الأفعال والفصل الطويل المعفو ~~له عنه مثل الذهاب إلى العدو ثم ms6273 الرجوع إلى موقفه ومثل قيام المسلم سهوا ~~إلى ناحية المسجد واتكائه عليه ليس هو من أفعال الصلاة الواجبة ولا ~~المستحبة ولا داخلا في ذلك كما يدخل ما يدخل في تطويل القيام والركوع ~~والسجود والقعود فان هذه الأربعة من جنس أفعال الصلاة فاذا أطالها أو أدخل ~~فيها ما لا يشرع في الصلاة من العمل اليسير لم يمنع أن تكون هي من الصلاة # وأما تلك فليست من أفعال الصلاة وإنما أمر المصلي بالعمل الكثير في صلاة ~~الخوف لأجل الجهاد وغفر له عن نحو ذلك من السهو لأن الله تجاوز لهذه الأمة ~~عن الخطأ والنسيان فصار الفصل بين ابعاض الصلاة المتابع تارة بفعل يوجب ~~تغييرها وتارة بفعل لا جناح على فاعله PageV21P144 لكونه ليس مكلفا بتركه ~~يشبهه الفصل بين الصيام المتتابع تارة بصوم أو فطر واجب وتارة بحيض أو نفاس ~~أو مرض يعجز معه عن الصوم # ولهذا طرد أحمد ذلك ولو وقع هذا التفريق لغير عذر أبطل الصلاة بالاتفاق ~~فالوضوء أولى أن لا يسوى بين تفريقه لعذر ولغير عذر وأما كونه في حكم ~~المصلي فمعنى ذلك أنه ليس له أن يفرق الصلاة إلا بما يعفي عنه فيه فاذا أتى ~~بما ينافيها من كلام عمد أو عمل كثير أو استدبار قبله لغير عذر كان قد فصل ~~بين أبعاضها وفرق بينها بما ينافيها لغير عذر فتبطل صلاته كما لو صلى ~~ركعتين فسلم عمدا فانه ليس له أن يأتي بالركعتين الأخيرتين بل يستأنف ~~الصلاة ولو سلم سهوا بنى على الأول بالسنة المتواترة عند العلماء واتفاقهم ~~على ذلك والمسلم إنما هو خارج من الصلاة وزائد على الفعل المأمور به فاذا ~~فعل ذلك عمدا لم يكن له ذلك ولا محذور في ذلك إلا قطع الصلاة ألا ترى أنه ~~لا فرق بين الوتر بثلاث متصلة وثلاث يفصل فيها بين الشفع والوتر إلا بمجرد ~~الفصل # ولهذا يقولون يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة أو لا يفصل بتسليمة فمن أهل ~~العراق من لا يسوغ الفصل كالمغرب ويجعل وتر الليل لا يكون إلا كوتر ms6274 النهار ~~متصلا غير منفصل ومن أهل الحجاز من لا يسوغ إلا الفصل لقوله صلاة الليل ~~PageV21P145 مثنى مثنى فاذا خشيت الصبح فأوتر بركعة # وفقهاء أهل الحديث يختارون الفصل لصحة الآثار وكثرتها به وإن جوزوا الوصل # والمقصود هنا أنهم لا يذكرون بين صورتي الوتر فرقا إلا كون هذا متصلا ~~وهذا منفصلا وهذا هو الموالاة والتفريق فتبين ان السلام العمد إنما أبطل ~~الصلاة المكتوبة ونحوها مما سنته الاتصال لأجل تفريق بعض الصلاة عن بعض وهو ~~اذا فعل ذلك سهوا لم تبطل وكل ما ينافي الصلاة من فعل أو عمل كثير أو تعمد ~~كلام وترك شرط من شروطها من استقبال القبلة أو ستر عورته ونحو ذلك فانه مع ~~منافاته يفرق بين ابعاض الصلاة ويمكن أن يخرج منها كما يخرج بالسلام ولهذا ~~ذهب بعض أهل العراق إلى أنه يخرج منها بكل ما ينافيها كما يخرج بالسلام لكن ~~فقهاء الحديث وأهل الحجاز منعوا ذلك لقول النبي مفتاح الصلاة الطهور ~~وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ولغير ذلك من الأمور التي يتبين أنه لا ~~يدخل فيها إلا بالمشروع ولا يخرج إلا بالمشروع # ومما يوضح الكلام في هذا امور # أحدها أن من يجوز الوتر بثلاث مفصولة كالشافعي وأحمد PageV21P146 وغيرهما ~~يجوز عندهم أن تكون الصلاة التي لها اسم واحد يفصل بين ابعاضها بالسلام ~~العمد كالوتر والضحى وقيام رمضان والأربع قبل الظهر واختيارهم في جميع ~~الصلوات أن تكون مثنى مثنى إلا ما استثناه أحمد من الصور التي ثبت عن النبي ~~فيها الفصل كالوتر بخمس أو سبع أو تسع فانه يختار فيها ما ثبت عن النبي ~~فعله ويقولون أدنى الوتر ثلاث مفصولة وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن ~~عائشة أن النبي كان يوتر من الليل باحدى عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين فسمت ~~الجميع وترا مع الفصل # وقد ينازعهم في هذا أصحاب أبي حنيفة إذ المسنون عندهم في الأربع قبل ~~الظهر الوصل وكذلك في الوتر بثلاث وكذلك إذا جاء ذكر صلاة أربع أو ثمان ~~يجعلونها بتسليمة # الثاني إذا تكلم بعد سلامه ms6275 من الصلاة سهوا كما في حديث ذي اليدين فقد علم ~~ما فيه من الفقه والمنازع يقول هو منسوخ كما يقوله أصحاب أبي حنيفة وطائفة ~~من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وهم الذين يقولون ان الكلام يبطل الصلاة ~~مطلقا ولو كان بعد السلام سهوا بناء على أنه في الصلاة # والجمهور على أنه محكم وهو الصواب وهو المنصوص عن أحمد في PageV21P147 ~~عامة أجوبته فانه أخذ به وتفقه فيه ولم يترك الأخذ به ولا قال هو منسوخ وقد ~~ثبت أن المشهور بروايته الذي ذكر أنه صلاها مع النبي هو أبو هريرة قال وذكر ~~فيها أن النبي صلى بهم الصلاة وهو إنما سلم ورأى النبي وصلى خلفه من عام ~~خيبر والقضية كانت في مسجده وذلك بعد رجوعه من خيبر بيقين وهذا يقين بعد ~~تحريم الكلام فانه قد ثبت في الصحيحين عن بن مسعود أنه قال كنا نسلم على ~~رسول الله وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه ~~فلم يرد علي فقلنا يا رسول الله إنا كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا ~~فقال إن في الصلاة شغلا # فهذا يبين أن الكلام حرم عليهم لما رجعوا من عند النجاشي وعبد الله بن ~~مسعود شهد بدرا مع النبي بلا خلاف وهو الذي أجهز على أبي جهل بن هشام فهذا ~~يقتضي ان تحريم الكلام قبل بدر سواء كان بن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة ثم ~~هاجر أو قدم من الحبشة إلى المدينة بعد هجرة النبي فان هذا قد تنوزع فيه ~~فذكر بن إسحاق في السيرة القول الأول وعلى هذا فيكون تحريم الكلام بمكة وهو ~~مقيد كما في PageV21P148 مسند أبي داود الطيالسي عن عبد الله بن عقبة عن بن ~~مسعود قال بعثنا رسول الله إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلا ومعنا جعفر بن أبي ~~طالب فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي وفي آخره فجاء بن مسعود فبادر فشهد ~~بدرا # وللناس في هذا المقام المشتبه ثلاثة أقوال يقولها من يقولها من أصحاب ~~أحمد وغيرهم ms6276 # أحدها وهو قول اصحاب أبي حنيفة والقاضي أبي يعلى وطائفة من أتباعهم أن ~~حديث ذي اليدين متقدم على تحريم الكلام وظنوا أن قضيته كانت قبل بدر ~~واحتجوا بأن ذا اليدين قتل يوم بدر فلا بد أن تكون القضية قبل ذلك قالوا ~~وتحريم الكلام كان بالمدينة بعد ذلك كما في الصحيحين عن زيد بن أرقم قال إن ~~كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت @QB@ ~~حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين @QE@ فأمرنا بالسكوت ~~ونهينا عن الكلام وليس للبخاري ونهينا عن الكلام وفي رواية للترمذي كنا ~~نتكلم خلف رسول الله في الصلاة # وزيد بن أرقم من صغار الأنصار وهو صاحب الاذن الذي وفى PageV21P149 الله ~~باذنه لما بلغ النبي قول بن أبي من المنافقين @QB@ لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل @QE@ وكذبه من كذبه ولامه من لامه من المؤمنين حتى ~~أنزل الله قوله @QB@ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة @QE@ فقال النبي هذا ~~الذي وفى الله باذنه وهو لم يصل مع النبي الا بعد الهجرة فعلم أنهم كانوا ~~يتكلمون بعد الهجرة وذكر أن النسخ حصل بآية المحافظة وهي مدنية بالاتفاق بل ~~قد يقال إنها إنما نزلت عام الخندق لما شغله المشركون عن صلاة العصر حتى ~~قال ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ~~كما ثبت ذلك في الصحيح فقال هؤلاء إذا كانت قصة ذي اليدين قبل بدر ولم يثبت ~~ان الكلام كان قد حرم أو ثبت انه إنما حرم بعد ذلك بل بعد عام الخندق التي ~~هي بعد بدر بأكثر من سنتين كان منسوخا واقصى ما يقال إنه يحتمل أنه كان قبل ~~النسخ ويحتمل أنه بعده فلا يبقى فيه حجة # ونجد كثيرا من الناس ممن يخالف الحديث الصحيح من أصحاب أبي حنيفة أو ~~غيرهم يقول هذا منسوخ وقد اتخذوا هذا محنة كل حديث لا يوافق مذهبهم يقولون ~~هو منسوخ من غير أن يعلموا أنه منسوخ ولا يثبتوا ما الذي نسخه PageV21P150 # وكذلك كثير ms6277 ممن يحتج بالعمل من أهل المدينة اصحاب مالك وغيرهم يقولون هذا ~~منسوخ لكن هؤلاء قد يقولون إن وجود علم اهل المدينة بخلافه دليل نسخه وهذا ~~كثير وما ذكروه في حديث ذي اليدين هو من أبلغ ما قرروه وادعوا أن تحريم ~~الكلام كان بعد ذلك عام الخندق أو نحوه ويقولون في القنوت انه منسوخ وفي ~~دعائه لمعين أو غير معين إنه منسوخ وإن هذا من كلام الآدميين الذي قال فيه ~~رسول الله ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين حتى يبالغوا ~~فيما يبطل الصلاة من هذا النحو كالتنبيه بالقرآن وغيره # وقد ثبت في الصحيحين ايضا عن أبي هريرة أن النبي قنت بعد الركوع في صلاة ~~الصبح شهرا إذا قال سمع الله لمن حمده يقول في قنوته اللهم نج الوليد بن ~~الوليد اللهم نج سلمة بن هشام اللهم نج عياش بن أبي ربيعة اللهم نج ~~المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين ~~كسني يوسف قال أبو هريرة ثم رأيت رسول الله قد ترك الدعاء لهم بعد فقلت أرى ~~رسول الله قد ترك الدعاء لهم قال فقيل أو ما تراهم قد قدموا # وهذا الحديث فيه أنواع من الفقه فان أبا هريرة لم يصل خلف PageV21P151 ~~النبي الا بعد خيبر وخيبر بعد الحديبية وكانت الهدنة التي بينه وبين ~~المشركين في الحديبية على أن لا يدع أحدا منهم يهاجر إليه ولا يرد إليه من ~~ذهب مرتدا منه إليهم فهؤلاء وأمثالهم كانوا من المستضعفين بمكة الذين قهرهم ~~أهلوهم والمسلمون كلهم من بني مخزوم وهم بنو عبد مناف أشرف قبائل قريش وبنو ~~مخزوم كانوا هم الذين ينادون عبد مناف والمحاسدة التي بينهم هي احدى ما ~~منعت أشرافهم كالوليد وأبي جهل وغيرهما من الاسلام فلما قدم بعد الحديبية ~~من قدم من المهاجرين ولحقوا بسيف البحر على الساحل كابي بصير وابي جندل بن ~~سهيل بن عمرو فان النبي لم يجرهم بالشرط فصاروا بأيدي أنفسهم بالساحل ~~يقطعون على اهل مكة حتى أرسل اهل ms6278 مكة حينئذ إلى النبي يسألونه أن يأذن لهم ~~في المقام عنده ليأمنوا قطعهم فقدموا حينئذ أولئك المستضعفون فترك النبي ~~القنوت # وهذا القنوت بعد القنوت الذي رواه أنس أن النبي قنت شهرا يدعو على رعل ~~وذكوان وعصية ثم تركه فان ذلك القنوت كان في أوائل الأمر لما ارسل القراء ~~السبعين أصحاب بئر معونة وذلك متقدم قبل الخندق التي هي قبل الحديبية كما ~~PageV21P152 ثبت ذلك في الصحيح فتبين ان تركه للقنوت لم يكن ترك نسخ إذ قد ~~ثبت أنه قنت بعد ذلك وإنما قنت لسبب فلما زال السبب ترك القنوت كما بين في ~~هذا الحديث أنه ترك الدعاء لهم لما قدموا وليس ايضا قوله في حديث أنس ~~المتفق عليه أن رسول الله قنت شهرا بعد الركوع يدعو على احياء من أحياء ~~العرب ثم تركه أنه ترك الدعاء فقط كما يظنه من ظن أن النبي كان مداوما على ~~القنوت في الفجر بعد الركوع أو قبلة بل ثبت في أحاديث انس التي في الصحيحين ~~أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا وغير ذلك مما يبين ان المتروك كان القنوت # وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا ان من تأمل الأحاديث علم علما ~~يقينا ان النبي لم يداوم على القنوت في شيء من الصلوات لا الفجر ولا غيرها ~~ولهذا لم ينقل هذا أحد من الصحابة بل انكروه ولم ينقل أحد عن النبي حرفا ~~واحدا مما يظن انه كان يدعو به في القنوت الراتب وانما المنقول عنه ما يدعو ~~به في العارض كالدعاء لقوم وعلى قوم فاما ما يدعو به من يستحب المداومة على ~~قنوت الفجر من قول اللهم اهدنا فيمن هديت فهذا انما في السنن انه علمه ~~للحسن يدعو به في قنوت الوتر PageV21P153 # ثم من العجب انه لا يستحب المداومة عليه في الوتر الذي هو من متن الحديث ~~ويداوم عليه في الفجر ولم ينقل عن النبي انه قاله في الفجر ومن المعلوم ~~باليقين الضروري ان القنوت لو كان مما داوم عليه لم يكن هذا ms6279 مما يهمل ~~ولتوفرت دواعي الصحابة ثم التابعين على نقله فانهم لم يهملوا شيئا من أمر ~~الصلاة التي كان يداوم عليها إلا نقلوه بل نقلوا ما لم يكن يداوم عليه ~~كالدعاء في القنوت لمعين وعلى معين وغير ذلك # ودعوى هذا ايضا هي من بعض الوجوه ما يدعيه بعض أهل الأهواء في النص الجلي ~~على معين في الامامة أو من زيادة في القرآن وغير ذلك ولهذا كان المصنفون ~~يفرقون بين بيان ما يمتنع من الكذب وما يمتنع من الكتمان فاذا تكلموا في ~~الأخبار الصادقة التي يمتنع أن تكون كذبا من الأخبار المتواترة تكلموا فيما ~~يمتنع أن يكون من الأخبار للعادة العامة أو الخاصة أو للأدلة الشرعية ~~الدالة على حفظ هذا الدين وأمثال ذلك وبسط هذا له موضع آخر # وأما الدعاء على أهل الكتاب كما يتخذه من يتخذه سنة راتبة في دعاء القنوت ~~في النصف الأخير من شهر رمضان أو غيره فهذا انما هو منقول عن عمر بن الخطاب ~~أنه كان يدعو به لما كان يجاهد اهل الكتاب بالشام وكان يدعو به في المكتوبة ~~وهو موافق لسنة رسول PageV21P154 الله فان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~كان يقنت أحيانا يدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين ويذكر قبائل المشركين الذين ~~يحاربونه كمضر ورعل وذكوان وعصية وعمر لما قاتل أهل الكتاب قنت عليهم في ~~المكتوبة فالسنة أن يقنت عند النازلة ويدعو فيها بما يناسب أولئك القوم ~~المحاربين فأما أن يتخذ قنوت عمر في المكتوبة سنة في الوتر وقنوت الحسن في ~~الوتر سنة في المكتوبة راتبة فهو كما تراه وكذلك في هذا الحديث أنه دعا ~~لأقوام سماهم بأسمائهم بعد خيبر وذلك بعد تحريم الكلام بالاتفاق وان اقتضى ~~ما يقال في تأخر تحريم الكلام في الصلاة أنه تأخر إلى عام الخندق وخيبر بعد ~~الخندق بأكثر من سنتين فان خيبر كانت بالاتفاق بعد الحديبية والحديبية كانت ~~بالاتفاق سنة ست وكان النبي صلى الله عليه وسلم أيضا إنما إعتمر في ذي ~~القعدة فلما صالحهم رجع إلى المدينة فكانت غزوة الغابة غزوة ms6280 ذي قرد التي ~~ذكرها مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع لما جعل يقول % خذها وأنا بن ~~الأكوع % واليوم يوم الرضع % # لما أغارت فزارة على لقاح رسول الله وكانت خيبر عقب ذلك في أواخر ست ~~وأوائل سبع وهذا متفق عليه # وأما الخندق فقبل ذلك إما في أوائل خمس أو أواخر أربع كما في الصحيحين عن ~~عبد الله بن عمر قال عرضت على النبي PageV21P155 يوم أحد وأنا بن أربع عشرة ~~سنة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا بن خمس عشرة سنة فأجازني # وليس لأحد أن يحتج على النسخ بما في الصحيحين عن بن عمر أنه سمع رسول ~~الله إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول اللهم العن ~~فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فأنزل ~~الله @QB@ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون @QE@ ~~فان هذا انما يدل على ترك اللعنة لهم لكونه ليس له من الأمر شيء لجواز ~~توبتهم وهذا اذا كان نهيا فلا فرق فيه بين الصلاة وخارج الصلاة والكلام ~~انما هو في الدعاء الجائز خارج الصلاة كالدعاء لمعينين مستضعفين والدعاء ~~على معينين من الكفار بالنصرة عليهم لا باللعنة ونحو ذلك # والقول الثاني قول من يقول من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم ان تحريم ~~الكلام كان بمكة بناء على أن النسخ ثبت بحديث بن مسعود بناء على ما ذكره بن ~~إسحاق في السيرة قال وبلغ اصحاب رسول الله الذين خرجوا إلى أرض الحبشة ~~اسلام أهل مكة فاقبلوا لما بلغهم من ذلك اسلام أهل مكة الذي كان باطلا فلم ~~يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا فكان من قدم PageV21P156 منهم فأقام ~~بها حتى هاجر إلى المدينة شهد معه بدرا وأحدا فذكر منهم عبد الله بن مسعود # وهؤلاء يجيبون عن حديث زيد بن أرقم بجوابين # أحدهما انه يحتمل أنه كان نهى عنه متقدما ثم أذن فيه ثم نهى عنه لما نزلت ~~الآية # الثاني أنه يحتمل أن ms6281 يكون زيد بن ارقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم ~~نهي النبي فلما نزلت الآية انتهوا # فاما القول الأول فضعيف لوجوه قاطعة # منها ان حديث بن مسعود صحيح صريح وقد علم بالتواتر عند أهل العلم أن بن ~~مسعود شهد بدرا وهو لما رجع من الحبشة أخبر أنه سلم على النبي وأنه لم يرد ~~عليه بعد ما كان يرد عليهم قبل أن يذهبوا إلى الحبشة وانه قال لهم ان في ~~الصلاة لشغلا وفي رواية ان الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا ~~تتكلموا في الصلاة PageV21P157 # الثاني أن أبا هريرة لم يصحب النبي ولم يصل خلفه إلا بعد عام خيبر باتفاق ~~أهل العلم كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة وهو أشهر من روى حديث ذي اليدين ~~وهو ان النبي صلى تلك الصلاة بهم كما في الصحيحين عنه قال صلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم احدى صلاتي العشى الظهر أو العصر فعلم أنها لم تكن قبل ~~عام خيبر بل بعد فتح خيبر فكيف تكون قبل بدر بل خيبر بعد الخندق فلو ثبت أن ~~الكلام لم يحرم إلا عام الخندق لكان حديث ذي اليدين بعد ذلك فلا يكون ~~منسوخا # الثالث أن من رواة حديث ذي اليدين عمران بن حصين كما رواه مسلم وغيره ~~قالوا واسلام عمران كان بعد بدر وقد روى نحوا منه أهل السنن من حديث معاوية ~~بن خديج وقد قيل إنه اسلم قبل موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بشهرين ~~وقد روى حديث ذي اليدين كما رواه أبو هريرة وعبد الله بن عمر رواه أهل ~~السنن قالوا واسناده على شرط الصحيح وبن عمر قبل بدر كان صغيرا فانه عام ~~أحد كان بن أربع عشرة سنة ولا يكاد بن عمر يروي ما كان حينئذ مما كان مثل ~~ذلك كما لم يرو حديث بناء المسجد ونحوه PageV21P158 # الرابع ان قولهم ذو اليدين قبل بدر غلط قالوا فان المقتول ببدر هو ذو ~~الشمالين هو بن عمرو من نضلة بن ms6282 عبسان حليف لبني زهرة من خزاعة قتل ببدر ~~وأما ذو اليدين فاسمه الخرباق ويكنى أبا العريان بقي بعد النبي وروى حديثه ~~في السهو كما ذكره عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن نصر بن معدي بن سليمان ~~ثقة قال أتيت مطرا لأسأله عن حديث ذي اليدين فأتيته فسألته فاذا هو شيخ ~~كبير لا ينفذ الحديث من الكبر فقال ابنه شعيب بلى يا أبت حدثتني أن ذا ~~اليدين لقيك بذي خشب فحدثك أن رسول الله صلى بهم احدى صلاتي العشي وهي ~~العصر ركعتين ثم سلم فخرج سرعان الناس فقالوا قصرت الصلاة وفي القوم أبو ~~بكر وعمر فقال ذو اليدين اقصرت الصلاة أم نسيت فقال ما قصرت الصلاة ولا ~~نسيت ثم اقبل على أبي بكر وعمر فقال ما يقول ذو اليدين فقالا صدق يا رسول ~~الله فرجع رسول الله وثاب الناس وصلى بهم ركعتين ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو # ورواه عبد الله بن أحمد ايضا عن محمد بن المثني عن معدي بن سليمان عن ~~شعيب بن مطر ومطر جاء من يصدقه بمقالته وهذا السياق موافق لسياق أبي هريرة ~~وبن عمر في ان السلام كان من PageV21P159 ركعتين وفي حديث عمران أنه من ~~ثلاث وكذلك في حديث رافع وفيه الجزم بأنها العصر كما في حديث عمران وغيره ~~وهل كانت القصة مرة أو مرتين هذا فيه نزاع ليس هذا موضعه # والمقصود هنا أنه اذا ثبت أن حديث ذي اليدين محكم ثبت به ان مثل ذلك ~~الكلام والفعال لا يبطل الصلاة وهنا أقوال في مذهب أحمد وغيره فعنه أن كلام ~~الناسي والمخطئ لا يبطل وهذا قول مالك والشافعي وهو أقوى الأقوال ومما ~~يؤيده حديث معاوية بن الحكم السلمي لما شمت العاطس في الصلاة فلما سمعه ~~النبي قال له ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين ولم يأمره ~~بالاعادة وهذا كان جاهلا بتحريم الكلام وفي الجاهل لأصحاب أحمد طريقان # أحدهما أنه كالناسي # والثاني أنه لا تبطل صلاته وان بطلت صلاة الناسي لأن ms6283 النسخ لا يثبت حكمه ~~إلا بعد العلم بالناسخ # وهذا الفرق ضعيف هنا لأن هذا إنما يكون فيمن تمسك بالمنسوخ ولم يبلغه ~~الناسخ كما كان أهل قباء وأما هنا فلم يكن بلغه المنسوخ PageV21P160 بحال ~~فالنهي في حقه حكم مبتدا لكن هل يثبت الحكم في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب ~~فيه ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد وغيرهم # أحدها انه يثبت مطلقا # والثاني لا يثبت مطلقا # والثالث الفرق بين الحكم الناسخ والحكم المبتدأ # وعلى هذا يقال الجاهل لم يبلغه حكم الخطاب وقد يفرق بين الناسي والجاهل ~~ألا ترى من نام عن صلاة أو نسيها فانه يعيدها باتفاق المسلمين وكذلك من ترك ~~شيئا من فروضها نسيانا ثم ذكر قبل أن يذكر أنه صلى بلا وضوء أو ترك القراءة ~~أو الركوع ونحو ذلك فانه يعيد وأما من نسي واجبا كالتشهد الأول فانه يسجد ~~قبل السلام فان تعمد تركه ففي بطلان صلاته وجهان أشهرهما تبطل ولو نسيه ~~مطلقا لم تبطل صلاته فهنا قد أثر النسيان في سقوط الواجب مطلقا # وأما الجاهل فلو صلى غير عالم بوجوب الوضوء من لحم الابل أو صلى في ~~مباركها غير عالم بالنهي ثم بلغه ففي الاعادة روايتان لكن الأظهر في الحجة ~~أنه لا يعيد كما قد بسطناه في غير هذا الموضع PageV21P161 # ومما يقرر هذا في كلام الجاهل في الصلاة أحاديث # منها حديث بن مسعود حديث التشهد المستفيض انه قال كنا نقول في الصلاة ~~السلام على الله من عباده السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان ~~فنهاهم النبي عن ذلك وقال ان الله هو السلام ولم يأمرهم باعادة الصلوات ~~التي قالوا ذلك فيها مع أن هذا الكلام حرام في نفسه فانه لا يجوز ان يدعى ~~لله بالسلام بل هو المدعو ولما كانوا جهالا بتحريم ذلك لم يأمرهم بالاعادة ~~ومن ذلك الأعرابي الذي قال اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا وقال ~~لقد تحجرت واسعا يريد رحمة الله وهذا الدعاء حرام فانه سؤال الله أن لا ~~يرحم من خلقه غيرهما ومن ذلك قول ms6284 القائل لما صلى بهم أبو موسى أقرنت الصلاة ~~بالبر والزكاة فقال أبو موسى يا حطان لعلك قلتها فقلت ما قلتها ولقد خشيت ~~أن تنكعني بها ولم يأمرني أبو موسى بالاعادة # وعلى هذا فكلام العامد في مصلحتها فيه روايتان عن أحمد # إحداهما يجوز وهو قول مالك # والثانية لا يجوز وهو قول الشافعي PageV21P162 وفيه رواية ثالثة ان ~~الكلام يبطل إلا إذا كان لمصلحتها سواء كان عمدا أو سهوا # وفيه رواية رابعة إلا لمصلحتها سهوا وهو اختيار جدي # وفيه رواية خامسة تبطل إلا صلاة إمام تكلم لمصلحتها سواء كان عمدا أو ~~سهوا # ومنشأ التردد أنه تكلم ذو اليدين ابتداء وتكلم جوابا للنبي بقوله بلى قد ~~نسيت بعد قول النبي لم أنس ولم تقصر وتكلم النبي بذلك وبقوله احق ما يقول ~~ذو اليدين وتكلم المخاطبون بتصديق ذي اليدين فقيل إنما جاز ذلك لكونه لم ~~يعتقد أنه في الصلاة وكذلك ذو اليدين سؤاله له هو بمنزلة سلامه والمؤمنين ~~معه اتباعا له فانهم لم يكونوا يعلمون أنه نسي بل جوز أن تكون الصلاة قصرت ~~وكذلك سائر الصحابة لو علموا أنه نسي وأن متابعة الناسي في السلام لا تجوز ~~لسبحوا به لكن لم يعلموا بجميع الأمرين قطعا بل جوزوا أحدهما أو كلاهما بل ~~كانوا يعتقدون وجوب المتابعة له في الصلاة مطلقا حتى يتبين لهم # فقيل لهؤلاء فالمصلون أجابوه بتصديق ذي اليدين مع علمهم بأنها ~~PageV21P163 لم تقصر وأنه نسي فظن بعضهم ذلك لأن جوابه واجب لا يبطل الصلاة ~~لحديث سعد بن المعلى وظن آخرون أن ذلك لمصلحة الصلاة فجوزوا الكلام لمصلحة ~~الصلاة عمدا وظن آخرون أن ذلك إنما كان سهوا لأنهم لم يكونوا يعلمون أنه قد ~~بقي عليهم بقية من الصلاة وأن من بقي عليه بقية لا يتكلم # ثم قال آخرون هذا الكلام وكلام النبي وذي اليدين مع كون ذلك سهوا فانما ~~كان لمصلحة الصلاة والمقصود هنا أن من تكلم في صلب الصلاة عالما أنه في ~~صلاته بنحو هذا سهوا وعمدا لمصلحة الصلاة هل يكون بمنزلة هذا هذا ms6285 فيه قولان ~~في مذهب أحمد وغيره فمن لم يسو بينهما قال هذه الحال لم يكونوا في صلاة ~~لخروجهم منها سهوا وإن كانوا في حكمها كما ذكرنا فلهذا شاع هذا ومن يسوي ~~بينهما قال سائر محظورات الصلاة هي في مثل هذه الحال كما هي في الصلاة ~~نفسها فان التفريق هنا انما جاز لعذر السهو فلا يفيد فعل شيء مما ينافي ~~الصلاة ولهذا اتفقوا على أنه اذا تعمد في مثل هذه الحال ما يبطل الصلاة ~~لغير مصلحة بطلت صلاته وإن كانت لا تبطل إذا فعل ذلك بعد سلام الامام وذلك ~~أن المصلي صلى الصلاة وترك منافيها فاذا عفي عنه في أحدهما لعذر لم يجز أن ~~يعفى عنه في الآخر لغير عذر كما لو زاد الفعل عمدا فانه بعد PageV21P164 ~~الذكر لو أطال الفصل عمدا لم يكن له البناء بل يبتدئ الصلاة ولهذا لو فعل ~~منافيها سهوا من كلام أو عمل كثير ونحو ذلك لم يكن له مع ذلك أن يفرقها ~~عمدا # فتبين بهذا كله وجوب الموالاة في الصلاة إلا في حال العذر المسوغ لذلك ~~فالوضوء أولى بذلك # فان قيل فما تقولون في الغسل # قيل المشهور عند أصحاب أحمد الفرق بينهما وعمدة ذلك ما روى أن النبي رأى ~~على يده لمعة لم يصبها الماء فعصر عليها شعره وعن بن عباس أن النبي اغتسل ~~من جنابة فرأى لمعة لم يصبها الماء فقال بجمته قبلها عليها رواه أحمد وبن ~~ماجة من حديث أبي علي السروجي وقد ضعف أحمد وغيره حديثه وروى بن ماجة عن ~~علي قال جاء رجل إلى النبي فقال إني إغتسلت من الجنابة فصليت الفجر ثم ~~أصبحت فرأيت موضعا قدر الظفر لم يصبه ماء فقال رسول الله لو كنت مسحت عليه ~~بيدك أجزأك وعن بن مسعود أن رجلا سأل النبي عن الرجل يغتسل من الجنابة ~~فيخطئ بعض جسده فقال رسول الله PageV21P165 يغسل ذلك المكان ثم يصلي رواه ~~البيهقي من رواية عاصم بن عبد العزيز الأشجعي قال البخاري فيه نظر وقال بن ~~حبان يخطئ كثيرا ms6286 وقال الدارقطني ليس بالقوي # والفرق المعنوي أن أعضاء الوضوء متعددة يجب فيها الترتيب عندهم فوجبت ~~فيها الموالاة والبدن في الغسل كالعضو الواحد لا يجب فيه ترتيب فلا يجب فيه ~~موالاة أيضا فان حكم الوضوء يتعدى محله فانه يغسل أربعة اعضاء فيطهر جميع ~~البدن وأما الجنابة فتشبه إزالة النجاسة لا يتعدى حكمه محله فكل ما غسل ~~شيئا ارتفع عنه الجنابة كما ترتفع النجاسة عن محل الغسل فاذا غسل بعض أعضاء ~~الوضوء لم يرتفع شيء من الحدث لا عنه ولا عن غيره بدليل أنه لايباح له مس ~~المصحف به # وقد يقال هذا لا يؤثر في الموالاة فان وجوب الموالاة في الشيء الواحد ~~أقوى من وجوبها في الاثنين بخلاف الترتيب فانه لا يكون الا بين شيئين ولا ~~بد أن يكونا مختلفين إذ المتماثلات كالطوافات والسعيات لا يكون بينهما ~~ترتيب ولهذا لم يجب الترتيب عند أحمد ومالك في الركعات بل من نسي ركنا من ~~ركعة فلم يذكر حتى قرأ في الثانية قامت مقامها وغسل الجنابة عبادة واحدة ~~الاتصال فيها اظهر منه في الوضوء وهي عبادة في نفسها PageV21P166 تعتبر لها ~~النية بخلاف إزالة النجاسة فانها لا تتعين لها النية إلا في وجه ضعيف ~~التزموه في الخلاف الجدلي كما ذكره أبو الخطاب ومن تبعه وليس بشيء فيمكن أن ~~يقال الموالاة فيهما واحدة # وإذا كان النبي قد عصر على اللمعة بعد جفافها في الزمن المعتدل وأن ~~الوضوء لا يجوز فيه ذلك فالفرق أن تارك اللمعة في الرجل مفرط بخلاف المغتسل ~~من الجنابة فانه لا يرى بدنه كما يرى رجليه فاللمعة اذا كانت في ظهره أو ~~حيث لا يراه ولا يمكنه مسه كان معذورا في تركها فلهذا لم تجب فيه الموالاة ~~بخلاف ما لا يعذر فيه والله أعلم # وعلى هذا فلو قيل بسقوط الترتيب بالعذر لتوجه وقد يخرج حديث تأخير ~~المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه وهو احدى الروايتين المنصوصتين على هذا ~~وأن تاركهما لم يعلم وجوبهما فكان معذورا بالترك فلم يجب الترتيب في ذلك ~~بخلاف من لم يعذر ms6287 كمنكس الأعضاء الظاهرة ولكن نظيره حديث العهد بالاسلام ~~إذا اعتقد أن الوضوء غسل اليدين والرجلين فغسلهما فقط أو من ترك غسل وجهه ~~أو يديه لجرح أو مرض وغسل سائر أعضاء الوضوء ثم زال العذر قبل انتقاض ~~الوضوء فهنا اذا قيل يغسل ما ترك أولا ولا يضره ترك الترتيب كان متوجها على ~~هذا الأصل والله أعلم PageV21P167 ### |||| وسئل # عمن يغسل اطرافه فوق الخمس مرات وإذا اتى المسجد يبسط سجادته تحت قدميه ~~إلى آخر السؤال ### ||||| فأجاب # ما ذكره من الوسوسة في الطهارة مثل غسل العضو أكثر من ثلاث مرات ~~والامتناع من الصلاة على حصر المسجد ونحو ذلك هو أيضا بدعة وضلالة باتفاق ~~المسلمين ليس ذلك مستحبا ولا طاعة ولا قربة # ومن فعل ذلك على أنه عبادة وطاعة فانه ينهى عن ذلك فان امتنع عزر على ذلك ~~فقد كان عمر رضي الله عنه يعزر الناس على الصلاة بعد العصر مع أن جماعة ~~فعلوه لما روي عن النبي أنه فعله وداوم عليه لكن لما كان ذلك من خصائصه ~~وكان النبي قد نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الفجر حتى تطلع ~~الشمس كان عمر يضرب من فعل هذه الصلاة فضرب هؤلاء المبتدعين في الطهارة ~~والصلاة لكونها بدعة مذمومة باتفاق المسلمين أولى وأحرى والله أعلم ~~PageV21P168 ### |||| وسئل # أيما أفضل المداومة على الوضوء أم ترك المداومة ### ||||| فاجاب # أما الوضوء عند كل حدث ففيه حديث بلال المعروف عن بريدة بن حصيب ~~قال أصبح رسول الله فدعا بلالا فقال يا بلال بم سبقتني إلى الجنة ما دخلت ~~الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي ~~فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت لمن هذا القصر فقالوا لرجل عربي فقلت ~~أنا عربي لمن هذا القصر فقالوا لرجل من قريش قلت أنا رجل من قريش لمن هذا ~~القصر فقالوا لعمر بن الخطاب فقال بلال يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ~~ركعتين وما أصابني حدث قط الا توضأت عندها فرأيت أن لله علي ركعتين ms6288 فقال ~~رسول الله بهما قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح # وهذا يقتضي استحباب الوضوء عند كل حدث ولا يعارض ذلك الحديث الذي في ~~الصحيح عن بن عباس قال كنا عند النبي PageV21P169 فجاء من الغائط فأتى ~~بطعام فقيل له ألا تتوضأ قال لم أصل فأتوضأ فان هذا ينفي وجوب الوضوء وينفي ~~أن يكون مأمورا بالوضوء لأجل مجرد الأكل ولم نعلم احدا استحب الوضوء للأكل ~~وهل يكره أو يستحب على قولين هما روايتان عن أحمد فمن استحب ذلك احتج بحديث ~~سلمان أنه قال للنبي قرأت في التوراة إن من بركة الطعام الوضوء قبله ~~والوضوء بعده ومن كرهه قال لأن هذا خلاف سنة المسلمين فانهم لم يكونوا ~~يتوضؤون قبل الأكل وإنما كان هذا من فعل اليهود فيكره التشبه بهم وأما حديث ~~سلمان فقد ضعفه بعضهم # وقد يقال كان هذا في أول الاسلام لما كان النبي يحب موافقة أهل الكتاب ~~فيما لم يؤمر فيه بشيء ولهذا كان يسدل شعره موافقة لهم ثم فرق بعد ذلك ~~ولهذا صام عاشوراء لما قدم المدينة ثم انه قال قبل موته لئن عشت إلى قابل ~~لأصومن التاسع يعني مع العاشر لأجل مخالفة اليهود PageV21P170 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن قول النبي إنكم تأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء وهذه صفة ~~المصلين فبم يعرف غيرهم من المكلفين التاركين والصبيان ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذا الحديث دليل على أنه إنما يعرف من كان ~~أغر محجلا وهم الذين يتوضؤون للصلاة وأما الأطفال فهم تبع للرجال وأما من ~~لم يتوضأ قط ولم يصل فانه دليل على أنه لا يعرف يوم القيامة PageV21P171 ### || 1 ( مسألة شرط الخف الذي يمسح عليه ) 1 ### ||| 2 باب المسح على الخفين 2 ### |||| ! 8 < سئل رحمه الله # عن أقوال العلماء في المسح على الخفين هل من شرطه أن يكون الخف غير مخرق ~~حتى لا يظهر شيء من القدم وهل للتخريق حد وما القول الراجح بالدليل كما قال ~~تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ms6289 ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ فان الناس يحتاجون إلى ذلك ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها قولان مشهوران للعلماء فمذهب مالك وأبي حنيفة وبن ~~المبارك وغيرهم أنه يجوز المسح على ما فيه خرق يسير مع اختلافهم في حد ذلك ~~واختار هذا بعض أصحاب أحمد # ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا يجوز المسح إلا على ما يستر جميع محل ~~الغسل قالوا لأنه إذا ظهر بعض القدم كان فرض ما ظهر الغسل وفرض ما بطن ~~المسح فيلزم أن يجمع بين الغسل PageV21P172 والمسح أي بين الأصل والبدل ~~وهذا لا يجوز لأنه إما أن يغسل القدمين وأما أن يمسح على الخفين # والقول الأول أصح وهو قياس أصول أحمد ونصوصه في العفو عن يسير العورة وعن ~~يسير النجاسة ونحو ذلك فان السنة وردت بالمسح على الخفين مطلقا قولا من ~~النبي وفعلا كقول صفوان بن عسال أمرنا رسول الله إذا كنا سفرا أو مسافرين ~~أن لا ننزع أخفافنا ثلاثة ايام ولياليهن إلا من جنابة ولكن لا ننزع من غائط ~~وبول ونوم رواه اهل السنن وصححه الترمذي فقد بين أن رسول الله أمر أمته أن ~~لا ينزعوا أخفافهم في السفر ثلاثة أيام من الغائط والبول والنوم ولكن ~~ينزعوها من الجنابة # وكذلك أمره لأصحابه أن يمسحوا على التساخين والعصائب والتساخين هي الخفان ~~فانها تسخن الرجل وقد استفاض عنه في الصحيح أنه مسح على الخفين وتلقى ~~أصحابه عنه ذلك فاطلقوا القول بجواز المسح على الخفين ونقلوا أيضا امره ~~مطلقا كما في صحيح مسلم عن شريح بن هانئ قال أتيت عائشة أسألها عن المسح ~~على الخفين فقالت عليك بابن أبي طالب فاسأله فانه كان يسافر مع النبي ~~فسألناه فقال جعل النبي ثلاثة ايام PageV21P173 للمسافر ويوما وليلة للمقيم ~~أي جعل له المسح على الخفين فاطلق ومعلوم أن الخفاف في العادة لا يخلو كثير ~~منها عن فتق أو خرق لا سيما مع تقادم عهدها وكان كثير من الصحابة فقراء لم ~~يكن يمكنهم تجديد ذلك ولما سئل النبي عن الصلاة في الثوب الواحد ms6290 فقال أو ~~لكلكم ثوبان وهذا كما ان ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج ~~لترقيع فكذلك الخفاف # والعادة في الفتق اليسير في الثوب والخف أنه لا يرقع وإنما يرقع الكثير ~~وكان أحدهم يصلي في الثوب الضيق حتى أنهم كانوا إذا سجدوا تقلص الثوب فظهر ~~بعض العورة وكان النساء نهين عن أن يرفعن رؤوسهن حتى يرفع الرجال رؤوسهم ~~لئلا يرين عورات الرجال من ضيق الأزر مع أن ستر العورة واجب في الصلاة ~~وخارج الصلاة بخلاف ستر الرجلين بالخف فلما اطلق الرسول الأمر بالمسح على ~~الخفاف مع علمه بما هي عليه في العادة ولم يشترط ان تكون سليمة من العيوب ~~وجب حمل أمره على الاطلاق ولم يجز أن يقيد كلامه إلا بدليل شرعي # وكان مقتضى لفظه أن كل خف يلبسه الناس ويمشون فيه فلهم أن يمسحوا عليه ~~وان كان مفتوقا أو مخروقا من غير تحديد لمقدار ذلك فان التحديد لا بد له من ~~دليل وأبو حنيفة يحده بالربع كما يحد مثل PageV21P174 ذلك في مواضع قالوا ~~لأنه يقال رأيت الانسان اذا رأيت أحد جوانبه الأربع فالربع يقوم مقام ~~الجميع وأكثر الفقهاء ينازعون في هذا ويقولون التحديد بالربع ليس له أصل من ~~كتاب ولا سنة # وأيضا فأصحاب النبي الذين بلغوا سنته وعملوا بها لم ينقل عن أحد منهم ~~تقييد الخف بشيء من القيود بل أطلقوا المسح على الخفين مع علمهم بالخفاف ~~وأحوالها فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم جواز المسح على الخفين مطلقا # وأيضا فكثير من خفاف الناس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم فلو ~~لم يجز المسح عليها بطل مقصود الرخصة لا سيما والذين يحتاجون إلى لبس ذلك ~~هم المحتاجون وهم أحق بالرخصة من غير المحتاجين فان سبب الرخصة هو الحاجة ~~ولهذا قال النبي لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد أو لكلكم ثوبان بين أن ~~فيكم من لا يجد الا ثوبا واحدا فلو أوجب الثوبين لما امكن هؤلاء أداء ~~الواجب # ثم انه أطلق الرخصة فكذلك هنا ms6291 ليس كل انسان يجد خفا سليما فلو لم يرخص ~~إلا لهذا لزم المحاويج خلع خفافهم وكان الزام غيرهم بالخلع أولى ثم إذا كان ~~إلى الحاجة فالرخصة عامة وكل من PageV21P175 لبس خفا وهو متطهر فله المسح ~~عليه سواء كان غنيا أو فقيرا وسواء كان الخف سليما أو مقطوعا فانه اختار ~~لنفسه ذلك وليس هذا مما يجب فعله لله تعالى كالصدقة والعتق حتى تشترط فيه ~~السلامة من العيوب # وأما قول المنازع ان فرض ما ظهر الغسل وما بطن المسح فهذا خطأ بالاجماع ~~فانه ليس كل ما بطن من القدم يمسح على الظاهر الذي يلاقيه من الخف بل اذا ~~مسح ظهر القدم أجزأه وكثير من العلماء لا يستحب مسح أسفله وهو إنما يمسح ~~خططا بالأصابع فليس عليه أن يمسح جميع الخف كما عليه أن يمسح الجبيرة فان ~~مسح الجبيرة يقوم مقام غسل نفس العضو فانها لما لم يمكن نزعها الا بضرر ~~صارت بمنزلة الجلد وشعر الرأس وظفر اليد والرجل بخلاف الخف فانه يمكنه نزعه ~~وغسل القدم ولهذا كان مسح الجبيرة واجبا ومسح الخفين جائزا ان شاء مسح وان ~~شاء خلع # ولهذا فارق مسح الجبيرة الخف من خمسة أوجه # أحدها ان هذا واجب وذلك جائز # الثاني ان هذا يجوز في الطهارتين الصغرى والكبرى فانه لا يمكنه الا ذلك ~~ومسح الخفين لا يكون في الكبرى بل عليه أن PageV21P176 يغسل القدمين كما ~~عليه أن يوصل الماء إلى جلد الرأس والوجه وفي الوضوء يجزئه المسح على ظاهر ~~شعر الرأس وغسل ظاهر اللحية الكثيفة فكذلك الخفاف يمسح عليها في الصغرى ~~فانه لما احتاج إلى لبسها صارت بمنزلة ما يستر البشرة من الشعر الذي يمكن ~~ايصال الماء إلى باطنه ولكن فيه مشقة والغسل لا يتكرر # الثالث ان الجبيرة يمسح عليها إلى ان يحلها ليس فيها توقيت فان مسحها ~~للضرورة بخلاف الخف فان مسحه مؤقت عند الجمهور فان فيه خمسة أحاديث عن ~~النبي لكن لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر مثل أن يكون هناك برد شديد متى ~~خلع ms6292 خفيه تضرر كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها أو كان في رفقة متى خلع وغسل ~~لم ينتظروه فينقطع عنهم فلا يعرف الطريق أو يخاف اذا فعل ذلك من عدو أو سبع ~~أو كان اذا فعل ذلك فاته واجب ونحو ذلك فهنا قيل انه يتيمم وقيل انه يمسح ~~عليهما للضرورة وهذا اقوى لأن لبسهما هنا صار كلبس الجبيرة من بعض الوجوه ~~فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوما وليلة وثلاثة أيام ولياليهن وليس ~~فيها النهي عن الزيادة الا بطريق المفهوم والمفهوم لا عموم له فاذا كان ~~يخلع بعد الوقت عند امكان ذلك عمل بهذه الأحاديث PageV21P177 # وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن عامر لما خرج من دمشق إلى المدينة يبشر الناس ~~بفتح دمشق ومسح أسبوعا بلا خلع فقال له عمر أصبت السنة وهو حديث صحيح وليس ~~الخف كالجبيرة مطلقا فانه لا يستوعب بالمسح بحال ويخلع في الطهارة الكبرى ~~ولا بد من لبسه على طهارة لكن المقصود انه اذا تعذر خلعه فالمسح عليه أولى ~~من التيمم وان قدر أنه لا يمكن خلعه في الطهارة الكبرى فقد صار كالجبيرة ~~يمسح عليه كله كما لو كان على رجله جبيرة يستوعبها # وأيضا فان المسح على الخفين أولى من التيمم لأنه طهارة بالماء في ما يغطي ~~موضع الغسل وذاك مسح بالتراب في عضوين آخرين فكان هذا البدل أقرب إلى الأصل ~~من التيمم ولهذا لو كان جريحا وأمكنه مسح جراحه بالماء دون الغسل فهل يمسح ~~بالماء أو يتيمم فيه قولان هما روايتان عن أحمد ومسحهما بالماء أصح لأنه ~~إذا جاز مسح الجبيرة ومسح الخف وكان ذلك أولى من التيمم فلأن يكون مسح ~~العضو بالماء أولى من التيمم بطريق الأولى # الرابع ان الجبيرة يستوعبها بالمسح كما يستوعب الجلد لأن مسحها كغسله ~~وهذا أقوى على قول من يوجب مسح جميع الرأس PageV21P178 # الخامس ان الجبيرة يمسح عليها وان شدها على حدث عند أكثر العلماء وهو ~~احدى الروايتين عن أحمد وهو الصواب # ومن قال لا يمسح عليها الا اذا لبسها على طهارة ليس ms6293 معه الا قياسها على ~~الخفين وهو قياس فاسد فان الفرق بينهما ثابت من هذه الوجوه ومسحها كمسح ~~الجلدة ومسح الشعر ليس كمسح الخفين وفي كلام الامام أحمد ما يبين ذلك وانها ~~ملحقة عنده بجلدة الانسان لا بالخفين وفي ذلك نزاع لأن من أصحابه من يجعلها ~~كالخفين ويجعل البرء كانقضاء مدة المسح فيقول ببطلان طهارة المحل كما قالوا ~~في الخف والأول أصح وهو انها اذا سقطت سقوط برء كان بمنزلة حلق شعر الرأس ~~وتقليم الأظفار وبمنزلة كشط الجلد لا يوجب اعادة غسل الجنابة عليها اذا كان ~~قد مسح عليها من الجنابة وكذلك في الوضوء لا يجب غسل المحل ولا اعادة ~~الوضوء كما قيل أنه يجب في خلع الخف والطهارة وجبت في المسح على الخفين ~~ليكون اذا أحدث يتعلق الحدث بالخفين فيكون مسحهما كغسل الرجلين بخلاف ما ~~اذا تعلق الحدث بالقدم فانه لا بد من غسله # ثم قيل ان المسح لا يرفع الحدث عن الرجل فاذا خلعها كان كأنه لا يمسح ~~عليها فيغسلها عند من لا يشترط الموالاة ومن يشترط الموالاة يعيد الوضوء ~~وقيل بل حدثه ارتفع رفعا مؤقتا PageV21P179 إلى حين انقضاء المدة وخلع الخف ~~لكن لما خلعه انقضت الطهارة فيه والطهارة الصغرى لا تتبعض لا في ثبوتها ولا ~~في زوالها فان حكمها يتعلق بغير محلها فانها غسل أعضاء أربعة والبدن كله ~~يصير طاهرا فاذا غسل عضو أو عضوان لم يرتفع الحدث حتى يغسل الأربعة وإذا ~~انتقض الوضوء في عضو انتقض في الجميع # ومن قال هذا قال انه يعيد الوضوء ومثل هذا منتف في الجبيرة فان الجبيرة ~~يمسح عليها في الطهارة الكبرى ولا يجزئ فيها البدل فعلم أن المسح عليها ~~كالمسح على الجلد والشعر # ومن قال من أصحابنا أنه اذا سقطت لبرء بطلت الطهارة أو غسل محلها واذا ~~سقطت لغير برء فعلى وجهين فانهم جعلوها مؤقتة بالبرء وجعلوا سقوطها بالبرء ~~كانقطاع مدة المسح # وأما اذا سقطت قبل البرء فقيل هي كما لو خلع الخف قبل المدة وقيل لا تبطل ~~الطهارة هنا لأنه ms6294 لا يمكن غسلها قبل البرء بخلاف الرجل فانه يمكن غسلها إذا ~~خلع الخف فلهذا فرقوا بينها وبين الخف في أحد الوجهين فانه اذا تعذر غسلها ~~بقيت الطهارة بخلاف ما بعد البرء فانه يمكن غسل محلها PageV21P180 # والقول بأن البرء كالوقت في الخفين ضعيف فان طهارة الجبيرة لا توقيت فيها ~~أصلا حتى يقال اذا انقضى الوقت بطلت الطهارة بخلاف المسح على الخفين فانه ~~مؤقت ونزعها مشبه بخلع الخف وهو أيضا تشبيه فاسد فانه ان شبه بخلعه قبل ~~انقضاء المدة ظهر الفرق وإنما يشبه هذا نزعها قبل البرء وفيه الوجهان وان ~~شبه بخلعه قبل انقضاء المدة فوجود الخلع كعدمه فانه لا يجوز له حينئذ ان ~~يمسح على الخفين لأن الشارع أمره بخلعها في هذه الحال بخلاف الجبيرة فان ~~الشارع لم يجعل لها وقتا بل جعلها بمنزلة ما يتصل بالبدن من جلد وشعر وظفر ~~وذاك اذا احتاج الرجل إلى ازالته ازاله ولم تبطل طهارته # وقد ذهب بعض السلف إلى بطلانها وانه يطهر موضعه وهذا مشبه قول من قال مثل ~~ذلك في الجبيرة # ومن الناس من يقول خلع الخف لا يبطل الطهارة والقول الوسط أعدل الأقوال ~~والحاق الجبيرة بما يتصل بالبدن أولى كالوسخ الذي على يده والحناء والمسح ~~على الجبيرة واجب لا يمكنه تخيير بينه وبين الغسل فلو لم يجز المسح عليها ~~اذا شدها وهو محدث نقل إلى التيمم وقد قدمنا أن طهارة المسح بالماء في محل ~~الغسل الواجب عليه أولى من طهارة المسح بالتراب في غير محل الغسل الواجب ~~لأن الماء PageV21P181 أولى من التراب وما كان في محل الفرض فهو أولى به ~~مما يكون في غيره فالمسح على الخفين وعلى الجبيرة وعلى نفس العضو كل ذلك ~~خير من التيمم حيث كان ولأنه اذا شدها على حدث مسح عليها في الجنابة ففي ~~الطهارة الصغرى أولى # وان قيل انه لا يمسح عليها من الجنابة حتى يشدها على الطهارة كان هذا ~~قولا بلا أصل يقاس عليه وهو ضعيف جدا # وان قيل بل اذا شدها على الطهارة من ms6295 الجنابة مسح عليها بخلاف ما اذا شدها ~~وهو جنب # قيل هو محتاج إلى شدها على الطهارة من الجنابة فانه قد يجنب والماء يضر ~~جراحه ويضر العظم المكسور ويضر الفصاد فيحتاج حينئذ ان يشده بعد الجنابة ثم ~~يمسح عليها وهذه من أحسن المسائل # والمقصود هنا ان مسح الخف لا يستوعب فيه الخف بل يجزئ فيه مسح بعضه كما ~~وردت به السنة وهو مذهب الفقهاء قاطبة فعلم بذلك أنه ليس كل ما بطن من ~~القدم مسح ما يليه من الخف بل اذا مسح ظهر القدم كان هذا المسح مجزئا عن ~~باطن القدم وعن العقب PageV21P182 # وحينئذ فاذا كان الخرق في موضع ومسح موضعا آخر كان ذلك مسحا مجزئا عن غسل ~~جميع القدم لا سيما اذا كان الخرق في مؤخر الخف وأسفله فان مسح ذلك الموضع ~~لا يجب بل ولا يستحب ولو كان الخرق في المقدم فالمسح خطوط بين الأصابع # فان قيل مرادنا أن ما بطن يجزئ عنه المسح وما ظهر يجب غسله # قيل هذا دعوى محل النزاع فلا تكون حجة فلا نسلم أن ما ظهر من الخف المخرق ~~فرضه غسله فهذا رأس المسألة فمن احتج به كان مثبتا للشيء بنفسه # وان قالوا بأن المسح انما يكون على مستور أو مغطى ونحو ذلك كانت هذه كلها ~~عبارات عن معنى واحد وهو دعوى رأس المسألة بلا حجة أصلا والشارع أمرنا ~~بالمسح على الخفين مطلقا ولم يقيده والقياس يقتضي أنه لا يقيد # والمسح على الخفين قد اشترط فيه طائفة من الفقهاء شرطين # هذا أحدهما وهو أن يكون ساترا لمحل الفرض وقد تبين ضعف هذا الشرط ~~PageV21P183 # والثاني أن يكون الخف يثبت بنفسه وقد اشترط ذلك الشافعي ومن وافقه من ~~أصحاب أحمد فلو لم يثبت الا بشده بشيء يسير أو خيط متصل به أو منفصل عنه ~~ونحو ذلك لم يمسح وان ثبت بنفسه لكنه لا يستر جميع المحل الا بالشد ~~كالزربول الطويل المشقوق يثبت بنفسه لكن لا يستر إلى الكعبين الا بالشد ~~ففيه وجهان أصحهما أنه يمسح عليه ms6296 وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد بل ~~المنصوص عنه في غير موضع انه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا ~~بأنفسهما بل بنعلين تحتهما وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين فإذا ~~كان أحمد لا يشترط في الجوربين أن يثبتا بأنفسهما بل اذا ثبتا بالنعلين جاز ~~المسح عليهما فغيرهما بطريق الأولى وهنا قد ثبتا بالنعلين وهما منفصلان عن ~~الجوربين فاذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح عليهما أولى بالجواز # واذا كان هذا في الجوربين فالزربول الذي لا يثبت الا بسير يشده به متصلا ~~به أو منفصلا عنه أولى بالمسح عليه من الجوربين # وهكذا ما يلبس على الرجل من فرو وقطن وغيرهما اذا ثبت ذلك بشدهما بخيط ~~متصل أو منفصل مسح عليهما بطريق الأولى # فان قيل فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف وهو ان PageV21P184 يلف على ~~الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك # قيل في هذا وجهان ذكرهما الحلواني والصواب أنه يمسح على اللفائف وهي ~~بالمسح أولى من الخف والجورب فان تلك اللفائف انما تستعمل للحاجة في العادة ~~وفي نوعها ضرر إما إصابة البرد وإما التأذي بالحفاء وإما التأذي بالجرح ~~فاذا جاز المسح على الخفين والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى # ومن ادعى في شيء من ذلك اجماعا فليس معه الا عدم العلم ولا يمكنه أن ينقل ~~المنع عن عشرة من العلماء المشهورين فضلا عن الاجماع والنزاع في ذلك معروف ~~في مذهب أحمد وغيره وذلك أن أصل المسح على الخفين خفي على كثير من السلف ~~والخلف حتى أن طائفة من الصحابة أنكروه وطائفة من فقهاء أهل المدينة وأهل ~~البيت انكروه مطلقا وهو رواية عن مالك والمشهور عنه جوازه في السفر دون ~~الحضر # وقد صنف الامام أحمد كتابا كبيرا في الأشربة في تحريم المسكر ولم يذكر ~~فيه خلافا عن الصحابة فقيل له في ذلك فقال هذا صح فيه الخلاف عن الصحابة ~~بخلاف المسكر ومالك مع سعة علمه وعلو PageV21P185 قدره قال في كتاب السر ms6297 ~~لأقولن قولا لم أقله قبل ذلك في علانية وتكلم بكلام مضمونه انكاره اما ~~مطلقا واما في الحضر وخالفه أصحابه في ذلك وقال بن وهب هذا ضعف له حيث لم ~~يقله قبل ذلك علانية # والذين جوزوه منع كثير منهم من المسح على الجرموقين الملبوسين على الخفين ~~والثلاثة منعوا المسح على الجوربين وعلى العمامة فعلم أن هذا الباب مما ~~هابه كثير من السلف والخلف حيث كان الغسل هو الفرض الظاهر المعلوم فصاروا ~~يجوزون المسح حيث يظهر ظهورا لا حيلة فيه ولا يطردون فيه قياسا صحيحا ولا ~~يتمسكون بظاهر النص المبيح والا فمن تدبر ألفاظ الرسول وأعطى القياس حقه ~~علم أن الرخصة منه في هذا الباب واسعة وان ذلك من محاسن الشريعة ومن ~~الحنيفية السمحة التي بعث بها # وقد كانت أم سلمة زوج النبي تمسح على خمارها فهل تفعل ذلك بدون اذنه وكان ~~أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك يمسحان على القلانس ولهذا جوز أحمد هذا وهذا ~~في احدى الروايتين عنه وجوز أيضا المسح على العمامة لكن أبو عبد الله بن ~~حامد رأى أن العمامة التي ليست محنكة المقتطعة كان أحمد يكره لبسها وكذا ~~مالك يكره لبسها أيضا لما جاء PageV21P186 في ذلك من الآثار وشرط في المسح ~~عليها أن تكون محنكة واتبعه على ذلك القاضي وأتباعه وذكروا فيها إذا كان ~~لها ذؤابة وجهين # وقال بعض أصحاب أحمد إذا كان أحمد في احدى الروايتين يجوز المسح على ~~القلانس الدنيات وهي القلانس الكبار فلأن يجوز ذلك على العمامة بطريق ~~الأولى والأحرى والسلف كانوا يحنكون عمائمهم لأنهم كانوا يركبون الخيل ~~ويجاهدون في سبيل الله فان لم يربطوا العمائم بالتحنيك والا سقطت ولم يمكن ~~معها طرد الخيل ولهذا ذكر أحمد عن أهل الشام أنهم كانوا يحافظون على هذه ~~السنة لأجل أنهم كانوا في زمنه هم المجاهدون وذكر إسحاق بن راهويه باسناده ~~أن أولاد المهاجرين والأنصار كانوا يلبسون العمائم بلا تحنيك وهذا لأنهم ~~كانوا في الحجاز في زمن التابعين لا يجاهدون ورخص إسحاق وغيره في لبسها بلا ~~تحنيك ms6298 والجند المقاتلة لما احتاجوا إلى ربط عمائمهم صاروا يربطونها اما ~~بكلاليب واما بعصابة ونحو ذلك وهذا معناه معنى التحنيك كما أن من السلف من ~~كان يربط وسطه بطرف عمامته والمناطق يحصل بها هذا المقصود وفي نزع العمامة ~~المربوطة بعصابة وكلاليب من المشقة ما في نزع المحنكة # وقد ثبت المسح على العمامة عن النبي من وجوه PageV21P187 صحيحة لكن ~~العلماء فيها على ثلاثة اقوال # منهم من يقول الفرض سقط بمسح ما بدا من الرأس والمسح على العمامة مستحب ~~وهذا قول الشافعي وغيره # ومنهم من يقول بل الفرض سقط بمسح العمامة ومسح ما بدا من الرأس كما في ~~حديث المغيرة وهل هو واجب لأنه فعله في حديث المغيرة أو ليس بواجب لأنه لم ~~يأمر به في سائر الأحاديث على روايتين وهذا قول أحمد المشهور عنه # ومنهم من يقول بل انما كان المسح على العمامة لأجل الضرر وهو ما اذا حصل ~~بكشف الرأس ضرر من برد ومرض فيكون من جنس المسح على الجبيرة كما جاء أنهم ~~كانوا في سرية فشكوا البرد فأمرهم أن يمسحوا على التساخين والعصائب ~~والعصائب هي العمائم ومعلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها من يمسح التساخين ~~والعصائب ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز فأهل الشام والروم ونحو هذه ~~البلاد أحق بالرخصة في هذا وهذا من أهل الحجاز والماشون في الأرض الحزنة ~~والوعرة أحق بجواز المسح على الخف من الماشين في الأرض السهلة وخفاف هؤلاء ~~في العادة لا بد أن يؤثر فيها الحجر فهم برخصة المسح على الخفاف المخرقة ~~أولى من غيرهم PageV21P188 # ثم المانع من ذلك يقول إذا ظهر بعض القدم لم يجز المسح فقد يظهر شيء يسير ~~من القدم كموضع الخرز وهذا موجود في كثير من الخفاف فان منعوا من المسح ~~عليها ضيقوا تضييقا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلا # فان قيل هذا لا يمكن غسله حتى يقولوا فرضه الغسل وان قالوا هذا يعفى عنه ~~لم يكن لهم ضابط فيما يمنع وفيما لا يمنع # والذي يوضح هذا أن قولهم ms6299 إذا ظهر بعض القدم ان أرادوا ظهوره للبصر فابصار ~~الناس مع اختلاف ادراكها قد يظهر لها من القدم ما لا يمكن غسله وان أرادوا ~~ما يظهر ويمكن مسه باليد فقد يمكن غسله بلا مس وان قالوا ما يمكن غسله ~~فالامكان يختلف قد يمكن مع الجرح ولا يمكن بدونه فان سم الخياط يمكن غسله ~~إذا وضع القدم في مغمزه وصبر عليه حتى يدخل الماء في سم الخياط مع أنه قد ~~لا يتيقن وصول الماء عليه إلا بخضخضة ونحوها ولا يمكن غسله كما يغسل القدم ~~وهذا على مذهب أحمد أقوى فانه يجوز المسح على العمامة اذا لبست على الوجه ~~المعتاد وان ظهر من جوانب الرأس ما يمسح عليه ولا يجب مسح ذلك # وهل يجوز المسح على الناصية مع ذلك فيه عنه روايتان فلم PageV21P189 ~~يشترط في الممسوح أن يكون ساترا لجميع محل الفرض وأوجب الجمع بين الأصل ~~والبدل على احدى الروايتين والشافعي ايضا يستحب ذلك كما يستحبه أحمد في ~~الرواية الأخرى فعلم أن المعتبر في اللباس أن يكون على الوجه المعتاد سواء ~~ستر جميع محل الفرض أو لم يستره والخفاف قد اعتيد فيها أن تلبس مع الفتق ~~والخرق وظهور بعض الرجل وأما ما تحت الكعبين فذاك ليس بخف أصلا ولهذا يجوز ~~للمحرم لبسه مع القدرة على النعلين في أظهر قولي العلماء كما سنذكره ان شاء ~~الله تعالى ونبين نسخ الأمر بالقطع وانه انما أمر به حين لم يشرع البدل ~~أيضا # فالمقدمة الثانية من دليلهم وهو قولهم يمكن الجمع بين الأصل والبدل ممنوع ~~على أصل الشافعي وأحمد فان عندهما يجمع بين التيمم والغسل فيما اذا أمكن ~~غسل بعض البدن دون البعض لكون الباقي جريحا أو لكون الماء قليلا ويجمع بين ~~مسح بعض الرأس مع العمامة كما فعل النبي عام تبوك فلو قدر أن الله تعالى ~~أوجب مسح الخفين كما أوجب غسل جميع البدن أمكن أن يغسل ما ظهر ويمسح ما بطن ~~كما يفعل مثل ذلك في الجبيرة فانه اذا ربطها على بعض مكان مسح ms6300 الجبيرة وغسل ~~أو مسح ما بينهما فجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد فتبين أن سقوط غسل ما ~~ظهر PageV21P190 من القدم لم يمكن لأنه لا يجمع بين الأصل والبدل بل لأن ~~مسح ظهر الخف ولو خطا بالأصابع يجزئ عن جميع القدم فلا يجب غسل شيء منه لا ~~ما ظهر ولا ما بطن كما أمر صاحب الشرع لأمته إذ أمرهم إذا كانوا مسافرين ان ~~لا ينزعوا خفافهم ثلاثة أيام ولياليهن لا من غائط ولا بول ولا نوم فأي خف ~~كان على أرجلهم دخل في مطلق النص # كما ان قوله لما سئل ما يلبس المحرم من الثياب فقال لا يلبس القميص ولا ~~العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف ومن لم يجد نعلين فليلبس ~~خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين هكذا رواه بن عمر وذكر أن النبي ~~خطب بذلك لما كان بالمدينة ولم يكن حينئذ قد شرعت رخصة البدل فلم يرخص لهم ~~لا في لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار ولا في لبس الخف مطلقا # ثم انه في عرفات بعد ذلك قال السراويل لمن لم يجد الإزار والخفاف لمن لم ~~يجد النعلين هكذا رواه بن عباس وحديثه في الصحيحين ورواه جابر وحديثه في ~~مسلم فأرخص لهم بعرفات في البدل فأجاز لهم لبس السراويل إذا لم يجدوا ~~الازار بلا فتق وعليه جمهور العلماء فمن اشترط فتقه خالف النص وأجاز لهم ~~حينئذ لبس الخفين PageV21P191 اذا لم يجدوا النعلين بلا قطع فمن اشترط ~~القطع فقد خالف النص فان السراويل المفتوق والخف المقطوع لا يدخل في مسمى ~~السراويل والخف عند الاطلاق كما أن القميص إذا فتق وصار قطعا لم يسم سراويل ~~وكذلك البرنس وغير ذلك فانما أمر بالقطع أولا لأن رخصة البدل لم تكن شرعت ~~فأمرهم بالقطع حينئذ لأن المقطوع يصير كالنعلين فانه ليس بخف ولهذا لا يجوز ~~المسح عليه باتفاق المسلمين فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين # ودل هذا على أن كل ما يلبس تحت الكعبين من مداس وجمجم وغيرهما كالخف ~~المقطوع ms6301 تحت الكعبين أولى بالجواز فتكون اباحته أصلية كما تباح النعلان لا ~~أنه أبيح على طريق البدل وإنما المباح على طريق البدل هو الخف المطلق ~~والسراويل # ودلت نصوصه الكريمة وألفاظه الشريفة التي هي مصابيح الهدى على أمور يحتاج ~~الناس إلى معرفتها قد تنازع فيها العلماء # منها أنه لما أذن للمحرم إذا لم يجد النعلين يلبس الخف إما مطلقا واما مع ~~القطع كان ذلك اذنا في كل ما يسمى خفا سواء كان سليما أو معيبا وكذلك لما ~~أذن في المسح على الخفين كان ذلك إذنا في كل خف وليس المقصود قياس حكم على ~~حكم حتى يقال ذاك أباح له لبسه وهذا أباح المسح عليه بل المقصود أن لفظ ~~الخف في كلامه يتناول هذا بالاجماع فعلم ان لفظ PageV21P192 الخف يتناول ~~هذا وهذا فمن ادعى في أحد الموضعين انه اراد بعض أنواع الخفاف فعليه البيان ~~وإذا كان الخف في لفظه مطلقا حيث أباح لبسه للمحرم وكل خف جاز للمحرم لبسه ~~وان قطعه جاز له ان يمسح عليه إذا لم يقطعه # الثاني ان المحرم إذا لم يجد نعلين ولا ما يشبه النعلين من خف مقطوع أو ~~جمجم أو مداس أو غير ذلك فانه يلبس أي خف شاء ولا يقطعه هذا اصح قولي ~~العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد وغيره فان النبي أذن بذلك في عرفات بعد نهيه عن ~~لبس الخف مطلقا وبعد أمره من لم يجد أن يقطع ولم يامرهم بعرفات بقطع مع أن ~~الذين حضروا بعرفات كان كثير منهم أو أكثرهم لم يشهدوا كلامه بالمدينة بل ~~حضر من مكة واليمن والبوادي وغيرها خلق عظيم حجوا معه لم يشهدوا جوابه ~~بالمدينة على المنبر بل أكثر الذين حجوا معه لم يشهدوا ذلك الجواب # وذلك الجواب لم يذكره ابتداء لتعليم جميع الناس بل سأله سائل وهو على ~~المنبر ما يلبس المحرم من الثياب فقال لا يلبس القميص ولا العمائم ولا ~~السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف الا من لم يجد نعلين فليلبس خفين ~~وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ms6302 وبن عمر لم يسمع منه الا هذا كما أنه ~~في المواقيت لم PageV21P193 يسمع الا ثلاث مواقيت قوله أهل المدينة من ذي ~~الحليفة وأهل الشام الجحفة وأهل نجد قرن قال بن عمر وذكر لي ولم أسمع ان ~~النبي وقت لأهل اليمن يلملم وهذا الذي ذكر له صحيح قد ثبت في الصحيحين عن ~~النبي من رواية بن عباس فابن عباس أخبر أن النبي وقت لأهل اليمن يلملم ~~ولأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل ~~اليمن يلملم وقال هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج ~~والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة فكان عند بن عباس ~~من العلم بهذه السنة ما لم يكن عند بن عمر وفي حديثه ذكر أربع مواقيت وذكر ~~أحكام الناس كلهم إذا مروا عليها أو احرموا من دونها # والنبي كان يبلغ الدين بحسب ما أمر الله به فلما كان اهل المدينة قد ~~أسلموا وأسلم أهل نجد وأسلم من كان من ناحية الشام وقت الثلاث وأهل اليمن ~~انما أسلموا بعد ذلك ولهذا لم ير أكثرهم النبي بل كانوا مخضرمين فلما ~~اسلموا وقت النبي وقال أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوبا والين أفئدة الايمان ~~يماني والفقه يماني والحكمة يمانية PageV21P194 ثم قد روى عنه أنه لما فتحت ~~أطراف العراق وقت لهم ذات عرق كما روى مسلم هذا من حديث جابر لكن قال بن ~~الزبير فيه أحسبه عن النبي وقطع به غيره وروى ذلك من حديث عائشة فكان ما ~~سمعه هؤلاء أكثر مما سمعه غيرهم # وكذلك بن عباس وجابر في ترخيصه في الخف والسراويل ففي الصحيحين عن بن ~~عباس قال سمعت رسول الله وهو يخطب بعرفات يقول السراويلات لمن لم يجد ~~الازار والخفان لمن لم يجد النعلين # وفي صحيح مسلم عن جابر من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد ازارا ~~فليلبس سراويل فهذا كلام مبتدأ منه بين فيه في عرفات وهو أعظم مجمع كان له ms6303 ~~ان من لم يجد ازارا فليلبس السراويل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ولم ~~يأمر بقطع ولا فتق وأكثر الحاضرين بعرفات لم يشهدوا خطبته وما سمعوا أمره ~~بقطع الخفين وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فعلم ان هذا الشرع الذي ~~شرعه الله على لسانه بعرفات لم يكن شرع بعد بالمدينة وانه بالمدينة انما ~~أرخص في لبس النعلين وما يشبههما من المقطوع فدل ذلك على أن من عدم ما يشبه ~~الخفين يلبس الخف PageV21P195 # الثالث أنه دل على انه يلبس سراويل بلا فتق وهو قول الجمهور والشافعي ~~وأحمد # الرابع انه دل على ان المقطوع كالنعلين يجوز لبسهما مطلقا ولبس ما ~~أشبههما من جمجم ومداس وغير ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد ~~وغيره وبه كان يفتي جدي أبو البركات رحمه الله في آخر عمره لما حج # وأبو حنيفة رحمه الله تعالى تبين له من حديث بن عمر ان المقطوع لبسه أصل ~~لا بدل له فيجوز لبسه مطلقا وهذا فهم صحيح منه دون فهم من فهم أنه بدل # والثلاثة تبين لهم أن النبي أرخص في البدل وهو الخف ولبس السراويل فمن ~~لبس السراويل اذا عدم الأصل فلا فدية عليه وهذا فهم صحيح # وأحمد فهم من النص المتأخر الذي شرع فيه البدلان انه ناسخ للقطع المتقدم ~~وهذا فهم صحيح # وابو حنيفة لم يبلغه هذا فأوجب الفدية على كل من لبس خفا أو سراويل اذا ~~لم يفتقه وان عدم كما قال ذلك بن عمر وغيره PageV21P196 وزاد أن الرخصة في ~~ذلك انما هي للحاجة والمحرم اذا احتاج إلى محظور فعله وافتدى # وأما الأكثرون فقالوا من لبس البدل فلا فدية عليه كما أباح ذلك النبي ~~بعرفات ولم يأمر معه بفدية ولا فتق قالوا والناس كلهم محتاجون إلى لبس ما ~~يسترون به عوراتهم وما يلبسونه في أرجلهم فالحاجة إلى ذلك عامة وما احتاج ~~إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فدية بخلاف ما احتيج إليه ~~لمرض أو برد ومن ذلك حاجة لعارض ولهذا ms6304 ارخص النبي للنساء في اللباس مطلقا ~~من غير فدية ونهى المحرمة عن النقاب والقفازين فان المرأة لما كانت محتاجة ~~إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستره فدية # وكذلك حاجة الرجال إلى السراويل والخفاف اذا لم يجدوا الازار والنعال وبن ~~عمر رضي الله عنه لما لم يسمع الا حديث القطع اخذ بعمومه فكان يأمر النساء ~~بقطع الخفاف حتى أخبروه بعد هذا أن النبي رخص للنساء في لبس ذلك كما أنه ~~لما سمع قوله لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت أخذ بعمومه في حق ~~الرجال والنساء فكان يأمر الحائض أن لا تنفر حتى تطوف وكذلك زيد بن ثابت ~~كان يقول ذلك حتى أخبروهما ان النبي PageV21P197 رخص للحيض أن ينفرن بلا ~~وداع # وتناظر في ذلك زيد وبن عباس وبن الزبير لما سمعا نهي النبي عن لبس الحرير ~~أخذا بالعموم فكان بن الزبير يأمر الناس بمنع نسائهم من لبس الحرير وكان بن ~~عمر ينهى عن قليله وكثيره فينزع خيوط الحرير من الثوب وغيرهما سمع الرخصة ~~للحاجة وهو الارخاص للنساء وللرجال في اليسير وفيما يحتاجون إليه للتداوي ~~وغيره لأن ذلك حاجة عامة # وهكذا اجتهاد العلماء رضي الله عنهم في النصوص يسمع أحدهم النص المطلق ~~فيأخذ به ولا يبلغه ما يبلغ مثله من تقييده وتخصيصه والله لم يحرم على ~~الناس في الاحرام ولا غيره ما يحتاجون إليه حاجة عامة ولا أمر مع هذه ~~الرخصة في الحاجة العامة أن يفسد الانسان خفه أو سراويله بقطع أو فتق كما ~~افتى بذلك بن عباس وغيره ممن سمع السنة المتأخرة وإنما أمر بالقطع أولا ~~ليصير المقطوع كالنعل فأمر بالقطع قبل أن يشرع البدل لأن المقطوع يجوز لبسه ~~مطلقا وانما قال لمن لم يجد لأن القطع مع وجود النعل افساد للخف وافساد ~~المال من غير حاجة منهى عنه بخلاف ما اذا عدم الخف فلهذا جعل بدلا في هذه ~~الحال لأجل فساد المال كما في الصحيحين عن النبي قال اذا قام احدكم في ~~الصلاة فانه PageV21P198 يناجي ربه فلا يبزقن ms6305 بين يديه ولا عن يمينه ولكن ~~عن شماله أو تحت قدمه هذه رواية أنس وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال رأى ~~النبي نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال ما بال أحدكم يقوم مستقبل ~~ربه فيتنخع أمامه أيحب احدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه فإذا تنخع أحدكم ~~فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فان لم يجد قال هكذا وتفل في ثوبه ووضع بعضه ~~على بعض فأمر بالبصاق في الثوب اذا تعذر لا لأن البصاق في الثوب بدل شرعي ~~لكن مثل ذلك يلوث الثوب من غير حاجة # وفي الاستجمار أمر بثلاثة أحجار فمن لم يجد فثلاث حثيات من تراب لأن ~~التراب لا يتمكن به كما يتمكن بالحجر لا لأنه بدل شرعي ونظائره كثيرة فدلت ~~نصوصه الكريمة على أن الصواب في هذه المسائل توسعة شريعته الحنيفية وانه ما ~~جعل على أمته من حرج وكل قول دلت عليه نصوصه قالت به طائفة من العلماء رضي ~~الله عنهم فلم تجمع الأمة ولله الحمد على رد شيء من ذلك إذ كانوا لا ~~يجتمعون على ضلالة بل عليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والى الرسول ~~واذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول تبين كمال دينه وتصديق بعضه ~~لبعض وان من افتى من السلف والخلف بخلاف ذلك مع اجتهاده وتقواه لله بحسب ~~استطاعته فهو مأجور في ذلك لا اثم عليه وان PageV21P199 كان الذي أصاب الحق ~~فيعرفه له أجران وهو أعلم منه كالمجتهدين في جهة الكعبة # وبن عمر رضي الله عنه كان كثير الحج وكان يفتي الناس في المناسك كثيرا ~~وكان في آخر عمره قد احتاج إليه الناس وإلى علمه ودينه إذ كان بن عباس مات ~~قبله وكان بن عمر يفتي بحسب ما سمعه وفهمه فلهذا يوجد في مسائله أقوال فيها ~~ضيق لورعه ودينه رضي الله عنه وأرضاه وكان قد رجع عن كثير منها كما رجع عن ~~أمر النساء بقطع الخفين وعن الحائض أمر أن لا تنفر حتى تودع وغير ذلك وكان ~~يأمر الرجال ms6306 بالقطع إذ لم يبلغه الخبر الناسخ # وأما بن عباس فكان يبيح للرجال لبس الخف بلا قطع إذا لم يجدوا النعلين ~~لما سمعه من النبي بعرفات وكذلك كان بن عمر ينهى المحرم من الطيب حتى يطوف ~~اتباعا لعمر وأما سعد وبن عباس وغيرهما من الصحابة فبلغتهم سنة رسول الله ~~من طريق عائشة رضي الله عنها أنه تطيب لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن ~~يطوف بالبيت فأخذوا بذلك # وكذلك بن عمر رضي الله عنه كان إذا مات المحرم يرى أحرامه قد انقطع فلما ~~مات ابنه كفنه في خمسة أثواب واتبعه على ذلك PageV21P200 كثير من الفقهاء ~~وبن عباس علم حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم فقال النبي اغسلوه بماء وسدر ~~وكفنوه في ثوبيه ولا تقربوه طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ~~ملبيا فأخذ بذلك وقال الإحرام باق يجتنب المحرم إذا مات ما يجتنبه غيره ~~وعلى ذلك فقهاء الحديث وغيرهم # وكذلك الشهيد روي عن بن عمر أنه سئل عن تغسيله فقال غسل عمر وهو شهيد ~~والأكثرون بلغهم سنة النبي في شهداء أحد وقوله زملوهم بكلومهم ودمائهم فإن ~~أحدهم يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون دم والريح ريح مسك ~~والحديث في الصحاح فأخذوا بذلك في شهيد المعركة إذا مات قبل أن يرتث ونظائر ~~ذلك كثيرة # واتفق العلماء على أن المحرم يعقد الإزار إذا احتاج إلى ذلك لأنه إنما ~~يثبت بالعقد وكره بن عمر للمحرم أن يعقد الرداء كأنه رأى أنه إذا عقد عقدة ~~صار يشبه القميص الذي ليس له يدان واتبعه على ذلك أكثر الفقهاء فكرهوه ~~كراهة تحريم فيوجبون الفدية إذا فعل ذلك وأما كراهة تنزيه فلا يوجبون ~~الفدية وهذا أقرب ولم ينقل أحد من الصحابة كراهة عقد الرداء الصغير الذي لا ~~يلتحف ولا يثبت بالعادة إلا بالعقد أو ما يشبهه مثل الخلال وربط الطرفين ~~على حقوه PageV21P201 ونحو ذلك وأهل الحجاز أرضهم ليست باردة فكانوا ~~يعتادون لبس الأزر والأردية ولبس السراويل قليل فيهم حتى إن منهم من كان لا ~~يلبس ms6307 السراويل قط منهم عثمان بن عفان وغيره بخلاف أهل البلاد الباردة لو ~~اقتصروا على الأزر والأردية لم يكفهم ذلك بل يحتاجون إلى القميص والخفاف ~~والفراء والسراويلات ولهذا قال الفقهاء يستحب مع الرداء الإزار لأنه يستر ~~الفخذين ويستحب مع القميص السراويل لأنه أستر ومع القميص لا يظهر تقاطيع ~~الخلق والقميص فوق السراويل يستر بخلاف الرداء فوق السراويل فإنه لا يستر ~~تقاطيع الخلق # وأما الرداء فوق السراويل فمن الناس من يستحبه تشبها بهم ومنهم من لا ~~يستحبه لعدم المنفعة فيه ولأن عادتهم المعروفة لبسه مع الإزار ومن اعتاد ~~الرداء ثبت على جسده بعطف أحد طرفيه وإذا حج من لم يتعود لبسه وكان رداؤه ~~صغيرا لم يثبت إلا بعقده وكانت حاجتهم إلى عقده كحاجة من لم يجد النعلين ~~إلى الخفين فإن الحاجة إلى ستر البدن قد تكون أعظم من الحاجة إلى ستر ~~القدمين والتحفي في المشي يفعله كثير من الناس وأما إظهار بدنه للحر والبرد ~~والريح والشمس فهذا يضر غالب الناس # وأيضا فإن النبي أمر المصلي بستر ذلك PageV21P202 فقال لا يصلين بالثوب ~~الواحد ليس على عاتقه منه شيء وتجوز الصلاة حافيا فعلم أن ستر هذا إلى الله ~~أحب من ستر القدمين بالنعلين فإذا كان ذلك للحاجة العامة رخص فيه في البدن ~~من غير فدية فلأن يرخص في هذا بطريق الأولى والأحرى # فإن قيل فينبغي أن يرخص في لبس القميص والجبة ونحوهما لمن لم يجد الرداء # قيل الحاجة تندفع بأن يلتحف بذلك عرضا مع ربطه وعقد طرفيه فيكون كالرداء ~~بخلاف ما إذا لم يمكنه الربط فإن طرفي القميص والجبة ونحوهما لا يثبت على ~~منكبيه وكذلك الأردية الصغار فما وجده المحرم من قميص وما يشبهه كالجبة ومن ~~برنس وما يشبهه من ثياب مقطعة أمكنه أن يرتدي بها إذا ربطها فيجب أن يرخص ~~له في ذلك لو كان العقد في الأصل محظورا وكذلك إن كان مكروها فعند الحاجة ~~تزول الكراهة كما رخص له أن يلبس الهميان لحفظ ماله ويعقد طرفيه إذا لم ~~يثبت إلا بالعقد وهو ms6308 إلى ستر منكبيه أحوج فرخص له عقد ذلك عند الحاجة بلا ~~ريب والنبي لم يذكر فيما يحرم على المحرم وما ينهى عنه لفظا عاما يتناول ~~عقد الرداء بل سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال لا يلبس القميص ولا ~~البرانس ولا العمائم ولا السراويلات PageV21P203 ولا الخفاف إلا من لم يجد ~~نعلين الحديث # فنهى عن خمسة أنواع من الثياب التي تلبس على البدن وهي القميص وفي معناه ~~الجبة وأشباهها فإنه لم يرد تحريم هذه الخمسة فقط بل أراد تحريم هذه ~~الأجناس ونبه على كل جنس بنوع منها وذكر ما احتاج المخاطبون إلى معرفته وهو ~~ما كانوا يلبسونه غالبا والدليل على ذلك ما ثبت عنه في الصحيحين أنه سئل ~~قبل ذلك عمن أحرم بالعمرة وعليه جبة فقال انزع عنك الجبة واغسل عنك أثر ~~الخلوق واصنع في عمرتك ما كنت صانعا في حجك وكان هذا في عمرة القضية فعلم ~~أن تحريم الجبة كان مشروعا قبل هذا ولم يذكرها بلفظها في الحديث # وأيضا فقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال في المحرم الذي وقصته ناقته ولا ~~تخمروا رأسه وفي مسلم ووجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا فنهاهم عن تخمير ~~رأسه لبقاء الإحرام عليه لكونه يبعث يوم القيامة ملبيا كما أمرهم أن لا ~~يقربوه طيبا فعلم أن المحرم ينهى عن هذا وهذا وإنما في هذا الحديث النهي عن ~~لبس العمائم فعلم أنه أراد النهي عن ذلك وعما يشبهه في تخمير الرأس فذكر ما ~~يخمر الرأس وما يلبس على البدن كالقميص والجبة وما يلبس عليهما جميعا وهو ~~البرنس وذكر ما يلبس في النصف الأسفل من البدن PageV21P204 وهو السراويل ~~والثياب والتبان في معناه وكذلك ما يلبس في الرجلين وهو الخف ومعلوم أن ~~الجرموق والجورب في معناه فهذا ينهى عنه المحرم فكذلك يجوز عليه المسح ~~للحلال والمحرم الذي جاز له لبسه فإن الذي نهي عنه المحرم أمر بالمسح عليه # وهذا كما أنه لما أمر بالاستجمار بالأحجار لم يختص الحجر إلا لأنه كان ~~الموجود غالبا لا لأن الاستجمار بغيره ms6309 لا يجوز بل الصواب قول الجمهور في ~~جواز الاستجمار بغيره كما هو أظهر الروايتين عن أحمد لنهيه عن الاستجمار ~~بالروث والرمة وقال إنهما طعام إخوانكم من الجن فلما نهى عن هذين تعليلا ~~بهذه العلة علم أن الحكم ليس مختصا بالحجر وإلا لم يحتج إلى ذلك # وكذلك أمره بصدقة الفطر بصاع من تمر أو شعير هو عند أكثر العلماء لكونه ~~كان قوتا للناس فأهل كل بلد يخرجون من قوتهم وإن لم يكن من الأصناف الخمسة ~~كالذين يقتاتون الرز أو الذرة يخرجون من ذلك عند أكثر العلماء وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد # وليس نهيه عن الاستجمار بالروث والرمة إذنا في الاستجمار بكل شيء بل ~~الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهي عنه من PageV21P205 طعام ~~الجن وعلف دوابهم ولكن لما كان من عادة الناس أنهم لا يتوقون الاستجمار بما ~~نهي عنه من ذلك بخلاف طعام الإنس وعلف دوابهم فإنه لا يوجد من يفعله في ~~العادة الغالبة # وكذلك هذه الأصناف الخمسة نهي عنها وقد سئل ما يلبس المحرم من الثياب ~~وظاهر لفظه أنه أذن فيما سواها لأنه سئل عما يلبس لا عما لا يلبس فلو لم ~~يفد كلامه الإذن فيما سواها لم يكن قد أجاب السائل لكن كان الملبوس المعتاد ~~عندهم مما يحرم على المحرم هذه الخمسة والقوم لهم عقل وفقه فيعلم أحدهم أنه ~~إذا نهي عن القميص وهو طاق واحد فلأن ينهى عن المبطنة وعن الجبة المحشوة ~~وعن الفروة التي هي كالقميص وما شاكل ذلك بطريق الأولى والأحرى لأن هذه ~~الأمور فيها ما في القميص وزيادة فلا يجوز أن يأذن فيها مع نهيه عن القميص # وكذلك التبان أبلغ من السراويل والعمامة تلبس في العادة فوق غيرها إما ~~قلنسوة أو كلثة أو نحو ذلك فإذا نهي عن العمامة التي لا تباشر الرأس فنهيه ~~عن القلنسوة والكلثة ونحوها مما يباشر الرأس أولى فإن ذلك أقرب إلى تخمير ~~الرأس والمحرم أشعث أغبر # ولهذا قال في الحديث الصحيح حديث المباهاة إنه PageV21P206 يدنو عشية ~~عرفة فيباهي الملائكة بأهل ms6310 الموقف فيقول انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ~~ما أراد هؤلاء وشعث الرأس واغبراره لا يكون مع تخميره فإن المخمر لا يصيبه ~~الغبار ولا يشعث بالشمس والريح وغيرهما ولهذا كان من لبد رأسه يحصل له نوع ~~متعة بذلك يؤمر بالحلق فلا يقصر وهذا بخلاف القعود في ظل أو سقف أو خيمة أو ~~شجر أو ثوب يظلل به فإن هذا جائز بالكتاب والسنة والإجماع لأن ذلك لا يمنع ~~الشعث ولا الاغبرار وليس فيه تخمير الرأس # وإنما تنازع الناس فيمن يستظل بالمحمل لأنه ملازم للراكب كما تلازمه ~~العمامة لكنه منفصل عنه فمن نهي عنه اعتبر ملازمته له ومن رخص فيه اعتبر ~~انفصاله عنه فأما المنفصل الذي لا يلازم فهذا يباح بالإجماع والمتصل ~~الملازم منهي عنه باتفاق الأئمة # ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه ~~من أهل الظاهر كالذين يقولون إن قوله @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ لا يفيد ~~النهي عن الضرب وهو إحدى الروايتين عن داود واختاره بن حزم وهذا في غاية ~~الضعف بل وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب لكن عرف أنه أولى ~~بالحكم من المنطوق بهذا فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من ~~السلف فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا PageV21P207 # كما أنه إذا قال في الحديث الصحيح والذي نفسي بيده لا يؤمن كررها ثلاثا ~~قالوا من يا رسول الله قال من لا يأمن جاره بوائقه فإذا كان هذا بمجرد ~~الخوف من بوائقه فكيف من فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه كما في الصحيح ~~عنه أنه قيل له أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل ثم ماذا ~~قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قيل ثم أي قال أن تزاني بحليلة جارك ~~ومعلوم أن الجار لا يعرف هذا في العادة فهذا أولى بسلب الإيمان ممن لا تؤمن ~~بوائقه ولم يفعل مثل هذا # وكذلك إذا قال @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ms6311 ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ فإذا كان هؤلاء لا ~~يؤمنون فالذين لا يحكمونه ويردون حكمه ويجدوا حرجا مما قضى لاعتقادهم أن ~~غيره أصح منه أو أنه ليس بحكم سديد أشد وأعظم # وكذلك إذا قال @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله @QE@ فإذا كان بموادة المحاد لا يكون مؤمنا فأن لا يكون مؤمنا ~~إذا حاد بطريق الأولى والأحرى وكذلك إذا نهي الرجل أن يستنجي بالعظم ~~والروثة لأنهما طعام الجن وعلف دوابهم فإنهم يعلمون أن نهيه عن الاستنجاء ~~بطعام الإنس وعلف دوابهم أولى PageV21P208 وإن لم يدل ذلك اللفظ عليه وكذلك ~~إذا نهي عن قتل الأولاد مع الإملاق فنهيه عن ذلك مع الغنى واليسار أولى ~~وأحرى # فالتخصيص بالذكر قد يكون للحاجة إلى معرفته وقد يكون المسكوت عنه أولى ~~بالحكم فتخصيص القميص دون الجباب والعمائم دون القلانس والسراويلات دون ~~التبابين هو من هذا الباب لا لأن كل ما لا يتناوله اللفظ فقد أذن فيه # وكذلك أمره بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي مع ما فيه من اختلاط الماء ~~بالبول وسريان ذلك لكن قصد به تعجيل التطهير لا لأن النجاسة لا تزول بغير ~~ذلك بل الشمس والريح والاستحالة تزيل النجاسة أعظم من هذا ولهذا كانت ~~الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك # وكذلك اتفق الفقهاء على أن من توضأ وضوءا كاملا ثم لبس الخفين جاز له ~~المسح بلا نزاع ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم فعل بالأخرى مثل ذلك ~~ففيه قولان هما روايتان عن أحمد # إحداهما يجوز المسح وهو مذهب أبي حنيفة PageV21P209 # والثانية لا يجوز وهو مذهب مالك والشافعي قال هؤلاء لأن الواجب ابتداء ~~اللبس على الطهارة فلو لبسهما وتوضأ وغسل رجليه فيهما لم يجز له المسح حتى ~~يخلع ما لبس قبل تمام طهرهما فيلبسه بعده وكذلك في تلك الصورة قالوا يخلع ~~الرجل الأولى ثم يدخلها في الخف واحتجوا بقوله إني أدخلت القدمين الخفين ~~وهما طاهرتان ms6312 قالوا وهذا أدخلهما وليستا طاهرتين # والقول الأول هو الصواب بلا شك وإذا جاز المسح لمن توضأ خارجا ثم لبسهما ~~فلأن يجوز لمن توضأ فيهما بطريق الأولى فإن هذا فعل الطهارة فيهما ~~واستدامها فيهما وذلك فعل الطهارة خارجا عنهما وإدخال هذا قدميه الخف مع ~~الحدث وجوده كعدمه لا ينفعه ولا يضره وإنما الاعتبار بالطهارة الموجودة بعد ~~ذلك فإن هذا ليس بفعل محرم كمس المصحف مع الحدث # وقول النبي إني أدخلتهما الخف وهما طاهرتان حق فإنه بين أن هذا علة لجواز ~~المسح فكل من أدخلهما طاهرتين فله المسح وهو لم يقل إن من لم يفعل ذلك لم ~~يمسح لكن دلالة اللفظ عليه بطريق المفهوم والتعليل فينبغي أن ينظر حكمة ~~التخصيص هل بعض المسكوت أولى بالحكم ومعلوم أن ذكر إدخالهما طاهرتين لأن ~~هذا هو المعتاد وليس غسلهما في الخفين معتاد وإلا فإذا غسلهما PageV21P210 ~~في الخف فهو أبلغ وإلا فأي فائدة في نزع الخف ثم لبسه من غير إحداث شيء فيه ~~منفعة وهل هذا إلا عبث محض ينزه الشارع عن الأمر به ولو قال الرجل لغيره ~~أدخل مالي وأهلي إلى بيتي وكان في بيته بعض أهله وماله هل يؤمر بأن يخرجه ~~ثم يدخله # ويوسف لما قال لأهله @QB@ ادخلوا مصر إن شاء الله @QE@ وقال موسى @QB@ يا ~~قوم ادخلوا الأرض المقدسة @QE@ وقال الله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام ~~إن شاء الله آمنين @QE@ فإذا قدر أنه كان بمصر بعضهم أو كان بالأرض المقدسة ~~بعض أو كان بعض الصحابة قد دخل الحرم قبل ذلك هل كان هؤلاء يؤمرون بالخروج ~~ثم الدخول # فإذا قيل هذا لم يقع قيل وكذلك غسل الرجل قدميه في الخف ليس واقعا في ~~العادة فلهذا لم يحتج إلى ذكره لأنه ليس إذا فعل يحتاج إلى إخراج وإدخال ~~فهذا وأمثاله من باب الأولى # وقد تنازع العلماء فيما إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار أو استجمر بمنهي ~~عنه كالروث والرمة وباليمين هل يجزئه ذلك والصحيح أنه إذا استجمر بأقل من ~~ثلاثة أحجار فعليه تكميل المأمور به وأما إذا ms6313 استجمر بالعظم واليمين فإنه ~~يجزئه فإنه قد حصل المقصود بذلك وإن كان عاصيا والإعادة لا فائدة فيها ولكن ~~قد يؤمر بتنظيف PageV21P211 العظم مما لوثه به كما لو كان عنده خمر فأمر ~~بإتلافها فأراقها في المسجد فقد حصل المقصود من إتلافها لكن هو آثم بتلويث ~~المسجد فيؤمر بتطهيره بخلاف الاستجمار بتمام الثلاث فإن فيه فعل تمام ~~المأمور وتحصيل المقصود ### |||| وسئل # عن الخف إذا كان فيه خرق يسير هل يجوز المسح عليه أم لا ### ||||| فأجاب # أما الخف إذا كان فيه خرق يسير ففيه نزاع مشهور فأكثر الفقهاء على ~~أنه يجوز المسح عليه كقول أبي حنيفة ومالك والقول الثاني لا يجوز كما هو ~~المعروف من مذهب الشافعي وأحمد قالوا لأن ما ظهر من القدم فرضه الغسل وما ~~استتر فرضه المسح ولا يمكن الجمع بين البدل والمبدل منه # والقول الأول هو الراجح فإن الرخصة عامة ولفظ الخف يتناول ما فيه من ~~الخرق وما لا خرق فيه لا سيما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون وكانوا ~~يسافرون وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون في بعض خفافهم خروق والمسافرون قد ~~يتخرق خف أحدهم ولا PageV21P212 يمكنه إصلاحه في السفر فإن لم يجز المسح ~~عليه لم يحصل مقصود الرخصة # وأيضا فإن جمهور العلماء يعفون عن ظهور يسير العورة وعن يسير النجاسة ~~التي يشق الاحتراز عنها فالخرق اليسير في الخف كذلك # وقول القائل إن ما ظهر فرضه الغسل ممنوع فإن الماسح على الخف لا يستوعبه ~~بالمسح كالمسح على الجبيرة بل يمسح أعلاه دون أسفله وعقبه وذلك يقوم مقام ~~غسل الرجل فمسح بعض الخف كاف عما يحاذي الممسوح ومالا يحاذيه فإذا كان ~~الخرق في العقب لم يجب غسل ذلك الموضع ولا مسحه ولو كان على ظهر القدم لا ~~يجب مسح كل جزء من ظهر القدم وباب المسح على الخفين مما جاءت السنة فيه ~~بالرخصة حتى جاءت بالمسح على الجوارب والعمائم وغير ذلك فلا يجوز أن يتناقض ~~مقصود الشارع من التوسعة بالحرج والتضييق ### |||| وسئل # هل يجوز المسح على الجورب كالخف أم ms6314 لا وهل يكون الخرق الذي فيه الطعن ~~مانعا من المسح فقد يصف بشرة شيء من محل PageV21P213 الفرض وإذا كان في ~~الخف خرق بقدر النصف أو أكثر هل يعفى عن ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء كانت مجلدة ~~أو لم تكن في أصح قولي العلماء ففي السنن أن النبي مسح على جوربيه ونعليه ~~وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك فإن الفرق بين الجوربين ~~والنعلين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير ~~مؤثر في الشريعة فلا فرق بين أن يكون جلودا أو قطنا أو كتانا أو صوفا كما ~~لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ومحظوره ومباحه وغايته أن الجلد ~~أبقى من الصوف فهذا لا تأثير له كما لا تأثير لكون الجلد قويا بل يجوز ~~المسح على ما يبقى وما لا يبقى # وأيضا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على ~~هذا سواء ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقا بين ~~المتماثلين وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة ~~وما أنزل الله به كتبه وارسل به رسله ومن فرق بكون هذا ينفذ الماء منه وهذا ~~لا ينفذ منه فقد ذكر فرقا طرديا عديم التأثير PageV21P214 # ولو قال قائل يصل الماء إلى الصوف أكثر من الجلد فيكون المسح عليه أولى ~~للصوق الطهور به أكثر كان هذا الوصف أولى بالاعتبار من ذلك الوصف وأقرب إلى ~~الأوصاف المؤثرة وذلك أقرب إلى الأوصاف الطردية وكلاهما باطل # وخروق الطعن لا تمنع جواز المسح ولو لم تستر الجوارب إلا بالشد جاز المسح ~~عليها على الصحيح وكذلك الزربول الطويل الذي لا يثبت بنفسه ولا يستر إلا ~~بالشد والله أعلم وقال رحمه الله # لما ذهبت على البريد وجد بنا السير وقد انقضت مدة المسح فلم يمكن النزع ~~والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف فغلب على ~~ظني عدم التوقيت ms6315 عند الحاجة كما قلنا في الجبيرة ونزلت حديث عمر وقوله ~~لعقبة بن عامر أصبت السنة على هذا توفيقا بين الآثار ثم رأيته مصرحا به في ~~مغازي بن عائد أنه كان قد ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق ذهب بشيرا ~~بالفتح من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة فقال له عمر منذ كم لم تنزع خفيك فقال ~~منذ يوم الجمعة قال أصبت فحمدت الله على الموافقة PageV21P215 # وهذا أظنه أحد القولين لأصحابنا وهو أنه إذا كان يتضرر بنزع الخف صار ~~بمنزلة الجبيرة وفي القول الآخر أنه إذا خاف الضرر بالنزع تيمم ولم يمسح ~~وهذا كالروايتين لنا إذا كان جرحه بارزا يمكنه مسحه بالماء دون غسله فهل ~~يمسحه أو يتيمم له على روايتين والصحيح المسح لأن طهارة المسح بالماء أولى ~~من طهارة المسح بالتراب ولأنه إذا جاز المسح على حائل العضو فعليه أولى # وذلك أن طهارة المسح على الخفين طهارة اختيارية وطهارة الجبيرة طهارة ~~اضطرارية فماسح الخف لما كان متمكنا من الغسل والمسح وقت له المسح وماسح ~~الجبيرة لما كان مضطرا إلى مسحها لم يوقت وجاز في الكبرى فالخف الذي يتضرر ~~بنزعه جبيرة وضرره يكون بأشياء إما أن يكون في ثلج وبرد عظيم إذا نزعه ينال ~~رجليه ضرر أو يكون الماء باردا لا يمكن معه غسلهما فإن نزعهما تيمم فمسحهما ~~خير من التيمم أو يكون خائفا إذا نزعهما وتوضأ من عدو أو سبع أو انقطاع عن ~~الرفقة في مكان لا يمكنه السير وحده ففي مثل هذه الحال له ترك طهارة الماء ~~إلى التيمم فلأن يجوز ترك طهارة الغسل إلى المسح أولى ويلحق بذلك إذا كان ~~عادما للماء ومعه قليل يكفي لطهارة المسح لا لطهارة الغسل فإن نزعهما تيمم ~~فالمسح عليهما خير من التيمم PageV21P216 # وأصل ذلك أن قوله يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ~~منطوقه إباحة المسح هذه المدة والمفهوم لا عموم له بل يكفي أن لا يكون ~~المسكوت كالمنطوق فإذا خالفه في صورة حصلت المخالفة فإذا كان فيما سوى هذه ms6316 ~~المدة لا يباح مطلقا بل يحظر تارة ويباح أخرى حصل العمل بالحديث وهذا واضح ~~وهي مسألة نافعة جدا # فإنه من باشر الأسفار في الحج والجهاد والتجارة وغيرها رأى أنه في أوقات ~~كثيرة لا يمكن نزع الخفين والوضوء إلا بضرر يباح التيمم بدونه واعتبر ذلك ~~بما لو انقضت المدة والعدو بإزائه ففائدة النزع الوضوء على الرجلين فحيث ~~يسقط الوضوء على الرجلين يسقط النزع وقد يكون الوضوء واجبا لو كانا بارزتين ~~لكن مع استتارهما يحتاج إلى قلعهما وغسل الرجلين ثم لبسهما ثانيا إذا لم ~~تتم مصلحته إلا بذلك بخلاف ما إذا استمر فإن طهارته باقية وبخلاف ما إذا ~~توضأ ومسح عليهما فإن ذلك قد لا يضره # ففي هذين الموضعين لا يتوقت إذا كان الوضوء ساقطا فينتقل إلى التيمم فإن ~~المسح المستمر أولى من التيمم وإذا كان في النزع واللبس ضرر يبيح التيمم ~~فلأن يبيح المسح أولى والله أعلم PageV21P217 ### |||| وسئل رضي الله عنه # عن قلع الجبيرة بعد الوضوء هل ينقض الوضوء أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا فيه نزاع والأظهر أنه لا ينتقض الوضوء كما أنه لا ~~يعيد الغسل لأن الجبيرة كالجزء من العضو والله أعلم ### |||| وسئل # عن المسح فوق العصابة ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن خافت المرأة من البرد ونحوه مسحت على خمارها فإن أم ~~سلمة كانت تمسح خمارها وينبغي أن تمسح مع هذا بعض شعرها وأما إذا لم يكن ~~بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين العلماء PageV21P218 ### ||| 2 باب نواقض الوضوء ### |||| 2 سئل رحمه الله # عن رجل يخرج من ذكره قيح لا ينقطع فهل تصح صلاته مع خروج ذلك أفتونا ~~مأجورين ### ||||| فأجاب # لا يجوز أن يبطل الصلاة بل يصلي بحسب إمكانه فإن لم تنقطع النجاسة ~~قدر ما يتوضأ ويصلي صلى بحسب حاله بعد أن يتوضأ وإن خرجت النجاسة في الصلاة ~~لكن يتخذ حفاظا يمنع من انتشار النجاسة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عما إذا توضأ وقام يصلي وأحس بالنقطة في صلاته فهل تبطل صلاته أم لا ~~PageV21P219 ### ||||| فأجاب # مجرد الإحساس لا ينقض الوضوء ms6317 ولا يجوز له الخروج من الصلاة الواجبة ~~بمجرد الشك فإنه قد ثبت عن النبي أنه سئل عن الرجل يجد الشيء في الصلاة ~~فقال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا # وأما إذا تيقن خروج البول إلى ظاهر الذكر فقد انتقض وضوؤه وعليه ~~الاستنجاء إلا أن يكون به سلس البول فلا تبطل الصلاة بمجرد ذلك إذا فعل ما ~~أمر به والله أعلم ### |||| وسئل أيضا رحمه الله # عن رجل كلما شرع في الصلاة يحدث له رياح كثيرة حتى في الصلاة يتوضأ أربع ~~مرات أو أكثر إلى حين يقضي الصلاة يزول عنه العارض ثم لا يعود إليه إلا في ~~أوقات الصلاة وهو لا يعلم ما سبب ذلك هل هو من شدة حرصه على الطهارة وقد ~~يشق عليه كثرة الوضوء وما يعلم هل حكمه حكم صاحب الأعذار أم لا لسبب أنه لا ~~يعاوده إلا في وقت الصلاة وما تطيب نفسه أن يصلي بوضوء واحد PageV21P220 ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # نعم حكمه حكم أهل الأعذار مثل الاستحاضة وسلس البول ~~والمذي والجرح الذي لا يرقأ ونحو ذلك فمن لم يمكنه حفظ الطهارة مقدار ~~الصلاة فإنه يتوضأ ويصلي ولا يضره ما خرج منه في الصلاة ولا ينتقض وضوؤه ~~بذلك باتفاق الأئمة وأكثر ما عليه أن يتوضأ لكل صلاة # وقد تنازع العلماء في المستحاضة ومن به سلس البول وأمثالهما مثل من به ~~ريح يخرج على غير الوجه المعتاد وكل من به حدث نادر فمذهب مالك إن ذلك ينقض ~~الوضوء بالحدث المعتاد ولكن الجمهور كأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ~~يقولون إنه يتوضأ لكل صلاة أو لوقت كل صلاة رواه أهل السنن وصحح ذلك غير ~~واحد من الحفاظ فلهذا كان أظهر قولي العلماء أن مثل هؤلاء يتوضؤون لكل صلاة ~~أو لوقت كل صلاة # وأما ما يخرج في الصلاة دائما فهذا لا ينقض الوضوء باتفاق العلماء وقد ~~ثبت في الصحيح أن بعض أزواج النبي كانت تصلي والدم يقطر منها فيوضع لها طست ~~يقطر فيه الدم وثبت في الصحيح أن عمر ms6318 بن الخطاب رضي الله عنه صلى وجرحه ~~يثعب دما وما زال المسلمون على عهد النبي يصلون في جراحاتهم PageV21P221 # وقد تنازع العلماء في خروج النجاسة من غير السبيلين كالجرح والفصاد ~~والحجامة والرعاف والقيء فمذهب مالك والشافعي لا ينقض ومذهب أبي حنيفة ~~وأحمد ينقض لكن أحمد يقول إذا كان كثيرا # وتنازعوا في مس النساء ومس الذكر هل ينقض فمذهب أبي حنيفة لا ينقض ومذهب ~~الشافعي ينقض ومذهب مالك الفرق بين المس لشهوة وغيرها وقد اختلفت الرواية ~~عنه هل يعتبر ذلك في مس الذكر واختلف في ذلك عن أحمد وعنه كقول أبي حنيفة ~~أنه لا ينقض شيء من ذلك وروايتان كقول مالك والشافعي # واختلف السلف في الوضوء من ما مست النار هل يجب أم لا واختلفوا في ~~القهقهة في الصلاة فمذهب أبي حنيفة تنقض ومن قال إن هذه الأمور لا تنقض فهل ~~يستحب الوضوء منها على قولين وهما قولان في مذهب أحمد وغيره # والأظهر في جميع هذه الأنواع أنها لا تنقض الوضوء ولكن يستحب الوضوء منها ~~فمن صلى ولم يتوضأ منها صحت صلاته ومن توضأ منها فهو أفضل وأدلة ذلك مبسوطة ~~في غير هذا الموضع ولكن كلهم يأمر بإزالة النجاسة ولكن إن كانت من الدم ~~أكثر من ربع PageV21P222 المحل فهذه تجب إزالتها عند عامة الأمة ومع هذا إن ~~كان الجرح لا يرقأ مثل ما أصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه يصلي ~~باتفاقهم سواء قيل إنه ينقض الوضوء أو قيل لا ينقض سواء كان كثيرا أو قليلا ~~لأن الله تعالى يقول @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وقال النبي إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم # وكلما عجز عنه العبد من واجبات الصلاة سقط عنه فليس له أن يؤخر الصلاة عن ~~وقتها بل يصلي في الوقت بحسب الإمكان لكن يجوز له عند أكثر العلماء أن يجمع ~~بين الصلاتين لعذر حتى إنه يجوز الجمع للمريض والمستحاضة وأصحاب الأعذار في ~~أظهر قولي العلماء كما استحب النبي للمستحاضة أن ms6319 تجمع بين الظهر والعصر ~~بغسل واحد فهذا للمعذور سواء أمكنه أن يجمع بين الصلاتين بطهارة واحدة من ~~غير أن يخرج منه شيء في الصلاة جاز له الجمع في أظهر قولي العلماء # وكذلك يجمع المريض بطهارة واحدة إذا كانت الطهارة لكل صلاة تزيد في مرضه ~~ولا بد من الصلاة في الوقت إما بطهارة إن أمكنه وإلا بالتيمم فإنه يجوز لمن ~~عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله إما لمرض وإما لشدة البرد أن يتيمم وإن ~~كان جنبا ولا قضاء عليه في أظهر قولي PageV21P223 العلماء وإذا تيمم في ~~السفر لعدم الماء لم يعد باتفاق الأئمة # وكذلك المريض إذا صلى قاعدا أو صلى على جنب لم يعد باتفاق العلماء # وكذلك العريان كالذي تنكسر به السفينة أو يأخذ القطاع ثيابه فإنه يصلي ~~عريانا ولا إعادة عليه باتفاق العلماء # وكذلك من اشتبهت عليه القبلة وصلى ثم تبين له فيما بعد لا يعيد باتفاق ~~العلماء وإن أخطأ مع اجتهاده لم يعد أيضا عند جمهورهم كمالك وأبي حنيفة ~~وأحمد بن حنبل والمشهور في مذهب الشافعي أنه يعيد # وقد تنازع العلماء في التيمم لخشية البرد هل يعيد وفيمن صلى في ثوب نجس ~~لم يجد غيره هل يعيد وفي مواضع أخر # والصحيح في جميع هذا النوع أنه لا إعادة على أحد من هؤلاء بل يصلي كل ~~واحد على حسب استطاعته ويسقط عنه ما عجز عنه ولا إعادة عليه ولم يأمر الله ~~تعالى ولا رسوله أحدا أن يصلي الفرض مرتين مطلقا بل من لم يفعل ما أمر به ~~فعليه أن يصلي إذا ذكر بوضوء باتفاق المسلمين كمن نسي الصلاة فإن النبي قال ~~PageV21P224 من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وهذه المسائل ~~مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا بيان أن الله تعالى ما جعل على المسلمين من حرج في دينهم بل ~~هو سبحانه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر ومسألة هذا السائل أولى ~~بالرخصة ولهذا كانت متفقا عليها بين العلماء وهذه المسائل مبسوطة في مواضع ~~أخر والله أعلم ms6320 ### |||| وسئل # عن رجل يصلي الخمس لا يقطعها ولم يحضر صلاة الجمعة وذكر أن عدم حضوره لها ~~أنه يجد ريحا في جوفه تمنعه عن انتظار الجمعة وبين منزله والمكان الذي تقام ~~فيه الجمعة قدر ميلين أو دونهما فهل العذر الذي ذكره كاف في ترك الجمعة مع ~~قرب منزله أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # بل عليه أن يشهد الجمعة ويتأخر بحيث يحضر ويصلي مع بقاء وضوئه وإن ~~كان لا يمكنه الحضور إلا مع خروج الريح فليشهدها وإن خرجت منه الريح فإنه ~~لا يضره ذلك والله أعلم PageV21P225 ### |||| وسئل # عمن به قروح في بعض أعضاء الوضوء ويخرج من تلك القروح قيح ينتشر على محل ~~الفرض في غير موضع القروح ولا يمكن إزالة ذلك إلا إذا أزاله عن القروح أيضا ~~وهو يجد المشقة في إزالتها والأطباء لا يرون في إزالتها مضرة على صاحب هذه ~~القروح غير أنه هو يجد الألم والمشقة في إزالة ذلك بسبب تكرار الوضوء فهل ~~يجب عليه إزالة ذلك ليصل الماء إلى ما تستر من محل الفرض وإن كان عليه مشقة ~~مع غلبة ظنه بعد تلك القروح أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كانت إزالته توجب زيادة المرض أو تأخر البرء لم يجب ~~عليه إزالته وإن لم يكن فيه هذا ولا هذا أزاله اللهم إلا أن يكون شيئا ~~يسيرا من جنس الوسخ الذي على العين ونحو ذلك فليس عليه أن يزيل ذلك والله ~~أعلم PageV21P226 ### |||| وسئل # عمن يرى أن القيء ينقض الوضوء واستدل على ذلك أن النبي قاء مرة وتوضأ ~~وروى حديثا آخر أنه قاء مرة فغسل فمه وقال هكذا الوضوء من القيء فهل يعمل ~~بالحديث الأول أم الثاني ### ||||| فأجاب # أما الحديث الثاني فما سمعت به # وأما الأول فهو في السنن لكن لفظه أنه قاء فأفطر فذكر ذلك لثوبان فقال ~~صدق أنا صببت له وضوءه ولفظ الوضوء لم يجئ في كلام النبي إلا والمراد به ~~الوضوء الشرعي ولم يرد لفظ الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود ~~فإنه قد روي أن سلمان الفارسي ms6321 قال للنبي إنا نجد في التوراة أن من بركة ~~الطعام الوضوء قبله فقال من بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده والله ~~أعلم PageV21P227 ### |||| وسئل # عن الرعاف # هل ينقض الوضوء أم لا ### ||||| فأجاب # إذا توضأ منه فهو أفضل ولا يجب عليه في أظهر قولي العلماء ### |||| وسئل # هل ينقض الوضوء النوم جالسا أم لا وإذا كان الرجل جالسا محتبيا بيديه ~~فنعس وانفلتت حبوته وسقطت يده على الأرض ومال لكنه لم يسقط جنبه إلى الأرض ~~هل يجب عليه الوضوء أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما النوم اليسير من المتمكن بمقعدته فهذا لا ينقض ~~الوضوء عند جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم فإن النوم عندهم ليس ~~بحدث في نفسه لكنه مظنة الحدث كما دل عليه الحديث الذي في السنن العين وكاء ~~السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء وفي PageV21P228 رواية فمن نام ~~فليتوضأ # ويدل على هذا ما في الصحيحين أن النبي كان ينام حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ~~ولا يتوضأ لأنه كان تنام عيناه ولا ينام قلبه فكان يقظان فلو خرج منه شيء ~~لشعر به وهذا يبين أن النوم ليس بحدث في نفسه إذ لو كان حدثا لم يكن فيه ~~فرق بين النبي وغيره كما في البول والغائط وغيرهما من الأحداث # وأيضا فإنه ثبت في الصحيح أن النبي كان يؤخر العشاء حتى كان أصحاب رسول ~~الله يخفقون برؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون فهذا يبين أن جنس النوم ليس ~~بناقض إذ لو كان ناقضا لانتقض بهذا النوم الذي تخفق فيه رؤوسهم # ثم بعد هذا للعلماء ثلاثة أقوال # قيل ينقض ما سوى نوم القاعد مطلقا كقول مالك وأحمد في رواية # وقيل لا ينقض نوم القائم والقاعد وينقض نوم الراكع والساجد PageV21P229 ~~لأن القائم والقاعد لا ينفرج فيهما مخرج الحدث كما ينفرج من الراكع والساجد # وقيل لا ينقض نوم القائم والقاعد والراكع والساجد بخلاف المضطجع وغيره ~~كقول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثالثة لكن مذهب أحمد التقييد بالنوم ~~اليسير # وحجة هؤلاء حديث في السنن ليس الوضوء على من نام قائما ms6322 أو قاعدا أو راكعا ~~أو ساجدا لكن على من نام مضطجعا فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله فيخرج ~~الحدث بخلاف القيام والقعود والركوع والسجود فإن الأعضاء متماسكة غير ~~مسترخية فلم يكن هناك سبب يقتضي خروج الخارج # وأيضا فإن النوم في هذه الأحوال يكون يسيرا في العادة إذ لو استثقل لسقط ~~والقاعد إذا سقطت يداه إلى الأرض فيه قولان والأظهر في هذا الباب أنه إذا ~~شك المتوضئ هل نومه مما ينقض أو ليس مما ينقض فإنه لا يحكم بنقض الوضوء لأن ~~الطهارة ثابتة بيقين فلا تزول بالشك والله أعلم PageV21P230 ### |||| وسئل # هل لمس كل ذكر ينقض الوضوء من الآدميين والحيوان وهل باطن الكف هو ما دون ~~باطن الأصابع ### ||||| فأجاب # لمس فرج الحيوان غير الإنسان لا ينقض الوضوء حيا ولا ميتا باتفاق ~~الأئمة وذكر بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي فيه وجهين وإنما تنازعوا في مس ~~فرج الإنسان خاصة # وبطن الكف يتناول الباطن كله بطن الراحة والأصابع ومنهم من يقول لا ينقض ~~بحال كأبي حنيفة وأحمد في رواية ### |||| وسئل # عن رجل وقعت يده بباطن كفه وأصابعه على ذكره فهل ينتقض وضوؤه أم لا ### ||||| فأجاب # إذا لم يتعمد ذلك لم ينتقض وضوؤه PageV21P231 ### |||| وسئل # عما إذا قبل زوجته أو ضمها فأمذى هل يلزمه وضوء أم لا ### ||||| فأجاب # أما الوضوء فينتقض بذلك وليس عليه إلا الوضوء لكن يغسل ذكره ~~وأنثييه ### |||| وسئل # عن لمس النساء هل ينقض الوضوء أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما نقض الوضوء بلمس النساء فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال ~~طرفان ووسط # أضعفها أنه ينقض اللمس وإن لم يكن لشهوة إذا كان الملموس مظنة للشهوة وهو ~~قول الشافعي تمسكا بقوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ وفي القراءة ~~الأخرى / < أو لمستم > / PageV21P232 # القول الثاني إن اللمس لا ينقض بحال وإن كان لشهوة كقول أبي حنيفة وغيره ~~وكلا القولين يذكر رواية عن أحمد لكن ظاهر مذهبه كمذهب مالك والفقهاء ~~السبعة أن اللمس إن كان لشهوة نقض وإلا فلا وليس في المسألة قول متوجه إلا ~~هذا القول أو الذي قبله # فأما ms6323 تعليق النقض بمجرد اللمس فهذا خلاف الأصول وخلاف إجماع الصحابة ~~وخلاف الآثار وليس مع قائله نص ولا قياس فإن كان اللمس في قوله تعالى @QB@ ~~أو لامستم النساء @QE@ إذا أريد به اللمس باليد والقبلة ونحو ذلك كما قاله ~~بن عمر وغيره فقد علم أنه حيث ذكر مثل ذلك في الكتاب والسنة فإنما يراد به ~~ما كان لشهوة مثل قوله في آية الاعتكاف @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد @QE@ ومباشرة المعتكف لغير شهوة لا تحرم عليه بخلاف المباشرة لشهوة ~~وكذلك المحرم الذي هو أشد لو باشر المرأة لغير شهوة لم يحرم عليه ولم يجب ~~عليه به دم # وكذلك قوله @QB@ ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن @QE@ وقوله @QB@ لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن @QE@ فإنه لو مسها مسيسا خاليا من غير ~~شهوة لم يجب به عدة ولا يستقر به مهر ولا تنتشر به حرمة المصاهرة باتفاق ~~العلماء بخلاف ما لو مس المرأة لشهوة PageV21P233 ولم يخل بها ولم يطأها ~~ففي استقرار المهر بذلك نزاع معروف بين العلماء في مذهب أحمد وغيره # فمن زعم أن قوله @QB@ أو لامستم النساء @QE@ يتناول اللمس وإن لم يكن ~~لشهوة فقد خرج عن اللغة التي جاء بها القرآن بل وعن لغة الناس في عرفهم ~~فإنه إذا ذكر المس الذي يقرن فيه بين الرجل والمرأة علم أنه مس الشهوة كما ~~أنه إذا ذكر الوطء المقرون بين الرجل والمرأة علم أنه الوطء بالفرج لا ~~بالقدم # وأيضا فإنه لا يقول إن الحكم معلق بلمس النساء مطلقا بل بصنف من النساء ~~وهو ما كان مظنة الشهوة فأما مس من لا يكون مظنة كذوات المحارم والصغيرة ~~فلا ينقض بها فقد ترك ما ادعاه من الظاهر واشترط شرطا لا أصل له بنص ولا ~~قياس فإن الأصول المنصوصة تفرق بين اللمس لشهوة واللمس لغير شهوة لا تفرق ~~بين أن يكون الملموس مظنة الشهوة أو لا يكون وهذا هو المس المؤثر في ~~العبادات كلها كالإحرام والاعتكاف والصيام وغير ذلك وإذا كان هذا القول لا ~~يدل عليه ms6324 ظاهر اللفظ ولا القياس لم يكن له أصل في الشرع # وأما من علق النقض بالشهوة فالظاهر المعروف في مثل ذلك دليل PageV21P234 ~~له وقياس أصول الشريعة دليل ومن لم يجعل اللمس ناقضا بحال فإنه يجعل اللمس ~~إنما أريد به الجماع كما في قوله تعالى @QB@ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~@QE@ ونظائره كثيرة وفي السنن أن النبي قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ لكن ~~تكلم فيه # وأيضا فمن المعلوم أن مس الناس نساءهم مما تعم به البلوى ولا يزال الرجل ~~يمس امرأته فلو كان هذا مما ينقض الوضوء لكان النبي بينه لأمته ولكان ~~مشهورا بين الصحابة ولم ينقل أحد أن أحدا من الصحابة كان يتوضأ بمجرد ~~ملاقاة يده لامرأته أو غيرها ولا نقل أحد في ذلك حديثا عن النبي فعلم أن ~~ذلك قول باطل والله أعلم ### |||| وسئل # عن مس النساء هل ينقض الوضوء أم لا ### ||||| فأجاب # فيه ثلاثة أقوال للفقهاء # أحدها أنه لا ينقض بحال كقول أبي حنيفة وغيره PageV21P235 # والثاني أنه إن كان له شهوة نقض وإلا فلا وهو قول مالك وغيره من أهل ~~المدينة # والثالث ينقض في الجملة وإن لم يكن بشهوة وهو قول الشافعي وغيره # وعن أحمد بن حنبل ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة لكن المشهور عنه قول مالك # والصحيح في المسألة أحد قولين إما الأول وهو عدم النقض مطلقا وإما القول ~~الثاني وهو النقض إذا كان بشهوة وأما وجوب الوضوء من مجرد مس المرأة لغير ~~شهوة فهو أضعف الأقوال ولا يعرف هذا القول عن أحد من الصحابة ولا روى أحد ~~عن النبي أنه أمر المسلمين أن يتوضئوا من ذلك مع أن هذا الأمر غالب لا يكاد ~~يسلم فيه أحد في عموم الأحوال فإن الرجل لا يزال يناول امرأته شيئا وتأخذه ~~بيدها وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به فلو كان الوضوء من ذلك واجبا ~~لكان النبي يأمر بذلك مرة بعد مرة ويشيع ذلك ولو فعل لنقل ذلك عنه ولو ~~بأخبار الآحاد فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه ms6325 أمر أحدا من المسلمين ~~بشيء من ذلك مع عموم البلوى به علم أن ذلك غير واجب PageV21P236 # وأيضا فلو أمرهم بذلك لكانوا ينقلونه ويأمرون به ولم ينقل عن أحد من ~~الصحابة أنه أمر بالوضوء من مجرد المس العاري عن شهوة بل تنازع الصحابة في ~~قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ فكان بن عباس وطائفة يقولون الجماع ~~ويقولون الله حيي كريم يكني بما يشاء عما شاء وهذا أصح القولين # وقد تنازع عبد الله بن عمر والعرب وعطاء بن أبي رباح والموالي هل المراد ~~به الجماع أو ما دونه فقالت العرب هو الجماع وقالت الموالي هو ما دونه ~~وتحاكموا إلى بن عباس فصوب العرب وخطأ الموالي # وكان بن عمر يقول قبلة الرجل امرأته ومسها بيده من الملامسة وهذا قول ~~مالك وغيره من أهل المدينة ومن الناس من يقول إن هذا قول بن عمر وبن مسعود ~~لكونهما كانا لا يريان التيمم للجنب فيتأولان الآية على نقض الوضوء ولكن قد ~~صرح في الآية أن الجنب يتيمم # وقد ناظر أبو موسى بن مسعود بالآية فلم يجبه بن مسعود بشيء وقد ذكر ذلك ~~البخاري في صحيحه فعلم أن ذلك كان من عدم استحضاره لموجب الآية PageV21P237 # ومعلوم أن الصحابة الأكابر الذين أدركوا النبي لو كانوا يتوضؤون من مس ~~نسائهم مطلقا ولو كان النبي أمرهم بذلك لكان هذا مما يعلمه بعض الصغار كابن ~~عمر وبن عباس وبعض التابعين فإذا لم ينقل ذلك صاحب ولا تابع كان ذلك دليلا ~~على أن ذلك لم يكن معروفا بينهم وإنما تكلم القوم في تفسير الآية والآية إن ~~كان المراد بها الجماع فلا كلام وإن كان أريد بها ما هو أعم من الجماع ~~فيقال حيث ذكر الله تعالى في كتابه مس النساء ومباشرتهن ونحو ذلك فلا يريد ~~به إلا ما كان على وجه الشهوة واللذة وأما اللمس العاري عن ذلك فلا يعلق ~~الله به حكما من الأحكام أصلا وهذا كقوله تعالى @QB@ ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد @QE@ فنهى العاكف عن مباشرة النساء مع أن العلماء ms6326 يعلمون ~~أن المعتكف لو مس امرأته بغير شهوة لم يحرم ذلك عليه وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي أنه كان يدني رأسه إلى عائشة رضي الله عنها فترجله وهو معتكف ومعلوم ~~أن ذلك مظنة مسه لها ومسها له # وأيضا فالإحرام أشد من الاعتكاف ولو مسته المرأة لغير شهوة لم يأثم بذلك ~~ولم يجب عليه دم وهذا الوجه يستدل به من وجهين من جهة ظاهر الخطاب ومن جهة ~~المعنى والاعتبار فإن خطاب الله تعالى PageV21P238 في القرآن بذكر اللمس ~~والمس والمباشرة للنساء ونحو ذلك لا يتناول ما تجرد عن شهوة أصلا ولم ~~يتنازع المسلمون في شيء من ذلك إلا في آية الوضوء والنزاع فيها متأخر فيكون ~~ما أجمعوا عليه قاضيا على ما تنازع فيه متأخروهم # وأما طريق الاعتبار فإن اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئا من الأحكام ~~ولا جعله موجبا لأمر ولا منهيا عنه في عبادة ولا اعتكاف ولا إحرام ولا صلاة ~~ولا صيام ولا غير ذلك ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة ولا يثبت شيئا غير ذلك ~~بل هذا في الشرع كما لو مس المرأة من وراء ثوبها ونحو ذلك من المس الذي لم ~~يجعله الله سببا لإيجاب شيء ولا تحريم شيء # وإذا كان كذلك كان إيجاب الوضوء بهذا مخالفا للأصول الشرعية المستقرة ~~مخالفا للمنقول عن الصحابة وكان قولا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة بل ~~المعلوم من السنة مخالفته بل هذا أضعف ممن جعل المني نجسا فإن القول بنجاسة ~~المني ضعيف فإذا كان النبي لم يأمر أحدا بغسل ما يصيب بدنه أو ثيابه من ~~المني مع كثرة ما كان يصيب الناس من ذلك في حياته وقد أمر الحائض أن تغسل ~~ما أصاب ثوبها من الدم مع أن ذلك قليل بالنسبة لإصابة المني للرجال ولو كان ~~ذلك واجبا لبينه بل كان يغسل ويمسح تقذرا PageV21P239 كما كانت عائشة رضي ~~الله عنها تارة تغسله وتارة تفركه من ثوبه # وكان سعد بن أبي وقاص وبن عباس يقولان أمطه عنك ولو بإذخرة فإنما هو ms6327 ~~بمنزلة المخاط والبصاق وكانت عمرة تغسله من ثوبه فإن كان في اعتقاده نجاسة ~~المني فهذا نزاع بين الصحابة والسنة تفصل بينهم فإذا كانت نجاسة المني ~~ضعيفة في السنة لكون النبي لم يأمر بذلك لعموم البلوى به لكن هذا أضعف لكون ~~الصحابة لم يحك أحد منهم مجرد اللمس العاري عن الشهوة ناقضا وإنما تنازعوا ~~في اللمس المعتاد للشهوة كالقبلة والغمز باليد ونحو ذلك # وأيضا فإيجاب الوضوء من جنس اللمس كمس النساء ومس الذكر إن لم يعلل بكونه ~~مظنة تحريك الشهوة وإلا كان مخالفا للأصول فأما إذا علل بتحريك الشهوة كان ~~مناسبا للأصول وهنا للفقهاء طريقان # أحدهما قول من يقول إن ذلك مظنة خروج الناقض فأقيمت المظنة مقام الحقيقة ~~وهذا قول ضعيف فإن المظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية ~~وكانت المظنة تفضي إليها غالبا وكلاهما معدوم فإن الخارج لو خرج لعلم به ~~الرجل وأيضا فإن مس الذكر لا يوجب خروج شيء في العادة أصلا فإن المني إنما ~~يخرج بالاستمناء PageV21P240 وذلك يوجب الغسل والمذي يخرج عقيب تفكر ونظر ~~ومس المرأة لا الذكر فإذا كانوا لا يوجبون الوضوء بالنظر الذي هو أشد إفضاء ~~إلى خروج المني فبمس الذكر أولى # والقول الثاني أن يقال اللمس سبب تحريك الشهوة كما في مس المرأة وتحريك ~~الشهوة يتوضأ منه كما يتوضأ من الغضب وأكل لحم الإبل لما في ذلك من أثر ~~الشيطان الذي يطفأ بالوضوء ولهذا قال طائفة من أصحاب أبي حنيفة إنما يتوضأ ~~إذا انتشر انتشارا شديدا وكذلك قال طائفة من أصحاب مالك يتوضأ إذا انتشر ~~لكن هذا الوضوء من اللمس هل هو واجب أو مستحب فيه نزاع بين الفقهاء ليس هذا ~~موضع ذكره فإن مسألة الذكر لها موضع آخر وإنما المقصود هنا مسألة مس النساء # والأظهر أيضا أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب وهكذا صرح به الإمام ~~أحمد في إحدى الروايتين عنه وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر به ~~على الاستحباب ليس فيه نسخ قوله وهل هو إلا بضعة منك وحمل ms6328 الأمر على ~~الاستحباب أولى من النسخ # وكذلك الوضوء مما مست النار مستحب في أحد القولين في PageV21P241 مذهب ~~أحمد وغيره وبذلك يجمع بين أمره وبين تركه فأما النسخ فلا يقوم عليه دليل ~~بل الدليل يدل على نقيضه وكذلك خروج النجاسات من سائر البدن غير السبيلين ~~كالوضوء من القيء والرعاف والحجامة والفصاد والجراح مستحب كما جاء عن النبي ~~والصحابة أنهم توضؤوا من ذلك وأما الواجب فليس عليه في الكتاب والسنة ما ~~يوجب ذلك # وكذلك الوضوء من القهقهة مستحب في أحد القولين في مذهب أحمد والحديث ~~المأثور في أمر الذين قهقهوا بالوضوء وجهه أنهم أذنبوا بالضحك ومستحب لكل ~~من أذنب ذنبا يتوضأ ويصلي ركعتين كما جاء في السنن عن أبي بكر رضي الله عنه ~~عن النبي أنه قال ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله ~~إلا غفر له والله أعلم ### |||| وسئل # عن الرجل يمس المرأة هل ينقض الوضوء أم لا ### ||||| فأجاب # إن توضأ من ذلك المس فحسن وإن صلى ولم يتوضأ صحت صلاته في أظهر ~~قولي العلماء PageV21P242 ### || 1 ( رسالة في مس الصبي الأمرد والنظر إليه ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # إذا مس يد الصبي الأمرد فهل هو من جنس النساء في نقض الوضوء وما جاء في ~~تحريم النظر إلى وجه الأمرد الحسن وهل هذا الذي يقوله بعض المخالفين ~~للشريعة إن النظر إلى وجه الصبي الأمرد عبادة وإذا قال لهم أحد هذا النظر ~~حرام يقول إنا إذا نظرت إلى هذا أقول سبحان الذي خلقه لا أزيد على ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا مس الأمرد لشهوة ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره # أحدهما أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء وهو المشهور من مذهب مالك ذكره ~~القاضي أبو يعلى في شرح المذهب # والثاني أنه لا ينقض الوضوء وهو المشهور من مذهب الشافعي # والقول الأول أظهر فإن الوطء في الدبر يفسد العبادات التي تفسد بالوطء في ~~القبل كالصيام والإحرام والاعتكاف ويوجب الغسل PageV21P243 كما يوجبه هذا ~~فتكون مقدمات هذا في باب العبادات كمقدمات ms6329 هذا فلو مس الأمرد لشهوة وهو ~~محرم فعليه دم كما لو مس أجنبية لشهوة وكذلك إذا مسه لشهوة وجب أن يكون كما ~~لو مس المرأة لشهوة في نقض الوضوء # والذي لم ينقض الوضوء بمسه يقول إنه لم يخلق محلا لذلك فيقال له لا ريب ~~أنه لم يخلق لذلك وإن الفاحشة اللوطية من أعظم المحرمات لكن هذا القدر لم ~~يعتبر في باب الوطء فإن وطىء في الدبر تعلق به ما ذكر من الأحكام وإن كان ~~الدبر لم يخلق محلا للوطء مع أن نفرة الطباع عن الوطء في الدبر أعظم من ~~نفرتها عن الملامسة ونقض الوضوء بالمس يراعى فيه حقيقة الحكمة وهو أن يكون ~~المس لشهوة عند الأكثرين كمالك وأحمد وغيرهما كما يراعى مثل ذلك في الأحرام ~~والاعتكاف وغير ذلك وعلى هذا القول فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم حتى ~~لو مس أمه وأخته وبنته لشهوة انتقض وضوؤه فكذلك الأمرد # وأما الشافعي وأحمد في رواية فيعتبر المظنة وهو أن النساء مظنة الشهوة ~~فينقض الوضوء سواء بشهوة أو بغير شهوة ولهذا لا ينقض لمس المحارم لكن لو ~~لمس ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت حقيقة الحكمة وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة ~~PageV21P244 # والتلذذ بمس الأمرد كمصافحته ونحو ذلك حرام بإجماع المسلمين كما يحرم ~~التلذذ بمس ذوات محارمه والمرأة الأجنبية بل الذي عليه أكثر العلماء أن ذلك ~~أعظم إثما من التلذذ بالمرأة الأجنبية كما أن الجمهور على أن عقوبة اللوطي ~~أعظم من عقوبة الزنى بالأجنبية فيجب قتل الفاعل والمفعول به سواء كان ~~أحدهما محصنا أو لم يكن وسواء كان أحدهما مملوكا للآخر أو لم يكن كما جاء ~~ذلك في السنن عن النبي وعمل به أصحابه من غير نزاع يعرف بينهم وقتله بالرجم ~~كما قتل الله قوم لوط بالرجم وبذلك جاءت الشريعة في قتل الزاني أنه يرجم ~~فرجم النبي ماعز بن مالك والغامدية واليهوديين والمرأة التي أرسل إليها ~~أنيسا وقال اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها # والنظر إلى وجه الأمرد لشهوة كالنظر إلى ms6330 وجه ذوات المحارم والمرأة ~~الأجنبية بالشهوة سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو شهوة التلذذ بالنظر فلو ~~نظر إلى أمه وأخته وابنته يتلذذ بالنظر إليها كما يتلذذ بالنظر إلى وجه ~~المرأة الأجنبية كان معلوما لكل أحد أن هذا حرام فكذلك النظر إلى وجه ~~الأمرد باتفاق الأئمة # وقول القائل إن النظر إلى وجه الأمرد عبادة كقوله إن النظر إلى وجوه ~~النساء أو النظر إلى وجوه محارم الرجل كبنت الرجل PageV21P245 وأمه وأخته ~~عبادة ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة كان بمنزلة من جعل الفواحش ~~عبادة قال تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ # ومعلوم أنه قد يكون في صور النساء الأجنبيات وذوات المحارم من الاعتبار ~~والدلالة على الخالق من جنس ما في صورة المرد فهل يقول مسلم إن للإنسان أن ~~ينظر بهذا الوجه إلى صور نساء العالم وصور محارمه ويقول إن ذلك عبادة بل من ~~جعل مثل هذا النظر عبادة فإنه كافر مرتد يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل ~~وهو بمنزلة من جعل إعانة طالب الفواحش عبادة أو جعل تناول يسير الخمر عبادة ~~أو جعل السكر بالحشيشة عبادة فمن جعل المعاونة على الفاحشة بقيادة أو غيرها ~~عبادة أو جعل شيئا من المحرمات التي يعلم تحريمها من دين الإسلام عبادة ~~فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهو مضاه للمشركين الذين @QB@ وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ # وفاحشة أولئك إنما كانت طوافهم بالبيت عراة وكانوا يقولون لا نطوف في ~~الثياب التي عصينا الله فيها فهؤلاء إنما كانوا يطوفون عراة على وجه اجتناب ~~ثياب المعصية وقد ذكر عنهم ما ذكر فكيف بمن يجعل جنس الفاحشة المتعلقة ~~بالشهوة عبادة PageV21P246 # والله سبحانه قد أمر في كتابه بغض البصر وهو نوعان غض البصر عن العورة ~~وغضها عن محل الشهوة # فالأول كغض الرجل بصره عن ms6331 عورة غيره كما قال النبي لا ينظر الرجل إلى ~~عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ويجب على الإنسان أن يستر ~~عورته كما قال النبي لمعاوية بن حيدة احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت ~~يمينك قلت فإذا كان أحدنا مع قومه قال إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا ~~يرينها قلت فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله أحق أن يستحيى منه من الناس ~~ويجوز أن يكشف بقدر الحاجة كما يكشف عند التخلي وكذلك إذا اغتسل الرجل وحده ~~بجنب ما يستره فله أن يغتسل عريانا كما اغتسل موسى عريانا وأيوب وكما في ~~اغتساله يوم الفتح واغتساله في حديث ميمونة # وأما النوع الثاني من النظر كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة ~~الأجنبية فهذا أشد من الأول كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وعلى صاحبها الحد وتلك المحرمات إذا تناولها غير مستحل لها كان عليه ~~التعزير لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهي الخمر وكذلك النظر ~~إلى عورة الرجل لا يشتهى كما يشتهى النظر إلى PageV21P247 النساء ونحوهن ~~وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب وقد اتفق العلماء على تحريم ~~ذلك كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم لشهوة والخالق ~~سبحانه يسبح عند رؤية مخلوقاته كلها وليس خلق الأمرد بأعجب في قدرته من خلق ~~ذي اللحية ولا خلق النساء بأعجب في قدرته من خلق الرجال بل تخصيص الإنسان ~~التسبيح بحال نظره إلى الأمرد دون غيره كتخصيصه التسبيح بنظره إلى المرأة ~~دون الرجل وما ذاك لأنه دل على عظمة الخالق عنده ولكن لأن الجمال يغير قلبه ~~وعقله وقد يذهله ما رآه فيكون تسبيحه بما يحصل في نفسه من الهوى كما أن ~~النسوة لما رأين يوسف @QB@ أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم @QE@ # وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ~~وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وإذا كان الله لا ينظر ms6332 إلى الصور والأموال ~~وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال فكيف يفضل الشخص بما لم يفضله الله به وقد ~~قال تعالى @QB@ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا @QE@ وقال في المنافقين @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا ~~تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم ~~الله أنى يؤفكون @QE@ PageV21P248 فإذا كان هؤلاء المنافقون الذين تعجب ~~الناظر أجسامهم لما فيهم من البهاء والرواء والزينة الظاهرة وليسوا ممن ~~ينظر إليه لشهوة قد ذكر الله عنهم ما ذكر فكيف بمن ينظر إليه لشهوة وذلك ان ~~الإنسان قد ينظر إليه لما فيه من الإيمان والتقوى وهنا الاعتبار بقلبه ~~وعمله لا بصورته وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة الدالة على المصور فهذا ~~حسن وقد ينظر إليه من جهة استحسان خلقه كما ينظر إلى الجبل والبهائم وكما ~~ينظر إلى الأشجار فهذا أيضا إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرياسة ~~والمال فهو مذموم لقوله تعالى @QB@ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه @QE@ # وأما إن كان على وجه لا ينقص الدين وإنما فيه راحة النفس فقط كالنظر إلى ~~الأزهار فهذا من الباطل الذي يستعان به على الحق # وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه شهوة كان حراما بلا ريب سواء كانت ~~شهوة تمتع بنظر الشهوة أو كان نظرا بشهوة الوطء وفرق بين ما يجده الإنسان ~~عند نظره الأشجار والأزهار وما يجده عند نظره النسوان والمردان فلهذا ~~الفرقان افترق الحكم الشرعي فصار النظر إلى المرد ثلاثة أقسام PageV21P249 # أحدها ما يقرن به الشهوة فهو حرام بالاتفاق # والثاني ما يجزم أنه لا شهوة معه كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن وابنته ~~الحسنة وأمه فهذا لا يقرن به شهوة إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس ومتى ~~اقترنت به الشهوة حرم # وعلى هذا من لا يميل قلبه إلى المرد كما كان الصحابة وكالأمم الذين لا ~~يعرفون هذه الفاحشة فإن الواحد من هؤلاء لا يفرق بين هذاالوجه ms6333 وبين نظره ~~إلى ابنه وبن جاره وصبي أجنبي ولا يخطر بقلبه شيء من الشهوة لأنه لم يعتد ~~ذلك وهو سليم القلب من مثل ذلك وقد كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في ~~الطرقات وهن متكشفات الرؤوس وتخدم الرجال مع سلامة القلوب فلو أراد الرجال ~~أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد ~~والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين كان هذا من باب الفساد # وكذلك المرد الحسان لا يصلح أن يخرجوا في الأمكنة والأزمنة التي يخاف ~~فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة فلا يمكن الأمرد الحسن من التبرج ولا من ~~الجلوس في الحمام بين الأجانب ولا من رقصه بين الرجال ونحو ذلك مما فيه ~~فتنة للناس والنظر إليه كذلك # وإنما وقع النزاع بين العلماء في القسم الثالث من النظر وهو PageV21P250 ~~النظر إليه لغير شهوة لكن مع خوف ثورانها فيه وجهان في مذهب أحمد أصحهما ~~وهو المحكي عن نص الشافعي أنه لا يجوز والثاني يجوز لأن الأصل عدم ثورانها ~~فلا يحرم بالشك بل قد يكره # والأول هو الراجح كما أن الراجح في مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه ~~الأجنبية من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية لكن لأنه يخاف ~~ثورانها ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية لأنها مظنة الفتنة والأصل أن كل ما ~~كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز فإن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم ~~يعارضها مصلحة راجحة ولهذا كان النظر الذي يفضي إلى الفتنة محرما إلا إذا ~~كان لمصلحة راجحة مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة ~~لكن مع عدم الشهوة # وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز # ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه أو أدامه وقال إني لا أنظر لشهوة كذب في ~~ذلك فإنه إذا لم يكن معه داع يحتاج معه إلى النظر لم يكن النظر إلا لما ~~يحصل في القلب من اللذة بذلك وأما نظرة الفجأة فهي عفو إذا صرف بصره كما ~~ثبت في الصحيح عن جرير قال ms6334 سألت رسول الله عن نظرة الفجأة فقال PageV21P251 ~~اصرف بصرك وفي السنن انه قال لعلي رضي الله عنه يا علي لا تتبع النظرة ~~النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية # وفي الحديث الذي في المسند وغيره النظر سهم مسموم من سهام إبليس وفيه من ~~نظر إلى محاسن إمرأة ثم غض بصره عنها أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى ~~يوم القيامة أو كما قال ولهذا يقال إن غض البصر عن الصورة التي نهى عن ~~النظر إليها كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر # إحداها حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب ما تركه لله فإن من ترك ~~شيئا لله عوضه الله خيرا منه والنفس تحب النظر إلى هذه الصور لا سيما نفوس ~~أهل الرياضة والصفا فإنه يبقى فيها رقة تجتذب بسببها إلى الصور حتى تبقى ~~تجذب أحدهم وتصرعه كما يصرعه السبع ولهذا قال بعض التابعين ما أنا على ~~الشاب التائب من سبع يجلس إليه بأخوف عليه من حدث جميل يجلس إليه وقال ~~بعضهم إتقوا النظر إلى أولاد الملوك فإن لهم فتنة كفتنة العذارى # وما زال أئمة العلم والدين كشيوخ الهدى وشيوخ الطريق يوصون بترك صحبة ~~الأحداث حتى يروى عن فتح الموصلي أنه قال PageV21P252 صحبت ثلاثين من ~~الأبدال كلهم يوصيني عند فراقه بترك صحبة الأحداث وقال بعضهم ما سقط عبد من ~~عين الله إلا بصحبة هؤلاء الأنتان # ثم النظر يؤكد المحبة فيكون علاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم صبابة لإنصباب ~~القلب إليه ثم غراما للزومه للقلب كالغريم الملازم لغريمه ثم عشقا إلى أن ~~يصير تتيما والمتيم المعبد وتيم الله عبد الله فيبقى القلب عبدا لمن لا ~~يصلح أن يكون أخا بل ولا خادما وهذا إنما يبتلى به أهل الاعراض عن الاخلاص ~~لله كما قال تعالى في حق يوسف @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين @QE@ فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت ~~فيه من السوء ويوسف عليه السلام مع عزوبته ومراودتها له واستعانتها عليه ~~بالنسوة وعقوبتها له ms6335 بالحبس على العفة عصمه الله بإخلاصه لله تحقيقا لقوله ~~@QB@ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ قال تعالى @QB@ إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ والغي هو إتباع ~~الهوى # وهذا الباب من اعظم أبواب إتباع الهوى ومن أمر بعشق الصور من المتفلسفة ~~كابن سينا وذويه أو من الفرس كما يذكر عن بعضهم أو من جهال المتصوفة فانهم ~~أهل ضلال وغي فهم مع مشاركة اليهود في الغي والنصارى في الضلال زادوا على ~~الأمتين في ذلك فإن PageV21P253 هذا وان ظن أن فيه منفعة للعاشق كتطليق ~~نفسه وتهذيب أخلاقه وللمعشوق من الشفاء في مصالحه وتعليمه وتأديبه وغير ذلك ~~فمضرة ذلك أضعاف منفعته وأين إثم ذلك من منفعته وإنما هذا كما يقال إن في ~~الزنى منفعة لكل منهما بما يحصل له من التلذذ والسرور ويحصل لها من الجعل ~~وغير ذلك وكما يقال إن في شرب الخمر منافع بدنية ونفسية وقد قال في الخمر ~~والميسر @QB@ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ ~~وهذا قبل التحريم دع ما قاله عند التحريم وبعده # وباب التعلق بالصور هو من جنس الفواحش وباطنه من باطن الفواحش وهو من ~~باطن الإثم قال تعالى @QB@ وذروا ظاهر الإثم وباطنه @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ وقد قال @QB@ وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ # وليس بين أئمة الدين نزاع في أن هذا ليس بمستحب كما أنه ليس بواجب فمن ~~جعله ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج من إجماع المسلمين بل واليهود والنصارى بل ~~وعما عليه عقلاء بني آدم من جميع الأمم وهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ~~@QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين @QE@ وقد قال PageV21P254 تعالى @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تتبع الهوى ~~فيضلك ms6336 عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب @QE@ # وأما من نظر إلى المرد ظانا أنه ينظر إلى الجمال الإلهي وجعل هذا طريقا ~~له إلى الله كما يفعله طوائف من المدعين للمعرفة فقوله هذا أعظم كفرا من ~~قول عباد الأصنام ومن كفر قوم لوط فهؤلاء من شر الزنادقة المرتدين الذين ~~يجب قتلهم بإجماع كل الأمة فإن عباد الأصنام قالوا @QB@ ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ وهؤلاء يجعلون الله موجودا في نفس الأصنام ~~وحالا فيها فإنهم لا يريدون بظهوره وتجليه في المخلوقات إنها دالة عليه ~~وآيات لهم بل يريدون أنه سبحانه هو ظهر فيها وتجلى فيها ويشبهون ذلك بظهور ~~الماء في الزجاجة والزبد في اللبن والزيت في الزيتون والدهن في السمسم ونحو ~~ذلك مما يقتضي حلول نفس ذاته في مخلوقاته أو اتحاده بها في جميع المخلوقات ~~نظير ما قالته النصارى في المسيح خاصة يجعلون المرد مظاهر الجمال فيقررون ~~هذا الشرك الأعظم طريقا إلى استحلال الفواحش بل إلى استحلال كل محرم كما ~~قيل لأفضل متأخريهم التلمساني إذا كان قولكم بأن الوجود واحد هو الحق فما ~~الفرق بين أمي وأختي PageV21P255 وابنتي تكون هذه حلالا وهذه حراما فقال ~~الجميع عندنا سواء لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم # ومن هؤلاء الحلولية والاتحادية من يخص الحلول والاتحاد ببعض الأشخاص إما ~~ببعض الأنبياء كالمسيح أو ببعض الصحابة كقول الغالية في علي أو ببعض الشيوخ ~~كالحلاجية ونحوهم أو ببعض الملوك أو ببعض الصور كصور المرد ويقول أحدهم أنا ~~أنظر إلى صفات خالقي وأشهدها في هذه الصورة # والكفر في هذا القول أبين من أن يخفى على من يؤمن بالله ورسوله ولو قال ~~مثل هذا الكلام في نبي كريم لكان كافرا فكيف إذا قاله في صبي أمرد فقبح ~~الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها وقد قال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ ~~فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا مع اعترافهم ms6337 بأنهم مخلوقون لله ~~كفارا فكيف بمن اتخذ بعض المخلوقات أربابا مع قوله إن الله فيها أو متحد ~~بها فوجودها وجوده ونحو ذلك من المقالات # وأما الفائدة الثانية في غض البصر فهو أنه يورث نور القلب والفراسة قال ~~تعالى عن قوم لوط @QB@ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون @QE@ PageV21P256 # فالتعلق في الصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه كما ~~قيل % سكران سكر هوى وسكر مدامة % فمتى إفاقة من به سكران % # وقيل % قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم % العشق أعظم مما بالمجانين % % ~~العشق لا يستفيق الدهر صاحبه % وإنما يصرع المجنون في الحين % # وذكر سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال @QB@ الله نور السماوات ~~والأرض @QE@ وكان شاه بن شجاع الكرماني لا تخطئ له فراسة وكان يقول من عمر ~~ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن ~~الشهوات وذكر خصلة خامسة وهي أكل الحلال لم تخطئ له فراسة والله تعالى يجزئ ~~العبد على عمله بما هو من جنس عمله فغض بصره عما حرم يعوضه الله عليه من ~~جنسه بما هو خير منه فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه PageV21P257 باب العلم ~~والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال بصيرة القلب # والفائدة الثالثة قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل الله له سلطان النصرة ~~مع سلطان الحجة وفي الأثر الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا يوجد ~~في المتبع لهواه من الذل ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه ~~فإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه قال تعالى @QB@ يقولون لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ~~@QE@ # ولهذا كان في كلام الشيوخ الناس يطلبون العز من أبواب الملوك ولا يجدونه ~~إلا في طاعة الله وكان الحسن البصري يقول وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت ~~بهم البغال فإن ذل المعصية في رقابهم يأبى الله إلا أن يذل من عصاه ومن ~~أطاع الله فقد والاه فيما ms6338 أطاعه فيه ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه ~~بمعاصيه وفي دعاء القنوت إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت # والصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم لسان صدق في الأمة لم يكونوا ~~يستحبون مثل هذا بل ينهون عنه ولهم في الكلام في ذم صحبة الأحداث وفي الرد ~~على أهل الحلول وبيان مباينة الخالق للمخلوق PageV21P258 مالا يتسع هذا ~~الموضع لذكره وإنما استحسنه من تشبه بهم ممن هو عاص أو فاسق أو كافر فتظاهر ~~بدعوى الولاية لله وتحقيق الإيمان والعرفان وهو من شر أهل العداوة لله وأهل ~~النفاق والبهتان # والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين خير الدنيا والآخرة ويجعل لأعدائه ~~الصفقة الخاسرة والله أعلم PageV21P259 ### |||| وسئل # عن أكل لحم الإبل هل ينقض الوضوء أم لا وهل حديثه منسوخ ### ||||| فأجاب # الحمد لله قد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن ~~رجلا سأل النبي أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ ~~قال أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم توضأ من لحوم الإبل قال أصلي في مرابض ~~الغنم قال نعم قال أصلي في مبارك الإبل قال لا # وثبت ذلك في السنن من حديث البراء بن عازب قال أحمد فيه حديثان صحيحان ~~حديث البراء وحديث جابر بن سمرة وله شواهد من وجوه أخر # منها ما رواه بن ماجه عن عبد الله بن عمر سمعت رسول الله يقول توضؤوا من ~~لحوم الإبل ولا توضؤوا من PageV21P260 لحوم الغنم وصلوا في مرابض الغنم ولا ~~تصلوا في معاطن الإبل وروي ذلك من غير وجه وهذا باتفاق أهل المعرفة بالحديث ~~أصح وأبعد عن المعارض من أحاديث مس الذكر وأحاديث القهقهة # وقد قال بعض الناس إنه منسوخ بقول جابر كان آخر الأمرين من النبي ترك ~~الوضوء مما مست النار لم يفرق بين لحم الإبل والغنم إذ كلاهما في مس النار ~~سواء فلما فرق بينهما فأمر بالوضوء من هذا وخير في الوضوء من الآخر علم ~~بطلان هذا التعليل # وإذا لم تكن العلة ms6339 مس النار فنسخ التوضؤ من ذلك لأمر لا يوجب نسخ التوضؤ ~~من جهة أخرى بل يقال كانت لحوم الإبل أو لا يتوضأ منها كما يتوضأ من لحوم ~~الغنم وغيرها ثم نسخ هذا الأمر العام المشترك فأما ما يختص به لحم الإبل ~~فلو كان قبل النسخ لم يكن منسوخا فكيف وذلك غير معلوم # يؤيد ذلك الوجه الثاني وهو أن الحديث كان بعد نسخ الوضوء مما مست النار ~~فإنه بين فيه أنه لا يجب الوضوء من لحوم الغنم وقد أمر فيه بالوضوء من لحوم ~~الإبل فعلم أن الأمر بذلك بعد النسخ PageV21P261 # الثالث أنه فرق بينهما في الوضوء وفي الصلاة في المعاطن أيضا وهذا ~~التفريق ثابت محكم لم يأت عنه نص بالتسوية بينهما في الوضوء والصلاة فدعوى ~~النسخ باطل بل عمل المسلمين بهذا الحديث في الصلاة يوجب العمل فيه بالوضوء ~~إذ لا فرق بينهما # الرابع أنه أمر بالوضوء من لحم الإبل وذلك يقتضي الوضوء منه نيا ومطبوخا ~~وذلك يمنع كونه منسوخا # الخامس أنه لو أتى عن النبي نص عام بقوله لا وضوء مما مست النار لم يجز ~~جعله ناسخا لهذا الحديث من وجهين # أحدهما أنه لا يعلم أنه قبله وإذا تعارض العام والخاص ولم يعلم التاريخ ~~فلم يقل أحد من العلماء أنه ينسخه بل إما أن يقال الخاص هو المقدم كما هو ~~المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وإما أن يتوقف بل لو ~~علم أن العام بعد الخاص لكان الخاص مقدما # الثاني أنه قد بينا أن هذا الخاص بعد العام فإن كان نسخ كان الخاص ~~PageV21P262 ناسخا وقد اتفق العلماء على أن الخاص المتأخر هو المقدم على ~~العام المتقدم فعلم باتفاق المسلمين على أنه لا يجوز تقديم مثل هذا العام ~~على الخاص لو كان هنا لفظ عام كيف ولم يرد عن النبي حديث عام ينسخ الوضوء ~~من كل ما مسته النار وإنما ثبت في الصحيح أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ ~~وكذلك أتي بالسويق فأكل منه ثم لم يتوضأ ms6340 وهذا فعل لا عموم له فإن التوضؤ من ~~لحم الغنم لا يجب باتفاق الأئمة المتبوعين والحديث المتقدم دليل ذلك # وأما جابر فإنما نقل عن النبي أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار ~~وهذا نقل لفعله لا لقوله فإذا شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ بعد ~~أن كان يتوضأ منه صح أن يقال الترك آخر الأمرين والترك العام لا يحاط به ~~إلا بدوام معاشرته وليس في حديث جابر ما يدل على ذلك بل المنقول عنه الترك ~~في قضية معينة ثم ترك الوضوء مما مست النار لا يوجب تركه من جهة أخرى ولحم ~~الإبل لم يتوضأ منه لأجل مس النار كما تقدم بل المعنى يختص به ويتناوله نيا ~~ومطبوخا فبين الوضوء من لحم الإبل والوضوء ممامست النار عموم وخصوص هذا أعم ~~من وجه وهذا أخص من وجه وقد يتفق الوجهان فيكون للحكم علتان وقد ينفرد ~~أحدهما عن الآخر بمنزلة التوضؤ من خروج PageV21P263 النجاسة مع الوضوء من ~~القبلة فإنه قد يقبل فيمذي وقد يقبل فلا يمذي وقد يمذي من غير مباشرة # فإذا قدر أنه لا وضوء من مس النساء لم ينف الوضوء من المذي وكذلك بالعكس ~~وهذا بين # وأضعف من ذلك قول بعضهم إن المراد بذلك الوضوء اللغوي وهو غسل اليد أو ~~اليد والفم فإن هذا باطل من وجوه # أحدها إن الوضوء في كلام رسولنا لم يرد به قط إلا وضوء الصلاة وإنما ورد ~~بذلك المعنى في لغة اليهود كما روي أن سلمان قال يا رسول الله إنه في ~~التوراة من بركة الطعام الوضوء قبله فقال من بركة الطعام الوضوء قبله ~~والوضوء بعده فهذا الحديث قد تنوزع في صحته وإذا كان صحيحا فقد أجاب سلمان ~~باللغة التي خاطبه بها لغة أهل التوراة وأما اللغة التي خاطب رسول الله بها ~~أهل القرآن فلم يرد فيها الوضوء إلا في الوضوء الذي يعرفه المسلمون # الثاني أنه قد فرق بين اللحمين ومعلوم أن غسل اليد والفم من الغمر مشروع ~~مطلقا بل قد ثبت ms6341 عنه أنه تمضمض من لبن PageV21P264 شربه وقال إن له دسما ~~وقال من بات وبيده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه فإذا كان قد شرع ذلك ~~من اللبن والغمر فكيف لا يشرعه من لحم الغنم # الثالث أن الأمر بالتوضؤ من لحم الإبل إن كان أمر إيجاب امتنع حمله على ~~غسل اليد والفم وإن كان أمر استحباب امتنع رفع الاستحباب عن لحم الغنم ~~والحديث فيه أنه رفع عن لحم الغنم ما أثبته للحم الإبل وهذا يبطل كونه غسل ~~اليد سواء كان حكم الحديث إيجابا أو استحبابا # الرابع أنه قد قرنه بالصلاة في مباركها مفرقا بين ذلك وهذا مما يفهم منه ~~وضوء الصلاة قطعا والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل يقرأ القرآن وليس له على الوضوء قدرة في كل وقت فهل له أن يكتب في ~~اللوح ويقرؤه إن كان على وضوء وغير وضوء أم لا وقد ذكر بعض المالكية أن ~~معنى قوله @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ تطهير القلب وأن المسلم لا ينجس ~~وقال بعض الشافعية لا يجوز PageV21P265 له أن يمس اللوح أو المصحف على غير ~~وضوء أبدا فهل بين الأئمة خلاف في هذا أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا قرأ في المصحف أو اللوح ولم يمسه جاز ذلك وإن كان ~~على غير طهور ويجوز له أن يكتب في اللوح وهو على غير وضوء والله أعلم ### |||| وسئل # هل يجوز مس المصحف بغير وضوء أم لا ### ||||| فأجاب # مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر كما قال في الكتاب ~~الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر # قال الإمام أحمد لا شك أن النبي كتبه له وهو أيضا قول سلمان الفارسي وعبد ~~الله بن عمر وغيرهما ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف PageV21P266 ### |||| وسئل # عن الإنسان إذا كان على غير طهر وحمل المصحف بأكمامه ليقرأ به ويرفعه من ~~مكان إلى مكان هل يكره ذلك ### ||||| فأجاب # أما إذا حمل الإنسان المصحف بكمه فلا بأس ولكن لا يمسه بيديه ### |||| وسئل # عمن معه ms6342 مصحف وهو على غير طهارة كيف يحمله ### ||||| فأجاب ومن ك # ان معه مصحف فله أن يحمله بين قماشه وفي خرجه وحمله سواء كان ~~ذلك القماش لرجل أو امرأة أو صبي وإن كان القماش فوقه أو تحته والله أعلم ~~PageV21P267 ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عما تجب له الطهارتان الغسل والوضوء ### ||||| فأجاب # ذلك واجب للصلاة بالكتاب والسنة والإجماع فرضها ونفلها واختلف في ~~الطواف ومس المصحف واختلف أيضا في سجود التلاوة وصلاة الجنازة هل تدخل في ~~مسمى الصلاة التي تجب لها الطهارة # وأما الاعتكاف فما علمت أحدا قال إنه يجب له الوضوء وكذلك الذكر والدعاء ~~فإن النبي أمر الحائض بذلك # وأما القراءة ففيها خلاف شاذ # فمذهب الأربعة تجب الطهارتان لهذا كله إلا الطواف مع الحدث الأصغر فقد ~~قيل فيه نزاع والأربعة أيضا لا يجوزون للجنب قراءة القرآن ولا اللبث في ~~المسجد إذا لم يكن على وضوء وتنازعوا في قراءة الحائض وفي قراءة الشيء ~~اليسير وفي هذا نزاع في مذهب PageV21P268 الإمام أحمد وغيره كما قد ذكر في ~~غير هذا الموضع # ومذهب أهل الظاهر يجوز للجنب أن يقرأ القرآن واللبث في المسجد هذا مذهب ~~داود وأصحابه وبن حزم وهذا منقول عن بعض السلف # وأما مذهبهم فيما تجب له الطهارتان فالذي ذكره بن حزم أنها لا تجب إلا ~~لصلاة هي ركعتان أو ركعة الوتر أو ركعة في الخوف أو صلاة الجنازة ولا تجب ~~عنده الطهارة لسجدتي السهو فيجوز عنده للجنب والمحدث والحائض قراءة القرآن ~~والسجود فيه ومس المصحف قال لأن هذه الأفعال خير مندوب إليها فمن ادعى منع ~~هؤلاء منها فعليه الدليل # وأما الطواف فلا يجوز للحائض بالنص والإجماع # وأما الحدث ففيه نزاع بين السلف وقد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد في ~~المناسك بإسناده عن النخعي وحماد بن أبي سليمان أنه يجوز الطواف مع الحدث ~~الأصغر وقد قيل إن هذا قول الحنفية أو بعضهم وأما مع الجنابة والحيض فلا ~~يجوز عند الأربعة لكن مذهب أبي حنيفة أن ذلك واجب فيه لا فرض وهو قول في ~~مذهب أحمد ms6343 PageV21P269 وظاهر مذهبه كمذهب مالك والشافعي أنه ركن فيه ~~والصحيح في هذا الباب ما ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم وهو الذي دل عليه ~~الكتاب والسنة وهو أن مس المصحف لا يجوز للمحدث ولا يجوز له صلاة جنازة ~~ويجوز له سجود التلاوة فهذه الثلاثة ثابتة عن الصحابة # وأما الطواف فلا أعرف الساعة فيه نقلا خاصا عن الصحابة لكن إذا جاز سجود ~~التلاوة مع الحدث فالطواف أولى كما قاله من قاله من التابعين قال البخاري ~~في باب سجدة المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء وكان بن عمر ~~يسجد على غير وضوء ووقع في بعض نسخ البخاري يسجد على وضوء قال بن بطال في ~~شرح البخاري الصواب إثبات غير لأن المعروف عن بن عمر أنه كان يسجد على غير ~~وضوء ذكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشار حدثنا زكريا بن أبي زائدة حدثنا ~~أبو الحسن يعني عبيد بن الحسن عن رجل زعم أنه نسيه عن سعيد بن جبير قال كان ~~عبد الله بن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد ~~وما يتوضأ وذكر عن وكيع عن زكريا عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة على غير ~~وضوء قال يسجد حيث كان وجهه # قال بن المنذر واختلفوا في الحائض تسمع السجدة فقال عطاء وأبو قلابة ~~والزهري وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم PageV21P270 وقتادة ليس ~~عليها أن تسجد وبه قال مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقد روينا عن ~~عثمان بن عفان قال تومئ برأسها وبه قال سعيد بن المسيب قال تومئ وتقول لك ~~سجدت # وقال بن المنذر ذكر من سمع السجدة وهو على غير وضوء قال أبو بكر واختلفوا ~~في ذلك فقالت طائفة يتوضأ ويسجد هكذا قال النخعي وسفيان الثوري وإسحاق ~~وأصحاب الرأي وقد روينا عن النخعي قولا ثالثا أنه يتيمم ويسجد وروينا عن ~~الشعبي قولا ثالثا أنه يسجد حيث كان وجهه وقال بن حزم وقد روي عن عثمان بن ~~عفان وسعيد بن المسيب تومئ الحائض بالسجود وقال سعيد ms6344 وتقول رب لك سجدت وعن ~~الشعبي جواز سجود التلاوة إلى غير القبلة # وأما صلاة الجنازة فقد قال البخاري قال النبي من صلى على الجنازة وقال ~~صلوا على صاحبكم وقال صلوا على النجاشي سماها صلاة وليس فيها ركوع ولا سجود ~~ولا يتكلم فيها وفيها تكبير وتسليم قال وكان بن عمر لا يصلي إلا طاهرا ولا ~~يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ويرفع يديه PageV21P271 # قال بن بطال عرض البخاري للرد على الشعبي فإنه أجاز الصلاة على الجنازة ~~بغير طهارة قال لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود والفقهاء مجمعون من ~~السلف والخلف على خلاف قوله فلا يلتفت إلى شذوذه وأجمعوا أنها لا تصلى إلا ~~إلى القبلة ولو كانت دعاء كما زعم الشعبي لجازت إلى غير القبلة قال واحتجاج ~~البخاري في هذا الباب حسن # قلت فالنزاع في سجود التلاوة وفي صلاة الجنازة قيل هما جميعا ليسا صلاة ~~كما قال الشعبي ومن وافقه وقيل هما جميعا صلاة تجب لهما الطهارة والمأثور ~~عن الصحابة وهو الذي تدل عليه النصوص والقياس الفرق بين الجنازة والسجود ~~المجرد سجود التلاوة والشكر وذلك لأنه قد ثبت بالنص لا صلاة إلا بطهور كما ~~في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي أنه قال لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا ~~أحدث حتى يتوضأ وفي صحيح مسلم عن بن عمر عن النبي أنه قال لا يقبل الله ~~صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول # وهذا قد دل عليه القرآن بقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق @QE@ الآية وقد حرم الصلاة ~~مع الجنابة والسكر في قوله @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ PageV21P272 # وثبت أيضا أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ~~بن جريج ثنا سعيد بن الحارث عن بن عباس أن النبي قضى حاجته من الخلاء فقرب ~~له طعام فأكل ولم يمس ماء قال بن جريج وزادني عمرو بن دينار ms6345 عن سعيد بن ~~الحارث أن النبي قيل له إنك لم تتوضأ قال ما أردت صلاة فأتوضأ قال عمرو ~~سمعته من سعيد بن الحارث # والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلا فإنه لم ينقل أحد عن ~~النبي لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف مع العلم بأنه قد حج ~~معه خلائق عظيمة وقد اعتمر عمرا متعددة والناس يعتمرون معه فلو كان الوضوء ~~فرضا للطواف لبينه النبي بيانا عاما ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه ولم ~~يهملوه ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ وهذا وحده لا يدل على الوجوب ~~فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة وقد قال إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ~~فيتيمم لرد السلام PageV21P273 # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه لما خرج من الخلاء وأكل وهو محدث قيل له ألا ~~تتوضأ قال ما أردت صلاة فأتوضأ يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا ~~أراد صلاة وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب ليس بواجب وقوله ما أردت صلاة ~~فأتوضأ ليس إنكارا للوضوء لغير الصلاة لكن إنكار لإيجاب الوضوء لغير الصلاة ~~فإن بعض الحاضرين قال له ألا تتوضأ فكأن هذا القائل ظن وجوب الوضوء للأكل ~~فقال ما أردت صلاة فأتوضأ فبين له أنه إنما فرض الله الوضوء على من قام إلى ~~الصلاة # والحديث الذي يروى الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام فمن ~~تكلم فلا يتكلم إلا بخير قد رواه النسائي وهو يروى موقوفا ومرفوعا وأهل ~~المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفا ويجعلونه من كلام بن عباس لا يثبتون ~~رفعه وبكل حال فلا حجة فيه لأنه ليس المراد به أن الطواف نوع من الصلاة ~~كصلاة العيد والجنائز ولا أنه مثل الصلاة مطلقا فإن الطواف يباح فيه الكلام ~~بالنص والإجماع ولا تسليم فيه ولا يبطله الضحك والقهقهة ولا تجب فيه ~~القراءة باتفاق المسلمين فليس هو مثل الجنازة فإن الجنازة فيها تكبير ~~وتسليم فتفتح بالتكبير وتختم بالتسليم PageV21P274 # وهذا حد الصلاة التي أمر فيها ms6346 بالوضوء كما قال مفتاح الصلاة الطهور ~~وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم والطواف ليس له تحريم ولا تحليل وإن كبر ~~في أوله فكما يكبر على الصفا والمروة وعند رمي الجمار من غير أن يكون ذلك ~~تحريما ولهذا يكبر كلما حاذى الركن والصلاة لها تحريم لأنه بتكبيرها يحرم ~~على المصلي ما كان حلالا له من الكلام أو الأكل أو الضحك أو الشرب أو غير ~~ذلك والطواف لا يحرم شيئا بل كل ما كان مباحا قبل الطواف في المسجد فهو ~~مباح في الطواف وإن كان قد يكره ذلك لأنه يشغل عن مقصود الطواف كما يكره في ~~عرفة وعند رمي الجمار ولا يعرف نزاعا بين العلماء أن الطواف لا يبطل ~~بالكلام والأكل والشرب والقهقهة كما لا يبطل غيره من مناسك الحج بذلك وكما ~~لا يبطل الاعتكاف بذلك # والاعتكاف يستحب له طهارة الحدث ولا يجب فلو قعد المعتكف وهو محدث في ~~المسجد لم يحرم بخلاف ما إذا كان جنبا أو حائضا فإن هذا يمنعه منه الجمهور ~~كمنعهم الجنب والحائض من اللبث في المسجد لا لأن ذلك يبطل الاعتكاف ولهذا ~~إذا خرج المعتكف للاغتسال كان حكم اعتكافه عليه في حال خروجه فيحرم عليه ~~مباشرة النساء في غير المسجد ومن جوز له اللبث مع الوضوء جوز للمعتكف أن ~~يتوضأ PageV21P275 ويلبث في المسجد وهو قول أحمد بن حنبل وغيره # والذي ثبت عن النبي أنه نهى الحائض عن الطواف وبعث أبا بكر أميرا على ~~الموسم فأمر أن ينادي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وكان ~~المشركون يحجون وكانوا يطوفون بالبيت عراة فيقولون ثياب عصينا الله فيها ~~فلا نطوف فيها إلا الحمس ومن دان دينها وفي ذلك أنزل الله @QB@ يا بني آدم ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ وقوله @QB@ وإذا فعلوا فاحشة @QE@ مثل طوافهم ~~بالبيت عراة @QB@ قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ # ومعلوم أن ستر العورة يجب مطلقا خصوصا إذا كان في المسجد الحرام والناس ms6347 ~~يرونه فلم يجب ذلك لخصوص الطواف لكن الاستتار في حال الطواف أوكد لكثرة من ~~يراه وقت الطواف فينبغي النظر في معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله وهو أن ~~يعرف مسمى الصلاة التي لا يقبلها الله إلا بطهور التي أمر بالوضوء عند ~~القيام إليها وقد فسر ذلك النبي بقوله في الحديث الذي في السنن عن علي عن ~~النبي أنه قال مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ففي ~~هذا الحديث دلالتان PageV21P276 # إحداهما أن الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فما لم يكن تحريمه ~~التكبير وتحليله التسليم لم يكن من الصلاة # والثانية إن هذه هي الصلاة التي مفتاحها الطهور فكل صلاة مفتاحها الطهور ~~فتحريمها التكبير وتحليلها التسليم فما لم يكن تحريمه التكبير وتحليله ~~التسليم فليس مفتاحه الطهور فدخلت صلاة الجنازة في هذا فإن مفتاحها الطهور ~~وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم # وأما سجود التلاوة والشكر فلم ينقل أحد عن النبي ولا عن أصحابه أن فيه ~~تسليما ولا أنهم كانوا يسلمون منه ولهذا كان أحمد بن حنبل وغيره من العلماء ~~لا يعرفون فيه التسليم وأحمد في إحدى الروايتين عنه لا يسلم فيه لعدم ورود ~~الأثر بذلك وفي الرواية الأخرى يسلم واحدة أو اثنتين ولم يثبت ذلك بنص بل ~~بالقياس وكذلك من رأى فيه تسليما من الفقهاء ليس معه نص بل القياس أو قول ~~بعض التابعين # وقد تكلم الخطابي على حديث نافع عن بن عمر قال كان رسول الله يقرأ علينا ~~القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه قال فيه بيان أن السنة أن يكبر ~~PageV21P277 للسجود وعلى هذا مذاهب أكثر أهل العلم وكذلك يكبر إذا رفع رأسه ~~من السجود قال وكان الشافعي وأحمد يقولان يرفع يديه إذا أراد أن يسجد وعن ~~بن سيرين وعطاء إذا رفع رأسه من السجود يسلم وبه قال إسحاق بن راهويه # قال واحتج لهم في ذلك بقول النبي تحريمها التكبير وتحليلها التسليم وكان ~~أحمد لا يعرف وفي لفظ لا يرى التسليم في هذا # قلت وهذه الحجة إنما تستقيم لهم إن ذلك ms6348 داخل في مسمى الصلاة لكن قد ~~يحتجون بهذا على من يسلم أنها صلاة فيتناقض قوله وحديث بن عمر رواه البخاري ~~في صحيحه وليس فيه التكبير قال كان النبي يقرأ علينا السورة فيها السجدة ~~فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته وفي لفظ حتى ما يجد أحدنا مكانا ~~لجبهته # فابن عمر قد أخبر أنهم كانوا يسجدون مع النبي ولم يذكر تسليما وكان بن ~~عمر يسجد على غير وضوء ومن المعلوم أنه لو كان النبي بين لأصحابه أن السجود ~~لا يكون إلا على وضوء لكان هذا مما يعلمه عامتهم لأنهم كلهم PageV21P278 ~~كانوا يسجدون معه وكان هذا شائعا في الصحابة فإذا لم يعرف عن أحد منهم أنه ~~أوجب الطهارة لسجود التلاوة وكان بن عمر من أعلمهم وأفقههم وأتبعهم للسنة ~~وقد بقي إلى آخر الأمر ويسجد للتلاوة على غير طهارة كان هو مما يبين أنه لم ~~يكن معروفا بينهم أن الطهارة واجبة لها ولو كان هذا مما أوجبه النبي لكان ~~ذلك شائعا بينهم كشياع وجوب الطهارة للصلاة وصلاة الجنازة وبن عمر لم يعرف ~~أن غيره من الصحابة أوجب الطهارة فيها ولكن سجودها على الطهارة أفضل باتفاق ~~المسلمين # وقد يقال إنه يكره سجودها على غير طهارة مع القدرة على الطهارة فإن النبي ~~لما سلم عليه مسلم لم يرد عليه حتى تيمم وقال كرهت أن أذكر الله إلا على ~~طهر فالسجود أوكد من رد السلام لكن كون الإنسان إذا قرأ وهو محدث يحرم عليه ~~السجود ولا يحل له أن يسجد لله إلا بطهارة قول لا دليل عليه وما ذكر أيضا ~~يدل على أن الطواف ليس من الصلاة ويدل على ذلك أن النبي قال لا تجزئ صلاة ~~لا يقرأ فيها بأم الكتاب والطواف والسجود لا يقرأ فيهما بأم الكتاب وقد قال ~~إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة والكلام ~~يجوز في الطواف PageV21P279 والطواف أيضا ليس فيه تسليم لكن يفتتح بالتكبير ~~كما يسجد للتلاوة بالتكبير ومجرد الإفتتاح بالتكبير لا ms6349 يوجب أن يكون ~~المفتتح صلاة فقد ثبت في الصحيح أن النبي طاف على بعير كلما أتى الركن أشار ~~إليه بشيء بيده وكبر وكذلك ثبت عنه أنه كبر على الصفا والمروة وعند رمي ~~الجمار ولأن الطواف يشبه الصلاة من بعض الوجوه # وأما الحائض فقد قيل إنما منعت من الطواف لأجل المسجد كما تمنع من ~~الإعتكاف لأجل المسجد والمسجد الحرام أفضل المساجد وقد قال تعالى لإبراهيم ~~@QB@ وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود @QE@ فأمر بتطهيره فتمنع ~~منه الحائض من الطواف وغير الطواف وهذا من سر قول من يجعل الطهارة واجبة ~~فيه ويقول إذا طافت وهي حائض عصت بدخول المسجد مع الحيض ولا يجعل طهارتها ~~للطواف كطهارتها للصلاة بل يجعله من جنس منعها أن تعتكف في المسجد وهي حائض ~~ولهذا لم تمنع الحائض من سائر المناسك كما قال النبي الحائض تقضي المناسك ~~كلها إلا الطواف بالبيت وقال لعائشة إفعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي ~~بالبيت ولما قيل له عن صفية أنها حائض قال أحابستنا هي قيل له أنها قد ~~افاضت قال فلا إذا متفق عليه PageV21P280 # وقد إعترض بن بطال على إحتجاج البخاري بجواز السجود على غير وضوء بحديث ~~بن عباس أن النبي قرأ النجم فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ~~وهذا السجود متواتر عند أهل العلم وفي الصحيح أيضا من حديث بن مسعود قال ~~قرأ النبي بمكة النجم فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو ~~تراب فرفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا قال فرأيته بعد قتل كافرا # قال بن بطال هذا لا حجة فيه لأن سجود المشركين لم يكن على وجه العبادة ~~لله والتعظيم له وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسان النبي من ذكر آلهتهم ~~في قوله @QB@ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى @QE@ فقال تلك ~~الغرانيق العلى وإن شفاعتهن قد ترتجى فسجدوا لما سمعوا من تعظيم آلهتهم ~~فلما علم النبي ما ألقى الشيطان على لسانه من ذلك أشفق وحزن له فأنزل الله ~~تعالى تأنيسا له ms6350 وتسلية عما عرض له @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته @QE@ إلى قوله @QB@ والله عليم ~~حكيم @QE@ أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته # فلا يستنبط من سجود المشركين جواز السجود على غير PageV21P281 وضوء لأن ~~المشرك نجس لا يصح له وضوء ولا سجود إلا بعد عقد الإسلام # فيقال هذا ضعيف فإن القوم إنما سجدوا لما قرأ النبي @QB@ أفمن هذا الحديث ~~تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا @QE@ فسجد ~~النبي ومن معه إمتثالا لهذا الأمر وهو السجود لله والمشركون تابعوه في ~~السجود لله # وما ذكر من التمني إذا كان صحيحا فإنه هو كان سبب موافقتهم له في السجود ~~لله ولهذا لما جرى هذا بلغ المسلمين بالحبشة ذلك فرجع منهم طائفة إلى مكة ~~والمشركون ما كانوا ينكرون عبادة الله وتعظيمه ولكن كانوا يعبدون معه آلهة ~~أخرى كما أخبر الله عنهم بذلك فكان هذا السجود من عبادتهم لله وقد قال سجد ~~معه المسلمون والمشركون والجن والإنس # وأما قوله لا سجود إلا بعد عقد الإسلام فسجود الكافر بمنزلة دعائه لله ~~وذكره له وبمنزلة صدقته وبمنزلة حجهم لله وهم مشركون فالكفار قد يعبدون ~~الله وما فعلوه من خير أثيبوا عليه في الدنيا فإن ماتوا على الكفر حبطت ~~أعمالهم في الآخرة وإن ماتوا على الإيمان فهل PageV21P282 يثابون على ما ~~فعلوه في الكفر فيه قولان مشهوران والصحيح أنهم يثابون على ذلك لقول النبي ~~لحكيم بن حزام أسلمت على ما أسلفت من خير وغير ذلك من النصوص ومعلوم أن ~~اليهود والنصارى لهم صلاة وسجود وإن كان ذلك لا ينفعهم في الآخرة إذا ماتوا ~~على الكفر # وأيضا فقد أخبر الله في غير موضع من القرآن عن سجود سحرة فرعون كما قال ~~تعالى @QB@ فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ~~@QE@ وذلك سجود مع إيمانهم وهو مما قبله الله منهم وأدخلهم به الجنة ولم ~~يكونوا على طهارة وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بنسخه ولو قرئ ms6351 ~~القرآن على كفار فسجدوا لله سجود إيمان بالله ورسوله محمد أو رأوا آية من ~~آيات الإيمان فسجدوا لله مؤمنين بالله ورسوله لنفعهم ذلك # ومما يبين هذا أن السجود يشرع منفردا عن الصلاة كسجود التلاوة وسجود ~~الشكر وكالسجود عند الآيات فإن بن عباس لما بلغه موت بعض أمهات المؤمنين ~~سجد وقال ان رسول الله أمرنا إذا رأينا آية ان نسجد PageV21P283 # وقد تنازع الفقهاء في السجود المطلق لغير سبب هل هو عبادة أم لا ومن سوغه ~~يقول هو خضوع لله والسجود هو الخضوع قال تعالى @QB@ وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة @QE@ قال أهل اللغة السجود في اللغة هو الخضوع وقال غير واحد من ~~المفسرين أمروا أن يدخلوا ركعا منحنين فان الدخول مع وضع الجبهة على الأرض ~~لا يمكن وقد قال تعالى @QB@ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ ومعلوم ~~أن سجود كل شيء بحسبه ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض وقد قال ~~النبي في حديث أبي ذر لما غربت الشمس إنها تذهب فتسجد تحت العرش رواه ~~البخاري ومسلم # فعلم ان السجود اسم جنس وهو كمال الخضوع لله وأعز ما في الإنسان وجهه ~~فوضعه على الأرض لله غاية خضوعه ببدنه وهو غاية ما يقدر عليه من ذلك ولهذا ~~قال النبي أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وقال تعالى @QB@ واسجد ~~واقترب @QE@ فصار من جنس أذكار الصلاة التي تشرع خارج الصلاة كالتسبيح ~~والتحميد والتكبير والتهليل وقراءة القرآن وكل ذلك يستحب له الطهارة ~~PageV21P284 # ويجوز للمحدث فعل ذلك بخلاف ما لا يفعل إلا في الصلاة كالركوع فإن هذا لا ~~يكون إلا جزءا من الصلاة وأفضل افعال الصلاة السجود وأفضل اقوالها القراءة ~~وكلاهما مشروع في غير الصلاة فيسرت العبادة لله لكن الصلاة أفضل الأعمال ~~فاشترط لها أفضل الأحوال # واشترط للفرض ما لم يشترط للنفل من القيام والاستقبال مع القدرة وجاز ~~التطوع ms6352 على الراحلة في السفر كما مضت به سنة النبي فإنه قد ثبت في الصحاح ~~أنه كان يتطوع على راحلته في السفر قبل اي وجه توجهت به وهذا مما اتفق ~~العلماء على جوازه وهو صلاة بلا قيام ولا استقبال للقبلة فإنه لا يمكن ~~المتطوع على الراحلة أن يصلي إلا كذلك فلو نهى عن التطوع أفضى إلى تفويت ~~عبادة الله التي لا يقدر عليها إلا كذلك بخلاف الفرض فإنه شيء مقدر يمكنه ~~أن ينزل له ولا يقطعه ذلك عن سفره ومن لم يمكنه النزول لقتال أو مرض أو وحل ~~صلى على الدابة أيضا # ورخص في التطوع جالسا لكن يستقبل القبلة فان الاستقبال يمكنه مع الجلوس ~~فلم يسقط عنه بخلاف تكليفه القيام فانه قد يشق عليه ترك التطوع وكان ذلك ~~تيسيرا للصلاة بحسب الإمكان فأوجب الله في الفرض ما لا يجب في النفل ~~PageV21P285 # وكذلك السجود دون صلاة النفل فانه يجوز فعله قاعدا وإن كان القيام أفضل ~~وصلاة الجنازة أكمل من النفل من وجه فاشترط لها القيام بحسب الامكان لأن ~~ذلك لا يتعذر وصلاة النافلة فيها ركوع وسجود فهي أكمل من هذا الوجه ~~والمقصود الأكبر من صلاة الجنازة هو الدعاء للميت ولهذا كان عامة ما فيها ~~من الذكر دعاء # واختلف السلف والعلماء هل فيها قراءة على قولين مشهورين ولم يوقت النبي ~~فيها دعاء بعينه فعلم انه لا يتوقت فيها وجوب شيء من الاذكار وإن كانت ~~قراءة الفاتحة فيها سنة كما ثبت ذلك عن بن عباس فالناس في قراءة الفاتحة ~~فيها على اقوال قيل تكره وقيل تجب والأشبه إنها مستحبة لا تكره ولا تجب ~~فانه ليس فيها قرآن غير الفاتحة فلو كانت الفاتحة واجبة فيها كما تجب في ~~الصلاة التامة لشرع فيها قراءة زائدة على الفاتحة ولأن الفاتحة نصفها ثناء ~~على الله ونصفها دعاء للمصلي نفسه لا دعاء للميت والواجب فيها الدعاء للميت ~~وما كان تتمة كذلك # والمشهور عن الصحابة أنه إذا سلم فيها سلم تسليمة واحدة لنقصها عن الصلاة ~~التامة # وقوله من صلى صلاة ms6353 لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج PageV21P286 يقال ~~الصلاة المطلقة هي التي فيها ركوع وسجود بدليل ما لو نذر أن يصلي صلاة وهذه ~~صلاة تدخل في قوله مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ~~لكنها تقيد يقال صلاة الجنازة ويقال صلوا على الميت كما قال تعالى @QB@ ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ # والصلاة على الميت قد بينها الشارع أنها دعاء مخصوص بخلاف قوله @QB@ خذ ~~من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@ تلك ~~قد بين انها الدعاء المطلق الذي ليس له تحريم وتحليل ولا يشترط له إستقبال ~~القبلة ولا يمنع فيه من الكلام والسجود المجرد لا يسمى صلاة لا مطلقا ولا ~~مقيدا ولهذا لا يقال صلاة التلاوة ولا صلاة الشكر فلهذا لم تدخل في قوله لا ~~يقبل الله صلاة بغير طهور وقوله لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ فان السجود مقصوده الخضوع والذل له وقيل لسهل بن عبد الله التستري ~~أيسجد القلب قال نعم سجدة لا يرفع رأسه منها أبدا # ومسمى الصلاة لا بد فيه من الدعاء فلا يكون مصليا إلا بدعاء بحسب إمكانه ~~والصلاة التي يقصد بها التقرب إلى الله لا بد فيها من قرآن وقد قال النبي ~~إني نهيت أن PageV21P287 أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فالسجود لا يكون فيه ~~قرآن وصلاة التقرب لا بد فيها من قرآن بخلاف الصلاة التي مقصودها الدعاء ~~للميت فإنها بقرآن أكمل ولكن مقصودها يحصل بغير قرآن # وأما مس المصحف فالصحيح انه يجب له الوضوء كقول الجمهور وهذا هو المعروف ~~عن الصحابة سعد وسلمان وبن عمر وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي لا يمس ~~القرآن إلا طاهر وذلك ان النبي نهى ان يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة ~~ان تناله ايديهم وقد أقر المشركين على السجود لله ولم ينكره عليهم فان ~~السجود لله خضوع @QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ # وأما كلامه فله حرمة عظيمة ولهذا ينهى أن يقرأ ms6354 القرآن في حال الركوع ~~والسجود فاذا نهى أن يقرأ في السجود لم يجز ان يجعل المصحف مثل السجود ~~وحرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد والمسجد يجوز أن يدخله المحدث ويدخله ~~الكافر للحاجة وقد كان الكفار يدخلونه واختلف في نسخ ذلك بخلاف المصحف فلا ~~يلزم إذا جاز الطواف مع الحدث أن يجوز للمحدث مس المصحف لأن حرمة المصحف ~~أعظم وعلى هذا فما روي عن عثمان وسعيد من أن الحائض تومئ بالسجود هو لأن ~~حدث الحائض أغلظ والركوع هو PageV21P288 سجود خفيف كما قال تعالى @QB@ ~~ادخلوا الباب سجدا @QE@ قالوا ركعا فرخص لها في دون كمال السجود # وأما احتجاج بن حزم على ان ما دون ركعتين ليس بصلاة بقوله صلاة الليل ~~والنهار مثنى مثنى فهذا يرويه الأزدي عن علي بن عبد الله البارقي عن بن عمر ~~وهو خلاف ما رواه الثقات المعروفون عن بن عمر فانهم رووا ما في الصحيحين ~~أنه سئل عن صلاة الليل فقال صلاة الليل مثنى مثنى فاذا خفت الفجر فأوتر ~~بواحدة ولهذا ضعف الامام أحمد وغيره من العلماء حديث البارقي ولا يقال هذه ~~زيادة من الثقة فتكون مقبولة لوجوه # أحدها أن هذا متكلم فيه # الثاني أن ذلك إذا لم يخالف الجمهور والا فاذا انفرد عن الجمهور ففيه ~~قولان في مذهب أحمد وغيره # الثالث أن هذا إذا لم يخالف المزيد عليه وهذا الحديث قد ذكر بن عمر أن ~~رجلا سأل النبي عن صلاة الليل فقال صلاة الليل مثنى مثنى فاذا خفت الصبح ~~فأوتر بواحدة ومعلوم أنه لو قال صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فاذا خفت ~~الصبح PageV21P289 فأوتر بواحدة لم يجز ذلك وانما يجوز اذا ذكر صلاة الليل ~~منفردة كما ثبت في الصحيحين والسائل إنما سأله عن صلاة الليل والنبي وان ~~كان قد يجيب عن أعم مما سئل عنه كما في حديث البحر لما قيل له إنا نركب ~~البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء ~~البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته لكن يكون الجواب منتظما ms6355 كما في هذا ~~الحديث # وهناك إذا ذكر النهار لم يكن الجواب منتظما لأنه ذكر فيه قوله فإذا خفت ~~الصبح فأوتر بواحدة وهذا ثابت في الحديث لا ريب فيه # فان قيل يحتمل أن يكون هذا قد ذكره النبي في مجلس آخر كلاما مبتدأ لآخر ~~إما لهذا السائل وإما لغيره # قيل كل من روى عن بن عمر إنما رواه هكذا فذكروا في أوله السؤال وفي آخره ~~الوتر وليس فيه إلا صلاة الليل وهذا خالفهم فلم يذكر ما في أوله ولا ما في ~~آخره وزاد في وسطه وليس هو من المعروفين بالحفظ والاتقان ولهذا لم يخرج ~~حديثه أهل الصحيح البخاري ومسلم # وهذه الأمور وما أشبهها متى تأملها اللبيب علم أنه غلط في الحديث ~~PageV21P290 وان لم يعلم ذلك أوجب ريبة قوية تمنع الاحتجاج به على إثبات ~~مثل هذا الأصل العظيم # ومما يبين ذلك أن الوتر ركعة وهو صلاة وكذلك صلاة الجنازة وغيرها فعلم أن ~~النبي لم يقصد بذلك بيان مسمى الصلاة وتحديدها فان الحد يطرد وينعكس # فان قيل قصد بيان ما يجوز من الصلاة # قيل ما ذكرتم جائز وسجود التلاوة والشكر أيضا جائز فلا يمكن الاستدلال به ~~لا على الاسم ولا على الحكم وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين ولم ~~يسبقه إليه أحد منهم فانه يكون خطأ كما قال الامام أحمد بن حنبل إياك أن ~~تتكلم في مسالة ليس لك فيها إمام # وأما سجود السهو فقد جوزه بن حزم أيضا على غير طهارة والى غير القبلة ~~كسجود التلاوة بناء على أصله الضعيف ولهذا لا يعرف عن أحد من السلف وليس هو ~~مثل سجود التلاوة والشكر لأن هذا سجدتان يقومان مقام ركعة من الصلاة كما ~~قال النبي في الحديث الصحيح حديث الشك إذا شك أحدكم PageV21P291 فلم يدر ~~ثلاثا صلى أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل ~~أن يسلم فان صلى خمسا شفعتا له صلاته والا كانتا ترغيما للشيطان وفي لفظ ~~وان كانت صلاته تماما كانتا ترغيما فجعلهما كالركعة السادسة ms6356 التي تشفع ~~الخامسة المزيدة سهوا # ودل ذلك على انه يؤجر عليها لأنه اعتقد أنها من تمام المكتوبة وفعلها ~~تقربا إلى الله وان كان مخطئا في هذا الإعتقاد وفي هذا ما يدل على أن من ~~فعل ما يعتقده قربة بحسب إجتهاده إن كان مخطئا في ذلك أنه يثاب على ذلك وان ~~كان له علم أنه ليس بقربة يحرم عليه فعله # وأيضا فان سجدتي السهو يفعلان أما قبل السلام وأما قريبا من السلام فهما ~~متصلان بالصلاة داخلان فيها فهما منها # وأيضا فانهما جبران للصلاة فكانتا كالجزء من الصلاة # وأيضا فان لهما تحليلا وتحريما فانه يسلم منهما ويتشهد فصارتا أوكد من ~~صلاة الجنازة # وفي الجملة سجدتا السهو من جنس سجدتي الصلاة لا من جنس PageV21P292 سجود ~~التلاوة والشكر ولهذا يفعلان إلى الكعبة وهذا عمل المسلمين من عهد نبيهم ~~ولم ينقل عن أحد أنه فعلها إلى غير القبلة ولا بغير وضوء كما يفعل ذلك في ~~سجود التلاوة وإذا كان السهو في الفريضة كان عليه أن يسجدهما بالأرض ~~كالفريضة ليس له أن يفعلهما على الراحلة # وأيضا فانهما واجبتان كما دل عليه نصوص كثيرة وهو قول أكثر الفقهاء بخلاف ~~سجود الشكر فانه لا يجب بالاجماع وفي استحبابه نزاع وسجود التلاوة في وجوبه ~~نزاع وان كان مشروعا بالاجماع فسجود التلاوة سببه القراءة فيتبعها # ولما كان المحدث له أن يقرأ فله أن يسجد بطريق الأولى فان القراءة أعظم ~~من مجرد سجود التلاوة # والمشركون قد سجدوا وما كانوا يقرؤون القرآن وقد نهى النبي أن يقرأ ~~القرآن في حال الركوع والسجود فعلم أن القرآن أفضل من هذه الحال # وقوله أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد أي من الأفعال فلم تدخل ~~الأقوال في ذلك ويفرق بين الأقرب والأفضل PageV21P293 فقد يكون بعض الأعمال ~~أفضل من السجود وإن كان في السجود أقرب كالجهاد فإنه سنام العمل إلا أن ~~يراد السجود العام وهو الخضوع فهذا يحصل له في حال القراءة وغيرها وقد يحصل ~~للرجل في حال القراءة من الخشوع والخضوع ما لا يحصل ms6357 له في حال السجود # وهذا كقوله أقرب ما يكون الرب تعالى من عبده في جوف الليل وقوله ينزل ~~ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل وقوله إنه يدنو عشية عرفة # ومعلوم أن من الأعمال ما هو أفضل من الوقوف بعرفة ومن قيام الليل ~~كالصلوات الخمس والجهاد في سبيل الله وقد قال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ فهو قريب ممن دعاه وقد يكون ~~غير الداعي أفضل من الداعي كما قال من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته ~~أفضل ما أعطي السائلين والله أعلم PageV21P294 ### ||| 2 باب الغسل 2 ### |||| سئل رحمه الله # عن غسل الجنابة هل هو فرض أم لا وهل يجوز لأحد الصلاة جنبا ولا يعيد ### ||||| فأجاب # الطهارة من الجنابة فرض ليس لأحد أن يصلي جنبا ولا محدثا حتى يتطهر ~~ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلا لذلك فهو كافر ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف ~~في كفره وهو مستحق للعقوبة الغليظة لكن إن كان قادرا على الاغتسال بالماء ~~اغتسل وإن كان عادما للماء ويخاف الضرر باستعماله بمرض أو خوف برد تيمم ~~وصلى # وإن تعذر الغسل والتيمم صلى بلا غسل ولا تيمم في أظهر أقوال العلماء ولا ~~إعادة عليه والله سبحانه وتعالى أعلم PageV21P295 ### |||| وسئل # عن رجل يلاعب امرأته ثم بعد ساعة يبول فيخرج شبه المني بألم وعصر فهل يجب ~~عليه الغسل ### ||||| فأجاب # المني الذي يوجب الغسل هو الذي يخرج بشهوة وهو أبيض غليظ تشبه ~~رائحته رائحة الطلع # فأما المني الذي يخرج بلا شهوة إما لمرض أو غيره فهذا فاسد لا يوجب الغسل ~~عند أكثر العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد كما أن دم الاستحاضة لا يوجب ~~الغسل والخارج عقيب البول تارة مع ألم أو بلا ألم هو من هذا الباب لا غسل ~~فيه عند جمهور العلماء والله أعلم ### |||| وسئل # عن امرأة قيل لها إذا كان عليك نجاسة من عذر النساء أو من جنابة لا ~~تتوضئي ألا تمسحي بالماء من داخل الفرج فهل يصح ذلك ms6358 PageV21P296 ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يجب على المرأة إذا اغتسلت من جنابة أو حيض غسل داخل ~~الفرج في أصح القولين والله أعلم ### |||| وسئل # عن امرأتين تباحثتا فقالت إحداهما يجب على المرأة أن تدس إصبعها وتغسل ~~الرحم من داخل وقالت الأخرى لا يجب إلا غسل الفرج من ظاهر فأيهما على ~~الصواب ### ||||| فأجاب # الصحيح أنه لا يجب عليها ذلك وإن فعلت جاز ### |||| وسئل # عن امرأة تضع معها دواء وقت المجامعة تمنع بذلك نفوذ المني في مجاري ~~الحبل فهل ذلك جائز حلال أم لا وهل إذا بقي ذلك الدواء معها بعد الجماع ولم ~~يخرج يجوز لها الصلاة والصوم بعد الغسل أم لا ### ||||| فأجاب # أما صومها وصلاتها فصحيحة وإن كان ذلك الدواء PageV21P297 في جوفها ~~وأما جواز ذلك ففيه نزاع بين العلماء والأحوط أنه لا يفعل والله أعلم ### |||| وسئل # هل صح عن النبي أنه كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد وما قدر ذلك وهل تكره ~~الزيادة على هذا مع اختلاف أحوالهم وهل يكرر الصب على وجهه في الوضوء ### ||||| فأجاب # الصاع بالرطل الدمشقي رطل وأوقيتان تقريبا والمد ربع ذلك وهذا مع ~~الاقتصاد والرفق يكفي غالب الناس وإن احتاج إلى الزيادة أحيانا لحاجة فلا ~~بأس بذلك # لكن من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء وما ذكر من تكثير الاغتراف مكروه بل ~~إذا غرف الماء يرسله على وجهه إرسالا من أعالي الوجه إلى أسفله برفق والله ~~أعلم PageV21P298 ### |||| وسئل # عن رجل اغتسل ولم يتوضأ فهل يجزيه ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الأفضل أن يتوضأ ثم يغسل سائر بدنه ولا يعيد الوضوء كما كان النبي يفعل # ولو اقتصر على الاغتسال من غير وضوء أجزأه ذلك في المشهور من مذهب الأئمة ~~الأربعة لكن عند أبي حنيفة وأحمد عليه المضمضة والاستنشاق وعند مالك ~~والشافعي ليس عليه ذلك وهل ينوي رفع الحدثين فيه نزاع بين العلماء والله ~~أعلم PageV21P299 ! 8 < وقال رحمه الله ! 8 < ### ||| فصل في الحمام # قد كره الإمام أحمد بناء الحمام وبيعه وشراءه وكراءه وذلك لاشتماله على ~~أمور محرمة كثيرا أو غالبا مثل كشف العورات ومسها ms6359 والنظر إليها والدخول ~~المنهي عنه إليها كنهي النساء وقد تشتمل على فعل فواحش كبيرة وصغيرة ~~بالنساء والرجال وجاء في الحديث الذي رواه الطبراني إن الشيطان قال يا رب ~~اجعل لي بيتا قال بيتك الحمام ومن المنكرات التي يكثر فيها تصوير الحيوان ~~في حيطانها وهذا متفق عليه # قلت قد كتبت في غير هذا الموضع أنه لا بد من تقييد ذلك بما إذا لم يحتج ~~إليها فأقول هنا إن جوابات أحمد ونصوصه إما أن تكون مقيدة في نفسه بأن يكون ~~خرج كلامه على الحمامات التي يعهدها في العراق والحجاز واليمن وهي جمهور ~~البلاد التي انتابها فإنه لم يذهب PageV21P300 إلى خراسان ولم يأت إلى غير ~~هذه البلاد إلا مرة في مجيئه إلى دمشق وهذه البلاد المذكورة الغالب عليها ~~الحر وأهلها لا يحتاجون إلى الحمام غالبا ولهذا لم يكن بأرض الحجاز حمام ~~على عهد رسول الله وخلفائه ولم يدخل النبي حماما ولا أبو بكر ولا عمر ولا ~~عثمان والحديث الذي يروى أن النبي دخل الحمام موضوع باتفاق أهل المعرفة ~~بالحديث ولكن علي لما قدم العراق كان بها حمامات وقد دخل الحمام غير واحد ~~من الصحابة وبني بالجحفة حمام دخلها بن عباس وهو محرم # وإما أن يكون جواب أحمد كان مطلقا في نفسه وصورة الحاجة لم يستشعرها نفيا ~~ولا إثباتا فلا يكون جوابه متناولا لها فلا يحكى عنه فيها كراهة # وإما أن يكون قصد بجوابه المنع العام عند الحاجة وعدمها وهذا أبعد ~~المحامل الثلاثة أن يحمل عليه كلامه فإن أصوله وسائر نصوصه في نظائر ذلك ~~تأبى ذلك وهو أيضا مخالف لأصول الشريعة وقد نقل عنه أنه لما مرض وصف له ~~الحمام # وكان أبو عبد الله لا يدخل الحمام اقتداء بابن عمر فإنه كان لا يدخلها ~~ويقول هي من رقيق العيش وهذا ممكن في أرض PageV21P301 يستغنى أهلها عن ~~الحمام كما يمكن الاستغناء عن الفراء والحشايا في مثل تلك البلاد # والكلام في فصلين # أحدهما في تفصيل حكم ما ذكر من بنائها وبيعها وإجارتها والأقسام أربعة # فإنه لا ms6360 يخلو إما أن يحتاج إليها من غير محظور أو لا يحتاج إليها ولا ~~محظور أو يحتاج إليها مع المحظور أو يكون هناك محظور من غير حاجة # فأما الأول فلا ريب في الجواز مثل أن يبني الرجل لنفسه وأهله حماما في ~~البلاد ا لباردة ولا يفعل فيها ما نهى الله عنه فهنا حاجة أو مثل أن يقدر ~~بناء حمام عامة في بلاد باردة وصيانتها عن كل محظور فإن البناء والبيع ~~والكراء هنا بمنزلة دخول الرجل إلى الحمام الخاصة أو المشتركة مع غض بصره ~~وحفظ فرجه وقيامه بما يجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا لا ريب ~~في جوازه وقد دخلها غير واحد من الصحابة # وأحاديث الرخصة فيها مشهورة كحديث أبي سعيد الخدري الذي PageV21P302 رواه ~~أحمد وأبو داود وبن ماجه عن النبي أنه قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة ~~والحمام وعلى هذا اعتمدوا في الصلاة في الحمام وقد أرسله طائفة وأسنده ~~آخرون وحكموا له بالثبوت واستثناؤه الحمام من الأرض كاستثنائه المقبرة في ~~كونها مسجدا دليل على إقرارها في الأرض وأنه لا ينهى عن الانتفاع بها مطلقا ~~إذ لو كان يجب إزالتها ويحرم بناؤها ودخولها لم تخص الصلاة بالمنع # والنهي عن الصلاة في الحمام قد قال بعض الأصحاب كأبي بكر والقاضي إنه ~~يعيد قيل لأنه محل الشياطين وفيه وجه وهو التعليل بمظنة النجاسة والمشهور ~~أن المنع يتناول ما يدخل في البيع وهو المشلح والمغتسل والأندر # وقد يقال الحمام فعال من الحم وهو المكان الذي فيه الهواء الحار والماء ~~الحار يتعرضن فيه # فأما المشلح الذي توضع فيه الثياب وهو بارد لا يغتسل فيه ولا يقعد فيه ~~إلا المتلبس فليس هو مكان حمام والدخول في المنع لا يصلح له تعليل ~~PageV21P303 # وقد بينا أن المقبرة وأعطان الإبل تصح الصلاة فيهما على الصحيح لعدم ~~تناول اللفظ والمعنى وإن دخل في المنع إلا أنه يقال لفظ الحمام يعم هذا كله ~~ولا يعرف حمام ليس فيها هذا المكان وتخلع فيه الثياب هذه هي الحمامات ~~المعروفة والحمامات الموجودة على ms6361 عهد النبي التي يتناولها لفظ الاستثناء ~~الشياطين يتناول ذلك كله كما أن صحن المسجد هو تبع للمسجد ويشبه أن يكون ~~الكلام فيها كالكلام في رحبة المسجد فإن الرحبة الخارجة عن سور المسجد غير ~~الرحبة التي هي صحن مكشوف بجانب المسقوف من المسجد المعد للصلاة فهذا ~~الثاني نسبته إليه تشبه نسبة خارج الحمام إلى داخله # وإذا تبين هذا فنقول إنما تكون الحجة أن لو علم أن النبي وخلفاءه أمكنهم ~~دخوله فلم يدخلوه وإلا فإذا احتمل مع الإمكان الدخول وعدمه لم يكن فيه حجة ~~وأما الصحابة فقد روي عن بن عمر أنه لم يدخلها وكان يقول هي مما أحدث الناس ~~من رقيق العيش وهذا تنبيه على ما أحدثه الناس من أنواع الفضول التي لم تكن ~~على عهد النبي وهذا قاله بن عمر في أرض الحجاز وبهذا اقتدى أحمد وهذا ترك ~~لها من PageV21P304 باب الزهد في فضول المباح والزهد المشروع هو ترك الرغبة ~~فيما لا ينفع في الدار الآخرة ولا ريب أنه إذا لم يكن دخول الحمام مما ~~ينتفع به في أعمال الآخرة كان تركه زهدا مشروعا # ولتركه وجه آخر وهو أن يكون على سبيل الورع والورع المشروع هو ترك ما قد ~~يضر في الدار الآخرة وهذا منه ورع واجب كترك المحرم ومنه ما هو دون ذلك وهو ~~ترك المشتبهات التي لا يعلمها كثير من الناس وغيرها من المكروهات # ولا ريب أن في دخول الحمام ما قد يكون محرما إذا اشتمل على فعل محرم من ~~كشف العورة أو تعمد النظر إلى عورة الغير أو تمكن الأجنبي من مس عورته أو ~~مس عورة الأجنبي أو ظلم الحمامي بمنع حقه وصب الماء الزائد على ما اقتضته ~~المعاوضة أو المكث فوق ما يقابل العوض المبذول له بدون رضاه أو فعل الفواحش ~~فيها أو الأقوال المحرمة التي تفعل كثيرا فيها أو تفويت الصلوات المكتوبات # ومنه ما قد يكون مكروها محرما أو غير محرم مثل صب الماء الكثير واللبث ~~الطويل مع المعاوضة عنهما والإسراف في نفقتها والتعرض للمحرم ms6362 من غير وقوع ~~فيه وغير ذلك وكذلك التمتع PageV21P305 والترفه بها من غير حاجة إلى ذلك ~~ولا استعانة به على طاعة الله # وقد يكون دخولها واجبا إذا احتاج إلى طهارة واجبة لا تمكن إلا فيها وقد ~~يكون مستحبا إذا لم يمكن فعل المستحب من الطهارة وغيرها إلا فيها مثل ~~الأغسال المستحبة التي لا يمكن فعلها إلا فيها ومثل نظافة البدن من الأوساخ ~~التي لا تمكن إلا فيها # فإن نظافة البدن من الأوساخ مستحبة كما روى الترمذي عن النبي أنه قال إن ~~الله نظيف يحب النظافة وقد ثبت في الصحيح عن عائشة قالت قال رسول الله عشر ~~من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار ~~وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء قال مصعب ونسيت العاشرة ~~إلا أن تكون المضمضة قال وكيع انتقاص الماء يعني الاستنجاء وعن عمار بن ~~ياسر رضي الله عنه أن رسول الله قال من الفطرة أو قال الفطرة المضمضة ~~والاستنشاق وقص الشارب والسواك وتقليم الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط ~~والاستحداد والاختتان والانتضاح رواه الإمام أحمد وهذا لفظه وأبو داود وبن ~~ماجه PageV21P306 # وهذه الخصال عامتها إنما هي للنظافة من الدرن فإن الشارب إذا طال يعلق به ~~الوسخ من الطعام والشراب وغير ذلك وكذلك الفم إذا تغير ينظفه السواك ~~والمضمضة والاستنشاق ينظفان الفم والأنف وقص الأظفار ينظفها مما يجتمع ~~تحتها من الوسخ ولهذا روى يدخل أحدكم علي ورفغه تحت أظفاره يعني الوسخ الذي ~~يحكه بأظفاره من أرفاغه # وغسل البراجم وهي عقد الأصابع فإن الوسخ يجتمع عليها ما لا يجتمع بين ~~العقد وكذلك الإبط فإنه يخرج من الشعر عرق الإبط وكذلك العانة إذا طالت وفي ~~صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف ~~الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة فهذا غاية ما يترك الشعر ~~والظفر المأمور بإزالته # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي أنه قال حق لله على كل مسلم أن ~~يغتسل في كل ms6363 سبعة أيام يغسل رأسه وجسده وهذا في أحد قولي العلماء هو غسل ~~راتب مسنون للنظافة في كل أسبوع وإن لم يشهد الجمعة بحيث يفعله من لا جمعة ~~عليه وعن جابر قال قال رسول الله على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم ~~وهو يوم الجمعة PageV21P307 رواه أحمد والنسائي وهذا لفظه وأبو حاتم البستي # وأما الأحاديث في الغسل يوم الجمعة متعددة وذاك يعلل باجتماع الناس بدخول ~~المسجد وشهود الملائكة ومع العبد ملائكة وقد ثبت عن النبي أنه قال إن ~~الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم وعن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره ~~النبي أن يغتسل بماء وسدر رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث ~~حسن # وهذان غسلان متنازع في وجوبهما حتى في وجوب السدر فقد ذكر أبو بكر في ~~المشتبه وجوب ذلك وهو خلاف ما حكي عنه في موضع آخر # ومن المعلوم أن أمر النبي بالاغتسال بماء وسدر كما أمر بالسدر في غسل ~~المحرم الذي وقصته ناقته وفي غسل ابنته المتوفاة وكما أمر الحائض أيضا أن ~~تأخذ ماءها وسدرها إنما هو لأجل التنظيف فإن السدر مع الماء ينظف ومن ~~المعلوم أن الاغتسال في الحمام أتم تنظيفا فإنها تحلل الوسخ بهوائها الحار ~~ومائها الحار وما كان أبلغ في تحصيل مقصود الشارع كان أحب إذا لم يعارضه ما ~~يقتضي خلاف ذلك PageV21P308 # وأيضا فالرجل إذا شعث رأسه واتسخ وقمل وتوسخ بدنه كان ذلك مؤذيا له ومضرا ~~حتى قد جعل الله هذا مما يبيح للمحرم أن يحلق شعره ويفتدي كما قال @QB@ ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك @QE@ وقد ثبت في الصحيح أنها نزلت في كعب بن ~~عجرة لما مر به النبي عام الحديبية قبل أن يؤذن لهم في الإحلال والقمل ~~يتهافت على رأسه وقد تكون إزالة هذا الأذى والضرر في غير الحمام إما متعذرة ~~أو متعسرة # فالحمام لمثل هذا مشروعة مؤكدة وقد يكون به ms6364 من المرض ما ينفعه فيه الحمام ~~واستعمال مثل ذلك إما واجب وإما مستحب وإما جائز فإنها ثلاثة أقوال في مذهب ~~أحمد وغيره # وأيضا فالحمام قد يحلل عنه من الأبخرة والأوساخ ويوجب له من الراحة ما ~~يستعين به على ما أمر به من الواجبات والمستحبات ودخولها حينئذ بهذه النية ~~يكون من جنس الاستعانة بسائر ما يستريح به كالمنام والطعام كما قال معاذ ~~لأبي موسى إني أنام وأقوم وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ونظائره في الحديث ~~الصحيح متعددة كما في حديث أبي الدرداء وعبد الله بن عمرو وغيرهما ~~PageV21P309 # القسم الثاني إذا خلت عن محظور في البلاد الباردة أو الحارة فهنا لا ريب ~~أنه لا يحرم بناؤها وقد بنيت الحمامات على عهد الصحابة في الحجاز والعراق ~~على عهد علي وغيره وأقروها وأحمد لم يقل إن ذلك حرام ولكن كره ذلك لاشتماله ~~غالبا على مباح ومحظور # وفي زمن الصحابة كان الناس أتقى لله وأرعى لحدوده من أن يكثر فيها ~~المحظور فلم تكن مكروهة إذ ذاك وإن وقع فيها أحيانا محظور فهذا بمنزلة وقوع ~~المحظور فيما يبنى من الأسواق والدور التي لم ينه عنها وإن كان يمكن ~~الاستغناء عنها # القسم الثالث إذا اشتملت على الحاجة والمحظور غالبا كغالب الحمامات التي ~~في البلاد الباردة فإنه لا بد لأهل تلك الأمصار من الحمام ولا بد في العادة ~~أن يشتمل على محظور فهنا أيضا لا تطلق كراهة بنائها وبيعها وذلك لأن قول ~~النبي الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من ~~الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في ~~الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يخالطه # إنما يقتضي اتقاء الشبهات التي يشتبه فيها الحلال بالحرام بخلاف ~~PageV21P310 ما إذا اشتبه الواجب أو المستحب بالمحظور وقد ذكر ذلك أبو طالب ~~المكي وبن حامد ولهذا سئل الإمام أحمد عن رجل مات أبوه وعليه دين وله ديون ~~فيها شبهة أيقضيها ولده فقال أيدع ذمة أبيه مرهونة وهذا جواب سديد فإن قضاء ~~الدين ms6365 واجب وترك الواجب سبب للعقاب فلا يترك لما يحتمل أن يكون فيه عقاب ~~ويحتمل أن لا يكون # ومن المعلوم أن من الأغسال ما هو واجب كغسل الجنابة والحيض والنفاس ومنها ~~ما هو مؤكد قد تنوزع في وجوبه كغسل الجمعة ومنها ما هو مستحب وهذه الأغسال ~~لا تمكن في البلاد الباردة إلا في حمام وإن اغتسل في غير حمام خيف عليه ~~الموت أو المرض فلا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذ # ولا يجوز الانتقال إلى التيمم مع القدرة على الاغتسال بالماء في الحمام ~~ولو قدر أن في ذلك كراهة مثل كون الماء مسخنا بالنجاسة عند من يكرهه مطلقا ~~أو عند من يكرهه إذا لم يكن بين الماء والدخان حاجز حصين كما قد تنازع في ~~ذلك أصحاب أحمد وغيرهم على القول بكراهة المسخن بالنجاسة فإنه بكل حال يجب ~~استعماله إذا لم يمكن استعمال غيره لأن التطهر من الجنابة بالماء واجب مع ~~القدرة وإن اشتمل على وصف مكروه فإنه في هذه الحال لا يبقى مكروها ~~PageV21P311 # وكذلك كل ما كره استعماله مع الجواز فإنه بالحاجة إليه لطهارة واجبة أو ~~شرب واجب لا يبقى مكروها ولكن هل يبقى مكروها عند الحاجة إلى استعماله في ~~طهارة مستحبة هذا محل تردد لتعارض مفسدة الكراهة ومصلحة الاستحباب والتحقيق ~~ترجيح هذا تارة وهذا تارة بحسب رجحان المصلحة تارة والمفسدة أخرى # وإذا تبين ذلك فقد يقال بناء الحمام واجب حينئذ حيث يحتاج إليه لأداء ~~الواجب العام # وقد يقال إنما يجب الاغتسال فيها عند وجودها ولا يجب تحصيلها ابتداء كما ~~لا يجب على الرجل حمل الماء معه للطهارة ولا إعداد الماء المسخن فإذا فتحت ~~مدينة وفيها حمام لم يهدم والحال هذه كما جاءت بذلك سنة رسول الله وسنة ~~خلفائه الراشدين وكذلك من انتقلت إليه بإرث ونحوه وأما من ملكها باختياره ~~فالكلام في ملكها ابتداء فإنه بمنزلة ابتداء بنائها # وعلى هذا فقد يقال نحن إنما نكره بناءها ابتداء فأما إذا بناها غيرنا فلا ~~نأمر بهدمها لما في ذلك من الفساد وكلام أحمد ms6366 المتقدم إنما هو في البناء لا ~~في الإبقاء والاستدامة أقوى من الابتداء ولهذا كان الإحرام والعدة يمنع ~~ابتداء النكاح ولا يمنع دوامه وأهل PageV21P312 الذمة يمنعون من إحداث ~~معابدهم ولا يمنعون من إبقائها إذا دخل ذلك في عهدهم # وإذا كان المكروه الابتداء فالجنب ونحوه إنما يجب عليه استعمال الحمام ~~إذا أمكن فهذا يفيد وجوب دخول الحمام إذا كانت موجودة واحتيج إليها لطهارة ~~واجبة فلم قلتم إنه يسوغ بناؤها ابتداء لذلك مع اشتماله على محظور فإنما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب وأما ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب وهنا ~~الوجوب عند عدم بنائها منتف فإذا توقفتم في الوجوب فتوقفوا في الإباحة # القسم الرابع أن تشتمل على المحظور مع إمكان الاستغناء عنها كما في ~~حمامات الحجاز والعراق واليمن في الأزمان المتأخرة فهذا محل نص أحمد وتجنب ~~بن عمر ### || الفصل الثاني في دخولها # فنقول ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها أو عدم استحبابه بكون النبي لم ~~يدخلها ولا أبو بكر وعمر فإن PageV21P313 هذا انما يكون حجة لو امتنعوا من ~~دخول الحمام وقصدوا إجتنابها أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها وقد علم أنه لم ~~يكن في بلادهم حينئذ حمام فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو ~~عدم ما يقتضي الاستحباب بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول وهو القدرة ~~والإمكان # وهذا كما أن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب ~~والمساكن لم يكن كل نوع منه كان موجودا في الحجاز فلم يأكل النبي من كل نوع ~~من أنواع الطعام القوت والفاكهة ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس ثم ان ~~من كان من المسلمين بأرض أخرى كالشام ومصر والعراق واليمن وخراسان وأرمينية ~~وأذربيجان والمغرب وغير ذلك عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم أو مجلوبة من ~~مكان آخر فليس لهم أن يظنوا ترك الإنتفاع بذلك الطعام واللباس سنة لكون ~~النبي لم يأكل مثله ولم يلبس مثله إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من ~~الأدلة الشرعية ms6367 وهو أضعف من القول باتفاق العلماء وسائر الأدلة من أقواله ~~كأمره ونهيه وإذنه من قول الله تعالى هي أقوى وأكبر ولا يلزم من عدم دليل ~~معين عدم سائر الأدلة الشرعية PageV21P314 # وكذلك إجماع الصحابة أيضا من أقوى الأدلة الشرعية فنفي الحكم بالاستحباب ~~لانتفاء دليل معين من غير تأمل باقي الأدلة خطأ عظيم فان الله يقول @QB@ ~~وقدر فيها أقواتها @QE@ وقال تعالى @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ~~@QE@ ولم تكن البغال موجودة بأرض العرب ولم يركب النبي بغلة إلا البغلة ~~التي أهداها له المقوقس من أرض مصر بعد صلح الحديبية وهذه الآية نزلت بمكة ~~ومثلها في القرآن يمتن الله على عباده بنعمه التي لم تكن بأرض الحجاز كقوله ~~تعالى @QB@ فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض ~~شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا ~~@QE@ ولم يكن بأرض الحجاز زيتون ولا نقل عن النبي أنه أكل زيتونا ولكن لعل ~~الزيت كان يجلب إليهم # وقد قال تعالى @QB@ والتين والزيتون @QE@ ولم يكن بأرضهم لا هذا ولا هذا ~~ولا نقل عن النبي أنه أكل منهما وكذلك قوله @QB@ وشجرة تخرج من طور سيناء ~~تنبت بالدهن وصبغ للآكلين @QE@ وقد قال النبي كلوا الزيت وادهنوا ~~PageV21P315 به فانه من شجرة مباركة وقال تعالى @QB@ الزجاجة كأنها كوكب ~~دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار @QE@ وكذلك قوله @QB@ وحدائق غلبا @QE@ # وكذلك قوله في البحر @QB@ لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها @QE@ وقوله @QB@ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا ~~على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون @QE@ ولم يركب النبي ~~البحر ولا أبو بكر ولا عمر وقد أخبر بمن يركب البحر من أمته غزاة ms6368 في سبيل ~~الله كأنهم ملوك على الأسرة لأم حرام بنت ملحان وقالت ادع الله أن يجعلني ~~منهم فقال أنت منهم # وكانت سنة رسول الله أنه يطعم ما يجده في أرضه ويلبس ما يجده ويركب ما ~~يجده مما أباحه الله تعالى فمن استعمل ما يجده في أرضه فهو المتبع للسنة ~~كما أنه حج البيت من مدينته فمن حج البيت من مدينة نفسه فهو المتبع للسنة ~~وإن لم تكن هذه المدينة تلك PageV21P316 # وكان يجاهد من يليه من الكفار من المشركين وأهل الكتاب فمن جاهد من يليه ~~من هؤلاء فقد اتبع السنة وإن كان نوع هؤلاء غير نوع أولئك إذ أولئك كان ~~غالبهم عربا ولهم نوع من الشرك هم عليه فمن جاهد سائر المشركين تركهم ~~وهندهم وغيرهم فقد فعل ما أمر الله به وإن كانت أصنامهم ليست تلك الأصنام # ومن جاهد اليهود والنصارى فقد اتبع السنة وإن كان هؤلاء اليهود والنصارى ~~من نوع آخر غير النوع الذي جاهدهم النبي فانه جاهد يهود المدينة كقريظة ~~والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر وضرب الجزية على نصارى نجران وغزا نصارى ~~الشام عربها ورومها عام تبوك ولم يكن فيها قتال وأرسل إليهم زيدا وجعفرا ~~وعبد الله بن رواحة قاتلوهم في غزوة مؤتة وقال أميركم زيد فان قتل فجعفر ~~فان قتل فعبد الله بن رواحة # وصالح أهل البحرين وكانوا مجوسا على الجزية وهم أهل هجر وفي الصحيح أنه ~~قدم مال البحرين فجعله في المسجد وما ثاب حتى قسمه وهذا باب واسع قد بسطناه ~~في غير هذا الموضع وميزنا بين السنة والبدعة وبينا ان السنة هي ما قام ~~الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله سواء فعله رسول الله أو فعل ~~PageV21P317 على زمانه أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضى حينئذ ~~لفعله أو وجود المانع منه # فانه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة كما أمر باجلاء اليهود ~~والنصارى من جزيرة العرب وكما جمع الصحابة القرآن في المصحف وكما داوموا ~~على قيام رمضان في المسجد جماعة ms6369 وقد قال لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب ~~عني غير القرآن فليمحه فشرع كتابة القرآن وأما كتابة الحديث فنهى عنها أولا ~~وذلك منسوخ عند جمهور العلماء باذنه لعبد الله بن عمرو ان يكتب عنه ما سمعه ~~في الغضب والرضا وباذنه لأبي شاه أن تكتب له خطبته عام الفتح وبما كتبه ~~لعمرو بن حزم من الكتاب الكبير الذي كتبه له لما استعمله على نجران وبغير ~~ذلك # والمقصود هنا أن كتابة القرآن مشروعة لكن لم يجمعه في مصحف واحد لأن ~~نزوله لم يكن تم وكانت الآية قد تنسخ بعد نزولها فلوجود الزيادة والنقص لم ~~يمكن جمعه في مصحف واحد حتى مات وكذلك قيام رمضان قد قال إن الرجل إذا قام ~~مع الامام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة وقام في أول الشهر بهم ليلتين وقام ~~في آخر الشهر ليالي وكان الناس يصلون على عهده في المسجد فرادى وجماعات لكن ~~لم يداوم بهم على الجماعة خشية أن PageV21P318 تفرض عليهم وقد أمن ذلك ~~بموته # وقد قال في الحديث الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي وغيره عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ~~وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة فما سنه الخلفاء الراشدون ليس ~~بدعة شرعية ينهى عنها وإن كان يسمى في اللغة بدعة لكونه ابتدئ كما قال عمر ~~نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل وقد بسطنا ذلك في قاعدة ### ||| فصل # الماء الجاري في أرض الحمام خارجا منها أو نازلا في بلاليعها لا يحكم ~~بنجاسته بل بطهارته إلا أن تعلم نجاسة شيء منه ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد أن ~~الحمام لم ينه عن الصلاة فيها لكونها مظنة النجاسة كما ذهب إليه طائفة من ~~الفقهاء وهو وجه في مذهب أحمد ومن قال هذا قال إذا غسلنا موضعا منها أو ~~تيقنا طهارته جازت الصلاة فيه PageV21P319 # وأما على من قال بالنهي مطلقا كما في حديث أبي سعيد الذي في سنن أبي داود ~~وغيره وقد صححه من صححه من الحفاظ ms6370 وبينوا أن رواية من أرسله لا تنافي ~~الرواية المسندة الثابتة أن النبي قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ~~فاستثنى الحمام مطلقا فيتناول الاسم ما دخل في المسمى فلهم طريقان # أحدهما أن النهي تعبد لا يعقل معناه كما ذهب إليه طائفة من أصحاب أحمد ~~وغيرهم كأبي بكر والقاضي أبي يعلى وأتباعه # والثاني أن ذلك لأنها مأوى الشياطين كما في الحديث الذي رواه الطبراني عن ~~بن عباس عن النبي أن الشيطان قال يا رب اجعل لي بيتا قال بيتك الحمام قال ~~اجعل لي قرآنا قال قرآنك الشعر قال اجعل لي مؤذنا قال مؤذنك المزمار # وهذا التعليل كتعليل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل بنحو ذلك كما في ~~الحديث إن على ذروة كل بعير شيطان وإنها جن خلقت من جن إذ لا يصح التعليل ~~هناك بالنجاسة لأنه فرق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم وكلاهما في الطهارة ~~والنجاسة سواء كما لا يصح تعليل الأمر بالوضوء من لحومها بأنه لأجل مس ~~النار مع تفريقه بين لحوم الإبل ولحوم الغنم وكلاهما في مس النار وعدمه ~~سواء PageV21P320 # وكذلك تعليل النهي عن الصلاة في المقبرة بنجاسة التراب هو ضعيف فإن النهي ~~عن المقبرة مطلقا وعن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك مما يبين أن النهي لما ~~فيه من مظنة الشرك ومشابهة المشركين # وأيضا فنجاسة تراب المقبرة فيه نظر فإنه مبني على مسألة الاستحالة ومسجد ~~رسول الله قد كان مقبرة للمشركين وفيه نخل وخرب فأمر النبي بالنخل فقطعت ~~وجعلت قبلة المسجد وأمر بالخرب فسويت وأمر بالقبور فنبشت فهذه مقبرة منبوشة ~~كان فيها المشركون ثم لما نبش الموتى جعلت مسجدا مع بقاء ما بقي فيها من ~~التراب ولو كان ذلك التراب نجسا لوجب أن ينقل من المسجد التراب النجس لا ~~سيما إذا اختلط الطاهر بالنجس فإنه ينبغي أن ينقل ما يتيقن به زوال النجاسة ~~ولم يفعل ذلك ولم يؤمر باجتناب ذلك التراب ولا بإزالة ما يصيب الأبدان ~~والثياب منه # فتبين أن الحكم معلق بظهور القبور لا بظن نجاسة التراب # وأيضا ms6371 من علل ذلك بالنجاسة فإن غايته أن يكره الصلاة عند الاحتمال كما ~~قاله من كره الصلاة في المقبرة والحمام والأعطان ولم PageV21P321 يحرمها ~~كما ذهب إليه طائفة من العلماء لكن هذا قول ضعيف لأن السنة فرقت بين معاطن ~~الإبل ومبارك الغنم ولأنه استثنى كونها مسجدا فلم تبق محلا للسجود ولأنه ~~نهى عن ذلك نهيا مؤكدا بقوله قبل أن يموت بخمس إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك # ولأنه لعن على ذلك بقوله لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد يحذر ما فعلوا ولأنه جعل مثل هؤلاء شرار الخليقة بقوله إن أولئك إذا ~~مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك ~~شرار الخلق عند الله يوم القيامة # وأيضا فإنه قد ثبت بسنته أن احتمال نجاسة الأرض لا يوجب كراهة الصلاة ~~فيها بل ثبت بسنته أن الأرض تطهر بما يصيبها من الشمس والريح والاستحالة ~~كما هو قول طوائف من العلماء كأبي حنيفة والشافعي في قول ومالك في قول وهو ~~أحد القولين في مذهب أحمد فإنه ثبت أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في ~~مسجد رسول الله ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك وثبت في الصحيح عنه أنه كان ~~يصلي في نعليه وفي السنن عنه أنه قال إن اليهود لا يصلون في نعالهم ~~فخالفوهم وقال إذا أتى PageV21P322 أحدكم المسجد فلينظر في نعليه فإن كان ~~فيهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور فإذا كان قد جعل التراب ~~يطهر أسفل الخف فلأن يطهر نفسه أولى وأحرى # وأيضا فمن المعلوم أن غالب طرقات الناس تحتمل من النجاسة نحو ما تحتمله ~~المقبرة والحمام أو نحو ذلك أو أكثر من ذلك فلو كان ذلك سبب النهي لنهى عن ~~الصلاة في النعال مطلقا لأن هذا الاحتمال فيها أظهر فهذه السنن تبطل ذلك ~~التعليل من وجهين # من جهة أن هذا الاحتمال لم يلتفت إليه ومن جهة أن التراب مطهر لما يلاقيه ~~في العادة # والمقصود ms6372 هنا الكلام في الماء الجاري في الحمام فنقول إن كراهة هذا الماء ~~وتوقيه وغسل ما يصيب البدن والثوب منه إما أن يكون على جهة الاستقذار وإما ~~أن يكون على جهة النجاسة # أما الأول فكما يغسل الإنسان بدنه وثيابه من الوسخ والدنس ومن الوحل الذي ~~يصيبه ومن المخاط والبصاق ومن المني على القول بطهارته وأشباه ذلك ومثل هذا ~~قد يكون في المياه المتغيرة بمقرها وممازجها ونحو ذلك وهذا نوع غير النوع ~~الذي نتكلم فيه الآن PageV21P323 # وأما اجتناب ذلك على جهة تنجيسه فحجته أن يقال إن هذا الماء في مظنة أن ~~تخالطه النجاسة وهو ما يكون في الحمام من القيء والبول فإن هذه النجاسة ~~التي قد تكون في الحمام فأما العذرة أو الدم أو غير ذلك فلا تكاد تكون في ~~الحمام وإن كان فيها نادرا تميز وظهر 8 # وأيضا فقد يزال به نجاسة تكون على البدن أو الثياب فإن كثيرا ممن يدخل ~~الحمام يكون على بدنه نجاسة إما من تخلي وإما من مرض وإما غير ذلك فيغسلها ~~في الحمام وكذلك بعض الآنية قد يكون نجسا وقد يكون بعض ما يغسل فيها من ~~الثياب نجسا # وأيضا فهذا الماء كثيرا ما يكون فيه الماء المستعمل في رفع الحدث وهو نجس ~~عند من يقول بنجاسته فهذه الحجة المعتمدة # والجواب عنها مبني على أصول ثلاثة # أحدها الجواب فيه من وجوه # أحدها أن يقال الماء الفائض من حياض الحمام والمصبوب على أبدان المغتسلين ~~أو على أرض الحمام طاهر بيقين وما ذكر مشكوك في إصابته لهذا الماء المعين ~~فإنه وإن تيقن أن الحمام يكون فيه PageV21P324 مثل هذا فلم يتيقن أن هذا ~~الماء المعين أصابه هذا واليقين لا يزول بالشك # الوجه الثاني أن يقال هذا بعينه وارد في طين الشوارع لكثرة ما يصيبه من ~~أبوال الدواب وقد قال أصحاب أحمد وغيرهم بطهارته بل النجاسة في طين الشوارع ~~أكثر وأثبت فإن الحمام وإن خالط بعض مياهها نجاسة فإنه يندفع ولا يثبت ~~بخلاف طين الشوارع # الوجه الثالث أن يقال كما أن ms6373 الأصل عدم النجاسة فالظاهر موافق للأصل وذلك ~~أنا إذا اعتبرنا ما تلاقيه النجاسة في العادة وما لا تلاقيه كان ما لا ~~تلاقيه أكثر بكثير فإن غالب المياه الجارية في أرض الحمام لا يلاقيها في ~~العادة نجاسة وإذا اتفق الأصل والظاهر لم تبق المسألة من موارد النزاع بل ~~من مواقع الإجماع ولهذا قلت إنه لا يستحب غسل ذلك تنجسا فإنه وسواس # ولنا فيما إذا شك في نجاسة الماء هل يستحب البحث عن نجاسته وجهان أظهرهما ~~لا يستحب البحث لحديث عمر وذلك لأن حكم الغائب إنما يثبت بعد العلم في ~~الصحيح الذي هو ظاهر مذهب أحمد ومذهب مالك وغيرهما ولا إعادة على من لم ~~يعلم أن عليه PageV21P325 نجاسة وهذا وإن كان في اجتنابها في الصلاة فمسألة ~~إصابتها لنا فيها أيضا وجهان # الوجه الرابع أنا إذا قدرنا أن الغالب التنجس فقد يعارض الأصل والظاهر ~~وفي مثل هذا كثيرا ما يجيء قولان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما كثياب ~~الكفار ونحو ذلك لكن مع مشقة الاحتراز كطين الشوارع يرجحون الطهارة وإذا ~~قيل بالتنجيس في مثل هذا عفي عن يسيره # الأصل الثاني أن نقول هب أن هذا الماء خالطته نجاسة لكنه ماء جار فإنه ~~ساح على وجه الأرض والماء الجاري إذا خالطته نجاسة ففيه للعلماء قولان # أحدهما أنه لا ينجس إلا بالتغير بالنجاسة وهذا أصح القولين وهو مذهب مالك ~~وأحمد في أحد القولين اللذين يدل عليهما نصه وهو مذهب أبي حنيفة مع شدة ~~قوله في الماء الدائم وهو القول القديم للشافعي ونهي النبي عن البول في ~~الماء الدائم والاغتسال فيه دليل على أن الجاري بخلاف ذلك وهو دليل على أنه ~~لا يضره البول فيه والاغتسال فيه # وأيضا فإنه طاهر لم يتغير بالنجاسة وليس في الأدلة الشرعية PageV21P326 ~~ما يوجب تنجيسه فإن الذين يقولون إن الماء الجاري كالدائم تعتبر فيه ~~القلتان فإذا كانت الجرية أقل من قلتين نجسته كما هو الجديد من قولي ~~الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد فإنه لا حجة لهم في هذا ولا أثر عن ms6374 أحد ~~من السلف إلا التمسك بقوله إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث وقياس الجاري ~~على الدائم وكلاهما لا حجة فيه # أما الحديث فمنطوقه لا حجة فيه وإنما الحجة في مفهومه ودلالة مفهوم ~~المخالفة لا تقتضي عموم مخالفة المنطوق في جميع صور المسكوت بل تقتضي أن ~~المسكوت ليس كالمنطوق فإذا كان بينهما نوع فرق ثبت أن تخصيص أحد النوعين ~~بالذكر مع قيام المقتضي للتعميم كان لاختصاصه بالحكم فإذا قال إذا بلغ ~~الماء قلتين لم يحمل الخبث دل أنه إذا لم يبلغ قلتين لم يكن حكمه كذلك فإذا ~~كان ما لم يبلغ فرق فيه بين الماء الجاري والدائم حصل المقصود لا سيما ~~والحديث ورد جوابا عن سؤالهم عن الماء الدائم الذي يكون بأرض الفلاة وما ~~ينوبه من السباع والدواب فيبقى قوله الماء طهور لا ينجسه شيء الوارد في بئر ~~بضاعة متناولا للجاري والفرق أن الجاري له قوة دفع النجاسة عن غيره فإنه ~~إذا صب على الأرض النجسة طهرها ولم يتنجس فكيف لا يدفعها عن نفسه ولأن ~~الماء الجاري يحيل النجاسة بجريانه PageV21P327 # وأيضا فإن القياس هل هو تنجيس الماء بمخالطة النجاسة أو عدم تنجيسه حتى ~~تظهر النجاسة فيه قولان للأصحاب وغيرهم # فمن قال بالأول قال العفو عما فوق القلتين كان للمشقة لأنه يشق حفظه من ~~وقوع النجاسة فيه لأنه غالبا يكون في الحياض والغدران والآبار بخلاف القليل ~~فإنه يكون في الأواني وهذا المعنى موجود في الجاري فإن حفظه من النجاسة ~~أصعب من حفظ الدائم الكثير # ومن قال بالثاني وأن الأصل الطهارة حتى تظهر النجاسة كان التطهير على ~~قوله أوكد فإن القليل الدائم نجس لأنه قد يحمل الخبث كما نبه عليه الحديث ~~وأما الجاري فإنه بقوة جريانه يحيل الخبث فلا يحمله كما لا يحمله الكثير # وإذا كان كذلك فهذه المياه الجارية في حمام إذا خالطها بول أو قيء أو ~~غيرهما كانت نجاسة قد خالطت ماء جاريا فلا ينجس إلا بالتغير والكلام فيما ~~لم تظهر فيه النجاسة # وإن قيل إن ماء الحمام يخالطه السدر ms6375 والخطمي والتراب وغير ذلك مما يغسل ~~به الرأس والأشنان والصابون والحناء PageV21P328 وغير ذلك من الطاهرات التي ~~تختلط به حتى لا تظهر فيه النجاسة # قيل إذا جاز أن تكون النجاسة ظاهرة فيه وجاز أن لا تكون ظاهرة فالأصل عدم ~~ظهورها وإذا كان قد علم أنه تخالطه الطاهرات ورأيناه متغيرا أحلنا التغير ~~على مخالطة الطاهرات إذ الحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر ~~المظنون بل قد ثبت النص بذلك فيما أصله الحظر كالصيد إذا جرح وغاب فإنه ثبت ~~بالنص إباحته وإن جاز أن يكون قد زهق بسبب آخر أصابه فزهوقه إلى السبب ~~المعلوم وهو جرح الصائد أو كلبه وإن كان في المسألة أقوال متعددة فهذا هو ~~الصواب الذي ثبت بالنص الصحيح الصريح # الأصل الثالث أن نقول هب أن الماء تنجس فإنه صار نجاسة على الأرض ~~والنجاسة إذا كانت على الأرض بولا كانت أو غير بول فإنه يطهر بصب الماء ~~عليها إذا لم تبق عينها كما أمر النبي بذلك في حديث الأعرابي الذي بال في ~~المسجد حيث قال لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه بوله فصبوا على بوله ذنوبا من ~~ماء وقال إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين # ولهذا قال أصحاب أحمد وغيره إن نجاسة الأرض والبرك والحياض المبنية ونحو ~~ذلك مما لا ينقل ويحول يخالف النجاسة على المنقول من الأبدان والثياب ~~والآنية من ثلاثة أوجه PageV21P329 # أحدها أنه لا يشترط فيها العدد لا من ولوغ الكلب ولا غيره # الثاني أنه لا يشترط فيها الانفصال عن موضع النجاسة # الثالث أن الغسالة طاهرة قبل انفصالها عن موضع النجاسة # وإذا كان كذلك فنقول ما كان على أرض الحمام من بول وغيره فإنه قد جرى ~~عليه الماء بعد ذلك فطهرت الأرض مع طهارة الغسالة وإذا كانت غسالة الأرض ~~طاهرة زالت الشبهة بالكلية فإنه إن قال قائل قد يكون من الماء ما تزال به ~~نجاسة عن البدن أو آنية أو ثوب # قيل له فهذه إذا كانت نجسة وأصابت الأرض لم تكن أعظم من البول المصيب ~~الأرض ms6376 وإذا كانت تلك النجاسة تزول مع طهارة الغسالة قبل الانفصال فهذه أولى ~~وليس له أن يقول النجاسة منتفية ومرور الماء المطهر مشكوك فيه لا سيما وقد ~~يكون ذلك الماء المار مما لا يزيل النجاسة لكونه مستعملا أو لتغيره ~~بالطاهرات لأنه يقال له ليس الكلام في نجاسة معينة منتفية مشكوك في زوالها ~~وإنما الكلام فيما يعتاد PageV21P330 # ومن المعلوم بالعادات أن الماء المطهر والجاري على أرض الحمام أكثر من ~~النجاسات بكثير كثير فيكون ذلك الماء قد طهر ما مر عليه من نجس فإن اغتسال ~~الناس من غير حدث ولا نجس في الحمامات أكثر من اغتسالهم من إحدى هاتين ~~الطهارتين وهم يصبون على أبدانهم من الماء القراح الذي ينفصل غير متغير ~~أكثر من غيره وإن كان فيه تغير يسير بيسير السدر والأشنان فهذا لا يخرجه عن ~~كونه مطهرا بل الراجح من القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد التي نصها في ~~أكثر أجوبته أن الماء المتغير بالطاهر كالحمص والباقلاء لا يخرج عن كونه ~~طهورا ما دام اسم الماء يتناوله كالماء المتغير بأصل الخلقة كماء البحر ~~وغيره وما تغير بما يشق صونه عنه من الطحلب وورق الشجر وغيرهما فإن شمول ~~اسم الماء في اللغة لهذه الأصناف الثلاثة واحد # فإن كان لفظ الماء في قوله @QB@ فلم تجدوا ماء @QE@ يتناول أحد هذه ~~الأصناف فقد تناول الآخرين وقد ثبت أنه متناول للمتغير ابتداء وطردا لما ~~يشق الاحتراز عنه فيتناول الثالث إذ الفرق إنما يعود إلى أمر معهود وهو أن ~~هذا يمكن الاحتراز عنه وهذا لا يمكن وهذا الفرق غير مؤثر في اللغة ويتناول ~~اللفظ لمعناه وشمول الاسم مسماه فيحتاج المفرق إلى دليل منفصل وقد ثبت ~~PageV21P331 بالسنة أن النبي قال في الذي وقصته ناقته اغسلوه بماء وسدر ~~وكذلك قال للآتي غسلن ابنته اغسلنها بماء وسدر وللذي أسلم اغتسل بماء وسدر ~~وهذا فيه كلام ليس هذا موضعه # وإذا تبين ما ذكرناه ظهر عظيم البدعة وتغيير السنة والشرعة فيما يفعله ~~طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين من فرط الوسوسة في هذا ms6377 الباب حتى ~~صاروا إنما يفعلونه مضاهين لليهود بل للسامرية الذين يقولون لا مساس # وباب التحليل والتحريم الذي منه باب التطهير والتنجيس دين الإسلام فيه ~~وسط بين اليهود والنصارى كما هو وسط في سائر الشرائع فلم يشدد علينا في أمر ~~التحريم والنجاسة كما شدد على اليهود الذين حرمت عليهم طيبات أحلت لهم ~~بظلمهم وبغيهم بل وضعت عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم مثل قرض الثوب ~~ومجانبة الحائض في المؤاكلة والمضاجعة وغير ذلك ولم تحلل لنا الخبائث كما ~~استحلها النصارى الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ~~فلا يجتنبون نجاسة ولا يحرمون خبيثا بل غاية احدهم أن يقول طهر قلبك وصل ~~واليهودي إنما يعتني بطهارة ظاهره PageV21P332 لا قلبه كما قال تعالى عنهم ~~@QB@ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم @QE@ # وأما المؤمنون فإن الله طهر قلوبهم وأبدانهم من الخبائث وأما الطيبات ~~فأباحها لهم والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى ### |||| وسئل # عمن يدخل الحمام هل يجوز له كشف العورة في الخلوة وما هو الذي يفعله من ~~آداب الحمام ### ||||| فأجاب # لا يلزم المتطهر كشف عورته لا في الخلوة ولا في غيرها إذا طهر جميع ~~بدنه لكن إن كشفها في الخلوة لأجل الحاجة كالتطهر والتخلي جاز كما ثبت في ~~الصحيح أن موسى عليه السلام اغتسل عريانا وأن أيوب عليه السلام اغتسل ~~عريانا وفي الصحيح أن فاطمة كانت تستر النبي عام الفتح بثوب وهو يغتسل ثم ~~صلى ثماني ركعات وهي التي يقال لها صلاة الضحى ويقال إنها صلاة الفتح وفي ~~الصحيح أيضا أن ميمونة سترته فاغتسل PageV21P333 # وعلى داخل الحمام أن يستر عورته فلا يمكن أحدا من نظرها ولا لمسها سواء ~~كان القيم الذي يغسله أو غيره ولا ينظر إلى عورة أحد ولا يلمسها إذا لم ~~يحتج إلى ذلك لأجل مداواة أو غيرها فذاك شيء آخر وعليه أن يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر بحسب الإمكان كما قال النبي من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده فإن لم يستطع فبلسانه ms6378 فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان فيأمر ~~بتغطية العورات فإن لم يمكنه ذلك وأمكنه أن يكون حيث لا يشهد منكرا فليفعل ~~ذلك إذ شهود المنكر من غير حاجة ولا إكراه منهي عنه # وليس له أن يسرف في صب الماء لأن ذلك منهي عنه مطلقا وهو في الحمام ينهى ~~عنه لحق الحمامي لأن الماء الذي فيها مال من أمواله له قيمة وعليه أن يلزم ~~السنة في طهارته فلا يجفو جفاء النصارى ولا يغلو غلو اليهود كما يفعل أهل ~~الوسوسة بل حياض الحمام طاهرة ما لم تعلم نجاستها سواء كانت فائضة أو لم ~~تكن وسواء كانت الأنبوب تصب فيها أو لم تكن وسواء بات الماء أو لم يبت ~~وسواء تطهر منها الناس أو لم يتطهروا فإذا اغتسل منها جماعة جاز ذلك فقد ~~ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي كان يغتسل هو وامرأته من إناء واحد ~~قدر PageV21P334 الفرق فهذا إناء صغير لا يفيض ولا أنبوب فيه وهما يغتسلان ~~منه جميعا وفي لفظ فأقول دع لي ويقول دعي لي # وفي صحيح البخاري عن بن عمر أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون على عهد ~~رسول الله من إناء واحد وقد ثبت عنه أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ~~والصاع عند أكثر العلماء يكون بالرطل المصري أقل من خمسة أرطال نحو خمسة ~~إلا ربعا والمد ربع ذلك وقيل هو نحو من سبعة أرطال بالمصري # وليس للإنسان أن يقول الطاسة إذا وقعت على أرض الحمام تنجست فإن أرض ~~الحمام الأصل فيها الطهارة وما يقع فيها من نجاسة كبول فهو يصب عليه من ~~الماء ما يزيله وهو أحسن حالا من الطرقات بكثير والأصل فيها الطهارة بل كما ~~يتيقن أنه لا بد أن يقع على أرضها نجاسة فكذلك يتيقن أن الماء يعم ما تقع ~~عليه النجاسة ولو لم يعلم ذلك فلا يجزم على بقعة بعينها أنها نجسة إن لم ~~يعلم حصول النجاسة فيها والله أعلم PageV21P335 ### |||| # ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين # فيمن دخل الحمام بلا ms6379 مئزر مكشوف العورة هل يحرم ذلك أم لا وهل يجب على ~~ولي الأمر منع من يفعل ذلك أم لا وهل يجب على ولي الأمر أيضا أن يلزم ~~مستأجر الحمام أن لا يمكن أحدا من دخول حمامه مكشوف العورة أم لا وفيمن ~~يقعد في الحمام وقت صلاة الجمعة ويترك الصلاة هل يمنع من ذلك أم لا أفتونا ~~وابسطوا القول في ذلك ### ||||| فأجاب شيخ الإسلام # بقية السلف الكرام الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن ~~عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية # الحمد لله نعم يحرم عليه ذلك باتفاق الأئمة وقد صح عن النبي أنه نهى ~~الناس عن الحمام وفي السنن عنه أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ~~ذكور أمتي فلا يدخل الحمام إلا بمئزر وفي الحديث نهى النساء من الدخول ~~مطلقا إلا لمعذرة وفي الحديث الثابت عنه الذي استشهد به البخاري حديث ~~معاوية بن حيدة القشيري أنه قال له احفظ PageV21P336 عورتك إلا من زوجتك أو ~~ما ملكت يمينك قال قلت فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال إن استطعت أن لا ~~يرينها أحد فلا يرينها قال قلت يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا قال فالله ~~أحق أن يستحيى منه من الناس أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن وبن ~~ماجه # وعلى ولاة الأمور النهي عن ذلك وإلزام الناس بأن لا يدخل أحد الحمام مع ~~الناس إلا مستور العورة وإلزام أهل الحمام بأنهم لا يمكنون الناس من دخول ~~حماماتهم إلا مستوري العورة ومن لم يطع الله ورسوله وولاة الأمر من أهل ~~الحمام والداخلين عوقب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله من أهل الفواحش الذين لا ~~يستحيون لا من الله ولا من عباده فإن إظهار العورات من الفواحش وقد قال ~~تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم @QE@ وغض البصر ~~واجب عما لا يحل التمتع بالنظر إليه من النسوة الأجنبيات ونحو ذلك وعن ~~العورات وإن لم يكن بالنظر إليها لذة لفحش ذلك # ولهذا كان على داخل الحمام أن يغض بصره عمن ms6380 كان مكشوف العورة وإن كان ذلك ~~الرجل قد عصى بكشفها وعليه أن يأمر المكشوف بالاستتار فإن هذا من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يجب على الناس وكذلك حفظ الفروج يكون عن ~~الاستمتاع PageV21P337 المنهي عنه وعن إظهارها لمن ليس له أن يراها كما ~~ينهى الرجل عن مس عورة غيره كما ثبت في الصحيح أن النبي نهى أن يباشر الرجل ~~الرجل في ثوب واحد وأن تباشر المرأة المرأة في ثوب واحد وأمر بالتفريق في ~~المضاجع بين الصبيان إذا بلغوا عشر سنين كما بين ذلك النبي بقوله احفظ ~~عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك لما قال له يا رسول الله عوراتنا ما ~~نأتي وما نذر فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال إن استطعت أن لا يرينها أحد ~~فلا يرينها قال قلت فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله أحق أن يستحيى منه من ~~الناس فأمر بسترها في الخلوة وهذا واجب عند أكثر العلماء # وأما إذا اغتسل في مكان خال بجنب حائط أو شجرة ونحو ذلك في بيته أو حمام ~~أو نحو ذلك فإنه يجوز له كشفها في هذه الصورة عند الجمهور كما ثبت في ~~الصحيح أن موسى اغتسل عريانا وأن أيوب اغتسل عريانا وأن فاطمة كانت تستر ~~النبي بثوب ثم يغتسل # وهذا كشف للحاجة بمنزلة كشفها عند التخلي والجماع بمقدار الحاجة ولهذا ~~كره العلماء للمتخلي أن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض PageV21P338 # وتنازعوا في نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر هل يكره أو لا يكره أم ~~يكره وقت الجماع خاصة على ثلاثة أقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره # وقد كره غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره النزول في الماء بغير مئزر ورووا ~~عن الحسن والحسين أو أحدهما أنه كره ذلك وقال إن للماء سكانا # وأما فتح الحمام وقت صلاة الجمعة وتمكين المسلمين من دخولها هذا الوقت ~~وقعودهم فيها تاركين لما فرضه الله عليهم من السعي إلى الجمعة فهذا أيضا ~~محرم باتفاق المسلمين وقد حرم الله بعد النداء إلى الجمعة ms6381 البيع الذي يحتاج ~~إليه الناس في غالب الأوقات وكان هذا تنبيها على ما دونه من قعود في الحمام ~~أو بستان أو غير ذلك والجمعة فرض باتفاق المسلمين فلا يجوز تركها لغير عذر ~~شرعي وليس دخول الحمام من الأعذار باتفاق المسلمين بل إن كان لتنعم كان ~~آثما عاصيا وإن كانت عليه جنابة أمكنه الاغتسال قبل ذلك وليس له أن يؤخر ~~الاغتسال ولا يجوز ترك الصلاة # بل على ولاة الأمور أمر جميع من تجب عليه الجمعة بها من أهل الأسواق ~~والدور وغيرهم ومن تخلف عن هذا الواجب عوقب على PageV21P339 ذلك عقوبة ~~تحمله وأمثاله على فعل ذلك فقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال لينتهين ~~أقوام عن تركهم الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ~~وقال من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه # وهذا الذي ذكرناه من وجوب أمر من تجب عليه الجمعة بها ونهيه عما يمنعه من ~~الجمعة متفق عليه بين الأئمة والله أعلم كتبه أحمد بن تيمية وقال شيخ ~~الإسلام رحمه الله # الحمد لله وحسبي الله ونعم الوكيل يحرم كشف العورة في الحمام وغيره من ~~غير مسوغ شرعي وعلى ولي الأمر أيده الله منع من يفعل ذلك بطريقة شرعية ~~وعليه أيضا إلزام مستأجر الحمام بأن لا يمكن أحدا من دخوله على الوجه ~~الممنوع ولا يحل لأحد ممن خوطب بأداء الجمعة تركها من غير عذر وليس دخول ~~الحمام بمجرده عذرا في تركها والله أعلم PageV21P340 ### |||| وسئل # عن ترك دخول الحمام ### ||||| فأجاب # من ترك دخول الحمام لعدم حاجته إليه فقد أحسن ومن دخلها مع كشف ~~عورته والنظر إلى عورات الناس أو ظلم الحمامي فهو عاص مذموم ومن تنعم بها ~~لغير حاجة فهو منقوص مرجوح ومن تركها مع الحاجة إليها حتى يكثر وسخه وقمله ~~فهو جاهل مذموم ### |||| وسئل # عن رجل عامي سئل عن عبور الحمام ونقل حديثا عن رسول الله وأسند الحديث ~~إلى كتاب مسلم هل صح هذا أو لا ### ||||| فأجاب # ليس لأحد لا في كتاب ms6382 مسلم ولا غيره من كتب الحديث عن النبي أنه حرم ~~الحمام بل الذي في السنن أنه PageV21P341 قال ستفتحون أرض العجم وتجدون ~~فيها بيوتا يقال لها الحمامات فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور ~~أمتي فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث ~~أمتي فلا تدخل الحمام إلا مريضة أو نفساء # وقد تكلم بعضهم في هذا الحديث # والحمام من دخلها مستور العورة ولم ينظر إلى عورة أحد ولم يترك أحدا يمس ~~عورته ولم يفعل فيها محرما وأنصف الحمامي فلا إثم عليه وأما المرأة فتدخلها ~~للضرورة مستورة العورة # وهل تدخلها إذا تعودتها وشق عليها ترك العادة فيه وجهان في مذهب أحمد ~~وغيره # أحدهما لها أن تدخلها كقول أبي حنيفة واختاره بن الجوزي # والثاني لا تدخلها وهو قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وغيره والله أعلم ~~PageV21P342 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # أيما أفضل للجنب أن ينام على وضوء أو يكره له النوم على غير وضوء وهل ~~يجوز له النوم في المسجد إذا توضأ من غير عذر أم لا ### ||||| فأجاب # الجنب يستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود ~~الوطء لكن يكره له النوم إذا لم يتوضأ فإنه قد ثبت في الصحيح أن النبي سئل ~~هل يرقد أحدنا وهو جنب فقال نعم إذا توضأ للصلاة # ويستحب الوضوء عند النوم لكل أحد فإن النبي قال لرجل إذا أخذت مضجعك ~~فتوضأ وضوءك للصلاة ثم قل اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت ~~أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ~~آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت PageV21P343 # وليس للجنب أن يلبث في المسجد لكن إذا توضأ جاز له اللبث فيه عند أحمد ~~وغيره واستدل بما ذكره بإسناده عن هشام بن سعد أن أصحاب رسول الله كانوا ~~يتوضؤون وهم جنب ثم يجلسون في المسجد ويتحدثون وهذا لأن النبي أمر الجنب ~~بالوضوء عند النوم وقد جاء في بعض ms6383 الأحاديث أن ذلك كراهة أن تقبض روحه وهو ~~نائم فلا تشهد الملائكة جنازته فإن في السنن عن النبي أنه قال لا تدخل ~~الملائكة بيتا فيه جنب وهذا مناسب لنهيه عن اللبث في المسجد فإن المساجد ~~بيوت الملائكة كما نهى النبي عن أكل الثوم والبصل عند دخول المسجد وقال إن ~~الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم # فلما أمر النبي الجنب بالوضوء عند النوم دل ذلك على أن الوضوء يرفع ~~الجنابة الغليظة وتبقى مرتبة بين المحدث وبين الجنب لم يرخص له فيما يرخص ~~فيه للمحدث من القراءة ولم يمنع مما يمنع منه الجنب من اللبث في المسجد ~~فإنه إذا كان وضوؤه عند النوم يقتضي شهود الملائكة له دل على أن الملائكة ~~تدخل المكان الذي هو فيه إذا توضأ ولهذا يجوز الشافعي وأحمد للجنب المرور ~~في المسجد بخلاف قراءة القرآن فإن الأئمة الأربعة متفقون على منعه من ذلك ~~فعلم أن PageV21P344 منعه من القرآن أعظم من منعه من المسجد # وقد تنازع العلماء في منع الكفار من دخول المسجد والمسلمون خير من الكفار ~~ولو كانوا جنبا فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال لأبي هريرة لما ~~لقيه وهو جنب فانخنس منه فاغتسل ثم أتاه فقال أين كنت قال إني كنت جنبا ~~فكرهت أن أجالسك إلا على طهارة فقال سبحان الله إن المؤمن لا ينجس وقد قال ~~الله تعالى @QB@ إنما المشركون نجس @QE@ فلبث المؤمن الجنب إذا توضأ في ~~المسجد أولى من لبث الكافر فيه عند من يجوز ذلك ومن منع الكافر لم يجب أن ~~يمنع المؤمن المتوضئ كما نقل عن الصحابة # وإذا كان الجنب يتوضأ عند النوم والملائكة تشهد جنازته حينئذ علم أن ~~النوم لا يبطل الطهارة الحاصلة بذلك وهو تخفيف الجنابة وحينئذ فيجوز أن ~~ينام في المسجد حيث ينام غيره وإذا كان النوم الكثير ينقض الوضوء فذاك هو ~~الوضوء الذي يرفع الحدث الأصغر ووضوء الجنب هو تخفيف الجنابة وإلا فهذا ~~الوضوء لا يبيح له ما يمنعه الحدث الأصغر من الصلاة والطواف ومس ms6384 المصحف ~~PageV21P345 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة ) 1 # ! 8 < ### ||| 2 باب التيمم #2 ! 8 < قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله تسليما # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون @QE@ PageV21P346 # والتيمم في اللغة هو القصد ومنه قوله تعالى @QB@ ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه @QE@ وقوله @QB@ ولا آمين البيت ~~الحرام @QE@ ومنه قول امرئ القيس % تيممت الماء الذي دون ضارج % يميل عليها ~~الظل عرمضها طامي % # لكن لما قال الله تعالى @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه @QE@ كان التيمم المأمور به هو تيمم الصعيد الطيب للتمسح به فصار لفظ ~~التيمم إذا أطلق في عرف الفقهاء انصرف إلى هذا التيمم الخاص وقد يراد بلفظ ~~التيمم نفس مسح اليدين والوجه فسمي المقصود بالتيمم تيمما # وهذا التيمم المأمور به في الآية هو من خصائص المسلمين ومما فضلهم الله ~~به على غيرهم من الأمم ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن النبي قال ~~أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل ~~لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس ~~عامة وهذا لفظ البخاري PageV21P347 # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال فضلت على الأنبياء بست ~~أعطيت ms6385 جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون # ولمسلم أيضا عن حذيفة بن اليماني أن النبي قال فضلت على الناس بثلاث جعلت ~~صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهوا ~~إذا لم نجد الماء وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله جعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي ~~يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم # وقوله تعالى @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ نكرة في سياق الإثبات كقوله ~~@QB@ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ وقوله @QB@ فتحرير رقبة @QE@ ~~وقوله @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم @QE@ وقوله @QB@ فمن ~~لم يجد فصيام ثلاثة أيام @QE@ وهذه تسمى مطلقة وهي تفيد العموم على سبيل ~~البدل لا على سبيل الجمع فيدل ذلك على أنه يتيمم أي صعيد طيب اتفق والطيب ~~هو الطاهر والتراب الذي ينبعث مراد من النص بالإجماع وفيما سواه نزاع ~~سنذكره إن شاء الله تعالى PageV21P348 # وقوله @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ قد اتفق القراء السبعة على ~~قراءة أيديكم بالإسكان بخلاف قوله في الوضوء @QB@ وأرجلكم @QE@ فإن بعض ~~السبعة قرأوا @QB@ وأرجلكم @QE@ بالنصب قالوا إنها معطوفة على المغسول ~~تقديره فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين كذلك قال علي بن أبي ~~طالب وغيره من السلف قال أبو عبد الرحمن السلمي قرأ علي الحسن والحسين @QB@ ~~وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ بالخفض فسمع ذلك علي بن أبي طالب وكان يقضي بين ~~الناس فقال وأرجلكم يعني بالنصب وقال هذا من المقدم المؤخر في الكلام وكذلك ~~بن عباس قرأها بالنصب وقال عاد الأمر إلى الغسل ولا يجوز أن يكون ذلك عطفا ~~على المحل كما يظنه بعض الناس كقول بعض الشعراء % معاوي إننا بشر فأسجح % ~~فلسنا بالجبال ولا الحديدا % # فإنما يسوغ في حرف التأكيد مثل المباني وأما حروف المعاني فلا يجوز ذلك ~~فيها والباء هنا للإلصاق ليست للتوكيد ولهذا لم يقرأ القراء هنا وأيديكم ~~كما قرأوا هناك وأرجلكم لأنه لو ms6386 قال فامسحوا وجوهكم وأيديكم أو امسحوا بها ~~لكان يكتفى بمجرد المسح من غير إيصال للطهور إلى الرأس وهو خلاف الإجماع ~~فلما كانت الباء للإلصاق دل على أنه لا بد من إلصاق الممسوح به فدل ذلك على ~~PageV21P349 استعمال الطهور ولهذا كانت هذه الباء لا تدل على التبعيض عند ~~أحد من السلف وأئمة العربية # ولا قال الشافعي إن التبعيض يستفاد من الباء بل أنكر إمام الحرمين وغيره ~~من أصحابه ذلك وحكوا كلام أئمة العربية في إنكار ذلك ولكن من قال بذلك ~~استند إلى دلالة أخرى # وقوله تعالى @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون @QE@ دلت هذه الآية على أن التراب طهور كما ~~صرحت بذلك السنة الصحيحة في قول النبي وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وعن أبي ~~ذر أن رسول الله قال إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر ~~سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير رواه الإمام أحمد وأبو داود ~~والنسائي والترمذي وهذا لفظه وقال حديث حسن صحيح # وقد اتفق المسلمون على أنه إذا لم يجد الماء في السفر تيمم وصلى إلى أن ~~يجد الماء فإذا وجد الماء فعليه استعماله # وكذلك تيمم الجنب ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف PageV21P350 ~~إلى أنه يتيمم إذا عدم الماء في السفر إلى أن يجد الماء فإذا وجده كان عليه ~~استعماله وقد روي عن عمر وبن مسعود إنكار تيمم الجنب وروي عنهما الرجوع عن ~~ذلك وهو قول أكثر الصحابة كعلي وعمار وبن عباس وأبي ذر وغيرهم وقد دل عليه ~~آيات من كتاب الله وخمسة أحاديث عن النبي # منها حديث عمار بن ياسر وعمران بن حصين كلاهما في الصحيحين ومنها حديث ~~أبي ذر الذي صححه الترمذي ومنها حديث عمرو بن العاص وحديث الذي شج فافتوه ~~فقال النبي قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي ~~السؤال ففي الصحيح عن عمر أنه قال كنا مع النبي فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي ~~بالصلاة فصلى بالناس ms6387 فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع ~~القوم قال ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم قال أصابتني جنابة ولا ماء قال ~~عليك بالصعيد فإنه يكفيك رواه البخاري ومسلم # وفي الصحيحين عن عمار بن ياسر قال بعثني النبي في حاجة فأجنبت فلم أجد ~~الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي فذكرت ذلك له فقال ~~إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض PageV21P351 ضربة واحدة ~~ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه وهذا لفظ مسلم ### ||| فصل # وقد تنازع العلماء في التيمم هل يرفع الحدث رفعا مؤقتا إلى حين القدرة ~~على استعمال الماء أم الحدث قائم ولكنه تصح الصلاة مع وجود الحدث المانع ~~وهذه مسألة نظرية # وتنازعوا هل يقوم مقام الماء فيتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت ويصلي ~~به ما شاء من فروض ونوافل كما يصلي بالماء ولا يبطل بخروج الوقت كما لا ~~يبطل الوضوء على قولين مشهورين وهو نزاع عملي # فمذهب أبي حنيفة أنه يتيمم قبل الوقت ويبقى بعد الوقت ويصلي به ما شاء ~~كالماء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري والزهري والثوري وغيرهم وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل # والقول الثاني أنه لا يتيمم قبل الوقت ولا يبقى بعد خروجه PageV21P352 ثم ~~من هؤلاء من يقول يتيمم لوقت كل صلاة ومنهم من يقول يتيمم لفعل كل فريضة ~~ولا يجمع به فرضين وغلا بعضهم فقال ويتيمم لكل نافلة وهذا القول في الجملة ~~هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد قالوا لأنه طهارة ضرورية والحكم ~~المقيد بالضرورة مقدر بقدرها فإذا تيمم في وقت يستغنى عن التيمم فيه لم يصح ~~تيممه كما لو تيمم مع وجود الماء # قالوا ولأن الله أمر كل قائم إلى الصلاة بالوضوء فإن لم يجد الماء تيمم ~~وكان ظاهر الخطاب يوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء والتيمم لكن لما ثبت ~~في الصحيح أن النبي صلى الصلوات كلها بوضوء واحد رواه مسلم في صحيحه دلت ~~السنة ms6388 على جواز تقديم الوضوء قبل وقت وجوبه وبقي التيمم على ظاهر الخطاب ~~وعلل ذلك بعضهم بأنه مأمور بطلب الماء عند كل صلاة وذلك يبطل تيممه # وورد عن علي وعمرو بن العاص وبن عمر مثل قولهم ولنا أنه قد ثبت بالكتاب ~~والسنة أن التراب طهور كما أن الماء طهور وقد قال النبي الصعيد الطيب طهور ~~المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فامسه بشرتك فإن ذلك خير ~~فجعله مطهرا عند عدم الماء مطلقا فدل على أنه مطهر PageV21P353 للمتيمم ~~وإذا كان قد جعل المتيمم مطهرا كما أن المتوضئ مطهر ولم يقيد ذلك بوقت ولم ~~يقل إن خروج الوقت يبطله كما ذكر أنه يبطله القدرة على استعمال الماء دل ~~ذلك على أنه بمنزلة الماء عند عدم الماء وهو موجب الأصول # فإن التيمم بدل عن الماء والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه وإن لم يكن ~~مماثلا له في صفته كصيام الشهرين فإنه بدل عن الإعتاق وصيام الثلاث والسبع ~~فإنه بدل عن الهدي في التمتع وكصيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين فإنه ~~بدل عن التكفير بالمال والبدل يقوم مقام المبدل وهذا لازم لمن يقيس التيمم ~~على الماء في صفته فيوجب المسح على المرفقين وإن كانت آية التيمم مطلقة كما ~~قاس عمار لما تمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة فمسح جميع بدنه كما يغسل ~~جميع بدنه وقد بين النبي فساد هذا القياس وأنه يجزئك من الجنابة التيمم ~~الذي يجزئك في الوضوء وهو مسح الوجه واليدين لأن البدل لا تكون صفته كصفة ~~المبدل بل حكمه حكمه فإن التيمم مسح عضوين وهما العضوان المغسولان في ~~الوضوء وسقط العضوان الممسوحان والتيمم عن الجنابة يكون في هذين العضوين ~~بخلاف الغسل # والتيمم ليس فيه مضمضة ولا استنشاق بخلاف الوضوء والتيمم PageV21P354 لا ~~يستحب فيه تثنية ولا تثليث بخلاف الوضوء والتيمم بفارق صفة الوضوء من وجوه ~~ولكن حكمه حكم الوضوء لأنه بدل منه فيجب أن يقوم مقامه كسائر الأبدال فهذا ~~مقتضى النص والقياس # فإن قيل الوضوء يرفع الحدث والتيمم لا ms6389 يرفعه # قيل عن هذا جوابان # أحدهما أنه سواء كان يرفع الحدث أو لا يرفعه فإن الشارع جعله طهورا عند ~~عدم الماء يقوم مقامه فالواجب أن يثبت له من أحكام الطهارة ما يثبت للماء ~~ما لم يقم دليل شرعي على خلاف ذلك # الوجه الثاني أن يقال قول القائل يرفع الحدث أو لا يرفعه ليس تحته نزاع ~~عملي وإنما هو نزاع اعتباري لفظي وذلك أن الذين قالوا لا يرفع الحدث قالوا ~~لو رفعه لم يعد إذا قدر على استعمال الماء وقد ثبت بالنص والإجماع أنه يبطل ~~بالقدرة على استعمال الماء # والذين قالوا يرفع الحدث إنما قالوا برفعه رفعا مؤقتا إلى حين القدرة على ~~استعمال الماء فلم يتنازعوا في حكم عملي شرعي ولكن تنازعهم ينزع إلى قاعدة ~~أصولية تتعلق بمسألة تخصيص العلة وأن PageV21P355 المناسبة هل تنخرم ~~بالمعارضة وأن المانع المعارض للمقتضى هل يرفعه أم لا يرفعه اقتضاؤه مع ~~بقاء ذاته # وكشف الغطاء عن هيئة النزاع أن لفظ العلة يراد به العلة التامة وهو مجموع ~~ما يستلزم الحكم بحيث إذا وجد وجد الحكم ولا يتخلف عنه فيدخل في لفظ العلة ~~على هذا الاصطلاح جبر العلة وشروطها وعدم المانع إما لكون عدم المانع ~~يستلزم وصفا ثبوتيا على رأي وإما لكون العدم قد يكون جبرا من المقتضى على ~~رأي وهذه العلة متى تخصصت وانتقضت فوجد الحكم بدونها دل على فسادها كما لو ~~علل معلل قصر الصلاة بمطلق العذر قيل له هذا باطل فإن المريض ونحوه من أهل ~~الأعذار لا يقصرون وإنما يقصر المسافر خاصة فالقصر دائر مع السفر وجودا ~~وعدما ودوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما دليل على المدار عليه للدائر وكما ~~لو علل وجوب الزكاة بمجرد ملك النصاب قيل له هذا ينتقض بالملك قبل الحول # وقد يراد بلفظ العلة ما يقتضي الحكم وإن توقف على ثبوت شروط وانتفاء ~~موانع # وقد يعبر عن ذلك بلفظ السبب فيقال الأسباب المثبتة للإرث PageV21P356 ~~ثلاثة رحم ونكاح وولاء وعند أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين يثبت بعقد ~~الموالاة وغيرها فالعلة ms6390 هنا قد يتخلف عنها الحكم المانع كالرق والقتل ~~واختلاف الدين # فإذا أريد بالعلة هذا المعنى جاز تخصيصها لفوات شرط ووجود مانع فأما إن ~~لم يبين المعلل بين صورة النقض وبين غيرها فرقا مؤثرا بطل تعليله فإن الحكم ~~اقترن بالوصف تارة كما في الأصل وتخلف عنه تارة كما في الأصل ويختلف عنه ~~تارة كما في صورة النقض # والمستدل إن لم يبين أن الفرع مثل الأصل دون صورة النقض فلم يكن إلحاقه ~~بالأصل في ثبوت الحكم أولى من إلحاقه بصورة النقض في انتفائه لأن الوصف ~~موجود في الصور الثلاث وقد اقترن به الحكم في الواحدة دون الأخرى وشككنا في ~~الصورة الثالثة # وهذا كما لو اشترك ثلاثة في القتل فقتل الأولياء واحدا ولم يقتلوا آخر ~~إما لبذل الدية وإما لإحسان كان له عندهم والثالث لم يعرف أهو كالمقتول أو ~~كالمعفو عنه فإنا لا نلحقه بأحدهما إلا بدليل يبين مساواته له دون مساواته ~~للآخر # إذا عرف هذا فالأصوليون والفقهاء متنازعون في استحلال الميتة PageV21P357 ~~عند الضرورة فمنهم من يقول قد استحل المحظور مع قيام السبب الحاظر وهو ما ~~فيها من حيث التغذية # ومنهم من يقول الضرورة ما أزالت حكم السبب وهو التحريم إزالة اقتضاء ~~للحظر فلم يبق في هذه الحال حاظر إذ يمتنع زوال الحظر مع وجود مقتضيه التام # وفصل النزاع أنه إن أريد بالسبب الحاظر السبب التام وهو ما يستلزم الحظر ~~فهذا يرتفع عند المخمصة فإن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع والحل ثابت في ~~هذه الحال فيمتنع وجود السبب المستلزم له وإن أريد بالسبب المقتضي للحظر ~~لولا المعارض الراجح فلا ريب أن هذا موجود حال الحظر لكن المعارض الراجح ~~أزال اقتضاءه للحظر فلم يبق في هذه الحال مقتضيا فإذا قدر زوال المخمصة عمل ~~السبب عمله لزوال المعارض له # وهكذا القول في كون التيمم يرفع الحدث أو لا يرفعه فإنه فرع على قول من ~~يقول إنه يرفع الحدث فصاحب هذا القول إذا تبين له أنه يرفع الحدث رفعا ~~مؤقتا إلى أن يقدر على استعمال الماء ms6391 ثم يعود هذا المعنى ليس بممتنع والشرع ~~قد دل عليه فجعل التراب طهورا والماء يكون طهورا إذا أزال الحدث وإلا مع ~~وجود الجنابة PageV21P358 يمتنع حصول الطهارة فصاحب هذا القول إنما قال إنه ~~يرفع الحدث رفعا مؤقتا إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود وهذا ممكن ~~ليس بممتنع والشرع قد دل عليه فجعل التراب طهورا وإنما يكون طهورا إذا أزال ~~الحدث وإلا فمع بقاء الحدث لا يكون طهورا # ومن قال إنه ليس برافع ولكنه مبيح والحدث هو المانع للصلاة وأراد بذلك ~~أنه مانع تام كما يكون مع وجود الماء فهذا غالط فإن المانع التام مستلزم ~~للمنع والمتيمم يجوز له الصلاة ليس بممنوع منها ووجود الملزوم بدون اللازم ~~ممتنع وإن أريد أن سبب المنع قائم ولكن لم يعمل عمله لوجود الطهارة الشرعية ~~الرافعة لمنعه فإذا حصلت القدرة على استعمال الماء حصل منعه في هذه الحال ~~فهذا صحيح # وكذلك من قال هو رافع للحدث إن أراد بذلك أنه يرفعه كما يرفعه الماء فلا ~~يعود إلا بوجود سبب آخر كان غالطا فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه إذا قدر ~~على استعمال الماء استعمله وإن لم يتجدد بعد الجنابة الأولى جنابة ثانية ~~بخلاف الماء # وإن قال أريد برفعه أنه رفع منع المانع فلم يبق مانعا إلى حين وجود الماء ~~فقد أصاب وليس بين القولين نزاع شرعي عملي PageV21P359 # وعلى هذا فيقال على كل من القولين لم يبق الحدث مانعا مع وجود طهارة ~~التيمم والنبي قد جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا لكن جعل طهارته ~~مقيدة إلى أن يجد الماء ولم يشترط في كونه مطهرا شرطا آخر فالمتيمم قد صار ~~طاهرا وارتفع منع المانع للصلاة إلى أن يجد الماء فما لم يجد الماء فالمنع ~~زائل إذا لم يتجدد سبب آخر يوجب الطهارة كما يوجب طهارة الماء وحينئذ فيكون ~~طهورا قبل الوقت وبعد الوقت وفي الوقت كما كان الماء طهورا في هذه الأحوال ~~الثلاثة وليس بين هذا فرق مؤثر إلا إذا قدر على استعمال الماء فمن ms6392 أبطله ~~بخروج الوقت فقد خالف موجب الدليل # وأيضا فالنبي جعل ذلك رخصة عامة لأمته ولم يفصل بين أن يقصد التيمم بفرض ~~أو نفل أو تلك الصلاة أو غيرها كما لم يفصل في ذلك في الوضوء فيجب التسوية ~~بينهما والوضوء قبل الوقت فيه نزاع لكن النزاع في التيمم أشهر # وإذا دلت السنة الصحيحة على جواز أحد الطهورين قبل الوقت فكذلك الآخر ~~كلاهما متطهر فعل ما أمر الله به ولهذا جاز عند عامة العلماء اقتداء ~~المتوضئ والمغتسل بالمتيمم كما فعل عمرو بن العاص وأقره النبي وكما فعل بن ~~عباس حيث وطىء جارية له ثم صلى بأصحابه بالتيمم وهو مذهب الأئمة الأربعة ~~ومذهب أبي PageV21P360 يوسف وغيره لكن محمد بن الحسن لم يجوز ذلك لنقص حال ~~المتيمم # وأيضا كان دخول الوقت وخروجه من غير تجدد سبب حادث لا تأثير له في بطلان ~~الطهارة الواجبة إذ كان حال المتطهر قبل دخول الوقت وبعده سواء والشارع ~~حكيم إنما يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها فكما لا يبطل الطهارة ~~بالأمكنة لا يبطل بالأزمنة وغيرها من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع # فإن قيل هذا ينتقض بطهارة الماسح على الخفين وطهارة المستحاضة وذوي ~~الأحداث الدائمة # قيل أما طهارة الماسح على الخفين فليست واجبة بل هو مخير بين المسح وبين ~~الخلع والغسل ولهذا وقتها الشارع ولم يوقتها بدخول وقت صلاة ولا خروجها ~~ولكن لما كانت رخصة ليست بعزيمة حد لها وقتا محدودا في الزمن ثلاثا للمسافر ~~ويوما وليلة للمقيم ولهذا لم يجز المسح في الطهارة الكبرى ولهذا لما كانت ~~طهارة المسح على الجبيرة عزيمة لم تتوقت بل يمسح عليها إلى أن يحلها ويمسح ~~في الطهارتين الصغرى والكبرى كما يتيمم عن الحدثين الأصغر والأكبر فإلحاق ~~التيمم بالمسح على الجبيرة أولى من إلحاقه بالمسح على الخفين PageV21P361 # وأما ذوو الأحداث الدائمة كالمستحاضة فأولئك وجد في حقهم السبب الموجب ~~للحدث وهو خروج الخارج النجس من السبيلين ولكن لأجل الضرورة رخص لهم الشارع ~~في الصلاة معه فجاز أن تكون الرخصة مؤقتة ولهذا لو تطهرت ms6393 المستحاضة ولم ~~يخرج منها شيء لم تنتقض طهارتها بخروج الوقت وإنما تنتقض إذا خرج الخارج في ~~الوقت فإنها تصلي به إلى أن يخرج الوقت ثم لا تصلي لوجود الناقض للطهارة ~~بخلاف المتيمم فإنه لم يوجد بعد تيممه ما ينقض طهارته # والتيمم كالوضوء فلا يبطل تيممه إلا ما يبطل الوضوء ما لم يقدر على ~~استعمال الماء وهذا بناء على قولنا وقول من وافقنا على التوقيت في مسح ~~الخفين وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة فإن هذا مذهب الثلاثة أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد # وأما من لم ينقض الطهارة بهذا أو لم يوقت هذا كمالك فإنه لا يصلح لمن قال ~~بهذا القول المعارضة بهذا وهذا فإنه لا يتوقت عنده لا هذا ولا هذا فالتيمم ~~أولى أن لا يتوقت # وقول القائل إن القائم إلى الصلاة مأمور بإحدى الطهارتين # قيل نعم يجب عليه لكن إذا كان قد تطهر قبل ذلك فقد PageV21P362 أحسن وأتى ~~بالواجب قبل هذا كما لو توضأ قبل هذا فإن كونه على طهارة قبل الوقت إلى حين ~~الوقت أحسن من أن يبقى محدثا وكذلك المتيمم إذا كان قد أحسن بتقديم طهارته ~~لكونه على طهارة قبل الوقت أحسن من كونه على غير طهارة وقد ثبت بالكتاب ~~والسنة أنها طهارة حتى ثبت في الصحيح أن النبي سلم عليه رجل فلم يرد عليه ~~حتى تيمم ورد عليه السلام وقال كرهت أن أذكر الله إلا على طهر # وإذا كان تطهر قبل الوقت كان قد أحسن وأتى بأفضل مما وجب عليه وكان ~~كالمتطهر للصلاة قبل وقتها وكمن أدى أكثر من الواجب في الزكاة وغيرها وكمن ~~زاد على الواجب في الركوع والسجود وهذا كله حسن إذا لم يكن محظورا كزيادة ~~ركعة خامسة في الصلاة والتيمم مع عدم الماء حسن ليس بمحرم ولهذا يجوز قبل ~~الوقت للنافلة ولمس المصحف وقراءة القرآن وما ذكر من الأثر عن بعض الصحابة ~~فبعضه ضعيف وبعضه معارض بقول غيره ولا إجماع في المسألة وقد قال تعالى @QB@ ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ms6394 تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ PageV21P363 ### ||| فصل # وأما الصعيد ففيه أقوال فقيل يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض وإن لم ~~يعلق بيده كالزرنيخ والنورة والجص وكالصخرة الملساء فأما ما لم يكن من ~~جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمم به وهو قول أبي حنيفة ومحمد يوافقه لكن ~~بشرط أن يكون مغبرا لقوله @QB@ منه @QE@ # وقيل يجوز بالأرض وبما اتصل بها حتى بالشجر كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة ~~بالحجر والمدر وهو قول مالك وله في الثلج روايتان # إحداهما يجوز التيمم به وهو قول الأوزاعي والثوري وقيل يجوز بالتراب ~~والرمل وهو أحد قولي أبي يوسف وأحمد في إحدى الروايتين وروي عنه أنه يجوز ~~بالرمل عند عدم التراب # وقيل لا يجوز إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد وهو قول أبي يوسف ~~والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى PageV21P364 # واحتج هؤلاء بقوله @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ وهذا لا يكون ~~إلا فيما يعلق بالوجه واليد والصخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد واحتجوا ~~بأن بن عباس قال الصعيد الطيب تراب الحرث واحتجوا بقول النبي جعلت لي الأرض ~~مسجدا وجعلت تربتها طهورا قالوا فعم الأرض بحكم المسجد وخص تربتها وهو ~~ترابها بحكم الطهارة # قالوا ولأن الطهارة بالماء اختصت من بين سائر المائعات بما هو ماء في ~~الأصل فكذلك طهارة التراب تختص بما هو تراب في الأصل وهما الأصلان اللذان ~~خلق منهما آدم الماء والتراب وهما العنصران البسيطان بخلاف بقية المائعات ~~والجامدات فإنها مركبة # واحتج الأولون بقوله تعالى @QB@ صعيدا @QE@ قالوا والصعيد هو الصاعد على ~~وجه الأرض وهذا يعم كل صاعد بدليل قوله تعالى @QB@ وإنا لجاعلون ما عليها ~~صعيدا جرزا @QE@ وقوله @QB@ فتصبح صعيدا زلقا @QE@ # واحتج من لم يخص الحكم بالتراب بأن النبي قال جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ~~فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وفي رواية فعنده مسجده وطهوره فهذا ~~يبين أن المسلم في أي موضع كان عنده مسجده وطهوره PageV21P365 # ومعلوم أن كثيرا من الأرض ليس فيها تراب حرث فإن لم يجز التيمم بالرمل ~~كان مخالفا ms6395 لهذا الحديث وهذه حجة من جوز التيمم بالرمل دون غيره أو قرن ~~بذلك السبخة فإن من الأرض ما يكون سبخة واختلاف التراب بذلك كاختلافه ~~بالألوان بدليل قول النبي إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ~~فجاء بنوه على قدر تلك القبضة جاء منهم الأسود والأبيض وبين ذلك وجاء منهم ~~السهل والحزن وبين ذلك ومنهم الخبيث والطيب وبين ذلك # وآدم إنما خلق من تراب والتراب الطيب والخبيث الذي يخرج نباته بإذن ربه ~~والذي خبث لا يخرج إلا نكدا يجوز التيمم به فعلم أن المراد بالطيب الطاهر ~~وهذا بخلاف الأحجار والأشجار فإنها ليست من جنس التراب ولا تعلق باليد ~~بخلاف الزرنيخ والنورة فإنها معادن في الأرض لكنها لا تنطبع كما ينطبع ~~الذهب والفضة والرصاص والنحاس PageV21P366 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة ) 1 # ! 8 < قال الشيخ الإمام العالم # مفتي الأنام المجتهد الفقيه الإمام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن ~~تيمية الحراني رحمه الله ورضي عنه # قول الله عز وجل @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون @QE@ # هذا الخطاب يقتضي أن كل قائم إلى الصلاة فإنه مأمور بما ذكر من الغسل ~~والمسح وهو الوضوء # وذهبت طائفة إلى أن هذا عام مخصوص PageV21P367 # وذهبت طائفة إلى أنه يوجب الوضوء على كل من كان متوضأ وكلا القولين ضعيف # فأما الأولون فإن منهم من قال المراد بهذا القائم من النوم وهذا معروف عن ~~زيد بن أسلم ومن وافقه من أهل المدينة من أصحاب مالك وغيرهم # قالوا الآية أوجبت الوضوء على النائم بهذا وعلى المتغوط بقوله أو جاء أحد ~~منكم من الغائط وعلى لامس النساء بقوله أو ms6396 لامستم النساء وهذا هو الحدث ~~المعتاد وهو الموجب للوضوء عندهم # ومن هؤلاء من قال فيها تقديم وتأخير تقديره إذا قمتم إلى الصلاة من النوم ~~أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء # فيقال أما تناولها للقائم من النوم المعتاد فظاهر لفظها يتناوله وأما ~~كونها مختصة به بحيث لا تتناول من كان مستيقظا وقام إلى الصلاة فهذا ضعيف ~~بل هي متناولة لهذا لفظا ومعنى # وغالب الصلوات يقوم الناس إليها من يقظة لا من نوم PageV21P368 كالعصر ~~والمغرب والعشاء وكذلك الظهر في الشتاء لكن الفجر يقومون إليها من نوم ~~وكذلك الظهر في القائلة والآية تعم هذا كله # لكن قد يقال إذا أمرت الآية القائم من النوم لأجل الريح التي خرجت منه ~~بغير اختياره فأمرها للقائم الذي خرج منه الريح في اليقظة أولى وأحرى فتكون ~~على هذا دلالة الآية على اليقظان بطريق تنبيه الخطاب وفحواه وإن قيل أن ~~اللفظ عام يتناول هذا بطريق العموم اللفظي # فهذان قولان متوجهان والآية على القولين عامة وتعم أيضا القيام إلى ~~النافلة بالليل والنهار والقيام إلى صلاة الجنازة كما سنبينه إن شاء الله # فمتى كانت عامة لهذا كله فلا وجه لتخصيصها # وقالت طائفة تقدير الكلام إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون أو قد أحدثتم ~~فإن المتوضئ ليس عليه وضوء وكل هذا عن الشافعي رحمه الله ويوجبه الشافعي في ~~التيمم فإن ظاهر القرآن يقتضي وجوب الوضوء والتيمم على كل قائم يخالف هذا ~~PageV21P369 # فإن كان قد قال هذا كان له قولان # ومن المفسرين من يجعل هذا قول عامة الفقهاء من السلف والخلف لاتفاقهم على ~~الحكم فيجعل اتفاقهم على هذا الحكم اتفاقا على الإضمار كما ذكر أبو الفرج ~~بن الجوزي قال وللعلماء في المراد بالآية قولان # أحدهما @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ محدثين @QB@ فاغسلوا @QE@ فصار ~~الحدث مضمرا في وجوب الوضوء وهذا قول سعد بن أبي وقاص وأبي موسى وبن عباس ~~رضي الله عنهم والفقهاء # قال والثاني أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار فيجب الوضوء على كل من ~~يريد الصلاة محدثا كان ms6397 أو غير محدث # وهذا مروي عن عكرمة وبن سيرين # ونقل عنهم أن هذا الحكم غير منسوخ ونقل عن جماعة من العلماء أن ذلك كان ~~واجبا بالسنة وهو ما روى بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى يوم الفتح خمس ~~صلوات بوضوء واحد وقال عمدا فعلته يا عمر # قلت أما الحكم وهو أن من توضأ لصلاة صلى بذلك PageV21P370 الوضوء صلاة ~~أخرى فهذا قول عامة السلف والخلف والخلاف في ذلك شاذ وقد علم بالنقل ~~المتواتر عن النبي أنه لم يكن يوجب الوضوء على من صلى ثم قام إلى صلاة أخرى ~~فإنه قد ثبت بالتواتر أنه صلى بالمسلمين يوم عرفة الظهر والعصر جميعا جمع ~~بهم بين الصلاتين وصلى خلفه ألوف مؤلفة لا يحصيهم إلا الله ولما سلم من ~~الظهر صلى بهم العصر ولم يحدث وضوءا لا هو ولا أحد ولا أمر الناس بإحداث ~~وضوء ولا نقل ذلك أحد وهذا يدل على أن التجديد لا يستحب مطلقا # وهل يستحب التجديد لكل صلاة من الخمس فيه نزاع وفيه عن أحمد رحمه الله ~~روايتان # وكذلك أيضا لما قدم مزدلفة صلى بهم المغرب والعشاء جمعا من غير تجديد ~~وضوء للعشاء وهو في الموضعين قد قام هو وهم إلى صلاة بعد صلاة وأقام لكل ~~صلاة إقامة وكذلك سائر أحاديث الجمع الثابتة في الصحيحين من حديث بن عمر ~~وبن عباس وأنس رضي الله عنهم كلها تقتضي أنه هو والمسلمون خلفه صلوا ~~الثانية من المجموعتين بطهارة الأولى لم يحدثوا لها وضوءا PageV21P371 # وكذلك هو قد ثبت عنه في الصحيحين من حديث بن عباس وعائشة وغيرهم أنه كان ~~يتوضأ لصلاة الليل فيصلي به الفجر مع أنه كان ينام حتى يغط ويقول تنام ~~عيناي ولا ينام قلبي فهذا أمر من أصح ما يكون أنه كان ينام ثم يصلي بذلك ~~الوضوء الذي توضأه للنافلة يصلي به الفريضة فكيف يقال إنه كان يتوضأ لكل ~~صلاة # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه صلى الظهر ثم قدم عليه وفد عبدالقيس فاشتغل ~~بهم عن الركعتين بعد الظهر حتى ms6398 صلى العصر ولم يحدث وضوءا # وكان يصلي تارة الفريضة ثم النافلة وتارة النافلة ثم الفريضة وتارة فريضة ~~ثم فريضة كل ذلك بوضوء واحد # وكذلك المسلمون صلوا خلفه في رمضان بالليل بوضوء واحد مرات متعددة # وكان المسلمون على عهده يتوضؤون ثم يصلون ما لم يحدثوا كما جاءت بذلك ~~الأحاديث الصحيحة ولم ينقل عنه لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمرهم بالوضوء ~~لكل صلاة PageV21P372 # فالقول باستحباب هذا يحتاج إلى دليل # وأما القول بوجوبه فمخالف للسنة المتواترة عن الرسول ولإجماع الصحابة ~~والنقل عن علي رضي الله عنه بخلاف ذلك لا يثبت بل الثابت عنه خلافه وعلي ~~رضي الله عنه أجل من أن يخفى عليه مثل هذا والكذب على علي كثير مشهور أكثر ~~منه على غيره # وأحمد بن حنبل رحمه الله مع سعة علمه بآثار الصحابة والتابعين أنكر أن ~~يكون في هذا نزاع وقال أحمد بن القاسم سألت أحمد عمن صلى أكثر من خمس صلوات ~~بوضوء واحد فقال لا بأس بذلك إذا لم ينتقض وضوءه ما ظننت أن أحدا أنكر هذا # وروى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال كان النبي يتوضأ عند كل ~~صلاة قلت وكيف كنتم تصنعون قال يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث وهذا هو في ~~الصلوات الخمس المفرقة ولهذا استحب أحمد ذلك في أحد القولين مع أنه كان ~~أحيانا يصلي صلوات بوضوء واحد كما في صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال ~~صلى النبي يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر إني ~~PageV21P373 رأيتك صنعت شيئا لم تكن صنعته قال عمدا صنعته يا عمر # والقرآن أيضا يدل على أنه لا يجب على المتوضئ أن يتوضأ مرة ثانية من وجوه # أحدها أنه سبحانه قال @QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ فقد أمر من ~~جاء من الغائط ولم يجد الماء أن يتيمم الصعيد الطيب فدل على أن المجيء من ~~الغائط ms6399 يوجب التيمم فلو كان الوضوء واجبا على من جاء من الغائط ومن لم يجئ ~~فإن التيمم أولى بالوجوب فإن كثيرا من الفقهاء يوجبون التيمم لكل صلاة وعلى ~~هذا فلا تأثير للمجيء من الغائط فإنه إذا قام إلى الصلاة وجب الوضوء أو ~~التيمم وإن لم يجئ من الغائط ولو جاء من الغائط ولم يقم إلى الصلاة لا يجب ~~عليه وضوء ولا تيمم فيكون ذكر المجيء من الغائط عبثا على قول هؤلاء # الوجه الثاني أنه سبحانه خاطب المؤمنين لأن الناس كلهم يكونون محدثين فإن ~~البول والغائط أمر معتاد لهم وكل بني آدم محدث والأصل فيهم الحدث الأصغر ~~فإن أحدهم من حين كان طفلا قد اعتاد ذلك فلا يزال محدثا بخلاف الجنابة ~~فإنها إنما تعرض لهم PageV21P374 عند البلوغ والأصل فيهم عدم الجنابة كما ~~أن الأصل فيهم عدم الطهارة الصغرى فلهذا قال @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم @QE@ ثم قال @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ فأمرهم ~~بالطهارة الصغرى مطلقا لأن الأصل أنهم كلهم محدثون قبل أن يتوضئوا ثم قال ~~@QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ وليس منهم جنب إلا من أجنب فلهذا فرق ~~سبحانه بين هذا وهذا # الثالث أن يقال الآية اقتضت وجوب الوضوء إذا قام المؤمن إلى الصلاة فدل ~~على أن القيام هو السبب الموجب للوضوء وأنه إذا قام إلى الصلاة صار واجبا ~~حينئذ وجوبا مضيقا فإذا كان العبد قد توضأ قبل ذلك فقد أدى هذا الواجب قبل ~~تضيقه كما قال @QB@ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~@QE@ فدل على أن النداء يوجب السعي إلى الجمعة وحينئذ يتضيق وقته فلا يجوز ~~أن يشتغل عنه ببيع ولا غيره فإذا سعى إليها قبل النداء فقد سابق إلى ~~الخيرات وسعى قبل تضيق الوقت فهل يقول عاقل إن عليه أن يرجع إلى بيته ليسعى ~~عند النداء # وكذلك الوضوء إذا كان المسلم قد توضأ للظهر قبل الزوال أو للمغرب قبل ~~غروب الشمس أو للفجر قبل طلوعه وهو إنما يقوم إلى الصلاة بعد الوقت فمن قال ~~إن عليه أن ms6400 يعيد الوضوء فهو PageV21P375 بمنزلة من يقول إن عليه أن يعيد ~~السعي إذا أتى الجمعة قبل النداء # والمسلمون على عهد نبيهم كانوا يتوضؤون للفجر وغيرها قبل الوقت وكذلك ~~المغرب فإن النبي كان يعجلها ويصليها إذا توارت الشمس بالحجاب وكثير من ~~أصحابه كانت بيوتهم بعيدة من المسجد فهؤلاء لو لم يتوضؤوا قبل المغرب لما ~~أدركوا معه أول الصلاة بل قد تفوتهم جميعا لبعد المواضع وهو نفسه لم يكن ~~يتوضأ بعد الغروب ولا من حضر عنده في المسجد ولا كان يأمر أحدا بتجديد ~~الوضوء بعد المغرب وهذا كله معلوم مقطوع به وما أعرف في هذا خلافا ثابتا عن ~~الصحابة أن من توضأ قبل الوقت عليه أن يعيد الوضوء بعد دخول الوقت ولا ~~يستحب أيضا لمثل هذا تجديد وضوء # وانما تكلم الفقهاء فيمن صلى بالوضوء الأول هل يستحب له التجديد وأما من ~~لم يصل به فلا يستحب له اعادة الوضوء بل تجديد الوضوء في مثل هذا بدعة ~~مخالفة لسنة رسول الله ولما عليه المسلمون في حياته وبعده إلى هذا الوقت ~~فقد تبين أن هذا قبل القيام قد أدى هذا الواجب قبل تضييقه كالساعي إلى ~~الجمعة قبل النداء وكمن قضى الدين قبل حلوله ولهذا PageV21P376 قال الشافعي ~~وغيره ان الصبي اذا صلى ثم بلغ لم يعد الصلاة لأنها تلك الصلاة بعينها سابق ~~اليها قبل وقتها وهو قول في مذهب أحمد وهذا القول أقوى من ايجاب الاعادة ~~ومن أوجبها قاسه على الحج وبينهما فرق كما هو مبسوط في غير هذا الموضع # وهذا الذي ذكرناه في الوضوء هو بعينه في التيمم ولهذا كان قول العلماء ان ~~التيمم كالوضوء فهو طهور المسلم ما لم يجد الماء وان تيمم قبل الوقت وتيمم ~~للنافلة فيصلي به الفريضة وغيرها كما هو قول بن عباس وهو مذهب كثير من ~~العلماء أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين عن أحمد # والقول الآخر وهو التيمم لكل صلاة هو المشهور من مذهب مالك والشافعي ~~وأحمد وهو قول لم يثبت عن غيره من الصحابة كما قد بسط في ms6401 موضعه فالآية ~~محكمة ولله الحمد وهي على ما دلت عليه من أن كل قائم إلى الصلاة فهو مأمور ~~بالوضوء فان كان قد توضأ قبل ذلك فقد أحسن وفعل الواجب قبل تضييقه وسارع ~~إلى الخيرات كمن سعى إلى الجمعة قبل النداء فقد تبين أن الآية ليس فيها ~~اضمار ولا تخصيص ولا تدل على PageV21P377 وجوب الوضوء مرتين بل دلت على ~~الحكم الثابت بالسنن المتواترة وهو الذي عليه جماعة المسلمين وهو وجوب ~~الوضوء على المصلي كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي أنه قال لا ~~يقبل الله صلاة أحدكم اذا أحدث حتى يتوضأ فقال رجل من حضرموت ما الحدث يا ~~أبا هريرة قال فساء أو ضراط وفي صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنهما عن النبي قال لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول # وهذا يوافق الآية الكريمة فإنه يدل على أنه لا بد من الطهور ومن كان على ~~وضوء فهو على طهور وانما يحتاج إلى الوضوء من كان محدثا كما قال لا يقبل ~~الله صلاة أحدكم اذا أحدث حتى يتوضأ وهو اذا توضأ ثم أحدث فقد دلت الآية ~~على أمره بالوضوء اذا قام إلى الصلاة واذا كان قد توضأ فقد فعل ما أمر به ~~كقوله لا تصلي الا بوضوء أو لا تصلي حتى تتوضأ ونحو ذلك مما بين أنه مأمور ~~بالوضوء لجنس الصلاة الشامل لأنواعها وأعيانها ليس مأمورا لكل نوع أو عين ~~بوضوء غير وضوء الآخر ولا في اللفظ ما يدل على ذلك # لكن هذا الوجه لا يدل على تقدم الوضوء على الجنس كمن أسلم PageV21P378 ~~فتوضأ قبل الزوال أو الغروب أو كمن أحدث فتوضأ قبل دخول الوقت بخلاف الوجه ~~الذي قبله فانه يتناول هذا كله ### ||| فصل # وقوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ يقتضي وجوب الوضوء ~~على كل مصل مرة بعد مرة فهو يقتضي التكرار وهذا متفق عليه بين المسلمين في ~~الطهارة وقد دلت عليه السنة المتواترة بل هو معلوم بالاضطرار من دين ms6402 ~~المسلمين عن الرسول أنه لم يأمرنا بالوضوء لصلاة واحدة بل أمر بأن يتوضأ ~~كلما صلى ولو صلى صلاة بوضوء وأراد أن يصلي سائر الصلوات بغير وضوء استتيب ~~فان تاب والا قتل # لكن المقصود هنا دلالة الآية عليه وذلك من لفظ الصلاة فان الصلاة هنا اسم ~~جنس ليس المراد صلاة واحدة فقد أمر اذا قام إلى جنس الصلاة أن يتوضأ والجنس ~~يتناول جميع ما يصليه من الصلوات في جميع عمره # فان قيل هذا يقتضي عموم الجنس فمن أين التكرار فاذا PageV21P379 قام إلى ~~أي صلاة توضأ لكن من أين أنه اذا قام اليها يوما آخر يتوضأ # قيل لأنه في هذا اليوم الثاني قائم إلى الصلاة فهو مأمور بالوضوء اذا قام ~~إلى مسمى الصلاة فحيث وجد قيام إلى مسمى الصلاة فهو مأمور بالوضوء متى وجد ~~ذلك فعليه الوضوء وهو كقوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ ~~فالمراد جنس الدلوك فهو مأمور باقامة الصلاة له وكذلك قوله @QB@ وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها @QE@ طلوعا واحدا فكأنه قال قبل كل طلوع ~~لها وقبل كل غروب وأقم الصلاة عند كل دلوك وكل صلاة يقوم اليها متوضأ لها # وقد تنازع الناس في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار على ثلاثة أقوال في ~~مذهب أحمد وغيره # قيل يقتضيه كقول طائفة منهم القاضي أبو يعلى وبن عقيل وقيل لا يقتضيه ~~كقول كثير منهم أبو الخطاب وقيل ان كان معلقا بسبب اقتضى التكرار وهذا هو ~~المنصوص عن أحمد كآية الطهارة والصلاة PageV21P380 2 فان قيل فهذا لا يتكرر ~~في الطلاق والعتق المعلق # قيل لأن عتق الشخص الواحد لا يتكرر وكذلك الطلاق المعلق نفسه لا يتكرر بل ~~الطلقة الثانية حكمها غير حكم الأولى وهو محدود بثلاث ولكن اذا قال الناذر ~~لله علي ان رزقني الله ولدا أن اعتق عنه واذا أعطاني مالا أن أزكيه أو ~~أتصدق بعشرة تكرر وبسط هذا له موضع آخر ### ||| فصل # قوله تعالى @QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء @QE@ الآية ms6403 هذا مما أشكل على بعض الناس # فقال طائفة من الناس أو بمعنى الواو وجعلوا التقدير وجاء أحد منكم من ~~الغائط ولامستم النساء # قالوا لأن من مقتضى أو أن يكون كل من المرض والسفر موجبا للتيمم كالغائط ~~والملامسة وهذا مخالف لمعنى الآية PageV21P381 فان أو ضد الواو والواو ~~للجمع والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه # وأما معنى أو فلا يوجب الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه بل يقتضي اثبات ~~أحدهما لكن قد يكون ذلك مع اباحة الآخر كقوله جالس الحسن أو بن سيرين وتعلم ~~الفقه أو النحو ومنه خصال الكفارة يخير بينها ولو فعل الجميع جاز وقد يكون ~~مع الحصر يقال للمريض كل هذا أو هذا وكذلك في الخبر هي لاثبات أحدهما اما ~~مع عدم علم المخاطب وهو الشك أو مع علمه وهو الايهام كقوله تعالى @QB@ ~~وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون @QE@ لكن المعنى الذي أراده هو الأصح وهو ~~أن خطابه بالتيمم للمريض والمسافر وان كان قد جاء من الغائط أو جامع # ولا ينبغي على قولهم أن يكون المراد أن لا يباح التيمم الا مع هذين بل ~~التقدير بالاحتلام أو حدث بلا غائط فالتيمم هنا أولى وهو سبحانه لما أمر كل ~~قائم إلى الصلاة بالوضوء أمرهم اذا كانوا جنبا أن يطهروا وفيهم المحدث بغير ~~الغائط كالقائم من النوم والذي خرجت منه الريح ومنهم الجنب بغير جماع بل ~~باحتلام فالآية عمت كل محدث وكل جنب فقال تعالى @QB@ وإن كنتم مرضى أو على ~~سفر @QE@ @QB@ فتيمموا @QE@ فأباح التيمم للمحدث والجنب اذا PageV21P382 ~~كان مريضا أو على سفر ولم يجد ماء والتيمم رخصة # فقد يظن الظان أنها لا تباح الا مع خفيف الحدث والجنابة كالريح والاحتلام ~~بخلاف الغائط والجماع فان التيمم مع ذلك والصلاة معه مما تستعظمه النفوس ~~وتهابه فقد أنكر بعض كبار الصحابة تيمم الجنب مطلقا وكثير من الناس يهاب ~~الصلاة مع الحدث بالتيمم اذ كان جعل التراب طهورا كالماء هو مما فضل الله ~~به محمدا وأمته ومن لم يستحكم ايمانه لا يستجيز ذلك فبين الله سبحانه أن ms6404 ~~التيمم مأمور به مع تغليظ الحدث بالغائط وتغليظ الجنابة بالجماع والتقدير ~~وان كنتم مرضى أو مسافرين أو كان مع ذلك جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء # ليس المقصود أن يجعل الغائط والجماع فيما ليس معه مرض أو سفر فانه اذا ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامس النساء وليسوا مرضى ولا مسافرين فقد بين ~~ذلك بقوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ وبقوله @QB@ وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا @QE@ فدلت الآية على وجوب الوضوء والغسل على الصحيح ~~والمقيم # وأيضا فتخصيصه المجيء من الغائط والجماع يجوز أن يكون لا يتيمم في هذه ~~الحالة دون ما هو أخف من ذلك من خروج الريح ومن PageV21P383 الاحتلام فان ~~الريح كالنوم والاحتلام يكون في المنام فهناك يحصل الحدث والجنابة والانسان ~~نائم فاذا كان في تلك الحال يؤمر بالوضوء والغسل فاذا حصل ذلك وهو يقظان ~~فهو أولى بالوجوب لأن النائم رفع عنه القلم بخلاف اليقظان # ولكن دلت الآية على أن الطهارة تجب وان حصل الحدث والجنابة بغير اختياره ~~كحدث النائم واحتلامه واذا دلت على وجوب طهارة الماء في الحال فوجوبها مع ~~الحدث الذي حصل باختياره أو يقظته أولى وهذا بخلاف التيمم فانه لا يلزم اذا ~~أباح التيمم للمعذور الذي أحدث في النوم باحتلام أو ريح أن يبيحه لمن أحدث ~~باختياره فقال تعالى @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء @QE@ ~~ليبين جواز التيمم لهذين وان حصل حدثهما في اليقظة وبفعلهما وان كان غليظا # ولو كانت أو بمعنى الواو كان تقدير الكلام ان التيمم لا يباح الا بوجود ~~الشرطين المرض والسفر مع المجيء من الغائط والاحتلام فيلزم من هذا أن لا ~~يباح مع الاحتلام ولا مع الحدث بلا غائط كحدث النائم ومن خرجت منه الريح ~~فان الحكم اذا علق بشرطين لم يثبت مع أحدهما وهذا ليس مرادا قطعا بل هو ضد ~~PageV21P384 الحق لأنه اذا أبيح مع الغائط الذي يحصل بالاختيار فمع الخفيف ~~وعدم الاختيار أولى # فتبين أن معنى الآية وان كنتم مرضى أو على سفر فتيمموا ms6405 وان كان مع ذلك قد ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء كما يقال وان كنت مريضا أو مسافرا ~~والتقدير وان كنتم أيها القائمون إلى الصلاة وأنتم مرضى أو مسافرين قد جئتم ~~من الغائط أو لامستم النساء ولهذا قال من قال انها خطاب للقائمين من النوم ~~ان التقدير اذا قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء # فانه سبحانه ذكر أولا فعلهم بقوله @QB@ إذا قمتم @QE@ @QB@ أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء @QE@ الثلاثة أفعال وقوله @QB@ وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر @QE@ حال لهم أي كنتم على هذه الحال كقوله وان كنتم على ~~حال العجز عن استعمال الماء اما لعدمه أو لخوف الضرر باستعماله فتيمموا اذا ~~قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء # ولكن الذي رجحناه أن قوله @QB@ إذا قمتم @QE@ عام اما لفظا ومعنى واما ~~معنى PageV21P385 وعلى هذا فالمعنى اذا قمتم إلى الصلاة فتوضئوا أو اغتسلوا ~~ان كنتم جنبا وان كنتم مرضى أو مسافرين أو فعلتم ما هو أبلغ في الحدث جئتم ~~من الغائط أو لامستم النساء اذ التقدير وان كنتم مرضى أو مسافرين وقد قمتم ~~إلى الصلاة أو فعلتم مع القيام إلى الصلاة والمرض أو السفر هذين الأمرين ~~المجيء من الغائط والجماع فيكون قد اجتمع قيامكم إلى الصلاة والمرض والسفر ~~وأحد هذين فالقيام موجب للطهارة والعذر مبيح وهذا القيام فاذا قمتم وجب ~~التيمم ان كان قياما مجردا أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء # ولكن من الناس من يعطف قوله @QB@ أو جاء @QE@ @QB@ أو لامستم @QE@ على ~~قوله @QB@ إذا قمتم @QE@ والتقدير وإذا قمتم أو جاء أو لامستم وهذا مخالف ~~لنظم الآية فإن نظمها يقتضي أن هذا داخل في جزاء الشرط وقوله @QB@ وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا @QE@ فإن الذي قاله قريب من جهة المعنى ولكن التقدير وإن كنتم إذا ~~قمتم إلى الصلاة مرضى ms6406 أو على سفر أو كان مع ذلك جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فهو تقسيم من مفرد ومركب # يقول إن كنتم مرضى أو على سفر قائمين إلى الصلاة فقط بالقيام PageV21P386 ~~من النوم أو القعود المعتاد أو كنتم مع هذا قد جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء # فقوله تعالى @QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر @QE@ خطاب لمن قيل لهم @QB@ ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ فالمعنى ~~يا أيها القائم إلى الصلاة توضأ وإن كنت جنبا فاغتسل وإن كنت مريضا أو ~~مسافرا تيمم أو كنت مع هذا وهذا مع قيامك إلى الصلاة وأنت محدث أو جنب ومع ~~مرضك وسفرك قد جئت من الغائط أو لامست النساء فتيمم إن كنت معذورا # وإيضاح هذا إنه من باب عطف الخاص على العام الذي يخص بالذكر لامتيازه ~~وتخصيصه يقتضي ذلك ومثل هذا يقال إنه داخل في العام ثم ذكر بخصوصه ويقال بل ~~ذكره خاصا يمنع دخوله في العام وهذا يجيء في العطف بأو وأما بالواو فمثل ~~قوله تعالى @QB@ وملائكته ورسله وجبريل وميكال @QE@ وقوله @QB@ وإذ أخذنا ~~من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم @QE@ الآية ومن هذا قوله @QB@ إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ ونحو ذلك # وأما في أو ففي مثل قوله تعالى @QB@ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم @QE@ وقوله @QB@ ومن يعمل سوءا أو ~~يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما @QE@ PageV21P387 وقوله ~~@QB@ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ~~@QE@ وقوله @QB@ فمن خاف من موص جنفا أو إثما @QE@ فإن الجنف هو الميل عن ~~الحق وإن كان عامدا # قال عامة المفسرين الجنف الخطأ والإثم العمد قال أبو سليمان الدمشقي ~~الجنف الخروج عن الحق وقد يسمى المخطئ العامد إلا أن المفسرين علقوا الجنف ~~على المخطئ والإثم على العامد ومثله قوله @QB@ ولا تطع منهم آثما أو كفورا ~~@QE@ فإن الكفور هو الآثم أيضا لكنه عطف خاص على عام وقد قيل هما وصفان ms6407 ~~لموصوف واحد وهو أبلغ فإن عطف الصفة على الصفة والموصوف واحد كقوله @QB@ ~~الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ وقوله @QB@ هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن @QE@ وقوله @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ~~والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم ~~حافظون @QE@ ونظائر هذا كثيرة # قال بن زيد الآثم المذنب الظالم والكفور هذا كله واحد قال بن عطية هو ~~مخير في أنه يعرف الذي ينبغي أن لا يطيعه بأي وصف كان من هذين لأن كل واحد ~~منهم فهو آثم وهو كفور PageV21P388 ولم يكن للأمة من الكثرة بحيث يغلب ~~الإثم على المعاصي قال واللفظ إنما يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة ~~أو كفور من المشركين # وقال أبو عبيدة وغيره ليس فيها تخيير أو بمعنى الواو وكذلك قال طائفة ~~منهم البغوي وبن الجوزي # وقال المهدي أي لا تطع من أثم أو كفر ودخول أو يوجب أن لا تطيع كل واحد ~~منهما على انفراده ولو قال ولا تطع منهما آثما أو كفورا لم يلزم النهي إلا ~~في حال اجتماع الوصفين # وقد يقال إن الكفور هو الجاحد للحق وإن كان مجتهدا مخطئا فيكون هذا أعم ~~من وجه وهذا أعم من وجه التمسك # وقوله تعالى @QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء @QE@ من هذا الباب فإنه خاطب المؤمنين فقال @QB@ إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ وهذا يتناول المحدثين كما تقدم ثم قال @QB@ وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا @QE@ ثم قال وإن كنتم مع الحدث والجنابة مرضى أو على سفر ~~ولم تجدوا ماء فتيمموا PageV21P389 وهذا يتناول كل محدث سواء كان قد جاء من ~~الغائط أو لم يجئ كالمستيقظ من نومه والمستيقظ إذا خرجت منه الريح ويتناول ~~كل جنب سواء كانت جنابته باحتلام أو جماع فقال وإن كنتم محدثون جنب مرضى أو ~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط وهذا نوع خاص من الحدث أو لامستم النساء ~~وهذا نوع خاص من الجنابة # ثم قد يقال ms6408 لفظ الجنب يتناول النوعين وخص المجامع بالذكر وكذلك القائم ~~إلى الصلاة يتناول من جاء من الغائط ومن أحدث بدون ذلك لكن خص الجائي ~~بالذكر كما في قوله @QB@ فمن خاف من موص جنفا أو إثما @QE@ فالآثم هو ~~المتعمد وتخصيصه بالذكر وإن كان دخل ليبين حكمه بخصوصه ولئلا يظن خروجه عن ~~اللفظ العام وإن كان لم يدخل فهو نوع آخر والتقدير إن كنتم مرضى أو على سفر ~~فتيمموا وهذا معنى الآية ### ||| فصل # وقوله @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ ذكر الحدث الأصغر فالمجيء من ~~الغائط هو مجيء من الموضع الذي يقضي فيه الحاجة وكانوا PageV21P390 ينتابون ~~الأماكن المنخفضة وهي الغائط وهو كقولك جاء من المرحاض وجاء من الكنيف ونحو ~~ذلك هذا كله عبارة عمن جاء وقد قضى حاجته بالبول أو الغائط والريح يخرج ~~معهما # وقد تنازع الفقهاء هل تنقض الريح لكونها تستصحب جزءا من الغائط فلا يكون ~~على هذا نوعا آخر أو هي لا تستصحب جزءا من الغائط بل هي نفسها تنقض ونقضها ~~متفق عليه بين المسلمين وقد دل عليه القرآن في قوله @QB@ إذا قمتم @QE@ ~~سواء كان أريد القيام من النوم أو مطلقا فإن القيام من النوم مراد على كل ~~تقدير وهو إنما نقض بخروج الريح هذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور السلف ~~والخلف أن النوم نفسه ليس بناقض ولكنه مظنة خروج الريح # وقد ذهبت طائفة إلى أن النوم نفسه ينقض ونقض الوضوء بقليله وكثيره وهو ~~قول ضعيف وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه كان ينام حتى يغط ثم يقوم يصلي ~~ولا يتوضأ ويقول تنام عيناي ولا ينام قلبي # فدل على أن قلبه الذي لم ينم كان يعرف به أنه لم يحدث ولو كان النوم نفسه ~~كالبول والغائط والريح لنقض كسائر النواقض # وأيضا قد ثبت في الصحيحين أن الصحابة كانوا ينتظرون الصلاة حتى ~~PageV21P391 تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون وهم في المسجد ينتظرون ~~العشاء خلف النبي # وفي الصحيحين عن بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله شغل عن العشاء ليلة ~~فأخرها حتى ms6409 رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا ~~رسول الله ثم قال ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم # ولمسلم عنه قال مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله لصلاة العشاء الآخرة فخرج ~~علينا حين ذهب ثلث الليل أو بعضه ولا ندري أي شيء شغله من أهله أو غير ذلك ~~فقال حين خرج إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل ~~على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى # ولمسلم أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت أعتم رسول الله ذات ليلة حتى ~~ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال إنه لوقتها لولا أن ~~أشق على أمتي # ففي هذه الأحاديث الصحيحة أنهم ناموا وقال في بعضها إنهم PageV21P392 ~~رقدوا ثم استيقظوا ثم رقدوا ثم استيقظوا وكان الذين يصلون خلفه جماعة كثيرة ~~وقد طال انتظارهم وناموا ولم يستفصل أحدا لا سئل ولا سأل الناس هل رأيتم ~~رؤيا أو هل مكن أحدكم مقعدته أو هل كان أحدكم مستندا وهل سقط شيء من أعضائه ~~على الأرض فلو كان الحكم يختلف لسألهم # وقد علم أنه في مثل هذا الانتظار بالليل مع كثرة الجمع يقع هذا كله وقد ~~كان يصلي خلفه النساء والصبيان # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت أعتم رسول الله ليلة من ~~الليالي بصلاة العشاء فلم يخرج رسول الله حتى قال عمر بن الخطاب نام النساء ~~والصبيان فخرج رسول الله فقال لأهل المسجد حين خرج عليهم ما ينتظرها أحد من ~~أهل الأرض غيركم وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس # وقد خرج البخاري هذا الحديث في باب خروج النساء إلى المسجد بالليل والغلس ~~وفي باب النوم قبل العشاء لمن غلب عليه النوم وخرجه في باب وضوء الصبيان ~~وحضورهم الجماعة وقال فيه إنه ليس أحد من أهل الأرض يصلي هذه الصلاة غيركم ~~PageV21P393 # وهذا يبين أن قول عمر نام النساء والصبيان يعني والناس في المسجد ينتظرون ~~الصلاة # وهذا ms6410 يبين أن المنتظرين للصلاة كالذي ينتظر الجمعة إذا نام أي نوم كان لم ~~ينتقض وضوؤه فإن النوم ليس بناقض وإنما الناقض الحدث فإذا نام النوم ~~المعتاد الذي يختاره الناس في العادة كنوم الليل والقائلة فهذا يخرج منه ~~الريح في العادة وهو لا يدري إذا خرجت فلما كانت الحكمة خفية لا نعلم بها ~~قام دليلها مقامها وهذا هو النوم الذي يحصل هذا فيه في العادة # وأما النوم الذي يشك فيه هل حصل معه ريح أم لا فلا ينقض الوضوء لأن ~~الطهارة ثابتة بيقين فلا تزول بالشك # وللناس في هذه المسألة أقوال متعددة ليس هذا موضع تفصيلها لكن هذا هو ~~الذي يقوم عليه الدليل # وليس في الكتاب والسنة نص يوجب النقض بكل نوم # فإن قوله العين وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء قد روي في ~~السنن من حديث علي بن أبي طالب ومعاوية PageV21P394 رضي الله عنهما وقد ~~ضعفه غير واحد وبتقدير صحته فإنما فيه إذا نامت العينان استطلق الوكاء وهذا ~~يفهم منه أن النوم المعتاد هو الذي يستطلق منه الوكاء ثم نفس الاستطلاق لا ~~ينقض وإنما ينقض ما يخرج مع الاستطلاق وقد يسترخي الإنسان حتى ينطلق الوكاء ~~ولا ينتقض وضوؤه # وإنما قوله في حديث صفوان بن عسال أمرنا أن لا ننزع خفافنا إذا كنا سفرا ~~أو مسافرين ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط أو بول أو نوم ~~فهذا ليس فيه ذكر نقض النوم ولكن فيه أن لابس الخفين لا ينزعهما ثلاثة أيام ~~إلا من جنابة ولا ينزعهما من الغائط والبول والنوم فهو نهي عن نزعهما لهذه ~~الأمور وهو يتناول النوم الذي ينقض ليس فيه أن كل نوم ينقض الوضوء # هذا إذا كان لفظ النوم من كلام النبي فكيف إذا كان من كلام الراوي وصاحب ~~الشريعة قد يعلم أن الناس إذا كانوا قعودا أو قياما في الصلاة أو غيرها ~~فينعس أحدهم وينام ولم يأمر أحدا بالوضوء في مثل هذا # أما الوضوء من النوم المعروف عند الناس فهو الذي يترجح ms6411 معه في العادة ~~خروج الريح وأما ما كان قد يخرج معه الريح وقد لا يخرج فلا ينقض على أصل ~~الجمهور الذين يقولون إذا شك هل ينقض أو لا ينقض أنه لا ينقض بناء على يقين ~~الطهارة PageV21P395 ### ||| فصل # وهو سبحانه أمرنا بالطهارتين الصغرى والكبرى وبالتيمم عن كل منهما فقال ~~@QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ فأمر بالوضوء ثم قال @QB@ وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا @QE@ فأمر بالتطهر من الجنابة كما قال في المحيض @QB@ ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله @QE@ وقال في سورة ~~النساء @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ وهذا يبين أن التطهر ~~هو الاغتسال # والقرآن يدل على أنه لا يجب على الجنب إلا الاغتسال وأنه إذا اغتسل جاز ~~له أن يقرب الصلاة والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر كما ~~قال جمهور العلماء والمشهور في مذهب أحمد أن عليه نية رفع الحدث الأصغر ~~وكذلك ليس عليه فعل الوضوء ولا ترتيب ولا موالاة عند الجمهور وهو ظاهر مذهب ~~أحمد # وقيل لا يرتفع الحدث الأصغر إلا بهما # وقيل لا يرتفع حتى يتوضأ روي ذلك عن أحمد PageV21P396 # والقرآن يقتضي أن الاغتسال كاف وأنه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث ~~آخر بل صار الأصغر جزءا من الأكبر كما أن الواجب في الأصغر جزء من الواجب ~~في الأكبر فإن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة # ويدل على ذلك قول النبي لأم عطية واللواتي غسلن ابنته اغسلنها ثلاثا أو ~~خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء ~~منها # فجعل غسل مواضع الوضوء جزءا من الغسل لكنه يقدم كما تقدم الميامن # وكذلك الذين نقلوا صفة غسله كعائشة رضي الله عنها ذكرت أنه كان يتوضأ ثم ~~يفيض الماء على شعره ثم على سائر بدنه ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين ~~وكان لا يتوضأ بعد الغسل # فقد دل الكتاب والسنة على أن الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء ولا ~~ينويان وضوءا بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى ms6412 # وقوله @QB@ فاطهروا @QE@ أراد به الاغتسال فدل على أن قوله في الحيض @QB@ ~~حتى يطهرن فإذا تطهرن @QE@ أراد به الاغتسال كما قاله الجمهور PageV21P397 ~~مالك والشافعي وأحمد وأن من قال هو غسل الفرج كما قاله داود فهو ضعيف ### ||| فصل # قال الله عز وجل @QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ # فقوله @QB@ فلم تجدوا ماء @QE@ يتعلق بقوله @QB@ على سفر @QE@ لا بالمرض ~~والمريض يتيمم وإن وجد الماء والمسافر إنما يتيمم إذا لم يجد الماء ذكر ~~سبحانه وتعالى النوعين الغالبين الذي يتضرر باستعمال الماء والذي لا يجده # وقوله @QB@ على سفر @QE@ يعم السفر الطويل والقصير كما قاله الجمهور # وقوله @QB@ وإن كنتم مرضى @QE@ كقوله في آية الخوف @QB@ ولا جناح عليكم ~~إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم @QE@ وقوله في ~~الإحرام @QB@ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام @QE@ ~~PageV21P398 @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ ولم ~~يوقت الله تعالى وقتا في المرض # والذي عليه الجمهور أنه لا يشترط فيه خوف الهلاك بل من كان الوضوء يزيد ~~مرضه أو يؤخر برأه يتيمم وكذلك في الصيام والإحرام ومن يتضرر بالماء لبرد ~~فهو كالمريض عند الجمهور لكن الله ذكر الضرر العام وهو المرض بخلاف البرد ~~فإنه إنما يكون في بعض البلاد لبعض الناس الذين لا يقدرون على الماء الحار # وكذلك ذكر المسافر الذي لا يجد الماء ولم يذكر الحاضر فإن عدمه في الحضر ~~نادر لكن قد يحبس الرجل وليس عنده إلا ما يكفيه لشربه كما أن المسافر قد لا ~~يكون معه إلا ما يكفيه لشربه وشرب دوابه فهذا عند الجمهور عادم للماء ~~فيتيمم ### ||| فصل # وقوله @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء @QE@ # ذكر أعظم ما يوجب الوضوء وهو قضاء الحاجة وأغلظ ما يوجب الغسل وهو ملامسة ~~النساء وأمر كلا منهما إذا كان PageV21P399 مريضا أو مسافرا لا يجد الماء ~~أن يتيمم وهذا هو ms6413 مذهب جمهور الخلف والسلف # وقد ثبت تيمم الجنب في أحاديث صحاح وحسان كحديث عمار بن ياسر رضي الله ~~عنهما وهو في الصحيحين وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه وهو في البخاري ~~وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وصاحب الشجة رضي الله عنهم وهو في السنن # فهاتان آيتان من كتاب الله وخمسة أحاديث عن رسول الله وقد عرفت مناظرة بن ~~مسعود في ذلك لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما # ولهذا نظائر كثيرة عن الصحابة إذا عرفتها تعرف دلالة الكتاب والسنة عن ~~الرجل العظيم القدر تحقيقا لقوله @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول @QE@ ولا يرد هذا النزاع إلا إلى الله والرسول المعصوم المبلغ عن ~~الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى الذي هو الواسطة بين الله ~~وبين عباده PageV21P400 ### ||| فصل # ونذكر هذا على قوله @QB@ أو لامستم النساء @QE@ # المراد به الجماع كما قاله بن عباس رضي الله عنهما وغيره من العرب وهو ~~يروى عن علي رضي الله عنه وغيره وهو الصحيح في معنى الآية وليس في نقض ~~الوضوء من مس النساء لا كتاب ولا سنة وقد كان المسلمون دائما يمسون نساءهم ~~وما نقل مسلم واحد عن النبي أنه أمر أحدا بالوضوء من مس النساء # وقول من قال إنه أراد ما دون الجماع وإنه ينقض الوضوء فقد روي عن بن عمر ~~والحسن باليد وهو قول جماعة من السلف في المس بشهوة والوضوء منه حسن مستحب ~~لإطفاء الشهوة كما يستحب الوضوء من الغضب لإطفائه وأما وجوبه فلا # وأما المس المجرد عن الشهوة فما أعلم للنقض به أصلا عن السلف # وقوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ لم يذكر في القرآن الوضوء ~~PageV21P401 منه بل إنما ذكر التيمم بعد أن أمر المحدث القائم للصلاة ~~بالوضوء وأمر الجنب بالاغتسال فذكر الطهارة بالصعيد الطيب ولا بد أن يبين ~~النوعين # وقوله @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ بيان لتيمم هذا # وقوله @QB@ أو لامستم النساء @QE@ لم يذكر واحدا منهما لبيان طهارة الماء # إذا كان قد عرف أصل ms6414 هذا فقوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ ~~وقوله @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ فالآية ليس فيها إلا أن اللامس إذا ~~لم يجد الماء يتيمم فكيف يكون هذا من الحدث الأصغر يأمر من مس المرأة أن ~~يتيمم وهو لم يأمره أن يتوضأ فكيف يأمر بالتيمم من لم يأمره بالوضوء وهو ~~إنما أمر بالتيمم من أمره بالوضوء والاغتسال ونظير هذا يطول ومن تدبر الآية ~~قطع بأن هذا هو المراد ### ||| فصل # ودلت الآية على أن المسافر يجامع أهله وإن لم يجد الماء ولا يكره له ذلك ~~كما قاله الله في الآية وكما دلت عليه الأحاديث حديث أبي ذر وغيره ~~PageV21P402 ### ||| فصل # وقوله @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون @QE@ ~~دليل على أن التيمم مطهر كالماء سواء # وكذلك ثبت في صحيح السنة أن النبي قال الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم ~~يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير رواه الترمذي ~~وصححه ورواه أبو داود والنسائي # وفي الصحيح عنه قال جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا # وهو جعل التراب طهورا في طهارة الحدث وطهارة الجنب كما قال في حديث أبي ~~سعيد إذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما فإن كان بهما أذى أو ~~خبث فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور وقال في حديث أم سلمة ~~PageV21P403 ذيل المرأة يطهره ما بعده # فدل على أن التيمم مطهر يجعل صاحبه طاهرا كما يجعل الماء مستعمله في ~~الطهارة طاهرا إن لم يكن جنبا ولا محدثا فمن قال إن المتيمم جنب أو محدث ~~فقد خالف الكتاب والسنة بل هو متطهر # وقوله في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أصليت بأصحابك وأنت جنب ~~استفهام أي هل فعلت ذلك فأخبره عمرو رضي الله عنه أنه لم يفعله بل تيمم ~~لخوفه أن يقتله البرد فسكت عنه وضحك ولم يقل شيئا # فإن قيل إن هذا إنكار عليه أنه صلى مع الجنابة فإنه يدل على أن ms6415 الصلاة مع ~~الجنابة لا تجوز فإنه لم ينكر ما هو منكر فلما أخبره أنه صلى بالتيمم دل ~~على أنه لم يصل وهو جنب # فالحديث حجة على من احتج به وجعل المتيمم جنبا ومحدثا والله يقول @QB@ ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر والمتيمم قد ~~تطهر بنص الكتاب والسنة فكيف يكون جنبا PageV21P404 غير متطهر لكنها طهارة ~~بدل فإذا قدر على الماء بطلت هذه الطهارة وتطهر بالماء حينئذ لأن البول ~~المتقدم جعله محدثا والصعيد جعله مطهرا إلى أن يجد الماء فإن وجد الماء فهو ~~محدث بالسبب المتقدم لا أن الحدث كان مستمرا # ثم من قال التيمم مبيح لا رافع فإن نزاعه لفظي فإنه إن قال إنه يبيح ~~الصلاة مع الجنابة والحدث وإنه ليس بطهور فهو يخالف النصوص والجنابة محرمة ~~للصلاة فيمتنع أن يجتمع المبيح والمحرم على سبيل التمام فإن ذلك يقتضي ~~اجتماع الضدين والمتيمم غير ممنوع من الصلاة فالمنع ارتفع بالاتفاق وحكم ~~الجنابة المنع فإذا قيل بوجوده بدون مقتضاها وهو المنع فهذا نزاع لفظي ### ||| فصل # وفي الآية دلالة على أن المتخلي لا يجب عليه غسل فرجه بالماء إنما يجب ~~الماء في طهارة الحدث بسبيله على أن إزالة النجو والخبث لا يتعين لها الماء ~~فإنه على ذلك تدل النصوص إذ كان النبي أمر فيها تارة بالماء وتارة بغير ~~الماء كما قد بسط في مواضع PageV21P405 # إذ المقصود هنا التنبيه على ما دلت عليه الآية فإن قوله @QB@ أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ نص في أنه عند ~~عدم الماء يصلي وإن تغوط بلا غسل # وقد ثبت في السنة أنه يكفيه ثلاثة أحجار وأما مع العذر فإنه قال @QB@ إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ وهذا يتناول كل قائم وهو يتناول من جاء من ~~الغائط كما يتناول من خرجت منه الريح فلو كان غسل الفرجين بالماء واجبا على ~~القائم إلى الصلاة لكان واجبا كوجوب غسل الأعضاء الأربعة # والقرآن يدل على أنه لا يجب عليه إلا ما ذكره ms6416 من الغسل والمسح وهو يدل ~~على أن المتوضئ والمتيمم متطهر والفرجان جاءت السنة بالاكتفاء فيهما ~~بالاستجمار # وقوله تعالى @QB@ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين @QE@ يدل ~~على أن الاستنجاء مستحب يحبه الله لا أنه واجب بل لما كان غير هؤلاء من ~~المسلمين لا يستنجون بالماء ولم يذمهم على ذلك بل أقرهم ولكن خص هؤلاء ~~بالمدح دل على جواز ما فعله غير هؤلاء وأن فعل هؤلاء أفضل وأنه مما فضل ~~الله به الناس بعضهم على بعض PageV21P406 ### || 1 ( رسالة في الترتيب والموالاة في العبادات والعقود ) 1 # ! 8 < فصل # الترتيب في الوضوء وغيره من العبادات والعقود النزاع فيه مشهور # فمذهب الشافعي وأحمد يجب ومذهب مالك وأبي حنيفة لا يجب وأحمد قد نص على ~~وجوبه نصوصا متعددة ولم يذكر المتقدمون كالقاضي ومن قبله عنه نزاعا # قال أبو محمد لم أر عنه فيه خلافا # قال وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد أنه غير واجب # قلت هذه أخذت من نصه في القبضة للاستنشاق فلو أخر غسلها إلى ما بعد غسل ~~الرجلين ففيه عن أحمد روايتان منصوصتان فإنه قال في إحدى الروايتين إنه لو ~~نسيهما حتى صلى تمضمض واستنشق وأعاد الصلاة ولم يعد الوضوء لما في السنن عن ~~المقدام بن معدي كرب أنه أتى بوضوء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم ~~غسل ذراعيه ثلاثا ثم تمضمض واستنشق PageV21P407 # فغير أبي الخطاب فرق بينهما وبين غيرهما بأن الترتيب إنما يجب فيما ذكر ~~في القرآن وهما ليسا في القرآن # وأبو الخطاب ومن تبعه رأوا هذا فرقا ضعيفا # فإن الأنف والفم لو لم يكونا من الوجه لما وجب غسلهما ولهذا خرج الأصحاب ~~أنهما من الوجه كما قال الخرقي وغيره والفم والأنف من الوجه ولأن النبي كان ~~يستفتح بهما غسل الوجه يبدأ بغسل ما بطن منه وقدم المضمضة لأن الفم أقرب ~~إلى الظاهر من الأنف ولهذا كان الأمر به أوكد وجاءت الأحاديث الصحيحة ~~بالأمر به ثم كان النبي يغسل سائر الوجه # فإذا قيل بوجوبهما مع النزاع فهما كسائر ms6417 ما نوزع فيه مثل البياض الذي بين ~~العذار والأذن فمالك وغيره يقول ليس من الوجه وفي النزعتين والتحذيف ثلاثة ~~أوجه # قيل هما من الرأس وقيل من الوجه # والصحيح أن النزعتين من الرأس والتحذيف من الوجه فلو نسي ذلك فهو كما لو ~~نسي المضمضة والاستنشاق # فتسوية أبي الخطاب أقوى PageV21P408 # وعلى هذا فأحمد إنما نص على من ترك ذلك ناسيا ولهذا قيل له نسي المضمضة ~~وحدها فقال الاستنشاق عندي أوكد يعني إذا نسي ذلك وصلى قال يغسلهما ويعيد ~~الصلاة والإعادة إذا ترك الاستنشاق عنده أوكد للأمر به في الأحاديث الصحيحة ~~وكذلك الحديث المرفوع فإن جميع من نقل وضوء النبي أخبروا أنه بدأ بهما # وهذا حكى فعلا واحدا فلا يمكن الجزم بأنه كان متعمدا # وحينئذ فليس في تأخيرهما عمدا سنة بل السنة في النسيان فإن النسيان متيقن ~~فإن الظاهر أنه كان ناسيا إذا قدر الشك فإذا جاز مع التعمد فمع النسيان ~~أولى فالناسي معذور بكل حال بخلاف المتعمد وهو القول الثالث وهو الفرق بين ~~المتعمد لتنكيس الوضوء وبين المعذور بنسيان أو جهل وهو أرجح الأقوال وعليه ~~يدل كلام الصحابة وجمهور العلماء # وهو الموافق لأصول المذهب في غير هذا الموضع وهو المنصوص عن أحمد في ~~الصورة التي خرج منها أبو الخطاب # فمن ذلك إذا أخل بالترتيب بين الذبح والحلق فإن الجاهل يعذر بلا خلاف في ~~المذهب وأما العالم المتعمد فعنه روايتان PageV21P409 والسنة إنما جاءت عن ~~النبي كان يسأل عن ذلك فيقول افعل ولا حرج لأنهم قدموا وأخروا بلا علم لم ~~يتعمدوا المخالفة للسنة وإلا فالقرآن قد جاء بالترتيب لقوله @QB@ ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله @QE@ وقال النبي إني قلدت هديي ولبدت ~~رأسي فلا أحل وأحلق حتى أنحر # وقوله @QB@ ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ ~~أدل على الترتيب من قوله @QB@ إن الصفا والمروة من شعائر الله @QE@ # لكن يقال قد فرقوا بأن هذه عبادة واحدة مرتبط بعضها ببعض وتلك عبادات ~~كالحج والعمرة والصلاة والزكاة # وهكذا فرق أبو بكر عبد العزيز بين الوضوء وغيره ms6418 فقال ذاك كله من الحج ~~الدماء والذبح والحلق والطواف والحج عبادة واحدة ولهذا متى وطىء قبل التحلل ~~الأول فسد الحج عند الجمهور وهل يحصل كالدم وحده أو كالدم والحلق على ~~روايتين # ومنها إذا نسي بعض آيات السورة في قيام رمضان فإنه لا يعيدها ولا يعيد ما ~~بعدها مع أنه لو تعمد تنكيس آيات السورة PageV21P410 وقراءة المؤخر قبل ~~المقدم لم يجز بالاتفاق وإنماالنزاع في ترتيب السور نص على ذلك أحمد وحكاه ~~عن أهل مكة سئل عن الإمام في شهر رمضان يدع الآيات من السورة ترى لمن خلفه ~~أن يقرأها قال نعم ينبغي له أن يفعل قد كانوا بمكة يوكلون رجلا يكتب ما ترك ~~الإمام من الحروف وغيرها فإذا كان ليلة الختمة أعاده # قال الأصحاب كأبي محمد وإنما استحب ذلك لتتم الختمة ويكمل الثواب # فقد جعل أهل مكة وأحمد وأصحابه إعادة المنسي من الآيات وحده يكمل الختمة ~~والثواب وإن كان قد أخل بالترتيب هنا فإنه لم يقرأ تمام السورة وهذا مأثور ~~عن علي رضي الله عنه أنه نسي آية من سورة ثم في أثناء القراءة قرأها وعاد ~~إلى موضعه ولم يشعر أحد أنه نسي إلا من كان حافظا # فهكذا من ترك غسل عضو أو بعضه نسيانا يغسله وحده ولا يعيد غسل ما بعده ~~فيكون قد غسله مرتين فإن هذا لا حاجة إليه # وهذا التفصيل يوافق ما نقل عن الصحابة والأكثرين فإن الأصحاب وغيرهم ~~فعلوا كما نقله بن المنذر عن علي ومكحول والنخعي PageV21P411 والزهري ~~والأوزاعي فيمن نسي مسح رأسه فرأى في لحيته بللا فمسح به رأسه فلم يأمروه ~~بإعادة غسل رجليه واختاره بن المنذر # وقد نقل عن علي وبن مسعود ما أبالي بأي أعضائي بدأت قال أحمد إنما عنى به ~~اليسرى على اليمنى لأن مخرجهما من الكتاب واحد # ثم قال أحمد حدثني جرير عن قابوس عن أبيه أن عليا سئل فقيل له أحدنا ~~يستعجل فيغسل شيئا قبل شيء فقال لا حتى يكون كما أمره الله تعالى فهذا الذي ~~ذكره أحمد عن علي يدل ms6419 على وجوب الترتيب # وما نقله بن المنذر في صورة النسيان يدل على أن الترتيب يسقط مع النسيان ~~ويعيد المنسي فقط # فدل على أن التفصيل قول علي رضي الله عنه # وقد ذكر من أسقطه مطلقا ما روي عن بن مسعود رضي الله عنه أنه قال لا بأس ~~أن تبدأ برجليك قبل يديك # لكن قال أحمد وغيره لا نعرف لهذا أصلا ونقلوا في الوجوب PageV21P412 عن ~~سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وهؤلاء أئمة التابعين # وصورة النسيان مرادة قطعا فتبين أنها قول جمهور السلف أو جميعهم # والأمر المنكر أن تتعمد تنكيس الوضوء فلا ريب أن هذا مخالف لظاهر الكتاب ~~مخالف للسنة المتواترة فإن هذا لو كان جائزا لكان قد وقع أحيانا أو تبين ~~جوازه كما في ترتيب التسبيح لما قال النبي أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن ~~من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك ~~بأيتهن بدأت # ومما يدل على ذلك شرعا ومذهبا أن من نسي صلاة صلاها إذا ذكرها بالنص # وقد سقط الترتيب هنا في مذهب أحمد بلا خلاف ومذهب أبي حنيفة وغيره # ولكن حكي عن مالك أنه لا يسقط وقاسوا ذلك على ترتيب الطهارة PageV21P413 # وقول النبي من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها نص في أنه يصليها ~~في أي وقت ذكر وليس عليه غير ذلك # وقد سلم الأصحاب أن ترتيب الجمع لا يسقط بالنسيان # وعموم الحديث يدل على سقوطه فلو كانت المنسية هي الأولى من صلاتي الجمع ~~أعادها وحدها بموجب النص ومن أوجب إعادة الثانية فقد خالف # وكذلك يقال في سائر أهل الأعذار كالمسبوق إذا أدركهم في الثانية صلاها ~~معهم ثم صلى الأولى كما لو أدرك بعض الصلاة وليس ترتيب صلاته على أول ~~الصلاة بأعظم من ترتيب آخر الصلاة على أولها # وإذا كان هكذا سقط ما أدرك ويقضي ما سقط فهذا في الصلاتين أولى لا سيما ~~وهو إذا لم يدرك من المغرب إلا تشهدا تشهد ثلاث تشهدات كما في حديث بن ~~مسعود المشهور في ms6420 قصة مسروق وحديثه # وهذا أصل ثابت بالنص والإجماع يعتبر به نظائره وهو سقوط الترتيب عن ~~المسبوق PageV21P414 # وكانوا في أول الإسلام لا يرتبون فيصلون ما فاتهم ثم يصلون مع الإمام لكن ~~نسخ ذلك وقد روي أن أول من فعله معاذ فقال النبي قد سن لكم معاذ فاتبعوه # والأئمة الأربعة على أنه يقرأ في ركعتي القضاء بالحمد وسورة # وكذلك لو أدرك الإمام ساجدا سجد معه بالنص واتفاق الأئمة # فقد سجد قبل القيام لمتابعة الإمام وإن لم يعتد به لكنه لو فعل هذا عمدا ~~لم يجز فلو كبر وسجد ثم قام لم تصح صلاته # لكن هذا يستدل به على أن الركعة الواحدة يجب فيها الترتيب فإن هذا السجود ~~ولو ضم إليه بعد السلام ركوعا مجردا لم يصر ذلك ركعة بل عليه أن يأتي بركعة ~~بعدها سجدتان لأنه أخل بالترتيب والموالاة # فكذلك إذا نسي الركوع حتى تشهد وسلم ففيه قولان في المذهب هل تبطل صلاته ~~والمنصوص إن لم يطل الفصل بني على ما مضى وهو قول الشافعي رحمه الله وغيره # وذهب طائفة من العلماء إلى سقوط الموالاة والترتيب في الصلاة PageV21P415 ~~مع النسيان فقال مكحول ومحمد بن أسلم في المصلي ينسى سجدة أو ركعة يصليها ~~متى ما ذكرها ويسجد للسهو وقال الأوزاعي لرجل نسي سجدة من صلاة الظهر ~~فذكرها في صلاة العصر يمضي في صلاته فإذا فرغ سجد # ويدل على هذا القول أحاديث سجود السهو فإنها تدل على أنه يتم الصلاة ثم ~~يسجد للسهو ولو مع طول الفصل # وأما المسبوق فالسجود الذي فعله مع الإمام كان لمتابعة الإمام ولهذا قال ~~النبي لأبي بكرة زادك الله حرصا ولا تعد وهو متمكن من أن يأتي بالركعة بعد ~~السلام فلا عذر له حتى وإذا نسي ركنا من الأولى حتى شرع في الثانية ففيها ~~قولان # مالك وأحمد لا يقولان بالتلفيق بل تلغو المنسي ركنها وتقوم هذه مقامها ~~ولكن هل يكون ذلك بالقراءة أو بالركوع فيه نزاع # والشافعي يقول ما فعله بعد الركوع المنسي فهو لغو لأن فعله في غير ms6421 محله ~~لا أن يفعل نظيره في الثانية فيكون هو تمام الأول PageV21P416 كما لو سلم ~~من الصلاة ثم ذكر فإن السلام يقع لغوا # فأحمد ومالك يقولان هو إنما يقصد بما فعله أن يكون من الركعة الثانية لم ~~يقصد أن يكون من الأولى وهو إذا قرأ أو ركع في الركعة الثانية أمكن أن ~~يجعلها هي الأولى فإن الترتيب بين الركعات يسقط بالعذر فلا وجه لإبطال هذه ~~ولا يكون فاعلا له في غير محله إلا إذا جعلت هذه ثانية فإذا جعلت الأولى ~~كان قد فعله في محله # وإذا قيل هو قصد الثانية قبل وقصد بالسجود فيها السجود في الثانية لرعاية ~~ترتيبه في أبعاض الركعة بأن لا يجعل بعضها في ركعة غيرها أولى من رعايتها ~~في الركعتين فإن جعل الأولى ثانية يجوز للعذر كما في المسبوق وأما جعل سجود ~~الثانية تماما للأولى فلا نظير له في الشرع وبسط هذا له مكان آخر # والمقصود هنا سقوط الترتيب في الوضوء بالنسيان وكذلك سقوط الموالاة كما ~~هو قول مالك وكذلك بغير النسيان من الأعذار مثل بعد الماء كما نقل عن بن ~~عمر فإن الصلاة نفسها إذا جاز فيها عدم الموالاة للعذر فالوضوء أولى بدليل ~~صلاة الخوف في حديث بن عمر وأحاديث سجود السهو PageV21P417 # وأما حديث صاحب اللمعة التي كانت في ظهر قدمه فمثل هذا لا ينسى فدل أنه ~~تركها تفريطا # والموالاة في غسل الجنابة لا تجب للحديث الذي فيه أنه رأى في بدنه موضعا ~~لم يصبه الماء فعصر عليه شعره # والأصحاب فرقوا بينه وبين الوضوء فإنه لا يجب ترتيبه فكذلك الموالاة ~~ومالك يوجب الموالاة وإن لم يوجب الترتيب في الوضوء # وأما في الغسل فالبدن كعضو واحد والعضو الواحد لا ترتيب فيه بالاتفاق ~~وأما تعمد تفريق الغسل فهو كتعمد تفريق غسل العضو الواحد لكن فرق بينهما ~~فإن غسل الجنابة كإزالة النجاسة لا يتعدى حكم الماء محله بخلاف الوضوء فإن ~~حكمه طهارة جميع البدن والمغسول أربعة أعضاء وهذا محل نظر والجنب إذا وجد ~~بعض ما يكفيه استعمله وأما المتوضئ ms6422 ففيه قولان للأصحاب ومن جوز ذلك جعل ~~الوضوء يتفرق للعذر وجعل ما غسل يحصل به بعض الطهارة وكذلك الماسح على ~~الخفين إذا خلعهما هل يقتصر على مسح الرجلين أو يعيد الوضوء فيه قولان هما ~~روايتان # وقد قيل إن المأخذ هو الموالاة وقيل إن المأخذ أن PageV21P418 الوضوء لا ~~ينتقض فإذا عاد الحدث إلى الرجل عاد إلى جميع الأعضاء وهذا عند العذر فيه ~~نزاع كما تقدم # وقد يكون الترتيب شرطا لا يسقط بجهل ولا نسيان كما في الحديث الصحيح من ~~ذبح قبل الصلاة فإنما هو شاة لحم فالذبح للأضحية مشروط بالصلاة قبله وأبو ~~بردة بن نيار رضي الله عنه كان جاهلا فلم يعذره بالجهل بل أمره بإعادة ~~الذبح بخلاف الذين قدموا في الحج الذبح على الرمي أو الحلق على ما قبله ~~فإنه قال افعل ولا حرج فهاتان سنتان سنة في الأضحية إذا ذبحت قبل الصلاة ~~أنها لا تجزئ وسنة في الهدي إذا ذبح قبل الرمي جهلا أجزأ # والفرق بينهما والله أعلم أن الهدي صار نسكا بسوقه إلى الحرم وتقليده ~~وإشعاره فقد بلغ محله في المكان والزمان فإذا قدم جهلا لم يخرج عن كونه ~~هديا وأما الأضحية فإنها قبل الصلاة لا تتميز عن شاة اللحم كما قال النبي ~~من ذبح قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم قدمها لأهله وإنما هي نسك بعد الصلاة ~~كما قال تعالى @QB@ فصل لربك وانحر @QE@ وقال @QB@ إن صلاتي ونسكي @QE@ ~~فصار فعله قبل هذا الوقت كالصلاة قبل وقتها PageV21P419 # فهذا وقت الأضحية وقته بعد فعل الصلاة كما بين الرسول ذلك في الأحاديث ~~الصحيحة وهو قول الجمهور من العلماء مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم ~~وإنما قدر وقتها بمقدار الصلاة الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد كالخرقي # وفي الأضحية يشترط في أحد القولين أن يذبح بعد الإمام وهو قول مالك وأحد ~~القولين في مذهب أحمد ذكره أبو بكر والحجة فيه حديث جابر في الصحيح # وقد قيل إن قوله @QB@ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله @QE@ نزلت في ذلك ~~وكذلك في الإفاضة من ms6423 عرفة قبل الإمام قولان في مذهب أحمد يجب فيه دم فهذا ~~عند من يوجبه بمنزلة اتباع المأموم الإمام في الصلاة ### ||| فصل # وما ذكره من نصه على قراءة ما نسي يدل على أن الترتيب يسقط بالنسيان في ~~القراءة وقد ذكر أحمد وأصحابه أن موالاة الفاتحة واجبة وإذا تركها لعذر ~~نسيان قالوا واللفظ لأبي محمد وإن كثر ذلك أي الفصل استأنف قراءتها إلا أن ~~يكون المسكوت PageV21P420 مأمورا به كالمأموم يشرع في قراءة الفاتحة ثم ~~يسمع قراءة الإمام فينصت له ثم إذا سكت الإمام أتم قراءتها وأجزأته أومأ ~~إليه أحمد وكذلك إن كان السكوت نسيانا أو نوبا أو لانتقاله إلى غيرها غلطا ~~لم تبطل فإذا ذكر أتى بما بقي منها فإن تمادى فيما هو فيه بعد ذكرها أبطلها ~~ولزمه استئنافها قال وإن قدم آية منها في غير موضعها أبطلها وإن كان غلطا ~~رجع إلى موضع الغلط فأتمها # فلم يسقطوا الترتيب بالعذر كما أسقطوا الموالاة فإن الموالاة أخف فإنه لو ~~قرأ بعض سورة اليوم وبعضها غدا جاز ولو نكسها لم يجز # ويفرق في الترتيب بين الكلام المستقل الذي إذا أتي به وحده كان مما يسوغ ~~تلاوته وبين ما هو مرتبط بغيره فلو قال @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ ~~لم يكن هذا كلاما مفيدا حتى يقول @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم @QE@ ولو قال @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ثم قال @QB@ ~~الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم @QE@ كان مفيدا لكن مثل هذا لا يقع ~~فيه أحد ولا يبتدئ أحد الفاتحة بمثل ذلك لا عمدا ولا غلطا وإنما يقع الغلط ~~فيما يحتاج فيه إلى الترتيب فهذا فرق بين ما ذكروه فيما ينسى من الفاتحة ~~وما ينسى من الختمة PageV21P421 ### ||| فصل # ومما يبين أن الترتيب يسقط إذا احتاج إلى التكرار بلا تفريط من الإنسان ~~أن التيمم يجزئ بضربة واحدة كما دل عليه الحديث الصحيح حديث عمار بن ياسر ~~رضي الله عنهما وهو مذهب أحمد بلا خلاف وهو في الصحيحين من حديث أبي موسى ~~ومن حديث بن أبزى # ففي حديث ms6424 بن أبزى إنما كان يكفيك هكذا فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم ~~مسح بهما وجهه وكفيه وكذلك لمسلم في حديث أبي موسى إنما كان يكفيك أن تقول ~~هكذا وضرب بيديه إلى الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه وللبخاري ومسح وجهه ~~وكفيه مرة واحدة # وقد اختلف الأصحاب في هذه الصفة # فقيل يرتب فيمسح وجهه ببطون أصابعه وظاهر يديه براحته # وقيل لا يجب ذلك بل يمسح بهما وجهه وظاهر كفيه PageV21P422 # وعلى الوجهين لا يؤخر مسح الراحتين إلى ما بعد الوجه بل يمسحهما إما قبل ~~الوجه وإما مع الوجه وظهور الكفين ولهذا قال بن عقيل رأيت التيمم بضربة ~~واحدة قد أسقط ترتيبا مستحقا في الوضوء وهو أنه بعد أن مسح باطن يديه مسح ~~وجهه # وفي الصحيحين من حديث عمار بن ياسر من طريق أبي موسى رضي الله عنهما قال ~~إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح ~~الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه لفظ البخاري وضرب بكفيه ضربة على الأرض ~~ثم نفضهما ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه # وهذا صريح في أنه لم يمسح الراحتين بعد الوجه ولا يختلف مذهب أحمد أن ذلك ~~لا يجب وأما ظهور الكفين فرواية البخاري صريحة في أنه مر على ظهر الكف قبل ~~الوجه وقوله في الرواية الأخرى وظاهر كفيه يدل على أنه مسح ظاهر كل منهما ~~براحة اليد الأخرى وقال فيها ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه قبل ~~الوجه # وقال أبو محمد فرض الراحتين سقط بإمرار كل واحدة على ظهر PageV21P423 ~~الكف وهذا إنما يوجب سقوط فرض باطن الراحة وأما باطن الأصابع فعلى ما ذكره ~~سقط مع الوجه # وعلى كل حال فباطن اليدين يصيبهما التراب حين يضرب بهما الأرض وحين يمسح ~~بهما الوجه وظهر الكفين وإن مسح إحداهما بالأخرى فهو ثلاث مرات # ولو كان الترتيب واجبا لوجب أن يمسح باطنهما بعد الوجه وهذا لا يمكن مع ~~القول بضربة واحدة ولو فعل ذلك للزم ms6425 تكرار مسحهما مرة بعد مرة فسقط لذلك ~~فإن التيمم لا يشرع فيه التكرار بخلاف الوضوء فإنه وإن غسل يديه ابتداء ~~وأخذ بهما الماء لوجهه فهو بعد الوجه يغسلهما إلى المرفقين وهو يأخذ الماء ~~بهما فيتكرر غسلهما لأن الوضوء يستحب فيه التكرار في الجملة لأنه طهارة ~~بالماء ولكن لو لم يغسل كفيه بعد غسل الوجه فهو محل نظر فإنه يغرف بهما ~~الماء وقد قالوا إذا نوى الاغتراف لم يصر الماء مستعملا وإن نوى غسلهما فيه ~~صار مستعملا وإن لم ينو شيئا ففيه وجهان # والصحيح أنه لا يصير مستعملا وإن نوى غسلهما فيه لمجيء السنة بذلك وهذا ~~يقتضي أن غسلهما بنية الاغتراف لا تحصل به طهارتهما بل لا بد من غسل آخر ~~PageV21P424 # والأقوى أن هذا لا يجب بل غسلهما بنية الاغتراف يجزئ عن تكرار غسلهما كما ~~في التيمم # وأيضا فإنه يغسل ذراعيه بيديه فيكون هذا غسلا لباطن اليد # ولو قيل بل بقي غسلهما ابتداء ومع الوجه يسقط فرضهما كما قيل مثل ذلك في ~~التيمم لكان متوجها فإنه قال في الوضوء @QB@ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق @QE@ كما قال في التيمم @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ ففي ~~الوضوء أخر ذكر اليد # لكن الرواية التي انفرد بها البخاري تبين أنه مسح ظهر الكفين قبل الوجه ~~وسائر الروايات مجملة تقتضي أنه لما مسح لم يمسح الراحتين بعد الوجه فكذلك ~~ظهر الكفين بل مسح ظهرهما مع بطنهما لأن مسحهما جملة أقرب إلى الترتيب فإن ~~مسح العضو الواحد بعضه مع بعض أولى من تفريق ذلك # وأيضا فتكون الراحتان ممسوحتين مع ظهر الكف والاعتداد بذلك أولى من ~~الاعتداد بمسحهما مع الوجه # وما ذكره بعض الأصحاب من انه يجعل الأصابع للوجه وبطون الراحتين لظهور ~~الكفين خلاف ما جاءت به الأحاديث PageV21P425 وليس في كلام أحمد ما يدل ~~عليه وهو متعسر أو متعذر وهو بدعة لا أصل لها في الشرع وبطون الأصابع لا ~~تكاد تستوعب الوجه # وإنما احتاجوا إلى هذا ليجعلوا بعض التراب لظاهر الكفين بعد الوجه # فيقال لهم كما أن الراحتين لا ms6426 يمسحان بعد الوجه بلا نزاع فكذلك ظهر ~~الكفين فإنهم وإن مسحوا ظهر الكفين بالراحتين ببطون الأصابع مسحوا مع الوجه ~~مسح باليدين قبل الوجه كما قال بن عقيل ولهذا اختار المجد أنه لا يجب ~~الترتيب فيه بل يجوز مسح ظهر الكفين قبل الوجه كما دل عليه الحديث الصحيح ~~والحديث الصحيح يدل على أنه يمسح الوجه وظاهر الكفين بذلك التراب وأن مسح ~~ظهر الكفين بما بقي في اليدين من التراب يكفي لظهر الكفين فإن ألفاظ الحديث ~~كلها تتعلق بأنه يمسح وجهه بيديه ومسح اليدين إحداهما بالأخرى لم يجعل بعض ~~باطن اليد للوجه وبعضه للكفين بل بباطن اليدين مسح وجهه ومسح كفيه ومسح ~~إحداهما بالأخرى # وأجاب القاضي ومن وافقه متابعة لأصحاب الشافعي بأنه إذا تيمم لجرح في عضو ~~يكون التيمم فيه عند وجوب غسله فيفصل بالتيمم بين أبعاض الوضوء هذا فعل ~~مبتدع وفيه ضرر عظيم ومشقة لا PageV21P426 تأتي بها الشريعة وهذا ونحوه ~~إسراف في وجوب الترتيب حيث لم يوجبه الله ورسوله والنفاة يجوزون التنكيس ~~لغير عذر وخيار الأمور أوساطها ودين الله بين الغالي والجافي والله أعلم ! ### |||| 8 < وسئل # هل يقوم التيمم مقام الوضوء فيما ذكر أم لا ### ||||| فأجاب # يقوم التيمم مقام الطهارة بالماء فما يبيحه الاغتسال والوضوء من ~~الممنوعات يبيحه التيمم ! ### || 1 ( مسائل في الجنابة ) 1 ### |||| 8 < وسئل أيضا رحمه الله # عن رجل قد أصابته جنابة وهو في بستان ولم يكن عنده إلا ماء بارد ويخاف ~~الضرر على نفسه باستعماله والحمام بعيد منه بحيث إذا وصل إلى الحمام واغتسل ~~خرج الوقت فهل إذا تيمم للجنابة وتوضأ وصلى في الوقت يلزمه إعادة وهل يأثم ~~بذلك أو يأثم إذا تيمم وهل التيمم يقوم مقام الماء فيجوز له التيمم لنافلة ~~ويصلي بها فريضة أو يصلي فريضتين في وقتين بتيمم واحد PageV21P427 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين يجب على كل مسلم أن يصلي الصلوات الخمس في ~~مواقيتها وليس لأحد قط أن يؤخر الصلاة عن وقتها لا لعذر ولا لغير عذر لكن ~~العذر يبيح له شيئين يبيح له ترك ms6427 ما يعجز عنه ويبيح له الجمع بين الصلاتين # فما عجز عنه العبد من واجبات الصلاة سقط عنه قال الله تعالى @QB@ فاتقوا ~~الله ما استطعتم @QE@ وقال تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ ~~@QB@ لا تكلف نفس إلا وسعها @QE@ وقال لما ذكر آية الطهارة @QB@ ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم @QE@ الآية وقد روي في الصحيحين ~~عن النبي أنه قال إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ~~ما استطعتم # فالمريض يصلي على حسب حاله كما قال النبي لعمران بن حصين صل قائما فإن لم ~~تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب وسقط عنه ما يعجز عنه من قيام وقعود أو ~~تكميل الركوع والسجود ويفعل ما يقدر عليه فإن قدر على الطهارة بالماء تطهر ~~وإذا عجز عن ذلك لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله تيمم وصلى ولا إعادة ~~عليه لما يتركه من القيام والقعود باتفاق العلماء وكذلك لا إعادة إذا صلى ~~بالتيمم باتفاقهم ولو كان في بدنه نجاسة PageV21P428 لا يمكنه إزالتها صلى ~~بها ولا إعادة عليه أيضا عند عامة العلماء # ولو لم يجد إلا ثوبا نجسا فقيل يصلي عريانا وقيل يصلي ويعيد وقيل يصلي في ~~الثوب النجس ولا يعيد وهو أصح أقوال العلماء # وكذلك المسافر إذا لم يقدر على استعمال الماء صلى بالتيمم وقيل يعيد في ~~الحضر وقيل يعيد في السفر وقيل لا إعادة عليه لا في الحضر ولا في السفر وهو ~~أصح أقوال العلماء فالصحيح من أقوالهم أنه لا إعادة على أحد فعل ما أمر به ~~بحسب الاستطاعة وإنما يعيد من ترك واجبا يقدر عليه مثل من تركه لنسيانه أو ~~نومه كما قال النبي من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة ~~لها إلا ذلك وقد أمر النبي من توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء من قدمه يعيد ~~الوضوء والصلاة # وما ترك لجهله بالواجب مثل من كان يصلي بلا طمأنينة ولا يعلم أنها واجبة ~~فهذا قد اختلفوا فيه هل عليه الإعادة بعد خروج ms6428 الوقت أو لا على قولين ~~معروفين وهما قولان في مذهب أحمد وغيره والصحيح أن مثل هذا لا إعادة عليه ~~فإن النبي قد ثبت عنه في الصحيح انه قال للأعرابي المسيء في PageV21P429 ~~صلاته اذهب فصل فإنك لم تصل مرتين أو ثلاثا فقال والذي بعثك بالحق لا أحسن ~~غير هذا فعلمني ما يجزيني في صلاتي فعلمه النبي الصلاة بالطمأنينة ولم ~~يأمره بإعادة ما مضى قبل ذلك الوقت مع قوله والذي بعثك بالحق لا أحسن غير ~~هذا ولكن أمره أن يعيد تلك الصلاة لأن وقتها باق فهو مأمور بها أن يصليها ~~في وقتها وأما ما خرج وقته من الصلاة فلم يأمره بإعادته مع كونه قد ترك بعض ~~واجباته لأنه لم يكن يعرف وجوب ذلك عليه # وكذلك لم يأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقضي ما تركه من الصلاة ~~لأجل الجنابة لأنه لم يكن يعرف أنه يجوز الصلاة بالتيمم # وكذلك المستحاضة قالت له إني أستحاض حيضة شديدة منكرة تمنعني الصوم ~~والصلاة فأمرها أن تتوضأ لكل صلاة ولم يأمرها بقضاء ما تركته # وكذلك الذين أكلوا في رمضان حتى تبين لأحدهم الحبال البيض من الحبال ~~السود أكلوا بعد طلوع الفجر ولم يأمرهم بالإعادة فهؤلاء كانوا جهالا ~~بالوجوب فلم يأمرهم بقضاء ما تركوه في حال PageV21P430 الجهل كما لا يؤمر ~~الكافر بقضاء ما تركه في حال كفره وجاهليته بخلاف من كان قد علم الوجوب ~~وترك الواجب نسيانا فهذا أمره به إذا ذكره # وأمر النائم من حين يستيقظ فإنه حين النوم لم يكن مأمورا بالصلاة فلهذا ~~كان النائم إذا استيقظ قرب طلوع الشمس يتوضأ ويغتسل وإن طلعت الشمس عند ~~جمهور العلماء كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك بخلاف من ~~كان مستيقظا والوقت واسع مثل الذي يكون نائما في بستان أو قرية والماء بارد ~~يضره والحمام بعيد منه إن خرج إليه ذهب الوقت فإنه يتيمم ويصلي في الوقت ~~ولا يؤخر الصلاة بعد خروج الوقت # وكذلك لو كان في المصر وقد تعذر عليه دخول الحمام إما لكونه ms6429 لم يفتح أو ~~لبعدها عنه أو لكونه ليس معه ما يعطي الحمامي أجرته ونحو ذلك فإنه يصلي ~~بالتيمم لأن الصلاة بالتيمم فرض إذا عجز عن الماء لعدم أو لخوف الضرر ~~باستعماله ولا إعادة على أحد من هؤلاء ففي كثير من الضرر لا إعادة عليه ~~باتفاق المسلمين كالمريض والمسافر وبعض الضرر تنازع فيه العلماء والصحيح ~~أنه لا إعادة على أحد صلى بحسب استطاعته كما أمر PageV21P431 # فمن صور النزاع من عدم الماء في الحضر ومن تيمم لخشية البرد وكذلك سائر ~~من ترك واجبا لعذر نادر غير متصل فإنه تجب عليه الإعادة عند الشافعي وأحمد ~~في إحدى الروايتين ولا تجب عليه الإعادة عند مالك وأكثر العلماء وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه # وإذا فوت الصلاة حتى خرج الوقت بأن يؤخر صلاة الليل إلى النهار والنهار ~~إلى الليل فإنه يأثم بذلك كما قال النبي في الحديث الصحيح من فاتته صلاة ~~العصر فكأنما وتر أهله وماله وقد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة في بعض ~~الأوقات كحال المسايفة كقول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين # والذي عليه أكثر العلماء أنه لا يجوز تأخير الصلاة بحال وهو قول مالك ~~والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه لكن يجوز الجمع بين الصلاتين لعذر عند أكثر ~~العلماء كما جمع النبي بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بمزدلفة ~~والجمع في هذين الموضعين ثابت بالسنة المتواترة واتفاق العلماء وكذلك ثبت ~~في الصحيح عن النبي أنه كان يجمع في السفر إذا جد به السير وأنه صلى ~~بالمدينة ثمانيا جمعا الظهر والعصر وسبعا المغرب والعشاء أراد بذلك أن لا ~~يحرج أمته لقوله تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ ~~PageV21P432 # فلهذا كان مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء كطائفة من أصحاب مالك وغيره ~~أنه يجوز الجمع بين الصلاتين إذا كان عليه حرج في التفريق فيجمع بينهما ~~المريض وهو مذهب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي ويجوز الجمع بين المغرب ~~والعشاء في المطر عند الجمهور كمالك والشافعي وأحمد وقال أحمد يجمع إذا كان ~~له شغل وقال القاضي ms6430 أبو يعلى إذا كان له عذر يبيح له ترك الجمعة والجماعة ~~جاز الجمع # فمذهب فقهاء الحجاز وفقهاء الحديث كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ~~بن راهويه وأبي ثو ر وبن المنذر وغيرهم يجوز الجمع بين الصلاتين في الجملة ~~ولا يجوز التفويت بأن يؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار # ومذهب طائفة من فقهاءالكوفة كأبي حنيفة وغيره أنه لا يجوز الجمع إلا ~~بعرفة ومزدلفة وكذلك إذا تعذر فعلها في الوقت أخرها عن الوقت وقول من أمر ~~بالجمع بين الصلاتين من غير تفويت أرجح من قول من أمر بالتفويت ولم يأمر ~~بالجمع فإن الكتاب والسنة يدلان على أن الله أمر بفعل الصلاة في وقتها وأمر ~~بالمحافظة عليها كما قال تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~@QE@ هذه نزلت PageV21P433 ناسخة لتأخير الصلاة يوم الخندق وقال النبي صلوا ~~الصلاة لوقتها # وقد دل الكتاب والسنة على أن المواقيت خمسة في حال الاختيار وهي ثلاثة في ~~حال العذر ففي حال العذر إذا جمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر وبين ~~المغرب والعشاء فإنما صلى الصلاة في وقتها لم يصل واحدة بعد وقتها ولهذا لم ~~يجب عليه عند أكثر العلماء أن ينوي الجمع ولا ينوي القصر وهذا قول مالك ~~وأبي حنيفة وأحمد في نصوصه المعروفة وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز # ولهذا كان عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد إذا طهرت الحائض في ~~آخر النهار صلت الظهر والعصر جميعا وإذا طهرت في آخر الليل صلت المغرب ~~والعشاء جميعا كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وبن عباس لأن ~~الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر فإذا طهرت في آخر النهار فوقت الظهر ~~باق فتصليها قبل العصر وإذا طهرت في آخر الليل فوقت المغرب باق في حال ~~العذر فتصليها قبل العشاء # ولهذا ذكر الله المواقيت تارة خمسا ويذكرها ثلاثا تارة PageV21P434 كقوله ~~@QB@ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل @QE@ الآية وهو وقت المغرب ~~والعشاء وكذلك قال الله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ~~وقرآن ms6431 الفجر @QE@ والدلوك هو الزوال وغسق الليل هو اجتماع ظلمة الليل وهذا ~~يكون بعد مغيب الشفق فأمر الله بالصلاة من الدلوك إلى الغسق فرض في ذلك ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء ودل ذلك على أن هذا كله وقت الصلاة فمن ~~الدلوك إلى المغرب وقت الصلاة ومن المغرب إلى غسق الليل وقت الصلاة وقال ~~@QB@ وقرآن الفجر @QE@ لأن الفجر خصت بطول القراءة فيها ولهذا جعلت ركعتين ~~في الحضر والسفر فلا تقصر ولا تجمع إلى غيرها فإنه عوض بطول القراءة فيها ~~عن كثرة العدد ### ||| فصل # وأما التيمم لكل صلاة ولوقت كل صلاة ولا يصلي الفرض بالتيمم للنافلة لأن ~~التيمم طهارة ضرورية والحكم المقدر بالضرورة مقدر بقدرها فلا يتيمم قبل ~~الوقت ولا يبقى بعده وهو مبيح للصلاة لا رافع للحدث لأنه إذا قدر على ~~استعمال الماء استعمله من غير تجدد حدث فعلم أن الحدث كان باقيا وإنما أبيح ~~للضرورة PageV21P435 فلا يستبيح إلا ما نواه فهذا هو المشهور من مذهب مالك ~~والشافعي وأحمد # وقيل بل التيمم يقوم مقام الماء مطلقا يستبيح به كما يستباح بالماء ~~ويتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة ~~الماء بعده وإذا تيمم لنافلة صلى به الفريضة كما أنه إذا توضأ لنافلة صلى ~~به الفريضة وهذا قول كثير من أهل العلم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في ~~الرواية الثانية وقال أحمد هذا هو القياس # وهذا القول هو الصحيح وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار فإن الله جعل ~~التيمم مطهرا كما جعل الماء مطهرا فقال تعالى @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم @QE@ الآية فأخبر تعالى أنه يريد أن يطهرنا بالتراب كما يطهرنا ~~بالماء # وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال فضلنا على الناس بخمس جعلت صفوفنا ~~كصفوف الملائكة وأحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا وفي لفظ فأيما رجل أدركته الصلاة من أمتي فعنده مسجده وطهوره ~~PageV21P436 وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت ms6432 إلى الناس عامة وفي صحيح ~~مسلم عن حذيفة أنه قال فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ~~وجعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها لنا طهورا # فقد بين أن الله جعل الأرض لأمته طهورا كما جعل الماء طهورا # وعن أبي ذر قال قال النبي الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر ~~سنين فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك فإن ذلك خير قال الترمذي حديث حسن صحيح ~~فأخبر أن الله جعل الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين # فمن قال أن التراب لا يطهر من الحدث فقد خالف الكتاب والسنة وإذا كان ~~مطهرا من الحدث امتنع أن يكون الحدث باقيا مع أن الله طهر المسلمين بالتيمم ~~من الحدث فالتيمم رافع للحدث مطهر لصاحبه لكن رفع موقت إلى أن يقدر على ~~استعمال الماء فإنه بدل عن الماء فهو مطهر ما دام الماء متعذرا كما أن ~~الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها وكان ملك صاحبها ملكا مؤقتا إلى ~~ظهور المالك فإنه PageV21P437 كان بدلا عن المالك فإذا جاء صاحبها خرجت عن ~~ملك الملتقط إلى ملك صاحبها وما ثبت بنص أو إجماع لا يطلب له نظير يقاس به ~~وإنما يطلب النظير لما لا نعلمه إلا بالقياس والاعتبار فيحتاج أن نعتبره ~~بنظير وأما ما شرعه الله ورسوله فعلينا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا ~~نطلب لذلك نظيرا مع أن الاعتبار يوافق النص كما قال أحمد القياس أن تجعل ~~التراب كالماء # وعلى هذا القول الصحيح يتيمم قبل الوقت إن شاء ويصلي ما لم يحدث أو يقدر ~~على استعمال الماء وإذا تيمم لنفل صلى به فريضة ويجمع بالتيمم الواحد بين ~~فرضين ويقضي به الفائت # وأصحاب القول الآخر احتجوا بآثار منقولة عن بعض الصحابة وهي ضعيفة لا ~~تثبت ولا حجة في شيء منها ولو ثبتت وقول القائل إنها طهارة ضرورية فتقدر ~~بقدر الحاجة قيل له نعم والإنسان محتاج أن لا يزال على طهارة فيتطهر قبل ~~الوقت فإنه محتاج إلى زيادة الثواب ولهذا ms6433 يصلي النافلة بالتيمم باتفاق ~~المسلمين وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه تيمم لرد السلام في الحضر وقال ~~إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر فدل على أن التيمم يكون مستحبا تارة ~~وواجبا أخرى أي يتيمم في وقت لا يكون التيمم واجبا عليه أن يتيمم وإن كان ~~شرطا للصلاة والتيمم PageV21P438 قبل الوقت مستحب كما أن الوضوء قبل الوقت ~~مستحب # وأصح أقوال العلماء أنه يتيمم لكل ما يخاف فوته كالجنازة وصلاة العيد ~~وغيرهما مما يخاف فوته فإن الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة كما أن صلاة ~~التطوع بالتيمم خير من تفويته ولهذا يتيمم للتطوع من كان له ورد في الليل ~~يصليه وقد أصابته جنابة والماء بارد يضره فإذا تيمم وصلى التطوع وقرأ ~~القرآن بالتيمم كان خيرا من تفويت ذلك # فقول القائل إنه حكم مقيد بالضرورة فيقدر بقدرها إن أراد به أن لا يفعل ~~إلا عند تعذر الماء فهو مسلم وإن أراد به أنه لا يجوز التيمم إلا إذا كان ~~التيمم واجبا فقد غلط فإن هذا خلاف السنة وخلاف إجماع المسلمين بل يتيمم ~~للواجب ويتيمم للمستحب كصلاة التطوع وقراءة القرآن المستحبة ومس المصحف ~~المستحب # والله قد جعله طهورا للمسلمين عند عدم الماء فلا يجوز لأحد أن يضيق على ~~المسلمين ما وسع الله عليهم وقد أراد رفع الحرج عن الأمة فليس لأحد أن يجعل ~~فيه حرجا كما فعله طائفة من الناس أثبتوا فيه من الحرج ما هو معلوم # ولهذا كان الصواب أنه يجوز التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين PageV21P439 ~~ولا يجب فيه ترتيب بل إذا مسح وجهه بباطن راحتيه أجزأ ذلك عن الوجه ~~والراحتين ثم يمسح ظهور الكفين بعد ذلك فلا يحتاج أن يمسح راحتيه مرتين ~~وعلى هذا دلت السنة وبسط هذه المسائل في موضع آخر والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن الرجل إذا لم يجد ماء أو تعذر عليه استعماله لمرض أو يخاف من الضرر من ~~شدة البرد وأمثال ذلك فهل يتيمم أم لا ### ||||| فأجاب # التيمم جائز إذا عدم الماء ms6434 وخاف المرض باستعماله كما نبه الله ~~تعالى على ذلك بذكر المريض وذكر من لم يجد الماء فمن كان الماء يضره بزيادة ~~في مرضه لأجل جرح به أو مرض أو لخشية البرد ونحو ذلك فإنه يتيمم سواء كان ~~جنبا أو محدثا ويصلي # وإذا جاز له الصلاة جاز له الطواف وقراءة القرآن ومس المصحف واللبث في ~~المسجد ولا إعادة عليه إذا صلى سواء كان في الحضر أو في السفر في أصح قولي ~~العلماء # فإن الصحيح أن كل من فعل ما أمر به بحسب قدرته من غير PageV21P440 تفريط ~~منه ولا عدوان فلا إعادة عليه لا في الصلاة ولا في الصيام ولا الحج ولم ~~يوجب الله على العبد أن يصلي الصلاة الواحدة مرتين ولا يصوم شهرين في عام ~~ولا يحج حجين إلا أن يكون منه تفريط أو عدوان فإن نسي الصلاة كان عليه أن ~~يصليها إذا ذكرها وكذلك إذا نسي بعض فرائضها كالطهارة والركوع والسجود وأما ~~إذا كان عاجزا عن المفروض كمن صلى عريانا لعدم السترة أو صلى بلا قراءة ~~لانعقاد لسانه أو لم يتم الركوع والسجود لمرضه ونحو ذلك فلا إعادة عليه ولا ~~فرق بين العذر النادر والمعتاد وما يدوم ومالا يدوم # وقد اتفق المسلمون على أن المسافر إذا عدم الماء صلى بالتيمم ولا إعادة ~~عليه وعلى أن العريان إذا لم يجد سترة صلى ولا إعادة عليه وعلى أن المريض ~~يصلي بحسب حاله كما قال النبي لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا ~~فإن لم تستطع فعلى جنب ولا إعادة عليه ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل يصبح جنبا وليس عنده ما يدخل به الحمام ولا يمكنه أن يغتسل في ~~بيته من أجل البرد فهل له أن يتيمم ويصلي PageV21P441 ويقرأ القرآن أم لا ~~وهل إذا فعل ذلك تجب عليه الإعادة أم لا وإذا كان عنده ما يرهنه على أجرة ~~الحمام فهل يجب عليه ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله يجوز للرجل إذا عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله وإن ~~كان جنبا فإذا ms6435 خشي إذا اغتسل بالماء البارد أن يضره ولا يمكنه الاغتسال ~~بالماء الحار في بيت ولا حمام ولا غيرهما جاز له التيمم ولا إعادة على ~~الصحيح وإن أمكنه دخول الحمام بجعل وجب عليه ذلك إذا كان واجدا لأجرة ~~الحمام من غير إجحاف في ماله كما يجب شراء الماء للطهارة وإذا كان ممن ~~يمكنه أن يرهن عند الحمامي الطابية والميزب ويوفيه في أثناء يوم ونحو ذلك ~~فعله وإن كان في أداء أجرة الحمام ضرر كنقص نفقة عياله وقضاء دينه صلى ~~بالتيمم والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل وقع عليه غسل ولم يكن معه في ذلك الوقت ما يدخل به الحمام ويتعذر ~~عليه الماء البارد لشدة برده ثم إنه تيمم وصلى الفريضة وله في الجامع وظيفة ~~فقرأ فيها ثم بعد ذلك دخل الحمام هل يأثم أم لا PageV21P442 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لا يأثم بذلك بل فعل ما أمر به فإن من خاف ~~إذا استعمل الماء البارد أن يحصل له صداع أو نزلة أو غير ذلك من الأمراض ~~ولم يمكن الاغتسال بالماء الحار فإنه يتيمم وإن كان جنبا ويصلي عند جماهير ~~علماء الإسلام كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم حتى لو كان له ورد ~~بالليل وأصابته جنابة والماء بارد يضره فإنه يتيمم ويصلي ورده التطوع ويقرأ ~~القرآن في الصلاة وخارج الصلاة ولا يفوت ورده لتعذر الاغتسال بالماء # وهل عليه إعادة الفريضة على قولين # أحدهما لا إعادة عليه وهو قول مالك وأحمد في إحدى الروايتين # والثاني عليه الإعادة وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى هذا إذا ~~كان في الحضر وأما المسافر فهو أولى أن لا يعيد وهو مذهب الشافعي في أحد ~~قوليه وكل من جازت له الصلاة بالتيمم جازت له القراءة واللبث في المسجد ~~بطريق الأولى # والصحيح أنه لا إعادة عليه ولا على أحد صلى على حسب PageV21P443 استطاعته ~~وسواء كانت الجنابة من حلال أو حرام لكن فاعل الحرام عليه جنابة ونجاسة ~~الذنب فإن تاب وتطهر بالماء أحبه الله فإن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ms6436 وإن تطهر ولم يتب تطهر من الجنابة ولم يتطهر من نجاسة الذنب فإن ~~تلك لا يزيلها إلا التوبة # وإذا لم يكن معه ما يعطي الحمامي جاز له التيمم ويصلي بلا ريب وإذا لم ~~يكن ممن ينظره الحمامي ولم يجد ما يرهنه عنده ولم يقبل منه فهل عليه أن ~~يدخل بالأجرة المؤجلة فيه قولان هما وجهان في مذهب أحمد # والأظهر أنه إذا كان عادة إظهار الحمامي له أن يغتسل في الحمام كالعادة ~~وإن منعه الحمامي من الدخول من غير ضرر من أن يوفيه حقه لبغض الحمامي ونحو ~~ذلك دخل بغير اختيار الحمامي وأعطاه أجرته وإن لم يكن معه أجرة فمنعه لكونه ~~لم يوفه حقه في الحال ولا هو ممن يعرفه الحمامي لينظره فهذا ليس له أن يدخل ~~إلا برضا الحمامي وإن طابت نفس الحمامي بأخذ ماء في الإناء ولم تطب نفسه ~~بأن يتطهر في دهاليز أبواب الحمام جاز له أن يفعل ما تطيب به نفس الحمامي ~~دون ما لا تطيب إلا بعوض المثل # وإنما يجب عليه أن يشتري الماء البارد والحار ويعطي الحمامي PageV21P444 ~~أجرة الدخول إذا كان الماء يبذل بثمن المثل أو بزيادة لا يتغابن الناس ~~بمثلها مع قدرته على ذلك # فإن كان محتاجا إلى ذلك لنفقته أو نفقة عياله أو وفاء دينه الذي يطالب به ~~كان صرف ذلك إلى ما يحتاج إليه من نفقة أو قضاء دين مقدما على صرف ذلك في ~~عوض الماء كما لو احتاج إلى الماء لشرب نفسه أو دوابه فإنه يصرفه في ذلك ~~ويتيمم وإن كانت الزيادة على ثمن المثل لا تجحف بماله ففي وجوب بذل العوض ~~في ذلك قولان في مذهب أحمد بن حنبل وغيره وأكثر العلماء على أنه لا يجب ~~والله سبحانه أعلم ### |||| وسئل # عن المرأة يجامعها بعلها ولا تتمكن من دخول الحمام لعدم الأجرة وغيرها ~~فهل لها أن تتيمم وهل يكره لبعلها مجامعتها والحالة هذه وكذلك المرأة يدخل ~~عليها وقت الصلاة ولم تغتسل وتخاف إن دخلت الحمام أن يفوتها الوقت فهل لها ~~أن ms6437 تصلي بالتيمم أو تصلي في الحمام ### ||||| فأجاب # الحمد لله الجنب سواء كان رجلا أو امرأة فإنه إذا PageV21P445 عدم ~~الماء أو خاف الضرر باستعماله فإن كان لا يمكنه دخول الحمام لعدم الأجرة أو ~~لغير ذلك فإنه يصلي بالتيمم ولا يكره للرجل وطء امرأته كذلك بل له أن يطأها ~~كما له أن يطأها في السفر ويصليا بالتيمم # وإذا أمكن الرجل أو المرأة أن يغتسل ويصلي خارج الحمام فعلا ذلك فإن لم ~~يمكن ذلك مثل أن لا يستيقظ أول الفجر وإن اشتغل بطلب الماء خرج الوقت وإن ~~طلب حطبا يسخن به الماء أو ذهب إلى الحمام فات الوقت فإنه يصلي هنا بالتيمم ~~عند جمهور العلماء إلا أن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد قالوا ~~يشتغل بتحصيل الطهارة وإن فات الوقت وهكذا قالوا في اشتغاله بخياطة اللباس ~~وتعلم دلائل القبلة ونحو ذلك # وهذا القول خطأ فإن قياس هذا القول أن المسافر يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد ~~الوقت بالوضوء وأن العريان يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت باللباس وهذا ~~خلاف إجماع المسلمين بل على العبد أن يصلي في الوقت بحسب الإمكان وما عجز ~~عنه من واجبات الصلاة سقط عنه # وأما إذا استيقظ آخر الوقت أو إن اشتغل باستقاء الماء من PageV21P446 ~~البئر خرج الوقت أو إن ذهب إلى الحمام للغسل خرج الوقت فهذا يغتسل عند ~~جمهور العلماء ومالك رحمه الله يقول بل يصلي بالتيمم محافظة على الوقت ~~والجمهور يقولون إذا استيقظ آخر الوقت فهو حينئذ مأمور بالصلاة فالطهارة ~~والوقت في حقه من حين استيقظ وهو ما يمكنه فعل الصلاة فيه وقد قال النبي من ~~نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها فالوقت المأمور ~~بالصلاة فيه في حق النائم هو إذا استيقظ لا ما قبل ذلك وفي حق الناسي إذا ~~ذكر والله أعلم # وأما إذا كانت المرأة أو الرجل يمكنه الذهاب إلى الحمام لكن إن دخل لا ~~يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت إما لكونه مقهورا مثل الغلام الذي لا يخليه ~~سيده يخرج حتى ms6438 يصلي ومثل المرأة التي معها أولادها فلا يمكنها الخروج حتى ~~تغسلهم ونحو ذلك فهؤلاء لا بد لهم من أحد أمور # إما أن يغتسلوا ويصلوا في الحمام في الوقت وإما أن يصلوا خارج الحمام بعد ~~خروج الوقت وإما أن يصلوا بالتيمم خارج الحمام وبكل قول من هذه الأقوال ~~يفتي طائفة لكن الأظهر أنهم يصلون بالتيمم خارج الحمام لأن الصلاة في ~~الحمام منهي عنها وتفويت الصلاة حتى يخرج الوقت أعظم من ذلك ولا يمكنه ~~الخروج من هذين النهيين إلا بالصلاة PageV21P447 بالتيمم في الوقت خارج ~~الحمام # وصار هذا كما لو لم يمكنه الصلاة إلا في موضع نجس في الوقت أو في موضع ~~طاهر بعد الوقت إذا اغتسل أو يصلي بالتيمم في مكان طاهر في الوقت فهذا أولى ~~لأن كلا من ذينك منهي عنه # وتنازع الفقهاء فيمن حبس في موضع نجس وصلى فيه هل يعيد على قولين # أصحهما أنه لا إعادة عليه بل الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أنه إن كان ~~قد صلى في الوقت كما أمر بحسب الإمكان فلا إعادة عليه سواء كان العذر نادرا ~~أو معتادا فإن الله لم يوجب على العبد الصلاة 2 المعينة مرتين إلا إذا كان ~~قد حصل منه إخلال بواجب أو فعل محرم فأما إذا فعل الواجب بحسب الإمكان فلم ~~يأمره مرتين ولا أمر الله أحدا أن يصلي الصلاة ويعيدها بل حيث أمره ~~بالإعادة لم يأمره بذلك ابتداء كمن صلى بلا وضوء ناسيا فإن هذا لم يكن ~~مأمورا بتلك الصلاة بل اعتقاد أنه مأمور خطأ منه وإنما أمره الله أن يصلي ~~بالطهارة فإذا صلى بغير طهارة كان عليه الإعادة كما أمر النبي الذي توضأ ~~وترك موضع ظفر من قدمه لم يصبه الماء أن يعيد الوضوء والصلاة وكما أمر ~~المسيء في صلاته أن يعيد الصلاة وكما أمر PageV21P448 المصلي خلف الصف وحده ~~أن يعيد الصلاة # فأما العاجز عن الطهارة أو الستارة أو استقبال القبلة أو عن اجتناب ~~النجاسة أو عن إكمال الركوع والسجود أو عن قراءة الفاتحة ونحو هؤلاء ممن ms6439 ~~يكون عاجزا عن بعض واجباتها فإن هذا يفعل ما قدر عليه ولا إعادة عليه كما ~~قال تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وكما قال النبي إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم ! 8 < ### || 1 ( مسائل في الطهارة ) 1 ### |||| وسئل # عن المرأة إذا كانت بعيدة عن الحمام وحصل لها جنابة وتخشى من الغسل في ~~البيت من البرد هل لها أن تتيمم وتصلي وإذا أراد زوجها الجماع وتخاف من ~~البرد عليه وعليها هل له أن يتيمم أو يغتسل مع القدرة وتتيمم هي أم يترك ~~الجماع فإذا جامعها وأرادت الدخول إلى الحمام للتطهر هل تتيمم وتجمع بين ~~الصلاتين أو تصلي في الحمام بالغسل وهل لها إذا طهرت من الحيض ولم تغتسل أن ~~تتيمم ويجامعها زوجها أم لا وهل يحتاج التيمم للجنابة إلى وضوء PageV21P449 ~~أم لا وإذا احتاج هل يقدم الوضوء أم التيمم وهل يحتاج التيمم لكل صلاة أم ~~يصلي الصلوات بتيمم واحد وإذا طهرت المرأة آخر النهار أو آخر الليل وعجزت ~~عن الغسل للبرد وغيره هل تتيمم وتصلي وهل تقضي صلاة اليوم الذي طهرت فيه أو ~~الليلة # ومن أصابه جرح أو كسر وعصبه هل يمسح على العصابة أم يتيمم عن الوضوء ~~للمجروح وبعض الأعضاء يعجز عن إمرار الماء عليه بسبب الجرح أو الكسر وهل ~~يترك الجماع في هذه الحالة أو يفعله ويتيمم ولو علم أن مدة المداواة تطول ~~فيطول تيممه وهل للمرأة أيضا منع الزوج من الجماع إذا كانت لا تقدر على ~~الغسل أم تطيعه وتتيمم ومن وجد الحمام بعيدا متى وصل إليه خرج الوقت هل ~~يتيمم أم يذهب إليه ولو خرج الوقت ومن خاف فوات الجماعة إذا تطهر بالماء هل ~~يتيمم ليحصل على الجماعة أم لا ومن معه رفقة يريدون الجمع فهل الأفضل له ~~الجمع معهم لتحصيل الجماعة أم يصلي وحده في الوقت وقد يكون هو إمامهم فأيما ~~أفضل في حقه جمعا أم الصلاة وحده في وقت كل صلاة ومن كان له صناعة يعملها ~~هو وصناع آخر ويشق عليه الصلاة في وقتها ويبطل ms6440 الصناع هل يجمع بين الصلاتين ~~وكذلك إذا كان في حراثة وزراعة ويشق عليه طلب الماء هل يتيمم ويصلي ومن ~~يتيمم PageV21P450 هل يقرأ القرآن في غير الصلاة ويصلي ورده بالليل وهل ~~للمرأة الجنب أو الحائض أن تقرأ على ولدها الصغير ومن لم يجد ترابا هل ~~يتيمم على البساط أو الحصير إذا كان فيهما غبار ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين من أصابته جنابة من احتلام أو جماع حلال أو ~~حرام فعليه أن يغتسل ويصلي فإن تعذر عليه الاغتسال لعدم الماء أو لتضرره ~~باستعماله مثل أن يكون مريضا يزيد الاغتسال في مرضه أو يكون الهواء باردا ~~وإن اغتسل خاف أن يمرض بصداع أو زكام أو نزلة فإنه يتيمم ويصلي سواء كان ~~رجلا أو امرأة وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها وليس للمرأة أن تمنع زوجها ~~من الجماع بل له أن يجامعها فإن قدرت على الاغتسال وإلا تيممت # وكذلك الرجل إن قدر على الاغتسال وإلا تيمم وله أن يجامعها قبل دخول ~~الحمام فإن قدرت على أن تغتسل وتصلي خارج الحمام فعلت وإن خافت أن تفوتها ~~الصلاة استترت في الحمام وصلت ولا تفوت الصلاة والجمع بين الصلاتين بطهارة ~~كاملة بالماء خير من أن يفرق بين الصلاتين بالتيمم كما أمر النبي المستحاضة ~~أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد وجعل ذلك خيرا من التفريق بوضوء ~~PageV21P451 # وأيضا فالجمع بين الصلاتين مشروع لحاجة دنيوية فلأن يكون مشروعا لتكميل ~~الصلاة أولى والجامع بين الصلاتين مصل في الوقت والنبي جمع بين الظهر ~~والعصر بعرفة في وقت الظهر لأجل تكميل الوقوف واتصاله وإلا فقد كان يمكنه ~~أن ينزل فيصلي فجمع بين الصلاتين لتكميل الوقوف فالجمع لتكميل الصلاة أولى # وأيضا فإنه جمع بالمدينة للمطر وهو نفسه لم يكن يتضرر بالمطر بل جمع ~~لتحصيل الصلاة في الجماعة والجمع لتحصيل الجماعة خير من التفريق والانفراد ~~والجمع بين الصلاتين خير من الصلاة في الحمام فإن أعطان الإبل والحمام نهى ~~النبي عن الصلاة فيهما والجمع مشروع بل قد قال النبي من نام عن صلاة أو ~~نسيها ms6441 فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ثم إنه لما نام عن الصلاة انتقل ~~وقال هذا واد حضرنا فيه الشيطان فأخر الصلاة عن الوقت المأمور به لكون ~~البقعة حضر فيها الشيطان وتلك البقعة تكره الصلاة فيها وتجوز لكن يستحب ~~الانتقال عنها وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل وغيره # والحمام وأعطان الإبل مسكن الشياطين ولهذا حرم الصلاة فيها والجمع مشروع ~~للمصلحة الراجحة فإذا جمع لئلا يصلي في أماكن PageV21P452 الشياطين كان قد ~~أحسن والمرأة إذا لم يكن يمكنها الجمع بطهارة الماء جمعت بطهارة التيمم فإن ~~الصلاة بالتيمم في الوقت المشروع خير من التفريق ومن الصلاة في الأماكن ~~المنهي عنها وإذا أمكن الرجل والمرأة أن يتوضآ ويتيمما فعلا فإن اقتصرا على ~~التيمم أجزأهما في إحدى الروايتين للعلماء # ومذهب أبي حنيفة ومالك لا يجمع بين طهارة الماء وطهارة التيمم بين الأصل ~~والبدل بل إما هذا وإما هذا ومذهب الشافعي وأحمد بل يغتسل بالماء ما أمكنه ~~ويتيمم للباقي وإذا توضأ وتيمم فسواء قدم هذا أو هذا لكن تقديم الوضوء أحسن ~~ويجوز أن يصلي الصلوات بتيمم واحد كما يجوز بوضوء واحد وغسل واحد في أظهر ~~قولي العلماء وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين لقول النبي ~~الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه ~~بشرتك فإن ذلك خير # والمرأة إذا طهرت من الحيض فإن قدرت على الاغتسال وإلا تيممت وصلت فإن ~~طهرت في آخر النهار صلت الظهر والعصر وإن طهرت في آخر الليل صلت المغرب ~~والعشاء ولا يقضي أحد ما صلاه بالتيمم وإذا كان الجرح مكشوفا وأمكن مسحه ~~بالماء فهو خير من التيمم PageV21P453 وكذلك إذا كان معصوبا أو كسر عظمه ~~فوضع عليه جبيرة فمسح ذلك بالماء خير من التيمم والمريض والجريح والمكسور ~~إذا أصابته جنابة بجماع وغيره والماء يضره يتيمم ويصلي أو يمسح على الجبيرة ~~ويغسل سائر بدنه إن أمكنه ويصلي # وليس للمرأة أن تمنع زوجها الجماع بل يجامعها فإن قدرت على الاغتسال وإلا ~~تيممت وصلت وإذا طهرت من ms6442 الحيض لم يجامعها إلا بعد الاغتسال وإلا تيممت ~~ووطئها زوجها ويتيمم الواطئ حيث يتيمم للصلاة # وإذا دخل وقت الصلاة كطلوع الفجر ولم يمكنه إذا اغتسل أن يصلي حتى تطلع ~~الشمس لكون الماء بعيدا أو الحمام مغلوقة أو لكونه فقيرا وليس معه أجرة ~~الحمام فإنه يتيمم ويصلي في الوقت ولا يؤخر الصلاة حتى يفوت الوقت وأما إذا ~~استيقظ وقد ضاق الوقت عن الاغتسال فإن كان الماء موجودا فهذا يغتسل ويصلي ~~بعد طلوع الشمس عند أكثر العلماء فإن الوقت في حقه من حين استيقظ بخلاف ~~اليقظان فإن الوقت في حقه من حين طلوع الفجر # ولا بد من الصلاة في وقتها ولا يجوز تأخيرها عن الوقت لأحد أصلا لا بعذر ~~ولا بغير عذر لكن يصلي في الوقت بحسب الإمكان PageV21P454 فيصلي المريض ~~بحسب حاله في الوقت كما قال النبي لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع ~~فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب فيصلي في الوقت قاعدا ولا يصلي بعد خروج ~~الوقت قائما وكذلك العراة كالذين انكسرت بهم السفينة يصلون في الوقت عراة ~~ولا يؤخرونها ليصلوا في الثياب بعد الوقت # وكذلك من اشتبهت عليه القبلة فيصلي في الوقت بالاجتهاد والتقليد ولا ~~يؤخرها ليصلي بعد الوقت باليقين # وكذلك من كان عليه نجاسة في بدنه أو ثوبه لا يمكنه إزالتها حتى تفوت ~~الصلاة فيصلي بها في الوقت ولا يفوت الصلاة ليصلي طاهرا # وكذلك من حبس في مكان نجس أو كان في حمام أو غير ذلك مما نهي عن الصلاة ~~فيه ولا يمكنه الخروج منه حتى تفوت الصلاة فإنه يصلي في الوقت ولا يفوت ~~الصلاة ليصلي في غيره فالصلاة في الوقت فرض بحسب الإمكان والاستطاعة وإن ~~كانت صلاة ناقصة حتى الخائف يصلي صلاة الخوف في الوقت بحسب الإمكان ولا ~~يفوتها ليصلي صلاة أمن بعد خروج الوقت حتى في حال المقاتلة يصلي ويقاتل ولا ~~يفوت الصلاة ليصلي بلا قتال فالصلاة المفروضة في الوقت وإن كانت ناقصة خير ~~من تفويت الصلاة بعد الوقت وإن كانت كاملة PageV21P455 بل الصلاة بعد ms6443 تفويت ~~الوقت عمدا لا تقبل من صاحبها ولا يسقط عنه إثم التفويت المحرم ولو قضاها ~~باتفاق المسلمين ### ||| فصل # وأما إذا خاف فوات الجنازة أو العيد أو الجمعة ففي التيمم نزاع والأظهر ~~أنه يصليها بالتيمم ولا يفوتها وكذلك إذا لم يمكنه صلاة الجماعة الواجبة ~~إلا بالتيمم فإنه يصليها بالتيمم # ومذهب أحمد في إحدى الروايتين أنه يجوز التيمم للجنازة مع أنه لا يختلف ~~قوله في أنه يجوز أن يعيدها بوضوء فليست العلة على مذهبه تعذر الإعادة ~~بخلاف أبي حنيفة فإنه إنما علل ذلك بتعذر الإعادة وفرق بين الجنازة وبين ~~العيد والجمعة وأحمد لا يعلل بذلك فكيف والجمعة لا تعاد وإنما تصلى ظهرا ~~وليست صلاة الظهر كالجمعة # وكذلك إذا لم يمكنه صلاة الجمعة الواجبة إلا بالتيمم فإنه يصليها بالتيمم ~~والجمع بين الصلاتين حيث يشرع في الصلاة في وقتها ليس بمفوت ولا يشترط ~~للقصر ولا للجمع نية عند أكثر العلماء وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وهو إحدى ~~القولين في مذهب أحمد بل عليه يدل كلامه وهو المنصوص عنه PageV21P456 # والقول الآخر اختيار بعض أصحابه وهو قول الشافعي # والجمع بين الصلاتين يجوز لعذر فالمسافر إذا جد به السير جمع بين الظهر ~~والعصر وبين المغرب والعشاء والمسافرون إذا غلب عليهم النعاس وشق عليهم ~~انتظار العشاء جمعوا بينها وبين المغرب ولو كان الإمام لا ينام فصلاته بهم ~~إماما جامعا بين الصلاتين خير من صلاته وحده غير جامع # والحراث إذا خاف إن طلب الماء يسرق ماله أو يتعطل عمله الذي يحتاج إليه ~~صلى بالتيمم وإن أمكنه أن يجمع بين الصلاتين بوضوء فهو خير من أن يفرق ~~بينهما وكذلك سائر الأعذار الذين يباح لهم التيمم إذا أمكنهم الجمع بينهما ~~بطهارة الماء فهو خير من التفريق بينهما بطهارة التيمم والجمع بين الصلاتين ~~لمن له عذر كالمطر والريح الشديدة الباردة ولمن به سلس البول والمستحاضة ~~فصلاتهم بطهارة كاملة جمعا بين الصلاتين خير من صلاتهم بطهارة ناقصة مفرقا ~~بينهما # والمريض أيضا له أن يجمع بين الصلاتين لا سيما إذا كان مع الجمع صلاته ms6444 ~~أكمل إما لكمال طهارته وإما لإمكان القيام ولو كانت الصلاتان سواء لكن إذا ~~فرق بينهما زاد مرضه فله الجمع بينهما PageV21P457 # وقال أحمد بن حنبل يجوز الجمع إذا كان لشغل قال القاضي أبو يعلى الشغل ~~الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة وقال الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي ~~مبينا عن هؤلاء وهو المريض ومن له قريب يخاف موته ومن يدافع أحدا من ~~الأخبثين ومن يحضره طعام وبه حاجة إليه ومن يخاف من سلطان يأخذه أو غريم ~~يلازمه ولا شيء معه يعطيه والمسافر إذا خاف فوات القافلة ومن يخاف ضررا في ~~ماله ومن يرجو وجوده ومن يخاف من غلبة النعاس حتى يفوته الوقت ومن يخاف من ~~شدة البرد وكذلك في الليلة المظلمة إذا كان فيها وحل فهؤلاء يعذروا وإن ~~تركوا الجمعة والجماعة كذا حكاه بن قدامة في مختصر الهداية فإنه يبيح لهم ~~الجمع بين الصلاتين على ما قاله الإمام أحمد بن حنبل والقاضي أبو يعلى # والصناع والفلاحون إذا كان في الوقت الخاص مشقة عليهم مثل أن يكون الماء ~~بعيدا في فعل صلاة وإذا ذهبوا إليه وتطهروا تعطل بعض العمل الذي يحتاجون ~~إليه فلهم أن يصلوا في الوقت المشترك فيجمعوا بين الصلاتين وأحسن من ذلك أن ~~يؤخروا الظهر إلى قريب العصر فيجمعوها ويصلوها مع العصر وإن كان ذلك جمعا ~~في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر ويجوز مع بعد الماء أن يتيمم ويصلي في ~~الوقت الخاص والجمع بطهارة الماء أفضل والحمد لله وحده PageV21P458 ### ||| فصل # كل من جاز له الصلاة بالتيمم من جنب أو محدث جاز له أن يقرأ القرآن خارج ~~الصلاة ويمس المصحف ويصلي بالتيمم النافلة والفريضة ويرقي بالقرآن وغير ذلك ~~فإن الصلاة أعظم من القراءة فمن صلى بالتيمم كانت قراءته بالتيمم أولى ~~والقراءة خارج الصلاة أوسع منها في الصلاة فإن المحدث يقرؤه خارج الصلاة ~~وكل ما يفعله بطهارة الماء في الوضوء والغسل يفعله بطهارة التيمم إذا عدم ~~الماء أو خاف الضرر باستعماله # وإذا أمكن الجنب الوضوء دون الغسل فتوضأ وتيمم عن الغسل جاز ms6445 وإن تيمم ولم ~~يتوضأ ففيه قولان قيل يجزيه عن الغسل وهو قول مالك وأبي حنيفة وقيل لا ~~يجزيه وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل # وإذا تيمم بالتراب الذي تحت حصير بيته جاز وكذلك إذا كان هناك غبار لاصق ~~ببعض الأشياء وتيمم بذلك التراب اللاصق جاز وأما قراءة الجنب والحائض ~~للقرآن فللعلماء فيه ثلاثة أقوال PageV21P459 # قيل يجوز لهذا ولهذا وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد # وقيل لا يجوز للجنب ويجوز للحائض إما مطلقا أو إذا خافت النسيان وهو مذهب ~~مالك وقول في مذهب أحمد وغيره فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي ~~فيه شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ~~بن عمر لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئا رواه أبو داود وغيره وهو ~~حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث # وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة بخلاف روايته عن ~~الشاميين ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات ومعلوم أن النساء كن يحضن على ~~عهد رسول الله ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن كما لم يكن ينههن عن الذكر ~~والدعاء بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد فيكبرون بتكبير المسلمين وأمر ~~الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت تلبي وهي حائض وكذلك ~~بمزدلفة ومنى وغير ذلك من المشاعر # وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد ولا يصلي ولا أن يقضي شيئا من ~~المناسك لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في PageV21P460 ترك الطهارة ~~بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر ولهذا ذكر العلماء ~~ليس للجنب أن يقف بعرفة ومزدلفة ومنى حتى يطهر وإن كانت الطهارة ليست شرطا ~~في ذلك لكن المقصود أن الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو استحباب بذكر الله ~~ودعائه مع كراهة ذلك للجنب # فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه لأجل العذر وإن كانت ~~عدتها أغلظ فكذلك قراءة القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك ms6446 # وإن قيل إنه نهي الجنب لأن الجنب يمكنه أن يتطهر ويقرأ بخلاف الحائض تبقى ~~حائضا أياما فيفوتها قراءة القرآن تفويت عبادة تحتاج إليها مع عجزها عن ~~الطهارة وليست القراءة كالصلاة فإن الصلاة يشترط لها الطهارة مع الحدث ~~الأكبر والأصغر والقراءة تجوز مع الحدث الأصغر بالنص واتفاق الأئمة # والصلاة يجب فيها استقبال القبلة واللباس واجتناب النجاسة والقراءة لا ~~يجب فيها شيء من ذلك بل كان النبي يضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها وهي ~~حائض وهو حديث صحيح وفي صحيح مسلم أيضا يقول الله عز وجل للنبي PageV21P461 ~~إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظانا فتجوز القراءة ~~قائما وقاعدا وماشيا ومضطجعا وراكبا ### |||| وسئل # عن رجل أرمد فلحقته جنابة ولا يقدر يتطهر بماء مسخن ولا بارد ويقدر على ~~الوضوء فما يصنع ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان به رمد فإنه يغسل ما استطاع من بدنه وما يضره ~~الماء كالعين وما يقاربها ففيه قولان للعلماء # أحدهما يتيمم وهو مذهب الشافعي وأحمد # والثاني ليس عليه تيمم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لكن غسل أكثر البدن الذي ~~يمكن غسله واجب باتفاقهم والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل باشر امرأته وهو في عافية فهل له أن يصبر بالتطهر إلى أن يتضاحى ~~النهار أم يتيمم ويصلي أفتونا مأجورين PageV21P462 ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يجوز له تأخير الصلاة حتى يخرج الوقت بل عليه إن قدر ~~على الاغتسال بماء بارد أو حار أن يغتسل ويصلي في الوقت وإلا تيمم فإن ~~التيمم لخشية البرد جائز باتفاق الأئمة وإذا صلى بالتيمم فلا إعادة عليه ~~لكن إذا تمكن من الاغتسال اغتسل والله أعلم ### |||| وسئل # عن امرأة بها مرض في عينيها وثقل في جسمها من الشحم وليس لها قدرة على ~~الحمام لأجل الضرورة وزوجها لم يدعها تطهر وهي تطلب الصلاة فهل يجوز لها أن ~~تغسل جسمها الصحيح وتتيمم عن رأسها ### ||||| فأجاب # نعم إذا لم تقدر على الاغتسال في الماء البارد ولا الحار فعليها أن ~~تصلي في الوقت بالتيمم عند جماهير العلماء لكن مذهب ms6447 الشافعي وأحمد أنها ~~تغسل ما يمكن وتتيمم للباقي ومذهب أبي حنيفة ومالك إن غسلت الأكثر لم تتيمم ~~وإن لم يمكن إلا غسل الأقل تيممت ولا غسل عليها PageV21P463 ### |||| وسئل # عن رجل سافر مع رفقة وهو إمامهم ثم احتلم في يوم شديد البرد وخاف على ~~نفسه أن يقتله البرد فتيمم وصلى بهم فهل يجب عليه إعادة وعلى من صلى خلفه ~~أم لا ### ||||| فأجاب # هذه المسألة هي ثلاث مسائل # الأولى أن تيممه جائز وصلاته جائزة ولا غسل عليه والحالة هذه وهذا متفق ~~عليه بين الأئمة وقد جاء في ذلك حديث في السنن عن عمرو بن العاص أنه فعل ~~ذلك على عهد رسول الله فصلى بأصحابه بالتيمم في السفر وإن ذلك ذكر للنبي ~~وكذلك هذا معروف عن بن عباس # الثانية أنه هل يؤم المتوضئين فالجمهور على أنه يؤمهم كما أمهم عمرو بن ~~العاص وبن عباس وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأصح القولين في مذهب أبي ~~حنيفة ومذهب أبي محمد أنه لا يؤمهم PageV21P464 # الثالثة في الإعادة فالمأموم لا إعادة عليه بالاتفاق مع صحة صلاته وأما ~~الإمام أو غيره إذا صلى بالتيمم لخشية البرد فقيل يعيد مطلقا كقول الشافعي ~~وقيل يعيد في الحضر فقط دون السفر كقول له ورواية عن أحمد وقيل لا يعيد ~~مطلقا كقول مالك وأحمد في الرواية الأخرى وهذا هو الصحيح لأنه فعل ما قدر ~~عليه فلا إعادة عليه ولهذا لم يأمر النبي عمرو بن العاص بإعادة ولم يثبت ~~فيه دليل شرعي يفرق بين الأعذار المعتادة وغير المعتادة والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل أصابته جنابة ولم يقدر على استعمال الماء من شدة البرد أو الخوف ~~والإنكار عليه فهل إذا تيمم وصلى وقرأ ومس المصحف وتهجد بالليل إماما يجوز ~~له ذلك أم لا وهل يعيد الصلاة أم لا وإلى كم يجوز له التيمم ### ||||| فأجاب # إذا كان خائفا من البرد إن اغتسل بالماء يمرض أو كان خائفا إن ~~اغتسل أن يرمى بما هو بريء منه ويتضرر بذلك أو كان خائفا بينه وبين الماء ~~عدو أو ms6448 سبع يخاف ضرره إن قصد الماء فإنه يتيمم ويصلي من الجنابة والحدث ~~الأصغر PageV21P465 # وأما الإعادة فقد تنازع العلماء في التيمم لخشية البرد هل يعيد في السفر ~~والحضر أو لا يعيد فيهما أو يعيد في الحضر فقط على ثلاثة أقوال والأشبه ~~بالكتاب والسنة أنه لا إعادة عليه بحال ومن جازت له الصلاة جازت له القراءة ~~ومس المصحف والمتيمم يؤم المغتسل عند جمهور العلماء وهو مذهب الأئمة ~~الأربعة إلا محمد بن الحسن والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن التيمم إذا كان في يده جراحة وتوضأ وغسل وجهه فهل يلزمه أن يتيمم عند ~~غسل اليدين أم يكمل وضوءه إلى آخره ثم بعد ذلك يتيمم وإن كانت الجراحة ~~مشدودة فهل يلزمه أن يحل الجراح ويغسل جميع الصحيح أم يغسل ما ظهر منها ~~ويترك الشد على حاله ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة فيها نزاع هما قولان في مذهب أحمد وغيره ~~والصحيح أن له أن يؤخر التيمم حتى يفرغ من وضوئه بل هذا الذي ينبغي أن ~~يفعله إذا قيل إنه يجمع بين الوضوء والتيمم فإن مذهب أبي حنيفة ومالك أنه ~~لا يحتاج إلى تيمم ولكن مذهب PageV21P466 الشافعي وأحمد أن يجمع بينهما ~~وإذا جبرها مسح عليها سواء كان جبرها على وضوء أو غير وضوء # وكذلك إذا شد عليها عصابة ولا يحتاج إلى تيمم في ذلك هذا أصح أقوال ~~العلماء والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل جنب وهو في بيت مبلط عادم فيه التراب مغلوق عليه الباب ولم يعلم ~~متى يكون الخروج منه فهل يترك الصلاة إلى وجود الماء والتراب أم لا ### ||||| فأجاب # إذا لم يقدر على استعمال الماء ولا على التمسح بالصعيد فإنه يصلي بلا ماء ~~ولا تيمم عند الجمهور وهذا أصح القولين وهل عليه الإعادة على قولين # أظهرهما أنه لا إعادة عليه فإن الله يقول @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم ~~@QE@ وقال النبي إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولم يأمر العبد ~~بصلاتين وإذا صلى قرأ القراءة الواجبة والله أعلم PageV21P467 ### |||| وسئل # عن رجل نام وهو جنب فلم يستيقظ ms6449 إلا قريب طلوع الشمس وخشي من الغسل بالماء ~~البارد في وقت البرد وإن سخن الماء خرج الوقت فهل يجوز له أن يفوت الصلاة ~~إلى حيث يغتسل أو يتيمم ويصلي ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها قولان للعلماء فالأكثر كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ~~يأمرونه بطلب الماء وإن صلى بعد طلوع الشمس ومالك يأمره أن يصلي للوقت ~~بالتيمم لأن الوقت مقدم على غيره من واجبات الصلاة بدليل أنه إن استيقظ في ~~الوقت وعلم أنه لا يجد الماء إلا بعد الوقت فإنه يصلي بالتيمم في الوقت ~~بإجماع المسلمين ولا يصلي بعد خروج الوقت بالغسل # وأما الأولون فيفرقون بين هذه الصورة ونظائرها وبين صورة السؤال بأنه قال ~~إنما خوطب بالصلاة عند استيقاظه كما قال النبي من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها وإذا كان إنما أمر بها بعد الانتباه فعليه فعلها بحسب ما ~~يمكن PageV21P468 من الاغتسال المعتاد فيكون فعلها بعد طلوع الشمس فعلا في ~~الوقت الذي أمر الله بالصلاة فيه والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل أجنب واستيقظ وقد طلع الفجر ثم أراد أن يغتسل فخاف أن تطلع الشمس ~~فتوضأ وصلى وبعد الصلاة اغتسل فهل تجزي الصلاة أم لا ### ||||| فأجاب # إذا أدركته الجنابة فعليه أن يغتسل ويصلي في الوقت وليس له أن يؤخر ~~الغسل فإن كان لم يستيقظ إلا وقت طلوع الشمس فأكثر العلماء يقولون يغتسل ~~ويصلي بعد طلوع الشمس ولا يصلي جنبا وبعضهم قال يصلي في الوقت بالوضوء ~~والتيمم لكن الأول أصح والله أعلم ### |||| وسئل # عن الجنب إذا انتبه من نومه وهو في الحضر قبل خروج الوقت بقليل هل يتيمم ~~ويصلي في الوقت أو يغتسل ويصلي بعد خروج الوقت PageV21P469 ### ||||| فأجاب رحمه الله # يغتسل ولا يصلي بالتيمم في مثل هذه الصورة عند أكثر ~~العلماء والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الإسلام # إذا دخل وقت الصلاة وهو جنب ويخشى إن اشتغل بفعل الطهارة يفوته الوقت فهل ~~يباح له التيمم أم لا ### ||||| فأجاب # إذا دخل وقت الصلاة وهو مستيقظ والماء بعيد منه يخاف إن طلبه أن ~~تفوته الصلاة أو ms6450 كان الوقت باردا يخاف إن سخنه أو ذهب إلى الحمام فاتت ~~الصلاة فإنه يصلي بالتيمم في مذهب أحمد وجمهور العلماء # وإن استيقظ آخر الوقت وخاف إن تطهر طلعت الشمس فإنه يصلي هنا بالوضوء بعد ~~طلوع الشمس فإن عند جمهور العلماء اختلافا كإحدى الروايتين عن مالك فإنه ~~هنا إنما خوطب بالصلاة بعد استيقاظه ومن نام عن صلاة صلاها إذا استيقظ وكان ~~ذلك وقتها في حقه PageV21P470 ### |||| وسئل # عن أقوام خرجوا من قرية إلى قرية ليصلوا الجمعة فيها فوجدوا الصلاة قد ~~أقيمت وبعضهم على غير وضوء لو ذهب ليتوضأ فاتته الصلاة فهل يتيمم ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها نزاع والأظهر أنهم إذا لم تمكنهم صلاة الجمعة إلا ~~بالتيمم صلوا بالتيمم والله أعلم ### |||| وسئل # عن المسافر يصل إلى ماء وقد ضاق الوقت فإن تشاغل بتحصيله خرج الوقت فهل ~~له أن يصلي بالتيمم ### ||||| فأجاب # أما المسافر إذا وصل إلى ماء وقد ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم على ~~قول جمهور العلماء وكذلك لو كان هناك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلا حتى ~~يخرج الوقت أو يمكن حفر الماء ولا يحفر حتى يخرج الوقت فإنه يصلي بالتيمم ~~PageV21P471 # وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد إنه يغتسل ويصلي بعد خروج ~~الوقت لاشتغاله بتحصيل الشرط وهذا ضعيف لأن المسلم أمر أن يصلي في الوقت ~~بحسب الإمكان فالمسافر إذا علم أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضا ~~عليه أن يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق الأئمة وليس له أن يؤخر الصلاة حتى ~~يصل إلى الماء وقد ضاق الوقت بحيث لا يمكنه الاغتسال والصلاة حتى يخرج ~~الوقت # بل إذا فعل ذلك كان عاصيا بالاتفاق وحينئذ فإذا وصل إلى الماء وقد ضاق ~~الوقت فغرضه إنما هو الصلاة بالتيمم في الوقت وليس هو مأمورا بهذا ~~الاستعمال الذي يفوته معه الوقت بخلاف المستيقظ آخر الوقت والماء حاضر فإن ~~هذا مأمور أن يغتسل ويصلي ووقته من حين يستيقظ لا من حين طلوع الفجر بخلاف ~~من كان يقظانا عند طلوع الفجر أو عند ms6451 زوالها إما مقيما وإما مسافرا فإن ~~الوقت في حقه من حينئذ ### |||| وسئل # عن التيمم هل يجوز لأحد أن يصلي به السنن الراتبة والفريضة وأن يقتصر ~~عليه إلى أن يحدث أم لا PageV21P472 ### ||||| فأجاب # نعم يجوز له في أظهر قولي العلماء أن يصلي بالتيمم كما يصلي ~~بالوضوء فيصلي به الفرض والنفل ويتيمم قبل الوقت وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد ~~في إحدى الروايتين عنه ولا ينقض التيمم إلا ما ينقض الوضوء والقدرة على ~~استعمال الماء والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الحاقن أيما أفضل يصلي بوضوء محتقنا أو أن يحدث ثم يتيمم لعدم الماء ### ||||| فأجاب # صلاته بالتيمم بلا احتقان أفضل من صلاته بالوضوء مع الاحتقان فإن ~~هذه الصلاة مع الاحتقان مكروهة منهي عنها وفي صحتها روايتان وأما صلاته ~~بالتيمم فصحيحة لا كراهة فيها بالاتفاق والله أعلم PageV21P473 ### ||| 2 باب إزالة النجاسة 2 ### ||||| قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد # أحدها المنع كقول الشافعي وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد # والثاني الجواز كقول أبي حنيفة وهو القول الثاني في مذهب مالك وأحمد # والقول الثالث في مذهب أحمد أن ذلك يجوز للحاجة كما في طهارة فم الهرة ~~بريقها وطهارة أفواه الصبيان بأرياقهم ونحو ذلك # والسنة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله لأسماء حتيه ثم اقرصيه PageV21P474 ~~ثم اغسليه بالماء وقوله في آنية المجوس إرحضوها ثم اغسلوها بالماء وقوله في ~~حديث الأعرابي الذي بال في المسجد صبوا على بوله ذنوبا من ماء فأمر ~~بالإزالة بالماء في قضايا معينة ولم يأمر أمرا عاما بأن تزال كل نجاسة ~~بالماء # وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع # منها الاستجمار بالحجارة ومنها قوله في النعلين ثم ليدلكهما بالتراب فإن ~~التراب لهما طهور ومنها قوله في الذيل يطهره ما بعده ومنها أن الكلاب كانت ~~تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ثم لم يكونوا يغسلون ذلك ومنها قوله في ~~الهر إنها من الطوافين عليكم والطوافات مع أن الهر في العادة ms6452 يأكل الفأر ~~ولم يكن هناك قناة ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها ~~ومنها أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين # وإذا كان كذلك فالراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان ~~زال حكمها فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها لكن لا يجوز استعمال الأطعمة ~~والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة لما في ذلك من فساد الأموال كما لا ~~يجوز الاستنجاء بها PageV21P475 # والذين قالوا لا تزول إلا بالماء منهم من قال إن هذا تعبد وليس الأمر ~~كذلك فإن صاحب الشرع أمر بالماء في قضايا معينة لتعينه لأن إزالتها ~~بالأشربة التي ينتفع بها المسلمون إفساد لها وإزالتها بالجامدات كانت ~~متعذرة كغسل الثوب والإناء والأرض بالماء فإنه من المعلوم أنه لو كان عندهم ~~ماء ورد وخل وغير ذلك لم يأمرهم بإفساده فكيف إذا لم يكن عندهم # ومنهم من قال إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات فلا يلحق ~~غيره به وليس الأمر كذلك بل الخل وماء الورد وغيرهما يزيلان ما في الآنية ~~من النجاسة كالماء وأبلغ والاستحالة له أبلغ في الإزالة من الغسل بالماء ~~فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه كما قال النبي ~~يكفيك الماء ولا يضرك أثره وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح # ومنهم من قال كان القياس ان لا يزول بالماء لتنجيسه بالملاقاة لكن رخص في ~~الماء للحاجة فجعل الإزالة بالماء صورة استحسان فلا يقاس عليها وكلا ~~المقدمتين باطلة فليست إزالتها على خلاف القياس بل القياس أن الحكم إذا ثبت ~~بعلة زال بزوالها # وقولهم إنه ينجس بالملاقاة ممنوع ومن سلمة فرق بين الوارد PageV21P476 ~~والمورود عليه أو بين الجاري والواقف ولو قيل إنها على خلاف القياس فالصواب ~~أن ما خالف القياس يقاس عليه إذا عرفت علته إذ الاعتبار في القياس بالجامع ~~والفارق # واعتبار طهاره الخبث بطهارة الحدث ضعيف فإن طهارة الحدث من باب الأفعال ~~المأمور بها ولهذا لم تسقط بالنسيان والجهل واشترط فيها النية عند الجمهور ~~وأما طهارة ms6453 الخبث فإنها من باب التروك فمقصودها اجتناب الخبث ولهذا لا ~~يشترط فيها فعل العبد ولا قصده بل لو زالت بالمطر النازل من السماء حصل ~~المقصود كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم # ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد إنه يعتبر فيها النية فهو قول شاذ مخالف ~~للإجماع السابق مع مخالفته لأئمة المذاهب وإنما قيل مثل هذا من ضيق المجال ~~في المناظرة فإن المنازع لهم في مسألة النية قاس طهارة الحدث على طهارة ~~الخبث فمنعوا الحكم في الأصل وهذا ليس بشيء # ولهذا كان أصح قولي العلماء أنه إذا صلى بالنجاسة جاهلا أو ناسيا فلا ~~إعادة عليه كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه لأن النبي خلع ~~نعليه في الصلاة للأذى الذي كان PageV21P477 فيهما ولم يستأنف الصلاة وكذلك ~~في الحديث الآخر لما وجد في ثوبه نجاسة أمرهم بغسله ولم يعد الصلاة وذلك ~~لأن من كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله العبد ناسيا أو مخطئا فلا إثم ~~عليه كما دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى @QB@ وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به @QE@ وقال تعالى @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ ~~قال الله تعالى قد فعلت رواه مسلم في صحيحه # ولهذا كان أقوى الأقوال أن ما فعله العبد ناسيا أو مخطئا من محظورات ~~الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة كالكلام ناسيا والأكل ناسيا والطيب ~~ناسيا وكذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسيا وفي هذه المسائل نزاع وتفصيل ليس ~~هذا موضعه # وإنما المقصود هنا التنبيه على أن النجاسة من باب ترك المنهي عنه فحينئذ ~~إذا زال الخبث بأي طريق كان حصل المقصود ولكن إن زال بفعل العبد ونيته أثيب ~~على ذلك وإلا إذا عدمت بغير فعله ولا نيته زالت المفسدة ولم يكن له ثواب ~~ولم يكن عليه عقاب ### |||| وسئل رحمه الله # عن استحالة النجاسة كرماد السرجين النجس والزبل النجس PageV21P478 تصيبه ~~الريح والشمس فيستحيل ترابا فهل تجوز الصلاة عليه أم لا ### ||||| فأجاب # أما استحالة النجاسة كرماد السرجين النجس والزبل النجس يستحيل ~~ترابا فقد تقدمت هذه ms6454 المسألة وقد ذكرنا أن فيها قولين في مذهب مالك وأحمد # أحدهما أن ذلك طاهر وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم وذكرنا أن هذا ~~القول هو الراجح # فأما الأرض إذا أصابتها نجاسة فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول إنها تطهر ~~وإن لم يقل بالاستحالة ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال ~~والصواب الطهارة في الجميع كما تقدم وقال رحمه الله ### ||| فصل # وأما طين الشوارع فمبني على أصل وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة ثم ذهبت ~~بالريح أو الشمس أو نحو ذلك هل تطهر الأرض PageV21P479 على قولين للفقهاء ~~وهما قولان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما # أحدهما أنها تطهر وهو مذهب أبي حنيفة وغيره ولكن عند أبي حنيفة يصلي ~~عليها ولا يتيمم بها والصحيح أنه يصلي عليها ويتيمم بها وهذا هو الصواب ~~لأنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن بن عمر إن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول ~~في مسجد رسول الله ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك ومن المعلوم أن النجاسة لو ~~كانت باقية لوجب غسل ذلك وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح من أنه أمرهم أن ~~يصبوا على بول الأعرابي الذي بال في المسجد ذنوبا من ماء فإن هذا يحصل به ~~تعجيل تطهير الأرض وهذا مقصود بخلاف ما إذا لم يصب الماء فإن النجاسة تبقى ~~إلى أن تستحيل # وأيضا ففي السنن أن النبي قال إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه فإن ~~وجد بهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور وفي السنن أيضا أنه ~~سئل عن المرأة تجر ذيلها على المكان القذر ثم على المكان الطاهر فقال يطهره ~~ما بعده وقد نص أحمد على الأخذ بهذا الحديث الثاني ونص في إحدى الروايتين ~~عنه على الأخذ بالحديث الأول وهو قول من يقول به من أصحاب مالك والشافعي ~~وغيرهما فإذا كان النبي PageV21P480 قد جعل التراب يطهر أسفل النعل وأسفل ~~الذيل وسماه طهورا فلأن يطهر نفسه بطريق الأولى والأحرى فالنجاسة إذا ~~استحالت في التراب فصارت ترابا لم يبق نجاسة # وأيضا فقد ms6455 تنازع العلماء فيما إذا استحالت حقيقة النجاسة واتفقوا على أن ~~الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها وصارت خلا أنها تطهر ولهم فيها ~~إذا قصد التخليل نزاع وتفصيل والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال كما ~~ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما صح من نهي النبي عن تخليلها ~~ولأن حبسها معصية والطهارة نعمة والمعصية لا تكون سببا للنعمة # وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحا في الملاحة أو صارت رمادا أو صارت ~~الميتة والدم والصديد ترابا كتراب المقبرة فهذا فيه قولان في مذهب مالك ~~وأحمد أحدهما أن ذلك طاهر كمذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر # والثاني أنه نجس كمذهب الشافعي والصواب أن ذلك كله طاهر إذا لم يبق شيء ~~من أثر النجاسة لا طعمها ولا لونها ولا ريحها لأن الله أباح الطيبات وحرم ~~الخبائث وذلك يتبع صفات الأعيان وحقائقها PageV21P481 فإذا كانت العين ملحا ~~أو خلا دخلت في الطيبات التي أباحها الله ولم تدخل في الخبائث التي حرمها ~~الله وكذلك التراب والرماد وغير ذلك لا يدخل في نصوص التحريم وإذا لم ~~تتناولها أدلة التحريم لا لفظا ولا معنى لم يجز القول بتنجيسه وتحريمه ~~فيكون طاهرا وإذا كان هذا في غير التراب فالتراب أولى بذلك # وحينئذ فطين الشوارع إذا قدر أنه لم يظهر به أثر النجاسة فهو طاهر وإن ~~تيقن أن النجاسة فيه فهذا يعفي عن يسيره فإن الصحابة رضوان الله عليهم كان ~~أحدهم يخوض في الوحل ثم يدخل المسجد فيصلي ولا يغسل رجليه وهذا معروف عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من الصحابة كما تقدم وقد حكاه مالك ~~عنهم مطلقا وذكر أنه لو كان في الطين عذرة منبثة لعفي عن ذلك وهكذا قال ~~غيره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه يعفى عن يسير طين ~~الشوارع مع تيقن نجاسته والله أعلم PageV21P482 ### |||| وسئل رحمه الله # عن الخمرة إذا انقلبت خلا ولم يعلم بقلبها هل له أن يأكلها أو يبيعها أو ~~إذا علم أنها انقلبت ms6456 هل يأكل منها أو يبيعها ### ||||| فأجاب # أما التخليل ففيه نزاع قيل يجوز تخليلها كما يحكى عن أبي حنيفة ~~وقيل لا يجوز لكن إذا خللت طهرت كما يحكى عن مالك وقيل يجوز بنقلها من ~~الشمس إلى الظل وكشف الغطاء عنها ونحو ذلك دون أن يلقى فيها شيء كما هو وجه ~~في مذهب الشافعي وأحمد # وقيل لا يجوز بحال كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد وهذا هو ~~الصحيح فإنه قد ثبت عن النبي إنه سئل عن خمر ليتامى فأمر بإراقتها فقيل له ~~إنهم فقراء فقال سيغنيهم الله من فضله فلما أمر بإراقتها ونهى عن تخليلها ~~وجبت طاعته فيما أمر به ونهى عنه فيجب أن تراق الخمرة ولا تخلل هذا مع ~~كونهم كانوا يتامى ومع كون تلك الخمرة كانت متخذة قبل التحريم فلم يكونوا ~~عصاة PageV21P483 # فإن قيل هذا منسوخ لأنه كان في أول الإسلام فأمروا بذلك كما أمروا بكسر ~~الآنية وشق الظروف ليمتنعوا عنها قيل هذا غلط من وجوه # أحدها أن أمر الله ورسوله لا ينسخ إلا بأمر الله ورسوله ولم يرد بعد هذا ~~نص بنسخه # الثاني إن الخلفاء الراشدين بعد موته عملوا بهذا كما ثبت عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها ولا جناح على ~~مسلم أن يشتري من خل أهل الذمة فهذا عمر ينهى عن خل الخمر التي قصد إفسادها ~~ويأذن فيما بدأ الله بإفسادها ويرخص في اشتراء خل الخمر من أهل الكتاب ~~لأنهم لا يفسدون خمرهم وإنما يتخلل بغير اختيارهم وفي قول عمر حجة على جميع ~~الأقوال # الوجه الثالث أن يقال الصحابة كانوا أطوع الناس لله ورسوله ولهذا لما حرم ~~عليهم الخمر أراقوها فإذا كانوا مع هذا قد نهوا عن تخليلها وأمروا بإراقتها ~~فمن بعدهم من القرون أولى منهم بذلك فإنهم أقل طاعة لله ورسوله منهم # يبين ذلك أن عمر بن الخطاب غلظ على الناس العقوبة في شرب PageV21P484 ~~الخمر حتى كان ينفي فيها لأن أهل زمانه كانوا أقل اجتنابا لها ms6457 من الصحابة ~~على عهد رسول الله فكيف يكون زمان ليس فيه رسول الله ولا عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه لا ريب أن أهله أقل اجتنابا للمحارم فكيف تسد الذريعة عن أولئك ~~المتقين وتفتح لغيرهم وهم أقل تقوى منهم # وأما ما يروى خير خلكم خل خمركم فهذا الكلام لم يقله النبي ومن نقله عنه ~~فقد أخطأ ولكن هو كلام صحيح فإن خل الخمر لا يكون فيها ماء ولكن المراد به ~~الذي بدأ الله بقلبه وأيضا فكل خمر يعمل من العنب بلا ماء فهو مثل خل الخمر # وقد وصف العلماء عمل الخل أنه يوضع أولا في العنب شيء يحمضه حتى لا ~~يستحيل أولا خمرا ولهذا تنازعوا في خمرة الخلال هل يجب إراقتها على قولين ~~في مذهب أحمد وغيره أظهرهما وجوب إراقتها كغيرها فإنه ليس في الشريعة خمرة ~~محترمة ولو كان لشيء من الخمر حرمة لكانت لخمر اليتامى التي اشتريت لهم قبل ~~التحريم وذلك أن الله أمر باجتناب الخمر فلا يجوز اقتناؤها ولا يكون في بيت ~~مسلم خمر أصلا وإنما وقعت الشبهة في التخليل لأن بعض العلماء اعتقد أن ~~التخليل إصلاح لها كدباغ الجلد النجس # وبعضهم قال اقتناؤها لا يجوز لا لتخليل ولا غيره لكن PageV21P485 إذا ~~صارت خلا فكيف تكون نجسة وبعضهم قال إذا ألقي فيها شيء تنجس أولا ثم تنجست ~~به ثانيا بخلاف ما إذا لم يلق فيها شيء فإنه لا يوجب التنجيس # وأما أهل القول الراجح فقالوا قصد المخلل لتخليلها هو الموجب لتنجيسها ~~فإنه قد نهي عن اقتنائها وأمر بإراقتها فإذا قصد التخليل كان قد فعل محرما ~~وغاية ما يكون تخليلها كتذكية الحيوان والعين إذا كانت محرمة لم تصر محللة ~~بالفعل المنهي عنه لأن المعصية لا تكون سببا للنعمة والرحمة # ولهذا لما كان الحيوان محرما قبل التذكية ولا يباح إلا بالتذكية فلو ذكاه ~~تذكية محرمة مثل أن يذكيه في غير الحلق واللبة مع قدرته عليه أولا يقصد ~~ذكاته أو يأمر وثنيا أو مجوسيا بتذكيته ونحو ذلك لم يبح وكذلك الصيد ms6458 إذا ~~قتله المحرم لم يصر ذكيا فالعين الواحدة تكون طاهرة حلالا في حال وتكون ~~حراما نجسة في حال تارة باعتبار الفاعل كالفرق بين الكتابي والوثني وتارة ~~باعتبار الفعل كالفرق بين الذبيحة بالمحدد وغيره وتارة باعتبار المحل وغيره ~~كالفرق بين العنق وغيره وتارة باعتبار قصد الفاعل كالفرق بين ما قصد تذكيته ~~وما قصد قتله حتى أنه عند مالك والشافعي وأحمد إذا ذكى الحلال صيدا أبيح ~~للحلال دون المحرم فيكون حلالا طاهرا في حق هذا PageV21P486 حراما نجسا في ~~حق هذا وانقلاب الخمر إلى الخل من هذا النوع مثل ما كان ذلك محظورا فإذا ~~قصده الإنسان لم يصر الخل به حلالا ولا طاهرا كما لم يصر لحم الحيوان حلالا ~~طاهرا بتذكية غير شرعية # وما ذكرناه عن عمر بن الخطاب هو الذي يعتمد عليه في هذه المسألة أنه متى ~~علم أن صاحبها قد قصد تخليلها لم تشتر منه وإذا لم يعلم ذلك جاز اشتراؤها ~~منه لأن العادة ان صاحب الخمر لا يرضى أن يخللها والله أعلم PageV21P487 ### || 1 ( قاعدة في المائعات والميتة إذا وقعت فيها ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل # عن الزيت إذا وقعت فيه النجاسة مثل الفأرة ونحوها وماتت فيه هل ينجس أم ~~لا وإذا قيل ينجس فهل يجوز أن يكاثر بغيره حتى يبلغ قلتين أم لا وإذا قيل ~~تجوز المكاثرة هل يجوز إلقاء الطاهر على النجس أو بالعكس أو لا فرق وإذا لم ~~تجز المكاثرة وقيل بنجاسته هل لهم طريق في الانتفاع به مثل الاستصباح به أو ~~غسله إذا قيل يطهر بالغسل أم لا وإذا كانت المياه النجسة اليسيرة تطهر ~~بالمكاثرة هل تطهر سائر المائعات بالمكاثرة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أصل هذه المسألة أن المائعات إذا وقعت فيها نجاسة فهل ~~تنجس وإن كانت كثيرة فوق القلتين أو تكون كالماء فلا تنجس مطلقا إلا ~~بالتغير أولا ينجس الكثير إلا بالتغير كما إذا بلغت قلتين فيه عن أحمد ثلاث ~~روايات # إحداهن أنها تنجس ولو مع الكثرة وهو قول الشافعي وغيره # والثانية أنها كالماء سواء كانت مائية ms6459 أو غير مائية PageV21P488 وهو قول ~~طائفة من السلف والخلف كابن مسعود وبن عباس والزهري وأبي ثور وغيرهم وهو ~~قول أبي ثور نقله المروذي عن أبي ثور ويحكى ذلك لأحمد فقال إن أبا ثور شبهه ~~بالماء ذكر ذلك الخلال في جامعه عن المروذي وكذلك ذكر أصحاب أبي حنيفة إن ~~حكم المائعات عندهم حكم الماء ومذهبهم في المائعات معروف فيه فإذا كانت ~~منبسطة بحيث لا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف الآخر لم تنجس كالماء عندهم ~~وأما أبو ثور فإنه يقول بالعكس بالقلتين كالشافعي والقول أنها كالماء يذكر ~~قولا في مذهب مالك وقد ذكر أصحابه عنه في يسير النجاسة إذا وقعت في الطعام ~~الكثير روايتين وروي عن أبي نافع من المالكية في الحباب التي بالشام للزيت ~~تموت فيه الفأرة إن ذلك لا يضر الزيت قال وليس الزيت كالماء وقال بن ~~الماجشون في الزيت وغيره تقع فيه الميتة ولم تغير أوصافه وكان كثيرا لم ~~ينجس بخلاف موتها فيه ففرق بين موتها فيه ووقوعها فيه ومذهب بن حزم وغيره ~~من أهل الظاهر أن المائعات لا تنجس بوقوع النجاسة إلا السمن إذا وقعت فيه ~~فأرة كما يقولون أن الماء لا ينجس إلا إذا بال فيه بائل # والثالثة يفرق بين المائع المائي كخل الخمر وغير المائي كخل العنب فيلحق ~~الأول بالماء دون الثاني PageV21P489 # وفي الجملة للعلماء في المائعات ثلاثة أقوال # أحدها أنها كالماء # والثاني أنها أولى بعدم التنجس من الماء لأنها طعام وإدام فإتلافها فيه ~~فساد ولأنها أشد إحالة للنجاسة من الماء أو مباينة لها من الماء # والثالث أن الماء أولى بعدم التنجس منها لأنه طهور وقد بسطنا الكلام على ~~هذه المسألة في غير هذا الموضع وذكرنا حجة من قال بالتنجيس وأنهم احتجوا ~~بقول النبي إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم وإن كان مائعا فلا ~~تقربوه رواه أبو داود وغيره وبينا ضعف هذا الحديث وطعن البخاري والترمذي ~~وأبو حاتم الرازي والدارقطني وغيرهم فيه وأنهم بينوا أنه غلط فيه معمر على ~~الزهري # قال أبو داود باب ms6460 في الفأرة تقع في السمن حدثنا مسدد حدثنا سفيان حدثنا ~~الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن ~~فأخبر النبي فقال ألقوها وما حولها وكلوه وقال ثنا أحمد بن صالح والحسين بن ~~علي واللفظ للحسين PageV21P490 قالا ثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن ~~الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا وقعت الفأرة ~~في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه قال ~~الحسن قال عبد الرزاق ربما حدث به معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ~~عن بن عباس عن ميمونة عن النبي # قال أبو داود قال أحمد بن صالح قال عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الرحمن بن ~~مردويه عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس عن ميمونة ~~عن النبي بمثل حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وقال أبو عيسى الترمذي في ~~جامعه ### ||| 2 باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن 2 # حدثنا سعيد بن عبد الرحمن وأبو عمار قالا حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد ~~الله بن عبد الله عن بن عباس عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل ~~عنها النبي فقال ألقوها وما حولها وكلوه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح ~~وقد روي هذا الحديث عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس أن النبي سئل ولم ~~يذكروا فيه عن ميمونة وحديث بن عباس عن ميمونة أصح PageV21P491 # وروى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي نحوه وهو ~~حديث غير محفوظ قال سمعت محمد بن إسماعيل يقول حديث معمر عن الزهري عن سعيد ~~بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي في هذا خطأ قال والصحيح حديث الزهري عن ~~عبيد الله عن بن عباس عن ميمونة # قلت وحديث معمر هذا الذي خطأه البخاري وقال الترمذي إنه غير محفوظ هو ~~الذي قال فيه إن ms6461 كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه كما ~~رواه أبو داود وغيره وكذلك الإمام أحمد رضي الله عنه في مسنده وغيره وقد ~~ذكر عبد الرزاق أن معمرا كان يرويه أحيانا من الوجه الآخر فكان يضطرب في ~~إسناده كما اضطرب في متنه وخالف فيه الحفاظ الثقات الذين رووه بغير اللفظ ~~الذي رواه معمر ومعمر كان معروفا بالغلط وأما الزهري فلا يعرف منه غلط ~~فلهذا بين البخاري من كلام الزهري ما دل على خطأ معمر في هذا الحديث قال ~~البخاري في صحيحه ### || باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب # ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ~~أنه سمع بن عباس يحدث عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن PageV21P492 فماتت ~~فسئل النبي عنها فقال ألقوها وما حولها وكلوه قيل لسفيان فإن معمرا يحدثه ~~عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال ما سمعت الزهري يقوله إلا عن ~~عبيد الله عن بن عباس عن ميمونة عن النبي ولقد سمعته منه مرارا # ثنا عبدان ثنا عبد الله يعني بن المبارك عن يونس عن الزهري أنه سئل عن ~~الدابة تموت في الزيت أو السمن وهو جامد أو غير جامد الفأرة أو غيرها قال ~~بلغنا أن رسول الله أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح ثم أكل ~~من حديث عبيد الله بن عبد الله ثم رواه من طريق مالك كما رواه من طريق بن ~~عيينة # وهذا الحديث رواه الناس عن الزهري كما رواه بن عيينة بسنده ولفظه وأما ~~معمر فاضطرب فيه في سنده ولفظه فرواه تارة عن بن المسيب عن أبي هريرة وقال ~~فيه وإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه وقيل عنه ~~وإن كان مائعا فاستصبحوا به واضطرب على معمر فيه وظن طائفة من العلماء أن ~~حديث معمر محفوظ فعملوا به وممن يثبته محمد بن يحيى الذهلي فيما جمعه من ~~حديث الزهري وكذلك احتج به ms6462 أحمد لما أفتى بالفرق بين الجامد PageV21P493 ~~والمائع وكان أحمد يحتج أحيانا بأحاديث ثم يتبين له أنها معلولة كاحتجاجه ~~بقوله لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ثم تبين له بعد ذلك أنه معلول ~~فاستدل بغيره # وأما البخاري والترمذي وغيرهما فعللوا حديث معمر وبينوا غلطه والصواب ~~معهم فذكر البخاري هنا عن بن عيينة أنه قال سمعته من الزهري مرارا لا يرويه ~~إلا عن عبيد الله بن عبد الله وليس في لفظه إلا قوله ألقوها وما حولها ~~وكلوه وكذلك رواه مالك وغيره وذكر من حديث يونس أن الزهري سئل عن الدابة ~~تموت في السمن الجامد وغيره فأفتى بأن النبي أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر ~~بما قرب منها فطرح فهذه فتيا الزهري في الجامد وغير الجامد فكيف يكون قد ~~روى في هذا الحديث الفرق بينهما وهو يحتج على استواء حكم النوعين بالحديث ~~ورواه بالمعنى # والزهري أحفظ أهل زمانه حتى يقال إنه لا يعرف له غلط في حديث ولا نسيان ~~مع أنه لم يكن في زمانه أكثر حديثا منه ويقال إنه حفظ على الأمة تسعين سنة ~~لم يأت بها غيره وقد كتب عنه سليمان بن عبد الملك كتابا من حفظه ثم استعاده ~~منه بعد عام فلم يخط منه حرفا فلو لم يكن في الحديث إلا نسيان الزهري أو ~~معمر لكان نسبة النسيان إلى معمر أولى باتفاق أهل العلم PageV21P494 ~~بالرجال مع كثرة الدلائل على نسيان معمر وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على ~~أن معمرا كثير الغلط على الزهري قال الإمام أحمد رضي الله عنه فيما حدثه به ~~محمد بن جعفر غندر عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة ~~أسلم وتحته ثمان نسوة فقال أحمد هكذا حدث به معمر بالبصرة وحدثهم بالبصرة ~~من حفظه وحدث به باليمن عن الزهري بالاستقامة # وقال أبو حاتم الرازي ما حدث به معمر بن راشد بالبصرة ففيه أغاليط وهو ~~صالح الحديث وأكثر الرواة الذين رووا هذا الحديث عن معمر عن سعيد بن المسيب ~~عن أبي ms6463 هريرة هم البصريون كعبدالواحد بن زياد وعبدالأعلى بن عبدالأعلى ~~الشامي والاضطراب في المتن ظاهر # فإن هذا يقول إن كان ذائبا أو مائعا لم يؤكل وهذا يقول وإن كان مائعا فلا ~~تنتفعوا به واستصبحوا به وهذا يقول فلا تقربوه وهذا يقول فأمر بها أن تؤخذ ~~وما حولها فتطرح فأطلق الجواب ولم يذكر التفصيل # وهذا يبين أنه لم يروه من كتاب بلفظ مضبوط وإنما رواه بحسب ما ظنه من ~~المعنى فغلط وبتقدير صحة هذا اللفظ وهو قوله وإن PageV21P495 كان مائعا فلا ~~تقربوه فإنما يدل على نجاسة القليل الذي وقعت فيه النجاسة كالسمن المسئول ~~عنه فإنه من المعلوم أنه لم يكن عند السائل سمن فوق قلتين يقع فيه فأرة حتى ~~يقال فيه ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم ~~في المقال بل السمن الذي يكون عند أهل المدينة في أوعيتهم يكون في الغالب ~~قليلا فلو صح الحديث لم يدل إلا على نجاسة القليل فإن المائعات الكثيرة إذا ~~وقعت فيها نجاسة فلا يدل على نجاستها لا نص صحيح ولا ضعيف ولا إجماع ولا ~~قياس صحيح # وعمدة من ينجسه يظن أن النجاسة إذا وقعت في ماء أو مائع سرت فيه كله ~~فنجسته وقد عرف فساد هذا وأنه لم يقل أحد من المسلمين بطرده فإن طرده يوجب ~~نجاسة البحر بل الذين قالوا هذا الأصل الفاسد منهم من استثنى ما لا يتحرك ~~أحد طرفيه بتحرك الآخر ومنهم من استثنى في بعض النجاسات ما لا يمكن نزحه ~~ومنهم من استثنى ما فوق القلتين وعلل بعضهم المستثنى بمشقة التنجيس وبعضهم ~~بعدم وصول النجاسة إلى الكثير وبعضهم بتعذر التطهير وهذه العلل موجودة في ~~الكثير من الأدهان فإنه قد يكون في الحب العظيم قناطير مقنطرة من الزيت ولا ~~يمكنهم صيانته عن الواقع والدور والحوانيت مملوءة مما لا يمكن صيانته ~~كالسكر وغيره فالعسر والحرج بتنجيس هذا عظيم جدا PageV21P496 # ولهذا لم يرد بتنجيس الكثير أثر عن النبي ولا عن أصحابه واختلف كلام أحمد ~~رحمه الله في تنجيس الكثير وأما ms6464 القليل فإنه ظن صحة حديث معمر فأخذ به وقد ~~اطلع غيره على العلة القادحة فيه ولو اطلع عليها لم يقل به ولهذا نظائر كان ~~يأخذ بحديث ثم يتبين له ضعفه فيترك الأخذ به وقد يترك الأخذ به قبل أن ~~تتبين صحته فإذا تبين له صحته أخذ به وهذه طريقة أهل العلم والدين رضي الله ~~عنهم # ولظنه صحته عدل إليه عما رآه من آثار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فروى ~~صالح بن أحمد في مسائله عن أبيه أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا إسماعيل ثنا ~~عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة أن بن عباس سئل عن فأرة ماتت في سمن قال تؤخذ ~~الفأرة وما حولها قلت يا مولانا فإن أثرها كان في السمن كله قال عضضت بهن ~~أبيك إنما كان أثرها بالسمن وهي حية وإنما ماتت حيث وجدت ثنا أبي ثنا وكيع ~~ثنا النضر بن عربي عن عكرمة قال جاء رجل إلى بن عباس فسأله عن جر فيه زيت ~~وقع فيه جرذ فقال بن عباس خذه وما حوله فألقه وكله قلت أليس جال في الجر ~~كله قال إنه جال وفيه الروح فاستقر حيث مات وروى الخلال عن صالح قال ثنا ~~أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن حمران بن أعين عن أبي حرب بن أبي PageV21P497 ~~الأسود الدؤلي قال سئل بن مسعود عن فأرة وقعت في سمن فقال إنما حرم من ~~الميتة لحمها ودمها # قلت فهذه فتاوي بن عباس وبن مسعود والزهري مع أن بن عباس هو راوي حديث ~~ميمونة ثم إن قول معمر في الحديث الضعيف فلا تقربوه متروك عند عامة السلف ~~والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة فإن جمهورهم يجوزون الاستصباح به ~~وكثير منهم يجوز بيعه أو تطهيره وهذا مخالف لقوله فلا تقربوه # ومن نصر هذا القول يقول قول النبي الماء طهور لا ينجسه شيء احتراز عن ~~الثوب والبدن والإناء ونحو ذلك مما يتنجس والمفهوم لا عموم له وذلك لا ~~يقتضي أن كل ما ليس بماء يتنجس فإن الهواء ونحوه لا يتنجس ms6465 وليس بماء كما أن ~~قوله إن الماء لا يجنب احتراز عن البدن فإنه يجنب ولا يقتضي ذلك أن كل ما ~~ليس بماء يجنب ولكن خص الماء بالذكر في الموضعين للحاجة إلى بيان حكمه فإن ~~بعض أزواجه اغتسلت فجاء النبي ليتوضأ بسؤرها فأخبرته أنها كانت جنبا فقال ~~إن الماء لا يجنب مع أن الثوب لا يجنب والأرض لا تجنب وتخصيص الماء بالذكر ~~لمفارقة البدن لا لمفارقة كل شيء وكذلك قالوا له أنتوضأ من بئر بضاعة وهي ~~بئر يلقى PageV21P498 فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال الماء طهور لا ~~ينجسه شيء فنفى عنه النجاسة للحاجة إلى بيان ذلك كما نفى عنه الجنابة ~~للحاجة إلى بيان ذلك والله سبحانه قد أباح لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث ~~والنجاسات من الخبائث فالماء إذا تغير بالنجاسة حرم استعماله لأن ذلك ~~استعمال للخبيث # وهذا مبني على أصل وهو أن الماء الكثير إذا وقعت فيه النجاسة فهل مقتضى ~~القياس تنجسه لاختلاط الحلال بالحرام إلى حيث يقوم الدليل على تطهيره أو ~~مقتضى القياس طهارته إلى أن تظهر فيه النجاسة الخبيثة التي يحرم استعمالها ~~للفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في هذا الأصل قولان # أحدهما قول من يقول الأصل النجاسة وهذا قول أصحاب أبي حنيفة ومن وافقهم ~~من أصحاب الشافعي وأحمد بناء على أن اختلاط الحلال بالحرام يوجب تحريمهما ~~جميعا # ثم إن أصحاب أبي حنيفة طردوا ذلك فيما إذا كان الماء يتحرك أحد طرفيه ~~بتحرك الطرف الآخر قالوا لأن النجاسة تبلغه إذا بلغته الحركة ولم يمكنهم ~~طرده فيما زاد على ذلك وإلا لزم تنجيس البحر والبحر لا ينجسه شيء بالنص ~~والإجماع ولم يطردوا ذلك فيما PageV21P499 إذا كان الماء عميقا ومساحته ~~قليلة ثم إذا تنجس الماء فالقياس عندهم يقتضي أن لا يطهر بنزح فيجب طم ~~الآبار المتنجسة وطرد هذا القياس بشر المريسي # وأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا بالتطهير بالنزح استحسانا إما بنزح البئر ~~كلها إذا كبر الحيوان أو تفسخ وإما بنزح بعضها إذا صغر بدلاء ذكروا عددها ~~فما أمكن طرد ذلك القياس # وكذلك ms6466 أصحاب الشافعي وأحمد قالوا بطهارة ما فوق القلتين لأن ذلك يكون في ~~الفلوات والغدران التي لا يمكن صيانتها عن النجاسة فجعلوا طهارة ذلك رخصة ~~لأجل الحاجة على خلاف القياس وكذلك من قال من أصحاب أحمد إن البول والعذرة ~~الرطبة لا ينجس بهما إلا ما أمكن نزحه ترك طرد القياس لأن ما يتعذر نزحه ~~يتعذر تطهيره فجعل تعذر التطهير مانعا من التنجس # فهذه الأقوال وغيرها من مقالات القائلين بهذا الأصل تبين أنه لم يطرده ~~أحد من الفقهاء وإن كلهم خالفوا فيه القياس رخصة وأباحوا ما تخالطه ~~النجاسات من المياه لأجل الحاجة الخاصة # وأما القول الثاني فهو قول من يقول القياس إن لا ينجس الماء حتى ~~PageV21P500 يتغير كما قاله من قاله من فقهاء الحجاز والعراق وفقهاء الحديث ~~وغيرهم كمالك وأصحابه ومن وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد وهذه طريقة القاضي ~~أبي يعلى بن القاضي أبي حازم مع قوله إن القليل ينجس بالملاقاة وأما بن ~~عقيل وبن المنى وبن المظفر وبن الجوزي وأبو نصر وغيرهم من أصحاب أحمد ~~فنصروا هذا أنه لا ينجس إلا بالتغير كالرواية الموافقة لأهل المدينة وهو ~~قول أبي المحاسن الروياني وغيره من أصحاب الشافعي # وقال الغزالي وددت أن مذهب الشافعي في المياه كان كمذهب مالك وكلام أحمد ~~وغيره موافق لهذا القول فإنه لما سئل عن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت ~~طعمه أو لونه بأي شيء ينجس والحديث المروي في ذلك وهو قوله الماء طهور لا ~~ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ضعيف فأجاب بأن الله حرم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير فإذا ظهر في الماء طعم الدم أو الميتة أو لحم الخنزير ~~كان المستعمل لذلك مستعملا لهذه الخبائث ولو كان القياس عنده التحريم مطلقا ~~لم يخص صورة التحريم باستعمال النجاسة # وفي الجملة فهذا القول هو الصواب وذلك أن الله حرم الخبائث التي هي الدم ~~والميتة ولحم الخنزير ونحو ذلك فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره واستهلكت لم ~~يبق هناك دم ولا ميتة ولا لحم خنزير ms6467 PageV21P501 أصلا كما أن الخمر إذا ~~استهلكت في المائع لم يكن الشارب لها شاربا للخمر والخمرة إذا استحالت ~~بنفسها وصارت خلا كانت طاهرة باتفاق العلماء وهذا على قول من يقول إن ~~النجاسة إذا استحالت طهرت أقوى كما هو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وأحد ~~القولين في مذهب مالك وأحمد فإن انقلاب النجاسة ملحا ورمادا ونحو ذلك هو ~~كانقلابها ماء فلا فرق بين أن تستحيل رمادا أو ملحا أو ترابا أو ماء أو ~~هواء ونحو ذلك والله تعالى قد أباح لنا الطيبات # وهذه الأدهان والألبان والأشربة الحلوة والحامضة وغيرها من الطيبات ~~والخبيثة قد استهلكت واستحالت فيها فكيف يحرم الطيب الذي أباحه الله تعالى ~~ومن الذي قال إنه إذا خالطه الخبيث واستهلك فيه واستحال قد حرم وليس على ~~ذلك دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا قياس ولهذا قال في حديث بئر ~~بضاعة لما ذكر له أنها يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال الماء ~~طهور لا ينجسه شيء وقال في حديث القلتين إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ~~وفي اللفظ الآخر لم ينجسه شيء رواه أبو داود وغيره # فقوله لم يحمل الخبث بين أن تنجيسه بأن يحمل الخبث أي بأن يكون الخبث فيه ~~محمولا وذلك يبين أنه مع استحالة الخبث لا ينجس الماء PageV21P502 ### ||| فصل # وإذا عرف أصل هذه المسألة فالحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها كالخمر لما ~~كان الموجب لتحريمها ونجاستها هي الشدة المطربة فإذا زالت بفعل الله طهرت ~~بخلاف ما إذا زالت بقصد الآدمي على الصحيح كما قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها ولا جناح على مسلم أن ~~يشتري خل خمر من أهل الكتاب ما لم يعلم أنهم تعمدوا فسادها # وذلك لأن اقتناء الخمر محرم فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما ~~والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة وأما إذا اقتناها لشربها ~~واستعمالها خمرا فهو لا يريد تخليلها وإذا جعلها الله خلا كان معاقبة له ms6468 ~~بنقيض قصده فلا يكون في حلها وطهارتها مفسدة # وأما سائر النجاسات فيجوز التعمد لإفسادها لأن إفسادها ليس بمحرم كما لا ~~يحد شاربها لأن النفوس لا يخاف عليها بمقاربتها المحظور كما يخاف من مقاربة ~~الخمر ولهذا جوز الجمهور أن تدبغ PageV21P503 جلود الميتة وجوزوا أيضا ~~إحالة النجاسة بالنار وغيرها والماء لنجاسته سببان # أحدهما متفق عليه والآخر مختلف فيه # فالمتفق عليه التغير بالنجاسة فمتى كان الموجب لنجاسته التغير فزال ~~التغير كان طاهرا كالثوب المضمخ بالدم إذا غسل عاد طاهرا # والثاني القلة فإذا كان الماء قليلا ووقعت فيه نجاسة ففي نجاسته قولان ~~للعلماء فمذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه أنه ينجس ما دون القلتين ~~وأحمد في الرواية المشهورة عنه يستثنى البول والعذرة المائعة فيجعل ما أمكن ~~نزحه نجسا بوقوع ذلك فيه ومذهب أبي حنيفة ينجس ما وصلت إليه الحركة ومذهب ~~أهل المدينة وأحمد في الرواية الثالثة أنه لا ينجس ولو لم يبلغ قلتين ~~واختار هذا القول بعض الشافعية كإحدى الروايات وقد نصر هذه الرواية بعض ~~أصحاب الشافعي كما نصر الأولى طائفة كثيرة من أصحاب أحمد لكن طائفة من ~~أصحاب مالك قالوا إن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ولم يحدوا ذلك بقلتين ~~وجمهور أهل المدينة أطلقوا القول فهؤلاء لا ينجسون شيئا إلا بالتغير ومن ~~سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن أحمد وقال بهذا القول الذي هو ~~رواية عن أحمد قال في المائعات كذلك كما قاله الزهري وغيره فهؤلاء لا ~~ينجسون شيئا من المائعات PageV21P504 إلا بالتغير كما ذكره البخاري في ~~صحيحه لكن على المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء # وكذلك في المائعات إذا سويت به فنقول إذا وقع في المائع القليل نجاسة فصب ~~عليه مائع كثير فيكون الجميع طاهرا إذا لم يكن متغيرا وإن صب عليه ماء قليل ~~دون القلتين فصار الجميع كثيرا فوق القلتين ففي ذلك وجهان في مذهب أحمد # أحدهما وهو مذهب الشافعي في الماء إن الجميع طاهر # والوجه الثاني أنه لا يكون طاهرا حتى يكون المضاف كثيرا والمكاثرة ~~المعتبرة أن ms6469 يصب الطاهر على النجس ولو صب النجس على الطاهر الكثير كان كما ~~لو صب الماء النجس على ماء كثير طاهر أيضا وذلك مطهر له إذا لم يكن متغيرا ~~وإن صب القليل الذي لاقته النجاسة على قليل لم تلاقه النجاسة وكان الجميع ~~كثيرا فوق القلتين كان كالماء القليل إذا ضم إلى القليل وفي ذلك الوجهان ~~المتقدمان # وهذا القول الذي ذكرناه من أن المائعات كالماء أولى بعدم التنجيس من ~~الماء هو الأظهر في الأدلة الشرعية بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم ~~تنجيس الأشربة والأطعمة ولهذا أمر مالك بإراقة ما ولغ فيه PageV21P505 ~~الكلب من الماء القليل كما جاء في الحديث ولم يأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب ~~من الأطعمة والأشربة واستعظم إراقة الطعام والشراب بمثل ذلك وذلك لأن الماء ~~لا ثمن له في العادة بخلاف أشربة المسلمين وأطعمتهم فإن في نجاستها من ~~المشقة والحرج والضيق ما لا يخفى على الناس وقد تقدم أن جميع الفقهاء ~~يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب فإذا لم ينجسوا الماء الكثير رفعا للحرج ~~فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة والحرج في هذا أشق ولعل أكثر ~~المائعات الكثيرة لا تكاد تخلو من نجاسة # فإن قيل الماء يدفع النجاسة عن غيره فعن نفسه أولى وأحرى بخلاف المائعات # قيل الجواب عن ذلك من وجوه # أحدها أن الماء إنما دفعها عن غيره لأنه يزيلها عن ذلك المحل وتنتقل معه ~~فلا يبقى على المحل نجاسة وأما إذا وقعت فيه فإنما كان طاهرا لاستحالتها ~~فيه لا لكونه أزالها عن نفسه ولهذا يقول أصحاب أبي حنيفة إن المائعات ~~كالماء في الإزالة وهي كالماء في التنجيس وإذا كان كذلك لم يلزم من كون ~~الماء يزيلها إذا زالت معه أن يزيلها إذا كانت فيه ونظير الماء الذي فيه ~~النجاسة الغسالة المنفصلة عن المحل PageV21P506 وتلك نجسة قبل طهارة المحل ~~وفيها بعد طهارة المحل ثلاثة أوجه هل هي طاهرة أو مطهرة أو نجسة # وأبو حنيفة نظر إلى هذا المعنى فقال الماء ينجس بوقوعها فيه وإن كان ~~يزيلها ms6470 عن غيره لما ذكرنا فإذا كانت النصوص وقول الجمهور على أنها لا تنجس ~~بمجرد الوقوع مع الكثرة كما دل عليه قول النبي الماء طهور لا ينجسه شيء ~~وقوله إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث فإنه إذا كان طهورا يطهر به غيره ~~علم أنه لا ينجس بالملاقاة إذ لو نجس بها لكان إذا صب عليه النجاسة ينجس ~~بملاقاتها فحينئذ لا ينجس بوقوع النجاسة فيه لكن إن بقيت عين النجاسة حرمت ~~وإن استحالت زالت # فدل ذلك على أن استحالة النجاسة بملاقاته لها فيه لا ينجس وإن لم تكن قد ~~زالت كما زالت عن المحل فإن من قال أنه يدفعها عن نفسه كما يزيلها عن غيره ~~فقد خالف المشاهدة وهذا المعنى يوجد في سائر المائعات من الأشربة وغيرها # الوجه الثاني أن يقال غاية هذا أن يقتضي أنه يمكن إزالة النجاسة بالمائع ~~وهذا أحد القولين في مذهب أحمد ومالك كما هو مذهب أبي حنيفة وغيره وأحمد ~~جعله لازما لمن قال إن المائع لا ينجس PageV21P507 بملاقاة النجاسة وقال ~~يلزم على هذا أن تزال به النجاسة وهذا لأنه إذا دفعها عن نفسه دفعها عن ~~غيره كما ذكروه في الماء فيلزم جواز إزالته بكل مائع طاهر مزيل للعين قلاع ~~للأثر على هذا القول وهذا هو القياس فنقول به على هذا التقدير وإن كان لا ~~يلزم من دفعها عن نفسه دفعها عن غيره لكون الإحالة أقوى من الإزالة فيلزم ~~من قال أنه يجوز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات أن تكون المائعات ~~كالماء فإذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس إلا بالتغير إما مطلقا وإما ~~مع الكثرة فكذلك الصواب في المائعات # وفي الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين وهذا مقتضى ~~النص والقياس في مسألة إزالة النجاسات وفي مسألة ملاقاتها للمائعات الماء ~~وغير الماء # ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها والمعاني الشرعية المعتبرة في ~~الأحكام الشرعية تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال فإن نجاسة الماء والمائعات ~~بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة وكون ms6471 حكم النجاسة يبقى في ~~مواردها بعد إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول وموجب القياس # ومن كان فقيها خبيرا بمآخذ الأحكام الشرعية وأزال عنه الهوى PageV21P508 ~~تبين له ذلك ولكن إذا كان في استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك كما ينهى عن ~~ذبح الخيل التي يجاهد عليها والإبل التي يحج عليها والبقر التي يحرث عليها ~~ونحو ذلك لما في ذلك من الحاجة إليها لا لأجل الخبث كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي لما كان في بعض أسفاره مع أصحابه فنفدت أزوادهم فاستأذنوه في نحر ~~الظهر فاذن لهم ثم أتى عمر فسأله أن يجمع الأزواد فيدعو الله بالبركة فيها ~~ويبقى الظهر ففعل ذلك فنهيه لهم عن نحر الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب لا ~~لأن الإبل محرمة فهكذا ينهى فيما يحتاج إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة ~~النجاسة بها كما ينهى عن الاستنجاء بما له حرمة من طعام الإنس والجن وعلف ~~دواب الإنس والجن ولم يكن ذلك لكون هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها بل ~~لحرمتها فالقول في المائعات كالقول في الجامدات # الوجه الثالث أن يقال إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من إحالة ~~الماء وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات فإذا كان الماء لا ينجس ~~بما وقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته فالمائعات أولى وأحرى # الوجه الرابع أن النجاسة إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا لون ~~ولا ريح فلا نسلم أن يقال بنجاسته أصلا كما في الخمر المنقلبة أو ~~PageV21P509 أبلغ وطرد ذلك في جميع صور الاستحالة فإن الجمهور على أن ~~المستحيل من النجاسات طاهر كما هو المعروف عن الحنفية والظاهرية وهو أحد ~~القولين في مذهب مالك وأحمد ووجه في مذهب الشافعي # الوجه الخامس أن دفع المائعات للنجاسة عن نفسها كدفع الماء لا يختص ~~بالماء بل هذا الحكم ثابت في التراب وغيره فإن العلماء اختلفوا في النجاسة ~~إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة هل تطهر الأرض على ~~قولين # أحدهما تطهر وهو مذهب أبي ms6472 حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وهو ~~الصحيح في الدليل فإنه ثبت عن بن عمر رضي الله عنهما أنه قال كانت الكلاب ~~تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك وفي ~~السنن أنه قال إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه فإن كان فيهما أذى ~~فليدلكهما في التراب فإن التراب لهما طهور وكان الصحابة كعلي بن أبي طالب ~~وغيره يخوضون في الوحل ثم يدخلون يصلون بالناس ولا يغسلون أقدامهم # وأوكد من هذا قوله في ذيول النساء إذا أصابت أرضا طاهرة بعد أرض خبيثة ~~تلك بتلك وقوله يطهره PageV21P510 ما بعده وهذا هو أحد القولين في مذهب ~~أحمد وغيره وقد نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها ~~إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وهي من أجل المسائل وهذا لأن الذيول تتكرر ~~ملاقاتها للنجاسة فصارت كأسفل الخف ومحل الاستنجاء فإذا كان الشارع قد جعل ~~الجامدات تزيل النجاسة عن غيرها لأجل الحاجة كما في الاستنجاء بالأحجار ~~وجعل الجامد طهورا علم أن ذلك وصف لا يختص بالماء # وإذا كانت الجامدات لا تنجس بما استحال إليها من النجاسة فالمائعات أولى ~~وأحرى لأن إحالتها أشد وأسرع ولبسط هذه المسائل وما يتعلق بها مواضع غير ~~هذا # وأما من قال أن الدهن ينجس بما يقع فيه ففي جواز الاستصباح به قولان في ~~مذهب مالك والشافعي وأحمد أظهرهما جواز الاستصباح به كما نقل ذلك عن طائفة ~~من الصحابة وفي طهارته بالغسل وجهان في مذهب مالك والشافعي وأحمد # أحدهما يطهر بالغسل كما اختاره بن شريح وأبو الخطاب وبن شعبان وغيرهم وهو ~~المشهور من مذهب الشافعي وغيره # والثاني لا يطهر بالغسل وعليه أكثرهم وهذا النزاع يجري في PageV21P511 ~~الدهن المتغير بالنجاسة فإنه نجس بلا ريب ففي جواز الاستصباح به هذا النزاع ~~وكذلك في غسله هذا النزاع # وأما بيعه فالمشهور أنه لا يجوز بيعه لا من مسلم ولا من كافر وهو المشهور ~~في مذهب الشافعي وغيره وعن أحمد أنه يجوز بيعه من كافر إذا أعلم بنجاسته ms6473 ~~كما روي عن أبي موسى الأشعري وقد خرج قول له بجواز بيعه منهم من خرجه على ~~جواز الاستصباح به كما فعل أبو الخطاب وغيره وهو ضعيف لأن أحمد وغيره من ~~الأئمة فرقوا بينهما # ومنهم من خرج جواز بيعه على جواز تطهيره لأنه إذا جاز تطهيره صار كالثوب ~~النجس والإناء النجس وذلك يجوز بيعه وفاقا وكذلك أصحاب الشافعي لهم في جواز ~~بيعه إذا قالوا بجواز تطهيره وجهان ومنهم من قال يجوز بيعه مطلقا والله ~~أعلم وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # وأما المائعات كالزيت والسمن وغيرهما من الأدهان كالخل واللبن وغيرهما ~~إذا وقعت فيه نجاسة مثل الفأرة الميتة ونحوها من النجاسات ففي ذلك قولان ~~للعلماء PageV21P512 # أحدهما أن حكم ذلك حكم الماء وهذا قول الزهري وغيره من السلف وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد ويذكر رواية عن مالك في بعض المواضع وهذا هو أصل قول أبي ~~حنيفة حيث قاس الماء على المائعات # والثاني أن المائعات تنجس بوقوع النجاسة فيها بخلاف الماء فإنه يفرق بين ~~قليله وكثيره وهذا مذهب الشافعي وهو الرواية الأخرى عن مالك وأحمد # وفيها قول ثالث هو رواية عن أحمد وهو الفرق بين المائعات المائية وغيرها ~~فخل التمر يلحق بالماء وخل العنب لا يلحق به # وعلى القول الأول إذا كان الزيت كثيرا مثل أن يكون قلتين فإنه لا ينجس ~~إلا بالتغير كما نص على ذلك أحمد في كلب ولغ في زيت كثير فقال لا ينجس وإن ~~كان المائع قليلا انبنى على النزاع المتقدم في الماء القليل فمن قال إن ~~القليل لا ينجس إلا بالتغير قال ذلك في الزيت وغيره وبذلك أفتى الزهري لما ~~سئل عن الفأرة أو غيرها من الدواب تموت في سمن أو غيره من الأدهان فقال ~~تلقى وما قرب منها ويؤكل سواء كان قليلا أو كثيرا وسواء كان جامدا أو مائعا ~~وقد ذكر ذلك البخاري عنه في صحيحه لمعنى سنذكره إن شاء الله PageV21P513 # ومن قال إن المائع القليل ينجس بوقوع النجاسة قال إنه كالماء فإنه يطهر ~~بالمكاثرة كما يطهر ms6474 الماء بالمكاثرة فإذا صب عليه زيت كثير طهر الجميع ~~والقول بأن المائعات لا تنجس كما لا ينجس الماء هو القول الراجح بل هي أولى ~~بعدم التنجيس من الماء وذلك لأن الله أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث ~~والأطعمة والأشربة من الأدهان والألبان والزيت والخلول والأطعمة المائعة هي ~~من الطيبات التي أحلها الله لنا فإذا لم يظهر فيها صفة الخبث لا طعمه ولا ~~لونه ولا ريحه ولا شيء من أجزائه كانت على حالها في الطيب فلا يجوز أن تجعل ~~من الخبيث المحرمة مع أن صفاتها صفات الطيب لا صفات الخبائث فإن الفرق بين ~~الطيبات والخبائث بالصفات المميزة بينهما # ولأجل تلك الصفات حرم هذا وأحل هذا وإذا كان هذا الحب وقع فيه قطرة دم أو ~~قطرة خمر وقد استحالت واللبن باق على صفته والزيت باق على صفته لم يكن ~~لتحريم ذلك وجه فإن تلك قد استهلكت واستحالت ولم يبق لها حقيقة من الأحكام ~~يترتب عليها شيء من أحكام الدم والخمر وإنما كانت أولى بالطهارة من الماء ~~لأن الشارع رخص في إراقة الماء وإتلافه حيث لم يرخص في إتلاف المائعات ~~كالاستنجاء فإنه يستنجي بالماء دون هذه وكذلك إزالة سائر النجاسات بالماء ~~PageV21P514 # وأما استعمال المائعات في ذلك فلا يصح سواء قيل تزول النجاسة أولا تزول ~~ولهذا قال من قال من العلماء أن الماء يراق إذا ولغ فيه الكلب ولا تراق ~~آنية الطعام والشراب # وأيضا فإن الماء أسرع تغيرا بالنجاسة من الملح والنجاسة أشد استحالة في ~~غير الماء منها في الماء فالمائعات أبعد عن قبول التنجيس حسا وشرعا من ~~الماء فحيث لا ينجس الماء فالمائعات أولى أن لا تنجس # وأيضا فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن النبي أنه سئل عن فأرة وقعت في ~~سمن فقال ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم فأجابهم النبي جوابا عاما مطلقا بأن ~~يلقوها وما حولها وأن يأكلوا سمنهم ولم يستفصلهم هل كان مائعا أو جامدا ~~وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في ~~المقال مع أن ms6475 الغالب على سمن الحجاز أن يكون ذائبا وقد قيل أنه لا يكون إلا ~~ذائبا والغالب على السمن أنه لا يبلغ القلتين مع أنه لم يستفصل هل كان ~~قليلا أو كثيرا # فإن قيل فقد روي في الحديث إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم ~~وإن كان مائعا فلا تقربوه رواه أبو داود وغيره PageV21P515 # قيل هذه الزيادة هي التي اعتمد عليها من فرق بين المائع والجامد واعتقدوا ~~أنها ثابتة من كلام النبي وكانوا في ذلك مجتهدين قائلين بمبلغ علمهم ~~واجتهادهم وقد ضعف محمد بن يحيى الذهلي حديث الزهري وصحح هذه الزيادة لكن ~~قد تبين لغيرهم أن هذه الزيادة وقعت خطأ في الحديث ليست من كلام النبي # وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من كلام ~~النبي فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنا نفتي بها أولا فإن الرجوع إلى ~~الحق خير من التمادي في الباطل والبخاري والترمذي رحمة الله عليهما وغيرهما ~~من أئمة الحديث قد بينوا لنا أنها باطلة وأن معمرا غلط في روايته لها عن ~~الزهري وكان معمر كثير الغلط والأثبات من أصحاب الزهري كمالك ويونس وبن ~~عيينة خالفوه في ذلك وهو نفسه اضطربت روايته في هذا الحديث إسنادا ومتنا ~~فجعله عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وإنما هو عن عبيد الله بن عبد الله ~~عن بن عباس عن ميمونة وروي عنه في بعض طرقه أنه قال إن كان مائعا فاستصبحوا ~~به وفي بعضها فلا تقربوه # والبخاري بين غلطه في هذا بأن ذكر في صحيحه عن يونس عن الزهري نفسه أنه ~~سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال إن كان PageV21P516 جامدا أو مائعا قليلا أو ~~كثيرا تلقى وما قرب منها ويؤكل لأن النبي سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال ~~ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم فالزهري الذي مدار الحديث عليه قد أفتى في ~~المائع والجامد بأن تلقى الفأرة وما قرب منها ويؤكل واستدل بهذا الحديث كما ~~رواه عنه جمهور أصحابه فتبين أن من ms6476 ذكر عنه الفرق بين النوعين فقد غلط # وأيضا فالجمود والميعان أمر لا ينضبط بل يقع الاشتباه في كثير من الأطعمة ~~هل تلحق بالجامد أو المائع والشارع لا يفصل بين الحلال والحرام إلا بفصل ~~مبين لا اشتباه فيه كما قال تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم ما يتقون @QE@ والمحرمات مما يتقون فلا بد أن يبين لهم ~~المحرمات بيانا فاصلا بينها وبين الحلال وقد قال تعالى @QB@ وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم @QE@ # وأيضا فإذا كانت الخمر التي هي أم الخبائث إذا انقلبت بنفسها حلت باتفاق ~~المسلمين فغيرها من النجاسات أولى أن تطهر بالانقلاب وإذا قدر أن قطرة خمر ~~وقعت في خل مسلم بغير اختياره فاستحالت كانت أولى بالطهارة # فإن قيل الخمر لما نجست بالاستحالة طهرت بالاستحالة بخلاف غيرها والخمر ~~إذا قصد تخليلها لم تطهر PageV21P517 قيل في الجواب عن الأول أن جميع ~~النجاسات نجست بالاستحالة فإن الإنسان يأكل الطعام ويشرب الشراب وهي طاهرة ~~ثم تستحيل دما وبولا وغائطا فتنجس # وكذلك الحيوان يكون طاهرا فإذا مات احتبست فيه الفضلات وصار حاله بعد ~~الموت خلاف حاله في الحياة فينجس ولهذا يطهر الجلد بعد الدباغ عند الجمهور ~~سواء قيل إن الدباغ كالحياة أو قيل أنه كالذكاة فإن في ذلك قولين مشهورين ~~للعلماء والسنة تدل على أن الدباغ كالذكاة # وأما ما قصد تخليله فذلك لأن حبس الخمر حرام سواء حبست لقصد التخليل أو ~~لا والطهارة نعمة فلا تثبت النعمة بالفعل المحرم ### |||| وسئل # عن الرجل يسافر في الشتاء ويصيبه بلل المطر والنداوة ويمس مقادم الدواب ~~ورحالها وغير ذلك مما يشق الاحتراز منه على المسافر وينزل منازل متنجسة ~~يفرش عليها فرشه وغير ذلك مما يعلم من أحوال المسافر فهل يعفى عن ذلك وإذا ~~عفي عنه فهل إذا حضر في بلدته PageV21P518 يجب عليه غسل ما لامس ثيابه ~~وفرشه وفراءه وهي مرتبطة بتلك المقاود وآلة الدواب لا تخلو من النجاسات وقد ~~تكون في بعض الأوقات المقاود رطبة من بول أو بلل ويمسكها بيده ويلمس بيده ms6477 ~~ثيابه وقد تكون في الصيف يده عرقانة فهل يعفى عن جميع ذلك وإن عفي عنه في ~~السفر هل يكون عفوا له في الحضر أم يجب غسل ما ذكر فإن الكثير من الناس لا ~~يغسلون والأقل من الناس يعتنون بالغسل وهل كان الصحابة يغسلون من ذلك أم ~~يتجاوزون وهل يكون الغسل من ذلك بخلاف السنة والغرض متابعة الصحابة وما ~~كانوا عليه # وفي الرجل إذا مس ثوبه القصاب أو يده وعليه شيء من الدسم غسل ما أصابه ~~منه فهل هو في ذلك مصيب أو هذا وسواس وفي الرجل أيضا يصلي إلى جانبه قصاب ~~في المسجد فيقول مكان هذا القصاب غير طاهر لأن القصابين لا يتحرزون من ~~النجاسة في أبدانهم وثيابهم وإذا صافحه قصاب غسل يده وكذلك إذا مسه الطواف ~~باللحم غسل ما أصابه منه فهل هو مخطئ وما الحكم في ذلك وما الذي كانت عليه ~~الصحابة # وفي الرجل يأكل الشرائح وقد جرت العادة بأن عمالها لا يغسلون اللحم فهل ~~يحرم أكلها أو يكره لكون القصابين يذبحون بسكين PageV21P519 ويسلخون بها من ~~غير غسل وإذا عفي عنه في الأكل فهل يعفى عن الرجل يأكل من ذلك ويصيب ثوبه ~~وبدنه من ذلك ولا يغسله والمراد ما لو جرى بحضرة الصحابة أو فعل أفتونا ~~مأجورين ### ||||| فأجاب # أما مقاود الخيل ورباطها فطاهر باتفاق الأئمة لأن الخيل طاهرة ~~بالاتفاق ولكن الحمير فيها خلاف هل هي طاهرة أو نجسة أو مشكوك فيها والصحيح ~~الذي لا ريب فيه أن شعرها طاهر إذ قد بينا أن شعر الكلب طاهر فشعر الحمار ~~أولى وإنما الشبهة في ريق الحمار هل يلحق بريق الكلب أو بريق الخيل وأما ~~مقاودها وبراذعها فمحكوم بطهارتها وغاية ما فيها أنه قد يصيبها بول الدواب ~~وروثها # وبول البغل والحمار فيه نزاع بين العلماء منهم من يقول هو طاهر ومنهم من ~~ينجسه وهم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة لكن هل يعفى عن يسيره على قولين ~~هما روايتان عن أحمد فإذا عفي عن يسير بوله وروثه كان ما يصيب المقاود ~~وغيرها ms6478 معفوا عنه وهذا مع تيقن النجاسة # وأما مع الشك فالأصل في ذلك الطهارة والاحتياط في ذلك وسواس فإن الرجل ~~إذا أصابه ما يجوز أن يكون طاهرا ويجوز أن PageV21P520 يكون نجسا لم يستحب ~~له التجنب على الصحيح ولا الاحتياط فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر هو ~~وصاحب له بميزاب فقطر على صاحبه منه ماء فقال صاحبه يا صاحب الميزاب ماؤك ~~طاهر أو نجس فقال عمر يا صاحب الميزاب لا تخبره فإن هذا ليس عليه # وعلى القول بالعفو فإذا فرش في الخانات وغيرها على روث الحمير ونحوها ~~فإنه يعفى عن يسير ذلك وأما روث الخيل فالصحيح أنه طاهر فلا يحتاج إلى عفو ~~ولا يجب عليه شيء من ذلك إذا دخل الحضر وسواء كانت يده رطبة من ماء أو غير ~~ذلك فإنه لا يضره من المقاود وغسل المقاود بدعة لم ينقل ذلك عن الصحابة ~~رضوان الله عليهم بل كانوا يركبونها وامتن الله عليهم بذلك في قوله تعالى ~~@QB@ والخيل والبغال والحمير لتركبوها @QE@ وكان للنبي بغلة يركبها وروي ~~عنه أنه ركب الحمار وما نقل أنه أمر خدام الدواب أن يحترزوا من ذلك ### ||| فصل # وثوب القصاب وبدنه محكوم بطهارته وإن كان عليه دسم وغسل اليدين من ذلك ~~وسوسة وبدعة ومكانه من المسجد وغيره طاهر PageV21P521 وغاية ما يصيب القصاب ~~أن الدم يصيبه أحيانا فالذي يماسه إذا لم يكن عليه دم لا يضره ولو أصابه دم ~~يسير لعفي عنه لأن الدم اليسير معفو عنه ونجاسة القصاب ليست من نجاسة الدسم ~~فإن الدسم طاهر لا نجاسة فيه ويسير الدم معفو عنه وغسل يده من مصافحة ~~القصاب أو الطواف وسوسة وتنطع مخالف للسنة # وقد ذكر البخاري أن عمر بن الخطاب توضأ من جرة امرأة نصرانية وقد كان ~~النبي يقبل زبيبة الحسن وقد صلى وهو حامل أمامة ابنة ابنته فإذا سجد وضعها ~~وإذا قام حملها ومثل هذا كثير في الآثار يبين سعة الأمر في ذلك ### ||| فصل # أكل الشوي والشريح جائز سواء غسل اللحم أو لم يغسل بل غسل لحم ms6479 الذبيحة ~~بدعة فما زال الصحابة رضي الله عنهم على عهد النبي يأخذون اللحم فيطبخونه ~~ويأكلونه بغير غسله وكانوا يرون الدم في القدر خطوطا وذلك أن الله إنما حرم ~~عليهم الدم المسفوح أي المصبوب المهراق فأما ما يبقى في العروق فلم يحرمه ~~ولكن حرم عليهم أن يتبعوا العروق كما تفعل اليهود الذين بظلم منهم ~~PageV21P522 حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا # وسكين القصاب يذبح بها ويسلخ فلا تحتاج إلى غسل فإن غسل السكاكين التي ~~يذبح بها بدعة وكذلك غسل السيوف وإنما كان السلف يمسحون ذلك مسحا ولهذا جاز ~~في أحد قولي العلماء في الأجسام الصقيلة كالسيف والمرآة إذا أصابها نجاسة ~~أن تمسح ولا تغسل وهذا فيما لا يعفى عنه # فأما ما تعين عدم نجسه فلا يحتاج إلى غسل ولا مسح واليسير يعفى عنه وما ~~عفي عنه فالحمل والمشي بلا ريب فإن كل ما جاز أكله جاز مباشرته في الصلاة ~~وغيرها وليس كل ما جازت مباشرته في الصلاة وغيرها جاز أكله كالسموم المضرة ~~فإنه لا يجوز أكلها ولو باشرها وإن كانت طاهرة تجوز مباشرتها في الصلاة # وذلك لأن الله تعالى حرم علينا الخبائث وأباح لنا الطيبات والخبيث يضر ~~والطيب ينفع وما ضر في مباشرة الظاهر كانت مضرته بممازجة الأبدان إذا أكل ~~أقوى وأقوى وليس كل ما ضر بالممازجة والمخالطة يضر بالمباشرة والملامسة ~~ولهذا كان ما عفي عنه في الحمل كدم الجرح والدماميل وما يعلق بالسكين من دم ~~الشاة ونحو ذلك فهذا إذا وقع في ماء أو مائع فقيل إنه ينجسه وإنما يعفى عنه ~~في المائعات كما تقدم من أن الله إنما حرم الدم المسفوح وقد كان ~~PageV21P523 أصحاب رسول الله يدخل أحدهم أصبعه في خيشومه فيلوث أصابعه ~~بالدم فيمضي في صلاته وكذلك كانت أيديهم تصيب الدماميل والجراح ولم ينقل ~~عنهم أنهم كانوا يتحرجون من مباشرة المائعات حتى يغسلوا أيديهم # وقد ثبت أنهم كانوا يضعون اللحم بالقدر فيبقى الدم في الماء خطوطا وهذا ~~لا أعلم بين العلماء خلافا في العفو ms6480 عنه وأنه لا ينجس باتفاقهم وحينئذ فأي ~~فرق بين كون الدم في مرق القدر أو مائع آخر وكونه في السكين أو غيرها والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن رجل عنده ستون قنطار زيت بالدمشقي وقعت فيه فأرة في بئر واحدة فهل ~~ينجس بذلك أم لا وهل يجوز بيعه أو استعماله أم لا أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا ينجس بذلك بل يجوز بيعه واستعماله إذا لم يتغير في ~~إحدى الروايتين عن أحمد وحكم المائعات عنده حكم الماء في إحدى الروايتين ~~فلا ينجس إذا بلغ القلتين إلا بالتغير لكن تلقي النجاسة وما حولها وقد ذهب ~~إلى أن حكم المائعات حكم الماء طائفة PageV21P524 من العلماء كالزهري ~~والبخاري صاحب الصحيح # وقد ذكر ذلك رواية عن مالك وهو أيضا مذهب أبي حنيفة فإنه سوى بين الماء ~~والمائعات بملاقاة النجاسة وفي إزالة النجاسة وهو رواية عن أحمد في الإزالة ~~لكن أبو حنيفة رأى مجرد الوصول منجسا وجمهور الأئمة خالفوا في ذلك فلم يروا ~~الوصول منجسا مع الكثرة # وتنازعوا في القليل # إذ من الفقهاء من رأى أن مقتضى الدليل أن الخبث إذا وقع في الطيب أفسده ~~ومنهم من قال إنما يفسده إذا كان قد ظهر أثره فأما إذا استهلك فيه واستحال ~~فلا وجه لإفساده كما لو انقلبت الخمرة خلا بغير قصد آدمي فإنها طاهرة حلال ~~باتفاق الأئمة لكن مذهبه في الماء معروف وعلى هذا أدلة قد بسطناها في غير ~~هذا الموضع ولا دليل على نجاسته لا في كتاب الله ولا سنة رسوله # وعمدة الذين نجسوه احتجاجهم بحديث رواه أبو داود وغيره عن النبي أنه سئل ~~عن فأرة وقعت في سمن فقال إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم وإن ~~كان مائعا فلا PageV21P525 تقربوه وهذا الحديث إنما يدل لو دل على نجاسة ~~السمن الذي وقع فيه الفأرة فكيف والحديث ضعيف بل باطل غلط فيه معمر على ~~الزهري غلطا معروفا عند النقاد الجهابذة كما ذكره الترمذي عن البخاري # ومن اعتقد من الفقهاء أنه على شرط الصحيح فلم يعلم العلة ms6481 الباطنة فيه ~~التي توجب العلم ببطلانه فإن علم العلل من خواص علم أئمة الحديث ولهذا بين ~~البخاري في صحيحه ما يوجب فساد هذه الرواية وأن الحديث الصحيح هو على ~~طهارته أدل منه على النجاسة فقال # باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب # حدثنا عبدان قال حدثنا عبد الله يعني بن المبارك عن يونس عن الزهري أنه ~~سئل عن الدابة التي تموت في الزيت أو السمن وهو جامد أو غير جامد الفأرة أو ~~غيرها قال بلغنا أن رسول الله أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها ~~فطرح ثم أكل وفي حديث عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس عن ميمونة قال سئل ~~النبي عن فأرة وقعت في سمن فقال ألقوها وما حولها وكلوه فذكر البخاري عن بن ~~شهاب الزهري أعلم الأمة بالسنة في زمانه أنه أفتى في الزيت والسمن الجامد ~~وغير الجامد إذا ماتت فيه الفأرة أنها تطرح وما قرب منها PageV21P526 # واستدل بالحديث الذي رواه عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس أن النبي ~~سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال ألقوها وما حولها وكلوه ولم يقل النبي إن كان ~~مائعا فلا تقربوه بل هذا باطل فذكر البخاري رضي الله عنه هذا ليبين أن من ~~ذكر عن الزهري أنه روى في هذا الحديث هذا التفصيل فقد غلط عليه فإنه أجاب ~~بالعموم في الجامد والذائب مستدلا بهذا الحديث بعينه لا سيما والسمن ~~بالحجاز يكون ذائبا أكثر مما يكون جامدا بل قيل إنه لا يكون بالحجاز جامدا ~~بحال # فإطلاق النبي الجواب من غير تفصيل يوجب العموم إذ السؤال كالمعاد في ~~الجواب فكأنه قال إذا وقعت الفأرة في السمن فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم ~~وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يتنزل منزلة العموم في ~~المقال هذا إذا كان السمن بالحجاز يكون جامدا ويكون ذائبا فأما إن كان وجود ~~الجامد نادرا أو معدوما كان الحديث نصا في أن السمن الذائب إذا وقعت فيه ~~الفأرة فإنها تلقى ms6482 وما حولها ويؤكل وبذلك أجاب الزهري فإن مذهبه أن الماء ~~لا ينجس قليله ولا كثيره إلا بالتغير وقد ذكر البخاري في أوائل الصحيح ~~التسوية بين الماء والمائعات # وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة ودلائلها وكلام العلماء فيها ~~PageV21P527 في غير هذا الموضع كيف وفي تنجيس مثل ذلك وتحريمه من فساد ~~الأطعمة العظيمة وإتلاف الأموال العظيمة القدر ما لا تأتي بمثله الشريعة ~~الجامعة للمحاسن كلها والله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث تنزيها لنا عن ~~المضار وأباح لنا الطيبات كلها لم يحرم علينا شيئا من الطيبات كما حرم على ~~أهل الكتاب بظلمهم طيبات أحلت لهم ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها ~~واشتمالها على مصالح العباد في المبدأ والمعاد تبين له من ذلك ما يهديه ~~الله إليه @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ والله سبحانه ~~أعلم والحمد لله وحده وصلاته على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ### |||| وسئل # عن الزيت إذا كان في بئر ووقعت فيه نجاسة مثل الفأرة والحية ونحوهما ~~وماتا فيه فما الحكم إذا كان دون القلتين وإذا ولغ الكلب في الزيت أو اللبن ~~فما الحكم فيه ### ||||| فأجاب رحمه الله # إذا كان أكثر من القلتين فهو طاهر عند جمهور العلماء ~~كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم وإن كان دون القلتين ففيه قولان في مذهب أحمد ~~وغيره ومذهب المدنيين وكثير من أهل الحديث أنه طاهر كإحدى الروايتين عن ~~أحمد PageV21P528 وهو اختيار طائفة من أصحابه كابن عقيل وغيره وكذلك المائع ~~إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فيه نزاع معروف وقد بسط في موضع آخر # والأظهر أنه إذا لم يكن للنجاسة فيه أثر بل استهلكت فيه ولم تغير له لونا ~~ولا طعما ولا ريحا فإنه لا ينجس والله سبحانه أعلم ### |||| وسئل # عما إذا ولغ الكلب في اللبن ومخض اللبن وظهر فيه زبدة فهل يحل تطهير ~~الزبدة أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # اللبن وغيره من المائعات هل يتنجس بملاقاة النجاسة أو حكمه حكم ~~الماء هذا فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن أحمد وكذلك مالك له في ms6483 ~~النجاسة الواقعة في الطعام الكثير هل تنجسه فيه قولان # وأما ولوغ الكلب في الطعام فلا ينجسه عند مالك فهذا على أحد قولي العلماء ~~لم ينجس وعلى القول الآخر ينجس وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عن ~~أصحابه لكن عند هؤلاء هل يطهر PageV21P529 الدهن بالغسل فيه قولان في مذهب ~~الشافعي وأحمد وهما قولان في مذهب مالك أيضا # فمن قال إن الأدهان تطهر بالغسل قال بطهارته بالغسل وإلا فلا والله أعلم ### |||| وسئل # عن الكلب إذا ولغ في اللبن أو غيره ما الذي يجب في ذلك ### ||||| فأجاب # أما الكلب فقد تنازع العلماء فيه على ثلاثة أقوال # أحدها أنه طاهر حتى ريقه وهذا هو مذهب مالك # والثاني نجس حتى شعره وهذا هو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد # والثالث شعره طاهر وريقه نجس وهذا هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه وهذا أصح الأقوال فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ~~ينجس بذلك وإذا ولغ في الماء أريق الماء PageV21P530 # وإن ولغ في اللبن ونحوه فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول مالك ~~وغيره ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد فأما إن كان ~~اللبن كثيرا فالصحيح أنه لا ينجس كما تقدم ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن الجبن الإفرنجي والجوخ هل هما مكروهان أو قال أحد من الأئمة ممن يعتمد ~~قوله إنهما نجسان وأن الجبن يدهن بدهن الخنزير وكذلك الجوخ ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما الجبن المجلوب من بلاد الإفرنج فالذين كرهوه ذكروا ~~لذلك سببين # أحدهما أنه يوضع بينه شحم الخنزير إذا حمل في السفن # والثاني أنهم لا يذكون ما تصنع منه الأنفحة بل يضربون رأس البقر ولا ~~يذكونه # فأما الوجه الأول فغايته أن ينجس ظاهر الجبن فمتى كشط الجبن أو غسل طهر ~~فإن ذلك ثبت في الصحيح أن النبي PageV21P531 ### |||| سئل # عن فأرة وقعت في سمن ### ||||| فقال # ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم فإذا كان ملاقاة الفأرة للسمن لا توجب نجاسة ~~جميعه فكيف تكون ملاقاة الشحم النجس للجبن توجب ms6484 نجاسة باطنه ومع هذا فإنما ~~يجب إزالة ظاهره إذا تيقن إصابة النجاسة له وأما مع الشك فلا يجب ذلك # وأما الوجه الثاني فقد علم أنه ليس كل ما يعقرونه من الأنعام يتركون ~~ذكاته بل قد قيل إنهم إنما يفعلون هذا بالبقر وقيل أنهم يفعلون ذلك حتى ~~يسقط ثم يذكونه ومثل هذا لا يوجب تحريم ذبائحهم بل إذا اختلط الحرام ~~بالحلال في عدد لا ينحصر كاختلاط أخته بأهل بلد واختلاط الميتة والمغصوب ~~بأهل بلدة لم يوجب ذلك تحريم ما في البلد كما إذا اختلطت الأخت بالأجنبية ~~والمذكى بالميت فهذا القدر المذكور لا يوجب تحريم ذبائحهم المجهولة الحال ~~وبتقدير أن يكون الجبن مصنوعا من أنفحة ميتة فهذه المسألة فيها قولان ~~مشهوران للعلماء # أحدهما أن ذلك مباح طاهر كما هو قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين # والثاني أنه حرام نجس كقول مالك والشافعي وأحمد في PageV21P532 الرواية ~~الأخرى والخلاف مشهور في لبن الميتة وأنفحتها هل هو طاهر أم نجس والمطهرون ~~احتجوا بأن الصحابة أكلوا جبن المجوس مع كون ذبائحهم ميتة ومن خالفهم ~~نازعهم كما هو مذكور في موضع آخر # وأما الجوخ فقد حكى بعض الناس أنهم يدهنونه بشحم الخنزير وقال بعضهم إنه ~~ليس يفعل هذا به كله فإذا وقع الشك في عموم نجاسة الجوخ لم يحكم بنجاسة ~~عينه لإمكان أن تكون النجاسة لم تصبها إذ العين طاهرة ومتى شك في نجاستها ~~فالأصل الطهارة ولو تيقنا نجاسة بعض أشخاص نوع دون بعض لم نحكم بنجاسة جميع ~~أشخاصه ولا بنجاسة ما شككنا في تنجسه ولكن إذا تيقن النجاسة أو قصد قاصد ~~إزالة الشك فغسل الجوخة يطهرها فإن ذلك صوف أصابه دهن نجس وإصابة البول ~~والدم لثوب القطن والكتان أشد وهو به ألصق # وقد قال النبي لمن أصاب دم الحيض ثوبها حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء ~~وفي رواية ولا يضرك أثره والله أعلم PageV21P533 ### || 1 ( شرح القول في حكم منى الانسان وغيره ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل # عن مريض طبخ له دواء فوجد فيه زبل الفأر ### ||||| فأجاب # هذه ms6485 المسألة فيها نزاع معروف بين العلماء هل يعفى عن يسير بعر ~~الفأر ففي أحد القولين في مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما أنه يعفى عن يسيره ~~فيؤكل ما ذكر وهذا أظهر القولين والله أعلم ! 8 < وقال رحمه الله # أما بعد فقد كنا في مجلس التفقه في الدين والنظر في مدارك الأحكام ~~المشروعة تصويرا وتقريرا وتأصيلا وتفصيلا فوقع الكلام في شرح القول في حكم ~~مني الإنسان وغيره من الدواب الطاهرة وفي أرواث البهائم المباحة أهي طاهرة ~~أم نجسة على وجه أحب أصحابنا تقييده وما يقاربه من زيادة ونقصان فكتبت لهم ~~في ذلك فأقول ولا حول ولا قوة إلا بالله # هذا مبني على أصل وفصلين أما الأصل PageV21P534 # فاعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتباين ~~أوصافها أن تكون حلالا مطلقا للآدميين وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ~~ملابستها ومباشرتها ومماستها وهذه كلمة جامعة ومقالة عامة وقضية فاضلة ~~عظيمة المنفعة واسعة البركة يفزع إليها حملة الشريعة فيما لا يحصى من ~~الأعمال وحوادث الناس وقد دل عليها أدلة عشرة مما حضرني ذكره من الشريعة ~~وهي كتاب الله وسنة رسوله واتباع سبيل المؤمنين المنظومة في قوله تعالى ~~@QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ وقوله @QB@ إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا @QE@ ثم مسالك القياس والاعتبار ومناهج ~~الرأي والاستبصار # الصنف الأول الكتاب وهو عدة آيات # الآية الأولى قوله تعالى @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ ~~والخطاب لجميع الناس لافتتاح الكلام بقوله @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ~~@QE@ ووجه الدلالة أنه أخبر أنه خلق جميع ما في الأرض للناس مضافا إليهم ~~باللام واللام حرف الإضافة وهي توجب اختصاص المضاف بالمضاف إليه واستحقاقه ~~إياه من الوجه الذي يصلح له وهذا المعنى يعم موارد استعمالها كقولهم المال ~~لزيد والسرج للدابة وما أشبه ذلك فيجب إذا أن يكون الناس مملكين ممكنين ~~لجميع ما في الأرض PageV21P535 فضلا من الله ونعمة وخص من ذلك بعض الأشياء ~~وهي الخبائث لما فيها من الإفساد لهم في معاشهم أو معادهم فيبقى الباقي ms6486 ~~مباحا بموجب الآية # الآية الثانية قوله تعالى @QB@ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ~~وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه @QE@ دلت الآية من وجهين # أحدهما أنه وبخهم وعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه قبل أن ~~يحله باسمه الخاص فلو لم تكن الأشياء مطلقة مباحة لم يلحقهم ذم ولا توبيخ ~~إذ لو كان حكمها مجهولا أو كانت محظورة لم يكن ذلك # الوجه الثاني أنه قال @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم @QE@ والتفصيل ~~التبيين فبين أنه بين المحرمات فما لم يبين تحريمه ليس بمحرم وما ليس بمحرم ~~فهو حلال إذ ليس إلا حلال أو حرام # الآية الثالثة قوله تعالى @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه @QE@ وإذا كان ما في الأرض مسخرا لنا جاز استمتاعنا به كما تقدم ~~PageV21P536 # الآية الرابعة قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا @QE@ الآية فما لم يجد تحريمه ليس ~~بمحرم وما لم يحرم فهو حل ومثل هذه الآية قوله @QB@ إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير @QE@ الآية لأن حرف @QB@ إنما @QE@ يوجب حصر الأول في ~~الثاني فيجب انحصار المحرمات فيما ذكر وقد دل الكتاب على هذا الأصل المحيط ~~في مواضع أخر # الصنف الثاني السنة والذي حضرني منها حديثان # الحديث الأول في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله إن أعظم ~~المسلمين جرما من يسأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته دل ذلك على أن ~~الأشياء لا تحرم إلا بتحريم خاص لقوله لم يحرم ودل أن التحريم قد يكون لأجل ~~المسألة فبين بذلك أنها بدون ذلك ليست محرمة وهو المقصود # الثاني روى أبو داود في سننه عن سلمان الفارسي قال سئل رسول الله عن شيء ~~من السمن والجبن والفراء فقال الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم ~~الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه فمنه دليلان ms6487 PageV21P537 # أحدهما أنه أفتى بالإطلاق فيه # الثاني قوله وما سكت عنه فهو مما عفا عنه نص في أن ما سكت عنه فلا إثم ~~عليه فيه وتسميته هذا عفوا كأنه والله أعلم لأن التحليل هو الإذن في ~~التناول بخطاب خاص والتحريم المنع من التناول كذلك والسكوت عنه لم يؤذن ~~بخطاب يخصه ولم يمنع منه فيرجع إلى الأصل وهو أن لا عقاب إلا بعد الإرسال ~~وإذا لم يكن فيه عقاب لم يكن محرما وفي السنة دلائل كثيرة على هذا الأصل # الصنف الثالث اتباع سبيل المؤمنين وشهادة شهداء الله في أرضه الذين هم ~~عدول الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر المعصومين من اجتماعهم على ضلالة ~~المفروض اتباعهم وذلك أني لست أعلم خلاف أحد من العلماء السالفين في أن ما ~~لم يجئ دليل بتحريمه فهو مطلق غير محجور وقد نص على ذلك كثير ممن تكلم في ~~أصول الفقه وفروعه وأحسب بعضهم ذكر في ذلك الإجماع يقينا أو ظنا كاليقين # فإن قيل كيف يكون في ذلك إجماع وقد علمت اختلاف الناس في الأعيان قبل ~~مجيء الرسل وإنزال الكتب هل الأصل فيها الحظر أو الإباحة أو لا يدري ما ~~الحكم فيها أو أنه لا حكم لها أصلا واستصحاب الحال دليل متبع وأنه قد ذهب ~~بعض من صنف في أصول PageV21P538 الفقه من أصحابنا وغيرهم على أن حكم ~~الأعيان الثابت لها قبل الشرع مستصحب بعد الشرع وأن من قال بأن الأصل في ~~الأعيان الحظر استصحب هذا الحكم حتى يقوم دليل الحل # فأقول هذا قول متأخر لم يؤثر أصله عن أحد من السابقين ممن له قدم وذلك ~~أنه قد ثبت أنها بعد مجيء الرسل على الإطلاق وقد زال حكم ذلك الأصل بالأدلة ~~السمعية التي ذكرتها ولست أنكر أن بعض من لم يحط علما بمدارك الأحكام ولم ~~يؤت تمييزا في مظان الاشتباه ربما سحب ذيل ما قبل الشرع على ما بعده إلا أن ~~هذا غلط قبيح لو نبه له لتنبه مثل الغلط في الحساب لا يهتك حريم الإجماع ~~ولا يثلم سنن الاتباع ms6488 # ولقد اختلف الناس في تلك المسألة هل هي جائزة أم ممتنعة لأن الأرض لم تخل ~~من نبي مرسل إذ كان آدم نبيا مكلما حسب اختلافهم في جواز خلو الأقطار عن ~~حكم مشروع وإن كان الصواب عندنا جوازه # ومنهم من فرضها فيمن ولد بجزيرة إلى غير ذلك من الكلام الذي يبين لك أن ~~لا عمل بها وأنها نظر محض ليس فيه عمل كالكلام في مبدإ اللغات وشبه ذلك على ~~أن الحق الذي لا راد له PageV21P539 أن قبل الشرع لا تحليل ولا تحريم فإذا ~~لا تحريم يستصحب ويستدام فيبقى الآن كذلك والمقصود خلوها عن المآثم ~~والعقوبات # وأما مسلك الاعتبار بالأشباه والنظائر واجتهاد الرأي في الأصول الجوامع ~~فمن وجوه كثيرة ننبه على بعضها # أحدها أن الله سبحانه خلق هذه الأشياء وجعل فيها للإنسان متاعا ومنفعة ~~ومنها ما قد يضطر إليه وهو سبحانه جواد ماجد كريم رحيم غني صمد والعلم بذلك ~~يدل على العلم بأنه لا يعاقبه ولا يعذبه على مجرد استمتاعه بهذه الأشياء ~~وهوالمطلوب # وثانيها أنها منفعة خالية عن مضرة فكانت مباحة كسائر ما نص على تحليله ~~وهذا الوصف قد دل على تعلق الحكم به النص وهو قوله @QB@ ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث @QE@ فكل ما نفع فهو طيب وكل ما ضر فهو خبيث والمناسبة ~~الواضحة لكل ذي لب أن النفع يناسب التحليل والضرر يناسب التحريم والدوران ~~فإن التحريم يدور مع المضار وجودا في الميتة والدم ولحم الخنزير وذوات ~~الأنياب والمخالب والخمر وغيرها مما يضر بأنفس الناس وعدما في الأنعام ~~والألبان وغيرها # وثالثها أن هذه الأشياء إما أن يكون لها حكم أولا يكون PageV21P540 ~~والأول صواب والثاني باطل بالاتفاق وإذا كان لها حكم فالوجوب والكراهة ~~والاستحباب معلومة البطلان بالكلية لم يبق إلا الحل والحرمة باطلة لانتفاء ~~دليلها نصا واستنباطا لم يبق إلا الحل وهو المطلوب # إذا ثبت هذا الأصل فنقول الأصل في الأعيان الطهارة لثلاثة أوجه # أحدها أن الطاهر ما حل ملابسته ومباشرته وحمله في الصلاة والنجس بخلافه ~~وأكثر الأدلة السالفة تجمع جميع وجوه ms6489 الانتفاع بالأشياء أكلا وشربا ولبسا ~~ومسا وغير ذلك فثبت دخول الطهارة في الحل وهو المطلوب والوجهان الآخران ~~نافلة # الثاني أنه إذا ثبت أن الأصل جواز أكلها وشربها فلأن يكون الأصل ملابستها ~~ومخالطتها الخلق أولى وأحرى وذلك لأن الطعام يخالط البدن ويمازجه وينبت منه ~~فيصير مادة وعنصرا له فإذا كان خبيثا صار البدن خبيثا فيستوجب النار ولهذا ~~قال النبي كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ~~وأما ما يماس البدن ويباشره فيؤثر أيضا في البدن من ظاهر كتأثير الأخباث في ~~أبداننا وفي ثيابنا المتصلة بأبداننا لكن تأثيرها دون تأثير المخالط ~~الممازج فإذا ثبت حل مخالطة الشيء وممازجته فحل PageV21P541 ملابسته ~~ومباشرته أولى وهذا قاطع لا شبهة فيه وطرد ذلك أن كل ما حرم مباشرته ~~وملابسته حرم مخالطته وممازجته ولا ينعكس فكل نجس محرم الأكل وليس كل محرم ~~الأكل نجسا وهذا في غاية التحقيق # الوجه الثالث أن الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة ~~وأن النجاسات محصاة مستقصاة وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر كما يقولونه ~~فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل وما لا يحل نكاحه وشبه ذلك فإنه غاية ~~المتقابلات تجد أحد الجانبين فيها محصورا مضبوطا والجانب الآخر مطلق مرسل ~~والله تعالى الهادي للصواب ### || الفصل الأول القول في طهارة الأرواث والأبوال من الدواب والطير التي لم تحرم وعلى ذلك عدة أدلة # الدليل الأول أن الأصل الجامع طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها فكل ~~ما لم يبين لنا أنه نجس فهو طاهر وهذه الأعيان لم يبين لنا نجاستها فهي ~~طاهرة أما الركن الأول من الدليل فقد ثبت بالبراهين الباهرة والحجج القاهرة ~~وأما الثاني فنقول أن المنفي على PageV21P542 ضربين نفي نحصره ونحيط به ~~كعلمنا بأن السماء ليس فيها شمسان ولا قمران طالعان وأنه ليس لنا إلا قبلة ~~واحدة وأن محمدا لا نبي بعده بل علمنا أنه لا إله إلا الله وأن ما ليس بين ~~اللوحين ليس بقرآن وأنه لم يفرض إلا صوم شهر رمضان وعلم ms6490 الإنسان أنه ليس في ~~دراهم قبل ولا تغير وأنه لم يطعم وأنه البارحة لم ينم وغير ذلك مما يطول ~~عده فهذا كله نفي مستيقن يبين خطأ من يطلق قوله لا تقبل الشهادة على النفي # الثاني مالا يستيقن نفيه وعدمه ثم منه ما يغلب على القلب ويقوى في الرأي ~~ومنه ما لا يكون كذلك فإذا رأينا حكما منوطا بنفي من الصنف الثاني فالمطلوب ~~أن نرى النفي ويغلب على قلوبنا # والاستدلال بالاستصحاب وبعدم المخصص وعدم الموجب لحمل الكلام على مجازه ~~هو من هذا القسم فإذا بحثنا وسبرنا عما يدل على نجاسة هذه الأعيان والناس ~~يتكلمون فيها منذ مئات من السنين فلم نجد فيها إلا أدلة معروفة شهدنا شهادة ~~جازمة في هذا المقام بحسب علمنا أن لا دليل إلا ذلك # فنقول الاستدلال بهذا الدليل إنما يتم بفسخ ما استدل به على النجاسة ~~PageV21P543 ونقض ذلك وقد احتج لذلك بمسلكين أثري ونظري # أما الأثري فحديث بن عباس المخرج في الصحيحين أن رسول الله مر بقبرين ~~فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ~~وروى لا يستنزه والبول اسم جنس محلى باللام فيوجب العموم كالإنسان في قوله ~~@QB@ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا @QE@ فإن المرتضى أن أسماء ~~الأجناس تقتضي من العموم ما تقتضيه أسماء الجموع لست أقول الجنس الذي يفصل ~~بين واحده وكثيره الهاء كالتمر والبر والشجر فإن حكم تلك حكم الجموع بلا ~~ريب وإنما أقول اسم الجنس المفرد الدال على الشيء وعلى ما أشبهه كإنسان ~~ورجل وفرس وثوب وشبه ذلك # وإذا كان النبي قد أخبر بالعذاب من جنس البول وجب الاحتراز والتنزه من ~~جنس البول فيجمع ذلك أبوال جميع الدواب والحيوان الناطق والبهيم ما يؤكل ~~وما لا يؤكل فيدخل بول الأنعام في هذا العموم وهو المقصود # وهذا قد اعتمد عليه بعض من يدعي الاستدلال بالسمع وبعض الرأي وارتضاه بعض ~~من يتكايس وجعله مفزعا وموئلا PageV21P544 # المسلك الثاني النظري وهو من ثلاثة أوجه # أحدها القياس على البول المحرم فنقول بول ms6491 وروث فكان نجسا كسائر الأبوال ~~فيحتاج هذا القياس أن يبين أن مناط الحكم في الأصل هو أنه بول وروث وقد دل ~~على ذلك تنبيهات النصوص مثل قوله اتقوا البول وقوله كان بنو إسرائيل إذا ~~اصاب ثوب أحدهم البول قرضه بالمقراض # والمناسبة أيضا فإن البول والروث مستخبث مستقذر تعافه النفوس على حد يوجب ~~المباينة وهذا يناسب التحريم حملا للناس على مكارم الأخلاق ومحاسن الأحوال ~~وقد شهد له بالاعتبار تنجس أرواث الخبائث # الثاني أن نقول إذا فحصنا وبحثنا عن الحد الفاصل بين النجاسات والطهارات ~~وجدنا ما استحال في أبدان الحيوان عن أغذيتها فما صار جزءا فهو طيب الغذاء ~~وما فضل فهو خبيثه ولهذا يسمى رجيعا كأنه أخذ ثم رجع أي رد فما كان من ~~الخبائث يخرج من الجانب الأسفل كالغائط والبول والمني والوذي والودي فهو ~~نجس وما خرج من الجانب الأعلى كالدمع والريق والبصاق والمخاط ونخامة الرأس ~~فهو طاهر وما تردد كبلغم المعدة ففيه تردد PageV21P545 # وهذا الفصل بين ما خرج من أعلى البدن وأسفله قد جاء عن سعيد بن المسيب ~~ونحوه وهو كلام حسن في هذا المقام الضيق الذي لم يفقه كل الفقه حتى زعم ~~زاعمون أنه تعبد محض وابتلاء وتمييز بين من يطيع وبين من يعصي # وعندنا أن هذا الكلام لا حقيقة له بمفرده حتى يضم إليه أشياء أخر فرق من ~~فرق بين ما استحال في معدة الحيوان كالروث والقيء وما استحال من معدته ~~كاللبن # وإذا ثبت ذلك فهذه الأبوال والأرواث مما يستحيل في بدن الحيوان وينصع ~~طيبه ويخرج خبيثه من جهة دبره وأسفله ويكون نجسا فإن فرق بطيب لحم المأكول ~~وخبث لحم المحرم فيقال طيب الحيوان وشرفه وكرمه لا يوجب طهارة روثه فإن ~~الإنسان إنما حرم لحمه كرامة له وشرفا ومع ذلك فبوله أخبث الأبوال # ألا ترى أنكم تقولون إن مفارقة الحياة لا تنجسه وأن ما أبين منه وهو حي ~~فهو طاهر أيضا كما جاء في الأثر وإن لم يؤكل لحمه فلو كان إكرام الحيوان ~~موجبا لطهارة روثه لكان الإنسان ms6492 في ذلك القدح المعلى وهذا سر المسألة ~~ولبابها # الوجه الثالث أنه في الدرجة السفلى من الاستخباث والطبقة PageV21P546 ~~النازلة من الاستقذار كما شهد به أنفس الناس وتجده طبائعهم وأخلاقهم حتى لا ~~نكاد نجد أحدا ينزله منزلة در الحيوان ونسله وليس لنا إلا طاهر أو نجس وإذا ~~فارق الطهارات دخل في النجاسات والغالب عليه أحكام النجاسات من مباعدته ~~ومجانبته فلا يكون طاهرا لأن العين إذا تجاذبتها الأصول لحقت بأكثرها شبها ~~وهو متردد بين اللبن وبين غيره من البول وهو بهذا أشبه # ويقوي هذا أنه قال تعالى @QB@ في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا @QE@ ~~قد ثبت أن الدم نجس فكذلك الفرث لتظهر القدرة والرحمة في إخراج طيب من بين ~~خبيثين ويبين هذا جميعه أنه يوافق غيره من البول في خلقه ولونه وريحه وطعمه ~~فكيف يفرق بينهما مع هذه الجوامع التي تكاد تجعل حقيقة أحدهما حقيقة الآخر # فالوجه الأول قياس التمثيل وتعليق الحكم بالمشترك المدلول عليه # والثاني قياس التعليل بتنقيح مناط الحكم وضبط أصل كلي # والثالث التفريق بينه وبين جنس الطاهرات فلا يجوز إدخاله فيها فهذه أنواع ~~القياس أصل ووصل وفصل # فالوجه الأول هو الأصل والجمع بينه وبين غيره من الأخباث PageV21P547 # والثاني هوالأصل والقاعدة والضابط الذي يدخل فيه # والثالث الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات وهو قياس العكس فالجواب عن هذه ~~الحجج والله المستعان # أما المسلك الأول فضعيف جدا لوجهين # أحدهما أن اللام في البول للتعريف فتفيد ما كان معروفا عند المخاطبين فإن ~~كان المعروف واحدا معهودا فهو المراد وما لم يكن ثم عهد بواحد أفادت الجنس ~~إما جميعه على المرتضى أو مطلقه على رأي بعض الناس وربما كانت كذلك وقد نص ~~أهل المعرفة باللسان والنظر في دلالات الخطاب أنه لا يصار إلى تعريف الجنس ~~إلا إذا لم يكن ثم شيء معهود فأما إذا كان ثم شيء معهود مثل قوله تعالى ~~@QB@ كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول @QE@ صار معهودا بتقدم ~~ذكره وقوله @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم @QE@ هو معين لأنه معهود ms6493 ~~بتقدم معرفته وعلمه فإنه لا يكون لتعريف جنس ذلك الاسم حتى ينظر فيه هل ~~يفيد تعريف عموم الجنس أو مطلق الجنس فافهم هذا فإنه من محاسن المسالك # فإن الحقائق ثلاثة عامة وخاصة ومطلقة # فإذا قلت الإنسان قد تريد جميع الجنس وقد تريد مطلق PageV21P548 الجنس ~~وقد تريد شيئا بعينه من الجنس # فأما الجنس العام فوجوده في القلوب والنفوس علما ومعرفة وتصورا # وأما الخاص من الجنس مثل زيد وعمرو فوجوده هو حيث حل وهو الذي يقال له ~~وجود في الأعيان وفي خارج الأذهان وقد يتصور هكذا في القلب خاصا متميزا # وأما الجنس المطلق مثل الإنسان المجرد عن عموم وخصوص الذي يقال له نفس ~~الحقيقة ومطلق الجنس فهذا كما لا يتقيد في نفسه لا يتقيد بمحله إلا أنه لا ~~يدرك إلا بالقلوب فتجعل محلا له بهذا الاعتبار وربما جعل موجودا في الأعيان ~~باعتبار أن في كل إنسان حظا من مطلق الإنسانية فالموجود في العين المعينة ~~من النوع حظها وقسطها # فإذا تبين هذا فقوله فإنه كان لا يستنزه من البول بيان للبول المعهود وهو ~~الذي كان يصيبه وهو بول نفسه يدل على هذا أيضا سبعة أوجه # أحدها ما روى فإنه كان لا يستبرئ من البول والاستبراء لا يكون إلا من بول ~~نفسه لأنه طلب براءة الذكر كاستبراء الرحم من الولد PageV21P549 # الثاني أن اللام تعاقب الإضافة فقوله من البول كقوله من بوله وهذا مثل ~~قوله @QB@ مفتحة لهم الأبواب @QE@ أي أبوابها # الثالث أنه قد روي هذا الحديث من وجوه صحيحة فكان لا يستتر من بوله وهذا ~~يفسر تلك الرواية # ثم هذا الاختلاف في اللفظ متأخر عن منصور روى الأعمش عن مجاهد عن بن عباس ~~ومعلوم أن المحدث لا يجمع بين هذين اللفظين والأصل والظاهر عدم تكرر قول ~~النبي فعلم أنهم رووه بالمعنى ولم يبن أي اللفظين هو الأصل # ثم إن كان النبي قد قال اللفظين مع أن معنى أحدهما يجوز أن يكون موافقا ~~لمعنى الآخر ويجوز أن يكون مخالفا فالظاهر الموافقة يبين هذا أن الحديث في ms6494 ~~حكاية حال لما مر النبي بقبرين ومعلوم أنها قضية واحدة # الرابع أنه إخبار عن شخص بعينه أن البول كان يصيبه ولا يستتر منه ومعلوم ~~أن الذي جرت العادة به بول نفسه # الخامس أن الحسن قال البول كله نجس وقال أيضا لا بأس بأبوال الغنم فعلم ~~أن البول المطلق عنده هو بول الإنسان PageV21P550 # السادس أن هذا هو المفهوم للسامع عند تجرد قلبه عن الوسواس والتمريح فإنه ~~لا يفهم من قوله فإنه كان لا يستتر من البول إلا بول نفسه ولو قيل إنه لم ~~يخطر لأكثر الناس على بالهم جميع الأبوال من بول بعير وشاة وثور لكان صدقا # السابع أنه يكفي بأن يقال إذا احتمل أن يريد بول نفسه لأنه المعهود وأن ~~يريد جميع جنس البول لم يجز حمله على أحدهما إلا بدليل فيقف الاستدلال وهذا ~~لعمري تنزل وإلا فالذي قدمنا أصل مستقر من أنه يجب حمله على البول المعهود ~~وهو نوع من أنواع البول وهو بول نفسه الذي يصيبه غالبا ويترشرش على أفخاذه ~~وسوقه وربما استهان بإنقائه ولم يحكم الاستنجاء منه فأما بول غيره من ~~الآدميين فإن حكمه وإن ساوى حكم بول نفسه فليس ذلك من نفس هذه الكلمة بل ~~لاستوائهما في الحقيقة والاستواء في الحقيقة يوجب الاستواء في الحكم # ألا ترى أن أحدا لا يكاد يصيبه بول غيره ولو أصابه لساءه ذلك والنبي إنما ~~أخبر عن أمر موجود غالب في هذا الحديث وهو قوله اتقوا البول فإن عامة عذاب ~~القبر منه فكيف يكون عامة عذاب القبر من شيء لا يكاد يصيب أحدا من الناس ~~وهذا بين لا خفاء به PageV21P551 # الوجه الثاني أنه لو كان عاما في جميع الأبوال فسوف نذكر من الأدلة ~~الخاصة على طهارة هذا النوع ما يوجب اختصاصه من هذا الاسم العام ومعلوم من ~~الأصول المستقرة إذا تعارض الخاص والعام فالعمل بالخاص أولى لأن ترك العمل ~~به إبطال له وإهدار والعمل به ترك لبعض معاني العام وليس استعمال العام ~~وإرادة الخاص ببدع في الكلام بل هو غالب كثير ms6495 # ولو سلمنا التعارض على التساوي من هذا الوجه فإن في أدلتنا من الوجوه ~~الموجبة للتقديم والترجيح وجوها أخرى من الكثرة والعمل وغير ذلك مما سنبينه ~~إن شاء الله تعالى # ومن عجيب ما اعتمد عليه بعضهم قوله أكثر عذاب القبر من البول والقول فيه ~~كالقول فيما تقدم مع أنا نعلم إصابة الإنسان بول غيره قليل نادر وإنما ~~الكثير إصابته بول نفسه ولو كان أراد أن يدرج بوله في الجنس الذي يكثر وقوع ~~العذاب بنوع منه لكان بمنزلة قوله أكثر عذاب القبر من النجاسات # واعتمد أيضا على قوله لا يصلي أحدكم بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان ~~يعني البول والنجو وزعم أن هذا يفيد تسمية كل بول ونجو أخبث PageV21P552 ~~والأخبث حرام نجس وهذا في غاية السقوط فإن اللفظ ليس فيه شمول لغير ما ~~يدافع أصلا # وقوله إن الاسم يشمل الجنس كله فيقال له وما الجنس العام أكل بول ونجو أم ~~بول الإنسان ونجوه وقد علم أن الذي يدافع كل شخص من جنس الذي يدافع غيره ~~فأما ما لا يدافع أصلا فلا مدخل له في الحديث فهذه عمدة المخالف # وأما المسلك النظري فالجواب عنه من طريقين مجمل ومفصل # أما المفصل فالجواب عن الوجه الأول من وجهين # أحدهما لا نسلم أن العلة في الأصل أنه بول وروث وما ذكروه من تنبيه ~~النصوص فقد سلف الجواب بأن المراد بها بول الإنسان وما ذكروه من المناسبة ~~فنقول التعليل إما أن يكون بجنس استخباث النفس واستقذارها أو بقدر محدود من ~~الاستخباث والاستقذار # فإن كان الأول وجب تنجيس كل مستخبث مستقذر فيجب نجاسة المخاط والبصاق ~~والنخامة بل نجاسة المني الذي جاء الأثر بإماطته من الثياب بل ربما نفرت ~~النفوس عن بعض هذه الأشياء أشد من نفورها عن أرواث المأكول من البهائم مثل ~~مخطة المجذوم إذا اختلطت PageV21P553 بالطعام ونخامة الشيخ الكبير إذا وضعت ~~في الشراب وربما كان ذلك مدعاة لبعض الأنفس إلى أن يذرعه القيء # وإن كان التعليل بقدر موقت من الاستقذار فهذا قد يكون حقا لكن لا بد ms6496 من ~~بيان الحد الفاصل بين القدر من الاستخباث الموجب للتنجيس وبين ما لا يوجب ~~ولم يبين ذلك ولعل هذه الأعيان مما ينقض بيان استقذارها الحد المعتبر # ثم أن التقديرات في الأسباب والأحكام إنما تعلم من جهة استقذارها عن ~~الشرع في الأمر الغالب فنقول متى حكم بنجاسة نوع علمنا أنه مما غلظ ~~استخباثه ومتى لم يحكم بنجاسة نوع علمنا أنه لم يغلظ استخباثه فنعود ~~مستدلين بالحكم على المعتبر من العلة فمتى استربنا في الحكم فنحن في العلة ~~أشد استرابة فبطل هذا وأما الشاهد بالاعتبار فكما أنه شهد لجنس الاستخباث ~~شهد للاستخباث الشديد والاستقذار الغليظ # وثانيهما أن نقول لم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل أنه بول ما يؤكل ~~لحمه وهذه علة مطردة بالإجماع منا ومن المخالفين في هذه المسألة والانعكاس ~~إن لم يكن واجبا فقد حصل الغرض وإن كان شرطا في العلل فنقول فيه ما قالوا ~~في اطراد العلة وأولى حيث خولفوا فيه PageV21P554 وعدم الانعكاس أيسر من ~~عدم الاطراد # وإذا افترق الصنفان في اللحم والعظم واللبن والشعر فلم لا يجوز افتراقهما ~~في الروث والبول وهذه المناسبة أبين فإن كل واحد من هذه الأجزاء هو بعض من ~~أبعاض البهيمة أو متولد منها فيلحق سائرها قياسا لبعض الشيء على جملته # فإن قيل هذا منقوض بالإنسان فإنه طاهر ولبنه طاهر وكذلك سائر أمواهه ~~وفضلاته ومع هذا فروثه وبوله من أخبث الأخباث فحصل الفرق فيه بين البول ~~وغيره # فنقول اعلم أن الإنسان فارق غيره من الحيوان في هذا الباب طردا وعكسا ~~فقياس البهائم بعضها ببعض وجعلها في حيز يباين حيز الإنسان وجعل الإنسان في ~~حيز هو الواجب ألا ترى أنه لا ينجس بالموت على المختار وهي تنجس بالموت ثم ~~بوله أشد من بولها # ألا ترى أن تحريمه مفارق لتحريم غيره من الحيوان لكرم نوعه وحرمته حتى ~~يحرم الكافر وغيره وحتى لا يحل أن يدبغ جلده مع أن بوله أشد وأغلظ فهذا ~~وغيره يدل على أن بول الإنسان فارق سائر فضلاته أشد من مفارقة بول ms6497 البهائم ~~فضلاتها إما لعموم PageV21P555 ملابسته حتى لا يستخف به أو لغير ذلك مما ~~الله أعلم به على أنه يقال في عذرة الإنسان وبوله من الخبث والنتن والقذر ~~ما ليس في عامة الأبوال والأرواث وفي الجملة فإلحاق الأبوال باللحوم في ~~الطهارة والنجاسة أحسن طردا من غيره والله أعلم # وأما الوجه الثاني فنقول ذلك الأصل في الآدميين مسلم والذي جاء عن السلف ~~إنما جاء فيهم من الاستحالة في أبدانهم وخروجه من الشق الأعلى أو الأسفل ~~فمن أين يقال كذلك سائر الحيوان وقد مضت الإشارة إلى الفرق ثم مخالفوهم ~~يمنعونهم أكثر الأحكام في البهائم فيقولون قد ثبت أن ما خبث لحمه خبث لبنه ~~ومنيه بخلاف الآدمي فبطلت هذه القاعدة في الاستحالة بل قد يقولون إن جميع ~~الفضلات الرطبة من البهائم حكمها سواء فما طاب لحمه طاب لبنه وبوله وروثه ~~ومنيه وعرقه وريقه ودمعه وما خبث لحمه خبث لبنه وريقه وبوله وروثه ومنيه ~~وعرقه ودمعه وهذا قول يقوله أحمد في المشهور عنه وقد قاله غيره # وبالجملة فاللبن والمني يشهد لهم بالفرق بين الإنسان والحيوان شهادة ~~قاطعة وباستواء الفضلات من الحيوان ضربا من الشهادة فعلى هذا يقال للإنسان ~~يفرق بين ما يخرج من أعلاه وأسفله لما الله أعلم به فإنه منتصب القامة ~~نجاسته كلها في أعاليه ومعدته التي هي محل استحالة PageV21P556 الطعام ~~والشراب في الشق الأسفل وأما الثدي ونحوه فهو في الشق الأعلى وليس كذلك ~~البهيمة فإن ضرعها في الجانب المؤخر منها وفيه اللبن الطيب ولا مطمع في ~~إثبات الأحكام بمثل هذه الحزورات # وأما الوجه الثالث فمداره على الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات فإن فصل ~~بنوع الاستقذار بطل بجميع المستقذرات التي ربما كانت أشد استقذارا منه وإن ~~فصل بقدر خاص فلا بد من توقيته وقد مضى تقرير هذا # وأما الجواب العام فمن أوجه ثلاثة # أحدها إن هذا قياس في مقابلة الآثار المنصوصة وهو قياس فاسد الوضع ومن ~~جمع بين ما فرقت السنة بينه فقد ضاهى قول الذين قالوا @QB@ إنما البيع مثل ~~الربا وأحل الله ms6498 البيع وحرم الربا @QE@ ولذلك طهرت السنة هذا ونجست هذا # الثاني أن هذا قياس في باب لم تظهر أسبابه وأنواطه ولم يتبين مأخذه وما ~~بل الناس فيه على قسمين إما قائل يقول هذا استعباد محض وابتلاء صرف فلا ~~قياس ولا إلحاق ولا اجتماع ولا افتراق PageV21P557 وإما قائل يقول دقت ~~علينا علله وأسبابه وخفيت علينا مسالكه ومذاهبه وقد بعث الله إلينا رسولا ~~يزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة بعثه إلينا ونحن لا نعلم شيئا فإنما نصنع ما ~~رأيناه يصنع والسنة لا تضرب لها الأمثال ولا تعارض بآراء الرجال والدين ليس ~~بالرأي ويجب أن يتهم الرأي على الدين والقياس في مثل هذا الباب ممتنع ~~باتفاق أولي الألباب # الثالث أن يقال هذا كله مداره على التسوية بين بول ما يؤكل لحمه وبول ما ~~لا يؤكل لحمه وهو جمع بين شيئين مفترقين فإن ريح المحرم خبيثة وأما ريح ~~المباح فمنه ما قد يستطاب مثل أرواث الظباء وغيرها وما لم يستطب منه فليس ~~ريحه كريح غيره وكذلك خلقه غالبا فإنه يشتمل على أشياء من المباح وهذا لأن ~~الكلام في حقيقة المسألة وسنعود إليه إن شاء الله في آخرها # الدليل الثاني الحديث المستفيض أخرجه أصحاب الصحيح وغيرهم حديث أنس بن ~~مالك أن ناسا من عكل أو عرينة قدموا المدينة فاجتووها فأمر لهم النبي بلقاح ~~وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله ~~واستاقوا الذود وذكر الحديث فوجه الحجة أنه أذن لهم في شرب الأبوال ولا بد ~~أن يصيب أفواههم وأيديهم وثيابهم وآنيتهم فإذا كانت PageV21P558 نجسة وجب ~~تطهير أفواههم وأيديهم وثيابهم للصلاة وتطهير آنيتهم فيجب بيان ذلك لهم لأن ~~تأخير البيان عن وقت الاحتياج إليه لا يجوز ولم يبين لهم النبي أنه يجب ~~عليهم إماطة ما أصابهم منه فدل على أنه غير نجس ومن البين أن لو كانت أبوال ~~الإبل كأبوال الناس لأوشك أن يشتد تغليظه في ذلك # ومن قال إنهم كانوا يعلمون أنها نجسة وأنهم كانوا يعلمون وجوب التطهير من ~~النجاسات فقد أبعد غاية الإبعاد ms6499 وأتى بشيء قد يستيقن بطلانه لوجوه # أحدها أن الشريعة أول ما شرعت كانت أخفى وبعد انتشار الإسلام وتناقل ~~العلم وإفشائه صارت أبدى وأظهر وإذا كنا إلى اليوم لم يستبن لنا نجاستها بل ~~أكثر الناس على طهارتها وعامة التابعين عليه بل قد قال أبو طالب وغيره إن ~~السلف ما كانوا ينجسونها ولا يتقونها وقال أبو بكر بن المنذر وعليه اعتماد ~~أكثر المتأخرين في نقل الإجماع والخلاف وقد ذكر طهارة الأبوال عن عامة ~~السلف ثم قال قال الشافعي الأبوال كلها نجس قال ولا نعلم أحدا قال قبل ~~الشافعي أن أبوال الأنعام وأبعارها نجس # قلت وقد نقل عن بن عمر أنه سئل عن بول الناقة فقال PageV21P559 اغسل ما ~~أصابك منه وعن الزهري فيما يصيب الراعي من أبوال الإبل قال ينضح وعن حماد ~~بن أبي سليمان في بول الشاة والبعير يغسل ومذهب أبي حنيفة نجاسة ذلك على ~~تفصيل لهم فيه فلعل الذي أراده بن المنذر القول بوجوب اجتناب قليل البول ~~والروث وكثيره فإن هذا لم يبلغنا عن أحد من السلف ولعل بن عمر أمر بغسله ~~كما يغسل الثوب من المخاط والبصاق والمني ونحو ذلك وقد ثبت عن أبي موسى ~~الأشعري أنه صلى على مكان فيه روث الدواب والصحراء أمامه وقال ها هنا وها ~~هنا سواء وعن أنس بن مالك لا بأس ببول كل ذي كرش # ولست أعرف عن أحد من الصحابة القول بنجاستها بل القول بطهارتها إلا ما ~~ذكر عن بن عمر إن كان أراد النجاسة فمن أين يكون ذلك معلوما لأولئك # وثانيها أنه لو كان نجسا فوجوب التطهر من النجاسة ليس من الأمور البينة ~~قد أنكره في الثياب طائفة من التابعين وغيرهم فمن أين يعلمه أولئك # وثالثها أن هذا لو كان مستفيضا بين ظهراني الصحابة لم يجب أن يعلمه أولئك ~~لأنهم حديثو العهد بالجاهلية والكفر فقد كانوا PageV21P560 يجهلون أصناف ~~الصلوات وأعدادها وأوقاتها وكذلك غيرها من الشرائع الظاهرة فجهلهم بشرط خفي ~~في أمر خفي أولى وأحرى لا سيما والقوم لم يتفقهوا في الدين أدنى ms6500 تفقه ولذلك ~~ارتدوا ولم يخالطوا أهل العلم والحكمة بل حين أسلموا وأصابهم الاستيخام ~~أمرهم بالبداوة فيا ليت شعري من أين لهم العلم بهذا الأمر الخفي # ورابعها أن النبي لم يكن في تعليمه وإرشاده واكلا للتعليم إلى غيره بل ~~يبين لكل واحد ما يحتاج إليه وذلك معلوم لمن أحسن المعرفة بالسنن الماضية # وخامسها أنه ليس العلم بنجاسة هذه الأرواث أبين من العلم بنجاسة بول ~~الإنسان الذي قد علمه العذارى في حجالهن وخدورهن ثم قد حذر منه للمهاجرين ~~والأنصار الذين أوتوا العلم والإيمان فصار الأعراب الجفاة أعلم بالأمور ~~الخفية من المهاجرين والأنصار بالأمور الظاهرة فهذا كما ترى # وسادسها أنه فرق بين الأبوال والألبان وأخرجهما مخرجا واحدا والقران بين ~~الشيئين إن لم يوجب استواءهما فلا بد أن يورث شبهة فلو لم يكن البيان واجبا ~~لكانت المقارنة بينه وبين الطاهر موجبة للتمييز بينهما إن كان التمييز حقا ~~PageV21P561 # وفي الحديث دلالة أخرى فيها تنازع وهو أنه أباح لهم شربها ولو كانت محرمة ~~نجسة لم يبح لهم شربها ولست أعلم مخالفا في جواز التداوي بأبوال الإبل كما ~~جاءت السنة لكن اختلفوا في تخريج مناطه فقيل هو أنها مباحة على الإطلاق ~~للتداوي وغير التداوي وقيل بل هي محرمة وإنما أباحها للتداوي وقيل هي مع ~~ذلك نجسة والاستدلال بهذا الوجه يحتاج إلى ركن آخر وهو أن التداوي ~~بالمحرمات النجسة محرم والدليل عليه من وجوه # أحدها أن الأدلة الدالة على التحريم مثل قوله @QB@ حرمت عليكم الميتة ~~@QE@ وكل ذي ناب من السباع حرام و @QB@ إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس @QE@ عامة في حال التداوي وغير التداوي فمن فرق بينهما فقد ~~فرق بين ما جمع الله بينه وخص العموم وذلك غير جائز # فإن قيل فقد أباحها للضرورة والمتداوي مضطر فتباح له أو أنا نقيس إباحتها ~~للمريض على إباحتها للجائع بجامع الحاجة إليها # يؤيد ذلك أن المرض يسقط الفرائض من القيام في الصلاة والصيام في شهر ~~رمضان والانتقال من الطهارة بالماء إلى الطهارة بالصعيد فكذلك يبيح المحارم ~~لأن الفرائض والمحارم من واد ms6501 واحد # يؤيد ذلك أن المحرمات من الحلية واللباس مثل الذهب والحرير PageV21P562 ~~قد جاءت السنة بإباحة اتخاذ الأنف من الذهب وربط الأسنان به ورخص للزبير ~~وعبد الرحمن في لباس الحرير من حكة كانت بهما فدلت هذه الأصول الكثيرة على ~~إباحة المحظورات حين الاحتياج والافتقار إليها # قلت أما إباحتها للضرورة فحق وليس التداوي بضرورة لوجوه # أحدها أن كثيرا من المرضى أو أكثر المرضى يشفون بلا تداو لا سيما في أهل ~~الوبر والقرى والساكنين في نواحي الأرض يشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى ~~المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل أو ~~دعوة مستجابة أو رقية نافعة أو قوة للقلب وحسن التوكل إلى غير ذلك من ~~الأسباب الكثيرة غير الدواء وأما الأكل فهو ضروري ولم يجعل الله أبدان ~~الحيوان تقوم إلا بالغذاء فلو لم يكن يأكل لمات فثبت بهذا أن التداوي ليس ~~من الضرورة في شيء # وثانيها أن الأكل عند الضرورة واجب قال مسروق من اضطر إلى الميتة فلم ~~يأكل فمات دخل النار والتداوي غير واجب ومن نازع فيه خصمته السنة في المرأة ~~السوداء التي خيرها النبي بين الصبر على البلاء ودخول الجنة وبين الدعاء ~~PageV21P563 بالعافية فاختارت البلاء والجنة ولو كان رفع المرض واجبا لم ~~يكن للتخيير موضع كدفع الجوع وفي دعائه لأبي بالحمى وفي اختياره الحمى لأهل ~~قباء وفي دعائه بفناء أمته بالطعن والطاعون وفي نهيه عن الفرار من الطاعون # وخصمه حال أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء حين لم يتعاطوا ~~الأسباب الدافعة له مثل أيوب عليه السلام وغيره # وخصمه حال السلف الصالح فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حين قالوا له ~~ألا ندعو لك الطبيب قال قد رآني قالوا فما قال لك قال إني فعال لما أريد ~~ومثل هذا ونحوه يروى عن الربيع بن خيثم المخبت المنيب الذي هو أفضل ~~الكوفيين أو كأفضلهم وعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الهادي المهدي وخلق ~~كثير لا يحصون عددا # ولست أعلم سالفا أوجب التداوي وإنما كان كثير من ms6502 أهل الفضل والمعرفة يفضل ~~تركه تفضلا واختيارا لما اختار الله ورضي به وتسليما له وهذا المنصوص عن ~~أحمد وإن كان من أصحابه من يوجبه ومنهم من يستحبه ويرجحه كطريقة كثير من ~~السلف استمساكا لما خلقه الله من الأسباب وجعله من سنته في عباده ~~PageV21P564 # وثالثها أن الدواء لا يستيقن بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض ~~إذ لو اطرد ذلك لم يمت أحد بخلاف دفع الطعام للمسغبة والمجاعة فإنه مستيقن ~~بحكم سنة الله في عباده وخلقه # ورابعها أن المرض يكون له أدوية شتى فإذا لم يندفع بالمحرم انتقل إلى ~~المحلل ومحال أن لا يكون له في الحلال شفاء أو دواء والذي أنزل الداء أنزل ~~لكل داء دواء إلا الموت ولا يجوز أن يكون أدوية الأدواء في القسم المحرم ~~وهو سبحانه الرؤوف الرحيم وإلى هذا الإشارة بالحديث المروي إن الله لم يجعل ~~شفاء أمتي فيما حرم عليها بخلاف المسغبة فإنها وإن اندفعت بأي طعام اتفق ~~إلا أن الخبيث إنما يباح عند فقد غيره فإن صورت مثل هذا في الدواء فتلك ~~صورة نادرة لأن المرض أندر من الجوع بكثير وتعين الدواء المعين وعدم غيره ~~نادر فلا ينتقض هذا على أن في الأوجه السالفة غنى # وخامسها وفيه فقه الباب أن الله تعالى جعل خلقه مفتقرين إلى الطعام ~~والغذاء لا تندفع مجاعتهم ومسغبتهم إلا بنوع الطعام وصنفه فقد هدانا وعلمنا ~~النوع الكاشف للمسغبة المزيل للمخمصة وأما المرض فإنه يزيله بأنواع كثيرة ~~من الأسباب ظاهرة وباطنة روحانية وجسمانية فلم يتعين الدواء مزيلا ثم ~~الدواء بنوعه لم يتعين لنوع من PageV21P565 أنواع الأجسام في إزالة الداء ~~المعين ثم ذلك النوع المعين يخفى على اكثر الناس بل على عامتهم دركه ~~ومعرفته الخاصة المزاولون منهم هذا الفن أولوا الإفهام والعقول يكون الرجل ~~منهم قد أفنى كثيرا من عمره في معرفته ذلك ثم يخفى عليه نوع المرض وحقيقته ~~ويخفى عليه دواؤه وشفاؤه ففارقت الأسباب المزيلة للمرض الأسباب المزيلة ~~للمخمصة في هذه الحقائق البينة وغيرها فكذلك افترقت أحكامها كما ذكرنا ms6503 ~~وبهذا ظهر الجواب عن الأقيسة المذكورة والقول الجامع فيما يسقط ويباح ~~للحاجة والضرورة ما حضرني الآن # أما سقوط ما يسقط من القيام والصيام والاغتسال فلأن منفعة ذلك مستيقنة ~~بخلاف التداوي # وأيضا فإن ترك المأمور به أيسر من فعل المنهي عنه قال النبي إذا نهيتكم ~~عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فانظر كيف أوجب ~~الاجتناب عن كل منهي عنه وفرق في المأمور به بين المستطاع وغيره وهذا يكاد ~~يكون دليلا مستقلا في المسألة # وأيضا فإن الواجبات من القيام والجمعة والحج تسقط بأنواع من المشقة التي ~~لا تصلح لاستباحة شيء من المحظورات وهذا بين بالتأمل PageV21P566 # وأما الحلية فإنما أبيح الذهب للأنف وربط الأسنان لأنه اضطرار وهو يسد ~~الحاجة يقينا كالأكل في المخمصة # وأما لبس الحرير للحكة والجرب إن سلم ذلك فإن الحرير والذهب ليسا محرمين ~~على الإطلاق فإنهما قد أبيحا لأحد صنفي المكلفين وأبيح للصنف الآخر بعضهما ~~وأبيح التجارة فيهما وإهداؤهما للمشركين فعلم أنهما أبيحا لمطلق الحاجة ~~والحاجة إلى التداوي أقوى من الحاجة إلى تزين النساء بخلاف المحرمات من ~~النجاسات وأبيح أيضا لحصول المصلحة بذلك في غالب الأمر # ثم الفرق بين الحرير والطعام أن باب الطعام يخالف باب اللباس لأن تأثير ~~الطعام في الأبدان أشد من تأثير اللباس على ما قد مضى فالمحرم من الطعام لا ~~يباح إلا للضرورة التي هي المسغبة والمخمصة والمحرم من اللباس يباح للضرورة ~~وللحاجة أيضا هكذا جاءت السنة ولا جمع بين ما فرق الله بينه والفرق بين ~~الضرورات والحاجات معلوم في كثير من الشرعيات وقد حصل الجواب عن كل ما ~~يعارض به في هذه المسألة # الوجه الثاني أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله سئل عن الخمر أيتداوى بها ~~فقال إنها داء وليست بدواء PageV21P567 فهذا نص في المنع من التداوي بالخمر ~~ردا على من أباحه وسائر المحرمات مثلها قياسا خلافا لمن فرق بينهما فإن ~~قياس المحرم من الطعام أشبه من الغراب بالغراب بل الخمر قد كانت مباحة في ~~بعض أيام الإسلام وقد أباح ms6504 بعض المسلمين من نوعها الشرب دون الإسكار ~~والميتة والدم بخلاف ذلك # فإن قيل الخمر قد أخبر النبي أنها داء وليست بدواء فلا يجوز أن يقال هي ~~دواء بخلاف غيرها وأيضا ففي إباحة التداوي بها إجازة اصطناعها واعتصارها ~~وذلك داع إلى شربها ولذلك اختصت بالحد بها دون غيرها من المطاعم الخبيثة ~~لقوة محبة الأنفس لها # فأقول أما قولك لا يجوز أن يقال هي دواء فهو حق وكذلك القول في سائر ~~المحرمات على ما دل عليه الحديث الصحيح إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام ثم ~~ماذا تريد بهذا أتريد أن الله لم يخلق فيها قوة طبيعية من السخونة وغيرها ~~جرت العادة في الكفار والفساق أنه يندفع بها بعض الأدواء الباردة كسائر ~~القوى والطبائع التي أودعها جميع الأدوية من الأجسام 2 أم تريد شيئا آخر ~~فإن PageV21P568 أردت الأول فهو باطل بالقضايا المجربة التي تواطأت عليها ~~الأمم وجرت عند كثير من الناس مجرى الضروريات بل هو رد لما يشاهد ويعاين بل ~~قد قيل إنه رد للقرآن لقوله تعالى @QB@ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~@QE@ ولعل هذا في الخمر أظهر من جميع المقالات المعلومة من طيب الأبدان # وإن أردت أن النبي أخبر أنها داء للنفوس والقلوب والعقول وهي أم الخبائث ~~والنفس والقلب هو الملك المطلوب صلاحه وكماله وإنما البدن آلة له وهو تابع ~~له مطيع له طاعة الملائكة ربها فإذا صلح القلب صلح البدن كله وإذا فسد ~~القلب فسد البدن كله فالخمر هي داء ومرض للقلب مفسد له مضعضع لأفضل خواصه ~~الذي هو العقل والعلم وإذا فسد القلب فسد البدن كله كما جاءت به السنة ~~فتصير داء للبدن من هذا الوجه بواسطة كونها داء للقلب وكذلك جميع الأموال ~~المغصوبة والمسروقة فإنه ربما صلح عليها البدن ونبت وسمن لكن يفسد عليها ~~القلب فيفسد البدن بفساده # وأما المصلحة التي فيها فإنها منفعة للبدن فقط ونفعها متاع قليل فهي وأن ~~أصلحت شيئا يسيرا فهي في جنب ما تفسده كلا إصلاح وهذا بعينه معنى قوله ~~تعالى @QB@ فيهما إثم ms6505 كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ فهذا ~~لعمري شأن جميع المحرمات فإن فيها من PageV21P569 القوة الخبيثة التي تؤثر ~~في القلب ثم البدن في الدنيا والآخرة ما يربى على ما فيها من منفعة قليلة ~~تكون في البدن وحده في الدنيا خاصة # على أنا وإن لم نعلم جهة المفسدة في المحرمات فإنا نقطع أن فيها من ~~المفاسد ما يربى على ما نظنه من المصالح فافهم هذا فإن به يظهر فقه المسألة ~~وسرها # وأما إفضاؤه إلى اعتصارها فليس بشيء لأنه يمكن أخذها من أهل الكتاب على ~~أنه يحرم اعتصارها وإنما القول إذا كانت موجودة أن هذا منتقض بإطفاء الحرق ~~بها ودفع الغصة إذا لم يوجد غيرها # وأما اختصاصها بالحد فإن الحسن البصري يوجب الحد في الميتة أيضا والدم ~~ولحم الخنزير لكن الفرق أن في النفوس داعيا طبعيا وباعثا إراديا إلى الخمر ~~فنصب رادع شرعي وزاجر دنيوي أيضا ليتقابلا ويكون مدعاة إلى قلة شربها وليس ~~كذلك غيرها مما ليس في النفوس إليه كثير ميل ولا عظيم طلب # الوجه الثالث ما روى حسان بن مخارق قال قالت أم سلمة اشتكت بنت لي فنبذت ~~لها في كوز فدخل النبي وهو يغلي فقال ما هذا فقلت إن بنتي اشتكت فنبذنا لها ~~هذا فقال PageV21P570 إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام رواه أبو حاتم بن ~~حبان في صحيحه وفي رواية إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وصححه بعض ~~الحفاظ وهذا الحديث نص في المسألة # الوجه الرابع ما رواه أبو داود في السنن أن رجلا وصف له ضفدع يجعلها في ~~دواء فنهى النبي عن قتل الضفدع وقال إن نقنقتها تسبيح فهذا حيوان محرم ولم ~~يبح للتداوي # وهو نص في المسألة ولعل تحريم الضفدع أخف من تحريم الخبائث غيرها فإنه ~~أكثر ما قيل فيها أن نقنقتها تسبيح فما ظنك بالخنزير والميتة وغير ذلك وهذا ~~كله بين لك استخفافه بطلب الطب واقتضائه وإجرائه مجرى الرفق بالمريض وتطييب ~~قلبه ولهذا قال الصادق المصدوق لرجل قال له أنا طبيب قال ms6506 أنت رفيق والله ~~الطبيب # الوجه الخامس ما روي أيضا في سننه أن النبي نهى عن الدواء الخبيث وهو نص ~~جامع مانع وهو صورة الفتوى في المسألة # الوجه السادس الحديث المرفوع ما أبالي ما أتيت أو ما ركبت إذا شربت ~~ترياقا أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من نفسي مع PageV21P571 ما روي من ~~كراهة من كره الترياق من السلف على أنه لم يقابل ذلك نص عام ولا خاص يبلغ ~~ذروة المطلب وسنام المقصد في هذا الموضع ولولا أني كتبت هذا من حفظي ~~لاستقصيت القول على وجه يحيط بما دق وجل والله الهادي إلى سواء السبيل # الدليل الثالث وهو في الحقيقة رابع الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم وغيره ~~من حديث جابر بن سمرة وغيره أن رسول الله سئل عن الصلاة في مرابض الغنم ~~فقال صلوا فيها فإنها بركة وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال لا تصلوا ~~فيها فإنها خلقت من الشياطين ووجه الحجة من وجهين # أحدهما أنه أطلق الإذن بالصلاة ولم يشترط حائلا يقي من ملامستها والموضع ~~موضع حاجة إلى البيان فلو احتاج لبينه وقد مضى تقرير هذا وهذا شبيه بقول ~~الشافعي ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم ~~في المقال فإنه ترك استفصال السائل أهناك حائل يحول بينك وبين أبعارها مع ~~ظهور الاحتمال ليس مع قيامه فقط وأطلق الإذن بل هذا أوكد من ذلك لأن الحاجة ~~هنا إلى البيان أمس وأوكد # والوجه الثاني أنها لو كانت نجسة كأرواث الآدميين لكانت PageV21P572 ~~الصلاة فيها إما محرمة كالحشوش والكنف أو مكروهة كراهية شديدة لأنها مظنة ~~الأخباث والأنجاس فأما أن يستحب الصلاة فيها ويسميها بركة ويكون شأنها شأن ~~الحشوش أو قريبا من ذلك فهو جمع بين المتنافيين المتضادين وحاشا الرسول من ~~ذلك # ويؤيد هذا ما روي أن أبا موسى صلى في مبارك الغنم وأشار إلى البرية وقال ~~ها هنا وثم سواء وهو الصاحب الفقيه العالم بالتنزيل الفاهم للتأويل سوى بين ~~محل الأبعار وبين ما خلا عنها فكيف يجامع هذا القول ms6507 بنجاستها # وأما نهيه عن الصلاة في مبارك الإبل فليست اختصت به دون البقر والغنم ~~والظباء والخيل إذ لو كان السبب نجاسة البول لكان تفريقا بين المتماثلين ~~وهو ممتنع يقينا # الدليل الرابع وهو في الحقيقة سابع ما ثبت واستفاض من أن رسول الله طاف ~~على راحلته وأدخلها المسجد الحرام الذي فضله الله على جميع بقاع الأرض ~~وبركها حتى طاف أسبوعا وكذلك إذنه لأم سلمة أن تطوف راكبة ومعلوم أنه ليس ~~مع الدواب من العقل ما تمتنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود فلو كانت أبوالها نجسة لكان فيه تعريض PageV21P573 ~~المسجد الحرام للتنجيس مع أن الضرورة ما دعت إلى ذلك وإنما الحاجة دعت إليه ~~ولهذا استنكر بعض من يرى تنجيسها إدخال الدواب المسجد الحرام وحسبك بقول ~~بطلانا رده في وجه السنة التي لا ريب فيها # الدليل الخامس وهو الثامن ما روي عن النبي أنه قال فأما ما أكل لحمه فلا ~~بأس ببوله وهذا ترجمة المسألة إلا أن الحديث قد اختلف فيه قبولا وردا فقال ~~أبو بكر عبد العزيز ثبت عن النبي وقال غيره هو موقوف على جابر # فإن كان الأول فلا ريب فيه وإن كان الثاني فهو قول صاحب وقد جاء مثله عن ~~غيره من الصحابة أبي موسى الأشعري وغيره فينبني على أن قول الصحابة أولى من ~~قول من بعدهم وأحق أن يتبع وإن علم أنه انتشر في سائرهم ولم ينكروه فصار ~~إجماعا سكوتيا # الدليل السادس وهو التاسع الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود أن ~~رسول الله كان ساجدا عند الكعبة فأرسلت قريش عقبة بن أبي معيط إلى قوم قد ~~نحروا جزورا لهم فجاء بفرثها وسلاها فوضعهما على ظهر رسول الله وهو ساجد ~~ولم ينصرف حتى قضى صلاته فهذا أيضا بين في أن PageV21P574 ذلك الفرث والسلى ~~لم يقطع الصلاة ولا يمكن حمله فيما أرى إلا على أحد وجوه ثلاثة إما أن يقال ~~هو منسوخ وأعني بالنسخ أن هذا الحكم مرتفع وإن لم يكن قد ثبت لأنه ms6508 بخطاب ~~كان بمكة وهذا ضعيف جدا لأن النسخ لا يصار إليه إلا بيقين وأما بالظن فلا ~~يثبت النسخ وأيضا فإنا ما علمنا أن اجتناب النجاسة كان غير واجب ثم صار ~~واجبا لا سيما من يحتج على اجتناب النجاسة بقوله تعالى @QB@ وثيابك فطهر ~~@QE@ وسورة المدثر في أول المنزل فيكون فرض التطهير من النجاسات على قول ~~هؤلاء من أول الفرائض فهذا هذا # وإما أن يقال هذا دليل على جواز حمل النجاسة في الصلاة وعامة من يخالف في ~~هذه المسألة لا يقول بهذا القول فيلزمهم ترك الحديث ثم هذا قول ضعيف لخلافه ~~الأحاديث الصحاح في دم الحيض وغيره من الأحاديث ثم إني لا أعلمهم يختلفون ~~أنه مكروه وأن إعادة الصلاة منه أولى فهذا هذا لم يبق إلا أن يقال الفرث ~~والسلى ليس بنجس وإنما هو طاهر لأنه فرث ما يؤكل لحمه وهذا هو الواجب إن ~~شاء الله تعالى لكثرة القائلين به وظهور الدلائل عليه وبطول الوجهين ~~الأولين يوجب تعين هذا # فإن قيل ففيه السلى وقد يكون فيه دم قلنا يجوز أن PageV21P575 يكون دما ~~يسيرا بل الظاهر أنه يسير والدم اليسير معفو عن حمله في الصلاة # فإن قيل فالسلى لحم من ذبيحة المشركين وذلك نجس وذلك باتفاق قلنا لا نسلم ~~أنه قد كان حرم حينئذ ذبائح المشركين بل المظنون أو المقطوع به أنها لم تكن ~~حرمت حينئذ فإن الصحابة الذين أسلموا لم ينقل أنهم كانوا ينجسون ذبائح ~~قومهم وكذلك النبي لم ينقل عنه أنه كان يجتنب إلا ما ذبح للأصنام أما ما ~~ذبحه قومه في دورهم لم يكن يتجنبه ولو كان تحريم ذبائح المشركين قد وقع في ~~صدر الإسلام لكان في ذلك من المشقة على النفر القليل الذين أسلموا ما لا ~~قبل لهم به فإن عامة أهل البلد مشركون وهم لا يمكنهم أن يأكلوا ويشربوا إلا ~~من طعامهم وخبزهم وفي أوانيهم لقلتهم وضعفهم وفقرهم ثم الأصل عدم التحريم ~~حينئذ فمن ادعاه احتاج إلى دليل # الدليل السابع وهو العاشر ما صح عن النبي أنه نهى ms6509 عن الاستجمار بالعظم ~~والبعر وقال إنه زاد إخوانكم من الجن وفي لفظ قال فسألوني الطعام لهم ~~ولدوابهم فقلت لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يعود أوفر ما يكون لحما وكل ~~بعرة علف لدوابكم قال النبي فلا تستنجوا PageV21P576 بهما فإنهما زاد ~~إخوانكم من الجن # فوجه الدلالة ان النبي نهى أن يستنجى بالعظم والبعر الذي هو زاد إخواننا ~~من الجن وعلف دوابهم ومعلوم أنه إنما نهي عن ذلك لئلا ننجسه عليهم ولهذا ~~استنبط الفقهاء من هذا أنه لا يجوز الاستنجاء بزاد الإنس ثم أنه قد استفاض ~~النهي في ذلك والتغليظ حتى قال من تقلد وترا أو استنجى بعظم أو رجيع فإن ~~محمدا منه بريء # ومعلوم أنه لو كان البعر في نفسه نجسا لم يكن الاستنجاء به ينجسه ولم يكن ~~فرق بين البعر المستنجى به والبعر الذي لا يستنجى به وهذا جمع بين ما فرقت ~~السنة بينه ثم إن البعر لو كان نجسا لم يصلح أن يكون علفا لقوم مؤمنين ~~فإنها تصير بذلك جلالة ولو جاز أن تصير جلالة لجاز أن تعلف رجيع الإنس ~~ورجيع الدواب فلا فرق حينئذ ولأنه لما جعل الزاد لهم ما فضل عن الإنس ~~ولدوابهم ما فضل عن دواب الإنس من البعر شرط في طعامهم كل عظم ذكر اسم الله ~~عليه فلا بد أن يشرط في علف دوابهم نحو ذلك وهو الطهارة # وهذا يبين لك أن قوله في حديث بن مسعود لما أتاه بحجرين PageV21P577 ~~وروثة فقال إنها ركس إنما كان لكونها روثة آدمي ونحوه على أنها قضية عين ~~فيحتمل أن تكون روثة ما يؤكل لحمه وروثة ما لا يؤكل لحمه فلا يعم الصنفين ~~ولا يجوز القطع بأنها مما يؤكل لحمه مع أن لفظ الركس لا يدل على النجاسة ~~لأن الركس هو المركوس أي المردود وهو معنى الرجيع ومعلوم أن الاستنجاء ~~بالرجيع لا يجوز بحال إما لنجاسته وإما لكونه علف دواب إخواننا من الجن # الوجه الثامن وهو الحادي عشر أن هذه الأعيان لو كانت نجسة لبينه النبي ~~ولم يبينه ms6510 فليست نجسة وذلك لأن هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها ~~ومباشرتهم لكثير منها خصوصا الأمة التي بعث فيها رسول الله فإن الإبل ~~والغنم غالب أموالهم ولا يزالون يباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم ~~وسفرهم مع كثرة الاحتفاء فيهم حتى أن عمر رضي الله عنه كان يأمر بذلك ~~تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة وانتعلوا ومحالب الألبان كثيرا ما يقع فيها ~~من أبوالها وليس ابتلاؤهم بها بأقل من ولوغ الكلب في أوانيهم فلو كانت نجسة ~~يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها وعدم مخالطته ويمنع من الصلاة مع ~~ذلك ويجب تطهير الأرض مما فيه ذلك إذا صلى فيها والصلاة فيها تكثر في ~~أسفارهم وفي مراح أغنامهم ويحرم شرب اللبن الذي يقع فيه بعرها PageV21P578 ~~وتغسل اليد إذا أصابها البول أو رطوبة البعر إلى غير ذلك من أحكام النجاسة ~~لوجب أن يبين النبي بيانا تحصل به معرفة الحكم ولو بين ذلك لنقل جميعه أو ~~بعضه فإن الشريعة وعادة القوم توجب مثل ذلك فلما لم ينقل ذلك علم أنه لم ~~يبين لهم نجاستها # وعدم ذكر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها وعدم ~~النهي عنه والتقرير دليل الإباحة ومن وجه أن مثل هذا يجب بيانه بالخطاب ولا ~~تحال الأمة فيه على الرأي لأنه من الأصول لا من الفروع ومن جهة أن ما سكت ~~الله عنه فهو مما عفا عنه لا سيما إذا وصل بهذا الوجه # الوجه التاسع وهو الثاني عشر وهو أن الصحابة والتابعين وعامة السلف قد ~~ابتلي الناس في أزمانهم بأضعاف ما ابتلوا في زمن النبي ولا يشك عاقل في ~~كثرة وقوع الحوادث المتعلقة بهذه المسألة ثم المنقول عنهم أحد شيئين إما ~~القول بالطهارة أو عدم الحكم بالنجاسة مثل ما ذكرناه عن أبي موسى وأنس وعبد ~~الله بن مغفل أنه كان يصلي وعلى رجليه أثر السرقين وهذا قد عاين أكابر ~~الصحابة بالعراق وعن عبيد بن عمير قال إن لي غنما تبعر في مسجدي وهذا قد ~~عاين أكابر الصحابة بالحجاز وعن إبراهيم PageV21P579 النخعي فيمن يصلي ms6511 وقد ~~أصابه السرقين قال لا بأس وعن أبي جعفر الباقر ونافع مولى بن عمر أنه أصابت ~~عمامته بول بعير فقالا جميعا لا بأس وسألهما جعفر الصادق وهو أشبه بالدليل ~~على أن ما روي عن بن عمر في ذلك من الغسل إما ضعيف أو على سبيل الاستحباب ~~والتنظيف فإن نافعا لا يكاد يخفى عليه طريقة بن عمر في ذلك ولا يكاد يخالفه ~~والمأثور عن السلف في ذلك كثير # وقد نقل عن بعضهم ألفاظ إن ثبتت فليست صريحة بنجاسة محل النزاع مثل ما ~~روي عن الحسن أنه قال البول كله يغسل وقد روي عنه أنه قال لا بأس بأبوال ~~الغنم فعلم أنه أراد بول الإنسان الذكر والأنثى والكبير والصغير وكذلك ما ~~روي عن أبي الشعثاء أنه قال الأبوال كلها أنجاس فلعله أراد ذلك إن ثبت عنه ~~وقد ذكرنا عن بن المنذر وغيره أنه لم يعرف عن أحد من السلف القول بنجاستها ~~ومن المعلوم الذي لا شك فيه أن هذا إجماع على عدم النجاسة بل مقتضاه أن ~~التنجيس من الأقوال المحدثة فيكون مردودا بالأدلة الدالة على إبطال الحوادث ~~لا سيما مقالة محدثة مخالفة لما عليه الصدر الأول ومن المعلوم أن الأعيان ~~الموجودة في زمانهم ومكانهم إذا أمسكوا عن تحريمها وتنجيسها مع الحاجة إلى ~~بيان ذلك كان تحريمها وتنجيسها ممن بعدهم بمنزلة أن يمسكوا عن بيان أفعال ~~يحتاج إلى بيان وجوبها لو كان PageV21P580 ثابتا فيجيء من بعدهم فيوجبها # ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكروا وجوبا ولا تحريما كان ~~إجماعا منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم وهو المطلوب وهذه الطريقة ~~معتمدة في كثير من الأحكام وهي أصل عظيم ينبغي للفقيه أن يتأملها ولا يغفل ~~عن غورها لكن لا يسلم إلا بعدم ظهور الخلاف في الصدر الأول فإن كان فيه ~~خلاف محقق بطلت هذه الطريقة والحق أحق أن يتبع # الوجه العاشر وهو الثالث عشر في الحقيقة أنا نعلم يقينا أن الحبوب من ~~الشعير والبيضاء والذرة ونحوها كانت تزرع في مزارع المدينة على عهد النبي ms6512 ~~وأهل بيته ونعلم أن الدواب إذا داست فلا بد أن تروث وتبول ولو كان ذلك ينجس ~~الحبوب لحرمت مطلقا أو لوجب تنجيسها # وقد أسلمت الحجاز واليمن ونجد وسائر جزائر العرب على عهد رسول الله وبعث ~~إليهم سعاته وعماله يأخذون عشور حبوبهم من الحنطة وغيرها وكانت سمراء الشام ~~تجلب إلى المدينة فيأكل منها رسول الله والمؤمنون على عهده وعامل أهل خيبر ~~بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع وكان يعطي المرأة من نسائه ثمانين وسق شعير ~~من غلة خيبر وكل هذه PageV21P581 تداس بالدواب التي تروث وتبول عليها فلو ~~كانت تنجس بذلك لكان الواجب على أقل الأحوال تطهير الحب وغسله ومعلوم أنه ~~لم يفعل ذلك ولا فعل على عهده فعلم أنه لم يحكم بنجاستها # ولا يقال هو لم يتيقن أن ذلك الحب الذي أكله مما أصابه البول والأصل ~~الطهارة لأنا نقول فصاحب الحب قد تيقن نجاسة بعض حبه واشتبه عليه الطاهر ~~بالنجس فلا يحل له استعمال الجميع بل الواجب تطهير الجميع كما إذا علم ~~نجاسة بعض البدن أو الثوب أو الأرض وخفي عليه مكان النجاسة غسل ما يتيقن به ~~غسلها وهو لم يأمر بذلك # ثم اشتباه الطاهر بالنجس نوع من اشتباه الطعام الحلال بالحرام فكيف يباح ~~أحدهما من غير تحر فإن القائل إما أن يقول يحرم الجميع وإما أن يقول ~~بالتحري فأما الأكل من أحدهما بلا تحر فلا أعرف أحدا جوزه وإنما يستمسك ~~بالأصل مع تيقن النجاسة ولا محيص عن هذا الدليل إلا إلى أحد أمرين إما أن ~~يقال بطهارة هذه الأبوال والأرواث أو أن يقال عفى عنها في هذا الموضع ~~للحاجة كما يعفى عن ريق الكلب في بدن الصيد على أحد PageV21P582 الوجهين ~~وكما يطهر محل الاستنجاء بالحجر في أحد الوجهين إلى غير ذلك من مواضع ~~الحاجات # فيقال الأصل فيما استحل جريانه على وفاق الأصل فمن ادعى أن استحلال هذا ~~مخالف للدليل لأجل الحاجة فقد ادعى ما يخالف الأصل فلا يقبل منه إلا بحجة ~~قوية وليس معه من الحجة ما يوجب أن ms6513 يجعل هذا مخالفا للأصل # ولا شك أنه لو قام دليل يوجب الحظر لأمكن أن يستثنى هذا الموضع فأما ما ~~ذكر من العموم الضعيف والقياس الضعيف فدلالة هذا الموضع على الطهارة ~~المطلقة أقوى من دلالة تلك على النجاسة المطلقة على ما تبين عند التأمل على ~~أن ثبوت طهارتها والعفو عنها في هذا الموضع أحد موارد الخلاف فيبقى إلحاق ~~الباقي به بعدم القائل بالفرق # ومن جنس هذا الوجه الحادي عشر وهو الرابع عشر وهو إجماع الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها ~~بالبقر ونحوها مع القطع ببولها وروثها على الحنطة ولم ينكر ذلك منكر ولم ~~يغسل الحنطة لأجل هذا أحد ولا احترز عن شيء مما في البيادر لوصول البول ~~إليه PageV21P583 والعلم بهذا كله علم اضطراري ما أعلم عليه سؤالا ولا أعلم ~~لمن يخالف هذا شبهة # وهذا العمل إلى زماننا متصل في جميع البلاد لكن لم نحتج بإجماع الأعصار ~~التي ظهر فيها هذا الخلاف لئلا يقول المخالف أنا أخالف في هذا وإنما ~~احتججنا بالإجماع قبل ظهور الخلاف # وهذا الإجماع من جنس الإجماع على كونهم كانوا يأكلون الحنطة ويلبسون ~~الثياب ويسكنون البناء فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع ونتيقن أنهم كانوا ~~يأكلون ذلك الحب ويقرون على أكله ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب ~~ونتيقن أن لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى أياما ويطول دياسها له وهذه ~~كلها مقدمات يقينية # الوجه الثاني عشر وهو الخامس عشر أن الله تعالى قال @QB@ وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين والركع السجود @QE@ فأمر بتطهير بيته الذي هو المسجد ~~الحرام وصح عنه أنه أمر بتنظيف المساجد وقال جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا ~~وطهورا وقال الطواف بالبيت صلاة ومعلوم قطعا أن الحمام لم يزل ملازما ~~للمسجد الحرام لأمنه وعبادة بيت الله وأنه لا يزال ذرقه ينزل في المسجد وفي ~~المطاف والمصلى فلو كان نجسا لتنجس المسجد بذلك ولوجب PageV21P584 تطهير ~~المسجد منه إما بإبعاد الحمام أو بتطهير المسجد أو بتسقيف المسجد ولم تصح ms6514 ~~الصلاة في أفضل المساجد وأمها وسيدها لنجاسة أرضه وهذا كله مما يعلم فساده ~~يقينا # ولا بد من أحد قولين إما طهارته مطلقا أو العفو عنه كما في الدليل قبله ~~وقد بينا رجحان القول بالطهارة المطلقة # الدليل الثالث عشر وهو في الحقيقة السادس عشر مسلك التشبيه والتوجيه ~~فنقول والله الهادي اعلم أن الفرق بين الحيوان المأكول وغير المأكول إنما ~~فرق بينهما لافتراق حقيقتهما وقد سمى الله هذا طيبا وهذا خبيثا # وأسباب التحريم إما القوة السبعية التي تكون في نفس البهيمة فأكلها يورث ~~نبات أبداننا منها فتصير أخلاق الناس أخلاق السباع أو لما الله أعلم به ~~وإما خبث مطعمها كما يأكل الجيف من الطير أو لأنها في نفسها مستخبثة ~~كالحشرات فقد رأينا طيب المطعم يؤثر في الحل وخبثه يؤثر في الحرمة كما جاءت ~~به السنة في لحوم الجلالة ولبنها وبيضها فإنه حرم الطيب لاغتذائه بالخبيث ~~وكذلك النبات المسقي بالماء النجس والمسمد بالسرقين عند من يقول به وقد ~~رأينا عدم الطعام يؤثر في طهارة البول أو خفة نجاسته مثل الصبي الذي لم ~~يأكل PageV21P585 الطعام فهذا كله يبين أشياء # منها أن الأبوال قد يخفف شأنها بحسب المطعم كالصبي وقد ثبت أن المباحات ~~لا تكون مطاعمها إلا طيبة فغير مستنكر أن تكون أبوالها طاهرة لذلك # ومنها أن المطعم إذا خبث وفسد حرم ما نبت منه من لحم ولبن وبيض كالجلالة ~~والزرع المسمد وكالطير الذي يأكل الجيف فإذا كان فساده يؤثر في تنجيس ما ~~توجبه الطهارة والحل فغير مستنكر أن يكون طيبه وحله يؤثر في تطهير ما يكون ~~في محل آخر نجسا محرما فإن الأرواث والأبوال مستحيلة مخلوقة في باطن ~~البهيمة كغيرها من اللبن وغيره # يبين هذا ما يوجد في هذه الأرواث من مخالفتها غيرها من الأرواث في الخلق ~~والريح واللون وغير ذلك من الصفات فيكون فرق ما بينها فرق ما بين اللبنين ~~والمنبتين وبهذا يظهر خلافها للإنسان # يؤكد ذلك ما قد بيناه من أن المسلمين من الزمن المتقدم وإلى اليوم في كل ~~عصر ومصر ما ms6515 زالوا يدوسون الزروع المأكولة بالبقر ويصيب الحب من أرواث ~~البقر وأبوالها وما سمعنا أحدا من المسلمين PageV21P586 غسل حبا ولو كان ~~ذلك منجسا أو مستقذرا لأوشك أن ينهوا عنها وأن تنفر عنه نفوسهم نفورها عن ~~بول الإنسان # ولو قيل هذا إجماع عملي لكان حقا وكذلك ما زال يسقط في المحالب من أبعار ~~الأنعام ولا يكاد أحد يحترز من ذلك ولذلك عفا عن ذلك بعض من يقول بالتنجيس ~~على أن ضبط قانون كلي في الطاهر والنجس مطرد منعكس لم يتيسر وليس ذلك ~~بالواجب علينا بعد علمنا بالأنواع الطاهرة والأنواع النجسة فهذه إشارة ~~لطيفة إلى مسالك الرأي في هذه المسألة وتمامه ما حضرني كتابه في هذا المجلس ~~والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ### || الفصل الثاني في مني الآدمي # وفيه أقوال ثلاثة # أحدها أنه نجس كالبول فيجب غسله رطبا ويابسا من البدن والثوب وهذا قول ~~مالك والأوزاعي والثوري وطائفة # وثانيها أنه نجس يجزئ فرك يابسه وهذا قول أبي حنيفة PageV21P587 وإسحاق ~~ورواية عن أحمد # ثم هنا أوجه قيل يجزئ فرك يابسه ومسح رطبه من الرجل دون المرأة لأنه يعفى ~~عن يسيره ومني الرجل يتأتى فركه ومسحه بخلاف مني المرأة فإنه رقيق كالمذي ~~وهذا منصوص أحمد # وقيل يجزئ فركه فقط منهما لذهابه بالفرك وبقاء أثره بالمسح # وقيل بل الجواز مختص بالفرك من الرجل دون المرأة كما جاءت به السنة كما ~~سنذكره # وثالثها أنه مستقذر كالمخاط والبصاق وهذا قول الشافعي وأحمد في المشهور ~~عنه وهو الذي نصرناه والدليل عليه وجوه # أحدها ما أخرج مسلم وغيره عن عائشة قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ~~ثم يذهب فيصلي فيه وروي في لفظ الدارقطني كنت أفركه إذا كان يابسا وأغسله ~~إذا كان رطبا فهذا نص في أنه ليس كالبول يكون نجسا نجاسة غليظة # فبقي أن يقال يجوز أن يكون نجسا كالدم أو طاهرا كالبصاق PageV21P588 لكن ~~الثاني أرجح لأن الأصل وجوب تطهير الثياب من الأنجاس قليلها وكثيرها فإذا ~~ثبت جواز حمل قليله في الصلاة ثبت ذلك في كثيره فإن ms6516 القياس لا يفرق بينهما # فإن قيل فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة أن رسول الله كان يغسل المني ثم ~~يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه فهذا يعارض حديث ~~الفرك في مني رسول الله والغسل دليل النجاسة فإن الطاهر لا يطهر # فيقال هذا لا يخالفه لأن الغسل للرطب والفرك لليابس كما جاء مفسرا في ~~رواية الدارقطني أو هذا أحيانا وهذا أحيانا وأما الغسل فإن الثوب قد يغسل ~~من المخاط والبصاق والنخامة استقذارا لا تنجيسا ولهذا قال سعد بن أبي وقاص ~~وبن عباس أمطه عنك ولو بإذخرة فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق # الدليل الثاني ما روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن عائشة قالت ~~كان رسول الله يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه ~~يابسا ثم يصلي فيه وهذا من خصائص المستقذرات لا من أحكام النجاسات ~~PageV21P589 فإن عامة القائلين بنجاسته لا يجوزون مسح رطبه # الدليل الثالث ما احتج به بعض أولينا بما رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن ~~محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن بن عباس قال سئل النبي عن المني يصيب الثوب ~~فقال إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة ~~قال الدارقطني لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك قالوا وهذا لا يقدح لأن ~~إسحاق بن يوسف الأزرق أحد الأئمة وروي عن سفيان وشريك وغيرهما وحدث عنه ~~أحمد ومن في طبقته وقد أخرج له صاحبا الصحيح فيقبل رفعه وما ينفرد به # وأنا أقول أما هذه الفتيا فهي ثابتة عن بن عباس وقبله سعد بن أبي وقاص ~~ذكر ذلك عنهما الشافعي وغيره في كتبهم وأما رفعه إلى النبي فمنكر باطل لا ~~أصل له لأن الناس كلهم رووه عن شريك موقوفا ثم شريك ومحمد بن عبد الرحمن ~~وهو بن أبي ليلى ليسا في الحفظ بذاك والذين هم أعلم منهم بعطاء مثل بن جريج ~~الذي هو أثبت فيه من القطب وغيره من المكيين لم يروه ms6517 أحد إلا موقوفا وهذا ~~كله دليل على وهم تلك الرواة PageV21P590 # فإن قلت أليس من الأصول المستقرة أن زيادة العدل مقبولة وإن الحكم لمن ~~رفع لا لمن وقف لأنه زائد # قلت هذا عندنا حق مع تكافؤ المحدثين المخبرين وتعادلهم وأما مع زيادة عدد ~~من لم يزد فقد اختلف فيه أولونا وفيه نظر # وأيضا فإنما ذاك إذا لم تتصادم الروايتان وتتعارضا وأما متى تعارضتا يسقط ~~رواية الأقل بلا ريب وها هنا المروي ليس هو مقابل بكون النبي قد قالها ثم ~~قالها صاحبه تارة تارة ذاكرا وتارة آثرا وإنما هو حكاية حال وقضية عين في ~~رجل استفتى على صورة وحروف مأثورة فالناس ذكروا أن المستفتي بن عباس وهذه ~~الرواية ترفعه إلى النبي وليست القضية إلا واحدة إذ لو تعددت القضية لما ~~أهمل الثقات الأثبات ذلك على ما يعرف من اهتمامهم بمثل ذلك # وأيضا فأهل نقد الحديث والمعرفة به أقعد بذلك وليسوا يشكون في أن هذه ~~الرواية وهم # الدليل الرابع أن الأصل في الأعيان الطهارة فيجب القضاء بطهارته حتى ~~يجيئنا ما يوجب القول بأنه نجس وقد بحثنا وسبرنا فلم نجد لذلك PageV21P591 ~~أصلا فعلم أن كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه ومعلوم أن المني ~~يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في ~~آنيتهم فهو طواف الفضلات بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق ~~والمخاط المصيب ثيابه ولا يقدر على الاحتراز من مني الاحتلام والجماع وهذه ~~المشقة الظاهرة توجب طهارته ولو كان المقتضي للتنجيس قائما # ألا ترى أن الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزأ فيها بالجامد مع أن ~~إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني لا سيما ~~في الشتاء في حق الفقير ومن ليس له إلا ثوب واحد # فإن قيل الذي يدل على نجاسة المني وجوه # أحدها ما روي عن عمار بن ياسر عن النبي أنه قال إنما يغسل الثوب من البول ~~والغائط والمني والقيء رواه بن عدي وحديث عائشة قد مضى في ms6518 أن النبي كان ~~يغسله # الوجه الثاني أنه خارج يوجب طهارتي الخبث والحدث فكان نجسا كالبول والحيض ~~وذلك لأن إيجاب نجاسة الطهارة دليل على أنه PageV21P592 نجس فإن إماطته ~~وتنحيته أخف من التطهير منه فإذا وجب الأثقل فالأخف أولى لا سيما عند من ~~يقول بوجوب الاستنجاء منه فإن الاستنجاء إماطة وتنحية فإذا وجب تنحيته في ~~مخرجه ففي غير مخرجه أحق وأولى # الوجه الثالث أنه من جنس المذي فكان نجسا كالمذي وذاك لأن المذي يخرج عند ~~مقدمات الشهوة والمني أصل المذي عند استكمالها وهو يجري في مجراه ويخرج من ~~مخرجه فإذا نجس الفرع فلأن ينجس الأصل أولى # الوجه الرابع أنه خارج من الذكر أو خارج من القبل فكان نجسا كجميع ~~الخوارج مثل البول والمذي والودي وذلك لأن الحكم في النجاسة منوط بالمخرج # ألا ترى أن الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة وفي أسافله تكون ~~نجسة وأن جمعها الاستحالة في البدن # الوجه الخامس أنه مستحيل عن الدم لأنه دم قصرته الشهوة ولهذا يخرج عند ~~الإكثار من الجماع أحمر والدم نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة عندكم ~~PageV21P593 # الوجه السادس أنه يجري في مجرى البول فيتنجس بملاقاة البول فيكون كاللبن ~~في الظرف النجس فهذه أدلة كلها تدل على نجاسته # فنقول الجواب وعلى الله قصد السبيل أما حديث عمار بن ياسر فلا أصل له في ~~إسناده ثابت بن حماد قال الدارقطني ضعيف جدا وقال بن عدي له مناكير وحديث ~~عائشة مضى القول فيه # وأما الوجه الثاني فقولهم يوجب طهارتي الخبث والحدث أما الخبث فممنوع بل ~~الاستنجاء منه مستحب كما يستحب إماطته من الثوب والبدن وقد قيل هو واجب كما ~~قد قيل يجب غسل الأنثيين من المذي وكما يجب غسل أعضاء الوضوء إذا خرج ~~الخارج من الفرج فهذا كله طهارة وجبت لخارج وإن لم يكن المقصود بها إماطته ~~وتنجيسه بل سبب آخر كما يغسل منه سائر البدن # فالحاصل أن سبب الاستنجاء منه ليس هو النجاسة بل سبب آخر فقولهم يوجب ~~طهارة الخبث وصف ممنوع في الفرع فليس غسله ms6519 عن الفرج للخبث وليست الطهارات ~~منحصرة في ذلك كغسل اليد عند القيام من نوم الليل وغسل الميت والأغسال ~~المستحبة وغسل الأنثيين وغير ذلك فهذه الطهارة إن قيل بوجوبها فهي من القسم ~~الثالث فيبطل قياسه على البول لفساد الوصف الجامع PageV21P594 # وأما ايجابه طهارة الحدث فهو حق لكن طهارة الحدث ليست أسبابها منحصرة في ~~النجاسات فان الصغرى تجب من الريح اجماعا وتجب بموجب الحجة من ملامسة ~~الشهوة ومن مس الفرج ومن لحوم الإبل ومن الردة وغسل الميت وقد كانت تجب في ~~صدر الاسلام من كل ما غيرته النار وكل هذه الأسباب غير نجسه # وأما الكبرى فتجب بالايلاج اذا التقى الختانان ولا نجاسة وتجب بالولادة ~~التي لا دم معها على رأي مختار والولد طاهر وتجب بالموت ولا يقال هو نجس ~~وتجب بالاسلام عند طائفة # فقولهم انما أوجب طهارة الحدث أو أوجب الاغتسال نجس منتقض بهذه الصور ~~الكثيرة فبطل طرده فان ضموا إلى العلة كونه خارجا انتقض بالريح والولد نقضا ~~قادحا # ثم يقال قولكم خارج وصف طردي فلا يجوز الاحتراز به ثم ان عكسه أيضا باطل ~~والوصف عديم التأثير فان ما لا يوجب طهارة الحدث منه شيء كثير نجس كالدم ~~الذي لم يسل واليسير من القيء # وأيضا فسيأتي الفرق ان شاء الله تعالى فهذه أوجه ثلاثة أو أربعة # وأما قولهم التطهير منه أبعد من تطهيره فجمع ما بين متفاوتين PageV21P595 ~~متباينين فان الطهارة منه طهارة عن حدث وتطهيره ازالة خبث وهما جنسان ~~مختلفان في الحقيقة والأسباب والأحكام من وجوه كثيرة فان هذه تجب لها النية ~~دون تلك # وهذه من باب فعل المأمور به وتلك من باب اجتناب المنهى عنه وهذه مخصوصة ~~بالماء أو التراب وقد تزال تلك بغير الماء في مواضع بالاتفاق وفي مواضع على ~~رأي وهذه يتعدى حكمها محل سببها إلى جميع البدن وتلك يختص حكمها بمحلها ~~وهذه تجب في غير محل السبب أو فيه وفي غيره وتلك تجب في محل السبب فقط وهذه ~~حسية وتلك عقلية وهذه جارية في أكثر أمورها على سنن ms6520 مقايس البحاثين وتلك ~~مستصعبة على سبر القياس وهذه واجبة بالاتفاق وفي وجوب الأخرى خلاف معلوم ~~وهذه لها بدل وفي بدل تلك في البدن خاصة خلاف ظاهر # وبالجملة فقياس هذه الطهارة على تلك الطهارة كقياس الصلاة على الحج لأن ~~هذه عبادة وتلك عبادة مع اختلاف الحقيقتين # وأما الوجه الثالث وهو الحاقه بالمذي فقد منع الحكم في الأصل على قول ~~بطهارة المذي والاكثرون سلموه وفرقوا بافتراق الحقيقتين فان هذا يخلق منه ~~الولد الذي هو أصل الانسان وذلك بخلافه ألا PageV21P596 ترى أن عدم الإمناء ~~عيب يبنى عليه أحكام كثيرة منشؤها على أنه نقص وكثرة الامذاء ربما كانت ~~مرضا وهو فضلة محضة لا منفعة فيه كالبول وان اشتركا في انبعاثهما عن شهوة ~~النكاح فليس الموجب لطهارة المني أنه عن شهوة الباءة فقط بل شيء آخر وان ~~أجريناه مجراه فنتكلم عليه ان شاء الله تعالى # وأما كونه فرعا فليس كذلك بل هو بمنزلة الجنين الناقص كالانسان اذا ~~أسقطته المرأة قبل كمال خلقه فانه وان كان مبدأ خلق الانسان فلا يناط به من ~~أحكام الانسان الا ما قل ولو كان فرعا فان النجاسة استخباث وليس استخباث ~~الفرع بالموجب خبث أصله كالفضول الخارجة من الانسان # وأما الوجه الرابع فقياسه على جميع الخارجات بجامع إشتراكهن في المخرج ~~منقوض بالفم فانه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين والقيء النجس وكذلك الدبر ~~مخرج الريح الطاهر والغائط النجس وكذلك الأنف مخرج المخاط الطاهر والدم ~~النجس # وان فصلوا بين ما يعتاد الناس من الأمور الطبيعية وبين ما يعرض لهم ~~لاسباب حادثة PageV21P597 # قلنا النخامة المعدية اذا قيل بنجاستها معتادة وكذلك الريح # وأيضا فانا نقول لم قلتم أن الاعتبار بالمخرج ولم لا يقال الاعتبار ~~بالمعدن والمستحال فما خلق في أعلى البدن فطاهر وما خلق في أسفله فنجس ~~والمني يخرج من بين الصلب والترائب بخلاف البول والودي وهذا أشد اطرادا لأن ~~القيء والنخامة المنجسة خارجان من الفم لكن لما استحالا في المعدة كانا ~~نجسين وأيضا فسوف نفرق ان شاء الله تعالى # وأما الوجه الخامس فقولهم مستحيل عن ms6521 الدم والاستحالة لا تطهر عنه عدة ~~أجوبة مستنيرة قاطعة # أحدها انه منقوض بالآدمي وبمضغته فانهما مستحيلان عنه وبعده عن العلقة ~~وهي دم ولم يقل أحد بنجاسته وكذلك سائر البهائم المأكولة # وثانيها انا لا نسلم ان الدم قبل ظهوره وبروزه يكون نجسا فلا بد من ~~الدليل على تنجيسه ولا يغني القياس عليه إذا ظهر وبرز باتفاق الحقيقة لانا ~~نقول للدليل على طهارته وجوه # أحدها ان النجس هو المستقذر المستخبث وهذا الوصف لا يثبت PageV21P598 ~~لهذه الأجناس الا بعد مفارقتها مواضع خلقها فوصفها بالنجاسة فيها وصف بما ~~لا تتصف به # وثانيها ان خاصة النجس وجوب مجانبته في الصلاة وهذا مفقود فيها في البدن ~~من الدماء وغيرها ألا ترى أن من صلى حاملا وعاءا مسدودا قد أوعى دما لم تصح ~~صلاته فلئن قلت عفى عنه لمشقة الاحتراز قلت بل جعل طاهرا لمشقة الاحتراز ~~فما المانع منه والرسول يعلل طهارة الهرة بمشقة الاحتراز حيث يقول انها ~~ليست بنجسة انها من الطوافين عليكم والطوافات # بل أقول قد رأينا جنس المشقة في الاحتراز مؤثرا في جنس التخفيف فان كان ~~الاحتراز من جميع الجنس مشقا عفى عن جميعه فحكم بالطهارة وان كان من بعضه ~~عفي عن القدر المشق وهنا يشق الاحتراز من جميع ما في داخل الأبدان فيحكم ~~لنوعه بالطهارة كالهر وما دونها وهذا وجه ثالث # الوجه الرابع ان الدماء المستخبثة في الأبدان وغيرها هي أحد أركان ~~الحيوان التي لا تقوم حياته الا بها حتى سميت نفسا فالحكم PageV21P599 بأن ~~الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعا نجسا في غاية البعد # الوجه الخامس أن الأصل الطهارة فلا تثبت النجاسة إلا بدليل وليس في هذه ~~الدماء المستخبثة شيء من أدلة النجاسة وخصائصها # الوجه السادس انا قد رأينا الأعيان تفترق حالها بين ما اذا كانت في موضع ~~عملها ومنفعتها وبين ما اذا فارقت ذلك فالماء المستعمل ما دام جاريا في ~~أعضاء المتطهر فهو طهور فاذا انفصل تغيرت حاله والماء في المحل النجس ما ~~دام عليه فعمله باق وتطهيره ولا ms6522 يكون ذلك الا لأنه طاهر مطهر فاذا فارق محل ~~عمله فهو اما نجس أو غير مطهر وهذا مع تغير الأمواه في موارد التطهير تارة ~~بالطاهرات وتارة بالنجاسات فاذا كانت المخالطة التي هي أشد أسباب التغيير ~~لا تؤثر في محل عملنا وانتفاعنا فما ظنك بالجسم المفرد في محل عمله بخلق ~~الله وتدبيره فافهم هذا فانه لباب الفقه # الوجه الثالث عن أصل الدليل أنا لو سلمنا أن الدم نجس فانه قد استحال ~~وتبدل وقولهم الاستحالة لا تطهر # قلنا من أفتى بهذه الفتوى الطويلة العريضة المخالفة للإجماع PageV21P600 ~~فان المسلمين أجمعوا ان الخمر اذا بدأ الله بافسادها وتحويلها خلا طهرت ~~وكذلك تحويل الدواب والشجر بل أقول الاستقراء دلنا أن كل ما بدأ الله ~~بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس مثل جعل الخمر خلا والدم منيا والعلقة مضغة ~~ولحم الجلالة الخبيث طيبا وكذلك بيضها ولبنها والزرع المسقى بالنجس اذا سقي ~~بالماء الطاهر وغير ذلك فانه يزول حكم التنجيس ويزول حقيقة النجس واسمه ~~التابع للحقيقة وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه فان جميع الأجسام المخلوقة ~~في الأرض فان الله يحولها من حال إلى حال ويبدلها خلقا بعد خلق ولا التفات ~~إلى موادها وعناصرها # وأما ما استحال بسبب كسب الانسان كاحراق الروث حتى يصير رمادا ووضع ~~الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحا ففيه خلاف مشهور وللقول بالتطهير اتجاه ~~وظهور ومسألتنا من القسم الأول ولله الحمد # الدليل الخامس أن المني مخالف لجميع ما يخرج من الذكر في خلقه فانه غليظ ~~وتلك رقيقة وفي لونه فانه أبيض شديد البياض وفي ريحه فانه طيب كرائحة الطلع ~~وتلك خبيثة ثم جعله الله أصلا لجميع أنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين ~~والانسان المكرم فكيف يكون أصله نجسا ولهذا قال بن عقيل وقد ناظر بعض من ~~يقول بنجاسته PageV21P601 لرجل قال له ما بالك وبال هذا قال أريد أن أجعل ~~أصله طاهرا وهو يأبى الا أن يكون نجسا # ثم ليس شأنه شأن الفضول بل شأن ما هو غذاء ومادة في الأبدان إذ هو قوام ~~النسل فهو ms6523 بالأصول أشبه منه بالفضل # الدليل السادس وفيه أجوبه أحدها لا نسلم أنه يجري في مجرى البول فقد قيل ~~إن بينهما جلدة رقيقة وان البول انما يخرج رشحا وهذا مشهور وبالجملة فلا بد ~~من بيان اتصالهما وليس ذلك معلوما الا في ثقب الذكر وهو طاهر أو معفو عن ~~نجاسته # الوجه الثاني أنه لو جرى في مجراه فلا نسلم أن البول قبل ظهوره نجس كما ~~مر تقريره في الدم وهو في الدم أبين منه في البول لأن ذلك ركن وبعض وهذا ~~فضل # الوجه الثالث أنه لو كان نجسا فلا نسلم أن المماسة في باطن الحيوان موجبة ~~للتنجيس كما قد قيل في الاستحالة وهو في المماسة أبين يؤيد هذا قوله تعالى ~~@QB@ من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين @QE@ ولو كانت المماسة في ~~الباطن للفرث مثلا موجبة للنجاسة لنجس اللبن PageV21P602 فان قيل فلعل ~~بينهما حاجزا # قيل الأصل عدمه على أن ذكره هذا في معرض بيان ذكر الاقتدار باخراج طيب من ~~بين خبيثين في الاغتذاء ولا يتم الا مع عدم الحاجز والا فهو مع الحاجز ظاهر ~~في كمال خلقه سبحانه # وكذلك قوله خالصا والخلوص لا بد أن يكون مع قيام الموجب للشوب وبالجملة ~~فخروج اللبن من بين الفرث والدم أشبه شيء بخروج المني من مخرج البول وقد ~~سلك هذا المسلك من رأى إنفحة الميتة ولبنها طاهرا لأنه كان طاهرا وإنما حدث ~~نجاسة الوعاء فقال الملاقاة في الباطن غير ظاهر # ومن نجس هذا فرق بينه وبين المني بأن المني ينفصل عن النجس في الباطن ~~أيضا بخلاف اللبن فانه لا يمكن فصله من الميتة الا بعد ابراز الضرع وحينئذ ~~يصير في حد ما يلحقه النجاسة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والحمد لله ~~وسلام على عباده الذين اصطفى وهذا الذي حضرني في هذا الوقت ولا حول ولا قوة ~~الا بالله العلي العظيم PageV21P603 ### |||| وسئل # عن المني هل هو طاهر أم لا وإذا كان طاهرا فما حكم رطوبة فرج المرأة إذا ~~خالطه ### ||||| فأجاب # أما المني فالصحيح أنه طاهر ms6524 كما هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور ~~عنه # وقد قيل انه نجس يجزئ فركه كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية أخرى وهل يعفى ~~عن يسيره كالدم أو لا يعفى عنه كالبول على قولين هما روايتان عن أحمد # وقيل إنه يجب غسله كقول مالك والأول هو الصواب فانه من المعلوم أن ~~الصحابة كانوا يحتلمون على عهد النبي وأن المني يصيب بدن أحدهم وثيابه وهذا ~~مما تعم به البلوى فلو كان ذلك نجسا لكان يجب على النبي أمرهم بازالة ذلك ~~من أبدانهم وثيابهم كما أمرهم بالاستنجاء وكما أمر الحائض بأن تغسل دم ~~الحيض من ثوبها بل إصابة الناس المني أعظم بكثير من PageV21P604 إصابة دم ~~الحيض لثوب الحيض # ومن المعلوم أنه لم ينقل أحد أن النبي أمر أحدا من الصحابة بغسل المني من ~~بدنه ولا ثوبه فعلم يقينا أن هذا لم يكن واجبا عليهم وهذا قاطع لمن تدبره # وأما كون عائشة رضي الله عنها كانت تغسله تارة من ثوب النبي وتفركه تارة ~~فهذا لا يقتضي تنجيسه فان الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ وهكذا قال ~~غير واحد من الصحابة كسعد بن أبي وقاص وبن عباس وغيرهما إنما هو بمنزلة ~~المخاط والبصاق أمطه عنك ولو باذخره وسواء كان الرجل مستنجيا أو مستجمرا ~~فان منيه طاهر # ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد إن مني المستجمر نجس لملاقاته رأس الذكر ~~فقوله ضعيف فان الصحابة كان عامتهم يستجمرون ولم يكن يستنجي بالماء منهم ~~إلا قليل جدا بل كان كثير منهم كانوا لا يعرفون الاستنجاء بل أنكروه ومع ~~هذا فلم يأمر النبي أحدا منهم بغسل منيه بل ولا فركه # والاستجمار بالاحجار هل هو مطهر أو مخفف فيه قولان معروفان فان ~~PageV21P605 قيل إنه مطهر فلا كلام وإن قيل إنه مخفف وأنه يعفى عن أثره ~~للحاجة فإنه يعفى عنه في محله وفيما يشق الاحتراز عنه والمني يشق الاحتراز ~~منه فألحق بالمخرج ### |||| وسئل رحمه الله # عن المني ما حكمه ### ||||| فأجاب # الصحيح أن المني طاهر كما هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور ms6525 عنه ~~وأما كون عائشة تغسله تارة من ثوب رسول الله وتفركه تارة فهذا لا يقتضي ~~تنجيسه فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ وهذا قاله غير واحد من ~~الصحابة كسعد بن أبي وقاص وبن عباس وغيرهما إنما هو بمنزلة البصاق والمخاط ~~أمطه عنك ولو بإذخرة وسواء كان الرجل مستنجيا أو مستجمرا فإن منيه طاهر # ومن قال إن مني المستجمر نجس لملاقاته رأس الذكر فقوله ضعيف فإن الصحابة ~~كان عامتهم يستجمرون ولم يكن يستنجي بالماء منهم إلا القليل جدا بل الكثير ~~منهم لا يعرف الاستنجاء بل أنكروه والحق ما هم عليه ومع هذا فلم يأمر النبي ~~PageV21P606 أحدا منهم بغسل المني ولا فركه # والاستجمار بالحجارة هل هو مخفف أو مطهر فيه قولان معروفان فإن قيل هو ~~مطهر فلا كلام وإن قيل هو مخفف فإنه يعفى عن أثره للحاجة ويعفى عنه في محله ~~وفيما يشق الاحتراز عنه فألحق بالمخرج والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن وقع على ثيابه ماء طاقة ما يدري ما هو فهل يجب غسله أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجب غسله بل ولا يستحب على الصحيح وكذلك لا يستحب السؤال عنه ~~على الصحيح فقد مر عمر بن الخطاب مع رفيق له فقطر على رفيقه ماء من ميزاب ~~فقال صاحبه يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أم نجس فقال عمر يا صاحب الميزاب لا ~~تخبره فإن هذا ليس عليه والله أعلم PageV21P607 ### |||| وسئل رحمه الله # عن الفخار فإنه يشوى بالنجاسة فما حكمه والأفران التي تسخن بالزبل فما ~~حكمها ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسائل مبنية على أصلين # أحدهما السرقين النجس ونحوه في الوقود ليسخن الماء أو الطعام ونحو ذلك ~~فقال بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره إن ذلك لا يجوز لأنه يتضمن ملابسة ~~النجاسة ومباشرتها وقال بعضهم إن ذلك مكروه غير محرم لأن إتلاف النجاسة لا ~~يحرم وإنما ذلك مظنة التلوث بها ومما يشبه ذلك الاستصباح بالدهن النجس فإنه ~~استعمال له بالإتلاف والمشهور عن أحمد وغيره من العلماء أن ذلك يجوز وهو ~~المأثور عن الصحابة ms6526 والقول الآخر عنه وعن غيره المنع لأنه مظنة التلوث به ~~ولكراهة دخان النجاسة # والصحيح أنه لا يحرم شيء من ذلك فإن الله تعالى حرم الخبائث من الدم ~~والميتة ولحم الخنزير وقد ثبت في الصحيحين عن النبي PageV21P608 أنه قال ~~إنما حرم من الميتة أكلها ثم إنه حرم لبسها قبل الدباغ وهذا وجه قوله في ~~حديث عبد الله بن عكيم كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا ~~فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فإن الرخصة المتقدمة كانت في الانتفاع ~~بالجلود بلا دباغ كما ذهب إليه طائفة من السلف فرفع النهي عما أرخص فأما ~~الانتفاع بها بعد ا لدباغ فلم ينه عنه قط ولهذا كان آخر الروايتين عن أحمد ~~أن الدباغ مطهر لجلود الميتة لكن هل يقوم مقام الذكاة أو مقام الحياة فيطهر ~~جلد المأكول أو جلد ما كان طاهرا في الحياة دون ما سوى ذلك على وجهين ~~أصحهما الأول فيطهر بالدباغ ما تطهره الذكاة لنهيه في حديث عن جلود السباع # وأيضا فإن استعمال الخمر في إطفاء الحريق ونحو ذلك سلمه المنازعون مع أن ~~الأمر بمجانبة الخمر أعظم فإذا جاز إتلاف الخمر بما فيه منفعة فإتلاف ~~النجاسات بما ليس فيه منفعة أولى ولأنهم سلموا جواز طعام الميتة للبزاة ~~والصقور فاستعمالها في النار أولى # وأما قول القائل هذا مظنة ملابستها فيقال ملابسة النجاسة للحاجة جائز إذا ~~طهر بدنه وثيابه عند الصلاة ونحوها كما يجوز الاستنجاء بالماء مع مباشرة ~~النجاسة ولا يكره ذلك على أصح الروايتين عن أحمد وهو قول أكثر الفقهاء ~~والرواية الثانية يكره ذلك PageV21P609 بل يستعمل الحجر أو يجمع بينهما ~~والمشهور أن الاقتصار على الماء أفضل وإن كان فيه مباشرتها # وفي استعمال جلود الميتة إذا لم يقل بطهارتها في اليابسات روايتان أصحهما ~~جواز ذلك وإن قيل إنه يكره فالكراهة تزول بالحاجة # وأما قوله هذا يفضي إلى التلوث بدخان النجاسة فهذا مبني على الأصل الثاني ~~وهو أن النجاسة في الملاحة إذا صارت ملحا ونحو ذلك فهل هي نجسة أم لا ms6527 على ~~قولين مشهورين للعلماء هما روايتان عن أحمد نص عليهما في الخنزير المشوي في ~~التنور هل تطهر النار ما لصق به أم يحتاج إلى غسل ما أصابه منه على روايتين ~~منصوصتين # أحدهما هي نجسة وهذا مذهب الشافعي وأكثر أصحاب أحمد وأحد قولي أصحاب مالك ~~وهؤلاء يقولون لا يطهر من النجاسة بالاستحالة إلا الخمرة المنتقلة بنفسها ~~والجلد المدبوغ إذا قيل أن الدبغ إحالة لا إزالة # والقول الثاني وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي المالكية وغيرهم أنها لا ~~تبقى نجسة وهذا هو الصواب فإن هذه الأعيان لم يتناولها نص التحريم لا لفظا ~~ولا معنى وليست في معنى النصوص PageV21P610 بل هي أعيان طيبة فيتناولها نص ~~التحليل وهي أولى بذلك من الخمر المنقلبة بنفسها وما ذكروه من الفرق بأن ~~الخمر نجست بالاستحالة فتطهر بالاستحالة باطل فإن جميع النجاسات إنما نجست ~~بالاستحالة كالدم فإنه مستحيل عن الغذاء الطاهر وكذلك البول والعذرة حتى ~~الحيوان النجس مستحيل عن الماء والتراب ونحوهما من الطاهرات # ولا ينبغي أن يعبر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة فإن نفس النجس لم ~~يطهر لكن استحال وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس وإن كان مستحيلا منه والمادة ~~واحدة كما أن الماء ليس هو الزرع والهواء والحب وتراب المقبرة ليس هو الميت ~~والإنسان ليس هو المني # والله تعالى يخلق أجسام العالم بعضها من بعض ويحيل بعضها إلى بعض وهي ~~تبدل مع الحقائق ليس هذا هذا فكيف يكون الرماد هو العظم الميت واللحم والدم ~~نفسه بمعنى أنه يتناوله اسم العظم وأما كونه هو هو باعتبار الأصل والمادة ~~فهذا لا يضر فإن التحريم يتبع الاسم والمعنى الذي هو الخبث وكلاهما منتف # وعلى هذا فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر وبخار الماء النجس الذي ~~يجتمع في السقف طاهر وأمثال ذلك من المسائل PageV21P611 # وإذا كان كذلك فهذا الفخار طاهر إذ ليس فيه من النجاسة شيء وإن قيل إنه ~~خالطه من دخانها خرج على القولين والصحيح أنه طاهر # وأما نفس استعمال النجاسة فقد تقدم الكلام فيه والنزاع في الماء المسخن ms6528 ~~بالنجاسة فإنه طاهر لكن هل يكره على قولين هما روايتان عن أحمد # إحداهما لا يكره وهو قول أبي حنيفة والشافعي # والثاني يكره وهو مذهب مالك # وللكراهة مأخذان # أحدهما خشية أن يكون قد وصل إلى الماء شيء من النجاسة فيكره لاحتمال ~~تنجسه فعلى هذا إذا كان بين الموقد وبين النار حاجز حصين لم يكره وهذه ~~طريقة الشريف أبي جعفر وبن عقيل وغيرهما # والثاني أن سبب الكراهة كون استعمال النجاسة مكروها وأن السخونة حصلت ~~بفعل مكروه وهذه طريقة القاضي أبي يعلى ومثل هذا PageV21P612 طبخ الطعام ~~بالوقود النجس فإن نضج الطعام كسخونة الماء والكراهة في طبخ الفخار بالوقود ~~النجس تشبه تسخين الماء الذي ليس بينه وبين النار حاجز والله أعلم ### |||| وسئل # عن بول ما يؤكل لحمه هل هو نجس ### ||||| فأجاب # أما بول ما يؤكل لحمه وروث ذلك فإن أكثر السلف على أن ذلك ليس بنجس ~~وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما ويقال إنه لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجيس ~~ذلك بل القول بنجاسة ذلك قول محدث لا سلف له من الصحابة وقد بسطنا القول في ~~هذه المسألة في كتاب مفرد وبينا فيه بضعة عشر دليلا شرعيا وأن ذلك ليس بنجس # والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعي على نجاسته أصلا فإن غاية ما ~~اعتمدوا عليه قوله تنزهوا من البول وظنوا أن هذا عام في جميع الأحوال وليس ~~كذلك فإن اللام لتعريف العهد والبول المعهود هو بول الآدمي ودليله قوله ~~تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ومعلوم أن عامة عذاب PageV21P613 ~~القبر إنما هو من بول الآدمي نفسه الذي يصيبه كثيرا لا من بول البهائم الذي ~~لا يصيبه إلا نادرا # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه أمر العرنيين الذين كانوا حديثي عهد ~~بالإسلام أن يلحقوا بإبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ولم ~~يأمرهم مع ذلك بغسل ما يصيب أفواههم وأيديهم ولا بغسل الأوعية التي فيها ~~الأبوال مع حدثان عهدهم بالإسلام ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان ~~بيان ذلك واجبا ms6529 ولم يجز تأخير البيان عن وقت الحاجة لا سيما مع أنه قرنها ~~بالألبان التي هي حلال طاهرة مع أن التداوي بالخبائث قد ثبت فيه النهي عن ~~النبي من وجوه كثيرة # وأيضا فقد ثبت في الصحيح أن النبي كان يصلي في مرابض الغنم وأنه أذن في ~~الصلاة في مرابض الغنم من غير اشتراط حائل ولو كانت أبعارها نجسة لكانت ~~مرابضها كحشوش بني آدم وكان ينهى عن الصلاة فيها مطلقا أو لا يصلي فيها إلا ~~مع الحائل المانع فلما جاءت السنة بالرخصة في ذلك كان من سوى بين أبوال ~~الآدميين وأبوال الغنم مخالفا للسنة # وأيضا فقد طاف النبي بالبيت على بعيره PageV21P614 مع إمكان أن يبول ~~البعير وأيضا فما زال المسلمون يدوسون حبوبهم بالبقر مع كثرة ما يقع في ~~الحب من البول وأخباث البقر # وأيضا فإن الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز التنجيس إلا بدليل ولا دليل ~~على النجاسة إذ ليس في ذلك نص ولا إجماع ولا قياس صحيح ### |||| وسئل # عن فران يحمي بالزبل ويخبز ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان الزبل طاهرا مثل زبل البقر والغنم والإبل وزبل ~~الخيل فهذا لا ينجس الخبز # وإن كان نجسا كزبل البغال والحمر وزبل سائر البهائم فعند بعض العلماء إن ~~كان يابسا فقد يبس الفرن منه ولم ينجس الخبز وإن علق بعضه بالخبز قلع ذلك ~~الموضع ولم ينجس الباقي والله أعلم PageV21P615 ### |||| وسئل # عن الكلب هل هو طاهر أم نجس وما قول العلماء فيه ### ||||| فأجاب # أما الكلب فللعلماء فيه ثلاثة أقوال معروفة # أحدها أنه نجس كله حتى شعره كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه # والثاني أنه طاهر حتى ريقه كقول مالك في المشهور عنه # والثالث أن ريقه نجس وأن شعره طاهر وهذا مذهب أبي حنيفة المشهور عنه وهذه ~~هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه وهو الرواية الأخرى عن أحمد وهذا أرجح ~~الأقوال فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك وإذا ولغ في ~~الماء أريق وإذا ولغ في اللبن ونحوه فمن العلماء من يقول يؤكل ms6530 ذلك الطعام ~~كقول مالك وغيره ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد فأما ~~إن كان اللبن كثيرا فالصحيح أنه لا ينجس وله في الشعور النابتة على محل نجس ~~ثلاث روايات # إحداها أن جميعها طاهر حتى شعر الكلب والخنزير وهو اختيار أبي بكر عبد ~~العزيز # والثانية أن جميعها نجس كقول الشافعي PageV21P616 # والثالثة أن شعر الميتة إن كانت طاهرة في الحياة كان طاهرا كالشاة ~~والفأرة وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس كالكلب والخنزير وهذه هي ~~المنصوصة عند أكثر أصحابه # والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها شعر الكلب والخنزير وغيرهما بخلاف ~~الريق وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبا وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه ~~كما هو مذهب جمهور الفقهاء كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه ~~وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلا ~~بدليل كما قال تعالى @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون @QE@ وقال النبي في الحديث الصحيح إن من أعظم المسلمين بالمسلمين ~~جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته وفي السنن عن سلمان الفارسي ~~مرفوعا ومنهم من يجعله موقوفا أنه قال الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ~~ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه # وإذا كان كذلك فالنبي قال طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله ~~سبعا أولاهن بالتراب وفي الحديث الآخر إذا ولغ الكلب فأحاديثه كلها ليس ~~فيها إلا ذكر الولوغ لم يذكر سائر الأجزاء فتنجيسها إنما هو بالقياس ~~PageV21P617 # فإذا قيل إن البول أعظم من الريق كان هذا متوجها # وأما إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن لأن الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف ~~الشعر فإنه نابت على ظهره # والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا وهذا فإن جمهورهم يقولون إن شعر الميتة ~~طاهر بخلاف ريقها والشافعي وأكثرهم يقولون إن الزرع النابت ms6531 في الأرض النجسة ~~طاهر فغاية شعر الكلب أن يكون نابتا في منبت نجس كالزرع النابت في الأرض ~~النجسة فإذا كان الزرع طاهرا فالشعر أولى بالطهارة لأن الزرع فيه رطوبة ~~ولين يظهر فيه أثر النجاسة بخلاف الشعر فإن فيه من اليبوسة والجمود ما يمنع ~~ظهور ذلك فمن قال من أصحاب أحمد كابن عقيل وغيره إن الزرع طاهر فالشعر أولى ~~ومن قال إن الزرع نجس فإن الفرق بينهما ما ذكر فإن الزرع يلحق بالجلالة ~~التي تأكل النجاسة وهذا أيضا حجة في المسألة فإن الجلالة التي تأكل النجاسة ~~قد نهى النبي عن لبنها فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالا باتفاق المسلمين ~~لأنها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة ~~وخبثها فإذا زال ذلك عادت طاهرة فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها والشعر ~~لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلا فلم يكن لتنجيسه معنى PageV21P618 # وهذا يتبين بالكلام في شعور الميتة كما سنذكره إن شاء الله تعالى # وكل حيوان قيل بنجاسته فالكلام في شعره وريشه كالكلام في شعر الكلب فإذا ~~قيل بنجاسة كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير إلا الهرة وما دونها ~~في الخلقة كما هو مذهب كثير من العلماء علماء أهل العراق وهو أشهر ~~الروايتين عن أحمد فإن الكلام في ريش ذلك وشعره فيه هذا النزاع هل هو نجس ~~على روايتين عن أحمد # إحداهما أنه طاهر وهو مذهب الجمهور كأبي حنيفة والشافعي ومالك # والرواية الثانية أنه نجس كما هو اختيار كثير من متأخري أصحاب أحمد ~~والقول بطهارة ذلك هو الصواب كما تقدم # وأيضا فالنبي رخص في اقتناء كلب الصيد والماشية والحرث ولا بد لمن اقتناه ~~أن يصيبه رطوبة شعوره كما يصيبه رطوبة البغل والحمار وغير ذلك فالقول ~~بنجاسة شعورها PageV21P619 والحال هذه من الحرج المرفوع عن الأمة # وأيضا فإن لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله في أظهر قولي العلماء ~~وهو إحدى الروايتين عن أحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ms6532 أحدا ~~بغسل ذلك فقد عفى عن لعاب الكلب في موضع الحاجة وأمر بغسله في غير موضع ~~الحاجة فدل على أن الشارع راعى مصلحة الخلق وحاجتهم والله أعلم ### |||| وسئل # عن كلب طلع من ماء فانتفض على شيء فهل يجب تسبيعه ### ||||| فأجاب # مذهب الشافعي وأحمد رضي الله عنهما يجب تسبيعه ومذهب أبي حنيفة ~~ومالك رضي الله عنهما لا يجب تسبيعه والله أعلم ### |||| وسئل # عن سؤر البغل والحمار هل هو طاهر ### ||||| فأجاب # وأما سؤر البغل والحمار فأكثر العلماء يجوزون التوضؤ به كمالك ~~والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه PageV21P620 # والرواية الأخرى عنه مشكوك فيه كقول أبي حنيفة فيتوضأ به ويتيمم # والثالثة أنه نجس لأنه متولد من باطن حيوان نجس فيكون نجسا كلعاب الكلب ~~لكن النبي قال في الهرة إنها من الطوافين عليكم والطوافات فعلل طهارة سؤرها ~~لكونها من الطوافين علينا والطوافات وهذا يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة ~~وهذا من حجة من يبيح سؤر البغل والحمار فإن الحاجة داعية إلى ذلك والمانع ~~يقول ذلك مثل سؤر الكلب فإنه مع إباحة قنيته لما يحتاج فيه إليه نهي عن ~~سؤره # والمرخص يقول إن الكلب أباحه للحاجة ولهذا حرم ثمنه بخلاف البغل والحمار ~~فإن بيعهما جائز باتفاق المسلمين والمسألة مبنية على أسآر السباع وما لا ~~يؤكل لحمه ### |||| وسئل # عن طين جبل بزبل حمار وطين به سطح فوقع عليه قطر فتعلق به ما حكمه ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كان يسيرا عفي عنه في أحد قولي العلماء PageV21P621 ~~وهو إحدى الروايات عن أحمد لا سيما إذا كان الزبل قد خلط بالطين الذي طين ~~به السطح فقد يكون قد استحال وإن لم يستحل فالذي تعلق بالقطر شيء يسير ### |||| وسئل # عما إذا بال الفأر في الفراش هل يصلى فيه ### ||||| فأجاب # غسله أحوط ويعفى عن يسيره في أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين ~~عن أحمد ### |||| وسئل # عن ريش القنفذ هل هو نجس ### ||||| فأجاب # الحمد لله هو طاهر وإن وجد بعد موته عند جمهور العلماء وهو مذهب ~~مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه PageV21P622 ### ||| 2 ms6533 باب الحيض ### |||| 2 سئل شيخ الإسلام # عما يروى عن النبي أنه قال الحيض للجارية البكر ثلاثة أيام ولياليهن ~~وأكثره خمسة عشر هل هو صحيح وما تأويله على مذهب الشافعي وأحمد ### ||||| فأجاب # أما نقل هذا الخبر عن النبي فهو باطل بل هو كذب موضوع باتفاق علماء ~~الحديث ولكن هو مشهور عن أبي الخلد عن أنس وقد تكلم في أبي الخلد # وأما الذين يقولون أكثر الحيض خمسة عشر كما يقوله الشافعي وأحمد ويقولون ~~أقله يوم كما يقوله الشافعي وأحمد أو لا حد له كما يقوله مالك فهم يقولون ~~لم يثبت عن النبي ولا عن أصحابه في هذا شيء والمرجع في ذلك إلى العادة كما ~~قلنا والله أعلم PageV21P623 ### |||| وسئل # عن جماع الحائض هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # وطء الحائض لا يجوز باتفاق الأئمة كما حرم الله ذلك ورسوله فإن ~~وطئها وكانت حائضا ففي الكفارة عليه نزاع مشهور وفي غسلها من الجنابة دون ~~الحيض نزاع بين العلماء ووطء النفساء كوطء الحائض حرام باتفاق الأئمة # لكن له أن يستمتع من الحائض والنفساء بما فوق الإزار وسواء استمتع منها ~~بفمه أو بيده أو برجله فلو وطئها في بطنها واستمنى جاز ولو استمتع بفخذيها ~~ففي جوازه نزاع بين العلماء والله أعلم ### |||| وسئل # عن المرأة تطهر من الحيض ولم تجد ماءا تغتسل به هل لزوجها أن يطأها قبل ~~غسلها من غير شرط ### ||||| فأجاب # أما المرأة الحائض إذا انقطع دمها فلا يطؤها زوجها حتى PageV21P624 ~~تغتسل إذا كانت قادرة على الاغتسال وإلا تيممت كما هو مذهب جمهور العلماء ~~كمالك وأحمد والشافعي # وهذا معنى ما يروى عن الصحابة حيث روي عن بضعة عشر من الصحابة منهم ~~الخلفاء أنهم قالوا في المعتدة هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة # والقرآن يدل على ذلك قال الله تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا ~~تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله @QE@ قال مجاهد حتى يطهرن يعني ينقطع الدم ~~فإذا تطهرن اغتسلن بالماء وهو كما قال مجاهد وإنما ذكر الله غايتين على ~~قراءة الجمهور لأن ms6534 قوله @QB@ حتى يطهرن @QE@ غاية التحريم الحاصل بالحيض ~~وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره فهذا التحريم يزول بانقطاع الدم ثم ~~يبقى الوطء بعد ذلك جائزا بشرط الاغتسال لا يبقى محرما على الإطلاق فلهذا ~~قال @QB@ فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله @QE@ # وهذا كقوله @QB@ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ ~~فنكاح الزوج الثاني غاية التحريم الحاصل بالثلاث فإذا نكحت الزوج الثاني ~~زال ذلك التحريم لكن صارت في عصمة الثاني فحرمت لأجل حقه لا لأجل الطلاق ~~الثلاث فإذا طلقها جاز للأول أن يتزوجها PageV21P625 # وقد قال بعض أهل الظاهر المراد بقوله @QB@ فإذا تطهرن @QE@ أي غسلن ~~فروجهن وليس بشيء لأن الله قد قال @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ فالتطهر ~~في كتاب الله هو الاغتسال وأما قوله @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين @QE@ فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي لكن التطهر ~~المقرون بالحيض كالتطهر المقرون بالجنابة والمراد به الاغتسال # وأبو حنيفة رحمه الله يقول إذا اغتسلت أو مضى عليها وقت صلاة أو انقطع ~~الدم لعشرة أيام حلت بناء على أنه محكوم بطهارتها في هذه الأحوال وقول ~~الجمهور هو الصواب كما تقدم والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن إتيان الحائض قبل الغسل وما معنى قول أبي حنيفة فإن انقطع الدم لأقل ~~من عشرة أيام لم يجز وطؤها حتى تغتسل وإن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها ~~قبل الغسل وهل الأئمة موافقون على ذلك ### ||||| فأجاب # أما مذهب الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد فإنه لا يجوز PageV21P626 ~~وطؤها حتى تغتسل كما قال تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن ~~فأتوهن من حيث أمركم الله @QE@ وأما أبو حنيفة فيجوز وطأها إذا انقطع لأكثر ~~الحيض أو مر عليها وقت الصلاة فاغتسلت وقول الجمهور هو الذي يدل عليه ظاهر ~~القرآن والآثار ! ### || 1 ( شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش ) 1 ### |||| 8 < وسئل # عن الحديثين المتفق عليهما في الصحيحين # أحدهما عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي فقالت ~~إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال إن ms6535 ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر ~~الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي وفي رواية وليست بالحيضة فإذا ~~أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي # والحديث الثاني عن عائشة أيضا رضي الله عنها أن أم حبيبة استحيضت سبع ~~سنين فسألت رسول الله عن ذلك فأمرها أن تغتسل لكل صلاة فهل كانت تغتسل ~~الغسل الكامل المشروع أم كانت تغسل الدم وتتوضأ ومع هذا PageV21P627 فهل ~~كانت ناسية لأيام الحيض أم كانت مبتدأة وهل نسخ أحد الحديثين الآخر وأيهما ~~كان الناسخ وهل إذا ابتليت المرأة بما ابتليت به أم حبيبة أن تغتسل الغسل ~~الكامل وإذا أمرت بالغسل فيكون هذا من الحرج العظيم وقد قال الله تعالى ~~@QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ وهل في ذلك نزاع بين الأئمة ### ||||| فأجاب # ليس أحد الحديثين ناسخا للآخر ولا منافاة بينهما فإن الحديث الأول ~~فيمن كانت لها عادة تعلم قدرها فإذا استحيضت قعدت قدر العادة ولهذا قال ~~فدعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها وقال إذا أقبلت الحيضة فدعي ~~الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي وبهذا الحديث أخذ جمهور ~~العلماء في المستحاضة المعتادة أنها ترجع إلى عادتها وهو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي والإمام أحمد # لكنهم متنازعون لو كانت مميزة تميز الدم الأسود من الأحمر فهل تقدم ~~التمييز على العادة أم العادة على التمييز # فمنهم من يقدم التمييز على العادة وهو مذهب الشافعي وأحمدفي إحدى ~~الروايتين # والثاني في أنها تقدم العادة وهو ظاهر الحديث وهو مذهب PageV21P628 أبي ~~حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه بل أبو حنيفة لم يعتبر التمييز كما أن ~~مالكا لم يعتبر العادة لكن الشافعي وأحمد يعتبران هذا وهذا والنزاع في ~~التقديم # وأما الحديث الثاني فليس فيه أن النبي أمرها أن تغتسل لكل صلاة ولكن ~~أمرها بالغسل مطلقا فكانت هي تغتسل لكل صلاة والغسل لكل صلاة مستحب ليس ~~بواجب عند الأئمة الأربعة وغيرهم إذا قعدت أياما معلومة هي أيام الحيض ثم ~~اغتسلت كما تغتسل من انقطع حيضها ms6536 ثم صلت وصامت في هذه الاستحاضة بل الواجب ~~عليها أن تتوضأ عند كل صلاة من الصلوات الخمس عند الجمهور كأبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد وأما مالك فعنده ليس عليها وضوء ولا غسل فإن دم الاستحاضة ~~لا ينقض الوضوء عنده لا هو ولا غيره من النادرات وقد احتج الأكثرون بما في ~~الترمذي وغيره أن النبي أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة # وهذه المستحاضة الثانية لم تكن مبتدأة وإن كان ذلك قد ظنه بعض الناس ~~فإنها كانت عجوزا كبيرة وإنما حملوا أمرها على أنها كانت ناسية لعادتها وفي ~~السنن أنها أمرت أن تحيض ستا أو سبعا كما جاء ذلك في حديث سلمة بنت سهل ~~وبهذا احتج الإمام PageV21P629 أحمد وغيره على أن المستحاضة المتميزة تجلس ~~ستا أو سبعا وهو غالب الحيض # وفي المستحاضة عن النبي ثلاث سنن سنة في العادة لمن تقدم وسنة في المميزة ~~وهو قوله دم الحيض أسود يعرف وسنة في غالب الحيض وهو قوله تحيضي ستا أو ~~سبعا ثم اغتسلي وصلي ثلاثا وعشرين أو أربعا وعشرين كما تحيض النساء ويطهرن ~~لميقات حيضهن وطهرهن # والعلماء لهم في الاستحاضة نزاع فإن أمرها مشكل لاشتباه دم الحيض بدم ~~الاستحاضة فلا بد من فاصل يفصل هذا من هذا # والعلامات التي قيل بها ستة # إما العادة فإن العادة أقوى العلامات لأن الأصل مقام الحيض دون غيره # وإما التمييز لأنه الدم الأسود والثخين المنتن أولى أن يكون حيضا من ~~الأحمر # وإما اعتبار غالب عادة النساء لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم PageV21P630 ~~الأغلب فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار ومن الفقهاء من ~~يجلسها ليلة وهو أقل الحيض ومنهم من يجلسها الأكثر لأنه أصل دم الصحة ومنهم ~~من يلحقها بعادة نسائها # وهل هذا حكم الناسية أو حكم المبتدأة والناسية جميعا فيه نزاع وأصوب ~~الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة وإلغاء ما سوى ذلك # وأما المتميزة فتجلس غالب الحيض كما جاءت به السنة ومن لم يجعل لها دما ~~محكوما بأنه حيض بل أمرها بالاحتياط مطلقا فقد كلفها أمرا عظيما ms6537 لا تأتي ~~الشريعة بمثله وفيه تبغيض عبادة الله إلى أهل دين الله وقد رفع الله الحرج ~~عن المسلمين وهو من أضعف الأقوال جدا # وأصل هذا أن الدم باعتبار حكمه لا يخرج عن خمسة أقسام # دم مقطوع بأنه حيض كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معه # ودم مقطوع بأنه استحاضة كدم الصغيرة # ودم يحتمل الأمرين لكن الأظهر أنه حيض وهو دم المعتادة PageV21P631 ~~والمميزة ونحوهما من المستحاضات الذي يحكم بأنه حيض # ودم يحتمل الأمرين والأظهر أنه دم فساد وهو الدم الذي يحكم بأنه استحاضة ~~من دماء هؤلاء # ودم مشكوك فيه لا يترجح فيه أحد الأمرين فهذا يقول به طائفة من أصحاب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما فيوجبون على من أصابها أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم ~~والصواب أن هذا القول باطل لوجوه # أحدها أن الله تعالى يقول @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون @QE@ فالله تعالى قد بين للمسلمين في المستحاضة وغيرها ~~ما تتقيه من الصلاة والصيام في زمن الحيض فكيف يقال إن الشريعة فيها شك ~~مستمر يحكم به الرسول وأمته نعم قد يكون شك خاص ببعض الناس كالذي يشك هل ~~أحدث أم لا كالشبهات التي لا يعلمها كثير من الناس فأما شك وشبهة تكون في ~~نفس الشريعة فهذا باطل والذين يجعلون هذا دم شك يجعلون ذلك حكم الشرع لا ~~يقولون نحن شككنا فإن الشاك لا علم عنده فلا يجزم وهؤلاء يجزمون بوجوب ~~الصيام وإعادته لشكهم # الوجه الثاني أن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين ولا PageV21P632 ~~الصيام مرتين إلا بتفريط من العبد فأما مع عدم تفريطه فلم يوجب الله صوم ~~شهرين في السنة ولا صلاة ظهرين في يوم وهذا مما يعرف به ضعف قول من يوجب ~~الصلاة ويوجب إعادتها فإن هذا أصل ضعيف كما بسط القول عليه في غير هذا ~~الموضع # ويدخل في هذا من يأمر بالصلاة خلف الفاسق وإعادتها وبالصلاة مع الأعذار ~~النادرة التي لا تتصل وإعادتها ومن يأمر المستحاضة بالصيام مرتين ونحو ذلك ~~مما يوجد في مذهب ms6538 الشافعي وأحمد في أحد القولين # فإن الصواب ما عليه جمهور المسلمين أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه ~~فلا إعادة عليه كما قال تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ ولم يعرف ~~قط أن رسول الله أمر العبد أن يصلي الصلاة مرتين لكن يأمر بالإعادة من لم ~~يفعل ما أمر به مع القدرة على ذلك كما قال للمسيء في صلاته أرجع فصل فإنك ~~لم تصل وكما أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة فأما المعذور كالذي ~~يتيمم لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله لمرض أو لبرد وكالاستحاضة وأمثال ~~هؤلاء فإن سنة رسول الله في هؤلاء أن يفعلوا ما يقدرون عليه بحسب استطاعتهم ~~ويسقط عنهم ما يعجزون عنه بل سنته فيمن كان لم يعلم الوجوب أنه لا قضاء ~~PageV21P633 عليه لأن التكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة على الفعل # ولهذا لم يأمر عمر وعمارا بإعادة الصلاة لما كانا جنبين فعمر لم يصل ~~وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة ظنا أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء وكذلك ~~الذين أكلوا من الصحابة حتى تبين لهم الحبال السود من البيض لم يأمرهم ~~بالإعادة وكذلك الذين صلوا إلى غير الكعبة قبل أن يبلغهم الخبر الناسخ لم ~~يأمرهم بالإعادة وكان بعضهم بالحبشة وبعضهم بمكة وبعضهم بغيرها بل بعض من ~~كان بالمدينة صلوا بعض الصلاة إلى الكعبة وبعضها إلى الصخرة ولم يأمرهم ~~بالإعادة ونظائرها متعددة # فمن استقرأ ماجاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على ~~العلم والعمل فمن كان عاجزا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه ولا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها # ولهذا عذر المجتهد المخطئ لعجزه عن معرفة الحق في تلك المسألة وهذا بخلاف ~~المفرط المتمكن من فعل ما أمر به فهذا هو الذي يستحق العقاب ولهذا قال ~~النبي لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ~~وهذه قاعدة كبيرة تحتاج إلى بسط ليس هذا موضعه PageV21P634 # ومقصود السائل ما يتعلق بالمستحاضة وقد بينا أن الصواب أنه ليس ms6539 عليها في ~~صورة من الصور أن تصوم وتقضي الصوم كما يقوله في بعض الصور من يقوله من ~~أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وأنه ليس عليها أن تغتسل لكل صلاة باتفاق ~~الأئمة الأربعة وغيرهم والله أعلم ### |||| وسئل # عن امرأة نفساء لم تغتسل فهل يجوز وطؤها قبل الغسل أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجوز وطء الحائض والنفساء حتى يغتسلا فإن عدمت الماء أو خافت ~~الضرر باستعمالها الماء لمرض أو برد شديد تتيمم وتوطأ بعد ذلك هذا مذهب ~~جماهير الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وقد دل على ذلك القرآن بقوله تعالى ~~@QB@ ولا تقربوهن حتى يطهرن @QE@ أي ينقطع الدم فإذا تطهرن أي اغتسلن ~~بالماء كما قال @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ وقد روي ما يدل على ذلك عن ~~أكابر الصحابة كعمر وعثمان وعلي وبن مسعود وأبي موسى وغيرهم حيث جعلوا ~~الزوج أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة # وأما أبو حنيفة فمذهبه إن انقطع الدم لعشرة أيام أو أكثر ومر عليها وقت ~~صلاة أو اغتسلت وطئها وإلا فلا والله أعلم PageV21P635 ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة نفساء هل يجوز لها قراءة القرآن في حال النفاس وهل يجوز وطؤها ~~قبل انقضاء الأربعين أم لا وهل إذا قضت الأربعين ولم تغتسل فهل يجوز وطؤها ~~بغير غسل أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما وطؤها قبل أن ينقطع الدم فحرام باتفاق الأئمة وإذا ~~انقطع الدم بدون الأربعين فعليها أن تغتسل وتصلي لكن ينبغي لزوجها أن لا ~~يقربها إلى تمام الأربعين # وأما قراءتها القرآن فإن لم تخف النسيان فلا تقرؤه وأما إذا خافت النسيان ~~فإنها تقرؤه في أحد قولي العلماء وإذا انقطع الدم واغتسلت قرأت القرآن وصلت ~~بالاتفاق فإن تعذر اغتسالها لعدم الماء أو لخوف ضرر لمرض ونحوه فإنها تتيمم ~~وتفعل بالتيمم ما تفعل بالاغتسال والله أعلم PageV21P636 ### || 1 ( كتب الفقه ) ### || 1 ( الصلاة ) 1 # ( بسم الله الرحمن الرحيم ( ### |||| ( سئل رحمه الله ( # هل كانت الصلاة على من قبلنا # من الأمم مثل ما هي علينا من الوجوب والأوقات والأفعال والهيئات أم لا ( ### ||||| فأجاب ( رضى الله عنه ms6540 # كانت لهم صلاة في هذه الأوقات لكن ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات ~~والهيئات وغيرهما والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل يفسق ويشرب الخمر ويصلى الصلوات الخمس وقد قال ( كل صلاة لم تنه ~~عن الفحشاء والمنكر لم يزدد صاحبها من الله الا بعدا ( ### ||||| فأجاب # هذا الحديث ليس بثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم لكن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه وبكل PageV22P005 حال فالصلاة لا ~~تزيد صاحبها بعدا بل الذى يصلى خير من الذى لا يصلى وأقرب إلى الله منه وإن ~~كان فاسقا # لكن قال بن عباس ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها وقد قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( ان العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها الا نصفها الا ~~ثلثها إلا ربعها حتى قال إلا عشرها ( فإن الصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته ~~عن الفحشاء والمنكر وإذا لم تنهه دل على تضييعه لحقوقها وإن كان مطيعا وقد ~~قال تعالى ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة الآية ( وإضاعتها التفريط في ~~واجباتها وإن كان يصليها والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن قوله تعالى ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ( والرجل إذا شرب الخمر ~~وصلى وهو سكران هل تجوز صلاته أم لا ### |||| ( فأجاب ( # صلاة السكران الذى لا يعلم ما يقول لا تجوز بإتفاق بل ولا يجوز أن يمكن ~~من دخول المسجد لهذه الآية وغيرها فإن النهى عن قربان الصلاة وقربان مواضع ~~الصلاة والله أعلم PageV22P006 ### || 1 ( قاعدة ما ترك من واجب وفعل ) 1 # ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( ### ||| ( فصل ( # في ( قاعدة ( ما ترك من واجب وفعل من محرم قبل الإسلام والتوبة قاعدة ما ~~تركه الكافر الأصلى من واجب كالصلاة والزكاة والصيام فإنه لا يجب عليه ~~قضاؤه بعد الإسلام بالإجماع لأنه لم يعتقد وجوبه سواء كانت الرسالة قد ~~بلغته أو لم تكن بلغته وسواء كان كفره جحودا أو عنادا أو جهلا # ولا فرق في هذا بين الذمى والحربى بخلاف ما على الذمى من الحقوق التى ~~أوجبت الذمة أداءها كقضاء الدين ms6541 ورد الأمانات والغصوب فإن هذه لا تسقط ~~بالإسلام لا لالتزامه وجوبها قبل الإسلام # وأما الحربى المحض فلم يلتزم وجوب شيء للمسلمين لا من العبادات ولا من ~~الحقوق فليس عليه قضاء شيء لا من حقوق الله ولا من حقوق المسلمين وإن كان ~~يعاقب على تركها لو لم يسلم فإن الإسلام يهدم ما كان قبله PageV22P007 # وكذلك ما فعله الكافر من المحرمات في دين الإسلام التى يستحلها في دينه ~~كالعقود والقبوض الفاسدة كعقد الربا والميسر وبيع الخمر والخنزير والنكاح ~~بلا ولى ولا شهود وقبض مال المسلمين بالقهر والاستيلاء ونحو ذلك فإن ذلك ~~المحرم يسقط حكمه بالإسلام ويبقى في حقه بمنزلة مالم يحرم فإن الإسلام يغفر ~~له به تحريم ذلك العقد والقبض فيصير الفعل في حقه عفوا بمنزلة من عقد عقدا ~~أو قبض قبضا غير محرم فيجرى في حقه مجرى الصحيح في حق المسلمين ولهذا ما ~~تقابضوا فيه من العقود الفاسدة أقروا على ملكه إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا # وكذلك عقود النكاح التى إنقضى سبب فسادها قبل الحكم والإسلام بخلاف مالم ~~يتقابضوه فإنه لا يجوز لهم بعد الإسلام أن يقبضوا قبضا محرما كما لا يعقدون ~~عقدا محرما وهذا مقرر في موضعه لقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إتقوا ~~الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين ) فأمرهم بترك ما بقى في الذمم ~~من الربا ولم يأمرهم برد المقبوض # وقال النبى ( من أسلم على شيء فهو له ( وقال ( وأيما قسم قسم في الجاهلية ~~فهو على ما قسم وأيما قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام ( وأقر أهل ~~الجاهلية على مناكحهم التى كانت في الجاهلية مع أن كثيرا منها كان غير مباح ~~في الإسلام PageV22P008 وهذا كالمتفق عليه بين الأئمة المشهورين لكن ثم ~~خلاف شاذ في بعض صوره # وأما ما إستولى عليه أهل الحرب من أموال المسلمين ثم اسلموا فإنه لهم ~~بسنة رسول الله وإتفاق السلف وجماهير الأئمة وهو منصوص أحمد وظاهر مذهبه # وأما التحاكم إلينا في مثل هذه الصورة فانها تكون إذا كانوا ذوى عهد ms6542 ~~بأمان أو ذمة أو صلح فنقرهم عليه في هذه الصورة أيضا فهذا في الحقوق التى ~~وجبت له بإعتقاده في كفره وإن كان سببها محرما في دين الإسلام # وأما العقوبات فإنه لا يعاقب على ما فعله قبل الإسلام من محرم سواء كان ~~يعتقد تحريمه أو لم يعتقده فلا يعاقب على قتل نفس ولا ربا ولا سرقة ولا غير ~~ذلك سواء فعل ذلك بالمسلمين أو بأهل دينه فإنه إن كان بالمسلمين فهو يعتقد ~~إباحة ذلك منهم وأما أهل دينه فهم مباحون في دين الإسلام وإن إعتقد هو ~~الحظر ولهذا نقول إنما سباه وغنمه الكفار بعضهم من نفوس بعض وأموالهم فإنهم ~~لا يعاقبون عليها بعد الإسلام وإن إعتقدوا التحريم فمتى كان مباحا في دينه ~~أو في دين الإسلام زالت العقوبة PageV22P009 # لكن إن كان محرما في الدينين مثل أن يكون بينه وبين قوم عهد فإن كان عهده ~~مع المسلمين فهذا هو المستأمن والذمى والمصالح فهؤلاء يضمنون ما اتلفوه ~~للمسلمين من النفوس والأموال ويعاقبون على ما تعدوا به على المسلمين ~~ويعاقبون على الزنى وفى شرب الخمر خلاف معروف واما إن كان عهدهم مع غير ~~المسلمين مثل قضية المغيرة بن شعبة ### ||| فصل # فأما المرتد فلا يجب عليه قضاء ما تركه في الردة من صلاة وزكاة وصيام في ~~المشهور ولزمه ما تركه قبل الردة في المشهور وقيل يجب عليه القضاء وقيل لا ~~يجب في الصورتين ويحكى ثلاث روايات عن أحمد وأما ما فعله من المحرمات فإن ~~كان في قبضة المسلمين ضمن ما اتلفه من نفس ومال وإن كان في طائفة ممتنعة ~~ففيه روايات ### ||| فصل # وأما المسلم إذا ترك الواجب قبل بلوغ الحجة أو متأولا مثل من ترك الوضوء ~~من لحوم الإبل أو مس الذكر أو صلى في أعطان PageV22P010 الإبل أو ترك ~~الصلاة جهلا بوجوبها عليه بعد إسلامه ونحو ذلك فهل يجب عليه قضاء هذه ~~الواجبات على قولين في المذهب تارة تكون رواية منصوصة وتارة تكون وجها # واصلها أن حكم الخطاب بفروع الشريعة هل يثبت حكمه في حق ms6543 المسلم قبل بلوغه ~~على وجهين ذكرهما القاضي أبويعلى في مصنف مفرد وفيها وجه ثالث إختاره طائفة ~~من الأصحاب وهو الفرق بين الخطاب الناسخ والخطاب المبتدأ فلا يثبت النسخ ~~إلا بعد بلوغ الناسخ بخلاف الخطاب المبتدأ وقد قرروه بالدلائل الكثيرة أنه ~~لا يجب القضاء في هذه الصور كلها وانه لا يثبت حكم الخطاب إلا بعد البلاغ ~~جملة وتفصيلا # ولهذا لم يامر النبى بالقضاء لأبي ذر لما مكث مدة لا يصلى مع الجنابة ~~بالتيمم ولا أمر عمر بن الخطاب في قضية عمار بن ياسر ولا أمر بإعادة الصوم ~~من أكل حتى يتبين له العقال الأبيض من الأسود ونظائره متعددة في الشريعة # بل إذا عفى للكافر بعد الإسلام عما تركه من الواجبات لعدم الإعتقاد وإن ~~كان الله قد فرضها عليه وهو معذب على تركها فلأن يعفو للمسلم عما تركه من ~~الواجبات لعدم إعتقاد الوجوب وهو غير معذبه PageV22P011 على الترك لإجتهاده ~~أو تقليده أو جهله الذى يعذر به أولى واحرى وكما أن الإسلام يجب ما كان ~~قبله فالتوبة تجب ما كان قبلها لا سيما توبة المعذور الذى بلغه النص أو ~~فهمه بعد أن لم يكن تمكن من سمعه وفهمه وهذا ظاهر جدا إلى الغاية # وكذلك ما فعله من العقود والقبوض التى لم يبلغه تحريمها لجهل يعذر به أو ~~تأويل فعلى إحدى القولين حكمه فيها هذا الحكم وأولى فإذا عامل معاملة يعتقد ~~جوازها بتأويل من ربا أو ميسر أو ثمن خمر أو نكاح فاسد أو غير ذلك ثم تبين ~~له الحق وتاب أو تحاكم إلينا أو إستفتانا فإنه يقر على ما قبضه بهذه العقود ~~ويقر على النكاح الذى مضى مفسده مثل أن يكون قد تزوج بلا ولي أو بلا شهود ~~معتقدا جواز ذلك أو نكح الخامسة في عدة الرابعة أو نكاح تحليل مختلف فيه أو ~~غير ذلك فإنه وإن تبين له فيما بعد فساد النكاح فإنه يقر عليه أما إذا كان ~~نكح بإجتهاد وتبين له الفساد بإجتهاد فهذا مبنى على أن الإجتهاد لا ينقض ~~بالإجتهاد ms6544 لا في الحكم ولا في الفتيا أيضا فهذا مأخذ آخر # وإنما الغرض هنا أنه لو تيقن التحريم بالنص القاطع كتيقن PageV22P012 من ~~كان كافرا صحة الإسلام فإنا نقره على ما مضى من عقد النكاح ومن المقبوض في ~~العقد الفاسد إذا لم يكن المفسد قائما كما يقر الكفار بعد الإسلام على ~~مناكحتهم التى كانت محرمة في الإسلام وأولى # فإن فعل الواجبات وترك المحرمات باب واحد كما تقدم في الكافر وهذا بين ~~فإن العفو والإقرار للمسلم المتأول بعد الرجوع عن تأويله أولى من العفو ~~والإقرار عن الكافر المتأول لكن في هذا خلاف في المذهب وغيره # وشبهة المخالف نظره إلى أن هذا منهى عنه والنهي يقتضي الفساد وجعل ~~المسلمين جنسا واحدا ولم يفرق بين المتأول وغيره ونظيرهذه المسألة ما أتلفه ~~أهل البغى المتأولون على أهل العدل من النفوس والأموال هل يضمنون على ~~روايتين # إحداهما يضمنونه جعلا لهم كالمحاربين وكقتال العصبية الذى لا تأويل فيه ~~وهذا نظير من يجعل العقود والقبوض المتأول فيها بمنزلة مالا تأويل فيه # والثانية لا يضمنونه وعلى هذا إتفق السلف كما قال الزهري وقعت الفتنة ~~واصحاب رسول الله متوافرون فأجمعوا PageV22P013 أن كل دم أو مال أوفرج أصيب ~~بتأويل القرآن فلا ضمان فيه وفى لفظ الحقوهم في ذلك بأهل الجاهلية # ولهذا لم يضمن النبى أسامة دم الذى قتله بعد ما قال لا إله إلا الله لأنه ~~قتله متأولا أى أنهم وإن إستحلوا المحرم لكن لما كانوا جاهلين متأولين ~~كانوا بمنزلة أهل الجاهلية في عدم الضمان وإن فارقوهم في عفو الله ورحمته ~~لأن هذه الأمة عفى لها عن الخطأ والنسيان بخلاف الكافر فإنه لا يغفر له ~~الكفر الذى اخطأ فيه ### ||| فصل # وهذا الذى ذكرته فيما تركه المسلم من واجب أو فعله من محرم بتأويل إجتهاد ~~أو تقليد واضح عندى وحاله فيه أحسن من حال الكافر المتأول # وهذا لا يمنع ان أقاتل الباغى المتأول وأجلد الشارب المتأول ونحو ذلك فإن ~~التأويل لا يرفع عقوبة الدنيا مطلقا إذ الغرض بالعقوبة دفع فساد الإعتداء ~~كما لا ms6545 يرفع عقوبة الكافر وإنما الكلام في قضاء ما تركه من واجب وفى العقود ~~والقبوض التى فعلها بتأويل PageV22P014 وفى ضمان النفوس والأموال التى ~~إستحلها بتأويل كما إستحل أسامة قتل الذى قتله بعد ما قال لا إله إلا الله ~~وكذلك لا يعاقب على ما مضى إذا لم يكن فيه زجر عن المستقبل # وأما العقوبة للدفع عن المستقبل كقتال الباغي وجلد الشارب فهذه مقصودها ~~أداء الواجب في المستقبل ودفع المحرم في المستقبل وهذا لا كلام فيه فإنه ~~يشرع في مثل هذا عقوبة المتأول في بعض المواضع # وإنما الغرض بما يتعلق بالماضى من قضاء واجبه وترك الحقوق التى حصلت فيه ~~والعقوبة على ما فعله فهذه الأمور المتعلقه به من الحدود والحقوق والعبادات ~~هي التى يجب ان يكون المسلم المتأول أحسن حالا فيها من الكافر المتأول ~~وأولى # فالتوبة تجب ما قبلها والمسلم المتأول معذور ومعه الإسلام الذى تغفر معه ~~الخطايا والتوبة التى تجب ما كان قبلها وفى إيجاب القضاء وإسقاط الحقوق ~~وإقامة العقوبات تنفير عن التوبة والرجوع إلى الحق أكثر من التنفير بذلك ~~للكافر فإن أعلام الإسلام ودلالته أعظم من أعلام هذه الفروع وأدلتها ~~والداعى إلى الإسلام من سلطان الحجة والقدرة قد يكون أعظم من الداعى إلى ~~هذه الفروع PageV22P015 # وهذا لا شبهة فيه عندي وإن كان فيه نزاع فإني أعلم أنه لولا مضي السنة ~~بمثل ذلك في حق الكفار لكان مقتضى هذا القياس عند اصحابه طرده في حق الكافر ~~أيضا وقد راعى أصحاب أبى حنيفة ذلك في النكاح فلم يمنعوا منه إلا ماله مساغ ~~في الإسلام والنزاع لا يهتك حرمة العلم والفقه بعد ظهور حجته ### ||| فصل # ولكن النظر في فصلين # احدهما من ترك الواجب أو فعل المحرم لا باعتقاد ولا بجهل يعذر فيه ولكن ~~جهلا واعراضا عن طلب العلم الواجب عليه مع تمكنه منه أو أنه سمع ايجاب هذا ~~وتحريم هذا ولم يلتزمه اعراضا لا كفرا بالرسالة فهذان نوعان يقعان كثيرا من ~~ترك طلب العلم الواجب عليه حتى ترك الواجب وفعل المحرم غير عالم بوجوبه ms6546 ~~وتحريمه أو بلغه الخطاب في ذلك ولم يلتزم اتباعه تعصبا لمذهبه أو اتباعا ~~لهواه فان هذا ترك الإعتقاد الواجب بغير عذر شرعى كما ترك الكافر الاسلام # فان الإعتقاد هو الاقرار بالتصديق والالتزام فقد يترك التصديق ~~PageV22P016 والالتزام جميعا لعدم النظر الموجب للتصديق وقد يكون مصدقا ~~بقلبه لكنه غير مقر ولا ملتزم اتباعا لهواه فهل يكون حال هذا اذا تاب واقر ~~بالوجوب والتحريم تصديقا والتزاما بمنزلة الكافر اذا اسلم لأن التوبة تجب ~~ما قبلها كما ان الاسلام يجب ما قبله فهذه الصورة ابعد من التى قبلها فان ~~من اوجب القضاء على التارك المتأول وفسخ العقد والقبض على المتأول المعذور ~~فعلى هذا المذنب بترك الإعتقاد الواجب أولى # واما على القول الذى قررناه وجزمنا بصحته فهذا فيه نظر قد يقال هذا عاص ~~ظالم بترك التعلم والالتزام فلا يلزم من العفو عن المخطئين في تاويله العفو ~~عن هذا # وقد يقال وهو أظهر في الدليل والقياس ليس هذا باسوأ حال من الكافر ~~المعاند الذى ترك استماع القرآن كبرا وحسدا وهوى أو سمعه وتدبره واستيقنت ~~نفسه انه حق من عند الله ولكن جحد ذلك ظلما وعلوا كحال فرعون واكثر اهل ~~الكتاب والمشركين الذين لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون # والتوبة كالاسلام فان الذى قال ( الاسلام يهدم ما كان قبله ( هو الذي قال ~~التوبة تهدم ما كان قبلها وذلك في حديث واحد PageV22P017 من رواية عمرو بن ~~العاص رواه أحمد ومسلم # فاذا كان العفو عن الكافر لاجل ما وجد من الاسلام الماحى والحسنات يذهبن ~~السيئات ولان في عدم العفو تنفير عن الدخول لما يلزم الداخل فيه من الاصار ~~والاغلال الموضوعة على لسان هذا النبى ( ) فهذا المعنى موجود في التوبة عن ~~الجهل والظلم فان الاعتراف بالحق والرجوع إليه حسنة يمحو الله بها السيئات ~~وفى عدم العفو تنفير عظيم عن التوبة واصار ثقيلة واغلال عظيمة على التائبين # وقد ثبت في صحيح مسلم عن ابى ذر عن النبى ( ان الله يبدل لعبده التائب ~~بدل كل سيئة حسنة ( على ظاهر قوله ( يبدل ms6547 الله سيئاتهم حسنات ) فاذا كانت ~~تلك التى تاب منها صارت حسنات لم يبق في حقه بعد التوبة سيئة اصلا فيصير ~~ذلك القبض والعقد من باب المعفو عنه ويصير ذلك الترك من باب المعفو عنه فلا ~~يجعل تاركا لواجب ولا فاعلا لمحرم وبهذا يحصل الجمع بين الادلة الشرعية فان ~~النبى قال ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها ) # واختلف الناس فيمن ترك الصلاة والصوم عامدا هل يقضيه PageV22P018 فقال ~~الأكثرون يقضيه وقال بعضهم لا يقضيه ولا يصح فعله بعد وقته كالحج وقد ثبت ~~عن النبى انه قال عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ( فصلوا الصلاة ~~لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة ( # ودل الكتاب والسنة وإتفاق السلف على الفرق بين من يضيع الصلاة فيصليها ~~بعد الوقت والفرق بين من يتركها ولو كانت بعد الوقت لا تصح بحال لكان ~~الجميع سواء لكن المضيع لوقتها كان ملتزما لوجوبها وإنما ضيع بعض حقوقها ~~وهو الوقت وأتى بالفعل فأما من لم يعلم وجوبها عليه جهلا وضلالا أو علم ~~الإيجاب ولم يلتزمه فهذا إن كان كافرا فهو مرتد وفى وجوب القضاء عليه ~~الخلاف المتقدم لكن هذا شبيه بكفر النفاق # فالكلام في هذا متصل بالكلام فيمن أقام الصلاة وآتى الزكاة نفاقا أو رياء ~~فإن هذا يجزئه في الظاهر ولا يقبل منه في الباطن قال الله تعالى @QB@ ذلك ~~بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم @QE@ وقال @QB@ وما منعهم أن تقبل ~~منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ~~ولا ينفقون إلا وهم كارهون @QE@ PageV22P019 # وقال تعالى @QB@ فويل للمصلين ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا @QE@ # وقد إختلف أصحابنا في الإمام إذا أخذ الزكاة قهرا هل تجزئه في الباطن على ~~وجهين مع أنها لا تستعاد منه # أحدهما لا تجزيه لعدم النية مع القدرة عليها # والثانى أن نية الإمام تقوم مقام نية الممتنع لأن الإمام نائب المسلمين ~~في ms6548 اداء الحقوق الواجبة عليهم والأول أصح فإن النبى كان يأخذها منهم ~~بإعطائهم إياها وقد صرح القرآن بنفى قبولها لأنهم ينفقون وهم كارهون فعلم ~~أنه ان أنفق مع كراهة الإنفاق لم تقبل منه كمن صلى رياء # لكن لو تاب المنافق والمرائى فهل تجب عليه في الباطن الإعادة أو تنعطف ~~توبته على ما عمله قبل ذلك فيثاب عليه أو لا يعيد ولا يثاب # أما الإعادة فلا تجب على المنافق قطعا لأنه قد تاب من المنافقين جماعة عن ~~النفاق على عهد رسول الله ولم يأمر أحدا منهم بالإعادة وقد قال تعالى @QB@ ~~وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن ~~يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة @QE@ PageV22P020 # وايضا فالمنافق كافر في الباطن فإذا آمن فقد غفر له ما قد سلف فلا يجب ~~عليه القضاء كما لا يجب على الكافر المعلن إذا أسلم # وأما ثوابه على ما تقدم مع التوبة فيشبه الكافر إذا عمل صالحا في كفره ثم ~~أسلم هل يثاب عليه ففى الصحيحين أن النبى قال ( لحكيم بن حزام ( أسلمت على ~~ما سلف لك من خير ( # وأما المرائي إذا تاب من الرياء مع كونه كان يعتقد الوجوب فهو شبيه ~~بالمسألة التى نتكلم فيها وهى مسألة من لم يلتزم أداء الواجب وإن لم يكن ~~كافرا في الباطن ففى إيجاب القضاء عليه تنفير عظيم عن التوبة # فإن الرجل قد يعيش مدة طويلة لا يصلي ولا يزكي وقد لا يصوم أيضا ولا ~~يبالي من أين كسب المال أمن حلال أم من حرام ولا يضبط حدود النكاح والطلاق ~~وغير ذلك فهو في جاهلية إلا أنه منتسب إلى الإسلام فإذا هداه الله وتاب ~~عليه فإن أوجب عليه قضاء جميع ما تركه من الواجبات وأمر برد جميع ما ~~PageV22P021 إكتسبه من الأموال والخروج عما يحبه من الإبضاع إلى غير ذلك ~~صارت التوبة في حقه عذابا وكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام الذى ~~كان عليه فإن توبته من الكفر رحمة وتوبته وهو ms6549 مسلم عذاب # وأعرف طائفة من الصالحين من يتمنى أن يكون كافرا ليسلم فيغفر له ما قد ~~سلف لأن التوبة عنده متعذرة عليه أو متعسرة على ما قد قيل له وإعتقده من ~~التوبة ثم هذا منفر لأكثر أهل الفسوق عن التوبة وهو شبيه بالمؤيس للناس من ~~رحمة الله # ووضع الآصار ثقيلة والأغلال عظيمة على التائبين الذين هم أحباب الله فإن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين والله أفرح بتوبة عبده من الواجد لماله ~~الذى به قوامه بعد اليأس منه # فينبغى لهذا المقام أن يحرر فإن كفر الكافر لم يسقط عنه ما تركه من ~~الواجبات وما فعله من المحرمات لكون الكافر كان معذورا بمنزلة المجتهد فإنه ~~لا يعذر بلا خلاف وإنما غفر له لأن الإسلام توبة والتوبة تجب ما قبلها ~~والتوبة توبة من ترك تصديق وإقرار وترك عمل وفعل فيشبه والله أعلم أن يجعل ~~حال هؤلاء في جاهليتهم كحال غيرهم PageV22P022 ### ||| فصل # فالأحوال المانعة من وجوب القضاء للواجب والترك للمحرم الكفر الظاهر ~~والكفر الباطن والكفر الأصلى وكفر الردة والجهل الذى يعذر به لعدم بلوغ ~~الخطاب أو لمعارضة تأويل بإجتهاد أو تقليد ### |||| وسئل # عن قوم منتسبين إلى المشائخ يتوبونهم عن قطع الطريق وقتل النفس والسرقة ~~وألزموهم بالصلاة لكونهم يصلون صلاة عادة البادية فهل تجب إقامة حدود ~~الصلاة أم لا ### ||||| فأجاب # أما الصلاة فقد قال الله تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون @QE@ وقال تعالى @QB@ فخلف ~~من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ ~~PageV22P023 فقد ذم الله تعالى للفى كتابه الذين يصلون إذا سهوا عن الصلاة # وذلك على وجهين # أحدهما أن يؤخرها عن وقتها # الثانى أن لا يكمل واجباتها من الطهارة والطمأنينة والخشوع وغير ذلك كما ~~ثبت في الصحيح أن النبى قال ( تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة ~~المنافق ثلاث مرار يترقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى شيطان قام فنقر أربعا ~~لا يذكر الله فيها إلا قليلا ( # فجعل النبى صلاة المنافقين التأخير وقلة ذكر إسم ms6550 الله سبحانه وقد قال ~~تعالى @QB@ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا @QE@ وقال @QB@ إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما @QE@ # وأما قوله سبحانه وتعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ PageV22P024 فقد قال بعض السلف إضاعتها ~~تأخيرها عن وقتها وإضاعة حقوقها قالوا وكانوا يصلون ولو تركوها لكانوا ~~كفارا فإنه قد صح عن النبى أنه قال ( ليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك ~~الصلاة ( وقال ( العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ( وفى ~~الحديث ( أن العبد إذا كمل الصلاة صعدت ولها برهان كبرهان الشمس وتقول حفظك ~~الله كما حفظتنى وإن لم يكملها فإنها تلف كما يلف الثوب ويضرب بها وجه ~~صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتنى ( # وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أن العبد لينصرف من ~~صلاته ولم يكتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها حتى ~~قال إلا عشرها ( وقال بن عباس ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها # وقوله ( وإتبعوا الشهوات ) الذى يشتغل به عن إقامة الصلاة كما أمر الله ~~تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بنوع من أنواع الشهوات كالرقص والغناء ~~وأمثال ذلك # وفى الصحيحين ( أن رجلا دخل المسجد فصلى ركعتين ثم أتى النبى صلى الله ~~عليه وسلم فسلم عليه فقال وعليك السلام PageV22P025 ارجع فصل فإنك لم تصل ~~فرجع فصلى ثم اتاه فسلم عليه فقال وعليك السلام إرجع فصل فإنك لم تصل مرتين ~~أو ثلاثا فقال والذى بعثك بالحق ما أحسن غيرها فعلمنى ما يجزئنى في الصلاة ~~فقال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم إقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم إركع حتى ~~تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم اجلس حتى ~~تطمئن ms6551 جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ( # وفى السنن عنه أنه قال ( لا تقبل صلاة من لم يقم صلبه في الركوع والسجود ~~( ( ونهى عن نقر كنقر الغراب ( ورأى حذيفة رجلا يصلي لا يتم الركوع والسجود ~~فقال لو مت مت على غير الفطرة التى فطر الله عليها محمدا أو قال لو مات هذا ~~رواه إبن خزيمة في صحيحه ### |||| وسئل # عمن قال إن الصبيان مأمورون بالصلاة قبل البلوغ وقال آخر لا نسلم فقال له ~~ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم ~~عليها لعشر ( فقال هذا ما هو أمر من الله ولم يفهم منه تنقيص فهل يجب في ~~ذلك شيء أفتونا مأجورين PageV22P026 ### ||||| فأجاب # إن كان المتكلم أراد أن الله أمرهم بالصلاة بمعنى أنه أوجبها عليهم ~~فالصواب مع الثانى وأما إن أراد أنهم مأمورون أي أن الرجال يأمرونهم بها ~~لأمر الله إياهم بالأمر أو أنها مستحبة في حق الصبيان فالصواب مع المتكلم # وقول القائل ما هو أمر من الله إذا أراد به أنه ليس أمرا من الله للصبيان ~~بل هو أمر لمن يأمر الصبيان فقد أصاب وإن أراد أن هذا ليس أمرا من الله ~~لأحد فهذا خطأ يجب عليه أن يرجع عنه ويستغفر الله والله أعلم ### |||| وسئل # عن أقوام يؤخرون صلاة الليل إلى النهار لأشغال لهم من زرع أو حرث أو ~~جنابة أو خدمة استاذ أو غير ذلك فهل يجوز لهم ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل ولا يؤخر صلاة الليل ~~إلى النهار لشغل من الأشغال لا لحصد ولا لحرث ولا لصناعة ولا لجنابة ولا ~~نجاسة ولا صيد ولا لهو ولا لعب ولا لخدمة أستاذ ولا غير ذلك بل المسلمون ~~كلهم متفقون على أن عليه أن PageV22P027 يصلي الظهر والعصر بالنهار ويصلى ~~الفجر قبل طلوع الشمس ولا يترك ذلك لصناعة من الصناعات ولا للهو ولا لغير ~~ذلك من الأشغال وليس للمالك أن يمنع مملوكه ولا للمستأجر أن ms6552 يمنع الأجير من ~~الصلاة في وقتها # ومن أخرها لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت ~~عقوبته بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب فإن تاب والتزم أن ~~يصلي في الوقت ألزم بذلك وان قال لا أصلي إلا بعد غروب الشمس لاشتغاله ~~بالصناعة والصيد أو غير ذلك فانه يقتل # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من فاتته ~~صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ( وفي الصحيحين عنه أنه قال ( من فاتته ~~صلاة العصر فقد حبط عمله ( وفى وصية أبى بكر الصديق لعمر بن الخطاب أنه قال ~~إن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله بالليل # والنبى كان أخر صلاة العصر يوم الخندق لاشتغاله بجهاد الكفار ثم صلاها ~~بعد المغرب فأنزل الله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~PageV22P028 # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ان الصلاة الوسطى صلاة ~~العصر فلهذا قال جمهور العلماء إن ذلك التأخير منسوخ بهذه الآية فلم يجوزوا ~~تأخير الصلاة حال القتال بل أوجبوا عليه الصلاة في الوقت حال القتال وهذا ~~مذهب مالك والشافعى واحمد في المشهور عنه # وعن أحمد رواية أخرى أنه يخير حال القتال بين الصلاة وبين التأخير ومذهب ~~أبى حنيفة يشتغل بالقتال ويصلى بعد الوقت وأما تأخير الصلاة لغير الجهاد ~~كصناعة أو زراعة أو صيد أو عمل من الأعمال ونحو ذلك فلا يجوزه أحد من ~~العلماء بل قد قال تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ ~~قال طائفة من السلف هم الذين يؤخرونها عن وقتها وقال بعضهم هم الذين لا ~~يؤدونها على الوجه المأمور به وإن صلاها في الوقت فتأخيرها عن الوقت حرام ~~باتفاق العلماء فان العلماء متفقون على أن تأخير صلاة الليل إلى النهار ~~وتأخير صلاة النهار إلى الليل بمنزلة تأخير صيام شهر رمضان إلى شوال # فمن قال أصلي الظهر والعصر بالليل فهو باتفاق العلماء بمنزلة من قال أفطر ~~شهر رمضان وأصوم شوال # وإنما ms6553 يعذر بالتأخير النائم والناسى كما قال النبى ( من نام عن صلاة ~~PageV22P029 أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها الا ~~ذلك ( # فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لجنابة ولا حدث ولا نجاسة ولا غير ذلك بل ~~يصلى في الوقت بحسب حاله فان كان محدثا وقد عدم الماء أو خاف الضرر ~~باستعماله تيمم وصلى وكذلك الجنب يتيمم ويصلى إذا عدم الماء أو خاف الضرر ~~بإستعماله لمرض أو لبرد # وكذلك العريان يصلى في الوقت عريانا ولا يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت ~~في ثيابه وكذلك إذا كان 0 عليه نجاسة لا يقدر أن يزيلها فيصلى في الوقت ~~بحسب حاله وهكذا المريض يصلي على حسب حاله في الوقت كما قال النبى لعمران ~~بن حصين ( صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ( فالمريض ~~باتفاق العلماء يصلى في الوقت قاعدا أو على جنب اذا كان القيام يزيد في ~~مرضه ولا يصلى بعد خروج الوقت قائما # وهذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض والوقت اوكد فرائض الصلاة كما أن ~~صيام شهر رمضان واجب في وقته ليس لأحد أن يؤخره عن وقته ولكن يجوز الجمع ~~بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بمزدلفة باتفاق المسلمين # وكذلك يجوز الجمع بين صلاة المغرب والعشاء وبين الظهر والعصر PageV22P030 ~~عند كثير من العلماء للسفر والمرض ونحو ذلك من الأعذار # وأما تأخير صلاة النهار إلى الليل وتأخير صلاة الليل إلى النهار فلا يجوز ~~لمرض ولا لسفر ولا لشغل من الأشغال ولا لصناعة باتفاق العلماء بل قال عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه الجمع بين صلاتين من غير عذر من الكبائر لكن ~~المسافر يصلى ركعتين ليس عليه أن يصلى أربعا بل الركعتان تجزئ المسافر في ~~سفر القصر باتفاق العلماء # ومن قال أنه يجب على كل مسافر أن يصلي أربعا فهو بمنزلة من قال إنه يجب ~~على المسافر أن يصوم شهر رمضان وكلاهما ضلال مخالف لاجماع المسلمين يستتاب ~~قائله فان تاب وإلا قتل والمسلمون متفقون على ms6554 أن المسافر إذا صلى الرباعية ~~ركعتين والفجر ركعتين والمغرب ثلاثا وأفطر شهر رمضان وقضاه أجزأه ذلك # وأما من صام في السفر شهر رمضان أو صلى أربعا ففيه نزاع مشهور بين ~~العلماء منهم من قال لا يجزئه ذلك فالمريض له أن يؤخر الصوم بإتفاق ~~المسلمين وليس له أن يؤخر الصلاة بإتفاق المسلمين والمسافر له أن يؤخر ~~الصيام بإتفاق المسلمين وليس له أن يؤخر الصلاة بإتفاق المسلمين ~~PageV22P031 وهذا مما يبين أن المحافظة على الصلاة في وقتها أوكد من الصوم ~~في وقته قال تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~@QE@ قال طائفة من السلف إضاعتها تأخيرها عن وقتها ولو تركوها لكانوا كفارا # وقال النبى ( سيكون بعدى أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة ~~لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة ( رواه مسلم عن أبي ذر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كيف بك إذا كان عليكم امراء يؤخرون الصلاة عن ~~وقتها وينسؤن الصلاة عن وقتها قلت فماذا تأمرنى قال صل الصلاة لوقتها فان ~~أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة ( وعن عبادة بن الصامت عن النبى قال ( ~~سيكون عليكم أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها فصلوا ~~الصلاة لوقتها ( وقال رجل أصلي معهم قال ( نعم ان شئت واجعلوها تطوعا ( ~~رواه أحمد وأبو داود ورواه عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( كيف بكم اذا كان عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها ( قلت ~~فما تأمرنى ان ادركنى ذلك يا رسول الله قال صل الصلاة لوقتها واجعل صلاتك ~~معهم نافلة ( # ولهذا اتفق العلماء على أن الرجل اذا كان عريانا مثل أن تنكسر ~~PageV22P032 بهم السفينة أو تسلبه القطاع ثيابه فانه يصلي في الوقت عريانا ~~والمسافر إذا عدم الماء يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق العلماء وان كان يجد ~~الماء بعد الوقت وكذلك الجنب المسافر إذا عدم الماء تيمم وصلى ولا إعادة ~~عليه بإتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم وكذلك إذا كان البرد شديدا فخاف ان ~~اغتسل أن يمرض فإنه يتيمم ms6555 ويصلي في الوقت ولا يؤخر الصلاة حتى يصلى بعد ~~الوقت باغتسال وقد قال النبى ( الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء ~~عشر سنين ( فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك فان ذلك خير ( # وكل ما يباح بالماء يباح بالتيمم فاذا تيمم لصلاة فريضة قرأ القرآن داخل ~~الصلاة وخارجها وإن كان جنبا ومن امتنع عن الصلاة بالتيمم فإنه من جنس ~~اليهود والنصارى فان التيمم لأمة محمد خاصة كما قال النبى في الحديث الصحيح ~~( فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وجعلت تربتها طهورا وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى ( وفى لفظ ( جعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره ~~( # وقد تنازع العلماء هل يتيمم قبل الوقت وهل يتيمم لكل صلاة أو يبطل بخروج ~~الوقت أو يصلى ما شاء كما يصلى بالماء PageV22P033 ولا ينقضه الا ما ينقض ~~الوضوء أو القدرة على إستعمال الماء وهذا مذهب أبى حنيفة وأحد الأقوال في ~~مذهب أحمد وغيره فان النبى قال ( الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد ~~الماء عشر سنين فاذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك فإن ذلك خير ( قال الترمذى ~~حديث حسن صحيح # وإذا كان عليه نجاسة وليس عنده ما يزيلها به صلى في الوقت وعليه النجاسة ~~كما صلى عمر بن الخطاب وجرحه يثعب دما ولم يؤخر الصلاة حتى خرج الوقت # ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا فقيل يصلى عريانا وقيل يصلى فيه ويعيد وقيل ~~يصلى فيه ولايعيد وهذا أصح أقوال العلماء فإن الله لم يأمر العبد أن يصلي ~~الفرض مرتين الا اذا لم يفعل الواجب الذى يقدر عليه في المرة الأولى مثل أن ~~يصلى بلا طمأنينة فعليه أن يعيد الصلاة كما أمر النبى من صلى ولم يطمئن أن ~~يعيد الصلاة وقال ( ارجع فصل فانك لم تصل ( # وكذلك من نسي الطهارة وصلى بلا وضوء فعليه أن يعيد كما أمر النبى من توضأ ~~وترك لمعة في قدمه لم يمسها الماء أن يعيد الوضوء والصلاة PageV22P034 # فأما من ms6556 فعل ما أمر به بحسب قدرته فقد قال تعالى @QB@ فاتقوا الله ما ~~استطعتم @QE@ وقال النبى ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ( # ومن كان مستيقظا في الوقت والماء بعيد منه لايدركه الا بعد الوقت فانه ~~يصلى في الوقت بالتيمم باتفاق العلماء وكذلك إذا كان البرد شديدا ويضره ~~الماء البارد ولا يمكنه الذهاب إلى الحمام أو تسخين الماء حتى يخرج الوقت ~~فإنه يصلي في الوقت بالتيمم والمرأة والرجل في ذلك سواء فإذا كانا جنبين ~~ولم يمكنهما الإغتسال حتى يخرج الوقت فإنهما يصليان في الوقت بالتيمم # والمرأة الحائض إذا إنقطع دمها في الوقت ولم يمكنها الإغتسال إلا بعد ~~خروج وقت تيممت وصلت في الوقت ومن ظن أن الصلاة بعد خروج الوقت بالماء خير ~~من الصلاة في الوقت بالتيمم فهو ضال جاهل # وإذا إستيقظ آخر وقت الفجر فإذا إغتسل طلعت الشمس فجمهور العلماء هنا ~~يقولون يغتسل ويصلى بعد طلوع الشمس وهذا مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد ~~وأحد القولين في مذهب مالك وقال في القول الآخر بل يتيمم أيضا هنا ويصلى ~~قبل طلوع الشمس PageV22P035 كما تقدم في تلك المسائل لأن الصلاة في الوقت ~~بالتيمم خير من الصلاة بعده بالغسل والصحيح قول الجمهور لأن الوقت في حق ~~النائم هو من حين يستيقظ كما قال النبي ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ( فالوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ وما قبل ~~ذلك لم يكن وقتا في حقه # وإذا كان كذلك فإذا إستيقظ قبل طلوع الشمس فلم يمكنه الإغتسال والصلاة ~~إلا بعد طلوعها فقد صلى الصلاة في وقتها ولم يفوتها بخلاف من إستيقظ في أول ~~الوقت فإن الوقت في حقه قبل طلوع الشمس فليس له أن يفوت الصلاة وكذلك من ~~نسي صلاة وذكرها فإنه حينئذ يغتسل ويصلى في أي وقت كان وهذا هو الوقت في ~~حقه فإذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس كما إستيقظ أصحاب النبى لما ناموا ~~عن الصلاة عام خيبر فإنه يصلي بالطهارة الكاملة وإن أخرها إلى ms6557 حين الزوال ~~فإذا قدر أنه كان جنبا فإنه يدخل الحمام ويغتسل وإن أخرها إلى قريب الزوال ~~ولا يصلى هنا بالتيمم ويستحب له أن ينتقل عن المكان الذى نام فيه كما إنتقل ~~النبى وأصحابه عن المكان الذى ناموا فيه وقال ( هذا مكان حضرنا فيه الشيطان ~~( وقد نص على ذلك أحمد وغيره وإن صلى فيه جازت صلاته PageV22P036 # فإن قيل هذا يسمى قضاء أو أداء # قيل الفرق بين اللفظين هو فرق إصطلاحى لا أصل له في كلام الله ورسوله فإن ~~الله تعالى سمى فعل العبادة في وقتها قضاء كما قال في الجمعة @QB@ فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا قضيتم مناسككم ~~فاذكروا الله @QE@ مع أن هذين يفعلان في الوقت و ( القضاء ( في لغة العرب ~~هو إكمال الشيء وإتمامه كما قال تعالى @QB@ فقضاهن سبع سماوات @QE@ أي ~~أكملهن وأتمهن فمن فعل العبادة كاملة فقد قضاها وإن فعلها في وقتها # وقد إتفق العلماء فيما أعلم على أنه لو إعتقد بقاء وقت الصلاة فنواها ~~أداء ثم تبين أنه صلى بعد خروج الوقت صحت لأنه ولو إعتقد خروجه فنواها قضاء ~~ثم تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته # وكل من فعل العبادة في الوقت الذي أمر به أجزأته صلاته سواء نواها أداء ~~أو قضاء والجمعة تصح سواء نواها أداء أو قضاء إذ أراد القضاء المذكور في ~~القرآن والنائم والناسي إذا صليا وقت الذكر والإنتباه فقد صليا في الوقت ~~الذي أمرا بالصلاة فيه وإن كانا قد صليا بعد خروج الوقت المشروع لغيرهما ~~فمن سمى ذلك قضاء بإعتبار هذا المعنى وكان في لغته أن القضاء فعل العبادة ~~بعد خروج الوقت المقدر شرعا PageV22P037 للعموم فهذه التسمية لا تضر ~~ولاتنفع # وبالجملة فليس لأحد قط شغل يسقط عنه فعل الصلاة في وقتها بحيث يؤخر صلاة ~~النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار بل لابد من فعلها في الوقت لكن ~~يصلى بحسب حاله فما قدر عليه من فرائضها فعله وما عجز عنه سقط عنه ولكن ~~يجوز الجمع للعذر بين صلاتى النهار وبين صلاتي ms6558 الليل عند أكثر العلماء ~~فيجوز الجمع للمسافر إذا جد به السير عند مالك والشافعى وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه ولا يجوز في الرواية الأخرى عنه وهو قول أبى حنيفة # وفعل الصلاة في وقتها أولى من الجمع إذا لم يكن عليه حرج بخلاف القصر فإن ~~صلاة ركعتين أفضل من صلاة أربع عند جماهير العلماء فلو صلى المسافر أربعا ~~فهل تجزئه صلاته على قولين والنبى كان في جميع أسفاره يصلى ركعتين ولم يصل ~~في السفر أربعا قط ولا أبو بكر ولا عمر ### |||| وسئل # عن العمل الذى لله بالنهار لا يقبله بالليل والعمل الذى بالليل لا يقبله ~~بالنهار PageV22P038 ### ||||| فأجاب # أما عمل النهار الذي لا يقبله الله بالليل وعمل الليل الذي لا ~~يقبله الله بالنهار فهما صلاة الظهر والعصر لا يحل للإنسان أن يؤخرهما إلى ~~الليل بل قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من فاتته صلاة العصر فكأنما ~~وتر أهله وماله ( وفى صحيح البخارى عنه أنه قال ( من فاتته صلاة العصر حبط ~~عمله ( # فاما من نام عن صلاة أو نسيها فقد قال ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ( # وأما من فوتها متعمدا فقد أتى كبيرة من أعظم الكبائر وعليه القضاء عند ~~جمهور العلماء وعند بعضهم لا يصح فعلها قضاء أصلا ومع القضاء عليه لا تبرأ ~~ذمته من جميع الواجب ولا يقبلها الله منه بحيث يرتفع عنه العقاب ويستوجب ~~الثواب بل يخفف عنه العذاب بما فعله من القضاء ويبقى عليه إثم التفويت وهو ~~من الذنوب التى تحتاج إلى مسقط آخر بمنزلة من عليه حقان فعل أحدهما وترك ~~الآخر قال تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ وتأخيرها ~~عن وقتها من السهو عنها بإتفاق العلماء # وقال تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا @QE@ قال غير واحد من السلف إضاعتها تأخيرها PageV22P039 عن ~~وقتها فقد أخبر الله سبحانه أن الويل لمن اضاعها وإن صلاها ومن كان له ~~الويل لم يكن قد يقبل عمله وإن ms6559 كان له ذنوب أخر فإذا لم يكن ممتثلا للأمر ~~في نفس العمل لم يتقبل ذلك العمل قال أبوبكر الصديق رضى الله عنه في وصيته ~~لعمر وأعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله ~~بالليل وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة والله أعلم ### || 1 ( حكم تارك الصلاة من غير عذر ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله # عن تارك الصلاة من غير عذر هل هو مسلم في تلك الحال ### ||||| فأجاب # أما تارك الصلاة فهذا إن لم يكن معتقدا لوجوبها فهو كافر بالنص ~~والإجماع لكن إذا اسلم ولم يعلم أن الله أوجب عليه الصلاة أو وجوب بعض ~~أركانها مثل أن يصلي بلا وضوء فلا يعلم ان الله أوجب عليه الوضوء أو يصلي ~~مع الجنابة فلا يعلم أن الله أوجب عليه غسل الجنابة فهذا ليس بكافر إذا لم ~~يعلم # لكن إذا علم الوجوب هل يجب عليه القضاء فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد ~~ومالك وغيرهما قيل يجب عليه القضاء وهو المشهور عن أصحاب الشافعى وكثير من ~~اصحاب أحمد وقيل لا يجب عليه PageV22P040 القضاء وهذا هو الظاهر # وعن أحمد في هذا الأصل روايتان منصوصتان فيمن صلى في معاطن الإبل ولم يكن ~~علم بالنهى ثم علم هل يعيد على روايتين ومن صلى ولم يتوضأ من لحوم الإبل ~~ولم يكن علم بالنهي ثم علم هل يعيد على روايتين منصوصتين # وقيل عليه الإعادة إذا ترك الصلاة جاهلا بوجوبها في دار الإسلام دون دار ~~الحرب وهو المشهور من مذهب أبى حنيفة والصائم إذا فعل ما يفطر به جاهلا ~~بتحريم ذلك فهل عليه الإعادة على قولين في مذهب أحمد وكذلك من فعل محظورا [ ~~في ] الحج جاهلا # وأصل هذا أن حكم الخطاب هل يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه فيه ثلاثة ~~اقوال في مذهب أحمد وغيره قيل يثبت وقيل لا يثبت وقيل يثبت المبتدأ دون ~~الناسخ والأظهر أنه لا يجب قضاء شيء من ذلك ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ ~~لقوله تعالى @QB@ لأنذركم به ومن بلغ @QE@ وقوله ms6560 @QB@ وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا @QE@ ولقوله @QB@ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ ~~ومثل هذا في القرآن متعدد بين سبحانه أنه لا يعاقب أحدا حتى يبلغه ما جاء ~~به الرسول # ومن علم ان محمدا رسول الله فآمن بذلك ولم يعلم كثيرا مما PageV22P041 ~~جاء به لم يعذبه الله على ما لم يبلغه فإنه إذا لم يعذ به على ترك الإيمان ~~بعد البلوغ فإنه لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلاغ أولى وأحرى وهذه ~~سنة رسول الله المستفيضة عنه في أمثال ذلك # فإنه قد ثبت في الصحاح أن طائفة من اصحابه ظنوا أن قوله تعالى @QB@ الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود @QE@ هو الحبل الأبيض من الحبل الأسود فكان أحدهم ~~يربط في رجله حبلا ثم يأكل حتى يتبين هذا من هذا فبين النبى أن المراد بياض ~~النهار وسواد الليل ولم يأمرهم بالإعادة وكذلك عمر بن الخطاب وعمار أجنبا ~~فلم يصل عمر حتى أدرك الماء وظن عمار أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء ~~فتمرغ كما تمرغ الدابة ولم يأمر واحدا منهم بالقضاء وكذلك أبوذر بقى مدة ~~جنبا لم يصل ولم يأمره بالقضاء بل أمره بالتيمم في المستقبل # وكذلك المستحاضة قالت أنى استحاض حيضة شديدة تمنعنى الصلاة والصوم فأمرها ~~بالصلاة زمن دم الإستحاضة ولم يأمرها بالقضاء # ولما حرم الكلام في الصلاة تكلم معاوية بن الحكم السلمى في PageV22P042 ~~الصلاة بعد التحريم جاهلا بالتحريم فقال له ( أن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الآدميين ( ولم يأمره بإعادة الصلاة # ولما زيد في صلاة الحضر حين هاجر إلى المدينة كان من كان بعيدا عنه مثل ~~من كان بمكة وبأرض الحبشة يصلون ركعتين ولم يأمرهم النبى بإعادة الصلاة ~~ولما فرض شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة ولم يبلغ الخبر إلى من كان ~~بأرض الحبشة من المسلمين حتى فات ذلك الشهر لم يأمرهم بإعادة الصيام # وكان بعض الأنصار لما ذهبوا إلى النبى من المدينة إلى مكة قبل الهجرة قد ~~صلى إلى الكعبة معتقدا جواز ذلك ms6561 قبل أن يؤمر بإستقبال الكعبة وكانوا حينئذ ~~يستقبلون الشام فلما ذكر ذلك للنبى أمره بإستقبال الشام ولم يأمره بإعادة ~~ما كان صلى # وثبت عنه في الصحيحين أنه سئل وهو بالجعرانة عن رجل أحرم بالعمرة وعليه ~~جبة وهو متضمخ بالخلوق فلما نزل عليه الوحى قال له ( إنزع عنك جبتك وإغسل ~~عنك أثر الخلوق وإصنع في PageV22P043 عمرتك ما كنت صانعا في حجك ( وهذا قد ~~فعل محظورا في الحج وهو لبس الجبة ولم يأمره النبى على ذلك بدم ولو فعل ذلك ~~مع العلم للزمه دم # وثبت عنه في الصحيحين انه قال للأعرابي المسىء في صلاته ( صل فإنك لم تصل ~~( مرتين أو ثلاثا فقال والذى بعثك بالحق ما احسن غير هذا فعلمنى ما يجزينى ~~في الصلاة فعلمه الصلاة المجزية ( ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل ذلك مع قوله ~~ما احسن غير هذا وإنما أمره أن يعيد تلك الصلاة لأن وقتها باق فهو مخاطب ~~بها والتى صلاها لم تبرأ بها الذمة ووقت الصلاة باق # ومعلوم أنه لو بلغ صبى أو أسلم كافر أو طهرت حائض أو أفاق مجنون والوقت ~~باق لزمتهم الصلاة أداء لا قضاء وإذا كان بعد خروج الوقت فلا إثم عليهم ~~فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوب الطمأنينة في أثناء الوقت فوجبت عليه ~~الطمأنينة حينئذ ولم تجب عليه قبل ذلك فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة تلك ~~الوقت دون ما قبلها # وكذلك أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد ولمن ترك لمعة من قدمه أن يعيد ~~الوضوء والصلاة وقوله اولا ( صل فإنك لم تصل PageV22P044 تبين أن ما فعله ~~لم يكن صلاة ولكن لم يعرف أنه كان جاهلا بوجوب الطمأنينة فلهذا أمره ~~بالإعادة إبتداء ثم علمه إياها لما قال ( والذى بعثك بالحق لا أحسن غير هذا ~~( # فهذه نصوصه في محظورات الصلاة والصيام والحج مع الجهل فيمن ترك واجباتها ~~مع الجهل واما أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد فذلك انه لم يأت بالواجب مع ~~بقاء الوقت فثبت الوجوب في حقه حين أمره النبى لبقاء وقت ms6562 الوجوب لم يأمره ~~بذلك مع مضي الوقت وأما أمره لمن ترك لمعة في رجله لم يصبها الماء بالإعادة ~~فلأنه كان ناسيا فلم يفعل الواجب كمن نسي الصلاة وكان الوقت باقيا فإنها ~~قضية معينة بشخص لا يمكن أن يكون في الوقت وبعده أعنى انه رآى في رجل رجل ~~لمعة لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة رواه أبوداود وقال أحمد ~~بن حنبل حديث جيد # وأما قوله ( ويل للأعقاب من النار ( ونحوه فإنما يدل على وجوب تكميل ~~الوضوء ليس في ذلك أمر بإعادة شيء ومن كان أيضا يعتقد أن الصلاة تسقط عن ~~العارفين أو عن المشائخ الواصلين أو عن بعض أتباعهم أو أن الشيخ يصلي عنهم ~~أو أن لله عبادا PageV22P045 اسقط عنهم الصلاة كما يوجد كثير من ذلك في ~~كثير من المنتسبين إلى الفقر والزهد وإتباع بعض المشايخ والمعرفة فهؤلاء ~~يستتابون بإتفاق الأئمة فإن أقروا بالوجوب وإلا قوتلوا وإذا أصروا على جحد ~~الوجوب حتى قتلوا كانوا من المرتدين ومن تاب منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ~~ما ترك قبل ذلك في أظهر قولي العلماء فإن هؤلاء إما ان يكونوا مرتدين وإما ~~ان يكونوا مسلمين جاهلين للوجوب # فإن قيل إنهم مرتدون عن الإسلام فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال ~~الردة عند جمهور العلماء كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك حال الكفر ~~بإتفاق العلماء ومذهب مالك وابى حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه والأخرى ~~يقضي المرتد كقول الشافعى والأول اظهر # فإن الذين إرتدوا على عهد رسول الله كالحارث بن قيس وطائفة معه أنزل الله ~~فيهم @QB@ كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم @QE@ الآية والتى بعدها ~~وكعبد الله بن أبى سرح والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر وأنزل فيهم @QB@ ثم ~~إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم @QE@ فهؤلاء عادوا إلى الإسلام وعبد الله بن ابى سرح عاد إلى ~~الإسلام عام الفتح وبايعه النبى ولم يأمر أحدا PageV22P046 منهم بإعادة ما ~~ترك ms6563 حال الكفر في الردة كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا # وقد إرتد في حياته خلق كثير إتبعوا الأسود العنسي الذى تنبأ بصنعاء اليمن ~~ثم قتله الله وعاد أولئك إلى الإسلام ولم يؤمروا بالإعادة # وتنبأ مسيلمة الكذاب وأتبعه خلق كثير قاتلهم الصديق والصحابة بعد موته ~~حتى أعادوا من بقى منهم إلى الإسلام ولم يأمر أحدا منهم بالقضاء وكذلك سائر ~~المرتدين بعد موته # وكان اكثر البوادي قد إرتدوا ثم عادوا إلى الإسلام ولم يأمر أحدا منهم ~~بقضاء ما ترك من الصلاة وقوله تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف @QE@ يتناول كل كافر # وإن قيل إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين بل جهالا بالوجوب وقد تقدم أن الأظهر ~~في حق هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاة على الوجه المأمور ولا قضاء عليهم فهذا ~~حكم من تركها غير معتقد لوجوبها # وأما من إعتقد وجوبها مع إصراره على الترك فقد ذكر عليه المفرعون من ~~الفقهاء # فروعا PageV22P047 أحدها هذا فقيل عند جمهورهم مالك والشافعي وأحمد وإذا ~~صبر حتى يقتل فهل يقتل كافرا مرتدا أو فاسقا كفساق المسلمين على قولين ~~مشهورين حكيا روايتين عن أحمد وهذه الفروع لم تنقل عن الصحابة وهي فروع ~~فاسدة فإن كان مقرى بالصلا ة في الباطن معتقدا لوجوبها يمتنع أن يصر على ~~تركها حتى يقتل وهو لا يصلي هذا لا يعرف من بنى أدم وعادتهم ولهذا لم يقع ~~هذا قط في الإسلام ولا يعرف أن أحدا يعتقد وجوبها ويقال له أن لم تصل وإلا ~~قتلناك وهو يصر على تركها مع إقراره بالوجوب فهذا لم يقع قط في الإسلام # ومتى إمتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرى بوجوبها ولا ~~ملتزما بفعلها وهذا كافر بإتفاق المسلمين كما إستفاضت الآثار عن الصحابة ~~بكفر هذا ودلت عليه النصوص الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم ( ليس بين ~~العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة ( رواه مسلم وقوله ( العهد الذى بيننا ~~وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ( # وقول عبد الله بن شقيق ms6564 كان أصحاب محمد لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر ~~إلا الصلاة فمن كان مصرا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط فهذا لا ~~يكون قط مسلما مقرى بوجوبها فإن اعتقاد PageV22P048 الوجوب وإعتقاد أن ~~تاركها يستحق القتل هذا داع تام إلى فعلها والداعى مع القدرة يوجب وجود ~~المقدور فإذا كان قادرا ولم يفعل قط علم أن الداعي في حقه لم يوجد ~~والإعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل لكن هذا قد يعارضه أحيانا ~~أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها وتفويتها أحيانا # فأما من كان مصرا على تركها لا يصلى قط ويموت على هذا الإصرار والترك ~~فهذا لا يكون مسلما لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة فهؤلاء ليسوا ~~يحافظون عليها وهؤلاء تحت الوعيد وهم الذين جاء فيهم الحديث الذى في السنن ~~حديث عبادة عن النبى أنه قال ( خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم ~~والليلة من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ ~~عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ( فالمحافظ عليها ~~الذى يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى والذي ليس يؤخرها أحيانا عن ~~وقتها أو يترك واجباتها فهذا تحت مشيئة الله تعالى وقد يكون لهذا نوافل ~~يكمل بها فرائضة كما جاء في الحديث PageV22P049 ### |||| وسئل # عمن يؤمر بالصلاة فيمتنع وماذا يجب عليه ومن إعتذر بقوله ( أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ( هل يكون له عذر في أنه لا يعاقب على ~~ترك الصلاة أم لا وماذا يجب على الأمراء وولاة الأمور في حق من تحت أيديهم ~~إذا تركوا الصلاة وهل قيامهم في ذلك من أعظم الجهاد واكبر أبواب البر ### ||||| فأجاب # الحمد لله من يمتنع عن الصلاة المفروضة فإنه يستحق العقوبة الغليظة ~~بإتفاق أئمة المسلمين بل يجب عند جمهور الأمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل # بل تارك الصلاة شر من السارق والزاني وشارب الخمر وآكل الحشيشة ms6565 # ويجب على كل مطاع أن يأمر من يطيعه بالصلاة حتى الصغار الذين لم يبلغوا ~~قال النبى ( مروهم بالصلاة لسبع وإضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في ~~المضاجع PageV22P050 ومن كان عنده صغير مملوك أو يتيم أو ولد فلم يأمره ~~بالصلاة فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير ويعزر الكبير على ذلك تعزيرا ~~بليغا لأنه عصى الله ورسوله وكذلك من عنده مماليك كبار أو غلمان الخيل ~~والجمال والبزاة أو فراشون أو بابية يغسلون الأبدان والثياب أو خدم أو زوجة ~~أو سرية أو إماء فعليه ان يأمر جميع هؤلاء بالصلاة فإن لم يفعل كان عاصيا ~~لله ورسوله ولم يستحق هذا أن يكون من جند المسلمين بل من جند التتار فإن ~~التتار يتكلمون بالشهادتين ومع هذا فقتالهم واجب بإجماع المسلمين # وكذلك كل طائفة ممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة أو ~~الباطنة المعلومة فإنه يجب قتالها فلو قالوا نشهد ولا نصلي قوتلوا حتى ~~يصلوا ولو قالوا نصلي ولا نزكي قوتلوا حتى يزكوا ولو قالوا نزكى ولا نصوم ~~ولا نحج قوتلوا حتى يصوموا رمضان ويحجوا البيت ولو قالوا نفعل هذا لكن لا ~~ندع الربا ولا شرب الخمر ولا الفواحش ولا نجاهد في سبيل الله ولا نضرب ~~الجزية على اليهود والنصارى ونحو ذلك قوتلوا حتى يفعلوا ذلك كما قال تعالى ~~@QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ # وقد قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله @QE@ ~~PageV22P051 والربا آخر ما حرم الله وكان أهل الطائف قد اسلموا وصلوا ~~وجاهدوا فبين الله أنهم إذا لم ينتهوا عن الربا كانوا ممن حارب الله ورسوله # وفى الصحيحين أنه لما توفي رسول الله وكفر من كفر من العرب قال عمر لأبي ~~بكر كيف تقاتل الناس وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم ms6566 إلا بحقها ( فقال ابوبكر الم يقل إلا بحقها والله لو ~~منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه قال عمر فوالله ما ~~هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق # وفى الصحيح أن النبى ذكر الخوارج فقال ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ~~وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ~~يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فإقتلوهم فإن ~~في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ( # فإذا كان الذين يقومون الليل ويصومون النهار ويقرؤون PageV22P052 القرآن ~~أمر النبى بقتالهم لأنهم فارقوا السنة والجماعة فكيف بالطوائف الذين لا ~~يلتزمون شرائع الإسلام وإنما يعملون بما ساق ملوكهم وأمثال ذلك والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل يأمره الناس بالصلاة ولم يصل فما الذي يجب عليه ### ||||| فأجاب # إذا لم يصل فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل والله أعلم ### |||| وسئل # عمن ترك صلاة واحدة عمدا بنية أنه يفعلها بعد خروج وقتها قضاء فهل يكون ~~فعله كبيرة من الكبائر ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب فعلها فيه عمدا من ~~الكبائر بل قد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجمع بين الصلاتين من غير ~~عذر من الكبائر وقد رواه الترمذى مرفوعا عن بن عباس عن النبى أنه ~~PageV22P053 قال ( من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب ~~الكبائر ( # ورفع هذا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وإن كان فيه نظر فإن الترمذى قال ~~( العمل على هذا عند أهل العلم والأثر معروف وأهل العلم ذكروا ذلك مقرين له ~~لا منكرين له ( # وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( من فاتته صلاة العصر فقد ~~حبط عمله ( وحبوط العمل لا يتوعد به إلا على ما هو من أعظم الكبائر وكذلك ~~تفويت العصر أعظم من تفويت غيرها فإنها الصلاة الوسطى المخصوصة بالأمر ~~بالمحافظة عليها وهي التى فرضت على من كان قبلنا فضيعوها فمن حافظ عليها ~~فله الأجر ms6567 مرتين وهي التى لما فاتت سليمان فعل بالخيل ما فعل # وفى الصحيح عن النبى ايضا أنه قال ( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله ( والموتور أهله وماله يبقى مسلوبا ليس له ما ينتفع به من الأهل ~~والمال وهو بمنزلة الذى حبط عمله # وايضا فإن الله تعالى يقول @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~@QE@ PageV22P054 فتوعد بالويل لمن يسهو عن الصلاة حتى يخرج وقتها وإن ~~صلاها بعد ذلك وكذلك قوله تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ وقد سألوا إبن مسعود عن إضاعتها فقال ~~( هو تأخيرها حتى يخرج وقتها فقالوا ما كنا نرى ذلك إلا تركها فقال لو ~~تركوها لكانوا كفارا وقد كان إبن مسعود يقول عن بعض أمراء الكوفة في زمانه ~~ما فعل خلفكم لكونهم كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها # وقوله واتبعوا الشهوات يتناول كل من إستعمل ما يشتهيه عن المحافظة عليها ~~في وقتها سواء كان المشتهى من جنس المحرمات كالمأكول المحرم والمشروب ~~المحرم والمنكوح المحرم والمسموع المحرم أو كان من جنس المباحات لكن ~~الإسراف فيه ينهى عنه أو غير ذلك فمن إشتغل عن فعلها في الوقت بلعب أو لهو ~~أو حديث مع أصحابه أو تنزه في بستانه أو عمارة عقاره أو سعى في تجارته ~~أوغير ذلك فقد اضاع تلك الصلاة وإتبع ما يشتهيه وقد قال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون @QE@ ومن الهاه ماله وولده عن فعل المكتوبة في وقتها دخل في ~~ذلك فيكون خاسرا وقال تعالى في ضد هؤلاء @QB@ يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة @QE@ ~~PageV22P055 فإذا كان سبحانه قد توعد بلقي الغى من يضيع الصلاة عن وقتها ~~ويتبع الشهوات والمؤخر لها عن وقتها مشتغلا بما يشتهيه هو مضيع لها متبع ~~لشهوته فدل ذلك على انه من الكبائر إذ هذا الوعيد لا يكون إلا على كبيرة ~~ويؤيد ذلك ms6568 جعله خاسرا والخسران لا يكون بمجرد الصغائر المكفرة باجتناب ~~الكبائر # وأيضا فلا أحدا يخالف أن من صلى بلا طهارة أو إلى غير القبلة عمدا وترك ~~الركوع والسجود أو القراءة أو غير ذلك متعمدا أنه قد فعل بذلك كبيرة بل قد ~~يتورع في كفره إن لم يستحل ذلك وأما إذا استحله فهو كافر بلا # ريب ومعلوم ان الوقت للصلاة مقدم على هذه الفروض وغيرها فإنه لا نزاع بين ~~المسلمين أنه إذا علم المسافر العادم للماء أنه يجده بعد الوقت لم يجز له ~~تأخير الصلاة ليصليها بعد الوقت بوضوء أو غسل بل ذلك هو الفرض وكذلك العاجز ~~عن الركوع والسجود والقراءة إذا استحله فهو كافر بلا ريب PageV22P056 # ومعلوم أنه إن علم أنه بعد الوقت يمكنه أن يصلى باتمام الركوع والسجود ~~والقراءة كان الواجب عليه ان يصلي في الوقت لإمكانه # واما قول بعض أصحابنا إنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لناو لجمعها أو ~~مشتغل بشرطها فهذا لم يقله قبله أحد من الأصحاب بل ولا أحد من سائر طوائف ~~المسلمين إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي فهذا اشك فيه ولا ريب أنه ليس على ~~عمومه وإطلاقه بإجماع المسلمين وإنما فيه صورة معروفة كما إذا أمكن الواصل ~~إلى البئر أن يضع حبلا يستقي ولا يفرغ إلا بعد الوقت وإذا أمكن العريان أن ~~يخيط له ثوبا ولا يفرغ إلا بعد الوقت ونحو هذه الصور ومع هذا فالذي قاله في ~~ذلك خلاف المذهب المعروف عن أحمد واصحابه وخلاف قول جماعة علماء المسلمين ~~من الحنفية والمالكية وغيرهم # وما أعلم من يوافقه على ذلك إلا بعض أصحاب الشافعى ومن قال ذلك فهو محجوج ~~بإجماع المسلمين على أن مجرد الإشتغال بالشرط لا يبيح تأخير الصلاة عن ~~وقتها المحدود شرعا فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب الماء وهو لا يجده ~~إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير بإتفاق المسلمين وإن كان مشتغلا بالشرط ~~وكذلك العريان لو أمكنه أن يذهب إلى قرية ليشتري له منها ثوبا وهو لا يصلي ~~إلا ms6569 بعد خروج الوقت لم يجز له التأخير بلانزاع PageV22P057 # والأمى كذلك إذا أمكنه تعلم الفاتحة وهو لا يتعلمها حتى يخرج الوقت كان ~~عليه أن يصلي في الوقت وكذلك العاجز عن تعلم التكبير والتشهد إذا ضاق الوقت ~~صلى بحسب الإمكان ولم ينتظر وكذلك المستحاضة لو كان دمها ينقطع بعد الوقت ~~لم يجز لها أن تؤخر الصلاة لتصلي بطهارة بعد الوقت بل تصلى في الوقت بحسب ~~الإمكان # وأما حيث جاز الجمع فالوقت واحد والمؤخر ليس بمؤخر عن الوقت الذى يجوز ~~فعلها فيه بل في أحد القولين أنه لا يحتاج الجمع إلى النية كما قال أبوبكر ~~وكذلك القصر وهو مذهب الجمهور كأبى حنيفة ومالك # وكذلك صلاة الخوف تجب في الوقت مع إمكان أن يؤخرها فلا يستدبر القبلة ولا ~~يعمل عملا كثيرا في الصلاة ولا يتخلف عن الإمام بركعة ولا يفارق الإمام قبل ~~السلام ولا يقضي ما سبق له قبل السلام ونحو ذلك مما يفعل في صلاة الخوف ~~وليس ذلك إلا لأجل الوقت وإلا ففعلها بعد الوقت ولو بالليل ممكن على إلا ~~كمال # وكذلك من اشتبهت عليه القبلة وامكنه تأخير الصلاة إلى أن يأتى مصرا يعلم ~~فيه القبلة لم يجز له ذلك وإنما نازع من نازع إذا امكنه تعلم دلائل القبلة ~~ولا يتعلمها حتى يخرج الوقت وهذا النزاع هو PageV22P058 القول المحدث الشاذ ~~الذى تقدم ذكره # وأما النزاع المعروف بين الأئمة في مثل ما إذا إستيقظ النائم في آخر ~~الوقت ولم يمكنه أن يصلي قبل الطلوع بوضوء هل يصلى بتيمم أو يتوضأ ويصلى ~~بعد الطلوع على قولين مشهورين ( الأول ( قول مالك مراعاة للوقت ( الثانى ( ~~قول الأكثرين كأحمد والشافعى وأبى حنيفة # وهذه المسألة هي التى توهم من توهم أن الشرط مقدم على الوقت وليس كذلك ~~فإن الوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ كما ثبت في الصحيح عن النبى انه ~~قال ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ( فجعل ~~الوقت الذى أوجب الله على العبد فيه هو وقت الذكر والإنتباه وحينئذ ms6570 فمن ~~فعلها في هذا الوقت بحسب ما يمكنه من الطهارة الواجبة فقد فعلها في الوقت ~~وهذا ليس بمفرط ولا مضيع لها قال النبى ( ليس في النوم تفريط إنما التفريط ~~في اليقظة ( # بخلاف المتنبه من أول الوقت فإنه مأمور أن يفعلها في ذلك الوقت بحيث لو ~~اخرها عنه عمدا كان مضيعا مفرطا فإذا إشتغل عنها بشرطها PageV22P059 وكان ~~قد أخرها عن الوقت الذى أمر أن يفعلها فيه ولولا أنه مأمور بفعلها في ذلك ~~الوقت لجاز تأخيرها عن الوقت إذا كان مشتغلا بتحصيل ماء الطهارة أو ثوب ~~الإستعارة بالذهاب إلى مكانه ونحو ذلك وهذا خلاف إجماع المسلمين بل ~~المستيقظ في آخر الوقت إنما عليه أن يتوضأ كما يتوضأ المستيقظ في الوقت فلو ~~أخرها لأنه يجد الماء عند الزوال ونحو ذلك لم يجز له ذلك # وأيضا فقد نص العلماء على أنه إذا جاء وقت الصلاة ولم يصل فإنه يقتل وإن ~~قال انا اصليها قضاء كما يقتل إذا قال اصلي بغير وضوء أو إلى غير القبلة ~~وكل فرض من فرائض الصلاة المجمع عليها إذا تركه عمدا فإنه يقتل بتركه كما ~~أنه يقتل بترك الصلاة # فإن قلنا يقتل بضيق الثانية والرابعة فالأمر كذلك وكذلك إذا قلنا يقتل ~~بضيق الأولى وهو الصحيح أو الثالثة فإن ذلك مبني على أنه هل يقتل بترك صلاة ~~أو بثلاث على روايتين # وإذا قيل بترك صلاة فهل يشترط وقت التى بعدها أو يكفى ضيق وقتها على ~~وجهين وفيها وجه ثالث وهو الفرق بين صلاتى الجمع وغيرها ولا يعارض ما ~~ذكرناه انه يصح بعد الوقت بخلاف بقية الفرائض لإن الوقت إذا فات لم يمكن ~~إستدراكه فلا يمكنه أن PageV22P060 يفعلها إلا فائته ويبقى إثم التأخير من ~~باب الكبائر التى تمحوها التوبة ونحوها وأما بقية الفرائض فيمكن إستدراكها ~~بالقضاء # وأما الأمراء الذين كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها ونهى النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن قتالهم فإن قيل إنهم كانوا يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت فلا ~~كلام وإن قيل وهو الصحيح إنهم كانوا يفوتونها فقد أمر ms6571 النبى الأمة بالصلاة ~~في الوقت وقال ( اجعلوا صلاتكم معهم نافلة ( ونهى عن قتالهم كما نهى عن ~~قتال الأئمة إذا استاثروا وظلموا الناس حقوقهم وإعتدوا عليهم وإن كان يقع ~~من الكبائر في أثناء ذلك ما يقع # ومؤخرها عن وقتها فاسق والأئمة لا يقاتلون بمجرد الفسق وإن كان الواحد ~~المقدور قد يقتل لبعض أنواع الفسق كالزنا وغيره فليس كلما جاز فيه القتل ~~جاز أن يقاتل الأئمة لفعلهم إياه إذ فساد القتال أعظم من فساد كبيرة ~~يرتكبها ولي الأمر # ولهذا نص من نص من اصحاب أحمد وغيره على أن النافلة تصلى خلف الفساق لأن ~~النبى أمر بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها وهؤلاء ~~الأئمة فساق وقد أمر بفعلها خلفهم نافلة PageV22P061 # والمقصود أن الفسق بتفويت الصلاة أمر معروف عند الفقهاء # لكن لو قال قائل الكبيرة تفويتها دائما فإن ذلك إصرار على الصغيرة # قيل له قد تقدم ما يبين أن الوعيد يلحق بتفويت صلاة واحدة وأيضا فان ~~الاصرار هو العزم على العود ومن أتى صغيرة وتاب منها ثم عادإليها لم يكن قد ~~أتى كبيرة # وايضا فمن اشترط المداومة على التفويت محتاج إلى ضابط فإن أراد بذلك ~~المداومة على طول عمره لم يكن المذكورون من هذا الباب وإن أراد مقدارا ~~محدودا طولب بدليل عليه # وأيضا فالقتل بترك واحدة ابلغ من جعل ذلك كبيرة والله سبحانه أعلم ~~PageV22P062 ### |||| وسئل # عن مسلم تارك للصلاة ويصلى الجمعة فهل تجب عليه اللعنة ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا استوجب العقوبة بإتفاق المسلمين والواجب عند جمهور العلماء ~~كمالك والشافعي واحمد أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل ولعن تارك الصلاة على وجه ~~العموم جائز وأما لعنة المعين فالأولى تركها لأنه يمكن أن يتوب والله أعلم ~~PageV22P063 ### ||| 2 باب الأذان والإقامة 2 ### |||| وسئل # عن الأذان هل هو فرض أم سنة وهل يستحب الترجيع أم لا وهل التكبير اربع أو ~~اثنتان كمالك وهل الإقامة شفع أو فرد وهل يقول قد قامت الصلاة مرة أو مرتين ### ||||| فاجاب # الصحيح أن الأذان فرض على الكفاية فليس لأهل مدينة ms6572 ولا قرية أن ~~يدعوا الأذان والإقامة وهذا هو المشهور من مذهب أحمد وغيره # وقد أطلق طوائف من العلماء أنه سنة ثم من هؤلاء من يقول أنه إذا إتفق أهل ~~بلد على تركه قوتلوا والنزاع مع هؤلاء قريب من النزاع اللفظي فإن كثيرا من ~~العلماء يطلق القول بالسنة على ما يذم تاركه شرعا ويعاقب تاركه شرعا ~~فالنزاع بين هذا وبين من يقول أنه واجب نزاع لفظى ولهذا نظائر متعددة ~~PageV22P064 # وأما من زعم أنه سنة لا إثم على تاركيه ولا عقوبة فهذا القول خطأ فإن ~~الأذان هو شعار دار الإسلام الذى ثبت في الصحيح ان النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يعلق إستحلال أهل الدار بتركه فكان يصلى الصبح ثم ينظر فإن سمع ~~مؤذنا لم يغر وإلا أغار وفى السنن لأبى داود والنسائى عن أبى الدرداء قال ~~سمعت رسول الله يقول ( ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة ~~إلا إستحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإن الذئب ياكل الشاة القاصية ( ~~وقد قال تعالى @QB@ استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب ~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون @QE@ # وأما الترجيع وتركه وتثنية التكبير وتربيعة وتثنية الإقامة وإفرادها فقد ~~ثبت في صحيح مسلم والسنن حديث ابى محذورة الذى علمه النبى صلى الله عليه ~~وسلم الأذان عام فتح مكة وكان الأذان فيه وفى ولده بمكة ثبت انه علمه ~~الأذان والإقامة وفيه ( الترجيع ( وروى في حديثه ( التكبير مرتين ( كما في ~~صحيح مسلم وروى ( أربعا ( كما في سنن أبى داود وغيره وفى حديثه أنه علمه ~~الإقامة شفعا وثبت في الصحيح عن انس بن مالك قال لما كثر الناس قال تذاكروا ~~أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه PageV22P065 فذكروا أن يوروا نارا أو ~~يضربوا ناقوسا فأمر بلال ان يشفع الأذان ويوتر الإقامة ( وفى رواية للبخارى ~~) ( إلا الإقامة ( وفى سنن أبى داود وغيره أن عبد الله بن زيد لما أرى ~~الأذان وأمره النبى أن يلقيه على بلال فألقاه عليه وفيه التكبير أربعا بلا ~~ترجيع # وإذا كان ms6573 كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث ومن وافقهم وهو تسويغ كل ما ثبت ~~في ذلك عن النبى لا يكرهون شيئا من ذلك إذ تنوع صفة الأذان والإقامة كتنوع ~~صفة القراءات والتشهدات ونحو ذلك وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله لأمته # وأما من بلغ به الحال إلى الإختلاف والتفرق حتى يوالى ويعادى ويقاتل على ~~مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى كما يفعله بعض أهل المشرق فهؤلاء من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وكذلك ما يقوله بعض الأئمة ولا أحب تسميته ~~من كراهة بعضهم للترجيع وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله وأنه كرره ليحفظه ~~ومن كراهة من خالفهم لشفع الإقامة مع أنهم يختارون أذان أبى محذورة وهؤلاء ~~يختارون إقامته ويكرهون أذانه وهؤلاء يختارون أذانه ويكرهون PageV22P066 ~~إقامته فكلاهما قولان متقابلان والوسط أنه لا يكره لا هذا ولا هذا # وإن كان أحمد وغيره من أئمة الحديث يختارون أذان بلال وإقامته لمداومته ~~على ذلك بحضرته فهذا كما يختار بعض القراءات والتشهدات ونحو ذلك ومن تمام ~~السنة في مثل هذا أن يفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا في مكان وهذا في مكان ~~لأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضى إلى أن يجعل السنة بدعة ~~والمستحب واجبا ويفضى ذلك إلى التفرق والإختلاف إذا فعل آخرون الوجه الآخر # فيجب على المسلم ان يراعى القواعد الكلية التى فيها الإعتصام بالسنة ~~والجماعة لا سيما في مثل صلاة الجماعة وأصح الناس طريقة في ذلك هم علماء ~~الحديث الذين عرفوا السنة وإتبعوها إذ من أئمة الفقه من إعتمد في ذلك على ~~أحاديث ضعيفة ومنهم من كان عمدته العمل الذى وجده ببلده وجعل ذلك السنة دون ~~ما خالفه مع العلم بأن النبى قد وسع في ذلك وكل سنة # وربما جعل بعضهم أذان بلال وإقامته ما وجده في بلده إما بالكوفة وإما ~~بالشام وإما بالمدينة وبلال لم يؤذن بعد النبى إلا قليلا وإنما أذن ~~بالمدينة سعد القرظى مؤذن أهل قباء PageV22P067 # والترجيع في الأذان إختيار مالك والشافعى لكن مالكا ms6574 يرى التكبير مرتين ~~والشافعى يراه اربعا وتركه إختيار أبى حنيفة وأما أحمد فعنده كلاهما سنة ~~وتركه أحب إليه لأنه أذان بلال # والإقامة يختار إفرادها مالك والشافعى واحمد وهو مع ذلك يقول إن تثنيتها ~~سنة والثلاثة أبوحنيفة والشافعى وأحمد يختارون تكرير لفظ الإقامة دون مالك ~~والله أعلم # ( وقال شيخ الإسلام ( # وأما الأذان الذى هو شعار الإسلام فقد إستعمل فقهاء الحديث كأحمد فيه ~~جميع سنن رسول الله إستحسن أذان بلال وإقامته وأذان أبى محذورة وإقامته # وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره ان النبى صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة ~~الأذان مرجعا وفى الإقامة مشفوعة # وثبت في الصحيحين ( أن بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ( وفى ~~السنن أنه لم يكن يرجع فرجح أحمد أذان بلال لأنه الذى كان يفعل بحضرة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دائما قبل PageV22P068 أذان ابى محذورة وبعده إلى ~~أن مات وإستحسن اذان ابى محذورة ولم يكرهه # وهذا أصل مستمر له في جميع صفات العبادات أقوالها وافعالها يستحسن كلما ~~ثبت عن النبى من غير كراهة لشيء منه مع علمه بذلك وإختياره للبعض أو تسويته ~~بين الجميع كما يجوز القراءة بكل قراءة ثابته وإن كان قد إختار بعض القراءة ~~مثل أنواع الأذان والإقامة وانواع التشهدات الثابتة عن النبى كتشهد إبن ~~مسعود وأبى موسى وإبن عباس وغيرهم # وأحبها إليه تشهد إبن مسعود لأسباب متعددة ( منها ( كونه أصحها واشهرها و ~~( منها ( كونه محفوظ الألفاظ لم يختلف في حرف منه و ( منها ) كون غالبها ~~يوافق ألفاظه فيقتضى أنه الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم يأمر به غالبا # وكذلك انواع الإستفتاح والإستعاذة المأثورة وأنه إختار بعضها # وكذلك موضع رفع اليدين في الصلاة ومحل وضعها بعد الرفع وصفات التحميد ~~المشروع بعد التسميع ومنها صفات الصلاة على النبى وإن إختار بعضها ~~PageV22P069 ومنها أنواع صلاة الخوف ويجوز كل ما فعله النبى من غير كراهة # ومنها أنواع تكبيرات العيد يجوز كل ماثور وإن إستحب بعضه # ومنها التكبير على الجنائز يجوز على المشهور التربيع والتخميس والتسبيع ms6575 ~~وإن إختار التربيع وأما بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك ويكرهون بعضه # فمنهم من يكره ( الترجيع ( في الأذان كأبى حنيفة ومنهم من يكره تركه ~~كالشافعى ومنهم من يكره شفع الإقامة كالشافعى ومنهم من يكره إفرادها حتى قد ~~آل الأمر بالإتباع إلى نوع جاهلية فصاروا يقتتلون في بعض بلاد المشرق على ~~ذلك حمية جاهلية مع أن الجميع حسن قد أمر به رسول الله أمر بلالا بإفراد ~~الإقامة وأمر أبا محذورة بشفعها وإن الضلالة حق الضلالة أن ينهى عما امر به ~~النبى ### |||| وسئل # عن المؤذن إذا قال ( الصلاة خير من النوم ( هل السنة أن يستدير ويلتفت أم ~~يستقبل القبلة أم الشرق PageV22P070 ### ||||| فأجاب # ليس هذا سنة عند أحد من العلماء بل السنة ان يقولها وهو مستقبل ~~القبلة كغيرها من كلمات الأذان وكقوله في الإقامة قد قامت الصلاة ولم يستثن ~~من ذلك العلماء إلا الحيعلة فإنه يلتفت بها يمينا وشمالا ولا يختص المشرق ~~بالكلمتين وليس في الأذان والإقامة ما يختص المشرق والمغرب بجنسه فمن قال ( ~~الصلاة خير من النوم ( كلاهما إلى المشرق أو المغرب فهو مبتدع خارج عن ~~السنة في الأذان بإتفاق العلماء # وقد تنازع العلماء هل يدور في المنارة على قولين مشهورين فمن دار فقد فعل ~~ما يسوغ فيه الإجتهاد ولكنه مع ذلك إن دار لقوله ( الصلاة خير من النوم ( ~~لزمه أن يدور مرتين ولا قائل به وإن خص المشرق بهما كان أبعد عن السنة ~~فتعين ان يقولها مستقبل القبلة والله أعلم # وقال الشيخ رحمه الله # لما ذهبت على البريد كنا نجمع بين الصلاتين فكنت أولا أؤذن عند الغروب ~~وأنا راكب ثم تأملت فوجدت النبى لما جمع ليلة جمع لم يؤذنوا للمغرب في ~~طريقهم بل أخر التأذين PageV22P071 حتى نزل فصرت افعل ذلك لأنه في الجمع ~~صار وقت الثانية وقتا لهما والأذان أعلام بوقت الصلاة # ولهذا قلنا يؤذن للفائتة كما أذن بلال لما ناموا عن صلاة الفجر لأنه ~~وقتها والأذان للوقت الذى تفعل فيه لا الوقت الذى تجب فيه ### |||| وسئل # عمن أحرم ودخل في الصلاة ms6576 وكانت نافلة ثم سمع المؤذن فهل يقطع الصلاة ~~ويقول مثل ما قال المؤذن أو يتم صلاته ويقول مثل ما يقول المؤذن ### ||||| فأجاب # إذا سمع المؤذن يؤذن وهو في صلاة فإنه يتمها ولا يقول مثل ما يقول ~~عند جمهور العلماء وأما إذا كان خارج الصلاة في قراءة أو ذكر أو دعاء فانه ~~يقطع ذلك ويقول مثل ما يقول المؤذن لأن موافقة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت ~~وقتها وهذه الأذكار لا تفوت # وإذا قطع الموالاة فيها لسبب شرعى كان جائزا مثل ما يقطع PageV22P072 ~~الموالاة فيها بكلام لما يحتاج إليه من خطاب آدمى وأمر بمعروف ونهى عن منكر ~~وكذلك لو قطع الموالاة بسجود تلاوة ونحو ذلك بخلاف الصلاة فإنه لا يقطع ~~موالاتها بسبب آخر كما لو سمع غيره يقرأ سجدة التلاوة لم يسجد في الصلاة ~~عند جمهور العلماء ومع هذا ففى هذا نزاع معروف والله أعلم PageV22P073 ) ### ||| 2 باب شروط الصلاة 2 # قال رحمه الله ### ||| فصل # وأما إذا ابتدءوا الصلاة بالمواقيت ففقهاء الحديث قد إستعملوا في هذا ~~الباب جميع النصوص الواردة عن النبى في اوقات الجواز وأوقات الإختيار # فوقت الفجر ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس ووقت الظهر من ~~الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال ووقت العصر إلى إصفرار ~~الشمس على ظاهر مذهب أحمد ووقت المغرب إلى مغيب الشفق ووقت العشاء إلى ~~منتصف الليل على ظاهر مذهب أحمد # وهذا بعينه قول رسول الله في الحديث PageV22P074 الذى رواه مسلم في صحيحه ~~عن عبد الله بن عمرو وروى أيضا من حديث ابى هريرة رضى الله عنه وليس عن ~~النبى حديث من قوله في المواقيت الخمس أصح منه وكذلك صح معناه من غير وجه ~~من فعل النبى في المدينة من حديث ابى موسى وبريدة رضى الله عنهما وجاء ~~مفرقا في عدة احاديث وغالب الفقهاء إنما إستعملوا غالب ذلك # فأهل العراق المشهور عنهم أن العصر لايدخل وقتها حتى يصير ظل كل شيء ~~مثليه وأهل الحجاز مالك وغيره ليس للمغرب عندهم إلا وقت واحد ms6577 ### ||| فصل # وكذلك نقول بما جاءت به السنة والآثار من الجمع بين الصلاتين في السفر ~~والمطر والمرض كما في حديث المستحاضة وغير ذلك من الأعذار # ونقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار من ان الوقت وقتان وقت إختيار ~~وهو خمس مواقيت ووقت إضطرار وهو ثلاث مواقيت ولهذا امرت الصحابة كعبدالرحمن ~~بن عوف وإبن عباس وغيرهما PageV22P075 الحائض إذا طهرت قبل الغروب ان تصلى ~~الظهر والعصر وإذا طهرت قبل الفجر ان تصلى المغرب والعشاء واحمد موافق في ~~هذه المسائل لمالك رحمه الله وزائد عليه بما جاءت به الآثار والشافعى رحمه ~~الله هو دون مالك في ذلك وأبوحنيفة اصله في الجمع معروف # وكذلك اوقات الإستحباب فإن أهل الحديث يستحبون الصلاة في اول الوقت في ~~الجملة إلا حيث يكون في التأخير مصلحة راجحة كما جاءت به السنة فيستحبون ~~تأخير الظهر في الحر مطلقا سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين ويستحبون تأخير ~~العشاء مالم يشق # وبكل ذلك جاءت السنن الصحيحة التى لا دافع لها وكل من الفقهاء يوافقهم في ~~البعض أو الأغلب # فأبو حنيفة يستحب التأخير إلا في المغرب والشافعى يستحب التقديم مطلقا ~~حتى في العشاء على أحد القولين وحتى في الحر إذا كانوا مجتمعين وحديث أبى ~~ذر الصحيح فيه امر النبى لهم بالأبراد وكانوا PageV22P076 ### || 1 ( قاعدة في أعداد ركعات الصلاة ) 1 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه # ! 8 < فصل # قاعدة في أعداد ركعات الصلوات وأوقاتها وما يدخل في ذلك من جمع وقصر # جرت عادة كثير من العلماء المصنفين للعلم أن يذكروا في ( باب مواقيت ~~الصلاة ( أوقاتها وأعدادها واسماءها ثم منهم من يذكر القصر والجمع في بابين ~~مفترقين مع صلاة أهل الأعذار كالمريض والخائف # ومنهم من يذكر الجمع في المواقيت واما القصر فيفرده فإن سبب القصر هو ~~السفر وحده فقران صلاة المسافر بصلاة الخائف والمريض مناسب # وأما الجمع فاسبابه متعددة لإختصاص السفر به ونحن نذكر في كل منهما فصلا ~~جامعا PageV22P077 أما العدد فمعلوم أنها خمس صلوات ثلاثة رباعية وواحدة ~~ثلاثية وواحدة ثنائية هذا في الحضر وأما في ms6578 السفر فقد سافر رسول الله قريبا ~~من ثلاثين سفرة وكان يصلى ركعتين في اسفاره ولم ينقل عنه أحد من أهل العلم ~~انه صلى في السفر الفرض اربعا قط حتى في حجة الوداع وهى آخر أسفاره كان ~~يصلى بالمسلمين بمنى الصلوات ركعتين ركعتين وهذا من العلم العام المستفيض ~~المتواتر الذى إتفق على نقله عنه جميع اصحابه ومن أخذ العلم عنهم # والحديث الذى رواه الدار قطنى عن عائشة ان النبى كان يقصر في السفر ويتم ~~ويفطر وتصوم باطل في الإتمام وإن كان صحيحا في الإفطار بخلاف النقل ~~المتواتر المستفيض ولم يذكر هذا بعد قط # وكيف يكون والنبى في اسفاره إنما كان يصلى الفرض إماما لكن مرة في غزوة ~~تبوك إحتبس للطهارة ساعة فقدموا عبد الرحمن بن عوف وادرك النبى خلفه بعض ~~الصلاة فلو صلى بهم اربعا في السفر لكان هذا من أوكد ما تتوفر هممهم ~~ودواعيهم على نقله لمخالفته سنته المستمرة وعادته الدائمة كما نقلوا أنه ~~جمع بين الصلاتين أحيانا فلما لم ينقل ذلك أحد منهم علم قطعا أنه لم يفعل ~~ذلك PageV22P078 # ولهذا قال بن عمر صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر أي من اعتقد أن ~~صلاة ركعتين ليس بمسنون ولا مشروع فقد كفر # وكذلك قال عمر بن الخطاب صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة ~~الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم # وقالت عائشة رضى الله عنها الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر ~~واتمت صلاة الحضر قال الزهري فقلت لعروة فما بال عائشة تتم قال تأولت كما ~~تأول عثمان اخرجاه في الصحيحين # وقال النبى ( إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ( هذا ولما حج ~~النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع كان يقصر الصلاة في مقامه بمكة ~~والمشاعر مع أنه دخل مكة يوم الأحد وخرج منها يوم الخميس إلى منى وعرف يوم ~~الجمعة وأقام بمنى إلى عشية الثلاثاء وبات بالمحصب ليلة الأربعاء وطاف ~~للوداع تلك الليلة وأقام أيضا قبل ذلك في غزوة الفتح ms6579 بمكة تسعة عشر يوما ~~يقصر الصلاة وأقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة PageV22P079 # وأما الحديث الذى يروى عن عائشة ( انها إعتمرت مع رسول الله من المدينة ~~إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت يا رسول الله بأبى أنت وأمى قصرت وأتممت ~~وأفطرت وصمت قال احسنت يا عائشة وما عاب على ( رواه النسائى وروى الدارقطنى ~~( خرجت مع النبى صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر واتممت ~~( وقال إسناده حسن فهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن النبى اتم وإنما فيه ~~إذنه في الإتمام مع أن هذا الحديث على هذا الوجه ليس بصحيح بل هو خطأ لوجوه # أحدها أن الذى في الصحيحين عن عائشة ( إن صلاة السفر ركعتان ( وقد ذكر ~~إبن أخيها وهو أعلم الناس بها انها إنما أتمت الصلاة في السفر بتأويل ~~تأولته لا بنص كان معها فعلم أنه لم يكن معها فيه نص # الثانى ان في الحديث ( أنها خرجت معتمرة معه في رمضان عمرة رمضان وكانت ~~صائمة ( وهذا كذب بإتفاق أهل العلم فإن النبى لم يعتمر في رمضان قط وإنما ~~كانت عمره كلها في شوال وإذا كان لم يعتمر في رمضان ولم يكن في عمره عليه ~~صوم بطل هذا الحديث PageV22P080 # الثالث ان النبى صلى الله عليه وسلم إنما سافر في رمضان غزوة بدر وغزوة ~~الفتح فأما غزوة بدر فلم يكن معه فيها ازواجه ولا كانت عائشة وأما غزوة ~~الفتح فقد كان صام فيها في اول سفره ثم افطر خلاف ما في هذا الحديث المفتعل # الرابع أن إعتمار عائشة معه فيه نظر # الخامس أن عائشة لم تكن بالتى تصوم وتصلى طول سفرها إلى مكة وتخالف فعله ~~بغير إذنه بل كانت تستفتيه قبل الفعل فإن الإقدام على مثل ذلك لا يجوز # فثبت بهذه السنة المتواترة أن صلاة السفر ركعتان كما ان صلاة الحضر أربع ~~فإن عدد الركعات إنما اخذ من فعل النبى الذى سنه لأمته وبطل قول من يقول من ~~اصحاب أحمد والشافعى إن الأصل أربع وإنما الركعتان ms6580 رخصة # وبنوا على هذا أن القاصر يحتاج إلى نية القصر في اول الصلاة كما قاله ~~الشافعى وهو قول الخرقى والقاضى وغيرهما بل الصواب ما قاله جمهور اهل العلم ~~وهو إختيار أبى بكر وغيره أن القصر لا يحتاج إلى نية بل دخول المسافر في ~~صلاته كدخول الحاضر بل لو PageV22P081 نوى المسافر ان يصلى أربعا لكره له ~~ذلك وكانت السنة أن يصلى ركعتين ونصوص الإمام أحمد إنما تدل على هذا القول # وقد تنازع أهل العلم في التربيع في السفر هل هو محرم أو مكروه أو ترك ~~الأفضل أو هو أفضل على اربعة اقوال # فالأول قول أبى حنيفة ورواية عن مالك # والثانى رواية عنه وعن أحمد # والثالث رواية عن أحمد واصح قولى الشافعى # والرابع قول له ( والرابع ( خطأ قطعا لا ريب فيه والثالث ضعيف وإنما ~~المتوجه أن يكون التربيع إما محرم أو مكروه لأن طائفة من الصحابة كانوا ~~يربعون وكان الآخرون لا ينكرونه عليهم إنكار من فعل المحرم بل إنكار من فعل ~~المكروه # وأما قوله تعالى @QB@ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ # فهنا علق القصر بسببين الضرب في الأرض والخوف من فتنة الذين كفروا لأن ~~القصر المطلق يتناول قصر عددها وقصر عملها واركانها مثل الإيماء بالركوع ~~والسجود فهذا القصر إنما يشرع بالسببين كلاهما PageV22P082 كل سبب له قصر ~~فالسفر يقتضى قصر العدد والخوف يقتضى قصر الأركان ولو قيل إن القصر المعلق ~~هو قصر الأركان فإن صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر لكان وجيها ولهذا قال ( ~~فاذا إطمأننتم فأقيموا الصلاة ( # فقد ظهر بهذا ان القصر لا يسوى بالجمع فإنه سنة رسول الله وشرعته لأمته ~~بل الإتمام في السفر أضعف من الجمع في السفر فإن الجمع قد ثبت عنه انه كان ~~يفعله في السفر أحيانا وأما الإتمام فيه فلم ينقل عنه قط وكلاهما مختلف فيه ~~بين الأئمة فإنهم مختلفون في جواز الإتمام وفى جواز الجمع متفقون على جواز ~~القصر وجواز الإفراد فلا يشبه بالسنة المتواترة ms6581 أن النبى كان يداوم عليه في ~~أسفاره وقد إتفقت الأمة عليه فلا يصار إلى أن ما فعله في سفره مرات متعددة ~~وقد تنازعت فيه الأمة ### ||| فصل # وأما الوقت فالأصل في ذلك ان الوقت في كتاب الله وسنة رسول الله نوعان ~~وقت إختيار ورفاهية ووقت حاجة وضرورة PageV22P083 # أما الأول فالأوقات خمسة وأما الثانى فالأوقات ثلاثة فصلاتا الليل وصلاتا ~~النهار وهما اللتان فيهما الجمع والقصر بخلاف صلاة الفجر فإنه ليس فيها جمع ~~ولا قصر لكل منهما وقت مختص وقت الرفاهية والإختيار والوقت مشترك بينهما ~~عند الحاجة والإضطرار لكن لا تؤخر صلاة نهار إلى ليل ولا صلاة ليل إلى نهار # ولهذا وقع الأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى صلاة العصر وقال النبى فيها ~~( من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله ( وقال ( فكأنما وتر أهله وماله ( وقد ~~دل على هذا الأصل ان الله في كتابه ذكر الوقوت تارة ثلاثة وتارة خمسة # أما الثلاثة ففى قوله ( أقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل ( وفى ~~قوله ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ( وقوله ( وسبح بحمد ربك حين ~~تقوم ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم ( # وأما الخمس فقد ذكرها أربعة في قوله ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ~~وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون ( وقوله ( فإصبر على ما ~~يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح ~~وأطراف النهار لعلك ترضى ( وقوله ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~PageV22P084 وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ( والسنة هى التى ~~فسرت ذلك وبينته وأحكمته # وذلك أنه قد ثبت بالنقل المتواتر عن النبى ( أنه كان يصلى الصلوات الخمس ~~في خمس مواقيت في حال مقامه بالمدينة وفى غالب أسفاره حتى أنه في حجة ~~الوداع آخر أسفاره كان يصلى كل صلاة في وقتها ركعتين وإنما جمع بين الظهر ~~والعصر بعرفة وبين العشائين بمزدلفة ولهذا قال إبن مسعود ما رأيت رسول الله ~~صلى صلاة لغير وقتها إلا المغرب ليلة جمع والفجر بمزدلفة وإنما قال ذلك ~~لأنه غلس بها ms6582 تغليسا شديدا وقد بين جابر في حديثه انه صلاها حين طلع الفجر # ولهذا إتفق المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة لأن جمع هاتين ~~الصلاتين في حجة الوداع دون غيرهما مما صلاه بالمسلمين بمنى أو بمكة هو من ~~المنقول نقلا عاما متواترا مستفيضا # وثبت عنه أنه بين مواقيت الصلاة بفعله لمن سأله عن المواقيت بالمدينة كما ~~رواه مسلم في صحيحه من حديث أبى موسى وحديث بريدة بن الحصيب وبين له جبريل ~~المواقيت بمكة كما رواه جابر وإبن عباس وروى مسلم في صحيحه المواقيت من ~~كلام النبى صلى الله PageV22P085 عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمر وهو ~~أحسن أحاديث المواقيت لأنه بيان بكلام النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال # ( وقت الفجر مالم تطلع الشمس ووقت الظهر مالم يصر ظل كل شيء مثله ووقت ~~العصر مالم تصفر الشمس ووقت المغرب مالم يسقط نور الشفق ووقت العشاء إلى ~~نصف الليل ( وقد روى نحو ذلك من حديث أبى هريرة مرفوعا وفيه نظر وعلى هذه ~~الأحاديث إعتمد الإمام أحمد لكثرة إطلاعه على السنن وأما غيره من الأئمة ~~فبلغه بعض هذه الأحاديث دون بعض فاتبع ما بلغه ومن إتبع ما بلغه فقد أحسن ~~وما على المحسنين من سبيل # وقال في غير حديث ( سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة ~~لوقتها ثم إجعلوا صلاتكم معهم نافلة ( فهذا دليل على أنه لا يجوز تأخير ~~الأولى إلى وقت الثانية ولا يجوز الجمع لغير حاجة فإن الأمراء لم يكونوا ~~يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ولا صلاة الليل إلى النهار ولكن غايتهم أن ~~يؤخروا الظهر إلى وقت العصر أو العصر إلى الإصفرار أو يؤخروا المغرب إلى ~~مغيب الشفق وأما العشاء فلو أخروها إلى نصف الليل لم يكن ذلك مكروها ~~وتأخيرها إلى ما بعد ذلك لم يكن يفعله أحد ولا هو مما يفعله الأمراء ~~PageV22P086 وأما الثلاث فقد ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة من حديث إبن عمر ~~وأنس بن مالك ومعاذ بن جبل انه كان يجمع بين الظهر والعصر وبين ms6583 المغرب ~~والعشاء يجمع في وقت الثانية إذا جد به السير في وقت الأولى أو إذا كان ~~سائرا في وقتها وهذا مما إتفق عليه القائلون بالجمع بين الصلاتين من فقهاء ~~الحديث واهل الحجاز وكذلك ما روى عنه ( انه كان في غزوة تبوك إذا إرتحل بعد ~~أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ( رواه اهل السنن من حديث معاذ ورواه ~~مسلم في صحيحه عن معاذ ( أن النبى جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين ~~المغرب والعشاء ( وإنما تنازعوا فيما إذا كان نازلا في وقت الصلاتين كلاهما # وفيه روايتان عن أحمد # إحداهما لا يجمع لعدم السنة والحاجة وهو قول مالك وإختيار الخرقى # الثانية # يجمع وهو قول الشافعى لحديث روى في ذلك ايضا رواه أبو داود وذكر بن ~~عبدالبر أنه لم يرو غيره وثبت عنه ايضا بالأحاديث الصحيحة وبالإتفاق أنه ~~جمع في حجة الوداع بعرفة بين صلاتى العشي وبمزدلفة بين صلاتى العشائين وثبت ~~عنه في الصحيحين من حديث إبن عباس ( أنه صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر ~~والعصر PageV22P087 والمغرب والعشاء ( وفى صحيح مسلم عنه ( جمع رسول الله ~~بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قيل ~~لإبن عباس ما أراد بذلك قال أراد ان لا يحرج أمته ( وكذلك قال معاذ بن جبل # وروى أهل السنن عنه حديثين أو ثلاثة انه امر المستحاضة بالجمع بين ~~الصلاتين في حديث حمنة بنت جحش وغيرها فهذا الجمع بالمدينة للمطر ولغير مطر ~~وقد نبه إبن عباس على الجمع للخوف والمطر والجمع عند المسير في السفر يجمع ~~في المقام وفى السفر لرفع الحرج فعلم بذلك أنه ليس السفر سبب للجمع كما هو ~~سبب للقصر فإن قصر العدد دائر مع السفر وجودا وعدما وأما الجمع فقد جمع في ~~غير سفر وقد كان في السفر يجمع للمسير ويجمع في مثل عرفة ومزدلفة ولا يجمع ~~في سائر مواطن السفر وامر المستحاضة بالجمع # فظهر بذلك ان الجمع هو لرفع الحرج فإذا كان في التفريق حرج جاز الجمع وهو ~~وقت العذر ms6584 والحاجة ولهذا قال الصحابة كعبدالرحمن بن عوف وإبن عمر في الحائض ~~إذا طهرت قبل الغروب صلت الظهر والعصر وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب ~~والعشاء وقال بذلك أهل الجمع كمالك والشافعى وأحمد فهذا يوافق ( قاعدة ~~الجمع ( في ان الوقت مشترك بين صلاتى الجمع عند الضرورة PageV22P088 ~~والمانع فمن ادرك آخر الوقت المشترك فقد أدرك الصلاتين كلاهما # ومن قال من أصحابنا وغيرهم إن الجمع معلق بسفر القصر وجودا وعدما حتى ~~منعوا الحاج الذين بمكة وغيرهم من الجمع بين صلاتى العشى وصلاتى العشاء فما ~~أعلم لقولهم حجة تعتمد بل خلاف السنة المعلومة يقينا عن النبى فانا قد ~~علمنا أنه لم يأمر أحدا من الحجاج معه من أهل مكة أن يؤخروا العصر إلى ~~وقتها المختص ولا يعجلوا المغرب قبل الوصول إلى مزدلفة فيصلوها إما بعرفة ~~وإما قريبا من المازمين هذا مما هو معلوم يقينا ولا قال هذا أحد بل كلامه ~~ونصوصه تقتضى أنه يجمع بين الصلاتين ويؤخر المغرب جميع أهل الموسم كما جاءت ~~به السنة وكما إختاره طوائف من أصحابه كأبى الخطاب في العبادات وأبى محمد ~~المقدسى وغيرهما # ثم إما أن يقال إن الجمع معلق بالسفر مطلقا قصيره وطويله إما مطلقا وإما ~~لأجل المسير وإما أن يقال الجمع بمزدلفة لأجل النسك كما يقوله من يقوله من ~~أصحابنا وغيرهم والأول أصوب عندى وأقيسه بأصول أحمد ونصوصه فإنه قد نص على ~~الجمع في الحضر لشغل فإذا جد به السير في السفر القصير فهو أولى ولأن ~~الأحكام المعلقة بالسفر تختص بالسفر كالقصر والفطر والمسح وأما المتعلقة ~~بالطويل والقصير كالصلاة على الدابة والمتيمم وكأكل الميتة PageV22P089 ~~فهذه جاءت للحاجة وكذلك يجوز في الحضر والجمع هو من هذا الباب إنما جاز ~~لعموم الحاجة لا لخصوص السفر ولهذا كان ما تعلق بالسفر إنما هو رخصة قد ~~يستغنى عنها وأما ما تعلق بالحاجة فإنه قد يكون ضرورة لابد منها فالأول ~~كفطر المسافر والثانى كفطر المريض فهذا هذا والله أعلم # ومما يشبه هذه الآية في العموم والجمع وإن إشتبه معناها قوله تعالى @QB@ ~~وإذا ms6585 ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا @QE@ فإنه أباح القصر بشرطين الضرب في الأرض وخوف ~~الكفار # ولهذا إعتقد كثير من الناس أن القصر مجرد قصر العدد أشكل عليهم فمن أهل ~~البدع من قال لا يجوز قصر الصلاة إلا في حال الخوف حتى روى الصحابة السنن ~~المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم في القصر في سفر الأمن وقال إبن عمر ~~صلاة السفر ركعتان من خالف السنة فقد كفر فإن من الخوارج من يرد السنة ~~المخالفة لظاهر القرآن مع علمه بأن الرسول سنها # وقال حارثه بن وهب صلينا مع رسول الله آمن ما كان ركعتين وقال عبد الله ~~بن مسعود صلينا خلف PageV22P090 رسول الله بمنى ركعتين وخلف أبى بكر ركعتين ~~وخلف عمر ركعتين وقال عمر ليعلى بن أمية لما سأله عن الآية فقال عجبت مما ~~عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( صدقة تصدق الله بها ~~عليكم فإقبلوا صدقته ( # فأخبر النبى أن القصر في سفر الأمن صدقة من الله ولم يقل إنها مخالفة ~~لظاهر القرآن فنقول القصر الكامل المطلق هو قصر العدد وقصر الأركان فقصر ~~العدد جعل الرباعية ركعتين وقصر الأركان هو قصر القيام والركوع والسجود كما ~~في صلاة الخوف الشديد وصلاة الخوف اليسير # فالسفر سبب قصر العدد والخوف سبب قصر الأركان فإذا إجتمع الأمران قصر ~~العدد والأركان وإن إنفرد أحد السببين إنفرد قصره فقوله سبحانه @QB@ أن ~~تقصروا من الصلاة @QE@ مطلق في هذا القصر وهذا القصر وسنة رسول الله تفسر ~~مجمل القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه وهى مفسرة له لا مخالفة لظاهره # ونظير هذا أيضا ما قرئ به في قوله @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم @QE@ من ~~أن المسح مطلق يدخل فيه المسح بإسالة وهو الغسل PageV22P091 والمسح بغير ~~إسالة وهو المسح بلا غسل فالقرآن أمر بمسح مطلق والسنة تثبت أن المسح في ~~الرأس بغير إسالة والمسح على الرجلين بإساله فهي مفسرة له لا مخالفة لظاهره ~~فينبغى تدبر القرآن ومعرفة وجوهه فإن ms6586 أكثر ما يتوهم الناس أنه قد خولف ~~ظاهره وليس كذلك وإنما له دلالات يعرفها من أعطاه الله فهما في كتابه # ويستفيد بذلك خمسة فوائد # أحدها تقرير الأحكام بدلائل القرآن # والثانى بيان إتفاق الكتاب والسنة # والثالث بيان أن السنة مفسرة له لا منافية له # والرابع بيان المعانى والبيان التى في القرآن # والخامس الإجماع موافق للكتاب والسنة والله أعلم ### |||| وسئل # عن قوله صلى الله عليه وسلم ( أفضل الأعمال عند الله الصلاة لوقتها ( فهل ~~هو الأول أو الثانى PageV22P092 ### ||||| فأجاب # الوقت يعم أول الوقت وآخره والله يقبلها في جميع الوقت لكن أوله أفضل من ~~آخره إلا حيث إستثناه الشارع كالظهر في شدة الحر وكالعشاء إذا لم يشق على ~~المأمومين والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # هل يشترط الليل إلى مطلع الشمس وكم أقل ما بين وقت المغرب ودخول العشاء ~~من منازل القمر ### ||||| فأجاب # أما وقت العشاء فهو مغيب الشفق الأحمر لكن في البناء يحتاط حتى يغيب ~~الأبيض فإنه قد تستتر الحمرة بالجدران فإذا غاب البياض تيقن مغيب الأحمر ~~هذا مذهب الجمهور كمالك والشافعى وأحمد # وأما أبوحنيفة فالشفق عنده هو البياض وأهل الحساب يقولون أن وقتها ~~منزلتان لكن هذا لا ينضبط فإن المنازل إنما تعرف بالكواكب بعضها قريب من ~~المنزلة الحقيقية وبعضها بعيد من ذلك # وأيضا فوقت العشاء في الطول والقصر يتبع النهار فيكون PageV22P093 في ~~الصيف أطول كما أن وقت الفجر يتبع الليل فيكون في الشتاء أطول # ومن زعم أن حصة العشاء بقدر حصة الفجر في الشتاء وفى الصيف فقد غلط غلطا ~~حسيا بإتفاق الناس # وسبب غلطه أن الأنوار تتبع الأبخرة ففى الشتاء يكثر البخار بالليل فيظهر ~~النور فيه أولا وفى الصيف تقل الأبخرة بالليل وفى الصيف يتكدر الجو بالنهار ~~بالأبخرة ويصفو في الشتاء لأن الشمس مزقت البخار والمطر لبد الغبار # وأيضا فإن النورين تابعان للشمس هذا يتقدمها وهذا يتأخر عنها فيجب أن ~~يكونا تابعين للشمس فإذا كان في الشتاء طال زمن مغيبها فيطول زمان الضوء ~~التابع لها # وأما جعل هذه الحصة بقدر هذه الحصة وإن ms6587 الفجر في الصيف أطول والعشاء في ~~الشتاء أطول وجعل الفجر تابعا للنهار يطول في الصيف ويقصر في الشتاء وجعل ~~الشفق تابعا لليل يقصر في الصيف ويطول في الشتاء فهذا قلب الحس والعقل ~~والشرع ولا يتأخر ظهور السواد عن مغيب الشمس والله أعلم PageV22P094 ### |||| وسئل # هل التغليس أفضل أم الأسفار ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل التغليس أفضل إذا لم يكن ثم سبب يقتضى التأخير فإن الأحاديث ~~الصحيحة المستفيضة عن النبى تبين أنه كان يغلس بصلاة الفجر كما في الصحيحين ~~عن عائشة رضى الله عنها قالت ( لقد كان رسول الله يصلى الفجر فيشهد معه ~~نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من ~~الغلس ( والنبى لم يكن في مسجده قناديل كما في الصحيحين عن أبى برزة ~~الأسلمى ( أن النبى كان يقرأ في الفجر بما بين الستين آية إلى المائة ~~وينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه وهذه القراءة هي نحو نصف جزء أو ثلث جزء ~~وكان فراغه من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه وهكذا في الصحيح من غير هذا ~~الوجه أنه كان يغلس بالفجر وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده وكان بعده أمراء ~~يؤخرون الصلاة عن وقتها فنشأ في دولتهم فقهاء رأوا PageV22P095 عادتهم ~~فظنوا أن تأخير الفجر والعصر أفضل من تقديمهما وذلك غلط في السنة # وإحتجوا بما رواه الترمذى عن النبى أنه قال ( أسفروا بالفجر فإنه أعظم ~~للأجر ( وقد صححه الترمذى وهذا الحديث لو كان معارضا لم يقاومها لأن تلك في ~~الصحيحين وهى مشهورة مستفيضة والخبر الواحد إذا خالف المشهور المستفيض كان ~~شاذا وقد يكون منسوخا لأن التغليس هو فعله حتى مات وفعل الخلفاء الراشدين ~~بعده # وقد تأول الطحاوى من أصحاب أبى حنيفة وغيره كأبى حفص البرمكى من أصحاب ~~أحمد وغيرهما قوله ( أسفروا بالفجر ( على أن المراد بالأسفار بالخروج منها ~~أى أطيلوا صلاة الفجر حتى تخرجوا منها مسفرين # وقيل المراد بالأسفار التبين أى صلوها إذا تبين الفجر وإنكشف ووضح فإن في ~~الصحيحين عن بن مسعود قال ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه ms6588 وسلم صلى صلاة ~~لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة وصلاة المغرب بجمع وصلاة الفجر إنما ~~صلاها يومئذ بعد طلوع الفجر هكذا في صحيح مسلم عن جابر قال ( وصلى صلاة ~~الفجر حين برق PageV22P096 الفجر ( وإنما مراد عبد الله بن مسعود أنه كان ~~يؤخر الفجر عن أول طلوع الفجر حتى يتبين وينكشف ويظهر وذلك اليوم عجلها قبل # وبهذا تتفق معانى أحاديث النبى وأما إذا أخرها لسبب يقتضي التأخير مثل ~~المتيمم عادته إنما يؤخرها ليصلي آخر الوقت بوضوء والمنفرد يؤخرها حتى يصلى ~~آخر الوقت في جماعة أو أن يقدر على الصلاة آخر الوقت قائما وفى أول الوقت ~~لا يقدر إلا قاعدا ونحو ذلك مما يكون فيه فضيلة تزيد على الصلاة في أول ~~الوقت فالتأخير لذلك أفضل والله أعلم ### |||| وسئل # عن قوله ( أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر ( ### ||||| فأجاب # أما قوله ( أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر ( فإنه حديث صحيح لكن قد ~~إستفاض عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يغلس بالفجر حتى كانت تنصرف ~~نساء المؤمنات متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس فلهذا فسروا ذلك ~~الحديث بوجهين PageV22P097 # أحدهما # أنه أراد الأسفار بالخروج منها أى أطيلوا القراءة حتى تخرجوا منها مسفرين ~~فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها بالستين آية إلى مائة آية نحو ~~نصف حزب # والوجه الثانى أنه أراد أن يتبين الفجر ويظهر فلا يصلى مع غلبة الظن فإن ~~النبى كان يصلى بعد التبين إلآ يوم مزدلفة فإنه قدمها ذلك اليوم على عادته ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل من اهل القبلة ترك الصلاة مدة سنتين ثم تاب بعد ذلك وواظب على ~~أدائها فهل يجب عليه قضاء ما فاته منها أم لا ### ||||| فأجاب # أما من ترك الصلاة أو فرضا من فرائضها فاما إن يكون قد ترك ذلك ناسيا له ~~بعد علمه بوجوبه وإما أن يكون جاهلا بوجوبه وإما أن يكون لعذر يعتقد معه ~~جواز التاخير وإما أن يتركه عالما عمدا # فأما الناسي للصلاة فعليه أن يصليها إذا ذكرها لسنة رسول ms6589 PageV22P098 ~~الله المستفيضة عنه بإتفاق الأئمة قال ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ( وقد إستفاض في الصحيح وغيره ( أنه نام هو ~~وأصحابه عن صلاة الفجر في السفر فصلوها بعد ما طلعت الشمس السنة والفريضة ~~بأذان وإقامة ( # وكذلك من نسي طهارة الحدث وصلى ناسيا فعليه أن يعيد الصلاة بطهارة بلا ~~نزاع حتى لو كان الناسي إماما كان عليه أن يعيد الصلاة ولا إعادة على ~~المأمومين إذا لم يعلموا عند جمهور العلماء كمالك والشافعى وأحمد في ~~المنصوص المشهور عنه كما جرى لعمر وعثمان رضي الله عنهما # وأما من نسي طهارة الخبث فإنه لا إعادة عليه في مذهب مالك وأحمد في أصح ~~الروايتين عنه والشافعى في أحد قوليه لأن هذا من باب فعل المنهى عنه وتلك ~~من باب ترك المأمور به ومن فعل ما نهي عنه ناسيا فلا إثم عليه بالكتاب ~~والسنة كما جاءت به السنة فيمن أكل في رمضان ناسيا وهو مذهب أبى حنيفة ~~والشافعى وأحمد وطرد ذلك فيمن تكلم في الصلاة ناسيا ومن تطيب ولبس ناسيا ~~كما هو مذهب الشافعى وأحمد في إحدى الروايتين عنه PageV22P099 وكذلك من فعل ~~المحلوف عليه ناسيا كما هو أحد القولين عن الشافعى وأحمد # وهنا مسائل تنازع العلماء فيها مثل من نسي الماء في رحله وصلى بالتيمم ~~وأمثال ذلك ليس هذا موضع تفصيلها # وأما من ترك الصلاة جاهلا بوجوبها مثل من اسلم في دار الحرب ولم يعلم أن ~~الصلاة واجبة عليه فهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال وجهان في مذهب ~~أحمد # أحدها عليه الإعادة مطلقا وهو قول الشافعي وأحد الوجهين في مذهب أحمد # والثانى # عليه الإعادة إذا تركها بدار الإسلام دون دار الحرب وهو مذهب أبى حنيفة ~~لأن دار الحرب دار جهل يعذر فيه بخلاف دار الإسلام # والثالث # لا إعادة عليه مطلقا وهو الوجه الثانى في مذهب أحمد وغيره # واصل هذين الوجهين أن حكم الشارع هل يثبت في حق PageV22P100 المكلف قبل ~~بلوغ الخطاب له فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد ms6590 وغيره # أحدها يثبت مطلقا # والثانى لا يثبت مطلقا و # الثالث يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون الخطاب الناسخ كقضية أهل قباء ~~وكالنزاع المعروف في الوكيل إذا عزل فهل يثبت حكم العزل في حقه قبل العلم # وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص مثل أن يأكل لحم الإبل ~~ولا يتوضأ ثم يبلغه النص ويتبين له وجوب الوضوء أو يصلي في أعطان الإبل ثم ~~يبلغه ويتبين له النص فهل عليه إعادة ما مضى فيه قولان هما روايتان عن أحمد # ونظيره أن يمس ذكره ويصلى ثم يتبين له وجوب الوضوء من مس الذكر # والصحيح في جميع هذه المسائل عدم وجوب الإعادة لأن الله عفا عن الخطأ ~~والنسيان ولأنه قال وما كنا معذبين حتى نبعث PageV22P101 رسولا فمن لم ~~يبلغه أمر الرسول في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه عليه ولهذا لم يأمر النبى ~~عمر وعمارا لما أجنبا فلم يصل عمر وصلى عمار بالتمرغ أن يعيد واحد منهما ~~وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب ويمكث أياما لا يصلى وكذلك لم ~~يأمر من أكل من الصحابة حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء ~~كما لم يأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء # ومن هذا الباب ( المستحاضة ( إذا مكثت مدة لا تصلي لإعتقادها عدم وجوب ~~الصلاة عليها ففى وجوب القضاء عليها قولان # أحدهما لا إعادة عليها كما نقل عن مالك وغيره لأن المستحاضة التى قالت ~~للنبى ( إنى حضت حيضة شديدة كبيرة منكرة منعتنى الصلاة والصيام ( أمرها بما ~~يجب في المستقبل ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضى # وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادى وغير ~~البوادى ومن يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة بل إذا قيل للمرأة صلى ~~تقول حتى أكبر وأصير عجوزة ظانه أنه لا يخاطب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة ~~كالعجوز ونحوها وفى أتباع الشيوخ PageV22P102 طوائف كثيرون لا يعلمون أن ~~الصلاة واجبة عليهم فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات سواء قيل ~~كانوا ms6591 كفارا أو كانوا معذورين بالجهل # وكذلك من كان منافقا زنديقا يظهر الإسلام ويبطن خلافه وهو لا يصلي أو ~~يصلى أحيانا بلا وضوء أو لا يعتقد وجوب الصلاة فإنه إذا تاب من نفاقه وصلى ~~فإنه لا قضاء عليه عند جمهور العلماء والمرتد الذى كان يعتقد وجوب الصلاة ~~ثم إرتد عن الإسلام ثم عاد لا يجب عليه قضاء ما تركه حال الردة عند جمهور ~~العلماء كمالك وأبى حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه فإن المرتدين الذين إرتدوا ~~على عهد النبى صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سعد بن أبى سرح وغيره مكثوا ~~على الكفر مدة ثم أسلموا ولم يأمر أحدا منهم بقضاء ما تركوه وكذلك المرتدون ~~على عهد أبى بكر لم يؤمروا بقضاء صلاة ولا غيرها # واما من كان عالما بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها الموقت فهذا ~~يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة وذهب طائفة منهم إبن حزم وغيره إلى أن ~~فعلها بعد الوقت لا يصح من هؤلاء وكذلك قالوا فيمن ترك الصوم متعمدا والله ~~سبحانه وتعالى أعلم PageV22P103 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل عليه صلوات كثيرة فاتته هل يصليها بسننها أم الفريضة وحدها وهل ~~تقضى في سائر الأوقات من ليل أو نهار ### ||||| فأجاب # المسارعة إلى قضاء الفوائت الكثيرة أولى من الإشتغال عنها بالنوافل ~~وأما مع قلة الفوائت فقضاء السنن معها حسن فإن النبى لما نام هو وأصحابه عن ~~الصلاة صلاة الفجر عام حنين قضوا السنة والفريضة ولما فاتته الصلاة يوم ~~الخندق قضى الفرائض بلا سنن والفوائت المفروضة تقضى في جميع الأوقات فإن ~~النبى قال ( من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى ( ~~والله أعلم ### |||| وسئل # أيهما أفضل صلاة النافلة أم القضاء ### ||||| فأجاب # إذا كان عليه قضاء واجب فالاشتغال به أولى من الإشتغال بالنوافل التى ~~تشغل عنه PageV22P104 ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عن رجل صلى ركعتين من فرض الظهر فسلم ثم لم يذكرها إلا وهو في فرض العصر ~~في ركعتين منها في التحيات فماذا يصنع ### ||||| فأجاب # إن كان مأموما ms6592 فإنه يتم العصر ثم يقضى الظهر وفى إعادة العصر قولان ~~للعلماء فإن هذه المسألة مبنية على أن صلاة الظهر بطلت بطول الفصل والشروع ~~في غيرها فيكون بمنزلة من فاتته الظهر ومن فاتته الظهر # وحضرت جماعة العصر فإنه يصلى العصر ثم يصلى الظهر ثم هل يعيد العصر فيه ~~قولان للصحابة والعلماء # أحدهما يعيدها وهو مذهب أبى حنيفة ومالك والمشهور في مذهب أحمد # والثانى لا يعيد وهو قول إبن عباس ومذهب الشافعى وإختيار جدى ومتى ذكر ~~الفائتة في أثناء الصلاة كان كما لو ذكر قبل الشروع فيها ولو لم يذكر ~~الفائتة حتى فرغت الحاضرة فإن الحاضرة تجزئة عند جمهور العلماء كأبى حنيفة ~~والشافعى وأحمد وأما مالك فغالب ظنى أن مذهبه أنها لا تصح والله أعلم ~~PageV22P105 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل فاتته صلاة العصر فجاء إلى المسجد فوجد المغرب قد أقيمت فهل يصلى ~~الفائتة قبل المغرب أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين بل يصلى المغرب مع الإمام ثم يصلى العصر بإتفاق ~~الأئمة ولكن هل يعيد المغرب فيه قولان # أحدهما يعيد وهو قول إبن عمر ومالك وأبى حنيفة وأحمد في المشهور عنه # والثانى لا يعيد المغرب وهو قول بن عباس وقول الشافعى والقول الآخر في ~~مذهب أحمد والثانى أصح فإن الله لم يوجب على العبد أن يصلى الصلاة مرتين ~~إذا إتقى الله ما إستطاع والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل دخل الجامع والخطيب يخطب وهو لا يسمع كلام PageV22P106 الخطيب ~~فذكر أن عليه قضاء صلاة فقضاها في ذلك الوقت فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا ذكر أن عليه فائتة وهو في الخطبة يسمع الخطيب أولا يسمعه ~~فله أن يقضيها في ذلك الوقت إذا أمكنه القضاء وإدراك الجمعة بل ذلك واجب ~~عليه عند جمهور العلماء لأن النهى عن الصلاة وقت الخطبة لا يتناول النهى عن ~~الفريضه والفائته مفروضه في اصح قولى العلماء بل لا يتناول تحية المسجد فإن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا ms6593 ~~يجلس حتى يصلى ركعتين ( # وايضا فإن فعل الفائتة في وقت النهى ثابت في الصحيح لقوله من أدرك ركعة ~~من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر # وقد تنازع العلماء فيما إذا ذكر الفائتة عند قيامه إلى الصلاة هل يبدأ ~~بالفائتة وإن فاتته الجمعة كما يقوله أبو حنيفة أو يصلي الجمعة ثم يصلى ~~الفائتة كما يقول الشافعى واحمد وغيرهما ثم هل عليه إعادة الجمعة ظهرا على ~~قولين هما روايتان عن أحمد # واصل هذا أن الترتيب في قضاء الفوائت واجب في الصلوات PageV22P107 ~~القليلة عند الجمهور كأبى حنيفة ومالك وأحمد بل يجب عنده في إحدى الروايتين ~~في القليلة والكثيرة وبينهم نزاع في حد القليل وكذلك يجب قضاء الفوائت على ~~الفور عندهم وكذلك عند الشافعى إذا تركها عمدا في الصحيح عندهم بخلاف ~~الناسى # واحتج الجمهور بقول النبى ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ~~لا كفارة لها إلا ذلك ( وفى لفظ فإن ذلك وقتها ( وإختلف الموجبون للترتيب ~~هل يسقط بضيق الوقت على قولين هما روايتان عن أحمد لكن أشهرهما عنه أنه ~~يسقط الترتيب كقول أبى حنيفة وأصحابه والأخرى لا يسقط كقول مالك وكذلك هل ~~يسقط بالنسيان فيه نزاع نحو هذا # وإذا كانت المسارعة إلى قضاء الفائتة وتقديمها على الحاضرة بهذه المزية ~~كان فعل ذلك في مثل هذا الوقت هو الواجب وأما الشافعى فإذا كان يجوز تحية ~~المسجد في هذا الوقت فالفائتة أولى بالجواز والله أعلم PageV22P108 ### || 1 ( رسالة في لباس الصلاة ) 1 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # ! 8 < فصل # في ( اللباس في الصلاة ( وهو أخذ الزينة عند كل مسجد الذى يسمية الفقهاء ~~باب ستر العورة في الصلاة فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذى يستر في ~~الصلاة هو الذى يستر عن أعين الناظرين وهو العورة وأخذ ما يستر في الصلاة ~~من قوله @QB@ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ~~@QE@ ثم قال @QB@ ولا يبدين زينتهن @QE@ يعنى الباطنة إلا لبعولتهن الآية # فقال يجوز لها في الصلاة أن تبدى الزينة الظاهرة ms6594 دون الباطنة والسلف قد ~~تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين فقال بن مسعود ومن وافقه هي الثياب ~~وقال بن عباس ومن وافقه هي في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم # وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية فقيل يجوز ~~النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى وقول في ~~مذهب أحمد PageV22P109 وقيل لا يجوز وهو ظاهر مذهب أحمد فإن كل شيء منها ~~عورة حتى ظفرها وهو قول مالك # وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة وجوز ~~لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوى المحارم وكانوا قبل أن تنزل آية ~~الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها وكان إذ ذاك ~~يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها ~~إظهاره ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله @QB@ يا أيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن @QE@ حجب النساء عن ~~الرجال وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش فأرخى الستر ومنع النساء أن ينظرن ~~ولما إصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا إن حجبها فهي من أمهات ~~المؤمنين وإلا فهي مما ملكت يمينه فحجبها # فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء ~~المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن و ( الجلباب ( هو الملاءة وهو الذى ~~يسميه إبن مسعود وغيره الرداء وتسميه العامة الإزار وهو الإزار الكبير الذى ~~يغطى رأسها وسائر بدنها وقد حكى أبوعبيد وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا ~~تظهر إلا PageV22P110 عينها ومن جنسه النقاب فكن النساء ينتقبن وفى الصحيح ~~أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا ~~يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان الوجه واليدان من الزينة ~~التى أمرت ألا تظهرها للأجانب فما بقى يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب ~~الظاهرة فإبن مسعود ذكر آخر الأمرين وإبن عباس ذكر أول الأمرين # وعلى ms6595 هذا فقوله @QB@ أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن @QE@ يدل على أن لها ~~أن تبدى الزينة الباطنة لمملوكها وفيه قولان قيل المراد الإماء والإماء ~~الكتابيات كما قاله بن المسيب ورجحه أحمد وغيره وقيل هو المملوك الرجل كما ~~قاله بن عباس وغيره وهو الرواية الأخرى عن أحمد # فهذا يقتضى جواز نظر العبد إلى مولاته وقد جاءت بذلك أحاديث وهذا لأجل ~~الحاجة لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد ~~والمعامل والخاطب فإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد أولى وليس في هذا مايوجب ~~أن يكون محرما يسافر بها كغير أولى الأربة فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا ~~محارم يسافرون بها فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة ~~بها بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها ~~PageV22P111 فإنه لم يدخل في قوله ( لا تسافر امرأة إلا مع زوج أو ذى محرم ~~( فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عتق كما يجوز لزوج أختها أن يتزوجها إذا طلق ~~أختها والمحرم من تحرم عليه على التأبيد ولهذا قال إبن عمر سفر المرأة مع ~~عبدها ضيعة # فالآية رخصت في إبداء الزينة لذوى المحارم وغيرهم وحديث السفر ليس فيه ~~إلا ذوى المحارم وذكر في الآية نساءهن أو ما ملكت أيمانهن وغير أولى الأربة ~~وهى لا تسافر معهم وقوله @QB@ أو نسائهن @QE@ قال إحتراز عن النساء ~~المشركات فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن الحمام لكن قد كن ~~النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها بخلاف الرجال ~~فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات وليس للذميات أن يطلعن ~~على الزينة الباطنة ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره ولهذا ~~كان أقاربها تبدى لهن الباطنة وللزوج خاصة ليست للأقارب # وقوله @QB@ وليضربن بخمرهن على جيوبهن @QE@ دليل على أنها تغطى العنق ~~فيكون من الباطن لا الظاهر ما فيه من القلادة وغيرها PageV22P112 ### ||| فصل # فهذا ستر النساء عن الرجال وستر الرجال عن الرجال والنساء عن النساء في ~~العورة ms6596 الخاصة كما قال صلى الله عليه وسلم ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ~~ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ( وكما قال ( إحفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ~~ما ملكت يمينك ( قلت فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال ( إن إستطعت أن لا ~~يرينها أحد فلا يراها قلت فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله أحق أن يستحيى ~~منه ( ونهى أن يفضى الرجل إلى الرجل في ثوب واحد والمرأة إلى المرأة في ثوب ~~واحد وقال عن الأولاد ( مروهم بالصلاة لسبع وإضربوهم عليها لعشر وفرقوا ~~بينهم في المضاجع ( فنهى عن النظر واللمس لعورة النظير لما في ذلك من القبح ~~والفحش # وأما الرجال مع النساء فلأجل شهوة النكاح فهذان نوعان وفى الصلاة نوع ~~ثالث فإن المرأة لوصلت وحدها كانت مأمورة بالإختمار وفى غير الصلاة يجوز ~~لها كشف رأسها في بيتها فأخذ الزينة في الصلاة لحق الله فليس لأحد أن يطوف ~~بالبيت عريانا ولو PageV22P113 كان وحده بالليل ولا يصلى عريانا ولو كان ~~وحده فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس فهذا نوع وهذا ~~نوع # وحينئذ فقد يستر المصلى في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة وقد يبدى ~~في الصلاة ما يستره عن الرجال # فالأول مثل المنكبين فإن النبى نهى أن يصلى الرجل في الثوب الواحد ليس ~~على عاتقه منه شيء فهذا لحق الصلاة ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة ~~وكذلك المرأ ة الحرة تختمر في الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ( وهى لا تختمر عند زوجها ولا عند ذوى ~~محارمها فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء ولا يجوز لها في الصلاة ~~أن تكشف رأسها لهؤلاء ولا لغيرهم # وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدى ذلك للأجانب على أصح ~~القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدى إلا الثياب وأما ستر ذلك في ~~الصلاة فلا يجب بإتفاق المسلمين بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور ~~العلماء ms6597 كأبى حنيفة والشافعى وغيرهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد فكذلك ~~القدم يجوز إبداؤه عند أبى حنيفة وهو الأقوى فإن عائشة جعلته من الزينة ~~الظاهرة قالت @QB@ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها @QE@ قالت ( الفتخ ( ~~حلق PageV22P114 من فضة تكون في أصابع الرجلين رواه إبن أبى حاتم فهذا دليل ~~على أن النساء كن يظهرن أقدامهن أولا كما يظهرن الوجه واليدين كن يرخين ~~ذيولهن فهي إذا مشت قد يظهر قدمها ولم يكن يمشين في خفاف وأحذية وتغطية هذا ~~في الصلاة فيه حرج عظيم وأم سلمة قالت ( تصلى المرأة في ثوب سابغ يغطى ظهر ~~قدميها ( فهي إذا سجدت قد يبدو باطن القدم # وبالجملة قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب ~~الذى يسترها إذا كانت في بيتها وإنما ذلك إذا خرجت وحينئذ فتصلى في بيتها ~~وإن رؤى وجهها ويداها وقدماها كما كن يمشين أولا قبل الأمر بإدناء الجلابيب ~~عليهن فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا # وبن مسعود رضى الله عنه لما قال ( الزينة الظاهرة هي الثياب لم يقل إنها ~~كلها عورة حتى ظفرها بل هذا قول أحمد يعنى أنها تشترط في الصلاة فإن ~~الفقهاء يسمون ذلك ( باب ستر العورة ( وليس هذا من ألفاظ الرسول ولا في ~~الكتاب والسنة أن ما يستره المصلى فهو عورة بل قال تعالى @QB@ خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد @QE@ ونهى النبى صلى الله عليه وسلم أن يطوف بالبيت عريانا ~~فالصلاة أولى وسئل عن الصلاة في الثوب الواحد فقال ( أو لكلكم ثوبان ~~PageV22P115 # وقال في الثوب الواحد ( إن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا ~~فإتزر به ( ونهى أن يصلى الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء ( # فهذا دليل على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة الفخذ وغيره وإن جوزنا ~~للرجل النظر إلى ذلك فإذا قلنا على أحد القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد ~~أن العورة هي السوأتان وأن الفخذ ليست بعورة فهذا في جواز نظر الرجل إليها ~~ليس هو في الصلاة ms6598 والطواف فلا يجوز أن يصلى الرجل مكشوف الفخذين سواء قيل ~~هما عورة أو لا ولا يطوف عريانا بل عليه أن يصلى في ثوب واحد ولابد من ذلك ~~إن كان ضيقا اتزر به وإن كان واسعا التحف به كما أنه لو صلى وحده في بيت ~~كان عليه تغطية ذلك بإتفاق العلماء # وأما صلاة الرجل بادى الفخذين مع القدرة على الإزار فهذا لا يجوز ولا ~~ينبغى أن يكون في ذلك خلاف ومن بنى ذلك على الروايتين في العورة كما فعله ~~طائفة فقد غلطوا ولم يقل أحمد ولا غيره أن المصلى يصلى على هذه الحال كيف ~~وأحمد يأمره بستر المنكبين فكيف يبيح له كشف الفخذ فهذا هذا PageV22P116 ~~وقد إختلف في وجوب ستر العورة إذا كان الرجل خاليا ولم يختلف في أنه في ~~الصلاة لا بد من اللباس لا تجوز الصلاة عريانا مع قدرته على اللباس بإتفاق ~~العلماء ولهذا جوز أحمد وغيره للعراة إن يصلوا قعودا ويكون إمامهم وسطهم ~~بخلاف خارج الصلاة وهذه الحرمة لا لأجل النظر وقد قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال قلت يا رسول الله فإذا ~~كان أحدنا خاليا قال ( فالله أحق أن يستحيى منه من الناس ( فإذا كان هذا ~~خارج الصلاة فهو في الصلاة أحق أن يستحيى منه فتؤخذ الزينة لمناجاته سبحانه # ولهذا قال بن عمر لغلامه نافع لما رآه يصلى حاسرا أرأيت لو خرجت إلى ~~الناس كنت تخرج هكذا قال لا قال فالله أحق من يتجمل له وفى الحديث الصحيح ~~لما قيل له الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال ( إن الله جميل ~~يحب الجمال ( # وهذا كما أمر المصلى بالطهارة والنظافة والطيب فقد أمر النبى أن تتخذ ~~المساجد في البيوت وتنظف وتطيب وعلى هذا فيستتر في الصلاة أبلغ مما يستتر ~~الرجل من الرجل والمرأة من المرأة ولهذا أمرت المرأة أن تختمر في الصلاة ~~وأما وجهها PageV22P117 ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب ~~لم تنه ms6599 عن إبدائه للنساء ولا لذوى المحارم # فعلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة التى نهى ~~عنها لأجل الفحش وقبح كشف العورة بل هذا من مقدمات الفاحشة فكان النهى عن ~~إبدائها نهيا عن مقدمات الفاحشة كما قال في الآية @QB@ ذلكم أزكى لكم @QE@ ~~وقال في آية الحجاب @QB@ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن @QE@ فنهى عن هذا سدا ~~للذريعة لا أنه عورة مطلقة لا في الصلاة ولا غيرها فهذا هذا # وأمر المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيد جدا واليدان يسجدان كما يسجد ~~الوجه والنساء على عهد النبى إنما كان لهن قمص وكن يصنعن الصنائع والقمص ~~عليهن فتبدى المرأة يديها إذا عجنت وطحنت وخبزت ولو كان ستر اليدين في ~~الصلاة واجبا لبينه النبى وكذلك القدمان وإنما أمر بالخمار فقط مع القميص ~~فكن يصلين بقمصهن وخمرهن وأما الثوب التى كانت المرأة ترخيه وسألت عن ذلك ~~النبى صلى الله عليه وسلم فقال ( شبرا ( فقلن إذن تبدو سوقهن فقال ( ذراع ~~لا يزدن عليه ( وقول عمر بن أبى ربيعة PageV22P118 % كتب القتل والقتال ~~علينا % # وعلى الغانيات جر الذيول % فهذا كان إذا خرجن من البيوت ولهذا سئل عن ~~المرأة تجر ذيلها على المكان القذر فقال ( يطهره ما بعده ( وأما في نفس ~~البيت فلم تكن تلبس ذلك كما أن الخفاف إتخذها النساء بعد ذلك لستر السوق ~~إذا خرجن وهن لا يلبسنها في البيوت ولهذا قلن إذن تبدوا سوقهن فكان المقصود ~~تغطية الساق لأن الثوب إذا كان فوق الكعبين بدا الساق عند المشى # وقد روى ( اعروا النساء يلزمن الحجال ( يعنى إذا لم يكن لها ما تلبسه في ~~الخروج لزمت البيت وكن نساء المسلمين يصلين في بيوتهن وقد قال النبى ( لا ~~تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن ( ولم يؤمرن مع القمص إلا ~~بالخمر لم تؤمر بسراويل لأن القميص يغنى عنه ولم تؤمر بما يغطى رجليها لاخف ~~ولا جورب ولا بما يغطى يديها لا بقفازين ولا غير ذلك فدل على أنه لا يجب ~~عليها في الصلاة ستر ذلك إذا ms6600 لم يكن عندها رجال أجانب وقد روى ( أن ~~الملائكة لا تنظر إلى الزينة الباطنة فإذا وضعت خمارها وقميصها لم ينظر ~~إليها ( وروى في ذلك حديث عن خديجة PageV22P119 # فهذا القدر للقميص والخمار هو المأمور به لحق الصلاة كما يؤمر الرجل إذا ~~صلى في ثوب واسع أن يلتحف به فيغطى عورته ومنكبيه فالمنكبان في حقه كالرأس ~~في حق المرأة لأنه يصلى في قميص أو ما يقوم مقام القميص وهو في الإحرام لا ~~يلبس على بدنه ما يقدر له كالقميص والجبة كما أن المرأة لا تنتقب ولا تلبس ~~القفازين وأما رأسه فلا يخمره ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره ~~قيل أنه كرأس الرجل فلا يغطى وقيل إنه كيديه فلا تغطى بالنقاب والبرقع ونحو ~~ذلك مما صنع على قدره وهذا هو الصحيح فإن النبى لم ينه إلا عن القفازين ~~والنقاب # وكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال من غير وضع ما يجافيها ~~عن الوجه فعلم أن وجهها كيدى الرجل ويديها وذلك أن المرأة كلها عورة كما ~~تقدم فلها أن تغطى وجهها ويديها لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو كما أن ~~الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإزار والله سبحانه وتعالى أعلم PageV22P120 ### |||| وسئل # عن الصلاة في النعل ونحوه ### ||||| فأجاب # أما الصلاة في النعل ونحوه مثل الجمجم والمداس والزربول وغير ذلك فلا ~~يكره بل هو مستحب لما ثبت في الصحيح عن النبى أنه كان يصلى في نعليه وفى ~~السنن عنه أنه قال ( ان اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم ( فأمر بالصلاة ~~في النعال مخالفة لليهود # وإذا علمت طهارتها لم تكره الصلاة فيها بإتفاق المسلمين وأما إذا تيقن ~~نجاستها فلا يصلى فيها حتى تطهر # لكن الصحيح انه إذا دلك النعل بالأرض طهر بذلك كما جاءت به السنة سواء ~~كانت النجاسة عذرة أو غير عذرة فإن أسفل النعل محل تكرر ملاقاة النجاسة له ~~فهو بمنزلة السبيلين فلما كان إزالته عنها بالحجارة ثابتا بالسنة المتواترة ~~فكذلك هذا PageV22P121 # وإذا شك في نجاسة أسفل الخف لم تكره الصلاة ms6601 فيه ولو تيقن بعد الصلاة أنه ~~كان نجسا فلا إعادة عليه في الصحيح وكذلك غيره كالبدن والثياب والأرض ### |||| وسئل # عن لبس القباء في الصلاة إذا أراد أن يدخل يديه في أكمامه هل يكره أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا بأس بذلك فإن الفقهاء ذكروا جواز ذلك وليس هو مثل السدل ~~المكروه لما فيه من مشابهة اليهود فإن هذه اللبسة ليست من ملابس اليهود ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن الفراء من جلود الوحوش هل تجوز الصلاة فيها ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما جلد الأرنب فتجوز الصلاة فيه بلا ريب وأما الثعلب ففيه ~~نزاع والأظهر جواز الصلاة فيه وجلد الضبع وكذلك كل جلد غير جلود السباع ~~التى نهى النبى عن لبسها PageV22P122 ### |||| وسئل # عن المرأة إذا ظهر شيء من شعرها في الصلاة هل تبطل صلاتها أم لا ### ||||| فأجاب # إذا إنكشف شيء يسير من شعرها وبدنها لم يكن عليها الإعادة عند أكثر ~~العلماء وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد # وإن إنكشف شيء كثير أعادت الصلاة في الوقت عند عامة العلماء الأئمة ~~الأربعة وغيرهم والله أعلم ### |||| وسئل # عن المرأة إذا صلت وظاهر قدمها مكشوف هل تصح صلاتها ### ||||| فأجاب # هذا فيه نزاع بين العلماء ومذهب أبى حنيفة صلاتها جائزة وهو أحد القولين ~~PageV22P123 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### ||| فصل # في ( محبة الجمال ( ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبر ( وفى رواية ( لايدخل ~~الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ( فقال رجل يا رسول الله إن الرجل ~~يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر ~~الحق وغمط الناس ( # فقوله ( إن الله جميل يحب الجمال ( فقد أدرج فيه حسن الثياب التى هي ~~المسؤول عنها فعلم أن الله يحب الجميل من الناس ويدخل في عمومه بطريق ~~الفحوى الجميل من كل شيء وهذا كقوله في ms6602 الحديث الذى رواه الترمذى ( إن الله ~~نظيف يحب النظافة ( # وقد ثبت عنه في الصحيح ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا PageV22P124 وهذا ~~مما يستدل به على استحباب التجمل في الجمع والأعياد كما في الصحيحين ( أن ~~عمر بن الخطاب رأى حلة تباع في السوق فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه ~~تلبسها فقال إنما يلبس هذه من لاخلاق له في الآخرة ( وهذا يوافقه في حسن ~~الثياب ما في السنن عن أبى الأحوص الجشمى قال ( رآني النبى وعلى أطمار فقال ~~هل لك من مال قلت نعم قال من أى المال قلت من كل ما آتانى الله من الإبل ~~والشاء قال فلتر نعمة الله عليك وكرامته عليك ( # وفيها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ( إن الله يحب ~~أن يرى أثر نعمته على عبده ( لكن هذا لظهور نعمة الله وما في ذلك من شكره ~~وأنه يحب أن يشكر وذلك لمحبة الجمال وهذا الحديث قد ضل قوم بما تأولوه رأوه ~~معارضا # وكل مصنوع الرب جميل لقول الله تعالى @QB@ الذي أحسن كل شيء خلقه @QE@ ~~فيحب كل شيء وقد يستدلون بقول بعض المشائخ المحبة نار تحرق من القلب كل ما ~~سوى مراد المحبوب PageV22P125 والمخلوقات كلها مراده له وهؤلاء يصرح أحدهم ~~بإطلاق الجمال في كل شيء واقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة لله والنهى ~~عن المنكر والبغض في الله والجهاد في سبيله وإقامة حدوده وهم في ذلك ~~متناقضون إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ~~ولغيرهم فيبقى أحدهم مع طبعه وذوقه وينسلخون عن دين الله وربما دخل أحدهم ~~في الإتحاد والحلول المطلق وفيهم من يخص الحلول والإتحاد ببعض المخلوقات ~~كالمسيح أو علي أو غيرهما أو المشائخ والملوك والمردان # فيقولون بحلوله في الصور الجميلة ويعبدونها ومنهم من لا يرى ذلك بل يتدين ~~بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب والمردان وغير ذلك ويرى هذا من الجمال ~~الذى يحبه الله فيحبه هو ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ms6603 ~~ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء @QE@ # والآخرون قالوا قد ثبت في صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم ( وقد قال تعالى عن المنافقين @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا @QE@ ~~PageV22P126 والأثاث المال من اللباس ونحوه والرئى المنظر فأخبر أن الذين ~~أهلكهم قبلهم كانوا أحسن صورا وأحسن أثاثا وأموالا ليبين أن ذلك لا ينفع ~~عنده ولا يعبأ به وقال النبى ( لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ~~ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى ( وفى السنن عنه أنه ~~قال ( البذاذة من الإيمان ( # وأيضا فقد حرم علينا من لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة ما هو من ~~أعظم الجمال في الدنيا وحرم الله الفخر والخيلاء واللباس الذى فيه الفخر ~~والخيلاء كإطالة الثياب حتى ثبت في الصحيح عنه أنه قال ( من جر ثوبه خيلاء ~~لم ينظر الله إليه يوم القيامة ( ومثل ذلك ما في الصحيح عن أبى هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ~~إزاره بطرا ( وفى الصحيح عن بن عمر أن النبى قال ( بينما رجل يجر إزاره من ~~الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة # وقال تعالى @QB@ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ~~ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله @QE@ فأخبر أن لباس التقوى خير من ~~ذلك وقال تعالى @QB@ أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين @QE@ ~~وقال تعالى في حق قارون @QB@ فخرج على قومه في زينته @QE@ PageV22P127 ~~قالوا بثياب الأرجوان ولهذا ثبت عن عبد الله إبن عمرو قال ( رأى رسول الله ~~على ثوبين معصفرين فقال إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما قلت أغسلهما قال ms6604 ~~أحرقهما ( ولهذا كره العلماء الأحمر المشبع حمرة كما جاء النهى عن الميثرة ~~الحمراء وقال عمر بن الخطاب دعوا هذه البراقات للنساء والآثار في هذا ونحوه ~~كثيرة وقال تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم @QE@ ~~إلى قوله @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون @QE@ وقال ~~النبى في الحديث الصحيح عن جرير بن عبد الله قال ( سألت رسول الله عن نظرة ~~الفجأة فقال أصرف بصرك ( وفى السنن أنه قال لعلى يا على لا تتبع النظرة ~~النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة ( وقد قال تعالى @QB@ ولا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ~~ربك خير وأبقى @QE@ وقال @QB@ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين @QE@ وقال @QB@ زين للناس حب الشهوات ~~من النساء @QE@ إلى قوله @QB@ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ~~ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار @QE@ وقد قال تعالى مع ذمه لما ذمه من ~~PageV22P128 هذه الزينة قل @QB@ من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ~~@QE@ # فنقول اعلم أن ما يصفه النبى من محبته للأجناس المحبوبة وما يبغضه من ذلك ~~هو مثل ما يأمر به من الأفعال وينهى عنه من ذلك فإن الحب والبغض هما اصل ~~الأمر والنهى وذلك نظير ما يعده على الأعمال الحسنة من الثواب ويتوعد به ~~على الأعمال السيئة من العقاب فأمره ونهيه ووعده ووعيده وحبه وبغضه وثوابه ~~وعقابه كل ذلك من # وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول ~~الدين وفروعه فإن من أكبر شعبها ( مسألة الأسماء والأحكام ( في فساق أهل ~~الملة وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب كما يقوله أهل السنة ~~والجماعة أم لا يجتمع ذلك كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة وهل يكون ~~الشيء الواحد محبوبا من وجه مبغوضا من وجه محمودا من وجه مذموما من وجه وقد ~~تنازع في ذلك ms6605 أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم والتعارض بين النصوص ~~إنما هو لتعارض المقتضى للحمد والذم من الصفات PageV22P129 القائمة بذلك ~~ولهذا كان هذا الجنس موجبا للفرقة والفتنة # فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملى فأدرجته الخوارج في نصوص ~~الوعيد فخلدوه في النار لكن لم يحكموا بكفره فلو كان شيء خيرا محضا لم يوجب ~~فرقة ولو كان شرا محضا لم يخف أمره لكن لإجتماع الأمرين فيه أوجب الفتنة # وكذلك ( مسألة القدر ( التى هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه إجتمع في ~~الأفعال الواقعة التى نهى الله عنها أنها مرادة له لكونها من الموجودات ~~وأنها غير محبوبة له بل ممقوتة مبغوضة فأثبتوا وجود الكائنات بدون مشيئته ~~ولهذا لما قال غيلان القدرى لربيعة بن أبى عبد الرحمن يا ربيعة نشدتك الله ~~أترى الله يحب أن يعصى فقال له ربيعة أفترى الله يعصى قسرا فكأنه القمه ~~حجرا يقول له نزهته عن محبة المعاصى فسلبته الإرادة والقدرة وجعلته مقهورا ~~مقسورا # وقال من عارض القدرية بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه ولزمهم أن يكون ~~الكفر والفسوق والعصيان محبوبا لله مرضيا # وقالوا أيضا يأمر بما لا يريد وكل ما أمر به من الحسنات PageV22P130 فإنه ~~لم يرده وربما قالوا ولم يحبه ولم يرضه إلا إذا وجد قالوا ولكن أمر به ~~وطلبه # فقيل لهم هل يكون طلب وإرادة وإستدعاء بلا إرادة ولا محبة ولا رضى هذا ~~جمع بين النقيضين فتحيروا فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته وإرادته العامة ~~وهؤلاء سلبوه محبته ورضاه وإرادته الدينية وما تضمنه أمره ونهيه من ذلك ~~فكما أن الأولين لم يثبتوا أن الشخص الواحد يكون مثابا معاقبا بل إما مثابا ~~وإما معاقبا فهؤلاء لم يثبتوا ان الفعل الواحد يكون مرادا من وجه دون وجه ~~مرادا غير محبوب بل إما مراد محبوب وإما غير مراد ولا محبوب # وكما تفرقوا في صفات الخالق تفرقوا في صفات المخلوق فأولئك لم يثبتوا له ~~إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون مع ~~الفعل ms6606 أولئك نفوا القدرة الكونية التى بها يكون الفعل وهؤلاء نفواالقدرة ~~الدينية التي بها يأمر الله العبد وينهاه وهذا من أصول تفرقهم في مسألة ~~تكليف ما لا يطاق # وانقسموا إلى قدرية مجوسية تثبت الأمر والنهى وتنفى القضاء والقدر وإلى ~~قدرية مشركية شر منهم تثبت القضاء والقدر وتكذب بالأمر والنهى أو ببعض ذلك ~~وإلى قدرية إبليسية تصدق بالأمر لكن ترى ذلك تناقضا مخالفا للحق والحكمة ~~وهذا PageV22P131 شأن عامة ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل # تجد فريقا يقولون بهذا دون هذا وفريقا بالعكس أو الأمرين فإعتقدوا ~~تناقضهما فصاروا متحيرين معرضين عن التصديق بهما جميعا ومتناقضين مع هذا ~~تارة ومع هذا تارة وهذا تجده في مسائل الكلام والإعتقادات ومسائل الإرادة ~~والعبادات كمسألة السماع الصوتى ومسألة الكلام ومسائل الصفات وكلام الله ~~تعالى وغير ذلك من المسائل # وأصل هذا كله هو العدل بالتسوية بين المتماثلين فإن الله يقول @QB@ لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ~~@QE@ وقد بسطنا القول في ذلك وبينا أن العدل جماع الدين والحق والخير كله ~~في غير موضع والعدل الحقيقى قد يكون متعذرا أو متعسرا إما علمه وإما العمل ~~به لكون التماثل من كل وجه غير متمكن أو غير معلوم فيكون الواجب في مثل ذلك ~~ما كان اشبه بالعدل وأقرب إليه وهى الطريقة المثلى ولهذا قال سبحانه @QB@ ~~وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ PageV22P132 ### |||| وسئل ( # عن المتنزه عن الأقمشة الثمينة مثل الحرير والكتان المتغالى في تحسينه ~~وما ناسبها هل في ترك ذلك اجر أم لا أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما ما حرمه الله ورسوله كالحرير فإنه يثاب على ~~تركه كما يعاقب على فعله وقد ثبت عن النبى أنه قال ( من يلبس الحرير في ~~الدنيا لم يلبسه في الآخرة ( وقال عن الحرير والذهب ( هذا حرام على ذكور ~~امتى حل لإناثها ( # وأما المباحات فيثاب على ترك فضولها وهو مالا يحتاج إليه لمصلحة دينه كما ~~ان الإسراف في المباحات منهى عنه كما قال تعالى @QB@ والذين إذا أنفقوا لم ms6607 ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما @QE@ وقال تعالى عن اصحاب النار ( ~~إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم ( وقال تعالى ~~@QB@ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر ~~تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا @QE@ ~~PageV22P133 # والإسراف في المباحات هو مجاوزة الحد وهو من العدوان المحرم وترك فضولها ~~هو من الزهد المباح وأما الإمتناع من فعل المباحات مطلقا كالذى يمتنع من ~~أكل اللحم وأكل الخبز أو شرب الماء أو لبس الكتان والقطن ولا يلبس إلا ~~الصوف ويمتنع من نكاح النساء ويظن أن هذا من الزهد المستحب فهذا جاهل ضال ~~من جنس زهاد النصارى قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم ~~الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون @QE@ نزلت هذه الآية بسبب ~~أن جماعة من الصحابة كانوا قد عزموا على ترك أكل الطيبات كاللحم ونحوه وترك ~~النكاح # وفى الصحيحين عن أنس أن النبى قال ( ما بال رجال يقول احدهم أما انا ~~فأصوم ولا أفطر ويقول الآخر أما أنا فأقوم ولا أنام ويقول الآخر أما أنا ~~فلا آكل اللحم لكنى أصوم وأفطر واقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن ~~رغب عن سنتى فليس منى PageV22P134 # وفى صحيح البخارى أن النبى رأى رجلا قائما في الشمس فقال ( ما هذا قالوا ~~هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبى مروه أن ~~يستظل وأن يتكلم وأن يجلس ويتم صومه ( وقد قال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون @QE@ # فأمر بالأكل من الطيبات والشكر له والطيب هو ما ينفع الإنسان وحرم ~~الخبائث وهو ما يضره وأمر بشكره وهو العمل بطاعته بفعل المأمور وترك ~~المحذور وفى صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( إن ms6608 الله ليرضى على العبد يأكل ~~الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها ( وقال تعالى @QB@ كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا @QE@ فمن اكل من الطيبات ولم يشكر ولم يعمل صالحا ~~كان معاقبا على ما تركه من الواجبات ولم تحل له الطيبات # فإنه إنما أحلها لمن يستعين بها على طاعته لا لمن يستعين بها على معصيته ~~كما قال تعالى @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ~~إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ~~والله يحب المحسنين @QE@ وقال الخليل PageV22P135 @QB@ وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره ~~إلى عذاب النار وبئس المصير @QE@ # ولهذا لا يجوز أن يعان الإنسان بالمباحات على المعاصى مثل من يعطى الخبز ~~واللحم لمن يشرب عليه الخمر ويستعين به على الفواحش # ومن حرم الطيبات التى أحلها الله من الطعام واللباس والنكاح وغير ذلك ~~وإعتقد أن ترك ذلك مطلقا هو أفضل من فعله لمن يستعين به على طاعة الله كان ~~معتديا معاقبا على تحريمه ما أحل الله ورسوله وعلى تعبده لله تعالى ~~بالرهبانية ورغبته عن سنة رسول الله وعلى ما فرط فيه من الواجبات وما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب # وكذلك من أسرف في بعض العبادات كسرد الصوم ومداومة قيام الليل حتى يضعفه ~~ذلك عن بعض الواجبات كان مستحقا للعقاب كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ~~لعبدالله بن عمرو ( إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولزوجك عليك حقا فآت ~~كل ذى حق حقه ( # فاصل الدين فعل الواجبات وترك المحرمات فما تقرب العبد PageV22P136 إلى ~~الله بأفضل من أداء ما افترض عليه ولا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل ~~حتى يحبه فالنوافل المستحبة التى لا تمنع الواجبات مما يرفع الله بها ~~الدرجات وترك فضول المباحات وهو ما لا يحتاج إليها لفعل واجب ولا مستحب مع ~~الإيثار بها مما يثيب الله فاعله عليه ومن تركها لمجرد البخل لا للتقرب إلى ~~الله لم يكن محمودا # ومن ms6609 إمتنع عن نوع من الأنواع التى اباحها الله على وجه التقرب بتركها فهو ~~مخطىء ضال ومن تناول ما اباحه الله من الطعام واللباس مظهرا لنعمة الله ~~مستعينا على طاعة الله كان مثابا على ذلك # وقوله تعالى @QB@ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم @QE@ أي عن شكر النعيم ~~فيطالب العبد بأداء شكر نعمة الله على النعيم فإن الله سبحانه لا يعاقب على ~~ما أباح وإنما يعاقب على ترك مأمور وفعل محذور وهذه القواعد الجامعة تبين ~~المسائل المذكورة وغيرها # واما الحرير فهو حرام على الرجال إلا في مواضع مستثناة فمن لبس ما حرم ~~الله ورسوله فهو آثم # وأما الكتان والقطن ونحوهما فمن تركه مع الحاجة فهو جاهل ضال ومن اسرف ~~فيه فهو مذموم ومن تجمل بلبسه إظهارا لنعمة الله عليه فهو مشكور على ذلك ~~PageV22P137 فإن النبى قال ( إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى ~~أثر نعمه عليه ( وقال ( إن الله جميل يحب الجمال ( ومن ترك لبس الرفيع من ~~الثياب تواضعا لله لا بخلا ولا إلتزاما للترك مطلقا فإن الله يثيبه على ذلك ~~ويكسوه من حلل الكرامة # وتكره الشهرة من الثياب وهو المترفع الخارج عن العادة والمتخفض الخارج عن ~~العادة فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين المترفع والمتخفض وفى الحديث ( من ~~لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة ( وخيار الأمور أوساطها # والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب ~~على فعله مع النية الفاسدة فمن حج ماشيا لقوته على المشي وآثر بالنفقة كان ~~مأجورا أجرين أجر المشى وأجر الإيثار ومن حج ماشيا بخلا بالمال إضرارا ~~بنفسه كان آثما إثمين إثم البخل وإثم الإضرار ومن حج راكبا لضعفه عن المشى ~~وللإستعانة بذلك على راحته ليتقوى بذلك على العبادة كان مأجورا أجرين ومن ~~حج راكبا يظلم الجمال والحمال كان آثما إثمين # وكذلك اللباس فمن ترك جميل الثياب بخلا بالمال لم يكن له أجر ومن تركه ~~متعبدا بتحريم المباحات كان آثما ومن لبس PageV22P138 جميل الثياب إظهارا ~~لنعمة الله وإستعانة على طاعة الله ms6610 كان مأجورا ومن لبسه فخرا وخيلاء كان ~~آثما فإن الله لا يحب كل مختال فخور # ولهذا حرم إطالة الثوب بهذه النية كما في الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال ( من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله يوم القيامة إليه فقال ~~أبوبكر يا رسول الله إن طرف إزارى يسترخى إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال يا ~~أبا بكر إنك لست ممن يفعله خيلاء ( وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( بينما ~~رجل يجر إزاره خيلاء إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ~~( فهذه المسائل ونحوها تتنوع بتنوع علمهم وإعتقادهم والعبد مأمور أن يقول ~~في كل صلاة @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين @QE@ والله سبحانه وتعالى أعلم ### |||| وسئل # عن الحرير المحض هل يجوز للخياط خياطته للرجال وهل أجرته حرام وهل ينكر ~~عليه لذلك وهل تباح الخياطة بخيوط الحرير في غير الحرير وهل تجوز خياطته ~~للنساء PageV22P139 ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يجوز خياطة الحرير لمن يلبس لباسا محرما مثل لبس الرجل ~~للحرير المصمت في غير حال الحرب ولغير التداوى فإن هذا من الإعانة على ~~الإثم والعدوان وكذلك صنعة آنية الذهب والفضة على أصح القولين عند جماهير ~~العلماء وكذلك صنعة آلات الملاهى ومثل تصوير الحيوان وتصوير الأوثان ~~والصلبان وأمثال ذلك مما يكون فيه تصوير الشيء على صورة يحرم إستعماله فيها # وكذلك صنعة الخمر وأما أمكنة المعاصى والكفر ونحو ذلك والعوض المأخوذ على ~~هذا العمل المحرم خبيث ويجب إنكار ذلك وأما خياطته لمن يلبسه لبسا جائزا ~~فهو مباح كخياطته النساء وإن كان الرجل يمسه عند الخياطة فإن هذا ليس من ~~المحرم ومثل ذلك صناعة الذهب والفضة لمن يستعمله إستعمالا مباحا # ويجوز استعمال خيوط الحرير في لباس الرجال وكذلك يباح العلم والسجاف ونحو ~~ذلك مما جاءت به السنة بالرخصة فيه وهو ما كان موضع أصبعين أو ثلاثة أو ~~أربعة وقد كان للنبى جبة مكفوفة بحرير PageV22P140 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن خياط خاط للنصارى سير حرير فيه ms6611 صليب ذهب فهل عليه إثم في خياطته وهل ~~تكون أجرته حلالا أم لا ### ||||| فأجاب # نعم إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثما ~~لأنه أعان على الإثم والعدوان ولهذا لعن النبى صلى الله عليه وسلم الخمر ~~وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها ~~وآكل ثمنها # وأكثر هؤلاء كالعاصر والحامل والساقى إنما هم يعاونون على شربها ولهذا ~~ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالا محرما كقتال المسلمين والقتال في ~~الفتنة فإذا كان هذا في الإعانة على المعاصى فكيف بالإعانة على الكفر ~~وشعائر الكفر # والصليب لا يجوز عمله بأجرة ولا غير أجرة ولا بيعه صليبا كما لا يجوز بيع ~~الأصنام ولا عملها كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير PageV22P141 والأصنام ( وثبت عنه ~~أنه لعن المصورين وأنه كان لا يرى في البيت صورة الاقضبه فصانع الصليب ~~ملعون لعنه الله ورسوله # ومن أخذ عوضا عن عين محرمة أو نفع إستفوفاه مثل أجرة حمال الخمر وأجرة ~~صانع الصليب وأجرة البغى ونحو ذلك فليتصدق بها وليتب من ذلك العمل المحرم ~~وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله فإن هذا العوض لا يجوز الإنتفاع به لأنه ~~عوض خبيث ولا يعاد إلى صاحبه لأنه قد إستوفى العوض ويتصدق به كما نص على ~~ذلك من نص من العلماء كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر ونص عليه ~~أصحاب مالك وغيرهم ### |||| وسئل # عمن يتجر في الإقباع هل يجوز له بيع القبع المرعزي وشراؤه والاكتساء منه ~~وما يجرى مجراه من الحرير الصامت أو يحرم عليه لكون القبع لبس الرجال دون ~~النساء وهل يجوز بيعه للجند والصبيان إذا كانوا دون البلوغ أو لليهود ~~والنصارى أم لا إلى غير ذلك من المسائل ### ||||| فأجاب # أما أقباع الحرير فيحرم لبسها على الرجال ولانها حرير PageV22P142 ولبس ~~الحرير حرام على الرجال بسنة رسول الله وإجماع العلماء وإن كان مبطنا بقطن ~~أو كتان # وأما على النساء فلأن الأقباع من لباس الرجال وقد ms6612 لعن النبى المتشبهات من ~~النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء # وأما لباس الحرير للصبيان الذين لم يبلغوا ففيه قولان مشهوران للعلماء ~~لكن أظهرهما أنه لا يجوز فإن ما حرم على الرجل فعله حرم عليه أن يمكن منه ~~الصغير فإنه يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ويضربه عليها إذا بلغ عشرا ~~فكيف يحل له أن يلبسه المحرمات # وقد رأى عمر بن الخطاب على صبى للزبير ثوبا من حرير فمزقه وقال ( لا ~~تلبسوهم الحرير ( وكذلك بن مسعود مزق ثوب حرير كان على إبنه وما حرم لبسه ~~لم تحل صنعته ولا بيعه لمن يلبسه من أهل التحريم # ولا فرق في ذلك بين الجند وغيرهم فلا يحل للرجل أن يكتسب بأن يخيط الحرير ~~لمن يحرم عليه لبسه فإن ذلك إعانة على الإثم والعدوان وهو مثل الإعانة على ~~الفواحش ونحوها # وكذلك لا يباع PageV22P143 الحرير لرجل يلبسه من أهل التحريم وأما بيع ~~الحرير للنساء فيجوز وكذلك إذا بيع لكافر فإن عمر بن الخطاب أرسل بحرير ~~أعطاه إياه النبى إلى رجل مشرك ### |||| وسئل # هل طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه في أكمامه مكروه ### ||||| فأجاب # لا بأس بذلك بإتفاق الفقهاء وقد ذكروا جواز ذلك وليس هذا من السدل ~~المكروه لأن هذه اللبسة ليست لبسه اليهود ### |||| وسئل # عن طول السراويل إذا تعدى عن الكعب هل يجوز ### ||||| فأجاب # طول القميص والسراويل وسائر اللباس إذا تعدى ليس له أن يجعل ذلك أسفل من ~~الكعبين كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن النبى وقال ( الإسبال في ~~السراويل والأزار والقميص ( يعنى نهى عن الإسبال PageV22P144 ### |||| وسئل رحمه الله # عن لبس الكوفية للنساء ما حكمها إذا كانت بالدائر والفرق وفى لبسهن ~~الفراجى وما الضابط في التشبه بالرجال في الملبوس هل هو بالنسبة إلى ما كان ~~على عهد رسول الله أو كل زمان بحسبه ### ||||| فأجاب # الحمد لله الكوفية التى بالفرق والدائر من غير أن تستر الشعر المسدول هي ~~من لباس الصبيان والمرأة اللابسة لذلك متشبهة بهم وهذا النوع قد يكون أول ~~من فعله من ms6613 النساء قصدت التشبه بالمردان كما يقصد بعض البغايا أن تضفر ~~شعرها ضفيرا واحدا مسدولا بين الكتفين وأن ترخى لها السوالف وأن تعتم لتشبه ~~المردان في العمامة والعذار والشعر ثم قد تفعل الحرة بعض ذلك لا تقصد هذا ~~لكن هي في ذلك متشبهة بالرجال # وقد إستفاضت السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم في الصحاح وغيرها بلعن ~~المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء وفى رواية ( أنه ~~لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من PageV22P145 النساء ( وأمر بنفى ~~المخنثين وقد نص على نفيهم الشافعي وأحمد وغيرهما وقالوا جاءت سنة رسول ~~الله بالنفى في حد الزنى وبنفي المخنثين # وفى صحيح مسلم عنه أنه قال ( صنفان من أهل النار من أمتى لم أرهما بعد ~~كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ~~ولا يجدن ريحها ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله ( # وفى السنن أنه مر بباب أم سلمة وهى تعتصب فقال ( يا أم سلمة لية لا ليتين ~~( وقد فسر قوله ( كاسيات عاريات ( بأن تكتسي مالا يسترها فهي كاسية وهى في ~~الحقيقة عارية مثل من تكتسى الثوب الرقيق الذى يصف بشرتها أو الثوب الضيق ~~الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك وإنما كسوة المرأة ما ~~يسترها فلا يبدي جسمها ولا حجم أعضائها لكونه كثيفا واسعا # ومن هنا يظهر الضابط في نهيه عن تشبه الرجال بالنساء وعن تشبه النساء ~~بالرجال وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعا إلى مجرد ما يختاره الرجال والنساء ~~ويشتهونه ويعتادونه فإنه لو كان كذلك لكان إذا إصطلح قوم على أن يلبس ~~الرجال الخمر التي PageV22P146 تغطي الرأس والوجه والعنق والجلابيب التى ~~تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان وأن تلبس النساء ~~العمائم والأقبية المختصرة ونحو ذلك أن يكون هذا سائغا وهذا خلاف النص ~~والإجماع فإن الله تعالى قال للنساء @QB@ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا ~~يبدين زينتهن إلا لبعولتهن @QE@ الآية وقال @QB@ قل لأزواجك وبناتك ونساء ~~المؤمنين يدنين عليهن من ms6614 جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين @QE@ الآية ~~وقال @QB@ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى @QE@ # فلو كان اللباس الفارق بين الرجال والنساء مستنده مجرد ما يعتاده النساء ~~أو الرجال بإختيارهم وشهوتهم لم يجب أن يدنين عليهن الجلابيب ولا أن يضربن ~~بالخمر على الجيوب ولم يحرم عليهن التبرج تبرج الجاهلية الأولى لأن ذلك كان ~~عادة لأولئك وليس الضابط في ذلك لباسا معينا من جهة نص النبى أو من جهة ~~عادة الرجال والنساء على عهده بحيث يقال إن ذلك هو الواجب وغيره يحرم # فإن النساء على عهده كن يلبسن ثيابا طويلات الذيل بحيث ينجر خلف المرأة ~~إذا خرجت والرجل مأمور بأن يشمر ذيله حتى لا يبلغ الكعبين ولهذا لما نهى ~~النبى الرجال عن إسبال الإزار وقيل له فالنساء قال ( يرخين شبرا قيل له إذن ~~PageV22P147 تنكشف سوقهن قال ذراعا لا يزدن عليه ( قال الترمذى حديث صحيح # حتى أنه لأجل ذلك روى أنه رخص للمرأة إذا جرت ذيلها على مكان قذر ثم مرت ~~به على مكان طيب أنه يطهر بذلك وذلك قول طائفة من أهل العلم في مذهب أحمد ~~وغيره جعل المجرور بمنزلة النعل الذى يكثر ملاقاته النجاسة فيطهر بالجامد ~~كما يطهر السبيلان بالجامد لما تكرر ملاقاتهما النجاسة # ثم إن هذا ليس معينا للستر فلو لبست المرأة سراويل أو خفا واسعا صلبا ~~كالموق وتدلى فوقه الجلباب بحيث لا يظهر حجم القدم لكان هذا محصلا للمقصود ~~بخلاف الخف اللين الذى يبدى حجم القدم فإن هذا من لباس الرجال وكذلك المرأة ~~لو لبست جبة وفروة لحاجتها إلى ذلك إلى دفع البرد لم تنه عن ذلك # فلو قال قائل لم يكن النساء يلبسن الفراء قلنا فإن ذلك يتعلق بالحاجة ~~فالبلاد الباردة يحتاج فيها إلى غلظ الكسوة وكونها مدفئة وإن لم يحتج إلى ~~ذلك في البلاد الحارة فالفارق بين لباس الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح ~~للرجال وما يصلح للنساء وهو ما يناسب ما يؤمر به الرجال وما تؤمر به النساء ~~فالنساء مأمورات PageV22P148 بالإستتار والإحتجاب دون التبرج والظهور ولهذا ms6615 ~~لم يشرع لها رفع الصوت في الأذان ولا التلبية ولا الصعود إلى الصفا والمروة ~~ولا التجرد في الإحرام كما يتجرد الرجل # فإن الرجل مأمور أن يكشف رأسه وأن لا يلبس الثياب المعتادة وهى التى تصنع ~~على قدر أعضائه فلا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا الخف لكن لما ~~كان محتاجا إلى ما يستر العورة ويمشى فيه رخص له في آخر الأمر إذا لم يجد ~~إزارا أن يلبس سراويل وإذا لم يجد نعلين أن يلبس خفين وجعل ذلك بدلا للحاجة ~~العامة بخلاف ما يحتاج إليه حاجة خاصة لمرض أو برد فإن عليه الفدية إذا ~~لبسه ولهذا طرد أبوحنيفة هذا القياس وخالفه الأكثرون للحديث الصحيح ولأجل ~~الفرق بين هذا وهذا # وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس لأنها مأمورة بالإستتار ~~والإحتجاب فلا يشرع لها ضد ذلك لكن منعت أن تنتقب وأن تلبس القفازين لأن ~~ذلك لباس مصنوع على قدر العضو ولا حاجة بها إليه # وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كيديه على قولين في مذهب أحمد ~~وغيره فمن جعل وجهها كرأسه أمرها إذا PageV22P149 سدلت الثوب من فوق رأسها ~~أن تجافيه عن الوجه كما يجافى عن الرأس ما يظلل به # ومن جعله كاليدين وهو الصحيح قال هي لم تنه عن ستر الوجه وإنما نهيت عن ~~الإنتقاب كما نهيت عن القفازين وذلك كما نهى الرجل عن القميص والسراويل ~~ونحو ذلك ففى معناه البرقع وما صنع لستر الوجه فأما تغطية الوجه بما يسدل ~~من فوق الرأس فهو مثل تغطيته عند النوم بالملحفة ونحوها ومثل تغطية اليدين ~~بالكمين وهى لم تنه عن ذلك # فلو اراد الرجال أن ينتقبوا ويتبرقعوا ويدعوا النساء باديات الوجوه ~~لمنعوا من ذلك # وكذلك المرأة أمرت أن تجتمع في الصلاة ولا تجافى بين أعضائها وأمرت ان ~~تغطى رأسها فلا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ولو كانت في جوف بيت لا ~~يراها أحد من الأجانب فدل ذلك على أنها مامورة من جهة الشرع بستر لا يؤمر ~~به الرجل ms6616 حقا لله عليها وإن لم يرها بشر وقد قال تعالى @QB@ وقرن في بيوتكن ~~ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى @QE@ وقال النبى ( لا تمنعوا إماء الله ~~مساجد الله وبيوتهن خير لهن ( وقال ( صلاة إحداكن PageV22P150 في مخدعها ~~أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في دارها ~~وصلاتها في دارها أفضل من صلاتها في مسجد قومها وصلاتها في مسجد قومها أفضل ~~من صلاتها معى ( وهذا كله لما في ذلك من الإستتار والإحتجاب # ومعلوم أن المساكن من جنس الملابس كلاهما جعل في الأصل للوقاية ودفع ~~الضرر كما جعل الأكل والشرب لجلب المنفعة فاللباس يتقى الإنسان به الحر ~~والبرد ويتقى به سلاح العدو وكذلك المساكن يتقى بها الحر والبرد ويتقى بها ~~العدو وقال تعالى @QB@ والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون @QE@ فذكر في هذا الموضع ما يحتاجون إليه لدفع ما قد ~~يؤذيهم # وذكر في أول السورة ما يضطرون إليه لدفع ما يضرهم فقال @QB@ والأنعام ~~خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون @QE@ فذكر ما يستدفئون به ويدفعون ~~به البرد لأن البرد يهلكهم والحر يؤذيهم ولهذا قال بعض العرب البرد بؤس ~~والحر اذى ولهذا السبب لم يذكر في الآية الآخرى وقاية البرد فإن ذلك تقدم ~~في أول السورة وهو ذكر في أثناء السورة ما أتم به النعمة وذكر PageV22P151 ~~في أول السورة أصول النعم ولهذا قال @QB@ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون @QE@ # والمقصود هنا أن مقصود الثياب تشبه مقصود المساكن والنساء مأمورات في هذا ~~بما يسترهن ويحجبهن فإذا إختلف لباس الرجال والنساء عما كان أقرب إلى مقصود ~~الإستتار والإحتجاب كان للنساء وكان ضده للرجال # وأصل هذا أن تعلم أن الشارع له مقصودان # أحدهما الفرق بين الرجال والنساء # والثانى إحتجاب النساء فلو كان مقصوده مجرد الفرق لحصل ذلك بأى وجه حصل ~~به الإختلاف وقد تقدم فساد ذلك بل أبلغ من ذلك أن المقصود باللباس إظهار ~~الفرق بين المسلم ms6617 والذمى ليترتب على كل منهما من الأحكام الظاهرة ما يناسبه # ومعلوم أن هذا يحصل بأي لباس إصطلحت الطائفتان على التميز به ومع هذا فقد ~~روعى في ذلك ما هو أخص من الفرق فإن لباس الأبيض لما كان أفضل من غيره كما ~~قال ( عليكم بالبياض فليلبسه أحياؤكم وكفنوا فيه موتاكم ( لم يكن ~~PageV22P152 من السنة أن يجعل لباس أهل الذمة الأبيض ولباس أهل الإسلام ~~المصبوغ كالعسلى والأدكن ونحو ذلك بل الأمر بالعكس # وكذلك في الشعور وغيرها فكيف الأمر في لباس الرجال والنساء ليس المقصود ~~به مجرد الفرق بل لا بد من رعاية جانب الإحتجاب والإستتار # وكذلك ايضا ليس المقصود مجرد حجب النساء وسترهن دون الفرق بينهن وبين ~~الرجال بل الفرق أيضا مقصود حتى لو قدر أن الصنفين إشتركوا فيما يستر ويحجب ~~بحيث يشتبه لباس الصنفين لنهوا عن ذلك # والله تعالى قد بين هذا المقصود أيضا بقوله تعالى @QB@ يا أيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن ~~فلا يؤذين @QE@ فجعل كونهن يعرفن باللباس الفارق أمرا مقصودا # ولهذا جاءت صيغة النهى بلفظ التشبه بقوله ( لعن الله المتشبهات من النساء ~~بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء ( وقال ( لعن الله المخنثين من ~~الرجال والمترجلات من PageV22P153 النساء ( فعلق الحكم بإسم التشبه ويكون ~~كل صنف يتصف بصفة الآخر # وقد بسطنا هذه القاعدة في ( إقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ~~( وبينا أن المشابهة في الأمور الظاهرة تورث تناسبا وتشابها في الأخلاق ~~والأعمال ولهذا نهينا عن مشابهة الكفار ومشابهة الأعاجم ومشابهة الأعراب ~~ونهى كلا من الرجال والنساء عن مشابهة الصنف الآخر كما في الحديث المرفوع ( ~~من تشبه بقوم فهو منهم ( و ( ليس منا من تشبه بغيرنا ( والرجل المتشبة ~~بالنساء يكتسب من أخلاقهن بحسب تشبهه حتى يفضى الأمر به إلى التخنث المحض ~~والتمكين من نفسه كأنه إمرأة # ولما كان الغناء مقدمة ذلك وكان من عمل النساء كانوا يسمون الرجال ~~المغنين مخانيث والمرأة المتشبهة بالرجال تكتسب من أخلاقهم حتى يصير فيها ~~من التبرج والبروز ومشاركة الرجال ms6618 ما قد يفضى ببعضهن إلى أن تظهر بدنها كما ~~يظهره الرجل وتطلب ان تعلو على الرجال كما تعلو الرجال على النساء وتفعل من ~~الأفعال ما ينافى الحياء والخفر المشروع للنساء وهذا القدر قد يحصل بمجرد ~~المشابهة # وإذا تبين أنه لابد من أن يكون بين لباس الرجال والنساء فرق يتميز به ~~الرجال عن النساء وان يكون لباس النساء فيه من PageV22P154 الإستتار ~~والإحتجاب ما يحصل مقصود ذلك ظهر اصل هذا الباب وتبين أن اللباس إذا كان ~~غالبه لبس الرجال نهيت عنه المرأة وإذا كان ساترا كالفراجى التى جرت عادة ~~بعض البلاد أن يلبسها الرجال دون النساء والنهى عن مثل هذا بتغير العادات ~~وأما ما كان الفرق عائدا إلى نفس الستر فهذا يؤمر به النساء بما كان أستر ~~ولو قدر أن الفرق يحصل بدون ذلك فإذا إجتمع في اللباس قلة الستر والمشابهة ~~نهى عنه من الوجهين والله أعلم ### |||| وسئل # عن لبس النساء هذه العمائم التى على رؤوسهن هل هي حرام أو مكروه وما ~~العمائم التى تستحب للنساء وهل يجوز لهن لبس الخف ### ||||| فأجاب # الحمد لله وحده هذه العمائم التى تلبسها النساء حرام بلا ريب ففى الصحيح ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( صنفان من أهل النار من أمتى لم ~~أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن مثل اسنمة البخت لا ~~يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ورجال معهم سياط مثل اذناب البقر يضربون بها ~~عباد الله PageV22P155 # وأيضا فقد صح عن النبى أنه قال ( لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال ~~والمتشبهين من الرجال بالنسا ء ( وفى لفظ ( لعن الله المتخنثين من الرجال ~~والمترجلات من النساء ( وفى سنن أبى داود أنه رأى أم سلمة تعتصب فقال ( يا ~~أم سلمة لية لا ليتان ( # وما كان من لباس الرجال مثل العمامة والخف والقباء الذى للرجال والثياب ~~التى تبدي مقاطع خلقها والثوب الرقيق الذى لا يستر البشرة وغير ذلك فإن ~~المرأة تنهى عنه وعلى وليها كأبيها وزوجها أن ينهاها عن ذلك والله أعلم # ( ### |||| وسئل # هل ms6619 يجوز للنساء لبس العصائب الكبار التى يتشبهن بلبسها بالرجال أم لا وهل ~~ورد في تحريم ذلك نص خاص أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما لبس النساء العصائب الكبار فهو حرام فقد ثبت في الصحيح عن ~~أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى أنه قال ( صنفان من أمتى لم أرهما بعد ~~نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأمثال أسنمة البخت لا يدخلن ~~PageV22P156 الجنة ولا يجدن ريحها ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون ~~بها عباد الله ( وفى السنن أن النبى قال لأم سلمة وهى تعتصب ( يا أم سلمة ~~لية لا ليتان ( وفى الصحيح أنه قال ( لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال ~~والمتشبهين من الرجال بالنساء ( # والنصوص عامة وخاصة بتحريم ذلك وقد أخبر النبى بأن هؤلاء من أهل النار ~~واخبر بهم قبل أن يكونوا والله أعلم ### |||| وسئل ( # عما إذا صلى في موضع نجس ### |||| ( فأجاب # إذا صلى وبعض بدنه في موضع نجس لم يمكنه ~~الصلاة إلا فيه فهو معذور وتصح صلاته # وأما إن أمكنه الصلاة في موضع طاهر فليس له أن يصلى في الموضع النجس ~~PageV22P157 ### |||| وسئل # هل تكره الصلاة في أى موضع من الأرض ### ||||| فأجاب # نعم ينهى عن الصلاة في مواطن فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه ### |||| سئل # عن الصلاة في أعطان الإبل ### ||||| فقال # ( لا تصلوا فيها ### |||| ( وسئل # عن الصلاة في مبارك الغنم ### ||||| فقال # ( صلوا فيها ( وفى السنن أنه قال ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة ~~والحمام ( وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لعن الله اليهود ~~والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا ( # وفى الصحيح عنه أنه قال ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وفى السنن ( أنه نهى عن ~~الصلاة بأرض الخسف ( وفى سنن إبن ماجه وغيره ( أنه نهى عن الصلاة في سبع ~~مواطن المقبرة والمجزرة والمزبلة وقارعة الطريق والحمام وظهر البيت الحرام ~~( وهذه المواضع غير ظهر بيت الله الحرام قد يعللها بعض الفقهاء بأنها مظنة ms6620 ~~النجاسة وبعضهم يجعل النهى تعبدا PageV22P158 # والصحيح ان عللها مختلفة تارة تكون العلة مشابهة أهل الشرك كالصلاة عند ~~القبور وتارة لكونها مأوى للشياطين كاعطان الإبل وتارة لغير ذلك والله اعلم ### |||| وسئل # عن الحمام إذا إضطر المسلم للصلاة فيها وخاف فوات الوقت هل يجوز ذلك أم ~~لا ### ||||| فأجاب # إذا لم يمكنه أن يغتسل ويخرج ويصلى حتى يخرج الوقت فإنه يغتسل ويصلى ~~بالحمام فإن الصلاة في الأماكن المنهى عنها في الوقت أولى من الصلاة بعد ~~الوقت في غيرها ولهذا لو حبس في الحش صلى فيه وفى الإعادة نزاع والصحيح أنه ~~لا إعادة عليه ولهذا يصلى في الوقت عريانا إذا لم يمكنه إلا كذلك وأما أن ~~أمكنه الإغتسال والخروج للصلاة خارج الحمام في الوقت لم يجز له الصلاة في ~~الحمام وكذلك لو أمكنه الإغتسال في بيته فإنه لا يصلى في الحمام إلا لحاجة ~~والله أعلم PageV22P159 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن الصلاة في الحمام ### ||||| فأجاب # في سنن أبى داود وغيره عن ابى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ( وقد صححه الحفاظ وأما إن ضاق ~~الوقت فهل يصلى في الحمام أو يفوت الصلاة حتى يخرج فيصلى خارجها على قولين ~~في مذهب أحمد وغيره فلا يصلح ان يصلى في الحمام # وينبغى لمن أصابته جنابة إن إحتاج إلى الحمام أن يغتسل في أول الوقت ~~ويخرج يصلى ثم إن أحب ان يتم إغتساله بالسدر ونحوه عاد إلى الحمام وجمهور ~~العلماء على أن الصلاة فيها منهى عنها إما نهى تحريم أو لا تصح كالمشهور من ~~مذهب أحمد وغيره وإما نهى تنزيه كمذهب الشافعى وغيره PageV22P160 ### |||| وسئل # هل له أن يصلى في الحمام إذا خاف خروج الوقت أم لا ### ||||| فأجاب # أما إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل ويخرج ويصلى خارج الحمام في الوقت فلم ~~يمكنه إلا أن يصلى في الحمام أو تفوت الصلاة فالصلاة في الحمام خير من ~~تفويت الصلاة فإن الصلاة في الحمام كالصلاة في الحش والمواضع النجسة ونحو ~~ذلك # ومن كان في موضع ms6621 نجس ولم يمكنه أن يخرج منه حتى يفوت الوقت فإنه يصلى فيه ~~ولا يفوت الوقت لأن مراعاة الوقت مقدمة على مراعاة جميع الواجبات وأما إن ~~كان يعلم أنه إذا ذهب إلى الحمام لم يمكنه الخروج حتى يخرج الوقت فقد تقدمت ~~هذه المسألة والأظهر انه يصلى بالتيمم فإن الصلاة بالتيمم خير من الصلاة في ~~الأماكن التى نهى عنها وعن الصلاة بعد خروج الوقت PageV22P161 ### |||| وسئل رحمه الله # هل الصلاة في البيع والكنائس جائزة مع وجود الصور أم لا وهل يقال أنها ~~بيوت الله أم لا ### ||||| فأجاب # ليست بيوت الله وإنما بيوت الله المساجد بل هي بيوت يكفر فيها بالله وإن ~~كان قد يذكر فيها فالبيوت بمنزلة أهلها وأهلها كفار فهي بيوت عبادة الكفار # وأما الصلاة فيها ففيها ثلاثة أقوال للعلماء في مذهب أحمد وغيره المنع ~~مطلقا وهو قول مالك والأذن مطلقا وهو قول بعض أصحاب أحمد والثالث وهو ~~الصحيح المأثور عن عمر بن الخطاب وغيره وهو منصوص عن أحمد وغيره أنه إن كان ~~فيها صور لم يصل فيها لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولأن النبى لم ~~يدخل الكعبة حتى محى ما فيها من الصور وكذلك قال عمر إنا كنا لا ندخل ~~كنائسهم والصور فيها # وهى بمنزلة المسجد المبنى على القبر ففى الصحيحين أنه ذكر PageV22P162 ~~للنبى كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الحسن والتصاوير فقال ( أولئك إذا مات ~~فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار ~~الخلق عند الله يوم القيامة ( وأما إذا لم يكن فيها صور فقد صلى الصحابة في ~~الكنيسة والله أعلم ### || 1 ( رسالة في الصلاة على السجادة ) 1 ### |||| وسئل # عمن يبسط سجادة في الجامع ويصلى عليها هل ما فعله بدعة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما الصلاة على السجادة بحيث يتحرى المصلى ذلك فلم ~~تكن هذه سنة السلف من المهاجرين والأنصار ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان ~~على عهد رسول الله بل كانوا يصلون في مسجده على الأرض لا يتخذ أحدهم ms6622 سجادة ~~يختص بالصلاة عليها وقد روى ان عبد الرحمن بن مهدى لما قدم المدينة بسط ~~سجادة فأمر مالك بحبسه فقيل له إنه عبد الرحمن بن مهدى فقال ( أما علمت أن ~~بسط السجادة في مسجدنا بدعة # وفى الصحيح عن أبى سعيد الخدرى في حديث إعتكاف النبى صلى PageV22P163 ~~الله عليه وسلم قال ( إعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فذكر ~~الحديث وفيه قال من اعتكف فليرجع إلى معتكفه فإنى رأيت هذه الليلة ورأيتنى ~~أسجد في ماء وطين ) وفى آخره ( فلقد رأيت يعنى صبيحة إحدى وعشرين على أنفه ~~وأرنبته أثر الماء والطين ( فهذا بين أن سجوده كان على الطين وكان مسجده ~~مسقوفا بجريد النخل ينزل منه المطر فكان مسجده من جنس الأرض # وربما وضعوا فيه الحصى كما في سنن أبى داود عن عبد الله بن الحارث قال ~~سألت إبن عمر رضى الله عنهما عن الحصى الذى كان في المسجد فقال مطرنا ذات ~~ليلة فأصبحت الأرض مبتلة فجعل الرجل ياتى بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته فلما ~~قضى رسول الله الصلاة قال ( ما احسن هذا ( # وفى سنن أبى داود أيضا عن أبى بدر شجاع بن الوليد عن شريك عن أبى حصين عن ~~أبى صالح عن أبى هريرة قال أبو بدر أراه قد رفعه إلى النبى قال ( إن الحصاة ~~تناشد الذى يخرجها من المسجد ( ولهذا في السنن والمسند عن أبى ذر قال قال ~~رسول الله ( إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه ( ~~وفى لفظ في مسند أحمد قال ( سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن كل شيء حتى ~~سألته عن مسح PageV22P164 الحصى فقال ( واحدة أودع ( وفى المسند ايضا عن ~~جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لأن يمسك أحدكم يده عن الحصى ~~خير له من مائة ناقة كلها سود الحدق فإن غلب أحدكم الشيطان فليمسح واحدة ( ~~وهذا كما في الصحيحين عن معيقيب أن النبى قال في الرجل يسوى التراب حيث ~~يسجد قال ( إن كنت فاعلا فواحدة ( # فهذا بين أنهم ms6623 كانوا يسجدون على التراب والحصى فكان أحدهم يسوى بيده موضع ~~سجوده فكره لهم النبى صلى الله عليه وسلم ذلك العبث ورخص في المرة الواحدة ~~للحاجة وإن تركها كان أحسن # وعن انس بن مالك رضى الله عنه قال ( كنا نصلى مع رسول الله في شدة الحر ~~فإذا لم يستطع أحدنا ان يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه ( أخرجه ~~صاحب الصحاح كالبخارى ومسلم وأهل وأهل السنن وغيرهم وفى هذا الحديث بيان أن ~~أحدهم إنما كان يتقى شدة الحر بأن يبسط ثوبه المتصل كإزاره وردائه وقميصه ~~فيسجد عليه # وهذا بين أنهم لم يكونوا يصلون على سجادات بل ولا على حائل ولهذا كان ~~النبى وأصحابه يصلون تارة في نعالهم PageV22P165 وتارة حفاة كما في سنن ابى ~~داود والمسند عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى ( انه صلى فخلع ~~نعليه فخلع الناس نعالهم فلما إنصرف قال لم خلعتم قالوا رأيناك خلعت فخعلنا ~~قال فإن جبريل أتانى فأخبرنى أن بهما خبثا فإذا أتى أحدكم المسجد فليقلب ~~نعليه فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما ( ففى هذا بيان أن صلاتهم ~~في نعالهم وإن ذلك كان يفعل في المسجد إذ لم يكن يوطأ بهما على مفارش وأنه ~~إذا رأى بنعليه أذى فإنه يمسحهما بالأرض ويصلى فيهما ولا يحتاج إلى غسلهما ~~ولا إلى نزعها وقت الصلاة ووضع قدميه عليهما كما يفعله كثير من الناس # وبهذا كله جاءت السنة ففى الصحيحين والمسند عن أبى سلمة سعيد بن يزيد قال ~~( سألت أنسا أكان النبى يصلى في نعليه ( قال نعم # وفى سنن أبى داود عن شداد بن اوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم ( فقد أمرنا بمخالفة ~~ذلك إذ هم ينزعون الخفاف والنعال عند الصلاة ويأتمون فيما يذكر عنهم بموسى ~~عليه السلام حيث قيل له وقت المناجاة ( إخلع نعليك إنك بالوادى المقدس طوى ~~( فنهينا عن التشبه بهم PageV22P166 وأمرنا أن نصلى في خفافنا ونعالنا وإن ~~كان بهما أذى ms6624 مسحناهما بالأرض لما تقدم # ولما روى أبو داود أيضا عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال ( إذا وطىء أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب لهما طهور ( وفى لفظ قال ( ~~إذا وطىء الأذى بخفيه فطهورهما التراب ( وعن عائشة رضى الله عنها عن رسول ~~الله بمعناه وقد قيل حديث عائشة حديث حسن # وأما حديث أبى هريرة فلفظه الثانى من رواية محمد بن عجلان وقد خرج له ~~البخارى في الشواهد ومسلم في المتابعات ووثقه غير واحد واللفظ الأول لم يسم ~~راويه لكن تعدده مع عدم التهمة وعدم الشذوذ يقتضى أنه حسن أيضا وهذا أصح ~~قولى العلماء ومع دلالة السنة عليه هو مقتضى الإعتبار فإن هذا محل تتكرر ~~ملاقاته للنجاسة فأجزأ الإزالة عنه بالجامد كالمخرجين فإنه يجزئ فيهما ~~الإستجمار بالأحجار كما تواترت به السنة مع القدرة على الماء وقد اجمع ~~المسلمون على جواز الإستجمار # يبين ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون PageV22P167 ~~تارة في نعالهم وتارة حفاة كما في السنن لأبى داود وإبن ماجه عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده قال ( رأيت رسول الله يصلى حافيا ومنتعلا والحجة في ~~الإنتعال ظاهرة ( # وأما في الإحتفاء ففى سنن أبى داود والنسائى عن عبد الله بن السائب قال ( ~~رأيت رسول الله يصلى يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره ( وكذلك في سنن ابى ~~داود حديث أبى سعيد المتقدم قال ( بينما رسول الله يصلى باصحابه إذا خلع ~~نعليه ووضعهما عن يساره ( وتمام الحديث يدل على أنه كان في المسجد كما تقدم ~~وكذلك حديث إبن السائب فإن أصله قد رواه مسلم والنسائى وإبن ماجه عن عبد ~~الله بن السائب قال ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة ~~فإستفتح سورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهرون أو ذكر موسى وعيسى اخذت ~~رسول الله سعلة فركع ( وعبد الله بن السائب حاضر لذلك فهذا كان في المسجد ~~الحرام وقد وضع نعليه في المسجد مع العلم بان الناس يصلون ويطوفون بذلك ~~الموضع ms6625 فلو كان الإحتراز من نجاسة أسفل النعل مستحبا لكان النبى صلى الله ~~عليه وسلم أحق الناس بفعل المستحب الذى فيه صيانة المسجد # وايضا ففى سنن أبى داود عن سعيد بن ابى سعيد عن أبيه عن أبى هريرة ~~PageV22P168 عن رسول الله قال ( إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما ~~احدا وليجعلهما بين رجليه أو ليصل فيهما ( وفيه أيضا عن يوسف بن ماهك عن ~~أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إذا صلى أحدكم فلا يضع ~~نعليه عن يمينه ولا عن يساره تكون عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره ~~أحد وليضعهما بين رجليه ( وهذا الحديث قد قيل في إسناده لين لكنه هو ~~والحديث الأول قد إتفقا على أن يجعلهما بين رجليه ولو كان كان الإحتراز من ~~ظن نجاستهما مشروعا لم يكن كذلك # وأيضا ففى الأول الصلاة فيهما وفى الثانى وضعهما عن يساره إذا لم يكن ~~هناك مصل وما ذكر من كراهة وضعهما عن يمينه أو عن يمين غيره لم يكن ~~للأحتراز من النجاسة لكن من جهة الأدب كما ذكره البصاق عن يمينه # وفى صحيح مسلم عن خباب بن الأرت قال ( شكونا إلى رسول الله شدة حر ~~الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا ( وقد ظن طائفة أن هذه الزيادة في مسلم ~~وليس كذلك وسبب هذه الشكوى أنهم كانوا يسجدون على الأرض فتسخن جباههم ~~وأكفهم وطلبوا منه أن يؤخر الصلاة زيادة على ما كان يؤخرها ويبرد بها فلم ~~يفعل وقد ظن بعض الفقهاء أنهم طلبوا منه PageV22P169 أن يسجدوا على ما ~~يقيهم من الحر من عمامة ونحوها فلم يفعل وجعلوا ذلك حجة في وجوب مباشرة ~~المصلى بالجبهة وهذه حجة ضعيفة لوجهين # أحدهما أنه تقدم حديث أنس المتفق على صحته ( وأنهم كانوا إذا لم يستطع ~~احدهم أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه وسجد عليه ( والسجود على ما يتصل ~~بالإنسان من كمه وذيله وطرف إزاره وردائه فيه النزاع المشهور وقال هشام عن ~~الحسن البصرى كان اصحاب رسول الله يسجدون ms6626 وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل ~~على عمامته رواه البيهقى وقد إستشهد بذلك البخارى في باب السجود على الثوب ~~من شدة الحر فقال ( وقال الحسن كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ~~ويداه في كمه ( وروى حديث انس المتقدم قال ( كنا نصلى مع النبى فيضع أحدنا ~~الثوب من شدة الحر في مكان السجود ( # واما ما يروى عن عبادة بن الصامت أنه كان إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة ~~عن جبهته وعن نافع ( أن إبن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع ~~جبهته بالأرض ( رواه البيهقى وروى أيضا عن على رضى الله عنه قال ( إذا كان ~~أحدكم يصلى فليحسر العمامة عن جبهته ( فلا ريب إن هذا هو السنة عند ~~الإختيار وقد تقدم PageV22P170 حديث أبى سعيد الخدرى في الصحيحين ( وأنه ~~رأى أثر الماء والطين على أنف النبى وأرنبته # وفى لفظ قال ( فصلى بنا رسول الله حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهة ~~رسول الله وأرنبته تصديق رؤياه ( وقد رواه البخارى بهذا اللفظ وقال الحميدى ~~يحتج بهذا الحديث أن لا تمسح الجبهة في الصلاة بل تمسح بعد الصلاة لأن ~~النبى صلى الله عليه وسلم رؤى الماء في أرنبته وجبهته بعد ما صلى # قلت كره العلماء كأحمد وغيره مسح الجبهة في الصلاة من التراب ونحوه الذى ~~يعلق بها في السجود وتنازعوا في مسحه بعد الصلاة على قولين هما روايتان عن ~~أحمد كالقولين اللذين هما روايتان عن أحمد في مسح ماء الوضوء بالمنديل وفى ~~إزالة خلوف فم الصائم بعد الزوال بالسواك ونحو ذلك مما هو من أثر العبادة ~~وعن أبى حميد الساعدى ( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد مكن جبهته ~~بالأرض ويجافى يديه عن جنبيه ووضع يديه حذو منكبيه ( رواه أبو داود ~~والترمذى وقال حديث حسن صحيح وعن وائل بن حجر قال رأيت رسول الله صلى الله ~~وسلم يسجد على الأرض واضعا جبهته وأنفه في سجوده رواه أحمد PageV22P171 ~~فالأحاديث والآثار تدل على أنهم في حال الإختيار كانوا يباشرون الأرض ~~بالجبا وعند الحاجة ms6627 كالحر ونحوه يتقون بما يتصل بهم من طرف ثوب وعمامة ~~وقلنسوة ولهذا كان أعدل الأقوال في هذه المسألة أنه يرخص في ذلك عند الحاجة ~~ويكره السجود على العمامة ونحوها عند عدم الحاجة وفى المسألة نزاع وتفصيل ~~ليس هذا موضعه # الوجه الثانى ( أنه لو كان مطلوبهم منه السجود على الحائل لأذن لهم في ~~إتخاذ ما يسجدون عليه منفصلا عنهم فقد ثبت عنه أنه كان يصلى على الخمرة ~~فقالت ميمونة ( كان رسول الله يصلى على الخمرة ( أخرجه اصحاب الصحيح ~~كالبخارى ومسلم وأهل السنن الثلاثة أبوداود والنسائى وإبن ماجه ورواه أحمد ~~في المسند ورواه الترمذى من حديث إبن عباس ولفظ أبى داود ( كان يصلى وأنا ~~حذاءه وأنا حائض وربما اصابنى ثوبه إذا سجد وكان يصلى على الخمرة ( وفى ~~صحيح مسلم والسنن الأربعة والمسند عن عائشة رضى الله عنها قالت ( قال رسول ~~الله ناولينى الخمرة من المسجد فقلت يا رسول الله إنى حائض فقال إن حيضتك ~~ليست في يدك ( # وعن ميمونة قالت ( كان رسول الله يتكىء على إحدانا وهى حائض فيضع رأسه في ~~حجرها فيقرأ القرآن وهى PageV22P172 حائض ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في ~~المسجد وهى حائض ( رواه أحمد والنسائى ولفظه فتبسطها وهى حائض ( فهذا صلاته ~~على الخمرة وهى نسج ينسج من غوص كان يسجد عليه # وأيضا في الصحيحين عن انس بن مالك ( إن جدته مليكة دعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لطعام صنعته فأكل منه ثم قال قوموا فلأصل لكم قال أنس فقمت ~~إلى حصير لنا قد إسود من طول مالبس فنضحته بماء فقام رسول الله فصففت أنا ~~واليتيم من ورائه والعجوز من ورائنا فصلى لنا رسول الله ركعتين ثم إنصرف # وفى البخارى وسنن أبى داود عن أنس بن مالك قال ( قال رجل من الأنصار يا ~~رسول الله أنى رجل ضخم وكان ضخما لا أستطيع أن أصلى معك وصنع له طعاما ~~ودعاه إلى بيته وقال ( صل حتى أراك كيف تصلى فأقتدي بك فنضحوا له طرف حصير ~~لهم فقام فصلى ركعتين قيل لأنس ms6628 أكان يصلى فقال لم أره صلى إلا يومئذ ( وفى ~~سنن أبى داود عن أنس بن مالك أن رسول الله كان يزور أم سليم فتدركه الصلاة ~~احيانا فيصلى على بساط لها وهو حصير تنضحه بالماء ( ولمسلم عن أبى سعيد ~~الخدرى ( أنه دخل على رسول الله قال PageV22P173 ( فرأيته يصلى على حصير ~~يسجد عليه ( وفى الصحيحين عن أبى سلمة عن عائشة قالت ( كنت أنام بين يدى ~~رسول الله ورجلاى في قبلته فإذا سجد غمزنى فقبضت رجلى فإذا قام بسطتهما ~~قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح ( # وعن عروة عن عائشة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى وهى ~~معترضة فيما بينه وبين القبلة على فراش أهله إعتراض الجنازة ( وفى لفظ عن ~~عراك عن عروة ( ان النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى وعائشة معترضة بينه ~~وبين القبلة على الفراش الذى ينامان عليه ( وهذه الألفاظ كلها للبخارى ~~إستدلوا بها في باب الصلاة على الفرش وذكر اللفظ الأخير مرسلا لأنه في معنى ~~التفسير للمسند أن عروة إنما سمع من عائشة وهو أعلم بما سمع منها # ولا نزاع بين أهل العلم في جواز الصلاة السجود على المفارش إذا كانت من ~~جنس الأرض كالخمرة والحصير ونحوه وإنما تنازعوا في كراهة ذلك على ماليس من ~~جنس الأرض كالإنطاع المبسوطة من جلود الأنعام وكالبسط والزرابى المصبوغة من ~~الصوف وأكثر أهل العلم يرخصون في ذلك ايضا وهو مذهب أهل الحديث كالشافعى ~~واحمد ومذهب أهل الكوفة كأبى حنيفة وغيرهم وقد إستدلوا على جواز ذلك ايضا ~~بحديث عائشة فإن الفراش لم يكن من جنس PageV22P174 الأرض وإنما كان من ادم ~~أو صوف # وعن المغيرة بن شعبة قال ( كان النبى يصلى على الحصير وعلى الفروة ~~المدبوغة ( رواه أحمد وابو داود من حديث أبى عون محمد بن عبد الله بن سعيد ~~الثقفى عن أبيه عن المغيرة قال أبوحاتم الرازى عبد الله بن سعيد مجهول وعن ~~بن عباس ( أن النبى صلى على بساط ( رواه أحمد وإبن ماجه وفى تاريخ البخارى ~~عن أبى الدرداء قال ( ما ms6629 ابالى لو صليت على خمر ( # وإذا ثبت جواز الصلاة على ما يفرش بالسنة والإجماع علم أن النبى لم ~~يمنعهم أن يتخذوا شيئا يسجدون عليه يتقون به الحر ولكن طلبوا منه تأخير ~~الصلاة زيادة على ما كان يؤخرها فلم يجبهم وكان منهم من يتقى الحر إما بشيء ~~منفصل عنه وإما بما يتصل به من طرف ثوبه فإن قيل ففى حديث الخمرة حجة لمن ~~يتخذ السجادة كما قد إحتج بذلك بعضهم # قيل الجواب عن ذلك من وجوه أحدها ان النبى لم يكن يصلى على الخمرة ~~PageV22P175 دائما بل أحيانا كأنه كان إذا إشتد الحر يتقى بها الحر ونحو ~~ذلك بدليل ما قد تقدم من حديث أبى سعيد أنه رأى أثر الماء والطين في جبهته ~~وأنفه فلم يكن في هذا حجة لمن يتخذ السجادة يصلى عليها دائما # والثانى قد ذكروا أنها كانت لموضع سجوده لم تكن بمنزلة السجادة التى تسع ~~جميع بدنه كأنه كان يتقى بها الحر هكذا قال أهل الغريب قالوا ( الخمرة ( ~~كالحصير الصغير تعمل من سعف النخل وتنسج بالسيور والخيوط وهى قدر ما يوضع ~~عليه الوجه والأنف فإذا كبرت عن ذلك فهي حصير سميت بذلك لسترها الوجه ~~والكعبين من حر الأرض وبردها وقيل لأنها تخمر وجه المصلى أى تستره وقيل لأن ~~خيوطها مستورة بسعفها وقد قال بعضهم في حديث إبن عباس ( جاءت فأرة فأخذت ~~تجر الفتيلة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخمرة التى كان ~~قاعدا عليها فإحترقت منها مثل موضع درهم ( قال وهذا ظاهر في إطلاق الخمرة ~~على الكبير من نوعها لكن هذا الحديث لا تعلم صحته والقعود عليها لا يدل على ~~أنها طويلة بقدر ما يصلى عليها فلا يعارض ذلك ما ذكروه # الثالث ( أن الخمرة لم تكن لأجل إتقاء النجاسة أو الإحتراز منها ~~PageV22P176 كما يعلل بذلك من يصلى على السجادة ويقول انه إنما يفعل ذلك ~~للإحتراز من نجاسة المسجد أو نجاسة حصر المسجد وفرشه لكثرة دوس العامة عليه ~~فإنه قد ثبت أنه كان يصلى في نعليه وأنه ms6630 صلى بأصحابه في نعليه وهم في ~~نعالهم وأنه امر بالصلاة في النعال لمخالفة اليهود وأنه أمر إذا كان بها ~~أذى أن تدلك بالتراب ويصلى بها ومعلوم أن النعال تصيب الأرض وقد صرح في ~~الحديث بأنه يصلى فيها بعد ذلك الدلك وإن اصابها أذى # فمن تكون هذه شريعته وسنته كيف يستحب أن يجعل بينه وبين الأرض حائلا لأجل ~~النجاسة فإن المراتب أربع # أما الغلاة من الموسوسين فإنهم لا يصلون على الأرض ولا على ما يفرش ~~للعامة على الأرض لكن على سجادة ونحوها وهؤلاء كيف يصلون في نعالهم وذلك ~~أبعد من الصلاة على الأرض فإن النعال قد لاقت الطريق التى مشوا فيها وإحتمل ~~أن تلقى النجاسة بل قد يقوى ذلك في بعض المواضع فإذا كانوا لا يصلون على ~~ألارض مباشرين لها بأقدامهم مع ان ذلك الموقف الأصل فيه الطهارة ولا ~~يلاقونه إلا وقت الصلاة فكيف بالنعال التى تكررت ملاقاتها للطرقات التى ~~تمشى فيها البهائم والآدميون وهى مظنة النجاسة ولهذا هؤلاء إذا صلوا على ~~جنازة وضعوا أقدامهم PageV22P177 على ظاهر النعال لئلا يكونوا حاملين ~~النجاسة ولا مباشرين لها ومنهم من يتورع عن ذلك فإن في الصلاة على ما في ~~أسفله نجاسة خلافا معروفا فيفرش لأحدهم مفروش على الأرض وهذه المرتبة أبعد ~~المراتب عن السنة ( # الثانية أن يصلى على الحصير ونحوها دون ألأرض وما يلاقيها ( # الثالثة أن يصلى على الأرض ولا يصلى في النعل الذى تكرر ملاقاتها للطرقات ~~فإن طهارة ما يتحرى ألأرض قد يكون ظاهرا وإحتمال تنجيسه بعيد بخلاف أسفل ~~النعل ( الرابعة ( # أن يصلى في النعلين وإذا وجد فيهما أذى دلكهما بالتراب كما أمر بذلك ~~النبى فهذه المرتبة هي التى جاءت بها السنة فعلم أن من كانت سنته هي هذه ~~المرتبة الرابعة إمتنع أن يستحب أن يجعل بينه وبين ألأرض حائلا من سجادة ~~وغيرها لأجل الإحتراز من النجاسة فلا يجوز حمل حديث الخمرة على أنه وضعها ~~لإتقاء النجاسة فبطل إستدلالهم بها على ذلك وأما إذا كانت لإتقاء الحر فهذا ~~يستعمل إذا إحتيج إليه لذلك ms6631 وإذا إستغنى عنه لم يفعل # الرابع ( أن الخمرة لم يأمر النبى بها الصحابه PageV22P178 ولم يكن كل ~~منهم يتخذ له خمرة بل كانوا يسجدون على التراب والحصى كما تقدم ولو كان ذلك ~~مستحبا أو سنة لفعلوه ولأمرهم به فعلم أنه كان رخصة لأجل الحاجة إلى ما ~~يدفع الأذى عن المصلى وهم كانوا يدفعون الأذى بثيابهم ونحوها من المعلوم أن ~~الصحابة في عهده وبعده أفضل منا وإتبع للسنة وأطوع لأمره فلو كان المقصود ~~بذلك ما يقصده متخذوا السجادات لكان الصحابة يفعلون ذلك # الوجه الخامس أن المسجد لم يكن مفروشا بل كان ترابا وحصى وقد صلى النبى ~~صلى الله عليه وسلم على الحصير وفراش امرأته ونحو ذلك ولم يصل هناك لا على ~~خمرة ولا سجادة ولا غيرها # فإن قيل ففى حديث ميمونة وعائشة ما يقتضى أنه كان يصلى على الخمرة في ~~بيته فإنه قال ناولينى الخمرة من المسجد وأيضا ففى حديث ميمونة المتقدم ما ~~يشعر بذلك # قيل من إتخذ السجادة ليفرشها على حصر المسجد لم يكن له في هذا الفعل حجة ~~في السنة بل كانت البدعة في ذلك منكرة من وجوه # أحدها أن هؤلاء يتقى أحدهم أن يصلى على ألأرض حذرا أن PageV22P179 تكون ~~نجسة مع أن الصلاة على ألأرض سنة ثابتة بالنقل المتواتر فقد قال ( جعلت لى ~~ألأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره ( ~~ولا يشرع إتقاء الصلاة عليها لأجل هذا بل قد ثبت في صحيح البخارى عن إبن ~~عمر قال ( كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله ولم يكونوا يرشون شيئا ~~من ذلك ( أو كما قال وفى سنن ابى داود ( تبول وتقبل وتدبر ولم يكونوا يرشون ~~شيئا من ذلك ( وهذا الحديث إحتج به من رأى أن النجاسة إذا اصابت الأرض ~~فإنها تطهر بالشمس والريح ونحو ذلك كما هو أحد القولين في مذهب الشافعى ~~وأحمد وغيرهما وهو مذهب ابى حنيفة # وإحتجوا أيضا بأن النبى أمر بذلك النعل النجس بالأرض وجعل التراب لها ~~طهورا فإذا كان طهورا في ms6632 إزالة النجاسة عن غيره فلآن يكون طهورا في إزالة ~~النجاسة عن نفسه بطريق الأولى وهذا القول قد يقول به من لا يقول أن النجاسة ~~تطهر بالإستحالة فإن أحد القولين في مذهب الشافعى وأحمد تطهر بذلك مع قول ~~هؤلاء إن النجاسة لا تطهر بالإستحالة # وأما من قال إن النجاسة تطهر بالإستحالى كما هو إحدى الروايتين عن أحمد ~~وأحد القولين في مذهب مالك وهو مذهب PageV22P180 أبى حنيفة وأهل الظاهر ~~وغيرهم فالأمر على قول هؤلاء أظهر فإنهم يقولون أن الروث النجس إذا صار ~~رمادا ونحوه فهو طاهر وما يقع في الملاحة من دم وميتة ونحوهما إذا صار ملحا ~~فهو طاهر # وقد إتفقوا جميعهم أن الخمر إذا إستحالت بفعل الله سبحانه فصارت خلا طهرت ~~وثبت ذلك عن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة فسائر الأعيان إذا إنقلبت ~~يقيسونها على الخمر المنقلبة ومن فرق بينهما يعتذر بأن الخمر نجست ~~بالإستحالة فطهرت بالإستحالة لأن العصير كان طاهرا فلما إستحال خمرا نجس ~~فإذا إستحال خلا طهر # وهذا قول ضعيف فإن جميع النجاسات إنما نجست أيضا بالإستحالة فإن الطعام ~~والشراب يتناوله الحيوان طاهرا في حال الحياة ثم يموت فينجس وكذلك الخنزير ~~والكلب والسباع أيضا عند من يقول بنجاستها إنما خلقت من الماء والطين ~~والتراب الطاهرين # وأيضا فإن هذا الخل والملح ونحوهما أعيان طيبه طاهرة داخلة في قوله تعالى ~~@QB@ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث @QE@ فللمحرم المنجس لها ان ~~يقول أنه حرمها لكونها داخلة في المنصوص أو لكونها في معنى الداخلة فيه ~~فكلا الأمرين منتف فإن النص لا يتناولها PageV22P181 ومعنى النص الذى هو ~~الخبث منتف فيها ولكن كان اصلها نجسا وهذا لا يضر فإن الله يخرج الطيب من ~~الخبيث ويخرج الخبيث من الطيب ولا ريب أ ن هذا القول أقوى في الحجة نصا ~~وقياسا # وعلى ما تقدم ذكره ينبنى طهارة المقابر فإن القائلين بنجاسة المقبرة ~~العتيقة يقولون أنه خالط التراب صديد الموتى ونحوه وإستحال عن ذلك فينجسونه ~~وأما على قول الإستحالة وغيره من الأقوال فلا يكون التراب نجسا وقد ms6633 دل على ~~ذلك ما ثبت في الصحيحين من أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حائطا ~~لبنى النجار وكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل فأمر النبى بالقبور فنبشت ~~وبالنخل فقطعت وبالخرب فسويت وجعل قبلة المسجد فهذا كان مقبرة للمشركين ثم ~~ان النبى صلى الله عليه وسلم لما امر بنبشهم لم يأمر بنقل التراب الذى ~~لاقاهم وغيره من تراب المقبرة ولا أمر بالإحتراز من العذرة وليس هذا موضع ~~بسط هذه المسألة لكن الغرض التنبيه على أن ما عليه أكثر أهل الوسواس من ~~توقى الأرض وتنجيسها باطل بالنص وأن كان بعضه فيه نزاع وبعضه باطل بالإجماع ~~أو غيره من الأدلة الشرعية PageV22P182 # الوجه الثانى أن هؤلاء يفترش أحدهم السجادة على مصليات المسلمين من الحصر ~~والبسط ونحو ذلك مما يفرش في المساجد فيزدادون بدعة على بدعتهم وهذا الأمر ~~لم يفعله أحد من السلف ولم ينقل عن النبى ما يكون شبهة لهم فضلا عن أن يكون ~~دليلا بل يعللون أن هذه الحصر يطؤها عامة الناس ولعل أحدهم أن يكون قد رأى ~~أو سمع أنه بعض الأوقات بال صبى أو غيره على بعض حصر المسجد أو رأى عليه ~~شيئا من ذرق الحمام أو غيره فيصير ذلك حجة في الوسواس # وقد علم بالتواتر أن المسجد الحرام ما زال يطأ عليه المسلمون على عهد ~~رسول الله وعهد خلفائه وهناك من الحمام ما ليس بغيره ويمر بالمطاف من الخلق ~~ما لا يمر بمسجد من المساجد فتكون هذه الشبهة التى ذكرتموها أقوى ثم انه لم ~~يكن النبى وخلفاؤه وأصحابه يصلى هناك على حائل ولا يستحب ذلك فلو كان هذا ~~مستحبا كما زعمه هؤلاء لم يكن النبى وحلفاؤه وأصحابه متفقين على ترك ~~المستحب الأفضل ويكون هؤلاء أطوع لله وأحسن عملا من النبى صلى الله عليه ~~وسلم وخلفائه وأصحابه فإن هذا خلاف ما ثبت في الكتاب والسنة والإجماع # وأيضا فقد كانوا يطؤون مسجد رسول الله PageV22P183 بنعالهم وخفافهم ~~ويصلون فيه مع قيام هذا الإحتمال ولم يستحب لهم هذا الإحتراز الذى إبتدعه ms6634 ~~هؤلاء فعلم خطؤهم في ذلك وقد يفرقون بينهما بأن يقولوا الأرض تطهر بالشمس ~~والريح والإستحالة دون الحصير فيقال هذا إذا كان حقا فإنما هو من النجاسة ~~المخففة وذلك يظهر بالوجه ( الثالث # وهو أن النجاسة لا يستحب البحث عما لم يظهر منها ولا الإحتراز عما ليس ~~عليه دليل ظاهر لإحتمال وجوده فإن كان قد قال طائفة من الفقهاء من اصحاب ~~أحمد وغيرهم إنه يستحب الإحتراز عن المشكوك فيه مطلقا فهو قول ضعيف وقد ثبت ~~عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ( أنه مر هو وصاحب له بمكان فسقط على صاحبه ~~ماء من ميزاب فنادى صاحبه يا صاحب الميزاب أماؤك طاهر أم نجس فقال له عمر ~~يا صاحب الميزاب لا تخبره فإن هذا ليس عليه ( فنهى عمر عن إخباره لأنه تكلف ~~من السؤال مالم يؤمر به وهذا قد ينبنى على أصل # وهو أن النجاسة إنما يثبت حكمها مع العلم فلو صلى وببدنه أو ثيابه نجاسة ~~ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم تجب عليه الإعادة في أصح قولى العلماء وهو ~~مذهب مالك وغيره وأحمد في أقوى الروايتين وسواء كان علمها ثم نسيها أو ~~جهلها إبتداء لما تقدم من PageV22P184 أن النبى صلى في نعليه ثم خلعهما في ~~اثناء الصلاة لما أخبره جبريل أن بهما أذى ومضى في صلاته ولم يستأنفها مع ~~كون ذلك موجودا في اول الصلاة لكن لم يعلم به فتكلفه للخلع في أثنائها مع ~~أنه لولا الحاجة لكان عبثا أو مكروها يدل على أنه مأمور به من إجتناب ~~النجاسة مع العلم ومظنة تدل على العفو عنها في حال عدم العلم بها # وقد روى أبو داود أيضا عن أم جحدر العامرية أنها سألت عائشة عن دم الحيض ~~يصيب الثوب فقالت ( كنت مع رسول الله وعلينا شعارنا وقد ألقينا فوقه كساء ~~فلما اصبح رسول الله أخذ الكساء فلبسه 4 ثم خرج فصلى الغداة ثم جلس فقال ~~رجل يا رسول الله هذه لمعة من دم فقبض رسول الله ما يليها فبعث بها إلى ~~مصرورة ms6635 في يد غلام فقال إغسلى هذا وأجفيها وأرسلى بها إلى فدعوت بقصعتى ~~فغسلتها ثم أجففتها فأعدتها إليه فجاء رسول الله نصف النهار وهى عليه ( # وفى هذا الحديث لم يأمر المأمومين بالإعادة ولا ذكر لهم أنه يعيد وأن ~~عليه الإعادة ولا ذكرت ذلك عائشة وظاهر هذا أنه لم يعد ولأن النجاسة من باب ~~المنهى عنه في الصلاة وباب المنهى عنه PageV22P185 معفو فيه عن المخطىء ~~والناسى كما قال في دعاء الرسول والمؤمنين ( ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا ( وقد ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة أن الله إستجاب هذا الدعاء # ولأن الأدلة الشرعية دلت على أن الكلام ونحوه من مبطلات الصلاة يعفى فيها ~~عن الناسى والجاهل وهو قول مالك والشافعى وأحمد في إحدى الروايتين وقد دل ~~على ذلك حديث ذى اليدين ونحوه وحديث معاوية بن الحكم السلمى لما شمت العاطس ~~في الصلاة وحديث إبن مسعود المتفق عليه في التشهد لما كانوا يقولون أولا ~~السلام على الله قبل عباده فنهاهم عن ذلك وقال أن الله هو السلام وأمرهم ~~بالتشهد المشهور ولم يأمرهم بالإعادة وكذلك حديث الأعرابى الذى قال في ~~دعائه اللهم إرحمنى وأرحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا وأمثال ذلك # فهذا ونحوه مما يبين أن الأمور المنهى عنها في الصلا ة وغيرها يعفى فيها ~~عن الناسى والمخطىء ونحوهما من هذاالباب # وإذا كان كذلك فإذا لم يكن عالما بالنجاسة صحت صلاته باطنا وظاهرا فلا ~~حاجة به حينئذ عن السؤال عن أشياء إن أبديت ساءته قد عفا الله عنها وهؤلاء ~~قد يبلغ الحال بأحدهم إلى أن يكره الصلاة PageV22P186 إلا على سجادة بل قد ~~جعل الصلاة على غيرها محرما فيمتنع منه إمتناعه من المحرم وهذا فيه مشابهة ~~لأهل الكتاب الذين كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم فإن الذى لا يصلى إلا على ~~ما يصنع للصلاة من المفارش شبيه بالذى لا يصلى إلا فيما يصنع للصلاة من ~~الأماكن # وأيضا فقد يجعلون ذلك من شعائر اهل الدين فيعدون ترك ذلك من قله الدين ~~ومن قلة الإعتناء ms6636 بأمر الصلاة فيجعلون ما ابتدعوه من الهدى الذى ما أنزل به ~~من سلطان أكمل من هدى محمد وأصحابه وربما تظاهر أحدهم بوضع السجادة على ~~منكبه وإظهار المسابح في يده وجعله من شعار الدين والصلاة وقد علم بالنقل ~~المتواتر ان النبى وأصحابه لم يكن هذا شعارهم وكانوا يسبحون ويعقدون على ~~اصابعهم كما جاء في الحديث ( اعقدن بالأصابع فإنهن مسؤلات مستنطقات ( وربما ~~عقد أحدهم التسبيح بحصى أو نوى # والتسبيح بالسابح من الناس من كرهه ومنهم من رخص فيه لكن لم يقل أحد ان ~~التسبيح به افضل من التسبيح بالأصابع وغيرها وإذا كان هذا مستحبا يظهر فقصد ~~إظهار ذلك والتميز به على الناس مذموم فإنه إن لم يكن رياء فهو تشبه بأهل ~~الرياء إذ كثير ممن يصنع هذا يظهر منه الرياء ولو كان رياء بأمر مشروع ~~لكانت احدى المصيبتن لكنه رياء ليس PageV22P187 مشروعا وقد قال تعالى @QB@ ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال الفضيل إبن عياض رضى الله عنه أخلصه ~~وأصوبه قالوا يا أبا على ما أخلصه وأصوبه قال ان العمل إذا كان خالصا ولم ~~يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا ~~صوابا والخالص ان يكون لله والصواب ان يكون على السنة # وهذا الذى قاله الفضيل متفق عليه بين المسلمين فإنه لابد له في العمل ان ~~يكون مشروعا مأمورا به وهو العمل الصالح ولا بد ان يقصد به وجه الله كما ~~قال تعالى @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا @QE@ وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول ( اللهم اجعل عملى كله ~~صالحا وإجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لاحد فيه شيئا ( ومنه قوله تعالى @QB@ ~~بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ # وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ms6637 صلى الله عليه وسلم ~~قال ( يقول الله تعالى ? < أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه ~~غيرى فإنى منه بريء وهو كله للذى أشرك به > ? وفى السنن عن العرباض بن ~~سارية قال ( وعظنا رسول الله PageV22P188 عليه وسلم موعظة ذرقت منها العيون ~~ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأنها موعظة مودع فماذا تعهد ~~إلينا فقال أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعيش منكم فسيرى إختلافا كثيرا ~~فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا ~~عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ( وفى الصحيحين عن ~~عائشة عن النبى أنه قال ( من احدث في أمرنا ماليس منه فهو رد ( وفى لفظ ( ~~من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وفى صحيح مسلم عن جابر ان رسول الله كان ~~يقول في خطبته ( إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور ~~محدثاتها وكل بدعة ضلالة ( # وأما ما يفعله كثير من الناس من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة أو ~~غيرها قبل ذهابهم إلى المسجد فهذا منهى عنه بإتفاق المسلمين بل محرم وهل ~~تصح صلاته على ذلك المفروش فيه قولان للعلماء لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ~~ذلك المفروش فيها ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلى ~~في ذلك المكان ومن صلى في بقعة من المسجد مع منع غيره ان يصلى فيها فهل هو ~~كالصلاة في الأرض المغصوبة على وجهين وفى الصلاة في الأرض PageV22P189 ~~المغصوبة قولان للعلماء وهذا مستند من كره الصلاة في المقاصير التى يمنع ~~الصلاة فيها عموم الناس # والمشروع في المسجد أن الناس يتمون الصف الأول كما قال النبى ( ألا تصفون ~~كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يتمون ~~الصف الأول فالأول ويتراصون في الصف ( وفى الصحيحين عنه أنه قال ( لو يعلم ~~الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لإستهموا ~~ولو يعلمون ما في التهجير لإستبقوا إليه ( # والمأمور به ms6638 أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد فإذا قدم المفروش وتأخر هو ~~فقد خالف الشريعة من وجهين من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم ومن جهة غصبه ~~لطائفة من المسجد ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلوا فيه وأن يتموا الصف ~~الأول فالأول ثم أنه يتخطى الناس إذا حضروا وفى الحديث ( الذى يتخطى رقاب ~~الناس يتخذ جسرا إلى جهنم ( وقال النبى للرجل ( إجلس فقد آذيت ( # ثم إذا فرش هذا فهل لمن سبق إلى المسجد أن يرفع ذلك ويصلى موضعه فيه ~~قولان PageV22P190 أحدهما ليس له ذلك لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه # والثانى وهو الصحيح أن لغيره رفعه والصلاة مكانه لأن هذا السابق يستحق ~~الصلاة في ذلك الصف المقدم وهو مأمور بذلك ايضا وهو لا يتمكن من فعل هذا ~~المامور وإستيفاء هذا الحق إلا برفع ذلك المفروش ومالا يتم المامور إلا به ~~فهو مأمور به # وأيضا فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب وذلك منكر وقد قال النبى ( ~~من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك أضعف الإيمان ( لكن ينبغى أن يراعى في ذلك أن لا يؤول إلى منكر أعظم ~~منه والله تعالى أعلم والحمد لله وحده ### |||| وسئل رحمه الله # عن الحديث ( أن النبى صلى على سجادة ( فقد أورد شخص عن عبد الله بن عمر ~~عن عائشة عن النبى ( أنه توضأ وقال يا عائشة إئتيني بالخمرة فأتت به فصلى ~~عليه ### |||| ( فأجاب # لفظ الحديث ( أنه طلب الخمرة ( والخمرة شيء يصنع من الخوص ~~PageV22P191 فسجد عليه يتقى به حر الأرض وأذاها فإن حديث الخمرة صحيح وأما ~~إتخاذها كبيرة يصلى عليها يتقى بها النجاسة ونحوها فلم يكن النبى يتخذ ~~سجادة يصلى عليها ولا الصحابة بل كانوا يصلون حفاة ومنتعلين ويصلون على ~~التراب والحصير وغير ذلك من غير حائل # وقد ثبت عنه في الصحيحين ( أنه كان يصلى في نعليه ( وقال ( إن اليهود لا ~~يصلون في نعالهم فخالفوهم ( وصلى مرة في نعليه واصحابه في نعالهم فخلعهما ~~في الصلاة فخلعوا فقال ( مالكم خلعتم ms6639 نعالكم قالوا رأيناك خلعت فخلعنا قال ~~إن جبريل أتانى فأخبرنى أن فيهما أذى فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في ~~نعليه فإن كان فيهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور ( # فإذا كان النبى وأصحابه يصلون في نعالهم ولا يخلعونها بل يطؤون بها على ~~الأرض ويصلون فيها فكيف يظن أنه كان يتخذ سجادة يفرشها على حصير أو غيره ثم ~~يصلى عليها فهذا لم يكن أحد يفعله من الصحابة وينقل عن مالك أنه لما قدم ~~بعض العلماء وفرش في مسجد النبى شيئا من ذلك أمر بحبسه وقال ( أما علمت أن ~~هذا في مسجدنا بدعة والله أعلم PageV22P192 ### |||| وسئل أيضا رحمه الله تعالى # عمن تحجر موضعا من المسجد بسجادة أو بساط أو غير ذلك هل هو حرام وإذا صلى ~~إنسان على شيء من ذلك بغير إذن مالكه هل يكره أم لا ### |||| ( فأجاب ( # ليس لأحد أن يتحجر من المسجد شيئا لا سجادة يفرشها قبل حضوره ولا بساطا ~~ولا غير ذلك وليس لغيره أن يصلى عليها بغير إذنه لكن يرفعها ويصلى مكانها ~~في أصح قولى العلماء والله أعلم ### |||| وسئل # عن دخول النصرانى أو اليهودى في المسجد بإذن المسلم أو بغير إذنه أو ~~يتخذه طريقا فهل يجوز ### ||||| فأجاب # ليس للمسلم أن يتخذ المسجد طريقا فكيف إذا اتخذه الكافر طريقا فإن هذا ~~يمنع بلا ريب PageV22P193 # وأما إذا كان دخله ذمى لمصلحة فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن ~~أحمد # أحدهما لا يجوز وهو مذهب مالك لأن ذلك هو الذى إستقر عليه عمل الصحابة # والثانى يجوز وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى وفى إشتراط إذن المسلم وجهان ~~في مذهب أحمد وغيره ### |||| وسئل # هل تصح الصلاة في المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتى ~~الجماعة والجمعة أم لا وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط ### ||||| فأجاب # الحمد لله إتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبى قال ( إن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى ~~أنهاكم عن ذلك PageV22P194 # وأنه ms6640 لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير أما بتسوية ~~القبر وإما بنبشه إن كان جديدا # وإن كان المسجد بنى بعد القبر فأما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة ~~القبر فالمسجد الذى على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهى عنه ### |||| وسئل # عن جماعة نازلين في الجامع مقيمين ليلا ونهارا وأكلهم وشربهم ونومهم ~~وقماشهم وأثاثهم الجميع في الجامع ويمنعون من ينزل عندهم من غير جنسهم ~~وحكروا الجامع ثم إن جماعة دخلوا بعض المقاصير يقرؤون القرآن إحتسابا ~~فمنعهم بعض المجاورين وقال هذا موضعنا فهل يجوز ذلك أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس لأحد من الناس أن يختص بشيء من المسجد بحيث يمنع غيره منه ~~دائما بل قد ( نهى النبى عن إيطان كإيطان البعير ( # قال العلماء معناه أن يتخذ الرجل مكانا من المسجد لا يصلى PageV22P195 ~~إلا فيه فإذا كان ليس له ملازمة مكان بعينه للصلاة كيف بمن يتحجر بقعة ~~دائما هذا لو كان إنما يفعل فيها ما يبنى له المسجد من الصلاة والذكر ونحو ~~ذلك فكيف إذا إتخذ المسجد بمنزلة البيوت فيه أكله وشربه ونومه وسائر أحواله ~~التى تشتمل على مالم تبن المساجد له دائما فإن هذا يمنع بإتفاق المسلمين ~~فإنما وقعت الرخصة في بعض ذلك لذوى الحاجة مثل ما كان أهل الصفة كان الرجل ~~يأتى مهاجرا إلى المدينة وليس له مكان يأوى إليه فيقيم بالصفة إلى أن يتيسر ~~له أهل أو مكان يأوى إليه ثم ينتقل ومثل المسكينة التى كانت تأوى إلى ~~المسجد وكانت تقمه ومثل ما كان إبن عمر يبيت في المسجد وهو عزب لأنه لم يكن ~~له بيت يأوى إليه حتى تزوج # ومن هذا الباب على بن أبى طالب لما تقاول هو وفاطمة ذهب إلى المسجد فنام ~~فيه فيجب الفرق بين الأمر اليسير وذوى الحاجات وبين ما يصير عادة ويكثر وما ~~يكون لغير ذوى الحاجات ولهذا قال إبن عباس لا تتخذوا المسجد مبيتا ومقيلا ~~هذا ولم يفعل فيه إلا النوم فكيف ما ms6641 ذكر من الأمور والعلماء قد تنازعوا في ~~المعتكف هل ينبغى له ان يأكل في المسجد أو في بيته مع أنه مأمور بملازمة ~~المسجد وأن لا يخرج منه إلا لحاجة # والأئمة كرهوا إتخاذ المقاصير في المسجد لما احدثها بعض الملوك لأجل ~~الصلاة خاصة وأولئك إنما PageV22P196 كانوا يصلون فيها خاصة # فأما إتخاذها للسكنى والمبيت وحفظ القماش والمتاع فيها فما علمت مسلما ~~ترخص في ذلك فإن هذا يجعل المسجد بمنزلة الفنادق التى فيها مساكن متحجرة ~~والمسجد لا بد أن يكون مشتركا بين المسلمين لا يختص أحد بشيء منه إلا ~~بمقدار لبثه للعمل المشروع فيه فمن سبق إلى بقعة من المسجد لصلاة أو قراءة ~~أو ذكر أو تعلم علم أو إعتكاف ونحو ذلك فهو أحق به حتى يقضى ذلك العمل ليس ~~لأحد إقامته منه فإن النبى نهى أن يقام الرجل من مجلسة ولكن يوسع ويفسح ~~وإذا إنتقض وضوءه ثم عاد فهو أحق بمكانه فإن النبى صلى الله عليه وسلم سن ~~ذلك قال ( إذا قام الرجل عن مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به ( # واما أن يختص بالمقام والسكنى فيه كما يختص الناس بمساكنهم فهذا من أعظم ~~المنكرات بإتفاق المسلمين وأبلغ ما يكون من المقام في المسجد مقام المعتكف ~~كما كان النبى يعتكف في المسجد وكان يحتجر له حصيرا فيعتكف فيه وكان يعتكف ~~في قبة وكذلك كان الناس يعتكفون في المساجد ويضربون لهم فيه القباب فهذا ~~مدة الإعتكاف خاصة والإعتكاف عبادة شرعية وليس للمعتكف أن يخرج من المسجد ~~إلا لما لابد منه والمشروع له PageV22P197 ان لا يشتغل إلا بقربة إلى الله ~~والذى يتخذه سكنا ليس معتكفا بل يشتمل على فعل المحظور وعلى المنع من ~~المشروع فإن من كان بهذه الحال منع الناس من أن يفعلوا في تلك البقعة ما ~~بنى له المسجد من صلاة وقراءة وذكر كما في الإستفتاء أن بعضهم يمنع من يقرأ ~~القرآن في تلك البقعة كغيره من القراء والذى فعله هذا الظالم منكرمن وجوه # أحدها ( إتخاذ المسجد مبيتا ومقيلا وسكنا كبيوت الخانات ms6642 والفنادق ( # والثانى منعه من يقرأ القرآن حيث يشرع # والثالث منع بعض الناس دون بعض فإن إحتج بأن أولئك يقرؤون لأجل الوقف ~~الموقوف عليهم وهذا ليس من أهل الوقف كان هذا العذر أقبح من المنع لأن من ~~يقرأ القرآن محتسبا أولى بالمعاونة ممن يقرأه لأجل الوقف وليس للواقف أن ~~يغير دين الله وليس بمجرد وقفه يصير لأهل الوقف في المسجد حق لم يكن لهم ~~قبل ذلك ولهذا لو أراد الواقف أن يحتجر بقعة من المسجد لأجل وقفه بحيث يمنع ~~غيره منها لم يكن له ذلك ولو عين بقعة من المسجد لما أمر به من قراءة أو ~~تعليم ونحو ذلك لم تتعين تلك البقعة كما لا تتعين في PageV22P198 النذر فإن ~~الإنسان لو نذر أن يصلى ويعتكف في بقعة من المسجد لم تتعين تلك البقعة وكان ~~له أن يصلى ويعتكف في سائر بقاع المسجد عند عامة أهل العلم لكن هل عليه ~~كفارة يمين على وجهين في مذهب أحمد # وأما الأئمة الثلاثة فلا يوجبون عليه كفارة وهذا لأنه لا يجب بالنذر إلا ~~ما كان طاعة بدون النذر وإلا فالنذر لا يجعل ما ليس بعبادة عبادة والناذر ~~ليس عليه أن يوقف إلا ما كان طاعة لله كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه # ولهذا لو نذر حراما أو مكروها أو مباحا مستوى الطرفين لم يكن عليه الوفاء ~~به # وفى الكفارة قولان أوجبها في المشهور أحمد ولم يوجبها الثلاثة # وكذلك شرط الواقف والبائع وغيرهما # كما قال النبى ( ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من إشترط ~~شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله ~~أوثق ( وهذا كله PageV22P199 لأنه ليس لأحد أن يغير شريعته التى بعث بها ~~رسوله ولا يبتدع في دين الله ما لم يأذن به الله ولا يغير أحكام المساجد عن ~~حكمها الذى شرع الله ورسوله والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن ms6643 النوم في المسجد والكلام والمشى بالنعال في أماكن الصلاة هل يجوز ذلك ~~أم لا ### ||||| فأجاب # أما النوم أحيانا للمحتاج مثل الغريب والفقير الذى لا مسكن له فجائز وأما ~~إتخاذه مبيتا ومقيلا فينهون عنه # وأما الكلام الذى يحبه الله ورسوله في المسجد فحسن وأما المحرم فهو في ~~المسجد أشد تحريما وكذلك المكروه ويكره فيه فضول المباح # وأما المشى بالنعال فجائز كما كان الصحابة يمشون بنعالهم في مسجد النبى ~~لكن ينبغى للرجل إذا أتى المسجد أن يفعل ما أمره به رسول الله فينظر في ~~نعليه فإن كان بهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور والله أعلم ~~PageV22P200 ### |||| وسئل # عن السواك وتسريح اللحية في المسجد هل هو جائز أم لا ### ||||| فأجاب # أما السواك في المسجد فما علمت أحدا من العلماء كرهه بل الآثار تدل على ~~أن السلف كانوا يستاكون في المسجد ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد ~~ويمتخط في ثيابه بإتفاق الأئمة وبسنة رسول الله الثابتة عنه بل يجوز التوضؤ ~~في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء فإذا جاز الوضوء فيه مع أن الوضوء ~~يكون فيه السواك وتجوز الصلاة فيه والصلاة يستاك عندها فكيف يكره السواك ~~وإذا جاز البصاق والإمتخاط فيه فكيف يكره السواك # وأما التسريح فإنما كرهه بعض الناس بناء على أن شعر الإنسان المنفصل نجس ~~ويمنع أن يكون في المسجد شيء نجس أو بناء على أنه كالقذاة وجمهور العلماء ~~على أن شعر الإنسان المنفصل عنه طاهر كمذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد في ظاهر ~~مذهبه وأحد الوجهين في مذهب الشافعى وهو الصحيح فإن النبى صلى الله ~~PageV22P201 عليه وسلم حلق رأسه واعطى نصفه لأبى طلحة ونصفه قسمه بين الناس # و ( # وباب الطهارة والنجاسة ( يشارك النبى فيه أمته بل الأصل أنه أسوة لهم في ~~جميع الأحكام إلا ما قام فيه دليل يوجب إختصاصه به وايضا الصحيح الذى عليه ~~الجمهور أن شعور الميتة طاهرة بل في أحد قولى العلماء وهو ظاهر مذهب مالك ~~وأحمد في إحدى الروايتين أن جميع الشعور طاهرة حتى شعر ms6644 الخنزير وعلى ~~القولين إذا سرح شعره وجمع الشعر فلم يترك في المسجد فلا بأس بذلك # وأما ترك شعره في المسجد فهذا يكره وإن لم يكن نجسا فإن المسجد يصان حتى ~~عن القذاة التى تقع في العين والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الضحايا هل يجوز ذبحها في المسجد وهل تغسل الموتى وتدفن الأجنة فيها ~~وهل يجوز تغيير وقفها من غير منفعة تعود عليها وهل يجوز الإستنجاء في ~~المسجد والغسل وإذا لم يجز فما جزاء PageV22P202 من يفعله ولا يأتمر بأمر ~~الله ولا ينتهى عما نهى عنه وإن أفتاه عالم سبه وهل يجب على ولى الأمر زجره ~~ومنعه وإعادة الوقف إلى ما كان عليه ### ||||| فأجاب # لا يجوز أن يذبح في المسجد لا ضحايا ولا غيرها كيف والمجزرة المعدة ~~للذبح قد كره الصلاة فيها إما كراهية تحريم وإما كراهية تنزيه فكيف يجعل ~~المسجد مشابها للمجزرة وفى ذلك من تلويث الدم للمسجد ما يجب تنزيهه # وكذلك لا يجوز أن يدفن في المسجد ميت لا صغير ولا كبير ولا جنين ولا غيره ~~فإن المساجد لا يجوز تشبيهها بالمقابر # وأما تغيير الوقف لغير مصلحة فلا يجوز ولا يجوز الإستنجاء فيها # وأما الوضوء ففى كراهته في المسجد نزاع بين العلماء والأرجح أنه لا يكره ~~إلا أن يحصل معه إمتخاط أو بصاق في المسجد فإن البصاق في المسجد خطيئة ~~وكفارتها دفنها فكيف بالمخاط # ومن لم يأتمر بما أمره الله به وينته عما نهى الله عنه بل يرد على ~~الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فإنه يعاقب العقوبة الشرعية التى توجب ~~له ولأمثاله أداء الواجبات وترك المحرمات PageV22P203 # ولا تغسل الموتى في المسجد وإذا أحدث في المسجد ما يضر بالمصلين أزيل ما ~~يضرهم وعمل بما يصلحهم إما إعادته إلى الصفة الأولى أو أصلح والله أعلم ### |||| وسئل # عمن يعلم الصبيان في المسجد هل يجوز له البيات في المسجد ### ||||| فأجاب # الحمد لله يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذى المصلين فيه حتى رفع الصبيان ~~أصواتهم فيه وكذلك توسيخهم لحصره ونحو ذلك لا سيما إن كان ms6645 وقت الصلاة فإن ~~ذلك من عظيم المنكرات # وأما المبيت فيه فإن كان لحاجة كالغريب الذى لا أهل له والغريب الفقير ~~الذى لا بيت له ونحو ذلك إذا كان يبيت فيه بقدر الحاجة ثم ينتقل فلا بأس ~~وأما من إتخذه مبيتا ومقيلا فلا يجوز ذلك PageV22P204 ### |||| وسئل رحمه الله # عن مسجد يقرأ فيه القرآن والتلقين بكرة وعشية ثم على باب المسجد شهود ~~يكثرون الكلام ويقع التشويش على القراء فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس لأحد أن يؤذى أهل المسجد أهل الصلاة أو القراءة أو الذكر ~~أو الدعاء ونحو ذلك مما بنيت المساجد له فليس لأحد أن يفعل في المسجد ولا ~~على بابه أو قريبا منه ما يشوش على هؤلاء بل قد خرج النبى صلى الله عليه ~~وسلم على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال ( أيها الناس كلكم يناجى ~~ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة ( فإذا كان قد نهى المصلى أن يجهر ~~على المصلى فكيف بغيره ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضى ~~إلى ذلك منع من ذلك والله أعلم PageV22P205 ### |||| وسئل ( # عن السؤال في الجامع هل هو حلال أم حرام أو مكروه وأن تركه أوجب من فعله ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة فإن كان به ~~ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدا بتخطيه رقاب الناس ولا غير تخطيه ولم ~~يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله ولم يجهر جهرا يضر الناس مثل أن يسأل ~~والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علما يشغلهم به ونحو ذلك جاز والله أعلم # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # في ( إستقبال القبلة ( وأنه لا نزاع بين العلماء في الواجب من ذلك وإن ~~النزاع بين القائلين بالجهة والعين لا حقيقة له # قال الله تعالى PageV22P206 @QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~@QE@ إلى قوله @QB@ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ms6646 وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره @QE@ وشطره نحوه وتلقاؤه كما قال % أقيمى أم زنباع أقيمى ~~% صدور العيس شطر بنى تميم % # وقال ( ولكل وجهة هو موليها ( و ( الوجهة ( هي الجهة كما في عدة وزنة ~~أصلها وعدة ووزنة فالقبلة هي التى تستقبل والوجهة هي التى يوليها # وهو سبحانه أمره بأن يولى وجهه شطر المسجد الحرام والمسجد الحرام هو ~~الحرم كله كما في قوله @QB@ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا @QE@ ~~وليس ذلك مختصا بالكعبة وهذا يحقق الأثر المروي ( الكعبة قبلة المسجد ~~والمسجد قبلة مكة ومكة قبلة الحرم والحرم قبلة الأرض ( وقد ثبت في الصحيحين ~~عن النبى أنه صلى في قبلة الكعبة ركعتين وقال ( هذه القبلة ( وثبت عنه في ~~الصحيحين أنه قال ( لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن ~~شرقوا أو غربوا ( فنهى عن إستقبال القبلة بغائط أو بول وأمر بإستقبالها في ~~الصلاة فالقبلة التى نهى عن إستقبالها PageV22P207 وإستدبارها بالغائط ~~والبول هي القبلة التى أمر المصلى بإستقبالها في الصلاة # وقال ( صلى الله عليه وسلم ما بين المشرق والمغرب قبلة ( قال الترمذى ~~حديث صحيح وهكذا قال غير واحد من الصحابة مثل عمر وعثمان وعلى بن أبى طالب ~~وإبن عباس وإبن عمر وغيرهم ولا يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك نزاع وهكذا ~~نص عليه ائمة المذاهب المتبوعة وكلامهم في ذلك معروف وقد حكى متأخروا ~~الفقهاء في ذلك قولين في مذهب أحمد وغيره # وقد تأملت نصوص أحمد في هذا الباب فوجدتها متفقة لا إختلاف فيها وكذلك ~~يذكر الإختلاف في مذهب مالك وأبى حنيفة والشافعى وهو عند التحقيق ليس بخلاف ~~بل من قال يجتهد أن يصلى إلى عين الكعبة أو فرضه إستقبال عين الكعبة بحسب ~~إجتهاده فقد أصاب ومن قال يجتهد أن يصلى إلى جهة الكعبة أو فرضه إستقبال ~~القبلة فقد اصاب وذلك انهم متفقون على أن من شاهد الكعبة فإنه يصلى إليها ~~ومتفقون على أنه كلما قرب المصلون إليها كان صفهم أقصر من البعيدين عنها ~~وهذا شأن كل ما يستقبل # فالصف القريب منها ms6647 لا يزيد طوله على قدر الكعبة ولو زاد PageV22P208 لكان ~~الزائد مصليا إلى غير الكعبة والصف الذى خلفه يكون اطول منه وهلم جرا فإذا ~~كانت الصفوف تحت سقائف المسجد كانت منحنية بقدر ما يستقبلون الكعبة وهم ~~يصلون إليها وإلى جهتها أيضا فإذا بعد الناس عنها كانوا مصلين إلى جهتها ~~وهم مصلون إليها ايضا ولو كان الصف طويلا يزيد طوله على قدر الكعبة صحت ~~صلاتهم بإتفاق المسلمين وإن كان الصف مستقيما حيث لم يشاهدوها ومن المعلوم ~~أنه لو سار من الصفوف على خط مستقيم إليها لكان ما يزيد على قدرها خارجا عن ~~مسافتها # فمن توهم أن الفرض أن يقصد المصلى الصلاة في مكان لو سار على خط مستقيم ~~وصل إلى عين الكعبة فقد أخطأ ومن فسر وجوب الصلاة إلى العين بهذا وأوجب هذا ~~فقد أخطأ وإن كان هذا قد قاله قائل من المجتهدين فهذا القول خطأ خالف نص ~~الكتاب والسنة وإجماع السلف بل وإجماع الأمة فإن الأمة متفقة على صحة صلاة ~~الصف المستطيل الذى يزيد طوله على سمت الكعبة بأضعاف مضاعفة وإن كان الصف ~~مستقيما لا إنحناء فيه ولا تقوس # فإن قيل مع البعد لا يحتاج إلى الإنحناء والتقوس كما يحتاج إليه في القرب ~~كما أن الناس إذا إستقبلوا الهلال أو الشمس أو جبلا من الجبال فإنهم ~~يستقبلونه مع كثرتهم وتفرقهم ولو كان قريبا لم يستقبلوه PageV22P209 إلا مع ~~القلة والإجتماع قيل لا ريب أنه ليس الإنحناء والتقوس في البعد بقدر ~~الإنحناء والتقوس في القرب بل كلما زاد البعد قل الإنحناء وكلما قرب كثر ~~الإنحناء حتى يكون أعظم الناس إنحناء وتقوسا الصف الذى يلى الكعبة ولكن مع ~~هذا فلابد من التقوس والإنحناء في البعد إذا كان المقصود أن يكون بينه ~~وبينها خط مستقيم بحيث لو مشى إليه لوصل إليها لكن يكون التقوس شيئا يسيرا ~~جدا كما قيل أنه إذا قدر الصف ميلا وهو مثلا في الشام كان الإنحناء من كل ~~واحد بقدر شعيرة فإن هذا ذكره بعض من نص على وجوب إستقبال العين ms6648 وقال إن ~~مثل هذا التقوس اليسير يعفى عنه # فيقال له فهذا معنى قولنا إن الواجب إستقبال الجهة وهو العفو عن وجوب ~~تحرى مثل هذا التقوس والإنحناء فصار النزاع لفظيا لا حقيقة له فالمقصود أن ~~من صلى إلى جهتها فهو مصل إلى عينها وإن كان ليس عليه أن يتحرى مثل هذا ولا ~~يقال لمن صلى كذلك أنه مخطىء في الباطن معفو عنه بل هذا مستقبل القبلة ~~باطنا وظاهرا وهذا هو الذى أمر به ولهذا لما بنى أصحاب رسول الله مساجد ~~الأمصار كان في بعضها مالو خرج منه خط مستقيم إلى الكعبة لكان منحرفا وكانت ~~صلاة المسلمين فيه جائزة بإتفاق المسلمين PageV22P210 وبهذا يظهر حقيقة قول ~~من قال إن من قرب منها أو من مسجد النبى لا تكون إلا على خط مستقيم لأنه لا ~~يقر على خطأ فيقال هؤلاء إعتقدوا أن مثل هذه القبلة تكون خطأ وإنما تكون ~~خطأ لو كان الفرض أن يتحرى إستقبال خط مستقيم بين وسط أنفه وبينها وليس ~~الأمر كذلك بل قد تقدم نصوص الكتاب والسنة بخلاف ذلك # ونظير هذا قول بعضهم إذا وقف الناس يوم العاشر خطأ أجزأهم فالصواب أن ذلك ~~هو يوم عرفة باطنا وظاهرا ولا خطأ في ذلك بل يوم عرفة هو اليوم الذى يعرف ~~فيه الناس والهلال إنما يكون هلالا إذا إستهله الناس وإذا طلع ولم يستهلوه ~~فليس بهلال مع أن النزاع في الهلال مشهور هل هو إسم لما يطلع وإن لم يستهل ~~به أو لما يستهل به وفيه قولان معروفان في مذهب أحمد وغيره بخلاف النزاع في ~~إستقبال الكعبة # ويدل على ذلك أنه لو قيل بأن على الإنسان أن يتحرى أن يكون بين وسط أنفه ~~وجبهته وبينها خط مستقيم قيل فلا بد من طريق يعلم بها ذلك فإن الله لم يوجب ~~شيئا إلا وقد نصب على العلم به دليلا ومعلوم أن طريق العلم بذلك لا يعرفه ~~إلا خاصة الناس مع إختلافهم فيه ومع كثرة الخطأ في ذلك ووجوب إستقبال ~~القبلة عام PageV22P211 لجميع المسلمين فلا ms6649 يكون العلم الواجب خفيا لا يعلم ~~إلا بطريق طويلة صعبة مخوفة مع تعذر العلم بذلك أو تعسره في أغلب الأحوال # ولهذا كان الذين سلكوا هذه الطريق يتكلمون بلا علم مع إختلافهم في ذلك ~~والدليل المشهور لهم الجدى والقطب فمنهم من يقول القطب هو الجدى وهو كوكب ~~خفى وهذا خطأ من ثلاثة أوجه فإن القطب ليس هو الجدى والجدى ليس بكوكب خفى ~~بل كوكب نير والقطب ليس أيضا كوكبا ومنهم من يقول الجدى هو كوكب خفى وهو ~~خطأ وجمهورهم يقولون القطب كوكب خفى ويحكون قولين في القطب هل يدور أو لا ~~يدور وهذا تخليط فإن القطب الذى هو مركز الحركة لا يتغير عن موضعه كما أن ~~قطب الرحى لا يتغير عن موضعه ولكن هناك كوكب صغير خفى قريب منه # وهذا إذا سمى قطبا كان تسميته بإعتبار كونه أقرب الكواكب إلى القطب وهذا ~~يدور فالكواكب تدور بلا ريب ومدار الحركة الذى هو قطبها لا يدور بلا ريب ~~فحكاية قولين في ذلك كلام من لم يميز بين هذا وهذا والدليل الظاهر هو الجدى ~~والإستدلال به على العين إنما يكون في بعض الأوقات لا في جميعها فإن القطب ~~إذا كانت الشمس في وسط السماء عند تناهى قصر الظلال يكون القطب محاذيا ~~للركن الشامى من البيت الذى يكون عن PageV22P212 يمين المستقبل للباب فمن ~~كان بلده محاذيا لهذا القطب كأهل حران ونحوهم كانت صلاتهم إلى الركن ولهذا ~~يقال أعدل القبل قبلتهم # ومن كان بلده غربى هؤلاء كأهل الشام فإنهم يميلون إلى جهة المشرق قليلا ~~بقدر بعدهم عن هذا الخط فكلما بعدوا ازدادوا في الإنحراف ومن كان شرقى ~~هؤلاء كأهل العراق كانت قبلته بالعكس ولهذا كان أهل تلك البلاد يجعلون ~~القطب وما قرب منه خلف أقفائهم وأهل الشام يميلون قليلا فيجعلون ما بين ~~الأذن اليسرى ونقرة القفا أو خلف الأذن اليسرى بحسب قرب البلد وبعده عن ~~هؤلاء وأهل العراق يجعلون ذلك خلف الأذن اليمنى ومعلوم أن النبى والصحابة ~~لم يأمروا أحدا بمراعاة القطب ولا ما قرب منه ms6650 ولا الجدى ولا بنات نعش ولا ~~غير ذلك # ولهذا أنكر الإمام أحمد على من أمر بمراعاة ذلك وأمر أن لا تعتبر القبلة ~~بالجدى وقال ليس في الحديث ذكر الجدى ولكن ما بين المشرق والمغرب قبلة وهو ~~كما قال فإنه لو كان تحديد القبلة بذلك واجبا أو مستحبا لكان الصحابة أعلم ~~بذلك وإليه أسبق ولكان النبى بين ذلك فإنه لم يدع من الدين شيئا إلا بينه ~~فكيف وقد صرح بأن ما بين المشرق والمغرب قبلة ونهى عن إستقبال القبلة ~~وإستدبارها بغائط أو بول ومعلوم بإتفاق PageV22P213 المسلمين ان المنهى عنه ~~من ذلك ليس هو أن يكون بين المتخلى وبين الكعبة خط مستقيم بل المنهى عنه ~~أعم من ذلك وهوأمر بإستقبال القبلة في حال كما نهى عن إستقبالها في حال وإن ~~كان النهى قد يتناول مالا يتناوله الأمر لكن هذا يوافق قوله ( مابين المشرق ~~والمغرب قبلة ( # وأيضا فإن تعليق الدين بذلك يفضى إلى تنازع الأمة وإختلافها في دينها ~~والله قد نهى عن التفرق والإختلاف فإن جماهير الناس لا يعلمون ذلك تحديدا ~~وإنما هم فيه مقلدون لمن قرب ذلك فالتحديد في هذا متعذر أو متعسر ومثل هذا ~~لا ترد به الشريعة والذين يدعون الحساب ومعرفة ذلك تجد أكثرهم يتكلمون في ~~ذلك بما هو خطأ وبما إذا طولبوا بدليله رجعوا إلى مقدمات غير معلومة وأخبار ~~من لا يوثق بخبره والذين ذكروا بعض ذلك من الفقهاء هم تلقوه عن هؤلاء ولم ~~يحكموه فصار مرجع أتباع هؤلاء وهؤلاء إلى تقليد يتضمن خطأ في كثير من ~~المواضيع ثم يدعى هذا أن هذه القبلة التى عينها هي الصواب دون ما عينه ~~الآخر ويدعى الآخر ضد ذلك حتى يصير الناس أحزابا وفرقا وكل ذلك مما نهى ~~الله عنه ورسوله # وسبب ذلك أنهم أدخلوا في دينهم ما ليس منه وشرعوا من الدين مالم يأذن به ~~الله فإختلفوا في تلك البدعة التى شرعوها لأنها PageV22P214 لا ضابط لها # كما يختلف الذين يريدون أن يعلموا طلوع الهلال بالحساب أو طلوع الفجر ~~بالحساب وهو أمر ms6651 لا يقوم عليه دليل حسابى مطرد بل ذلك متناقض مختلف فهؤلاء ~~أعرضوا عن الدين الواسع والأدلة الشرعية فدخلوا في أنواع من الجهل والبدع ~~مع دعواهم العلم والحذق كذلك يفعل الله بمن خرج عن المشروع إلى البدع وتنطع ~~في الدين # وقد ثبت في الصحيح صحيح مسلم عن الأحنف بن قيس عن إبن مسعود عن النبى أنه ~~قال ( هلك المتنطعون ( قالها ثلاثا ورواه أيضا أحمد وأبو داود # وأيضا فإن الله قال @QB@ فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ وقال @QB@ ولكل ~~وجهة هو موليها @QE@ أى مستقبلها وقال النبى ( هذه القبلة ( والقبلة ما ~~يستقبل وقال ( من صلى صلاتنا وإستقبل قبلتنا وأكل من ذبيحتنا فذلك المسلم ~~له مالنا وعليه ما علينا ( # وأجمع المسلمون على أنه يجب على المصلى إستقبال القبلة في الجملة ~~فالمأمور به الإستقبال للقبلة وتولية الوجه شطر المسجد الحرام فينظر هل ~~الإستقبال وتولية الوجه من شرطه أن يكون وسط وجهه مستقبلا PageV22P215 لها ~~كوسط الأنف وما يحاذيه من الجبهة والذقن ونحو ذلك أو يكون الشخص مستقبلا ~~لما يستقبله إذا وجه إليه وجهه وإن لم يحاذه بوسط وجهه فهذا أصل المسألة # ومعلوم أن الناس قد سن لهم أن يستقبلوا الخطيب بوجوههم ونهوا عن إستقبال ~~القبلة بغائط أو بول وامثال ذلك مما لم يشترط فيه أن يكون الإستقبال بوسط ~~الوجه والبدن بل لو كان منحرفا إنحرافا يسيرا لم يقدح ذلك في الإستقبال # والإسم إن كان له حد في الشرع رجع إليه وإلا رجع إلى حده في اللغة والعرف ~~والإستقبال هنا دل عليه الشرع واللغة والعرف وأما الشارع فقال ( مابين ~~المشرق والمغرب قبلة ( ومعلوم أن من كان بالمدينة والشام ونحوهما إذا جعل ~~المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه فهو مستقبل للكعبة ببدنه بحيث يمكن أن ~~يخرج من وجهه خط مستقيم إلى الكعبة ومن صدره وبطنه لكن قد لا يكون ذلك الخط ~~من وسط وجهه وصدره فعلم أن الإستقبال بالوجه أعم من ان يختص بوسطه فقط ~~والله أعلم PageV22P216 ### |||| وسئل # عن النية في الطهارة والصلاة والصيام والحج ~~وغير ذلك فهل محل ms6652 ذلك القلب أم اللسان وهل يجب أن نجهر بالنية أو يستحب ذلك ~~أو قال أحد من المسلمين أن لم يفعل ذلك بطلت صلاته أو غيرها أو قال إن صلاة ~~الجاهر أفضل من صلاة الخافت إماما كان أو مأموما أو منفردا وهل التلفظ بها ~~واجب أم لا أو قال أحد من الأئمة الأربعة أو غيرهم من أئمة المسلمين إن لم ~~يتلفظ بالنية بطلت صلاته # وإذا كانت غير واجبة فهل يستحب التلفظ بها وما السنة التى كان عليها رسول ~~الله والخلفاء الراشدون وإذا اصر على الجهر بها معتقدا أن ذلك مشروع فهل هو ~~مبتدع مخالف لشريعة الإسلام أم لا وهل يستحق التعزير على ذلك إذا لم ينته ~~وابسطوا لنا الجواب ### ||||| فأجاب # الحمد لله محل النية القلب دون اللسان بإتفاق أئمة PageV22P217 ~~المسلمين في جميع العبادات الصلاة والطهارة والزكاة والحج والصيام والعتق ~~والجهاد وغير ذلك ولو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان الإعتبار بما ~~نوى بقلبه لا باللفظ ولو تكلم بلسانه ولم تحصل النية في قلبه لم يجزئ ذلك ~~بإتفاق أئمة المسلمين # فإن النية هي من جنس القصد ولهذا تقول العرب نواك الله بخير أى قصدك بخير ~~وقول النبى ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته ~~إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ( مراده بالنية النية التى في القلب ~~دون اللسان بإتفاق أئمة المسلمين الأئمة الأربعة وغيرهم # وسبب الحديث يدل على ذلك فإن سببه ان رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ~~ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فسمى مهاجر أم قيس فخطب النبى على المنبر ~~وذكر هذا الحديث وهذا كان نيته في قلبه # والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب بإتفاق المسلمين بل الجاهر بالنية مبتدع ~~مخالف للشريعة إذا فعل ذلك معتقدا أنه من الشرع فهو جاهل ضال يستحق التعزير ~~وإلا العقوبة على ذلك إذا أصر PageV22P218 على ذلك بعد تعريفه والبيان له ~~لا سيما إذا آذى ms6653 من إلى جانبه برفع صوته أو كرر ذلك مرة بعد مرة فإنه يستحق ~~التعزير البليغ على ذلك ولم يقل أحد من المسلمين إن صلاة الجاهر بالنية ~~أفضل من صلاة الخافت بها سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا # وأما التلفظ بها سرا فلا يجب أيضا عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة ~~المسلمين ولم يقل أحد من الأئمة إن التلفظ بالنية واجب لا في طهارة ولا في ~~صلاة ولا صيام ولا حج # ولا يجب على المصلى أن يقول بلسانه أصلى الصبح ولا اصلى الظهر ولا العصر ~~ولا إماما ولا مأموما ولا يقول بلسانه فرضا ولا نفلا ولا غير ذلك بل يكفى ~~في أن تكون نيته في قلبه والله يعلم ما في القلوب # وكذلك نية الغسل من الجنابة والوضوء يكفى فيه نية القلب # وكذلك نية الصيام في رمضان لا يجب على أحد أن يقول أنا صائم غدا بإتفاق ~~الأئمة بل يكفيه نية قلبه # والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد أن يفعله فلا بد أن ينويه فإذا علم ~~المسلم أن غدا من رمضان وهو ممن يصوم رمضان فلا بد PageV22P219 أن ينوى ~~الصيام فإذا علم أن غدا العيد لم ينو الصيام تلك الليلة # وكذلك الصلاة فإذا علم أن الصلاة القائمة صلاة الفجر أو الظهر وهو يعلم ~~أنه يريد أن يصلى صلاة الفجر أو الظهر فإنه إنما ينوى تلك الصلاة لا يمكنه ~~ان يعلم أنها الفجر وينوى الظهر # وكذلك إذا علم أنه يصلى إماما أو مأموما فإنه لابد أن ينوى ذلك والنية ~~تتبع العلم والإعتقاد إتباعا ضروريا إذا كان يعلم ما يريد [ أن ] يفعله فلا ~~بد أن ينويه فإذا كان يعلم أنه يريد أن يصلى الظهر وقد علم أن تلك الصلاة ~~صلاة الظهر إمتنع أن يقصد غيرها ولو إعتقد أن الوقت قد خرج أجزأته صلاته ~~بإتفاق الأئمة ولو إعتقد أنه خرج فنوى الصلاة بعد الوقت فتبين أنها في ~~الوقت أجزأته الصلاة بإتفاق الأئمة # وإذا كان قصده أن يصلى على الجنازة أى جنازة كانت فظنها رجلا ms6654 وكانت امرأة ~~صحت صلاته بخلاف ما نوى وإذا كان مقصوده أن لا يصلى إلا على من يعتقده ~~فلانا وصلى على من يعتقد أنه فلان فتبين غيره فإنه هنا لم يقصد الصلاة على ~~ذلك الحاضر PageV22P220 # والمقصود هنا أن التلفظ بالنية لا يجب عند أحد من الأئمة ولكن بعض ~~المتأخرين خرج وجها في مذهب الشافعى بوجوب ذلك وغلطه جماهير أصحاب الشافعى ~~وكان غلطه أن الشافعى قال لا بد من النطق في أولها فظن هذا الغالط أن ~~الشافعى أراد النطق بالنية فغلطه أصحاب الشافعى جميعهم وقالوا إنما أراد ~~النطق بالتكبير لا بالنية ولكن التلفظ بها هل هو مستحب أم لا هذا فيه قولان ~~معروفان للفقهاء # منهم من إستحب التلفظ بها كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبى حنيفة ~~والشافعى وأحمد وقالوا التلفظ بها أوكد وإستحبوا التلفظ بها في الصلاة ~~والصيام والحج وغير ذلك # ومنهم من لم يستحب التلفظ بها كما قال ذلك من قاله من أصحاب مالك وأحمد ~~وغيرهما وهذا هو المنصوص عن مالك وأحمد سئل تقول قبل التكبير شيئا قال لا # وهذا هو الصواب فإن النبى لم يكن يقول قبل التكبير شيئا ولم يكن يتلفظ ~~بالنية لا في الطهارة ولا في الصلاة ولا في الصيام ولا في الحج ولا غيرها ~~من العبادات ولا خلفاؤه ولا أمر أحدا أن يتلفظ بالنية بل قال لمن علمه ~~الصلاة كبر كما في PageV22P221 الصحيح عن عائشة رضى الله عنها قالت ( كان ~~رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ( ولم ~~يتلفظ قبل التكبير بنية ولا غيرها ولا علم ذلك أحدا من المسلمين ولو كان ~~ذلك مستحبا لفعله النبى ولعظمه المسلمون # وكذلك في الحج إنما كان يستفتح الإحرام بالتلبية وشرع للمسلمين أن يلبوا ~~في أول الحج وقال لضباعة بنت الزبير ( حجى وإشترطى فقولى لبيك اللهم لبيك ~~ومحلى حيث حبستني ( فأمرها أن تشترط بعد التلبية # ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئا لا يقول اللهم أنى أريد العمرة ~~والحج ولا الحج والعمرة ولا يقول فيسره ms6655 لى وتقبله منى ولا يقول نويتهما ~~جميعا ولا يقول أحرمت لله ولا غير ذلك من العبادات كلها ولا يقول قبل ~~التلبية شيئا بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة # وكان هو واصحابه يقولون فلان أهل بالحج أهل بالعمرة أو أهل بهما جميعا ~~كما يقال كبر للصلاة وإلا هلال رفع الصوت بالتلبية وكان يقول في تلبيته ( ~~لبيك حجا وعمرة ( ينوى ما يريد [ أن PageV22P222 يفعله بعد التلبية لا ~~قبلها # وجميع ما أحدثه الناس من التلفظ بالنية قبل التكبير وقبل التلبية وفى ~~الطهارة وسائر العبادات فهي من البدع التى لم يشرعها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكل ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التى لم يشرعها ~~رسول الله فهي بدعة بل كان صلى الله عليه وسلم يداوم في العبادات على تركها ~~ففعلها والمداومة عليها بدعة وضلالة من وجهين من حيث إعتقاد المعتقد أن ذلك ~~مشروع مستحب أى يكون فعله خير من تركه مع أن النبى لم يكن يفعله البتة ~~فيبقى حقيقة هذا القول إنما فعلناه أكمل وأفضل مما فعله رسول الله # وقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإحرام قبل الميقات فقال ( أخاف عليك الفتنة ~~فقال له السائل أى فتنة في ذلك وإنما زيادة أميال في طاعة الله عز وجل قال ~~وأى فتنة أعظم من أن تظن في نفسك أنك خصصت بفضل لم يفعله رسول الله ( # وقد ثبت في الصحيحين أنه قال ( من رغب عن سنتى فليس منى ( فأى من ظن أن ~~سنة أفضل من سنتى فرغب عما سننته معتقدا PageV22P223 أنما رغب فيه أفضل مما ~~رغب عنه فليس منى لأن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله ~~عليه وسلم كما في الصحيح عن النبى أنه كان يخطب بذلك يوم الجمعة # فمن قال ( أن هدى غير محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من هدى محمد فهو ~~مفتون بل ضال قال الله تعالى إجلالا له وتثبيتا لحجته على الناس كافة ( ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ms6656 يصيبهم عذاب أليم ( أى ~~وجيع # وهو صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلمين بإتباعه وأن يعتقدوا وجوب ما ~~أوجبه وإستحباب ما أحبه وأنه لا أفضل من ذلك فمن لم يعتقد هذا فقد عصى أمره ~~وفى صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( هلك المتنطعون قالها ثلاثا ( أى المشددون ~~في غير موضع التشديد وقال أبى بن كعب وإبن مسعود إقتصاد في سنة خير من ~~إجتهاد في بدعة # ولا يحتج محتج بجمع التراويح ويقول ( نعمت البدعة هذه ( فإنها بدعة في ~~اللغة لكونهم فعلوا مالم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مثل هذه وهى سنة من الشريعة وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة ~~العرب ومصر الأمصار كالكوفة PageV22P224 والبصرة وجمع القرآن في مصحف واحد ~~وفرض الديوان وغير ذلك فقيام رمضان سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ~~وصلى بهم جماعة عدة ليال وكانوا على عهد رسول الله يصلون جماعة وفرادى لكن ~~لم يداوم على جماعة واحدة لئلا يفترض عليهم فلما مات إستقرت الشريعة # فلما كان عمر رضى الله عنه جمعهم على إمام واحد والذى جمعهم أبى بن كعب ~~جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعمر هو من الخلفاء ~~الراشدين حيث يقول صلى الله عليه وسلم ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ ( يعنى الإضراس لأنها أعظم في القوة # وفى صحيح مسلم عن إبن عمر أنه قال ( صلاة السفر ركعتان فمن خالف السنة ~~كفر ( فأى من إعتقد أن الركعتين في السفر لا تجزئ المسافر كفر # والوجه الثانى من حيث المداومة على خلاف ما دوام عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في العبادات فإن هذا بدعة بإتفاق الأئمة وإن ظن الظان أن في ~~زيادته خيرا كما أحدثه بعض المتقدمين من الأذان والإقامة في العيدين فنهوا ~~عن ذلك وكرهه أئمة المسلمين # كما PageV22P225 لو صلى عقيب السعى ركعتين قياسا على ركعتى الطواف وقد ~~إستحب ذلك بعض المتأخرين من أصحاب الشافعى وإستحب بعض المتأخرين من أصحاب ms6657 ~~أحمد في الحاج إذا دخل المسجد الحرام أن يستفتح بتحية المسجد فخالفوا ~~الأئمة والسنة وإنما السنة أن يستفتح المحرم بالطواف كما فعل النبى لما دخل ~~المسجد بخلاف المقيم الذى يريد الصلاة فيه دون الطواف فهذا إذا صلى تحية ~~المسجد فحسن # وفى الجملة فإن النبى قد أكمل الله له ولأمته الدين وأتم به صلى الله ~~عليه وسلم عليهم النعمة فمن جعل عملا واجبا مالم يوجبه الله ورسوله أو ~~مكروها لم يكرهه الله ورسوله فهو غالط # فإجماع أئمة الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا دين إلا ما ~~شرعه الله ورسوله ومن خرج عن هذا وهذا فقد دخل في حرب من الله فمن شرع من ~~الدين مالم يأذن به الله وحرم مالم يحرم الله ورسوله فهو من دين أهل ~~الجاهلية المخالفين لرسوله الذين ذمهم الله في سورة الأنعام والأعراف ~~وغيرهما من السور حيث شرعوا من الدين مالم يأذن به الله فحرموا مالم يحرمه ~~الله وأحلوا ما حرمه الله فذمهم الله وعابهم على ذلك # فلهذا كان دين المؤمنين بالله ورسوله أن الأحكام الخمسة الإيجاب ~~PageV22P226 والإستحباب والتحليل والكراهية والتحريم لا يؤخذ إلا عن رسول ~~الله فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله # فمن ذلك ما إتفق عليه أئمة الدين ومنه ما تنازعوا فيه فردوه إلى الله ~~ورسوله كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ # فمن تكلم بجهل وبما يخالف الأئمة فإنه ينهى عن ذلك ويؤدب على الإصرار كما ~~يفعل بأمثاله من الجهال ولا يقتدى في خلاف الشريعة بأحد من أئمة الضلالة ~~وإن كان مشهورا عنه العلم كما قال بعض السلف لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن ~~سله يصدقك والله أعلم والحمد لله ### |||| وسئل # عمن يخرج من بيته ناويا الطهارة أو الصلاة هل يحتاج إلى تجديد نية غير ~~هذه عند ms6658 فعل الطهارة أو الصلاة أو لا وهل التلفظ PageV22P227 بالنية سنة أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين سئل الإمام أحمد عن رجل يخرج من بيته للصلاة هل ~~ينوى حين الصلاة فقال قد نوى حين خرج ولهذا قال أكابر أصحابه كالخرقى وغيره ~~يجزئه تقديم النية على التكبير من حين يدخل وقت الصلاة وإذا كان مستحضرا ~~للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك بإتفاق العلماء فإن النية لا يجب التلفظ بها ~~بإتفاق العلماء # ومعلوم في العادة أن من كبر في الصلاة لا بد أن يقصد الصلاة وإذا علم أنه ~~يصلى الظهر نوى الظهر فمتى علم مايريد فعله نواه بالضرورة ولكن إذا لم يعلم ~~أو نسى شذت عنه النية وهذا نادر والتلفظ بالنية في إستحبابه قولان في مذهب ~~أحمد وغيره والمنصوص عنه أنه لا يستحب التلفظ بالنية قال أبو داود قلت ~~لأحمد يقول المصلى قبل التكبير شيئا قال لا ### |||| وسئل # هل يجب أن تكون النية مقارنة للتكبير والمسئول أن يوضح لنا كيفية ~~مقارنتها للتكبير كما ذكر الشافعى أنه لا تصح الصلاة إلا PageV22P228 ~~بمقارنتها التكبير وهذا يعسر ### ||||| فأجاب # أما مقارنتها التكبير فللعلماء فيه قولان مشهوران أحدهما لا يجب # والمقارنة المشروطة قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية وهذا ممكن لا صعوبة ~~فيه بل عامة الناس إنما يصلون هكذا وهذا أمر ضرورى لو كلفوا تركه لعجزوا ~~عنه # وقد تفسر بإنبساط آخر النية على آخر التكبير بحيث يكون أولها مع أوله ~~وآخرها مع آخره وهذا لا يصح لأنه يقتضى عزوب كمال النية في أول الصلاة وخلو ~~أول الصلاة عن النية الواجبة # وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع آخر التكبير وهذا تنازعوا في إمكانه # فمن العلماء من قال إن هذا غير ممكن ولا مقدور للبشر عليه فضلا عن وجوبه ~~ولو قيل بإمكانه فهو متعسر فيسقط بالحرج PageV22P229 وأيضا فمما يبطل هذا ~~والذى قبله أن المكبر ينبغى له أن يتدبر التكبير ويتصوره فيكون قلبه مشغولا ~~بمعنى التكبير لا بما يشغله عن ذلك من إستحضار النية ولأن النية من الشروط ~~والشروط ms6659 تتقدم العبادات ويستمر حكمها إلى آخرها كالطهارة والله أعلم ### |||| وسئل # عن ( النية ( في الدخول في العبادات من الصلاة وغيرها هل تفتقر إلى نطق ~~اللسان مثل قول القائل نويت أصوم نويت أصلى هل هو واجب أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نية الطهارة من وضوء أو غسل أو تيمم والصلاة والصيام والحج ~~والزكاة والكفارات # وغير ذلك من العبادات لا تفتقر إلى نطق اللسان بإتفاق أئمة الإسلام بل ~~النية محلها القلب دون اللسان بإتفاقهم فلو لفظ بلسانه غلطا بخلاف ما نوى ~~في قلبه كان الإعتبار بما نوى لا بما لفظ ولم يذكر أحد في ذلك خلافا إلا أن ~~بعض متأخرى أصحاب الشافعى رحمه الله خرج وجها في ذلك وغلطه فيه أئمة أصحابه # وكان سبب غلطه أن الشافعى قال ( إن الصلاة لا بد من النطق PageV22P230 في ~~أولها وأراد الشافعى بذلك التكبير الواجب في أولها فظن هذا الغالط أن ~~الشافعى أراد النطق بالنية فغلطه أصحاب الشافعى جميعهم # ولكن تنازع العلماء هل يستحب التلفظ بالنية سرا أم لا هذا فيه قولان ~~معروفان للفقهاء # فقال طائفة من أصحاب ابى حنيفة والشافعى وأحمد يستحب التلفظ بها لكونه ~~أوكد وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما لا يستحب التلفظ بها لأن ذلك ~~بدعة لم تنقل عن رسول الله ولا عن اصحابه ولا أمر النبى أحدا من أمته أن ~~يتلفظ بالنية ولا علم ذلك أحدا من المسلمين ولو كان هذا مشهورا مشروعا لم ~~يهمله النبى وأصحابه مع أن الأمة مبتلاة به كل يوم وليلة # وهذا القول أصح الأقوال بل التلفظ بالنية نقص في العقل والدين أما في ~~الدين فلأنه بدعة وأما في العقل فلأنه بمنزلة من يريد أن يأكل طعاما فيقول ~~نويت بوضع يدى في هذا الإناء أنى أريد أن آخذ منه لقمة فأضعها في فمى ~~فامضغها ثم أبلعها لأشبع مثل القائل الذى يقول نويت أصلى فريضة هذه الصلاة ~~المفروضة على PageV22P231 حاضر الوقت أربع ركعات في جماعة أداء لله تعالى ~~فهذا كله حمق وجهل وذلك أن النية بلاغ العلم فمتى ms6660 علم العبد ما يفعله كان ~~قد نواه ضرورة فلا يتصور مع وجود العلم بالعقل أن يفعل بلا نية ولا يمكن مع ~~عدم العلم أن تحصل نية # وقد إتفق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع بل من إعتاد ~~ذلك فإنه ينبغى له أن يؤدب تأديبا يمنعه عن ذلك التعبد بالبدع وإيذاء الناس ~~برفع صوته لأنه قد جاء الحديث ( أيها الناس كلكم يناجى ربه فلا يجهرن بعضكم ~~على بعض بالقراءة فكيف حال من يشوش على الناس بكلامه بغير قراءة بل يقول ~~نويت أصلى أصلى فريضة كذا وكذا في وقت كذا وكذا من ألأفعال التى لم يشرعها ~~رسول الله ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قيل له لا يجوز الجهر بالنية في الصلاة ولا أمر به النبى فقال ~~صحيح أنه ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم ولا أمر به لكن ما نهى عنه ولا ~~تبطل صلاة من جهر بها ثم أنه قال لنا بدعة حسنة وبدعة سيئة وإحتج بالتراويح ~~PageV22P232 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جمعها ولا نهى عنها وأن ~~عمر الذى جمع الناس عليها وأمر بها فهل هو كما قال وهل تسمى سنن الخلفاء ~~الراشدين بدعة وهل [ يقاس ] على سننهم ما سنه غيرهم فهل لها أصل فيما يقوله ~~ويفعله وقوله ولا تبطل صلاة من جهر بالنية في الصلاة وغيرها فهل يأثم ~~المنكر عليه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة ليس من البدع الحسنة ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين لم يقل أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب ولا هو ~~بدعة حسنة فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع ~~الأئمة الأربعة وغيرهم وقائل هذا يستتاب فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه # وإنما تنازع الناس في نفس التلفظ بها سرا هل يستحب أم لا على قولين ~~والصواب أنه لا يستحب التلفظ بها فإن النبى وأصحابه لم يكونوا يتلفظون بها ~~لا سرا ولا جهرا والعبادات التى شرعها النبى لأمته ليس لأحد ms6661 تغييرها ولا ~~إحداث بدعة فيها # وليس لأحد أن يقول أن مثل هذا من البدع الحسنة مثل ما أحدث بعض الناس ~~الأذان في العيدين والذى أحدثه مروان بن PageV22P233 الحكم فأنكر الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان ذلك هذا وإن كان الأذان ذكر الله لأنه ليس من السنة ~~وكذلك لما أحدث الناس إجتماعا راتبا غير الشرعى مثل الإجتماع على صلاة ~~معينة أول رجب أو أول ليلة جمعة فيه وليلة النصف من شعبان فأنكر ذلك علماء ~~المسلمين # ولو أحدث ناس صلاة سادسة يجتمعون عليها غير الصلوات الخمس لأنكر ذلك ~~عليهم المسلمون وأخذوا على أيديهم # وأما ( قيام رمضان ( فإن رسول الله سنه لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال ~~وكانوا على عهده يصلون جماعة وفرادى لكن لم يداوموا على جماعة واحدة لئلا ~~تفرض عليهم فلما مات النبى صلى الله عليه وسلم إستقرت الشريعة فلما كان عمر ~~رضى الله عنه جمعهم على إمام واحد وهو أبى بن كعب الذى جمع الناس عليها ~~بأمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه # وعمر رضى الله عنه هو من الخلفاء الراشدين حيث يقول ( عليكم بسنتى وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ ( يعنى الأضراس ~~لأنها أعظم في القوة # وهذا الذى فعله هو سنة لكنه قال نعمت البدعة هذه فإنها PageV22P234 بدعة ~~في اللغة لكونهم فعلوا مالم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله يعنى من ~~الإجتماع على مثل هذه وهى سنة من الشريعة # وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وهى الحجاز واليمن واليمامة ~~وكل البلاد الذى لم يبلغه ملك فارس والروم من جزيرة العرب ومصر الأمصار ~~كالكوفة والبصرة وجمع القرآن في مصحف واحد وفرض الديوان والأذان الأول يوم ~~الجمعة وإستنابة من يصلى بالناس يوم العيد خارج المصر ونحو ذلك مما سنه ~~الخلفاء الراشدون لأنهم سنوه بأمر الله ورسوله فهو سنة وإن كان في اللغة ~~يسمى بدعة # وأما الجهر بالنية وتكريرها فبدعة سيئة ليست مستحبة بإتفاق المسلمين ~~لأنها لم يكن يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون ### |||| وسئل # عن ms6662 رجل إذا صلى يشوش على الصفوف الذى حواليه بالجهر بالنية وأنكروا عليه ~~مرة ولم يرجع وقال له إنسان هذا الذى تفعله ما هو PageV22P235 من دين الله ~~وأنت مخالف فيه السنة فقال هذا دين الله الذى بعث به رسله ويجب على كل مسلم ~~أن يفعل هذا وكذلك تلاوة القرآن يجهر بها خلف الإمام فهل هكذا كان يفعل ~~رسول الله أو أحد من الصحابة أو أحد من الأئمة الأربعة أو من علماء ~~المسلمين فإذا كان لم يكن رسول الله واصحابه والعلماء يعملون هذا في الصلاة ~~فماذا يجب على من ينسب هذا إليهم وهو يعمله فهل يحل للمسلم أن يعينه بكلمه ~~واحدة إذا عمل هذا ونسبه إلى أنه من الدين ويقول للمنكرين عليه كل يعمل في ~~دينه ما يشتهى وإنكاركم على جهل وهل هم مصيبون في ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء المسلمين ولا ~~فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعله أحد من خلفائه واصحابه وسلف ~~الأمة وأئمتها ومن إدعى أن ذلك دين الله وأنه واجب فإنه يجب تعريفه الشريعة ~~وإستتابته من هذا القول فإن أصر على ذلك قتل بل النية الواجبة في العبادات ~~كالوضوء والغسل والصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك محلها القلب بإتفاق أئمة ~~المسلمين # والنية هي القصد والإرادة والقصد والإرادة محلهما القلب دون اللسان ~~بإتفاق العقلاء فلو نوى بقلبه صحت نيته عند الأئمة الأربعة PageV22P236 ~~وسائرأئمة المسلمين من الأولين والآخرين وليس في ذلك خلاف عند من يقتدى به ~~ويفتى بقوله ولكن بعض المتأخرين من أتباع الأئمة زعم أن اللفظ بالنية واجب ~~ولم يقل إن الجهر بها واجب ومع هذا فهذا القول خطأ صريح مخالف لإجماع ~~المسلمين ولما علم بالإضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول الله ~~وسنة خلفائه وكيف كان يصلى الصحابة والتابعون فإن كل من يعلم ذلك يعلم أنهم ~~لم يكونوا يتلفظون بالنية ولا أمرهم النبى بذلك ولا علمه لأحد من الصحابة ~~بل قد ثبت في الصحيحين وغيرهما ms6663 أنه قال للأعرابى المسىء في صلاته ( إذا قمت ~~إلى الصلاة فكبر ثم إقرأ ما تيسر معك من القرآن ( وفى السنن عنه أنه قال ( ~~مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وفى صحيح مسلم عن ~~عائشة رضى الله عنها ( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ~~بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ( وقد ثبت بالنقل المتواتر ~~وإجماع المسلمين أن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا يفتتحون ~~الصلاة بالتكبير # ولم ينقل مسلم لا عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنه ~~قد تلفظ قبل التكبير بلفظ النية لا سرا ولا جهرا ولا أنه أمر بذلك ومن ~~المعلوم أن الهمم والدواعى متوفرة على نقل ذلك لو كان PageV22P237 ذلك وأنه ~~يمتنع على أهل التواتر عادة وشرعا كتمان نقل ذلك فإذا لم ينقله أحد علم ~~قطعا أنه لم يكن # ولهذا يتنازع الفقهاء المتأخرون في اللفظ بالنية هل هو مستحب مع النية ~~التى في القلب فإستحبه طائفة من أصحاب أبى حنيفة والشافعى وأحمد قالوا لأنه ~~أوكد وأتم تحقيقا للنية ولم يستحبه طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما وهو ~~المنصوص عن أحمد وغيره بل رأوا أنه بدعة مكروهة # قالوا لو أنه كان مستحبا لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأمر به ~~فإنه قد بين كل ما يقرب إلى الله لا سيما الصلاة التى لا تؤخذ صفتها إلا ~~عنه وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( صلوا كما رأيتمونى أصلى ( # قال هؤلاء فزيادة هذا وأمثاله في صفة الصلاة بمنزلة سائر الزيادات ~~المحدثة في العبادات كمن زاد في العيدين الأذان والإقامة ومن زاد في السعى ~~صلاة ركعتين على المروة وأمثال ذلك # قالوا وأيضا فإن التلفظ بالنية فاسد في العقل فإن قول القائل أنوى أن ~~أفعل كذا وكذا بمنزلة قوله أنوى آكل هذا الطعام PageV22P238 لأشبع وأنوى ~~ألبس هذا الثوب لأستتر وأمثال ذلك من النيات الموجودة في القلب التى يستقبح ~~النطق بها وقد قال الله تعالى @QB@ أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما ms6664 في ~~السماوات وما في الأرض @QE@ وقال طائفة من السلف في قوله @QB@ إنما نطعمكم ~~لوجه الله @QE@ قالوا لم يقولوه بألسنتهم وإنما علمه الله من قلوبهم فأخبر ~~به عنهم # وبالجملة فلابد من النية في القلب بلا نزاع وأما التلفظ بها سرا فهل يكره ~~أو يستحب فيه نزاع بين المتأخرين # وأما الجهر بها فهو مكروه منهى عنه غير مشروع بإتفاق المسلمين وكذلك ~~تكريرها أشد واشد # وسواء في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد فكل هؤلاء لا يشرع لأحد منهم أن ~~يجهر بلفظ النية ولا يكررها بإتفاق المسلمين بل ينهون عن ذلك بل جهر ~~المنفرد بالقراءة إذا كان فيه اذى لغيره لم يشرع كما خرج النبى على أصحابه ~~وهم يصلون فقال ( أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض ~~بالقراءة ) # وأما المأموم فالسنة له المخافتة بإتفاق المسلمين لكن إذا جهر أحيانا ~~PageV22P239 بشيء من الذكر فلا بأس كالإمام إذا أسمعهم أحيانا الآية في ~~صلاة السر فقد ثبت في الصحيح عن أبى قتادة أنه أخبر عن النبى أنه كان في ~~صلاة الظهر والعصر يسمعهم الآية أحيانا ( وثبت في الصحيح ان من الصحابة ~~المأمومين من جهر بدعاء حين إفتتاح الصلاة وعند رفع رأسه من الركوع ولم ~~ينكر النبى صلى الله عليه وسلم ذلك ومن أصر على فعل شيء من البدع وتحسينها ~~فإنه ينبغى أن يعزر تعزيرا يردعه وأمثاله عن مثل ذلك # ومن نسب إلى رسول الله الباطل خطأ فإنه يعرف فإن لم ينته عوقب ولا يحل ~~لأحد أن يتكلم في الدين بلا علم ولا يعين من تكلم في الدين بلا علم أو أدخل ~~في الدين ما ليس منه # وأما قول القائل كل يعمل في دينه الذى يشتهى فهي كلمة عظيمة يجب أن ~~يستتاب منها وإلا عوقب بل الإصرار على مثل هذه الكلمة يوجب القتل فليس لأحد ~~أن يعمل في الدين إلا ما شرعه الله ورسوله دون ما يشتهيه ويهواه قال الله ~~تعالى @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ms6665 بغير علم @QE@ @QB@ ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله @QE@ وقال @QB@ ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ وقال تعالى @QB@ أرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا @QE@ PageV22P240 # وقال تعالى @QB@ فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ وقد روى عنه أنه قال ( والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم ~~حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ( قال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ~~وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ~~وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن @QE@ وأمثال هذا في القرآن كثير # فتبين أن على العبد أن يتبع الحق الذى بعث الله به رسوله ولا يجعل دينه ~~تبعا لهواه والله أعلم PageV22P241 ### |||| وسئل # عن رجلين تنازعا في ( النية ( فقال أحدهما لا تدخل الصلاة إلا بالنية ~~وإستدل على ذلك بقوله ( لكل إمرىء ما نوى ( وقال الآخر تجوز بلا نية افتونا ~~مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله الصلاة لا تجوز إلا بنية لكن محل النية القلب بإتفاق المسلمين ~~وهى القصد والإرادة # فإن نوى بقلبه خلاف ما نطق بلسانه كان الإعتبار بما قصد بقلبه وتنازع ~~العلماء هل يستحب أن يتكلم بما نواه على قولين # وإتفقوا على أنه لا يستحب الجهر بالنية ولا تكرير التكلم بها بل ذلك منهى ~~عنه بإتفاق الأئمة ولو ms6666 لم يتكلم بالنية صحت صلاته عند الأئمة الأربعة ~~وغيرهم ولم يخالف إلا بعض شذوذ المتأخرين PageV22P242 ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوله صلى الله عليه وسلم ( نية المرء أبلغ من عمله ( ### ||||| فأجاب # هذا الكلام قاله غير واحد وبعضهم يذكره مرفوعا وبيانه من وجوه # أحدها أن النية المجردة من العمل يثاب عليها والعمل المجرد عن النية لا ~~يثاب عليه فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة وإتفاق الأئمة أن من عمل الأعمال ~~الصالحة بغير إخلاص لله لم يقبل منه ذلك وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن ~~النبى أنه قال ( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ( # الثانى أن من نوى الخير 2 وعمل منه مقدوره وعجز عن إكماله كان له أجر ~~عامل كما في الصحيحين عن النبى أنه قال ( إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ~~ولاقطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم ~~العذر ( وقد صحح الترمذى حديث أبى كبشة الأنمارى عن النبى PageV22P243 ( ~~أنه ذكر أربعة رجال رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل فيه بطاعة الله ورجل ~~آتاه الله علما ولم يؤته مالا فقال لو أن لى مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما ~~يعمل فلان قال فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو ~~يعمل فيه بمعصية الله ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فقال لو أن لى مثل ~~ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان قال فهما في الوزر سواء ( # وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل ~~أجور من إتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من ~~الوزر مثل أوزار من إتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شىء ( وفى الصحيحين ~~عنه أنه قال ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو ~~صحيح مقيم ( وشواهد هذا كثيرة و # الثالث أن القلب ملك البدن والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت ms6667 جنوده ~~وإذا خبث الملك خبثت جنوده والنية عمل الملك بخلاف الأعمال الظاهرة فإنها ~~عمل الجنود # الرابع ( أن توبة العاجز عن المعصية تصح عند أهل السنة PageV22P244 كتوبة ~~المجبوب عن الزنى وكتوبة المقطوع اللسان عن القذف وغيره وأصل التوبة عزم ~~القلب وهذا حاصل مع العجز # الخامس أن النية لا يدخلها فساد بخلاف الأعمال الظاهرة فإن النية أصلها ~~حب الله ورسوله وإرادة وجهه وهذا هو بنفسه محبوب لله ورسوله مرضى لله ~~ورسوله والأعمال الظاهرة تدخلها آفات كثيرة ومالم تسلم منها لم تكن مقبولة ~~ولهذا كانت اعمال القلب المجردة أفضل من أعمال البدن المجردة كما قال بعض ~~السلف قوة المؤمن في قلبه وضعفه في جسمه وقوة المنافق في جسمة وضعفه في ~~قلبه وتفصيل هذا يطول والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل حنفى صلى في جماعة وأسر نيته ثم رفع يديه في كل تكبيرة فأنكر عليه ~~فقيه الجماعة وقال له هذا لا يجوز في مذهبك وأنت مبتدع فيه وأنت مذبذب لا ~~بامامك إقتديت ولا بمذهبك إهتديت فهل ما فعله نقص في صلاته ومخالفة للسنة ~~ولإمامه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما الذى أنكر عليه إسراره بالنية فهو جاهل فإن الجهر بالنية ~~لا يجب ولا يستحب لا في مذهب أبى حنيفة ولا PageV22P245 أحد من أئمة ~~المسلمين بل كلهم متفقون على أنه لا يشرع الجهر بالنية ومن جهر بالنية فهو ~~مخطىء مخالف للسنة بإتفاق أئمة الدين بل مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى ~~وأحمد وسائر أئمة المسلمين أنه إذا نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه بالنية لا ~~سرا ولا جهرا كانت صحيحة ولا يجب التكلم بالنية لا عند أبى حنيفة ولا عند ~~أحد من الأئمة حتى أن بعض متأخرى أصحاب الشافعى لما ذكر وجها مخرجا أن ~~اللفظ بالنية واجب غلطه بقية أصحابه وقالوا إنما أوجب الشافعى النطق في أول ~~الصلاة بالتكبير لا بالنية # وأما ابوحنيفة وأصحابه فلم يتنازعوا في أن النطق بالنية لا يجب وكذلك ~~مالك واصحابه واحمد وأصحابه بل تنازع العلماء هل يستحب التلفظ بالنية سرا ( ~~على ms6668 # قولين فقال طائفة من اصحاب ابى حنيفة والشافعى وأحمد يستحب التلفظ بالنية ~~لا الجهر بها ولا يجب التلفظ ولا الجهر # وقال طائفة من اصحاب مالك وأحمد وغيرهم بل لا يستحب التلفظ بالنية لا سرا ~~ولا جهرا كما لا يجب بإتفاق الأئمة لأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~لم يكونوا يتلفظون بالنية لا سرا ولا جهرا وهذا القول هو الصواب الذى جاءت ~~به السنة PageV22P246 # وأما رفع اليدين في كل تكبيرة حتى في السجود فليست هي السنة التى كان ~~النبى يفعلها ولكن الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الإفتتاح # وأما رفعهما عند الركوع والإعتدال من الركوع فلم يعرفه أكثر فقهاء الكوفة ~~كإبراهيم النخعى وأبى حنيفة والثورى وغيرهم وأما أكثر فقهاء الأمصار وعلماء ~~الآثار فإنهم عرفوا ذلك لما أنه إستفاضت به السنة عن النبى كالأوزاعى ~~والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبى عبيد وهو إحدى الروايتين عن مالك # فإنه قد ثبت في الصحيحين من حديث إبن عمر وغيره ( إن النبى كان يرفع يديه ~~إذا إفتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ولا يفعل ذلك في السجود ~~ولا كذلك بين السجدتين ( وثبت هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم في الصحيح ~~من حديث مالك بن الحويرث ووائل بن حجر وأبى حميد الساعدى في عشرة من اصحاب ~~النبى أحدهم أبوقتادة وهو معروف من حديث على بن أبى طالب وأبى هريرة وعدد ~~كثير من الصحابة عن النبى وكان إبن عمر رضى الله عنهما إذا رأى من يصلى ولا ~~يرفع يديه في الصلاة حصبه وقال عقبة إبن عامر له بكل إشارة عشر حسنات ~~PageV22P247 والكوفيون حجتهم أن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه لم يكن ~~يرفع يديه وهم معذورون قبل ان تبلغهم السنة الصحيحة فإن عبد الله بن مسعود ~~هو الفقية الذى بعثه عمر بن الخطاب ليعلم أهل الكوفة السنة لكن قد حفظ ~~الرفع عن النبى كثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وإبن مسعود لم يصرح ~~بأن النبى لم يرفع إلا أول ms6669 مرة لكنهم رأوه يصلى ولا يرفع إلا أول مرة ~~والإنسان قد ينسى وقد يذهل وقد خفى على إبن مسعود التطبيق في الصلاة فكان ~~يصلى وإذا ركع طبق بين يديه كما كانوا يفعلون أول الإسلام ثم إن التطبيق ~~نسخ بعد ذلك وأمروا بالركب وهذا لم يحفظه إبن مسعود فإن الرفع المتنازع فيه ~~ليس من نواقض الصلاة بل يجوز ان يصلى بلا رفع وإذا رفع كان أفضل وأحسن # وإذا كان الرجل متبعا لأبى حنيفة أو مالك أو الشافعى أو أحمد ورأى في بعض ~~المسائل أن مذهب غيره أقوى فإتبعه كان قد أحسن في ذلك ولم يقدح ذلك في دينه ~~ولا عدالته بلا نزاع بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله ممن يتعصب ~~لواحد معين غير النبى كمن يتعصب لمالك أو الشافعى أو أحمد أو أبى حنيفة ~~ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذى ينبغى إتباعه دون قول الإمام الذى ~~خالفه PageV22P248 فمن فعل هذا كان جاهلا ضالا بل قد يكون كافرا فإنه متى ~~إعتقد أنه يجب على الناس إتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة دون الإمام ~~الآخر فإنه يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل بل غاية ما يقال أنه يسوغ أو ~~ينبغى أو يجب على العامى أن يقلد واحدا لا بعينه من غير تعيين زيد ولا عمرو # وأما أن يقول قائل إنه يجب على العامة تقليد فلان أو فلان فهذا لا يقوله ~~مسلم # ومن كان مواليا للأئمة محبا لهم يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه ~~موافق للسنه فهو محسن في ذلك بل هذا أحسن حالا من غيره ولا يقال لمثل هذا ~~مذبذب على وجه الذم وإنما المذبذب المذموم الذى لا يكون مع المؤمنين ولا مع ~~الكفار بل يأتى المؤمنين بوجه ويأتى الكافرين بوجه كما قال تعالى في حق ~~المنافقين @QB@ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس @QE@ إلى قوله @QB@ ومن يضلل الله فلن تجد ~~له سبيلا @QE@ وقال النبى ( مثل المنافق كمثل الشاة ms6670 العائرة بين الغنمين ~~تعير إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة ( # فهؤلاء المنافقون المذبذبون هم الذين ذمهم الله ورسوله وقال في ~~PageV22P249 حقهم ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله ~~يعلم أنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ( وقال تعالى في حقهم ~~@QB@ ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون @QE@ فهؤلاء المنافقون الذين يتولون اليهود ~~الذين غضب الله عليهم ماهم من اليهود ولا هم منا مثل من أظهر الإسلام من ~~اليهود والنصارى والتتر وغيرهم وقلبه مع طائفته فلا هو مؤمن محض ولا هو ~~كافر ظاهرا وباطنا فهؤلاء هم المذبذبون الذين ذمهم الله ورسوله وأوجب على ~~عباده أن يكونوا مؤمنين لا كفارا ولا منافقين بل يحبون لله ويبغضون لله ~~ويعطون لله ويمنعون لله # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ إلى قوله @QB@ ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق @QE@ الآية وقال تعالى ~~@QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ PageV22P250 # وقال تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~إخوة فأصلحوا بين أخويكم @QE@ # وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ~~وتعاطفهم كمثل الجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ~~( وفى الصحيحين عنه أنه قال ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك ~~بين اصابعه ( وفى الصحيحين عنه أنه قال ( المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا ~~يظلمه ( وفى الصحيحين أنه قال ( والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه ( وقال ( والذى نفسى ms6671 بيده لا تدخلون الجنة ~~حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أخبركم بشى إذا فعلتموه تحاببتم ~~أفشوا السلام بينكم # وقد أمر الله تعالى المؤمنين بالإجتماع والإئتلاف ونهاهم عن الإفتراق ~~والإختلاف فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ إلى قوله ~~@QB@ لعلكم تهتدون @QE@ إلى قوله @QB@ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه @QE@ قال ~~إبن عباس رضى الله عنهما ( تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل ~~البدعة والفرقة PageV22P251 فأئمة الدين هم على منهاج الصحابة رضوان الله ~~عليهم أجمعين والصحابة كانوا مؤتلفين متفقين وإن تنازعوا في بعض فروع ~~الشريعة في الطهارة أو الصلاة أو الحج أو الطلاق أو الفرائض أو غير ذلك ~~فإجماعهم حجة قاطعة # ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد ~~بعينه من الصحابة دون الباقين كالرافضى الذى يتعصب لعلى دون الخلفاء ~~الثلاثة وجمهور الصحابة وكالخارجى الذى يقدح في عثمان وعلى رضى الله عنهما ~~فهذه طرق اهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم ~~مذمومون خارجون عن الشريعة والمنهاج الذى بعث الله به رسوله فمن تعصب لواحد ~~من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء سواء تعصب لمالك أو الشافعى أو أبى ~~حنيفة أو أحمد أو غيرهم # ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلا بقدره في العلم والدين وبقدر ~~الآخرين فيكون جاهلا ظالما والله يأمر بالعلم والعدل وينهى عن الجهل والظلم ~~قال تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات @QE@ إلى آخر السورة # وهذا أبويوسف ومحمد أتبع الناس لأبى حنيفة وأعلمهم بقوله PageV22P252 ~~وهما قد خالفاه في مسائل لا تكاد تحصى لما تبين لهما من السنة والحجة ما ~~وجب عليهما إتباعه وهما مع ذلك معظمان لإمامهما لا يقال فيهما مذبذبان بل ~~أبوحنيفة وغيره من الأئمة يقول القول ثم تتبين له الحجة في خلافه فيقول بها ~~ولا يقال له مذبذب فإن الانسان لا يزال يطلب العلم والإيمان فإذا تبين له ~~من العلم ms6672 ما كان خافيا عليه إتبعه وليس هذا مذبذبا بل هذا مهتد زاده الله ~~هدى وقد قال تعالى @QB@ وقل رب زدني علما @QE@ # فالواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين وعلماء المؤمنين وإن يقصد الحق ~~ويتبعه حيث وجده ويعلم أن من إجتهد منهم فأصاب فله أجران ومن إجتهد منهم ~~فأخطأ فله أجر لإجتهاده وخطؤه مغفور له وعلى المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا ~~فعل ما يسوغ فإن النبى قال ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ( وسواء رفع يديه أو ~~لم يرفع يديه لا يقدح ذلك في صلاتهم ولا يبطلها لا عند أبى حنيفة ولا ~~الشافعى ولا مالك ولا أحمد ولو رفع الإمام دون المأموم أو المأموم دون ~~الإمام لم يقدح ذلك في صلاة واحد منهما ولو رفع الرجل في بعض الأوقات دون ~~بعض لم يقدح ذلك في صلاته وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعارا يوجب ~~إتباعه وينهى عن غيره مما جاءت به السنة بل كل ما جاءت به السنة فهو واسع ~~مثل الأذان والإقامة فقد PageV22P253 ثبت في الصحيحين عن النبى أنه أمر ~~بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ( وثبت عنه في الصحيحين ( أنه علم أبا ~~محذورة الإقامة شفعا شفعا كالأذان ( فمن شفع الإقامة فقد أحسن ومن أفردها ~~فقد أحسن ومن أوجب هذا دون هذا فهو مخطىء ضال ومن والى من يفعل هذا دون هذا ~~بمجرد ذلك فهو مخطىء ضال # وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم ~~في المذاهب وغيرها حتى تجد المنتسب إلى الشافعى يتعصب لمذهبه على مذهب أبى ~~حنيفة حتى يخرج عن الدين والمنتسب إلى أبى حنيفة يتعصب لمذهبه على مذهب ~~الشافعى وغيره حتى يخرج عن الدين والمنتسب إلى أحمد يتعصب لمذهبه على مذهب ~~هذا أو هذا وفى المغرب تجد المنتسب إلى مالك يتعصب لمذهبه على هذا أو هذا ~~وكل هذا من التفرق والإختلاف الذى نهى الله ورسوله عنه # وكل هؤلاء المتعصبين بالباطل المتبعين الظن وما تهوى الأنفس المتبعين ~~لأهوائهم بغير هدى من الله مستحقون للذم والعقاب ms6673 وهذا باب واسع لا تحتمل ~~هذه الفتيا لبسطه فإن الإعتصام بالجماعة والإئتلاف من أصول الدين والفرع ~~المتنازع فيه من الفروع الخفية فكيف يقدح في الأصل بحفظ الفرع وجمهور ~~المتعصبين لا يعرفون من الكتاب PageV22P254 والسنة إلا ما شاء الله بل ~~يتمسكون بأحاديث ضعيفة أو آراء فاسدة أو حكايات عن بعض العلماء والشيوخ قد ~~تكون صدقا وقد تكون كذبا وإن كانت صدقا فليس صاحبها معصوما يتمسكون بنقل ~~غير مصدق عن قائل غير معصوم ويدعون النقل المصدق عن القائل المعصوم وهو ما ~~نقله الثقات الإثبات من أهل العلم ودونوه في الكتب الصحاح عن النبى # فإن الناقلين لذلك مصدقون بإتفاق أئمة الدين والمنقول عنه معصوم لا ينطق ~~عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى قد أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعته ~~وإتباعه قال تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ # والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه من القول ~~والعمل والهدى والنية والله أعلم والحمد لله وحده PageV22P255 ### |||| وسئل # عن إمام شافعى يقول الله أكبر يكرر التكبير مرات عديدة والناس وقوف خلفه ### ||||| فأجاب # الحمد لله تكرير اللفظ بالنية والتكبير والجهر بلفظ النية أيضا منهى عنه ~~عند الشافعى وسائر أئمة الإسلام وفاعل ذلك مسىء وإن إعتقد ذلك دينا فقد خرج ~~عن إجماع المسلمين ويجب نهيه عن ذلك وإن عزل عن الإمامة إذا لم ينته كان له ~~وجه فإن في سنن أبى داود ( أن النبى أمر بعزل إمام لأجل بزاقة في القبلة ( ~~فإن الإمام عليه ان يصلى كما كان النبى يصلى ليس له أن يقتصر على ما يقتصر ~~عليه المنفرد بل ينهى عن التطويل والتقصير فكيف إذا أصر على ما ينهى عنه ~~الإمام والمأموم والمنفرد والله أعلم PageV22P256 ### |||| وسئل # عن رجل إذا صلى بالليل ينوى ويقول أصلى نصيب الليل ### ||||| فأجاب # هذه العبارة أصلى نصيب الليل لم تنقل عن ms6674 سلف الأمة وأئمتها والمشروع أن ~~ينوى الصلاة لله سواء كانت بالليل أو النهار وليس عليه أن يتلفظ بالنية فإن ~~تلفظ بها وقال اصلى لله صلاة الليل أو أصلى قيام الليل ونحو ذلك جاز ولم ~~يستحب ذلك بل الإقتداء بالسنة اولى والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل أدرك مع الجماعة ركعة فلما سلم الإمام قام ليتم صلاته فجاء آخر ~~فصلى معه فهل يجوز الإقتداء بهذا المأموم ### ||||| فأجاب # أما الأول ففى صلاته قولان في مذهب أحمد وغيره لكن الصحيح أن مثل هذا ~~جائز وهو قول أكثر العلماء إذا كان الإمام قد نوى الإمامة والمؤتم قد نوى ~~الإئتمام فإن نوى المأموم PageV22P257 الإئتمام ولم ينو الإمام الإمامة ~~ففيه قولان # أحدهما تصح كقول الشافعي ومالك وغيرهما وهو رواية عن أحمد # والثانى لا تصح وهو المشهور عن أحمد وذلك أن ذلك الرجل كان مؤتما في أول ~~الصلاة وصار منفردا بعد سلام الإمام فإذا ائتم به ذلك الرجل صار المنفرد ~~إماما كما صار النبى إماما بإبن عباس بعد ان كان منفردا وهذا يصح في النفل ~~كما جاء في هذا الحديث كما هو منصوص عن أحمد وغيره من الأئمة وإن كان قد ~~ذكر في مذهبه قول بأنه لا يجوز وأما في الفرض فنزاع مشهور والصحيح جواز ذلك ~~في الفرض والنفل فإن الإمام إلتزم بالإمامة أكثر مما كان يلزمه في حال ~~الإنفراد فليس بمصير المنفرد إماما محذورا أصلا بخلاف الأول والله أعلم ~~PageV22P258 ### ||| 2 باب صفة الصلاة 2 ### |||| سئل رحمه الله # عن رجل مشى إلى صلاة الجمعة مستعجلا فأنكر ذلك عليه بعض الناس وقال إمش ~~على رسلك فرد ذلك الرجل وقال ( قد قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله @QE@ فما الصواب ### ||||| فأجاب ( # ليس المراد بالسعى المأمور به العدو فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه ~~قال ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها وأنتم تمشون وعليكم ~~السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وروى فإقضوا ( ولكن قال الأئمة ~~السعى في ms6675 كتاب الله هو العمل والفعل كما قال تعالى @QB@ إن سعيكم لشتى @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~@QE@ PageV22P259 # وقال عن فرعون @QB@ ثم أدبر يسعى @QE@ وقد قرأ عمر بن ~~الخطاب ( فإمضوا إلى ذكر الله ( فالسعى المأمور به إلى الجمعة هو المضى ~~إليها والذهاب إليها # ولفظ ( السعى ( في الأصل إسم جنس ومن شأن أهل العرف إذا كان الإسم عاما ~~لنوعين فإنهم يفردون أحد نوعيه بإسم ويبقى الإسم العام مختصا بالنوع الآخر ~~كما في لفظ ( ذوى الأرحام ( فإنه يعم جميع الأقارب من يرث بفرض وتعصيب ومن ~~لا فر ض له ولا تعصيب فلما ميز ذو الفرض والعصبة صار في عرف الفقهاء ذووا ~~الأرحام مختصا بمن لا فرض له ولا تعصيب # وكذلك لفظ ( الجائز ( يعم ما وجب ولزم من الأفعال والعقود ومالم يلزم ~~فلما خص بعض الأعمال بالوجوب وبعض العقود باللزوم بقى إسم الجائز في عرفهم ~~مختصا بالنوع الآخر # وكذلك إسم ( الخمر ( هو عام لكل شراب لكن لما أفرد ما يصنع من غير العنب ~~بإسم النبيذ صار اسم الخمر في العرف مختصا بعصير العنب حتى ظن طائفة من ~~العلماء إن إسم الخمر في الكتاب والسنة مختص بذلك وقد تواترت الأحاديث عن ~~النبى بعمومه ونظائر هذا كثيرة PageV22P260 # وبسبب هذا الإشتراك الحادث غلط كثير من الناس في فهم الخطاب بلفظ السعى ~~من هذا الباب فإنه في الأصل عام في كل ذهاب ومضى وهو السعى المأمور به في ~~القرآن وقد يخص أحد النوعين باسم المشى فيبقى لفظ السعى مختصا بالنوع الآخر ~~وهذا هو السعى الذى نهى عنه النبى حيث قال ( إذا أقيمت الصلاة فلاتأتوها ~~وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون ( وقد روى أن عمر كان يقرأ ( فإمضوا ( ~~ويقول لو قرأتها فإسعوا لعدوت حتى يكون كذا وهذا إن صح عنه فيكون قد إعتقد ~~أن لفظ السعى هو الخاص # ومما يشبه هذا ms6676 السعى بين الصفا والمروة فإنه إنما يهرول في بطن الوادى ~~بين الميلين ثم لفظ السعى يخص بهذا وقد يجعل لفظ السعى عاما لجميع الطواف ~~بين الصفا والمروة لكن هذا كأنه بإعتبار أن بعضه سعى خاص والله أعلم ### |||| وسئل # عن أقوام يبتدرون السواري قبل الناس وقبل تكميل الصفوف ويتخذون لهم مواضع ~~دون الصف فهل يجوز التأخر عن الصف الأول PageV22P261 ### ||||| فأجاب # قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ~~ربها قالوا يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها قال يسدون الأول فالأول ~~ويتراصون في الصف ( وثبت عنه في الصحيح أنه قال ( لو يعلم الناس ما في ~~النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لإستهموا عليه ( وثبت ~~عنه في الصحيح ( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ( وأمثال ذلك من السنن ~~التى ينبغى فيها للمصلين أن يتموا الصف الأول ثم الثانى # فمن جاء أول الناس وصف في غير الأول فقد خالف الشريعة وإذا ضم إلى ذلك ~~إساءة الصلاة أو فضول الكلام أو مكروهه أو محرمه ونحو ذلك مما يصان المسجد ~~عنه فقد ترك تعظيم الشرائع وخرج عن الحدود المشروعة من طاعة الله وإن لم ~~يعتقد نقص ما فعله ويلتزم إتباع أمر الله إستحق العقوبة البليغة التى تحمله ~~وامثاله على أداء ما امر الله به وترك ما نهى الله عنه والله أعلم ~~PageV22P262 ### |||| وسئل # عن المصلين إذا لم يسووا صفوفهم بل كل إنسان يصلى منفردا وهل تجوز صلاتهم ~~هكذا في الأسواق أم لا ### ||||| فأجاب # ليس لأحد ان يصلى منفردا خلف الصف بل على الناس أن يصلوا مصطفين وفى ~~السنن عن النبى أنه قال ( لا صلاة لفذ خلف الصف ( ولا يصح لهم أن يصلوا في ~~السوق حتى تتصل الصفوف بل عليهم أن يقاربوا الصفوف ويسدوا الأول فالأول ~~والله أعلم PageV22P263 ### || 1 ( مسألة في التفضل بين العبادات ) 1 ### |||| وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ( # عما يشتبه على الطالب للعبادة من جهة الأفضلية مما إختلف فيه الأئمة من ms6677 ~~المسائل التى أذكرها وهى أيما أفضل في صلاة الجهر ترك الجهر بالبسملة أو ~~الجهر بها وأيما أفضل المداومة على القنوت في صلاة الفجر أم تركه أم فعله ~~أحيانا بحسب المصلحة وكذلك في الوتر وأيما أفضل طول الصلاة ومناسبة أبعاضها ~~في الكمية والكيفية أو تخفيفها بحسب ما إعتادوه في هذه الأزمنة وايما أفضل ~~مع قصر الصلاة في السفر مداومة الجمع أم فعله أحيانا بحسب الحاجة وهل قيام ~~الليل كله بدعة أم سنة أم قيام بعضه أفضل من قيامه كله وكذلك سرد الصوم ~~أفضل أم صوم بعض الأيام وإفطار بعضها وفى المواصلة أيضا وهل لبس الخشن ~~وأكله دائما أفضل أم لا وأيما أفضل فعل السنن الرواتب في السفر أم تركها أم ~~فعل البعض دون البعض وكذلك التطوع بالنوافل في السفر وأيما افضل الصوم في ~~السفر أم الفطر وإذا لم يجد ماء أو تعذر عليه إستعماله لمرض أو يخاف منه ~~الضرر من شدة البرد وأمثال ذلك PageV22P264 فهل يتيمم أم لا وهل يقوم ~~التيمم مقام الوضوء فيما ذكر أم لا وايما أفضل في إغماء هلال رمضان الصوم ~~أم الفطر أم يخير بينهما أم يستحب فعل احدهما وهل ما واظب عليه النبى في ~~جميع أفعاله وأحواله وأقواله وحركاته وسكناته وفى شأنه كله من العبادات ~~والعادات هل المواظبة على ذلك كله سنة في حق كل واحد من الأمة أم يختلف ~~بحسب إختلاف المراتب والراتبين أفتونا مأجورين ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله هذه المسائل التى يقع فيها النزاع مما يتعلق بصفات العبادات ~~أربعة أقسام # منها ما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه سن كل واحد من الأمرين ~~وإتفقت الأمة على أن من فعل أحدهما لم يأثم بذلك لكن قد يتنازعون في الأفضل ~~وهو بمنزلة القراءات الثابتة عن النبى التى إتفق الناس على جواز القراءة ~~بأى قراءة شاء منها كالقراءة المشهورة بين المسلمين فهذه يقرأ المسلم بما ~~شاء منها وإن إختار بعضها لسبب من الأسباب # ومن هذا الباب الإستفتاحات المنقولة عن النبى PageV22P265 إنه كان يقولها ~~في قيام الليل ms6678 وأنواع الأدعية التى كان يدعو بها في صلاته في آخر التشهد ~~فهذه الأنواع الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم كلها سائغة بإتفاق ~~المسلمين لكن ما أمر به من ذلك أفضل لنا مما فعله ولم يأمر به # وقد ثبت في الصحيح أنه قال ( إذا قعد أحدكم في التشهد فليستعذ بالله من ~~أربع يقول اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا ~~والممات ومن فتنة المسيح الدجال ( فالدعاء بهذا أفضل من الدعاء بقوله ( ~~اللهم إغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به منى ~~أنت المقدم وانت المؤخر لا إله إلا أنت ) وهذا أيضا قد صح عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقوله في أخر صلاته لكن الأول أمر به # وما تنازع العلماء في وجوبه فهو اوكد مما لم يأمر به ولم يتنازع العلماء ~~في وجوبه وكذلك الدعاء الذى كان يكرره كثيرا كقوله ( ربنا آتنا في الدنيا ~~حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ( اوكد مما ليس كذلك PageV22P266 ~~القسم الثانى ( ما إتفق العلماء على أنه إذا فعل كلا من الأمرين كانت ~~عبادته صحيحة ولا إثم عليه لكن يتنازعون في الأفضل وفيما كان النبى يفعله ~~ومسألة القنوت في الفجر والوتر والجهر بالبسملة وصفة الإستعاذة ونحوها من ~~هذا الباب فإنهم متفقون على أن من جهر بالبسملة صحت صلاته ومن خافت صحت ~~صلاته وعلى أن من قنت في الفجر صحت صلاته ومن لم يقنت فيها صحت صلاته وكذلك ~~القنوت في الوتر وإنما تنازعوا في وجوب قراءة البسملة وجمهورهم على أن ~~قراءتها لا تجب وتنازعوا أيضا في إستحباب قراءتها وجمهورهم على أن قراءتها ~~مستحبة # وتنازعوا فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه مثل ان يترك قراءة ~~البسملة والمأموم يعتقد وجوبها أو يمس ذكره ولا يتوضأ والمأموم يرى وجوب ~~الوضوء من ذلك أو يصلى في جلود الميتة المدبوغة والمأموم يرى ان الدباغ لا ~~يطهر أو يحتجم ولا يتوضأ والمأموم يرى الوضوء من الحجامة ms6679 والصحيح المقطوع ~~به أن صلاة المأموم صحيحة خلف إمامه وإن كان إمامه مخطئا في نفس الأمر لما ~~ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يصلون لكم فإن اصابوا ~~فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم ( # وكذلك إذا إقتدى المأموم بمن يقنت في الفجر أو الوتر قنت معه سواء ~~PageV22P267 قنت قبل الركوع أو بعده وإن كان لا يقنت لم يقنت معه # ولو كان الإمام يرى إستحباب شيء والمأمومون لا يستحبونه فتركه لأجل ~~الإتفاق والإئتلاف كان قد أحسن # مثال ذلك الوتر فإن للعلماء فيه ثلاثة أقوال # أحدها أنه لا يكون إلا بثلاث متصلة كالمغرب كقول من قاله من أهل العراق ~~والثانى أنه لا يكون إلا ركعة مفصولة عما قبلها كقول من قال ذلك من اهل ~~الحجاز # والثالث أن الأمرين جائزان كما هو ظاهر مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما وهو ~~الصحيح وإن كان هؤلاء يختارون فصله عما قبله فلو كان الإمام يرى الفصل ~~فإختار المأمومون أن يصلى الوتر كالمغرب فوافقهم على ذلك تأليفا لقلوبهم ~~كان قد أحسن كما قال النبى لعائشة ( لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت ~~الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه وبابا ~~يخرجون منه ( فترك الأفضل عنده لئلا ينفر الناس PageV22P268 # وكذلك لو كان رجل يرى الجهر بالبسملة فأم بقوم لا يستحبونه أو بالعكس ~~ووافقهم كان قد أحسن وإنما تنازعوا في الأفضل فهو بحسب ما إعتقدوه من السنة # وطائفة من أهل العراق إعتقدت أن النبى لم يقنت إلا شهرا ثم على وجه النسخ ~~له فإعتقدوا أن القنوت في المكتوبات منسوخ وطائفة من اهل الحجاز إعتقدوا أن ~~النبى ما زال يقنت حتى فارق الدنيا ثم منهم من إعتقد أنه كان يقنت قبل ~~الركوع ومنهم من كان يعتقد أنه كان يقنت بعد الركوع والصواب هو ( القول ~~الثالث ( الذى عليه جمهور أهل الحديث وكثير من أئمة أهل الحجاز وهو الذى ~~ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية ثم ترك ~~هذا القنوت ثم أنه ms6680 بعد ذلك بمدة بعد خيبر وبعد إسلام أبى هريرة قنت وكان ~~يقول في قنوته ( اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من ~~المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر وإجعلها عليهم سنين كسنى يوسف ( فلو كان ~~قد نسخ القنوت لم يقنت هذه المرة الثانية وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قنت في ~~المغرب وفى العشاء الآخرة # وفى السنن أنه كان يقنت في الصلوات الخمس وأكثر قنوته PageV22P269 كان في ~~الفجر ولم يكن يداوم على القنوت لا في الفجر ولا غيرها بل قد ثبت في ~~الصحيحين عن أنس أنه قال ( لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا ( فالحديث الذى ~~رواه الحاكم وغيره من حديث الربيع بن أنس عن أنس انه قال ( ما زال يقنت حتى ~~فارق الدنيا ( إنما قاله في سياقه القنوت قبل الركوع وهذا الحديث لو عارض ~~الحديث الصحيح لم يلتفت إليه فإن الربيع بن أنس ليس من رجال الصحيح فكيف ~~وهو لم يعارضه وإنما معناه أنه كان يطيل القيام في الفجر دائما قبل الركوع # وأما انه كان يدعو في الفجر دائما قبل الركوع أو بعده بدعاء يسمع منه أو ~~لا يسمع فهذا باطل قطعا وكل من تأمل ألأحاديث الصحيحة علم هذا بالضرورة ~~وعلم أن هذا لو كان واقعا لنقله الصحابة والتابعون ولما أهملوا قنوته ~~الراتب المشروع لنا مع أنهم نقلوا قنوته الذى لا يشرع بعينه وإنما يشرع ~~نظيره فإن دعاءه لأولئك المعينين وعلى أولئك المعينين ليس بمشروع بإتفاق ~~المسلمين بل إنما يشرع نظيره فيشرع أن يقنت عند النوازل يدعو للمؤمنين ~~ويدعو على الكفار في الفجر وفى غيرها من الصلوات وهكذا كان عمر يقنت لما ~~حارب النصارى بدعائه الذى فيه ( اللهم إلعن كفرة أهل الكتاب ( إلى آخره ~~PageV22P270 # وكذلك على رضى الله عنه لما حارب قوما قنت يدعو عليهم وينبغى للقانت أن ~~يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة وإذا سمى من يدعو لهم من ~~المؤمنين ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسنا # وأما قنوت الوتر فللعلماء فيه ثلاثة ms6681 اقوال قيل لا يستحب بحال لأنه لم ~~يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الوتر وقيل بل يستحب في جميع ~~السنة كما ينقل عن إبن مسعود وغيره ولأن في السنن أن النبى علم الحسن بن ~~على رضى الله عنهما دعاء يدعو به في قنوت الوتر وقيل بل يقنت في النصف ~~الأخير من رمضان كما كان أبى بن كعب يفعل # وحقيقة الأمر أن قنوت الوتر من جنس الدعاء السائغ في الصلاة من شاء فعله ~~ومن شاء تركه كما يخير الرجل أن يوتر بثلاث أو خمس أو سبع وكما يخير إذا ~~أوتر بثلاث إن شاء فصل وإن شاء وصل # وكذلك يخير في دعاء القنوت إن شاء فعله وإن شاء تركه وإذا صلى بهم قيام ~~رمضان فإن قنت في جميع الشهر فقد أحسن وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن ~~وإن لم يقنت بحال فقد أحسن PageV22P271 # كما أن نفس قيام رمضان لم يوقت النبى فيه عددا معينا بل كان هو صلى الله ~~عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة لكن كان يطيل ~~الركعات فلما جمعهم عمر على أبى بن كعب كان يصلى بهم عشرين ركعة ثم يوتر ~~بثلاث وكان يخف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأن ذلك أخف على المأمومين ~~من تطويل الركعة الواحدة ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ~~ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث وهذا كله سائغ ~~فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن # والأفضل يختلف بإختلاف أحوال المصلين فإن كان فيهم إحتمال لطول القيام ~~فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبى يصلى لنفسه في رمضان وغيره ~~هو الأفضل وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل وهو الذى يعمل ~~به أكثر المسلمين فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين وإن قام بأربعين وغيرها ~~جاز ذلك ولا يكره شيء من ذلك وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد ~~وغيره # ومن ظن أن قيام رمضان ms6682 فيه عدد موقت عن النبى لا يزاد فيه ولا ينقص منه ~~فقد أخطأ فإذا كانت هذه PageV22P272 السعة في نفس عدد القيام فكيف الظن ~~بزيادة القيام لأجل دعاء القنوت أو تركه كل ذلك سائغ حسن وقد ينشط الرجل ~~فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه ~~تخفيفها # وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة إذا أطال القيام أطال ~~الركوع والسجود وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود هكذا كان يفعل في ~~المكتوبات وقيام الليل وصلاة الكسوف وغير ذلك # وقد تنازع الناس هل الأفضل طول القيام أم كثرة الركوع والسجود أو كلاهما ~~سواء على ثلاثة أقوال # أصحها أن كليهما سواء فإن القيام إختص بالقراءة وهى أفضل من الذكر ~~والدعاء والسجود نفسه أفضل من القيام فينبغى أنه إذا طول القيام أن يطيل ~~الركوع والسجود وهذا هو طول القنوت الذى أجاب به النبى صلى الله عليه وسلم ~~لما قيل له أى الصلاة أفضل فقال ( طول القنوت ( فإن القنوت هو إدامة ~~العبادة سواء كان في حال القيام أو الركوع أو السجود كما قال تعالى @QB@ أم ~~من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما @QE@ فسماه قانتا في حال سجوده كما ~~سماه قانتا في حال قيامه PageV22P273 # وأما البسملة فلا ريب أنه كان في الصحابة من يجهر بها وفيهم من كان لا ~~يجهر بها بل يقرؤها سرا أو لا يقرؤها والذين كانوا يجهرون بها أكثرهم كان ~~يجهر بها تارة ويخافت بها أخرى وهذا لأن الذكر قد يكون السنة المخافتة به ~~ويجهر به لمصلحة راجحة مثل تعليم المأمومين فإنه قد ثبت في الصحيح أن إبن ~~عباس قد جهر بالفاتحة على الجنازة ليعلمهم أنها سنة # وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوال # قيل لا تستحب بحال كما هو مذهب أبى حنيفة ومالك # وقيل بل يجب فيها القراءة بالفاتحة كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعى ~~وأحمد # وقيل بل قراءة الفاتحة فيها سنة وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز وهذا ~~هو الصواب ms6683 # وثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب كان يقول ( الله أكبر سبحانك اللهم ~~وبحمدك وتبارك إسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ( يجهر بذلك مرات كثيرة ( ~~وإتفق العلماء على أن الجهر بذلك ليس بسنة راتبة لكن جهر به للتعليم ولذلك ~~نقل عن بعض الصحابة أنه كان PageV22P274 يجهر أحيانا بالتعوذ فإذا كان من ~~الصحابة من جهر بالإستفتاح والإستعاذة مع إقرار الصحابة له على ذلك فالجهر ~~بالبسملة أولى أن يكون كذلك وأن يشرع الجهر بها أحيانا لمصلحة راجحة # لكن لا نزاع بين أهل العلم بالحديث أن النبى لم يجهر بالإستفتاح ولا ~~بالإستعاذة بل قد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قال له يا رسول الله ارأيت ~~سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول قال ( أقول اللهم بعد بينى وبين ~~خطاياى كما بعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقنى من خطاياى كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الدنس اللهم إغسلنى من خطاياى بالثلج والماء والبرد ( # وفى السنن عنه أنه كان يستعيذ في الصلاة قبل القراءة والجهر بالبسملة ~~أقوى من الجهر بالإستعاذة لأنها آية من كتاب الله تعالى وقد تنازع العلماء ~~في وجوبها وإن كانوا قد تنازعوا في وجوب الإستفتاح والإستعاذة وفى ذلك ~~قولان في مذهب أحمد وغيره لكن النزاع في ذلك أضعف من النزاع في وجوب ~~البسملة # والقائلون بوجوبها من العلماء أفضل وأكثر لكن لم يثبت عن النبى أنه كان ~~يجهر بها وليس في الصحاح ولا السنن حديث صحيح صريح بالجهر والأحاديث ~~الصريحة بالجهر كلها PageV22P275 ضعيفة بل موضوعة ولهذا لما صنف الدارقطنى ~~مصنفا في ذلك قيل له هل في ذلك شيء صحيح فقال أما عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم فلا وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف # ولو كان النبى يجهر بها دائما لكان الصحابة ينقلون ذلك ولكان الخلفاء ~~يعلمون ذلك ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك بعد إنقضاء عصر ~~الخلفاء ولما كان الخلفاء الراشدون ثم خلفاء بنى أمية وبنى العباس كلهم ~~متفقين على ترك الجهر ولما كان أهل المدينة وهم أعلم أهل ms6684 المدائن بسنته ~~ينكرون قراءتها بالكلية سرا وجهرا والأحاديث الصحيحة تدل على أنها آية من ~~كتاب الله وليست من الفاتحة ولا غيرها # وقد تنازع العلماء هل هي آية أو بعض آية من كل سورة أو ليست من القرآن ~~إلا في سورة النمل أو هي آية من كتاب الله حيث كتبت في المصاحف وليست من ~~السور على ثلاثة أقوال # والقول الثالث ( هو أوسط الأقوال وبه تجتمع الأدلة فإن كتابة الصحابة لها ~~في المصاحف دليل على أنها من كتاب الله وكونهم فصلوها عن السورة التى بعدها ~~دليل على أنها ليست منها وقد ثبت في الصحيح أن النبى قال ( نزلت على آنفا ~~سورة فقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم @QB@ إنا أعطيناك الكوثر @QE@ إلى ~~آخرها PageV22P276 # وثبت في الصحيح ( أنه أول ما جاء الملك بالوحى قال @QB@ اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ~~ما لم يعلم @QE@ فهذا اول ما نزل ولم ينزل قبل ذلك ( بسم الله الرحمن ~~الرحيم ) # وثبت عنه في السنن أنه قال ( سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى ~~غفر له وهى تبارك الذى بيده الملك وهى ثلاثون آية بدون البسملة ( # وثبت عنه في الصحيح أنه قال ( يقول الله تعالى قسمت الصلاة بينى وبين ~~عبدى نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدى ما سأل فإذا قال العبد ( الحمد ~~لله رب العالمين ( قال الله حمدنى عبدى فإذا قال ( الرحمن الرحيم # ) قال الله أثنى على عبدى فإذا قال @QB@ مالك يوم الدين @QE@ قال الله ~~مجدنى عبدى فإذا قال @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ قال هذه الآية بينى ~~وبين عبدى نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد @QB@ اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ قال الله هؤلاء ~~لعبدى ولعبدى ما سأل # فهذا الحديث صحيح صريح في أنها ليست من الفاتحة ولم يعارضه PageV22P277 ~~حديث صحيح صريح وأجود ما يرى في هذا الباب من الحديث إنما يدل على أنه يقرأ ~~بها في أول الفاتحة لا يدل على ms6685 أنها منها ولهذا كان القراء منهم من يقرأ ~~بها في أول السورة ومنهم من لا يقرأ بها فدل على أن كلا الأمرين سائغ لكن ~~من قرأ بها كان قد أتى بالأفضل وكذلك من كرر قراءتها في أول كل سورة كان ~~أحسن ممن ترك قراءتها لأنه قرأ ما كتبته الصحابه في المصاحف فلو قدر أنهم ~~كتبوها على وجه التبرك لكان ينبغى أن تقرأ على وجه التبرك وإلا فكيف يكتبون ~~في المصحف مالا يشرع قراءته وهم قد جردوا المصحف عما ليس من القرآن حتى ~~أنهم لم يكتبوا التأمين ولا أسماء السور ولا التخميس والتعشير ولا غير ذلك ~~مع أن السنة للمصلى أن يقول عقب الفاتحة آمين فكيف يكتبون مالا يشرع أن ~~يقوله وهم لم يكتبوا ما يشرع أن يقوله المصلى من غير القرآن فإذا جمع بين ~~الأدلة الشرعية دلت على أنها من كتاب الله وليست من السورة # والحديث الصحيح عن أنس ليس فيه نفى قراءة النبى وأبى بكر وعمر ( وعثمان ( ~~فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ( أو ( فلم يكونوا ~~يجهرون ( ببسم الله الرحمن الرحيم ( ورواية من روى ( فلم يكونوا يذكرون بسم ~~الله الرحمن الرحيم ( في PageV22P278 أول قراءة ولا آخرها ( إنما تدل على ~~نفى الجهر لأن أنسا لم ينف إلا ما علم وهو لا يعلم ما كان يقوله النبى صلى ~~الله عليه وسلم سرا ولا يمكن أن يقال إن النبى لم يكن يسكت بل يصل التكبير ~~بالقراءة فإنه قد ثبت في الصحيحين أن أبا هريرة قال له ( أرأيت سكوتك بين ~~التكبير والقراءة ماذا تقول ( # ومن تأول حديث أنس على نفى قراءتها سرا فهو مقابل لقول من قال مراد أنس ~~أنهم كانوا يفتتحون بفاتحة الكتاب قبل غيرها من السور وهذا أيضا ضعيف فإن ~~هذا من العلم العام الذى ما زال الناس يفعلونه وقد كان الحجاج بن يوسف ~~وغيره من الأمراء الذين صلى خلفهم أنس يقرؤون الفاتحة قبل السورة ولم ينازع ~~في ذلك أحد ولا سئل عن ذلك أحد لا أنس ولا ms6686 غيره ولا يحتاج أن يروى أنس هذا ~~عن النبى وصاحبيه ومن روى عن أنس أنه شك هل كان النبي يقرأ البسملة أو لا ~~يقرؤها فروايته توافق الروايات الصحيحة لأن أنسا لم يكن يعلم هل قرأها سرا ~~أم لا وإنما نفى الجهر # ومن هذا الباب الذى إتفق العلماء على أنه يجوز فيه الأمران فعل الرواتب ~~في السفر فإنه من شاء فعلها ومن شاء تركها بإتفاق الأئمة والصلاة التى يجوز ~~فعلها وتركها قد يكون فعلها أحيانا أفضل PageV22P279 لحاجة الإنسان إليها ~~وقد يكون تركها أفضل إذا كان مشتغلا عن النافلة بما هو أفضل منها لكن النبى ~~في السفر لم يكن يصلى من الرواتب إلا ركعتى الفجر والوتر ولما نام عن الفجر ~~صلى السنة والفريضة بعد ما طلعت الشمس وكان يصلى على راحلته قبل أى وجه ~~توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلى عليها المكتوبة وهذا كله ثابت في ~~الصحيح # فأما الصلاة قبل الظهر وبعدها وبعد المغرب فلم ينقل أحد عنه أنه فعل ذلك ~~في السفر # وقد تنازع العلماء في السنن الرواتب مع الفريضة فمنهم من لم يوقت في ذلك ~~شيئا ومنهم من وقت أشياء بأحاديث ضعيفة بل أحاديث يعلم أهل العلم بالحديث ~~أنها موضوعة كمن يوقت ستا قبل الظهر وأربعا بعدها وأربعا قبل العصر وأربعا ~~قبل العشاء وأربعا بعدها ونحو ذلك # والصواب في هذا الباب القول بما ثبت في الأحاديث الصحيحة دون ما عارضها ~~وقد ثبت في الصحيح ثلاثة أحاديث حديث إبن عمر قال ( حفظت عن رسول الله ~~ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء ~~PageV22P280 وركعتين قبل الفجر ( وحديث عائشة كان رسول الله يصلى قبل الظهر ~~أربعا وهو في الصحيح أيضا وسائره في صحيح مسلم كحديث إبن عمر وهكذا في ~~الصحيح وفى رواية صححها الترمذى صلى قبل الظهر ركعتين # وحديث أم حبيبة عن النبى أنه قال ( من صلى في يوم وليلة إثنتى عشرة ركعة ~~تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة ( وقد جاء في السنن تفسيرها ms6687 ( ~~أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء ~~وركعتين قبل الفجر ( فهذا الحديث الصحيح فيه أنه رغب بقوله في ثنتى عشرة ~~ركعة # وفى الحديثين الصحيحين أنه كان يصلى مع المكتوبة إما عشر ركعات وإما ~~إثنتى عشرة ركعة وكان يقوم من الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة فكان ~~مجموع صلاة الفريضة والنافلة في اليوم والليلة نحو أربعين ركعة كان يوتر ~~صلاة النهار بالمغرب ويوتر صلاة الليل بوتر الليل وقد ثبت عنه في الصحيح ~~أنه قال ( بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة وقال ~~في الثالثة لمن شاء ( كراهية أن يتخذها الناس سنة PageV22P281 # وثبت في الصحيح أن أصحابه كانوا يصلون بين أذان المغرب وإقامتها ركعتين ~~وهو يراهم ولا ينهاهم فإذا كان التطوع بين أذانى المغرب مشروعا فلأن يكون ~~مشروعا بين أذانى العصر والعشاء بطريق الأولى لأن السنة تعجيل المغرب ~~بإتفاق الأئمة فدل ذلك على أن الصلاة قبل العصر وقبل المغرب وقبل العشاء من ~~التطوع المشروع وليس هو من السنن الراتبة التى قدرها بقوله ولا داوم عليها ~~بفعله # ومن ظن أنه كان له سنة يصليها قبل العصر قضاها بعد العصر فقد غلط وإنما ~~كانت تلك ركعتى الظهر لما فاتته قضاها بعد العصر وما يفعل بعد الظهر فهو ~~قبل العصر ولم يقض بعد العصر إلا الركعتين بعد الظهر # و ( التطوع المشروع ( كالصلاة بين الأذانين وكالصلاة وقت الضحى ونحو ذلك ~~هو كسائر التطوعات من الذكر والقراءة والدعاء مما قد يكون مستحبا لمن لا ~~يشتغل عنه بما هو أفضل منه ولا يكون مستحبا لمن اشتغل عنه بما هو أفضل منه ~~والمداومة على القليل أفضل من كثير لا يداوم عليه ولهذا كان عمل رسول الله ~~ديمة # واستحب الأئمة أن يكون للرجل عدد من الركعات يقوم بها من PageV22P282 ~~الليل لا يتركها فإن نشط أطالها وإن كسل خففها وإذا نام عنها صلى بدلها من ~~النهار كما كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا نام عن صلاة الليل صلى في ms6688 ~~النهار إثنتى عشرة ركعة وقال ( من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى ~~صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ( # ومن هذا الباب ( صلاة الضحى ( فإن النبى لم يكن يداوم عليها بإتفاق أهل ~~العلم بسنته ومن زعم من الفقهاء أن ركعتى الضحى كانتا واجبتين عليه فقد غلط ~~والحديث الذى يذكرونه ( ثلاث هن على فريضة ولكم تطوع الوتر والفجر وركعتا ~~الضحى ( حديث موضوع بل ثبت في حديث صحيح لا معارض له أن النبى كان يصلى وقت ~~الضحى لسبب عارض لا لأجل الوقت مثل أن ينام من الليل فيصلى من النهار إثنتى ~~عشرة ركعة ومثل أن يقدم من سفر وقت الضحى فيدخل المسجد فيصلى فيه # ومثل ما صلى لما فتح مكة ثمانى ركعات وهذه الصلاة كانوا يسمونها ( صلاة ~~الفتح ( وكان من الأمراء من يصليها إذا فتح مصرا فإن النبى إنما صلاها لما ~~فتح مكة ولو كان سببها مجرد الوقت كقيام الليل لم يختص بفتح مكة ولهذا كان ~~PageV22P283 من الصحابة من لا يصلى الضحى لكن قد ثبت في الصحيحين عن أبى ~~هريرة رضى الله عنه قال أوصانى خليلى بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر ~~وركعتى الضحى وأن أوتر قبل أن أنام ( وفى رواية لمسلم ( وركعتى الضحى كل ~~يوم ( # وفى صحيح مسلم عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يصبح ~~على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة ~~صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهى عن المنكر صدقة ويجزى من ذلك ~~ركعتان يركعهما من الضحى ( وفى صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال ( خرج النبى ~~على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال ( صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من ~~الضحى ( وهذه ا لأحاديث الصحيحة وأمثالها تبين إن الصلاة وقت الضحى حسنة ~~محبوبة ( # بقى أن يقال فهل الأفضل المداومة عليها كما في حديث أبى هريرة أو الأفضل ~~ترك المداومة إقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم هذا مما تنازعوا فيه ~~والأشبه أن ms6689 يقال من كان مداوما على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة ~~الضحى كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعل ومن كان ينام عن قيام الليل ~~فصلاة الضحى بدل عن قيام الليل PageV22P284 # وفى حديث أبى هريرة أنه أوصاه أن يوتر قبل أن ينام وهذا إنما يوصى به من ~~لم يكن عادته قيام الليل وإلا فمن كانت عادته قيام الليل وهو يستيقظ غالبا ~~من الليل فالوتر آخر الليل أفضل له كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبى ( من ~~خشى أن لا يستيقظ آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يستيقظ آخره فليوتر ~~آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل ( وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( ~~أنه سئل أى الصلاة أفضل بعد المكتوبة فقال قيام الليل ( ### ||| فصل # والقسم الثالث ما قد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم فيه أنه سن الأمرين ~~لكن بعض أهل العلم حرم أحد النوعين أو كرهه لكونه لم يبلغه أو تأول الحديث ~~تأويلا ضعيفا والصواب في مثل هذا أن كل ما سنه رسول الله لأمته فهو مسنون ~~لا ينهى عن شيء منه وإن كان بعضه أفضل من ذلك # فمن ذلك أنواع التشهدات فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم تشهد إبن مسعود وثبت عنه في صحيح PageV22P285 مسلم تشهد أبى موسى ~~وألفاظه قريبة من ألفاظه وثبت عنه في صحيح مسلم تشهد إبن عباس # وفى السنن تشهد إبن عمر وعائشة وجابر وثبت في الموطأ وغيره أن عمر بن ~~الخطاب علم المسلمين تشهدا على منبر النبى ولم يكن عمر ليعلمهم تشهدا ~~يقرونه عليه إلا وهو مشروع فلهذا كان الصواب عند الأئمة المحققين أن التشهد ~~بكل من هذه جائز لا كراهة فيه ومن قال إن الإتيان بالفاظ تشهد إبن مسعود ~~واجب كما قاله بعض أصحاب أحمد فقد أخطأ # ومن ذلك الأذان والإقامة فإنه قد ثبت في الصحيح عن أنس أن بلالا أمر أن ~~يشفع الأذان ويوتر الإقامة وثبت في الصحيح ( أنه علم أبا محذورة الأذان ms6690 ~~والإقامة فرجع في الأذان وثنى الإقامة ( وفى بعض طرقه أنه كبر في أوله ~~أربعا كما في السنن وفى بعضها أنه كبر مرتين كما في صحيح مسلم # وفى السنن أن أذان بلال الذى رواه عبد الله بن زيد ليس فيه ترجيع للأذان ~~ولا تثنية للإقامة فكل واحد من أذان بلال وأبى محذورة سنة فسواء رجع المؤذن ~~في الأذان أو لم يرجع وسواء أفرد الإقامة أو ثناها فقد أحسن وإتبع السنة ~~PageV22P286 # ومن قال أن الترجيع واجب لابد منه أو أنه مكروه منهى عنه فكلاهما مخطىء ~~وكذلك من قال أن أفراد الإقامة مكروه أو تثنيتها مكروه فقد أخطأ وأما ~~إختيار أحدهما فهذا من مسائل الإجتهاد كإختيار بعض القراءات على بعض ~~وإختيار بعض التشهدات على بعض # ومن هذا الباب أنواع ( صلاة الخوف ( التى صلاها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك أنواع ( الإستسقاء ( فإنه إستسقى مرة في مسجده بلا صلاة ~~الإستسقاء ومرة خرج إلى الصحراء فصلى بهم ركعتين وكانوا يستسقون بالدعاء ~~بلا صلاة كما فعل ذلك خلفاؤه فكل ذلك حسن جائز # ومن هذا الباب الصوم والفطر للمسافر في رمضان فإن الأئمة الأربعة اتفقوا ~~على جواز الأمرين وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز إلا الفطر ~~وأنه لو صام لم يجزئه وزعموا أن الإذن لهم في الصوم في السفر منسوخ بقوله ( ~~ليس من البر الصيام في السفر ( والصحيح ما عليه الأئمة وليس في هذا الحديث ~~ما ينافى إذنه لهم في الصيام في السفر فإنه نفى أن يكون من البر ولم ينف أن ~~PageV22P287 # يكون جائزا مباحا والفرض يسقط بفعل النوع الجائز المباح إذا أتى بالمأمور ~~به والمراد به كونه في السفر ليس من البر كما لو صام وعطش نفسه بأكل المالح ~~أو صام وأضحى للشمس فإنه يقال ليس من البر الصيام في الشمس ولهذا قال سفيان ~~بن عيينة معناه ليس من صام بأبر ممن لم يصم # ففى هذا ما دل على أن الفطر أفضل فإنه آخر الأمرين من النبى صلى الله ~~عليه وسلم فإنه ms6691 صام أولا في السفر ثم أفطر فيه ومن كان يظن أن الصوم في ~~السفر نقص في الدين فهذا مبتدع ضال وإذا صام على هذا الوجه معتقدا وجوب ~~الصوم عليه وتحريم الفطر فقد أمر طائفة من السلف والخلف بالإعادة # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أن حمزة إبن عمرو سأله فقال إننى رجل أكثر ~~الصوم أفأصوم في السفر فقال ( إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس ( فإذا فعل ~~الرجل في السفر أيسر الأمرين عليه من تعجيل الصوم أو تأخيره فقد أحسن فإن ~~الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر أما إذا كان الصوم في السفر أشق ~~عليه من تأخيره فالتأخير أفضل فإن في المسند عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ( وأخرجه ~~بعضهم إما إبن خزيمة وإما غيره في صحيحه وهذه الصحاح مرتبتها دون مرتبة ~~صحيحى البخارى ومسلم PageV22P288 # وأما صوم يوم الغيم إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من ~~شعبان فكان في الصحابة من يصومه إحتياطا وكان منهم من يفطر ولم نعلم أحدا ~~منهم أوجب صومه بل الذين صاموه إنما صاموه على طريق التحرى والإحتياط ~~والآثار المنقولة عنهم صريحة في ذلك كما نقل عن عمر وعلى ومعاوية وعبد الله ~~إبن عمر وعائشة وغيرهم # والعلماء متنازعون فيه على أقوال منهم من نهى عن صومه نهى تحريم أو تنزيه ~~كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك والشافعى وأحمد ومنهم من يوجبه كما ~~يقول ذلك طائفة من أصحاب أحمد ومنهم من يشرع فيه الأمرين بمنزلة الإمساك ~~إذا غم مطلع الفجر وهذا مذهب أبى حنيفة وهو المنصوص عن أحمد فإنه كان يصومه ~~على طريق الإحتياط إتباعا لإبن عمر وغيره لا على طريق الإيجاب كسائر ما يشك ~~في وجوبه فإنه يستحب فعله إحتياطا من غير وجوب # وإذا صامه الرجل بنية معلقة بأن ينوى إن كان من رمضان أجزأه وإلا فلا ~~فتبين أنه من رمضان أجزأه ذلك عند أكثر ms6692 العلماء وهو مذهب أبى حنيفة وأصح ~~الروايتين عن أحمد وغيره فإن النية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله نواه ~~بغير إختياره وأما إذا لم يعلم الشيء فيمتنع أن يقصده PageV22P289 فلا ~~يتصور أن يقصد صوم رمضان جزما من لم يعلم أنه من رمضان # وقد يدخل في هذا الباب القصر في السفر والجمع بين الصلاتين والذى مضت به ~~سنة رسول الله أنه كان يقصر في السفر فلا يصلى الرباعية في السفر إلا ~~ركعتين وكذلك الشيخان بعده أبوبكر ثم عمر # وما كان يجمع في السفر بين الصلاتين إلا أحيانا عند الحاجة لم يكن جمعه ~~كقصره بل القصر سنة راتبة والجمع رخصة عارضة فمن نقل عن النبى أنه ربع في ~~السفر الظهر أو العصر أو العشاء فهذا غلط فإن هذا لم ينقله عنه أحد لا ~~باسناد صحيح ولا ضعيف ولكن روى بعض الناس حديثا عن عائشة أنها قالت ( كان ~~رسول الله في السفر يقصر وتتم ويفطر وتصوم فسألته عن ذلك فقال أحسنت يا ~~عائشة ( فتوهم بعض العلماء أنه هو كان الذى يقصر في السفر ويتم وهذا لم ~~يروه أحد ونفس الحديث المروى في فعلها باطل ولم تكن عائشة ولا أحد غيرها ~~ممن كان مع النبى يصلى إلا كصلاته ولم يصل معه أحد أربعا قط لا بعرفة ولا ~~بمزدلفة ولا غيرهما لا من أهل مكة ولا من غيرهم بل جميع المسلمين كانوا ~~يصلون معه ركعتين وكان يقيم بمنى أيام الموسم يصلى بالناس ركعتين وكذلك ~~بعده أبوبكر ثم عمر PageV22P290 ثم عثمان بن عفان في أول خلافته ثم صلى بعد ~~ذلك اربعا لأمور رآها تقتضى ذلك فإختلف الناس عليه فمنهم من وافقه ومنهم من ~~خالفه # ولم يجمع النبى في حجة الوداع إلا بعرفة وبمزدلفة خاصة لكنه كان إذا جد ~~به السير في غير ذلك من أسفاره أخر المغرب إلى بعد العشاء ثم صلاهما جميعا ~~ثم أخر الظهر إلى وقت العصر فصلاهما جميعا ولهذا كان الصحيح من قولى ~~العلماء أن القصر في السفر يجوز سواء نوى القصر ms6693 أو لم ينوه وكذلك الجمع حيث ~~يجوز له سواء نواه مع الصلاة الأولى أو لم ينوه فإن الصحابة لما صلوا خلف ~~النبى بعرفة الظهر ركعتين ثم العصر ركعتين لم يأمرهم عند إفتتاح صلاة الظهر ~~بأن ينووا الجمع ولا كانوا يعلمون أنه يجمع لأنه لم يفعل ذلك في غير سفرته ~~تلك ولا أمر أحدا خلفه لا من أهل مكة ولا غيرهم أن ينفرد عنه لا بتربيع ~~الصلاتين ولا بتأخير صلاة العصر بل صلوها معه # وقد إتفق العلماء على جواز القصر في السفر وإتفقوا أنه الأفضل إلا قولا ~~شاذا لبعضهم وإتفقوا أن فعل كل صلاة في وقتها في السفر أفضل إذا لم يكن ~~هناك سبب يوجب الجمع إلا قولا شاذا لبعضهم PageV22P291 # والقصر سببه السفر خاصة لا يجوز في غير السفر وإما الجمع فسببه الحاجة ~~والعذر فإذا إحتاج إليه جمع في السفر القصير والطويل وكذلك الجمع للمطر ~~ونحوه وللمرض ونحوه ولغير ذلك من الأسباب فإن المقصود به رفع الحرج عن ~~الأمة ولم يرد عن النبى أنه جمع في السفر وهو نازل إلا في حديث واحد ولهذا ~~تنازع المجوزون للجمع كمالك والشافعى وأحمد هل يجوز الجمع للمسافر النازل ~~فمنع منه مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وجوزه الشافعى وأحمد في الرواية ~~الأخرى ومنع أبوحنيفة الجمع إلا بعرفة ومزدلفة # ومن هذا الباب التمتع والإفراد والقران في الحج فإن مذهب الأئمة الأربعة ~~وجمهور الأمة جواز الأمور الثلاثة # وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز إلا التمتع وهو قول إبن عباس ~~ومن وافقه من أهل الحديث والشيعة وكان طائفة من بنى أمية ومن إتبعهم ينهون ~~عن المتعة ويعاقبون من تمتع # وقد تنازع العلماء في حج النبى هل تمتع فيه أو أفرد أو قرن وتنازعوا أى ~~الثلاثة أفضل فطائفة من أصحاب أحمد تظن أنه تمتع تمتعا حل فيه من إحرامه ~~وطائفة أخرى تظن أنه أحرم بالعمرة ولم يحرم بالحج حتى طاف وسعى للعمرة ~~PageV22P292 # وطائفة من اصحاب مالك والشافعى تظن أنه أفرد الحج وإعتمر عقيب ذلك وطائفة ms6694 ~~من أصحاب أبى حنيفة تظن أنه قرن قرانا طاف فيه طوافين وسعى فيه سعيين ~~وطائفة تظن أنه أحرم مطلقا وكل ذلك خطأ لم تروه الصحابة رضوان الله عليهم ~~بل عامة روايات الصحابة متفقة ومن نسبهم إلى الإختلاف في ذلك فلعدم فهمه ~~أحكامهم فإن الصحابة نقلوا أن النبى تمتع بالعمرة إلى الحج هكذا الذى نقله ~~عامة الصحابة ونقل غير واحد من هؤلاء وغيرهم أنه قرن بين العمرة والحج وأنه ~~أهل بهما جميعا كما نقلوا أنه إعتمر مع حجته مع إتفاقهم على أنه لم يعتمر ~~بعد الحج بل لم يعتمر معه من أصحابه بعد الحج إلا عائشة لأجل حيضتها # ولفظ ( المتمتع ( في الكتاب والسنة وكلام الصحابة إسم لمن جمع بين العمرة ~~والحج في أشهر الحج سواء أحرم بهما جميعا أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها ~~الحج أو أحرم بالحج بعد تحلله من العمرة وهذا هو التمتع الخاص في عرف ~~المتأخرين وأحرم بالحج بعد قضاء العمرة قبل التحلل منها لكونه ساق الهدى أو ~~مع كونه لم يسقه وهذا قد يسمونه متمتعا التمتع الخاص وقارنا وقد يقولون لا ~~يدخل في التمتع الخاص بل هو قارن # وما ذكرته من أن القران يسمونه تمتعا جاء مصرحا به في أحاديث PageV22P293 ~~صحيحة وهؤلاء الذين نقلوا أنه تمتع نقل بعضهم أنه أفرد الحج فإنه أفرد ~~أعمال الحج ولم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدى فهو لم يتمتع متعة حل فيها ~~من إحرامه فلهذا صار كالمفرد من هذا الوجه # وأما الأفضل لمن قدم في أشهر الحج ولم يسق الهدى فالتحلل من إحرامه بعمرة ~~أفضل له كما أمر النبى أصحابه في حجة الوداع فإنه أمر كل من لم يسق الهدى ~~بالتمتع ومن ساق الهدى فالقران له أفضل كما فعل النبى ومن إعتمر في سفرة ~~وحج في سفرة أو إعتمر قبل أشهر الحج وأقام حتى يحج فهذا الإفراد له أفضل من ~~التمتع والقران بإتفاق الأئمة الأربعة # ( # وأما القسم الرابع ( فهو مما تنازع العلماء فيه فأوجب أحدهم شيئا أو ~~إستحبه وحرمه الآخر والسنة ms6695 لا تدل إلا على أحد القولين لم تسوغهما جميعا ~~فهذا هو أشكل الأقسام الأربعة وأما الثلاثة المتقدمة فالسنة قد سوغت ~~الأمرين # وهذا مثل تنازعهم في قراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر فإن للعلماء فيه ~~ثلاثة أقوال قيل ليس له أن يقرأ حال جهر الإمام إذا كان يسمع لا بالفاتحة ~~ولا غيرها وهذا قول الجمهور من السلف PageV22P294 والخلف وهذا مذهب مالك ~~وأحمد وأبى حنيفة وغيرهم وأحد قولى الشافعى وقيل بل يجوز الأمران والقراءة ~~أفضل ويروى هذا عن الأوزاعى وأهل الشام والليث بن سعد وهو إختيار طائفة من ~~أصحاب أحمد وغيرهم وقيل بل القراءة واجبة وهو القول الآخر للشافعى # وقول الجمهور هو الصحيح فإن الله سبحانه قال @QB@ وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون @QE@ قال أحمد ( أجمع الناس على أنها ~~نزلت في الصلاة وقد ثبت في الصحيح من حديث أبى موسى عن النبى أنه قال ( ~~إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا وإذا كبر وركع ~~فكبروا وإركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم فتلك بتلك ( الحديث إلى ~~آخره وروى هذا اللفظ من حديث أبى هريرة أيضا وذكر مسلم أنه ثابت فقد أمر ~~الله ورسوله بالإنصات للإمام إذا قرأ وجعل النبى صلى الله عليه وسلم ذلك من ~~جملة الإئتمام به فمن لم ينصت له لم يكن قد إئتم به ومعلوم أن الإمام يجهر ~~لأجل المأموم ولهذا يؤمن المأموم على دعائه فإذا لم يستمع لقراءته ضاع جهره ~~ومصلحة متابعة الإمام مقدمة على مصلحة ما يؤمر به المنفرد ألا ترى أنه لو ~~أدرك الإمام في وتر من صلاته فعل كما يفعل فيتشهد عقيب الوتر PageV22P295 ~~ويسجد بعد التكبير إذا وجده ساجدا كل ذلك لأجل المتابعة فكيف لا يستمع ~~لقراءته مع أنه بالإستماع يحصل له مصلحة القراءة فإن المستمع له مثل أجر ~~القارئ # ومما يبين هذا إتفاقهم كلهم على أنه لا يقرأ معه فيما زاد على الفاتحة ~~إذا جهر فلولا أنه يحصل له أجر القراءة بإنصاته له لكانت قراءته لنفسه أفضل ~~من ms6696 إستماعه للإمام وإذا كان يحصل له بالإنصات أجر القارئ لم يحتج إلى ~~قراءته فلا يكون فيها منفعة بل فيها مضرة شغلته عن الإستماع المأمور به وقد ~~تنازعوا إذا لم يسمع الإمام لكون الصلاة صلاة مخافتة أو لبعد المأموم أو ~~طرشه أو نحو ذلك هل الأولى له أن يقرأ أو يسكت والصحيح أن الأولى له أن ~~يقرأ في هذه المواضع لأنه لا يستمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة فإذا ~~قرأ لنفسه حصل له أجر القراءة وإلا بقى ساكتا لا قارئا ولا مستمعا ومن سكت ~~غير مستمع ولا قارئ في الصلاة لم يكن مأمورا بذلك ولا محمودا بل جميع أفعال ~~الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى كالقراءة والتسبيح والدعاء أو ~~الإستماع للذكر # وإذا قيل بأن الإمام يحمل عنه فرض القراءة فقراءته لنفسه أكمل له وأنفع ~~له وأصلح لقلبه وأرفع له عند ربه والإنصات PageV22P296 لا يؤمر به إلا حال ~~الجهر فأما حال المخافتة فليس فيه صوت مسموع حتى ينصت له # ومن هذا الباب فعل الصلاة التى لها سبب مثل تحية المسجد بعد الفجر والعصر ~~فمن العلماء من يستحب ذلك ومنهم من يكرهه كراهة تحريم أو تنزيه والسنة إما ~~أن تستحبه وإما أن تكرهه والصحيح قول من إستحب ذلك وهو مذهب الشافعى وأحمد ~~في إحدى الروايتين إختارها طائفة من أصحابه فإن أحاديث النهى عن الصلاة في ~~هذه الأوقات مثل قوله ( لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد ~~العصر حتى تغرب الشمس ( عموم مخصوص خص منها صلاة الجنائز بإتفاق المسلمين ~~وخص منها قضاء الفوائت بقوله ( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس ~~فقد أدرك الصبح ( # وقد ثبت عن النبى أنه قضى ركعتى الظهر بعد العصر وقال للرجلين اللذين ~~رآهما لم يصليا بعد الفجر في مسجد الخيف ( إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما ~~مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ( وقد قال ( يا بنى عبد مناف لا ~~تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى فيه أية ساعة شاء من ms6697 ليل أو نهار ( فهذا ~~المنصوص يبين أن ذلك العموم خرجت منه صورة PageV22P297 # أما قوله ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين ( فهو أمر عام ~~لم يخص منه صورة فلا يجوز تخصيصه بعموم مخصوص بل العموم المحفوظ أولى من ~~العموم المخصوص # وأيضا فإن الصلاة والإمام على المنبر أشد من الصلاة بعد الفجر والعصر وقد ~~ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا يجلس ~~حتى يصلى ركعتين ( فلما أمر بالركعتين في وقت هذا النهى فكذلك في وقت ذلك ~~النهى وأولى ولأن أحاديث النهى في بعضها ( لا تتحروا بصلاتكم ( فنهى عن ~~التحرى للصلاة ذلك الوقت ولأن من العلماء من قال ( إن النهى فيها نهى تنزيه ~~لا تحريم ( # ومن السلف من جوز التطوع بعد العصر مطلقا وإحتجوا بحديث عائشة لأن النهى ~~عن الصلاة إنما كان سدا للذريعة إلى التشبه بالكفار وما كان منهيا عنه ~~للذريعة فإنه يفعل لأجل المصلحة الراجحة كالصلاة التى لها سبب تفوت بفوات ~~السبب فإن لم تفعل فيه وإلا فاتت المصلحة والتطوع المطلق لا يحتاج إلى فعله ~~وقت النهى فإن الإنسان لا يستغرق الليل والنهار بالصلاة فلم يكن في النهى ~~تفويت مصلحة وفى فعله فيه مفسدة بخلاف التطوع الذى له سبب يفوت كسجدة ~~التلاوة وصلاة الكسوف ثم أنه إذا جاز ركعتا الطواف مع إمكان تأخير ~~PageV22P298 الطواف فما يفوت أولى أن يجوز # وطائفة من أصحابنا يجوزون قضاء السنن الرواتب دون غيرها لكون النبى قضى ~~ركعتى الظهر وروى عنه أنه رخص في قضاء ركعتى الفجر فيقال إذا جاز قضاء ~~السنة الراتبة مع إمكان تأخيرها فما يفوت كالكسوف وسجود التلاوة وتحية ~~المسجد أولى أن يجوز بل قد ثبت بالحديث الصحيح قضاء الفريضة في هذا الوقت ~~مع أنه قد يستحب تأخير قضائها كما أخر النبى قضاء الفجر لما نام عنها في ~~غزوة خيبر وقال ( إن هذا واد حضرنا فيه الشيطان فإذا جاز فعل ما يمكن ~~تأخيره فما لا يمكن ولا يستحب تأخيره أولى وبسط هذه المسائل لا يمكن ms6698 في هذا ~~الجواب ### ||| فصل # وأما قيام الليل وصيام النهار فالأفضل في ذلك ما ثبت في الصحيح عن النبى ~~أنه فعله وقال ( أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه ~~وينام سدسه وأفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ولايفر إذا ~~لاقى ( وقد ثبت PageV22P299 في الصحاح أن عبد الله بن عمرو قال لأصومن ~~النهار ولأقومن الليل ولأقران القرآن كل يوم فقال له النبى ( لا تفعل فإنك ~~إذا فعلت ذلك هجمت له العين أى غارت ونفهت له النفس أى سئمت ولكن صم من كل ~~شهر ثلاثة ايام فذلك صيامك الدهر ( يعنى الحسنة بعشر أمثالها فقال ( أنى ~~أطيق أفضل من ذلك فما زال يزايده حتى قال ( صم يوما وأفطر يوما ( قال أنى ~~أطيق أفضل من ذلك قال ( لا أفضل من ذلك ( وقال له ( في القراءة ( اقرأ ~~القرآن في كل شهر فما زال يزايده حتى قال أقرأ في سبع ( وذكر له أن أفضل ~~القيام قيام داود وقال له ( إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولزوجك عليك ~~حقا فآت كل ذى حق حقه ) فبين له أن المداومة على هذا العمل تغير البدن ~~والنفس وتمنع من فعل ما هو أجر من ذلك من القيام لحق النفس والأهل والزوج # وأفضل الجهاد والعمل الصالح ما كان أطوع للرب وأنفع للعبد فإذا كان يضره ~~ويمنعه مما هو أنفع منه لم يكن ذلك صالحا وقد ثبت في الصحيح أن رجالا قال ~~أحدهم أما أنا فأصوم لا أفطر وقال الآخر أما أنا فأقوم لا أنام وقال الآخر ~~أما أنا فلا آكل اللحم وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء فقال ~~PageV22P300 ( ما بال رجال يقول أحدهم كيت وكيت لكنى أصوم وأفطر وأقوم ~~وانام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى ( فبين صلى الله ~~عليه وسلم أن مثل هذا الزهد الفاسد والعبادة الفاسدة ليست من سنته فمن رغب ~~فيها عن سنته فرآها خيرا من سنته فليس منه # وقد قال أبى بن كعب ( عليكم بالسبيل والسنة ms6699 فإنه ما من عبد على السبيل ~~والسنة ذكر الله خاليا فإقشعر جلده من خشية الله إلا تحاتت عنه خطاياه كما ~~يتحات الورق اليابس عن الشجر وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا ~~ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبدا وإن إقتصادا في سبيل وسنة ~~خير من إجتهاد في خلاف سبيل وسنة فإحرصوا أن تكون أعمالكم إن كانت إجتهادا ~~أو إقتصادا على منهاج الأنبياء وسنتهم وكذلك قال عبد الله بن مسعود إقتصاد ~~في سنة خير من إجتهاد في بدعة # وقد تنازع العلماء في سرد الصوم إذا أفطر يومى العيدين وأيام منى فإستحب ~~ذلك طائفة من الفقهاء والعباد فرأوه أفضل من صوم يوم وفطر يوم وطائفة أخرى ~~لم يروه أفضل بل جعلوه سائغا بلا كراهة وجعلوا صوم شطر الدهر أفضل منه ~~وحملوا ما ورد في ترك صوم الدهر على من صام أيام النهى والقول الثالث ~~PageV22P301 وهو الصواب قول من جعل ذلك تركا للأولى أو كره ذلك فإن ~~الأحاديث الصحيحة عن النبى كنهيه لعبدالله بن عمرو عن ذلك وقوله ( من صام ~~الدهر فلا صام ولا أفطر ( وغيرها صريحة في أن هذا ليس بمشروع # ومن حمل ذلك على أن المراد صوم الأيام الخمسة فقد غلط فإن صوم الدهر لا ~~يراد به صوم خمسة أيام فقط وتلك الخمسة صومها محرم ولو أفطر غيرها فلم ينه ~~عنها لكون ذلك صوما للدهر ولا يجوز أن ينهى عن صوم أكثر من ثلاثمائة يوم ~~والمراد خمسة بل مثال هذا مثال من قال إئتنى بكل من في الجامع وأراد به ~~خمسة منهم وأيضا فإنه علل ذلك بأنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له ~~النفس وهذا إنما يكون في سرد الصوم لا في صوم الخمسة # وأيضا فإن في الصحيح ( أن سائلا سأله عن صوم الدهر فقال من صام الدهر فلا ~~صام ولا أفطر قال فمن يصوم يومين ويفطر يوما فقال ومن يطيق ذلك قال فمن ~~يصوم يوما ويفطر يومين فقال وددت أنى طوقت ذلك ms6700 فقال فمن يصوم يوما ويفطر ~~يوما فقال ذلك أفضل الصوم ( فسألوه عن صوم الدهر ثم عن صوم ثلثيه ثم عن صوم ~~ثلثه ثم عن صوم شطره PageV22P302 وأما قوله ( صيام ثلاثة أيام من كل شهر ~~يعدل صيام الدهر ( وقوله ( من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام ~~الدهر الحسنة بعشر أمثالها ( ونحو ذلك فمراده أن من فعل هذا يحصل له أجر ~~صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة فإذا صام ثلاثة أيام من كل ~~شهر حصل له أجر صوم الدهر بدون شهر رمضان وإذا صام رمضان وستا من شوال حصل ~~بالمجموع أجر صوم الدهر وكان القياس أن يكون إستغراق الزمان بالصوم عبادة ~~لولا ما في ذلك من المعارض الراجح وقد بين النبى الراجح وهو إضاعة ما هو ~~أولى من الصوم وحصول المفسدة راجحة فيكون قد فوت مصلحة راجحة واجبة أو ~~مستحبة مع حصول مفسدة راجحة على مصلحة الصوم # وقد بين صلى الله عليه وسلم حكمة النهى فقال ( من صام الدهر فلا صام ولا ~~أفطر ( فإنه يصير الصيام له عادة كصيام الليل فلا ينتفع بهذا الصوم ولا ~~يكون صام ولا هو أيضا أفطر # ومن نقل عن الصحابة أنه سرد الصوم فقد ذهب إلى أحد هذه الأقوال وكذلك من ~~نقل عنه أنه كان يقوم جميع الليل دائما أو أنه يصلى الصبح بوضوء العشاء ~~الآخرة كذا كذا سنة مع أن كثيرا من المنقول من ذلك ضعيف وقال عبد الله بن ~~مسعود لأصحابه أنتم PageV22P303 أكثر صوما وصلاة من اصحاب محمد وهم كانوا ~~خيرا منكم قالوا لم يا أبا عبد الرحمن قال لأنهم كانوا أزهد في الدنيا ~~وأرغب في الآخرة # فأما سرد الصوم بعض العام فهذا قد كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعله قد ~~كان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم # وكذلك قيام بعض الليالى جميعها كالعشر الأخير من رمضان أو قيام غيرها ~~أحيانا فهذا مما جاءت به السنن وقد كان الصحابة يفعلونه فثبت في الصحيح ( ~~أن ms6701 النبى كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد المئزر وأيقظ أهله واحيا ~~ليله كله ( # وفى السنن أنه قام بآية ليلة حتى أصبح @QB@ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم @QE@ ولكن غالب قيامه كان جوف الليل وكان ~~يصلى بمن حضر عنده كما صلى ليلة بإبن عباس وليلة بإبن مسعود وليلة بحذيفة ~~بن اليمان وقد كان أحيانا يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء وآل عمران ويركع ~~نحوا من قيامه يقول في ركوعه ( سبحان ربي العظيم سبحان ربى العظيم ( ويرفع ~~نحوا من ركوعه PageV22P304 يقول ( لربى الحمد لربى الحمد ( ويسجد نحوا من ~~قيامه يقول ( سبحان ربى الأعلى سبحان ربى الأعلى ( ويجلس نحوا من سجوده ~~يقول ( ربى إغفر لى رب إغفر لى ( ويسجد # وأما ( الوصال في الصيام ( فقد ثبت انه نهى عنه أصحابه ولم يرخص لهم إلا ~~في الوصال إلى السحر وأخبر أنه ليس كأحدهم وقد كان طائفة من المجتهدين في ~~العبادة يواصلون منهم من يبقى شهرا لا يأكل ولا يشرب ومنهم من يبقى شهرين ~~وأكثر وأقل ولكن كثير من هؤلاء ندم على ما فعل وظهر ذلك في بعضهم فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بطريق الله وأنصح الخلق لعباد الله ~~وأفضل الخلق وأطوعهم له وأتبعهم لسنته # والأحوال التى تحصل عن أعمال فيها مخالفة السنة أحوال غير محمودة وإن كان ~~فيها مكاشفات وفيها تأثيرات فمن كان خبيرا بهذا الباب علم أن الأحوال ~~الحاصلة عن عبادات غير مشروعة كالأموال المكسوبة بطريق غير شرعى والملك ~~الحاصل بطريق غير شرعى فإن لم يتدارك الله عبده بتوبة يتبع بها الطريق ~~الشرعية وإلا كانت تلك الأمور سببا لضرر يحصل له ثم قد يكون مجتهدا مخطئا ~~مغفورا له خطؤه وقد يكون مذنبا ذنبا مغفورا لحسنات ماحية وقد يكون مبتلى ~~بمصائب تكفر عنه وقد يعاقب بسلب تلك الأحوال PageV22P305 وإذا أصر على ترك ~~ما أمر به من السنة وفعل ما نهى عنه فقد يعاقب بسلب فعل الواجبات حتى قد ~~يصير فاسقا أو داعيا إلى بدعة وإن ms6702 أصر على الكبائر فقد يخاف عليه أن يسلب ~~الإيمان فإن البدع لا تزال تخرج الإنسان من صغير إلى كبير حتى تخرجه إلى ~~الإلحاد والزندقة كما وقع هذا لغير واحد ممن كان لهم أحوال من المكاشفات ~~والتأثيرات وقد عرفنا من هذا ماليس هذا موضع ذكره # فالسنة مثال سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق قال الزهري كان من ~~مضى من علمائنا يقولون الإعتصام بالسنة نجاة وعامة من تجد له حالا من ~~مكاشفة أو تأثير أعان به الكفار أو الفجار أو إستعمله في غير ذلك من معصية ~~فإنما ذاك نتيجة عبادات غير شرعية كمن إكتسب أموالا محرمة فلا يكاد ينفقها ~~إلا في معصية الله # ( # والبدع نوعان ( # نوع في الأقوال والإعتقادات ونوع في الأفعال والعبادات وهذا الثانى يتضمن ~~الأول كما أن الأول يدعو إلى الثانى # فالمنتسبون إلى العلم والنظر وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم يعتصموا ~~بالكتاب والسنة من القسم الأول # والمنتسبون إلى العبادة والنظر والإرادة وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم ~~يعتصموا بالكتاب PageV22P306 والسنة من القسم الثانى ( وقد أمرنا الله أن ~~نقول في كل صلاة @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ آمين وصح عن النبى أنه قال ( اليهود مغضوب ~~عليهم والنصارى ضالون ( قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من العلماء ~~ففيه شبه من اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى وكان السلف ~~يقولون إحذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل ~~مفتون فطالب العلم أن لم يقترن بطلبه فعل ما يجب عليه وترك ما يحرم عليه من ~~الإعتصام بالكتاب والسنة وإلا وقع في الضلال # وأهل الإرادة إن لم يقترن بإرادتهم طلب العلم الواجب عليهم الإعتصام ~~بالكتاب والسنة وإلا وقعوا في الضلال والبغى ولو إعتصم رجل بالعلم الشرعي ~~من غير عمل بالواجب كان غاويا وإذا إعتصم بالعبادة الشرعية من غير علم ~~بالواجب كان ضالا والضلال سمة النصارى والبغى سمة اليهود مع أن كلا من ~~الأمتين فيها الضلال ms6703 والبغى ولهذا تجد من إنحرف عن الشريعة في الأمر والنهى ~~من أهل الإرادة والعبادة والسلوك والطريق ينتهون إلى الفناء الذى لا يميزون ~~فيه بين المأمور والمحظور فيكونون فيه متبعين أهواءهم # وإنما الفناء الشرعى أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه PageV22P307 ~~وبطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه وبسؤاله عن ~~سؤال ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وهذا هو إخلاص الدين لله وعبادته وحده ~~لا شريك له وهو دين الإسلام الذى أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب # وتجد أيضا من إنحرف عن الشريعة من الجبر والنفى والإثبات من أهل العلم ~~والنظر والكلام والبحث ينتهى أمرهم إلى الشك والحيرة كما ينتهى الأولون إلى ~~الشطح والطامات فهؤلاء لا يصدقون بالحق وأولئك يصدقون بالباطل وإنما يتحقق ~~الدين بتصديق الرسول في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر باطنا وظاهرا من ~~المعارف والأحوال القلبية وفى الأقوال والأعمال الظاهرة # ومن عظم مطلق السهر والجوع وأمر بهما مطلقا فهو مخطىء بل المحمود السهر ~~الشرعى والجوع الشرعى فالسهر الشرعى كما تقدم من صلاة أو ذكر أو قراءة أو ~~كتابة علم أو نظر فيه أو درسه أو غير ذلك من العبادات والأفضل يتنوع بتنوع ~~الناس فبعض العلماء يقول كتابة الحديث أفضل من صلاة النافلة وبعض الشيوخ ~~يقول ركعتان أصليهما بالليل حيث لا يرانى أحد أفضل من كتابة مائة حديث وآخر ~~من الأئمة يقول بل الأفضل فعل هذا وهذا والأفضل يتنوع بتنوع أحوال الناس ~~فمن الأعمال ما يكون جنسه أفضل ثم يكون PageV22P308 تارة مرجوحا أو منهيا ~~عنه كالصلاة فإنها أفضل من قراءة القرآن وقراءة القرآن أفضل من الذكر ~~والذكر أفضل من الدعاء ثم الصلاة في أوقات النهى كما بعد الفجر والعصر ووقت ~~الخطبة منهى عنها والإشتغال حينئذ إما بقراءة أو ذكر أو دعاء أوإستماع أفضل ~~من ذلك # وكذلك قراءة القرآن أفضل من الذكر ثم الذكر في الركوع والسجود هو المشروع ~~دون قراءة القرآن وكذلك الدعاء في آخر الصلاة هو المشروع دون ms6704 القراءة ~~والذكر وقد يكون الشخص يصلح دينه على العمل المفضول دون الأفضل فيكون أفضل ~~في حقه كما أن الحج في حق النساء أفضل من الجهاد # ومن الناس من تكون القراءة أنفع له من الصلاة ومنهم من يكون الذكر أنفع ~~له من القراءة ومنهم من يكون إجتهاده في الدعاء لكمال ضرورته أفضل له من ~~ذكر هو فيه غافل والشخص الواحد يكون تارة هذا أفضل له وتارة هذا أفضل له ~~ومعرفة حال كل شخص شخص وبيان الأفضل له لا يمكن ذكره في كتاب بل لا بد من ~~هداية يهدى الله بها عبده إلى ما هو أصلح وما صدق الله عبد إلا صنع له # وفى الصحيح ( أن النبى كان إذا قام من الليل PageV22P309 يقول اللهم رب ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون إهدنى لما إختلف فيه من الحق بإذنك ~~إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ( ### ||| فصل # وأما الأكل واللباس فخير الهدى هدى محمد وكان خلقه في الأكل أنه يأكل ما ~~تيسر إذا إشتهاه ولا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا فكان أن حضر خبز ولحم ~~أكله وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله وإن ~~حضر حلو أو عسل طعمه ايضا وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد وكان يأكل ~~القثاء بالرطب فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول لا آكل لونين ولا ~~يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة # وكان أحيانا يمضى الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار ولا يأكلون إلا ~~التمر والماء وأحيانا يربط على بطنه الحجر من الجوع وكان لا يعيب طعاما فإن ~~إشتهاه أكله وإلا تركه وأكل على PageV22P310 مائدته لحم ضب فإمتنع من أكله ~~وقال ( إنه ليس بحرام ولكن لم يكن بأرض قومى فأجدنى إعافه ( # وكذلك اللباس كان يلبس القميص والعمامة ويلبس الإزار والرداء ويلبس الجبة ~~والفروج وكان يلبس من القطن والصوف وغير ذلك لبس في السفر جبة صوف وكان ms6705 ~~يلبس مما يجلب من اليمن وغيرها وغالب ذلك مصنوع من القطن وكانوا يلبسون من ~~قباطى مصر وهى منسوجة من الكتان فسنته في ذلك تقتضى أن يلبس الرجل ويطعم ~~مما يسره الله ببلده من الطعام واللباس وهذا يتنوع بتنوع الأمصار # وقد كان إجتمع طائفة من أصحابه على الإمتناع من أكل اللحم ونحوه وعلى ~~الإمتناع من تزوج النساء فأنزل الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون @QE@ وفى ~~الصحيحين عنه أنه بلغه أن رجالا قال أحدهم أما أنا فأصوم لا أفطر وقال ~~الآخر أما أنا فأقوم لا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال ~~الآخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال ( لكنى أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج ~~النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى ( وقد قال الله تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون @QE@ PageV22P311 فأمر بأكل الطيبات والشكر لله فمن حرم الطيبات كان ~~معتديا ومن لم يشكر كان مفرطا مضيعا لحق الله وفى صحيح مسلم عن النبى أنه ~~قال ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة ~~فيحمده عليها ( وفى الترمذى وغيره عن النبى أنه قال ( الطاعم الشاكر بمنزلة ~~الصائم الصابر ( # فهذه الطريق التى كان عليها رسول الله عليه وسلم هي أعدل الطرق وأقومها ~~والإنحراف عنها إلى وجهين # قوم يسرفون في تناول الشهوات مع إعراضهم عن القيام بالواجبات وقد قال ~~تعالى @QB@ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ # وقوم يحرمون الطيبات ويبتدعون رهبانية لم يشرعها الله تعالى ولا رهبانية ~~في الإسلام وقد قال تعالى @QB@ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا ms6706 صالحا إني بما تعملون عليم @QE@ وفى الصحيح عن النبى أنه ~~قال ( إن الله أمر المؤمنين PageV22P312 بما أمر به المرسلين فقال تعالى ~~@QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا @QE@ وقال تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم @QE@ ثم ذكر الرجل يطيل السفر ~~أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه ~~حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك ( وكل حلال طيب وكل طيب حلال فإن الله ~~أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث لكن جهة طيبه كونه نافعا لذيذا # والله حرم علينا كل ما يضرنا وأباح لنا كل ما ينفعنا بخلاف أهل الكتاب ~~فإنه بظلم منهم حرم عليهم طيبات أحلت لهم فحرم عليهم طيبات عقوبة لهم ومحمد ~~لم يحرم علينا شيئا من الطيبات والناس تتنوع أحوالهم في الطعام واللباس ~~والجوع والشبع والشخص الواحد يتنوع حاله ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع ~~ولصاحبه أنفع وقد يكون ذلك أيسر العملين وقد يكون أشدهما فليس كل شديد ~~فاضلا ولا كل يسير مفضولا بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد فإنما يأمر به لما ~~فيه من المنفعة لا لمجرد تعذيب النفس كالجهاد الذى قال فيه تعالى @QB@ كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم @QE@ PageV22P313 # والحج هو الجهاد الصغير ولهذا قال النبى لعائشة رضى الله عنها في العمرة ~~( أجرك على قدر نصبك ( وقال تعالى في الجهاد @QB@ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من ~~عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ # وأما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة فليس هذا مشروعا لنا بل ~~أمرنا الله بما ينفعنا ونهانا عما يضرنا وقد قال في الحديث الصحيح ( إنما ~~بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ( وقال لمعاذ وأبى موسى لما بعثهما إلى ~~اليمن ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ( وقال ms6707 ( هذا الدين يسر ولن يشاد ~~الدين أحد إلا غلبه فإستعينوا بالغدوة والروحة وشىء من الدلجة والقصد القصد ~~تبلغوا ( وروى عنه أنه قال ( أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ( # فالإنسان إذا أصابه في الجهاد والحج أو غير ذلك حر أو برد أو جوع ونحو ~~ذلك فهو مما يحمد عليه قال الله تعالى @QB@ وقالوا لا تنفروا في الحر قل ~~نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون @QE@ وكذلك قال ( الكفارات إسباغ الوضوء ~~PageV22P314 على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وإنتظار الصلاة بعد ~~الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط ( # وأما مجرد بروز الإنسان للحر والبرد بلا منفعة شرعية وإحتفاؤه وكشف رأسه ~~ونحو ذلك مما يظن بعض الناس أنه من مجاهدة النفس فهذا إذا لم يكن فيه منفعة ~~للإنسان وطاعة لله فلا خير فيه بل قد ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال ( ما هذا قالوا هذا أبو إسرائيل نذر أن ~~يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مروه فليجلس وليستظل وليتكلم ~~وليتم صومه ( # ولهذا نهى عن الصمت الدائم بل المشروع ما قاله النبى قال ( من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ( فالتكلم بالخير خير من السكوت ~~عنه والسكوت عن الشر خير من التكلم به ### ||| فصل # والأفضل للإمام أن يتحرى صلاة رسول الله التى كان يصليها بأصحابه بل هذا ~~هو المشروع الذى يأمر به الأئمة PageV22P315 كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال ~~لمالك بن الحويرث وصاحبه ( إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما ~~وصلوا كما رأيتمونى أصلى ( # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقرأ في الفجر بما بين الستين آية إلى ~~مائة آية وهذا بالتقريب نحو ثلث جزء إلى نصف جزء من تجزئه ثلاثين فكان يقرأ ~~بطوال المفصل يقرأ بقاف ويقرأ ألم تنزيل وتبارك ويقرأ سورة المؤمنين ويقرأ ~~الصافات ونحو ذلك # وكان يقرأ في الظهر بأقل من ذلك بنحو ثلاثين آية ويقرأ في العصر بأقل من ~~ذلك ويقرأ في المغرب بأقل من ذلك ms6708 مثل قصار المفصل وفى العشاء الآخرة بنحو ( ~~والشمس وضحاها ( و ( الليل إذا يغشى ( ونحوهما # وكان أحيانا يطيل الصلاة ويقرأ بأكثر من ذلك حتى يقرأ في المغرب ( ~~بالأعراف ( ويقرأ فيها ( بالطور ( ويقرأ فيها ( بالمرسلات ( # وأبوبكر الصديق قرأ مرة في الفجر بسورة البقرة وعمر كان يقرأ في الفجر ( ~~بسورة هود ( وسورة يوسف ( ونحوهما وأحيانا يخفف إما لكونه في السفر أو لغير ~~ذلك كما قال صلى PageV22P316 الله عليه وسلم ( إنى لأدخل في الصلاة وأنا ~~أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبى فأخفف لما أعلم من وجد أمه به ( حتى روى ~~عنه أنه قرأ في الفجر ( سورة التكوير ( و ( سورة الزلزلة ( فينبغى للإمام ~~أن يتحرى الإقتداء برسول الله # وإذا كان المأمومون لم يعتادوا لصلاته وربما نفروا عنها درجهم إليها شيئا ~~بعد شيء فلا يبدؤهم بما ينفرهم عنها بل يتبع السنة بحسب الإمكان وليس ~~للإمام أن يطيل على القدر المشروع إلا أن يختاروا ذلك كما ثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم ( من أم الناس فليخفف بهم فإن منهم ~~السقيم والكبير وذا الحاجة ( أخرجاه في الصحيحين وقال ( إذا أم أحدكم الناس ~~فليخفف وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء ( وكان يطيل الركوع والسجود ~~والإعتدالين كما ثبت عنه في الصحيح ( أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يقوم ~~حتى يقول القائل قد نسى وإذا رفع رأسه من السجود يقعد حتى يقول القائل قد ~~نسى ( # وفى السنن أن أنس بن مالك شبه صلاة عمر بن عبد العزيز بصلاته وكان عمر ~~يسبح في الركوع نحو عشر تسبيحات وفى السجود نحو عشر تسبيحات فينبغى للإمام ~~أن يفعل في الغالب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في الغالب وإذا ~~إقتضت المصلحة أن يطيل أكثر PageV22P317 من ذلك أو يقصر عن ذلك فعل ذلك كما ~~كان النبى أحيانا يزيد على ذلك وأحيانا ينقص عن ذلك ### ||| فصل # وأما الوضوء عند كل حدث ففيه حديث بلال المعروف عن بريدة بن حصيب قال ( ~~اصبح رسول الله فدعا بلالا فقال يا بلال بم ms6709 سبقتنى إلى الجنة فما دخلت ~~الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامى دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامى ~~فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت لمن هذا القصر فقالوا لرجل عربى فقلت ~~أنا عربى لمن هذا القصر فقالوا لرجل من قريش قلت أنا رجل من قريش لمن هذا ~~القصر فقالوا لرجل من أمة محمد فقلت أنا محمد لمن هذا القصر فقالوا لعمر بن ~~الخطاب فقال بلال يا رسول الله ما اذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابنى حدث ~~قط إلا توضأت عندها فرأيت أن لله على ركعتين فقال رسول الله عليك بهما ( ~~قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح # وهذا يقتضى استحباب الوضوء عند كل حدث # ولا يعارض PageV22P318 ذلك الحديث الذى في الصحيح عن إبن عباس قال ( كنا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء من الغائط فأتى بطعام فقيل له ألا تتوضأ ~~قال لم أصل فأتوضأ ( فإن هذا ينفى وجوب الوضوء وينفى أن يكون مأمورا ~~بالوضوء لأجل مجرد الأكل ولم نعلم أحدا إستحب الوضوء للأكل إلا إذا كان ~~جنبا وتنازع العلماء في غسل اليدين قبل الأكل هل يكره أو يستحب على قولين ~~هما روايتان عن أحمد # فمن إستحب ذلك إحتج بحديث سلمان أنه قال للنبى ( قرأت في التوراة أن من ~~بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ( ومن كرهه قال ( لأن هذا خلاف سنة ~~المسلمين فإنهم لم يكونوا يتوضؤن قبل الأكل وإنما كان هذا من فعل اليهود ~~فيكره التشبه بهم # وأما حديث سلمان فقد ضعفه بعضهم وقد يقال كان هذا في أول الإسلام لما كان ~~النبى يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولهذا كان يسدل شعره ~~موافقة ثم فرق بعد ذلك ولهذا صام عاشوراء لما قدم المدينة ثم أنه قال قبل ~~موته ( لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع ( يعني مع العاشر لأجل مخالفة ~~اليهود PageV22P319 ### ||| فصل # وأما سؤال السائل عن المواظبة على ما واظب عليه النبى في عبادته وعادته ~~هل هي سنة أم تختلف بإختلاف أحوال الراتبين فيقال الذى ms6710 نحن مأمورون به هو ~~طاعة الله ورسوله فعلينا أن نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما امرنا ~~به فإن الله قد ذكر طاعته في أكثر من ثلاثين موضعا من كتابه فقال تعالى ~~@QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقال @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله @QE@ # وقد أوجب السعادة لمن أطاعه بقوله @QB@ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ وعلق ~~السعادة والشقاوة بطاعته ومعصيته في قوله ( @QB@ ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين @QE@ # وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ( من يطع الله ورسوله PageV22P320 ~~فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا ( وجميع الرسل ~~دعوا إلى عبادة الله وتقواه وخشيته وإلى طاعتهم كما قال نوح عليه السلام ~~@QB@ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ وقال كل من نوح والنبيين ~~@QB@ فاتقوا الله وأطيعون @QE@ # وطاعة الرسول فيما امرنا به هو الأصل الذى على كل مسلم أن يعتمده وهو سبب ~~السعادة كما أن ترك ذلك سبب الشقاوة وطاعته في أمره أولى بنا من موافقته في ~~فعل لم يأمرنا بموافقته فيه بإتفاق المسلمين ولم يتنازع العلماء أن أمره ~~أوكد من فعله فإن فعله قد يكون مختصا به وقد يكون مستحبا وأما أمره لنا فهو ~~من دين الله الذى امرنا به ومن أفعاله ما قد علم أنه أمرنا أن نفعل مثله ~~كقوله ( صلوا كما رأيتمونى أصلى ( وقوله ( لما صلى بهم على المنبر ( إنما ~~فعلت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى ( وقوله لما حج ( خذوا عنى مناسككم ( # وأيضا فقد ثبت بالكتاب والسنة أن ما فعله على وجه العادة فهو مباح لنا ~~إلا أن يقوم دليل على إختصاصه به كما قال سبحانه وتعالى @QB@ فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون ms6711 على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ~~قضوا منهن وطرا @QE@ فأباح له أن يتزوج PageV22P321 أمرأة دعيه ليرفع الحرج ~~عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم فعلم أن ما فعله كان لنا مباحا أن نفعله # ولما خصه ببعض ألأحكام قال @QB@ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم ~~في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما ~~@QE@ فلما أحل له أن ينكح الموهوبة بين أن ذلك خالص له من دون المؤمنين ~~فليس لأحد أن ينكح إمرأة بلا مهر غيره # وفى صحيح مسلم ( أن رجلا سأل رسول الله أيقبل الصائم فقال له سل هذه لام ~~سلمة فأخبرتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فقال يا رسول الله ~~قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له أما والله إننى لأتقاكم ~~لله وأخشاكم له # فلما اجابه بفعله دل ذلك على أنه يباح للأمة ما أبيح له ولهذا كان جمهور ~~علماء الأمة على أن الله إذا أمره بأمر أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له ~~في ذلك ما لم يقم دليل على إختصاصه بذلك PageV22P322 # فمن خصائصه ما كان من خصائص نبوته ورسالته فهذا ليس لأحد أن يقتدى به فيه ~~فإنه لا نبى بعده وهذا مثل كونه يطاع في كل ما يأمر به وينهى عنه وإن لم ~~يعلم جهة أمره حتى يقتل كل من أمر بقتله وليس هذا لأحد بعده فولاة الأمور ~~من العلماء والأمراء يطاعون إذا لم يأمروا بخلاف أمره ولهذا جعل الله ~~طاعتهم في ضمن طاعته قال الله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم @QE@ فقال @QB@ وأطيعوا الرسول وأولي الأمر @QE@ لأن أولى الأمر ~~يطاعون طاعة تابعة لطاعته فلا يطاعون إستقلالا ولا طاعة مطلقة وأما الرسول ~~فيطاع طاعة مطلقة مستقلة فإنه ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ( فقال تعالى ~~@QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ فإذا أمرنا الرسول كان علينا أن ~~نطيعه وأن ms6712 لم نعلم جهة أمره وطاعته طاعة الله لا تكون طاعته بمعصية الله قط ~~بخلاف غيره # وقد ذكر الناس من خصائصه فيما يجب عليه ويحرم عليه ويكرم به ماليس هذا ~~موضع تفصيله وبعض ذلك متفق عليه وبعضه متنازع فيه وقد كان صلى الله عليه ~~وسلم إمام الأمة وهو الذى يقضى بينهم وهو الذى يقسم وهو الذى يغزو بهم وهو ~~الذى يقيم الحدود وهو الذى يستوفى الحقوق وهو الذى يصلى بهم فالإقتداء به ~~في كل مرتبة بحسب تلك المرتبة فأمام الصلاة والحج يقتدى PageV22P323 به في ~~ذلك وأمير الغزو يقتدى به في ذلك والذى يقيم الحدود يقتدى به في ذلك والذى ~~يقضى أو يفتى يقتدى به في ذلك # وقد تنازع الناس في أمور فعلها هل هي من خصائصه أم للأمة فعلها كدخوله في ~~الصلاة إماما بعد أن صلى بالناس غيره وكتركه الصلاة على الغال والقاتل ~~وأيضا فإذا فعل فعلا لسبب وقد علمنا ذلك السبب أمكننا أن نقتدى به فيه فأما ~~إذا لم نعلم السبب أو كان السبب أمرا إتفاقيا فهذا مما يتنازع فيه الناس ~~مثل نزوله في مكان في سفره فمن العلماء من يستحب أن ينزل حيث نزل كما كان ~~إبن عمر يفعل وهؤلاء يقولون نفس موافقته في الفعل هو حسن وإن كان فعله هو ~~إتفاقا ونحن فعلناه لقصد التشبه به ومن العلماء من يقول إنما تستحب ~~المتابعة إذا فعلناه على الوجه الذى فعله فأما إذا فعله إتفاقا لم يشرع لنا ~~أن نقصد مالم يقصده ولهذا كان أكثر المهاجرين والأنصار لا يفعلون كما كان ~~إبن عمر يفعل # وأيضا فالإقتداء به يكون تارة في نوع الفعل وتارة في جنسه فإنه قد يفعل ~~الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره لا لمعنى يخصه فيكون المشروع هو الأمر ~~العام # مثال ذلك إحتجامه فإن ذلك كان لحاجته PageV22P324 إلى إخراج الدم الفاسد ~~ثم التأسى هل هو مخصوص بالحجامة أو المقصود إخراج الدم على الوجه النافع ~~ومعلوم أن التأسى هو المشروع فإذا كان البلد حارا يخرج فيه الدم إلى الجلد ms6713 ~~كانت الحجامة هي المصلحة وإن كان البلد باردا يغور فيه الدم إلى العروق كان ~~أخراجه بالفصد هو المصلحة وكذلك إدهانه هل المقصود خصوص الدهن أو المقصود ~~ترجيل الشعر فإن كان البلد رطبا وأهله يغتسلون بالماء الحار الذى يغنيهم عن ~~الدهن والدهن يؤذى شعورهم وجلودهم يكون المشروع في حقهم ترجيل الشعر بما هو ~~أصلح لهم ومعلوم أن الثانى هو الأشبه # وكذلك لما كان يأكل الرطب والتمر وخبز الشعير ونحو ذلك من قوت بلده فهل ~~التأسى به أن يقصد خصوص الرطب والتمر والشعير حتى يفعل ذلك من يكون في بلاد ~~لا ينبت فيها التمر ولا يقتاتون الشعير بل يقتاتون البر أو الرز أو غير ذلك ~~ومعلوم أن الثانى هو المشروع والدليل على ذلك أن الصحابة لما فتحوا الأمصار ~~كان كل منهم يأكل من قوت بلده ويلبس من لباس بلده من غير أن يقصد أقوات ~~المدينة ولباسها ولو كان هذا الثانى هو الأفضل في حقهم لكانوا أولى بإختيار ~~الأفضل PageV22P325 # وعلى هذا يبنى نزاع العلماء في صدقة الفطر إذا لم يكن أهل البلد يقتاتون ~~التمر والشعير فهل يخرجون من قوتهم كالبر والرز أو يخرجون من التمر والشعير ~~لأن النبى فرض ذلك فإن في الصحيحين عن إبن عمر أنه قال ( فرض رسول الله ~~صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل صغير أو كبير ذكر أو أنثى ~~حر أو عبد من المسلمين وهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان عن ~~أحمد وأكثر العلماء على أنه يخرج من قوت بلده وهذا هو الصحيح كما ذكر الله ~~ذلك في الكفارة بقوله @QB@ من أوسط ما تطعمون أهليكم @QE@ # ومن هذا الباب أن الغالب عليه وعلى أصحابه أنهم كانوا يأتزرون ويرتدون ~~فهل الأفضل لكل أحد أن يرتدى ويأتزر ولو مع القميص أو الأفضل أن يلبس مع ~~القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار والرداء هذا أيضا مما تنازع فيه ~~العلماء والثانى أظهر وهذا باب واسع # وهذا النوع ليس مخصوصا بفعله وفعل أصحابه بل وبكثير مما أمرهم به ms6714 ونهاهم ~~عنه وهذا سمته طائفة من الناس ( تنقيح المناط ( وهو أن يكون الحكم قد ثبت ~~في عين معينة وليس مخصوصا بها بل الحكم ثابت فيها وفى غيرها فيحتاج أن يعرف ~~( مناط الحكم PageV22P326 # مثال ذلك أنه قد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~فأرة وقعت في سمن فقال ( القوها وما حولها وكلوا سمنكم ( فإنه متفق على ان ~~الحكم ليس مختصا بتلك الفأرة وذلك السمن بل الحكم ثابت فيما هو أعم منهما ~~فبقى المناط الذى علق به الحكم ما هو فطائفة من أهل العلم يزعمون أن الحكم ~~مختص بفأرة وقعت في سمن فينجسون ما كان كذلك مطلقا ولا ينجسون السمن إذا ~~وقع فيه الكلب والبول والعذرة ولا ينجسون الزيت ونحوه إذا وقعت فيه الفأرة ~~وهذا القول خطأ قطعا # وليس هذا مبنيا على كون القياس حجة فإن القياس الذى يكون النزاع فيه هو ~~تخريج المناط وهو أن يجوز إختصاص مورد النص بالحكم فإذا جاز إختصاصه وجاز ~~أن يكون الحكم مشتركا بين مورد النص وغيره إحتاج معتبر القياس إلى أن يعلم ~~أن المشترك بين الأصل والفرع هو مناط الحكم كما في قوله ( لا تبيعوا الذهب ~~بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا ~~الشعير بالشعير إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا الملح بالملح إلا مثلا بمثل ( ~~فلما نهى عن التفاضل في مثل هذه الأصناف أمكن أن يكون النهى لمعنى مشترك ~~ولمعنى مختص # ولما سئل عن فأرة وقعت في سمن ( فأجاب ( # عن تلك PageV22P327 القضية المعينة ولإخفاء أن الحكم ليس مختصا بها وكذلك ~~سائر قضايا الأعيان كالأعرابى الذى قال له إنى وقعت على أهلى في رمضان ~~فأمره أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا فإن الحكم ~~ليس مخصوصا بذلك الأعرابى بإتفاق المسلمين لكن هل أمره بذلك لكونه أفطر أو ~~جامع في رمضان أو أفطر فيه بالجماع أو افطر بالجنس الأعلى هذا مما تنازع ~~فيه العلماء # وكذلك لما سأله سائل عمن أحرم بالعمرة ms6715 وعليه جبة وهو متضمخ بالخلوق فقال ~~( إنزع عنك الجبة وإغسل عنك أثر الخلوق وإصنع في عمرتك ما كنت صانعا في ~~حجتك ( فهل أمره بغسل الخلوق لكونه طيبا حتى يؤمر المحرم بغسل كل طيب كان ~~عليه أو لكونه خلوقا لرجل وقد نهى أن يتزعفر الرجل فينهى عن الخلوق للرجل ~~سواء كان محرما أو غير محرم # وكذلك لما عتقت بريرة فخيرها فإختارت نفسها عند من يقول إن زوجها كان ~~عبدا فإن المسلمين إتفقوا على أن الحكم لا يختص بها لكن هل التخيير لكونها ~~عتقت تحت عبد فكملت تحت ناقص ولا تخير إذا عتقت تحت الحر أو الحكم لكونها ~~ملكت نفسها فتخير سواء كان الزوج حرا أو عبدا هذا مما تنازعوا فيه وهذا باب ~~واسع وهو متناول لكل حكم تعلق بعين معينة مع العلم بأنه لا يختص بها ~~PageV22P328 فيحتاج أن يعرف المناط الذى يتعلق به الحكم وهذا النوع يسميه ~~بعض الناس قياسا وبعضهم لا يسميه قياسا ولهذا كان أبوحنيفة وأصحابه ~~يستعملونه في المواضع التى لا يستعملون فيها القياس # والصواب أن هذا ليس من القياس الذى يمكن فيه النزاع كما أن تحقيق المناط ~~ليس مما يقبل النزاع بإتفاق العلماء # وهذه الأنواع الثلاثة ( تحقيق المناط ( وتنقيح المناط ( و ( تخريج المناط ~~( هي جماع الإجتهاد # فالأول ( أن يعمل بالنص والإجماع فإن الحكم معلق بوصف يحتاج في الحكم على ~~المعين إلى أن يعلم ثبوت ذلك الوصف فيه كما يعلم أن الله أمرنا بإشهاد ذوى ~~عدل منا وممن نرضى من الشهداء ولكن لا يمكن تعيين كل شاهد فيحتاج أن يعلم ~~في الشهود المعينين هل هم من ذوى العدل المرضيين أم لا وكما أمر الله بعشرة ~~الزوجين بالمعروف وقال النبى ( للنساء رزقهن وكسوتهن بالمعروف ( ولم يمكن ~~تعيين كل زوج فيحتاج أن ينظر في الأعيان ثم من الفقهاء من يقول إن نفقة ~~الزوجة مقدرة بالشرع والصواب ما عليه الجمهور أن ذلك مردود إلى العرف كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ~~PageV22P329 وكما قال تعالى @QB@ ولا ms6716 تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~@QE@ ويبقى النظر في تسليمه إلى هذا التاجر بجزء من الربح هل هو من التى هي ~~أحسن أم لا وكذلك قوله @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ يبقى هذا ~~الشخص المعين هل هو من الفقراء المساكين المذكورين في القرآن أم لا وكما ~~حرم الله الخمر والربا عموما يبقى الكلام في الشراب المعين هل هو خمر أم لا ~~وهذا النوع مما إتفق عليه المسلمون بل العقلاء بأنه لا يمكن أن ينص الشارع ~~على حكم كل شخص إنما يتكلم بكلام عام وكان نبينا قد أوتى جوامع الكلم # ( # وأما النوع الثانى ( الذى يسمونه تنقيح المناط ( بأن ينص على حكم أعيان ~~معينة لكن قد علمنا أن الحكم لا يختص بها فالصواب في مثل هذا أنه ليس من ~~باب القياس لإتفاقهم على النص بل المعين هنا نص على نوعه ولكنه يحتاج إلى ~~أن يعرف نوعه ومسألة الفأرة في السمن من هذا الباب فإن الحكم ليس مخصوصا ~~بتلك الفأرة وذلك السمن ولا بفأر المدينة وسمنها ولكن السائل سأل النبى صلى ~~الله عليه وسلم عن فأرة وقعت في سمن ( فأجابه ( # لا أن الجواب يختص به ولا بسؤاله كما أجاب غيره ولفظ الفأرة والسمن ليست ~~من كلام النبى حتى يكون هو الذى علق الحكم بها بل من كلام السائل الذى أخبر ~~بما وقع له كما قال له PageV22P330 الأعرابى إنه وقع على امرأته ولو وقع ~~على سريته لكان الأمر كذلك وكما قال له الاخر رأيت بياض خلخالها في القمر ~~فوثبت عليها ولو وطئها بدون ذلك كان الحكم كذلك # فالصواب في هذا ما عليه الأئمة المشهورون أن الحكم في ذلك معلق بالخبيث ~~الذى حرمه الله إذا وقع في السمن ونحوه من المائعات لأن الله أباح لنا ~~الطيبات وحرم علينا الخبائث فإذا علقنا الحكم بهذا المعنى كنا قد إتبعنا ~~كتاب الله فإذا وقع الخبيث في الطيب ألقى الخبيث وما حوله وأكل الطيب كما ~~أمر النبى # وليس هذا الجواب موضع بسط مثل هذه المسائل ولكن نبهنا على هذا ms6717 لأن ~~الإقتداء بالنبى في أفعاله يتعلق بهذا وحينئذ هذا مما يتعلق بإجتهاد الناس ~~وإستدلالهم وما يؤتيهم الله من الفقه والحكمة والعلم وأحق الناس بالحق من ~~علق الأحكام بالمعانى التى علقها بها الشارع # وهذا موضع تفاوت فيه الناس وتنازعوا هل يستفاد ذلك من خطاب الشارع أو من ~~المعانى القياسية فقوم زعموا أن أكثر أحكام أفعال العباد لا يتناولها خطاب ~~الشارع بل تحتاج إلى القياس وقوم زعموا أن جميع أحكامها ثابتة بالنص ~~وأسرفوا في تعلقهم بالظاهر PageV22P331 حتى أنكروا فحوى الخطاب وتنبيهه ~~كقوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ وقالوا إن هذا لا يدل إلا على النهى ~~عن التأفيف لا يفهم منه النهى عن الضرب والشتم وأنكروا ( تنقيح المناط ( ~~وإدعوا في الألفاظ من الظهور مالا تدل عليه وقوم يقدمون القياس تارة لكون ~~دلالة النص غير تامة أو لكونه خبر الواحد وأقوام يعارضون بين النص والقياس ~~ويقدمون النص ويتناقضون ونحن قد بينا في غير هذا الموضع أن الأدله الصحيحة ~~لا تتناقض فلا تتناقض الأدلة الصحيحة العقلية والشرعية ولا تتناقض دلالة ~~القياس إذا كانت صحيحة ودلالة الخطاب إذا كانت صحيحة # فإن القياس الصحيح حقيقة التسوية بين المتماثلين وهذا هو العدل الذى أنزل ~~الله به الكتب وأرسل به الرسل والرسول لا يأمر بخلاف العدل ولا يحكم في ~~شيئين متماثلين بحكمين مختلفين ولا يحرم الشيء ويحل نظيره # وقد تأملنا عامة المواضع التى قيل إن القياس فيها عارض النص وإن حكم النص ~~فيها على خلاف القياس فوجدنا ما خصه الشارع بحكم عن نظائره فإنما خصه به ~~لإختصاصه بوصف أوجب إختصاصه بالحكم كما خص العرايا بجواز بيعها بمثلها خرصا ~~لتعذر الكيل مع PageV22P332 الحاجة إلى البيع والحاجة توجب الإنتقال إلى ~~البدل عند تعذر الأصل # فالخرص عند الحاجة قام مقام الكيل كما يقوم التراب مقام الماء والميتة ~~مقام المذكى عند الحاجة وكذلك قول من قال القرض أو الإجارة أو القراض أو ~~المساقاة أو المزارعة ونحو ذلك على خلاف القياس أن أراد به أن هذه الأفعال ~~إختصت بصفات أوجبت أن يكون حكمها مخالفا ms6718 لحكم ماليس مثلها فقد صدق وهذا هو ~~مقتضى القياس وإن أراد أن الفعلين المتماثلين حكم فيهما بحكمين مختلفين ~~فهذا خطأ ينزه عنه من هو دون الأنبياء صلوات الله عليهم # ولكن هذه الأقيسة المعارضة هي الفاسدة كقياس الذين قالوا @QB@ إنما البيع ~~مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ وقياس الذين قالوا ? < أتاكلون ~~ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله > ? يعنون الميتة وقال تعالى @QB@ وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون @QE@ # ولعل من رزقه الله فهما وآتاه من لدنه علما يجد عامة الأحكام التى تعلم ~~بقياس شرعى صحيح يدل عليها الخطاب الشرعى كما أن غاية PageV22P333 ما يدل ~~عليه الخطاب الشرعى هو موافق للعدل الذى هو مطلوب القياس الصحيح # وإذا كان الأمر كذلك فالكلام في أعيان أحوال الرجل السالك يحتاج إلى نظر ~~خاص وإستهداء من الله والله قد أمر العبد ان يقول في كل صلاة @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ فعلى العبد ان يجتهد في تحقيق هذا الدعاء ليصيرمن الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ~~PageV22P334 ### || 1 ( خلاف الأمة في العبادات ) 1 # ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( ### ||| فصل العبادات التى جاءت على وجوه متنوعة # ( # قد تقدم القول في مواضع أن العبادات التى فعلها النبى على أنواع يشرع ~~فعلها على جميع تلك الأنواع لا يكره منها شيء وذلك مثل أنواع التشهدات ~~وأنواع الإستفتاح ومثل الوتر أول الليل وآخره ومثل الجهر بالقراءة في قيام ~~الليل والمخافتة وأنواع القراءات التى أنزل القرآن عليها والتكبير في العيد ~~ومثل الترجيع في الأذان وتركه ومثل إفراد الإقامة وتثنيتها # وقد بسطنا في جواب مسائل الزرعية وغيرها أن ما إختلف فيه العلماء وأراد ~~الإنسان أن يحتاط فيه فهو نوعان # أحدهما ما إتفقوا فيه على جواز الأمرين ولكن تنازعوا أيهما أفضل ~~PageV22P335 # والثانى ما تنازعوا فيه في جواز أحدهما وكثير مما تنازعوا فيه قد جاءت ~~السنة فيه بالأمرين مثل الحج قيل لا يجوز فسخ الحج إلى العمرة بل ms6719 قيل ولا ~~تجوز المتعة وقيل بل ذلك واجب والصحيح أن كليهما جائز فإن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أمر الصحابة في حجة الوداع بالفسخ وقد كان خيرهم بين الثلاثة وقد ~~حج الخلفاء بعده ولم يفسخوا كما بسط في موضعه وكذلك الصوم في السفر قيل لا ~~يجوز بل يجب الفطر والصحيح الذى عليه الجمهور جواز الأمرين # ثم قال كثير منهم أن الصوم أفضل والصحيح أن الفطر أفضل إلا لمصلحة راجحة ~~وما قال أحد أنه لا يجوز الفطر كما يظنه بعض الجهال وهذا مبسوط في مواضع # والمقصود هنا أن ما جاءت به السنة على وجوه كالأذان والإقامة وصلاة الخوف ~~والإستفتاح فالكلام فيه من مقامين ( # أحدهما ( في جواز تلك الوجوه كلها بلا كراهة وهذا هو الصواب وهو مذهب ~~أحمد وغيره في هذا كله ومن العلماء من قد يكره أو يحرم بعض تلك الوجوه لظنه ~~أن السنة لم تأت به أو أنه منسوخ كما كره طائفة الترجيع في الأذان وقالوا ~~إنما قاله لأبى PageV22P336 محذورة تلقينا للإسلام لا تعليما للأذان ~~والصواب أنه جعله من الأذان وهذا هو الذى فهمه أبومحذورة وقد عمل بذلك هو ~~وولده والمسلمون يقرونهم على ذلك بمكة وغيرها # وكره طائفة الأذان بلا ترجيع وهو غلط أيضا فإن أذان بلال الثابت ليس فيه ~~ترجيع وكره طائفة ترجيعها وكره طائفة صلاة الخوف إلا على حديث إبن عمر وكره ~~آخرون ما أمر به هؤلاء # والصواب في هذا كله أن كل ما جاءت به السنة فلا كراهة لشيء منه بل هو ~~جائز وهذا مبسوط في مواضع # والمقصود هنا هو ( المقام الثانى ( وهو أن ما فعله النبى من أنواع متنوعة ~~وإن قيل إن بعض تلك الأنواع أفضل فالإقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم في ~~أن يفعل هذا تارة وهذا تارة أفضل من لزوم أحد الأمرين وهجر الآخر وهذا مثل ~~الإستفتاح ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال ( قلت يا رسول الله أرأيت سكوتك ~~بين التكبير والقراءة ماذا تقول قال أقول اللهم بعد بينى وبين خطاياى كما ~~بعدت بين ms6720 المشرق والمغرب اللهم نقنى من خطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من ~~الدنس اللهم إغسلنى من خطاياى بالثلج والماء والبرد ( ولم يخرج البخارى في ~~الإستفتاح شيئا إلا PageV22P337 هذا وهو أقوى الحجج على الإستفتاح في ~~المكتوبة فإنه صريح في ذلك بقوله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة وهذا ~~سؤال عن السكوت لا عن القول سرا ويشهد له حديث سمرة وحديث أبى بن كعب أنه ~~كان له سكتتان # وأيضا فللناس في الصلاة أقوال # أحدها أنه لا سكوت فيها كقول مالك ولا يستحب عنده إستفتاح ولا إستعاذة ~~ولا سكوت لقراءة الإمام ( # والثانى ( # أنه ليس فيها إلا سكوت واحد للإستفتاح كقول أبى حنيفة لأن هذا الحديث يدل ~~على هذه السكتة # والثالث ( إن فيها سكتتين كما في حديث السنن لكن روى فيه أنه يسكت إذا ~~فرغ من القراءة وهو الصحيح وروى إذا فرغ من الفاتحة فقال طائفة من اصحاب ~~الشافعى وأحمد يستحب ثلاث سكتات # وسكتة الفاتحة جعلها أصحاب الشافعى وطائفة من أصحاب أحمد ليقرأ المأموم ~~الفاتحة والصحيح أنه لا يستحب إلا سكتتان فليس في الحديث إلا ذلك وإحدى ~~الروايتين غلط وإلا كانت ثلاثا PageV22P338 وهذا هو المنصوص عن أحمد وأنه ~~لا يستحب إلا سكتتان والثانية عند الفراغ من القراءة للإستراحة والفصل ~~بينها وبين الركوع # وأما السكوت عقيب الفاتحة فلا يستحبه أحمد كما لا يستحبه مالك وابوحنيفة ~~والجمهور لا يستحبون أن يسكت الإمام ليقرأ المأموم وذلك أن قراءة المأموم ~~عندهم إذا جهر الإمام ليست بواجبة ولا مستحبة بل هي منهى عنها وهل تبطل ~~الصلاة إذا قرأ مع الإمام فيه وجهان في مذهب أحمد فهو إذا كان يسمع قراءة ~~الإمام فإستماعه أفضل من قراءته كإستماعه لما زاد على الفاتحة فيحصل له ~~مقصود القراءة والإستماع يدل على قراءته فجمعه بين الإستماع والقراءة جمع ~~بين البدل والمبدل ولهذا لم يستحب أحمد وجمهور أصحابه قراءته في سكتات ~~الإمام إلا أن يسكت سكوتا بليغا يتسع للإستفتاح والقراءة # وأما إن ضاق عنهما فقوله وقول أكثر أصحابه إن الإستفتاح أولى من القراءة ~~بل هو في إحدى ms6721 الروايتين يأمر بالإستفتاح مع جهر الإمام فإذا كان الإمام ~~ممن يسكت عقيب الفاتحة سكوتا يتسع للقراءة فالقراءة فيه أفضل من عدم ~~القراءة لكن هل يقال القراءة فيه بالفاتحة أفضل للإختلاف في وجوبها أو ~~بغيرها من القرآن لكونه قد إستمعها هذا فيه نزاع ومقتضى نصوص أحمد وأكثر ~~اصحابه أن PageV22P339 القراءة بغيرها أفضل # فإنه لا يستحب أن يقرأ بها مع إستماعه قراءتها وعامة السلف الذين كرهوا ~~القراءة خلف الإمام هو فيما إذا جهر ولم يكن أكثر الأئمة يسكت عقب الفاتحة ~~سكوتا طويلا وكان الذى يقرأ حال الجهر قليلا وهذا منهى عنه بالكتاب والسنة ~~وعلى النهى عنه جمهور السلف والخلف وفى بطلان الصلاة وبذلك نزاع # ومن العلماء من يقول يقرأ حال جهره بالفاتحة وإن لم يقرأ بها ففى بطلان ~~صلاته أيضا نزاع فالنزاع من الطرفين لكن الذين ينهون عن القراءة مع الإمام ~~هم جمهور السلف والخلف ومعهم الكتاب والسنة الصحيحة والذين أوجبوها على ~~المأموم في حال الجهر هكذا فحديثهم قد ضعفه الأئمة ورواه أبوداود وقوله في ~~حديث أبى موسى ( وإذا قرأ فانصتوا ( صححه أحمد وإسحاق ومسلم بن الحجاج ~~وغيرهم وعلله البخارى بأنه إختلف فيه وليس ذلك بقادح في صحته بخلاف ذلك ~~الحديث فإنه لم يخرج في الصحيح وضعفه ثابت من وجوه وإنما هو قول عبادة بن ~~الصامت بل يفعل في سكوته ما يشرع من الإستفتاح والإستعاذة ولو لم يسكت ~~الإمام سكوتا يتسع لذلك أو لم يدرك سكوته # فهل يستفتح ويستعيذ مع جهر الإمام فيه ثلاث روايات إحداها يستفتح ويستعيذ ~~مع جهر الامام وإن لم يقرأ لأن PageV22P340 مقصود القراءة حصل بالإستماع ~~وهو لا يسمع إستفتاحه وإستعاذته إذ كان الإمام يفعل ذلك سرا # والثانية يستفتح ولا يستعيذ لأن الإستعاذة تراد للقراءة وهو لا يقرأ وأما ~~الإستفتاح فهو تابع لتكبيرة الإفتتاح # والثالثة ( # لا يستفتح ولا يستعيذ وهو أصح وهو قول أكثر العلماء كمالك والشافعى وكذا ~~أبوحنيفة فيما أظن لأنه مأمور بالإنصات والإستماع فلا يتكلم بغير ذلك ولأنه ~~ممنوع من القراءة فكذا يمنع من ذلك وكثير من ms6722 العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم ~~يقول منعه أولى لأن القراءة واجبة وقد سقطت بالإستماع لكن مذهب أحمد ليس ~~منعه من القراءة أوكد فإن القراءة عنده لا تجب على المأموم لا سرا ولا جهرا ~~وإن إختلف في وجوبها على المأموم فقد إختلف في وجوب الإستفتاح والإستعاذة ~~وفى مذهبه في ذلك قولان مشهوران # ومن حجة من يأمر بهما عند الجهر أنهما واجبان لم يجعل عنهما بدل بخلاف ~~القراءة فإنه جعل منها بدل وهو الإستماع لكن الصحيح أن ذلك ليس بواجب ~~والإستعاذة إنما أمر بها من يقرأ والأمر بإستماع قراءة الإمام والإنصات له ~~مذكور في القرآن وفى السنة الصحيحة وهو PageV22P341 إجماع الأمة فيما زاد ~~على الفاتحة وهو قول جماهير السلف من الصحابة وغيرهم في الفاتحة وغيرها وهو ~~أحد قولى الشافعى وإختاره طائفة من حذاق أصحابه كالرازى وأبى محمد بن ~~عبدالسلام فإن القراءة مع جهر الإمام منكر مخالف للكتاب والسنة وما كان ~~عليه عامة الصحابة ولكن طائفة من أصحاب أحمد إستحبوا للمأموم القراءة في ~~سكتات الإمام ومنهم من إستحب أن يقرأ بالفاتحة وإن جهر وهو إختيار جدى كما ~~إستحب ذلك طائفة منهم الأوزاعى وغيره وإستحب بعضهم للإمام أن يسكت عقب ~~الفاتحة ليقرأ من خلفه وأحمد لم يستحب هذا السكوت فإنه لا يستحب القراءة ~~إذا جهر الإمام وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن سكوت الإستفتاح ثبت بهذا الحديث الصحيح ومع هذا فعامة ~~العلماء من الصحابة ومن بعدهم يستحبون الإستفتاح بغيره كما يستحب جمهورهم ~~الإستفتاح بقوله ( سبحانك اللهم ( وقد بينا سبب ذلك في غير هذا الموضع وهو ~~أن فضل بعض الذكر على بعض هو لأجل ما إختص به الفاضل لا لأجل # إسناده والذكر ثلاثة أنواع أفضله ما كان ثناء على الله ثم ما كان إنشاء ~~من العبد أو إعترافا بما يجب لله عليه ثم ما كان دعاء من العبد PageV22P342 # فالأول مثل النصف الأول من الفاتحة ومثل ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك ~~إسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ( ومثل التسبيح في الركوع والسجود # والثانى مثل قوله ms6723 ( وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض ( ومثل قوله في ~~الركوع والسجود ( اللهم لك ركعت ولك سجدت ( وكما في حديث على الذى رواه ~~مسلم # والثالث مثل قوله ( اللهم بعد بينى وبين خطاياى ( ومثل دعائه في الركوع ~~والسجود ولهذا أوجب طائفة من اصحاب أحمد ما كان ثناء كما أوجبوا الإستفتاح ~~وحكى في ذلك عن أحمد روايتان وإختار إبن بطة وغيره وجوب ذلك وهذا لبسطه ~~موضع آخر # والمقصود هنا أن النوع المفضول مثل الإستفتاح الذى رواه أبوهريرة ومثل ~~الإستفتاح بوجهت أو سبحانك اللهم عند من يفضل الآخر فعله أحيانا أفضل من ~~المداومة على نوع وهجر نوع وذلك أن أفضل الهدى هدى محمد كما ثبت في الصحيح ~~أنه كان يقول في خطبة الجمعة ( خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد ~~صلى الله عليه وسلم ( ولم يكن يداوم على إستفتاح واحد قطعا فإن حديث أبى ~~هريرة يدل على أنه كان يستفتح بهذا PageV22P343 فإن قيل كان يداوم عليه ~~فكانت المداومة عليه أفضل قلنا لم يقل هذا أحد من العلماء فيما علمناه فعلم ~~أنه لم يكن يداوم عليه # وأيضا فقد كان عمر يجهر ( بسبحانك اللهم وبحمدك ( يعلمها الناس ولولا أن ~~النبى كان يقولها في الفريضة ما فعل ذلك عمر وأقره المسلمون وكما كان بعضهم ~~يجهر بالإستعاذة وكذلك قيل في جهر جماعة منهم بالبسملة أنه كان لتعليم ~~الناس قراءتها كما جهر من جهر منهم بالإستعاذة والإستفتاح وكما جهر إبن ~~عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ولهذا كان الصواب هو المنصوص عن أحمد ~~أنه يستحب الجهر أحيانا بذلك فيستحب الجهر بالبسملة أحيانا ونص قوم على أنه ~~كان يجهر بها إذا صلى بالمدينة فظن القاضي أن ذلك لأن أهل المدينة شيعة ~~يجهرون بها وينكرون على من لم يجهر بها لأن القاضي لما حج كان قد ظهر بها ~~التشيع وإستولى عليها وعلى أهل مكة العبيديون المصريون وقطعوا الحج من ~~العراق مدة وإنما حج القاضي من الشام # والصواب أن أحمد لم يأمر بالجهر لذلك بل لأن أهل المدينة على عهده كانوا ms6724 ~~لا يقرؤون بها سرا ولا جهرا كما هو مذهب مالك فأراد أن يجهر بها كما جهر ~~بها من جهر من الصحابة تعليما للسنة وأنه يستحب قراءتها في الجملة وقد ~~إستحب أحمد أيضا لمن صلى بقوم لا يقنتون PageV22P344 بالوتر وأرادوا من ~~الإمام أن لا يقنت لتأليفهم فقد إستحب ترك الأفضل لتأليفهم وهذا يوافق ~~تعليل القاضي فيستحب الجهر بها إذا كان المأمومون يختارون الجهر لتأليفهم ~~ويستحب أيضا إذا كان فيه إظهار السنة وهم يتعلمون السنة منه ولا ينكرونه ~~عليه # وهذا كله يرجع إلى أصل جامع وهو ان المفضول قد يصير فاضلا لمصلحة راجحة ~~وإذا كان المحرم كأكل الميتة قد يصير واجبا للمصلحة الراجحة ودفع الضرر ~~فلأن يصير المفضول فاضلا لمصلحة راجحة أولى # وكذلك يقال في أجناس العبادات كالصلاة جنسها أفضل من جنس القراءة والذكر ~~ثم أنها منهى عنها في أوقات النهى فالقراءة والذكر والدعاء في ذلك الوقت ~~أفضل من الصلاة وكذلك الدعاء في مشاعر الحج بعرفة ومزدلفة ومنى والصفا ~~والمروة أفضل من القراءة أيضا بالنص والإجماع فإن النبى قال ( إنى نهيت ان ~~أقرأ القرآن راكعا وساجدا ( وهذا في الصحيح من حديث إبن عباس ومن حديث على ~~ايضا أنه نهاه عن ذلك ولو قرأ هل تبطل صلاته فيه وجهان في مذهب أحمد فالنهى ~~عن الصلاة والقراءة في المشاعر الفضيلة PageV22P345 # فإن الطهارة شرط في الصلاة ولا يشترط له الطهارة ولكل مكان عبادة تشرع ~~وكذلك ترك الصلاة وقت النهى مشروع في كل زمان وأما الطواف فهل تكره فيه ~~القراءة فيه قولان مشهوران للعلماء وهما روايتان عن أحمد والرخصة مذهب ~~الشافعى بل هو مستحب فيه القراءة ولا يستحب الجهر بها وللأخرى مصنف # وإذا كان هذا من أجناس العبادات التى ثبت فضل بعضها على بعض بالنص ~~والإجماع فكيف في أنواع الذكر لا سيما فيما فيه نزاع فالأصل بلا ريب هدى ~~النبى وقد ثبت أنه كان يستفتح بهذا الإستفتاح الذى في حديث أبى هريرة ~~فالأفضل أن يستفتح به أحيانا ويستفتح بغيره احيانا # وأيضا فلكل إستفتاح حاجة ليست لغيره ms6725 فيأخذ المؤمن بحظه من كل ذكر وأيضا ~~فقد يحتاج الإنسان إلى المفضول ولا يكفيه الفاضل كما في @QB@ قل هو الله ~~أحد @QE@ فإنها تعدل ثلث القرآن أى يحصل لصاحبها من الأجر ما يعدل ثواب ثلث ~~القرآن في القدر لا في الصفة فإن ما في القرآن من الأمر والنهى والقصص ~~والوعد والوعيد لا يغنى عنه PageV22P346 @QB@ قل هو الله أحد @QE@ وليس ~~أجرها من جنس أجرها وإن كان جنس أجر ( قل هو الله أحد ( أفضل فقد يحتاج إلى ~~المفضول حيث لا يغنى الفاضل كما يحتاج الإنسان إلى رجله حيث لا تغنى عنها ~~عينه # وكذلك المخلوقات لكل مخلوق حكمة خلق لأجلها فكذلك العبادات فجميع ما شرعه ~~الرسول له حكمة ومقصود ينتفع به في مقصوده فلا يهمل ما شرعه من المستحبات ~~وإن قيل إن جنس غيره افضل فهو في زمانه ومكانه أفضل من غيره والصلوات التى ~~كان يدعو فيها بهذا الإستفتاح كان دعاؤه فيها بهذا الإستفتاح أفضل من غيره ~~وهو دعاؤه بالطهارة والتنقية من الذنوب والتبعيد عنها من جنس الإستغفار في ~~السحر وكاستغفاره عقب الصلاة وقد كان يدعو بمثل هذا الدعاء في آخر قيام ~~الإعتدال بعد التحميد فكان يفتتح به القيام تارة ويختم به القيام أيضا # وقد روى عنه في الإستفتاح أنواع وعامتها في قيام الليل كما ذكر ذلك أحمد ~~ويستحب للمصلى بالليل أن يستفتح بها كلها وهذا أفضل من ان يداوم على نوع ~~ويهجر غيره فإن هذا هدى النبى لكن يقال أيضا هدى النبى هو الأفضل ومن الناس ~~من لا يصلح له الأفضل بل يكون فعله للمفضول PageV22P347 أنفع كمن ينتفع ~~بالدعاء دون الذكر أو بالذكر دون القراءة أو بالقراءة دون صلاة التطوع ~~فالعبادة التى ينتفع بها فيحضر لها قلبه ويرغب فيها ويحبها أفضل من عبادة ~~يفعلها مع الغفلة وعدم الرغبة كالغذاء الذى يشتهيه الإنسان وهو جائع هو ~~أنفع له من غذاء لا يشتهيه أو يأكله وهو غير جائع # فكذلك يقال هنا قد تكون مداومته على النوع المفضول أنفع لمحبته وشهود ~~قلبه وفهمه ذلك الذكر ونحن ms6726 إذا قلنا التنوع في هذه الأذكار أفضل فهو أيضا ~~تفضيل لجنس التنوع والمفضول قد يكون أنفع لبعض الناس لمناسبته له كما قد ~~يكون جنسه في الشرع أفضل في بعض الأمكنة والأزمنة والأحوال فالمفضول تارة ~~يكون أفضل مطلقا في حق جميع الناس كما تقدم وقد يكون أفضل لبعض الناس لأن ~~إنتفاعه به اتم وهذه حال أكثر الناس قد لا ينتفعون بالمفضول لمناسبته ~~لأحوالهم الناقصة مالا ينتفعون بالفاضل الذى لا يصلون إلى ان يكونوا من ~~أهله ### ||| فصل # وكذلك ( صلاة الخوف ( إذا صلى مرة على وجه ومرة على وجه كان إتبع من حفظ ~~وجه وترك آخر وقد يكون على وجه PageV22P348 أفضل في وقت لمناسبة حاله حال ~~ذلك الوقت وربما كان بعض الذكر والدعاء في بعض الأوقات أفضل كذلك فقد يكون ~~في حال يكون الإستغفار أنفع له وفى حال يكون إقراره لله بالتوحيد أفضل له ~~وفى حال يكون تسبيحه وتحميده وتهليله وتكبيره أفضل له والذين يستحبون بعض ~~المشروع ويكرهون بعضه فإن الله سبحانه يقيم طائفة تقول هذا وطائفة تقول هذا ~~وطائفة تقول هذا ويتنازعون فإن بسبب النزاع تظهر كل طائفة من السنة ما قالت ~~به وتركته الأخرى كالمختلفين في البسملة هل تجب ويجهر بها أم تكره قراءتها ~~سرا وجهرا يحتاج أولئك أن يظهروا ما يدل على أنها من القرآن آية مفردة تبعا ~~للسور ويحتاج اولئك أن يظهروا ما يدل على أنها ليست من السور ولا تجب ~~قراءتها وكلا القولين حق # وسورة اقرأ ( هي أول ما نزل من القرآن وقد إحتج بها كل من الطائفتين ~~وفيها حجة لما معه من الحق فالذين قالوا ليست من السورة قالوا إن جبريل لما ~~أتى النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمره بقراءتها بل أمره أن يقرأ @QB@ باسم ~~ربك الذي خلق @QE@ ولو كانت هي أول السورة لأمره بها وهذا ثابت في الصحيحين ~~من حديث عائشة والذين قالوا بقراءتها قالوا قد قال @QB@ اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق @QE@ فهذا أمر لكل قارئ أن يقرأ بإسم ربه فإذا قيل أذبح بسم الله ms6727 ~~PageV22P349 وكل بسم الله وإركب بسم الله فمعناه اذكر إسم الله إذا فعلت ~~ذلك فلما قال @QB@ اقرأ باسم ربك @QE@ كان أمرا للقارئ أن يذكر إسم الله ~~فيقول بإسم الله وهذا أولى من ذكر إسم ربه عند الذبح والأكل والشرب # وهنا قد أمر بالإستعاذة أيضا عند القراءة وهو إذا قال ( بسم الله الرحمن ~~الرحيم ( فقد إمتثل ما أمر به فذكر إسم ربه إذا قرأ وإنما لم يذكرها جبريل ~~ابتداء لأنه بعد لم يتعلم شيئا من القرآن لكن علمه هذا وأمره فيه بذكر إسم ~~ربه إذا قرأ فكان بعد هذا إذا قرأ السورة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم كما ~~ثبت في صحيح مسلم أنه قال ( قد أنزل على آنفا سورة ( ثم قرأ ( بسم الله ~~الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وإنحر إن شأنئك هو الأبتر ( # ولكن هذه تدل على أنها تبع للقرآن المقصود لما فيها من ذكر الله ولهذا ~~كتبت في المصاحف مفردة عن السورة لم تخلط بها فهي قرآن مكتوب في المصاحف ~~لكن أنزل تبعا لغيره والمقصود غيره فلهذا أفردت في الكتابة والتلاوة ففى ~~الكتابة تكتب مفردة وفى التلاوة كان النبى صلى الله عليه وسلم لا يجهر بها ~~ولم يجعلها من القرآن المفروض في الحديث الصحيح بقوله ( يقول الله تعالى ~~قسمت الصلاة PageV22P350 بينى وبين عبدى نصفين نصفها لى ونصفها لعبدى ~~ولعبدى ما سأل فإذا قال العبد @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ قال الله ~~حمدنى عبدى فإذا قال @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ قال أثنى على عبدى فإذا قال ~~@QB@ مالك يوم الدين @QE@ قال مجدنى عبدى إلى آخر الحديث # وهذا قول جمهور العلماء في البسملة أنها آية من القرآن مفردة وليست من ~~السورة وأنه يقرأ بها في الصلاة سرا فلا تخرج من القرآن وتهجر ولا تشبه ~~بالقرآن المقصود فتجهر وهى تشبه الإستعاذة من بعض الوجوه لكن الإستعاذة ~~ليست بقرآن ولم تكتب في المصاحف وإنما فيه الأمر بالإستعاذة وهذا قرآن ~~والفاتحة سبع آيات بالإتفاق وقد ثبت ذلك بقوله @QB@ ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني والقرآن العظيم @QE@ وقد ثبت في ms6728 الصحيح عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( فاتحة الكتاب هي السبع المثانى ( # وقد كان كثير من السلف يقول البسملة آية منها ويقرؤها وكثير من السلف لا ~~يجعلها منها ويجعل الآية السابعة @QB@ أنعمت عليهم @QE@ كما دل على ذلك ~~حديث أبى هريرة الصحيح وكلا القولين حق فهي منها من وجه وليست منها من وجه ~~والفاتحة سبع آيات من وجه تكون البسملة منها فتكون آية ومن وجه لا تكون ~~منها فالآية السابعة ( أنعمت عليهم ( لأن البسملة أنزلت تبعا للسور ~~PageV22P351 # والمقصود أن يبتدأ القرآن بذكر إسم الله فهي أنزلت في أول السورة تبعا لم ~~تنزل في أواخر السور وكتبت في المصاحف مفردة لكن تبعا لما بعدها لا لما ~~قبلها ولهذا قال النبى ( قد أنزلت على آنفا سورة ( وقرأ ( بسم الله الرحمن ~~الرحيم @QB@ إنا أعطيناك الكوثر @QE@ # وفى السنن كان النبى لا يعلم فصل السورة حتى ينزل عليه ( بسم الله الرحمن ~~الرحيم ( فمن جهة كونها تابعة للسورة تجعل منها ومن جهة كون المقصود أن ~~يقرأ بسم الله كما يفعل سائر الأفعال بإسم الله والقرآن المقصود غيرها لم ~~تكن آية من السورة ولهذا قال النبى ( أنى لأعلم سورة من القرآن ثلاثين آية ~~شفعت لرجل حتى غفر له وهى ( تبارك الذى بيده الملك ( # والقراء منهم من يفصل بها بين السورتين ومنهم من لا يفصل لكون القرآن كله ~~كلام الله فلا يفصلون بها بين السورتين كمن سمى إذا أكل ثم أكل أنواعا من ~~الطعام ومنهم من يسمى في أول كل سورة وهذا أحسن لمتابعته لخط المصحف وهو ~~بمنزلة رفع طعام ووضع طعام فالتسمية عنده أفضل PageV22P352 وكذلك من ذبح ~~شاة بعد شاة فالتسمية على كل شاة أفضل وأما تلاوتها في اول الفاتحة فهو ~~إبتداء بها للقرآن ولهذا إختلف كلام أحمد هل قراءتها في أول الفاتحة واجبة ~~فرض لا تصح الصلاة إلا به على روايتين وذكر عنه روايتان في الإستعاذة ~~والإستفتاح فالبسملة أولى بالوجوب ثم وجوبها قد يبتنى على أنها من الفاتحة ~~وقد يقال بوجوبها وإن لم تكن من ms6729 الفاتحة كما يوجب الإستعاذة والإستفتاح ~~ولهذا لا يجعل الجهر بها تبعا لوجوبها بل يوجبها ويستحب المخافتة بها ولو ~~كانت من الفاتحة من كل وجه لكان الجهر ببعض الفاتحة دون بعض بعيدا عن ~~الأصول فإذا جعلت منها من وجه دون وجه إتفقت الأدلة والأصول وأعطى كل شيء ~~من ذلك صفة ولم يقل أنها من القرآن في أول الفاتحة ولو كقول من لم يجعلها ~~من القرآن في حال إلا في سورة النمل # وقد قال طائفة أنها من القرآن في قراءة دون قراءة لتواتر هذه القراءات ~~فيقال المتواتر هو الأمر الوجودى وهو ما سمعوه من القرآن من الصحابة وبلغوه ~~عن الرسول والقرآن في زمانه لم يكتب ولا كان ترتيب السور على هذا الوجه ~~أمرا واجبا مأمورا به من عندالله بل الأمر مفوض في ذلك إلى إختيار المسلمين ~~ولهذا كان لجماعة من الصحابة لكل منهم إصطلاح في ترتيب سوره غير ~~PageV22P353 إصطلاح الآخر وحينئذ فيكون الذين لا يقرءونها قد اقرأهم الرسول ~~ولم يبسمل وأولئك اقرأهم وبسمل فهذا يدل على جواز الأمرين وإن كان أحدهما ~~أفضل لا يدل على أنها في أحد الحرفين ليست من القرآن وأنه نهى عن قراءتها ~~فإن هذا جمع بين النقيضين كيف يسوغ قراءتها والنهى عن قراءتها بل هذا يدل ~~على جواز الأمرين كالحروف التى ثبتت في قراءة دون قراءة مثل @QB@ من تحتها ~~@QE@ ومثل @QB@ إن الله هو الغني @QE@ فالرسول يجوز إثبات ذلك ويجوز حذفه ~~كلاهما جائز في شرعه # وبهذا يتبين أن من قال من الفقهاء أنها واجبة على قراءة من أثبتها أو ~~مكروهة على قراءة من لم يثبتها فقد غلط بل القرآن يدل على جواز الأمرين ومن ~~قرأ بإحدى القراءات لا يقال أنه كلما قرأ يجب أن يقرأ بها ومن ترك ما قرأ ~~به غيره لا يقول إن قراءة أولئك مكروهة بل كل ذلك جائز بالإتفاق وإن رجح كل ~~قوم شيئا وبهذا يتبين أن من أنكر كونها من القرآن بالكلية إلا في سورة ~~النمل وقطع بخطأ من إثبتها بناء على أن القرآنية ms6730 لا تثبت إلا بالقطع فهو ~~مخطىء في ذلك ويقال له ولا تنفى إلا بالقطع أيضا # ثم يقال له من أثبتها يقطع بأنها ثابتة ويقطع بخطأ من نفاها بل التحقيق ~~أن كون الشيء قطعيا أو غير قطعى أمر اضافى والقراءات PageV22P354 تدل على ~~جواز الأمرين ولكن القراءة بها أفضل وهذا قول جمهور العلماء يجوزون هذا ~~ويرجحون قراءتها ويخفونها عن غيرها من القرآن لأنها تابعة لغيرها والله ~~أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV22P355 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام ( # قاعدة ( في صفات العبادات الظاهرة التى حصل فيها تنازع بين الأمة في ~~الرواية والرأى مثل الأذان والجهر بالبسملة والقنوت في الفجر والتسليم في ~~الصلاة ورفع الأيدى فيها ووضع الأكف فوق الأكف # ومثل التمتع والإفراد والقران في الحج ونحو ذلك فإن التنازع في هذه ~~العبادات الظاهرة والشعائر أوجب أنواعا من الفساد الذى يكرهه الله ورسوله ~~وعباده المؤمنون ( # أحدها ( جهل كثير من الناس أو أكثرهم بالأمر المشروع المسنون الذى يحبه ~~الله ورسوله والذى سنه رسول الله لأمته والذى أمرهم بإتباعه ( # الثانى ( ظلم كثير من الأمة أو أكثرهم بعضهم لبعض وبغيهم عليهم تارة ~~بنهيهم عما لم ينه الله عنه وبغضهم على من لم يبغضهم الله عليه وتارة بترك ~~ما أوجب الله من حقوقهم وصلتهم لعدم موافقتهم له PageV22P356 على الوجه ~~الذى يؤثرونه حتى يقدمون في الموالاة والمحبة وإعطاء الأموال والولايات من ~~يكون مؤخرا عند الله ورسوله ويتركون من يكون مقدما عند الله ورسوله لذلك ( # الثالث ( إتباع الظن وما تهوى الأنفس حتى يصير كثير منهم مدينا بإتباع ~~الأهواء في هذه الأمور المشروعة وحتى يصير في كثير من المتفقهة والمتعبدة ~~من الأهواء من جنس ما في أهل الأهواء الخارجين عن السنة والجماعة كالخوارج ~~والروافض والمعتزلة ونحوهم وقد قال تعالى في كتابه ( ولا تتبع الهوى فيضلك ~~عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم ~~الحساب ( وقال في كتابه @QB@ ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من ms6731 قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ # الرابع ( التفرق والإختلاف المخالف للإجتماع والإئتلاف حتى يصير بعضهم ~~يبغض بعضا ويعاديه ويحب بعضا ويواليه على غير ذات الله وحتى يفضى الأمر ~~ببعضهم إلى الطعن واللعن والهمز واللمز وببعضهم إلى الإقتتال بالأيدى ~~والسلاح وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة حتى لا يصلى بعضهم خلف بعض وهذا ~~كله من أعظم الأمور التى حرمها الله ورسوله PageV22P357 والإجتماع ~~والأئتلاف من أعظم الأمور التى أوجبها الله ورسوله قال الله تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ إلى قوله @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه @QE@ قال إبن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل ~~البدعة والفرقة # وكثير من هؤلاء يصير من أهل البدعة بخروجه عن السنة التى شرعها رسول الله ~~لأمته ومن أهل الفرقة بالفرقة المخالفة للجماعة التى أمر الله بها ورسوله ~~قال تعالى @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الدين عند الله ~~الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم @QE@ وقال تعالى @QB@ وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ وقال تعالى @QB@ فما اختلفوا حتى جاءهم ~~العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة @QE@ PageV22P358 # وقال تعالى @QB@ ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم @QE@ وقال @QB@ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا ~~بين أخويكم @QE@ وقال @QB@ إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~@QE@ # وهذا الأصل العظيم وهو الإعتصام بحبل الله جميعا وأن لا يتفرق هو من أعظم ~~أصول الإسلام ومما عظمت وصية الله تعالى به ms6732 في كتابه # ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم ومما عظمت به وصية النبى في ~~مواطن عامة وخاصة مثل قوله ( عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ( ~~وقوله ( فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد ( وقوله ( من رأى من ~~أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة ~~الإسلام من عنقه ( وقوله ( ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام ~~والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ( قالوا بلى يا رسول الله قال ( ~~صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن ~~تحلق الدين ( # وقوله ( من جاءكم وامركم على رجل واحد منكم يريد أن يفرق جماعتكم فإضربوا ~~عنقه بالسيف كائنا من كان ( وقوله ( يصلون لكم PageV22P359 فإن أصابوا فلكم ~~ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم ( وقوله ( ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ~~فرقة منها واحدة ناجية وإثنتان وسبعون في النار قيل ومن الفرقة الناجية قال ~~هي الجماعة يد الله على الجماعة ( # و ( باب الفساد ( الذى وقع في هذه الأمة بل وفى غيرها هو التفرق ~~والإختلاف فإنه وقع بين امرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم من ذلك ~~ما الله به عليم وإن كان بعض ذلك مغفورا لصاحبه لإجتهاده الذى يغفر فيه ~~خطؤه أو لحسناته الماحية أو توبته أو لغير ذلك لكن يعلم أن رعايته من اعظم ~~أصول الإسلام ولهذا كان إمتياز أهل النجاة عن أهل العذاب من هذه الأمة ~~بالسنة والجماعة ويذكرون في كثير من السنن والآثار في ذلك ما يطول ذكره ~~وكان الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذى يجب تقديم العمل به هو الإجماع ~~فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة ( # النوع الخامس ( هو شك كثير من الناس وطعنهم في كثير مما أهل السنة ~~والجماعة عليه متفقون بل وفى بعض ما عليه أهل الإسلام بل وبعض ما عليه سائر ~~أهل الملل متفقون وذلك من جهة نقلهم وروايتهم تارة ومن جهة تنازعهم ورأيهم ~~أخرى PageV22P360 أما الأول فقد علم الله الذكر الذى ms6733 أنزله على رسوله وأمر ~~أزواج نبيه بذكره حيث يقول @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة @QE@ حفظه من ان يقع فيه من التحريف ما وقع فيما انزل قبله كما عصم ~~هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة فعصم حروف التنزيل أن يغير وحفظ تأويله أن ~~يضل فيه اهل الهدى المتمسكون بالسنة والجماعة وحفظ أيضا سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم عما ليس فيها من الكذب عمدا أو خطأ بما ~~أقامه من علماء أهل الحديث وحفاظه الذين فحصوا عنها وعن نقلتها ورواتها ~~وعلموا من ذلك مالا يعلم غيرهم حتى صاروا مجتمعين على ما تلقوه بالقبول ~~منها إجماعا معصوما من الخطأ لأسباب يطول وصفها في هذا الموضع وعلموا هم ~~خصوصا وسائر علماء الأمة بل وعامتها عموما ما صانوا به الدين عن ان يزاد ~~فيه أو ينقص منه مثلما علموا أنه لم يفرض عليهم في اليوم والليلة إلا ~~الصلوات الخمس وإن مقادير ركعاتها ما بين الثنائى والثلاثى والرباعى وأنه ~~لم يفرض عليهم من الصوم إلا شهر رمضان ومن الحج إلا حج البيت العتيق ومن ~~الزكاة إلا فرائضها المعروفة إلى نحو ذلك # وعلموا كذب أهل الجهل والضلالة فيما قد يأثرونه عن النبى لعلمهم بكذب من ~~يزعم من الرافضة أن النبى صلى PageV22P361 الله عليه وسلم نص على علي ~~بالخلافة نصا قاطعا جليا وزعم آخرين أنه نص على العباس # وعلموا أكاذيب الرافضة والناصبة التى يأثرونها في مثل ( الغزوات ) التى ~~يروونها عن على وليس لها حقيقة كما يرويها المكذبون الطرقية مثل أكاذيبهم ~~الزائدة في سيرة عنتر والبطال حيث علموا مجموع مغازى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأن القتال فيها كان في تسعة مغاز فقط ولم يكن عدة المسلمين ولا ~~العدو في شيء من مغازى القتال عشرين الفا # ومثل ( الفضائل ( المروية ليزيد بن معاوية ونحوه والأحاديث التى يرويها ~~كثير من الكرامية في الأرجاء ونحوه والأحاديث التى يرويها كثير من النساك ~~في صلوات أيام الأسبوع وفى صلوات أيام الأشهر الثلاثة والأحاديث التى ms6734 ~~يروونها في إستماع النبى هو واصحابه وتواجده وسقوط البردة عن ردائه وتمزيقه ~~الثوب وأخذ جبريل لبعضه وصعوده به إلى السماء وقتال أهل الصفة مع الكفار ~~وإستماعهم لمناجاته ليلة الإسراء والأحاديث المأثورة في نزول الرب إلى ~~الأرض يوم عرفة وصبيحة مزدلفة ورؤية النبى له في الأرض بعين رأسه وأمثال ~~هذه الأحاديث المكذوبة التى يطول وصفها فإن المكذوب من ذلك لا يحصيه أحد ~~إلا الله تعالى لأن الكذب يحدث شيئا فشيئا ليس بمنزلة الصدق PageV22P362 ~~الموروث عن النبى الذى لا يحدث بعده وإنما يكون موجودا في زمنه وهو محفوظ ~~محروس بنقل خلفاء الرسول وورثة الأنبياء # وكان من الدلائل على إنتفاء هذه الأمور المكذوبة وغيرها وجوه ( # أحدها ( أن ما توفرت لهم همم الخلق ودواعيهم على نقله وإشاعته يمتنع في ~~العادة كتمانه فانفراد العدد القليل به يدل على كذبهم كما يعلم كذب من خرج ~~يوم الجمعة وأخبر بحادثة كبيرة في الجامع مثل سقوط الخطيب وقتله وإمساك ~~أقوام في المسجد إذا لم يخبر بذلك إلا الواحد والإثنان ويعلم كذب من اخبر ~~أن في الطرقات بلادا عظيمة وأمما كثيرين ولم يخبر بذلك السيارة وإنما إنفرد ~~به الواحد والإثنان ويعلم كذب من أخبر بمعادن ذهب وفضة متيسرة لمن أرادها ~~بمكان يعلمه الناس ولم يخبر بذلك إلا الواحد والإثنان وأمثال ذلك كثيرة ~~فبإعتبار العقل وقياسه وضربه الأمثال يعلم كذب ما ينقل من الأمور التى مضت ~~سنة الله بظهورها وإنتشارها لو كانت موجودة # كما يعلم أيضا صدق ما مضت سنة الله في عباده أنهم لا يتواطؤون فيه على ~~الكذب من الأمور المتواترة والمنقولات المستفيضة فإن الله جبل جماهير الأمم ~~على الصدق والبيان في مثل هذه الأمور دون PageV22P363 الكذب والكتمان كما ~~جبلهم على الأكل والشرب واللباس فالنفس بطبعها تختار الصدق إذا لم يكن لها ~~في الكذب غرض راجح وتختار الأخبار بهذه الأمور العظيمة دون كتمانها # والناس يستخبر بعضهم بعضا ويميلون إلى الإستخبار والإستفهام عما يقع وكل ~~شخص له من يؤثر أن يصدقه ويبين له دون أن يكذبه ويكتمه والكذب والكتمان يقع ms6735 ~~كثيرا في بنى آدم في قضايا كثيرة لا تنضبط كما يقع منهم الزنى وقتل النفوس ~~والموت جوعا وعريا ونحو ذلك لكن ليس الغالب على إنسابهم إلا الصحة وعلى ~~أنفسهم إلا البقاء فالغرض هنا أن الأمور المتواترة يعلم انهم لم يتواطؤوا ~~فيها على الكذب والأخبار الشاذة يعلم أنهم لم يتواطؤوا فيها على الكتمان ( # الوجه الثانى ( أن دين الأمة يوجب عليهم تبليغ الدين وإظهاره وبيانه ~~ويحرم عليهم كتمانه ويوجب عليهم الصدق ويحرم عليهم الكذب فتواطؤهم على ~~كتمان ما يجب بيانه كتواطئهم على الكذب وكلاهما من أقبح الأمور التى تحرم ~~في دين الأمة وذلك باعث موجب الصدق والبيان ( # الثالث ( أنه قد علم من عدل سلف الأمة ودينها وعظيم رغبتها في تبليغ ~~الدين وإظهاره وعظيم مجانبتها للكذب على الرسول صلى الله PageV22P364 عليه ~~وسلم ما يوجب أعظم العلوم الضرورية بأنهم لم يكذبوا فيما نقلوه عنه ولا ~~كتموا ما أمرهم بتبليغه وهذه العادة الحاجية الخاصة الدينية لهم غير العادة ~~العامة المشتركة بين جنس البشر ( # الرابع ( أن العلماء الخاصة يعلمون من نصوص رسول الله الموجبة عليهم ~~التبليغ ومن تعظيمهم لأمر الله ورسوله ومن دين آحادهم مثل الخلفاء ومثل إبن ~~مسعود وأبى ومعاذ وأبى الدرداء إلى إبن عمر وإبن عباس وإبن عمرو وغيرهم ~~يعلمون علما يقينا لا يتخالجه ريب إمتناع هؤلاء من كتمان قواعد الدين التى ~~يجب تبليغها إلى العامة كما يعلمون إمتناعهم من الكذب على رسول الله # ويعلم ايضا أهل الحديث مثل أحوال المشاهير بمعرفة ذلك مثل الزهري وقتادة ~~ويحيى بن أبى كثير ومثل مالك والثورى وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة ~~وغيرهم أمورا يعلمون معها إمتناعهم من الكذب وإمتناعهم عن كتمان تبليغ هذه ~~الأمور العظيمة التى تأبى أحوالهم كتمانها لو كانت موجودة ولهم في ذلك ~~أسباب يطول شرحها وليس الغرض هنا تقرير ذلك وإنما الغرض التنبيه على ما وقع ~~من الشبهة لبعض الناس من أهل الأهواء PageV22P365 # قالوا هذا الذى ذكرتموه معارض بأمر الأذان والإقامة فإنه كان يفعل على ~~عهد النبى كل يوم خمس مرات ومع ms6736 هذا فقد وقع الإختلاف في صفته وكذلك الجهر ~~بالبسملة والقنوت في الفجر وحجة الوداع من أعظم وقائعه وقد وقع الإختلاف في ~~نقلها وذكروا نحو هذه الأمور التى وقعت فيها الشبهة والنزاع عند بعض الناس ~~وجعلوا هذا معارضا لما تقدم ليسوغوا أن يكون من أمور الدين مالم ينقل بل ~~كتم لأهواء وأغراض # وأما جهة الرأى والتنازع فإن تنازع العلماء وإختلافهم في صفات العبادات ~~بل وفى غير ذلك من أمور الدين صار شبهة لكثير من أهل الأهواء من الرافضة ~~وغيرهم وقالوا إن دين الله واحد والحق لا يكون في جهتين ( ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا ( # فهذا التفرق والإختلاف دليل على إنتفاء الحق فيما عليه أهل السنة ~~والجماعة ويعبرون عنهم بعبارات تارة يسمونهم الجمهور وتارة يسمونهم الحشوية ~~وتارة يسمونهم العامة ثم صار أهل الأهواء لما جعلوا هذا مانعا من كون الحق ~~فيما عليه أهل السنة والجماعة كل ينتحل سبيلا من سبل الشيطان PageV22P366 # فالرافضة تنتحل النقل عن أهل البيت لما لا وجود له وأصل من وضع ذلك لهم ~~زنادقة مثل رئيسهم الأول عبد الله بن سبأ الذى إبتدع لهم الرفض ووضع لهم أن ~~النبى نص على علي بالخلافة وأنه ظلم ومنع حقه وقال انه كان معصوما وغرض ~~الزنادقة بذلك التوسل إلى هدم الإسلام ولهذا كان الرفض باب الزندقة ~~والإلحاد فالصابئة المتفلسفة ومن أخذ ببعض أمورهم أو زاد عليهم من القرامطة ~~والنصيرية والإسماعيلية والحاكمية وغيرهم إنما يدخلون إلى الزندقة والكفر ~~بالكتاب والرسول وشرائع الإسلام من باب التشيع والرفض والمعتزلة ونحوهم ~~تنتحل القياس والعقل وتطعن في كثير مما ينقله أهل السنة والجماعة ويعللون ~~ذلك بما ذكر من الإختلاف ونحوه وربما جعل ذلك بعض أرباب الملة من اسباب ~~الطعن فيها وفى أهلها فيكون بعض هؤلاء المتعصبين ببعض هذه الأمور الصغار ~~ساعيا في هدم قواعد الإسلام الكبار ( ### ||| فصل # ( # إذا تبين بعض ما حصل في هذا الإختلاف والتفرق من الفساد فنحن نذكر طريق ~~زوال ذلك ونذكر ما هو الواجب في الدين في هذه المنازعات ms6737 وذلك ببيان الأصلين ~~اللذين هما ( السنة والجماعة PageV22P367 المدلول عليهما بكتاب الله فإنه ~~إذا إتبع كتاب الله وما تضمنه من إتباع رسوله والإعتصام بحبله جميعا حصل ~~الهدى والفلاح وزال الضلال والشقاء # أما الأصل الأول وهو ( الجماعة ) وبدأنا به لأنه أعرف عند عموم الخلق ~~ولهذا يجب عليهم تقديم الإجماع على ما يظنونه من معانى الكتاب والسنة # فنقول عامة هذه التنازعات إنما هي في أمور مستحبات ومكروهات لا في واجبات ~~ومحرمات فإن الرجل إذا حج متمتعا أو مفردا أو قارنا كان حجة مجزئا عند عامة ~~علماء المسلمين وإن تنازعوا في الأفضل من ذلك ولكن بعض الخارجين عن الجماعة ~~يوجب أو يمنع ذلك فمن الشيعة من يوجب المتعة ويحرم ماعداها ومن الناصبة من ~~يحرم المتعة ولا يبيحها بحال # وكذلك الأذان سواء رجع فيه أو لم يرجع فإنه أذان صحيح عند جميع سلف الأمة ~~وعامة خلفها وسواء ربع التكبير في أوله أو ثناه وإنما يخالف في ذلك بعض ~~شواذ المتفقهة كما خالف فيه بعض الشيعة فأوجب له الحيعلة ( بحى على خير ~~العمل ( وكذلك الإقامة يصح فيها الإفراد والتثنية بأيها أقام صحت إقامته ~~عند عامة علماء الإسلام إلا PageV22P368 ما تنازع فيه شذوذ الناس # وكذلك الجهر بالبسملة والمخافتة كلاهما جائز لا يبطل الصلاة وإن كان من ~~العلماء من يستحب أحدهما أو يكره الآخر أو يختار أن لا يقرأ بها فالمنازعة ~~بينهم في المستحب وإلا فالصلاة بأحدهما جائزة عند عوام العلماء فإنهم وإن ~~تنازعوا بالجهر والمخافتة في موضعهما هل هما واجبان أم لا وفيه نزاع معروف ~~في مذهب مالك وأحمد وغيرهما فهذا في الجهر الطويل بالقدر الكثير مثل ~~المخافتة بقرآن الفجر والجهر بقراءة صلاة الظهر # فأما الجهر بالشيء اليسير أو المخافتة به فمما لا ينبغي لأحد أن يبطل ~~الصلاة بذلك وما أعلم أحدا قال به فقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه كان في ~~صلاة المخافتة يسمعهم الآية أحيانا وفى صحيح البخارى عن رفاعة بن رافع ~~الزرقى قال ( كنا نصلى وراء النبى فلما رفع رأسه من الركعة قال ms6738 سمع الله ~~لمن حمده قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما ~~إنصرف قال ( من المتكلم قال أنا قال ( رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها ~~أيهم يكتبها أول ( # ومعلوم أنه لولا جهره بها لما سمعه النبى ولا PageV22P369 الراوي ومعلوم ~~أن المستحب للمأموم المخافتة بمثل ذلك وكذلك ثبت في الصحيح عن عمر أنه كان ~~يجهر بدعاء الإستفتاح ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك إسمك وتعالى جدك ولا ~~إله غيرك وهذا فعله بين المهاجرين والأنصار والسنة الراتبة فيه المخافتة ~~وكذلك كان من الصحابة من يجهر بالإستعاذة وفى الصحيح عن إبن عباس أنه جهر ~~بقراءة الفاتحة على الجنازة وقال لتعلموا أنها السنة ولهذا نظائر # وأيضا فلا نزاع أنه كان من الصحابة من يجهر بالبسملة كإبن الزبير ونحوه ~~ومنهم من لم يكن يجهر بها كإبن مسعود وغيره وتكلم الصحابة في ذلك ولم يبطل ~~أحد منهم صلاة أحد في ذلك وهذا مما لم أعلم فيه نزاعا وإن تنازعوا في وجوب ~~قراءتها فتلك مسألة أخرى # وكذلك القنوت في الفجر إنما النزاع بينهم في إستحبابه أو كراهيته وسجود ~~السهو لتركه أو فعله وإلا فعامتهم متفقون على صحة صلاة من ترك القنوت وأنه ~~ليس بواجب وكذلك من فعله إذ هو تطويل يسير للإعتدال ودعاء الله في هذا ~~الأذان فإذا كان كل واحد من مؤذنى رسول الله قد أمره النبى PageV22P370 ~~بأحد النوعين صار ذلك مثل تعليمه القرآن لعمر بحرف ولهشام بن حكيم بحرف آخر ~~وكلاهما قرآن أذن الله أن يقرأ به # وكذلك الترجيع في الأذان هو ثابت في اذان أبى محذورة وهو محذوف من أذان ~~بلال الذى رووه في السنن وكذلك الجهر بالبسملة والمخافتة بها صح الجهر بها ~~عن طائفة من الصحابة وصحت المخافتة بها عن أكثرهم وعن بعضهم الأمران جميعا # وأما المأثور عن النبى فالذى في الصحاح والسنن يقتضى أنه لم يكن يجهر بها ~~كما عليه عمل أكثر الصحابة وأمته ففى الصحيح حديث أنس وعائشة وأبى هريرة ~~يدل على ذلك دلالة بينة لا شبهة فيها وفى السنن ms6739 أحاديث أخر مثل حديث إبن ~~مغفل وغيره وليس في الصحاح والسنن حديث فيه ذكر جهره بها والأحاديث المصرحة ~~بالجهر عنه كلها ضعيفة عند أهل العلم بالحديث ولهذا لم يخرجوا في أمهات ~~الدواوين منها شيئا ولكن في الصحاح والسنن أحاديث محتملة # وقد روى الطبرانى بإسناد حسن عن إبن عباس أن النبى كان يجهر بها إذ كان ~~بمكة وأنه لما هاجر إلى المدينة ترك الجهر بها حتى مات ورواه أبوداود في ~~الناسخ والمنسوخ وهذا PageV22P371 يناسب الواقع فإن الغالب على أهل مكة كان ~~الجهر بها وأما أهل المدينة والشام والكوفة فلم يكونوا يجهرون بها وكذلك ~~أكثر البصريين وبعضهم كان يجهر بها ولهذا سألوا أنسا عن ذلك ولعل النبى كان ~~يجهر بها بعض الأحيان أو جهرا خفيفا إذا كان ذلك محفوظا وإذا كان في نفس ~~كتب الحديث أنه فعل هذا مرة وهذا مرة زالت الشبهة # وأما القنوت فأمره بين لا شبهة فيه عند التأمل التام فإنه قد ثبت في ~~الصحاح عن النبى ( أنه قنت في الفجر مرة يدعو على رعل وذكوان وعصية ( ثم ~~تركه ولم يكن تركه نسخا له لأنه ثبت عنه في الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو ~~للمسلمين مثل الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين ~~ويدعو على مضر وثبت عنه انه قنت أيضا في المغرب والعشاء وسائر الصلوات قنوت ~~إستنصار # فهذا في الجملة منقول ثابت عنه لكن إعتقد بعض العلماء من الكوفيين أنه ~~تركه ترك نسخ فإعتقد أن القنوت منسوخ وإعتقد بعضهم من المكيين أنه ما زال ~~يقنت في الفجر القنوت المتنازع فيه حتى فارق الدنيا والذى عليه أهل المعرفة ~~بالحديث أنه قنت لسبب وتركه لزوال السبب PageV22P372 # فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب لأنه ثبت أنه تركه لما زال العارض ~~ثم عاد إليه مرة أخرى ثم تركه لما زال العارض وثبت في الصحاح أنه لم يقنت ~~بعد الركوع إلا شهرا هكذا ثبت عن أنس وغيره ولم ينقل أحد قط عنه أنه قنت ~~القنوت المتنازع فيه لا قبل الركوع ولا ms6740 بعده ولا في كتب الصحاح والسنن شيء ~~من ذلك بل قد أنكر ذلك الصحابة كإبن عمر وابى مالك الأشجعى وغيرهما # ومن المعلوم قطعا أن الرسول لو كان كل يوم يقنت قنوتا يجهر به لكان له ~~فيه دعاء ينقله بعض الصحابة فإنهم نقلوا ما كان يقوله في القنوت العارض ~~وقنوت الوتر فالقنوت الراتب أولى أن ينقل دعاؤه فيه فإذا كان الذى نستحبه ~~إنما يدعو فيه لقنوت الوتر علم أنه ليس فيه شيء عن النبى وهذا مما يعلم ~~باليقين القطعى كما يعلم عدم النص على هذا وامثاله فإنه من الممتنع أن يكون ~~الصحابة كلهم أهملوا نقل ذلك فإنه مما يعلم بطلانه قطعا # وكذلك المأثور عن الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما هو القنوت العارض قنوت ~~النوازل ودعاء عمر فيه وهو قوله ( اللهم عذب كفرة اهل الكتاب إلخ ( يقتضى ~~أنه دعا به عند قتله للنصارى وكذلك دعاء على عند قتاله لبعض أهل القبلة ~~والحديث الذى فيه عن PageV22P373 أنس ( أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا ( ~~مع ضعف في إسناده وأنه ليس في السنن إنما فيه القنوت قبل الركوع # وفى الصحاح عن انس انه قال ( لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~الركوع إلا شهرا ( والقنوت قبل الركوع هو القيام الطويل إذ لفظ القنوت ~~معناه دوام الطاعة فتارة يكون في السجود وتارة يكون في القيام كما قد بيناه ~~في غير هذا الموضع # وأما حجة الوداع وإن إشتبهت على كثير من الناس فإنما أتوا من جهة الألفاظ ~~المشتركة حيث سمعوا بعض الصحابة يقول أنه تمتع بالعمرة إلى الحج وهؤلاء ~~أيضا يقولون أنه أفرد الحج ويقول بعضهم أنه قرن العمرة إلى الحج ولا خلاف ~~في ذلك فإنهم لم يختلفوا أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه ~~وأنه كان قد ساق الهدى ونحره يوم النحر وأنه لم يعتمر بعد الحجة في ذلك ~~العام لا هو ولا أحد من أصحابه إلا عائشة أمر أخاها ان يعمرها من التنعيم ~~أدنى الحل وكذلك الأحاديث الصحيحة عنه ms6741 فيها انه لم يطف بالصفا والمروة إلا ~~مرة واحدة مع طوافه الأول # فالذين نقلوا أنه أفرد الحج صدقوا لأنه أفرد أعمال الحج لم يقرن ~~PageV22P374 بها عمل العمرة كما يتوهم من يقول أن القارن يطوف طوافين ويسعى ~~سعيين ولم يتمتع تمتعا حل به من إحرامه كما يفعله المتمتع الذى لم يسق ~~الهدى بل قد أمر جميع اصحابه الذين لم يسوقوا الهدى أن يحلوا من إحرامهم ~~ويجعلوها عمرة ويهلوا بالحج بعد قضاء عمرتهم PageV22P375 ### || 1 ( قاعدة في أنواع الاستفتاح في الصلاة ) 1 # وقال الشيخ رحمه الله ( # ( ! 8 < فصل ( # ( # أنواع الإستفتاح للصلاة ثلاثة ( # وهي أنواع الأذكار مطلقا بعد القرآن أعلاها ما كان ثناء على الله ويليه ~~ما كان خبرا من العبد عن عبادة الله والثالث ما كان دعاء للعبد # فإن الكلام إما إخبار وإما إنشاء وأفضل الإخبار ما كان خبرا عن الله ~~والإخبار عن الله أفضل من الخبر عن غيره ومن الإنشاءات ولهذا كانت @QB@ قل ~~هو الله أحد @QE@ تعدل ثلث القرآن لأنها تتضمن الخبر عن الله وكانت آية ~~الكرسى أفضل آية في القرآن لأنها خبر عن الله فما كان من الذكر من جنس هذه ~~السورة وهذه الآية فهو أفضل الأنواع والسؤال للرب هو بعد الذكر المحض كما ~~في حديث مالك بن الحويرث ( من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى ~~السائلين ( # ولهذا كانت الفاتحة نصفين نصفا ثناء ونصفا دعاء والنصف PageV22P376 ~~الثانى هو المقدم وهو الذى لله عز وجل وكذلك في حديث الشفاعة الصحيح قال ( ~~فإذا رأيت ربى خررت له ساجدا فأحمد ربى بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن ~~فيقول أى محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه وإشفع تشفع ( فبدأ بالحمد لله ~~حتى أذن له في السؤال فسأل # وفى صحيح البخارى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من تعار من ~~الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير والحمد لله وسبحان الله والله أكبر اللهم إغفر لى فإن دعا إستجيب ms6742 ~~دعاؤه وإن توضأ وصلى قبلت صلاته ( وقال ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ( ~~ولهذا كان التشهد ثناء على الله عز وجل وقال في آخره ثم ليتخير من المسألة ~~ما شاء # والأدعية الشرعية هي بعد التشهد لم يشرع الدعاء في القعود قبل التشهد بل ~~قدم الثناء على الدعاء وفى حديث الذى دعا قبل الثناء قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( عجل هذا ( فروى الإمام أحمد ( والترمذى وأبو داود عن فضالة بن ~~عبيد قال ( سمع رسول الله رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على ~~PageV22P377 النبى فقال رسول الله عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا ~~صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلى على النبى ثم يدعو بعد ~~ذلك بما شاء ( # والذكر المشروع بإتفاق المسلمين في الركوع والسجود والإعتدال وأما الدعاء ~~في الفرض ففى كراهيته نزاع وإن كان الصحيح أنه لا يكره ولكن الذكر أفضل فإن ~~الذكر مأمور به فيهما بقوله تعالى @QB@ فسبح باسم ربك العظيم @QE@ و @QB@ ~~سبح اسم ربك الأعلى @QE@ قال النبى صلى الله عليه وسلم ( إجعلوها في ركوعكم ~~( والثانية ( إجعلوها في سجودكم ( # فأما قوله ( أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فإجتهدوا في الدعاء ~~فقمن أن يستجاب لكم ( ففيه الأمر في الركوع بالتعظيم وأمره بالدعاء في ~~السجود بيان منه أن الدعاء في السجود أحق بالإجابة من الركوع ولهذا قال ~~فقمن أن يستجاب لكم كما قال ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ( فهو ~~أمر بأن يكون الدعاء في السجود # أمر بالصفة لا بالموصوف أو أمر بالصفة والموصوف وإن كان التسبيح أفضل ~~فإنه ليس من شرط المأمور أن لا يكون غيره أفضل PageV22P378 منه لأن الدعاء ~~هو بحسب مطلوب العبد لم يذكر دعاءا معينا أمر به كما أمر بالفاتحة بقوله ~~@QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ والدعاء الواجب لا يكون إلا معينا وإن كان ~~جنس الدعاء واجبا فمعلوم أن الدعاء ms6743 جائز في نفس الصلاة وخارج الصلاة واكثر ~~الأدعية المنقولة عن النبى كانت في آخر الصلاة كما في الحديث المروى عنه ~~انه ذكر ( أن أجوب الدعاء جوف الليل الآخر ( و ( دبر الصلاة ( # فعلم أن الدعاء دبر الصلاة لا سيما قبل السلام كما كان النبى يدعو في ~~الغالب فهو أجوب سائر أحوال الصلاة لأنه دعاء بعد إكمال العبادة # وأما السجود فإنما ذكره والركوع لأنه قال ( أنى نهيت أن اقرأ القرآن ~~راكعا أو ساجدا أما الركوع فعظموا فيه الرب واما السجود فإجتهدوا في الدعاء ~~فقمن أن يستجاب لكم ( فلما نهى عن القراءة في هذين الحالين ذكر ما يكون ~~بدلا مشروعا لمن اراد فخص الركوع بالتعظيم والسجود بالدعاء فجمع الأقسام ~~الثلاثة القراءة والذكر والدعاء # ومما يبين فضل الذكر على المسألة ما ثبت في صحيح مسلم PageV22P379 عن ~~النبى أنه قال ( أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ( ولهذا أمر بالذكر من عجز عن ~~القراءة في الصلاة لأن الإعتدال مشروع فيه التحميد بالسنة المتواترة وإجماع ~~المسلمين وهو الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعله في كل صلاة وكان ~~أحيانا يدعو بعد التحميد بقوله ( اللهم باعد بينى وبين خطاياى ( فأخر ~~السؤال عن الحمد والثناء والمجد وأمر أيضا بالحمد بقوله ( فإذا قال سمع ~~الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ( وما داوم عليه وقدمه وأمر به أفضل ~~مما كان يفعله أحيانا ويؤخره ولم يأمر به # وأيضا فنوع الثناء إضافة الرب إلى نفسه ونوع السؤال إضافة إلى عبده فقال ~~( إذا قال العبد ( الحمد لله رب العالمين ( قال الله حمدنى عبدى فإذا قال ( ~~الرحمن الرحيم ( قال اثنى على عبدي وإذا قال ( مالك يوم الدين ( قال الله ~~مجدنى عبدى فإذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ( قال هذه الآية بينى وبين ~~عبدى نصفين ولعبدى ما سأل فإذا قال ( إهدنا الصراط المستقيم ( إلى آخر ~~السورة قال هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل ( # وأيضا فجماهير العلماء على إيجاب الثناء فيوجبون التشهد الأخير وكذلك ms6744 ~~التشهد الأول يجب مع الذكر عند مالك وأحمد فإذا تركه PageV22P380 عمدا بطلت ~~صلاته وتسبيح الركوع والسجود كذلك ايضا عند أحمد وغيره وكذلك التكبير تكبير ~~الإنتقال فمذهب مالك من ترك من ذلك ثلاثا عمدا أعاد الصلاة ومذهب أحمد ~~مشهور عنه مطلقا وما يذكره اصحاب أحمد في مسائل الخلاف إن إيجاب هذه ~~الأذكار من مفردات أحمد عن الثلاثة فذلك لأن أصحاب مالك يسمون هذه سننا ~~والسنة عندهم قد تكون واجبة إذا تركها أعاد وهذه من ذلك فيظن من يظن أن ~~السنة عندهم لا تكون إلا لما يجوز تركه وليس كذلك # وأما الدعاء فلم يجب منه دعاء مفرد أصلا بل ما وجب من الفاتحة وجب بعد ~~الثناء وكذلك من أوجب أن يدعو بعد التشهد بالدعاء المأمور به هناك وهو ~~الإستعاذة من عذاب جهنم والقبر وفتنة المحيا والممات والدجال فإنما أوجبه ~~بعد التشهد الذى هو ثناء وهو قول طاووس ووجه في مذهب أحمد # وأيضا فالدعاء لم يشرع مجردا لم يشرع إلا مع الثناء وأما الثناء فقد شرع ~~مجردا بلا كراهة فلو إقتصر في الإعتدال على الثناء وفى الركوع والسجود على ~~التسبيح كان مشروعا بلا كراهة ولو إقتصر في ذلك على الدعاء لم يكن مشروعا ~~وفى بطلان الصلاة نزاع و ( # أيضا ( فالثناء يتضمن مقصود الدعاء كما في الحديث ( أفضل PageV22P381 ~~الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله ( فإن ثناء الداعى على ~~المدعو بما يتضمن حصول مطلوبة قد يكون أبلغ من ذكر المطلوب كما قيل % إذا ~~أثنى عليك المرء يوما % كفاه من تعرضه الثناء % ولهذا يقول في الدعاء ~~المأثور ( أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السماوات والأرض ( ~~فسأله بأن له الحمد فعلم بأن الإعتراف بكونه مستحقا للحمد هو سبب في حصول ~~المطلوب # وهذا كقول أيوب عليه السلام ( مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ( فقوله ( ~~هذا احسن من قوله ( إرحمنى وفى دعاء ليلة القدر الذى روته عائشة ( اللهم ~~أنك عفو تحب العفو فإعف عنى ( # وفى الصحيحين عن إبن عباس ( أن النبى صلى الله عليه وسلم ms6745 كان يقول عند ~~الكرب لا إله إلا الله الحليم العظيم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا ~~إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش الكريم ( # ومما يبين فضل الثناء على الدعاء أن الثناء المشروع يستلزم الإيمان بالله ~~وأما الدعاء فقد لا يستلزمه إذ الكفار يسألون الله PageV22P382 فيعطيهم كما ~~أخبر الله بذلك في القرآن في غير موضع فإن سؤال الرزق والعافية ونحو ذلك من ~~الأدعية المشروعة هو مما يدعو به المؤمن والكافر بخلاف الثناء كقوله ( ~~سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك إسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ( والتحيات لله ~~والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته ( فإن هذا لا ~~يثنى به إلا المؤمن وكذلك قوله ( اللهم ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء ~~الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعده ( لكن قد يكون بعض الثناء ~~يقر به الكفار كإقرارهم بأن الله خالق السماوات والأرض وأنه يجيب المضطر ~~إذا دعاه ونحو ذلك # لكن المشركون لم يكن لهم ثناء مشروع يثنون به على الله حتى في تلبيتهم ~~كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ( تملكه وما ملك وكذلك ~~النصارى ثناؤهم فيه الشرك وأما اليهود فليس في عبادتهم ثناء اللهم إلا ما ~~يكون مأثورا عن الأنبياء وذلك من ثناء أهل الإيمان وكذلك النصارى إن كان ~~عندهم شيء من ذلك وأما ما شرعه من ثنائه فهو يتضمن الإيمان والأدلة الدالة ~~على فضل جنس الثناء على جنس الدعاء كثيرة مثل أمره أن يقال عند سماع المؤذن ~~مثل ما يقول ثم يصلى على النبى ثم يسأل له الوسيلة ثم يسأل العبد بعد ذلك ~~فقدم الثناء على PageV22P383 الدعاء وهكذا بعد التشهد فإنه قدم فيه الثناء ~~على الله ثم الدعاء لرسوله ثم للإنسان وكذلك هنا مع أنى لا أعلم في هذا ~~نزاعا بين العلماء ولكن المفضول قد يكون أحيانا افضل فإن الصلاة أفضل من ~~قراءة القرآن والقرآن أفضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء والمفضول قد ~~يعرض له حال يكون ms6746 فيه أفضل لأسباب متعددة إما مطلقا كفضيلة القراءة وقت ~~النهى على الصلاة وإما لحال مخصوص وهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أن جنس الثناء أفضل من السؤال كما قال تعالى ? < من شغله ~~ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين > ? وقراءة القرآن أفضل منهما ~~كما في حديث الترمذى عن ابى سعيد عن النبى أنه قال ( يقول الله عز وجل ( من ~~شغله قراءة القرآن عن ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ( قال ~~الترمذى حسن غريب # وهذا بين في الإعتبار لأن السائل غاية مقصوده حصول مطلوبه ومراده فهو ~~مريد من الله وإن كان مطلوبه محبوبا لله مثل أن يطلب منه إعانته على ذكره ~~وشكره وحسن عبادته فهو يريد منه هذا الأمر المحبوب لله PageV22P384 وأما ~~المثنى فهو ذاكر لنفس محبوب الحق من أسمائه وصفاته فالمطلوب بهذا معرفة ~~الله ومحبته وعبادته وهذا مطلوب لنفسه لا لغيره وهو الغاية التى خلق لها ~~الخلق كما قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ والسؤال ~~وسيلة إلى هذا ولهذا قال في الفاتحة @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فقدم ~~قوله @QB@ إياك نعبد @QE@ لأنه المقصود لنفسه على قوله @QB@ وإياك نستعين ~~@QE@ لأنه وسيلة إلى ذلك والمقاصد مقدمة في القصد والقول على الوسائل ثم ~~مقصود السائل من الدعاء يحصل لهذا العابد المثنى مع إشتغاله بأشرف القسمين # وأما الداعى فإذا كان مهتما بما هو محتاج إليه من جلب منفعة ودفع مضرة ~~كحاجته إلى الرزق والنصر الضرورى كان إشتغاله بهذا نفسه صارفا له عن غيره ~~فإذا دعا الله سبحانه فقد يحصل له بالدعاء من معرفة الله ومحبته والثناء ~~عليه والعبودية له والإفتقار إليه ما هو أفضل وأنفع من مطلوبه ذلك كما قال ~~بعض السلف يا إبن آدم لقد بورك لك في حاجة كثرت فيها قرع باب سيدك وقال ~~بعضهم أنه ليكون لى إلى الله حاجة فإدعوه فيفتح لى من باب معرفته ما أحب ~~معه أن لا يعجل لى قضاءها لئلا ينصرف قلبى عن الدعاء # والسائل إذا حصل سؤاله برد فإنه لم يكن ms6747 مراده إلا سؤاله وإذا حصل إعرض عن ~~الله فهذا حال الكفار الذين ذمهم الله في القرآن كقوله @QB@ وإذا مس ~~الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنا إلى ضر مسه @QE@ PageV22P385 # وقال تعالى @QB@ قل من ينجيكم من ظلمات ~~البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل ~~الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا مس ~~الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب ~~النار @QE@ # فقوله سبحانه @QB@ نسي ما كان يدعو إليه من قبل @QE@ أى نسى ما كان ~~يدعوالله إليه وهو الحاجة التى طلبها فإن دعاءه كان إليها أى توجهه إليها ~~وقصده فهي الغاية التى كان يقصدها وإذا كانت ما مصدرية كان تقديره نسى كونه ~~يدعو الله إلى حاجته كما قال تعالى في الآية الآخرى @QB@ فلما كشفنا عنه ~~ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه @QE@ لكن على هذا يبقى الضمير في إليه ~~عائدا على غير مذكور بخلاف ما إذا جعلت بمعنى الذى فان التقدير نسي حاجته ~~الذي دعاني إليها من قبل فنسي دعاءه الله الذي كان سبب الحاجة وإلى حرف ~~الغاية كما قال تعالى في الآية الأخرى @QB@ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله ~~أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما ~~تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون @QE@ فقد PageV22P386 أخبر تعالى أنه ~~يكشف ما يدعون إليه وهى الشدة التى دعوا إليها # وأما المؤمن فلابد بعد قضاء حاجته من عبادة الله وإخلاصه له كما أمره إما ~~قياما بالواجب فقط فيكون من الأبرار أو بالواجب والمستحب فيكون من المقربين ~~ومن ترك بعض ما أمر به بعد قضاء حاجته فهو من أهل الذنوب وقد يكون ذلك من ~~الشرك الأصغر الذى يبتلى به غالب الخلق إما شركا في الربوبية ms6748 وإما شركا في ~~الألوهية كما هو مبسوط في موضعه # وقد يبتلى في أماكن الجهل وزمانه كثير من الناس بما هو من الشرك الأكبر ~~وهم لا يعلمون فالسائل مقصوده سؤاله وإن حصل له ما هو محبوب الرب من إنابته ~~إليه ومحبته وتوبته فهذا بالعرض وقد يدوم والأغلب أنه لا يدوم إلا أن يكون ~~ذلك المحبوب للرب هو سؤاله مثل أن يسأل الله التوبة والإعانة على ذكره ~~وشكره وحسن عبادته فهنا مطلوبه محبوب للرب ولهذا ذم الله من لم يطلب إلا ~~الدنيا في قوله @QB@ فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في ~~الآخرة من خلاق @QE@ # وأما المثنى فنفس ثنائه محبوب للرب وحصول مقصود السائل يحصل ضمنا وتبعا ~~فهذا أرفع لكن هذا إنما يتم لمن يخلص إيمانه PageV22P387 فصار يحب الله ~~ويحب حمده وثناءه وذكره وذلك أحب إلى قلبه من مطالب السائلين رزقا ونصرا # وأما من كان إهتمامه بهذا أكثر فهذا يكون إنتفاعه بالدعاء أكثر وإن كان ~~جنس الثناء أفضل كما أن قراءة القرآن أفضل من الذكر والدعاء وقد يكون بعض ~~الناس لنقص حاله إنتفاعه بالذكر والدعاء أكمل فهو خير له بحسب حاله لا أفضل ~~في نفس الأمر # والمقصود هنا بيان ما شرعه الله لعباده مطلقا عاما ولهذا ما كان من أذكار ~~الصلاة من جنس الدعاء لم يجب عند عامة العلماء # وأما الثناء كدعاء الإستفتاح وغيره فإختلفوا في وجوبه فذهب طائفة من ~~أصحاب أحمد إلى وجوب الذكر الذى هو ثناء كالإستفتاح وهو إختيار إبن بطة ~~وغيره وذكر هذا رواية عن أحمد كما وجب في المشهور عنه التسبيح في الركوع ~~والسجود والتسميع والتحميد وتكبيرة الإنتقال فهذان نوعان ظهر فضل أحدهما ~~على الآخر # وأما النوع المتوسط بينهما فهو إخبار الإنسان بعبادة الله تعالى كقوله ~~@QB@ وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض @QE@ وقوله @QB@ إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين @QE@ وقوله ? < لك سجدت ولك عبدت وبك آمنت ~~وبك أسلمت > ? ونحو ذلك فهذا PageV22P388 أفضل من الدعاء ودون الثناء فإنه ~~إنشاء وإخبار بما يحبه الله ويأمر ms6749 به العبد فمقصوده محبوب الحق فهو أفضل ~~مما مقصوده مطلوب العبد لكن جنس الثناء أفضل منه كما روى مسلم في صحيحه عن ~~النبى أنه قال ( أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ( فجعل هذا الكلام الذى هو ذكر ~~الله أفضل من جميع الكلام بعد القرآن وكذلك قال للرجل الذى قال لا أستطيع ~~أن آخذ شيئا من القرآن فعلمنى ما يجزينى فعله ( سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر فجعل ذلك بدلا عن القرآن ### ||| فصل # وسورة @QB@ قل هو الله أحد @QE@ أفضل من @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ ~~وتلك أمر بأن يقال ما هو صفة الرب وهذه أمر بأن يقال ما هو إنشاء خبر عن ~~توحيد العبد وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقدم ذلك الصنف # كقوله في الحديث الصحيح ( اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن ~~فيهن ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور ~~السماوات والأرض ومن فيهن أنت الحق وقولك الحق ووعدك حق والجنة حق والنار ~~حق PageV22P389 والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت ~~وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فإغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما ~~أعلنت أنت إلهى لا إله إلا أنت ) # فهذا الذكر تضمن الأنواع الثلاثة فقدم ما هو خبر عن الله واليوم الآخر ~~ورسوله ثم ذكر ما هو خبر عن توحيد العبد وإيمانه ثم ختم بالسؤال وهذا لأن ~~خبر الإنسان عن نفسه سلوك يشهد فيه نفسه وتحقيق عبادة الله عز وجل وأما ~~الثناء المحض فهو لا يشهد فيه إلا الله عز وجل بأسمائه وصفاته وما جرد فيه ~~ذكر الله تعالى أفضل مما جرد فيه الخلق أيضا ولهذا فضلت سورة @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ وجعلت تعدل ثلث القرآن لأنها صفة الرحمن وذكره محضا لم تشب ~~بذكر غيره لكن في إبتداء السلوك لابد من ذكر الإنشاء ولهذا كان مبتدأ ~~الدخول في الإسلام أشهد ms6750 أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~بخلاف حال العبادة المحضة فإنه يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر # فإن الشهادة بها يصير مسلما وهو الأصل والأساس ولهذا جعلت ركنا في الخطب ~~في خطب الصلاة وهى التشهد يختم القرآن بقوله ( أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وفى الخطب خارج الصلاة كخطبة PageV22P390 ~~الحاجة خطبة إبن مسعود والخطب المشروعة خطبة الجمعة وغيرها # وفى السنن عن النبى أنه قال ( كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ( # والذين أوجبوا ذكر النبى في الخطبة كأصحاب الشافعى وأحمد قال كثير منهم ~~يجب مع الحمد الصلاة عليه وقال بعضهم يجب ذكره إما بالصلاة وإما بالتشهد ~~وهو إختيار جدى أبى البركات # والصواب أن ذكره بالتشهد هو الواجب لدلالة هذا الحديث ولأن الشهادة إيمان ~~به والصلاة عليه دعاء له وأين هذا من هذا والتشهد في الصلاة لابد فيه من ~~الشهادة له في الأول والآخر وإما الصلاة عليه فشرعت مع الدعاء # وأما التشهد فهو مشروع في الخطب والثناء فتشهد الصلاة ثناء على الحق شرع ~~فيه التشهد والخطبة خطاب مع الناس شرع فيها التشهد والأذان ذكر الله يقصد ~~به الإعلام بوقت العبادة وفعلها فشرع فيه التشهد وإما الصلاة عليه فإنما ~~جاءت الآثار بأنها تكون مع الدعاء كحديث الذى قال فيه ( عجل هذا ( وأمثاله ~~فإن الصلاة PageV22P391 عليه من جنس الدعاء وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~فيكون الدعاء له مقدما على الدعاء لغيره كما قدم السلام عليه في التشهد على ~~السلام على غيره حتى على المصلى نفسه فهذا مما يبين كمال أسرار الدين فقدم ~~في الخطب الحمد على التشهد كما قدم في الفاتحة الحمد على التوحيد بقوله ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فإن في سنن أبى داود وغيره عن النبى أنه ~~قال ( كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم ( فالحمد لله له ~~الإبتداء # ولهذا كانت خطب النبى يفتتحها بالحمد لله وكذلك الصلاة إنما تفتتح بالحمد ~~فتفتتح بسورة ms6751 الحمد عند المسلمين كلهم إذ هي السنة المتواترة عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم وتفتتح بالجهر بكلمة ( الحمد ( عند المسلمين جمهورهم # وإذا كانت البسملة مقصودة عند جمهورهم فهي وسيلة إذ قول القارئ بسم الله ~~معناه بسم الله أقرأ أو أنا قارئ ولهذا شرعت التسمية في إفتتاح الأعمال ~~كلها فيسمى الله عند الأكل والشرب ودخول المنزل والخروج منه ودخول المسجد ~~والخروج منه وغير ذلك من الأفعال وهى عند الذبح من شعائر التوحيد فالصلاة ~~والقراءة عمل من الأعمال فإفتتحت بالتسمية PageV22P392 # ولهذا إنما أنزلها الله في أول كل سورة وهى من القرآن حيث كتبت كما كتبها ~~الصحابة لكنها آية مفردة في أول السورة وليست من السورة وهذا القول أعدل ~~الأقوال الثلاثة التى للعلماء فيها فلما كانت تابعة ووسيلة والحمد مقصود ~~لنفسه والتسمية لأجله جهر بالمقصود وأعلن وأخفى الوسيلة كما هو قول جمهور ~~العلماء وعليه تدل الأحاديث الصحيحة ألا ترى أنه بإتفاق المسلمين وهى السنة ~~المتواترة عن النبى لا يجهر بها في الخطب بل يفتتح الخطبة بالحمد وإن لم ~~تكن الخطبة قرآنا # ولهذا لم يذكرها النبى في الحديث الصحيح حديث قسمة الصلاة بين العبد ~~والرب وخطبة الجمعة تفتتح بالحمد بالسنة المتواترة وإتفاق العلماء وأما ~~خطبة الإستسقاء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره # أحدها ( أنها تفتتح بالحمد لله كالجمعة ( و ( الثانى ( بالتكبير كالعيد # والثالث بالإستغفار لأنه أخص بالإستسقاء وخطبة العيد قد ذكر عبد الله بن ~~عقبة أنها تفتتح بالتكبير وأخذ بذلك من أخذ PageV22P393 به من الفقهاء لكن ~~لم ينقل أحد عن النبى أنه إفتتح خطبته بغير الحمد لا خطبة عيد ولا إستسقاء ~~ولا غير ذلك وقد قال ( كل امر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم ( # وقد كان يخطب خطب الحج وغير خطب الحج خطبا عارضة ولم ينقل أحد عنه أنه ~~إفتتح خطبة بغير الحمد فالذى لا بد منه في الخطبة الحمد لله والتشهد والحمد ~~يتبعه التسبيح والتشهد يتبعه التكبير وهذه هي ( الباقيات الصالحات ( وقال ~~تعالى @QB@ فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب ms6752 العالمين @QE@ # ( ### ||| فصل # إذا تبين هذا الأصل فأفضل أنواع الإستفتاح ما كان ثناء محضا مثل ( سبحانك ~~اللهم وبحمدك وتبارك إسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ( وقوله الله أكبر كبيرا ~~والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ( ولكن ذاك فيه من الثناء ما ليس ~~في هذا فإنه تضمن ذكر ( الباقيات الصالحات ( التى هي أفضل الكلام بعد ~~القرآن وتضمن قوله ( تبارك إسمك وتعالى جدك ( وهما من القرآن أيضا ولهذا ~~كان أكثر السلف يستفتحون به وكان عمر بن الخطاب يجهر به ويعلمه الناس ~~PageV22P394 # وبعده النوع الثانى وهو الخبر عن عبادة العبد كقوله ( وجهت وجهى للذى فطر ~~السماوات والأرض إلخ ( وهو يتضمن الدعاء وإن إستفتح العبد بهذا بعد ذلك فقد ~~جمع بين الأنواع الثلاثة وهو أفضل الإستفتاحات كما جاء ذلك في حديث مصرحا ~~به وهو إختيار أبى يوسف وإبن هبيرة الوزير من أصحاب أحمد صاحب ( الإفصاح ( ~~وهكذا أستفتح أنا # وبعده النوع الثالث كقوله ( اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين ~~المشرق والمغرب إلخ ( وهكذا ذكر الركوع والسجود والتسبيح فيهما أفضل من ~~قوله ( لك ركعت ولك سجدت ( وهذا أفضل من الدعاء والترتيب هنا متفق عليه ~~فيما اعلم فإنى لم أعلم أحدا قال إن الدعاء فيهما أفضل من التسبيح كما قيل ~~مثل ذلك في الإستفتاح # فإن قلت هذا الترتيب عكس الأسانيد فإنه ليس في الصحيحين حديث عن النبى في ~~إستفتاح الفريضة إلا هذا الدعاء ( اللهم باعد بينى وبين خطاياى ( وقوله ( ~~وجهت وجهى ( في صحيح مسلم وحديث ( سبحانك اللهم ( في السنن وقد تكلم فيه ~~وقد روى أن هذا كان في قيام الليل وكذلك قوله ( وجهت وجهى PageV22P395 قلت ~~كون هذا مما بلغنا من طريق أصح من هذا فهذا ليس في صفة الذكر نفسه فضيلة ~~توجب فضله على الآخر لكنه طريق لعلمنا به والفضيلة كانت ثابتة عن النبى وفى ~~زمنه قبل أن يبلغنا الأمر # وقد ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه كان يجهر بسبحانك ~~اللهم وبحمدك وتبارك إسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك يعلمه ms6753 الناس فلولا أن ~~هذا من السنن المشروعة لم يفعل هذا عمر ويقره المسلمون عليه # وحديث أبى هريرة دليل على أن الإستفتاح لا يختص بسبحانك اللهم ووجهت وجهى ~~وغيرهما بل يستفتح بكل ما روى لكن فضل بعض الأنواع على بعض يكون بدليل آخر ~~كما قدمنا # وأيضا فإن قوله ( سبحانك اللهم إلخ ( يتضمن الباقيات الصالحات التى هي ~~أفضل الكلام بعد القرآن كما في صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( أفضل الكلام ~~بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر ( # وايضا ففى صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل PageV22P396 أى ~~الكلام أفضل قال ( ما إصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده ( فهذه الكلمة ~~هي أول ما في الإستفتاح وهى أفضل الكلام # وأيضا فالله قد أمر بالتسبيح بحمده وعبر بذلك عن الصلاة بقوله ( فسبح ~~بحمد ربك حين تقوم ( فكان إبتداء الإمتثال بهذا الذكر أولى وقد قال طائفة ~~من المفسرين كالضحاك في تفسير هذه الآية هو قول المصلى سبحانك اللهم وبحمدك ~~وتبارك إسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وقد بسطت الكلام على معنى هذه الكلمة ~~في غير هذا الموضع وبينت أنها تشتمل على التنزيه والتحميد والتعظيم بصفات ~~البقاء والإثبات وأفعاله كلها سبحانه وبحمده # ( ### ||| فصل # التكبير مشروع في الأماكن العالية وحال إرتفاع العبد وحيث يقصد الإعلان ~~كالتكبير في الأذان والتكبير في الأعياد والتكبير إذا علا شرفا والتكبير ~~إذا رقى الصفا والمروة والتكبير إذا ركب الدابة والتسبيح في الأماكن ~~المنخفضة وحيث ما نزل العبد كما في السنن عن جابر قال ( كنا مع النبى إذا ~~علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك PageV22P397 والحمد ~~مفتاح كل أمر ذى بال من مناجاة الرب ومخاطبة العباد بعضهم بعضا والشهادة ~~مقرونة بالحمد وبالتكبير فهي في الأذان وفى الخطب خاتمة الثناء فتذكر بعد ~~التكبير ثم يخاطب الناس بقول المؤذن حى على الصلاة حى على الفلاح وتذكر في ~~الخطب ثم يخاطب الناس بقول إما بعد وتذكر في التشهد ثم يتخير من الدعاء ms6754 ~~أعجبه إليه فالحمد والتوحيد مقدم في خطاب الخلق للخالق والحمد له الإبتداء # فإن الله لما خلق آدم عليه السلام أول ما أنطقه بالحمد فإنه عطس وقال ~~الحمد لله رب العالمين فقال الله يرحمك ربك وكان أول ما نطق به الحمد وأول ~~ما سمع من الله الرحمة وبه إفتتح الله أم القرآن والتشهد هو الخاتمة فأول ~~الفاتحة ( الحمد لله ( وآخر ما للرب ( إياك نعبد ( # وكذلك التشهد والخطب فيها التشهد بعد الفاتحة فإن يتضمن إلهيه الرب وهو ~~أن يكون الرب هو المعبود هذا هو الغاية التى ينتهى إليها اعمال العباد و ( ~~لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( لكن قدم الحمد لأن الحمد يكون من الله ~~ويكون من الخلق وهو باق في الجنة ف ( آخر دعواهم إن الحمد لله رب العالمين ~~( بخلاف العبادة فإن العبادة إنما تكون في الدنيا بالسجود ونحوه وتوحيده ~~وذكره باق في الجنة يلهمه أهل الجنة كما يلهمهم النفس PageV22P398 # وهذه الأذكار هي من جنس الأقوال ليست من العبادات العملية كالسجود ~~والقيام والإحرام والرب تعالى يحمد نفسه ولا يعبد نفسه فالحمد أوسع العلوم ~~الإلهية والحمد يفتح به ويختم به فالسنة لمن أكل وشرب أن يحمد الله وفى ~~صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده ~~عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها ( وقال تعالى @QB@ وقضي بينهم بالحق وقيل ~~الحمد لله رب العالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين @QE@ وقال @QB@ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين @QE@ ### ||| فصل # وإنما فرض عليه من الدعاء الراتب الذى يتكرر بتكرر الصلوات بل الركعات ~~فرضها ونفلها هو الدعاء الذى تتضمنه أم القرآن وهو قوله تعالى @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ لأن كل عبد فهو مضطر دائما إلى مقصود هذا الدعاء وهو هداية الصراط ~~المستقيم فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية ولا وصول إلى السعادة ~~إلا به فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم أو من ms6755 الضالين ~~PageV22P399 # وهذا الإهتداء لا يحصل إلا بهدى الله @QB@ من يهد الله فهو المهتد ومن ~~يضلل فلن تجد له وليا مرشدا @QE@ وهذه الآية مما يبين به فساد مذهب القدرية ~~الذين يزعمون أن العبد لا يفتقر في حصول هذا الإهتداء بل كل عبد عندهم فمعه ~~ما يحصل به الطاعة والمعصية لا فرق عندهم بين المؤمن والكافر ولم يخص الله ~~المؤمن عندهم بهدى حصل به الإهتداء والكلام عليهم مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أن كل عبد فهو مفتقر دائما إلى حصول هذه الهداية وأما سؤال ~~من يقول فقد هداهم إلى الإيمان فلا حاجة إلى الهدى وجواب من يجيب بأن ~~المطلوب دوام الهدى فكلام من لم يعرف حال الإنسان وما أمر به فإن الصراط ~~المستقيم حقيقته أن تفعل كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل ولا ~~تفعل ما نهيت عنه وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة جازمة ~~لترك المحذور وهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن يحصل للعبد ~~في وقت واحد بل كل وقت يحتاج أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما ~~يهدى به في ذلك الوقت # نعم حصل له هدى مجمل بأن القرآن حق ودين الإسلام حق والرسول حق ونحو ذلك ~~ولكن هذا الهدى المجمل لا يغنيه إن لم يحصل هدى مفصل في كل ما يأتيه ويذره ~~من الجزئيات التى يحار PageV22P400 في كثير منها أكثر عقول الخلق ويغلب ~~الهوى والشهوات أكثر الخلق لغلبة الشبهات والشهوات على النفوس # والإنسان خلق ظلوما جهولا فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من ~~الشر فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله وعدل في محبته وبغضه ورضاه ~~وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى عدل ~~ينافى ظلمه فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل وإلا كان فيه ~~من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم وقد قال الله تعالى لنبيه ~~بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان @QB@ إنا فتحنا ms6756 لك فتحا مبينا ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما ~~وينصرك الله نصرا عزيزا @QE@ فأخبر أنه فعل هذا ليهديه صراطا مستقيما فإذا ~~كان هذا حاله فكيف بحال غيره # @QB@ الصراط المستقيم @QE@ ( قد فسر بالقرآن والإسلام وطريق العبودية فكل ~~هذا حق فهو موصوف بهذا وبغيره فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ~~ونجاته بخلاف الحاجة إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه فإذا إنقطع رزقه مات ~~والموت لا بد منه فإن كان من أهل الهداية كان سعيدا بعد الموت وكان الموت ~~موصلا له إلى السعادة الدائمة الأبدية فيكون رحمة في حقه PageV22P401 وكذلك ~~النصر إذا قدر أنه قهر وغلب حتى قتل فإذا كان من أهل الهداية والإستقامة ~~مات شهيدا وكان القتل من تمام نعمة الله عليه فتبين أن حاجة العباد إلى ~~الهدى أعظم من حاجتهم إلى الرزق والنصر بل لا نسبة بينهما فلهذا كان هذا ~~الدعاء هو المفروض عليهم # وأيضا # فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر لأنه إذا هدى الصراط المستقيم كان من ~~المتقين ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ( وكان من ~~المتوكلين ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ( وكان ممن ~~ينصر الله ورسوله ومن ينصر الله ينصره الله وكان من جند الله وجند الله هم ~~الغالبون فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر # فتبين أن هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب يحصل به كل منفعة ويندفع به كل ~~مضرة فلهذا فرض على العبد وهذا مما يبين أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها ~~أصلا وأن فضلها على غيرها من الكلام أعظم من فضل الركوع والسجود على سائر ~~أفعال الخضوع فإذا تعينت الأفعال فهذا أولى والحمد لله رب العالمين وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم PageV22P402 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن ( إستفتاح الصلاة ( هل هو واجب أو مستحب وما قول العلماء في ذلك ### |||| ( فأجاب ( # الإستفتاح عقب التكبير مسنون عند جمهور الأئمة كأبى حنيفة والشافعى وأحمد ms6757 ~~كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة مثل حديث ابى هريرة المتفق عليه في ~~الصحيحين قال ( قلت يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول ~~قال أقول اللهم باعد بينى ( وذكر الدعاء فبين أن النبى كان يسكت بين ~~التكبير والقراءة سكوتا يدعو فيه # وقد جاء في صفته أنواع وغالبها في قيام الليل فمن إستفتح بقوله ( سبحانك ~~اللهم وبحمدك وتبارك إسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ( فقد أحسن فإنه قد ثبت ~~في صحيح مسلم أن عمر كان يجهر في الصلاة المكتوبة بذلك وقد روى ذلك في ~~السنن مرفوعا إلى النبى PageV22P403 # ومن إستفتح بقوله ( وجهت وجهى ( إلخ فقد أحسن فإنه قد ثبت في صحيح مسلم ~~ان النبى كان يستفتح به وروى أن ذلك كان في الفرض وروي أنه في قيام الليل ~~ومن جمع بينهما فإستفتح ب ( سبحانك اللهم وبحمدك ( إلى آخره ووجهت وجهى ( ~~فقد أحسن وقد روى في ذلك حديث مرفوع و ( # الأول ( إختيار أبى حنيفة واحمد و ( الثانى ( إختيار الشافعى و ( الثالث ~~( إختيار طائفة من اصحاب أبى حنيفة ومن أصحاب أحمد وكل ذلك حسن بمنزلة ~~أنواع التشهدات وبمنزلة القراءات السبع التى يقرأ الإنسان منها بما إختار # وأما كونه واجبا فمذهب الجمهور أنه مستحب وليس بواجب وهو قول أبى حنيفة ~~والشافعى وهو المشهور عن أحمد وفى مذهبه قول آخر يذكره بعضهم رواية عنه أن ~~الإستفتاح واجب والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # عن رجل يؤم الناس وبعد تكبيرة الإحرام يجهر بالتعوذ ثم يسمى ويقرأ ويفعل ~~ذلك في كل صلاة PageV22P404 ### ||||| فأجاب # ( إذا فعل ذلك أحيانا للتعليم ونحوه فلا بأس بذلك كما كان عمر بن ~~الخطاب يجهر بدعاء الإستفتاح مدة وكما كان إبن عمر وأبو هريرة يجهران ~~بالإستعاذة احيانا وأما المداومة على الجهر بذلك فبدعة مخالفة لسنة رسول ~~الله وخلفائه الراشدين فإنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائما بل لم ينقل أحد ~~عن النبى أنه جهر بالإستعاذة والله أعلم # ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( # ( ### ||| فصل # فأما صفة الصلاة ومن شعائرها مسألة البسملة فإن الناس إضطربوا فيها نفيا ms6758 ~~وإثباتا في كونها آية من القرآن وفى قراءتها وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر ~~في بعض كلامها نوع جهل وظلم مع أن الخطب فيها يسير # وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والإختلاف الذى نهينا ~~عنها إذ الداعى لذلك هو ترجيح الشعائر المفترقة بين الأمة وإلا فهذه ~~المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا لولا ما يدعو PageV22P405 إليه الشيطان من ~~إظهار شعار الفرقة # فأما كونها آية من القرآن فقالت طائفة كمالك ليست من القرآن إلا في سورة ~~النمل والتزموا أن الصحابة أودعوا المصحف ماليس من كلام الله على سبيل ~~التبرك وحكى طائفة من أصحاب أحمد هذا رواية عنه وربما إعتقد بعضهم أنه ~~مذهبه # وقالت طائفة منهم الشافعى ما كتبوها في المصحف بقلم المصحف مع تجريدهم ~~للمصحف عماليس من القرآن إلا وهى من السورة مع أدلة أخرى # وتوسط أكثر فقهاء الحديث كأحمد ومحققى أصحاب أبى حنيفة فقالوا كتابتها في ~~المصحف تقتضى أنها من القرآن للعلم بأنهم لم يكتبوا فيه ما ليس بقرآن لكن ~~لا يقتضى ذلك أنها من السورة بل تكون آية مفردة أنزلت في أول كل سورة كما ~~كتبها الصحابة سطرا مفصولا كما قال إبن عباس كان لا يعرف فصل السورة حتى ~~ينزل ( بسم الله الرحمن الرحيم ( فعند هؤلاء هي آية من كتاب الله في أول كل ~~سورة كتبت فيه وليست من السور وهذا هو المنصوص عن أحمد في غير موضع ولم ~~يوجد عنه نقل صريح بخلاف ذلك وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره وهو أوسط ~~الأقوال وأعدلها PageV22P406 وكذلك الأمر في تلاوتها في الصلاة طائفة لا ~~تقرؤها لا سرا ولا جهرا كمالك والأوزاعى # وطائفة تقرؤها جهرا كأصحاب إبن جريج والشافعى # والطائفة الثالثة المتوسطة جماهير فقهاء الحديث مع فقهاء أهل الرأى ~~يقرءونها سرا كما نقل عن جماهير الصحابة مع أن أحمد يستعمل ما روى عن ~~الصحابة في هذا الباب فيستحب الجهر بها لمصلحة راجحة حتى أنه نص على أن من ~~صلى بالمدينة يجهر بها فقال بعض أصحابه لأنهم كانوا ينكرون على ms6759 من يجهر بها # ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة ~~التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا كما ترك النبى صلى الله عليه ~~وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب وكما أنكر إبن مسعود ~~على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متما وقال الخلاف شر # وهذا وإن كان وجها حسنا فمقصود أحمد أن أهل المدينة كانوا لا يقرءونها ~~فيجهر بها ليبين أن قراءتها سنة كما جهر إبن عباس بقراءة أم الكتاب على ~~الجنازة وقال لتعلموا أنها سنة وكما جهر عمر PageV22P407 بالإستفتاح غير ~~مرة وكما كان النبى يجهر بالآية أحيانا في صلاة الظهر والعصر # ولهذا نقل عن اكثر من روى عنه الجهر بها من الصحابة المخافتة فكانهم ~~جهروا لاظهار انهم يقرءونها كما جهر بعضهم بالاستعاذة ايضا والاعتدال في كل ~~شيء استعمال الاثار على وجهها فان كون النبى يجهر بها دائما واكثر الصحابة ~~لم ينقلوا ذلك ولم يفعلوه ممتنع قطعا وقد ثبت عن غير واحد منهم نفيه عن ~~النبى ولم يعارض ذلك خبر ثابت الا وهو محتمل وكون الجهر بها لا يشرع بحال ~~مع انه قدثبت عن غير واحد من الصحابة نسبة للصحابة إلى فعل المكروه واقراره ~~مع ان الجهر في صلاة المخافتة يشرع لعارض كما تقدم # وكراهة قراءتها مع ما في قراءتها من الآثار الثابتة عن الصحابة المرفوع ~~بعضها إلى النبى وكون الصحابة كتبتها في المصحف وانها كانت تنزل مع السورة ~~فيه ما فيه مع انها اذا قرئت في اول كتاب سليمان فقراءتها في اول كتاب الله ~~في غاية المناسبة فمتابعة الاثار فيها الاعتدال والائتلاف والتوسط الذى هو ~~افضل الامور # ثم مقدار الصلاة يختار فيه فقهاء الحديث صلاة النبى صلى الله عليه ~~PageV22P408 وسلم التى كان يفعلها غالبا وهى الصلاة المعتدلة المتقاربة ~~التى يخفف فيها القيام والقعود ويطيل فيها الركوع والسجود ويسوى بين الركوع ~~والسجود وبين الاعتدال منهما كما ثبت ذلك عن النبى مع كون القراءة في الفجر ~~بما بين ms6760 الستين إلى المائة وفى الظهر نحو الثلاثين آية وفى العصر والعشاء ~~على النصف من ذلك مع انه قد يخفف عن هذه الصلاة لعارض كما قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( انى لأدخل في الصلاة وانا أريد ان اطيلها فأسمع بكاء ~~الصبى فأخفف لما أعلم من وجد امه به ) # كما أنه قد يطيلها على ذلك لعارض كما قرأ النبى ( ) في المغرب بطولى ~~الطوليين وهى الاعراف ويستحب اطالة الركعة الاولى من كل صلاة على الثانية ~~ويستحب ان يمد في الاوليين ويحذف في الاخريين كما رواه سعد بن أبى وقاص عن ~~النبى وعامة فقهاء الحديث على هذا # ومن الفقهاء من لا يستحب ان يمد الاعتدال عن الركوع والسجود ومنهم من ~~يراه ركنا خفيفا بناءا على انه يشرع تابعا لاجل الفصل لا انه مقصود ومنهم ~~من يسوى بين الركعتين الاوليين ومنهم من يستحب الا يزيد الامام في تسبيح ~~الركوع والسجود على ثلاث إلى اقوال اخر قالوها PageV22P409 ### || 1 ( قاعدة في الجهر بالبسملة ) 1 ### |||| وسئل # عن حديث نعيم المجمر قال ( كنت وراء ابى هريرة فقرأ ( بسم الله ~~الرحمن الرحيم ) ثم قرأ بأم الكتاب حتى بلغ ( ولا الضالن ) قال آمين وقال ~~الناس آمين ويقول كلما سجد الله اكبر فلما سلم قال والذى نفسى بيده انى ~~لاشبهكم صلاة برسول الله ) وكان المعتمر بن سليمان يجهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها ويقول ما آلوا ان اقتدى بصلاة أبى وقال أبى ~~ما آلوا ان اقتدى بصلاة أنس وقال أنس ما الوا ان اقتدى بصلاة النبى فهذا ~~حديث ثابت في الجهر بها ذكر الحاكم أبو عبد الله ان رواة هذا الحديث عن ~~اخرهم ثقات فهل يحمل ما قاله أنس وهو صليت خلف رسول الله وابى بكر وعمر ~~وعثمان فلم اسمع احدا منهم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم على عدم السماع وما ~~التحقيق في هذه المسألة والصواب ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اما حديث انس في نفى الجهر فهو PageV22P410 ~~صريح لايحتمل هذا التأويل فانه قد رواه مسلم في صحيحه ms6761 فقال فيه صليت خلف ~~النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله ~~رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها ~~وهذا النفى لا يجوز الا مع العلم بذلك لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع امكان ~~الجهر بلا سماع # واللفظ الآخر الذى في صحيح مسلم صليت خلف النبى وابى بكر وعمر وعثمان فلم ~~اسمع احدا منهم يجهر أو قال يصلى ببسم الله الرحمن الرحيم فهذا نفى فيه ~~السماع ولو لم يرو الا هذا اللفظ لم يجز تأويله بأن النبى صلى الله عليه ~~وسلم كان يقرأ جهرا ولا يسمع انس لوجوه ( # أحدها ) ان انسا انما روى هذا ليبين لهم ما كان النبى يفعله اذ لا غرض ~~للناس في معرفة كون أنس سمع أو لم يسمع الا ليستدلوا بعدم سماعه على عدم ~~المسموع فلو لم يكن ما ذكره دليلا على نفى ذلك لم يكن انس ليروى شيئا لا ~~فائدة لهم فيه ولا كانوا يروون مثل هذا الذى لا يفيدهم ( # الثانى ) ان مثل هذا اللفظ صار دالا في العرف على عدم ما لم PageV22P411 ~~يدرك فاذا قال ما سمعنا اوما راينا لما شانه ان يسمعه ويراه كان مقصوده ~~بذلك نفى وجوده وذكر نفى الادراك دليل على ذلك ومعلوم انه دليل فيما جرت ~~العادة بادراكه # وهذا يظهر ( بالوجه الثالث ) وهو ان انسا كان يخدم النبى من حين قدم ~~النبى صلى الله عليه وسلم المدينة إلى ان مات وكان يدخل على نسائه قبل ~~احجاب ويصحبه حضرا وسفرا وكان حين حج النبى تحت ناقته يسيل عليه لعابها ~~افيمكن مع هذا القرب الخاص والصحبة الطويلة ان لا يسمع النبى يجهر بها مع ~~كونه يجهر بها هذا مما يعلم بالضرورة بطلانه في العادة # ثم انه صحب أبا بكر وعمر وعثمان وتولى لابى بكر وعمر ولايات ولاكان يمكن ~~مع طول مدتهم انهم كانوا يجهرون وهو لا يسمع ذلك فتبين ان هذا تحريف لا ~~تاويل لو لم يرو الا هذا ms6762 اللفظ فكيف والآخر صريح في نفى الذكر بها وهو يفضل ~~هذه الرواية الاخرى وكلا الروايتين ينفي تأويل من تأول قوله يفتتحون الصلاة ~~( بالحمد لله رب العالمين ) انه اراد السورة فان قوله يفتتحون ( بالحمد لله ~~رب العالمين ) لا يذكرون ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في اول قراءة ولا في ~~فى آخرها صريح انه في قصد الافتتاح بالاية لا بسورة الفاتحة التى ~~PageV22P412 أولها ( بسم الله الرحمن الرحيم ) اذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض ~~حديثاه # وأيضا فإن إفتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة هو من العلم الظاهر العام ~~الذى يعرفه الخاص والعام كما يعلمون إن الركوع قبل السجود وجميع الأئمة غير ~~النبى وأبى بكر وعمر وعثمان يفعلون هذا ليس في نقل مثل هذا فائدة ولا هذا ~~مما يحتاج فيه إلى نقل أنس وهم قد سالوه عن ذلك وليس هذا مما يسأل عنه ~~وجميع الأئمة من أمراء الأمصار والجيوش وخلفاء بنى أمية وبنى الزبير وغيرهم ~~ممن أدركه أنس كانوا يفتتحون بالفاتحة ولم يشتبه هذا على أحد ولا شك فكيف ~~يظن أن أنسا قصد تعريفهم بهذا وأنهم سألوه عنه وإنما مثل ذلك مثل أن يقال ~~فكانوا يصلون الظهر أربعا والعصر أربعا والمغرب ثلاثا أو يقول فكانوا ~~يجهرون في العشاءين والفجر ويخافتون في صلاتى الظهرين أو يقول فكانوا ~~يجهرون في الأوليين دون الأخيرتين # ومثل حديث أنس حديث عائشة الذى في الصحيح أيضا ( أن النبى كان يفتتح ~~الصلاة بالتكبير ( والقراءة بالحمد لله رب العالمين ( إلى آخره وقد روى ( ~~يفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ( وهذا ~~صريح في إرادة PageV22P413 الآية لكن مع هذا ليس في حديث أنس نفى لقراءتها ~~سرا لأنه روى ( فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ( وهذا إنما نفى ~~هنا الجهر # وأما اللفظ الآخر ( لا يذكرون ( فهو إنما ينفى ما يمكنه العلم بإنتفائه ~~وذلك موجود في الجهر فإنه إذا لم يسمع مع القرب علم أنهم لم يجهروا # وأما كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن له بين ms6763 ~~التكبير والقراءة سكتة يمكن فيها القراءة سرا ولهذا إستدل بحديث أنس على ~~عدم القراءة من لم ير هناك سكوتا كمالك وغيره لكن قد ثبت في الصحيحين من ~~حديث أبى هريرة أنه قال يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ~~ماذا تقول قال ( أقول كذا وكذا ( إلى آخره وفى السنن من حديث عمران وأبى ~~وغيرهما أنه كان يسكت قبل القراءة وفيها أنه كان يستعيذ وإذا كان له سكوت ~~لم يمكن أنسا أن ينفى قراءتها في ذلك السكوت فيكون نفيه للذكر وإخباره ~~بإفتتاح القراءة بها إنما هو في الجهر وكما أن الإمساك عن الجهر مع الذكر ~~سرا يسمى سكوتا كما في حديث أبى هريرة فيصلح أن يقال لم يقرأها ولم يذكرها ~~أى جهرا فإن لفظ السكوت ولفظ نفى الذكر والقراءة مدلولها هنا واحد ~~PageV22P414 # ويؤيد هذا حديث عبد الله بن مغفل الذى في السنن أنه سمع إبنه يجهر بها ~~فأنكر عليه وقال يا بنى إياك والحدث وذكر أنه صلى خلف النبى صلى الله عليه ~~وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يجهرون بها فهذا مطابق لحديث أنس ~~وحديث عائشة اللذين في الصحيح # وأيضا فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعى على نقله فلو ~~كان النبى يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة لم يكن في العادة ولا في الشرع ~~ترك نقل ذلك بل لو إنفرد بنقل مثل هذا الواحد والإثنان لقطع بكذبهما إذ ~~التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه كالتواطؤ على الكذب فيه ويمثل هذا ~~بكذب دعوى الرافضة في النص على علي في الخلافة وأمثال ذلك # وقد إتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح ولم ~~يرو أهل السنن المشهورة كأبى داود والترمذى والنسائى شيئا من ذلك وإنما ~~يوجد الجهر بها صريحا في احاديث موضوعة يرويها الثعلبى والماوردى وأمثالهما ~~في التفسير أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره بل ~~يحتجون بمثل حديث الحميرا PageV22P415 # وأعجب من ذلك أن من أفاضل الفقهاء من لم يعز في ms6764 كتابه حديث إلى البخارى ~~إلا حديثا في البسملة وذلك الحديث ليس في البخارى ومن هذا مبلغ علمه في ~~الحديث كيف يكون حالهم في هذا الباب أو يرويها من جمع هذا الباب كالدارقطنى ~~والخطيب وغيرهما فإنهم جمعوا ما روى وإذا سئلوا عن صحتها قالوا بموجب علمهم ~~كما قال الدارقطنى لما دخل مصر وسئل أن يجمع أحاديث الجهر بها فجمعها فقيل ~~له هل فيها شيء صحيح فقال أما عن النبى فلا وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ~~ضعيف # وسئل أبوبكر الخطيب عن مثل ذلك فذكر حديثين حديث معاوية لما صلى بالمدينة ~~وقد رواه الشافعى رضى الله عنه وقال حدثنا عبدالمجيد عن إبن جريج قال ~~أخبرنى عبد الله بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس ~~بن مالك قال صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بأم القرآن فقرأ ( بسم الله ~~الرحمن الرحيم ( لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التى بعدها ولم يكبر حين ~~يهوى حتى قضى تلك الصلاة فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل ~~مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت فلما صلى بعد ذلك قرأ ( بسم الله ~~الرحمن الرحيم ( للسورة التى بعد أم القرآن وكبر حين يهوى ساجدا ~~PageV22P416 # وقال الشافعى أنبأنا إبراهيم بن محمد قال حدثنى إبن خثيم عن إسماعيل بن ~~عبيد بن رفاعة عن أبيه أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله ~~الرحمن الرحيم ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع فناداه المهاجرون حين سلم ~~والأنصار أى معاوية سرقت الصلاة وذكره وقال الشافعى أنبأنا يحيى بن سليم عن ~~عبد الله إبن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده عن ~~معاوية والمهاجرين والأنصار بمثله أو مثل معناه لا يخالفه وأحسب هذا ~~الإسناد أحفظ من الإسناد الأول وهو في كتاب إسماعيل إبن عبيد بن رفاعة عن ~~أبيه عن جده عن معاوية وذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به وليس بحجة كما يأتى ~~بيانه # فإذا كان أهل ms6765 المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح ولا ~~صريح فضلا أن يكون فيها اخبار مستفيضة أو متواترة إمتنع أن النبى كان يجهر ~~بها كما يمتنع أن يكون كان يجهر بالإستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل # فإن قيل هذا معارض بترك الجهر بها فإنه مما تتوافر الهمم والدواعى على ~~نقله ثم هو مع ذلك ليس منقولا بالتواتر بل قد تنازع فيه العلماء كما أن ترك ~~الجهر بتقدير ثبوته كان يداوم عليه ثم لم ينقل نقلا قاطعا بل وقع فيه ~~النزاع PageV22P417 # قيل الجواب عن هذا من وجوه ( # أحدها ( أن الذى تتوافر الهمم والدواعى على نقله في العادة ويجب نقله ~~شرعا هو الأمور الوجودية فأما الأمور العدمية فلا خبر لها ولا ينقل منها ~~إلا ما ظن وجوده أو إحتيج إلى معرفته فينقل للحاجة ولهذا قالوا لو نقل ناقل ~~افتراض صلاة سادسة أو زيادة على صوم رمضان أو حجا غبر حج البيت أو زيادة في ~~القرآن أو زيادة في ركعات الصلاة أو فرائض الزكاة ونحو ذلك لقطعنا بكذبه ~~فإن هذا لو كان لوجب نقله قاطعا عادة وشرعا وإن عدم النقل ( يدل على انه ) ~~لم ينقل نقلا قاطعا عادة وشرعا بل يستدل بعدم نقله مع توافر الهمم والدواعى ~~في العادة والشرع على نقله أنه لم يكن # وقد مثل الناس ذلك بما لو نقل ناقل أن الخطيب يوم الجمعة سقط من المنبر ~~ولم يصل الجمعة أو أن قوما إقتتلوا في المسجد بالسيوف فإنه إذا كان نقل هذا ~~الواحد والإثنان والثلاثة دون بقية الناس علمنا كذبهم في ذلك لأن هذا مما ~~تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة وإن كانوا لا ينقلون عدم ~~الإقتتال ولا غيره من الأمور العدمية يوضح ذلك أنهم لم ينقلوا الجهر ~~بالإستفتاح والإستعاذة وإستدلت الأمة على عدم جهره بذلك وإن كان لم ينقل ~~نقلا عاما عدم الجهر بذلك فبالطريق الذى يعلم عدم جهره بذلك يعلم عدم جهره ~~بالبسملة وبهذا PageV22P418 يحصل الجواب عما يريده بعض المتكلمين على هذا ~~الأصل وهو كون الأمور ms6766 التى تتوافر الهمم والدواعى على نقلها يمتنع ترك ~~نقلها فإنهم عارضوا أحاديث الجهر والقنوت والأذان والإقامة فأما الأذان ~~والإقامة فقد نقل فعل هذا وهذا وأما القنوت فإنه قنت تارة وترك تارة وأما ~~الجهر فإن الخبر عنه أمر وجودى ولم ينقل فيدخل في القاعدة ( # الوجه الثانى ( أن الأمور العدمية لما إحتيج إلى نقلها نقلت فلما إنقرض ~~عصر الخلفاء الراشدين وصار بعض الأئمة يجهر بها كإبن الزبير ونحوه سأل بعض ~~الناس بقايا الصحابة كأنس فروى لهم انس ترك الجهر بها وأما مع وجود الخلفاء ~~فكانت السنة ظاهرة مشهورة ولم يكن في الخلفاؤ من يجهر بها فلم يحتج إلى ~~السؤال عن الأمور العدمية حتى ينقل ( # الثالث ( أن نفى الجهر قد نقل نقلا صحيحا صريحا في حديث أبى هريرة والجهر ~~بها لم ينقل نقلا صحيحا صريحا مع أن العادة والشرع يقتضى ان الأمور ~~الوجودية أحق بالنقل الصحيح الصريح من الأمور العدمية # وهذه الوجوه من تدبرها وكان عالما بالأدلة القطعية قطع PageV22P419 بأن ~~النبى لم يكن يجهر بها بل ومن لم يتدرب في معرفة الأدلة القطعية من غيرها ~~يقول أيضا إذا كان الجهر بها ليس فيه حديث صحيح صريح فكيف يمكن بعد هذا أن ~~النبى كان يجهر بها ولم تنقل الأمة هذه السنة بل أهملوها وضيعوها وهل هذه ~~إلا بمثابة أن ينقل ناقل أنه كان يجهر بالإستفتاح والإستعاذة كما كان فيهم ~~من يجهر بالبسملة ومع هذا فنحن نعلم بالإضطرار أن النبى لم يكن يجهر ~~بالإستفتاح والإستعاذة كما كان يجهر بالفاتحة كذلك نعلم بالإضطرار أن النبى ~~لم يكن يجهر بالبسملة كما كان يجهر بالفاتحة ولكن يمكن أنه كان يجهر بها ~~أحيانا أو أنه كان يجهر بها قديما ثم ترك ذلك كما روى أبوداود في مراسيله ~~عن سعيد بن جبير ورواه الطبرانى في معجمه عن إبن عباس ( أن النبى كان يجهر ~~بها بمكة فكان المشركون إذا سمعوها سبوا الرحمن فترك الجهر فما جهر بها حتى ~~مات ( فهذا محتمل # وأما الجهر العارض فمثل ما في الصحيح أنه كان يجهر ms6767 بالآية أحيانا ومثل ~~جهر بعض الصحابة خلفه بقوله ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ~~ومثل جهر عمر بقوله سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك إسمك وتعالى جدك ولا إله ~~غيرك ومثل جهر إبن عمر وأبى PageV22P420 هريرة بالإستعاذة ومثل جهر إبن ~~عباس بالقراءة على الجنازة ليعلموا أنها سنة ويمكن أن يقال جهر من جهر بها ~~من الصحابة كان على هذا الوجه ليعرفوا أن قراءتها سنة لا لأن الجهر بها سنة # ومن تدبر عامة الآثار الثابتة في هذا الباب علم أنها آية من كتاب الله ~~وأنهم قرأوها لبيان ذلك لا لبيان كونها من الفاتحة وأن الجهر بها سنة مثل ~~ما ذكر إبن وهب في جامعه قال أخبرنى رجال من أهل العلم عن إبن عباس وأبى ~~هريرة وزيد بن أسلم وإبن شهاب مثله بغير هذا الحديث عن إبن عمر انه كان ~~يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم # قفال إبن شهاب يريد بذلك انها آية من القرآن فإن الله أنزلها قال وكان ~~أهل الفقه يفعلون ذلك فيما مضى من الرزمان وحديث إبن عمر معروف من حديث ~~حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن إبن عمر أنه كان إذا صلى جهر ( ببسم الله ~~الرحمن الرحيم ( فإذا قال @QB@ غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ قال ( ~~بسم الله الرحمن الرحيم ( فهذا الذى ذكره بن شهاب الزهري هو أعلم أهل زمانه ~~بالسنة يبين حقيقة الحال فإن العمدة في ألاثار في قراءتها إنما هي عن إبن ~~عباس وأبى هريرة وإبن عمر وقد عرف حقيقة حال أبى هربيرة في ذلك وكذلك غيره ~~رضى الله عنهم أجعين PageV22P421 ولهذا كان العلماء بالحديث ممن يروى الجهر ~~بها ليس معه حديث صريح لعلمه بان تلك أحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله ~~وإنما يتمسك بلفظ محتمل مثل إعتمادهم على حديث نعيم المجمر عن أبى هريرة ~~المتقدم وقد رواه النسائى فإن العارفين بالحديث يقولون إنه عمدتهم في هذه ~~المسأله ولا حجة فيه # فإن في صحيح مسلم عن ابى هريرة أظهر دلالة على نفى قراءتها من دلالة ms6768 هذا ~~على الجهر بها فإن في صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~انه قال ( يقول الله قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين نصفها لى ونصفها ~~لعبدى ولعبدى ما سأل فإذا قال العبد @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ قال ~~الله حمدنى عبدى فإذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال أثنى على عبدى فإذا قال ~~@QB@ مالك يوم الدين @QE@ قال مجدنى عبدى أو قال فوض إلى عبدى فإذا قال ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ قال فهذه الآية بينى وبين عبدى ولعبدى ما ~~سأل فإذا قال @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ قال فهؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل ( # وقد روى عبد الله بن زياد بن سليمان وهو كذاب انه قال في أوله فإذا قال ( ~~بسم الله الرحمن الرحيم قال ذكرنى عبدى PageV22P422 ولهذا إتفق أهل العلم ~~على كذب هذه الزيادة وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر لأن الشيعة ترى الجهر ~~وهم أكذب الطوائف فوضعوا في ذلك احاديث لبسوا بها على الناس دينهم ولهذا ~~يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثورى أنهم يذكرون من السنة ~~المسح على الخفين وترك الجهر بالبسملة كما يذكرون تقديم أبى بكر وعمر ونحو ~~ذلك لأن هذا من شعار الرافضة # ولهذا ذهب أبوعلى بن ابى هريرة أحد الأ ئمة من أصحاب الشافعى إلى ترك ~~الجهر بها قال لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين كما ذهب من اصحاب ~~الشافعى إلى تسنمة القبور لأن التسطيح صار من شعار اهل البدع # فحديث أبى هريرة دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة ولا من القراءة ~~المقسومة وهو على نفى القراءة مطلقا أظهر من دلالة حديث نعيم المجمر على ~~الجهر فإن في حديث نعيم المجمر أنه قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ( ثم قرأ ~~أم القرآن وهذا دليل على أنها ليست من القرآن عندهم وحديث أبى هريرة الذى ~~في مسلم يصدق ذلك فإنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صلى صلاة ~~لم يقرأ فيها بأم ms6769 القرآن فهي خداج فهي خداج ( فقال له رجل يا أبا هريرة أنا ~~أحيانا أكون وراء الإمام فقال ( اقرأ بها PageV22P423 في نفسك يا فارسى ~~فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( قال الله تعالى قسمت الصلاة ~~بينى وبين عبدى نصفين ( الحديث وهذا صريح في أن أم القرآن التى يجب قراءتها ~~في الصلاة عند أبى هريرة هي القراءة المقسومة التى ذكرها مع دلالة قول ~~النبى على ذلك وذلك ينفى وجوب قراءتها عند أبى هريرة فيكون أبوهريرة وإن ~~كان قرأ بها إستحبابا لا وجوبا # والجهر بها مع كونها ليست من الفاتحة قول لم يقل به أحد من الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من الأئمة المشهورين ولا اعلم به قائلا لكن هي من الفاتحة ~~وإيجاب قراءتها مع المخافتة بها قول طائفة من أهل الحديث وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد وإذا كان أبوهريرة إنما قرأها إستحبابا لا وجوبا وعلى ~~هذا القول لا تشرع المداومة على الجهر بها كان جهره بها أولى أن يثبت دليلا ~~على أنه ليعرفهم إستحبابا قراءتها وأن قراءتها مشروعة كما جهر عمر ~~بالإستفتاح وكما جهر إبن عباس بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة ونحو ذلك ~~ويكون ابوهريرة قصد تعريفهم أنها تقرأ في الجملة وإن لم يجهر بها وحينئذ ~~فلا يكون هذا مخالفا لحديث أنس الذى في الصحيح وحديث عائشة الذى في الصحيح ~~وغير ذلك هذا إن كان الحديث دالا على أنه جهر بها فإن لفظه ليس صريحا بذلك ~~من وجهين ( PageV22P424 أحدها ( أنه قال قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ( ثم ~~قرأ أم القرآن ولفظ القراءة محتمل أن يكون قرأها سرا ويكون نعيم علم ذلك ~~بقربه منه فإن قراءة السر إذا قويت يسمعها من يلى القارئ ويمكن أن أبا ~~هريرة أخبره بقراءتها وقد اخبر أبو قتادة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفى الأخيرتين بفاتحة الكتاب وهى ~~قراءة سر كيف وقد بين في الحديث أنها ليست من الفاتحة فأراد بذلك وجوب ~~قراءتها فضلا عن كون الجهر بها ms6770 سنة فإن النزاع في الثانى أضعف ( # الثانى ( أنه لم يخبر النبى صلى الله عليه وسلم انه قرأها قبل أم الكتاب ~~وإنما قال في آخر الصلاة إنى لأشبهكم صلاة برسول الله وفى الحديث انه أمن ~~وكبر في الخفض والرفع وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة فيكون اشبههم برسول ~~الله من هذه الوجوه التى فيها ما فعله رسول الله وتركوه هم ولا يلزم إذا ~~كان أشبههم بصلاة رسول الله أن تكون صلاته مثل صلاته من كل وجه ولعل ~~قراءتها مع الجهر أمثل من ترك قراءتها بالكلية عند أبى هريرة وكان اولئك لا ~~يقرأونها أصلا فيكون قراءتها مع الجهر أشبه عنده بصلاة رسول الله وإن كان ~~غيره ينازع في ذلك # PageV22P425 # وأما حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه فيعلم اولا أن تصحيح الحاكم وحده ~~وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا فكيف في مثل هذا الموضع الذى يعارض ~~فيه بتوثيق الحاكم وقد إتفق أهل العلم في الصحيح على خلافه ومن له أدنى ~~خبرة في الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم وقد ثبت في الصحيح خلافه فإن ~~أهل العلم متفقون على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح في ( باب التصحيح ~~( حتى أن تصحيحه دون تصحيح الترمذى والدارقطنى وأمثالهما بلا نزاع فكيف ~~بتصحيح البخارى ومسلم بل تصحيحه دون تصحيح أبى بكر إبن خزيمة وأبى حاتم بن ~~حبان البستى وأمثالهما بل تصحيح الحافظ أبى عبد الله محمد بن عبد الواحد ~~المقدسى في مختاره خير من تصحيح الحاكم فكتابه في هذا الباب خير من كتاب ~~الحاكم بلا ريب عند من يعرف الحديث وتحسين الترمذى أحيانا يكون مثل تصحيحه ~~أو أرجح وكثيرا ما يصحح الحاكم أحاديث يجزم بأنها موضوعة لا أصل لها فهذا ~~هذا والمعروف عن سليمان التيمي وإبنه معتمر أنهما كانا يجهران بالبسملة لكن ~~نقله عن أنس هو المنكر كيف واصحاب أنس الثقات الإثبات يروون عنه خلاف ذلك ~~حتى أن شعبة سأل قتادة عن هذا قال أنت سمعت أنسا يذكر ذلك قال نعم وأخبره ~~باللفظ الصريح المنافى ms6771 4 للجهر # ونقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة وأرفع PageV22P426 ~~درجات الصحيح عند أهله إذ قتادة أحفظ أهل زمانه أو من أحفظهم وكذلك إتقان ~~شعبة وضبطه هو الغاية عندهم وهذا مما يرد به قول من زعم أن بعض الناس روى ~~حديث أنس بالمعنى الذى فهمه وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله يستفتحون الصلاة ~~بالحمد لله رب العالمين ففهم بعض الرواة من ذلك نفى قراءتها فرواه من عنده ~~فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو ابعد الناس علما برواة الحديث وألفاظ ~~روايتهم الصريحة التى لا تقبل التأويل وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية ~~التى لا تحتمل المجازفة أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه ويدع موجب العلم ~~والدليل # ثم يقال هب أن المعتمر أخذ صلاته عن أبيه وأبوه عن أنس وأنس عن النبى ~~فهذا مجمل ومحتمل إذ ليس يمكن أن يثبت كل حكم جزئى من احكام الصلاة بمثل ~~هذا الإسناد المجمل لأنه من المعلوم أن مع طول الزمان وتعدد الإسناد لا ~~تضبط الجزئيات في افعال كثيرة متفرقة حق الضبط إلا بنقل مفصل لا مجمل وإلا ~~فمن المعلوم أن مثل منصور بن المعتمر وحماد بن ابى سليمان والأعمش وغيرهم ~~أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعى وذويه وإبراهيم أخذها عن علقمة والأسود ~~ونحوهما وهم أخذوها عن إبن مسعود وإبن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~وهذا الإسناد أجل رجالا من PageV22P427 ذلك الإسناد وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم ~~أبوحنيفة والثورى وإبن أبى ليلى وأمثالهم من فقهاء الكوفة فهل يجوز أن يجعل ~~نفس صلاة هؤلاء هي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الإسناد حتى في ~~موارد النزاع فإن جاز هذا كان هؤلاء لا يجهرون ولا يرفعون أيديهم إلا في ~~تكبيرة الإفتتاح ويسفرون الفجر وأنواع ذلك مما عليه الكوفيون # ونظير هذه إحتجاج بعضهم على الجهر بأن اهل مكة من اصحاب إبن جريج كانوا ~~يجهرون وأنهم أخذوا صلاتهم عن إبن جريج وهو أخذها عن عطاء وعطاء عن بن ~~الزبير وإبن ms6772 الزبير عن أبى بكر الصديق وابو بكر عن النبى ولا ريب أن ~~الشافعى رضى الله عنه أول ما أخذ الفقه في هذه المسألة وغيرها عن أصحاب إبن ~~جريج كسعيد بن سالم القداح ومسلم بن خالد الزنجى لكن مثل هذه الأسانيد ~~المجملة لا يثبت بها أحكام مفصلة تنازع الناس فيها # ولئن جاز ذلك ليكونن مالك أرجح من هؤلاء فإنه لا يستريب عاقل أن الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجل قدرا وأعلم بالسنة واتبع لها ~~ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة وقد إحتج أصحاب مالك على ترك الجهر بالعمل ~~المستمر بالمدينة فقالوا هذا PageV22P428 المحراب الذى كان يصلى فيه رسول ~~الله ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم الأئمة وهلم جرا ونقلهم لصلاة رسول ~~الله نقل متواتر كلهم شهدوا صلاة رسول الله ثم صلاة خلفائه وكانوا اشد ~~محافظة على السنة وأشد إنكارا على من خالفها من غيرهم فيمتنع أن يغيروا ~~صلاة رسول الله عليه وسلم وهذا العمل يقترن به عمل الخلفاء كلهم من بنى ~~أمية وبنى العباس فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون وليس لجميع هؤلاء غرض ~~بالإطباق على تغيير السنة في مثل هذا ولا يمكن أن الأئمة كلهم أقرتهم على ~~خلاف السنة بل نحن نعلم ضرورة أن خلفاء المسلمين وملوكهم لا يبدلون سنة لا ~~تتعلق بأمر ملكهم وما يتعلق بذلك من الأهواء وليست هذه المسألة مما للملوك ~~فيها غرض # وهذه الحجة إذا إحتج بها المحتج لم تكن دون تلك بل نحن نعلم أنها أقوى ~~منها فإنه لا يشك مسلم أن الجزم بكون صلاة التابعين بالمدينة أشبه بصلاة ~~الصحابة بها والصحابة بها أشبه صلاة بصلاة رسول الله أقرب من الجزم بكون ~~صلاة شخص أو شخصين أشبه بصلاة آخر حتى ينتهى ذلك إلى النبى ولهذا لم يذهب ~~ذاهب قط إلى ان عمل غير أهل المدينة PageV22P429 أو إجماعهم حجة وإنما ~~تنوزع في عمل أهل المدينة وإجماعهم هل هو حجة أم لا نزاعا لا يقصر عن عمل ~~غيرهم وإجماع غيرهم أن لم يزد عليه # فتبين دفع ms6773 ذلك العمل عن سليمان التيمي وإبن جريج وأمثالهما بعمل أهل ~~المدينة لو لم يكن المنقول نقلا صحيحا صريحا عن انس يخالف ذلك فكيف والأمر ~~في رواية أنس اظهر وأشهر واصح وأثبت من ان يعارض بهذا الحديث المجمل الذى ~~لم يثبت وإنما صححه مثل الحاكم وأمثاله # ومثل هذا أيضا يظهر ضعف حديث معاوية الذى فيه أنه صلى بالصحابة بالمدينة ~~فأنكروا عليه ترك قراءة البسملة في أول الفاتحة وأول السورة حتى عاد يعمل ~~ذلك فإن هذا الحديث وإن كان الدار قطنى قال إسناده ثقات وقال الخطيب هو ~~أجود ما يعتمد عليه في هذه المسألة كما نقل ذلك عنه نصر المقدسى فهذا ~~الحديث يعلم ضعفه من وجوه ( # أحدها ( أنه يروى عن أنس أيضا الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة الذى ~~يرد هذا ( # الثانى ( أن مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم PageV22P430 ~~وقد ضعفه طائفة وقد إضطربوا في روايته إسنادا ومتنا كما تقدم وذلك يبين أنه ~~غير محفوظ ( # الثالث ( أنه ليس فيه إسناد متصل السماع بل فيه من الضعفة والإضطراب مالا ~~يؤمن معه الإنقطاع أو سوء الحفظ ( # الرابع ( أن أنسا كان مقيما بالبصرة ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد ~~علمناه أن أنسا كان معه بل الظاهر أنه لم يكن معه ( # الخامس ( أن هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة والراوى لها أنس ~~وكان بالبصرة وهى مما تتوافر الهمم والدواعى على نقلها ومن المعلوم أن ~~أصحاب أنس المعروفين بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك بل المنقول ~~عن أنس وأهل المدينة نقيض ذلك والناقل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء ( # السادس ( أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة لكان ~~هذا أيضا معروفا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه ولم ينقل هذا أحد عن ~~معاوية بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها بل ~~الأوزاعى مذهبه فيها مذهب مالك لا يقرؤها سرا ولا جهرا فهذه الوجوه ~~وامثالها إذا تدبرها العالم PageV22P431 قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا ms6774 ~~حقيقة له وإما مغير عن وجهه وإن الذى حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح فحصلت ~~الآفة من إنقطاع إسناده # وقيل هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذا لأنه خلاف ما رواه الناس ~~الثقات الإثبات عن أنس وعن أهل المدينة وأهل الشام ومن شرط الحديث الثابت ~~أن لا يكون شاذا ولا معللا وهذا شاذ معلل إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته # والعمدة التى إعتمدها المصنفون في الجهر بها ووجوب قراءتها إنما هو ~~كتابتها في المصحف بقلم القرآن وأن الصحابة جردوا القرآن عما ليس منه # والذين نازعوهم دفعوا هذه الحجة بلا حق كقولهم القرآن لا يثبت إلا بقاطع ~~ولو كان هذا قاطعا لكفر مخالفه وقد سلك أبوبكر إبن الطيب الباقلانى وغيره ~~هذا المسلك وإدعوا أنهم يقطعون بخطأ الشافعى في كونه جعل البسملة من القرآن ~~معتمدين على هذه الحجة وأنه لا يجوز إثبات القرآن إلا بالتواتر ولا تواتر ~~هنا فيجب القطاع بنفى كونها من القرآن # والتحقيق أن هذه الحجة مقابلة بمثلها فيقال لهم بل يقطع PageV22P432 ~~بكونها من القرآن حيث كتبت كما قطعتم بنفى كونها ليست منه ومثل هذا النقل ~~المتواتر عن الصحابة بأن ما بين اللوحين قرآن فإن التفريق بين آية وآية ~~يرفع الثقة بكون القرآن المكتوب بين لوحى المصحف كلام الله ونحن نعلم ~~بالإضطرار أن الصحابة الذين كتبوا المصاحف نقلوا إلينا أن ما كتبوه بين ~~لوحى المصحف كلام الله الذى أنزله على نبيه لم يكتبوا فيه ماليس من كلام ~~الله # فإن قال المنازع إن قطعتم بأن البسملة من القرآن حيث كتبت فكفروا النافى ~~قيل لهم وهذا يعارض حكمه إذا قطعتم بنفى كونها من القرآن فكفروا منازعكم # وقد إتفقت الأمة على نفى التكفير في هذا الباب مع دعوى كثير من الطائفتين ~~القطع بمذهبه وذلك لأنه ليس كل ما كان قطعيا عند شخص يجب أن يكون قطعيا عند ~~غيره وليس كل ما إدعت طائفة أنه قطعى عندها يجب ان يكون قطعيا في نفس الأمر ~~بل قد يقع الغلط في ms6775 دعوى المدعى القطع في غير محل القطع كما يغلط في سمعه ~~وفهمه ونقله وغير ذلك من احواله كما قد يغلط الحس الظاهر في مواضع وحينئذ ~~فيقال الأقوال في كونها من القرآن ثلاثة طرفان ووسط ( PageV22P433 الطرف # الأول ( قول من يقول أنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل كما قال مالك ~~وطائفة من الحنفية وكما قاله بعض أصحاب أحمد مدعيا أنه مذهبه أو ناقلا لذلك ~~رواية عنه ( # والطرف المقابل له ( قول من يقول أنها من كل سورة آية أوبعض آية كما هو ~~المشهور من مذهب الشافعى ومن وافقه وقد نقل عن الشافعى أنها ليست من أوائل ~~السور غير الفاتحة وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها وأما كونها من ~~الفاتحة فلم يثبت عنه فيه دليل ( # والقول الوسط ( أنها من القرآن حيث كتبت وإنها مع ذلك ليست من السور بل ~~كتبت آية في أول كل سورة وكذلك تتلى آية منفردة في أول كل سورة كما تلاها ~~النبى حين انزلت عليه سورة @QB@ إنا أعطيناك الكوثر @QE@ كما ثبت ذلك في ~~صحيح مسلم كما في قوله ( إن سورة من القرآن هي ثلاثون آية شفعت لرجل حتى ~~غفر له وهى سورة تبارك الذى بيده الملك ( رواه اهل السنن وحسنه الترمذى ~~وهذا القول قول عبد الله بن المبارك وهو المنصوص الصريح عن أحمد بن حنبل # وذكر ابوبكر الرازى أن هذا مقتضى مذهب أبى حنيفة عنده PageV22P434 وهو ~~قول سائر من حقق القول في هذه المسألة وتوسط فيها جمع من مقتضى الأدلة ~~وكتابتها سطرا مفصولا عن السورة ويؤيد ذلك قول إبن عباس ( كان رسول الله لا ~~يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم ( رواه أبو داود ~~وهؤلاء لهم في الفاتحة قولان هما روايتان عن أحمد # ( # أحدهما ( أنها من الفاتحة دون غيرها تجب قراءتها حيث تجب قراءة الفاتحة ( # والثانى ( وهو الأصح لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك وأن قراءتها في ~~أول الفاتحة كقراءتها في أول السور والأحاديث الصحيحة توافق هذا القول لا ~~تخالفه # وحينئذ الخلاف أيضا ms6776 في قراءتها في الصلاة ثلاثة اقوال ( # أحدها ( أنها واجبة وجوب الفاتحة كمذهب الشافعى وأحمد في إحدى الروايتين ~~وطائفة من أهل الحديث بناء على أنها من الفاتحة ( # والثانى ( قول من يقول قراءتها مكروهة سرا وجهرا كما هو المشهور من مذهب ~~مالك ( # والقول الثالث ( إن قراءتها جائزة بل مستحبة وهذا مذهب PageV22P435 أبى ~~حنيفة وأحمد في المشهور عنه وأكثر أهل الحديث وطائفة من هؤلاء يسوى بين ~~قراءتها وترك قراءتها ويخير بين الأمرين معتقدين أن هذا على إحدى القراءتين ~~وذلك على القراءة الأخرى # ثم مع قراءتها هل يسن الجهر أو لا يسن على ثلاثة أقوال # قيل يسن الجهر بها كقول الشافعى ومن وافقه # وقيل لا يسن الجهر بها كما هو قول الجمهور من أهل الحديث والرأى وفقهاء ~~الأمصار # وقيل يخير بينهما كما يروى عن إسحاق وهو قول إبن حزم وغيره # ومع هذا فالصواب أن مالا يجهر به قد يشرع الجهر به لمصلحة راجحة فيشرع ~~للإمام أحيانا لمثل تعليم المأمومين ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات ~~اليسيرة أحيانا ويسوغ أيضا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب وإجتماع ~~الكلمة خوفا من التنفير عما يصلح كما ترك النبى بناء البيت على قواعد ~~إبراهيم لكون قريش كانوا حديثى عهد بالجاهلية وخشى تنفيرهم بذلك ~~PageV22P436 ورأى ان مصلحة الإجتماع والإئتلاف مقدمة على مصلحة البناء على ~~قواعد إبراهيم # وقال إبن مسعود لما أكمل الصلاة خلف عثمان وأنكر عليه فقيل له في ذلك ~~فقال الخلاف شر ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة وفى وصل ~~الوتر وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول مراعاة إئتلاف ~~المأمومين أو لتعريفهم السنة وأمثال ذلك والله أعلم PageV22P437 ### |||| وسئل أيضا رحمه الله تعالى ( # عن ( بسم الله الرحمن الرحيم ( هل هي آية من أول كل سورة أفتونا مأجورين ~~( ### ||||| فأجاب # الحمد لله إتفق المسلمون على أنها من القرآن في قوله @QB@ إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ وتنازعوا فيها في أوائل السور حيث ~~كتبت على ثلاثة اقوال # أحدها أنها ليست من القرآن وإنما كتبت تبركا ms6777 بها وهذا مذهب مالك وطائفة ~~من الحنفية ويحكى هذا رواية عن أحمد ولا يصح عنه وإن كان قولا في مذهبه # والثانى أنها من كل سورة إما آية وإما بعض آية وهذا مذهب الشافعى رضى ~~الله عنه # والثالث أنها من القرآن حيث كتبت آية من كتاب الله من أول كل سورة وليست ~~من السورة وهذا مذهب إبن المبارك وأحمد PageV22P438 إبن حنبل رضى الله عنه ~~وغيرهما وذكر الرازى أنه مقتضى مذهب أبى حنيفة عنده وهذا أعدل الأقوال # فإن كتابتها في المصحف بقلم القرآن تدل على أنها من القرآن وكتابتها ~~مفردة مفصولة عما قبلها وما بعدها تدل على أنها ليست من السورة ويدل على ~~ذلك ما رواه أهل السنن عن النبى أنه قال ( أن سورة من القرآن ثلاثين آية ~~شفعت لرجل حتى غفر له ( وهى ( تبارك الذى بيده الملك ( وهذا لا ينافى ذلك ~~فإن في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم أغفى إغفاءة فقال ( لقد نزلت ~~على آنفا سورة وقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) إنا أعطيناك الكوثر ( لأن ~~ذلك لم يذكر فيه أنها من السورة بل فيه أنها تقرأ في اول السورة وهذا سنة ~~فإنها تقرأ في اول كل سورة وإن لم تكن من السورة # ومثله حديث إبن عباس ( كان رسول الله لا يعرف فصل السورة حتى تنزل ( بسم ~~الله الرحمن الرحيم ( رواه أبوداود ففيه أنها نزلت للفصل وليس فيه أنها آية ~~منها ( وتبارك الذى بيده الملك ( ثلاثون آية بدون البسملة ولأن العادين ~~لآيات القرآن لم يعد أحد منهم البسملة من السورة لكن هؤلاء تنازعوا في ~~الفاتحة هل هي آية منها دون غيرها على قولين هما روايتان عن احمد ~~PageV22P439 # أحدهما أنها من الفاتحة دون غيرها وهذا مذهب طائفة من أهل الحديث أظنه ~~قول أبى عبيد وإحتج هؤلاء بالآثار التى رويت في ان البسملة من الفاتحة وعلى ~~قول هؤلاء تجب قراءتها في الصلاة وهؤلاء يوجبون قراءتها وإن لم يجهروا بها # والثانى أنها ليست من الفاتحة كما انها ليست من غيرها وهذا اظهر فإنه ms6778 قد ~~ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يقول الله تعالى قسمت ~~الصلاة بينى وبين عبدى نصفين نصفها لى ونصفها له ولعبدى ما سأل يقول العبد ~~( الحمد لله رب العالمين ( يقول الله حمدنى عبدى يقول العبد ( الرحمن ~~الرحيم ( يقول الله أثنى على عبدى يقول العبد @QB@ مالك يوم الدين @QE@ ~~يقول الله مجدنى عبدى يقول العبد @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ يقول ~~الله فهذه الآية بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل يقول العبد @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم @QE@ إلى آخرها يقول الله فهؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل فلو ~~كانت من الفاتحة لذكرها كما ذكر غيرها # وقد روى ذكرها في حديث موضوع رواه عبد الله بن زياد إبن سمعان فذكره مثل ~~الثعلبى في تفسيره ومثل من جمع أحاديث الجهر وأنها كلها ضعيفة أو موضوعة ~~ولو كانت منها لما كان للرب PageV22P440 ثلاث آيات ونصف وللعبد ثلاث ونصف ~~وظاهر الحديث ان القسمة وقعت على الآيات فإنه قال ( فهؤلاء لعبدى ( وهؤلاء ~~إشارة إلى جمع فعلم أن من قوله ( إهدنا الصراط المستقيم ( إلى آخرها ثلاث ~~آيات على قول من لا يعد البسملة آية منها ومن عدها آية منها جعل هذا آيتين # وايضا فإن الفاتحة سورة من سور القرآن والبسملة مكتوبة في أولها فلا فرق ~~بينها وبين غيرها من السور في مثل ذلك وهذا من أظهر وجوه الإعتبار # وأيضا فلو كانت منها لتليت في الصلاة جهرا كماتتلى سائر آيات السورة وهذا ~~مذهب من يرى الجهر بها كالشافعى وطائفة من المكيين والبصريين فإنهم قالوا ~~أنها آية من الفاتحة يجهر بها كسائر آيات الفاتحة وإعتمد على آثار منقولة ~~بعضها عن الصحابة وبعضها عن النبى فأما المأثور عن الصحابة كإبن الزبير ~~ونحوه ففيه صحيح وفيه ضعيف وأما المأثور عن النبى فهو ضعيف أو موضوع كما ~~ذكر ذلك حفاظ الحديث كالدارقطنى وغيره # ولهذا لم يرو أهل السنن والمسانيد المعروفة عن النبى صلى الله ~~PageV22P441 عليه وسلم في الجهر بها حديثا واحدا وإنما يروى أمثال هذه ~~الأحاديث من لا يميز من أهل ms6779 التفسير كالثعلبى ونحوه وكبعض من صنف في هذا ~~الباب من أهل الحديث كما يذكره طائفة من الفقهاء في كتب الفقه وقد حكى ~~القول بالجهر عن أحمد وغيره بناء على إحدى الروايتين عنه من أنها من ~~الفاتحة فيجهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة وليس هذا مذهبه بل يخافت بها ~~عنده وإن # قال هي من الفاتحة لكن يجهر بها عنده لمصلحة راجحة مثل أن يكون المصلون ~~لا يقرءونها بحال فيجهر بها ليعلمهم أن قراءتها سنة كما جهر إبن عباس ~~بالفاتحة على الجنازة وكما جهر عمر بن الخطاب بالإستفتاح وكما نقل عن ابى ~~هريرة أنه قرأ بها ثم قرأ بأم الكتاب وقال أنا أشبهكم صلاة برسول الله رواه ~~النسائى وهو اجود ما إحتجوا به # وكذلك فسر بعض أصحاب أحمد خلافه أنه كان يجهر بها إذا كان المأمومون ~~ينكرون على من لم يجهر بها وامثال ذلك فإن الجهر بها والمخافتة سنة فلو جهر ~~بها المخافت صحت صلاته بلا ريب وجمهور العلماء كابى حنيفة ومالك واحمد ~~والأوزاعى لا يرون الجهر لكن منهم من يقرؤها سرا كأبى حنيفة وأحمد وغيرهما ~~ومنهم من لا يقرؤها سرا ولا جهرا كمالك PageV22P442 # وحجة الجمهور ما ثبت في الصحيح من ( أن النبى وأبا بكر وعمر كانوا لا ~~يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وفى لفظ لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم ~~في أول قراءة ولا آخرها ( والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # هل من يلحن في الفاتحة تصح صلاته أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # أما اللحن في الفاتحة الذى لا يحيل المعنى فتصح صلاة صاحبه إماما أو ~~منفردا مثل أن يقول @QB@ رب العالمين @QE@ و @QB@ الضالين @QE@ ونحو ذلك # واما ما قرئ به مثل الحمد لله رب ورب ورب ومثل الحمد لله والحمد لله بضم ~~اللام أو بكسر الدال ومثل عليهم وعليهم وعليهم وأمثال ذلك فهذا لا يعد لحنا # وأما اللحن الذى يحيل المعنى إذا علم صاحبه معناه مثل أن يقول @QB@ صراط ~~الذين أنعمت عليهم @QE@ وهو يعلم ان هذا ضمير المتكلم لا تصح صلاته وإن لم ~~يعلم أنه يحيل ms6780 المعنى وإعتقد أن هذا ضمير المخاطب ففيه نزاع والله أعلم ~~PageV22P443 ### |||| وسئل ( # عمن يقرأ القرآن وما عنده أحد يسأله عن اللحن إلخ وإذا وقف على شيء يطلع ~~في المصحف هل يلحقه إثم أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # إن إحتاج إلى قراءة القرآن قرأه بحسب الإمكان ورجع إلى المصحف فيما يشكل ~~عليه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يترك ما يحتاج إليه وينتهى به من ~~القراءة لأجل ما يعرض من الغلط أحيانا إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة والله ~~أعلم # ( ### |||| وسئل ( # عما إذا نصب المخفوض في صلاته ( ### ||||| فأجاب ( # إن كان عالما بطلت صلاته لأنه متلاعب في صلاته وإن كان جاهلا لم تبطل على ~~أحد الوجهين PageV22P444 ### |||| وسئل ( # عن رجل يصلى بقوم وهو يقرأ بقراءة الشيخ أبى عمرو فهل إذا قرأ لورش أو ~~لنافع بإختلاف الروايات مع حملة قراءته لأبى عمرو يأثم أو تنقص صلاته أو ~~ترد ( ### ||||| فأجاب ( # يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبى عمرو وبعضه بحرف نافع وسواء كان ذلك في ~~ركعة أو ركعتين وسواء كان خارج الصلاة أو داخلها والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # هل روى عن النبى أنه صلى بالأعراف أو بالأنعام جميعا في المغرب أو في ~~صلاة غيرها وإن كان قد رواه أحمد هل هو صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم ثبت في الصحيح انه صلى في المغرب بالأعراف ولكن لم يكن ~~يداوم على ذلك ومرة أخرى قرأ فيها بالمرسلات ومرة أخرى قرأ فيها بالطور ~~وهذا كله في الصحيح والله أعلم PageV22P445 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن رفع الأيدى بعد الركوع هل يبطل الصلاة أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله لا يبطل الصلاة بإتفاق الأئمة بل أكثر أئمة المسلمين يستحبون ~~هذا كما إستفاضت به السنة عن النبى من حديث إبن عمر ومالك بن الحويرث ووائل ~~بن حجر وأبى حميد الساعدى وأبى قتادة الأنصارى في عشرة من الصحابة وحديث ~~على وأبى هريرة وغيرهم # وهو مستحب عند جمهور العلماء وهو مذهب الشافعى وأحمد ومالك في إحدى ~~الروايتين عنه وأبوحنيفة قال أنه لا يستحب ولم يقل إنه ms6781 يبطل صلاته والله ~~أعلم # ( ### |||| وسئل ( # عن قول النبى ( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( وهل هو بالخفض أو بالضم ~~أفتونا مأجورين PageV22P446 ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله أما الأولى فبالخفض وأما الثانية فبالضم والمعنى أن صاحب الجد ~~لا ينفعه منك جده أى لا ينجيه ويخلصه منك جده وإنما ينجيه الإيمان والعمل ~~الصالح و ( الجد ( هو الغنى وهو العظمة وهو المال بين أنه من كان له في ~~الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك ولم يخلصه من الله وإنما ينجيه من عذابه ~~إيمانه وتقواه فإنه قال ( اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ~~ينفع ذا الجد منك الجد ( فبين في هذا الحديث أصلين عظيمين ( # أحدهما ( توحيد الربوبية وهو أن لا معطى لما منع الله ولا مانع لما أعطاه ~~ولا يتوكل إلا عليه ولا يسأل إلا هو # والثانى توحيد الإلهية وهو بيان ما ينفع وما لا ينفع وأنه ليس كل من أعطى ~~مالا أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعا له عند الله منجيا له من عذابه فإن ~~الله يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطى الإيمان إلا من يحب قال تعالى ~~@QB@ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا @QE@ يقول ما كل من وسعت ~~عليه أكرمته ولا كل من قدرت عليه أكون قد اهنته بل هذا إبتلاء ليشكر العبد ~~على السراء ويصبر على الضراء فمن رزق الشكر PageV22P447 والصبر كان كل قضاء ~~يقضيه الله خيرا له كما في الصحيح عن النبى أنه قال ( لا يقضى الله للمؤمن ~~من قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان ~~خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ( ( # وتوحيد الإلهية ( أن يعبد الله ولا يشرك به شيئا فيطيعه ويطيع رسله ويفعل ~~ما يحبه ويرضاه # وأما توحيد الربوبية فيدخل ما قدره وقضاه وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه ~~وأرضاه والعبد مأمور بأن يعبد ms6782 الله ويفعل ما أمر به وهو توحيد الإلهية ~~ويستعين الله على ذلك وهو توحيد له فيقول ( إياك نعبد وإياك نستعين ( والله ~~أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # إذا اراد إنسان ان يسجد في الصلاة يتأخر خطوتين هل يكره ذلك أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # وأما التأخر حين السجود فليس بسنة ولا ينبغى فعل ذلك إلا إذا كان الموضع ~~ضيقا فيتأخر ليتمكن من السجود PageV22P448 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن الصلاة وإتقاء الأرض بوضع ركبتيه قبل يديه أو يديه قبل ركبتيه ( ### ||||| فأجاب ( # أما الصلاة بكليهما فجائزة بإتفاق العلماء إن شاء المصلى يضع ركبتيه قبل ~~يديه وإن شاء وضع يديه ثم ركبتيه وصلاته صحيحة في الحالتين بإتفاق العلماء ~~ولكن تنازعوا في الأفضل # فقيل الأول كما هو مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد في إحدى الروايتين # وقيل الثانى كما هو مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى وقد روى بكل منهما ~~حديث في السنن عن النبى ففى السنن عنه ( أنه كان إذا صلى وضع ركبتيه ثم ~~يديه وإذا رفع رفع يديه ثم ركبتيه ( وفى سنن أبى داود وغيره أنه قال ( إذا ~~سجد أحدكم فلا يبرك بروك الجمل ولكن يضع يديه ثم ركبتيه ( وقد روى ضد ذلك ~~وقيل أنه منسوخ والله أعلم PageV22P449 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عما يروي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أمرت أن اسجد على سبعة ~~أعظم وان لا أكف لى ثوبا ولا شعرا وفى رواية وأن لا أكفت لى ثوبا ولا شعرا ~~( فما هو الكف ( وما هو الكفت وهل ضفر الشعر من الكفت ( ### ||||| فأجاب ( # الكفت الجمع والضم والكف قريب منه وهو منع الشعر والثوب من السجود وينهى ~~الرجل أن يصلى وشعره مغروز في رأسه أو معقوص # وفيه عن النبى ( مثل الذى يصلى وهو معقوص كمثل الذى يصلى وهو مكتوف ( لأن ~~المكتوف لا يسجد ثوبه والمعقوص لا يسجد شعره وإما الضفر مع إرساله فليس من ~~الكفت والله أعلم PageV22P450 ### |||| وسئل ( # عن رجل يصلى مأموما ويجلس بين الركعات جلسة الإستراحة ولم يفعل ذلك ~~الإمام فهل يجوز ذلك له وإذا جاز ms6783 هل يكون منقصا لأجره لأجل كونه لم يتابع ~~الإمام في سرعة الإمام ( ### ||||| فأجاب ( # جلسة الإستراحة قد ثبت في الصحيح أن النبى جلسها لكن تردد العلماء هل فعل ~~ذلك من كبر السن للحاجة أو فعل ذلك لأنه من سنة الصلاة # فمن قال بالثانى إستحبها كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين # ومن قال بالأول لم يستحبها إلا عند الحاجة كقول أبى حنيفة ومالك وأحمد في ~~الرواية الأخرى ومن فعلها لم ينكر عليه وإن كان مأموما لكون التأخر بمقدار ~~ماليس هو من التخلف المنهي عنه عند من يقول بإستحبابها وهل هذا إلا فعل في ~~محل اجتهاد فإنه قد تعارض فعل هذه السنة عنده والمبادرة إلى موافقة الإمام ~~PageV22P451 فإن ذلك أولى من التخلف لكنه يسير فصار مثل ما إذا قام من ~~التشهد الأول قبل أن يكمله المأموم والمأموم يرى أنه مستحب أو مثل أن يسلم ~~وقد بقى عليه يسير من الدعاء هل يسلم أو يتمه ومثل هذه المسائل هي من مسائل ~~الإجتهاد والأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف لفعل مستحب والله أعلم # ( ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن رفع اليدين بعد القيام من الجلسة بعد الركعتين الأوليين هل هو مندوب ~~إليه وهل فعله النبى أو أحد من الصحابة ( ### ||||| فاجاب ( # نعم هو مندوب إليه عند محققى العلماء العالمين بسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقول طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعى ~~وغيرهم وقد ثبت ذلك عن النبى في الصحاح والسنن ففى البخارى وسنن أبى داود ~~والنسائى عن نافع ( أن إبن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه واذا ~~ركع رفع يديه واذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه واذا قام من الركعتين ~~رفع يديه ورفع ذلك بن عمر PageV22P452 إلى النبى # وعن على بن أبى طالب عن النبى ( أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ~~ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وإذا أراد أن يركع ~~ويصنعه إذا رفع من الركوع ولا يرفع يديه في ms6784 شيء من صلاته وهو قاعد وإذا قام ~~من الركعتين رفع يديه كذلك وكبر ( رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه وإبن ماجه ~~والترمذى وقال حديث حسن صحيح وعن أبى حميد الساعدى أنه ذكر صفة صلاة النبى ~~صلى الله عليه وسلم وفيه ( إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذى ~~بهما منكبيه كما صنع حين إفتتح الصلاة ( رواه الإمام أحمد وأبو داود وإبن ~~ماجه والنسائى والترمذى وصححه # فهذه أحاديث صحيحة ثابته مع ما في ذلك من الآثار وليس لها ما يصلح أن ~~يكون معارضا مقاوما فضلا عن أن يكون راجحا والله أعلم PageV22P453 ### || 1 ( رسالة في قوله كما صليت على إبراهيم ) 1 ### |||| وسئل شيخ الاسلام # عن قوله ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~آل إبراهيم إنك حميد مجيد ( الحديث وقوله ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ( هل الحديثان في الصحة سواء وما ~~الحكم في ذكر الآل دون إبراهيم ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا الحديث في الصحاح من أربعة أوجه أشهرها حديث عبد ~~الرحمن بن أبى ليلى قال لقينى كعب بن عجرة فقال ألا أهدى لك هدية ( خرج ~~علينا رسول الله فقلنا قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك قال ( قولوا ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ~~اللهم بارك وفى لفظ وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد ( رواه أهل الصحاح والسنن والمسانيد كالبخارى ومسلم وأبى ~~داود والترمذى والنسائى وإبن ماجه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم ~~PageV22P454 # وهذا لفظ الجماعة إلا أن الترمذى قال فيه على إبراهيم في الموضعين لم ~~يذكر آله وذلك رواية لأبى داود والنسائى وفى رواية ( كما صليت على آل ~~إبراهيم ( وقال ( كما باركت على إبراهيم ( ذكر لفظ الآل في الأول ولفظ ~~إبراهيم في الاخر # وفى الصحيحين والسنن الثلاثة عن أبى حميد الساعدى أنهم قالوا يا رسول ~~الله كيف نصلى عليك قال ( قولوا ms6785 اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما ~~صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد ( هذا هو اللفظ المشهور وقد روى فيه كما صليت على ~~إبراهيم وكما باركت على إبراهيم بدون لفظ الآل في الموضعين وفى صحيح ~~البخارى عن أبى سعيد الخدري قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف ~~الصلاة عليك قال ( قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل ~~إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم ( # وفى صحيح مسلم عن أبى مسعود الأنصارى قال ( أتانا رسول الله ونحن في مجلس ~~سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد امرنا الله أن نصلى عليك فكيف نصلى عليك ~~قال فسكت رسول الله حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله صلى ~~PageV22P455 الله عليه وسلم ( قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما ~~صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم ~~في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم ( وقد رواه أيضا غير مسلم ~~كمالك واحمد وأبى داود والنسائى والترمذى بلفظ آخر وفى بعض طرقه ( كما صليت ~~على إبراهيم وكما باركت على إبراهيم ( لم يذكر ( الآل ( وفى رواية ( كما ~~صليت على إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم ( فهذه الأحاديث التى في ~~الصحاح لم أجد فيها ولا فيما نقل لفظ ( إبراهيم وآل إبراهيم بل المشهور في ~~أكثر الأحاديث والطرق لفظ آل إبراهيم ) ( وفى بعضها لفظ ( إبراهيم ( وقد ~~يجيء في أحد الموضعين لفظ ( آل إبراهيم ( وفى الآخر لفظ ( إبراهيم ( # وقد روى لفظ ( إبراهيم وآل إبراهيم ) في حديث رواه البيهقى عن يحيى بن ~~السناو عن رجل من بنى الحارث عن بن مسعود عن رسول الله أنه قال ( اذا تشهد ~~احدكم في الصلاة فليقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى ~~آل محمد وبارك على محمد وارحم محمدا كما صليت وباركت وترحمت ms6786 على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد ) وهذا اسناده ضعيف لكن رواه بن ماجه في ~~سننه عن بن مسعود موقوفا قال اذا صليتم PageV22P456 على رسول الله فاحسنوا ~~الصلاة فانكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قال فقولوا له فعلمنا قال ( قولوا ~~اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وامام المتقين وخاتم ~~النبيين محمد عبدك ورسولك امام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه ~~مقاما محمودا يغبطه به الاولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى ال محمد ~~كما صليت على إبراهيم وال إبراهيم انك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى ~~آل محمد كما باركت على إبراهيم وال إبراهيم انك حميد مجيد ) ولا يحضرنى ~~اسناد هذا الاثر ولم يبلغنى إلى الساعة حديث مسند باسناد ثابت ( كما صليت ~~على إبراهيم وكما باركت على إبراهيم وال إبراهيم ) بل أحاديث السنن توافق ~~احاديث الصحيحين كما في سنن ابى داود عن أبى هريرة ان النبى قال ( من سره ~~ان يكتال بالمكيال الاوفى اذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صل على محمد ~~النبى وعلى أزواجه امهات المؤمنين وذريته واهل بيته كما صليت على ال ~~إبراهيم انك حميد مجيد ) رواه الشافعى في مسنده عن ابى هريرة قال قلنا يا ~~رسول الله كيف نصلى عليك يعنى في الصلاة قال ( تقولون اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت ~~على إبراهيم ثم تسلمون علي PageV22P457 # ومن المتأخرين من سلك في بعض هذه الادعية والاذكار التى كان النبى يقولها ~~ويعملها بالفاظ متنوعة ورويت بالفاظ متنوعة طريقة محدثة بأن جمع بين تلك ~~الالفاظ واستحب ذلك ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها # مثاله الحديث الذى في الصحيحين عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه انه قال ~~يا رسول الله علمنى دعاء ادعو به في صلاتى قال ( قل اللهم انى ظلمت نفسى ~~ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب الا أنت ) فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى انك ~~انت الغفور الرحيم ) قد ms6787 روى كثيرا وروي كبيرا فيقول هذا القائل يستحب أن ~~يقول ( كثيرا ) كبيرا وكذلك اذا روى ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ) ~~وروى ( اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته ) وأمثال ذلك وهذه طريقة ~~محدثة لم يسبق اليها احدمن الائمة المعروفين # وطرد هذه الطريقة ان يذكر التشهد بجميع هذه الالفاظ المأثورة وان يقال ~~الاستفتاح بجميع الالفاظ المأثورة وهذا مع انه خلاف عمل المسلمين لم يستحبه ~~أحد من ائمتهم بل عملوا بخلافه فهو بدعة في الشرع فاسد في العقل ~~PageV22P458 # اما الاول فلان تنوع الفاظ الذكر والدعاء كتنوع الفاظ القرآن مثل ( ~~تعملون ) و ( يعلمون ) و ( باعدوا ) و ( بعدوا ) و ( ارجلكم ) و ( ارجلكم ) ~~ومعلوم ان المسلمين متفقون على انه لا يستحب للقارئ في الصلاة والقارئ ~~عبادة وتدبرا خارج الصلاة ان يجمع بين هذه الحروف انما يفعل الجمع بعض ~~القراء بعض الاوقات ليمتحن بحفظه للحروف وتمييزه للقراءات وقد تكلم الناس ~~في هذا # وأما الجمع في كل القراءة المشروعة المامور بها فغير مشروع باتفاق ~~المسلمين بل يخير بين تلك الحروف واذا قرأ بهذه تارة وبهذه تارة كان حسنا ~~كذلك الاذكار اذا قال تارة ( ظلما كثيرا ) وتارة ( ظلما كبيرا ) كان حسنا ~~كذلك اذا قال تارة ( على آل محمد ) وتارة ( على أزواجه وذريته ) كان حسنا ~~كما أنه في التشهد اذا تشهد تارة بتشهد بن مسعود وتارة بتشهد بن عباس وتارة ~~بتشهد عمر كان حسنا وفى الاستفتاح اذا استفتح تارة باستفتاح عمر وتارة ~~باستفتاح على وتارة باستفتاح ابى هريرة ونحو ذلك كان حسنا # وقد إحتج غير واحد من العلماء كالشافعى وغيره على جواز الأنواع المأثورة ~~في التشهدات ونحوها بالحديث الذى في الصحاح عن PageV22P459 النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف فاقرءوا بما ~~تيسر ( قالوا فإذا كان القرآن قد رخص في قراءته سبعة أحرف فغيره من الذكر ~~والدعاء أولى أن يرخص في أن يقال على عدة أحرف ومعلوم أن المشروع في ذلك أن ~~يقرأ أحدها أو هذا تارة وهذا تارة لا ms6788 الجمع بينهما فإن النبى لم يجمع بين ~~هذه الألفاظ في آن واحد بل قال هذا تارة وهذا تارة إذا كان قد قالهما # وأما إذا إختلفت الرواية في لفظ فقد يمكن أنه قالهما أو يمكن أنه رخص ~~فيهما ويمكن أن أحد الراويين حفظ اللفظ دون الآخر وهذا يجيء في مثل قوله ( ~~كبيرا ( كثيرا ( وأما مثل قوله ( وعلى آل محمد ) وقوله في الأخرى ( وعلى ~~أزواجه وذريته ( فلا ريب أنه قال هذا تارة وهذا تارة ولهذا إحتج من إحتج ~~بذلك على تفسير الآل وللناس في ذلك قولان مشهوران ( # أحدهما ( أنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة وهذا هو المنصوص عن الشافعى ~~وأحمد وعلى هذا ففى تحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته روايتان عن ~~أحمد # إحداهما لسن من أهل بيته وهو قول زيد بن ارقم الذى رواه مسلم في صحيحه ~~عنه PageV22P460 # والثانية ( هن من أهل بيته لهذا الحديث فإنه قال ? < وعلى أزواجه وذريته ~~> ? وقوله @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~@QE@ وقوله في قصة إبراهيم @QB@ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت @QE@ ~~وقد دخلت سارة ولأنه إستثنى امرأة لوط من آله فدل على دخولها في الآل وحديث ~~الكساء يدل على أن عليا وفاطمة وحسنا وحسينا أحق بالدخول في أهل البيت من ~~غيرهم كما أن قوله في المسجد المؤسس على التقوى ( هو مسجدى هذا ( يدل على ~~أنه أحق بذلك وأن مسجد قباء أيضا مؤسس على التقوى كما دل عليه نزول الآية ~~وسياقها وكما أن أزواجه داخلات في آله وأهل بيته كما دل عليه نزول الآية ~~وسياقها وقد تبين أن دخول أزواجه في آل بيته أصح وإن كان مواليهن لا يدخلون ~~في موالى آله بدليل الصدقة على بريرة مولاة عائشة ونهيه عنها أبا رافع مولى ~~العباس وعلى هذا القول فآل المطلب هل هم من آله ومن أهل بيته الذين تحرم ~~عليهم الصدقة على روايتين عن أحمد ( # إحداهما ( أنهم منهم وهو قول الشافعى ( # والثانية ( ليسوا منهم وهو مذهب أبى حنيفة ومالك و ( # القول الثانى ms6789 ( أن آل محمد هم أمته أو الإتقياء من أمته وهذا PageV22P461 ~~روى عن مالك أن صح وقاله طائفة من اصحاب أحمد وغيرهم وقد يحتجون على ذلك ~~بما روى الخلال وتمام هذه أنه سئل عن آل محمد فقال ( كل مؤمن تقى ( وهذا ~~الحديث موضوع لا أصل له # والمقصود هنا أن النبى ثبت عنه أنه قال أحيانا ( وعلى آل محمد ( وكان ~~يقول أحيانا ( وعلى أزواجه وذريته ( فمن قال أحدهما أو هذا تارة وهذا تارة ~~فقد أحسن وأما من جمع بينهما فقد خالف السنة # ثم إنه فاسد من جهة العقل أيضا فإن أحد اللفظين بدل عن الآخر فلا يجمع ~~بين البدل والمبدل ومن تدبر ما يقول وفهمه علم ذلك # وأما الحكم في ذلك فيقال لفظ آل فلان إذا أطلق في الكتاب والسنة دخل فيه ~~فلان كما في قوله @QB@ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين @QE@ وقوله @QB@ إلا آل لوط نجيناهم بسحر @QE@ وقوله @QB@ أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب @QE@ وقوله @QB@ سلام على إل ياسين @QE@ ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم ( اللهم صل على آل أبى أوفى ( # وكذلك لفظ ( أهل البيت ( كقوله تعالى ( رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت ( فإن إبراهيم داخل فيهم وكذلك قوله ( من سره PageV22P462 ان يكتال ~~بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل ( اللهم صل على محمد النبى ~~( الحديث وسبب ذلك أن لفظ ( الآل ( أصله أول تحركت الواو وإنفتح ما قبلها ~~فقلبت ألفا فقيل آل ومثله باب وناب وفى الأفعال قال وعاد ونحو ذلك ومن قال ~~أصله أهل فقلبت الهاء الفا فقد غلط فإنه قال مالا دليل عليه وإدعى القلب ~~الشاذ بغير حجة مع مخالفته للأصل # وأيضا فإن لفظ الأهل يضيفونه إلى الجماد وإلى غير المعظم كما يقولون أهل ~~البيت وأهل المدينة واهل الفقير وأهل المسكين وإما الآل فإنما يضاف إلى ~~معظم من شأنه أن يؤول غيره أو يسوسه فيكون مآله إليه ومنه الإيالة وهى ~~السياسة فآل الشخص هم من يؤوله ويؤول إليه ويرجع إليه ونفسه هي أول وأولى ms6790 ~~من يسوسه ويؤول إليه فلهذا كان لفظ آل فلان متناولا له ولا يقال هو مختص به ~~بل يتناوله ويتناول من يؤوله فلهذا جاء في أكثر الألفاظ ( كما صليت على آل ~~إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم ( وجاء في بعضها ( إبراهيم ( نفسه لأنه ~~هو الأصل في الصلاة والزكاة وسائر أهل بيته إنما يحصل لهم ذلك تبعا وجاء في ~~بعضها ذكر هذا وهذا تنبيها على هذين # فإن قيل فلم قيل ( صل على محمد وعلى آل محمد وبارك PageV22P463 على محمد ~~وآل محمد فذكر هنا محمدا وآل محمد وذكر هناك لفظ ( آل إبراهيم أو إبراهيم ( # قيل ( لأن الصلاة على محمد وعلى آله ذكرت في مقام الطلب والدعاء وأما ~~الصلاة على إبراهيم ففى مقام الخبر والقصة إذ قوله على محمد وعلى آل محمد ( ~~جملة طلبية وقوله ( صليت على آل إبراهيم ( جملة خبرية والجملة الطلبية إذا ~~بسطت كان مناسبا لأن المطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه # وأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع وإنقضى لا يحتمل الزيادة والنقصان فلم ~~يمكن في زيادة اللفظ زيادة المعنى فكان الإيجاز فيه والإختصار أكمل وأتم ~~وأحسن ولهذا جاء بلفظ آل إبراهيم تارة وبلفظ إبراهيم أخرى لأن كلا اللفظين ~~يدل على ما يدل عليه الآخر وهو الصلاة التى وقعت ومضت إذ قد علم أن الصلاة ~~على إبراهيم التى وقعت هي الصلاة على آل إبراهيم والصلاة على آل إبراهيم ~~صلاة على إبراهيم فكان المراد باللفظين واحدا مع الإيجاز والإختصار # وأما في الطلب فلو قيل ( صل الله على محمد ( لم يكن في هذا ما يدل على ~~الصلاة على آل محمد إذ هو طلب ودعاء ينشأ بهذا اللفظ ليس خبرا عن أمر قد ~~وقع وإستقر ولو قيل صل على PageV22P464 آل محمد لكان إنما يصلى عليه في ~~العموم فقيل على محمد وعلى آل محمد فإنه يحصل بذلك الصلاة عليه بخصوصه ~~وبالصلاة على آله # ثم إن قيل أنه داخل في آله مع الإقتران كما هو داخل مع الإطلاق فقد صلى ~~عليه مرتين خصوصا وعموما وهذا ms6791 ينشأ على قول من يقول العام المعطوف على ~~الخاص يتناول الخاص # ولو ( قيل ( أنه لم يدخل لم يضر فإن الصلاة عليه خصوصا تغني وأيضا ففى ~~ذلك بيان أن الصلاة على سائر الآل إنما طلبت تبعا له وأنه هو الأصل الذى ~~بسببه طلبت الصلاة على آله وهذا يتم بجواب السؤال المشهور وهو أن قوله ( ~~كما صليت على إبراهيم ( يشعر بفضيلة إبراهيم لأن المشبه دون المشبه به وقد ~~اجاب الناس عن ذلك بأجوبه ضعيفة # فقيل التشبيه عائد إلى الصلاة على الأول فقط فقوله ( صل على محمد ( كلام ~~منقطع وقوله ( وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ( كلام مبتدأ وهذا نقله ~~العمرانى عن الشافعى وهذا باطل عن الشافعى قطعا لا يليق بعلمه وفصاحته فإن ~~هذا كلام ركيك في غاية البعد وفيه من جهة العربية بحوث لا تليق بهذا الموضع ~~PageV22P465 # الثانى قول من منع كون المشبه به أعلى من المشبه وقال يجوز أن يكونا ~~متماثلين قال صاحب هذا القول والنبى يفضل على إبراهيم من وجوه غير الصلاة ~~وهما متماثلان في الصلاة وهذا أيضا ضعيف فإن الصلاة من الله من أعلى ~~المراتب أو أعلاها ومحمد أفضل الخلق فيها فكيف وقد أمر الله بها بعد أن ~~أخبر أنه وملائكته يصلون عليه وأيضا فالله وملائكته يصلون على معلم الخير ~~وهو أفضل معلمى الخير والأدلة كثيرة لا يتسع لها هذا الجواب # الثالث قول من قال آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس مثلهم في آل محمد ~~فإذا طلب من الصلاة مثلما صلى على هؤلاء حصل لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم ~~فإنهم دون الأنبياء وبقيت الزيادة لمحمد فحصل له بذلك من الصلاة عليه مزية ~~ليست لإبراهيم ولا لغيره وهذا الجواب أحسن مما تقدم # وأحسن منه أن يقال محمد هو من آل إبراهيم كما روى على إبن أبي طلحة عن ~~إبن عباس في قوله ( إن الله إصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين ( قال إبن عباس محمد من آل إبراهيم وهذا بين فإنه إذا دخل غيره من ms6792 ~~الأنبياء في آل إبراهيم فهو أحق بالدخول فيهم فيكون قولنا كما صليت على آل ~~PageV22P466 إبراهيم متناولا للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية آل ~~إبراهيم وقد قال تعالى @QB@ وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب @QE@ ثم أمرنا ~~أن نصلى على محمد وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل ~~إبراهيم عموما ثم لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم والباقى له فيطلب له من ~~الصلاة هذا الأمر العظيم # ومعلوم أن هذا أمر عظيم يحصل له به أعظم مما لإبراهيم وغيره فإنه إذا كان ~~المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به وله نصيب وافر من المشبه وله أكثر ~~المطلوب صار له من المشبه وحده أكثر مما لإبراهيم وغيره وإن كان جملة ~~المطلوب مثل المشبه وإنضاف إلى ذلك ماله من المشبه به فظهر بهذا من فضله ~~على كل من النبيين ما هو اللائق به تسليما كثيرا وجزاه عنا أفضل ما جزى ~~رسولا عن أمته اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد PageV22P467 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن الصلاة على النبى هل الأفضل فيها سرا أم جهرا وهل روى عن النبى أنه ~~قال إزعجوا أعضاءكم بالصلاة على ( أم لا والحديث الذى يروى عن إبن عباس ( ~~أنه أمرهم بالجهر ليسمع من لم يسمع ( أفتونا مأجورين ( ### ||||| فأجاب ( # أما الحديث المذكور فهو كذب موضوع بإتفاق أهل العلم وكذلك الحديث الآخر ~~وكذلك سائر ما يروى في رفع الصوت بالصلاة عليه مثل الأحاديث التى يرويها ~~الباعة لتنفيق السلع أو يرويها السؤال من قصاص وغيرهم لجمع الناس وجبايتهم ~~ونحو ذلك # والصلاة عليه هي دعاء من الأدعية كما علم النبى أمته حين قالوا قد علمنا ~~السلام عليك فكيف الصلاة عليك فقال ( قولوا ( اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد ~~كما باركت على آل إبراهيم إنك ms6793 حميد مجيد ( أخرجاه في الصحيحين والسنة في ~~الدعاء كله المخافتة إلا أن يكون هناك سبب يشرع له الجهر PageV22P468 قال ~~تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ وقال تعالى عن ~~زكريا @QB@ إذ نادى ربه نداء خفيا @QE@ # بل السنة في الذكر كله ذلك كما قال تعالى @QB@ واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال @QE@ وفى الصحيحين أن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كانوا معه في سفر فجعلوا يرفعون أصواتهم فقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون ~~أصم ولا غائبا وإنما تدعون سميعا قريبا أن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من ~~عنق راحلته ( وهذا الذى ذكرناه في الصلاة عليه والدعاء مما إتفق عليه ~~العلماء فكلهم يأمرون العبد إذا دعا أن يصلى على النبى كما يدعو لا يرفع ~~صوته بالصلاة عليه أكثر من الدعاء سواء كان في صلاة كالصلاة التامة وصلاة ~~الجنازة أو كان خارج الصلاة حتى عقيب التلبية فإنه يرفع صوته بالتلبية ثم ~~عقيب ذلك يصلى على النبى ويدعو سرا وكذلك بين تكبيرات العيد إذا ذكر الله ~~وصلى على النبى فإنه وإن جهر بالتكبير لا يجهر بذلك # وكذلك لو إقتصر على الصلاة عليه خارج الصلاة مثل أن يذكر فيصلى عليه فإنه ~~لم يستحب أحد من أهل العلم رفع PageV22P469 الصوت بذلك فقائل ذلك مخطئ ~~مخالف لما عليه علماء المسلمين # وأما رفع الصوت بالصلاة أو الرضى الذى يفعله بعض المؤذنين قدام بعض ~~الخطباء في الجمع فهذا مكروه أو محرم بإتفاق الأمة لكن منهم من يقول يصلى ~~عليه سرا ومنهم من يقول يسكت والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # عمن يقول ( اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من صلاتك ~~شيء وبارك على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من بركاتك شيء وإرحم محمدا ~~وآل محمد حتى لا يبقى من رحمتك شيء وسلم على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى ~~من سلامك شيء ( أفتونا مأجورين ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله ms6794 ليس هذا الدعاء مأثورا عن أحد من السلف وقول القائل حتى لا ~~يبقى من صلاتك شيء ورحمتك شيء إن أراد به ان ينفد ما عند الله من ذلك فهذا ~~جاهل فإن ما عند الله من الخير لا نفاد له وإن أراد أنه بدعائه معطيه جميع ~~ما يمكن أن يعطاه فهذا أيضا جهل فإن دعاءه ليس هو السبب الممكن من ذلك ~~PageV22P470 ### |||| وسئل ( # عن اقوام حصل بينهم كلام في الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم منهم من ~~قال أنها فرض واجب في كل وقت ومن لا يصلى عليه يأثم وقال بعضهم هي فرض في ~~الصلاة المكتوبة لأنها من فروض الصلاة وما عدا ذلك فغير فرض لكن موعود الذى ~~يصلى عليه بكل مرة عشرة ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله مذهب الشافعى وأحمد في إحدى الروايتين أنها واجبة في الصلاة ~~ولا تجب في غيرها ومذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى أنها لا ~~تجب في الصلاة ثم من هؤلاء من قال تجب في العمر مرة ومنهم من قال تجب في ~~المجلس الذى يذكر فيه والمسألة مبسوطة في غير هذا الموضع والله أعلم ~~PageV22P471 ### |||| وسئل ( # عن قوله ( من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ومن صلى على عشرا صلى الله ~~عليه مائة ومن صلى على مائة صلى الله عليه الف مرة ومن لم يصل على يبقى في ~~قلبه حسرات ولو دخل الجنة ( إذا صلى العبد على الرسول يصلى الله على ذلك ~~العبد أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من صلى ~~على مرة صلى الله عليه عشرا ( وفى السنن عنه أنه قال ( ما إجتمع قوم في ~~مجلس فلم يذكروا الله فيه ولم يصلوا فيه على إلا كان عليهم ترة يوم القيامة ~~( والترة النغص والحسرة والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # هل يجوز أن يصلى على غير النبى صلى الله عليه وسلم بأن يقال اللهم صل على ~~فلان PageV22P472 ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله قد تنازع العلماء هل لغير النبى أن يصلى على غير النبى ms6795 مفردا ~~على قولين # أحدهما المنع وهو المنقول عن مالك والشافعى وإختيار جدى أبى البركات # والثانى أنه يجوز وهو المنصوص عن أحمد وإختيار أكثر أصحابه كالقاضى وإبن ~~عقيل والشيخ عبدالقادر وإحتجوا بما روى عن علي أنه قال لعمر صلى الله عليك # وإحتج الأولون بقول إبن عباس لا اعلم الصلاة تنبغى من أحد على أحد إلا ~~على رسول الله وهذا الذى قاله إبن عباس قاله لما ظهرت الشيعة وصارت تظهر ~~الصلاة على علي دون غيره فهذا مكروه منهى عنه كما قال إبن عباس # وأما ما نقل عن على فإذا لم يكن على وجه الغلو وجعل ذلك شعارا لغير ~~الرسول فهذا نوع من الدعاء وليس في الكتاب والسنة ما يمنع منه وقد قال ~~تعالى @QB@ هو الذي يصلي عليكم وملائكته @QE@ وقال النبى ( إن الملائكة ~~تصلى على أحدكم مادام PageV22P473 في مصلاة الذى صلى فيه مالم يحدث ( وفى ~~حديث قبض الروح ( صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه ( # ولا نزاع بين العلماء ان النبى يصلى على غيره كقوله ( اللهم صل على آل ~~أبى أوفى ( وأنه يصلى على غيره تبعا له كقوله ( اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد ( والله أعلم # ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( # ( ### ||| فصل # المنصوص المشهور عن الإمام أحمد أنه لا يدعو في الصلاة إلا بالأدعية ~~المشروعة المأثورة كما قال الأثرم قلت لأحمد بماذا أدعو بعد التشهد قال بما ~~جاء في الخبر قلت له أو ليس قال رسول الله ( ثم ليتخير من الدعاء ما شاء ( ~~قال يتخير مما جاء في الخبر فعاودته فقال ما في الخبر هذا معنى كلام أحمد # قلت وقد بينت بعض أصل ذلك لقوله @QB@ إنه لا يحب المعتدين @QE@ وأن ~~الدعاء ليس كله جائزا بل فيه عدوان محرم والمشروع PageV22P474 لا عدوان فيه ~~وأن العدوان يكون تارة في كثرة الألفاظ وتارة في المعانى كما قد فسر أحد ~~الصحابة ذلك إذ قال هذا لابنه لما قال اللهم أنى أسألك القصر الأبيض عن ~~يمين الجنة إذا دخلتها وقال الأخر أسالك الجنة وقصورها وأنهارها واعوذ بك ms6796 ~~من النار وسلاسلها واغلالها فقال أى بنى سل الله الجنة وتعوذ به من النار ~~فقد سمعت رسول الله يقول ( سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء ~~والطهور ( والإعتداء يكون في العبادة وفى الزهد وقول أحمد بما جاء في الخبر ~~حسن فإن اللام في الدعاء للدعاء الذى يحبه الله ليس لجنس الدعاء فإن من ~~الدعاء ما # يحرم فإن قيل ما جاز من الدعاء خارج الصلاة جاز في الصلاة مثل سؤاله دارا ~~وجارية حسناء # قيل ومن قال إن مثل هذا مشروع خارج الصلاة وأن مثل هذه الألفاظ ليست من ~~العدوان وحينئذ فيقال الدعاء المستحب هو الدعاء المشروع فإن الإستحباب إنما ~~يتلقى من الشارع فما لم يشرعه لا يكون مستحبا بل يكون شرع من الدين مالم ~~يأذن به الله فإن الدعاء من أعظم الدين لكن إذا دعا بدعاء لم يعلم أنه ~~مستحب أو علم أنه جائز غير مستحب لم تبطل صلاته بذلك فإن الصلاة إنما تبطل ~~بكلام الآدميين والدعاء ليس من جنس كلام الآدميين بل هو PageV22P475 كما لو ~~أثنى على الله بثناء لم يشرع له وقد وجد مثل هذا من بعض الصحابة على عهد ~~النبى ولم ينكر عليه كونه أثنى ثناء لم يشرع له في ذلك المكان بل نفى ماله ~~فيه من الأجر ومن الدعاء ما يكون مكروها ولا تبطل به الصلاة ومنه ما تبطل ~~به الصلاة فالدعاء خمسة أقسام # الذى يشرع هو الواجب والمستحب وأما المباح فلا يستحب ولا يبطل الصلاة ~~والمكروه يكره ولا يبطلها كالإلتفات في الصلاة وكما لو تشهد في القيام أو ~~قرأ في القعود والمحرم يبطلها لأنه من الكلام وهذا تحقيق قول أحمد فإنه لم ~~يبطل الصلاة بالدعاء غير المأثور لكنه لم يستحبه إذ لا يستحب غير المشروع ~~وبين أن التخيير عاد إلى المشروع والمشروع يكون بلفظ النص وبمعناه إذ لم ~~يقيد النبى الدعاء بلفظ واحد كالقراءة # ولهذا لما كانت صلاة الجنازة مقصودها الدعاء لم يوقت فيها وقتا ولما كان ~~الذكر أفضل كان أقرب إلى التوقيت كالأذان والتلبية ms6797 ونحو ذلك # فأما قول الجد رحمه الله إلا بما ورد في الأخبار وبما يرجع إلى أمر دينه ~~ففيه نظر فإن أحمد لم يذكر إلا الأخبار وأيضا PageV22P476 فالدعاء بمصالح ~~الدنيا جائز فإنه مشروع والدعاء ببعض أمور الدين قد يكون من العدوان كما ~~ذكر عن الصحابة وكما لو سأل منازل الأنبياء فالأجود أن يقال إلا بالدعاء ~~المشروع المسنون وهو ما وردت به الأخبار وما كان في معناه لأن ذلك لم يوجب ~~علينا التعبد بلفظه كالقرآن # ونحن منعنا من ترجمة القرآن لأن لفظه مقصود وكذلك التكبير ونحوه فأما ~~الدعاء فلم يوقت فيه لفظ لكن كرهه أحمد بغير العربية فالمراتب ثلاثة # القراءة والذكر والدعاء باللفظ المنصوص ثم باللفظ العربى في معنى المنصوص ~~ثم باللفظ العجمى فهذا كرهه أحمد في الصلاة وفى البطلان به خلاف وهو من باب ~~البدل وأهل الرأى يجوزون مع تشددهم في المنع من الكلام في الصلاة حتى كرهوا ~~الدعاء الذى ليس في القرآن أو ليس في الخبر وأبطلوا به الصلاة ويجوزون ~~الترجمة بالعجمية فلم يجعل بالعربية عبادة وجوزوا التكبير بكل لفظ يدل على ~~التعظيم # فهم توسعوا في إبدال القرآن بالعجمية وفى إبدال الذكر بغيره من الأذكار ~~ولم يتوسعوا مثله في الدعاء وأحمد وغيره من الأئمة PageV22P477 بالعكس ~~الدعاء عندهم أوسع وهذا هو الصواب لأن النبى قال ( ثم ليتخير من الدعاء ~~أعجبه إليه ( ولم يوقت في دعاء الجنازة شيئا ولم يوقت لأصحابه دعاء معينا ~~كما وقت لهم الذكر فكيف يقيد ما اطلقه الرسول من الدعاء ويطلق ما قيده من ~~الذكر مع أن الذكر أفضل من الدعاء كما قررناه في غير هذا الموضع # ولهذا توجب الأذكار العلمية مالم يجب من الثنائية # ولهذا كان أفضل الكلام بعد القرآن الكلمات الباقيات الصالحات ( سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ( فأمر النبى بهذه الكلمات ~~لمن عجز عن القرآن وقال ( هن أفضل الكلام بعد القرآن ( ولهذا كان أفضل ~~الإستفتاحات في الصلاة ما تضمنت ذلك وهو قوله ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك ~~إسمك وتعالى جدك ولا إله ms6798 غيرك ( لما قد بيناه في غير هذا الموضع # وذكرنا أن هذا ثناء فهو أفضل من الدعاء وهو ثناء بمعنى افضل الكلام بعد ~~القرآن وذلك مقتضى للإجابة يبين ذلك ما رواه البخارى في صحيحه عن أبى أمامه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه PageV22P478 وسلم ( من تعار من الليل فقال ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~الحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ودعا استجيب ~~له وإن توضأ قبلت صلاته ( فقد أخبر أن هذه الكلمات الخمس إذا إفتتح بها ~~المستيقظ من الليل كلامه كان ذلك سببا لإجابة دعائه ولقبول صلاته إذا توضأ ~~بعد ذلك فيكون إفتتاح الصلاة بذلك سببا لقبولها وما فيها من الدعاء أو حمد ~~الله والثناء عليه قبل دعائه ولذلك أمر النبى بذلك في حديث [ المسىء ) فقال ~~( كبر فإحمد الله وأثن عليه ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ( # وأيضا ففى أحاديث أخر من أحاديث الإفتتاح أنه كان يقول ( الله أكبر كبيرا ~~الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا الحمد ~~لله كثيرا ( وهذا معناها # وأيضا فإنها مستحبة بين تكبيرات العيد الزوائد كما نقل ذلك عن إبن مسعود ~~وتلك التكبيرات هي من جنس تكبيرات الإفتتاح # وأيضا ففى الحديث الآخر من احاديث الإستفتاح أنه كان يكبر عشرا ويحمد ~~عشرا ويسبح عشرا أو كما قال فتوافق معانى الأحاديث الكثيرة على معنى هذا ~~الإفتتاح كتوافق معنى تشهد أبى PageV22P479 موسى وغيره على معنى تشهد إبن ~~مسعود وإذا كان الذكر الواحد قد جاءت عامة الأذكار بمعناه كان أرجح مما لم ~~يجيء فيه إلا حديث واحد لأنه يدل على كثرة قصد النبى صلى الله عليه وسلم ~~لتلك المعانى وما كثر قصده وإختياره له كان مقدما على مالم يكثر # ويؤيد ذلك أن هذه الكلمات مشروعة في دبر الصلوات المكتوبات أيضا كما جاءت ~~بذلك الأحاديث الصحيحة فتكون هي من الفواتح والخواتم التى أوتيها نبينا ~~فإنه أوتى فواتح ms6799 الكلم وجوامعه وخواتمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما # ( ### |||| وسئل رحمه الله ( # هل الدعاء عقيب الفرائض أم السنن أم بعد التشهد في الصلاة ( ### ||||| فأجاب ( # السنة التي كان النبى يفعلها ويأمر بها أن يدعو في التشهد قبل السلام كما ~~ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول بعد التشهد ( اللهم أنى أعوذ بك من عذاب ~~جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من ~~فتنة المسيح الدجال PageV22P480 وفى الصحيح أيضا أنه أمر بهذا الدعاء بعد ~~التشهد وكذلك في الصحيح أنه كان يقول بعد التشهد قبل السلام ( اللهم إغفر ~~لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به منى أنت المقدم ~~وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ( وفى الصحيح أن أبا بكر قال يا رسول الله ~~علمنى دعاء أدعو به في صلاتى فقال ( قل اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا ~~يغفر الذنوب إلا أنت فإغفر لى مغفرة من عندك وإرحمنى إنك أنت الغفور الرحيم ~~( # وفى الصحيح أحاديث غير هذه أنه كان يدعو بعد التشهد وقبل السلام وكان ~~يدعو في سجوده وفى رواية كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع وكان يدعو في ~~إفتتاح الصلاة ولم يقل أحد عنه أنه كان هو والمأمومون يدعون بعد السلام بل ~~كان يذكر الله بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير كما جاء في الأحاديث ~~الصحيحة والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # عمن قال لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين إسما ولا يقول يا حنان يا ~~منان ولا يقول يا دليل الحائرين فهل له أن يقول ذلك PageV22P481 ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله هذا القول وإن كان قد قاله طائفة من المتأخرين كأبى محمد بن ~~حزم وغيره فإن جمهور العلماء على خلافه وعلى ذلك مضى سلف الأمة وأئمتها # وهو الصواب لوجوه ( # احدها ( أن التسعة والتسعين إسما لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبى ~~وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذى الذى رواه الوليد بن مسلم عن شعيب عن ~~ابى حمزة وحفاظ أهل الحديث يقولون ms6800 هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن ~~شيوخه من أهل الحديث وفيها حديث ثان أضعف من هذا رواه إبن ماجه وقد روى في ~~عددها غير هذين النوعين من جمع بعض السلف # وهذا القائل الذى حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه إستخراجها من ~~القرآن وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال هي التى ~~يجوز الدعاء بها دون غيرها لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور فكل ~~إسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور ويمكن أن يكون من المحظور وإن قيل ~~لا تدعوا إلا بإسم له ذكر في الكتاب والسنة قيل هذا أكثر من تسعة وتسعين # ( # الوجه الثانى ( أنه إذا قيل تعيينها على ما في حديث الترمذى مثلا ففى ~~الكتاب والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث مثل إسم PageV22P482 الرب ( فإنه ~~ليس في حديث الترمذى وأكثر الدعاء المشروع إنما هو بهذا الإسم كقول آدم ~~@QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا @QE@ وقول نوح @QB@ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس ~~لي به علم @QE@ وقول إبراهيم @QB@ رب اغفر لي ولوالدي @QE@ وقول موسى @QB@ ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي @QE@ وقول المسيح @QB@ اللهم ربنا أنزل علينا ~~مائدة من السماء @QE@ وأمثال ذلك حتى أنه يذكر عن مالك وغيره أنهم كرهوا أن ~~يقال يا سيدى بل يقال يارب لأنه دعاء النبيين وغيرهم كما ذكر الله في ~~القرآن # وكذلك إسم المنان ففى الحديث الذى رواه أهل السنن أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم سمع داعيا يدعو اللهم أنى أسألك بأن لك الملك أنت الله المنان بديع ~~السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حى يا قيوم فقال النبى ( لقد دعا ~~الله بإسمه الأعظم الذى إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى ( وهذا رد لقول ~~من زعم أنه لا يمكن في أسمائه المنان # وقد قال الإمام أحمد رضى الله عنه لرجل ودعه قل يا دليل الحائرين دلنى ~~على طريق الصادقين وإجعلنى من عبادك الصالحين وقد أنكر طائفة من أهل الكلام ~~كالقاضى ms6801 أبى بكر وأبى الوفاء إبن عقيل أن يكون من أسمائه الدليل لأنهم ظنوا ~~أن الدليل PageV22P483 هو الدلالة التى يستدل بها والصواب ما عليه الجمهور ~~لأن الدليل في الأصل هو المعرف للمدلول ولو كان الدليل ما يستدل به فالعبد ~~يستدل به أيضا فهو دليل من الوجهين جميعا # وايضا فقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن الله ~~وتر يحب الوتر ( وليس هذا الإسم في هذه التسعة والتسعين وثبت عنه في الصحيح ~~أنه قال ( إن الله جميل يحب الجمال ( وليس هو فيها وفى الترمذى وغيره أنه ~~قال ( إن الله نظيف يحب النظافة ( وليس هذا فيها وفى الصحيح عنه أنه قال ( ~~أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ( وليس هذا فيها وتتبع هذا يطول # ولفظ التسعة والتسعين المشهورة عند الناس في الترمذى الله الرحمن الرحيم ~~الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارىء ~~المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض ~~الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم ~~الغفور الشكور العلى الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب ~~المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوى ~~PageV22P484 المتين الولى الحميد المحصى المبدىء المعيد المحيى المميت الحى ~~القيوم الواجد الماجد الأحد ويروى الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم ~~المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالى المتعالى البر التواب المنتقم ~~العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغنى المغنى ~~المعطى المانع الضار النافع النور الهادى البديع الباقى الوارث الرشيد ~~الصبور الذى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( # ومن اسمائه التى ليست في هذه التسعة والتسعين إسمه السبوح وفى الحديث عن ~~النبى أنه كان يقول ( سبوح قدوس ( وإسمه ( الشافى ( كما ثبت في الصحيح أنه ~~كان يقول ( أذهب البأس رب الناس وإشف أنت الشافى لا شافى إلا أنت شفاء لا ~~يغادر سقما ( وكذلك إسماؤه المضافة مثل أرحم الراحمين وخير الغافرين ورب ~~العالمين ومالك يوم الدين وأحسن الخالقين وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ms6802 ~~ومقلب القلوب وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة وثبت في الدعاء بها بإجماع ~~المسلمين وليس من هذه التسعة والتسعين # الوجه الثالث ما إحتج به الخطابى وغيره وهو حديث إبن مسعود عن النبى أنه ~~قال ( ما أصاب عبدا قط PageV22P485 هم ولا حزن فقال اللهم أنى عبدك وإبن ~~عبدك وإبن أمتك ناصيتى بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل إسم هو لك ~~سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو إستاثرت به في ~~علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبى وشفاء صدرى وجلاء حزنى ~~وذهاب غمى وهمى إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا ( قالوا يارسول ~~الله أفلا نتعلمهن قال ( بلى ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن ( رواه الإمام ~~أحمد في المسند وأبو حاتم إبن حبان في صحيحه # قال الخطابى وغيره فهذا يدل على أن له اسماء إستاثر بها وذلك يدل على أن ~~قوله ( إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ( إن في أسمائه تسعة ~~وتسعين من أحصاها دخل الجنة كما يقول القائل أن لى ألف درهم أعددتها للصدقة ~~وإن كان ماله أكثر من ذلك # والله في القرآن قال @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها @QE@ فأمر أن ~~يدعى بأسمائه الحسنى مطلقا ولم يقل ليست اسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين ~~إسما والحديث قد سلم معناه والله أعلم PageV22P486 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن رجل قال إذا دعا العبد لا يقول يا الله يا رحمن ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله لا خلاف بين المسلمين ان العبد إذا دعا ربه يقول يا الله يا ~~رحمن وهذا معلوم بالإضطرار من دين الإسلام كما قال تعالى @QB@ قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى @QE@ وكان النبى ~~يقول في دعائه ( يا الله يا رحمن ( فقال المشركون محمد ينهانا أن ندعو ~~إلهين وهو يدعو إلهين فقال الله تعالى @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى @QE@ أى المدعو إله واحد وإن تعددت أسماؤه ~~كما ms6803 قال تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه @QE@ # ومن أنكر أن يقال يا الله يا رحمن فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل والله ~~أعلم PageV22P487 ### |||| وسئل ( # عن امرأة سمعت في الحديث ( اللهم أنى عبدك وإبن عبدك ناصيتى بيدك ( إلى ~~آخره فداومت على هذا اللفظ فقيل لها قولى اللهم أنى أمتك بنت أمتك إلى آخره ~~فأبت إلا المداومة على اللفظ فهل هي مصيبة أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # بل ينبغى لها أن تقول اللهم أنى أمتك بنت عبدك إبن أمتك فهو أولى وأحسن ~~وإن كان قولها عبدك إبن عبدك له مخرج في العربية كلفظ الزوج والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # عن رجل دعا دعاء ملحونا فقال له رجل ما يقبل الله دعاء ملحونا ( ### ||||| فأجاب ( # من قال هذا القول فهو آثم مخالف للكتاب والسنة ولما كان عليه السلف وأما ~~من دعا الله مخلصا له الدين بدعاء جائز سمعه PageV22P488 الله وأجاب دعاءه ~~سواء كان معربا أو ملحونا والكلام المذكور لا اصل له بل ينبغى للداعى إذا ~~لم تكن عادته الأعراب أن لا يتكلف الأعراب قال بعض السلف إذا جاء الأعراب ~~ذهب الخشوع وهذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء فإذا وقع بغير تكلف فلا بأس ~~به فإن أصل الدعاء من القلب واللسان تابع للقلب # ومن جعل همته في الدعاء تقويم لسانه أضعف توجه قلبه ولهذا يدعو المضطر ~~بقلبه دعاء يفتح عليه لا يحضره قبل ذلك وهذا أمر يجده كل مؤمن في قلبه ~~والدعاء يجوز بالعربية وبغير العربية والله سبحانه يعلم قصد الداعى ومراده ~~وإن لم يقوم لسانه فإنه يعلم ضجيج الأصوات بإختلاف اللغات على تنوع الحاجات # ( وقال رحمه الله ( # ( ### ||| فصل # وأما السلام من الصلاة فالمختار عند مالك ومن تبعه من أهل المدينة تسليمة ~~واحدة في جميع الصلاة فرضها ونفلها المشتملة على الأركان الفعلية أو على ~~ركن واحد PageV22P489 وعند أهل الكوفة تسليمتان في جميع ذلك ووافقهم ~~الشافعى # والمختار في المشهور عن أحمد أن الصلاة الكاملة المشتملة على قيام وركوع ~~وسجود يسلم منها تسليمتان وأما الصلاة ms6804 بركن واحد كصلاة الجنائز وسجود ~~التلاوة وسجود الشكر فالمختار فيها تسليمة واحدة كما جاءت أكثر الآثار بذلك # فالخروج من الأركان الفعلية المتعددة بالتسليم المتعدد ومن الركن الفعلى ~~المفرد بالتسليم المفرد فإن صلاة النبى كانت معتدلة فما طولها أعطى كل جزء ~~منها حظه من الطول وما خففها أدخل التخفيف على عامة أجزائها # ( ### |||| وسئل ( # عن رجل إذا سلم عن يمينه يقول السلام عليكم ورحمة الله أسألك الفوز ~~بالجنة وعن شماله السلام عليكم أسألك النجاة من النار فهل هذا مكروه أم لا ~~فإن كان مكروها فما الدليل على كراهته ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله نعم يكره هذا لأن هذا بدعة فإن هذا PageV22P490 لم يفعله رسول ~~الله ولا إستحبه أحد من العلماء وهو إحداث دعاء في الصلاة في غير محله يفصل ~~بأحدهما بين التسليمتين ويصل التسليمة بالآخر وليس لأحد فصل الصفة المشروعة ~~بمثل هذا كما لو قال سمع الله لمن حمده أسألك الفوز بالجنة ربنا ولك الحمد ~~أسألك النجاة من النار وأمثال ذلك والله أعلم PageV22P491 ### || 1 ( الكلام على أحاديث الدعاء بعد الخروج من الصلاة ) 1 ### ||| 2 باب الذكر بعد الصلاة 2 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن حديث عقبة بن عامر قال ( أمرنى رسول الله أن أقرأ بالمعوذات دبر كل ~~صلاة ( وعن أبى أمامة قال ( قيل يا رسول الله أى الدعاء اسمع قال جوف الليل ~~الأخير ودبر الصلوات المكتوبة ( وعن معاذ بن جبل أن رسول الله أخذ بيده ~~فقال ( يا معاذ والله إنى لأحبك فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول اللهم ~~أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ( فهل هذه الأحاديث تدل على أن الدعاء بعد ~~الخروج من الصلاة سنة أفتونا وأبسطوا القول في ذلك ماجورين ( ### ||||| فاجاب ( # الحمد لله رب العالمين الأحاديث المعروفة في الصحاح والسنن والمساند تدل ~~على أن النبى كان يدعو في دبر صلاته قبل الخروج منها وكان يأمر أصحابه بذلك ~~ويعلمهم ذلك ولم ينقل أحد أن النبى كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من ~~الصلاة هو والمأمومون جميعا لا في الفجر ولا في ms6805 العصر ولا في غيرهما من ~~الصلوات بل قد ثبت عنه أنه كان PageV22P492 يستقبل أصحابه ويذكر الله ~~ويعلمهم ذكر الله عقيب الخروج من الصلاة # ففى الصحيح ( أنه كان قبل أن ينصرف يستغفر ثلاثا ويقول ( اللهم أنت ~~السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ( وفى الصحيحين من حديث ~~المغيرة بن شعبة أنه كان يقول ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما اعطيت ولا معطى لما منعت ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( وفى الصحيح من حديث إبن الزبير ( أن النبى كان ~~يهلل بهؤلاء الكلمات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد ~~إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له ~~الدين ولو كره الكافرون ( وفى الصحيح عن إبن عباس ( إن رفع الناس أصواتهم ~~بالذكر كان على عهد النبى ( وفى لفظ كنا نعرف إنقضاء صلاته بالتكبير # والأذكار التى كان النبى يعلمها المسلمين عقيب الصلاة أنواع PageV22P493 # أحدها ( أنه يسبح ثلاثا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلاثين ويكبر ثلاثا وثلاثين ~~فتلك تسع وتسعون ويقول تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ( رواه مسلم في صحيحه # والثانى يقولها خمسا وعشرين ويضم إليها ( لا إله إلا الله ( وقد رواه ~~مسلم # والثالث يقول الثلاثة ثلاثا وثلاثين وهذا على وجهين # أحدهما أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين # والثانى أن يقول كل واحدة إحدى عشرة مرة والثلاث والثلاثون في الحديث ~~المتفق عليه في الصحيحين # والخامس يكبر أربعا وثلاثين ليتم مائة # والسادس يقول الثلاثة عشرا عشرا فهذا هو الذى مضت به سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذلك مناسب لأن المصلى يناجي ربه فدعاؤه له ومسألته إياه ~~وهو يناجيه أولى به من مسألته ودعائه بعد إنصرافه عنه ms6806 PageV22P494 # وأما الذكر بعد الإنصراف فكما قالت عائشة رضى الله عنها هو مثل مسح ~~المرآة بعد صقالها فإن الصلاة نور فهي تصقل القلب كما تصقل المرآة ثم الذكر ~~بعد ذلك بمنزلة مسح المرآة وقد قال الله تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ~~ربك فارغب @QE@ قيل إذا فرغت من أشغال الدنيا فإنصب في العبادة وإلى ربك ~~فإرغب وهذا أشهر القولين وخرج شريح القاضي على قوم من الحاكة يوم عيد وهم ~~يلعبون فقال مالكم تلعبون قالوا إنا تفرغنا قال أو بهذا أمر الفارغ وتلا ~~قوله تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ # ويناسب هذا قوله تعالى @QB@ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا @QE@ إلى ~~قوله @QB@ إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا ~~طويلا @QE@ أى ذهابا ومجيئا وبالليل تكون فارغا وناشئة الليل في اصح ~~القولين إنما تكون بعد النوم يقال نشأ إذا قام بعد النوم فإذا قام بعد ~~النوم كانت مواطأة قلبه للسانه أشد لعدم ما يشغل القلب وزوال أثر حركة ~~النهار بالنوم وكان قوله ( أقوم ( # وقد قيل فإذا فرغت من @QB@ الصلاة @QE@ فإنصب في الدعاء @QB@ وإلى ربك ~~فارغب @QE@ وهذا القول سواء كان صحيحا أو لم يكن فإنه يمنع الدعاء في آخر ~~الصلاة لا سيما والنبى هو المأمور بهذا فلابد أن يمتثل ما أمره الله به ~~PageV22P495 # ودعاؤه في الصلاة المنقول عنه في الصحاح وغيرها إنما كان قبل الخروج من ~~الصلاة وقد قال لأصحابه في الحديث الصحيح ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله ~~من أربع يقول ( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة ~~المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ( # وفى حديث إبن مسعود الصحيح لما ذكر التشهد قال ( ثم ليتخير من الدعاء ~~أعجبه إليه ( وقد روت عائشة وغيرها دعاءه في صلاته بالليل وأنه كان قبل ~~الخروج من الصلاة # فقول من قال إذا فرغت من الصلاة فإنصب في الدعاء يشبه قول من قال في حديث ~~إبن مسعود لما ذكر التشهد فإذا فعلت ذلك فقد قضيت صلاتك فإن شئت ms6807 أن تقوم ~~فقم وإن شئت أن تقعد فإقعد وهذه الزيادة سواء كانت من كلام النبى صلى الله ~~عليه وسلم أو من كلام من أدرجها في حديث إبن مسعود كما يقول ذلك من ذكره من ~~أئمة الحديث ففيها أن قائل ذلك جعل ذلك قضاء للصلاة فهكذا جعله هذا المفسر ~~فراغا من الصلاة مع أن تفسير قوله @QB@ فإذا فرغت فانصب @QE@ أى فرغت من ~~الصلاة قول ضعيف فإن قوله إذا فرغت مطلق ولأن الفارغ أن أريد به الفارغ من ~~العبادة فالدعاء أيضا عبادة وأن أريد به الفراغ من PageV22P496 أشغال ~~الدنيا بالصلاة فليس كذلك # يوضح ذلك أنه لا نزاع بين المسلمين أن الصلاة يدعى فيها كما كان النبى ~~صلى الله عليه وسلم يدعو فيها فقد ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول في دعاء ~~الإستفتاح اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم ~~نقنى من خطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم إغسلنى من خطاياى ~~بالماء والثلج والبرد ( وأنه كان يقول ( اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ~~أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسى وإعترفت بذنبى فإغفر لى ذنوبى جميعا فإنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت وإهدنى لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدى لأحسنها إلا أنت ~~وإصرف عنى سيئها فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت ( # وثبت عنه في الصحيح أنه كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع وثبت عنه الدعاء ~~في الركوع والسجود سواء كان في النفل أو في الفرض وتواتر عنه الدعاء آخر ~~الصلاة وفى الصحيحين أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال يا رسول الله ~~علمنى دعاء أدعو به في صلاتى فقال ( قل اللهم أنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا ~~يغفر الذنوب إلا أنت فإغفر لى مغفرة من عندك وإرحمنى إنك أنت الغفور الرحيم ~~( فإذا كان الدعاء مشروعا في الصلاة لا سيما في آخرها فكيف يقول ~~PageV22P497 إذا فرغت من الصلاة فإنصب في الدعاء والذى فرغ منه هو نظير ~~الذى أمر به فهو في الصلاة كان ناصبا في ms6808 الدعاء لا فارغا ثم أنه لم يقل ~~مسلم إن الدعاء بعد الخروج من الصلاة يكون أوكد وأقوى منه في الصلاة ثم لو ~~كان قوله @QB@ فانصب @QE@ في الدعاء لم يحتج إلى قوله @QB@ وإلى ربك فارغب ~~@QE@ فإنه قد علم أن الدعاء إنما يكون لله # فعلم أنه أمره بشيئين أن يجتهد في العبادة عند فراغه من أشغاله وأن تكون ~~رغبته إلى ربه لا إلى غيره كما في قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ~~فقوله إياك نعبد موافق لقوله فإنصب وقوله وإياك نستعين موافق لقوله ( وإلى ~~ربك فإرغب ومثله قوله @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقوله @QB@ هو ربي لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب @QE@ وقول شعيب عليه السلام @QB@ عليه ~~توكلت وإليه أنيب @QE@ ومنه الذى يروى عند دخول المسجد اللهم إجعلنى من ~~أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك وأفضل من سألك ورغب إليك والأثر ~~الآخر واليك الرغباء والعمل وذلك إن دعاء الله المذكور في القرآن نوعان ~~دعاء عبادة ودعاء مسألة ورغبة فقوله @QB@ فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ يجمع ~~نوعى دعاء الله قال تعالى @QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون ~~عليه لبدا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ~~فإنما حسابه عند ربه @QE@ الآية ونظائرة كثيرة PageV22P498 وأما لفظ ( دبر ~~الصلاة ( فقد يراد به آخر جزء منه وقد يراد به ما يلى آخر جزء منه كما في ~~دبر الإنسان فإنه آخر جزء منه ومثله لفظ ( العقب ( قد يراد به الجزء المؤخر ~~من الشيء كعقب الإنسان وقد يراد به ما يلى ذلك فالدعاء المذكور في ~~دبرالصلاة إما أن يراد به آخر جزء منها ليوافق بقية الأحاديث أو يراد به ما ~~يلى آخرها ويكون ذلك ما بعد التشهد كما سمى ذلك قضاء للصلاة وفراغا منها ~~حيث لم يبق إلا السلام المنافى للصلاة بحيث لو فعله عمدا في الصلاة بطلت ~~صلاته ولا تبطل سائر الأذكار المشروعة في الصلاة أو يكون مطلقا أو مجملا ~~وبكل حال فلا يجوز أن يخص به ما بعد السلام ms6809 لأن عامة الأدعية المأثورة كانت ~~قبل ذلك ولا يجوز أن يشرع سنة بلفظ مجمل يخالف السنة المتواترة بالألفاظ ~~الصريحة # والناس لهم في هذه فيما بعد السلام ثلاثة أحوال # منهم من لا يرى قعود الإمام مستقبل المأموم لا بذكر ولا دعاء ولا غير ذلك ~~وحجتهم ما يروى عن السلف أنهم كانوا يكرهون للإمام أن يستديم إستقبال ~~القبلة بعد السلام فظنوا أن ذلك يوجب قيامه من مكانه ولم يعلموا أن إنصرافه ~~مستقبل المأمومين بوجهه كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعل يحصل هذا ~~المقصود PageV22P499 وهذا يفعله من يفعله من اصحاب مالك # ومنهم من يرى دعاء الإمام والمأموم بعد السلام ثم منهم من يرى ذلك في ~~الصلوات الخمس ومنهم من يراه في صلاة الفجر والعصر كما ذكر ذلك من ذكره من ~~اصحاب الشافعى وأحمد وغيرهم وليس مع هؤلاء بذلك سنة وإنما غايتهم التمسك ~~بلفظ مجمل أو بقياس كقول بعضهم ما بعد الفجر والعصر ليس بوقت صلاة فيستحب ~~فيه الدعاء ومن المعلوم أن ما تقدمت به سنة رسول الله الثابتة الصحيحة بل ~~المتواترة لا يحتاج فيه إلى مجمل ولا إلى قياس # وأما قول عقبة بن عامر أمرنى رسول الله أن اقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة ~~فهذا بعد الخروج منها # وأما حديث أبى إمامة ( قيل يا رسول الله أى الدعاء أسمع قال جوف الليل ~~الأخير ودبر الصلوات المكتوبة ( فهذا يجب أن لا يخص ما بعد السلام بل لا بد ~~أن يتناول ما قبل السلام وان قيل انه يعم ما قبل السلام وما بعده لكن ذلك ~~لا يستلزم أن يكون دعاء الإمام والمأموم جميعا بعد السلام سنة كما لا يلزم ~~مثل ذلك قبل السلام بل إذا دعا كل واحد وحده بعد السلام فهذا لا يخالف ~~السنة وكذلك قوله لمعاذ بن جبل PageV22P500 لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول ~~اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ( يتناول ما قبل السلام ويتناول ما ~~بعده أيضا كما تقدم فإن معاذا كان يصلى إماما بقومه كما كان النبى ms6810 يصلى ~~إماما وقد بعثه إلى اليمن معلما لهم فلو كان هذا مشروعا للإمام والمأموم ~~مجتمعين على ذلك كدعاء القنوت لكان يقول ( اللهم أعنا على ذكرك وشكرك فلما ~~ذكره بصيغة الإفراد علم أنه لا يشرع للإمام والمأموم ذلك بصيغة الجمع # ومما يوضح ذلك ما في الصحيح عن البراء بن عازب قال ( كنا إذا صلينا خلف ~~رسول الله أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه قال فسمعته يقول رب ~~قنى عذابك يوم تبعث عبادك أو يوم تجمع عبادك ( فهذا فيه دعاؤه صلى الله ~~عليه وسلم بصيغة الإفراد كما في حديث معاذ وكلاهما إمام # وفيه أنه كان يستقبل المأمومين وأنه لا يدعو بصيغة الجمع وقد ذكر حديث ~~معاذ بعض من صنف في الأحكام في الأدعية في الصلاة قبل السلام موافقة لسائر ~~الأحاديث كما في مسلم والسنن الثلاثة عن أبى هريرة أن النبى قال ( إذا فرغ ~~أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ~~ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال PageV22P501 # وفى مسلم وغيره عن إبن عباس ( ان رسول الله كان يعلمهم هذا الدعاء كما ~~يعلمهم السورة من القرآن يقول ( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك ~~من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح ~~الدجال ( # وفى السنن أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ما تقول في الصلاة ~~قال أتشهد ثم أقول اللهم إنى أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما والله ما ~~أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولهما ندندن ( رواه أبو داود وأبو حاتم ~~في صحيحه وظاهر هذا أن دندنتهما أيضا بعد التشهد في الصلاة ليكون نظير ما ~~قاله وعن شداد بن اوس أن رسول الله كان يقول في صلاته ( اللهم إنى أسالك ~~الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسالك ~~قلبا سليما ولسانا صادقا واسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم ~~وأستغفرك لما تعلم ms6811 ( رواه النسائى # وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن النبى كان يدعو في الصلاة ( ~~اللهم أنى أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك ~~من فتنة المحيا والممات اللهم أنى أعوذ بك من المغرم والمأثم فقال له قائل ~~ما اكثر ما تستعيذ PageV22P502 يا رسول الله من المغرم قال إن الرجل إذا ~~غرم حدث فكذب ووعد فأخلف ( # قال المصنف في الأحكام والظاهر أن هذا يدل على انه كان بعد التشهد يدل ~~عليه حديث إبن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد التشهد ( ~~اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة ~~المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ( وقد تقدم حديث إبن عباس ~~الذى في الصحيحين أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن ~~وحديث أبى هريرة وأنه يقال بعد التشهد وقد روى في لفظ الدبر ما رواه ~~البخارى وغيره عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما ~~يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول أن رسول الله كان يتعوذ بهن دبر الصلاة ~~( اللهم أنى أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل ~~العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر ( # وفى النسائى عن أبى بكرة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر ~~الصلاة ( اللهم أنى اعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر ( وفى النسائى ~~ايضا عن عائشة رضى الله عنها قالت دخلت على PageV22P503 امرأة من اليهود ~~فقالت ( إن عذاب القبر من البول فقلت كذبت فقالت بلى أنا لنقرض منه الجلود ~~والثوب فخرج رسول الله إلى الصلاة وقد إرتفعت أصواتنا فقال ( ما هذا ( ~~فأخبرته بما قالت قال ( صدقت ( فما صلى بعد يومئذ إلا قال في دبر الصلاة ( ~~اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أجرنى من حر النار وعذاب القبر ( # قال المصنف في ( الأحكام ( والظاهر أن المراد بدبر الصلاة في ms6812 الأحاديث ~~الثلاثة قبل السلام توفيقا بينه وبين ما تقدم من حديث إبن عباس وأبى هريرة ~~قلت وهذا الذى قاله صحيح فإن هذا الحديث في الصحيح من حديث عائشة رضى الله ~~عنها أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب ~~القبر فسألت عائشة رضى الله عنها رسول الله عن عذاب القبر فقال ( نعم عذاب ~~القبر حق ( قالت عائشة فما رأيت رسول الله بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب ~~القبر والأحاديث في هذا الباب يوافق بعضها بعضا وتبين ما تقدم والله أعلم ~~PageV22P504 ### |||| وسئل ( # عن جماعة يسبحون الله ويحمدونه ويكبرونه هل ذلك سنة أم مكروه وربما في ~~الجماعة من يثقل بالتطويل من غير ضرورة ( ### ||||| فأجاب ( # التسبيح والتكبير عقب الصلاة مستحب ليس بواجب ومن أراد أن يقوم قبل ذلك ~~فله ذلك ولا ينكر عليه وليس لمن أراد فعل المستحب أن يتركه ولكن ينبغى ~~للمأموم أن لا يقوم حتى ينصرف الإمام أى ينتقل عن القبلة ولا ينبغى للإمام ~~أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة إلا مقدار ما يستغفر ثلاثا ويقول ( اللهم ~~أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ( وإذا إنتقل الإمام ~~فمن أراد أن يقوم قام ومن أحب ان يقعد يذكر الله فعل ذلك PageV22P505 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ( # ( ### ||| فصل # وعد التسبيح بالأصابع سنة كما قال النبى للنساء ( سبحن وإعقدن بالأصابع ~~فإنهن مسؤولات مستنطقات ( وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن وكان من ~~الصحابة رضى الله عنهم من يفعل ذلك وقد رأى النبى أم المؤمنين تسبح بالحصى ~~واقرها على ذلك وروى أن أبا هريرة كان يسبح به # وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم ~~من لم يكرهه وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه وأما إتخاذه من غير ~~حاجة أو إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد أو نحو ~~ذلك فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير ms6813 حاجة ~~الأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة فإن مراءاة الناس في العبادات ~~المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب قال الله ~~PageV22P506 تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم ~~يراؤون ويمنعون الماعون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا @QE@ # فأما المرائى بالفرائض فكل أحد يعلم قبح حاله وأن الله يعاقبه لكونه لم ~~يعبده مخلصا له الدين والله تعالى يقول @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ # وقال تعالى @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ~~ألا لله الدين الخالص @QE@ فهذا في القرآن كثير # وأما المرائى بنوافل الصلاة والصوم والذكر وقراءة القرآن فلا يظن الظان ~~أنه يكتفى فيه بحبوط عمله فقط بحيث يكون لا له ولا عليه بل هو مستحق للذم ~~والعقاب على قصده شهرة عبادة غير الله إذ هي عبادات مختصة ولا تصح إلا من ~~مسلم ولا يجوز إيقاعها على غير وجه التقرب بخلاف ما فيه نفع العبد كالتعليم ~~والإمامة فهذا في الإستئجار عليه نزاع بين العلماء والله أعلم PageV22P507 ### |||| وسئل ( # عن قراءة آية الكرسى دبر كل صلاة في جماعة هل هي مستحبة أم لا وما كان ~~فعل النبى في الصلاة وقوله ( دبر كل صلاة ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله قد روى في قراءة آية الكرسى عقيب الصلاة حديث لكنه ضعيف ولهذا ~~لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها فلا يمكن أن يثبت به حكم شرعى ولم ~~يكن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه يجهرون بعد الصلاة بقراءة ~~آية الكرسى ولا غيرها من القرآن فجهر الإمام والمأموم بذلك والمداومة عليها ~~بدعة مكروهة بلا ريب فإن ذلك أحداث شعار بمنزلة أن يحدث آخر جهر الإمام ~~والمأمومين بقراءة الفاتحة دائما أو خواتيم البقرة أو أول الحديد أو آخر ~~الحشر أو بمنزلة إجتماع الإمام والمأموم دائما على صلاة ركعتين عقيب ~~الفريضة ونحو ذلك مما ms6814 لا ريب أنه من البدع # وأما إذا قرأ الإمام آية الكرسى في نفسه أو قرأها أحد المأمومين فهذا لا ~~بأس به إذ قراءتها عمل صالح وليس في ذلك تغيير لشعائر PageV22P508 الإسلام ~~كما لو كان له ورد من القرآن والدعاء والذكر عقيب الصلاة # وأما الذى ثبت في فضائل الأعمال في الصحيح عن النبى من الذكر عقيب الصلاة ~~ففى الصحيح عن المغيرة بن شعبة انه كان يقول دبر كل صلاة ( لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما ~~أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( # وفى الصحيح أيضا عن إبن الزبير أنه كان يقول ( لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله ولا نعبد ~~إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له ~~الدين ولو كره الكافرون ( وثبت في الصحيح أنه قال ( من سبح دبر كل صلاة ~~ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين وذلك تسعة وتسعون ~~وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر ( # وقد روى في الصحيحين أنه يقول كل واحد خمسة وعشرين ويزيد فيها التهليل ~~وروى أنه يقول كل واحد عشر ويروى أحد عشر مرة وروى أنه يكبر أربعا وثلاثين ~~وعن إبن عباس أن رفع PageV22P509 الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة ~~كان على عهد رسول الله قال إبن عباس كنت أعلم إذا إنصرفوا بذلك إذا سمعته ~~وفى لفظ ما كنت أعرف إنقضاء صلاة رسول الله إلا بالتكبير فهذه هي الأذكار ~~التى جاءت بها السنة في ادبار الصلاة # ( ### |||| وسئل رحمه الله ( # عمن يقول أنا أعتقد أن من أحدث شيئا من الأذكار غير ما شرعه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصح عنه أنه ms6815 قد أساء وأخطأ إذ لو إرتضى ان يكون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نبيه وإمامه ودليله لاكتفى بما صح عنه من الأذكار ~~فعدوله إلى رأيه وإختراعه جهل وتزيين من الشيطان وخلاف للسنة إذ الرسول لم ~~يترك خيرا إلا دلنا عليه وشرعه لنا ولم يدخر الله عنه خيرا بدليل إعطائه ~~خير الدنيا والآخرة إذ هو إكرم الخلق على الله فهل الأمر كذلك أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله لا ريب إن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات والعبادات مبناها ~~على التوقيف والإتباع لا على الهوى PageV22P510 والإبتداع فالأدعية ~~والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحرى من الذكر والدعاء وسالكها على ~~سبيل أمان وسلامة والفوائد والنتائج التى تحصل لا يعبر عنه لسان ولا يحيط ~~به إنسان وما سواها من الأذكار قد يكون محرما وقد يكون مكروها وقد يكون فيه ~~شرك مما لا يهتدى إليه اكثر الناس وهى جملة يطول تفصيلها # وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون ويجعلها ~~عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس بل هذا ~~إبتداع دين لم يأذن الله به بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا من غير أن يجعله ~~للناس سنة فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرما لم يجز الجزم بتحريمه لكن ~~قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو ~~بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب # وأما إتخاذ ورد غير شرعى وإستنان ذكر غير شرعى فهذا مما ينهى عنه ومع هذا ~~ففى الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد ~~العلية ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو ~~مفرط أو متعد PageV22P511 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن الدعاء عقيب الصلاة هل هو سنة أم لا ومن أنكر على إمام لم يدع عقيب ~~صلاة العصر هل هو مصيب أم مخطىء ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله لم يكن النبى يدعو هو والمأمومون عقيب الصلوات الخمس ~~كما يفعله بعض الناس عقيب الفجر والعصر ms6816 ولا نقل ذلك عن أحد ولا إستحب ذلك ~~أحد من الأئمة ومن نقل عن الشافعى أنه إستحب ذلك فقد غلط عليه ولفظه ~~الموجود في كتبه ينافى ذلك وكذلك أحمد وغيره من الأئمة لم يستحبوا ذلك # ولكن طائفة من أصحاب أحمد وأبى حنيفة وغيرهما إستحبوا الدعاء بعد الفجر ~~والعصر قالوا لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما فتعوض بالدعاء عن الصلاة # وإستحب طائفة أخرى من اصحاب الشافعى وغيره الدعاء عقيب الصلوات الخمس ~~وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه PageV22P512 ومن أنكر عليه ~~فهو مخطئ بإتفاق العلماء فإن هذا ليس مأمورا به لا أمر إيجاب ولا أمر ~~إستحباب في هذا الموطن والمنكر على التارك أحق بالإنكار منه بل الفاعل أحق ~~بالإنكار فإن المداومة على مالم يكن النبى يداوم عليه في الصلوات الخمس ليس ~~مشروعا بل مكروه كما لو داوم على الدعاء قبل الدخول في الصلوات أو داوم على ~~القنوت في الركعة الأولى أو في الصلوات الخمس أو داوم على الجهر بالإستفتاح ~~في كل صلاة ونحو ذلك فإنه مكروه وإن كان القنوت في الصلوات الخمس قد فعله ~~النبى أحيانا وقد كان عمر يجهر بالإستفتاح أحيانا وجهر رجل خلف النبى صلى ~~الله عليه وسلم بنحو ذلك فاقره عليه فليس كل ما يشرع فعله أحيانا تشرع ~~المداومة عليه # ولو دعا الامام والمأموم أحيانا عقيب الصلاة لأمر عارض لم يعد هذا مخالفا ~~للسنة كالذى يداوم على ذلك والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبى كان يدعو ~~دبر الصلاة قبل السلام ويأمر بذلك كما قد بسطنا الكلام على ذلك وذكرنا ما ~~في ذلك من الأحاديث وما يظن أن فيه حجة للمنازع في غير هذا الموضع وذلك لأن ~~المصلى يناجى ربه فإذا سلم إنصرف عن مناجاته ومعلوم أن سؤال السائل لربه ~~حال مناجاته هو الذى يناسب دون سؤاله PageV22P513 بعد إنصرافه كما أن من ~~كان يخاطب ملكا أو غيره فإن سؤاله وهو مقبل على مخاطبته أولى من سؤاله له ~~بعد إنصرافه ### |||| وسئل # عن هذا الذى يفعله الناس بعد ms6817 كل صلاة من الدعاء هل هو مكروة وهل ورد ~~عن أحد من السلف فعل ذلك ويتركون أيضا الذكر الذى صح أن النبى كان يقوله ~~ويشتغلون بالدعاء فهل [ الأفضل ] الإشتغال بالذكر الوارد عن النبى أو هذا ~~الدعاء وهل صح ان النبى صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه ويمسح وجهه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين الذى نقل عن النبى من ذلك بعد الصلاة ~~المكتوبة إنما هو الذكر المعروف كالأذكار التى في الصحاح وكتب السنن ~~والمسانيد وغيرها مثل ما في الصحيح أنه كان قبل أن ينصرف من الصلاة يستغفر ~~ثلاثا ثم يقول ( اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال ~~والإكرام ( وفى الصحيح أنه كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة ( لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير PageV22P514 اللهم ~~لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( # وفى الصحيح أنه كان يهلل هؤلاء الكلمات في دبر المكتوبة لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة ~~إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله ~~الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ) # وفى الصحيح أن رفع الصوت بالتكبير عقيب إنصراف الناس من المكتوبة كان على ~~عهد رسول الله وأنهم كانوا يعرفون إنقضاء صلاة رسول الله بذلك وفى الصحيح ~~أنه قال ( من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا ~~وثلاثين فتلك تسع وتسعون وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر ~~( وفى الصحيح أيضا أنه يقول ( سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا ~~وثلاثين ( وفى السنن أنواع أخر # والمأثور ستة أنواع PageV22P515 # أحدها أنه يقول هذه الكلمات عشرا عشرا عشرا ms6818 فالمجموع ثلاثون # والثانى أن يقول كل واحدة إحدى عشر فالمجموع ثلاث وثلاثون # والثالث أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين فالمجموع تسع وتسعون # والرابع أن يختم ذلك بالتوحيد التام فالمجموع مائة # والخامس ان يقول كل واحد من الكلمات الأربع خمسا وعشرين فالمجموع مائة # وأما قراءة آية الكرسى فقد رويت بإسناد لا يمكن أن يثبت به سنة # وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن ~~النبى ولكن نقل عنه أنه أمر معاذا أن يقول دبر كل صلاة ( اللهم أعنى على ~~ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ( ونحو ذلك ولفظ دبر الصلاة قد يراد به آخر جزء من ~~الصلاة كما يراد بدبر الشيء مؤخره وقد يراد به ما بعد إنقضائها كما في قوله ~~تعالى @QB@ وأدبار السجود @QE@ وقد يراد به مجموع الأمرين وبعض الأحاديث ~~PageV22P516 يفسر بعضا لمن تتبع ذلك وتدبره وبالجملة فهنا شيئان ( # أحدهما ( دعاء المصلى المنفرد كدعاء المصلى صلاة الاستخارة وغيرها من ~~الصلوات ودعاء المصلى وحده إماما كان أو مأموما و ( # الثانى ( دعاء الإمام والمأمومين جميعا فهذا الثانى لا ريب أن النبى لم ~~يفعله في أعقاب المكتوبات كما كان يفعل الأذكار المأثورة عنه إذ لو فعل ذلك ~~لنقله عنه اصحابه ثم التابعون ثم العلماء كما نقلوا ما هو دون ذلك ولهذا ~~كان العلماء المتأخرون في هذا الدعاء على أقوال # منهم من يستحب ذلك عقيب الفجر والعصر كما ذكر ذلك طائفة من اصحاب أبى ~~حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ولم يكن معهم في ذلك سنة يحتجون بها وإنما إحتجوا ~~بكون هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما # ومنهم من إستحبه أدبار الصلوات كلها وقال لا يجهر به إلا إذا قصد التعليم ~~كما ذكر ذلك طائفة من اصحاب الشافعى وغيرهم وليس معهم في ذلك سنة إلا مجرد ~~كون الدعاء مشروعا وهو عقب الصلوات يكون أقرب إلى الإجابة وهذا الذى ذكروه ~~قد إعتبره الشارع في صلب الصلاة فالدعاء في آخرها قبل الخروج مشروع مسنون ~~PageV22P517 بالسنة المتواترة وبإتفاق المسلمين بل قد ذهب طائفة من السلف ~~والخلف إلى أن ms6819 الدعاء في آخرها واجب وأوجبوا الدعاء الذى أمر به النبى صلى ~~الله عليه وسلم آخر الصلاة بقوله ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع ~~من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح ~~الدجال ( رواه مسلم وغيره وكان طاووس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة وهو ~~قول بعض أصحاب أحمد وكذلك في حديث إبن مسعود ( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه ~~إليه ( وفى حديث عائشة وغيرها أنه كان يدعو في هذا الموطن والأحاديث بذلك ~~كثيرة # والمناسبة الإعتبارية فيه ظاهرة فإن المصلى يناجي ربه فما دام في الصلاة ~~لم ينصرف فإنه يناجى ربه فالدعاء حينئذ مناسب لحاله أما إذا إنصرف إلى ~~الناس من مناجاة الله لم يكن موطن مناجاة له ودعاء وإنما هو موطن ذكر له ~~وثناء عليه فالمناجاة والدعاء حين الإقبال والتوجه إليه في الصلاة أما حال ~~الإنصراف من ذلك فالثناء والذكر أولى # وكما أن من العلماء من إستحب عقب الصلاة من الدعاء مالم ترد به السنة ~~فمنهم طائفة تقابل هذه لا يستحبون القعود المشروع بعد الصلاة ولا يستعملون ~~الذكر المأثور بل قد يكرهون ذلك وينهون PageV22P518 عنه فهؤلاء مفرطون ~~بالنهى عن المشروع وأولئك مجاوزون الأمر بغير المشروع والدين إنما هو الأمر ~~بالمشروع دون غير المشروع # وأما رفع النبى يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحه وأما مسحه ~~وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # هل دعاء الإمام والمأموم عقيب صلاة الفرض جائز أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله أما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فهو بدعة لم يكن ~~على عهد النبى بل إنما كان دعاؤه في صلب الصلاة فإن المصلى يناجى ربه فإذا ~~دعا حال مناجاته له كان مناسبا # وأما الدعاء بعد إنصرافه من مناجاته وخطابه فغير مناسب وإنما المسنون عقب ~~الصلاة هو الذكر المأثور عن النبى من التهليل والتحميد والتكبير كما كان ~~النبى يقول عقب الصلاة ( لا إله إلا الله وحده لا شريك ms6820 له له الملك ~~PageV22P519 وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا ~~معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( # وقد ثبت في الصحيح أنه قال ( من سبح دبر الصلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا ~~وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين فذلك تسعة وتسعون وقال تمام المائة لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير حطت خطاياه ~~أو كما قال فهذا ونحوه هو المسنون عقب الصلاة والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # عن رجل ينكر على أهل الذكر يقول لهم هذا الذكر بدعة وجهركم في الذكر بدعة ~~وهم يفتتحون بالقرآن ويختتمون ثم يدعون للمسلمين الأحياء والأموات ويجمعون ~~التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة ويصلون على النبى والمنكر ~~يعمل السماع مرات بالتصفيق ويبطل الذكر في وقت عمل السماع ( ### ||||| فأجاب ( # الإجتماع لذكر الله وإستماع كتابه والدعاء عمل صالح وهو من أفضل القربات ~~والعبادات في الأوقات ففى الصحيح عن PageV22P520 النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( إن لله ملائكة سياحين في الأرض فإذا مروا بقوم يذكرون الله ~~تنادوا هلموا إلى حاجتكم ( وذكر الحديث وفيه ( وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ( ~~لكن ينبغى أن يكون هذا أحيانا في بعض الأوقات والأمكنة فلا يجعل سنة راتبة ~~يحافظ عليها إلا ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم المداومة عليه في ~~الجماعات من الصلوات الخمس في الجماعات ومن الجمعات والأعياد ونحو ذلك # وأما محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة أو القراءة أو الذكر أو ~~الدعاء طرفى النهار وزلفا من الليل وغير ذلك فهذا سنة رسول الله والصالحين ~~من عباد الله قديما وحديثا فما سن عمله على وجه الإجتماع كالمكتوبات فعل ~~كذلك وما سن المداومة عليه على وجه الإنفراد من الأوراد عمل كذلك كما كان ~~الصحابة رضى الله عنهم يجتمعون أحيانا يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون ~~وكان عمر بن الخطاب يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرا وهم يستمعون وكان من ~~الصحابة من يقول إجلسوا بنا نؤمن ساعة وصلى النبى صلى الله ms6821 عليه وسلم ~~بأصحابه التطوع في جماعة مرات وخرج على الصحابة من أهل الصفة وفيهم قارئ ~~يقرأ فجلس معهم يستمع PageV22P521 # وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب ودمع العين وإقشعرار ~~الجسوم فهذا أفضل الأحوال التى نطق بها الكتاب والسنة # وأما الإضطراب الشديد والغشى والموت والصيحات فهذا أن كان صاحبه مغلوبا ~~عليه لم يلم عليه كما قد كان يكون في التابعين ومن بعدهم فإن منشأة قوة ~~الوارد على القلب مع ضعف القلب والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبى ~~والصحابة وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم لا خير فيه # وأما ما ذكر من السماع فالمشروع الذى تصلح به القلوب ويكون وسيلتها إلى ~~ربها بصلة ما بينه وبينها هو سماع كتاب الله الذى هو سماع خيار هذه الأمة ~~لا سيما وقد قال ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( وقال ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ( وهو السماع الممدوح في الكتاب والسنة لكن لما نسى بعض الأمة حظا ~~من هذا السماع الذي ذكروا به القى بينهم العداوة والبغضاء فاحدث قوم سماع ~~القصائد والتصفيق والغناء مضاهاة لما ذمه الله من المكاء والتصدية ~~والمشابهة لما إبتدعه النصارى وقابلهم قوم قست قلوبهم عن ذكر الله وما نزل ~~من الحق وقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة مضاهاة لما عابه الله على ~~اليهود والدين الوسط هو ما عليه خيار هذه الأمة قديما وحديثا والله أعلم ~~PageV22P522 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن عوام فقراء يجتمعون في مسجد يذكرون ويقرؤون شيئا من القرآن ثم يدعون ~~ويكشفون روؤسهم ويبكون ويتضرعون وليس قصدهم من ذلك رياء ولا سمعة بل ~~يفعلونه على وجه التقرب إلى الله تعالى فهل يجوز ذلك أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله الإجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ~~ذلك عادة راتبة كالإجتماعات المشروعة ولا إقترن به بدعة منكرة وأما كشف ~~الرأس مع ذلك فمكروه لا سيما إذا إتخذ على أنه عبادة فإنه حينئذ يكون منكرا ~~ولا يجوز التعبد بذلك والله أعلم # ( ### |||| وسئل ( # عن رجل إذا صلى ذكر في جوفه ms6822 ( بسم الله ( بابنا ( تبارك ( حيطاننا ( يس ( ~~سقفنا فقال رجل هذا كفر أعوذ بالله PageV22P523 من هذا القول فهل يجب على ~~ما قال هذا المنكر رد وإذا لم يجب عليه فما حكم هذا القول ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين ليس هذا كفر فإن هذا الدعاء وأمثاله يقصد به ~~التحصن والتحرز بهذه الكلمات فيتقى بها من الشر كما يتقى ساكن البيت بالبيت ~~من الشر والحر والبرد والعدو # وهذا كما جاء في الحديث المعروف عن النبى في الكلمات الخمس التى قام يحيى ~~بن زكريا في بنى إسرائيل قال ( أوصيكم بذكر الله فإن مثل ذلك مثل رجل طلبه ~~العدو فدخل حصنا فإمتنع به من العدو فكذلك ذكر الله هو حصن بن آدم من ~~الشيطان أو كما قال ( فشبه ذكر الله في إمتناع الإنسان به من الشيطان ~~بالحصن الذى يمتنع به من العدو # والحصن له باب وسقف وحيطان ونحو هذا أن الأعمال الصالحة من ذكر الله ~~وغيره تسمى جنة ولباسا كما قال تعالى @QB@ ولباس التقوى ذلك خير @QE@ في ~~أشهر القولين وكما قال في الحديث ( خذوا جنتكم قالوا يا رسول الله من عدو ~~حضر قال لا ولكن جنتكم من النار سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر ( ومنه قول الخطيب فتدرعوا جنن التقوى قبل جنن PageV22P524 ~~السابرى وفوقوا سهام الدعاء قبل سهام القسى ومثل هذا كثير يسمى سورا ~~وحيطانا ودرعا وجنة ونحو ذلك # ولكن هذا الدعاء المسؤل عنه ليس بمأثور والمشروع للإنسان أن يدعو ~~بالأدعية المأثورة فإن الدعاء من أفضل العبادات وقد نهانا الله عن الإعتداء ~~فيه فينبغى لنا أن نتبع فيه ما شرع وسن كما أنه ينبغى لنا ذلك في غيره من ~~العبادات والذى يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره وإن كان من أحزاب بعض ~~المشائخ الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل وهى الأدعية النبوية فإنها ~~أفضل وأكمل بإتفاق المسلمين من الأدعية التى ليست كذلك وإن قالها بعض ~~الشيوخ فكيف يكون في عين الأدعية ما هو خطأ أو اثم أو غير ذلك # ومن ms6823 اشد الناس عيبا من يتخذ حزبا ليس بمأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~وإن كان حزبا لبعض المشائخ ويدع الأحزاب النبوية التى كان يقولها سيد بنى ~~آدم وإمام الخلق وحجة الله على عبادة والله أعلم PageV22P525 ### || 1 ( رسالة في إقامة الصلاة وإتمامها والطمأنينة فيها ) 1 ### ||| 2 باب ما يكره في الصلاة #2 ( # ( # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ( # ( ! 8 < ### ||| فصل # ( # في بيان ما أمر الله به ورسوله من إقام الصلاة وإتمامها والطمأنينة فيها ~~قال الله تعالى في غير موضع من كتابه @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه ~~الخير منوعا إلا المصلين @QE@ وقال تعالى @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون ~~والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون @QE@ وقال تعالى @QB@ واستعينوا ~~بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين @QE@ وقال تعالى @QB@ فخلف ~~من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا @QE@ وقال تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين @QE@ PageV22P526 وسيأتى بيان الدلالة في هذه الآيات # وقد أخرج البخارى ومسلم في الصحيحين وأخرج أصحاب السنن أبوداود والترمذى ~~والنسائى وإبن ماجه وأصحاب المسانيد كمسند أحمد وغير ذلك من اصول الإسلام ~~عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله دخل المسجد فدخل رجل ثم جاء فسلم ~~على النبى صلى الله عليه وسلم فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ~~السلام وقال إرجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم سلم عليه ~~فقال رسول الله وعليك السلام ثم قال إرجع فصل فإنك لم تصل حتى فعل ذلك ثلاث ~~مرات فقال الرجل والذى بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمنى قال ms6824 إذا قمت إلى ~~الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم إركع حتى تطمئن راكعا ثم ~~إرفع حتى تعتدل قائما ثم إسجد حتى تطمئن ساجدا ثم إجلس حتى تطمئن جالسا ثم ~~إفعل ذلك في صلاتك كلها ( وفى رواية للبخارى ( إذا قمت إلى الصلاة فإسبغ ~~الوضوء ثم إستقبل القبلة فكبر وإقرأ بما تيسر معك من القرآن ثم إركع حتى ~~تطمئن راكعا ثم إرفع رأسك حتى تعتدل قائما ثم إسجد حتى تطمئن ساجدا ثم إرفع ~~حتى تستوى وتطمئن جالسا ثم إسجد حتى تطمئن ساجدا PageV22P527 ثم إرفع حتى ~~تستوى قائما ثم إفعل ذلك في صلاتك كلها ( # وفى رواية له ( ثم إركع حتى تطمئن راكعا ثم إرفع حتى تستوى قائما ( ~~وباقيه مثله وفى رواية وإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك وما انتقصت من هذا ~~فإنما إنتقصته من صلاتك # وعن رفاعة بن رافع رضى الله عنه ( أن رجلا دخل المسجد فذكر الحديث وقال ~~فيه فقال النبى صلى الله عليه وسلم إنه لاتتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ ~~فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ويحمد الله عز وجل ويثنى عليه ويقرأ بما شاء من ~~القرآن ثم يقول الله أكبر ثم يركع حتى يطمئن راكعا ثم يقول الله اكبر ثم ~~يرفع رأسه حتى يستوى قائما ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا ثم يقول الله أكبر ثم ~~يرفع رأسه حتى يستوى قاعدا ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم ~~يرفع رأسه فيكبر فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته ( وفى رواية ( إنها لا تتم ~~صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله عز وجل فيغسل وجهه ويديه إلى ~~المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله ويحمده ثم يقرأ من ~~القرآن ما أذن له وتيسر وذكر نحو اللفظ الأول وقال ثم يكبر فيسجد فيمكن ~~وجهه وربما قال جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخى PageV22P528 ثم ~~يكبر فيستوى قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى ~~فرغ ثم قال لا تتم صلاة ms6825 لأحدكم حتى يفعل ذلك ( رواه أهل السنن أبوداود ~~والنسائى وإبن ماجه والترمذى وقال حديث حسن والروايتان لفظ أبى داود # وفى رواية ثالثة له ( قال إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر ثم إقرأ بأم ~~القرآن وبما شاء الله أن تقرأ فإذا ركعت فضع راحتك على ركبتيك وإمدد ظهرك ~~وقال إذا سجدت فمكن لسجودك فإذا رفعت فإقعد على فخذك اليسرى ( وفى رواية ~~أخرى قال ( إذا أنت قمت في صلاتك فكبر الله عز وجل ثم إقرأ ما تيسر عليك من ~~القرآن ( وقال فيه ( فإذا جلست في وسط الصلاة فإطمئن وإفترش فخذك اليسرى ثم ~~تشهد ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك ) وفى رواية أخرى ( قال فتوضا ~~كما أمرك الله ثم تشهد فأتم ثم كبر فإن كان معك قرآن فإقرأ به وإلا فإحمد ~~الله عز وجل وكبره وهلله ( وقال فيه ( وإن إنتقصت منه شيئا إنتقصت من صلاتك ~~( # فالنبى أمر ذلك المسىء في صلاته بأن يعيد الصلاة وامر الله ورسوله إذا ~~أطلق كان مقتضاه الوجوب وأمره PageV22P529 إذا قام إلى الصلاة بالطمأنينة ~~كما أمره بالركوع والسجود وأمره المطلق على الإيجاب # وأيضا قال له ( فإنك لم تصل ( فنفى أن يكون عمله الأول صلاة والعمل لا ~~يكون منفيا إلا إذا إنتفى شيء من واجباته فأما إذا فعل كما أوجبه الله عز ~~وجل فإنه لا يصح نفيه لإنتفاء شيء من المستحبات التى ليست بواجبة # وأما ما يقوله بعض الناس إن هذا نفى للكمال كقوله ( لا صلاة لجار المسجد ~~إلا في المسجد ( فيقال له نعم هو لنفى الكمال لكن لنفى كمال الواجبات أو ~~لنفى كمال المستحبات فأما الأول فحق وأما الثانى فباطل لا يوجد مثل ذلك في ~~كلام الله عز وجل ولا في كلام رسوله قط وليس بحق فإن الشيء إذا كملت ~~واجباته فكيف يصح نفيه # وأيضا فلو جاز لجاز نفى صلاة عامة الأولين والآخرين لأن كمال المستحبات ~~من أندرالأمور # وعلى هذا فما جاء من نفى الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لإنتفاء بعض ~~واجباته كقوله تعالى @QB@ فلا ms6826 وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ PageV22P530 وقوله ~~تعالى @QB@ ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ~~ذلك وما أولئك بالمؤمنين @QE@ وقوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا @QE@ الآية ( وقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ~~@QE@ الآية ( ونظائر ذلك كثيرة # ومن ذلك قوله ( لا إيمان لمن لا أمانه له ( و ( لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب ( ولا صلاة إلا بوضوء ( # وأما قوله ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ( فهذا اللفظ قد قيل إنه ~~لا يحفظ عن النبى وذكر عبدالحق الأشبيلى أنه رواه بإسناد كلهم ثقات وبكل ~~حال فهو مأثور عن على رضى الله عنه ولكن نظيره في السنن عن النبى أنه قال ( ~~من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له ( # ولا ريب أن هذا يقتضى أن إجابة المؤذن المنادى والصلاة في جماعة من ~~الواجبات كما ثبت في الصحيح أن إبن أم مكتوم قال PageV22P531 ( يا رسول ~~الله إنى رجل شاسع الدار ولى قائد لا يلائمنى فهل تجد لى رخصة أن أصلى في ~~بيتى قال هل تسمع النداء قال نعم قال ما اجد لك رخصة ( لكن إذا ترك هذا ~~الواجب فهل يعاقب عليه ويثاب على ما فعله من الصلاة أم يقال إن الصلاة ~~باطلة عليه إعادتها كأنه لم يفعلها هذا فيه نزاع بين العلماء وعلى هذا قوله ~~( إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك وما إنتقصت من هذا فإنما إنتقصت من صلاتك ( # فقد بين أن الكمال الذى نفى هو هذا التمام الذى ذكره النبى صلى الله عليه ~~وسلم فإن التارك لبعض ذلك قد إنتقص من صلاته بعض ما اوجبه الله فيها وكذلك ~~قوله في الحديث الآخر ( فإذا فعل هذا فقد تمت صلاته ( # ويؤيد هذا أنه أمره بأن يعيد الصلاة ولو كان المتروك مستحبا لم يأمره ~~بالإعادة ولهذا يؤمر مثل هذا المسىء ms6827 بالإعادة كما أمر النبى هذا لكن لو لم ~~يعد وفعلها ناقصة فهل يقال إن وجودها كعدمها بحيث يعاقب على تركها أو يقال ~~إنه يثاب على ما فعله ويعاقب على ما تركه بحيث يجبر ما تركه من الواجبات ~~بما فعله من التطوع هذا فيه نزاع والثانى أظهر لما روى أبو داود وإبن ماجه ~~عن أنس بن حكيم الضبى قال ( خاف PageV22P532 رجل من زياد أو إبن زياد فأتى ~~المدينة فلقى أبا هريرة رضى الله عنه قال فنسبنى فإنتسبت له فقال يا فتى ~~ألا أحدثك حديثا قال قلت بلى يرحمك الله قال يونس فأحسبه ذكره عن النبى قال ~~إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة قال يقول ربنا عز ~~وجل لملائكته وهو أعلم إنظروا في صلاة عبدى أتمها أم نقصها فإن كانت تامة ~~كتبت له تامة وإن كان إنتقص منها شيئا قال إنظروا هل لعبدى من تطوع فإن كان ~~له تطوع قال أتموها من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم ( وفى لفظ عن أبى ~~هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن أول ما ~~يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن ~~فسدت فقد خاب وخسر فإن إنتقص من فريضته شيئا قال الرب إنظروا هل لعبدى من ~~تطوع فكمل به ما إنتقص من الفريضة ثم يكون سائر أعماله على هذا ( رواه ~~الترمذى وقال حديث حسن # وروى أيضا أبو داود وإبن ماجه عن تميم الدارى رضى الله عنه عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم بهذا المعنى قال ( ثم الزكاة مثل ذلك ثم تؤخذ الأعمال على ~~حسب ذلك ( # وأيضا فعن ابى مسعود البدرى رضى الله عنه قال قال رسول PageV22P533 الله ~~( لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود ( رواه أهل السنن ~~الأربعة وقال الترمذى حديث حسن صحيح فهذا صريح في انه لا تجزئ الصلاة حتى ~~يعتدل الرجل من الركوع وينتصب من السجود فهذا يدل على إيجاب الإعتدال في ms6828 ~~الركوع والسجود # وهذه المسألة وإن لم تكن هي مسألة الطمأنينة فهي تناسبها وتلازمها وذلك ~~أن هذا الحديث نص صريح في وجوب الإعتدال فإذا وجب الإعتدال لإتمام الركوع ~~والسجود فالطمأنينة فيهما أوجب وذلك أن قوله ( يقيم ظهره في الركوع والسجود ~~( أى عند رفعه رأسه منهما فإن إقامة الظهر تكون من تمام الركوع والسجود ~~لأنه إذا ركع كان الركوع من حين ينحنى إلى أن يعود فيعتدل ويكون السجود من ~~حين الخروج من القيام أو القعود إلى حين يعود فيعتدل فالخفض والرفع هما ~~طرفا الركوع والسجود وتمامهما فلهذا قال ( يقيم صلبه في الركوع والسجود ( # ويبين ذلك أن وجوب هذا من الإعتدالين كوجوب إتمام الركوع والسجود وهذا ~~كقوله في الحديث المتقدم ( ثم يكبر فيسجد PageV22P534 فيمكن وجهه حتى تطمئن ~~مفاصله وتسترخى ثم يكبر فيستوى قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه ( فأخبر أن ~~إقامة الصلب في الرفع من السجود لا في حال الخفض # والحديثان المتقدمان بين فيهما وجوب هذين الإعتدالين ووجوب الطمأنينة لكن ~~قال في الركوع والسجود والقعود ( حتى تطمئن راكعا وحتى تطمئن ساجدا وحتى ~~تطمئن جالسا ( وقال في الرفع من الركوع ( حتى تعتدل قائما وحتى تستوى قائما ~~( لأن القائم يعتدل ويستوى وذلك مستلزم للطمأنينة # وأما الراكع والساجد فليسا منتصبين وذلك الجالس لا يوصف بتمام الإعتدال ~~والإستواء فإنه قد يكون فيه إنحناء إما إلى أحد الشقين ولا سيما عند التورك ~~وإما إلى أمامه لأن أعضاءه التى يجلس عليها منحنية غير مستوية ومعتدلة مع ~~أنه قد روى إبن ماجه أنه قال في الرفع من الركوع ( حتى تطمئن قائما ( # وعن على بن شيبان الحنفى قال ( خرجنا حتى قدمنا على رسول الله فبايعناه ~~وصلينا خلفه فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلاته يعنى صلبه في الركوع ~~والسجود فلما قضى النبى الصلاة قال يا معشر المسلمين لا صلاة PageV22P535 ~~لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ( رواه الإمام أحمد وإبن ماجه وفى ~~رواية للإمام أحمد أن رسول الله قال ( لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه ~~بين ركوعه وسجوده ( # وهذا يبين ms6829 أن إقامة الصلب هي الإعتدال في الركوع كما بيناه وإن كان طائفة ~~من العلماء من اصحابنا وغيرهم فسروا ذلك بنفس الطمأنينة وإحتجوا بهذا ~~الحديث على ذلك وحده لا على الإعتدالين وعلى ما ذكرناه فإنه يدل عليهما # وروى الإمام أحمد في المسند عن أبى قتادة رضى الله عنه قال قال رسول الله ~~( أسوأ الناس سرقة الذى يسرق من صلاته قالوا يا رسول الله كيف يسرق من ~~صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها ( أو قال ( لا يقيم صلبه في الركوع ~~والسجود ( وهذا التردد في اللفظ ظاهره أن المعنى المقصود من اللفظين واحد ~~وإنما شك في اللفظ كما في نظائر ذلك # وأيضا فعن عبد الرحمن بن شبل رضى الله عنه قال ( نهى رسول الله عن نقر ~~الغراب وإفتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير ( ~~أخرجه أبو داود والنسائى وبن ماجة وإنما PageV22P536 # جمع بين الأفعال الثلاثة وإن كانت مختلفة الأجناس لأنه يجمعها مشابهة ~~البهائم في الصلاة فنهى عن مشابهة فعل الغراب وعما يشبه فعل السبع وعما ~~يشبه فعل البعير وإن كان نقر الغراب أشد من ذينك الأمرين لما فيه من أحاديث ~~أخر وفى الصحيحين عن قتادة عن أنس رضى الله عنه عن النبى قال ( إعتدلوا في ~~الركوع والسجود ولا يبسطن أحدكم ذراعيه إنبساط الكلب ( لاسيما وقد بين في ~~حديث آخر ( أنه من صلاة المنافقين والله تعالى أخبر في كتابه أنه لن يقبل ~~عمل المنافقين # فروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( تلك صلاة المنافق يمهل حتى إذا كانت الشمس بين قرنى شيطان قام فنقر أربعا ~~لا يذكر الله فيها إلا قليلا ( فأخبر أن المنافق يضيع وقت الصلاة المفروضة ~~ويضيع فعلها وينقرها فدل ذلك على ذم هذا وهذا وإن كان كلاهما تاركا للواجب # وذلك حجة واضحة في أن نقر الصلاة غير جائز وأنه من فعل من فيه نفاق ~~والنفاق كله حرام وهذا الحديث حجة مستقلة بنفسها وهو مفسر لحديث قبله وقال ms6830 ~~الله تعالى @QB@ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا @QE@ وهذا وعيد ~~شديد لمن ينقر في صلاته PageV22P537 فلا يتم ركوعه وسجوده بالإعتدال ~~والطمأنينة # والمثل الذى ضربه النبى من أحسن الأمثال فإن الصلاة قوت القلوب كما أن ~~الغذاء قوت الجسد فإذا كان الجسد لا يتغذى باليسير من الأكل فالقلب لا ~~يقتات بالنقر في الصلاة بل لا بد من صلاة تامة تقيت القلوب # وأما ما يرويه طوائف من العامة أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ( رأى رجلا ~~ينقر في صلاته فنهاه عن ذلك فقال لو نقر الخطاب من هذه نقرة لم يدخل النار ~~فسكت عنه عمر ( فهذا لا أصل له ولم يذكره أحد من أهل العلم فيما بلغنى لا ~~في الصحيح ولا في الضعيف والكذب ظاهر عليه فإن المنافقين قد نقروا أكثر من ~~ذلك وهم في الدرك الأسفل من النار # وأيضا فعن أبى عبد الله الأشعرى الشامى قال ( صلى رسول الله بأصحابه ثم ~~جلس في طائفة منهم فدخل رجل فقام يصلى فجعل يركع وينقر في سجوده ورسول الله ~~ينظر إليه فقال ترون هذا لو مات مات على غير ملة محمد ينقر صلاته كما ينقر ~~الغراب الرمة إنما مثل الذى يصلى ولا يتم ركوعه وينقر في سجوده كالجائع لا ~~يأكل إلا تمرة أو تمرتين PageV22P538 لا تغنيان عنه شيئا فأسبغوا الوضوء ~~ويل للأعقاب من النار وأتموا الركوع والسجود ( قال أبوصالح فقلت لأبى عبد ~~الله الأشعرى من حدثك بهذا الحديث قال أمراء الأجناد خالد بن الوليد وعمرو ~~إبن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبى سفيان كل هؤلاء يقولون سمعت رسول ~~الله رواه أبوبكر بن خزيمة في صحيحه بكماله وروى إبن ماجه بعضه # وأيضا ففى صحيح البخارى عن أبى وائل عن زيد بن وهب ( أن حذيفة بن اليمان ~~رضى الله عنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده فلما قضى صلاته دعاه وقال له ~~حذيفة ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة ms6831 التى فطر الله عليها محمدا ولفظ ~~أبى وائل ( ما صليت وأحسبه قال لو مت مت على غير سنة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ( # وهذا الذى لم يتم صلاته إنما ترك الطمأنينة أو ترك الإعتدال أو ترك ~~كلاهما فإنه لا بد أن يكون قد ترك بعض ذلك إذ نقر الغراب والفصل بين ~~السجدتين بحد السيف والهبوط من الركوع إلى السجود لا يمكن أن ينقص منه مع ~~الإتيان بما قد يقال إنه ركوع أو سجود وهذا الرجل كان يأتي بما قد يقال له ~~ركوع وسجود لكنه لم يتمه ومع هذا قال له حذيفة ( ما صليت ( فنفى عنه الصلاة ~~ثم قال لو PageV22P539 ( مت مت على غير الفطرة التى فطر الله عليها محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وعلى غير السنة ( وكلاهما المراد به هنا الدين والشريعة ~~ليس المراد به فعل المستحبات فإن هذا لا يوجب هذا الذم والتهديد فلا يكاد ~~أحد يموت على كل ما فعله النبى من المستحبات # ولأن لفظ ( الفطرة والسنة ( في كلامهم هو الدين والشريعة وإن كان بعض ~~الناس إصطلحوا على أن لفظ ( السنة ( يراد به ماليس بفرض إذ قد يراد بها ذلك ~~كما في قوله ( إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه ( فهي تتناول ~~ما سنة من الواجبات أعظم مما سنة من التطوعات كما في الصحيح عن إبن مسعود ~~رضى الله عنه قال ( إن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإن هذه الصلوات في جماعة ~~من سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته ~~لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها ~~إلا منافق معلوم النفاق ( ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بسنتى وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ # ولأن الله سبحانه وتعالى أمر في كتابه بإقامة الصلاة وذم المصلين الساهين ~~عنها المضيعين لها فقال تعالى في غير موضع ( وأقيموا PageV22P540 الصلاة ( ~~وإقامتها تتضمن إتمامها بحسب الإمكان كما سيأتى في حديث أنس بن مالك ms6832 رضى ~~الله عنه قال ( أقيموا الركوع والسجود فإنى أراكم من بعد ظهرى ( وفى رواية ~~( أتموا الركوع والسجود ( وسيأتى تقرير دلالة ذلك # والدليل على ذلك من القرآن أنه سبحانه وتعالى قال @QB@ وإذا ضربتم في ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ~~@QE@ # فأباح الله القصر من عددها والقصر من صفتها ولهذا علقه بشرطين السفر ~~والخوف فالسفر يبيح قصر العدد فقط كما قال النبى ( إن الله وضع عن المسافر ~~الصوم وشطر الصلاة ( ولهذا كانت سنة رسول الله المتواترة عنه التى إتفقت ~~الأمة على نقلها عنه ( أنه كان يصلى الرباعية في السفر ركعتين ( ولم يصلها ~~في السفر أربعا قط ولا أبو بكر ولا عمر رضى الله عنهما لا في الحج ولا في ~~العمرة ولا في الجهاد والخوف يبيح قصر صفتها كما قال الله في تمام الكلام ~~@QB@ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم @QE@ فذكر صلاة الخوف وهى صلاة ذات الرقاع إذ ~~كان العدو في جهة القبلة وكان فيها PageV22P541 ( أنهم كانوا يصلون خلفه ~~فإذا قام إلى الثانية فارقوه وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية ثم ذهبوا إلى ~~مصاف أصحابهم ( كما قال @QB@ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم @QE@ فجعل ~~السجود لهم خاصة فعلم أنهم يفعلونه منفردين ثم قال ( ولتأت طائفة أخرى لم ~~يصلوا فليصلوا معك ( فعلم أنهم يفعلونه # وفى هذه الصلاة تفريق المأمومين ومفارقة الأولين للإمام وقيام الآخرين ~~قبل سلام الإمام ويتمون لأنفسهم ركعة ثم قال تعالى @QB@ فإذا قضيتم الصلاة ~~فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة @QE@ ~~فأمرهم بعد الأمن بإقامة الصلاة وذلك يتضمن الإتمام وترك القصر منها الذى ~~أباحه الخوف والسفر فعلم أن الأمر بالإقامة يتضمن الأمر بإتمامها بحسب ~~الإمكان وأما قوله في صلاة الخوف @QB@ فأقمت لهم الصلاة @QE@ فتلك اقامة ~~وإتمام في حال الخوف كما أن الركعتين في السفر إقامة وإتمام كما ثبت في ~~الصحيح عن عمر بن ms6833 الخطاب رضى الله عنه قال صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ~~ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ( وهذا يبين ما ~~رواه مسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~إقصار الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله عز وجل PageV22P542 @QB@ إن خفتم ~~أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ وقد ذهب ذلك اليوم فقال عجبت مما عجبت منه ~~فذكرت ذلك لرسول الله فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فإقبلوا صدقته ( فإن ~~المتعجب ظن أن القصر مطلقا مشروط بعدم الأمن فبينت السنة أن القصر نوعان كل ~~نوع له شرط # وثبتت السنة أن الصلاة مشروعة في السفر تامة لأنه بذلك أمر الناس ليست ~~مقصورة في الأجر والثواب وإن كانت مقصورة في الصفة والعمل إذ المصلى يؤمر ~~بالإطالة تارة ويؤمر بالإقتصار تارة # وأيضا فإن الله تعالى قال ( فإذا إطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت ~~على المؤمنين كتابا موقوتا ( والموقوت قد فسره السلف بالمفروض وفسروه بماله ~~وقت والمفروض هو المقدر المحدد فإن التوقيت والتقدير والتحديد والفرض ألفاظ ~~متقاربة وذلك يوجب أن الصلاة مقدرة محددة مفروضة موقوتة وذلك في زمانها ~~وأفعالها وكما أن زمانها محدود فأفعالها أولى أن تكون محدودة موقوتة وهو ~~يتناول تقدير عددها بأن جعله خمسا وجعل بعضها أربعا في الحضر وإثنتين في ~~السفر وبعضها ثلاثا وبعضها إثنتين في الحضر والسفر وتقدير عملها أيضا ولهذا ~~يجوز عند العذر الجمع المتضمن لنوع من التقديم والتأخير في الزمان كما يجوز ~~أيضا القصر من عددها PageV22P543 ومن صفتها بحسب ما جاءت به الشريعة وذلك ~~أيضا مقدر عند العذر كما هو مقدر عند غير العذر ولهذا فليس للجامع بين ~~الصلاتين أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل أو صلاة الليل إلى النهار وصلاتى ~~النهار الظهر والعصر وصلاتى الليل المغرب والعشاء وكذلك اصحاب الأعذار ~~الذين ينقصون من عددها وصفتها وهو موقوت محدود ولا بد أن تكون الأفعال ~~محدودة الإبتداء والإنتهاء فالقيام محدود بالإنتصاب بحيث لو خرج عن حد ~~المنتصب إلى حد المنحنى الراكع بإختياره لم ms6834 يكن قد أتى بحد القيام # ومن المعلوم أن ذكر القيام الذى هو القراءة أفضل من ذكر الركوع والسجود ~~ولكن نفس عمل الركوع والسجود أفضل من عمل القيام ولهذا كان عبادة بنفسه ولم ~~يصح في شرعنا إلا لله بوجه من الوجوه وغير ذلك من ألأدلة المذكورة في غير ~~هذا الموضع # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن هذه الأفعال مقدرة محدودة بقدر التمكن منها ~~فالساجد عليه أن يصل إلى الأرض وهو غاية التمكن ليس له غاية دون ذلك إلا ~~لعذر وهو من حين انحنائه أخذ في السجود سواء سجد من قيام أو من قعود فينبغى ~~أن يكون إبتداء السجود مقدرا بذلك بحيث يسجد من قيام أو قعود لا ~~PageV22P544 يكون سجوده من إنحناء فإن ذلك يمنع كونه مقدرا محدودا بحسب ~~الإمكان ومتى وجب ذلك وجب الإعتدال في الركوع وبين السجدتين # وأيضا ففى ذلك إتمام الركوع والسجود # وأيضا فأفعال الصلاة إذا كانت مقدرة وجب أن يكون لها قدر وذلك هو ~~الطمأنينة فإن من نقر نقر الغراب لم يكن لفعله قدر أصلا فإن قدر الشيء ~~ومقداره فيه زيادة على أصل وجوده ولهذا يقال للشيء الدائم ليس له قدر فإن ~~القدر لا يكون لأدنى حركة بل لحركة ذات إمتداد # وأيضا فإن الله عز وجل أمرنا بإقامتها والإقامة أن تجعل قائمة والشىء ~~القائم هو المستقيم المعتدل فلا بد أن تكون أفعال الصلاة مستقرة معتدلة ~~وذلك إنما يكون بثبوت أبعاضها وإستقرارها وهذا يتضمن الطمأنينة فإن من نقر ~~نقر الغراب لم يقم السجود ولا يتم سجوده إذا لم يثبت ولم يستقر وكذلك ~~الراكع # يبين ذلك ما جاء في الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضى الله عنهما قال ~~قال رسول الله ( سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ( وأخرجاه من ~~حديث PageV22P545 عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله ( أتموا الصفوف فإنى أراكم من خلف ظهرى ( وفى لفظ ( أقيموا ~~الصفوف ( وروى البخارى من حديث حميد عن أنس قال أقيمت الصلاة ms6835 فأقبل علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإنى أراكم من ~~وراء ظهرى وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وبدنه ببدنه ( # فإذا كان تقويم الصف وتعديله من تمامها وإقامتها بحيث لو خرجوا عن ~~الإستواء والإعتدال بالكلية حتى يكون رأس هذا عند النصف الأسفل من هذا لم ~~يكونوا مصطفين ولكانوا يؤمرون بالإعادة وهم بذلك أولى من الذى صلى خلف الصف ~~وحده فأمره النبى أن يعيد صلاته فكيف بتقويم أفعالها وتعديلها بحيث لا يقيم ~~صلبه في الركوع والسجود # ويدل على ذلك وهو دليل مستقل في المسألة ما اخرجاه في الصحيحين عن شعبة ~~عن قتادة عن أنس رضى الله عنه عن النبى قال أقيموا الركوع والسجود فوالله ~~إنى لأراكم من بعدى وفى رواية من بعد ظهرى إذا ركعتم وسجدتم ( وفى رواية ~~للبخارى عن همام عن قتادة عن أنس رضى الله عنه أنه سمع النبى يقول ( أتموا ~~الركوع PageV22P546 والسجود فوالذى نفسى بيده اني لأراكم من بعد ظهرى إذا ~~ما ركعتم وإذا ما سجدتم ( ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائى وإبن أبى ~~عروبة عن قتادة عن أنس رضى الله عنه أن نبى الله قال ( أتموا الركوع ~~والسجود ولفظ إبن أبي عروبة أقيموا الركوع والسجود فإنى أراكم وذكره ( # فهذا يبين أن إقامة الركوع والسجود توجب إتمامهما كما في اللفظ الآخر # وأيضا فأمره لهم بإقامة الركوع والسجود يتضمن السكون فيهما إذ من المعلوم ~~أنهم كانوا يأتون بالإنحناء في الجملة بل الأمر بالإقامة يقتضى أيضا ~~الإعتدال فيهما وإتمام طرفيهما وفى هذا رد على من زعم أنه لا يجب الرفع ~~فيهما وذلك أن هذا أمر للمأمومين خلفه ومن المعلوم أنه لم يكن يمكنهم ~~الإنصراف قبله وأيضا فقوله تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين @QE@ أمر بالقنوت في القيام لله والقنوت دوام الطاعة لله ~~عز وجل سواء كان في حال الإنتصاب أو في حال السجود كما قال تعالى @QB@ أم ~~من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فالصالحات ms6836 قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله @QE@ PageV22P547 ~~وقال @QB@ ومن يقنت منكن لله ورسوله @QE@ وقال @QB@ وله من في السماوات ~~والأرض كل له قانتون @QE@ # فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى @QB@ وقوموا لله قانتين @QE@ إما أن يكون ~~أمرا بإقامة الصلاة مطلقا كما في قوله @QB@ كونوا قوامين بالقسط @QE@ فيعم ~~أفعالها ويقتضى الدوام في أفعالها وإما أن يكون المراد به القيام المخالف ~~للقعود فهذا يعم ما قبل الركوع وما بعده ويقتضى الطول وهو القنوت المتضمن ~~للدعاء كقنوت النوازل وقنوت الفجر عند من يستحب المداومة عليه # وإذا ثبت وجوب هذا ثبت وجوب الطمأنينة في سائر الأفعال بطريق الأولى # ويقوى الوجه الأول حديث زيد بن أرقم الذى في الصحيحين عنه قال ( كان ~~أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه إلى الصلاة فنزلت @QB@ وقوموا لله قانتين @QE@ ~~قال فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام حيث أخبر أنهم كانوا يتكلمون في ~~الصلاة ومعلوم أن السكوت عن خطاب الآدميين واجب في جميع الصلاة فإقتضى ذلك ~~الأمر بالقنوت في جميع الصلاة ودل الأمر بالقنوت على السكوت عن مخاطبة ~~الناس لأن القنوت هو دوام الطاعة فالمشتغل بمخاطبة العباد تارك للإشتغال ~~PageV22P548 بالصلاة التى هي عبادة الله وطاعته فلا يكون مداوما على طاعته ~~ولهذا قال النبى لما سلم عليه ولم يرد بعد أن كان يرد ( أن في الصلاة لشغلا ~~( فأخبر أن في الصلاة ما يشغل المصلى عن مخاطبة الناس وهذا هو القنوت فيها ~~وهو دوام الطاعة ولهذا جاز عند جمهور العلماء تنبيه الناسى بما هو مشروع ~~فيها من القراءة والتسبيح لأن ذلك لا يشغله عنها ولا ينافى القنوت فيها # وأيضا فإنه سبحانه قال ( إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا ~~سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ( فأخبر أنه لا يكون مؤمنا إلا من ~~سجد إذا ذكر بالآيات وسبح بحمد ربه # ومعلوم أن قراءة القرآن في الصلاة هي تذكير بالآيات ولذلك وجب السجود مع ~~ذلك وقد أوجب خرورهم سجدا وأوجب تسبيحهم بحمد ربهم وذلك يقتضى وجوب التسبيح ~~في السجود وهذا يقتضى وجوب الطمأنينة ولهذا قال طائفة من العلماء ms6837 من أصحاب ~~أحمد وغيرهم إن مقدار الطمأنينة الواجبة مقدار التسبيح الواجب عندهم # والثانى أن الخرور هو السقوط والوقوع وهذا إنما يقال فيما يثبت ويسكن لا ~~فيما لا يوجد منه سكون على الأرض ولهذا قال PageV22P549 الله فإذا وجبت ~~جنوبها والوجوب في الأصل هو الثبوت والإستقرار # وأيضا فعن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال ( لما نزلت @QB@ فسبح باسم ربك ~~العظيم @QE@ قال رسول الله ( إجعلوها في ركوعكم ولما نزلت @QB@ سبح اسم ربك ~~الأعلى @QE@ قال إجعلوها في سجودكم ( رواه أبو داود وإبن ماجه فأمر النبى ~~صلى الله عليه وسلم بجعل هذين التسبيحين في الركوع والسجود وأمره على ~~الوجوب وذلك يقتضى وجوب ركوع وسجود تبعا لهذا التسبيح وذلك هو الطمأنينة # ثم إن من الفقهاء من قد يقول التسبيح ليس بواجب وهذا القول يخالف ظاهر ~~الكتاب والسنة فإن ظاهرهما يدل على وجوب الفعل والقول جميعا فإذا دل دليل ~~على عدم وجوب القول لم يمنع وجوب الفعل # وأما من يقول بوجوب التسبيح فيستدل لذلك بقوله تعالى @QB@ وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل الغروب @QE@ وهذا أمر بالصلاة كلها كما ثبت في ~~الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلى رضى الله عنه قال ( كنا جلوسا عند ~~النبى إذ نظر PageV22P550 إلى القمر ليلة البدر فقال إنكم سترون ربكم كما ~~ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته فإن إستطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها فإفعلوا ثم قرأ ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل الغروب # ) # وإذا كان الله عز وجل قد سمى الصلاة تسبيحا فقد دل ذلك على وجوب التسبيح ~~كما أنه لما سماها قياما في قوله تعالى @QB@ قم الليل إلا قليلا @QE@ دل ~~على وجوب القيام وكذلك لما سماها قرآنا في قوله تعالى @QB@ وقرآن الفجر ~~@QE@ دل على وجوب القرآن فيها ولما سماها ركوعا وسجودا في مواضع دل على ~~وجوب الركوع والسجود فيها # وذلك أن تسميتها بهذه الأفعال دليل على أن هذه الأفعال لازمة لها فاذا ~~وجدت هذه الأفعال فتكون من الأبعاض اللازمة كما أنهم ms6838 يسمون الإنسان بإبعاضه ~~اللآزمة له فيسمونه رقبة ورأسا ووجها ونحو ذلك كما في قوله تعالى ( @QB@ ~~فتحرير رقبة @QE@ ولو جاز وجود الصلاة بدون التسبيح لكان الأمر بالتسبيح لا ~~يصلح ان يكون أمرا بالصلاة فإن اللفظ حينئذ لا يكون دالا على معناه ولا على ~~ما يستلزم معناه # وأيضا فإن الله عز وجل ذم عموم الإنسان وإستثنى المصلين الذين هم على ~~صلاتهم دائمون قال تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا ~~وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون @QE@ ~~PageV22P551 والسلف من الصحابة ومن بعدهم قد فسروا الدائم على الصلاة ~~بالمحافظ على أوقاتها وبالدائم على أفعالها بالإقبال عليها والآية تعم هذا ~~وهذا فإنه قال ( على صلاتهم دائمون ( والدائم على الفعل هو المديم له الذى ~~يفعله دائما فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرقة وهو أن يفعله كل ~~يوم بحيث لا يفعله تارة ويتركه أخرى وسمى ذلك دواما عليه فالدوام على الفعل ~~الواحد المتصل أولى أن يكون دواما وأن تتناول الآية ذلك وذلك يدل على وجوب ~~إدامة أفعالها لأن الله عز وجل ذم عموم الإنسان وإستثنى المداوم على هذه ~~الصفة فتارك إدامة أفعالها يكون مذموما من الشارع والشارع لا يذم إلا على ~~ترك واجب أو فعل محرم # وأيضا فإنه سبحانه وتعالى قال @QB@ إلا المصلين الذين هم على صلاتهم ~~دائمون @QE@ فدل ذلك على أن المصلى قد يكون دائما على صلاته وقد لا يكون ~~دائما عليها وأن المصلى الذي ليس بدائم مذموم وهذا يوجب ذم من لا يديم ~~أفعالها المتصلة والمنفصلة واذا وجب دوام أفعالها فذلك هو نفس الطمأنينة ~~فإنه يدل على وجوب ادامة الركوع والسجود وغيرهما ولو كان المجزىء أقل مما ~~ذكر من الخفض وهو نقر الغراب لم يكن ذلك دواما ولم يجب الدوام على الركوع ~~PageV22P552 والسجود وهما اصل أفعال الصلاة # فعلم أنه كما تجب الصلاة يجب الدوام عليها المتضمن للطمأنينة والسكينة في ~~أفعالها # وأيضا فقد قال الله تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين @QE@ # وهذا يقتضى ذم ms6839 غير الخاشعين كقوله تعالى @QB@ وما جعلنا القبلة التي كنت ~~عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا ~~على الذين هدى الله @QE@ وقوله تعالى @QB@ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~@QE@ # فقد دل كتاب الله عز وجل على من كبر عليه ما يحبه الله وأنه مذموم بذلك ~~في الدين مسخوط منه ذلك والذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم ~~وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع # فمن المعلوم أن الخشوع المذكور في قوله تعالى @QB@ وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين @QE@ لابد أن يتضمن الخشوع في الصلاة فإنه لو كان المراد الخشوع ~~خارج الصلاة لفسد المعنى إذ لو قيل إن الصلاة PageV22P553 لكبيرة إلا على ~~من خشع خارجها ولم يخشع فيها كان يقتضى أنها لا تكبر على من لم يخشع فيها ~~وتكبر على من خشع فيها وقد إنتفى مدلول الآية فثبت أن الخشوع واجب في ~~الصلاة # ويدل على وجوب الخشوع فيها ايضا قوله تعالى @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين ~~هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون ~~والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون @QE@ أخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء هم الذين يرثون ~~فردوس الجنة وذلك يقتضى أنه لا يرثها غيرهم وقد دل هذا على وجوب هذه الخصال ~~إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها لأن الجنة تنال ~~بفعل الواجبات دون المستحبات ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب ~~وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعا # ومنه حديث عمر رضى الله عنه حيث رأى رجلا يعبث في صلاته فقال ( لو خشع ~~قلب هذا لخشعت جوارحه ( أى لسكنت PageV22P554 وخضعت # وقال تعالى @QB@ ومن آياته أنك ترى ms6840 الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت @QE@ فأخبر أنها بعد الخشوع تهتز والإهتزاز حركة وتربو والربو ~~الإرتفاع فعلم أن الخشوع فيه سكون وإنخفاض ولهذا كان النبى يقول في حال ~~ركوعه ( اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعى وبصرى ومخى وعقلى ~~وعصبى ( رواه مسلم في صحيحه فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع لأن الراكع ~~ساكن متواضع وبذلك فسرت الآية ففى التفسير المشهور الذى يقال له تفسير ~~الوالبى عن على بن أبى طلحة عن إبن عباس رضى الله عنهما وقد رواه المصنفون ~~في التفسير كأبى بكر بن المنذر ومحمد بن جرير الطبرى وغيرهما من حديث أبى ~~صالح عبد الله بن صالح عن معاوية بن أبى صالح عن على بن أبى طلحة عن إبن ~~عباس قوله تعالى @QB@ في صلاتهم خاشعون @QE@ يقول خائفون ساكنون ورووا في ~~التفاسير المسندة كتفسير إبن المنذر وغيره من حديث سفيان الثورى عن منصور ~~عن مجاهد ( خاشعون ( قال ( السكون فيها ( قال وكذلك قال الزهري ومن حديث ~~هشام عن مغيرة عن إبراهيم النخعى قال الخشوع في القلب وقال ساكنون قال ~~الضحاك الخشوع الرهبة لله وروى PageV22P555 عن الحسن خائفون وروى إبن ~~المنذر من حديث أبى عبد الرحمن المقبرى حدثنا المسعودى حدثنا أبو سنان أنه ~~قال في هذه الآية @QB@ الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ قال الخشوع في القلب ~~وأن يلين كنفه للمرء المسلم وأن لا تلتفت في صلاتك # وفى تفسير إبن المنذر أيضا ما في تفسير إسحاق بن راهوية عن روح حدثنا ~~سعيد عن قتادة ( الذين هم في صلاتهم خاشعون ( قال الخشوع في القلب والخوف ~~وغض البصر في الصلاة وعن ابى عبيدة معمر بن المثنى في كتابه ( مختار القرآن ~~( في صلاتهم خاشعون ( أى لا تطمح أبصارهم ولا يلتفتون وقد روى الإمام أحمد ~~في ( كتاب الناسخ والمنسوخ ( من حديث إبن سيرين ورواه إسحاق بن راهوية في ~~التفسير وإبن المنذر أيضا في التفسير الذى له رواه من حديث الثورى حدثنى ~~خالد عن إبن سيرين قال ( كان النبى صلى الله عليه وسلم ms6841 يرفع بصره إلى ~~السماء فأمر بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده ( أى محل سجوده قال سفيان وحدثنى ~~غيره عن إبن سيرين ( أن هذه الآية نزلت في ذلك ( قد أفلح المؤمنون الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون ( قال هو سكون المرء في صلاته قال معمر وقال الحسن ( ~~خائفون ( وقال قتادة ( الخشوع في القلب ( ومنه خشوع البصر وخفضه وسكونه ضد ~~تقليبه في الجهات كقوله تعالى @QB@ فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر ~~خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول ~~الكافرون هذا يوم عسر @QE@ PageV22P556 وقوله تعالى @QB@ يوم يخرجون من ~~الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم ~~الذي كانوا يوعدون @QE@ وفى القراءة الأخرى ( خشعا أبصارهم ( وفى هاتين ~~الآيتين وصف أجسادهم بالحركة السريعة حيث لم يصف بالخشوع إلا أبصارهم بخلاف ~~آية الصلاة فإنه وصف بالخشوع جملة المصلين بقوله تعالى ( الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون ( وقوله تعالى ( وانها لكبيرة إلا على الخاشعين ( وقال تعالى ~~( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ~~ذلة ( # ومن ذلك خشوع الأصوات كقوله تعالى @QB@ وخشعت الأصوات للرحمن @QE@ وهو ~~إنخفاضها وسكونها وقال تعالى @QB@ وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل ~~إلى مرد من سبيل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى ~~من عين آنية @QE@ وهذا يكون يوم القيامة وهذا هو الصواب من القولين بلا ريب ~~PageV22P557 كما قال في القسم الآخر @QB@ وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في ~~جنة عالية @QE@ وقال تعالى @QB@ ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا ~~صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين @QE@ # وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا وهو متضمن للسكون والخشوع فمن نقر نقر ~~الغراب لم يخشع في سجوده وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ~~ينخفض لم يسكن لأن السكون هو الطمأنينة بعينها فمن لم يطمئن لم يسكن ومن ms6842 لم ~~يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده ومن لم يخشع كان آثما عاصيا وهو الذى ~~بيناه # ويدل على وجوب الخشوع في الصلاة أن النبى توعد تاركيه كالذى يرفع بصره ~~إلى السماء فإنه حركته ورفعه وهو ضد حال الخاشع فعن أنس بن مالك رضى الله ~~عنه قال قال رسول الله ( ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم فإشتد قوله ~~في ذلك فقال لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم ( وعن جابر بن سمرة قال ( دخل ~~رسول الله المسجد وفيه ناس يصلون رافعى أبصارهم إلى السماء فقال لينتهين ~~رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء أو لا ترجع إليهم أبصارهم PageV22P558 ~~الأول في البخارى والثانى في مسلم وكلاهما في سنن أبى داود والنسائى وإبن ~~ماجه # وقال محمد بن سيرين كان رسول الله يرفع بصره في الصلاة فلما نزلت هذه ~~الآية @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ لم يكن يجاوز ~~بصره موضع سجوده رواه الإمام أحمد في ( كتاب الناسخ والمنسوخ ( فلما كان ~~رفع البصر إلى السماء ينافى الخشوع حرمه النبى صلى الله عليه وسلم وتوعد ~~عليه # وأما الإلتفات لغير حاجة فهو ينقص الخشوع ولا ينافيه فلهذا كان ينقص ~~الصلاة كما روى البخارى وابو داود والنسائى عن عائشة رضى الله عنها قالت ~~سألت رسول الله عن التفات الرجل في الصلاة فقال ( هو إختلاس يختلسه الشيطان ~~من صلاة العبد ( وروى أبو داود والنسائى عن ابى الأحوص عن أبى ذر رضى الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الله مقبلا على العبد ~~وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا إلتفت إنصرف عنه ( # وأما لحاجة فلا بأس به كما روى أبوداود عن سهل بن الحنظلية قال ( ثوب ~~بالصلاة يعنى صلاة الصبح فجعل رسول الله صلى PageV22P559 الله عليه وسلم ~~يصلى وهو يلتفت إلى الشعب ( قال أبو داود ( وكان أرسل فارسا إلى الشعب من ~~الليل يحرس ( وهذا كحمله أمامة بنت أبى العاص بن الربيع من زينب بنت رسول ~~الله وفتحه الباب لعائشة ونزوله من ms6843 المنبر لما صلى بهم يعلمهم وتأخره في ~~صلاة الكسوف وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن يقطع صلاته وأمره بقتل ~~الحية والعقرب في الصلاة وأمره برد المار بين يدى المصلى ومقاتلته وأمره ~~النساء بالتصفيق وإشارته في الصلاة وغير ذلك من الأفعال التى تفعل لحاجة ~~ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث المنافى للخشوع المنهى عنه في الصلاة # ويدل على ذلك أيضا ما رواه تميم الطائى عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال ~~( دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس رافعوا أيديهم قال الراوى ~~وهو زهير بن معاوية وأراه قال في الصلاة فقال مالى أراكم رافعى أيديكم ~~كانها أذناب خيل شمس إسكنوا في الصلاة ( رواه مسلم وأبوداود والنسائى ورووا ~~أيضا عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال ( كنا إذا ~~صلينا خلف رسول الله فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره فلما ~~صلى قال ما بال أحدكم يومئ بيده كأنها أذناب خيل شمس إنما يكفى أحدكم ~~PageV22P560 أو ألا يكفى أحدكم ان يقول هكذا وأشار بإصبعه يسلم على أخيه من ~~عن يمينه ومن عن شماله ( وفى رواية قال ( أما يكفى أحدكم أو أحدهم أن يضع ~~يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله ( ولفظ مسلم ( ~~صلينا مع رسول الله وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا السلام عليكم فنظر إلينا ~~رسول الله فقال ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إذا سلم أحدكم ~~فليلتفت إلى صاحبه ولا يؤمى بيده ( # فقد أمر رسول الله بالسكون في الصلاة وهذا يقتضى السكون فيها كلها ~~والسكون لا يكون إلا بالطمأنينة فمن لم يطمئن لم يسكن فيها وأمره بالسكون ~~فيها موافق لما أمر الله تعالى به من الخشوع فيها واحق الناس بإتباع هذا هم ~~أهل الحديث # ومن ظن أن نهيه عن رفع الأيدى هو النهى عن رفعها إلى منكبه حين الركوع ~~وحين الرفع منه وحمله على ذلك فقد غلط فإن الحديث جاء مفسرا ms6844 بأنهم كانوا ~~إذا سلموا في الصلاة سلام التحليل أشاروا بأيديهم إلى المسلم عليهم من عن ~~اليمين ومن عن الشمال # ويبين ذلك قوله ( مالى أراكم رافعى أيديكم كأنها أذناب خيل PageV22P561 ~~شمس و ( الشمس ( جمع شموس وهوالذى تقول له العامة الشموص وهو الذى يحرك ~~ذنبه ذات اليمين وذات الشمال وهى حركة لا سكون فيها # وأما رفع الأيدى عند الركوع وعند الرفع بمثل رفعها عند الإستفتاح فذلك ~~مشروع بإتفاق المسلمين فكيف يكون الحديث نهيا عنه # وقوله ( إسكنوا في الصلاة ( يتضمن ذلك ولهذا صلى بعض الأئمة الذين لم ~~يكونوا يرون هذا الرفع إلى جنب عبد الله بن المبارك فرفع إبن المبارك يديه ~~فقال له ( أتريد أن تطير ( فقال ( إن كنت اطير في أول مرة فأنا أطير في ~~الثانية وإلا فلا ( وهذا نقض لما ذكره من المعنى # وأيضا فقد تواترت السنن عن النبى وأصحابه بهذا الرفع فلا يكون نهيا عنه ~~ولا يكون ذلك الحديث معارضا بل لو قد تعارضا فأحاديث هذا الرفع كثيرة ~~متواترة ويجب تقديمها على الخبر الواحد لو عارضها وهذا الرفع فيه سكون ~~فقوله ( إسكنوا في الصلاة ( لا ينافى هذا الرفع كرفع الإستفتاح وكسائر ~~أفعال الصلاة بل قوله ( إسكنوا ( يقتضى السكون في كل PageV22P562 بعض من ~~أبعاض الصلاة وذلك يقتضى وجوب السكون في الركوع والسجود والإعتدالين # فبين هذا أن السكون مشروع في جميع أفعال الصلاة بحسب الإمكان ولهذا يسكن ~~فيها في الإنتقالات التى منتهاها إلى الحركة فإن السكون فيها يكون بحركة ~~معتدلة لا سريعة كما أمر النبى في المشى إليها وهى حركة إليها فكيف بالحركة ~~فيها فقال ( إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها وعليكم السكينة فما ~~أدركتم فصلوا وما فاتكم فإقضوا ( # وهذا أيضا دليل مستقل في المسألة فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال سمعت ~~رسول الله يقول ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون وعليكم ~~السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فإقضوا ( رواه البخارى ومسلم وأبو داود ~~وإبن ماجه قال أبو داود وكذلك قال الترمذى وإبن أبى ذئب وإبراهيم بن سعد ms6845 ~~ومعمر وشعيب بن أبى حمزة عن الزهري ( وما فاتكم فأتموا ( وقال إبن عيينة عن ~~الزهري فإقضوا ( قال محمد بن عمر عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه ~~وجعفر بن أبى ربيعة عن الأعرج عن أبى هريرة ( فأتموا ( وإبن مسعود عن النبى ~~( فأتموا ( وروى أبوداود عن أبى PageV22P563 هريرة عن النبى قال ( إئتوا ~~الصلاة وعليكم السكينة فصلوا ما أدركتم وإقضوا ما سبقكم ( قال أبوداود وكذا ~~قال إبن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه ( وليقض ( وكذلك قال أبورافع عن ~~أبى هريرة وأبوذر رضى الله عنه روى عنه ( فأتموا وإقضوا ( إختلف عنه # فإذا كان النبى قد أمر بالسكينة حال الذهاب إلى الصلاة ونهى عن السعى ~~الذى هو إسراع في ذلك لكونه سببا للصلاة فالصلاة أحق أن يؤمر فيها بالسكينة ~~وينهى فيها عن الإستعجال فعلم أن الراكع والساجد مأمور بالسكينة منهى عن ~~الإستعجال بطريق الأولى والأحرى لا سيما وقد أمره بالسكينة بعد سماع ~~الإقامة الذى يوجب عليه الذهاب إليها ونهاه أن يشتغل عنها بصلاة تطوع وإن ~~أفضى ذلك إلى فوات بعض الصلاة فأمره بالسكينة وأن يصلى ما فاته منفردا بعد ~~سلام الإمام وجعل ذلك مقدما على الإسراع إليها وهذا يقتضى شدة النهى عن ~~الإستعجال إليها فكيف فيها # يبين ذلك ما روى أبو داود عن أبى ثمامة الحناط عن كعب بن عجرة قال إن ~~رسول الله قال ( إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا ~~يشبكن يديه فإنه في صلاة ( فقد نهاه في مشيه إلى الصلاة عما PageV22P564 ~~نهاه عنه في الصلاة من الكلام والعمل له منفردا فكيف يكون حال المصلى نفسه ~~في ذلك المشى وغير ذلك فإذا كان منهيا عن السرعة والعجلة في المشى مأمورا ~~بالسكينة وإن فاته بعض الصلاة مع الإمام حتى يصلى قاضيا له فأولى أن يكون ~~مأمورا بالسكينة فيها # ويدل على ذلك أن الله عز وجل أمر في كتابه بالسكينة والقصد في الحركة ~~والمشى مطلقا فقال ( وإقصد في مشيك وإغضض من صوتك وقال تعالى @QB@ وعباد ~~الرحمن الذين ms6846 يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما @QE@ ~~قال الحسن وغيره ( بسكينة ووقار ( فأخبر أن عباد الرحمن هم هؤلاء فإذا كان ~~مأمورا بالسكينة والوقار في الأفعال العادية التى هي من جنس الحركة فكيف ~~الأفعال العبادية ثم كيف بما هو فيها من جنس السكون كالركوع والسجود فإن ~~هذه الأدلة تقتضى السكينة في الإنتقال كالرفع والخفض والنهوض والإنحطاط ~~وأما نفس الأفعال التى هي المقصود بالإنتقال كالركوع نفسه والسجود نفسه ~~والقيام والقعود أنفسهما وهذه هي من نفسها سكون فمن لم يسكن فيها لم يأت ~~بها وانما هو بمنزلة من اهوى إلى القعود ولم يأت به كمن مد يده إلى الطعام ~~ولم يأكل منه أو وضعه على فيه ولم يطعمه # وأيضا فإن الله تعالى أوجب الركوع والسجود في الكتاب PageV22P565 والسنة ~~وهو واجب بالإجماع لقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ~~خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون @QE@ وقوله تعالى @QB@ واسجد واقترب @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب @QE@ # فدل على أن الذى لا يسجد لله من الناس قد حق عليه العذاب وقوله @QB@ ومن ~~الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا @QE@ وقوله تعالى @QB@ فسبح بحمد ربك وكن ~~من الساجدين @QE@ وقوله تعالى @QB@ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون @QE@ # وإذا كان الله عز وجل قد فرض الركوع والسجود لله في كتابه كما فرض أصل ~~الصلاة فالنبى هو المبين للناس ما نزل إليهم وسنته تفسر الكتاب وتبينه وتدل ~~عليه وتعبر عنه PageV22P566 وفعله إذا خرج إمتثالا لأمر أو تفسيرا ms6847 لمجمل ~~كان حكمه حكم ما إمتثله وفسره وهذا كما أنه لما كان يأتى في كل ركعة بركوع ~~واحد وسجودين كان كلاهما واجبا وكان هذا إمتثالا منه لما أمر الله به من ~~الركوع والسجود وتفسيرا لما أجمل ذكره في القرآن وكذلك المرجع إلى سنته في ~~كيفية السجود وقد كان يصلى الفريضة والنافلة والناس يصلون على عهده ولم يصل ~~قط إلا بالإعتدال عن الركوع والسجود وبالطمأنينة في أفعال الصلاة كلها قد ~~نقل ذلك كل من نقل صلاة الفريضة والنافلة والناس يصلون على عهده ولم يصل قط ~~إلا بالإعتدال عن الركوع والسجود وبالطمأنينة وكذلك كانت صلاة أصحابه على ~~عهده وهذا يقتضى وجوب السكون والطمأنينة في هذه الأفعال كما يقتضى وجوب ~~عددها وهو سجودان مع كل ركوع # وأيضا فإن مداومته على ذلك في كل صلاة كل يوم مع كثرة الصلوات من أقوى ~~الأدلة على وجوب ذلك إذ لو كان غير واجب لتركه ولو مرة ليبين الجواز أو ~~ليبين جواز تركه بقوله فلما لم يبين لا بقوله ولا بفعله جواز ترك ذلك مع ~~مداومته عليه كان ذلك دليلا على وجوبه # وأيضا فقد ثبت عنه في صحيح البخارى PageV22P567 أنه قال لمالك بن الحويرث ~~وصاحبه ( إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وصلوا كما ~~رأيتمونى أصلى ( فأمرهم أن يصلوا كما رأوه يصلى # وذلك يقتضى أنه يجب على الإمام أن يصلى بالناس كما كان النبى صلى الله ~~عليه وسلم يصلى لهم ولا معارض لذلك ولا مخصص فإن الإمام يجب عليه مالا يجب ~~على المأموم والمنفرد # وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن سهل بن سعد أنه قال ~~( لقد رأيت رسول الله قام على المنبر وكبر وكبر الناس معه وراءه وهو على ~~المنبر ثم رجع فنزل القهقري حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر ~~صلاته ثم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بى ~~ولتعلموا صلاتى ( وفى سنن أبى داود والنسائى عن سالم البراد قال ( أتينا ~~عقبة ms6848 بن عامر الأنصارى أبا مسعود فقلنا له حدثنا عن صلاة رسول الله فقام ~~بين أيدينا في المسجد فكبر فلما ركع وضع يديه على ركبتيه وجعل أصابعه أسفل ~~من ذلك وجافى بين مرفقيه حتى إستقر كل شيء منه ثم قال سمع الله لمن حمده ~~فقام حتى إستقر كل شيء منه ثم كبر وسجد ووضع كفيه على الأرض ثم جافى بين ~~مرفقيه حتى إستقر كل شيء PageV22P568 منه ثم رفع رأسه فجلس حتى إستقر كل ~~شيء منه ففعل ذلك أيضا ثم صلى أربع ركعات مثل هذه الركعة فصلى صلاته ثم قال ~~هكذا رأينا رسول الله يصلى ( # وهذا إجماع الصحابة رضى الله عنهم فإنهم كانوا لا يصلون إلا مطمئنين وإذا ~~رأى بعضهم من لا يطمئن أنكر عليه ونهاه ولا ينكر واحد منهم على المنكر لذلك ~~وهذا إجماع منهم على وجوب السكون والطمأنينة في الصلاة قولا وفعلا ولو كان ~~ذلك غير واجب لكانوا يتركونه أحيانا كما كانوا يتركون ماليس بواجب # وأيضا فإن الركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه ~~وحين وضع وجهه على الأرض فأما مجرد الخفض والرفع عنه فلا يسمى ذلك ركوعا ~~ولا سجودا ومن سماه ركوعا وسجودا فقد غلط على اللغة فهو مطالب بدليل من ~~اللغة على أن هذا يسمى راكعا وساجدا حتى يكون فاعله ممتثلا للأمر وحتى يقال ~~إن هذا الأمر المطالب به يحصل الإمتثال فيه بفعل ما يتناوله الإسم فإن هذا ~~لا يصح حتى يعلم أن مجرد هذا يسمى في اللغة ركوعا وسجودا وهذا مما لا سبيل ~~إليه ولا دليل عليه فقائل ذلك قائل بغير علم في كتاب الله وفى لغة العرب ~~وإذا حصل الشك هل هذا ساجد أو ليس بساجد لم يكن ممتثلا بإلاتفاق لأن الوجوب ~~معلوم وفعل PageV22P569 الواجب ليس بمعلوم كمن يتيقن وجوب صلاة أو زكاة ~~عليه ويشك في فعلها # وهذا أصل ينبغى معرفته فإنه يحسم مادة المنازع الذى يقول إن هذا يسمى ~~ساجدا وراكعا في اللغة فإنه قال بلا علم ولا حجة وإذا ms6849 طولب بالدليل إنقطع ~~وكانت الحجة لمن يقول ما نعلم براءة ذمته إلا بالسجود والركوع المعروفين # ثم يقال لو وجد إستعمال لفظ ( الركوع والسجود ( في لغة العرب بمجرد ~~ملاقاة الوجه للأرض بلا طمأنينة لكان المعفر خده ساجدا ولكان الراغم أنفه ~~وهو الذى لصق أنفه بالرغام وهو التراب ساجدا لا سيما عند المنازع الذى يقول ~~يحصل السجود بوضع الأنف دون الجبهة من غير طمأنينة فيكون نقر الأرض بالأنف ~~سجودا ومعلوم أن هذا ليس من لغة القوم كما أنه ليس من لغتهم تسمية نقرة ~~الغراب ونحوها سجودا ولو كان ذلك كذلك لكان يقال للذى يضع وجهه على الأرض ~~ليمص شيئا على الأرض أو يعضه أو ينقله ونحو ذلك ساجدا # وأيضا فإن الله أوجب المحافظة والإدامة على الصلاة وذم إضاعتها والسهو ~~عنها فقال في أول سورة المؤمنين @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين ~~هم على صلواتهم يحافظون @QE@ PageV22P570 وقد سبق بيان أن هذه الخصال واجبة ~~وكذلك في سورة سأل سائل قال ( @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر ~~جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين ~~في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم ~~من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون والذين هم لفروجهم حافظون إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم ~~قائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون @QE@ فذم الإنسان كله إلا ما إستثناه ~~فمن لم يكن متصفا بما إستثناه كان مذموما كما في قوله تعالى @QB@ والعصر إن ~~الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر @QE@ وقال تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ms6850 واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ وقال تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون @QE@ وقال تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين @QE@ PageV22P571 وهذه الآيات تقتضى ذم من ترك شيئا من ~~واجبات الصلاة وإن كان في الظاهر مصليا مثل أن يترك الوقت الواجب أو يترك ~~تكميل الشرائط والأركان من الأعمال الظاهرة والباطنة وبذلك فسرها السلف ففى ~~تفسير عبد بن حميد وذكره عن إبن المنذر في تفسيره من حديث عبد حدثنا روح عن ~~سعيد عن قتادة @QB@ والذين هم على صلواتهم يحافظون @QE@ على وضوئها ~~ومواقيتها وركوعها وروى أبوبكر بن المنذر في تفسيره من حديث أبى عبد الرحمن ~~عن عبد الله قال قيل لعبد الله إن الله أكثر ذكر الصلاة في القرآن @QB@ ~~الذين هم على صلاتهم دائمون @QE@ و @QB@ الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ و ~~@QB@ والذين هم على صلاتهم يحافظون @QE@ فقال عبد الله ذلك على مواقيتها ~~فقالوا ما كنا نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن إلا الترك قال تركها كفر وروى ~~سعيد بن منصور حدثنا أبومعاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق في قول الله ~~@QB@ والذين هم على صلاتهم يحافظون @QE@ قال على مواقيتها فقالوا ما كنا ~~نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن إلا الترك قال تركها كفر وروى من حديث سعيد بن ~~أبى مريم @QB@ الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ بتضييع ميقاتها وروى عن أبى ~~ثور عن إبن جريج في قوله @QB@ والذين هم على صلواتهم يحافظون @QE@ المكتوبة ~~والتى في سأل سائل التطوع وهذا قول ضعيف PageV22P572 ### ||| فصل # ( # وأما القدر المشروع للإمام فهي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في ~~صحيح البخارى عن أبى قلابة عن مالك بن الحويرث أنه قال إذا حضرت الصلاة ~~فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ثم صلوا كما رأيتمونى أصلى ( # وأما ( القيام ( ففى صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ( ان النبى كان يقرأ في ~~الفجر ب ( ق والقرآن المجيد ( ونحوها وكانت صلاته بعد إلى تخفيف ( أى يجعل ~~صلاته بعد الفجر خفيفة كما في صحيح مسلم أيضا عنه قال كان رسول ms6851 الله يقرأ ~~في الظهر بالليل إذا يغشى وفى العصر نحو ذلك وفى الصبح أطول من ذلك وفى ~~الصحيحين عن أبى برزة الأسلمى قال ( كان رسول الله يصلى الهجير التى ~~تدعونها الأولى لحين تدحض الشمس ويصلى العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحلة في ~~أقصى المدينة والشمس حية قال الراوى ونسيت ما قال في المغرب وكان يستحب أن ~~يؤخر العشاء التى تدعونها العتمة PageV22P573 وكان يكره النوم قبلها ~~والحديث بعدها وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه وكان يقرأ ~~فيها بالستين إلى المائة ( # وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال ( حزرنا قيام رسول الله في الظهر ~~والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأولتين من الظهر قدر ثلاثين آية قدر ( ~~ألم السجدة ( وحزرنا قيامه في الأولتين من العصر على قدر الآخرتين من الظهر ~~وحزرنا قيامه في الآخرتين من العصر على النصف من ذلك ( رواه مسلم وأبو داود ~~والنسائى وفى الصحيحين وغيرهما عن جابر بن سمرة قال قال عمر لسعد بن أبى ~~وقاص لقد شكاك الناس في كل شيء حتى في الصلاة قال أما أنا فأمد في الأوليين ~~وأحذف في الأخريين ولا آلو ما إقتديت به من صلاة رسول الله قال ذاك الظن بك ~~يا أبا إسحاق وفى صحيح مسلم أيضا عن أبى سعيد رضى الله عنه قال ( لقد كانت ~~صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضى حاجته ثم يتوضأ ثم يأتى ~~ورسول الله في الركعة الأولى مما يطيلها ( وفى صحيح مسلم أيضا عن أبى وائل ~~قال خطبنا عمار بن ياسر يوما فأوجز وأبلغ فقلنا يا أبا اليقظان لقد أبلغت ~~وأوجزت فلو كنت تنفست فقال إنى سمعت رسول الله يقول إن طول صلاة الرجل وقصر ~~PageV22P574 خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وإقصروا الخطبة وإن من ~~البيان سحرا ( # وفى صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال ( كنت أصلى مع النبى ~~الصلوات فكانت صلاته قصدا ( أى وسطا # وفعله الذى سنة لأمته هو من التخفيف الذى أمر به الأئمة إذ التخفيف من ms6852 ~~الأمور الإضافية فالمرجع في مقداره إلى السنة وذلك كما خرجاه في الصحيحين ~~عن جابر رضى الله عنه قال ( كان معاذ يصلى مع النبى ثم يرجع فيؤمنا وقال ~~مرة ثم يرجع فيصلى بقومه فأخبر النبى وقال مرة العشاء فصلى معاذ مع النبى ~~ثم جاء يؤم قومه فقرأ البقرة فإعتزل رجل من القوم فصلى فقيل نافقت فقال ما ~~نافقت فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال إن معاذا يصلى معك ثم يرجع ~~فيؤمنا يا رسول الله إنما نحن أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا وأنه جاء يؤمنا ~~فقرأ سورة البقرة فقال أفتان أنت يا معاذ اقرأ بكذا اقرأ بكذا قال ~~أبوالزبير @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ @QB@ والليل إذا يغشى @QE@ وفى ~~رواية للبخارى عن جابر رضى الله عنه قال ( أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل ~~فوافق معاذا PageV22P575 يصلى وذكر نحوه فقال في آخره فلولا صليت بسبح إسم ~~ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى فإنه يصلى وراءك الضعيف والكبير ~~وذو الحاجة ( وفى الصحيحين عن إبن مسعود رضى الله عنه قال ( جاء رجل إلى ~~رسول الله فقال إنى لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا فما ~~رأيت رسول الله غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ قال أيها الناس إن منكم ~~منفرين فأيكم أم الناس فليوجز فإن وراءه الكبير والضعيف وذا الحاجة ( وفى ~~رواية ( فإن فيهم الضعيف والكبير ( وفى رواية ( فليخفف فإن فيهم المريض ~~والضعيف وذا الحاجة ( # وفى صحيح البخارى من حديث أبى قتادة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( إنى لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبى فأتجوز ~~كراهية أن أشق على أمه ( # وأما ( مقدار بقية الأركان مع القيام ( فقد أخرجاه في الصحيحين عن شريك ~~بن عبد الله بن ابى نمر عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال ( ما صليت وراء ~~إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبى صلى الله عليه وسلم وفى رواية عن ~~شريك عنه ( وإن كان ليسمع بكاء الصبى فيخفف ms6853 مخافة أن تفتتن أمه ( وأخرجا ~~فيهما من حديث PageV22P576 عبد العزيز بن صهيب عن انس بن مالك رضى الله عنه ~~قال ( كان النبى يوجز الصلاة ويكملها ( وفى لفظ ( يوجز الصلاة ويتم ( # واخرجا أيضا عن أبى قتادة عن أنس رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( إنى لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبى ~~فأتجوز من صلاتى مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه ( رواه مسلم من حديث ~~ثابت عن أنس رضى الله عنه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ~~بكاء الصبى مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة ~~( # وروى مسلم أيضا عن أنس رضى الله عنه قال ( ما صليت خلف أحد أوجز صلاة ولا ~~أتم من رسول الله وكانت صلاته متقاربة وصلاة أبى بكر متقاربة فلما كان عمر ~~رضى الله عنه مد في صلاة الصبح ( وعن قتادة عن انس رضى الله عنه ( أن رسول ~~الله كان من أخف الناس صلاة في تمام ( # فقول أنس رضى الله عنه ( ما صليت وراء إمام قط أخف ولا أتم صلاة من رسول ~~الله ( يريد أنه كان أخف PageV22P577 الأئمة صلاة واتم الأئمة صلاة وهذا ~~لإعتدال صلاته وتناسبها كما في اللفظ الآخر ( وكانت صلاته معتدلة وفي اللفظ ~~الآخر وكانت صلاته متقاربة ( لتخفيف قيامها وقعودها وتكون أتم صلاة لإطالة ~~ركوعها وسجودها ولو أراد أن يكون نفس الفعل الواحد كالقيام هو أخف وهو أتم ~~لناقض ذلك ولهذا بين التخفيف الذى كان يفعله إذا بكى الصبى وهو قراءة سورة ~~قصيرة وبين أن عمر بن الخطاب مد في صلاة الصبح وإنما مد في القراءة فإن عمر ~~رضى الله عنه كان يقرأ في الفجر بسورة يونس وسورة هود وسورة يوسف # والذى يبين ذلك ما رواه أبو داود في سننه عن انس بن مالك رضى الله عنه ~~قال ( ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله في تمام وكان رسول الله إذا ~~قال سمع الله لمن حمده قام ms6854 حتى نقول ( قد أوهم ثم يكبر ويسجد وكان يقعد بين ~~السجدتين حتى نقول قد أوهم ( كما اخرجا في الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت ~~عن انس قال ( إنى لا آلو أن اصلى بكم كما كان رسول الله يصلى بنا ( قال ~~ثابت ( فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع ~~إنتصب قائما حتى يقول القائل قد نسى ( وللبخارى من حديث PageV22P578 شعبة ~~عن ثابت قال قال أنس رضى الله عنه ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( وكان يصلى فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسى ( # فهذه أحاديث أنس الصحيحة تصرح أن صلاة النبى التى كان يوجزها ويكملها ~~والتى كانت أخف الصلاة وأتمها أنه كان يقوم فيها من الركوع حتى يقول القائل ~~أنه قد نسى ويقعد بين السجدتين حتى يقول القائل قد نسى وإذا كان في هذا ~~يفعل ذلك فمن المعلوم بإتفاق المسلمين والسنة المتواترة أن الركوع والسجود ~~لا ينقصان عن هذين الإعتدالين بل كثير من العلماء يقول لا يشرع ولا يجوز أن ~~يجعل هذين الإعتدالين بقدر الركوع والسجود بل ينقصان عن الركوع والسجود # وفى الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم قال ( غلب على الكوفة رجل قد سماه ~~زمن إبن الأشعث وسماه غندر في رواية مطر بن ناجية فأمر أبا عبيدة بن عبد ~~الله أن يصلى بالناس فكان يصلى فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول ~~اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل ~~الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد ( قال الحكم فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن أبى PageV22P579 ليلى قال سمعت ~~البراء بن عازب يقول ( كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه ~~وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء ~~قال شعبة فذكرته لعمرو إبن مرة فقال ( قد رأيت عبد الرحمن بن أبى ليلى فلم ms6855 ~~تكن صلاته هكذا ( ولفظ مطر عن شعبة ( كان ركوع النبى وسجوده وبين السجدتين ~~وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء ( وهو في ~~الصحيح والسنن من حديث هلال بن أبى حميد عن بن أبى ليلى عن البراء بن عازب ~~قال ( رمقت الصلاة مع محمد فوجدت قيامه فركوعه فإعتداله بعد ركوعه فسجدته ~~فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والإنصراف قريبا من ~~السواء ( # ويشهد لهذا ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله ~~عنه أن رسول الله ( كان يقول حين يرفع رأسه من الركوع سمع الله لمن حمده ~~اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل ~~الثناء والمجد احق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما اعطيت ولا معطى ~~لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( # وقوله ( أحق ما قال العبد ( هكذا هو في الحديث وهو PageV22P580 خبر مبتدا ~~محذوف وأما ما ذكره بعض المصنفين من الفقهاء والصوفية من قوله ( حق ما قال ~~العبد ( فهو تحريف بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث والسنة ليس له اصل في ~~الأثر ومعناه أيضا فاسد فإن العبد يقول الحق والباطل وأما الرب سبحانه ~~وتعالى فهو يقول الحق ويهدى السبيل كما قال تعالى @QB@ فالحق والحق أقول ~~@QE@ # وايضا فليست الصلاة مبنية إلا على الثناء على الله عز وجل # وروى مسلم وغيره عن عطاء عن إبن عباس رضى الله عنهما ( أن النبى كان إذا ~~رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ~~ما بينهما وملء ماشئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا ~~لك عبد لا مانع لما اعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( # وروى مسلم وغيره عن عبد الله بن ابى أوفى قال ( كان رسول الله إذا رفع ~~رأسه من الركوع يقول سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات ~~وملء الأرض ms6856 وملء ما شئت من شيء بعد ( وفى رواية أخرى لمسلم زاد بعد هذا أنه ~~PageV22P581 كان يقول ( اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الدنس ( # فإن قيل فإذا كانت هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى إتفق ~~الصحابة رضى الله عنهم على نقلها عنه وقد نقلها أهل الصحاح والسنن ~~والمسانيد من هذه الوجوه وغيرها والصلاة عمود الدين فكيف خفى ذلك على طائفة ~~من فقهاء العراق وغيرهم حتى لم يجعلوا الإعتدال من الركوع والقعود بين ~~السجدتين من ألافعال المقاربة للركوع والسجود ولا إستحبوا في ذلك ذكرا أكثر ~~من التحميد بقول ( ربنا لك الحمد ( حتى إن بعض المتفقهة قال إذا طال ذلك ~~طولا كثيرا بطلت صلاته ( # قيل سبب ذلك وغيره أن الذى مضت به السنة أن الصلاة يصليها بالمسلمين ~~الأمراء وولاة الحرب فوالى الجهاد كان هو أمير الصلاة على عهد النبى ~~وخلفائه الراشدين وما بعد ذلك إلى أثناء دوله بنى العباس والخليفة هو الذى ~~يصلى بالناس الصلوات الخمس والجمعة لا يعرف المسلمون غير ذلك وقد أخبر ~~النبى بما سيكون بعده من تغير الأمراء حتى قال ( سيكون من بعدى أمراء ~~يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها وإجعلوا صلاتكم معهم نافلة ( ~~فكان من هؤلاء من يؤخرها PageV22P582 عن وقتها حتى يضيع الوقت المشروع فيها ~~كما أن بعضهم كان لا يتم التكبير أى لا يجهر بالتكبير في إنتقالات الركوع ~~وغيره ومنهم من لا يتم الإعتدالين وكان هذا يشيع في الناس فيربو في ذلك ~~الصغير ويهرم فيه الكبير حتى إن كثيرا من خاصة الناس لا يظن السنة إلا ذلك ~~فإذا جاء أمراء أحيوا السنة عرف ذلك كما رواه البخارى في صحيحه عن قتادة عن ~~عكرمة قال ( صليت خلف شيخ بمكة فكبر إثنتين وعشرين تكبيرة فقلت لإبن عباس ~~إنه لأحمق فقال ثكلتك أمك سنة أبى القاسم ( # وفى رواية ابى بشر عن عكرمة قال ( رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ~~ورفع وإذا قام وإذا وضع فأخبرت إبن عباس فقال أو ليس تلك ms6857 صلاة رسول الله لا ~~أم لك ( وهذا يعنى به أن ذلك الإمام كان يجهر بالتكبير فكان الأئمة الذين ~~يصلى خلفهم عكرمة لا يفعلون ذلك وإبن عباس لم يكن إماما حتى يعرف ذلك منه ~~فأنكر ذلك عكرمة حتى أخبره إبن عباس وأما نفس التكبير فلم يكن يشتبه أمره ~~على أحد وهذا كما أن عامة الأئمة المتأخرين لا يجهرون بالتكبير بل يفعل ذلك ~~المؤذن ونحوه فيظن أكثر الناس أن هذه هي السنة # ولا خلاف PageV22P583 بين اهل العلم أن هذه ليست هي السنة بل هم متفقون ~~على ما ثبت عندهم بالتواتر عن النبى أن المؤذن وغيره من المأمومين لا ~~يجهرون بالتكبير دائما كما أن بلالا لم يكن يجهر بذلك خلف النبى لكن إذا ~~إحتيج إلى ذلك لضعف صوت الإمام أو بعد المكان فهذا قد إحتجوا لجوازه بأن ~~أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان يسمع الناس التكبير خلف النبى في مرضه حتى ~~تنازع الفقهاء في جهر المأموم لغير حاجة هل يبطل صلاته أم لا # ومثل ذلك ما أخرجاه في الصحيحين والسنن عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ~~قال ( صليت خلف على بن أبى طالب أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبر وإذا ~~رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر فلما قضى الصلاة أخذ عمران بن حصين ~~بيدي فقال قد ذكرنى هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم أو قال لقد صلى بنا ~~صلاة محمد ( ولهذا لما جهر بالتكبير سمعه عمران ومطرف كما سمعه غيرهما # ومثل هذا ما في الصحيحين والسنن أيضا عن ابى هريرة رضى الله عنه ( أنه ~~كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها يكبر PageV22P584 حين يقوم ثم يكبر ~~حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يقوم من الجلوس من الثنتين ~~يفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ثم يقول حين ينصرف والذى نفسى بيده ~~إنى لأقربكم شبها بصلاة رسول الله إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا ) # وهذا كان يفعله أبوهريرة رضى ms6858 الله عنه لما كان أميرا على المدينة فإن ~~معاوية كان يعاقب بينه وبين مروان بن الحكم في إمارة المدينة فيولى هذا ~~تارة ويولى هذا تارة وكان مروان يستخلف وكان أبوهريرة يصلى بهم بما هو اشبه ~~بصلاة رسول الله من صلاة مروان وغيره من امراء المدينة # وقوله ( في المكتوبة وغيرها ( يعنى ما كان من النوافل مثل قيام رمضان كما ~~أخرجه البخارى من حديث الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبى ~~سلمة ( أن أبا هريرة رضى الله عنه كان يكبر في صلاة من المكتوبة وغيرها في ~~رمضان وغيره فيكبر حين يقوم ويكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده ثم ~~يقول ربنا لك الحمد ( # وذكر نحوه وكان الناس قد إعتادوا ما يفعله غيره فلم يعرفوا ذلك حتى سألوه ~~كما رواه مسلم من حديث يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة PageV22P585 أن أبا ~~هريرة رضى الله عنه كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع فقلت يا أبا هريرة ما ~~هذا التكبير قال أنها لصلاة رسول الله وهذا كله معناه جهر الإمام بالتكبير ~~ولهذا كانوا يسمونه إتمام التكبير لما فيه من إتمامه برفع الصوت وفعله في ~~كل خفض ورفع # يبين ذلك أن البخارى ذكر في ( باب التكبير عند النهوض من الركعتين ( قال ~~وكان إبن الزبير يكبر في نهضته ثم روى البخارى من حديث فليح بن سليمان عن ~~سعيد بن الحارث قال ( صلى لنا أبوسعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من ~~السجود وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين وقال هكذا رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( ثم أردفه البخارى بحديث مطرف قال ( صليت أنا وعمران ~~بن حصين خلف على بن أبى طالب رضى الله عنه فكان إذا سجد كبر وإذا رفع كبر ~~وإذا نهض من الركعتين كبر فلما سلم أخذ عمران بن حصين بيدي فقال لقد صلى ~~بنا هذا صلاة محمد أو قال لقد ذكرنى هذا صلاة محمد # فهذا يبين أن الكلام إنما هو في الجهر بالتكبير وأما ms6859 اصل التكبير فلم يكن ~~مما يخفى على أحد وليس هذا أيضا مما يجهل PageV22P586 هل يفعله الإمام أم ~~لا يفعله ( فلا يصح لهم نفيه عن الأئمة كما لا يصح نفى القراءة في صلاة ~~المخافتة ونفى التسبيح في الركوع والسجود ونفى القراءة في الركعتين ~~الآخرتين ونحو ذلك # ولهذا إستدل بعض من كان لا يتم التكبير ولا يجهر به بما روى عن سعيد بن ~~عبد الرحمن بن ابزى عن أبيه أنه صلى مع رسول الله وكان لا يتم التكبير ( ~~رواه أبو داود والبخارى في التاريخ الكبير وقد حكى أبوداود الطيالسى أنه ~~قال هذا عندنا باطل وهذا إن كان محفوظا فلعل إبن ابزى صلى خلف النبى صلى ~~الله عليه وسلم في مؤخر المسجد وكان النبى صوته ضعيفا فلم يسمع تكبيره ~~فإعتقد أنه لم يتم التكبير وإلا فالأحاديث المتواترة عنه بخلاف ذلك فلو ~~خالفها كان شاذا لا يلتفت إليه ومع هذا فإن كثيرا من الفقهاء المتأخرين ~~يعتقدون أن إتمام التكبير هو نفس فعله ولو سرا وأن على بن أبى طالب وابا ~~هريرة وغيرهما من الأئمة إنما أفادوا الناس نفس فعل التكبير في الإنتقالات ~~ولازم هذا أن عامة المسلمين ما كانوا يعرفون أن الصلاة لا يكبر في خفضها ~~ولا رفعها # وهذا غلط بلا ريب ولا نزاع بين من يعرف كيف كانت الأحوال ولو كان المراد ~~التكبير سرا لم يصح نفى ذلك ولا إثباته فإن المأموم PageV22P587 لا يعرف ~~ذلك من إمامه ولا يسمى ترك التكبير بالكلية تركا لأن الأئمة كانوا يكبرون ~~عند الإفتتاح دون الإنتقالات وليس كذلك السنة بل الأحاديث المروية تبين ان ~~رفع الإمام وخفضه كان في جميعها التكبير وقد قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد ~~بن حنبل ما الذى نقصوا من التكبير قال إذا إنحط إلى السجود من الركوع وإذا ~~أراد أن يسجد السجدة الثانية من كل ركعة # فقد بين الإمام أحمد أن الأئمة لم يكونوا يتمون التكبير بل نقصوا التكبير ~~في الخفض من القيام ومن القعود وهو كذلك والله أعلم لأن الخفض يشاهد ~~بالأبصار ms6860 فظنوا لذلك أن المأموم لا يحتاج إلى أن يسمع تكبيرة الإمام لأنه ~~يرى ركوعه ويرى سجوده بخلاف الرفع من الركوع والسجود فإن المأموم لا يرى ~~الإمام فيحتاج أن يعلم رفعه بتكبيره # ويدل على صحة ما قاله أحمد من حديث إبن أبزى أنه صلى خلف النبى فلم يتم ~~التكبير وكان لا يكبر إذا خفض هكذا رواه أبوداود الطيالسى عن شعبة عن الحسن ~~بن عمران عن سعيد بن عبد الرحمن بن ابزى عن أبيه # وقد ظن أبوعمر بن عبدالبر كما ظن غيره أن هؤلاء PageV22P588 السلف ما ~~كانوا يكبرون في الخفض والرفع وجعل ذلك حجة على أنه ليس بواجب لأنهم لا ~~يقرون الأمة على ترك واجب حتى أنه قد روى عن إبن عمر ( أنه كان يكبر إذا ~~صلى وحده في الفرض وأما التطوع فلا ( قال أبوعمر لا يحكى أحمد عن إبن عمر ~~إلا ما صح عنده إن شاء الله # قال وأما رواية مالك عن نافع عن إبن عمر ( أنه كان يكبر في الصلاة كلما ~~خفض ورفع ( فيدل ظاهرها على أنه كذلك كان يفعل إماما وغير إمام # قلت ما روى مالك لا ريب فيه والذى ذكره أحمد لا يخالف ذلك ولكن غلط إبن ~~عبدالبر فيما فهم من كلام أحمد فإن كلامه إنما كان في التكبير دبر الصلاة ~~أيام العيد الأكبر لم يكن التكبير في الصلاة ولهذا فرق أحمد بين الفرض ~~والنفل فقال أحب إلى أن يكبر في الفرض دون النفل ولم يكن أحمد ولا غيره ~~يفرقون في تكبير الصلاة بين الفرض والنفل بل ظاهر مذهبه أن تكبير الصلاة ~~واجب في النفل كما أنه واجب في الفرض وإن قيل هو سنة في الفرض قيل هو سنة ~~في النفل فأما التفريق بينهما فليس قولا له ولا لغيره # واما الذى ذكره عن إبن عمر في تكبيره دبر الصلاة إذا كان منفردا ~~PageV22P589 فهو مشهور عنه وهى مسألة نزاع بين العلماء مشهورة وقد قال إبن ~~عبدالبر لما ذكر حديث ابى سلمة أن أبا هريرة رضى الله عنه كان يصلى ms6861 لهم ~~فيكبر كلما خفض ورفع فلما إنصرف قال والله إنى لأشبهكم صلاة برسول الله ~~فقال إبن عبدالبر إن الناس لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك ويدل عليه ما رواه ~~إبن ابى ذئب في موطئه عن سعيد بن سمعان عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال ~~( ثلاث كان رسول الله يفعلهن وتركهن الناس كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه ~~مدا وكان يقف قبل القراءة هنيهة يسأل الله من فضله وكان يكبر كلما رفع وخفض ~~( قلت هذه الثلاثة تركها طائفة من الأئمة والفقهاء ممن لا يرفع اليدين ولا ~~يوجب التكبير ومن لا يستحب الإستفتاح والإستعاذة ومن لا يجهر من الائمة ~~بتكبير الإنتقال # قال وقد قال قوم من أهل العلم إن التكبير إنما هو إيذان بحركات الإمام ~~وشعار للصلاة وليس بسنة إلا في الجماعة أما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا ~~يكبر ولهذا ذكر مالك هذا الحديث وحديث إبن شهاب عن على بن حسين قال ( كان ~~رسول الله يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع فلم تزل تلك صلاته حتى لقى الله عز ~~وجل ( وحديث إبن عمر وجابر رضى الله عنهم PageV22P590 ( أنهما كانا يكبران ~~كلما خفضا ورفعا في الصلاة فكان جابر يعلمهم ذلك قال ( فذكر مالك هذه ~~الأحاديث كلها ليبين لك أن التكبير من سنن الصلاة # قلت ما ذكره مالك فكما ذكره وأما ما ذكره إبن عبد البر من الخلاف فلم ~~أجده ذكر لذلك أصلا إلا ما ذكره أحمد عن علماء المسلمين أن التكبير مشروع ~~في الصلوات وإنما ذكر ذلك مالك وغيره والله أعلم لأجل ما كره من فعل الأئمة ~~الذين كانوا لا يتمون التكبير وقد قال إبن عبدالبر روى إبن وهب أخبرنى عياض ~~بن عبد الله الفهرى أن عبد الله بن عمر كان يقول ( لكل شيء زينة وزينة ~~الصلاة التكبير ورفع الأيدى فيها ( وإذا كان إبن عمر يقول ذلك فكيف يظن به ~~أنه لا يكبر إذا صلى وحده هذا لا يظنه عاقل بإبن عمر # قال إبن عبدالبر وقد روى عن ms6862 عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة ~~وغيرهم ( أنهم كانوا لا يتمون التكبير ( وذكر ذلك أيضا عن القاسم وسالم ~~وسعيد بن جبير وروى عن أبى سلمة عن أبى هريرة ( أنه كان يكبر هذا التكبير ~~ويقول أنها لصلاة رسول الله ( قال وهذا يدل على أن التكبير في كل خفض ورفع ~~كان الناس قد تركوه وفى ترك الناس PageV22P591 له من غير نكير من واحد منهم ~~ما يدل على أن الأمر محمول عندهم على الإباحة # قلت لا يمكن أن يعلم إلا ترك الجهر به فأما ترك الإمام التكبير سرا فلا ~~يجوز أن يدعى تركه إن لم يصل الإمام إلى فعله فهذا لم يقله أحد من الأئمة ~~ولم يقل أحد إنهم كانوا يتركون في كل خفض ورفع بل قالوا كانوا لا يتمونه ~~ومعنى ( لايتمونه ( لا ينقصونه ونقصه عدم فعله في حال الخفض كما تقدم من ~~كلامه وهو نقص بترك رفع الصوت به أو نقص له بترك ذلك في بعض المواضع # وقد روى إبن عبدالبر عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال ( صليت خلف رسول ~~الله وأبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم فكلهم كان يكبر إذا رفع رأسه وإذا ~~خفض ( قال وهذا معارض لما روى عن عمر ( أنه كان لا يتم التكبير ( وروى عن ~~سعيد بن عبد العزيز عن الزهري قال قلت لعمر بن عبد العزيز ( ما منعك أن تتم ~~التكبير وهذا عاملك عبد العزيز يتمه فقال تلك صلاة الأول وأبى أن يقبل منى ~~( # قلت وإنما خفى على عمر بن عبد العزيز وعلى هؤلاء الجهر بالتكبير كما خفى ~~ذلك على طوائف من أهل زماننا وقبله ما ذكره [ إبن ] PageV22P592 أبى شيبة ~~اخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم قال ( أول من نقص التكبير زياد ( # قلت زياد كان أميرا في زمن عمر فيمكن أن يكون ذلك صحيحا ويكون زياد قد سن ~~ذلك حين تركه غيره وروى عن الأسود إبن يزيد عن أبى موسى الأشعرى قال ( لقد ~~ذكرنا على صلاة كنا نصليها مع رسول الله إما ms6863 نسيناها وإما تركناها عمدا ~~وكان يكبر كلما رفع وكلما وضع وكلما سجد ( # ومعلوم أن الأمراء بالعراق الذين شاهدوا ما عليه امراء البلد وهم أئمة ~~ولم يبلغهم خلاف ذلك عن رسول الله رأوا من شاهدوهم من أهل العلم والدين لا ~~يعرفون غير ذلك فظنوا أن ذلك هو من أصل السنة وحصل بذلك نقصان في وقت ~~الصلاة وفعلها فإعتقدوا أن تأخير الصلاة أفضل من تقديمها كما كان الأئمة ~~يفعلون ذلك وكذلك عدم إتمام التكبير وغير ذلك من الأمور الناقصة عما كان ~~عليه رسول الله حتى كان إبن مسعود يتأول في بعض الأمراء الذين كانوا على ~~عهده أنهم من الخلف الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ فكان يقول ( كيف بكم ~~إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير إذا ترك فيها ~~PageV22P593 شيء قيل تركت السنة فقيل متى ذلك يا أبا عبد الرحمن فقال ذلك ~~إذا ذهب علماؤكم وقلت فقهاؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين ~~( وكان عبد الله بن مسعود يقول أيضا ( أنا من غير الدجال أخوف عليكم من ~~الدجال أمور تكون من كبرائكم فأيما رجل أو امرأة أدرك ذلك الزمان فالسمت ~~الأول فالسمت الأول # ومن هذا الباب أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة في خلافة ~~الوليد بن عمه وعمر هذا هو الذى بنى الحجرة النبوية إذ ذاك صلى خلفه أنس بن ~~مالك رضى الله عنه فقال ما رواه أبوداود والنسائى عن أنس بن مالك رضى الله ~~عنه ( ما صليت وراء أحد بعد رسول الله أشبه صلاة برسول الله من هذا الفتى ~~يعنى عمر بن عبد العزيز ( قال فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفى سجوده عشر ~~تسبيحات ( وهذا كان في المدينة مع أن أمراءها كانوا أكثر محافظة على السنة ~~من امراء بقية الأمصار فإن الأمصار كانت تساس برأى الملوك والمدينة إنما ~~كانت تساس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا ولكن كانوا قد ~~غيروا أيضا ms6864 بعض السنة ومن إعتقد أن هذا كان في خلافة عمر بن عبد العزيز فقد ~~غلط فإن أنس بن مالك رضى PageV22P594 الله عنه لم يدرك خلافة عمر بن عبد ~~العزيز بل مات قبل ذلك بسنتين ( # وهذا يوافق الحديث المشهور الذى في سنن أبى داود والترمذى وإبن ماجه عن ~~عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله ( ~~إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات سبحان ربى العظيم وذلك أدناه وإذا سجد فليقل ~~سبحان ربى الأعلى ثلاثا وذلك أدناه ( قال أبو داود هذا مرسل عون لم يدرك ~~عبد الله بن مسعود وكذلك قال البخارى في تاريخه وقال الترمذى ليس إسناده ~~بمتصل عون بن عبد الله لم يدرك إبن مسعود عون هو من علماء الكوفة المشهورين ~~وهو من أهل بيت عبد الله وقيل إنما تلقاه من علماء أهل بيته فلهذا تمسك ~~الفقهاء بهذا الحديث في التسبيحات لما له من الشواهد حتى صاروا يقولون في ~~الثلاث إنها أدنى الكمال أو أدنى الركوع وذلك يدل على أن أعلاه أكثر من هذا # فقول من يقول من الفقهاء إن السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من ~~أصل الشافعى واحمد رضى الله عنهما وغيرهم هو من جنس قول من يقول من السنة ~~أن لا يطيل الإعتدال بعد الركوع أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت أو نحو ~~ذلك فإن PageV22P595 الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة ~~أصلا بل الأحاديث المستفيضة عن النبى الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد ~~وغيرها تبين أنه كان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك كما تقدم دلالة ~~الأحاديث عليه ولكن هذا قالوه لما سمعوا أن النبى قال ( إذا أم أحدكم الناس ~~فليخفف وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء ( ولم يعرفوا مقدار التطويل ولا علموا ~~التطويل الذى نهى عنه لما قال لمعاذ ( أفتان أنت يا معاذ ( فجعلوا هذا ~~برأيهم قدرا للمستحب ومن المعلوم أن مقدار الصلاة واجبها ومستحبها لا يرجع ~~فيه إلى غير السنة فإن ms6865 هذا من العلم الذى لم يكله الله ورسوله إلى آراء ~~العباد إذ النبى كان يصلى بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات وكذلك خلفاؤه ~~الراشدون الذين أمرنا بالإقتداء بهم فيجب البحث عما سنة رسول الله ولا ~~ينبغى أن يوضع فيه حكم بالرأى وإنما يكون إجتهاد الرأى فيما لم تمض به سنة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرد ~~بالرأى والقياس # ومما يبين هذا أن التخفيف أمر نسبي إضافى ليس له حد في اللغة ولا في ~~العرف إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف PageV22P596 هؤلاء ما ~~يستطيله هؤلاء فهو أمر يختلف بإختلاف عادات الناس ومقادير العبادات ولا في ~~كل من العبادات التى ليست شرعية # فعلم أن الواجب على المسلم أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة ~~وبهذا يتبين أن أمره بالتخفيف لا ينافى أمره بالتطويل أيضا في حديث عمار ~~الذى في الصحيح لما قال ( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ~~فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة ( وهناك أمرهم بالتخفيف ولا منافاة بينهما ~~فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة والتخفيف هناك بالنسبة إلى ما فعل بعض ~~الأئمة في زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة ولهذا قال ( فإذا صلى ~~أحدكم لنفسه فليطول ما شاء # فبين أن المنفرد ليس لطول صلاته حد تكون به الصلاة خفيفة بخلاف الإمام ~~لأجل مراعاة المأمومين فإن خلفه السقيم والكبير وذو الحاجة ولهذا مضت السنة ~~بتخفيفها عن الإطالة إذا عرض للمأمومين أو بعضهم عارض كما قال ( إنى لأدخل ~~الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبى فأخفف لما أعلم من وجد أمه ( ~~وبذلك علل النبى فيما تقدم من حديث إبن مسعود PageV22P597 # وكذلك في الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى قال ( إذا صلى ~~أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وإذا صلى لنفسه ~~فليطول ما شاء ( وفى رواية ( فإن فيهم السقيم والشيخ الكبير وذا الحاجة ( # ولهذا كان النبى يقصرها أحيانا عما كان ms6866 يفعل غالبا كما روى مسلم في صحيحه ~~عن عمرو بن حريث رضى الله عنه قال ( كأنى اسمع صوت النبى صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في صلاة الغداة ( فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس ( وروى أنه قرأ ~~في صلاة الفجر في بعض اسفاره بسورة الزلزلة وكان يطول أحيانا حتى ثبت في ~~الصحيح عن إبن عباس رضى الله عنهما ( أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو ~~يقرأ @QB@ والمرسلات عرفا @QE@ فقالت يا بنى لقد أذكرتنى بقراءتك هذه ~~السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في ~~المغرب ( وفى الصحيحين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال سمعت رسول ~~الله يقرأ بالطور في المغرب ( وفى البخارى والسنن عن مروان بن الحكم قال ~~قال لى زيد بن ثابت ( مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله ~~يقرأ في المغرب بطولى الطوليين قال قلت ما طولى الطوليين قال الأعراف ~~PageV22P598 # فهذه الأحاديث من اصح الأحاديث وقد ثبت فيها أنه كان يقرأ في المغرب تارة ~~بالأعراف وتارة بالطور وتارة بالمرسلات مع إتفاق الفقهاء على أن القراءة في ~~المغرب سنتها أن تكون أقصر من القراءة في الفجر فكيف تكون القراءة في الفجر ~~وغيرها ( # ومن هذا الباب ما روى وكيع عن منصور عن إبراهيم النخعى قال كان أبوعبيدة ~~بن عبد الله بن مسعود يطيل القيام بقدر الركوع فكانوا يعيبون ذلك عليه ( ~~قال أبو محمد بن حزم العيب على من عاب عمل رسول الله وعول على من لا حجة ~~فيه # قلت قد تقدم فعل أبى عبيدة الذى في الصحيح وموافقته لفعل رسول الله ~~وهؤلاء الذين عابوا عليه كانوا من أهل الكوفة الذين في زمن الحجاج وفتنة ~~إبن الأشعث لم يكونوا من الصحابة ولا عرف أنهم من أعيان التابعين وإن كان ~~قد يكون فيهم من ادرك إبن مسعود فإبن مسعود لم يكن هو الإمام الراتب في ~~زمنه بل الإمام الراتب كان غيره وإبن بن مسعود أقرب إلى متابعة أبيه من ~~هؤلاء المجهولين ms6867 # فهؤلاء الذين انكروا على أبى عبيدة إنما انكروا عليه لمخالفته العادة ~~PageV22P599 التى اعتادوها وإن خالفت السنة النبوية ولكن ليس هذا الإنكار ~~من الفقهاء # يبين ذلك أن أجل فقيه أخذ عنه إبراهيم النخعى هو علقمة وتوفى قبل فتنة ~~إبن الأشعث التى صلى فيها أبو عبيدة بن عبد الله فإن علقمة توفى سنة إحدى ~~أو إثنتين وستين في أوائل إمارة يزيد وفتنة إبن الأشعث كانت في إمارة عبد ~~الملك وكذلك مسروق قيل إنه توفى قبل السبعين أيضا وقيل فيهما كما قيل في ~~مسروق ونحوه # فتبين أن أكابر الفقهاء من اصحاب عبد الله بن مسعود لم يكونوا هم الذين ~~أنكروا ذلك مع أن من الناس إذا سمع هذا الإطلاق صرفه إلى إبراهيم النخعى ~~وقد عرفت أن المشهور أن علقمة يظن أن إبراهيم وأمثاله أنكروا ذلك وهم رأوا ~~ذلك وهم اخذوا العلم عن عبد الله ونحوه فقد تبين أن الأمر ليس كذلك ~~PageV22P600 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله ( # عن رجل لا يطمئن في صلاته ( ### ||||| فاجاب ( # الطمأنينة في الصلاة واجبة وتاركها مسىء بإتفاق الأئمة بل جمهور أئمة ~~الإسلام كمالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى يوسف صاحب أبى حنيفة وابوحنيفة ~~ومحمد لا يخالفون في أن تارك ذلك مسىء غير محسن بل هو آثم عاص تارك للواجب # وغيرهم يوجبون الإعادة على من ترك الطمأنينة ودليل وجوب الإعادة ما في ~~الصحيحين ( أن رجلا صلى في المسجد ركعتين ثم جاء فسلم على النبى فقال النبى ~~إرجع فصل فإنك لم تصل مرتين أو ثلاثا فقال والذى بعثك بالحق ما احسن غير ~~هذا فعلمنى ما يجزئنى في صلاتى فقال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما ~~تيسر معك من القرآن ثم إركع حتى تطمئن راكعا ثم إرفع حتى تعتدل قائما ثم ~~إسجد حتى تطمئن ساجدا ثم إجلس حتى تطمئن جالسا ثم إفعل ذلك في صلاتك كلها ( ~~فهذا كان رجلا جاهلا ومع هذا فأمره النبى صلى الله PageV22P601 عليه وسلم ~~أن يعيد الصلاة واخبره انه لم يصل فتبين بذلك أن من ترك الطمأنينة فقد ms6868 أخبر ~~الله ورسوله أنه لم يصل فقد أمره الله ورسوله بالإعادة ومن يعص الله ورسوله ~~فله عذاب أليم # وفى السنن عن النبى قال ( لا يقبل الله صلاة رجل لا يقيم صلبه في الركوع ~~والسجود ( يعنى يقيم صلبه إذا رفع من الركوع وإذا رفع من السجود وفى الصحيح ~~( أن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه راى رجلا لا يقيم صلبه في الركوع ~~والسجود فقال منذ كم تصلى هذه الصلاة قال منذ كذا وكذا فقال أما انك لو مت ~~لمت على غير الفطرة التى فطر الله عليها محمدا ( # وقد روى هذا المعنى بن خزيمة في صحيحه مرفوعا إلى النبى وأنه قال لمن نقر ~~في الصلاة ( أما إنك لو مت على هذا مت على غير الفطرة التى فطر الله عليها ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ( نحو هذا وقال ( مثل الذى يصلى ولا يتم ركوعه ~~وسجوده ( مثل الذى يأكل لقمة أو لقمتين فما تغنى عنه ( # وفى صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق ~~يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى PageV22P602 شيطان قام فنقر أربعا لا ~~يذكر الله فيها إلا قليلا ( وقد كتبنا في ذلك من دلائل الكتاب والسنة في ~~غير هذا الموضع ما يطول ذكره هنا والله أعلم ### |||| وسئل ( رحمه الله ( # عمن يحصل له الحضور في الصلاة تارة ويحصل له الوسواس تارة فما الذى ~~يستعين به على دوام الحضور في الصلاة وهل تكون تلك الوساوس مبطلة للصلاة أو ~~منقصة لها أم لا وفى قول عمر إنى لأجهز جيشى وانا في الصلاة هل كان ذلك ~~يشغله عن حاله في جمعيته أو لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلا ~~بإتفاق أهل العلم بل ينقص الأجر كما قال إبن عباس ليس لك من صلاتك إلا ما ~~عقلت منها # وفى السنن عن النبى أنه قال ( إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها ~~إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها إلا سبعها إلا ms6869 ثمنها ~~إلا تسعها إلا عشرها PageV22P603 ويقال إن النوافل شرعت لجبر النقص الحاصل ~~في الفرائض كما في السنن عن النبى أنه قال ( أول ما يحاسب عليه العبد من ~~عمله الصلاة فإن أكملها وإلا قيل إنظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع ~~أكملت به الفريضة ثم يصنع بسائر أعماله ( وهذا إلا كمال يتناول ما نقص ~~مطلقا # وأما الوسواس الذى يكون غالبا على الصلاة فقد قال طائفة منهم أبو عبد ~~الله بن حامد وأبوحامد الغزالى وغيرهما أنه يوجب الإعادة أيضا لما أخرجاه ~~في الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى قال ( إذا أذن المؤذن أدبر ~~الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل فإذا ثوب ~~بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه فيقول أذكر ~~كذا إذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدرى كم صلى فإذا وجد أحدكم ~~ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ( وقد صح عن النبى ( الصلاة مع الوسواس ~~مطلقا ( ولم يفرق بين القليل والكثير # ولا ريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل كما في الصحيحين من حديث ~~عثمان رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أن من توضأ نحو ~~وضوئى هذا ثم صلى ركعتين لم يحدث PageV22P604 فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ~~ذنبه ( وكذلك في الصحيح أنه قال ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل ~~عليهما بوجهه وقلبه غفر له ما تقدم من ذنبه ( # وما زال في المصلين من هو كذلك كما قال سعد بن معاذ رضى الله عنه في ثلاث ~~خصال لو كنت في سائر أحوالى أكون فيهن كنت أنا أنا إذا كنت في الصلاة لا ~~أحدث نفسى بغير ما أنا فيه وإذا سمعت من رسول الله حديثا لا يقع في قلبى ~~ريب أنه الحق وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسى بغير ما تقول ويقال لها وكان ~~مسلمة بن بشار يصلى في المسجد فإنهدم طائفة منه ms6870 وقام الناس وهو في الصلاة ~~لم يشعر وكان عبد الله بن الزبير رضى الله عنه يسجد فأتى المنجنيق فأخذ ~~طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه وقالوا لعامر بن عبدالقيس أتحدث ~~نفسك بشيء في الصلاة فقال أو شيء أحب إلى من الصلاة أحدث به نفسى قالوا أنا ~~لنحدث أنفسنا في الصلاة فقال أبا لجنة والحور ونحو ذلك فقالوا لا ولكن ~~بأهلينا وأموالنا فقال لأن تختلف إلا سنة في أحب إلى وأمثال هذا متعدد # والذى يعين على ذلك شيئان قوة المقتضى وضعف الشاغل # أما الأول فإجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله ويتدبر PageV22P605 ~~القراءة والذكر والدعاء ويستحضر أنه مناج لله تعالى كأنه يراه فإن المصلى ~~إذا كان قائما فإنما يناجى ربه والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان إنجذابه إليها أوكد ~~وهذا يكون بحسب قوة الإيمان والأسباب المقوية للإيمان كثيرة ولهذا كان ~~النبى يقول ( حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة ( ~~وفى حديث آخر أنه قال ( أرحنا يا بلال بالصلاة ( ولم يقل أرحنا منها وفى ~~أثر آخر ليس بمستكمل للإيمان من لم يزل مهموما حتى يقوم إلى الصلاة ( أو ~~كلام يقارب هذا وهذا باب واسع # فإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته وإخلاص الدين له وخوفه ~~ورجائه والتصديق بأخباره وغير ذلك مما يتباين الناس فيه ويتفاضلون تفاضلا ~~عظيما ويقوى ذلك كلما إزداد العبد تدبرا للقرآن وفهما ومعرفة بأسماء الله ~~وصفاته وعظمته وتفقره إليه في عبادته وإشتغاله به بحيث يجد اضطراره إلى أن ~~يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من إضطراره إلى الأكل والشرب فإنه لا صلاح ~~له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذى يطمئن إليه ويأنس به ويلتذ بذكره ~~ويستريح به ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله ومتى كان PageV22P606 للقلب إله ~~غير الله فسد وهلك هلاكا لا صلاح معه ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه ~~ولا حول ولا ms6871 قوة إلا به ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه # ولهذا يروى أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع علمها في الكتب ~~الأربعة وجمع الكتب الأربعة في القرآن وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم ~~المفصل في فاتحة الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ ونظير ذلك قوله @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقوله @QB@ ~~عليه توكلت وإليه متاب @QE@ وقوله @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ وقد قال تعالى @QB@ وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ ولهذا قال النبى رأس الأمر الإسلام ~~وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ( وبسط هذا طويل لا يحتمله ~~هذا الموضع # وأما زوال العارض فهو الإجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان ~~فيما لا يعينه وتدبر الجواذب التى تجذب القلب عن مقصود الصلاة وهذا في كل ~~عبد بحسبه فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات وتعليق القلب ~~بالمحبوبات التى ينصرف القلب إلى طلبها والمكروهات التى ينصرف القلب إلى ~~دفعها PageV22P607 والوساوس إما من قبيل الحب من أن يخطر بالقلب ما قد كان ~~أو من قبيل الطلب وهو أن يخطر في القلب ما يريد أن يفعله ومن الوساوس ما ~~يكون من خواطر الكفر والنفاق فيتألم لها قلب المؤمن تألما شديدا كما قال ~~الصحابة ( يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء أحب ~~إليه من أن يتكلم به فقال أوجدتموه قالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان ( وفى ~~لفظ ( إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به فقال الحمد لله الذى رد ~~كيده إلى الوسوسة # قال كثير من العلماء فكراهة ذلك وبغضه وفرار القلب منه هو صريح الإيمان ~~والحمد لله الذى كان غاية كيد الشيطان الوسوسة فإن شيطان الجن إذا غلب وسوس ~~وشيطان الإنس إذا غلب كذب والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر ~~أو غيره لابد له من ذلك فينبغى للعبد أن يثبت ويصبر ms6872 ويلازم ما هو فيه من ~~الذكر والصلاة ولا يضجر فانه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان ( إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا ( وكلما أراد العبد توجها إلى الله تعالى بقلبه جاء من ~~الوسواس أمور أخرى فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق كلما أراد العبد يسير ~~إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه ولهذا قيل لبعض السلف أن اليهود ~~والنصارى يقولون لا PageV22P608 نوسوس فقال صدقوا وما يصنع الشيطان بالبيت ~~الخراب وتفاصيل ما يعرض للسالكين طويل موضعه # وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه من قوله إنى لأجهز جيشى وأنا ~~في الصلاة فذاك لأن عمر كان مأمورا بالجهاد وهو أمير المؤمنين فهو أمير ~~الجهاد فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلى الذى يصلى صلاة الخوف حال ~~معاينة العدو إما حال القتال وإما غير حال القتال فهو مأمور بالصلاة ومامور ~~بالجهاد فعليه أن يؤدى الواجبين بحسب الإمكان وقد قال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون @QE@ # ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينتة حال الأمن فإذا ~~قدر أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد ~~وطاعته ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن ولما ذكر سبحانه وتعالى صلاة ~~الخوف قال @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا @QE@ فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال ~~الخوف # ومع هذا فالناس متفاوتون في ذلك فإذا قوى إيمان العبد كان حاضر القلب في ~~الصلاة مع تدبره للأمور بها وعمر قد PageV22P609 ضرب الله الحق على لسانه ~~وقلبه وهو المحدث الملهم فلا ينكر لمثله أن يكون له مع تدبيره جيشه في ~~الصلاة من الحضور ماليس لغيره لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى ~~ولا ريب أن صلاة رسول الله حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف في ~~الأفعال الظاهرة فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة ~~فكيف بالباطنة # وبالجملة ms6873 فتفكر المصلى في الصلاة في أمر يجب عليه قد يضيق وقته ليس ~~كتفكره فيما ليس بواجب أو فيما لم يضق وقته وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر ~~في تدبير الجيش إلا في تلك الحال وهو أمام الأمة والواردات عليه كثيرة ومثل ~~هذا يعرض لكل أحد بحسب مرتبته والإنسان دائما يذكر في الصلاة مالا يذكره ~~خارج الصلاة ومن ذلك ما يكون من الشيطان كما يذكر أن بعض السلف ذكر له رجل ~~أنه دفن ما لا وقد نسى موضعه فقال قم فصل فقام فصلى فذكره فقيل له من أين ~~علمت ذلك قال علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يذكره بما يشغله ولا ~~أهم عنده من أن ذكر موضع الدفن لكن العبد الكيس يجتهد في كمال الحضور مع ~~كمال فعل بقية المأمور ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم PageV22P610 ### |||| وسئل ( # عن وسواس الرجل في صلاته وما حد المبطل للصلاة وما حد المكروه منه وهل ~~يباح منه شيء في الصلاة وهل يعذب الرجل في شيء منه وما حد الإخلاص في ~~الصلاة وقول النبى ( ليس لأحدكم من صلاته إلا ما عقل منها ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله الوسواس نوعان # أحدهما لا يمنع ما يؤمر به من تدبر الكلم الطيب والعمل الصالح الذى في ~~الصلاة بل يكون بمنزلة الخواطر فهذا لا يبطل الصلاة لكن من سلمت صلاته منه ~~فهو أفضل ممن لم تسلم منه صلاته الأول شبه حال المقربين والثانى شبه حال ~~المقتصدين # وأما الثالث فهو ما منع الفهم وشهود القلب بحيث يصير الرجل غافلا فهذا لا ~~ريب أنه يمنع الثواب كما روى أبو داود في سننه عن عمار بن ياسر عن النبى ~~قال ( إن الرجل لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها ~~PageV22P611 إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها حتى قال إلا عشرها ( فأخبر صلى ~~الله عليه وسلم أنه قد لا يكتب له منها إلا العشر # وقال إبن عباس ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ولكن هل يبطل الصلاة ms6874 ~~ويوجب الإعادة فيه تفصيل فإنه إن كانت الغفلة في الصلاة أقل من الحضور ~~والغالب الحضور لم تجب الإعادة وإن كان الثواب ناقصا فإن النصوص قد تواترت ~~بأن السهو لا يبطل الصلاة وإنما يجبر بعضه بسجدتى السهو وإما إن غلبت ~~الغفلة على الحضور ففيه للعلماء قولان # أحدهما لا تصح الصلاة في الباطن وإن صحت في الظاهر كحقن الدم لأن مقصود ~~الصلاة لم يحصل فهو شبيه صلاة المرائى فإنه بالإتفاق لا يبرأ بها في الباطن ~~وهذا قول أبى عبد الله إبن حامد وأبى حامد الغزالى وغيرهما # والثانى تبرأ الذمة فلا تجب عليه الإعادة وإن كان لا أجر له فيها ولا ~~ثواب بمنزلة صوم الذى لم يدع قول الزور والعمل به فليس له من صيامه إلا ~~الجوع والعطش وهذا هو المأثور عن الامام أحمد وغيره من الأئمة وإستدلوا بما ~~في الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( إذا أذن المؤذن PageV22P612 ~~بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين اقبل ~~فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه ~~يقول أذكر كذا أذكر كذا مالم يكن يذكر حتى يظل لا يدرى كم صلى فإذا وجد ~~أحدكم ذلك فليسجد سجدتين ( فقد أخبر النبى أن الشيطان يذكره بأمور حتى لا ~~يدرى كم صلى وأمره بسجدتين للسهو ولم يأمره بالإعادة ولم يفرق بين القليل ~~والكثير # وهذا القول أشبه وأعدل فإن النصوص والآثار إنما دلت على أن الأجر والثواب ~~مشروط بالحضور لا تدل على وجوب الإعادة لا باطنا ولا ظاهرا والله أعلم # ( ### |||| وسئل رحمه الله ( # ( عما إذا أحدث المصلى قبل السلام ( ### ||||| فأجاب ( # إذا أحدث المصلى قبل السلام بطلت مكتوبة كانت أو غير مكتوبة PageV22P613 ### |||| وسئل ( # عن رجل ضحك في الصلاة فهل تبطل صلاته أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # أما التبسم فلا يبطل الصلاة وأما إذا قهقه في الصلاة فإنها تبطل ولا ~~ينتقض وضوءه عند الجمهور كمالك والشافعي وأحمد لكن يستحب له أن يتوضا في ~~أقوى الوجهين لكونه أذنب ذنبا وللخروج من الخلاف ms6875 فإن مذهب أبى حنيفة ينتقض ~~وضوءه والله أعلم PageV22P614 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن النحنحة والسعال والنفخ والأنين وما أشبه ذلك في الصلاة فهل تبطل بذلك ~~أم لا وأى شيء الذى تبطل الصلاة به من هذا أو غيره وفى أي مذهب وايش الدليل ~~على ذلك ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين الأصل في هذا الباب أن النبى قال ( إن صلاتنا هذه ~~لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين ( وقال ( إن الله يحدث من أمره ما يشاء ~~ومما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة ( قال زيد بن أرقم فأمرنا بالسكوت ونهينا ~~عن الكلام وهذا مما إتفق عليه المسلمون قال إبن المنذر وأجمع أهل العلم على ~~أن من تكلم في صلاته عامدا وهو لا يريد اصلاح شيء من امرها أن صلاته فاسدة ~~والعامد من يعلم أنه في صلاة وأن الكلام محرم # ( # قلت ( وقد تنازع العلماء في الناسى والجاهل والمكره والمتكلم لمصلحة ~~الصلاة وفى ذلك كله نزاع في مذهب أحمد وغيره من العلماء PageV22P615 إذا ~~عرف ذلك فاللفظ على ثلاث درجات ( # أحدها ( أن يدل على معنى بالوضع أما بنفسه وإما مع لفظ غيره كفى وعن فهذا ~~الكلام مثل يد ودم وفم وخد ( # الثانى ( أن يدل على معنى بالطبع كالتأوه والأنين والبكاء ونحو ذلك ( # الثالث ( ان لا يدل على معنى لا بالطبع ولا بالوضع كالنحنحة فهذا القسم ~~كان أحمد يفعله في صلاته وذكر اصحابه عنه روايتين في بطلان الصلاة بالنحنحة ~~فإن قلنا تبطل ففعل ذلك لضرورة فوجهان فصارت الأقوال فيها ثلاثة ( # أحدها ( أنها لا تبطل بحال وهو قول أبى يوسف وإحدى الروايتين عن مالك بل ~~ظاهر مذهبه ( # والثانى ( تبطل بكل حال وهو قول الشافعى وأحد القولين في مذهب أحمد ومالك ~~و ( # الثالث ( إن فعله لعذر لم تبطل وإلا بطلت وهو قول أبى حنيفة ومحمد ~~وغيرهما وقالوا إن فعله لتحسين الصوت وإصلاحه PageV22P616 لم تبطل قالوا ~~لأن الحاجة تدعو إلى ذلك كثيرا فرخص فيه للحاجة ومن أبطلها قال أنه يتضمن ~~حرفين وليس من جنس أذكار الصلاة فأشبه القهقهة والقول الأول ms6876 أصح وذلك أن ~~النبى إنما حرم التكلم في الصلاة وقال ( أنه لا يصلح فيها شيء من كلام ~~الآدميين ( وأمثال ذلك من الألفاظ التى تتناول الكلام والنحنحة لا تدخل في ~~مسمى الكلام أصلا فإنها لا تدل بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى ~~ولا يسمى فاعلها متكلما وإنما يفهم مراده بقرينة فصارت كالإشارة # وأما القهقهة ونحوها ففيها جوابان ( # أحدهما ( أن تدل على معنى بالطبع و ( # الثانى ( أنا لا نسلم أن تلك أبطلت لأجل كونها كلاما يدل على ذلك أن ~~القهقهة تبطل بالإجماع ذكره إبن المنذر # وهذه الأنواع فيها نزاع بل قد يقال أن القهقهة فيها أصوات عالية تنافى ~~حال الصلاة وتنافى الخشوع الواجب في الصلاة فهي كالصوت العالى الممتد الذى ~~لا حرف معه وأيضا فإن فيها من الإستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض ~~مقصودها فأبطلت لذلك PageV22P617 لا لكونه متكلما # وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه كلاما وليس مجرد الصوت كلاما وقد ~~روى عن على رضى الله عنه قال ( كان لى من رسول الله مدخلان بالليل والنهار ~~وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلى يتنحنح لى ( رواه الإمام أحمد وإبن ماجه ~~والنسائى بمعناه # وأما ( النوع الثانى ( وهو ما يدل على المعنى طبعا لا وضعا فمنه النفخ ~~وفيه عن مالك وأحمد روايتان أيضا ( # احداهما ( لا تبطل وهو قول إبراهيم النخعى وإبن سيرين وغيرهما من السلف ~~وقول أبى يوسف وإسحاق و ( # الثانية ( أنها تبطل وهو قول أبى حنيفة ومحمد والثوري والشافعى وعلى هذا ~~فالمبطل فيه ما أبان حرفين # وقد قيل عن أحمد أن حكمه حكم الكلام وإن لم يبن حرفين وإحتجوا لهذا القول ~~بما روى عن أم سلمة عن النبى أنه قال ( من نفخ في الصلاة فقد تكلم ( رواه ~~الخلال لكن مثل هذا الحديث لا يصح مرفوعا فلا يعتمد عليه لكن حكى أحمد هذا ~~اللفظ عن إبن عباس وفى لفظ عنه النفخ في الصلاة كلام رواه سعيد في سننه # قالوا ولأنه تضمن حرفين وليس هذا من جنس أذكار PageV22P618 الصلاة فاشبه ~~القهقهة والحجة مع ms6877 القول كما في النحنحة والنزاع كالنزاع فإن هذا لا يسمى ~~كلاما في اللغة التى خاطبنا بها النبى فلا يتناوله عموم النهى عن الكلام في ~~الصلاة ولو حلف لا يتكلم لم يحنث بهذه الأمور ولو حلف ليتكلمن لم يبر بمثل ~~هذه الأمور والكلام لا بد فيه من لفظ دال على المعنى دلالة وضعية تعرف ~~بالعقل فأما مجرد الأصوات الدالة على أحوال المصوتين فهو دلالة طبعية حسية ~~فهو وإن شارك الكلام المطلق في الدلالة فليس كل ما دل منهيا عنه في الصلاة ~~كالإشارة فإنها تدل وتقوم مقام العبارة بل تدل بقصد المشير وهى تسمى كلاما ~~ومع هذا لا تبطل فإن النبى كان إذا سلموا عليه رد عليهم بالإشارة فعلم أنه ~~لم ينه عن كل ما يدل ويفهم وكذلك إذا قصد التنبيه بالقرآن والتسبيح جاز كما ~~دلت عليه النصوص # ومع هذا فلما كان مشروعا في الصلاة لم يبطل فإذا كان قد قصد إفهام ~~المستمع ومع هذا لم تبطل فكيف بما دل بالطبع وهو لم يقصد به إفهام أحد ولكن ~~المستمع يعلم منه حاله كما يعلم ذلك من حركته ومن سكوته فإذا رآه يرتعش أو ~~يضطرب أو يدمع أو يبتسم علم حاله وإنما إمتاز هذا بأنه من نوع الصوت هذا لو ~~لم يرد به سنة فكيف وفي المسند عن المغيرة بن شعبة ) ( أن النبى صلى ~~PageV22P619 الله عليه وسلم كان في صلاة الكسوف فجعل ينفخ فلما إنصرف قال ~~إن النار أدنيت منى حتى نفخت حرها عن وجهي وفى المسند وسنن أبى داود عن عبد ~~الله بن عمرو ( أن النبى صلى الله عليه وسلم في صلاة كسوف الشمس نفخ في آخر ~~سجوده فقال أف أف أف رب ألم تعدنى أن لا تعذبهم وأنا فيهم وقد أجاب بعض ~~أصحابنا عن هذا بأنه محمول على أنه فعله قبل تحريم الكلام أو فعله خوفا من ~~الله أو من النار قالوا فإن ذلك لا يبطل عندنا نص عليه أحمد كالتأوه ~~والأنين عنده والجوابان ضعيفان ( # أما الأول ( فإن صلاة الكسوف كانت ms6878 في آخر حياة النبى يوم مات إبنه ~~إبراهيم وإبراهيم كان من مارية القبطية ومارية أهداها له المقوقس بعد أن ~~أرسل إليه المغيرة وذلك بعد صلح الحديبية فإنه بعد الحديبية أرسل رسله إلى ~~الملوك ومعلوم أن الكلام حرم قبل هذا بإتفاق المسلمين لا سيما وقد أنكر ~~جمهور العلماء على من زعم أن قصة ذى اليدين كانت قبل تحريم الكلام لأن أبا ~~هريرة شهدها فكيف يجوز أن يقال بمثل هذا في صلاة الكسوف بل قد قيل الشمس ~~كسفت بعد حجة الوداع قبل موته بقليل # وأما كونه من الخشية ففيه أنه نفخ حرها عن وجهه وهذا نفخ لدفع ما يؤذى من ~~خارج كما ينفخ الإنسان في المصباح ليطفئة PageV22P620 أو ينفخ في التراب ~~ونفخ الخشية من نوع البكاء والأنين وليس هذا ذاك # وأما السعال والعطاس والتثاؤب والبكاء الذى يمكن دفعه والتأوه والأنين ~~فهذه الأشياء هي كالنفخ فإنها تدل على المعنى طبعا وهى أولى بأن لا تبطل ~~فإن النفخ أشبه بالكلام من هذه إذ النفخ يشبه التأفيف كما قال ( ولا تقل ~~لهما أف # ) لكن الذين ذكروا هذه الأمور من أصحاب أحمد كأبى الخطاب ومتبعيه ذكروا ~~أنها تبطل إذا أبان حرفين ولم يذكروا خلافا # ثم منهم من ذكر نصه في النحنحة ومنهم من ذكر الرواية الأخرى عنه في النفخ ~~فصار ذلك موهما أن النزاع في ذلك فقط وليس كذلك بل لا يجوز أن يقال أن هذه ~~تبطل والنفخ لا يبطل وأبو يوسف يقول في التأوه والأنين لا يبطل مطلقا على ~~أصله وهو أصح الأقوال في هذه المسألة # ومالك مع الإختلاف عنه في النحنحة والنفخ قال الأنين لا يقطع صلاة المريض ~~وأكرهه للصحيح ولا ريب أن الأنين من غير حاجة مكروه ولكنه لم يره مبطلا ~~PageV22P621 # وأما الشافعى فجرى على أصله الذى وافقه عليه كثير من متأخرى أصحاب أحمد ~~وهو أن ما أبان حرفين من هذه الأصوات كان كلاما مبطلا وهو أشد الأقوال في ~~هذه المسألة وابعدها عن الحجة فإن الإبطال أن أثبتوه بدخولها في مسمى ~~الكلام في ms6879 لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن المعلوم الضرورى أن هذه لا ~~تدخل في مسمى الكلام وإن كان بالقياس لم يصح ذلك فإن في الكلام يقصد ~~المتكلم معانى يعبر عنها بلفظه وذلك يشغل المصلى كما قال النبى ( إن في ~~الصلاة لشغلا ( وأما هذه الأصوات فهي طبيعية كالتنفس ومعلوم أنه لو زاد في ~~التنفس على قدر الحاجة لم تبطل صلاته وإنما تفارق التنفس بأن فيها صوتا ~~وإبطال الصلاة بمجرد الصوت إثبات حكم بلا أصل ولا نظير # وأيضا فقد جاءت أحاديث بالنحنحة والنفخ كما تقدم وأيضا فالصلاة صحيحة ~~بيقين فلا يجوز إبطالها بالشك ونحن لا نعلم أن العلة في تحريم الكلام هو ما ~~يدعى من القدر المشترك بل هذا إثبات حكم بالشك الذى لا دليل معه وهذا ~~النزاع إذا فعل ذلك لغير خشية الله فإن فعل ذلك لخشية الله فمذهب أحمد وابى ~~حنيفة أن صلاته لا تبطل ومذهب الشافعى أنها تبطل لأنه كلام والأول أصح فإن ~~هذا إذا كان من خشية الله كان من جنس ذكر الله ودعائه فإنه كلام ~~PageV22P622 يقتضى الرهبة من الله والرغبة إليه وهذا خوف الله في الصلاة ~~وقد مدح الله إبراهيم بأنه أواه وقد فسر بالذى يتأوه من خشية الله ولو صرح ~~بمعنى ذلك بأن إستجار من النار أو سأل الجنة لم تبطل صلاته بخلاف الأنين ~~والتأوه في المرض والمصيبة فإنه لو صرح بمعناه كان كلاما مبطلا # وفى الصحيحين أن عائشة قالت للنبى أن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه ~~البكاء قال ( مروه فليصل أنكن لأنتن صواحب يوسف ( وكان عمر يسمع نشيجه من ~~وراء الصفوف لما قرأ ( إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله ( والنشيج رفع الصوت ~~بالبكاء كما فسره أبوعبيد وهذا محفوظ عن عمر ذكره مالك وأحمد وغيرهما وهذا ~~النزاع فيما إذا لم يكن مغلوبا # فأما ما يغلب عليه المصلى من عطاس وبكاء وتثاؤب فالصحيح عند الجمهور أنه ~~لا يبطل وهو منصوص أحمد وغيره وقد قال بعض أصحابه إنه يبطل وإن كان معذورا ~~كالناسى وكلام الناسى ms6880 فيه روايتان عن أحمد # أحدهما وهو مذهب أبى حنيفة أنه يبطل PageV22P623 # والثانى وهو مذهب مالك والشافعى أنه لا يبطل وهذا أظهر وهذا اولى من ~~الناسى لأن هذه أمور معتادة لا يمكنه دفعها وقد ثبت أن النبى قال ( التثاؤب ~~من الشيطان ( فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما إستطاع ( # وأيضا فقد ثبت حديث الذى عطس في الصلاة وشمته معاوية بن الحكم السلمى ~~فنهى النبى صلى الله عليه وسلم معاوية عن الكلام في الصلاة ولم يقل للعاطس ~~شيئا والقول بأن العطاس يبطل تكليف من الأقوال المحدثة التى لا أصل لها عن ~~السلف رضى الله عنهم # وقد تبين أن هذه الأصوات الحلقية التى لا تدل بالوضع فيها نزاع في مذهب ~~أبى حنيفة ومالك وأحمد وأن الاظهر فيها جميعا أنها لا تبطل فإن الأصوات من ~~جنس الحركات وكما أن العمل اليسير لا يبطل فالصوت اليسير لا يبطل بخلاف صوت ~~القهقهة فإنه بمنزلة العمل اليسير وذلك ينافى الصلاة بل القهقهة تنافى ~~مقصود الصلاة أكثر ولهذا لا تجوز فيها بحال بخلاف العمل الكثير فإنه يرخص ~~فيه للضرورة والله أعلم PageV22P624 ### |||| وسئل # عما إذا قرأ القرآن ويعد في الصلاة بسبحة هل تبطل صلاته أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # إن كان المراد بهذا السؤال أن يعد الآيات أو يعد تكرار السورة الواحدة ~~مثل قوله @QB@ قل هو الله أحد @QE@ بالسبحة فهذا لا بأس به وإن أريد ~~بالسؤال شيء آخر فليبينه والله اعلم # ( ### |||| وسئل ( # هل للإنسان إذا دخل المسجد والناس في الصلاة أن يجهر بالسلام أو لا خشية ~~أن يرد عليه من هو جاهل بالسلام ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله إن كان المصلى يحسن الرد بالإشارة فإذا سلم عليه فلا بأس كما ~~كان الصحابة يسلمون على النبى وهو يرد عليهم بالإشارة وإن لم يحسن الرد بل ~~قد يتكلم فلا ينبغى إدخاله فيما يقطع صلاته أو يترك به الرد الواجب عليه ~~والله أعلم PageV22P625 ### |||| وسئل ( # عن المرور بين يدى المأموم هل هو في النهى كغيره مثل الإمام والمنفرد أم ~~لا ( ### ||||| فأجاب ( # المنهى عنه إنما هو بين يدى الإمام والمنفرد ms6881 وإستدلوا بحديث إبن عباس رضى ~~الله عنهما والله أعلم # PageV22P626 ### || 1 (كتب الفقه الجزء الثالث) # بسم الله الرحمن الرحيم ! 8 < ### ||| 2 باب سجود السهو 2 # ! 8 < قال الشيخ رحمه الله # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله الا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما ! 8 < ### ||| فصل في سجود السهو # ( # والمهم منه أمور منها مسائل الشك ومنها محله هل هو قبل السلام أو بعده ~~ومنها # وجوبه فنقول ولا حول ولا قوة الا بالله أما الشك ففيه عن النبى ( ( ~~أحاديث صحيحة وهى كلها متفقة ولله الحمد وانما تنازع الناس لكون بعضهم لم ~~يفهم مراده ففى الصحيحين عن أبى PageV23P005 هريرة أن رسول الله ( ( قال ( ~~ان أحدكم اذا قام يصلى جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدرى كم صلى فاذا وجد ~~احدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس ( # وفى الصحيحين أيضا عنه أن رسول الله ( ( قال ( اذا نودي بالصلاة أدبر ~~الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الاذان فاذا قضى الاذان أقبل فاذا ثوب بها ~~أدبر فاذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا اذكر ~~كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدرى كم صلى فاذا لم يدر أحدكم كم ~~صلى فليسجد سجدتين وهو جالس ( وفى لفظ للبخارى ( فاذا لم يدر أحدكم كم صلى ~~ثلاثا أو أربعا فليسجد سجدتين وهو جالس ( وفى لفظ ( يسجد سجدتى السهو ( ففى ~~هذا الحديث الصحيح الأمر بسجدتى السهو اذا لم يدر كم صلى وهو يقتضى وجوب ~~السجود كقول الجمهور وفيه أنه سماهما سجدتى السهو فدل على أنهما لا يشرعان ~~الا للسهو كقول الجمهور # وقوله ( فليسجد سجدتين وهو جالس ( مطلق لم يعين فيه لا قبل السلام ولا ~~بعده لكن أمر بهما قبل قيامه ففى صحيح مسلم وغيره عن أبى سعيد الخدرى قال ~~قال رسول الله ( صلى ms6882 الله عليه وسلم ( اذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم ~~صلى ثلاثا أم أربعا PageV23P006 فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد ~~سجدتين قبل أن يسلم فان كان صلى خمسا شفعتا له صلاته وان كان صلى تماما ~~لأربع كانتا ترغيما للشيطان ( ففى هذا الحديث أنه اذا شك فلم يدر فليطرح ~~الشك وفيه الأمر بسجدتين قبل السلام وقوله ( اذا شك هو موضع اختلاف فهم ~~الناس # منهم من فهم أن كل من لم يقطع فهو شاك وان كان أحد الجانبين راجحا عنده ~~فجعلوا من غلب على ظنه وان وافقه المأمومون شاكا وأمروه أن يطرح ما شك فيه ~~ويبنى على ما استيقن وقالوا الأصل عدم ما شك فيه فرجحوا استصحاب الحال ~~مطلقا وان قامت الشواهد والدلائل بخلافه ولم يعتبروا التحرى بحال # ومنهم من فسر قول النبى ( ( في الحديث الآخر ( فليتحر ( أنه البناء على ~~اليقين ومنهم طائفة قالوا ان كان اماما فالمراد به الشك المتساوى وان كان ~~منفردا فالمراد به ما قاله أولئك # وقالت طائفة ثالثة بل المراد بالشك ما استوى فيه الطرفان أو تقاربا وأما ~~اذا ترجح أحدهما فانه يعمل بالراجح وهو التحرى وعن الامام أحمد ثلاث روايات ~~كالاقوال الثلاثة # والأول هو قول مالك والشافعى واختيار كثير من أصحاب أحمد PageV23P007 ~~والثانى قول الخرقى وأبى محمد وقال انه المشهور عن أحمد # والثالث قول كثير من السلف والخلف ويروى عن على وبن مسعود وغيرهما وهو ~~مذهب أبى حنيفة وأصحابه فيما اذا تكرر السهو قال أحمد في رواية الاثرم بين ~~التحرى واليقين فرق أما حديث عبد الرحمن بن عوف فيقول ( اذا لم يدر أثلاثا ~~صلى أو اثنتين جعلهما اثنتين ( قال فهذا عمل على اليقين فبنى عليه والذى ~~يتحرى يكون قد صلى ثلاثا فيدخل قلبه شك انه انما صلى اثنتين الا ان اكثر ما ~~في نفسى أنه قد صلى ثلاثا وقد دخل قلبه شيء فهذا يتحرى اصوب ذلك ويسجد بعد ~~السلام قال فبينهما فرق # قلت حديث عبد الرحمن بن عوف الذى ذكره أحمد هو نظير حديث ms6883 أبى سعيد وهو في ~~السنن وقد صححهما الترمذى وغيره وعن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ( ( ~~قال ( اذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص فان كان شك في الواحدة ~~والثنتين فليجعلهما واحدة فان لم يدر اثنتين صلى أو ثلاثا فليجعلهما اثنتين ~~فان لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليجعلهما ثلاثا حتى يكون الشك في الزيادة ~~ثم ليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم ثم يسلم PageV23P008 # ومن أصح أحاديث الباب حديث بن مسعود في التحرى فانه أخرجاه في الصحيحين ~~وحديث أبى سعيد انفرد به مسلم لكن حديث عبد الرحمن بن عوف شاهد له فهما ~~نظير حديث بن مسعود في الصحيحين عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ~~قال ( صلى رسول الله ( ( قال إبراهيم زاد أو نقص فلما سلم قيل له يا رسول ~~الله أحدث في الصلاة شيء قال وما ذاك قالوا صليت كذا وكذا قال فثنى رجليه ~~واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل علينا بوجهه فقال أنه لو حدث في ~~الصلاة شيء أنبأتكم به ولكن انما أنا بشر أنسى كما تنسون فاذا نسيت فذكرونى ~~واذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين # وللبخارى في بعض طرقه ( قيل يا رسول الله اقصرت الصلاة أم نسيت قال وما ~~ذاك قالوا صليت كذا وكذا قال فسجد بهم سجدتين ثم قال هاتان السجدتان لمن لا ~~يدرى زاد في صلاته أو نقص فيتحرى الصواب فيتم عليه ثم يسجد سجدتين ( وفى ~~رواية له ( فليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين ( وفى رواية لمسلم ( فلينظر ~~أحرى ذلك إلى الصواب ( وفى رواية له ( فليتحر الذى يرى أنه صواب ( وفى ~~رواية ( فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب PageV23P009 وفى # الصحيحين عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال ( صلينا مع رسول الله ( ( ~~فاما زاد أو نقص قال إبراهيم وايم الله ما ذاك الا من قبلى فقلنا يا رسول ~~الله أحدث في الصلاة شيء فقال لا فقلنا له الذى صنع فقال ms6884 اذا زاد أو نقص ~~فليسجد سجدتين قال ثم سجد سجدتين ( وقد تأوله بعض أهل القول على أن التحرى ~~هو طرح المشكوك فيه والبناء على اليقين وهذا ضعيف لوجوه # منها أن في سنن أبى داود والمسند وغيرهما ( اذا كنت في صلاة فشككت في ~~ثلاث وأربع وأكثر من أربع تشهدت ثم سجدت وأنت جالس ( # ومنها أن الألفاظ صريحة في أنه يتحرى ما يرى أنه الصواب سواء كان هو ~~الزائد أو الناقص ولو كان مأمورا مطلقا بطرح المشكوك فيه لم يكن هناك تحرى ~~للصواب # ومنها أن بن مسعود هو راوى الحديث وبذلك فسره وعنه أخذ ذلك أهل الكوفة ~~قرنا بعد قرن كابراهيم وأتباعه وعنه أخذ ذلك أبو حنيفة وأصحابه # ومنها أنه هنا أمر بالسجدتين بعد السلام وفى حديث أبى PageV23P010 سعيد ~~أمر بالسجدتين قبل السلام ومنها أنه قال هناك ( ان كان صلى خمسا شفعتا له ~~صلاته وان كان صلى اتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان ( فتبين أنه يبنى على ~~اليقين وهو شاك هل زاد أو نقص هل صلى أربعا أو خمسا وبين مصلحة السجدتين ~~على تقدير النقيضين # وفي حديث بن مسعود قال ( فيتحرى الصواب فيتم عليه ثم يسجد سجدتين ( وفى ~~لفظ ( فيتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين ( فجعل ما فعله بعد التحرى تماما ~~لصلاته وجعله هنا متما لصلاته ليس شاكا فيها لكن لفظ الشك يراد به تارة ما ~~ليس بيقين وان كان هناك دلائل وشواهد عليه حتى قد قيل في قوله ( نحن أحق ~~بالشك من إبراهيم ( أنه جعل ما دون طمأنينة القلب التى طلبها إبراهيم شكا ~~وان كان إبراهيم موقنا ليس عنده شك يقدح في يقينه ولهذا لما قال له ربه ( ~~أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى ( وقال تعالى ( وكذلك نرى إبراهيم ~~ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ( # فاذا كان قد سمى مثل هذا شكا في قوله ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ( فكيف ~~بمن لا يقين عنده فمن عمل بأقوى الدليلين PageV23P011 فقد عمل بعلم لم يعمل ~~بظن ولا شك وان كان لا يوقن ms6885 أن ليس هناك دليل أقوى من الدليل الذى عمل به ~~واجتهاد العلماء من هذا الباب والحاكم اذا حكم بشهادة العدلين حكم بعلم لا ~~بظن وجهل وكذلك اذا حكم باقرار المقر وهو شهادته على نفسه ومع هذا فيجوز أن ~~يكون الباطن بخلاف ما ظهر كما قال النبى ( ( في الحديث الصحيح ( انكم ~~تختصمون إلى ولعل بعضكم ان يكون ألحن بحجته من بعض وانما أقضى بنحو مما ~~أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فانما أقطع له قطعة من النار ( # واذا كان لديك معلوم أن مثل هذا الشك لم يرده النبى ( ( بقوله ( اذا شك ~~أحدكم ( بل أكثر الخلق لا يجزمون جزما يقينيا لا يحتمل الشك بعد لكل صلاة ~~صلاها ولكن يعتقدون عدد الصلاة اعتقادا راجحا وهذا ليس بشك وقوله ( ( اذا ~~شك أحدكم ( انما هو حال من ليس له اعتقاد راجح وظن غالب فهذا اذا تحرى ~~وارتأى وتأمل فقد يظهر له رجحان أحد الامرين فلا يبقى شاكا وهو المذكور في ~~حديث بن مسعود فانه كان شاكا قبل التحرى وبعد التحرى ما بقى شاكا مثل سائر ~~مواضع التحرى كما اذا شك في القبلة فتحرى حتى ترجح عنده أحد الجهات فانه لم ~~يبق شاكا وكذلك العالم المجتهد والناسى اذا ذكر وغير ذلك PageV23P012 وقوله ~~في حديث أبى سعيد ( اذا شك أحدكم ( خطاب لمن استمر الشك في حقه بأن لا يكون ~~قادرا على التحرى اذ ليس عنده امارة ودلالة ترجح أحد الامرين أو تحرى ~~وارتأى فلم يترجح عنده شيء ومن قال ليس هنا دلالة تبين أحد الأمرين غلط فقد ~~يستدل على ذلك بموافقة المأمومين اذا كان اماما وقد يستدل بمخبر يخبره وان ~~لم يكن معه في الصلاة فيحصل له بذلك اعتقاد راجح وقد يتذكر ما قرأ به في ~~الصلاة فيذكر أنه قرأ بسورتين في ركعتين فيعلم أنه صلى ركعتين لا ركعة وقد ~~يذكر أنه تشهد التشهد الأول فيعلم أنه صلى ثنتين لا واحدة وأنه صلى ثلاثا ~~لا اثنتين وقد يذكر أنه قرأ الفاتحة وحدها في ms6886 ركعة ثم في ركعة فيعلم أنه ~~صلى أربعا لا ثلاثا وقد يذكر أنه صلى بعد التشهد الأول ركعتين فيعلم أنه ~~صلى أربعا لاثلاثا واثنتين لا واحدة وقد يذكر أنه تشهد التشهد الأول والشك ~~بعده في ركعة فيعلم أنه صلى ثلاثا لا اثنتين # ومنها أنه قد يعرض له في بعض الركعات اما من دعاء وخشوع واما من سعال ~~ونحوه واما من غير ذلك ما يعرف به تلك الركعة ويعلم أنه قد صلى قبلها واحدة ~~أو اثنتين أو ثلاثا فيزول الشك وهذا باب لا ينضبط فان الناس دائما يشكون في ~~أمور هل كانت أم لم تكن ثم يتذكرون ويستدلون بأمور على أنها كانت فيزول ~~PageV23P013 الشك فاذا تحرى الذى هو أقرب للصواب أزال الشك ولا فرق في هذا ~~بين أن يكون اماما أو منفردا # ثم اذا تحرى الصواب ورأى أنه صلى أربعا كان اذا صلى خامسة قد صلى في ~~اعتقاده خمس ركعات وهو لم يؤمر بذلك بخلاف الشك المتساوى فانه لابد معه من ~~الشك في الزيادة والنقص والشك في الزيادة أولى فان ما زاده مع الشك مثل ما ~~زاده سهوا وذلك لا يبطل صلاته وأما اذا شك في النقص فهو شاك في فعل ما أمر ~~به فلم تبرأ ذمته منه # وأيضا فالأقوال الممكنة في هذا الباب اما أن يقال يطرح الشك مطلقا ولا ~~يتحرى أو يحمل التحرى على طرح الشك فهذا مخالفة صريحة لحديث بن مسعود واما ~~أن يستعمل هذا في حق الامام وهذا في حق المنفرد ومعلوم أن كلا الحديثين ~~خطاب للمصلين لم يخاطب بأحدهما الائمة وبالاخر المنفردين ولا في لفظ واحد ~~من الحديثين ما يدل على ذلك فجعل هذا هو مراد الرسول من غير أن يكون في ~~كلامه ما يدل عليه نسبة له إلى التدليس والتلبيس وهو منزه عن ذلك وأيضا فان ~~حديث أبى سعيد مع تساوى الشك متناول للجميع PageV23P014 بالاتفاق فاخراج ~~الائمة منه غير جائز وحديث بن مسعود متناول لما تناوله حديث أبى سعيد فلم ~~يبق الا القسم الثالث # وهو ms6887 أن كلاهما خطاب للشاك فذاك أمر له بالتحرى اذا أمكنه فيزول الشك ~~والثانى أمر له اذا لم يزل الشك ماذا يصنع # وهذا كما يقال للحاكم احكم بالبينة واحكم بالشهود ونحو ذلك فهذا مع ~~الامكان فاذا لم يمكن ذلك رجع إلى الاستصحاب وهو البراءة كذلك المصلى الشاك ~~يعمل بما يبين له الصواب فان تعذر ذلك رجع إلى الاستصحاب والله أعلم # ولأن العمل بالتحرى يقطع وسواس الشيطان أو يقلله بخلاف ما اذا لم يتحر ~~فلا يزال الشيطان يشككه فيما فعله أنه لم يفعله وقد قالوا أنه لو شك بعد ~~السلام هل ترك واجبا لم يلتفت إليه وما ذاك الا لأن الظاهر أنه سلم بعد ~~اتمامها فعلم أن الظاهر يقدم على الاستصحاب وعلى هذا عامة امور الشرع # ومثل هذا يقال في عدد الطواف والسعى ورمى الجمار وغير ذلك ومما يبين ذلك ~~أن التمسك بمجرد استصحاب حال العدم اضعف الادلة مطلقا وادنى دليل يرجح عليه ~~كاستصحاب براءة الذمة PageV23P015 في نفى الايجاب والتحريم فهذا باتفاق ~~الناس أضعف الادلة ولا يجوز المصير إليه باتفاق الناس الا بعد البحث التام ~~هل أدلة الشرع ما تقتضى الايجاب أو التحريم # ومن الناس من لا يجوز التمسك به في نفى الحكم بل في دفع الخصم ومنعه ~~فيقول أنا لا أثبت الايجاب ولا أنفيه بل أطالب من يثبته بالدليل أو أمنعه ~~أو أدفعه عن اثبات ايجاب بلا دليل كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبى ~~حنيفة وأما أهل الظاهر فهو عمدتهم لكن بعد البحث عن الادلة الشرعية ولا ~~يجوز الاخبار بانتفاء الاشياء وعدم وجودها بمجرد هذا لاستصحاب من غير ~~استدلال بما يقتضى عدمها ومن فعل ذلك كان كاذبا متكلما بلا علم وذلك لكثرة ~~ما يوجد في العالم والانسان لا يعرفه فعدم علمه ليس علما بالعدم ولا مجرد ~~كون الاصل عدم الحوادث يفيد العلم بانتفاء شيء منها الا بدليل يدل على ~~النفى لكن الاستصحاب يرجح به عند التعارض وما دل على الاثبات من أنواع ~~الادلة فهو راجح على مجرد استصحاب النفى ms6888 وهذا هوالصواب الذى أمر المصلى أن ~~يتحراه فان ما دل على أنه صلى أربعا من أنواع الادلة راجح على استصحاب عدم ~~الصلاة وهذا حقيقة هذه المسألة PageV23P016 ### ||| فصل # وأما ( المسألة الثانية ( وهى محل السجود هل هو قبل السلام أو بعده ففى ~~ذلك أقوال مشهورة قيل كله قبل السلام وقيل كله بعده وقيل بالفرق بين ~~الزيادة والنقصان وعلى هذا ففى الشك نزاع # وقيل بأن الأصل أن تسجد قبل السلام لكن ما جاءت السنة بالسجود فيه بعد ~~السلام سجد بعده لأجل النص والباقى على الأصل وهذا هو المشهور عن أحمد # والاول قول الشافعى والثانى قول أبى حنيفة والثالث قول مالك وأحمد واختلف ~~عنه فروى عنه فيما اذا صلى خمسا هل يسجد قبل السلام أو بعده على روايتين ~~وقد حكى عنه رواية بأنه كله قبل السلام لكن لم نجد بهذا لفظا عنه وحكى عنه ~~أنه كله بعد السلام وهذا غلط محض # والقاضى وغيره يقولون لم يختلف كلام الامام أحمد ان بعضه PageV23P017 قبل ~~السلام وبعضه بعده قال القاضي أبو يعلى لا يختلف قول أحمد في هذين الموضعين ~~أن يسجد لهما بعد السلام اذا سلم وقد بقى عليه ركعة أو اكثر واذا شك وتحرى ~~قال أحمد في رواية الاثرم أنا اقول كل سهو جاء عن النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ( أنه سجد فيه بعد السلام فانه يسجد فيه بعد السلام وسائر السجود يسجد ~~فيه قبل السلام هو أصح في المعنى وذلك أنه من شأن الصلاة فيقضيه قبل أن ~~يسلم ثم قال فسجد النبى ( صلى الله عليه وسلم ( في ثلاثة مواضع بعد السلام ~~وفى غيرها قبل السلام قلت اشرح المواضع الثلاثة التى بعد السلام قال سلم من ~~ركعتين فسجد بعد السلام هذا حديث ذى اليدين وسلم من ثلاث فسجد بعد السلام ~~هذا حديث عمران بن حصين وحديث بن مسعود في التحرى سجد بعد السلام # قال أبو محمد قال القاضي لا يختلف قول أحمد في هذين الموضعين أنه يسجد ~~لهما بعد السلام قال واختلف قوله في من سهى ms6889 فصلى خمسا هل يسجد قبل السلام ~~أو بعده على روايتين وما عدا هذه المواضع الثلاثة يسجد لها قبل السلام ~~رواية واحدة وبهذا قال سليمان بن داود وأبو خيثمة وبن المنذر قال وحكى أبو ~~الخطاب روايتين أخريين PageV23P018 # ( احداهما ( أن السجود كله قبل السلام وهو مذهب الشافعى # ( والثانية ( ان ما كان من نقص يسجد له قبل السلام لحديث بن بحينة وما ~~كان من زيادة سجد له بعد السلام لحديث ذى اليدين وحديث بن مسعود حين صلى ~~خمسا وهذا مذهب مالك وأبى ثور وقال أبو حنيفة وأصحابه وطائفة كله بعد ~~السلام # قلت أحمد يقول في الشك اذا طرحه وبنى على اليقين أنه يسجد له قبل السلام ~~كما ثبت في الحديث الصحيح فعلى قوله الموافق لمالك ما كان من نقص وشك فقبله ~~وما كان من زيادة فبعده وحكى عن مالك أنه يسجد بعد السلام لأنه يحتمل ~~للزيادة لا للنقص والزيادة التى اختلف فيها كلام أحمد هي ما اذا صلى خمسا ~~فقد ثبت في الصحيح أنه يسجد بعد السلام لكن هناك كان قد نسى وفى الصحيحين ~~عن بن مسعود قال ( صلى بنا رسول الله ( ( خمسا فلما انفتل شوش القوم بينهم ~~فقال ما شأنكم قالوا يا رسول الله زيد في الصلاة قال لا قالوا فانك قد صليت ~~خمسا فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم ثم قال انما أنا بشر أنسى كما تنسون ( ~~وفى رواية أنه قال ( انما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون ~~فاذا نسى أحدكم فليسجد PageV23P019 سجدتين وهو جالس ثم تحول رسول الله ( ( ~~فسجد سجدتين ( # وللبخارى عن بن مسعود ( أن النبى ( ( صلى الظهر خمسا فسجد سجدتين بعد ما ~~سلم ( وفى الصحيحين عن بن مسعود ( أن النبى ( ( سجد سجدتى السهو بعد السلام ~~والكلام # فهذا الموضع اختلف فيه كلام أحمد هل يسجد بعد السلام كما سجد النبى ( ( ~~أم يسجد قبله اذا ذكر قبل السلام والنبى ( ( انما سجد بعد السلام لكونه لم ~~يذكر حتى سلم وذكروه على احدى الروايتين عنده لا يكون السجود بعد السلام ms6890 ~~مختصا بمورد النص كما قاله الاكثرون كأبى حنيفة ومالك وغيرهما كما لا يكون ~~السجود قبل السلام مختصا بمورد النص كما قاله الاكثرون أبو حنيفة ومالك ~~وغيرهما بل الصواب أن السجود بعضه قبل السلام وبعضه بعده كما ثبتت بذلك ~~الاحاديث الصحيحة # ومن قال كله قبل السلام واحتج بحديث الزهري كان آخر الامرين السجود قبل ~~السلام فقد ادعى النسخ وهو ضعيف فان السجود بعد السلام في حديث ذى اليدين ~~فمالك والشافعى والجمهور PageV23P020 يقولون أنه ليس بمنسوخ وانما يقول أنه ~~منسوخ من يحتج بقول الزهري ان ذى اليدين مات قبل بدر وان هذه القصة كانت ~~متقدمة فقول الزهري بنسخه مبنى على هذا وهو ضعيف فان أبا هريرة صلى خلف ~~النبى ( ( في حديث ذى اليدين وانما أسلم عام خيبر فالذين يحتجون بقول ~~الزهري هنا قد ردوا قوله بالنسخ هناك والذين يقولون بنسخ حديث ذى اليدين هم ~~يأمرون بالسجود بعد السلام فكل من الطائفتين ادعت نسخ الحديث فيما يخالف ~~قولها بلا حجة والحديث محكم في أن الصلاة لا تبطل وفى أنه يسجد بعد السلام ~~ليس لواحد منهما عن النبى ( ( معارض ينسخه # وأيضا فالنسخ انما يكون بما يناقض المنسوخ والنبى ( ( سجد بعد السلام ولم ~~ينقل مسلم أنه نهى عن ذلك فبطل النسخ # واذا قيل انه سجد بعد ذلك قبل السلام فان كان في غير هذه الصورة كما في ~~حديث بن بحينة لما قام من الركعتين وفى حديث الشك فلا منافاة لكن هذا الظان ~~ظن أنه اذا سجد في صورة قبل السلام كان هذا نسخا للسجود بعده في صورة اخرى ~~وهذا غلط منه ولم ينقل عنه في صورة واحدة أنه سجد تارة قبل PageV23P021 ~~السلام وتارة بعده ولو نقل ذلك لدل على جواز الامرين فدعوى النسخ في هذا ~~الباب باطل # وكيف يجوز أن يبطل بأمره بالسجود بعد السلام في صورة وفعله له مما لا ~~يناقض ذلك ومن قال السجود كله بعد السلام واحتج بما في السنن من حديث ثوبان ~~( لكل سهو سجدتان بعد التسليم ( فهو ضعيف لأنه من ms6891 رواية بن عياش عن أهل ~~الحجاز وذلك ضعيف باتفاق أهل الحديث وبحديث بن جعفر ( من شك في صلاته ~~فليسجد سجدتين بعد ما يسلم ( ففيه بن أبى ليلى قال الاثرم لا يثبت واحد ~~منهما مع أن هذا قد يكون مثل حديث بن مسعود ( واذا شك فيتحرى ( ويكون هذا ~~مختصرا من ذاك # ومثل هذا لا يعارض الحديث الصحيح حديث أبى سعيد في الشك ( أنه أمر ~~بسجدتين قبل السلام ( وحديث بن بحينة الذى في الصحيحين الذى هو أصل من أصول ~~مسائل السهو لما ترك التشهد الاول وسجد قبل السلام فهذه الاحاديث الصحيحة ~~تبين ضعف قول كل من عمم فجعله كله قبله أو جعله كله بعده # بقى التفصيل فيقال الشارع حكيم لا يفرق بين الشيئين بلا فرق فلا يجعل بعض ~~السجود بعده وبعضه قبله الا لفرق بينهما PageV23P022 وقول من يقول القياس ~~يقتضى أنه كله قبله لكن خولف القياس في مواضع للنص فبقى فيما عداه على ~~القياس يحتاج في هذا إلى شيئين إلى أن يبين الدليل المقتضى لكونه كله قبله ~~ثم إلى بيان أن صورة الاستثناء اختصت بمعنى يوجب الفرق بينها وبين غيرها ~~والا فاذا كان المعنى الموجب للسجود قبل السلام شاملا للجميع امتنع من ~~الشارع أن يجعل بعض ذلك بعد السلام وان كان قد فرق لمعنى فلابد أن يكون ~~المعنى مختصا بصورة الاستثناء فاذا لم يعرف الفرق بين ما استثنى وبين ما ~~استبقى كان تفريقا بينهما بغير حجة # واذا قال علمت أن الموجب للسجود قبل السلام عام لكن لما استثنى النص ما ~~استثناه علمت وجود المعنى المعارض فيه # فيقال له فما لم يرد فيه نص جاز أن يكون فيه الموجب لما قبل السلام وجاز ~~أن يكون فيه الموجب لما بعد السلام فانك لا تعلم أن المعنى الذى أوجب كون ~~تلك الصور بعد السلام منتفيا عن غيرها ومع كون نوع من السجود بعد السلام ~~يمتنع أن يكون الموجب التام له قبل السلام عاما فما بقى معك معنى عام يعتمد ~~عليه في الجزم بأن المشكوك قبل ms6892 السلام ولا بأن المقتضى له بعد السلام مختص ~~بمورد النص فنفى التفريق قول بلا دليل يوجب الفرق وهو قول بتخصيص العلة من ~~غير بيان فوات شرط أو وجود مانع وهو الاستحسان المحض PageV23P023 الذى لم ~~يتبين فيه الفرق بين صورة الاستحسان وغيرها # وحينئذ فأظهر الاقوال الفرق بين الزيادة والنقص وبين الشك مع التحرى ~~والشك مع البناء على اليقين وهذا احدى الروايات عن أحمد وقول مالك قريب منه ~~وليس مثله فان هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلها فيه الفرق المعقول ~~وذلك أنه اذا كان في نقص كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر وجابرها ~~يكون قبل السلام لتتم به الصلاة فان السلام هو تحليل من الصلاة واذا كان من ~~زيادة كركعة لم يجمع في الصلاة بين زيادتين بل يكون السجود بعد السلام لأنه ~~ارغام للشيطان بمنزلة صلاة مستقلة جبر بها نقص صلاته فان النبى ( ( جعل ~~السجدتين كركعة # وكذلك اذا شك وتحرى فانه أتم صلاته وانما السجدتان لترغيم الشيطان فيكون ~~بعد السلام ومالك لا يقول بالتحرى ولا بالسجود بعد السلام فيه وكذلك اذا ~~سلم وقد بقى عليه بعض صلاته ثم أكملها فقد اتمها والسلام منها زيادة ~~والسجود في ذلك بعد السلام لأنه ارغام للشيطان PageV23P024 # وأما اذا شك ولم يتبين له الراجح فهنا اما أن يكون صلى أربعا أو خمسا فان ~~كان صلى خمسا فالسجدتان يشفعان له صلاته ليكون كأنه قد صلى ستا لا خمسا ~~وهذا انما يكون قبل السلام ومالك هنا يقول يسجد بعد السلام فهذا القول الذى ~~نصرناه هو الذى يستعمل فيه جميع الاحاديث لا يترك منها حديث مع استعمال ~~القياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص والحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من ~~المنصوص # ومما يوضح هذا أنه اذا كان مع السلام سهو سجد بعد السلام فيقال اذا زاد ~~غير السلام من جنس الصلاة كركعة ساهيا أو ركوع أو سجود ساهيا فهذه زيادة لو ~~تعمدها بطلت صلاته كالسلام فالحاقها بالسلام أولى من الحاقها بما اذا ترك ~~التشهد الاول أو ms6893 شك وبنى على اليقين # وقول القائل أن السجود من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام يقال له لو كان ~~هذا صحيحا لوجب أن يكون كله قبل السلام فلما ثبت أن بعضه بعد السلام علم ~~أنه ليس جنسه من شأن الصلاة الذى يقضيه قبل السلام وهذا معارض بقول من يقول ~~السجود ليس من موجب تحريم الصلاة فان التحريم انما أوجب الصلاة السليمة ~~وهذه الامور دعاوى لا يقوم عليها دليل بل يقال التحريم أوجب PageV23P025 ~~السجود الذى يجبر به الصلاة # ويقال من السجود ما يكون جبره للصلاة اذا كان بعد السلام لئلا يجتمع فيها ~~زيادتان ولأنه مع تمام الصلاة ارغام للشيطان ومعارضة له بنقيض قصده فانه ~~قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزيادة فأمر العبد أن يرغمه فيأتى ~~بسجدتين زائدتين بعد السلام ليكون زيادة في عبادة الله والسجود لله والتقرب ~~إلى الله الذى أراد الشيطان أن ينقصه على العبد فأراد الشيطان أن ينقص من ~~حسناته فأمره الله أن يتم صلاته وأن يرغم الشيطان وعفا الله للانسان عما ~~زاده في الصلاة نسيانا من سلام وركعة زائدة وغير ذلك فلا يأثم بذلك لكن قد ~~يكون تقربه ناقصا لنقصه فيما ينساه فأمره الله أن يكمل ذلك بسجدتين زائدتين ~~على الصلاة والله أعلم ### ||| فصل # وأما وجوبه فقد أمر به النبى ( ( في حديث أبى هريرة المتقدم لمجرد الشك ~~فقال ( اذا قام أحدكم يصلى جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته حتى لا يدرى كم ~~صلى فاذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس ( وأمر به فيما اذا طرح ~~الشك PageV23P026 فقال في حديث أبى سعيد ( فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ~~ثم يسجد سجدتين قبل ان يسلم فان كان صلى خمسا شفعتا له صلاته وان كان صلى ~~تماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان ( # وكذلك في حديث عبد الرحمن ثم ليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم ثم يسلم ~~( وأمر به في حديث بن مسعود حديث التحرى قال ( فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ~~ليسجد سجدتين وفى لفظ هاتان السجدتان لمن لا يدرى ms6894 ازاد في صلاته أم نقص ~~فيتحرى الصواب فيتم عليه ثم يسجد سجدتين ( وفى الحديث الآخر المتفق عليه ~~لابن مسعود ( فقلنا يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء فقال لا فقلنا له الذى ~~صنع فقال اذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين قال ثم سجد سجدتين ( فقد أمر ~~بالسجدتين اذا زاد أو اذا نقص ومراده اذا زاد ما نهى عنه أو نقص ما أمر به # ففى هذا ايجاب السجود لكل ما يترك مما امر به اذا تركه ساهيا ولم يكن ~~تركه ساهيا موجبا لاعادته بنفسه واذا زاد ما نهى عنه ساهيا فعلى هذا كل ~~مأمور به في الصلاة اذا تركه ساهيا فاما أن يعيده اذا ذكره واما أن يسجد ~~للسهو لابد من أحدهما PageV23P027 # فالصلاة نفسها اذا نسيها صلاها اذا ذكرها لا كفارة لها الا ذلك وكذلك اذا ~~نسى طهارتها كما أمر الذى ترك موضع لمعة من قدمه لم يصبها الماء أن يعيد ~~الوضوء والصلاة وكذلك اذا نسى ركعة كما في حديث ذى اليدين فانه لابد من فعل ~~ما نسيه اما مضموما إلى ما صلى وأما أن يبتدئ الصلاة فهذه خمسة أحاديث ~~صحيحة فيها كلها يأمر الساهى بسجدتى السهو وهو لما سهى عن التشهد الأول ~~سجدهما بالمسلمين قبل السلام ولما سلم في الصلاة من ركعتين أو من ثلاث صلى ~~ما بقى وسجدهما بالمسلمين بعد الصلاة ولما أذكروه أنه صلى خمسا سجدهما بعد ~~السلام والكلام # وهذا يقتضى مداومته عليهما وتوكيدهما وأنه لم يدعهما في السهو المقتضى ~~لها قط وهذه دلائل بينة واضحة على وجوبهما وهو قول جمهور العلماء وهو مذهب ~~مالك وأحمد وأبى حنيفة وليس مع من لم يوجبهما حجة تقارب ذلك # والشافعى انما لم يوجبهما لأنه ليس عنده في الصلاة واجب تصح الصلاة مع ~~تركه لا عمدا ولا سهوا وجمهور العلماء الثلاثة وغيرهم يجعلون من واجبات ~~الصلاة ما لا يبطل تركه الصلاة لكن مالك وأحمد وغيرهما يقولون لا تبطل ~~الصلاة بعمده وعليه الاعادة ويجب بتركه سهوا سجود السهو وأبو حنيفة يقول ~~اذا تركه ms6895 عمدا كان مسيئا PageV23P028 وكانت صلاته ناقصة ولا اعادة عليه ~~وأما ما يزيده عمدا فكلهم يقول ان فيه ما تبطل الصلاة مع عمده دون سهوه لكن ~~هو في حال العمد مبطل فلا سجود وفى حال السهو يقولون قد عفى عنه فلا يجب ~~السجود # وقد احتج بعضهم بما روى أن النبى ( ( قال في حديث الشك ( كانت الركعة ~~والسجدتان نافلة ( وهذا لفظ ليس في الصحيح ولفظ الصحيح ( فليطرح الشك وليبن ~~على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فان كان صلى خمسا شفعتا له صلاته ~~وان كان صلى تماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان ( فقد أمر فيه بالسجود وبين ~~حكمته سواء كان صلى خمسا أو أربعا فقال ( فان كان صلى خمسا شفعتا له صلاته ~~( وهذا يقتضى أن التطوع بالوتر لا يجوز بل قد أمر الله أن يوتر صلاة النهار ~~بالمغرب وصلاة الليل بالوتر # وهنا لما كان مع الشك قد صلى خمسا وهو لا يعلم جعل السجدتين قائمة مقام ~~ركعة فشفعتا له صلاته قال ( وان كان صلى تماما لأربع فلم يزد في الصلاة ~~شيئا كانتا ترغيما للشيطان ( فهذا اللفظ وهو قوله ( كانت الركعة والسجدتان ~~نافلة له ( لا يمكن أن يستدل به حتى يثبت أنه من قول النبى PageV23P029 ~~فكيف ولفظه الذى في الصحيح يقتضى وجوبهما وجوب الركعة والسجدتين والركعة قد ~~اتفق العلماء على وجوبها فحيث قيل أن الشاك يطرح الشك ويبنى على ما استيقن ~~كانت الركعة المشكوك فيها واجبة # واذا كانت واجبة بالنص والاتفاق واللفظ المروى هوفيها وفى السجود مع أن ~~السجود أيضا مأمور به كما أمر بالركعة علم أن ما ذكر لا ينافى وجوب ~~السجدتين كما لا ينافى وجوب الركعة وان كان هذا اللفظ قد قاله الرسول ~~فمعناه أنه مأمور بذلك مع الشك فعلى تقدير أن تكون صلاته تامة في نفس الأمر ~~لم ينقص منها شيء يكون ذلك زيادة في عمله وله فيه أجر كما في النافلة وهذا ~~فعل كل من احتاط فأدى ما يشك في وجوبه إن كان واجبا والا كانت نافلة له ms6896 فهو ~~انما جعلها نافلة في نفس الأمر على تقدير اتمام الاربع ولكن هو لما شك حصل ~~بنفس شكه نقص في صلاته فأمر بهما وان كان صلى أربعا ترغيما للشيطان # وهذا كما يأمرون من يشك في غير الواجب بأن يفعل ما يتبين به براءة الذمة ~~والواجب في نفس الامر واحد والزيادة نافلة وكذلك يؤمر من اشتبهت أخته من ~~الرضاع بأجنبية باجتنابهما والمحرم في نفس الأمر واحد فذلك المشكوك فيه ~~يسمى واجبا باعتبار أن عليه PageV23P030 أن يفعله ويسمى نافلة على تقدير أى ~~هو مثاب عليه مأجور عليه ليس هو عملا ضائعا كالنوافل وأنه لم يك في نفس ~~الأمر واجبا عليه لكن وجب لأجل الشك مع أن احدى الروايتين عن أحمد أنه يجبر ~~المعادة مع امام الحى # ويسمى نافلة لأمر النبى ( ( بذلك وكذلك قوله في حديث أبى ذر ( صل الصلاة ~~لوقتها ثم اجعل صلاتك معهم نافلة ولا تقل انى قد صليت ( فهي نافلة أي زائدة ~~على الفرائض الخمس الاصلية وان كانت واجبة بسبب آخر كالواجب بالنذر # وكثير من السلف يريدون بلفظ النافلة ما كان زيادة في الحسنات وذلك لمن لا ~~ذنب له ولهذا قالوا في قوله ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ( ان النافلة ~~مختصة برسول الله ( لأن الله غفر له وغيره له ذنوب فالصلوات تكون سببا ~~لمغفرتها وهذا القول وان كان فيه كلام ليس هذا موضعه فالمقصود ان لفظ ~~النافلة توسع فيه فقد يسمى به ما أمر به وقد ينفى عن التطوع # فقد تبين وجوب سجود السهو وسببه اما نقص واما زيادة كما قال في الصحيحين ~~( اذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين ( فالنقص كما في حديث بن بحينة لما ترك ~~التشهد الأول سجد والزيادة PageV23P031 كما سجد لما صلى خمسا وامر به الشاك ~~الذى لا يدرى ازاد أم نقص فهذه أسبابه في كلام النبى ( ( اما الزيادة واما ~~النقص واما الشك وقد تبين أنه في النقص والشك يسجد قبل السلام وفى الزيادة ~~بعده ### ||| فصل # واذا كان واجبا فتركه عمدا أو سهوا ترك الذى قبل ms6897 السلام أو بعده ففيه ~~اقوال متعددة في مذهب أحمد وغيره # قيل ان ترك ما قبل السلام عمدا بطلت صلاته وان تركه سهوا لم تبطل كالتشهد ~~الاول وغيره من الواجبات وما بعده لا يبطل بحال لأنه جبران بعد السلام فلا ~~يبطلها وهذا اختيار كثير من اصحاب أحمد # وقيل ان ترك ما قبل السلام يبطل مطلقا فان تركه سهوا فذكر قريبا سجد وان ~~طال الفصل أعاد الصلاة وهو منقول رواية عن أحمد وهو قول مالك وأبى ثور ~~وغيرهما وهذا القول أصح من الذى قبله فانه اذا كان واجبا في الصلاة فلم يأت ~~به سهوا لم تبرأ ذمته منه وان كان لا يأثم كالصلاة نفسها فانه اذا نسيها ~~صلاها PageV23P032 اذا ذكرها فهكذا ما ينساه من واجباتها لابد من فعله اذا ~~ذكر اما بأن يفعله مضافا إلى الصلاة واما بأن يبتدئ الصلاة فلا تبرأ الذمة ~~من الصلاة ولا من اجزائها الواجبة الا بفعلها والواجبات التى قيل أنها تسقط ~~بالسهو كالتشهد الأول لم يقل أنها تسقط إلى غير بدل بل سقطت إلى بدل وهو ~~سجود السهو بخلاف الأركان التى لا بدل لها كالركوع والسجود فاما أن يقال ~~انها واجبة في الصلاة وانها تسقط إلى غير بدل فهذا ما علمنا أحدا قاله وان ~~قاله قائل فهو ضعيف مخالف للأصول فهذان قولان في الواجب قبل السلام اذا ~~تركه سهوا # وأما الواجب بعده فالنزاع فيه قريب فمال كثير ممن قال ان ذلك واجب إلى أن ~~ترك هذا لا يبطل لأنه جبر للعبادة خارج عنها فلم تبطل كجبران الحج ونقل عن ~~أحمد ما يدل على بطلان الصلاة اذا ترك السجود المشروع بعد السلام وقد نقل ~~الاثرم عن أحمد الوقف في هذه المسألة فنقل عنه فيمن نسى سجود السهو فقال ~~اذا كان في سهو خفيف فأرجو أن لا يكون عليه قلت فان كان فيما سهى فيه النبى ~~( ( فقال هاه ولم يجب قال فبلغنى عنه أنه يستحب أن يعيده و ( مسائل الوقف ( ~~يخرجها أصحابه على وجهين PageV23P033 وفى # الجملة فقيل يعيد اذا ms6898 تركه عامدا وقيل اذا تركه عامدا أو ساهيا والصحيح ~~أنه لابد من هذا السجود أو من اعادة الصلاة فانه قد تنوزع إلى متى يسجد ~~فقيل يسجد ما دام في المسجد ما لم يطل الفصل وقيل يسجد وان طال الفصل ما ~~دام في المسجد وقيل يسجد وان خرج وتعدى # والمقصود أنه لابد منه أو من اعادة الصلاة لأنه واجب أمر به النبى ( ( ~~لتمام الصلاة فلا تبرأ ذمة العبد الا به واذا امر به بعد السلام من الصلاة ~~وقيل ان فعلته والا فعليك اعادة الصلاة لم يكن ممتنعا والمراد تكون الصلاة ~~باطلة أنه لم تبرأ بها الذمة ولا فرق في ذلك بين ما قبل السلام وما بعده ~~والله تعالى انما أباح له التسليم منها بشرط أن يسجد سجدتى السهو فاذا لم ~~يسجدهما لم يكن قد أباح الخروج منها فيكون قد سلم من الصلاة سلاما لم يؤمر ~~به فيبطل صلاته كما تقول في فاسخ الحج إلى التمتع انما ابيح له التحلل اذا ~~قصد أن يتمتع فيحج من عامه فاما ان قصد التحلل مطلقا لم يكن له ذلك وكان ~~باقيا على احرامه ولم يصح تحلله لكن الاحرام لا يخرج منه برفض المحرم ولا ~~بفعل شيء من محظوراته ولا بافساده بل هو باق فيه وان كان فاسدا بخلاف ~~الصلاة فانها تبطل بفعل ما ينافيها وما حرم فيها PageV23P034 # وقياسهم الصلاة على الحج باطل فان الواجبات التى يجبرها دم لو تعمد تركها ~~في الحج لم تبطل بل يجبرها والجبران في ذمته لا يسقط بحال والصلاة اذا ترك ~~واجبا فيها بطلت واذا قيل انه مجبور بالسجود فيقتضى أن السجود في ذمته كما ~~يجب في ذمته جبران الحج اما سقوط الواجب وبدله فهذا لا أصل له في الشرع ~~فقياس الحج أن يقال هذا السجود بعد السلام يبقى في ذمته إلى أن يفعله وهذا ~~القول غير ممتنع بخلاف قولهم يسقط إلى بدل لكن جبران الحج وهو الدم يفعل ~~مفردا بلا نزاع وأما هذا السجود فهل يفعل مفردا بعد طول الفصل ms6899 فيه نزاع # ونحن قلنا لابد منه أو من اعادة الصلاة فاذا قيل انه يفعل وان طال الفصل ~~كالصلاة المنسية فهذا متوجه قوى ودونه أن يقال وان تركه عمدا يفعله في وقت ~~آخر وان اثم بالتأخير كما لو أخر الصلاة المنسية بعد الذكر عمدا فليصلها ~~ويستغفر الله من تأخيرها وكذلك المفوتة عمدا عند من يقول بامكان اعادتها ~~يصليها ويستغفر الله من تأخيرها فهكذا السجدتان يصليهما حيث ذكرهما ويستغفر ~~الله من التأخير فهذا أيضا قول متوجه فان التحديد بطول الفصل وبغيره غير ~~مضبوط بالشرع # وكذلك الفرق بين المسجد وغيره ليس عليه دليل شرعى وكذلك PageV23P035 ~~الفرق بين ما قبل الحدث وبعده بل عليه أن يسجدهما بحسب الامكان والله أعلم ### ||| فصل # وما شرع قبل السلام أو بعده فهل ذلك على وجه الوجوب أو الاستحباب فيه ~~قولان في مذهب أحمد وغيره # ذهب كثير من أتباع الأئمة الأربعة إلى أن النزاع انما هو في الاستحباب ~~وأنه لو سجد للجميع قبل السلام أو بعده جاز # والقول الثانى ان ما شرعه قبل السلام يجب فعله قبله وما شرعه بعده لا ~~يفعل الا بعده وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره من الأئمة وهو الصحيح قال ~~النبى ( ( في حديث طرح الشك قال ( وليسجد سجدتين قبل أن يسلم ( وفى الرواية ~~الأخرى ( قبل أن يسلم ثم يسلم ( وفى حديث التحرى قال ( فليتحر الصواب فليبن ~~عليه ثم ليسجد سجدتين ( وفى رواية للبخارى ( فليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد ~~سجدتين ( فهذا أمر فيه بالسلام ثم بالسجود وذاك أمر فيه بالسجود قبل السلام ~~وكلاهما أمر منه يقتضى الايجاب PageV23P036 # ولما ذكر ما يعم القسمين قال ( اذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين ( وقال ( ~~فاذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس ( فلما ذكر النقص مطلقا ~~والزيادة مطلقا والشك أمر بسجدتين مطلقا ولم يقيدهما بما قبل السلام ولما ~~أمر بالتحرى أمر بالسجدتين بعد السلام فهذه أوامره ( ( في هذه الابواب لا ~~تعدل عنها ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة ms6900 من أمرهم ( ولكن من سجد قبل السلام مطلقا أو بعد السلام مطلقا ~~متأولا فلا شيء عليه وان تبين له فيما بعد السنة استأنف العمل فيما تبين له ~~ولا اعادة عليه # وكذلك كل من ترك واجبا لم يعلم وجوبه فاذا علم وجوبه فعله ولا تلزمه ~~الاعادة فيما مضى في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره # وكذلك من فعل محظورا في الصلاة لم يعلم أنه محظور ثم علم كمن كان يصلى في ~~أعطان الابل أو لا يتوضأ الوضوء الواجب الذى لم يعلم وجوبه كالوضوء من لحوم ~~الابل وهذا بخلاف الناسى فان العالم بالوجوب اذا نسى صلى متى ذكر كما قال ( ~~صلى الله عليه وسلم ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها ( وأما من ~~لم يعلم الوجوب فاذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها ولا اعادة عليه كما ثبت ~~في الصحيحين أن النبى ( ( قال للأعرابى PageV23P037 المسيء في صلاته ( ارجع ~~فصل فانك لم تصل ( قال والذى بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمنى ما يجزينى ~~في صلاتى فعلمه ( ( وقد أمره باعادة صلاة الوقت ولم يأمره باعادة ما مضى من ~~الصلاة مع قوله ( لا أحسن غير هذا ( # وكذلك لم يامر عمر وعمارا بقضاء الصلاة وعمر لما أجنب لم يصل وعمار تمرغ ~~كما تتمرغ الدابة ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة وهو جنب ولم يأمر ~~المستحاضة أن تقضى ما تركت مع قولها انى أستحاض حيضة شديدة منعتنى الصوم ~~والصلاة # ولم يأمر الذين أكلوا في رمضان حتى تبين لهم الحبال البيض من السود ~~بالاعادة والصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين ثم لما هاجر زيد في صلاة ~~الحضر ففرضت أربعا وكان بمكة وارض الحبشة والبوادى كثير من المسلمين لم ~~يعلموا بذلك الا بعد مدة وكانوا يصلون ركعتين فلم يأمرهم باعادة ما صلوا # كما لم يأمر الذين كانوا يصلون إلى القبلة المنسوخة بالاعادة مدة صلاتهم ~~اليها قبل أن يبلغهم الناسخ فعلم أنه لا فرق بين الخطاب المبتدأ والخطاب ~~الناسخ والركعتان الزائدتان ايجابهما مبتدأ وايجاب ms6901 الكعبة ناسخ وكذلك ~~التشهد وغيره إنما وجب في اثناء الأمر وكثير PageV23P038 من المسلمين لم ~~يبلغهم الوجوب إلا بعد مدة # ومن المنسوخ أن جماعة من أكابر الصحابة كانوا لا يغتسلون من الأقحاط بل ~~يرون الماء من الماء حتى ثبت عندهم النسخ ومنهم من لم يثبت عنده النسخ ~~وكانوا يصلون بدون الطهارة الواجبة شرعا لعدم علمهم بوجوبها ويصلى أحدهم ~~وهو جنب ### ||| فصل # اذا نسى السجود حتى فعل ما ينافى الصلاة من كلام وغيره فقد ثبت في ~~الصحيحين عن بن مسعود عن النبى ( ( أنه سجد بعد السلام والكلام ( فقد بين ~~ذلك في الصحيحين أنه صلى بهم الظهر خمسا فلما انفتل توشوش القوم فيما بينهم ~~فقال ما شأنكم قالوا يا رسول الله زيد في الصلاة قال لا قالوا فانك صليت ~~خمسا فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم ( وهذا قول جمهور العلماء وهو مذهب مالك ~~والشافعى وأحمد وغيره # وعن أبى حنيفة أنه ان تكلم بعد السلام سقط عنه سجود السهو لأن الكلام ~~ينافيها فهو كالحدث وعن الحسن ومحمد اذا صرف وجهه عن PageV23P039 القبلة لم ~~يبن ولم يسجد والصواب قول الجمهور كما نطقت به السنة فانه ( ( سجد بعد ~~انصرافه وانفتاله واقباله عليهم وبعد تحدثهم وبعد سؤاله لهم واجابتهم اياه ~~وحديث ذى اليدين أبلغ في هذا فانه صلى ركعتين ثم قام إلى خشبة معروضة في ~~المسجد فاتكأ عليها ثم قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت وأجابه ثم ~~سأل الصحابة فصدقوا ذا اليدين فعاد إلى مكانه فصلى الركعتين ثم سجد بعد ~~السلام سجدتى السهو وقد خرج السرعان من الناس يقولون قصرت الصلاة قصرت ~~الصلاة # وفى حديث عمران وهو في الصحيحين ( أنه سلم في ثلاث من العصر ثم دخل منزله ~~وقام إليه الخرباق فذكر له صنيعه وأنه خرج يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس ~~فقال أصدق هذا قالوا نعم ( وهذه القصة اما أن تكون غير الأولى واما أن تكون ~~هي اياها لكن اشتبه على احدى الراويين هل سلم من ركعتين أو من ثلاث وذكر ~~أحدهما قيامه إلى ms6902 الخشبة المعروضة في المسجد والآخر دخوله منزله ثم من بعد ~~هذا القول والعمل وخروجه من المسجد والسرعان من الناس لا ريب أنه امرهم بما ~~يعملون # فاما أن يكونوا عادوا أو بعضهم إلى المسجد فأتموا معه الصلاة بعد خروجهم ~~من المسجد وقولهم قصرت الصلاة قصرت الصلاة PageV23P040 واما أن يكونوا ~~أتموا لأنفسهم لما علموا السنة وعلى التقديرين فقد أتموا بعد العمل الكثير ~~والخروج من المسجد # واما أن يقال انهم أمروا باستئناف الصلاة فهذا لم ينقله أحد ولو أمر به ~~لنقل ولا ذنب لهم فيما فعلوا وهو في احدى صلوات الخوف يصلى بطائفة ركعة ~~والأخرى بازاء العدو ثم يمضون إلى مصاف أصحابهم وهم في الصلاة فيعملون عملا ~~ويستدبرون القبلة ثم يأتى أولئك فيصلى بهم ركعة ثم يمضون إلى مصاف أصحابهم ~~ثم يصلى هؤلاء لأنفسهم ركعة أخرى وهؤلاء ركعة أخرى وفى ذلك مشى كثير ~~واستدبار للقبلة وهم في الصلاة وقد يتأخر كل طائفة من هؤلاء وهؤلاء في ~~الركعة الاولى والثانية بمشيها إلى مصاف أصحابها ثم يجيء أصحابها إلى خلف ~~الامام ثم بصلاتهم خلف الامام ثم برجوعهم إلى مصاف اولئك ثم بعد هذا كله ~~يصلون الركعة الثانية وهم قيام فيها مع هذا العمل والانتظار لكن لا يصلون ~~الركعة الا بعد هذا كله فعلم أن الموالاة بين ركعات الصلاة لا تجب مع العدو ~~وموالاة السجدتين مع الصلاة أولى بخلاف الموالاة بين أبعاض الركعة وهذا ~~مذهب مالك وأحمد # ولهذا اذا نسى ركنا كالركوع مثلا فان ذكر في الأولى مثل أن يذكر بعد أن ~~يسجد السجدتين فانه يأتى بالركوع وما بعده PageV23P041 ويلغو ما فعله قبل ~~الركوع لأن الفصل يسير وهذا قول الجماعة وان شرع في الثانية اما في قراءتها ~~عندهم واما في ركوعها على قول الجماعة وان شرع في الثانية اما في قراءتها ~~عندهم واما في ركوعها على قول مالك فعند الشافعى يلغو ما فعله بعد الركوع ~~إلى أن يركع في الثانية فيقوم مقام ركوع الأولى وان طال الفصل ويلفق الركعة ~~من ركعتين وقد رجح أحمد هذا على ms6903 قول الكوفيين وحكى رواية عنه والمشهور عنه ~~وعن مالك أنهما لا يلفقان بل تلغو تلك الركعة المنسى ركنها وتقوم هذه ~~مقامهما فيكون ترك الموالاة مبطلا للركعة على أصلهما لا يفصل بين ركوعها ~~وسجودها بفاصل أجنبى عنها فان أدنى الصلاة ركعة وقد قال النبى ( ( من أدرك ~~ركعة من الصلاة فقد أدرك ( # والركعة انما تكون ركعة مع الموالاة اما اذا ركع ثم فعل أفعالا أجنبية عن ~~الصلاة ثم سجد لم تكن هذه ركعة مؤلفة من ركوع وسجود بل يكون ركوع مفرد ~~وسجود مفرد وهذا ليس بصلاة والسجود تابع للركوع فلا تكون صلاة الا بركوع ~~يتبعه سجود وسجود يتبعه ركوع وبسط هذا له موضع آخر # لكن هؤلاء لهم عذر الخوف وأولئك لهم عذر السهو وعدم العلم PageV23P042 # وقد اختلف في السجود والبناء بعد طول الفصل فقيل اذا طال الفصل لم يسجد ~~ولم يبن ولم يحد هؤلاء طول الفصل بغير قولهم وهذا قول كثير من اصحاب ~~الشافعى وأحمد كالقاضى أبى يعلى وغيره وهؤلاء يقولون قد تقصر المدة وان خرج ~~وقد تطول وان قعد # وقيل يسجد ما دام في المسجد فان خرج انقطع وهذا هو الذى ذكره الخرقى ~~وغيره وهو منصوص عن أحمد وهو قول الحكم وبن شبرمة وهذا حد بالمكان لا ~~بالزمان لكنه حد بمكان العبادة # وقيل كل منهما مانع من السجود طول الفصل والخروج من المسجد # وعن أحمد رواية أخرى أنه يسجد وان خرج من المسجد وتباعد وهو قول للشافعى ~~وهذا هو الأظهر فان تحديد ذلك بالمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع لا سيما ~~اذا كان الزمان غير مضبوط فطول الفصل وقصره ليس له حد معروف في عادات الناس ~~ليرجع إليه ولم يدل على ذلك دليل شرعى ولم يفرق الدليل الشرعى في السجود ~~والبناء بين طول الفصل وقصره ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه بل قد ~~دخل هو ( ( إلى منزله PageV23P043 وخرج السرعان من الناس كما تقدم ولو لم ~~يرد بذلك شرع فقد علم أن ذلك السلام لم يمنع بناء سائر الصلاة ms6904 عليها فكذلك ~~سجدتا السهو يسجدان متى ما ذكرهما # وان تركهما عمدا فاما أن يقال يسجدهما أيضا مع اثمه بالتأخير كما تفعل ~~جبرانات الحج وهى في ذمته إلى أن يفعلها فالموالاة فيها ليست شرطا كما ~~يشترط مع القدرة في الركعات فلو سلم من الصلاة عمدا بطلت صلاته باتفاق ~~الناس لأن الصلاة في نفسها عبادة واحدة لها تحليل وتحريم بخلاف السجدتين ~~بعد السلام فانهما يفعلان بعد تحليل الصلاة كما يفعل طواف الافاضة بعد ~~التحلل الأول # واما أن يقال الموالاة شرط فيها مع القدرة وانما تسقط بالعذر كالنسيان ~~والعجز كالموالاة بين ركعات الصلاة وعلى هذا فمتى أخرهما لغير عذر بطلت ~~صلاته اذ لم يشرع فصلهما عن الصلاة الا بالسلام فقط وأمر بهما عقب السلام ~~فمتى تكلم عمدا أو قام أو غير ذلك مما يقطع التتابع عالما عامدا بلا عذر ~~بطلت صلاته كما تبطل اذا ترك السجدتين قبل السلام PageV23P044 ### ||| فصل # فأما التكبير في سجود السهو ففى الصحيحين في حديث بن بحينة ( فلما أتم ~~صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه ~~مكان ما نسى من الجلوس ( هذا في السجود قبل السلام وأما بعده فحديث ذى ~~اليدين الذى في الصحيحين عن أبى هريرة قال ( فصلى ركعتين وسلم ثم كبر وسجد ~~ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر فرفع ( والتكبير قول عامة اهل العلم ولكن ~~تنازعوا في التشهد والتسليم على ثلاثة أقوال # فروى عن أنس والحسن وعطاء أنه ليس فيهما تشهد ولا تسليم ومن قال هذا قاله ~~تشبيها بسجود التلاوة لأنه سجود مفرد فلم يكن فيه تشهد ولا تسليم كسجود ~~التلاوة فانه لم ينقل أحد فيه عن النبى ( ( تسليما وكذلك قال أحمد وغيره ~~وقال أحمد أما التسليم فلا أدري ما هو وجمهور السلف على أنه لا تسليم فيه ~~ومن أثبت التسليم فيه أثبته قياسا وهو قياس ضعيف لأنه PageV23P045 جعله ~~صلاة وأضعف منه من أثبت فيه التشهد قياسا # والقول الثانى أن فيهما تشهد يتشهد ويسلم اذا سجدهما بعد السلام ms6905 وهذا ~~مروى عن بن عباس والنخعى والحكم وحماد والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد ~~وأصحاب الرأى # والثالث فيهما تسليم بغير تشهد وهو قول بن سيرين قال بن المنذر التسليم ~~فيهما ثابت من غير وجه وفى ثبوت التشهد نظر وعن عطاء ان شاء تشهد وسلم وان ~~شاء لم يفعل # قال أبو محمد ويحتمل أن لا يجب التشهد لأن ظاهر الحديثين الاولين أنه سلم ~~من غير تشهد وهى أصح من هذه الرواية ولأنه سجود مفرد فلم يجب له تشهد كسجود ~~التلاوة قلت أما التسليم فيهما فهو ثابت في الأحاديث الصحيحة حديث بن مسعود ~~وحديث عمران ففى الصحيحين من حديث بن مسعود كما تقدم ( قال صلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ( قال إبراهيم زاد أو نقص فلما سلم قيل له يا رسول الله ~~أحدث في الصلاة شيء قال وما ذاك قالوا صليت كذا وكذا قال فثنى رجليه ~~واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم اقبل علينا بوجهه ( الحديث ~~PageV23P046 # وفى الصحيحين أيضا من حديث عمران بن حصين قال ( فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد ~~سجدتين ثم سلم ( وكذلك ذكر محمد بن سيرين لما روى حديث أبى هريرة قال وثبت ~~أن عمران بن حصين قال ثم سلم وبن سيرين ما كان يروى الا عن ثقة والفرق بين ~~هاتين وبين سجود التلاوة ان هاتين صلاة وأنهما سجدتان وقد أقيمتا مقام ركعة ~~وجعلتا جابرتين لنقص الصلاة فجعل لهما تحليل كما لهما تحريم وهذه هي الصلاة ~~كما قال ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ( # وأما ( سجود التلاوة ( فهو خضوع لله وكان بن عمر وغيره يسجدون على غير ~~وضوء وعن عثمان بن عفان في الحائض تسمع السجدة قال تومئ برأسها وكذلك قال ~~سعيد بن المسيب قال ويقول اللهم لك سجدت وقال الشعبى من سمع السجدة وهو على ~~غير وضوء يسجد حيث كان وجهه وقد سجد رسول الله ( ( وسجد معه المسلمون ~~والمشركون والجن والانس ففعله الكافر والمسلم وسجد سحرة فرعون وعلى هذا ~~فليس بداخل في مسمى الصلاة # ولكن سجدتا السجود ms6906 يشبهان صلاة الجنازة فانها قيام مجرد لكن هي صلاة فيها ~~تحريم وتحليل ولهذا كان الصحابة يتطهرون لها PageV23P047 ورخص بن عباس في ~~التيمم لها اذا خشى الفوات وهو قول أبى حنيفة وأحمد في احدى الروايتين وهى ~~كسجدتى السهو يشترط لها استقبال الكعبة والاصطفاف كما في الصلاة والمؤتم ~~فيه تبع للامام لا يكبر قبله ولا يسلم قبله كما في الصلاة بخلاف سجود ~~التلاوة فانه عند كثير من أهل العلم يسجد وان لم يسجد القارئ # والحديث الذى يروى ( انك امامنا فلو سجدت لسجدنا ( من مراسيل عطاء وهو من ~~أضعف المراسيل قاله أحمد وغيره ومن قال إنه لا يسجد الا اذا سجد لم يجعله ~~مؤتما به من كل وجه فلا يشترط أن يكون المستمعون يسجدون جميعا صفا كما ~~يسجدون خلف الامام للسهو ولا يشترط أن يكون الامام امامه كما في الصلاة ~~وللمأموم أن يرفع قبل إمامه فعلم أنه ليس بمؤتم به في صلاة وان قيل أنه ~~مؤتم به في غير صلاة كائتمام المؤمن على الدعاء بالداعى وائتمام المستمع ~~بالقارئ ### ||| فصل # وأما التشهد في سجدتى السهو فاعتمد من اثبته على ما روى من حديث عمران بن ~~حصين ( أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( صلى بهم PageV23P048 فسهى فسجد ~~سجدتين ثم تشهد ثم سلم ( رواه أبو داود والترمذى وقال حديث حسن غريب # قلت كونه غريبا يقتضى أنه لا متابع لمن رواه بل قد انفرد به وهذا يوهى ~~هذا الحديث في مثل هذا فان رسول الله ( ( قد ثبت عنه أنه سجد بعد السلام ~~غير مرة كما في حديث بن مسعود لما صلى خمسا وفى حديث أبى هريرة حديث ذى ~~اليدين وعمران بن حصين لما سلم سواء كانت قضيتين أو قضية واحدة وثبت عنه ~~أنه قال ( اذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد ~~سجدتين ( وقال في حديث أبى هريرة الصحيح ( فاذا وجد أحدكم ذلك فليسجد ~~سجدتين ( وليس في شيء من اقواله امر بالتشهد بعد السجود ولا في الأحاديث ~~الصحيحة المتلقاة بالقبول أنه يتشهد ms6907 بعد السجود بل هذا التشهد بعد السجدتين ~~عمل طويل بقدر السجدتين أو أطول ومثل هذا مما يحفظ ويضبط وتتوفر الهمم ~~والدواعى على نقله فلو كان قد تشهد لذكر ذلك من ذكر أنه سجد وكان الداعى ~~إلى ذكر ذلك أقوى من الداعى إلى ذكر السلام وذكر التكبير عند الخفض والرفع ~~فان هذه أقوال خفيفة والتشهد عمل طويل فكيف ينقلون هذا ولا ينقلون هذا # وهذا التشهد عند من يقول به كالتشهد الاخير فانه يتعقبه السلام ~~PageV23P049 فتسن معه الصلاة على النبى ( ( والدعاء كما اذا صلى ركعتى ~~الفجر أو ركعة الوتر وتشهد ثم الذى في الصحيح من حديث عمران ليس فيه ذكر ~~التشهد فانفراد واحد بمثل هذه الزيادة التى تتوفر الهمم والدواعى على نقلها ~~يضعف أمرها ثم هذا المنفرد بها يجب أن ينظر لو انفرد بحديث هل يثبت أنه ~~شريعة للمسلمين # وأيضا فالتشهد انما شرع في صلاة تامة ذات ركوع وسجود لم يشرع في صلاة ~~الجنازة مع أنه يقرأ فيها بأم القرآن وسجدتا السهو لا قراءة فيهما فاذا لم ~~يشرع في صلاة فيها قراءة وليست بركوع وسجود فكذلك في صلاة ليس فيها قيام ~~ولا قراءة ولا ركوع # وقد يقال انه أولى وأنفع فليس هو مشروعا عقب سجدتى الصلب بل انما يتشهد ~~بعد ركعتين لا بعد كل سجدتين فاذا لم يتشهد عقب سجدتى الصلب وقد حصل بهما ~~ركعة تامة فان لا يتشهد عقب سجدتى السهو أولى وذلك أن عامة سجدتى السهو أن ~~يقوما مقام ركعة كما قال ( ( فان كان قد صلى خمسا شفعتا له صلاته وان كان ~~صلى لتمام كانتا ترغيما للشيطان ( فجعلهما كركعة لا كركعتين وهى ركعة متصلة ~~بغيرها ليست كركعة الوتر المستقلة بنفسها ولهذا وجبت فيها الموالاة ان ~~يسجدهما عقب السلام PageV23P050 لا يتعمد تأخيرهما فهو كما لو سجدهما قبل ~~السلام وقبل السلام لا يعيد التشهد بعدهما فكذلك لا يعيد بعد السلام # ولأن المقصود أن يختم صلاته بالسجود لا بالتشهد بدليل أن السجود قبل ~~السلام لم يشرع قبل التشهد بل انما شرع بعد التشهد ms6908 فعلم أنه جعل خاتما ~~للصلاة ليس بعده الا الخروج منها ولأن اعادة التشهد والدعاء يقتضى تكرير ~~ذلك مع قرب الفصل بينهما فلم يكن ذلك مشروعا كاعادته اذا سجد قبل السلام ~~ولأنه لو كان بعدهما تشهد لم يكن المشروع سجدتين # والنبى ( صلى الله عليه وسلم ( انما أمر بسجدتين فقط لا بزيادة على ذلك ~~وسماهما المرغمتين للشيطان فزيادة التشهد بعد السجود كزيادة القراءة قبل ~~السجود وزيادة تكبيرة الاحرام ومعلوم أنه لا افتتاح لهما بل يكبر للخفض لا ~~يكبر وهو قاعد فعلم أنهما داخلتان في تحريم الصلاة فيكونان جزءا من الصلاة ~~كما لو سجدهما قبل السلام فلا يختصان بتشهد ولكن يسلم منهما لأن السلام ~~الأول سقط فلم يكن سلاما منهما فان السلام انما يكون عند الخروج # وقد نفى بعض الصحابة والتابعين السلام منهما كما أنه لا تحريم لهما لكن ~~الصواب الفرق كما وردت به السنة الصحيحة والله أعلم PageV23P051 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن صلى بجماعة رباعية فسهى عن التشهد وقام فسبح بعضهم فلم يقعد وكمل ~~صلاته وسجد وسلم فقال جماعة كان ينبغى اقعاده وقال آخرون لو قعد بطلت صلاته ~~فأيهما على الصواب ### ||||| فأجاب # أما الامام الذى فاته التشهد الاول حتى قام فسبح به فلم يرجع وسجد ~~للسهو قبل السلام فقد احسن فيما فعل هكذا صح عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~( # ومن قال كان ينبغى له أن يقعد أخطأ بل الذى فعله هو الأحسن ومن قال لو ~~رجع بطلت صلاته فهذا فيه قولان للعلماء ( # أحدهما ( لو رجع بطلت صلاته وهو مذهب الشافعى وأحمد في رواية ( والثانى ( ~~اذا رجع قبل القراءة لم تبطل صلاته وهى الرواية المشهورة عن أحمد والله ~~اعلم PageV23P052 ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمام قام إلى خامسة فسبح به فلم يلتفت لقولهم وظن أنه لم يسه فهل ~~يقومون معه أم لا ### ||||| فأجاب # ان قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم لكن مع العلم لا ينبغى لهم أن ~~يتابعوه بل ينتظرونه حتى يسلم بهم أو يسلموا قبله والانتظار أحسن والله ~~اعلم PageV23P053 ### ||| ( 2 باب صلاة التطوع ms6909 2 ( ### |||| سئل شيخ الإسلام # أيما طلب القرآن أو العلم أفضل ### ||||| فأجاب # أما العلم الذى يجب على الإنسان ~~عينا كعلم ما امر الله به وما نهى الله عنه فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من ~~القرآن فان طلب العلم الأول واجب وطلب الثانى مستحب والواجب مقدم على ~~المستحب # وأما طلب حفظ القرآن فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علما وهو اما ~~باطل أو قليل النفع وهو ايضا مقدم في التعلم في حق من يريد أن يتعلم علم ~~الدين من الأصول والفروع فان المشروع في حق مثل هذا في هذه الاوقات أن يبدأ ~~بحفظ القرآن فانه اصل علوم الدين بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من ~~الأعاجم وغيرهم حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم من الكلام أو الجدال ~~PageV23P054 والخلاف أو الفروع النادرة أو التقليد الذى لا يحتاج إليه أو ~~غرائب الحديث التى لا تثبت ولا ينتفع بها وكثير من الرياضيات التى لا تقوم ~~عليها حجة ويترك حفظ القرآن الذى هو أهم من ذلك كله فلابد في مثل ( هذه ( ~~المسألة من التفصيل # والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به فان لم تكن هذه همة حافظه لم ~~يكن من اهل العلم والدين والله سبحانه أعلم ### |||| وسئل # عن تكرار القرآن والفقه أيهما أفضل وأكثر أجرا ### ||||| فأجاب # الحمد لله خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد ( ( وكلام ~~الله لا يقاس به كلام الخلق فان فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على ~~خلقه # وأما الأفضل في حق الشخص فهو بحسب حاجته ومنفعته فان كان يحفظ القرآن وهو ~~محتاج إلى تعلم غيره فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار التلاوة التى لا ~~يحتاج إلى تكرارها وكذلك ان كان حفظ من القرآن ما يكفيه وهو محتاج إلى علم ~~آخر PageV23P055 # وكذلك ان كان قد حفظ القرآن أو بعضه وهو لا يفهم معانيه فتعلمه لما يفهمه ~~من معانى القرآن أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه # وأما من تعبد بتلاوة الفقه فتعبده بتلاوة القرآن ms6910 أفضل وتدبره لمعانى ~~القرآن أفضل من تدبره لكلام لا يحتاج لتدبره والله أعلم ### |||| وسئل # عمن يحفظ القرآن أيما أفضل له تلاوة القرآن مع أمن النسيان أو التسبيح ~~وما عداه من الاستغفار والاذكار في سائر الاوقات مع علمه بما ورد في ( ~~الباقيات الصالحات ( و ( التهليل ( و ( لا حول ولا قوة الا بالله ( و ( سيد ~~الاستغفار ( و ( سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( ### ||||| فأجاب # الحمد لله جواب هذه المسألة ونحوها مبنى على أصلين فالأصل الاول ان ~~جنس تلاوة القرآن افضل من جنس الاذكار كما أن جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء ~~كما في الحديث الذى في صحيح مسلم عن النبى ( ( أنه قال ( أفضل الكلام بعد ~~القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله ~~أكبر PageV23P056 # وفى الترمذى عن أبى سعيد عنه ( ( أنه قال ( من شغله قراءة القرآن عن ذكرى ~~ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ( وكما في الحديث الذى في السنن في ~~الذى سأل النبى ( صلى الله عليه وسلم ( فقال انى لا أستطيع أن آخذ شيئا من ~~القرآن فعلمنى ما يجزئنى في صلاتى قال ( قل سبحان الله ولا اله الا الله ~~والله أكبر ( ولهذا كانت القراءة في الصلاة واجبة فان الائمة لا تعدل عنها ~~إلى الذكر الا عند العجز والبدل دون المبدل منه # وأيضا فالقراءة تشترط لها الطهارة الكبرى دون الذكر والدعاء وما لم يشرع ~~الا على الحال الأكمل فهو أفضل كما أن الصلاة لما اشترط لها الطهارتان كانت ~~افضل من مجرد القراءة كما قال النبى ( ( ( استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن ~~خير أعمالكم الصلاة ( ولهذا نص العلماء على أن افضل تطوع البدن الصلاة # وأيضا فما يكتب فيه القرآن لا يمسه الا طاهر وقد حكى اجماع العلماء على ~~أن القراءة أفضل لكن طائفة من الشيوخ رجحوا الذكر ومنهم من زعم أنه أرجح في ~~حق المنتهى المجتهد كما ذكر ذلك أبو حامد في كتبه ومنهم من قال هو أرجح في ~~حق المبتدئ السالك وهذا أقرب إلى الصواب PageV23P057 # وتحقيق ذلك ms6911 يذكر في الاصل الثانى وهو أن العمل المفضول قد يقترن به ما ~~يصيره أفضل من ذلك وهو نوعان # ( أحدهما ( ما هو مشروع لجميع الناس # ( والثانى ( ما يختلف باختلاف أحوال الناس أما الاول فمثل ان يقترن اما ~~بزمان أو بمكان أو عمل يكون أفضل مثل ما بعد الفجر والعصر ونحوهما من أوقات ~~النهى عن الصلاة فان القراءة والذكر والدعاء أفضل في هذا الزمان وكذلك ~~الامكنة التى نهى عن الصلاة فيها كالحمام وأعطان الابل والمقبرة فالذكر ~~والدعاء فيها أفضل وكذلك الجنب الذكر في حقه افضل والمحدث القراءة والذكر ~~في حقه افضل فاذا كره الافضل في حال حصول مفسدة كان المفضول هناك افضل بل ~~هو المشروع # وكذلك حال الركوع والسجود فانه قد صح عن النبى ( ( أنه قال ( نهيت أن ~~أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا اما الركوع فعظموا فيه الرب واما السجود ~~فاجتهدوا في الدعاء فقمن ان يستجاب لكم ( وقد اتفق العلماء على كراهة ~~القراءة في الركوع والسجود وتنازعوا في بطلان الصلاة بذلك على قولين هما ~~وجهان في مذهب الامام أحمد وذلك تشريفا للقرآن وتعظيما له ان لا يقرأ ~~PageV23P058 # في حال الخضوع والذل كما كره أن يقرأ مع الجنازة وكما كره أكثر العلماء ~~قراءته في الحمام # وما بعد التشهد هو حال الدعاء المشروع بفعل النبى ( ( وامره والدعاء فيه ~~أفضل بل هو المشروع دون القراءة والذكر وكذلك الطواف وبعرفة ومزدلفة وعند ~~رمى الجمار المشروع هناك هو الذكر والدعاء وقد تنازع العلماء في القراءة في ~~الطواف هل تكره أم لا تكره على قولين مشهورين # ( والنوع الثانى ( أن يكون العبد عاجزا عن العمل الأفضل اما عاجزا عن ~~اصله كمن لا يحفظ القرآن ولا يستطيع حفظه كالأعرابى الذى سأل النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ( أو عاجزا عن فعله على وجه الكمال مع قدرته على فعل ~~المفضول على وجه الكمال ومن هنا قال من قال ان الذكر أفضل من القرآن فان ~~الواحد من هؤلاء قد يخبر عن حاله وأكثر السالكين بل العارفين منهم انما ~~يخبر أحدهم عما ذاقه ووجده ms6912 لا يذكر أمرا عاما للخلق اذ المعرفة تقتضى امورا ~~معينة جزئية والعلم يتناول أمرا عاما كليا فالواحد من هؤلاء يجد في الذكر ~~من اجتماع قلبه وقوة ايمانه واندفاع الوسواس عنه ومزيد السكينة والنور ~~والهدى ما لا يجده في قراءة القرآن بل اذا قرأ القرآن لا يفهمه أو لا يحضر ~~قلبه وفهمه ويلعب عليه الوسواس PageV23P059 والفكر كما أن من الناس من ~~يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما لا يجتمع في الصلاة بل يكون في ~~الصلاة بخلاف ذلك وليس كل ما كان أفضل يشرع لكل أحد بل كل واحد يشرع له أن ~~يفعل ما هو افضل له # فمن الناس من تكون الصدقة أفضل له من الصيام وبالعكس وان كان جنس الصدقة ~~أفضل ومن الناس من يكون الحج أفضل له من الجهاد كالنساء وكمن يعجز عن ~~الجهاد وان كان جنس الجهاد أفضل قال النبى ( ( الحج جهاد كل ضعيف ( ونظائر ~~هذا متعددة # اذا عرف هذان الاصلان عرف بهما جواب هذه المسائل اذا عرف هذا فيقال ~~الاذكار المشروعة في أوقات معينة مثل ما يقال عند جواب المؤذن هو افضل من ~~القراءة في تلك الحال وكذلك ما سنه النبى ( صلى الله عليه وسلم ( فيما يقال ~~عند الصباح والمساء واتيان المضجع هو مقدم على غيره واما اذا قام من الليل ~~فالقراءة له افضل ان اطاقها والا فليعمل ما يطيق والصلاة أفضل منهما ولهذا ~~نقلهم عند نسخ وجوب قيام الليل إلى القراءة فقال ( ان ربك يعلم أنك تقوم ~~أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل ~~والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فأقرأوا ما تيسر من القرآن ( الآية ~~والله أعلم PageV23P060 ### |||| وسئل # أيما افضل قارئ القرآن الذى لا يعمل أو العابد ### ||||| فأجاب # ان كان العابد يعبد بغير علم فقد يكون شرا من العالم الفاسق وقد ~~يكون العالم الفاسق شرا منه # وان كان يعبد الله بعلم فيؤدى الواجبات ويترك المحرمات فهو خير من الفاسق ~~الا أن يكون للعالم الفاسق حسنات تفضل على ms6913 سيئاته بحيث يفضل له منها أكثر ~~من حسنات ذلك العابد والله اعلم ### |||| وسئل # أيما أفضل استماع القرآن أو صلاة النفل وهل تكره القراءة عند الصلاة غير ~~الفرض أم لا ### ||||| فأجاب # من كان يقرأ القرآن والناس يصلون تطوعا فليس له أن يجهر جهرا ~~يشغلهم به فان النبى ( صلى الله عليه وسلم ( خرج على أصحابه PageV23P061 ~~وهم يصلون من السحر فقال ( يا ايها الناس كلكم يناجى ربه فلا يجهر بعضكم ~~على بعض في القراءة ( والقراءة في الصلاة النافلة أفضل في الجملة لكن قد ~~تكون القراءة وسماعها أفضل لبعض الناس والله اعلم ### |||| وسئل # أيما أفضل اذا قام من الليل الصلاة أم القراءة ### ||||| فأجاب # بل الصلاة أفضل من ~~القراءة في غير الصلاة نص على ذلك أئمة العلماء وقد قال ( استقيموا ولن ~~تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء الا مؤمن ( لكن ~~من حصل له نشاط وتدبر وفهم للقراءة دون الصلاة فالأفضل في حقه ما كان انفع ~~له ### |||| وسئل # عن رجل أراد تحصيل الثواب هل الافضل له قراءة القرآن أو الذكر والتسبيح ~~PageV23P062 ### ||||| فأجاب # قراءة القرآن افضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء من حيث الجملة ~~لكن قد يكون المفضول أفضل من الفاضل في بعض الاحوال كما أن الصلاة افضل من ~~ذلك كله # ومع هذا فالقراءة والذكر والدعاء في أوقات النهى عن الصلاة كالأوقات ~~الخمسة ووقت الخطبة هي افضل من الصلاة والتسبيح في الركوع والسجود أفضل من ~~القراءة والتشهد الأخير أفضل من الذكر # وقد يكون بعض الناس انتفاعه بالمفضول أكثر بحسب حاله اما لاجتماع قلبه ~~عليه وانشراح صدره له ووجود قوته له مثل من يجد ذلك في الذكر احيانا دون ~~القراءة فيكون العمل الذى أتى به على الوجه الكامل أفضل في حقه من العمل ~~الذى يأتى به على الوجه الناقص وان كان جنس هذا وقد يكون الرجل عاجزا عن ~~الأفضل فيكون ما يقدر عليه في حقه أفضل له والله اعلم PageV23P063 ### |||| وسئل رحمه الله # ما يقول سيدنا فيمن يجهر بالقراءة والناس يصلون في المسجد السنة ms6914 أو ~~التحية فيحصل لهم بقراءته جهرا أذى فهل يكره جهر هذا بالقراءة أم لا ### ||||| فأجاب # ليس لأحد أن يجهر بالقراءة لا في الصلاة ولا في غير الصلاة اذا كان غيره ~~يصلى في المسجد وهو يؤذيهم بجهره بل قد خرج النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~على الناس وهم يصلون في رمضان ويجهرون بالقراءة فقال ( ايها الناس كلكم ~~يناجى ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة # وأجاب أيضا رحمه الله تعالى # وليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذى غيره ~~كالمصلين PageV23P064 ### |||| وسئل رحمه الله # عن القيام للمصحف وتقبيله وهل يكره ايضا أن يفتح فيه الفأل ### ||||| فأجاب # الحمد ~~لله القيام للمصحف وتقبيله لا نعلم فيه شيئا مأثورا عن السلف وقد سئل ~~الامام أحمد عن تقبيل المصحف فقال ما سمعت فيه شيئا ولكن روى عن عكرمة بن ~~أبى جهل أنه كان يفتح المصحف ويضع وجهه عليه ويقول ( كلام ربى كلام ربى ( ~~ولكن السلف وان لم يكن من عادتهم القيام له فلم يكن من عادتهم قيام بعضهم ~~لبعض اللهم الا لمثل القادم من مغيبه ونحو ذلك ولهذا قال أنس ( لم يكن شخص ~~أحب اليهم من رسول الله ( ( وكانوا اذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من ~~كراهته لذلك ( والأفضل للناس أن يتبعوا طريق السلف في كل شيء فلا ~~PageV23P065 يقومون الا حيث كانوا يقومون # فأما اذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض فقد يقال لو تركوا القيام للمصحف ~~مع هذه العادة لم يكونوا محسنين في ذلك ولا محمودين بل هم إلى الذم اقرب ~~حيث يقوم بعضهم لبعض ولا يقومون للمصحف الذى هو أحق بالقيام حيث يجب من ~~احترامه وتعظيمه ما لا يجب لغيره حتى ينهى أن يمس القرآن الا طاهر والناس ~~يمس بعضهم بعضا مع الحدث لا سيما وفى ذلك من تعظيم حرمات الله وشعائره ما ~~ليس في غير ذلك وقد ذكر من ذكر من الفقهاء الكبار قيام الناس للمصحف ذكر ~~مقرر له غير منكر له # وأما استفتاح الفأل في المصحف فلم ينقل عن السلف فيه شيء وقد ms6915 تنازع فيه ~~المتأخرون وذكر القاضي أبو يعلى فيه نزاعا ذكر عن بن بطة أنه فعله وذكر عن ~~غيره أنه كرهه فان هذا ليس الفأل الذى يحبه رسول الله ( ( فانه كان يحب ~~الفأل ويكره الطيرة # والفأل الذى يحبه هو أن يفعل أمرا أو يعزم عليه متوكلا على الله فيسمع ~~الكلمة الحسنة التى تسره مثل أن يسمع يا نجيح يا مفلح يا سعيد يا منصور ~~ونحو ذلك كما لقى في سفر الهجرة PageV23P066 رجلا فقال ( ما اسمك قال يزيد ~~قال يا أبا بكر يزيد امرنا ( وأما الطيرة بأن يكون قد فعل أمرا متوكلا على ~~الله أو يعزم عليه فيسمع كلمة مكروهة مثل ما يتم أو ما يفلح ونحو ذلك ~~فيتطير ويترك الأمر فهذا منهى عنه كما في الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمى ~~قال ( قلت يا رسول الله منا قوم يتطيرون قال ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه ~~فلا يصدنكم ( فنهى النبى ( ( أن تصد الطيرة العبد عما أراد فهو في كل واحد ~~من محبته للفأل وكراهته للطيرة انما يسلك مسلك الاستخارة لله والتوكل عليه ~~والعمل بما شرع له من الاسباب لم يجعل الفأل آمرا له وباعثا له على الفعل ~~ولا الطيرة ناهية له عن الفعل وانما يأتمر وينتهى عن مثل ذلك أهل الجاهلية ~~الذين يستقسمون بالأزلام وقد حرم الله الاستقسام بالأزلام في آيتين من ~~كتابه وكانوا اذا أرادوا أمرا من الامور أحالوا به قداحا مثل السهام أو ~~الحصى أو غير ذلك وقد علموا على هذا علامة الخير وعلى هذا علامة الشر وآخر ~~غفل فاذا خرج هذا فعلوا واذا خرج هذا تركوا واذا خرج الغفل أعادوا ~~الاستقسام # فهذه الانواع التى تدخل في ذلك مثل الضرب بالحصى والشعير واللوح والخشب ~~والورق المكتوب عليه حروف أبجد أو أبيات من PageV23P067 الشعر أو نحو ذلك ~~مما يطلب به الخيرة فما يفعله الرجل ويتركه ينهى عنها لأنها من باب ~~الاستقسام بالأزلام وانما يسن له استخارة الخالق واستشارة المخلوق ~~والاستدلال بالأدلة الشرعية التى تبين ما يحبه الله ويرضاه وما يكرهه ms6916 وينهى ~~عنه # وهذه الأمور تارة يقصد بها الاستدلال على ما يفعله العبد هل هو خير أم شر ~~وتارة الاستدلال على ما يكون فيه نفع في الماضى والمستقبل وكلا غير مشروع ~~والله سبحانه وتعالى أعلم PageV23P068 ### || 1 ( جواب أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ! 8 < ( فصل ( # تنازع الناس أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام وقد ذكر عن ~~أحمد في ذلك ثلاث روايات # ( احداهن ( أن كثرة الركوع والسجود افضل وهى التى اختارها طائفة من ~~أصحابه # ( والثانية ( أنهما سواء # ( والثالثة ( أن طول القيام افضل وهذا يحكى عن الشافعى # فنقول هذه المسألة لها صورتان # ( احداهما ( ان يطيل القيام مع تخفيف الركوع والسجود فيقال PageV23P069 ~~أيما افضل هذا أم تكثير الركوع والسجود مع تخفيف القيام ويكون هذا قد عدل ~~بين القيام وبين الركوع والسجود فخفف الجميع # ( والصورة الثانية ( أن يطيل القيام فيطيل معه الركوع والسجود فيقال ايما ~~أفضل هذا أم أن يكثر من الركوع والسجود والقيام وهذا قد عدل بين القيام ~~والركوع والسجود في النوعين لكن أيما افضل تطويل الصلاة قياما وركوعا ~~وسجودا أم تكثير ذلك مع تخفيفها فهذه الصورة ذكر أبو محمد وغيره فيها ثلاث ~~روايات وكلام غيره يقتضى أن النزاع في الصورة الاولى أيضا # والصواب في ذلك أن الصورة الاولى تقليل الصلاة مع كثرة الركوع والسجود ~~وتخفيف القيام أفضل من تطويل القيام وحده مع تخفيف الركوع والسجود ومن فضل ~~تطويل القيام احتجوا بالحديث الصحيح أن رسول الله ( ( سئل أى الصلاة افضل ~~فقال ( طول القنوت ( وظنوا أن المراد بطول القنوت طول القيام وان كان مع ~~تخفيف الركوع والسجود وليس كذلك فان القنوت هو دوام العبادة والطاعة ويقال ~~لمن أطال السجود أنه قانت قال تعالى ( أم من هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ( فجعله قانتا في حال السجود كما هو ~~قانت في حال القيام وقدم السجود على القيام PageV23P070 # وفى الآية الاخرى قال ( والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ( ولم ms6917 يقل قنوتا ~~فالقيام ذكره بلفظ القيام لا بلفظ القنوت وقال تعالى ( وقوموا لله قانتين ( ~~فالقائم قد يكون قانتا وقد لا يكون وكذلك الساجد فالنبى ( ( بين أن طول ~~القنوت أفضل الصلاة وهو يتناول القنوت في حال السجود وحال القيام وهذا ~~الحديث يدل على الصورة الثانية وان تطويل الصلاة قياما وركوعا وسجودا أولى ~~من تكثيرها قياما وركوعا وسجودا لأن طول القنوت يحصل بتطويلها لا بتكثيرها ~~وأما تفضيل طول القيام مع تخفيف الركوع والسجود على تكثير الركوع والسجود ~~فغلط # فان جنس السجود أفضل من جنس القيام من وجوه متعددة # ( أحدها ( أن السجود بنفسه عبادة لا يصلح أن يفعل الا على وجه العبادة ~~لله وحده والقيام لا يكون عبادة الا بالنية فان الانسان يقوم في أمور دنياه ~~ولا ينهى عن ذلك # ( الثانى ( أن الصلاة المفروضة لابد فيها من السجود وكذلك كل صلاة فيها ~~ركوع لابد فيها من سجود لا يسقط السجود فيها بحال من الاحوال فهو عماد ~~الصلاة وأما القيام فيسقط في التطوع دائما وفى الصلاة على الراحلة في السفر ~~وكذلك يسقط القيام في الفرض عن المريض وكذلك عن المأموم اذا صلى امامه ~~جالسا كما PageV23P071 جاءت به الاحاديث الصحيحة وسواء قيل انه عام للأمة ~~أو مخصوص بالرسول فقد سقط القيام عن المأموم في بعض الاحوال والسجود لا ~~يسقط لا عن قائم ولا قاعد والمريض اذا عجز عن ايمائه أتى منه بقدر الممكن ~~وهو الايماء برأسه وهو سجود مثله ولو عجز عن الايماء برأسه ففيه قولان هما ~~روايتان عن أحمد # ( أحدهما ( أنه يومئ بطرفه فجعلوا ايماءه بطرفه هو ركوعه وسجوده فلم ~~يسقطوه # ( والثانى ( انه تسقط الصلاة في هذه الحال ولا تصح على هذا الوجه وهو قول ~~أبى حنيفة وهذا القول أصح في الدليل لأن الايماء بالعين ليس من اعمال ~~الصلاة ولا يتميز فيه الركوع عن السجود ولا القيام عن القعود بل هو من نوع ~~العبث الذى لم يشرعه الله تعالى # واما الايماء بالرأس فهو خفضه وهذا بعض ما امر به المصلى وقد قال النبى ( ~~( في ms6918 الحديث المتفق على صحته ( اذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم ( ~~وهو لا يستطيع من السجود الا PageV23P072 هذا الايماء وأما تحريك العين ~~فليس من السجود في شيء # وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه لابد في الصلاة من السجود وهذا يقول ~~الايماء بطرفه هو سجود وهذا يقول ليس بسجود فلا يصلى فلو كانت الصلاة تصح ~~مع القدرة بلا سجود لأمكن أن يكبر ويقرأ ويتشهد ويسلم فيأتى بالأقوال دون ~~الأفعال وما علمت أحدا قال ان الصلاة تصح بمجرد الاقوال بل لابد من السجود ~~واما القيام والقراءة فيسقطان بالعجز باتفاق الائمة فعلم أن السجود هو أعظم ~~أركان الصلاة القولية والفعلية # ( الوجه الثالث ( أن القيام انما صار عبادة بالقراءة أو بما فيه من ذكر ~~ودعاء كالقيام في الجنازة فاما القيام المجرد فلم يشرع قط عبادة مع امكان ~~الذكر فيه بخلاف السجود فانه مشروع بنفسه عبادة حتى خارج الصلاة شرع سجود ~~التلاوة والشكر وغير ذلك # وأما المأموم اذا لم يقرأ فانه يستمع قراءة امامه واستماعه عبادة وان لم ~~يسمع فقد اختلف في وجوب القراءة عليه والافضل له ان يقرأ والذين قالوا لا ~~قراءة عليه أو لا تستحب له القراءة قالوا قراءة الامام له قراءة فانه تابع ~~للامام PageV23P073 # فان قيل اذا عجز الامى عن القراءة والذكر قيل هذه الصورة نادرة أو ممتنعة ~~فان أحدا لا يعجز عن ذكر الله وعليه أن يأتى بالتكبير وما يقدر عليه من ~~تحميد وتهليل وعلى القول بتكرار ذلك هل يكون بقدر الفاتحة فيه وجهان لقول ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اذا قمت إلى الصلاة فان كان معك قرآن فاقرأ ~~به والا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع ( رواه أبو داود والترمذى # قال أحمد انه اذا قام إلى الثانية وقد نسى بعض أركان الاولى ان ذكر قبل ~~الشروع في القراءة مضى وصارت هذه بدل تلك فان المقصود بالقيام هو القراءة ~~ولهذا قالوا ما كان عبادة بنفسه لم يحتج إلى ركن قولى كالركوع والسجود وما ~~لم يكن عبادة بنفسه احتاج إلى ركن قولى ms6919 كالقيام والقعود واذا كان السجود ~~عبادة بنفسه علم أنه افضل من القيام ( # الوجه الرابع ( أن يقال القيام يمتاز بقراءة القرآن فانه قد نهى عن ~~القراءة في الركوع والسجود وقراءة القرآن أفضل من التسبيح فمن هذا الوجه ~~تميز القيام وهو حجة من سوى بينهما فقال السجود بنفسه افضل وذكر القيام ~~أفضل فصار كل منهما أفضل من وجه أو تعادلا لكن يقال قراءة القرآن تسقط في ~~مواضع وتسقط عن المسبوق القراءة والقيام أيضا كما في حديث أبى بكرة وفى ~~السنن PageV23P074 ( من ادرك الركعة فقد أدرك السجدة ( وهذا قول جماهير ~~العلماء والنزاع فيه شاذ # وايضا فالأمى تصح صلاته بلا قراءة باتفاق العلماء كما في السنن أن رجلا ~~قال يا رسول الله انى لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمنى ما يجزينى ~~منه فقال ( قل سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر ولا حول ~~ولا قوة الا بالله ( فقال هذا لله فما لى قال ( تقول اللهم اغفر لى وارحمنى ~~وارزقنى واهدنى ( # وأيضا فلو نسى القراءة في الصلاة قد قيل تجزيه الصلاة وروى ذلك عن ~~الشافعى وقيل اذا نسيها في الأولى قرأ في الثانية قراءة الركعتين وروى هذا ~~عن أحمد وأما السجود فلا يسقط بحال فعلم أن السجود أفضل من القراءة كما أنه ~~أفضل من القيام والمسبوق في الصلاة يبنى على قراءة الامام الذى استخلفه كما ~~قد بنى النبى ( ( على قراءة أبى بكر # ( الوجه الخامس ( أنه قد ثبت في الصحيح ( أن النار تأكل من بن آدم كل شيء ~~الا موضع السجود ( فتأكل القدم وان كان موضع القيام PageV23P075 # ( الوجه السادس ( ان الله تعالى قال ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون خاشعة ابصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم ~~سالمون ( وقد ثبت في الاحاديث الصحيحة ( أنه اذا تجلى لهم يوم القيامة سجد ~~له المؤمنون ومن كان يسجد في الدنيا رياء يصير ظهره مثل الطبق ( # فقد أمروا بالسجود في عرصات القيامة دون غيره من أجزاء الصلاة فعلم أنه ~~افضل ms6920 من غيره # ( الوجه السابع ( أنه قد ثبت في الاحاديث الصحيحة أن الرسول اذا طلب منه ~~الناس الشفاعة يوم القيامة قال ( فأذهب فاذا رأيت ربى خررت له ساجدا وأحمد ~~ربى بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن ( فهو اذا رآه سجد وحمد وحينئذ يقال ~~له ( أى محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع ( فعلم أنه أفضل من ~~غيره # ( الوجه الثامن ( أن الله تعالى قال ( كلا لا تطعه واسجد واقترب ( وقد ~~ثبت في الحديث الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( اقرب ما يكون العبد من ربه ~~وهو ساجد ( وهذا نص في أنه في حال السجود أقرب إلى الله منه في غيره وهذا ~~صريح في فضيلة السجود على غيره والحديث رواه مسلم في صحيحه عن ابى هريرة ~~PageV23P076 أن رسول الله ( ( قال ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ~~فاكثروا الدعاء ( الوجه التاسع ( ما رواه مسلم في صحيحه عن معدان بن أبى ~~طلحة قال لقيت ثوبان مولى رسول الله ( ( فقلت أخبرنى بعمل يدخلنى الله به ~~الجنة أو قال بأحب الاعمال إلى الله فسكت ثم سألته الثانية فقال سألت عن ~~ذلك رسول الله ( ( فقال ( عليك بكثرة السجود لله فانك لا تسجد لله سجدة الا ~~رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ( قال معدان ثم لقيت أبا الدرداء ~~فسألته فقال لى مثلما قال لى ثوبان فان كان سأله عن احب الأعمال فهو صريح ~~في أن السجود احب إلى الله من غيره وان كان سأله عما يدخله الله به الجنة ~~فقد دله على السجود دون القيام فدل على أنه اقرب إلى حصول المقصود # وهذا الحديث يحتج به من يرى أن كثرة السجود افضل من تطويله لقوله ( فانك ~~لا تسجد لله سجدة الا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ( ولا حجة فيه ~~لأن كل سجدة يستحق بها ذلك لكن السجدة أنواع فاذا كانت احدى السجدتين أفضل ~~من الأخرى كان ما يرفع به من الدرجة أعظم وما يحط به عنه من الخطايا أعظم ~~كما أن ms6921 السجدة التى يكون فيها اعظم خشوعا وحضورا هي افضل PageV23P077 من ~~غيرها فكذلك السجدة الطويلة التى قنت فيها لربه هي افضل من القصيرة # ( الوجه العاشر ( ما روى مسلم أيضا عن ربيعة بن كعب قال ( كنت أبيت مع ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لى سل فقلت ~~اسألك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك فقلت هو ذاك قال فاعنى على نفسك ~~بكثرة السجود ( فهذا قد سأل عن مرتبة علية وانما طلب منه كثرة السجود وهذا ~~ادل على أن كثرة السجود ( أفضل ( لكن يقال المكثر من السجود قد يكثر من ~~سجود طويل وقد يكثر من سجود قصير وذاك أفضل # وايضا فالاكثار من السجود لابد فاذا صلى احدى عشرة ركعة طويلة كما كان ~~النبى ( ( يصلى فاذا صلى المصلى في مثل زمانهن عشرين ركعة فقد أكثر السجود ~~لكن سجود ذاك أفضل وأتم وهذا أكثر من ذاك وليس لأحد أن يقول انما كان أكثر ~~مع قصرها فهو أفضل مما هو كثير ايضا وهو أتم وأطول كصلاة النبى PageV23P078 # الوجه الحادى عشر ( أن مواضع الساجد تسمى مساجد كما قال تعالى ( وان ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ( وقال تعالى ( ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله أن يذكر فيها اسمه ( وقال تعالى ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله ( وقال تعالى ( قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ( ولا ~~تسمى مقامات الا بعد فعل السجود فيها فعلم أن أعظم افعال الصلاة هو السجود ~~الذى عبر عن مواضع السجود بأنها مواضع فعله # ( الوجه الثانى عشر ( أنه تعالى قال ( انما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا ~~بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ( وهذا وان تناول سجود ~~التلاوة فتناوله لسجود الصلاة أعظم فان احتياج الانسان إلى هذا السجود أعظم ~~على كل حال فقد جعل الخرور إلى السجود مما لا يحصل الايمان الا به وخصه ~~بالذكر وهذا مما تميز به وكذلك أخبر عن أنبيائه أنهم ( اذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا ms6922 ( وقال في تلك الآية ( تتجافى جنوبهم على المضاجع ~~يدعون ربهم خوفا وطمعا ( # والدعاء في السجود أفضل من غيره كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل قوله في ~~حديث أبى هريرة ( اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ( ~~ومثل ما روى مسلم في صحيحه عن PageV23P079 بن عباس قال كشف رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ( الستارة والناس صفوف خلف أبى بكر فقال ( ايها الناس أنه ~~لم يبق من مبشرات النبوة الا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له الا ~~وانى نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فاما الركوع فعظموا فيه الرب وأما ~~السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ( وقد ثبت عن النبى ( ( ~~الدعاء في السجود في عدة أحاديث وفى غير حديث تبين أن ذلك في صلاته بالليل ~~فعلم أن قوله ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ( وان كان ~~يتناول الدعاء في جميع أحوال الصلاة فالسجود له مزية على غيره كما لآخر ~~الصلاة مزية على غيرها ولهذا جاء في السنن ( أفضل الدعاء جوف الليل الآخر ~~ودبر الصلوات المكتوبات ( فهذه الوجوه وغيرها مما يبين أن جنس السجود أفضل ~~من جنس القيام والقراءة ولو أمكن أن يكون أطول من القيام لكان ذلك أفضل لكن ~~هذا يشق مشقة عظيمة فلهذا خفف السجود عن القيام مع أن السنة تطويله اذا طول ~~القيام كما كان النبى ( ( يصلى فروى ( أنه كان يخفف القيام والقعود ويطيل ~~الركوع والسجود ( ولما أطال القيام في صلاة الكسوف أطال الركوع والسجود # وكذلك في حديث حذيفة الصحيح أنه لما قرأ بالبقرة والنساء PageV23P080 وآل ~~عمران قال ركع نحوا من قيامه وسجد نحوا من ركوعه ( وفى حديث البراء الصحيح ~~أنه قال ( كان قيامه فركعته فاعتداله فسجدته فجلوسه بين السجدتين فجلسته ما ~~بين السلام والانصراف قريبا من السواء ( وفى رواية ( ما خلا القيام والقعود ~~( # وثبت في الصحيح عن عائشة ( أنه كان يسجد السجدة بقدر ما يقرأ الانسان ~~خمسين آية ( فهذه الاحاديث تدل على أن تطويل الصلاة قيامها وركوعها وسجودها ~~أفضل ms6923 من تكثير ذلك مع تخفيفه وهو القول الثالث في الصورة الثانية ومن سوى ~~بينهما قال ان الاحاديث تعارضت في ذلك وليس كذلك فان قوله ( افضل الصلاة ~~طول القنوت ( يتناول التطويل في القيام والسجود وكذلك ما رواه مسلم في ~~صحيحه عن عمار عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( ان طول صلاة ~~الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فاطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة ( وقال ( من ~~أم الناس فليخفف فاذا صلى لنفسه فليطول ما شاء ( وأحاديث تفضيل السجود قد ~~بينا أنها لا تنافى ذلك ومعلوم أن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى ~~محمد ( ( # وأيضا فانه لما صلى الكسوف كان يمكنه أن يصلى عشر ركعات أو عشرين ركعة ~~يكثر فيها قيامها وسجودها فلم يفعل بل صلى PageV23P081 ركعتين أطال فيهما ~~القيام والركوع والسجود وجعل في كل ركعة قيامين وركوعين وعلى هذا فكثرة ~~الركوع والسجود أفضل من طول القيام الذى ليس فيه تطويل الركوع والسجود # واما اذا أطال القيام والركوع والسجود فهذا افضل من اطالة القيام فقط ~~وأفضل من تكثير الركوع والسجود والقيام بقدر ذلك والكلام انما هو في الوقت ~~الواحد كثلث الليل أو نصفه أو سدسه أو الساعة هل هذا أفضل من هذا أو هذا ~~افضل من هذا # وفى الصحيحين عن أم هانئ لما صلى الثمانى ركعات يوم الفتح قالت ( ما ~~رأيته صلى صلاة قط اخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود ( وفى رواية ~~لمسلم ( ثم قام فركع ثمانى ركعات لا أدري اقيامه فيها اطول أم ركوعه أم ~~سجوده كل ذلك متقارب ( فهذا يبين أنه طول الركوع والسجود قريبا من القيام ~~وان قولها ( لم أره صلى صلاة أخف منها ( أخبار منها عما رأته وام هانئ لم ~~تكن مباشرة له في جميع الاحوال ولعلها أرادت منع كثرة الركعات فانه لم يصل ~~ثمانيا جميعا أخف منها فان صلاته بالليل كانت أطول من ذلك وهو بالنهار لم ~~يصل ثمانيا متصلة قط بل انما كان يصلى المكتوبة والظهر كان يصلى بعدها ~~ركعتين وقبلها أربعا أو ركعتين ms6924 أو لعله خففها لضيق الوقت فانه صلاها ~~بالنهار وهو مشتغل بأمور فتح مكة PageV23P082 كما كان يخفف المكتوبة في ~~السفر حتى يقرأ في الفجر بالمعوذتين وروى أنه قرأ في الفجر بالزلزلة في ~~الركعتين فهذا التخفيف لعارض # وقد احتج من فضل التكثير على التطويل بحديث بن مسعود قال ( انى لأعرف ~~السور التى كان رسول الله ( ( يقرأ بهن من المفصل كل سورتين في ركعة ( يدل ~~على أنه لم يكن يطيل القيام وهذا لا حجة فيه لأنه أولا جمع بين سورتين من ~~المفصل وأيضا فانه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها # وأيضا فان حذيفة روى عنه أنه قام بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة وبن ~~مسعود ذكر أنه طول حتى هممت بأمر سوء أن أجلس وأدعه ومعلوم أن هذا لا يكون ~~بسورتين فعلم أنه كان يفعله أحيانا ولا ريب انه كان يطيل بعض الركعات أطول ~~من بعض كما روت عائشة وغيرها والله أعلم PageV23P083 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام قدس ~~الله روحه ( ### ||| فصل # ( # قد ذكر الله قيام الليل في عدة آيات تارة بالمدح وتارة بالأمر أمر ايجاب ~~ثم نسخه بأمر الاستحباب اذا لم تدخل صلاة العشاء فيه بل أريد القيام بعد ~~النوم فانه قد قال سعيد بن المسيب وغيره من صلى العشاء في جماعة فقد أخذ ~~بنصيبه من قيام ليلة القدر فقد جعل ذلك من القيام # وقد روى عن عبيدة السلمانى أن قيام الليل واجب لم ينسخ ولو كحلب شاة وهذا ~~اذا أريد به ما يتناول صلاة الوتر فهو قول كثير من العلماء # والدليل عليه أن في حديث بن مسعود لما قال ( اوتروا يا اهل القرآن قال ~~أعرابى ما يقول رسول الله فقال انها ليست لك ولا لأصحابك ( فقد خاطب أهل ~~القرآن من قيام الليل بما لم يخاطب به غيرهم PageV23P084 وعلى هذا قوله ( ~~فاقرأوا ما تيسر منه ( فسر بقراءته بالليل لئلا ينساه وقال ( نظرت في سيئات ~~امتى فوجدت فيها الرجل يؤتيه الله آية فينام عنها حتى ينساها ( وفى الصحيح ~~عن النبى ( ( أنه قال ms6925 ( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن ~~صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله ( أى الصبح مع العشاء فهذا يدل ~~على أنهما ليسا من قيام الليل ولكن فاعلهما كمن قام الليل قال تعالى ( ان ~~المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم انهم كانوا قبل ذلك محسنين ~~كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالاسحار هم يستغفرون ( وقال ( الصابرين ~~والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ( وهذا على أصح ~~الأقوال معناه كانوا يهجعون قليلا ف ( قليلا ( منصوب ب ( يهجعون ( و ( ما ( ~~مؤكدة وهذا مثل قوله ( بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ( وقوله ( ~~كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ( هو مفسر في سورة المزمل بقوله ( قم الليل ~~الا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ( فهذا ~~المستثنى من الأمر هو القليل المذكور في تلك السورة وهو قليل بالنسبة إلى ~~مجموع الليل والنهار فانهم اذا هجعوا ثلثه أو نصفه أو ثلثاه فهذا قليل ~~بالنسبة إلى ما لم يهجعوه من الليل والنهار وسواء ناموا بالنهار أو لم ~~يناموا PageV23P085 # وقد قيل لم يأت عليهم ليلة الا قاموا فيها فالمراد هجوع جميع الليلة وهذا ~~ضعيف لأن هجوع الليل محرم فان صلاة العشاء فرض وقال تعالى ( انما يؤمن ~~بآياتنا الذين اذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا ~~تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( وفى حديث معاذ ~~الذى قال فيه يا رسول الله أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة ويباعدنى من النار قال ~~( لقد سألت عن عظيم وانه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك ~~به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال ألا أدلك ~~على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ~~وصلاة الرجل من جوف الليل ثم تلى ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ومما ms6926 رزقناهم ينفقون حتى بلغ يعملون ( ثم قال لا أخبرك برأس ~~الأمر وعموده وذروة سنامه رأس الأمر الاسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه ~~الجهاد في سبيل الله ثم قال الا اخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى قال فأخذ ~~بلسانه فقال اكفف عليك هذا فقلت يا رسول الله وانا لمؤاخذون بما نتكلم به ~~فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على ~~مناخرهم الا حصائد السنتهم PageV23P086 # وقال تعالى ( أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو ~~رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولوا ~~الالباب ( وقال تعالى ( من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون ( وقال تعالى بعد قوله ( اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ( وقال في سورة المزمل ( قم الليل الا قليلا ~~إلى قوله ان ناشئة الليل هي اشد وطئا واقوم قيلا ( واذا نسخ الوجوب بقى ~~الاستحباب قال أحمد وغيره و ( الناشئة ( لا تكون الا بعد نوم يقال نشأ اذا ~~قام وقال تعالى ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا واذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ( وقوله تعالى ( انا ~~نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا ~~واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ( فان هذا ~~يتناول صلاة العشاء والوتر وقيام الليل لقوله ( وسبحه ليلا طويلا ( # وقوله تعالى ( ولقد نعلم أنك بضيق صدرك بما يقولون فسبح PageV23P087 بحمد ~~ربك وكن من الساجدين ( مطلق لم يخصه بوقت آخر والحمد لله وحده وصلى الله ~~على محمد وآله وأصحابه وسلم تسليما ### |||| وسئل # عن رجل لم يصل وتر العشاء الآخرة فهل يجوز له تركه ### ||||| فأجاب # الحمد لله الوتر ~~سنة مؤكدة باتفاق المسلمين ومن اصر على تركه فانه ترد شهادته # وتنازع العلماء في وجوبه فأوجبه ms6927 أبو حنيفة وطائفة من اصحاب أحمد والجمهور ~~لا يوجبونه كمالك والشافعى وأحمد لأن النبى ( ( كان يوتر على راحلته ~~والواجب لا يفعل على الراحلة لكن هو باتفاق المسلمين سنة مؤكدة لا ينبغى ~~لأحد تركه # والوتر أوكد من سنة الظهر والمغرب والعشاء والوتر أفضل من جميع تطوعات ~~النهار كصلاة الضحى بل أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل وأوكد ذلك ~~الوتر وركعتا الفجر والله أعلم PageV23P088 ### |||| وسئل # عما اذا كان الرجل مسافرا وهو يقصر هل عليه أن يصلى الوتر أم لا افتونا ~~مأجورين ### ||||| فأجاب # نعم يوتر في السفر فقد كان النبى ( ( يوتر سفرا وحضرا ( وكان ~~يصلى على دابته قبل أى وجه توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلى عليها ~~المكتوبة ( ### |||| وسئل # عمن نام عن صلاة الوتر ### ||||| فأجاب # يصلى ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح كما فعل ذلك عبد الله بن عمر ~~وعائشة وغيرهما وقد روى أبو داود في سننه عن أبى سعيد قال قال رسول الله ( ~~( من نام عن وتره أو نسيه فليصله اذا أصبح أو ذكر PageV23P089 # واختلفت الرواية عن أحمد هل يقضى شفعه معه والصحيح أنه يقضى شفعه معه وقد ~~صح عنه ( ( أنه قال ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها فان ذلك ~~وقتها ( وهذا يعم الفرض وقيام الليل والوتر والسنن الراتبة قالت عائشة ( ~~كان رسول الله ( ( اذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع صلى من النهار اثنتى ~~عشرة ركعة ( رواه مسلم # وروى عمر بن الخطاب عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( من نام عن ~~حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه بين صلاة الصبح وصلاة الظهر كتب له ~~كأنما قرأه من الليل ( رواه مسلم وهكذا السنن الراتبة # وقد صح عن النبى ( ( أنه لما نام هو وأصحابه عن صلاة الصبح في السفر صلى ~~سنة الصبح ركعتين ثم صلى الصبح بعد طلوع الشمس ( ولما فاتته سنة الظهر التى ~~بعدها صلاها بعد العصر ( وقالت عائشة ( كان رسول الله ( ( اذا لم يصل أربعا ~~قبل الظهر صلاهن بعدها ( رواه الترمذى ms6928 وروى أبو هريرة عنه أنه قال ( من لم ~~يصل ركعتى الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس ( رواه الترمذى وصححه بن خزيمة ~~PageV23P090 # وفيه قول آخر ان الوتر لا يقضى وهو رواية عن أحمد لما روى عنه انه قال ( ~~اذا طلع الفجر فقد ذهبت صلاة الليل والوتر ( قالوا فان المقصود بالوتر أن ~~يكون آخر عمل الليل كما أن وتر عمل النهار المغرب ولهذا كان النبى ( ( اذا ~~فاته عمل الليل صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة ولو كان الوتر فيهن لكان ثلاث ~~عشرة ركعة والصحيح أن الوتر يقضى قبل صلاة الصبح فانه اذا صليت لم يبق في ~~قضائه الفائدة التى شرع لها والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الاسلام # عن امام شافعى يصلى بجماعة حنفية وشافعية وعند الوتر الحنفية وحدهم ### ||||| فأجاب # قد ثبت في الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( صلاة الليل مثنى مثنى فاذا خشيت ~~الصبح فصل واحدة توتر لك ما صليت ( وثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه كان ~~يوتر بواحدة مفصولة عما قبلها وأنه كان يوتر بخمس وسبع لا يسلم الا في ~~آخرهن PageV23P091 # والذى عليه جماهير أهل العلم أن ذلك كله جائز وأن الوتر بثلاث بسلام واحد ~~جائز ايضا كما جاءت به السنة # ولكن هذه الاحاديث لم تبلغ جميع الفقهاء فكره بعضهم الوتر بثلاث متصلة ~~كصلاة المغرب كما نقل عن مالك وبعض الشافعية والحنبلية وكره بعضهم الوتر ~~بغير ذلك كما نقل عن أبى حنيفة وكره بعضهم الوتر بخمس وسبع وتسع متصلة كما ~~قاله بعض أصحاب الشافعى وأحمد ومالك # والصواب أن الامام اذا فعل شيئا مما جاءت به السنة واوتر على وجه من ~~الوجوه المذكورة يتبعه المأموم في ذلك والله اعلم ### |||| وسئل # عن صلاة ركعتين بعد الوتر ### ||||| فأجاب # أما صلاة الركعتين بعد الوتر فهذه روى ~~فيها مسلم في صحيحه إلى النبى ( ( أنه كان يصلى بعد الوتر ركعتين وهو جالس ~~( وروى ذلك من حديث أم سلمة في بعض الطرق الصحيحة ( انه كان يفعل ذلك اذا ~~أوتر بتسع ( فانه كان يوتر PageV23P092 باحدى عشرة ثم كان يوتر بتسع ms6929 ويصلى ~~بعد الوتر ركعتين وهو جالس وأكثر الفقهاء ما سمعوا بهذا الحديث ولهذا ~~ينكرون هذه وأحمد وغيره سمعوا هذا وعرفوا صحته # ورخص أحمد أن تصلى هاتين الركعتين وهو جالس كما فعل ( صلى الله عليه وسلم ~~( فمن فعل ذلك لم ينكر عليه لكن ليست واجبة بالاتفاق ولا يذم من تركها ولا ~~تسمى ( زحافة ( فليس لأحد الزام الناس بها ولا الانكار على من فعلها # ولكن الذى ينكر ما يفعله طائفة من سجدتين مجردتين بعد الوتر فان هذا ~~يفعله طائفة من المنسوبين إلى العلم والعبادة من اصحاب الشافعى وأحمد ~~ومستندهم ( أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى بعد الوتر سجدتين ( رواه أبو ~~موسى المدينى وغيره فظنوا أن المراد سجدتان مجردتان وغلطوا فان معناه أنه ~~كان يصلى ركعتين كما جاء مبينا في الاحاديث الصحيحة فان السجدة يراد بها ~~الركعة كقول بن عمر ( حفظت من رسول الله ( ( سجدتين قبل الظهر ( الحديث ~~والمراد بذلك ركعتان كما جاء مفسرا في الطرق الصحيحة وكذلك قوله ( من أدرك ~~سجدة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد ادرك الفجر ( أراد به ركعة كما جاء ~~ذلك مفسرا في الرواية المشهورة PageV23P093 # وظن بعض أن المراد بها سجدة مجردة وهو غلط فان تعليق الادراك بسجدة مجردة ~~لم يقل به أحد من العلماء بل لهم فيما تدرك به الجمعة والجماعة ثلاثة اقوال # اصحها أنه لا يكون مدركا للجمعة ولا الجماعة الا بادراك ركعة لا يكون ~~مدركا للجماعة بتكبيرة وقد استفاض عن الصحابة أن من أدرك من الجمعة أقل من ~~ركعة صلى أربعا وفى الصحيح عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( من ~~أدرك ركعة من الصلاة فقد ادرك الصلاة ( وعلى هذا اذا أدرك المسافر خلف ~~المقيم ركعة فهل يتم أو يقصر فيها قولان # والمقصود هنا أن لفظ ( السجدة ( المراد به الركعة فان الصلاة يعبر عنها ~~بابعاضها فتسمى قياما وقعودا وركوعا وسجودا وتسبيحا وقرآنا # وأنكر من هذا ما يفعله بعض الناس من أنه يسجد بعد السلام سجدة مفردة فان ~~هذه بدعة ولم ينقل عن ms6930 أحد من الأئمة استحباب ذلك والعبادات مبناها على ~~الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فان الاسلام مبنى على أصلين أن لا ~~نعبد الا الله وحده وأن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ( ( لا نعبده ~~بالأهواء والبدع PageV23P094 ### ||| فصل # وأما الصلاة ( الزحافة ( وقولهم من لم يواظب عليها فليس من أهل السنة ~~ومرادهم الركعتان بعد الوتر جالسا فقد أجمع المسلمون على أن هذه ليست واجبة ~~وان تركها طول عمره وان لم يفعلها ولا مرة واحدة في عمره لا يكون بذلك من ~~أهل البدع ولا ممن يستحق الذم والعقاب ولا يهجر ولا يوسم بميسم مذموم أصلا ~~بل لو ترك الرجل ما هو أثبت منها كتطويل قيام الليل كما كان النبى ( ( ~~يطوله وكقيام احدى عشرة ركعة كما كان النبى ( ( يفعل ذلك ونحو ذلك لم يكن ~~بذلك خارجا عن السنة ولا مبتدعا ولا مستحقا للذم مع اتفاق المسلمين على أن ~~قيام الليل احدى عشرة ركعة طويلة كما كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~يفعل أفضل من أن يدع ذلك ويصلى بعد الوتر ركعتين وهو جالس # فان الذى ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ( أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~كان يصلى من الليل احدى عشرة ركعة وهو جالس ( ثم صار يصلى تسعا يجلس عقيب ~~الثامنة والتاسعة ولا يسلم الا عقيب PageV23P095 التاسعة ثم يصلى بعدها ~~ركعتين وهو جالس ثم صار يوتر بسبع وبخمس فاذا أوتر بخمس لم يجلس الا عقيب ~~الخامسة ثم يصلى بعدها ركعتين وهو جالس واذا أوتر بسبع فقد روى أنه لم يكن ~~يجلس الا عقيب السابعة وروى أنه كان يجلس عقيب السادسة والسابعة ثم يصلى ~~ركعتين بعد الوتر وهو جالس وهذا الحديث الصحيح دليل على أنه لم يكن يداوم ~~عليها فكيف يقال ان من لم يداوم عليها فليس من أهل السنة # والعلماء متنازعون فيها هل تشرع أم لا فقال كثير من العلماء انها لا تشرع ~~بحال لقوله ( ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ( ومن هؤلاء من تاول ~~الركعتين اللتين روى أنه كان يصليهما بعد الوتر ms6931 على ركعتى الفجر لكن ~~الأحاديث صحيحة صريحة بأنه كان يصلى بعد الوتر ركعتين وهو جالس غير ركعتى ~~الفجر وروى في بعض الألفاظ أن كان يصلى سجدتين بعد الوتر فظن بعض الشيوخ أن ~~المراد سجدتان مجردتان فكانوا يسجدون بعد الوتر سجدتين مجردتين وهذه بدعة ~~لم يستحبها أحد من علماء المسلمين بل ولا فعلها أحد من السلف وانما غرهم ~~لفظ السجدتين والمراد بالسجدتين الركعتان كما قال بن عمر حفظت عن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ( سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها وسجدتين بعد المغرب ~~وسجدتين بعد العشاء PageV23P096 وسجدتين قبل الفجر أى ركعتين # ولعل بعض الناس يقول هاتان الركعتان اللتان كان النبى ( ( يصليهما بعد ~~الوتر جالسا نسبتها إلى وتر الليل نسبة ركعتى المغرب إلى وتر النهار فان ~~النبى ( ( قال ( المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل ( رواه أحمد في ~~المسند # فاذا كانت المغرب وتر النهار فقد كان النبى ( ( يصلى بعد المغرب ركعتين ~~ولم يخرج المغرب بذلك عن أن يكون وترا لأن تلك الركعتين هما تكميل الفرض ~~وجبر لما يحصل منه من سهو ونقص كما جاءت السنن عن النبى ( ( أنه قال ( إن ~~العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها الا نصفها الا ثلثها الا ربعها الا ~~خمسها حتى قال الا عشرها ( فشرعت السنن جبرا لنقص الفرائض فالركعتان بعد ~~المغرب لما كانتا جبرا للفرض لم يخرجها عن كونها وترا كما لو سجد سجدتى ~~السهو فكذلك وتر الليل جبره النبى ( ( بركعتين بعده ولهذا كان يجبره اذا ~~أوتر بتسع أو سبع أو خمس لنقص عدده عن احدى عشرة فهنا نقص العدد نقص ظاهر # وان كان يصليهما اذا أوتر باحدى عشرة كان هناك جبرا لصفة PageV23P097 ~~الصلاة وان كان يصليهما جالسا لأن وتر الليل دون وتر النهار فينقص عنه في ~~الصفة وهى مرتبة بين سجدتى السهو وبين الركعتين الكاملتين فيكون الجبر على ~~ثلاث درجات جبر للسهو سجدتان لكن ذاك نقص في قدر الصلاة ظاهر فهو واجب متصل ~~بالصلاة وأما الركعتان المستقلتان فهما جبر لمعناها الباطل فلهذا كانت ~~صلاته تامة ms6932 كما في السنن ( ان اول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة فان ~~أكملها والا قيل أنظروا هل له من تطوع ( ثم يصنع بسائر أعماله كذلك والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن قنوت رسول الله ( ( هل كان في العشاء الآخرة أو الصبح وما توفى رسول ~~الله ( ( والعمل عليه عند الصحابة ### ||||| فأجاب # أما القنوت في صلاة الصبح فقد ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه كان ~~يقنت في النوازل قنت مرة شهرا يدعو على قوم من الكفار قتلوا طائفة من ~~اصحابه ثم تركه وقنت مرة أخرى يدعو لأقوام من اصحابه كانوا مأسورين عند ~~اقوام يمنعونهم من الهجرة إليه PageV23P098 وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده ~~كانوا يقنتون نحو هذا القنوت فما كان يداوم عليه وما كان يدعه بالكلية ~~وللعلماء فيه ثلاثة أقوال # قيل إن المداومة عليه سنة # وقيل القنوت منسوخ وأنه كله بدعة # والقول الثالث وهو الصحيح أنه يسن عند الحاجة إليه كما قنت رسول الله ( ( ~~وخلفاؤه الراشدون وأما القنوت في الوتر فهو جائز وليس بلازم فمن اصحابه من ~~لم يقنت ومنهم من قنت في النصف الأخير من رمضان ومنهم من قنت السنة كلها # والعلماء منهم من يستحب الاول كمالك ومنهم من يستحب الثانى كالشافعى ~~وأحمد في رواية ومنهم من يستحب الثالث كأبى حنيفة والامام أحمد في رواية ~~والجميع جائز فمن فعل شيئا من ذلك فلا لوم عليه والله أعلم PageV23P099 ~~وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( ### ||| فصل # ( # وأما القنوت فالناس فيه طرفان ووسط منهم من لا يرى القنوت الا قبل الركوع ~~ومنهم من لا يراه الا بعده وأما فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره فيجوزون كلا ~~الأمرين لمجيء السنة الصحيحة بهما وان اختاروا القنوت بعده لأنه أكثر واقيس ~~فان سماع الدعاء مناسب لقول العبد سمع الله لمن حمده فانه يشرع الثناء على ~~الله قبل دعائه كما بنيت فاتحة الكتاب على ذلك اولها ثناء وآخرها دعاء # وأيضا فالناس في شرعه في الفجر على ثلاثة اقوال بعد اتفاقهم على أن النبى ~~( ( قنت في الفجر # منهم من قال إنه ms6933 منسوخ فانه قنت ثم ترك كما جاءت به الأحاديث الصحيحة ~~PageV23P100 # ومن قال المتروك هو الدعاء على أولئك الكفار فلم تبلغه ألفاظ الحديث أو ~~بلغته فلم يتأملها فان في الصحيحين عن عاصم الأحول قال ( سألت انس بن مالك ~~عن القنوت هل كان قبل الركوع أو بعده فقال قبل الركوع قال فان فلانا أخبرنى ~~أنك قلت بعد الركوع قال كذب انما قنت رسول الله ( ( قبل الركوع أراه بعث ~~قوما يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلا إلى قوم مشركين دون أولئك وكان بينهم ~~وبين رسول الله عهد وقنت ( ( شهرا يدعو عليهم وكذلك الحديث الذى رواه أحمد ~~والحاكم عن الربيع بن أنس عن أنس أنه قال ( ما زال رسول الله ( ( يقنت حتى ~~فارق الدنيا ( جاء لفظه مفسرا ( أنه ما زال يقنت قبل الركوع ( والمراد هنا ~~بالقنوت طول القيام لا الدعاء كذلك جاء مفسرا ويبينه ما جاء في الصحيحين عن ~~محمد بن سيرين قال ( قلت لأنس قنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( في ~~صلاة الصبح قال نعم بعد الركوع يسيرا ( فأخبر أن قنوته كان يسيرا وكان بعد ~~الركوع فلما كان لفظ القنوت هو ادامة الطاعة سمى كل تطويل في قيام أو ركوع ~~أو سجود قنوتا كما قال تعالى ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ( ~~ولهذا لما سئل بن عمر رضى الله عنهما عن القنوت الراتب قال ( ما سمعنا ولا ~~رأينا ( وهذا قول # ومنهم من قال بل القنوت سنة راتبة حيث قد ثبت عن النبى PageV23P101 ( ( ~~أنه قنت وروى عنه ( أنه ما زال يقنت حتى فارق الدنيا ( وهذا قول الشافعى ثم ~~من هؤلاء من استحبه في جميع الصلوات لما صح عن النبى ( ( أنه قنت فيهن وجاء ~~ذلك من غير وجه في المغرب والعشاء الآخرة والظهر لكن لم يرو أحد أنه قنت ~~قنوتا راتبا بدعاء معروف فاستحبوا أن يدعو فيه بقنوت الوتر الذى علمه النبى ~~( ( للحسن بن على وهو ( اللهم اهدني فيمن هديت ( إلى آخره # وتوسط آخرون من فقهاء الحديث وغيرهم كأحمد وغيره فقالوا قد ثبت ms6934 أن النبى ~~( صلى الله عليه وسلم ( قنت للنوازل التى نزلت به من العدو في قتل أصحابه ~~أو حبسهم ونحو ذلك فانه قنت مستنصرا كما استسقى حين الجدب فاستنصاره عند ~~الحاجة كاسترزاقه عند الحاجة اذ بالنصر والرزق قوام أمر الناس كما قال ~~تعالى ( الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( وكما قال النبى ( ( وهل تنصرون ~~وترزقون الا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم واستغفارهم ( وكما قال في صفة ~~الابدال ( بهم ترزقون وبهم تنصرون ( وكما ذكر الله هذين النوعين في سورة ~~الملك وبين أنهما بيده سبحانه في قوله ( أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من ~~دون الرحمن ان الكافرون الا في غرور أمن هذا الذى يرزقكم ان أمسك رزقه ( ثم ~~ترك القنوت وجاء مفسرا أنه تركه لزوال ذلك السبب PageV23P102 وكذلك كان عمر ~~رضى الله عنه اذا أبطأ عليه خبر جيوش المسلمين قنت وكذلك على رضى الله عنه ~~قنت لما حارب من حارب من الخوارج وغيرهم # قالوا وليس الترك نسخا فان الناسخ لابد أن ينافى المنسوخ واذا فعل الرسول ~~( ( أمرا لحاجة ثم تركه لزوالها لم يكن ذلك نسخا بل لو تركه تركا مطلقا ~~لكان ذلك يدل على جواز الفعل والترك لا على النهى عن الفعل # قالوا ونعلم مطلقا أنه لم يكن يقنت قنوتا راتبا فان مثل هذا مما تتوفر ~~الهمم والدواعى على نقله فانه لم ينقل أحد من الصحابة قط أنه دعا في قنوته ~~في الفجر ونحوها الا لقوم أو على قوم ولا نقل أحد منهم قط أنه قنت دائما ~~بعد الركوع ولا أنه قنت دائما يدعو قبله وأنكر غير واحد من الصحابة القنوت ~~الراتب فاذا علم هذا علم قطعا أن ذلك لم يكن كما يعلم ( ان حى على خير ~~العمل ( لم يكن من الأذان الراتب وانما فعله بعض الصحابة لعارض تحضيضا ~~للناس على الصلاة فهذا القول أوسط الأقوال وهو أن القنوت مشروع غير منسوخ ~~لكنه مشروع للحاجة النازلة لا سنة راتبة # وهذا أصل آخر في الواجبات والمستحبات كالأصل الذى تقدم في ما يسقط بالعذر ms6935 ~~فان كل واحد من الواجبات والمستحبات الراتبة PageV23P103 يسقط بالعذر ~~العارض بحيث لا يبقى لا واجبا ولا مستحبا كما سقط بالسفر والمرض والخوف ~~كثير من الواجبات والمستحبات # وكذلك أيضا قد يجب أو يستحب للاسباب العارضة ما لا يكون واجبا ولا مستحبا ~~راتبا فالعبادات في ثبوتها وسقوطها # تنقسم إلى راتبة وعارضة وسواء في ذلك ثبوت الوجوب أو الاستحباب أو سقوطه ~~وانما تغلط الأذهان من حيث تجعل العارض راتبا أو تجعل الراتب لا يتغير بحال ~~ومن اهتدى للفرق بين المشروعات الراتبة والعارضة انحلت عنه هذه المشكلات ~~كثيرا # ! 8 < ### || 1 ( رسالة في قنوت الصبح ) 1 ### |||| وسئل # هل قنوت الصبح دائما سنة ومن يقول إنه من أبعاض الصلاة التى تجبر بالسجود ~~وما يجبر الا الناقص والحديث ( ما زال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( ~~يقنت حتى فارق الدنيا ( فهل هذا الحديث من الأحاديث الصحاح وهل هو هذا ~~القنوت وما اقوال العلماء في ذلك وما حجة كل منهم وان قنت لنازلة فهل يتعين ~~قوله أو يدعو بما شاء PageV23P104 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين قد ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه قنت شهرا ~~يدعو على رعل وذكوان وعصية ( ثم تركه وكان ذلك لما قتلوا القراء من الصحابة # وثبت عنه أنه قنت بعد ذلك بمدة بعد صلح الحديبية وفتح خيبر يدعو ~~للمستضعفين من اصحابه الذين كانوا بمكة ويقول في قنوته ( اللهم أنج الوليد ~~بن الوليد وعياش بن أبى ربيعة وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين اللهم ~~اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف ( وكان يقنت يدعو ~~للمؤمنين ويلعن الكفار وكان قنوته في الفجر # وثبت عنه في الصحيح أنه قنت في المغرب والعشاء وفى الظهر وفى السنن أنه ~~قنت في العصر أيضا فتنازع المسلمون في القنوت على ثلاثة اقوال # ( أحدها ( أنه منسوخ فلا يشرع بحال بناء على أن النبى ( ( قنت ثم ترك ~~والترك نسخ للفعل كما أنه لما كان يقوم للجنازة ثم قعد جعل القعود ناسخا ~~للقيام وهذا قول طائفة من أهل العراق كأبى حنيفة وغيره PageV23P105 # ( والثانى ms6936 ( أن القنوت مشروع دائما وان المداومة عليه سنة وان ذلك يكون ~~في الفجر # ثم من هؤلاء من يقول السنة أن يكون قبل الركوع بعد القراءة سرا وان لا ~~يقنت بسوى ( اللهم انا نستعينك ( إلى آخرها و ( اللهم اياك نعبد ( إلى ~~آخرها كما يقوله مالك # ومنهم من يقول السنة أن يكون بعد الركوع جهرا ويستحب أن يقنت بدعاء الحسن ~~بن على الذى رواه عن النبى ( ( في قنوته ( اللهم اهدني فيمن هديت ( إلى ~~آخره وان كانوا قد يجوزون القنوت قبل وبعد وهؤلاء قد يحتجون بقوله تعالى ( ~~حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ( ويقولون الوسطى هي ~~الفجر والقنوت فيها وكلتا المقدمتين ضعيفة # أما الأولى فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أن ~~( الصلاة الوسطى ( هي العصر وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة ~~ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم وان كان للصحابة والعلماء في ذلك ~~مقالات متعددة فانهم تكلموا بحسب اجتهادهم PageV23P106 وأما # الثانية فالقنوت هو المداومة على الطاعة وهذا يكون في القيام والسجود كما ~~قال تعالى ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ( ولو أريد ~~به ادامة القيام كما قيل في قوله ( يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى ( ~~فحمل ذلك على اطالته القيام للدعاء دون غيره لا يجوز لأن الله أمر بالقيام ~~له قانتين والأمر يقتضى الوجوب وقيام الدعاء المتنازع فيه لا يجب بالاجماع ~~ولأن القائم في حال قراءته هو قانت لله أيضا ولأنه قد ثبت في الصحيح ( أن ~~هذه الآية لما نزلت أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ( فعلم أن السكوت هو من ~~تمام القنوت المأمور به # ومعلوم أن ذلك واجب في جميع أجزاء القيام ولأن قوله ( وقوموا لله قانتين ~~( لا يختص بالصلاة الوسطى سواء كانت الفجر أو العصر بل هو معطوف على قوله ( ~~حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ( فيكون أمرا بالقنوت مع الأمر ~~بالمحافظة والمحافظة تتناول الجميع فالقيام يتناول الجميع # واحتجوا أيضا بما رواه الامام أحمد في مسنده والحاكم في صحيحه عن ms6937 أبى ~~جعفر الرازى عن الربيع بن أنس عن أنس ( أن النبى ( ( ما زال يقنت حتى فارق ~~الدنيا ( قالوا وقوله في الحديث الآخر ( ثم تركه ( أراد ترك الدعاء على تلك ~~PageV23P107 القبائل لم يترك نفس القنوت # وهذا بمجرده لا يثبت به سنة راتبة في الصلاة وتصحيح الحاكم دون تحسين ~~الترمذى وكثيرا ما يصحح الموضوعات فانه معروف بالتسامح في ذلك ونفس هذا ~~الحديث لا يخص القنوت قبل الركوع أو بعده فقال ( ما قنت رسول الله ( ( بعد ~~الركوع الا شهرا ( فهذا حديث صحيح صريح عن أنس أنه لم يقنت بعد الركوع الا ~~شهرا فبطل ذلك التأويل # والقنوت قبل الركوع قد يراد به طول القيام قبل الركوع سواء كان هناك دعاء ~~زائد أو لم يكن فحينئذ فلا يكون اللفظ دالا على قنوت الدعاء وقد ذهب طائفة ~~إلى أنه يستحب القنوت الدائم في الصلوات الخمس محتجين بأن النبى ( ( قنت ~~فيها ولم يفرق بين الراتب والعارض وهذا قول شاذ # والقول الثالث أن النبى ( ( قنت لسبب نزل به ثم تركه عند عدم ذلك السبب ~~النازل به فيكون القنوت مسنونا عند النوازل وهذا القول هو الذى عليه فقهاء ~~أهل الحديث وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم # فان عمر رضى الله عنه لما حارب النصارى قنت عليهم القنوت PageV23P108 ~~المشهور اللهم عذب كفرة أهل الكتاب إلى آخره وهو الذى جعله بعض الناس سنة ~~في قنوت رمضان وليس هذا القنوت سنة راتبة لا في رمضان ولا غيره بل عمر قنت ~~لما نزل بالمسلمين من النازلة ودعا في قنوته دعاء يناسب تلك النازلة كما أن ~~النبى ( ( لما قنت أولا على قبائل بنى سليم الذين قتلوا القراء دعا عليهم ~~بالذى يناسب مقصوده ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من اصحابه دعا بدعاء يناسب ~~مقصوده فسنة رسول الله ( ( وخلفائه الراشدين تدل على شيئين # ( أحدهما ( أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذى يقتضيه ليس بسنة دائمة ~~في الصلاة # ( الثانى ( أن الدعاء فيه ليس دعاء راتبا بل يدعو في كل قنوت بالذى ~~يناسبه كما دعا النبى ms6938 ( صلى الله عليه وسلم ( أولا وثانيا وكما دعا عمر ~~وعلى رضى الله عنهم لما حارب من حاربه في الفتنة فقنت ودعا بدعاء يناسب ~~مقصوده والذى يبين هذا أنه لو كان النبى ( ( يقنت دائما ويدعو بدعاء راتب ~~لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم فان هذا من الأمور التى تتوفر الهمم ~~والدواعى على نقلها وهم الذين نقلوا عنه في قنوته ما لم يداوم عليه وليس ~~بسنة راتبة كدعائه على الذين قتلوا أصحابه ودعائه للمستضعفين من ~~PageV23P109 اصحابه ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم # فكيف يكون النبى ( ( يقنت دائما في الفجر أو غيرها ويدعو بدعاء راتب ولم ~~ينقل هذا عن النبى ( ( لا في خبر صحيح ولا ضعيف بل أصحاب النبى ( ( الذين ~~هم أعلم الناس بسنته وأرغب الناس في اتباعها كابن عمر وغيره أنكروا حتى قال ~~بن عمر ( ما رأينا ولا سمعنا ( وفى رواية ( أرأيتكم قيامكم هذا تدعون ما ~~رأينا ولا سمعنا ( أفيقول مسلم ان النبى ( ( كان يقنت دائما وبن عمر يقول ~~ما رأينا ولا سمعنا وكذلك غير بن عمر من الصحابة عدوا ذلك من الأحداث ~~المبتدعة # ومن تدبر هذه الأحاديث في هذا الباب علم علما يقينا قطعيا ان النبى ( ( ~~لم يكن يقنت دائما في شيء من الصلوات كما يعلم علما ( يقينيا ( أنه لم يكن ~~يداوم على القنوت في الظهر والعشاء والمغرب فان من جعل القنوت في هذه ~~الصلوات سنة راتبة يحتج بما هو من جنس حجة الجاعلين له في الفجر سنة راتبة ~~ولا ريب أنه قد ثبت في الصحيح عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قنت في ~~هذه الصلوات لكن الصحابة بينوا الدعاء الذى كان يدعو به والسبب الذى قنت له ~~وأنه ترك ذلك عند حصول المقصود نقلوا ذلك في PageV23P110 قنوت الفجر وفى ~~قنوت العشاء أيضا # والذى يوضح ذلك أن الذين جعلوا من سنة الصلاة أن يقنت دائما بقنوت الحسن ~~بن على أو بسورتى أبى ليس معهم الا دعاء عارض والقنوت فيها اذا كان مشروعا ~~كان مشروعا للامام والمأموم والمنفرد بل ms6939 وأوضح من هذا أنه لو جعل جاعل قنوت ~~الحسن أو سورتى أبى سنة راتبة في المغرب والعشاء لكان حاله شبيها بحال من ~~جعل ذلك سنة راتبة في الفجر اذ هؤلاء ليس معهم في الفجر الا قنوت عارض ~~بدعاء يناسب ذلك العارض ولم ينقل مسلم دعاء في قنوت غير هذا كما لم ينقل ~~ذلك في المغرب والعشاء وإنما وقعت الشبهة لبعض العلماء في الفجر لأن القنوت ~~فيها كان أكثر وهى أطول والقنوت يتبع الصلاة وبلغهم أنه داوم عليه فظنوا أن ~~السنة المداومة عليه ثم لم يجدوا معهم سنة بدعائه فسنوا هذه الادعية ~~المأثورة في الوتر مع أنهم لا يرون ذلك سنة راتبة في الوتر # وهذا النزاع الذى وقع في القنوت له نظائر كثيرة في الشريعة فكثيرا ما ~~يفعل النبى ( ( لسبب فيجعله بعض الناس سنة ولا يميز بين السنة الدائمة ~~والعارضة وبعض الناس يرى أنه لم يكن يفعله في أغلب الأوقات فيراه بدعة ~~ويجعل فعله في بعض الأوقات مخصوصا أو منسوخا ان كان قد بلغه ذلك مثل صلاة ~~التطوع في جماعة فانه قد ثبت عنه في الصحيح ( أنه صلى بالليل وخلفه بن ~~PageV23P111 عباس مرة ( و ( حذيفة بن اليمان مرة ( وكذلك غيرهما وكذلك صلى ~~بعتبان بن مالك في بيته التطوع جماعة وصلى بأنس بن مالك وأمه واليتيم في ~~داره فمن الناس من يجعل هذا فيما يحدث من ( صلاة الالفية ( ليلة نصف شعبان ~~والرغائب ونحوهما مما يداومون فيه على الجماعات # ومن الناس من يكره التطوع لأنه رأى أن الجماعة انما سنت في الخمس كما أن ~~الأذان انما سن في الخمس ومعلوم أن الصواب هو ما جاءت به السنة فلا يكره أن ~~يتطوع في جماعة كما فعل النبى ( ( ولا يجعل ذلك سنة راتبة كمن يقيم للمسجد ~~اماما راتبا يصلى بالناس بين العشائين أو في جوف الليل كما يصلى بهم ~~الصلوات الخمس كما ليس له أن يجعل للعيدين وغيرهما اذانا كأذان الخمس ولهذا ~~أنكر الصحابة على من فعل هذا من ولاة الأمور اذ ذاك # ويشبه ذلك ms6940 من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان فانه قد ~~ثبت أن أبى بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان ويوتر بثلاث ~~فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة لأنه أقامه بين المهاجرين والانصار ~~ولم ينكره منكر واستحب آخرون تسعة وثلاثين ركعة بناء على أنه عمل أهل ~~المدينة القديم PageV23P112 # وقال طائفة قد ثبت في الصحيح عن عائشة ( أن ~~النبى ( ( لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة ( واضطرب قوم ~~في هذا الأصل لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء ~~الراشدين وعمل المسلمين # والصواب أن ذلك جميعه حسن كما قد نص على ذلك الامام أحمد رضى الله عنه ~~وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد فان النبى ( ( لم يوقت فيها عددا وحينئذ ~~فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره فان النبى ( ( كان ~~يطيل القيام بالليل حتى إنه قد ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة ( أنه كان ~~يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء وآل عمران فكان طول القيام يغنى عن تكثير ~~الركعات ( وأبى بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة لم يمكن أن يطيل بهم ~~القيام فكثر الركعات ليكون ذلك عوضا عن طول القيام وجعلوا ذلك ضعف عدد ~~ركعاته فانه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ثم بعد ذلك كان ~~الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام فكثروا الركعات حتى بلغت تسعا وثلاثين ~~PageV23P113 # ومما يناسب هذا أن الله تعالى لما فرض الصلوات الخمس بمكة فرضها ركعتين ~~ركعتين ثم أقرت في السفر وزيد في صلاة الحضر كما ثبت ذلك في الصحيح عن ~~عائشة رضى الله عنها أنها قالت ( لما هاجر إلى المدينة زيد في صلاة الحضر ~~وجعلت صلاة المغرب ثلاثا لأنها وتر النهار وأما صلاة الفجر فأقرت ركعتين ~~لأجل تطويل القراءة فيها فاغنى ذلك عن تكثير الركعات ( # وقد تنازع العلماء أيما أفضل اطالة القيام أم تكثير الركوع والسجود أم ~~هما سواء على ثلاثة أقوال وهى ثلاث ms6941 روايات عن أحمد # وقد ثبت عنه في الصحيح ( أى الصلاة أفضل قال طول القنوت ( وثبت عنه أنه ~~قال ( إنك لن تسجد لله سجدة الا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ( ~~وقال لربيعة بن كعب ( أعنى على نفسك بكثرة السجود ( # ومعلوم أن السجود في نفسه أفضل من القيام ولكن ذكر القيام أفضل وهو ~~القراءة وتحقيق الأمر أن الأفضل في الصلاة أن تكون معتدلة فاذا أطال القيام ~~يطيل الركوع والسجود كما كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ( يصلى بالليل كما ~~رواه حذيفة وغيره وهكذا PageV23P114 كانت صلاته الفريضة وصلاة الكسوف ~~وغيرهما كانت صلاته معتدلة فان فضل مفضل اطالة القيام والركوع والسجود مع ~~تقليل الركعات وتخفيف القيام والركوع والسجود مع تكثير الركعات فهذان ~~متقاربان وقد يكون هذا أفضل في حال كما أنه لما صلى الضحى يوم الفتح صلى ~~ثمانى ركعات يخففهن ولم يقتصر على ركعتين طويلتين وكما فعل الصحابة في قيام ~~رمضان لما شق على المأمومين اطالة القيام # وقد تبين بما ذكرناه أن القنوت يكون عند النوازل وان الدعاء في القنوت ~~ليس شيئا معينا ولا يدعو بما خطر له بل يدعو من الدعاء المشروع بما يناسب ~~سبب القنوت كما أنه اذا دعا في الاستسقاء دعا بما يناسب المقصود فكذلك اذا ~~دعا في الاستنصار دعا بما يناسب المقصود كما لو دعا خارج الصلاة لذلك السبب ~~فانه كان يدعو بما يناسب المقصود فهذا هو الذى جاءت به سنة رسول الله ( ( ~~وسنة خلفائه الراشدين # ومن قال إنه من أبعاض الصلاة التى يجبر بسجود السهو فانه بنى ذلك على أنه ~~سنة يسن المداومة عليه بمنزلة التشهد الأول ونحوه وقد تبين أن الأمر ليس ~~كذلك فليس بسنة راتبة ولا يسجد له لكن من اعتقد ذلك متأولا في ذلك له ~~تأويله كسائر موارد الاجتهاد # ولهذا ينبغى للمأموم أن يتبع امامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد PageV23P115 ~~فاذا قنت قنت معه وان ترك القنوت لم يقنت فان النبى ( ( قال ( انما جعل ~~الامام ليؤتم به ( وقال ( لا تختلفوا على أئمتكم ( وثبت عنه ms6942 في الصحيح أنه ~~قال ( يصلون لكم فان أصابوا فلكم ولهم وان أخطأوا فلكم وعليهم 3 ( الا ترى ~~أن الامام لو قرأ في الأخيرتين بسورة مع الفاتحة وطولهما على الأوليين ~~لوجبت متابعته في ذلك فأما مسابقة الامام فانها لا تجوز # فاذا قنت لم يكن للمأموم أن يسابقه فلابد من متابعته ولهذا كان عبد الله ~~بن مسعود قد أنكر على عثمان التربيع بمنى ثم أنه صلى خلفه أربعا فقيل له في ~~ذلك فقال الخلاف شر وكذلك أنس بن مالك لما سأله رجل عن وقت الرمى فأخبره ثم ~~قال افعل كما يفعل إمامك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوله ( ( لا يحل لرجل يؤم قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فان فعل فقد ~~خانهم ( فهل يستحب للامام أنه كلما دعا الله عز وجل أن يشرك المأمومين وهل ~~صح عن النبى ( ( أنه كان يخص نفسه بدعائه في صلاته دونهم PageV23P116 فكيف ~~الجمع بين هذين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين قد ثبت في الصحيحين عن أبى ~~هريرة أنه قال للنبى ( ( أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول قال ( ~~أقول اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقنى ~~من خطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلنى من خطاياى بالماء ~~والثلج والبرد ( فهذا حديث صحيح صريح في أنه دعا لنفسه خاصة وكان اماما ~~وكذلك حديث على في الاستفتاح الذى أوله ( وجهت وجهى للذى فطر السماوات ~~والأرض فيه فاغفر لى فانه لا يغفر الذنوب الا أنت واهدنى لاحسن الاخلاق لا ~~يهدى لا حسنها الا أنت واصرف عنى سيئها فانه لا يصرف عنى سيئها الا أنت ( # وكذلك ثبت في الصحيح أنه كان يقول بعد رفع رأسه من الركوع بعد قوله ( لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ( اللهم طهرنى من خطاياى بالماء والثلج ~~والبرد اللهم نقنى من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ( وجميع هذه ~~الأحاديث المأثورة في دعائه بعد التشهد من فعله ومن أمره لم ينقل فيها الا ~~لفظ الافراد كقوله ( اللهم ms6943 انى أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن ~~فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ( وكذا دعاؤه بين PageV23P117 ~~السجدتين وهو في السنن من حديث حذيفة ومن حديث بن عباس وكلاهما كان النبى ( ~~( فيه اماما أحدهما بحذيفة والآخر بابن عباس وحديث حذيفة ( رب اغفر لى رب ~~اغفر لى ( وحديث بن عباس فيه ( اغفر لى وارحمنى واهدنى وعافنى وارزقنى ( ~~ونحو هذا فهذه الأحاديث التى في الصحاح والسنن تدل على أن الامام يدعو في ~~هذه الامكنة بصيغة الافراد وكذلك اتفق العلماء على مثل ذلك حيث يرون أنه ~~يشرع مثل هذه الأدعية # واذا عرف ذلك تبين أن الحديث المذكور ان صح فالمراد به الدعاء الذى يؤمن ~~عليه المأموم كدعاء القنوت فان المأموم اذا أمن كان داعيا قال الله تعالى ~~لموسى وهارون ( قد أجيبت دعوتكما ( وكان أحدهما يدعو والآخر يؤمن واذا كان ~~المأموم مؤمنا على دعاء الامام فيدعو بصيغة الجمع كما في دعاء الفاتحة في ~~قوله ( اهدنا الصراط المستقيم ( فان المأموم انما أمن لاعتقاده أن الإمام ~~يدعو لهما جميعا فان لم يفعل فقد خان الامام المأموم # فأما المواضع التى يدعو فيها كل انسان لنفسه كالاستفتاح وما بعد التشهد ~~ونحو ذلك فكما أن المأموم يدعو لنفسه فالامام يدعو لنفسه كما يسبح المأموم ~~في الركوع والسجود اذا سبح الامام في PageV23P118 الركوع والسجود وكما ~~يتشهد اذا تشهد ويكبر اذا كبر فان لم يفعل المأموم ذلك فهو المفرط # وهذا الحديث لو كان صحيحا صريحا معارضا للأحاديث المستفيضة المتواترة ~~ولعمل الأمة والأئمة لم يلتفت إليه فكيف وليس من الصحيح ولكن قد قيل أنه ~~حسن ولو كان فيه دلالة لكان عاما وتلك خاصة والخاص يقضى على العام ثم لفظه ~~( فيخص نفسه بدعوة دونهم ( يراد بمثل هذا اذا لم يحصل لهم دعاء وهذا لا ~~يكون مع تأمينهم وأما مع كونهم مؤمنين على الدعاء كلما دعا فيحصل لهم كما ~~حصل له بفعلهم ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع ( اللهم انا نستعينك ~~ونستهديك ( إلى آخره ففى مثل هذا يأتى بصيغة الجمع ويتبع ms6944 السنة على وجهها ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن يصلى التراويح بعد المغرب هل هو سنة أم بدعة # وذكروا ان الامام الشافعى صلاها بعد المغرب وتممها بعد العشاء الآخرة ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين السنة في التراويح أن تصلى بعد العشاء الآخرة ~~كما اتفق على ذلك السلف والأئمة والنقل المذكور عن PageV23P119 الشافعى رضى ~~الله عنه باطل فما كان الأئمة يصلونها الا بعد العشاء على عهد النبى ( ( ~~وعهد خلفائه الراشدين وعلى ذلك أئمة المسلمين لا يعرف عن أحد أنه تعمد ~~صلاتها قبل العشاء فان هذه تسمى قيام رمضان كما قال النبى ( ( ان الله فرض ~~عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه ( ~~وقيام الليل في رمضان وغيره انما يكون بعد العشاء وقد جاء مصرحا به في ~~السنن ( أنه لما صلى بهم قيام رمضان صلى بعد العشاء ( # وكان النبى ( ( قيامه بالليل هو وتره يصلى بالليل في رمضان وغير رمضان ~~احدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة لكن كان يصليها ( طوالا ( فلما كان ذلك ~~يشق على الناس قام بهم أبى بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة يوتر ~~بعدها ويخفف فيها القيام فكان تضعيف العدد عوضا عن طول القيام وكان بعض ~~السلف يقوم أربعين ركعة فيكون قيامها أخف ويوتر بعدها بثلاث وكان بعضهم ~~يقوم بست وثلاثين ركعة يوتر بعدها وقيامهم المعروف عنهم بعد العشاء الآخرة # ولكن الرافضة تكره صلاة التراويح فاذا صلوها قبل العشاء الآخرة لا تكون ~~هي صلاة التراويح كما أنهم اذا توضئوا يغسلون PageV23P120 أرجلهم أول ~~الوضوء ويمسحونها في آخره فمن صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة ~~المخالفين للسنة والله أعلم ### |||| وسئل # عما يصنعه أئمة هذا الزمان من قراءة سورة الأنعام في رمضان في ركعة واحدة ~~ليلة الجمعة هل هي بدعة أم لا ### ||||| فأجاب # نعم بدعة فانه لم ينقل عن النبى ( ( ولا عن أحد من الصحابة ~~والتابعين ولا غيرهم من الأئمة أنهم تحروا ذلك وانما عمدة من يفعله ما نقل ~~عن مجاهد ms6945 وغيره من أن سورة الأنعام نزلت جملة مشيعة بسبعين ألف ملك ~~فاقرأوها جملة لأنها نزلت جملة وهذا استدلال ضعيف وفى قراءتها جملة من ~~الوجوه المكروهة أمور منها أن فاعل ذلك يطول الركعة الثانية من الصلاة على ~~الأولى تطويلا فاحشا والسنة تطويل الأولى على الثانية كما صح عن النبى ( ( ~~ومنها تطويل آخر قيام الليل على أوله وهو خلاف السنة فانه كان يطول أوائل ~~ما كان يصليه من الركعات على أواخرها والله أعلم PageV23P121 ### |||| وسئل # عن قوم يصلون بعد التراويح ركعتين في الجماعة ثم في آخر الليل يصلون تمام ~~مائة ركعة ويسمون ذلك صلاة القدر وقد امتنع بعض الأئمة من فعلها فهل الصواب ~~مع من يفعلها أو مع من يتركها وهل هي مستحبة عند أحد من الأئمة أو مكروهة ~~وهل ينبغى فعلها والأمر بها أو تركها والنهى عنها ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل المصيب هذا الممتنع من فعلها والذى تركها فان هذه ~~الصلاة لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين بل هي بدعة مكروهة باتفاق الأئمة ~~ولا فعل هذه الصلاة لا رسول الله ( ( ولا أحد من الصحابة ولا التابعين ولا ~~يستحبها أحد من أئمة المسلمين والذى ينبغى أن تترك وينهى عنها # وأما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة المسلمين بل من اجل ~~مقصود التراويح قراءة القرآن فيها ليسمع المسلمون كلام الله فان شهر رمضان ~~فيه نزل القرآن وفيه كان جبريل يدارس النبى ( صلى PageV23P122 الله عليه ~~وسلم ( القرآن وكان النبى ( ( أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين ~~يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ### |||| وسئل # عن سنة العصر هل ورد عن النبى ( ( فيها حديث والخلاف الذى فيها ما الصحيح ~~منه ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما الذى صح عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( فحديث بن ~~عمر ( حفظت عن رسول الله ( ( عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها ~~وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر ( وفى الصحيح ~~أيضا عن النبى ( ( أنه قال ( من صلى في يوم وليلة اثنتى عشرة ركعة تطوعا ~~بنى الله له بيتا في ms6946 الجنة ( وجاء في السنن تفسيره ( اربعا قبل الظهر ~~وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر ( ~~وثبت عنه في الصحيح أنه قال ( بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين ~~كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء ( كراهية ان يتخذها الناس سنة ~~ففى هذا الحديث أنه يصلى PageV23P123 قبل العصر وقبل المغرب وقبل العشاء ~~وقد صح أن أصحاب النبى ( ( كانوا يصلون بين أذان المغرب واقامتها ركعتين ~~والنبى ( ( يراهم فلا ينهاهم ولم يكن يفعل ذلك فمثل هذه الصلوات حسنة ليست ~~سنة فان النبى ( صلى الله عليه وسلم ( كره أن تتخذ سنة # ولم يكن النبى ( ( يصلى قبل العصر وقبل المغرب وقبل العشاء فلا تتخذ سنة ~~ولا يكره أن يصلى فيها بخلاف ما فعله ورغب فيه فان ذلك أوكد من هذا وقد روى ~~( أنه كان يصلى قبل العصر أربعا ( وهو ضعيف وروى ( أنه كان يصلى ركعتين ( ~~والمراد به الركعتان قبل الظهر والله أعلم ### |||| وسئل # هل للعصر سنة راتبة أم لا أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله الذى ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه كان يصلى مع ~~المكتوبات عشر ركعات أو اثنى عشرة ركعة ركعتين قبل الظهر أو اربعا وبعدها ~~ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين وقبل الفجر ركعتين وكذلك ثبت ~~في الصحيح أن PageV23P124 النبى ( ( قال ( من صلى في يوم وليلة ثنتى عشرة ~~ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة ورويت في السنن أربعا قبل ~~الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل ~~الفجر ( وليس في الصحيح سوى هذه الأحاديث الثلاثة حديث بن عمر وعائشة وأم ~~حبيبة وأما قبل العصر فلم يقل أحد أن النبى ( ( كان يصلى قبل العصر الا ~~وفيه ضعف بل خطأ كحديث يروى عن على أنه كان يصلى نحو ستة عشر ركعة منها قبل ~~العصر وهو مطعون فيه فان الذين اعتنوا بنقل تطوعاته كعائشة وبن عمر بينوا ~~ما كان يصليه وكذلك الصلاة قبل المغرب وقبل العشاء لم يكن يصليها لكن ms6947 كان ~~اصحابه يصلون قبل المغرب بين الأذان والاقامة وهو يراهم فلا ينكر ذلك عليهم ~~وثبت عنه في الصحيح أنه قال بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال ~~في الثالثة لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة فهذا يبين أن الصلاة قبل ~~العصر والمغرب والعشاء حسنة وليست بسنة فمن أحب أن يصلى قبل العصر كما يصلى ~~قبل المغرب والعشاء على هذا الوجه فحسن واما ان يعتقد أن ذلك سنة راتبة كان ~~يصليها النبى ( ( كما يصلى قبل الظهر وبعدها وبعد المغرب فهذا خطأ والصلاة ~~مع المكتوبة ثلاث درجات ( إحداها ( سنة الفجر والوتر فهاتان أمر بهما النبى ~~( ( ولم يأمر بغيرهما وهما سنة باتفاق الأئمة وكان النبى ( صلى الله ~~PageV23P125 عليه وسلم ( يصليهما في السفر والحضر ولم يجعل مالك سنة راتبة ~~غيرهما ( والثانية ( ما كان يصليه مع المكتوبة في الحضر وهو عشر ركعات ~~وثلاث عشرة ركعة وقد اثبت أبو حنيفة والشافعى وأحمد مع المكتوبات سنة مقدرة ~~بخلاف مالك ( والثالثة ( التطوع الجائز في هذا الوقت من غير أن يجعل سنة ~~لكون النبى ( صلى الله عليه وسلم ( لم يداوم عليه ولا قدر فيه عددا والصلاة ~~قبل العصر والمغرب والعشاء من هذا الباب وقريبا من ذلك صلاة الضحى والله ~~أعلم ### |||| وسئل # هل سنة العصر مستحبة ### ||||| فأجاب # لم يكن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( يصلى قبل العصر شيئا وانما ~~كان يصلى قبل الظهر اما ركعتين واما اربعا وبعدها وكان يصلى بعد المغرب ~~ركعتين وبعد العشاء ركعتين وقبل الفجر ركعتين # وأما قبل العصر وقبل المغرب وقبل العشاء فلم يكن يصلى لكن ثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال ( بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء ( كراهية ~~أن يتخذها الناس سنة فمن شاء أن يصلى تطوعا قبل العصر فهو حسن لكن لا يتخذ ~~ذلك سنة والله أعلم PageV23P126 ### |||| وسئل رحمه الله # هل تقضى السنن الرواتب ### ||||| فأجاب # أما اذا فاتت السنة الراتبة مثل سنة الظهر فهل تقضى بعد العصر على ~~قولين هما روايتان عن أحمد # ( أحدهما ( لا تقضى ms6948 وهو مذهب أبى حنيفة ومالك # ( والثانى ( تقضى وهو قول الشافعى وهو أقوى والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن لا يواظب على السنن الرواتب ### ||||| فأجاب # من أصر على تركها دل ذلك على قلة دينه وردت شهادته في مذهب أحمد ~~والشافعى وغيرهما PageV23P127 ### |||| وسئل رحمه الله # عن صلاة المسافر هل لها سنة فان الله جعل الرباعية ركعتين رحمة منه على ~~عباده فما حجة من يدعى السنة وقد أنكر عمر على من سبح بعد الفريضة فهل في ~~بعض المذاهب تأكد السنة في السفر كأبى حنيفة وهل نقل هذا عن أبى حنيفة أم ~~لا ### ||||| فأجاب # أما الذى ثبت عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه كان يصلى في ~~السفر من التطوع فهو ركعتا الفجر حتى إنه لما نام عنها هو وأصحابه منصرفه ~~من خيبر قضاهما مع الفريضة هو وأصحابه وكذلك قيام الليل والوتر فانه قد ثبت ~~عنه في الصحيح ( أنه كان يصلى على راحلته قبل أى وجه توجهت به ويوتر عليها ~~غير أنه لا يصلى عليها المكتوبة ( # وأما الصلاة قبل الظهر وبعدها فلم ينقل عنه أنه فعل ذلك في السفر ولم يصل ~~معها شيئا وكذلك كان يصلى بمنى ركعتين ركعتين ولم ينقل عنه أحد أنه صلى ~~معها شيئا PageV23P128 وبن عمر كان أعلم الناس بالسنة واتبعهم لها وأما ~~العلماء فقد تنازعوا في استحباب ذلك والله أعلم ### |||| وسئل # عن الصلاة بعد أذان المغرب وقبل الصلاة ### ||||| فأجاب # كان بلال كما أمره النبى ( ~~( يفصل بين أذانه واقامته حتى يتسع لركعتين فكان من الصحابة من يصلى بين ~~الأذانين ركعتين والنبى ( ( يراهم ويقرهم وقال ( بين كل أذانين صلاة بين كل ~~أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء ( مخافة أن تتخذ ~~سنة # فاذا كان المؤذن يفرق بين الأذانين مقدار ذلك فهذه الصلاة حسنة واما ان ~~كان يصل الأذان بالاقامة فالاشتغال باجابة المؤذن هو السنة فان النبى ( ( ~~قال ( اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ( # ولا ينبغى لأحد أن يدع اجابة المؤذن ويصلى هاتين الركعتين فان السنة لمن ms6949 ~~سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول ثم يصلى على PageV23P129 النبى ( ( ويقول ( ~~اللهم رب هذه الدعوة التامة ( إلى آخره ثم يدعو بعد ذلك ### |||| وسئل # عن امرأة لها ورد بالليل تصليه فتعجز عن القيام في بعض الأوقات فقيل لها ~~ان صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم فهل هو صحيح ### ||||| فأجاب # نعم صحيح عن النبى ( ( أنه قال ( صلاة القاعد على النصف من صلاة ~~القائم ( لكن اذا كان عادته أنه يصلى قائما وانما قعد لعجزه فان الله يعطيه ~~أجر القائم لقوله ( صلى الله عليه وسلم ( اذا مرض العبد أو سافر كتب له من ~~العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم ( فلو عجز عن الصلاة كلها لمرض كان الله ~~يكتب له أجرها كله لأجل نيته وفعله بما قدر عليه فكيف اذا عجز عن أفعالها ~~PageV23P130 ### |||| وسئل # عن معنى قول النبى ( ( لا تجعلوا بيوتكم قبورا ### |||| ( فأجاب # أما لفظ الحديث ( ~~اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ( واذا لم تذكروا الله فيها كنتم كالميت وكانت ~~كالقبور فان في الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( مثل الذى يذكر ربه والذى لا ~~يذكر ربه كمثل الحى والميت وفى لفظ مثل البيت الذى يذكر الله فيه والذى لا ~~يذكر الله فيه مثل الحى والميت ### |||| وسئل # عن صلاة نصف شعبان ### ||||| فأجاب # اذا صلى الانسان ليلة النصف وحده أو في جماعة خاصة كما كان يفعل ~~طوائف من السلف فهو أحسن وأما الاجتماع في المساجد على صلاة مقدرة ~~كالاجتماع على مائة ركعة بقراءة ألف ( قل هو الله أحد ( دائما فهذا بدعة لم ~~يستحبها أحد من الأئمة والله أعلم PageV23P131 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام # وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها بل هي محدثة فلا تستحب لا جماعة ولا فرادى ~~فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( نهى أن تخص ليلة ~~الجمعة بقيام أو يوم الجمعة بصيام والأثر الذى ذكر فيها كذب موضوع باتفاق ~~العلماء ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلا وأما ليلة النصف فقد روى في ~~فضلها أحاديث وآثار ونقل عن طائفة ms6950 من السلف أنهم كانوا يصلون فيها فصلاة ~~الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا وأما ~~الصلاة فيها جماعة فهذا مبنى على قاعدة عامة في الاجتماع على الطاعات ~~والعبادات فانه نوعان أحدهما سنة راتبة اما واجب واما مستحب كالصلوات الخمس ~~والجمعة والعيدين # وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح فهذا سنة راتبة ينبغى المحافظة عليها ~~والمداومة والثانى ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام ~~الليل أو على قراءة قرآن أو ذكر الله أو دعاء فهذا لا بأس به اذا لم يتخذ ~~عادة راتبة فان النبى PageV23P132 صلى التطوع في جماعة أحيانا ولم يداوم ~~عليه الا ما ذكر وكان أصحابه اذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقى ~~يستمعون وكان عمر بن الخطاب يقول لأبى موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون ~~وقد روى أن النبى ( ( خرج على أهل الصفة ومنهم واحد يقرأ فجلس معهم وقد روى ~~في الملائكة السيارين الذين يتبعون مجالس الذكر الحديث المعروف فلو أن قوما ~~اجتمعوا بعض الليالى على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة تشبه ~~السنة الراتبة لم يكره لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الاوقات مكروه لما فيه ~~من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع ولو ساغ ذلك لساغ أن يعمل ~~صلاة أخرى وقت الضحى أو بين الظهر والعصر أو تراويح في شعبان أو أذان في ~~العيدين أو حج إلى الصخرة ببيت المقدس وهذا تغيير لدين الله وتبديل له ~~وهكذا القول في ليلة المولد وغيرها والبدع المكروهة ما لم تكن مستحبة في ~~الشريعة وهى أن يشرع ما لم يأذن به الله فمن جعل شيئا دينا وقربة بلا شرع ~~من الله فهو مبتدع ضال وهو الذى عناه النبى ( ( بقوله ( كل بدعة ضلالة ( ~~فالبدعة ضد الشرعة والشرعة ما أمر الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب ~~وان لم يفعل على عهده كالاجتماع في التراويح على امام واحد وجمع القرآن في ~~المصحف وقتل أهل الردة والخوارج ونحو ذلك وما لم يشرعه ms6951 الله ورسوله فهو ~~بدعة وضلالة مثل تخصيص PageV23P133 مكان أو زمان بإجتماع على عبادة فيه كما ~~خص الشارع أوقات الصلوات وأيام الجمع والأعياد وكما خص مكة بشرفها والمساجد ~~الثلاثة وسائر المساجد بما شرعه فيها من الصلوات وأنواع العبادات كل بحسبه ~~وبهذا التفسير يظهر الجمع بين أدلة الشرع من النصوص والإجماعات فإن المراد ~~بالبدعة ضد الشرعة وهو مالم يشرع في الدين فمتى ثبت بنص أو إجماع في فعل ~~أنه مما يحبه الله ورسوله خرج بذلك عن أن يكون بدعة وقد قررت ذلك مبسوطا في ~~قاعدة كبيرة من القواعد الكبار # وقال رحمه الله # ( صلاة الرغائب ( بدعة بإتفاق ائمة الدين لم يسنها رسول الله ( ( ولا أحد ~~من خلفائه ولا أستحبها أحد من أئمة الدين كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ~~والثورى والأوزاعى والليث وغيرهم والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل ~~المعرفة بالحديث وكذلك الصلاة التى تذكر أول ليلة جمعة من رجب وفي ليلة ~~المعراج والفية نصف شعبان والصلاة يوم الأحد والأثنين وغير هذا من أيام ~~الأسبوع وان كان قد ذكرها طائفة من المصنفين في الرقائق فلا نزاع بين أهل ~~المعرفة بالحديث أن أحاديثه كلها موضوعة ولم يستحبها أحد من أئمة الدين وفى ~~صحيح مسلم PageV23P134 عن أبي هريرة عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه ~~قال ( لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ولا يوم الجمعة بصيام ( والأحاديث التى ~~تذكر في صيام يوم الجمعة وليلة العيدين كذب على النبى ( ( والله أعلم ### |||| وسئل # عن صلاة الرغائب هل هي مستحبة أم لا ### ||||| فأجاب # هذه الصلاة لم يصلها رسول الله ( ( ولا أحد من أصحابه ولا التابعين ~~ولا أئمة المسلمين ولا رغب فيها رسول الله ( ( ولا أحد من السلف ولا الأئمة ~~ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها والحديث المروى في ذلك عن النبى ( ( كذب ~~موضوع بإتفاق أهل المعرفة بذلك ولهذا قال المحققون أنها مكروهة غير مستحبة ~~والله أعلم PageV23P135 ### || 1 ( رسالة في سجود القرآن ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام ! 8 < ( فصل ( # في ( سجود القرآن ( وهو نوعان خبر عن أهل السجود ومدح لهم أو ms6952 أمر به وذم ~~على تركه فالأول سجدة الأعراف ( ان الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون ( وهذا ذكره بعد الأمر بإستماع القرآن والذكر # وفى الرعد ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال ( وفى النحل ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في ~~الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون PageV23P136 يخافون ربهم من فوقهم ~~ويفعلون ما يؤمرون ( وفى سبحان ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا أن كان وعد ربنا لمفعولا ~~ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ( وهذا خبر عن سجود مع من سمع القرآن ~~فسجد # وكذلك في مريم ( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ~~وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا وإجتبينا إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ( فهؤلاء الأنبياء سجدوا إذا تتلى عليهم ~~آيات الرحمن وأولئك الذين أوتوا العلم من قبل القرآن إذا يتلى عليهم القرآن ~~يسجدون # وظاهر هذا سجود مطلق كسجود السحرة وكقوله ( أدخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ~~( وإن كان المراد به الركوع فالسجود هو خضوع له وذل له ولهذا يعبر به عن ~~الخضوع كما قال الشاعر % ترى الأكم فيها سجدا للحوافر % # قال جماعة من أهل اللغة السجود التواضع والخضوع وأنشدوا PageV23P137 % ~~ساجد المنخر ما يرفعه خاشع الطرف أصم المسمع % # قيل لسهل بن عبد الله أيسجد القلب قال نعم سجدة لا يرفع رأسه منها أبدا ~~وفى ( سورة الحج ( الأولى خبر ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ~~وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ان الله يفعل ما يشاء ( ~~والثانية أمر مقرون بالركوع ولهذا صار فيها نزاع # وسجدة الفرقان ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما ~~تأمرنا وزادهم نفورا ms6953 ( خبر مقرون بذم من أمر بالسجود فلم يسجد ليس هو مدحا ~~وكذلك سجدة ( النمل ( وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون أن لا يسجدوا لله الذى يخرج ~~الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا اله الا هو رب ~~العرش العظيم ( خبر يتضمن ذم من يسجد لغير الله ولم يسجد لله ومن قرأ ألا ~~يا اسجدوا كانت أمرا # وفى ( الم تنزيل السجدة ( إنما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا PageV23P138 ~~بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ( وهذا من ابلغ الأمر ~~والتخصيص فانه نفى الايمان عمن ذكر بآيات ربه ولم يسجد اذا ذكر بها # وفى ( ص ( خبر عن سجدة داود وسماها ركوعا و ( حم تنزيل ( أمر صريح ( ومن ~~آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله ~~الذى خلقهن ان كنتم اياه تعبدون فان استكبروا فالذين عند ربهم يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون ( و ( النجم ( أمر صريح ( فاسجدوا لله ~~واعبدوا ( و ( الانشقاق ( أمر صريح عند سماع القرآن ( فما لهم لا يؤمنون ~~واذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ( و ( اقرأ باسم ربك الذى خلق ( امر مطلق ~~( واسجد واقترب ( فالستة الأول إلى الأولى من الحج خبر ومدح والتسع البواقى ~~من الثانية من الحج أمر وذم لمن لم يسجد # الا ( ص ( فنقول قد تنازع الناس في وجوب سجود التلاوة قيل يجب وقيل لا ~~يجب وقيل يجب اذا قرئت السجدة في الصلاة وهو رواية عن أحمد والذى يتبين لى ~~أنه واجب فان الآيات التى فيها مدح لا تدل بمجردها على الوجوب لكن آيات ~~الأمر والذم والمطلق منها قد يقال إنه محمول على الصلاة كالثانية من الحج ~~والفرقان واقرأ وهذا ضعيف فكيف وفيها مقرون بالتلاوة كقوله PageV23P139 ( ~~إنما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون ( فهذا نفى للايمان بالآيات عمن لا يخر ساجدا اذا ذكر بها واذا ~~كان سامعا لها فقد ms6954 ذكر بها # وكذلك ( سورة الانشقاق ( فما لهم لا يؤمنون واذا قرئ عليهم القرآن لا ~~يسجدون ( وهذا ذم لمن لا يسجد اذا قرئ عليه القرآن كقوله ( فما لهم عن ~~التذكرة معرضين ( وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ( ~~( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ( وكذلك ( سورة النجم ( قوله ( ~~أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله ~~واعبدوا ( أمر بالغا عقب ذكر الحديث الذى هو القرآن يقتضى أن سماعه سبب ~~الأمر بالسجود لكن السجود المأمور به عند سماع القرآن كما أنه ليس مختصا ~~بسجود الصلاة فليس هو مختصا بسجود التلاوة فمن ظن هذا أو هذا فقد غلط بل هو ~~متناول لهما جميعا كما بينه الرسول ( ( # فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه فالسجود عند سماع آية السجدة هو ~~سجود مجرد عند سماع آية السجدة سواء تليت مع سائر القرآن أو وحدها ليس هو ~~سجودا عند تلاوة مطلق القرآن فهو سجود عند جنس القرآن وعند خصوص الأمر ~~بالسجود فالأمر يتناوله وهو أيضا متناول لسجود القرآن أيضا وهو أبلغ فانه ~~سبحانه وتعالى PageV23P140 قال ( إنما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا بها ~~خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ( فهذا الكلام يقتضى أنه لا ~~يؤمن بآياته الا من اذا ذكر بها خر ساجدا وسبح بحمد ربه وهو لا يستكبر # ومعلوم أن قوله ( بآياتنا ( ليس ( يعنى ( بها آيات السجود فقط بل جميع ~~القرآن فلابد أن يكون اذا ذكر بجميع آيات القرآن يخر ساجدا وهذا حال المصلى ~~فانه يذكر بآيات الله بقراءة الامام والامام يذكر بقراءة نفسه فلا يكونون ~~مؤمنين حتى يخروا سجدا وهو سجودهم في الصلاة وهو سجود مرتب ينتقلون أولا ~~إلى الركوع ثم إلى السجود والسجود مثنى كما بينه الرسول ليجتمع فيه خروران ~~خرور من قيام وهو السجدة الأولى وخرور من قعود وهو السجدة الثانية وهذا مما ~~يستدل به على وجوب قعدة الفصل والطمأنينة فيها كما مضت به السنة فان الخرور ~~ساجدا لا يكون الا من قعود أو قيام واذا ms6955 فصل بين السجدتين كحد السيف أو كان ~~إلى القعود أقرب لم يكن هذا خرورا # ولكن الذى جوزه ظن أن السجود يحصل بوضع الرأس على الأرض كيف ما كان وليس ~~كذلك بل هو مأمور به كما قال ( إذا ذكروا بها خروا سجدا ( ولم يقل سجدوا ~~فالخرور مأمور PageV23P141 به كما ذكره في هذه الآية ونفس الخرور على الذقن ~~عبادة مقصودة كما أن وضع الجبهة على الأرض عبادة مقصودة يدل على ذلك قوله ~~تعالى ( ان الذين أوتوا العلم من قبله اذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم ~~خشوعا ( فمدح هؤلاء واثنى عليهم بخرورهم للأذقان أى على الأذقان سجدا ~~والثانى بخرورهم للأذقان أى عليها يبكون # فتبين أن نفس الخرور على الذقن عبادة مقصودة يحبها الله وليس المراد ~~بالخرور إلصاق الذقن بالأرض كما تلصق الجبهة والخرور على الذقن هو مبدأ ~~الركوع والسجود منتهاه فان الساجد يسجد على جبهته لا على ذقنه لكنه يخر على ~~ذقنه والذقن آخر حد الوجه وهو أسفل شيء منه وأقر به إلى الأرض فالذى يخر ~~على ذقنه يخر وجهه ورأسه خضوعا لله ومن حينئذ قد شرع في السجود فكما أن وضع ~~الجبهة هو آخر السجود فالخرور على الذقن أول السجود وتمام الخرور أن يكون ~~من قيام أو قعود وقد روى عن بن عباس ( يخرون للأذقان ( أى للوجوه قال ~~الزجاج الذى يخر وهو قائم انما يخر لوجهه والذقن مجتمع اللحيين وهو غضروف ~~أعضاء الوجه فاذا ابتدأ يخر فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن ~~PageV23P142 # وقال بن الأنبارى أول ما يلقى الأرض من الذى يخر قبل أن يصوب جبهته ذقنه ~~فلذلك قال ( للأذقان ( ويجوز أن يكون المعنى يخرون للوجوه فاكتفى بالذقن من ~~الوجه كما يكتفى بالبعض من الكل وبالنوع من الجنس # قلت والذى يخر على الذقن لا يسجد على الذقن فليس الذقن من أعضاء السجود ~~بل أعضاء السجود سبعة كما قال النبى ( ( أمرت أن اسجد على سبعة أعضاء ~~الجبهة وأشار بيده إلى ms6956 الأنف واليدين والركبتين والقدمين ( ولو سجد على ~~ذقنه ارتفعت جبهته والجمع بينهما متعذر أو متعسر لأن الأنف بينهما وهو ناتئ ~~يمنع الصاقهما معا بالأرض في حال واحدة فالساجد يخر على ذقنه ويسجد على ~~جبهته فهذا خرور السجود ثم قال ( ويخرون للأذقان يبكون ( فهذا خرور البكاء ~~قد يكون معه سجود وقد لا يكون # فالأول كقوله ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ( فهذا خرور ~~وسجود وبكاء # والثانى كقوله ( ويخرون للأذقان يبكون ( فقد يبكى الباكى من خشية الله مع ~~خضوعه بخروره وان لم يصل إلى حد السجود PageV23P143 وهذا عبادة أيضا لما ~~فيه من الخرور لله والبكاء له وكلاهما عبادة لله فان بكاء الباكى لله كالذى ~~يبكى من خشية الله من افضل العبادات وقد روى ( عينان لا تمسهما النار عين ~~باتت تحرس في سبيل الله وعين يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ( وفى ~~الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله ~~امام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك ~~وتفرقا عليه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل قلبه معلق بالمسجد اذا ~~خرج منه حتى يعود إليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق ~~يمينه ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال انى أخاف الله رب العالمين # فذكر ( ( هؤلاء السبعة اذ كل منهم كمل العبادة التى قام بها وقد صنف مصنف ~~في نعتهم سماه ( اللمعة في أوصاف السبعة ( فالامام العادل كمل ما يجب من ~~الامارة والشاب الناشئ في عبادة الله كمل ما يجب من عبادة الله والذى قلبه ~~معلق بالمساجد كمل عمارة المساجد بالصلوات الخمس لقوله ( إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله ( والعفيف كمل الخوف من الله والمتصدق كمل الصدقة لله ~~والباكى كمل الاخلاص PageV23P144 # وأما قوله عن داود عليه السلام ( وخر راكعا وأناب ( لا ريب أنه سجد كما ~~ثبت بالسنة واجماع المسلمين أنه سجد لله والله سبحانه مدحه بكونه خر راكعا ~~وهذا أول ms6957 السجود وهو خروره فذكر سبحانه أول فعله وهو خروره راكعا ليبين أن ~~هذا عبادة مقصودة وان كان هذا الخرور كان ليسجد كما اثنى على النبيين بأنهم ~~كانوا ( اذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ( والذين أوتوا العلم ~~من قبله ( انهم ( اذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ( ويخرون للأذقان ~~يبكون ( وذلك لأن الخرور هو أول الخضوع المنافى للكبر فان المتكبر يكره أن ~~يخر ويحب أن لا يزال منتصبا مرتفعا اذا كان الخرور فيه ذل وتواضع وخشوع ~~ولهذا يأنف منه أهل الكبر من العرب وغير العرب فكان أحدهم اذا سقط منه ~~الشيء لا يتناوله لئلا يخر وينحنى # فان الخرور انخفاض الوجه والرأس وهو أعلى ما في الانسان وأفضله وهو قد ~~خلق رفيعا منتصبا فاذا خفضه لا سيما بالسجود كان ذلك غاية ذله ولهذا لم ~~يصلح السجود الا لله فمن سجد لغيره فهو مشرك ومن لم يسجد له فهو مستكبر عن ~~عبادته وكلاهما كافر من أهل النار قال تعالى ( وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ~~ان الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين ( # وقال PageV23P145 تعالى ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن ان كنتم اياه تعبدون ( وقال ~~في قصة بلقيس ( وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون الا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا اله الا هو رب العرش ~~العظيم ( والشمس أعظم ما يرى في عالم الشهادة وأعمه نفعا وتاثيرا فالنهى عن ~~السجود لها نهى عما هو دونها بطريق الأولى من الكواكب والاشجار وغير ذلك # وقوله ( واسجدوا لله الذى خلقهن ( دلالة على أن السجود للخالق لا للمخلوق ~~وان عظم قدره بل لمن خلقه وهذا لمن يقصد عبادته وحده كما قال ( إن كنتم ~~إياه تعبدون ( لا يصلح له أن يسجد لهذه المخلوقات قال تعالى ( فان استكبروا ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ( فانه ms6958 قد علم ~~سبحانه أن في بنى آدم من يستكبر عن السجود له فقال الذين هم أعظم من هؤلاء ~~لا يستكبرون عن عبادة ربهم بل يسبحون له بالليل والنهار ولا يحصل لهم سآمة ~~ولا ملالة بخلاف الآدميين فوصفهم هنا بالتسبيح له ووصفهم بالتسبيح والسجود ~~جميعا في قوله ( ان الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون PageV23P146 وهم يصفون له صفوفا كما قالوا ( وإنا لنحن الصافون وإنا ~~لنحن المسبحون ( وفى الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( الا تصفون كما تصف ~~الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يسدون الأول ~~فالأول ويتراصون في الصف ( ### ||| فصل # فآياته سبحانه توجب شيئين # ( أحدهما ( فهمها وتدبرها ليعلم ما تضمنته # ( والثانى ( عبادته والخضوع له اذا سمعت فتلاوته اياها وسماعها يوجب هذا ~~وهذا فلو سمعها السامع ولم يفهمها كان مذموما ولو فهمها ولم يعمل بما فيها ~~كان مذموما بل لابد لكل أحد عند سماعها من فهمها والعمل بها كما أنه لابد ~~لكل أحد من استماعها فالمعرض عن استماعها كافر والذى لا يفهم ما أمر به ~~فيها كافر والذى يعلم ما أمر به فلا يقر بوجوبه ويفعله كافر وهو سبحانه يذم ~~الكفار بهذا وهذا وهذا كقوله ( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة ( وقوله ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون ( وقوله ( كتاب PageV23P147 فصلت آياته قرآنا ~~عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ( ونظائره ~~كثيرة # وقال فيمن لم يفهمها ويتدبرها ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~اسمعهم لتولوا وهم معرضون ( فذمهم على أنهم لا يفهمون ولو فهموا لم يعملوا ~~بعلمهم وقال تعالى ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ان شر ~~الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم ( وقال ( والذين اذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ~~( # قال بن قتيبة لم يتغافلوا عنها فكأنهم صم لم يسمعوها عمن لم يروها وقال ~~غيره من أهل ms6959 اللغة لم يبقوا على حالهم الأولى كأنهم لم يسمعوا ولم يروا وان ~~لم يكونوا خروا حقيقة تقول العرب شتمت فلانا فقام يبكى وقعد يندب وأقبل ~~يعتذر وظل يفتخر وان لم يكن قام ولا قعد # قلت في ذكره سبحانه لفظ الخرور دون غيره حكمة فانهم لو خروا وكانوا صما ~~وعميانا لم يكن ذلك ممدوحا بل معيبا فكيف اذا كانوا صما وعميانا بلا خرور ~~فلابد من شيئين من الخرور والسجود ولابد من السمع والبصر لما في آياته من ~~النور والهدى PageV23P148 والبيان وكذلك لما شرعت الصلاة شرع فيها القراءة ~~في القيام ثم الركوع والسجود # فأول ما أنزل الله من القرآن ( اقرأ باسم ربك الذى خلق ( فافتتحها بالأمر ~~بالقراءة وختمها بالأمر بالسجود فقال ( واسجد واقترب ( فقوله تعالى ( انما ~~يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم ( يدل على أن ~~التذكير بها كقراءتها في الصلاة موجب للسجود والتسبيح وأنه من لم يكن اذا ~~ذكر بها يخر ساجدا ويسبح بحمد ربه فليس بمؤمن وهذا متناول الآيات التى ليس ~~فيها سجود وهى جمهور آيات القرآن ففى القرآن أكثر من ستة آلاف آية وأما ~~آيات السجدة فبضع عشرة آية # وقوله ( ذكروا بها ( يتناول جميع الآيات فالتذكير بها جميعها موجب ~~للتسبيح والسجود وهذا مما يستدل به على وجوب التسبيح والسجود وعلى هذا تدل ~~عامة أدلة الشريعة من الكتاب والسنة تدل على وجوب جنس التسبيح فمن لم يسبح ~~في السجود فقد عصى الله ورسوله واذا أتى بنوع من أنواع التسبيح المشروع ~~أجزأه # وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة اقوال قيل لا يجب ذكر بحال PageV23P149 ~~وقيل يجب ويتعين قوله ( سبحان ربى الأعلى ( لا يجزئ غيره وقيل يجب جنس ~~التسبيح وان كان هذا النوع أفضل من غيره لأنه أمر به ان يجعل في السجود وقد ~~ثبت عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( في الصحيح أنواع أخر وقوله ( اجعلوها ~~في سجودكم ( فيه كلام ليس هذا موضعه اذ قد يقال المسبح لربه بأى اسم سبحه ~~فقد سبح اسم ربه الأعلى كما أنه ms6960 بأى اسم دعاه فقد دعا ربه الذى له الأسماء ~~الحسنى كما قال ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الاسماء ~~الحسنى ( وقال ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ( # فاذا كان يدعى بجميع أسمائه الحسنى وبأى اسم دعاه فقد دعا الذى له ~~الأسماء الحسنى وهو يسبح بجميع أسمائه الحسنى وبأى اسم سبح فقد سبح الذى له ~~الأسماء الحسنى ولكن قد يكون بعض الأسماء أفضل من بعض وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن الأمر بالسجود تابع لقراءة القرآن كله كما في هذه الآية ~~وفى قوله تعالى ( فما لهم لا يؤمنون واذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ( ~~فهذا يتناول جميع القرآن وأنه من قرئ عليه القرآن فهو مأمور بالسجود ~~والمصلى قد قرئ عليه القرآن وذلك سبب للأمر بالسجود فلهذا يسمع القرآن ~~ويسجد الامام والمنفرد يسمع قراءة نفسه وهو يقرأ على نفسه القرآن وقد ~~PageV23P150 يقال لا يصلون لكن قوله ( خروا سجدا ( صريح في السجود المعروف ~~لاقترانه بلفظ الخرور وأما هذه الآية ففيها نزاع قال أبو الفرج ( واذا قرئ ~~عليهم القرآن لا يسجدون ( فيه قولان # ( أحدهما ( لا يصلون قاله عطاء وبن السائب # ( والثانى ( لا يخضعون له ولا يستكينون له قاله بن جرير واختاره القاضي ~~أبو يعلى قال واحتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة وليس فيها دلالة على ذلك ~~وانما المعنى لا يخشعون الا ترى أنه اضاف السجود إلى جميع القرآن والسجود ~~يختص بمواضع منه # قلت القول الأول هو الذى يذكره كثير من المفسرين لا يذكرون غيره كالثعلبى ~~والبغوى وحكوه عن مقاتل والكلبى وهو المنقول عن مفسرى السلف وعليه عامة ~~العلماء # وأما القول الثانى فما علمت أحدا نقله عن أحد من السلف والذين قالوه انما ~~قالوه لما رأوا أنه لا يجب على كل من سمع شيئا من القرآن أن يسجد فأرادوا ~~أن يفسروا الآية بمعنى يجب في كل حال فقالوا يخضعون ويستكينون فان هذا يؤمر ~~PageV23P151 به كل من قرئ عليه القرآن # ولفظ السجود يراد به مطلق الخضوع والاستكانة كما قد بسط ms6961 هذا في مواضع لكن ~~يقال لهم الخضوع مأمور به وخضوع الانسان وخشوعه لا يتم الا بالسجود المعروف ~~وهو فرض في الجملة على كل أحد وهو المراد من السجود المضاف إلى بنى آدم حيث ~~ذكر في القرآن اذهو خضوع الآدمى للرب والرب لا يرضى من الناس بدون هذا ~~الخضوع اذهو غاية خضوع العبد ولكل مخلوق خضوع بحسبه هو سجوده # وأما ان يكون سجود الانسان لا يراد به الا خضوع ليس فيه سجود الوجه فهذا ~~لا يعرف بل يقال هم مأمورون اذا قرئ عليهم القرآن بالسجود وان لم يكن ~~السجود التام عقب استماع القرآن فانه لابد أن يكون بين صلاتين فاذا قاموا ~~إلى الصلاة فقد أتوا بالسجود الواجب عليهم وهم لما قرئ عليهم حصل لهم نوع ~~من الخضوع والخشوع باعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال فاذا اعتقدوا وجوب ~~الصلاة وعزموا على الامتثال فهذا مبدأ السجود المأمور به ثم اذا صلوا فهذا ~~تمامه كما قال في المشركين ( فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم ( فهم اذا تابوا والتزموا الصلاة كف عن قتالهم فهذا مبدأ اقامتها ثم ~~اذا فعلوها فقد أتموا اقامتها وأما اذا التزموها PageV23P152 بالكلام ولم ~~يفعلوا فانهم يقاتلون # ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~أنه سجد بها في الصلاة ففى الصحيحين عن أبى رافع قال صليت مع أبى هريرة ~~العتمة فقرأ ( اذا السماء انشقت ( فسجد فقلت ما هذه قال سجدت بها خلف أبى ~~القاسم ولا أزال اسجد بها حتى ألقاه وهذا الحديث قد اتفق العلماء على صحته # وأما سجوده فيها فرواه مسلم دون البخارى والسجود فيها قول جمهور العلماء ~~كأبى حنيفة والشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهم وهو قول بن وهب وغيره من اصحاب ~~مالك فكيف يقال ان لفظ السجود فيها لم يرد به الا مطلق الخضوع والاستكانة ~~وأما السجود المعروف فلم يدل عليه اللفظ ولو كان هذا صحيحا لم يكن السجود ~~الخاص مشروعا اذا تليت لا سيما في الصلاة وبهذا يظهر جواب من أجاب ms6962 من احتج ~~بها على وجوب سجود التلاوة بأن المراد الخضوع # فان قيل فاذا فسر السجود بالصلاة كما قاله الاكثرون لم يجب سجود التلاوة ~~قيل الصلاة مرادة من جنس قراءة القرآن كما تقدم وهذه الآية توجب على من قرئ ~~عليه القرآن أن يسجد PageV23P153 فان قرئ عليه خارج الصلاة فعليه أن يسجد ~~قريبا اذا حضر وقت الصلاة فانه ما من ساعة يقرأ عليه فيها القرآن الا هو ~~وقت صلاة مفروضة فعليه أن يصليها اذ بينه وبين وقت الصلاة المفروضة أقل من ~~نصف يوم فاذا لم يصل فهو ممن اذا قرئ عليه القرآن لا يسجد فان قرئ عليه ~~القرآن في الصلاة فعليه أن يسجد سجدة يخر فيها من قيام وسجدة يخر فيها من ~~قعود وكل منهما بعد ركوع كما بينه الرسول ( ( # وأما السجود عند تلاوة هذه الآية فهو السجود الخاص وهو سجود التلاوة وهذا ~~سجود مبادر إليه عند سماع هذه الآية فانها أمرته أن يسجد اذا قرئ عليه ~~القرآن فمن تمام المبادرة أن يسجد عند سماعها سجود التلاوة ثم يسجد عند ~~تلاوة غيرها كما تقدم فان هذه الآية تأمر بالسجود اذا قرئ عليه هي أو غيرها ~~فهي الآمرة بالسجود عند قراءة القرآن دون سائر الآيات التى لا يسجد عندها ~~فكان لها حض من الأمر بالسجود مع عموم كونها من القرآن فتخص بالسجود لها ~~ويسجد في الصلاة اذا قرئت كما يسجد اذا قرئ غيرها # وبهذا فسرها النبى ( ( فانه سجد بها في الصلاة وفعله اذا خرج امتثالا ~~لأمر أو تفسيرا لمجمل كان حكمه حكمه فدل PageV23P154 ذلك على وجوب السجود ~~الذى سجده عند قراءة هذه السورة لا سيما وهو في الصلاة والصلاة مفروضة ~~واتمامها مفروض فلا تقطع الا بعمل هو أفضل من اتمامها فعلم أن سجود التلاوة ~~فيها أفضل من اتمامها بلا سجود ولو زاد في الصلاة فعلا من جنسها عمدا بطلت ~~صلاته وهنا سجود التلاوة مشروع فيها وعن أحمد في وجوب هذا السجود في الصلاة ~~روايتان والأظهر الوجوب كما قدمناه لوجوه متعددة # منها أن نفس ms6963 الأئمة يؤمرون أن يصلوا كما صلى النبى ( ( وهو هكذا صلى ~~والله أعلم # وقوله ( لا يسجدون ( ولم يقل لا يصلون يدل على أن السجود مقصود لنفسه ~~وأنه يتناول السجود في الصلاة وخارج الصلاة فيتناول أيضا الخضوع والخشوع ~~كما مثل فالقرآن موجب لمسمى السجود الشامل لجميع أنواعه فما من سجود الا ~~والقرآن موجب له ومن لم يسجد اذا قرئ عليه مطلقا فهو كافر ولكن لا يجب كل ~~سجود في كل وقت بل هو بحسب ما بينه رسول الله ( ( ولكن الآية دلت على تكرار ~~السجود عند تكرار قراءة القرآن عليه PageV23P155 وهذا واجب اذا قرئ عليه ~~القرآن في الصلاة وخارج الصلاة كما تقدم والله أعلم # وأما الأمر المطلق بالسجود فلا ريب أنه يتناول الصلوات الخمس فانها فرض ~~بالاتفاق ويتناول سجود القرآن لأن النبى ( ( سن السجود في هذه المواضع ~~فلابد أن يكون ما تلى سببا له والا كان أجنبيا والمذكور انما هو الأمر فدل ~~على أن هذا السجود من السجود المأمور به والا فكيف يخرج السجود المقرون ~~بالأمر عن الأمر وهذا كسجود الملائكة لآدم لما أمروا # وهكذا جاء في الحديث الصحيح ( اذا قرأ بن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكى ~~يقول يا ويله أمر بن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلى ~~النار ( رواه مسلم والنبى ( ( ذكر هذا ترغيبا في هذا السجود فدل على أن هذا ~~السجود مأمور به كما كان السجود لآدم لأن كلاهما أمر وقد سن السجود عقبه ~~فمن سجد كان متشبها بالملائكة ومن أبى تشبه بابليس بل هذا سجود لله فهو ~~أعظم من السجود لآدم # وهذا الحديث كاف في الدلالة على الوجوب وكذلك الآيات التى فيها الأمر ~~المقيد والأمر المطلق أيضا PageV23P156 وايضا # فان النبى ( ( لما قرأ ( والنجم ( سجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن ~~والانس كما ثبت ذلك في الصحيح عن بن عباس وفى الصحيح عن بن مسعود ( أنهم ~~سجدوا الا رجلا من المشركين أخذ كفا من حصا وقال يكفينى هذا قال فلقد رأيته ~~بعد قتل كافرا ( وهذا يدل على أنهم كانوا ms6964 مأمورين بهذا السجود وان تاركه ~~كان مذموما وليس هو سجود الصلاة بل كان خضوعا لله وفيهم كفار وفيهم من لم ~~يكن متوضيا لكن سجود الخضوع اذا تلى كلامه # كما أثنى على من اذا سمعه سجد فقال ( اذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا ( وقال ( ان الذين أوتوا العلم من قبله اذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا ( وهذا وان قيل انه متناول سجود الصلاة فانهم اذا ~~سمعوا القرآن ركعوا وسجدوا فلا ريب أنه متناول سجود القرآن بطريق الأولى ~~لأن هناك السجود بعض الصلاة وهنا ذكر سجودا مجردا على الأذقان فما بقى يمكن ~~حمله على الركوع لأن الركوع لا يكون على الأذقان # وقوله ( للأذقان ( أى على الأذقان كما قال ( وتله للجبين ( أى على الجبين ~~وقوله ( للأذقان ( يدل على تمام السجود PageV23P157 وانهم سجدوا على الأنف ~~مع الجبهة حتى التصقت الأذقان بالأرض ليسوا كمن سجد على الجبهة فقط والساجد ~~على الأنف قد لا يلصق الذقن بالأرض الا اذا زاد انخفاضه # واما احتجاج من لم يوجبه بكون النبى ( ( لم يسجد لما قرأ عليه زيد ( ~~النجم ( وبقول عمر ( لما قرأ على المنبر سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل ~~فسجد وسجد الناس حتى اذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى جاء السجدة قال يا ~~ايها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا اثم عليه وفى ~~لفظ فلما كان في الجمعة الثانية تشرفوا فقال انا نمر بالسجدة ولم تكتب ~~علينا ولكن قد تشوفتم ثم نزل فسجد # فيقال تلك قضية معينة ولعله لما لم يسجد زيد لم يسجد هو كما قال بن مسعود ~~أنت امامنا فان سجدت سجدنا وقال عثمان انما السجدة على من جلس اليها واستمع ~~وهذا يدل على أنها تجب على المستمع ولا تجب على السامع وكذلك حديث بن مسعود ~~يدل على أنها لا تجب اذا لم يسجد القارئ # وقد يقال كان للنبى ( ( عذر عند من يقول ان السجود ms6965 فيها مشروع فمن الناس ~~من يقول يمكن أنه لم يكن على PageV23P158 طهارة لكن قد يرجح جواز السجود ~~على غير طهارة # وقد قيل ان السجود في ( النجم ( وحدها منسوخ بخلاف ( اقرأ ( و ( الانشقاق ~~( فقد ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه سجد فيهما وسجد معه أبو هريرة وهو ~~أسلم بعد خيبر وهذا يبطل قول من يقول لم يسجد في المفصل بعد الهجرة وأما ~~سورة النجم # بل حديث زيد صريح في أنه لم يسجد فيها قال هؤلاء فيكون النسخ فيها خاصة ~~لا في غيرها لما كان الشيطان قد ألقاه حين ظن من ظن أنه وافقهم ترك السجود ~~فيها بالكلية سدا لهذه الذريعة وهى في الصلاة تأتى في آخر القيام وسجدة ~~الصلاة تغنى عنها فهذا القول اقرب من غيره والله أعلم # وأما حديث عمر فلو كان صريحا لكان قوله واقرار من حضر وليسوا كل المسلمين ~~وقول عثمان وغيره يدل على الوجوب ثم يقال قد يكون مراد عمر أنه لم يكتب ~~علينا السجود في هذه الحال وهو اذا قرأها الامام على المنبر يبين ذلك أن ~~السجود في هذه الحال PageV23P159 ليس كالسجود المطلق لأنه يقطع فيه الامام ~~الخطبة ويعمل عملا كثيرا والسنة في الخطبة الموالاة فلما تعارض هذا وهذا ~~صار السجود غير واجب لأن القارئ يشتغل بعبادة أفضل منه وهو خطبة الناس وان ~~سجد جاز # ولهذا يقول مالك وغيره أن هذا السجود لا يستحب قال وليس العمل عندنا على ~~أن يسجد الامام اذا قرأ على المنبر كما أنه لم يستحب السجود في الصلاة لا ~~السر ولا الجهر وأحمد في احدى الروايتين وأبو حنيفة وغيرهما يقولون لا ~~يستحب في صلاة السر مع أن أبا حنيفة يوجب السجود وأحمد في احدى الروايتين ~~يوجبه في الصلاة ثم لم يستحبوه في هذه الحال بل اتصال الصلاة عندهم أفضل ~~فكذلك قد يكون مراد عمر أنه لم يكتب في مثل هذه الحال كما يقول من يقول لا ~~يستحب أيضا في هذه الحال # وهذا كما أن الدعاء بعرفة لما كانت سنته الاتصال لم ms6966 يقطع بصلاة العصر بل ~~صليت قبله فكذلك الخاطب يوم الجمعة مقصوده خطابهم وأمرهم ونهيهم ثم الصلاة ~~عقب ذلك فلا يجب أن يشتغلوا عن هذا المقصود مع أن عقبه يحصل السجود # وهذا يدل على أن سجود التلاوة يسقط لما هو أفضل منه الا PageV23P160 ترى ~~أن الانسان لو قرأ لنفسه يوم الجمعة قد يقال إنه لم يستحب له أن يسجد دون ~~الناس كما لا يشرع للمأموم أن يسجد لسهوه لأن متابعة الامام أولى من السجود ~~وهو مع البعد وان قلنا يستحب له أن يقرأ فهو كما يستحب للمأموم أن يقرأ خلف ~~امامه ولو قرأ بالسجدة لم يسجد بها دون الامام وما أعلم في هذا نزاعا فهنا ~~محافظته على متابعة الامام في الفعل الظاهر أفضل من سجود التلاوة ومن سجود ~~السهو بل هو منهى عن ذلك ويوم الجمعة انما سجد الناس لما سجد عمر ولو لم ~~يسجد لم يسجدوا حينئذ فاذا كان حديث عمر قد يراد به أنه لم يكتب علينا في ~~هذه الحال لم يبق فيه حجة ولو كان مرفوعا # وأيضا فسجود القرآن هو من شعائر الاسلام الظاهرة اذا قرئ القرآن في ~~الجامع سجد الناس كلهم لله رب العالمين وفى ترك ذلك اخلال بذلك ولهذا رجحنا ~~أن صلاة العيد واجبة على الأعيان كقول أبى حنيفة وغيره وهو أحد أقوال ~~الشافعى وأحد القولين في مذهب أحمد # وقول من قال لا تجب في غاية البعد فانها من أعظم شعائر الاسلام والناس ~~يجتمعون لها أعظم من الجمعة وقد شرع فيها التكبير وقول من قال هي فرض على ~~الكفاية لا ينضبط فانه لو حضرها في PageV23P161 المصر العظيم أربعون رجلا ~~لم يحصل المقصود وانما يحصل بحضور المسلمين كلهم كما في الجمعة # وأما الأضحية فالأظهر وجوبها أيضا فانها من أعظم شعائر الاسلام وهى النسك ~~العام في جميع الأمصار والنسك مقرون بالصلاة في قوله ( ان صلاتى ونسكي ~~ومحياي ومماتى لله رب العالمين ( وقد قال تعالى ( فصل لربك وانحر ( فأمر ~~بالنحر كما أمر بالصلاة وقد قال تعالى ( ولكل أمة جعلنا ms6967 منسكا ليذكروا اسم ~~الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فالهكم إله واحد فله أسلموا وبشر ~~المخبتين ( وقال ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فأذكروا ~~إسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ~~كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين ( وهى ~~من ملة إبراهيم الذي أمرنا بإتباع ملته وبها يذكر قصة الذبيح فكيف يجوز أن ~~المسلمين كلهم يتركون هذا لا يفعله أحد منهم وترك المسلمين كلهم هذا أعظم ~~من ترك الحج في بعض السنين # وقد قالوا إن الحج كل عام فرض على الكفاية لأنه من شعائر الإسلام ~~والضحايا في عيد النحر كذلك بل هذه تفعل في كل بلد PageV23P162 هي والصلاة ~~فيظهر بها عبادة الله وذكره والذبح له والنسك له ما لا يظهر بالحج كما يظهر ~~ذكر الله بالتكبير في الأعياد وقد جاءت الأحاديث بالأمر بها وقد خرج وجوبها ~~قولا في مذهب أحمد وهو قول أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب مالك أو ظاهر ~~مذهب مالك # ونفاة الوجوب ليس معهم نص فإن عمدتهم قوله ( من أراد أن يضحى ودخل العشر ~~فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره قالوا والواجب لا يعلق بالإرادة وهذا كلام ~~مجمل فإن الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد فيقال أن شئت فأفعله بل قد يعلق ~~الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام كقوله ( إذا قمتم إلى الصلاة فأغسلوا ) ~~وقد قدروا فيه إذا أردتم القيام وقدروا إذا أردت القراءة فإستعذ والطهارة ~~واجبة والقراءة في الصلاة واجبة وقد قال ( إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء ~~منكم أن يستقيم ) ومشيئة الإستقامة واجبة # وأيضا فليس كل أحد يجب عليه أن يضحى وإنما تجب على القادر فهو الذي يريد ~~أن يضحى كما قال ( من أراد الحج فليتعجل فإنه قد تضل الضالة وتعرض الحاجة ~~والحج فرض على المستطيع فقوله ( من أراد أن يضحى ( كقوله ( من أراد الحج ~~PageV23P163 فليتعجل ms6968 ( ووجوبها حينئذ مشروط بأن يقدر عليها فاضلا عن حوائجه ~~الأصلية كصدقة الفطر # ويجوز أن يضحى بالشاة عن أهل البيت صاحب المنزل ونسائه وأولاده ومن معهم ~~كما كان الصحابة يفعلون وما نقل عن بعض الصحابة من أنه لم يضح بل إشترى ~~لحما فقد تكون مسألة نزاع كما تنازعوا في وجوب العمرة وقد يكون من لم يضح ~~لم يكن له سعة في ذلك العام وأراد بذلك توبيخ أهل المباهاة الذين يفعلونها ~~لغير الله أو أن يكون قصد بتركها ذلك العام توبيخهم فقد ترك الواجب لمصلحة ~~راجحة كما قال ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم إنطلق معي برجال معهم ~~حزم حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار لولا ما في ~~البيوت من النساء والذرية ( فكان يدع الجمعة والجماعة الواجبة لأجل عقوبة ~~المتخلفين فإن هذا من باب الجهاد الذي قد يضيق وقته فهو مقدم على الجمعة ~~والجماعة # ولو أن ولى الأمر كالمحتسب وغيره تخلف بعض الأيام عن الجمعة لينظر من لا ~~يصليها فيعاقبه جاز ذلك وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة فإن عقوبة ~~أولئك واجب متعين لا يمكن إلا بهذا الطريق والنبى قد بين أنه لولا النساء ~~والصبيان PageV23P164 لحرق البيوت على من فيها لكن فيها من لا تجب عليه ~~جمعة ولا جماعة من النساء والصبيان فلا تجوز عقوبته كما لا ترجم الحامل حتى ~~تضع حملها لأن قتل الجنين لا يجوز كما في حديث الغامدية ### ||| فصل # وسجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل هذا هو السنة المعروفة عن ~~النبى وعليه عامة السلف وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين وعلى هذا فليست ~~صلاة فلا تشترط لها شروط الصلاة بل تجوز على غير طهارة كما كان إبن عمر ~~يسجد على غير طهارة لكن هي بشروط الصلاة أفضل ولا ينبغى أن يخل بذلك إلا ~~لعذر # فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به لكن قد يقال إنه لا يجب في هذه ~~الحال كما لا يجب على السامع ولا على من لم يسجد قارئه وإن ms6969 كان ذلك السجود ~~جائزا عند جمهور العلماء # وكما يجب على المؤتم في الصلاة تبعا لإمامه بالإتفاق وإن قالوا لا يجب في ~~غير هذه الحال وقد حمل بعضهم حديث زيد على أن PageV23P165 النبى لم يكن ~~متطهرا وكما لا تجب الجمعة على المريض والمسافر والعبد وإن جاز له فعلها لا ~~سيما وأكثر العلماء لا يجوزون فعلها إلا مع الطهارة ولكن الراجح أنه يجوز ~~فعلها للحديث والمروى فيها عن النبى صلى الله عليه وسلم تكبيرة واحدة فإنه ~~لا ينتقل من عبادة إلى عبادة وعلى هذا ترجم البخارى فقال ( باب سجدة ~~المسلمين مع المشركين ) والمشرك نجس ليس له وضوء قال وكان إبن عمر يسجد على ~~غير وضوء وذكر سجود النبى بالنجم لما سجد وسجد معه المسلمون والمشركون وهذا ~~الحديث في الصحيحين من وجهين من حديث إبن مسعود وحديث إبن عباس وهذا فعلوه ~~تبعا للنبى لما قرأ قوله ( فأسجدوا لله وأعبدوا ) # ومعلوم أن جنس العبادة لا تشترط له الطهارة بل إنما تشترط للصلاة فكذلك ~~جنس السجود يشترط لبعضه وهو السجود الذي لله كسجود الصلاة وسجدتى السهو ~~بخلاف سجود التلاوة وسجود الشكر وسجود الآيات # ومما يدل على ذلك أن الله أخبر عن سجود السحرة لما آمنوا بموسى على وجه ~~الرضا بذلك السجود ولا ريب أنهم لم يكونوا متوضئين ولا يعرفون الوضوء فعلم ~~أن السجود المجرد لله مما يحبه PageV23P166 الله ويرضاه وإن لم يكن صاحبه ~~متوضأ وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه وهذا سجود إيمان ~~ونظيره الذين أسلموا فإعتصموا بالسجود ولم يقبل ذلك منهم خالد فقتلهم فأرسل ~~النبى عليا فوداهم بنصف دية ولم ينكر عليهم ذلك السجود ولم يكونوا بعد قد ~~أسلموا ولا عرفوا الوضوء بل سجدوا لله سجود الإسلام كما سجد السحرة # ومما يدل على ذلك أن الله أمر بنى إسرائيل أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا ~~حطة ومعلوم أنه لم يأمرهم بوضوء ولا كان الوضوء مشروعا لهم بل هو من خصائص ~~أمة محمد وسواء أريد السجود بالأرض أو الركوع فإنه إن أريد ms6970 الركوع فهو ~~عبادة مفردة يتضمن الخضوع لله وهو من جنس السجود لكن شرعنا شرع فيه سجود ~~مفرد وأما ركوع مفرد ففيه نزاع جوزه بعض العلماء بدلا عن سجود التلاوة # وأيضا فقد أخبر الله عن الأنبياء بالسجود المجرد في مثل قوله ( أولئك ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ~~إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا ) ولم يكونوا مأمورين بالوضوء فإن الوضوء من خصائص أمة محمد كما ~~جاءت الأحاديث الصحيحة ( أنهم PageV23P167 يبعثون يوم القيامة غرا محجلين ~~من آثار الوضوء وإن الرسول يعرفهم بهذه السيماء ( فدل على أنه لا يشركهم ~~فيها غيرهم والحديث الذي رواه إبن ماجه وغيره أنه توضأ مرة مرة ومرتين ~~مرتين وثلاثا ثلاثا وقال ( هذا وضوئى ووضوء الأنبياء قبلي ( حديث ضعيف عند ~~أهل العلم بالحديث لا يجوز الإحتجاج بمثله وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد ~~من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين بخلاف الإغتسال من الجنابة فإنه ~~كان مشروعا ولكن لم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء وهذه الأمة مما فضلت به ~~التيمم مع الجنابة والحدث الأصغر والوضوء # فإن قيل أولئك الأنبياء إنما سجدوا على غير وضوء لأن الصلاة كانت تجوز ~~لهم بغير وضوء # قيل لم يقص الله علينا في القرآن أن أحدا منهم صلى بغير وضوء ونحن إنما ~~نتبع من شرع الأنبياء ما قصه الله علينا وما أخبرنا به نبينا فإنه قص ذلك ~~علينا لنعتبر به وقال ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم أقتده وكذلك ذكر عن ~~الذين أوتوا العلم من قبله أنهم ( إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم ~~خشوعا PageV23P168 وقد # أوجب الله تعالى الطهارة للصلاة كما أمر بذلك في القرآن وكما ثبت عن ~~النبى أنه قال ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا احدث حتى يتوضأ ( أخرجاه في ~~الصحيحين وفى الصحيح عن النبى أنه قال ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا ms6971 ~~صدقة من غلول وقد أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة # يبقى الكلام في مسمى ( الصلاة ( فإن الذين أوجبوا الطهارة للسجود المجرد ~~إختلفوا فيما بينهم فقالوا يسلم منه وقال بعضهم يكبر تكبيرتين تكبيرة ~~للإفتتاح وتكبيرة للسجود وقال بعضهم يتشهد فيه وليس معهم لشيء من هذه ~~الأقوال أثر لا عن النبى ولا عن أحد من الصحابة بل هو مما قالوه برأيهم لما ~~ظنوه صلاة # وقال بعضهم لا تكون الصلاة إلا ركعتين وما دون ذلك لايكون صلاة إلا ركعة ~~الوتر وإحتج بما في السنن عن إبن عمر أن النبى قال ( صلاة الليل والنهار ~~مثنى مثنى ( وهذا القول قاله إبن حزم ولم يشترط الطهارة لما دون ذلك لا ~~لصلاة الجنازة ولا لغيرها وهذا أيضا ضعيف فإن الحديث ضعيف والحديث الذى في ~~الصحاح الذى رواه الثقاة قوله ( صلاة الليل مثنى مثنى ( وأما قوله و ( ~~النهار ( فزيادة إنفرد بها البارقى وقد ضعفها أحمد PageV23P169 وغيره ~~والمرجع في مسمى الصلاة إلى الرسول # وفى السنن حديث على عن النبى صلى الله عليه وسلم ( مفتاح الصلاة الطهور ~~وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ( وهذا محفوظ عن إبن مسعود من قوله فهذا ~~يبين أن الصلاة التى مفتاحها الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ~~وهذا يتناول كل ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم كالصلاة التى فيها ركوع ~~وسجود سواء كانت مثنى أو واحدة أو كانت ثلاثا متصلة أو أكثر من ذلك وهو ~~يتناول صلاة الجنازة فإن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم # والصحابة أمروا بالطهارة لما فرقوا بينها وبين سجود التلاوة وهو الذى ~~ذكره البخارى في صحيحه فقال في ( باب سنة الصلاة على الجنازة ) وقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( من صلى على الجنازة وقال ( صلوا على صاحبكم ( وقال ( ~~صلوا على النجاشي ( سماها صلاة وليس فيها ركوع ولا سجود ولا يتكلم فيها ~~وفيها تكبير وتسليم وكان إبن عمر لا يصلى إلا طاهرا ولا يصلى عند طلوع ~~الشمس ولا غروبها ويرفع يديه وقال تعالى ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ~~ولا تقم على قبره ) وفيها صفوف وإمام # وهذه ms6972 الأمور التى ذكرها كلها منتفية في سجود التلاوة والشكر PageV23P170 ~~وسجود الآيات فان النبى ( ( لم يسم ذلك صلاة ولم يشرع لها الاصطفاف وتقدم ~~الامام كما يشرع في صلاة الجنازة وسجدتى السهو بعد السلام وسائر الصلوات ~~ولا سن فيها النبى ( ( سلاما لم يرو ذلك عنه لا باسناد صحيح ولا ضعيف بل هو ~~بدعة ولا جعل لها تكبير افتتاح وانما روى عنه أنه كبر فيها اما للرفع واما ~~للخفض والحديث في السنن # وبن عباس جوز التيمم للجنازة عند عدم الماء وهذا قول كثير من العلماء وهو ~~مذهب أبى حنيفة وأحمد في احدى الروايتين فدل على أن الطهارة تشترط لها عنده ~~وكذلك هذه الصفات منتفية في الطواف فليس فيه تسليم والكلام جائز فيه وليس ~~فيه اصطفاف وامام وقد قرن الله في كتابه وسنة رسوله بين الطائف والمصلى ولم ~~يرد عن النبى ( ( أنه امر بالطهارة للطواف لكنه كان يطوف متطهرا هو ~~والصحابة وكانوا يصلون ركعتى الطواف بعد الطواف ولا يصلى الا متطهرا والنهى ~~انما جاء في طواف الحائض فقال ( الحائض تقضى المناسك كلها الا الطواف ~~بالبيت ( وقد قيل ان ذلك لأجل المسجد وقيل لأجل الطواف وقيل لهما # والله تعالى قال لابراهيم عليه السلام ( وطهر بيتى للطائفين ( فاقتضى ذلك ~~تطهيره من دم الحيض وغيره PageV23P171 # وأيضا فابراهيم والنبيون بعده كانوا يطوفون بغير وضوء كما كانوا يصلون ~~بغير وضوء وشرعهم شرعنا الا فيما نسخ فالصلاة قد أمرنا بالوضوء لها ولم ~~يفرض علينا الوضوء لغيرها كما جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا فحيث ما ادركت ~~المسلم الصلاة فعنده مسجده وطهوره وان كان جنبا تيمم وصلى ومن قبلنا لم يكن ~~لهم ذلك بل كانوا ممنوعين من الصلاة مع الجنابة حتى يغتسلوا كما يمنع الجنب ~~من اللبث في المسجد ومن قراءة القرآن # ويجوز للمحدث اللبث في المسجد معتكفا وغير معتكف ويجوز له قراءة القرآن ~~والمروى فيها عن النبى ( ( تكبيرة واحدة فانه لم ينتقل من عبادة إلى عبادة ~~PageV23P172 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن الرجل اذا كان يتلو الكتاب ~~العزيز بين جماعة فقرأ ms6973 سجدة فقام على قدميه وسجد فهل قيامه أفضل من سجوده ~~وهو قاعد أم لا وهل فعله ذلك رياء ونفاق ### ||||| فأجاب # بل سجود التلاوة قائما أفضل منه قاعدا كما ذكر ذلك من ذكره من ~~العلماء من أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهما وكما نقل عن عائشة بل وكذلك سجود ~~الشكر كما روى أبو داود في سننه عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( من سجوده ~~للشكر قائما وهذا ظاهر في الاعتبار فان صلاة القائم أفضل من صلاة القاعد # وقد ثبت عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه كان أحيانا يصلى قاعدا فاذا ~~قرب من الركوع فانه يركع ويسجد وهو قائم وأحيانا يركع ويسجد وهو قاعد فهذا ~~قد يكون للعذر أو للجواز ولكن تحريه مع قعوده أن يقوم ليركع ويسجد وهو قائم ~~دليل على أنه أفضل اذ هو أكمل وأعظم خشوعا لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه ~~الساجدة لله من القيام PageV23P173 # ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى أو قيام ليل أو غير ذلك فانه يصليه ~~حيث كان ولا ينبغى له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس اذا علم ~~الله من قلبه أنه يفعله سرا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات ~~الاخلاص ولهذا قال الفضيل بن عياض ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل ~~الناس شرك وفعله في مكانه الذى تكون فيه معيشته التى يستعين بها على عبادة ~~الله خير له من أن يفعله حيث تتعطل معيشته ويشتغل قلبه بسبب ذلك فان الصلاة ~~كلما كانت أجمع للقلب وأبعد من الوسواس كانت أكمل # ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء # فنهيه مردود عليه من وجوه # ( أحدها ( أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفا من الرياء بل يؤمر بها ~~وبالاخلاص فيها ونحن اذا رأينا من يفعلها أقررناه وان جزمنا أنه يفعلها ~~رياء فالمنافقون الذين قال الله فيهم ( ان المنافقين يخادعون الله وهو ~~خادعهم واذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله ~~الا قليلا ( فهؤلاء كان النبى ms6974 ( صلى الله عليه وسلم ( والمسلمون يقرونهم ~~على ما يظهرونه من الدين وان كانوا مرائين ولا ينهونهم عن الظاهر لأن ~~الفساد في ترك اظهار PageV23P174 المشروع أعظم من الفساد في اظهاره رياء ~~كما أن فساد ترك اظهار الايمان والصلوات أعظم من الفساد في اظهار ذلك رياء ~~ولان الانكار انما يقع على الفساد في اظهار ذلك رئاء الناس # ( الثانى ( لأن الانكار انما يقع على ما أنكرته الشريعة وقد قال رسول ~~الله ( ( ( انى لم اومر أن انقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم وقد قال ~~عمر بن الخطاب من أظهر لنا خيرا أحببناه وواليناه عليه وان كانت سريرته ~~بخلاف ذلك ومن أظهر لنا شرا أبغضناه عليه وان زعم أن سريرته صالحة # ( الثالث ( أن تسويغ مثل هذا يفضى إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على ~~أهل الخير والدين اذا رأوا من يظهر أمرا مشروعا مسنونا قالوا هذا مراء ~~فيترك أهل الصدق والاخلاص اظهار الأمور المشروعة حذرا من لمزهم وذمهم ~~فيتعطل الخير ويبقى لأهل الشرك شوكة يظهرون الشر ولا أحد ينكر عليهم وهذا ~~من أعظم المفاسد # ( الرابع ( أن مثل هذا من شعائر المنافقين وهو يطعن على من يظهر الأعمال ~~المشروعة قال الله تعالى ( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ~~والذين لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم PageV23P175 سخر الله منهم ولهم ~~عذاب أليم ( فان النبى ( ( لما حض على الانفاق عام تبوك جاء بعض الصحابة ~~بصرة كادت يده تعجز من حملها فقالوا هذا مراء وجاء بعضهم بصاع فقالوا لقد ~~كان الله غنيا عن صاع فلان فلمزوا هذا وهذا فأنزل الله ذلك وصار عبرة فيمن ~~يلمز المؤمنين المطيعين لله ورسوله والله أعلم ### |||| وسئل # عن الرجل اذا تلى عليه القرآن فيه سجدة سجد على غير وضوء فهل يأثم أو ~~يكفر أو تطلق عليه زوجته ### ||||| فأجاب # لا يكفر ولا تطلق عليه زوجته ولكن يأثم عند أكثر العلماء ولكن ذكر ~~بعض أصحاب أبى حنيفة أن من صلى بلا وضوء فيما تشترط له الطهارة بالاجماع ~~كالصلوات الخمس أنه يكفر بذلك واذا ms6975 كفر كان مرتدا والمرتد عند أبى حنيفة ~~تبين منه زوجته ولكن تكفير هذا ليس منقولا عن أبى حنيفة نفسه ولا عن صاحبيه ~~وانما هو عن اتباعه وجمهور العلماء على أنه يعزر ولا يكفر الا اذا استحل ~~ذلك واستهزأ بالصلاة # وأما سجدة التلاوة فمن العلماء من ذهب إلى أنها تجوز بغير PageV23P176 ~~طهارة وما تنازع العلماء في جوازه لا يكفر فاعله بالاتفاق وجمهور العلماء ~~على أن المرتد لا تبين منه زوجته الا اذا انقضت عدتها ولم يرجع إلى الاسلام ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن دعاء الاستخارة هل يدعو به في الصلاة أم بعد السلام ### ||||| فأجاب # يجوز الدعاء في صلاة الاستخارة وغيرها قبل السلام وبعده والدعاء ~~قبل السلام أفضل فان النبى ( ( اكثر دعائه كان قبل السلام والمصلى قبل ~~السلام لم ينصرف فهذا أحسن والله تعالى أعلم PageV23P177 ### || 1 ( رسالة في أوقات النهى عن الصلاة ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ! 8 < ### ||| ( فصل ( # في أوقات النهى والنزاع في ذوات الأسباب وغيرها فان للناس في هذا الباب ~~اضطرابا كثيرا # فنقول قد ثبت بالنص والاجماع أن النهى ليس عاما لجميع الصلوات فانه قد ~~ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك ركعة قبل أن ~~تطلع الشمس فقد أدرك وفى لفظ فليصل إليها أخرى وفى لفظ فيتم صلاته وفى لفظ ~~سجدة وكلها صحيحة وكذلك قال من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد ~~أدرك وفى لفظ فليتم صلاته وفى لفظ فليصل اليها أخرى وفى لفظ سجدة ( وفى هذا ~~أمره بالركعة الثانية من الفجر عند طلوع الشمس # وفيه أنه اذا صلى ركعة من العصر عند غروب الشمس صحت PageV23P178 تلك ~~الركعة وهو مأمور بأن يصل اليها أخرى وهذا الثانى مذهب الأئمة الأربعة ~~وغيرهم من العلماء # وأما الأول فهو قول جمهور العلماء يروى عن على وغير واحد من الصحابة ~~والتابعين وعلى هذا مجموع الصحابة فقد ثبت أن أبا بكر الصديق قرأ في الفجر ~~بسورة البقرة فلما سلم قيل له كادت الشمس ms6976 تطلع فقال لو طلعت لم تجدنا ~~غافلين # فهذا خطاب الصديق للصحابة يبين أنها لو طلعت لم يضرهم ذلك ولم تجدهم ~~غافلين بل وجدتهم ذاكرين الله ممتثلين لقوله ( واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ( وهذا ~~القول مذهب مالك والشافعى وأحمد واسحق وأبى ثور وبن المنذر # وهؤلاء يقولون يقضى ما نام عنه أو نسيه في أوقات النهى ولكن أبو حنيفة ~~ومن وافقه يقولون تفسد صلاته لأنها صارت فائتة والفوات عندهم لا يقضى في ~~أوقات النهى بخلاف عصر يومه فانها حاضرة مفعولة في وقتها # واحتجوا بتأخير الصلاة يوم نام هو وأصحابه عنها حتى طلعت PageV23P179 ~~الشمس وأجاب الجمهور بوجوه # ( أحدها ( أن التأخير كان لأجل المكان لأن النبى ( ( قال ( هذا واد حضرنا ~~فيه الشيطان ( الثانى ( أنه دليل على الجواز لا على الوجوب # ( الثالث ( أن هذا غايته أن يكون فيمن ابتدأ قضاء الفائتة أما من صلى ~~ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الوقت كما قال ( فقد ادرك ( والثانية تفعل ~~تبعا كما يفعله المسبوق اذا أدرك ركعة قالوا وهذا أولى بالعذر من العصر إلى ~~الغروب لأن الغروب مشهود يمكنه أن يصلى قبله وأما الطلوع فهو قبل أن تطلع ~~لا يعلم متى تطلع فاذا صلى صلى في الوقت ولهذا لا يأثم من أخر الصلاة حتى ~~يفرغ منها قبل الطلوع كما ثبت عن النبى ( ( في أحاديث المواقيت ( أنه سلم ~~في اليوم الثانى والقائل يقول قد طلعت الشمس أو كادت ( وقال في الحديث ~~الصحيح ( وقت الفجر ما لم تطلع الشمس ( وقال ( وقت العصر ما لم تصفر الشمس ~~وفى لفظ ما لم تضيف للغروب ( فمن صلى قبل طلوع الشمس جميع صلاة الفجر فلا ~~اثم عليه ومن صلى العصر وقت الغروب من غير عذر فهو آثم كما في الحديث ~~الصحيح ( تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى PageV23P180 ~~اذا كانت بين قرنى شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها الا قليلا ( # لكن جعله الرسول مدركا للوقت وهو وقت الضرورة في ms6977 مثل النائم اذا استيقظ ~~والحائض اذا طهرت والكافر اذا أسلم والمجنون والمغمى عليه اذا أفاقا فأما ~~من أمكنه قبل ذلك فهو آثم بالتأخير إليه وهو من المصلين الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون ولكن فعلها في ذلك الوقت خير من تفويتها فان تفويتها من الكبائر # وفى الصحيحين عنه أنه قال ( من فاتته الصلاة صلاة العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله ( وأما المصلى قبل طلوع الشمس فلا اثم عليه فاذا كان من صلى ركعة بعد ~~غروب الشمس # فمن صلى ركعة قبل طلوعها أو قد صلاها قبل أن يطلع شيء منها فهو وقولهم ان ~~ذلك يصلى الثانية في وقت جواز بعد الغروب بخلاف الأول فانه يصلى الثانية ~~وقت نهى يقال الكلام في الأمرين لم جوزتم له أن يصلى العصر وقت النهى مع أن ~~النبى ( صلى الله عليه PageV23P181 وسلم ( انما جعل وقت العصر ما لم تغرب ~~الشمس أو تضيف للغروب ولم تجوزوا فعل الفجر وقت النهى # الثانى ان مصلى العصر وان صلى الثانية في غير وقت نهى فمصلى الفجر صلى ~~الأولى في غير وقت نهى ثم انه ترجح عليه بأنه صلى الأولى في وقتها بلا ذم ~~ولا نهى بخلاف مصلى العصر فانه انما صلى الأولى مع الذم والنهى # وبكل حال فقد دل الحديث واتفاقهم على أنه لم ينه عن كل صلاة بل عصر يومه ~~تفعل وقت النهى بالنص واتفاقهم وكذلك الثانية من الفجر تفعل بالنص مع قول ~~الجمهور فان قيل فهو مذموم على صلاة العصر وقت النهى فكيف يقولون لم ينه ~~قبل الذم انما هو لتأخيرها إلى هذا الوقت ثم اذا عصى بالتأخير أمر أن ~~يصليها في هذا الوقت ولا يفوتها فان التفويت أعظم اثما ولا يجوز بحال من ~~الأحوال وكان أن يصليها مع نوع من الاثم خيرا من أن يفوتها فيلزمه من الاثم ~~ما هو أعظم من ذلك # والشارع دائما يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما ويدفع شر الشرين بالتزام ~~أدناهما وهذا كمن معه ماء في السفر هو محتاج إليه لطهارته يؤمر بأن يتطهر ~~به ms6978 فان اراقه عصى وأمر بالتيمم وكانت صلاته PageV23P182 بالتيمم خيرا من ~~تفويت الصلاة لكن في وجوب الاعادة عليه قولان هما وجهان في مذهب أحمد وغيره # ومفوت الوقت لا تمكنه الاعادة كما قد بسط في غير هذا الموضع وبكل حال فقد ~~دل النص مع اتفاقهم على أن النهى ليس شاملا لكل صلاة وقد احتج الجمهور على ~~قضاء الفوائت في وقت النهى بقوله في الحديث الصحيح المتفق عليه ( من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها لا كفارة لها الا ذلك ( وفى حديث أبى ~~قتادة المتفق عليه واللفظ لمسلم ( ليس في النوم تفريط انما التفريط في ~~اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ~~ينتبه لها فاذا كان الغد فليصلها عند وقتها ( فقد أمره بالصلاة حين ينتبه ~~وحين يذكر وهذا يتناول كل وقت # وهذا العموم أولى من عموم النهى لأنه قد ثبت أن ذاك لم يتناول الفرض لا ~~أداء ولا قضاء لم يتناول عصر يومه ولم يتناول الركعة الثانية من الفجر ~~ولأنه اذا استيقظ أو ذكر فهو وقت تلك الصلاة فكان فعلها في وقتها كفعل عصر ~~يومه في وقتها مع أن هذا معذور وذاك غير معذور لكن يقال هذا المفوت لو ~~اخرها حتى يزول وقت النهى لم يحصل له تفويت ثان بخلاف العصر فانه لو لم ~~يصلها لفاتت وكذلك الثانية من الفجر PageV23P183 # فيقال هذا يقتضى جواز تأخيرها لمصلحة راجحة كما أخرها النبى ( ( وقال ( ~~هذا واد حضرنا فيه الشيطان ( ومثل أن يؤخرها حتى يتطهر غيره ويصلوها جماعة ~~كما صلوا خلف النبى ( ( صلاة الفجر لما ناموا عنها بخلاف الفجر والعصر ~~الحاضرة فانه لا يجوز تفويتها بحال من الأحوال # وهذا الذى بيناه يقتضى أنه لا عموم لوقت طلوع الشمس ووقت غروبها فغيرهما ~~من المواقيت أولى وأحرى # ( ### ||| فصل # ( # وروى جبير بن مطعم أن رسول الله ( ( قال ( يا بنى عبد مناف لا تمنعوا ~~أحدا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار ( رواه أهل السنن ~~وقال الترمذى ms6979 حديث صحيح واحتج به الأئمة الشافعى وأحمد وابو ثور وغيرهم ~~وأخذوا به وجوزوا الطواف والصلاة بعد الفجر والعصر كما روى عن بن عمر وبن ~~الزبير وغيرهما من الصحابة والتابعين # واما في الأوقات الثلاثة فعن أحمد فيه روايتان وآخرون من أهل العلم كأبى ~~حنيفة ومالك وغيرهما لا يرون ركعتى الطواف في PageV23P184 وقت النهى والحجة ~~مع أولئك من وجوه # ( أحدها ( أن قوله ( لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ~~ليل أو نهار ( عموم مقصود في الوقت فكيف يجوز أن يقال انه لم يدخل في ذلك ~~المواقيت الخمسة # ( الثانى ( أن هذا العموم لم يخص منه صورة لا بنص ولا اجماع وحديث النهى ~~مخصوص بالنص والاجماع والعموم المحفوظ راجح على العموم المخصوص # ( الثالث ( أن البيت ما زال الناس يطوفون به ويصلون عنده من حين بناه ~~إبراهيم الخليل وكان النبى ( ( واصحابه قبل الهجرة يطوفون به ويصلون عنده ~~وكذلك لما فتحت مكة كثر طواف المسلمين به وصلاتهم عنده ولو كانت ركعتا ~~الطواف منهيا عنها في الأوقات الخمسة لكان النبى ( ( ينهى عن ذلك نهيا عاما ~~لحاجة المسلمين إلى ذلك ولكان ذلك ينقل ولم ينقل مسلم أن النبى ( ( نهى عن ~~ذلك مع أن الطواف طرفى النهار أكثر وأسهل # ( الرابع ( أن في النهى تعطيلا لمصالح ذلك من الطواف والصلاة PageV23P185 ~~( الخامس ( أن النهى انما كان لسد الذريعة وما كان لسد الذريعة فانه يفعل ~~للمصلحة الراجحة وذلك أن الصلاة في نفسها من افضل الأعمال وأعظم العبادات ~~كما قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير ~~أعمالكم الصلاة ( فليس فيها نفسها مفسدة تقتضى النهى ولكن وقت الطلوع ~~والغروب الشيطان يقارن الشمس وحينئذ يسجد لها الكفار فالمصلى حينئذ يتشبه ~~بهم في جنس الصلاة # فالسجود وان لم يكونوا يعبدون معبودهم ولا يقصدون مقصودهم لكن يشبههم في ~~الصورة فنهى عن الصلاة في هاتين الوقتين سدا للذريعة حتى ينقطع التشبه ~~بالكفار ولا يتشبه بهم المسلم في شركهم كما نهى عن الخلوة بالأجنبية والسفر ~~معها والنظر اليها لما يفضى ms6980 إليه من الفساد ونهاها أن تسافر الا مع زوج أو ~~ذى محرم وكما نهى عن سب آلهة المشركين لئلا يسبوا الله بغير علم وكما نهى ~~عن أكل الخبائث لما يفضى إليه من حيث التغذية الذى يقتضى الأعمال المنهى ~~عنها وأمثال ذلك # ثم إن ما نهى عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة كما يباح النظر إلى ~~المخطوبة والسفر بها اذا خيف ضياعها كسفرها من دار الحرب مثل سفر أم كلثوم ~~وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن PageV23P186 المعطل فانه لم ينه عنه الا ~~لأنه يفضى إلى المفسدة فاذا كان مقتضيا للمصلحة الراجحة لم يكن مفضيا إلى ~~المفسدة # وهذا موجود في التطوع المطلق فانه قد يفضى إلى المفسدة وليس الناس ~~محتاجين إليه في أوقات النهى لسعة الأوقات التى تباح فيها الصلاة بل في ~~النهى عنه بعض الأوقات مصالح أخر من اجمام النفوس بعض الأوقات من ثقل ~~العبادة كما يجم بالنوم وغيره ولهذا قال معاذ انى لأحتسب نومتى كما أحتسب ~~قومتى ومن تشويقها وتحبيب الصلاة اليها اذا منعت منها وقتا فانه يكون أنشط ~~وأرغب فيها فان العبادة اذا خصت ببعض الاوقات نشطت النفوس لها أعظم مما ~~تنشط للشيء الدائم ومنها أن الشيء الدائم تسأم منه وتمل وتضجر فاذا نهى عنه ~~بعض الأوقات زال ذلك الملل إلى أنواع أخر من المصالح في النهى عن التطوع ~~المطلق ففى النهى دفع لمفاسد وجلب لمصالح من غير تفويت مصلحة # واما ما كان له سبب فمنها ما اذا نهى عنه فاتت المصلحة وتعطل على الناس ~~من العبادة والطاعة وتحصيل الاجر والثواب والمصلحة العظيمة في دينهم ما لا ~~يمكن استدراكه كالمعادة مع امام الحى وكتحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة ~~الكسوف ونحو ذلك PageV23P187 ومنها ما تنقص به المصلحة كركعتى الطواف لا ~~سيما للقادمين وهم يريدون أن يغتنموا الطواف في تلك الأيام والطواف لهم ~~ولأهل البلد طرفى النهار # ( الوجه السادس ( أن يقال ذوات الأسباب انما دعا اليها داع لم تفعل لأجل ~~الوقت بخلاف التطوع المطلق الذى لا سبب له وحينئذ فمفسدة ms6981 النهى انما تنشأ ~~مما لا سبب له دون ما له السبب ولهذا قال في حديث بن عمر ( لا تتحروا ~~بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ( وهذه الوجوه التى ذكرناها تدل أيضا على ~~قضاء الفوائت في أوقات النهى ### ||| فصل # والمعادة اذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد تعاد في وقت النهى عند الجمهور ~~كمالك والشافعى وأحمد وأبى ثور وغيرهم وأبو حنيفة وغيره جعلوها مما نهى عنه ~~واحتج الأكثرون بثلاثة أحاديث PageV23P188 ( أحدها ( حديث جابر بن يزيد بن ~~الأسود عن أبيه قال ( شهدت مع رسول الله ( ( حجته فصليت معه صلاة الفجر في ~~مسجد الخيف وأنا غلام شاب فلما قضى صلاته اذا هو برجلين في آخر القوم لم ~~يصليا معه فقال على بهما فأتى بهما ترعد فرائصهما فقال ما منعكما أن تصليا ~~معنا قالا يا رسول الله قد صلينا في رحالنا قال لا تفعلا اذا صليتما في ~~رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فانها لكما نافلة ( رواه اهل ~~السنن كأبى داود والترمذى وغيرهما وأحمد والأثرم # ( والثانى ( ما رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن بشر بن محجن عن ~~أبيه ( أنه كان جالسا مع النبى ( ( فأذن للصلاة فقام رسول الله ( ( فصلى ثم ~~رجع ومحجن في مجلسه فقال النبى ( ( ما منعك أن تصلى مع الناس ألست برجل ~~مسلم قال بلى يا رسول الله ولكن قد صليت في أهلى فقال له رسول الله ( ( اذا ~~جئت فصل مع الناس وان كنت قد صليت ( وهذا يدل بعمومه والأول صريح في ~~الاعادة بعد الفجر # ( الثالث ( ما روى مسلم في الصحيح عن أبى ذر قال قال لى رسول الله ( ( ~~كيف أنت اذا كانت عليك أمراء PageV23P189 يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون ~~الصلاة عن وقتها قال قلت فما تأمرنى قال صل الصلاة لوقتها فان أدركتها معهم ~~فصل فانها لك نافلة ( وفى رواية له قال رسول الله ( ( وضرب فخذى كيف أنت ~~اذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها قال فما تأمرنى قال صل الصلاة ~~لوقتها ثم اذهب لحاجتك فان أقيمت الصلاة ms6982 وأنت في المسجد فصل ( وفى رواية ~~لمسلم أيضا ( صل الصلاة لوقتها فان أدركت الصلاة فصل ولا تقل انى قد صليت ~~فلا أصلى ( وهذه النصوص تتناول صلاة الظهر والعصر قطعا فانهما هما اللتان ~~كان الأمراء يؤخرونهما بخلاف الفجر فانهم لم يكونوا يصلونها بعد طلوع الشمس ~~وكذلك المغرب لم يكونوا يؤخرونها ولكن كانوا يؤخرون العصر أحيانا إلى شروع ~~الغروب وحينئذ فقد امره أن يصلى الصلاة لوقتها ثم يصليها معهم بعد أن صلاها ~~ويجعلها نافلة وهو في وقت نهى لأنه قد صلى العصر ولأنهم قد يؤخرون العصر ~~إلى الاصفرار فهذا صريح بالاعادة في وقت النهى PageV23P190 ### ||| فصل # والصلاة على الجنازة بعد الفجر وبعد العصر قال بن المنذر اجماع المسلمين ~~في الصلاة على الجنازة بعد الفجر وبعد العصر وتلك الأنواع الثلاثة لم يختلف ~~فيها قول أحمد أنها تفعل في أوقات النهى لأن فيها أحاديث خاصة تدل على ~~جوازها في وقت النهى فلهذا استثناها واستثنى الجنازة في الوقتين لاجماع ~~المسلمين # وأما سائر ذوات الأسباب مثل تحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف ومثل ~~ركعتى الطواف في الأوقات الثلاثة ومثل الصلاة على الجنازة في الأوقات ~~الثلاثة فاختلف كلامه فيها والمشهور عنه النهى وهو اختيار كثير من أصحابه ~~كالخرقى والقاضى وغيرهما وهو مذهب مالك وأبى حنيفة لكن أبو حنيفة يجوز ~~السجود بعد الفجر والعصر لا واجب عنده # ( والرواية الثانية ( جواز جميع ذوات الأسباب وهى اختيار أبى الخطاب وهذا ~~مذهب الشافعى وهو الراجح في هذا الباب لوجوه PageV23P191 منها أن تحية ~~المسجد قد ثبت الأمر بها في الصحيحين عن ابى قتادة أن رسول الله ( ( قال ( ~~اذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ( وعنه قال ( دخلت المسجد ~~ورسول الله ( ( جالس بين ظهرانى الناس قال فجلست فقال رسول الله ( ( ما ~~منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس فقلت يا رسول الله رأيتك جالسا والناس ~~جلوس قال فاذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ( فهذا فيه الأمر ~~بركعتين قبل أن يجلس والنهى عن أن يجلس حتى يركعهما وهو عام في ms6983 كل وقت ~~عموما محفوظا لم يخص منه صورة بنص ولا اجماع وحديث النهى قد عرف أنه ليس ~~بعام والعام المحفوظ مقدم على العام المخصوص فان هذا قد علم أنه ليس بعام ~~بخلاف ذلك فان المقتضى لعمومه قائم لم يعلم أنه خرج منه شيء # ( الوجه الثانى ( ما اخرجا في الصحيحين عن جابر قال جاء رجل والنبى ( ( ~~يخطب الناس فقال ( صليت يا فلان قال لا قال قم فاركع ( وفى رواية ( فصل ~~ركعتين ( ولمسلم قال ثم قال ( اذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب ~~فليركع ركعتين وليتجوز فيهما ( وأحمد أخذ بهذا الحديث بلا خلاف عنه هو ~~وسائر فقهاء الحديث كالشافعى واسحاق وأبى ثور PageV23P192 وبن المنذر كما ~~روى عن غير واحد من السلف مثل الحسن ومكحول وغيرهما # وكثير من العلماء لم يعرفوا هذا الحديث فنهوا عن الصلاة وقت الخطبة لأنه ~~وقت نهى كما نقل عن شريح والنخعى وبن سيرين وهو قول أبى حنيفة والليث ومالك ~~والثورى # وهو قياس قول من منع تحية المسجد وقت النهى فان الصلاة والخطيب على ~~المنبر أشد نهيا بل هو منهى عن كل ما يشغله عن الاستماع واذا قال لصاحبه ~~أنصت فقد لغا فاذا كان قد أمر بتحية المسجد في وقت الخطبة فهو في سائر ~~الأوقات أولى بالأمر # وقد احتج بعض أصحابنا أنه اذا دخل المسجد في غير وقت النهى عن الصلاة يسن ~~له الركوع لقوله ( اذا دخل أحدكم المسجد والامام يخطب فلا يجلس حتى يصلى ~~ركعتين ( وقالوا تنقطع الصلاة بجلوس الامام على المنبر فلا يصلى أحد غير ~~الداخل يصلى تحية المسجد ويوجز وهذا تناقض بين بل اذا كان النبى ( ( أمر ~~بالتحية في هذا الموضع وهو وقت نهى عن الصلاة وغيرها مما يشغل عن الاستماع ~~فأوقات النهى الباقية أولى بالجواز # يبين ذلك أنه في هذه الحال لا يصلى على جنازة ولا يطاف PageV23P193 ~~بالبيت ولا يصلى ركعتا الطواف والامام يخطب فدل على أن النهى هنا أوكد ~~وأضيق منه بعد الفجر والعصر فاذا أمر هنا بتحية المسجد فالأمر بها هناك ~~أولى وأحرى ms6984 وهذا بين واضح ولا حول ولا قوة الا بالله # ( الوجه الثالث ( أن يقال قد ثبت استثناء بعض الصلوات من النهى كالعصر ~~الحاضرة وركعتى الفجر والفائتة وركعتى الطواف والمعادة في المسجد فقد ثبت ~~انقسام الصلاة أوقات النهى إلى منهى عنه ومشروع غير منهى عنه فلابد من فرق ~~بينهما اذا كان الشارع لا يفرق بين المتماثلين فيجعل هذا مأمورا وهذا ~~محظورا والفرق بينهما اما أن يكون المأذون فيه له سبب فالمصلى صلاة السبب ~~صلاها لأجل السبب لم يتطوع تطوعا مطلقا ولو لم يصلها لفاته مصلحة الصلاة ~~كما يفوته اذا دخل المسجد ما في صلاة التحية من الأجر وكذلك يفوته ما في ~~صلاة الكسوف وكذلك يفوته ما في سجود التلاوة وسائر ذوات الأسباب # واما أن يكون الفرق شيئا آخر فان كان الأول حصل المقصود من الفرق بين ~~ذوات الأسباب وغيرها وان كان الثانى قيل لهم فأنتم لا تعلمون الفرق بل قد ~~علمتم أنه نهى عن بعض ورخص في بعض ولا تعلمون الفرق فلا يجوز لكم أن ~~تتكلموا في سائر موارد PageV23P194 النزاع لا بنهى ولا باذن لأنه يجوز أن ~~يكون الفرق الذى فرق به الشارع في صورة النص فأباح بعضا وحرم بعضا متناولا ~~لموارد النزاع اما نهيا عنه واما اذنا فيه وأنتم لا تعلمون واحدا من ~~النوعين فلا يجوز لكم أن تنهوا الا عما علمتم أنه نهى عنه لانتفاء الوصف ~~المبيح عنه ولا تأذنوا الا فيما علمتم أنه أذن فيه لشمول الوصف المبيح له ~~وأما التحليل والتحريم بغير أصل مفرق عن صاحب الشرع فلا يجوز # فان قيل أحاديث النهى عامة فنحن نحملها على عمومها الا ما خصه الدليل فما ~~علمنا أنه مخصوص لمجيء نص خاص فيه خصصناها به والا أبقيناها على العموم # قيل هذا انما يستقيم أن لو كان هذا العام المخصوص لم يعارضه عمومات ~~محفوظة أقوى منه وأنه لما خص منه صور علم اختصاصها بما يوجب الفرق فلو ثبت ~~أنه عام خص منه صور لمعنى منتف من غيرها بقى ما سوى ذلك على ms6985 العموم فكيف ~~وعمومه منتف وقد عارضه أحاديث خاصة وعامة عموما محفوظا وما خص منه لم يختص ~~بوصف يوجب استثناءه دون غيره بل غيره مشارك له في الوصف الموجب لتخصيصه أو ~~أولى منه بالتخصيص PageV23P195 # وحاجة المسلمين العامة إلى تحية المسجد أعظم منها إلى ركعتى الطواف فانه ~~يمكن تأخير الطواف بخلاف تحية المسجد فانها لا تمكن ثم الرجل اذا دخل وقت ~~نهى ان جلس ولم يصل كان مخالفا لأمر النبى ( ( مفوتا هذه المصلحة ان لم يكن ~~آثما بالمعصية وان بقى قائما أو امتنع من دخول المسجد فهذا شر عظيم ومن ~~الناس من يصلى سنة الفجر في بيته ثم يأتى إلى المسجد فالذين يكرهون التحية ~~منهم من يقف على باب المسجد حتى يقيم فيدخل يصلى معهم ويحرم نفسه دخول بيت ~~الله في ذلك الوقت الشريف وذكر الله فيه ومنهم من يدخل ويجلس ولا يصلى ~~فيخالف الأمر وهذا ونحوه مما يبين قطعا أن المسلمين مأمورون بالتحية في كل ~~وقت وما زال المسلمون يدخلون المسجد طرفى النهار ولو كانوا منهيين عن تحية ~~المسجد حينئذ لكان هذا مما يظهر نهى الرسول عنه فكيف وهو قد أمرهم اذا دخل ~~أحدهم المسجد والخطيب على المنبر فلا يجلس حتى يصلى ركعتين أليس في أمرهم ~~بها في هذا الوقت تنبيها على غيره من الأوقات ( # الوجه الرابع ( ما قدمناه من أن النهى كان لسد ذريعة الشرك وذوات الاسباب ~~فيها مصلحة راجحة والفاعل يفعلها لأجل السبب لا يفعلها مطلقا فتمتنع فيه ~~المشابهة PageV23P196 # ( الوجه الخامس ( أنه قد ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه قضى ركعتى الظهر ~~بعد العصر وهو قضاء النافلة في وقت النهى مع امكان قضائها في غير ذلك الوقت ~~فالنوافل التى اذا لم تفعل في أوقات النهى تفوت هي أولى بالجواز من قضاء ~~نافلة في هذا الوقت مع امكان فعلها في غيره لا سيما اذا كانت مما أمر به ~~كتحية المسجد وصلاة الكسوف وقد اختار طائفة من أصحاب أحمد منهم أبو محمد ~~المقدسى أن السنن الراتبة تقضى بعد العصر ولا تقضى ms6986 في سائر أوقات النهى ~~كالأوقات الثلاثة # وذكر أن مذهب أحمد أن قضاء سنة الفجر جائز بعدها الا أن أحمد اختار أن ~~يقضيهما من الضحى وقال الامام أحمد ان صلاهما بعد الفجر أجزأه وأما أنا ~~فاختار ذلك وذكر في قضاء الوتر بعد طلوع الفجر ان المنصوص عن أحمد أنه ~~يفعله قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل ايوتر الرجل بعد ما يطلع الفجر ~~قال نعم قال وروى ذلك عن بن مسعود وبن عمر وبن عباس وحذيفة وأبى الدرداء ~~وعبادة بن الصامت وفضالة بن عبيد وعائشة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وهو ~~أيضا مروى عن على بن أبى طالب وأنه لما ذكر له عن أبى موسى أنه قال من أوتر ~~بعد المؤذن لاوتر له وسألوا عليا قال أعرف يوتر ما بينه وبين الصلاة وأنكر ~~PageV23P197 ذلك ولم يذكر نزاعا الا عن أبى موسى مع أنه لا ينبغى بعد الفجر # قال وأحاديث النهى الصحيحة ليست صريحة في النهى قبل صلاة الفجر وانما فيه ~~حديث أبى وقد احتج أحمد بحديث أبى نضرة الغفارى عن النبى ( ( أنه قال ( إن ~~الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح الوتر ( وهذا مذهب ~~مالك والشافعى والجمهور قال مالك من فاتته صلاة الليل فله أن يصلى بعد ~~الفجر قبل أن يصلى الصبح قال وحكاه بن أبى موسى الخرقى في ( الارشاد ( ~~مذهبا لأحمد قياسا على الوتر # قلت وهذا الذى اختاره لا يناقض ما ذكره الخرقى وغيره من قدماء الأصحاب ~~فانه ذكر اباحة الأنواع الأربعة في جميع أوقات النهى قضاء الفوائت وركعتى ~~الطواف واذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد وصلاة الجنازة ولكن ذكر النهى عن ~~الكسوف وسجود التلاوة في بابهما فلم ينه عن قضاء السنن في أوقات النهى # فاختار الشيخ أبو محمد وطائفة من أصحاب أحمد أن السنن الراتبة تقضى بعد ~~العصر ولا تقضى في سائر اوقات النهى ولا يفعل غيرها من ذوات الأسباب ~~كالتحية وصلاة الكسوف وصلاة الاستخارة PageV23P198 وصلاة التوبة وسنة ~~الوضوء وسجود التلاوة لا في هذا الوقت ms6987 ولا في غيره لأنهم وجدوا القضاء فيها ~~قد ثبت بالأحاديث الصحيحة قالوا والنهى في هذا الوقت اخف من غيره لاختلاف ~~الصحابة فيه فلا يلحق به سائر الأوقات والرواتب لها مزية وهذا الفرق ضعيف ~~فان أمر النبى ( ( بتحية المسجد وأمره بصلاة الكسوف وسجود التلاوة أقوى من ~~قضاء سنة فائتة فاذا جاز هذا فذاك أجوز فان قضاء السنن ليس فيه أمر من ~~النبى ( ( بل ولا أمر بنفس السنة سنة الظهر لكنه فعلها وداوم عليها وقضاها ~~لما فاتته وما أمر به أمته لا سيما وكان هو أيضا يفعله فهو أوكد مما فعله ~~ولم يأمرهم به # فاذا جاز لهم فعل هذا في أوقات النهى ففعل ذاك أولى واذا جاز قضاء سنة ~~الظهر بعد العصر فقضاء سنة الفجر بعد الفجر أولى فان ذاك وقتها واذا أمكن ~~تأخيرها إلى طلوع الشمس أمكن تأخير تلك إلى غروب الشمس وقد كانوا يصلون بين ~~أذان المغرب واقامتها وهو ( ( يراهم ويقرهم على ذلك وقال ( بين كل اذانين ~~صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء ( كراهية أن يتخذها الناس سنة PageV23P199 ### ||| فصل # والنهى في العصر معلق بصلاة العصر فاذا صلاها لم يصل بعدها وان كان غيره ~~لم يصل وما لم يصلها فله أن يصلى وهذا ثابت بالنص والاتفاق فان النهى معلق ~~بالفعل # وأما الفجر ففيها نزاع مشهور وفيه عن أحمد روايتان # قيل إنه معلق بطلوع الفجر فلا يتطوع بعده بغير الركعتين وهو قول طائفة من ~~السلف ومذهب أبى حنيفة قال النخعى كانوا يكرهون التطوع بعد الفجر # وقيل انه معلق بالفعل كالعصر وهو قول الحسن والشافعى فانه لم يثبت النهى ~~الا بعد الصلاة كما في العصر وأحاديث النهى تسوى بين الصلاتين كما في ~~الصحيحين عن بن عباس قال ( شهد عندى رجال مرضيون وأرضاهم عندى عمر ( أن ~~رسول الله ( ( نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب ~~PageV23P200 # وكذلك فيهما عن أبى هريرة ولفظه ( وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ~~وبعد العصر حتى تغرب ( وفيهما عن أبى سعيد قال قال ms6988 رسول الله ( ( ( لا صلاة ~~بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس ( ولمسلم ( ~~لا صلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر ( وفى صحيح مسلم حديث عمرو بن عبسة ~~قال قلت يا رسول الله أخبرنى عن الصلاة قال ( صل صلاة الصبح ثم اقصر عن ~~الصلاة حتى تطلع الشمس فانها تطلع حين تطلع بين قرنى شيطان وحينئذ يسجد لها ~~الكفار ثم صل فان الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح ثم اقصر عن ~~الصلاة فانه حينئذ تسجر جهنم فاذا أقبل الفيء فصل فان الصلاة مشهودة محضورة ~~حتى تصلى العصر ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فانها تغرب بين قرنى ~~شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ( # والأحاديث المختصة بوقت الطلوع والغروب وبالاستواء حديث بن عمر قال قال ~~رسول الله ( ( اذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز واذا غاب حاجب ~~الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب ( هذا اللفظ لمسلم وفى صحيح مسلم عن عقبة بن ~~عامر قال ( ثلاث ساعات كان رسول الله ( ( ينهانا أن نصلى فيهن أو نقبر فيهن ~~موتانا حين تطلع PageV23P201 الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة ~~حتى تميل وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب ( ووقت الزوال ليس في عامة ~~الأحاديث ولم يذكر حديثه البخارى لكن رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر ومن ~~حديث عمرو بن عبسة وتابعهما الصنابحى وعلى هذه الثلاثة اعتمد أحمد ولما ذكر ~~له الرخصة في الصلاة نصف النهار يوم الجمعة قال في حديث النبى ( ( من ثلاثة ~~أوجه حديث عقبة بن عامر وحديث عمرو بن عبسة وحديث الصنابحى # والخرقى لم يذكره في أوقات النهى بل قال ويقضى الفوائت من الصلوات الفرض ~~ويركع للطواف وان كان في المسجد وأقيمت الصلاة وقد كان صلى في كل وقت نهى ~~عن الصلاة فيه وهو بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب # وهذا يقتضى أنه ليس وقت نهى الا هذان ويقتضى ان ما اباحه يفعل في أوقات ~~النهى كاحدى الروايتين ويقتضى أن النهى معلق بالفعل فانه ms6989 قال بعد الفجر حتى ~~تطلع الشمس ولم يقل الفجر ولو كان النهى من حين طلوع الفجر لاستثنى ~~الركعتين بل استثنى الفرض والنفل وهذه ألفاظ الرسول فانه نهى عن الصلاة بعد ~~الصبح حتى تطلع الشمس كما نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ~~PageV23P202 # ومعلوم أنه لو أراد الوقت لاستثنى ركعتى الفجر والفرض كما ورد استثناء ~~ذلك في ما نهى عنه حيث قال ( لا صلاة بعد الفجر الا سجدتين ( فلما لم يذكر ~~ذلك في الأحاديث علم أنه أراد فعل الصلاة كما جاء مفسرا في أحاديث صحيحة ~~ولأنه يمتنع أن تكون أوقات الصلاة المكتوبة فرضها وسنتها وقت نهى وما بعد ~~الفجر وقت صلاة الفجر سنتها وفرضها فكيف يجوز أن يقال ان هذا وقت نهى وهل ~~يكون وقت نهى سن فيه الصلاة دائما بلا سبب وأمر بتحرى الصلاة فيه هذا تناقض ~~مع أن هذا الوقت جعل وقتا للصلاة إلى طلوع الشمس ليس كوقت العصر الذى جعل ~~آخر الوقت فيه اذا اصفرت الشمس # والنهى هو لأن الكفار يسجدون لها وهذا لا يكون من طلوع الفجر ولهذا كان ~~الأصل في النهى عند الطلوع والغروب كما في حديث بن عمر لكن نهى عن الصلاة ~~بعد الصلاتين سدا للذريعة فان المتطوع قد يصلى بعدهما حتى يصلى وقت الطلوع ~~والغروب والنهى في هذين أخف ولهذا كان يداوم على الركعتين بعد العصر حتى ~~قبضه الله فأما قبل صلاة الفجر فلا وجه للنهى لكن لا يسن ذلك الوقت الا ~~الفجر سنتها وفرضها ولهذا كان النبى ( ( يصلى بالليل ويوتر ثم اذا طلع ~~الفجر صلى الركعتين ثم صلى الفرض وكان يضطجع أحيانا PageV23P203 ليستريح ~~اما بعد الوتر واما بعد ركعتى الفجر وكان اذا غلبه من الليل نوم أو وجع صلى ~~من النهار اثنتى عشرة ركعة بدل قيامه من الليل ولم يكن يقضى ذلك قبل صلاة ~~الفجر لأنه لم يكن يتسع لذلك فان هذه الصلاة فيها طول وكان يغلس بالفجر وفى ~~الصحيح ( من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب ms6990 له كأنما ~~قرأه من الليل ومعلوم أنه لو أمكن قراءة شيء منه قبل صلاة الفجر كان أبلغ ~~لكن اذا قرأه قبل الزوال كتب له كأنما قرأه من الليل فان هذا الوقت تابع ~~لليلة الماضية ولهذا يقال فيما قبل الزوال فعلناه الليلة ويقال بعد الزوال ~~فعلناه البارحة وهو وقت الضحى وهو خلف عن قيام الليل # ولهذا كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اذا نام عن قيامه قضاه من الضحى ~~فيصلى اثنتى عشرة ركعة وقد جاء هذا عن عمر وغيره من الصحابة في قوله ( وهو ~~الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ( فما بعد ~~طلوع الفجر انما سن للمسلمين السنة الراتبة وفرضها الفجر وما سوى ذلك لم ~~يسن ولم يكن منهيا عنه اذا لم يتخذ سنة كما في الحديث الصحيح ( بين كل ~~أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء ( كراهية أن ~~يتخذها الناس سنة PageV23P204 # فهذا فيه اباحة الصلاة بين كل أذانين كما كان الصحابة يصلون ركعتين بين ~~أذانى المغرب والنبى ( ( يراهم ويقرهم على ذلك فكذلك الصلاة بين أذانى ~~العصر والعشاء وكذلك بين أذانى الفجر والظهر لكن بين أذانى الفجر الركعتان ~~سنة بلا ريب وما سواها يفعل ولا يتخذ سنة فلا يداوم عليه ويؤمر به جميع ~~المسلمين كما هو حال السنة فان السنة تعم المسلمين ويداوم عليها كما أنهم ~~كلهم مسنون لهم ركعتا الفجر والمداومة عليها # فاذا قيل لا سنة بعد طلوع الفجر الا ركعتان فهذا صحيح وأما النهى العام ~~فلا والانسان قد لا يقوم من الليل فيريد أن يصلى في هذا الوقت وقد استحب ~~السلف له قضاء وتره بل وقيامه من الليل في هذا الوقت وذلك عندهم خير من أن ~~يؤخره إلى الضحى ### ||| فصل # وللناس في الصلاة نصف النهار يوم الجمعة وغيرها أقوال # قيل بالنهى مطلقا وهو المشهور عن أحمد وقيل الاذن مطلقا كما اقتضاه كلام ~~الخرقى ويروى عن مالك وقيل بالفرق بين الجمعة وغيرها وهو مذهب الشافعى ~~وأباحه فيها عطاء في ms6991 الشتاء دون الصيف لأن النبى ( ( قال في حديث عمرو بن ~~عبسة ( ثم بعد طلوعها صل فان الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل PageV23P205 ~~الظل بالرمح ثم اقصر عن الصلاة فانه حينئذ تسجر جهنم فاذا أقبل الفيء فصل ( # فعلل النهى حينئذ بأنه حينئذ تسجر جهنم وفى الطلوع والغروب بمقارنة ~~الشيطان فقال ( ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع فانها تطلع بين قرنى شيطان ( ~~وفى الغروب قال ( ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب فانها تغرب بين قرنى شيطان ( ~~وأما مقارنة الشيطان لها حين الاستواء فليس في شيء من الحديث الا في حديث ~~الصنابحى قال ( انها تطلع ومعها قرن الشيطان فاذا ارتفعت قارنها ثم اذا ~~استوت قارنها فاذا زالت قارنها واذا دنت للغروب قارنها فاذا غربت قارنها ( ~~فنهى رسول الله ( ( عن الصلاة في تلك الساعات لكن الصنابحى قد قيل انه لم ~~تثبت له صحبة فلم يسمع هذا من النبى ( ( بخلاف حديث عمرو بن عبسة فانه صحيح ~~سمعه منه # ويؤيد هذا أن عامة الأحاديث ليس فيها الا النهى وقت الطلوع ووقت الغروب ~~أو بعد الصلاتين فدل على أن النهى نصف النهار نوع آخر له علة غير علة ذينك ~~الوقتين # يوضح هذا أن الكفار يسجدون لها وقت الطلوع ووقت PageV23P206 الغروب كما ~~اخبر به النبى ( ( فأما سجودهم لها قبل الزوال فهذا لم يذكره النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ( عنهم ولم يعلل به # وايضا فان ضبط هذا الوقت متعسر فقد ثبت في الصحيح أنه قال ( ( اذا اشتد ~~الحر فأبردوا بالصلاة فان شدة الحر من فيح جهنم ( وهذا حديث اتفق العلماء ~~على صحته وتلقيه بالقبول فأخبر أن شدة الحر من فيح جهنم وهذا موافق لقوله ( ~~فانه حينئذ تسجر جهنم ( وامر بالابراد فدل على أن الصلاة منهى عنها عند شدة ~~الحر لأنه من فيح جهنم # ففى الصيف تسجر نصف النهار فيكون النهى عن الصلاة نصف النهار في الحر وهو ~~يؤمر بأن يؤخر الصلاة عن الزوال حتى يبرد لكن اذا زالت الشمس فاءت الأفياء ~~فطالت الأظلة بعد تناهى قصرها وهذا مشروع في الابراد ms6992 فلهذا كانت الصلاة ~~جائزة من حين الزوال كما في حديث عمرو بن عبسة ( ثم اقصر عن الصلاة فانه ~~حينئذ تسجر جهنم فاذا أقبل الفيء فصل ( فدل على أن الصلاة مشروعة من حين ~~يقبل الفيء فيفيء الظل أى يرجع من جهة المغرب إلى جهة المشرق ويرجع في ~~الزيادة بعد النقصان # ولهذا قالوا ان لفظ الفيء مختص بما بعد الزوال لما فيه من PageV23P207 ~~معنى الرجوع ولفظ الظل يتناول هذا وهذا فانه قبل طلوع الشمس يكون الظل ~~ممتدا كما قال تعالى ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ( ~~ثم اذا طلعت الشمس كانت عليه دليلا فتميز الظل عن الضحى ونسخت الشمس الظل ~~لا تزال تنسخه وهو يقصر إلى الزوال فاذا زالت فانه يعاد ممتدا إلى المشرق ~~حيث ابتدأ بعد أن كان أول ما نسخته عن المشرق ثم عن المغرب ثم تفيء إلى ~~المشرق ثم المغرب ولم يزل يمتد ويطول إلى أن تغرب فينسخ الظل جميع الشمس ~~فلهذا قال في حديث عمرو بن عبسة ( ثم اقصر عن الصلاة فانه حينئذ تسجر جهنم ~~فاذا أقبل الفيء فصل ( # وعلى هذا فمن رخص في الصلاة يوم الجمعة قال انها لا تسجر يوم الجمعة كما ~~قد روى وقالوا انه لا يستحب الابراد يوم الجمعة بل يجوز عقب الزوال بالسنة ~~الصحيحة واتفاق الناس وفي الابراد مشقة للخلق ويجوز عند أحمد وغيره أن يصلى ~~وقت الزوال كما فعله غير واحد من الصحابة فكيف يكون وقت نهى والجمعة جائزة ~~فيه والفرائض المؤداة لا تشرع في وقت النهى لغير عذر كما قلنا في الفجر فان ~~هذا تناقض # وبالجملة جواز الصلاة وقت الزوال يوم الجمعة على أصل أحمد أظهر منه على ~~أصل غيره فانه يجوز الجمعة وقت الزوال ولا يجعل PageV23P208 ذلك وقت نهى بل ~~قد قيل في مذهبه انها لا تجوز الا في ذلك الوقت وهو الوقت الذى هو وقت نهى ~~في غيرها فعلم الفرق بين الجمعة وغيرها وكما أن الابراد المأمور به في ~~غيرها لا يؤمر به فيها ms6993 بل ينهى عنه وهو معلل بأن شدة الحر من فيح جهنم ~~فكذلك قد علل بأنه حينئذ تسجر جهنم وهذا من جنس قوله ( فان شدة الحر من فيح ~~جهنم ( # واذا كانت مختصة بما سوى يوم الجمعة فكذلك الأخرى وعلى مقتضى هذه العلة ~~لا ينهى عن الصلاة وقت الزوال لا في الشتاء ولا يوم الجمعة ويؤيد ذلك ما في ~~السنن عن النبى ( ( أنه نهى عن الصلاة نصف النهار الا يوم الجمعة ( وهو ~~أرجح مما احتجوا به على أن النهى في الفجر معلق بالوقت والله اعلم # وقال شيخ الإسلام # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا اله الا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما PageV23P209 ### ||| فصل # في أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهى فقد كتبنا فيما تقدم في ~~الاسكندرية وغيرها كلاما مبسوطا في أن هذا أصح قولى العلماء وهو مذهب ~~الشافعى وأحمد في احدى الروايتين عنه اختارها أبو الخطاب # وكنا قبل متوقفين لبعض الأدلة التى احتج بها المانعون فلما بحثنا عن ~~حقيقتها وجدناها أحاديث ضعيفة أو غير دالة وذكرنا أن الدلائل على ذلك ~~متعددة # منها أن أحاديث الأمر بذوات الأسباب كقوله ( اذا دخل أحدكم المسجد فلا ~~يجلس حتى يصلى ركعتين عام محفوظ لا خصوص فيه وأحاديث النهى ليس فيها حديث ~~واحد عام بل كلها مخصوصة فوجب تقديم العام الذى لا خصوص فيه فانه حجة ~~باتفاق السلف والجمهور القائلين بالعموم بخلاف الثانى وهو أقوى منه بلا ريب # ومنها أنه قد ثبت أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أمر بصلاة PageV23P210 ~~تحية المسجد للداخل عند الخطبة هنا بلا خلاف عنه لثبوت النص به والنهى عن ~~الصلاة في هذا الوقت أشد بلا ريب فاذا فعلت هناك فهنا أولى # ومنها أن حديث بن عمر في الصحيحين لفظه ( لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ~~ولا غروبها ( والتحرى هو التعمد والقصد ms6994 وهذا انما يكون في التطوع المطلق ~~فأما ما له سبب فلم يتحره بل فعله لأجل السبب والسبب ألجأه إليه وهذا اللفظ ~~المقيد المفسر يفسر سائر الألفاظ ويبين أن النهى انما كان عن التحرى ولو ~~كان عن النوعين لم يكن للتخصيص فائدة ولكان الحكم قد علق بلفظ عديم التأثير # ومنها أنه قد ثبت جواز بعض ذوات الأسباب بعضها بالنص كالركعة الثانية من ~~الفجر وكركعتى الطواف وكالمعادة مع إمام الحى وبعضها بالنص والاجماع كالعصر ~~عند الغروب وكالجنازة بعد العصر واذا نظر في المقتضى للجواز لم توجد له علة ~~صحيحة الا كونها ذات سبب فيجب تعليق الحكم بذلك والا فما الفرق بين المعادة ~~وبين تحية المسجد والأمر بهذه أصح وكذلك الكسوف قد أمر بها في أحاديث كثيرة ~~صحيحة PageV23P211 والمقصود هنا أن نقول الصلاة في وقت النهى لا تخلو أن ~~تكون مفسدة محضة لا تشرع بحال كالسجود للشمس نفسها أو يكون مما يشرع في حال ~~دون حال والأول باطل لأنه قد ثبت بالنص والاجماع أن العصر تصلى وقت الغروب ~~قبل سقوط القرص كله وثبت في الصحيحين قوله ( من أدرك ركعة من العصر قبل أن ~~تغرب الشمس فقد أدرك ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك ( ~~والأول قد اتفق عليه والثانى قول الجمهور # وأبو حنيفة يفرق بين الفجر والعصر ويقول اذا طلعت الشمس بطلت الصلاة ~~لأنها تبقى منهيا عنها فائتة والعصر اذا غربت الشمس دخل في وقت الجواز لا ~~في وقت النهى وقد ضعف أحمد والجمهور هذا الفرق وقالوا الكلام في العصر وقت ~~الغروب فانه وقت نهى كما أن ما بعد الطلوع وقت نهى وليس له أن يؤخر العصر ~~إلى هذا الوقت لكن يكون له عذر كالحائض تطهر والنائم يستيقظ ولو قدر أنه ~~أخرها من غير عذر فهو مأمور بفعلها في وقت النهى مع امكان أن يصليها بعد ~~الغروب فاذا قيل صلاتها في الوقت فرض قيل وقضاء الفائتة على الفور فرض ~~لقوله ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها ms6995 لا كفارة لها الا ذلك ~~PageV23P212 # وأيضا فاذا صلى ركعة من الفجر قبل الطلوع فقد شرع فيها قبل وقت النهى فهو ~~أخف من ابتدائها وقت النهى مع أن هذا جائز عند الجمهور واذا ثبت أن الصلاة ~~في أغلظ أوقات النهى وهو وقت الطلوع والغروب ليس مفسدة محضة لا تشرع بحال ~~بل تشرع في بعض الأحوال علم أن وجود بعض الصلوات في هذه الأوقات لا يوجب ~~مفسدة النهى اذ لو وجدت لما جاز شيء من الصلوات # واذا كان كذلك فالشرع قد استقر على أن الصلاة بل العبادة التى تفوت اذا ~~أخرت تفعل بحسب الامكان في الوقت ولو كان في فعلها من ترك الواجب وفعل ~~المحظور ما لا يسوغ عند امكان فعله في الوقت مثل الصلاة بلا قراءة وصلاة ~~العريان وصلاة المريض وصلاة المستحاضة ومن به سلس البول والصلاة مع الحدث ~~بلا اغتسال ولا وضوء والصلاة إلى غير القبلة وأمثال ذلك من الصلوات التى لا ~~يحرم فعلها اذا قدر أن يفعلها على الوجه المأمور به في الوقت ثم انه يجب ~~عليه فعلها في الوقت مع النقص لئلا يفوت وان أمكن فعلها بعد الوقت على وجه ~~الكمال فعلم أن اعتبار الوقت في الصلاة مقدم على سائر واجباتها وهذا في ~~التطوع كذلك فانه اذا لم يمكنه أن يصلى الا عريانا أو إلى غير القبلة أو مع ~~سلس البول صلى كما PageV23P213 يصلى الفرض لأنه لو لم يفعل الا مع الكمال ~~تعذر فعله فكان فعله مع النقص خيرا من تعطيله # واذا كان كذلك فذوات الأسباب ان لم تفعل وقت النهى فاتت وتعطلت وبطلت ~~المصلحة الحاصلة به بخلاف التطوع المطلق فان الأوقات فيها سعة فاذا ترك في ~~أوقات النهى حصلت حكمة النهى وهو قطع للتشبه بالمشركين الذين يسجدون للشمس ~~في هذا الوقت وهذه الحكمة لا يحتاج حصولها إلى المنع من جميع الصلوات كما ~~تقدم بل يحصل المنع من بعضها فيكفى التطوع المطلق # وأيضا فالنهى عن الصلاة فيها هو من باب سد الذرائع لئلا يتشبه بالمشركين ~~فيفضى إلى الشرك ms6996 وما كان منهيا عنه لسد الذريعة لا لأنه مفسدة في نفسه يشرع ~~اذا كان فيه مصلحة راجحة ولا تفوت المصلحة لغير مفسدة راجحة والصلاة لله ~~فيه ليس فيها مفسدة بل هي ذريعة إلى المفسدة فاذا تعذرت المصلحة الا ~~بالذريعة شرعت واكتفى منها اذا لم يكن هناك مصلحة وهو التطوع المطلق فانه ~~ليس في المنع منه مفسدة ولا تفويت مصلحة لامكان فعله في سائر الأوقات # وهذا أصل لأحمد وغيره في أن ما كان من ( باب سد الذريعة ( انما ينهى عنه ~~اذا لم يحتج إليه وأما مع الحاجة للمصلحة التى لا تحصل الا به وقد ينهى عنه ~~ولهذا يفرق في العقود بين الحيل وسد الذرائع فالمحتال PageV23P214 يقصد ~~المحرم فهذا ينهى عنه واما الذريعة فصاحبها لا يقصد المحرم لكن اذا لم يحتج ~~اليها نهى عنها وأما مع الحاجة فلا # وأما مالك فانه يبالغ في سد الذرائع حتى ينهى عنها مع الحاجة اليها # و ( ذوات الأسباب ( كلها تفوت اذا أخرت عن وقت النهى مثل سجود التلاوة ~~وتحية المسجد وصلاة الكسوف ومثل الصلاة عقب الطهارة كما في حديث بلال وكذلك ~~صلاة الاستخارة اذا كان الذى يستخير له يفوت اذا أخرت الصلاة وكذلك صلاة ~~التوبة فاذا أذنب فالتوبة واجبة على الفور وهو مندوب إلى أن يصلى ركعتين ثم ~~يتوب كما في حديث أبى بكر الصديق ونحو قضاء السنن الرواتب كما قضى النبى ( ~~( ركعتى الظهر بعد العصر وكما أقر الرجل على قضاء ركعتى الفجر بعد الفجر مع ~~أنه يمكن تأخيرها لكن تفوت مصلحة المبادرة إلى القضاء فان القضاء مأمور به ~~على الفور في الواجب واجب وفى المستحب مستحب # والشافعى يجوز القضاء في وقت النهى وان كان لا يوجب تعجيله لأنها من ذوات ~~الأسباب وهى مع هذا لا تفوت بفوات PageV23P215 الوقت لكن يفوت فضل تقديمها ~~وبراءة الذمة كما جاز فعل الصلاة في أول الوقت للعريان والمتيمم وان أمكن ~~فعلها آخر الوقت بالوضوء والسترة لكن هو محتاج إلى براءة ذمته في الواجب ~~ومحتاج في السنن الرواتب إلى تكميل فرضه ms6997 فان الرواتب مكملات للفرض ومحتاج ~~إلى أن لا يزيد التفويت فانه مأمور بفعلها في الوقت فكلما قرب كان أقرب إلى ~~الأمر مما يبعد منه # وقد قال النبى ( ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ( فيقربها من ~~الوقت ما استطاع والشيخ أبو محمد المقدسى يجوز فعل الرواتب في أوقات النهى ~~موافقة لأبى الخطاب لكن أبو الخطاب يعمم كالشافعى وهو الصواب # فان قيل فالتطوع المطلق يفوت من قصده عمارة الأوقات كلها بالصلاة قيل هذا ~~ليس بمشروع بل هو منهى عنه ولا يمكن بشرا أن يصلى دائما جميع النهار والليل ~~بل لابد له من وقت راحة ونوم وقد ثبت في الصحيحين أن رجالا قال أحدهم أنا ~~أصوم ولا أفطر وقال الآخر وأنا أقوم لا أنام وقال الآخر لا أتزوج النساء ~~وقال الآخر لا آكل اللحم فقال النبى PageV23P216 ( لكنى أصوم وأفطر وأقوم ~~وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى ( بل قد قيل إن ~~من جملة حكمة النهى عن التطوع المطلق في بعض الأوقات اجمام النفوس في وقت ~~النهى لتنشط للصلاة فانها تنبسط إلى ما كانت ممنوعة منه وتنشط للصلاة بعد ~~الراحة والله أعلم PageV23P217 ### |||| وسئل # عمن رأى رجلا يتنفل في وقت نهى فقال نهى النبى ( ( عن الصلاة في هذا ~~الوقت وذكر له الحديث الوارد في الكراهة فقال هذا لا أسمعه وأصلى كيف شئت ~~فما الذى يجب عليه ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما التطوع الذى لا سبب له فهو منهى عنه بعد صلاة الفجر ~~حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس باتفاق الأئمة وكان عمر بن ~~الخطاب يضرب من يصلى بعد العصر فمن فعل ذلك فانه يعزر اتباعا لما سنه عمر ~~بن الخطاب أحد الخلفاء الراشدين اذ قد تواترت الأحاديث عن النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ( بالنهى عن ذلك # وأما ما له سبب كتحية المسجد وصلاة الكسوف فهذا فيه نزاع وتأويل فان كان ~~يصلى صلاة يسوغ فيها الاجتهاد لم يعاقب # واما رده الأحاديث بلا حجة وشتم الناهى وقوله للناهى PageV23P218 أصلى ~~كيف ms6998 شئت فانه يعزر على ذلك اذ الرجل عليه أن يصلى كما يشرع له لا كما يشاء ~~هو والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الرجل اذا دخل المسجد في وقت النهى هل يجوز أن يصلى تحية المسجد ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة فيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد # ( أحدهما ( وهو قول أبى حنيفة ومالك أنه لا يصليها ( والثانى ( وهو قول ~~الشافعى أنه يصليها وهذا أظهر فان النبى ( ( قال ( اذا دخل أحدكم المسجد ~~فلا يجلس حتى يصلى ركعتين ( وهذا أمر يعم جميع الأوقات ولم يعلم أنه خص منه ~~صورة من الصور واما نهيه عن الصلاة بعد طلوع الفجر وبعد غروبها فقد خص منه ~~صور متعددة منها قضاء الفوائت ومنها ركعتا الطواف ومنها المعادة مع إمام ~~الحى وغير ذلك والعام المحفوظ مقدم على العام المخصوص PageV23P219 # وايضا فان الصلاة وقت الخطبة منهى عنها كالنهى في هذين الوقتين أو أوكد ~~ثم قد ثبت في الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( اذا دخل أحدكم المسجد والخطيب ~~على المنبر فلا يجلس حتى يصلى ركعتين ( فاذا كان قد أمر بالتحية في هذا ~~الوقت وهو وقت نهى فكذلك الوقت الآخر بطريق الأولى ولم يختلف قول أحمد في ~~هذا لمجيء السنة الصحيحة به بخلاف أبى حنيفة ومالك فان مذهبهما في الموضعين ~~النهى فانه لم تبلغهما هذه السنة الصحيحة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن تحية المسجد ( هل تفعل ( في أوقات النهى أم لا ### ||||| فأجاب # قال النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ( اذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين ( فاذا ~~دخل وقت نهى فهل يصلى على قولين للعلماء لكن أظهرهما أنه يصلى فان نهى ~~النبى ( ( عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر قد خص من صور كثيرة وخص من نظيره ~~وهو وقت الخطبة بان النبى ( ( قال ( اذا دخل أحدكم المسجد والامام يخطب فلا ~~PageV23P220 يجلس حتى يصلى ركعتين ( فاذا أمر بالتحية وقت الخطبة ففى هذه ~~الأوقات أولى والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل اذا توضأ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وقد صلى الفجر ms6999 فهل يجوز له ~~أن يصلى شكرا للوضوء ### ||||| فأجاب # هذا فيه نزاع والأشبه أن يفعل لحديث بلال PageV23P221 ### ||| 2 باب صلاة الجماعة ### |||| 2 سئل رحمه الله # عن صلاة الجماعة هل هي فرض عين أم فرض كفاية أم سنة فان ~~كانت فرض عين وصلى وحده من غير عذر فهل تصح صلاته أم لا وما أقوال العلماء ~~في ذلك وما حجة كل منهم وما الراجح من أقوالهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اتفق العلماء على أنها من أوكد العبادات ~~وأجل الطاعات وأعظم شعائر الاسلام وعلى ما ثبت في فضلها عن النبى ( ( حيث ~~قال ( تفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة ( هكذا ~~في حديث أبى هريرة وأبى سعيد بخمس وعشرين ومن حديث بن عمر بسبع وعشرين ~~والثلاثة في الصحيح # وقد جمع بينهما بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل PageV23P222 الذى ~~بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة والفضل خمس وعشرون وحديث السبعة ~~والعشرين ذكر فيه صلاته منفردا وصلاته في الجماعة والفضل بينهما فصار ~~المجموع سبعا وعشرين ومن ظن من المتنسكة أن صلاته وحده أفضل اما في خلوته ~~واما في غير خلوته فهو مخطىء ضال وأضل منه من لم ير الجماعة الا خلف الامام ~~المعصوم # فعطل المساجد عن الجمع والجماعات التى أمر الله بها ورسوله وعمر المساجد ~~بالبدع والضلالات التى نهى الله عنها ورسوله وصار مشابها لمن نهى عن عبادة ~~الرحمن وأمر بعبادة الأوثان # فان الله سبحانه شرع الصلاة وغيرها في المساجد كما قال تعالى ( ومن أظلم ~~ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ( وقال تعالى ( ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ( وقال تعالى ( قل أمر ربى بالقسط ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ( وقال تعالى ( ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله ( إلى قوله ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين ( وقال تعالى ( في بيوت اذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح ms7000 له ~~فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ( الآية ~~وقال تعالى ( وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا PageV23P223 ( وقال ~~تعالى ( ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ( # وأما مشاهد القبور ونحوها فقد اتفق ائمة المسلمين على أنه ليس من دين ~~الاسلام أن تخص بصلاة أو دعاء أو غير ذلك ومن ظن أن الصلاة والدعاء والذكر ~~فيها أفضل منه في المساجد فقد كفر بل قد تواترت السنن في النهى عن اتخاذها ~~لذلك كما ثبت في الصحيحين أنه قال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ( يحذر ما فعلوا قالت عائشة ( ولولا ذلك لابرز قبره ولكن ~~كره أن يتخذ مسجدا ( وفى الصحيحين ايضا أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وما ~~فيها من الحسن والتصاوير فقال ( أولئك اذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على ~~قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ~~( وثبت عنه في صحيح مسلم من حديث جندب أنه قال قبل أن يموت بخمس ( ان من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد الا فلا تتخذوا القبور مساجد فانى ~~أنهاكم عن ذلك ( # وفى المسند عنه أنه قال ( ان من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء ~~والذين يتخذون القبور مساجد ( وفى موطأ مالك عنه أنه قال ( اللهم لا تجعل ~~قبرى وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وفى ~~السنن عنه أنه قال ( لا تتخذوا PageV23P224 قبرى عيدا وصلوا على حيثما كنتم ~~فان صلاتكم تبلغنى ( # والمقصود هنا أن أئمة المسلمين متفقون على أن اقامة الصلوات الخمس في ~~المساجد هي من أعظم العبادات وأجل القربات ومن فضل تركها عليها ايثارا ~~للخلوة والانفراد على الصلوات الخمس في الجماعات أو جعل الدعاء والصلاة في ~~المشاهد أفضل من ذلك في المساجد فقد انخلع من ربقة الدين واتبع غير سبيل ~~المؤمنين ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ( # ولكن تنازع العلماء ms7001 بعد ذلك في كونها واجبة على الاعيان أو على الكفاية ~~أو سنة مؤكدة على ثلاثة أقوال # فقيل هي سنة مؤكدة فقط وهذا هو المعروف عن أصحاب أبى حنيفة وأكثر أصحاب ~~مالك وكثير من أصحاب الشافعى ويذكر رواية عن أحمد # وقيل هي واجبة على الكفاية وهذا هو المرجح في مذهب الشافعى وقول بعض ~~أصحاب مالك وقول في مذهب أحمد # وقيل هي واجبة على الاعيان وهذا هو المنصوص عن أحمد PageV23P225 وغيره من ~~أئمة السلف وفقهاء الحديث وغيرهم وهؤلاء تنازعوا فيما اذا صلى منفردا لغير ~~عذر هل تصح صلاته على قولين # ( أحدهما ( لا تصح وهو قول طائفة من قدماء اصحاب أحمد ذكره القاضي أبو ~~يعلى في شرح المذهب عنهم وبعض متأخريهم كابن عقيل وهو قول طائفة من السلف ~~واختاره بن حزم وغيره # ( والثانى ( تصح مع اثمه بالترك وهذا هو المأثور عن أحمد وقول أكثر ~~اصحابه # والذين نفوا الوجوب احتجوا بتفضيل النبى ( ( صلاة الجماعة على صلاة الرجل ~~وحده قالوا ولو كانت واجبة لم تصح صلاة المنفرد ولم يكن هناك تفضيل وحملوا ~~ما جاء من هم النبى ( ( بالتحريق على من ترك الجمعة أو على المنافقين الذين ~~كانوا يتخلفون عن الجماعة مع النفاق وان تحريقهم كان لأجل النفاق لا لأجل ~~ترك الجماعة مع الصلاة في البيوت # وأما الموجبون فاحتجوا بالكتاب والسنة والآثار # ( أما الكتاب ( فقوله تعالى ( واذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة فلتقم ~~طائفة منهم معك ( الآية وفيها دليلان PageV23P226 # ( أحدهما ( أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف وذلك دليل على ~~وجوبها حال الخوف وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن # ( الثانى ( أنه سن صلاة الخوف جماعة وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر ~~كاستدبار القبلة والعمل الكثير فانه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق وكذلك ~~مفارقة الامام قبل السلام عند الجمهور وكذلك التخلف عن متابعة الامام كما ~~يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الامام اذا كان العدو أمامهم قالوا وهذه ~~الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة ~~لكان ms7002 قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة ~~لأجل فعل مستحب مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم ~~أنها واجبة # وايضا فقوله تعالى ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ( ~~اما أن يراد به المقارنة بالفعل وهى الصلاة جماعة واما أن يراد به ما يراد ~~بقوله ( وكونوا مع الصادقين ( فان أريد الثانى لم يكن فرق بين قوله صلوا مع ~~المصلين وصوموا مع الصائمين ( واركعوا مع الراكعين ( والسياق يدل على ~~اختصاص الركوع بذلك PageV23P227 فان قيل فالصلاة كلها تفعل مع الجماعة قيل ~~خص الركوع بالذكر لأنه تدرك به الصلاة فمن ادرك الركعة فقد أدرك السجدة ~~فامر بما يدرك به الركعة كما قال لمريم ( اقنتى لربك واسجدى واركعى مع ~~الراكعين ( فانه لو قيل اقنتى مع القانتين لدل على وجوب ادراك القيام ولو ~~قيل اسجدى لم يدل على وجوب ادراك الركوع بخلاف قوله ( واركعى مع الراكعين ( ~~فانه يدل على الأمر بادراك الركوع وما بعده دون ما قبله وهو المطلوب # ( وأما السنة ( فالأحاديث المستفيضة في الباب مثل حديث أبى هريرة المتفق ~~عليه عنه ( ( أنه قال ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلى ~~بالناس ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ( فهم ~~بتحريق من لم يشهد الصلاة وفى لفظ قال ( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة ~~العشاء والفجر ولو يعلمون ما فيهما لأوتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر ~~بالصلاة فتقام ( الحديث # وفى المسند وغيره ( لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت أن تقام ~~الصلاة ( الحديث فبين ( ( أنه هم بتحريق البيوت على من لم يشهد الصلاة وبين ~~أنه انما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية فانهم لا يجب عليهم شهود ~~الصلاة وفى تحريق البيوت قتل من لا يجوز قتله وكان ذلك بمنزلة اقامة الحد ~~على الحبلى PageV23P228 وقد قال سبحانه وتعالى ( ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في ~~رحمته من ms7003 يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ( ومن حمل ~~ذلك على ترك شهود الجمعة فسياق الحديث يبين ضعف قوله حيث ذكر صلاة العشاء ~~والفجر ثم أتبع ذلك بهمه بتحريق من لم يشهد الصلاة # وأما من حمل العقوبة على النفاق لا على ترك الصلاة فقوله ضعيف لأوجه ( ~~أحدها ( أن النبى ( ( ما كان يقيل المنافقين الا على الأمور الباطنة وانما ~~يعاقبهم على ما يظهر منهم من ترك واجب أو فعل محرم فلولا أن في ذلك ترك ~~واجب لما حرقهم # ( الثانى ( أنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة فيجب ربط الحكم بالسبب ~~الذى ذكره # ( الثالث ( أنه سيأتى ان شاء الله حديث بن أم مكتوم حيث استاذنه أن يصلى ~~في بيته فلم يأذن له وبن أم مكتوم رجل مؤمن من خيار المؤمنين أثنى عليه ~~القرآن وكان النبى ( صلى الله عليه وسلم ( يستخلفه على المدينة وكان يؤذن ~~للنبى ( صلى الله عليه PageV23P229 وسلم ( الرابع ( أن ذلك حجة على وجوبها ~~أيضا كما قد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال ( من سره ~~أن يلقى الله غدا مسلما فليصل هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فان الله ~~شرع لنبيه سنن الهدى وان هذه الصلوات الخمس في المساجد التى ينادى بهن من ~~سنن الهدى وانكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم ~~سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها الا ~~منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في ~~الصف ( # فقد أخبر عبد الله بن مسعود أنه لم يكن يتخلف عنها الا منافق معلوم ~~النفاق وهذا دليل على استقرار وجوبها عند المؤمنين ولم يعلموا ذلك الا من ~~جهة النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اذ لو كانت عندهم مستحبة كقيام الليل ~~والتطوعات التى مع الفرائض وصلاة الضحى ونحو ذلك كان منهم من يفعلها ومنهم ~~من لا يفعلها مع ايمانه كما قال له الأعرابى والله لا أزيد على ذلك ولا ms7004 ~~أنقص منه فقال ( افلح ان صدق ( ومعلوم أن كل أمر كان لا يتخلف عنه الا ~~منافق كان واجبا على الأعيان كخروجهم إلى غزوة تبوك فان النبى ( صلى ~~PageV23P230 الله عليه وسلم ( أمر به المسلمين جميعا لم ياذن لأحد في ~~التخلف الا من ذكر أن له عذرا فاذن له لأجل عذره ثم لما رجع كشف الله أسرار ~~المنافقين وهتك أستارهم وبين أنهم تخلفوا لغير عذر والذين تخلفوا لغير عذر ~~مع الايمان عوقبوا بالهجر حتى هجران نسائهم لهم حتى تاب الله عليهم # ( فان قيل ( فأنتم اليوم تحكمون بنفاق من تخلف عنها وتجوزون تحريق البيوت ~~عليه اذا لم يكن فيها ذرية # قيل له من الأفعال ما يكون واجبا ولكن تأويل المتأول يسقط الحد عنه وقد ~~صار اليوم كثير ممن هو مؤمن لا يراها واجبة عليه فيتركها متأولا وفى زمن ~~النبى ( ( لم يكن لأحد تأويل لأن النبى ( ( قد باشرهم بالايجاب # وأيضا كما ثبت في الصحيح والسنن ( ان اعمى استأذن النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ( أن يصلى في بيته فأذن له فلما ولى دعاه فقال هل تسمع النداء قال نعم ~~قال فأجب ( فأمره بالاجابة اذا سمع النداء ولهذا أوجب أحمد الجماعة على من ~~سمع النداء وفى لفظ في السنن ( ان بن أم مكتوم قال يا رسول الله انى رجل ~~شاسع الدار وان المدينة كثيرة الهوام ولى قائد لا يلائمنى فهل تجد لى رخصة ~~ان PageV23P231 أصلى في بيتى فقال ( هل تسمع النداء قال نعم قال لا أجد لك ~~رخصة ( وهذا نص في الايجاب للجماعة مع كون الرجل مؤمنا # وأما احتجاجهم بتفضيل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده فعنه جوابان ~~مبنيان على صحة صلاة المنفرد لغير عذر فمن صحح صلاته قال الجماعة واجبة ~~وليست شرطا في الصحة كالوقت فانه لو أخر العصر إلى وقت الاصفرار كان آثما ~~مع كون الصلاة صحيحة بل وكذلك لو أخرها إلى أن يبقى مقدار ركعة كما ثبت في ~~الصحيح ( من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر ( قال والتفضيل لا يدل على ms7005 ~~أن المفضول جائز فقد قال تعالى ( اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ( فجعل السعى إلى الجمعة خيرا من البيع ~~والسعى واجب والبيع حرام وقال تعالى ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ( # ومن قال لا تصح صلاة المنفرد الا لعذر احتج بأدلة الوجوب قال وما ثبت ~~وجوبه في الصلاة كان شرطا في الصحة كسائر الواجبات PageV23P232 # وأما الوقت فانه لا يمكن تلافيه فاذا فات لم يمكن فعل الصلاة فيه فنظير ~~ذلك فوت الجمعة وفوت الجماعة التى لا يمكن استدراكها فاذا فوت الجمعة ~~الواجبة كان آثما وعليه الظهر إذ لا يمكن سوى ذلك وكذلك من فوت الجماعة ~~الواجبة التى يجب عليه شهودها وليس هناك جماعة أخرى فانه يصلى منفردا وتصح ~~صلاته هنا لعدم امكان صلاته جماعة كما تصح الظهر ممن تفوته الجمعة # وليس وجوب الجماعة بأعظم من وجوب الجمعة وانما الكلام فيمن صلى في بيته ~~منفردا لغير عذر ثم اقيمت الجماعة فهذا عندهم عليه أن يشهد الجماعة كمن صلى ~~الظهر قبل الجمعة عليه أن يشهد الجمعة # واستدلوا على ذلك بحديث أبى هريرة الذى في السنن عن النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ( من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له ( ويؤيد ذلك ~~قوله ( لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد ( فان هذا معروف من كلام على ~~وعائشة وأبى هريرة وبن عمر وقد رواه الدارقطنى مرفوعا إلى النبى ( ( وقوى ~~ذلك بعض الحفاظ قالوا ولا يعرف في كلام الله ورسوله حرف النفى دخل على فعل ~~شرعى الا لترك واجب فيه كقوله ( لا صلاة الا بأم القرآن ( و ( لا ايمان لمن ~~لا أمانة له ( ونحو ذلك PageV23P233 وأجاب هؤلاء عن حديث التفضيل بأن قالوا ~~هو محمول على المعذور كالمريض ونحوه فان هذا بمنزلة قوله ( ( صلاة القاعد ~~على النصف من صلاة القائم وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد ( وان ~~تفضيله صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده كتفضيله صلاة القائم على ms7006 صلاة ~~القاعد ومعلوم أن القيام واجب في صلاة الفرض دون النفل كما أن الجماعة ~~واجبة في صلاة الفرض دون النفل # وتمام الكلام في ذلك أن العلماء تنازعوا في هذا الحديث وهو هل المراد ~~بهما المعذور أو غيره على قولين # فقالت طائفة المراد بهما غير المعذور قالوا لأن المعذور أجره تام بدليل ~~ما ثبت في الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~أنه قال ( اذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح ~~مقيم ( قالوا فاذا كان المريض والمسافر يكتب لهما ما كانا يعملان في الصحة ~~والاقامة فكيف تكون صلاة المعذور قاعدا أو منفردا دون صلاته في الجماعة ~~قاعدا وحمل هؤلاء تفضيل صلاة القائم على النفل دون الفرض لأن القيام في ~~الفرض واجب # ومن قال هذا القول لزمه أن يجوز تطوع الصحيح مضطجعا لأنه قد ثبت أنه قال ~~( ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ( وقد PageV23P234 # طرد هذا الدليل طائفة من متأخرى أصحاب الشافعى وأحمد وجوزوا أن يتطوع ~~الرجل مضطجعا لغير عذر لأجل هذا الحديث ولتعذر حمله على المريض كما تقدم # ولكن أكثر العلماء أنكروا ذلك وعدوه بدعة وحدثا في الاسلام وقالوا لا ~~يعرف أن أحدا قط صلى في الاسلام على جنبه وهو صحيح ولو كان هذا مشروعا ~~لفعله المسلمون على عهد نبيهم ( ( أو بعده ولفعله النبى ( ( ولو مرة لتبيين ~~الجواز فقد كان يتطوع قاعدا ويصلى على راحلته قبل أى وجه توجهت ويوتر عليها ~~غير أنه لا يصلى عليها المكتوبة فلو كان هذا سائغا لفعله ولو مرة أو لفعله ~~أصحابه وهؤلاء الذين أنكروا هذا مع ظهور حجتهم قد تناقض من لم يوجب الجماعة ~~منهم حيث حملوا قوله ( تفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين ~~درجة ( على أنه أراد غير المعذور فيقال لهم لم كان التفضيل هنا في حق غير ~~المعذور والتفضيل هناك في حق المعذور وهل هذا الا تناقض # وأما من أوجب الجماعة وحمل التفضيل على المعذور فطرد دليله وحينئذ ms7007 فلا ~~يكون في الحديث حجة على صحة صلاة المنفرد لغير عذر PageV23P235 # وأما ما احتج به منازعهم من قوله ( اذا مرض العبد أو سافر كتب له من ~~العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم ( فجوابهم عنه أن هذا الحديث دليل على ~~أنه يكتب له مثل الثواب الذى كان يكتب له في حال الصحة والاقامة لأجل نيته ~~له وعجزه عنه بالعذر # وهذه ( قاعدة الشريعة ( أن من كان عازما على الفعل عزما جازما وفعل ما ~~يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل فهذا الذى كان له عمل في صحته واقامته ~~عزمه أنه يفعله وقد فعل في المرض والسفر ما أمكنه فكان بمنزلة الفاعل كما ~~جاء في السنن فيمن تطهر في بيته ثم ذهب إلى المسجد يدرك الجماعة فوجدها قد ~~فاتت أنه يكتب له أجر صلاة الجماعة وكما ثبت في الصحيح من قوله ( ( ( إن ~~بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم قالوا وهم ~~بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر ( وقد قال تعالى ( لا يستوى ~~القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم ( الآية فهذا ومثله يبين أن المعذور يكتب له مثل ثواب الصحيح اذا ~~كانت نيته أن يفعل وقد عمل ما يقدر عليه وذلك لا يقتضى أن يكون نفس عمله ~~مثل عمل الصحيح فليس في الحديث أن صلاة المريض نفسها في الأجر مثل صلاة ~~الصحيح ولا أن صلاة المنفرد المعذور في نفسها مثل صلاة الرجل في الجماعة ~~PageV23P236 وانما فيه أن يكتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم كما ~~يكتب له أجر صلاة الجماعة اذا فاتته مع قصده لها # وأيضا فليس كل معذور يكتب له مثل عمل الصحيح وانما يكتب له اذا كان يقصد ~~عمل الصحيح ولكن عجز عنه فالحديث يدل على أنه من كان عادته الصلاة في جماعة ~~والصلاة قائما ثم ترك ذلك لمرضه فانه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ~~وكذلك من تطوع على الراحلة في السفر وقد كان يتطوع في ms7008 الحضر قائما يكتب له ~~ما كان يعمل في الاقامة فأما من لم تكن عادته الصلاة في جماعة ولا الصلاة ~~قائما اذا مرض فصلى وحده أو صلى قاعدا فهذا لا يكتب له مثل صلاة المقيم ~~الصحيح # ومن حمل الحديث على غير المعذور يلزمه أن يجعل صلاة هذا قاعدا مثل صلاة ~~القائم وصلاته منفردا مثل الصلاة في جماعة وهذا قول باطل لم يدل عليه نص ~~ولا قياس ولا قاله أحد # وأيضا فيقال تفضيل النبى ( ( لصلاة الجماعة على صلاة المنفرد ولصلاة ~~القائم على القاعد والقاعد على المضطجع انما دل على فضل هذه الصلاة على هذه ~~الصلاة حيث يكون كل من الصلاتين صحيحة PageV23P237 # أما كون هذه الصلاة المفضولة تصح حيث تصح تلك أو لا تصح فالحديث لم يدل ~~عليه بنفى ولا اثبات ولا سيق الحديث لأجل بيان صحة الصلاة وفسادها بل وجوب ~~القيام والقعود وسقوط ذلك ووجوب الجماعة وسقوطها يتلقى من أدلة أخر وكذلك ~~أيضا كون هذا المعذور يكتب له تمام عمله أو لا يكتب له لم يتعرض له هذا ~~الحديث بل يتلقى من أحاديث أخر وقد بينت سائر النصوص أن تكميل الثواب هو ~~لمن كان يعمل العمل الفاضل وهو صحيح مقيم لا لكل أحد # وتثبت نصوص أخر وجوب القيام في الفرض كقوله ( ( لعمران بن حصين ( صل ~~قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنب ( وبين جواز التطوع قاعدا ~~لما رآهم وهم يصلون قعودا فأقرهم على ذلك وكان يصلى قاعدا مع كونه كان ~~يتطوع على الراحلة في السفر كذلك تثبت نصوص أخر وجوب الجماعة فيعطى كل حديث ~~حقه فليس بينها تعارض ولا تناف وانما يظن التعارض والتنافى من حملها ما لا ~~تدل عليه ولم يعطها حقها بسوء نظره وتأويله والله أعلم PageV23P238 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن مسائل يكثر وقوعها ويحصل الابتلاء بها والضيق والحرج على رأى امام ~~بعينه منها ( مسألة الجماعة للصلاة ( هل هي واجبة أم سنة واذا قلنا واجبة ~~هل تصح الصلاة بدونها مع القدرة عليها ### ||||| فأجاب # أما الجماعة فقد ms7009 قيل انها سنة وقيل انها واجبة على الكفاية وقيل ~~انها واجبة على الأعيان وهذا هو الذى دل عليه الكتاب والسنة فان الله أمر ~~بها في حال الخوف ففى حال الأمن أولى وآكد # وأيضا فقد قال تعالى ( واركعوا مع الراكعين ( وهذا أمر بها # وأيضا فقد ثبت في الصحيح أن بن أم مكتوم سأل النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~( أن يرخص له أن يصلى في بيته فقال ( هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب ( ~~وفى رواية ( ما أجد لك رخصة ( وبن أم مكتوم كان رجلا صالحا وفيه نزل قوله ~~تعالى PageV23P239 ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ( وكان من المهاجرين ولم يكن ~~من المهاجرين من يتخلف عنها الا منافق فعلم أنه لا رخصة لمؤمن في تركها ~~وأيضا فقد ثبت عنه في الصحاح أنه قال ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم ~~آمر رجلا يصلى بالناس ثم أنطلق معى برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا ~~يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ( وفى رواية ( لولا ما في البيوت ~~من النساء والذرية ( فبين أنه انما يمنعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة من ~~في البيوت من النساء والأطفال فان تعذيب أولئك لا يجوز لأنه لا جماعة عليهم # ومن قال إن هذا كان في الجمعة أو كان لأجل نفاقهم فقوله ضعيف فان ~~المنافقين لم يكن النبى ( ( يقتلهم لأجل النفاق بل لا يعاقبهم الا بذنب ~~ظاهر فلولا أن التخلف عن الجماعة ذنب يستحق صاحبه العقاب لما عاقبهم ~~والحديث قد بين فيه التخلف عن صلاة العشاء والفجر وقد تقدم حديث بن أم ~~مكتوم وانه لم يرخص له في التخلف عن الجماعة وأيضا فان الجماعة يترك لها ~~أكثر واجبات الصلاة في صلاة الخوف وغيرها فلولا وجوبها لم يؤمر بترك بعض ~~الواجبات لها لأنه لا يؤمر بترك الواجبات لما ليس بواجب PageV23P240 ### ||| فصل # واذا ترك الجماعة من غير عذر ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره ( # أحدهما ( تصح صلاته لقول النبى ( ( تفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته ~~وحده بخمس وعشرين درجة ( # ( والثانى ms7010 ( لا تصح لما في السنن عن النبى ( ( أنه قال ( من سمع النداء ~~ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له ( ولقوله ( لا صلاة لجار المسجد الا في ~~المسجد ( وقد قواه عبد الحق الاشبيلى # وأيضا فاذا كانت واجبة فمن ترك واجبا في الصلاة لم تصح صلاته # وحديث التفضيل محمول على حال العذر كما في قوله ( صلاة القاعد على النصف ~~من صلاة القائم وصلاة القائم على النصف من صلاة PageV23P241 القاعد ( وهذا ~~عام في الفرض والنفل # والانسان ليس له أن يصلى الفرض قاعدا أو نائما الا في حال العذر وليس له ~~أن يتطوع نائما عند جماهير السلف والخلف الا وجها في مذهب الشافعى وأحمد # ومعلوم أن التطوع بالصلاة مضطجعا بدعة لم يفعلها أحد من السلف وقوله ( ( ~~اذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ( يدل ~~على أنه يكتب له لأجل نيته وان كان لا يعمل عادته قبل المرض والسفر فهذا ~~يقتضى أن من ترك الجماعة لمرض أو سفر وكان يعتادها كتب له أجر الجماعة وان ~~لم يكن يعتادها لم يكن يكتب له وان كان في الحالين ان ما له بنفس الفعل ~~صلاة منفرد وكذلك المريض اذا صلى قاعدا أو مضطجعا وعلى هذا القول فاذا صلى ~~الرجل وحده وأمكنه أن يصلى بعد ذلك في جماعة فعل ذلك وان لم يمكنه فعل ~~الجماعة استغفر الله كمن فاتته الجمعة وصلى ظهرا وان قصد الرجل الجماعة ~~ووجدهم قد صلوا كان له أجر من صلى في الجماعة كما وردت به السنة عن النبى ( ~~( # واذا أدرك مع الامام ركعة فقد أدرك الجماعة وان أدرك أقل PageV23P242 من ~~ركعة فله بنيته أجر الجماعة ولكن هل يكون مدركا للجماعة أو يكون بمنزلة من ~~صلى وحده فيه قولان للعلماء في مذهب الشافعى وأحمد # ( أحدهما ( أنه يكون كمن صلى في جماعة كقول أبى حنيفة # ( والثانى ( يكون كمن صلى منفردا كقول مالك وهذا أصح لما ثبت في الصحيح ~~عن النبى ( ( أنه قال ( من أدرك ركعة من الصلاة ms7011 فقد أدرك الصلاة ( ولهذا ~~قال الشافعى وأحمد ومالك وجمهور العلماء إنه لا يكون مدركا للجمعة الا ~~بادراك ركعة من الصلاة ولكن أبو حنيفة ومن وافقه يقولون إنه يكون مدركا لها ~~اذا أدركهم في التشهد # ومن فوائد النزاع في ذلك أن المسافر اذا صلى خلف المقيم أتم الصلاة اذا ~~ادرك ركعة فان أدرك أقل من ركعة فعلى القولين المتقدمين # والصحيح أنه لا يكون مدركا للجمعة ولا للجماعة الا بادراك ركعة وما دون ~~ذلك لا يعتد له به وانما يفعله متابعة للامام ولو بعد السلام كالمنفرد ~~باتفاق الأئمة PageV23P243 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ( ### ||| فصل # ( # فأما صلاة الجماعة فاتبع ما دل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة من ~~وجوبها مع عدم العذر وسقوطها بالعذر # وتقديم الأئمة بما قدم به النبى ( ( حيث قال ( يؤم القوم أقرأهم لكتاب ~~الله فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فان كانوا في السنة سواء ~~فأقدمهم هجرة ( فيفرق بين العلم بالكتاب أو العلم بالسنة كما دل عليه ~~الحديث وانما يكون ترجيح بعض الأئمة على بعض اذ استووا في المعرفة باقام ~~الصلاة على الوجه المشروع وفعلها على السنة وفى دين الامام الذى يخرج به ~~المأموم عن نقص الصلاة خلفه فاذا استويا في كمال الصلاة منهما وخلفهما قدم ~~الأقرأ ثم الأعلم بالسنة والا ففضل الصلاة في نفسها مقدم على صفة امامها ~~وما يحتاج إليه من العلم والدين فيها مقدم على ما يستحب من ذلك PageV23P244 # وغيره قد يقول هي سنة مؤكدة وقد يقول هي فرض على الكفاية ولهم في تقديم ~~الأئمة خلاف ويأمرهم باقامة الصفوف فيها كما أمر به النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ( من سننها الخمس وهى تقويم الصفوف ورصها وتقاربها وسد الأول فالأول ~~وتوسيط الامام حتى ينهى عما نهى عنه النبى ( صلى الله عليه وسلم ( من صلاة ~~المنفرد خلف الصف ويأمره بالاعادة كما أمر به النبى ( ( في حديثين ثابتين ~~عنه فانه أمر المنفرد خلف الصف بالاعادة كما أمر المسيء في صلاته بالاعادة ~~وكما أمر المسيء في وضوئه الذى ترك ms7012 موضع ظفر من قدمه لم يمسه الماء ~~بالاعادة فهذه المواضع دلت على اشتراط الطهارة والاصطفاف في الصلاة ~~والاتيان باركانها # والذين خالفوا حديث المنفرد خلف الصف كأبى حنيفة ومالك والشافعى منهم من ~~لم يبلغه أو لم يثبت عنده والشافعى رآه معارضا بكون الامام يصلى وحده وبكون ~~مليكة جدة أنس صلت خلفهم وبحديث أبى بكرة لما ركع دون الصف # وأما أحمد فأصله في الأحاديث اذا تعارضت في قضيتين متشابهتين غير ~~متماثلتين فانه يستعمل كل حديث على وجهه ولا يرد أحدهما PageV23P245 بالآخر ~~فيقول في مثل هذه المرأة اذا كانت مع النساء صلت بينهن وأما اذا كانت مع ~~الرجال لم تصل الا خلفهم وان كانت وحدها لأنها منهية عن مصافة الرجال ~~فانفرادها عن الرجال أولى بها من مصافتهم كما أنها اذا صلت بالنساء صلت ~~بينهن لأنه أستر لها كما يصلى امام العراة بينهم وان كانت سنة الرجل الكاسى ~~اذا أم أن يتقدم بين يدى الصف # ونقول ان الامام لا يشبه المأموم فان سنته التقدم لا المصافة وسنة ~~المؤتمين الاصطفاف نعم يدل انفراد الامام والمرأة على جواز انفراد الرجل ~~المأموم لحاجة وهو ما اذا لم يحصل له مكان يصلى فيه الا منفردا فهذا قياس ~~قول أحمد وغيره ولأن واجبات الصلاة وغيرها تسقط بالاعذار فليس الاصطفاف الا ~~بعض واجباتها فسقط بالعجز في الجماعة كما يسقط غيره فيها وفى متن الصلاة # ولهذا كان تحصيل الجماعة في صلاة الخوف والمرض ونحوهما مع استدبار القبلة ~~والعمل الكثير ومفارقة الامام ومع ترك المريض القيام أولى من أن يصلوا ~~وحدانا ولهذا ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أنه يجوز تقديم المؤتم على الامام عند ~~الحاجة كحال الزحام ونحوه وان كان لا يجوز لغير حاجة وقد روى في بعض صفات ~~صلاة الخوف # ولهذا سقط عنده وعند غيره من أئمة السنة ما يعتبر للجماعة من PageV23P246 ~~عدل الامام وحل البقعة ونحو ذلك للحاجة فجوزوا بل أوجبوا فعل صلوات الجمعة ~~والعيدين والخوف والمناسك ونحو ذلك خلف الأئمة الفاجرين وفى الأمكنة ~~المغصوبة اذا أفضى ترك ذلك إلى ms7013 ترك الجمعة والجماعة أو إلى فتنة في الأمة ~~ونحو ذلك كما جاء في حديث جابر ( لا يؤمن فاجر مؤمنا الا أن يقهره سلطان ~~يخاف سيفه أو سوطه ( لأن غاية ذلك أن يكون عدل الامام واجبا فيسقط بالعذر ~~كما سقط كثير من الواجبات في جماعة الخوف بالعذر # ومن اهتدى لهذا الأصل وهو أن نفس واجبات الصلاة تسقط بالعذر فكذلك ~~الواجبات في الجماعات ونحوها فقد هدى لما جاءت به السنة من التوسط بين ~~اهمال بعض واجبات الشريعة رأسا كما قد يبتلى به بعضهم وبين الاسراف في ذلك ~~الواجب حتى يفضى إلى ترك غيره من الواجبات التى هي أوكد منه عند العجز عنه ~~وان كان ذلك الأوكد مقدورا عليه كما قد يبتلى به آخرون فان فعل المقدور ~~عليه من ذلك دون المعجوز عنه هو الوسط بين الأمرين # وعلى هذا الأصل تنبنى مسائل الهجرة والعزم التى هي أصل ( مسألة الامامة ( ~~بحيث لا يفعل ولا تسع القدرة ولهذا كان أحمد في المنصوص عنه وطائفة من ~~أصحابه يقول يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل للحاجة كما في صلاة الخوف وكما ~~لو كان المفترض غير قارئ كما في PageV23P247 حديث عمرو بن سلمة ومعاذ ونحو ~~ذلك وان كان لا يجوزه لغير حاجة على احدى الروايتين عنه فأما اذا جوزه ~~مطلقا فلا كلام وان كان من اصحابه من لا يجوزه بحال فصارت الأقوال في مذهبه ~~وغير مذهبه ثلاثة والمنع مطلقا هو المشهور عن أبى حنيفة ومالك كما أن ~~الجواز مطلقا هو قول الشافعى # ويشبه هذا مفارقة المأموم امامه قبل السلام فعنه ثلاث روايات أوسطها جواز ~~ذلك للحاجة كما تفعل الطائفة الأولى في صلاة الخوف وكما فعل الذى طول عليه ~~معاذ صلاة العشاء الآخرة لما شق عليه طول الصلاة # والثانية المنع مطلقا كقول أبى حنيفة # والثالثة الجواز مطلقا كقول الشافعى ولهذا جوز أحمد على المشهور عنه أن ~~تؤم المرأة الرجال لحاجة مثل أن تكون قارئة وهم غير قارئين فتصلى بهم ~~التراويح كما اذن النبى ( ( لأم ورقة أن تؤم أهل دارها وجعل لها ms7014 مؤذنا ~~وتتأخر خلفهم وان كانوا مأمومين بها للحاجة وهو حجة لمن يجوز تقدم المأموم ~~لحاجة هذا مع ما روى عنه ( ( من قوله ( لا تؤمن امرأة PageV23P248 رجلا ( ~~وان المنع من امامة المرأة بالرجال قول عامة العلماء ولهذا الأصل استعمل ~~أحمد ما استفاض عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( من قوله في الامام ( اذا ~~صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ( وأنه علل ذلك بأنه يشبه قيام الأعاجم بعضهم ~~لبعض فسقط عن المأمومين القيام لما في القيام من المفسدة التى أشار اليها ~~النبى ( ( من مخالفة الامام والتشبه بالأعاجم في القيام له وكذلك عمل أئمة ~~الصحابة بعده لما اعتلوا فصلوا قعودا والناس خلفهم قعود كأسيد بن الحضير ~~ولكن كره هذا لغير الامام الراتب اذ لا حاجة إلى نقص الصلاة في الائتمام به ~~ولهذا كرهه أيضا اذا مرض الامام الراتب مرضا مزمنا لأنه يتعين حينئذ ~~انصرافه عن الامامة ولم ير هذا منسوخا بكونه في مرضه صلى في أثناء الصلاة ~~قاعدا وهم قيام لعدم المنافاة بين ما أمر به وبين ما فعله ولأن الصحابة ~~فعلوا ما أمر به بعد موته مع شهودهم لفعله # فيفرق بين القعود من أول الصلاة والقعود في أثنائها اذ يجوز الأمران ~~جميعا اذ ليس في الفعل تحريم للمأمور به بحال مع ما في هذه المسائل من ~~الكلام الدقيق الذى ليس هذا موضعه # وانما الغرض التنبيه على قواعد الشريعة التى تعرفها القلوب الصحيحة ~~PageV23P249 التى دل عليها قوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ( وقوله ( ~~( اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ( وأنه اذا تعذر جمع الواجبين قدم ~~أرجحهما وسقط الآخر بالوجه الشرعى والتنبيه على ضوابط من مآخذ العلماء رضى ~~الله عنهم ### |||| وسئل # عن أقوام يسمعون الداعى ولم يجيبوا وفيهم من يصلى في بيته وفيهم من لا ~~تراه يصلى ويراه جماعة من الناس ولا يرونه بالصلاة وحاله لم ترض الله ولا ~~رسوله من جهة الصلاة وغيرها فهل يجوز لمن يراه في هذه الحالة أن يولى عنه ~~أو يسلم عليه أفتونا مأجورين # وأيضا هل يجوز لرجل اذا ms7015 كان اماما في المسجد الذى هو فيه لم يصل فيه الا ~~نفران أو ثلاثة في بعض الأيام هو يصلى فيه احتسابا وأيضا ان كان يصلى فيه ~~بأجرة لا ما يطلب الصلاة في غيره الا لأجل فضل الجماعة وهل يجوز ذلك أفتونا ~~يرحمكم الله ### ||||| فأجاب # الصلاة في الجماعات التى تقام في المساجد من شعائر الاسلام الظاهرة ~~وسنته الهادية كما في الصحيح عن بن مسعود أنه قال ( ان هذه الصلوات الخمس ~~في المسجد الذى تقام فيه الصلاة PageV23P250 من سنن الهدى وان الله شرع ~~لنبيكم سنن الهدى وانكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته ~~لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما يتخلف عنها الا منافق ~~معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجال حتى يقام في الصف # وفى الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم ~~أنطلق معى برجال معهم حزم من الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم ~~بيوتهم بالنار ( وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال أتى النبى ( ( رجل أعمى ~~فقال يا رسول الله ليس لى قائد يقودنى إلى المسجد فسأله أن يرخص له أن يصلى ~~في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال اتسمع النداء بالصلاة قال نعم قال أجب ~~وفى رواية في السنن قال أتسمع النداء قال نعم قال لا أجد لك رخصة ( # وفى السنن عن بن عباس قال قال رسول الله ( ( من سمع النداء فلم يمنعه من ~~اتباعه عذر قالوا ما العذر قال خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التى صلى ( ~~رواه أبو داود # وصلاة الجماعة من الأمور المؤكدة في الدين باتفاق المسلمين PageV23P251 ~~وهى فرض على الأعيان عند أكثر السلف وأئمة أهل الحديث كأحمد واسحاق وغيرهما ~~وطائفة من أصحاب الشافعى وغيرهم وهى فرض على الكفاية عند طوائف من اصحاب ~~الشافعى وغيرهم وهو المرجح عند أصحاب الشافعى # والمصر على ترك الصلاة في الجماعة رجل سوء ينكر عليه ويزجر على ذلك بل ~~يعاقب عليه وترد شهادته ms7016 وان قيل انها سنة مؤكدة وأما من كان معروفا بالفسق ~~مضيعا للصلاة فهذا داخل في قوله ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا ( وتجب عقوبته على ذلك بما يدعوه إلى ترك المحرمات ~~وفعل الواجبات # ومن كان اماما راتبا في مسجد فصلاته فيه اذا لم تقم الجماعة الا به أفضل ~~من صلاته في غيره وان كان أكثر جماعة # ومن عرف منه التظاهر بترك الواجبات أو فعل المحرمات فانه يستحق أن يهجر ~~ولا يسلم عليه تعزيرا له على ذلك حتى يتوب والله سبحانه أعلم PageV23P252 ### |||| وسئل # عن رجل يقتدى به في ترك صلاة الجماعة ### ||||| فأجاب # من اعتقد أن الصلاة في بيته أفضل من صلاة الجماعة في مساجد ~~المسلمين فهو ضال مبتدع باتفاق المسلمين فان صلاة الجماعة اما فرض على ~~الأعيان واما فرض على الكفاية # والادلة من الكتاب والسنة أنها واجبة على الأعيان ومن قال انها سنة مؤكدة ~~ولم يوجبها فانه يذم من داوم على تركها حتى ان من داوم على ترك السنن التى ~~هي دون الجماعة سقطت عدالته عندهم ولم تقبل شهادته فكيف بمن يداوم على ترك ~~الجماعة فانه يؤمر بها باتفاق المسلمين ويلام على تركها فلا يمكن من حكم ~~ولا شهادة ولا فتيا مع اصراره على ترك السنن الراتبة التى هي دون الجماعة ~~فكيف بالجماعة التى هي أعظم شعائر الاسلام والله أعلم PageV23P253 ### |||| وسئل # عن رجل جار للمسجد ولم يحضر مع الجماعة الصلاة ويحتج بدكانه ### ||||| فأجاب # الحمد ~~لله يؤمر بالصلاة مع المسلمين فان كان لا يصلى فانه يستتاب فان تاب والا ~~قتل واذا ظهر منه الاهمال للصلاة لم يقبل قوله اذا فرغت صليت بل من ظهر ~~كذبه لم يقبل قوله ويلزم بما أمر الله به ورسوله ### |||| وسئل # عن رجلين تنازعا في ( صلاة الفذ ( فقال أحدهما قال ( صلى الله عليه وسلم ~~( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين ( وقال الآخر ( متى كانت ~~الجماعة في غير مسجد فهي كصلاة الفذ ( ### ||||| فأجاب # ليست الجماعة كصلاة الفذ بل الجماعة أفضل ولو كانت ms7017 في غير المسجد ~~لكن تنازع العلماء فيمن صلى جماعة في بيته هل PageV23P254 يسقط عنه حضور ~~الجماعة في المسجد أم لابد من حضور الجماعة في المسجد والذى ينبغى له أن لا ~~يترك حضور الجماعة في المسجد الا لعذر كما دلت على ذلك السنن والآثار والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل أدرك آخر جماعة وبعد هذه الجماعة جماعة أخرى فهل يستحب له متابعة ~~هؤلاء في آخر الصلاة أو ينتظر الجماعة الأخرى ### ||||| فأجاب # أما اذا أدرك أقل من ركعة فهذا مبنى على أنه هل يكون مدركا للجماعة ~~بأقل من ركعة أم لابد من ادراك ركعة فمذهب أبى حنيفة أنه يكون مدركا وطرد ~~قياسه في ذلك حتى قال في الجمعة يكون مدركا لها بادراك القعدة فيتمها جمعة ~~ومذهب مالك أنه لا يكون مدركا الا بادراك ركعة وطرد المسألة في ذلك حتى ~~فيمن أدرك من آخر الوقت فان المواضع التى تذكر فيها هذه المسألة أنواع # ( أحدها ( الجمعة # ( والثانى ( فضل الجماعة PageV23P255 # ( والثالث ( ادراك المسافر من صلاة المقيم # ( والرابع ( ادراك بعض الصلاة قبل خروج الوقت كادراك بعض الفجر قبل طلوع ~~الشمس ( والخامس ( ادراك آخر الوقت كالحائض تطهر والمجنون يفيق والكافر ~~يسلم في آخر الوقت # ( والسادس ( ادراك ذلك من أول الوقت عند من يقول ان الوجوب بذلك فان في ~~هذا الأصل السادس نزاعا وأما مذهب الشافعى وأحمد فقالا في الجمعة بقول مالك ~~لاتفاق الصحابة على ذلك فانهم قالوا فيمن أدرك من الجمعة ركعة يصلى اليها ~~أخرى ومن أدركهم في التشهد صلى أربعا # وأما سائر المسائل ففيها نزاع في مذهب الشافعى وأحمد وهما قولان للشافعى ~~وروايتان عن أحمد وكثير من اصحابهما يرجح قول أبى حنيفة # والأظهر هو مذهب مالك كما ذكره الخرقى في بعض الصور وذلك أنه قد ثبت في ~~الصحيح عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ( ( أنه قال ( من أدرك ركعة من ~~الصلاة فقد أدرك PageV23P256 الصلاة ( فهذا نص عام في جميع صور ادراك ركعة ~~من الصلاة سواء كان ادراك جماعة أو ادراك الوقت وفى ms7018 الصحيحين عنه ( صلى ~~الله عليه وسلم ( أنه قال ( من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد ~~أدرك الفجر ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ( ~~وهذا نص في ركعة في الوقت # وقد عارض هذا بعضهم بأن في بعض الطرق ( من أدرك سجدة ( وظنوا أن هذا ~~يتناول ما اذا أدرك السجدة الأولى وهذا باطل فان المراد بالسجدة الركعة كما ~~في حديث بن عمر ( حفظت عن رسول الله ( ( سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها ~~وسجدتين بعد المغرب ( إلى آخره وفى اللفظ المشهور ( ركعتين ( وكما روى ( ~~أنه كان يصلى بعد الوتر سجدتين ( وهما ركعتان كما جاء ذلك مفسرا في الحديث ~~الصحيح ومن سجد بعد الوتر سجدتين مجردتين عملا بهذا فهو غالط باتفاق الأئمة # وأيضا فان الحكم ع 6 ندهم ليس متعلقا بادراك سجدة من السجدتين فعلم أنهم ~~لم يقولوا بالحديث فعلى هذا اذا كان المدرك اقل من ركعة وكان بعدها جماعة ~~أخرى فصلى معهم في جماعة صلاة تامة فهذا أفضل فان هذا يكون مصليا في جماعة ~~بخلاف الأول وان كان المدرك ركعة أو كان اقل من ركعة وقلنا انه يكون به ~~مدركا للجماعة فهنا قد تعارض ادراكه PageV23P257 لهذه الجماعة وإدراكه ~~للثانية من أولها فإن إدراك الجماعة من أولها أفضل كما جاء في إدراكها ~~بحدها فإن كانت الجماعتان سواء فالثانية أفضل وإن تميزت الأولى بكمال ~~الفضيلة أو كثرة الجمع أو فضل الإمام أو كونها الراتبة فهي في هذه الجهة ~~أفضل وتلك من جهة إدراكها بحدها أفضل وقد يترجح هذا تارة وهذا تارة وأما أن ~~قدر أن الثانية أكمل أفعالا وإماما أو جماعة فهنا قد ترجحت من وجه آخر # ومثل هذه المسألة لم تكن تعرف في السلف إلا إذا كان مدركا لمسجد آخر فإنه ~~لم يكن يصلي في المسجد الواحد امامان راتبان وكانت الجماعة تتوفر مع الإمام ~~الراتب ولا ريب أن صلاته مع الإمام الراتب في المسجد جماعة ولو ركعة خير من ~~صلاته في بيته ولو كان جماعة والله ms7019 أعلم ### |||| وسئل # عن رجل صلى فرضه ثم أتى مسجد جماعة فوجدهم يصلون فهل له أن يصلي مع ~~الجماعة من الفائت ### ||||| فأجاب # إذا صلى الرجل الفريضة ثم أتى مسجدا تقام فيه تلك PageV23P258 ~~الصلاة فليصلها معهم سواء كان عليه فائتة أو لم يكن كما أمر النبى صلى الله ~~عليه وسلم بذلك حيث قال لرجلين لم يصليا مع الناس فقال ( ما لكما لم تصليا ~~ألستما مسلمين فقالا يارسول الله صلينا في رحالنا فقال إذا صليتما في ~~رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ( # ومن عليه فائتة فعليه أن يبادر إلى قضائها على الفور سواء فاتته عمدا أو ~~سهوا عند جمهور العلماء كمالك وأحمد وأبى حنيفة وغيرهم وكذلك الراجح في ~~مذهب الشافعى أنها إذا فاتت عمدا كان قضاؤها واجبا على الفور # وإذا صلى مع الجماعة نوى بالثانية معادة وكانت الأولى فرضا والثانية نفلا ~~على الصحيح كما دل عليه هذا الحديث وغيره وقيل الفرض أكملهما وقيل ذلك إلى ~~الله تعالى والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن حديث يزيد بن الأسود قال ( شهدت حجة رسول الله وصليت معه صلاة الصبح ~~في مسجد الخيف فلما قضى الصلاة وإنحرف فإذا هو برجلين في أخريات القوم لم ~~يصليا فقال PageV23P259 علي بهما فإذا بهما ترعد فرائصهما فقال ما منعكما ~~أن تصليا معنا فقالا يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا قال فلا تفعلا ~~إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ( # والثاني عن سلمان بن سالم قال ( رأيت عبد الله بن عمر جالسا على البلاط ~~والناس يصلون فقلت يا عبد الله مالك لا تصلى فقال إنى قد صليت وإنى سمعت ~~رسول الله يقول لا تعاد صلاة مرتين ( فما الجمع بين هذا وهذا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما حديث إبن عمر فهو في الإعادة مطلقا من غير سبب ولا ~~ريب أن هذا منهي عنه وأنه يكره للرجل أن يقصد إعادة الصلاة من غير سبب ~~يقتضي الإعادة إذ لو كان مشروعا للصلاة الشرعية عدد ms7020 معين كان يمكن الإنسان ~~أن يصلى الظهر مرات والعصر مرات ونحو ذلك ومثل هذا لا ريب في كراهته # وأما حديث إبن الأسود فهو إعادة مقيدة بسبب إقتضى الإعادة وهو قوله ( إذا ~~صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ( ~~فسبب الإعادة هنا حضور الجماعة الراتبة ويستحب لمن صلى ثم حضر جماعة راتبة ~~أن يصلى معهم PageV23P260 # لكن من العلماء من يستحب الإعادة مطلقا كالشافعى وأحمد ومنهم من يستحبها ~~إذا كانت الثانية أكمل كمالك فإذا أعادها فالأولى هي الفريضة عند أحمد وأبى ~~حنيفة والشافعى في أحد القولين لقوله في هذا الحديث ( فإنها لكما نافلة ( ~~وكذلك قال في الحديث الصحيح ( أنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ~~فصلوا الصلاة لوقتها ثم إجعلوا صلاتكم معهم نافلة ( وهذا أيضا يتضمن ~~إعادتها لسبب ويتضمن أن الثانية نافلة وقيل الفريضة أكملهما وقيل ذلك إلى ~~الله # ومما جاء في الإعادة لسبب الحديث الذي في سنن أبى داود لما قال النبى ( ~~ألا رجل يتصدق على هذا يصلى معه ( فهنا هذا المتصدق قد أعاد الصلاة ليحصل ~~لذلك المصلي فضيلة الجماعة ثم الإعادة المأمور بها مشروعة عند الشافعى ~~وأحمد ومالك وقت النهي وعند أبى حنيفة لا تشرع وقت النهي # وأما المغرب فهل تعاد على صفتها أم تشفع بركعة أم لا تعاد على ثلاثة ~~أقوال مشهورة للفقهاء # ومما جاء فيه الإعادة لسبب ما ثبت أن النبى في بعض صلوات الخوف صلى بهم ~~الصلاة مرتين صلى بطائفة ركعتين PageV23P261 ثم سلم ثم صلى بطائفة أخرى ~~ركعتين ثم سلم ومثل هذا حديث معاذ بن جبل لما كان يصلى خلف النبى فهنا ~~إعادة أيضا وصلاة مرتين # والعلماء متنازعون في مثل هذا وهى مسألة إقتداء المفترض بالمتنفل على ~~ثلاثة أقوال # فقيل لا يجوز كقول أبى حنيفة وأحمد في إحدى الروايات وقيل يجوز كقول ~~الشافعى وأحمد في رواية ثانية وقيل يجوز للحاجة مثل حال الخوف والحاجة إلى ~~الإئتمام بالمتطوع ولا يجوز لغيرها كرواية ثالثة عن أحمد ويشبه هذا إعادة ~~صلاة الجنازة لمن صلى عليها ms7021 أولا فإن هذا لا يشرع بغير سبب بإتفاق العلماء ~~بل لو صلى عليها مرة ثانية ثم حضر من لم يصل فهل يصلي عليها على قولين ~~للعلماء قيل يصلى عليها وهو مذهب الشافعى وأحمد ويصلى عندهما على القبر لما ~~ثبت عن النبى وعن غير واحد من الصحابة أنهم صلوا على جنازة بعد ما صلى ~~عليها غيرهم وعند أبى حنيفة ومالك ينهى عن ذلك كما ينهيان عن إقامة الجماعة ~~في المسجد مرة بعد مرة قالوا لأن الفرض يسقط بالصلاة الأولى فتكون الثانية ~~نافلة والصلاة على الجنازة لا يتطوع بها وهذا بخلاف من يصلى الفريضة فإنه ~~يصليها بإتفاق المسلمين لأنها واجبة PageV23P262 عليه وأصحاب الشافعى وأحمد ~~يجيبون بجوابين # أحدهما أن الثانية تقع فرضا عمن فعلها وكذلك يقولون في سائر فروض ~~الكفايات أن من فعلها أسقط بها فرض نفسه وإن كان غيره قد فعلها فهو مخير ~~بين أن يكتفى بإسقاط ذلك وبين أن يسقط الفرض بفعل نفسه وقيل بل هي نافلة ~~ويمنعون قول القائل إن صلاة الجنازة لا يتطوع بها بل قد يتطوع بها إذا كان ~~هناك سبب يقتضى ذلك # وينبني على هذين المأخذين أنه إذا حضر الجنازة من لم يصل أولا فهل لمن ~~صلى عليها أولا أن يصلى معه تبعا كما يفعل مثل هذا في المكتوبة على وجهين ~~قيل لا يجوز هنا لأن فعله هنا نفل بلا نزاع وهي لا يتنفل بها وقيل بل له ~~الإعادة فإن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( لما صلى على القبر صلى خلفه من ~~كان قد صلى أولا وهذا أقرب فإن هذه الإعادة بسبب إقتضاه لا إعادة مقصودة ~~وهذا سائغ في المكتوبة والجنازة والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا PageV23P263 ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عمن يجد الصلاة قد اقيمت فأيما أفضل صلاة الفريضة أو يأتى بالسنة ويلحق ~~الإمام ولو في التشهد وهل ركعتا الفجر سنة للصبح أم لا ### ||||| فأجاب # قد صح عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( إذا أقيمت الصلاة ~~فلا صلاة إلا المكتوبة ms7022 ( وفى رواية ( فلا صلاة إلا التى أقيمت ( فإذا أقيمت ~~الصلاة فلا يشتغل بتحية المسجد ولا بسنة الفجر وقد إتفق العلماء على أنه لا ~~يشتغل عنها بتحية المسجد # ولكن تنازعوا في سنة الفجر والصواب أنه إذا سمع الإقامة فلا يصلي السنة ~~لا في بيته ولا في غير بيته بل يقضيها إن شاء بعد الفرض والسنة أن يصلى بعد ~~طلوع الفجر ركعتين سنة والفريضة ركعتان وليس بين طلوع الفجر والفريضة سنة ~~إلا ركعتان والفريضة تسمى صلاة الفجر وصلاة الغداة وكذلك السنة تسمى سنة ~~الفجر وسنة الصبح وركعتى الفجر ونحو ذلك والله أعلم PageV23P264 ### || 1 ( قاعدة في القراءة خلف الإمام ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل # عن ( القراءة خلف الإمام ### |||| ( فأجاب # الحمد لله للعلماء فيه نزاع وإضطراب مع ~~عموم الحاجة إليه وأصول الأقوال ثلاثة طرفان ووسط # فأحد الطرفين أنه لا يقرأ خلف الإمام بحال # ( والثانى ( إنه يقرأ خلف الإمام بكل حال # ( والثالث ( وهو قول أكثر السلف إنه إذا سمع قراءة الإمام أنصت ولم يقرأ ~~فان إستماعه لقراءة الإمام خير من قراءته وإذا لم يسمع قراءته قرأ لنفسه ~~فإن قراءته خير من سكوته فالإستماع لقراءة الإمام أفضل من القراءة والقراءة ~~أفضل من السكوت هذا قول جمهور العلماء كمالك وأحمد بن حنبل وجمهور أصحابهما ~~وطائفة من أصحاب الشافعى وأبى حنيفة وهو القول القديم للشافعى وقول محمد بن ~~الحسن PageV23P265 @ وعلى هذا القول فهل القراءة حال مخافتة الإمام ~~بالفاتحة واجبة على المأموم أو مستحبة على قولين في مذهب أحمد # أشهرهما أنها مستحبة وهو قول الشافعى في القديم والإستماع حال جهر الإمام ~~هل هو واجب أو مستحب والقراءة إذا سمع قراءة الإمام هل هي محرمة أو مكروهة ~~وهل تبطل الصلاة إذا قرأ على قولين في مذهب أحمد وغيره # ( أحدهما ( إن القراءة حينئذ محرمة وإذا قرأ بطلت صلاته وهذا أحد الوجهين ~~اللذين حكاهما أبو عبد الله إبن حامد في مذهب أحمد ( والثانى ( أن الصلاة ~~لا تبطل بذلك وهو قول الأكثرين وهو المشهور من مذهب أحمد ونظير هذا إذا قرأ ~~حال ركوعه وسجوده هل ms7023 تبطل الصلاة على وجهين في مذهب أحمد لأن النبى ( ( نهى ~~أن يقرأ القرآن راكعا أو ساجدا # والذين قالوا يقرأ حال الجهر والمخافتة انما يأمرونه أن يقرأ حال الجهر ~~بالفاتحة خاصة وما زاد على الفاتحة فان المشروع أن يكون فيه مستمعا لا ~~قارئا PageV23P266 # وهل قراءته للفاتحة مع الجهر واجبة أو مستحبة على قولين ( أحدهما ( أنها ~~واجبة وهو قول الشافعى في الجديد وقول إبن حزم # ( والثانى ( أنها مستحبة وهو قول الأوزاعى والليث بن سعد وإختيار جدي أبى ~~البركات ولا سبيل إلى الإحتياط في الخروج من الخلاف في هذه المسألة كما لا ~~سبيل إلى الخروج من الخلاف في وقت العصر وفى فسخ الحج ونحو ذلك من المسائل # يتعين في مثل ذلك النظر فيما يوجبه الدليل الشرعى وذلك ان كثيرا من ~~العلماء يقول صلاة العصر يخرج وقتها اذا صار ظل كل شيء مثليه كالمشهور من ~~مذهب مالك والشافعى وهو إحدى الروايتين عن أحمد # وأبو حنيفة يقول حينئذ يدخل وقتها ولم يتفقوا على وقت تجوز فيه صلاة ~~العصر بخلاف غيرها فانه اذا صلى الظهر بعد الزوال بعد مصير ظل كل شيء مثله ~~سوى ظل الزوال صحت صلاته والمغرب أيضا تجزئ باتفاقهم اذا صلى بعد الغروب ~~والعشاء تجزئ باتفاقهم اذا صلى بعد مغيب الشفق الأبيض إلى ثلث الليل والفجر ~~PageV23P267 تجزئ باتفاقهم اذا صلاها بعد طلوع الفجر إلى الاسفار الشديد ~~وأما العصر فهذا يقول تصلى إلى المثلين وهذا يقول لا تصلى الا بعد المثلين ~~والصحيح أنها تصلى من حين يصير ظل كل شيء مثله إلى اصفرار الشمس فوقتها ~~أوسع كما قاله هؤلاء وهؤلاء وعلى هذا تدل الأحاديث الصحيحة المدنية وهو قول ~~أبى يوسف ومحمد بن الحسن وهو الرواية الأخرى عن أحمد # والمقصود هنا أن من المسائل مسائل لا يمكن أن يعمل فيها بقول يجمع عليه ~~لكن ولله الحمد القول الصحيح عليه دلائل شرعية تبين الحق # ومن ذلك فسخ الحج إلى العمرة فان الحج الذى اتفق الأمة على جوازه ان يهل ~~متمتعا يحرم بعمرة ابتداء ويهل قارنا وقد ms7024 ساق الهدى فاما إن أفرد أو قرن ~~ولم يسق الهدى ففى حجه نزاع بين السلف والخلف # والمقصود هنا القراءة خلف الامام فنقول اذا جهر الامام استمع لقراءته فان ~~كان لا يسمع لبعده فانه يقرأ في أصح القولين وهو قول أحمد وغيره وان كان لا ~~يسمع لصممه أو كان يسمع PageV23P268 همهمة الامام ولا يفقه ما يقول ففيه ~~قولان في مذهب أحمد وغيره # والأظهر أنه يقرأ لأن الأفضل أن يكون اما مستمعا واما قارئا وهذا ليس ~~بمستمع ولا يحصل له مقصود السماع فقراءته أفضل من سكوته فنذكر الدليل على ~~الفصلين على أنه في حال الجهر يستمع وأنه في حال المخافتة يقرأ # فالدليل على الأول الكتاب والسنة والاعتبار # ( أما الأول ( فانه تعالى قال ( واذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون ( وقد استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة وقال ~~بعضهم في الخطبة وذكر أحمد بن حنبل الاجماع على أنها نزلت في ذلك وذكر ~~الاجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حال الجهر # ثم يقول قوله تعالى ( واذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ~~( لفظ عام فاما أن يختص القراءة في الصلاة أو في القراءة في غير الصلاة أو ~~يعمهما والثانى باطل قطعا لأنه لم يقل أحد من المسلمين انه يجب الاستماع ~~خارج الصلاة ولا يجب في PageV23P269 الصلاة ولأن استماع المستمع إلى قراءة ~~الامام الذي يأتم به ويجب عليه متابعته اولى من استماعه إلى قراءة من يقرأ ~~خارج الصلاة داخلة في الآية إما على سبيل الخصوص وإما على سبيل العموم وعلى ~~التقديرين فالآية دالة على أمر المأموم بالانصات لقراءة الامام وسواء كان ~~أمر ايجاب أو استحباب # فالمقصود حاصل فان المراد أن الاستماع أولى من القراءة وهذا صريح في ~~دلالة الآية على كل تقدير والمنازع يسلم ان الاستماع مأمور به دون القراءة ~~فيما زاد على الفاتحة والآية أمرت بالانصات إذا قرئ القرآن والفاتحة أم ~~القرآن وهي التي لابد من قراءتها في كل صلاة والفاتحة أفضل سور القرآن وهي ~~التى لم ms7025 ينزل في التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها ~~فيمتنع أن يكون المراد بالآية الاستماع إلى غيرها دونها مع اطلاق لفظ الآية ~~وعمومها مع أن قراءتها اكثر وأشهر وهي أفضل من غيرها فان قوله ( إذا قرئ ~~القرآن ( يتناولها كما يتناول غيرها وشموله لها أظهر لفظا ومعنى والعادل عن ~~استماعها إلى قرائتها إنما يعدل لأن قراءتها عنده أفضل من الاستماع وهذا ~~غلط يخالف النص والاجماع فان الكتاب والسنة أمرت المؤتم بالاستماع دون ~~القراءة والأمة متفقة على أن استماعه لما زاد على الفاتحة أفضل من قراءته ~~لما زاد عليها PageV23P270 # فلو كانت القراءة لما يقرأه الامام أفضل من الاستماع لقراءته لكان قراءة ~~المأموم أفضل من قراءته لما زاد على الفاتحة وهذا لم يقل به أحد وإنما نازع ~~من نازع في الفاتحة لظنه أنها واجبة على المأموم مع الجهر أو مستحبة له ~~حينئذ # وجوابه أن المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل بالاستماع ما هو أفضل منها ~~بدليل استماعه لما زاد على الفاتحة فلولا أنه يحصل له بالاستماع ما هو أفضل ~~من القراءة لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين وهو القراءة فلما دل الكتاب ~~والسنة والاجماع على ان الاستماع أفضل له من القراءة علم أن المستمع يحصل ~~له أفضل مما يحصل للقارئ وهذا المعنى موجود في الفاتحة وغيرها فالمستمع ~~لقراءة الامام يحصل له أفضل مما يحصل بالقراءة وحينئذ فلا يجوز أن يؤمر ~~بالأدنى وينهى عن الأعلى # وثبت أنه في هذه الحال قراءة الامام له قراءة كما قال ذلك جماهير السلف ~~والخلف من الصحابة والتابعين لهم باحسان وفى ذلك الحديث المعروف عن النبى ( ~~( أنه قال ( من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة ( # وهذا الحديث روي مرسلا ومسندا لكن اكثر الأئمة الثقاة رووه مرسلا عن عبد ~~الله بن شداد عن النبى وأسنده بعضهم ورواه بن ماجه مسندا وهذا المرسل قد ~~عضده PageV23P271 ظاهر القرآن والسنة وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة ~~والتابعين ومرسله من اكابر التابعين ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة ms7026 ~~الأربعة وغيرهم وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل # فتبين أن الاستماع إلى قراءة الامام أمر دل عليه القرآن دلالة قاطعة لأن ~~هذا من الأمور الظاهرة التى يحتاج اليها جميع الأمة فكان بيانها في القرآن ~~مما يحصل به مقصود البيان وجاءت السنة موافقة للقرآن ففى صحيح مسلم عن أبى ~~موسى الأشعرى قال ( ان رسول الله خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال ~~أقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فاذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا ( وهذا من ~~حديث أبى موسى الطويل المشهور لكن بعض الرواة زاد فيه على بعض فمنهم من لم ~~يذكر قوله ( وإذا قرأ فانصتوا ( ومنهم من ذكرها وهي زيادة من الثقة لا ~~تخالف المزيد بل توافق معناه ولهذا رواها مسلم في صحيحه # فإن الانصات إلى قراءة القارئ من تمام الائتمام به فان من قرأ على قوم لا ~~يستمعون لقراءته لم يكونوا مؤتمين به وهذا مما يبين حكمة سقوط القراءة على ~~المأموم فان متابعته لامامه مقدمة على غيرها حتى في الأفعال فاذا أدركه ~~ساجدا سجد معه وإذا أدركه في وتر من صلاته PageV23P272 تشهد عقب الوتر وهذا ~~لو فعله منفردا لم يجز وإنما فعله لأجل الائتمام فيدل على أن الائتمام يجب ~~به ما لا يجب على المنفرد ويسقط به ما يجب على المنفرد # وعن أبى هريرة قال قال رسول الله ( إنما جعل الامام ليؤتم به فاذا كبر ~~فكبروا وإذا قرأ فانصتوا ( رواه أحمد وأبو داود والنسائي وبن ماجه قيل ~~لمسلم بن الحجاج حديث أبى هريرة صحيح يعنى ( وإذا قرأ فأنصتوا ( قال هو ~~عندي صحيح فقيل له لما لا تضعه ها هنا يعنى في كتابه فقال ليس كل شيء عندى ~~صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه # وروى الزهري عن بن اكيمة الليثى عن ابى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انصرف من صلاة جهر فيها فقال ( هل قرأ معي أحد منكم آنفا فقال رجل نعم ~~يارسول الله قال إني أقول مالي أنازع القرآن ms7027 ( قال فانتهى الناس عن القراءة ~~مع رسول الله فيما جهر فيه النبى بالقراءة في الصلوات حين سمعوا ذلك من ~~رسول الله رواه أحمد وأبو داود وبن ماجه والنسائى والترمذي وقال حديث حسن ~~قال أبو داود سمعت محمد بن يحيى بن فارس يقول قوله ( فانتهى الناس ( من ~~كلام الزهري PageV23P273 وروى عن البخارى نحو ذلك فقال في الكنى من التاريخ ~~وقال أبو صالح حدثنى الليث حدثنى يوسف عن بن شهاب سمعت بن اكيمة الليثى ~~يحدث ان سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة يقول صلى لنا النبى صلاة جهر فيها ~~بالقراءة ثم قال ( هل قرأ منكم أحد معي قلنا نعم قال إنى اقول مالي أنازع ~~القرآن ( قال فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر الامام قال الليث حدثني بن ~~شهاب ولم يقل فانتهى الناس وقال بعضهم هو قول الزهري وقال بعضهم هو قول بن ~~أكيمة والصحيح أنه قول الزهري # وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو من أدل الدلائل على أن الصحابة لم ~~يكونوا يقرؤون في الجهر مع النبى فان الزهري من أعلم أهل زمانه أو أعلم أهل ~~زمانه بالسنة وقراءة الصحابة خلف النبى إذا كانت مشروعة واجبة أو مستحبة ~~تكون من الاحكام العامة التى يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم باحسان ~~فيكون الزهري من أعلم الناس بها فلو لم يبينها لاستدل بذلك على انتفائها ~~فكيف إذا قطع الزهري بان الصحابة لم يكونوا يقرؤون خلف النبى في الجهر # فان قيل قال البيهقى بن اكيمة رجل مجهول لم يحدث إلا بهذا الحديث وحده ~~ولم يحدث عنه غير الزهري PageV23P274 # قيل ليس كذلك بل قد قال أبو حاتم الرازى فيه صحيح الحديث حديثه مقبول ~~وحكى عن أبي حاتم البستى أنه قال روي عنه الزهري وسعيد بن ابى هلال وبن ~~أبيه عمر وسالم بن عمار بن اكيمة بن عمر وقد روى مالك في موطئه عن وهب بن ~~كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول ( من صلى ركعة لم يقرأ فيها لم يصل ~~الا وراء الامام ( وروى ايضا عن ms7028 نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل هل ~~يقرأ خلف الامام يقول إذا صلى احدكم خلف الامام تجزئه قراءة الامام وإذا ~~صلى وحده فليقرأ قال وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الامام وروى مسلم في ~~صحيحه عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الامام فقال لا ~~قراءة مع الامام في شيء # وروى البيهقى عن ابى وائل أن رجلا سأل بن مسعود عن القراءة خلف الامام ~~فقال انصت للقرآن فان في الصلاة شغلا وسيكفيك ذلك الامام وبن مسعود وزيد بن ~~ثابت هما فقيها اهل المدينة واهل الكوفة من الصحابة وفى كلامهما تنبيه على ~~ان المانع إنصاته لقراءة الامام PageV23P275 وكذلك البخارى في ( كتاب ~~القراءة خلف الامام ( عن علي بن ابى طالب قال وروى الحارث عن على يسبح في ~~الأخريين قال ولم يصح وخالفه عبيد الله بن ابى رافع حدثنا عثمان بن سعيد ~~سمع عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبيد الله بن ابى ~~رافع مولى بنى هاشم حدثه عن على بن ابى طالب إذا لم يجهر الامام في الصلوات ~~فاقرأ بأم الكتاب وسورة اخرى في الاوليين من الظهر والعصر وفاتحة الكتاب في ~~الأخريين من الظهر والعصر وفى الآخرة من المغرب وفى الأخريين من العشاء # وأيضا ففى إجماع المسلمين على أنه فيما زاد على الفاتحة يؤمر بالاستماع ~~دون القراءة دليل على أن استماعه لقراءة الامام خير له من قراءته معه بل ~~على أنه مأمور بالاستماع دون القراءة مع الامام # وأيضا فلو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم للزم أحد أمرين إما ~~أن يقرأ مع الامام وإما أن يجب على الامام أن يسكت له حتى يقرأ ولم نعلم ~~نزاعا بين العلماء أنه لا يجب على الامام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة ~~ولا غيرها وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة فثبت أنه لاتجب عليه ~~القراءة معه في حال الجهر بل نقول لو كانت قراءة المأموم في حال الجهر ~~والاستماع مستحبة ms7029 لاستحب للامام أن يسكت لقراءة المأموم ولا يستحب للامام ~~PageV23P276 السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء وهذا مذهب أبى حنيفة ~~ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم # وحجتهم في ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يسكت ليقرأ المأمومون ~~ولا نقل هذا أحد عنه بل ثبت عنه في الصحيح سكوته بعد التكبير للاستفتاح وفي ~~السنن ( أنه كان له سكتتان سكتة في أول القراءة وسكتة بعد الفراغ من ~~القراءة وهى سكتة لطيفة للفصل لاتتسع لقراءة الفاتحة وقد روى أن هذه السكتة ~~كانت بعد الفاتحة ولم يقل أحد إنه كان له ثلاث سكتات ولا أربع سكتات فمن ~~نقل عن النبى ثلاث سكتات أو أربع فقد قال قولا لم ينقله عن أحد من المسلمين ~~والسكتة التى عقب قوله ( ولا الضالين ) من جنس السكتات التى عند رؤوس الآي ~~ومثل هذا لايسمى سكوتا ولهذا لم يقل أحد من العلماء إنه يقرأ في مثل هذا # وكان بعض من أدركنا من أصحابنا يقرأ عقب السكوت عند رؤوس الآي فاذا قال ~~الامام ( الحمد لله رب العالمين ) قال ( الحمد لله رب العالمين ) وإذا قال ~~( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وهذا لم يقله ~~أحد من العلماء PageV23P277 وقد اختلف العلماء في سكوت الامام على ثلاثة ~~أقوال فقيل لاسكوت في الصلاة بحال وهو قول مالك وقيل فيها سكتة واحدة ~~للاستفتاح كقول أبي حنيفة وقيل فيها سكتتان وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما ~~لحديث سمرة بن جندب ( أن رسول الله كان له سكتتان سكتة حين يفتتح الصلاة ~~وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع ( فذكر ذلك لعمران بن حصين ~~فقال كذب سمرة فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أبى بن كعب فقال صدق سمرة رواه ~~أحمد واللفظ له وأبو داود وبن ماجه والترمذي وقال حديث حسن # وفي رواية أبى داود ( سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من ( غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين ) وأحمد رجح الرواية الأولى واستحب السكتة الثانية لأجل الفصل ~~ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم ms7030 ولكن بعض أصحابه استحب ذلك ~~ومعلوم أن النبى لو كان يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر ~~الهمم والدواعى على نقله فلما لم ينقل هذا أحد علم أنه لم يكن # والسكتة الثانية في حديث سمرة قد نفاها عمران بن حصين وذلك أنها سكتة ~~يسيرة قد لا ينضبط مثلها وقد روي أنها بعد PageV23P278 الفاتحة ومعلوم أنه ~~لم يسكت الا سكتتين فعلم ان احداهما طويلة والأخرى بكل حال لم تكن طويلة ~~متسعة لقراءة الفاتحة # وأيضا فلو كان الصحابة كلهم يقرؤون الفاتحة خلفه اما في السكتة الأولى ~~وإما في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكيف ولم ينقل ~~هذا أحد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية خلفه يقرؤون ~~الفاتحة مع أن ذلك لو كان مشروعا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله فعلم ~~أنه بدعة # وأيضا فالمقصود بالجهر استماع المأمومين ولهذا يؤمنون على قراءة الامام ~~في الجهر دون السر فاذا كانوا مشغولين عنه بالقراءة فقد أمر أن يقرأ على ~~قوم لا يستمعون لقراءته وهو بمنزلة أن يحدث من لم يستمع لحديثه ويخطب من لم ~~يستمع لخطبته وهذا سفه تنزه عنه الشريعة ولهذا روى في الحديث ( مثل الذي ~~يتكلم والامام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا ( فهكذا اذا كان يقرأ والامام ~~يقرأ عليه PageV23P279 ### ||| فصل # واذا كان المأموم مأمورا بالإستماع والإنصات لقراءة الامام لم يشتغل عن ~~ذلك بغيرها لا بقراءة ولا ذكر ولا دعاء ففى حال جهر الامام لايستفتح ولا ~~يتعوذ وفى هذه المسألة نزاع وفيها ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد قيل ~~إنه حال الجهر يستفتح ويتعوذ ولا يقرأ لأنه بالاستماع يحصل له مقصود ~~القراءة بخلاف الاستفتاح والاستعاذة فانه لايسمعهما # وقيل يستفتح ولا يتعوذ لأن الاستفتاح تابع لتكبيرة الاحرام بخلاف التعوذ ~~فانه تابع للقراءة فمن لم يقرأ لايتعوذ # وقيل لايستفتح ولا يتعوذ حال الجهر وهذا أصح فان ذلك يشغل عن الاستماع ~~والانصات المأمور به وليس له أن يشتغل عما أمر به بشيء من الأشياء # ثم اختلف أصحاب ms7031 أحمد فمنهم من قال هذا الخلاف إنما هو في حال سكوت الامام ~~هل يشتغل بالاستفتاح أو الاستعاذة أو بأحدهما PageV23P280 او لا يشتغل الا ~~بالقراءة لكونها مختلفا في وجوبها واما في حال الجهر فلا يشتغل بغير ~~الانصات والمعروف عند أصحابه ان هذا النزاع هو في حال الجهر لما تقدم من ~~التعليل وأما في حال المخافتة فالأفضل له ان يستفتح واستفتاحه حال سكوت ~~الامام افضل من قراءته في ظاهر مذهب أحمد وأبى حنيفة وغيرهما لأن القراءة ~~يعتاض عنها بالاستماع بخلاف الاستفتاح # واما قول القائل ان قراءة المأموم مختلف في وجوبها فيقال وكذلك الاستفتاح ~~هل يجب فيه قولان مشهوران في مذهب أحمد ولم يختلف قوله انه لا يجب على ~~المأموم القراءة في حال الجهر واختار بن بطة وجوب الاستفتاح وقد ذكر ذلك ~~روايتين عن أحمد # فعلم أن من قال من اصحابه كأبى الفرج بن الجوزى ان القراءة حال المخافتة ~~افضل في مذهبه من الاستفتاح فقد غلط على مذهبه ولكن هذا يناسب قول من استحب ~~قراءة الفاتحة حال الجهر وهذا ما علمت احدا قاله من اصحابه قبل جدي أبى ~~البركات وليس هو مذهب أحمد ولا عامة اصحابه مع ان تعليل الأحكام بالخلاف ~~علة باطلة في نفس الأمر فان الخلاف ليس من الصفات التى يعلق الشارع بها ~~الأحكام في نفس الأمر فان ذلك وصف حادث بعد النبى ولكن يسلكه من لم يكن ~~عالما بالأدلة الشرعية في PageV23P281 نفس الأمر لطلب الاحتياط # وعلى هذا ففي حال المخافتة هل يستحب له مع الاستفتاح الاستعاذة اذا لم ~~يقرأ على روايتين # والصواب ان الاستعاذة لا تشرع الا لمن قرأ فان اتسع الزمان للقراءة ~~استعاذ وقرأ وإلا أنصت ### ||| فصل # وأما ( الفصل الثانى ( وهو القراءة اذا لم يسمع قراءة الامام كحال مخافتة ~~الامام وسكوته فان الأمر بالقراءة والترغيب فيها يتناول المصلى اعظم مما ~~يتناول غيره فان قراءة القرآن في الصلاة افضل منها خارج الصلاة وما ورد من ~~الفضل لقارئ القرآن يتناول المصلي اعظم مما يتناول غيره لقوله ( من قرأ ~~القرآن فله بكل ms7032 حرف عشر حسنات اما إنى لا اقول ( الم ) حرف ولكن ألف حرف ~~ولام حرف وميم حرف ( قال الترمذي حديث صحيح # وقد ثبت في خصوص الصلاة قوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ~~هريرة عن النبى قال ( من PageV23P282 صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي ~~خداج ثلاثا ( اي غير تمام فقيل لأبى هريرة انى اكون وراء الامام فقال اقرأ ~~بها في نفسك فانى سمعت رسول الله يقول ( قال الله قسمت الصلاة بينى وبين ~~عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل فاذا قال العبد ( الحمد ~~لله رب العالمين ) قال الله حمدنى عبدى فاذا قال ( الرحمن الرحيم ) قال ~~الله أثنى على عبدي فاذا قال ( مالك يوم الدين ) قال مجدني عبدي وقال مرة ~~فوض الي عبدي فاذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال هذا بينى وبين عبدي ~~ولعبدي ما سأل فاذا قال ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) قال هذا لعبدي ولعبدى ما سأل ( # ( # وروى مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين ان رسول الله صلى الظهر فجعل رجل ~~يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى فلما انصرف قال ( أيكم قرأ أو ايكم القارئ ~~قال رجل انا قال قد ظننت ان بعضكم خالجنيها ( رواه مسلم فهذا قد قرأ خلفه ~~في صلاة الظهر ولم ينهه ولا غيره عن القراءة لكن قال ( قد ظننت ان بعضكم ~~خالجنيها ( اي نازعنيها كما قال في الحديث الآخر ( إنى اقول مالي انازع ~~القرآن PageV23P283 # وفى المسند عن بن مسعود قال كانوا يقرؤون خلف النبى فقال ( خلطتم على ~~القرآن ( فهذا كراهة منه لمن نازعه وخالجه وخلط عليه القرآن وهذا لايكون ~~ممن قرأ في نفسه بحيث لايسمعه غيره وإنما يكون ممن اسمع غيره وهذا مكروه ~~لما فيه من المنازعة لغيره لا لأجل كونه قارئا خلف الامام وأما مع مخافتة ~~الامام فان هذا لم يرد حديث بالنهي عنه ولهذا قال ( ايكم القارئ ( اي ~~القارئ الذى نازعنى لم يرد بذلك القارئ في نفسه فان هذا ms7033 لاينازع ولا يعرف ~~انه خالج النبى صلى الله عليه وسلم وكراهة القراءة خلف الامام إنما هي اذا ~~امتنع من الانصات المأمور به أو اذا نازع غيره فاذا لم يكن هناك إنصات ~~مأمور به ولا منازعة فلا وجه للمنع من تلاوة القرآن في الصلاة والقارئ هنا ~~لم يعتض عن القراءة باستماع فيفوته الاستماع والقراءة جميعا مع الخلاف ~~المشهور في وجوب القراءة في مثل هذه الحال بخلاف وجوبها في حال الجهر فانه ~~شاذ حتى نقل أحمد الاجماع على خلافه # وأبو هريرة وغيره من الصحابة فهموا من قوله ( قسمت الصلاة بينى وبين عبدى ~~نصفين فاذا قال ( العبد الحمد لله رب العالمين ) أن ذلك يعم الامام ~~والمأموم # وأيضا فجميع الأذكار التى يشرع للامام أن يقولها سرا يشرع للمأموم ~~PageV23P284 أن يقولها سرا كالتسبيح في الركوع والسجود وكالتشهد والدعاء ~~ومعلوم أن القراءة أفضل من الذكر والدعاء فلأي معنى لاتشرع له القراءة في ~~السر وهو لايسمع قراءة السر ولا يؤمن على قراءة الامام في السر # وأيضا فان الله سبحانه لما قال ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون ) وقال ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ~~بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) وهذا أمر للنبى ولأمته فانه ما خوطب ~~به خوطبت به الأمة ما لم يرد نص بالتخصيص كقوله ( فسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب ) وقوله ( وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل ) ~~وقوله ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) ونحو ذلك وهذا أمر يتناول ~~الامام والمأموم والمنفرد بأن يذكر الله في نفسه بالغدو والآصال وهو يتناول ~~صلاة الفجر والظهر والعصر فيكون المأموم مأمورا بذكر ربه في نفسه لكن إذا ~~كان مستمعا كان مأمورا بالاستماع وإن لم يكن مستمعا كان مأمورا بذكر ربه في ~~نفسه والقرآن أفضل الذكر كما قال تعالى ( وهذا ذكر مبارك أنزلناه ) وقال ~~تعالى ( وقد آتيناك من لدنا ذكرا ) وقال تعالى ( ومن أعرض عن ذكري فان له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) وقال ( ما يأتيهم من ms7034 ذكر من ربهم ~~محدث ) # وأيضا فالسكوت بلا قراءة ولا ذكر ولا دعاء ليس عبادة PageV23P285 ولا ~~مأمورا به بل يفتح باب الوسوسة فالاشتغال بذكر الله أفضل من السكوت وقراءة ~~القرآن من أفضل الخير وإذا كان كذلك فالذكر بالقرآن أفضل من غيره كما ثبت ~~في الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أفضل الكلام بعد ~~القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر ( رواه مسلم في صحيحه وعن عبد الله بن أبى أوفى قال ( جاء رجل إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم فقال إنى لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمنى ~~ما يجزئنى منه فقال ( قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ( فقال يا رسول الله هذا لله فمالى قال قل ~~( اللهم ارحمنى وارزقنى وعافنى واهدنى ( فلما قام قال هكذا بيديه فقال رسول ~~الله ( ( أما هذا فقد ملأ يديه من الخير ( رواه أحمد وأبو داود والنسائى # والذين أوجبوا القراءة في الجهر احتجوا بالحديث الذى في السنن عن عبادة ~~أن النبى ( ( قال ( إذا كنتم ورائى فلا تقرؤوا الا بفاتحة الكتاب فانه لا ~~صلاة لمن لم يقرأ بها ( وهذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة ضعفه ~~أحمد وغيره من الأئمة وقد بسط الكلام على ضعفه في غير هذا الموضع وبين أن ~~الحديث الصحيح قول النبى ( ( لا صلاة الا PageV23P286 بأم القرآن ( فهذا هو ~~الذى أخرجاه في الصحيحين ورواه الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة وأما ~~هذا الحديث فغلط فيه بعض الشاميين وأصله أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس فقال ~~هذا فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة # وأيضا فقد تكلم العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة وبسطوا القول فيها ~~وفى غيرها من المسائل وتارة أفردوا القول فيها في مصنفات مفردة وانتصر ~~طائفة للاثبات في مصنفات مفردة كالبخارى وغيره وطائفة للنفى كأبى مطيع ~~البلخى وكرام وغيرهما # ومن تأمل مصنفات الطوائف تبين له القول الوسط ms7035 فان عامة المصنفات المفردة ~~تتضمن صور كل من القولين المتباينين قول من ينهى عن القراءة خلف الإمام حتى ~~في صلاة السر وقول من يأمر بالقراءة خلفه مع سماع جهر الامام والبخارى ممن ~~بالغ في الانتصار للاثبات بالقراءة حتى مع جهر الامام بل يوجب ذلك كما ~~يقوله الشافعى في الجديد وبن حزم ومع هذا فحججه ومصنفه انما تتضمن تضعيف ~~قول أبى حنيفة في هذه المسألة وتوابعها مثل كونه PageV23P287 ### || 1 ( مسألة فى القراءة خلف الإمام ) 1 # ! 8 < وقال أيضا رحمه الله # في القراءة خلف الإمام بعد كلام والنبى ( ( قال ( لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بفاتحة الكتاب ( وهذا أخرجه أصحاب الصحيح كالبخارى ومسلم في صحيحيهما وعليه ~~اعتمد البخارى في مصنفه فقال ( باب وجوب القراءة في كل ركعة ( وروى هذا ~~الحديث من طرق مثل رواية بن عيينة وصالح بن كيسان ويوسف بن زيد قال البخارى ~~وقال معمر عن الزهري ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا ( وعامة ~~الثقاة لم يتابع معمرا في قوله ( فصاعدا ( مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب ~~وقوله ( فصاعدا ( غير معروف ما أراد به حرفان أو أكثر من ذلك الا أن يكون ~~كقوله ( لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا ( فقد تقطع اليد في ربع ~~دينار وفى أكثر من دينار قال البخارى ويقال إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع ~~معمرا وأن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره ~~ولا يعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا # قلت معنى هذا حديث صحيح كما رواه أهل السنن وقد PageV23P288 رواه البخارى ~~في هذا المصنف حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد ثنا أبو عثمان النهدى عن أبى ~~هريرة ( أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أمره فنادى ان لا صلاة الا بفاتحة ~~الكتاب وما زاد ( وقال أيضا حدثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن بن جريج عن ~~عطاء عن أبى هريرة قال ( تجزئ بفاتحة الكتاب فان زاد فهو خير ( وذكر الحديث ~~الآخر عن أبى سعيد في السنن قال ms7036 البخارى حدثنا أبو الوليد حدثنا همام عن ~~قتادة عن أبى نضرة قال ( أمرنا نبينا ( صلى الله عليه وسلم ( أن نقرأ ~~بفاتحة الكتاب وما تيسر ( # قلت وهذا يدل على أنه ليس المراد به قراءة المأموم حال سماعه لجهر الامام ~~فان أحدا لا يقول ان زيادته على الفاتحة وترك انصاته لقراءة الامام في هذه ~~الحال خير ولا أن المأموم مأمور حال الجهر بقراءة زائدة على الفاتحة وكذلك ~~عللها البخارى في حديث عبادة فانها تدل على أن المأموم المستمع لم يدخل في ~~الحديث ولكن هب أنها ليست في حديث عبادة فهي في حديث أبى هريرة # وأيضا فالكتاب والسنة يأمر بانصات المأموم لقراءة الامام ومن العلماء من ~~أبطل صلاته اذا لم ينصت بل قرأ معه # وحينئذ يقال تعارض عموم قوله ( لا صلاة الا بأم القرآن PageV23P289 وعموم ~~الأمر بالانصات فهؤلاء يقولون ينصت الا في حال قراءة الفاتحة وأولئك يقولون ~~قوله ( لا صلاة الا بأم القرآن ( يستثنى منه المأمور بالانصات ان سلموا ~~شمول اللفظ له فانهم يقولون ليس في الحديث دلالة على وجوب القراءة على ~~المأموم فانه انما قال ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ( وقد ثبت بالكتاب ~~والسنة وبالاجماع أن انصات المأموم لقراءة امامه يتضمن معنى القراءة معه ~~وزيادة فان استماعه فيما زاد على الفاتحة أولى به بالقراءة باتفاقهم فلو لم ~~يكن المأموم المستمع لقراءة امامه أفضل من القارئ لكان قراءته أفضل له ~~ولأنه قد ثبت الأمر بالانصات لقراءة القرآن ولا يمكنه الجمع بين الانصات ~~والقراءة ولولا أن الانصات يحصل به مقصود القراءة وزيادة لم يأمر الله بترك ~~الأفضل لأجل المفضول # وأيضا فهذا عموم قد خص منه المسبوق بحديث أبى بكرة وغيره وخص منه الصلاة ~~بامامين فان النبى ( ( لما صلى بالناس وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة قرأ من ~~حيث انتهى أبو بكر ولم يستأنف قراءة الفاتحة لأنه بنى على صلاة أبى بكر ~~فاذا سقطت عنه الفاتحة في هذا الموضع فعن المأموم أولى # وخص منه حال العذر وحال استماع الامام حال عذر فهو مخصوص ms7037 وأمر المأموم ~~بالانصات لقراءة الامام لم يخص معه شيء لا بنص PageV23P290 خاص ولا اجماع ~~واذا تعارض عمومان أحدهما محفوظ والآخر مخصوص وجب تقديم المحفوظ # وأيضا فان الأمر بالانصات داخل في معنى اتباع المأموم وهو دليل على أن ~~المنصت يحصل له بانصاته واستماعه ما هو أولى به من قراءته وهذا متفق عليه ~~بين المسلمين في الخطبة وفى القراءة في الصلاة في غير محل النزاع فالمعنى ~~الموجب للانصات يتناول الانصات عن الفاتحة وغيرها # وأما وجوب قراءتها في كل صلاة فاذا أنصت إلى الإمام الذى يقرأها كان خيرا ~~مما يقرأ لنفسه وهو لو نذر أن يصلى في المسجد الأقصى لكان صلاته في المسجد ~~الحرام ومسجد النبى ( ( تجزئه بل هو أفضل له كما دلت على ذلك السنة وهو لم ~~يوجب على نفسه الا الصلاة في البيت المقدس لكن هذا أفضل منه فاذا كان هذا ~~في ايجابه على نفسه جعل الشارع الأفضل يقوم مقام المنذور والغاء تعيينه هو ~~بالنذر فكيف يوجب الشارع شيئا ولا يجعل أفضل منه يقوم مقامه والشارع حكيم ~~لا يعين شيئا قط وغيره أولى بالفعل منه بخلاف الانسان فانه قد يخص بنذره ~~ووقفه ووصيته ما غيره أولى منه وقد أمر النبى ( ( المصلى اذا سهى بسجود ~~السهو في غير حديث PageV23P291 ثم المأموم اذا سهى يتحمل امامه عنه سهوه ~~لأجل متابعته له مع امكانه أن يسجد بعد سلامه وانصاته لقراءته أدخل في ~~المتابعة فان الامام انما يجهر لمن يستمع قراءته فاذا اشتغل أحد من المصلين ~~بالقراءة لنفسه كان كالمخاطب لمن لا يستمع إليه كالخطيب الذى يخطب الناس ~~وكلهم يتحدثون ومن فعل هذا فهو كما جاء في الحديث ( كحمار يحمل أسفارا ( ~~فانه لم يفقه معنى المتابعة كالذى يرفع راسه قبل الامام فانه كالحمار ولهذا ~~قال النبى ( ( اما يخشى الذى يرفع رأسه قبل الامام أن يحول رأسه رأس حمار ( ~~فانه متبع للامام فكيف يسابقه ولهذا ضرب عمر من فعل ذلك وقال لا وحدك صليت ~~ولا بامامك اقتديت وأمر اذا رفع رأسه سهوا أن يعود فيتخلف بقدر ms7038 ما سبق به ~~الامام وقد نص أحمد وغيره على ذلك وذكر هو وغيره الآثار في ذلك عن الصحابة # فقول النبى ( ( من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ( وفى ~~تمامه فقلت يا أبا هريرة انى أكون أحيانا وراء الامام قال اقرأ بها في نفسك ~~يا فارسى فانى سمعت النبى ( صلى الله عليه وسلم ( يقول ( قال الله قسمت ~~الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ( الحديث إلى آخره وهو حديث صحيح رواه مسلم في ~~صحيحه PageV23P292 والبخارى احتج به في هذا المصنف وان كان لم يخرجه في ~~صحيحه على عادته في مثل ذلك واسناده المشهور الذى رواه مسلم حديث العلاء عن ~~بن السائب عن أبى هريرة وبعضهم يقول عن أبيه عن أبى هريرة ورواه من حديث ~~عائذ وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده # قال البخارى ثنا محمد بن عبد الله الرقاشى ثنا يزيد بن زريع ثنا محمد بن ~~إسحاق ثنا يحيى بن عباد عن أبيه عن عائشة سمعت رسول الله ( ( يقول ( كل ~~صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ( قال البخارى وزاد يزيد بن هارون ~~بفاتحة الكتاب قال وحدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبان ثنا عامر الأحول عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ( ( قال ( كل صلاة لا يقرأ فيها بأم ~~القرآن فهي مخدجة ( # وقال حدثنا هلال بن بشر ثنا يوسف بن يعقوب السلعى ثنا حسن المعلم عن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ( ( كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة ~~الكتاب فهي خداج فهي خداج PageV23P293 # وقال البخارى ثنا موسى ثنا داود بن أبى الفرات عن إبراهيم الصائغ عن عطاء ~~عن أبى هريرة في كل صلاة قراءة ولو بفاتحة الكتاب فما أعلن لنا النبى ( ( ~~فنحن نعلنه وما اسر فنحن نسره وروي من طريقين عن أبى الزاهرية ثنا كثير بن ~~مرة سمع أبا الدرداء يقول ( سئل رسول الله ( ( أفى كل صلاة قراءة قال نعم ~~فقال رجل من الأنصار وجبت هذه ( وهذه الأحاديث بمنزلة قوله ms7039 ( لا صلاة لمن ~~لم يقرأ بفاتحة الكتاب ( فان المستمع المنصت قارئ بل أفضل من القارئ لنفسه ~~ويدل على ذلك ( لا صلاة الا بفاتحة الكتاب وما زاد ( وقوله ( أمرنا أن نقرأ ~~بها وما تيسر ( فان المستمع المنصت ليس مأمورا بقراءة الزيادة # وأيضا فقول أبى هريرة ما اسمعنا أسمعناكم وما أخفى علينا أخفينا عليكم ~~دليل على أن المراد به الامام والا فالمأموم لا يسمع أحدا قراءته # وأما قوله ( أفى كل صلاة قراءة ( وقوله ( لا صلاة الا بأم القرآن ( فصلاة ~~المأموم المستمع لقراءة الإمام فيها قراءة بل الأكثرون يقولون الامام ضامن ~~لصلاته فصلاته في ضمن صلاة الامام ففيها القراءة وجمهورهم يقولون اذا كان ~~الامام أميا لم يقتد به القارئ فلو كانت قراءة الامام لا تغنى عن ~~PageV23P294 المأموم شيئا بل كل يقرأ لنفسه لم يكن فرق بين عجزه عن القراءة ~~وعجزه عن غير ذلك من الواجبات ولأن الامام مأمور باستماع ما زاد على ~~الفاتحة وليست قراءة واجبة فكيف لا يؤمر بالاستماع لقراءة الامام الفاتحة ~~وهى الفرض وكيف يؤمر باستماع التطوع دون استماع الفرض واذا كان الاستماع ~~للقراءة الزائدة على الفاتحة واجبا بالكتاب والسنة والاجماع فالاستماع ~~لقراءة الفاتحة أوجب # ثم قال البخارى وقيل له احتجاجك بقول الله ( واذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا ( أرأيت اذا لم يجهر الامام ايقرأ خلفه فان قال لا تبطل دعواه لأن ~~الله قال ( فاستمعوا له وأنصتوا ( وانما يستمع لما يجهر مع أنا نستعمل قول ~~الله تعالى ( فاستمعوا له ( نقول يقرأ خلف الامام عند السكتات قال سمرة كان ~~للنبى ( صلى الله عليه وسلم ( سكتات سكتة حين يكبر وسكتة حين يفرغ من ~~قراءته وقال بن خثيم قلت لسعيد بن جبير أقرأ خلف الامام قال نعم وان سمعت ~~قراءته فانهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه ان السلف كان اذا أم أحدهم ~~الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب ثم قرأ وأنصت وقال ~~أبو هريرة كان رسول الله ( ( اذا أراد أن يقرأ سكت سكتة قال PageV23P295 ~~وكان أبو سلمة ms7040 بن عبد الرحمن وميمون بن مهران وغيرهم وسعيد بن جبير يرون ~~القراءة عند سكوت الامام ليكون مقتديا بقول النبى ( ( لا صلاة الا بفاتحة ~~الكتاب ( فتكون قراءته في السكتة فاذا قرأ الامام أنصت حتى يكون متبعا لقول ~~الله تعالى ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ( وقوله ( ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا ( # واذا ترك الامام شيئا من حق الصلاة فحق على من خلفه أن يتموا قال علقمة ~~إن لم يتم الامام أتممنا وقال الحسن وسعيد بن جبير وحميد بن هلال أقرأ ~~بالحمد يوم الجمعة قال وقال آخرون من هؤلاء يجزئه أن يقرأ بالفارسية ويجزئه ~~أن يقرأ بآية ينقض آخرهم على أولهم بغير كتاب ولا سنة # وقيل له من أباح لك الثناء والامام يقرأ بخبر أو قياس وحظر على غيرك ~~الفرض وهى القراءة ولا خبر عندك ولا اتفاق لأن عدة من أهل المدينة لم يروا ~~الثناء للإمام ولا لغيره يكبرون ثم يقرؤون فتحير عندهم في ريبهم يترددون مع ~~أن هذا صنعه في أشياء من الفرض فجعل الواجب أهون من التطوع PageV23P296 ~~زعمت أنه اذا لم يقرأ في الركعتين من الظهر أو العصر أو العشاء يجزئه واذا ~~لم يقرأ في ركعة من أربع من التطوع لم يجزئه # قلت واذا لم يقرأ في ركعة من المغرب أجزأه واذا لم يقرأ في ركعة من الوتر ~~لم يجزه فكأنه يريد أن يجمع بين ما فرق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( ~~أو يفرق بين ما جمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( # قلت أما سكتة النبى ( ( حين يكبر فقد بين أبو هريرة في حديثه المتفق على ~~صحته أنه كان يذكر فيها دعاء الاستفتاح لم يكن سكوتا محضا لأجل قراءة ~~المأمومين وثبت في الصحيح أن عمر كان يكبر ويجهر بدعاء الاستفتاح يعلمه ~~الناس وأما احتجاجه على من استفتح حال الجهر فهذا فيه نزاع معروف هل يستفتح ~~في حال الجهر ويتعوذ أو يستفتح ولا يتعوذ ms7041 الا إذا قرأ أولا يستفتح حال ~~الجهر ولا يتعوذ فيه فيه ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد # لكن الأظهر ما احتج به البخارى فان الأمر بالانصات يقتضى الانصات عن كل ~~ما يمنعه من استماع القراءة من ثناء وقراءة ودعاء كما ينصت للخطبة بل ~~الانصات للقراءة أوكد ولكن اذا سكت PageV23P297 الامام السكتة الأولى ~~للثناء فهنا عند أحمد وأبى حنيفة وغيرهما استفتاح المأموم أولى من قراءة ~~الفاتحة في هذه السكتة لأن مقصود القراءة تحصل له باستماعه لقراءة الامام ~~وأما مقصود الاستفتاح فلا يحصل له الا باستفتاحه لنفسه ولأن النبى ( ( كان ~~يسكت مستفتحا وعمر كان يجهر بالاستفتاح ليعلمه المأمومين فعلم أنه مشروع ~~للمأموم ولو اشتغل عنه بالقراءة لفاته الاستفتاح والنبى ( ( لم يكن يسكت ~~ليقرأ المأمومون في حال سكوته وهذا مذهب جمهور العلماء لا يستحبون للامام ~~سكوتا لقراءة المأموم وهو مذهب أحمد وأبى حنيفة ومالك وغيرهم # ومن أصحاب أحمد من استحب له السكوت لقراءة المأموم ومنهم من استحب له في ~~حال سكوت الامام أن يقرأ ولا يستفتح وهو اختيار أبى بكر الدينورى وأبى ~~الفرج بن الجوزى # ومنهم من استحب له القراءة بالفاتحة في حال جهر الامام كما اختاره جدى ~~أبو البركات وهو مذهب الليث والأوزاعى وغيرهما # ثم من هؤلاء من يستحب له أن يستفتح في حال سكوته ويقرأ ليجمع بينهما ~~ومنهم من يستحب له القراءة دون السكوت # كما أن الذين يكرهون قراءته حال الجهر منهم من يستحب له PageV23P298 ~~الاستفتاح حال الجهر ومنهم من يكرهه وهو روايتان عن أحمد ومذهب أحمد وأبى ~~حنيفة وغيرهما أنه في حال سكوته للاستفتاح يستفتح وهو الأظهر # وما ذكره البخارى من أن عدة من أهل المدينة لم يروا الاستفتاح كمذهب مالك ~~هو حجة للجمهور لأنهم يقولون الامام هنا لا سكوت له وحينئذ فان قرأنا معه ~~خالفنا الكتاب والسنة لكن ما ذكره البخارى حجة على من يستفتح حينئذ فيشتغل ~~بالاستفتاح عن استماع القراءة # وهؤلاء نظروا إلى أن الامام يحمل القراءة عن المأموم ولا يحمل عنه ~~الاستفتاح لكن هذا انما يدل ms7042 على عدم وجوب القراءة والمأموم مأمور بالاستماع ~~والانصات فلا يشتغل عن ذلك بثناء كما لا يشتغل عنه بقراءة والقراءة أفضل من ~~الثناء فان كان الامام يسكت للثناء وأدركه المأموم أثنى معه وان كان لا ~~يسكت أو أدرك المأموم وهو يقرأ فهو مأمور بالانصات والاستماع فلا يعدل عما ~~أمر به # فان قيل في وجوب الثناء قولان في مذهب أحمد قيل في وجوب القراءة على ~~المأموم قولان في مذهب أحمد واذا نهى عن القراءة لاستماع قراءة الامام فلأن ~~ينهى عن الثناء أولى لقوله PageV23P299 ( فاستمعوا له وأنصتوا ( والا ~~تناقضوا كما ذكره البخارى # وأما قول أبى هريرة اقرأ بها في نفسك يا فارسى فانى سمعت رسول الله ( ( ~~يقول ( قال الله قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ( إلى آخره فقد يقال ان ~~أبا هريرة انما أمره بالقراءة لما في ذلك من الفضيلة المذكورة في حديث ~~القسمة لا لقوله ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ( فانه لو ~~كان صلاة المأموم خداجا اذا لم يقرأ لأمره بذلك لأجل ذلك الحديث ولم يعلل ~~الأمر بحديث القسمة اللهم الا أن يقال ذكره توكيدا أو لأنه لما قسم القراءة ~~قسم الصلاة فدل على أنه لابد منها في الصلاة اذ لو خلت عنها لم تكن القسمة ~~موجودة وعلى هذا يبقى الحديثان مدلولهما واحد # وقوله اقرأ بها في نفسك مجمل فان أراد ما أراد غيره من القراءة في حال ~~المخافتة أو سكوت الامام لم يكن ذلك مخالفا لقول أولئك يؤيد هذا أن أبا ~~هريرة ممن روى قوله ( واذا قرأ فأنصتوا ( وروى قوله ( لا صلاة الا بفاتحة ~~الكتاب وما زاد ( وقال ( تجزئ فاتحة الكتاب واذا زاد فهو خير ( ومعلوم أن ~~هذا لم يتناول المأموم المستمع لقراءة الامام فان هذا لا تكون الزيادة على ~~الفاتحة خيرا له بل الاستماع والانصات خيرا له فلا يجزم حينئذ بأنه أمره ~~PageV23P300 أن يقرأ حال استماعه لقراءة الامام بلفظ مجمل # قال البخارى وروى بن صالح عن الاصفهانى عن المختار عن عبد الله بن أبى ~~ليلى ms7043 عن أبيه عن على ( من قرأ خلف الامام فقد أخطأ الفطرة ( قال وهذا لم ~~يصح لأنه لا يعرف المختار ولا يدرى أنه سمع من ابنه ولا أبيه من على ولا ~~يحتج أهل الحديث بمثله وحديث الزهري عن عبد الله بن أبى رافع عن على أولى ~~وأصح # قلت حديث الزهري بين في أنه أمره بالقراءة في صلاة المخافتة لا في صلاة ~~الجهر وعلى هذا فيكون ان كان قد قال هذا قاله في صلاة الجهر اذا سمع الامام ~~فلا منافاة بين القولين كما تقدم مثل ذلك عن بن مسعود وبن عمر وغيرهما # قال البخارى وروى داود بن قيس عن أبى نجاد رجل من ولد سعد عن سعد ( وددت ~~أن الذى يقرأ خلف الإمام في فيه جمر ( قال وهذا مرسل وبن نجاد لم يعرف ولا ~~سمى ولا يجوز لأحد أن يقول في في القارئ خلف الامام جمرة لأن الجمرة من ~~عذاب الله وقال النبى ( ( ( لا تعذبوا بعذاب الله ( ولا ينبغى لأحد أن ~~يتوهم ذلك على سعد مع ارساله وضعفه قال PageV23P301 وروى بن حبان عن سلمة ~~بن كهيل عن إبراهيم قال قال عبد الله ( وددت أن الذى يقرأ خلف الامام ملئ ~~فوه تبنا ( قال وهذا مرسل لا يحتج به وخالفه بن عون عن إبراهيم عن الأسود ~~وقال رضفا وليس هذا من كلام أهل العلم لوجوه # أما ( أحدها ( قال النبى ( ( لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بالنار ولا ~~تعذبوا بعذاب الله ( والوجه الآخر ( أنه لا ينبغى لأحد أن يتمنى أن يملأ ~~أفواه أصحاب النبى ( ( عمر بن الخطاب وأبى بن كعب وحذيفة ومن ذكرنا رضفا ~~ولا تبنا ولا ترابا # ( والوجه الثالث ( اذا ثبت الخبر عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( وعن ~~أصحابه فليس في ( قول ( الأسود ونحوه حجة قال بن عباس ومجاهد ليس أحد بعد ~~النبى ( ( الا ويؤخذ من قوله ويترك وقال حماد بن سلمة ( وددت أن الذى يقرأ ~~خلف الامام ملئ فوه سكرا ( # قال البخارى وروى عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد بن ms7044 ثابت قال ( من ~~قرأ خلف الامام فلا صلاة له ( ولا يعرف لهذا PageV23P302 الاسناد سماع ~~بعضهم من بعض ولا يصح مثله قال وكان سعيد بن المسيب وعروة والشعبى ~~وعبيدالله بن عبد الله ونافع بن جبير وأبو المليح والقاسم بن محمد وابو ~~مجلز ومكحول ومالك وبن عون وسعيد بن أبى عروبة يرون القراءة وكان أنس وعبد ~~الله بن يزيد الأنصارى يستحبان ( القراءة ( خلف الامام # قلت قد روى مسلم في صحيحه عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت الأنصارى ~~عن القراءة مع الامام فقال لا قراءة مع الامام في شيء وهذا يتناول القراءة ~~معه في الجهر كما قال الزهري فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ( فيما يجهر فيه # وأما في صلاة المخافتة فلا يقال قرأ معه كما لا يقال أن أحد المأمومين ~~يقرأ مع الآخر وكما لا يقال أنه استفتح معه وتشهد معه وسبح معه في الركوع ~~والسجود # وكذلك بن مسعود قد تقدمت الرواية عنه بأنه كان يأمر بانصات المأموم ~~لقراءة الامام وكان يقرأ خلف الامام وعلى هذا فقوله ان كان قاله أو قول ~~أصحابه الذين نقلوا عنه كالأسود PageV23P303 ( وددت أن الذى يقرأ خلف ~~الإمام ملئ فوه رضفا أو تبنا أو ترابا ( يتناول من قرأ وهو يسمع الامام ~~يقرأ فترك ما أمر به من الانصات والاستماع وهذا هو الذى يتناوله قول سعد ان ~~كان قاله ( وددت أن في فيه جمرا ( لا سيما اذا نازع الامام القراءة بأن ~~يكون الامام أو من يسمع قراءة الامام يسمع حسه فيكون ممن قال النبى ( ( فيه ~~( مالى أنازع القرآن ( وقال فيه ( علمت أن بعضكم خالجنيها ( وكذلك لو قرأ ~~في السر ورفع صوته بحيث يخالج الامام وينازعه أو يخالج وينازع غيره من ~~المأمومين لكان مسيئا في ذلك # وقول حماد بن سلمة وغيره ( وددت أنه ملئ فوه سكرا ( اذا قرأ حيث يستحب له ~~القراءة لقراءته خلف الامام في صلاة السر وكذلك ما نقل عن زيد بن ثابت أنه ~~قال ( من قرأ خلف الامام ms7045 فلا صلاة له ( يتناول من ترك ما أمر به وفعل ما ~~نهى عنه فقرأ وهو يسمع قراءة الامام وفى بطلان صلاة هذا وجهان في مذهب أحمد ~~ومن قال هذا من السلف من صحابى أو تابعى فقد يريد به معنى صحيحا كما في قول ~~النبى ( ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخلص إلى جلده فتحرق ثيابه خير له من ~~أن يجلس على قبر ( وتعذيب الانسان بعذاب في الدنيا أيسر عليه من ركوب ~~PageV23P304 ما نهى الله عنه # فمن اعتقد أن قراءته حال استماع امامه معصية لله ورسوله ترك بها ما أمره ~~الله وفعل ما نهى الله عنه جاز أن يقول لأن يحصل بفيه شيء يؤذيه فيمنعه عن ~~المعصية خير له من أن يفعل ما نهى عنه كما قد يقال لمن تكلم بكلمة محرمة لو ~~كنت أخرس لكان خيرا لك ولا يراد بذلك أنا نحن نعذبه بذلك لكن يراد لو ~~ابتلاه الله بهذا لكان خيرا له من أن يقع في الذنب # وقد قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( للمتلاعنين ( عذاب الدنيا أهون من ~~عذاب الآخرة ( والواحد من السلف قد يذكر ما في الفعل من الوعيد وان فعله ~~غيره متأولا لقول عائشة ( اخبرى زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ( ( ~~الا أن يتوب ( وليس في هذا تلاعن بلعنة الله ولا بالنار ولا تعذيب بعذاب ~~الله بل فيه تمنى أن يبتلى بما يمنعه عن المعصية وان كان فيه أذى له ~~والعالم قد يذكر الوعيد فيما يراه ذنبا مع علمه بأن المتأول مغفور له لا ~~يناله الوعيد لكن يذكر ذلك ليبين أن هذا الفعل مقتضى لهذه العقوبة عنده ~~فكيف وهو لم يذكر الا ما يمنعه عما يراه ذنبا PageV23P305 وكذلك قول من قال ~~( وددت أنه ملئ فوه سكرا ( يتناول من فعل ما أمر الله به من القراءة ومع ~~هذا فمن فعل القراءة المنهى عنها معتقدا أنه مأمور به أو ترك المأمور به ~~معتقدا أنه منهى عنه كان مثابا على اجتهاده وخطؤه مغفور له وان كان العالم ~~يقول ms7046 في الفعل الذى يرى أنه واجب أو محرم ما يناسب الوجوب والتحريم وليس في ~~ذلك تمنى أن يملأ أفواه أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( ولا أحدا ~~من المؤمنين رضفا ولا تبنا لأن أولئك عامة ما نقل عنهم من القراءة خلف ~~الامام في السر وذم الذامين لمن يقرأ في الجهر فلم يتوارد الذم والفعل وان ~~قدر أنهما تواردا من السلف فهو كتواردهما من الخلف # وحينئذ فهذا يتكلم باجتهاده وهذا باجتهاده وليس ذلك بأعظم من قول بعض ~~أكابر الصحابة لبعض أكابرهم قدام النبى ( ( إنك منافق تجادل عن المنافقين ~~وقول القائل دعنى أضرب عنق هذا المنافق وليس ذلك بأعظم مما وقع بينهم من ~~التأويل في القتال في الفتن والدعاء في القنوت باللعن وغيره مع ما ثبت عن ~~النبى ( ( من قوله ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ( وقوله ( ~~اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ( فاذا كان هذا ~~الوعيد يندفع عنهم بالتأويل PageV23P306 في الدماء فلأن يندفع بالتأويل ~~فيما دون ذلك أولى وأحرى # وقد ثبت عن على أنه حرق بالنار المرتدين وكذلك الصديق روى عنه أنه حرق ~~فاذا جاز هذا على الخلاف مع ثبوت النص بخلافه لأجل التأويل لم يمتنع أن ~~يغلط بعضهم فيما يراه ذنبا ومعصية بمثل هذا الكلام # ومعلوم أن النهى عن القراءة خلف الامام في الجهر متواتر عن الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم كما أن القراءة خلف الامام في السر متواترة عن الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم بل ونفى وجوب القراءة على المأموم مطلقا مما هو معروف ~~عنهم # وقد روى البخارى في هذا الكتاب حدثنا عبد الله بن منير سمع يزيد بن هارون ~~ثنا زياد وهو الجصاص ثنا الحسن حدثنى عمران بن حصين قال ( لا تزكو صلاة ~~مسلم الا بطهور وركوع وسجود وراء الامام وان كان وحده بفاتحة وآيتين أو ~~ثلاث فلم يوجب الفاتحة عليه اذا كان اماما كما أوجب عليه الطهارة والركوع ~~والسجود بل أوجبها مع الانفراد PageV23P307 # ثم روى البخارى قوله ( لا تقرأوا خلفي الا بأم القرآن ( وذكر ms7047 طرقه وما ~~فيه من الاختلاف فقال حدثنا شجاع بن الوليد ثنا النضر ثنا عكرمة ثنا عمرو ~~بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال PageV23P308 ### || 1 ( مسألة القراءة خلف الامام ) 1 # ( # ! 8 < وقال شيخ الإسلام ( فصل ( # الناس في القراءة خلف الامام متنازعون في الوجوب والاستحباب فقيل تكره ~~مطلقا كما هو قول أبى حنيفة وغيره # وقيل بل تجب بالفاتحة مطلقا كما هو قول الشافعى في الجديد وغيره وهو قول ~~بن حزم وزاد لا تشرع بغير ذلك بحال # وقيل بل تجب بها في صلاة السر فقط كقوله القديم والامام أحمد ذكر اجماع ~~الناس على أنها لا تجب في صلاة الجهر # والجمهور على أنها لا تجب ولا تكره مطلقا بل تستحب القراءة في صلاة السر ~~وفى سكتات الامام بالفاتحة وغيرها كما هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما واما اذا ~~لم يكن للامام سكتات فقرأ فيها فهل تكره القراءة أم تستحب بالفاتحة فيه ~~قولان فمذهب أحمد وجمهور أصحابه أنها تكره بالفاتحة وغيرها واختار طائفة ~~أنها تستحب PageV23P309 حينئذ بالفاتحة وهو اختيار جدى وهو قول الليث ~~والأوزاعى وحجة هذا القول شيئان # ( أحدهما ( أن في قراءتها خروجا من الاختلاف في وجوبها فانه اذا لم يقرأ ~~ففى صحة صلاته خلاف بخلاف ما اذا قرأ فانما يفوته الاستماع حين قراءتها فقط # ( الثانى ( الحديث الذى في السنن حديث عبادة ( اذا كنتم ورائى أو وراء ~~الامام فلا تقرأوا الا بأم الكتاب فانه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ( وهو حجة ~~الموجبين وهؤلاء يقولون النهى انما هو حال استماع قراءة الامام فقط فاما في ~~غير ذلك فالقراءة مشروعة فعلم أنه يستثنى الفاتحة حال النهى عن غيرها وهذا ~~يفيد قراءتها حال استماع الجهر ثم هنا ثلاثة أقوال # قيل انها واجبة وأنه لا يقرأ بغيرها بحال كما قاله بن حزم # وقيل بل هي واجبة والنهى عن القراءة بغيرها حال الجهر فلا يفيد النهى ~~مطلقا # وقيل بل يفيد استثناء قراءتها من النهى والاستثناء من النهى PageV23P310 ~~لا يفيد الوجوب وقوله ( فانه لا صلاة لمن لم ms7048 يقرأ بها ( تعليل بوجوب ~~قراءتها في الصلاة فان كونها ركنا اقتضى أن تستثنى في هذه الحال للمأموم ~~وان لم تكن مفروضة عليه كفرائض الكفايات اذا قام بها طائفة سقط بها الفرض ~~ثم قام بها آخرون فانه يقال هي فرض على الكفاية وان كان لهم اسقاطها بفعل ~~الغير # ولهذا يقال الجنازة تفعل في أوقات النهى لأنها فرض وان فعلت مرة ثانية في ~~أصح الوجهين لأنها تفعل فرضا في حق هؤلاء وان كان لهم اسقاطها بفعل الغير # وقراءة الفاتحة هي ركن وللمأموم أن يجتزئ بقراءة امامه وله أن يسقطها ~~بنفسه # ( # وهذا كما في صدقة الفطر التى يتحملها الانسان عن غيره كصدقة الزوجة فانها ~~هل تجب على الزوج ابتداء أو تحملا على وجهين أصحهما أنها تحمل فلو أخرجتها ~~الزوجة لجاز فتكون الزوجة مخيرة بين أن تخرجها وبين أن تلزم الزوج باخراجها ~~فلو أخرجها الزوج ثم أخرجتها هي ولم تعتد بذلك الاخراج لكان لكن الامام ~~لابد له من قراءة وهو يتحمل القراءة عن المأموم فالقراءة الواحدة تجزي عن ~~امامه وعنه وان قرأ هو عن نفسه فحسن كسائر فروض الكفايات لكن هذا فرض عين ~~على الأئمة PageV23P311 وأما الذين كرهوا القراءة في حال استماع قراءة ~~الامام مطلقا وهم الجمهور فحجتهم قوله تعالى ( واذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا لعلكم ترحمون ( فأمر بالانصات مطلقا ومن قرأ وهو يستمع فلم ينصت # ( # ومن أجاب عن هذا بأن الآية مخصوصة بغير حال قراءة الفاتحة فجوابه من وجوه # ( أحدها ( ما ذكره الامام أحمد من اجماع الناس على أنها نزلت في الصلاة ~~وفى الخطبة وكذلك قوله ( واذا قرأ فانصتوا ( # وأيضا فالمستمع للفاتحة هو كالقارئ ولهذا يؤمن على دعائها وقال ( اذا أمن ~~القارئ فأمنوا فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ( ~~وأما الانصات المأمور به حال قراءة الامام فهو من باب المتابعة للامام فهو ~~فاعل للاتباع المأمور به أى بمقصود القراءة واذا قرأ الفاتحة ترك المتابعة ~~المأمور بها بالانصات وترك الانصات المأمور به في القرآن ولم يعتض عن هذين ms7049 ~~الأمرين الا بقراءة الفاتحة التى حصل المقصود منها باستماعه قراءة الامام ~~وتأمينه عليها وكان قد ترك الانصات المأمور به إلى غير بدل ففاته هذا ~~الواجب ولم يعتض عنه الا ما حصل مقصوده بدونه ومعلوم أنه اذا دار ~~PageV23P312 الأمر بين تفويت أحد أمرين على وجه يتضمن تحصيل أحدهما كان ~~تحصيل ما يفوت إلى غير بدل أولى من تحصيل ما يقوم بدله مقامه # وأيضا فلو لم يكن المستمع كالقارئ لكان المستحب حال جهره بغير الفاتحة أن ~~يقرأ المأموم فلما اتفق المسلمون على أن المشروع للمأموم حال سماع القراءة ~~المستحبة أن يستمع ولا يقرأ علم أنه يحصل له مقصود القراءة بالاستماع والا ~~كان المشروع في حقه التلاوة بل أوجبوا عليه الانصات حال القراءة المستحبة ~~فالانصات حال القراءة الواجبة أولى وأما الحديث فقد طعن فيه الامام أحمد ~~وغيره ولفظ الحديث الذى في الصحيحين ليس فيه الا قول مطلق # وأيضا فان صح حمل على الامام الذى له سكتات يقرر ذلك أن لفظه ليس فيه ~~عموم فانه قد روى أنه قال ( اذا كنتم ورائى فلا تقرأوا الا بأم الكتاب ( ~~وهذا استثناء من النهى لهم عن القراءة خلفه فالنبى ( ( كان له سكتتان كما ~~روى ذلك سمرة وأبى بن كعب كما ثبت سكوته بين التكبير والقراءة بحديث أبى ~~هريرة المتفق عليه في الصحيحين والدعاء الذى روى أبو هريرة في هذا السكوت ~~يمكن فيه قراءة الفاتحة فكيف اذا قرأ بعضها في سكتة وبعضها في سكتة أخرى ~~فحينئذ لا يكون في قوله ( اذا كنتم ورائى فلا تقرأوا الا بأم القرآن ( دليل ~~على أنه يقرأ بها في حال الجهر PageV23P313 فان هذا استثناء من النهى فلا ~~يفيد الا الاذن المطلق بمعنى أنهم ليسوا منهيين عن القراءة بها لا يمكن ~~قراءتها في حال سكتاته # يؤيد هذا أن جمهور المنازعين يسلمون أنه في صلاة السر يقرأ بالفاتحة ~~وغيرها ويسلمون أنه اذا أمكن أن يقرأ بما زاد على الفاتحة في سكتات الامام ~~قرأ وأن البعيد الذى لا يسمع يقرأ بالفاتحة وبما زاد فحينئذ يكون هذا ms7050 النهى ~~خاصا فيمن صلى خلفه في صلاة الجهر واستثناء قراءة الفاتحة لامكان قراءتها ~~في سكتاته # يبين هذا أن لفظ الحديث في الصحيحين من رواية الزهري عن محمود بن الربيع ~~عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ( ( قال ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ~~( وفى رواية ( بفاتحة الكتاب ( وأما الزيادة فرواها عن عبادة بن الصامت قال ~~كنا خلف رسول الله ( ( في صلاة الفجر فقرأ رسول الله ( ( فثقلت عليه ~~القراءة فلما فرغ قال ( لعلكم تقرؤون خلف امامكم قلنا نعم يا رسول الله قال ~~لا تفعلوا الا بفاتحة الكتاب فانه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ( رواه أبو داود ~~والترمذى وقال حديث حسن والدارقطنى وقال اسناده حسن PageV23P314 ورواها عن ~~عبادة بن الصامت قال صلى بنا رسول الله ( ( بعض الصلوات التى يجهر فيها ~~بالقراءة فالتبست عليه القراءة فلما انصرف اقبل علينا بوجهه وقال ( هل ~~تقرؤون اذا جهرت بالقراءة ( فقال بعضنا إنا لنصنع ذلك قال فلا وأنا اقول ما ~~لى أنازع القرآن فلا تقرأوا بشيء من القرآن اذا جهرت بالقراءة الا بأم ~~القرآن ( رواه أبو داود واللفظ له والنسائى والدارقطنى وله أيضا ( لا يجوز ~~صلاة لا يقرأ الرجل فيها فاتحة الكتاب ( وقال اسناد حسن ورجاله كلهم ثقات # ففى هذا الحديث بيان أن النبى ( ( لم يكن يعلم هل يقرؤون وراءه بشيء أم ~~لا ومعلوم أنه لو كانت القراءة واجبة على المأموم لكان قد أمرهم بذلك وان ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ولو بين ذلك لهم لفعله عامتهم لم يكن ~~يفعله الواحد أو الاثنان منهم ولم يكن يحتاج إلى استفهامه فهذا دليل على ~~أنه لم يوجب عليهم قراءة خلفه حال الجهر ثم انه لما علم أنهم يقرؤون نهاهم ~~عن القراءة بغير أم الكتاب وما ذكر من التباس القراءة عليه تكون بالقراءة ~~معه حال الجهر سواء كان بالفاتحة أو غيرها فالعلة متناولة للأمرين فان ما ~~يوجب ثقل القراءة والتباسها على الامام منهى عنه PageV23P315 # وهذا يفعله كثير من المؤتمين الذين يرون قراءة الفاتحة حال جهر الامام ms7051 ~~واجبة أو مستحبة فيثقلون القراءة على الامام ويلبسونها عليه ويلبسون على من ~~يقاربهم الاصغاء والاستماع الذى أمروا به فيفوتون مقصود جهر الامام ومقصود ~~استماع المأموم # ومعلوم أن مثل هذا يكون مكروها ثم اذا فرض أن جميع المأمومين يقرؤون خلفه ~~فنفس جهره لا لمن يستمع فلا يكون فيه فائدة لقوله ( اذا أمن فأمنوا ( ~~ويكونون قد أمنوا على قرآن لم يستمعوه ولا استمعه أحد منهم الا أن يقال ان ~~السكوت يجب على الامام بقدر ما يقرؤون وهم لا يوجبون السكوت الذى يسع قدر ~~القراءة وانما يستحبونه فعلم أن استحباب السكوت يناسب استحباب القراءة فيه ~~ولو كانت القراءة على المأموم واجبة لوجب على الامام أن يسكت بقدرها سكوتا ~~فيه ذكر أو سكوتا محضا ولا أعلم أحدا أوجب السكوت لأجل قراءة المأموم # يحقق ذلك أنه قد أوجب الانصات حال قراءة الامام كما في صحيح مسلم عن أبى ~~موسى قال أن رسول الله ( ( خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال ( ~~أقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فاذا كبر فكبروا واذا قرأ فانصتوا ( ورواه ~~من حديث أبى هريرة أيضا قال قال رسول الله ( صلى الله PageV23P316 عليه ~~وسلم ( انما جعل الامام ليؤتم به فاذا كبر فكبروا واذا قرأ فانصتوا ( رواه ~~الامام أحمد وأبو داود وبن ماجه والنسائى قيل لمسلم بن الحجاج حديث أبى ~~هريرة هو صحيح يعنى ( اذا قرأ فانصتوا ( قال عندى صحيح قيل له لم لا تضعه ~~ها هنا يعنى في كتابه قال ليس كل شيء عندى صحيح وضعته ها هنا انما وضعت ها ~~هنا ما أجمعوا عليه يعنى من طريق أبى هريرة لم يجمع عليها وأجمع عليها من ~~رواية أبى موسى ورواها من طريق أبى موسى مسلم ولم يروها مسلم من طريق أبى ~~هريرة # وعن بن أكيمة الليثى عن أبى هريرة أن رسول الله ( ( انصرف من صلاة جهر ~~فيها بالقراءة فقال ( هل قرأ يعنى أحدا منا آنفا قال رجل نعم يا رسول الله ~~قال ( انى أقول مالى أنازع القرآن ( فانتهى الناس عن القراءة معه ( ( ( صلى ~~الله ms7052 عليه وسلم فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم ( بالقراءة من ~~الصلاة حين سمعوا ذلك منه ( صلى الله عليه وسلم ( رواه أحمد وأبو داود وبن ~~ماجه والنسائى والترمذى وقال حديث حسن قال أبو داود سمعت محمد بن يحيى بن ~~فارس قال قوله فانتهى الناس عن القراءة إلى آخره من قول الزهري وروى ~~البخارى نحو ذلك فقد قال البيهقى بن أكيمة رجل مجهول لم يحدث الا بهذا ~~الحديث PageV23P317 وحده ولم يحدث عنه غير الزهري وجواب ذلك من وجوه # ( أحدها ( أنه قد قال فيه أبو حاتم الرازى صحيح الحديث حديثه مقبول ~~وتزكية أبى حاتم هو في الغاية وحكى عن أبى حاتم البستى أنه قال روى عنه ~~الزهري وسعيد بن أبى هلال وبن ابنه عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة بن عمر # ( الثانى ( أن يقال ليس في حديث بن أكيمة الا ما في حديث عبادة الذى ~~اعتمده البيهقى ونحوه من أنهم قرأوا خلف النبى ( ( وأنه قال ( مالى أنازع ~~القرآن ( # ( الثالث ( ان حديث بن أكيمة رواه أهل السنن الأربعة فاذا كان هذا الحديث ~~هو مسلم صحة متنه وأن الحديث الذى احتج به والذى احتج به منازعوه قد اتفقا ~~على هذه الرواية كان ما اتفقا عليه معمولا به بالاتفاق وما في حديثه من ~~الزيادة قد انفرد بها من ذلك الطريق ولم يروها الا بعض أهل السنن وطعن فيها ~~الأئمة وكانت الزيادة المختلف فيها أحق بالقدح في الأصل المتفق على روايته # وأما قوله فانتهى الناس فهذا اذا كان من كلام الزهري كان تابعا فان ~~الزهري أعلم التابعين في زمنه بسنة رسول الله ( صلى الله PageV23P318 عليه ~~وسلم ( وهذه المسألة مما تتوفر الدواعى والهمم على نقل ما كان يفعل فيها ~~خلف النبى ( ( ليس ذلك مما ينفرد به الواحد والاثنان فجزم الزهري بهذا من ~~أحسن الأدلة على أنهم تركوا القراءة خلفه حال الجهر بعد ما كانوا يفعلونه ~~وهذا يؤيد ما تقدم ذكره ويوافق قوله ( واذا قرأ فانصتوا ( ولم يستثن فاتحة ~~ولا غيرها وتحقق ان تلك الزيادة اما ms7053 ضعيفة الأصل أو لم يحفظ راويها لفظها ~~وان معناها كان مما يوافق سائر الروايات والا فلا يمكن تغيير الأصول الكلية ~~الثابتة في الكتاب والسنة في هذا الأمر المحتمل والله أعلم # وتمام القول في ذلك يتضح بما رواه مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين ( أن ~~رسول الله ( ( صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى فلما ~~انصرف قال أيكم قرأ أو أيكم القارئ قال رجل أنا فقال قد ظننت أن بعضكم ~~خالجنيها ( ففى هذا الحديث ان منهم من قرأ خلفه في صلاة السر بزيادة على ~~الفاتحة ومع ذلك لم ينههم عن ذلك وذلك اقرار منه لهم على القراءة خلفه ~~بالزيادة على الفاتحة في صلاة السر خلافا لمن قال لا يقرأ خلفه بحال أو لا ~~يقرأ بزيادة على الفاتحة # ( # وقوله ( قد ظننت أن بعضكم خالجنيها ( ليس فيه نهى عن اصل PageV23P319 ~~القراءة وانما يفهم منه أنه لا ينبغى للمأموم أن يرفع حسه بحيث يخالج ~~الامام كما يفعل بعض المأمومين وكما قد يفعل الامام كما قال أبو قتادة كان ~~يسمعنا الآية أحيانا # وفيه أيضا دليل على أنه لم يأمرهم بالقراءة خلفه في السر لا بالفاتحة ولا ~~غيرها اذ لو كان أمرهم بذلك لم ينكر القراءة خلفه وهو لم ينكر قراءة سورة ~~معينة بل قال ( أيكم قرأ أو أيكم القارئ ( بل من المعلوم في العادة أن ~~القارئ خلفه لم يقرأ بسبح الا بعد الفاتحة فهذا يدل على أنه لا تجب القراءة ~~على المأموم في السر لا بالفاتحة ولا غيرها # كما يدل على ذلك حديث أبى بكر لما استخلفه النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~في الصلاة حين ذهب يصلح بين بنى عمرو بن عوف ثم رجع يقرأ من حيث انتهى أبو ~~بكر وكما في حديث أبى بكرة الذى رواه البخارى في صحيحه لما ركع دون الصف ثم ~~دخل في الصلاة وقال له النبى ( صلى الله عليه وسلم ( زادك الله حرصا ولا ~~تعد ( ولو كانت قراءة الفاتحة فرضا على المأموم مطلقا لم تسقط بسبق ms7054 ولا جهل ~~كما أن الأعرابى المسيء في صلاته قال له ( ارجع فصل فانك لم تصل ( وأمر ~~الذى صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة PageV23P320 # وأيضا فتحمل الامام القراءة عن المأموم لا يمنع أن يكون للمأموم أن يقرأ ~~فيأتى هو بالكمال في ذلك فان ذلك خير من السكوت الذى لا استماع معه وهذا ~~أمر معلوم متيقن من الشريعة أن القارئ للقرآن افضل من الساكت الذى لا يستمع ~~قراءة غيره وهو داخل في قوله ( من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات أما ~~انى لا أقول ( ألم ( حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ( فكراهة هذا ~~العمل الصالح الذى يحبه الله ورسوله لا وجه له أصلا وهذا بخلاف المستمع فان ~~استماعه يقوم مقام قراءته # ودليل ذلك اتفاقهم على أنه مأمور حال القراءة المستحبة بالانصات اما أمر ~~ايجاب واما أمر استحباب وأنه مكروه لهم القراءة حال الاستماع فلولا أن ~~الاستماع كالقراءة بل وأفضل لم يكن مأمورا بالانصات منهيا عن القراءة فان ~~الله لا يأمر بالأدنى وينهى عن الأفضل # ومما يؤيد ذلك قوله في حديث عبادة ( فلا تقرأوا بشيء من القرآن اذا جهرت ~~بالقراءة الا بأم القرآن ( فانما نهاهم عن القراءة اذا جهر وكذلك قول ~~الزهري فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ( ( فيما جهر فيه رسول الله ( ~~( حين سمعوا ذلك من رسول الله PageV23P321 وهذا المفسر يقيد المطلق في ~~اللفظ الآخر قال ( تقرؤون خلف امامكم قلنا نعم قال فلا تفعلوا الا بفاتحة ~~الكتاب ( يعنى في الجهر ويبين أيضا ما رواه أحمد في المسند عن عبد الله بن ~~مسعود قال كانوا يقرؤون خلف النبى ( ( فقال ( خلطتم على القرآن ( فهذا لا ~~يكون في صلاة جهر أو في صلاة سر رفع المأموم فيها صوته حتى سمعه الامام ~~والا فالمأموم الذى يقرأ سرا في نفسه لا يخلط على الامام ولا يخلط عليه ~~الامام بخلاف المأموم الذى يقرأ حال قراءة الامام فان الامام قطعا يخلط ~~عليه حتى ان من المأمومين من يعيد الفاتحة مرات لأن صوت الامام يشغله ms7055 قطعا # بل اذا كان النبى ( ( قد جعل المأموم يخلط عليه ويلبس ويخالج الامام فكيف ~~بالامام في حال جهره مع المأموم والمأموم يلبس على المأموم حال الجهر لأنه ~~اذا جهر وحده كان أدنى حس يلبس عليه ويثقل عليه القراءة فان لم تكن الأصوات ~~هادئة هدوءا تاما والا ثقلت عليه القراءة ولبس عليه وهذا أمر محسوس # ولهذا تجد الذين يشهدون سماع القصائد سماع المكاء والتصدية يشوشون بأدنى ~~حس وينكرون على من يشوش وكذلك من قرأ القرآن خارج الصلاة فانه يشوش عليه ~~بأدنى حس فكيف من يقرأ في الصلاة ولو قرأ قارئ خارج الصلاة على جماعة وهم ~~لا ينصتون له بل PageV23P322 يقرؤون لأنفسهم لتشوش عليه فقد تبين بالأدلة ~~السمعية والقياسية القول المعتدل في هذه المسألة والله أعلم # والآثار المروية عن الصحابة في هذا الباب تبين الصواب فعن عطاء بن يسار ~~أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الامام فقال ( لا قراءة مع الامام في ~~شيء ( رواه مسلم ومعلوم أن زيد بن ثابت من أعلم الصحابة بالسنة وهو عالم ~~أهل المدينة فلو كانت القراءة بالفاتحة أو غيرها حال الجهر مشروعة لم يقل ~~لا قراءة مع الامام في شيء # وقوله ( مع الامام ( انما يتناول من قرأ معه حال الجهر فأما حال المخافتة ~~فلا هذا يقرأ مع هذا ولا هذا مع هذا وكلام زيد هذا ينفى الايجاب والاستحباب ~~ويثبت النهى والكراهة # وعن وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول من صلى ركعة لم يقرأ ~~فيها بأم القرآن فلم يصل الا وراء الامام رواه مالك في الموطأ وجابر آخر من ~~مات من الصحابة بالمدينة وهو من أعيان تلك الطبقة وروى مالك أيضا عن نافع ~~عن عبد الله بن عمر كان اذا سئل هل يقرأ أحد خلف الامام يقول اذا صلى أحدكم ~~PageV23P323 خلف الامام فحسبه قراءة الامام واذا صلى وحده فليقرأ قال وكان ~~عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الامام وبن عمر من أعلم الناس بالسنة وأتبعهم ~~لها # ولو كانت القراءة واجبة على ms7056 المأموم لكان هذا من العلم العام الذى بينه ~~النبى ( ( بيانا عاما ولو بين ذلك لهم لكانوا يعملون به عملا عاما ولكان ~~ذلك في الصحابة لم يخف مثل هذا الواجب على بن عمر حتى يتركه مع كونه واجبا ~~عام الوجوب على عامة المصلين قد بين بيانا عاما بخلاف ما يكون مستحبا فان ~~هذا قد يخفى # وروى البيهقى عن أبى وائل أن رجلا سأل بن مسعود عن القراءة خلف الامام ~~فقال انصت للقرآن فان في الصلاة لشغلا وسيكفيك ذاك الامام فقول بن مسعود ~~هذا يبين أنه انما نهاه عن القراءة خلف الامام لأجل الانصات والاشتغال به ~~لم ينهه اذا لم يكن مستمعا كما في صلاة السر وحال السكتات فان المأموم ~~حينئذ لا يكون منصتا ولا مشتغلا بشيء وهذا حجة على من خالف بن مسعود من ~~الكوفيين ومبين لما رواه عن النبى ( ( كما تقدم PageV23P324 # وحديث جابر الذى تقدم قد روى مرفوعا ومسندا ومرسلا فأما الموقوف على جابر ~~فثابت بلا نزاع وكذلك المرسل ثابت بلا نزاع من رواية الأئمة عن عبد الله بن ~~شداد عن النبى ( ( أنه قال ( من كان له امام فقراءة الامام له قراءة ( وأما ~~المسند فتكلم فيه رواه بن ماجه من حديث جابر الجعفى عن جابر بن عبد الله ~~وجابر الجعفى كذبه أيوب وزائدة ووثقه الثورى وسعيد وقال بن معين لا يكتب ~~حديثه ولا كرامة ليس بشيء وقال النسائى متروك وروى أبو داود عن أحمد أنه ~~قال لم يتكلم في جابر لحديثه انما تكلم فيه لرأيه قال أبو داود ليس عندى ~~بالقوى من حديثه وقوله ( فقراءة الامام له قراءة ( لا تدل على أنه لا يستحب ~~للمأموم القراءة كما احتج بذلك من احتج به من الكوفيين فان قوله ( قراءة ~~الامام له قراءة ( دليل على أن له أن يجتزئ بذلك وان الواجب يسقط عنه بذلك ~~لا يدل على أنه ليس له أن يقرأ كما في مواضع كثيرة وله أن يسقط الواجب بفعل ~~غيره وله أن يفعله هو بنفسه وكذلك المستحب واقصى ما يقدر ms7057 أن يكون هو كأنه ~~قد قرأ # ثم ان أذكار الصلاة واجبها ومستحبها اذا فعلها العبد مرة PageV23P325 لم ~~يكره له ان يفعلها في محلها مرة ثانية لغرض صحيح مع أنه قد ثبت عن النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ( انه كان يقول ( الله اكبر كبيرا الله اكبر كبيرا الله ~~اكبركبيرا ( وكان النبى يردد الآية الواحدة كما ردد قوله ( إن تعذبهم فانهم ~~عبادك ( آخر ما وجد والحمد لله وحده وصلى الله على محمد النبى وآله وسلم ~~PageV23P326 # وقال أيضا ( ### ||| فصل # ( # وأما القراءة خلف الامام فالناس فيها طرفان ووسط # منهم من يكره القراءة خلف الامام حتى يبلغ بها بعضهم إلى التحريم سواء في ~~ذلك صلاة السر والجهر وهذا هو الغالب على أهل الكوفة ومن اتبعهم كأصحاب أبى ~~حنيفة # ومنهم من يؤكد القراءة خلف الامام حتى يوجب قراءة الفاتحة وإن سمع الامام ~~يقرأ وهذا هو الجديد من قولى الشافعى وقول طائفة معه # ومنهم من يأمر بالقراءة في صلاة السر وفى حال سكتات الامام في صلاة الجهر ~~والبعيد الذى لا يسمع الامام وأما القريب الذى يسمع قراءة الامام فيأمرونه ~~بالانصات لقراءة امامه اقامة للاستماع مقام التلاوة وهذا قول الجمهور كمالك ~~وأحمد وغيرهم PageV23P327 من فقهاء الأمصار وفقهاء الآثار وعليه يدل عمل ~~أكثر الصحابة وتتفق عليه أكثر الأحاديث # ( # وهذا الاختلاف شبيه باختلافهم في صلاة المأموم هل هي مبنية على صلاة ~~الامام أم كل واحد منهما يصلى لنفسه كما تقدم التنبيه عليه فأصل أبى حنيفة ~~أنها داخلة فيها ومبنية عليها مطلقا حتى أنه يوجب الاعادة على المأموم حيث ~~وجبت الاعادة على الامام وأصل الشافعى ان كل رجل يصلى لنفسه لا يقوم مقامه ~~لا في فرض ولا سنة ولهذا أمر المأموم بالتسميع وأوجب عليه القراءة ولم يبطل ~~صلاته بنقص صلاة الامام الا في مواضع مستثناة كتحمل الامام عن المأموم سجود ~~السهو وتحمل القراءة اذا كان المأموم مسبوقا وابطال صلاة القارئ خلف الأمى ~~ونحو ذلك واما مالك وأحمد فانها مبنية عليها من وجه دون وجه كما ذكرناه من ~~الاستماع للقراءة في حال ms7058 الجهر والمشاركة في حال المخافتة ولا يقول المأموم ~~عندهما سمع الله لمن حمده بل يحمد جوابا لتسميع الامام كما دلت عليه النصوص ~~الصحيحة وهى مبنية عليها فيما يعذران فيه دون ما لا يعذران كما تقدم في ~~الامامة PageV23P328 ### |||| وسئل # عن قراءة المؤتم خلف الامام جائزة أم لا واذا قرأ خلف الامام هل عليه اثم ~~في ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # القراءة خلف الامام في الصلاة لا تبطل عند الأئمة رضوان الله عليهم ~~لكن تنازع العلماء أيما أفضل في حق المأموم # فمذهب مالك والشافعى وأحمد أن الأفضل له أن يقرأ في حال سكوت الامام ~~كصلاة الظهر والعصر والأخيرتين من المغرب والعشاء وكذلك يقرأ في صلاة الجهر ~~اذا لم يسمع قراءته ومذهب أبى حنيفة أن الأفضل أن لا يقرأ خلفه بحال والسلف ~~رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين منهم من كان يقرأ ومنهم من كان لا ~~يقرأ خلف الامام # وأما اذا سمع المأموم قراءة الامام فجمهور العلماء على أنه يستمع ولا ~~يقرأ بحال وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ومذهب الشافعى أنه يقرأ ~~حال الجهر بالفاتحة خاصة ومذهب PageV23P329 طائفة كالأوزاعى وغيره من ~~الشاميين يقرأها استحبابا وهو اختيار جدنا # والذى عليه جمهور العلماء هو الفرق بين حال الجهر وحال المخافتة فيقرأ في ~~حال السر ولا يقرأ في حال الجهر وهذا أعدل الأقوال لأن الله تعالى قال ( ~~واذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ( فاذا قرأ الامام ~~فليستمع واذا سكت فليقرأ فان القراءة خير من السكوت الذى لا استماع معه ومن ~~قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات كما قال النبى ( ( فلا يفوت هذا الأجر ~~بلا فائدة بل يكون اما مستمعا واما قارئا والله سبحانه وتعالى أعلم ### |||| وسئل # عما تدرك به الجمعة والجماعة ### ||||| فأجاب # اختلف الفقهاء فيما تدرك به الجمعة والجماعة على ثلاثة اقوال # ( أحدها ( أنهما لا يدركان الا بركعة وهو مذهب مالك PageV23P330 وأحمد في ~~احدى الروايتين عنه اختارها جماعة من أصحابه وهو وجه في مذهب الشافعى ~~واختاره بعض أصحابه أيضا كأبى المحاسن الريانى ms7059 وغيره # ( والقول الثانى ( أنهما يدركان بتكبيرة وهو مذهب أبى حنيفة # ( والقول الثالث ( أن الجمعة لا تدرك الا بركعة والجماعة تدرك بتكبيرة ~~وهذا القول هو المشهور من مذهب الشافعى وأحمد والصحيح هو القول الأول لوجوه # ( أحدها ( أن قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئا من الأحكام لا في ~~الوقت ولا في الجمعة ولا الجماعة ولا غيرها فهو وصف ملغى في نظر الشارع فلا ~~يجوز اعتباره # ( الثانى ( أن النبى ( ( انما علق الأحكام بادراك الركعة فتعليقها ~~بالتكبيرة الغاء لما اعتبره واعتبار لما ألغاه وكل ذلك فاسد فيما اعتبر فيه ~~الركعة وعلق الادراك بها في الوقت ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول ~~الله ( ( اذا أدرك أحدكم ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب PageV23P331 الشمس ~~فليتم صلاته واذا أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته ( # وأما ما في بعض طرقه ( اذا أدرك أحدكم سجدة ( فالمراد بها الركعة التامة ~~كما في اللفظ الآخر ولأن الركعة التامة تسمى باسم الركوع فيقال ركعة وباسم ~~السجود فيقال سجدة وهذا كثير في ألفاظ الحديث مثل هذا الحديث وغيره # ( الثالث ( أن النبى ( ( علق الادراك مع الامام بركعة وهو نص في المسألة ~~ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة عن النبى ( ( من أدرك ركعة من الصلاة مع ~~الامام فقد أدرك الصلاة ( وهذا نص رافع للنزاع # ( الرابع ( أن الجمعة لا تدرك الا بركعة كما أفتى به أصحاب رسول الله ( ( ~~منهم بن عمر وبن مسعود وأنس وغيرهم ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف وقد حكى ~~غير واحد أن ذلك اجماع الصحابة والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح ~~ولهذا أبو حنيفة طرد أصله وسوى بينهما ولكن الأحاديث الثابتة وآثار الصحابة ~~تبطل ما ذهب إليه # ( الخامس ( أن ما دون الركعة لا يعتد به من الصلاة فانه يستقبلها ~~PageV23P332 جميعها منفردا فلا يكون قد أدرك مع الامام شيئا يحتسب له به ~~فلا يكون قد اجتمع هو والامام في جزء من أجزاء الصلاة يعتد له به فتكون ~~صلاته جميعا صلاة منفرد يوضح هذا أنه ms7060 لا يكون مدركا للركعة الا اذا أدرك ~~الامام في الركوع واذا أدركه بعد الركوع لم يعتد له بما فعله معه مع أنه قد ~~أدرك معه القيام من الركوع والسجود وجلسة الفصل ولكن لما فاته معظم الركعة ~~وهو القيام والركوع فاتته الركعة فكيف يقال مع هذا أنه قد أدرك الصلاة مع ~~الجماعة وهو لم يدرك معهم ما يحتسب له به فادراك الصلاة بادراك الركعة نظير ~~ادراك الركعة بادراك الركوع لأنه في الموضعين قد أدرك ما يعتد له به واذا ~~لم يدرك من الصلاة ركعة كان كمن لم يدرك الركوع مع الامام في فوت الركعة ~~لأنه في الموضعين لم يدرك ما يحتسب له به وهذا من أصح القياس # ( السادس ( أنه ينبنى على هذا أن المسافر اذا ائتم بمقيم وادرك معه ركعة ~~فما فوقها فانه يتم الصلاة وان أدرك معه أقل من ركعة صلاها مقصورة نص عليه ~~الامام أحمد في احدى الروايتين عنه وهذا لأنه بادراك الركعة قد ائتم بمقيم ~~في جزء من صلاته فلزمه الاتمام واذا لم يدرك معه ركعة فصلاته صلاة منفرد ~~فيصليها مقصورة PageV23P333 # وينبنى عليه أيضا أن المرأة الحائض اذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر ركعة ~~لزمها العصر وان طهرت قبل الفجر بقدر ركعة لزمها العشاء وان حصل ذلك بأقل ~~من مقدار ركعة لم يلزمها شيء وأما الظهر والمغرب فهل يلزمها بذلك فيه خلاف ~~مشهور فقيل لا يلزمها وهو قول أبى حنيفة وقيل يلزمها وهو مذهب مالك ~~والشافعى وأحمد ورواه الامام أحمد عن بن عباس وعبد الرحمن بن عوف # ثم اختلف هؤلاء فيما تلزم به الصلاة الأولى على قولين # ( أحدهما ( تجب بما تجب به الثانية وهل هو ركعة أو تكبيرة على قولين ( ~~والثانى ( لا تجب الا بأن تدرك زمنا يتسع لفعلها وهو أصح # وقريب من هذا اختلافهم فيما اذا دخل عليها الوقت وهى طاهرة ثم حاضت هل ~~يلزمها قضاء الصلاة أم لا على قولين # ( أحدهما ( لا يلزمها كما يقوله مالك وابو حنيفة # ( والثانى ( يلزمها كما يقوله الشافعى وأحمد PageV23P334 # ثم اختلف ms7061 الموجبون عليها الصلاة فيما يستقر به الوجوب على قولين ( أحدهما ~~( قدر تكبيرة وهو المشهور في مذهب أحمد # ( والثانى ( أن يمضى عليها زمن تتمكن فيه من الطهارة وفعل الصلاة وهو ~~القول الثانى في مذهب أحمد والشافعى # ثم اختلفوا بعد ذلك هل يلزمها فعل الثانية من المجموعتين مع الأولى على ~~قولين وهما روايتان عن الامام أحمد والأظهر في الدليل مذهب أبى حنيفة ومالك ~~أنها لا يلزمها شيء لأن القضاء انما يجب بأمر جديد ولا أمر هنا يلزمها ~~بالقضاء ولأنها أخرت تأخيرا جائزا فهي غير مفرطة وأما النائم أو الناسى وان ~~كان غير مفرط أيضا فان ما يفعله ليس قضاء بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين ~~يستيقظ ويذكر كما قال النبى ( ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها ~~فان ذلك وقتها ( وليس عن النبى ( ( حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها وانما ~~وردت السنة بالاعادة في الوقت لمن ترك واجبا من واجبات الصلاة كأمره للمسيء ~~في صلاته بالاعادة لما ترك الطمأنينة المأمور بها وكأمره لمن صلى خلف الصف ~~منفردا بالاعادة لما ترك المصافة الواجبة وكأمره PageV23P335 لمن ترك لمعة ~~من قدمه لم يصبها الماء بالاعادة لما ترك الوضوء المأمور به وأمر النائم ~~والناسى بأن يصليا اذا ذكرا وذلك هو الوقت في حقهما والله سبحانه وتعالى ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن يرفع قبل الامام ويخفض ونهى فلم ينته فما حكم صلاته وما يجب عليه ### ||||| فأجاب # اما مسابقة الامام فحرام باتفاق الأئمة لا يجوز لأحد أن يركع قبل ~~امامه ولا يرفع قبله ولا يسجد قبله وقد استفاضت الأحاديث عن النبى ( ( ~~بالنهى عن ذلك كقوله في الحديث الصحيح ( لا تسبقونى بالركوع ولا بالسجود ~~فانى مهما أسبقكم به اذا ركعت تدركونى به اذا رفعت انى قد بدنت ( وقوله ( ~~إنما جعل الامام ليؤتم به فاذا كبر فكبروا واذا ركع فاركعوا فان الامام ~~يركع قبلكم ويرفع قبلكم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( فتلك بتلك ~~واذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع الله ms7062 لكم واذا كبر ~~وسجد فكبروا واسجدوا فان الامام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم فتلك بتلك ~~PageV23P336 وكقوله ( ( ( أما يخشى الذى يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله ~~رأسه راس حمار ( وهذا لأن المؤتم متبع للامام مقتد به والتابع المقتدى لا ~~يتقدم على متبوعه وقدوته فاذا تقدم عليه كان كالحمار الذى لا يفقه ما يراد ~~بعمله كما جاء في حديث آخر ( مثل الذى يتكلم والخطيب يخطب كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا ( # ومن فعل ذلك استحق العقوبة والتعزير الذى يردعه وأمثاله كما روى عن عمر ~~أنه رأى رجلا يسابق الامام فضربه وقال لا وحدك صليت ولا بامامك اقتديت # واذا سبق الامام سهوا لم تبطل صلاته لكن يتخلف عنه بقدر ما سبق به الامام ~~كما أمر بذلك أصحاب رسول الله ( ( لأن صلاة المأموم مقدرة بصلاة الامام وما ~~فعله قبل الامام سهوا لا يبطل صلاته لأنه زاد في الصلاة ما هو من جنسها ~~سهوا فكان كما لو زاد ركوعا أو سجودا سهوا وذلك لا يبطل بالسنة والاجماع ~~ولكن ما يفعله قبل الامام لا يعتد به على الصحيح لأنه فعله في غير محله لأن ~~ما قبل فعل الامام ليس وقتا لفعل المأموم فصار بمنزلة من صلى قبل الوقت أو ~~بمنزلة من كبر قبل تكبير الامام فان هذا لا يجزئه عما أوجب الله عليه بل ~~لابد أن يحرم اذا حل الوقت لا قبله وان يحرم المأموم اذا أحرم الامام لا ~~قبله فكذلك المأموم PageV23P337 لابد أن يكون ركوعه وسجوده اذا ركع الامام ~~وسجد لا قبل ذلك فما فعله سابقا وهو ساه عفى له عنه ولم يعتد له به فلهذا ~~أمره الصحابة والأئمة أن يتخلف بمقداره ليكون فعله بقدر فعل الامام # وأما اذا سبق الامام عمدا ففى بطلان صلاته قولان معروفان في مذهب أحمد ~~وغيره ومن أبطلها قال ان هذا زاد في الصلاة عمدا فتبطل كما لو فعل قبله ~~ركوعا أو سجودا عمدا فان الصلاة تبطل بلا ريب وكما لو زاد في الصلاة ركوعا ~~أو سجودا عمدا وقد قال الصحابة للمسابق ms7063 لا وحدك صليت ولا بامامك اقتديت ومن ~~لم يصل وحده ولا مؤتما فلا صلاة له وعلى هذا ( فعلى ( المصلى أن يتوب من ~~المسابقة ويتوب من نقر الصلاة وترك الطمأنينة فيها وان لم ينته فعلى الناس ~~كلهم أن يأمروه بالمعروف الذى أمره الله به وينهوه عن المنكر الذى نهاه ~~الله عنه فان قام بذلك بعضهم والا أثموا كلهم # ومن كان قادرا على تعزيره وتأديبه على الوجه المشروع فعل ذلك ومن لم ~~يمكنه الا هجره وكان ذلك مؤثرا فيه هجره حتى يتوب والله أعلم PageV23P338 ### |||| وسئل # عن المصافحة عقيب الصلاة هل هي سنة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة بل هي بدعة والله أعلم ~~PageV23P339 ### ||| 2 باب الإمامة 2 ### |||| ### |||| سئل رحمه الله # عن الامامة هل فعلها أفضل أم تركها ### ||||| فأجاب # بل يصلى بهم وله أجر بذلك كما جاء في الحديث ( ثلاثة على كثبان ~~المسك يوم القيامة رجل أم قوما وهم له راضون ( الحديث والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجلين أحدهما حافظ للقرآن وهو واعظ يحضر الدف والشبابة والآخر ~~عالم متورع فأيهما أولى بالإمامة ### ||||| فأجاب # ثبت في صحيح مسلم عن أبى مسعود ~~البدرى أن النبى ( ( قال ( يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فان كانوا ~~PageV23P340 في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فان كانوا في السنة سواء ~~فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ( # فاذا كان الرجلان من أهل الديانة فأيهما كان أعلم بالكتاب والسنة وجب ~~تقديمه على الآخر متعينا فان كان أحدهما فاجرا مثل أن يكون معروفا بالكذب ~~والخيانة ونحو ذلك من أسباب الفسوق والآخر مؤمنا من أهل التقوى فهذا الثانى ~~أولى بالامامة اذا كان من أهلها وان كان الأول اقرأ وأعلم فان الصلاة خلف ~~الفاسق منهى عنها نهى تحريم عند بعض العلماء ونهى تنزيه عند بعضهم وقد جاء ~~في الحديث ( لا يؤمن فاجر مؤمنا الا أن يقهره بسوط أو عصا ( ولا يجوز تولية ~~الفاسق مع امكان تولية البر والله أعلم PageV23P341 # وقال شيخ الإسلام ( ### ||| فصل # ( # وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع ms7064 وخلف أهل الفجور ففيه نزاع مشهور ~~وتفصيل ليس هذا موضع بسطه # لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الامامة لا يجوز ~~مع القدرة على غيره فان من كان مظهرا للفجور أو البدع يجب الانكار عليه ~~ونهيه عن ذلك وأقل مراتب الانكار هجره لينتهى عن فجوره وبدعته ولهذا فرق ~~جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية فان الداعية أظهر المنكر فاستحق ~~الانكار عليه بخلاف الساكت فانه بمنزلة من أسر بالذنب فهذا لا ينكر عليه في ~~الظاهر فان الخطيئة اذا خفيت لم تضر الا صاحبها ولكن اذا أعلنت فلم تنكر ~~ضرت العامة ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله ~~تعالى بخلاف من أظهر الكفر PageV23P342 # فاذا كان داعية منع من ولايته وامامته وشهادته وروايته لما في ذلك من ~~النهى عن المنكر لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه في شهادته وروايته فاذا ~~أمكن لانسان الا يقدم مظهرا للمنكر في الامامة وجب ذلك لكن اذا ولاه غيره ~~ولم يمكنه صرفه عن الامامة أو كان هو لا يتمكن من صرفه الا بشر أعظم ضررا ~~من ضرر ما أظهره من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ولا ~~دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين فان الشريعة جاءت بتحصيل المصالح ~~وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الامكان ومطلوبها ترجيح خير الخيرين ~~اذا لم يمكن أن يجتمعا جميعا ودفع شر الشرين اذا لم يندفعا جميعا # فاذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور الا بضرر زائد على ضرر امامته لم ~~يجز ذلك بل يصلى خلفه ما لا يمكنه فعلها الا خلفه كالجمع والأعياد والجماعة ~~اذا لم يكن هناك امام غيره ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج والمختار بن ~~أبى عبيد الثقفى وغيرهما الجمعة والجماعة فان تفويت الجمعة والجماعة أعظم ~~فسادا من الاقتداء فيهما بامام فاجر لا سيما اذا كان التخلف عنهما لا يدفع ~~فجوره فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة ولهذا كان التاركون ~~للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقا معدودين عند PageV23P343 السلف ms7065 ~~والأئمة من أهل البدع # واما اذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو اولى من فعلها خلف ~~الفاجر وحينئذ فاذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد للعلماء # منهم من قال انه يعيد لأنه فعل ما لا يشرع بحيث ترك ما يجب عليه من ~~الانكار بصلاته خلف هذا فكانت صلاته خلفه منهيا عنها فيعيدها # ومنهم من قال لا يعيد قال لأن الصلاة في نفسها صحيحة وما ذكر من ترك ~~الانكار هو أمر منفصل عن الصلاة وهو يشبه البيع بعد نداء الجمعة # وأما اذا لم يمكنه الصلاة الا خلفه كالجمعة فهنا لا تعاد الصلاة واعادتها ~~من فعل أهل البدع وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه اذا قيل ان الصلاة خلف ~~الفاسق لا تصح أعيدت الجمعة خلفه والا لم تعد وليس كذلك بل النزاع في ~~الاعادة حيث ينهى الرجل عن الصلاة فاما اذا أمر بالصلاة خلفه فالصحيح هنا ~~أنه لا اعادة عليه لما تقدم من أن العبد لم يؤمر بالصلاة مرتين PageV23P344 ~~( # وأما الصلاة خلف من يكفر ببدعته من أهل الأهواء فهناك قد تنازعوا في نفس ~~صلاة الجمعة خلفه ومن قال انه يكفر أمر بالاعادة لأنها صلاة خلف كافر لكن ~~هذه المسألة متعلقة بتكفير أهل الأهواء والناس مضطربون في هذه المسألة وقد ~~حكى عن مالك فيها روايتان وعن الشافعى فيها قولان وعن الامام أحمد أيضا ~~فيها روايتان وكذلك أهل الكلام فذكروا للأشعرى فيها قولان وغالب مذاهب ~~الأئمة فيها تفصيل # وحقيقة الأمر في ذلك ان القول قد يكون كفرا فيطلق القول بتكفير صاحبه ~~ويقال من قال كذا فهو كافر لكن الشخص المعين الذى قاله لا يحكم بكفره حتى ~~تقوم عليه الحجة التى يكفر تاركها # وهذا كما في نصوص الوعيد فان الله سبحانه وتعالى يقول ( ان الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ( فهذا ونحوه ~~من نصوص الوعيد حق لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد فلا يشهد لمعين ~~من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد ms7066 لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد ~~لا يكون التحريم بلغه وقد يتوب من فعل المحرم وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو ~~عقوبة ذلك المحرم وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يشفع فيه شفيع مطاع ~~PageV23P345 # وهكذا الأقوال التى يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة ~~لمعرفة الحق وقد تكون عنده ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها وقد يكون قد ~~عرضت له شبهات يعذره الله بها فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق ~~وأخطأ فان الله يغفر له خطأه كائنا ما كان سواء كان في المسائل النظرية أو ~~العملية هذا الذى عليه أصحاب النبى ( صلى الله عليه وسلم ( وجماهير أئمة ~~الاسلام # وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بانكارها ومسائل فروع لا يكفر ~~بانكارها # فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل ~~الفروع فهذا الفرق ليس له اصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم باحسان ~~ولا أئمة الاسلام وانما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع وعنهم ~~تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم وهو تفريق متناقض فانه يقال لمن فرق بين ~~النوعين ما حد مسائل الأصول التى يكفر المخطئ فيها وما الفاصل بينها وبين ~~مسائل الفروع فان قال مسائل الأصول هي مسائل الإعتقاد ومسائل الفروع هي ~~مسائل العمل قيل له فتنازع الناس في محمد ( ( هل رأى ربه أم لا وفى أن ~~عثمان افضل من على أم على افضل وفى كثير من معانى القرآن وتصحيح بعض ~~الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية العلمية ولا كفر فيها بالاتفاق ~~PageV23P346 ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر هي ~~مسائل عملية والمنكر لها يكفر بالاتفاق # وان قال الأصول هي المسائل القطعية قيل له كثير من مسائل العمل قطعية ~~وكثير من مسائل العلم ليست قطعية وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور ~~الاضافية وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له كمن سمع ~~النص من الرسول ( ( وتيقن مراده منه وعند رجل لا تكون ms7067 ظنية فضلا عن أن تكون ~~قطعية لعدم بلوغ النص اياه أو لعدم ثبوته عنده أو لعدم تمكنه من العلم ~~بدلالته # وقد ثبت في الصحاح عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( حديث الذى قال لأهله ~~( اذا أنا مت فاحرقونى ثم اسحقونى ثم ذرونى في اليم فوالله لئن قدر الله ~~على ليعذبنى الله عذابا ما عذبه أحدا من العالمين فامر الله البر برد ما ~~أخذ منه والبحر برد ما أخذ منه وقال ما حملك على ما صنعت قال خشيتك يا رب ~~فغفر الله له ( فهذا شك في قدرة الله وفى المعاد بل ظن أنه لا يعود وأنه لا ~~يقدر الله عليه اذا فعل ذلك وغفر الله له وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا ~~الموضع PageV23P347 # ولكن المقصود هنا أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع ~~والعين ولهذا حكى طائفة عنهم الخلاف في ذلك ولم يفهموا غور قولهم فطائفة ~~تحكى عن أحمد في تكفير أهل البدع روايتين مطلقا حتى تجعل الخلاف في تكفير ~~المرجئة والشيعة المفضلة لعلى وربما رجحت التكفير والتخليد في النار وليس ~~هذا مذهب أحمد ولا غيره من أئمة الاسلام بل لا يختلف قوله أنه لا يكفر ~~المرجئة الذين يقولون الايمان قول بلا عمل ولا يكفر من يفضل عليا على عثمان ~~بل نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم وانما كان يكفر ~~الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته لأن مناقضة اقوالهم لما جاء به الرسول ~~( ( ظاهرة بينة ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق وكان قد ابتلى بهم حتى عرف ~~حقيقة أمرهم وأنه يدور على التعطيل وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة # لكن ما كان يكفر أعيانهم فان الذى يدعو إلى القول أعظم من الذى يقول به ~~والذى يعاقب مخالفه أعظم من الذى يدعو فقط والذى يكفر مخالفه أعظم من الذى ~~يعاقبه ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية ان القرآن ~~مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك ويدعون الناس إلى ذلك ~~PageV23P348 ويمتحنونهم ويعاقبونهم اذا لم يجيبوهم ms7068 ويكفرون من لم يجبهم حتى ~~أنهم كانوا اذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية ان القرآن ~~مخلوق وغير ذلك ولا يولون متوليا ولا يعطون رزقا من بيت المال الا لمن يقول ~~ذلك ومع هذا فالامام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه ~~بأنهم لمن يبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به ولكن تأولوا ~~فأخطأوا وقلدوا من قال لهم ذلك # وكذلك الشافعى لما قال لحفص الفرد حين قال القرآن مخلوق كفرت بالله ~~العظيم بين له أن هذا القول كفر ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك لأنه لم يتبين ~~له الحجة التى يكفر بها ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله وقد صرح في كتبه ~~بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم # وكذلك قال مالك رحمه الله والشافعى وأحمد في القدرى ان جحد علم الله كفر ~~ولفظ بعضهم ناظروا القدرية بالعلم فان أقروا به خصموا وان جحدوه كفروا # وسئل أحمد عن القدرى هل يكفر فقال ان جحد العلم كفر وحينئذ فجاحد العلم ~~هو من جنس الجهمية وأما قتل الداعية إلى PageV23P349 البدع فقد يقتل لكف ~~ضرره عن الناس كما يقتل المحارب وان لم يكن في نفس الأمر كافرا فليس كل من ~~أمر بقتله يكون قتله لردته وعلى هذا قتل غيلان القدرى وغيره قد يكون على ~~هذا الوجه وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع وانما نبهنا عليها تنبيها ### ||| فصل # وأما من لا يقيم قراءة الفاتحة فلا يصلى خلفه الا من هو مثله فلا يصلى ~~خلف الألثغ الذى يبدل حرفا بحرف الا حرف الضاد اذا أخرجه من طرف الفم كما ~~هو عادة كثير من الناس فهذا فيه وجهان # منهم من قال لا يصلى خلفه ولا تصح صلاته في نفسه لأنه أبدل حرفا بحرف لأن ~~مخرج الضاد الشدق ومخرج الظاء طرف الأسنان فاذا قال ( ولا الظالين ( كان ~~معناه ظل يفعل كذا # ( والوجه الثانى ( تصح وهذا أقرب لأن الحرفين في السمع شيء واحد وحس ~~أحدهما من جنس حس الآخر لتشابه ms7069 المخرجين والقارئ انما يقصد الضلال المخالف ~~للهدى وهو الذى يفهمه المستمع فاما المعنى المأخوذ من ظل فلا يخطر ببال أحد ~~وهذا بخلاف الحرفين PageV23P350 المختلفين صوتا ومخرجا وسمعا كابدال الراء ~~بالغين فان هذا لا يحصل به مقصود القراءة ### |||| وسئل رحمه الله # عن الصلاة خلف المرازقة وعن بدعتهم ### ||||| فأجاب # يجوز للرجل أن يصلى الصلوات الخمس والجمعة وغير ذلك خلف من لم يعلم ~~منه بدعة ولا فسقا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين وليس من ~~شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد امامه ولا أن يمتحنه فيقول ماذا تعتقد ~~بل يصلى خلف مستور الحال # ولو صلى خلف من يعلم أنه فاسق أو مبتدع ففى صحة صلاته قولان مشهوران في ~~مذهب أحمد ومالك ومذهب الشافعى وأبى حنيفة الصحة # وقول القائل لا أسلم مالى الا لمن أعرف ومراده لا أصلى خلف من لا أعرفه ~~كما لا أسلم مالى الا لمن أعرفه كلام جاهل لم يقله أحد من أئمة الإسلام فان ~~المال اذا أودعه الرجل المجهول فقد يخونه PageV23P351 فيه وقد يضيعه وأما ~~الامام فلو أخطأ أو نسى لم يؤاخذ بذلك المأموم كما في البخارى وغيره أن ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ( قال ( أئمتكم يصلون لكم ولهم فان اصابوا فلكم ~~ولهم وان أخطأوا فلكم وعليهم ( فجعل خطأ الامام على نفسه دونهم وقد صلى عمر ~~وغيره من الصحابة رضى الله عنهم وهو جنب ناسيا للجنابة فأعاد ولم يأمر ~~المأمومين بالاعادة وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعى وأحمد في ~~المشهور عنه # وكذلك لو فعل الامام ما يسوغ عنده وهو عند المأموم يبطل الصلاة مثل أن ~~يفتصد ويصلى ولا يتوضأ أو يمس ذكره أو يترك البسملة وهو يعتقد أن صلاته تصح ~~مع ذلك والمأموم يعتقد أنها لا تصح مع ذلك فجمهور العلماء على صحة صلاة ~~المأموم كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين بل في أنصهما عنه وهو ~~أحد الوجهين في مذهب الشافعى اختاره القفال وغيره # ولو قدر أن الامام صلى بلا وضوء متعمدا والمأموم لم يعلم حتى مات ms7070 المأموم ~~لم يطالب الله المأموم بذلك ولم يكن عليه اثم باتفاق المسلمين بخلاف ما اذا ~~علم أنه يصلى بلا وضوء فليس له أن يصلى خلفه فان هذا ليس بمصل بل لاعب ولو ~~علم بعد الصلاة أنه صلى بلا وضوء ففى الاعادة نزاع ولو علم المأموم أن ~~الامام PageV23P352 مبتدع يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الامام ~~الراتب الذى لا تمكن الصلاة الا خلفه كامام الجمعة والعيدين والامام في ~~صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك فان المأموم يصلى خلفه عند عامة السلف والخلف وهو ~~مذهب أحمد والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم # ولهذا قالوا في العقائد انه يصلى الجمعة والعيد خلف كل امام برا كان أو ~~فاجرا وكذلك اذا لم يكن في القرية الا امام واحد فانها تصلى خلفه الجماعات ~~فان الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده وان كان الامام فاسقا هذا مذهب ~~جماهير العلماء أحمد بن حنبل والشافعى وغيرهما بل الجماعة واجبة على ~~الأعيان في ظاهر مذهب أحمد ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الامام الفاجر فهو ~~مبتدع عند الامام أحمد وغيره من أئمة السنة كما ذكره في رسالة عبدوس وبن ~~مالك والعطار # والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها فان الصحابة كانوا يصلون الجمعة والجماعة ~~خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان بن عمر يصلى خلف الحجاج وبن مسعود ~~وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة وكان يشرب الخمر حتى أنه صلى بهم مرة الصبح ~~أربعا ثم قال أزيدكم فقال بن مسعود ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة ولهذا ~~رفعوه إلى عثمان وفى صحيح البخارى أن عثمان رضى الله عنه PageV23P353 لما ~~حصر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان فقال انك امام عامة وهذا ( الذى ( يصلى ~~بالناس امام فتنة فقال يا بن أخى ان الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فاذا ~~أحسنوا فأحسن معهم واذا أساؤا فاجتنب اساءتهم ومثل هذا كثير والفاسق ~~والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة فاذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته لكن ~~انما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر ms7071 بالمعروف والنهى عن المنكر واجب ومن ~~ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب اماما للمسلمين فانه يستحق التعزير ~~حتى يتوب فاذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا واذا كان بعض الناس اذا ترك ~~الصلاة خلفه وصلى خلف غيره آثر ذلك حتى يتوب أو يعزل أو ينتهى الناس عن مثل ~~ذنبه فمثل هذا اذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة ولم يفت المأموم جمعة ولا ~~جماعة وأما اذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك ~~الصلاة خلفهم الا مبتدع مخالف للصحابة رضى الله عنهم # وكذلك اذا كان الامام قد رتبه ولاة الأمور ولم يكن في ترك الصلاة خلفه ~~مصلحة فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلف الامام الأفضل أفضل ~~وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق أو بدعة تظهر مخالفتها للكتاب والسنة كبدعة ~~الرافضة والجهمية PageV23P354 ونحوهم ومن أنكر مذهب الروافض وهو لا يصلى ~~الجمعة والجماعة بل يكفر المسلمين فقد وقع في مثل مذهب الروافض فان من أعظم ~~ما أنكره أهل السنة عليهم تركهم الجمعة والجماعة وتكفير الجمهور ### ||| فصل # وأما ( الصلاة خلف المبتدع ( فهذه المسألة فيها نزاع وتفصيل فاذا لم تجد ~~اماما غيره كالجمعة التى لا تقام الا بمكان واحد وكالعيدين وكصلوات الحج ~~خلف امام الموسم فهذه تفعل خلف كل بر وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة ~~وانما تدع مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم ممن لا ~~يرى الجمعة والجماعة اذا لم يكن في القرية الا مسجد واحد فصلاته في الجماعة ~~خلف الفاجر خير من صلاته في بيته منفردا لئلا يفضى إلى ترك الجماعة مطلقا # وأما اذا أمكنه أن يصلى خلف غير المبتدع فهو أحسن وأفضل بلا ريب لكن ان ~~صلى خلفه ففى صلاته نزاع بين العلماء ومذهب الشافعى وأبى حنيفة تصح صلاته ~~وأما مالك وأحمد ففى مذهبهما نزاع وتفصيل PageV23P355 وهذا انما هو في ~~البدعة التى يعلم أنها تخالف الكتاب والسنة مثل بدع الرافضة والجهمية ~~ونحوهم فاما مسائل الدين التى يتنازع فيها كثير ms7072 من الناس في هذه البلاد مثل ~~( مسألة الحرف والصوت ( ونحوها فقد يكون كل من المتنازعين مبتدعا وكلاهما ~~جاهل متأول فليس امتناع هذا من الصلاة خلف هذا بأولى من العكس فاما اذا ~~ظهرت السنة وعلمت فخالفها واحد فهذا هو الذى فيه النزاع والله أعلم والحمد ~~لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ### |||| وسئل # عن رجل استفاض عنه أنه يأكل الحشيشة وهو امام فقال رجل لا تجوز الصلاة ~~خلفه فأنكر عليه رجل وقال تجوز واحتج بقول النبى ( ( تجوز الصلاة خلف البر ~~والفاجر ( فهذا الذى أنكر مصيب أم مخطئ وهل يجوز لآكل الحشيشة أن يؤم ~~بالناس واذا كان المنكر مصيبا فما يجب على الذى قام عليه وهل يجوز للناظر ~~في المكان أن يعزله أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجوز أن يولى في الامامة بالناس من يأكل الحشيشة أو يفعل من ~~المنكرات المحرمة مع امكان تولية من هو خير منه PageV23P356 # كيف وفى الحديث ( من قلد رجلا عملا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من ~~هو أرضى لله فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين ( وفى حديث آخر ( ~~اجعلوا أئمتكم خياركم فانهم وفدكم فيما بينكم وبين الله ( وفى حديث آخر ( ~~اذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال ( وقد ثبت في ~~الصحيح أن النبى ( ( قال ( يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فان كانوا في ~~القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فان كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فان ~~كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ( فأمر النبى ( ( بتقديم الأفضل بالعلم ~~بالكتاب ثم بالسنة ثم الأسبق إلى العمل الصالح بنفسه ثم بفعل الله تعالى # وفى سنن أبى داود وغيره ( أن رجلا من الأنصار كان يصلى بقوم اماما فبصق ~~في القبلة فأمرهم النبى ( ( أن يعزلوه عن الامامة ولا يصلوا خلفه فجاء إلى ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ( فسأله هل أمرهم بعزله فقال نعم انك آذيت الله ~~ورسوله ( فاذا كان المرء يعزل لأجل اساءته في الصلاة وبصاقه في القبلة فكيف ~~المصر على أكل الحشيشة ms7073 لا سيما ان كان مستحلا للمسكر منها كما عليه طائفة ~~من الناس فان مثل هذا ينبغى ان يستتاب فان تاب والا قتل اذ السكر منها حرام ~~بالاجماع واستحلال ذلك كفر بلا نزاع PageV23P357 واما احتجاج المعارض بقوله ~~( تجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر ( فهذا غلط منه لوجوه # ( أحدها ( ان هذا الحديث لم يثبت عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( بل في ~~سنن بن ماجه عنه ( لا يؤمن فاجر مؤمنا الا أن يقهره بسوط أو عصا ( وفى ~~اسناد الآخر مقال أيضا # ( الثانى ( أنه يجوز للمأموم أن يصلى خلف من ولى وان كان تولية ذلك ~~المولى لا تجوز فليس للناس أن يولوا عليهم الفساق وان كان قد ينفذ حكمه أو ~~تصح الصلاة خلفه # ( الثالث ( ان الأئمة متفقون على كراهة الصلاة خلف الفاسق لكن اختلفوا في ~~صحتها فقيل لا تصح كقول مالك وأحمد في احدى الروايتين عنهما وقيل بل تصح ~~كقول أبى حنيفة والشافعى والرواية الأخرى عنهما ولم يتنازعوا أنه لا ينبغى ~~توليته # ( الرابع ( أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب الانكار على هؤلاء الفساق ~~الذين يسكرون من الحشيشة بل الذى عليه جمهور الأئمة أن قليلها وكثيرها حرام ~~بل الصواب أن آكلها يحد وانها نجسة فاذا كان آكلها لم يغسل منها فمه كانت ~~صلاته باطلة ولو غسل فمه PageV23P358 منها أيضا فهي خمر وفى الحديث ( من ~~شرب الخمر لم تقبل منه صلاة أربعين يوما فان تاب تاب الله عليه فان عاد ~~فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوما فان تاب تاب الله عليه فان عاد فشربها ~~في الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل يا ~~رسول الله وما طينة الخبال قال عصارة أهل النار ( واذا كانت صلاته تارة ~~باطلة وتارة غير مقبولة فانه يجب الانكار عليه باتفاق المسلمين فمن لم ينكر ~~عليه كان عاصيا لله ورسوله # ومن منع المنكر عليه فقد حاد الله ورسوله ففى سنن أبى داود عن النبى ( ( ~~أنه قال ( من حالت شفاعته دون حد من حدود ms7074 الله فقد ضاد الله في أمره ومن ~~قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ومن خاصم في ~~باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ( فالمخاصمون ( عنه مخاصمون ( ~~في باطل وهم في سخط الله والحائلون ذلك الانكار عليه مضادون لله في أمره ~~وكل من علم حاله ولم ينكر عليه بحسب قدرته فهو عاص لله ورسوله والله أعلم ~~PageV23P359 ### |||| وسئل # عن خطيب قد حضر صلاة الجمعة فامتنعوا عن الصلاة خلفه لأجل بدعة فيه فما ~~هي البدعة التى تمنع الصلاة خلفه ### ||||| فأجاب # ليس لهم أن يمنعوا أحدا من صلاة العيد والجمعة وان كان الامام ~~فاسقا وكذلك ليس لهم ترك الجمعة ونحوها لأجل فسق الامام بل عليهم فعل ذلك ~~خلف الامام وان كان فاسقا وان عطلوها لأجل فسق الامام كانوا من أهل البدع ~~وهذا مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما # وانما تنازع العلماء في الامام اذا كان فاسقا أو مبتدعا وأمكن أن يصلى ~~خلف عدل فقيل تصح الصلاة خلفه وان كان فاسقا وهذا مذهب الشافعى وأحمد في ~~احدى الروايتين وأبى حنيفة وقيل لا تصح خلف الفاسق اذا أمكن الصلاة خلف ~~العدل وهو احدى الروايتين عن مالك وأحمد والله أعلم PageV23P360 ### |||| وسئل # عن امام يقول يوم الجمعة على المنبر في خطبته ان الله تكلم بكلام أزلى ~~قديم ليس بحرف ولا صوت فهل تسقط الجمعة خلفه أم لا وما يجب عليه ### ||||| فأجاب # الذى اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير ~~مخلوق وان هذا القرآن الذى يقرأه الناس هو كلام الله يقرأه الناس بأصواتهم ~~فالكلام كلام البارى والصوت صوت القارئ والقرآن جميعه كلام الله حروفه ~~ومعانيه # واذا كان الامام مبتدعا فانه يصلى خلفه الجمعة وتسقط بذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن امام قتل بن عمه فهل تصح الصلاة خلفه أم لا ### ||||| فأجاب # اذا كان هذا الرجل قد قتل مسلما متعمدا بغير حق PageV23P361 فينبغى ~~أن يعزل عن الامامة ولا يصلى خلفه الا لضرورة مثل أن لا يكون ms7075 هناك امام ~~غيره لكن اذا تاب وأصلح فان الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ~~فاذا تاب التوبة الشرعية جاز أن يقر على امامته والله أعلم ### |||| وسئل أيضا # عن امام مسجد قتل فهل يجوز أن يصلى خلفه ### ||||| فأجاب # اذا كان قد قتل القاتل أو لا ثم عمدوا أقارب المقتول إلى أقارب ~~القاتل فقتلوهم فهؤلاء عداة من أظلم الناس وفيهم نزل قوله تعالى ( فمن ~~اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ( ولهذا قالت طائفة من السلف ان هؤلاء ~~القاتلين يقتلهم السلطان حدا ولا يعفى عنهم وجمهور العلماء يجعلون أمرهم ~~إلى أولياء المقتول ومن كان من الخطباء يدخل في مثل هذه الدماء فانه من أهل ~~البغى والعدوان الذين يتعين عزلهم ولا يصلح أن يكون اماما للمسلمين بل يكون ~~اماما للظالمين المعتدين والله أعلم PageV23P362 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن امام المسلمين خبب امرأة على زوجها حتى فارقته وصار يخلو بها فهل يصلى ~~خلفه وما حكمه ### ||||| فأجاب # في المسند عن النبى ( ( أنه قال ( ليس منا من خبب امرأة على زوجها ~~أو عبدا على مواليه ( فسعى الرجل في التفريق بين المرأة وزوجها من الذنوب ~~الشديدة وهو من فعل السحرة وهو من أعظم فعل الشياطين لا سيما اذا كان ~~يخببها على زوجها ليتزوجها هو مع اصراره على الخلوة بها ولا سيما اذا دلت ~~القرائن على غير ذلك ومثل هذا لا ينبغى أن يولى امامة المسلمين الا أن يتوب ~~فان تاب تاب الله عليه فاذا أمكن الصلاة خلف عدل مستقيم السيرة فينبغى أن ~~يصلى خلفه فلا يصلى خلف من ظهر فجوره لغير حاجة والله أعلم PageV23P363 ### |||| وسئل رحمه الله # عن امام يقرأ على الجنائز هل تصح الصلاة خلفه ### ||||| فأجاب # اذا أمكنه أن يصلى ~~خلف من يصلى صلاة كاملة وهو من أهل الورع فالصلاة خلفه أولى من الصلاة خلف ~~من يقرأ على الجنائز فان هذا مكروه من وجهين من وجه أن القراءة على الجنائز ~~مكروهة في المذاهب الأربعة وأخذ الأجرة عليها أعظم كراهة فان الاستئجار على ~~التلاوة لم يرخص ms7076 فيه أحد من العلماء والله أعلم ### |||| وسئل # عن امام يبصق في المحراب هل تجوز الصلاة خلفه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ينبغى أن ينهى عن ذلك وفى سنن أبى داود عن النبى ( ( أنه ~~عزل اماما لأجل بصاقه في القبلة وقال لأهل المسجد لا تصلوا خلفه فجاء إلى ~~النبى ( صلى الله PageV23P364 عليه وسلم ( فقال يا رسول الله أنت نهيتهم أن ~~يصلوا خلفى قال نعم انك قد آذيت الله ورسوله ( فان عزل عن الامامة لأجل ذلك ~~أو انتهى الجماعة أن يصلوا خلفه لأجل ذلك كان ذلك سائغا والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل فقيه عالم خاتم للقرآن وبه عذر يده الشمال خلفه من حد الكتف وله ~~أصابع لحم وقد قالوا ان الصلاة غير جائزة خلفه ### ||||| فأجاب # اذا كانت يداه يصلان إلى الأرض في السجود فانه تجوز الصلاة خلفه ~~بلا نزاع وانما النزاع فيما اذا كان أقطع اليدين والرجلين ونحو ذلك واما ~~اذا أمكنه السجود على الأعضاء السبعة التى قال فيها النبى ( ( ( أمرت أن ~~أسجد على سبعة أعظم الجبهة واليدين والركبتين والقدمين ( فان السجود تام ~~وصلاة من خلفه تامة والله أعلم PageV23P365 ### |||| وسئل رحمه الله # عن الخصى هل تصح الصلاة خلفه ### ||||| فأجاب # الحمد لله تصح خلفه كما تصح خلف الفحل باتفاق أئمة المسلمين وهو ~~أحق بالامامة ممن هو دونه فاذا كان أفضل من غيره في العلم والدين كان مقدما ~~عليه في الامامة وان كان المفضول فحلا والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل ما عنده ما يكفيه وهو يصلى بالأجرة فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الاستئجار على الامامة لا يجوز في المشهور من مذهب أبى حنيفة ومالك ~~وأحمد وقيل يجوز وهو مذهب الشافعى ورواية عن أحمد وقول في مذهب مالك ~~والخلاف في الأذان أيضا PageV23P366 # لكن المشهور من مذهب مالك أن الاستئجار يجوز على الأذان وعلى الامامة معه ~~ومنفردة وفى الاستئجار على هذا ونحوه كالتعليم على قول ثالث في مذهب أحمد ~~وغيره أنه يجوز مع الحاجة ولا يجوز بدون حاجة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ms7077 معرف على المراكب وبنى مسجدا وجعل للامام في كل شهر أجرة من عنده ~~فهل هو حلال أم حرام وهل تجوز الصلاة في المسجد أم لا ### ||||| فأجاب # ان كان يعطى هذه الدراهم من أجرة المراكب التى له جاز أخذها وان ~~كان يعطيها مما يأخذ من الناس بغير حق فلا والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل امام بلد وليس هو من أهل العدالة وفى البلد رجل آخر يكره الصلاة ~~خلفه فهل تصح صلاته خلفه أم لا واذا لم يصل PageV23P367 خلفه وترك الصلاة ~~مع الجماعة هل يأثم بذلك والذى يكره الصلاة خلفه يعتقد أنه لا يصحح الفاتحة ~~وفى البلد من هو أقرأ منه وأفقه ### ||||| فأجاب رحمه الله # الحمد لله أما كونه لا يصحح الفاتحة فهذا بعيد جدا فان ~~عامة الخلق من العامة والخاصة يقرؤون الفاتحة قراءة تجزئ بها الصلاة فان ~~اللحن الخفى واللحن الذى لا يحيل المعنى لا يبطل الصلاة وفى الفاتحة قراءات ~~كثيرة قد قرئ بها فلو قرأ ( عليهم ( و ( عليهم ( عليهم أو قرأ ( الصراط ( ~~والسراط والزراط ( فهذه قراءات مشهورة # ولو قرأ ( الحمد لله ( و ( الحمد لله ( أو قرأ ( رب العالمين ( أو ( رب ~~العالمين ( أو قرأ بالكسر ونحو ذلك لكانت قراءات قد قرئ بها وتصح الصلاة ~~خلف من قرأ بها ولو قرأ ( رب العالمين ( بالضم أو قرأ ( مالك يوم الدين ( ~~بالفتح لكان هذا لحنا لا يحيل المعنى ولا يبطل الصلاة # وان كان اماما راتبا وفى البلد من هو أقرأ منه صلى خلفه فان النبى ( ( ~~قال ( لا يؤمن الرجل في سلطانه ( وان كان متظاهرا بالفسق وليس هناك من يقيم ~~الجماعة غيره صلى PageV23P368 خلفه أيضا ولم يترك الجماعة وان تركها فهو ~~آثم مخالف للكتاب والسنة ولما كان عليه السلف ### |||| وسئل # عن رجل صلى بغير وضوء اماما وهو لا يعلم أو عليه نجاسة لا يعلم بها فهل ~~صلاته جائزة أم لا وان كانت صلاته جائزة فهل صلاة المأمومين خلفه تصح ~~أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # أما المأموم اذا لم يعلم بحدث الامام أو النجاسة التى عليه حتى ~~قضيت ms7078 الصلاة فلا اعادة عليه عند الشافعى وكذلك عند مالك وأحمد اذا كان ~~الامام غير عالم ويعيد وحده اذا كان محدثا وبذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين ~~فانهم صلوا بالناس ثم رأوا الجنابة بعد الصلاة فأعادوا ولم يأمروا الناس ~~بالاعادة والله أعلم PageV23P369 # وقال شيخ الإسلام ( ### ||| فصل # ( # في انعقاد صلاة المأموم بصلاة الامام الناس فيه على ثلاثة أقوال # ( أحدها ( أنه لا ارتباط بينهما وان كل امرئ يصلى لنفسه وفائدة الائتمام ~~في تكثير الثواب بالجماعة وهذا هو الغالب على أصل الشافعى لكن قد عورض ~~بمنعه اقتداء القارئ بالأمى والرجل بالمرأة وابطال صلاة المؤتم بمن لا صلاة ~~له كالكافر والمحدث وفى هذه المسائل كلام ليس هذا موضعه ومن الحجة فيه قول ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ( في الآئمة ( إن أحسنوا فلكم ولهم وإن اساؤا ~~فلكم وعليهم ( # ( والقول الثانى ( انها منعقدة بصلاة الامام وفرع عليها مطلقا فكل خلل ~~حصل في صلاة الامام يسرى إلى صلاة المأموم لقوله ( ( الامام ضامن ( وعلى ~~هذا فالمؤتم بالمحدث PageV23P370 الناسى لحدثه يعيد كما يعيد امامه وهذا ~~مذهب أبى حنيفة ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب حتى اختار بعض هؤلاء ~~كمحمد بن الحسن أن لا يأتم المتوضئ بالمتيمم لنقص طهارته عنه # ( والقول الثالث ( أنها منعقدة بصلاة الامام لكن انما يسرى النقص إلى ~~صلاة المأموم مع عدم العذر منهما فأما مع العذر فلا يسرى النقص فاذا كان ~~الامام يعتقد طهارته فهو معذور في الامامة والمأموم معذور في الائتمام وهذا ~~قول مالك وأحمد وغيرهما وعليه يتنزل ما يؤثر عن الصحابة في هذه المسألة وهو ~~أوسط الأقوال كما ذكرنا في نفس صفة الامام الناقص ان حكمه مع الحاجة يخالف ~~حكمه مع عدم الحاجة فحكم صلاته كحكم نفسه # وعلى هذا أيضا ينبنى اقتداء المؤتم بامام قد ترك ما يعتقده المأموم من ~~فرائض الصلاة اذا كان الامام متأولا تأويلا يسوغ كأن لا يتوضأ من خروج ~~النجاسات ولا من مس الذكر ونحو ذلك فان اعتقاد الامام هنا صحة صلاته ~~كاعتقاده صحتها مع عدم العلم بالحدث وأولى فانه هناك تجب ms7079 عليه الاعادة وهذا ~~أصل نافع أيضا # ويدل على صحة هذا القول ما أخرجه البخارى في صحيحه عن أبى هريرة رضى الله ~~عنه أن رسول الله ( ( قال ( يصلون PageV23P371 لكم فان أصابوا فلكم ولهم ~~وان أخطأوا فلكم وعليهم ( فهذا نص في أن الامام اذا أخطأ كان درك خطئه عليه ~~لا على المأمومين فمن صلى معتقدا لطهارته وكان محدثا أو جنبا أو كانت عليه ~~نجاسة وقلنا عليه الاعادة للنجاسة كما يعيد من الحدث فهذا الامام مخطئ في ~~هذا الإعتقاد فيكون خطؤه عليه فيعيد صلاته وأما المأمومون فلهم هذه الصلاة ~~وليس عليهم من خطئه شيء كما صرح به رسول الله ( ( وهذا نص في اجزاء صلاتهم ~~وكذلك لو ترك الامام بعض فرائض الصلاة بتأويل أخطأ فيه عند المأموم مثل أن ~~يمس ذكره ويصلى أو يحتجم ويصلى أو يترك قراءة البسملة أو يصلى وعليه نجاسة ~~لا يعفى عنها عند المأموم ونحو ذلك فهذا الامام أسوأ أحواله أن يكون مخطئا ~~إن لم يكن مصيبا فتكون هذه الصلاة للمأموم وليس عليه من خطأ امامه شيء # وكذلك روى أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال سمعت رسول ~~الله ( ( يقول ( من أم الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم ومن انتقص ~~من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم ( لكن لم يذكر أبو داود ( وأتم الصلاة ( فهذا ~~الانتقاص يفسره الحديث الأول أنه الخطأ ومفهوم قوله ( وإن أخطأ فعليه ولا ~~عليهم ( أنه اذا تعمد لم يكن كذلك ولاتفاق المسلمين على أن من يترك الأركان ~~المتفق عليها لا تنبغى الصلاة خلفه PageV23P372 ### |||| وسئل # عن رجل يؤم قوما وأكثرهم له كارهون ### ||||| فأجاب # ان كانوا يكرهون هذا الامام لأمر في دينه مثل كذبه أو ظلمه أو جهله ~~أو بدعته ونحو ذلك ويحبون الآخر لأنه أصلح في دينه منه مثل أن يكون أصدق ~~وأعلم وأدين فانه يجب أن يولى عليهم هذا الامام الذى يحبونه وليس لذلك ~~الامام الذى يكرهونه أن يؤمهم كما في الحديث عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~( أنه قال ( ثلاثة لا ms7080 تجاوز صلاتهم آذانهم رجل أم قوما وهم له كارهون ورجل ~~لا يأتى الصلاة الا دبارا ورجل اعتبد محررا ( والله أعلم # ( ### |||| وسئل # عن أهل المذاهب الأربعة هل تصح صلاة بعضهم خلف بعض أم لا وهل قال ~~أحد من السلف إنه لا يصلى بعضهم خلف بعض ومن قال ذلك فهل هو مبتدع أم لا ~~واذا فعل الامام ما يعتقد PageV23P373 ان صلاته معه صحيحة والمأموم يعتقد ~~خلاف ذلك مثل ان يكون الامام تقيأ أو رعف أو احتجم أو مس ذكره أو مس النساء ~~بشهوة أو بغير شهوة أو قهقه في صلاته أو أكل لحم الابل وصلى ولم يتوضأ ~~والمأموم يعتقد وجوب الوضوء من ذلك أو كان الامام لا يقرأ البسملة أو لم ~~يتشهد التشهد الآخر أو لم يسلم من الصلاة والمأموم يعتقد وجوب ذلك فهل تصح ~~صلاة المأموم والحال هذه واذا شرط في إمام المسجد أن يكون على مذهب معين ~~فكان غيره أعلم بالقرآن والسنة منه وولى فهل يجوز ذلك وهل تصح الصلاة خلفه ~~أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم تجوز صلاة بعضهم خلف بعض كما كان الصحابة والتابعون ~~لهم باحسان ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلى بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في ~~هذه المسائل المذكورة وغيرها ولم يقل أحد من السلف انه لا يصلى بعضهم خلف ~~بعض ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة واجماع سلف الأمة ~~وأئمتها # وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم منهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا ~~يقرأها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ~~ومنهم من لا يقنت ومنهم PageV23P374 من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ~~ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ~~ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من القهقهة في صلاته ومنهم من لا ~~يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الابل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ~~ومع هذا فكان بعضهم يصلى ms7081 خلف بعض # مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعى وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل ~~المدينة من المالكية وان كانوا لا يقرؤون البسملة لا سرا ولا جهرا وصلى أبو ~~يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بانه لا يتوضأ فصلى خلفه أبو يوسف ~~ولم يعد # وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف فقيل له فان كان الامام ~~قد خرج منه الدم ولم يتوضأ تصلى خلفه فقال كيف لا أصلى خلف سعيد بن المسيب ~~ومالك # وبالجملة فهذه المسائل لها صورتان # ( احداهما ( أن لا يعرف المأموم أن امامه فعل ما يبطل الصلاة فهنا يصلى ~~المأموم خلفه باتفاق السلف والأئمة الأربعة وغيرهم وليس في هذا خلاف متقدم ~~وانما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين فزعم PageV23P375 أن الصلاة خلف ~~الحنفى لا تصح وان أتى بالواجبات لأنه اداها وهو لا يعتقد وجوبها وقائل هذا ~~القول إلى أن يستتاب كما يستتاب أهل البدع أحوج منه إلى أن يعتد بخلافه ~~فانه ما زال المسلمون على عهد النبى ( ( وعهد خلفائه يصلى بعضهم ببعض وأكثر ~~الأئمة لا يميزون بين المفروض والمسنون بل يصلون الصلاة الشرعية ولو كان ~~العلم بهذا واجبا لبطلت صلوات أكثر المسلمين ولم يمكن الاحتياط فان كثيرا ~~من ذلك فيه نزاع وأدلة ذلك خفية وأكثر ما يمكن المتدين أن يحتاط من الخلاف ~~وهو لا يجزم بأحد القولين فان كان الجزم بأحدهما واجبا فأكثر الخلق لا ~~يمكنهم الجزم بذلك وهذا القائل نفسه ليس معه الا تقليد بعض الفقهاء ولو ~~طولب بأدلة شرعية تدل على صحة قول امامه دون غيره لعجز عن ذلك ولهذا لا ~~يعتد بخلاف مثل هذا فانه ليس من أهل الاجتهاد # ( الصورة الثانية ( أن يتيقن المأموم أن الامام فعل ما لا يسوغ عنده مثل ~~أن يمس ذكره أو النساء لشهوة أو يحتجم أو يفتصد أو يتقيأ ثم يصلى بلا وضوء ~~فهذه الصورة فيها نزاع مشهور # فأحد القولين لا تصح صلاة المأموم لأنه يعتقد بطلان صلاة امامه كما قال ~~ذلك من قاله من أصحاب أبى حنيفة والشافعى ms7082 وأحمد PageV23P376 # ( والقول الثانى ( تصح صلاة المأموم وهو قول جمهور السلف وهو مذهب مالك ~~وهو القول الآخر في مذهب الشافعى وأحمد بل وأبى حنيفة وأكثر نصوص أحمد على ~~هذا وهذا هو الصواب لما ثبت في الصحيح وغيره عن النبى ( ( أنه قال ( يصلون ~~لكم فان أصابوا فلكم ولهم وان أخطئوا فلكم وعليهم ( فقد بين ( ( أن خطأ ~~الامام لا يتعدى إلى المأموم ولأن المأموم يعتقد أن ما فعله الامام سائغ له ~~وأنه لا اثم عليه فيما فعل فانه مجتهد أو مقلد مجتهد وهو يعلم أن هذا قد ~~غفر الله له خطأه فهو يعتقد صحة صلاته وأنه لا يأثم اذا لم يعدها بل لو حكم ~~بمثل هذا لم يجز له نقض حكمه بل كان ينفذه واذا كان الامام قد فعل باجتهاده ~~فلا يكلف الله نفسا الا وسعها والمأموم قد فعل ما وجب عليه كانت صلاة كل ~~منهما صحيحة وكان كل منهما قد أدى ما يجب عليه وقد حصلت موافقة الامام في ~~الأفعال الظاهرة # وقول القائل ان المأموم يعتقد بطلان صلاة الامام خطأ منه فان المأموم ~~يعتقد أن الامام فعل ما وجب عليه وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه وأن لا ~~تبطل صلاته لأجل ذلك # ولو أخطأ الامام والمأموم فسلم الامام خطأ واعتقد المأموم جواز ~~PageV23P377 متابعته فسلم كما سلم المسلمون خلف النبى ( ( لما سلم من ~~اثنتين سهوا مع علمهم بأنه انما صلى ركعتين وكما لو صلى خمسا سهوا فصلوا ~~خلفه خمسا كما صلى الصحابة خلف النبى ( ( لما صلى بهم خمسا فتابعوه مع ~~علمهم بأنه صلى خمسا لاعتقادهم جواز ذلك فانه تصح صلاة المأموم في هذه ~~الحال فكيف اذا كان المخطئ هو الامام وحده وقد اتفقوا كلهم على أن الامام ~~لو سلم خطأ لم تبطل صلاة المأموم اذا لم يتابعه ولو صلى خمسا لم تبطل صلاة ~~المأموم اذا لم يتابعه فدل ذلك على أن ما فعله الامام خطأ لا يلزم فيه ~~بطلان صلاة المأموم والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # هل تصح صلاة المأموم خلف ms7083 من يخالف مذهبه ### ||||| فأجاب # أما صلاة الرجل خلف من يخالف مذهبه فهذه تصح باتفاق الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان والأئمة الأربعة ولكن النزاع في صورتين # ( إحداهما ( خلافها شاذ وهو ما اذا أتى الامام بالواجبات كما يعتقده ~~PageV23P378 المأموم لكن لا يعتقد وجوبها مثل التشهد الأخير اذا فعله من لم ~~يعتقد وجوبه والمأموم يعتقد وجوبه فهذا فيه خلاف شاذ والصواب الذى عليه ~~السلف وجمهور الخلف صحة الصلاة # ( والمسألة الثانية ( فيها نزاع مشهور اذا ترك الامام ما يعتقد المأموم ~~وجوبه مثل أن يترك قراءة البسملة سرا وجهرا والمأموم يعتقد وجوبها أو مثل ~~أن يترك الوضوء من مس الذكر أو لمس النساء أو أكل لحم الابل أو القهقهة أو ~~خروج النجاسات أو النجاسة النادرة والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك فهذا ~~فيه قولان أصحهما صحة صلاة المأموم وهو مذهب مالك وأصرح الروايتين عن أحمد ~~في مثل هذه المسائل وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعى بل هو المنصوص عنه ~~فانه كان يصلى خلف المالكية الذين لا يقرؤون البسملة ومذهبه وجوب قراءتها ~~والدليل على ذلك ما رواه البخارى وغيره عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~أنه قال ( يصلون لكم فان أصابوا فلكم ولهم وان أخطأوا فلكم وعليهم ( فجعل ~~خطأ الامام عليه دون المأموم وهذه المسائل ان كان مذهب الامام فيها هو ~~الصواب فلا نزاع وان كان مخطئا فخطؤه مختص به والمنازع يقول المأموم يعتقد ~~بطلان صلاة امامه وليس كذلك بل يعتقد أن الامام يصلى PageV23P379 باجتهاد ~~أو تقليد ان اصاب فله أجران وان أخطأ فله أجر وهو ينفذ حكم الحاكم في مسائل ~~الاجتهاد وهذا أعظم من اقتدائه به فان كان المجتهد حكمه باطلا لم يجز انفاذ ~~الباطل ولو ترك الامام الطهارة ناسيا لم يعد المأموم عند الجمهور كما ثبت ~~عن الخلفاء الراشدين مع أن الناسى عليه اعادة الصلاة والمتأول لا اعادة ~~عليه # فاذا صحت الصلاة خلف من عليه الاعادة فلأن تصح خلف من لا اعادة عليه أولى ~~والامام يعيد اذا ذكر دون المأموم ولم يصدر من الامام ولا ms7084 من المأموم تفريط ~~لأن الامام لا يرجع عن اعتقاده بقوله بخلاف ما اذا رأى على الامام نجاسة ~~ولم يحذره منها فان المأموم هنا مفرط فاذا صلى يعيد لأن ذلك لتفريطه وأما ~~الامام فلا يعيد في هذه الصورة في أصح قولى العلماء كقول مالك والشافعى في ~~القديم وأحمد في أصح الروايتين عنه وعلم المأموم بحال الامام في صورة ~~التأويل يقتضى أنه يعلم أنه مجتهد مغفور له خطؤه فلا تكون صلاته باطلة وهذا ~~القول هو الصواب المقطوع به والله أعلم PageV23P380 ### |||| وسئل # هل يقلد الشافعى حنفيا وعكس ذلك في الصلاة الوترية وفى جمع المطر أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم يجوز للحنفى وغيره أن يقلد من يجوز الجمع من المطر ~~لا سيما وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعى وأحمد # وقد كان عبد الله بن عمر يجمع مع ولاة الأمور بالمدينة اذا جمعوا في ~~المطر وليس على أحد من الناس أن يقلد رجلا بعينه في كل ما يأمر به وينهى ~~عنه ويستحبه الا رسول الله ( ( وما زال المسلمون يستفتون علماء المسلمين ~~فيقلدون تارة هذا وتارة هذا فاذا كان المقلد يقلد في مسألة يراها اصلح في ~~دينه أو القول بها أرجح أو نحو ذلك جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين ~~لم يحرم ذلك لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعى ولا أحمد # وكذلك الوتر وغيره ينبغى للمأموم أن يتبع فيه امامه فان PageV23P381 قنت ~~قنت معه وان لم يقنت لم يقنت وان صلى بثلاث ركعات موصولة فعل ذلك وان فصل ~~فصل أيضا ومن الناس من يختار للمأموم أن يصل اذا فصل امامه والأول أصح ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عما اذا أدرك مع الامام بعض الصلاة وقام ليأتى بما فاته فائتم به آخرون ~~هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # اذا أدرك مع الامام بعضا وقام يأتى بما فاته فائتم به آخرون جاز ~~ذلك في أظهر قولى العلماء ### |||| وسئل # عن امام يصلى صلاة الفرض بالناس ثم يصلى بعدها صلاة أخرى ويقول هذه عن ~~صلاة فاتتكم هل يسوغ هذا ### ||||| فأجاب # الحمد ms7085 لله ليس للامام الراتب أن يعتاد أن ~~يصلى بالناس الفريضة مرتين فان هذه بدعة مخالفة لسنة رسول الله ( صلى الله ~~PageV23P382 عليه وسلم ( وسنة خلفائه الراشدين ولم يستحب ذلك أحد من أئمة ~~المسلمين الأربعة وغيرهم لا أبى حنيفة ولا مالك ولا الشافعى ولا أحمد بن ~~حنبل بل هم متفقون على أن الامام اذا أعاد بأولئك المأمومين الصلاة مرتين ~~دائما ان هذا بدعة مكروهة ومن فعل ذلك على وجه التقرب كان ضالا # وانما تنازعوا في الامام اذا صلى مرة ثانية بقوم آخرين غير الأولين # منهم من يجيز ذلك كالشافعى وأحمد بن حنبل في احدى الروايتين ومنهم من ~~يحرم ذلك كأبى حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه # ومن عليه فوائت فانه يقضيها بحسب الامكان أما كون الامام يعيد الصلاة ~~دائما مع الصلاة الحاضرة وأن يصلوا خلفه فهذا ليس بمشروع وان قال انى أفعل ~~ذلك لأجل ما عليهم من الفوائت وأقل ما في هذا أنه ذريعة إلى أن يتشبه به ~~الأئمة فتبقى به سنة يربو عليها الصغير وتغير بسببها شريعة الاسلام في ~~البوادى ومواضع الجهل والله أعلم PageV23P383 # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ( ### ||| فصل # ( # وأما من أدى فرضه اماما أو مأموما أو منفردا فهل يجوز أن يؤم في تلك ~~الصلاة لمن يؤدى فرضه مثل أن يصلى الامام مرتين هذه فيها نزاع مشهور وفيها ~~ثلاث روايات عن أحمد # ( احداها ( أنه لا يجوز وهى اختيار كثير من أصحابه ومذهب أبى حنيفة ومالك # ( والثانية ( يجوز مطلقا وهى اختيار بعض أصحابه كالشيخ أبى محمد المقدسى ~~وهى مذهب الشافعى ( والثالثة ( يجوز عند الحاجة كصلاة الخوف قال الشيخ وهو ~~اختيار جدنا أبى البركات لأن النبى ( ( صلى بأصحابه بعض الأوقات صلاة الخوف ~~مرتين وصلى بطائفة وسلم ثم صلى بطائفة أخرى وسلم PageV23P384 ومن جوز ذلك ~~مطلقا احتج بحديث معاذ المعروف ( أنه كان يصلى خلف النبى ( ( ثم ينطلق فيؤم ~~قومه ( وفى رواية ( فكانت الأولى فرضا له والثانية نفلا ( # والذين منعوا ذلك ليس لهم حجة مستقيمة فانهم احتجوا بلفظ لا يدل على محل ms7086 ~~النزاع كقوله ( انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ( وبأن الامام ~~ضامن ( فلا تكون صلاته أنقص من صلاة المأموم وليس في هذين ما يدفع تلك ~~الحجج والاختلاف المراد به الاختلاف في الأفعال كما جاء مفسرا والا فيجوز ~~للمأموم أن يعيد الصلاة فيكون متنفلا خلف مفترض كما هو قول جماهير العلماء ~~وقد دل على ذلك قوله في الحديث الصحيح ( يكون بعدى امراء يؤخرون الصلاة عن ~~وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة ( وأيضا فانه صلى ~~بمسجد الخيف فرأى رجلين لم يصليا فقال ( ما منعكما أن تصليا معنا قالا قد ~~صلينا في رحالنا فقال اذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا ~~معهم فانها لكما نافلة ( وفى السنن أنه رأى رجلا يصلى وحده فقال ( ألا رجل ~~يتصدق على هذا فيصلى معه ( فقد ثبت صلاة المتنفل خلف المفترض في عدة أحاديث ~~وثبت أيضا بالعكس فعلم أن موافقة الامام في نية الفرض أو PageV23P385 النفل ~~ليست بواجبة والامام ضامن وان كان متنفلا # ومن هذا الباب صلاة العشاء الآخرة خلف من يصلى قيام رمضان يصلى خلفه ~~ركعتين ثم يقوم فيتم ركعتين فأظهر الأقوال جواز هذا كله لكن لا ينبغى أن ~~يصلى بغيرهم ثانيا الا لحاجة أو مصلحة مثل أن يكون ليس هناك من يصلح ~~للامامة غيره أو هو أحق الحاضرين بالامامة لكونه أعلمهم بكتاب الله وسنة ~~رسوله أو كانوا مستوين في العلم وهو أسبقهم إلى هجرة ما حرم الله ورسوله أو ~~أقدمهم سنا فانه قد ثبت في الصحيح عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ~~( يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ~~فان كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم ~~سنا ( فقدم النبى ( ( بالفضيلة في العلم بالكتاب والسنة فان استووا في ~~العلم قدم بالسبق إلى العمل الصالح وقدم السابق باختياره وهو المهاجر على ~~من سبق بخلق الله له وهو الكبير السن # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( المسلم من ms7087 سلم المسلمون من ~~لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ( فمن سبق إلى هجر السيئات ~~بالتوبة منها فهو أقدمهم هجرة فيقدم في الامامة فاذا حضر من هو أحق ~~بالامامة وكان قد صلى PageV23P386 فرضه فانه يؤمهم كما أم النبى ( ( لطائفة ~~بعد طائفة من أصحابه مرتين وكما كان معاذ يصلى ثم يؤم قومه أهل قباء لأنه ~~كان أحقهم بالامامة وقد ادعى بعضهم أن حديث معاذ منسوخ ولم يأتوا على ذلك ~~بحجة صحيحة وما ثبت من الأحكام بالكتاب والسنة لا يجوز دعوى نسخه بأمور ~~محتملة للنسخ وعدم النسخ وهذا باب واسع قد وقع في بعضه كثير من الناس كما ~~هو مبسوط في غير هذا الموضع # وكذلك الصلاة على الجنازة اذا صلى عليها الرجل اماما ثم قدم آخرون فله أن ~~يصلى بالطائفة الثانية اذا كان أحقهم بالامامة وله اذا صلى غيره على ~~الجنازة مرة ثانية أن يعيدها معهم تبعا كما يعيد الفريضة تبعا مثل أن يصلى ~~في بيته ثم يأتى مسجدا فيه امام راتب فيصلى معهم فان هذا مشروع في مذهب ~~الامام أحمد بلا نزاع وكذلك مذهبه فيمن لم يصل على الجنازة فله أن يصلى ~~عليها بعد غيره وله أن يصلى على القبر اذ فاتته الصلاة هذا مذهب فقهاء ~~الحديث قاطبة كالشافعى وأحمد واسحق وغيرهم ومالك لا يرى الاعادة وأبو حنيفة ~~لا يراها الا للولى # وأما اذا صلى هو على الجنازة ثم صلى عليها غيره فهل له أن يعيدها مع ~~الطائفة الثانية فيه وجهان في مذهب أحمد قيل PageV23P387 لا يعيدها قالوا ~~لأن الثانية نفل وصلاة الجنازة لا يتنفل بها وقيل بل له أن يعيدها وهو ~~الصحيح فان النبى ( ( لما صلى على قبر منبود صلى معه من كان صلى عليها أولا ~~واعادة صلاة الجنازة من جنس اعادة الفريضة فتشرع حيث شرعها الله ورسوله ~~وعلى هذا فهل يؤم على الجنازة مرتين على روايتين والصحيح أن له ذلك والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن رجل صلى مع الامام ثم حضر جماعة أخرى فصلى بهم اماما فهل يجوز ms7088 ذلك أم ~~لا ### ||||| فأجاب # هذه المسألة هي ( مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل ( فان الامام كان ~~قد أدى فرضه فاذا صلى بغيره اماما فهذا جائز في مذهب الشافعى وأحمد في احدى ~~الروايتين عنه وفيها قول ثالث في مذهب أحمد أنه يجوز للحاجة ولا يجوز لغير ~~حاجة فاذا كان ذلك الامام هو القارئ وهو المستحق للامامة دونهم ففعل ذلك في ~~مثل هذه الحال حسن والله أعلم PageV23P388 ( ### |||| وسئل # عن امام مسجدين هل يجوز الاقتداء به أم لا ### ||||| فأجاب # اذا أمكن أن يرتب في كل مسجد امام راتب فلا يصلح أن يرتب امام في ~~مسجدين فاذا صلى اماما في موضعين ففى صحة الصلاة الثانية لمن يؤدى فريضته ~~خلاف بين العلماء فمذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد في احدى الروايتين أن الفرض ~~لا يسقط عن أهل المسجد الثانى والله أعلم # ( ### |||| وسئل # عمن يصلى الفرض خلف من يصلى نفلا ### ||||| فأجاب # يجوز ذلك في أظهر قولى العلماء وهو مذهب الشافعى وأحمد في احدى ~~الروايتين عنه PageV23P389 ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عما يفعله الرجل شاكا في وجوبه على طريق الاحتياط هل يأتم به المفترض ### ||||| فأجاب # قياس المذهب أنه يصح لأن الشاك يؤديها بنية الوجوب اذا كما قلنا في ~~نية الاغماء وان لم نقل بوجوب الصوم كما قلنا فيمن شك في انتقاض وضوئه ~~يتوضأ # وكذلك صور الشك في وجوب طهارة أو صيام أو زكاة أو صلاة أو نسك أو كفارة ~~أو غير ذلك بخلاف ما لو اعتقد الوجوب ثم تبين له عدمه فان هذه خرج فيها ~~خلاف لأنها في الحقيقة نفل لكنها في اعتقاده واجبة والمشكوك فيها هي في ~~قصده واجبة والاعتقاد متردد PageV23P390 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن وجد جماعة يصلون الظهر فأراد أن يقضى معهم الصبح فلما قام الامام ~~للركعة الثالثة فارقه بالسلام فهل تصح هذه الصلاة وعلى أى مذهب تصح ### ||||| فأجاب # هذه الصلاة لا تصح في مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد في احدى ~~الروايتين عنه وتصح في مذهب الشافعى وأحمد في الرواية الأخرى والله أعلم # ( ### |||| وسئل # عمن وجد الصلاة قائمة ms7089 فنوى الإئتمام وظن أن إمامه زيد فتبين أنه عمرو هل ~~يضره ذلك وكذلك لو ظن الإمام في المأموم مثل ذلك ### ||||| فأجاب # إذا كان مقصوده أن يصلي خلف إمام تلك الجماعة كائنا PageV23P391 من ~~كان وظن أنه زيد فتبين أنه عمرو صحت صلاته كما لو إعتقد أنه أبيض فتبين أنه ~~أسود أو إعتقد أن عليه كساء فتبين أنه عباءة ونحو ذلك من خطأ الظن الذى لا ~~يقدح في الإئتمام # وإن كان مقصوده أن يصلى خلف زيد ولو علم أنه عمرو لم يصل خلفه وكان عمرو ~~فهذا لم يأتم به وإنما الأعمال بالنيات # وهل هو بمنزلة من صلى بلا إئتمام أو تبطل صلاته فيه نزاع كما لو كانت ~~صلاة الإمام باطلة والمأموم لا يعلم فلا يضر المؤتم الجهل بعين الإمام إذا ~~كان مقصوده أن يصلي خلف الإمام الذى يصلي بتلك الجماعة وكذلك الإمام لم ~~يضره الجهل بعين المأمومين بل إذا نوى الصلاة بمن خلفه جاز # وقد قيل أنه إذا عين فأخطأ بطلت صلاته مطلقا والصواب الفرق بين تعيينه ~~بالقصد بحيث يكون قصده أن لا يصلي إلا خلفه وبين تعيين الظن بحيث يكون قصده ~~الصلاة خلف الإمام مطلقا لكن ظن أنه زيد والله أعلم PageV23P392 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن صلى خلف الصف منفردا هل تصح صلاته أم لا والأحاديث الواردة في ذلك هل ~~هي صحيحه أم لا والأئمة القائلون بهذا من غير الأئمة الأربعة كحماد بن أبى ~~سليمان وبن المبارك وسفيان الثورى والأوزاعى قد قال عنهم رجل أعنى عن هؤلاء ~~الأئمة المذكورين هؤلاء لا يلتفت اليهم فصاحب هذا الكلام ما حكمه وهل يسوغ ~~تقليد هؤلاء الأئمة لمن يجوز له التقليد كما يجوز تقليد الأئمة الأربعة أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله من قول العلماء انه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف لأن في ~~ذلك حديثين عن النبى ( ( أنه أمر المصلى خلف الصف بالاعادة وقال ( لا صلاة ~~لفذ خلف الصف ( وقد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث وأسانيدهما مما ~~تقوم بهما الحجة بل المخالفون لهما يعتمدون ms7090 في كثير من المسائل على ما هو ~~أضعف اسنادا منهما وليس فيهما ما يخالف الأصول بل ما فيهما هو مقتضى النصوص ~~المشهورة والأصول المقررة فان صلاة الجماعة سميت جماعة PageV23P393 لاجتماع ~~المصلين في الفعل مكانا وزمانا فاذا اخلوا بالاجتماع المكانى أو الزمانى ~~مثل أن يتقدموا أو بعضهم على الامام أو يتخلفوا عنه تخلفا كثيرا لغير عذر ~~كان ذلك منهيا عنه باتفاق الأئمة وكذلك لو كانوا مفترقين غير منتظمين مثل ~~أن يكون هذا خلف هذا وهذا خلف هذا كان هذا من أعظم الأمور المنكرة بل قد ~~أمروا بالاصطفاف بل أمرهم النبى ( ( بتقويم الصفوف وتعديلها وتراص الصفوف ~~وسد الخلل وسد الأول فالأول كل ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه ~~بحسب الامكان ولو لم يكن الاصطفاف واجبا لجاز أن يقف واحد خلف واحد وهلم ~~جرا وهذا مما يعلم كل أحد علما عاما أن هذه ليست صلاة المسلمين ولو كان هذا ~~مما يجوز لفعله المسلمون ولو مرة بل وكذلك اذا جعلوا الصف غير منتظم مثل أن ~~يتقدم هذا على هذا ويتأخر هذا عن هذا لكان ذلك شيئا قد علم نهى النبى ( ( ~~عنه والنهى يقتضى التحريم بل اذا صلوا قدام الامام كان أحسن من مثل هذا # فاذا كان الجمهور لا يصححون الصلاة قدام الامام اما مطلقا واما لغير عذر ~~فكيف تصح الصلاة بدون الاصطفاف فقياس الأصول يقتضى وجوب الاصطفاف وان صلاة ~~المنفرد لا تصح كما جاء به هذان الحديثان ومن خالف ذلك من العلماء فلا ريب ~~أنه لم تبلغه هذه السنة PageV23P394 من وجه يثق به بل قد يكون لم يسمعها ~~وقد يكون ظن أن الحديث ضعيف كما ذكر ذلك بعضهم # والذين عارضوه احتجوا بصحة صلاة المرأة منفردة كما ثبت في الصحيح ( ان ~~انسا واليتيم صفا خلف النبى ( ( وصفت العجوز خلفهما ( وقد اتفق العلماء على ~~صحة وقوفها منفردة اذا لم يكن في الجماعة امرأة غيرها كما جاءت به السنة ~~واحتجوا أيضا بوقوف الامام منفردا واحتجوا بحديث أبى بكرة لما ركع دون الصف ~~ثم دخل في ms7091 الصف فقال له النبى ( ( زادك الله حرصا ولا تعد ( وهذه حجة ضعيفة ~~لا تقاوم حجة النهى عن ذلك # وذلك من وجوه # ( أحدها ( أن وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها ولو وقفت في صف ~~الرجال لكان ذلك مكروها وهل تبطل صلاة من يحاذيها فيه قولان للعلماء في ~~مذهب أحمد وغيره # ( أحدهما ( تبطل كقول أبى حنيفة وهو اختيار أبى بكر وأبى حفص من أصحاب ~~أحمد # ( والثانى ( لا تبطل كقول مالك والشافعى وهو قول بن PageV23P395 حامد ~~والقاضى وغيرهما مع تنازعهم في الرجل الواقف معها هل يكون فذا أم لا ~~والمنصوص عن أحمد بطلان صلاة من يليها في الموقف # وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف فمكروه وترك للسنة باتفاقهم فكيف يقاس ~~المنهى بالمأمور به وكذلك وقوف الامام امام الصف هو السنة فكيف يقاس ~~المأمور به بالمنهى عنه والقياس الصحيح انما هو قياس المسكوت على المنصوص ~~أما قياس المنصوص على منصوص يخالفه فهو باطل باتفاق العلماء كقياس الربا ~~على البيع وقد أحل الله البيع وحرم الربا # ( والثانى ( ان المرأة وقفت خلف الصف لأنه لم يكن لها من تصافه ولم ~~يمكنها مصافة الرجال ولهذا لو كان معها في الصلاة امرأة لكان من حقها أن ~~تقوم معها وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال # ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفا الا خلف الصف فهذا فيه نزاع بين ~~المبطلين لصلاة المنفرد والا ظهر صحة صلاته في هذا الموضع لأن جميع واجبات ~~الصلاة تسقط بالعجز وطرد هذا صحة صلاة المتقدم على الامام للحاجة كقول ~~طائفة وهو قول في مذهب أحمد PageV23P396 # واذا كان القيام والقراءة واتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ~~ذلك يسقط بالعجز فكذلك الاصطفاف وترك التقدم وطرد هذا بقية مسائل الصفوف ~~كمسئلة من صلى ولم ير الامام ولا من وراءه ( مع ( سماعه للتكبير وغير ذلك ~~وأما الامام فانما قدم ليراه المأمومون فيأتمون به وهذا منتف في المأموم # وأما حديث أبى بكرة فليس فيه أنه صلى منفردا خلف الصف قبل رفع الامام ~~رأسه من الركوع ms7092 فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركا للركعة ~~فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام فان هذا جائز باتفاق ~~الأئمة وحديث أبى بكرة فيه النهى بقوله ( ولا تعد ( وليس فيه أنه أمره ~~باعادة الركعة كما في حديث الفذ فانه أمره باعادة الصلاة وهذا مبين مفسر ~~وذلك مجمل حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبى بكرة بأنه دخل في الصف بعد ~~اعتدال الامام كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره لكان سائغا ~~في مثل هذا دون ما أمر فيه بالاعادة فهذا له وجه وهذا له وجه # وأما التفريق بين العالم والجاهل كقول في مذهب أحمد فلا يسوغ فان المصلى ~~المنفرد لم يكن عالما بالنهى وقد أمره بالاعادة كما أمر الاعرابى المسيء في ~~صلاته بالاعادة PageV23P397 # وأما الأئمة المذكورون فمن سادات أئمة الاسلام فان الثورى امام أهل ~~العراق وهو عند اكثرهم أجل من اقرانه كابن أبى ليلى والحسن بن صالح بن حى ~~وأبى حنيفة وغيره وله مذهب باق إلى اليوم بأرض خراسان والأوزاعى امام أهل ~~الشام وما زالوا على مذهبه إلى المائة الرابعة بل أهل المغرب كانوا على ~~مذهبه قبل أن يدخل اليهم مذهب مالك وحماد بن أبى سليمان هو شيخ أبى حنيفة ~~ومع هذا فهذا القول هو قول أحمد بن حنبل واسحق بن راهويه وغيرهما ومذهبه ~~باق إلى اليوم وهو مذهب داود بن على وأصحابه ومذهبهم باق إلى اليوم فلم ~~يجمع الناس اليوم على خلاف هذا القول بل القائلون به كثير في المشرق ~~والمغرب # وليس في الكتاب والسنة فرق في الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص فمالك ~~والليث بن سعد والأوزاعى والثورى هؤلاء أئمة في زمانهم وتقليد كل منهم ~~كتقليد الآخر لا يقول مسلم إنه يجوز تقليد هذا دون هذا ولكن من منع من ~~تقليد أحد هؤلاء في زماننا فانما يمنعه لأحد شيئين # ( أحدهما ( اعتقاده أنه لم يبق من يعرف مذاهبهم وتقليد الميت فيه نزاع ~~مشهور فمن منعه قال هؤلاء موتى ومن ms7093 سوغه قال لابد أن يكون في الاحياء من ~~يعرف قول الميت PageV23P398 # ( والثانى ( أن يقول الاجماع اليوم قد انعقد على خلاف هذا القول وينبنى ~~ذلك على مسألة معروفة في أصول الفقه وهى أن الصحابة مثلا أو غيرهم من أهل ~~الاعصار اذا اختلفوا في مسألة على قولين ثم أجمع التابعون أو أهل العصر ~~الثانى على أحدهما فهل يكون هذا اجماعا يرفع ذلك الخلاف وفى المسألة نزاع ~~مشهور في مذهب أحمد وغيره من العلماء فمن قال ان مع اجماع أهل العصر الثانى ~~لا يسوغ الأخذ بالقول الآخر واعتقد أن أهل العصر أجمعوا على ذلك يركب من ~~هذين الاعتقادين المنع # ومن علم أن الخلاف القديم حكمه باق لأن الأقوال لا تموت بموت قائليها ~~فانه يسوغ الذهاب إلى القول الآخر للمجتهد الذى وافق اجتهاده # وأما التقليد فينبنى على مسألة تقليد الميت وفيها قولان مشهوران أيضا في ~~مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما # وأما اذا كان القول الذى يقول به هؤلاء الأئمة أو غيرهم قد قال به بعض ~~العلماء الباقية مذاهبهم فلا ريب أن قوله مؤيد بموافقة هؤلاء ويعتضد به ~~ويقابل بهؤلاء من خالفهم من أقرانهم فيقابل بالثورى والأوزاعى أبا حنيفة ~~ومالك اذ الأمة متفقة على أنه اذا اختلف مالك PageV23P399 والأوزاعى ~~والثورى وأبو حنيفة لم يجز أن يقال قول هذا هو الصواب دون هذا الا بحجة ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # هل التبليغ وراء الامام كان على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( أو ~~في شيء من زمن الخلفاء الراشدين فان لم يكن فمع الأمن من اخلال شيء من ~~متابعة الامام والطمأنينة المشروعة واتصال الصفوف والاستماع للامام من ~~وراءه ان وقع خلل مما ذكر هل يطلق على فاعله البدعة وهل ذهب أحد من علماء ~~المسلمين إلى بطلان صلاته بذلك وما حكم من اعتقد ذلك قربة فعله أو لم يفعله ~~بعد التعريف ### ||||| فأجاب # لم يكن التبليغ والتكبير ورفع الصوت بالتحميد والتسليم على عهد ~~رسول الله ( ( ولا على عهد خلفائه ولا بعد ذلك بزمان طويل الا مرتين مرة ms7094 ~~صرع النبى ( ( عن فرس ركبه فصلى في بيته قاعدا فبلغ أبو بكر عنه التكبير ~~كذا رواه مسلم في صحيحه ومرة أخرى في مرض موته بلغ عنه أبو بكر وهذا مشهور ~~PageV23P400 # مع أن ظاهر مذهب الامام أحمد أن هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتما فيها ~~بالنبى ( ( وكان اماما للناس فيكون تبليغ أبى بكر اماما للناس وان كان ~~مؤتما بالنبى ( ( وهكذا قالت عائشة رضى الله عنها ( كان الناس يأتمون بأبى ~~بكر وأبو بكر يأتم بالنبى ( ( ولم يذكر أحد من العلماء تبليغا على عهد رسول ~~الله ( ( الا هاتين المرتين لمرضه # والعلماء المصنفون لما احتاجوا أن يستدلوا على جواز التبليغ لحاجة لم يكن ~~عندهم سنة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( الا هذا وهذا يعلمه علما ~~يقينيا من له خبرة بسنة رسول الله ( ( # ولا خلاف بين العلماء ان هذا التبليغ لغير حاجة ليس بمستحب بل صرح كثير ~~منهم أنه مكروه ومنهم من قال تبطل صلاة فاعله وهذا موجود في مذهب مالك ~~وأحمد وغيره وأما الحاجة لبعد المأموم أو لضعف الامام وغير ذلك فقد اختلفوا ~~فيه في هذه والمعروف عند أصحاب أحمد أنه جائز في هذا الحال وهو أصح قولى ~~أصحاب مالك وبلغنى أن أحمد توقف في ذلك وحيث جاز ولم يبطل فيشترط أن لا يخل ~~بشيء من واجبات الصلاة PageV23P401 فاما ان كان المبلغ لا يطمئن بطلت صلاته ~~عند عامة العلماء كما دلت عليه السنة وان كان أيضا يسبق الامام بطلت صلاته ~~في ظاهر مذهب أحمد وهو الذى دلت عليه السنة وأقوال الصحابة وان كان يخل ~~بالذكر المفعول في الركوع والسجود والتسبيح ونحوه ففى بطلان الصلاة خلاف ~~وظاهر مذهب أحمد أنها تبطل ولا ريب أن التبليغ لغير حاجة بدعة ومن اعتقده ~~قربة مطلقة فلا ريب انه اما جاهل واما معاند والا فجميع العلماء من الطوائف ~~قد ذكروا ذلك في كتبهم حتى في المختصرات قالوا ولا يجهر بشيء من التكبير ~~الا ان يكون اماما ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فانه يعزر على ذلك ~~لمخالفته ms7095 الاجماع هذا أقل أحواله والله أعلم ### |||| وسئل # هل يجوز أن يكبر خلف الامام ### ||||| فأجاب # لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الامام الذى هو المبلغ لغير حاجة ~~باتفاق الأئمة فان بلالا لم يكن يبلغ خلف النبى ( صلى الله عليه وسلم ( هو ~~ولا غيره ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين لكن لما مرض النبى ( ( صلى ~~بالناس مرة وصوته ضعيف وكان أبو بكر يصلى إلى جنبه يسمع الناس التكبير ~~فاستدل العلماء بذلك PageV23P402 على أنه يشرع التكبير عند الحاجة مثل ضعف ~~صوته فاما بدون ذلك فاتفقوا على أنه مكروه غير مشروع # وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعله على قولين والنزاع في الصحة معروف في ~~مذهب مالك وأحمد وغيرهما غير أنه مكروه باتفاق المذاهب كلها والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن التبليغ خلف الامام هل هو مستحب أو بدعة ### ||||| فأجاب # أما التبليغ خلف الامام ~~لغير حاجة فهو بدعة غير مستحبة باتفاق الأئمة وانما يجهر بالتكبير الامام ~~كما كان النبى ( ( وخلفاؤه يفعلون ولم يكن أحد يبلغ خلف النبى ( ( لكن لما ~~مرض النبى ( ( ضعف صوته فكان أبو بكر رضى الله عنه يسمع بالتكبير # وقد اختلف العلماء هل تبطل صلاة المبلغ على قولين في مذهب مالك وأحمد ~~وغيرهما PageV23P403 ### |||| وسئل رحمه الله # هل تجزئ الصلاة قدام الامام أو خلفه في المسجد وبينهما حائل أم لا ### ||||| فأجاب # أما صلاة المأموم قدام الامام ففيها ثلاثة أقوال للعلماء ( أحدها ( أنها ~~تصح مطلقا وان قيل انها تكره وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك والقول ~~القديم للشافعى # ( والثانى ( أنها لا تصح مطلقا كمذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد في ~~المشهور من مذهبهما # ( والثالث ( أنها تصح مع العذر دون غيره مثل ما اذا كان زحمة فلم يمكنه ~~أن يصلى الجمعة أو الجنازة الا قدام الامام فتكون صلاته قدام الامام خيرا ~~له من تركه للصلاة وهذا قول طائفة من العلماء وهو قول في مذهب أحمد وغيره ~~وهو أعدل الأقوال وأرجحها PageV23P404 وذلك لأن ترك التقدم على الامام ~~غايته أن يكون واجبا من واجبات الصلاة في الجماعة والواجبات كلها ms7096 تسقط ~~بالعذر وان كانت واجبة في أصل الصلاة فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط ~~ولهذا يسقط عن المصلى ما يعجز عنه من القيام والقراءة واللباس والطهارة ~~وغير ذلك # وأما الجماعة فانه يجلس في الأوتار لمتابعة الامام ولو فعل ذلك منفردا ~~عمدا بطلت صلاته وان أدركه ساجدا أو قاعدا كبر وسجد معه وقعد معه لأجل ~~المتابعة مع أنه لا يعتد له بذلك ويسجد لسهو الامام وان كان هو لم يسه # وأيضا ففى صلاة الخوف لا يستقبل القبلة ويعمل العمل الكثير ويفارق الامام ~~قبل السلام ويقضى الركعة الأولى قبل سلام الامام وغير ذلك مما يفعله لأجل ~~الجماعة ولو فعله لغير عذر بطلت صلاته # ( # وأبلغ من ذلك أن مذهب أكثر البصريين وأكثر أهل الحديث أن الامام الراتب ~~اذا صلى جالسا صلى المأمومون جلوسا لأجل متابعته فيتركون القيام الواجب ~~لأجل المتابعة كما استفاضت PageV23P405 السنن عن النبى ( ( أنه قال ( واذا ~~صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ( # والناس في هذه المسألة على ثلاثة اقوال # قيل لا يؤم القاعد القائم وأن ذلك من خصائص النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ~~كقول مالك ومحمد بن الحسن # وقيل بل يؤمهم ويقومون وأن الأمر بالقعود منسوخ كقول أبى حنيفة والشافعى # وقيل بل ذلك محكم وقد فعله غير واحد من الصحابة بعد موت النبى ( ( كأسيد ~~بن حضير وغيره وهذا مذهب حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وغيرهما وعلى هذا فلو ~~صلوا قياما ففى صحة صلاتهم قولان والمقصود هنا أن الجماعة تفعل بحسب ~~الامكان فاذا كان المأموم لا يمكنه الائتمام بامامه الا قدامه كان غاية ( ~~ما ( في هذا أنه قد ترك الموقف لأجل الجماعة وهذا أخف من غيره ومثل هذا أنه ~~منهى عن الصلاة خلف الصف وحده فلو لم يجد من يصافه ولم يجذب أحدا يصلى معه ~~صلى وحده خلف الصف ولم يدع الجماعة كما أن PageV23P406 المرأة اذا لم تجد ~~امرأة تصافها فانها تقف وحدها خلف الصف باتفاق الأئمة وهو انما أمر ~~بالمصافة مع الامكان لا عند العجز عن المصافة # ( ### ||| فصل # وأما صلاة المأموم خلف ms7097 الامام خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل فان ~~كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة وان كان بينهما طريق أو نهر تجرى فيه ~~السفن ففيه قولان معروفان هما روايتان عن أحمد # ( أحدهما ( المنع كقول أبى حنيفة # ( والثانى ( الجواز كقول الشافعى # وأما اذا كان بينهما حائل يمنع الرؤية والاستطراق ففيها عدة أقوال في ~~مذهب أحمد وغيره قيل يجوز وقيل لا يجوز وقيل يجوز في المسجد دون غيره وقيل ~~يجوز مع الحاجة ولا يجوز بدون الحاجة ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقا ~~مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة أو تكون المقصورة التى فيها الامام ~~PageV23P407 مغلقة أو نحو ذلك # فهنا لو كانت الرؤية واجبة لسقطت للحاجة كما تقدم فانه قد تقدم أن واجبات ~~الصلاة والجماعة تسقط بالعذر وأن الصلاة في الجماعة خير من صلاة الانسان ~~وحده بكل حال ### |||| وسئل # عمن يصلى مع الامام وبينه وبين الامام حائل بحيث لا يراه ولا يرى من يراه ~~هل تصح صلاته أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم تصح صلاته عند أكثر العلماء وهو المنصوص الصريح عن ~~أحمد فانه نص على أن المنبر لا يمنع الاقتداء والسنة في الصفوف أن يتموا ~~الأول فالأول ويتراصون في الصف # فمن صلى في مؤخر المسجد مع خلو ما يلى الامام كانت صلاته مكروهة والله ~~أعلم PageV23P408 ### |||| وسئل رحمه الله # عن امام يصلى خلفه جماعة وقدامه جماعة فهل تصح صلاة المتقدمين على الامام ~~أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اما الذين خلف الامام فصلاتهم صحيحة بلا ريب وأما ~~الذين قدامه فللعلماء فيهم ثلاثة اقوال قيل تصح وقيل لا تصح وقيل تصح اذا ~~لم يمكنهم الصلاة معه الا تكلفا وهذا أولى الاقوال والله أعلم ### |||| وسئل # عن الحوانيت المجاورة للجامع من أرباب الأسواق اذا اتصلت بهم الصفوف ~~فهل تجوز صلاة الجمعة في حوانيتهم ### ||||| فأجاب # اما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدوا الأول فالأول كما في ~~الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال PageV23P409 ( ألا تصفون كما تصف الملائكة ~~عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها قال ms7098 يسدون الأول فالأول ~~ويتراصون في الصف ( فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة ولا ~~يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ومن فعل ذلك استحق التأديب ولمن ~~جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة فان هذا لا حرمة له # كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في المسجد ويتأخر هو وما فرش له لم ~~يكن له حرمة بل يزال ويصلى مكانه على الصحيح بل اذا امتلأ المسجد بالصفوف ~~صفوا خارج المسجد فاذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم # وأما اذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشى الناس فيه لم تصح صلاتهم ~~في أظهر قولى العلماء # وكذلك اذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون ~~التكبير من غير حاجة فانه لا تصح صلاتهم في أظهر قولى العلماء # وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته وليس PageV23P410 له أن ~~يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد ~~الأول فالأول والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن صلاة الجمعة في الأسواق وفى الدكاكين والطرقات اختيارا هل تصح صلاته ~~أم لا ### ||||| فأجاب # ان اتصلت الصفوف فلا بأس بالصلاة لمن تأخر ولم يمكنه الا ذلك # وأما اذا تعمد الرجل أن يقعد هناك ويترك الدخول إلى المسجد كالذين يقعدون ~~في الحوانيت فهؤلاء مخطئون مخالفون للسنة فان النبى ( ( قال ( ألا تصفون ~~كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يكملون ~~الأول فالأول ويتراصون في الصف ( وقال ( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ~~( # وأما اذا لم تتصل الصفوف بل كان بين الصفوف طريق ففى صحة الصلاة قولان ~~للعلماء هما روايتان عن أحمد PageV23P411 # ( أحدهما ( لا تصح كقول أبى حنيفة ( والثانى ( تصح كقول الشافعى والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن جامع بجانب السوق بحيث يسمع التكبير منه هل تجوز صلاة الجمعة في السوق ~~أو على سطح السوق أو في الدكاكين أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا امتلأ الجامع جاز أن ms7099 يصلى في الطرقات فاذا امتلأت ~~صلوا فيما بينها من الحوانيت وغيرها وأما اذا لم تتصل الصفوف فلا وكذلك فوق ~~الأسطحة والله أعلم PageV23P412 ( ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل جمع جماعة على نافلة وأمهم من أول رجب إلى آخر رمضان يصلى بهم بين ~~العشائين عشرين ركعة بعشر تسليمات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو ~~الله أحد ثلاث مرات ويتخذ ذلك شعارا ويحتج بأن النبى ( ( أم بن عباس ~~والأنصارى الذى قال له السيول تحول بينى وبينك فهل هذا موافق للشريعة أم لا ~~وهل يؤجر على ذلك أم لا والحالة هذه ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين صلاة التطوع في جماعة نوعان # ( أحدهما ( ما تسن له الجماعة الراتبة كالكسوف والاستسقاء وقيام رمضان ~~فهذا يفعل في الجماعة دائما كما مضت به السنة # ( الثانى ( ما لا تسن له الجماعة الراتبة كقيام الليل والسنن الرواتب ~~وصلاة الضحى وتحية المسجد ونحو ذلك PageV23P413 فهذا اذا فعل جماعة أحيانا ~~جاز # وأما الجماعة الراتبة في ذلك فغير مشروعة بل بدعة مكروهة فان النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ( والصحابة والتابعين لم يكونوا يعتادون الاجتماع للرواتب ~~على ما دون هذا والنبى ( ( انما تطوع في ذلك في جماعة قليلة أحيانا فانه ~~كان يقوم الليل وحده لكن لما بات بن عباس عنده صلى معه وليلة أخرى صلى معه ~~حذيفة وليلة أخرى صلى معه بن مسعود وكذلك صلى عند عتبان بن مالك الأنصارى ~~في مكان يتخذه مصلى صلى معه وكذلك صلى بأنس وأمه واليتيم # وعامة تطوعاته انما كان يصليها مفردا وهذا الذى ذكرناه في التطوعات ~~المسنونة فاما انشاء صلاة بعدد مقدر وقراءة مقدرة في وقت معين تصلى جماعة ~~راتبة كهذه الصلوات المسؤول عنها ( كصلاة الرغائب ( في أول جمعة من رجب ( ~~والألفية ( في أول رجب ونصف شعبان وليلة سبع وعشرين من شهر رجب وأمثال ذلك ~~فهذا غير مشروع باتفاق أئمة الاسلام كما نص على ذلك العلماء المعتبرون ولا ~~ينشئ مثل هذا الا جاهل مبتدع وفتح مثل هذا الباب يوجب تغيير شرائع الإسلام ~~وأخذ نصيب من حال ms7100 الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله والله أعلم ~~PageV23P414 ### ||| 2 باب صلاة أهل الاعذار 2 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ( # عن رجل شيخ كبير وقد انحلت ~~اعضاؤه لا يستطيع أن يأكل أو يشرب ولا يتحرك ولا يستنجي بالماء وإذا سجد ما ~~يستطيع الرفع فكيف يصلى ### ||||| فأجاب # أما الصلاة فانه يفعل ما يقدر عليه ويصلى ~~قاعدا إذا لم يستطع القيام ويومئ برأسه إيماء بحسب حاله وان سجد على فخذه ~~جاز ويمسح بخرقة إذا تخلى ويوضئه غيره إذا أمكن ويجمع بين الصلاتين فيوضيه ~~في آخر وقت الظهر فيصلى الظهر والعصر بلا قصر ثم إذا دخل وقت المغرب صلى ~~المغرب والعشاء ويوضيه الفجر وان لم يستطع الصلاة قاعدا صلى على جنبه ووجهه ~~إلى القبلة PageV24P005 وان لم يكن عنده من يوضئه ولا ييممه صلى على حسب ~~حاله سواء كان على قفاه ورجلاه إلى القبلة أو على جنبه ووجهه إلى القبلة # وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة صلى إلى أي جهة توجه شرقا أو غربا ~~والله سبحانه وتعالى أعلم ### |||| وسئل شيخ الاسلام # هل تجوز صلاة المرأة قاعدة مع قدرتها على القيام ### ||||| فأجاب ### ||||| فصل # وأما صلاة الفرض قاعدا مع القدرة على القيام فلا تصح لامن رجل ولا امرأة ~~بل قد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم ~~تستطع فعلى جنبك ( # ولكن يجوز التطوع جالسا ويجوز التطوع على الراحلة في السفر قبل أي جهة ~~توجهت بصاحبها فإن النبى صلى الله عليه PageV24P006 وسلم كان يصلى على ~~دابته قبل أي جهة توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة # ويجوز للمريض إذا شق عليه القيام أن يصلي قاعدا فإن لم يستطع صلى على ~~جنبه وكذلك إذا كان رجل لا يمكنه النزول إلى الأرض صلى على راحلته والخائف ~~من عدوه إذا نزل يصلي على راحلته والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الاسلام # هل القصر في السفر سنة أو عزيمة وعن صحة الحديث الذى رواه الشافعى عن ms7101 ~~إبراهيم بن محمد عن طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبى رباح عن عائشة قالت كل ذلك ~~قد فعل النبي قصر الصلاة وأتم ### ||||| فأجاب # أما القصر في السفر فهو سنة النبي وسنة ~~خلفائه الراشدين فان النبى لم يصل في السفر قط إلا ركعتين وكذلك أبو بكر ~~وعمر وكذلك عثمان في السنة PageV24P007 الأولى من خلافته لكنه في السنة ~~الثانية أتمها بمنى لأعذار مذكورة في غير هذا الموضع # وأما الحديث المذكور فلا ريب أنه خطأ على عائشة وإبراهيم بن محمد هو إبن ~~أبى يحيى المدنى القدري وهو وطلحة بن عمرو المكى ضعيفان باتفاق أهل الحديث ~~لا يحتج بواحد منهما فيما هو دون هذا وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أنها قالت ~~( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فاقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ( وقيل ~~لعروة فلم أتمت عائشة الصلاة قال تأولت كما تأول عثمان فهذه عائشة تخبر بأن ~~صلاة السفر ركعتان وبن أختها عروة أعلم الناس بها يذكر أنها أتمت بالتأويل ~~لم يكن عندها بذلك سنة وكذلك ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال ( صلاة السفر ~~ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان تمام ~~غير قصر على لسان نبيكم ( # وأيضا فإن المسلمين قد نقلوا بالتواتر أن النبي لم يصل في السفر إلا ~~ركعتين ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعا قط ولكن الثابت عنه أنه صام في ~~السفر وأفطر وكان أصحابه منهم الصائم ومنهم المفطر PageV24P008 وأما القصر ~~فكل الصحابة كانوا يقصرون منهم أهل مكة وغير أهل مكة بمنى وعرفة وغيرهما ~~وقد تنازع العلماء في التربيع هل هو محرم أو مكروه أو ترك للأولى أو مستحب ~~أو هما سواء على خمسة أقوال # أحدها قول من يقول أن الإتمام أفضل كقول للشافعي # والثانى قول من يسوى بينهما كبعض أصحاب مالك # والثالث قول من يقول القصر أفضل كقول الشافعي الصحيح وإحدى الروايتين عن # أحمد والرابع قول من يقول الإتمام مكروه كقول مالك في احدى الروايتين ~~وأحمد في الرواية الأخرى # والخامس قول من يقول ms7102 ان القصر واجب كقول أبى حنيفة ومالك في رواية # وأظهر الأقوال قول من يقول إنه سنة وان الإتمام مكروه ولهذا لا تجب نية ~~القصر عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد في أحد القولين عنه في ~~مذهبه PageV24P009 ### |||| وسئل # هل لمسافة القصر قدر محدود عن الشارع ### ||||| فأجاب # السنة أن يقصر المسافر الصلاة فيصلى الرباعية ركعتين هكذا فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره هو وأصحابه ولم يصل في السفر أربعا ~~قط وما روى عنه ( انه صلى في السفر أربعا في حياته ( فهو حديث باطل عند ~~أئمة الحديث # وقد تنازع العلماء في المسافر إذا صلى أربعا فقيل لا يجوز ذلك كما لا ~~يجوز أن يصلي الفجر والجمعة والعيد أربعا وقيل يجوز ولكن القصر أفضل عند ~~عامتهم ليس فيه إلا خلاف شاذ ولا يفتقر القصر إلى نية بل لو دخل في الصلاة ~~وهو ينوى أن يصلي أربعا اتباعا لسنة رسول الله وقد كان لما حج بالمسلمين ~~حجة الوداع يصلى بهم ركعتين ركعتين إلى أن رجع وجمع بين الصلاتين بعرفة ~~ومزدلفة والمسلمون خلفه ويصلى بصلاته أهل مكة وغيرهم جمعا وقصرا ولم يأمر ~~أحدا ان ينوى لاجمعا ولا قصرا PageV24P010 # وأقام بمنى يوم العيد وإمام منى يصلي بالمسلمين ركعتين ركعتين والمسلمون ~~خلفه يصلى بصلاته أهل مكة وغيرهم وكذلك أبو بكر وعمر بعده ولم يأمر النبى ~~ولا أبو بكر ولا عمر أحدا من أهل مكة أن يصلى أربعا لا بمنى ولا بغيرها ~~فلهذا كان أصح قولى العلماء أن أهل مكة يجمعون بعرفة ومزدلفة ويقصرون بها ~~وبمنى وهذا قول عامة فقهاء الحجاز كمالك وبن عيينة وهو قول إسحاق بن راهويه ~~واختيار طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد كأبى الخطاب في عباداته # وقد قيل يجمعون ولا يقصرون وهو قول أبى حنيفة وهو المنصوص عن أحمد وقيل ~~لا يقصرون ولا يجمعون كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعى وأحمد وهو أضعف ~~الأقوال # والصواب المقطوع به أن أهل مكة يقصرون ويجمعون هناك كما كانوا يفعلون ~~هناك مع النبى وخلفائه ms7103 ولم ينقل عن أحد من المسلمين أنه قال لهم هناك اتموا ~~صلاتكم فإنا قوم سفر ولكن نقل أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم داخل ~~مكة وكذلك كان عمر يأمر أهل مكة بالاتمام إذا صلى بهم في البلد وأما بمنى ~~فلم يكن يأمرهم بذلك PageV24P011 # وقد تنازع العلماء في قصر أهل مكة خلفه فقيل كان ذلك لأجل النسك فلا يقصر ~~المسافر سفرا قصيرا هناك وقيل بل كان ذلك لأجل السفر وكلا القولين قاله بعض ~~أصحاب أحمد والقول الثانى هو الصواب وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم ولهذا لم ~~يكونوا يقصرون بمكة وكانوا محرمين والقصر معلق بالسفر وجودا وعدما فلا يصلى ~~ركعتين إلا مسافر وكل مسافر يصلى ركعتين كما قال عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه ( صلاة المسافر ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة النحر ركعتان وصلاة ~~الجمعة ركعتان تمام غير نقص ( أى غير قصر على لسان نبيكم وفى الصحيح عن ~~عائشة رضى الله عنها انها قالت ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة ~~الحضر وأقرت صلاة السفر ( # وقد تنازع العلماء هل يختص بسفر دون سفر أم يجوز في كل سفر وأظهر القولين ~~أنه يجوز في كل سفر قصيرا كان أو طويلا كما قصر أهل مكة خلف النبى بعرفة ~~ومنى وبين مكة وعرفة نحو بريد أربع فراسخ # وأيضا فليس الكتاب والسنة يخصان بسفر دون سفر لا بقصر ولا بفطر ولا تيمم ~~ولم يحد النبى مسافة القصر بحد لا زمانى ولا مكانى والأقوال المذكورة في ~~ذلك متعارضة PageV24P012 ليس على شيء منها حجة وهى متناقضة ولا يمكن ان يحد ~~ذلك بحد صحيح # فإن الأرض لا تذرع بذرع مضبوط في عامة الأسفار وحركة المسافر تختلف ~~والواجب ان يطلق ما أطلقه صاحب الشرع ويقيد ما قيده فيقصر المسافر الصلاة ~~في كل سفر وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر والصلاة على ~~الراحلة والمسح على الخفين # ومن قسم الأسفار إلى قصير وطويل وخص بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا وجعلها ~~متعلقة بالسفر الطويل فليس معه حجة يجب ms7104 الرجوع إليها والله سبحانه وتعالى ~~أعلم ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # إذا سافر إنسان سفرا مقدار ثلاثة أيام أو ثلاثة فراسخ هل يباح له الجمع ~~والقصر أم لا ### ||||| فأجاب # أما الجمع والقصر في السفر القصير ففيه ثلاثة أقوال بل أربعة بل ~~خمسة في مذهب أحمد PageV24P013 احدها انه لا يباح لا الجمع ولا القصر # والثانى يباح الجمع دون القصر # والثالث يباح الجمع بعرفة ومزدلفة خاصة للمكى وان كان سفره قصيرا # والرابع يباح الجمع والقصر بعرفة ومزدلفة # والخامس يباح ذلك مطلقا والذى يجمع للسفر هل يباح له الجمع مطلقا أو لا ~~يباح إلا اذا كان مسافرا فيه روايتان عن أحمد مقيما أو مسافرا ولهذا نص ~~أحمد على أنه يجمع اذا كان له شغل قال القاضي أبو يعلى كل عذر يبيح ترك ~~الجمعة والجماعة يبيح الجمع ولهذا يجمع للمطر والوحل وللريح الشديدة ~~الباردة في ظاهر مذهب الامام أحمد ويجمع المريض والمستحاضة والمرضع فاذا جد ~~السير بالمسافر جمع سواء كان سفره طويلا أو قصيرا كما مضت سنة رسول الله ~~يجمع الناس بعرفة ومزدلفة المكى وغير المكى مع أن أهل مكة سفرهم قصير # وكذلك جمع وخلفاؤه الراشدون بعرفة ومزدلفة ومتى قصروا يقصر خلفهم أهل مكة ~~وغير أهل مكة وعرفة من مكة PageV24P014 بريد أربعة فراسخ ولهذا قال مالك ~~وبعض أصحاب أحمد كأبى الخطاب في العبادات الخمس إن أهل مكة يقصرون بعرفة ~~ومزدلفة وهذا القول هو الصواب وإن كان المنصوص عن الأئمة الثلاثة بخلافه ~~أحمد والشافعى وأبى حنيفة # ولهذا قال طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرهم إنه يقصر في السفر الطويل ~~والقصير لأن النبى لم يوقت للقصر مسافة ولا وقتا وقد قصر خلفه أهل مكة ~~بعرفة ومزدلفة وهذا قول كثير من السلف والخلف وهو أصح الأقوال في الدليل ~~ولكن لابد ان يكون ذلك مما يعد في العرف سفرا مثل ان يتزود له ويبرز ~~للصحراء فأما إذا كان في مثل دمشق وهو ينتقل من قراها الشجرية من قرية إلى ~~قرية كما ينتقل من الصالحية إلى دمشق فهذا ليس ms7105 بمسافر كما أن مدينة النبى ~~كانت بمنزلة القرى المتقاربة عند كل قوم نخيلهم ومقابرهم ومساجدهم قباء ~~وغير قباء ولم يكن خروج الخارج إلى قباء سفرا ولهذا لم يكن النبى وأصحابه ~~يقصرون في مثل ذلك فإن الله تعالى قال ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن ~~أهل المدينة ( فجميع الأبنية تدخل في مسمى المدينة وما خرج عن أهلها فهو من ~~الاعراب أهل العمود والمنتقل من المدينة من ناحية إلى ناحية ليس بمسافر ولا ~~يقصر الصلاة ولكن هذه مسائل اجتهاد PageV24P015 فمن فعل منها بقول بعض ~~العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر # وهكذا اختلفوا في الجمع والقصر هل يشترط له نية فالجمهور لا يشترطون ~~النية كمالك وأبى حنيفة وهو أحد القولين في مذهب أحمد وهو مقتضى نصوصه # والثانى تشترط كقول الشافعى وكثير من أصحاب أحمد كالخرقى وغيره والأول ~~أظهر ومن عمل باحد القولين لم ينكر عليه ### |||| وسئل # عن سفر يوم من رمضان هل يجوز ان يقصر فيه ويفطر أم لا ### ||||| فأجاب # هذا فيه نزاع بين العلماء والأظهر أنه يجوز له القصر والفطر في يوم ~~من رمضان كما قصر أهل مكة خلف النبى بعرفة ومزدلفة وعرفة عن المسجد الحرام ~~مسيرة بريد ولأن السفر مطلق في الكتاب والسنة PageV24P016 ### |||| وسئل # عن رجل مسافر إلى بلد ومقصوده أن يقيم مدة شهر أو أكثر فهل يتم الصلاة أم ~~لا ### ||||| فأجاب # اذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل ~~النبى لما دخل مكة فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة وإن كان أكثر ففيه ~~نزاع والاحوط أن يتم الصلاة # وأما إن قال غدا اسافر أو بعد غد أسافر ولم ينو المقام فانه يقصر ابدا ~~فان النبى صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بضعة عشر يوما يقصر الصلاة وأقام ~~بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل جرد إلى الخربة لأجل الحمى وهو يعلم أنه يقيم مدة شهرين فهل يجوز ~~له القصر وإذا جاز القصر فالإتمام أفضل أم القصر PageV24P017 ### ||||| فأجاب # الحمد ~~لله هذه المسألة ms7106 فيها نزاع بين العلماء منهم من يوجب الاتمام ومنهم من يوجب ~~القصر والصحيح أن كلاهما سائغ فمن قصر لا ينكر عليه ومن أتم لا ينكر عليه # وكذلك تنازعوا في الأفضل فمن كان عنده شك في جواز القصر فاراد الاحتياط ~~فالاتمام أفضل واما من تبينت له السنة وعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم لم ~~يشرع للمسافر أن يصلى إلا ركعتين ولم يحد السفر بزمان أو بمكان ولا حد ~~الاقامة أيضا بزمن محدود لا ثلاثة ولا أربعة ولا اثنا عشر ولا خمسة عشر ~~فانه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل حتى كان مسروق قد ولوه ولاية لم ~~يكن يختارها فأقام سنين يقصر الصلاة # وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة وكانوا يقصرون الصلاة ~~مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضى في أربعة أيام ولا أكثر كما أقام النبى ~~وأصحابه بعد فتح مكة قريبا من عشرين يوما يقصرون الصلاة وأقاموا بمكة عشرة ~~أيام يفطرون في رمضان وكان النبى لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها ~~أكثر من أربعة أيام واذا كان التحديد لا أصل له فما دام المسافر مسافرا ~~يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهورا والله أعلم كتبه أحمد بن تيمية ~~PageV24P018 ### |||| وسئل # هل الجمع بين الصلاتين في السفر أفضل أم القصر وما أقوال العلماء في ذلك ~~وما حجة كل منهم وما الراجح من ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل فعل كل صلاة في وقتها أفضل إذا لم يكن به حاجة إلى ~~الجمع فان غالب صلاة النبى التى كان يصليها في السفر إنما يصليها في ~~أوقاتها وإنما كان الجمع منه مرات قليلة # وفرق كثير من الناس بين الجمع والقصر وظنهم أن هذا يشرع سنة ثابتة والجمع ~~رخصة عارضة وذلك أن النبى في جميع اسفاره كان يصلي الرباعية ركعتين ولم ~~ينقل أحد أنه صلى في سفره الرباعية أربعا بل وكذلك أصحابه معه # والحديث الذى يروى عن عائشة ( أنها أتمت معه وافطرت ( حديث ضعيف بل قد ~~ثبت عنها في الصحيح ( أن ms7107 الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين ثم زيد في ~~صلاة الحضر وأقرت PageV24P019 صلاة السفر ( وثبت في الصحيح عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال ( صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة الأضحى ~~ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم # وأما قوله تعالى ( واذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ( فان نفي الجناح لبيان الحكم وإزالة ~~الشبهة لا يمنع ان يكون القصر هو السنة كما قال ( ان الصفا والمروة من ~~شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ( نفى الجناح ~~لأجل الشبهة التى عرضت لهم من الطواف بينهما لأجل ما كانوا عليه في ~~الجاهلية من كراهة بعضهم للطواف بينهما والطواف بينهما مأمور به باتفاق ~~المسلمين وهو إما ركن وإما واجب واما سنة مؤكدة # وهو سبحانه ذكر الخوف والسفر لأن القصر يتناول قصر العدد وقصر الأركان ~~فالخوف يبيح قصر الأركان والسفر يبيح قصر العدد فإذا اجتمعا أبيح القصر ~~بالوجهين وإن انفرد السفر أبيح أحد نوعى القصر والعلماء متنازعون في ~~المسافر هل فرضه الركعتان ولا يحتاج قصره إلى نية أم لا يقصر إلا بنية على ~~قولين PageV24P020 والأول قول أكثرهم كأبى حنيفة ومالك وهو أحد القولين في ~~مذهب أحمد اختاره أبو بكر وغيره # والثانى قول الشافعى وهو القول الآخر في مذهب أحمد اختاره الخرقى # وغيره والأول هو الصحيح الذى تدل عليه سنة النبى صلى الله عليه وسلم فانه ~~كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر ولا يأمرهم ~~بنية القصر ولهذا لما سلم من ركعتين ناسيا قال له ذو اليدين ( أقصرت الصلاة ~~أم نسيت فقال لم أنس ولم تقصر قال بلى قد نسيت وفى رواية لو كان شيء ~~لأخبرتكم به ( ولم يقل لو قصرت لأمرتكم ان تنووا القصر وكذلك لما جمع بهم ~~لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضى ~~الصلاة الأولى فعلم أيضا أن الجمع لا ms7108 يفتقر إلى أن ينوى حين الشروع في ~~الأولى كقول الجمهور والمنصوص عن أحمد يوافق ذلك وقد تنازع العلماء في ~~التربيع في السفر هل هو حرام أو مكروه أو ترك الأولى أو هو الراجح فمذهب ~~أبى حنيفة وقول في مذهب مالك أن القصر واجب وليس له أن يصلى أربعا ~~PageV24P021 # ومذهب مالك في الرواية الأخرى وأحمد في أحد القولين بل نصهما ان الإتمام ~~مكروه ومذهبه في الرواية الأخرى ومذهب الشافعى في أظهر قوليه أن القصر هو ~~الأفضل والتربيع ترك الأولى وللشافعى قول ان التربيع أفضل وهذا أضعف ~~الأقوال # وقد ذهب بعض الخوارج إلى أنه لا يجوز القصر الا مع الخوف ويذكر هذا قولا ~~للشافعى وما أظنه يصح عنه فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة ( ان النبى صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلى بأصحابه بمنى ركعتين ركعتين آمن ما كان الناس ( ~~وكذلك بعده أبو بكر وكذلك بعده عمر # واذا كان كذلك فكيف يسوى بين الجمع والقصر وفعل كل صلاة في وقتها أفضل ~~اذا لم يكن حاجة عند الأئمة كلهم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعى وأحمد ~~في ظاهر مذهبيهما بل تنازعوا في جواز الجمع على ثلاثة أقوال # فمذهب أبى حنيفة أنه لا يجمع إلا بعرفة ومزدلفة ومذهب مالك وأحمد في احدى ~~الروايتين أنه لا يجمع المسافر اذا كان نازلا وإنما يجمع اذا كان سائرا بل ~~عند مالك اذا جد به السير ومذهب الشافعى وأحمد في الرواية الأخرى انه يجمع ~~المسافر وإن كان نازلا PageV24P022 # وسبب هذا النزاع ما بلغهم من أحاديث الجمع فإن أحاديث الجمع قليلة فالجمع ~~بعرفة ومزدلفة متفق عليه وهو منقول بالتواتر فلم يتنازعوا فيه وأبو حنيفة ~~لم يقل بغيره لحديث إبن مسعود الذى في الصحيح أنه قال ( ما رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة وصلاة ~~المغرب ليلة جمع ( وأراد بقوله ( في الفجر لغير وقتها ( التى كانت عادته أن ~~يصليها فيه فإنه جاء في الصحيح عن جابر ( أنه صلى الفجر بمزدلفة بعد أن برق ms7109 ~~الفجر ( وهذا متفق عليه بين المسلمين ان الفجر لا يصلى حتى يطلع الفجر لا ~~بمزدلفة ولا غيرها لكن بمزدلفة غلس بها تغليسا شديدا # وأما أكثر الأئمة فبلغتهم أحاديث في الجمع صحيحة كحديث أنس وإبن عباس ~~وإبن عمر ومعاذ وكلها من الصحيح ففى الصحيحين عن أنس ( أن النبى كان إذا ~~ارتحل قبل ان تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فصلاهما جميعا ~~وإذا ارتحل بعد ان تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر ثم ركب ( وفى لفظ في الصحيح ~~( كان النبى اذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل ~~أول وقت العصر ثم يجمع بينهما ( وفى الصحيحين عن إبن عمر ( أن النبى كان ~~اذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء ( وفى لفظ في الصحيح ( ان ~~PageV24P023 إبن عمر كان اذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ( بعد ان ~~يغيب الشفق ويقول ( أن رسول الله كان إذا جد به السير جمع بين المغرب ~~والعشاء ( # وفى صحيح مسلم عن إبن عباس ( أن النبى جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها ~~في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ( قال سعيد بن ~~جبير قلت لابن عباس ما حمله على ذلك قال أراد أن لا يحرج أمته وكذلك في ~~صحيح مسلم عن أبى الطفيل عن معاذ بن جبل قال ( جمع رسول الله في غزوة تبوك ~~بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال فقلت ما حمله على ذلك قال أراد ~~أن لا يحرج أمته ( بل قد ثبت عنه أنه جمع في المدينة كما في الصحيحين عن ~~إبن عباس قال ( صلى لنا رسول الله الظهر والعصر جميعا من غير خوف ولا سفر ( ~~وفى لفظ في الصحيحين عن إبن عباس ( أن النبى صلى بالمدينة سبعا وثمانيا جمع ~~بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ( قال أيوب لعله في ليلة مطيرة وكان أهل ~~المدينة يجمعون في الليلة المطيرة بين المغرب والعشاء ويجمع معهم عبد الله ~~بن عمر وروى ذلك مرفوعا إلى النبى وهذا العمل من ms7110 الصحابة PageV24P024 # وقولهم ( أراد ان لا يحرج أمته ( يبين انه ليس المراد بالجمع تأخير ~~الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها فان مراعاة مثل هذا فيه ~~حرج عظيم ثم أن هذا جائز لكل أحد في كل وقت ورفع الحرج انما يكون عند ~~الحاجة فلابد أن يكون قد رخص لأهل الأعذار فيما يرفع به عنهم الحرج دون غير ~~أرباب الأعذار وهذا ينبنى على أصل كان عليه رسول الله وهو أن المواقيت لأهل ~~الأعذار ثلاثة ولغيرهم خمسة فإن الله تعالى قال ( أقم الصلاة طرفى النهار ~~وزلفا من الليل ( فذكر ثلاثة مواقيت والطرف الثانى يتناول الظهر والعصر ~~والزلف يتناول المغرب والعشاء وكذلك قال ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل ( والدلوك هو الزوال في أصح القولين يقال دلكت الشمس وزالت وزاغت ~~ومالت فذكر الدلوك والغسق وبعد الدلوك يصلى الظهر والعصر وفى الغسق تصلى ~~المغرب والعشاء ذكر أول الوقت وهو الدلوك وآخر الوقت وهو الغسق والغسق ~~اجتماع الليل وظلمته # ولهذا قال الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وغيره ان المرأة الحائض إذا طهرت ~~قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر ~~والعصر وهذا مذهب جمهور الفقهاء كمالك والشافعى وأحمد PageV24P025 وأيضا ~~فجمع النبى بعرفة ومزدلفة يدل على جواز الجمع بغيرهما للعذر فانه قد كان من ~~الممكن أن يصلي الظهر ويؤخر العصر إلى دخول وقتها ولكن لأجل النسك ~~والاشتغال بالوقوف قدم العصر ولهذا كان القول المرضى عند جماهير العلماء ~~انه يجمع بمزدلفة وعرفة من كان أهله على مسافة القصر ومن لم يكن أهله كذلك ~~فإن النبى لما صلى صلى معه جميع المسلمين أهل مكة وغيرهم ولم يأمر أحدا ~~منهم بتأخير العصر ولا بتقديم المغرب فمن قال من أصحاب الشافعى وأحمد أن ~~أهل مكة لا يجمعون فقوله ضعيف في غاية الضعف مخالف للسنة البينة الواضحة ~~التى لا ريب فيها وعذرهم في ذلك أنهم اعتقدوا أن سبب الجمع هو السفر الطويل ~~والصواب أن الجمع لا يختص بالسفر الطويل بل يجمع للمطر ويجمع للمرض ms7111 كما ~~جاءت بذلك السنة في جمع المستحاضة فإن النبى أمرها بالجمع في حديثين # وأيضا فكون الجمع يختص بالطويل فيه قولان للعلماء وهما وجهان في مذهب ~~أحمد # أحدهما يجمع في القصير وهو المشهور ومذهب الشافعى لا # والأول أصح لما تقدم والله أعلم PageV24P026 ### |||| وسئل # عن الجمع وما كان النبى يفعله ### ||||| فأجاب # أما الجمع فانما كان يجمع بعض الأوقات اذا جد به السير وكان له ~~عذر شرعى كما جمع بعرفة ومزدلفة وكان يجمع في غزوة تبوك أحيانا كان إذا ~~ارتحل قبل الزوال أخر الظهر إلى العصر ثم صلاهما جميعا وهذا ثابت في الصحيح # وأما اذا ارتحل بعد الزوال فقد روى أنه كان صلى الظهر والعصر جميعا كما ~~جمع بينهما بعرفة وهذا معروف في السنن وهذا اذا كان لا ينزل إلى وقت المغرب ~~كما كان بعرفة لا يفيض حتى تغرب الشمس واما اذا كان ينزل وقت العصر فإنه ~~يصليها في وقتها فليس القصر كالجمع بل القصر سنة راتبة وأما الجمع فانه ~~رخصة عارضة ومن سوى من العامة بين الجمع والقصر فهو جاهل بسنة رسول الله ~~وبأقوال علماء المسلمين # فإن سنة رسول الله فرقت بينهما والعلماء PageV24P027 اتفقوا على أن ~~أحدهما سنة واختلفوا في وجوبه وتنازعوا في جواز الآخر فأين هذا من هذا # وأوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإنه نص على أنه ~~يجوز الجمع للحرج والشغل بحديث روى في ذلك قال القاضي أبو يعلى وغيره من ~~أصحابنا يعنى اذا كان هناك شغل يبيح له ترك الجمعة والجماعة جاز له الجمع ~~ويجوز عنده وعند مالك وطائفة من أصحاب الشافعى الجمع للمرض ويجوز عند ~~الثلاثة الجمع للمطر بين المغرب والعشاء وفى صلاتى النهار نزاع بينهم ويجوز ~~في ظاهر مذهب أحمد ومالك الجمع للوحل والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك # ويجوز للمرضع أن تجمع اذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة نص ~~عليه أحمد وتنازع العلماء في الجمع والقصر هل يفتقر إلى نية فقال جمهورهم ~~لا يفتقر إلى نية وهذا مذهب مالك وأبى ms7112 حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد ~~وعليه تدل نصوصه وأصوله # وقال الشافعى وطائفة من أصحاب أحمد أنه يفتقر إلى نية وقول الجمهور هو ~~الذى تدل عليه سنة رسول الله كما قد بسطت هذه المسألة في موضعها والله أعلم ~~PageV24P028 ### |||| وسئل رحمه الله # عن صلاة الجمع في المطر بين العشائين هل يجوز من البرد الشديد أو الريح ~~الشديدة أم لا يجوز إلا من المطر خاصة ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين يجوز الجمع بين العشائين للمطر والريح ~~الشديدة الباردة والوحل الشديد وهذا أصح قولى العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد ~~ومالك وغيرهما والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل يؤم قوما وقد وقع المطر والثلج فأراد أن يصلى بهم المغرب فقالوا ~~له يجمع فقال لا أفعل فهل للمأمومين أن يصلوا في بيوتهم أم لا ### ||||| فاجاب # الحمد لله نعم يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في ~~الليلة الظلماء ونحو ذلك وإن لم يكن المطر PageV24P029 نازلا في أصح قولى ~~العلماء وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت ~~بدعة مخالفة للسنة إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة وذلك ~~أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين # والصلاة جمعا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة ~~الذين يجوزون الجمع كمالك والشافعى وأحمد والله تعالى أعلم قال رحمه الله ### ||| فصل # وأما الصلوات في الأحوال العارضة كالصلاة المكتوبة في الخوف والمرض ~~والسفر ومثل الصلاة لدفع البلاء عند أسبابه كصلوات الآيات في الكسوف ونحوه ~~أو الصلاة لاستجلاب النعماء كصلاة الاستسقاء ومثل الصلاة على الجنازة ~~ففقهاء الحديث كأحمد وغيره متبعون لعامة الحديث الثابت عن النبى وأصحابه في ~~هذا الباب فيجوزون في صلاة الخوف جميع الأنواع المحفوظة عن النبى ~~PageV24P030 ويختارون قصر الصلاة في السفر اتباعا لسنة النبى صلى الله عليه ~~وسلم فإنه لم يصل في السفر قط رباعية إلا مقصورة ومن صلى أربعا لم يبطلوا ~~صلاته لأن الصحابة أقروا من فعل ذلك منهم بل منهم من يكره ذلك ومنهم من ms7113 لا ~~يكرهه وإن رأى تركه أفضل وفى ذلك عن أحمد روايتان # وهذا بخلاف الجمع بين الصلاتين فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعله ~~إلا مرات قليلة فإنهم يستحبون تركه إلا عند الحاجة إليه اقتداء بالنبى حين ~~جد به السير حتى اختلف عن أحمد هل يجوز الجمع للمسافر النازل الذى ليس ~~بسائر أم لا ولهذا كان أهل السنة مجمعين على جواز القصر في السفر مختلفين ~~في جواز الاتمام ومجمعين على جواز التفريق بين الصلاتين مختلفين في جواز ~~الجمع بينهما # ويجوزون جميع الأنواع الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم في ( صلاة ~~الكسوف ( فاصحهأ واشهرها أن يكون في كل ركعة ركوعان وفى الصحيح أيضا في كل ~~ركعة ثلاث ركوعات وأربعة ويجوزون حذف الركوع الزائد كما جاء عن النبى ~~ويطيلون السجود فيها كما صح عن النبى ويجهرون فيها بالقراءة كما ثبت في ~~الصحيح عن النبى PageV24P031 # وكذلك ( الاستسقاء ( يجوزون الخروج إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء والدعاء ~~كما ثبت ذلك عن النبى ويجوزون الخروج والدعاء بلا صلاة كما فعله عمر رضى ~~الله عنه بمحضر من الصحابة ويجوزون الاستسقاء بالدعاء تبعا للصلوات الراتبة ~~كخطبة الجمعة ونحوها كما فعله النبى # وكذلك ( الجنازة ( فان اختيارهم أنه يكبر عليها أربعا كما ثبت عن النبى ~~وأصحابه أنهم كانوا يفعلونه غالبا ويجوز على المشهور عند أحمد التخميس في ~~التكبير ومتابعة الإمام في ذلك لما ثبت عن النبى أنه كبر خمسا وفعله غير ~~واحد من الصحابة مثل على بن أبى طالب وغيره ويجوز أيضا على الصحيح عنده ~~التسبيع ومتابعة الإمام فيه لما ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يكبرون أحيانا ~~سبعا بعد موت النبى ولما في ذلك من الرواية عن النبى PageV24P032 ### || 1 ( قاعدة فى الأحكام التى تختلف بالسفر والاقامة ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد ms7114 أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم # أما بعد فهذه ( قاعدة في الأحكام التى تختلف بالسفر والاقامة ) مثل قصر ~~الصلاة والفطر في شهر رمضان ونحو ذلك وأكثر الفقهاء من أصحاب الشافعى وأحمد ~~وغيرهم جعلوها نوعين نوعا يختص بالسفر الطويل وهو القصر والفطر ونوعا يقع ~~في الطويل والقصير كالتيمم والصلاة على الراحلة وأكل الميتة هو من هذا ~~القسم وأما المسح على الخفين والجمع بين الصلاتين فمن الأول وفى ذلك نزاع # والكلام في مقامين PageV24P033 ### || المقام الأول الفرق بين السفر الطويل والقصير # فيقال هذا الفرق لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله بل الأحكام ~~التى علقها الله بالسفر علقها به مطلقا كقوله تعالى في آية الطهارة ( وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ) وقوله تعالى في آية ~~الصيام ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) وقوله تعالى ( ~~وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا ) # وقول النبى ( إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ( وقول عائشة ~~فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيدت في الحضر وقول عمر ( صلاة ~~الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان ~~تمام غير قصر على لسان نبيكم ( وقوله صلى الله عليه وسلم ( يمسح المقيم ~~يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ( وقول صفوان بن عسال PageV24P034 ~~( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا أو مسافرين أن لا ننزع ~~خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط أو بول أو نوم ) ~~وقول النبى صلى الله عليه وسلم ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما ~~كان يعمل وهو صحيح مقيم ) وقوله ( السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه ~~وطعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليتعجل الرجوع إلى أهله ( # فهذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل ~~وسفر قصير فمن ms7115 فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ما جمع الله بينه فرقا لا أصل ~~له في كتاب الله ولا سنة رسوله وهذا الذى ذكر من تعليق الشارع الحكم بمسمى ~~الاسم المطلق وتفريق بعض الناس بين نوع ونوع من غير دلالة شرعية له نظائر # منها أن الشارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا ) ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا # ومنها أن الشارع علق المسح بمسمى الخف ولم يفرق بين خف وخف فيدخل في ذلك ~~المفتوق والمخروق وغيرهما من غير تحديد ولم يشترط أيضا أن يثبت بنفس ~~PageV24P035 ه # ومن ذلك أنه أثبت الرجعة في مسمى الطلاق بعد الدخول ولم يقسم طلاق ~~المدخول بها إلى طلاق بائن ورجعى # ومن ذلك أنه أثبت الطلقة الثالثة بعد طلقتين وافتداء والافتداء الفرقة ~~بعوض وجعلها موجبة للبينونة بغير طلاق يحسب من الثلاث وهذا الحكم معلق بهذا ~~المسمى لم يفرق فيه بين لفظ ولفظ ومن ذلك أنه علق الكفارة بمسمى أيمان ~~المسلمين في قوله تعالى ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) وقوله ( قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم ) ولم يفرق بين يمين ويمين من أيمان المسلمين فجعل ~~أيمان المسلمين المنعقدة تنقسم إلى مكفرة وغير مكفرة مخالف لذلك # ومن ذلك أنه علق التحريم بمسمى الخمر وبين أن الخمر هي المسكر في قوله ( ~~كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ( ولم يفرق بين مسكر ومسكر # ومن ذلك أنه علق الحكم بمسمى الإقامة كما علقه بمسمى السفر ولم يفرق بين ~~مقيم ومقيم فجعل المقيم نوعين نوعا تجب عليه الجمعة بغيره ولا تنعقد به ~~ونوعا تنعقد به لا أصل له # بل الواجب أن هذه الأحكام لما علقها الشارع بمسمى السفر فهي PageV24P036 ~~تتعلق بكل سفر سواء كان ذلك السفر طويلا أو قصيرا ولكن ثم أمور ليست من ~~خصائص السفر بل تشرع في السفر والحضر فإن المضطر إلى أكل الميتة لم يخص ~~الله حكمه بسفر لكن الضرورة أكثر ما تقع به في السفر فهذا لا ms7116 فرق فيه بين ~~الحضر والسفر الطويل والقصير فلا يجعل هذا معلقا بالسفر # وأما الجمع بين الصلاتين فهل يجوز في السفر القصير فيه وجهان في مذهب ~~أحمد # ( أحدهما ( لا يجوز كمذهب الشافعى قياسا على القصر # و ( الثانى ( يجوز كقول مالك لأن ذلك شرع في الحضر للمرض والمطر فصار ~~كأكل الميتة إنما علته الحاجة لا السفر وهذا هو الصواب فإن الجمع بين ~~الصلاتين ليس معلقا بالسفر وإنما يجوز للحاجة بخلاف القصر # وأما الصلاة على الراحلة فقد ثبت في الصحيح بل استفاض عن النبى انه كان ~~يصلى على راحلته في السفر قبل أى وجه توجهت به ويوتر عليها غير انه لا يصلى ~~عليها المكتوبة وهل يسوغ ذلك في الحضر فيه قولان في مذهب أحمد وغيره فإذا ~~جوز PageV24P037 في الحضر ففى القصر أولى وأما إذا منع في الحضر فالفرق ~~بينه وبين القصر والفطر يحتاج إلى دليل ### || المقام الثانى حد السفر الذى علق الشارع به الفطر والقصر # وهذا مما اضطرب الناس فيه قيل ثلاثة أيام وقيل يومين قاصدين وقيل أقل من ~~ذلك حتى قيل ميل والذين حددوا ذلك بالمسافة منهم من قال ثمانية وأربعون ~~ميلا وقيل ستة وأربعون وقيل خمسة وأربعون وقيل أربعون وهذه أقوال عن مالك ~~وقد قال أبو محمد المقدسى لا أعلم لما ذهب إليه الأئمة وجها وهو كما قال ~~رحمه الله فإن التحديد بذلك ليس ثابتا بنص ولا إجماع ولا قياس وعامة هؤلاء ~~يفرقون بين السفر الطويل والقصير ويجعلون ذلك حدا للسفر الطويل ومنهم من لا ~~يسمى سفرا إلا ما بلغ هذا الحد وما دون ذلك لا يسميه سفرا # فالذين قالوا ثلاثة أيام احتجوا بقوله ( يمسح المسافر ثلاثة أيام ~~ولياليهن ( وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال ( لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة ~~أيام إلا ومعها ذو محرم ( وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه PageV24P038 قال ( ~~مسيرة يومين ( وثبت في الصحيح ( مسيرة يوم ( وفى السنن ( بريدا ( فدل على ~~أن ذلك كله سفر وإذنه له في المسح ثلاثة أيام إنما هو تجويز لمن سافر ذلك ms7117 ~~وهو لا يقتضى أن ذلك أقل السفر كما أذن للمقيم أن يمسح يوما وليلة وهو لا ~~يقتضى أن ذلك أقل الاقامة # والذين قالوا يومين اعتمدوا على قول إبن عمر وإبن عباس والخلاف في ذلك ~~مشهور عن الصحابة حتى عن إبن عمر وإبن عباس وما روى ( يا أهل مكة لا تقصروا ~~في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان ( إنما هو من قول إبن عباس ورواية ~~إبن خزيمة وغيره له مرفوعا إلى النبى باطل بلا شك عند أئمة أهل الحديث وكيف ~~يخاطب النبى أهل مكة بالتحديد وإنما أقام بعد الهجرة زمنا يسيرا وهو ~~بالمدينة لا يحد لأهلها حدا كما حده لأهل مكة وما بال التحديد يكون لأهل ~~مكة دون غيرهم من المسلمين # وأيضا فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة الأرض ~~وهذا أمر لا يعلمه إلا خاصة الناس ومن ذكره فإنما يخبر به عن غيره تقليدا ~~وليس هو مما يقطع به والنبى لم يقدر الأرض بمساحة أصلا فكيف يقدر الشارع ~~لأمته حدا لم يجر PageV24P039 له ذكر في كلامه وهو مبعوث إلى جميع الناس ~~فلابد أن يكون مقدار السفر معلوما علما عاما وذرع الأرض مما لا يمكن بل هو ~~إما متعذر وإما متعسر لأنه إذا أمكن الملوك ونحوهم مسح طريق فإنما يمسحونه ~~على خط مستو أو خطوط منحنية انحناء مضبوطا ومعلوم أن المسافرين قد يعرفون ~~غير تلك الطريق وقد يسلكون غيرها وقد يكون في المسافة صعود وقد يطول سفر ~~بعضهم لبطء حركته ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته والسبب الموجب هو نفس السفر ~~لا نفس مساحة الأرض # والموجود في كلام النبى والصحابة في تقدير الأرض بالأزمنة كقوله في الحوض ~~( طوله شهر وعرضه شهر ) وقوله ( بين السماء والأرض خمسمائة سنة ) وفى حديث ~~آخر ( إحدى أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ( فقيل الأول بالسير المعتاد سير ~~الإبل والاقدام والثانى سير البريد فانه في العادة يقطع بقدر المعتاد سبع ~~مرات وكذلك الصحابة يقولون يوم تام ويومان ولهذا قال من حده بثمانية ~~وأربعين ميلا مسيرة ms7118 يومين قاصدين بسير الابل والاقدام لكن هذا لا دليل عليه # وإذا كان كذلك فنقول كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه ~~إلى العرف فما كان سفرا في عرف الناس فهو PageV24P040 السفر الذى علق به ~~الشارع الحكم وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة فإن هذه المسافة بريد وهذا سفر ~~ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسنة والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام ~~وهو ربع مسافة يومين وليلتين وهو الذى قد يسمى مسافة القصر وهو الذى يمكن ~~الذاهب إليها أن يرجع من يومه # وأما ما دون هذه المسافة إن كانت مسافة القصر محدودة بالمساحة فقد قيل ~~يقصر في ميل وروى عن إبن عمر أنه قال لو سافرت ميلا لقصرت قال إبن حزم لم ~~نجد أحدا يقصر في أقل من ميل ووجد إبن عمر وغيره يقصرون في هذا القدر ولم ~~يحد الشارع في السفر حدا فقلنا بذلك اتباعا للسنة المطلقة ولم نجد أحدا ~~يقصر بما دون الميل ولكن هو على أصله وليس هذا اجماعا فإذا كان ظاهر النص ~~يتناول ما دون ذلك لم يضره أن لا يعرف أحدا ذهب إليه كعادته في أمثاله # وأيضا فليس في قول إبن عمر أنه لا يقصر في أقل من ذلك # وأيضا فقد ثبت عن إبن عمر أنه كان لا يقصر في يوم أو يومين فإما أن ~~تتعارض أقواله أو تحمل على اختلاف الاحوال والكلام في مقامين # ( المقام الأول ( أن من سافر مثل سفر أهل مكة إلى عرفات PageV24P041 يقصر ~~وأما إذا قيل ليست محدودة بالمسافة بل الاعتبار بما هو سفر فمن سافر ما ~~يسمى سفرا قصر وإلا فلا # وقد يركب الرجل فرسخا يخرج به لكشف أمر وتكون المسافة أميالا ويرجع في ~~ساعة أو ساعتين ولا يسمى مسافرا وقد يكون غيره في مثل تلك المسافة مسافرا ~~بأن يسير على الإبل والأقدام سيرا لا يرجع فيه ذلك اليوم إلى مكانه والدليل ~~على ذلك من وجوه # ( أحدها ) أنه قد ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين ms7119 علماء أهل الحديث أن ~~النبى في حجة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة ومزدلفة وفى أيام منى وكذلك أبو ~~بكر وعمر بعده وكان يصلى خلفهم أهل مكة ولم يأمروهم بإتمام الصلاة ولا نقل ~~أحد لا باسنإد صحيح ولا ضعيف أن النبى قال لأهل مكة لما صلى بالمسلمين ببطن ~~عرنة الظهر ركعتين قصرا وجمعا ثم العصر ركعتين يا أهل مكة أتموا صلاتكم ولا ~~أمرهم بتأخير صلاة العصر ولا نقل أحد أن أحدا من الحجيج لا أهل مكة ولا ~~غيرهم صلى خلف النبى خلاف ما صلى بجمهور المسلمين أو نقل أن النبى أو عمر ~~قال في هذا اليوم ( يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ( فقد غلط وإنما ~~نقل أن PageV24P042 النبى صلى الله عليه وسلم قال هذا في جوف مكة لأهل مكة ~~عام الفتح وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ( قاله ) لأهل مكة لما صلى في جوف مكة ~~ومن المعلوم أنه لو كان أهل مكة قاموا فاتموا وصلوا أربعا وفعلوا ذلك بعرفة ~~ومزدلفة وبمنى أيام منى لكان مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله بالضرورة ~~بل لو أخروا صلاة العصر ثم قاموا دون سائر الحجاج فصلوها قصرا لنقل ذلك ~~فكيف إذا أتموا الظهر أربعا دون سائر المسلمين # وأيضا فإنهم إذا أخذوا في إتمام الظهر والنبى قد شرع في العصر لكان إما ~~أن ينتظرهم فيطيل القيام وإما أن يفوتهم معه بعض العصر بل أكثرها فكيف إذا ~~كانوا يتمون الصلوات وهذا حجة على كل أحد وهو على من يقول إن أهل مكة جمعوا ~~معه أظهر وذلك أن العلماء تنازعوا في أهل مكة هل يقصرون ويجمعون بعرفة على ~~ثلاثة أقوال # فقيل لا يقصرون ولا يجمعون وهذا هو المشهور عند أصحاب الشافعى وطائفة من ~~أصحاب أحمد كالقاضى في ( المجرد ( وإبن عقيل في ( الفصول ( لاعتقادهم أن ~~ذلك معلق بالسفر الطويل وهذا قصير PageV24P043 # والثانى أنهم يجمعون ولا يقصرون وهذا مذهب أبى حنيفة وطائفة من أصحاب ~~أحمد ومن أصحاب الشافعى والمنقولات عن أحمد توافق هذا فإنه أجاب في غير ~~موضع ms7120 بأنهم لا يقصرون ولم يقل لا يجمعون وهذا هو الذى رجحه أبو محمد ~~المقدسى في الجمع وأحسن في ذلك # والثالث أنهم يجمعون ويقصرون وهذا مذهب مالك وإسحاق بن راهويه وهو قول ~~طاووس وإبن عيينة وغيرهما من السلف وقول طائفة من أصحاب أحمد والشافعى كأبى ~~الخطاب في ( العبادات الخمس ( وهو الذى رجحه أبو محمد المقدسى وغيره من ~~أصحاب أحمد فإن أبا محمد وموافقيه رجحوا الجمع للمكى بعرفة # وأما ( القصر ( فقال أبو محمد الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ~~ينعقد الاجماع على خلافه والمعلوم أن الاجماع لم ينعقد على خلافه وهو ~~اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد كان بعضهم يقصر الصلاة في مسيرة بريد ~~وهذا هو الصواب الذى لا يجوز القول بخلافه لمن تبين السنة وتدبرها فإن من ~~تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علما يقينا أن الذين كانوا مع ~~النبى من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرا وجمعا ولم يفعلوا خلاف ذلك ولم ~~ينقل أحد قط عن النبى أنه قال لا بعرفة ولا PageV24P044 مزدلفة ولا منى ( ~~يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ( وإنما نقل أنه قال ذلك في نفس مكة ~~كما رواه أهل السنن عنه وقوله ذلك في داخل مكة دون عرفة ومزدلفة ومنى دليل ~~على الفرق وقد روى من جهة أهل العراق عن عمر أنه كان يقول بمنى ( يا أهل ~~مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ( وليس له إسناد # وإذا ثبت ذلك فالجمع بين الصلاتين قد يقال أنه لأجل النسك كما تقوله ~~الحنفية وطائفة من أصحاب أحمد وهو مقتضى نصه فإنه يمنع المكى من القصر ~~بعرفة ولم يمنعه من الجمع وقال في جمع المسافر أنه يجمع في الطويل كالقصر ~~عنده وإذا قيل الجمع لأجل النسك ففيه قولان # أحدهما لا يجمع إلا بعرفة ومزدلفة كما تقوله الحنفية # والثانى أنه يجمع لغير ذلك من الأسباب المقتضية للجمع وإن لم يكن سفرا ~~وهو مذهب الثلاثة مالك والشافعى وأحمد # وقد يقال لأن ذلك سفر قصير وهو يجوز الجمع ms7121 في السفر القصير كما قال هذا ~~وهذا بعض الفقهاء من أصحاب مالك والشافعى وأحمد فان الجمع لا يختص بالسفر ~~والنبى صلى الله عليه وسلم لم PageV24P045 يجمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة ~~ولم يجمع بمنى ولا في ذهابه وإيابه ولكن جمع قبل ذلك في غزوة تبوك والصحيح ~~أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر كما قصر للسفر بل لاشتغاله باتصال الوقوف عن ~~النزول ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة وكان جمع عرفة لأجل العبادة وجمع ~~مزدلفة لأجل السير الذى جد فيه وهو سيره إلى مزدلفة وكذلك كان يصنع في سفره ~~كان إذا جد به السير أخر الأولى إلى وقت الثانية ثم ينزل فيصليهما جميعا ~~كما فعل بمزدلفة وليس في شريعته ما هو خارج عن القياس بل الجمع الذى جمعه ~~هناك يشرع أن يفعل نظيره كما يقوله الأكثرون ولكن أبو حنيفة يقول هو خارج ~~عن القياس وقد علم أن تخصيص العلة إذا لم تكن لفوات شرط أو وجود مانع دل ~~على فسادها وليس فيما جاء من عند الله اختلاف ولا تناقض بل حكم الشيء حكم ~~مثله والحكم إذا ثبت بعلة ثبت بنظيرها # وأما ( القصر ( فلا ريب أنه من خصائص السفر ولا تعلق له بالنسك ولا مسوغ ~~لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر وعرفة عن المسجد بريد كما ذكره ~~الذين مسحوا ذلك وذكره الأزرقى في ( أخبار مكة ( فهذا قصر في سفر قدره بريد ~~وهم لما رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر وإنما كان غاية قصدهم ~~PageV24P046 بريدا وأى فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر ~~المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم والله لم يرخص في الصلاة ركعتين إلا لمسافر ~~فعلم أنهم كانوا مسافرين والمقيم إذا اقتدى بمسافر فإنه يصلى أربعا كما قال ~~النبى لأهل مكة في مكة ( أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ( وهذا مذهب الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من العلماء ولكن في مذهب مالك نزاع # الدليل الثانى أنه قد نهى أن تسافر المرأة إلا مع ذى محرم أو زوج تارة ~~يقدر ms7122 وتارة يطلق وأقل ما روى في التقدير بريد فدل ذلك على أن البريد يكون ~~سفرا كما أن الثلاثة الأيام تكون سفرا واليومين تكون سفرا واليوم يكون سفرا ~~هذه الأحاديث ليس لها مفهوم بل نهى عن هذا وهذا # وهذا الدليل الثالث أن السفر لم يحده الشارع وليس له حد في اللغة فرجع ~~فيه إلى ما يعرفه الناس ويعتادونه فما كان عندهم سفرا فهو سفر والمسافر ~~يريد أن يذهب إلى مقصده ويعود إلى وطنه وأقل ذلك مرحلة يذهب في نصفها ويرجع ~~في نصفها وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه المسافة ( الشهادة على الشهادة ( و ~~( كتاب القاضي إلى القاضي ( و ( العدو على الخصم ( و ( الحضانة ( وغير ذلك ~~مما هو معروف في موضعه وهو أحد القولين في مذهب أحمد فلو كانت المسافة ~~PageV24P047 محدودة لكان حدها بالبريد أجود لكن الصواب أن السفر ليس محددا ~~بمسافة بل يختلف فيكون مسافرا في مسافة بريد وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون ~~مسافرا # الدليل الرابع أن المسافر رخص الله له أن يفطر في رمضان وأقل الفطر يوم ~~ومسافة البريد يذهب إليها ويرجع في يوم فيحتاج إلى الفطر في شهر رمضان ~~ويحتاج أن يقصر الصلاة بخلاف ما دون ذلك فإنه قد لا يحتاج فيه إلى قصر ولا ~~فطر إذا سافر أول النهار ورجع قبل الزوال وإذا كان غدوه يوما ورواحه يوما ~~فإنه يحتاج إلى القصر والفطر وهذا قد يقتضى أنه قد يرخص له أن يقصر ويفطر ~~في بريد وإن كان قد لا يرخص له في أكثر منه إذا لم يعد مسافرا # الدليل الخامس أنه ليس تحديد من حد المسافة بثلاثة أيام بأولى ممن حدها ~~بيومين ولا اليومان بأولى من يوم فوجب أن لا يكون لها حد بل كل ما يسمى ~~سفرا يشرع وقد ثبت بالسنة القصر في مسافة بريد فعلم أن في الاسفار ما قد ~~يكون بريدا وأدنى ما يسمى سفرا في كلام الشارع البريد # وأما ما دون البريد كالميل فقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى PageV24P048 ~~الله عليه ms7123 وسلم ( أنه كان يأتى قباء كل سبت وكان يأتيه راكبا وماشيا ( ولا ~~ريب ( أن ) أهل قباء وغيرهم من أهل العوالى كانوا يأتون إلى النبى بالمدينة ~~ولم يقصر الصلاة هو ولا هم وقد كانوا يأتون الجمعة من نحو ميل وفرسخ ولا ~~يقصرون الصلاة والجمعة على من سمع النداء والنداء قد يسمع من فرسخ وليس كل ~~من وجبت عليه الجمعة أبيح له القصر والعوالى بعضها من المدينة وإن كان إسم ~~المدينة يتناول جميع المساكن كما قال تعالى ( وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ( وقال ( ما كان لأهل المدينة ~~ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) # وأما ما نقل عن إبن عمر فينظر فيه هل هو ثابت أم لا فإن ثبت فالرواية عنه ~~مختلفة وقد خالفه غيره من الصحابة ولعله أراد إذا قطعت من المسافة ميلا ولا ~~ريب أن قباء من المدينة أكثر من ميل وما كان إبن عمر ولا غيره يقصرون ~~الصلاة إذا ذهبوا إلى قباء فقصر أهل مكة الصلاة بعرفة وعدم قصر أهل المدينة ~~الصلاة إلى قباء ونحوها مما حول المدينة دليل على الفرق والله أعلم والصلاة ~~على الراحلة إذا كانت مختصة بالسفر لا تفعل إلا فيما يسمى سفرا ولهذا لم ~~يكن النبى يصلى على راحلته في PageV24P049 خروجه إلى مسجد قباء مع أنه كان ~~يذهب إليه راكبا وماشيا ولا كان المسلمون الداخلون من العوالى يفعلون ذلك ~~وهذا لأن هذه المسافة قريبة كالمسافة في المصر واسم ( المدينة ( يتناول ~~المساكن كلها فلم يكن هناك إلا أهل المدينة والأعراب كما دل عليه القرآن ~~فمن لم يكن من الأعراب كان من أهل المدينة وحينئذ فيكون مسيره إلى قباء ~~كأنه في المدينة فلو سوغ ذلك سوغت الصلاة في المصر على الراحلة وإلا فلا ~~فرق بينهما # والنبى صلى الله عليه وسلم لما كان يصلى بأصحابه جمعا وقصرا لم يكن يأمر ~~أحدا منهم بنية الجمع والقصر بل خرج من المدينة إلى مكة يصلى ركعتين من غير ~~جمع ثم صلى بهم الظهر ms7124 بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلى العصر بعدها ثم ~~صلى بهم العصر ولم يكونوا نووا الجمع وهذا جمع تقديم وكذلك لما خرج من ~~المدينة صلى بهم بذى الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر وفى الصحيح ~~أنه لما صلى أحدى صلاتى العشى وسلم من اثنتين قال له ذو اليدين أقصرت ~~الصلاة أم نسيت قال ( لم أنس ولم تقصر ( قال بلى قد نسيت قال ( أكما يقول ~~ذو اليدين ( قالوا نعم فأتم الصلاة ولو كان القصر لا يجوز إلا إذا نووه ~~لبين ذلك ولكانوا يعلمون ذلك # والامام أحمد لم ينقل عنه فيما أعلم أنه اشترط النية في جمع ولا ~~PageV24P050 قصر ولكن ذكره طائفة من أصحابه كالخرقى والقاضى وأما أبو بكر ~~عبد العزيز وغيره فقالوا إنما يوافق مطلق نصوصه # وقالوا لا يشترط للجمع ولا للقصر نية وهو قول الجمهور من العلماء كمالك ~~وأبى حنيفة وغيرهما بل قد نص أحمد على أن المسافر له أن يصلى العشاء قبل ~~مغيب الشفق وعلل ذلك بأنه يجوز له الجمع كما نقله عنه أبو طالب والمروذى ~~وذكر ذلك القاضي في ( الجامع الكبير ( فعلم أنه لا يشترط في الجمع نية # ولا تشترط أيضا ( المقارنة ( فإنه لما أباح أن تصلى العشاء قبل مغيب ~~الشفق وعلله بأنه يجوز له الجمع لم يجز أن يراد به الشفق الأبيض لأن مذهبه ~~المتواتر عنه أن المسافر يصلى العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر وهو أول وقتها ~~عنده وحينئذ يخرج وقت المغرب عنده فلم يكن مصليا لها في وقت المغرب بل في ~~وقتها الخاص وأما في الحضر فاستحب تأخيرها إلى أن يغيب الأبيض قال لأن ~~الحمرة قد تسترها الحيطان فيظن أن الأحمر قد غاب ولم يغب فإذا غاب البياض ~~تيقن مغيب الحمرة فالشفق عنده في الموضعين الحمرة لكن لما كان الشك في ~~الحضر لاستتار الشفق بالحيطان احتاط بدخول الأبيض فهذا مذهبه المتواتر من ~~نصوصه الكثيرة PageV24P051 وقد حكى بعضهم رواية عنه أن الشفق في الحضر ~~الأبيض وفى السفر الأحمر وهذه الرواية حقيقتها كما تقدم وإلا فلم ms7125 يقل أحمد ~~ولا غيره من علماء المسلمين أن الشفق في نفس الأمر يختلف بالحضر والسفر ~~وأحمد قد علل الفرق فلو حكى عنه لفظ مجمل كان المفسر من كلامه يبينه وقد ~~حكى بعضهم رواية عنه أن الشفق مطلق البياض وما أظن هذا إلا غلطا عليه وإذا ~~كان مذهبه أن أول الشفق إذا غاب في السفر خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء ~~وهو يجوز للمسافر أن يصلى العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك بأنه يجوز له ~~الجمع علم أنه صلاها قبل مغيبها لا بعد مغيب الأحمر فانه حينئذ لا يجوز ~~التعليل بجواز الجمع # الثانى أن ذلك من كلامه يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت وإن لم ~~يصل إحداهما بالأخرى كالجمع في وقت الثانية على المشهور من مذهبه ومذهب ~~غيره وأنه إذا صلى المغرب في أول وقتها والعشاء في آخر وقت المغرب حيث يجوز ~~له الجمع جاز ذلك وقد نص أيضا على نظير هذا فقال إذا صلى أحدى صلاتى الجمع ~~في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس وهذا نص منه على أن الجمع هو جمع في ~~الوقت لا تشترط فيه المواصلة وقد تأول ذلك بعض أصحابه على قرب الفصل وهو ~~خلاف النص ولأن النبى PageV24P052 لما صلى بهم بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا ~~جميعا لم ينقل أنه أمرهم ابتداء بالنية ولا السلف بعده وهذا قول الجمهور ~~كأبى حنيفة ومالك وغيرهما وهو في القصر مبنى على فرض المسافر # فصارت الأقوال للعلماء في اقتران الفعل ثلاثة # أحدها أنه لا يجب الاقتران لا في وقت الأولى ولا الثانية كما قد نص عليه ~~أحمد كما ذكرناه في السفر وجمع المطر # والثانى أنه يجب الاقتران في وقت الأولى دون الثانية وهذا هو المشهور عند ~~أكثر أصحابه المتأخرين وهو ظاهر مذهب الشافعى فإن كان الجمع في وقت الأولى ~~اشترط الجمع وإن كان في وقت الآخرة فإنه يصلى الأولى في وقت الثانية وأما ~~الثانية فيصليها في وقتها فتصح صلاته لها وإن أخرها ولا يأثم بالتأخير وعلى ~~هذا تشترط الموالاة ms7126 في وقت الأولى دون الثانية # والثالث تشترط الموالاة في الموضعين كما يشترط الترتيب وهذا وجه في مذهب ~~الشافعى وأحمد ومعنى ذلك انه إذا صلى الأولى وآخر الثانية أثم وإن كانت ~~وقعت صحيحة لأنه لم يكن له إذا أخر الأولى إلا أن يصلى الثانية معها فإذا ~~لم يفعل ذلك كان بمنزلة من PageV24P053 أخرها إلى وقت الضرورة ويكون قد ~~صلاها في وقتها مع الاثم # والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية ~~فإنه ليس لذلك حد في الشرع ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة وهو شبيه ~~بقول من حمل الجمع على الجمع بالفعل وهو أن يسلم من الأولى في آخر وقتها ~~ويحرم بالثانية في أول وقتها كما تأول جمعه على ذلك طائفة من العلماء أصحاب ~~أبي حنيفة وغيرهم ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها فإنه يريد أن يبتدئ ~~فيها إذا بقى من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث في المغرب ويريد مع ذلك أن ~~لا يطيلها وإن كان بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك وإذا دخل في ~~الصلاة ثم بدا له أن يطيلها أو أن ينتظر أحدا ليحصل الركوع والجماعة لم ~~يشرع ذلك ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت ومعلوم أن مراعاة هذا من أصعب ~~الأشياء علما وعملا وهو يشغل قلب المصلى عن مقصود الصلاة والجمع شرع رخصة ~~ودفعا للحرج عن الأمة فكيف لا يشرع إلا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود ~~الصلاة # فعلم أنه كان إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء يفعل ذلك ~~على الوجه الذى يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ولا يلتزم انه لا ~~يسلم من الأولى إلا PageV24P054 قبل خروج وقتها الخاص وكيف يعلم ذلك المصلى ~~في الصلاة وآخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنما يعرف على سبيل التحديد بالظل ~~والمصلى في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبى صلى الله عليه ~~وسلم آلات حسابية يعرف بها الوقت ولا موقت يعرف ذلك بالآلات ms7127 الحسابية ~~والمغرب إنما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل ~~غرب الشفق الأحمر أو الأبيض والمصلى في الصلاة منهى عن مثل ذلك # وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر ~~عليه في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه في هذه الحال ان يتحرى السلام ~~في آخر وقت المغرب بل لابد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم أنه معه يسلم ~~قبل خروج الوقت # ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك ~~يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عن النبى أنه كان يراعيه بل ولا أصحابه ~~فهؤلاء لا يمكن الجمع على قولهم في غالب الأوقات لغالب الناس إلا مع تفريق ~~الفعل وأولئك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران الفعل وهؤلاء فهموا من ~~الجمع اقتران الفعلين في وقت واحد أو وقتين وأولئك قالوا لا يكون ~~PageV24P055 الجمع إلا في وقتين وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل وكلا القولين ~~ضعيف # والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا والجمع ~~جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة وتارة يجمع ~~في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة وفى بعض أسفاره وتارة يجمع فيما بينهما في ~~وسط الوقتين وقد يقعان معا في آخر وقت الأولى وقد يقعان معا في أول وقت ~~الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا وكل هذا جائز لأن أصل هذه المسألة ~~أن الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة ففى عرفة ~~ونحوها يكون التقديم هو السنة وكذلك جمع المطر السنة أن يجمع للمطر في وقت ~~المغرب حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية على ~~وجهين وقيل إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع وفيه وجه ثالث أن الأفضل التأخير وهو ~~غلط مخالف للسنة والإجماع القديم وصاحب هذا القول ظن أن التأخير في الجمع ~~أفضل مطلقا لأن الصلاة ms7128 يجوز فعلها بعد الوقت عند النوم والنسيان ولا يجوز ~~فعلها قبل الوقت بحال بل لو صلاها قبل الزوال وقبل الفجر أعادها وهذا غلط ~~فإن الجمع بمزدلفة إنما المشروع فيه تأخير المغرب إلى PageV24P056 وقت ~~العشاء بالسنة المتواترة واتفاق المسلمين وما علمت احدا من العلماء سوغ له ~~هناك أن يصلى العشاء في طريقه وإنما اختلفوا في المغرب هل له أن يصليها في ~~طريقه على قولين وأما التأخير فهو كالتقديم بل صاحبه أحق بالذم ومن نام عن ~~صلاة أو نسيها فإن وقتها في حقه حين يستيقظ ويذكرها وحينئذ هو مأمور بها لا ~~وقت لها إلا ذلك فلم يصلها إلا في وقتها # وأما من صلى قبل الزوال وطلوع الفجر الذى يحصل به فإن كان متعمدا فهذا ~~فعل ما لم يؤمر به وأما إن كان عاجزا عن معرفة الوقت كالمحبوس الذى لا ~~يمكنه معرفة الوقت فهذا في إجزائه قولان للعلماء وكذلك في صيامه إذا صام ~~حيث لا يمكنه معرفة شهور رمضان كالأسير إذا صام بالتحرى ثم تبين له أنه قبل ~~الوقت ففى إجزائه قولان للعلماء وأما من صلى في المصر قبل الوقت غلطا فهذا ~~لم يفعل ما أمر به وهل تنعقد صلاته نفلا أو تقع باطلة على وجهين في مذهب ~~أحمد وغيره # والمقصود أن الله لم يبح لأحد أن يؤخر الصلاة عن وقتها بحال كما لم يبح ~~له أن يفعلها قبل وقتها بحال فليس جمع التأخير بأولى من جمع التقديم بل ذاك ~~بحسب الحاجة والمصلحة فقد يكون هذا أفضل وقد يكون هذا أفضل وهذا مذهب جمهور ~~العلماء وهو PageV24P057 ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه وغيره ومن أطلق من ~~أصحابه القول بتفضيل أحدهما مطلقا فقد أخطأ على مذهبه وأحاديث الجمع ~~الثابتة عن النبى مأثورة من حديث إبن عمر وبن عباس وانس ومعاذ وأبى هريرة ~~وجابر وقد تأول هذه الأحاديث من أنكرالجمع على تأخير الأولى إلى آخر وقتها ~~وتقديم الثانية إلى أول وقتها وقد جاءت الروايات الصحيحة بأن الجمع كان ~~يكون في وقت الثانية وفى وقت الأولى وجاء ms7129 الجمع مطلقا والمفسر يبين المطلق ~~ففى الصحيحين من حديث سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه ( أن النبى كان إذا ~~جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ( وروى مالك عن نافع عن إبن عمر قال ( ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء ~~( رواه مسلم وروى مسلم من حديث يحيى بن سعيد حدثنا عبيد الله أخبرنى نافع ~~عن إبن عمر أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب ~~الشفق ويذكر ( أن رسول الله كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ( # قال الطحاوى حديث إبن عمر إنما فيه الجمع بعد مغيب الشفق من فعله وذكر عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلاتين PageV24P058 ولم يذكر كيف ~~كان جمعه وهذا إنما فيه التأخير من فعل إبن عمر لا فيما رواه عن النبى فذكر ~~المثبتون ما رواه محمد بن يحيى الذهلى حدثنا حماد بن مسعدة عن عبيد الله بن ~~عمر عن نافع أن عبد الله بن عمر أسرع السير فجمع بين المغرب والعشاء فسألت ~~نافعا فقال بعد ما غاب الشفق بساعة وقال إني رأيت رسول الله يفعل ذلك إذا ~~جد به السير ورواه سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن إبن ~~عمر استصرخ على صفية بنت أبى عبيد وهو بمكة وهى بالمدينة فأقبل فسار حتى ~~غربت الشمس وبدت النجوم فقال رجل كان يصحبه الصلاة الصلاة فسار إبن عمر ~~فقال له سالم الصلاة فقال ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل ~~به أمر في سفر جمع بين هاتين الصلاتين ( فسار حتى إذا غاب الشفق جمع بينهما ~~وسار ما بين مكة والمدينة ثلاثا # وروى البيهقى هذين بإسناد صحيح مشهور قال ورواه معمر عن أيوب وموسى بن ~~عقبة عن نافع وقال في الحديث فأخر المغرب بعد ذلك الشفق حتى ذهب هوى من ~~الليل ثم نزل فصلى المغرب والعشاء قال ( وكان رسول الله ms7130 يفعل ذلك إذا جد به ~~السير أو حزبه أمر ( قال ورواه يزيد بن هارون عن يحيى PageV24P059 بن سعيد ~~الأنصارى عن نافع فذكر أنه سار قريبا من ربع الليل ثم نزل فصلى ورواه من ~~طريق الدار قطنى حدثنا إبن صاعد والنيسابورى حدثنا العباس بن الوليد بن ~~يزيد أخبرنى عمر بن محمد بن زيد حدثنى نافع مولى عبد الله بن عمر عن إبن ~~عمر أنه أقبل من مكة وجاءه خبر صفية بنت أبى عبيد فأسرع السير فلما غابت ~~الشمس قال له إنسان من أصحابه الصلاة فسكت ثم سار ساعة فقال له صاحبه ~~الصلاة فقال الذى قال له ( الصلاة ( أنه ليعلم من هذا علما لا أعلمه فسار ~~حتى إذا كان بعد ما غاب الشفق بساعة نزل فأقام الصلاة وكان لا ينادى لشيء ~~من الصلاة في السفر فأقام فصلى المغرب والعشاء جميعا جمع بينهما ثم قال ( ~~ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا جد به السير جمع بين المغرب ~~والعشاء بعد ان يغيب الشفق بساعة ( وكان يصلى على ظهر راحلته أين توجهت به ~~السبحة في السفر ويخبر أن رسول الله كان يصنع ذلك قال البيهقى اتفقت رواية ~~يحيى بن سعيد الأنصارى وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر وأيوب السختيانى ~~وعمر بن محمد بن زيد على أن جمع عبد الله بن عمر بين الصلاتين بعد غيبوبة ~~الشفق وخالفهم من لا يدانيهم في حفظ أحاديث نافع وذكر أن إبن جابر رواه عن ~~نافع PageV24P060 ولفظه حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم أقام ~~الصلاة وقد توارى الشفق فصلى بنا ثم أقبل علينا فقال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا عجل به الأمر صنع هكذا وقال وبمعناه رواه فضيل بن غزوان ~~وعطاف بن خالد عن نافع ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب فقد رواه ~~سالم بن عبد الله وأسلم مولى عمر وعبد الله بن دينار واسماعيل بن عبد ~~الرحمن بن ذؤيب عن إبن عمر نحو روايتهم أما حديث سالم ms7131 فرواه عاصم بن محمد ~~عن أخيه عمر بن محمد عن سالم وأما حديث أسلم فأسنده من حديث بن أبى مريم ~~أنا محمد بن جعفر أخبرنى زيد بن أسلم عن أبيه قال كنت مع بن عمر فبلغه عن ~~صفية شدة وجع فأسرع السير حتى ( إذا ) كان بعد غروب الشفق نزل فصلى المغرب ~~والعتمة جمع بينهما وقال انى رأيت رسول الله إذا جد به السير أخر المغرب ~~وجمع بينهما رواه البخارى في صحيحه عن إبن أبى مريم # وأسند أيضا من كتاب يعقوب بن سفيان أنا أبو صالح وإبن بكير قالا حدثنا ~~الليث قال قال ربيعة بن أبى عبد الرحمن حدثنى عبد الله بن دينار وكان من ~~صالحى المسلمين صدقا ودينا قال غابت الشمس ونحن مع عبد الله بن عمر فسرنا ~~فلما رأيناه قد أمسى قلنا له الصلاة فسكت حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم فنزل ~~فصلى الصلاتين جميعا ثم قال PageV24P061 رأيت رسول الله إذا جد به السير ~~صلى صلاتى هذه يقول جمع بينهما بعد ليل # وأما حديث إسماعيل بن عبد الرحمن فأسند من طريق الشافعى وأبى نعيم عن بن ~~عيينة عن أبى نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال صحبت إبن عمر فلما ~~غابت الشمس هبنا أن نقول له قم إلى الصلاة فلما ذهب بياض الأفق وفحمة ~~العشاء نزل فصلى ثلاث ركعات وركعتين ثم التفت إلينا فقال هكذا رأيت رسول ~~الله يفعل # وأما حديث أنس ففى الصحيحين عن إبن شهاب عن أنس قال ( كان رسول الله إذا ~~ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فان ~~زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب ( هذا لفظ الفعل عن عقيل عنه ~~ورواه مسلم من حديث إبن وهب حدثنى جابر بن إسماعيل عن عقيل عن إبن شهاب عن ~~أنس عن رسول الله ( أنه كان إذا عجل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر ~~فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق ( ~~ورواه ms7132 مسلم من حديث شبابة حدثنا الليث بن سعد عن عقيل عن بن شهاب عن أنس ~~قال كان رسول الله صلى الله عليه PageV24P062 وسلم إذا أراد أن يجمع بين ~~الظهر والعصر في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما ~~ورواه من حديث الإسماعيلى أنا الفريابى أنا إسحاق بن راهويه أنا شبابة بن ~~سوار عن ليث عن عقيل عن أنس ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في ~~السفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم أرتحل ( قلت هكذا في هذه ~~الرواية وهى مخالفة للمشهور من حديث أنس # وأما حديث معاذ فمن افراد مسلم رواه من حديث مالك وزهير بن معاوية وقرة ~~بن خالد وهذا لفظ مالك عن أبى الزبير المكي عن أبى الطفيل عامر بن واثلة أن ~~معاذ بن جبل أخبرهم ( أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع بين ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر ~~ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء # قلت الجمع على ثلاث درجات أما إذا كان سائرا في وقت الأولى فإنما ينزل في ~~وقت الثانية فهذا هو الجمع الذى ثبت في الصحيحين من حديث أنس وإبن عمر وهو ~~نظير جمع مزدلفة وأما إذا كان وقت الثانية سائرا أو راكبا فجمع في وقت ~~الأولى فهذا نظير الجمع بعرفة وقد روى ذلك في السنن كما سنذكره إن شاء الله ~~وأما إذا كان نازلا في وقتهما جميعا نزولا مستمرا فهذا ما علمت روى ما ~~يستدل PageV24P063 به عليه الا حديث معاذ هذا فإن ظاهره أنه كان نازلا في ~~خيمة في السفر وانه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل إلى ~~بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا فإن الدخول والخروج انما يكون في ~~المنزل وأما السائر فلا يقال دخل وخرج بل نزل وركب وتبوك هي آخر غزوات ~~النبى صلى الله عليه وسلم ولم يسافر بعدها الا حجة الوداع وما نقل أنه جمع ~~فيها ms7133 إلا بعرفة ومزدلفة وأما بمنى فلم ينقل أحد أنه جمع هناك بل نقلوا أنه ~~كان يقصر الصلاة هناك ولا نقلوا أنه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ولا ~~يقدم الثانية إلى أول وقتها وهذا دليل على أنه كان يجمع احيانا في السفر ~~وأحيانا لا يجمع وهو الاغلب على أسفاره أنه لم يكن يجمع بينهما # وهذا يبين ان الجمع ليس من سنة السفر كالقصر بل يفعل للحاجة سواء كان في ~~السفر أو الحضر فإنه قد جمع أيضا في الحضر لئلا يحرج أمته فالمسافر إذا ~~احتاج إلى الجمع جمع سواء كان ذلك لسيره وقت الثانية أو وقت الأولى وشق ~~النزول عليه أو كان مع نزوله لحاجة أخرى مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة ~~وقت الظهر ووقت العشاء فينزل وقت الظهر وهو تعبان سهران جائع محتاج إلى ~~راحة وأكل ونوم فيؤخر الظهر إلى وقت العصر PageV24P064 ثم يحتاج أن يقدم ~~العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره فهذا ونحوه يباح ~~له الجمع # وأما النازل أياما في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر فهذا وإن كان ~~يقصر لأنه مسافر فلا يجمع كما أنه لا يصلى على الراحلة ولا يصلى بالتيمم ~~ولا يأكل الميتة فهذه الأمور أبيحت للحاجة ولا حاجة به إلى ذلك بخلاف القصر ~~فإنه سنة صلاة السفر # والجمع في وقت الأولى كما فعله النبى بعرفة مأثور في السنن مثل الحديث ~~الذى رواه أبو داود والترمذى وغيرهما من حديث المفضل بن فضالة عن الليث بن ~~سعد عن هاشم بن سعد عن أبى الزبير عن أبى الطفيل عن معاذ بن جبل ( أن رسول ~~الله كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر ~~وان ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر وفى المغرب مثل ذلك ~~إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء وان ارتحل قبل أن تغيب ~~الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم نزل فجمع بينهما ( قال الترمذى حديث ms7134 ~~معاذ حديث حسن غريب # قلت وقد رواه قتيبة عن الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن PageV24P065 أبى ~~الطفيل لكن انكروه على قتيبة قال البيهقى تفرد به قتيبة عن الليث وذكر عن ~~البخارى قال قلت لقتيبة مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبى حبيب ~~عن أبى الطفيل فقال كتبته مع خالد المدائنى قال البخارى وكان خالد هذا يدخل ~~الأحاديث على الشيوخ قال البيهقى وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد بن أبى ~~حبيب عن أبى الطفيل فأما رواية أبى الزبير عن أبى الطفيل فهي محفوظة صحيحة # قلت وهذا الجمع الذى فسره هشام بن سعد عن أبى الزبير والذى ذكره مالك ~~يدخل في الجمع الذى أطلقه الثورى وغيره فمن روى عن أبى الزبير عن أبى ~~الطفيل عن معاذ ( أن رسول الله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء عام ~~تبوك ( وهذا الجمع الأول ليس في المشهور من حديث أنس لأن المسافر إذا أرتحل ~~بعد زيغ الشمس ولم ينزل وقت العصر فهذا مما لا يحتاج إلى الجمع بل يصلى ~~العصر في وقتها وقد يتصل سيره إلى الغروب فهذا يحتاج إلى الجمع بمنزلة جمع ~~عرفة لما كان الوقوف متصلا إلى الغروب صلى العصر مع الظهر إذ كان الجمع ~~بحسب الحاجة # وبهذا تتفق أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم والا فالنبى لا يفرق بين ~~متماثلين ولم ينقل أحد عنه أنه جمع بمنى PageV24P066 ولا بمكة عام الفتح ~~ولا في حجة الوداع مع أنه أقام بها بضعة عشر يوما يقصر الصلاة ولم يقل أحد ~~إنه جمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة فعلم أنه لم يكن جمعه لقصره وقد روى ~~الجمع في وقت الأولى في المصر من حديث بن عباس أيضا موافقة لحديث معاذ ذكره ~~أبو داود فقال وروى هشام بن عروة عن حسين بن عبد الله عن كريب عن إبن عباس ~~عن النبى نحو حديث الفضل # قلت هذا الحديث معروف عن حسين وحسين هذا ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به ولا ~~يعتمد عليه وحده فقد تكلم ms7135 فيه على إبن المدينى والنسائى ورواه البيهقى من ~~حديث عثمان بن عمر عن إبن جريج عن حسين عن عكرمة عن إبن عباس عن النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا زالت الشمس ~~وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر وإذا لم تزل حتى يرتحل سار حتى إذا دخل ~~وقت العصر نزل فجمع الظهر والعصر وإذا غابت الشمس وهو في منزله جمع بين ~~المغرب والعشاء وإذا لم تغب حتى يرتحل سار حتى ( إذا ) أتت العتمة نزل فجمع ~~بين المغرب والعشاء ) قال البيهقى ورواه حجاج بن محمد عن بن جريج أخبرنى ~~حسين عن كريب وكان حسين سمعه منهما جميعا وأستشهد على ذلك برواية عبد ~~الرزاق عن إبن جريج وهي معروفة وقد رواها الدارقطنى وغيره PageV24P067 وهى ~~من كتب عبد الرزاق # قال عبد الرزاق عن بن جريج حدثنى حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ~~عن عكرمة وعن كريب عن بن عباس أن إبن عباس قال ألا أخبركم عن صلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في السفر قلنا بلى قال ( كان إذا زاغت له الشمس في ~~منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب وإذا لم تزغ له في منزله سار حتى ~~إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر وإذا حانت له المغرب في منزله ~~جمع بينها وبين العشاء وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل ~~فجمع بينهما ( قال الدارقطنى ورواه عبد المجيد بن عبد العزيز عن بن جريج عن ~~هشام بن عروة عن حسين عن كريب فاحتمل أن يكون بن جريج سمعه أولا من هشام بن ~~عروة عن حسين كقول عبد المجيد عنه ثم لقى إبن جريج حسينا فسمعه منه كقول ~~عبد الرزاق وحجاج عن بن جريج قال البيهقى وروى عن محمد بن عجلان ويزيد بن ~~الهادى وأبي رويس المدنى عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن بن عباس وهو بما ~~تقدم من شواهده يقوى وذكر ما ms7136 ذكره البخارى تعليقا حديث إبراهيم بن طهمان عن ~~الحسين عن يحيى بن أبى كثيرعن عكرمة عن بن عباس ( أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر مسيره وجمع بين ~~المغرب والعشاء ( أخرجه البخارى في صحيحه فقال وقال PageV24P068 إبراهيم بن ~~طهمان فذكره # قلت قوله ( على ظهر مسيره ) قد يراد به على ظهر سيره في وقت الأولى وهذا ~~مما لاريب ( فيه ) ويدخل فيه ما إذا كان على ظهر سيره في وقت الثانية كما ~~جاء صريحا عن بن عباس قال البيهقى وقد روى أيوب عن أبى قلابة عن بن عباس لا ~~نعلمه إلا مرفوعا بمعنى رواية الحسين وذكر ما رواه إسماعيل بن إسحاق ثنا ~~سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبى قلابة عن بن عباس ولا أعلمه ~~الا مرفوعا وإلا فهو عن إبن عباس ( أنه كان إذا نزل منزلا في السفر فأعجبه ~~المنزل أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر ( قال إسماعيل حدثنا عارم حدثنا ~~حماد فذكره قال عارم هكذا حدث به حماد قال ( كان إذا سافر فنزل منزلا ~~فأعجبه المنزل أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر ( ورواه حماد بن سلمة عن ~~أيوب من قول بن عباس قال إسماعيل ثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي ~~قلابة عن إبن عباس قال إذا كنتم سائرين فنبا بكم المنزل فسيروا حتى تصيبوا ~~تجمعون بينهما وإن كنتم نزولا فعجل بكم أمر فاجمعوا بينهما ثم ارتحلوا # قلت فحديث إبن عباس في الجمع بالمدينة صحيح من مشاهير الصحاح كما سيأتى ~~ان شاء الله PageV24P069 # وأما حديث جابر ففى سنن أبي داود وغيره من حديث عبد العزيز إبن محمد عن ~~أبى الزبير عن جابر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غابت له الشمس بمكة ~~فجمع بينهما بسرف ( قال البيهقى ورواه من حديث الحمانى عن عبد العزيز ورواه ~~الأجلح عن أبى الزبير كذلك قال أبو داود حدثنا محمد بن هشام جار أحمد بن ms7137 ~~حنبل حدثنا جعفر بن عون عن هشام بن سعد قال بينهما عشرة أميال يعنى بين مكة ~~وسرف # قلت عشرة أميال ثلاثة فراسخ وثلث والبريد أربعة فراسخ وهذه المسافة لا ~~تقطع في السير الحثيث حتى يغيب الشفق فإن الناس يسيرون من عرفة عقب المغرب ~~ولا يصلون إلى جمع إلا وقد غاب الشفق ومن عرفة إلى مكة 2 بريد فجمع دون هذه ~~المسافة وهم لا يصلون اليها إلا بعد غروب الشفق فكيف بسرف وهذا يوافق حديث ~~بن عمر وأنس وبن عباس أنه إذا كان سائرا أخر المغرب إلى أن يغرب الشفق ثم ~~يصليهما جميعا # قال البيهقى والجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة ~~المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين مع الثابت عن رسول الله ثم عن أصحابه ~~ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفة ثم بالمزدلفة وذكر ما رواه ~~البخارى من حديث سعيد PageV24P070 عن الزهري أخبرنى سالم عن عبد الله بن ~~عمر قال ( رأيت رسول الله إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى ~~يجمع بينها وبين العشاء ( # قال سالم وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك إذا أعجله السير في السفر يقيم ~~صلاة المغرب فيصليها ثلاثا ثم يسلم ثم قلما يلبث حتى يقيم صلاة العشاء ~~ويصليها ركعتين ثم يسلم ولا يسبح بينهما بركعة ولا يسبح بعد العشاء بسجدة ~~حتى يقوم من جوف الليل # وروى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال لسالم بن عبد الله بن عمر ما أشد ما ~~رأيت أباك عبد الله بن عمر أخر المغرب في السفر قال غربت له الشمس بذات ~~الجيش فصلاها بالعقيق قال البيهقى رواه الثورى عن يحيى بن سعيد وزاد فيه ~~ثمانية أميال ورواه بن جريج عن يحيى بن سعيد وزاد فيه قال قلت أي ساعة تلك ~~قال قد ذهب ثلث الليل أو ربعه قال ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن ~~نافع قال فسار أميالا ثم نزل فصلى قال يحيى وذكر لى نافع هذا الحديث مرة ~~أخرى فقال ms7138 سار قريبا من ربع الليل ثم نزل فصلى # وروى من مصنف سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن PageV24P071 زيد عن ~~بن عباس أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر ويقول هي سنة ومن حديث على بن ~~عاصم أخبرنى الجريرى وسلمان التيمي عن أبى عثمان النهدي قال كان سعيد بن ~~زيد وأسامة بن زيد إذا عجل بهما السير جمعا بين الظهر والعصر وبين المغرب ~~والعشاء # وروينا في ذلك عن سعد بن أبى وقاص وأنس بن مالك وروى عن عمر وعثمان وذكر ~~ما ذكره مالك في الموطأ عن بن شهاب أنه قال سألت سالم بن عبد الله هل يجمع ~~بين الظهر والعصر في السفر فقال نعم لا بأس بذلك ألا ترى إلى صلاة الناس ~~بعرفة وذكر في كتاب يعقوب بن سفيان ثنا عبد الملك بن أبى سلمة ثنا ~~الدراوردي عن زيد بن أسلم وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومحمد بن المنكدر وأبي ~~الزناد في أمثال لهم خرجوا إلى الوليد وكان أرسل إليهم يستفتيهم في شيء ~~فكانوا يجمعون بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس # قلت فهذا استدلال من السلف بجمع عرفة على نظيره وأن الحكم ليس مختصا وهو ~~جمع تقديم للحاجة في السفر وأما الجمع بالمدينة لأجل المطر أو غيره فقد روى ~~مسلم وغيره من حديث أبى الزبير عن سعيد بن جبير عن إبن عباس أنه قال ( صلى ~~PageV24P072 رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب ~~والعشاء جميعا من غير خوف ولا سفر ( وممن رواه عن ابى الزبير مالك في موطأه ~~وقال أظن ذلك كان في مطر قال البيهقى وكذلك رواه زهير بن معاوية وحماد بن ~~سلمة عن أبى الزبير ( في غير خوف ولا سفر ( ألا أنهما لم يذكرا المغرب ~~والعشاء وقالا ( بالمدينة ( ورواه أيضا بن عيينة وهشام بن سعد عن أبى ~~الزبير بمعنى رواية مالك وساق البيهقى طرقها وحديث زهير رواه مسلم في صحيحه ~~ثنا أبو الزبير عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال ( صلى رسول الله ms7139 الظهر ~~والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر ( # قال أبو الزبير فسألت سعيدا لم فعل ذلك قال سألت بن عباس كما سألتنى فقال ~~أراد أن لا يحرج أحدا من أمته قال وقد خالفهم قرة في الحديث فقال ( في سفرة ~~سافرها إلى تبوك ( وقد رواه مسلم من حديث قرة عن أبى الزبير عن سعيد بن ~~جبير عن بن عباس قال ( جمع رسول الله في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء ( فقلت لابن عباس ما حمله على ذلك قال أراد ~~أن لا يحرج أمته # قال البيهقى وكان قرة أراد حديث أبى الزبير عن أبى الطفيل PageV24P073 عن ~~معاذ فهذا لفظ حديثه وروى سعيد بن جبير الحديثين جميعا فسمع قرة أحدهما ومن ~~تقدم ذكره الآخر قال وهذا أشبه فقد روى قرة حديث أبى الطفيل أيضا # قلت وكذا رواه مسلم فروى هذا المتن من حديث معاذ ومن حديث بن عباس فإن ~~قرة ثقة حافظ وقد روى الطحاوى حديث قرة عن أبى الزبير فجعله مثل حديث مالك ~~عن أبى الزبير حديث أبى الطفيل وحديثه هذا عن سعيد فدل ذلك على أن أبا ~~الزبير حدث بهذا وبهذا قال البيهقى ورواه حبيب بن أبى ثابت عن سعيد بن جبير ~~فخالف أبا الزبير في متنه وذكره من حديث الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن ~~سعيد بن جبير عن بن عباس قال ( جمع رسول الله بين الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر ( قيل له فما أراد بذلك قال أراد أن ~~لا يحرج أمته وفى رواية وكيع قال سعيد قلت لإبن عباس لم فعل ذلك رسول الله ~~قال كيلا يحرج أمته ورواه مسلم في صحيحه # قال البيهقى ولم يخرجه البخارى مع كون حبيب بن أبى ثابت من شرطه ولعله ~~إنما أعرض عنه والله أعلم لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير قال ورواية ~~الجماعة عن أبى الزبير أولى أن PageV24P074 تكون محفوظة فقد رواه عمرو بن ~~دينار عن أبى الشعثاء ms7140 عن إبن عباس بقريب من معنى رواية مالك عن أبى الزبير # قلت تقديم رواية أبى الزبير على رواية حبيب بن أبى ثابت لاوجه له فإن ~~حبيب بن أبى ثابت من رجال الصحيحين فهو أحق بالتقديم من أبى الزبير وأبو ~~الزبير من أفراد مسلم وأيضا فأبو الزبير اختلف عنه عن سعيد بن جبير في ~~المتن تارة يجعل ذلك في السفر كما رواه عنه قرة موافقة لحديث أبى الزبير عن ~~أبى الطفيل وتارة يجعل ذلك في المدينة كما رواه الأكثرون عنه عن سعيد # فهذا أبو الزبير قد روى عنه ثلاثة أحاديث حديث أبى الطفيل عن معاذ في جمع ~~السفر وحديث سعيد بن جبير عن بن عباس مثله وحديث سعيد بن جبير عن بن عباس ~~الذى فيه جمع المدينة ثم قد جعلوا هذا كله صحيحا لأن أبا الزبير حافظ فلم ~~لا يكون حديث حبيب بن أبى ثابت أيضا ثابتا عن سعيد بن جبير وحبيب أوثق من ~~أبي الزبير وسائر أحاديث بن عباس الصحيحة تدل على ما رواه حبيب فإن الجمع ~~الذى ذكره بن عباس لم يكن لأجل المطر وأيضا فقوله ( بالمدينة ( يدل على أنه ~~لم يكن في السفر فقوله ( جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر ( أولى بان يقال ~~من غير خوف ولا سفر ومن قال ( أظنه في المطر ( فظن ظنه ليس هو في الحديث بل ~~مع PageV24P075 حفظ الرواة فالجمع صحيح قال ( من غير خوف ولا مطر ( وقال ( ~~ولا سفر ( والجمع الذى ذكره بن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا وبهذا استدل أحمد ~~به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع ~~لهذه الأمور أولى وهذا من باب التنبيه بالفعل فإنه إذا جمع ليرفع الحرج ~~الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع والجمع ~~لها أولى من الجمع لغيرها # ومما يبين أن بن عباس لم يرد الجمع للمطر وإن كان الجمع للمطر أولى ~~بالجواز بما رواه مسلم من حديث حماد بن زيد عن الزبير بن ms7141 الخريت عن عبد ~~الله بن شقيق قال خطبنا بن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم ~~فجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة قال فجاء رجل من بنى تيم لا يفتر الصلاة ~~الصلاة فقال اتعلمنى بالسنة لا أم لك ثم قال ( رأيت رسول الله يجمع بين ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء ( قال عبد الله بن شقيق فحاك في صدرى من ذلك ~~شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته # ورواه مسلم أيضا من حديث عمران بن حدير عن بن شقيق قال قال رجل لابن عباس ~~الصلاة فسكت ثم قال الصلاة PageV24P076 فسكت ثم قال لا أم لك أتعلمنا ~~بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله # فهذا بن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر وقد استدل بما رواه على ما فعله ~~فعلم أن الجمع الذى رواه لم يكن في مطر ولكن كان بن عباس في أمر مهم من ~~أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته ورأى أنه إن قطعه ونزل فاتت ~~مصلحته فكان ذلك عنده من الحاجات التى يجوز فيها الجمع فإن النبى صلى الله ~~عليه وسلم كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر بل للحاجة تعرض له كما قال ( ~~أراد أن لا يحرج أمته ( ومعلوم أن جمع النبى صلى الله عليه وسلم بعرفة ~~ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر أيضا فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في ~~الطريق ولجمع بمكة كما كان يقصر بها ولجمع لما خرج من مكة إلى منى وصلى بها ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ولم يجمع بمنى قبل التعريف ولا جمع ~~بها بعد التعريف أيام منى بل يصلى كل صلاة ركعتين غير المغرب ويصليها في ~~وقتها ولا جمعه أيضا كان للنسك فانه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم فإنه من ~~حينئذ صار محرما فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف ~~ولا لخصوص النسك ولا لمجرد السفر فهكذا جمعه بالمدينة الذى رواه إبن عباس ~~وإنما PageV24P077 كان الجمع لرفع الحرج ms7142 عن أمته فإذا احتاجوا إلى الجمع ~~جمعوا # قال البيهقى ليس في رواية بن شقيق عن بن عباس من هذين الوجهين الثابتين ~~عنه نفى المطر ولا نفى السفر فهو محمول على أحدهما أو على ما أوله عمرو بن ~~دينار وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل فيقال يا سبحان الله بن عباس ~~كان يخطب بهم بالبصرة فلم يكن مسافرا ولم يكن هناك مطر وهو ذكر جمعا يحتج ~~به على مثل ما فعله فلو كان ذلك لسفر أو مطر كان بن عباس أجل قدرا من أن ~~يحتج على جمعه بجمع المطر أو السفر # وأيضا فقد ثبت في الصحيحين عنه أن هذا الجمع كان بالمدينة فكيف يقال لم ~~ينف السفر وحبيب بن أبى ثابت من أوثق الناس وقد روى عن سعيد أنه قال ( من ~~غير خوف ولا مطر ( # وأما قوله ان البخارى لم يخرجه فيقال هذا من أضعف الحجج فهو لم يخرج ~~أحاديث أبى الزبير وليس كل من كان من شرطه يخرجه # وأما قوله ورواية عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء قريب من رواية أبى الزبير ~~فإنه ذكر ما اخرجاه في الصحيحين من حديث حماد PageV24P078 إبن زيد عن عمرو ~~بن دينار عن جابر بن زيد عن بن عباس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ~~بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء ( وفى رواية البخارى ~~عن حماد بن زيد فقال لأيوب لعله في ليلة مطيرة فقال عسى # فيقال هذا الظن من أيوب وعمرو فالظن ليس من مالك وسبب ذلك أن اللفظ الذى ~~سمعوه لا ينفى المطر فجوزوا أن يكون هو المراد ولو سمعوا رواية حبيب بن أبى ~~ثابت الثقة التثبت لم يظنوا هذا الظن ثم رواية بن عباس هذه حكاية فعل مطلق ~~لم يذكر فيها نفى خوف ولا مطر فهذا يدلك على أن بن عباس كان قصده بيان جواز ~~الجمع بالمدينة في الجملة ليس مقصوده تعيين سبب واحد فمن قال إنما أراد جمع ~~المطر وحده فقد غلط عليه ثم عمرو بن دينار ms7143 تارة يجوز أن يكون للمطر موافقة ~~لأيوب وتارة يقول هو وأبو الشعثاء أنه كان جمعا في الوقتين كما في الصحيحين ~~عن بن عيينة عن عمرو بن دينار سمعت جابر بن زيد يقول سمعت بن عباس يقول ( ~~صليت مع رسول الله ثمانيا جميعا وسبعا جميعا ( قال قلت يا أبا الشعثاء أراه ~~أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال وأنا أظن ذلك # فيقال ليس الأمر كذلك لأن إبن عباس كان أفقه وأعلم PageV24P079 من أن ~~يحتاج إذا كان قد صلى كل صلاة في وقتها الذى تعرف العامة والخاصة جوازه أن ~~يذكر هذا الفعل المطلق دليلا على ذلك وأن يقول أراد بذلك ان لا يحرج أمته ~~وقد علم أن الصلاة في الوقتين قد شرعت بأحاديث المواقيت وبن عباس هو ممن ~~روى أحاديث المواقيت وإمامة جبريل له عند البيت وقد صلى الظهر في اليوم ~~الثانى حين صار ظل كل شيء مثله وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه فإن كان ~~النبى انما جمع على هذا الوجه فأى غرابة في هذا المعنى ومعلوم انه كان قد ~~صلى في اليوم الثانى كلا الصلاتين في آخر الوقت وقال ( الوقت ما بين هذين ( ~~فصلاته للأولى وحدها في آخر الوقت أولى بالجواز # وكيف يليق بابن عباس ان يقول فعل ذلك كيلا يحرج أمته والوقت المشهور هو ~~أوسع وأرفع للحرج من هذا الجمع الذى ذكروه وكيف يحتج على من أنكر عليه ~~التأخير لو كان النبى إنما صلى في الوقت المختص بهذا الفعل وكان له في ~~تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها وتأخير العشاءإلى ثلث الليل ~~أو نصفه ما يغنيه عن هذا وإنما قصد بن عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت ~~العشاء ليبين أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره وبذلك يرتفع الحرج عن ~~الأمة ثم بن عباس قد ثبت عنه PageV24P080 في الصحيح أنه ذكر الجمع في السفر ~~وأن النبى صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في السفر إذا كان على ~~ظهر ms7144 سيره وقد تقدم ذلك مفصلا فعلم أن لفظ الجمع في عرفة وعادته إنما هو ~~الجمع في وقت إحداهما وأما الجمع في الوقتين فلم يعرف أنه تكلم به فكيف ~~يعدل عن عادته التى يتكلم بها إلى ما ليس كذلك # وأيضا فابن شقيق يقول حاك في صدرى من ذلك شيء فاتيت أبا هريرة فسألته ~~فصدق مقالته أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت وأن ~~العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علما ~~حتى يحيك في صدره منه وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبى هريرة أو غيره ~~حتى يسأله عنه إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه وإنما وقعت شبهة ~~لبعضهم في المغرب خاصة وهؤلاء يجوزون تأخيرها إلى آخر وقتها فالحديث حجة ~~عليهم كيفما كان وجواز تأخيرها ليس معلقا بالجمع بل يجوز تأخيرها مطلقا إلى ~~آخر الوقت حين يؤخر العشاء أيضا وهكذا فعل النبى حين بين أحاديث المواقيت ~~وهكذا في الحديث الصحيح ( وقت المغرب ما لم يغب نور الشفق ووقت العشاء إلى ~~نصف الليل ( كما قال ( وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله ووقت العصر ما ~~لم تصفر الشمس ( فهذا PageV24P081 الوقت المختص الذى بينه بقوله وفعله وقال ~~( الوقت ما بين هذين ( ليس له اختصاص بالجمع ولا تعلق به # ولو قال قائل قوله جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر المراد به ~~الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين لم يكن بينه وبينهم ~~فرق فلماذا يكون الإنسان من المطففين لا يحتج لغيره كما يحتج لنفسه ولا ~~يقبل لنفسه ما يقبله لغيره # وأيضا فقد ثبت هذا من غير حديث بن عباس ورواه الطحاوى حدثنا بن خزيمة ~~وإبراهيم بن أبى داود وعمران إبن موسى قال أنا الربيع بن يحيى الأشنانى ~~حدثنا سفيان الثورى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال ( جمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ms7145 بالمدينة للرخصة ~~من غير خوف ولا علة لكن ينظر حال هذا الاشناني وجمع المطر عن الصحابة فما ~~ذكره مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب ~~والعشاء ليلة المطر جمع معهم في ليلة المطر قال البيهقي ورواه العمري عن ~~نافع فقال قبل الشفق وروى الشافعي في القديم أنبأنا بعض أصحابنا عن أسامة ~~بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن حبيب ان بن عباس جمع بينهما في PageV24P082 ~~المطر قبل الشفق وذكر ما رواه أبو الشيخ الاصبهاني بالاسناد الثابت عن هشام ~~بن عروة وسعيد بن المسيب وأبى بكر بن عبد الرحمن إبن الحارث بن هشام كانوا ~~يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين ولا ~~ينكر ذلك وبإسناده عن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين ~~المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر وان سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ~~وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك # فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة ~~زمن الصحابة والتابعين مع أنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة والتابعين أنكر ~~ذلك فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك لكن لا يدل على أن النبى لم ~~يجمع إلا للمطر بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضا للمطر كان قد ~~جمع من غير خوف ولا مطر كما أنه إذا جمع في السفر وجمع في المدينة كان قد ~~جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر فقول بن عباس جمع من غير كذا ولا كذا ~~ليس نفيا منه للجمع بتلك الأسباب بل إثبات منه لأنه جمع بدونها وإن كان قد ~~جمع بها أيضا # ولو لم ينقل انه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق ~~الأولى فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر وقد جمع بعرفة PageV24P083 ومزدلفة ~~من غير خوف ولا مطر فالأحاديث كلها تدل على أنه ms7146 جمع في الوقت الواحد لرفع ~~الحرج عن أمته فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة وذلك ~~يدل على الجمع للمرض الذى يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى ~~ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة وأمثال ~~ذلك من الصور # وقد روى عن عمر بن الخطاب انه قال ( الجمع بين الصلاتين من غير عذر من ~~الكبائر وروى الثورى في جامعه عن سعيد عن قتادة عن أبى العالية عن عمر ~~ورواه يحيى بن سعد عن يحيى بن صبح حدثنى حميد بن هلال عن أبى قتادة يعنى ~~العدوى أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل له ثلاث من الكبائر الجمع بين صلاتين ~~إلا من عذر والفرار من الزحف والنهب قال البيهقى أبو قتادة أدرك عمر فإن ~~كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قويا وهذا اللفظ ~~يدل على إباحة الجمع للعذر ولم يخص عمر عذرا من عذر قال البيهقى وقد روى ~~فيه حديث موصول عن النبى في اسناده من لا يحتج به وهو من رواية سلمان ~~التيمي عن حنش الصنعائى عن عكرمة عن بن عباس ا ه PageV24P084 ### ||| فصل # في تمام الكلام في القصر وسبب اتمام عثمان الصلاة بمنى وقد تقدم فيها بعض ~~أقوال الناس والقولان الأولان مرويان عن الزهري وقد ذكرهما أحمد روى عبد ~~الرزاق أنا معمر عن الزهري قال إنما صلى عثمان بمنى أربعا لأنه قد عزم على ~~المقام بعد الحج ورجح الطحاوى هذا الوجه مع أنه ذكر الوجهين الآخرين فذكر ~~ما رواه حماد بن سلمة عن أيوب عن الزهري قال إنما صلى عثمان بمنى أربعا لأن ~~الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام فأحب أن يخبرهم أن الصلاة أربع قال ~~الطحاوى فهذا يخبر أنه فعل ما فعل ليعلم الأعراب به أن الصلاة أربعا فقد ~~يحتمل أن يكون لما أراد أن يريهم ذلك نوى الإقامة فصار مقيما فرضه أربع ~~فصلى بهم أربعا للسبب الذى حكاه معمر عن الزهري ويحتمل ms7147 أن يكون فعل ذلك وهو ~~مسافر لتلك العلة قال والتأويل الأول أشبه عندنا لأن الأعراب كانوا بالصلاة ~~وأحكامها في زمن رسول الله أجهل منهم بها وبحكمها في زمن عثمان وهم بأمر ~~الجاهلية حينئذ أحدث عهدا إذ كانوا في زمن رسول الله إلى العلم بفرض ~~الصلوات أحوج منهم إلى ذلك في زمن عثمان فلما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV24P085 لم يتم الصلاة لتلك العلة ولكنه قصرها ليصلوا معه صلاة ~~السفر على حكمها ويعلمهم صلاة الاقامة على حكمها كان عثمان أحرى أن لا يتم ~~بهم الصلاة لتلك العلة # قال الطحاوى وقد قال آخرون إنما أتم الصلاة لأنه كان يذهب إلى أنه لا ~~يقصرها إلا من حل وارتحل واحتجوا بما رواه عن حماد بن سلمة عن قتادة قال ~~قال عثمان بن عفان إنما يقصر الصلاة من حمل الزاد والمزاد وحل وارتحل وروى ~~باسناده المعروف عن سعيد بن أبى عروبة وقد رواه غيره باسناد صحيح عن عثمان ~~بن سعد عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عباس بن عبد الله بن أبى ربيعة أن ~~عثمان بن عفان كتب إلى عماله ألا لا يصلين الركعتين جاب ولا تان ولا تاجر ~~إنما يصلى الركعتين من كان معه الزاد والمزاد وروى أيضا من طريق حماد بن ~~سلمة أن أيوب السختيانى أخبرهم عن أبى قلابة الجرفى عن عمه أبى المهلب قال ~~كتب عثمان أنه قال بلغنى أن قوما يخرجون إما لتجارة وإما لجباية وإما لجريم ~~ثم يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة عدو قال بن حزم ~~وهذان الإسنادان في غاية الصحة # قال الطحاوى قالوا وكان مذهب عثمان أن لا يقصر الصلاة إلا من يحتاج إلى ~~حمل الزاد والمزاد ومن كان شاخصا فاما من كان PageV24P086 في مصر يستغنى به ~~عن حمل الزاد والمزاد فإنه يتم الصلاة قالوا ولهذا أتم عثمان بمنى لأن ~~أهلها في ذلك الوقت كثروا حتى صارت مصرا يستغنى من حل به عن حمل الزاد ~~والمزاد قال الطحاوى وهذا المذهب ms7148 عندنا فاسد لأن منى لم تصر في زمن عثمان ~~أعمر من مكة في زمن رسول الله وقد كان رسول الله يصلى بها ركعتين ثم صلى ~~بها أبو بكر بعده كذلك ثم صلى بها عمر بعد أبي بكر كذلك فإذا كانت مع عدم ~~احتياج من حل بها إلى حمل الزاد والمزاد تقصر فيها الصلاة فما دونها من ~~المواطن أحرى أن يكون كذلك قال فقد انتفت هذه المذاهب كلها لفسادها عن ~~عثمان أن يكون من أجل شيء منها قصر الصلاة غير المذهب الأول الذى حكاه معمر ~~عن الزهري فإنه يحتمل أن يكون من أجلها اتمها وفى الحديث أن إتمامه كان ~~لنيته الاقامة على ما روينا فيه وعلى ما كشفنا من معناه # قلت الطحاوى مقصوده أن يجعل ما فعله عثمان موافقا لأصله وهذا غير ممكن ~~فإن عثمان من المهاجرين والمهاجرون كان يحرم عليهم المقام بمكة ولم يرخص ~~النبى لهم اذا قدموا مكة للعمرة أن يقيموا بها أكثر من ثلاث بعد قضاء ~~العمرة كما في الصحيحين عن العلاء بن الحضرمى ( أن النبى PageV24P087 رخص ~~للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثا ( ولهذا لما توفى بن عمر بها أمر أن ~~يدفن بالحل ولا يدفن بها وفى الصحيحين أن النبى لما عاد سعد بن أبى وقاص ~~وقد كان مرض في حجة الوداع خاف سعد أن يموت بمكة فقال يا رسول الله أخلف عن ~~هجرتى فبشره النبى بأنه لا يموت بها وقال ( إنك لن تموت حتى ينتفع بك أقوام ~~ويضر بك آخرون لكن البائس سعد بن خولة يرثى له رسول الله أن مات بمكة ( # ومن المعروف عن عثمان أنه كان اذا اعتمر ينيخ راحلته فيعتمر ثم يركب ~~عليها راجعا فكيف يقال إنه نوى المقام بمكة ثم هذا من الكذب الظاهر فإن ~~عثمان ما أقام بمكة قط بل كان إذا حج يرجع إلى المدينة وقد حمل الشافعى ~~وأصحابه وطائفة من متأخرى أصحاب أحمد كالقاضى وأبى الخطاب وبن عقيل وغيرهم ~~فعل عثمان على قولهم فقالوا لما كان المسافر مخيرا بين ms7149 الإتمام والقصر كان ~~كل منهما جائزا وفعل عثمان هذا لأن القصر جائز والاتمام جائز وكذلك حملوا ~~فعل عائشة واستدلوا بما رووه من جهتها وذكر البيهقى قول من قال أتمها لأجل ~~الأعراب ورواه من سنن أبى داود ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد عن أيوب عن ~~الزهري أن عثمان بن عفان أتم الصلاة PageV24P088 بمنى من أجل الأعراب لأنهم ~~كثروا عامين فصلى بالناس أربعا ليعلمهم أن الصلاة أربع # وروى البيهقى من حديث إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا يعقوب عن حميد ثنا ~~سليمان بن سالم مولى عبد الرحمن بن حميد عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن ~~عثمان بن عفان أنه أتم الصلاة بمنى ثم خطب الناس فقال أيها الناس إن السنة ~~سنة رسول الله وسنة صاحبيه ولكنه حدث العام من الناس فخفت أن تعيبوا قال ~~البيهقى وقد قيل غير هذا والأشبه أن يكون رآه رخصة فرأى الإتمام جائزا كما ~~رأته عائشة # قلت وهذا بعيد فإن عدول عثمان عما داوم عليه رسول الله وخليفتاه بعده مع ~~انه أهون عليه وعلى المسلمين ومع ما علم من حلم عثمان واختياره له ولرعيته ~~أسهل الأمور وبعده عن التشديد والتغليظ لا يناسب أن يفعل الأمر الأثقل ~~الأشد مع ترك ما داوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفتاه بعده ومع ~~رغبة عثمان في الإقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم وخليفته بعده لمجرد كون ~~هذا المفضول جائزا إن لم ير أن في فعل ذلك مصلحة راجحة بعثته على أن يفعله ~~وهب أن له أن يصلى اربعا فكيف يلزم بذلك من يصلى خلفه فإنهم إذا ائتموا به ~~صلوا بصلاته PageV24P089 فيلزم المسلمين بالفعل الأثقل مع خلاف السنة لمجرد ~~كون ذلك جائزا وكذلك عائشة وقد وافق عثمان على ذلك غيره من السلف امراؤهم ~~وغير امرائهم وكانوا يتمون وأئمة الصحابة لا يختارون ذلك كما روى مالك عن ~~الزهري أن رجلا أخبره عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد ~~يغوث كانا جميعا في سفر وكان سعد بن ms7150 أبى وقاص يقصر الصلاة ويفطر وكانا ~~يتمان الصلاة ويصومان فقيل لسعد نراك تقصر من الصلاة وتفطر ويتمان فقال سعد ~~نحن أعلم وروى شعبة عن حبيب بن أبى ثابت عن عبد الرحمن بن المسور قال كنا ~~مع سعد بن أبى وقاص في قرية من قرى الشام فكان يصلي ركعتين فنصلى نحن أربعا ~~فنسأله عن ذلك فيقول سعد نحن أعلم وروى مالك عن بن شهاب عن صفوان بن عبد ~~الله بن صفوان قال جاء عبد الله بن عمر يعود عبد الله بن صفوان فصلى بنا ~~ركعتين ثم انصرف فأتممنا لأنفسنا # قلت عبد الله بن صفوان كان مقيما بمكة فلهذا أتموا خلف بن عمر وروى مالك ~~عن نافع ان بن عمر كان يصلى وراء الأمام بمنى اربعا وإذا صلى لنفسه صلى ~~ركعتين قال البيهقى والأشبه أن يكون عثمان رأى القصر رخصة فرأى الأتمام ~~جائزا كما رأته عائشة قال وقد روى ذلك عن غير واحد من الصحابة مع اختيارهم ~~القصر ثم PageV24P090 روى الحديث المعروف من رواية عبد الرزاق عن إسرائيل ~~عن أبى إسحاق السبيعى عن أبى ليلى قال اقبل سلمان في اثنى عشر راكبا من ~~أصحاب النبى فحضرت الصلاة فقالوا تقدم يا أبا عبد الله فقال انا لا نؤمكم ~~ولا ننكح نساءكم أن الله هدانا بكم قال فتقدم رجل من القوم فصلى بهم أربعا ~~قال فقال سلمان مالنا ولا لمربعة إنما كان يكفينا نصف المربعة ونحن إلى ~~الرخصة أحوج قال فبين سلمان بمشهد هؤلاء الصحابة أن القصر رخصة # قلت هذه القضية كانت في خلافة وسلمان قد أنكر التربيع وذلك أنه كان خلاف ~~السنة المعروفة عندهم فإنه لم تكن الأئمة يربعون في السفر وقوله ونحن إلى ~~الرخصة أحوج يبين أنها رخصة وهى رخصة مأمور بها كما أن أكل الميتة في ~~المخمصة رخصة وهى مأمور بها وفطر المريض رخصة وهو مأمور به والصلاة بالتيمم ~~رخصة مأمور بها والطواف بالصفا والمروة قد قال الله فيه ( فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) وهو ms7151 مأمور به إما ركن وإما واجب وإما ~~سنة والذى صلى بسلمان أربعا يحتمل أنه كان لا يرى القصر لمثله اما لأن سفره ~~كإن قصرا عنده PageV24P091 وإما لأن سفره لم يكن عنده مما تقصر فيه الصلاة ~~فان من الصحابة من لا يرى القصر الا في حج أو عمرة أو غزو وكان لكثير من ~~السلف والخلف نزاع في جنس سفر القصر وفى قدره فهذه القضية المعينة لم يتبين ~~فيها حال الإمام ومتابعة سلمان له تدل على أن الإمام إذا فعل شيئا متأولا ~~اتبع عليه كما إذا قنت متأولا أو كبر خمسا أو سبعا متأولا والنبى صلى خمسا ~~واتبعه أصحابه ظانين أن الصلاة زيد فيها فلما سلم ذكروا ذلك له فقال ( إنما ~~أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى ( # وقد تنازع العلماء في الامام إذا قام إلى خامسة هل يتابعه المأموم أو ~~يفارقه ويسلم أو يفارقه وينتظره أو يخير بين هذا وهذا على أقوال معروفة وهى ~~روايات عن أحمد # أو رأى ان التربيع مكروه وتابع الإمام عليه فإن المتابعة واجبة ويجوز فعل ~~المكروه لمصلحة راجحة ولا ريب أن تربيع المسافر ليس كصلاة الفجر أربعا فإن ~~المسافر لو اقتدى بمقيم لصلى خلفه أربعا لأجل متابعة إمامه فهذه الصلاة ~~تفعل في حال ركعتين وفى حال أربعا بخلاف الفجر فجاز أن تكون متابعة الامام ~~المسافر كمتابعة المسافر للمقيم لأن كلاهما اتبع إمامه PageV24P092 # وهذا القول وهو القول بكراهة التربيع أعدل الأقوال وهو الذى نص عليه أحمد ~~في رواية الأثرم وقد سأله هل للمسافر أن يصلى أربعا فقال لا يعجبنى ولكن ~~السفر ركعتان وقد نقل عنه المروذى انه قال إن شاء صلى أربعا وان شاء صلى ~~ركعتين ولا يختلف قول أحمد أن الأفضل هو القصر بل نقل عنه إذا صلى أربعا ~~أنه توقف في الإجزاء ومذهب مالك كراهية التربيع وأنه يعيد في الوقت ولهذا ~~يذكر في مذهبه هل تصح الصلاة أربعا على قولين ومذهب الشافعى جواز الأمرين ~~وأيهما أفضل فيه قولان أصحهما أن القصر أفضل كإحدى الروايتين ms7152 عن أحمد وهو ~~اختيار كثير من أصحابه وتوقف أحمد عن القول بالإجزاء يقتضى أنه يخرج على ~~قوله في مذهبه وذلك ان غايته أنه زاد زيادة مكروهة وهذا لا يبطل الصلاة ~~فانه أتى بالواجب وزيادة والزيادة إذا كانت سهوا لا تبطل الصلاة باتفاق ~~المسلمين وكذلك الزيادة خطأ إذا اعتقد جوازها وهذه الزيادة لا يفعلها من ~~يعتقد تحريمها وإنما يفعلها من يعتقدها جائزة ولا نص بتحريمها بل الأدلة ~~دالة على كون ذلك مخالفا للسنة لا أنه محرم كالصلاة بدون رفع اليدين ومع ~~الالتفات ونحو ذلك من المكروهات وسنتكلم إن شاء الله على تمام ذلك # وأما إتمام عثمان فالذى ينبغى أن يحمل حاله على ما كان يقول PageV24P093 ~~لا على ما لم يثبت عنه فقوله إنه بلغنى أن قوما يخرجون إما لتجارة وإما ~~لجباية وإما لجريم يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة ~~عدو وقوله بين فيه مذهبه وهو أنه لا يقصر الصلاة من كان نازلا في قرية أو ~~مصر إلا إذا كان خائفا بحضرة عدو وإنما يقصر من كان شاخصا أى مسافرا وهو ~~الحامل للزاد والمزاد أى للطعام والشراب والمزاد وعاء الماء يقول إذا كان ~~نازلا مكانا فيه الطعام والشراب كان مترفها بمنزلة المقيم فلا يقصر لأن ~~القصر إنما جعل للمشقة التى تلحق الانسان وهذا لا تلحقه مشقة فالقصر عنده ~~للمسافر الذى يحمل الزاد والمزاد وللخائف # ولما عمرت منى وصار بها زاد ومزاد لم ير القصر بها لا لنفسه ولا لمن معه ~~من الحاج وقوله في تلك الرواية ولكن حدث العام لم يذكر فيها ما حدث فقد ~~يكون هذا هو الحادث وإن كان قد جاءت الجهال من الأعراب وغيرهم يظنون أن ~~الصلاة أربع فقد خاف عليهم أن يظنوا أنها تفعل في مكان فيه الزاد والمزاد ~~أربعا وهذا عنده لا يجوز وإن كان قد تأهل بمكة فيكون هذا أيضا موافقا فانه ~~إنما تأهل بمكان فيه الزاد والمزاد وهو لا يرى القصر لمن كان نازلا بأهله ~~في مكان فيه الزاد والمزاد وعلى ms7153 هذا فجميع ما ثبت في هذا الباب من عذره ~~يصدق بعضه بعضا PageV24P094 # وأما ما اعتذر به الطحاوى من أن مكة كانت على عهد النبى صلى الله عليه ~~وسلم أعمر من منى في زمن عثمان فجواب عثمان له ان النبى في عمرة القضية ثم ~~في غزوة الفتح ثم في عمرة الجعرانة كان خائفا من العدو وعثمان يجوز القصر ~~لمن كان خائفا وإن كان نازلا في مكان فيه الزاد والمزاد فانه يجوزه للمسافر ~~ولمن كان بحضرة العدو وأما في حجة الوداع فقد كان النبى آمنا لكنه لم يكن ~~نازلا بمكة وإنما كان نازلا بالأبطح خارج مكة هو وأصحابه فلم يكونوا نازلين ~~بدار إقامة ولا بمكان فيه الزاد والمزاد وقد قال أسامة أين ننزل غدا هل ~~تنزل بدارك بمكة فقال ( وهل ترك لنا عقيل من دار ننزل بخيف بني كنانة حيث ~~تقاسموا على الكفر وهذا المنزل بالابطح بين المقابر ومنى ( # وكذلك عائشة رضي الله عنها أخبرت عن نفسها أنها انما تتم لأن القصر لأجل ~~المشقة وإن الإتمام لا يشق عليها والسلف والخلف تنازعوا في سفر القصر في ~~جنسه وفى قدره فكان قول عثمان وعائشة أحد أقوالهم فيها # وللناس في جنس سفر القصر أقوال أخر مع أن عثمان قد خالفه على وبن مسعود ~~وعمران بن حصين وسعد بن أبى وقاص وبن عمر وبن عباس وغيرهم من علماء الصحابة ~~فروى سفيان PageV24P095 بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال اعتل عثمان ~~وهو بمنى فأتى على فقيل له صل بالناس فقال إن شئتم صليت بكم صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ركعتين قالوا لا إلا صلاة أمير المؤمنين يعنون أربعا ~~فأبى وفى الصحيحين عن بن مسعود # وقد تنازع الناس في الأربع في السفر على أقوال # أحدها أن ذلك بمنزلة صلاة الصبح أربعا وهذا مذهب طائفة من السلف والخلف ~~وهو مذهب أبى حنيفة وبن حزم وغيره من أهل الظاهر ثم عند أبى حنيفة إذا جلس ~~مقدار التشهد تمت صلاته والمفعول بعد ذلك كصلاة منفصلة قد ms7154 تطوع بها وإن لم ~~يقعد مقدار التشهد بطلت صلاته ومذهب بن حزم وغيره أن صلاته باطلة كما لو ~~صلى عندهم الفجر أربعا # وقد روى سعيد في سننه عن الضحاك بن مزاحم قال قال بن عباس من صلى في ~~السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين قال بن حزم وروينا عن عمر بن عبد ~~العزيز وقد ذكر له الإتمام في السفر لمن شاء فقال لا الصلاة في السفر ~~ركعتان حتمان لا يصح غيرهما PageV24P096 # وحجة هؤلاء أنه قد ثبت أن الله إنما فرض في السفر ركعتين والزيادة على ~~ذلك لم يأت بها كتاب ولا سنة وكل ما روى عن النبى من أنه صلى أربعا أو أقر ~~من صلى أربعا فانه كذب # وأما فعل عثمان وعائشة فتأويل منهما أن القصر إنما يكون في بعض الأسفار ~~دون بعض كما تأول غيرهما أنه لا يكون إلا في حج أو عمرة أو جهاد ثم قد ~~خالفهما أئمة الصحابة وأنكروا ذلك قالوا لأن النبى قال ( صدقة تصدق الله ~~بها عليكم فاقبلوا صدقته ( فأمر بقبولها والأمر يقتضى الوجوب # ومن قال يجوز الأمران فعمدتهم قوله تعالى ( وإذا ضربتم في الأرض فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) قالوا ~~وهذه العبارة إنما تستعمل في المباح لا في الواجب كقوله ( ولا جناح عليكم ~~إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ) وقوله @QB@ لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة @QE@ ونحو ذلك ~~واحتجوا من السنة بما تقدم من أن النبى حسن لعائشة اتمامها وبما روى من أنه ~~فعل ذلك واحتجوا بأن عثمان أتم PageV24P097 الصلاة بمنى بمحضر الصحابة ~~فأتموا خلفه وهذه كلها حجج ضعيفة # أما الآية فنقول قد علم بالتواتر أن النبى إنما كان يصلي في السفر ركعتين ~~وكذلك أبو بكر وعمر بعده وهذا يدل على أن الركعتين أفضل كما عليه جماهير ~~العلماء وإذا كان القصر طاعة لله ورسوله وهو أفضل من غيره لم يجز أن يحتج ms7155 ~~بنفى الجناح على أنه مباح لا فضيلة فيه ثم ما كان عذرهم عن كونه مستحبا هو ~~عذر لغيرهم عن كونه مأمورا به أمر إيجاب وقد قال تعالى في السعى @QB@ فمن ~~حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما @QE@ والطواف بين الصفا ~~والمروة هو السعى المشروع باتفاق المسلمين وذلك إما ركن وإما واجب وإما سنة # وأيضا فالقصر وإن كان رخصة استباحة المحظور فقد تكون واجبة كأكل الميتة ~~للمضطر والتيمم لمن عدم الماء ونحو ذلك هذا إن سلم أن المراد به قصر العدد ~~فان للناس في الآية ثلاثة أقوال # قيل المراد به قصر العدد فقط وعلى هذا فيكون التخصيص بالخوف غير مفيد ~~PageV24P098 # والثانى أن المراد به قصر الأعمال فإن صلاة الخوف تقصر عن صلاة الأمن ~~والخوف يبيح ذلك وهذا يرد عليه أن صلاة الخوف جائزة حضرا وسفرا والآية ~~أفادت القصر في السفر # والقول الثالث وهو الاصح أن الآية أفادت قصر العدد وقصر العمل جميعا ~~ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف فإذا اجتمع الضرب في الأرض والخوف أبيح القصر ~~الجامع لهذا ولهذا وإذا انفرد السفر فإنما يبيح قصر العدد وإذا انفرد الخوف ~~فانما يفيد قصر العمل # ومن قال إن الفرض في الخوف والسفر ركعة كأحد القولين في مذهب أحمد وهو ~~مذهب بن حزم فمراده إذا كان خوف وسفر فيكون السفر والخوف قد أفادا القصر ~~إلى ركعة كما روى أبو داود الطيالسي ثنا المسعودى هو عبد الرحمن بن عبد ~~الله عن يزيد الفقير قال سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر ~~أقصرهما قال جابر لا فإن الركعتين في السفر ليستا بقصر إنما القصر ركعة عند ~~القتال # وفى صحيح مسلم عن بن عباس قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر ~~أربعا وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة قال PageV24P099 إبن حزم ورويناه ~~أيضا من طريق حذيفة وجابر وزيد بن ثابت وأبى هريرة وبن عمر عن النبى ~~بأسانيد في غاية الصحة قال بن حزم وبهذه الآية قلنا إن صلاة الخوف في السفر ms7156 ~~إن شاء ركعة وإن شاء ركعتين لأنه جاء في القرآن بلفظ @QB@ لا جناح @QE@ لا ~~بلفظ الأمر والإيجاب وصلاها الناس مع النبى مرة ركعة فقط ومرة ركعتين فكان ~~ذلك على الاختيار كما قال جابر # وأما صلاة عثمان فقد عرف انكار أئمة الصحابة عليه ومع هذا فكانوا يصلون ~~خلفه بل كان بن مسعود يصلى أربعا وان انفرد ويقول الخلاف شر وكان إبن عمر ~~إذا انفرد صلى ركعتين وهذا دليل على أن صلاة السفر أربعا مكروهة عندهم ~~ومخالفة للسنة ومع ذلك فلا اعادة على من فعلها وإذا فعلها الإمام اتبع فيها ~~وهذا لأن صلاة المسافر ليست كصلاة الفجر بل هي من جنس الجمعة والعيدين ~~ولهذا قرن عمر بن الخطاب في السنة التى نقلها بين الأربع فقال صلاة الأضحى ~~ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة المسافر ركعتان تمام ~~غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى رواه أحمد والنسائى من حديث عبد ~~الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة قال قال عمر ورواه يزيد بن زياد ~~PageV24P100 إبن أبى الجعد عن زبيد اليامى عن عبد الرحمن فهذه الأربعة ليست ~~من جنس الفجر # ومعلوم أنه يوم الجمعة يصلى ركعتين تارة ويصلى أربعا أخرى ومن فاتته ~~الجمعة إنما يصلى أربعا لا يصلى ركعتين وكذلك من لم يدرك منها ركعة عند ~~الصحابة وجمهور العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من أدرك ركعة ~~من الصلاة فقد أدركها ( وإذا حصلت شروط الجمعة خطب خطبتين وصلى ركعتين فلو ~~قدر أنه خطب وصلى الظهر أربعا لكان تاركا للسنة ومع هذا فليسوا كمن صلى ~~الفجر أربعا ولهذا يجوز للمريض والمسافر والمرأة وغيرهم ممن لا تجب عليهم ~~الجمعة أن يصلى الظهر أربعا أن يأتم به في الجمعة فيصلى ركعتين فكذلك ~~المسافر له أن يصلى ركعتين وله أن يأتم بمقيم فيصلى خلفه أربعا # فإن قيل الجمعة يشترط لها الجماعة فلهذا كان حكم المنفرد فيها خلاف حكم ~~المؤتم وهذا الفرق ذكره أصحاب الشافعى وطائفة من أصحاب أحمد # قيل لهم ms7157 اشتراط الجماعة في الصلوات الخمس فيه نزاع في مذهب أحمد وغيره ~~والأقوى أنه شرط مع القدرة وحينئذ المسافر لما ائتم PageV24P101 بالمقيم ~~دخل في الجماعة الواجبة فلزمه اتباع الامام كما في الجمعة وإن قيل ~~فللمسافرين أن يصلوا جماعة قيل ولهم أن يصلوا يوم الجمعة جماعة ويصلوا ~~أربعا وصلاة العيد قد ثبت عن على أنه استخلف من صلى بالناس في المسجد أربعا ~~ركعتين للسنة وركعتين لكونهم لم يخرجوا إلى الصحراء فصلاة الظهر يوم الجمعة ~~وصلاة العيدين تفعل تارة اثنتين وتارة أربعا كصلاة المسافر بخلاف صلاة ~~الفجر وعلى هذا تدل آثار الصحابة فإنهم كانوا يكرهون من الإمام أن يصلى ~~أربعا ويصلون خلفه كما في حديث سلمان وحديث بن مسعود وغيره مع عثمان ولو ~~كان ذلك عندهم كمن يصلى الفجر أربعا لما استجازوا أن يصلوا أربعا كما لا ~~يستجيز مسلم أن يصلى الفجر أربعا # ومن قال أنهم لما قعدوا قدر التشهد أدوا الفرض والباقى تطوع قيل له من ~~المعلوم أنه لم ينقل عن أحدهم انه قال نوينا التطوع بالركعتين # وأيضا فإن ذلك ليس بمشروع فليس لأحد أن يصلي بعد الفجر ركعتين بل قد أنكر ~~النبى على من صلى بعد الإقامة السنة وقال 4 الصبح أربعا وقد صلى قبل الإمام ~~فكيف إذا وصل الصلاة بصلاة وقد ثبت في الصحيح ( أن النبى PageV24P102 نهى ~~أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بكلام أو قيام ( # وقد كان الصحابة ينكرون على من يصل الجمعة وغيرها بصلاة تطوع فكيف يسوغون ~~أن يصل الركعتين في السفر أن كان لا يجوز الا ركعتان بصلاة تطوع وأيضا ~~فلماذا وجب على المقيم خلف المسافر أن يصلى أربعا كما ثبت ذلك عن الصحابة ~~وقد وافق عليه أبو حنيفة وأيضا فيجوز أن يصلي المقيم أربعا خلف المسافر ~~ركعتين كما كان النبى وخلفاؤه يفعلون ذلك ويقولون أتموا صلاتكم فانا قوم ~~سفر # وهذا مما يبين أن صلاة المسافر من جنس صلاة المقيم فانه قد سلم جماهير ~~العلماء أن يصلي هذا خلف هذا كما يصلي الظهر خلف من يصلي ms7158 الجمعة وليس هذا ~~كمن صلى الظهر قضاء خلف من يصلي الفجر # وأما من قال أن المسافر فرضه أربع وله أن يسقط ركعتين بالقصر فقوله مخالف ~~للنصوص وإجماع السلف والأصول وهو قول متناقض فإن هاتين الركعتين يملك ~~المسافر اسقاطهما لا إلى بدل ولا إلى نظيره وهذا يناقض الوجوب فإنه يمتنع ~~أن يكون الشيء واجبا PageV24P103 على العبد ومع هذا لا يلزمه فعله ولا فعل ~~بدله ولا نظيره فعلم بذلك أن الفرض على المسافر الركعتان فقط وهذا الذى يدل ~~عليه كلام أحمد وقدماء أصحابه فانه لم يشترط في القصر نية وقال لا يعجبنى ~~الأربع وتوقف في اجزاء الأربع # ولم ينقل أحد عن أحمد انه قال لا يقصر الا بنية وانما هذا من قول الخرقى ~~ومن أتبعه ونصوص أحمد وأجوبته كلها مطلقة في ذلك كما قاله جماهير العلماء ~~وهو اختيار أبى بكر موافقة لقدماء الأصحاب كالخلال وغيره بل والأثرم وأبى ~~داود وإبراهيم الحربى وغيرهم فإنهم لم يشترطوا النية لا في قصر ولا في جمع ~~وإذا كان فرضه ركعتين فإذا أتى بهما أجزأه ذلك سواء نوى القصر أو لم ينوه ~~وهذا قول الجماهير كمالك وأبى حنيفة وعامة السلف وما علمت أحدا من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان اشترط نية لا في قصر ولا في جمع ولو نوى المسافر ~~الاتمام كانت السنة في حقه الركعتين ولو صلى أربعا كان ذلك مكروها كما لم ~~ينوه # ولم ينقل قط أحد عن النبى انه أمر أصحابه لا بنية قصر ولا نية جمع ولا ~~كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك من يصلى خلفهم مع ان المأمومين أو أكثرهم ~~لا يعرفون ما يفعله الإمام فإن النبى لما خرج في حجته صلى بهم PageV24P104 ~~الظهر بالمدينة أربعا وصلى بهم العصر بذى الحليفة ركعتين وخلفه أمم لا يحصى ~~عددهم الا الله كلهم خرجوا يحجون معه وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر أما ~~لحدوث عهده بالاسلام وإما لكونه لم يسافر بعد لا سيما النساء صلوا معه ولم ~~يأمرهم بنية القصر وكذلك جمع بهم بعرفة ولم يقل لهم ms7159 انى أريد ان أصلى العصر ~~بعد الظهر حتى صلاها ### ||| فصل # السفر في كتاب الله وسنة رسوله في القصر والفطر مطلق ثم قد تنازع الناس ~~في جنس السفر وقدره أما جنسه فاختلفوا في نوعين # أحدهما حكمه فمنهم من قال لا يقصر الا في حج أو عمرة أو غزو وهذا قول ~~داود وأصحابه إلا بن حزم قال بن حزم وهو قول جماعة من السلف كما روينا من ~~طريق إبن أبى عدى حدثنا جرير عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الأسود عن بن ~~مسعود قال لا يقصر الصلاة إلا حاج أو مجاهد وعن طاوس انه كان يسأل عن قصر ~~الصلاة فيقول إذا خرجنا حجاجا أو عمارا صلينا ركعتين PageV24P105 وعن ~~إبراهيم التيمي أنه كان لا يرى القصر إلا في حج أو عمرة أو جهاد وحجة هؤلاء ~~انه ليس معنا نص يوجب عموم القصر للمسافر فإن القرآن ليس فيه الا قصر ~~المسافر إذا خاف أن يفتنه الذين كفروا وهذا سفر الجهاد وأما السنة فإن ~~النبى قصر في حجه وعمره وغزواته فثبت جواز هذا والأصل في الصلاة الإتمام ~~فلا تسقط إلا حيث أسقطتها السنة # ومنهم من قال لا يقصر الا في سفر يكون طاعة فلا يقصر في مباح كسفر ~~التجارة وهذا يذكر رواية عن أحمد والجمهور يجوزون القصر في السفر الذى يجوز ~~فيه الفطر وهو الصواب لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( أن الله وضع عن ~~المسافر الصوم وشطر الصلاة ( رواه عنه أنس بن مالك الكعبى وقد رواه أحمد ~~وغيره باسناد جيد # وأيضا فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر بن ~~الخطاب @QB@ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا @QE@ فقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله عن ذلك ~~فقال ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ( وهذا يبين أن سفر الأمن ~~يجوز فيه قصر العدد وإن كان ذلك صدقة من الله علينا امرنا PageV24P106 ~~بقبولها وقد قال طائفة من ms7160 أصحاب الشافعى وأحمد ان شئنا قبلناها وان شئنا لم ~~نقبلها فإن قبول الصدقة لا يجب ليدفعوا بذلك الأمر بالركعتين وهذا غلط فان ~~النبى صلى الله عليه وسلم امرنا ان نقبل صدقة الله علينا والأمر للايجاب ~~وكل احسانه الينا صدقة علينا فان لم نقبل ذلك هلكنا # وأيضا فقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر ~~على لسان نبيكم وقد خاب من افترى كما قال صلاة الجمعة ركعتان وصلاة الأضحى ~~ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وهذا نقل عن النبى أنه سن للمسلمين الصلاة في ~~جنس السفر ركعتين كما سن الجمعة والعيدين ولم يخص ذلك بسفر نسك أو جهاد # وأيضا فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت فرضت الصلاة ركعتين فزيد ~~في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر وهذا يبين أن المسافر لم يؤمر بأربع قط ~~وحينئذ فما أوجب الله على المسافر أن يصلى أربعا وليس في كتاب الله ولا سنة ~~رسوله لفظ يدل على أن المسافر فرض عليه أربع وحينئذ فمن أوجب على مسافر ~~أربعا فقد أوجب مالم يوجبه الله ورسوله PageV24P107 # فإن قيل قوله ( وضع ( يقتضى أنه كان واجبا قبل هذا كما قال ( إنه وضع عنه ~~الصوم ( ومعلوم أنه لم يجب على المسافر صوم رمضان قط لكن لما انعقد سبب ~~الوجوب فأخرج المسافر من ذلك سمى وضعا ولأنه كان واجبا في المقام فلما سافر ~~وضع بالسفر كما يقال من أسلم وضعت عنه الجزية مع أنها لا تجب على مسلم بحال # وأيضا فقد قال صفوان بن محرز قلت لإبن عمر حدثنى عن صلاة السفر قال اتخشى ~~أن يكذب علي قلت لا قال ركعتان من خالف السنة كفر وهذا معروف رواه أبو ~~التياح عن مورق العجل عنه وهو مشهور في كتب الآثار وفى لفظ صلاة السفر ~~ركعتان ومن خالف السنة كفر وبعضهم رفعه إلى النبى فبين أن صلاة السفر ~~ركعتان وإن ذلك من السنة التى من خالفها فاعتقد خلافها فقد كفر وهذه الأدلة ~~دليل على أن من قال انه ms7161 لا يقصر الا في سفر واجب فقوله ضعيف # ومنهم من قال لا يقصر في السفر المكروه ولا المحرم ويقصر في المباح وهذا ~~أيضا رواية عن أحمد وهل يقصر في سفر النزهة فيه عن أحمد روايتان # وأما السفر المحرم فمذهب الثلاثة مالك والشافعى وأحمد لا يقصر فيه وأما ~~أبو حنيفة وطوائف من السلف والخلف فقالوا يقصر في PageV24P108 جنس الأسفار ~~وهو قول بن حزم وغيره وأبو حنيفة وبن حزم وغيرهما يوجبون القصر في كل سفر ~~وإن كان محرما كما يوجب الجميع التيمم إذا عدم الماء في السفر المحرم وبن ~~عقيل رجح في بعض المواضع القصر والفطر في السفر المحرم # والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعا في جنس السفر ولم يخص سفرا من سفر ~~وهذا القول هو الصحيح فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر قال تعالى @QB@ فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ كما قال في آية التيمم ~~@QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر @QE@ الآية وكما تقدمت النصوص الدالة على أن ~~المسافر يصلي ركعتين ولم ينقل قط أحد عن النبى أنه خص سفرا من سفر مع علمه ~~بأن السفر يكون حراما ومباحا ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر لكان بيان ~~هذا من الواجبات ولو بين ذلك لنقلته الأمة وما علمت عن الصحابة في ذلك شيئا # وقد علق الله ورسوله أحكاما بالسفر كقوله تعالى في التيمم @QB@ وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر @QE@ وقوله في الصوم @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~@QE@ وقوله @QB@ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ وقول النبى ( يمسح المسافر ثلاثة أيام ~~ولياليهن وقوله PageV24P109 ? < لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~تسافر إلا مع زوج أو ذى محرم > ? وقوله ? < ان الله وضع عن المسافر الصوم ~~وشطر الصلاة > ? ولم يذكر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر ~~بنوع دون نوع فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقا بأحد نوعى السفر ولا يبين ms7162 الله ~~ورسوله ذلك بل يكون بيان الله ورسوله متناولا للنوعين # وهكذا في تقسيم السفر إلى طويل وقصير وتقسيم الطلاق بعد الدخول إلى بائن ~~ورجعى وتقسيم الأيمان إلى يمين مكفرة وغير مكفرة وأمثال ذلك مما علق الله ~~ورسوله الحكم فيه بالجنس المشترك العام فجعله بعض الناس نوعين نوعا يتعلق ~~به ذلك الحكم ونوعا لا يتعلق من غير دلالة على ذلك من كتاب ولا سنة لا نصا ~~ولا استنباطا # والذين قالوا لا يثبت ذلك في السفر المحرم عمدتهم قوله تعالى في الميتة ~~@QB@ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه @QE@ وقد ذهب طائفة من ~~المفسرين إلى أن ( الباغي ( هو الباغى على الإمام الذى يجوز قتاله و ( ~~العادى ( هو العادى على المسلمين وهم المحاربون قطاع الطريق قالوا فإذا ثبت ~~أن الميتة لا تحل لهم فسائر الرخص أولى وقالوا اذا اضطر العاصى بسفره ~~أمرناه أن يتوب ويأكل ولا نبيح له اتلاف نفسه وهذا القول معروف عن أصحاب ~~الشافعى وأحمد PageV24P110 # وأما أحمد ومالك فجوزا له أكل الميتة دون القصر والفطر قالوا ولأن السفر ~~المحرم معصية والرخص للمسافر إعانة على ذلك فلا تجوز الإعانة على المعصية # وهذه حجج ضعيفة أما الآية فأكثر المفسرين قالوا المراد بالباغي الذى يبغي ~~المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال والعادى الذى يتعدى القدر الذى يحتاج ~~إليه وهذا التفسير هو الصواب دون الأول لأن الله أنزل هذا في السور المكية ~~الأنعام والنحل وفى المدنية ليبين ما يحل وما يحرم من الاكل والضرورة لا ~~تختص بسفر ولو كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصا بقطع الطريق والخروج ~~على الإمام ولم يكن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم امام يخرج عليه ولا ~~من شرط الخارج أن يكون مسافرا والبغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا ~~يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولا مسافرين ~~بل كانوا من أهل العوالى مقيمين واقتتلوا بالنعال والجريد فكيف يجوز أن ~~تفسر الآية بما لا يختص بالسفر وليس فيها كل سفر ms7163 محرم فالمذكور في الآية لو ~~كان كما قيل لم يكن مطابقا للسفر المحرم فانه قد يكون بلا سفر وقد يكون ~~السفر المحرم بدونه # وأيضا فقوله @QB@ غير باغ @QE@ حال من ( اضطر ) فيجب أن يكون حال ~~PageV24P111 اضطراره وأكله الذى يأكل فيه غير باغ ولا عاد فإنه قال ( فلا ~~اثم عليه ) ومعلوم أن الإثم انما ينفى عن الأكل الذى هو الفعل لا عن نفس ~~الحاجة إليه فمعنى الآية فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد وهذا يبين ان ~~المقصود أنه لا يبغي في أكله ولا يتعدى والله تعالى يقرن بين البغي ~~والعدوان فالبغى ما جنسه ظلم والعدوان مجاوزة القدر المباح كما قرن بين ~~الاثم والعدوان في قوله @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان @QE@ فالإثم جنس الشر والعدوان مجاوزة القدر المباح فالبغى ~~من جنس الإثم قال تعالى @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ وقال تعالى @QB@ فمن خاف من موص جنفا أو إثما ~~فأصلح بينهم فلا إثم عليه @QE@ فالإثم جنس لظلم الورثة إذا كان مع العمد ~~وأما الجنف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير عمد لكن قال كثير من المفسرين الجنف ~~الخطأ والإثم العمد لأنه لما خص الإثم بالذكر وهو العمد بقى الداخل في ~~الجنف الخطأ ولفظ العدوان من باب تعدى الحدود كما قال تعالى @QB@ تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها @QE@ @QB@ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه @QE@ ونحو ذلك ~~ومما يشبه هذا قوله @QB@ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا @QE@ ~~والإسراف مجاوزة الحد المباح وأما الذنوب فما كان جنسه شر وإثم # وأما قولهم إن هذا إعانة على المعصية فغلط لأن المسافر مأمور PageV24P112 ~~بأن يصلي ركعتين كما هو مأمور أن يصلى بالتيمم وإذا عدم الماء في السفر ~~المحرم كان عليه أن يتيمم ويصلى وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورا ~~بها أحد من المسافرين وإذا فعلها المسافر كان قد فعل منهيا عنه فصار صلاة ~~الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف مستوطن فهل يصليها الا ركعتين ms7164 وان ~~كان عاصيا بسفره وان كان إذا صلى وحده صلى أربعا # وكذلك صومه في السفر ليس برا ولا مأمورا به فإن النبى ثبت عنه أنه قال ( ~~ليس من البر الصيام في السفر ( وصومه إذا كان مقيما أحب إلى الله من صيامه ~~في سفر محرم ولو أراد أن يتطوع على الراحلة في السفر المحرم لم يمنع من ذلك ~~وإذا اشتبهت عليه القبلة أما كان يتحرى ويصلى ولو أخذت ثيابه أما كان يصلي ~~عريانا فإن قيل هذا لا يمكنه إلا هذا قيل والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين ~~والمشروع في حقه أن لا يصوم وقد اختلف الناس لو صام هل يسقط الفرض عنه ~~واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه وهذه المسألة ليس فيها احتياط فإن ~~طائفة يقولون من صلى أربعا أو صام رمضان في السفر المحرم لم يجزئه ذلك كما ~~لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم # وطائفة يقولون لا يجزيه إلا صلاة أربع وصوم رمضان وكذلك PageV24P113 أكل ~~الميتة واجب على المضطر سواء كان في السفر أو الحضر وسواء كانت ضرورته بسبب ~~مباح أو محرم فلو ألقى ماله في البحر واضطر إلى أكل الميتة كان عليه أن ~~يأكلها ولو سافر سفرا محرما فأتعبه حتى عجز عن القيام صلى قاعدا ولو قاتل ~~قتالا محرما حتى أعجزته الجراح عن القيام صلى قاعدا # فإن قيل فلو قاتل قتالا محرما هل يصلى صلاة الخوف قيل يجب عليه ان يصلى ~~ولا يقاتل فإن كان لا يدع القتال المحرم فلا نبيح له ترك الصلاة بل إذا صلى ~~صلاة خائف كان خيرا من ترك الصلاة بالكلية ثم هل يعيد هذا فيه نزاع ثم إن ~~أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة في الوقت وجب ذلك عليه لأنه مأمور بها ~~وأما إن خرج الوقت ولم يفعل ذلك ففى صحتها وقبولها بعد ذلك نزاع # النوع الثانى ) من موارد النزاع أن عثمان كان لا يرى مسافرا الا من حمل ~~الزاد والمزاد دون من كان نازلا فكان لا يحتاج فيه إلى ذلك كالتاجر ms7165 والتانى ~~والجابى الذين يكونون في موضع لا يحتاجون فيه إلى ذلك ولم يقدر عثمان للسفر ~~قدرا بل هذا الجنس عنده ليس بمسافر وكذلك قيل إنه لم ير نفسه والذين معه ~~مسافرين بمنى لما صارت منى معمورة وذكر بن أبى شيبة عن بن سيرين أنه قال ~~كانوا يقولون السفر الذى تقصر فيه الصلاة الذى يحمل فيه الزاد والمزاد ~~ومأخذ هذا القول والله أعلم أن القصر إنما PageV24P114 كان في السفر لا في ~~المقام والرجل إذا كان مقيما في مكان يجد فيه الطعام والشراب لم يكن مسافرا ~~بل مقيما بخلاف المسافر الذى يحتاج أن يحمل الطعام والشراب فإن هذا يلحقه ~~من المشقة ما يلحق المسافر من مشقة السفر وصاحب هذا القول كأنه رأى الرخصة ~~إنما تكون للمشقة والمشقة إنما تكون لمن يحتاج إلى حمل الطعام والشراب # وقد نقل عن غيره كلام يفرق فيه بين جنس وجنس روى بن أبى شيبة عن على بن ~~مسهر عن ابى إسحاق الشيباني عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عبد الله بن ~~مسعود قال لا يغرنكم سوادكم هذا من صلاتكم فإنه من مصركم فقوله من ( مصركم ~~( يدل على انه جعل السواد بمنزلة المصر لما كان تابعا له وروى عبد الرزاق ~~عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال كنت مع حذيفة بالمدائن ~~فاستاذنته أن آتى أهلى بالكوفة فأذن لى وشرط على ان لا أفطر ولا أصلى ~~ركعتين حتى أرجع إليه وبينهما نيف وستون ميلا وعن حذيفة أن لا يقصر إلى ~~السواد وبين الكوفة والسواد تسعون ميلا وعن معاذ بن جبل وعقبة بن عامر لا ~~يطأ أحدكم بماشية أحداب الجبال أو بطون الأودية وتزعمون أنكم سفر لا ~~ولاكرامة إنما التقصير في السفر من الباءات من الأفق إلى الأفق PageV24P115 ~~قلت هؤلاء لم يذكروا مسافة محدودة للقصر لا بالزمان ولا بالمكان لكن جعلوا ~~هذا الجنس من السير ليس سفرا كما جعل عثمان السفر ما كان فيه حمل زاد ومزاد ~~فإن كانوا قصدوا ما قصده عثمان من ms7166 ان هذا لا يزال يسير في مكان يحمل فيه ~~الزاد والمزاد فهو كالمقيم فقد وافقوا عثمان لكن بن مسعود خالف عثمان في ~~اتمامه بمنى وإن كان قصدهم ان اعمال البلد تبع له كالسواد مع الكوفة وإنما ~~المسافر من خرج من عمل إلى عمل كما في حديث معاذ من أفق إلى افق فهذا هو ~~الظاهر ولهذا قال بن مسعود عن السواد فإنه من مصركم وهذا كما أن ما حول ~~المصر من البساتين والمزارع تابعة له فهم يجعلون ذلك كذلك وإن طال ولا ~~يحدون فيه مسافة وهذا كما ان ( المخاليف ( وهى الأمكنة التى يستخلف فيها من ~~هو خليفة عن الأمير العام بالمصر الكبير وفى حديث معاذ من خرج من مخلاف إلى ~~مخلاف # يدل على ذلك ما رواه محمد بن بشار حدثنا أبو عامر العقدى حدثنا شعبة سمعت ~~قيس بن عمران بن عمير يحدث عن أبيه عن جده أنه خرج مع عبد الله بن مسعود ~~وهو رديفه على بغلة له مسيرة أربعة فراسخ فصلى الظهر ركعتين قال شعبة ~~أخبرنى بهذا قيس بن عمران وأبوه عمران بن عمير شاهد وعمير مولى بن مسعود ~~PageV24P116 فهذا يدل على ان بن مسعود لم يحد السفر بمسافة طويلة ولكن ~~اعتبر أمرا آخر كالأعمال وهذا أمر لا يحد بمسافة ولا زمان لكن بعموم ~~الولايات وخصوصها مثل من كان بدمشق فاذا سافر إلى ما هو خارج عن أعمالها ~~كان مسافرا وأصحاب هذه الأقوال كأنهم رأوا ما رخص فيه للمسافر إنما رخص فيه ~~للمشقة التى تلحقه في السفر واحتياجه إلى الرخصة وعلموا أن المتنقل في ~~المصر الواحد من مكان إلى مكان ليس بمسافر وكذلك الخارج إلى ما حول المصر ~~كما كان النبى يخرج إلى قباء كل سبت راكبا وماشيا ولم يكن يقصر وكذلك ~~المسلمون كانوا ينتابون الجمعة من العوالى ولم يكونوا يقصرون فكان المتنقل ~~في العمل الواحد بهذه المثابة عندهم # وهؤلاء يحتج عليهم بقصر أهل مكة مع النبى صلى الله عليه وسلم بعرفة ~~ومزدلفة ومنى مع أن هذه تابعة لمكة ومضافة ms7167 إليها وهى أكثر تبعا لها من ~~السواد للكوفة وأقرب إليها منها فإن بين باب بنى شيبة وموقف الامام بعرفة ~~عند الصخرات التى في اسفل جبل الرحمة يريد بهذه المسافة وهذا السير وهم ~~مسافرون وإذا قيل المكان الذى يسافرون إليه ليس بموضع مقام قيل بل كان هناك ~~قرية نمرة والنبى لم ينزل بها وكان بها أسواق وقريب منها عرنة التى تصل ~~واديها بعرفة ولأنه لا فرق بين السفر PageV24P117 إلى بلد يقام فيه وبلد لا ~~يقام فيه إذا لم يقصد الإقامة فإن النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~سافروا إلى مكة وهى بلد يمكن الإقامة فيه وما زالوا مسافرين في غزوهم وحجهم ~~وعمرتهم وقد قصر النبى الصلاة في جوف مكة عام الفتح وقال ( يا أهل مكة ~~أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ( وكذلك عمر بعده فعل ذلك رواه مالك بإسناد صحيح ~~ولم يفعل ذلك رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر بمنى ومن نقل ذلك عنهم فقد غلط ~~وهذا بخلاف خروج النبى صلى الله عليه وسلم إلى قباء كل سبت راكبا وماشيا ~~وخروجه إلى الصلاة على الشهداء فإنه قبل أن يموت بقليل صلى عليهم وبخلاف ~~ذهابه إلى البقيع وبخلاف قصد أهل العوالي المدينة ليجمعوا بها فإن هذا كله ~~ليس بسفر فإن اسم المدينة متناول لهذا كله وإنما الناس قسمان الأعراب وأهل ~~المدينة ولأن الواحد منهم يذهب ويرجع إلى أهله في يومه من غير أن يتاهب ~~لذلك أهبة السفر فلا يحمل زادا ولا مزادا لا في طريقه ولا في المنزل الذى ~~يصل إليه ولهذا لا يسمى من ذهب إلى ربض مدينته مسافرا ولهذا تجب الجمعة على ~~من حول المصر عند أكثر العلماء وهو يقدر بسماع النداء وبفرسخ ولو كان ذلك ~~سفرا لم تجب الجمعة على من ينشئ لها سفرا فإن الجمعة لا تجب على مسافر فكيف ~~يجب أن يسافر لها PageV24P118 وعلى هذا فالمسافر لم يكن مسافرا لقطعه مسافة ~~محدودة ولا لقطعه أياما محدودة بل كان مسافرا لجنس العمل الذى هو سفر وقد ~~يكون مسافرا ms7168 من مسافة قريبة ولا يكون مسافرا من أبعد منها مثل أن يركب فرسا ~~سابقا ويسير مسافة بريد ثم يرجع من ساعته إلى بلده فهذا ليس مسافرا وان قطع ~~هذه المسافة في يوم وليلة ويحتاج في ذلك إلى حمل زاد ومزاد كان مسافرا كما ~~كان سفر أهل مكة إلى عرفة ولو ركب رجل فرسا سابقا إلى عرفة ثم رجع من يومه ~~إلى مكة لم يكن مسافرا # يدل على ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم لما قال ( يمسح المسافر ثلاثة ~~أيام ولياليهن والمقيم يوما وليلة ( فلو قطع بريدا في ثلاثة أيام كان ~~مسافرا ثلاثة أيام ولياليهن فيجب أن يمسح مسح سفر ولو قطع البريد في نصف ~~يوم لم يكن مسافرا فالنبى إنما اعتبر أن يسافر ثلاثة أيام سواء كان سفره ~~حثيثا أو بطيئا سواء كانت الأيام طوالا أو قصارا ومن قدره بثلاثة أيام أو ~~يومين جعلوا ذلك بسير الإبل والإقدام وجعلوا المسافة الواحدة حدا يشترك فيه ~~جميع الناس حتى لو قطعها في يوم جعلوه مسافرا ولو قطع ما دونها في عشرة ~~أيام لم يجعلوه مسافرا وهذا مخالف لكلام النبى PageV24P119 # وأيضا فالنبى صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى قباء والعوالى واحد ومجيء ~~أصحابه من تلك المواضع إلى المدينة إنما كانوا يسيرون في عمران بين الأبنية ~~والحوائط التى هي النخيل وتلك مواضع الإقامة لا مواضع السفر والمسافر لا بد ~~ان يسفر أى يخرج إلى الصحراء فإن لفظ ( السفر ( يدل على ذلك يقال سفرت ~~المرأة عن وجهها إذا كشفته فإذا لم يبرز إلى الصحراء التى ينكشف فيها من ~~بين المساكن لا يكون مسافرا قال تعالى @QB@ وممن حولكم من الأعراب منافقون ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق @QE@ وقال تعالى @QB@ ما كان لأهل ~~المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم ~~عن نفسه @QE@ فجعل الناس قسمين أهل المدينة والأعراب والأعراب هم أهل ~~العمود وأهل المدينة هم أهل المدر # فجميع من كان ساكنا في مدر كان من أهل المدينة ولم يكن ms7169 للمدينة سور يتميز ~~به داخلها من خارجها بل كانت محال محال وتسمى المحلة دارا والمحلة القرية ~~الصغيرة فيها المساكن وحولها النخل والمقابر ليست أبنية متصلة فبنو مالك بن ~~النجار في قريتهم حوالى دورهم أموالهم ونخيلهم وبنو عدى بن النجار دارهم ~~كذلك وبنو مازن بن النجار كذلك وبنو سالم كذلك وبنو ساعدة كذلك وبنو الحارث ~~بن الخزرج كذلك وبنو عمرو بن عوف كذلك وبنو عبد PageV24P120 الاشهل كذلك ~~وسائر بطون الأنصار كذلك كما قال النبى ( خير دور الأنصار دار بنى النجار ~~ثم دار بنى عبد الاشهل ثم دار بنى الحارث ثم دار بنى ساعدة وفى كل دور ~~الانصار خير ( وكان النبى قد نزل في بنى مالك بن النجار وهناك بنى مسجده ~~وكان حائطا لبعض بنى النجار فيه نخل وخرب وقبور فأمر بالنخل فقطعت وبالقبور ~~فنبشت وبالخرب فسويت وبنى مسجده هناك وكانت سائر دور الأنصار حول ذلك قال ~~بن حزم ولم يكن هناك مصر قال وهذا أمر لا يجهله أحد بل هو نقل الكوافى عن ~~الكوافى وذلك كله مدينة واحدة كما جعل الله الناس نوعين أهل المدينة ومن ~~حولهم من الأعراب فمن ليس من الأعراب فهو من أهل المدينة لم يجعل للمدينة ~~داخلا وخارجا وسورا وربضا كما يقال مثل ذلك في المدائن المسورة وقد جعل ~~النبى حرم المدينة بريدا في بريد والمدينة بين لابتين واللابة الأرض التى ~~ترابها حجارة سود وقال ( ما بين لابتيها حرم ( فما بين لابتيها كله من ~~المدينة وهو حرم فهذا بريد لا يكون الضارب فيه مسافرا وان كان المكى إذا ~~خرج إلى عرفات مسافرا فعرفة ومزدلفة ومنى صحارى خارجة عن مكة ليست كالعوالي ~~PageV24P121 من المدينة وهذا أيضا مما يبين أنه لا اعتبار بمسافة محدودة ~~فإن المسافر في المصر الكبير لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن مسافرا ~~والمسافر عن القرية الصغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافرا فعلم أنه لابد أن ~~يقصد بقعة يسافر من مكان إلى مكان فإذا كان ما بين المكانين صحراء لا مساكن ~~فيها يحمل فيها ms7170 الزاد والمزاد فهو مسافر وان وجد الزاد والمزاد بالمكان ~~الذى يقصده # وكان عثمان جعل حكم المكان الذى يقصده حكم طريقه فلابد ان يعدم فيه الزاد ~~والمزاد وخالفه أكثر علماء الصحابة وقولهم أرجح فإن النبى قصر بمكة عام فتح ~~مكة وفيها الزاد والمزاد وإذا كانت منى قرية فيها زاد ومزاد فبينها وبين ~~مكة صحراء يكون مسافرا من يقطعها كما كان بين مكة وغيرها ولكن عثمان قد ~~تأول في قصر النبى بمكة انه كان خائفا لأنه لما فتح مكة والكفار كثيرون ~~وكان قد بلغه أن هوازن جمعت له وعثمان يجوز القصر لمن كان بحضرة عدو وهذا ~~كما يحكى عن عثمان أنه يعنى النبى إنما أمرهم بالمتعة لأنهم كانوا خائفين ~~وخالفه على وعمران بن حصين وبن عمر وبن عباس وغيرهم من الصحابة وقولهم هو ~~الراجح فإن النبى في حجة الوداع كان آمنا لا يخاف إلا الله وقد أمر أصحابه ~~بفسخ الحج PageV24P122 إلى العمرة والقصر وقصر العدد إنما هو معلق بالسفر ~~ولكن إذا اجتمع الخوف والسفر ابيح قصر العدد وقصر الركعات وقد قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم هو وعمر بعده لما صليا بمكة يا أهل مكة ( أتموا صلاتكم ~~فانا قوم سفر ( بين أن الواجب لصلاتهم ركعتين مجرد كونهم سفرا فلهذا الحكم ~~تعلق بالسفر ولم يعلقه بالخوف فعلم أن قصر العدد لا يشترط فيه خوف بحال ~~وكلام الصحابة أو أكثرهم في هذا الباب يدل على أنهم لم يجعلوا السفر قطع ~~مسافة محدودة أو زمان محدود يشترك فيه جميع الناس بل كانوا يجيبون بحسب حال ~~السائل فمن رأوه مسافرا أثبتوا له حكم السفر وإلا فلا # ولهذا اختلف كلامهم في مقدار الزمان والمكان فروى وكيع عن الثورى عن ~~منصور بن المعتمر عن مجاهد عن بن عباس قال إذا سافرت يوما إلى العشاء فإن ~~زدت فاقصر ورواه الحجاج إبن منهال ثنا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن ~~مجاهد عن بن عباس قال لا يقصر المسافر في مسيرة يوم إلى العتمة إلا في أكثر ~~من ذلك وروى ms7171 وكيع عن شعبة عن شبيل عن أبى جمرة الضبعي قال قلت لابن عباس ~~أقصر إلى الأيلة قال تذهب وتجيء في يوم قلت نعم قال لا إلا يوم تام فهنا قد ~~نهى أن يقصر إذا رجع إلى أهله في يوم وهذه مسيرة بريد وأذن في يوم ~~PageV24P123 # وفى الأول نهاه أن يقصر إلا في أكثر من يوم وقد روى نحو الأول عن عكرمة ~~مولاه قال إذا خرجت من عند أهلك فاقصر فإذا أتيت أهلك فأتمم وعن الأوزاعى ~~لا قصر إلا في يوم تام وروى وكيع عن هشام بن ربيعة بن الغاز الجرشي عن عطاء ~~بن أبى رباح قلت لابن عباس أقصر إلى عرفة قال لا ولكن إلى الطائف وعسفان ~~فذلك ثمانية وأربعون ميلا وروى بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء قلت لإبن ~~عباس اقصر إلى منى أو عرفة قال لا ولكن إلى الطائف أو جدة أو عسفان فإذا ~~وردت على ماشية لك أو أهل فأتم الصلاة وهذا الاثر قد اعتمده أحمد والشافعى ~~قال بن حزم من عسفان إلى مكة بسير الخلفاء الراشدين 2 اثنان وثلاثون ميلا ~~قال واخبرنا الثقاة ان من جدة إلى مكة أربعين ميلا # قلت نهيه عن القصر إلى منى وعرفة قد يكون لمن يقصد ذلك لحاجة ويرجع من ~~يومه إلى مكة حتى يوافق ذلك ما تقدم من الروايات عنه ويؤيد ذلك أن بن عباس ~~لا يخفى عليه أن أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبى وأبى بكر وعمر في الحج إذا ~~خرجوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى وبن عباس من أعلم الناس بالسنة فلا يخفى عليه ~~مثل ذلك وأصحابه المكيون كانوا يقصرون في الحج PageV24P124 إلى عرفة ~~ومزدلفة كطاووس وغيره وبن عيينة نفسه الذى روى هذا الأثر عن بن عباس كان ~~يقصر إلى عرفة في الحج وكان أصحاب بن عباس كطاووس يقول أحدهم أترى الناس ~~يعنى أهل مكة صلوا في الموسم خلاف صلاة رسول الله وهذه حجة قاطعة فإنه من ~~المعلوم أن أهل مكة لما حجوا معه كانوا خلقا كثيرا ms7172 وقد خرجوا معه إلى منى ~~يصلون خلفه وإنما صلى بمنى أيام منى قصرا والناس كلهم يصلون خلفه أهل مكة ~~وسائر المسلمين لم يأمر أحدا منهم ان يتم صلاته ولم ينقل ذلك أحد لإباسناد ~~صحيح ولا ضعيف ثم أبو بكر وعمر بعده كانا يصليان في الموسم بأهل مكة وغيرهم ~~كذلك ولا يأمران أحدا باتمام مع انه قد صح عن عمر بن الخطاب انه لما صلى ~~بمكة قال يا أهل مكة اتموا صلاتكم فإنا قوم سفر وهذا مروى عن النبى في أهل ~~مكة عام الفتح لا في حجة الوداع فإنه في حجة الوداع لم يكن يصلي في مكة بل ~~كان يصلي بمنزله وقد رواه أبو داود وغيره وفى اسناده # مقال والمقصود أن من تدبر صلاة النبى بعرفة ومزدلفة ومنى بأهل مكة وغيرهم ~~وانه لم ينقل مسلم قط عنه أنه أمرهم بإتمام علم قطعا أنهم كانوا يقصرون ~~خلفه وهذا من العلم العام الذى لا يخفى على بن عباس ولا غيره ولهذا لم يعلم ~~أحد من الصحابة أمر أهل مكة ان PageV24P125 يتموا خلف الإمام إذا صلى ~~ركعتين فدل هذا على ان بن عباس إنما أجاب به من سأله إذا سافر إلى منى أو ~~عرفة سفرا لا ينزل فيه بمنى وعرفة بل يرجع من يومه فهذا لا يقصر عنده لأنه ~~قد بين أن من ذهب ورجع من يومه لا يقصر وإنما يقصر من سافر يوما ولم يقل ~~مسيرة يوم بل اعتبر أن يكون السفر يوما وقد استفاض عنه جواز القصر إلى ~~عسفان وقد ذكر بن حزم انها اثنان وثلاثون ميلا وغيره يقول أربعة برد ثمانية ~~وأربعون ميلا # والذين حدوها ثمانية وأربعين ميلا عمدتهم قول بن عباس وبن عمر وأكثر ~~الروايات عنهم تخالف ذلك فلو لم يكن إلا قولهما لم يجز أن يؤخذ ببعض ~~أقوالهما دون بعض بل أما أن يجمع بينهما وإما أن يطلب دليل آخر فكيف ~~والآثار عن الصحابة أنواع أخر ولهذا كان المحددون بستة عشر فرسخا من أصحاب ~~مالك والشافعى وأحمد إنما لهم ms7173 طريقان بعضهم يقول لم أجد أحدا قال بأقل من ~~القصر فيما دون هذا فيكون هذا إجماعا وهذه طريقة الشافعى وهذا أيضا منقول ~~عن الليث بن سعد فهذان الامامان بينا عذرهما أنهما لم يعلما من قال بأقل من ~~ذلك وغيرهما قد علم من قال بأقل من # ذلك والطريقة الثانية أن يقولوا هذا قول إبن عمر وبن عباس ولا مخالف لهما ~~من الصحابة فصار إجماعا وهذا باطل فإنه نقل عنهما PageV24P126 هذا وغيره ~~وقد ثبت عن غيرهما من الصحابة ما يخالف ذلك # وثم طريقة ثالثة سلكها بعض أصحاب الشافعى وأحمد وهى أن هذا التحديد مأثور ~~عن النبى كما رواه بن خزيمة في ( مختصر المختصر ) عن بن عباس عن النبى أنه ~~قال ( يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان ( وهذا ~~ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه كذب على النبى صلى الله عليه وسلم ولكن هو ~~من كلام بن عباس أفترى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما حد مسافة القصر ~~لأهل مكة دون أهل المدينة التى هي دار السنة والهجرة والنصرة ودون سائر ~~المسلمين وكيف يقول هذا وقد تواتر عنه أن أهل مكة صلوا خلفه بعرفة ومزدلفة ~~ومنى ولم يحد النبى صلى الله عليه وسلم قط السفر بمسافة لا بريد ولا غير ~~بريد ولا حدها بزمان # ومالك قد نقل عنه أربعة برد كقول الليث والشافعى وأحمد وهو المشهور عنه ~~قال فإن كانت أرض لا أميال فيها فلا يقصرون في أقل من يوم وليلة للثقل قال ~~وهذا أحب ما تقصر فيه الصلاة إلى وقد ذكر عنه لاقصر إلا في خمسة وأربعين ~~ميلا فصاعدا وروى عنه لا قصر إلا في اثنين وأربعين ميلا فصاعدا وروى عنه لا ~~قصر إلا في أربعين ميلا فصاعدا وروى عنه إسماعيل بن أبى أويس PageV24P127 ~~لا قصر إلا في ستة وأربعين ميلا قصدا ذكر هذه الروايات القاضي إسماعيل بن ~~إسحاق في كتابه ( المبسوط ) ورأى لأهل مكة خاصة أن يقصروا الصلاة في الحج ~~خاصة إلى منى ms7174 فما فوقها وهى أربعة أميال وروى عنه بن القاسم أنه قال فيمن ~~خرج ثلاثة أميال كالرعاء وغيرهم فتأول فأفطر في رمضان لا شيء عليه إلا ~~القضاء فقط وروى عن الشافعى أنه لا قصر في أقل من ستة وأربعين ميلا ~~بالهاشمى # والآثار عن بن عمر أنواع فروى محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدى ~~حدثنا سفيان الثورى سمعت جبلة بن سحيم يقول سمعت 1 بن عمر يقول لو خرجت ~~ميلا لقصرت الصلاة وروى إبن أبى شيبة حدثنا وكيع حدثنا مسعر عن محارب بن ~~زياد سمعت بن عمر يقول انى لأسافر الساعة من النهار فأقصر يعنى الصلاة ~~محارب قاضى الكوفة من خيار التابعين أحد الأئمة ومسعر أحد الأئمة وروى بن ~~أبى شيبة حدثنا على بن مسهر عن أبى إسحاق الشيبانى عن محمد بن زيد بن خليدة ~~عن إبن عمر قال تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال قال بن حزم محمد بن زيد ~~هو طائى ولاه محمد بن أبى طالب القضاء بالكوفة مشهور من كبار التابعين # وروى مالك عن نافع عن بن عمر انه قصر إلى ذات النصب PageV24P128 قال وكنت ~~أسافر مع بن عمر البريد فلا يقصر قال عبد الرزاق ذات النصب من المدينة على ~~ثمانية عشر ميلا فهذا نافع يخبر عنه أنه قصر في ستة فراسخ وانه كان يسافر ~~بريدا وهو أربعة فراسخ فلا يقصر وكذلك روى عنه ما ذكره غندر حدثنا شعبة عن ~~حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال خرجت مع عبد الله ~~بن عمر بن الخطاب إلى ذات النصب وهى من المدينة على ثمانية عشر ميلا فلما ~~أتاها قصر الصلاة وروى معمر عن أيوب عن نافع عن بن عمر انه كان يقصر الصلاة ~~في مسيرة أربعة برد # وما تقدم من الروايات يدل على انه كان يقصر في هذا وفى ما هو أقل منه ~~وروى وكيع عن سعيد بن عبيد الطائى عن على بن ربيعة الوالبى الاسدى قال سألت ~~بن عمر عن تقصير ms7175 الصلاة قال حاج أو معتمرأو غاز فقلت لا ولكن أحدنا يكون له ~~الضيعة في السواد فقال تعرف السويداء فقلت سمعت بها ولم أرها قال فإنها ~~ثلاث وليلتان وليلة للمسرع إذا خرجنا اليها قصرنا قال بن حزم من المدينة ~~إلى السويداء اثنان وسبعون ميلا أربعة وعشرون فرسخا # قلت فهذا مع ما تقدم يبين أن بن عمر لم يذكر ذلك تحديدا PageV24P129 لكن ~~بين بهذا جواز القصر في مثل هذا لأنه كان قد بلغه أن أهل الكوفة لا يقصرون ~~في السواد فأجابه بن عمر بجواز القصر وأما ما روى من طريق بن جريج أخبرنى ~~نافع أن بن عمر كان أدنى ما يقصر الصلاة إليه مال له بخيبر وهى مسيرة ثلاث ~~قواصد لم يقصر فيما دونه وكذلك ما رواه حماد بن سلمة عن أيوب بن حميد ~~كلاهما عن نافع عن بن عمر انه كان يقصر الصلاة فيما بين المدينة وخيبر وهى ~~بقدر الأهواز من البصرة لا يقصر فيما دون ذلك قال بن حزم بين المدينة وخيبر ~~كما بين البصرة والأهواز وهى مائة ميل غير أربعة أميال قال وهذا مما اختلف ~~فيه على بن عمر ثم على نافع أيضا عن بن عمر # قلت هذا النفى وهو انه لم يقصر فيما دون ذلك غلط قطعا ليس هذا حكاية عن ~~قوله حتى يقال انه اختلف اجتهاده بل نفى لقصره فيما دون ذلك وقد ثبت عنه ~~بالرواية الصحيحة من طريق نافع وغيره انه قصر فيما دون ذلك فهذا قد يكون ~~غلطا فمن روى عن أيوب ان قدر أن نافعا روى هذا فيكون حين حدث بهذا قد نسى ~~أن بن عمر قصر فيما دون ذلك فإنه قد ثبت عن نافع عنه أنه قصر فيما دون ذلك ~~PageV24P130 وروى حماد بن زيد حدثنا أنس بن سيرين قال خرجت مع أنس بن مالك ~~إلى أرضه وهى على رأس خمسة فراسخ فصلى بنا العصر في سفينة وهى تجرى بنا في ~~دجلة قاعدا على بساط ركعتين ثم سلم ثم صلى بنا ركعتين ثم سلم ms7176 وهذا فيه أنه ~~إنما خرج إلى أرضه المذكورة ولم يكن سفره إلى غيرها حتى يقال كانت من طريقه ~~فقصر في خمسة فراسخ وهى بريد وربع # وفى صحيح مسلم حدثنا بن ابى شيبة وبن بشار كلاهما عن غندر عن شعبة عن ~~يحيى بن يزيد الهنائى سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال ( كان رسول الله ~~إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ شعبة شك صلى ركعتين ( ولم ير أنس ~~أن يقطع من المسافة الطويلة هذا لأن السائل سأله عن قصر الصلاة وهو سؤال ~~عما يقصر فيه ليس سؤالا عن أول صلاة يقصرها ثم انه لم يقل أحد إن أول صلاة ~~لا يقصرها إلافى ثلاثة أميال أو أكثر من ذلك فليس في هذا جواب لو كان ~~المراد ذلك ولم يقل ذلك أحد فدل على أن أنسا أراد انه من سافر هذه المسافة ~~قصر ثم ما أخبر به عن النبى صلى الله عليه وسلم فعل من النبى لم يبين هل ~~كان ذلك الخروج هو السفر أو كان ذلك هو الذى قطعه من السفر فإن PageV24P131 ~~كان اراد به ان ذلك كان سفره فهو نص وان كان ذلك الذى قطعه من السفر فانس ~~بن مالك استدل بذلك على انه يقصر إليه إذا كان هو السفر يقول انه لا يقصر ~~الا في السفر فلولا ان قطع هذه المسافة سفر لما قصر # وهذا يوافق قول من يقول لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون سفرا لايكفى مجرد ~~قصده المسافة التى هي سفر وهذا قول بن حزم وداود وأصحابه وبن حزم يحد مسافة ~~القصر بميل لكن داود وأصحابه يقولون لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو غزو وبن ~~حزم يقول إنه يقصر في كل سفر وبن حزم عنده انه لا يفطر إلا في هذه المسافة ~~وأصحابه يقولون إنه يفطر في كل سفر بخلاف القصر لأن القصر ليس عندهم فيه نص ~~عام عن الشارع وإنما فيه فعله انه قصر في السفر ولم يجدوا احدا قصر فيما ~~دون ms7177 ميل ووجدوا الميل منقولا عن بن عمر # وبن حزم يقول السفر هو البروز عن محلة الاقامة لكن قد علم أن النبى خرج ~~إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصروا ولم ~~يفطروا فخرج هذا عن أن يكون سفرا ولم يجدوا أقل من ميل يسمى سفرا فان بن ~~عمر قال لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة فلما ثبت أن هذه المسافة PageV24P132 ~~جعلها سفرا ولم نجد أعلا منها يسمى سفرا جعلنا هذا هو الحد قال وما دون ~~الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر فلا يقصر فيه ولا يفطر وإذا بلغ ~~الميل فحينئذ صار له سفر يقصر فيه الصلاة ويفطر فيه فمن حينئذ يقصر ويفطر ~~وكذلك إذا رجع فكان على أقل من ميل فإنه يتم ليس في سفر يقصر # فيه قلت جعل هؤلاء السفر محدودا في اللغة قالوا وأقل ما سمعنا أنه يسمى ~~سفرا هو الميل وأولئك جعلوه محدودا بالشرع وكلا القولين ضعيف أما الشارع ~~فلم يحده وكذلك أهل اللغة لم ينقل أحد عنهم أنهم قالوا الفرق بين ما يسمى ~~سفرا وما لا يسمى سفرا هو مسافة محدودة بل نفس تحديد السفر بالمسافة باطل ~~في الشرع واللغة ثم لو كان محدودا بمسافة ميل فإن أريد أن الميل يكون من ~~حدود القرية المختصة به فقد كان النبى يخرج أكثر من ميل من محله في الحجاز ~~ولايقصر ولا يفطر وإن أراد من المكان المجتمع الذى يشمله اسم مدينة ميلا ~~قيل له فلا حجة لك في خروجه إلى المقابر والغائط لأن تلك لم تكن خارجا عن ~~آخر حد المدينة ففى الجملة كان يخرج إلى العوالى وإلى أحد كما كان يخرج إلى ~~المقابر والغائط وفى ذلك ما هو أبعد من ميل وكان النبى وأصحابه يخرجون من ~~المدينة إلى أكثر من ميل ويأتون إليها أبعد من ميل ولا يقصرون PageV24P133 ~~كخروجهم إلى قباء والعوالى وأحد ودخولهم للجمعة وغيرها من هذه الأماكن # وكان كثير من مساكن المدينة عن مسجده أبعد من ميل فإن حرم المدينة ms7178 بريد ~~في بريد حتى كان الرجلان من أصحابه لبعد المكان يتناوبان الدخول يدخل هذا ~~يوماوهذا يوما كما كان عمر بن الخطاب وصاحبه الأنصارى يدخل هذا يوما وهذا ~~يوما وقول بن عمر لو خرجت ميلا قصرت الصلاة هو كقوله إنى لأسافر الساعة من ~~النهار فأقصر وهذا إما أن يريد به ما يقطعه من المسافة التى يقصدها فيكون ~~قصده إنى لا أؤخر القصر إلى أن أقطع مسافة طويلة وهذا قول جماهير العلماء ~~إلا من يقول إذا سافر نهارا لم يقصر إلى الليل # وقد احتج العلماء على هؤلاء بأن النبى صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ~~بالمدينة أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين وقد يحمل حديث أنس على هذا لكن ~~فعله يدل على المعنى الأول أو يكون مراد بن عمر من سافر قصر ولو كان قصده ~~هذه المسافة إذا كان في صحراء بحيث يكون مسافرا لا يكون متنقلا بين المساكن ~~فإن هذا ليس بمسافر باتفاق الناس وإذا قدر أن هذا مسافر فلو قدر أنه مسافر ~~أقل من الميل بعشرة أذرع فهو أيضا مسافر فالتحديد بالمسافة PageV24P134 لا ~~أصل له في شرع ولا لغة ولا عرف ولا عقل ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض ~~فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقا بشيء لا يعرفونه ولم يمسح أحد ~~الأرض على عهد النبى ولا قدر النبى الأرض لا بأميال ولا فراسخ والرجل قد ~~يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتى به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون ~~مسافرا وإن كانت المسافة أقل من ميل بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا ~~يكون في ذلك مسافرا فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثانى فالمسافة ~~القريبة في المدة الطويلة تكون سفرا والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا ~~تكون سفرا # فالسفر يكون بالعمل الذى سمى سفرا لأجله والعمل لا يكون إلا في زمان فإذا ~~طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمى ~~مسافرا وإن لم تكن المسافة بعيدة وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى ms7179 ~~زاد ومزاد لم يسم سفرا وإن بعدت المسافة فالأصل هو العمل الذى يسمى سفرا ~~ولايكون العمل الا في زمان فيعتبر العمل الذى هو سفر ولا يكون ذلك إلا في ~~مكان يسفر عن الأماكن وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم ليس له حد في الشرع ~~ولا اللغة بل ما سموه سفرا فهو سفر PageV24P135 ### ||| فصل # وأما ( الإقامة ( فهي خلاف السفر فالناس رجلان مقيم ومسافر ولهذا كانت ~~أحكام الناس في الكتاب والسنة أحد هذين الحكمين إما حكم مقيم وإما حكم ~~مسافر وقد قال تعالى @QB@ يوم ظعنكم ويوم إقامتكم @QE@ فجعل للناس يوم ظعن ~~ويوم اقامة والله تعالى أوجب الصوم وقال @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر @QE@ فمن ليس مريضا ولا على سفر فهو الصحيح المقيم ~~ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ان الله وضع عن المسافر الصوم وشطر ~~الصلاة ( فمن لم يوضع عنه الصوم وشطر الصلاة فهو المقيم # وقد أقام النبى صلى الله عليه وسلم في حجته بمكة أربعة أيام ثم ستة أيام ~~بمنى ومزدلفة وعرفة يقصر الصلاة هو وأصحابه فدل على أنهم كانوا مسافرين ~~وأقام في غزوة الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة وأقام بتبوك عشرين يوما ~~يقصر الصلاة ومعلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضى في ~~ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال PageV24P136 إنه كان يقول اليوم أسافر غدا ~~أسافر بل فتح مكة وأهلها وما حولها كفار محاربون له وهى أعظم مدينة فتحها ~~وبفتحها ذلت الأعداء وأسلمت العرب وسرى السرايا إلى النواحى ينتظر قدومهم ~~ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضى في أربعة أيام فعلم أنه اقام لأمور ~~يعلم أنها لا تنقضى في أربعة وكذلك في تبوك # وأيضا فمن جعل للمقام حدا من الأيام إما ثلاثة وإما أربعة وإما عشرة واما ~~اثنى عشر وإما خمسة عشر فإنه قال قولا لا دليل عليه من جهة الشرع وهى ~~تقديرات متقابلة فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام إلى ~~مسافر وإلى مقيم مستوطن وهو ms7180 الذى ينوى المقام في المكان وهذا هو الذى تنعقد ~~به الجمعة وتجب عليه وهذا يجب عليه اتمام الصلاة بلا نزاع فإنه المقيم ~~المقابل للمسافر والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه اتمام الصلاة والصيام ~~وأوجبوا عليه الجمعة وقالوا لا تنعقد به الجمعة وقالواإنما تنعقد الجمعة ~~بمستوطن # وهذا التقسيم وهو تقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن تقسيم لا دليل ~~عليه من جهة الشرع ولادليل على انها تجب على من لاتنعقد به بل من وجبت عليه ~~انعقدت به وهذا انما قالوه لما أثبتوا مقيما يجب عليه الإتمام والصيام ~~ووجدوه غير مستوطن فلم يمكن PageV24P137 أن يقولوا تنعقد به الجمعة فان ~~الجمعة إنما تنعقد بالمستوطن لكن إيجاب الجمعة على هذا وإيجاب الصيام ~~والإتمام على هذا هو الذى يقال انه لا دليل عليه بل هو مخالف للشرع فإن هذه ~~حال النبى بمكة في غزوة الفتح وفى حجة الوداع وحاله بتبوك بل وهذه حال جميع ~~الحجيج الذين يقدمون مكة ليقضوا مناسكهم ثم يرجعوا وقد يقدم الرجل بمكة ~~رابع ذى الحجة وقد يقدم قبل ذلك بيوم أو أيام وقد يقدم بعد ذلك وهم كلهم ~~مسافرون لا تجب عليهم جمعة ولا اتمام والنبى صلى الله عليه وسلم قدم صبح ~~رابعة من ذى الحجة وكان يصلى ركعتين لكن من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة ~~وثانية كان يتم ويأمر أصحابه بالاتمام ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك ~~ولو كان هذا حدا فاصلا بين المقيم والمسافر لبينه للمسلمين كما قال تعالى ~~@QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون @QE@ ~~والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمرا معلوما ~~لا بشرع ولا لغة ولا عرف وقد رخص النبى للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ~~ثلاثا والقصر في هذا جائز عند الجماعة وقد سماه اقامة ورخص للمهاجر أن ~~يقيمها فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم يكن ~~PageV24P138 له ذلك وليس في هذا ما يدل على أن ms7181 هذه المدة فرق بين المسافر ~~والمقيم بل المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء المناسك # ( فعلم ) أن الثلاث مقدار يرخص فيه فيما كان محظور الجنس قال ( لا يحل ~~لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث الا على زوج ( ~~وقال ( لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) وجعل ما تحرم المرأة بعده من ~~الطلاق ثلاثا فإذا طلقها ثلاث مرات حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره لأن ~~الطلاق في الأصل مكروه فأبيح منه للحاجة ما تدعو إليه الحاجة وحرمت عليه ~~بعد ذلك إلى الغاية المذكورة ثم المهاجر لو قدم مكة قبل الموسم بشهر أقام ~~إلى الموسم فإن كان لم يبح له الافيما يكون سفرا كانت اقامته إلى الموسم ~~سفرا فتقصر فيه الصلاة # وايضا فالنبى وأصحابه قدموا صبح رابعة من ذى الحجة فلو أقاموا بمكة بعد ~~قضاء النسك ثلاثا كان لهم ذلك ولو أقاموا أكثر من ثلاث لم يجز لهم ذلك وجاز ~~لغيرهم أن يقيم أكثر من ذلك وقد أقام المهاجرون مع النبى عام الفتح قريبا ~~من عشرين يوما بمكة ولم يكونوا بذلك مقيمين اقامة خرجوا بها عن السفر ولا ~~كانوا ممنوعين لأنهم كانوا مقيمين لأجل تمام PageV24P139 الجهاد وخرجوا ~~منها إلى غزوة حنين وهذا بخلاف من لا يقدم إلا للنسك فانه لا يحتاج إلى ~~أكثر من ثلاث فعلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ولا بتحديد السفر # والذين حدوا ذلك بأربعة منهم من احتج بإقامة المهاجر وجعل يوم الدخول ~~والخروج غير محسوب ومنهم من بنى ذلك على ان الأصل في كل من قدم المصر أن ~~يكون مقيما يتم الصلاة لكن ثبتت الأربعة بإقامة النبى صلى الله عليه وسلم ~~في حجته فانه اقامها وقصر وقالوا في غزوة الفتح وتبوك أنه لم يكن عزم على ~~اقامة مدة لأنه كان يريد عام الفتح غزو حنين وهذا الدليل مبنى على انه من ~~قدم المصر فقد خرج عن حد السفر وهو ممنوع بل هو مخالف للنص والاجماع والعرف ~~فإن التاجر الذى ms7182 يقدم ليشترى سلعة أو يبيعها ويذهب هو مسافر عند الناس وقد ~~يشترى السلعة ويبيعها في عدة أيام ولا يحد الناس في ذلك حدا # والذين قالوا يقصر إلى خمسة عشر قالوا هذا غاية ما قيل وما زاد على ذلك ~~فهو مقيم بالإجماع وليس الأمر كما قالوه وأحمد أمر بالاتمام فيما زاد على ~~الأربعة احتياطا واختلفت الرواية عنه إذا نوى اقامة احدى وعشرين هل يتم أو ~~يقصر لتردد الاجتهاد في صلاة النبى صلى الله عليه وسلم يوم الرابع فان كان ~~صلى الفجر بمبيته وهو PageV24P140 ذو طوى فانما صلى بمكة عشرين صلاة وان ~~كان صلى الصبح بمكة فقد صلى بها احدى وعشرين صلاة والصحيح أنه انما صلى ~~الصبح يومئذ بذى طوى ودخل مكة ضحى كذلك جاء مصرحا به في أحاديث قال أحمد في ~~رواية الاثرم إذا عزم على ان يقيم أكثر من ذلك أتم واحتج بان النبى قدم ~~لصبح رابعة قال فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر ~~بالأبطح يوم الثامن وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها ~~فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبى قصر فإذا اجمع على أكثر من ذلك اتم قال ~~الأثرم قلت له فلم لم يقصر على ما زاد من ذلك قال لأنهم اختلفوا فيأخذ ~~بالاحوط فيتم قال قيل لأبى عبد الله يقول أخرج اليوم أخرج غدا ايقصر فقال ~~هذا شيء آخر هذا لم يعزم # فأحمد لم يذكر دليلا على وجوب الإتمام إنما أخذ بالاحتياط وهذا لا يقتضى ~~الوجوب # وأيضا فانه معارض بقول من يوجب القصر ويجعله عزيمة في الزيادة وقد روى ~~الأثرم حدثنا الفضل بن دكين حدثنا مسعر عن حبيب بن أبى ثابت عن عبد الرحمن ~~بن المسور قال أقمنا مع سعد بعمان أو بعمان شهرين فكان يصلي ركعتين ونصلى ~~أربعا فذكرنا ذلك له فقال PageV24P141 نحن أعلم قال الأثرم حدثنا سليمان بن ~~حرب حدثنا حماد عن أيوب عن نافع أن إبن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلى ~~ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول ms7183 قال بعضهم والثلج الذى يتفق في هذه ~~المدة يعلم أنه لا يذوب في أربعة أيام فقد اجمع اقامة أكثر من أربع قال ~~الأثرم حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا يحيي عن حفص بن عبيد الله ~~أن أنس بن مالك أقام بالشام سنتين يقصر الصلاة قال الأثرم حدثنا الفضل بن ~~دكين حدثنا هشام حدثنا بن شهاب عن سالم قال كان بن عمر إذا اقام بمكة قصر ~~الصلاة الا ان يصلى مع الامام وان اقام شهرين الا أن يجمع الاقامة وبن عمر ~~كان يقدم قبل الموسم بمدة طويلة حتى انه كان احيانا يحرم بالحج من هلال ذى ~~الحجة وهو كان من المهاجرين فما كان يحل له المقام بعد قضاء نسكه أكثر من ~~ثلاث ولهذا أوصى لما مات ان يدفن بسرف لكونها من الحل حتى لا يدفن في الأرض ~~التى هاجر منها وقال الأثرم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب ~~عن نافع قال ما كان بن عمر يصلى بمكة الا ركعتين إلا أن يرفع المقام ولهذا ~~أقام مرة ثنتى عشرة يصلى ركعتين وهو يريد الخروج وهذا يبين انه كان يصلى ~~قبل الموسم ركعتين مع انه نوى الإقامة إلى الموسم وكان بن عمر كثير الحج ~~وكان كثيرا ما يأتى مكة قبل الموسم بمدة طويلة قال الأثرم حدثنا بن ~~PageV24P142 الطباع حدثناالقاسم بن موسى الفقير عن عبد الرحمن بن ثابت بن ~~ثوبان عن أبيه عن مكحول عن بن محيريز أن أبا أيوب الأنصارى وأبا صرمة ~~الأنصارى وعقبة بن عامر شتوا بأرض الروم فصاموا رمضان وقاموه واتموا الصلاة ~~قال الأثرم حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن منصور عن أبى وائل قال خرج مسروق ~~إلى السلسلة فقصر الصلاة فاقام سنين يقصر حتى رجع وهو يقصر قيل يا أبا ~~عائشة ما يحملك على هذا قال اتباع السنة ### ||| فصل # والذين لم يكرهوا أن يصلى المسافر أربعا ظنوا ان النبى صلى الله عليه ~~وسلم فعل ذلك أو فعله بعض أصحابه على عهده فاقره عليه وظنوا أن صلاة ms7184 ~~المسافر ركعتين وأربعا بمنزل الصوم والفطر في رمضان وقد استفاضت الأحاديث ~~الصحيحة بأنهم كانوا يسافرون مع النبى صلى الله عليه وسلم فمنهم الصائم ~~ومنهم المفطر وهذا مما اتفق أهل العلم على صحته وأما ما ذكروه من التربيع ~~فحسبه بعض أهل العلم صحيحا وبذلك استدل الشافعى وبعض أصحاب أحمد قال ~~الشافعى لما ذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم ( صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته ( فدل على ان القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله والصدقة ~~PageV24P143 رخصة لا حتم من الله ان يقصر ودل على ان ( له ان ) يقصر في ~~السفر بلا خوف ان شاء المسافر أن عائشة قالت ( كل ذلك فعل رسول الله اتم في ~~السفر وقصر ) # قلت وهذا الحديث رواه الدارقطنى وغيره من حديث ابى عاصم حدثنا عمر بن ~~سعيد عن عطاء بن ابى رباح عن عائشة ( ان النبى كان يقصر في السفر ويتم ~~ويفطر ويصوم ( قال الدارقطنى هذااسناد صحيح قال البيهقى ولهذا شاهد من حديث ~~دلهم بن صالح والمغيرة بن زياد وطلحة بن عمر وكلهم ضعيف وروى حديث دلهم من ~~حديث عبيد الله بن موسى حدثنا دلهم بن صالح الكندى عن عطاء عن عائشة قالت ( ~~كنا نصلى مع النبى إذا خرجنا إلى مكة أربعا حتى نرجع ( # وروى حديث المغيرة وهو أشهرها عن عطاء عن عائشة ( أن النبى كان يقصر في ~~السفر ويتم ( وروى حديث طلحة بن عمر عن عطاء عن عائشة قالت ( كل ذلك قد فعل ~~رسول الله قد أتم وقصر وصام في السفر وأفطر ( قال البيهقى وقد قال عمر بن ~~ذر كوفى ثقة أنا عطاء بن أبى رباح ( أن عائشة كانت تصلى في السفر المكتوبة ~~أربعا ( وروى ذلك باسناده ثم قال وهو كالموافق لرواية دلهم بن صالح وان كان ~~PageV24P144 في رواية دلهم زيادة سند # قلت أما ما رواه الثقة عن عطاء عن عائشة من ( أنها كانت تصلى أربعا ( ~~فهذا ثابت عن عائشة معروف عنها من رواية عروة وغيره عن عائشة وإذا كان إنما ~~اسنده هؤلاء ms7185 الضعفاء والثقاة وقفوه على عائشة دل ذلك على ضعف المسند ولم ~~يكن ذلك شاهدا للمسند قال بن حزم في هذا الحديث انفرد به المغيرة بن زياد ~~ولم يروه غيره وقد قال فيه أحمد بن حنبل ضعيف كل حديث اسنده منكر # قلت فقد روى من غير طريقه لكنه ضعيف أيضا وقد ذكر عبد الله بن أحمد بن ~~حنبل أن أباه 1 سئل عن هذا الحديث فقال هذا حديث منكر وهو كما قال الإمام ~~أحمد وإن كان طائفة من أصحابه قد احتجوا به موافقة لمن احتج به كالشافعى ~~ولا ريب أن هذا حديث مكذوب على النبى مع أن من الناس من يقول لفظه ( كان ~~يقصر في السفر وتتم ويفطر وتصوم ( بمعنى أنها هي التى كانت تتم وتصوم وهذا ~~أشبه بما روى عنها من غير هذا الوجه مع أنه كذب عليها أيضا قال البيهقى وله ~~شاهد قوى باسناد صحيح وروى من طريق الدارقطنى من طريق محمد بن يوسف حدثنا ~~العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت ( خرجت مع ~~رسول الله في PageV24P145 عمرة في رمضان فأفطر رسول الله وصمت وقصر وأتممت ~~فقلت يا رسول الله بأبى أنت وأمى أفطرت وصمت وقصرت وأتممت قال ( أحسنت يا ~~عائشة ( # ورواه البيهقى من طريق آخر عن القاسم بن الحكم ثنا العلاء بن زهير عن عبد ~~الرحمن بن الأسود عن عائشة لم يذكر أباه قال الدارقطنى الأول متصل وهو ~~إسناد حسن وعبد الرحمن قد أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق ورواه البيهقى ~~من وجه ثالث من حديث أبى بكر النيسابورى ثنا عباس الدورى ثنا أبو نعيم ~~حدثنا العلاء بن زهير ثنا عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة أنها اعتمرت مع ~~رسول الله من المدينة إلى مكة حتى اذا قدمت قالت يا رسول الله بأبى أنت ~~وأمى قصرت وأتممت وأفطرت وصمت فقال ( أحسنت يا عائشة ( وما عاب على قال أبو ~~بكر النيسابورى هكذا قال أبو نعيم عن عبد الرحمن عن عائشة ومن قال عن ms7186 أبيه ~~في هذا الحديث فقد أخطأ # قلت أبو بكر النيسابورى إمام في الفقه والحديث وكان له عناية بالأحاديث ~~الفقهية وما فيها من اختلاف الألفاظ وهو أقرب إلى طريقة أهل الحديث والعلم ~~التى لا تعصب فيها لقول أحد من الفقهاء مثل أئمة الحديث المشهورين ولهذا ~~رجح هذه الطريق وكذلك أهل PageV24P146 السنن المشهورة لم يروه أحد منهم الا ~~النسائى ولفظه عن عائشة ( أنها اعتمرت مع رسول الله من المدينة إلى مكة حتى ~~إذا قدمت قالت يا رسول الله بأبى أنت وأمى قصرت وأتممت وأفطرت وصمت فقال ( ~~أحسنت يا عائشة ( وما عاب على وهذا بخلاف من قد يقصد نصر قول شخص معين ~~فتنطق له من الأدلة ما لو خلا عن ذلك القصد لم يتكلفه ولحكم ببطلانها # والصواب ما قاله أبو بكر وهو أن هذا الحديث ليس بمتصل وعبد الرحمن إنما ~~دخل على عائشة وهو صبى ولم يضبط ما قالته وقال فيه أبو محمد بن حزم هذا ~~الحديث تفرد به العلاء بن زهير الازدى لم يروه غيره وهو مجهول وهذا الحديث ~~خطأ قطعا فانه قال فيه انها خرجت مع رسول الله في عمرة في رمضان ومعلوم ~~باتفاق أهل العلم أن رسول الله لم يعتمر في رمضان قط ولا خرج من المدينة في ~~عمرة في رمضان بل ولا خرج إلى مكة في رمضان قط إلا عام الفتح فإنه كان ~~حينئذ مسافرا في رمضان وفتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان باتفاق أهل العلم ~~وفى ذلك السفر كان أصحابه منهم الصائم ومنهم المفطر فلم يكن يصلى بهم الا ~~ركعتين ولا نقل أحد من أصحابه عنه أنه صلى في السفر أربعا والحديث المتقدم ~~خطأ كما سنبينه إن شاء الله تعالى PageV24P147 وعام فتح مكة لم يعتمر بل ~~ثبت بالنقول المستفيضة التى اتفق عليها أهل العلم به انه انما اعتمر بعد ~~الهجرة اربع عمر منها ثلاث في ذى القعدة والرابعة مع حجته عمرة الحديبية ~~لما صده المشركون فحل بالحديبية بالإحصار ولم يدخل مكة وكانت في ذى القعدة ~~ثم اعتمر ms7187 في العام القابل عمرة القضية وكانت في ذى القعدة أيضا ثم لما قسم ~~غنائم حنين بالجعرانة اعتمر من الجعرانة وكانت عمرته في ذى القعدة أيضا ~~والرابعة مع حجته ولم يعتمر بعد حجه لا هو ولا أحد ممن حج معه إلا عائشة ~~لما كانت قد حاضت وأمرها أن تهل بالحج ثم أعمرها مع أخيها عبد الرحمن من ~~التنعيم # ولهذا قيل لما بني هناك من المساجد مساجد عائشة فإنه لم يعتمر أحد من ~~الصحابة على عهد النبى لا قبل الفتح ولا بعده عمرة من مكة الا عائشة فهذا ~~كله مما تواترت به الأحاديث الصحيحة مثل ما في الصحيحين عن أنس ( أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذى القعدة إلا التى مع حجه ~~عمرة من الحديبية في ذى القعدة وعمرة من العام المقبل في ذى القعدة وعمرة ~~من الجعرانة في ذى القعدة حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته ( وهذا لفظ ~~مسلم ولفظ البخارى ( اعتمر أربعا عمرة الحديبية في ذى القعدة حيث صده ~~المشركون وعمرة في العام المقبل في PageV24P148 ذى القعدة حيث صالحهم وعمرة ~~حنين من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته # وفى الصحيحين عن البراء بن عازب قال ( اعتمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ذى القعدة قبل أن يحج مرتين ( وهذا لفظ البخارى وأراد بذلك العمرة ~~التى أتمها وهى عمرة القضية والجعرانة وأماالحديبية فلم يمكن اتمامها بل ~~كان محصرا لما صده المشركون وفيها أنزل الله آية الحصار باتفاق اهل العلم ~~وقد ثبت في الصحيح عن عائشة لما قيل لها إن بن عمر قال ان رسول الله اعتمر ~~في رجب فقالت يغفر الله لأبى عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا وهو معه وما اعتمر في رجب قط وفى رواية عن عائشة قالت لم يعتمر ~~رسول الله الا في ذى القعدة وكذلك عن بن عباس رواهما بن ماجه وقد روى أبو ~~داود عنها قالت اعتمر رسول الله عمرتين عمرة ms7188 في ذى القعدة وعمرة في شوال ~~وهذا إن كان ثابتا عنها فلعله ابتداء سفره كان في شوال ولم تقل قط أنه ~~اعتمر في رمضان فعلم أن ذلك خطأ محض # وإذا ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه لم يعتمر إلا في ذى القعدة وثبت أيضا أنه ~~لم يسافر من المدينة إلى مكة ودخلها إلا ثلاث PageV24P149 مرات عمرة القضية ~~ثم غزوة الفتح ثم حجة الوداع وهذا مما لا يتنازع فيه أهل العلم بالحديث ~~والسيرة وأحوال رسول الله ولم يسافر في رمضان إلى مكة الا غزوة الفتح كان ~~كل من هذين دليلا قاطعا على أن هذا الحديث الذى فيه أنها اعتمرت معه في ~~رمضان وقالت أتممت وصمت فقال ( احسنت ( خطأ محض فعلم قطعا انه باطل لا يجوز ~~لمن علم حاله أن يرويه عن النبى لقوله ( من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب ~~فهو أحد الكاذبين ( ولكن من حدث من العلماء الذين لا يستحلون هذا فلم ~~يعلموا أنه كذب ( لم يأثم ( # فإن قيل فيكون قوله ( في رمضان ( خطأ وسائر الحديث يمكن صدقه قيل بل جميع ~~طرقه تدل على ان ذلك كان في رمضان لأنها قالت قلت أفطرت وصمت وقصرت وأتممت ~~فقال ( أحسنت يا عائشة ( وهذا إنما يقال في الصوم الواجب وأما السفر في غير ~~رمضان فلا يذكر فيه مثل هذا لأنه معلوم أن الفطر فيه جائز وأيضا فقد روى ~~البيهقى وغيره بالإسناد الثابت عن الشعبى عن عائشة أنها قالت ( فرضت الصلاة ~~ركعتين ركعتين إلاالمغرب ففرضت ثلاثا فكان رسول الله إذا سافر صلى الصلاة ~~PageV24P150 الأولى وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها ~~وتر النهار والصبح لأنها تطول فيها القراءة ( فقد أخبرت عائشة أنه كان اذا ~~سافر صلى الصلاة الأولى ركعتين ركعتين فلو كان تارة يصلي أربعا لأخبرت بذلك ~~وهذا يناقض تلك الرواية المكذوبة على عائشة # وأيضا فعائشة كانت حديثة السن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مات وعمرها أقل من عشرين سنة فإنه لما بنى بها ms7189 ~~بالمدينة كان لها تسع سنين وإنما أقام بالمدينة عشرا فاذا كان قد بنى بها ~~في أول الهجرة كان عمرها قريبا من عشرين ولو قدر أنه بنى بها بعد ذلك لكان ~~عمرها حينئذ أقل # وأيضا فلو كانت كبيرة فهي إنما تتعلم الإسلام وشرائعه من النبى فكيف ~~يتصور أن تصوم وتصلى معه في السفر خلاف ما يفعله هو وسائر المسلمين وسائر ~~أزواجه ولا تخبره بذلك حتى تصل إلى مكة هل يظن مثل هذا بعائشة أم المؤمنين ~~وما بالها فعلت هذا في هذه السفرة دون سائر أسفارها معه وكيف تطيب نفسها ~~بخلافه من غير استئذانه وقد ثبت عنها في الصحيحين بالأسانيد الثابتة باتفاق ~~أهل العلم أنها قالت ( فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر ~~وأقرت صلاة السفر على الفريضة PageV24P151 وهذا من رواية الزهري عن عروة عن ~~عائشة ورواية أصحابه الثقات ومن رواية صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة ~~يرويه مثل ربيعة ومن رواية الشعبى عن عائشة وهذا مما اتفق أهل العلم ~~بالحديث على أنه صحيح ثابت عن عائشة فكيف تقدم مع رسول الله على أن تصلي في ~~السفر قبل أن تستأذنه وهى تراه والمسلمين معه لا يصلون الا ركعتين # وأيضا فهي لما أتمت الصلاة بعد موت النبى لم تحتج بأنها فعلت ذلك على عهد ~~النبى ولا ذكر ذلك أخبر الناس بها عروة بن أختها بل اعتذرت بعذر من جهة ~~الإجتهاد كما رواه النيسابورى والبيهقى وغيرهما بالأسانيد الثابتة عن وهب ~~بن جرير ثنا شعبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت تصلي في ~~السفر أربعا فقلت لها لو صليت ركعتين فقالت يا بن أختى إنه لا يشق على # وأيضا فالحديث الثابت عن صالح بن كيسان أن عروة بن الزبير حدثه عن عائشة ~~( أن الصلاة حين فرضت كانت ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر على ~~ركعتين وأتمت في الحضر أربعا ( قال صالح فأخبر بها عمر بن عبد العزيز فقال ~~إن عروة أخبرنى أن عائشة تصلى أربع ركعات ms7190 في السفر قال فوجدت عروة يوما ~~عنده PageV24P152 فقلت كيف أخبرتنى عن عائشة فحدث بما حدثنى به فقال عمر ~~أليس حدثتنى أنها كانت تصلى أربعا في السفر قال بلى وفى الصحيحين عن سفيان ~~بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت ( أول ما فرضت الصلاة ركعتين ~~ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ( قال الزهري قلت فما شأن ~~عائشة كانت تتم الصلاة قال أنها تأولت كما تأول عثمان فهذا عروة يروى عنها ~~أنها اعتذرت عن اتمامها بأنها قالت لا يشق على وقال انها تأولت كما تأول ~~عثمان فدل ذلك على ان اتمامها كان بتأويل من اجتهادها ولو كان النبى قد حسن ~~لها الإتمام أو كان هو قد أتم لكانت قد فعلت ذلك اتباعا لسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكذلك عثمان ولم يكن ذلك مما يتأول بالاجتهاد ثم إن هذا ~~الحديث أقوى ما اعتمد عليه من الحديث من قال بالإتمام في السفر وقد عرف أنه ~~باطل فكيف بما هو ابطل منه وهو كون النبى كان يتم في السفر ويقصر وهذا خلاف ~~المعلوم بالتواتر من سنته التى اتفق عليها أصحابه نقلا عنه وتبليغا إلى ~~أمته لم ينقل عنه قط أحد من أصحابه أنه صلى في السفر أربعا بل تواترت ~~الأحاديث عنهم انه كان يصلى في السفر ركعتين هو وأصحابه # والحديث الذى يرويه زيد العمى عن أنس بن مالك قال ( أنا PageV24P153 ~~معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا نسافر فمنا الصائم ومنا ~~المفطر ومنا المتم ومنا المقصر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المتم على ~~المقصر ( هو كذب بلا ريب وزيد العمى ممن اتفق العلماء على انه متروك ~~والثابت عن أنس إنما هو في الصوم ومما يبين ذلك أنهم في السفر مع النبى لم ~~يكونوا يصلون فرادى بل كانوا يصلون بصلاته بخلاف الصوم فإن الإنسان قد يصوم ~~وقد يفطر فهذا الحديث من الكذب وإن كان البيهقى روى هذا فهذا مما أنكر عليه ~~ورآه أهل العلم لا يستوفى الآثار ms7191 التى لمخالفيه كما يستوفى الآثار التى له ~~وانه يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر ضعفها وقدح فيها وإنما أوقعه في ~~هذا مع علمه ودينه ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبى موافقة لقول ~~واحد من العلماء دون آخر فمن سلك هذه السبيل دحضت حججه وظهر عليه نوع من ~~التعصب بغير الحق كما يفعل ذلك من يجمع الآثار ويتأولها في كثير من المواضع ~~بتأويلات يبين فسادها لتوافق القول الذى ينصره كما يفعله صاحب شرح الآثار ~~أبو جعفر مع أنه يروى من الآثار أكثر مما يروى البيهقى لكن البيهقى ينقى ~~الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوى # والحديث الذى فيه ( أنه كان يقصر ويتم PageV24P154 ويفطر ويصوم ) قد قيل ~~إنه مصحف وإنما لفظه ( كان يقصر وتتم ( هي بالتاء ( ويفطر وتصوم ( هي ليكون ~~معنى هذا الحديث معنى الحديث الآخر الذى اسناده أمثل منه فإنه معروف عن عبد ~~الرحمن بن الأسود لكنه لم يحفظ عن عائشة وأما نقل هذا الآخر عن عطاء فغلط ~~على عطاء قطعا وإنما الثابت عن عطاء ( أن عائشة كانت تصلى في السفر أربعا ( ~~كما رواه غيره ولو كان عند عائشة عن النبى في ذلك سنة لكانت تحتج بها # ولو كان ذلك معروفا من فعله لم تكن عائشة أعلم بذلك من أصحابه الرجال ~~الذين كانوا يصلون خلفه دائما في السفر فإن هذا ليس مما تكون عائشة أعلم به ~~من غيرها من الرجال كقيامه بالليل واغتساله من الأكسال فضلا عن أن تكون ~~مختصة بعلمه بل أمور السفر أصحابه أعلم بحاله فيها من عائشة لأنها لم تكن ~~تخرج معه في كل اسفاره فإنه قد ثبت في الصحيح عنها أنها قالت ( كان رسول ~~الله إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فإيهن خرج سهمها خرج بها معه ( فإنما ~~كان يسافر بها أحيانا وكانت تكون مخدرة في خدرها وقد ثبت عنها في الصحيح ~~أنها لما سألها شريح بن هانئ عن ( المسح على الخفين ( قالت سل عليا فإنه ~~كان يسافر مع النبى صلى الله ms7192 عليه وسلم هذا والمسح على الخفين أمر قد يفعله ~~النبى صلى الله عليه PageV24P155 وسلم في منزله في الحضرفتراه دون الرجال ~~بخلاف الصلاة المكتوبة فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليها في ~~الحضر ولا في السفر إلا إماما بأصحابه إلا ان يكون له عذر من مرض أو غيبة ~~لحاجة كما غاب يوم ذهب ليصلح بين أهل قباء وكما غاب في السفر للطهارة ~~فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم الصبح ولما حضر النبى حسن ذلك وصوبه # وإذا كان الإتمام إنما كان والرجال يصلون خلفه فهذا مما يعلمه الرجال ~~قطعا وهو مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله فإن ذلك مخالف لعادته في عامة ~~أسفاره فلو فعله أحيانا لتوفرت هممهم ودواعيهم على نقله كما نقلوا عنه ~~المسح على الخفين لما فعله وإن كان الغالب عليه الوضوء وكما نقلوا عنه ~~الجمع بين الصلاتين احيانا وان كان الغالب عليه ان يصلي كل صلاة في وقتها ~~الخاص مع ان مخالفة سنته اظهر من مخالفة بعض الوقت لبعض فإن الناس لا ~~يشعرون بمرور الأوقات كما يشعرون بما يشاهدونه من اختلاف العذر فإن هذا أمر ~~يرى بالعين لا يحتاج إلى تأمل واستدلال بخلاف خروج وقت الظهر وخروج وقت ~~المغرب فإنه يحتاج إلى تأمل # ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن جمعه إنما كان في غير عرفة ومزدلفة ~~بأن يقدم الثانية ويؤخر الأولى إلى آخر وقتها وقد PageV24P156 روى أنه كان ~~يجمع كذلك فهذا مما يقع فيه شبهة بخلاف الصلاة أربعا لو فعل ذلك في السفر ~~فإن هذا لم يكن يقع فيه شبهة ولا نزاع بل كان ينقله المسلمون ومن جوز عليه ~~ان يصلى في السفر أربعا ولا ينقله أحد من الصحابة ولا يعرف قط إلا من رواية ~~واحد مضعف عن آخر عن عائشة والروايات الثابتة عن عائشة لا توافقه بل تخالفه ~~فانه لو روى له بإسناد من هذا الجنس أن النبى صلى الفجر مرة أربعا لصدق ذلك ~~ومثل هذا ينبغى أن يصدق بكل الأخبار التى من هذا ms7193 الجنس التى ينفرد فيها ~~الواحد مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله ويعلم أنه لو كان حقا لكان ينقل ~~ويستفيض وهذا في الضعف مثل أن ينقل عنه أنه قال لأهل مكة بعرفة ومزدلفة ~~ومنى ( أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ( وينقل ذلك عن عمر ولا ينقل إلا من طريق ~~ضعيف مع العلم بأن ذلك لو كان حقا لكان مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله ~~وذلك مثل ما روى أبو داود الطيالسى حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن ~~أبى نضرة قال سأل سائل عمران بن الحصين عن صلاة رسول الله في السفر فقال ان ~~هذا الفتى يسألنى عن صلاة رسول الله في السفر فاحفظوهن عنى ما سافرت مع ~~رسول الله سفرا PageV24P157 قط الا صلى ركعتين حتى يرجع وشهدت مع رسول الله ~~حنينا والطائف فكان يصلي ركعتين ثم حججت معه واعتمرت فصلى ركعتين ثم قال ( ~~يا أهل مكة اتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ) ثم حججت مع أبى بكر واعتمرت فصلي ~~ركعتين ركعتين ثم قال ( يا أهل مكة أتموا صلاتكم فانا قوم سفر ( ثم حججت مع ~~عمر واعتمرت فصلى ركعتين وقال ( اتموا صلاتكم فانا قوم سفر ( ثم حججت مع ~~عثمان واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين ثم ان عثمان أتم فما ذكره في هذا الحديث ~~من أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يصل في السفر قط الا ركعتين هو مما ~~اتفقت عليه سائر الروايات فان جميع الصحابة إنما نقلوا عن النبى انه صلى في ~~السفر ركعتين # وأما ما ذكره من قوله ? < يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر > ? فهذا ~~مما قاله بمكة عام الفتح لم يقله في حجته وإنما هذا غلط وقع في هذه الرواية ~~وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن حميد عن حماد بإسناده رواه البيهقى من طريقه ~~ولفظه ما سافر رسول الله سفرا إلا صلى ركعتين حتى يرجع ويقول ? < يا أهل ~~مكة قوموا فصلوا ركعتين فإنا قوم سفر > ? وغزا الطائف وحنينا فصلى ركعتين ~~واتى الجعرانة فاعتمر منها وحججت مع أبى ms7194 بكر PageV24P158 واعتمرت فكان يصلى ~~ركعتين وحججت مع عمر بن الخطاب فكان يصلي ركعتين فلم يذكر قوله إلا عام ~~الفتح قبل غزوة حنين والطائف ولم يذكر ذلك عن أبى بكر وعمر وقد رواه أبو ~~داود في سننه صريحا من حديث بن علية حدثنا على بن زيد عن أبى نضرة عن عمران ~~بن حصين قال عرفت مع النبى وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمانى عشرة ليلة ~~يصلي ركعتين يقول ? < يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا قوم سفر > ? وهذا إنما ~~كان في غزوة الفتح في نفس مكة لم يكن بمنى وكذلك الثابت عن عمر أنه صلى ~~باهل مكة في الحج ركعتين ثم قال عمر بعد ما سلم أتموا الصلاة يا أهل مكة ~~فإنا قوم سفر # هذا ومما يبين ذلك ان هذا لم ينقله عن النبى أحد من الصحابة لا ممن نقل ~~صلاته ولا ممن نقل نسكه وحجه مع توفر الهمم والدواعى على نقله مع أن أئمة ~~فقهاء الحرمين كانوا يقولون إن المكيين يقصرون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى ~~أفيكون كان معروفا عندهم عن النبى خلاف ذلك أم كانوا جهالا بمثل هذا الأمر ~~الذى يشيع ولا يجهله أحد ممن حج مع النبى وفى الصحيحين عن حارثة بن خزاعة ~~قال ( صلينا مع النبى بمنى أكثر ما كنا وآمنه ركعتين ( حارثة هذا ~~PageV24P159 خزاعى وخزاعة منزلها حول مكة وفى الصحيحين عن عبد الله بن زيد ~~قال صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ~~وقال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وصليت مع أبى بكر ~~بمنى ركعتين وصليت مع عمر بمنى ركعتين فليت حظى من أربع ركعات ركعتين ~~متقبلتين ( # واتمام عثمان رضى الله عنه قد قيل انه كان لأنه تأهل بمكة فصار مقيما وفى ~~المسند عن عبد الرحمن بن أبى ذئاب أن عثمان صلى بمنى أربع ركعات فأنكر ~~الناس عليه فقال ياأيها الناس انى تأهلت بمكة منذ قدمت وإنى سمعت رسول الله ~~يقول ( من تأهل في بلد فليصل صلاة ms7195 مقيم بمكة ثلاثة أيام ويقصر الرابعة ( ~~فإنه يقصر كما فعل النبى وهو لا يمكنه أن يقيم بها أكثر من ذاك فإن عثمان ~~كان من المهاجرين وكان المقام بمكة حراما عليهم # وفى الصحيحين ( أن النبى رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ~~وكان عثمان إذا اعتمر يأمر براحلته فتهيأ له فيركب عليها عقب العمرة لئلا ~~يقيم بمكة PageV24P160 فكيف يتصور أنه يعتقد أنه صار مستوطنا بمكة إلا أن ~~يقال إنه جعل التأهل اقامة لا استيطانا فيقال معلوم أن من أقام بمكة ثلاثة ~~أيام فإنه يقصر كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم وهو لا يمكنه أن يقيم بها ~~أكثر من ذلك لكن قد يكون نفس التأهل مانعا من القصر وهذا أيضا بعيد فإن أهل ~~مكة كانوا يقصرون خلف النبى وخلفائه بمنى # وأيضا فالأمراء بعد عثمان من بنى أمية كانوا يتمون اقتداء به ولو كان ~~عذره مختصا به لم يفعلوا ذلك وقيل إنه خشى أن الأعراب يظنون أن الصلاة أربع ~~وهذا أيضا ضعيف فان الأعراب كانوا في زمن النبى أجهل منهم في زمن عثمان ولم ~~يتمم الصلاة # وأيضا فهم يرون صلاة المسلمين في المقام أربع ركعات # وأيضا فظنهم أن السنة في صلاة المسافر أربع خطأ منهم فلا يسوغ مخالفة ~~السنة ليحصل بالمخالفة ما هو بمثل ذلك وعروة قد قال أن عائشة تأولت كما ~~تأول عثمان وعائشة اخبرت أن الإتمام لا يشق عليها PageV24P161 أو يكون ذلك ~~كما رآه من رآه لأجل شقة السفر ورأوا أن الدنيا لما اتسعت عليهم لم يحصل ~~لهم من المشقة ما كان يحصل على من كان صلى أربعا كما قد جاء عن عثمان من ~~نهيه عن المتعة التى هي الفسخ ان ذلك كان لأجل حاجتهم إذ ذاك إلى هذه ~~المتعة فتلك الحاجة قد زالت PageV24P162 ### || 1 ( رسالة إلى أهل البحرين ) 1 # ! 8 < ### ||| 2 باب صلاة الجمعة #2 ! 8 < وقال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين # من ms7196 أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية إلى من يصل إليه كتابه من ~~المؤمنين والمسلمين من أهل البحرين وغيرهم عامة ولأهل العلم والدين خاصة ~~سلام عليكم ورحمة الله وبركاته # أما بعد فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو وهو للحمد أهل وهو على ~~كل شيء قدير وأسأله أن يصلى على خيرته من خلقه محمد عبده ورسوله وخاتم ~~أنبيائه الذى بعثه بالبينات والهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا PageV24P163 أما بعد ~~فإن وفدا قدموا من نحو أرضكم فأخبرونا بنحو مما كنا نسمع عن أهل ناحيتكم من ~~الإعتصام بالسنة والجماعة والتزام شريعة الله التى شرعها على لسان رسوله ~~ومجانبة ما عليه كثير من الأعراب من الجاهلية التى كانوا عليها قبل الإسلام ~~من سفك بعضهم دماء بعض ونهب أموالهم وقطيعة الأرحام والإنسلال عن ربقة ~~الإسلام وتوريث الذكور دون الإناث واسبال الثياب والتعزى بعزاء الجاهلية ~~وهو قولهم يالبنى فلان أو يالفلان والتعصب للقبيلة بالباطل وترك ما فرضه ~~الله في النكاح من العدة ونحوها ثم ما زينه الشيطان لفريق منهم من الأهواء ~~التى باينوا بها عقائد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وخالفوا ~~شريعة الله لهم من الاستغفار للأولين بقوله تعالى @QB@ والذين جاؤوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم @QE@ ووقعوا في أصحاب رسول الله ~~بالوقيعة التى لا تصدر ممن وقر الإيمان في قلبه # فالحمد لله الذى عافانا وإياكم مما ابتلى به كثيرا من خلقه وفضلنا على ~~كثير ممن خلق تفضيلا ونسأل الله العظيم المنان بديع السماوات والأرض أن ~~يتمم علينا وعليكم نعمته ويوفقنا وإياكم لما يحب ويرضاه من القول والعمل ~~ويجعلنا من التابعين بإحسان للسابقين الأولين PageV24P164 وليس هذا ببدع ~~فإن أهل البحرين ما زالوا من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل إسلام ~~وفضل قد قدم وفدهم من عبد القيس على رسول الله وفيهم الأشج ms7197 فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى ( فقالوا يا ~~رسول الله ان بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر وانا لانصل إليك إلا في شهر ~~حرام فمرنا بأمر فصل نعمل به ونأمر به من وراءنا فقال ( آمركم بالإيمان ~~بالله أتدرون ما الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وان تؤدوا خمس ما غنمتم ( ولم ~~يكن قد فرض الحج إذ ذاك وقال للأشج ( ان فيك لخلقين يحبهما الله الحلم ~~والأناءة ( قال خلقين تخلقت بهما أو خلقين جبلت عليهما قال ( خلقين جبلت ~~عليهما ( فقال الحمد لله الذى جبلنى على خلقين يحبهما الله # ثم انهم أقاموا الجمعة بأرضهم فأول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة ~~المدينة جمعة بجواثى قرية من قرى البحرين # ثم إنهم ثبتوا على الإسلام لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد ~~من ارتد من العرب وقاتل بهم أميرهم العلاء بن PageV24P165 الحضرمى الرجل ~~الصالح أهل الردة ولهم في السيرة أخبار حسان فالله سبحانه وتعالى يوفق ~~آخرهم لما وفق له أولهم انه ولى ذلك والقادر عليه # وقد حدثنا بعض الوفد أنهم كانوا يجمعون ببعض أرضكم ثم إن بعض أهل العراق ~~أفتاهم بترك الجمعة فسألناه عن صفة المكان فقال هنالك مسجد مبنى بمدر وحوله ~~أقوام كثيرون مقيمون مستوطنون لا يظعنون عن المكان شتاء ولا صيفا إلا أن ~~يخرجهم أحد بقهر بل هم وآباؤهم واجدادهم مستوطنون بهذا المكان كاستيطان ~~سائر أهل القرى لكن بيوتهم ليست مبنية بمدر إنما هي مبنية بجريد النخل ~~ونحوه # فاعلموا رحمكم الله أن مثل هذه الصورة تقام فيها الجمعة فان كل قوم كانوا ~~مستوطنين ببناء متقارب لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا تقام فيه الجمعة إذ كان ~~مبنيا بما جرت به عادتهم من مدر وخشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك فإن ~~اجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك إنما الأصل ان يكونوا مستوطنين ~~ليسوا كأهل ms7198 الخيام والحلل الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر ويتنقلون في ~~البقاع وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهب جمهور العلماء ~~PageV24P166 # وبقصة أرضكم احتج الجمهور على أبى حنيفة حيث قال لا تقام الجمعة في القرى ~~بالحديث المأثور عن بن عباس رضى الله عنهما ( أن أول جمعة جمعت في الاسلام ~~بعد جمعة المدينة جمعة بالبحرين بقرية يقال لها جواثى من قرى البحرين ( ~~وبأن أبا هريرة رضى الله عنه وكان عامل عمر رضي الله عنه على البحرين فكتب ~~إلى أمير المؤمنين عمر يستأذنه في إقامة الجمعة بقرى البحرين فكتب إليه عمر ~~أقيموا الجمعة حيث كنتم # ولعل الذين قالوا لكم إن الجمعة لا تقام قد تقلدوا قول من يرى الجمعة لا ~~تقام في القرى أو اعتقدوا أن معنى قول الفقهاء في الكتب المختصرة ( إنما ~~تقام بقرية مبنية بناء متصلا أو متقاربا بحيث يشمله اسم واحد فاعتقدوا أن ~~البناء لا يكون إلا بالمدر من طين أو كلس أو حجارة أو لبن وهذا غلط منهم بل ~~قد نص العلماء على أن البناء إنمايعتبر بما جرت به عادة أولئك المستوطنين ~~من أى شيء كان قصب أو خشب ونحوه # ولهذا فالعلماء الأئمة إنما فرقوا بين الأعراب أهل العمد وبين المقيمين ~~بأن أولئك يتنقلون ولا يستوطنون بقعة بخلاف المستوطنين وقد كان قوم من ~~السلف يبنون لهم بيوتا من قصب والنبى صلى الله عليه وسلم سقف مسجده بجريد ~~النخل حتى كان يكف المسجد PageV24P167 إذا نزل المطر قالوا يا رسول الله لو ~~بنينا لك يعنون بناء مشيدا فقال ( بل عريش كعريش موسى ( # وقد نص على مسألتكم بعينها وهى البيوت المصنوعة من جريد أو سعف غير واحد ~~من العلماء منهم أصحاب الإمام أحمد كالقاضى أبى يعلى وأبى الحسن الآمدى وبن ~~عقيل وغيرهم فإنهم ذكروا أن كل بيوت مبنية من آجر أو طين أو حجارة أو خشب ~~أو قصب أو جريد أو سعف فانه تقام عندهم الجمعة وكذلك ذكرها غير واحد من ~~أصحاب الشافعى رضي الله عنهم من الخراسانيين كصاحب ( الوسيط ( فيما أظن ms7199 ومن ~~العراقيين أيضا أن بيوت السعف تقام فيها الجمعة # وخالف هؤلاء الماوردى في الحاوي فذكر أن بيوت القصب والجريد لا تقام فيها ~~الجمعة بل تقام في بيوت الخشب الوثيقة وهذا الفرق ضعيف مخالف لما عليه ~~الجمهور والقياس ولما دلت عليه الآثار وكلام الأئمة فإن أبا هريرة كتب إلى ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنهما يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين فكتب إليه عمر ~~بن الخطاب ان جمعوا حيثما كنتم وذهب الإمام أحمد إلى حديث عمر هذا # وعن نافع أن بن عمر رضي الله عنهما كان يمر بالمياه التى PageV24P168 بين ~~مكة والمدينة وهم يجمعون في تلك المنازل فلا ينكر عليهم فهذا عمر يأمر أهل ~~البحرين بالتجميع حيث استوطنوا مع العلم بإن بعض البيوت تكون من جريد ولم ~~يشترط بناء مخصوصا وكذلك بن عمر أقر أهل المنازل التى بين مكة والمدينة على ~~التجميع ومعلوم انها لم تكن من مدر وإنما هي إما من جريد أو سعف # وقال الإمام أحمد ليس على البادية جمعة لأنهم ينتقلون فعلل سقوطها ~~بالإنتقال فكل من كان مستوطنا لا ينتقل باختياره فهو من أهل القرى والفرق ~~بين هؤلاء وبين أهل الخيام من وجهين # أحدهما أن أولئك في العادة الغالبة لايستوطنون مكانا بعينه وان استوطن ~~فريق منهم مكانا فهم في مظنة الإنتقال عنه بخلاف هؤلاء المستوطنين الذين ~~يحترثون ويزدرعون ولا ينتقلون إلا كما ينتقل أهل ابنية المدر إما لحاجة ~~تعرض أو ليد غالبة تنقلهم كما تفعله الملوك مع الفلاحين # الثانى أن بيوت أهل الخيام ينقلونها معهم إذا انتقلوا فصارت من المنقول ~~لا من العقار بخلاف الخشب والقصب والجريد فإن أصحابها لا ينقلونها ليبنوا ~~بها في المكان الذى ينتقلون إليه وإنما يبنون PageV24P169 في كل مكان بما ~~هو قريب منه مع أن هذا ليس موضع استقصاء الأدلة في المسألة وهذه المسألة ( ~~إقامة الجمعة بالقرى ( أول ما ابتدأت من ناحيتكم فلا تقطعوا هذه الشريعة من ~~أرضكم فان الله يجمع لكم جوامع الخير # ثم اعلموا رحمكم الله وجمع لنا ولكم خير الدنيا والآخرة ان ms7200 الله بعث ~~محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب وكان قد بعث إلى ذوى أهواء متفرقة وقلوب ~~متشتتة وآراء متباينة فجمع به الشمل وألف به بين القلوب وعصم به من كيد ~~الشيطان # ثم إنه سبحانه وتعالى بين أن هذا الأصل وهو الجماعة عماد لدينه فقال ~~سبحانه @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب ~~عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم ~~فيها خالدون @QE@ PageV24P170 قال بن عباس رضى الله عنهما تبيض وجوه أهل ~~السنة وتسود وجوه أهل البدعة # فانظروا رحمكم الله كيف دعا الله إلى الجماعة ونهى عن الفرقة وقال في ~~الآية الأخرى @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ ~~فبرأ نبيه من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كما نهانا عن التفرق والاختلاف ~~بقوله ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ( وقد ~~كره النبى من المجادلة ما يفضي إلى الإختلاف والتفرق فخرج على قوم من ~~أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال ( أبهذا ~~أمرتم أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض إنما هلك من كان ~~قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ( قال عبد الله بن عمرو رضى الله ~~عنهما فما اغبط نفسى كما غبطتها ألا أكون في ذلك المجلس روى هذا الحديث أبو ~~داود في سننه وغيره وأصله في الصحيحين والحديث المشهور عنه صلى الله عليه ~~وسلم في السنن وغيرها انه قال ( تفترق ms7201 أمتى على ثلاث وسبعين فرقة ~~PageV24P171 كلهم في النار إلا واحدة ( قيل يا رسول الله ومن هي قال ( من ~~كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابى ( وفى رواية ( هي الجماعة ( وفى ~~رواية ( يد الله على الجماعة ( فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته ~~وأنهم هم الجماعة # وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر ~~اتبعوا أمر الله تعالى في قوله @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ ~~وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في ~~المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة واخوة الدين نعم من خالف ~~الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر ~~فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع # فعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قد خالفت إبن عباس وغيره من الصحابة في ~~أن محمدا رأى ربه وقالت ( من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله تعالى ~~الفرية وجمهور الأمة على قول بن 2 عباس مع أنهم لا يبدعون المانعين الذين ~~وافقوا أم المؤمنين رضى الله عنها وكذلك أنكرت ان يكون الأموات يسمعون دعاء ~~الحى لما قيل لها أن النبى قال PageV24P172 ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ( ~~فقالت إنما قال أنهم ليعلمون الآن أن ما قلت لهم حق ومع هذا فلا ريب أن ~~الموتى يسمعون خفق النعال كما ثبت عن رسول الله ( وما من رجل يمر بقبر ~~الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه الا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه ~~السلام ( 2 صح ذلك عن النبى إلى غير ذلك من الأحاديث وأم المؤمنين تأولت ~~والله يرضى عنها وكذلك معاوية نقل عنه في أمر المعراج أنه قال إنما كان ~~بروحه والناس على خلاف معاوية رضي الله عنه ومثل هذا كثير # وأما الاختلاف في ( الأحكام ( فأكثر من أن ينضبط ولو كان كل ما اختلف ~~مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين ms7202 عصمة ولا أخوة ولقد كان أبو بكر ~~وعمر رضى الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان الا الخير ~~وقد قال النبى لأصحابه يوم بنى قريظة ( لا يصلين أحد العصر إلا في بنى ~~قريظة فأدركتهم العصر في الطريق فقال قوم لا نصلى الا في بنى قريظة وفاتتهم ~~العصر وقال قوم لم يرد منا تأخير الصلاة فصلوا في الطريق فلم يعب واحدا من ~~الطائفتين ( أخرجاه في الصحيحين من حديث بن عمر وهذا وإن كان في الأحكام ~~فما لم PageV24P173 يكن من الأصول المهمة فهو ملحق بالأحكام # وقد قال ( ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة والأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن ~~فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ( رواه أبو ~~داود من حديث الزبير بن العوام رضى الله عنه # وصح عنه أنه قال ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ~~ويصد هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ( # نعم صح عنه أنه هجر كعب بن مالك وصاحبيه رضى الله عنهم لما تخلفوا عن ~~غزوة تبوك وظهرت معصيتهم وخيف عليهم النفاق فهجرهم وأمر المسلمين بهجرهم ~~حتى أمرهم باعتزال أزواجهم من غير طلاق خمسين ليلة إلى أن نزلت توبتهم من ~~السماء وكذلك أمر عمر رضي الله عنه المسلمين بهجر صبيغ بن عسل التميمى لما ~~رآه من الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب إلى أن مضى عليه حول وتبين صدقه في ~~التوبة فأمر المسلمين بمراجعته فبهذا ونحوه PageV24P174 رأى المسلمون أن ~~يهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع الداعين إليها ~~والمظهرين للكبائر فأما من كان مستترا بمعصية أو مسرا لبدعة غير مكفرة فان ~~هذا لا يهجر وإنما يهجر الداعى إلى البدعة إذ الهجر نوع من العقوبة وإنما ~~يعاقب من أظهر المعصية قولا أو عملا # وأما من أظهر لنا خيرا فإنا نقبل علانيته ونكل سريرته إلى الله تعالى فإن ~~غايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبى ms7203 صلى الله عليه وسلم يقبل ~~علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله لما جاؤوا إليه عام تبوك يحلفون ويعتذرون # ولهذا كان الإمام أحمد وأكثر من قبله وبعده من الأئمة كمالك وغيره لا ~~يقبلون رواية الداعى إلى بدعة ولا يجالسونه بخلاف الساكت وقد أخرج أصحاب ~~الصحيح عن جماعات ممن رمي ببدعة من الساكتين ولم يخرجوا عن الدعاة إلى ~~البدع # والذى أوجب هذا الكلام أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم ~~حتى ذكروا ان الأمر آل إلى قريب المقاتلة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى ~~العظيم والله هو المسؤول أن يؤلف بين قلوبنا وقلوبكم ويصلح ذات بيننا ~~ويهدينا سبل السلام ويخرجنا PageV24P175 من الظلمات إلى النور ويجنبنا ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن ويبارك لنا في اسماعنا وأبصارنا وأزواجنا ~~وذرياتنا ما أبقانا ويجعلنا شاكرين لنعمه مثنين بها عليه قابليها ويتممها ~~علينا # وذكروا ان سبب ذلك الاختلاف في ( مسألة رؤية الكفار ربهم ( وما كنا نظن ~~أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد فالأمر في ذلك خفيف ( ثم ذكر ~~الجواب وتقدم في ( كتاب الأسماء والصفات PageV24P176 ### || 1 ( رسالة في شرط صلاة الجمعة والعيدين ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ! 8 < فصل # تنازع الناس في ( صلاة الجمعة والعيدين ( هل تشترط لهما الإقامة أم تفعل ~~في السفر على ثلاثة أقوال # أحدها من شرطهما جميعا الإقامة فلا يشرعان في السفر هذا قول الأكثرين وهو ~~مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه # والثانى يشترط ذلك في الجمعة دون العيد وهو قول الشافعى وأحمد في الرواية ~~الثانية عنه # والثالث لا يشترط لا في هذا ولا هذا كما يقوله من يقوله من الظاهرية ~~وهؤلاء عمدتهم مطلق الأمر ولقوله ( إذا نودي ) ونحو ذلك وزعموا أنه ليس في ~~الشرع ما يوجب الاختصاص بالمقيم والذين فرقوا بين الجمعة والعيد قالوا ~~العيد إما نفل وإما فرض على PageV24P177 الكفاية ولا يسقط به فرض آخر كما ~~تسقط الظهر بالجمعة والنوافل مشروعة للمقيم والمسافر كصلاة الضحى وقيام ~~الليل والسنن الرواتب وكذلك فرض الكفاية كصلاة ms7204 الجنائز # والصواب بلا ريب هو القول الأول وهو أن ذلك ليس بمشروع للمسافر فإن رسول ~~الله كان يسافر أسفارا كثيرة قد اعتمر ثلاث عمر سوى عمرة حجته وحج حجة ~~الوداع ومعه ألوف مؤلفة وغزا أكثر من عشرين غزاة ولم ينقل عنه أحد قط أنه ~~صلى في السفر لا جمعة ولا عيدا بل كان يصلي ركعتين ركعتين في جميع أسفاره ~~ويوم الجمعة يصلي ركعتين كسائر الأيام ولم ينقل عنه أحد قط أنه خطب يوم ~~الجمعة وهو مسافر قبل الصلاة لا وهو قائم على قدميه ولا على راحلته كما كان ~~يفعله في خطبة العيد ولا على منبر كما كان يخطب يوم الجمعة وقد كان أحيانا ~~يخطب بهم في السفر خطبا عارضة فينقلونها كما في حديث عبد الله بن عمرو ولم ~~ينقل عنه قط أحد أنه خطب يوم الجمعة في السفر قبل الصلاة بل ولا نقل عنه ~~أحد أنه جهر بالقراءة يوم الجمعة ومعلوم أنه لو غير العادة فجهر وخطب ~~لنقلوا ذلك ويوم عرفة خطب بهم ثم نزل فصلى بهم ركعتين ولم ينقل أحد أنه جهر ~~ولم تكن تلك الخطبة للجمعة PageV24P178 فإنها لو كانت للجمعة لخطب في غير ~~ذلك اليوم من أيام الجمع وإنما كانت لأجل النسك # ولهذا كان علماء المسلمين قاطبة على انه يخطب بعرفة وان لم يكن يوم جمعة ~~فثبت بهذا النقل المتواتر انها خطبة لأجل يوم عرفة وان لم يكن يوم جمعة لا ~~ليوم الجمعة وكذلك أيضا لم يصل العيد بمنى لا هو ولا أحد من خلفائه ~~الراشدين فقد دخل مكة عام الفتح ودخلها في شهر رمضان فأدرك فيها عيد الفطر ~~ولم يصل بها يوم العيد صلاة العيد ولم ينقل ذلك مسلم ومن المعلوم أنهم لو ~~كان صلى بهم صلاة العيد بمكة مع كثرة المسلمين معه كانوا أكثر من عشرة آلاف ~~لكان هذا من أعظم ماتتوفر الهمم والدواعى على نقله وكذلك بدر كانت في شهر ~~رمضان وأدركه يوم العيد في السفر ولم يصل صلاة عيد في السفر # وأيضا فانه لم ms7205 يكن أحد يصلي صلاة العيد بالمدينة الا معه كما لم يكونوا ~~يصلون الجمعة الا معه وكان بالمدينة مساجد كثيرة لكل دار من دور الأنصار ~~مسجد ولهم امام يصلي بهم والأئمة يصلون بهم الصلوات الخمس ولم يكونوا يصلون ~~بهم لا جمعة ولا عيدا فعلم أن العيد كان عندهم من جنس الجمعة لا من جنس ~~التطوع المطلق ولا من جنس صلاة الجنازة وقول القائل أن صلاة العيد تطوع ~~ممنوع PageV24P179 ولو سلم قيل له هذه مخصوصة بخصائص لا يشركها فيها غيرها ~~والسنة مضت بان المسلمين كلهم يجتمعون خلف النبى وخلفائه بعده ولم يكونوا ~~في سائر التطوع يفعلون هذا وكان يخرج بهم إلى الصحراء ويكبر فيها ويخطب ~~بعدها وهذا مشروع في كل يوم عيد شريعة راتبة والاستسقاء لم يختص بالصلاة بل ~~كان مرة يستسقى بالدعاء فقط وهو في المدينة ومرة يخرج إلى الصحراء ويستسقى ~~بصلاة وبغير صلاة حتى أن من العلماء من لم يعرف في الاستسقاء صلاة كأبي ~~حنيفة فلما كان الاستسقاء يشرع بغير صلاة ولا خطبة ولآحاد الناس لم يلحق ~~بالعيد الذى لا يكون الا بصلاة وخطبة وهو شريعة راتبة ليس مشروعا لأمر عارض ~~كالكسوف والاستسقاء # وأيضا فان على بن أبى طالب لما استخلف للناس من يصلي العيد بالضعفاء في ~~المسجد الجامع أمره أن يصلي أربع ركعات كما أن من لم يصل الجمعة صلى أربعا ~~ولم يكن الناس يعرفون قبل على ان يصلي أحد العيد الا مع الامام في الصحراء ~~فاذا كانت سنة رسول الله وخلفائه لم يكن فيها صلاة عيد الا مع الإمام بطل ~~أن يكون بمنزلة ما كانوا يفعلونه وحدانا وجماعة # وأيضا فإن النبى لم يشرعها للنساء بل أمرهن أن يخرجن يوم العيد حتى أمر ~~باخراج الحيض فقالوا له ان لم PageV24P180 يكن للمرأة جلباب قال ( لتلبسها ~~اختها من جلبابها ( وهذا توكيد لخروجهن يوم العيد مع انه في الجمعة ~~والجماعة قال ( وبيوتهن خير لهن ( وذلك لأنه كان يمكنهن أن يصلين في البيوت ~~يوم الجمعة كسائر الأيام فيصلين ظهرا فلو كانت صلاة العيد ms7206 مشروعة لهن في ~~البيوت لأغنى ذلك عن توكيد خروجهن # وأيضا لو كان ذلك جائزا لفعله النساء على عهده كما كن يصلين التطوعات ~~فلما لم ينقل أحد أن أحدا من النساء صلى العيد على عهده في البيت ولا من ~~الرجال بل كن يخرجن بأمره إلى المصلى علم أن ذلك ليس من شرعه # وأيضافعلى بن أبى طالب رضى الله عنه قيل له إن بالمدينة ضعفاء لا يمكنهم ~~الخروج معك فلو استخلفت من يصلي بهم فاستخلف من صلى بهم فلو كان الواحد ~~يفعلها لم يحتج إلى الاستخلاف الذى لم تمض به السنة ودل ما فعله أمير ~~المؤمنين علي على الفرق بين القادر على الخروج إلى المصلى والعاجز عنه ~~فالقادر يخرج والنساء قادرات على الخروج فيخرجن ولا يصلين وحدهن وكذلك من ~~كان من المسافرين في البلد فانه يمكنهم أن يصلوا مع الامام فلا يصلون وحدهم ~~بإمام بخلاف الجمعة فإنهم اذا لم يصلوها صلوا وحدهم وإذا كانوا في بيوتهم ~~صلوا بإمام كما يصلون في الصحراء واما من كان PageV24P181 يوم العيد مريضا ~~أو محبوسا وعادته يصلي العيد فهذا لا يمكنه الخروج فهؤلاء بمنزلة الذين ~~استخلف على من يصلي بهم فيصلون جماعة وفرادى ويصلون اربعا كما يصلون يوم ~~الجمعة بلا تكبير ولاجهر بالقراءة ولا أذان واقامة لأن العيد ليس له أذان ~~وإقامة فلا يكون في المبدل عنه بخلاف الجمعة فإن فيها وفى الظهر أذان ~~وإقامة والجمعة كل من فاتته صلى الظهر لأن الظهر واجبة فلا تسقط الا عمن ~~صلى الجمعة فلابد لكل من كان من أهل وجوب الصلاة أن يصلي يوم الجمعة إما ~~الجمعة وإما الظهر ولهذا كان النساء والمسافرون وغيرهم إذا لم يصلوا الجمعة ~~صلوا ظهرا وأما يوم العيد فليس فيه صلاة مشروعة غير صلاة العيد وإنما تشرع ~~مع الإمام فمن كان قادرا على صلاتها مع الإمام من النساء والمسافرين فعلوها ~~معه وهم مشروع لهم ذلك بخلاف الجمعة فإنهم إن شاؤوا صلوها مع الامام وان ~~شاؤوا صلوها ظهرا بخلاف العيد فإنهم إذا فوتوه فوتوه إلى غير ms7207 بدل فكان صلاة ~~العيد للمسافر والمرأة أوكد من صلاة يوم الجمعة والجمعة لها بدل بخلاف ~~العيد وكل من العيدين إنما يكون في العام مرة والجمعة تتكرر في العام خمسين ~~جمعة وأكثر فلم يكن تفويت بعض الجمع كتفويت العيد # ومن يجعل العيد واجبا على الأعيان لم يبعد أن يوجبه على من PageV24P182 ~~كان في البلد من المسافرين والنساء كما كان فإن جميع المسلمين الرجال ~~والنساء كانوا يشهدون العيد مع رسول الله والقول بوجوبه على الأعيان أقوى ~~من القول بأنه فرض على الكفاية # وأما قول من قال أنه تطوع فهذا ضعيف جدا فإن هذا مما أمر به النبى صلى ~~الله عليه وسلم وداوم عليه هو وخلفاؤه والمسلمون بعده ولم يعرف قط دار ~~إسلام يترك فيها صلاة العيد وهو من أعظم شعائر الإسلام وقوله تعالى @QB@ ~~ولتكبروا الله على ما هداكم @QE@ ونحو ذلك من الأمر بالتكبير في العيدين ~~أمر بالصلاة المشتملة على التكبير الراتب والزائد بطريق الأولى والأحرى ~~وإذا لم يرخص النبى في تركه للنساء فكيف للرجال # ومن قال هو فرض على الكفاية قيل له هذا إنما يكون فيما تحصل مصلحته بفعل ~~البعض كدفن الميت وقهر العدو وليس يوم العيد مصلحة معينة يقوم بها البعض بل ~~صلاة يوم العيد شرع لها الإجتماع أعظم من الجمعة فإنه أمر النساء بشهودها ~~ولم يؤمرن بالجمعة بل أذن لهن فيها وقال ( صلاتكن في بيوتكن خير لكن ( ثم ~~هذه المصلحة بأى عدد تحصل فمهما قدر من ذلك كان تحكما سواء قيل بواحد أو ~~اثنين أو ثلاثة وإذا قيل بأربعين فهو قياس على الجمعة وهو فرض على الأعيان ~~فليس لأحد أن يتخلف عن العيد PageV24P183 إلا لعجزه عنه وان تخلف عن الجمعة ~~لسفر أو انوثة والله أعلم # وكذلك يحتمل أن يقال بوجوب الجمعة على من في المصر من المسافرين وان لم ~~يجب عليهم الإتمام كما لو صلوا خلف من يتم فان عليهم الإتمام تبعا للإمام ~~كذلك تجب عليهم الجمعة تبعا للمقيمين كما أوجبها على المقيم غير المستوطن ~~تبعا من أثبت نوعا ثالثا ms7208 بين المقيم المستوطن وبين المسافر وهو المقيم غير ~~المستوطن فقال تجب عليه ولا تنعقد به وقد بين في غير هذا الموضع أنه ليس في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله إلا مقيم ومسافر والمقيم هو المستوطن ومن سوى ~~هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة وهؤلاء تجب عليهم الجمعة لأن قوله @QB@ إذا ~~نودي للصلاة @QE@ ونحوها يتناولهم وليس لهم عذر ولا ينبغى أن يكون في مصر ~~المسلمين من لا يصلى الجمعة إلا من هوعاجز عنها كالمريض والمحبوس وهؤلاء ~~قادرون عليها لكن المسافرون لا يعقدون جمعة لكن إذا عقدها أهل المصر صلوا ~~معهم وهذا أولى من إتمام الصلاة خلف الامام المقيم # وكذلك وجوبها على العبد قوى اما مطلقا واما إذا أذن له السيد والمسافر في ~~المصر لا يصلي على الراحلة وان كان يقصر الصلاة فكذلك الجمعة وإما افطاره ~~فالنبى دخل مكة في شهر رمضان وكان هو والمسلمون مفطرين وما نقل أنهم أمروا ~~بابتداء PageV24P184 الصوم فالفطر كالقصر لأن الفطر مشروع للمسافر في ~~الإقامات التى تتخلل السفر كالقصر بخلاف الصلاة على الراحلة فإنه لا يشرع ~~إلا في حال السير ولأن الله علق الفطر والقصر بمسمى السفر بخلاف الصلاة على ~~الراحلة فليس فيه لفظ إتمام بل فيه الفعل الذى لا عموم له فهو من جنس الجمع ~~بين الصلاتين الذى يباح للعذر مطلقا كما أن الصلاة على الراحلة تباح للعذر ~~في السفر في الفريضة مع العذر المانع من النزول والمتطوع محتاج إلى دوام ~~التطوع وهذا لا يمكن مع النزول والسفر وإذا جاز التطوع قاعدا مع إمكان ~~القيام فعلى الراحلة للمسافر أجوز # وكانوا في العيد يأخذون من الصبيان من يأخذوه كما شهد بن عباس العيد مع ~~رسول الله ولم يكن قد احتلم وأما من كان عاجزا عن شهودها مع الإمام فهذا ~~أهل أن يفعل ما يقدر عليه فإن الشريعة فرقت في المأمورات كلها بين القادر ~~والعاجز فالقادر عليها إذا لم يأت بشروطها لم يكن له فعلها والعاجز إذا عجز ~~عن بعض الشروط سقط عنه فمن كان قادرا على الصلاة إلى ms7209 القبلة قائما بطهارة ~~لم يكن له أن يصلي بدون ذلك بخلاف العاجز فإنه يصلى بحسب حاله كيف ما أمكنه ~~فيصلى عريانا وإلى غير القبلة وبالتيمم إذا لم يمكنه إلا ذلك فهكذا يوم ~~العيد إذا لم يمكنه الخروج مع الإمام سقط عنه ذلك وجوز له أن PageV24P185 ~~يفعل ما يقدر عليه ليحصل له من العبادة في هذا اليوم ما يقدر عليه فيصلي ~~أربعا وتكون الركعتان بدل الخطبة التى لم يصل بها كما كانت الخطبة يوم ~~الجمعة قائمة مقام ركعتين والتكبير إنما شرع في الصلاة الثنائية التى تكون ~~معها خطبة وكذلك الجهر بالقراءة كما أنه في الجمعة يجهر الإمام في الثنائية ~~ولا يجهر من يصلي الأربع كذلك يوم العيد لا يجهر من يصلي الأربع فالمحبوس ~~والمريض والذى خرج ليصلى ففاتته الصلاة مع الإمام يصلون يوم العيد بخلاف من ~~تعمد الترك فهذا أصل عظيم مضت به السنة في الفرق بين الجمعة والعيد وقد ~~اختلفت الرواية عن أحمد فيمن فاته العيد هل يصلي أربعا أو ركعتين أو يخير ~~بينهما على ثلاث روايات PageV24P186 ### |||| وسئل # عن قوم مقيمين بقرية وهم دون أربعين ماذا يجب عليهم أجمعة أم ظهر ### ||||| فأجاب # أما إذا كان في القرية أقل من أربعين رجلا فانهم يصلون ظهرا عند ~~أكثر العلماء كالشافعى وأحمد في المشهور عنه وكذلك أبو حنيفة لكن الشافعى ~~وأحمد وأكثر العلماء يقولون إذا كانوا أربعين صلوا جمعة PageV24P187 ### || 1 ( مسألة الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة هل فعله النبى صلى الله عليه وسلم ~~أو أحد من الصحابة والتابعين والأئمة أم لا وهل هو منصوص في مذهب من مذاهب ~~الأئمة المتفق عليهم وقول النبى ( بين كل أذانين صلاة ( هل هو مخصوص بيوم ~~الجمعة أم هو عام في جميع الأوقات ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله رب العالمين أما النبى فإنه لم يكن يصلى ~~قبل الجمعة بعد الأذان شيئا ولا نقل هذا عنه أحد فان النبى صلى الله عليه ~~وسلم ms7210 كان لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على المنبر ويؤذن بلال ثم يخطب ~~النبى الخطبتين ثم يقيم بلال فيصلى النبى بالناس فما كان يمكن أن يصلى بعد ~~الأذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه ولا نقل عنه أحد أنه صلى ~~في بيته قبل الخروج يوم الجمعة ولا وقت بقوله صلاة PageV24P188 مقدرة قبل ~~الجمعة بل الفاظه فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة ~~من غير توقيت كقوله ( من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما كتب له ( # وهذا هو المأثور عن الصحابة كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من ~~حين يدخلون ما تيسر فمنهم من يصلي عشر ركعات ومنهم من يصلى اثنتي عشرة ركعة ~~ومنهم من يصلى ثمان ركعات ومنهم من يصلى أقل من ذلك ولهذا كان جماهير ~~الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت مقدرة بعدد لأن ذلك ~~إنما يثبت بقول النبى أو فعله وهو لم يسن في ذلك شيئا لا بقوله ولا فعله ~~وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعى وأكثر أصحابه وهو المشهور في مذهب أحمد # وذهب طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة فمنهم من جعلها ركعتين كما قاله ~~طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد ومنهم من جعلها أربعا كما نقل عن أصحاب أبى ~~حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد وقد نقل عن الامام أحمد ما استدل به على ذلك # وهؤلاء منهم من يحتج بحديث ضعيف ومنهم من يقول هي PageV24P189 ظهر مقصورة ~~وتكون سنة الظهر سنتها وهذا خطأ من وجهين # ( أحدهما ) أن الجمعة مخصوصة باحكام تفارق بها ظهر كل يوم باتفاق ~~المسلمين وان سميت ظهرا مقصورة فإن الجمعة يشترط لها الوقت فلا تقضى والظهر ~~تقضى والجمعة يشترط لها العدد والاستيطان واذن الإمام وغير ذلك والظهر لا ~~يشترط لها شيء من ذلك فلا يجوز أن تتلقى أحكام الجمعة من أحكام الظهر مع ~~اختصاص الجمعة بأحكام تفارق بها الظهر فإنه إذا كانت الجمعة تشارك الظهر في ~~حكم وتفارقها في حكم لم يمكن ms7211 الحاق مورد النزاع باحدهما إلا بدليل فليس جعل ~~السنة من موارد الإشتراك بأولى من جعلها من موارد الإفتراق # ( الوجه الثانى ) أن يقال هب أنها ظهر مقصورة فالنبى لم يكن يصلى في سفره ~~سنة الظهر المقصورة لا قبلها ولا بعدها وإنما كان يصليها إذا أتم الظهر ~~فصلى اربعا فإذا كانت سنته التى فعلها في الظهر المقصورة خلاف التامة كان ~~ما ذكروه حجة عليهم لا لهم وكان السبب المقتضى لحذف بعض الفريضة أولى بحذف ~~السنة الراتبة كما قال بعض الصحابة لو كنت متطوعا لأتممت الفريضة فانه لو ~~استحب للمسافر أن يصلي أربعا لكانت صلاته للظهر أربعا أولى من أن يصلي ~~ركعتين فرضا وركعتين سنة PageV24P190 وهذا لأنه قد ثبت بسنة رسول الله ~~المتواترة أنه كان لا يصلى في السفر الا ركعتين الظهر والعصر والعشاء وكذلك ~~لما حج بالناس عام حجة الوداع لم يصل بهم بمنى وغيرها الا ركعتين وكذلك أبو ~~بكر بعده لم يصل الا ركعتين وكذلك عمر بعده لم يصل الا ركعتين # ومن نقل عن النبى أنه صلى الظهر أو العصر أو العشاء في السفر أربعا فقد ~~أخطأ والحديث المروى في ذلك عن عائشة هو حديث ضعيف في الأصل مع ما وقع فيه ~~من التحريف فان لفظ الحديث أنها قالت للنبى ( افطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال ~~اصبت يا عائشة ( فهذا مع ضعفه وقيام الأدلة على انه باطل روي أن عائشة روت ~~أن النبى كان يفطر ويصوم ويقصر ويتم فظن بعض الأئمة أن الحديث فيه أنها روت ~~الأمرين عن رسول الله وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا أن السنة للمسافر ان يصلى ركعتين والأئمة متفقون على ان هذا ~~هو الأفضل إلا قولا مرجوحا للشافعى وأكثر الأئمة يكرهون التربيع للمسافر ~~كما هو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد في أنص الروايتين عنه ثم من هؤلاء من ~~يقول لا يجوز التربيع PageV24P191 كقول ابى حنيفة ومنهم من يقول يجوز مع ~~الكراهة كقول مالك وأحمد فيقال لو كان الله يحب للمسافر أن يصلى ركعتين ثم ~~ركعتين لكان يستحب ms7212 له أن يصلي الفرض أربعا فإن التقرب إليه ببعض الظهر أفضل ~~من التقرب إليه بالتطوع مع الظهر ولهذا أوجب على المقيم أربعا فلو أراد ~~المقيم أن يصلي ركعتين فرضا وركعتين تطوعا لم يجز له ذلك والله تعالى لا ~~يوجب عليه وينهاه عن شيء الا والذى أمره به خير من الذى نهاه عنه فعلم أن ~~صلاة الظهر أربعا خير عند الله من أن يصليها ركعتين مع ركعتين تطوعا فلما ~~كان سبحانه لم يستحب للمسافر التربيع بخير الأمرين عنده فلأن لا يستحب ~~التربيع بالأمر المرجوح عنده أولى # فثبت بهذا الاعتبار الصحيح أن فعل رسول الله هو أكمل الأمور وأن هديه خير ~~الهدى وان المسافر إذا اقتصر على ركعتى الفرض كان أفضل له من أن يقرن بهما ~~ركعتى السنة # وبهذا يظهر أن الجمعة إذا كانت ظهرا مقصورة لم يكن من السنة أن يقرن بها ~~سنة ظهر المقيم بل تجعل كظهر المسافر المقصورة وكان النبى صلى الله عليه ~~وسلم يصلي في السفر ركعتى الفجر والوتر ويصلى على راحلته قبل أى وجه توجهت ~~به ويوتر عليها غير أنه PageV24P192 لا يصلى عليها المكتوبة وهذا لأن الفجر ~~لم تقصر في السفر فبقيت سنتها على حالها بخلاف المقصورات في السفر والوتر ~~مستقل بنفسه كسائر قيام الليل وهو أفضل الصلاة بعد المكتوبة وسنة الفجر ~~تدخل في صلاة الليل من بعض الوجوه فلهذا كان النبى يصليه في السفر ~~لاستقلاله وقيام المقتضى له والصواب ان يقال ليس قبل الجمعة سنة راتبة ~~مقدرة ولو كان الأذانان على عهده فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( بين ~~كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة ~~لمن شاء ( كراهية أن يتخذها الناس سنة فهذا الحديث الصحيح يدل على أن ~~الصلاة مشروعة قبل العصر وقبل العشاء الآخرة وقبل المغرب وإن ذلك ليس بسنة ~~راتبة وكذلك قد ثبت أن أصحابه كانوا يصلون بين أذانى المغرب وهو يراهم فلا ~~ينهاهم ولا يأمرهم ولا يفعل هو ذلك فدل على أن ms7213 ذلك فعل جائز # وقد احتج بعض الناس على الصلاة قبل الجمعة بقوله ( بين كل اذانين صلاة ( ~~وعارضه غيره فقال الأذان الذى على المنائر لم يكن على عهد رسول الله ولكن ~~عثمان أمر به لما كثر الناس على عهده ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروجه ~~وقعوده على المنبر ويتوجه أن يقال هذا الأذان لما سنه عثمان PageV24P193 ~~واتفق المسلمون عليه صار أذانا شرعيا وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان ~~الثانى جائزة حسنة وليست سنة راتبة كالصلاة قبل صلاة المغرب وحينئذ فمن فعل ~~ذلك لم ينكر عليه ومن ترك ذلك لم ينكر عليه وهذا أعدل الأقوال وكلام الامام ~~أحمد يدل عليه # وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يظنون أن هذه سنة راتبة أو ~~أنها واجبة فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست سنة راتبة ولا واجبة لا سيما ~~إذا داوم الناس عليها فينبغى تركها أحيانا حتى لا تشبه الفرض كما استحب ~~أكثر العلماء أن لا يداوم على قراءة السجدة يوم الجمعة مع أنه قد ثبت في ~~الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم فعلها فإذا كان يكره المداومة على ذلك ~~فترك المداومة على ما لم يسنه النبى أولى وان صلاها الرجل بين الأذانين ~~احيانا لأنها تطوع مطلق أو صلاة بين الأذانين كما يصلي قبل العصر والعشاء ~~لا لأنها سنة راتبة فهذا جائز وان كان الرجل مع قوم يصلونها فإن كان مطاعا ~~إذا تركها وبين لهم السنة لم ينكروا عليه بل عرفوا السنة فتركها حسن وإن لم ~~يكن مطاعا ورأى أن في صلاتها تأليفا لقلوبهم إلى ما هو أنفع أو دفعا للخصام ~~والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم وقبولهم له PageV24P194 ونحو ذلك فهذا ~~أيضا حسن # فالعمل الواحد يكون فعله مستحبا تارة وتركه تارة باعتبار ما يترجح من ~~مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في ~~فعله فساد راجح على مصلحته كما ترك النبى بناء البيت على قواعد إبراهيم ~~وقال لعائشة ( لولا ان قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت ms7214 الكعبة ولألصقتها ~~بالأرض ولجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه ( والحديث ~~في الصحيحين فترك النبى هذا الأمر الذى كان عنده أفضل الأمرين للمعارض ~~الراجح وهو حدثان عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم فكانت ~~المفسدة راجحة على المصلحة # ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان ~~فيه تأليف المأمومين مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل بأن يسلم في الشفع ثم ~~يصلي ركعة الوتر وهو يؤم قوما لا يرون الا وصل الوتر فإذا لم يمكنه أن ~~يتقدم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر ارجح من ~~مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة بالبسملة ~~أفضل أو الجهر بها وكان المأمومون على خلاف رأيه PageV24P195 ففعل المفضول ~~عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التى هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة كان ~~جائزا حسنا # وكذلك لو فعل خلاف الأفضل لأجل بيان السنة وتعليمها لمن لم يعلمها كان ~~حسنا مثل أن يجهر بالاستفتاح أو التعوذ أو البسملة ليعرف الناس أن فعل ذلك ~~حسن مشروع في الصلاة كما ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب جهر بالاستفتاح ~~فكان يكبر ويقول ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله ~~غيرك ( قال الأسود بن يزيد صليت خلف عمر أكثر من سبعين صلاة فكان يكبر ثم ~~يقول ذلك رواه مسلم في صحيحه ولهذا شاع هذا الاستفتاح حتى عمل به أكثر ~~الناس وكذلك كان بن عمر وبن عباس يجهران بالإستعاذة وكان غير واحد من ~~الصحابة يجهر بالبسملة وهذا عند الأئمة الجمهور الذين لا يرون الجهر بها ~~سنة راتبة كان ليعلم الناس أن قراءتها في الصلاة سنة كما ثبت في الصحيح أن ~~بن عباس صلى على جنازة فقرأ بأم القرآن جهرا وذكر أنه فعل ذلك ليعلم الناس ~~انها سنة وذلك أن الناس في صلاة الجنازة على قولين # منهم من لا يرى فيها قراءة بحال كما قاله كثير من السلف وهو مذهب أبي ~~حنيفة ms7215 ومالك PageV24P196 # ومنهم من يرى القراءة فيها سنة كقول الشافعى وأحمد لحديث بن عباس هذا ~~وغيره # ثم من هؤلاء من يقول القراءة فيها واجبة كالصلاة # ومنهم من يقول بل هي سنة مستحبة ليست واجبة وهذا اعدل الأقوال الثلاثة ~~فإن السلف فعلوا هذا وهذا وكان كلا الفعلين مشهورا بينهم كانوا يصلون على ~~الجنازة بقراءة وغير قراءة كما كانوا يصلون تارة بالجهر بالبسملة وتارة ~~بغير جهر بها وتارة باستفتاح وتارة بغير استفتاح وتارة برفع اليدين في ~~المواطن الثلاثة وتارة بغير رفع اليدين وتارة يسلمون تسليمتين وتارة تسليمة ~~واحدة وتارة يقرؤون خلف الإمام بالسر وتارة لا يقرؤون وتارة يكبرون على ~~الجنازة أربعا وتارة خمسا وتارة 2 سبعا كان فيهم من يفعل هذا وفيهم من يفعل ~~هذا كل هذا ثابت عن الصحابة # كما ثبت عنهم أن منهم من كان يرجع في الأذان ومنهم من لم يرجع # فيه ومنهم من كان يوتر الاقامة ومنهم من كان يشفعها وكلاهما ثابت عن ~~النبى PageV24P197 فهذه الأمور وإن كان احدها ارجح من الآخر فمن فعل ~~المرجوح فقد فعل جائزا وقد يكون فعل المرجوح أرجح للمصلحة الراجحة كما يكون ~~ترك الراجح أرجح أحيانا لمصلحة راجحة وهذا واقع في عامة الأعمال فإن العمل ~~الذى هو في جنسه أفضل قد يكون في مواطن غيره أفضل منه كما أن جنس الصلاة ~~أفضل من جنس القراءة وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر وجنس الذكر أفضل من ~~جنس الدعاء ثم الصلاة بعد الفجر والعصر منهى عنها والقراءة والذكر والدعاء ~~أفضل منها في تلك الأوقات وكذلك القراءة في الركوع والسجود منهى عنها ~~والذكر هناك أفضل منها والدعاء في آخر الصلاة بعد التشهد أفضل من الذكر وقد ~~يكون العمل المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين لكونه عاجزا عن الأفضل أو ~~لكون محبته ورغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أكثر فيكون أفضل في حقه لما ~~يقترن به من مزيد عمله وحبه وارادته وانتفاعه كما ان المريض ينتفع بالدواء ~~الذي يشتهيه ما لا ينتفع بما لا يشتهيه وإن كان جنس ذلك أفضل ms7216 # ومن هذا الباب صار الذكر لبعض الناس في بعض الأوقات خيرا من القراءة ~~والقراءة لبعضهم في بعض الأوقات خيرا من الصلاة وأمثال ذلك لكمال انتفاعه ~~به لا لأنه في جنسه أفضل PageV24P198 # وهذا الباب ( باب تفضيل بعض الأعمال على بعض ( إن لم يعرف فيه التفضيل ~~وأن ذلك قد يتنوع بتنوع الأحوال في كثير من الأعمال وإلا وقع فيها اضطراب ~~كثير فإن في الناس من إذا اعتقد استحباب فعل ورجحانه يحافظ عليه ما لا ~~يحافظ على الواجبات حتى يخرج به الأمر إلى الهوى والتعصب والحمية الجاهلية ~~كما تجده فيمن يختار بعض هذه الأمور فيراها شعارا لمذهبه # ومنهم من إذا رأى ترك ذلك هو الأفضل يحافظ أيضا على هذا الترك أعظم من ~~محافظته على ترك المحرمات حتى يخرج به الأمر إلى اتباع الهوى والحمية ~~الجاهلية كما تجده فيمن يرى الترك شعارا لمذهبه وأمثال ذلك وهذا كله خطأ # والواجب أن يعطى كل ذى حق حقه ويوسع ما وسعه الله ورسوله ويؤلف ما ألف ~~الله بينه ورسوله ويراعى في ذلك ما يحبه الله ورسوله من المصالح الشرعية ~~والمقاصد الشرعية ويعلم أن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى ~~الله عليه وسلم وان الله بعثه رحمة للعالمين بعثه بسعادة الدنيا والآخرة في ~~كل أمر من الأمور وأن يكون مع الانسان من التفصيل ما يحفظ به هذا الاجمال ~~وإلافكثير من الناس يعتقد هذا مجملا ويدعه عند التفصيل 2 إما جهلا وإما ~~ظلما وإما اتباعا للهوى فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين PageV24P199 والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا ### ||| فصل # وأما السنة بعد الجمعة فقد ثبت في الصحيحين عن النبى ( أنه كان يصلى بعد ~~الجمعة ركعتين ( كما ثبت عنه في الصحيحين ( أنه كان يصلى قبل الفجر ركعتين ~~وبعد الظهر ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين ( # وأما الظهر ففى حديث بن عمر ( أنه كان يصلى قبلها ركعتين ( # وفى الصحيحين عن عائشة ( أنه كان يصلى قبلها أربعا ( # وفى الصحيح عن أم ms7217 حبيبة ان النبى قال ( من صلى في يوم وليلة ثنتى عشرة ~~ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة ( وجاء مفسرا في السنن ( ~~أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء ~~وركعتين قبل الفجر ( فهذه هي السنن الراتبة التى ثبتت في الصحيح عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله مدارها على هذه الأحاديث الثلاثة حديث بن ~~عمر وعائشة وأم حبيبة # وكان النبى يقوم بالليل إما احدى عشرة ركعة وإما ثلاث عشرة ركعة فكان ~~مجموع صلاته بالليل والنهار فرضه ونفله نحوا من أربعين ركعة PageV24P200 # والناس في هذه السنن الرواتب على ثلاثة أقوال # منهم من لا يوقت في ذلك شيئا كقول مالك فانه لا يرى سنة إلا الوتر وركعتى ~~الفجر وكان يقول إنما يوقت أهل العراق ومنهم من يقدر في ذلك أشياء بأحاديث ~~ضعيفة بل باطلة كما يوجد في مذاهب أهل العراق وبعض من وافقهم من أصحاب ~~الشافعى وأحمد فإن هؤلاء يوجد في كتبهم من الصلوات المقدرة والأحاديث في ~~ذلك ما يعلم أهل المعرفة بالسنة أنه مكذوب على النبى كمن روى عنه ( أنه صلى ~~قبل العصر أربعا ( أو أنه قضى سنة العصر ( أو ( أنه صلى قبل الظهر ستا ( أو ~~( بعدها أربعا ( أو ( أنه كان يحافظ على الضحى ( وأمثال ذلك من الأحاديث ~~المكذوبة على النبى # وأشد من ذلك ما يذكره بعض المصنفين في ( الرقائق والفضائل ( في الصلوات ~~الأسبوعية والحولية كصلاة يوم الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ~~والجمعة والسبت المذكورة في كتاب أبي طالب وأبى حامد وعبد القادر وغيرهم ~~وكصلاة ( الألفية ( التى في أول رجب ونصف شعبان والصلاة ( الاثني عشرية ( ~~التى في أول ليلة جمعة من رجب والصلاة التى في ليلة سبع وعشرين من ~~PageV24P201 رجب وصلوات أخر تذكر في الأشهر الثلاثة وصلاة ليلتى العيدين ~~وصلاة يوم عاشوراء وأمثال ذلك من الصلوات المروية عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم مع اتفاق أهل المعرفة بحديثه أن ذلك كذب عليه ولكن بلغ ذلك أقواما من ~~أهل العلم والدين فظنوه صحيحا فعملوا ms7218 به وهم مأجورون على حسن قصدهم ~~واجتهادهم لا على مخالفة السنة # وأما من تبينت له السنة فظن أن غيرها خير منها فهو ضال مبتدع بل كافر # والقول الوسط العدل هو ما وافق السنة الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه ~~وسلم وقد ثبت عنه أنه كان يصلى بعد الجمعة ركعتين وفى صحيح مسلم عنه أنه ~~قال ( من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا ( وقد روى الست عن ~~طائفة من الصحابة جمعا بين هذا وهذا # والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها كما ثبت عنه في الصحيح ~~( أنه نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام ( فلا يفعل ما ~~يفعله كثير من الناس يصل السلام بركعتى السنة فان هذا ركوب لنهى النبى صلى ~~الله PageV24P202 عليه وسلم وفى هذامن الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض ~~كما يميز بين العبادة وغير العبادة # ولهذا استحب تعجيل الفطور وتأخير السحور والأكل يوم الفطر قبل الصلاة ~~ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين فهذا كله للفصل بين المأمور به من ~~الصيام وغير المأمور به والفصل بين العبادة وغيرها وهكذا تمييز الجمعة التى ~~أوجبها الله من غيرها # وأيضا فإن كثيرا من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة بل ينوون ~~الظهر ويظهرون أنهم سلموا وما سلموا فيصلون ظهرا ويظن الظان أنهم يصلون ~~السنة فإذا حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة وهذا ~~له نظائر كثيرة والله سبحانه أعلم PageV24P203 ### |||| وسئل # عن رجل خرج إلى صلاة الجمعة وقد أقيمت الصلاة فهل يجرى إلى أن يأتى ~~الصلاة أو يأتى هونا ولو فاتته ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا خشى فوت الجمعة فانه يسرع حتى يدرك منها ركعة فأكثر ~~وأما إذا كان يدركها مع المشي وعليه السكينة فهذا أفضل بل هو السنة والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن الصلاة يوم الجمعة بالسجدة هل تجب المداومة عليها أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليست قراءة ( الم تنزيل ) التى فيها السجدة ولا غيرها من ~~ذوات السجود واجبة في ms7219 فجر الجمعة باتفاق الأئمة ومن اعتقد ذلك واجبا أو ذم ~~من ترك ذلك فهو ضال مخطئ يجب عليه PageV24P204 أن يتوب من ذلك باتفاق ~~الأئمة وإنما تنازع العلماء في استحباب ذلك وكراهيته فعند مالك يكره أن ~~يقرأ بالسجدة في الجهر والصحيح أنه لا يكره كقول أبى حنيفة والشافعى وأحمد ~~لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه سجد في العشاء ب ( إذا السماء انشقت ) ~~وثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة ( الم تنزيل ( و ( ~~هل أتى ) وعند مالك يكره أن يقصد سورة بعينها وأما الشافعى وأحمد فيستحبون ~~ما جاءت به السنة مثل الجمعة والمنافقين في الجمعة والذاريات واقتربت في ~~العيد والم تنزيل وهل أتى في فجر الجمعة # لكن هنا مسألتان نافعتان # ( احداهما ) أنه لا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة ~~فليس الاستحباب لأجل السجدة بل للسورتين والسجدة جاءت اتفاقا فإن هاتين ~~السورتين فيهما ذكر ما يكون في يوم الجمعة من الخلق والبعث # ( الثانية ) أنه لا ينبغى المداومة عليها بحيث يتوهم الجهال أنها واجبة ~~وأن تاركها مسيء بل ينبغى تركها أحيانا لعدم وجوبها والله أعلم PageV24P205 ### |||| وسئل # عمن قرأ ( سورة السجدة ( يوم الجمعة هل المطلوب السجدة فيجزئ بعض السورة ~~والسجدة في غيرها أم المطلوب السورة ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل المقصود قراءة السورتين ( الم تنزيل ) و ( هل أتى على ~~الانسان ) لما فيهما من ذكر خلق آدم وقيام الساعة وما يتبع ذلك فإنه كان ~~يوم الجمعة وليس المقصود السجدة فلو قصد الرجل قراءة سورة سجدة أخرى كره ~~ذلك والنبى صلى الله عليه وسلم يقرأ السورتين كلتاهما فالسنة قراءتهما بكما ~~لهما ولا ينبغى المداومة على ذلك لئلا يظن الجاهل ان ذلك واجب بل يقرأ ~~أحيانا غيرهما من القرآن والشافعى وأحمد اللذان يستحبان قراءتهما وأما مالك ~~وأبو حنيفة فعندهما يكره قصد قراءتهما PageV24P206 ### |||| وسئل ( # عمن أدرك ركعة من ~~صلاة الجمعة ثم قام ليقضى ما عليه فهل يجهر بالقراءة أم لا ### ||||| فأجاب # بل يخافت بالقراءة ولا يجهر لأن المسبوق إذا قام يقضى ms7220 فانه منفرد ~~فيما يقضيه حكمه حكم المنفرد وهو فيما يدركه في حكم المؤتم ولهذا يسجد ~~المسبوق إذا سها فيما يقضيه وإذا كان كذلك فالمسبوق إنما يجهر فيما يجهر ~~فيه المنفرد فمن كان من العلماء مذهبه أن يجهر المنفرد في العشائين والفجر ~~فانه يجهر إذا قضى الركعتين الأوليين ومن كان مذهبه أن المنفرد لا يجهر ~~فإنه لا يجهر المسبوق عنده والجمعة لا يصليها أحد منفردا فلا يتصور أن يجهر ~~فيها المنفرد والمسبوق كالمنفرد فلا يجهر لكنه مدرك للجمعة ضمنا وتبعا ولا ~~يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع ولهذا لا يشترط لما يقضيه المسبوق ~~العدد ونحو ذلك # لكن مضت السنة ان من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة فهو مدرك ~~للجمعة كمن أدرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس PageV24P207 ومن أدرك ~~ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فانه مدرك وإن كانت بقية الصلاة فعلت خارج ~~الوقت والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن صلاة الجمعة في جامع القلعة هل هي جائزة مع أن في البلد خطبة أخرى مع ~~وجود سورها وغلق أبوابها أم لا ### ||||| فأجاب # نعم يجوز ان يصلي فيها جمعة لأنها مدينة أخرى كمصر والقاهرة ولو لم ~~تكن كمدينة أخرى 2 فاقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز ~~عند أكثر العلماء ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في ~~الجانب الشرقى وجمعة في الجانب الغربى وجوز ذلك أكثر العلماء وشبهوا ذلك ~~بان النبى في مدينته إلا في موضع يخرج بالمسلمين فيصلي العيد بالصحراء ~~وكذلك كان الأمر في خلافة أبى بكر وعمر وعثمان فلما تولى على بن أبى طالب ~~وصار بالكوفة وكان الخلق بها كثيرا قالوا يا أمير المؤمنين ان بالمدينة ~~شيوخا وضعفاء يشق عليهم الخروج إلى الصحراء فاستخلف PageV24P208 على بن أبى ~~طالب رجلا يصلي بالناس العيد في المسجد وهو يصلى بالناس خارج الصحراء ولم ~~يكن هذا يفعل قبل ذلك وعلى من الخلفاء الراشدين وقد قال النبى ( عليكم ~~بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ( فمن ms7221 تمسك بسنة الخلفاء الراشدين فقد ~~أطاع الله ورسوله والحاجة في هذه البلاد وفى هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من ~~جمعة إذ ليس للناس جامع واحد يسعهم ولا يمكنهم جمعة واحدة إلا بمشقة عظيمة # وهنا وجه ثالث وهو أن يجعل القلعة كأنها قرية خارج المدينة والذى عليه ~~الجمهور كمالك والشافعى وأحمد أن الجمعة تقام في القرى لأن في الصحيح عن بن ~~عباس أنه قال ( أول جمعة جمعت في الاسلام بعد جمعة المدينة جمعة ( بجواثى ( ~~قرية من قرى البحرين ( وكان ذلك على عهد رسول الله حين قدم عليه وفد عبد ~~القيس وكذلك كتب عمر بن الخطاب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة حيث كانوا وكان ~~عبد الله بن عمر يمر بالمياه التى بين مكة والمدينة وهم يقيمون الجمعة فلا ~~ينكر عليهم # وأما قول على رضى الله عنه لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع فلو لم يكن ~~له مخالف لجاز أن يراد به أن كل قرية مصر جامع كما أن المصر الجامع يسمى ~~قرية وقد سمى الله مكة قرية بل سماها PageV24P209 ( أم القرى ( بل وما هو ~~أكبر من مكة كما في قوله ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التى أخرجتك ~~أهلكناهم فلا ناصر لهم ) وسمى مصر القديمة قرية بقوله @QB@ واسأل القرية ~~التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها @QE@ ومثله في القرآن كثير والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجلين تنازعا في العيد إذا وافق الجمعة فقال أحدهما يجب أن يصلي العيد ~~ولا يصلي الجمعة وقال الآخر يصليها فما الصواب في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ~~ثلاثة أقوال # أحدها أنه تجب الجمعة على من شهد العيد كما تجب سائر الجمع للعمومات ~~الدالة على وجوب الجمعة # والثانى تسقط عن أهل البر مثل أهل العوالى والشواذ لأن عثمان بن عفان ~~أرخص لهم في ترك الجمعة لما صلى بهم العيد PageV24P210 # والقول الثالث وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة لكن على ~~الامام أن يقيم ms7222 الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد وهذا هو ~~المأثور عن النبى وأصحابه كعمر وعثمان وبن مسعود وبن عباس وبن الزبير ~~وغيرهم ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف # وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبى لما ~~اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة وفى لفظ أنه قال ( أيها ~~الناس إنكم قد أصبتم خيرا فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون ( # وأيضا فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الإجتماع ثم إنه يصلي الظهر إذا لم ~~يشهدالجمعة فتكون الظهر في وقتها والعيد يحصل مقصود الجمعة وفى ايجابها على ~~الناس تضييق عليهم وتكدير لمقصود عيدهم وما سن لهم من السرور فيه والانبساط # فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالابطال ولأن يوم الجمعة عيد ~~ويوم الفطر والنحر عيد ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل ~~احداهما في الأخرى كما يدخل الوضوء في الغسل وأحد الغسلين في الآخر والله ~~أعلم PageV24P211 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قال إذا جاء يوم الجمعة يوم العيد وصلى العيد إن اشتهى أن يصلي ~~الجمعة وإلا فلا فهل هو فيما قال مصيب أم مخطئ ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا إذا اجتمع يوم الجمعة ويوم العيد ففيها ثلاثة أقوال للفقهاء # ( أحدها ) أن الجمعة على من صلى العيد ومن لم يصله كقول مالك وغيره ( ~~والثانى ) أن الجمعة سقطت عن السواد الخارج عن المصر كما يروى ذلك عن عثمان ~~بن عفان رضى الله عنه أنه صلى العيد ثم أذن لأهل القرى في ترك الجمعة واتبع ~~ذلك الشافعى # ( والثالث ( أن من صلى العيد سقطت عنه الجمعة لكن ينبغى PageV24P212 ~~للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من أحب كما في السنن عن النبى أنه اجتمع في ~~عهده عيدان فصلى العيد ثم رخص في الجمعة # وفى لفظ أنه صلى العيد وخطب الناس فقال ( أيها الناس إنكم قد أصبتم خيرا ~~فمن شاء منكم ms7223 أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون ( وهذا الحديث روى في ~~السنن من وجهين أنه صلى العيد ثم خير الناس في شهود الجمعة وفى السنن حديث ~~ثالث في ذلك أن بن الزبير كان على عهده عيدان فجمعهما أول النهار ثم لم يصل ~~الا العصر وذكر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فعل ذلك وذكر ذلك لابن عباس ~~رضى الله عنه فقال قد أصاب السنة # وهذا المنقول هو الثابت عن رسول الله وخلفائه وأصحابه وهو قول من بلغه من ~~الأئمة كأحمد وغيره والذين خالفوه لم يبلغهم ما في ذلك من السنن والآثار ~~والله أعلم PageV24P213 ### |||| وسئل رحمه الله # عن خطبة بين صلاتين كلاهما فرض لوقتها في ساعة مشكلة العين واعتبار الشرط ~~فيها كما في غيرها من هيئة الدين كالظهر والسنن والوقت والقبلة أيضا ~~بالتأذين ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة قد تنزل على عدة مسائل بعضها متفق عليه ~~وبعضها متنازع فيه # منها إذا اجتمع عيد وجمعة فمن قال إن العيد فرض يقول إن خطبة الجمعة هي ~~خطبة بين صلاتين كلاهما فرض بخلاف خطبة العيد فإنه يقول ليست فرضا # وإما أن تنزل على ما إذا اعتقد جمعتان في موضع لا تصح فيه جمعتان فإنه ~~تصح الأولى وتبطل الثانية إذا كانا بإذن الإمام فإن أشكل عين السابقة بطلتا ~~جميعا وصلوا ظهرا فالخطبة التى قبل الثانية خطبة بين صلاتين كلاهما فرض إذا ~~كان الإمام قد أذن في كل منهما PageV24P214 واعتقدوا أن الجمعة لا تقام ~~عندهم وكلاهما يعتقد أن جمعته فرض # ويمكن أن يريد السائل الفجر والجمعة فان الفجر فرض في وقتها والجمعة فرض ~~لوقتها وبينهما خطبة هي خطبة الجمعة ومنها خطب الحج فإن خطبة عرفة تكون بين ~~الصلاة بعرفة وبين صلاة المغرب فكلاهما فرض والخطبة يوم النحر تكون بين ~~الفجر والظهر فكلاهما فرض ### |||| وسئل # هل قراءة الكهف بعد عصر الجمعة جاء فيه حديث أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فيها آثار ذكرها أهل الحديث ~~والفقه لكن هي مطلقة يوم الجمعة ما سمعت ms7224 أنها مختصة بعد العصر والله أعلم ~~PageV24P215 ### |||| وسئل # عن فرش السجادة في الروضة الشريفة هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # ليس لأحد أن يفرش ~~شيئا ويختص به مع غيبته ويمنع به غيره هذا غصب لتلك البقعة ومنع للمسلمين ~~مما أمر الله تعالى به من الصلاة # والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم ينهى عنه ~~ويجب رفع تلك السجاجيد ويمكن الناس من مكانها # هذا مع أن أصل الفرش بدعة لا سيما في مسجد النبى فإن رسول الله وأصحابه ~~كانوا يصلون على الأرض والخمرة التى كان يصلي عليها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صغيرة ليست بقدر السجادة # قلت فقد نقل بن حزم في المحلى عن عطاء بن أبى رباح أنه PageV24P216 لا ~~يجوز الصلاة في مسجد الا على الأرض ولما قدم عبد الرحمن بن مهدى من العراق ~~وفرش في المسجد أمر مالك بن أنس بحبسه تعزيرا له حتى روجع في ذلك فذكر أن ~~فعل هذا في مثل هذاالمسجد بدعة يؤدب صاحبها # وعلى الناس الانكار على من يفعل ذلك والمنع منه لا سيما ولاة الأمر الذين ~~لهم هنالك ولاية على المسجد فانه يتعين عليهم رفع هذه السجاجيد ولو عوقب ~~أصحابه بالصدقة بها لكان هذا مما يسوغ في الاجتهاد انتهى ### |||| وسئل رحمه الله # عن ~~قول المؤذن يوم الجمعة وقت دخول الإمام المسجد ( اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد وسلم ورضى الله عن أصحاب رسول الله أجمعين ( وفى دعاءالإمام بعد صعوده ~~على المنبر وفى قول المؤذن بعد الأذان الثانى عن أبى هريرة رضى الله عنه ~~أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب ~~يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ( أذلك مسنون أو مستحب أو مكروه في صلاة الجمعة ~~PageV24P217 ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس هذا من سنة رسول الله ولا استحبه أحد من ~~أئمة المسلمين العلماء لكن تبليغ الحديث فعله من فعله لأمر الناس بالانصات ~~وهو من نوع الخطبة # وأما دعاء الامام بعد صعوده ورفع المؤذنين أصواتهم بالصلاة فهذا ms7225 لم يذكره ~~العلماء وإنما يفعله من يفعله بلا أصل شرعى # وأما رفع المؤذنين أصواتهم وقت الخطبة بالصلاة وغيرها فهذا مكروه باتفاق ~~الأئمة ### |||| وسئل # عن رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع ( إن الله وملائكته يصلون ~~على النبى ) فقال رجل هذا بدعة فما يجب عليه ### ||||| فأجاب # جهر المؤذن بذلك كجهره بالصلاة والترضى عند رقي الخطيب المنبر أو ~~جهره بالدعاء للخطيب والامام ونحو ذلك لم يكن على عهد رسول الله وخلفائه ~~الراشدين ولا استحبه أحد من الأئمة # وأشد من ذلك الجهر بنحو ذلك في الخطبة وكل ذلك بدعة والله أعلم ~~PageV24P218 ### ||| 2 باب صلاة العيدين 2 ### |||| سئل شيخ الاسلام # هل يتعين قراءة بعينها في صلاة العيدين وما يقول الإنسان بين كل تكبيرتين ### ||||| فأجاب # الحمد لله مهما قرأ به جاز كما تجوز القراءة في نحوها من الصلوات ~~لكن إذا قرأ بقاف واقتربت أو نحو ذلك مما جاء في الأثر كان حسنا # وأما بين التكبيرات فانه يحمد الله ويثنى عليه ويصلي على النبى ويدعو بما ~~شاء هكذا روى نحو هذا العلماء عن عبد الله بن مسعود وان قال سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~اللهم اغفر لي وارحمنى كان حسنا وكذلك إن قال الله أكبر كبيرا والحمد لله ~~كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ونحو ذلك PageV24P219 وليس في ذلك شيء مؤقت ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والله أعلم ### |||| وسئل # عن صفة التكبير في العيدين ومتى وقته ### ||||| فأجاب # الحمد لله أصح الأقوال في التكبير الذى عليه جمهور السلف والفقهاء ~~من الصحابة والأئمة أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل ~~صلاة ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد وهذا بإتفاق ~~الأئمة الأربعة # وصفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة قد روى مرفوعا إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ~~ولله الحمد ( وان قال الله أكبر ثلاثا ms7226 جاز ومن الفقهاء من يكبر ثلاثا فقط ~~ومنهم من يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير # وأما التكبير في الصلاة فيكبر المأموم تبعا للامام وأكثر الصحابة رضى ~~الله عنهم والأئمة يكبرون سبعا في الأولى وخمسا في الثانية PageV24P220 وإن ~~شاء أن يقول بين التكبيرتين سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر اللهم اغفر لي وارحمنى كان حسنا كما جاء ذلك عن بعض السلف والله أعلم ### |||| وسئل # هل التكبير يجب في عيد الفطر أكثر من عيد الأضحى بينوا لنا مأجورين ### ||||| فأجاب # أما التكبير فإنه مشروع في عيد الأضحى بالإتفاق وكذلك هو مشروع في عيد ~~الفطر عند مالك والشافعى وأحمد وذكر ذلك الطحاوى مذهبا لأبي حنيفة وأصحابه ~~والمشهور عنهم خلافه لكن التكبير فيه هو المأثور عن الصحابة رضوان الله ~~عليهم والتكبير فيه أو كد من جهة أن الله أمر به بقوله @QB@ ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون @QE@ والتكبير فيه أوله من رؤية ~~الهلال وآخره انقضاء العيد وهو فراغ الإمام من الخطبة على الصحيح # وأما التكبير في النحر فهو أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات ~~PageV24P221 وانه متفق عليه وان عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان وعيد ~~النحر أفضل من عيد الفطر ولهذا كانت العبادة فيه النحر مع الصلاة والعبادة ~~في ذاك الصدقة مع الصلاة والنحر أفضل من الصدقة لأنه يجتمع فيه العبادتان ~~البدنية والمالية فالذبح عبادة بدنية ومالية والصدقة والهدية عبادة مالية ~~ولأن الصدقة في الفطر تابعة للصوم لأن النبى فرضها طهرة للصائم من اللغو ~~والرفث وطعمة للمساكين ولهذا سن أن تخرج قبل الصلاة كما قال تعالى @QB@ قد ~~أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى @QE@ وأما النسك فانه مشروع في اليوم نفسه ~~عبادة مستقلة ولهذا يشرع بعد الصلاة كما قال تعالى @QB@ فصل لربك وانحر إن ~~شانئك هو الأبتر @QE@ فصلاة الناس في الأمصار بمنزلة رمي الحجاج جمرة ~~العقبة وذبحهم في الأمصار بمنزلة ذبح الحجاج هديهم ms7227 # وفى الحديث الذى في السنن ( أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر ~~( وفى الحديث الآخر الذى في السنن وقد صححه الترمذى ( يوم عرفة ويوم النحر ~~وأيام منى عيدنا أهل الاسلام وهي أيام أكل وشرب وذكر لله ( ولهذا كان ~~الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الأمصار يكبرون من فجر يوم عرفة إلى آخر ~~أيام التشريق لهذا الحديث ولحديث آخر رواه الدارقطنى عن جابر عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم ولأنه إجماع من أكابر الصحابة والله أعلم PageV24P222 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى ولتكملوا العدة ولتكبروا ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الاسلام ! 8 < فصل # قال الله تعالى @QB@ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم ~~تشكرون @QE@ و ( اللام ( إما متعلقة بمذكور أي @QB@ يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة @QE@ كما قال @QB@ يريد الله ليبين لكم ~~@QE@ أو بمحذوف أي ولتكملوا العدة شرع ذلك # وهذا أشهر لأنه قال @QB@ ولعلكم تشكرون @QE@ فيجب على الأول أن يقال ~~ويريد لعلكم تشكرون وفيه وهن # لكن يحتج للأول بقوله تعالى في آية الوضوء ( ما يريد الله ليجعل عليكم من ~~حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ولعلكم تشكرون ) فإن آية الصيام ~~وآية الطهارة متناسبتان في اللفظ والمعنى فقوله ( يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر ) بمنزلة قوله ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) وقوله ~~PageV24P223 @QB@ ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم @QE@ ) كقوله @QB@ ~~ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون @QE@ # والمقصود هنا أن الله سبحانه أراد شرعا التكبير على ما هدانا ولهذا قال ~~من قال من السلف كزيد بن أسلم هو التكبير تكبير العيد واتفقت الأمة على أن ~~صلاة العيد مخصوصة بتكبير زائد ولعله يدخل في التكبير صلاة العيد كما سميت ~~الصلاة تسبيحا وقياما وسجودا وقرآنا وكما ادخلت صلاتا الجمع في ذكر الله في ~~قوله @QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام @QE@ وأريد ~~الخطبة والصلاة بقوله @QB@ فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع @QE@ ويكون ~~لأجل أن الصلاة لما سميت تكبيرا خصت بتكبير زائد كما ms7228 أن صلاة الفجر لما ~~سميت قرآنا خصت بقرآن زائد وجعل طول القراءة فيها عوضا عن الركعتين في ~~الصلاة الرباعية وكذلك ( صلاة الليل ( لما سميت قياما بقوله @QB@ قم الليل ~~@QE@ ) خصت بطول القيام فكان النبى يطيل القيام والركوع والسجود بالليل ما ~~لا يطيله بالنهار ولهذا قال بعض السلف إن التطويل بالليل أفضل وإن تكثير ~~الركوع والسجود بالنهار PageV24P224 # أفضل وكان التكبير أيضا مشروعا في خطبة العيد زيادة على الخطب الجمعية ~~وكان التكبير أيضا مشروعا عندنا وعند أكثر العلماء من حين اهلال العيد إلى ~~انقضاء العيد إلى آخر الصلاة والخطبة لكن هل يقطعه المؤتم إذا شهد المصلى ~~لكونه مشغولا بعد ذلك بانتظار الصلاة أو يقطعه بالشروع في الصلاة للاشتغال ~~عنه بعد ذلك بالصلاة والخطبة أو لا يقطعه إلى انقضاء الخطبة فيه خلاف عن ~~أحمد وغيره والصحيح أنه إلى آخر العيد # وقد قال تعالى في الحج @QB@ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام @QE@ فقيل الأيام المعلومات هي أيام ~~الذبح وذكر اسم الله التسمية على الأضحية والهدى وهو قول مالك في رواية # وقيل هي أيام العشر وهو المشهور عن أحمد وقول الشافعى وغيره ثم ذكر اسم ~~الله فيها هو ذكره في العشر بالتكبير عندنا وقيل هو ذكره عند رؤية الهدى ~~واظنه مأثورا عن الشافعى وفى صحيح البخارى أن بن عمر وبن عباس كانا يخرجان ~~إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما وفى الصحيح عن أنس ~~أنهم كانوا غداة عرفة وهم ذاهبون من منى إلى عرفة يكبر منهم المكبر فلا ~~ينكر عليه ويلبى الملبى فلا ينكر عليه وفى PageV24P225 أمثلة الأحاديث ~~المرفوعة مثل قوله فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد وعلى قول ~~أصحابنا يكون ذكر اسم الله على ما رزقهم كقوله @QB@ على ما هداكم @QE@ ~~وكقوله @QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه ~~كما هداكم @QE@ وكقوله @QB@ كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ~~ويزكيكم @QE@ إلى قوله @QB@ فاذكروني أذكركم @QE@ # وعلى القول الآخر يكون مثل قوله @QB@ فكلوا ms7229 مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه @QE@ وقوله @QB@ فاذكروا اسم الله عليها صواف @QE@ ويدل عليه ~~قوله @QB@ من بهيمة الأنعام @QE@ فيدل على ان ( ما ) موصولة لا مصدرية ~~بمعنى على الذى رزقهم من بهيمة الأنعام وكذلك قوله ( @QB@ ولكل أمة جعلنا ~~منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام @QE@ وعلى قولنا ~~يكون ذكر اسم الله عليها وقت الذبح ووقت السوق بالتلبية عندها وبالتكبير ~~يدل عليه أنه لو أراد مجرد التسمية لم يكن للأضحية بذلك اختصاص فان اسمه ~~مذكور عند كل ذبح لا فرق في ذلك بين الأضحية وغيرها فما وجب فيها وجب في ~~غيرها وما لم يجب لم يجب PageV24P226 # وأيضا فإنه لا يكون لقوله @QB@ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر @QE@ إلى قوله @QB@ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله @QE@ فجعل ~~اتيانهم إلى المشاعر ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~ولو أراد الأضحية فقط لم يكن للمشاعر بهذا اختصاص فإن الأضحية مشروعة في ~~جميع الأرض إلا أن هذا الوجه يرد على قولنا بذكر اسم الله في جميع العشر في ~~الأمصار فيقال لم خص ذلك بالاتيان إلى المشاعر وقد يحتج به من يرى ذكر الله ~~عند رؤية الهدي لأن الهدى يساق إلى مكة لكن عنده يجوز ذبح الهدى متى وصل ~~فاي فائدة لتوقيته بالأيام المعلومات ويجاب عن هذا بوجهين # أحدهما أن الذبح بالمشاعر أصل وبقية الأمصار تبع لمكة ولهذا كان عيد ~~النحر العيد الأكبر ويوم النحر يوم الحج الأكبر لأنه يجتمع فيه عيد المكان ~~والزمان # الثانى أن ذكر الله هناك على ما رزقهم من الأضحية والهدى جميعا بخلاف غير ~~مكة فإنه ليس فيها الا الأضحية وهى مختصة بالأيام المعلومات فإن الهدى ~~عندنا مؤقت فإذا ساق الهدى لم ينحره إلا عند الإحلال ولا يجوز له أن يحل ~~حتى ينحر هديه كما قال تعالى @QB@ حتى يبلغ الهدي محله @QE@ وأمر النبى ~~أصحابه في حجة PageV24P227 الوداع أن يحلوا إلا من ساق الهدى فلا يحل حتى ~~ينحره وهذا إذا قدم به في العشر ms7230 بلا نزاع واما إذا قدم به قبل العشر ففيه ~~روايتان # فإن قيل فإذا كان الكتاب والسنة قد أمرا بذكره في الأيام المعلومات فهلا ~~شرع التكبير فيها في أدبار الصلوات كما شرع في أيام العيد # قيل كما شرع التكبير في ليلة الفطر إلى حين انقضاء العيد ولم يشرع عقب ~~الصلاة لأن التكبير عقب الصلاة أوكد فاختص به العيد الكبير وأيام العيد ~~خمسة هي أيام الاجتماع كما قال النبى ( يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى ~~عيدنا أهل الاسلام وهى أيام أكل وشرب ( وقد قال تعالى @QB@ واذكروا الله في ~~أيام معدودات @QE@ وهى أيام التشريق في المشهور عندنا وقول الشافعى وغيره ~~وفيه قول آخر أنهاأيام الذبح فعلى الأول يكون من ذكر الله فيها التكبير في ~~أدبار الصلوات والتكبير عند رمى الجمار كما قال النبى ( إنما جعل السعى بين ~~الصفا والمروة ورمى الجمار لإقامة ذكر الله ( فالذكر في هذه الآيات مطلق ~~وإن كانت السنة قد جاءت بالتكبير في عيد النحر في صلاته وخطبته ودبر صلواته ~~ورمى جمراته والذكر في آية الصيام يعني بالتكبير على الهداية فهذا ~~PageV24P228 ذكر الله وتكبير له على الهداية وهناك على الرزق # وقد ثبت عن النبى أنه لما أشرف على خيبر قال ( الله أكبر خربت خيبر إنا ~~إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ( وكان يكبر على الأشراف مثل ~~التكبير إذا ركب دابة وإذا علا نشزا من الأرض وإذا صعد على الصفا والمروة ~~وقال جابر ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا وإذا ~~هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك ( رواه أبو داود وجاء التكبير مكررا في ~~الأذان في أوله وفى آخره والأذان هو الذكر الرفيع وفى أثناء الصلاة وهو حال ~~الرفع والخفض والقيام إليها كما قال ( تحريمها التكبير ( وروى ( أن التكبير ~~يطفئ الحريق ( # فالتكبير شرع أيضا لدفع العدو من شياطين الانس والجن والنار التى هي عدو ~~لنا وهذا كله يبين أن التكبير مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع أو ~~لعظمة الفعل أو لقوة الحال أو نحو ذلك من ms7231 الأمور الكبيرة ليبين أن الله ~~أكبر وتستولى كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار فيكون الدين ~~كله لله ويكون العباد له مكبرون فيحصل لهم مقصودان مقصود العبادة بتكبير ~~قلوبهم لله ومقصود الإستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه ولهذا شرع ~~التكبير ع 4 لى الهداية والرزق والنصر لأن هذه الثلاث PageV24P229 أكبر ما ~~يطلبه العبد وهى جماع مصالحه والهدى أعظم من الرزق والنصر لأن الرزق والنصر ~~قد لا ينتفع بهما إلا في الدنيا وأما الهدى فمنفعته في الآخرة قطعا وهو ~~المقصود بالرزق والنصر فخص بصريح التكبير لأنه أكبر نعمة الحق وذانك دونه ~~فوسع الأمر فيهما بعموم ذكر إسم الله # فجماع هذا أن التكبير مشروع عند كل أمر كبير من مكان وزمان وحال ورجال ~~فتبين أن الله أكبر لتستولى كبرياؤه في القلوب على كبرياء ما سواه ويكون له ~~الشرف على كل شرف قال تعالى فيما روى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ( ~~العظمة ازارى والكبرياء ردائى فمن نازعنى واحدا منهما عذبته # ولما قال سبحانه @QB@ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم ~~تشكرون @QE@ ذكر التكبير والشكر كما في قوله @QB@ فاذكروني أذكركم واشكروا ~~لي ولا تكفرون @QE@ والشكر يكون بالقول وهو الحمد ويكون بالعمل كما قال ~~تعالى @QB@ اعملوا آل داود شكرا @QE@ فقرن بتكبير الأعياد الحمد فقيل الله ~~أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد لأنه قد ~~طلب فيه التكبير والشكر ولهذا روى في الأثر أنه يقال فيه ( الله أكبر على ~~ما هدانا والحمد لله على ما أولانا ( ليجمع بين التكبير والحمد حمد الشكر ~~كما جمع PageV24P230 بين التحميد تحميد الثناء والتكبير في قوله @QB@ وقل ~~الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من ~~الذل وكبره تكبيرا @QE@ فامر بتحميده وتكبيره # ومعلوم أن الكلمات التى هي أفضل الكلام بعد القرآن أربع ( سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ( وهى شطران فالتسبيح قرين التحميد ~~ولهذا قال النبى ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان ms7232 في الميزان حبيبتان ~~إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( اخرجاه في الصحيحين عن ~~أبى هريرة # وقال فيما رواه مسلم عن أبى ذر ( أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته ~~سبحان الله وبحمده ( # وفى القرآن @QB@ ونحن نسبح بحمدك @QE@ @QB@ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه ~~كان توابا @QE@ فكان النبى يقول في ركوعه ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم ~~اغفر لي ) يتأول القرآن هكذا في الصحاح عن عائشة فجعل قوله ( سبحانك اللهم ~~وبحمدك ( تأويل @QB@ فسبح بحمد ربك @QE@ وقد قال تعالى @QB@ فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار @QE@ PageV24P231 ~~وقال ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض ( ~~والآثار في اقترانهما كثيرة # وأما التهليل فهو قرين التكبير كما في كلمات الأذان الله أكبر الله أكبر ~~أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم بعد دعاء العباد إلى ~~الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فهو مشتمل على التكبير والتشهد ~~أوله وآخره وهو ذكر لله تعالى وفى وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح ~~فالصلاة هي العمل والفلاح هو ثواب العمل لكن جعل التكبير شفعا والتشهد وترا ~~فمع كل تكبيرتين شهادة وجعل أوله مضاعفا على آخره ففى ( أول ) الأذان يكبر ~~أربعا ويتشهد مرتين والشهادتان جميعا باسم الشهادة وفى آخره التكبير مرتان ~~فقط مع التهليل الذى لم يقترن به لفظ الشهادة ولا الشهادة الأخرى # وهذا والله أعلم بمنزلة الركعتين الأولتين من الصلاة مع الركعتين ~~الأخريين فإن الأولتان فضلتا بقراءة السورة وبالجهر في القراءة فحصل الفضل ~~في قدر القراءة ووصفها كما أن الشطر الأول من الأذان فضل في قدر الذكر وفى ~~وصفه لكن الوصف هنا كون التوحيد قرن به لفظ اشهد ولهذا حذف في الاقامة عند ~~من يختار إيتارها وهي إقامة بلال ما فضل به من القدر كما يخفض PageV24P232 ~~من صوت الإقامة لأن هذا المزيد من جنس الأصل فأشبه حذف الركعتين الأخريين ~~في صلاة المسافر وأما الكلمات الاصول فلم يحذف منها شيء # وهكذا سنة النبى صلى ms7233 الله عليه وسلم في قيام الليل وصلاة الكسوف وغيرهما ~~تطويل أول العبادة على آخرها لأسباب تقتضى ذلك # وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع بينهما في تكبير الاشراف ~~فكان على الصفا والمروة وإذا علا شرفا في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثا ~~ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الاحزاب وحده ~~( يفعل ذلك ثلاثا وهذا في الصحاح وكذلك على الدابة كبر ثلاثا وهلل ثلاثا ~~فجمع بين التكبير والتهليل وكذلك حديث عدى بن حاتم الذى رواه أحمد والترمذى ~~فيه أن النبى قال ( له يا عدى ما يفرك ايفرك ان يقال لا إله إلا الله فهل ~~تعلم من إله إلا الله يا عدى ما يفرك أيفرك أن يقال الله أكبر فهل من شيء ~~أكبر من الله ( فقرن النبى بين التهليل والتكبير PageV24P233 وفى صحيح مسلم ~~حديث أبى مالك الأشعرى عن النبى أنه قال ( الطهور شطر الايمان والحمد لله ~~تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو قال تملأ ما بين السماء ~~والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل ~~الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ( فأخبر أنه يملأ ما بين السماء ~~والأرض وهذا أعظم من ملئه للميزان # وفى الحديث الذى في الموطأ حديث طلحة بن عبد الله بن كريز أن النبى قال ( ~~أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ( فجمع في ~~هذا الحديث بين ( أفضل الدعاء وأفضل الثناء فان الذكر نوعان دعاء وثناء ~~فقال أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت هذا الكلام ( ولم يقل أفضل ما ~~قلت يوم عرفة هذا الكلام وإنما هو أفضل ما قلت مطلقا وكذلك في حديث رواه بن ~~ابى الدنيا ( أفضل الذكر لا إله ms7234 إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله ( # وأيضا ففي الصحيح عن أبى هريرة عن النبى انه قال ( الايمان بضع وسبعون ~~شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها اماطة الأذى عن الطريق ( فقد صرح ~~بان أعلى شعب PageV24P234 الإيمان هي هذه الكلمة # وأيضا ففي صحيح مسلم أن النبى قال ( يا أبى أتدري أى آية في كتاب الله ~~أعظم قال @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ فقال رسول الله ليهنك ~~العلم أبا المنذر ( فاخبر في هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن ~~وفى ذاك أنها أعلا شعب الإيمان وهذا غاية الفضل فإن الأمر كله مجتمع في ~~القرآن والإيمان فإذا كانت أعظم القرآن واعلا الإيمان ثبت لها غاية الرجحان # وأيضا فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل ~~النار وهو ثمن الجنة ولا يصح اسلام أحد إلا به ومن كان آخر كلامه لا إله ~~إلا الله دخل الجنة وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء فمنزلته ~~منزلة الأصل ومنزلة التحميد والتسبيح منزلة الفرع # وأيضا فإنه مشروع على وجه التعظيم والجهر وعند الأمور العظيمة مثل الأذان ~~الذى ترفع به الأصوات وعند الصعودعلى الأماكن العالية لما في ذلك من العلو ~~والرفعة ويجهر بالتكبير في الصلوات وهو المشروع في الأعياد PageV24P235 ~~وقال جابر ( كنا مع رسول الله إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت ~~الصلاة على ذلك ( رواه أبو داود وغيره فبين أن التكبير مشروع عند العلو من ~~الأمكنة والأفعال كما في الصلاة والأذان والتسبيح مشروع عند الإنخفاض في ~~الأمكنة والأفعال كما في السجود والركوع ولهذا كانت السنة في التسبيح ~~الإخفاء حين شرع فلم يشرع من الجهر به والإعلان ما شرع من ذلك في التكبير ~~والتهليل ومعلوم أن الزيادة في وصف الذكر إنما هو للزيادة في أمره # وأما حديث أبى ذر ( أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله ~~وبحمده ( فيشبه والله أعلم أن يكون هذا في الكلام الذى لا يسن فيه الجهر ~~كما في الركوع والسجود ونحوه ولا يلزم ان يكون ms7235 أفضل مطلقا بدليل أن قراءة ~~القرآن أفضل من الذكر وقد نهى النبى عنها في الركوع والسجود وقال اني نهيت ~~أن اقرأ القرآن راكعا أو ساجدا أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود ~~فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ( # وهنا أصل ينبغي أن نعرفه وهو أن الشيء إذا كان أفضل من حيث الجملة لم يجب ~~أن يكون أفضل في كل حال ولا لكل أحد بل PageV24P236 المفضول في موضعه الذى ~~شرع فيه أفضل من الفاضل المطلق كما أن التسبيح في الركوع والسجود أفضل من ~~قراءة القرآن ومن التهليل والتكبير والتشهد في آخر الصلاة والدعاء بعده ~~أفضل من قراءة القرآن وهذا كما قال النبى ( يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ~~فإن كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم ~~هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فاقدمهم سنا أو إسلاما ( ثم اتبع ذلك بقوله ~~? < ولا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا باذنه > ? فذكر ~~الأفضل فالأفضل في الإمامة ثم بين أن صاحب المرتبة ذو السلطان مثل الإمام ~~الراتب كأمير الحرب في العهد القديم وكأئمة المساجد ونحوهم مقدمون على ~~غيرهم وإن كان غيرهم أفضل منهم وهذا كما أن الذهب أفضل من الحديد والنورة ~~وقد تكون هذه المعادن مقدمة على الذهب عند الحاجة اليها دونه وهذا ظاهر # وكذلك أيضا أكثر الناس يعجزون عن أفضل الأعمال فلو أمروا بها لفعلوها على ~~وجه لا ينتفعون به أو ينتفعون انتفاعا مرجوحا فيكون في حق أحد هؤلاء العمل ~~الذى يناسبه وينتفع به أفضل له مما ليس كذلك ولهذا يكون الذكر لكثير من ~~الناس أفضل من قراءة القرآن لأن الذكر يورثه الإيمان والقرآن يورثه العلم ~~والعلم بعد الايمان قال الله تعالى @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا @QE@ PageV24P237 العلم درجات والقرآن يحتاج إلى فهم وتدبر وقد يكون ~~عاجزا عن ذلك لكن هؤلاء يغلطون فيعتقد أحدهم أن الذكر أفضل مطلقا وليس كذلك ~~بل قراءة القرآن في نفس الأمر أفضل من الذكر باجماع المسلمين قال النبى ( ~~أفضل ms7236 الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ( رواه مسلم وقال له رجل إنى لا أستطيع أن أحمل من ~~القرآن شيئا فعلمنى ما يجزئنى في صلاتى فقال ( قل سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر ( ولهذا كان العلماء على أن الذكر في الصلاة ~~بدل عن القراءة لا يجوز الانتقال إليه إلا عند العجز عن القراءة بمنزلة ~~التيمم مع الوضوء وبمنزلة صيام الشهرين مع العتق والصيام مع الهدى # وفى الحديث الذي في الترمذى ( ما تقرب العباد إلى الله بإفضل مما خرج منه ~~( يعنى القرآن وفى حديث بن عباس الذى رواه أبو داود والترمذى وصححه عن ~~النبى قال ( ان لله أهلين من الناس قيل من هم يا رسول الله قال أهل القرآن ~~هم أهل الله وخاصته ( وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقدم أهل القرآن في ~~المواطن كما قدمهم يوم أحد في القبور فأذن لهم أن يدفنوا الرجلين والثلاثة ~~في القبر الواحد وقال قدموا إلى القبلة أكثرهم قرآنا PageV24P238 # فقول النبى في حديث أبى ذر لما سئل أي الكلام أفضل ( فقال سبحان الله ~~وبحمده ( هذا خرج على سؤال سائل فربما علم من حال السائل حالا مخصوصة كما ~~أنه لما قال ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله ( إلى ~~آخره أراد بذلك من الذكر لا من القراءة فإن قراءة القرآن أفضل من جنس الذكر ~~من حيث الجملة وإن كان هذا الكلام قد يكون أفضل من القراءة كما أن ~~الشهادتين في وقت الدخول في الاسلام أو تجديده أو عندما يقتضى ذكرهما مثل ~~عقب الوضوء ودبر الصلاة والأذان وغير ذلك أفضل من القراءة وكذلك في موافقة ~~المؤذن فإنه إذا كان يقرأ وسمع المؤذن فإن موافقته في ذكر الأذان أفضل له ~~حينئذ من القراءة حتى يستحب له قطع القراءة لأجل ذلك لان هذا وقت هذه ~~العبادة يفوت بفوتها والقراءة لا تفوت # فنقول الأحوال ثلاثة حال يستحب فيها الإسرار ويكره فيها الجهر ms7237 لأنها حال ~~انخفاض كالركوع والسجود فهنا التسبيح أفضل من التهليل والتكبير وكذلك في ~~بطون الأودية وأما ما السنة فيه الجهر والإعلان كالاشراف والأذان فالسنة ~~فيه التهليل والتكبير وأما ما يشرع فيه الأمران فقد يكون هذا PageV24P239 ### ||| فصل # وإذا عرف أن التحميد قرين التسبيح وان التهليل قرين التكبير ففي تكبير ~~الأعياد جمع بين القرينين فجمع بين التكبير والتهليل وبين التكبير والتحميد ~~لقوله @QB@ ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون @QE@ فإن الهداية ~~اقتضت التكبير عليها فضم إليه قرينه وهو التهليل والنعمة اقتضت الشكر عليها ~~فضم إليه أيضا التحميد وهذا كما ان ركوب الدابة لما اجتمع فيه أنه شرف من ~~الإشراف وانه موضع نعمة كان النبى صلى الله عليه وسلم يجمع عليها بين ~~الأمرين فانه قال سبحانه @QB@ لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون @QE@ فأمر بذكر نعمة الله عليه وذكرها بحمدها وأمر بالتسبيح ~~الذى هو قرين الحمد فكان النبى صلى الله عليه وسلم لما أتى بالدابة فوضع ~~رجله في الغرز قال @QB@ بسم الله @QE@ فلما استوى على ظهرها قال @QB@ الحمد ~~لله @QE@ ثم قال @QB@ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون @QE@ ثم ( حمد ثلاثا وكبر ثلاثا ( ثم قال ( لا إله إلا أنت ~~PageV24P240 سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي ثم ضحك وقال ضحكت من ضحك الرب إذا ~~قال العبد ذلك يقول الله علم عبدي انه لا يغفر الذنوب غيري ( # فذكر بعد ذلك ذكر الأشراف وهو التكبير مع التهليل وختمه بالاستغفار لأنه ~~مقرون بالتوحيد كما قد رتب اقتران الاستغفار بالتوحيد في غير موضع كقوله ~~@QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك @QE@ وقوله @QB@ ألا تعبدوا ~~إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم @QE@ وقوله @QB@ ~~فاستقيموا إليه واستغفروه @QE@ فكان ذكره على الدابة مشتملا على الكلمات ~~الأربع الباقيات الصالحات مع الاستغفار # فهكذا ذكر الأعياد اجتمع فيه التعظيم والنعمة فجمع بين التكبير والحمد ~~فالله أكبر على ما ms7238 هدانا والحمد لله على ما أولانا وقد روى عن بن عمر انه ~~كان يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير فيشبهه بذكر الاشراف في تثليثه وضم التهليل إليه وهذا ~~اختيار الشافعي وأما أحمد وأبو حنيفة وغيرهما فاختاروا فيه ما رووه عن ~~طائفة PageV24P241 من الصحابة ورواه الدارقطنى من حديث جابر مرفوعا إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ? < الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ~~والله أكبر الله أكبر ولله الحمد > ? فيشفعونه مرتين ويقرنون به في إحداهما ~~التهليل وفى الأخرى الحمد تشبيها له بذكر الأذان فإن هذا به أشبه لأنه ~~متعلق بالصلاة ولأنه في الأعياد التى يجتمع فيها اجتماعا عاما كما أن ~~الأذان لاجتماع الناس فشابه الأذان في أنه تكبير اجتماع لا تكبير مكان وانه ~~متعلق بالصلاة لا بالشرف فشرع تكريره كما شرع تكرير تكبير الأذان وهو في كل ~~مرة مشفوع وكل المأثور # حسن ومن الناس من يثلثه أول مرة ويشفعه ثانى مرة وطائفة من الناس تعمل ~~بهذا # وقاعدتنا في هذا الباب أصح القواعد إن جميع صفات العبادات من الأقوال ~~والأفعال إذا كانت مأثورة أثرا يصح التمسك به لم يكره شيء من ذلك بل يشرع ~~ذلك كله كما قلنا في أنواع صلاة الخوف وفى نوعى الأذان الترجيع وتركه ونوعى ~~الاقامة شفعها وإفرادها وكما قلنا في أنواع التشهدات وأنواع الاستفتاحات ~~وأنواع الإستعاذات وأنواع القراءات وأنواع تكبيرات العيد الزوائد وأنواع ~~صلاة الجنازة وسجود السهو والقنوت قبل الركوع وبعده والتحميد باثبات الواو ~~PageV24P242 وحذفها وغير ذلك لكن قد يستحب بعض هذه المأثورات ويفضل على بعض ~~اذا قام دليل يوجب التفضيل ولا يكره الآخر # ومعلوم أنه لا يمكن المكلف ان يجمع في العبادة المتنوعة بين النوعين في ~~الوقت الواحد لا يمكنه أن يأتى بتشهدين معا ولا بقراءتين معا ولا بصلاتى ~~خوف معا وان فعل ذلك مرتين كان ذلك منهيا عنه فالجمع بين هذه الأنواع محرم ~~تارة ومكروه أخرى ولا تنظر إلى ms7239 من قد يستحب الجمع في بعض ذلك مثل ما رأيت ~~بعضهم قد لفق ألفاظ الصلوات على النبى المأثورة عن النبى واستحب فعل ذلك ~~الدعاء الملفق وقال في حديث أبى بكر الصديق المتفق عليه لما قال للنبى صلى ~~الله عليه وسلم علمنى دعاء أدعو به في صلاتى فقال ( قل اللهم اني ظلمت نفسى ~~ظلما كبيرا وفى رواية كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لى مغفرة من ~~عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم ( فقال يستحب ان يقول كثيرا كبيرا ~~وكذلك يقول في أشباه هذا فإن هذا ضعيف فإن هذا أولا ليس سنة بل خلاف ~~المسنون فإن النبى لم يقل ذلك جميعه جميعا وإنما كان يقول هذا تارة وهذا ~~تارة إن كان الأمران ثابتين عنه فالجمع بينهما ليس سنة بل بدعة وإن كان ~~جائزا PageV24P243 # الثانى أن جمع ألفاظ الدعاء والذكر الواحد على وجه التعبد مثل جمع حروف ~~القراء كلهم لا على سبيل الدرس والحفظ لكن على سبيل التلاوة والتدبر مع ~~تنوع المعانى مثل أن يقرأ في الصلاة @QB@ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ~~ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون @QE@ @QB@ بما كانوا يكذبون @QE@ @QB@ ~~ربنا باعد بين أسفارنا @QE@ بعد بين أسفارنا @QB@ وما الله بغافل عما ~~تعملون @QE@ عما يعملون ويضع عنهم إصرهم ( آصارهم ) ( وأرجلكم إلى الكعبين ~~) ( وأرجلكم ) ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) ( حتى يطهرن ) ( ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا أن يخافا ) ( الا أن يخافا ) ( أو لامستم ~~النساء ) ( أو لمستم ) ومعلوم ان هذا بدعة مكروهة قبيحة # الثالث ان الاذكار المشروعة أيضا لو لفق الرجل له تشهدا من التشهدات ~~المأثورة فجمع بين حديث إبن مسعود وو صلواته وبين زاكيات تشهد عمر ومباركات ~~بن عباس بحيث يقول التحيات لله والصلوات والطيبات والمباركات والزاكيات لم ~~يشرع له ذلك ولم يستحب فغيره أولى بعدم الاستحباب PageV24P244 الرابع ان ~~هذا إنما يفعله من ( ذهب ) إلى كثرة الحروف والألفاظ وقد ينقص 2 المعنى أو ~~يتغير بذلك ولو تدبر القول لعلم أن كل واحد من المأثور يحصل المقصود وإن ~~كان ms7240 بعضها يحصله أكمل فإنه إذا قال ظلما كثيرا فمتى كثر فهو كبير في المعنى ~~ومتى كبر فهو كثير في المعنى # وإذا قال ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ( أو قال ( اللهم صل على محمد ~~وأزواجه وذريته ( فأزواجه وذريته من آله بلا شك أو هم آله فإذا جمع بينهما ~~وقال ( على آل محمد وعلى أزواجه وذريته ( لم يكن قد تدبر المشروع فالحاصل ~~أن أحد الذكرين ان وافق الآخر في أصل المعنى كان كالقراءتين اللتين معناهما ~~واحد وان كان المعنى متنوعا كان كالقراءتين المتنوعتى المعنى وعلى ~~التقديرين فالجمع بينهما في وقت واحد لا يشرع # وأما الجمع في صلوات الخوف أو التشهدات أو الاقامة أو نحو ذلك بين نوعين ~~فمنهى عنه باتفاق المسلمين وإذا كانت هذه العبادات القولية أو الفعلية لابد ~~من فعلها على بعض الوجوه كما لابد من قراءة القرآن على بعض القراءات لم يجب ~~أن يكون كل من فعل ذلك على بعض الوجوه إنما يفعله على الوجه الأفضل عنده أو ~~قد لا يكون PageV24P245 فيها أفضل وإنما ذلك بمنزلة الطرق إلى مكة فكل أهل ~~ناحية يحجون من طريقهم وليس اختيارهم لطريقهم لأنها أفضل بحيث يكون حجهم ~~أفضل من حج غيرهم بل لأنه لابد من طريق يسلكونها فسلكوا هذه اما ليسرها ~~عليهم وإما لغير ذلك وإن كان الجميع سواء فينبغى أن يفرق بين اختيار بعض ~~الوجوه المشروعة لفضله في نفسه عند مختاره وبين كون اختيار واحد منها ضرورى ~~والمرجح له عنده سهولته عليه أو غير ذلك # والسلف كان كل منهم يقرأ ويصلي ويدعو ويذكر على وجه مشروع وأخذ ذلك الوجه ~~عنه أصحابه وأهل بقعته وقد تكون تلك الوجوه سواء وقد يكون بعضها أفضل فجاء ~~في الخلف من يريد أن يجعل اختياره لما اختاره لفضله فجاء الآخر فعارضه في ~~ذلك ونشأ من ذلك اهواء مردية مضلة فقد يكون النوعان سواء عند الله ورسوله ~~فترى كل طائفة طريقها أفضل وتحب من يوافقها على ذلك وتعرض عمن يفعل ذلك ~~الآخر فيفضلون ما سوى الله بينه ms7241 ويسوون ما فضل الله بينه وهذا باب من أبواب ~~التفرق والاختلاف الذى دخل على الأمة وقد نهى عنه الكتاب والسنة وقد نهى ~~النبى صلى الله عليه وسلم عن عين هذا الاختلاف في الحديث الصحيح كما قررت ~~مثل ذلك في @QB@ الصراط المستقيم @QE@ حيث قال اقرأوا كما علمتم ~~PageV24P246 # فالواجب ان هذه الأنواع لا يفضل بعضها على بعض الا بدليل شرعي لا يجعل ~~نفس تعيين واحد منها لضرورة أداء العبادة موجبا لرجحانه فإن الله إذا أوجب ~~علي عتق رقبة أو صلاة جماعة كان من ضرورة ذلك أن أعتق رقبة وأصلي جماعة ولا ~~يجب أن تكون أفضل من غيرها بل قد لا تكون أفضل بحال فلابد من نظر في الفضل ~~ثم إذا فرض ان الدليل الشرعى يوجب الرجحان لم يعب على من فعل الجائز ولا ~~ينفر عنه لأجل ذلك ولا يزاد الفضل على مقدار ما فضلته الشريعة فقد يكون ~~الرجحان يسيرا # لكن هنا مسألة تابعة وهو أنه مع التساوي أو الفضل ايما أفضل للانسان ~~المداومة على نوع واحد من ذلك أو أن يفعل هذا تارة وهذا تارة كما كان النبى ~~يفعل فمن الناس من يداوم على نوع من ذلك مختارا له أو معتقدا انه أفضل ويرى ~~أن مداومته على ذلك النوع أفضل وأما أكثرهم فمداومته عادة ومراعاة لعادة ~~أصحابه وأهل طريقته لا لاعتقاد الفضل # والصواب أن يقال التنوع في ذلك متابعة للنبى فان في هذا اتباعا للسنة ~~والجماعة وإحياء لسنته وجمعا بين قلوب الأمة وأخذا بما في كل واحد من ~~الخاصة أفضل من المداومة على نوع معين لم يداوم عليه النبى لوجوه ~~PageV24P247 # أحدها أن هذا هو اتباع السنة والشريعة فإن النبى صلى الله عليه وسلم إذا ~~كان قد فعل هذا تارة وهذا تارة ولم يداوم على احدهما كان موافقته في ذلك هو ~~التأسي والاتباع المشروع وهو أن يفعل ما فعل على الوجه الذى فعل لأنه فعله # الثانى أن ذلك يوجب إجتماع قلوب الأمة وائتلافها وزوال كثرة التفرق ~~والاختلاف والاهواء بينها وهذه مصلحة عظيمة ودفع ms7242 مفسدة عظيمة ندب الكتاب ~~والسنة إلى جلب هذه ودرء هذه قال الله تعالى @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ~~ما جاءهم البينات @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء @QE@ # الثالث أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن ان يشبه بالواجب فان المداومة على ~~المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب ولهذا أكثر هؤلاء المداومين على بعض ~~الأنواع الجائزة أو المستحبة لو انتقل عنه لنفر عنه قلبه وقلب غيره أكثر ~~مما ينفر عن ترك كثير من الواجبات لأجل العادة التى جعلت الجائز كالواجب # الرابع إن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع فان كل نوع لابد له ~~من خاصة وان كان مرجوحا فكيف إذا كان PageV24P248 مساويا وقد قدمنا ان ~~المرجوح يكون راجحا في مواضع # الخامس أن في ذلك وضعا لكثير من الآصار والأغلال التى وضعها الشيطان على ~~الأمة بلا كتاب من الله ولا أثاره من علم فإن مداومة الإنسان على أمر جائز ~~مرجحا له على غيره ترجيحا يحب من يوافقه عليه ولا يحب من لم يوافقه عليه بل ~~ربما ابغضه بحيث ينكر عليه تركه له ويكون ذلك سببا لترك حقوق له وعليه يوجب ~~ان ذلك يصير إصرا عليه لا يمكنه تركه وغلا في عنقه يمنعه أن يفعل بعض ما ~~أمر به وقد يوقعه في بعض ما نهى عنه # وهذا القدر الذى قد ذكرته واقع كثيرا فإن مبدأ المداومة على ذلك يورث ~~اعتقادا ومحبة غير مشروعين ثم يخرج إلى المدح والذم والأمر والنهى بغير حق ~~ثم يخرج ذلك إلى نوع من الموالاة والمعاداة غير المشروعين من جنس اخلاق ~~الجاهلية كأخلاق الأوس والخزرج في الجاهلية وأخلاق # ثم يخرج من ذلك إلى العطاء والمنع فيبذل ماله على ذلك عطية ودفعا وغير ~~ذلك من غير استحقاق شرعى ويمنع من أمر الشارع PageV24P249 باعطائه إيجابا ~~أو إستحبابا ثم يخرج من ذلك إلى الحرب والقتال كما وقع في بعض أرض المشرق ~~ومبدأ ذلك تفضيل مالم ms7243 تفضله الشريعة والمداومة عليه وان لم يعتقد فضله سبب ~~لاتخاذه فاضلا اعتقادا وارادة فتكون المداومة 2 على ذلك إما منهيا عنها ~~وإما مفضولة والتنوع في المشروع بحسب ما تنوع فيه الرسول أفضل وأكمل # السادس ان في المداومة على نوع دون غيره هجران لبعض المشروع وذلك سبب ~~لنسيانه والإعراض عنه حتى يعتقد أنه ليس من الدين بحيث يصير في نفوس كثير ~~من العامة انه ليس من الدين وفى نفوس خاصة هذه العامة عملهم مخالف علمهم ~~فإن علماءهم يعلمون أنه من الدين ثم يتركون بيان ذلك إما خشية من الخلق ~~وإما اشتراء بآيات الله ثمنا قليلا من الرئاسة والمال كما كان عليه أهل ~~الكتاب كما قد رأينا من تعود أن لا يسمع اقامة الا موترة أو مشفوعة فإذا ~~سمع الإقامة الأخرى نفر عنها وانكرها ويصير كأنه سمع أذانا ليس اذان ~~المسلمين وكذلك من اعتاد القنوت قبل الركوع أو بعده # وهجران بعض المشروع سبب لوقوع العداوة والبغضاء بين الأمة قال الله تعالى ~~@QB@ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة @QE@ PageV24P250 فأخبر ~~سبحانه ان نسيانهم حظا مما ذكروا به سبب لإغراء العداوة والبغضاء بينهم ~~فإذا اتبع الرجل جميع المشروع المسنون واستعمل الأنواع المشروعة هذا تارة ~~وهذا تارة كان قد حفظت السنة علما وعملا وزالت المفسدة المخوفة من ترك ذلك # ونكته هذا الوجه انه وان جاز الاقتصار على فعل نوع لكن حفظ النوع الآخر ~~من الدين ليعلم انه جائز مشروع وفى العمل به تارة حفظ للشريعة وترك ذلك قد ~~يكون سببا لإضاعته ونسيانه # السابع ان الله يأمر بالعدل والإحسان والعدل التسوية بين المتماثلين وحرم ~~الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده ومن أعظم العدل العدل في الأمور ~~الدينية فإن العدل في أمر الدنيا من الدماء والأموال كالقصاص والمواريث وإن ~~كان واجبا وتركه ظلم فالعدل في أمر الدين أعظم منه وهو العدل بين شرائع ~~الدين وبين أهله # فإذا كان الشارع قد سوى بين عملين أو ms7244 عاملين كان تفضيل احدهما من الظلم ~~العظيم وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك والتفضيل أو التسوية بالظن وهوى ~~النفوس من جنس دين الكفار فإن جميع أهل الملل والنحل يفضل أحدهم دينه إما ~~ظنا وإما هوى اما اعتقادا واما اقتصادا وهو سبب التمسك به وذم غيره ~~PageV24P251 # فإذا كان رسول الله قد شرع تلك الأنواع إما بقوله وإما بعمله وكثير منها ~~لم يفضل بعضها على بعض 2 كانت التسوية بينها من العدل والتفضيل من الظلم ~~وكثير مما تتنازع الطوائف من الأمة في تفاضل أنواعه لا يكون بينها تفاضل بل ~~هي متساوية وقد يكون ما يختص به أحدهما مقاوما لما يختص به الآخر ثم تجد ~~أحدهم يسأل أيما أفضل هذا أو هذا وهى مسألة فاسدة فان السؤال عن التعيين ~~فرع ثبوت الأصل فمن قال ان بينهما تفاضلا حتى نطلب عين الفاضل # والواجب أن يقال هذان متماثلان أو متفاضلان وإن كانا متفاضلين فهل ~~التفاضل مطلقا أو فيه تفصيل بحيث يكون هذا أفضل في وقت وهذاأفضل في وقت ثم ~~إذا كانت المسألة كما ترى فغالب الأجوبة صادرة عن هوى وظنون كاذبة خاطئة ~~ومن أكبر أسباب ذلك المداومة على ما لم تشرع المداومة عليه والله أعلم ~~PageV24P252 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # هل التهنئة في العيد وما يجرى على ألسنة الناس ( عيدك مبارك ( وما أشبهه ~~هل له أصل في الشريعة أم لا وإذا كان له أصل في الشريعة فما الذي يقال ~~أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد ~~تقبل الله منا ومنكم وأحاله الله عليك ونحو ذلك فهذا قد روى عن طائفة من ~~الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة كأحمد # وغيره لكن قال أحمد أنا لا أبتدىء أحدا فإن ابتدأني أحد أجبته وذلك لأن ~~جواب التحية واجب وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورا بها ولا هو أيضا ~~مما نهى عنه فمن فعله فله قدوة ومن تركه فله قدوة والله أعلم PageV24P253 ### ||| 2 باب صلاة الكسوف ### |||| 2 سئل شيخ الاسلام # عن ms7245 قول أهل التقاويم في أن الرابع عشر من هذا الشهر يخسف القمر وفى ~~التاسع والعشرين تكسف الشمس فهل يصدقون في ذلك وإذا خسفا هل يصلي لهما أم ~~يسبح واذا صلى كيف صفة الصلاة ويذكر لنا أقوال العلماء في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت ~~مقدر وذلك ما أجرى الله عادته بالليل والنهار والشتاء والصيف وسائر ما يتبع ~~جريان الشمس والقمر # وذلك من آيات الله تعالى كما قال تعالى @QB@ وهو الذي خلق الليل والنهار ~~والشمس والقمر كل في فلك يسبحون @QE@ وقال تعالى @QB@ هو الذي جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك ~~إلا بالحق @QE@ وقال تعالى PageV24P254 ( والشمس والقمر بحسبان ) وقال ~~تعالى @QB@ فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير ~~العزيز العليم @QE@ وقال تعالى @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج @QE@ وقال تعالى @QB@ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب ~~الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري ~~لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك ~~يسبحون @QE@ # وكما أن العادة التى أجراها الله تعالى أن الهلال لا يستهل الا ليلة ~~ثلاثين من الشهر أو ليلة احدى وثلاثين وان الشهر لا يكون الا ثلاثين أو ~~تسعة وعشرين فمن ظن أن الشهر يكون أكثر من ذلك أو أقل فهو غالط # فكذلك أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف الا وقت الاستسرار وأن القمر لا ~~يخسف الا وقت الابدار ووقت إبداره هي الليالي البيض التى يستحب صيام أيامها ~~ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فالقمر لا يخسف الا في هذه ~~الليالي PageV24P255 # والهلال يستسر أخر الشهر اما ليلة واما ليلتين كما يستسر ليلة تسع وعشرين ~~وثلاثين والشمس لا تكسف الا ms7246 وقت استسراره وللشمس والقمر ليالي معتادة من ~~عرفها عرف الكسوف والخسوف كما أن من علم كم مضى من الشهر يعلم أن الهلال ~~يطلع في الليلة الفلانية أو التى قبلها # لكن العلم بالعادة في الهلال علم عام يشترك فيه جميع الناس وأما العلم ~~بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما وليس خبر ~~الحاسب بذلك من باب علم الغيب ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التى يكون ~~كذبه فيها أعظم من صدقه فإن ذلك قول بلا علم ثابت وبناء على غير أصل صحيح ~~وفى # سنن أبى داود عن النبى انه قال ( من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة ~~من السحر زاد ما زاد ( وفى صحيح مسلم عن النبى انه قال ( من أتى عرافا ~~فسأله عن شيء فصدقه لم يقبل الله صلاته أربعين يوما ( والكهان أعلم بما ~~يقولونه من المنجمين في الأحكام ومع هذا صح عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه نهى عن اتيانهم ومسألتهم فكيف بالمنجم وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع ~~عن هذا الجواب PageV24P256 وأما ما يعلم بالحساب فهو مثل العلم بأوقات ~~الفصول كأول الربيع والصيف والخريف والشتاء لمحاذاة الشمس أوائل البروج ~~التى يقولون فيها أن الشمس نزلت في برج كذا أى حاذته # ومن قال من الفقهاء ان الشمس تكسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط وقال ما ~~ليس له به علم وما يروى عن الواقدى من ذكره أن إبراهيم بن النبى مات يوم ~~العاشر من الشهر وهو اليوم الذى صلى فيه النبى صلاة الكسوف غلط والواقدى لا ~~يحتج بمسانيده فكيف بما أرسله من غير أن يسنده إلى أحد وهذا فيما لم يعلم ~~أنه خطأ فأما هذا فيعلم أنه خطأ ومن جوز هذا فقد قفا ما ليس له به علم ومن ~~حاج في ذلك فقد حاج في ما ليس له به علم # وأما ما ذكره طائفة من الفقهاء من اجتماع صلاة العيد والكسوف فهذا ذكروه ~~في ضمن كلامهم فيما إذا اجتمع صلاة الكسوف ms7247 وغيرها من الصلوات فقد رأوا ~~اجتماعها مع الوتر والظهر وذكروا صلاة العيد مع عدم استحضارهم هل يمكن ذلك ~~في العادة أو لا يمكن فلا يوجد في تقديرهم ذلك العلم بوجود ذلك في الخارج ~~لكن استفيد من ذلك العلم علم ذلك على تقدير وجوده كما يقدرون مسائل يعلم ~~انها لا تقع لتحرير القواعد وتمرين الأذهان على ضبطها PageV24P257 # وأما تصديق المخبر بذلك وتكذيبه فلا يجوز أن يصدق الا ان يعلم صدقه ولا ~~يكذب إلا ان يعلم كذبه كما قال النبى ( إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ~~ولا تكذبوهم فإما ان يحدثوكم بحق فتكذبوهم وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوهم ~~( # والعلم بوقت الكسوف والخسوف وان كان ممكنا لكن هذا المخبر المعين قد يكون ~~عالما بذلك وقد لا يكون وقد يكون ثقة في خبره وقد لا يكون وخبر المجهول ~~الذي لا يوثق بعلمه وصدقه ولا يعرف كذبه موقوف ولو أخبر مخبر بوقت الصلاة ~~وهو مجهول لم يقبل خبره ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون ~~يخطئون ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعى فإن صلاة الكسوف والخسوف لا ~~تصلى الا إذا شاهدنا ذلك وإذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك أو غلب على ظنه ~~فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك كان هذا ~~حثا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته فان الصلاة عند الكسوف ~~متفق عليها بين المسلمين وقد تواترت بها السنن عن النبى ورواها أهل الصحيح ~~والسنن والمسانيد من وجوه كثيرة واستفاض عنه أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف ~~يوم مات ابنه إبراهيم PageV24P258 # وكأن بعض الناس ظن أن كسوفها كان لأن إبراهيم مات فخطبهم النبى وقال ( ان ~~الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا ~~رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة ( وفى رواية في الصحيح ( ولكنهما آيتان من ~~آيات الله يخوف بهما عباده ( وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أنهما سبب ~~لنزول عذاب بالناس فإن الله إنما يخوف عباده بما يخافونه ms7248 إذا عصوه وعصوا ~~رسله وإنما يخاف الناس مما يضرهم فلولاإمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ~~ما كان ذلك تخويفا قال تعالى @QB@ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما ~~نرسل بالآيات إلا تخويفا @QE@ وأمر النبى بما يزيل الخوف أمر بالصلاة ~~والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق حتى يكشف ما بالناس وصلى بالمسلمين في ~~الكسوف صلاة طويلة # وقد روى في صفة صلاة الكسوف أنواع لكن الذي استفاض عند أهل العلم بسنة ~~رسول الله ورواه البخاري ومسلم من غير وجه وهو الذى استحبه أكثر أهل العلم ~~كمالك والشافعى وأحمد أنه صلى بهم ركعتين في كل ركعة ركوعان يقرأ قراءة ~~طويلة ثم يركع ركوعا طويلا دون القراءة ثم يقوم فيقرأ قراءة طويلة دون ~~القراءة الأولى ثم يركع ركوعا دون الركوع PageV24P259 الأول ثم يسجد سجدتين ~~طويلتين وثبت عنه في الصحيح أنه جهر بالقراءة فيها # والمقصود ان تكون الصلاة وقت الكسوف إلى أن يتجلى فان فرغ من الصلاة قبل ~~التجلي ذكر الله ودعاه إلى أن # يتجلى والكسوف يطول زمانه تارة ويقصر أخرى بحسب ما يكسف منها فقد تكسف ~~كلها وقد يكسف نصفها أو ثلثها فإذا عظم الكسوف طول الصلاة حتى يقرأ بالبقرة ~~ونحوها في أول ركعة وبعد الركوع الثانى يقرأ بدون ذلك # وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبى بما ذكرناه كله مثل ما في الصحيحين ~~عن أبى مسعود الأنصارى قال ( انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن النبى فقال ~~الناس انكسفت الشمس لموت إبراهيم فقال رسول الله ( ان الشمس والقمر آيتان ~~من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ~~ذكر الله وإلى الصلاة ( وفى الصحيح عن أبى موسى أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~( هذه الآيات التى يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف ~~بها عباده فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكره PageV24P260 ودعائه ~~واستغفاره ( وفى الصحيحين من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال ( إن ~~الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ms7249 من الناس فاذا ~~رأيتم شيئا من ذلك فصلوا حتى ينجلي ( وفى رواية عن إبن مسعود ( فإذا رأيتم ~~شيئا منها فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم ( وفى رواية لعائشة ( فصلوا حتى ~~يفرج الله ما بكم ( # وفى الصحيحين عن عائشة ( أن الشمس خسفت على عهد رسول الله فخرج رسول الله ~~إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه فاقترأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعا طويلا ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ~~ربنا ولك الحمد ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم ~~كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول ثم قال سمع الله لمن حمده ~~ربنا ولك الحمد ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ~~ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف ( # وقد جاء إطالته للسجود في حديث صحيح وكذلك الجهر بالقراءة لكن روى في ~~القراءة المخافتة والجهر أصح وأما تطويل السجود فلم PageV24P261 يختلف فيه ~~الحديث لكن في كل حديث زيادة ليست في الآخر والأحاديث الصحيحة كلها متفقة ~~لا تختلف والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن المطر والرعد والزلازل على قول أهل الشرع وعلى قول الفلاسفة ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما المطر فإن الله يخلقه في السماء من ~~السحاب ومن السحاب ينزل كما قال تعالى @QB@ أفرأيتم الماء الذي تشربون ~~أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون @QE@ وقال تعالى @QB@ وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا @QE@ وقال تعالى @QB@ فترى الودق يخرج من خلاله @QE@ أي ~~من خلال السحاب # وقوله في غير موضع من السماء أي من العلو والسماء اسم جنس للعالي قد يختص ~~بما فوق العرش تارة وبالأفلاك تارة وبسقف البيت تارة لما يقترن باللفظ ~~والمادة التى يخلق منها المطر هي الهواء الذى في الجو تارة وبالبخار ~~المتصاعد من الأرض تارة وهذا ما ذكره علماء المسلمين والفلاسفة يوافقون ~~عليه PageV24P262 ### ||| فصل # وأما ( الرعد والبرق ( ففي الحديث المرفوع في الترمذى وغيره أنه سئل عن ~~الرعد قال ( ملك من ms7250 الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها ~~السحاب حيث شاء الله ( وفى مكارم الأخلاق للخرائطي عن علي أنه سئل عن الرعد ~~فقال ( ملك وسئل عن البرق فقال مخاريق بأيدى الملائكة وفى رواية عنه مخاريق ~~من حديد بيده ( وروى في ذلك آثار كذلك # وقد روى عن بعض السلف أقوال لا تخالف ذلك كقول من يقول أنه اصطكاك أجرام ~~السحاب بسبب انضغاط الهواء فيه فإن هذا لا يناقض ذلك فإن الرعد مصدر رعد ~~يرعد رعدا وكذلك الراعد يسمى رعدا كما يسمى العادل عدلا والحركة توجب الصوت ~~والملائكة هي التى تحرك السحاب وتنقله من مكان إلى مكان وكل حركة في العالم ~~العلوي والسفلي فهي عن الملائكة وصوت الإنسان هو عن اصطكاك أجرامه الذى هو ~~شفتاه ولسانه وأسنانه PageV24P263 ولهاته وحلقه وهو مع ذلك يكون مسبحا للرب ~~وآمرا بمعروف وناهيا عن منكر # فالرعد إذا صوت يزجر السحاب وكذلك البرق قد قيل لمعان الماء أو لمعان ~~النار وكونه لمعان النار أو الماء لا ينافى أن يكون اللامع مخراقا بيد ~~الملك فإن النار التى تلمع بيد الملك كالمخراق مثل مزجى المطر والملك يزجى ~~السحاب كما يزجى السائق للمطى # والزلازل من الآيات التى يخوف الله بها عباده كما يخوفهم بالكسوف وغيره ~~من الآيات والحوادث لها أسباب وحكم فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من ~~حكمة ذلك # وأما أسبابه فمن أسبابه انضغاط البخار في جوف الأرض كما ينضغط الريح ~~والماء في المكان الضيق فإذا انضغط طلب مخرجا فيشق ويزلزل ما قرب منه من ~~الأرض # وأما قول بعض الناس إن الثور يحرك رأسه فيحرك الأرض فهذا جهل وإن نقل عن ~~بعض الناس وبطلانه ظاهر فإنه لو كان كذلك لكانت الأرض كلها تزلزل وليس ~~الأمر كذلك والله أعلم PageV24P264 ### | 1 ( كتاب الجنائز ) ### |||| سئل رحمه الله تعالى # عن قوم مسلمين مجاوري النصارى فهل يجوز للمسلم إذا مرض النصرانى أن يعوده ~~وإذا مات أن يتبع جنازته وهل على من فعل ذلك من المسلمين وزر أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ms7251 لا يتبع جنازته وأما عيادته فلا بأس بها ~~فانه قد يكون في ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام فإذا مات كافرا فقد وجبت له ~~النار ولهذا لا يصلى عليه والله أعلم ### |||| وسئل # عن مرارة ما يذبح وغيره مما يحل أكله أو يحرم هل يجوز التداوى بمرارته أم ~~لا PageV24P265 ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كان المذبوح مما يباح أكله جاز التداوي ~~بمرارته وإلا فلا ### |||| وسئل # هل يجوز التداوي بالخمر ### ||||| فأجاب # التداوى بالخمر حرام بنص رسول الله وعلى ذلك جماهير أهل العلم ثبت ~~عنه في الصحيح أنه سئل عن الخمر تصنع للدواء فقال ( إنها داء وليست بدواء ( ~~وفي السنن عنه أنه نهى عن الدواء بالخبيث وقال بن مسعود إن الله لم يجعل ~~شفاءكم فيما حرم عليكم وروى بن حبان في صحيحه عن النبى أنه قال ( إن الله ~~لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها ( وفى السنن أنه سئل عن ضفدع تجعل في ~~دواء فنهى عن قتلها وقال ( إن نقيقها تسبيح ( # وليس هذا مثل أكل المضطر للميتة فإن ذلك يحصل به المقصود قطعا وليس له ~~عنه عوض والأكل منها واجب فمن اضطر إلى الميتة ولم يأكل حتى مات دخل النار ~~وهنا لا يعلم PageV24P266 حصول الشفاء ولا يتعين هذا الدواء بل الله تعالى ~~يعافى العبد بأسباب متعددة والتداوى ليس بواجب عند جمهور العلماء ولا يقاس ~~هذا بهذا والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن المداواة بالخمر وقول من يقول انها جائزة فما معنى قول النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( إنها داء وليست بدواء ( فالذي يقول تجوز للضرورة فما حجته ~~وقالوا إن الحديث الذى قال فيه ( ان الله لم يجعل شفاء امتى فيما حرم عليها ~~( ضعيف والذي يقول بجواز المداواة به فهو خلاف الحديث والذي يقول ذلك ما ~~حجته ### ||||| فأجاب # أما التداوي بالخمر فإنه حرام عند جماهير الأئمة كمالك وأحمد وأبي ~~حنيفة وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعى لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم انه سئل عن الخمر تصنع للدواء فقال ( انها داء ms7252 وليست بدواء ~~( وفى سنن أبي داود عن النبى ( انه نهى عن الدواء الخبيث ( والخمر أم ~~الخبائث وذكر البخارى وغيره عن بن مسعود أنه قال ( ان الله لم يجعل شفاء ~~أمتى فيما حرم عليها ( ورواه أبو حاتم بن حبان PageV24P267 في صحيحه مرفوعا ~~إلى النبى # والذين جوزوا التداوى بالمحرم قاسوا ذلك على اباحة المحرمات كالميتة ~~والدم للمضطر وهذا ضعيف لوجوه # أحدها ان المضطر يحصل مقصوده يقينا بتناول المحرمات فإنه إذا أكلها سدت ~~رمقه وأزالت ضرورته وأما الخبائث بل وغيرها فلا يتيقن حصول الشفاء بها فما ~~أكثر من يتداوى ولا يشفى ولهذا اباحوا دفع الغصة بالخمر لحصول المقصود بها ~~وتعينها له بخلاف شربها للعطش فقد تنازعوا فيه فإنهم قالوا انها لا تروى # الثانى ان المضطر لا طريق له إلى إزالة ضرورته الا الأكل من هذه الأعيان ~~وأما التداوي فلا يتعين تناول هذا الخبيث طريقا لشفائه فإن الأدوية أنواع ~~كثيرة وقد يحصل الشفاء بغير الأدوية كالدعاء والرقية وهو أعظم نوعى الدواء ~~حتى قال بقراط نسبة طبنا إلى طب أرباب الهياكل كنسبة طب العجائز إلى طبنا # وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختيارى بل بما يجعله الله في الجسم من القوى ~~الطبيعية ونحو ذلك PageV24P268 الثالث أن أكل الميتة للمضطر واجب عليه في ~~ظاهر مذهب الأئمة وغيرهم كما قال مسروق من اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى ~~مات دخل النار وأما التداوي فليس بواجب عند جماهير الأئمة وإنما أوجبه ~~طائفة قليلة كما قاله بعض أصحاب الشافعى وأحمد بل قد تنازع العلماء أيما ~~أفضل التداوى أم الصبر للحديث الصحيح حديث بن عباس عن الجارية التى كانت ~~تصرع وسألت النبى ان يدعو لها فقال ( إن أحببت أن تصبرى ولك الجنة وإن ~~احببت دعوت الله أن يشفيك ( فقالت بل أصبر ولكنى اتكشف فادع الله لي ان لا ~~اتكشف فدعا لها أن لا تتكشف ولأن خلقا من الصحابة والتابعين لم يكونوا ~~يتداوون بل فيهم من اختار المرض كأبى بن كعب وأبي ذر ومع هذا فلم ينكر ~~عليهم ترك التداوى # وإذا كان ms7253 أكل الميتة واجبا والتداوى ليس بواجب لم يجز قياس أحدهما على ~~الآخر فإن ما كان واجبا قد يباح فيه ما لا يباح في غير الواجب لكون مصلحة ~~أداء الواجب تغمر مفسدة المحرم والشارع يعتبر المفاسد والمصالح فإذا اجتمعا ~~قدم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة ولهذا أباح في الجهاد الواجب ما ~~لم يبحه في غيره حتى أباح رمي العدو بالمنجنيق وان أفضى ذلك إلى قتل ~~PageV24P269 النساء والصبيان وتعمد ذلك يحرم ونظائر ذلك كثيرة في الشريعة ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل وصف له شحم الخنزير لمرض به هل يجوز له ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # أما التداوى بأكل شحم الخنزير فلا يجوز # وأما التداوى بالتلطخ به ثم يغسله بعد ذلك فهذا ينبنى على جواز مباشرة ~~النجاسة في غير الصلاة وفيه نزاع مشهور والصحيح أنه يجوز للحاجة كما يجوز ~~استنجاء الرجل بيده وإزالة النجاسة بيده وما أبيح للحاجة جاز التداوى به ~~كما يجوز التداوي بلبس الحرير على أصح القولين وما أبيح للضرورة كالمطاعم ~~الخبيثة فلا يجوز التداوى بها كما لا يجوز التداوى بشرب الخمر لا سيما على ~~قول من يقول إنهم كانوا ينتفعون بشحوم الميتة في طلي السفن ودهن الجلود ~~PageV24P270 والاستصباح به وأقرهم النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك وإنما ~~نهاهم عن ثمنه # ولهذا رخص من لم يقل بطهارة جلود الميتة بالدباغ في الانتفاع بها في ~~اليابسات في أصح القولين وفى المائعات التى لا تنجسها ### |||| وسئل # عمن يتداوى بالخمر ولحم الخنزير وغير ذلك من المحرمات هل يباح للضرورة أم ~~لا وهل هذه الآية ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ( في ~~إباحة ما ذكر أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجوز التداوى بذلك بل قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه سئل عن ~~الخمر يتداوى بها فقال ( إنها داء وليست بدواء ( وفى السنن عنه أنه نهى عن ~~الدواء بالخبيث وقال ( ان الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها ( # وليس ذلك بضرورة فإنه لا يتيقن الشفاء بها كما يتيقن الشبع ms7254 باللحم المحرم ~~ولأن الشفاء لا يتعين له طريق بل يحصل بأنواع PageV24P271 من الأدوية وبغير ~~ذلك بخلاف المخمصة فإنها لا تزول إلا بالأكل ### |||| وسئل # عن المريض إذا قالت له الأطباء مالك دواء غير أكل لحم الكلب أو الخنزير ~~فهل يجوز له أكله مع قوله تعالى @QB@ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~@QE@ وقول النبى ( ان الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها ( وإذا وصف له ~~الخمر أو النبيذ هل يجوز شربه مع هذه النصوص أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجوز التداوي بالخمر وغيرها من الخبائث لما رواه وائل بن حجر ان ~~طارق بن سويد الجعفي سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها ~~فقال إنما أصنعها للدواء فقال ( انه ليس بدواء ولكنه داء ( رواه الإمام ~~أحمد ومسلم في صحيحه وعن أبى الدرداء قال قال رسول الله ( ان الله أنزل ~~الدواء وأنزل الداء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام ( رواه ~~أبو داود وعن أبى هريرة قال ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء ~~بالخبيث ( وفى لفظ يعنى السم رواه PageV24P272 أحمد وبن ماجه والترمذى وعن ~~عبد الرحمن بن عثمان قال ( ذكر طبيب عند رسول الله دواء وذكر الضفدع تجعل ~~فيه فنهى رسول الله عن قتل الضفدع ( رواه أحمد وأبو داود والنسائى وقال عبد ~~الله بن مسعود في السكر ( ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ( ذكره ~~البخارى في صحيحه وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه مرفوعا إلى النبى ~~فهذه النصوص وأمثالها صريحة في النهى عن التداوى بالخبائث مصرحة بتحريم ~~التداوى بالخمر إذ هي أم الخبائث وجماع كل إثم # والخمر اسم لكل مسكر كما ثبت بالنصوص عن النبى كما رواه مسلم في صحيحه عن ~~1 بن عمر عن النبى انه قال ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ( وفى رواية ( كل ~~مسكر حرام ( وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعري قال قلت يا رسول الله افتنا ~~في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد ms7255 والمزر وهو ~~من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد وكان رسول الله قد اعطى جوامع الكلم فقال ( ~~كل مسكر حرام ( # وكذلك في الصحيحين عن عائشة قالت سئل رسول الله صلى PageV24P273 الله ~~عليه وسلم عن البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال ( كل شراب ~~اسكر فهو حرام ( ورواه مسلم في صحيحه والنسائى وغيرهما عن جابر أن رجلا من ~~حبشان من اليمن ( سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم ~~من الذرة يقال له المزر فقال أمسكر هو قال نعم فقال ( كل مسكر حرام ان على ~~الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال ( الحديث فهذه الأحاديث ~~المستفيضة صريحة بان كل مسكر حرام وأنه خمر من أي شيء كان ولا يجوز التداوى ~~بشيء من ذلك # وأما قول الأطباء أنه لا يبرأ منهذا المرض إلا بهذا الدواء المعين فهذا ~~قول جاهل لا يقوله من يعلم الطب أصلا فضلا عمن يعرف الله ورسوله فإن الشفاء ~~ليس في سبب معين يوجبه في العادة كما للشبع سبب معين يوجبه في العادة إذ من ~~الناس من يشفيه الله بلا دواء ومنهم من يشفيه الله بالأدوية الجثمانية ~~حلالها وحرامها وقد يستعمل فلا يحصل الشفاء لفوات شرط أو لوجود مانع وهذا ~~بخلاف الأكل فانه سبب للشبع ولهذا أباح الله للمضطر الخبائث أن يأكلها عند ~~الاضطرار إليها في المخمصة فان الجوع يزول بها ولا يزول بغيرها بل يموت أو ~~يمرض من الجوع فلما تعينت طريقا PageV24P274 إلى المقصود أباحها الله بخلاف ~~الأدوية الخبيثة # بل قد قيل من استشفى بالأدوية الخبيثة كان دليلا على مرض في قلبه وذلك في ~~ايمانه فإنه لو كان من أمة محمد المؤمنين لما جعل الله شفاءه فيما حرم عليه ~~ولهذا إذا اضطر إلى الميتة ونحوها وجب عليه الأكل في المشهور من مذاهب ~~الأئمة الأربعة وأما التداوى فلا يجب عند أكثر العلماء بالحلال وتنازعوا هل ~~الأفضل فعله أو تركه على طريق التوكل # ومما يبين ذلك ان الله لما حرم الميتة والدم ولحم ms7256 الخنزير وغيرها لم يبح ~~ذلك الا لمن اضطر اليها غير باغ ولا عاد وفى آية أخرى @QB@ فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم @QE@ ومعلوم أن المتداوى غير ~~مضطر إليها فعلم أنها لم تحل له # وأما ما أبيح للحاجة لا لمجرد الضرورة كلباس الحرير فقد ثبت في الصحيح ( ~~أن النبى رخص للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما ( ~~وهذا جائز على أصح قولي العلماء لأن لبس الحرير إنما حرم عند الإستغناء عنه ~~ولهذا أبيح للنساء لحاجتهن إلى التزين به وأبيح لهن التستر به مطلقا ~~فالحاجة إلى التداوى به كذلك بل أولى وهذه حرمت لما فيها من PageV24P275 ~~السرف والخيلاء والفخر وذلك منتف إذا احتيج إليه وكذلك لبسها للبرد أو إذا ~~لم يكن عنده ما يستتر به غيرها ### |||| وسئل رحمه الله # هل الشرع المطهر ينكر ما تفعله الشياطين الجانة من مسها وتخبيطها وجولان ~~بوارقها على بني آدم واعتراضها فهل لذلك معالجة بالمخرقات والأحراز ~~والعزائم والأقسام والرقى والتعوذات والتمائم وأن بعض الناس قال لا يحكم ~~عليهم لأن الجن يرجعون إلى الحقائق عند عامرة الأجساد بالبوار وان هذه ~~الخواتم المتخذة مع كل انسان من سريانى وعبرانى وعجمى وعربى ليس لها برهان ~~وانها من مختلق الأقاويل وخرافات الأباطيل وانه ليس لأحد من بنى آدم من ~~القوة ولا من القبض بحيث يفعل ما ذكرنا من متولى هذا الشأن على ممر الدهور ~~والأوقات ### ||||| فأجاب # الحمد لله وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة ~~وأئمتها وكذلك دخول الجنى في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة ~~والجماعة قال الله تعالى @QB@ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم ~~الذي يتخبطه الشيطان من المس @QE@ وفى PageV24P276 الصحيح عن النبى ( أن ~~الشيطان يجرى من بن آدم مجرى الدم ( وقال عبد الله بن الامام أحمد بن حنبل ~~قلت لأبي إن أقواما يقولون إن الجني لا يدخل في بدن المصروع فقال يا بنى ~~يكذبون هذا يتكلم على لسانه # وهذا الذى قاله أمر مشهور ms7257 فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه ~~ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما والمصروع مع ~~هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذى يقوله وقد يجر المصروع وغير المصروع ~~ويجر البساط الذى يجلس عليه ويحول آلات وينقل من مكان إلى مكان ويجري غير ~~ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علما ضروريا بأن الناطق على لسان الانسى ~~والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان # وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره ومن أنكر ~~ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع وليس في الأدلة الشرعية ما ~~ينفى ذلك # وأما معالجة المصروع بالرقى والتعوذات فهذا على PageV24P277 # وجهين فإن كانت الرقى والتعاويذ مما يعرف معناها ومما يجوز في دين ~~الاسلام أن يتكلم بها الرجل داعيا لله ذاكرا له ومخاطبا لخلقه ونحو ذلك ~~فإنه يجوز أن يرقى بها المصروع ويعوذ فانه قد ثبت في الصحيح عن النبى ( أنه ~~أذن في الرقى ما لم تكن شركا ( وقال ( من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل ~~( # وان كان في ذلك كلمات محرمة مثل أن يكون فيها شرك أو كانت مجهولة المعنى ~~يحتمل أن يكون فيها كفر فليس لأحد أن يرقى بها ولا يعزم ولا يقسم وان كان ~~الجنى قد ينصرف عن المصروع بها فإنما حرمه الله ورسوله ضرره أكثر من نفعه ~~كالسيما وغيرها من أنواع السحر فإن الساحر السيماوى وان كان ينال بذلك بعض ~~أغراضه كما ينال السارق بالسرقة بعض أغراضه وكما ينال الكاذب بكذبه ~~وبالخيانة بعض أغراضه وكما ينال المشرك بشركه وكفره بعض أغراضه وهؤلاء وان ~~نالوا بعض أغراضهم بهذه المحرمات فإنها تعقبهم من الضرر عليهم في الدنيا ~~والآخرة أعظم مما حصلوه من أغراضهم فإن الله بعث الرسل بتحصيل المصالح ~~وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فكل ما أمر الله به ورسوله فمصلحته راجحة ~~على مفسدته ومنفعته راجحة على المضرة وان كرهته النفوس كما قال تعالى @QB@ ~~كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن ms7258 تكرهوا شيئا وهو خير لكم @QE@ ~~PageV24P278 الآية فأمر بالجهاد وهو مكروه للنفوس لكن مصلحته ومنفعته راجحة ~~على ما يحصل للنفوس من ألمه بمنزلة من يشرب الدواء الكريه لتحصل له العافية ~~فإن مصلحة حصول العافية له راجحة على ألم شرب الدواء وكذلك التاجر الذى ~~يتغرب عن وطنه ويسهر ويخاف ويتحمل هذه المكروهات مصلحة الربح الذى يحصل له ~~راجحة على هذه المكاره وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( حفت الجنة بالمكاره ~~وحفت النار بالشهوات # وقد قال تعالى في حق الساحر # ولا يفلح الساحر حيث أتى وقال تعالى # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر إلى قوله ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) فبين سبحانه أن هؤلاء يعلمون أن الساحر ~~ماله في الآخرة من نصيب وإنما يطلبون بذلك بعض أغراضهم في الدنيا ( ولو ~~أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ) آمنوا واتقوا ~~بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه لكان ما يأتيهم به على ذلك في ~~الدنيا والآخرة خير لهم مما يحصل لهم بالسحر قال الله تعالى @QB@ إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ وقال @QB@ من ~~عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة @QE@ وقال @QB@ ~~والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة @QE@ ~~PageV24P279 الآيتين وقال @QB@ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا @QE@ # والأحاديث فيما يثيب الله عبده المؤمن على الأعمال الصالحة في الدنيا ~~والآخرة كثيرة جدا وليس للعبد أن يدفع كل ضرر بما شاء ولا يجلب كل نفع بما ~~شاء بل لا يجلب النفع إلا بما فيه تقوى الله ولا يدفع الضرر إلا بما فيه ~~تقوى الله فإن كان ما يفعله من العزائم والأقسام والدعاء والخلوة والسهر ~~ونحو ذلك مما أباحه الله ورسوله فلا بأس به وان كان مما نهى الله عنه ~~ورسوله لم يفعله # فمن كذب بما ms7259 هو موجود من الجن والشياطين والسحر وما يأتون به على اختلاف ~~أنواعه كدعاء الكواكب وتخريج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة ~~الأرضية وما ينزل من الشياطين على كل أفاك أثيم فالشياطين التى تنزل عليهم ~~ويسمونها روحانية الكواكب وأنكروا دخول الجن في أبدان الإنس وحضورها بما ~~يستحضرون به من العزائم والأقسام وأمثال ذلك كما هو موجود فقد كذب بما لم ~~يحط به علما # ومن جوز أن يفعل الانسان بما رآه مؤثرا من هذه الأمور من غير أن يزن ذلك ~~بشريعة الإسلام فيفعل ما أباحه الله ويترك PageV24P280 ماحرم الله وقد دخل ~~فيما حرمه الله ورسوله إما من الكفر وإما من الفسوق وإما العصيان بل على كل ~~أحد أن يفعل ما أمر الله به ورسوله ويترك ما نهى الله عنه ورسوله # ومما شرعه النبى من التعوذ فانه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال ( من قرأ ~~آية الكرسى إذا أوى إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ ولم يقربه شيطان ~~حتى يصبح ( وفى السنن أنه كان يعلم أصحابه أن يقول أحدهم ( أعوذ بكلمات ~~الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ( ~~ولما جاءته الشياطين بلهب من نار أمر بهذا التعوذ ( أعوذ بكلمات الله ~~التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ ومن شر ما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن فتن الليل ~~والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ( # فقد جمع العلماء من الأذكار والدعوات التى يقولها العبد إذا أصبح وإذا ~~أمسى وإذا نام وإذا خاف شيئا وأمثال ذلك من الأسباب ما فيه بلاغ فمن سلك ~~مثل هذه السبيل فقد سلك سبيل أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~ومن دخل في سبيل أهل الجبت والطاغوت الداخلة في الشرك والسحر فقد خسر ~~الدنيا والآخرة وبذلك ذم PageV24P281 الله من ذمه من مبدلة أهل الكتاب حيث ~~قال @QB@ ولما جاءهم رسول من ms7260 عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على @QE@ إلى قوله @QB@ ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ~~@QE@ والله سبحانه وتعالى أعلم وقال أيضا رحمه الله في موضع آخر ### ||| فصل # وأما كونه لم يتبين له كيفية الجن ومقالتهم بعدم علمه لم ينكر وجودهم إذ ~~وجودهم ثابت بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب والسنة فإن من الناس من رآهم ~~وفيهم من رأى من رآهم وثبت ذلك عنده بالخبر واليقين ومن الناس من كلمهم ~~وكلموه ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم وهذا يكون لصالحين وغير ~~صالحين # ولو ذكرت ما جرى لي ولأصحابى معهم لطال الخطاب وكذلك PageV24P282 ما جرى ~~لغيرنا لكن الاعتماد في الأجوبة العلمية على ما يشترك الناس في علمه لا ~~يكون لما يختص بعلمه المجيب إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه فيما يخبر به ### |||| وسئل # عمن يقول يا أزران يا كيان هل صح أن هذه أسماء وردت بها السنة لم يحرم ~~قولها ### ||||| فأجاب # الحمد لله لم ينقل هذه عن الصحابة أحد لا بإسناد صحيح ولا بإسناد ~~ضعيف ولا سلف الأمة ولا أئمتها وهذه الألفاظ لا معنى لها في كلام العرب فكل ~~اسم مجهول ليس لأحد أن يرقى به فضلا عن أن يدعو به ولو عرف معناها وأنه ~~صحيح لكره أن يدعو الله بغير الأسماء العربية ### |||| وسئل # عمن أصيب بمرض فإذا اشتد عليه الوجع استغاث بالله تعالى ويبكى فهل تكون ~~استغاثته مما ينافى الصبر المأمور به أو هو PageV24P283 تضرع والتجاء ### ||||| فأجاب # دعاء الله واستغاثته به واشتكاؤه إليه لا ينافى الصبر المأمور به ~~وإنما ينافيه في ذلك الاشتكاء إلى المخلوق ولقد قال يعقوب عليه السلام ( ~~فصبر جميل ) وقال ( إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله ) # وقد روى عن طاووس أنه كره أنين المريض وقال إنه شكوى وقرئ ذلك على أحمد ~~بن حنبل في مرض موته فما أن حتى مات ويروى عن السرى السقطى أنه جعل قول ~~المريض آه من ms7261 ذكر الله وهذا إذا كان بينه وبين الله وهذا كما يروى عن عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه أنه قرأ في صلاة الفجر ( إنما أشكو بثى وحزنى إلى ~~الله ) ثم بكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف فالأنين والبكاء من خشية الله ~~والتضرع والشكاية إلى الله عز وجل حسن وأما المكروه فيكره والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل مبتلى سكن في دار بين قوم أصحاء فقال بعضهم لا يمكننا مجاورتك ولا ~~ينبغي أن تجاور الأصحاء فهل يجوز إخراجه PageV24P284 ### ||||| فأجاب # نعم لهم أن يمنعوه من السكن بين الأصحاء فإن النبى قال ( لا يورد ~~ممرض على مصح ( فنهى صاحب الإبل المراض أن يوردها على صاحب الإبل الصحاح مع ~~قوله ( لا عدوى ولا طيرة ( وكذلك روى أنه لما قدم مجذوم ليبايعه أرسل إليه ~~بالبيعة ولم يأذن له في دخول المدينة ### |||| وسئل رحمه الله # عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلي هل لأحد فيها أجر أم لا وهل عليه ~~إثم إذا تركها مع علمه أنه كان لا يصلي وكذلك الذى يشرب الخمر وما كان يصلي ~~هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن يصلي عليه أم لا ### ||||| فأجاب # أما من كان مظهرا للاسلام فإنه تجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة من ~~المناكحة والموارثة وتغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ونحو ذلك ~~لكن من علم منه النفاق والزندقة فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه ~~وإن كان مظهرا للإسلام فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين فقال ( ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~PageV24P285 @QB@ وماتوا وهم فاسقون @QE@ وقال @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم ~~أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم @QE@ # وأما من كان مظهرا للفسق مع ما فيه من الايمان كأهل الكبائر فهؤلاء لابد ~~أن يصلى عليهم بعض المسلمين ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرا لأمثاله عن ~~مثل ما فعله كما امتنع النبى عن الصلاة على قاتل نفسه وعلى الغال وعلى ~~المدين الذى لا ms7262 وفاء له وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل ~~البدع كان عمله بهذه السنة حسنا وقد قال لجندب بن عبد الله البجلى ابنه إني ~~لم أنم البارحة بشما فقال أما انك لو مت لم أصل عليك كانه يقول قتلت نفسك ~~بكثرة الأكل وهذا من جنس هجر المظهرين للكبائر حتى يتوبوا فإذا كان في ذلك ~~مثل هذه المصلحة الراجحة كان ذلك حسنا ومن صلى على أحدهم يرجو له رحمة الله ~~ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان ذلك حسنا ولو امتنع في الظاهر ودعا له ~~في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت أحداهما # وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل ~~يشرع ذلك ويؤمر به كما قال تعالى @QB@ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ~~@QE@ وكل من أظهر الكبائر فإنه تسوغ عقوبته بالهجر PageV24P286 وغيره حتى ~~ممن في هجره مصلحة له راجحة فتحصل المصالح الشرعية في ذلك بحسب الامكان ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل يصلي وقتا ويترك الصلاة كثيرا أو لا يصلي هل يصلي عليه ### ||||| فأجاب # مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه بل المنافقون الذين يكتمون ~~النفاق يصلي المسلمون عليهم ويغسلون وتجرى عليهم أحكام الإسلام كما كان ~~المنافقون على عهد رسول الله # وإن كان من علم نفاق شخص لم يجز له أن يصلي عليه كما نهى النبى عن الصلاة ~~على من علم نفاقه # وأما من شك في حاله فتجوز الصلاة عليه إذا كان ظاهر الإسلام كما صلى ~~النبى على من لم ينه عنه وكان فيهم من لم يعلم نفاقه كما قال تعالى @QB@ ~~وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ~~نحن نعلمهم @QE@ ومثل هؤلاء لا يجوز النهي PageV24P287 عنه ولكن صلاة النبى ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على المنافق لا تنفعه كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم لما ألبس بن أبى قميصه ( وما يغنى عنه قميصي من الله ( وقال ~~تعالى @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم ms7263 تستغفر لهم لن يغفر الله لهم @QE@ ~~وتارك الصلاة أحيانا وأمثاله من المتظاهرين بالفسق فأهل العلم والدين إذا ~~كان في هجر هذا وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين بحيث يكون ذلك باعثا لهم ~~على المحافظة على الصلاة عليه ( هجروه ولم يصلوا عليه ( كما ترك النبى ~~الصلاة على قاتل نفسه والغال والمدين الذى لا وفاء له وهذا شر منهم وقال ~~شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # قد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه إمتنع عن الصلاة على من عليه دين ~~حتى يخلف وفاء قبل أن يتمكن من وفاءالدين عنه فلما تمكن صار هو يوفيه من ~~عنده فصار المدين يخلف وفاء PageV24P288 # هذا مع قوله فيما رواه أبو موسى عنه ( إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه ~~عبد بها بعد الكبائر التى نهى عنها أن يموت الرجل وعليه دين لا يدع قضاء ( ~~رواه أحمد فثبت بهذا أن ترك الدين بعد الكبائر فإذا كان قد ترك الصلاة على ~~المدين الذى لا قضاء له فعلى فاعل الكبائر أولى ويدخل في ذلك قاتل نفسه ~~والغال لما لم يصل عليهما ويستدل بذلك على أنه يجوز لذوى الفضل ترك الصلاة ~~على ذوى الكبائر الظاهرة والدعاة إلى البدع وإن كانت الصلاة عليهم جائزة في ~~الجملة # فأما قوله ( الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين ( فأراد به أن صاحبه يوفاه ### |||| وسئل # عن رجل له مملوك هرب ثم رجع فلما رجع أخذ سكينته وقتل نفسه فهل يأثم سيده ~~وهل تجوز عليه الصلاة ### ||||| فأجاب # الحمد لله لم يكن له أن يقتل نفسه وإن كان سيده قد ظلمه واعتدى ~~عليه بل كان عليه إذا لم يمكنه رفع الظلم عن نفسه PageV24P289 أن يصبر إلى ~~أن يفرج الله # فإن كان سيده ظلمه حتى فعل ذلك مثل أن يقتر عليه في النفقة أو يعتدى عليه ~~في الاستعمال أو يضربه بغير حق أو يريد به فاحشة ونحو ذلك فإن على سيده من ~~الوزر بقدر ما نسب إليه من المعصية # ولم يصل النبى على من قتل نفسه فقال لأصحابه ms7264 ( صلوا عليه ( فيجوز لعموم ~~الناس أن يصلوا عليه وأما أئمة الدين الذين يقتدى بهم فإذا تركوا الصلاة ~~عليه زجرا لغيره اقتداء بالنبى فهذا حق والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل يدعى المشيخة فرأى ثعبانا فقام بعض من حضر ليقتله فمنعه عنه ~~وأمسكه بيده على معنى الكرامة له فلدغه الثعبان فمات فهل تجوز الصلاة عليه ~~أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ينبغى لأهل العلم والدين أن يتركوا الصلاة ~~على هذا ونحوه وإن كان يصلي عليه عموم الناس كما امتنع النبى من الصلاة على ~~قاتل نفسه وعلى PageV24P290 الغال من الغنيمة وقال ( صلوا على صاحبكم ( ~~وقالوا لسمرة بن جندب إن إبنك البارحة لم يبت فقال بشما قالوا نعم قال أما ~~إنه لو مات لم أصل عليه فبين سمرة أنه لو مات بشما لم يصل عليه لأنه يكون ~~قاتلا لنفسه بكثرة الأكل # فهذا الذى منع من قتل الحية وأمسكها بيده حتى قتلته أولى أن يترك أهل ~~العلم والدين الصلاة عليه لأنه قاتل نفسه بل لو فعل هذا غيره به لوجب القود ~~عليه # وإن قيل إنه ظن أنها لا تقتل فهذا شبيه عمله بمنزلة الذى أكل حتى بشم ~~فإنه لم يقصد قتل نفسه فمن جنى جناية لا تقتل غالبا كان شبه عمد وإمساك ~~الحيات من نوع الجنايات فإنه فعل غير مباح وهذا لم يقصد بهذا الفعل إلا ~~إظهار خارق العادة ولم يكن معه ما يمنع انخراق العادة # كيف وغالب هؤلاء كذابون ملبسون خارجون عن أمر الله تعالى ونهيه يخرجون ~~الناس عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان ويفسدون عقل الناس ودينهم ودنياهم ~~فيجعلون العاقل مولها كالمجنون أو متولها بمنزلة الشيطان المفتون ويخرجون ~~الإنسان عن الشريعة التى بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم إلى بدع ~~مضادة لها فيفتلون الشعور PageV24P291 ويكشفون الرؤوس بدلا عن سنة رسول ~~الله من ترجيل الشعر وتغطية الرأس ويجتمعون على المكاء والتصدية بدلا عن ~~سنة الله ورسوله من الإجتماع على الصلوات الخمس وغيرها من العبادات ويصلون ~~صلاة ناقصة الأركان والواجبات ms7265 ويجتمعون على بدعهم المنكرة على أتم الحالات ~~ويصنعون اللاذن وماء الورد والزعفران لإمساك الحيات ودخول النار بأنواع من ~~الحيل الطبيعية والأحوال الشيطانية بدلا عما جعله الله لأوليائه المتقين من ~~الطرق الشرعية والأحوال الرحمانية ويفسدون من يفسدونه من النساء والصبيان ~~بدلا عما أمر الله به من العفة وغض البصر وحفظ الفرج وكف اللسان # ومن كان مبتدعا ظاهر البدعة وجب الإنكار عليه ومن الانكار المشروع أن ~~يهجر حتى يتوب ومن الهجر امتناع أهل الدين من الصلاة عليه لينزجر من يتشبه ~~بطريقته ويدعو إليه وقد أمر بمثل هذا مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهما من ~~الأئمة والله أعلم PageV24P292 ### |||| وسئل # عن رجل ركب البحر للتجارة فغرق فهل مات شهيدا ### ||||| فأجاب # نعم مات شهيدا إذا لم يكن عاصيا بركوبه فإنه قد صح عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( الغريق شهيد والمبطون شهيد والحريق شهيد والميت ~~بالطاعون شهيد والمرأة تموت في نفاسها شهيدة وصاحب الهدم شهيد ( وجاء ذكر ~~غير هؤلاء # وركوب البحر للتجارة جائز إذا غلب على الظن السلامة وأما بدون ذلك فليس ~~له أن يركبه للتجارة فإن فعل فقد أعان على قتل نفسه ومثل هذا لا يقال إنه ~~شهيد والله أعلم ### |||| وسئل # عن رفع الصوت في الجنازة ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة لا بقراءة PageV24P293 ~~ولا ذكر ولا غير ذلك هذا مذهب الأئمة الأربعة وهو المأثور عن السلف من ~~الصحابة والتابعين ولا أعلم فيه مخالفا بل قد روى عن النبى ( أنه نهى أن ~~يتبع بصوت أو نار ( رواه أبو داود وسمع عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ~~رجلا يقول في جنازة استغفروا لأخيكم فقال إبن عمر لاغفر الله بعد وقال قيس ~~بن عباد وهو من أكابر التابعين من أصحاب على بن أبي طالب رضى الله عنه ~~كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز وعند الذكر وعند القتال # وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم يكن على عهد القرون ~~الثلاثة المفضلة # وأما قول السائل ان هذا قد صار ms7266 إجماعا من الناس فليس كذلك بل ما زال في ~~المسلمين من يكره ذلك وما زالت جنائز كثيرة تخرج بغير هذا في عدة أمصار من ~~أمصار المسلمين # وأما كون أهل بلد أو بلدين أو عشر تعودوا ذلك فليس هذا بإجماع بل أهل ~~مدينة النبى التى نزل فيها القرآن والسنة وهي دار الهجرة والنصرة والإيمان ~~والعلم لم يكونوا يفعلون ذلك بل لو اتفقوا في مثل زمن مالك وشيوخه على شيء ~~ولم ينقلوه عن PageV24P294 النبى صلى الله عليه وسلم أو خلفائه لم يكن ~~إجماعهم حجة عند جمهور المسلمين وبعد زمن مالك وأصحابه ليس اجماعهم حجة ~~باتفاق المسلمين فكيف بغيرهم من أهل الأمصار # وأما قول القائل ان هذا يشبه بجنائز اليهود والنصارى فليس كذلك بل أهل ~~الكتاب عادتهم رفع الأصوات مع الجنائز وقد شرط عليهم في شروط أهل الذمة أن ~~لا يفعلوا ذلك ثم إنما نهينا عن التشبه بهم فيما ليس هو من طريق سلفنا ~~الأول وأما إذا اتبعنا طريق سلفنا الأول كنا مصيبين وان شاركنا في بعض ذلك ~~من شاركنا كما أنهم يشاركوننا في الدفن في الأرض وفى غير ذلك ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة نصرانية بعلها مسلم توفيت وفى بطنها جنين له سبعة أشهر فهل تدفن ~~مع المسلمين أو مع النصارى ### ||||| فأجاب # لا تدفن في مقابر المسلمين ولا مقابر النصارى لأنه اجتمع مسلم ~~وكافر فلا يدفن الكافر مع المسلمين ولا المسلم مع الكافرين بل تدفن منفردة ~~ويجعل ظهرها إلى القبلة لأن PageV24P295 وجه الطفل إلى ظهرها فإذا دفنت ~~كذلك كان وجه الصبى المسلم مستقبل القبلة والطفل يكون مسلما بإسلام أبيه ~~وان كانت أمه كافرة باتفاق العلماء ### |||| وسئل رحمه الله # مفتى الأنام بقية السلف الكرام تقى الدين بقية المجتهدين أثابه الله ~~وأحسن إليه # عن تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه هل صح فيه حديث عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أو عن صحابته وهل إذا لم يكن فيه شيء يجوز فعله أم لا ### ||||| فأجاب # هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من ms7267 الصحابة أنهم أمروا به ~~كأبى أمامة الباهلى وغيره وروى فيه حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم لكنه ~~مما لا يحكم بصحته ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك فلهذا قال الإمام أحمد ~~وغيره من العلماء أن هذا التلقين لا بأس به فرخصوا فيه ولم يأمروا به ~~واستحبه طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد وكرهه طائفة من العلماء من أصحاب ~~مالك وغيرهم PageV24P296 # والذى في السنن عن النبى أنه كان يقوم على قبر الرجل من أصحابه إذا دفن ~~ويقول ( سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ( وقد ثبت في الصحيحين ان النبى ~~قال ( لقنوا أمواتكم لا إله إلا الله ( فتلقين المحتضر سنة مأمور بها # وقد ثبت ان المقبور يسأل ويمتحن وأنه يؤمر بالدعاء له فلهذا قيل ان ~~التلقين ينفعه فان الميت يسمع النداء كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( انه ليسمع قرع نعالهم ( وأنه قال ( ما أنتم بأسمع لما ~~أقول منهم ( وأنه أمرنا بالسلام على الموتى فقال ( ما من رجل يمر بقبر ~~الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه الا رد الله روحه حتى يرد عليه ~~السلام ( والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # هل يجب تلقين الميت بعد دفنه أم لا وهل القراءة تصل إلى الميت ### ||||| فأجاب # تلقينه بعد موته ليس واجبا بالإجماع ولا كان من PageV24P297 عمل ~~المسلمين المشهور بينهم على عهد النبى وخلفائه بل ذلك مأثور عن طائفة من ~~الصحابة كأبى أمامة وواثلة بن الأسقع # فمن الأئمة من رخص فيه كالإمام أحمد وقد استحبه طائفة من أصحابه وأصحاب ~~الشافعى ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنه بدعة فالأقوال فيه ثلاثة ~~الاستحباب والكراهة والإباحة وهذا أعدل الأقوال # فامأ المستحب الذى أمر به وحض عليه النبى فهو الدعاء للميت # وأما القراءة على القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين ~~ولم يكن يكرهها في الأخرى وإنما رخص فيها لأنه بلغه أن بن عمر أوصى أن يقرأ ~~عند قبره بفواتح البقرة وخواتيمها وروى عن بعض الصحابة قراءة سورة البقرة ~~فالقراءة ms7268 عند الدفن مأثورة في الجملة وأما بعد ذلك فلم ينقل فيه أثر والله ~~أعلم PageV24P298 ### |||| وسئل # هل يشرع تلقين الميت الكبير والصغير أو لا ### ||||| فأجاب # أما تلقين الميت فقد ذكره طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعى ~~واستحسنوه أيضا ذكره المتولى والرافعى وغيرهما وأما الشافعى نفسه فلم ينقل ~~عنه فيه شيء # ومن الصحابة من كان يفعله كأبى أمامة الباهلى وواثلة بن الإسقع وغيرهما ~~من الصحابة # ومن أصحاب أحمد من استحبه والتحقيق أنه جائز وليس بسنة راتبة والله أعلم ### |||| وسئل # عن الختمة التى تعمل على الميت والمقرئين بالأجرة هل قراءتهم تصل إلى ~~الميت وطعام الختمة يصل إلى الميت أم لا وإن كان PageV24P299 ولد الميت ~~يداين لأجل الصدقة إلى الميسور تصل إلى الميت ### ||||| فأجاب # استئجار الناس ليقرأوا ويهدوه إلى الميت ليس بمشروع ولا استحبه أحد ~~من العلماء فإن القرآن الذى يصل ما قرئ لله فإذا كان قد استؤجر للقراءة لله ~~والمستأجر لم يتصدق عن الميت بل استأجر من يقرأ عبادة لله عز وجل لم يصل ~~إليه # لكن إذا تصدق عن الميت على من يقرأ القرآن أو غيرهم ينفعه ذلك باتفاق ~~المسلمين وكذلك من قرأ القرآن محتسبا وأهداه إلى الميت نفعه ذلك والله أعلم ### |||| وسئل # عن جعل المصحف عند القبر ووقيد قنديل في موضع يكون من غير أن يقرأ فيه ~~مكروه أم لا ### ||||| فأجاب # أما جعل المصحف عند القبور وايقاد القناديل هناك فهذا مكروه منهى ~~عنه ولو كان قد جعل للقراءة فيه هنالك فكيف إذا لم يقرأ فيه فإن النبى قال ~~( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( فإيقاد السرج ~~من قنديل PageV24P300 وغيره على القبور منهى عنه مطلقا لأنه أحد الفعلين ~~اللذين لعن رسول الله من يفعلهما # كما قال ( لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عوراتهما يتحدثان فإن ~~الله يمقت على ذلك ( رواه أبو داود وغيره ومعلوم انه ينهى عن كشف العورة ~~وحده وعن التحدث وحده وكذلك قوله تعالى @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ms7269 بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا @QE@ فتوعد على مجموع ~~أفعال وكل فعل منها محرم وذلك لأن ترتيب الذم على المجموع يقتضى أن كل واحد ~~له تأثير في الذم ولو كان بعضها مباحا لم يكن له تأثير في الذم والحرام لا ~~يتوكد بانضمام المباح المخصص إليه # والأئمة قد تنازعوا في القراءة عند القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد ~~في أكثر الروايات ورخص فيها في الرواية الأخرى عنه هو وطائفة من أصحاب أبى ~~حنيفة وغيرهم # وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك PageV24P301 ~~وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف بل هي تدخل في معنى ( اتخاذ ~~المساجد على القبور ( وقد استفاضت السنن عن النبى ( في النهى ( عن ذلك حتى ~~قال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما ~~صنعوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وقال ( إن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فانى ~~أنهاكم عن ذلك ( ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور ~~مساجد # ومعلوم أن المساجد بنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن فإذا اتخذ القبر ~~لبعض ذلك كان داخلا في النهى فاذا كان هذا مع كونهم يقرؤون فيها فكيف إذا ~~جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها ولا ينتفع بها لا حي ولا ميت فان هذا لا ~~نزاع في النهى عنه # ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف فإنهم كانوا أعلم بما يحبه ~~الله ويرضاه واسرع إلى فعل ذلك وتحريه PageV24P302 ### |||| وسئل # عن الميت هل يجوز نقله أم لا وأرواح الموتى هل تجتمع بعضها ببعض أم لا ~~وروح الميت هل تنزل في القبر أم لا ويعرف الميت من يزوره أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا ينبش الميت من قبره الا لحاجة مثل ان يكون المدفن ~~الأول فيه ما يؤذى الميت فينقل إلى غيره كما نقل بعض الصحابة في مثل ذلك # وأرواح الأحياء إذا ms7270 قبضت تجتمع بأرواح الموتى ويسأل الموتى القادم عليهم ~~عن حال الإحياء فيقولون ما فعل فلان فيقولون فلان تزوج فلان على حال حسنة ~~ويقولون ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم فيقولون لا ذهب به إلى أمه الهاوية # وأما أرواح الموتى فتجتمع الأعلى ينزل إلى الأدنى والأدنى لا يصعد إلى ~~الأعلى والروح تشرف على القبر وتعاد إلى اللحد أحيانا كما قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( ما من رجل يمر بقبر الرجل PageV24P303 كان يعرفه في ~~الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ( # والميت قد يعرف من يزوره ولهذا كانت السنة أن يقال السلام عليكم أهل دار ~~قوم مؤمنين وإنا ان شاء الله بكم لا حقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم ~~والمستأخرين ( والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوم لهم تربة وهى في مكان منقطع وقتل فيها قتيل وقد بنوا لهم تربة ~~أخرى هل يجوز نقل موتاهم إلى التربة المستجدة أم لا ### ||||| فأجاب # لا ينبش الميت لأجل ما ذكر والله أعلم ### |||| وسئل # عما يقوله بعض الناس ان لله ملائكة ينقلون من مقابر المسلمين إلى مقابر ~~اليهود والنصارى وينقلون من مقابر اليهود والنصارى إلى مقابر المسلمين ~~ومقصودهم أن من ختم له بشر في علم الله وقد مات في الظاهر مسلما أو كان ~~PageV24P304 كتابيا وختم له بخير فمات مسلما في علم الله وفى الظاهر مات ~~كافرا فهؤلاء ينقلون فهل ورد في ذلك خبر أم لا وهل لذلك حجة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما الأجساد فإنها لا تنقل من القبور لكن نعلم أن بعض من ~~يكون ظاهره الإسلام ويكون منافقا إما يهوديا أو نصرانيا أو مرتدا معطلا فمن ~~كان كذلك فإنه يكون يوم القيامة مع نظرائه كما قال تعالى @QB@ احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم @QE@ أي أشباههم ونظراءهم # وقد يكون في بعض من مات وظاهره كافرا أن يكون آمن بالله قبل أن يغرغر ولم ~~يكن عنده مؤمن وكتم أهله ذلك إما لأجل ميراث أو لغير ذلك فيكون مع المؤمنين ~~وان كان مقبورا ms7271 مع الكفار # وأما الأثر في نقل الملائكة فما سمعت في ذلك أثرا PageV24P305 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن قوله تعالى @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ وقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( إذا مات بن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به ~~أو ولد صالح يدعو له ( فهل يقتضى ذلك إذا مات لا يصل إليه شيء من أفعال ~~البر ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ليس في الآية ولا في الحديث أن الميت لا ~~ينتفع بدعاء الخلق له وبما يعمل عنه من البر بل أئمة الإسلام متفقون على ~~انتفاع الميت بذلك وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام وقد دل عليه ~~الكتاب والسنة والإجماع فمن خالف ذلك كان من أهل البدع # قال الله تعالى @QB@ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ~~ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ~~ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته @QE@ PageV24P306 فقد أخبر سبحانه أن ~~الملائكة يدعون للمؤمنين بالمغفرة ووقاية العذاب ودخول الجنة ودعاء ~~الملائكة ليس عملا للعبد # وقال تعالى @QB@ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ وقال الخليل ~~عليه السلام ( رب اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) وقال نوح ~~عليه السلام ( رب اغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيتى مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ~~) فقد ذكر استغفار الرسل للمؤمنين أمرا بذلك وإخبارا عنهم بذلك # ومن السنن المتواترة التى من جحدها كفر صلاة المسلمين على الميت ودعاؤهم ~~له في الصلاة وكذلك شفاعة النبى يوم القيامة فإن السنن فيها متواترة بل لم ~~ينكر شفاعته لأهل الكبائر إلا أهل البدع بل قد ثبت أنه يشفع لأهل الكبائر ~~وشفاعته دعاؤه وسؤاله الله تبارك وتعالى فهذا وأمثاله من القرآن والسنن ~~المتواترة وجاحد مثل ذلك كافر بعد قيام الحجة عليه # والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة مثل ما في الصحاح عن إبن عباس رضي ms7272 ~~الله عنهما ( أن رجلا قال للنبى إن أمي توفيت أفينفعها أن أتصدق عنها قال ~~نعم PageV24P307 قال ان لي مخرفا أى بستانا أشهدكم أنى تصدقت به عنها ( وفى ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ( أن رجلا قال للنبى أن أمى افتلتت نفسها ~~ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم ( وفى ~~صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه ( أن رجلا قال للنبى إن أبى مات ولم ~~يوص أينفعه إن تصدقت عنه قال نعم ( # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ( أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ~~يذبح مائة بدنة وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين وان عمرا سأل النبى عن ~~ذلك فقال أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه نفعه ذلك ( # وفى سنن الدارقطنى أن رجلا سأل النبى فقال يا رسول الله إن لي أبوان وكنت ~~أبرهما حال حياتهما فكيف بالبر بعد موتهما فقال النبى ( ان من بعد البر أن ~~تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك وأن تصدق لهما مع صدقتك ( # وقد ذكر مسلم في أول كتابه عن أبى إسحاق الطالقانى قال PageV24P308 # قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذى جاء ( إن البر ~~بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك قال عبد الله يا أبا ~~إسحاق عمن هذا قلت له هذا من حديث شهاب بن حراس قال ثقة قلت عمن قال عن ~~الحجاج بن دينار فقال ثقة عمن قلت عن رسول الله قال يا أبا إسحاق إن بين ~~الحجاج وبين رسول الله مفاوز تقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة ~~اختلاف والأمر كما ذكره عبد الله بن المبارك فإن هذا الحديث مرسل # والأئمة اتفقوا على أن الصدقة تصل إلى الميت وكذلك العبادات المالية ~~كالعتق # وإنما تنازعوا في العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقراءة ومع هذا ففي ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبى قال ( من مات وعليه ms7273 صيام صام عنه ~~وليه ( وفى الصحيحين عن إبن عباس رضى الله عنه ( أن امرأة قالت يا رسول ~~الله إن أمى ماتت وعليها صيام نذر قال أرأيت إن كان على أمك دين فقضيتيه ~~أكان يؤدي ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك PageV24P309 # وفى الصحيح عنه ( أن امرأة جاءت إلى رسول الله فقالت إن أختى ماتت وعليها ~~صوم شهرين متتابعين قال أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضيه قالت نعم قال ~~فحق الله أحق ( وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن بريدة بن حصيب عن أبيه ( أن ~~امرأة أتت رسول الله فقالت إن أمى ماتت وعليها صوم شهر أفيجزى عنها أن أصوم ~~عنها قال نعم ( # فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أنه يصام عن الميت ما نذر وأنه شبه ذلك ~~بقضاء الدين # والأئمة تنازعوا في ذلك ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة من بلغته ~~وإنما خالفها من لم تبلغه وقد تقدم حديث عمرو بأنهم إذا صاموا عن المسلم ~~نفعه وأما الحج فيجزى عند عامتهم ليس فيه إلا اختلاف شاذ # وفى الصحيحين عن بن عباس رضى الله عنهما ( إن امرأة من جهينة جاءت إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج ~~عنها فقال حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها اقضو الله ~~فالله أحق PageV24P310 بالوفاء ( وفى رواية البخارى ( إن أختى نذرت أن تحج ~~( وفى صحيح مسلم عن بريدة ( أن امرأة قالت يا رسول الله إن أمي ماتت ولم ~~تحج افيجزى أو يقضى أن أحج عنها قال نعم ( # ففى هذه الأحاديث الصحيحة ( أنه أمر بحج الفرض عن الميت وبحج النذر ( كما ~~أمر بالصيام وان المأمور تارة يكون ولدا وتارة يكون أخا وشبه النبى ذلك ~~بالدين يكون على الميت والدين يصح قضاؤه من كل أحد فدل على أنه يجوز أن ~~يفعل ذلك من كل أحد لا يختص ذلك بالولد كما جاء مصرحا به في الأخ # فهذا الذي ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ms7274 علم مفصل مبين فعلم أن ذلك لا ~~ينافى قوله @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ ? < إذا مات إبن آدم ~~انقطع عمله إلا من ثلاث > ? بل هذا حق وهذا حق # أما الحديث فإنه قال ( انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع ~~به أو ولد صالح يدعو له ( فذكر الولد ودعاؤه له خاصين لأن الولد من كسبه ~~كما قال @QB@ ما أغنى عنه ماله وما كسب @QE@ قالوا إنه ولده وكما قال النبى ~~( ان PageV24P311 أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ( فلما كان ~~هو الساعي في وجود الولد كان عمله من كسبه بخلاف الأخ والعم والأب ونحوهم ~~فإنه ينتفع أيضا بدعائهم بل بدعاء الأجانب لكن ليس ذلك من عمله والنبى قال ~~( انقطع عمله إلا من ثلاث ( لم يقل إنه لم ينتفع بعمل غيره فإذا دعا له ~~ولده كان هذا من عمله الذى لم ينقطع وإذا دعا له غيره لم يكن من عمله لكنه ~~ينتفع به # وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعددة كما قيل إنها تختص بشرع من قبلنا ~~وقيل إنها مخصوصة وقيل إنها منسوخة وقيل إنها تنال السعى مباشرة وسببا ~~والإيمان من سعيه الذى تسبب فيه ولا يحتاج إلى شيء من ذلك بل ظاهر الآية حق ~~لا يخالف بقية النصوص فإنه قال ( ليس للانسان إلا ما سعى ( وهذا حق فإنه ~~إنما يستحق سعيه فهو الذى يملكه ويستحقه كما أنه إنما يملك من المكاسب ما ~~اكتسبه هو وأما سعى غيره فهو حق وملك لذلك الغير لاله لكن هذا لا يمنع أن ~~ينتفع بسعى غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره # فمن صلى على جنازة فله قيراط فيثاب المصلى على سعيه الذى هو صلاته والميت ~~أيضا يرحم بصلاة الحى عليه كما قال ( ما من PageV24P312 مسلم يموت فيصلي ~~عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة ويروى أربعين ويروى ثلاثة صفوف ~~ويشفعون فيه إلا شفعوا فيه أو قال الا غفر له ( فالله تعالى يثيب هذا ~~الساعى على سعيه الذى هو له ويرحم ms7275 ذلك الميت بسعي هذا الحى لدعائه له ~~وصدقته عنه وصيامه عنه وحجه عنه # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( ما من رجل يدعو لأخيه دعوة إلا وكل ~~الله به ملكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك الموكل به آمين ولك بمثله ( ~~فهذا من السعى الذى ينفع به المؤمن أخاه يثيب الله هذا ويرحم هذا ( وان ليس ~~للانسان إلا ما سعى ) وليس كل ما ينتفع به الميت أو الحى أو يرحم به يكون ~~من سعيه بل أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي فالذى لم يجز ~~الا به أخص من كل انتفاع لئلا يطلب الانسان الثواب على غير عمله وهو كالدين ~~يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته لكن ليس له ما وفى به الدين وينبغى له أن ~~يكون هو الموفي له والله أعلم PageV24P313 ### |||| وسئل رحمه الله # ما تقول السادة الفقهاء وأئمة الدين وفقهم الله تعالى لمرضاته في القراءة ~~للميت هل تصل إليه أم لا والأجرة على ذلك وطعام أهل الميت لمن هو مستحق ~~وغير ذلك والقراءة على القبر والصدقة عن الميت أيهما المشروع الذى أمرنا به ~~والمسجد الذى في وسط القبور والصلاة فيه وما يعلم هل بنى قبل القبور أو ~~القبور قبله وله ثلاث رزق وأربعمائة اصددمون قديمة من زمان الروم ما هو له ~~بل للمسجد وفيه الخطبة كل جمعة والصلاة أيضا في بعض الأوقات وله كل سنة ~~موسم يأتى إليه رجال كثير ونساء ويأتون بالنذور معهم فهل يجوز للإمام أن ~~يتناول من ذلك شيئا لمصالح المسجد الذى في البلد أفتونا يرحمكم الله ~~مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما الصدقة عن الميت فإنه ينتفع بها باتفاق ~~المسلمين وقد وردت بذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة مثل قول ~~سعد ( يا رسول الله إن أمى افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت فهل ينفعها ~~أن أتصدق عنها PageV24P314 فقال نعم ( وكذلك ينفعه الحج عنه والأضحية عنه ~~والعتق عنه والدعاء والاستغفار له بلا نزاع بين الأئمة # وأما الصيام عنه ms7276 وصلاة التطوع عنه وقراءة القرآن عنه فهذا فيه قولان ~~للعلماء # أحدهما ينتفع به وهو مذهب أحمد وأبى حنيفة وغيرهما وبعض أصحاب الشافعى ~~وغيرهم # والثانى لا تصل إليه وهو المشهور في مذهب مالك والشافعى # وأما الاستئجار لنفس القراءة والإهداء فلا يصح ذلك فإن العلماء إنما ~~تنازعوا في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والأذان والإمامة والحج عن ~~الغير لأن المستأجر يستوفى المنفعة فقيل يصح لذلك كما هو المشهور من مذهب ~~مالك والشافعى وقيل لا يجوز لأن هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون من أهل ~~القربة فإنها إنما تصح من المسلم دون الكافر فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه ~~التقرب إلى الله تعالى وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق لأن الله ~~إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا ~~PageV24P315 # وقيل يجوز أخذ الأجرة عليها للفقير دون الغنى وهو القول الثالث في مذهب ~~أحمد كما أذن الله لولي اليتيم أن يأكل مع الفقر ويستغنى مع الغنى وهذا ~~القول أقوى من غيره على هذا فإذا فعلها الفقير لله وإنما أخذ الأجرة لحاجته ~~إلى ذلك وليستعين بذلك على طاعة الله فالله يأجره على نيته فيكون قد أكل ~~طيبا وعمل صالحا # وأما إذا كان لا يقرأ القرآن الا لأجل العروض فلا ثواب لهم على ذلك وإذا ~~لم يكن في ذلك ثواب فلا يصل إلى الميت شيء لأنه إنما يصل إلى الميت ثواب ~~العمل لا نفس العمل فإذا تصدق بهذا المال على من يستحقه وصل ذلك إلى الميت ~~وان قصد بذلك من يستعين على قراءة القرآن وتعليمه كان أفضل وأحسن فإن إعانة ~~المسلمين بأنفسهم وأموالهم على تعلم القرآن وقراءته وتعليمه من أفضل ~~الأعمال # وأما صنعة أهل الميت طعاما يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو ~~بدعة بل قد قال جرير بن عبد الله كنا نعد الإجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم ~~الطعام للناس من النياحة # وإنما المستحب إذا مات الميت أن يصنع لأهله طعام كما قال PageV24P316 ~~النبى لما جاء ms7277 نعى جعفر بن أبى طالب ( اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما ~~يشغلهم ( # وأما القراءة الدائمة على القبور فلم تكن معروفة عند السلف وقد تنازع ~~الناس في القراءة على القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد في أكثر الروايات ~~عنه ورخص فيها في الرواية المتأخرة لما بلغه أن عبد الله بن عمر أوصى أن ~~يقرأ عند دفنه بفواتح البقرة وخواتمها # وقد نقل عن بعض الأنصار أنه أوصى عند قبره بالبقرة وهذا إنما كان عند ~~الدفن فأما بعد ذلك فلم ينقل عنهم شيء من ذلك ولهذا فرق في القول الثالث ~~بين القراءة حين الدفن والقراءة الراتبة بعد الدفن فإن هذا بدعة لا يعرف ~~لها أصل # ومن قال ان الميت ينتفع بسماع القرآن ويؤجر على ذلك فقد غلط لأن النبى ~~قال ( إذا مات بن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به ~~أو ولد صالح يدعو له ( فالميت بعد الموت لا يثاب على سماع ولا غيره وإن كان ~~الميت يسمع قرع نعالهم ويسمع سلام الذى يسلم عليه ويسمع غير ذلك لكن لم يبق ~~له عمل غير ما استثنى PageV24P317 # وأما بناء المساجد على القبور وتسمى ( مشاهد ( فهذا غير سائغ بل جميع ~~الأمة ينهون عن ذلك لما ثبت في الصحيحين عن النبى أنه قال ( لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا ( قالت عائشة ~~ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفى الصحيح أيضا عنه أنه قال ~~? < إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك > ? وفى السنن عنه قال ? < لعن الله زوارات ~~القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج # > ? وقد اتفق أئمة المسلمين على أن الصلاة في المشاهد ليس مأمورا بها لا ~~أمر إيجاب ولا أمر استحباب ولا في الصلاة في المشاهد التى على القبور ~~ونحوها فضيلة على سائر البقاع فضلا عن المساجد باتفاق أئمة المسلمين فمن ~~اعتقد أن الصلاة عندها فيها فضل على الصلاة على غيرها أو أنها ms7278 أفضل من ~~الصلاة في بعض المساجد فقد فارق جماعة المسلمين ومرق من الدين بل الذى عليه ~~الأمة أن الصلاة فيها منهى عنه نهى تحريم وإن كانوا متنازعين في الصلاة في ~~المقبرة هل هي محرمة أو مكروهة أو مباحة أو يفرق بين المنبوشة والقديمة ~~فذلك لأجل تعليل النهى بالنجاسة لاختلاط التراب بصديد الموتى PageV24P318 # وأما هذا فإنه نهى عن ذلك لما فيه من التشبه بالمشركين وأن ذلك أصل عبادة ~~الأصنام قال تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا @QE@ قال غير واحد من الصحابة والتابعين هذه أسماء قوم ~~كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا ~~تماثيلهم ولهذا قال النبى ما ذكره مالك في الموطأ ( اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( ولهذا لا ~~يشرع باتفاق المسلمين أن ينذر للمشاهد التى على القبور لا زيت ولا شمع ولا ~~دراهم ولا غير ذلك وللمجاورين عندها وخدام القبور فإن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قد لعن من يتخذ عليها المساجد والسرج ومن نذر ذلك فقد نذر معصية وفى ~~الصحيح عن النبى أنه قال ? < من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي ~~الله فلا يعصه > ? # وأما الكفارة فهي على قولين فمذهب أحمد وغيره عليه كفارة يمين لقول النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( كفارة النذر كفارة اليمين ( رواه مسلم وفى السنن عنه ~~أنه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ( ~~ومذهب مالك والشافعى وغيرهما لا شيء عليه لكن إن تصدق بالنذر PageV24P319 ~~في المشاهد على من يستحق ذلك من فقراء المسلمين الذين يستعينون بذلك على ~~طاعة الله ورسوله فقد أحسن في ذلك وأجره على الله # ولا يجوز لأحد باتفاق المسلمين أن ينقل صلاة المسلمين وخطبهم من مسجد ~~يجتمعون فيه إلى مشهد من مشاهد القبور ونحوها بل ذلك من أعظم الضلالات ~~والمنكرات حيث تركوا ما أمر الله به ورسوله وفعلوا ms7279 ما نهى الله عنه ورسوله ~~وتركوا السنة وفعلوا البدعة تركوا طاعة الله ورسوله وارتكبوا معصية الله ~~ورسوله بل يجب إعادة الجمعة والجماعة إلى المسجد الذى هو بيت من بيوت الله ~~( أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) وقد قال ~~تعالى @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ # وأما القبور التى في المشاهد وغيرها فالسنة لمن زارها أن يسلم على الميت ~~ويدعو له بمنزلة الصلاة على الجنائز كما كان النبى يعلم أصحابه أن يقولوا ~~إذا زاروا القبور ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن ~~شاء الله بكم عن قريب لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ~~PageV24P320 نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا ~~بعدهم واغفر لنا ولهم ( # وأما التمسح بالقبر أو الصلاة عنده أو قصده لأجل الدعاء عنده معتقدا أن ~~الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره أو النذر له ونحو ذلك فليس هذا من دين ~~المسلمين بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التى هي من شعب الشرك والله أعلم ~~وأحكم ### |||| وسئل # عمن يقرأ القرآن العظيم أو شيئا منه هل الأفضل أن يهدى ثوابه لوالديه ~~ولموتى المسلمين أو يجعل ثوابه لنفسه خاصة ### ||||| فأجاب # أفضل العبادات ما وافق هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي ~~الصحابة كما صح عن النبى أنه كان يقول في خطبته ( خير الكلام كلام الله ~~وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ( وقال ( خير ~~القرون قرنى ثم الذين يلونهم ( # وقال بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد PageV24P321 مات فإن الحى ~~لا تومن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد # فإذا عرف هذا الأصل فالأمر الذى كان معروفا بين المسلمين في القرون ~~المفضلة أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها من ~~الصلاة ms7280 والصيام والقراءة والذكر وغير ذلك وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات ~~كما أمر الله بذلك لأحيائهم وأمواتهم في صلاتهم على الجنازة وعند زيارة ~~القبور وغير ذلك # وروي عن طائفة من السلف عند كل ختمة دعوة مجابة فإذا دعا الرجل عقيب ~~الختم لنفسه ولوالديه ولمشائخه وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات كان هذا من ~~الجنس المشروع وكذلك دعاؤه لهم في قيام الليل وغير ذلك من مواطن الإجابة # وقد صح عن النبى أنه أمر بالصدقة على الميت وأمر أن يصام عنه الصوم ~~فالصدقة عن الموتى من الأعمال الصالحة وكذلك ما جاءت به السنة في الصوم ~~عنهم وبهذا وغيره احتج من قال من العلماء إنه يجوز إهداء ثواب العبادات ~~المالية والبدنية إلى موتى المسلمين كما هو مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من ~~أصحاب مالك والشافعى # فإذا اهدى لميت ثواب صيام أو صلاة أو قراءة جاز ذلك PageV24P322 وأكثر ~~أصحاب مالك والشافعى يقولون إنما يشرع ذلك في العبادات المالية ومع هذا فلم ~~يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا وصاموا وحجوا أو قرأوا القرآن يهدون ثواب ~~ذلك لموتاهم المسلمين ولا لخصوصهم بل كان عادتهم كما تقدم فلا ينبغى للناس ~~أن يعدلوا عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل والله أعلم ### |||| وسئل # عمن ( هلل سبعين ألف مرة وأهداه للميت يكون براءة للميت من النار ( حديث ~~صحيح أم لا وإذا هلل الإنسان وأهداه إلى الميت يصل إليه ثوابه أم لا ### ||||| فأجاب # إذا هلل الإنسان هكذا سبعون ألفا أو أقل أو أكثر وأهديت إليه نفعه ~~الله بذلك وليس هذا حديثا صحيحا ولا ضعيفا والله أعلم PageV24P323 ### |||| وسئل # عن قراءة أهل الميت تصل إليه والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير إذا ~~أهداه إلى الميت يصل إليه ثوابها أم لا ### ||||| فأجاب # يصل إلى الميت قراءة أهله وتسبيحهم وتكبيرهم وسائر ذكرهم لله تعالى ~~إذا أهدوه إلى الميت وصل إليه والله أعلم ### |||| وسئل # هل القراءة تصل إلى الميت من الولد أولا على مذهب الشافعى ### ||||| فأجاب # أما وصول ثواب العبادات البدنية كالقراءة والصلاة والصوم فمذهب ~~أحمد وأبى حنيفة وطائفة من أصحاب ms7281 مالك والشافعى إلى أنها تصل وذهب أكثر ~~أصحاب مالك والشافعى إلى أنها لا تصل والله أعلم PageV24P324 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن ترك والديه كفارا ولم يعلم هل أسلموا هل يجوز أن يدعو لهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله من كان من أمة أصلها كفار لم يجز أن يستغفر لأبويه إلا أن يكونا ~~قد أسلما كما قال تعالى ( ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم PageV24P325 ### ||| 2 باب زيارة القبور ### |||| 2 سئل رحمه الله # عن المشروع في زيارة القبور ### ||||| فأجاب # أما زيارة القبور فهي على وجهين شرعية ~~وبدعية # فالشرعية مثل الصلاة على الجنازة والمقصود بها الدعاء للميت كما يقصد ~~بذلك الصلاة على جنازته كما كان النبى يزور أهل البقيع ويزور شهداء أحد ~~ويعلم أصحابه إذا زاروا القبورأن يقولوا ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين ~~وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ~~نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر ~~لنا ولهم ( # وهكذا كل ما فيه دعاء للمؤمنين من الأنبياء وغيرهم كالصلاة على النبى ~~والسلام كما في الصحيح عنه أنه قال PageV24P326 ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا ~~مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا ~~ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد ~~الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت له شفاعتى ~~يوم القيامة وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحى حتى أرد عليه ~~السلام ( # وأما الزيارة البدعية وهى زيارة أهل الشرك من جنس زيارة النصارى الذين ~~يقصدون دعاء الميت والإستعانة به وطلب الحوائج عنده فيصلون عند قبره ويدعون ~~به فهذا ونحوه لم يفعله أحد من الصحابة ولا أمر به رسول الله ولا استحبه ~~أحد من سلف الأمة وأئمتها بل قد سد النبى ( باب الشرك ( في الصحيح أنه قال ~~في مرض ms7282 موته ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ~~ما فعلوا ( قالت عائشة رضى الله عنها ولولا ذلك لا برز قبره لكن كره أن ~~يتخذ مسجدا وقال قبل أن يموت بخمس ( أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( # فالزيارة الأولى من جنس عبادة الله والإحسان إلى خلق الله PageV24P327 ~~وذلك من جنس الزكاة التى أمر الله بها # والثانى من جنس الإشراك بالله والظلم في حق الله وحق عباده وفى الصحيح عن ~~النبى أنه لما أنزل الله تعالى @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~@QE@ شق ذلك على أصحاب النبى وقالوا أينا لم يظلم نفسه فقال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح ( إن الشرك لظلم ~~عظيم ) # وقال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( وقد قال الله تعالى @QB@ وقالوا ~~لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ قال ~~طائفة من السلف هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على ~~قبورهم وصوروا تماثيلهم فكان هذا أول عبادة الأوثان وهذا من جنس دين ~~النصارى ولم يكن الصحابة رضى الله عنهم والتابعون يقصدون الدعاء عند قبر ~~النبى ولا غيره بل كره الأئمة وقوف الإنسان عند قبر النبى للدعاء وقالوا ~~هذه بدعة لم يفعلها الصحابة والتابعون بل كانوا يسلمون عليه وعلى صاحبيه ثم ~~يذهبون PageV24P328 # وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول السلام عليك يا رسول الله ~~السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف وقد نص عليه مالك ~~وغيره من الأئمة ونص أبو يوسف وغيره من العلماء على أنه ليس لأحد أن يسأل ~~الله بمخلوق لا النبى ولا الملائكة ولا غيرهم # وقد أصاب المسلمين جدب وشدة وكانوا يدعون الله ويستسقون ويدعون على ~~الأعداء ويستنصرون ويتوسلون بدعاء الصالحين كما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم ( ولم ~~يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر ms7283 النبى صلى الله عليه وسلم ولا صالح ولا ~~الصلاة عنده ولا طلب الحوائج منه ولا الأقسام على الله به مثل أن يقول ~~القائل أسألك بحق فلان وفلان بل كل هذا من البدع المحدثة وقد قال النبى ( ~~خير القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ( وقد اتفق المسلمون على ~~أن أصحاب رسول الله خير طباق الأمة PageV24P329 ### || وسئل الشيخ عن الزيارة ### ||||| فأجاب # أما الاختلاف إلى القبر بعد الدفن فليس بمستحب وإنما المستحب عند ~~الدفن أن يقام على قبره ويدعى له بالتثبيت كما روى أبو داود في سننه عن ~~النبى ( أنه كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره ويقول سلوا له ~~التثبيت فإنه الآن يسأل ( وهذا من معنى قوله ( ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا ولا تقم على قبره ) فإنه لما نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين وعن ~~القيام على قبورهم كان دليل الخطاب ان المؤمن يصلي عليه قبل الدفن ويقام ~~على قبره بعد الدفن # فزيارة الميت المشروعة بالدعاء والاستغفار هي من هذا القيام المشروع ~~PageV24P330 ### |||| وسئل # عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم وهل يعلمون بالميت إذا ~~مات من قرابتهم أو غيره ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال ~~الأحياء على الأموات كما روى إبن المبارك عن أبى أيوب الأنصارى قال ( إذا ~~قبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير في الدنيا ~~فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض أنظروا أخاكم يستريح فإنه كان في ~~كرب شديد قال فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة هل تزوجت ( ~~الحديث # وأما علم الميت بالحي إذا زاره وسلم عليه ففي حديث إبن عباس قال قال رسول ~~الله ( ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا ~~عرفه ورد عليه السلام ( قال إبن المبارك ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم وصححه عبد الحق صاحب الأحكام PageV24P331 # وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد ورزقه وما جاء في ms7284 الحديث الصحيح من ~~دخول أرواحهم الجنة فذهب طوائف إلى أن ذلك مختص بهم دون الصديقين وغيرهم ~~والصحيح الذى عليه الأئمة وجماهير أهل السنة ان الحياة والرزق ودخول ~~الأرواح الجنة ليس مختصا بالشهيد كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ويختص ~~الشهيد بالذكر لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فأخبر بذلك ليزول ~~المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة # كما نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق لأنه هو الواقع وان كان قتلهم لا ~~يجوز مع عدم خشية الاملإق PageV24P332 ### || 1 ( شرح حديث لعن الله زوارات القبور ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل شيخ الاسلام # ومفتى الأنام العالم العامل الزاهد الورع ناصر السنة وقامع البدعة تقى ~~الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى رحمه ~~الله تعالى عن الحديث المروى عن النبى وهوقوله صلى الله عليه وسلم ( لعن ~~الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( هل هو منسوخ بقوله ( ~~كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ( أم لا وهل صح ~~الحديث الأول أم لا وهل يحرم على النساء زيارة القبور أم يكره أم يستحب # وإذا قيل بالكراهة هل تكون كراهة تحريم أم تنزيه وهل صح عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( من زار قبرى وجبت له شفاعتى ( أم لا وهل صح في ~~فضل زيارة قبر النبى شيء من الأحاديث أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما زيارة القبور فقد ثبت في الصحيح عن ~~النبى أنه كان قد نهى عنها نهيا عاما ثم أذن PageV24P333 في ذلك فقال ( كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ( وقال ( استأذنت ربى ~~في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنت في أن أستغفر لها فلم يأذن لى فزوروا ~~القبور فإنها تذكركم الآخرة ( وهنا مسألتان # إحداهما متفق عليها والأخرى متنازع فيها # فأما الآولى فأن الزيارة تنقسم إلى قسمين زيارة شرعية وزيارة بدعية # فالزيارة الشرعية السلام على الميت والدعاء له بمنزلة الصلاة على جنازته ~~كما ثبت في الصحيح أن النبى كان يعلم ms7285 أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا ( ~~السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا ان شاء الله بكم ~~لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم ~~العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ( وهذا ~~الدعاء يروى بعضه في بعض الأحاديث وهو مروى بعدة ألفاظ كما رويت ألفاظ ~~التشهد وغيره وهذه الزيارة هي التى كان النبى يفعلها إذا خرج لزيارة قبور ~~أهل البقيع # وأما الزيارة البدعية فمن جنس زيارة اليهود والنصارى وأهل PageV24P334 ~~البدع الذين يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد وقد استفاض عن النبى في ~~الكتب الصحاح وغيرها أنه قال عند موته ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا ( قالت عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك ~~لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وثبت في الصحيح عنه أنه قال ( إن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فانى أنهاكم ~~عن ذلك ( # فالزيارة البدعية مثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده أو ~~الدعاء عنده أو به أو طلب الحوائج منه أو من الله تعالى عند قبره أو ~~الإستغاثة به أو الاقسام على الله تعالى به ونحو ذلك هو من البدع التى لم ~~يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا سن ذلك رسول الله ولا ~~أحد من خلفائه الراشدين بل قد نهى عن ذلك أئمة المسلمين الكبار # والحديث الذى يرويه بعض الناس ( إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي ( هو من ~~المكذوبات التى لم يروها أحد من علماء المسلمين ولا هو في شيء من كتب ~~الحديث بمنزلة ما يروونه من قوله ( لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به ( ~~فان هذا أيضا من المكذوبات PageV24P335 # وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يقسم على الله بمخلوق لا نبى ولا ~~غيره فمن ذلك ما ذكره أبو الحسين القدورى في ( كتاب شرح الكرخى ( عن بشر بن ~~الوليد قال سمعت أبا يوسف قال قال أبو حنيفة لا ينبغى لأحد ms7286 أن يدعو الله ~~إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك وبحق خلقك وهو قول أبى يوسف وقال ~~أبو يوسف بمعاقد العز من عرشه هو الله تعالى فلا أكره هذا وأكره بحق فلان ~~وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام # قال القدورى شارح الكتاب المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لاحق للمخلوق على ~~الخالق فلا يجوز يعنى وفاقا # قلت وأما الاستشفاع إلى الله تعالى به وهو طلب الشفاعة منه والتوسل إلى ~~الله بدعائه وشفاعته وبالإيمان به وبمحبته وطاعته والتوجه إلى الله تعالى ~~بذلك فهذا مشروع باتفاق المسلمين كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة # وقد ثبت في صحيح البخارى عن أبى حميد الساعدى رضي الله عنه عن النبى أنه ~~قال ( لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا ~~أملك PageV24P336 لك من الله شيئا قد أبلغتك ( وفى الصحيح أنه قال ( يا ~~فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله لا أغنى عنك ~~من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا سلونى من ~~مالى ما شئتم ( وقال ذلك لعشيرته الأقربين # وروى أنه قال ( غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ( فبين صلى الله عليه ~~وسلم ما هو موافق لكتاب الله من أنه ليس عليه إلا البلاغ المبين وأما ~~الجزاء بالثواب والعقاب فهو إلى الله تعالى كما قال تعالى @QB@ قل أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن ~~تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ وهو قد بلغ البلاغ ~~المبين قد بلغ الرسالة وأشهد الله على أمته أنه بلغهم كما جعل في حجة ~~الوداع يقول ( ألا هل بلغت فيقولون نعم فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها ~~إليهم ويقول اللهم اشهد ( رواه مسلم في صحيحه # وأما إجابة الداعى وتفريج الكربات وقضاء الحاجات فهذا لله سبحانه وتعالى ~~وحده لا يشركه فيه أحد # ولهذا فرق الله سبحانه في كتابه بين ما فيه حق للرسول وبين PageV24P337 ~~ما ms7287 هو لله وحده كما في قوله تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فبين سبحانه ما يستحقه الرسول من الطاعة ~~فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله وأما الخشية والتقوى فجعل ذلك له سبحانه ~~وحده وكذلك قوله @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ فجعل الإيتاء ~~لله والرسول كما في قوله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ وأما التوكل والرغبة فلله وحده كما في قوله تعالى @QB@ وقالوا ~~حسبنا الله @QE@ ولم يقل ورسوله وقال @QB@ إنا إلى الله راغبون @QE@ ولم ~~يقل وإلى الرسول وذلك موافق لقوله تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك ~~فارغب @QE@ # فالعبادة والخشية والتوكل والدعاء والرجاء والخوف لله وحده لا يشركه فيه ~~أحد وأما الطاعة والمحبة والإرضاء فعلينا أن نطيع الله ورسوله ونحب الله ~~ورسوله ونرضى الله ورسوله لأن طاعة الرسول طاعة لله وإرضاءه إرضاء لله وحبه ~~من حب الله # وكثير من أهل الضلال من الكفار وأهل البدع بدلوا الدين فإن الله تعالى ~~جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده ~~فليس لأحد طريق إلى الله الا متابعة PageV24P338 الرسول بفعل ما أمر وترك ~~ما حذر # ومن جعل إلى الله طريقا غير متابعة الرسول للخاصة والعامة فهو كافر بالله ~~ورسوله مثل من يزعم أن من خواص الأولياء أو العلماء أو الفلاسفة أو أهل ~~الكلام أو الملوك من له طريق إلى الله تعالى غير متابعة رسوله ويذكرون في ~~ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو أعظم الكفر والكذب كقول بعضهم إن الرسول ~~استأذن على أهل الصفة فقالوا اذهب إلى من أنت رسول إليه وقال بعضهم أنهم ~~أصبحوا ليلة المعراج فأخبروه بالسر الذى ناجاه الله به وأن الله أعلمهم ~~بذلك بدون اعلام الرسول وقول بعضهم إنهم قاتلوه في بعض الغزوات مع الكفار ~~وقالوا من كان الله معه كنا معه وأمثال ذلك من الأمور التى هي من أعظم ~~الكفر والكذب # ومثل ms7288 احتجاج بعضهم بقصة الخضر وموسى عليه السلام على أن من الأولياء من ~~يستغنى عن محمد كما استغنى الخضر عن موسى ومثل قول بعضهم ان خاتم الأولياء ~~له طريق إلى الله يستغنى به عن خاتم الأنبياء وأمثال هذه الأمور التى كثرت ~~في كثير من المنتسبين إلى الزهد والفقر والتصوف والكلام والتفلسف وكفر ~~هؤلاء قد يكون من جنس كفر اليهود والنصارى وقد يكون PageV24P339 أعظم وقد ~~يكون أخف بحسب أحوالهم # والله سبحانه لم يجعل له أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من ~~الربوبية والألوهية مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق وإجابة الدعاء والنصر ~~على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات بل غاية ما يكون العبد سببا مثل ~~أن يدعو أو يشفع والله تعالى يقول @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~@QE@ ويقول @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ ويقول @QB@ وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ قال طائفة من ~~السلف كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فنهاهم الله عن ذلك في قوله ~~تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ~~وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين ~~أربابا كفر ولهذا كان الناس في الشفاعة على ثلاثة أقسام PageV24P340 # فالمشركون أثبتوا الشفاعة التى هي شرك كشفاعة المخلوق عند المخلوق كما ~~يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك فيسألونهم بغير إذنهم وتجيب ~~الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله تعالى ~~مشركون كفار لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد الا باذنه ولا يحتاج إلى أحد ms7289 ~~من خلقه بل من رحمته وإحسانه إجابة دعاء الشافعين وهو سبحانه أرحم بعباده ~~من الوالدة بولدها ولهذا قال تعالى @QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~@QE@ وقال @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع @QE@ وقال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا @QE@ وقال تعالى عن ~~صاحب ( يس @QB@ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون @QE@ # وأما الخوارج والمعتزلة فانهم أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في ~~أهل الكبائر من أمته وهؤلاء مبتدعة ضلال مخالفون للسنة المستفيضة عن النبى ~~ولإجماع خير القرون # والقسم الثالث هم أهل السنة والجماعة وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم ~~باحسان أثبتوا ما أثبته الله في كتابه وسنة رسوله صلى PageV24P341 الله ~~عليه وسلم ونفوا ما نفاه الله في كتابه وسنة رسوله فالشفاعة التى أثبتوها ~~هي التى جاءت بها الأحاديث كشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم ~~القيامة إذا جاء الناس إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم ~~يأتونه عليه السلام قال ( فأذهب إلى ربى فإذا رأيت ربى خررت له ساجدا فأحمد ~~ربى بمحامد يفتحها على لا احسنها الآن فيقول أى محمد ارفع رأسك وقل يسمع ~~وسل تعط واشفع تشفع ( فهو يأتى ربه سبحانه فيبدأ بالسجود والثناء عليه فإذا ~~اذن له في الشفاعة شفع بأبى هو وامى # وأما الشفاعة التى نفاها القرآن كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم ~~من هذه الأمة فينفيها أهل العلم والإيمان مثل انهم يطلبون من الأنبياء ~~والصالحين الغائبين والميتين قضاء حوائجهم ويقولون إنهم إذا أرادوا ذلك ~~قضوها ويقولون إنهم عند الله تعالى كخواص الملوك عند الملوك يشفعون بغير ~~إذن الملوك ولهم على الملوك أدلال يقضون به حوائجهم فيجعلونهم لله تعالى ~~بمنزلة شركاء الملك وبمنزلة أولاده والله تعالى قد نزه نفسه المقدسة ms7290 عن ذلك ~~كما قال تعالى ( وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ) ولهذا قال النبى صلى الله ~~PageV24P342 عليه وسلم ( لا تطرونى كما اطرت النصارى إبن مريم فإنما أنا ~~عبد فقولوا عبد الله ورسوله ( وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع # ( والزيارة البدعية ( هي من أسباب الشرك بالله تعالى ودعاء خلقه وإحداث ~~دين لم يأذن به الله و ( الزيارة الشرعية ( هي من جنس الإحسان إلى الميت ~~بالدعاء له كالإحسان إليه بالصلاة عليه وهى من العبادات لله تعالى التى ~~ينفع الله بها الداعى والمدعو له كالصلاة والسلام على النبى وطلب الوسيلة ~~والدعاء لسائر المؤمنين أحيائهم وأمواتهم # وأما المسألة المتنازع فيها فالزيارة المأذون فيها هل فيها إذن للنساء ~~ونسخ للنهى في حقهن أو لم يأذن فيها بل هن منهيات عنها وهل النهي نهي تحريم ~~أو تنزيه في ذلك للعلماء ثلاثة أقوال معروفة والثلاثة أقوال في مذهب ~~الشافعى وأحمد أيضا وغيرهما وقد حكى في ذلك ثلاث روايات عن أحمد وهو نظير ~~تنازعهم في تشييع النساء للجنائز وإن كان فيهم من يرخص في الزيارة دون ~~التشييع كما اختار ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم # فمن العلماء من اعتقد أن النساء مأذون لهن في الزيارة وأنه أذن ~~PageV24P343 لهن كما أذن للرجال وأعتقد أن قوله ( فزوروها فإنها تذكركم ~~الآخرة ( خطاب عام للرجال والنساء والصحيح أن النساء لم يدخلن في الإذن في ~~زيارة القبور لعدة أوجه # أحدها أن قوله صلى الله عليه وسلم ( فزوروها ( صيغة تذكير وصيغة التذكير ~~إنما تتناول الرجال بالوضع وقد تتناول النساء أيضا على سبيل التغليب لكن ~~هذا فيه قولان قيل إنه يحتاج إلى دليل منفصل وحينئذ فيحتاج تناول ذلك ~~للنساء إلى دليل منفصل وقيل انه يحمل على ذلك عند الاطلاق وعلى هذا فيكون ~~دخول النساء بطريق العموم الضعيف والعام لا يعارض الأدلة الخاصة المستفيضة ~~في نهى النساء كما سنذكره إن شاء الله تعالى بل ولا ينسخها عند جمهور ~~العلماء وإن ms7291 علم تقدم الخاص على العام # الوجه الثانى أن يقال لو كان النساء داخلات في الخطاب لاستحب لهن زيارة ~~القبور كما استحب للرجال عند الجمهور لأن النبى صلى الله عليه وسلم علل ~~بعلة تقتضي الاستحباب وهى قوله ( فإنها تذكركم الآخرة ( ولهذا تجوز زيارة ~~قبور المشركين لهذه العلة كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه زار قبر أمه وقال ~~( استأذنت ربي في أن أستغفر لأمى فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها ~~فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة PageV24P344 # وأما زيارته لأهل البقيع فذلك فيه أيضا الاستغفار لهم والدعاء كما علم ~~النبى صلى الله عليه وسلم أمته إذا زاروا قبور المؤمنين أن يسلموا عليهم ~~ويدعوا لهم فلو كانت زيارة القبور مأذونا فيها للنساء لا ستحب لهن كما ~~استحب للرجال لما فيها من الدعاء للمؤمنين وتذكر الموت وما علمنا أن أحدا ~~من الأئمة استحب لهن زيارة القبور ولا كان النساء على عهد النبى وخلفائه ~~الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور كما يخرج الرجال # والذين رخصوا في الزيارة اعتمدوا على ما يروى عن عائشة رضى الله عنها ~~أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن وكان قد مات في غيبتها وقالت لو شهدتك لما ~~زرتك وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء كما تستحب للرجال إذ لو ~~كان كذلك لاستحب لها زيارته كما تستحب للرجال زيارته سواء شهدته أو لم ~~تشهده # وأيضا فإن الصلاة على الجنائز أوكد من زيارة القبور ومع هذا فقد ثبت في ~~الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن اتباع الجنائز وفي ذلك ~~تفويت صلاتهن على الميت فإذا لم يستحب لهن اتباعها لما فيها من الصلاة ~~والثواب فكيف بالزيارة PageV24P345 # الوجه الثالث أن يقال غاية ما يقال في قوله ( فزوروا القبور ( خطاب عام ~~ومعلوم أن قوله ( من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله ~~قيراطان ( هو أدل على العموم من صيغة التذكير فإن لفظ ( من ( يتناول الرجال ~~والنساء باتفاق الناس وإن خالف فيه من لا يدرى ما ms7292 يقول ولفظ ( من ( أبلغ ~~صيغ العموم ثم قد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء ~~لنهى النبى لهن عن اتباع الجنائز سواء كان نهي تحريم أو تنزيه فإذا لم ~~يدخلن في هذا العموم فكذلك في ذلك بطريق الأولى وكلاهما من جنس واحد فان ~~تشييع الجنازة من جنس زيارة القبور قال الله تعالى @QB@ ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ فنهى نبيه عن الصلاة على المنافقين ~~وعن القيام على قبورهم # وكان دليل الخطاب وموجب التعليل يقتضي أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على ~~قبورهم وذلك كما قال أكثر المفسرين هو القيام بالدعاء والاستغفار وهو مقصود ~~زيارة قبور المؤمنين فإذا كان النساء لم يدخلن في عموم اتباع الجنائز مع ما ~~في ذلك من الصلاة على الميت فلأن لا يدخلن في زيارة القبور التى غايتها دون ~~الصلاة عليه بطريق PageV24P346 الأولى بخلاف ما إذا أمكن النساء أن يصلين ~~على الميت بلا اتباع كما يصلين عليه في البيت فإن ذلك بمنزلة الدعاء له ~~والاستغفار في البيت # وإذا قيل مفسدة الاتباع للجنائز أعظم من مفسدة الزيارة لأن المصيبة حديثة ~~وفي ذلك أذى للميت وفتنة للحى بأصواتهن وصورهن قيل ومطلق الاتباع أعظم من ~~مصلحة الزيارة لأن في ذلك الصلاة عليه التى هي أعظم من مجرد الدعاء ولأن ~~المقصود بالاتباع الحمل والدفن والصلاة فرض على الكفاية وليس شيء من ~~الزيارة فرضا على الكفاية وذلك الفرض يشترك فيه الرجال والنساء بحيث لو مات ~~رجل وليس عنده إلا نساء لكان حمله ودفنه والصلاة عليه فرضا عليهن وفى ~~تغسيلهن للرجال نزاع وتفصيل وكذلك إذا تعذر غسل الميت هل ييمم فيه نزاع ~~معروف وهو قولان في مذهب أحمد وغيره فإذا كان النساء منهيات عما جنسه فرض ~~على الكفاية ومصلحته أعظم إذا قام به الرجال فما ليس بفرض على أحد أولى # وقول القائل مفسدة التشييع أعظم ممنوع بل إذا رخص للمرأة في الزيارة كان ~~ذلك مظنة تكرير ذلك فتعظم فيه المفسدة ويتجدد الجزع والأذى للميت فكان ذلك ~~مظنة ms7293 قصد الرجال لهن والافتتان بهن كما هو الواقع في كثير من الأمصار فإنه ~~يقع بسبب PageV24P347 زيارة النساء القبور من الفتنة والفواحش والفساد ما ~~لا يقع شيء منه عند اتباع الجنائز # وهذا كله يبين أن جنس زيارة النساء أعظم من جنس اتباعهن وأن نهي الاتباع ~~إذا كان نهي تنزيه لم يمنع أن يكون نهي الزيارة نهي تحريم وذلك أن نهي ~~المرأة عن الاتباع قد يتعذر لفرط الجزع كما يتعذر تسكينهن لفرط الجزع أيضا ~~فإذا خفف هذه القوة المقتضى لم يلزم تخفيف ما لايقوى المقتضى فيه وإذا عفا ~~الله تعالى للعبد عما لا يمكن تركه الا بمشقة عظيمة لم يلزم ان يعفو له عما ~~يمكنه تركه بدون هذه المشقة الواجبة # الوجه الرابع ان يقال قد جاء عن النبى من طريقين انه لعن زوارات القبور ~~فعن أبى هريرة رضي الله عنه ( أن النبى لعن زائرات القبور ( رواه الإمام ~~أحمد وإبن ماجه والترمذى وصححه وعن إبن عباس رضي الله عنهما ( أن النبى لعن ~~زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( رواه الإمام أحمد وأبو ~~داود والنسائى والترمذى وحسنه وفى نسخ تصحيحه ورواه بن ماجه من ذكر الزيارة ~~PageV24P348 فإن قيل الحديث الأول رواه عمر بن أبى سلمة وقد قال فيه على بن ~~المدينى تركه شعبة وليس بذاك وقال بن سعد كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه ~~وقال السعدى والنسائى ليس بقوي الحديث والثانى فيه أبو صالح باذام مولى أم ~~هانئ وقد ضعفوه قال أحمد كان بن مهدى ترك حديث أبى صالح وكان أبو حاتم يكتب ~~حديثه ولا يحتج به وقال بن عدى عامة ما يرويه تفسير وما أقل ماله في المسند ~~ولم أعلم أحدا من المتقدمين رضيه # قلت الجواب على هذا من وجوه # أحدها أن يقال كل من الرجلين قد عدله طائفة من العلماء كما جرحه آخرون ~~أما عمر فقد قال فيه أحمد بن عبد الله العجلي ليس به بأس وكذلك قال يحيى بن ~~معين ليس به بأس وبن معين وأبو حاتم من أصعب الناس تزكية ms7294 # وأما قول من قال تركه شعبة فمعناه انه لم يرو عنه كما قال أحمد بن حنبل ~~لم يسمع شعبة من عمر بن أبى سلمة شيئا وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن ~~مهدى ومالك ونحوهم قد كانوا يتركون الحديث عن أناس لنوع شبهة بلغتهم لا ~~توجب رد PageV24P349 أخبارهم فهم إذا رووا عن شخص كانت روايتهم تعديلا له ~~وأما ترك الرواية فقد يكون لشبهة لا توجب الجرح وهذا معروف في غير واحد قد ~~خرج له في الصحيح # وكذلك قول من قال ليس بقوى في الحديث عبارة لينة تقتضى أنه ربما كان في ~~حفظه بعض التغير ومثل هذه العبارة لا تقتضى عندهم تعمد الكذب ولا مبالغة في ~~الغلط # وأما أبو صالح فقد قال يحيى بن سعيد القطان لم أر أحدا من أصحابنا ترك ~~أبا صالح مولى أم هانئ وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا ولم يتركه ~~شعبة ولا زائدة فهذه رواية شعبة عنه تعديل له كما عرف من عادة شعبة وترك ~~إبن مهدى له لا يعارض ذلك فإن يحيى بن سعيد أعلم بالعلل والرجال من بن مهدى ~~فإن أهل الحديث متفقون على أن شعبة ويحيى بن سعيد أعلم بالرجال من بن مهدى ~~وأمثاله # وأما قول أبى حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به فأبو حاتم يقول مثل هذا في ~~كثير من رجال الصحيحين وذلك أن شرطه في التعديل صعب والحجة في اصطلاحه ليس ~~هو الحجة في جمهور أهل العلم PageV24P350 # وهذا كقول من قال لا أعلم أنهم رضوه وهذا يقتضى أنه ليس عندهم من الطبقة ~~العالية ولهذا لم يخرج البخارى ومسلم له ولأمثاله لكن مجرد عدم تخريجهما ~~للشخص لا يوجب رد حديثه وإذا كان كذلك فيقال إذا كان الجارح والمعدل من ~~الأئمة لم يقبل الجرح الا مفسرا فيكون التعديل مقدما على الجرح المطلق # الوجه الثانى ان حديث مثل هؤلاء يدخل في الحسن الذى يحتج به جمهور ~~العلماء فإذا صححه من صححه كالترمذى وغيره ولم يكن فيه من الجرح إلا ما ذكر ~~كان ms7295 أقل أحواله أن يكون من الحسن # الوجه الثالث أن يقال قد روى من وجهين مختلفين أحدهما عن بن عباس والآخر ~~عن أبي هريرة ورجال هذا ليس رجال هذا فلم يأخذه أحدهما عن الآخر وليس في ~~الإسنادين من يتهم بالكذب وإنما التضعيف من جهة سوء الحفظ ومثل هذا حجة بلا ~~ريب وهذا من أجود الحسن الذى شرطه الترمذى فإنه جعل الحسن ما تعددت طرقه ~~ولم يكن فيها متهم ولم يكن شاذا أى مخالفا لما ثبت بنقل الثقاة وهذا الحديث ~~تعددت طرقه وليس فيه متهم ولا خالفه أحد من الثقاة وذلك أن الحديث إنما ~~يخاف فيه من شيئين إما تعمد الكذب وإما خطأ الراوى فإذا كان من وجهين لم ~~يأخذه أحدهما PageV24P351 عن الآخر وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوى ~~الكذب فيه علم أنه ليس بكذب لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب # وأما الخطأ فإنه مع التعدد يضعف ولهذا كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~يطلبان مع المحدث الواحد من يوافقه خشية الغلط ولهذا قال تعالى في المرأتين ~~@QB@ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى @QE@ هذا لو كانا عن صاحب واحد ~~فكيف وهذا قد رواه عن صاحب وذلك عن آخر وفى لفظ أحدهما زيادة على لفظ الآخر ~~فهذا كله ونحوه مما يبين أن الحديث في الأصل معروف # فإن قيل فهب أنه صحيح لكنه منسوخ فإن الأول ينسخه ويدل على ذلك ما رواه ~~الأثرم واحتج به أحمد في روايته ورواه إبراهيم بن الحارث عن عبد الله بن ~~أبى مليكة أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها يا أم ~~المؤمنين أليس كان نهى رسول الله عن زيارة القبور قالت نعم كان نهى عن ~~زيارة القبور ثم أمر بزيارتها ( قيل الجواب عن هذا من وجوه # أحدها أنه قد تقدم الخطاب بأن الإذن لم يتناول النساء فلا يدخلن في الحكم ~~الناسخ PageV24P352 الثانى خاص في النساء وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~لعن الله زوارات القبور أو زائرات القبور ms7296 ( وقوله ( فزوروها ( بطريق التبع ~~فيدخلن بعموم ضعيف إما أن يكون مختصا بالرجال وإما أن يكون متناولا للنساء ~~والعام إذا عرف أنه بعد الخاص لم يكن ناسخا له عند جمهور العلماء وهو مذهب ~~الشافعى وأحمد في أشهر الروايتين عنه وهو المعروف عند أصحابه فكيف إذا لم ~~يعلم أن هذا العام بعد الخاص إذ قد يكون قوله ( لعن الله زوارات القبور ( ~~بعد إذنه للرجال في الزيارة ويدل على ذلك انه قرنه بالمتخذين عليها المساجد ~~والسرج وذكر هذا بصيغة التذكير التى تتناول الرجال ولعن الزائرات جعله ~~مختصا بالنساء ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج باق محكم كما دلت عليه ~~الأحاديث الصحيحة فكذلك الآخر # واما ما ذكر عن عائشة رضى الله عنها فأحمد احتج به في إحدى الروايتين عنه ~~لما أداه اجتهاده إلى ذلك والرواية الأخرى عنه تناقض ذلك وهى اختيار الخرقى ~~وغيره من قدماء أصحابه # ولا حجة في حديث عائشة فإن المحتج عليها 4 احتج بالنهى العام فدفعت ذلك ~~بأن النهى منسوخ وهو كما قالت رضى الله عنها ولم يذكر لها المحتج النهى ~~المختص بالنساء الذى فيه لعنهن على الزيارة يبين ذلك قولها ( قد أمر ~~بزيارتها ( فهذا يبين أنه أمر بها أمرا PageV24P353 يقتضى الاستحباب ~~والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة ولكن عائشة بينت أن أمره الثانى نسخ ~~نهيه الأول فلم يصلح أن يحتج به وهو النساء على أصل الإباحة ولو كانت عائشة ~~تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجال ~~ولم تقل لأخيها لما زرتك # الجواب الثالث جواب من يقول بالكراهة من أصحاب أحمد والشافعى وهو أنهم ~~قالوا حديث اللعن يدل على التحريم وحديث الإذن يرفع التحريم وبقى أصل ~~الكراهة يؤيد هذا قول أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا ~~والزيارة من جنس الإتباع فيكون كلاهما مكروها غير محرم # الجواب الرابع جواب طائفة منهم كإسحاق بن راهويه فإنهم يقولون اللعن قد ~~جاء بلفظ الزوارات وهن المكثرات للزيارة فالمرة الواحدة في الدهر لا تتناول ~~ذلك ولا تكون المرأة زائرة ms7297 ويقولون عائشة زارت مرة واحدة ولم تكن زوارة # وأما القائلون بالتحريم فيقولون قد جاء بلفظ ( الزوارات ( ولفظ الزوارات ~~قد يكون لتعددهن كما يقال فتحت الأبواب إذ لكل باب فتح يخصه ومنه قوله ~~تعالى @QB@ حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها @QE@ PageV24P354 ومعلوم أن لكل ~~باب فتحا واحدا قالوا ولأنه لا ضابط في ذلك بين ما يحرم ومالا يحرم واللعن ~~صريح في التحريم # ومن هؤلاء من يقول التشييع كذلك ويحتج بما روى في التشييع من التغليظ ~~كقوله ( ارجعن مأزورات غير مأجورات فإنكن تفتن الحى وتؤذين الميت ( وقوله ~~لفاطمة رضى الله عنها ( أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخل الجنة حتى يكون ~~كذا وكذا ( وهذان يؤيدهما ما ثبت في الصحيحين من أنه ( نهى النساء عن اتباع ~~الجنائز ( وأما قول أم عطية ولم يعزم علينا فقد يكون مرادها لم يؤكد النهى ~~وهذا لا ينفي التحريم وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهى تحريم والحجة في قول ~~النبى لا في ظن غيره # الجواب الخامس أن النبى علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر بالموت ويرقق ~~القلب ويدمع العين هكذا في مسند أحمد ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها ~~هذاالباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة لما فيها من الضعف وكثرة الجزع ~~وقلة الصبر # وأيضا فإن ذلك سبب لتأذى الميت ببكائها ولافتتان الرجال PageV24P355 ~~بصوتها وصورتها كما جاء في حديث آخر ( فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت ( وإذا ~~كانت زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال والحكمة ~~هنا غير مضبوطة فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذى لا يفضى إلى ذلك ولا ~~التمييز بين نوع ونوع # ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو غير منتشرة علق الحكم ~~بمظنتها فيحرم هذا الباب سدا للذريعة كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما ~~في ذلك من الفتنة وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك من النظر وليس في ذلك ~~من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة فإنه ليس في ذلك الا دعاؤها للميت وذلك ~~ممكن في بيتها ولهذا قال الفقهاء إذا ms7298 علمت المرأة من نفسها أنها إذا زارت ~~المقبرة بدا منها ما لا يجوز من قول أو عمل لم تجز لها الزيارة بلا نزاع ### ||| فصل # وأما الحديث المذكور في زيارة قبر النبى فهو ضعيف وليس في زيارة قبر ~~النبى صلى الله عليه وسلم حديث حسن ولا صحيح ولا روى أهل السنن المعروفة ~~كسنن أبى داود والنسائى وبن ماجه والترمذى ولا أهل المسانيد المعروفة كمسند ~~أحمد PageV24P356 ونحوه ولا أهل المصنفات كموطأ مالك وغيره في ذلك شيئا بل ~~عامة ما يروى في ذلك أحاديث مكذوبة موضوعة كما يروى عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( من زارنى وزار أبى إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة ( ~~وهذا حديث موضوع كذب باتفاق أهل العلم # وكذلك ما يروى أنه قال ( من زارنى بعد مماتى فكأنما زارني في حياتى ومن ~~زارنى بعد مماتى ضمنت له على الله الجنة ( ليس لشيء من ذلك أصل وإن كان قد ~~روى بعض ذلك الدارقطنى والبزار في مسنده فمدار ذلك على عبد الله بن عمر ~~العمرى أو من هو أضعف منه ممن لا يجوز أن يثبت بروايته حكم شرعى # وإنما اعتمد الأئمة في ذلك على ما رواه أبو داود في السنن عن أبى هريرة ~~عن النبى أنه قال ( ما من رجل يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه ~~السلام ( وكما في سنن النسائى عن النبى أنه قال ( ان الله وكل بقبرى ملائكة ~~تبلغنى عن أمتى السلام ( فالصلاة والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله ~~فلهذا استحب ذلك العلماء # ومما يبين ذلك أن مالكا رحمه الله كره أن يقول الرجل PageV24P357 زرت قبر ~~النبى صلى الله عليه وسلم ومالك قد أدرك الناس من التابعين وهم أعلم الناس ~~بهذه المسألة فدل ذلك على أنه لم تكن تعرف عندهم ألفاظ زيارة قبر النبى ~~ولهذا كره من كره من الأئمة أن يقف مستقبل القبر يدعو بل وكره مالك وغيره ~~أن يقوم للدعاء لنفسه هناك وذكر أن هذا لم يكن من عمل ms7299 الصحابة والتابعين ~~وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها # وقد ذكروا في أسباب كراهته أن يقول زرت قبر النبى لأن هذا اللفظ قد صار ~~كثير من الناس يريد به الزيارة البدعية وهي قصد الميت لسؤاله ودعائه ~~والرغبة إليه في قضاء الحوائج ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس فهم يعنون ~~بلفظ الزيارة مثل هذا وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة فكره مالك أن يتكلم ~~بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد بخلاف الصلاة عليه والسلام فإن ذلك مما أمر ~~الله به # أما لفظ الزيارة في عموم القبور فقد لا يفهم منها مثل هذا المعنى ألا ترى ~~إلى قوله ? < فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة > ? مع زيارته لقبر أمه ~~فإن هذا ينتاول زيارة قبور الكفار فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه ~~وسؤاله والإستغاثة به ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع بخلاف ما إذا ~~كان المزور معظما في الدين PageV24P358 كالأنبياء والصالحين فإنه كثيرا ما ~~يعنى بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية والشركية فلهذا كره مالك ذلك في ~~مثل هذا وإن لم يكره ذلك في موضع آخر ليس فيه هذه المفسدة # فلا يمكن أحدا أن يروى بإسناد ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~أصحابه شيئا في زيارة قبر النبى بل الثابت عنه في الصحيحين يناقض المعنى ~~الفاسد الذى ترويه الجهال بهذا اللفظ كقوله ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا ~~على فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم ( وقوله ( لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا ( قالت عائشة رضي الله عنها ~~ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وقوله ( ان من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مسإجد فانى أنهاكم عن ذلك ~~( وقوله ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ( وأشباه هذه الأحاديث التى في ~~الصحاح والسنن والكتب المعتمدة # فكيف يعدل من له علم وايمان عن موجب هذه النصوص الثابتة باتفاق أهل ~~الحديث إلى ما يناقض معناها من الأحاديث التى لم يثبت منها شيئا ms7300 أحد من أهل ~~العلم والله سبحانه أعلم وصلى الله على محمد PageV24P359 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله ( # عن زيارة النساء القبور هل ورد في ذلك حديث عن النبى أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين صح عن رسول الله من حديث أبى هريرة رضى الله ~~عنه قال ( لعن الله زوارات القبور ( رواه أحمد وبن ماجه والترمذى وصححه وعن ~~بن عباس رضى الله عنه قال ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات ~~القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( رواه أهل السنن الأربعة أبو داود ~~والنسائى والترمذى وبن ماجه وقال الترمذى حديث حسن وأخرجه أبو حاتم في ~~صحيحه وعلى هذا العمل في أظهر قولى أهل العلم أنه نهى زوارات القبور عن ذلك ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ~~فإنها تذكركم الآخرة ( # فإن قيل فالنهى عن ذلك منسوخ كما قال ذلك أهل القول الآخر قيل هذا ليس ~~بجيد لأن قوله ( كنت نهيتكم عن زيارة PageV24P360 القبور فزوروها ( هذا ~~خطاب للرجال دون النساء فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور أو متناول ~~لغيرهم بطريق التبع فإن كان مختصا بهم فلا ذكر للنساء وإن كان متناولا ~~لغيرهم كان هذا اللفظ عاما وقوله ( لعن الله زوارات القبور ( خاص بالنساء ~~دون الرجال ألا تراه يقول ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها ~~المساجد والسرج ( فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله سواء ~~كانوا ذكورا أو اناثا وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارات دون ~~الرجال وإذا كان هذا خاصا ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان متقدما على ~~العام عند عامة أهل العلم كذلك لو علم أنه كان بعدها # وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم ( من صلى على جنازة فله قيراط ومن ~~تبعها حتى تدفن فله قيراطان ( فهذا عام والنساء لم يدخلن في ذلك لأنه ثبت ~~عنه في الصحيح أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز عن عبد الله بن عمر قال ~~سرنا مع رسول الله يعنى ( نشيع ) ميتا فلما فرغنا انصرف رسول ms7301 الله وانصرفنا ~~معه فلما توسطنا الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة فلما دنت إذا هي فاطمة فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما أخرجك يا فاطمة من بيتك قالت أتيت ~~يا رسول الله أهل هذا PageV24P361 البيت فعزيناهم بميتهم فقال رسول الله ~~لعلك بلغت معهم الكدى أما إنك لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها ~~جد أبيك ( رواه أهل السنن ورواه أبو حاتم في صحيحه وقد فسر ( الكدى ( ~~بالقبور والله أعلم ! 8 < ### || 1 ( رسالة في أحوال الميت ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله # هل الميت يسمع كلام زائره ويرى شخصه وهل تعاد روحه إلى جسده في ذلك الوقت ~~أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره وهل تصل إليه القراءة والصدقة ~~من ناحليه وغيرهم سواء كان من المال الموروث عنه وغيره وهل تجمع روحه مع ~~أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله سواء كان مدفونا قريبا منهم أو بعيدا ~~وهل تنقل روحه إلى جسده في ذلك الوقت أو يكون بدنه إذا مات في بلد بعيد ~~ودفن بها ينقل إلى الأرض التى ولد بها وهل يتأذى ببكاء أهله عليه والمسؤول ~~من أهل العلم رضي الله عنهم الجواب عن هذه الفصول فصلا فصلا جوابا واضحا ~~مستوعبا لما ورد فيه من الكتاب والسنة وما نقل فيه عن الصحابة رضى الله ~~عنهم وشرح مذاهب الأئمة والعلماء أصحاب المذاهب واختلافهم وما الراجح من ~~أقوالهم مأجورين إن شاء الله تعالى PageV24P362 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب ~~العالمين نعم يسمع الميت في الجملة كما ثبت في الصحيحين عن النبى أنه قال ( ~~يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه ( وثبت عن النبى ( أنه ترك قتلى بدر ثلاثا ~~ثم أتاهم فقال يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف ياعتبة بن ربيعة يا شيبة ~~بن ربيعة هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإنى وجدت ما وعدنى ربى حقا ( فسمع ~~عمر رضي الله عنه ذلك فقال يا رسول الله كيف يسمعون وأنى يجيبون وقد جيفوا ~~فقال ( والذى نفسى بيده ما أنت بأسمع ms7302 لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن ~~يجيبوا ( ثم أمر بهم فسحبوا في قليب بدر وكذلك في الصحيحين عن عبد الله بن ~~عمر ( أن النبى صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما ~~وعدكم ربكم حقا وقال إنهم يسمعون الآن ما أقول ( # وقد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه كان يأمر بالسلام على أهل القبور ~~ويقول ( قولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وانا ان شاء ~~الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله ~~لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ( ~~فهذا خطاب لهم وإنما يخاطب من يسمع وروى بن عبد البر عن النبى PageV24P363 ~~أنه قال ( ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ~~الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ( # وفى السنن عنه أنه قال ( اكثروا من الصلاة على يوم الجمعة وليلة الجمعة ~~فإن صلاتكم معروضة على فقالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ~~يعنى صرت رميما فقال إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ( ~~وفى السنن أنه قال ( إن الله وكل بقبرى ملائكة يبلغونى عن أمتى السلام ( # فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي ولا يجب أن ~~يكون السمع له دائما بل قد يسمع في حال دون حال كما قد يعرض للحي فإنه قد ~~يسمع أحيانا خطاب من يخاطبه وقد لا يسمع لعارض يعرض له وهذا السمع سمع ~~إدراك ليس يترتب عليه جزاء ولا هو السمع المنفي بقوله @QB@ إنك لا تسمع ~~الموتى @QE@ فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال فان الله جعل الكافر ~~كالميت الذى لا يستجيب لمن دعاه وكالبهائم التى تسمع الصوت ولا تفقه المعنى ~~فالميت وان سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعى ولا امتثال ~~ما أمر به ونهى عنه فلا ينتفع بالأمر والنهى وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر ~~والنهي وان سمع الخطاب ms7303 وفهم المعنى كما PageV24P364 قال تعالى @QB@ ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم @QE@ # وأما رؤية الميت فقد روى في ذلك آثار عن عائشة وغيرها ### ||| فصل # وأما قول القائل هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره ~~في ذلك الوقت وغيره فإن روحه تعاد إلى البدن في ذلك الوقت كما جاء في ~~الحديث وتعاد أيضا في غير ذلك وأرواح المؤمنين في الجنة كما في الحديث الذى ~~رواه النسائى ومالك والشافعى وغيرهم ? < أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر ~~الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه > ? وفى لفظ ? < ثم تأوى إلى ~~قناديل معلقة بالعرش > ? ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله وذلك في اللحظة ~~بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم # وهذا جاء في عدة آثار أن الأرواح تكون في أفنية القبور قال مجاهد الأرواح ~~تكون على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه فهذا يكون ~~أحيانا وقال مالك بن أنس بلغنى أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت والله أعلم ~~PageV24P365 ### ||| فصل # وأما ( القراءة والصدقة ( وغيرهما من أعمال البر فلا نزاع بين علماء ~~السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية كالصدقة والعتق كما يصل إليه ~~أيضا الدعاء والاستغفار والصلاة عليه صلاة الجنازة والدعاء عند قبره # وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية كالصوم والصلاة والقراءة والصواب أن ~~الجميع يصل إليه فقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه قال ( من مات وعليه صيام ~~صام عنه وليه ( وثبت أيضا ( أنه أمر امرأة ماتت أمها وعليها صوم أن تصوم عن ~~أمها ( وفى المسند عن النبى أنه قال لعمرو بن العاص ( لو أن أباك أسلم ~~فتصدقت عنه أو صمت أو اعتقت عنه نفعه ذلك ( وهذا مذهب أحمد وأبى حنيفة ~~وطائفة من أصحاب مالك والشافعى # وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ ~~فيقال له قد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة أنه يصلي PageV24P366 عليه ~~ويدعى له ويستغفر له وهذا من سعى غيره وكذلك قد ثبت ما سلف من أنه ms7304 ينتفع ~~بالصدقة عنه والعتق وهو من سعى غيره وما كان من جوابهم في موارد الاجماع ~~فهو جواب الباقين في مواقع النزاع وللناس في ذلك أجوبة متعددة # لكن الجواب المحقق في ذلك أن الله تعالى لم يقل إن الانسان لا ينتفع الا ~~بسعى نفسه وإنما قال @QB@ ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ فهو لا يملك الا ~~سعيه ولا يستحق غير ذلك وأما سعى غيره فهو له كما أن الإنسان لا يملك إلا ~~مال نفسه ونفع نفسه فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير لكن إذا تبرع له ~~الغير بذلك جاز # وهكذا هذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك كما ينفعه بدعائه له ~~والصدقة عنه وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم سواء كان من أقاربه أو ~~غيرهم كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره PageV24P367 ### ||| فصل # وأما قوله هل تجتمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه ففي الحديث عن أبى أيوب ~~الأنصارى وغيره من السلف ورواه أبو حاتم في الصحيح عن النبى ( أن الميت إذا ~~عرج بروحه تلقته الأرواح يسألونه عن الأحياء فيقول بعضهم لبعض دعوه حتى ~~يستريح فيقولون له ما فعل فلان فيقول عمل عمل صلاح فيقولون ما فعل فلان ~~فيقول ألم يقدم عليكم فيقولون لا فيقولون ذهب به إلى الهاوية ( ولما كانت ~~أعمال الأحياء تعرض على الموتى كان أبو الدرداء يقول ( اللهم إنى أعوذ بك ~~أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة ( فهذا اجتماعهم عند قدومه ~~يسألونه فيجيبهم # وما استقرارهم فبحسب منازلهم عند الله فمن كان من المقربين كانت منزلته ~~أعلى من منزلة من كان من أصحاب اليمين لكن الأعلى ينزل إلى الاسفل والأسفل ~~لا يصعد إلى الاعلى فيجتمعون إذا شاء الله كما يجتمعون في الدنيا مع تفاوت ~~منازلهم ويتزاورون PageV24P368 وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا أو ~~متقاربة قد تجتمع الأرواح مع تباعد المدافن وقد تفترق مع تقارب المدافن ~~يدفن المؤمن عند الكافر وروح هذا في الجنة وروح هذا في النار والرجلان ~~يكونان ms7305 جالسين أو نائمين في موضع واحد وقلب هذا ينعم وقلب هذا يعذب وليس ~~بين الروحين اتصال فالأرواح كما قال النبى ( جنود مجندة فما تعارف منها ~~ائتلف وما تناكر منها اختلف ( # والبدن لا ينقل إلى موضع الولادة بل قد جاء ( أن الميت يذر عليه من تراب ~~حفرته ( ومثل هذا لا يجزم به ولا يحتج به بل أجود منه حديث آخر فيه ( أنه ~~ما من ميت يموت في غير بلده الا قيس له من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في ~~الجنة ( والانسان يبعث من حيث مات وبدنه في قبره مشاهد فلا تدفع المشاهدة ~~بظنون لا حقيقة لها بل هي مخالفة في العقل والنقل ### ||| فصل # وأما قول السائل هل يؤذيه البكاء عليه فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف ~~والخلف والعلماء والصواب PageV24P369 أنه يتأذى بالبكاء عليه كما نطقت به ~~الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ان الميت يعذب ~~ببكاء أهله عليه وفي لفظ من ينح عليه يعذب بما نيح عليه ( وفى الحديث ~~الصحيح أن عبد الله بن رواحة لما أغمي عليه جعلت أخته تندب وتقول واعضداه ~~واناصراه فلما أفاق قال ما قلت لي شيئا إلا قيل لى أكذلك أنت # وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب ~~الإنسان بذنب غيره فهو مخالف لقوله تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ ~~ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة # فمنهم من غلط الرواة لها كعمر بن الخطاب وغيره وهذه طريقة عائشة والشافعى ~~وغيرهما # ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به فيعذب على ايصائه وهو قول طائفة ~~كالمزنى وغيره # ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كانت عادتهم فيعذب على ترك النهى عن المنكر ~~وهو اختيار طائفة منهم جدى أبو البركات وكل PageV24P370 هذه الأقوال ضعيفة ~~جدا # والأحاديث الصحيحة الصريحة التى يرويها مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ~~وأبي موسى الأشعرى وغيرهم لا ترد بمثل هذا وعائشة أم المؤمنين رضى الله ~~عنها لها مثل هذا نظائر ترد ms7306 الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها ~~بطلان معناه ولا يكون الأمر كذلك ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح ~~الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا الا كان مخطئا # وعائشة رضى الله عنها روت عن النبى لفظين وهي الصادقة فيما نقلته فروت عن ~~النبى قوله ( ان الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ( وهذا موافق ~~لحديث عمر فإنه إذا جاز أن يزيده عذابا ببكاء أهله جاز أن يعذب غيره ابتداء ~~ببكاء أهله ولهذا رد الشافعى في مختلف الحديث هذا الحديث نظرا إلى المعنى ~~وقال الأشبه روايتها الأخرى ( أنهم يبكون عليه وأنه ليعذب في قبره ( # والذين اقروا هذا الحديث على مقتضاه ظن بعضهم ان هذا من باب عقوبة ~~الإنسان بذنب غيره وان الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد واعتقد هؤلاء أن ~~الله يعاقب الانسان بذنب غيره فجوزوا PageV24P371 أن يدخلوا أولاد الكفار ~~النار بذنوب آبائهم وهذا وإن كان قد قاله طوائف منتسبة إلى السنة فالذى دل ~~عليه الكتاب والسنة ان الله لا يدخل النار الا من عصاه كما قال @QB@ لأملأن ~~جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ فلابد أن يملأ جهنم من اتباع ابليس ~~فإذا امتلأت لم يكن لغيرهم فيها موضع فمن لم يتبع ابليس لم يدخل النار # وأطفال الكفار أصح الأقوال فيهم أن يقال فيهم الله أعلم بما كانوا عاملين ~~كما قد أجاب بذلك النبى في الحديث الصحيح فطائفة من أهل السنة وغيرهم قالوا ~~أنهم كلهم في النار واختار ذلك القاضي أبو يعلى وغيره وذكر انه منصوص عن ~~أحمد وهو غلط على أحمد وطائفة جزموا أنهم كلهم في الجنة واختار ذلك أبو ~~الفرج بن الجوزى وغيره واحتجوا بحديث فيه رؤيا النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~لما رأى إبراهيم الخليل وعنده أطفال المؤمنين قيل يا رسول الله وأطفال ~~المشركين قال وأطفال المشركين ( # والصواب أن يقال فيهم الله أعلم بما كانوا عاملين ولا يحكم لمعين منهم ~~بجنة ولا نار وقد جاء في عدة أحاديث أنهم يوم القيامة في عرصات القيامة ms7307 ~~يؤمرون وينهون فمن اطاع دخل الجنة ومن PageV24P372 عصى دخل النار وهذا هو ~~الذى ذكره أبو الحسن الأشعرى عن أهل السنة والجماعة # والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهى الجنة والنار وأما عرصات ~~القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ فيقال لأحدهم من ربك وما دينك ~~ومن نبيك وقال تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ~~خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون @QE@ وقد ~~ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبى أنه قال ? < يتجلى الله لعباده في ~~الموقف إذا قيل ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون فيتبع المشركون آلهتهم وتبقى ~~المؤمنون فيتجلى لهم الرب الحق في غير الصورة التى كانوا يعرفون فينكرونه ~~ثم يتجلى لهم في الصورة التى يعرفون فيسجد له المؤمنون وتبقى ظهور ~~المنافقين كقرون البقر فيريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون > ? وذلك قوله @QB@ ~~يوم يكشف عن ساق @QE@ الآية والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا ~~الموضع # والمقصود ها هنا أن الله لا يعذب أحدا في الآخرة الا بذنبه وأنه لا تزر ~~وازرة وزر أخرى وقوله ? < إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه > ? ليس فيه أن ~~النائحة لا تعاقب بل النائحة تعاقب على النياحة كما في PageV24P373 الحديث ~~الصحيح ( أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تلبس يوم القيامة درعا من جرب ~~وسربالا من قطران ( فلا يحمل عمن ينوح وزره أحد # وأما تعذيب الميت فهو لم يقل إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه بل قال ( ~~يعذب ( والعذاب أعم من العقاب فإن العذاب هو الألم وليس كل من تألم بسبب ~~كان ذلك عقابا له على ذلك السبب فإن النبى قال ( السفر قطعة من العذاب يمنع ~~أحدكم طعامه وشرابه ( فسمى السفر عذابا وليس هو عقابا على ذنب # والانسان يعذب بالأمور المكروهة التى يشعر بها مثل الأصوات الهائلة ~~والأرواح الخبيثة والصور القبيحة فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا ~~ولم يكن ذلك عملا له عوقب عليه فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم ~~تكن النياحة ms7308 عملا له يعاقب عليه # وإلانسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس ويتألم برؤية بعضهم وبسماع كلامه ~~ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصى فإنهم ~~يتألمون بها كما جاءت بذلك الآثار فتعذيبهم PageV24P374 بعمل المعاصى عند ~~قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم ثم النياحة سبب العذاب # وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما ~~يدفع عنه من العذاب كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات ~~الهائلة والأرواح والصور القبيحة # وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك إما ~~بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع ~~وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه @QB@ لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء @QE@ وما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم ~~التى هي عذاب فإن ذلك يكفر الله به خطاياه كما ثبت في الصحيحين عن النبى ~~أنه قال ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ( # وفى المسند لما نزلت هذه الآية @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ قال أبو ~~بكر يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا PageV24P375 # فقال ( يا أبا بكر ألست تحزن ألست يصيبك الأذى فإن الجنة طيبة لا يدخلها ~~إلا طيب كما قال تعالى @QB@ طبتم فادخلوها خالدين @QE@ وفى الحديث الصحيح ( ~~أنهم إذا عبروا على الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم ~~من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة والكلام في هذه المسألة ~~مبسوط في غير هذا الجواب والله أعلم بالصواب # وما ذكرنا في أن الموتى يسمعون الخطاب ويصل إليهم الثواب ويعذبون ~~بالنياحة بل وما لم يسأل عنه السائل من عقابهم في قبورهم وغير ذلك فقد يكشف ~~لكثير من أبناء زماننا يقظة ومناما ويعلمون ذلك ويتحققونه وعندنا من ذلك ~~أمور كثيرة لكن الجواب في المسائل العلمية يعتمد ms7309 فيه على ما جاء به الكتاب ~~والسنة فإنه يجب على الخلق التصديق به وما كشف للإنسان من ذلك أو أخبره به ~~من هو صادق عنده فهذا ينتفع به من علمه ويكون ذلك مما يزيده إيمانا وتصديقا ~~بما جاءت به النصوص ولكن لا يجب على جميع الخلق الإيمان بغير ما جاءت به ~~الأنبياء فإن الله عز وجل أوجب التصديق بما جاءت به الأنبياء كما في قوله ~~تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين @QE@ الآية وقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبى صلى الله PageV24P376 عليه وسلم أنه قال ( قد كان في ~~الأمم قبلكم محدثون فان يكن في أمتى أحد فعمر ( # فالمحدث الملهم المكاشف من هذه الأمة يجب عليه أن يزن ذلك بالكتاب والسنة ~~فإن وافق ذلك صدق ما ورد عليه وإن خالف لم يلتفت إليه كما كان يجب على عمر ~~رضى الله عنه وهو سيد المحدثين إذا ألقى في قلبه شيء وكان مخالفا للسنة لم ~~يقبل منه فإنه ليس معصوما وإنما العصمة للنبوة # ولهذا كان الصديق أفضل من عمر فإن الصديق لا يتلقى من قلبه بل من مشكاة ~~النبوة وهى معصومة والمحدث يتلقى تارة عن قلبه وتارة عن النبوة فما تلقاه ~~عن النبوة فهو معصوم يجب اتباعه وما ألهم في قلبه فإن وافق ما جاءت به ~~النبوة فهو حق وإن خالف ذلك فهو باطل # فلهذا لا يعتمد أهل العلم والإيمان في مثل مسائل العلم والدين إلا على ~~نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإن كان عندهم في بعض ذلك شواهد وبينات ~~مما شاهدوه ووجدوه ومما عقلوه وعملوه وذلك ينتفعون به هم في أنفسهم وأما ~~حجة الله تعالى على عباده فهم رسله وإلا فهذه المسائل فيها من الدلائل ~~والاعتبارات العقلية والشواهد PageV24P377 الحسية الكشفية ما ينتفع به من ~~وجد ذلك وقياس بنى آدم وكشفهم تابع لما جاءت به الرسل عن الله تعالى فالحق ~~في ذلك موافق لما جاءت به الرسل عن الله تعالى لا مخالف له ms7310 ومع كونه حقا ~~فلا يفصل الخلاف بين الناس ولا يجب على من لم يحصل له ذلك التصديق به كما ~~يجب التصديق بما عرف أنه معصوم وهو كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم # ولكن من حصل له في مثل هذه الأمور بصيرة أو قياس أو برهان كان ذلك نورا ~~على نور قال بعض السلف بصيرة المؤمن تنطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر ~~فإذا جاء الأثر كان نورا على نور @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور @QE@ قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم @QE@ PageV24P378 ### |||| وسئل رحمه الله # هل يتكلم الميت في قبره أم لا ### ||||| فأجاب # يتكلم وقد يسمع أيضا من كلمه كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( ~~انهم يسمعون قرع نعالهم ( وثبت عنه في الصحيح ( أن الميت يسأل في قبره ~~فيقال له من ربك وما دينك ومن نبيك فيثبت الله المؤمن بالقول الثابت فيقول ~~الله ربى والاسلام دينى ومحمد نبيي ويقال له ما تقول في هذا الرجل الذى بعث ~~فيكم فيقول المؤمن هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به ~~واتبعناه ( وهذا تأويل قوله تعالى @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ وقد صح عن النبى أنها نزلت في ~~عذاب القبر # وكذلك يتكلم المنافق فيقول آه آه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ~~فيضرب بمزربة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان PageV24P379 # وثبت عنه في الصحيح أنه قال ( لولا أن لاتدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من ~~عذاب القبر مثل الذى أسمع ( وثبت عنه في الصحيح أنه نادى المشركين يوم بدر ~~لما ألقاهم في القليب وقال ( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ( والآثار في هذا ms7311 ~~كثيرة منتشرة والله أعلم ### |||| وسئل # عن بكاء الأم والأخوة على الميت هل فيه بأس على الميت ### ||||| فأجاب # أما دمع العين وحزن القلب فلا اثم فيه لكن الندب والنياحة منهى عنه وأى ~~صدقة تصدق بها عن الميت نفعه ذلك ### |||| وسئل # عما يتعلق بالتعزية ### ||||| فأجاب # التعزية مستحبة ففي الترمذى عن النبى أنه قال ( من عزى مصابا فله ~~مثل أجره ( وأما قول القائل PageV24P380 ما نقص من عمره زاد في عمرك فغير ~~مستحب بل المستحب أن يدعى له بما ينفع مثل أن يقول أعظم الله أجرك وأحسن ~~عزاك وغفر لميتك # وأما نقص العمر وزيادته فمن الناس من يقول انه لا يجوز بحال ويحمل ما ورد ~~على زيادة البركة والصواب أنه يحصل نقص وزيادة عما كتب في صحف الملائكة ~~وأما علم الله القديم فلا يتغير # وأما اللوح المحفوظ فهل يغير ما فيه على قولين وعلى هذا يتفق ما ورد في ~~هذا الباب من النصوص # وأما صنعة الطعام لأهل الميت فمستحبة كما قال النبى ( اصنعوا لآل جعفر ~~طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم ( لكن إنما يطيب إذا كان بطيب نفس المهدى وكان ~~على سبيل المعاوضة مثل أن يكون مكافأة عن معروف مثله فإن علم الرجل أنه ليس ~~بمباح لم يأكل منه وان اشتبه أمره فلا بأس بتناول اليسير منه إذا كان فيه ~~مصلحة راجحة مثل تأليف القلوب ونحو ذلك والله أعلم PageV24P381 ### |||| وسئل # عمن يقرأ القرآن وينوح على القبر ويذكر شيئا لا يليق والنساء مكشفات ~~الوجوه والرجال حولهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله النياحة محرمة على الرجال والنساء عند الأئمة المعروفين # وقد ثبت في الصحيح عن النبي ( أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها ~~تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران ( وفى السنن عنه ( أنه لعن ~~النائحة والمستمعة ) وفى الصحيح عنه قال ( ليس منا من لطم الخدود وشق ~~الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ( # وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز وعلى ولي الأمر الأمر ~~بالمعروف والنهى عن هذا المنكر وغيره ومن لم يرتدع فانه يعاقب على ذلك ms7312 بما ~~يزجره لا سيما النوح للنساء عند القبور فان ذلك من المعاصى التى يكرهها ~~الله ورسوله من الجزع PageV24P382 والندب والنياحة وإيذاء الميت وفتنة الحى ~~وأكل أموال الناس بالباطل وترك ما أمر الله به ورسوله من الصبر والاحتساب ~~وفعل أسباب الفواحش وفتح بابها ما يجب على المسلمين أن ينهوا عنه والله ~~أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم PageV24P383 ### | 1 ( كتاب الزكاة ) 1 # ! 8 < قال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله تسليما # أما بعد فان الله تعالى أنعم على عباده بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو ~~أعظم نعمة عليهم ومن قبلها تمت عليه النعمة وأكمل له الدين وجعله من خير ~~أمة أخرجت للناس فبعثه بالهدى ودين الحق وأنزل عليه الكتاب والحكمة وجعل ~~كتابه مهيمنا على ما بين يديه من الكتب وأمر فيه PageV25P005 # بعبادة الله وبالأحسان إلى خلق الله فقال تعالى @QB@ واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ~~ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن ~~الله لا يحب من كان مختالا فخورا @QE@ # وجعل دينه ثلاث درجات إسلام ثم إيمان ثم إحسان # وجعل الاسلام مبنيا على أركان خمسة ومن آكدها الصلاة وهي خمسة فروض وقرن ~~معها الزكاة فمن آكد العبادات الصلاة وتليها الزكاة ففي الصلاة عبادته وفي ~~الزكاة الاحسان إلى خلقه فكرر فرض الصلاة في القرآن في غير آيه ولم يذكرها ~~إلا قرن معها الزكاة # من ذلك قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ وقال @QB@ فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين @QE@ وقال @QB@ وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ # وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة رواه مسلم من حديث عمر أن جبريل ms7313 سأل ~~النبى عن الاسلام PageV25P006 فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وعنه قال أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~وحسابهم على الله ولما بعث معاذا إلى اليمن قال له إنك تقدم على قوم أهل ~~كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~فان هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم ~~وليلة فان هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم فترد على فقرائهم فان هم أطاعوك لذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم ~~واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب ### ||| فصل # وجاء ذكر الصلاة والزكاة في القرآن مجملا فبينه الرسول وان بيانه أيضا من ~~الوحي لأنه سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة PageV25P007 # قال حسان بن عطية كان جبريل ينزل على النبي بالسنة يعلمه إياها كما يعلمه ~~القرآن وقد ذكرت في الصلاة فصلا قبل هذا # والمقصود هنا ذكر الزكاة فنذكر ما تيسر من أحكامها وبعض الأحاديث وشيئا ~~من أقوال الفقهاء فقد سمى الله الزكاة صدقة وزكاة ولفظ الزكاة في اللغة يدل ~~على النمو والزرع يقال فيه زكا إذا نما ولا ينمو إلا إذا خلص من الدغل ~~فلهذا كانت هذه اللفظة في الشريعة تدل على الطهارة @QB@ قد أفلح من زكاها ~~@QE@ @QB@ قد أفلح من تزكى @QE@ نفس المتصدق تزكو وماله يزكو يطهر ويزيد في ~~المعنى # وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة ولا تكون المواساة إلا فيما له مال من ~~الأموال فحد له أنصبة ووضعها في الأموال النامية فمن ذلك ما ينمو بنفسه ~~كالماشية والحرث وما ينمو بتغير عينه والتصرف فيه كالعين وجعل المال ~~المأخوذ على حساب التعب فما وجد من أموال الجاهلية هو أقله تعبا ففيه الخمس ~~ثم ما فيه التعب من ms7314 طرف واحد فيه نصف الخمس وهو العشر فيما سقته السماء وما ~~فيه التعب من طرفين فيه ربع الخمس وهو نصف العشر فيما سقى بالنضح وما فيه ~~التعب في طول السنة كالعين ففيه ثمن ذلك وهو ربع العشر PageV25P008 ### ||| فصل # وافتتح مالك رحمه الله كتاب الزكاة في موطئه بذكر حديث أبى سعيد لأنه أصح ~~ما روى في الباب وكذلك فعل مسلم في صحيحه وفيه ذكر نصاب الورق ونصاب الابل ~~ونصاب الحب والثمر ثم الماشية والعين لا بد فيها من مرور الحول فثنى بما ~~رواه عن أبى بكر وعمر وبن عمر رضي الله عنهم في اعتبار الحول ولو كان قد ~~خالفهم معاوية وبن عباس فما رواه أو قاله الخلفاء حجة على من خالفهم لا ~~سيما الصديق لقوله عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ~~وقوله إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا # ثم ذكر نصاب الذهب والحجة فيه أضعف من الورق فلهذا أخره # ثم ذكر ما تؤخذ الزكاة منه فذكر الأحاديث والآيات في ذلك وأجودها حديث ~~عمر بن الخطاب وكتابه في الصدقة وذكر عن عمر بن عبد العزيز ان الصدقة لا ~~تكون إلا في العين والحرث PageV25P009 # والماشية واختاره وقال بن عبد البر وهو إجماع أن الزكاة فيما ذكر وقال بن ~~المنذر الامام أبو بكر النيسابوري أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب في ~~تسعة أشياء في الابل والبقر والغنم والذهب والفضة والبر والشعير والتمر ~~والزبيب إذا بلغ من كل صنف منها ما تجب فيه الزكاة ### ||| فصل # في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمس أواق ~~صدقة وأشار بخمس أصابعه وفي لفظ ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب ~~صدقة وفي لفظ ثمر بالثاء المثلثة وفي لفظ ليس فيما دون خمس أواق من الورق ~~صدقة ورواه مسلم عن جابر وروى مسلم عن جابر عن النبي أنه قال فيما سقت ~~الأنهار ms7315 والغيم العشر وفيما سقى بالسانية نصف العشر ورواه البخاري من حديث ~~بن عمر ولفظه فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقى بالنضح ~~نصف العشر # وفي الموطأ العيون والبعل والبعل ما شرب بعروقه ويمتد في الارض ~~PageV25P010 ولا يحتاج إلى سقي من الكرم والنخل والعثري ما تسقيه السماء ~~وتسميه العامة العدى وقيل يجمع له ماء المطر فيصير سواقيا يتصل الماء بها # قال أبو عمر بن عبد البر في الحديث الأول فوائد # منها إيجاب الصدقة في هذا المقدار ونفيها عما دونه والذود من الابل من ~~الثلاثة إلى العشر والأوقية اسم لوزن اربعين درهما والنش نصف اوقيه والنواة ~~خمسة دراهم قاله أبو عبيد القاسم بن سلام وما زاد على المائتين وهي الخمس ~~الأواقي فظاهر هذا الحديث إيجاب الزكاة فيه لعدم النص بالعفو عما زاد ونصه ~~على العفو فيما دونها وذلك إيجاب لها في الخمس فما فوقها وعليه أكثر ~~العلماء روي ذلك عن علي وبن عمر وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث ~~وبن ابى ليلى والشافعي وابى يوسف ومحمد واحمد واسحق وابى عبيد وأبى ثور # وقالت طائفة لا شيء في الزيادة حتى يبلغ أربعين درهما # وفي الذهب أربعة دنانير يروى هذا عن عمر وبه قال سعيد والحسن وطاووس ~~وعطاء والزهري ومكحول وعمرو بن دينار PageV25P011 وابو حنيفة وأما ما زاد ~~على الخمسة الأوسق ففيه الزكاة عند الجميع ### ||| فصل # فنصاب الورق التي تجب زكاته مائتا درهم على ما في هذا الحديث وهو قوله ~~خمس اواق من الورق وهذا مجمع عليه وفي حديث انس في الصحيحين ايضا وفي الرقة ~~ربع العشر وأما نصاب الذهب فقد قال مالك في الموطأ السنة التي لا اختلاف ~~فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا كما تجب في مائتى درهم فقد حكى ~~مالك إجماع اهل المدينة وما حكي خلاف الا عن الحسن انه قال لا شيء في الذهب ~~حتى يبلغ أربعين مثقالا نقله بن المنذر وأما الحديث الذي يروى فيه فضعيف # وما دون العشرين فان لم تكن قيمته مائتى ms7316 درهم فلا زكاة فيه بالاجماع وان ~~كان اقل من عشرين وقيمته مائتى درهم ففيه الزكاة عند بعض العلماء من السلف # ودل القرآن والحديث على ايجاب الزكاة في الذهب كما وجبت في الفضة قال ~~تعالى @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ ~~PageV25P012 الآيه وقال النبي ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها زكاتها ~~الحديث وسيأتى أن شاء الله وسواء في ذلك المضروب منها دراهم ودنانير وغير ~~المضروب ### ||| فصل # وهل يضم الذهب إلى الفضة فيكمل بهما النصاب ويزكى أم لا على ستة أقوال # قيل لا يضم احدهما إلى الآخر وهو قول الشافعي وروي عن شريك والحسن بن ~~صالح # وقيل يضم الذهب لأنه تبع ولا يضم الورق إلى الذهب لأنها أصل # وقيل يضم بشرط أن الأقل يتبع الأكثر وهو قول الشعبي والاوزاعي # وقيل يضم لكن بالقيمة وهو قول أبى حنيفة والثوري # وقيل يضم بالأجزاء وهو قول الحسن وقتادة والنخعي PageV25P013 وهو مذهب ~~مالك وصاحب أبي حنيفة أبى يوسف فعند هؤلاء من كان معه عشر دنانير ومائة ~~درهم وجبت الزكاة فان كان قيمة العشرة مائة وخمسين ومعه خمسون درهما لم تجب ~~الزكاة لأن الدينار في الزكاة عشرة دراهم والضم بالأجزاء لا بالقيمة ### ||| فصل # والحول شرط في وجوب الزكاة في العين والماشية كما كان النبي يبعث عما له ~~على الصدقة كل عام وعمل بذلك الخلفاء في الماشية والعين لما علموه من سنته ~~فروى مالك في موطئه عن أبى بكر الصديق وعن عثمان بن عفان وعن عبد الله بن ~~عمر أنهم قالوا هذا شهر زكاتكم وقالوا لا تجب زكاة مال حتى يحول عليه الحول ~~قال أبو عمر بن عبد البر وقد روى هذا عن علي وعبد الله بن مسعود وعليه ~~جماعة الفقهاء قديما وحديثا إلا ما روى عن معاوية وعن بن عباس كما تقدم # فمن ملك نصابا من الذهب أو الورق وأقام في ملكه حولا وجبت فيه الزكاة وان ~~ملك دون النصاب ثم ملك ما يتم النصاب بنى الأول على حول الثاني فالاعتبار ms7317 ~~من يوم كمل النصاب وان ملك PageV25P014 نصابا ثم بعد مدة ملك نصابا بنى كل ~~واحد منهما على حوله وربح المال مضموم إلى أصله يزكى الربح لحول الأصل وإذا ~~كان الاصل نصابا عند الجمهور وان كان الأصل دون النصاب فتم عند الحول نصابا ~~بربحه ففيه الزكاة عند مالك رحمه الله وان كان معه عرض للتجارة ثم ملك ما ~~يكمل النصاب فعليه الزكاة ### ||| فصل # وأما العروض التى للتجارة ففيها الزكاة وقال بن المنذر اجمع أهل العلم أن ~~في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول روي ذلك عن ~~عمر وابنه وبن عباس وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن ~~مهران وطاووس والنخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ~~وحكى عن مالك وداود لا زكاة فيها وفي سنن أبى داود عن سمرة قال كان النبي ~~يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع وروى عن حماس قال مر بى عمر فقال أد ~~زكاة مالك فقلت مالي إلا جعاب وأدم فقال قومها ثم أد زكاتها واشتهرت القصة ~~بلا منكر فهي إجماع PageV25P015 # وأما مالك فمذهبه أن التجار على قسمين متربص ومدير # فالمتربص وهو الذي يشتري السلع وينتظر بها الأسواق فربما أقامت السلع ~~عنده سنين فهذا عنده لا زكاة عليه إلا أن يبيع السلعة فيزكيها لعام واحد ~~وحجته أن الزكاة شرعت في الأموال النامية فاذا زكى السلعة كل عام وقد تكون ~~كاسدة نقصت عن شرائها فيتضرر فاذا زكيت عند البيع فان كانت ربحت فالربح كان ~~كامنا فيها فيخرج زكاته ولا يزكي حتى يبيع بنصاب ثم يزكي بعد ذلك ما يبيعه ~~من كثير وقليل # وأما المدير وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول فلا يستقر بيده سلعة ~~فهذا يزكى في السنة الجميع يجعل لنفسه شهرا معلوما يحسب ما بيده من السلع ~~والعين والدين الذي على المليء الثقة ويزكي الجميع هذا إذا كان ينض في يده ~~في أثناء السنة ولو درهم فان لم يكن يبيع بعين أصلا فلا زكاة عليه عنده ms7318 ### ||| فصل # وأما الحلي فان كان للنساء فلا زكاة فيه عند مالك والليث والشافعي وأحمد ~~وأبى عبيد وروي ذلك عن عائشة واسماء PageV25P016 وبن عمر وانس وجابر رضي ~~الله عنهم وعن جماعة من التابعين وقيل فيه الزكاة وهو مروي عن عمر وبن ~~مسعود وبن عباس وبن عمر وجماعة من التابعين وهو مذهب أبى حنيفة والثوري ~~والأوزاعي # وأما حلية الرجال فما أبيح منه فلا زكاة فيه كحلية السيف والخاتم الفضة ~~وأما ما يحرم اتخاذه كالأوانى ففيه الزكاة وما اختلف فيه من تحليه المنطقة ~~والخوذة والجوشن ونحو ذلك ففي زكاته خلاف فعند مالك والشافعي فيه الزكاة ~~ولا يجوز اتخاذه وأباحه أبو حنيفة وأحمد إذا كان من فضة وأما حلية الفرس ~~كالسرج واللجام والبرذون فهذا فيه الزكاة عند جمهور العلماء وقد منع من ~~اتخاذه مالك والشافعي وأحمد وكذلك الدواة والمكحلة ونحو ذلك فيه الزكاة عند ~~الجمهور سواء كان فضة أو ذهبا ### ||| فصل # وتجب الزكاة في مال اليتامى عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور وهو ~~مروي عن عمر وعائشة وعلي وبن عمر وجابر رضي الله عنهم قال عمر اتجروا في ~~أموال اليتامى PageV25P017 لا تأكلها الزكاة وقالته عائشة أيضا وروى ذلك عن ~~الحسن بن علي وهو قول عطاء وجابر بن زيد ومجاهد وبن سيرين ### ||| فصل # المال المغصوب والضائع ونحو ذلك قال مالك ليس فيه زكاة حتى يقبضه فيزكيه ~~لعام واحد وكذلك الدين عنده لا يزكيه حتى يقبضه زكاة واحدة وقول مالك يروى ~~عن الحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز وقيل يزكى كل عام إذا قبضه زكاة عما مضى ~~وللشافعي قولان ### ||| فصل # والمعادن إذا أخرج منها نصابا من الذهب والفضة ففيه الزكاة عند أخذه عند ~~مالك والشافعي وأحمد وزاد أحمد الياقوت والزبرجد والبلور والعقيق والكحل ~~والسبج والزرنيخ وعند إسحاق وبن المنذر يستقبل به حولا ويزكيه وأبو حنيفة ~~يجعل فيه الخمس وله قول أنه لا يخرج إلا فيما ينطبع كالحديد والرصاص ~~والنحاس دون غيره PageV25P018 # وأما ما يخرجمن البحر كاللؤلو والمرجان فلا زكاة فيه عند الجمهور وقيل ~~فيه الزكاة ms7319 وهو قول الزهري والحسن البصري ورواية لأحمد ### ||| فصل # والدين يسقط زكاة العين عند مالك وأبى حنيفة وأحمد وأحد قولي الشافعي وهو ~~قول عطاء والحسن وسليمان بن يسار وميمون بن مهران والنخعي والثوري ~~والاوزاعي والليث وإسحاق وأبى ثور # واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد قال سمعت عثمان رضى ~~الله عنه يقول هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخلص أموالكم ~~تؤدون منها الزكاة وعند مالك ان كان عنده عروض توفي الدين ترك العين وجعلها ~~في مقابلة الدين وهي التي يبيعها الحاكم في الدين ما يفضل عن ضرورته وان ~~كان له دين على مليء ثقة جعله في مقابلة دينه أيضا وزكى العين فان لم يكن ~~إلا ما بيده سقطت الزكاة ### ||| فصل # واختلف هل في العسل زكاة فكان الخلاف فيه بين أهل المدينة PageV25P019 ~~فرأى الزهري أن فيه الزكاة وهو قول الاوزاعي وأبى حنيفة وأصحابه وهو قول ~~ربيعة ويحيى بن سعيد وهو العشر وعند مالك والشافعي وأحمد لا زكاة فيه ### ||| فصل # وأما الحديث الثانى وهو قوله فيما سقت السماء والعيون العشر الحديث ففيه ~~ما اتفق العلماء عليه وهو المقدار المأخوذ من المعشرات ولكن اختلفوا في أي ~~شيء يجب العشر ونصفه # فقالت طائفة يجب العشر في كل ما يزرعه الآدميون من الحبوب والبقول وما أن ~~بتته تجاراتهم من الثمار قليل ذلك وكثيره ويروى هذا عن حماد بن أبي سليمان ~~وأبى حنيفة وزفر # وقال أبو يوسف ومحمد لا يجب إلا فيما له ثمرة باقية فيما يبلغ خمسة أوسق ~~وقال أحمد يجب العشر فيما ييبس ويبقى مما يكال ويبلغ خمسة أوسق فصاعدا ~~وسواء عنده أن يكون قوتا كالحنطة والشعير والأرز والذرة أو من القطنيات ~~كالباقلاء والعدس أو من الأبازير كالكسفرة والكمون والكراويا والبزر كبزر ~~الكتان PageV25P020 والسمسم وسائر الحبوب # وتجب أيضا عنده فيما جمع هذه الأوصاف كالتمر والزبيب واللوز والبندق ~~والفستق ولا تجب في الفواكه ولا في الخضر وهذا قول أبي يوسف ومحمد # ويشبهه قول بن حبيب من المالكية قال مثل قول ms7320 مالك وزاد عليه فقال تؤخذ ~~الزكاة من الثمار ذوات الأصول كلها ما أدخر منها وما لم يدخر وقال إذا ~~اجتمع للرجل من الصنف الواحد منها ما يبلغ خرص ثمرته خمسة أوسق أن كان مما ~~ييبس كالجوز واللوز والفستق أخرج عشره وأن كانت مما لا ييبس مثل الرمان ~~والتفاح والفرسك والسفرجل وشبهه فبلغ خرصها وهي خضراء خمسة أوسق وجبت فيها ~~الزكاة إن باعه بعشر الثمن وإن لم يبعها فبعشر كيل خرصها # وقال مالك وأصحابه في المشهور من قولهم تجب الزكاة في الحنطة والشعير ~~والسلت والذرة والدخن والأرز والحمص والعدس والجلباب والرش والبسلة والسمسم ~~والماش وحب الفجل وما أشبه هذه الحبوب الماكولة المدخرة # وتجب في ثلاثة أنواع من الثمار وهي التمر والزبيب والزيتون PageV25P021 ~~وقال الشافعي تجب الزكاة فيما ييبس ويدخر ويقتات مأكولا أو طبيخا أو سويقا ~~وله في الزيتون قولان وتجب الزكاة عنده في التمر والزبيب # وقال الليث بن سعد كل ما يختبز ففيه الصدقة مع انه يوجب الزكاة في التمر ~~والزبيب والزيتون وكذلك الثوري يوجب الزكاة في الزيتون والاوزاعي والزهري ~~ويروى عن بن عباس ايضا وقال الأوزاعي مضت السنة ان الزكاة في الحنطة وفي ~~الشعير والسلت والتمر والعنب والزيتون وقال إسحاق كل ما يختبز ففيه الصدقة ~~وعند بن المنذر تسعة أشياء كما تقدم فقط التمر والزبيب والحنطة والشعير ~~والفضة والذهب والابل والبقر والغنم وكل هؤلاء يعتبر الخمسة الأوسق إلا ما ~~يروى عن مجاهد وأبى حنيفة أنه يوجب الزكاة في القليل ويعتبر أيضا عندهم ~~اليبس والتصفية في الحبوب والجفاف في الثمار وما لا زيت فيه من الزيتون ~~ومالا يزبب من العنب ولا يتمر من الرطب تخرج الزكاة من ثمنه أو من حبه قال ~~مالك أذا بلغ منه خمسة أوسق فبيع اخرج الزكاة من ثمنه PageV25P022 ### ||| فصل # ويضم القمح والشعير والسلت في الزكاة وتضم القطافي بعضها إلى بعض ويضم ~~زرع العام بعضه إلى بعض ولو كان بعضه صيفيا وبعضه شتويا وكذلك الثمرة ولو ~~كان في بلدان شتى إذا كان لرجل واحد وأما الشركاء فلا ms7321 بد أن يكون في حصة كل ~~واحد منهم نصاب ### ||| فصل # والوسق ستون صاعا والصاع أربعة امداد بمد النبي والمد خمسة أرطال وثلث ~~بالبغدادي والرطل البغدادي ثمانية وعشرون درهما والدراهم هي هذه التي هي من ~~زمان عبد الملك كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل فمبلغ النصاب بالرطل البغدادي ~~ألف وستمائة رطل # وتقديره بالدمشقي ثلاثمائة رطل واثنان واربعون رطلا وستة أسباع رطل ~~PageV25P023 ### ||| فصل # ومن باع ثمرة أو وهبها أو مات عنها بعد بدو صلاحها فالزكاة عليه وإن كان ~~قبل بدو صلاحها فالزكاة على المشتري والموهوب له والوارث ان كان في حصة كل ~~واحد نصاب ويخرص النخل والكرم على أربابه ويخلى بينهم وبينه فان شاؤوا ~~أكلوا وأن شاؤوا باعوا ويخفف عنهم وما اكل من الزرع أو القطافي وهو أخضر ~~صغير فلا زكاة فيه وقال النبي إذا خرصتم فدعوا الثلث فان لم تدعوا الثلث ~~فدعوا الربع رواه أبو داود وقال خففوا على الناس فان في المال الوطية ~~والأكلة والعرية رواه أبو عبيد وقال الوطية السابلة سموا بذلك لوطيهم بلاد ~~الثمار مجتازين والعرية هي هبة ثمرة نخلة أو نخلات لمن يأكله والأكلة أهل ~~المال يأكلون منه ### ||| فصل # ولا تجب الزكاة إلا في خمسة اوسق من صنف واحد والقمح والشعير والسلت عند ~~مالك صنف واحد فاذا اجتمع من هذه الثلاثة PageV25P024 نصاب وجبت الزكاة ~~ويخرج كل بحسابه وكذلك القطافي وهي الحمص والباقلاء والعدس ونحو ذلك صنف ~~واحد عنده والقدر المأخوذ بقدر التعب والمؤنة كما في الحديث ما كان يسقى ~~بماء السماء والأنهار والعيون ففيه العشر وما كان يسقى بالنضح أو السانية ~~والدواليب وهي اسماء شيء واحد كالسانية والناضح هي الابل يستقى بها لشرب ~~الماء ففيه نصف العشر وما سقى نصفه بهذا ونصفه بهذا أو نصف السنة ففيه ~~ثلاثة ارباع العشر ### ||| فصل # وكل من نبت الزرع على ملكه فعليه زكاته قال الله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه @QE@ الآية وسواء كانت الأرض ms7322 ملكا له أو ~~استأجرها أو أقطعها له الامام يستغل منفعتها أو استعارها أو كانت موقوفة ~~عليه # قال بن المنذر أجمع كل من احفظ عنه من أهل العلم على ان كل أرض اسلم ~~أهلها عليها قبل قهرهم أنها لهم وان عليهم فيما زرعوا فيها الزكاة فأرض ~~الصلح كما قال وكذلك ارض العنوة اذا PageV25P025 كان عليها خراج أدى الخراج ~~وزكى ما بقى # فمن استأجر أرضا للزرع فعليه الزكاة عند جمهور العلماء كمالك والشافعي ~~وأحمد وأبى يوسف ومحمد وكذلك المقطعين عليهم العشر فان كان الزرع كله له ~~وهو يعطي الفلاح اجره فعليه العشر كله وأن كان الزرع مقاسمة نصفه أو ثلثه ~~للفلاح ونصفه أو ثلثه للمقطع فعلى كل منهما عشر نصيبه فان الزرع نبت على ~~ملكه وهذا قول علماء الاسلام # وقد كان الصحابة يأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم العشر يعطيه ~~لمستحقيه ويأمرهم أن يجاهدوا بما يبقى من اموالهم فاذا كان الجند قد أعطوا ~~من بيت المال ما يجاهدون به كان اولى ان يعطوا عشرة فمن اقطعه الامام ارضا ~~للاستغلال والجهاد إذا استغلها ونبت الزرع على ملكه في ارض عشرية فما يقول ~~عالم انه لا عشر عليه # وقد تنازع العلماء فيمن استحق منفعة الأرض بعوض كالمستاجر لها بدراهم أو ~~بخدمة نفسه ونحو ذلك فجمهورهم يقول عليه العشر وهو قول صاحبى أبى حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد واما أبو حنيفة فانه يقول العشر على رب الأرض # فهؤلاء المقطعون إذا قدر أنهم استؤجروا بمنفعة الأرض فبذلوا PageV25P026 ~~خدمة انفسهم كان ع 1 ليهم العشر عند الجمهور وعلى القول الآخر على الذي ~~استأجرهم فمن قال إن العشر الذي اوجبه الله لمستحقي الصدقات يسقط فقد خالف ~~الآجماع # وأيضا فهؤلاء الجند ليسوا كالأجراء وإنما هم جند الله يقاتلون في سبيل ~~الله عباده ويأخذون هذه الأرزاق من بيت المال ليستعينوا بها على الجهاد وما ~~يأخذونه ليس ملكا للسلطان وإنما هو مال الله يقسمه ولي الأمر بين المستحقين ~~فمن جعلهم كالأجراء جعل جهادهم لغير الله وقد جاء في الحديث مثل الذين ms7323 ~~يغزون من أمتى ويأخذون ما يعطونه مثل أم موسى ترضع ابنها وتاخذ أجرها ### ||| فصل # فان كان على مالك الزرع والثمار دين فهل تسقط الزكاة فيه ثلاثة أقوال # قيل لا تسقط بحال وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي ورواية عن أحمد # وقيل يسقطها وهو قول عطاء والحسن وسليمان بن يسار PageV25P027 وميمون بن ~~مهران والنخعي والليث والثوري وإسحاق وكذلك في الماشية الابل والبقر والغنم # وقيل يسقطها الدين الذي أنفقه على زرعه وثمرته ولا يسقطها ما استدانه ~~لنفقة أهله # وقيل يسقطها هذا وهذا الأول قول بن عباس واختاره أحمد بن حنبل وغيره ~~والثاني قول بن عمر ### ||| فصل # والرطب الذي لا يتمر والزيتون الذي لا يعصروالعنب الذي لا يزبب فقال مالك ~~وغيره تخرج الزكاة من ثمنه إذا بلغ خمسة أوسق وأن لم يبلغ ثمنه مائتى درهم ~~وان كان يتناهى فبيع قبل تناهيه فقيل تخرج الزكاة من ثمنة وقيل تخرج من حبه ~~أو دهنه PageV25P028 ### ||| فصل # فهذه زكاة العين والحرث التي دلت عليها الأحاديث المتقدمة مع الآيات ~~الكريمة واما زكاة الماشية الابل والبقر والغنم فقد دلت عليها الأحاديث ~~الصحيحة وكتب النبي فيها وكذلك كتب أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ففي ~~الصحيح من حديث أنس بن مالك هذا لفظ البخاري أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب ~~لما وجهه إلى البحرين بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض ~~رسول الله على المسلمين والتي أمر ا لله بها ورسوله فمن سألها من المسلمين ~~على وجهها فليعطها ومن سأل فوقها فلا يعطي في أربع وعشرين من الابل فما ~~دونها الغنم في كل خمس شاة فاذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها ~~بنت مخاض أنثى فاذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس واربعين ففيها بنت لبون أنثى ~~فاذا بلغت ستا واربعين إلى ستين ففيها حقه PageV25P029 طروقة الجمل فإذا ~~بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة فاذا بلغت ستا وسبعين إلى ~~تسعين ففيها بنتا لبون فاذا بلغت احدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان ~~طروقتا الجمل فاذا زادت ms7324 على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل ~~خمسين حقه ومن لم يكن معه إلا اربع من الابل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ~~ربها فاذا بلغت خمسا من الابل ففيها شاة وفي صدقة الغنم في سأئمتها إذا ~~كانت اربعين إلى عشرين ومائة شاة فاذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ~~ففيها شاتان فاذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه فاذا زادت ~~على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة فاذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين واحدة ~~فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها وفي الرقة ربع العشر فان لم يكن إلا تسعين ~~ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها # وعن أنس في هذا الكتاب أيضا من بلغت عنده من الأبل صدقة الجذعة وليست ~~عنده جذعه وعنده حقة فانها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن تيسرتا له ~~أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده جذعه ~~فإنها تقبل منه الجذعه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده ~~صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين ~~أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وعنده حقة فانها تقبل منه ~~ويعطيه المصدق PageV25P030 عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت صدقته بنت لبون ~~وليست عنده وعنده بنت مخاض فانها تقبل منه بنت مخاض ويعطى معها عشرين درهما ~~أو شاتين ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من ~~خليطين فأنهما يتراجعان بينهما بالسوية ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات ~~عوار ولا تيس إلا ان شاء المصدق # وعنه في هذا الكتاب أيضا ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت ~~لبون فانها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين فان لم يكن عنده ~~بنت مخاض على وجهها وعنده بن لبون فانه يقبل منه وليس معه شيء # وروى مالك بن أنس كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في موطئه بمثل ms7325 هذا ~~اللفظ أو قريب منه إلا ذكر البدل مع العشرين فانه لم يذكره ### ||| فصل # قال الامام أبو بكر بن المنذر وهذا مجمع عليه إلى عشرين ومائة ولا يصح عن ~~علي ما روى في خمس وعشرين خمس شياه PageV25P031 وقوله في هذا الحديث ( في ~~سائمة الغنم ( موضع خلاف بين العلماء لأن السائمة هي التى ترعى فمذهب مالك ~~ان الابل العوامل والبقر العوامل والكباش المعلوفة فيها الزكاة قال أبو عمر ~~وهذا قول الليث ولا اعلم احدا قال به غيرهما واما الشافعى واحمد وابو حنيفة ~~وكذلك الثورى والاوزاعى وغيرهم فلا زكاة فيها عندهم وروى هذا عن جماعة من ~~الصحابة على وجابر ومعاذ بن جبل وكتب به عمر بن عبد العزيز # وقد روى في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبى انه قال ( في كل ~~سائمة في كل اربعين بنت لبون ( فقيده بالسائمة والمطلق يحمل على المقيد اذا ~~كان من جنسه بلا خلاف وكذلك حديث ابى بكر في سائمة الغنم # وقوله ( من بلغت عنده من الابل صدقة الجذعة وليست عنده ( إلى آخره لم يقل ~~به مالك بل قال انه اذا لم يجد السن كالجذعة أو غيرها فانه يبتاعها ولا احب ~~ان يعطيه ثمنها وقال اذا لم يجد السن التى تجب في المال لم يأخذ ما فوقها ~~ولا ما دونها ولا يزداد دراهم ويبتاع له رب المال مسنا # وقال الثورى والشافعى وأحمد بمثل ما في الحديث انه اذا لم PageV25P032 ~~يجد السن اخذ ما وجد وأعطى شاتين أو عشرين درهما أو اخذ مثل ذلك كما في ~~الحديث ومذهب ابى حنيفة وصاحبيه ان شاء اخذ القيمة وإن شاء أخذ أفضل منها ~~وأعطى الزيادة ومالك لم يقل بذلك لأن مالكا إنما روى كتاب عمر وليس فيه ما ~~في كتاب ابى بكر من الزيادة وهذا شأن العلماء # وقوله في هذا الحديث ( فاذا زادت على عشرين ومائة ففي كل اربعين بنت لبون ~~وفى كل خمسين حقة ( قال أبو عمر هذا موضع خلاف يعنى اذا زادت واحدة قال ~~مالك ms7326 اذا زادت واحدة على عشرين ومائة فالساعى بالخيار بين ان يأخذ حقتين أو ~~ثلاث بنات لبون وقال الزهري فيها ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة فيكون ~~فيها حقة وابنتا لبون وبه قال الاوزاعى والشافعى وابو ثور وابو عبيد وهو ~~قول محمد بن إسحاق وهو قول أئمة الحجاز وهو اولى عند العلماء # وأما قول الكوفيين فانه يستقبل الفريضة بعد العشرين ومائة فيكون في كل ~~خمس شاة PageV25P033 ### ||| فصل # وقوله ( ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس ( عليه جماعة ~~فقهاء الامصار لان الماخوذ في الصدقات العدل كما قال عمر رضى الله عنه عدل ~~من عدل المال وخياره ( الهرمة ) الشاة الشارف و ( ذات العوار ( بفتح العين ~~التى بها عيب وبالضم التى ذهبت عينها ولا يجزئ ذلك في الصدقة والشاة ~~المأخوذة في الابل الجذعة من الضأن والثنية من المعز فان اخرج القيمة ~~فقولان # وقوله ( ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ) يعنى بذلك ~~تفرقة المواشي وجمعها خشية الصدقة واختلف هل المخاطب بذلك ارباب الاموال أو ~~هو الساعى أو هما جميعا وهذا في الخلطة فقد يكون على الخلطاء عدد من الغنم ~~فاذا فرقت قل العدد أو في الفرقة عدد فاذا جمعوها قل العدد فنهوا عن ذلك ~~ولهذا نظائر كثلاثة نفر لكل منهم اربعون ففيها حينئذ ثلاث شياه فاذا جمعت ~~صار فيها شاة أو يكون لرجلين من الغنم مائتين PageV25P034 وشاتين لكل واحد ~~منهما مائة وشاة فعليهما فيها ثلاث شياه فاذا تفرق كان على كل واحد منهما ~~شاة ونحو ذلك # وقوله ( وما كان من خليطين فانهما يتراجعان بينهما بالسوية ) يعنى اذا ~~اخذت شاة من غنم أحد الخليطين فإنه يرجع على الاخر بقيمة ما يخصه ### ||| فصل # وقوله في الحديث ( في الغنم في سائمتها اذا كانت اربعين ففيها شاة إلى ~~عشرين ومائة فاذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين فاذا زادت على مائتين إلى ~~ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه فاذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة ) هذا ~~متفق عليه في صدقة الغنم ايضا والضأن والمعز ms7327 سواء # والسوم شرط في الزكاة إلا عند مالك والليث كما تقدم فانهما يوجبان الزكاة ~~في غير السائمة ولا خلاف بين الفقهاء ان الضأن والمعز يجمعان في الزكاة ~~وكذلك الابل على اختلاف اصنافها وكذلك البقر والجواميس PageV25P035 ~~وإختلفوا فيما اذا كان بعض الجنس ارفع من بعض فقيل يأخذ من ايها شاء وقيل ~~من الوسط ### ||| فصل # وأما ( صدقة البقر ) فقد ثبت عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ( ان النبى لما ~~بعثه إلى اليمن امره ان يأخذ صدقة البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة ومن ~~كل اربعين مسنة وان ياخذ الجزية من كل حالم دينارا ) رواه أحمد والنسائي ~~والترمذي عن مسروق عنه وكذلك في كتاب النبى الذي كتبه لعمرو بن حزم ورواه ~~مالك في موطئه عن طاووس عن معاذ وحكي أبو عبيد الاجماع عليه وجماهير ~~العلماء على انه ليس فيما دون الثلاثين شيء وحكى عن سعيد والزهرى ان في ~~الخمس شاة كالابل # ومن شرطها ان تكون سائمة كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن ~~النبى قال ( ليس في العوامل صدقة ) رواه أبو داود وروى عن علي ومعاذ وجابر ~~انهم قالوا لا صدقة في البقر العوامل ومالك والليث يقولان فيها الصدقة ~~PageV25P036 ويخرج في الثلاثين الذكر وفى الاربعين الانثى فان اخرج ذكرا هل ~~يجزئه قولان قال بن القاسم يجزئه وأشهب قال لا يجزئه وهو مذهب أحمد وجماعة ~~من العلماء فان كانت كلها ذكورا اخرج منها واذا بلغت مائة وعشرين خير رب ~~المال بين ثلاث مسنات أو اربعة أتبعة والتبيع الذى له سنة ودخل في الثانية ~~والبقرة المسنة مالها سنتان ### ||| فصل # و ( الجواميس ( بمنزلة البقر حكى بن المنذر فيه الاجماع # وأما ( بقر الوحش ( فلا زكاة فيها عند الجمهور وقال بعضهم فيها الزكاة ~~فان تولد من الوحشي والاهلي فقال الشافعي لا زكاة وقال أحمد تزكى ومالك ~~يفرق بين الامهات والاباء فان كانت الامهات اهلية أخرج الزكاة والا فلا # وصغار كل صنف من جميع الماشية تبع يعد مع الكبار ولكن لا يؤخذ الا ms7328 من ~~الوسط فان كان الجميع صغارا فقيل يأخذ منها وقيل يشترى كبارا PageV25P037 ### ||| فصل # والخلطاء في الماشية وهو اذا كان مال كل منهما متميزا عن الاخر فان لم ~~يتميز فهما شريكان واذا كانا خليطين زكيا زكاة المال الواحد مثل ان يكون ~~لكل منهما اربعون فعليهما في الخلطة شاة واحدة ويترادان قيمتها وتعتبر ~~الخلطة بثلاثة شروط وقيل بشرطين وقيل بشرط واحد وهو الدلو والحوض والمراح ~~والمبيت والراعى والفحل وقيل بالراعي وحده لانه به يجتمعان ويجتمعون في غير ~~ذلك وهل من شرط الخلطة ان يكون لكل منهما نصابا أم لا بالاول قال مالك # وقال غيره لا يعتبر ذلك ### ||| فصل # إذا ملك ماشية فتوالدت فان كانت الامهات نصابا زكى الاولاد تبعا وبنى على ~~حول الامهات عند الجمهور وإن كانت دون النصاب PageV25P038 فتوالدت ولو قبل ~~الحول بيوم وتم النصاب اخرج الزكاة عند مالك وبنى الاولاد على حول الامهات ~~وان باع النصاب بجنسه بنى الثاني على حول الاول وان اشترى بنصاب من العين ~~نصابا من الماشية وكان الاول لم يتم له حول بنى الماشية على حول العين في ~~أحد القولين ### ||| فصل # وتفرقة زكاة كل بلد في موضعه فزكاة الشام في الشام وزكاة مصر في مصر وهل ~~يجوز نقلها لمصلحة فتنقل من الشام إلى مدينة النبى صلى الله عليه وسلم أو ~~غيرها فيه قولان لاهل العلم قال مالك لا بأس بنقلها للحاجة واذا لم يكن اهل ~~البلد مستحقين فتنقل بلا خلاف ولما نقل معاذ بن جبل الصدقة من اليمن إلى ~~المدينة أنكر عمر فقال ما بعثتك جابيا فقال ما وجدت آخذا فعند الشافعى ~~واحمد لا تنقل وعند مالك يجوز نقلها ### ||| فصل # وأما ( قسمة الصدقات ( فقد بين الله ذلك في القرآن بقوله ( انما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم PageV25P039 وفى الرقاب ~~والغارمين وفى سبيل الله وبن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) # قال الامام أبو جعفر الطبري عامة اهل العلم يقولون للمتولي قسمتها ووضعها ~~في أي الاصناف الثمانية شاء وانما سمى الله الاصناف الثمانية اعلاما منه ms7329 ان ~~الصدقة لا تخرج من هذه الاصناف إلى غيرها لا ايجابا لقسمتها بين الاصناف ~~الثمانية وروى باسناده عن حذيفة وعن بن عباس انهما قالا ان شئت جعلته في ~~صنف أو صنفين أو ثلاثة قال وروى عن عمر أنه قال ايما صنف اعطيته أجزأك وروى ~~عنه انه كان عمر يأخذ الفرض في الصدقة فيجعله في الصنف الواحد وهو قول ابى ~~العالية وميمون بن مهران وابراهيم النخعي # قال وكان بعض المتأخرين يقول عليه وضعها في ستة اصناف لانه يقسمها فسقط ~~العامل والمؤلفة سقطوا قال والصواب ان الله جعل الصدقة في معنيين # احدهما سد خلة المسلمين والثانى معونة الاسلام وتقويته فما كان معونة ~~للاسلام يعطى منه الغني والفقير كالمجاهد ونحوه ومن هذا الباب يعطى المؤلفة ~~وما كان في سد خلة المسلمين PageV25P040 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام ! 8 < ### ||| فصل الاصل الثاني الزكاة # وهم أيضا متبعون فيها لسنة النبى وخلفائه آخذين بأوسط الاقوال الثلاثة أو ~~بأحسنها في السائمة فاخذوا في أوقاص الابل بكتاب الصديق رضى الله عنه ~~ومتابعته المتضمن ان في الابل الكثيرة في كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين ~~حقة لانه اخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف الكتاب الذى ~~فيه استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين فانه متقدم على هذا لان استعمال عمرو ~~بن حزم على نجران كان قبل موته بمدة واما كتاب الصديق فانه كتبه ولم يخرجه ~~إلى العمال حتى أخرجه أبو بكر # وتوسطوا في المعشرات بين اهل الحجاز واهل العراق فان اهل PageV25P041 ~~العراق كابى حنيفة يوجبون العشر في كل ما أخرجت الأرض الا القصب ونحوه في ~~القليل والكثير منه بناء على ان العشر حق الأرض كالخراج ولهذا لا يجمعون ~~بين العشر والخراج واهل الحجاز لا يوجبون العشر الا في النصاب المقدر بخمسة ~~اوسق ووافقهم عليه أبو يوسف ومحمد ولا يوجبون من الثمار إلا في التمر ~~والزبيب وفى الزروع في الأقوات ولا يوجبون في عسل ولا غيره والشافعي على ~~مذهب اهل الحجاز # وأما أحمد وغيره من فقهاء الحديث فيوافق في ms7330 النصاب قول اهل الحجاز لصحة ~~السنن عن النبى بأنه ليس فيما دون خمسة اوسق صدقة ولا يوجبون الزكاة في ~~الخضراوات لما في الترك من عمل النبى وخلفائه والاثر عنه لكن يوجبها في ~~الحبوب والثمار التى تدخر وان لم تكن تمرا أو زبيبا كالفستق والبندق جعلا ~~للبقاء في المعشرات بمنزلة الحول في الماشية والجرين فيفرق بين الخضراوات ~~وبين المدخرات وقد يلحق بالموسق الموزونات كالقطن على احدى الروايتين لما ~~في ذلك من الاثار عن الصحابة رضي الله عنهم # ويوجبها في العسل لما فيه من الاثار التى جمعها هو وان كان غيره لم تبلغه ~~الا من طريق ضعيفة وتسوية بين جنس ما انزله الله من PageV25P042 السماء وما ~~أخرجه من الأرض # ويجمعون بين العشر والخراج لان العشر حق الزرع والخراج حق الأرض وصاحبا ~~ابى حنيفة قولهما هو قول أحمد أو قريب منه # وأما مقدار الصاع والمد ففيه ثلاثة اقوال # أحدها ان الصاع خمسة أرطال وثلث والمد ربعه وهذا قول اهل الحجاز في ~~الاطعمة والمياه وقصة مالك مع أبى يوسف فيه مشهورة وهو قول الشافعى وكثير ~~من اصحاب أحمد أو اكثرهم # والثانى أنه ثمانية أرطال والمد ربعه وهو قول اهل العراق في الجميع # والقول الثالث ان صاع الطعام خمسة ارطال وثلث وصاع الطهارة ثمانية ارطال ~~كما جاء بكل واحد منهما الاثر فصاع الزكوات والكفارات وصدقة الفطر هو ثلثا ~~صاع الغسل والوضوء وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ممن جمع بين ~~الاخبار المأثورة في هذا الباب لمن تأمل الاخبار الواردة في ذلك ~~PageV25P043 ومن أصولها ان أبا حنيفة اوسع في ايجابها من غيره فانه يوجب في ~~الخيل السائمة المشتملة على الاثار ويوجبها في جميع انواع الذهب والفضة من ~~الحلي المباح وغيره ويجعل الركاز المعدن وغيره فيوجب فيه الخمس لكنه لا ~~يوجب ما سوى صدقة الفطر والعشر الا على مكلف ويجوز الاحتيال لاسقاطها ~~واختلف أصحابه هل هو مكروه أم لا فكرهه محمد ولم يكرهه أبو يوسف واما مالك ~~والشافعي فاتفقا على انه لا يشترط لها التكليف لما ms7331 في ذلك من الاثار ~~الكثيرة عن الصحابة # ولم يوجبها في الخيل ولا في الحلي المباح ولا في الخارج الا ما تقدم ذكره ~~وحرم مالك الاحتيال لاسقاطها وأوجبها مع الحيلة وكره الشافعي الحيلة في ~~اسقاطها # وأما أحمد فهو في الوجوب بين ابى حنيفة ومالك كما تقدم في المعشرات وهو ~~يوجبها في مال المكلف وغير المكلف # وإختلف قوله في الحلي المباح وان كان المنصور عند اصحابه انه لا يجب ~~وقوله في الاحتيال كقول مالك يحرم الاحتيال لسقوطها PageV25P044 ويوجبها مع ~~الحيلة كما دلت عليه سورة ( ن ( وغيرها من الدلائل # والأئمة الأربعة وسائر الامة الا من شذ متفقون على وجوبها في عرض التجارة ~~سواء كان التاجر مقيما أو مسافرا وسواء كان متربصا وهو الذي يشترى التجارة ~~وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر أو مديرا كالتجار الذين في ~~الحوانيت سواء كانت التجارة بزا من جديد أو لبيس أو طعاما من قوت أو فاكهة ~~أو أدم أو غير ذلك أو كانت آنية كالفخار ونحوه أو حيوانا من رقيق أو خيل أو ~~بغال أو حمير أو غنم معلوفة أو غير ذلك فالتجارات هي اغلب اموال اهل ~~الامصار الباطنة كما ان الحيوانات الماشية هي اغلب الاموال الظاهرة ### ||| فصل # ولا بد في الزكاة من الملك # واختلفوا في اليد فلهم في زكاة ما ليس في اليد كالدين ثلاثة اقوال # أحدها أنها تجب في كل دين وكل عين وان لم تكن تحت يد PageV25P045 صاحبها ~~كالمغصوب والضال والدين المجحود وعلى معسر أو مماطل وانه يجب تعجيل الاخراج ~~مما يمكن قبضه كالدين على الموسر وهذا أحد قولى الشافعى وهو أقواهما ### ||| فصل # وللناس في اخراج القيم في الزكاة ثلاثة اقوال # أحدها أنه يجزئ بكل حال كما قاله أبو حنيفة # والثانى لا يجزئ بحال كما قاله الشافعى # والثالث أنه لا يجزئ الا عند الحاجة مثل من تجب عليه شاة في الابل وليست ~~عنده ومثل من يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحا ~~فانه منع من اخراج القيم وجوزه في مواضع ms7332 للحاجة لكن من اصحابه من نقل عنه ~~جوازه فجعلوا عنه في اخراج القيمة روايتين واختاروا المنع لانه المشهور عنه ~~كقول الشافعى وهذا القول اعدل الاقوال كما ذكرنا مثله في الصلاة فان الادلة ~~الموجبة للعين نصا وقياسا كسائر ادلة الوجوب # ومعلوم ان مصلحة وجوب العين قد يعارضها احيانا في القيمة من المصلحة ~~الراجحة وفى العين من المشقة المنفية شرعا PageV25P046 ### |||| وسئل رحمه الله # عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه السنون المتوالية لا يمكنها مطالبته ~~به لئلا يقع بينهما فرقة ثم انها تتعوض عن صداقها بعقار أو يدفع اليها ~~الصداق بعد مدة من السنين فهل تجب زكاة السنين الماضية أم إلى أن يحول ~~الحول من حين قبضت الصداق ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسالة فيها للعلماء أقوال # قيل يجب تزكية السنين الماضية سواء كان الزوج موسرا أو معسرا كأحد ~~القولين في مذهب الشافعى وأحمد وقد نصره طائفة من اصحابهما # وقيل يجب مع يساره وتمكنها من قبضها دون ما اذا لم يمكن تمكينه من القبض ~~كالقول الاخر في مذهبهما # وقيل تجب لسنة واحدة كقول مالك وقول في مذهب أحمد # وقيل لا تجب بحال كقول أبى حنيفة وقول في مذهب احمد PageV25P047 وأضعف ~~الاقوال من يوجبها للسنين الماضية حتى مع العجز عن قبضه فان هذا القول باطل ~~فاما ان يجب لهم ما يأخذونه مع أنه لم يحصل له شيء فهذا ممتنع في الشريعة ~~ثم اذا طال الزمان كانت الزكاة أكثر من المال ثم إذا نقص النصاب وقيل ان ~~الزكاة تجب في عين النصاب لم يعلم الواجب الا بحساب طويل يمتنع إتيان ~~الشريعة به # وأقرب الاقوال قول من لا يوجب فيه شيئا بحال حتى يحول عليه الحول أو يوجب ~~فيه زكاة واحدة عند القبض فهذا القول له وجه وهذا وجه وهذا قول ابى حنيفة ~~وهذا قول مالك وكلاهما قيل به في مذهب أحمد والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل له جمال ويشترى لها ايام الرعى مرعى هل فيها زكاة ### ||||| فأجاب # اذا كانت راعية اكثر العام مثل أن يشترى ms7333 لها ثلاثة اشهر أو أربعة ~~فانه يزكيها هذا أظهر قولى العلماء PageV25P048 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### ||| # إذا كانت الغنم أربعين صغارا أو كبارا وجبت فيها الزكاة اذا حال عليها ~~الحول وان كانت اقل من اربعين فحال الحول وهى اربعون ففى هذا نزاع والاحوط ~~اداء الزكاة والله اعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له غنم ولم تبلغ النصاب هل تجب فيها زكاة في أثناء الحول ### ||||| فأجاب # هذة المسألة فيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد أحدهما أن ~~ابتداء الحول حين صارت اربعين كقول الشافعى # والثانى أن ابتداء الحول من حين ملك الامهات كقول مالك والله أعلم ~~PageV25P049 ### |||| وسئل # عن قرية بها فلاحون وهى نصفان أحد فلاحى النصف له غنم تجب فيها الزكاة ~~والنصف الاخر ليس لفلاحيه غنما قدر ما تجب فيه الزكاة فألزم الامام اهل ~~القرية بزكاة الغنم على الفلاحين فهل تجب على من له النصاب وإذا وجبت عليه ~~فهل يجوز للامام أن يأخذ ممن ليس له نصاب ### ||||| فأجاب # إن كان المطلوب هو مقدار ما فرضه الله على من تجب عليه الزكاة ~~اختصوا بأدائه وان كان المطلوب فوق الواجب على سبيل الظلم اشترك فيه الجميع ~~بحسب أموالهم والله أعلم PageV25P050 ### ||| 2 باب زكاة الخارج من الأرض ### |||| 2 سئل رحمة الله # عما يجب من عشر الحبوب ومقداره وهل هو على المالك أو الفلاح أم عليهما ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين النصاب خمسة أوسق والوسق ستون صاعا بصاع ~~النبي وصاع النبي قدره الأئمة لما بنيت بغداد بخمسة أرطال وثلث بالرطل ~~العراقي اذ ذاك فيكون ألفا وستمائة رطل بالعراقي وكان الرطل العراقي اذ ذاك ~~تسعين مثقالا مائة وثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع درهم # ولكن زيد فيه بعد ذلك حتى صار مائة وثلاثين ثم زيد فيه حتى صار مائة ~~وأربعة وأربعين فظن بعض متأخري الفقهاء أن هذا أو هذا هو الرطل الذي قدره ~~به الأئمة غلطا منهم # وإذا كان كذلك فمقداره بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم PageV25P051 ~~ثلاثمائة رطل واثنان وأربعون رطل وستة أسباع رطل وستة أسباع الرطل ms7334 هو ~~أربعمائة درهم وثمانية وعشرون وأربعة أسباع وهو ثلثا رطل وأربعة أسباع ~~أوقية # ومن ظن من ا لفقهاء المتأخرين أن الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهما زاد ~~في كل رطل بغدادي مثقالا وهو درهم وثلاثة أسباع درهم فيزيد ألفين وخمسة ~~أسباع درهم فيصير النصاب على قوله ثلاثمائة وستة وأربعين رطلا وثلاثمائة ~~درهم وأربعة عشر وسبعي درهم وهو نصف رطل وسبعا أوقية # والعشر على من يملك الزرع فاذا زارع الفلاح ففي صحة المزارعة قولان ~~للعلماء # فمن اعتقد جواز المزارعة أخذ نصيبه وأعطى الفلاح نصيبه وعلى كل منهما ~~زكاة نصيبه ومن لم يصحح المزارعة جعل الزرع كله لصاحب الحب فاذا كان هو ~~الفلاح استحق الزرع كله ولم يكن للمالك إلا أجره الأرض والزكاة حينئذ على ~~الفلاح # ولم يقل أحد من المسلمين إن المقاسمة جائزة والعشر كله على الفلاح بل من ~~قال العشر على الفلاح قال ليس للمالك في الزرع شيء ولا المقطع ولا غيرهما ~~فمن ظن أن العشر على الفلاح PageV25P052 مع جواز المقاسمة فقد خالف اجماع ~~المسلمين # والعمل في بلاد الشام عند المسلمين على جواز المزارعة كما مضت بذلك سنة ~~رسول الله وسنة خلفائه الراشدين وسواء كان البذر من المالك أو من العامل ~~فان النبي عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعمروها من ~~أموالهم فكان البذر من عندهم وهذا هو الذي اتفق عليه الصحابة وعليه عمل ~~المسلمين في عامة بلاد الاسلام في زمن نبيهم والى اليوم # فمن كان يعامل بالمزارعة كان عليه زكاة نصيبهم ومن كان يتقلد قول من يبطل ~~هذه المزارعة ويرى أنه لا يستحق من الزرع شيئا وأنه ليس له عند الفلاح إلا ~~الأجره وانه اذا أخذ المقاسمة بغير اختيار الفلاح كان ظالما آكلا للحرام ~~فعليه أن يعطى الزرع للفلاح ويعرفه أنه لا يستحق عليه إلا أجره المثل فان ~~طابت نفس الفلاح بعد هذا بأن يقاسمه ويؤدي الزكاة كان الفلاح حينئذ متفضلا ~~عليه بطيب نفسه ومن المعلوم أن الفلاحين لو علموا هذا لما طابت بذلك ms7335 نفس ~~أكثرهم فهذا حقيقة هذه المسألة على قول الطائفتين والله اعلم PageV25P053 # وقال رحمه الله ### ||| فصل # وأما العشر فهو عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم على من ~~نبت الزرع على ملكه كما قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض @QE@ # فمن أخرج الله له الحب فعليه العشر فاذا استأجر أرضا ليزرعها فالعشر على ~~المستاجر عند هؤلاء العلماء كلهم وكذلك عند أبى يوسف ومحمد وأبو حنيفة يقول ~~العشر على المؤجر # واذا زارع أرضا على النصف فما حصل للمالك فعليه عشرة وما حصل للعامل ~~فعليه عشره على كل واحد منهما عشر ما أخرجه الله له PageV25P054 ومن أعير ~~أرضا أو أقطعها أو كانت موقوفة على عينه فازدرع فيها زرعا فعليه عشره وإن ~~آجرها فالعشر على المستاجر وان زارعها فالعشر بينهما # وأصل هؤلاء الأئمة أن العشر حق الزرع ولهذا كان عندهم يجتمع العشر ~~والخراج لأن العشر حق الزرع ومستحقه أهل الزكاة والخراج حق الزرع ومستحقه ~~أهل الفيء فهما حقان لمستحقين بسببين مختلفين فاجتمعا كما لو قتل مسلما خطأ ~~فعليه الدية لأهله والكفارة حق لله وكما لو قتل صيدا مملوكا وهو محرم فعليه ~~البدل لمالكه وعليه الجزاء حقا لله # وأبو حنيفة يقول العشر حق الأرض فلا يجتمع عليها حقان ومما احتج به ~~الجمهور أن الخراج يجب في الأرض التي يمكن أن تزرع سواء زرعت أو لم تزرع ~~وأما العشر فلا يجب إلا في الزرع والحديث المرفوع لا يجتمع العشر والخراج ~~كذب باتفاق أهل الحديث PageV25P055 ### |||| وسئل # عمن كانت له أشجار أعناب لا يصير زبيبا ولا يتركه صاحبه إلى الجذاذ كيف ~~يخرج عشره رطبا أو يابسا وان أخرج يابسا أخرج من غير ثمر بستانه ### ||||| فأجاب # أما العنب الذي لا يصير زبيبا فاذا أخرج عنه زبيبا بقدر عشره لو ~~كان يصير زبيبا جاز وهو أفضل وأجزاه ذلك بلا ريب ولا يتعين على صاحب المال ~~الاخراج من عين المال لا في هذه الصورة ولا غيرها بل من كان معه ذهب ms7336 أو فضة ~~أو عرض تجارة أو له حب أو ثمر يجب فيه العشر أو ماشية تجب فيها الزكاة ~~وأخرج مقدار الواجب المنصوص من غير ذلك المال أجزاه فكيف في هذه الصورة وان ~~أخرج العشر عنبا ففيه قولان في مذهب أحمد # أحدهما وهو المنصوص عنه أنه لا يجزئه # والثانى يجزئه وهو قول القاضي أبى يعلى وهذا قول أكثر العلماء وهو أظهر ~~PageV25P056 # وأما العنب الذي يصير زبيبا لكنه قطعه قبل أن يصير زبيبا فهنا يخرج زبيبا ~~بلا ريب فان النبي كان يبعث سعاته فيخرصون النخل والكرم ويطالب أهله بمقدار ~~الزكاة يابسا وان كان اهل الثمار يأكلون كثيرا منها رطبا ويامر النبي صلى ~~الله عليه وسلم الخارصين ان يدعوا لأهل الأموال الثلث أو الربع لا يؤخذ منه ~~عشر ويقول إذا خرصتم فدعوا الثلث فان لم تدعوا الثلث فدعوا الربع وفي رواية ~~فان في المال العرية والوطية والسابلة يعني أن صاحب المال يتبرع بما يعريه ~~من النخل لمن يأكله وعليه ضيف يطؤون حديقته يطعمهم ويطعم السابلة وهم أبناء ~~السبيل وهذا الاسقاط مذهب الامام أحمد وغيره من فقهاء الحديث # وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء وكذلك في الأولى # وأما الثانية فما علمت فيها نزاعا فان حق أهل السهمان لا يسقط باختيار ~~قطعة رطبا إذا كان ييبس نعم لو باع عنبه أو رطبه بعد بدو صلاحه فقد نص أحمد ~~في هذه الصورة على أنه يجزئه أخراج عشر الثمن ولا يحتاج إلى إخراج عنب أو ~~زبيب فان في إخراج القيمة نزاعا في مذهبه ونصوصه الكثيرة تدل على أنه يجوز ~~ذلك للحاجة ولا يجوز بدون الحاجة والمشهور عند كثير من أصحابه لا يجوز ~~مطلقا وخرجت عنه رواية بالجواز مطلقا ونصوصه الصريحه إنما هي بالفرق ~~PageV25P057 ومثل هذا كثير في مذهبه ومذهب الشافعي وغيرهما من الأئمة قد ~~ينص على مسألتين متشابهتين بجوابين مختلفين ويخرج بعض أصحابه جواب كل واحدة ~~إلى الأخرى ويكون الصحيح إقرار نصوصه بالفرق بين المسالتين كما قد نص على ~~أن الوصية للقاتل تجوز بعد الجرح ونص على ms7337 أن المدبر إذا قتل سيده بطل ~~التدبير فمن أصحابه من خرج في المسألتين روايتين ومنهم من قال بل إذا قتل ~~بعد الوصية بطلت الوصية كما يمنع قتل الوارث لمورثه أن يرثه وأما إذا أوصى ~~له بعد الجرح فهنا الوصية صحيحة فانه رضى بها بعد جرحه ونظائر هذا كثيرة ### |||| وسئل # عن مقطع له فلاح والزرع بينهما مناصفة فهل عليه عشر ### ||||| فأجاب # ما نبت على ملك الانسان فعليه عشرة فالأرض المقطعة إذا كانت ~~المقاسمة نصفين فعلى الفلاح تعشير نصفه وعلى المقطع تعشير نصفه هذا على ~~القول الصحيح الذي عليه عمل المسلمين قديما وحديثا وهو قول من قال إن ~~المزارعة صحيحة سواء كان البذر من المالك أو من العامل PageV25P058 # وأما من قال أن المزارعة باطلة فعنده لا يستحق المقطع إلا أجره المثل ~~والزرع كله لرب البذر العامل وحينئذ فالعشر كله على العامل فان أراد المقطع ~~أن يأخذ نصف المغل مقاسمة ويجعل العشر كله على صاحب النصف الآخر لم يكن له ~~هذا باتفاق العلماء والله اعلم ### |||| وسئل # عن انسان له اقطاع من السلطان فهل الحاصل الذي يحصل له من ذلك الاقطاع ~~تجب فيه الزكاة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم ما يثبت على ملكه فعليه عشره سواء كان مقطعا أو ~~مستأجرا أو مالكا أو مستعيرا والله أعلم ### |||| وسئل # عن نصيب العامل في المزرعة هل فيه زكاة ### ||||| فأجاب # اما الزكاة في المساقاة والمزارعة فهذا مبنى على أصل PageV25P059 ~~وهو أن المزارعة والمساقاة هل هي جائزة أم لا على قولين مشهورين # أحدهما قول من قال إنها لا تجوز واعتقدوا أنها نوع من الاجارة بعوض مجهول ~~ثم من هؤلاء من أبطلها مطلقا كأبي حنيفة ومنهم من استثنى ما تدعو إليه ~~الحاجة فيجوز المساقاة للحاجة لأن الشجر لا يمكن إجارته بخلاف الأرض وجوزوا ~~المزارعة على الأرض التي فيها شجر تبعا للمساقاة أما مطلقا كقول الشافعي ~~وأما إذا كان البياض قدر الثلث فما دونه كقول مالك ثم منهم من جوز المساقاة ~~مطلقا كقول مالك والشافعي في القديم وفي الجديد قصر ms7338 الجواز على النخل ~~والعنب # والقول الثاني قول من يجوز المساقاة والمزارعة ويقول ان هذه مشاركة وهي ~~جنس غير جنس الاجارة التي يشترط فيها قدر النفع والاجرة فان العمل في هذه ~~العقود ليس بمقصود بل المقصود هو الثمر الذي يشتركان فيه ولكن هذا شارك ~~بنفع ماله وهذا بنفع بدنه وهكذا المضاربة # فعلى هذا فاذا افترق أصحاب هذه العقود وجب للعامل قسط مثله من الربح أما ~~ثلث الربح وإما نصفه ولم تجب أجرة المثل للعامل وهذا القول هو الصواب ~~المقطوع به وعليه إجماع الصحابة PageV25P060 # والقول بجواز المساقاة والمزارعة قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين ~~وغيرهم وهو مذهب الليث بن سعد وبن أبى ليلى وأبى يوسف ومحمد وفقهاء الحديث ~~كأحمد بن حنبل وأسحاق بن راهوية ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبى بكر بن ~~المنذر والخطابى وغيرهم # والصواب أن المزارعة أحل من الاجارة بثمن مسمى لأنها أقرب ألى العدل ~~وأبعد عن الخطر فان الذي نهى عنه النبي من العقود منه ما يدخل في جنس الربا ~~المحرم في القرآن ومنه ما يدخل في جنس الميسر الذي هو القمار وبيع الغرر هو ~~من نوع القمار والميسر فالأجرة والثمن إذا كانت غررا مثل ما لم يوصف ولم ير ~~ولم يعلم جنسه كان ذلك غررا وقمارا # ومعلوم أن المستاجر إنما يقصد الانتفاع بالأرض بحصول الزرع له فاذا أعطى ~~الأجرة المسماة كان المؤجر قد حصل له مقصوده بيقين وأما المستأجر فلا يدري ~~هل يحصل له الزرع أم لا # بخلاف المزارعة فانهما يشتركان في المغنم وفي الحرمان كما في المضاربة ~~فان حصل شيء اشتركا فيه وأن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان وكان ذهاب نفع ~~مال هذا في مقابلة ذهاب نفع بدن هذا PageV25P061 # ولهذا لم يجز أن يشترط لأحدهما شيء مقدر من النماء لا في المضاربة ولا في ~~المساقاة ولا في المزارعة لأن ذلك مخالف للعدل إذ قد يحصل لأحدهما شيء ~~والآخر لا يحصل له شيء وهذا هو الذي نهى عنه رسول الله في الأحاديث التي ~~روى فيها أنه نهى ms7339 عن المخابرة أو عن كراء الأرض أو عن المزارعة كحديث رافع ~~بن خديج وغيره فان ذلك قد جاء مفسرا بأنهم كانوا يعملون عليها بزرع بقعة ~~معينة من الأرض للمالك ولهذا قال الليث بن سعد إن الذي نهى عنه رسول الله ~~من ذلك أمر إذا نظر فيه ذو علم بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز # فأما المزارعة فجائزة بلا ريب سواء كان البذر من المالك أو العامل أو ~~منهما وسواء كان بلفظ الاجارة أو المزارعة أو غير ذلك هذا أصح الأقوال في ~~هذه المسألة # وكذلك كل ما كان من هذا الجنس مثل أن يدفع دابته أو سفينته إلى من يكتسب ~~عليها والربح بينهما أو من يدفع ماشيته أو نخله لمن يقوم عليها والصوف ~~واللبن والولد والعسل بينهما # فاذا عرف هذان القولان في المزارعة فمن قال من العلماء إن PageV25P062 ~~المزارعة باطلة قال الزرع كله لرب الأرض إذا كان البذر منه أو للعامل إذا ~~كان البذر منه ومن قال له الزرع كان عليه العشر وأما من قال ان رب الأرض ~~يستحق جزءا مشاعا من الزرع فان عليه عشره باتفاق الأئمة ولم يقل أحد من ~~المسلمين أن رب الأرض يقاسم العامل ويكون العشر كله على العامل فمن قال هذا ~~فقد خالف اجماع المسلمين ### |||| وسئل رحمه الله # عن لبس الفضة للرجال من الكلاليب وخاتم وحياصة وحلية على السيف وسائر لبس ~~الفضة هل هي محرمة ولا تجوز الصلاة فيها ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما خاتم الفضة فيباح باتفاق الأئمة فانه قد صح عن النبي ~~انه اتخذ خاتما من فضة وان أصحابه اتخذوا خواتيم # بخلاف خاتم الذهب فانها حرام باتفاق الأئمة الأربعة فانه قد صح عن النبي ~~انه نهى عن ذلك PageV25P063 والسيف يباح تحليته بيسير الفضة فان سيف النبي ~~كان فيه فضة وكذلك يسير الذهب على الصحيح # وأما الحياصة إذا كان فيها فضة يسيرة فانها تباح على أصح القولين وأما ~~الكلاليب التي تمسك بها العمامة وتحتاج إليها إذا كانت بزنة الخواتيم ~~كالمثقال ونحوه فهي أولى بالاباحة من الخاتم ms7340 فان الخاتم يتخذ للزينة وهذا ~~للحاجة وهذه متصلة باليسير ليست مفردة كالخاتم ويسير الفضة التابع لغيره ~~إذا كان يحتاج إلى جنسه كشعيرة السكين وحلقة الاناء تباح في الآنية وان كره ~~مباشرته بالاستعمال # وباب اللباس أوسع من باب الآنية فان آنية الذهب والفضة تحرم على الرجال ~~والنساء وأما باب اللباس فان لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق ويباح ~~للرجل ما يحتاج إليه من ذلك ويباح يسير الفضة للزينة وكذلك يسير الذهب ~~التابع لغيره كالطرز ونحوه في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره فان النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب إلا مقطعا # فاذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح يسير الفضة للزينة مفردا أو ~~مضافا إلى غيره كحلية السيف وغيره فكيف يحرم PageV25P064 يسير الفضة للحاجة # وهذا كله لو كان عن النبي لفظ عام بتحريم لبس الفضة كما جاء عنه لفظ عام ~~بتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال حيث قال هذان حرام على ذكور أمتى حل ~~لاناثها وكما جاء عنه لفظ عام في تحريم آنية الذهب والفضة # فلما كانت ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم عامة في آنية الذهب والفضة وفي ~~لباس الذهب والحرير استثنى من ذلك ما خصته الأدلة الشرعية كيسير الحرير ~~ويسير الفضة في الآنية للحاجة ونحو ذلك # فأما لبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم لم يكن لأحد أن يحرم منه ~~إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه فاذا جاءت السنة باباحة خاتم الفضة ~~كان هذا دليلا على إباحة ذلك وما هو في معناه وما هو أولى منه بالاباحة وما ~~لم يكن كذلك فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV25P065 ### |||| وسئل # عن جندي قال للصانع اعمل لي حياصة من ذهب أو فضة واكتب عليها بسم الله ~~الرحمن الرحيم فهل يجوز ذلك ثم لابد من أعادتها إلى النار لتمام عملها وهل ~~يجوز لأحد أن يلبس حياصة ذهب أو فضة ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما حياصة الذهب فمحرمة فان النبي قال الذهب ms7341 ~~والحرير هذان حرام على ذكور أمتى حل لأناثها # وأما حياصة الفضة ففيها نزاع بين العلماء وقد أباحها الشافعي وأحمد في ~~إحدى الروايتين # وأما كتابة القرآن عليها فيشبه كتابة القرآن على الدرهم والدينار ولكن ~~يمتاز هذا بأنها تعاد إلى النار بعد الكتابة وهذا كله مكروه فانه يفضي إلى ~~ابتذال القرآن وامتهانه ووقوعه في PageV25P066 المواضع التي ينزه القرآن ~~عنها فان الحياصة والدرهم والدينار ونحو ذلك هو في معرض الابتذال والامتهان # وان كان من العلماء من رخص في حمل الدراهم المكتوب عليها القرآن فذلك ~~للحاجة ولم يرخص في كتابة القرآن عليها والله أعلم PageV25P067 ### ||| 2 باب صدقة الفطر ### |||| 2 سئل رحمه الله # عن زكاة الفطر هل تخرج تمرا أو زبيبا أو برا أو شعيرا أو دقيقا وهل يعطى ~~للاقارب ممن لا تجب نفقته أو يجوز إعطاء القيمة ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما إذا كان أهل البلد يقتاتون أحد هذه الأصناف جاز ~~الاخراج من قوتهم بلا ريب وهل لهم أن يخرجوا ما يقتاتون من غيرها مثل أن ~~يكونوا يقتاتون الأرز والدخن فهل عليهم أن يخرجوا حنطة أو شعيرا أو يجزئهم ~~الأرز والدخن والذرة فيه نزاع مشهور وهما روايتان عن أحمد إحداهما لا يخرج ~~إلا المنصوص PageV25P068 والأخرى يخرج ما يقتاته وان لم يكن من هذه الأصناف ~~وهو قول أكثر العلماء كالشافعي وغيره وهو أصح الاقوال فان الاصل في الصدقات ~~أنها تجب على وجه المساواة للفقراء كما قال تعالى @QB@ من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم @QE@ # والنبي فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير لأن هذا كان قوت أهل ~~المدينة ولو كان هذا ليس قوتهم بل يقتاتون غيره لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا ~~يقتاتونه كما لم يأمر الله بذلك في الكفارات وصدقة الفطر من جنس الكفارات ~~هذه معلقة بالبدن وهذه معلقة بالبدن بخلاف صدقة المال فانها تجب بسبب المال ~~من جنس ما أعطاه الله # وأما الدقيق فيجوز إخراجه في مذهب أبي حنيفة وأحمد دون الشافعي ويخرجه ~~بالوزن فان الدقيق يربع إذا طحن # والقريب الذي يستحقها إذا ms7342 كانت حاجته مثل حاجة الأجنبى فهو أحق بها منه ~~فان صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم صدقة وصلة والله أعلم ~~PageV25P069 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن عليه زكاة الفطر ويعلم أنها صاع ويزيد عليه ويقول هو نافلة هل يكره ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم يجوز بلا كراهية عند أكثر العلماء كالشافعي وأحمد ~~وغيرهما وإنما تنقل كراهيته عن مالك # وأما النقص عن الواجب فلا يجوز باتفاق العلماء لكن هل الواجب صاع أو نصف ~~صاع أو أكثر فيه قولان والله أعلم PageV25P070 ### |||| وسئل شيخ الاسلام # عن صدقة الفطر هل يجب استيعاب الاصناف الثمانية في صرفها أم يجزئ صرفها ~~إلى شخص واحد وما أقوال العلماء في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله الكلام في هذا الباب في أصلين # احدهما في زكاة المال كزكاة الماشية والنقد وعروض التجارة والمعشرات فهذه ~~فيها قولان للعلماء # أحدهما أنه يجب على كل مزك أن يستوعب بزكاته جميع الآصناف المقدور عليها ~~وأن يعطي من كل صنف ثلاثة وهذا هو المعروف من مذهب الشافعي وهو رواية عن ~~الامام أحمد # الثاني بل الواجب أن لا يخرج بها عن الاصناف الثمانية ولا يعطي أحدا فوق ~~كفايته ولا يحابى أحدا بحيث يعطي واحدا ويدع PageV25P071 من هو أحق منه أو ~~مثله مع امكان العدل وعند هؤلاءإذا دفع زكاة ماله جميعها لواحد من صنف وهو ~~يستحق ذلك مثل أن يكون غارما عليه ألف درهم لا يجد لها وفاء فيعطيه زكاته ~~كلها وهي الف درهم اجزأه وهذا قول جمهور أهل العلم كأبي حنيفة وأحمد في ~~المشهور عنه وهو المأثور عن الصحابة كحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس ~~ويذكر ذلك عن عمر نفسه # وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي قال لقبيصة بن مخارق الهلالي أقم يا قبيصة ~~حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها وفي سنن أبى داود وغيرها انه قال لسلمة بن ~~صخر البياضي أذهب إلى عامل بنى زريق فليدفع صدقتهم اليك ففي هذين الحديثين ~~أنه دفع صدقة قوم لشخص واحد لكن الآمر هو الإمام وفي مثل هذا تنازع وفي ms7343 ~~المسألة بحث من الطرفين لا تحتمله هذه الفتوى # فإن المقصود هو الاصل الثاني وهو صدقة الفطر فان هذه الصدقة هل تجرى مجرى ~~صدقة الاموال أو صدقة الابدان كالكفارات على قولين فمن قال بالأول وكان من ~~قوله وجوب الاستيعاب أوجب الاستيعاب فيها PageV25P072 وعلى هذين الاصلين ~~ينبني ما ذكره السائل من مذهب الشافعي رضي الله عنه ومن كان من مذهبه انه ~~لا يجب الاستيعاب كقول جمهور العلماء فانهم يجوزون دفع صدقة الفطر إلى واحد ~~كما عليه المسلمون قديما وحديثا # ومن قال بالثانى ان صدقة الفطر تجرى مجرى كفارة اليمين والظهار والقتل ~~والجماع في رمضان ومجرى كفارة الحج فان سببها هو البدن ليس هو المال كما في ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من ~~اللغو والرفث وطعمه للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن ~~أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات وفي حديث آخر أنه قال إغنوهم في هذا ~~اليوم عن المسالة # ولهذا أوجبها الله طعاما كما أوجب الكفارة طعاما وعلى هذا القول فلا يجزئ ~~إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة وهم الأخذون لحاجة أنفسهم فلا يعطي منها في ~~المؤلفة ولا الرقاب ولا غير ذلك وهذا القول أقوى في الدليل # وأضعف الأقوال قول من يقول إنه يجب على كل مسلم أن يدفع PageV25P073 صدقة ~~فطره إلى اثنى عشر أو ثمانية عشر أو إلى أربعة وعشرين أو اثنين وثلاثين أو ~~ثمانية وعشرين ونحو ذلك فان هذا خلاف ما كان عليه المسلمون على عهد رسول ~~الله وخلفائه الراشدين وصحابته أجمعين لم يعمل بهذا مسلم على عهدهم بل كان ~~المسلم يدفع صدقة فطره وصدقة فطر عياله إلى المسلم الواحد # ولو رأوا من يقسم الصاع على بضعة عشر نفسا يعطى كل واحد حفنة لأنكروا ذلك ~~غاية الانكار وعدوه من البدع المستنكرة والافعال المستقبحة فان النبي قدر ~~المأمور به صاعا من تمر أو صاعا من شعير ومن البر إما نصف صاع وأما صاعا ~~على قدر الكفاية التامة للواحد من المساكين وجعلها ms7344 طعمة لهم يوم العيد ~~يستغنون بها فاذا أخذ المسكين حفنة لم ينتفع بها ولم تقع موقعا # وكذلك من عليه دين وهو بن سبيل اذا اخذ حفنة من حنطة لم ينتفع بها من ~~مقصودها ما يعد مقصود اللعقلاء وان جاز ان يكون ذلك مقصودا في بعض الأوقات ~~كما لو فرض عدد مضطرون PageV25P074 وان قسم بينهم الصاع عاشوا وان خص به ~~بعضهم مات الباقون فهنا ينبغي تفريقه بين جماعة لكن هذا يقتضي ان يكون ~~التفريق هو المصلحة والشريعة منزهة عن هذه الأفعال المنكرة التي لا يرضاها ~~العقلاء ولم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها # ثم قول النبي طعمة للمساكين نص في أن ذلك حق للمساكين وقوله تعالى في آية ~~الظهار فاطعام ستين مسكينا فاذا لم يجز أن تصرف تلك للاصناف الثمانية فكذلك ~~هذه ولهذا يعتبر في المخرج من المال أن يكون من جنس النصاب والواجب ما يبقى ~~ويستنمى ولهذا كان الواجب فيها الاناث دون الذكور الا في التبيع وبن لبون ~~لان المقصود الدر والنسل وانما هو للاناث وفي الضحايا والهدايا لما كان ~~المقصود الأكل كان الذكر أفضل من الأنثى وكانت الهدايا والضحايا إذا تصدق ~~بها أو ببعضها فانما هو للمساكين أهل الحاجة دون استيعاب المصارف الثمانية ~~وصدقة الفطر وجبت طعاما للاكل لا للاستنماء فعلم أنها من جنس الكفارات # وإذا قيل ان قوله انما الصدقات للفقراء والمساكين نص في استيعاب الصدقة ~~قيل هذا خطأ لوجوه PageV25P075 أحدها أن اللام في هذه إنما هي لتعريف ~~الصدقة المعهودة التي تقدم ذكرها في قوله ومنهم من يلمزك في الصدقات فان ~~أعطوا منها رضوا وهذه إذا صدقات الأموال دون صدقات الابدان باتفاق المسلمين ~~ولهذا قال في أية الفدية ففدية من صيام أو صدقة أو نسك لم تكن هذه الصدقة ~~داخلة في آية براءة واتفق الأئمة على ان فدية الأذى لا يجب صرفها في جميع ~~الأصناف الثمانية وكذلك صدقة التطوع لم تدخل في الآية باجماع المسلمين ~~وكذلك سائر المعروف فانه قد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي ms7345 انه قال كل ~~معروف صدقة لا يختص بها الاصناف الثمانية باتفاق المسلمين # وهذا جواب من يمنع دخول هذه الصدقة في الآية وهي تعم جميع الفقراء ~~والمساكين والغارمين في مشارق الأرض ومغاربها ولم يقل مسلم انه يجب استيعاب ~~جميع هؤلاء بل غاية ما قيل انه يجب اعطاء ثلاثة من كل صنف وهذا تخصيص اللفظ ~~العام من كل صنف ثم فيه تعيين فقير دون فقير # وأيضا لم يوجب أحد التسوية في آحاد كل صنف فالقول عند PageV25P076 ~~الجمهور في الاصناف عموما وتسوية كالقول في آحاد كل صنف عموما وتسوية # الوجه الثاني أن قوله أنما الصدقات للحصر وانما يثبت المذكور ويبقى ما ~~عداه والمعنى ليست الصدقة لغير هؤلاء بل لهؤلاء فالمثبت من جنس المنفي ~~ومعلوم انه لم يقصد تبيين الملك بل قصد تبيين الحل أي لا تحل الصدقة لغير ~~هؤلاء فيكون المعنى بل تحل لهم وذلك أنه ذكر في معرض الذم لمن سأله من ~~الصدقات وهو لا يستحقها والمذموم يذم على طلب ما لا يحل له لا على طلب ما ~~يحل له وان كان لا يملكه إذ لو كان كذلك لذم هؤلاء وغيرهم اذا سألوها من ~~الامام قبل اعطائها ولو كان الذم عاما لم يكن في الحصر ذم لهؤلاء دون غيرهم ~~وسياق الآية يقتضي ذمهم والذم الذي اختصوا به سؤال ما لا يحل فيكون ذلك ~~الذي نفى ويكون المثبت هذا يحل وليس من الاحلال للاصناف وآحادهم وجود ~~الاستيعاب والتسوية كاللام في قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا وقوله وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه وقوله عليه ~~الصلاة والسلام أنت ومالك لابيك وأمثال ذلك مما جاءت به اللام للاباحة فقول ~~القائل انه قسمها بينهم بواو التشريك PageV25P077 ولام التمليك ممنوع لما ~~ذكرناه # الوجه الثالث أن الله لما قال في الفرائض يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الانثيين وقال ولكم نصف ما ترك أزواجكم إلى قوله ولهن الربع مما ~~تركتم وقال وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل ms7346 حظ الانثيين لما كانت ~~اللام للتمليك وجب استيعاب الأصناف المذكورين وإفراد كل صنف والتسوية بينهم ~~فاذا كان لرجل أربع زوجات وأربعة بنين أو بنات أو أخوات أو إخوة وجب العموم ~~والتسوية في الافراد لان كلا منهم استحق بالنسب وهم مستوون فيه وهناك لم ~~يكن الامر فيه كذلك ولم يجب فيه ذلك # ولا يقال إفراد الصنف لا يمكن استيعابه لانه يقال بل يجب أن يقال في ~~الافراد ما قيل في الاصناف فاذا قيل يجب استيعابها بحسب الامكان ويسقط ~~المعجوز عنه قيل في الافراد كذلك وليس الامر كذلك لكن يجب تحري العدل بحسب ~~الامكان كما ذكرناه والله اعلم PageV25P078 ### ||| 2 باب اخراج الزكاة ### |||| 2 سئل شيخ الاسلام # عن تاجر هل يجوز ان يخرج من زكاته الواجبة عليه صنفا يحتاج إليه وهل إذا ~~مات انسان وعليه دين له فهل يجوز أن يعطى أحدا من أقارب الميت إن كان ~~مستحقا للزكاة ثم يستوفيه منه وهل إذا أخرج زكاته على أهل بلد آخر مسافة ~~القصر هل يجزئه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا أعطاه دراهم أجزا بلا ريب # وأما إذا أعطاه القيمة ففيه نزاع هل يجوز مطلقا أو لا يجوز مطلقا أو يجوز ~~في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد ~~وغيرهوهذا القول أعدل الأقوال # فان كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة فاشترى رب PageV25P079 المال ~~له بها كسوة وأعطاه فقد أحسن إليه وأما إذا قوم هو الثياب التي عنده ~~وأعطاها فقد يقومها بأكثر من السعر وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج اليها بل ~~يبيعها فيغرم أجرة المنادي وربما خسرت فيكون في ذلك ضرر على الفقراء # والاصناف التي يتجر فيها يجوز أن يخرج عنها جميعا دراهم بالقيمة فان لم ~~يكن عنده دراهم فأعطى ثمنها بالقيمة فالأظهر أنه يجوز لأنه واسى الفقراء ~~فأعطاهم من جنس ماله # وأما الدين الذي على الميت فيجوز أن يوفى من الزكاة في أحد قولي العلماء ~~وهو أحدى الروايتين عن أحمد لأن الله تعالى قال والغارمين ولم ms7347 يقل ~~وللغارمين فالغارم لا يشترط تمليكه # وعلى هذا يجوز الوفاء عنه وأن يملك لوارثه ولغيره ولكن الذي عليه الدين ~~لا يعطى ليستوفي دينه PageV25P080 ### |||| وسئل رحمه الله # عن زكاة العشر وغيره يأخذها السلطان يصرفها حيث شاء ولا يعطيها للفقراء ~~والمساكين هل يسقط الفرض بذلك أم لا ### ||||| فأجاب # أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر وزكاة الماشية والتجارة وغير ~~ذلك فانه يسقط ذلك عن صاحبه إذا كان الامام عادلا يصرفه في مصارفه الشرعية ~~باتفاق العلماء فان كان ظالما لا يصرفه في مصارفه الشرعية فينبغي لصاحبه أن ~~لا يدفع الزكاة إليه بل يصرفها هو إلى مستحقيها فان أكره على دفعها إلى ~~الظالم بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر فانها تجزئه في هذه الصورة عند ~~اكثر العلماء # وهم في هذه الحال ظلموا مستحقيها كولي اليتيم وناظر الوقف إذا قبضوا ماله ~~وصرفوه في غير مصارفه PageV25P081 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن أخرج القيمة في الزكاة فإنه كثيرا ما يكون أنفع للفقير هل هو جائز أم ~~لا ### ||||| فأجاب # أما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك فالمعروف من م ذهب ~~مالك والشافعي أنه لا يجوز وعند أبى حنيفة يجوز وأحمد رحمه الله قد منع ~~القيمة في مواضع وجوزها في مواضع فمن أصحابه من أقر النص ومنهم من جعلها ~~على روايتين # والأظهر في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه ~~ولهذا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين أو عشرين درهما ولم ~~يعدل إلى القيمة ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل المالك إلى ~~أنواع رديئة وقد يقع في التقويم ضرر ولأن الزكاة مبناها على المواساة وهذا ~~معتبر في قدر المال وجنسه واما اخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل ~~فلا PageV25P082 بأس به مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم فهنا اخراج ~~عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء ~~بنفسه وقد نص أحمد على جواز ذلك # ومثل أن يجب عليه شاة في ms7348 خمس من الابل وليس عنده من يبيعه شاة فاخراج ~~القيمة هنا كاف ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة ومثل أن يكون ~~المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها أو يرى ~~الساعي أن أخذها أنفع للفقراء كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل ~~اليمن ائتونى بخميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين ~~والانصار # وهذا قد قيل إنه قاله في الزكاة وقيل في الجزية PageV25P083 ### |||| وسئل رحمه الله # عن إسقاط الدين عن المعسر هل يجوز أن يحسبه من الزكاة ### ||||| فأجاب # أما إسقاط الدين عن المعسر فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع لكن ~~إذا كان له دين على من يستحق الزكاة فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك ~~الدين ويكون ذلك زكاة ذلك الدين فهذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره # أظهرهما الجواز لأن الزكاة مبناها على المواساة وهنا قد أخرج من جنس ما ~~يملك بخلاف ما إذا كان ماله عينا وأخرج دينا فان الذي أخرجه دون الذي يملكه ~~فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب وهذا لا يجوز كما قال تعالى ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون الآية # ولهذا كان على المزكى أن يخرج من جنس ماله لا يخرج أدنى منه فاذا كان له ~~ثمر وحنطة جيدة لم يخرج عنها ما هو دونها PageV25P084 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن له زكاة وله أقارب في بلد تقصر إليه الصلاة وهم مستحقون الصدقة فهل ~~يجوز أن يدفعها اليهم أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كانوا محتاجين مستحقين للزكاة ولم تحصل لهم كفايتهم ~~من جهة غيره فانه يعطيهم من الزكاة ولو كانوا في بلد بعيد والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الاسلام # عن المسكين يحتاج إلى الزكاة من الزرع فهل إعطاؤه يسقط الفرض عن صاحب ~~الزرع إذا عجلها له قبل إدراك زرعه أم لا ### ||||| فأجاب # أما تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب فيجوز عند جمهور ~~العلماء كأبى حنيفة والشافعي وأحمد فيجوز PageV25P085 تعجيل زكاة الماشية ~~والنقدين وعروض ms7349 التجارة إذا ملك النصاب # ويجوز تعجيل المعشرات قبل وجوبها إذا كان قد طلع الثمر قبل بدو صلاحه ~~ونبت الزرع قبل اشتداد الحب # فاما إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة وجبت الزكاة ### |||| وسئل # عن رجل تحت يده مال فوق النصاب فأخرج منه شيئا من زكاة الفرض ظنا منه أنه ~~قد حال عليه الحول ثم تبين أنه لم يحل الحول وفيمن يخرج الزكاة وفي نفسه ~~إذا كان الحول حالا فهي زكاة وإلا تكون سلفا على ما يجب بعد هل يجزئ في ~~الصورتين ### ||||| فأجاب # نعم يجزئ ذلك في الصورتين جميعا إذا وجبت الزكاة والله أعلم ~~PageV25P086 ### |||| وسئل # عن دفع الزكاة إلى قوم منتسبين إلى المشايخ هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب ### ||||| فصل # وأما الزكاة فينبغي للانسان أن يتحرى بها المستحقين من الفقراء والمساكين ~~والغارمين وغيرهم من أهل الدين المتبعين للشريعة فمن أظهر بدعة أو فجورا ~~فانه يستحق العقوبة بالهجر وغيره والاستتابة فكيف يعان على ذلك # وأما من يأخذها وينفقها بحسب اختياره أو ينفقها على عياله مع غناه فهذا ~~لا يجوز دفعها إليه ولا تبرأ ذمة من دفعها إليه بل لا تعطى إلا لمستحقها أو ~~لمن يعطيها لمستحقها مثل من عنده خبرة PageV25P087 بأهلها وأمانة فيؤديها ~~إليهم كما قال تعالى أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها # واذا طلبها من لا يعلم حاجته إليها وهو يعلم حاجة آخر فاعطاء من يعلم ~~حاجته أولى وإعطاء القريب المحتاج الذي ليس من أهل نفقته أولى من إعطاء ~~البعيد المساوى له في الحاجة ### |||| وسئل # عن رجل عليه زكاة هل يجوز له أن يعطيها لأقاربه المحتاجين أو أن يشتري ~~لهم منها ثيابا أو حبوبا وإذا أخذ 1 السلطان من غنمه هل تسقط زكاتها وهل ~~يلزمه اعطاء الزكاة في بلد القلة والمال أم لا وهل إذا مات فقير وله عليه ~~مال هل له أن يحسبه من الزكاة أو يطلبه من غيره فيأخذ عنه وهل يعطي لمن لا ~~يصلي أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله يجوز أن يصرف الزكاة إلى من يستحقها وأن كانوا ms7350 من أقاربه ~~الذين ليسوا في عياله لكن يعطيهم من ماله وهم يأذنون لمن يشتري لهم بها ما ~~يريدون PageV25P088 # وما أخذه السلطان من الزكاة بغير أمر اصحابة احتسب به وجيران المال أحق ~~بصدقته فان استغنوا عنها أعطى البعيد وأن أعطاها الفقراء في غير البلد جاز # وإن كان له دين علي حي أو ميت لم يحتسب به من الزكاة ولا يحتال في ذلك # ومن لم يكن مصليا أمر بالصلاة فان قال أنا أصلي أعطى وإلا لم يعط ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن دفع الزكاة إلى أقاربه المحتاجين الذين لا تلزمه نفقتهم هل هو الآفضل ~~أو دفعها إلى الاجنبى ### ||||| فأجاب # أما دفع الزكاة إلى أقاربه فان كان القريب الذي يجوز دفعها إليه ~~حاجته مثل حاجة الأجنبى اليها فالقريب أولى وان كان البعيد أحوج لم يحاب ~~بها القريب قال أحمد عن سفيان بن عيينة كانوا يقولون لا يحابى بها قريبا ~~ولا يدفع بها مذمة ولا يقي بها ماله PageV25P089 ### |||| وسئل رحمه الله # عن دفعها إلى والديه وولده الذين لا تلزمه نفقتهم هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # الذين يأخذون الزكاة صنفان صنف يأخذ لحاجته كالفقير والغارم لمصلحة ~~نفسه # وصنف يأخذها لحاجة المسلمين كالمجاهد والغارم في اصلاح ذات البين فهؤلاء ~~يجوز دفعها اليهم وان كانوا من أقاربه # وأما دفعها إلى الوالدين إذا كانوا غارمين أو مكاتبين ففيها وجهان ~~والأظهر جواز ذلك # وأما أن كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم فالأقوى جواز دفعها اليهم في هذه ~~الحال لأن المقتضى موجود والمانع مفقود فوجب العمل بالمقتضى السالم عن ~~المعارض المقاوم PageV25P090 ### |||| وسئل # عن إمراة فقيرة وعليها دين ولها أولاد بنت صغار ولهم مال وهم تحت الحجر ~~هل يجوز أن يدفعوا زكاتهم إلى جدتهم أم لا وهل هي أولى من غيرها أم لا ### ||||| فأجاب # أما دفع زكاتهم اليها لقضاء دينها فيجوز في أظهر قولي العلماء وهو ~~أحد القولين في مذهب أحمد وغيره وكذلك دفعها إلى سائر الأقارب لأجل الدين # وأما دفعها لآجل النفقة فان كانت مستغنية بنفقتهم أو نفقة غيرهم لم ms7351 تدفع ~~اليها وان كانت محتاجة إلى زكاتهم دفعت اليها في أظهر قولي العلماء وهي أحق ~~من الأجانب والله أعلم PageV25P091 ### |||| وسئل رحمه الله # هل من كان عليه دين يجوز له أن يأخذ من زكاة أبيه لقضاء دينه أم لا ### ||||| فأجاب # إذا كان على الولد دين ولا وفاء له جاز له أن ياخذ من زكاة أبيه في ~~أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره وأما أن كان محتاجا إلى النفقة وليس لأبيه ~~ما ينفق عليه ففيه نزاع والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه # وأما إن كان مستغنيا بنفقة أبيه فلا حاجة به إلى زكاته والله أعلم ~~PageV25P092 ### |||| وسئل # هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يغرمه ولاة الأمور في الطرقات أم لا ### ||||| فأجاب # ما ياخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة لا يعتد به من الزكاة والله ~~تعالى أعلم ### |||| وسئل # عن الصدقة على المحتاجين من الأهل وغيرهم ### ||||| فأجاب # أن كان مال الانسان لا يتسع للأقارب والأباعد فان نفقة القريب ~~واجبة عليه فلا يعطي البعيد ما يضر بالقريب # وأما الزكاة والكفارة فيجوز أن يعطي منها القريب الذي لا ينفق عليه ~~والقريب أولى إذا استوت الحاجة PageV25P093 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل أعطاه أخ له شيئا من الدنيا أيقبله أم يرده وقد ورد من جاءه شيء ~~بغير سؤال فرده فكأنما رده على الله هل هو صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # قد ثبت عن النبي أنه قال لعمر ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ~~ولا مشرف فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك وثبت أيضا في الصحيح أن حكيم بن حزام ~~سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم قال يا حكيم ما أكثر مسألتك ~~أن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه باشراف ~~نفس لم يبارك له فيه فكان كالذي يأكل ولا يشبع فقال له حكيم والذي بعثك ~~بالحق لا أرزا بعدك من أحد شيئا فكان أبو بكر وعمر يعطيانه فلا يأخذ فتبين ~~بهذين الحديثين أن الانسان إذا كان سائلا بلسانه او ms7352 PageV25P094 مشرفا إلى ~~ما يعطاه فلا ينبغي أن يقبله إلا حيث تباح له المسالة والاستشراف 1 وأما ~~إذا أتاه من غير مسألة ولا إشراف فله أخذه إن كان الذي أعطاه أعطاه حقه كما ~~أعطى النبي عمر من بيت المال فانه قد كانعمل له فأعطاه عمالته وله أن لا ~~يقبله كما فعل حكيم بن حزام مالا يستحقه عليه فان قبله وكان من غير إشراف ~~له عليه فقد أحسن # وأما الغنى فينبغي له أن يكافئ بالمال من أسداه إليه لخبر من أسدي إليكم ~~معروفا فكافئوه فان لم تجدوا له ما تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا ان قد ~~كافأتموه PageV25P095 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### ||| فصل # في الأخذ من غير سؤال في # الصحيح حديث حكيم بن حزام لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرة بعد مرة ~~ثم قال يا حكيم أن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ~~ومن أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد ~~العليا خير من اليد السفلى قال حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا ~~أرزا احدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو ~~حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى ان ~~يقبله فقال يا معشر المسلمين وفي رواية إنى أشهدكم يا معشر المسلمين إنى ~~أعرض على حكيم حقه الذي قسم الله له في هذا الفيء فيابى أن يأخذه فلم يرزا ~~حكيم احدا من الناس بعد النبي PageV25P096 قوله لم يرزا أي لم ينقص لا لم ~~يسأل كما يدل عليه السياق # ففيه أن حكيما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل من أحد شيئا ~~واقره النبي على ذلك وكذلك الخلفاء بعده وهذا حجة في جواز الرد وان كان عن ~~غير مسألة ولا إشراف # وقوله اليد العليا خير من اليد السفلى تنبيه له على ان يد الآخذ سفلى وقد ~~سئل أحمد عن حجة لذلك من الآية فلم ms7353 يعرفها وهذه حجة جيدة # وقد روى فيه زيادات مثل قوله إن خيرا لك أن لا تأخذ من أحد شيئا لكن ينظر ~~إسناده فهو صريح في تفضيل عدم الأخذ مطلقا PageV25P097 ### | 1 ( كتاب الصيام) ### |||| سئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن صوم يوم الغيم هل هو واجب أم لا وهل هو يوم شك منهى عنه أم لا ### ||||| فأجاب ### ||||| فصل # وأما صوم يوم الغيم اذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر فللعلماء فيه عدة ~~اقوال وهي في مذهب أحمد وغيره # أحدها أن صومه منهى عنه ثم هل هو نهى تحريم أو تنزيه على قولين وهذا هو ~~المشهور في مذهب مالك والشافعي وأحمد في احدى الروايات عنه وإختار ذلك ~~طائفة من اصحابه كأبى الخطاب PageV25P098 وبن عقيل وأبى القاسم بن منده ~~الأصفهانى وغيرهم # والقول الثانى ان صيامه واجب كاختيار القاضي والخرقى وغيرهما من اصحاب ~~أحمد وهذا يقال انه اشهر الروايات عن أحمد لكن الثابت عن أحمد لمن عرف ~~نصوصه والفاظه انه كان يستحب صيام يوم الغيم اتباعا لعبد الله بن عمر وغيره ~~من الصحابة ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس بل كان يفعله احتياطا ~~وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطا ونقل ذلك عن عمر وعلى ومعاوية وابى ~~هريرة وبن عمر وعائشة واسماء وغيرهم # ومنهم من كان لا يصومه مثل كثير من الصحابة ومنهم من كان ينهى عنه كعمار ~~بن ياسر وغيره فأحمد رضي الله عنه كان يصومه احتياطا # وأما ايجاب صومه فلا اصل له في كلام أحمد ولا كلام أحد من اصحابه لكن ~~كثير من اصحابه اعتقدوا ان مذهبه ايجاب صومه ونصروا ذلك القول # والقول الثالث انه يجوز صومه ويجوز فطره وهذا PageV25P099 مذهب ابى حنيفة ~~وغيره وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه وهو مذهب كثير من الصحابة ~~والتابعين أو اكثرهم وهذا كما ان الامساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز ~~فان شاء امسك وان شاء اكل حتى يتيقن طلوع الفجر وكذلك اذا شك هل احدث أم لا ~~ان شاء توضأ وان شاء ms7354 لم يتوضأ وكذلك اذا شك هل حال حول الزكاة أو لم يحل ~~واذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة أو مائة وعشرون فأدى الزيادة # وأصول الشريعة كلها مستقرة على ان الاحتياط ليس بواجب ولا محرم ثم اذا ~~صامه بنية مطلقة أو بنية معلقة بأن ينوى ان كان من شهر رمضان كان عن رمضان ~~والا فلا فان ذلك يجزيه في مذهب أبي حنيفة واحمد في أصح الروايتين عنه وهي ~~التى نقلها المروذي وغيره وهذا اختيار الخرقى في شرحه للمختصر واختيار أبي ~~البركات وغيرهما # والقول الثاني انه لا يجزئه الا بنية انه من رمضان كاحدى الروايتين عن ~~أحمد اختارها القاضي وجماعة من أصحابه # وأصل هذه المسألة ان تعيين النية لشهر رمضان هل هو واجب فيه ثلاثة اقوال ~~في مذهب احمد PageV25P100 # أحدها انه لا يجزئه الا ان ينوي رمضان فان صام بنية مطلقة أو معلقة أو ~~بنية النفل أو النذر لم يجزئه ذلك كالمشهور من مذهب الشافعى واحمد في احدى ~~الروايات # والثانى يجزئه مطلقا كمذهب أبي حنيفة # والثالث انه يجزئه بنية مطلقة لا بنية تعيين غير رمضان وهذه الرواية ~~الثالثة عن أحمد وهي اختيار الخرقى وأبى البركات # وتحقيق هذه المسالة ان النية تتبع العلم فان علم ان غدا من رمضان فلابد ~~من التعيين في هذه الصورة فان نوى نفلا أو صوما مطلقا لم يجزه لان الله ~~امره ان يقصد اداء الواجب عليه وهو شهر رمضان الذي علم وجوبه فاذا لم يفعل ~~الواجب لم تبرأ ذمته # وأما إذا كان لا يعلم ان غدا من شهر رمضان فهنا لا يجب عليه التعيين ومن ~~اوجب التعيين مع عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين # فاذا قيل انه يجوز صومه وصام في هذه الصورة بنية مطلقة أو معلقة اجزأه ~~واما اذا قصد صوم ذلك تطوعا ثم تبين انه كان PageV25P101 من شهر رمضان ~~فالاشبه انه يجزئه ايضا كمن كان لرجل عنده وديعة ولم يعلم ذلك فاعطاه ذلك ~~على طريق التبرع ثم تبين انه حقه فانه لا يحتاج إلى ms7355 اعطائه ثانيا بل يقول ~~ذلك الذي وصل اليك هو حق كان لك عندي والله يعلم حقائق الامور والرواية ~~التى تروى عن أحمد ان الناس فيه تبع للامام في نيته على أن الصوم والفطر ~~بحسب ما يعلمه الناس كما في السنن عن النبى انه قال ( صومكم يوم تصومون ~~وفطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم تضحون ( # وقد تنازع الناس في ( الهلال ( هل هو اسم لما يطلع في السماء وان لم يره ~~أحد أو لا يسمى هلالا حتى يستهل به الناس ويعلموه على قولين في مذهب أحمد ~~وغيره # وعلى هذا ينبنى النزاع فيما اذا كانت السماء مطبقة بالغيم أو في يوم ~~الغيم مطلقا هل هو يوم شك على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره # أحدها انه ليس بشك بل الشك اذا امكنت رؤيته وهذا قول كثير من اصحاب ~~الشافعي وغيرهم # والثانى أنه شك لامكان طلوعه PageV25P102 # والثالث أنه من رمضان حكما فلا يكون يوم شك وهو اختيار طائفة من اصحاب ~~أحمد وغيرهم # وقد تنازع الفقهاء في المنفرد برؤية هلال الصوم والفطر هل يصوم ويفطر ~~وحده أو لا يصوم ولا يفطر الا مع الناس أو يصوم وحده ويفطر مع الناس على ~~ثلاثة اقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره # وقال رحمه الله ### ||| فصل # مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها فيها اضطراب فانه قد حكى بن عبد البر ~~الاجماع على ان الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه فاما ما كان مثل ~~الاندلس وخراسان فلا خلاف انه لا يعتبر # قلت أحمد اعتمد في الباب على حديث الاعرابى الذي شهد انه اهل الهلال ~~البارحة فامر النبى الناس على هذه الرؤية مع انها كانت في غير البلد وما ~~يمكن ان تكون فوق مسافة القصر ولم يستفصله وهذا الاستدلال لا ينافى ما ذكره ~~بن عبد البر لكن ما حد ذلك PageV25P103 # والذين قالوا لا تكون رؤية لجميعها كأكثر اصحاب الشافعي منهم من حدد ذلك ~~بمسافة القصر ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع كالحجاز مع الشام ~~والعراق مع خراسان وكلاهما ضعيف فان ms7356 مسافة القصر لا تعلق لها بالهلال واما ~~الاقاليم فما حدد ذلك ثم هذان خطأ من وجهين # أحدهما أن الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب فانه متى رؤي في المشرق ~~وجب ان يرى في المغرب ولا ينعكس لانه يتأخر غروب الشمس بالمغرب عن وقت ~~غروبها بالمشرق فاذا كان قد رؤي ازداد بالمغرب نورا وبعدا عن الشمس وشعاعها ~~وقت غروبها فيكون احق بالرؤية وليس كذلك اذا رؤي بالمغرب لانه قد يكون سبب ~~الرؤية تاخر غروب الشمس عندهم فازداد بعدا وضوءا ولما غربت بالمشرق كان ~~قريبا منها # ثم إنه لما رؤي بالمغرب كان قد غرب عن اهل المشرق فهذا امر محسوس في غروب ~~الشمس والهلال وسائر الكواكب ولذلك اذا دخل وقت المغرب بالمغرب دخل بالمشرق ~~ولا ينعكس وكذلك الطلوع اذا طلعت بالمغرب طلعت بالمشرق ولا ينعكس فطلوع ~~الكواكب وغروبها بالمشرق سابق PageV25P104 # وأما الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق لانه يطلع من المغرب وليس في ~~السماء ما يطلع من المغرب غيره وسبب ظهوره بعده عن الشمس فكلما تأخر غروبها ~~ازداد بعده عنها فمن اعتبر بعد المساكن مطلقا فلم يتمسك بأصل شرعى ولا حسي # وأيضا فان هلال الحج ما زال المسلمون يتمسكون فيه برؤية الحجاج القادمين ~~وان كان فوق مسافة القصر # الوجه الثانى أنه إذا اعتبرنا حدا كمسافة القصر أو الاقاليم فكان رجل في ~~آخر المسافة والاقليم فعليه ان يصوم ويفطر وينسك وآخر بينه وبينه غلوة سهم ~~لا يفعل شيئا من ذلك وهذا ليس من دين المسلمين # فالصواب في هذا والله أعلم ما دل عليه قوله ( صومكم يوم تصومون وفطركم ~~يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ( فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه ~~رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم # وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب فعليهم إمساك ما بقى ~~سواء كان من إقليم أو اقليمين PageV25P105 والإعتبار ببلوغ العلم بالرؤية ~~في وقت يفيد فاما اذا بلغتهم الرؤية بعد غروب الشمس فالمستقبل يجب صومه بكل ~~حال لكن اليوم الماضي هل يجب قضاؤه فانه ms7357 قد يبلغهم في اثناء الشهر انه رؤي ~~باقليم آخر ولم ير قريبا منهم الاشبه انه ان رؤي بمكان قريب وهو ما يمكن ان ~~يبلغهم خبره في اليوم الاول فهو كما لو رؤي في بلدهم ولم يبلغهم # وأما إذا رؤي بمكان لا يمكن وصول خبره اليهم الا بعد مضى الاول فلا قضاء ~~عليهم لان صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه ولا يمكن ان يصوموا الا اليوم ~~الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه فلم يكن يوم ~~صومهم وكذلك في الفطر والنسك لكن هؤلاء هل يفطرون اذا ثبت عندهم في اثناء ~~الشهر أنه رؤي بناء على تلك الرؤية لكن ان بلغتهم بخبر واحد لم يفطروا لأنه ~~قد ثبت عندهم في اثنائه ما يفطرون به ولا يقضون اليوم الاول فيكون صومهم ~~تسعة وعشرين كما يقوله من يقول بالمطالع # 106 # إذا صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم فانه يفطر معهم ولا ~~يقضى اليوم الاول # وإن تأخرت رؤيتهم فهنا اختلفت نقول اصحابنا ان قالوا يفطر PageV25P106 ~~وحده فهو كما لو رآه عندهم لم يفطر وحده عندنا على المشهور وإن صام معهم ~~فقد صام احدى وثلاثين يوما # والأشبه ان هذه المسألة يخرج فيها لاصحابنا قولان كالمنفرد برؤيته في ~~الفطر لان انفراد الرجل بالفطر هو المحذور في الموضعين ورؤية أهل بلد دون ~~غيرهم كرؤيته ورؤية طائفة معه دون غيرهم وأما هلال الفطر فإذا ثبتت رؤيته ~~في اليوم عملوا بذلك وإن كان بعد ذلك لم يكن فيه فائدة بل العيد هو اليوم ~~الذى عيده الناس ولكن نقل التاريخ # فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله ( صوموا لرؤيته ( فمن بلغه ~~أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلا وهذا يطابق ما ذكره بن عبد ~~البر في ان طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما الا بعد شهر فلا فائدة فيه ~~بخلاف الاماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر فانها محل الاعتبار ~~فتدبر هذه المسائل الاربعة وجوب الصوم والامساك ووجوب القضاء ms7358 ووجوب بناء ~~العيد على تلك الرؤية ورؤية البعيد والبلاغ في وقت بعد انقضاء العبادة # ولهذا قالوا إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة PageV25P107 ~~أجزأهم اعتبارا بالبلوغ واذا اخطأه طائفة منهم لم يجزهم لا مكان البلوغ ~~فالبلوغ هو المعتبر سواء كان علم به للبعد أو للقلة وهذا الذى ذكرته هو ~~الذى ذكره أصحابنا الا وجوب القضاء اذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر # والحجة فيه أنا نعلم بيقين انه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى ~~الهلال في بعض امصار المسلمين بعد بعض فان هذا من الامور المعتادة التى لا ~~تبديل لها ولابد ان يبلغهم الخبر في اثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم ~~القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الاسلام ~~كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده ولكان القضاء يكثر في اكثر الرمضانات ~~ومثل هذا لو كان لنقل ولما لم ينقل دل على انه لا أصل له وحديث بن عباس يدل ~~على هذا # وقد أجاب أصحابنا بانه انما لم يفطر لانه لم يثبت عنده الا بقول واحد فلا ~~يفطر به ولا يقال اصحابنا كذلك أيضا لم ينقل انهم كانوا إذا بلغهم الهلال ~~في اثناء الشهر بنوا فطرهم عليه # قلنا لأن ذاك امر لا تتعلق الهمم بالبحث عنه لان فيه ترك PageV25P108 صوم ~~يوم فان ثبت عندهم والا فالاحتياط الصوم لأن ذاك الخبر قد يكون ضعيفا مع ان ~~هذه المسألة فيها نظر # ولو قيل إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا الا على رؤيتهم بخلاف ~~ما اذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه بل الرؤية القليلة لو لم تبلغ ~~الإنسان الا في اثناء الشهر ففى وجوب قضاء ذلك اليوم نظر وان كان يفطر بها ~~لأن قوله ( صومكم يوم تصومون ( دليل على ان ذلك لم يكن يوم صومنا ولأن ~~التكليف يتبع العلم ولا علم ولا دليل ظاهر فلا وجوب وطرد هذا ان الهلال اذا ~~ثبت في اثناء يوم قبل الاكل أو بعده اتموا وامسكوا ms7359 ولا قضاء عليهم كما لو ~~بلغ صبى أو أفاق مجنون على اصح الأقوال الثلاثة # فقد قيل يمسك ويقضى وقيل لا يجب واحد منهما وقيل يجب الامساك دون القضاء # فإن الهلال مأخوذ من الظهور ورفع الصوت فطلوعه في السماء إن لم يظهر في ~~الأرض فلا حكم له لا باطنا ولا ظاهرا واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال ~~اهللنا الهلال واستهللناه فلا هلال الا ما استهل فاذا استهله الواحد ~~والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالا فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به ~~فيكون خبرهما هو الاهلال الذى هو رفع الصوت PageV25P109 بالاخبار به ولأن ~~التكليف يتبع العلم فاذا لم يمكن علمه لم يجب صومه # ووجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط يفتقر إلى دليل ولانه لو وجب ~~القضاء أو استحب اذا بلغ رؤيته المكان البعيد أو رؤية النفر القليل في ~~اثناء الشهر لاستحب الصوم يوم الشك مع الصحو بل يوم الثلاثين مطلقا لانه ~~يمكن ان يخبر القليل أو البعيد برؤيته في اثناء الشهر فيستحب الصوم احتياطا ~~وما من شيء في الشريعة يمكن وجوبه الا والاحتياط مشروع في أدائه فلما لم ~~يشرع الاحتياط في ادائه قطعنا بانه لا وجوب مع بعد الرائى أو خفائه حتى ~~يكون الرائى قريبا ظاهرا فتكون رؤيته اهلالا يظهر به الطلوع وقد يحتج بهذا ~~من لم يحتط في الغيم ولكن يجاب عنه بأن طلوعه هذا مثال ظاهر أو مساو وانما ~~الحاجب مانع كما لو كانوا ليلة الثلاثين في مغارة أو مطمورة وقد تعذر ~~الترائى # ولأن الذين لم يوجبوا التبييت اصل مأخذهم إجزاء يوم الشك فان بلوغ الرؤية ~~قبل الزوال كثير كيوم عاشوراء وايجاب القضاء فيه عسر لكثرة وقوع مثل ذلك ~~وعدم شهرة وجوب القضاء في السلف # وجواب هذا انه لا يلزم من وجوب الامساك وجوب القضاء PageV25P110 فانه لا ~~وجوب الا من حين الاهلال والرؤية لا من حين الطلوع ولأن الاجماع الذى حكاه ~~بن عبد البر يدل على هذا لأن ما ذكره اذا لم يبلغ الخبر الا بعد مضى ms7360 الشهر ~~لم يبق فيه فائدة الا وجوب القضاء فعلم ان القضاء 2 لا يجب برؤية بعيدة ~~مطلقا # فتلخص انه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذى يؤدى بتلك الرؤية الصوم أو ~~الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك # ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو اقليم فقوله مخالف للعقل والشرع # ومن لم يبلغه الا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول والنسك فهذا ~~لا تأثير له وعليه الاجماع الذى حكاه بن عبد البر # واما اذا بلغه في اثناء المدة فهل يؤثر في وجوب القضاء وفى بناء الفطر ~~عليه وكذلك في بقية الأحكام من حلول الدين ومدة الايلاء وانقضاء العدة ونحو ~~ذلك والقضاء يظهر لى انه لا يجب وفى بناء الفطر عليه نظر # فهذا متوسط في المسألة وما من قول سواه الا وله لوازم شنيعة PageV25P111 ~~لا سيما من قال بالتعدد فانه يلزمه في المناسك ما يعلم به خلاف دين الاسلام ~~اذا رأى بعض الوفود أو كلهم الهلال وقدموا مكة ولم يكن قد رؤى قريبا من مكة ~~ولما ذكرناه من فساده صار متنوعا والذى ذكرناه يحصل به الاجتماع الشرعى كل ~~قوم على ما أمكنهم الاجتماع عليه واذا خالفهم من لم يشعروا بمخالفته ~~لانفراده من الشعور بما ليس عندهم لم يضر هذا وإنما الشأن من الشعور ~~بالفرقة والاختلاف # وتحقيق # ذلك العلم بالأهلة فقال ( هي مواقيت للناس والحج ( # وهذا يدل على انه اراد المعلوم ببصر أو سمع ولهذا ذهب الشافعى واحمد في ~~احدى الروايتين الا انه اذا كانت السماء مصحية ولم يحصل أحد على الرؤية أنه ~~ليس بشك لانتفاء الشك في الهلال وان وقع شك في الطلوع وذلك من وجهين # أحدهما ان الهلال على وزن فعال وهذا المثال في كلام العرب لما يفعل به ~~كالازار لما يؤتزر به والرداء لما يرتدى به والركاب لما يركب به والوعاء ~~لما يوعى فيه وبه والسماد لما تسمد به الأرض والعصاب لما يعصب به والسداد ~~لما يسد به وهذا كثير مطرد ms7361 في الاسماء PageV25P112 # فالهلال اسم لما يهل به أي يصات به والتصويت به لا يكون الا مع ادراكه ~~ببصر أو سمع ويدل عليه قول الشاعر % يهل بالفرقد ركبانها % كما يهل الراكب ~~المعتمر % # أى يصوتون بالفرقد فجعلهم مهلين به فلذلك سمى هلالا ومنه قوله ( وما اهل ~~به لغير الله ( أي صوت به وسواء كان التصويت به رفيعا أو خفيضا فانه مما ~~تكلم به وجهر به لغير الله ونطق به # الوجه الثانى أنه جعلها مواقيت للناس ولا تكون مواقيت لهم الا اذا ~~ادركوها ببصر أو سمع فاذا انتفى الادراك انتفى التوقيت فلا تكون أهلة وهو ~~غاية ما يمكن ضبطه من جهة الحس اذ ضبط مكان الطلوع بالحساب لا يصح أصلا وقد ~~صنفت في ذلك شيئا # وهذه المسألة تنبنى عليه ايضا فانه ليس في قوى البشر ان يضبطوا للرؤية ~~زمانا ومكانا محدودا وانما يضبطون ما يدركونه بابصارهم أو ما يسمعونه ~~بآذانهم فاذا كان الواجب تعليقه في حق من رأى بالرؤية ففى حق من لم ير ~~بالسماع ومن لا رؤية له ولا سماع فلا اهلال له والله هو المسئول ان يتم ~~نعمته علينا وعلى المسلمين PageV25P113 ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن رجل رأى الهلال وحده وتحقق الرؤية فهل له ان يفطر وحده أو يصوم وحده ~~أو مع جمهور الناس ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا رأى هلال الصوم وحده أو هلال الفطر وحده فهل عليه ان ~~يصوم برؤية نفسه أو يفطر برؤية نفسه أم لا يصوم ولا يفطر الا مع الناس على ~~ثلاثة اقوال هي ثلاث روايات عن أحمد # أحدها ان عليه ان يصوم وان يفطر سرا وهو مذهب الشافعى # والثانى يصوم ولا يفطر إلا مع الناس وهو المشهور من مذهب أحمد ومالك وابي ~~حنيفة # والثالث يصوم مع الناس ويفطر مع الناس وهذا أظهر PageV25P114 الاقوال ~~لقول النبى ( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم تضحون ( رواه ~~الترمذى وقال حسن غريب ورواه أبو داود وبن ماجه وذكر الفطر والاضحى فقط ~~ورواه الترمذى من حديث عبد الله بن جعفر ms7362 عن عثمان بن محمد عن المقبري عن ~~أبي هريرة ان النبي قال ( الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والاضحى يوم ~~تضحون ( قال الترمذى هذا حديث حسن غريب قال وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث ~~فقال انما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس ورواه أبو داود ~~باسناد آخر فقال حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد من حديث ايوب عن محمد بن ~~المنكدر عن ابى هريرة ذكر النبى فيه فقال ( وفطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم ~~تضحون وكل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وكل جمع موقف ( # ولأنه لو رأى هلال النحر لما اشتهر والهلال اسم لما استهل به فان الله ~~جعل الهلال مواقيت للناس والحج وهذا انما يكون اذا استهل به الناس والشهر ~~بين وان لم يكن هلالا ولا شهرا # وأصل هذه المسألة ان الله سبحانه وتعالى علق احكاما شرعية PageV25P115 ~~بمسمى الهلال والشهر كالصوم والفطر والنحر فقال تعالى ( يسألونك عن الأهلة ~~قل هي مواقيت للناس والحج ( فبين سبحانه أن الاهلة مواقيت للناس والحج # قال تعالى ( كتب عليكم الصيام إلى قوله شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن ~~هدى للناس ( انه اوجب صوم شهر رمضان وهذا متفق عليه بين المسلمين لكن الذى ~~تنازع الناس فيه ان الهلال هل هو اسم لما يظهر في السماء وان لم يعلم به ~~الناس وبه يدخل الشهر أو الهلال اسم لما يستهل به الناس والشهر لما اشتهر ~~بينهم على قولين # فمن قال بالأول يقول من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم ودخل شهر ~~رمضان في حقه وتلك الليلة هي في نفس الأمر من رمضان وان لم يعلم غيره ويقول ~~من لم يره اذا تبين له انه كان طالعا قضى الصوم وهذا هو القياس في شهر ~~الفطر وفى شهر النحر لكن شهر النحر ما علمت ان احدا قال من رآه يقف وحده ~~دون سائر الحاج وانه ينحر في اليوم الثانى ويرمى جمرة العقبة ويتحلل دون ~~سائر الحاج وانما تنازعوا في الفطر فالأكثرون الحقوه بالنحر ms7363 وقالوا لا يفطر ~~الا مع المسلمين وآخرون قالوا بل الفطر كالصوم ولم يأمر الله العباد بصوم ~~واحد وثلاثين يوما وتناقض PageV25P116 هذه الأقوال يدل على ان الصحيح هو ~~مثل ذلك في ذى الحجة # وحينئذ فشرط كونه هلالا وشهرا شهرته بين الناس واستهلال الناس به حتى لو ~~رآه عشرة ولم يشتهر ذلك عند عامة اهل البلد لكون شهادتهم مردودة أو لكونهم ~~لم يشهدوا به كان حكمهم حكم سائر المسلمين فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا ~~يصلون العيد الا مع المسلمين فكذلك لا يصومون الا مع المسلمين وهذا معنى ~~قوله ( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم تضحون ( ولهذا قال ~~أحمد في روايته يصوم مع الامام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم قال أحمد ~~يد الله على الجماعة # وعلى هذا تفترق احكام الشهر هل هو شهر في حق اهل البلد كلهم أو ليس شهرا ~~في حقهم كلهم يبين ذلك قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ( فانما امر ~~بالصوم من شهد الشهر والشهود لا يكون الا لشهر اشتهر بين الناس حتى يتصور ~~شهوده والغيبة عنه # وقول النبى اذا رأيتموه فصوموا واذا رأيتموه فافطروا وصوموا من الوضح إلى ~~الوضح ( ونحو ذلك خطاب للجماعة لكن من كان في مكان ليس فيه غيره اذا رآه ~~صامه فانه PageV25P117 ليس هناك غيره وعلى هذا فلو افطر ثم تبين انه رؤى في ~~مكان آخر أو ثبت نصف النهار لم يجب عليه القضاء وهذا إحدى الروايتين عن ~~أحمد فانه انما صار شهرا في حقهم من حين ظهر واشتهر ومن حينئذ وجب الامساك ~~كأهل عاشوراء الذين امروا بالصوم في اثناء اليوم ولم يؤمروا بالقضاء على ~~الصحيح وحديث القضاء ضعيف والله أعلم PageV25P118 # وقال شيخ الاسلام رحمه ال ### || له فصل وأما الأصل الثالث فالصيام # وقد اختلفوا في تبييت نيته على ثلاثة اقوال # فقالت طائفة منهم أبو حنيفة انه يجزئ كل صوم فرضا كان أو نفلا بنية قبل ~~الزوال كما دل عليه حديث عاشوراء وحديث النبى لما دخل على عائشة فلم يجد ~~طعاما فقال ms7364 ( انى اذا صائم ( # وبازائها طائفة اخرى منهم مالك قالت لا يجزئ الصوم الا مبيتا من الليل ~~فرضا كان أو نفلا على ظاهر حديث حفصة PageV25P119 وبن عمر الذى يروى مرفوعا ~~وموقوفا ( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ( # وأما القول الثالث فالفرض لا يجزئ الا بتبييت النية كما دل عليه حديث ~~حفصة وبن عمر لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم والنية لا تنعطف على الماضى ~~واما النفل فيجزئ بنية من النهار كما دل عليه # قوله ( انى اذا صائم ( كما ان الصلاة المكتوبة يجب فيها من الاركان ~~كالقيام والاستقرار على الأرض ما لا يجب في التطوع توسيعا من الله على ~~عباده في طرق التطوع فان أنواع التطوعات دائما اوسع من انواع المفروضات ~~وصومهم يوم عاشوراء ان كان واجبا فانما وجب عليهم من النهار لأنهم لم ~~يعلموا قبل ذلك وما رواه بعض الخلافيين المتأخرين ان ذلك كان في رمضان ~~فباطل لا اصل له # وهذا أوسط الاقوال وهو قول الشافعى واحمد واختلف قولهما هل يجزئ التطوع ~~بنية بعد الزوال والأظهر صحته كما نقل عن الصحابة # وإختلف اصحابهما في الثواب هل هو ثواب يوم كامل أو من حين PageV25P120 ~~نواه والمنصوص عن أحمد ان الثواب من حين النية # وكذلك اختلفوا في التعيين وفيه ثلاثة اقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها أنه ~~لابد من نية رمضان فلا تجزئ نية مطلقة ولا معينة لغير رمضان وهذا قول ~~الشافعى واحمد في إحدى الروايتين اختارها كثير من اصحابه # والثانى انه يجزئ بنية مطلقة ومعينة لغيره كمذهب ابى حنيفة ورواية محكية ~~عن أحمد # والثالث انه يجزئ بالنية المطلقة دون نية التطوع أو القضاء أو النذر وهو ~~رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه PageV25P121 ### ||| فصل # وإختلفوا في صوم يوم الغيم وهو ما اذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ~~ليلة الثلاثين من شعبان # فقال قوم يجب صومه بنية من رمضان احتياطا وهذه الرواية عن أحمد وهى التى ~~اختارها اكثر متأخرى أصحابه وحكوها عن اكثر متقدميهم بناء على ما تأولوه من ms7365 ~~الحديث وبناء على ان الغالب على شعبان هو النقص فيكون الأظهر طلوع الهلال ~~كما هو الغالب فيجب بغالب الظن # وقالت طائفة لا يجوز صومه من رمضان وهذه رواية عن أحمد اختارها طائفة من ~~اصحابه كابن عقيل والحلوانى وهو قول ابى حنيفة ومالك والشافعى استدلالا بما ~~جاء من الاحاديث وبناء على ان الوجوب لا يثبت بالشك # وهناك قول ثالث وهو أنه يجوز صومه من رمضان ويجوز PageV25P122 فطره ~~والافضل صومه من وقت الفجر ومعلوم أنه لو عرف وقت الفجر الذى يجوز فيه ~~طلوعه جاز له الامساك والاكل وان امسك وقت الفجر فإنه لا معنى لاستحباب ~~الامساك لكن # وأكثر نصوص أحمد انما تدل على هذا القول وأنه كان يستحب صومه ويفعله لا ~~انه يوجبه وانما اخذ في ذلك بما نقله عن الصحابة في مسائل ابنه عبد الله ~~والفضل بن زياد القطان وغيرهم اخذ بما نقله عن عبد الله بن عمر ونحوه # والمنقول عنهم انهم كانوا يصومون في حال الغيم لا يوجبون الصوم وكان غالب ~~الناس لا يصومون ولم ينكروا عليهم الترك # وإنما لم يستحب الصوم في الصحو بل نهى عنه لأن الأصل والظاهر عدم الهلال ~~فصومه تقديم لرمضان بيوم وقد نهى النبى عن ذلك # واختلفت الرواية عنه هل يسمى يوم الغيم يوم شك على روايتين وكذلك اختلف ~~اصحابه في ذلك PageV25P123 # وأما يوم الصحو عنده فيوم شك أو يقين من شعبان ينهى عن صومه بلا توقف ~~وأصول الشريعة ادل على هذا القول منها على غيره فان المشكوك في وجوبه كما ~~لو شك في وجوب زكاة أو كفارة أو صلاة أو غير ذلك لا يجب فعله ولا يستحب ~~تركه بل يستحب فعله إحتياطا فلم تحرم اصول الشريعة الاحتياط ولم توجب بمجرد ~~الشك # وايضا فإن اول الشهر كأول النهار ولو شك في طلوع النهار لم يجب عليه ~~الامساك ولم يحرم عليه الامساك بقصد الصوم ولأن الاغمام اول الشهر كالاغمام ~~بالشك بل ينهى عن صوم يوم الشك لما يخاف من الزيادة في الفرض # وعلى هذا القول يجتمع ms7366 غالب المأثور عن الصحابة في هذا الباب فان الجماعات ~~الذين صاموا منهم كعمر وعلى ومعاوية وغيرهم لم يصرحوا بالوجوب وغالب الذين ~~افطروا لم يصرحوا بالتحريم ولعل من كره الصوم منهم انما كرهه لمن يعتقد ~~وجوبه خشية ايجاب ما ليس بواجب كما كره من كره منهم الاستنجاء بالماء لمن ~~خيف عليه ان يعتقد وجوبه وكما امر طائفة منهم من صام في السفر ان يقضى لما ~~ظنوه به من كراهة الفطر في السفر فتكون الكراهة عائدة إلى حال الفاعل لا ~~إلى نفس الاحتياط بالصوم فان تحريم الصوم أو ايجابه PageV25P124 كلاهما فيه ~~بعد عن اصول الشريعة # والأحاديث المأثورة في الباب اذا تؤملت إنما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد ~~اكمال العدة كما دل بعضها على الفعل قبل الاكمال اما الايجاب قبل الاكمال ~~للصوم ففيهما نظر # فهذا القول المتوسط هو الذى يدل عليه غالب نصوص أحمد # ولو قيل بجواز الامرين واستحباب الفطر لكان عن التحريم والايجاب ويؤثر عن ~~الصديق رضى الله عنه انهم كانوا يأكلون مع الشك في طلوع الفجر PageV25P125 ### || 1 ( رسالة في الهلال ) 1 # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه # الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب وجعله تبيانا لكل شيء وذكرى لاولى ~~الالباب وامرنا بالاعتصام به إذ هو حبله الذى هو اثبت الاسباب وهدانا به ~~إلى سبل الهدى ومناهج الصواب واخبر فيه انه ( جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ( # وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له رب الارباب واشهد ان محمدا ~~عبده ورسوله المبعوث بجوامع الكلم والحكمة وفصل الخطاب صلى الله عليه وعلى ~~آله صلاة دائمة باقية بعد إلى يوم المآب # أما بعد فان الله قد اكمل لنا ديننا واتم علينا نعمته ورضى لنا الاسلام ~~دينا وامرنا ان نتبع صراطه المستقيم ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله ~~وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر التى هي جوامع الشرائع التى تضاهى ~~الكلمات التى انزلها الله على موسى في PageV25P126 التوراة وان كانت ~~الكلمات التى انزلت علينا اكمل ms7367 وابلغ ولهذا قال الربيع بن خثيم من سره ان ~~يقرأ كتاب محمد الذى لم يفض خاتمه بعده فليقرأ آخر سورة الانعام ( قل ~~تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ( الآيات # وأمرنا ان لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واخبر ~~رسوله ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء وذكر انه جعله على ~~شريعة من الامر وامره ان يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون وقال تعالى ~~( وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون وان ~~احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما ~~انزل الله اليك ( فأمره ان لا يتبع اهواءهم عما جاءه من الحق وان كان ذلك ~~شرعا أو طريقا لغيره من الانبياء فإنه قد جعل لكل نبى سنة وسبيلا وحذره ان ~~يفتنوه عن بعض ما انزل الله إليه فاذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره ~~فكيف بما لا يعلم أنه جاءت به شريعة بل هو طريقة من لا كتاب له PageV25P127 # وأمره وايانا في غير موضع ان نتبع ما انزل الينا دون ما خالفه فقال ( ~~المص كتاب انزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ~~اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء قليلا ما تذكرون ( # وبين حال الذين ورثوا الكتاب فخالفوه والذين استمسكوا به فقال ( فخلف من ~~بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا ( إلى ~~قوله ( والذين يمسكون بالكتاب واقاموا الصلاة انا لا نضيع اجر المصلحين ( ~~وقال ( وهذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ان تقولوا ~~انما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ( الآيات وقال ( يا ايها النبى اتق ~~الله ولا ms7368 تطع الكافرين والمنافقين ان الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى ~~اليك من ربك ان الله كان بما تعملون خبيرا ( وقال ( واعتصموا بحبل الله ~~جميعا ( وحبل الله كتابه كما فسره النبى وقال ( واتبع ما يوحى اليك واصبر ~~حتى يحكم الله ( إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التى اجمع المسلمون على ~~اتباعها وهذا مما لم يختلف المسلمون فيه جملة # ولكن قد يقع التنازع في تفصيله فتارة يكون بين العلماء المعتبرين في ( ~~مسائل الاجتهاد ( وتارة يتنازع فيه قوم جهال بالدين أو منافقون PageV25P128 ~~او سماعون للمنافقين فقد اخبر الله سبحانه ان فينا قوما سماعين للمنافقين ~~يقبلون منهم كما قال ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا ولأوضعوا خلالكم ~~يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم ( وانما عداه باللام لانه متضمن معنى ~~القبول والطاعة كما قال الله على لسان عبده ( سمع الله لمن حمده ( أي ~~استجاب لمن حمده وكذلك ( سماعون لهم ( أي مطيعون لهم فإذا كان في الصحابة ~~قوم سماعون للمنافقين فكيف بغيرهم # وكذلك أخبر عمن يظهر الانقياد لحكم الرسول حيث يقول ( لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين ~~هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ( إلى قوله ( سماعون للكذب ~~اكالون للسحت ( فان الصواب ان هذه اللام لام التعدية كما في قوله ( اكالون ~~للسحت ( أي قائلون للكذب مريدون له وسامعون مطيعون لقوم آخرين غيرك فليسوا ~~مفردين لطاعة الله ورسوله ومن قال ان اللام لام كي اي يسمعون ليكذبوا لاجل ~~اولئك فلم يصب فان السياق يدل على ان الاول هو المراد وكثيرا ما يضيع الحق ~~بين الجهال الاميين وبين المحرفين للكلم الذين فيهم شعبة نفاق كما اخبر ~~سبحانه عن اهل الكتاب PageV25P129 حيث قال ( أفتطمعون ان يؤمنوا لكم وقد ~~كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ( ~~إلى قوله ( ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب الا امانى ( الآية # ولما كان النبى صلى الله عليه وسلم قد اخبر ان هذه الامة تتبع سنن ms7369 من ~~قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وجب ان يكون فيهم من ~~يحرف الكلم عن مواضعه فيغير معنى الكتاب والسنة فيما اخبر الله به أو امر ~~به وفيهم اميون لا يفقهون معانى الكتاب والسنة بل ربما يظنون ان ما هم عليه ~~من الأمانى التى هي مجرد التلاوة ومعرفة ظاهر من القول هو غاية الدين # ثم قد يناظرون المحرفين وغيرهم من المنافقين أو الكفار مع علم اولئك بما ~~لم يعلمه الاميون فاما ان تضل الطائفتان ويصير كلام هؤلاء فتنة على اولئك ~~حيث يعتقدون ان ما يقوله الاميون هو غاية علم الدين ويصيروا في طرفى النقيض ~~واما ان يتبع اولئك الاميون اولئك المحرفين في بعض ضلالهم وهذا من بعض ~~أسباب تغيير الملل الا ان هذا الدين محفوظ كما قال تعالى ( انا نحن نزلنا ~~الذكر وانا له لحافظون ( ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق فلم ينله ~~ما نال غيره من الاديان من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقا لما ينطق ~~PageV25P130 الله به القائمين بحجة الله وبيناته الذين يحيون بكتاب الله ~~الموتى ويبصرون بنوره اهل العمى فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة لكيلا ~~تبطل حجج الله وبيناته # وكان مقتضى تقدم هذه ( المقدمة ) اني رأيت الناس في شهر صومهم وفى غيره ~~ايضا منهم من يصغى إلى ما يقوله بعض جهال اهل الحساب من ان الهلال يرى أو ~~لا يرى ويبنى على ذلك اما في باطنه واما في باطنه وظاهره حتى بلغنى ان من ~~القضاة من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب إنه ~~يرى أو لا يرى فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه وربما اجاز شهادة غير المرضي ~~لقوله فيكون هذا الحاكم من السماعين للكذب فان الاية تتناول حكام السوء كما ~~يدل عليه السياق حيث يقول ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) وحكام السوء ~~يقبلون الكذب ممن لا يجوز قبول قوله من مخبر أو شاهد وياكلون السحت من ~~الرشا وغيرها وما أكثر ما يقترن هذان # وفيهم من ms7370 لا يقبل قول المنجم لا في الباطن ولا في الظاهر لكن في قلبه ~~حسيكة من ذلك وشبهة قوية لثقته به من جهة ان الشريعة لم تلتفت إلى ذلك لا ~~سيما ان كان قد عرف شيئا من حساب النيرين PageV25P131 وإجتماع القرصين ~~ومفارقة أحدهما الآخر بعدة درجات وسبب الاهلال والابدار والاستتار والكسوف ~~والخسوف فاجرى حكم الحاسب الكاذب الجاهل بالرؤية هذا المجرى ثم هؤلاء الذين ~~يخبرون من الحساب وصورة الافلاك وحركاتها امرا صحيحا قد يعارضهم بعض الجهال ~~من الاميين المنتسبين إلى الايمان أو إلى العلم ايضا فيراهم قد خالفوا ~~الدين في العمل بالحساب في الرؤية أو في اتباع احكام النجوم في تأثيراتها ~~المحمودة والمذمومة فيراهم لما تعاطوا هذا وهو من المحرمات في الدين صار ~~يرد كل ما يقولونه من هذا الضرب ولا يميز بين الحق الذي دل عليه السمع ~~والعقل والباطل المخالف للسمع والعقل مع أن هذا أحسن حالا في الدين من ~~القسم الاول لان هذا كذب بشيء من الحق متأولا جاهلا من غير تبديل بعض أصول ~~الاسلام والضرب الاول قد يدخلون في تبديل الاسلام # فانا نعلم بالاضطرار من دين الاسلام ان العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج ~~أو العدة أو الايلاء أو غير ذلك من الاحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب ~~انه يرى أو لا يرى لا يجوز والنصوص المستفيضة عن النبى بذلك كثيرة وقد اجمع ~~المسلمون عليه ولا يعرف فيه خلاف قديم اصلا ولا خلاف حديث الا ان ~~PageV25P132 بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم ~~انه اذا غم الهلال جاز للحاسب ان يعمل في حق نفسه بالحساب فإن كان الحساب ~~دل على الرؤية صام والا فلا وهذا القول وان كان مقيدا بالاغمام ومختصا ~~بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالاجماع على خلافه فأما اتباع ذلك في الصحو أو ~~تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم # وقد يقارب هذا قول من يقول من الاسماعيلية بالعدد دون الهلال وبعضهم يروي ~~عن جعفر الصادق جدولا يعمل عليه وهو الذي افتراه عليه عبد الله ms7371 بن معاوية ~~وهذه الاقوال خارجة عن دين الاسلام وقد برأ الله منها جعفرا وغيره ولا ريب ~~ان احدا لا يمكنه مع ظهور دين الاسلام ان يظهر الاستناد إلى ذلك الا انه قد ~~يكون له عمدة في الباطن في قبول الشهادة وردها وقد يكون عنده شبهة في كون ~~الشريعة لم تعلق الحكم به وانا ان شاء الله ابين ذلك واوضح ما جاءت به ~~الشريعة دليلا وتعليلا شرعا وعقلا # قال الله تعالى ( يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) فاخبر ~~انها مواقيت للناس وهذا عام في جميع أمورهم وخص الحج بالذكر تمييزا له ولان ~~الحج تشهده الملائكة وغيرهم ولانه يكون في آخر شهور الحول فيكون علما على ~~الحول كما ان الهلال PageV25P133 علم على الشهر ولهذا يسمون الحول حجة ~~فيقولون له سبعون حجة واقمنا خمس حجج فجعل الله الاهلة مواقيت للناس في ~~الاحكام الثابتة بالشرع ابتداء أو سببا من العبادة وللاحكام التى تثبت ~~بشروط العبد فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له وهذا يدخل ~~فيه الصيام والحج ومدة الايلاء والعدة وصوم الكفارة وهذه الخمسة في القرآن # قال الله تعالى ( شهر رمضان ) وقال تعالى ( الحج اشهر معلومات ) وقال ~~تعالى ( للذين يؤلون من نسائهم تربص اربعة اشهر ) وقال تعالى ( فصيام شهرين ~~متتابعين ) وكذلك قوله ( فسيحوا في الأرض أربعة اشهر ) وكذلك صوم النذر ~~وغيره وكذلك الشروط من الاعمال المتعلقة بالثمن ودين السلم والزكاة والجزية ~~والعقل والخيار والايمان واجل الصداق ونجوم الكتابة والصلح عن القصاص وسائر ~~ما يؤجل من دين وعقد وغيرهما # وقال تعالى ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ) وقال تعالى ~~( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك الا بالحق ) فقوله ( لتعلموا ) متعلق والله أعلم ~~بقوله ( وقدره ) لا بجعل لان كون هذا PageV25P134 ضياء وهذا نورا لا تأثير ~~له في معرفة عدد السنين والحساب وانما يؤثر في ذلك انتقالهما من برج إلى ~~برج ولان الشمس لم يعلق لنا بها حساب شهر ولا ms7372 سنة وإنما علق ذلك بالهلال ~~كما دلت عليه تلك الاية ولانه قد قال ( ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها اربعة حرم ) فاخبر ان ~~الشهور معدودة اثنا عشر والشهر هلالي بالاضطرار فعلم ان كل واحد منها معروف ~~بالهلال # وقد بلغني أن الشرائع قبلنا ايضا انما علقت الاحكام بالاهلة وانما بدل من ~~بدل من اتباعهم كما يفعله اليهود في إجتماع القرصين وفى جعل بعض اعيادها ~~بحساب السنة الشمسية وكما تفعله النصاري في صومها حيث تراعي الاجتماع ~~القريب من اول السنة الشمسية وتجعل سائر اعيادها دائرة على السنة الشمسية ~~بحسب الحوادث التى كانت للمسيح وكما يفعله الصابئة والمجوس وغيرهم من ~~المشركين في اصطلاحات لهم فان منهم من يعتبر بالسنة الشمسية فقط ولهم ~~اصطلاحات في عدد شهورها لانها وان كانت طبيعية فشهرها عددي وضعي ومنهم من ~~يعتبر القمرية لكن يعتبر اجتماع القرصين وما جاءت به الشريعة هو اكمل ~~الامور واحسنها وأبينها وأصحها وابعدها من الاضطراب PageV25P135 # وذلك أن الهلال امر مشهود مرئي بالابصار ومن اصح المعلومات ما شوهد ~~بالابصار ولهذا سموه هلالا لان هذه المادة تدل على الظهور والبيان اما سمعا ~~واما بصرا كما يقال اهل بالعمرة واهل بالذبيحة لغير الله اذا رفع صوته ~~ويقال لوقع المطر الهلل ويقال استهل الجنين اذا خرج صارخا ويقال تهلل وجهه ~~اذا استنار وأضاء # وقيل أن أصله رفع الصوت ثم لما كانوا يرفعون اصواتهم عند رؤيته سموه ~~هلالا ومنه قوله % يهل بالفرقد ركبانها % كما يهل الراكب المعتمر % % وتهلل ~~الوجه مأخوذ من استنارة الهلال # فالمقصود ان المواقيت حددت بأمر ظاهر بين يشترك فيه الناس ولا يشرك ~~الهلال في ذلك شيء فان اجتماع الشمس والقمر الذي هو تحاذيهما الكائن قبل ~~الهلال أمر خفي لا يعرف إلا بحساب ينفرد به بعض الناس مع تعب وتضييع زمان ~~كثير واشتغال عما يعنى الناس وما لابد له منه وربما وقع فيه الغلط ~~والاختلاف PageV25P136 # وكذلك كون الشمس حاذت البرج الفلانى أو الفلانى هذا أمر لا يدرك ms7373 بالأبصار ~~وإنما يدرك بالحساب الخفى الخاص المشكل الذى قد يغلط فيه وإنما يعلم ذلك ~~بالإحساس تقريبا فانه إذا انصرم الشتاء ودخل الفصل الذى تسميه العرب الصيف ~~ويسميه الناس الربيع كان وقت حصول الشمس في نقطة الاعتدال الذى هو أول ~~الحمل وكذلك مثله في الخريف فالذى يدرك بالاحساس الشتاء والصيف وما بينهما ~~من الاعتدالين تقريبا فأما حصولها في برج بعد برج فلا يعرف إلا بحساب فيه ~~كلفة وشغل عن غيره مع قلة جدواه # فظهر أنه ليس للمواقيت حد ظاهر عام المعرفة إلا الهلال # وقد إنقسمت عادات الامم في شهرهم وسنتهم القسمة العقلية وذلك ان كل واحد ~~من الشهر والسنة اما ان يكونا عدديين أو طبيعيين أو الشهر طبيعيا والسنة ~~عددية أو بالعكس # فالذين يعدونهما مثل من يجعل الشهر ثلاثين يوما والسنة اثني عشر شهرا ~~والذين يجعلونهما طبيعيين مثل من يجعل الشهر قمريا والسنة شمسية ويلحق في ~~آخر الشهور الايام المتفاوتة بين PageV25P137 السنتين فان السنة القمرية ~~ثلاثمائة واربعة وخمسون يوما وبعض يوم خمس أو سدس وانما يقال فيها ثلاثمائة ~~وستون يوما جبرا للكسر في العادة عادة العرب في تكميل ما ينقص من التاريخ ~~في اليوم والشهر والحول وأما # الشمسية فثلاثمائة وخمسة وستون يوما وبعض يوم ربع يوم ولهذا كان التفاوت ~~بينهما أحد عشر يوما إلا قليلا تكون في كل ثلاثة وثلاثين سنة وثلث سنة سنة ~~ولهذا قال تعالى ( ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ) قيل ~~معناه ثلاثمائة سنة شمسية ( وازدادوا تسعا ) بحساب السنة القمرية ومراعاة ~~هذين عادة كثير من الامم من اهل الكتابين بسبب تحريفهم واظنه كان عادة ~~المجوس ايضا # واما من يجعل السنة طبيعية والشهر عدديا فهذا حساب الروم والسريانيين ~~والقبط ونحوهم من الصابئين والمشركين ممن يعد شهر كانون ونحوه عددا ويعتبر ~~السنة الشمسية بسير الشمس # فاما القسم الرابع فبأن يكون الشهر طبيعيا والسنة عددية فهو سنة المسلمين ~~ومن وافقهم ثم الذين يجعلون السنة طبيعية لا يعتمدون PageV25P138 على أمر ~~ظاهر كما تقدم بل لابد من الحساب والعدد وكذلك الذين يجعلون ms7374 الشهر طبيعيا ~~ويعتمدون على الاجتماع لابد من العدد والحساب ثم ما يحسبونه أمر خفي ينفرد ~~به القليل من الناس مع كلفة ومشقة وتعرض للخطأ # فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الامور لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام ~~يدرك بالابصار فلا يضل أحد عن دينه ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه ولا ~~يدخل بسببه فيما لا يعنيه ولا يكون طريقا إلى التلبيس في دين الله كما يفعل ~~بعض علماء اهل الملل بمللهم # وأما الحول فلم يكن له حد ظاهر في السماء فكان لابد فيه من الحساب والعدد ~~فكان عدد الشهور الهلالية أظهر وأعم من ان يحسب بسير الشمس وتكون السنة ~~مطابقة للشهور ولان السنين اذا اجتمعت فلابد من عددها في عادة جميع الامم ~~اذ ليس للسنين اذا تعددت حد سماوي يعرف به عددها فكان عدد الشهور موافقا ~~لعدد البروج جعلت السنة اثنى عشر شهرا بعدد البروج التى تكمل بدور الشمس ~~فيها سنة شمسية فاذا دار القمر فيها كمل دورته السنوية وبهذا كله يتبين ~~معنى قوله ( وقدره منازل لتعلموا عدد السنين PageV25P139 والحساب ) فان عدد ~~شهور السنة وعدد السنة بعد السنة انما اصله بتقدير القمر منازل وكذلك معرفة ~~الحساب فان حساب بعض الشهور لما يقع فيه من الآجال ونحوها انما يكون ~~بالهلال وكذلك قوله تعالى ( قل هي مواقيت للناس والحج ) # فظهر بما ذكرناه انه بالهلال يكون توقيت الشهر والسنة وأنه ليس شيء يقوم ~~مقام الهلال البتة لظهوره وظهور العدد المبنى عليه وتيسر ذلك وعمومه وغير ~~ذلك من المصالح الخالية عن المفاسد # ومن عرف ما دخل على أهل الكتابين والصابئين والمجوس وغيرهم في اعيادهم ~~وعباداتهم وتواريخهم وغير ذلك من امورهم من الاضطراب والحرج وغير ذلك من ~~المفاسد ازداد شكره على نعمة الاسلام مع اتفاقهم أن الانبياء لم يشرعوا ~~شيئا من ذلك وانما دخل عليهم ذلك من جهة المتفلسفة الصابئة الذين أدخلوا في ~~ملتهم وشرعوا لهم من الدين ما لم ياذن به الله # فلهذا ذكرنا ما ذكرناه حفظا لهذا الدين عن ادخال المفسدين فان ms7375 هذا مما ~~يخاف تغييره فانه قد كانت العرب في جاهليتها قد غيرت ملة إبراهيم بالنسيء ~~الذي ابتدعته فزادت به في السنة شهرا جعلتها كبيسا لاغراض لهم PageV25P140 ~~وغيروا به ميقات الحج والاشهر الحرم حتى كانوا يحجون تارة في المحرم وتارة ~~في صفر حتى يعود الحج إلى ذى الحجة حتى بعث الله المقيم لملة إبراهيم فوافى ~~حجه حجة الوداع وقد استدار الزمان كما كان ووقعت حجته في ذي الحجة فقال في ~~خطبته المشهورة في الصحيحين وغيرهما ( ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق ~~الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها اربعة حرم ثلاثة متواليات ~~ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان ( وكان قبل ذلك ~~الحج لا يقع في ذي الحجة حتى حجة ابى بكر سنة تسع كان في ذى القعدة # وهذا من أسباب تأخير النبى الحج وانزل الله تعالى ( ان عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها اربعة حرم ~~ذلك الدين القيم ) # فأخبر الله ان هذا هو الدين القيم ليبين ان ما سواه من امر النسيء وغيره ~~من عادات الامم ليس قيما لما يدخله من الانحراف والاضطراب # ونظير الشهر والسنة اليوم والاسبوع فان اليوم طبيعي من طلوع PageV25P141 ~~الشمس إلى غروبها واما الاسبوع فهو عددي من أجل الايام الستة التى خلق الله ~~فيها السماوات والأرض ثم استوى على العرش فوقع التعديل بين الشمس والقمر ~~باليوم والاسبوع بسير الشمس والشهر والسنة بسير القمر وبهما يتم الحساب ~~وبهذا قد يتوجه قوله ( لتعلموا ) إلى ( جعل ) فيكون جعل الشمس والقمر لهذا ~~كله # فأما قوله تعالى ( وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ) وقوله ( ~~والشمس والقمر بحسبان ) فقد قيل هو من الحساب وقيل بحسبان كحسبان الرحا وهو ~~دوران الفلك فان هذا مما لا خلاف فيه بل قد دل الكتاب والسنة وأجمع علماء ~~الامة على مثل ما عليه اهل المعرفة من اهل الحساب من ان الافلاك مستديرة لا ~~مسطحة PageV25P142 ### ||| فصل # لما ظهر بما ذكرناه عود المواقيت إلى ms7376 الاهلة وجب ان تكون المواقيت كلها ~~معلقة بها فلا خلاف بين المسلمين أنه إذا كان مبدأ الحكم في الهلال حسبت ~~الشهور كلها هلالية مثل ان يصوم للكفارة في هلال المحرم أو يتوفى زوج ~~المرأة في هلال المحرم أو يولى من امرأته في هلال المحرم أو يبيعه في هلال ~~المحرم إلى شهرين أو ثلاثة فان جميع الشهور تحسب بالأهلة وان كان بعضها أو ~~جميعها # ناقصا فاما ان وقع مبدأ الحكم في اثناء الشهر فقد قيل تحسب الشهور كلها ~~بالعدد بحيث لو باعه إلى سنة في اثناء المحرم عد ثلاثمائة وستين يوما وان ~~كان إلى ستة اشهر عد مائة وثمانين يوما فاذا كان المبتدأ منتصف المحرم كان ~~المنتهى العشرين من المحرم وقيل بل يكمل الشهر بالعدد والباقى بالاهلة ~~وهذان القولان روايتان عن أحمد وغيره وبعض الفقهاء يفرق في بعض الاحكام ~~PageV25P143 # ثم لهذا القول تفسيران أحدهما أنه يجعل الشهر الاول ثلاثين يوما وباقى ~~الشهور هلالية فاذا كان الايلاء في منتصف المحرم حسب باقيه فان كان الشهر ~~ناقصا اخذ منه اربعة عشر يوما وكمله بستة عشر يوما من جمادى الاولى وهذا ~~يقوله طائفة من اصحابنا وغيرهم # والتفسير الثانى هو الصواب الذي عليه عمل المسلمين قديما وحديثا ان الشهر ~~الاول ان كان كاملا كمل ثلاثين يوما وان كان ناقصا جعل تسعة وعشرين يوما ~~فمتى كان الايلاء في منتصف المحرم كملت الاشهر الاربعة في منتصف جمادى ~~الاولى وهكذا سائر الحساب وعلى هذا القول فالجميع بالهلال ولا حاجة إلى ان ~~نقول بالعدد بل ننظر اليوم الذي هو المبدأ من الشهر الاول فتكون النهاية ~~مثله من الشهر الاخر فان كان في اول ليلة من الشهر الاول كانت النهاية في ~~مثل تلك الساعة بعد كمال الشهور وهو اول ليلة بعد انسلاخ الشهور وإن كان في ~~اليوم العاشر من المحرم كانت النهاية في اليوم العاشر من المحرم أو غيره ~~على قدر الشهور المحسوبة وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه ودل عليه قوله ( قل ~~هي مواقيت للناس ) فجعلها مواقيت لجميع ms7377 الناس مع علمه سبحانه ان الذي يقع ~~في اثناء الشهور اضعاف اضعاف ما يقع في اوائلها فلو لم يكن ميقاتا الا لما ~~PageV25P144 يقع في اولها لما كانت ميقاتا الا لاقل من ثلث عشر امور الناس ~~ولان الشهر اذا كان ما بين الهلالين فما بين الهلالين مثل ما بين نصف هذا ~~ونصف هذا سواء والتسوية معلومة بالاضطرار والفرق تحكم محض # وأيضا فمن الذي جعل الشهر العددي ثلاثين والنبى قال ( الشهر هكذا وهكذا ~~وهكذا ( وخنس ابهامه في الثالثة ونحن نعلم ان نصف شهور السنة يكون ثلاثين ~~ونصفها تسعة وعشرين # وأيضا فعامة المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم اذا اجل الحق إلى سنة فان ~~كان مبدؤه هلال المحرم كان منتهاه هلال المحرم سلخ ذي الحجة عندهم وان كان ~~مبدؤه عاشر المحرم كان منتهاه عاشر المحرم ايضا لا يعرف المسلمون غير ذلك ~~ولا يبنون إلا عليه ومن اخذ ليزيد يوما لنقصان الشهر الاول كان قد غير ~~عليهم ما فطروا عليه من المعروف واتاهم بمنكر لا يعرفونه # فعلم ان هذا غلط ممن توهمه من الفقهاء ونبهنا عليه ليحذر الوقوع فيه ~~وليعلم به حقيقة قوله ( قل هي مواقيت للناس ) وان هذا العموم محفوظ عظيم ~~القدر لا يستثنى منه شيء PageV25P145 # وكذلك قوله ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين والحساب ) وكذلك قوله ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية ~~الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين ~~والحساب ) يبين بذلك ان جميع عدد السنين والحساب تابع لتقديره منازل ### ||| فصل # ما ذكرناه من ان الاحكام مثل صيام رمضان متعلقة بالاهلة لا ريب فيه لكن ~~الطريق إلى معرفة طلوع الهلال هو الرؤية لا غيرها بالسمع والعقل # أما السمع فقد اخبرنا غير واحد منهم شيخنا الامام أبو محمد عبد الرحمن بن ~~محمد المقدسي وابو الغنائم المسلم بن عثمان القيسى وغيرهما قالوا انبأنا ~~حنبل بن عبد الله المؤذن انبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن الحصين ~~انبأنا أبو علي بن المذهب انبأنا أبو بكر ms7378 PageV25P146 احمد بن جعفر بن ~~حمدان انبأنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل انبأنا أبي ~~حدثنا محمد بن جعفر غندر حدثنا شعبة عن الاسود بن قيس سمعت سعيد بن عمر بن ~~سعيد يحدث انه سمع بن عمر رضى الله عنهما يحدث عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~انه قال ( انا امة امية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا ( وعقد ~~الابهام الابهام في الثالثة ( والشهر هكذا وهكذا وهكذا ( يعنى تمام ~~الثلاثين # وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان واسحاق يعنى الازرق أنبأنا سفيان عن ~~الاسود بن قيس عن سعيد بن عمر عن بن عمر عن النبى قال ( انا امة امية لا ~~نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا ( يعنى ذكر تسعا وعشرين قال إسحاق ~~وطبق بيديه ثلاث مرات وخنس ابهامه في الثالثة أخرجه البخارى عن آدم عن شعبة ~~ولفظه انا امة امية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا ( يعنى مرة ~~تسعة وعشرين ومرة ثلاثين # وكذلك رواه أبو داود عن سليمان بن حرب عن شعبة ولفظه ( انا امة امية لا ~~نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا ( وخنس سليمان اصعبه في الثالثة يعنى ~~تسعة وعشرين وثلاثين رواه PageV25P147 النسائى من طريق عبد الرحمن بن مهدى ~~عن سفيان كما ذكرناه ومن طريق غندر عن شعبة أيضا كما سقناه وقال في آخره ~~تمام الثلاثين ولم يقل يعنى فروايته من جهة المسند كما سقناه أجل الطرق ~~وأرفعها قدرا إذ غندر أرفع من كل من رواه عن شعبة وأضبط لحديثه والإمام ~~أحمد أجل من رواه عن غندر عن شعبة وهذه الرواية المسندة التى رواها البخارى ~~وأبو داود والنسائى من حديث شعبة تفسر رواية النووى وسائر الروايات عن إبن ~~عمر مما فيه إجمال يوهم بسببه على إبن عمر مثل ما رويناه بالطريق المذكورة ~~إن أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر وبهز قالا حدثنا شعبة عن جبلة يقول لنا إبن ~~سحيم # قال بهز أخبرنى جبلة بن سحيم سمعت إبن عمر قال ms7379 قال رسول الله ( الشهر ~~هكذا ( وطبق بأصابعه مرتين وكسر في الثالثة الإبهام قال محمد بن جعفر في ~~حديثه يعنى قوله ( تسعا وعشرين ( هكذا رواه البخارى والنسائى من حديث شعبة ~~ولفظه ( الشهر هكذا وهكذا ( وخنس الإبهام في الثالثة ومثل ما روى نافع عن ~~إبن عمر كما رويناه بالإسناد المتقدم إلى أحمد حدثنا إسماعيل أنبأنا أيوب ~~عن نافع عن إبن عمر قال قال رسول الله ( إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا ~~حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأقدروا له ( قال نافع وكان عبد ~~الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر PageV25P148 فإن رؤى فذاك ~~فإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره ~~سحاب أو قتر أصبح صائما # ورويناه في سنن أبى داود من حديث حماد بن زيد قال أنبأنا أيوب هكذا سواء ~~ولفظه ( الشهر تسع وعشرون ( قال في آخره فكان إبن عمر إذا كان شعبان تسعا ~~وعشرين نظر له فإن رؤى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح ~~مفطرا فإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما قال فكان إبن عمر يفطر مع ~~الناس ولا يأخذ بهذا الحساب وروى له باللفظ الأول عبد الرزاق في مصنفه عن ~~معمر عن أيوب عن نافع عن إبن عمر عن رسول الله قال ( إنما الشهر تسع وعشرون ~~( وبه عن إبن عمر أنه إذا كان سحاب أصبح صائما وإن لم يكن سحاب أصبح مفطرا # قال وأنبأنا معمر عن إبن طاووس عن أبيه مثله وهكذا رواه عبيد الله بن عمر ~~عن نافع كما رويناه بالإسناد المتقدم إلى أحمد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد ~~الله حدثنى نافع عن إبن عمر إذا كان ليلة تسع وعشرين وكان في السماء سحاب ~~أو قتر أصبح صائما رواه النسائى عن عمر وإبن على عن يحيى ولفظه ( لا تصوموا ~~حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه PageV25P149 فإن غم عليكم فاقدروا له ~~) وذكر ان عبيد ms7380 الله بن عمرو روى عنه محمد بن بشر عن ابى الزناد الاعرج عن ~~ابى هريرة رضى الله عنه قال ذكر رسول الله ( الهلال ( فقال إذا رأيتموه ~~فصوموا واذا رأيتموه فافطروا فان غم عليكم فعدوا ثلاثين ( وجعل هذا إختلافا ~~على عبيد الله مثل هذا الاختلاف لا يقدح الا مع قرينة فان الحفاظ كالزهرى ~~وعبيد الله ونحوهما يكون الحديث عندهم من وجهين وثلاثة أو اكثر فتارة ~~يحدثون به من وجه وتارة يحدثون به من وجه آخر وهذا يوجد كثيرا في الصحيحين ~~وغيرهما ويظهر ذلك بأن من الرواة من يفرق بين شيحين أو يذكر الحديثين جميعا # وقد روى البخارى # من طريق نافع من حديث مالك بن انس عنه ولفظه ان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان ذكر شهر رمضان فقال لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى ~~تروه فان غم عليكم فاقدروا له ( لم يذكر في أوله قوله ( الشهر تسع وعشرون ( ~~ولا ذكر الزيادة على عادته في انه كان كثيرا ما يترك التحديث بما لا يعمل ~~به عنده وأما قوله ( الشهر تسع وعشرون ( فرواها مالك من طريق عبد الله بن ~~دينار عن بن عمر ورواها من طريقه البخارى PageV25P150 # عن عبد الله بن مسلمة وهو القعنبى ان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( ~~الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فان غم عليكم فاكملوا العدة ~~ثلاثين ( هكذا وقع هذا اللفظ مختصرا في البخارى وقد رواه عن القعنبى عن ~~مالك وهو ناقص فان الذى في الموطأ ( يوما ( لان القعنبى لفظه أن رسول الله ~~قال ( الشهر تسع وعشرون يوما فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى ~~تروه فان غم عليكم فاقدروا له ( فذكر قوله ( ولا تفطروا حتى تروه ( وذكره ~~بلفظة ( فاقدروا له ( لا بلفظ ( فاكملوا العدة ( وهكذا في سائر الموطآت ~~مسبوق بذكر الجملتين ولفظ ( القدر ( حتى قال أبو عمر بن عبد البر لم يختلف ~~عن نافع في هذا الحديث في قوله ( فاقدروا له ( قال وكذلك روى سالم عن بن ~~عمر وقد روى ms7381 حديث مالك وغيره عن عبد الله بن دينار عن إبن عمر قال ورواه ~~الدراوردى عن عبد الله بن دينار فقال فيه ( فإن غم عليكم فاحصوا العدة ( ~~فهذه والله أعلم نقص ورواية بالمعنى وقع في حديث مالك الذى في البخارى كما ~~ذكر أبو بكر الاسماعيلى وغيره أن مثل ذلك وقع في هذا الباب في لفظ حديث أبي ~~هريرة # ومثل هذا اللفظ المشعر بالحصر ما رويناه أيضا بالاسناد المتقدم إلى ~~PageV25P151 احمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا شيبان عن يحيى اخبرنى أبو سلمة ~~قال سمعت بن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( الشهر تسع ~~وعشرون ( ورواه النسائى من حديث معاوية عن يحيى هكذا وساقه ايضا من طريق ~~على عن يحيى عن ابى سلمة ان أبا هريرة قال قال رسول الله ( الشهر يكون تسعة ~~وعشرين ويكون ثلاثين فاذا رآيتموه فافطروا فان غم عليكم فاكملوا العدة ( ~~وجعل النسائى هذا اختلافا على يحيى عن ابى سلمة والصواب ان كلاهما محفوظ عن ~~يحيى عن أبى سلمة لا اختلاف في اللفظ # وقال أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عقبة بن حريث سمعت بن عمر ~~يقول قال رسول الله ( الشهر تسع وعشرون ( وطبق شعبة يديه ثلاث مرات وكسر ~~الابهام في الثالثة قال عقبة واحسبه قال ( الشهر ثلاثون ( وطبق كفيه ثلاث ~~مرات ورواه النسائى من حديث بن المثنى عن غندر لكن لفظه الشهر تسع وعشرون ( ~~لم يزد فرواية أحمد اكمل واحسن سياقا تقدم فان الرواية المفسرة تبين ان ~~سائر روايات بن عمر التى فيها الشهر تسع وعشرون عنى بها أحد شيئين اما ان ~~الشهر PageV25P152 قد يكون تسعة وعشرين ردا على من يتهم أن الشهر المطلق هو ~~ثلاثون كما توهم من توهم من المتقدمين وتبعهم على ذلك بعض الفقهاء في الشهر ~~العددي فيجعلونه ثلاثين يوما بكل حال وعارضهم قوم فقالوا الشهر تسعة وعشرون ~~واليوم الآخر زياة وهذا المعنى هو الذى صرح به النبى فقال ( الشهر هكذا ~~وهكذا وهكذا والشهر هكذا وهكذا ( يعنى مرة ثلاثين ومرة ms7382 تسعة وعشرين فمن جزم ~~بكونه ثلاثين أو تسعة وعشرين فقد اخطأ # والمعنى الثانى أن يكون أراد ان عدد الشهر اللازم الدائم هو تسعة وعشرون ~~فاما الزائد فأمر جائز يكون في بعض الشهور ولا يكون في بعضها # والمقصود أن التسعة والعشرين يجب عددها واعتبارها بكل حال في كل وقت فلا ~~يشرع الصوم بحال حتى يمضى تسعة وعشرون من شعبان ولابد أن يصام في رمضان ~~تسعة وعشرون لا يصام اقل منها بحال وهذا المعنى هو الذى يفسر به رواية ايوب ~~عن نافع ( انما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه ~~( أي انما الشهر اللازم الدائم الواجب تسعة وعشرون ولا يمكن ان يفسر ~~PageV25P153 هذا اللفظ بالمعنى الاول لما فيه من الحصر # وقد قيل أن ذلك قد يكون اشارة إلى شهر بعينه لا إلى جنس الشهر أي إنما ~~ذلك الشهر تسعة وعشرون كأنه الشهر الذى آلى فيه من أزواجه لكن هذا يدفعه ~~قوله عقبه ( فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فاقدروا ~~له ( فهذا يبين انه ذكر هذا لبيان الشرع العام المتعلق بجنس الشهر لا لشهر ~~معين فانه قد بين انه ذكر هذا لاجل الصوم فلو اراد شهرا بعينه قد علم أنه ~~تسعة وعشرون لكان إذا علم ان ذلك الشهر تسع وعشرون لم يفترق الحال بين الغم ~~وعدمه ولم يقل ( فلا تصوموا حتى تروه ( ولأنه لا يعلم ذلك الا وقد رؤى هلال ~~الصوم وحينئذ فلا يقال ( فان غم عليكم ( ولذلك حمل الأئمة كالامام أحمد ~~قوله المطلق على انه لجنس الشهر لا لشهر معين وبنوا عليه احكام الشريعة قال ~~حنبل بن إسحاق حدثنى أبو عبد الله حدثنا يحيى بن سعيد عن حميد بن عبد ~~الرحمن قال أبو عبد الله قلت ليحيى الذين يقولون الملائى قال نعم عن الوليد ~~بن عقبة قال صمنا على عهد على رضى الله عنه ثمان PageV25P154 وعشرين فأمرنا ~~على ان نتمها يوما أبو عبد الله رحمة الله عليه يقول العمل على هذا الشهر ~~لأن ms7383 هكذا وهكذا وهكذا تسعة وعشرون فمن صام هذا الصوم قضى يوما ولا كفارة ~~عليه # وبما ذكرناه يتبين الجواب عما روى عن عائشة في هذا قالت يرحم الله أبا ~~عبد الرحمن وظاهر رسول الله شهرا فنزل لتسع وعشرين فقيل له فقال ( ان الشهر ~~قد يكون تسعا وعشرين ( فعائشة رضي الله عنها ردت ما افهموها عن بن عمر أو ~~ما فهمته هي من أن الشهر لا يكون إلا تسعا وعشرين وبن عمر لم يرد هذا بل قد ~~ذكرنا عنه الروايات الصحيحة بان الشهر يكون مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين ~~فثبت بذلك ان بن عمر روى ان الشهر يكون تارة كذلك وتارة كذلك # وما رواه اما ان يكون موافقا لما روته عائشة ايضا من ان الشهر قد يكون ~~تسعا وعشرين واما ان يكون معناه ان الشهر اللازم الدائم الواجب هو تسعة ~~وعشرون ومن كلام العرب وغيرهم انهم ينفون الشيء في صيغ الحصر أو غيرها تارة ~~لانتفاء ذاته وتارة لانتفاء فائدته ومقصوده ويحصرون الشيء في غيره تارة ~~لانحصار جميع الجنس منه وتارة لانحصار المفيد أو الكامل فيه ثم انهم تارة ~~PageV25P155 يعيدون النفى إلى المسمى وتارة يعيدون النفى إلى الاسم وإن كان ~~ثابتا في اللغة اذا كان المقصود الحقيقى بالاسم منتفيا عنه ثابتا لغيره ~~كقوله ( يا اهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والانجيل وما انزل ~~اليكم من ربكم ( فنفى عنهم مسمى الشيء مع انه في الاصل شامل لكل موجود من ~~حق وباطل لما كان مالا يفيد ولا منفعة فيه يؤول إلى الباطل الذى هو العدم ~~فيصير بمنزلة المعدوم بل ما كان المقصود منه اذا لم يحصل مقصوده كان اولى ~~بان يكون معدوما من المعدوم المستمر عدمه لانه قد يكون فيه ضرر # فمن قال الكذب فلم يقل شيئا ومن لم يعمل بما ينفعه فلم يعمل شيئا ومنه ~~قول النبى صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان قال ( ليسوا بشيء ( ففى ~~الصحيحين عن عائشة قالت سئل رسول الله عن ناس من الكهان فقال ( ليسوا ms7384 بشيء ~~( ويقول اهل الحديث عن بعض المحدثين ليس بشيء أو عن بعض الاحاديث ليس بشيء ~~إذا لم يكن ممن ينتفع به في الرواية لظهور كذبه عمدا أو خطأ ويقال ايضا لمن ~~خرج عن موجب الانسانية في الاخلاق ونحوها هذا ليس بآدمى ولا انسان ما فيه ~~انسانية ولا مروءة هذا حمار أو كلب كما يقال ذلك لمن اتصف بما هو ~~PageV25P156 فوقه من حدود الانسانية كما قلن ليوسف ( ما هذا بشرا ان هذا ~~الا ملك كريم ( # وكذلك قال النبى ( ليس المسكين بهذا الطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان ~~والتمرة والتمرتان انما المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق ~~عليه ولا يسأل الناس الحافا ( وقال ( ما تعدون المفلس فيكم ( قالوا الذى لا ~~درهم له ولا دينار فقال ( ليس ذلك انما المفلس الذى يجيء يوم القيامة ( ~~الحديث وقال ( ما تعدون الرقوب ( الحديث فهذا نفى لحقيقة الاسم من جهة ~~المعنى الذى يجب اعتباره باعتبار ان الرقوب والمفلس إنما قيد بهذا الاسم ~~لما عدم المال والولد والنفوس تجزع من ذلك فبين النبى صلى الله عليه وسلم ~~ان عدم ذلك حيث يضره عدمه هو احق بهذا الاسم ممن يعدمه حيث قد لا يضره ضررا ~~له اعتبار # ومثال هذا ان يقال لمن يتألم ألما يسيرا ليس هذا بألم انما الألم كذا ~~وكذا ولمن يرى أنه غنى ليس هذا بغنى انما الغنى فلان وكذلك يقال في العالم ~~والزاهد كقولهم انما العالم من يخشى الله تعالى PageV25P157 وكقول مالك بن ~~دينار الناس يقولون مالك زاهد انما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذى اتته ~~الدنيا فتركها ونحو ذلك مما تكون القلوب تعظمه لذلك المسمى اعتقادا ~~واقتصادا اما طلبا لوجوده واما طلبا لعدمه معتقدا ان ذلك هو المستحق للاسم ~~فيبين لها ان حقيقة ذلك المعنى ثابتة لغيره دونه على وجه ينبغى تعليق ذلك ~~الإعتقاد والاقتصاد بذلك الغير # ومن هذا الباب قول النبى صلى الله عليه وسلم ( المسلم من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه والمؤمن ms7385 من امنه الناس على ~~دمائهم واموالهم والمجاهد من جاهد بنفسه في ذات الله ( ومنه قوله تعالى ( ~~انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم ( إلى قوله ( اولئك هم ~~المؤمنون حقا ( فهؤلاء المستحقون لهذا الاسم على الحقيقة الواجبة لهم ومنه ~~قولهم لا علم الا ما نفع ولا مدينة الا بملك ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ~~( لا ربا الا في النسيئة ( أو ( إنما الربا في النسيئة ( فانما الربا العام ~~الشامل للجنسين وللجنس الواحد المتفقة صفاته انما يكون في النسيئة وأما ربا ~~الفضل فلا يكون الا في الجنس الواحد ولا يفعله أحد الا اذا اختلفت الصفات ~~كالمضروب بالتبر والجيد بالردىء فاما اذا استوت الصفات PageV25P158 فليس ~~أحد يبيع درهما بدرهمين ولهذا شرع القرض هنا لأنه من نوع التبرع فلما كان ~~غالب الربا وهو الذى نزل فيه القرآن اولا وهو ما يفعله الناس وهو ربا النسأ ~~قيل انما الربا في النسيئة # وأيضا ربا الفضل انما حرم لانه ذريعة إلى ربا النسيئة فالربا المقصود ~~بالقصد الاول هو ربا النسيئة فلا ربا الا فيه واظهر ما تبين فيه الربا ~~الجنس الواحد المتفق فيه الصفات فانه اذا باع مائة درهم بمائة وعشرين ظهر ~~ان الزيادة قابلت الأجل الذى لا منفعة فيه وانما دخل فيه للحاجة ولهذا لا ~~تضمن الآجال باليد ولا بالاتلاف فلو تبقى العين في يده أو المال في ذمته ~~مدة لم يضمن الأجل بخلاف زيادة الصفة فانها مضمونة في الاتلاف والغصب وفى ~~البيع إذا قابلت غير الجنس وهذا باب واسع # فإن الكلام الخبري اما إثبات واما نفى فكما انهم في الاثبات يثبتون للشىء ~~اسم المسمى اذا حصل فيه مقصود الاسم وان انتفت صورة المسمى فكذلك في النفى ~~فان ادوات النفى تدل على انتفاء الاسم بانتفاء مسماه فكذلك تارة لأنه لم ~~يوجد أصلا وتارة لأنه لم توجد الحقيقة المقصودة بالمسمى وتارة لأنه لم تكمل ~~تلك الحقيقة وتارة لأن ذلك المسمى مما لا ينبغى ان يكون مقصودا بل المقصود ~~غيره PageV25P159 وتارة لأسباب اخر وهذا كله انما يظهر ms7386 من سياق الكلام وما ~~اقترن به من القرائن اللفظية التى لا تخرجها عن كونها حقيقة عند الجمهور ~~ولكون المركب قد صار موضوعا لذلك المعنى أو من القرائن الحالية التى تجعلها ~~مجازا عند الجمهور # واما اذا اطلق الكلام مجردا عن القرينتين فمعناه السلب المطلق وهو كثير ~~في الكلام فكذلك قوله ( انما الشهر تسع وعشرون ( وقوله ( الشهر تسع وعشرون ~~( حيث قصد به الحصر في النوع لما كان الله تعالى قد علق بالشهر احكاما ~~كقوله ( شهر رمضان ( وقوله ( الحج اشهر معلومات ( وقوله ( شهرين متتابعين ( ~~ونحو ذلك وكان من الافهام ما يسبق إلى ان مطلق الشهر ثلاثون يوما # ولعل بعض من لم يعد أيام الشهر يتوهم ان السنة ثلاثمائة وستون يوما وان ~~كل شهر ثلاثون يوما فقال الشهر الثابت اللازم الذى لابد منه تسع وعشرون ~~وزيادة اليوم قد تدخل فيه وقد تخرج منه كما يقول الاسلام شهادة أن لا إله ~~إلا الله وان محمدا رسول الله فهذا هو الذى لابد منه وما زاد على ذلك فقد ~~يجب على الانسان وقد يموت قبل الكلام فلا يكون الاسلام في حقه الا ما تكلم ~~به PageV25P160 وعلى ما قد ثبت عن بن عمر فيكون قد سمع من النبى كلا ~~الخبرين أو ان يكون الذى سمع منه ( ان الشهر يكون تسعة وعشرين ( ويكون ~~ثلاثين ( كما جاء مصرحا به وسمع منه ( ان الشهر انما هو تسع وعشرون ( روى ~~هذا بالمعنى الذى تضمنه الاول وهو بعيد من بن عمر فانه كان لا يروى بالمعنى ~~روى عن النبى المعانى الثلاثة ان قوله ( الشهر تسع وعشرون ( لشهر معين وروى ~~عنه انه قال ( قد يكون ( وروى عنه انه قال ( انما الشهر ( وقد # استفاضت الروايات عن النبى بما يوافق التفسير الاول في حديث بن عمر مثل ~~ما رواه البخارى من حديث بن جريج عن يحيى بن عبد الله بن صيفى عن عكرمة بن ~~عبد الرحمن عن أم سلمة ان النبى ( آلى من نسائه شهرا ( فلما مضى تسعة ~~وعشرون يوما غدا أو راح فقيل له انك ms7387 حلفت ان لا تدخل شهرا فقال ( ان الشهر ~~يكون تسعة وعشرين يوما ( فيه ما يدل على ان الشهر يكمل بحسبه مطلقا الا ان ~~يكون الايلاء كان في اول الشهر وهو خلاف الظاهر فمتى كان الايلاء في اثنائه ~~فهو نص في مسألة النزاع وروى البخارى ايضا من حديث سليمان بن بلال ~~PageV25P161 عن حميد عن انس قال آلى رسول الله من نسائه وكانت انفكت رجله ~~فاقام في مشربة تسعا وعشرين ليلة ثم نزل فقالوا يا رسول الله آليت شهرا ~~فقال ( ان الشهر يكون تسعا وعشرين ( # واما الشهر المعين فروى النسائى من حديث شعبة عن سلمة عن ابى الحكم عن بن ~~عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( اتانى جبريل فقال ( تم الشهر لتسع ~~وعشرين ( هكذا رواه بهز عنه ورواه من طريق غندر ورواه من طريق غندر عنه ~~ولفظه ( الشهر تسع وعشرون ( فهذه الرواية تبين ان ايلاء النبى صلى الله ~~عليه وسلم كان فيما بين الهلالين فلما مضى تسع وعشرون اخبره جبرائيل ان ~~الشهر تم لتسع وعشرين لأن الشهر الذى آلى فيه كان تسعا وعشرين وكان النبى ~~يظن ان عليه اكمال العدة ثلاثين فاخبره جبرائيل بأنه تم شهر ايلائه لتسع ~~وعشرين ولو كان الايلاء في اول الهلال لم يحتج إلى ان يخبره جبرائيل بذلك ~~لانه اذا رؤى لتمام تسع وعشرين يعلم أنه قد تم فان هذا امر ظاهر لا شبهة ~~فيه حتى يخبره به جبرائيل # وايضا فلو كان الايلاء بين الهلالين لكان الصحابة يعلمون ان ذلك ~~PageV25P162 شهر فان هذا امر لم يكن يشكون فيه هم ولا أحد ان الشهر ما بين ~~الهلالين والاعتبار بالعدد ولكن لما وقع الايلاء في اثناء الشهر توهموا انه ~~يجب تكميل العدة ثلاثين فأخبره جبريل بانه قد تم شهر ايلائه لتسع وعشرين ~~وقال لاصحابه ( ان الشهر تسع وعشرون ( أي شهر الايلاء ( وان الشهر يكون ~~تسعة وعشرين ( # وأيضا فقول عائشة رضى الله عنها أعدهن ولو كان في أول الهلال لم تحتج إلى ~~ان تعدهن كما لم يعد رمضان اذا ms7388 صاموا بالرؤية بل روى عنه ما ظاهره الحصر ~~سعد بن ابى وقاص بالاسناد المتقدم إلى أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا ~~إسماعيل بن ابى خالد عن محمد بن سعد بن ابى وقاص عن أبيه قال خرج علينا ~~رسول الله وهو يضرب باحدى يديه على الاخرى وهو يقول ( الشهر هكذا وهكذا ( ~~ثم يقبض أصبعه في الثالثة وقال أحمد حدثنا معاوية إبن عمر حدثنا زائدة عن ~~إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( الشهر ~~هكذا وهكذا عشر عشر وتسع مرة ( رواه النسائى من حديث محمد بن بشر كما ~~ذكرناه ورواه هو واحمد ايضا من حديث بن المبارك عن إسماعيل مسندا كما تقدم ~~PageV25P163 وقد رواه يحيى بن سعيد ووكيع ومحمد بن عبيد عن إسماعيل عن محمد ~~مرسلا وقال يحيى بن سعيد في روايته قلت لاسماعيل عن أبيه قال لا # وقد صحح أحمد المسند وقال في حديث إسماعيل بن أبي خالد حديث سعد ( الشهر ~~هكذا وهكذا ( قال يحيى القطان اردنا ان يقول عن أبيه فأبى قال أحمد هذا عن ~~إسماعيل كان يسنده احيانا واحيانا لا يسنده ورواه زائدة عن أبيه قيل له أن ~~وكيعا قد رواه ويحيى يقول ما يقول قال زائدة قد رواه وقال ايضا قد رواه عبد ~~الله عن أبيه وبن بشر وزائدة وغيرهم وهذا الذى قاله بيان ان هذه الزيادة من ~~هؤلاء الثقاة فهي مقبولة وان الذين حدثوا عنه كان تارة يذكرها وتارة يتركها ~~وقد روى ما يفسره فروى أبو بكر الخلال وصاحبه من حديث وكيع عن إسماعيل بن ~~ابى خالد عن محمد بن سعد قال قال رسول الله ( الشهر هكذا وهكذا وهكذا ~~والشهر هكذا وهكذا وهكذا ( واشار وكيع بالعشر الاصابع مرتين وخنس واحدة ~~الابهام في الثالثة # فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور # أحدها ان قوله ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ( هو خبر PageV25P164 ~~تضمن نهيا فانه اخبر ان الامة التى اتبعته هي الأمة الوسط امية لا تكتب ولا ~~تحسب فمن ms7389 كتب أو حسب لم يكن من هذه الامة في هذا الحكم بل يكون قد اتبع غير ~~سبيل المؤمنين الذين هم هذه الامة فيكون قد فعل ما ليس من دينها والخروج ~~عنها محرم منهى عنه فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهيا عنهما ~~وهذا كقوله ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ( أي هذه صفة المسلم ~~فمن خرج عنها خرج عن الاسلام ومن خرج عن بعضها خرج عن الاسلام في ذلك البعض ~~وكذلك قوله ( المؤمن من امنه الناس على دمائهم واموالهم ( # فإن قيل فهلا قيل ان لفظه خبر ومعناه الطلب كقوله ( والمطلقات يتربصن ~~بانفسهن ( والوالدات يرضعن ( ونحو ذلك فيكون المعنى ان من كان من هذه الأمة ~~فلا ينبغى له ان يكتب ولا يحسب نهاه عن ذلك لئلا يكون خبرا قد خالف مخبره ~~فان منهم من كتب أو حسب # قيل هذا معنى صحيح في نفسه لكن ليس هو ظاهر اللفظ فان ظاهره خبر والصرف ~~عن الظاهر انما يكون لدليل يحوج إلى ذلك ولا حاجة إلى ذلك كما بيناه ~~PageV25P165 وأيضا فقوله ( انا أمة امية ( ليس هو طلبا فانهم اميون قبل ~~الشريعة كما قال الله تعالى ( هو الذى بعث في الاميين رسولا منهم ( وقال ( ~~وقل للذين اوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم ( فاذا كانت هذه صفة ثابتة لهم ~~قبل المبعث لم يكونوا مامورين بابتدائها نعم قد يؤمرون بالبقاء على بعض ~~احكامها فانا سنبين أنهم لم يؤمروا ان يبقوا على ما كانوا عليه مطلقا # فإن قيل فلم لا يجوز أن يكون هذا إخبارا محضا أنهم لا يفعلون ذلك وليس ~~عليهم ان يفعلوه اذ لهم طريق آخر غيره ولا يكون فيه دليل على ان الكتاب ~~والحساب منهى عنه بل على أنه ليس بواجب فان الاموة صفة نقص ليست صفة كمال ~~فصاحبها بأن يكون معذورا أولى من ان يكون ممدوحا # قيل لا يجوز هذا لأن الامة التى بعثه الله إليها فيهم من يقرأ ويكتب ~~كثيرا كما كان في اصحابه وفيهم من يحسب وقد بعث بالفرائض التى فيها من ~~الحساب ما ms7390 فيها وقد ثبت عنه انه لما قدم عامله على الصدقة بن اللتبية حاسبه ~~وكان له كتاب عدة كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى وزيد ومعاوية يكتبون الوحي ~~ويكتبون العهود ويكتبون كتبه إلى الناس إلى من بعثه الله PageV25P166 إليه ~~من ملوك الأرض ورؤوس الطوائف والى عماله وولاته وسعاته وغير ذلك وقد قال ~~الله تعالى في كتابه ( لتعلموا عدد السنين والحساب ( في آيتين من كتابه ~~فاخبر انه فعل ذلك ليعلم الحساب # وانما ( الامى ( هو في الاصل منسوب إلى الامة التى هي جنس الاميين وهو من ~~لم يتميز عن الجنس بالعلم المختص من قراءة أو كتابة كما يقال عامي لمن كان ~~من العامة غير متميز عنهم بما يختص به غيرهم من علوم وقد قيل انه نسبة إلى ~~الام أي هو الباقى على ما عودته أمه من المعرفة والعلم ونحو ذلك # ثم التميز الذي يخرج به عن الامية العامة إلى الاختصاص تارة يكون فضلا ~~وكما لا في نفسه كالتميز عنهم بقراءة القرآن وفهم معانيه وتارة يكون بما ~~يتوصل به إلى الفضل والكمال كالتميز عنهم بالكتابة وقراءة المكتوب فيمدح في ~~حق من استعمله في الكمال ويذم في حق من عطله أو استعمله في الشر ومن استغنى ~~عنه بما هو انفع له كان اكمل وافضل وكان تركه في حقه مع حصول المقصود به ~~اكمل وافضل # فإذا تبين أن التميز عن الاميين نوعان فالامة التى بعث فيها PageV25P167 ~~النبى اولاهم العرب وبواستطهم حصلت الدعوة لسائر الامم لأنه انما بعث ~~بلسانهم فكانوا أميين عامة ليست فيهم مزية علم ولا كتاب ولا غيره مع كون ~~فطرهم كانت مستعدة للعلم اكمل من استعداد سائر الامم بمنزلة أرض الحرث ~~القابلة للزرع لكن ليس لها من يقوم عليها فلم يكن لهم كتاب يقرأونه منزل من ~~عند الله كما لأهل الكتاب ولا علوم قياسية مستنبطة كما للصابئة ونحوهم وكان ~~الخط فيهم قليلا جدا وكان لهم من العلم ما ينال بالفطرة التى لا يخرج بها ~~الانسان عن الاموة العامة كالعلم بالصانع سبحانه وتعظيم مكارم الاخلاق وعلم ms7391 ~~الأنواء والأنساب والشعر فاستحقوا اسم الامية من كل وجه كما قال فيهم ( هو ~~الذى بعث في الاميين رسولا منهم ( وقال تعالى ( قل للذين أوتوا الكتاب ~~والاميين أأسلمتم فان اسلموا فقد اهتدوا وان تولوا فانما عليك البلاغ ( ~~فجعل الأميين مقابلين لأهل الكتاب فالكتابى غير الأمى # فلما بعث فيهم ووجب عليهم اتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل ~~به وقد جعله تفصيلا لكل شيء وعلمهم نبيهم كل شيء حتى الخراءة صاروا أهل ~~كتاب وعلم بل صاروا أعلم الخلق PageV25P168 وأفضلهم في العلوم النافعة ~~وزالت عنهم الامية المذمومة الناقصة وهي عدم العلم العلم والكتاب المنزل ~~إلى ان علموا الكتاب والحكمة وأورثوا الكتاب كما قال فيهم ( هو الذي بعث في ~~الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان ~~كانوا من قبل لفي ضلال مبين ( فكانوا أميين من كل وجه فلما علمهم الكتاب ~~والحكمة قال فيهم ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ( وقال تعالى ( وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ان تقولوا انما أنزل الكتاب على ~~طائفتين من قبلنا وان كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا اهدى منهم ( واستجيب فيهم دعوة الخليل حيث قال ( ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت ~~العزيز الحكيم ( وقال ( لقد من الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ( # فصارت هذه الامية منها ما هو محرم ومنها ما هو مكروه ومنها ما هو نقص ~~وترك الافضل فمن لم يقرأ الفاتحة أو لم يقرأ شيئا من القرآن تسميه الفقهاء ~~في باب الصلاة أميا ويقابلونه بالقارىء PageV25P169 فيقولون لا يصح اقتداء ~~االقارىء بالأمى ويجوز ان يأتم الأمي بالأمي ونحو ذلك من المسائل وغرضهم ~~بالأمى هنا الذي لا يقرأ القراءة الواجبة سواء كان يكتب اولا يكتب يحسب ~~اولا يحسب # فهذه الامية منها ما هو ترك واجب ms7392 يعاقب الرجل عليه اذا قدر على التعلم ~~فتركه # ومنها ما هو مذموم كالذى وصفه الله عز وجل عن أهل الكتاب حيث قال ( ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتاب الا امانى وان هم الا يظنون ( فهذه صفة من لا يفقه ~~كلام الله ويعمل به وانما يقتصر على مجرد تلاوته كما قال الحسن البصري نزل ~~القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا فالأمي هنا قد يقرأ حروف القرآن أو ~~غيرها ولا يفقه بل يتكلم في العلم بظاهر من القول ظنا فهذا ايضا أمى مذموم ~~كما ذمه الله لنقص علمه الواجب سواء كان فرض عين أم كفاية # ومنها ما هو الأفضل الأكمل كالذى لا يقرأ من القرآن الا بعضه ولا يفهم ~~منه الا ما يتعلق به ولا يفهم من الشريعة إلا مقدار الواجب PageV25P170 ~~عليه فهذا أيضا يقال له أمى وغيره ممن أوتى القرآن علما وعملا أفضل منه ~~واكمل # فهذه الأمور المميزة للشخص عن الامور التى هي فضائل وكمال فقدها اما فقد ~~واجب عينا أو واجب على الكفاية أو مستحب وهذه يوصف الله بها وأنبياؤه مطلقا ~~فان الله عليم حكيم جمع العلم والكلام النافع طلبا وخبرا وإرادة وكذلك ~~انبياؤه ونبينا سيد العلماء والحكماء # واما الأمور المميزة التى هي وسائل وأسباب إلى الفضائل مع امكان ~~الاستغناء عنها بغيرها فهذه مثل الكتاب الذى هو الخط والحساب فهذا إذا ~~فقدها مع أن فضيلته في نفسه لا تتم بدونها وفقدها نقص إذا حصلها واستعان ~~بها على كماله وفضله كالذى يتعلم الخط فيقرأ به القرآن وكتب العلم النافعة ~~أو يكتب للناس ما ينتفعون به كان هذا فضلا في حقه وكمالا وان استعان به على ~~تحصيل ما يضره أو يضر الناس كالذى يقرأ بها كتب الضلالة ويكتب بها ما يضر ~~الناس كالذى يزور خطوط الأمراء والقضاة والشهود كان هذا ضررا في حقه وسيئة ~~ومنقصة ولهذا نهى عمر أن تعلم النساء الخط PageV25P171 # وان أمكن ان يستغنى عنها بالكلية بحيث ينال كمال العلوم من غيرها وينال ~~كمال التعليم بدونها كان هذا أفضل له وأكمل ms7393 وهذه حال نبينا الذي قال الله ~~فيه ( الذين يتبعون الرسول النبى الأمي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والانجيل ( فان اموته لم تكن من جهة فقد العلم والقراءة عن ظهر قلب ~~فانه إمام الأئمة في هذا وانما كان من جهة انه لا يكتب ولا يقرأ مكتوبا كما ~~قال الله فيه ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ( # وقد اختلف الناس هل كتب يوم الحديبية بخطه معجزة له أم لم يكتب وكان ~~انتفاء الكتابة عنه مع حصول اكمل مقاصدها بالمنع من طريقها من أعظم فضائله ~~واكبر معجزاته فان الله علمه العلم بلا واسطة كتاب معجزة له ولما كان قد ~~دخل في الكتب من التحريف والتبديل وعلم هو امته الكتاب والحكمة من غير حاجة ~~منه إلى أن يكتب بيده وأما سائر أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم ~~فالغالب على كبارهم الكتابة لاحتياجهم اليها اذ لم يؤت أحد منهم من الوحى ~~ما أوتيه صارت اموته المختصة به كمالا في حقه من جهة الغنى بما هو أفضل ~~منها وأكمل ونقصا في حق غيره من جهة فقده الفضائل التى لا تتم الا بالكتابة # PageV25P172 # إذا تبين هذا فكتاب أيام الشهر وحسابه من هذا الباب كما قدمناه فان من ~~كتب مسير الشمس والقمر بحروف ( ابجد ( ونحوها وحسب كم مضى من مسيرها ومتى ~~يلتقيان ليلة الاستسرار ومتى يتقابلان ليلة الابدار ونحو ذلك فليس في هذا ~~الكتاب والحساب من الفائدة الا ضبط المواقيت التى يحتاج الناس اليها في ~~تحديد الحوادث والاعمال ونحو ذلك كما فعل ذلك غيرنا من الأمم فضبطوا ~~مواقيتهم بالكتاب والحساب كما يفعلونه بالجداول أو بحروف الجمل وكما يحسبون ~~مسير الشمس والقمر ويعدلون ذلك ويقومونه بالسير الأوسط حتى يتبين لهم وقت ~~الاستسرار والابدار وغير ذلك فبين النبى انا أيتها الأمة الأمية لا نكتب ~~هذا الكتاب ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه إلى نفي الحساب والكتاب فيما ~~يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال وطلوعه # وقد قدمنا فيما تقدم ان النفي وإن كان على ms7394 اطلاقه يكون عاما فاذا كان في ~~سياق الكلام ما يبين المقصود علم به المقصود أخاص هو أم عام فلما قرن ذلك ~~بقوله ( الشهر ثلاثون ( و ( الشهر تسعة وعشرون ( بين أن المراد به انا لا ~~نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا PageV25P173 حساب اذ هو تارة كذلك وتارة ~~كذلك والفارق بينهما هو الرؤية فقط ليس بينهما فرق آخر من كتاب ولا حساب ~~كما سنبينه فان أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على ان يضبطوا الرؤية بضبط ~~مستمر وإنما يقربوا ذلك فيصيبون تارة ويخطئون اخرى # وظهر بذلك ان الأمية المذكورة هنا صفة مدح وكمال من وجوه من جهة ~~الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال ومن جهة ان ~~الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط ومن جهة أن فيهما تعبا كثيرا بلا فائدة فان ~~ذلك شغل عن المصالح إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه واذا كان نفى الكتاب ~~والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه وللمفسدة التى فيه كان الكتاب والحساب ~~في ذلك نقصا وعيبا بل سيئة وذنبا فمن دخل فيه فقد خرج عن الأمة الأمية فيما ~~هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة ودخل في امر ناقص يؤديه إلى الفساد ~~والاضطراب # وأيضا فانه جعل هذا وصفا للامة كما جعلها وسطا في قوله تعالى ( جعلناكم ~~أمة وسطا ( فالخروج عن ذلك اتباع غير سبيل المؤمنين PageV25P174 وايضا ~~فالشيء إذا كان صفة للامة لأنه اصلح من غيره ولان غيره فيه مفسدة كان ذلك ~~مما يجب مراعاته ولا يجوز العدول عنه إلى غيره لوجهين لما فيه من المفسدة ~~ولأن صفة الكمال التى للامة يجب حفظها عليها فان كان الواحد لا يجب عليه في ~~نفسه تحصيل المستحبات فان كل ما شرع للامة جميعا صار من دينها وحفظ مجموع ~~الدين واجب على الامة فرض عين أو فرض كفاية ولهذا وجب على مجموع الأمة حفظ ~~جميع الكتاب وجميع السنن المتعلقة بالمستحبات والرغائب وإن لم يجب ذلك على ~~آحادها ولهذا أوجب على الأمة من تحصيل المستحبات العامة ما لا يجب ms7395 على ~~الافراد وتحصيله لنفسه مثل الذى يؤم الناس في صلاته فانه ليس له ان يفعل ~~دائما ما يجوز للمنفرد فعله بل يجب عليه أن لا يطول الصلاة تطويلا يضر من ~~خلفه ولا ينقصها عن سننها الراتبة مثل قراءة السورتين الأوليين واكمال ~~الركوع والسجود ونحو ذلك حتى أن النبى أمر الصحابة بعزل امام كان يصلى ~~لبصاقه في قبلة المسجد وقال ( يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله فان كانوا في ~~القراءة سواء فاعلمهم بالسنة فان كانوا في السنة سواء ( الحديث وقال ( اذا ~~أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال ( # ولهذا قال الفقهاء ان الامام المقيم بالناس حجهم عليه أن يأتى ~~PageV25P175 بكمال الحج من تأخير النفر إلى الثالث من منى ولا يتعجل في ~~النفر الاول ونحو ذلك من سنن الحج التى لو تركها الواحد لم يأثم وليس ~~للامام تركها لأجل مصلحة عموم الحجيج من تحصيل كمال الحج وتمامه ولهذا لما ~~اجتمع على عهد رسول الله عيدان فشهد العيد ثم رخص في الجمعة قال ( انا ~~مجمعون ( فقال أحمد في المشهور عنه وغيره ان على الامام ان يقيم لهم الجمعة ~~ليحصل الكمال لمن شهدهما وان جاز للآحاد الانصراف # ونظائره كثيرة مما يوجب أن يحفظ للأمة في أمرها العام في الازمنة ~~والامكنة والاعمال كمال دينها الذى قال الله فيه ( اليوم اكملت لكم دينكم ~~واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا ( فما افضى إلى نقص كمال دينها ~~ولو بترك مستحب يفضى إلى تركه مطلقا كان تحصيله واجبا على الكفاية اما على ~~الأئمة واما على غيرهم فالكمال والفضل الذى يحصل برؤية الهلال دون الحساب ~~يزول بمراعاة الحساب لو لم يكن فيه مفسدة # الوجه الثانى ما دلت عليه الاحاديث ما في قوله ( لا تصوموا حتى تروه ولا ~~تفطروا حتى تروه ( كما ثبت ذلك عنه من حديث بن عمر فنهى عن الصوم قبل رؤيته ~~وعن الفطر قبل PageV25P176 رؤيته ولا يخلو النهى اما أن يكون عاما في الصوم ~~فرضا ونفلا ونذرا وقضاء أو يكون المراد فلا تصوموا ms7396 رمضان حتى تروه وعلى ~~التقديرين فقد نهى ان يصام رمضان قبل الرؤية والرؤية الاحساس والابصار به ~~فمتى لم يره المسلمون كيف يجوز ان يقال قد اخبر مخبر انه يرى واذا رؤى كيف ~~يجوز ان يقال اخبر مخبر أنه لا يرى وقد علم ان قوله ( فلا تصوموا حتى تروه ~~ولا تفطروا حتى تروه ( ليس المراد به انه لا يصومه أحد حتى يراه بنفسه بل ~~لا يصومه أحد حتى يراه أو يراه غيره # وفى الجملة فهو من باب عموم النفى لا نفى العموم أي لا يصومه أحد حتى يرى ~~أو حتى يعلم انه قد رؤى أو ثبت أنه قد رؤى ولهذا لما اختلف السلف ومن بعدهم ~~في صوم يوم الشك من رمضان فصامه بعضهم مطلقا في الصحو والغيم احتياطا ~~وبعضهم كره صومه مطلقا في الصحو والغيم كراهة الزيادة في الشهر وفرق بعضهم ~~بين الصحو والغيم لظهور العدم في الصحو دون الغيم كان الذى صاموه احتياطا ~~انما صاموه لا مكان أن يكون قد رآه غيرهم فينقصونه فيما بعد وأما لو علموا ~~انه لم يره أحد لم يكن أحد من الامة يستجيز أن يصومه لكون الحساب قد دل على ~~انه يطلع ولم ير مع ذلك كما PageV25P177 ان الجمهور الذين كرهوا صومه لم ~~يلتفتوا إلى هذا الجواب اذ الحكم ممدود إلى وقوع الرؤية لا إلى جوازها # وإختلف هؤلاء هل يجوز أو يكره أو يحرم أو يستحب ان يصام بغير نية رمضان ~~اذا لم يوافق عادة على أربعة أقوال هذا يجوزه أو يستحبه حملا للنهى عن صوم ~~رمضان ويكرهه ويحظره لنهيه عن التقدم ولخوف الزيادة ولمعان أخر # ثم اذا صامه بغير نية رمضان أو بنيته المكروهة فهل يجزئه اذا تبين أو لا ~~يجزئه بل عليه القضاء على قولين للامة واذا لم يتبين انه رؤى الا من النهار ~~فهل يجزئه انشاء النية من النهار على قولين للامة # ولو تبين انه رؤي في مكان أخر فهل يجب القضاء أو لا يجب مطلقا أم اذا كان ~~دون مسافة القصر ms7397 أم اذا كانت الرؤية في الاقليم أم اذا كان العمل واحدا وهل ~~تثبت الرؤية بقول الواحد أم الاثنين مطلقا أم لابد في الصحو من عدد كثير ~~هذا مما تنازع فيه المسلمون فهذه المسائل التى تنازع فيها المسلمون التى ~~تتعلق بيوم الثلاثين وتفرع بسببها مسائل أخر لعموم البلوى بهذا PageV25P178 ~~الامر ولما فهموه من كلام الله ورسوله ورأوه من اصول شريعته ولما بلغهم عن ~~الصدر الاول # وهى من جنس المسائل التى تنازع فيها اهل الاجتهاد بخلاف من خرج في ذلك ~~إلى الاخذ بالحساب أو الكتاب كالجداول وحساب التقويم والتعديل المأخوذ من ~~سيرهما وغير ذلك الذى صرح رسول الله بنفيه عن امته والنهى عنه # ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد ادخل في الاسلام ما ليس ~~منه فيقابلون هذه الاقوال بالانكار الذى يقابل به أهل البدع وهؤلاء الذين ~~ابتدعوا فيه ما يشبه بدع اهل الكتاب والصابئة انواع قوم منتسبة إلى الشيعة ~~من الاسماعيلية وغيرهم يقولون بالعدد دون الرؤية ومبدأ خروج هذه البدعة من ~~الكوفة # فمنهم من يعتمد على جدول يزعمون ان جعفر الصادق دفعه اليهم ولم يأت به ~~الا عبد الله بن معاوية ولا يختلف اهل المعرفة من الشيعة وغيرهم ان هذا كذب ~~مختلق على جعفر اختلقه عليه عبد الله هذا وقد ثبت بالنقل المرضى عن جعفر ~~وعامة أئمة أهل البيت ما عليه المسلمون وهو قول أكثر عقلاء الشيعة ~~PageV25P179 # ومنهم من يعتمد على أن رابع رجب اول رمضان أو على ان خامس رمضان الماضى ~~اول رمضان الحاضر # ومنهم من يروى عن النبى حديثا لا يعرف في شيء من كتب الاسلام ولا رواه ~~عالم قط أنه قال ( يوم صومكم يوم نحركم ) وغالب هؤلاء يوجبون ان يكون رمضان ~~تاما ويمنعون ان يكون تسعة وعشرين # ومنهم من يعتمد على رؤيته بالمشرق قبل الاستسرار فيوجبون استسراره ليلتين ~~ويقولون اول يوم يرى في أوله فهو من الشهر الماضى واليوم يكون اليوم الذي ~~لا يرى في طرفيه ثم اليوم الذى يرى في اخره هو اول الشهر ms7398 الثانى ويجعلون ~~مبدأ الشهر قبل رؤية الهلال مع العلم بأن الهلال يستسر ليلة تارة وليلتين ~~أخرى وقد يستسر ثلاث ليال # فأما الذين يعتمدون على حساب الشهور وتعديلها فيعتبرونه برمضان الماضى أو ~~برجب أو يضعون جدولا يعتمدون عليه فهم مع مخالفتهم لقوله ( لا نكتب ولا ~~نحسب ) إنما عمدتهم PageV25P180 تعديل سير النيرين والتعديل ان ياخذ اعلى ~~سيرهما وادناه فياخذ الوسط منه ويجمعه # ولما كان الغالب على شهور العام ان الاول ثلاثون والثانى تسعة وعشرون كان ~~جميع انواع هذا الحساب والكتاب مبنية على أن الشهر الاول ثلاثون والثانى ~~تسعة وعشرون والسنة ثلاثمائة واربعة وخمسون ويحتاجون ان يكتبوا في كل عدة ~~من السنين زيادة يوم تصير فيه السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما يزيدونه في ~~ذى الحجة مثلا فهذا أصل عدتهم وهذا القدر موافق في أكثر الاوقات لان الغالب ~~على الشهور هكذا ولكنه غير مطرد فقد يتوالى شهران وثلاثة واكثر ثلاثين وقد ~~يتوالى شهران وثلاثة وأكثر تسعة وعشرين فينتقض كتابهم وحسابهم ويفسد دينهم ~~الذي ليس بقيم وهذا من الاسباب الموجبة لئلا يعمل بالكتاب والحساب في ~~الاهلة # فهذه طريقة هؤلاء المبتدعة المارقين الخارجين عن شريعة الاسلام الذين ~~يحسبون ذلك الشهر بما قبله من الشهور أما في جميع السنين أو بعضها ويكتبون ~~ذلك # وأما الفريق الثانى فقوم من فقهاء البصريين ذهبوا إلى ان قوله ~~PageV25P181 ( فاقدروا له ( تقدير حساب بمنازل القمر وقد روى عن محمد بن ~~سيرين قال خرجت في اليوم الذى شك فيه فلم ادخل على أحد يؤخذ عنه العلم الا ~~وجدته يأكل الا رجلا كان يحسب وياخذ بالحساب ولو لم يعلمه كان خيرا له وقد ~~قيل ان الرجل مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو رجل جليل القدر إلا ان هذا ان ~~صح عنه فهي من زلات العلماء وقد حكى هذا القول عن ابى العباس بن سريج ايضا ~~وحكاه بعض المالكية عن الشافعي ان من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل ~~القمر لم يتبين له من جهة النجوم ان الهلال الليلة وغم عليه جاز له ان ~~يعتقد ms7399 الصيام ويبيته ويجزئه وهذا باطل عن الشافعى لا اصل له عنه بل المحفوظ ~~عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة وانما كان قد حكى بن سريج وهو كان من اكابر ~~اصحاب الشافعى نسبة ذلك إليه اذ كان هو القائم بنصر مذهبه # واحتجاج هؤلاء بحديث بن عمر في غاية الفساد مع ان بن عمر هو الراوى عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( انا امة امية لا نكتب ولا نحسب ( فكيف يكون ~~موجب حديثه العمل بالحساب وهؤلاء يحسبون مسيره في ذلك الشهر ولياليه وليس ~~لاحد منهم طريقة منضبطة اصلا بل آية طريقة سلكوها فان الخطأ واقع فيها ايضا ~~فان الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما بل لا يمكن ان يكون ~~إلى رؤيته PageV25P182 طريق مطرد الا الرؤية وقد سلكوا طرقا كما سلك ~~الاولون منهم من لم يضبطوا سيره الا بالتعديل الذى يتفق الحساب على انه غير ~~مطرد وانما هو تقريب مثل ان يقال ان رؤي صبيحة ثمان وعشرين فهو تام وان لم ~~ير صبيحة ثمان فهو ناقص وهذا بناء على ان الاستسرار لليلتين وليس بصحيح بل ~~قد يستسر ليلة تارة وثلاث ليال اخرى # وهذا الذي قالوه انما هو بناء على انه كل ليلة لا يمكث في المنزلة الا ~~ستة اسباع ساعة لا اقل ولا اكثر فيغيب ليلة السابع نصف الليل ويطلع ليلة ~~اربعة عشر من اول الليل إلى طلوع الشمس وليلة الحادي والعشرين يطلع من نصف ~~الليل وليلة الثامن والعشرين ان استسر فيها نقص والا كمل وهذا غالب سيره ~~والا فقد يسرع ويبطئ # وأما العقل فاعلم ان المحققين من اهل الحساب كلهم متفقون على انه لا يمكن ~~ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بانه يرى لا محالة أو لا يرى البتة على وجه ~~مطرد وانما قد يتفق ذلك أو لا يمكن بعض الاوقات ولهذا 1 كان المعتنون بهذا ~~الفن من الامم الروم والهند والفرس والعرب وغيرهم مثل بطليموس الذي هو مقدم ~~هؤلاء ومن بعدهم قبل الاسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفا واحدا ms7400 ~~ولا حدوه كما حدوا اجتماع القرصين وانما تكلم به قوم منهم في ابناء الاسلام ~~مثل PageV25P183 كوشيار الديلمي وعليه وعلى مثله يعتمد من تكلم في الرؤية ~~منهم وقد انكر ذلك عليه حذاقهم مثل ابى علي المروذي القطان وغيره وقالوا ~~انه تشوق بذلك عند المسلمين والا فهذا لا يمكن ضبطه # ولعل من دخل في ذلك منهم كان مرموقا بنفاق فما النفاق من هؤلاء ببعيد أو ~~يتقرب به إلى بعض الملوك الجهال ممن يحسن ظنه بالحساب مع انتسابه إلى ~~الاسلام # وبيان امتناع ضبط ذلك ان الحاسب انما يقدره على ضبط شبح الشمس والقمر ~~وجريهما انهما يتحاذيان في الساعة الفلانية في البرج الفلانى في السماء ~~المحاذي للمكان الفلانى من الأرض سواء كان الاجتماع من ليل أو نهار وهذا ~~الاجتماع يكون بعد الاستسرار وقبل الاستهلال فان القمر يجري في منازله ~~الثمانية والعشرين كما قدره الله منازل ثم يقرب من الشمس فيستسر ليلة أو ~~ليلتين لمحاذاته لها فاذا خرج من تحتها جعل الله فيه النور ثم يزداد النور ~~كلما بعد عنها إلى ان يقابلها ليلة الابدار ثم ينقص كلما قرب منها إلى ان ~~يجامعها ولهذا يقولون الاجتماع والاستقبال ولا يقدرون ان يقولوا الهلال وقت ~~المفارقة على كذا يقولون الاجتماع وقت الاستسرار والاستقبال وقت الابدار ~~PageV25P184 ومن معرفة الحساب الاستسرار والابدار الذي هو الاجتماع ~~والاستقبال فالناس يعبرون عن ذلك بالامر الظاهر من الاستسرار الهلالي في ~~آخر الشهر وظهوره في اوله وكمال نوره في وسطه والحساب يعبرون بالامر الخفي ~~من اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو ~~وقت الابدار فان هذا يضبط بالحساب # وأما الاهلال فلا له عندهم من جهة الحساب ضبط لانه لا يضبط بحساب يعرف ~~كما يعرف وقت الكسوف والخسوف فان الشمس لا تكسف في سنة الله التى جعل لها ~~الا عند الاستسرار اذا وقع القمر بينها وبين ابصار الناس على محاذاة مضبوطة ~~وكذلك القمر لا يخسف الا في ليالي الابدار على محاذاة مضبوطة لتحول الأرض ~~بينه وبين الشمس فمعرفة الكسوف والخسوف ms7401 لمن صح حسابه مثل معرفة كل أحد ان ~~ليلة الحادي والثلاثين من الشهر لابد ان يطلع الهلال وانما يقع الشك ليلة ~~الثلاثين فنقول الحاسب غاية ما يمكنه اذا صح حسابه ان يعرف مثلا ان القرصين ~~اجتمعا في الساعة الفلانية وانه عند غروب الشمس يكون قد فارقها القمر اما ~~بعشر درجات مثلا أو اقل أو اكثر والدرجة هي جزء من ثلاثمائة وستين جزءا من ~~الفلك PageV25P185 فانهم قسموه اثنى عشر قسما سموها ( الداخل ( كل برج اثنا ~~عشر درجة وهذا غاية معرفته وهي بتحديدكم بينهما من البعد في وقت معين في ~~مكان معين هذا الذي يضبطه بالحساب اما كونه يرى أو لا يرى فهذا امر حسى ~~طبيعي ليس هو امرا حسابيا رياضيا وانما غايته ان يقول استقرأنا انه اذا كان ~~على كذا وكذا درجة يرى قطعا أو لا يرى قطعا فهذا جهل وغلط فان هذا لا يجري ~~على قانون واحد لا يزيد ولا ينقص في النفي والاثبات بل اذا كان بعده مثلا ~~عشرين درجة فهذا يرى ما لم يحل حائل واذا كان على درجة واحدة فهذا لا يرى # وأما ما حول العشرة فالامر فيه يختلف باختلاف اسباب الرؤية من وجوه # أحدها انها تختلف وذلك لان الرؤية تختلف لحدة البصر وكلاله فمع دقته يراه ~~البصر الحديد دون الكليل ومع توسطه يراه غالب الناس وليست ابصار الناس ~~محصورة بين حاصرين ولا يمكن ان يقال يراه غالب الناس ولا يراه غالبهم لانه ~~لو رآه اثنان علق الشارع الحكم بهما بالاجماع وان كان الجمهور لم يروه فاذا ~~قال لا يرى بناء على ذلك كان مخطئا في حكم الشرع وان قال يرى بمعنى انه ~~يراه البصر الحديد فقد لا يتفق فيمن يتراءى له من يكون بصره حديدا ~~PageV25P186 فلا يلتفت إلى امكان رؤية من ليس بحاضر # السبب الثانى ان يختلف بكثرة المترائين وقلتهم فانهم اذا كثروا كان اقرب ~~ان يكون فيهم من يراه لحدة بصره وخبرته بموضع طلوعه والتحديق نحو مطلعه ~~واذا قلوا فقد لا يتفق ذلك فاذا ظن ms7402 انه يرى قد يكونون قليلا فلا يمكن ان ~~يروه واذا قال لا يرى فقد يكون المتراءون كثيرا فيهم من فيه قوة على ادراك ~~ما لم يدركه غيره # السبب الثالث انه يختلف باختلاف مكان الترائى فان من كان اعلى مكانا في ~~منارة أو سطح عال أو على رأس جبل ليس بمنزلة من يكون على القاع الصفصف أو ~~في بطن واد كذلك قد يكون امام أحد المترائين بناء أو جبل أو نحو ذلك يمكن ~~معه ان يراه غالبا وان منعه احيانا وقد يكون لا شيء امامه فاذا قيل يرى ~~مطلقا لم يره المنخفض ونحوه واذا قيل لا يرى فقد يراه المرتفع ونحوه ~~والرؤية تختلف بهذا اختلافا ظاهرا # السبب الرابع انه يختلف باختلاف وقت الترائى وذلك ان عادة الحساب انهم ~~يخبرون ببعده وقت غروب الشمس وفى تلك PageV25P187 الساعة يكون قريبا من ~~الشمس فيكون نوره قليلا وتكون حمرة شعاع الشمس مانعا له بعض المنع فكلما ~~انخفض إلى الافق بعد عن الشمس فيقوى شرط الرؤية ويبقى مانعها فيكثر نوره ~~ويبعد عن شعاع الشمس فاذا ظن انه لا يرى وقت الغروب أو عقبه فانه يرى بعد ~~ذلك ولو عند هوية في المغرب وان قال أنه يضبط حاله من حين وجوب الشمس إلى ~~حين وجوبه فانما يمكنه ان يضبط عدد تلك الدرجات لانه يبقى مرتفعا بقدر ما ~~بينهما من البعد اما مقدار ما يحصل فيه من الضوء وما يزول من الشعاع المانع ~~له فان بذلك تحصل الرؤية بضبطه على وجه واحد يصح مع الرؤية دائما أو يمتنع ~~دائما فهذا لا يقدر عليه ابدا وليس هو في نفسه شيئا منضبطا خصوصا اذا كانت ~~الشمس # السبب الخامس صفاء الجو وكدره لست اعني اذا كان هناك حائل يمنع الرؤية ~~كالغيم والقتر الهائج من الادخنة والابخرة وانما اذا كان الجو بحيث يمكن ~~فيه رؤيته امكن من بعض اذا كان الجو صافيا من كل كدر في مثل ما يكون في ~~الشتاء عقب الامطار في البرية الذي ليس فيه بخار بخلاف ما اذا ms7403 كان في الجو ~~بخار بحيث لا يمكن PageV25P188 فيه رؤيته كنحو ما يحصل في الصيف بسبب ~~الابخرة والادخنة فانه لا يمكن رؤيته في مثل ذلك كما يمكن في مثل صفاء الجو # وأما صحة مقابلته ومعرفة مطلعه ونحو ذلك فهذا من الامور التى يمكن ~~المترائي ان يتعلمها أو يتحراه فقد يقال هو شرط الرؤية كالتحديق نحو المغرب ~~خلف الشمس فلم نذكره في اسباب اختلاف الرؤية وانما ذكرنا ما ليس في مقدور ~~المترائين الاحاطة من صفة الابصار واعدادها ومكان الترائى وزمانه وصفاء ~~الجو وكدره # فإذا كانت الرؤية حكما تشترك فيه هذه الاسباب التى ليس شيء منها داخلا في ~~حساب الحاسب فكيف يمكنه مع ذلك يخبر خبرا عاما انه لا يمكن ان يراه أحد حيث ~~رآه على سبع أو ثمان درجات أو تسع أم كيف يمكنه يخبر خبرا جزما انه يرى اذا ~~كان على تسعة أو عشرة مثلا # ولهذا تجدهم مختلفين في قوس الرؤية كم ارتفاعه منهم من يقول تسعة ونصف ~~ومنهم من يقول ويحتاجون أن يفرقوا بين الصيف PageV25P189 والشتاء اذا كانت ~~الشمس في البروج الشمالية مرتفعة أو في البروج الجنوبية منخفضة فتبين بهذا ~~البيان ان خبرهم بالرؤية من جنس خبرهم بالاحكام واضعف # وذلك أنه هب انه قد ثبت ان الحركات العلوية سبب الحوادث الارضية فان هذا ~~القدر لا يمكن المسلم ان يجزم بنفيه اذ الله سبحانه جعل بعض المخلوقات ~~اعيانها وصفاتها وحركاتها سببا لبعض وليس في هذا ما يحيله شرع ولا عقل لكن ~~المسلمون قسمان # منهم من يقول هذا لا دليل على ثبوته فلا يجوز القول به فانه قول بلا علم # وآخر يقول بل هو ثابت في الجملة لأنه قد عرف بعضه بالتجربة ولأن الشريعة ~~دلت على ذلك بقوله ( ان الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته لكنهما ~~آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده ( والتخويف انما يكون بوجود سبب الخوف ~~فعلم ان كسوفهما قد يكون سببا لأمر مخوف وقوله ( لا يخسفان لموت أحد ولا ~~لحياته ( رد لما توهمه بعض الناس فان ms7404 الشمس خسفت يوم موت إبراهيم فاعتقد ~~بعض الناس أنها خسفت من اجل موته تعظيما لموته وان موته سبب خسوفها فاخبر ~~النبى PageV25P190 انه لا ينخسف لاجل انه مات أحد ولا لأجل انه حيي أحد # وهذا كما في الصحيحين عن بن عباس قال حدثنى رجال من الأنصار انهم كانوا ~~عند النبى صلى الله عليه وسلم فرمي بنجم فاستنار فقال ( ما كنتم تقولون ~~لهذا في الجاهلية ( فقالوا كنا نقول ولد الليلة عظيم أو مات عظيم فقال ( ~~انه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن الله اذا قضى بالقضاء سبح حملة ~~العرش ( الحديث فأخبر النبى أن الشهب التى يرجم بها لا يكون عن سبب حدث في ~~الأرض وانما يكون عن أمر حدث في السماء وان الرمي بها لطرد الشياطين ~~المسترقة # وكذلك الشمس والقمر هما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده كما قال الله ~~( وما نرسل بالآيات الا تخويفا ( فعلم ان هذه الآيات السماوية قد تكون سبب ~~عذاب ولهذا شرع النبى عند وجود سبب الخوف ما يدفعه من الاعمال الصالحة فأمر ~~بصلاة الكسوف الصلاة الطويلة وامر بالعتق والصدقة وأمر بالدعاء والاستغفار ~~كما قال ( ان البلاء والدعاء PageV25P191 ليلتقيان فيعتلجان بين السماء ~~والأرض ( فالدعاء ونحوه يدفع البلاء النازل من السماء # فإن قلت من عوام الناس وان كان منتسبا إلى علم من يجزم بان الحركات ~~العلوية ليست سببا لحدوث أمر البتة وربما اعتقد ان تجويز ذلك واثباته من ~~جملة التنجيم المحرم الذى قال فيه النبى ( من اقتبس شعبة من النجوم فقد ~~اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ( رواه أبو داود وغيره وربما احتج بعضهم ~~بما فهمه من قوله ( لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته ( وإعتقد ان العلة هنا ~~هي العلة الغائية أي لا يكسفان ليحدث عن ذلك موت أو حياة # قلت قول هذا جهل لأنه قول بلا علم وقد حرم الله على الرجل أن ينفى ما ليس ~~له به علم وحرم عليه ان يقول على الله ما لا يعلم واخبر ان الذى يأمر ~~بالقول بغير ms7405 علم هو الشيطان فقال ( ولا تقف ما ليس لك به علم ( وقال ( انما ~~يأمركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ( وقال ( قل انما ~~حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وان تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ( فانه ليس ~~في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا قال أحد من أهل العلم ذلك PageV25P192 ~~ولا في العقل وما يعلم بالعقل ما يعلم به نفى ذلك وانما نفى ذلك جزما بغير ~~مثل نفى بعض الجهال ان تكون الافلاك مستديرة فمنهم من ينفى ذلك جزما ومنهم ~~من ينفى الجزم به على كل أحد وكلاهما جهل فمن اين له نفى ذلك أو نفى العلم ~~به عن جميع الخلق ولا دليل له على ذلك إلا ما قد يفهمه بفهمه الناقص # هذا وقد ثبت بالكتاب والسنة واجماع علماء الامة ان الافلاك مستديرة قال ~~الله تعالى ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ( وقال ( وهو الذى خلق ~~الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ( وقال تعالى ( لا الشمس ~~ينبغى لها ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ( # قال إبن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل وهكذا هو في لسان العرب الفلك ~~الشيء المستدير ومنه يقال تفلك ثدى الجارية اذا استدار قال تعالى ( يكور ~~الليل على النهار ويكور النهار على الليل ( والتكوير هو التدوير ومنه قيل ~~كار العمامة وكورها اذا ادارها ومنه قيل للكرة كرة وهى الجسم المستدير ~~ولهذا يقال للأفلاك كروية الشكل لأن أصل الكرة كورة تحركت الواو وانفتح ما ~~قبلها فقلبت الفا وكورت الكارة اذا دورتها ومنه الحديث ( ان الشمس والقمر ~~يكوران يوم القيامة PageV25P193 كانهما ثوران في نار جهنم ( وقال تعالى ( ~~الشمس والقمر بحسبان ( مثل حسبان الرحا # وقال ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ( وهذا انما يكون فيما يستدير من ~~اشكال الاجسام دون المضلعات من المثلث أو المربع أو غيرهما فانه يتفاوت لان ~~زواياه مخالفة ms7406 لقوائمه والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحى ليس بعضه ~~مخالفا لبعض # وقال النبى للاعرابى الذى قال انا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك ~~فقال ( ويحك ان الله لا يستشفع به على أحد من خلقه ان شأنه اعظم من ذلك ان ~~عرشه على سمواته هكذا ( وقال بيده مثل القبة ( وانه ليئط به اطيط الرحل ~~الجديد براكبه ( رواه أبو داود وغيره من حديث جبير بن مطعم عن النبى وفى ~~الصحيحين عن ابى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( اذا سألتم ~~الله الجنة فاسألوه الفردوس فانها اعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش ~~الرحمن ( فقد أخبر ان الفردوس هي الأعلى والأوسط وهذا لا يكون الا في ~~الصورة المستديرة فاما المربع ونحوه فليس أوسطه أعلاه بل هو متساو # وأما إجماع العلماء فقال اياس بن معاوية الامام المشهور قاضى PageV25P194 ~~البصرة من التابعين السماء على الأرض مثل القبة # وقال الامام أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي من اعيان العلماء ~~المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار في فنون العلوم الدينية من ~~الطبقة الثانية من اصحاب أحمد لا خلاف بين العلماء ان السماء على مثال ~~الكرة وانها تدور بجميع ما فيها من الكواكب كدورة الكرة على قطبين ثابتين ~~غير متحركين احدهما في ناحية الشمال والآخر في ناحية الجنوب قال ويدل على ~~ذلك ان الكواكب جميعها تدور من المشرق تقع قليلا على ترتيب واحد في حركاتها ~~ومقادير أجزائها إلى ان تتوسط السماء ثم تنحدرعلى ذلك الترتيب كأنها ثابتة ~~في كرة تديرها جميعها دورا واحدا قال وكذلك أجمعوا على ان الأرض بجميع ~~حركاتها من البر والبحر مثل الكرة قال ويدل عليه ان الشمس والقمر والكواكب ~~لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد بل على ~~المشرق قبل المغرب # قال فكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة يدل على ذلك ~~ان جرم كل كوكب يرى في جميع نواحى السماء على قدر واحد فيدل ذلك على بعد ما ~~بين السماء والأرض من ms7407 جميع PageV25P195 الجهات بقدر واحد فاضطرار ان تكون ~~الأرض وسط السماء # وقد يظن بعض الناس أن ما جاءت به الآثار النبوية من ان العرش سقف الجنة ~~وان الله على عرشه مع ما دلت عليه من ان الافلاك مستديرة متناقض أو مقتض ان ~~يكون الله تحت بعض خلقه كما احتج بعض الجهمية على انكار ان يكون الله فوق ~~العرش باستدارة الافلاك وان ذلك مستلزم كون الرب اسفل وهذا من غلطهم في ~~تصور الامر ومن علم ان الافلاك مستديرة # وان المحيط الذى هو السقف هو اعلى عليين وان المركز الذي هو باطن ذلك ~~وجوفه وهو قعر الأرض هو ( سجين ( واسفل سافلين ( علم من مقابلة الله بين ~~اعلى عليين وبين سجين مع ان المقابلة انما تكون في الظاهر بين العلو والسفل ~~أو بين السعة والضيق وذلك لان العلو مستلزم للسعة والضيق مستلزم للسفول ~~وعلم ان السماء فوق الأرض مطلقا لا يتصور ان تكون تحتها قط وان كانت ~~مستديرة محيطة وكذلك كلما علا كان ارفع واشمل # وعلم ان الجهة قسمان قسم ذاتى وهو العلو والسفول فقط وقسم اضافى وهو ما ~~ينسب إلى الحيوان بحسب حركته فما امامه PageV25P196 يقال له امام وما خلفه ~~يقال له خلف وما عن يمينه يقال له اليمين وما عن يسرته يقال له اليسار وما ~~فوق رأسه يقال له فوق وما تحت قدميه يقال له تحت وذلك امر اضافي ارأيت لو ~~ان رجلا علق رجليه إلى السماء ورأسه إلى الأرض اليست السماء فوقه وان ~~قابلها برجليه وكذلك النملة أو غيرها لو مشى تحت السقف مقابلا له برجليه ~~وظهره إلى الأرض لكان العلو محاذيا لرجليه وان كان فوقه واسفل سافلين ينتهى ~~إلى جوف الأرض # والكواكب التى في السماء وان كان بعضها محاذيا لرؤوسنا وبعضها في النصف ~~الآخر من الفلك فليس شيء منها تحت شيء بل كلها فوقنا في السماء ولما كان ~~الانسان اذا تصور هذا يسبق إلى وهمه السفل الاضافى كما احتج به الجهمى الذى ~~انكر علو الله على عرشه وخيل على من ms7408 لا يدرى أن من قال ان الله فوق العرش ~~فقد جعله تحت نصف المخلوقات أو جعله فلكا آخر تعالى الله عما يقول الجاهل # فمن ظن أنه لازم لاهل الاسلام من الامور التى لا تليق بالله ولا هي لازمة ~~بل هذا يصدقه الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث الحسن عن أبي هريرة ~~ورواه الترمذى في حديث الادلاء PageV25P197 فان الحديث يدل على ان الله فوق ~~العرش ويدل على احاطة العرش وكونه سقف المخلوقات # ومن تأوله على قوله هبط على علم الله كما فعل الترمذى لم يدر كيف الامر ~~ولكن لما كان من اهل السنة وعلم ان الله فوق العرش ولم يعرف صورة المخلوقات ~~وخشى ان يتأوله الجهمي انه مختلط بالخلق قال هكذا والا فقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كله حق يصدق بعضه بعضا # وما علم بالمعقول من العلوم الصحيحة يصدق ما جاء به الرسول ويشهد له ~~فنقول اذا تبين انا نعرف ما قد عرف من استدارة الافلاك علم ان المنكر له ~~مخالف لجميع الأدلة لكن المتوقف في ذلك قبل البيان فعل الواجب وكذلك من لم ~~يزل يستفيد ذلك من جهة لا يثق بها فان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( اذا ~~حدثكم اهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ( وان كون بعض الحركات العالية ~~سبب لبعض الحوادث مما لا ينكر بل اما أن يقبل أو لا يرد # فالقول بالاحكام النجومية باطل عقلا محرم شرعا وذلك ان حركة الفلك وان ~~كان لها أثر ليست مستقلة بل تأثير الأرواح وغيرها PageV25P198 من الملائكة ~~اشد من تأثيره وكذلك تأثير الاجسام الطبيعية التى في الأرض وكذلك تأثير ~~قلوب الآدميين بالدعاء وغيره من اعظم المؤثرات باتفاق المسلمين وكالصابئة ~~المشتغلين باحكام النجوم وغيرهم من سائر الأمم فهو في الامر العام جزء ~~السبب وان فرضنا انه سبب مستقل أو انه مستلزم لتمام السبب فالعلم به غير ~~ممكن لسرعة حركته وان فرض العلم به فمحل تأثيره لا ينضبط اذ ليس تأثير خسوف ~~الشمس في الاقليم الفلانى بأولى من ms7409 الاقليم الآخر وان فرض انه سبب مستقل قد ~~حصل بشروطه وعلم به فلا ريب ان ما يصغر من الاعمال الصالحة من الصلاة ~~والزكاة والصيام والحج وصلة الارحام ونحو ذلك مما أمرت به الشريعة يعارض ~~مقتضى ذلك السبب ولهذا امرنا النبى بالصلاة والدعاء والاستغفار والعتق ~~والصدقة عند الخسوف واخبر ان الدعاء والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء ~~والأرض # والمنجمون يعترفون بذلك حتى قال كبيرهم ( بطليموس ( ضجيج الاصوات في ~~هياكل العبادات بفنون الدعوات من جميع اللغات يحلل ما عقدته الافلاك ~~الدائرات فصار ما جاءت به الشريعة ان حدث سبب خير كان ذلك الصلاة والزكاة ~~يقويه ويؤيده وان حدث سبب شر كان ذلك العمل يدفعه وكذلك استخارة العبد لربه ~~اذا هم بأمر كما PageV25P199 امر النبى صلى الله عليه وسلم بقوله ( اذا هم ~~احدكم بالامر فليركع ركعتين ( الحديث فهذه الاستخارة لله العليم القدير ~~خالق الاسباب والمسببات خير من ان يأخذ الطالع فيما يريد فعله فان الاختيار ~~غايته تحصيل سبب واحد من اسباب النجح ان صح والاستخارة اخذ للنجح من جميع ~~طرقه فان الله يعلم الخيرة فاما ان يشرح صدر الانسان وييسر الاسباب أو ~~يعسرها ويصرفه عن ذلك # وقد قال النبى ( من اتى عرافا فسأله ( الحديث رواه مسلم من حديث صفية بنت ~~أبي عبيد عن بعض ازواج النبى والعراف يعم المنجم وغيره إما لفظا واما معنى ~~وقال ( من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ( رواه ~~أبو داود وبن ماجه فقد تبين تحريم الأخذ بأحكام النجوم علما أو عملا من جهة ~~الشرع وقد بينا من جهة العقل ان ذلك ايضا متعذر في الغالب لأن أسباب ~~الحوادث وشروطها وموانعها لا تضبط بضبط حركة بعض الامور وانما يتفق الاصابة ~~في ذلك اذا كان بقية الاسباب موجودة والموانع مرتفعة لا ان ذلك عن دليل ~~مطرد لازما أو غالبا # وحذاق المنجمين يوافقون على ذلك ويعرفون ان طالع البلاد لا PageV25P200 ~~يستقيم الحكم به غالبا لمعارضة طالع لوقت وغيره من الموانع ويقولون إن ~~الأحكام مبناها على الحدس ms7410 والوهم فنبين لهم ان قولهم في رؤية الهلال وفى ~~الاحكام من باب واحد يعلم بأدلة العقول امتناع ضبط ذلك ويعلم بأدلة الشريعة ~~تحريم ذلك والاستغناء عما نظن من منفعته بما بعث الله به محمدا من الكتاب ~~والحكمة ولهذا قال من قال ان كلام هؤلاء بين علوم صادقة لا منفعة فيها ~~ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها وان بعض الظن إثم ~~ولقد صدق # فإن الانسان الحاسب اذا قتل نفسه في حساب الدقائق والثوانى كان غايته ما ~~لا يفيد وانما تعبوا عليه لأجل الأحكام وهى ظنون كاذبة # أما الكلام في الشرعيات فان كان علما كان فيه منفعة الدنيا والآخرة وان ~~كان ظنا مثل الحكم بشهادة الشاهدين أو العمل بالدليل الظنى الراجح فهو عمل ~~بعلم وهو ظن يثاب عليه في الدنيا والآخرة فالحمد لله الذى هدانا لهذا وما ~~كنا لنهتدى لولا ان هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق آخر ما وجد وصلى ~~الله على محمد وآله وسلم PageV25P201 ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن أهل مدينة رأى بعضهم هلال ذى الحجة ولم يثبت عند حاكم المدينة فهل لهم ~~ان يصوموا اليوم الذى في الظاهر التاسع وان كان في الباطن العاشر ### ||||| فأجاب # نعم يصومون التاسع في الظاهر المعروف عند الجماعة وان كان في نفس ~~الأمر يكون عاشرا ولو قدر ثبوت تلك الرؤية فان في السنن عن أبي هريرة عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون ~~واضحاكم يوم تضحون ( أخرجه أبو داود وبن ماجه والترمذى وصححه وعن عائشة رضى ~~الله عنها أنها قالت قال رسول الله ( الفطر يوم يفطر الناس والاضحى يوم يضح ~~الناس ( رواه الترمذى وعلى هذا العمل عند أئمة المسلمين كلهم # فإن الناس لو وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأ أجزأهم الوقوف PageV25P202 ~~بالاتفاق وكان ذلك اليوم يوم عرفة في حقهم # ولو وقفوا الثامن خطأ ففى الاجزاء نزاع والاظهر صحة الوقوف ايضا وهو أحد ~~القولين في مذهب مالك ومذهب أحمد وغيره ms7411 # قالت عائشة رضي الله عنها ( انما عرفة اليوم الذى يعرفه الناس ( وأصل ذلك ~~أن الله سبحانه وتعالى علق الحكم بالهلال والشهر فقال تعالى ( يسألونك عن ~~الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ( والهلال اسم لما يستهل به أي يعلن به ~~ويجهر به فاذا طلع في السماء ولم يعرفه الناس ويستهلوا لم يكن هلالا # وكذا الشهر مأخوذ من الشهرة فان لم يشتهر بين الناس لم يكن الشهر قد دخل ~~وإنما يغلط كثير من الناس في مثل هذه المسألة لظنهم انه اذا طلع في السماء ~~كانت تلك الليلة أول الشهر سواء ظهر ذلك للناس واستهلوا به أولا وليس كذلك ~~بل ظهوره للناس واستهلالهم به لابد منه ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ~~( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ( اي هذا اليوم ~~الذي تعلمون انه وقت الصوم والفطر والأضحى فاذا لم تعلموه لم يترتب عليه ~~حكم وصوم اليوم الذى يشك فيه هل هو تاسع ذي الحجة أو عاشر ذي الحجة جائز ~~بلا نزاع بين العلماء PageV25P203 لأن الأصل عدم العاشر كما انهم لو شكوا ~~ليلة الثلاثين من رمضان هل طلع الهلال أم لم يطلع فانهم يصومون ذلك اليوم ~~المشكوك فيه باتفاق الأئمة وانما يوم الشك الذى رويت فيه الكراهة الشك في ~~اول رمضان لأن الاصل بقاء شعبان # وإنما الذى يشتبه في هذا الباب مسألتان إحداهما لو رأى هلال شوال وحده أو ~~اخبره به جماعة يعلم صدقهم هل يفطر أم لا # والثانية لو رأى هلال ذي الحجة أو أخبره جماعة يعلم صدقهم هل يكون في حقه ~~يوم عرفة ويوم النحر هو التاسع والعاشر بحسب هذه الرؤية التى لم تشتهر عند ~~الناس أو هو التاسع والعاشر الذى اشتهر عند الناس # فأما المسألة الأولى فالمنفرد برؤية هلال شوال لا يفطر علانية باتفاق ~~العلماء الا ان يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر وهل يفطر سرا على قولين ~~للعلماء اصحهما لا يفطر سرا وهو مذهب مالك واحمد في المشهور في مذهبهما # وفيهما قول انه يفطر ms7412 سرا كالمشهور في مذهب أبي حنيفة PageV25P204 ~~والشافعى وقد روى ان رجلين في زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه رأيا هلال ~~شوال فأفطر احدهما ولم يفطر الآخر فلما بلغ ذلك عمر قال للذى افطر لولا ~~صاحبك لأوجعتك ضربا # والسبب في ذلك ان الفطر يوم يفطر الناس وهو يوم العيد والذي صامه المنفرد ~~برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذى نهى النبى عن صومه فانه نهى عن صوم يوم ~~الفطر ويوم النحر وقال ( أما أحدهما فيوم فطركم من صومكم واما الآخر فيوم ~~تأكلون فيه من نسككم ( فالذى نهى عن صومه هو اليوم الذى يفطره المسلمون ~~وينسك فيه المسلمون # وهذا يظهر بالمسألة الثانية فانه لو انفرد برؤية ذي الحجة لم يكن له ان ~~يقف قبل الناس في اليوم الذي هو في الظاهر الثامن وان كان بحسب رؤيته هو ~~التاسع وهذا لأن في انفراد الرجل في الوقوف والذبح من مخالفة الجماعة ما في ~~إظهاره للفطر # وأما صوم يوم التاسع في حق من رأى الهلال أو اخبره ثقتان انهما رأيا ~~الهلال وهو العاشر بحسب ذلك ولم يثبت ذلك عند العامة وهو العاشر بحسب ~~الرؤية الخفية فهذا يخرج على ما تقدم PageV25P205 # فمن امره بالصوم يوم الثلاثين الذى هو بحسب الرؤية الخفية من شوال ولم ~~يأمره بالفطر سرا سوغ له صوم هذا اليوم واستحبه لأن هذا هو يوم عرفة كما ان ~~ذلك من رمضان وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه السنة والاعتبار # ومن أمره بالفطر سرا لرؤيته نهاه عن صوم هذا اليوم عند هذا القائل كهلال ~~شوال الذي انفرد برؤيته # فإن قيل قد يكون الامام الذى فوض إليه اثبات الهلال مقصرا لرده شهادة ~~العدول إما لتقصيره في البحث عن عدالتهم واما رد شهادتهم لعداوة بينه ~~وبينهم أو غير ذلك من الاسباب التى ليست بشرعية أو لاعتماده على قول المنجم ~~الذي زعم انه لا يرى # قيل ما يثبت من الحكم لا يختلف الحال فيه بين الذي يؤتم به في رؤية ~~الهلال مجتهدا مصيبا كان أو مخطئا أو ms7413 مفرطا فانه اذا لم يظهر الهلال ويشتهر ~~بحيث يتحرى الناس فيه وقد ثبت في الصحيح ان النبى قال في الأئمة ( يصلون ~~لكم فان اصابوا فلكم ولهم وان اخطأوا فلكم وعليهم ( فخطؤه وتفريطه عليه لا ~~على المسلمين الذين لم يفرطوا ولم يخطئوا PageV25P206 # ولا ريب انه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة انه لا يجوز الاعتماد على ~~حساب النجوم كما ثبت عنه في الصحيحين انه قال ( انا امة امية لا نكتب ولا ~~نحسب صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ( # والمعتمد على الحساب في الهلال كما انه ضال في الشريعة مبتدع في الدين ~~فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب فان العلماء بالهيئة يعرفون ان الرؤية لا ~~تنضبط بأمر حسابى وانما غاية الحساب منهم اذا عدل ان يعرف كم بين الهلال ~~والشمس من درجة وقت الغروب مثلا لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة ~~فانها تختلف باختلاف حدة النظر وكلاله وارتفاع المكان الذى يتراءى فيه ~~الهلال وانخفاضه وباختلاف صفاء الجو وكدره وقد يراه بعض الناس لثمان درجات ~~وآخر لا يراه لثنتى عشر درجة ولهذا تنازع اهل الحساب في قوس الرؤية تنازعا ~~مضطربا وأئمتهم كبطليموس لم يتكلموا في ذلك بحرف لأن ذلك لا يقوم عليه دليل ~~حسابى # وإنما يتكلم فيه بعض متأخريهم مثل كوشيار الديلمي وامثاله لما رأوا ~~الشريعة علقت الاحكام بالهلال فرأوا الحساب طريقا تنضبط فيه PageV25P207 ~~الرؤية وليست طريقة مستقيمة ولا معتدلة بل خطؤها كثير وقد جرب وهم يختلفون ~~كثيرا هل يرى أم لا يرى # وسبب ذلك انهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب فأخطأوا طريق الصواب وقد ~~بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبينت ان ما جاء به الشرع الصحيح هو ~~الذى يوافقه العقل الصريح كما تكلمت على حد اليوم أيضا وبينت انه لا ينضبط ~~بالحساب لأن اليوم يظهر بسبب الأبخرة المتصاعدة # فمن أراد ان يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر إنما يصح كلامه لو كان الموجب ~~لظهور النور وخفائه مجرد محاذاة الأفق التى تعلم بالحساب # فأما إذا كان للأبخرة في ذلك تأثير والبخار يكون ms7414 في الشتاء والأرض الرطبة ~~اكثر مما يكون في الصيف والأرض اليابسة وكان ذلك لا ينضبط بالحساب فسدت ~~طريقة القياس الحسابى # ولهذا توجد حصة الفجر في زمان الشتاء اطول منها في زمان الصيف والآخذ ~~بمجرد القياس الحسابى يشكل عليه ذلك لأن حصة الفجر عنده تتبع النهار وهذا ~~ايضا مبسوط في موضعه والله سبحانه اعلم وصلى الله على محمد PageV25P208 ### |||| وسئل رحمه الله # عن المسافر في رمضان ومن يصوم ينكر عليه وينسب إلى الجهل ويقال له الفطر ~~أفضل وما هو مسافة القصر وهل اذا أنشأ السفر من يومه يفطر وهل يفطر السفار ~~من المكارية والتجار والجمال والملاح وراكب البحر وما الفرق بين سفر الطاعة ~~وسفر المعصية ### ||||| فأجاب # الحمد لله الفطر للمسافر جائز بإتفاق المسلمين سواء كان سفر حج أو ~~جهاد أو تجارة أو نحو ذلك من الأسفار التى لا يكرهها الله ورسوله # وتنازعوا في سفر المعصية كالذى يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك على قولين ~~مشهورين كما تنازعوا في قصر الصلاة # فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة فانه يجوز فيه الفطر مع القضاء ~~PageV25P209 باتفاق الأئمة # ويجوز الفطر للمسافر بإتفاق الأمة سواء كان قادرا على الصيام أو عاجزا ~~وسواء شق عليه الصوم أو لم يشق بحيث لو كان مسافرا في الظل والماء ومعه من ~~يخدمه جاز له الفطر والقصر # ومن قال ان الفطر لا يجوز إلا لمن عجز عن الصيام فانه يستتاب فان تاب ~~والا قتل وكذلك من أنكر على المفطر فانه يستتاب من ذلك # ومن قال إن المفطر عليه إثم فانه يستتاب من ذلك فان هذه الأحوال خلاف ~~كتاب الله وخلاف سنة رسول الله وخلاف اجماع الامة # وهكذا السنة للمسافر أنه يصلى الرباعية ركعتين والقصر افضل له من التربيع ~~عند الأئمة الأربعة كمذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعى في أصح قوليه # ولم تتنازع الامة في جواز الفطر للمسافر بل تنازعوا في جواز الصيام ~~للمسافر فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم في PageV25P210 السفر ~~كالمفطر في الحضر وأنه إذا صام لم يجزه بل عليه ms7415 ان يقضي ويروى هذا عن عبد ~~الرحمن بن عوف وابي هريرة وغيرهما من السلف وهو مذهب اهل الظاهر وفى ~~الصحيحين عن النبى انه قال ( ليس من البر الصوم في السفر ( لكن مذهب الأئمة ~~الأربعة انه يجوز للمسافر ان يصوم وان يفطر كما في الصحيحين عن انس قال ( ~~كنا نسافر مع النبى صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر ~~فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ( وقد قال الله تعالى ( ~~فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام أخر يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر ( وفى المسند عن النبى انه قال ( ان الله يحب ان يؤخذ برخصه ~~كما يكره ان تؤتى معصيته ( وفى الصحيح ان رجلا قال للنبى انى رجل اكثر ~~الصوم أفأصوم في السفر فقال ( ان أفطرت فحسن وان صمت فلا بأس ( وفى حديث ~~آخر ( خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون ( # واما مقدار السفر الذي يقصر فيه ويفطر فمذهب مالك والشافعي واحمد انه ~~مسيرة يومين قاصدين بسير الابل والاقدام وهو ستة عشر فرسخا كما بين مكة ~~وعسفان ومكة وجدة وقال أبو حنيفة مسيرة PageV25P211 ثلاثة أيام وقال طائفة ~~من السلف والخلف بل يقصر ويفطر في أقل من يومين وهذا قول قوي فانه قد ثبت ~~أن النبى كان يصلى بعرفة ومزدلفة ومنى يقصر الصلاة وخلفه اهل مكة وغيرهم ~~يصلون بصلاته لم يأمر أحدا منهم بإتمام الصلاة # وإذا سافر في أثناء يوم فهل يجوز له الفطر على قولين مشهورين للعلماء هما ~~روايتان عن أحمد # أظهرهما أنه يجوز ذلك كما ثبت في السنن ان من الصحابة من كان يفطر اذا ~~خرج من يومه ويذكر ان ذلك سنة النبى وقد ثبت في الصحيح عن النبى انه نوى ~~الصوم في السفر ثم انه دعا بماء فأفطر والناس ينظرون إليه # وأما اليوم الثانى فيفطر فيه بلا ريب وان كان مقدار سفره يومين في مذهب ~~جمهور الأئمة والامة # وأما اذا قدم المسافر في اثناء يوم ففى وجوب الامساك عليه ms7416 نزاع مشهور بين ~~العلماء لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك PageV25P212 ويفطر من عادته ~~السفر إذا كان له بلد يأوى إليه كالتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام وغيره من ~~السلع وكالمكارى الذي يكرى دوابه من الجلاب وغيرهم وكالبريد الذى يسافر في ~~مصالح المسلمين ونحوهم وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه # فأما من كان معه في السفينة امرأته وجميع مصالحه ولا يزال مسافرا فهذا لا ~~يقصر ولا يفطر # وأهل البادية كأعراب العرب والاكراد والترك وغيرهم الذين يشتون في مكان ~~ويصيفون في مكان اذا كانوا في حال ظعنهم من المشتى إلى المصيف ومن المصيف ~~إلى المشتى فانهم يقصرون واما اذا نزلوا بمشتاهم ومصيفهم لم يفطروا ولم ~~يقصروا وان كانوا يتتبعون المراعى والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن يكون مسافرا في رمضان ولم يصبه جوع ولا عطش ولا تعب فما الافضل له ~~الصيام أم الافطار PageV25P213 ### ||||| فأجاب # أما المسافر فيفطر بإتفاق المسلمين ~~وان لم يكن عليه مشقة والفطر له افضل وان صام جاز عند اكثر العلماء # ومنهم من يقول لا يجزئه ### |||| وسئل # عن إمام جماعة بمسجد مذهبه حنفى ذكر لجماعته ان عنده كتابا فيه ان الصيام ~~في شهر رمضان اذا لم ينو بالصيام قبل عشاء الآخرة أو بعدها أو وقت السحور ~~وإلا فماله في صيامه أجر فهل هذا صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله على كل مسلم يعتقد ان الصوم واجب عليه وهو يريد ان يصوم ~~شهر رمضان النية فاذا كان يعلم أن غدا من رمضان فلابد ان ينوى الصوم فان ~~النية محلها القلب وكل من علم ما يريد فلابد أن ينويه # والتكلم بالنية ليس واجبا باجماع المسلمين فعامة المسلمين انما يصومون ~~بالنية وصومهم صحيح بلا نزاع بين العلماء والله أعلم PageV25P214 ### |||| وسئل شيخ الاسلام # ما يقول سيدنا في صائم رمضان هل يفتقر كل يوم إلى نية أم لا ### ||||| فأجاب # كل من علم أن غدا من رمضان وهو يريد صومه فقد نوى صومه سواء تلفظ ~~بالنية أو لم يتلفظ وهذا فعل عامة المسلمين ms7417 كلهم ينوى الصيام ### |||| وسئل # عن غروب الشمس هل يجوز للصائم ان يفطر بمجرد غروبها ### ||||| فأجاب # اذا غاب جميع القرص افطر الصائم ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية ~~في الافق PageV25P215 # وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق كما قال النبى ( اذا اقبل ~~الليل من ها هنا وادبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ( ### |||| وسئل # عما إذا أكل بعد أذان الصبح في رمضان ماذا يكون ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما اذا كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر كما كان بلال ~~يؤذن قبل طلوع الفجر على عهد النبى وكما يؤذن المؤذنون في دمشق وغيرها قبل ~~طلوع الفجر فلا بأس بالأكل والشرب بعد ذلك بزمن يسير # وإن شك هل طلع الفجر أو لم يطلع فله ان يأكل ويشرب حتى يتبين الطلوع ~~ولوعلم بعد ذلك انه اكل بعد طلوع الفجر ففى وجوب القضاء نزاع # والأظهر أنه لا قضاء عليه وهو الثابت عن عمر وقال به طائفة PageV25P216 ~~من السلف والخلف والقضاء هو المشهور في مذهب الفقهاء الاربعة والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل كلما أراد ان يصوم اغمى عليه ويزبد ويخبط فيبقى اياما لا يفيق حتى ~~يتهم انه جنون ولم يتحقق ذلك منه ### ||||| فأجاب # الحمد لله ان كان الصوم يوجب له مثل هذا المرض فانه يفطر ويقضى فان ~~كان هذا يصيبه في أي وقت صام كان عاجزا عن الصيام فيطعم عن كل يوم مسكينا ~~والله اعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة حامل رأت شيئا شبه الحيض والدم مواظبها وذكر القوابل ان المرأة ~~تفطر لأجل منفعة الجنين ولم يكن بالمرأة الم فهل PageV25P217 يجوز لها ~~الفطر أم لا ### ||||| فأجاب # ان كانت الحامل تخاف على جنينها فانها تفطر وتقضى عن كل يوم يوما ~~وتطعم عن كل يوم مسكينا رطلا من خبز بأدمه والله أعلم PageV25P218 ### || 1 ( فصل فيما يفطر الصائم وما لا يفطره ) 1 # وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية # رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات ~~اعمالنا ms7418 من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد ان لا اله الا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما ! 8 < فصل # فيما يفطر الصائم وما لا يفطره # وهذا نوعان منه ما يفطر بالنص والاجماع وهو الاكل والشرب والجماع قال ~~تعالى ( فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم PageV25P219 وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم اتموا الصيام إلى ~~الليل ( فأذن في المباشرة فعقل من ذلك ان المراد الصيام من المباشرة والاكل ~~والشرب ولما قال أولا # ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ( كان معقولا عندهم ان ~~الصيام هو الامساك عن الاكل والشرب والجماع ولفظ ( الصيام ( كانوا يعرفونه ~~قبل الاسلام ويستعملونه كما في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها ( ان يوم ~~عاشوراء كان يوما تصومه قريش في الجاهلية ( # وقد ثبت عن غير واحد أنه قبل أن يفرض شهر رمضان أمر بصوم يوم عاشوراء ~~وأرسل مناديا ينادى بصومه فعلم أن مسمى هذا الإسم كان معروفا عندهم # وكذلك ثبت بالسنة واتفاق المسلمين ان دم الحيض ينافى الصوم فلا تصوم ~~الحائض لكن تقضى الصيام # وثبت بالسنة ايضا من حديث لقيط بن صبرة ان النبى قال له ( وبالغ في ~~الاستنشاق الا أن تكون صائما ( فدل على ان انزال الماء من الانف يفطر ~~الصائم وهو قول جماهير العلماء PageV25P220 وفى السنن حديثان ( أحدهما ( ~~حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله ( من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء وان استقاء فليقض ( وهذا ~~الحديث لم يثبت عند طائفة من اهل العلم بل قالوا هو من قول أبي هريرة قال ~~أبو داود سمعت أحمد بن حنبل قال ليس من ذا شيء قال الخطابى يريد ان الحديث ~~غير محفوظ وقال الترمذى سألت محمد بن إسماعيل البخارى عنه فلم يعرفه الا عن ~~عيسى بن يونس قال وما اراه محفوظا قال وروى ms7419 يحيى بن كثير عن عمر بن الحكم ~~ان أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطر الصائم # قال الخطابى وذكر أبو داود ان حفص بن غياث رواه عن هشام كما رواه عيسى بن ~~يونس قال ولا اعلم خلافا بين اهل العلم في ان من ذرعه القيء فإنه لا قضاء ~~عليه ولا في ان من استقاء عامدا فعليه القضاء ولكن إختلفوا في الكفارة فقال ~~عامة اهل العلم ليس عليه غير القضاء وقال عطاء عليه القضاء والكفارة وحكى ~~عن الأوزاعى وهو قول ابى ثور PageV25P221 ( قلت ) # وهو مقتضى احدى الروايتين عن أحمد في ايجابه الكفارة على المحتجم فانه ~~اذا اوجبها على المحتجم فعلى المستقيء اولى لكن ظاهر مذهبه ان الكفارة لا ~~تجب بغير الجماع كقول الشافعى # والذين لم يثبتوا هذا الحديث لم يبلغهم من وجه يعتمدونه وقد اشاروا إلى ~~علته وهو انفراد عيسى بن يونس وقد ثبت انه لم ينفرد به بل وافقه عليه حفص ~~بن غياث والحديث الاخير يشهد له وهو ما رواه أحمد واهل السنن كالترمذى عن ~~أبي الدرداء ( ان النبى قاء فافطر ( فذكرت ذلك لثوبان فقال صدق أنا صببت له ~~وضوءا لكن لفظ أحمد ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ ( رواه ~~أحمد عن حسين المعلم # قال الأثرم قلت لأحمد قد اضطربوا في هذا الحديث فقال حسين المعلم يجوده ~~وقال الترمذى حديث حسين أرجح شيء في هذا الباب وهذا قد استدل به على وجوب ~~الوضوء من القيء ولا يدل على ذلك فانه اذا أراد بالوضوء الوضوء الشرعى فليس ~~فيه الا انه توضأ والفعل المجرد لا يدل على الوجوب بل يدل على ان الوضوء من ~~ذلك مشروع فاذا قيل انه مستحب كان فيه عمل بالحديث PageV25P222 # وكذلك ما روى عن بعض الصحابة من الوضوء من الدم الخارج ليس في شيء منه ~~دليل على الوجوب بل يدل على الاستحباب وليس في الادلة الشرعية ما يدل على ~~وجوب ذلك كما قد بسط في موضعه بل قد روى الدارقطنى وغيره عن حميد عن انس ms7420 ~~قال احتجم رسول الله ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه ورواه بن الجوزي في ~~( حجة المخالف ( ولم يضعفه وعادته الجرح بما يمكن # وأما الحديث الذي يروى ( ثلاث لا تفطر القيء والحجامة والاحتلام ( وفى ~~لفظ ( لا يفطرن لا من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم ( فهذا اسناده الثابت ~~ما رواه الثوري وغيره عن زيد بن اسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من اصحاب ~~النبى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا رواه أبو داود وهذا الرجل ~~لا يعرف وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن اسلم عن أبيه عن عطاء عن ابى سعيد ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم لكن عبد الرحمن ضعيف عند اهل العلم بالرجال ( ~~قلت ) روايته عن زيد من وجهين مرفوعا لا يخالف روايته PageV25P223 المرسلة ~~بل يقويها والحديث ثابت عن زيد بن اسلم لكن هذا فيه ( اذا ذرعه القيء ( # وأما حديث الحجامة فاما ان يكون منسوخا واما ان يكون ناسخا لحديث بن عباس ~~( انه احتجم وهو محرم صائم ( ايضا ولعل فيه القيء ان كان متناولا للاستقاءة ~~هو ايضا منسوخ وهذا يؤيد ان النهى عن الحجامة هو المتأخر فانه اذا تعارض ~~نصان ناقل وباق على الاستصحاب فالناقل هو الراجح في انه الناسخ ونسخ احدهما ~~يقوى نسخ قرينه ورواه غير واحد عن زيد بن اسلم مرسلا وقال يحيى بن معين ~~حديث زيد بن اسلم ليس بشيء ولو قدر صحته لكان المراد من ذرعه القيء فانه ~~قرنه بالاحتلام ومن احتلم بغير اختياره كالنائم لم يفطر باتفاق الناس # واما من استمنى فأنزل فانه يفطر ولفظ الاحتلام انما يطلق على من احتلم في ~~منامه # وقد ظن طائفة ان القياس ان لا يفطر شيء من الخارج وان المستقيء انما افطر ~~لانه مظنة رجوع بعض الطعام وقالوا ان فطر الحائض على خلاف القياس وقد بسطنا ~~في الاصول انه ليس في الشريعة PageV25P224 شيء على خلاف القياس الصحيح # فإن قيل فقد ذكرتم ان من افطر عامدا بغير عذر كان فطره من الكبائر ms7421 وكذلك ~~من فوت صلاة النهار إلى الليل عامدا من غير عذر كان تفويته لها من الكبائر ~~وانها ما بقيت تقبل منه على اظهر قولي العلماء كمن فوت الجمعة ورمى الجمار ~~وغير ذلك من العبادات المؤقتة وهذا قد امره بالقضاء # وقد روى في حديث المجامع في رمضان انه امره بالقضاء قيل هذا انما امره ~~بالقضاء لأن الانسان انما يتقيأ لعذر كالمريض يتداوى بالقيء أو يتقيأ لانه ~~اكل ما فيه شبهة كما تقيأ أبو بكر من كسب المتكهن # وإذا كان المتقيئ معذورا كان ما فعله جائزا وصار من جملة المرضى الذين ~~يقضون ولم يكن من اهل الكبائر الذين افطروا بغير عذر واما امره للمجامع ~~بالقضاء فضعيف ضعفه غير واحد من الحفاظ وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحد امره بالقضاء ولو ~~كان امره بذلك لما اهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعى يجب بيانه ولما لم ~~PageV25P225 يأمره به دل على ان القضاء لم يبق مقبولا منه وهذا يدل على انه ~~كان متعمدا للفطر لم يكن ناسيا ولا جاهلا # والمجامع الناسي فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره ويذكر ثلاث روايات ~~عنه # أحدهما لا قضاء عليه ولا كفارة وهو قول الشافعى وابي حنيفة والاكثرين # والثانية عليه القضاء بلا كفارة وهو قول مالك # والثالثة عليه الأمران وهو المشهور عن أحمد # والاول أظهر كما قد بسط في موضعه فانه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة ان من ~~فعل محظورا مخطئا أو ناسيا لم يؤاخذه الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم ~~يفعله فلا يكون عليه اثم ومن لا اثم عليه لم يكن عاصيا ولا مرتكبا لما نهى ~~عنه وحينئذ فيكون قد فعل ما امر به ولم يفعل ما نهى عنه ومثل هذا لا يبطل ~~عبادته انما يبطل العبادات اذا لم يفعل ما امر به أو فعل ما حظر عليه # وطرد هذا أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا ناسيا ولا مخطئا لا ~~الجماع ms7422 ولا غيره وهو اظهر قولي الشافعى PageV25P226 # وأما الكفارة والفدية فتلك وجبت لانها بدل المتلف من جنس ما يجب ضمان ~~المتلف بمثله كما لو أتلفه صبى أو مجنون أو نائم ضمنه بذلك # وجزاء الصيد اذا وجب على الناسي والمخطئ فهو من هذا الباب بمنزلة دية ~~المقتول خطأ والكفارة الواجبة بقتله خطأ بنص القرآن واجماع المسلمين # واما سائر المحظورات فليست من هذا الباب وتقليم الاظفار وقص الشارب ~~والترفه المنافى للتفث كالطيب واللباس ولهذا كانت فديتها من جنس فدية ~~المحظورات ليست بمنزلة الصيد المضمون بالبدل فأظهر الاقوال في الناسي ~~والمخطئ اذا فعل محظورا ان لا يضمن من ذلك الا الصيد # وللناس فيه اقوال هذا احدها وهو قول اهل الظاهر # والثانى يضمن الجميع مع النسيان كقول ابى حنيفة واحدى الروايات عن أحمد ~~واختاره القاضي واصحابه # والثالث يفرق بين ما فيه اتلاف كقتل الصيد والحلق والتقليم وما ليس فيه ~~اتلاف كالطيب واللباس وهذا قول الشافعى واحمد في الرواية الثانية واختارها ~~طائفة من اصحابه وهذا القول اجود من PageV25P227 غيره لكن ازالة الشعر ~~والظفر ملحق باللباس والطيب لا بقتل الصيد هذا اجود # والرابع ان قتل الصيد خطأ لا يضمنه وهو رواية عن أحمد فخرجوا عليه الشعر ~~والظفر بطريق الاولى # وكذلك طرد هذا ان الصائم اذا اكل أو شرب أو جامع ناسيا أو مخطئا فلا قضاء ~~عليه وهو قول طائفة من السلف والخلف ومنهم من يفطر الناسى والمخطئ كمالك ~~وقال أبو حنيفة هذا هو القياس لكن خالفه لحديث أبي هريرة في الناسي ومنهم ~~من قال لا يفطر الناسي ويفطر المخطئ وهو قول أبي حنيفة والشافعى واحمد فأبو ~~حنيفة جعل الناسي موضع استحسان واما اصحاب الشافعى واحمد فقالوا النسيان لا ~~يفطر لانه لا يمكن الاحتراز منه بخلاف الخطأ فانه يمكنه ان لا يفطر حتى ~~يتيقن غروب الشمس وان يمسك اذا شك في طلوع الفجر # وهذا التفريق ضعيف والامر بالعكس فان السنة للصائم ان يعجل الفطر ويؤخر ~~السحور ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك الا بعد ms7423 ان يذهب ~~وقت طويل جدا يفوت مع المغرب PageV25P228 ويفوت معه تعجيل الفطور والمصلى ~~مأمور بصلاة المغرب وتعجيلها فاذا غلب على ظنه غروب الشمس امر بتأخير ~~المغرب إلى حد اليقين فربما يؤخرها حتى يغيب الشفق وهو لا يستيقن غروب ~~الشمس # وقد جاء عن إبراهيم النخعى وغيره من السلف وهو مذهب ابى حنيفة انهم كانوا ~~يستحبون في الغيم تاخير المغرب وتعجيل العشاء وتأخير الظهر وتقديم العصر ~~وقد نص على ذلك أحمد وغيره وقد علل ذلك بعض أصحابه بالاحتياط لدخول الوقت ~~وليس كذلك فان هذا خلاف الاحتياط في وقت العصر والعشاء وانما سن ذلك لأن ~~هاتين الصلاتين يجمع بينهما للعذر وحال الغيم حال عذر فأخرت الاولى من ~~صلاتى الجمع وقدمت الثانية لمصلحتين # إحداهما التخفيف عن الناس حتى يصلوها مرة واحدة لاجل خوف المطر كالجمع ~~بينهما مع المطر # والثانية ان يتيقن دخول وقت المغرب وكذلك يجمع بين الظهر والعصر على اظهر ~~القولين وهو احدى الروايتين عن أحمد ويجمع بينهما للوحل الشديد والريح ~~الشديدة الباردة ونحو ذلك في اظهر قولى العلماء وهو قول مالك واظهر القولين ~~في مذهب احمد PageV25P229 # الثانى ان الخطأ في تقديم العصر والعشاء اولى من الخطأ في تقديم الظهر ~~والمغرب فإن فعل هاتين قبل الوقت لا يجوز بحال بخلاف تينك فانه يجوز فعلهما ~~في وقت الظهر والمغرب لان ذلك وقت لهما حال العذر وحال الاشتباه حال عذر ~~فكان الجمع بين الصلاتين مع الاشتباه أولى من الصلاة مع الشك # وهذا فيه ما ذكره أصحاب المأخذ الاول من الاحتياط لكنه احتياط مع تيقن ~~الصلاة في الوقت المشترك الا ترى ان الفجر لم يذكروا فيها هذا الاستحباب ~~ولا في العشاء والعصر ولو كان لعلم خوف الصلاة قبل الوقت لطرد هذا في الفجر ~~ثم يطرد في العصر والعشاء # وقد جاء الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم بالتبكير بالعصر في يوم ~~الغيم فقال ( بكروا بالصلاة في يوم الغيم فانه من ترك صلاة العصر فقد حبط ~~عمله ( فان قيل فاذا كان يستحب ان يؤخر المغرب مع الغيم ms7424 فكذلك يؤخر الفطور ~~قيل إنما يستحب تأخيرها مع تقديم العشاء بحيث يصليهما قبل مغيب الشفق فأما ~~تأخيرها إلى ان يخاف مغيب الشفق فلا يستحب ولا يستحب تأخير الفطور إلى هذه ~~الغاية # ولهذا كان الجمع المشروع مع المطر هو جمع التقديم في وقت PageV25P230 ~~المغرب ولا يستحب ان يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق بل هذا حرج عظيم ~~على الناس وانما شرع الجمع لئلا يحرج المسلمون # وأيضا فليس التأخير والتقديم المستحب ان يفعلهما مقترنتين بل ان يؤخر ~~الظهر ويقدم العصر ولو كان بينهما فصل في الزمان وكذلك في المغرب والعشاء ~~بحيث يصلون الواحدة وينتظرون الاخرى لا يحتاجون إلى ذهاب إلى البيوت ثم ~~رجوع وكذلك جواز الجمع لا يشترط له الموالاة في اصح القولين كما قد ذكرناه ~~في غير هذا الموضع # وأيضا فقد ثبت في صحيح البخارى عن اسماء بنت أبي بكر قالت ( افطرنا يوما ~~من رمضان في غيم على عهد رسول الله ثم طلعت الشمس ( وهذا يدل على شيئين على ~~انه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى ان يتيقن الغروب فانهم لم يفعلوا ذلك ~~ولم يأمرهم به النبى والصحابة مع نبيهم اعلم واطوع لله ولرسوله ممن جاء ~~بعدهم # ( والثانى ) لا يجب القضاء فان النبى لو امرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل ~~فطرهم فلما لم ينقل ذلك دل على انه لم يأمرهم به # فان قيل فقد قيل لهشام بن عروة امروا بالقضاء قال أو بد من القضاء ~~PageV25P231 # قيل هشام قال ذلك برأيه لم يرو ذلك في الحديث ويدل على انه لم يكن عنده ~~بذلك علم ان معمرا روى عنه قال سمعت هشاما قال لا ادرى اقضوا أم لا ذكر هذا ~~وهذا عنه البخارى والحديث رواه عن امه فاطمة بنت المنذر عن اسماء # وقد نقل هشام عن أبيه عروة انهم لم يؤمروا بالقضاء وعروة أعلم من إبنه # وهذا قول إسحاق بن راهويه وهو قرين أحمد بن حنبل ويوافقه في المذهب أصوله ~~وفروعه وقولهما كثيرا ما يجمع بينه والكوسج سأل مسائله لاحمد واسحاق وكذلك ~~حرب ms7425 الكرمانى سأل مسائله لاحمد واسحاق وكذلك غيرهما ولهذا يجمع الترمذى قول ~~أحمد واسحاق فانه روى قولهما من مسائل الكوسج # وكذلك أبو زرعة وابو حاتم وبن قتيبة وغير هؤلاء من أئمة السلف والسنة ~~والحديث وكانوا يتفقهون على مذهب أحمد وإسحاق يقدمون قولهما على اقوال ~~غيرهما وأئمة الحديث كالبخارى ومسلم والترمذى والنسائى وغيرهم هم أيضا من ~~أتباعهما وممن يأخذ العلم والفقه عنهما وداود من أصحاب إسحاق # وقد كان أحمد بن حنبل اذا سئل عن إسحاق يقول انا أسئل PageV25P232 عن ~~إسحاق إسحاق يسئل عنى # والشافعى واحمد بن حنبل واسحاق وابو عبيد وأبو ثور ومحمد بن نصر المروزى ~~وداود بن علي ونحو هؤلاء كلهم فقهاء الحديث رضى الله عنهم اجمعين # وأيضا فان الله قال في كتابه ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض ~~من الخيط الاسود من الفجر ( وهذه الآية مع الاحاديث الثابتة عن النبى تبين ~~انه مأمور بالأكل إلى ان يظهر الفجر فهو مع الشك في طلوعه مأمور بالأكل كما ~~قد بسط في موضعه ### ||| فصل # وأما الكحل والحقنة وما يقطر في احليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا ~~مما تنازع فيه اهل العلم فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك ومنهم من فطر ~~بالجميع لا بالكحل ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير ومنهم من لم يفطر ~~بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك PageV25P233 والأظهر أنه لا يفطر ~~بشيء من ذلك فان الصيام من دين المسلمين الذى يحتاج إلى معرفته الخاص ~~والعام فلو كانت هذه الامور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم ~~بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه ~~الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل أحد من اهل العلم عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك لا حديثا صحيحا ولا ضعيفا ولا مسندا ولا مرسلا علم ~~انه لم يذكر شيئا من ذلك والحديث المروى في الكحل ضعيف رواه أبو داود في ~~السنن ولم يروه غيره ولا هو في مسند أحمد ولا سائر الكتب المعتمدة ms7426 قال أبو ~~داود حدثنا النفيلي ثنا علي بن ثابت حدثنى عبد الرحمن بن النعمان ثنا معبد ~~بن هودة عن أبيه عن جده عن النبى ( انه أمر بالأثمد المروح عند النوم وقال ~~ليتقه الصائم ( قال أبو داود وقال يحيى بن معين هذا حديث منكر قال المنذرى ~~وعبد الرحمن قال يحيى بن معين ضعيف وقال أبو حاتم الرازى هو صدوق لكن من ~~الذى يعرف أباه وعدالته وحفظه # وكذلك حديث معبد قد عورض بحديث ضعيف وهو ما رواه الترمذى بسنده عن انس بن ~~مالك قال جاء رجل إلى النبى صلى PageV25P234 الله عليه وسلم فقال اشتكيت ~~عيني أفأكتحل وانا صائم قال ( نعم ( قال الترمذى ليس بالقوى ولا يصح عن ~~النبى في هذا الباب شيء وفيه أبو عاتكة قال البخارى منكر الحديث # والذين قالوا ان هذه الامور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم ~~يكن معهم حجة عن النبى وانما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس واقوى ما احتجوا ~~به قوله ( وبالغ في الاستنشاق الا ان تكون صائما ( قالوا فدل ذلك على ان ما ~~وصل إلى الدماغ يفطر الصائم اذا كان بفعله وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه ~~بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو ~~جوفه # والذين إستثنوا التقطير قالوا التقطير لا ينزل إلى جوفه وانما يرشح رشحا ~~فالداخل إلى احليله كالداخل إلى فمه وأنفه # والذين استثنوا الكحل قالوا العين ليست كالقبل والدبر ولكن هي تشرب الكحل ~~كما يشرب الجسم الدهن والماء # والذين قالوا الكحل يفطر قالوا انه ينفذ إلى داخله حتى يتنخمه ~~PageV25P235 الصائم لأن في داخل العين منفذا إلى داخل الحلق # وإذا كان عمدتهم هذه الاقيسة ونحوها لم يجز افساد الصوم بمثل هذه الأقيسة ~~لوجوه ( # أحدها ( ان القياس وان كان حجة اذا اعتبرت شروط صحته فقد قلنا في الاصول ~~ان الاحكام الشرعية كلها بينتها النصوص ايضا وان دل القياس الصحيح على مثل ~~ما دل عليه النص دلالة خفية فاذا علمنا بان الرسول لم يحرم الشيء ولم ms7427 يوجبه ~~علمنا انه ليس بحرام ولا واجب وان القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد ونحن ~~نعلم انه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الافطار بهذه الاشياء التى ذكرها ~~بعض اهل الفقه فعلمنا انها ليست مفطرة # ( الثانى ) ان الاحكام التى تحتاج الامة إلى معرفتها لابد ان يبينها ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولابد ان تنقلها الأمة فاذا انتفى ~~هذا علم ان هذا ليس من دينه وهذا كما يعلم انه لم يفرض صيام شهر غير رمضان ~~ولا حج بيت غير البيت الحرام ولا صلاة مكتوبة غير الخمس # ولم يوجب الغسل في مباشرة المرأة بلا انزال ولا اوجب الوضوء من الفزع ~~العظيم وان كان في مظنة خروج الخارج ولا سن PageV25P236 الركعتين بعد ~~الطواف بين الصفا والمروة كما سن الركعتين بعد الطواف بالبيت وبهذا يعلم ان ~~المنى ليس بنجس لانه لم ينقل عن أحد باسناد يحتج به انه امر المسلمين بغسل ~~ابدانهم وثيابهم من المني مع عموم البلوى بذلك بل امر الحائض ان تغسل ~~قميصها من دم الحيض مع قلة الحاجة إلى ذلك ولم يأمر المسلمين بغسل ابدانهم ~~وثيابهم من المنى # والحديث الذى يرويه بعض الفقهاء ( يغسل الثوب من البول والغائط والمني ~~والمذى والدم ( ليس من كلام النبى وليس في شيء من كتب الحديث التى يعتمد ~~عليها ولا رواه أحد من اهل العلم بالحديث باسناد يحتج به وانما روى عن عمار ~~وعائشة من قولهما # وغسل عائشة للمني من ثوبه وفركها اياه لا يدل على وجوب ذلك فان الثياب ~~تغسل من الوسخ والمخاط والبصاق والوجوب انما يكون بامره لا سيما ولم يأمر ~~هو سائر المسلمين بغسل ثيابهم من ذلك ولا نقل انه امر عائشة بذلك بل اقرها ~~على ذلك فدل على جوازه أو حسنه واستحبابه PageV25P237 # وأما الوجوب فلابد له من دليل # وبهذه الطرق يعلم ايضا انه لم يوجب الوضوء من لمس النساء ولا من النجاسات ~~الخارجة من غير السبيلين فإنه لم ينقل أحد عنه باسناد يثبت مثله انه امر ~~بذلك مع العلم بان ms7428 الناس كانوا لا يزالون يحتجمون ويتقيئون ويجرحون في ~~الجهاد وغير ذلك وقد قطع عرق بعض أصحابه ليخرج منه الدم وهو الفصاد ولم ~~ينقل عنه مسلم انه امر اصحابه بالتوضؤ من ذلك # وكذلك الناس لا يزال احدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة ولم ينقل عنه ~~مسلم انه امر الناس بالتوضؤ من ذلك والقرآن لا يدل على ذلك بل المراد ~~بالملامسة الجماع كما بسط في موضعه وامره بالوضوء من مس الذكر انما هو ~~استحباب اما مطلقا واما اذا حرك الشهوة وكذلك يستحب لمن لمس النساء فتحركت ~~شهوته ان يتوضأ وكذلك من تفكر فتحركت شهوته فانتشر وكذلك من مس الامرد أو ~~غيره فانتشر # فالتوضؤ عند تحرك الشهوة من جنس التوضؤ عند الغضب وهذا مستحب لما في ~~السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( ان PageV25P238 الغضب من ~~الشيطان وان الشيطان من النار وانما تطفأ النار بالماء فاذا غضب احدكم ~~فليتوضأ ( وكذلك الشهوة الغالبة هي من الشيطان والنار والوضوء يطفئها فهو ~~يطفئ حرارة الغضب والوضوء من هذا مستحب وكذلك امره بالوضوء مما مسته النار ~~امر استحباب لان ما مسته النار يخالط البدن فليتوضأ فان النار تطفأ بالماء ~~وليس في النصوص ما يدل على انه منسوخ بل النصوص تدل على انه ليس بواجب ~~وإستحباب الوضوء من اعدل الاقوال من قول من يوجبه وقول من يراه منسوخا وهذا ~~أحد القولين في مذهب أحمد وغيره # وكذلك بهذه الطريق يعلم ان بول ما يؤكل لحمه وروثه ليس بنجس فان هذا مما ~~تعم به البلوى والقوم كانوا أصحاب إبل وغنم يقعدون ويصلون في أمكنتها وهى ~~مملوءة من ابعارها فلو كانت بمنزلة المراحيض كانت تكون حشوشا وكان النبى ~~يأمرهم باجتنابها وان لا يلوثوا ابدانهم وثيابهم بها ولا يصلون فيها # فكيف وقد ثبتت الأحاديث بأن النبى واصحابه كانوا يصلون في مرابض الغنم ~~وامر بالصلاة في مرابض الغنم ونهى PageV25P239 عن الصلاة في معاطن الابل ~~فعلم ان ذلك ليس لنجاسة الأبعار بل كما امر بالتوضؤ من لحوم الابل وقال في ~~الغنم ان ms7429 شئت فتوضأ وان شئت فلا تتوضأ ( وقال ( ان الابل خلقت من جن وان ~~على ذروة كل بعير شيطانا ( وقال ( الفخر والخيلاء في الفدادين اصحاب الابل ~~والسكينة في اهل الغنم ( # فلما كانت الابل فيها من الشيطنة ما لا يحبه الله ورسوله امر بالتوضؤ من ~~لحمها فان ذلك يطفئ تلك الشيطنة ونهى عن الصلاة في اعطانها لأنها مأوى ~~الشياطين كما نهى عن الصلاة في الحمام لأنها مأوى الشياطين # فإن مأوى الارواح الخبيثة احق بان تجتنب الصلاة فيه وفى موضع الاجسام ~~الخبيثة بل الارواح الخبيثة تحب الاجسام الخبيثة # ولهذا كانت الحشوش محتضرة تحضرها الشياطين والصلاة فيها اولى بالنهى من ~~الصلاة في الحمام ومعاطن الابل والصلاة على الأرض النجسة ولم يرد في الحشوش ~~نص خاص لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين ان يحتاج إلى بيان ولهذا لم ~~يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش ولا يصلى فيها وكانوا ينتابون البرية ~~لقضاء حوائجهم PageV25P240 قبل ان تتخذ الكنف في بيوتهم # وإذا سمعوا نهيه عن الصلاة في الحمام أو اعطان الابل علموا ان النهى عن ~~الصلاة في الحشوش اولى واحرى مع انه قد روى الحديث الذى فيه ( النهي عن ~~الصلاة في المقبرة والمجزرة والمزبلة والحشوش وقارعة الطريق ومعاطن الابل ~~وظهر بيت الله الحرام ( # وأصحاب الحديث متنازعون فيه واصحاب أحمد فيه على قولين منهم من يرى هذه ~~من مواضع النهى ومنهم من يقول لم اجد في هذا الحديث ولم أجد في كلام أحمد ~~في ذلك اذنا ولا منعا مع انه قد كره الصلاة في مواضع العذاب نقله عنه ابنه ~~عبد الله للحديث المسند في ذلك عن علي الذى رواه أبو داود وانما نص على ~~الحشوش واعطان الابل والحمام وهذه الثلاثة هي التى ذكرها الخرقي وغيره ~~والحكم في ذلك عند من يقول به قد يثبته بالقياس على موارد النص وقد يثبته ~~بالحديث ومن فرق يحتاج إلى الطعن في الحديث وبيان الفارق وأيضا المنع قد ~~يكون منع كراهة وقد يكون منع تحريم # وإذا كانت الاحكام التى تعم بها البلوى ms7430 لابد ان يبينها الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بيانا عاما ولابد ان تنقل الامة ذلك # فمعلوم PageV25P241 أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن ~~والاغتسال والبخور والطيب فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبى صلى الله عليه ~~وسلم كما بين الافطار بغيره فلما لم يبين ذلك علم انه من جنس الطيب والبخور ~~والدهن والبخور قد يتصاعد إلى الانف ويدخل في الدماغ وينعقد اجساما والدهن ~~يشربه البدن ويدخل إلى داخله ويتقوى به الانسان وكذلك يتقوى بالطيب قوة ~~جيدة فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطييبه وتبخيره وإدهانه وكذلك ~~اكتحاله # وقد كان المسلمون في عهده يجرح احدهم اما في الجهاد واما في غيره مأمومة ~~وجائفة فلو كان هذا يفطر لبين لهم ذلك فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم انه ~~لم يجعله مفطرا # ( # الوجه الثالث ( اثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى ان يكون القياس صحيحا ~~وذلك اما قياس علة باثبات الجامع واما بإلغاء الفارق فاما ان يدل دليل على ~~العلة في الاصل فيعدى بها إلى الفرع واما ان يعلم ان لا فارق بينهما من ~~الأوصاف المعتبرة في الشرع وهذا القياس هنا منتف # وذلك انه ليس في الادلة ما يقتضى ان المفطر الذى جعله الله PageV25P242 ~~ورسوله مفطرا هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن أو ما كان داخلا من منفذ أو ~~واصلا إلى الجوف ونحو ذلك من المعانى التى يجعلها اصحاب هذه الاقاويل هي ~~مناط الحكم عند الله ورسوله ويقولون ان الله ورسوله انما جعل الطعام ~~والشراب مفطرا لهذا المعنى المشترك من الطعام والشراب ومما يصل إلى الدماغ ~~والجوف من دواء المأمومة والجائفة وما يصل إلى الجوف من الكحل ومن الحقنة ~~والتقطير في الاحليل ونحو ذلك # واذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحكم بهذا الوصف دليل كان قول القائل ~~ان الله ورسوله انما جعلا هذا مفطرا لهذا قولا بلا علم وكان قوله ( ان الله ~~حرم على الصائم ان يفعل هذا ( قولا بان هذا حلال وهذا حرام بلا ms7431 علم وذلك ~~يتضمن القول على الله بما لا يعلم وهذا لا يجوز # ومن اعتقد من العلماء ان هذا المشترك مناط الحكم فهو بمنزلة من اعتقد صحة ~~مذهب لم يكن صحيحا أو دلالة لفظ على معنى لم يرده الرسول وهذا اجتهاد ~~يثابون عليه ولا يلزم ان يكون قولا بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها ~~PageV25P243 # الوجه الرابع ( ان القياس انما يصح اذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم ~~اذا سبرنا اوصاف الأصل فلم يكن فيها ما يصلح للعلة الا الوصف المعين وحيث ~~اثبتنا علة الاصل بالمناسبة أو الدوران أو الشبه المطرد عند من يقول به ~~فلابد من السبر فاذا كان في الاصل وصفان مناسبان لم يجز ان يقول الحكم بهذا ~~دون هذا # ومعلوم أن النص والاجماع اثبتا الفطر بالاكل والشرب والجماع والحيض ~~والنبى قد نهى المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق اذا كان صائما وقياسهم على ~~الاستنشاق اقوى حججهم كما تقدم وهو قياس ضعيف وذلك لأن من نشق الماء ~~بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه والى جوفه فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه ~~ويغذى بدنه من ذلك الماء ويزول العطش ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب ~~الماء فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل ان هذا من جنس الشرب فانهما لا ~~يفترقان الا في دخول الماء من الفم وذلك غير معتبر بل دخول الماء إلى الفم ~~وحده لا يفطر فليس هو مفطرا ولا جزءا من المفطر لعدم تأثيره بل هو طريق إلى ~~الفطر وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة فان الكحل لا ~~يغذى البتة ولا يدخل أحد كحلا إلى جوفه لا من انفه ولا فمه PageV25P244 ~~وكذلك الحقنة لا تغذى بل تستفرغ ما في البدن كما لو شم شيئا من المسهلات أو ~~فزع فزعا اوجب استطلاق جوفه وهي لا تصل إلى المعدة # والدواء الذى يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل ~~اليها من غذائه والله سبحانه قال ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم ( وقال ms7432 صلى الله عليه وسلم ( الصوم جنة ( وقال ( ان الشيطان يجري من ~~بن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم ( # فالصائم نهي عن الاكل والشرب لأن ذلك سبب التقوى فترك الاكل والشرب الذي ~~يولد الدم الكثير الذي يجرى فيه الشيطان انما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ~~ولا كحل ولا ما يقطر في الذكر ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة وهو متولد ~~عما استنشق من الماء لأن الماء مما يتولد منه الدم فكان المنع منه من تمام ~~الصوم # فاذا كانت هذه المعانى وغيرها موجودة في الاصل الثابت بالنص والاجماع ~~فدعواهم ان الشارع علق الحكم بما ذكروه من الاوصاف PageV25P245 معارض بهذه ~~الاوصاف والمعارضة تبطل كل نوع من الاقيسة ان لم يتبين ان الوصف الذي ادعوه ~~هو العلة دون هذا # ( # الوجه الخامس ( انه ثبت بالنص والاجماع منع الصائم من الاكل والشرب ~~والجماع وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( ان الشيطان يجري من ~~بن آدم مجرى الدم ( ولا ريب ان الدم يتولد من الطعام والشراب واذا اكل أو ~~شرب اتسعت مجاري الشياطين ولهذا قال ( فضيقوا مجاريه بالجوع ( وبعضهم يذكر ~~هذا اللفظ مرفوعا ولهذا قال النبى ( اذا دخل رمضان فتحت ابواب الجنة وغلقت ~~ابواب النار وصفدت الشياطين ( فان مجاري الشياطين الذي هو الدم ضاقت واذا ~~ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التى بها تفتح ابواب الجنة والى ترك ~~المنكرات التى بها تفتح ابواب النار وصفدت الشياطين فضعفت قوتهم وعملهم ~~بتصفيدهم فلم يستطيعوا ان يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره ~~ولم يقل انهم قتلوا ولا ماتوا بل قال ( صفدت ( والمصفد من الشياطين قد يؤذي ~~لكن هذا اقل وأضعف مما يكون في غير رمضان فهو بحسب كمال الصوم ونقصه فمن ~~كان صومه كاملا دفع الشيطان دفعا لا يدفعه دفع الصوم الناقص فهذه المناسبة ~~ظ 4 اهرة في منع الصائم من الاكل PageV25P246 والشرب والحكم ثابت على وفقه ~~وكلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف وتأثيره وهذا المنع منتف في ~~الحقنة ms7433 والكحل وغير ذلك ( # فان قيل ) بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دما قيل هذا كما قد يقال ~~في البخار الذي يصعد من الانف إلى الدماغ فيستحيل دما وكالدهن الذي يشربه ~~الجسم والممنوع منه انما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دما ويتوزع على ~~البدن # ونجعل هذا ( وجها سادسا ( فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور ~~والدهن ونحو ذلك لجامع ما يشتركان فيه من ان ذلك ليس مما يتغذي به البدن ~~ويستحيل في المعدة دما وهذا الوصف هو الذي اوجب ان لا تكون هذه الامور ~~مفطرة وهذا موجود في محل النزاع والفرع قد يتجاذبه أصلان فيلحق كلا منهما ~~بما يشبهه من الصفات # فإن قيل هذا تطبخه المعدة ويستحيل دما ينمو عنه البدن لكنه غذاء ناقص فهو ~~كما لو اكل سما أو نحوه مما يضره وهو بمنزلة من PageV25P247 اكل اكلا كثيرا ~~اورثه تخمة ومرضا فكان منعه في الصوم عن هذا اوكد لانه ممنوع عنه في ~~الافطار وبقي الصوم اوكد وهذا كمنعه من الزنى فانه اذا منع من الوطء المباح ~~فالمحظور أولى # فإن قيل فالجماع مفطر وهذه العلة منتفية فيه ( # قيل ) تلك أحكام ثابتة بالنص والاجماع فلا يحتاج اثباتها إلى القياس بل ~~يجوز ان تكون العلل مختلفة فيكون تحريم الطعام والشراب والفطر بذلك لحكمة ~~وتحريم الجماع والفطر به لحكمة والفطر بالحيض لحكمة فان الحيض لا يقال فيه ~~انه يحرم وهذا لان المفطرات بالنص والاجماع لما انقسمت إلى امور اختيارية ~~تحرم على العبد كالأكل والجماع والى امور لا اختيار له فيها كدم الحيض كذلك ~~تنقسم عللها # فنقول اما الجماع فانه بإعتبار انه سبب انزال المني يجري مجري الاستقاءة ~~والحيض والاحتجام كما سنبينه ان شاء الله تعالى فانه من نوع الاستفراغ لا ~~الامتلاء كالأكل والشرب ومن جهة انه احدى الشهوتين فجرى مجرى الأكل والشرب ~~قد قال النبى في الحديث الصحيح عن الله تعالى ( قال الصوم لي وانا اجزي ~~PageV25P248 به يدع شهوته وطعامه من اجلى ( فترك الانسان ما يشتهيه لله هو ~~عبادة مقصودة يثاب عليها ms7434 كما يثاب المحرم على ترك ما اعتاده من اللباس ~~والطيب ونحو ذلك من نعيم البدن والجماع من أعظم نعيم البدن وسرور النفس ~~وانبساطها هو يحرك الشهوة والدم والبدن اكثر من الاكل فاذا كان الشيطان ~~يجرى من بن آدم مجرى الدم والغذاء يبسط الدم الذي هو مجاريه فاذا اكل أو ~~شرب انبسطت نفسه إلى الشهوات وضعفت ارادتها ومحبتها للعبادات فهذا المعنى ~~في الجماع ابلغ فانه يبسط ارادة النفس للشهوات ويضعف ارادتها عن العبادات ~~اعظم بل الجماع هو غاية الشهوات وشهوته اعظم من شهوة الطعام والشراب ولهذا ~~أوجب على المجامع كفارة الظهار فوجب عليه العتق أو ما يقوم مقامه بالسنة ~~والاجماع لان هذا اغلظ وداعيه أقوى والمفسدة به اشد فهذا اعظم الحكمتين في ~~تحريم الجماع # وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ فذاك حكمة اخرى فصار فيهما كالا كل ~~والحيض وهو في ذلك ابلغ منهما فكان افساده الصوم اعظم من افساد الاكل ~~والحيض # فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس فنقول ان الشرع جاء بالعدل ~~في كل شيء والاسراف في العبادات من الجور PageV25P249 الذى نهى عنه الشارع ~~وامر بالاقتصاد في العبادات ولهذا امر بتعجيل الفطر وتاخير السحور ونهى عن ~~الوصال وقال ( افضل الصيام واعدل الصيام صيام داود عليه السلام كان يصوم ~~يوما ويفطر يوما ولا يفر اذا لاقى ( فالعدل في العبادات من اكبر مقاصد ~~الشارع ولهذا قال تعالى ( يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله ~~لكم ) الاية فجعل تحريم الحلال من الاعتداء المخالف للعدل وقال تعالى ( ~~فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا واخذهم الربا وقد نهوا عنه ) فلما كانوا ظالمين عوقبوا بان حرمت ~~عليهم الطيبات بخلاف الامة الوسط العدل فانه احل لهم الطيبات وحرم عليهم ~~الخبائث # وإذا كان كذلك فالصائم قد نهى عن اخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب ~~فينهى عن اخراج ما يضعفه ويخرج مادته التى بها يتغذى والا فاذا مكن من هذا ~~ضره وكان متعديا في عبادته لا عادلا ms7435 # والخارجات نوعان نوع يخرج لا يقدر على الاحتراز منه أو على وجه لا يضره ~~فهذا لا يمنع منه كالاخبثين فإن خروجهما لا يضره ولا يمكنه الاحتراز منه ~~ايضا ولو استدعى خروجهما فان خروجهما لا يضره بل ينفعه وكذلك اذا ذرعه ~~القيء لا يمكنه الاحتراز منه وكذلك الاحتلام PageV25P250 في المنام لا ~~يمكنه الاحتراز منه واما اذا استقاء فالقيء يخرج ما يتغذى به من الطعام ~~والشراب المستحيل في المعدة وكذلك الاستمناء مع ما فيه من الشهوة فهو يخرج ~~المني الذي هو مستحيل في المعدة عن الدم فهو يخرج الدم الذى يتغذى به ولهذا ~~كان خروج المني اذا افرط فيه يضر الانسان ويخرج احمر # والدم الذي يخرج بالحيض فيه خروج الدم والحائض يمكنها ان تصوم في غير ~~اوقات الدم في حال لا يخرج فيها دمها فكان صومها في تلك الحال صوما معتدلا ~~لا يخرج فيه الدم الذى يقوى البدن الذي هو مادته وصومها في الحيض يوجب ان ~~يخرج فيه دمها الذى هو مادتها ويوجب نقصان بدنها وضعفها وخروج صومها عن ~~الاعتدال فأمرت ان تصوم في غير اوقات الحيض # بخلاف المستحاضة فان الاستحاضة تعم اوقات الزمان وليس لها وقت تؤمر فيه ~~بالصوم وكان ذلك لا يمكن الاحتراز منه كذرع القيء وخروج الدم بالجراح ~~والدمامل والاحتلام ونحو ذلك مما ليس له وقت محدد يمكن الاحتراز منه فلم ~~يجعل هذا منافيا للصوم كدم الحيض PageV25P251 # وطرد هذا اخراج الدم بالحجامة والفصاد ونحو ذلك # فإن العلماء متنازعون في الحجامة هل تفطر الصائم أم لا والاحاديث الواردة ~~عن النبى في قوله ( أفطر الحاجم والمحجوم ( كثيرة قد بينها الائمة الحفاظ # وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم وكان منهم من لا يحتجم الا ~~بالليل وكان اهل البصرة اذا دخل شهر رمضان أغلقوا حوانيت الحجامين والقول ~~بأن الحجامة تفطر مذهب اكثر فقهاء الحديث كاحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه ~~وبن خزيمة وبن المنذر وغيرهم # وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به اخص الناس باتباع محمد والذين لم ~~يروا افطار المحجوم احتجوا ms7436 بما ثبت في الصحيح ( أن النبى احتجم وهو صائم ~~محرم ( واحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة وهي قوله ( وهو صائم ( وقالوا ~~الثابت انه احتجم وهو محرم قال أحمد قال يحيى بن سعيد قال شعبة لم يسمع ~~الحكم حديث مقسم في الحجامة للصائم يعنى حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن بن ~~عباس ( ان النبى احتجم وهو صائم محرم PageV25P252 # قال مهنا سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن بن عباس ~~( ان النبى احتجم وهو صائم محرم ( فقال ليس بصحيح وقد انكره يحيى بن سعيد ~~الانصارى قال الاثرم سمعت أبا عبد الله رد هذا الحديث فضعفه وقال كانت كتب ~~الأنصارى ذهبت في أيام المنتصر فكان بعد يحدث من كتب غلامه وكان هذا من تلك # وقال مهنا سألت أحمد عن حديث قبيصة عن سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ~~بن عباس الخ فقال هو خطأ من قبل قبيصة وسالت يحيى عن قبيصة فقال رجل صدق ~~والحديث الذى يحدث به عن سفيان عن سعيد خطأ من قبله # قال مهنا سألت أحمد عن حديث بن عباس ( ان النبى صلى الله عليه وسلم احتجم ~~وهو محرم صائم ( فقال ليس فيه ( صائم ( انما هو ( محرم ( ذكره سفيان عن ~~عمرو بن دينار عن طاوس عن بن عباس ( احتجم النبى على رأسه وهو محرم ( وعن ~~طاوس وعطاء مثله عن بن عباس وعن عبد الرزاق عن معمرعن بن خثيم عن سعيد بن ~~جبير عن بن عباس مثله وهؤلاء اصحاب بن عباس لا يذكرون ( صائما PageV25P253 # قلت وهذا الذي ذكره الامام أحمد هو الذى اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم ~~ولهذا اعرض مسلم عن الحديث الذي ذكر حجامة الصائم ولم يثبت الا حجامة ~~المحرم وتأولوا احاديث الحجامة بتأويلات ضعيفة كقولهم كانا يغتابان وقولهم ~~افطر لسبب آخر واجود ما قيل ما ذكره الشافعي وغيره ان هذا منسوخ فان هذا ~~القول كان في رمضان واحتجامه وهو محرم كان بعد ذلك لان الاحرام بعد رمضان ~~وهذا ايضا ضعيف بل ms7437 هو صلوات الله عليه احرم سنة ست عام الحديبية بعمرة في ~~ذي القعدة واحرم من العام القابل بعمرة القضية في ذي القعدة واحرم من العام ~~الثالث سنة الفتح من الجعرانة في ذي القعدة بعمرة واحرم سنة عشر بحجة ~~الوداع في ذى القعدة فاحتجامه وهو محرم صائم لم يبين في اي الاحرامات كان # والذي يقوي ان احرامه الذي احتجم فيه كان قبل فتح مكة قوله ( افطر الحاجم ~~والمحجوم ( فانه كان عام الفتح بلا ريب هكذا في اجود الاحاديث وروى أحمد ~~باسناده عن ثوبان ان رسول الله اتى على رجل يحتجم في رمضان قال ( افطر ~~الحاجم والمحجوم PageV25P254 # وقال أحمد أنبأنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن ابى قلابة عن الاشعث عن شداد ~~بن اوس انه مر مع النبى صلى الله عليه وسلم زمن الفتح على رجل محتجم ~~بالبقيع لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال ( افطر الحاجم والمحجوم ( وقال ~~الترمذي سألت البخارى فقال ليس في هذا الباب اصح من حديث شداد بن اوس وحديث ~~ثوبان فقلت وما فيه من الاضطراب فقال كلاهما عندي صحيح لان يحيى بن سعيد ~~روى عن أبى قلابة عن أبي اسماء عن ثوبان عن ابى الاشعث عن شداد الحديثين ~~جميعا # قلت وهذا الذي ذكره البخارى من اظهر الادلة على صحة كلا الحديثين اللذين ~~رواهما أبو قلابة إلى ان قال ومما يقوي ان الناسخ هو الفطر بالحجامة ان ذلك ~~رواه عنه خواص اصحابه الذين كانوا يباشرونه حضرا وسفر ا ويطلعون على باطن ~~امره مثل بلال وعائشة ومثل اسامة وثوبان مولياه ورواه عنه الانصار الذين هم ~~بطانته مثل رافع بن خديج وشداد بن اوس وفى مسند أحمد عن رافع بن خديج عن ~~النبى قال ( افطر الحاجم والمحجوم ( قال أحمد اصح شيء في هذا الباب حديث ~~رافع وذكر أحاديث ( افطر الحاجم والمحجوم ( إلى ان قال ثم اختلفوا على ~~اقوال PageV25P255 # أحدها يفطر المحجوم دون الحاجم ذكره الخرقي لكن المنصوص عن أحمد وجمهور ~~اصحابه الافطار بالأمرين والنص دال على ذلك فلا سبيل إلى تركه ms7438 # والثاني أنه يفطر المحجوم الذي يحتجم ويخرج منه الدم ولا يفطر بالافتصاد ~~ونحوه لانه لا يسمى احتجاما وهذا قول القاضي واصحابه فالتشريط في الاذان هل ~~هو داخل في مسمى الحجامة تنازع فيه المتأخرون فبعضهم يقول التشريط كالحجامة ~~كما يقوله شيخنا أبو محمد المقدسي وعليه يدل كلام العلماء قاطبة فليس منهم ~~من خص التشريط بذكر ولو كان عندهم لا يدخل في الحجامة لذكروه كما ذكروا ~~الفصاد فعلم ان التشريط عندهم من نوع الحجامة وقال شيخنا أبو محمد هذا هو ~~الصواب إلى ان قال # والرابع وهو الصواب واختاره أبو المظفر بن هبيرة الوزير العالم العادل ~~وغيره انه يفطر بالحجامة والفصاد ونحوهما وذلك لان المعنى الموجود في ~~الحجامة موجود في الفصاد شرعا وطبعا وحيث حض النبى على الحجامة وامر بها ~~فهو حض على ما في معناها من الفصاد وغيره لكن الأرض الحارة تجتذب الحرارة ~~فيها دم البدن PageV25P256 فيصعد إلى سطح الجلد فيخرج بالحجامة والأرض ~~الباردة يغور الدم فيها إلى العروق هربا من البرد فان شبه الشيء منجذب إليه ~~كما تسخن الاجواف في الشتاء وتبرد في الصيف فأهل البلاد الباردة لهم الفصاد ~~وقطع العروق كما للبلاد الحارة الحجامة لا فرق بينهما في شرع ولا عقل # وقد بينا ان الفطر بالحجامة على وفق الاصول والقياس وانه من جنس الفطر ~~بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء واذا كان كذلك فبأي وجه اراد اخراج الدم ~~افطر كما انه بأي وجه اخرج القيء افطر سواء جذب القيء بادخال يده أو بشم ما ~~يقيئه أو وضع يده تحت بطنه واستخرج القيء فتلك طرق لاخراج القيء وهذه طرق ~~لاخراج الدم ولهذا كان خروج الدم بهذا وهذا سواء في ( باب الطهارة ) فتبين ~~بذلك كمال الشرع واعتداله وتناسبه وان ما ورد من النصوص ومعانيها فان بعضه ~~يصدق بعضا ويوافقه ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) # وأما الحاجم فانه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه والهواء يجتذب ~~ما فيها من الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه ms7439 وهو لا يشعر ~~والحكمة اذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم PageV25P257 بالمظنة كما أن ~~النائم الذي تخرج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء فكذلك الحاجم يدخل شيء ~~من الدم مع ريقه إلى بطنه وهو لا يدري # والدم من أعظم المفطرات فانه حرام في نفسه لما فيه من طغيان الشهوة ~~والخروج عن العدل والصائم امر بحسم مادته فالدم يزيد الدم فهو من جنس ~~المحظور فيفطر الحاجم لهذا كما ينتقض وضوء النائم وان لم يستيقن خروج الريح ~~منه لانه يخرج ولا يدرى وكذلك الحاجم قد يدخل الدم في حلقه وهو لا يدرى # وأما الشارط فليس بحاجم وهذا المعنى منتف فيه فلا يفطر الشارط وكذلك لو ~~قدر حاجم لا يمص القارورة بل يمتص غيرها أو ياخذ الدم بطريق اخرى لم يفطر # والنبى كلامه خرج على الحاجم المعروف المعتاد واذا كان اللفظ عاما وان ~~كان قصده شخصا بعينه فيشترك في الحكم سائر النوع للعادة الشرعية من ان ما ~~ثبت في حق الواحد من الامة ثبت في حق الجميع فهذا أبلغ فلا يثبت بلفظه ما ~~يظهر لفظا ومعنى أنه لم يدخل فيه مع بعده عن الشرع والعقل والله أعلم ~~والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا PageV25P258 ### |||| وسئل # عن رجل باشر زوجته وهو يسمع المتسحر يتكلم فلا يدري اهو يتسحر أم يؤذن ثم ~~غلب على ظنه انه يتسحر فوطئها وبعد يسير اضاء الصبح فما الذي يجب عليه ~~افتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # هذه المسالة للعلماء فيها ثلاثة اقوال # أحدها عليه القضاء والكفارة هذا احدى الروايتين عن أحمد # وقال مالك عليه القضاء لا غير وهذه الرواية الاخرى عنه وهذا مذهب الشافعي ~~وابى حنيفة وغيرهما # والثالث لا قضاء ولا كفارة عليه وهذا قول النبى وهو اظهر الاقوال ولان ~~الله تعالى عفا عن الخطأ PageV25P259 والنسيان واباح سبحانه وتعالى الاكل ~~والشرب والجماع حتى يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود والشاك في طلوع ~~الفجر يجوز له الاكل والشرب والجماع بالاتفاق ولا قضاء عليه اذا استمر الشك ms7440 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اراد ان يواقع زوجته في شهر رمضان بالنهار فافطر بالاكل قبل ان ~~يجامع ثم جامع فهل عليه كفارة أم لا وما على الذي يفطر من غير عذر ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران # أحدهما تجب وهو قول جمهورهم كمالك واحمد وابى حنيفة وغيرهم # والثانى لا تجب وهو مذهب الشافعى # وهذان القولان مبناهما على ان الكفارة سببها الفطر من الصوم أو من الصوم ~~الصحيح بجماع أو بجماع وغيره على اختلاف المذاهب فان أبا حنيفة PageV25P260 ~~يعتبر الفطر بأعلى جنسه ومالك يعتبر الفطر مطلقا فالنزاع بينهما إذا افطر ~~بابتلاع حصاة أو نواة ونحو ذلك وعن أحمد رواية انه اذا افطر بالحجامة كفر ~~كغيرها من المفطرات بجنس الوطء فاما الاكل والشرب ونحوهما فلا كفارة في ذلك # ثم تنازعوا هل يشترط الفطر من الصوم الصحيح فالشافعي وغيره يشترط ذلك فلو ~~اكل ثم جامع أو اصبح غير ناو للصوم ثم جامع أو جامع وكفر ثم جامع لم يكن ~~عليه كفارة لانه لم يطأ في صوم صحيح # وأحمد في ظاهر مذهبه وغيره يقول بل عليه كفارة في هذه الصور ونحوها لانه ~~وجب عليه الامساك في شهر رمضان فهو صوم فاسد فاشبه الاحرام الفاسد # وكما ان المحرم بالحج اذا افسد احرامه لزمه المضي فيه بالامساك عن ~~محظوراته فاذا اتى شيئا منها كان عليه ما عليه من الاحرام الصحيح وكذلك من ~~وجب عليه صوم شهر رمضان اذا وجب عليه الامساك فيه وصومه فاسد لاكل أو جماع ~~أو عدم نية فقد لزمه الامساك عن محظورات الصيام فاذا تناول شيئا منها كان ~~عليه ما عليه في الصوم PageV25P261 الصحيح وفى كلا الموضعين عليه القضاء # وذلك لان هتك حرمة الشهر حاصلة في الموضعين بل هي في هذا الموضع اشد لانه ~~عاص بفطره اولا فصار عاصيا مرتين فكانت الكفارة عليه اوكد ولانه لو لم تجب ~~الكفارة على مثل هذا لصار ذريعة إلى ان لا يكفر أحد فانه لا يشاء أحد ان ~~يجامع في رمضان الا امكنه ms7441 ان يأكل ثم يجامع بل ذلك اعون له على مقصوده ~~فيكون قبل الغدا عليه كفارة واذا تغدى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة عليه ~~وهذا شنيع في الشريعة لا ترد بمثله # فإنه قد استقر في العقول والاديان انه كلما عظم الذنب كانت العقوبة ابلغ ~~وكلما قوى الشبه قويت والكفارة فيها شوب العبادة وشوب العقوبة وشرعت زاجرة ~~وماحية فبكل حال قوة السبب يقتضي قوة المسبب # ثم الفطر بالاكل لم يكن سببا مستقلا موجبا للكفارة كما يقوله أبو حنيفة ~~ومالك فلا اقل ان يكون معينا للسبب المستقل بل PageV25P262 يكون مانعا من ~~حكمه وهذا بعيد عن اصول الشريعة # ثم المجامع كثيرا ما يفطر قبل الايلاج فتسقط الكفارة عنه بذلك على هذا ~~القول وهذا ظاهر البطلان والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل أفطر نهار رمضان متعمدا ثم جامع فهل يلزمه القضاء والكفارة أم ~~القضاء بلا كفارة ### ||||| فأجاب # عليه القضاء وأما الكفارة فتجب في مذهب مالك واحمد وابى حنيفة ولا ~~تجب عند الشافعي ### |||| وسئل # عن رجل وطىء امرأته وقت طلوع الفجر معتقدا بقاء الليل ثم تبين ان الفجر ~~قد طلع فما يجب عليه PageV25P263 ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة فيها ثلاثة اقوال لاهل العلم # أحدها ان عليه القضاء والكفارة وهو المشهور من مذهب أحمد # والثانى ان عليه القضاء وهو قول ثان في مذهب أحمد وهو مذهب ابى حنيفة ~~والشافعي ومالك # والثالث لا قضاء عليه ولا كفارة وهذا قول طوائف من السلف كسعيد بن جبير ~~ومجاهد والحسن واسحاق وداود وأصحابه والخلف وهؤلاء يقولون من اكل معتقدا ~~طلوع الفجر ثم تبين له انه لم يطلع فلا قضاء عليه # وهذا القول أصح الاقوال واشبهها باصول الشريعة ودلالة الكتاب والسنة وهو ~~قياس اصول أحمد وغيره فان الله رفع المؤاخذة عن الناسي والمخطئ وهذا مخطئ ~~وقد اباح الله الاكل والوطء حتى يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود من ~~الفجر واستحب تأخير السحور ومن فعل ما ندب إليه وابيح له لم يفرط فهذا اولى ~~بالعذر من الناسي والله أعلم PageV25P264 ### |||| وسئل # عما إذا قبل ms7442 زوجته أو ضمها فأمذى هل يفسد ذلك صومه أم لا ### ||||| فأجاب # يفسد الصوم بذلك عند اكثر العلماء ### || وسئل عمن أفطر في رمضان # الخ ### ||||| فأجاب # إذا افطر في رمضان مستحلا لذلك وهو عالم بتحريمه استحلالا له وجب ~~قتله وان كان فاسقا عوقب عن فطره في رمضان بحسب ما يراه الامام واخذ منه حد ~~الزنى وان كان جاهلا عرف بذلك واخذ منه حد الزنى ويرجع في ذلك إلى إجتهاد ~~الامام والله أعلم PageV25P265 ### |||| وسئل رحمه الله # عن المضمضة والاستنشاق والسواك وذوق الطعام والقيء وخروج الدم والادهان ~~والاكتحال ### ||||| فأجاب # أما المضمضة والاستنشاق فمشروعان للصائم باتفاق العلماء وكان النبى ~~والصحابة يتمضمضون ويستنشقون مع الصوم لكن قال للقيط بن صبرة ( وبالغ في ~~الاستنشاق الا ان تكون صائما ( فنهاه عن المبالغة لا عن الاستنشاق # وأما السواك فجائز بلا نزاع لكن اختلفوا في كراهيته بعد الزوال على قولين ~~مشهورين هما روايتان عن أحمد ولم يقم على كراهيته دليل شرعي يصلح ان يخص ~~عمومات نصوص السواك وقياسه على دم الشهيد ونحوه ضعيف من وجوه كما هو مبسوط ~~في موضعه # وذوق الطعام يكره لغير حاجة لكن لا يفطره وأما للحاجة PageV25P266 فهو ~~كالمضمضة # وأما القيء فاذا استقاء افطر وان غلبه القيء لم يفطر # والادهان لا يفطر بلا ريب # وأما خروج الدم الذي لا يمكن الاحتراز منه كدم المستحاضة والجروح والذي ~~يرعف ونحوه فلا يفطر وخروج دم الحيض والنفاس يفطر باتفاق العلماء # وأما الاحتجام ففيه قولان مشهوران ومذهب أحمد وكثير من السلف انه يفطر ~~والفصاد ونحوه فيه قولان في مذهبه أحدهما ان ذلك كالاحتجام # ومذهبه في الكحل الذي يصل إلى الدماغ انه يفطر كالطيب وللحاجة ومذهب مالك ~~نحو ذلك واما أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله فلا يريان الفطر بذلك والله ~~أعلم PageV25P267 ### |||| وسئل # عن رجل افتصد بسبب وجع رأسه وهو صائم هل يفطر ويجب عليه قضاء ذلك اليوم ~~أم لا وهل اذا اعلم أنه يفطر اذ افتصد يأثم أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة فيها نزاع في مذهب أحمد وغيره والأحوط أنه ms7443 ~~يقضي ذلك اليوم والله أعلم ### |||| وسئل # عن الفصاد في شهر رمضان هل يفسد الصوم أم لا ### ||||| فأجاب # إن أمكنه تأخير الفصاد اخره وان احتاج إليه لمرض افتصد وعليه ~~القضاء في أحد قولي العلماء والله أعلم PageV25P268 ### |||| وسئل # عن الميت في ايام مرضه ادركه شهر رمضان ولم يكن يقدر على الصيام وتوفى ~~وعليه صيام شهر رمضان وكذلك الصلاة مدة مرضه ووالديه بالحياة فهل تسقط ~~الصلاة والصيام عنه اذا صاما عنه وصليا اذا وصى أو لم يوص ### ||||| فأجاب # اذا اتصل به المرض ولم يمكنه القضاء فليس على ورثته الا الاطعام ~~عنه واما الصلاة المكتوبة فلا يصلى أحد عن أحد ولكن اذا صلى عن الميت واحد ~~منهما تطوعا واهداه له أو صام عنه تطوعا وأهداه له نفعه ذلك والله أعلم ~~PageV25P269 ### || الاقتصاد في الاعمال # المسئول من احسان السادة العلماء رضي الله عنهم حل هذه الشبهة التى دخل ~~على العباد بسببها ضرر بين وهي ان بعضهم سمع قوله ( احب الصلاة إلى الله ~~صلاة داود واحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه ~~وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ( فعقد مع الله أن يصوم يوما ويفطر ~~يوما فعل ذلك سنة أو اكثر وهو متأهل له عيال وهو ذو سبب يحتاج إلى نفسه في ~~حفظ صحته فحدثت عنده بعد ذلك همة في حفظ القرآن فصار مع هذه المجاهدة يتلقن ~~كل يوم ويكرر ثم حدثت عنده مع ذلك همة إلى طلب المقصود وقيام اكثر الليل ~~وكثرة الإجتهاد والدأب في العبادة فاجتمع عليه ثقل يبس الصيام مع ضعف القوة ~~في السبب مع يبس التكرار وكثرته مع اليبس الحادث من الهمة الحادة وهو شاب ~~عنده حرارة الشبوبية فاثر مجموع ذلك خللا في ذهنه من ذهول وصداع يلحقه في ~~رأسه وبلادة PageV25P270 في فهمه بحيث انه لا يحيط بمعنى الكلام اذا سمعه ~~وظهر أثر اليبس في عينيه حتى كادتا ان تغورا وقد وجد في هذا الاجتهاد شيئا ~~من الانوار وهو لا يترك هذا الصيام لعقده الذى عقده مع ms7444 الله تعالى لخوفه ان ~~يذهب النور الذى عنده فاذا نهاه أحد من اهل المعرفة يتعلل ويقول انا اريد ~~ان اقتل نفسى في الله فهل صومه هذا يوافق رضا الله تعالى وهو بهذه الصفة أم ~~هو مكروه لا يرضى الله به وهل يباح له هذا العقد وعليه فيه كفارة يمين أم ~~لا وهل اشتغاله بما فيه صلاح جسمه وصيانة دماغه وعقله وذهنه ليتوفر على حفظ ~~فرائضه ومصلحة عياله الذى يرضى الله منه ويريده منه أم لا وهل إصراره على ~~ذلك موجب لمقت الله تعالى حيث يلقى نفسه إلى التهلكة بشئ لم يجب عليه # وإن كان مشروعا في السنة فهل هو مشروع مطلقا لكل أحد أم هو مخصوص بمن لا ~~يتضرر به يسأل كشف هذه المسألة وحلها فقد أعيا هذا الشخص الأطباء وأحزن ~~العقلاء لدخوله في السلوك بالجهل غافلا عن مراد ربه ونسأل تقييد الجواب ~~واعضاده بالكتاب والسنة ليصل إلى قلبه ذلك آجركم الله تعالى ومتع المسلمين ~~بطول بقاكم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم ورضى الله عن اصحابه اجمعين ~~PageV25P271 ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام العلامة الحافظ المجتهد مفتى الانام تقى الدين أحمد بن تيمية بخطه # الحمد لله جواب هذه المسألة مبنى على أصلين # أحدهما موجب الشرع # والثانى مقتضى العهد والنذر # أما الاول فان المشروع المأمور به الذى يحبه الله ورسوله هو الاقتصاد في ~~العبادة كما قال النبى ( عليكم هديا قاصدا عليكم هديا قاصدا ( وقال ( ان ~~هذا الدين متين ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فإستعينوا بالغدوة والروحة ~~وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا ) وكلاهما في الصحيح # وقال أبى بن كعب ( إقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة ( # فمتى كانت العبادة توجب له ضررا يمنعه عن فعل واجب انفع له منها كانت ~~محرمة مثل ان يصوم صوما يضعفه عن الكسب الواجب أو يمنعه عن العقل أو الفهم ~~الواجب أو يمنعه عن الجهاد الواجب PageV25P272 وكذلك اذا كانت توقعه في محل ~~محرم لا يقاوم مفسدته مصلحتها مثل ان يخرج ماله كله ثم يستشرف إلى أموال ms7445 ~~الناس ويسألهم # وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها وأوقعته في مكروهات فانها مكروهة وقد ~~انزل الله تعالى في ذلك قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل ~~الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين ) فانها نزلت في أقوام من ~~الصحابة كانوا قد اجتمعوا وعزموا على التبتل للعبادة هذا يسرد الصوم وهذا ~~يقوم الليل كله وهذا يجتنب اكل اللحم وهذا يجتنب النساء فنهاهم الله سبحانه ~~وتعالى عن تحريم الطيبات من اكل اللحم والنساء وعن الاعتداء وهو الزيادة ~~على الدين المشروع في الصيام والقيام والقراءة والذكر ونحو ذلك والزيادة في ~~التحريم على ما حرم والزيادة في المباح على ما أبيح ثم انه امرهم بعد هذا ~~بكفارة ما عقدوه من اليمين على هذا التحريم والعدوان # وفى الصحيحين عن انس ان نفرا من اصحاب النبى صلى الله عليه وسلم سألوا ~~أزواج النبى عن عمله في السر فقال بعضهم أما أنا فأصوم لا افطر وقال الآخر ~~أما أنا فأقوم لا انام وقال الاخر اما انا فلا اتزوج النساء وقال الآخر أما ~~أنا PageV25P273 فلا آكل اللحم فبلغ ذلك النبى فقال ( ما بال أقوام يقولون ~~كذا وكذا لكنى اصلى وانام واصوم وافطر واتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن ~~سنتى فليس منى ) # وفى الصحاح من غير وجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص انه كان قد جعل يصوم ~~النهار ويقوم الليل ويقرأ القرآن في كل ثلاث فنهاه النبى صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك وقال ( لا تفعل فانك اذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له ~~النفس ) أي غارت العين وملت النفس وسئمت وقال له ( ان لنفسك عليك حقا وان ~~لزوجك عليك حقا وان لزورك عليك حقا فآت كل ذى حق حقه ) # فبين له النبى صلى الله عليه وسلم ان عليك امورا واجبة من حق النفس ~~والاهل والزائرين فليس لك ان تفعل ما يشغلك عن اداء هذه الحقوق الواجبة بل ~~آت كل ذى حق حقه ثم امره النبى ان يصوم من ms7446 كل شهر ثلاثة أيام وقال ( انه ~~يعدل صيام الدهر وامره ان يقرأ القرآن في كل شهر مرة فقال انى اطيق أفضل من ~~ذلك ولم يزل يزايده حتى قال فصم يوما وافطر يوما فان ذلك افضل الصيام قال ~~انى اطيق افضل PageV25P274 من ذلك قال لا افضل من ذلك ) # وكان عبد الله بن عمرو لما كبر يقول يا ليتنى قبلت رخصة رسول الله وكان ~~ربما عجز عن صوم يوم وفطر يوم فكان يفطر أياما ثم يسرد الصيام أياما بقدرها ~~لئلا يفارق النبى صلى الله عليه وسلم على حال ثم ينتقل عنها وهذا لأن بدنه ~~كان يتحمل ذلك والا فمن الناس من اذا صام يوما وافطر يوما شغله عما هو أفضل ~~من ذلك فلا يكون الصوم افضل في حقه # وكان النبى هكذا فانه كان افضل من صوم داود ومع هذا فقد ثبت عنه في ~~الصحيح انه سئل عمن يصوم الدهر فقال ( من صام الدهر فلا صام ولا افطر ) ~~وسئل عمن يصوم يومين ويفطر يوما فقال ( ومن يطيق ذلك ( وسئل عمن يصوم يوما ~~ويفطر يومين فقال ( وددت انى طوقت ذلك ) وسئل عمن يصوم يوما ويفطر يوما ~~فقال ( ذلك أفضل الصيام ) فأخبر أنه ود أن يطيق صوم ثلث الدهر لانه كان له ~~من الاعمال التى هي أوجب عليه واحب إلى الله ما لا يطيق معه صوم ثلث الدهر # وكذلك ثبت عنه في الصحيح انه لما قرب من العدو في غزوة الفتح PageV25P275 ~~في رمضان امر اصحابه بالفطر فبلغه ان قوما صاموا فقال ( أولئك العصاة ) ~~وصلى على ظهر دابته مرة وامر من معه أن يصلوا على ظهور دوابهم فوثب رجل عن ~~ظهر دابته فصلى على الأرض فقال النبى ( مخالف خالف الله به ) فلم يمت حتى ~~ارتد عن الاسلام وقال بن مسعود إنى اذا صمت ضعفت عن قراءة القرآن وقراءة ~~القرآن أحب إلى وهذا باب واسع قد بسط في غير هذا الموضع # وأما ( الاصل الثانى ) وهو انه اذا عاهد الله على ذلك ونذره فالاصل فيه ~~ما أخرجاه في ms7447 الصحيحين عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصى الله فلا يعصه ) فاذا كان ~~المنذور الذى عاهد الله يتضمن ضررا غير مباح يفضى إلى ترك واجب أو فعل محرم ~~كان هذا معصية لا يجب الوفاء به بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام الليل كله ~~وصيام النهار كله لم يجب الوفاء بهذا النذر # ثم تنازع العلماء هل عليه كفارة يمين على قولين # أظهرهما ان عليه كفارة يمين لما ثبت عن النبى صلى الله عليه PageV25P276 ~~وسلم في الصحيح انه قال ( كفارة النذر كفارة يمين ) وقال ( النذر حلفة ) ~~وفى السنن عنه ( لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ) وقد ذكرنا سبب نزول ~~الاية # ومثل ذلك ما رواه البخارى في صحيحه عن بن عباس ان النبى صلى الله عليه ~~وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال ( ما هذا فقالوا هذا أبو اسرائيل نذر ان ~~يقوم ولا يستظل ولا يتكلم وان يصوم فقال مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم ~~صومه ) فلما نذر عبادة غير مشروعة من الصمت والقيام والتضحية أمره بفعل ~~المشروع وهو الصوم في حقه ونهاه عن فعل غير المشروع # وأما اذا عجز عن فعل المنذور أو كان عليه فيه مشقة فهنا يكفر ويأتى ببدل ~~عن المنذور كما في حديث عقبة بن عامر ان اخته لما نذرت ان تحج ماشية قال ~~النبى ( ان الله لغنى عن تعذيب اختك نفسها مرها فلتركب ولتهد وروى ولتصم ) # فهذا الرجل الذى عقد مع الله تعالى صوم نصف الدهر وقد اضر ذلك بعقله ~~وبدنه عليه ان يفطر ويتناول ما يصلح عقله وبدنه ويكفر كفارة يمين ويكون ~~فطره قدر ما يصلح به عقله وبدنه PageV25P277 على حسب ما يحتمله حاله إما ان ~~يفطر ثلثى الدهر أو ثلاثة ارباعه أو جميعه فإذا اصلح حاله فان امكنه العود ~~إلى صوم يوم وفطر يوم بلا مضرة والا صام ما ينفعه من الصوم ولا يشغله عما ~~هو احب إلى الله منه فالله لا ms7448 يحب ان يترك الاحب إليه بفعل ما هو دونه فكيف ~~يوجب ذلك # وأما النور الذى وجده بهذا الصوم فمعلوم ان جنس العبادات ليس شرا محضا بل ~~العبادات المنهى عنها تشتمل على منفعة ومضرة ولكن لما ترجح ضررها على نفعها ~~نهى عنها الشارع كما نهى عن صيام الدهر وقيام الليل كله دائما وعن الصلاة ~~بعد الصبح وبعد العصر مع ان خلقا يجدون في المواصلة الدائمة نورا بسبب كثرة ~~الجوع وذلك من جنس ما يجده الكفار من اهل الكتاب والاميين مثل الرهبان ~~وعباد القبور لكن يعود ذلك الجوع المفرط الزائد على الحد المشروع يوجب لهم ~~ضررا في الدنيا والاخرة فيكون اثمه اكثر من نفعه كما قد رأينا من هؤلاء ~~خلقا كثيرا آل بهم الافراط فيما يعانونه من شدائد الاعمال إلى التفريط ~~والتثبيط والملل والبطالة وربما انقطعوا عن الله بالكلية أو بالاعمال ~~المرجوحة عن الراجحة أو بذهاب العقل بالكلية أو بحصول خلل فيه وذلك لان اصل ~~اعمالهم واساسها على غير استقامة ومتابعة PageV25P278 # وأما قوله أريد أن أقتل نفسي في الله فهذا كلام مجمل فانه اذا فعل ما ~~أمره الله به فأفضي ذلك إلى قتل نفسه فهذا محسن في ذلك كالذي يحمل على الصف ~~وحده حملا فيه منفعة للمسلمين وقد اعتقد أنه يقتل فهذا حسن وفي مثله أنزل ~~الله قوله ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد ~~) ومثل ما كان بعض الصحابة ينغمس في العدو بحضرة النبى وقد روي الخلال ~~باسناده عن عمر بن الخطاب ( ان رجلا حمل على العدو وحده فقال الناس القى ~~بيده إلى التهلكة فقال عمر لا ولكنه ممن قال الله فيه ( ومن الناس من يشرى ~~نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد ) # وأما إذا فعل ما لم يؤمر به حتى أهلك نفسه فهذا ظالم متعد بذلك مثل ان ~~يغتسل من الجنابة في البرد الشديد بماء بارد يغلب على ظنه انه يقتله أو ~~يصوم في رمضان صوما يفضي إلى هلاكه فهذا لا يجوز فكيف في غير رمضان ms7449 # وقد روى أبو داود في سننه في قصة الرجل الذي اصابته جراحة فاستفتى من كان ~~معه هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا لا نجد لك رخصة فاغتسل فمات فقال ~~النبى PageV25P279 قتلوه قتلهم الله هلا سألوا اذا لم يعلموا فانما شفاء ~~العي السؤال ( # وكذلك روى حديث عمرو بن العاص لما اصابته الجنابة في غزوة ذات السلاسل ~~وكانت ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه بالتيمم ولما رجعوا ذكروا ذلك للنبى ~~صلى الله عليه وسلم فقال ( يا عمرو اصليت بأصحابك وانت جنب فقال يا رسول ~~الله انى سمعت الله يقول ( ولا تقتلوا انفسكم ) فضحك ولم يقل شيئا ( فهذا ~~عمرو قد ذكر ان العبادة المفضية إلى قتل النفس بلا مصلحة مامور بها هي من ~~قتل النفس المنهى عنه واقره النبى على ذلك # وقتل الانسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والاجماع كما ثبت عنه في الصحاح ~~انه قال ( من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة ( وفى الحديث الاخر ( عبدي ~~بادأنى بنفسه فحرمت عليه الجنة واوجبت له النار ( وحديث القاتل الذي قتل ~~نفسه لما اشتدت عليه الجراح وكان النبى يخبر انه من اهل النار لعلمه بسوء ~~خاتمته وقد كان لا يصلى على من PageV25P280 قتل نفسه ولهذا قال سمرة بن ~~جندب عن ابنه لما اخبر انه بشم فقال لو مات لم أصل عليه # فينبغى للمؤمن ان يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الانسان قتل نفسه أو ~~تسببه في ذلك وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين انفسهم واموالهم له كما ~~قال تعالى ( ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة ) ~~وقال ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) اي يبيع نفسه # والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة لا بما يستحسنه المرء أو يجده ~~أو يراه من الامور المخالفة للكتاب والسنة بل قد يكون أحد هؤلاء كما قال ~~عمر بن عبد العزيز من عبد الله بجهل أفسد أكثر مما يصلح # ومما ينبغي ان يعرف ان الله ليس رضاه أو محبته في ms7450 مجرد عذاب النفس وحملها ~~على المشاق حتى يكون العمل كل ما كان اشق كان افضل كما يحسب كثير من الجهال ~~ان الاجر على قدر المشقة في كل شيء لا ولكن الاجر على قدر منفعة العمل ~~ومصلحته وفائدته PageV25P281 وعلى قدر طاعة امر الله ورسوله فاى العملين ~~كان أحسن وصاحبه أطوع واتبع كان افضل فان الاعمال لا تتفاضل بالكثرة وانما ~~تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل # ولهذا لما نذرت اخت عقبة بن عامر ان تحج ماشية حافية قال النبى ( ان الله ~~لغني عن تعذيب اختك نفسها مرها فلتركب ( وروى ( انه امرها بالهدى ( وروى ( ~~بالصوم ( وكذا حديث جويرية في تسبيحها بالحصى أو النوى وقد دخل عليها ضحى ~~ثم دخل عليها عشية فوجدها على تلك الحال وقوله لها ( لقد قلت بعدك اربع ~~كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لرجحت ( # وأصل ذلك ان يعلم العبد ان الله لم يأمرنا الا بما فيه صلاحنا ولم ينهنا ~~الا عما فيه فسادنا ولهذا يثنى الله على العمل الصالح ويأمر بالصلاح ~~والاصلاح وينهى عن الفساد # فالله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث لما فيها من المضرة والفساد وامرنا ~~بالاعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح لنا وقد لا تحصل هذه الاعمال ~~الا PageV25P282 بمشقة كالجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وطلب العلم فيحتمل تلك المشقة ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة كما قال ~~النبى لعائشة لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع ( أجرك على قدر نصبك ( ~~واما اذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته فهذا فساد والله لا يحب ~~الفساد # ومثال ذلك منافع الدنيا فإن من تحمل مشقة لربح كثير أو دفع عدو عظيم كان ~~هذا محمودا واما من تحمل كلفا عظيمة ومشاقا شديدة لتحصيل يسير من المال أو ~~دفع يسير من الضرر كان بمنزلة من اعطى الف درهم ليعتاض بمائة درهم أو مشى ~~مسيرة يوم ليتغدى غدوة يمكنه ان يتغدى خيرا منها في بلده # فالأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط الذي ms7451 هو ~~خير الامور واعلاها كالفردوس فانه اعلى الجنة واوسط الجنة فمن كان كذلك ~~فمصيره إليه ان شاء الله تعالى # هذا في كل عبادة لا تقصد لذاتها مثل الجوع والسهر والمشى # وأما ما يقصد لنفسه مثل معرفة الله ومحبته والانابة إليه PageV25P283 ~~والتوكل عليه فهذه يشرع فيها الكمال لكن يقع فيها سرف وعدوان بادخال ما ليس ~~منها فيها مثل ان يدخل ترك الاسباب المأمور بها في التوكل أو يدخل استحلال ~~المحرمات وترك المشروعات في المحبة فهذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم ### |||| وسئل # رضى الله عنه وأرضاه عن ليلة القدر وهو معتقل بالقلعة قلعة الجبل سنة ست ~~وسبعمائة ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان هكذا صح عن ~~النبى أنه قال ( هي في العشر الأواخر من رمضان ( وتكون في الوتر منها # لكن الوتر يكون بإعتبار الماضي فتطلب ليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين ~~وليلة خمس وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة تسع وعشرين PageV25P284 # ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبى ( لتاسعة تبقى لسابعة تبقى لخامسة ~~تبقى لثالثة تبقى ( فعلى هذا اذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الاشفاع ~~وتكون الاثنين والعشرين تاسعة تبقى وليلة اربع وعشرين سابعة تبقى وهكذا ~~فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح وهكذا اقام النبى صلى الله عليه ~~وسلم في الشهر # وان كان الشهر تسعا وعشرين كان التاريخ بالباقى كالتاريخ الماضى # وإذا كان الامر هكذا فينبغى ان يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه ~~كما قال النبى ( تحروها في العشر الأواخر وتكون في السبع الأواخر اكثر ~~واكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين كما كان أبي بن كعب يحلف انها ليلة سبع ~~وعشرين فقيل له بأى شيء علمت ذلك فقال بالآية التى اخبرنا رسول الله ( ~~اخبرنا ان الشمس تطلع صبحة صبيحتها كالطشت لا شعاع لها ( # فهذه العلامة التى رواها أبي بن كعب عن النبى PageV25P285 من أشهر ~~العلامات في الحديث وقد روى في علاماتها ( انها ليلة بلجة منيرة ( وهي ~~ساكنة لا قوية الحر ولا قوية البرد وقد يكشفها الله ms7452 لبعض الناس في المنام ~~أو اليقظة فيرى انوارها أو يرى من يقول له هذه ليلة القدر وقد يفتح على ~~قلبه من المشاهدة ما يتبين به الامر والله تعالى أعلم ### |||| وسئل # عن ( ليلة القدر ( و ( ليلة الاسراء بالنبى ( ايهما افضل ### ||||| فأجاب # بأن ليلة الاسراء افضل في حق النبى وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى ~~الأمة فحظ النبى الذي اختص به ليلة المعراج منها اكمل من حظه من ليلة القدر # وحظ الامة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج وان كان لهم فيها ~~اعظم حظ لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إنما حصلت فيها لمن اسرى به ~~PageV25P286 ### |||| وسئل # عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل ### ||||| فأجاب # أيام عشر ذي الحجة افضل من ايام العشر من رمضان والليالى العشر ~~الأواخر من رمضان افضل من ليالى عشر ذى الحجة # قال بن القيم واذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيا كافيا فانه ~~ليس من أيام العمل فيها احب إلى الله من ايام عشر ذي الحجة وفيها يوم عرفة ~~ويوم النحر ويوم التروية # وأما ليالى عشر رمضان فهي ليالى الاحياء التى كان رسول الله يحييها كلها ~~وفيها ليلة خير من ألف شهر # فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه ان يدلى بحجة صحيحة PageV25P287 ### |||| سئل شيخ الاسلام # أيما أفضل يوم عرفة أو الجمعة أو الفطر أو النحر ### ||||| فأجاب # الحمد لله أفضل ~~أيام الاسبوع يوم الجمعة باتفاق العلماء وأفضل أيام العام هو يوم النحر وقد ~~قال بعضهم يوم عرفة والاول هو الصحيح لان في السنن عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم انه قال ( افضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر ( لانه يوم ~~الحج الاكبر في مذهب مالك والشافعى واحمد كما ثبت في الصحيح عن النبى انه ~~قال ( يوم النحر هو يوم الحج الاكبر ( # وفيه من الاعمال ما لا يعمل في غيره كالوقوف بمزدلفة ورمي جمرة العقبة ~~وحدها والنحر والحلق وطواف الافاضة فان فعل هذه فيه افضل بالسنة واتفاق ~~العلماء والله أعلم PageV25P288 ### |||| وسئل ms7453 # عن يوم الجمعة ويوم النحر أيهما أفضل ### ||||| فأجاب # يوم الجمعة افضل ايام الاسبوع ويوم النحر افضل ايام العام # قال إبن القيم وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبه من الاعتراض الذي لا حيلة ~~له في دفعه ### |||| وسئل # عن أفضل الأيام ### ||||| فأجاب # الحمد لله أفضل أيام الاسبوع يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل ~~الجنة وفيه اخرج منها وأفضل أيام العام يوم النحر كما روي عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر ### |||| وسئل # عن رجل نذر أنه يصوم الاثنين والخميس ثم بدا له ان يصوم يوما ويفطر يوما ~~ولم يرتب ذلك الا بأن يصوم أربعة أيام ويفطر ثلاثة أو يفطر أربعة ويصوم ~~ثلاثة فأيهما أفضل أفتونا يرحمكم الله ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا انتقل من صوم الاثنين والخميس إلى صوم PageV25P289 ~~يوم وفطر يوم فقد إنتقل إلى ما هو افضل وفيه نزاع والاظهر ان ذلك جائز كما ~~لو نذر الصلاة في المسجد المفضول وصلى في الافضل مثل ان ينذر الصلاة في ~~المسجد الاقصى فيصلي في مسجد أحد الحرمين والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عما ورد في ثواب صيام الثلاثة أشهر وما تقول في الاعتكاف فيها والصمت هل ~~هو من الاعمال الصالحات أم لا ### ||||| فأجاب # أما تخصيص رجب وشعبان جميعا بالصوم أو الاعتكاف فلم يرد فيه عن ~~النبى شيء ولا عن أصحابه ولا أئمة المسلمين بل قد ثبت في الصحيح ان رسول ~~الله كان يصوم إلى شعبان ولم يكن يصوم من السنة اكثر مما يصوم من شعبان من ~~أجل شهر رمضان # وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة بل موضوعة لا يعتمد أهل العلم ~~على شيء منها وليست من الضعيف الذي يروى في PageV25P290 الفضائل بل عامتها ~~من الموضوعات المكذوبات وأكثر ما روى في ذلك ان النبى صلى الله عليه وسلم ~~كان اذا دخل رجب يقول ( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ( # وقد روى إبن ماجه في سننه عن بن عباس عن النبى صلى الله عليه ms7454 وسلم انه ~~نهى عن صوم رجب وفي إسناده نظر لكن صح ان عمر بن الخطاب كان يضرب ايدي ~~الناس ليضعوا ايديهم في الطعام في رجب ويقول لا تشبهوه برمضان # ودخل أبو بكر فرأى اهله قد اشتروا كيزانا للماء واستعدوا للصوم فقال ( ما ~~هذا فقالوا رجب فقال أتريدون ان تشبهوه برمضان وكسر تلك الكيزان ( فمتى ~~افطر بعضا لم يكره صوم البعض # وفى المسند وغيره حديث عن النبى أنه أمر بصوم الاشهر الحرم وهي رجب وذو ~~القعدة وذو الحجة والمحرم فهذا في صوم الأربعة جميعا لا من يخصص رجب # وأما تخصيصها بالاعتكاف فلا أعلم فيه أمرا بل كل من صام صوما PageV25P291 ~~مشروعا وأراد ان يعتكف من صيامه كان ذلك جائزا بلا ريب وان اعتكف بدون ~~الصيام ففيه قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد # أحدهما أنه لا إعتكاف إلا بصوم كمذهب أبي حنيفة ومالك # والثانى يصح الاعتكاف بدون الصوم كمذهب الشافعى # وأما الصمت عن الكلام مطلقا في الصوم أو الاعتكاف أو غيرهما فبدعة مكروهة ~~باتفاق اهل العلم لكن هل ذلك محرم أو مكروه فيه قولان في مذهبه وغيره # وفى صحيح البخاري ان أبا بكر الصديق دخل على امرأة من احمس فوجدها مصمتة ~~لا تتكلم فقال لها أبو بكر ان هذا لا يحل ان هذا من عمل الجاهلية وفي صحيح ~~البخاري عن بن عباس ان النبى رأى رجلا قائما في الشمس فقال ( من هذا فقالوا ~~هذا أبو اسرائيل نذر ان يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مروه ~~فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه ( فأمره صلى الله عليه وسلم مع نذره ~~للصمت ان يتكلم كما امره مع PageV25P292 نذره للقيام ان يجلس ومع نذره ان ~~لا يستظل ان يستظل وانما امره بأن يوفى بالصوم فقط وهذا صريح في ان هذه ~~الاعمال ليست من القرب التى يؤمر بها الناذر # وقد قال في الحديث الصحيح ( من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصي ~~الله فلا يعصه ( كذلك لا يؤمر الناذر ان يفعلها فمن فعلها ms7455 على وجه التعبد ~~بها والتقرب واتخاذ ذلك دينا وطريقا إلى الله تعالى فهو ضال جاهل مخالف ~~لأمر الله ورسوله ومعلوم ان من يفعل ذلك من نذر اعتكافا ونحو ذلك إنما ~~يفعله تدينا ولا ريب ان فعله على وجه التدين حرام فإنه يعتقد ما ليس بقربة ~~قربة ويتقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه الله وهذا حرام لكن من فعل ذلك قبل ~~بلوغ العلم إليه فقد يكون معذورا بجهله اذا لم تقم عليه الحجة فاذا بلغه ~~العلم فعليه التوبة # وجماع الامر في الكلام قوله صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ( فقول الخير وهو الواجب أو المستحب خير ~~من السكوت عنه وما ليس بواجب ولا مستحب فالسكوت عنه خير من قوله ~~PageV25P293 # ولهذا قال بعض السلف لصاحبه السكوت عن الشر خير من التكلم به فقال له ~~الآخر التكلم بالخير خير من السكوت عنه وقد قال تعالى ( يا ايها الذين ~~آمنوا اذا تناجيتم فلا تتناجوا بالاثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا ~~بالبر والتقوى ( وقال تعالى ( لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة ~~أو معروف أو اصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما ( # وفى السنن عن النبى انه قال ( كل كلام بن آدم عليه لا له الا امرا بمعروف ~~أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله تعالى ( والاحاديث في فضائل الصمت كثيرة وكذلك ~~في فضائل التكلم بالخير والصمت عما يجب من الكلام حرام سواء اتخذه دينا أو ~~لم يتخذه كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب أن تحب ما أحبه الله ~~ورسوله وتبغض ما يبغضه الله ورسوله وتبيح ما اباحه الله ورسوله وتحرم ما ~~حرمه الله ورسوله PageV25P294 # وقال رحمه الله ### ||| فصل # قول عائشة ( ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر ~~حتى قبضه الله ( هذا إشارة إلى مقامه في المدينة وأنه كان يعتكف أداء أو ~~قضاء فإنه قد ثبت في الصحيح أنه أراد ان يعتكف مرة فطلب ms7456 نساؤه الاعتكاف معه ~~فرأى أن مقصود بعضهن المباهاة فأمر بالخيام فقوضت وترك الاعتكاف ذلك العام ~~حتى قضاه من شوال # وهو لم يصم رمضان الا تسع مرات فإنه فرض في العام الثانى من الهجرة بعد ~~ان صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه مرة واحدة فإنه قدم المدينة في شهر ~~ربيع الاول من السنة الاولى وقد تقدم عاشوراء فلم يأمر ذلك العام بصيامه ~~فلما أهل العام الثانى امر الناس بصيامه وهل كان امر ايجاب او PageV25P295 ~~إستحباب على قولين لأصحابنا وغيرهم والصحيح انه كان امر ايجاب ابتدئ في ~~اثناء النهار لم يؤمروا به من الليل # فلما كان في أثناء الحول رجب أو غيره فرض شهر رمضان وغزا النبى في شهر ~~رمضان ذلك العام أول شهر فرض غزوة بدر وكانت يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من ~~الشهر فلما نصره الله على المشركين اقام بالعرصة بعد الفتح ثلاثا فدخل عليه ~~العشر وهو في السفر فرجع إلى المدينة ولم يبق من العشر الا اقله فلم يعتكف ~~ذلك العشر بالمدينة وكان في تمامه مشغولا بأمر الأسرى والفداء ولما شاورهم ~~في الفداء قام فدخل بيته ثم خرج # وأحواله المنقولة عنه تدل على أنه لم يعتكف تمام ذلك العشر لكن يمكن انه ~~قضى اعتكافه كما قضى صيامه وكما قضى اعتكاف العام الذي اراد نساؤه الاعتكاف ~~معه فيه فهذا عام بدر # وأيضا فعام الفتح سنة ثمان كان قد سافر في شهر رمضان ودخل مكة في اثناء ~~الشهر وقد بقى منه اقله وهو في مكة مشتغل بآثار الفتح وتسرية السرايا إلى ~~ما حول مكة وتقرير أصول PageV25P296 الاسلام بأم القرى والتجهز لغزو هوازن ~~8 لما بلغه انهم قد جمعوا له مع مالك بن عوف النضرى وقد اقام بمكة في غزوة ~~الفتح تسع عشرة ليلة يقصر الصلاة # قالوا لانه لم يكن قد اجمع المقام بمكة لاجل غزو هوازن فكان مسافرا فيها ~~غير متفرغ للاعتكاف بمكة ذلك العام فهذه ثلاثة اعوام لم يعتكف فيها في ~~رمضان بل قضى العام الواحد الذي اراد إعتكافه ثم ms7457 تركه واما الآخران فالله ~~اعلم اقضاهما مع الصوم أم لم يقضهما مع شطر الصلاة فقد ثبت عنه انه قال ( ~~اذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ( وثبت ~~عنه انه قال ( ان الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ( اي الصوم اداء ~~والشطر أداء وقضاء فالاعتكاف ملحق بأحدهما # ولم ينقل عنه انه قضى اعتكافا فاته في السفر فلا يثبت الجواز الا انه ~~لعموم حديث عائشة يبقى فيه امكان والله أعلم PageV25P297 ### |||| وسئل # عمن يعمل كل سنة ختمة في ليلة مولد النبى هل ذلك مستحب أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله جمع الناس للطعام في العيدين وايام التشريق سنة وهو من ~~شعائر الاسلام التى سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين وإعانة ~~الفقراء بالاطعام في شهر رمضان هو من سنن الاسلام فقد قال النبى ( من فطر ~~صائما فله مثل أجره ( واعطاء فقراء القراء ما يستعينون به على القرآن عمل ~~صالح في كل وقت ومن اعانهم على ذلك كان شريكهم في الأجر # وأما إتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الاول التى ~~يقال انها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو اول جمعة ~~من رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الابرار فإنها من البدع التى لم ~~يستحبها السلف ولم يفعلوها والله سبحانه وتعالى أعلم PageV25P298 ### || 1 ( رسالة في بدع يوم عاشوراء ) 1 ### |||| وسئل شيخ الاسلام # عما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة ~~وطبخ الحبوب وإظهار السرور وغير ذلك إلى الشارع فهل ورد في ذلك عن النبى ~~حديث صحيح أم لا وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك ~~بدعة أم لا وما تفعله الطائفة الاخرى من المأتم والحزن والعطش وغير ذلك من ~~الندب والنياحة وقراءة المصروع وشق الجيوب هل لذلك اصل أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبى ~~ولا ms7458 عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا ~~غيرهم ولا روى اهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئا لا عن النبى ولا الصحابة ولا ~~التابعين لا صحيحا ولا ضعيفا لا في كتب الصحيح PageV25P299 ولا في السنن ~~ولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الاحاديث على عهد القرون الفاضلة # ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك احاديث مثل ما رووا ان من اكتحل يوم ~~عاشوراء لم يرمد من ذلك العام ومن إغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام ~~وامثال ذلك # ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء ورووا ان في يوم عاشوراء توبة آدم ~~واستواء السفينة على الجودي ورد يوسف على يعقوب وانجاء إبراهيم من النار ~~وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك # ورووا في حديث موضوع مكذوب على النبى ( انه من وسع على اهله يوم عاشوراء ~~وسع الله عليه سائر السنة ( ورواية هذا كله عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~كذب ولكنه معروف من رواية سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن ~~أبيه قال ( بلغنا انه من وسع على اهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ~~( وابراهيم بن محمد بن المنتشر من اهل الكوفة واهل الكوفة كان فيهم طائفتان ~~PageV25P300 # طائفة رافضة يظهرون موالاة اهل البيت وهم في الباطن اما ملاحدة زنادقة ~~واما جهال واصحاب هوى # وطائفة ناصبة تبغض عليا واصحابه لما جرى من القتال في الفتنة ما جرى # وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبى انه قال ( سيكون في ثقيف كذاب ومبير ( ~~فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفى وكان يظهر موالاة اهل البيت ~~والانتصار لهم وقتل عبيد الله بن زياد امير العراق الذي جهز السرية التى ~~قتلت الحسين بن على رضى الله عنهما ثم انه اظهر الكذب وادعى النبوة وان ~~جبريل عليه السلام ينزل عليه حتى قالوا لابن عمر وبن عباس قالوا لأحدهما ان ~~المختار بن أبي عبيد يزعم انه ينزل عليه فقال صدق قال الله تعالى ( هل ~~انبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ms7459 على كل افاك اثيم ( وقالوا للآخر ان ~~المختار يزعم انه يوحى إليه فقال صدق ( وإن الشياطين ليوحون إلى اوليائهم ~~ليجادلوكم ( # وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفى وكان منحرفا عن على واصحابه فكان ~~هذا من النواصب والاول من الروافض وهذا PageV25P301 الرافضى كان اعظم كذبا ~~وافتراء والحادا في الدين فانه ادعى النبوة وذاك كان اعظم عقوبة لمن خرج ~~على سلطانه وانتقاما لمن اتهمه بمعصية اميره عبد الملك بن مروان # وكان في الكوفة بين هؤلاء وهؤلاء فتن وقتال فلما قتل الحسين بن علي رضي ~~الله عنهما يوم عاشوراء قتلته الطائفة الظالمة الباغية وأكرم الله الحسين ~~بالشهادة كما اكرم بها من اكرم من اهل بيته اكرم بها حمزة وجعفر وأباه عليا ~~وغيرهم وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته وأعلى درجته فانه هو وأخوه ~~الحسن سيدا شباب أهل الجنة والمنازل العالية لا تنال الا بالبلاء كما قال ~~النبى لما سئل أي الناس اشد بلاء فقال ( الأنبياء ثم الصالحون ثم الامثل ~~فالامثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وان ~~كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشى على الأرض وليس ~~عليه خطيئة ( رواه الترمذى وغيره # فكان الحسن والحسين قد سبق لهما من الله تعالى ما سبق من المنزلة العالية ~~ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب فانهما ولدا في عز ~~الاسلام وتربيا في عز وكرامة والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما ومات النبى ~~ولم يستكملا سن التمييز PageV25P302 فكانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما ~~بما يلحقهما بأهل بيتهما كما ابتلى من كان افضل منهما فان على بن أبي طالب ~~افضل منهما وقد قتل شهيدا # وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس كما كان مقتل عثمان رضي ~~الله عنه من أعظم الاسباب التى أوجبت الفتن بين الناس وبسببه تفرقت الامة ~~إلى اليوم ولهذا جاء في الحديث ( ثلاث من نجا منهن فقد نجا موتى وقتل خليفة ~~مضطهد والدجال ( # فكان موت النبى من اعظم ms7460 الاسباب التى افتتن بها خلق كثير من الناس ~~وارتدوا عن الاسلام فأقام الله تعالى الصديق رضي الله عنه حتى ثبت الله به ~~الايمان واعاد به الامر إلى ما كان فأدخل أهل الردة في الباب الذى منه ~~خرجوا وأقر أهل الايمان على الدين الذي ولجوا فيه وجعل الله فيه من القوة ~~والجهاد والشدة على اعداء الله واللين لاولياء الله ما استحق به وبغيره ان ~~يكون خليفة رسول الله # ثم استخلف عمر فقهر الكفار من المجوس واهل الكتاب واعز الاسلام ومصر ~~الامصار وفرض العطاء ووضع الديوان ونشرالعدل وأقام السنة وظهر الاسلام في ~~ايامه ظهورا بان به تصديق قوله تعالى ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على PageV25P303 الدين كله وكفى بالله شهيدا ) وقوله تعالى ( ~~وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا ) وقول النبى صلى الله عليه وسلم ( اذا ~~هلك كسرى فلا كسرى بعده واذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسى بيده ~~لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ( فكان عمر رضى الله عنه هو الذى انفق كنوزهما ~~فعلم انه انفقها في سبيل الله وأنه كان خليفة راشدا مهديا ثم جعل الامر ~~شورى في ستة # فإتفق المهاجرون والانصار على تقديم عثمان بن عفان من غير رغبة بذلها لهم ~~ولا رهبة اخافهم بها وبايعوه بأجمعهم طائعين غير كارهين وجرى في آخر ايامه ~~اسباب ظهر بالشر فيها على أهل العلم أهل الجهل والعدوان وما زالوا يسعون في ~~الفتن حتى قتل الخليفة مظلوما شهيدا بغير سبب يبيح قتله وهو صابر محتسب لم ~~يقاتل مسلما # فلما قتل رضى الله عنه تفرقت القلوب وعظمت الكروب وظهرت الاشرار وذل ~~الاخيار وسعى في الفتنة من كان عاجزا عنها وعجز عن الخير والصلاح من كان ~~يحب إقامته # فبايعوا أمير المؤمنين على بن ابى طالب رضي الله عنه وهو احق الناس ~~بالخلافة حينئذ PageV25P304 وأفضل من بقي لكن كانت ms7461 القلوب متفرقة ونار ~~الفتنة متوقدة فلم تتفق الكلمة ولم تنتظم الجماعة ولم يتمكن الخليفة وخيار ~~الامة من كل ما يريدونه من الخير ودخل في الفرقة والفتنة اقوام وكان ما كان ~~إلى ان ظهرت الحرورية المارقة مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم فقاتلوا ~~امير المؤمنين عليا ومن معه فقتلهم بأمر الله ورسوله طاعة لقول النبى لما ~~وصفهم بقوله ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية اينما لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم اجرا عند الله لمن قتلهم ~~يوم القيامة ( وقوله ( تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم ادنى ~~الطائفتين إلى الحق ( اخرجاه في الصحيحين # فكانت هذه الحرورية هي المارقة وكان بين المؤمنين فرقة والقتال بين ~~المؤمنين لا يخرجهم من الايمان كما قال تعالى ( وان طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغي حتى ~~تفيء إلى امر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب ~~المقسطين انما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين اخويكم ) فبين سبحانه وتعالى انهم ~~مع الاقتتال وبغى بعضهم PageV25P305 على بعض مؤمنون اخوة وأمر بالاصلاح ~~بينهم فان بغت احداهما بعد ذلك قوتلت الباغية ولم يأمر بالاقتتال ابتداء # وأخبر النبى صلى الله عليه وسلم ان الطائفة المارقة يقتلها ادنى ~~الطائفتين إلى الحق فكان علي بن أبي طالب ومن معه هم الذين قاتلوهم فدل ~~كلام النبى على انهم ادنى إلى الحق من معاوية ومن معه مع ايمان الطائفتين # ثم إن عبد الرحمن بن ملجم من هؤلاء المارقين قتل امير المؤمنين عليا فصار ~~إلى كرامة الله ورضوانه شهيدا # 306 # وبايع الصحابة للحسن ابنه فظهرت فضيلته التى اخبر بها رسول الله في ~~الحديث الصحيح حيث قال ( ان ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ~~من المسلمين ( فنزل عن الولاية وأصلح الله به بين الطائفتين وكان هذا مما ~~مدحه به النبى واثنى عليه ودل ذلك على ان الاصلاح بينهما مما ms7462 يحبه الله ~~ورسوله ويحمده الله ورسوله # ثم إنه مات وصار إلى كرامة الله ورضوانه وقامت طوائف كاتبوا الحسين ~~ووعدوه بالنصر والمعاونة اذا قام بالأمر ولم يكونوا من اهل PageV25P306 ذلك ~~بل لما ارسل اليهم بن عمه اخلفوا وعده ونقضوا عهده واعانوا عليه من وعدوه ~~ان يدفعوه عنه ويقاتلوه معه # وكان اهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباس وبن عمر وغيرهما اشاروا عليه ~~بأن لا يذهب اليهم ولا يقبل منهم ورأوا ان خروجه اليهم ليس بمصلحة ولا ~~يترتب عليه ما يسر وكان الامر كما قالوا وكان امر الله قدرا مقدورا # فلما خرج الحسين رضي الله عنه ورأى ان الامور قد تغيرت طلب منهم ان يدعوه ~~يرجع أو يلحق ببعض الثغور أو يلحق بابن عمه يزيد فمنعوه هذا وهذا حتى ~~يستأسر وقاتلوه فقاتلهم فقتلوه وطائفة ممن معه مظلوما شهيدا شهادة أكرمه ~~الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين واهان بها من ظلمه واعتدى عليه ~~وأوجب ذلك شرا بين الناس # فصارت طائفة جاهلة ظالمة اما ملحدة منافقة واما ضالة غاوية تظهر موالاته ~~وموالاة اهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار ~~الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزى بعزاء الجاهلية PageV25P307 # والذى أمر الله به ورسوله في المصيبة اذا كانت جديدة انما هو الصبر ~~والاحتساب والاسترجاع كما قال تعالى ( وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم ~~مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون ) وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( ~~ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ( وقال ( انا بريء ~~من الصالقة والحالقة والشاقة ( وقال ( النائحة اذا لم تتب قبل موتها تقام ~~يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ( وفى المسند عن فاطمة بنت ~~الحسين عن ابيها الحسين عن النبى انه قال ( ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر ~~مصيبته وان قدمت فيحدث لها استرجاعا الا اعطاه الله من الأجر مثل اجره يوم ~~اصيب بها ( # وهذا من كرامة ms7463 الله للمؤمنين فان مصيبة الحسين وغيره اذا ذكرت بعد طول ~~العهد فينبغى للمؤمن ان يسترجع فيها كما أمر الله ورسوله ليعطى من الاجر ~~مثل اجر المصاب يوم اصيب بها # وإذا كان الله تعالى قد امر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد ~~PageV25P308 بالمصيبة فكيف مع طول الزمان فكان ما زينه الشيطان لاهل الضلال ~~والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتما وما يصنعون فيه من الندب والنياحة وانشاد ~~قصائد الحزن ورواية الاخبار التى فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه الا ~~تجديد الحزن والتعصب واثارة الشحناء والحرب والقاء الفتن بين اهل الاسلام ~~والتوسل بذلك إلى سب السابقين الاولين وكثرة الكذب والفتن في الدنيا ولم ~~يعرف طوائف الاسلام اكثر كذبا وفتنا ومعاونة للكفار على اهل الاسلام من هذه ~~الطائفة الضالة الغاوية فانهم شر من الخوارج المارقين # وأولئك قال فيهم النبى ( يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان ( وهؤلاء ~~يعاونون اليهود والنصارى والمشركين على اهل بيت النبى وامته المؤمنين كما ~~أعانوا المشركين من الترك والتتار على ما فعلوه ببغداد وغيرها بأهل بيت ~~النبوة ومعدن الرسالة ولد العباس وغيرهم من أهل البيت والمؤمنين من القتل ~~والسبى وخراب الديار وشر هؤلاء وضررهم على اهل الاسلام لا يحصيه الرجل ~~الفصيح في الكلام # فعارض هؤلاء قوم اما من النواصب المتعصبين على الحسين واهل PageV25P309 ~~بيته واما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر ~~بالشر والبدعة بالبدعة فوضعوا الاثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء ~~كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الاطعمة الخارجة عن ~~العادة ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم فصار هؤلاء يتخذون يوم ~~عاشوراء موسما كمواسم الاعياد والافراح واولئك يتخذونه مأتما يقيمون فيه ~~الاحزان والاتراح وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة وان كان اولئك اسوأ ~~قصدا واعظم جهلا وأظهر ظلما لكن الله امر بالعدل والاحسان وقد قال النبى ( ~~انه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الامور ~~فان كل بدعة ضلالة # ولم يسن ms7464 رسول الله ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئا من هذه ~~الامور لا شعائر الحزن والترح ولا شعائر السرور والفرح ولكنه لما قدم ~~المدينة وجد اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ( ما هذا فقالوا هذا يوم نجى ~~الله فيه موسى من الغرق فنحن نصومه فقال نحن أحق PageV25P310 بموسى منكم ~~فصامه وامر بصيامه ( وكانت قريش ايضا تعظمه في الجاهلية # واليوم الذي امر الناس بصيامه كان يوما واحدا فانه قدم المدينة في شهر ~~ربيع الاول فلما كان في العام القابل صام يوم عاشوراء وامر بصيامه ثم فرض ~~شهر رمضان ذلك العام فنسخ صوم عاشوراء # وقد تنازع العلماء هل كان صوم ذلك اليوم واجبا أو مستحبا على قولين ~~مشهورين اصحهما انه كان واجبا ثم انه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحبابا ~~ولم يأمر النبى ( ( العامة بصيامه بل كان يقول ( هذا يوم عاشوراء وانا صائم ~~فيه فمن شاء صام ( وقال ( صوم يوم عاشوراء يكفر سنة وصوم يوم عرفة يكفر ~~سنتين ( ولما كان آخر عمره وبلغه ان اليهود يتخذونه عيدا قال ( لئن عشت إلى ~~قابل لاصومن التاسع ( ليخالف اليهود ولا يشابههم في اتخاذه عيدا وكان من ~~الصحابة والعلماء من لا يصومه ولا يستحب صومه بل يكره افراده بالصوم كما ~~نقل ذلك عن طائفة من الكوفيين ومن العلماء من يستحب صومه PageV25P311 # والصحيح أنه يستحب لمن صامه ان يصوم معه التاسع لان هذا آخر امر النبى ~~صلى الله عليه وسلم لقوله ( لئن عشت إلى قابل لاصومن التاسع مع العاشر ( ~~كما جاء ذلك مفسرا في بعض طرق الحديث فهذا الذي سنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # وأما سائر الامور مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة اما حبوب واما غير حبوب ~~أو تجديد لباس أو توسيع نفقة أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم أو فعل عبادة ~~مختصة كصلاة مختصة به أو قصد الذبح أو ادخار لحوم الاضاحي ليطبخ بها الحبوب ~~أو الاكتحال أو الاختضاب أو الاغتسال أو التصافح أو التزاور أو زيارة ~~المساجد والمشاهد ونحو ذلك فهذا من ms7465 البدع المنكرة التى لم يسنها رسول الله ~~ولا خلفاؤه الراشدون ولا استحبها أحد من ائمة المسلمين لا مالك ولا الثوري ~~ولا الليث بن سعد ولا أبو حنيفة ولا الأوزاعي ولا الشافعي ولا أحمد بن حنبل ~~ولا إسحاق بن راهويه ولا امثال هؤلاء من أئمة المسلمين وعلماء المسلمين وان ~~كان بعض المتأخرين من اتباع الائمة قد كانوا يأمرون ببعض ذلك ويروون في ذلك ~~احاديث وأثارا ويقولون ( ان بعض ذلك صحيح فهم مخطئون غالطون بلا ريب عند ~~اهل PageV25P312 المعرفة بحقائق الامور وقد قال حرب الكرمانى في مسائله سئل ~~أحمد بن حنبل عن هذا الحديث ( من وسع على اهله يوم عاشوراء ( فلم يره شيئا # وأعلى ما عندهم اثر يروى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه انه قال ~~بلغنا ( انه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ( قال ~~سفيان بن عيينة جربناه منذ ستين عاما فوجدناه صحيحا وإبراهيم بن محمد كان ~~من اهل الكوفة ولم يذكر ممن سمع هذا ولا عمن بلغه فلعل الذي قال هذا من اهل ~~البدع الذين يبغضون عليا وأصحابه ويريدون ان يقابلوا الرافضة بالكذب مقابلة ~~الفاسد بالفاسد والبدعة بالبدعة # وأما قول بن عيينة فانه لا حجة فيه فان الله سبحانه انعم عليه برزقه وليس ~~في انعام الله بذلك ما يدل على أن سبب ذلك كان التوسيع يوم عاشوراء وقد وسع ~~الله على من هم افضل الخلق من المهاجرين والانصار ولم يكونوا يقصدون ان ~~يوسعوا على اهليهم يوم عاشوراء بخصوصه وهذا كما ان كثيرا من الناس ينذرون ~~نذرا لحاجة يطلبها فيقضي الله حاجته فيظن ان النذر كان السبب وقد ثبت ~~PageV25P313 في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ( انه نهى عن النذر ~~وقال انه لا يأتى بخير وانما يستخرج به من البخيل ( فمن ظن ان حاجته انما ~~قضيت بالنذر فقد كذب على الله ورسوله والناس مأمورون بطاعة الله ورسوله ~~واتباع دينه وسبيله واقتفاء هداه ودليله وعليهم ان يشكروا الله على ما عظمت ~~به النعمة حيث ms7466 بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وقد قال النبى في الحديث الصحيح ( ان خير الكلام كلام الله ~~وخير الهدى هدي محمد وشر الامور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ( # وقد إتفق أهل المعرفة والتحقيق ان الرجل لو طار في الهواء أو مشى على ~~الماء لم يتبع الا ان يكون موافقا لأمر الله ورسوله ومن رأى من رجل مكاشفة ~~أو تأثيرا فاتبعه في خلاف الكتاب والسنة كان من جنس اتباع الدجال فان ~~الدجال يقول للسماء امطري فتمطر ويقول للارض انبتى فتنبت ويقول للخربة ~~اخرجي كنوزك فتخرج معه كنوز الذهب والفضة ويقتل رجلا ثم يأمره ان يقوم ~~فيقوم وهو مع هذا كافر ملعون عدو لله قال النبى ( ما من نبى الا قد انذر ~~امته الدجال وانا انذركموه انه اعور PageV25P314 وان الله ليس بأعور مكتوب ~~بين عينيه كافر ك ف ر يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ واعلموا ان احدا منكم ~~لن يرى ربه حتى يموت ( وقد ثبت عنه في الصحيح انه قال ( اذا قعد احدكم في ~~الصلاة فليستعذ بالله من أربع يقول ( اللهم انى اعوذ بك من عذاب جهنم ومن ~~عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ( # وقال ( لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم انه رسول ~~الله ( وقال صلى الله عليه وسلم ( يكون بين يدي الساعة كذابون دجالون ~~يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فاياكم واياهم ( وهؤلاء تنزل عليهم ~~الشياطين وتوحي اليهم كما قال تعالى ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك اثيم يلقون السمع واكثرهم كاذبون ( ومن أول من ظهر من هؤلاء ~~المختار بن ابى عبيد المتقدم ذكره # ومن لم يفرق بين الاحوال الشيطانية والاحوال الرحمانية كان بمنزلة من سوى ~~بين محمد رسول الله وبين مسيلمة الكذاب فان مسيلمة كان له شيطان ينزل عليه ~~ويوحي إليه PageV25P315 # ومن علامات هؤلاء ان الاحوال اذا تنزلت عليهم وقت سماع المكاء والتصدية ~~ازبدوا وارعدوا كالمصروع وتكلموا بكلام لا يفقه معناه ms7467 فان الشياطين تتكلم ~~على السنتهم كما تتكلم على لسان المصروع # والأصل في هذا الباب أن يعلم الرجل ان اولياء الله هم الذين نعتهم الله ~~في كتابه حيث قال ( الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون ) فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا وفى الحديث ~~الصحيح عن النبى انه قال ( يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى ~~بالمحاربة وما تقرب الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلى بالنوافل حتى احبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذى يبصر ~~به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى ~~يمشي ولئن سألنى لاعطينه ولان استعاذنى لاعيذنه وما ترددت في شيء انا فاعله ~~ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه ( # ودين الاسلام مبني على اصلين على ان لا نعبد الا الله وان PageV25P316 ~~نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع قال تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا ) فالعمل الصالح ما احبه الله ورسوله ~~وهو المشروع المسنون ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه ~~اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لاحد فيه شيئا # ولهذا كانت اصول الاسلام تدور على ثلاثة احاديث قول النبى ( انما الاعمال ~~بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى ( وقوله ( من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو ~~رد ( وقوله ( الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور مشتبهات لا يعلمهن كثير ~~من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في ~~الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك ان يواقعه الا وان لكل ملك حمى الا وان ~~حمى الله محارمه الا وان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت ~~فسد الجسد كله الا وهي القلب ( والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ~~محمد ms7468 وآله وصحبه وسلم PageV25P317 ### || وسئل عما في الخميس ونحو ه من البدع ### ||||| فأجاب # اما بعد حمد الله والصلاة والسلام على محمد وصحبه وسلم فان الشيطان ~~قد سول لكثير ممن يدعى الاسلام فيما يفعلونه في اواخر صوم النصارى وهو ~~الخميس الحقير من الهدايا والافراح والنفقات وكسوة الاولاد وغير ذلك مما ~~يصير به مثل عيد المسلمين # وهذا الخميس الذي يكون في آخر صوم النصارى فجميع ما يحدثه الانسان فيه من ~~المنكرات فمن ذلك خروج النساء وتبخير القبور ووضع الثياب على السطح وكتابة ~~الورق وإلصاقها بالابواب واتخاذه موسما لبيع الخمور وشرائها ورقى البخور ~~مطلقا في ذلك الوقت أو غيره أو قصد شراء البخور المرقى فان رقى البخور ~~واتخاذه قربانا هو دين النصارى والصابئين وانما البخور طيب يتطيب بدخانه ~~كما يتطيب بسائر الطيب وكذلك تخصيصه بطبخ الاطعمة وغير ذلك من صبغ البيض ~~PageV25P318 # وأما القمار بالبيض وبيعه لمن يقامر به أو شراؤه من المقامرين فحكمه ظاهر # ومن ذلك ما يفعله النساء من اخذ ورق الزيتون أو الاغتسال بمائه فان اصل ~~ذلك ماء المعمودية ومن ذلك أيضا ترك الوظائف الراتبة من الصنائع والتجارات ~~أو حلق العلم في ايام عيدهم وإتخاذه يوم راحة وفرحة وغير ذلك فان النبى ~~نهاهم عن اليومين اللذين كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية ونهى النبى صلى ~~الله عليه وسلم عن الذبح بالمكان اذا كان المشركون يعبدون فيه ويفعلون ~~امورا يقشعر منها قلب المؤمن الذي لم يمت قلبه بل يعرف المعروف وينكر ~~المنكر كما لا يتشبه بهم فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك بل ينهى عن ~~ذلك # فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في اعيادهم لم تجب دعوته ومن اهدى من ~~المسلمين هدية في هذه الاعياد مخالفة للعادة في سائر الاوقات لم تقبل هديته ~~خصوصا ان كانت الهدية مما يستعان به على التشبه بهم مثل اهداء الشمع ونحوه ~~في الميلاد واهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في اخر صومهم ~~وهو الخميس الحقير ولا PageV25P319 يبايع المسلم ما يستعين به المسلمون على ~~مشابهتهم في العيد ms7469 من الطعام واللباس والبخور لأن في ذلك اعانة على المنكر # وقال الشيخ رضي الله عنه # ونذكر أشياء من منكرات دين النصارى لما رأيت طوائف من المسلمين قد ابتلى ~~ببعضها وجهل كثير منهم انها من دين النصارى الملعون هو وأهله وقد بلغنى ~~انهم يخرجون في الخميس الحقير الذي قبل ذلك أو السبت أو غير ذلك إلى القبور ~~وكذلك يبخرون في هذه الاوقات وهم يعتقدون ان في البخور بركة ودفع مضرة ~~ويعدونه من القرابين مثل الذبائح ويرقونه بنحاس يضربونه كانه ناقوس صغير ~~وبكلام مصنف ويصلبون على ابواب بيوتهم إلى غير ذلك من الامور المنكرة حتى ~~ان الاسواق تبقى مملوءة اصوات النواقيس الصغار وكلام الرقايين من المنجمين ~~وغيرهم بكلام اكثره باطل وفيه ما هو محرم أو كفر # وقد القى إلى جماهير العامة أو جميعهم الا من شاء الله واعنى PageV25P320 ~~بالعامة هنا كل من لم يعلم حقيقة الاسلام فان كثيرا ممن ينسب إلى فقه ودين ~~قد شاركهم في ذلك القى اليهم ان هذا البخور المرقى ينفع ببركته من العين ~~والسحر والادواء والهوام ويصورون صور الحيات والعقارب ويلصقونها في بيوتهم ~~زعما ان تلك الصور الملعون فاعلها التى لا تدخل الملائكة بيتا هي فيه تمنع ~~الهوام وهو ضرب من طلاسم الصابئة ثم كثير منهم على ما بلغنى يصلب باب البيت ~~ويخرج خلق عظيم في الخميس الحقير المتقدم وعلى هذا يبخرون القبور ويسمون ~~هذا المتأخر الخميس الكبير وهو عند الله الخميس المهين الحقير هو واهله ومن ~~يعظمه فان كل ما عظم بالباطل من مكان أو زمان أو حجر أو شجر أو بنية يجب ~~قصد اهانته كما تهان الاوثان المعبودة وان كانت لولا عبادتها لكانت كسائر ~~الاحجار # ومما يفعله الناس من المنكرات انهم يوظفون على الفلاحين وظائف اكثرها ~~كرها من الغنم والدجاج واللبن والبيض يجتمع فيها تحريمان اكل مال المسلم ~~والمعاهد بغير حق واقامة شعار النصارى ويجعلونه ميقاتا لإخراج الوكلاء على ~~المزارع ويطبخون منه ويصطبغون فيه البيض وينفقون فيه النفقات الواسعة ~~ويزينون أولادهم PageV25P321 إلى غير ذلك من الامور ms7470 التى يقشعر منها قلب ~~المؤمن الذي لم يمت قلبه بل يعرف المعروف وينكر المنكر وخلق كثير منهم ~~يضعون ثيابهم تحت السماء رجاء لبركة نزول مريم عليها فهل يستريب من في قلبه ~~أدنى حبة من الايمان ان شريعة جاءت بما قدمنا بعضه من مخالفة اليهود ~~والنصارى لا يرضى من شرعها ببعض هذه القبائح واصل ذلك كله انما هو اختصاص ~~اعياد الكفار بأمر جديد أو مشابهتهم في بعض امورهم فيوم الخميس هو عندهم ~~يوم عيد المائدة ويوم الاحد يسمونه عيد الفصح وعيد النور والعيد الكبير ~~ولما كان عيدا صاروا يصنعون لاولادهم فيه البيض المصبوغ ونحوه لانهم فيه ~~ياكلون ما يخرج من الحيوان من لحم ولبن وبيض اذ صومهم هو عن الحيوان وما ~~يخرج منه وعامة هذه الاعمال المحكية عن النصارى وغيرها مما لم يحك قد زينها ~~الشيطان لكثير ممن يدعى الاسلام وجعل لها في قلوبهم مكانة وحسن ظن وزادوا ~~في بعض ذلك ونقصوا وقدموا واخروا وكل ما خصت به هذه الايام من افعالهم ~~وغيرها فليس للمسلم ان يشابههم في أصله ولا في وصفه ومن ذلك ايضا انهم ~~يكسون بالحمرة دوابهم ويصبغون الاطعمة التى لا تكاد تفعل في عيد الله ~~ورسوله ويتهادون الهدايا التى تكون في مثل مواسم الحج وعامتهم قد نسوا اصل ~~ذلك PageV25P322 وبقى عادة مطردة وهذا كله تصديق قول النبى ( لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم ( واذا كانت المتابعة في القليل ذريعة ووسيلة إلى بعض هذه ~~القبائح كانت محرمة فكيف اذا افضت إلى ما هو كفر بالله من التبرك بالصليب ~~والتعمد في المعمودية # وقول القائل المعبود واحد وان كانت الطرق مختلفة ونحو ذلك من الاقوال ~~والافعال التى تتضمن إما كون الشريعة النصرانية أو اليهودية المبدلين ~~المنسوخين موصلة إلى الله واما استحسان بعض ما فيها مما يخالف دين الله أو ~~التدين بذلك أو غير ذلك مما هو كفر بالله ورسوله وبالقرآن وبالاسلام بلا ~~خلاف بين الامة واصل ذلك المشابهة والمشاركة # وبهذا يتبين لك كمال موقع الشريعة الحنيفية وبعض حكم ما شرع الله لرسوله ms7471 ~~( من ) مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة الامور لتكون المخالفة احسم لمادة ~~الشر وابعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس فينبغي للمسلم اذا طلب منه أهله ~~وأولاده شيئا من ذلك ان يحيلهم على ما عند الله ورسوله ويقضي لهم في عيد ~~الله من الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره فان لم يرضوا فلا حول ولا قوة ~~الا PageV25P323 بالله ومن اغضب اهله لله أرضاه الله وأرضاهم # فليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك وفى الصحيحين عن اسامة بن زيد قال ~~قال رسول الله ( ما تركت بعدي فتنة اضر على الرجال من النساء ( وأكثر ما ~~يفسد الملك والدول طاعة النساء ففى صحيح البخارى عن ابى بكرة قال قال رسول ~~الله ( لا افلح قوم ولوا أمرهم امرأة ( وروى ايضا ( هلكت الرجال حين اطاعت ~~النساء ( وقد قال لامهات المؤمنين لما راجعنه في تقديم ابى بكر ( انكن ~~صواحب يوسف ( يريد ان النساء من شأنهن مراجعة ذى اللب كما قال في الحديث ~~الاخر ( ما رايت من ناقصات عقل ودين أغلب للب ذي اللب من احداكن ( ولما ~~انشده الاعشى اعشى باهلة ابياته التى يقول فيها ( % وهن شر غالب لمن غلب % ~~( جعل النبى صلى الله عليه وسلم يرددها ويقول ( وهن شر غالب لمن غلب ( ~~ولذلك إمتن الله سبحانه على زكريا حيث قال ( وأصلحنا له زوجه ) قال بعض ~~العلماء ينبغي للرجل ان يجتهد إلى الله في إصلاح زوجته # PageV25P324 # وقد قال ( من تشبه بقوم فهو منهم ( وقد روى البيهقى باسناد صحيح في ( باب ~~كراهية الدخول على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم والتشبه بهم يوم نيروزهم ~~ومهرجانهم ) عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار # قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( لا تعلموا رطانة الاعاجم ولا ~~تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فان السخط ينزل عليهم ( فهذا عمر ~~قد نهى عن تعلم لسانهم وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم فكيف من يفعل ~~بعض أفعالهم أو قصد ما هو من مقتضيات دينهم اليست موافقتهم في العمل ms7472 أعظم ~~من موافقتهم في اللغة أو ليس عمل بعض اعمال عيدهم اعظم من مجرد الدخول ~~عليهم في عيدهم واذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم فمن يشركهم ~~في العمل أو بعضه أليس قد تعرض لعقوبة ذلك # ثم قوله ( اجتنبوا اعداء الله في عيدهم ( أليس نهيا عن لقائهم والاجتماع ~~بهم فيه فكيف بمن عمل عيدهم وقال بن عمر في كلام له من صنع نيروزهم ~~ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم وقال عمر اجتنبوا اعداء الله في ~~عيدهم ونص الامام أحمد على انه PageV25P325 لا يجوز شهود اعياد اليهود ~~والنصارى واحتج بقول الله تعالى ( والذين لا يشهدون الزور ) قال الشعانين ~~واعيادهم وقال عبد الملك بن حبيب من اصحاب مالك في كلام له قال فلا يعاونون ~~على شيء من عيدهم لان ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين ~~ان ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك وغيره لم اعلم انه اختلف فيه # وأكل ذبائح اعيادهم داخل في هذا الذي اجتمع على كراهيته بل هو عندي اشد ~~وقد سئل أبو القاسم عن الركوب في السفن التى تركب فيها النصارى إلى اعيادهم ~~فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم بشركهم الذى إجتمعوا عليه وقد قال الله ~~تعالى ( يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم ~~اولياء بعض ومن يتولهم منكم ) فيوافقهم ويعينهم ( فانه منهم ) # وروى الامام أحمد بإسناد صحيح عن ابى موسى قال قلت لعمر ان لي كاتبا ~~نصرانيا قال مالك قاتلك الله أما سمعت الله تعالى يقول ( يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم اولياء بعض ) ألا اتخذت ~~حنيفيا قال قلت يا امير المؤمنين لى PageV25P326 كتابته وله دينه قال لا ~~اكرمهم اذ اهانهم الله ولا أعزهم اذ اذلهم الله ولا ادنيهم اذ اقصاهم الله ~~وقال الله تعالى ( والذين لا يشهدون الزور ) قال مجاهد أعياد المشركين ~~وكذلك قال الربيع بن انس وقال القاضي أبو يعلى ( مسألة في النهى عن حضور ~~اعياد المشركين ) وروى أبو الشيخ الاصبهانى بإسناده ms7473 في شروط اهل الذمة عن ~~الضحاك في قوله ( والذين لا يشهدون الزور ) قال عيد المشركين وبإسناده عن ~~سنان عن الضحاك ( والذين لا يشهدون الزور ) كلام المشركين وروى بإسناده عن ~~بن سلام عن عمرو بن مرة ( والذين لا يشهدون الزور ) لا يماكثون أهل الشرك ~~على شركهم ولا يخالطونهم # وقد دل الكتاب وجاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه ~~الراشدين التى اجمع اهل العلم عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم ايقاد النار ~~والفرح بها من شعار المجوس عباد النيران والمسلم يجتهد في احياء السنن ~~واماتة البدع ففي الصحيحين عن ابى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله PageV25P327 عليه وسلم ( ان اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ( ~~وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( وقد ~~امرنا الله تعالى ان نقول في صلاتنا ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) والله سبحانه أعلم ~~PageV25P328 ### |||| وسئل # عمن يفعل من المسلمين مثل طعام النصارى في النيروز ويفعل سائر المواسم ~~مثل الغطاس والميلاد وخميس العدس وسبت النور ومن يبيعهم شيئا يستعينون به ~~على اعيادهم ايجوز للمسلمين ان يفعلوا شيئا من ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يحل للمسلمين ان يتشبهوا بهم في شيء مما يختص ~~باعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا إغتسال ولا ايقاد نيران ولا تبطيل عادة ~~من معيشة أو عبادة أو غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا الاهداء ولا البيع بما ~~يستعان به على ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في ~~الاعياد ولا اظهار زينة # وبالجملة ليس لهم ان يخصوا اعيادهم بشيء من شعائرهم بل يكون يوم عيدهم ~~عند المسلمين كسائر الايام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم PageV25P329 # واما اذا اصابه المسلمون قصدا فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف وأما ~~تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء بل قد ذهب طائفة من العلماء ~~إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها من تعظيم ms7474 شعائر الكفر وقال طائفة منهم ~~من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرا # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص من تأسى ببلاد الاعاجم وصنع نيروزهم ~~ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة وفى سنن ابى ~~داود عن ثابت بن الضحاك قال ( نذر رجل على عهد رسول الله ان ينحر إبلا ~~ببوانة فأتى رسول الله فقال اني نذرت ان انحر ابلا ببوانة فقال النبى هل ~~كان فيها من وثن يعبد من دون الله من اوثان الجاهلية قال لا قال فهل كان ~~فيها عيد من اعيادهم قال لا قال رسول الله أوف بنذرك فانه لا وفاء لنذر في ~~معصية الله ولا فيما لا يملك بن آدم ( فلم يأذن النبى لهذا الرجل ان يوفى ~~بنذره مع ان الاصل في الوفاء ان يكون واجبا حتى اخبره انه لم يكن بها عيد ~~من اعياد الكفار وقال ( لا وفاء لنذر في PageV25P330 معصية الله ( # فإذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية فكيف بمشاركتهم في نفس العيد ~~بل قد شرط عليهم امير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة وسائر ائمة المسلمين ~~ان لا يظهروا اعيادهم في دار المسلمين وانما يعملونها سرا في مساكنهم فكيف ~~اذا اظهرها المسلمون انفسهم حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( لا ~~تتعلموا رطانة الاعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فان ~~السخط ينزل عليهم ( # وإذا كان الداخل لفرجة أو غيرها منهيا عن ذلك لان السخط ينزل عليهم فكيف ~~بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم مما هي من شعائر دينهم وقد قال غير واحد من ~~السلف في قوله تعالى ( والذين لا يشهدون الزور ) قالوا اعياد الكفار فاذا ~~كان هذا في شهودها من غير فعل فكيف بالافعال التى هي من خصائصها # وقد روى عن النبى في المسند والسنن انه قال ( من تشبه بقوم فهو منهم ( ~~وفي لفظ ( ليس منا من تشبه بغيرنا ( وهو حديث جيد فاذا كان هذا في التشبه ~~بهم وان كان PageV25P331 من العادات فكيف ms7475 التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك # وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه ~~لأعيادهم وقرابينهم إدخالا له فيما أهل به لغير الله وما ذبح على النصب ~~وكذلك نهوا عن معاونتهم على أعيادهم باهداء أو مبايعة وقالوا انه لا يحل ~~للمسلمين ان يبيعوا للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا دما ولا ثوبا ~~ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم لان ذلك من تعظيم شركهم ~~وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين ان ينهوا المسلمين عن ذلك لان الله تعالى ~~يقول ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) # ثم ان المسلم لا يحل له ان يعينهم على شرب الخمور بعصرها أو نحو ذلك فكيف ~~على ما هو من شعائر الكفر وإذا كان لا يحل له ان يعينهم هو فكيف اذا كان هو ~~الفاعل لذلك والله أعلم قاله أحمد بن تيمية PageV25P332 ### || 1 ( الحج ) 1 ### |||| سئل شيخ الاسلام رحمه الله ورضي عنه # عن العمرة هل هي واجبة وإن كان فما ~~الدليل عليه ### ||||| فأجاب ! 8 < ### ||||| فصل # والعمرة في وجوبها قولان للعلماء هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد ~~والمشهور عنهما وجوبها والقول الآخر لا تجب وهو مذهب أبي حنيفة ومالك # وهذا القول أرجح فإن الله إنما أوجب الحج بقوله ( ولله على الناس حج ~~البيت ( لم يوجب العمرة وإنما أوجب إتمامهما فأوجب إتمامهما لمن شرع فيهما ~~وفى الإبتداء إنما أوجب الحج وهكذا سائر الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا ~~إيجاب الحج ولأن العمرة ليس فيها جنس غير ما في الحج فإنها إحرام وإحلال ~~وطواف بالبيت وبين PageV26P005 الصفا والمروة وهذا كله داخل في الحج # وإذا كان كذلك فأفعال الحج لم يفرض الله منها شيئا مرتين فلم يفرض وقتين ~~ولا طوافين ولا سعيين ولا فرض الحج مرتين # وطواف الوداع ليس بركن بل هو واجب وليس هو من تمام الحج ولكن كل من خرج ~~من مكة عليه أن يودع ولهذا من أقام بمكة لا يودع على الصحيح فوجوبه ليكون ~~آخر ms7476 عهد الخارج بالبيت كما وجب الدخول بالإحرام في أحد قولي العلماء لسبب ~~عارض لاكون ذلك واجبا بالإسلام كوجوب الحج # ولأن الصحابة المقيمين بمكة لم يكونوا يعتمرون بمكة لا على عهد النبى صلى ~~الله عليه وسلم ولا على عهد خلفائه بل لم يعتمر أحد عمرة بمكة على عهد ~~النبى صلى الله عليه وسلم إلا عائشة وحدها لسبب عارض وقد بسطنا الكلام على ~~ذلك في غير هذا الموضع ### |||| وسئل # عمن حج ولم يعتمر وتركها إما عامدا أو ناسيا فهل تسقط PageV26P006 ~~عنه بالحج أم لا وهل ذكر أحد في ذلك خلافا أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين العمرة في وجوبها قولان مشهوران للعلماء هما ~~قولان للشافعي وروايتان عن أحمد والمشهور عن أصحابهما وجوبها ولكن القول ~~بعدم وجوبها قول الأكثرين كمالك وأبي حنيفة وكلا القولين منقول عن بعض ~~الصحابة # والأظهر أن العمرة ليست واجبة وأن من حج ولم يعتمر فلا شيء عليه سواء ترك ~~العمرة عامدا أو ناسيا لأن الله إنما فرض في كتابه حج البيت بقوله ( ولله ~~على الناس حج البيت ( ولفظ الحج في القرآن لا يتناول العمرة بل هو سبحانه ~~إذا أراد العمرة ذكرها مع الحج كقوله ( واتموا الحج والعمرة لله ( وقوله ( ~~فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ( فلما أمر بالإتمام أمر ~~بإتمام الحج والعمرة وهذه الآية نزلت عام الحديبية سنة ست باتفاق الناس ~~وآية آل عمران نزلت بعد ذلك سنة تسع أو عشر وفيها فرض الحج # ولهذا كان أصح القولين أن فرض الحج كان متأخرا ومن قال انه فرض سنة ست ~~فإنه احتج بآية الإتمام وهو غلط فإن الآية إنما أمر فيها بإتمامهما لمن شرع ~~فيهما لم يأمر فيها بابتداء الحج والعمرة والنبى صلى الله عليه وسلم اعتمر ~~عمرة الحديبية قبل أن تنزل هذه PageV26P007 الآية ولم يكن فرض عليه لا حج ~~ولا عمرة ثم لما صده المشركون أنزل الله هذه الآية فأمر فيها بإتمام الحج ~~والعمرة وبين حكم المحصر الذي تعذر عليه الإتمام ولهذا اتفق ms7477 الأئمة على أن ~~الحج والعمرة يلزمان بالشروع فيجب إتمامهما وتنازعوا في الصيام والصلاة ~~والإعتكاف # وأيضا فإن العمرة ليس فيها جنس من العمل غير جنس الحج فإنها إحرام وطواف ~~وسعي وإحلال وهذا كله موجود في الحج والحج إنما فرضه الله مرة واحدة لم ~~يفرضه مرتين ولا فرض شيئا من فرائضه مرتين لم يفرض فيه وقوفين ولا طوافين ~~بل الفرض طواف الإفاضة وأما طواف الوداع فليس من الحج وإنما هو لمن أراد ~~الخروج من مكة ولهذا لا يطوف من أقام بمكة وليس فرضا على كل أحد بل يسقط عن ~~الحائض ولو لم يفعله لأجزأه دم ولم يبطل الحج بتركه بخلاف طواف الفرض ~~والوقوف وكذلك السعي لا يجب إلا مرة واحدة والرمي يوم النحر لا يجب إلا مرة ~~واحدة ورمي كل جمرة في كل يوم لا يجب إلا مرة واحدة وكذلك الحلق والتقصير ~~لا يجب إلا مرة واحدة # فإذا كانت العمرة ليس فيها عمل غير أعمال الحج وأعمال الحج إنما فرضها ~~الله مرة لا مرتين علم أن الله لم يفرض العمرة PageV26P008 # والحديث المأثور في ( أن العمرة هي الحج الأصغر ( قد احتج به بعض من أوجب ~~العمرة وهو إنما يدل على أنها لا تجب لأن هذا الحديث دال على حجين أكبر ~~وأصغر كما دل على ذلك القرآن في قوله ( يوم الحج الأكبر ( واذا كان كذلك ~~فلو أوجبناها لأوجبنا حجين أكبر وأصغر والله تعالى لم يفرض حجين وإنما أوجب ~~حجا واحدا والحج المطلق إنما هو الحج الأكبر وهو الذي فرضه الله على عباده ~~وجعل له وقتا معلوما لا يكون في غيره كما قال ( يوم الحج الأكبر ( بخلاف ~~العمرة فإنها لا تختص بوقت بعينه بل تفعل في سائر شهور العام # ولأن العمرة مع الحج كالوضوء مع الغسل والمغتسل للجنابة يكفيه الغسل ولا ~~يجب عليه الوضوء عند جمهور العلماء فكذلك الحج فإنهما عبادتان من جنس واحد ~~صغرى وكبرى فإذا فعل الكبرى لم يجب عليه فعل الصغرى ولكن فعل الصغري أفضل ~~وأكمل كما أن الوضوء مع الغسل أفضل ms7478 وأكمل # وهكذا فعل النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لكنه أمرهم بأمر التمتع وقال ~~( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ( كما قد بسط في موضع آخر والله ~~أعلم PageV26P009 ### |||| وسئل # عن امرأة حجت حجة الإسلام وما اعتمرت وفى العام الثاني قصدت أن تحج ~~عن بنتها وكانت بالأول أحرمت بحج وعمرة فهل عليها عمرة أخرى ### ||||| فأجاب # لا عمرة عليها لما مضي وأما إذا اعتمرت في هذا العام عن نفسها غير ~~العمرة عن بنتها جاز ذلك ### |||| وسئل رحمه الله # ماذا يقول أهل العلم في رجل %~% آتاه ذو العرش مالا حج واعتمرا # فهزه الشوق نحو المصطفى طربا %~% أترون الحج أفضل أم إيثاره الفقرا # أم حجه عن أبيه ذاك أفضل أم %~% ماذا الذي يا سادتى ظهرا PageV26P010 # فأفتوا محبا لكم فديتكمو %~% وذكركم دأبه إن غاب أو حضرا ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # نقول فيه بأن الحج أفضل من %~% فعل التصدق والإعطاء للفقراء # والحج عن والديه فيه برهما %~% والأم أسبق في البر الذي ذكرا # لكن إذا الفرض خص الأب كان إذا %~% هو المقدم فيما يمنع الضررا # كما إذا كان محتاجا إلى صلة %~% وأمه قد كفاها من بريء البشرا # هذا جوابك يا هذا موازنة %~% وليس مفتيك معدودا من الشعراء PageV26P011 ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة تملك زيادة عن نحو ألف درهم ونوت أن تهب ثيابها لبنتها فهل ~~الأفضل أن تبقي قماشها لبنتها أو تحج بها ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم تحج بهذا المال وهو ألف درهم ونحوها وتزوج البنت ~~بالباقي إن شاءت فإن الحج فريضة مفروضة عليها إذا كانت تستطيع إليه سبيلا ~~ومن لها هذا المال تستطيع السبيل ### |||| وسئل # عن شيخ كبير وقد انحلت أعضاؤه لا يستطيع أن يأكل أو يشرب ولا يتحرك هل ~~يجوز أن يستأجر من يحج عنه الفرض ### ||||| فأجاب # أما الحج فإذا لم يستطع الركوب على الدابة فإنه يستنيب من يحج عنه ~~PageV26P012 ### |||| وسئل # هل يجوز أن تحج المرأة بلا محرم ### ||||| فأجاب # إن كانت من القواعد اللاتى لم يحضن وقد يئست من النكاح ولا محرم ~~لها فإنه يجوز ms7479 في أحد قولي العلماء أن تحج مع من تأمنه وهو إحدى الروايتين ~~عن أحمد ومذهب مالك والشافعي # وقال رحمه الله ### ||| فصل # يجوز للمرأة أن تحج عن إمرأة أخرى باتفاق العلماء سواء كانت بنتها أو غير ~~بنتها وكذلك يجوز أن تحج المرأة عن الرجل عند الأئمة الأربعة وجمهور ~~العلماء كما أمر النبى صلى الله عليه وسلم المرأة الخثعمية أن تحج عن أبيها ~~لما قالت يا رسول الله إن فريضة PageV26P013 الله في الحج على عباده أدركت ~~أبي وهو شيخ كبير فأمرها النبى صلى الله عليه وسلم أن تحج عن أبيها مع أن ~~إحرام الرجل أكمل من إحرامها والله أعلم # وقال رحمه الله ### ||| فصل # في الحج عن الميت أو المعضوب بمال يأخذه إما نفقة فإنه جائز بالإتفاق أو ~~بالإجارة أو بالجعالة على نزاع بين الفقهاء في ذلك سواء كان المال المحجوج ~~به موصى به لمعين أو عين مطلق أو مبذول أو مخرج من صلب التركة فمن أصحاب ~~الشافعي من استحب ذلك وقال هو من أطيب المكاسب لأنه يعمل صالحا ويأكل طيبا ~~والمنصوص عن أحمد أنه قال لا أعرف في السلف من كان يعمل هذا وعده بدعة ~~وكرهه ولفظ نصه مكتوب في غير هذا الموضع ولم يكره إلا الإجارة والجعالة قلت ~~حقيقة الأمر في ذلك أن الحاج يستحب له ذلك إذا كان مقصوده أحد شيئين ~~الإحسان إلى المحجوج عنه أو نفس PageV26P014 الحج لنفسه # وذلك أن الحج عن الميت إن كان فرضا فذمته متعلقة به فالحج عنه إحسان إليه ~~بإبراء ذمته بمنزلة قضاء دينه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم للخثعمية ( ~~أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزئ عنه قالت نعم قال فالله أحق ~~بالقضاء ( وكذلك ذكر هذا المعنى في عدة أحاديث بين أن الله لرحمته وكرمه ~~أحق بأن يقبل قضاء الدين عمن قضي عنه فإذا كان مقصود الحاج قضاء هذا الدين ~~الواجب عن هذا فهذا محسن إليه والله يحب المحسنين فيكون مستحبا وهذا غالبا ~~إنما يكون لسبب يبعثه على الإحسان إليه ms7480 مثل رحم بينهما أو مودة وصداقة أو ~~إحسان له عليه يجزيه به ويأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه ~~وعلامة ذلك أن يطلب مقدار كفاية حجه ولهذا جوزنا نفقة الحج بلا نزاع وكذلك ~~لو وصى بحجة مستحبة وأحب إيصال ثوابها إليه # والموضع الثاني إذا كان الرجل مؤثرا أن يحج محبة للحج وشوقا إلى المشاعر ~~وهو عاجز فيستعين بالمال المحجوج به على الحج وهذا قد يعطي المال ليحج به ~~لا عن أحد كما يعطي المجاهد المال ليغزو به فلا شبهة فيه فيكون لهذا أجر ~~الحج ببدنه ولهذا أجر الحج بماله كما في الجهاد فإنه من جهز غازيا فقد غزا ~~وقد يعطي PageV26P015 المال ليحج به عن غيره فيكون مقصود المعطي الحج عن ~~المعطي عنه ومقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحج لا بنفس الإحسان ~~إلى الغير # وهذا يتوجه على أصل أبي حنيفة حيث قال الحج يقع عن الحاج وللمعطي أجر ~~الإنفاق كالجهاد وعلى أصلنا فإن المصلي والصائم والمتصدق عن الغير والحاج ~~عن الغير له قصد صالح في ذلك العمل وقصد صالح في عمله عن الغير وإذا كان ~~النبى صلى الله عليه وسلم قد قال ( الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به ~~كاملا موفرا طيبة به نفسه أحد المتصدقين ( فجعل للوكيل مثل الموكل في ~~الصدقة وهو نائب وقال ( إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها ~~أجرها بما أنفقت وللزوج أجره بما اكتسب وللخادم مثل ذلك ( فكذلك النائب في ~~الحج وسائر ما يقبل النيابة من الأعمال له أجر وللمستنيب أجر # وهذا أيضا إنما يأخذ ما ينفقه في الحج كما لا يأخذ إلا ما ينفقه في الغزو ~~فهاتان صورتان مستحبتان وهما الجائزتان من أن يأخذ نفقة الحج ويرد الفضل ~~وأما إذا كان قصده الإكتساب بذلك وهو أن يستفضل مالا فهذا صورة الإجارة ~~والجعالة والصواب أن هذا لا يستحب وإن قيل بجوازه لأن العمل المعمول للدنيا ~~ليس بعمل صالح في نفسه إذا لم يقصد PageV26P016 به إلا المال فيكون ms7481 من نوع ~~المباحات ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس له في الآخرة من خلاق # ونحن إذا جوزنا الإجارة والجعالة على أعمال البر التى يختص أن يكون ~~فاعلها من أهل القرب لم نجعلها في هذه الحال إلا بمنزلة المباحات لا نجعلها ~~من ( باب القرب ( فإن الأقسام ثلاثة إما أن يعاقب على العمل بهذه النية أو ~~يثاب أو لا يثاب ولا يعاقب # وكذلك المال المأخوذ إما منهي عنه وإما مستحب وإما مباح فهذا هذا والله ~~أعلم لكن قد رجحت الإجارة على إذا كان محتاجا إلى ذلك المال للنفقة مدة ~~الحج وللنفقة بعد رجوعه أو قضاء دينه فيقصد إقامة النفقة وقضاء الدين ~~الواجب عليه فهنا تصير الأقسام ثلاثة إما أن يقصد الحج والإحسان فقط أو ~~يقصد النفقة المشروعة له فقط أو يقصد كلاهما فمتى قصد الأول فهو حسن وإن ~~قصدهما معا فهو حسن إن شاء الله لأنهما مقصودان صالحان وأما إن لم يقصد إلا ~~الكسب لنفقته فهذا فيه نظر والمسألة مشروحة في مواضع PageV26P017 ### |||| وسئل # عن امرأة حجت وقصدت أن تحج عن ميتة بأجرة فهل لها أن تحج ### ||||| فأجاب # يجوز أن تحج عن الميت بمال يؤخذ على وجه النيابة بالاتفاق وإما على ~~وجه الإجارة ففيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد # إحداهما يجوز وهو قول الشافعي # والثاني لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة ثم هذه الحاجة عن الميت إن كان قصدها ~~الحج أو نفع الميت كان لها في ذلك أجر وثواب وإن كان ليس مقصودها إلا أخذ ~~الأجرة فمالها في الآخرة من خلاق ### |||| وسئل # عمن حج عن الغير ليوفي PageV26P018 دينه ### ||||| فأجاب # أما الحاج عن الغير لأن يوفي دينه فقد اختلف فيها العلماء أيهما ~~أفضل والأصح أن الأفضل الترك فإن كون الإنسان يحج لأجل أن يستفضل شيئا من ~~النفقة ليس من أعمال السلف حتى قال الإمام أحمد ما أعلم أحدا كان يحج عن ~~أحد بشيء ولو كان هذا عملا صالحا لكانوا إليه مبادرين والإرتزاق بأعمال ~~البر ليس من شأن الصالحين أعنى اذا كان إنما مقصوده ms7482 بالعمل اكتساب المال ~~وهذا المدين يأخذ من الزكاة ما يوفي به دينه خير له من أن يقصد أن يحج ~~ليأخذ دراهم يوفي بها دينه ولا يستحب للرجل أن يأخذ ما لا يحج به عن غيره ~~إلا لأحد رجلين # إما رجل يحب الحج ورؤية المشاعر وهو عاجز فيأخذ ما يقضي به وطره الصالح ~~ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج # أو رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت عن الحج إما لصلة بينهما أو لرحمة عامة ~~بالمؤمنين ونحو ذلك فيأخذ ما يأخذ ليؤدي به ذلك وجماع هذا أن المستحب أن ~~يأخذ ليحج لا أن يحج ليأخذ وهذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح فمن ~~ارتزق ليتعلم أو ليعلم أو ليجاهد فحسن كما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( مثل الذين يغزون من أمتى ويأخذون أجورهم مثل أم موسى ترضع ابنها ~~وتأخذ أجرها ( شبههم بمن يفعل الفعل PageV26P019 لرغبة فيه كرغبة أم موسى ~~في الإرضاع بخلاف الظئر المستأجر على الرضاع اذا كانت أجنبية وأما من اشتغل ~~بصورة العمل الصالح لأن يرتزق فهذا من أعمال الدنيا # ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة ومن تكون الدنيا مقصوده ~~والدين وسيلة والأشبه أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق كما دلت عليه نصوص ~~ليس هذا موضعها ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل عليه دين لشخص غائب ببغداد والمديون مقيم بمصر وهو معسر وقصد شخص ~~أن يحج به من عنده فهل يجوز له أن يحج وعليه الدين ### ||||| فأجاب # نعم يجوز أن يحج المدين المعسر اذا حججه غيره ولم يكن في ذلك إضاعة ~~لحق الدين إما لكونه عاجزا عن الكسب وإما لكون الغريم غائبا لا يمكن توفيته ~~من الكسب والله أعلم PageV26P020 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل خرج حاجا إلى بيت الله الحرام بالزاد والراحلة فأدركه الموت في ~~الطريق فهل يسقط عنه الفرض أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لا يسقط عنه بذلك ثم إن كان خرج إلى الحج ~~حين وجب عليه من غير تفريط ms7483 مات غير عاص وإن فرط بعد الوجوب مات عاصيا ويحج ~~عنه من حيث بلغ وإن كان قد خلف مالا فالنفقة من ذلك واجبة في أظهر قولي ~~العلماء # وتفصيل ذلك أنه إذا استطاع الحج بالزاد والراحلة وجب عليه الحج بالإجماع ~~فإن حج عقب ذلك بحسب الإمكان ومات في الطريق وجب أجره على الله ومات وهو ~~غير عاص وله أجر نيته وقصده # فإن كان فرط ثم خرج بعد ذلك ومات قبل أداء الحج مات عاصيا آثما وله أجر ~~ما فعله ولم يسقط عنه الفرض بذلك بل الحج باق في ذمته ويحج عنه من حيث بلغ ~~والله أعلم PageV26P021 ### ||| 2 باب الإحرام ### |||| 2 سئل شيخ الإسلام # عما حكى أصحابنا رحمهم الله في الإحرام هل هو ركن أم لا ~~ثم أنهم ذكروا في موضع آخر أن الإحرام عبارة عن نية الحج فكيف يتصور الخلاف ~~في النية مع أنه لا يتصور وجود الحج الشرعي بدونها أبن لنا عن هذا مثابا ~~معظم الأجر ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين الجواب من طريقين إجمالي وتفصيلي # أما الإجمالي فنقول أما النية للحج والعمرة فلا خلاف بين أصحابنا وسائر ~~المسلمين أن الحج لا يصح إلا بها إما من الحاج نفسه وإما من يحج به كما يحج ~~ولي الصبي ولو عمل الرجل أعمال الحج من غير قصد لم يصح الحج كما لا تصح ~~الصلاة والصوم بغير نية وسواء قيل إن الحج ينعقد بمجرد النية أو لا ينعقد ~~إلا بها وبشيء آخر من قول أو عمل من تلبية أو تقليد هدي على الخلاف ~~PageV26P022 المشهور بين العلماء في ذلك # وسواء قلنا إن الإحرام ركن أم ليس بركن وهذا أمر لا يقبل الخلاف فإن ~~العبادات المقصودة يمتنع أن تكون هي العبادات المأمور بها بدون النية # وأما انعقاد الإحرام بمجرد النية ففيه خلاف في المذهب وغيره كما سنذكره ~~إن شاء الله تعالى # وفرق بين النية المشترطة للحج والنية التى ينعقد بها الإحرام فإن الرجل ~~يمكنه أن ينوي الحج من حين يخرج من بيته كما هو الواقع ms7484 ويقف ويطوف مستصحبا ~~لهذه النية ذكرا وحكما وإن لم يقصد الإحرام ولا يخطر بقلبه # وأصل ذلك أن النية المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين على قصد العبادة ~~وقصد المعبود وقصد المعبود هو الأصل الذي دل عليه قوله سبحانه ( وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ( وقول النبى ( فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ( # فإنه صلى الله عليه وسلم ميز بين مقصود ومقصود وهذا PageV26P023 المقصود ~~في الجملة لابد منه في كل فعل اختياري قال النبى صلى الله عليه وسلم ( أصدق ~~الأسماء حارث وهمام ( فإن كل بشر بل كل حيوان لابد له من همة وهو الإرادة ~~ومن حرث وهو العمل إذ من لوازم الحيوان أنه يتحرك بإرادته ثم ذلك الذي ~~يقصده هو غايته وإن كان قد يحدث له بعد ذلك القصد قصد آخر وإنما تطمئن ~~النفوس بوصولها إلى مقصودها # وأما قصد العبادة فقصد العمل الخاص فإن من أراد الله والدار الآخرة بعمله ~~فقد يريده بصلاة وقد يريده بحج وكذلك من قصد طاعته بامتثال ما أمره به فقد ~~أطاعه في هذا العمل وقد يقصد طاعته في هذا العمل فهذا القصد الثاني مثل قصد ~~الصلاة دون الصوم ثم صلاة الظهر دون صلاة العصر ثم الفرض دون النفل وهذه ~~النية التى تذكر غالبا في كتب الفقه المتأخرة وكل واحدة من النيتين فرض في ~~الجملة # أما الأولى فبها يتميز من يعبد الله مخلصا له الدين ممن يعبد الطاغوت أو ~~يشرك بعبادة ربه ومن يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا وهو الدين الخالص ~~لله الذي تشترك فيه جميع الشرائع الذي نهى الأنبياء عن التفرق فيه كما قال ~~تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى PageV26P024 وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ( # ولهذا كان دين الأنبياء واحدا وإن كانت شرائعهم متنوعة قال تعالى ( واسأل ~~من أرسلنا من قبلك ms7485 من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ( وقال تعالى ~~( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ( ~~وقال تعالى ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~( وقال تعالى ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ( وقال تعالى ( يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم ( # وأما النية الثانية فبها تتميز أنواع العبادات وأجناس الشرائع فيتميز ~~المصلي من الحاج والصائم ويتميز من يصلي الظهر ويصوم قضاء رمضان ممن يصلي ~~العصر ويصوم شيئا من شوال ويتميز من يتصدق عن زكاة ماله ممن يتصدق من نذر ~~عليه أو كفارة # وأصناف العبادات مما تتنوع فيه الشرائع إذ الدين لا قوام له إلا الشريعة ~~إذ أعمال القلوب لا تتم إلا بأعمال الأبدان كما أن الروح لا قوام لها إلا ~~بالبدن أعني ما دامت في الدنيا # وكما أن معاني الكلام لا تتم إلا بالألفاظ وبمجموع اللفظ والمعنى يصير ~~الكلام كلاما وإن كان المعنى لا يختلف باختلاف الأمم واللفظ PageV26P025 ~~يتنوع بتنوع الأمم ثم قد يكون لغة بعض الأمم أبلغ في إكمال المعنى من بعض ~~وبعض ألفاظ اللغة أبلغ تماما للمعنى من بعض # فالدين العام يتعلق بقصد القلب ثم لابد من عمل بدني يتم به القصد ويكمل ~~فتنوعت الأعمال البدنية كذلك وتنوعت لما اقتضته مشيئة الله ورحمته لعباده ~~وبحكمته في أمره وإنما وجب كل واحد من النيتين لأن الله فرض علينا أن نقيم ~~دينه بالشريعة التى بعث بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إذ لا يقبل منا ~~أن نعبده بشريعة غيرها # والأعمال المشروعة مؤلفة من أقوال وأعمال مخصوصة قد يعتبر لها أوقات ~~وأمكنة مخصوصة وصفات كلما كان فرضا علينا أن نعبد الله وأن تكون العبادة ~~على وصف معين كان فرضا علينا أن نقصده القصد الذي نكون به عابدين والقصد ~~الذي به نكون عابدين بنفس العمل الذي أمر به # ثم اعلم أن النيات قد تحصل جملة وقد تحصل تفصيلا وقد تحصل بطريق التلازم ~~وقد تتنوع النيات حتى يكون بعضها أفضل ms7486 من بعض بحيث يسقط الفرض بأدناها لكن ~~الفضل لمن أتى بالأعلى وقد يكون الشيء مقصودا بالقصد الثاني دون الأول ثم ~~قد يحضر الإنسان القصد الثاني ويذهل عن القصد الأول فإن الإنسان في ~~PageV26P026 قصده العبادة قد يريد وجه الله من حيث الجملة أو يريد طاعته أو ~~عبادته أو التقرب إليه أو يريد ثوابه من غير أن يستشعر ثوابا معينا أو يرجو ~~ثوابا معينا في الآخرة أو في الدنيا أو فيهما أو يخاف عقابا إما مجملا وإما ~~مفصلا وتفاصيل هذه النيات باب واسع # وهو بهذا الإعتبار قد لا يكون له غرض في نوع من الأعمال البدنية دون نوع ~~إلا باعتبار تقييس ذلك نية نوع العمل فإن من قصد الحج قد يكون قد استشعر ~~الحج من حيث الجملة وهو أنه قصد مكان معين فيقصد ما استشعره من غير علم ولا ~~قصد تفصيل أعماله من وقوف وطواف وترك محظورات وغير ذلك بل إنما تصير تفاصيل ~~أعمال الحج مقصودة إذا استشعرها وقد يكون عالما بجنس أعمال الحج وأنها وقوف ~~وطواف ونحو ذلك لأنها قد وصفت له وإن لم يعلم عين المكان وصورة الطواف ~~فينوي ذلك وقد يعلم ذلك كله فينوي ما قد علمه # وكذلك الكافر اذا أسلم وقلنا له قد وجبت عليك الصلاة فإنه يلتزمها ~~وينويها لاستشعاره لها جملة ولم يعلم صفتها بل كل من آمن بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم إيمانا راسخا فإن إيمانه متضمن لتصديقه فيما أخبره وطاعته فيما ~~أمره وإن لم يعلم ولم يقصد أنواع PageV26P027 الأخبار والأعمال ثم عند ~~العلم بالتفصيل إما أن يصدق ويطيع فيصير من الذين آمنوا وعملوا الصالحات أو ~~يخالف ذلك فيصير إما منافقا وإما عاصيا فاسقا أو غير ذلك # وهذا يبين لك أن الأقسام ثلاثة رجل يقصد عبادة الله وطاعته ولم يقصد ~~العمل المعين المأمور به كرجل له أموال ينفق منها على السائل والمحروم ~~مريدا بذلك وجه الله من غير أن يخطر بباله لا زكاة ولا كفارة ولا وضعها في ~~الأصناف الثمانية دون بعض فهذا يثاب على ما ms7487 يعمله لله سبحانه لكن بقي في ~~عهدة الأمر بالواجبات # ورجل قد يقصد العمل المعين من غير أن يقصد طاعة الله وعبادته كمن يدفع ~~زكاة ماله إلى السلطان لئلا يضرب عنقه أو ينقص حرمته أو يأخذ ماله أو قام ~~يصلي خوفا على دمه أو ماله أو عرضه وهذه حال المنافقين عموما والمرائين في ~~بعض الأعمال خصوصا كما قال تعالى ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراؤون الناس ( وقال ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم ~~يراؤون ويمنعون الماعون ( وقال تعالى ( ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون ( والقسم الثالث أن يقصد فعل ما أمر به من ذلك العمل ~~المعين PageV26P028 لله سبحانه واتفق الفقهاء على أن نية نوع العمل الواجب ~~لابد منها في الجملة فلا بد أن يقصد الصلاة أو الحج أو الصيام ولهم في فروع ~~ذلك تفصيل وخلاف ليس هذا موضعه # واختلفوا في النية الأولى وهي نية الإضافة إلى الله تعالى من أصحابنا من ~~قال لا تجب نية الإضافة إلى الله تعالى ومنهم من فرق بين العبادات المقصودة ~~كالصلاة والحج والصوم وغير المقصودة كالطهارة والتيمم وكذلك أصحاب الشافعي ~~لم يعتبروا نية الإضافة إلى الله تعالى في أصح الوجهين # وذلك لأن نفس نية فعل العبادة تتضمن الإضافة كما تتضمن عدد الركعات فإن ~~الصلاة لا تشرع إلا لله تعالى كما أن صلاة الظهر في الحضر لا تكون إلا أربع ~~ركعات فلهذا لم تجب نية الإضافة # وأيضا النية الحكمية تقوم مقام النية المستحضرة وإن كانت النية المستحضرة ~~أكمل وأفضل فإذا نوى العبد صلاة الظهر في أول الأمر أجزاه استصحاب النية ~~حكما فكذلك العبد المؤمن الذي دخل الإيمان في قلبه قد نوى نية عامة أن ~~عباداته هي له لا لغيره فإنه إن لم يكن كذلك كان منافقا # فإذا نوي عبادة معينة من صلاة وصوم كان مستصحبا لحكم تلك PageV26P029 ~~النية الشاملة لجميع أنواع العبادات كما أنه في الصلاة اذا نوى الركوع ~~والسجود في أثناء الصلاة كان مستصحبا لحكم نية الظهر ms7488 أو العصر الشاملة ~~لجميع أعمال الصلاة ثم إن أتى بما ينقض علم تلك أفسدها فإنه يكون فاسخا لها ~~كما لو فسخ نية الصلاة في أثنائها فإذا قام يصلي لئلا يضرب أو يؤخذ ماله أو ~~أدى الزكاة لئلا يضرب كان قد فسخ تلك النية الإيمانية # فلهذا كان الصحيح عندنا وعند أكثر العلماء أن هذه العبادة فاسدة لا يسقط ~~الفرض بهذه النية وقلنا إن عبادات المرائين الواجبة باطلة وأن السلطان اذا ~~أخذ الزكاة من الممتنع من أدائها لم يجزه في الباطن على أصح الوجهين لكن ~~لما كان غالب المسلمين يولد بين أبوين مسلمين يصيرون مسلمين إسلاما حكميا ~~من غير أن يوجد منهم إيمان بالفعل ثم اذا بلغوا فمنهم من يرزق الإيمان ~~الفعلي فيؤدي الفرائض ومنهم من يفعل ما يفعله بحكم العادة المحضة والمتابعة ~~لأقاربه وأهل بلده ونحو ذلك مثل أن يؤدي الزكاة لأن العادة أن السلطان يأخذ ~~الكلف ولم يستشعر وجوبها عليه لا جملة ولا تفصيلا فلا فرق عنده بين الكلف ~~المبتدعة وبين الزكاة المشروعة أو من يخرج من اهل مكة [ كل ] سنة إلى عرفات ~~لأن العادة جارية بذلك من غير استشعار أن هذا عبادة لله لا جملة ولا تفصيلا ~~أو يقاتل الكفار PageV26P030 لأن قومه قاتلوهم فقاتل تبعا لقومه ونحو ذلك ~~فهؤلاء لا تصح عبادتهم بلا تردد بل نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة قاضية ~~بأن هذه الأعمال لا تسقط الفرض فلا يظن ظان أن قول من قال من الفقهاء أن ~~نية الإضافة ليست # واجبة أراد مثل هؤلاء وإنما اكتفى فيها بالنية الحكمية كما قدمناه ففرق ~~بين من لم يرد الله بعمله لا جملة ولا تفصيلا وبين من أراده جملة وذهل عن ~~إرادته بالعمل المعين تفصيلا # فإن أحدا من الأمة لا يقول إن الأول عابد لله ولا مؤد لما أمر به أصلا ~~وهذا ظاهر ومن أصحابنا من اشترط هذه النية عند العمل المعين فقال النية ~~الواجبة في الصلاة أن يعتقد أداء فعل ما افترض الله عليه من فعل الصلاة ~~بعينها وامتثال أمره الواجب ms7489 من غير رياء ولا سمعة ولفظ بعضهم اتباع أمره ~~وإخلاص العمل له وعلى هذا يدل كلام أكثرهم فإنهم يستدلون على النية الواجبة ~~في الطهارة والصلاة ونحوهما بقوله ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين ( قالوا وإخلاص الدين هو النية ومن اغتسل للتبرد أو التنظف لم يخلص ~~الدين لله ويستدلون بقوله ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان ~~يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ( قالوا ومن اغتسل ~~للتبرد والتنظف لم يرد حرث الآخرة PageV26P031 فيجب أن لا يخلص له # ومعلوم أن هاتين الآيتين تدلان على وجوب العمل لله والدار الآخرة أبلغ من ~~دلالتهما على وجوب نية العمل المعين لكن من نصر الوجه الأول قد يقول نية ~~النوع مستلزمة لنية الجنس فإن من نوى العمل المعين فقد نوى العمل لله بحكم ~~إيمانه كما تقدم ومن نصر الثاني يقول النية الواجبة لا تتقدم على العمل ~~بعشرين سنة بل إنما تقدم عليه إما بالزمن اليسير وإما من أول وقت الوجوب ~~على اختلاف الوجهين # وايضا فالدليل الظاهر والقياس يوجب وجود النية المحضرة في جميع العبادة ~~وإنما عفي عن استصحابها في أثناء العبادة لما في ذلك من المشقة ولا مشقة في ~~نية العبادة لله عند فعل كل عبادة # وأيضا فغالب الناس إسلامهم حكمي وإنما يدخل في قلوبهم في أثناء الامر ان ~~دخل فان لم توجب عليهم هذه النية لم يقصدوها فتخلو قلوبهم منها فيصيرون ~~منافقين إنما يعملون الأعمال عادة ومتابعة كما هو الواقع في كثير من الناس ~~PageV26P032 ### || 1 ( مسألة التمتع والقران أيهما أفضل ) 1 ### |||| وسئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه وأرضاه # عن ( ~~التمتع والقران ( أيهما أفضل ### ||||| فأجاب # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما # لا ms7490 يختلف مذهب أحمد أنه اذا قدم في أشهر الحج ولم يسق الهدي فالتمتع ~~الخاص أفضل له وهو أن يتمتع بعمرة فيحل منها اذا طاف بالبيت وبين الصفا ~~والمروة ثم يحرم بالحج # وأما اذا ساق الهدي فنقل المروذي عنه أن القران أفضل فمن أصحابنا من جعل ~~هذا رواية ثانية عن أحمد وجعلوا فيها إذا ساق الهدي هل الأفضل التمتع أو ~~القران على روايتين # وهذه طريقة المتأخرين الذين قالوا أن النبى صلى الله عليه PageV26P033 ~~وسلم حج متمتعا فإنه على هذا القول يكون النبي صلى الله عليه وسلم تمتع ~~وساق الهدي وأمر أصحابه بالتمتع فلا يبقى لاختيار القران وجه # ولكن المنصوص عن أحمد الذي عليه أئمة أصحابه المتقدمون أنه حج قارنا ولكن ~~أمر أصحابه بالتمتع من لم يسق الهدي أن يحل من إحرامه ويجعلها متعة وقال ( ~~لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( # وعلى هذا القول فهذا من باب المطلق والمقيد فإن أحمد لم ينص على أنه من ~~ساق الهدي فالتمتع أفضل له بل إنما اختار التمتع لأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأصحابه به ولقوله ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ~~ولجعلتها عمرة ( والنبى صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالتحلل من لم يسق ~~الهدي وإنما اختار أن يجعلها عمرة ولا يحل من لم يختر أن يجعلها عمرة مع ~~سوق الهدي # وأيضا فإن أحمد لم يقل أن النبى صلى الله عليه وسلم حج متمتعا التمتع ~~الخاص بل نص على أن النبى صلى الله عليه وسلم حج قارنا وقال لا أشك أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم كان قارنا والتمتع أحب الي لأنه آخر الأمرين من ~~رسول الله صلى الله عليه PageV26P034 وسلم فإنه قال ( لو استقبلت من أمري ~~ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( فكلامه إنما كان في أيهما أفضل ~~أن يسوق ويقرن أو يتمتع ولا يسوق لأنه إذا ساق الهدي لم يجز له أن يتحلل ~~فهذا مما يختلف فيه الإجتهاد لأن قول النبى صلى ms7491 الله عليه وسلم ( لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( هل كان لأن ~~التحلل بعمرة أفضل من القران أم لا موافقة لأصحابه لما أمرهم بالتحلل فشق ~~ذلك عليهم فهذا مورد اجتهاد ولم يختلف كلام أحمد أن من لم يسق الهدي وقدم ~~في أشهر الحج فالتمتع أفضل له # وأيضا فإنه إذا ساق الهدي وقدم في العشر لم يجز له التحلل عند أحمد وأبي ~~حنيفة وغيرهما حتى ينحر الهدي يوم النحر سواء كان متمتعا التمتع الخاص أو ~~قارنا وحينئذ فلا فرق بين المتمتع والقارن عند أحمد إلا في شيئين # أحدهما أن القارن يكون قد أحرم بالحج قبل الطواف سواء أحرم بالحج مع ~~العمرة أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج بأنه في كلاهما قارن باتفاق ~~الأئمة # وأما المتمتع التمتع الخاص فإنه يؤخر إحرامه بالحج إلى ما بعد ~~PageV26P035 قضاء العمرة ومعلوم حينئذ أن تقديم الإحرام بالحج أفضل من ~~تأخيره فيكون القران أفضل لمن ساق الهدى # الثاني أن القارن عنده لا يطوف بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة كالمفرد ~~وأما المتمتع فقد اختار له أن يسعي سعيين ونص على أنه يجزيه سعي واحد ~~كالمفرد والقارن وحينئذ فيكون قد تميز بسعي زائد مستحب لكن هو أيضا يستحب ~~للمتمتع أن يطوف أولا بعد عرفة طواف القدوم فيكون المتمتع قد طاف بعد عرفة ~~مرتين وسعى سعيا ثانيا # وأما القارن فإنه يعمل ما يعمله المفرد لكن كل هذا فيه نزاع وفى مذهبه ~~قول آخر أن السعي الثاني واجب على المتمتع # وقول أن القارن يطوف طوافين ويسعي سعيين كمذهب أبي حنيفة # وقول إن المتمتع لا يستحب له طواف القدوم وهذا هو الصواب بل ولا يستحب له ~~سعي ثان فإن الصحابة الذين حجوا مع النبى صلى الله عليه وسلم لم يسعوا إلا ~~مرة واحدة وبهذا يظهر فضل القارن اذا ساق الهدي على المتمتع الغير السائق # وأما إذا حصل في عمل المتمتع زيادة سعي واجب أو مستحب PageV26P036 أو ~~زيادة طواف مستحب فقد يقال أنه أفضل من هذا ms7492 الوجه لكن هو خلاف سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # وأيضا فلو سلم استحباب ذلك لم يسلم أن كلما زاد عملا كان أفضل بل الأفضل ~~قد يكون هو الأيسر كما أن التمتع أفضل من الإفراد وهو أيسر والفطر في السفر ~~أفضل وهو أيسر وكذلك القصر أفضل من التربيع وهو أيسر # وقد يفضل المتمتع بأن طوافه الأول يكون واجبا لأنه طواف عمرة والقارن ~~يكون طوافه طواف قدوم وهو لا يجب والواجب أفضل وهذا ممنوع فإن الفضل بحسب ~~كثرة مصلحة الفعل والوجوب سبب حصول مفسدة في الترك # ولم يختلف كلام أحمد أن من لم يسق الهدي وقدم في أشهر الحج فالتمتع أفضل ~~له لأن النبى صلى الله عليه وسلم أمر الذين حجوا معه جميعهم أن يحلوا من ~~إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي # ومذهب أحمد أيضا أنه إذا أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهذا الإفراد ~~أفضل له من التمتع نص على ذلك في غير موضع # وذكره أصحابه كالقاضي أبي يعلي في تعليقه وغيره وكذلك PageV26P037 مذهب ~~سائر العلماء حتى أصحاب أبي حنيفة فإنهم نصوا على أن العمرة الكوفية أفضل ~~من القران مع أن القران عندهم أفضل # لكن القرآن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو القران الذي يقوله ~~أبو حنيفة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف إلا طوافا واحدا ولم يسع ~~إلا سعيا واحدا # ومذهب أبي حنيفة أن القارن يطوف أولا ويسعى للعمرة ثم يطوف ويسعى للحج ~~وإذا فعل محظورا كان عليه جزاءان للحج والعمرة وقد حكي هذا رواية عن أحمد ~~وأن القارن يلزمه طوافان وسعيان كمذهب أبى حنيفة لكن مذهبه المنصوص عنه في ~~غير موضع المعروف كمذهب مالك والشافعي وغيرهما أنه ليس في عمل القارن زيادة ~~على عمل المفرد # بل أبلغ من ذلك أن المتمتع هل يجزيه السعي الأول الذي مع طواف العمرة أو ~~يحتاج إلى سعي ثان عقيب طواف الإفاضة أو غيره على قولين عن أحمد # والمشهور عند أصحابه هو الثاني والأول قد نص عليه ms7493 أيضا قال عبد الله بن ~~أحمد قلت لأبي المتمتع يسعى بين الصفا والمروة قال PageV26P038 إن طاف ~~طوافين فهو أجود وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس # قال وإن طاف طوافين فهو أعجب الي واحتج بحديث جابر وكذلك نقل عنه بن ~~منصور وإنما اختلف مذهبه في ذلك لاختلاف الأحاديث في ذلك ففي صحيح مسلم عن ~~جابر قال لم يطف النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا ~~طوافا واحدا طوافه الأول وهذا مع انهم كانوا متمتعين # وروى أحمد قال ثنا الوليد بن مسلم قال ثنا الأوزاعي عن عطاء عن بن عباس ~~أنه كان يقول القارن والمتمتع والمفرد يجزيه طواف بالبيت وسعي بين الصفا ~~والمروة # وفي الصحيحين عن عائشة قالت ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه ~~هدي فليهل بالحج والعمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا إلى أن قالت فطاف ~~الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر ~~بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة ~~PageV26P039 فإنما طافوا طوافا واحدا بالبيت ( # قلت فقولها طوافا آخر إنما أرادت به الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ~~كذكرها في أول الحديث ولأن الذين جمعوا بين الحج والعمرة لابد لهم من طواف ~~الإفاضة فعلم أنها إنما نفت طوافا معه الطواف بين الصفا والمروة لا الطواف ~~المجرد بالبيت والذي نفته عن القارن أثبتته للمتمتع الذي أحرم بالعمرة ولم ~~يدخل عليها الحج # وأحمد في بعض رواياته فهم من هذا أنهم طافوا بالبيت فقط للقدوم فاستحب ~~للمتمتع أولا إذا رجع من منى أن يطوف أولا للقدوم ثم يطوف طواف الفرض # ومن رد على أحمد حجته بأن المراد بالطواف طواف الفرض فقد غلط لأن طواف ~~الفرض مشترك بين المتمتع والمفرد والقارن وعائشة أثبتت للمتمتع ما نفته عن ~~القارن # ولكن المراد بهذا الحديث الطواف بالبيت وبالصفا والمروة إن لم تكن أرادت ~~الطواف بالبيت ms7494 لأنها هي لم تطف بالبيت إلا مرة واحدة لأجل حيضها وهذا قد ~~عارضه حديث جابر ( الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين أمرهم ~~بأن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا أول ~~مرة ( وهذا PageV26P040 يناقض ما فهم من حديث عائشة فإنهم إذا لم يكونوا ~~سعوا بعد طواف الفرض فإن لا يطوفوا قبله للقدوم أولى وأخرى # وفي ترجيح أحد الحديثين كلام ليس هذا موضع بسطه فإن المحققين من أهل ~~الحديث يعلمون أن هذه الزيادة في حديث عائشة هي من كلام الزهري ليست من قول ~~عائشة فلا تعارض الحديث الصحيح # وقدر روى البخاري تعليقا عن إبن عباس مثل حديث عائشة وفيه أيضا علة # والشافعي اختار التمتع تارة واختار الإفراد تارة ومن قال أن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أحرم إحراما مطلقا فقد غلط واختلف كلامه في إحرام النبى صلى ~~الله عليه وسلم على هذه الأقوال الثلاثة # ومالك يختار الإفراد لكن قد قيل يستحب مع ذلك تأخير العمرة إلى المحرم ~~فأما العمرة عقيب الحج من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم فهذا لم يعرف ~~على عهد السلف ولا نقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من ~~الذين حجوا معه أنهم فعلوا ذلك إلا عائشة رضي الله عنها لأنها كانت قدمت ~~متمتعة فحاضت فأمرها النبى صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج وتدع العمرة ~~PageV26P041 فمذهب أحمد ومالك والشافعي أنها صارت قارنة ولا يجب عليها قضاء ~~تلك العمرة لكن أحمد في احدى الروايتين عنه جعل القضاء واجبا عليها لوجوب ~~العمرة عنده في المشهور عنه وكون عمرة القارن والعمرة من أدنى الحل لا يسقط ~~وجوب العمرة عنده في إحدى الروايتين # وهكذا يقولون في كل متمتع ضاق عليه الوقت فلم يتمكن من الطواف قبل ~~التعريف فإنهم يأمرونه بادخال الحج على العمرة ويصير قارنا كالمفرد الذي ~~قدم وقد ضاق عليه الوقت فإنه يقف بعرفة أولا ولا يطوف قبل التعريف # وهكذا يصنع حاج العراق إذا قدموا متأخرين فإنهم ms7495 يوافون عرفة يوم التعريف ~~فيعرفون ولا يطوفون قبل التعريف ومذهب أبي حنيفة أن عائشة رفضت العمرة ~~وأهلت بالحج فصارت مفردة # وعنده يجب عليها قضاء العمرة التى رفضتها وبنى ذلك على أصله في أن القارن ~~يطوف طوافين ويسعي سعيين فلم يكن في القران لها فائدة # وأما الجمهور فبنوه على أصولهم في أن عمل القارن لا يزيد على عمل المفرد ~~وقالوا إن النبى صلى الله عليه وسلم إنما أعمر عائشة PageV26P042 تطييبا ~~لنفسها لأنها قالت يذهب أصحابي بحجة وعمرة واذهب أنا بحجة فقال لها النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( يسعك طوافك بحجك وعمرتك ( وفى رواية أهل السنن ( ~~طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك ( # فلما ألحت أعمرها تطييبا لنفسها وأحمد في رواية الأثرم وغيره قال إن عمرة ~~القارن والعمرة المكية لا تجزئ عن عمرة الإسلام واحتج بحديث عائشة لما ~~أعمرها النبى صلى الله عليه وسلم فإنها كانت قارنة وأعمرها بعد ذلك فجعل ~~هذه العمرة واجبة في هذه الرواية كما قال أبو حنيفة لكن اختلفا في تنقيح ~~المناط ولم يعتمر من مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة ~~خاصة لأجل هذا العذر # وأما عمر النبى صلى الله عليه وسلم فإنما كانت وهو قاصد إلى مكة فأحرم ~~بالعمرة عام الحديبية من ذي الحليفة وحل بالحديبية لما أحصر وصده المشركون ~~عن البيت والحديبية غربي جبل التنعيم حيث بايع النبى صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه تحت الشجرة وصالحه المشركون وجبل التنعيم هو الجبل الذي عند المساجد ~~التى تسمى مساجد عائشة عن يمينك وأنت داخل إلى مكة وتلك المساجد مبنية في ~~التنعيم PageV26P043 ولم تكن هذه المساجد على عهد النبى صلى الله عليه وسلم # فإن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتمر من التنعيم والتنعيم أدنى ~~الحل إلى مكة فهو أقرب الحل إلى مكة والمعتمر من مكة يخرج إلى الحل ليجمع ~~بين الحل والحرم بخلاف الحاج من مكة فإنه يخرج إلى عرفة وعرفة من الحل ثم ~~اعتمر من العام القابل عمرة القضية من ms7496 ذي الحليفة ثم لما لقي هوازن بوادي ~~حنين فهزمهم ثم ذهب إلى الطائف فحاصرهم ثم رجع إلى الجعرانة فقسم غنائم ~~حنين بالجعرانة اعتمر داخلا إلى مكة وحنين والجعرانة والطائف كل ذلك من جهة ~~الشرق شرقي عرفات فأقربها إلى عرفة الجعرانة ثم وادي حنين ثم الطائف # ولم يكن يخرج هو ولا أصحابه من مكة فيعتمرون إلا ما ذكر من حديث عائشة ~~فلهذا نص أحمد في غير موضع على أن أهل مكة ليس عليهم عمرة وروى أحمد عن بن ~~عباس أنه قال يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف بالبيت فمن أبي ~~إلا أن يعتمر فليجعل بينه وبين مكة بطن واد وذلك لأن الصحابة المقيمين بمكة ~~على عهد النبى صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعتمرون من مكة PageV26P044 ~~والعمرة واجبة في أشهر الروايتين عن أحمد فمن أصحابه من جعل هذا رواية ~~ثالثة # فقال المسألة على ثلاث روايات رواية تجب ورواية لا تجب ورواية يفرق بين ~~المكي وغيره وهي طريقة جدنا أبي البركات وغيره # ومنهم من قال أهل مكة يستثنون فلا تجب عليهم عمرة رواية واحدة وهي طريقة ~~الشيخ أبي محمد وهي أصح # ومن الفقهاء من استحب لمن اعتمر من مكة أن يحرم من الحديبية أو الجعرانة ~~محتجا بعمرة النبى صلى الله عليه وسلم وهو غلط فإن الحديبية كانت موضع حله ~~لما أحصر لم تكن موضع إحرامه وأما الجعرانة فإنه أحرم منها داخلا إلى مكة ~~لأنه أنشأ العمرة من هناك ولهذا كان أصح الوجهين لأصحابنا وهو المنصوص عن ~~أحمد أنه لا يستحب الإكثار من العمرة لا من مكة ولا غيرها بل يجعل بين ~~العمرتين مدة ولو أنه مقدار ما ينبت فيه شعره ويمكنه الحلاق وهذا لمن يخرج ~~إلى ميقات بلده ويعتمر وأما المقيم بمكة فكثرة الطواف بالبيت أفضل له من ~~العمرة المكية كما كان الصحابة يفعلون إذا كانوا مقيمين بمكة كانوا ~~يستكثرون من الطواف ولا يعتمرون عمرة مكية فالصحابة الذين استحبوا الإفراد ~~PageV26P045 كعمر بن الخطاب وغيره إنما استحبوا أن يسافر سفرا ms7497 آخر للعمرة ~~ليكون للحج سفر على حدة وللعمرة سفر على حدة # وأحمد وأبو حنيفة وغيرهما اتبعوا الصحابة في ذلك واستحبوا هذا الإفراد ~~على التمتع والقران # قال أبو بكر الأثرم قيل لأبي عبد الله فأي العمرة عندك أفضل قال أفضل ~~العمرة عندي أن تكون في غير أشهر الحج كما قال عمر فإن ذلك أتم لحجكم وأتم ~~لعمرتكم أن تجعلوها في غير أشهر الحج قيل لأبي عبد الله فأنت تأمر بالمتعة ~~وتقول العمرة في غير أشهر الحج أفضل فقال إنما سئلت عن أتم العمرة فقلت في ~~غير أشهر الحج وقلت المتعة تجزيه من عمرته فأتم العمرة أن تكون في غير أشهر ~~الحج # وقال علي من تمام العمرة أن تقدم من دويرة أهلك وكان سفيان بن عيينة ~~يفسره أن ينشئ لها سفرا يقصد له ليس أن تحرم من أهلك حتى تقدم الميقات # وقال عمر في العمرة من دويرة أهلك قيل لأبي عبد الله فيجعل للحج سفرا على ~~حدة وللعمرة سفرا على حدة قال نعم قلت له فإن إعتمر في غير أشهر الحج ثم ~~أقام بمكة حتى يحج أيكون هذا قد PageV26P046 جعل له سفرا على حدة وللحج ~~سفرا على حدة فقال لا حتى يرجع ثم يحج فهذا مد للعمرة من أهله وقصد للحج من ~~أهله هذا معناه # قيل لأبي عبد الله فإنهم يحكون عنك أنك تقول المتعة أفضل من غيرها فقال ~~أما أفضل من الحج وحده فليس فيه شك ثم قال أيما أفضل أن يجيء بعمرة وحج أو ~~أن يجيء بحج وحده هي أفضل من إفراد الحج # قلت له وأفضل من القران لأنه جاء بكل واحد على حدة فهو أفضل من أن يجمع ~~بينهما فقال نعم وأفضل من القران ثم قال نحو ما قلت # وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول التمتع أحب الي هو آخر الأمرين من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ~~لصنعت كما صنعتم ( وقوله لأصحابه ( حلوا ( وما جاء فيها من الحديث وقال ms7498 ~~أيضا قيل لأبي عبد الله أنت تذهب إلى المتعة فقال هي أحب الي وأفضل وذاك ~~أنا نذهب إلى أن العمرة واجبة قال تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ( ثم ~~قال هذا بين PageV26P047 # وكان بن عباس وبن عمر يريانها واجبة وقال بن عباس والله إنها لقرينتها في ~~كتاب الله وقال جماعة الحج الأصغر العمرة فإذا وقع عليها اسم الحج فهذا يدل ~~على أنها فريضة فإذا خرج متمتعا فقد أجزأه من حجه وعمرته جاء بعمرة مفردة ~~وحجة مفردة # فأما عمرة المحرم فليس بمجزى عنه عندي وليست بعمرة تامة إنما هي من أربعة ~~أميال # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة ( إنما هي على قدر نصبك ونفقتك ~~( ومعنى عمرة المحرم أنهم كانوا يخرجون في المحرم من مكة ليعتمرون من أدنى ~~الحل إلى أن يعتمر فكيف من اعتمر في ذي الحجة من مكة عقيب الحج وهذا لم يكن ~~السلف يفعلونه # فإذا تبين أن العمرة المكية عقب الحج مع الحج لم يفعلها النبى صلى الله ~~عليه وسلم باتفاق العلماء ولا أحد من الصحابة إلا عائشة ولا كان خلفاؤه ~~الراشدون يفعلونها امتنع أن يكون ذلك أفضل وأما من قال من الفقهاء الإفراد ~~أن يحج ويعتمر عقب ذلك من مكة فهذا غلط بإجماع العلماء فإنه لا نزاع بينهم ~~أن من اعتمر قبل أشهر الحج ورجع إلى بلده ثم حج أو أقام بمكة حتى يحج ~~PageV26P048 من عامه أنه مفرد للحج وكذلك لو إعتمر بعد الحج في سفرة أخرى ~~فإنه مفرد بالإتفاق وهذا الإفراد هو الذي استحبه الصحابة وهو مستحب أيضا ~~عند أحمد وغيره فإن الإعتمار في رمضان والإقامة إلى أن يحج أفضل من التمتع ~~وإن كان الرجوع إلى بلده ثم السفر للحج أفضل منها # والتمتع جائز باتفاق أهل العلم وإنما كان طائفة من بنى أمية وغيرهم ~~يكرهونه # وقد قيل إن الذين كرهوا ذلك إنما كرهوا فسخ الحج إلى التمتع فإن الناس ~~يقدمون من الآفاق فيحرمون بالحج فمن جوز الفسخ جوز لهم المتعة ومن منع من ~~ذلك منعهم منه ms7499 # والفسخ فيه ثلاثة أقوال معروفة قيل هو واجب كقول بن عباس وأتباعه وأهل ~~الظاهر والشيعة # وقيل هو محرم كقول معاوية وبن الزبير ومن اتبعهما كأبي حنيفة ومالك ~~والشافعي # وقيل هو جائز مستحب وهو مذهب فقهاء الحديث أحمد وغيره والأمر به معروف عن ~~غير واحد من الصحابة والتابعين PageV26P049 ولهذا كان بن عمر وبن عباس ~~يأمران بالمتعة # قال أحمد أخبرنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سالم قال سئل بن عمر ~~عن متعة الحج فأمر بها فقيل له إنك تخالف أباك فقال عمر لم يقل الذي تقولون ~~إنما قال عمر إفراد الحج من العمرة فإنها أتم للعمرة أو أن العمرة لا تتم ~~في أشهر الحج إلا أن يهدي وأراد أن يزار البيت في غير أشهر الحج فجعلتموها ~~أنتم حراما وعاقبتهم الناس عليها وقد أحلها الله وعمل بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإذا أكثروا عليه قال أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر ~~وكان بن عباس يأمر بها فيقولون إن أبا بكر وعمر لم يفعلاها فيقول يوشك أن ~~تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال النبى صلى الله عليه وسلم وتقولون ~~قال أبو بكر وعمر # وكان عروة بن الزبير يناظر بن عباس فيها فقال إن أبا بكر وعمر أعلم برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم منك فقال له بن عباس ياعرية سل أمك يعنى أنها ~~تخبره أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإحلال وكانت أسماء ممن ~~أحلت # وهذه المشاجرة إنما وقعت لأن بن عباس كان يوجب المتعة PageV26P050 بل كان ~~يوجب الفسخ وكان يقول كل من طاف بالبيت وبين الصفا والمروة ولم يسق الهدي ~~فقد حل من إحرامه ويحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالتحلل في ~~حجة الوداع وبقوله تعالى ( ثم محلها إلى البيت العتيق ( # وايجاب المتعة هو قول طائفة من أهل الحديث والظاهرية كابن حزم وغيره وهو ~~مذهب الشيعة أيضا لكن الجماهير من الصحابة والأئمة الأربعة وغيرهم على أنه ~~يجوز التمتع والإفراد والقران لكن أهل ms7500 مكة وبنو هاشم وعلماء أهل الحديث ~~يستحبونها فاستحبها علماء سنته وأهل سنته وأهل بلدته التى بقربها المناسك ~~وهؤلاء الثلاثة أخص الناس به وهو أحد قولي الشافعي # وأبو يوسف يجعل التمتع والقران سواء وإنما جوز الجمهور الثلاثة لأنه قد ~~ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه ( من شاء منكم ~~أن يهل بعمرة فليفعل ومن شاء منكم أن يهل بحجة فليفعل ومن شاء منكم أن يهل ~~بحجة وعمرة فليفعل ( # وأما أمره لأصحابه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يحلوا من إحرامهم ~~ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فلأنه أراد أن يجمعوا بين الحج والعمرة وأن ~~لا يعتمروا عمرة مكية وإن سافروا سفرا PageV26P051 آخر للعمرة ومن كان هذه ~~حاله فينبغي له أن يتمتع فالتمتع كان متعينا في حق الصحابة # إذا أرادوا أن يفعلوا الأفضل لهم وكان أولا قد أذن لهم في الفسخ ولم ~~يأمرهم به لا سيما إذا قيل بوجوب العمرة فإنه يجب التمتع على من لم يسافر ~~سفرة أخرى ولم يعتمر عقب الحج من مكة وعمرة المتمتع بمنزلة التوضؤ للمغتسل ~~فالمغتسل للجنابة اذا توضأ كان وضوؤه بعض اغتساله الكامل كذلك عمرة المتمتع ~~عند أحمد بعض حجة الكامل ولهذا يجوز عنده للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة ~~من حين يحرم بالعمرة وقد قال الله تعالى ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ( فهو ~~من حين أحرم بالعمرة دخل في الحج كما أن المغتسل من حين توضأ دخل في الغسل # وقوله صلى الله عليه وسلم ( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه ( أخرجاه في الصحيحين يدخل فيه المتمتع من حين يحرم ~~بالعمرة # ولهذا كان أحمد ينكر على من يقول إن حجة المتمتع حجة مكية قال الأثرم ~~سمعت أبا عبد الله يقول كان بن المبارك زعموا يقول بالمتعة فقيل له يكون ~~مجيئه حينئذ للعمرة فقال أرأيتم لو PageV26P052 أن رجلا خرج يريد صلاة ~~الظهر في جماعة فتطوع قبلها بأربع ركعات ثم صلى الظهر أزاده ذلك خيرا ms7501 أم ~~نقصه # ثم قال أحمد ما أحسن ما قال ثم قال أبو عبد الله يقول مجيئه حينئذ للظهر ~~أو للتطوع أي إنما مجيئه للظهر قال أبو عبد الله هذا قول محدث يعني قولهم ~~حجة مكية # قال وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى وذكر قول بن المبارك إنه قول محدث يعني ~~قولهم حجة مكية # قيل لأبي عبد الله قول عبد الله قول محدث قال إي والله قول محدث كلام ~~بغيظ ما أدري ما هو وكيف لا يكون محدثا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ~~به ويأمر به أصحابه وغلظ القول فيه # قال وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى قيل له من قال حجة مكية قال هذا قول ~~محدث قيل له عمن يروى فقال عن الشعبي وسعيد بن جبير ### ||| فصل # والدليل على أنه قد تواترت الأحاديث عن النبى صلى الله عليه PageV26P053 ~~وسلم أنه أمر أصحابه في حجة الوداع لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن ~~يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فإنه أمره أن يبقى على ~~إحرامه حتى يبلغ الهدي محله # ولهذا لما قال سلمة بن شبيب لأحمد يا أبا عبد الله قويت قلوب الرافضة لما ~~أفتيت أهل خراسان بالمتعة فقال يا سلمة كان يبلغني عنك أنك أحمق وكنت أدافع ~~عنك والآن فقد تبين لي أنك أحمق عندي أحد عشر حديثا صحيحا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أدعها لقولك فبين أحمد أن الأحاديث متواترة بأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالتمتع لجميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي حتى من كان ~~منهم مفردا أو قارنا والنبى صلى الله عليه وسلم لا ينقلهم من الفاضل إلى ~~المفضول بل إنما يأمرهم بما هو أفضل لهم # ولهذا كان فسخ الحج إلى التمتع مستحبا عند أحمد ولم يجعل اختلاف العلماء ~~في جواز الفسخ موجبا للإحتياط بترك الفسخ فإن الإحتياط إنما يشرع إذا لم ~~تتبين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا تبينت السنة فاتباعها أولى ~~وإن كان بعض العلماء قد ms7502 قال إنه لا يجوز ذلك لا سيما وآخرون من السلف ~~والخلف قد أوجبوا الفسخ فليس الإحتياط بالخروج من خلاف أولئك بأولى من ~~الخروج من خلاف هؤلاء PageV26P054 # والذين منعوا الفسخ أو المتعة مطلقا قالوا كان لأصحاب النبى صلى الله ~~عليه وسلم خاصة قالوا لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ~~ويقولون إذ برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر ~~قالوا فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه بالعمرة ليبين # جواز العمرة في أشهر الحج وهذا القول خطأ عند أحمد وغيره لوجوه أحدها لأن ~~النبى صلى الله عليه وسلم كان قد اعتمر قبل ذلك عمره الثلاثة في أشهر الحج ~~فاعتمر عمرته الأولى عمرة الحديبية في ذي القعدة واعتمر عمرة القضية في ذي ~~القعدة واعتمر من الجعرانة في ذي القعدة وقد ثبت في الصحيح أن عائشة قيل ~~لها إن بن عمر يقول إن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب فقالت يغفر ~~الله لأبي عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب قط وما ~~اعتمر إلا وبن عمر معه وقد اتفق أهل العلم على ما قالت عائشة بأن عمره كلها ~~كانت في ذي القعدة وهو أوسط أشهر الحج فكيف يقال أن الصحابة لم يعلموا جواز ~~العمرة في أشهر الحج حتى أمرهم بالفسخ وقد فعلها قبل ذلك ثلاث مرات # الوجه الثاني أنه قد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنه قال لهم عند الميقات ( ~~من شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل ( فبين لهم جواز PageV26P055 الإعتمار في ~~أشهر الحج عند الميقات وعامة المسلمين معه فكيف لم يعلموا ذلك # الوجه الثالث أنه أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل وأمر من ساق الهدي أن يتم ~~على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله ففرق بين محرم ومحرم فهذا يدل على أن سوق ~~الهدي هو المانع من التحلل لإحرامه الأول وما ذكره يشترك فيه السائق أمرنا ~~أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنى قال فقام النبى صلى ms7503 ~~الله عليه وسلم فينا فقال ( قد علمتم أنى أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا ~~هديي لحللت كما تحلون ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلوا ~~فحللنا وسمعنا وأطعنا فقدم علي من سعايته فقال ( بما أهللت ( قال بما أهل ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فاهد ~~وامكث حراما ( قال وأهدى علي له هديا فقال سراقة بن مالك بن جعشم لعامنا ~~هذا أم للأبد فقال ( بل للأبد ( وفي رواية البخاري وان سراقة بن مالك بن ~~جعشم لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة وهو يرميها فقال جعشم ألكم ~~هذه خاصة يا رسول الله قال ( لا بل للأبد ( # فبين أن تلك العمرة التى فسخ من فسخ منها حجه إليها للأبد PageV26P056 ~~وأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة وهذا يبين أن عمرة التمتع بعض ~~الحج ولم يرد السائل بقوله عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد أنه يسقط الفرض ~~بها في عامنا هذا لأن العمرة إن كانت واجبة فلا تجب إلا مرة واحدة ولأنه لو ~~أراد ذلك لم يقل بل للأبد فإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة بل إنما ~~يكون لجميع المسلمين ولا قال ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ( # فإن قيل قوله ( دخلت العمرة في الحج ( أراد به جواز العمرة في أشهر الحج # قيل نعم ومن ذلك عمرة الفاسخ فإنها سبب هذا اللفظ وسبب اللفظ العام لا ~~يجوز إخراجه منه فعلم أن قوله ( دخلت العمرة في الحج ( يتناول عمرة الفاسخ ~~وأنها دخلت في الحج إلى يوم القيامة # الوجه السادس أن يقال فسخ الحج إلى التمتع موافق لقياس الأصول لا مخالف ~~له فإن المحرم إذا التزم اكبر ما لزمه جاز باتفاق الأئمة فلو أحرم بالعمرة ~~ثم أدخل عليها الحج جاز بلا نزاع وأما إذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة ~~لم يجز عند الجمهور وهو مذهب أحمد ومالك وظاهر مذهب الشافعي وأما أبو حنيفة ~~فيجوزه لأنه يصير قارنا والقارن عنده ms7504 يلزمه طوافان وسعيان وهذا قياس ~~الرواية المحكية عن أحمد في القارن PageV26P057 واذا كان كذلك فالمحرم ~~بالحج لم يلزمه إلا الحج فإذا صار متمتعا صار ملتزما لعمرة وحج فكان ما ~~التزمه بالفسخ أكبر مما كان عليه فجاز ذلك وهو أفضل فاستحب ذلك وإنما يشكل ~~هذا على من يظن أنه فسخ حجا إلى عمرة مجردة وليس كذلك فإنه لو أراد أن يفسخ ~~الحج إلى العمرة مفردة لم يجز بلا نزاع وإنما الفسخ جائز لمن كان نيته أن ~~يحج بعد العمرة # وقد قدمنا أن المتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج كما قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( دخلت العمرة في الحج ( ولهذا يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة ~~من حينئذ وإنما إحرامه بالحج بعد ذلك كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~اغتسل للجنابة بدأ بالوضوء وكما قال للنسوة في غسل ابنته ( إبدأن بميامنها ~~ومواضع الوضوء منها ( فكان غسل مواضع الوضوء توضية وهو بعض الغسل # فإن قيل دم المتمتع دم جبران ونسك لا جبران فيه أفضل من نسك مجبور قيل ~~هذا لا يصح لوجهين # ( أحدهما ( أنه ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أكل من هديه فإنه ~~أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل من لحمها وشرب من مرقها وثبت أنه ~~كان متمتعا التمتع العام فإن PageV26P058 القارن يدخل في مسمى المتمتع كما ~~سنذكره فدل على استحباب الأكل من هدي المتمتع ودم الجبران ليس كذلك وثبت ~~أيضا في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ( أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أطعم نساءه من الهدي الذي ذبحه عنهن وكن متمتعات ( وهذا مما احتج به الإمام ~~أحمد # ( الثاني ( أن سبب الجبران محظور في الأصل كالإفساد بالوطىء وكفعل ~~المحظورات أو بترك الواجبات فإنه لا يجوز له أن يفسد حجه ولا أن يفعل ~~المحظور إلا لعذر ولا يترك الواجب إلا لعذر والتمتع جائز مطلقا فلو كان دمه ~~دم جبران لم يجز مطلقا فعلم أنه دم نسك وهدي وأنه مما وسع الله به على ms7505 ~~المسلمين فأباح لهم التحلل في أثناء الإحرام والهدي مكانه لما في إستمرار ~~الإحرام من المشقة فيكون بمنزلة قصر الصلاة في السفر وبمنزلة الفطر للمسافر ~~والمسح على الخفين للابس الخف # فإن ذلك أفضل له من أن يخلع ويغسل في ظاهر مذهب أحمد لأن النبى صلى الله ~~عليه وسلم اذا كان لابس الخف على طهارة مسح عليه ولم يكن يخلع ويغسل بخلاف ~~ما إذا لم تكن رجلاه في الخفين فإنه كان يغسل وقد ثبت عنه في الصحيح أنه ~~كان يقول في خطبته ( خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد PageV26P059 ~~و هدي محمد لمن كان مكشوف الرجلين ان يغسلهما لا يقصد أن يلبس ليمسح عليهما ~~ولمن كان لابس الخفين أن يمسح عليهما لا أن يخلعهما ويغسل مع أن مسح الخفين ~~بدل فكذلك الهدي # وإن كان بدلا عن ترفهه بسقوط أحد السفرين فهو أفضل لمن جمع بينهما وقد ~~قدم في أشهر الحج من أن يأتي بحج مفرد يعتمر عقبه والبدل قد يكون واجبا ~~كالجمعة فإنها وإن كانت بدلا عن الظهر فهي واجبة وكالمتيمم العاجز عن ~~استعمال الماء فإن التيمم واجب عليه وهو بدل فإذا جاز أن يكون البدل واجبا ~~فكونه مستحبا أولى بالجواز # ولهذا يستحب للمسافر أن يفطر ويقضي والقضاء بدل عن الأداء وكذلك المريض ~~الذي يشق عليه الصوم يفطر ويقضي والقضاء بدل # وتخلل الإحلال لا يمنع أن يكون الجميع بمنزلة العبادة الواحدة كطواف ~~الفرض فإنه من تمام الحج باتفاق المسلمين ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول ~~ورمى الجمار أيام منى من تمام الحج وإذا طاف قبل ذلك فقد رمي الجمار أيام ~~منى بعد الحل التام وهو السنة كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم وشهر رمضان ~~يتخلل صيام أيامه PageV26P060 الفطر بالليل وهو الصوم المفروض المذكور في ~~قوله ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ( إلى ~~قوله ( شهر رمضان ( وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( من صام رمضان إيمانا ~~واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ( وهذا الصوم يتخلله ms7506 الفطر كل ليلة فكذلك ~~قوله ( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ( # والآية تتناول لمن حج حجة تمتع فيها بالعمرة وإن كان قد يتخلل هذا ~~الإحرام إحلال وهو من حين إحرامه بالحج قد دخل في الحج كما أنه بصيام أول ~~يوم دخل في صيام شهر رمضان وكذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من قام ~~رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ( والقيام يتخلله السلام من ~~كل ركعتين وكذلك الوتر بثلاث مفصولة ### ||| فصل # في ( صفة حجة الوداع ( لم يختلف أحد من أهل العلم أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أمر أصحابه إذا طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم ~~ويجعلوها عمرة وهذا مما تواترت به الأحاديث PageV26P061 ولم يختلفوا أنه لم ~~يعتمر بعد الحج لا النبى صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة إلا عائشة ~~فهذا كله متفق عليه لم يختلف فيه النقل ولا خالف فيه أحد من أهل العلم # ولكن تنازعوا هل حج متمتعا أو مفردا أو قارنا أو أحرم مطلقا وإضطربت ~~عليهم فيه الأحاديث وهي بحمد الله غير مختلفة عند من فهم مراد الصحابة بها # والمنصوص عن الإمام أحمد أن النبى صلى الله عليه وسلم كان قارنا بين ~~العمرة والحج حتى قال لا أشك أن النبى صلى الله عليه وسلم كان قارنا وهذا ~~قول أئمة الحديث كإسحاق بن راهويه وغيره وهو الصواب الذي لا ريب فيه وقد ~~صنف أبو محمد بن حزم في حجة الوداع مصنفا جمع فيه الآثار وقرر ذلك # وأحمد إنما اختار التمتع لأمر النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه به لا ~~لكونه كان متمتعا التمتع الخاص عنده ولهذا قال في رواية المروذى إنه إذا ~~ساق الهدى فالقران أفضل ولولا أن النبى صلى الله عليه وسلم قرن عنده وساق ~~الهدي لم يكن لهذا القول وجه فإنه لو كان متمتعا عنده لكان قد فعلها وأمر ~~بها فلا وجه حينئذ لاختيار القران لمن ساق الهدي PageV26P062 # ولم يقل ms7507 أحد من قدماء أصحاب أحمد أنه كان متمتعا التمتع الخاص وأول من ~~ادعى من أصحاب أحمد أن النبى صلى الله عليه وسلم كان متمتعا التمتع الخاص ~~فيما علمناه القاضي أبو يعلي وذكر في تعليقه الإحتجاج بهذه الطريقة على ~~فضيلة التمتع وذكر أن الأولى وهي أن الإحتجاج بأمره لا بفعله وبقوله ( لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت ( هي طريقة الأصحاب كما كان يحتج بها امامهم ~~أحمد # ثم أن الذين نصروا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان متمتعا من الأصحاب ~~على قولين # ( الأول ( أنه حل من إحرامه مع سوقه الهدي وحمل هؤلاء رواية من روى أن ~~المتعة كانت لهم خاصة على أنهم خصوا بالتحلل من الإحرام مع سوق الهدي دون ~~من ساق الهدي من الصحابة وهذه طريقة القاضي ومن اتبعه وهذا الذي قاله هؤلاء ~~منكر عند جماهير أهل العلم وممن أنكر ذلك على القاضي الشيخ أبو البركات ~~وغيره وقالوا من تأمل الأحاديث المستفيضة تبين له أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم لم يحل هو ولا أحد ممن ساق الهدي # ( والقول الثاني ( أن النبى صلى الله عليه وسلم تمتع بمعنى أنه أحرم ~~بالعمرة ولم يحل من إحرامه لكونه ساق الهدي وأحرم بالحج PageV26P063 بعد أن ~~طاف وسعى للعمرة وهذه طريقة الشيخ أبي محمد وغيره وهؤلاء يسمون هذا متمتعا ~~وقد يسمونه قارنا لكونه احرم قبل التحلل من العمرة لكن القران المعروف أن ~~يحرم بالعمرة قبل أن يطوف بالبيت ليقع الطواف عن العمرة والحج # والفرق بين القارن والمتمتع الذي ساق الهدي يظهر من وجهين # ( أحدهما من الإحرام بالحج قبل الطواف ( والثاني ( من السعي عقب طواف ~~الإفاضة فإن القارن ليس عليه سعي ثان كما ليس ذلك على المفرد و [ أما ] ~~المتمتع فهذا السعي واجب في حقه عند أكثر العلماء وفيه عند أحمد روايتان # وأما الشافعي فاختلف كلامه في حج النبى صلى الله عليه وسلم فقال تارة أنه ~~أفرد وقال تارة أنه تمتع وقال تارة أنه أحرم مطلقا فقال في ( مختصر الحج ( ~~وأحب الي أن يفرد لأن ms7508 الثابت عندنا أن النبى صلى الله عليه وسلم أفرد وقال ~~في ( اختلاف الأحاديث ( أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لو استقبلت من ~~أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( قال ومن قال إنه إفرد الحج ~~يشبه أن يكون قاله على ما يعرف من أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن PageV26P064 أحدا لا يكون مقيما على حج إلا وقد إبتدأ ~~إحرامه بحج قال وأحسب عروة حين حدث أن النبى صلى الله عليه وسلم أحرم بحج ~~ذهب إلى أنه سمع عائشة تقول يفعل في حجه على هذا المعنى # فقد بين الشافعي هنا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان متمتعا وأن من قال ~~أفرد الحج فلانه لما رأي أن من استمر على إحرامه لا يكون إلا حاجا والنبى ~~صلى الله عليه وسلم لما استمر على إحرامه ظن أنه كان حاجا وقال أيضا فيما ~~اختلف فيه من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخرجه ليس شيء ~~من الإختلاف أبين من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه مباح لأن ~~الكتاب ثم السنة ثم ما أعلم فيه خلافا يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج ~~وإفراد الحج والقران واسع كله قال وثبت أنه خرج ينتظر القضاء فنزل عليه ~~القضاء وهو فيما بين الصفا والمروة وأمر أصحابه أن من كان منهم أهل ولم يكن ~~معه هدي أن يجعلها عمرة وقال ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت ~~الهدي ولجعلتها عمرة ( # قال فإن قال قائل فمن أين أثبت حديث عائشة وجابر وإبن عمر وطاووس دون ~~حديث من قال قرن PageV26P065 # قيل لتقدم صحبة جابر للنبى صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء الحديث ~~وآخره ولرواية عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم وفضل حفظها عنه وقرب بن ~~عمر منه # قال ولأن من وصف انتظار النبى صلى الله عليه وسلم القضاء إذ لم يحج من ~~المدينة بعد نزول فرض الحج طلب الإختيار فيما وسع الله ms7509 من الحج والعمرة ~~يشبه أن يكون أحفظ لأنه قد أتي في المتلاعنين فانتظر القضاء فكذلك حفظ في ~~الحج ينتظر القضاء # قال المزني إن ثبت حديث أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قرن حتى ~~يكون معارضا للأحاديث سواه فأصل قول الشافعي أن العمرة فرض وأداء الفرض في ~~وقت الحج أفضل من أداء فرض واحد لأن من أكثر عمله لله كان أكثر في ثواب ~~الله قلت والصواب في هذا الباب أن الأحاديث متفقة ليست مختلفة إلا اختلافا ~~يسيرا يقع مثله في غير ذلك فإن الصحابة ثبت عنهم أنه تمتع والتمتع عندهم ~~يتناول القران والذين روي عنهم أنه أفرد روي عنهم أنه تمتع # أما الأول ففي الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال اجتمع علي وعثمان فكان ~~عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي ما PageV26P066 يريد إلا أمرا ~~فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عنه فقال عثمان دعنا منك فقال إنى ~~لا أستطيع أن أدعك فلما أن رأى علي ذلك أهل بهما جميعا هذا لفظ مسلم ولم ~~يذكر البخاري دعنا إلى أن أدعك وخرجه البخاري وحده من حديث مروان بن الحكم ~~قال شهدت عثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بين الحج والعمرة فلما رأى علي ذلك ~~أهل بهما لبيك بعمرة وحجة قال ما كنت لأدع سنة النبى صلى الله عليه وسلم ~~لقول أحد من الناس # فهذا يبين أنه إذا جمع بينهما كان متمتعا عندهم وأن هذا هو الذي فعله ~~النبى صلى الله عليه وسلم وهو سنة النبى صلى الله عليه وسلم التى فعلها علي ~~بن أبي طالب ووافقه عثمان على أن النبى صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لكن كان ~~النزاع هل ذلك أفضل في حقنا أم لا وهل يشرع فسخ الحج إلى المتعة في حقنا ~~كما تنازع فيه الفقهاء # وفى الصحيح عن عبد الله بن شقيق قال كان عثمان ينهى عن المتعة وكان علي ~~يأمر بها فقال عثمان لعلي كلمة فقال لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله ms7510 صلى ~~الله عليه وسلم فقال أجل ولكنا كنا خائفين فقد اتفق عثمان وعلي على أنهم ~~تمتعوا مع النبى صلى الله عليه وسلم وأما قول عثمان كنا خائفين فإنهم كانوا ~~خائفين في عمرة القضية PageV26P067 وكانوا قد اعتمروا في أشهر الحج وكان كل ~~من اعتمر في أشهر الحج يسمى أيضا متمتعا لأن الناهين عن المتعة كانوا ينهون ~~عن العمرة في أشهر الحج مطلقا # وشاهده ما في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص لما بلغه أن معاوية نهى عن ~~المتعة قال فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كافر بالعرش يعني ~~معاوية ومعلوم أن معاوية كان مسلما في حجة الوداع بل وفي عمرة الجعرانة عام ~~الفتح أو قبل ذلك ولكن في عمرة القضية كافر بعرش مكة وقد سمى سعد عمرة ~~القضية متعة فلعل عثمان أراد الخوف عام القضية وكانوا أيضا خائفين عام ~~الفتح وأما عام حجة الوداع فكانوا آمنين لم يكن قد بقي مشرك بل نفى الله ~~الشرك وأهله ولهذا قالوا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في آمن ما ~~كان الناس ركعتين فلعله قد اشتبه حالهم هذا العام بحالهم هذا العام كما ~~اشتبه على من روي أنه نهى عن متعة النساء في حجة الوداع وإنما كان النهى في ~~غزاة الفتح # وكما يظن بعض الناس أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة في حجة أو ~~عمرة وإنما كان دخوله الكعبة عام الفتح لما فتح مكة ولم يقل أحد أنه دخلها ~~في حجة ولا عمرة بل في الصحيحين عن إسماعيل بن أبي خالد قال قلت لعبدالله ~~بن أبي أوفي من صحابة النبى PageV26P068 صلى الله عليه وسلم أدخل النبى صلى ~~الله عليه وسلم البيت في عمرته قال لا # وفى الصحيحين عن مطرف بن الشخير قال قال لي عمران بن حصين أحدثك حديثا ~~لعل الله أن ينفعك به ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجته ~~وعمرته ثم أنه لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه ms7511 ( وفي رواية قال ~~تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه ( فهذا عمران وهو من أجل ~~السابقين الأولين أخبر أنه تمتع وأنه جمع بين الحج والعمرة # وفي صحيح مسلم عن غنيم بن قيس قال سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة في ~~الحج فقال فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني بيوت مكة يعني معاوية وهذا ~~إنما أراد به سعد عمرة القضية فإن معاوية لم يكن أسلم إذ ذاك وأما في حجة ~~الوداع فكان قد أسلم فكذلك في عمرة الجعرانة فسمي سعد الإعتمار في أشهر ~~الحج متعة لأن بعض الشاميين كانوا ينهون عن الإعتمار في أشهر الحج فصار ~~الصحابة يروون السنة في ذلك ردا على من نهى عن ذلك فالقارن عندهم متمتع ~~ولهذا وجب عليه الهدي ودخل في قوله تعالى ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي ( وفى صحيح البخاري وغيره عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول ~~PageV26P069 الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي العقيق يقول ( أتاني الليلة ~~آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة ( فهؤلاء الخلفاء ~~الراشدون عمر وعثمان وعلي وغير الخلفاء كعمران بن حصين يروى عنهم بأصح ~~الأسانيد أن النبى صلى الله عليه وسلم قرن بين العمرة والحج وكانوا يسمونه ~~تمتعا # وفي الصحيحين عن بكر بن عبد الله المزني عن أنس بن مالك قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة فحدثت بذلك بن عمر فقال لبى ~~بالحج وحده فلقيت أنسا فحدثته فقال ما يعدونا إلا صبيانا سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول ( لبيك عمرة وحجا ( فهذا أنس يخبر أنه سمع النبى ~~صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا وما ذكره بكر عن بن عمر عنه ~~فجوابه أن الثقاة الذين هم أثبت في بن عمر من بكر مثل ابنه سالم رووا عنه ~~أنه قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج وهؤلاء أثبت ~~عن بن عمر من بكر وغلط بكر ms7512 على إبن عمر أولى من تغليط سالم ابنه عنه ~~وتغليطه هو على النبى صلى الله عليه وسلم ويشبه هذا أن بن عمر قال له أفرد ~~الحج فظن أنه قال لبى بالحج فإن إفراد الحج كانوا يطلقونه ويريدون به إفراد ~~أعمال الحج وذلك PageV26P070 يرد قول من يقول أنه قرن فطاف طوافين وسعي ~~سعيين ومن يقول إنه أحل من إحرامه فرواية من روي من الصحابة أنه أفرد الحج ~~ترد على هؤلاء يبين هذا ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع عن بن عمر قال ~~أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا وفي رواية أهل بالحج ~~مفردا فلم يذكروا عن بن عمر إلا أنه قال أفرد الحج لا أنه قال لبي بالحج # وفى السنن من حديث البراء بن عازب أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعلي ~~( قد سقت الهدي وقرنت ( وفى الصحيحين من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن ~~عبد الله بن عمر قال ( تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ~~بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وقد اعتمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ~~ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس من ~~كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم ~~أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج وليهدي ~~فمن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة PageV26P071 إذا رجع إلى ~~اهله وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء ~~ثم خب ثلاثة أشواط من السبع ومشى أربعة أطواف ثم رجع حين قضى طوافه بالبيت ~~فصلى عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة ~~أطواف ثم ms7513 لم يتحلل من كل شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر ~~وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس ( قال الزهري وحدثني عروة عن ~~عائشة مثل حديث سالم عن أبيه # فهذا أصح حديث على وجه الأرض وهو من حديث الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة ~~عن سالم عن بن عمر وهو أصح من حديث بن عمر ومن حديث عروة عن عائشة وهو أصح ~~من حديث عائشة وقد ثبت عنها في الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر ~~أربع عمر الرابعة مع حجته ولم يعتمر بعدها باتفاق المسلمين فتعين أن يكون ~~قرن بين العمرة والحج وقال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك ~~أخبرت أن الذين جمعوا الحج والعمرة إنما طافوا طوافا واحدا # وأما الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج فهم ثلاثة عائشة وبن PageV26P072 عمر ~~وجابر والثلاثة نقل عنهم التمتع وحديث عائشة وبن عمر أنه تمتع بالعمرة إلى ~~الحج أصح من حديثهما أنه أفرد الحج وما صح عنهما من ذلك فمعناه إفراد أعمال ~~الحج # وفى الصحيحين عن حفصة أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن ~~عام حجة الوداع قالت حفصة فما يمنعك أن تحل فقال ( إنى لبدت رأسي وقلدت ~~هديي فلا أحل حتى أنحر هديي ( وفي رواية ( ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت ~~من عمرتك فقال إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي ( فهذا يدل ~~على أنه كان معتمرا وليس فيه أنه لم يكن مع العمرة حاجا ومما يبين ذلك أن ~~في الصحيحين عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي ~~القعدة إلا التى مع حجته عمرة الحديبية في ذي القعدة وعمرة في العام المقبل ~~في ذي القعدة وعمرة من الجعرانة في ذي القعدة وعمرة مع حجته # وفي الصحيحين عن مجاهد قال ( دخلت أنا وعروة ms7514 بن الزبير المسجد فإذا عبد ~~الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة فقال له عروة يا أبا عبد الرحمن كم إعتمر ~~النبى صلى الله عليه وسلم فقال أربع عمر إحداهن في رجب فقال عروة ألا ~~تسمعين يا أم المؤمنين إلى PageV26P073 ما يقول أبو عبد الرحمن فقالت وما ~~يقول قال يقول إعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر إحداهن في رجب ~~فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~وهو معه وما اعتمر في رجب قط ( فعائشة أنكرت كونه اعتمر في رجب وما أنكرت ~~كونه إعتمر أربع عمر فقد اتفقت عائشة وبن عمر على أنه اعتمر أربع عمر كما ~~روي ذلك عن أنس وقد ثبت باتفاق الناس أنه لم يعتمر بعد الحج وثبت أن إبن ~~عمر وعائشة نقلا عنه أنه إعتمر مع الحج وهذا هو التمتع العام الذي يدخل فيه ~~القران وهو الموجب للهدي # فتبين أن الروايات الكثيرة الثابتة عن بن عمر وعائشة توافق ما فعله سائر ~~الصحابة أنه كان متمتعا التمتع العام ومن قال أنه أحرم مطلقا فاحتج بحديث ~~مرسل ومثل هذا لا يجوز أن يعارض به الأحاديث الصحيحة # فقد تبين أن من قال أفرد الحج فان ادعى أنه اعتمر بعد الحج كما يظنه بعض ~~المتفقهة فهذا مخطئ باتفاق العلماء # ومن قال أنه أفرد الحج بمعنى أنه لم يأت مع حجته بعمرة فهذا قد اعتقده ~~بعض العلماء وهو غلط ولم يثبت ذلك عن أحد من الصحابة PageV26P074 # ومن قال أنه أحرم إحراما مطلقا فقوله غلط لم ينقل عن أحد من الصحابة # ومن قال أنه تمتع بمعنى أنه لم يحرم بالحج حتى طاف وسعى فقوله أيضا غلط ~~لم ينقل عن أحد من الصحابة # ومن قال إنه تمتع بمعنى أنه حل من إحرامه فهو أيضا مخطئ باتفاق العلماء ~~العارفين بالأحاديث ومن قال أنه قرن بمعنى أنه طاف طوافين وسعى سعيين فقد ~~غلط أيضا ولم ينقل ذلك أحد من الصحابة عن النبى صلى الله عليه ms7515 وسلم فالغلط ~~في هذا الباب وقع ممن دون الصحابة فلم يفهموا كلامهم وأما الصحابة فنقولهم ~~متفقة # ومما يبين أنه لم يطف طوافين ولا سعى سعيين لا هو ولا أصحابه ما في ~~الصحيحين عن عروة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال ( من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما ~~جميعا ( وقالت فيه ( فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا ~~والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين ~~جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا PageV26P075 # وفي صحيح مسلم عن طاووس عن عائشة أنها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت ~~حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبى صلى الله عليه ~~وسلم يوم النفر ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى ~~التنعيم فاعتمرت بعد الحج ( وفى مسلم أيضا عن مجاهد عن عائشة أنها حاضت ~~بسرف فطهرت بعرفة فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم يجزئ عنك طوافك بالصفا ~~والمروة عن حجك وعمرتك وفى سنن أبي داود عن عطاء عن عائشة أن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال لها ( طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك ~~وعمرتك ( وفى الصحيحين عن جابر قال ( دخل النبى صلى الله عليه وسلم على ~~عائشة ثم وجدها تبكي وقالت قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت ~~فقال اغتسلي ثم أهلي بالحج ففعلت ووقفت المواقف كلها حتى إذا طهرت طافت ~~بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال قد حللت من حجك وعمرتك جميعا ( قالت يا ~~رسول الله إني أجد في نفسي انى لم أطف بالبيت حين حججت فقال ( فاذهب بها يا ~~عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة ( # فقد أخبرت عائشة في الحديث الصحيح أن الذين قرنوا لم يطوفوا بالبيت وبين ~~الصفا والمروة إلا الطواف الأول الذي طافه PageV26P076 المتمتعون أولا ~~وأيضا فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة في قضيتها أنها لما طافت ms7516 يوم النحر بالبيت ~~وبين الصفا والمروة قال لها ( قد حللت ( وقال لها ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ~~( وأنه لا يجب عليها قضاء تلك العمرة ودل ذلك على أن القارن يجزيه طواف ~~واحد بالبيت وبين الصفا والمروة كما يجزئ المفرد لا سيما وعائشة لم تطف إلا ~~طواف قدوم بل لم تطف إلا بعد التعريف وسعت مع ذلك فإذا كان طواف الإفاضة ~~والسعي بعده يكفي القارن فلان يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة وسعي واحد ~~مع أحدهما بطريق الأولى # ومما يبين ذلك أن الصحابة الذين نقلوا حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كلهم نقلوا أنه لما طاف الصحابة بالبيت وبين الصفا والمروة أمرهم النبى ~~بالتحلل إلا من ساق الهدي فإنه لا يتحلل إلا يوم النحر ولم ينقل أحد منهم ~~أن أحدا منهم طاف وسعى ثم طاف وسعى ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم ~~والدواعي على نقله فلما لم ينقله أحد من الصحابة علم أن هذا لم يكن وعمدة ~~من قال ذلك أثر يرويه الكوفيون عن علي وأثر آخر عن بن مسعود وقد روى جعفر ~~بن محمد عن أبيه محمد بن علي أنه كان يحفظ عن علي بن أبي طالب للقارن طوافا ~~واحدا بين الصفا والمروة خلاف ما يحفظ أهل PageV26P077 العراق وما رواه ~~العراقيون منه ما هو منقطع ومنه ما رجاله مجهولون أو مجروحون ولهذا طعن ~~علماء النقل في ذلك حتى قال بن حزم كلما روى في ذلك عن الصحابة لا يصح منه ~~ولا كلمة واحدة وقد نقل في ذلك عن النبى ما هو موضوع بلا ريب # وأيضا ففي الصحيحين عن بن عمر قال لهم ( اشهدوا أنى قد أوجبت حجا مع ~~عمرتي ثم انطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ~~ولم يزد على ذلك ولم يحلق ولا قصر ولا أحل من شيء حرم منه حتى كان يوم ~~النحر فحلق ونحر ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول ( ثم قال ~~هكذا فعل رسول الله # وأيضا فقد ms7517 ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة وإذا دخلت فيه لم تحتج إلى عمل زائد على عمله ( وقد روى سفيان ~~الثوري عن سلمة بن كهيل قال حلف لي طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول الله في ~~حجته وعمرته إلا طوافا واحدا # وقد ثبت مثل هذا عن بن عمر وبن عباس وجابر وغيرهم وهم من أعلم الناس بحجة ~~رسول الله ولا يخالفونها PageV26P078 فهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة عن ~~النبى تبين أنه لم يطف بالبيت وبين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا فتبين ~~بذلك أن الذي دلت عليه الأحاديث هو الذي قاله أئمة أهل الحديث كأحمد وغيره ~~أن النبى صلى الله عليه وسلم كان قارنا وأنه لم يطف إلا طوافا واحدا بالبيت ~~وبين الصفا والمروة لكنه ساق الهدي فمن ساق الهدي فالقران أفضل له من ~~التمتع ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه والله أعلم PageV26P079 ### || 1 ( سؤال هل حج النبي مفردا أو قارنا ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن حج النبى صلى الله عليه وسلم هل كان مفردا أو قارنا أو متمتعا وأيما ~~أفضل لمن يحج فقد أكثر الناس القول وأطالوا وزادوا ونقصوا والقصد كشف الحق ~~عن هذه الأحوال وقول بعض الناس أن أحدا من الصحابة أتى بعمرة من مكة ~~والحديث الذي رووه ( أن عمرة في رمضان تقوم كذا وكذا حجة ( هل هو صحيح أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما حج النبى صلى الله عليه وسلم فالصحيح ~~أنه كان قارنا قرن بين الحج والعمرة وساق الهدي ولم يطف بالبيت وبين الصفا ~~والمروة إلا طوافا واحدا حين قدم لكنه طاف طواف الإفاضة مع هذين الطوافين # وهذا الذي ذكرناه هو الصواب المحقق عند أهل المعرفة بالأحاديث الذين ~~جمعوا طرقها وعرفوا مقصدها وقد جمع أبو محمد بن حزم في حجة الوداع كتابا ~~جيدا في هذا الباب وقال الإمام أحمد لا أشك أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~كان PageV26P080 قارنا ms7518 والتمتع أحب إلي لأنه آخر الأمرين يريد به قول النبى ~~صلى الله عليه وسلم بعد أن طاف وسعى وأمر أصحابه بالتحلل فشق عليهم فقال ( ~~لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( وهذا إنما ~~يقتضي أنه كان متمتعا بدون سوق الهدي والنبى صلى الله عليه وسلم كان قد ساق ~~الهدي ولهذا قال أحمد في رواية المروذي اذا ساق الهدي فالقران أفضل وذلك ~~لأنه فعل النبى صلى الله عليه وسلم # وهذا الذي ذكرناه من أنه حج قارنا يتبين لمن تدبر الأحاديث وفهم مضمونها ~~وبسط ذلك في هذا الموضع غير ممكن لكن نذكر نكتا مختصرة # منها أن الذين نقلوا لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلفظ تلبيته ولفظه ~~في خبره عن نفسه وفيما يخبر به عن أمر الله له إنما ذكروا القران كقول أنس ~~في الصحيحين سمعته يقول ( لبيك عمرة وحجة وكان تحت ناقته ( وكحديث عمر الذي ~~في الصحيح حيث قال ( أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل عمرة ~~في حجة ( وقوله في حديث البراء بن عازب # والذين قالوا تمتع بالعمرة إلى الحج لم تزل قلوبهم على غير PageV26P081 ~~القرآن فإن القرآن كان عندهم داخلا في مسمى التمتع بالعمرة إلى الحج كما ~~جاء مفسرا في الصحيحين من أن عثمان كان ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها ~~فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا ولهذا وجب عند الأئمة على القارن الهدي ~~بقوله ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ( وذلك أن مقصود ~~حقيقة التمتع أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج ويحج من عامه فيترفه بسقوط أحد ~~السفرين قد أحل من عمرته ثم أحرم بالحج أو أحرم بالحج مع العمرة أو أدخل ~~الحج على العمرة فأتى بالعمرة والحج جميعا في أشهر الحج من غير سفر بينهما ~~فيترفه بسقوط أحد السفرين فهذا كله داخل في مسمى التمتع مع أن هؤلاء لم ~~ينقلوا لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكذلك الذين قالوا أفرد الحج مع أن ms7519 هذا اللفظ يراد به الرد على من قال ~~تمتع بالعمرة إلى الحج وحل من إحرامه وعلى من قال إنه طاف طوافين وسعي ~~سعيين فإن أصحابه حلوا من إحرامهم حيث لم يسوقوا الهدي فبقوا محرمين كما ~~يبقي مفردا بحج ولم يأتوا بزيادة على عمل المفرد فبين هؤلاء أنه لم يفعل ~~إلا أفعال الحج لم يحل من إحرامه ولا زاد عليها وتبين بذلك أنه قد اعتمر ~~أربعا إحداهن عمرة مع حجته ولا نزاع بين أهل العلم أنه لم يعتمر ~~PageV26P082 بعد الحجة لا هو ولا أحد ممن حج معه حجة الوداع إلا عائشة خاصة ~~فإنه أعمرها مع أخيها عبد الرحمن لأجل حيضها الذي حاضته وبنيت بعد ذلك ~~مساجد فسميت ( مساجد عائشة ( فإنها أحرمت بالعمرة من هناك فإنه أدنى الحل ~~إلى مكة إذ ذاك الجانب من الحرم أقرب جوانبه من مكة وكان قد اعتمر مع حجته ~~ولم يعتمر بعدها فتبين أن عمرته كانت فيها قبلها فيكون متمتعا # يوضح ذلك أن عامة الذين روي عنهم أنه أفرد الحج كعائشة وبن عمر روى عنهم ~~أنه تمتع بالعمرة إلى الحج كما ثبت ذلك في الصحيحين عن بن عمر وعائشة ~~وغيرهما وقد تبين أن من قال تمتع بالعمرة إلى الحج وأنه حل من إحرامه كما ~~زعم ذلك بعض أصحاب أحمد كالقاضي وغيره وزعموا أنه كان مخصوصا بذلك دون من ~~تمتع وساق الهدي فهذا القول خطأ # وكذلك من يظن من أصحاب مالك والشافعي أنه أفرد الحج واعتمر عقب ذلك فهذا ~~القول خطأ وكلا القولين مخالف لإجماع أهل العلم بالآثار # وكذلك من زعم أنه طاف طوافين وسعى سعيين كما يختار ذلك أصحاب أبي حنيفة ~~وأنه خلاف الأحاديث الصحيحة التى PageV26P083 تبين أنه لم يطف بالبيت ~~والصفا والمروة إلا مرة واحدة # وأما من قال من أصحاب أحمد أنه تمتع ولم يحل من إحرامه لأجل سوق الهدي ~~كما يختاره أبو محمد وغيره فالتمتع على المشهور عندهم السعي بين الصفا ~~والمروة بعد طواف الإفاضة للحج كما سعى أولا للعمرة والنبى صلى الله عليه ~~وسلم ms7520 لم يسع بعد الإفاضة فكيف يكون متمتعا على هذا القول لكن عن أحمد رواية ~~أخرى أن المتمتع لا يحتاج إلى سعي ثان بل يكفيه السعي الأول كما يكفي ~~المفرد وكما يكفي القارن # وسبب اختلاف الروايتين عن أحمد أن في حديث عامر ( أنهم لم يطوفوا بالبيت ~~وبين الصفا والمروة إلا الطواف الأول ( وفي حديث عائشة ( أنهم طافوا بعد ~~التعريف ( فإنه على هذه الرواية لا يتوجه هذا الإلزام لكن لا يبقى بين ~~القارن وبين المتمتع الذي ساق الهدي فلم يحل لأجله فرق إلا أن القارن أحرم ~~بالحج قبل الطواف والسعي والمتمتع أحرم بالحج بعد ذلك فإذا كان إدخاله الحج ~~عليها بعد طوافه وسعيه كإدخاله قبل طوافه وسعيه لا يوجب عليه سعيا ثانيا لم ~~يكن بين القارن والمتمتع الذي لم يحل فرق أصلا # وعلى هذا فإحرامه بالحج قبل أن يطوف ويسعى أفضل من أن PageV26P084 يحرم ~~به بعد الطواف والسعي وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أحرم بهما ~~جميعا وقال ( لبيك عمرة وحجا ( ومن لم يحرم بالحج إلا بعد الطواف والسعي لا ~~يقول هذا # ومن قال من أصحاب مالك والشافعي أفرد الحج ولم يعتمر مع حجته فالأحاديث ~~الصحيحة التى تبين أنه اعتمر مع حجته وأنه اعتمر أربع عمر عمرة الحديبية ~~وعمرة القضية وعمرة الجعرانة والعمرة التى مع حجته ترد هذا القول وكذلك قول ~~حفصة في الحديث المتفق عليه ( ما بال الناس حلوا ولم تحل من عمرتك فقال إني ~~لبدت رأسي وقلدت هديي فلا احل حتى أنحر ( # وأما قول القائل أيما أفضل # فالتحقيق في هذه المسألة أنه اذا أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهو أفضل ~~من القران والتمتع الخاص بسفرة واحدة وقد نص على ذلك أحمد وأبو حنيفة مع ~~مالك والشافعي وغيرهم وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر وكان عمر ~~يختاره للناس وكذلك علي رضي الله عنه وقال عمر وعلي في قوله ( وأتموا الحج ~~والعمرة لله ( قالا إتمامهما أن تهل بهما من دويرة أهلك وقد قال النبى صلى ~~الله عليه ms7521 وسلم لعائشة في عمرتها ( اجرك على قدر PageV26P085 نصبك ( واذا ~~رجع الحاج إلى دويرة أهله فأنشا منها العمرة أو اعتمر قبل أشهر الحج وأقام ~~حتى يحج أو اعتمر في أشهره ورجع إلى أهله ثم حج فهنا قد أتى بكل واحد من ~~النسكين من دويرة أهله وهذا أتى بهما على الكمال فهو أفضل من غيره # وأما إذا أفرد الحج واعتمر عقب ذلك من أدنى الحل فهذا الإفراد لم يفعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين حجوا معه بل ولا ~~غيرهم كيف يكون هو الأفضل مما فعلوه معه بأمره بل لم يعرف أن أحدا اعتمر من ~~مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة لا في حجة الوداع ولا ~~قبلها ولا بعدها بل هذه العمرة لا تجزئ عن عمرة الإسلام في إحدى الروايتين ~~عن أحمد وعند بعض أهل العلم أنها متعة # وتكره العمرة في ذي الحجة عند طائفة من أهل العلم مع أن عائشة كانت إذا ~~حجت صبرت حتى يدخل المحرم ثم تحرم من الجحفة فلم تكن تعتمر من أدنى الحل ~~ولا في ذي الحجة وأما إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة وقدم مكة ~~في أشهر الحج ولم يسق الهدي فالتمتع أفضل له من أن يحج ويعتمر بعد ذلك من ~~الحل لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه PageV26P086 وسلم الذين حجوا معه ~~ولم يسوقوا الهدي أمرهم جميعهم أن يحجوا هكذا أمرهم إذا طافوا بالبيت وبين ~~الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها متعة فلما كان يوم التروية ~~أمرهم أن يحرموا بالحج وهذا متواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم بذلك ~~وحجوا معه كذلك ومعلوم أنهم أفضل الأمة بعده ولا حجة تكون أفضل من حجة أفضل ~~الأمة مع أفضل الخلق بأمره فكيف يكون حج من حج مفردا واعتمر عقب ذلك أو ~~قارنا ولم يسق الهدي أفضل من حج هؤلاء معه بأمره وكيف ينقلهم عن الأفضل إلى ~~المفضول وأمره أبلغ من فعله # وأيضا فإن ms7522 من يحرم بالعمرة قد نوى الحج فإنه ينوي التمتع بالعمرة إلى ~~الحج كما ينوي المغتسل إذا بدأ بالتوضؤ أنه يتوضأ الوضوء الذي هو بعض الغسل ~~فيكون تحريمان وتحليلان كما للمفرد تحليلان وتحريمان فيكون له هدي كما ~~للقارن هدي والهدي هدي نسك لا هدي جبران فإن هدي الجبران الذي يكون لترك ~~واجب أو فعل محرم لا يحل سببه إلا مع العذر فليس له أن يترك شيئا من واجبات ~~الحج بلا عذر أو يفعل شيئا من محظوراته بلا عذر ويأتي بدم وهذا له أن يتمتع ~~بلا عذر ويأتي بالهدي فعلم أنه دم نسك وقد ثبت بالسنة أنه يأكل كما أكل ~~PageV26P087 النبى صلى الله عليه وسلم من هديه وقد كان قارنا وكما ذبح عن ~~نسائه البقرة وأطعمهن من ذلك وكن متمتعات # وأيضا فلمن يأتي بالعبادتين إذا كانتا من جنس يجمع بينهما أن يبدأ ~~بالصغرى على الكبرى كما يتوضأ المغتسل ثم يتم غسله وكما أمره بمثل ذلك في ~~غسل الميت فإذا اعتمر ثم أتى بالحج كان موافقا لهذا بخلاف من حج فإنه أتى ~~بالغاية فإذا اعتمر عقب ذلك لم يكن في عمرته عمل زائد # واذا أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز ذلك بالإتفاق لأنه التزم أكثر ~~مما كان عليه # وأما اذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجز على الصحيح لأنه لا ~~يلتزم زيادة شيء وإنما جوزه أبو حنيفة بناء على أصله في أن عمل القارن فيه ~~زيادة على عمل المفرد # ومن سافر سفرة واحدة واعتمر فيها ثم أراد أن يسافر أخرى للحج فتمتعه أيضا ~~أفضل له من الحج فإن كثيرا من الصحابة الذين حجوا مع النبى صلى الله عليه ~~وسلم كانوا قد اعتمروا قبل ذلك ومع هذا فأمرهم بالتمتع لم يأمرهم بالإفراد ~~ولأن هذا يجمع بين عمرتين وحجة وهدي وهذا أفضل من عمرة وحجة PageV26P088 # وكذلك لو تمتع ثم سافر من دويرة أهله للمتعة فهذا أفضل من سفرة بعمرة ~~وسفرة بحجة مفردة وهذا المفرد أفضل من سفرة واحدة يتمتع فيها وأما إذا ms7523 أراد ~~أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة ويسوق الهدي فالقران أفضل اقتداء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حيث قرن وساق الهدي # ومن قال أنه مع سوق الهدي يكون التمتع أفضل له قيل له مع أن هذا مخالف ~~للسنة إذا أحرم قبل الطواف والسعي كان قد تقدم إحرامه ووقع الطواف والسعي ~~عن الحج والعمرة وإذا أحرم بعدهما لم يكن الطواف والسعي واقعا إلا عن ~~العمرة ووقوع الأفعال عن حج مع عمرة خير من وقوعها عن عمرة لا يتحلل فيها ~~إلى أن يحج لكنه قد يقول إذا تأخر إحرامه بالحج لزمه سعي ثان وهذا زيادة ~~عمل لكن هذا فيه نزاع كما تقدم # وليس له أن يحتج بقول النبى صلى الله عليه وسلم ( لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل ~~لتمتعت مع سوق الهدي بل قال ( لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( فجعل المطلوب ~~متعة بلا سوق هدي وهذا PageV26P089 دليل ثان على أن من ساق الهدي لا يتمتع ~~بل يقرن واذا كان القران والتمتع مع سوق الهدي سواءا إرتفع النزاع # فإن قيل أيما أفضل أن يسوق الهدي ويقرن أو أن يتمتع بلا سوق هدي ويحل من ~~إحرامه # قيل هذا موضع الإجتهاد فإنه قد تعارض دليلان شرعيان # ( أحدهما ( أنه قرن وساق الهدي في حجة الوداع ولم يكن الله ليختار لنبيه ~~المفضول دون الأفضل فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم # ( والثاني ( أن قوله هذا يقتضي أنه لو كان ذلك الحال هو وقت إحرامه لكان ~~أحرم بعمرة ولم يسق الهدي بقوله ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ( فالذي ~~استدبره هو الذي فعله ومضى فصار خلفه والذي يستقبله هو الذي لم يفعله بعد ~~بل هو أمامه فتبين أنه لو كان مستقبلا لما استدبره من أمره وهو الإحرام ~~لأحرم بالعمرة دون هدي وهو لا يختار أن ينتقل من الأفضل إلى المفضول بل ~~إنما يختار الأفضل وذلك يدل على أنه تبين له حينئذ أن التمتع ms7524 بلا هدي أفضل ~~له # ولكن من نصر الأول يجيب عن هذا بأنه لم يقل هذا لأجل أن PageV26P090 الذي ~~فعله مفضول بل لأن أصحابه شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه محرما ~~فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به عن انشراح وموافقة وقد ينتقل عن ~~الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب كما قال لعائشة ( ~~لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولجعلت لها بابين ( فهنا ترك ~~ما هو الأولى لأجل الموافقة والتأليف الذي هو الأدنى من هذا الأولى فكذلك ~~اختار المتعة بلا هدي # وعلى هذا التقدير فيكون الله قد جمع له بين أن فعل الأفضل وبين أن أعطاه ~~بما يراه من الموافقة لهم ما في ذلك من الفضل فاجتمع له الأجران وهذا هو ~~اللائق بحاله صلى الله عليه وسلم # يبين ذلك أن سوق الهدي أفضل من ترك سوقه وقد ساق مائة بدنة فكيف يكون ترك ~~ذلك أفضل في نفسه بمجرد التحلل والإحرام ثانيا وسوق الهدي فيه من تعظيم ~~شعائر الله ما ليس في تكرر التحلل والتحريم # يبين ذلك أن المتمتع اذا ساق الهدي فينبغي أن يكون أفضل من جميع من لم ~~يسق والقارن الذي ساق الهدي أفضل منهما # وأيضا فإن القارن والمتمتع عليه هدي ومعلوم أن الهدي الذي يسوقه ~~PageV26P091 من الحل أفضل باتفاق المسلمين مما يشتريه من الحرم بل في أحد ~~قولي العلماء لا يكون هديا إلا بما أهدي من الحل إلى الحرم وحينئذ فسوقه من ~~الميقات أفضل من سوقه من أدنى الحل فكيف يجعل الهدي الذي لم يسق أفضل مما ~~سيق فهذا وغيره مما يبين أن سوق الهدي مع التمتع والقران أفضل من تمتع لا ~~سوق فيه # وأما سؤال السائل عن بعض الصحابة هل اعتمر من مكة فلم يعتمر أحد على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلا عائشة خاصة وعائشة نفسها كانت اذا ~~حجت تمكث إلى أن يهل المحرم ثم تخرج إلى الجحفة فتحرم منها بعمرة وقوله صلى ~~الله عليه وسلم ms7525 ( عمرة في رمضان تعدل حجة ( وفى لفظ ( تعدل حجة معي ( وفى ~~رواية أنه قال ( الحج من سبيل الله ( فبين لها أن اعتمارها في رمضان تقوم ~~مقام الحجة التى تخلفت عنها والحجة كانت من المدينة والعمرة كانت من ~~المدينة وذلك لأن شهر رمضان هو شهر الصيام وهو قبل أشهر الحج ومن حج من ~~عامه كان أفضل من المتمتع والمتمتع لابد أن يعتمر في أشهر الحج وقد كان ~~يمكنه أن يحرم بالحج فلما عدل عن الإحرام PageV26P092 بالحج إلى الإحرام ~~بالعمرة ترفه بسقوط أحد السفرين فصار الهدي قائما مقام هذا الترفه # ولهذا ظن بعض الفقهاء أن هدي المتمتع هدي جبران ومنعوه من الأكل منه ~~وجعلوا وجوب الهدي في المتمتع دليلا على أنه مرجوح فإن النسك السالم عن ~~جبران أفضل من النسك المجبور # فقال لهم الآخرون دم الجبران لا يجوز للرجل أن يفعل سببه بغير عذر وهنا ~~يجوز التمتع من غير حاجة فامتنع أن يكون هذا دم جبران نعم قد يقال التمتع ~~رخصة والرخصة قد تكون أفضل كما أن القصر أفضل من التربيع عند العلماء ~~بالسنة المتواترة واتفاق السلف وكذلك ( الفطر والمسح ( على أظهر قولي ~~العلماء فإن الفطر هو آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم # وتنازع العلماء في وجوبه وفى إجزاء الصوم في السفر فذهب طائفة من السلف ~~والخلف إلى أن الصائم في السفر عليه القضاء واتفق المسلمون على أن الفطر في ~~السفر جائز لأنه كان آخر الأمرين من النبى صلى الله عليه وسلم واتفق ~~المسلمون على جوازه وهو أفضل فما تنازعوا في جوازه مع أنه قد ثبت في الصحيح ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ليس من البر الصيام في السفر ( وثبت ~~في صحيح مسلم أن حمزة PageV26P093 بن عمرو قال للنبى صلى الله عليه وسلم ~~إني رجل أكثر الصيام أفاصوم في السفر فقال ( إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس ~~( فحسن الفطر ورفع البأس عن الصوم # وهكذا ( المسح على الخفين ( فإنه لم ينقل أحد أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم ms7526 كان اذا لبس الخفين على طهارة ثم أحدث أنه ينزعهما ويغسل رجليه بل كان ~~يمسح عليهما وهذا مورد النزاع فأما اذا لم يكن عليه خفان ففرضه الغسل ولا ~~يشرع له أن يلبس الخفين لأجل المسح بل صورة المسألة اذا لبسهما لحاجته فهل ~~الأفضل أن يمسح عليهما أو يخلعهما أو كلاهما على السواء على ثلاثة أقوال # والصواب أن المسح أفضل إتباعا للسنة # وأيضا فالذي يحج متمتعا فعل ما يشرع باتفاق العلماء المعروفين وأما غير ~~المتمتع ففي حجه نزاع فقد ثبت عن بن عباس وطائفة من السلف أن التمتع واجب ~~وأن كل من طاف وسعى ولم يكن معه هدي فإنه يحل من إحرامه سواء قصد التحلل أو ~~لم يقصده وليس لأحد عند هؤلاء أن يحج إلا متمتعا وهذا مذهب بن حزم وغيره من ~~أهل الظاهر وهو مذهب الشيعة أيضا لأن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بذلك ~~أصحابه في حجة الوداع فإذا كان التمتع PageV26P094 مختلفا في وجوبه متفقا ~~على جوازه وغيره ليس بواجب ولم يتفق على جوازه كان الحج الذي اتفق على ~~جوازه أولى # ولا يعارض هذا أن بعض المتقدمين كان ينهى عن المتعة وكان بعض الولاة يضرب ~~عليها فعلماء أصحاب هذا القول قد قيل أنهم لم يكونوا يحرمون المتعة بل ~~كانوا يختارون أن يعتمر الناس في غير أشهر الحج كي لا يزال البيت معمورا ~~بالحجاج والعمار ومن قدر أنه نهى عن ذلك نهي تحريم فهذا قول مخالف للسنة ~~الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم مع مخالفته لكتاب الله فلا يلتفت إليه # وأما تنازع العلماء في جواز فسخ المفرد والقارن وانتقالهما إلى التمتع ~~فمن العلماء من قال أن ذلك منسوخ وأن ذلك كان مخصوصا بالذين حجوا مع النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال بعضهم لأن النبى صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمهم ~~جواز العمرة في أشهر الحج # وقال آخرون هذا قول ضعيف جدا فإن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر في أشهر ~~الحج غير مرة بل عمرة كانت في أشهر ms7527 الحج عمرة الحديبية كانت في ذي القعدة ~~وعمرة القضاء في العام القابل كانت في ذي القعدة وعمرة الجعرانة كانت في ذي ~~القعدة أما كان في هذا ما يبين جواز الإعتمار في أشهر الحج # وأيضا فقد ثبت في الصحيحين أنهم لما كانوا بذي الحليفة قال ( من شاء أن ~~يهل بعمرة وحجة فليفعل ومن شاء أن يهل بحجة PageV26P095 فليفعل ومن شاء أن ~~يهل بعمرة فليفعل ( فقد صرح لهم بجواز الثلاثة وفى هذا بيان واضح لجواز ~~العمرة في أشهر الحج # وأيضا فالذين حجوا معه متمتعين كان في حجهم ما يبين الجواز فلا يجوز أن ~~يأمر جميع من حج معه بالتحلل من إحرامه وأن يجعلوا ذلك تمتعا بمجرد بيان ~~جواز ذلك ولا ينقلهم عن الأفضل إلى المفضول فعلم أنه إنما نقلهم إلى الأفضل ~~وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قيل له عمرتنا هذه لعامنا أم ~~للأبد فقال ( بل للأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ( # وأيضا فإذا كان الكفار لم يكونوا يتمتعون ولا يعتمرون في أشهر الحج ~~والنبى صلى الله عليه وسلم قصد مخالفة الكفار كان هذا من سنن الحج كما فعل ~~في وقوفه بعرفة ومزدلفة فإن المشركين كانوا يعجلون الإفاضة من عرفة قبل ~~الغروب ويؤخرون الإفاضة من جمع إلى أن تطلع الشمس فخالفهم النبى صلى الله ~~عليه وسلم وقال ( خالف هدينا هدي المشركين ( فأخر الإفاضة من عرفة إلى أن ~~غربت الشمس وعجل الإفاضة من جمع قبل طلوع الشمس وهذا هو السنة للمسلمين ~~باتفاق المسلمين فهكذا ما فعله من التمتع والفسخ إن كان قصد به مخالفة ~~المشركين فهذا هو السنة وإن فعله لأنه أفضل وهو سنة فعلى التقديرين يكون ~~الفسخ أفضل اتباعا لما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه والله ~~سبحانه أعلم PageV26P096 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # وأما الركن اليماني فلا يقبل على القول الصحيح وأما سائر جوانب البيت ~~والركنان الشاميان ومقام إبراهيم فلا يقبل ولا يتمسح به باتفاق المسلمين ~~المتبعين للسنة المتواترة عن النبى صلى الله عليه ms7528 وسلم # فإذا لم يكن التمسح بذلك وتقبيله مستحبا فأولى أن لا يقبل ولا يتمسح بما ~~هو دون ذلك واتفق العلماء على أنه لا يستحب لمن سلم على النبى صلى الله ~~عليه وسلم عند قبره أن يقبل الحجرة ولا يتمسح بها لئلا يضاهي بيت المخلوق ~~بيت الخالق ولأنه قال صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ( ~~وقال ( لا تتخذوا قبري عيدا ( وقال ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ( فإذا كان هذا دين ~~المسلمين في قبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد ولد آدم فقبر غيره ~~أولى أن لا يقبل ولا يستلم # وقد حكى بعض العلماء في هذا خلافا مرجوحا وأما الأئمة المتبعون والسلف ~~الماضون فما أعلم بينهم في ذلك خلافا والله سبحانه أعلم PageV26P097 ### || 1 ( بيان مختصر لمناسك الحج ) 1 # وقال شيخ الإسلام أبو العباس # أحمد بن شهاب الدين عبد الحليم بن الإمام مجد الدين عبدالسلام إبن عبد ~~الله بن تيمية رضي الله عنه # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه ~~وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فقد تكرر السؤال من كثير من المسلمين أن أكتب في بيان مناسك الحج ~~ما يحتاج إليه غالب الحجاج في غالب الأوقات فأني كنت قد كتبت منسكا في ~~أوائل عمري فذكرت فيه أدعية كثيرة وقلدت في الأحكام من اتبعته قبلي من ~~العلماء وكتبت في هذا ما تبين لى من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مختصرا مبينا ولا حول ولا قوة إلا بالله PageV26P098 ### ||| فصل # أول ما يفعله قاصد الحج والعمرة إذا أراد الدخول فيهما أن يحرم بذلك وقبل ~~ذلك فهو قاصد الحج أو العمرة ولم يدخل فيهما بمنزلة الذي يخرج إلى ms7529 صلاة ~~الجمعة فله أجر السعي ولا يدخل في الصلاة حتى يحرم بها # وعليه إذا وصل إلى الميقات أن يحرم والمواقيت خمسة ذو الحليفة والجحفة ~~وقرن المنازل ويلملم وذات عرق ولما وقت النبى صلى الله عليه وسلم المواقيت ~~قال ( هن لأهلهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن لمن يريد الحج والعمرة ومن كان ~~منزله دونهن فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة ( # فذو الحليفة هي أبعد المواقيت بينها وبين مكة عشر مراحل أو أقل أو اكثر ~~بحسب اختلاف الطرق فإن منها إلى مكة عدة طرق وتسمى وادي العقيق ومسجدها ~~يسمي مسجد الشجرة وفيها بئر تسميها جهال العامة ( بئر على ( لظنهم أن عليا ~~قاتل الجن بها وهو كذب فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة وعلي أرفع ~~PageV26P099 قدرا من أن يثبت الجن لقتاله ولا فضيلة لهذا البئر ولا مذمة ~~ولا يستحب أن يرمي بها حجرا ولا غيره # وأما الجحفة فبينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل وهي قرية كانت قديمة معمورة ~~وكانت تسمى مهيعة وهي اليوم خراب ولهذا صار الناس يحرمون قبلها من المكان ~~الذي يسمى رابغا وهذا ميقات لمن حج من ناحية المغرب كأهل الشام ومصر وسائر ~~المغرب لكن اذا اجتازوا بالمدينة النبوية كما يفعلونه في هذه الأوقات ~~أحرموا من ميقات أهل المدينة فإن هذا هو المستحب لهم بالإتفاق فإن أخروا ~~الإحرام إلى الجحفة ففيه نزاع # وأما المواقيت الثلاثة فبين كل واحد منها وبين مكة نحو مرحلتين وليس لأحد ~~أن يجاوز الميقات اذا أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام وإن قصد مكة للتجارة ~~أو الزيارة فينبغي له أن يحرم وفي الوجوب نزاع # ومن وافى الميقات في أشهر الحج فهو مخير بين ثلاثة أنواع وهي التى يقال ~~لها التمتع والإفراد والقران إن شاء أهل بعمرة فإذا حل منها أهل بالحج وهو ~~يخص باسم التمتع وإن شاء أحرم بهما جميعا أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها ~~الحج قبل الطواف PageV26P100 وهو القرآن وهو داخل في اسم التمتع في الكتاب ~~والسنة وكلام الصحابة وإن ms7530 شاء أحرم بالحج مفردا وهو الإفراد ### ||| فصل # في الأفضل من ذلك فالتحقيق في ذلك أنه يتنوع باختلاف حال الحاج فإن كان ~~يسافر سفرة للعمرة وللحج سفرة أخري أو يسافر إلى مكة قبل أشهر الحج ويعتمر ~~ويقيم بها حتى يحج فهذا الإفراد له أفضل باتفاق الأئمة الأربعة # والإحرام بالحج قبل أشهره ليس مسنونا بل مكروه واذا فعله فهل يصير محرما ~~بعمرة أو بحج فيه نزاع وأما اذا فعل ما يفعله غالب الناس وهو أن يجمع بين ~~العمرة والحج في سفرة واحدة ويقدم مكة في أشهر الحج وهن شوال وذو القعدة ~~وعشر من ذي الحجة فهذا إن ساق الهدي فالقرآن أفضل له وإن لم يسق الهدي ~~فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل فإنه قد ثبت بالنقول المستفيضة التى لم يختلف ~~في صحتها أهل PageV26P101 العلم بالحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم لما ~~حج حجة الوداع هو وأصحابه أمرهم جميعهم أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة ~~إلا من ساق الهدي فإنه أمره أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله يوم ~~النحر وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي هو وطائفة من أصحابه ~~وقرن هو بين العمرة والحج فقال ( لبيك عمرة وحجا ) # ولم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبى صلى الله عليه وسلم إلا عائشة ~~وحدها لأنها كانت قد حاضت فلم يمكنها الطواف لأن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال ( تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ( فأمرها أن تهل بالحج ~~وتدع أفعال العمرة لأنها كانت متمتعة ثم أنها طلبت من النبى صلى الله عليه ~~وسلم أن يعمرها فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن فاعتمرت من التنعيم والتنعيم ~~هو أقرب الحل إلى مكة وبه اليوم المساجد التى تسمى ( مساجد عائشة ( ولم تكن ~~هذه على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وإنما بنيت بعد ذلك علامة على المكان ~~الذي أحرمت منه عائشة وليس دخول هذه المساجد ولا الصلاة فيها لمن اجتاز بها ~~محرما لا فرضا ولا سنة بل قصد ذلك واعتقاد أنه ms7531 يستحب بدعة مكروهة لكن من ~~خرج من مكة ليعتمر فإنه إذا دخل واحدا منها وصلى فيه لأجل الإحرام ~~PageV26P102 فلا بأس بذلك # ولم يكن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أحد يخرج من ~~مكة ليعتمر إلا لعذر لا في رمضان ولا في غير رمضان والذين حجوا مع النبى ~~صلى الله عليه وسلم ليس فيهم من اعتمر بعد الحج من مكة إلا عائشة كما ذكر ~~ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين والذين استحبوا الإفراد من الصحابة ~~إنما استحبوا أن يحج في سفرة ويعتمر في أخرى ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر عقب ~~ذلك عمرة مكية بل هذا لم يكونوا يفعلونه قط اللهم إلا أن يكون شيئا نادرا # وقد تنازع السلف في هذا هل يكون متمتعا عليه دم أم لا وهل تجزئه هذه ~~العمرة عن عمرة الإسلام أم لا # وقد اعتمر النبى صلى الله عليه وسلم بعد هجرته أربع عمر عمرة الحديبية ~~وصل إلى الحديبية والحديبية وراء الجبل الذي بالتنعيم عند مساجد عائشة عن ~~يمينك وأنت داخل إلى مكة فصده المشركون عن البيت فصالحهم وحل من إحرامه ~~وانصرف وعمرة القضية اعتمر من العام القابل # وعمرة الجعرانة فإنه كان قد قاتل المشركين بحنين وحنين من PageV26P103 ~~ناحية المشرق من ناحية الطائف وأما بدر فهي بين المدينة وبين مكة وبين ~~الغزوتين ست سنين ولكن قرنتا في الذكر لأن الله تعالى أنزل فيهما الملائكة ~~لنصر النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في القتال ثم ذهب فحاصر المشركين ~~بالطائف ثم رجع وقسم غنائم حنين بالجعرانة فلما قسم غنائم حنين اعتمر من ~~الجعرانة داخلا إلى مكة لا خارجا منها للإحرام # والعمرة الرابعة مع حجته فإنه قرن بين العمرة والحج باتفاق أهل المعرفة ~~بسنته وباتفاق الصحابة على ذلك ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه تمتع تمتعا ~~حل فيه بل كانوا يسمون القران تمتعا ولا نقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن ~~طاف طوافين وسعى سعيين وعامة المنقول عن الصحابة في صفة حجته ليست بمختلفة ~~وإنما ms7532 اشتبهت على من لم يعرف مرادهم وجميع الصحابة الذين نقل عنهم أنه أفرد ~~الحج كعائشة وبن عمر وجابر قالوا أنه تمتع بالعمرة إلى الحج فقد ثبت في ~~الصحيحين عن عائشة وبن عمر بإسناد أصح من إسناد الإفراد ومرادهم بالتمتع ~~القران كما ثبت ذلك في الصحاح أيضا فإذا أراد الإحرام فإن كان قارنا قال ~~لبيك عمرة وحجا وإن كان متمتعا قال لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج وإن كان ~~مفردا قال لبيك حجة PageV26P104 أو قال اللهم إنى أوجبت عمرة وحجا أو أوجبت ~~عمرة أتمتع بها إلى الحج أو أوجبت حجا أو أريد الحج أو أريدهما أو أريد ~~التمتع بالعمرة إلى الحج فمهما قال من ذلك أجزأه باتفاق الأئمة ليس في ذلك ~~عبارة مخصوصة ولا يجب شيء من هذه العبارات باتفاق الأئمة كما لا يجب التلفظ ~~بالنية في الطهارة والصلاة والصيام باتفاق الأئمة بل متى لبى قاصدا للإحرام ~~انعقد إحرامه باتفاق المسلمين ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيء # ولكن تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك كما تنازعوا هل يستحب التلفظ ~~بالنية في الصلاة والصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك فإن النبى ~~صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسلمين شيئا من ذلك ولا كان يتكلم قبل ~~التكبير بشيء من ألفاظ النية لا هو ولا أصحابه بل لما أمر ضباعة بنت الزبير ~~بالإشتراط قالت فكيف أقول قال ( قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث ~~تحبسني ( رواه أهل السنن وصححه الترمذي ولفظ النسائي إني أريد الحج فكيف ~~أقول قال ( قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث تحبسنى فإن لك على ربك ~~ما استثنيت ( وحديث الإشتراط في الصحيحين # لكن المقصود بهذا اللفظ أنه أمرها بالإشتراط في التلبية ولم PageV26P105 ~~يأمرها أن تقول قبل التلبية شيئا لا اشتراطا ولا غيره وكان يقول في تلبيته ~~( لبيك عمرة وحجا ( وكان يقول للواحد من أصحابه ( بم أهللت ( وقال في ~~المواقيت ( مهل أهل المدينة ذو الحليفة ومهل أهل الشام الجحفة ومهل أهل ~~اليمن يلملم ms7533 ومهل أهل نجد قرن المنازل ومهل أهل العراق ذات عرق ومن كان ~~دونهن فمهله من أهله ( والإهلال هو التلبية فهذا هو الذي شرع النبى صلى ~~الله عليه وسلم للمسلمين التكلم به في ابتداء الحج والعمرة وإن كان مشروعا ~~بعد ذلك كما تشرع تكبيرة الإحرام ويشرع التكبير بعد ذلك عند تغير الأحوال ~~ولو أحرم إحراما مطلقا جاز فلو أحرم بالقصد للحج من حيث الجملة ولا يعرف ~~هذا التفصيل جاز # ولو أهل ولبى كما يفعل الناس قاصدا للنسك ولم يسم شيئا بلفظه ولا قصد ~~بقلبه لا تمتعا ولا إفرادا ولا قرانا صح حجه أيضا وفعل واحدا من الثلاثة ~~فإن فعل ما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه كان حسنا وإن اشترط على ~~ربه خوفا من العارض فقال وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني كان حسنا فإن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أمر ابنة عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أن ~~تشترط على ربها لما كانت شاكية فخاف أن يصدها المرض عن البيت ولم ~~PageV26P106 يكن يأمر بذلك كل من حج # وكذلك إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن ولا يؤمر المحرم قبل ~~الإحرام بذلك فإن النبى صلى الله عليه وسلم فعله ولم يأمر به الناس ولم يكن ~~النبى صلى الله عليه وسلم يأمر أحدا بعبارة بعينها وإنما يقال أهل بالحج ~~أهل بالعمرة أو يقال لبى بالحج لبى بالعمرة وهو تأويل قوله تعالى ( الحج ~~أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ( # وثبت عنه في الصحيحين أنه قال ( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج ~~من ذنوبه كيوم ولدته أمه ( وهذا على قراءة من قرأ ( فلا رفث ولا فسوق ( ~~بالرفع فالرفث اسم للجماع قولا وعملا والفسوق اسم للمعاصي كلها والجدال على ~~هذه القراءة هو المراء في أمر الحج فإن الله قد أوضحه وبينه وقطع المراء ~~فيه كما كانوا في الجاهلية يتمارون في أحكامه وعلى القراءة الأخرى قد يفسر ~~بهذا المعنى أيضا ms7534 وقد فسروها بأن لا يماري الحاج أحدا والتفسير الأول أصح ~~فإن الله لم ينه المحرم ولا غيره عن الجدال مطلقا بل الجدال قد يكون واجبا ~~أو مستحبا كما قال تعالى ( وجادلهم بالتى هي أحسن ( وقد يكون الجدال محرما ~~في الحج وغيره كالجدال بغير علم وكالجدال في الحق بعد ما تبين PageV26P107 # ولفظ ( الفسوق ( يتناول ما حرمه الله تعالى ولا يختص بالسباب وإن كان ~~سباب المسلم فسوقا فالفسوق يعم هذا وغيره # ( والرفث ( هو الجماع وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث ~~فلهذا ميز بينه وبين الفسوق # وأما سائر المحظورات كاللباس والطيب فإنه وإن كان يأثم بها فلا تفسد الحج ~~عند أحد من الأئمة المشهورين # وينبغي للمحرم أن لا يتكلم إلا بما يعنيه وكان شريح اذا أحرم كأنه الحية ~~الصماء ولا يكون الرجل محرما بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته فإن القصد ~~ما زال في القلب منذ خرج من بلده بل لابد من قول أو عمل يصير به محرما هذا ~~هو الصحيح من القولين والتجرد من اللباس واجب في الإحرام وليس شرطا فيه فلو ~~أحرم وعليه ثياب صح ذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وباتفاق أئمة ~~أهل العلم وعليه أن ينزع اللباس المحظور ### ||| فصل # يستحب أن يحرم عقيب صلاة إما فرض وإما تطوع إن كان PageV26P108 وقت تطوع ~~في أحد القولين وفي الآخر إن كان يصلي فرضا أحرم عقيبه وإلا فليس للإحرام ~~صلاة تخصه وهذا أرجح # ويستحب أن يغتسل للإحرام ولو كانت نفساء أو حائضا وإن احتاج إلى التنظيف ~~كتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ونحو ذلك فعل ذلك وهذا ليس من خصائص ~~الإحرام وكذلك لم يكن له ذكر فيما نقله الصحابة لكنه مشروع بحسب الحاجة ~~وهكذا يشرع لمصلي الجمعة والعيد على هذا الوجه # ويستحب أن يحرم في ثوبين نظيفين فإن كانا أبيضين فهما أفضل ويجوز أن يحرم ~~في جميع أجناس الثياب المباحة من القطن والكتان والصوف # والسنة أن يحرم في إزار ورداء سواء كانا مخيطين أو غير ms7535 مخيطين باتفاق ~~الأئمة ولو أحرم في غيرهما جاز اذا كان مما يجوز لبسه ويجوز أن يحرم في ~~الأبيض وغيره من الألوان الجائزة وإن كان ملونا # والأفضل أن يحرم في نعلين إن تيسر والنعل هي التى يقال لها التاسومة فإن ~~لم يجد نعلين لبس خفين وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين فإن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أمر بالقطع أولا ثم PageV26P109 رخص بعد ذلك في عرفات في ~~لبس السراويل لمن لم يجد إزارا ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين وإنما ~~رخص في المقطوع أولا لأنه يصير بالقطع كالنعلين # ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يلبس ما دون الكعبين مثل الخف المكعب ~~والجمجم والمداس ونحو ذلك سواء كان واجدا للنعلين أو فاقدا لهما واذا لم ~~يجد نعلين ولا ما يقوم مقامهما مثل الجمجم والمداس ونحو ذلك فله أن يلبس ~~الخف ولا يقطعه وكذلك اذا لم يجد إزارا فإنه يلبس السراويل ولا يفتقه هذا ~~أصح قولي العلماء لأن النبى صلى الله عليه وسلم رخص في البدل في عرفات كما ~~رواه بن عمر # وكذلك يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء فله أن يلتحف ~~بالقباء والجبة والقميص ونحو ذلك ويتغطى به باتفاق الائمة عرضا ويلبسه ~~مقلوبا يجعل أسفله أعلاه ويتغطى باللحاف وغيره ولكن لا يغطي رأسه إلا لحاجة ~~والنبى صلى الله عليه وسلم نهى المحرم أن يلبس القميص والبرنس والسراويل ~~والخف والعمامة ونهاهم أن يغطوا رأس المحرم بعد الموت وأمر من أحرم في جبة ~~أن ينزعها عنه فما كان من هذا الجنس فهو في معنى ما نهى عنه النبى صلى الله ~~عليه وسلم فما كان في معنى القميص PageV26P110 فهو مثله وليس له أن يلبس ~~القميص لا بكم ولا بغير كم وسواء أدخل فيه يديه أو لم يدخلهما وسواء كان ~~سليما أو مخروقا وكذلك لا يلبس الجبة ولا القباء الذي يدخل يديه فيه وكذلك ~~الدرع الذي يسمى ( عرق جين ( وأمثال ذلك باتفاق الأئمة # وأما اذا طرح القباء على كتفيه من ms7536 غير إدخال يديه ففيه نزاع وهذا معنى ~~قول الفقهاء لا يلبس والمخيط ما كان من اللباس على قدر العضو وكذلك لا يلبس ~~ما كان في معنى الخف كالموق والجورب ونحو ذلك # ولا يلبس ما كان في معنى السراويل كالتبان ونحوه وله أن يعقد ما يحتاج ~~إلى عقده كالإزار وهميان النفقة والرداء لا يحتاج إلى عقده فلا يعقده فإن ~~احتاج إلى عقده ففيه نزاع والأشبه جوازه حينئذ وهل المنع من عقده منع كراهة ~~أو تحريم فيه نزاع وليس على تحريم ذلك دليل إلا ما نقل عن بن عمر رضي الله ~~عنه أنه كره عقد الرداء وقد اختلف المتبعون لابن عمر فمنهم من قال هو كراهة ~~تنزيه كأبي حنيفة وغيره ومنهم من قال كراهة تحريم # وأما الرأس فلا يغطيه لا بمخيط ولا غيره فلا يغطيه بعمامة ولا قلنسوة ولا ~~كوفية ولا ثوب يلصق به ولا غير ذلك وله أن PageV26P111 يستظل تحت السقف ~~والشجر ويستظل في الخيمة ونحو ذلك باتفاقهم وأما الإستظلال بالمحمل ~~كالمحارة التى لها رأس في حال السير فهذا فيه نزاع والأفضل للمحرم أن يضحي ~~لمن أحرم له كما كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه يحجون وقد رأى بن ~~عمر رجلا ظلل عليه فقال أيها المحرم أضح لمن أحرمت له ولهذا كان السلف ~~يكرهون القباب على المحامل وهي المحامل التى لها رأس وأما المحامل المكشوفة ~~فلم يكرهها إلا بعض النساك وهذا في حق الرجل # وأما المرأة فإنها عورة فلذلك جاز لها أن تلبس الثياب التى تستتر بها ~~وتستظل بالمحمل لكن نهاها النبى صلى الله عليه وسلم أن تنتقب أو تلبس ~~القفازين والقفازان غلاف يصنع لليد كما يفعله حملة البزاة ولو غطت المرأة ~~وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالإتفاق وإن كان يمسه فالصحيح أنه يجوز أيضا ~~ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك فإن ~~النبى صلى الله عليه وسلم سوى بين وجهها ويديها وكلاهما كبدن الرجل لا ~~كرأسه # وأزواجه صلى الله عليه ms7537 وسلم كن يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة ~~ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إحرام ~~المرأة في وجهها ( وإنما هذا قول بعض السلف لكن النبى صلى الله عليه وسلم ~~نهاها أن تنتقب أو تلبس القفازين PageV26P112 كما نهى المحرم أن يلبس ~~القميص والخف مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة والبرقع ~~أقوى من النقاب فلهذا ينهى عنه باتفاقهم ولهذا كانت المحرمة لا تلبس ما ~~يصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه فإنه كالنقاب # وليس للمحرم أن يلبس شيئا مما نهى النبى صلى الله عليه وسلم عنه إلا ~~لحاجة كما أنه ليس للصائم أن يفطر إلا لحاجة والحاجة مثل البرد الذي يخاف ~~أن يمرضه اذا لم يغط رأسه أو مثل مرض نزل به يحتاج معه إلى تغطية رأسه ~~فيلبس قدر الحاجة فإذا استغنى عنه نزع # وعليه أن يفتدي إما بصيام ثلاثة أيام وإما بنسك شاة أو بإطعام ستة مساكين ~~لكل مسكين نصف صاع من تمر أو شعير أو مد من بر وإن أطعمه خبزا جاز ويكون ~~رطلين بالعراقي قريبا من نصف رطل بالدمشقي وينبغي أن يكون مأدوما وإن أطعمه ~~مما يؤكل كالبقسماط والرقاق ونحو ذلك جاز وهو أفضل من أن يعطيه قمحا أو ~~شعيرا وكذلك في سائر الكفارات اذا أعطاه مما يقتات به مع أدمه فهو أفضل من ~~أن يعطيه حبا مجردا اذا لم يكن عادتهم أن يطحنوا بأيديهم ويخبزوا بأيديهم ~~والواجب في ذلك كله ما ذكره الله تعالى بقوله ( اطعام عشرة مساكين من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم PageV26P113 أو كسوتهم ( الآية فأمر الله تعالى بإطعام ~~المساكين من أوسط ما يطعم الناس أهليهم # وقد تنازع العلماء في ذلك هل ذلك مقدر بالشرع أو يرجع فيه إلى العرف ~~وكذلك تنازعوا في النفقة نفقة الزوجة والراجح في هذا كله أن يرجع فيه إلى ~~العرف فيطعم كل قوم مما يطعمون أهليهم ولما كان كعب بن عجرة ونحوه يقتاتون ~~التمر أمره النبى صلى الله عليه وسلم أن ms7538 يطعم فرقا من التمر بين ستة مساكين ~~والفرق ستة عشر رطلا بالبغدادي # وهذه الفدية يجوز أن يخرجها اذا احتاج إلى فعل المحظور قبله وبعده ويجوز ~~أن يذبح النسك قبل أن يصل إلى مكة ويصوم الأيام الثلاثة متتابعة إن شاء ~~ومتفرقة إن شاء فإن كان له عذر أخر فعلها وإلا عجل فعلها # واذا لبس ثم لبس مرارا ولم يكن أدى الفدية أجزأته فدية واحدة في أظهر ~~قولي العلماء ### ||| فصل # فإذا أحرم لبى بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لبيك اللهم لبيك ~~لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا PageV26P114 شريك لك ( ~~وإن زاد على ذلك لبيك ذا المعارج أو لبيك وسعديك ونحو ذلك جاز كما كان ~~الصحابة يزيدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعهم فلم ينههم وكان هو ~~يداوم على تلبيته ويلبي من حين يحرم سواء ركب دابة أو لم يركبها وإن أحرم ~~بعد ذلك جاز # والتلبية هي إجابة دعوة الله تعالى لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان ~~خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره كما ~~ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته والمعنى انا مجيبوك لدعوتك مستسلمون لحكمتك ~~مطيعون لأمرك مرة بعد مرة لا نزال على ذلك والتلبية شعار الحج فافضل الحج ~~العج والثج فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج اراقة دماء الهدي # ولهذا يستحب رفع الصوت بها للرجل بحيث لا يجهد نفسه والمرأة ترفع صوتها ~~بحيث تسمع رفيقتها ويستحب الإكثار منها عند اختلاف الأحوال مثل أدبار ~~الصلوات ومثل ما اذا صعد نشزا أو هبط واديا أو سمع ملبيا أوأقبل الليل ~~والنهار أو التقت الرفاق وكذلك اذا فعل ما نهي عنه وقد روي أنه من لبى حتى ~~تغرب الشمس فقد أمسى مغفورا له # وإن دعا عقيب التلبية وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم PageV26P115 ~~وسأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من سخطه والنار فحسن ### ||| فصل # ومما ينهى عنه المحرم أن يتطيب بعد الاحرام في بدنه أو ثيابه أو يتعمد ~~لشم الطيب وأما ms7539 الدهن في رأسه أو بدنه بالزيت والسمن ونحوه اذا لم يكن فيه ~~طيب ففيه نزاع مشهور وتركه أولى # ولا يقلم أظفاره ولا يقطع شعره وله أن يحك بدنه اذا حكه ويحتجم في رأسه ~~وغير رأسه وإن احتاج أن يحلق شعرا لذلك جاز فإنه قد ثبت في الصحيح أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم احتجم في وسط رأسه وهو محرم ولا يمكن ذلك إلا مع حلق ~~بعض الشعر وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره وإن تيقن أنه ~~إنقطع بالغسل ويفتصد اذا احتاج إلى ذلك وله أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق ~~وكذلك لغير الجنابة ولا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ولا يصطاد صيدا بريا ~~ولا يتملكه بشراء ولا اتهاب ولا غير ذلك ولا يعين على صيد ولا يذبح صيدا ~~فأما صيد البحر كالسمك ونحوه فله أن يصطاده ويأكله # وله أن يقطع الشجر لكن نفس الحرم لا يقطع شيئا من PageV26P116 شجره وإن ~~كان غير محرم ولا من نباته المباح إلا الاذخر وأما ما غرس الناس أو زرعوه ~~فهو لهم وكذلك ما يبس من النبات يجوز أخذه ولا يصطاد به صيدا وإن كان من ~~الماء كالسمك على الصحيح بل ولا ينفر صيده مثل أن يقيمه ليقعد مكانه # وكذلك حرم مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما بين لابتيها و ( ~~اللابة ( هي الحرة وهي الأرض التى فيها حجارة سود وهو بريد في بريد والبريد ~~أربعة فراسخ وهو من عير إلى ثور وعير هو جبل عند الميقات يشبه العير وهو ~~الحمار وثور هو جبل من ناحية أحد وهو غير جبل ثور الذي بمكة فهذا الحرم ~~أيضا لا يصاد صيده ولا يقطع شجره إلا لحاجة كآلة الركوب والحرث ويؤخذ من ~~حشيشه ما يحتاج إليه للعلف فإن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لأهل المدينة ~~في هذا لحاجتهم إلى ذلك إذ ليس حولهم ما يستغنون به عنه بخلاف الحرم المكي ~~واذا أدخل عليه صيد لم يكن عليه إرساله وليس في الدنيا ms7540 حرم لا بيت المقدس ~~ولا غيره إلا هذان الحرمان ولا يسمى غيرهما حرما كما يسمي الجهال فيقولون ~~حرم المقدس وحرم الخليل فإن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين والحرم ~~المجمع عليه حرم مكة وأما المدينة فلها حرم أيضا عند الجمهور كما استفاضت ~~PageV26P117 بذلك الأحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ولم يتنازع ~~المسلمون في حرم ثالث إلا في ( وج ( وهو واد بالطائف وهو عند بعضهم حرم ~~وعند الجمهور ليس بحرم وللمحرم أن يقتل ما يؤذي بعادته الناس كالحية ~~والعقرب والفأرة والغراب والكلب العقور وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدميين ~~والبهائم حتى لو صال عليه أحد ولم يندفع إلا بالقتال قاتله فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ( من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ~~ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون حرمته فهو شهيد ( # واذا قرصته البراغيث والقمل فله القاؤها عنه وله قتلها ولا شيء عليه ~~والقاؤها أهون من قتلها وكذلك ما يتعرض له من الدواب فينهي عن قتله وإن كان ~~في نفسه محرما كالأسد والفهد فإذا قتله فلا جزاء عليه في أظهر قولي العلماء ~~وأما التفلي بدون التأذي فهو من الترفه فلا يفعله ولو فعله فلا شيء عليه # ويحرم على المحرم الوطء ومقدماته ولا يطأ شيئا سواء كان امرأة ولا غير ~~امرأة ولا يتمتع بقبلة ولا مس بيد ولا نظر بشهوة فإن جامع فسد حجه وفى ~~الانزال بغير الجماع نزاع ولا يفسد PageV26P118 الحج بشيء من المحظورات إلا ~~بهذا الجنس فإن قبل بشهوة أو أمذى لشهوة فعليه دم ### ||| فصل # إذا أتى مكة جاز أن يدخل مكة والمسجد من جميع الجوانب لكن الأفضل أن يأتي ~~من وجه الكعبة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه دخلها من وجهها من ~~الناحية العليا التى فيها اليوم باب المعلاة # ولم يكن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم لمكة ولا للمدينة سور ولا ~~أبواب مبنية ولكن دخلها من الثنية العليا ثنية كداء بالفتح والمد المشرفة ~~على ms7541 المقبرة ودخل المسجد من الباب الأعظم الذي يقال له باب بني شيبة ثم ذهب ~~إلى الحجر الأسود فإن هذا أقرب الطرق إلى الحجر الأسود لمن دخل من باب ~~المعلاة # ولم يكن قديما بمكة بناء يعلو على البيت ولا كان فوق الصفا والمروة ~~والمشعر الحرام بناء ولا كان بمنى ولا بعرفات مسجد ولا عند الجمرات مساجد ~~بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين ومنها ما أحدث بعد الدولة الاموية ~~ومنها ما أحدث بعد ذلك فكان البيت يري قبل دخول المسجد PageV26P119 # وقد ذكر بن جرير أن النبى صلى الله عليه وسلم كان اذا رأى البيت رفع يديه ~~وقال ( اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا وزد من شرفه ~~وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتعظيما ( فمن رأى البيت قبل دخول المسجد ~~فعل ذلك وقد إستحب ذلك من إستحبه عند رؤية البيت ولو كان بعد دخول المسجد # لكن النبى صلى الله عليه وسلم بعد أن دخل المسجد ابتدأ بالطواف ولم يصل ~~قبل ذلك تحية المسجد ولا غير ذلك بل تحية المسجد الحرام هو الطواف بالبيت ~~وكان صلى الله عليه وسلم يغتسل لدخول مكة كما يبيت بذي طوى وهو عند الآبار ~~التى يقال لها آبار الزاهر فمن تيسر له المبيت بها والاغتسال ودخول مكة ~~نهارا وإلا فليس عليه شيء من ذلك # واذا دخل المسجد بدأ بالطواف فيبتدئ من الحجر الأسود يستقبله استقبالا ~~ويستلمه ويقبله إن أمكن ولا يؤذي أحدا بالمزاحمة عليه فإن لم يمكن استلمه ~~وقبل يده وإلا أشار إليه ثم ينتقل للطواف ويجعل البيت عن يساره وليس عليه ~~أن يذهب إلى ما بين الركنين ولا يمشي عرضا ثم ينتقل للطواف بل ولا يستحب ~~ذلك ويقول اذا استلمه بسم الله والله أكبر وإن شاء قال PageV26P120 اللهم ~~إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله ~~عليه وسلم ويجعل البيت عن يساره فيطوف سبعا ولا يخترق الحجر في طوافه لما ~~كان أكثر الحجر من البيت والله أمر بالطواف به لا ms7542 بالطواف فيه # ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين فإن النبى صلى ~~الله عليه وسلم إنما استلمهما خاصة لأنهما على قواعد إبراهيم والآخران هما ~~في داخل البيت فالركن الأسود يستلم ويقبل واليمانى يستلم ولا يقبل والآخران ~~لا يستلمان ولا يقبلان والاستلام هو مسحه باليد وأما سائر جوانب البيت ~~ومقام إبراهيم وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها ومقابر الأنبياء ~~والصالحين كحجرة نبينا صلى الله عليه وسلم ومغارة إبراهيم ومقام نبينا صلى ~~الله عليه وسلم الذي كان يصلى فيه وغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ~~وصخرة بيت المقدس فلا تستلم ولا تقبل باتفاق الأئمة # وأما الطواف بذلك فهو من أعظم البدع المحرمة ومن اتخذه دينا يستتاب فإن ~~تاب وإلا قتل ولو وضع يده على الشاذروان الذي يربط فيه أستار الكعبة لم ~~يضره ذلك في أصح قولي العلماء وليس الشاذروان من البيت بل جعل عمادا للبيت # ويستحب له في الطواف الأول أن يرمل من الحجر إلى الحجر PageV26P121 في ~~الأطواف الثلاثة والرمل مثل الهرولة وهو مسارعة المشي مع تقارب الخطأ فإن ~~لم يمكن الرمل للزحمة كان خروجه إلى حاشية المطاف والرمل أفضل من قربه إلى ~~البيت بدون الرمل وأما اذا أمكن القرب من البيت مع إكمال السنة فهو أولى # ويجوز أن يطوف من وراء قبة زمزم وما وراءها من السقائف المتصلة بحيطان ~~المسجد # ولو صلى المصلي في المسجد والناس يطوفون أمامه لم يكره سواء مر أمامه رجل ~~أو امرأة وهذا من خصائص مكة # وكذلك يستحب أن يضطبع في هذا الطواف والاضطباع هو أن يبدي ضبعه الأيمن ~~فيضع وسط الرداء تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر وإن ترك الرمل ~~والاضطباع فلا شيء عليه # ويستحب له في الطواف أن يذكر الله تعالى ويدعوه بما يشرع وإن قرأ القرآن ~~سرا فلا بأس وليس فيه ذكر محدود عن النبى صلى الله عليه وسلم لا بأمره ولا ~~بقوله ولا بتعليمه بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية وما يذكره كثير من ~~الناس من دعاء معين تحت ms7543 الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له وكان النبى صلى الله ~~عليه وسلم يختم طوافه بين الركنين بقوله ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى ~~الآخرة PageV26P122 حسنة وقنا عذاب النار ( كما كان يختم سائر دعائه بذلك ~~وليس في ذلك ذكر واجب باتفاق الأئمة والطواف بالبيت كالصلاة إلا أن الله ~~أباح فيه الكلام فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير # ولهذا يؤمر الطائف أن يكون متطهرا الطهارتين الصغرى والكبرى ويكون مستور ~~العورة مجتنب النجاسة التى يجتنبها المصلي والطائف طاهرا لكن في وجوب ~~الطهارة في الطواف نزاع بين العلماء فإنه لم ينقل أحد عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه أمر بالطهارة للطواف ولا نهي المحدث أن يطوف ولكنه طاف طاهرا ~~لكنه ثبت عنه أنه نهى الحائض عن الطواف وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ( فالصلاة التى ~~أوجب لها الطهارة ما كان يفتتح بالتكبير ويختم بالتسليم كالصلاة التى فيها ~~ركوع وسجود كصلاة الجنازة وسجدتى السهو وأما الطواف وسجود التلاوة فليسا من ~~هذا # والاعتكاف يشترط له المسجد ولا يشترط له الطهارة بالاتفاق والمعتكفة ~~الحائض تنهى عن اللبث في المسجد مع الحيض وإن كانت تلبث في المسجد وهي ~~محدثة # قال أحمد بن حنبل في ( مناسك الحج ( لابنه عبد الله حدثنا PageV26P123 ~~سهل بن يوسف أنبأنا شعبة عن حماد ومنصور قال سألتهما عن الرجل يطوف بالبيت ~~وهو غير متوضئ فلم يريا به بأسا قال عبد الله سألت أبي عن ذلك فقال أحب إلي ~~أن لا يطوف بالبيت وهو غير متوضئ لأن الطواف بالبيت صلاة وقد اختلفت ~~الرواية عن أحمد في اشتراط الطهارة فيه ووجوبها كما هو أحد القولين في مذهب ~~أبي حنيفة لكن لا يختلف مذهب أبي حنيفة أنها ليست بشرط # ومن طاف في جورب ونحوه لئلا يطأ نجاسة من ذرق الحمام أو غطى يديه لئلا ~~يمس إمرأة ونحو ذلك فقد خالف السنة فإن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~والتابعين ما زالوا يطوفون بالبيت وما زال الحمام بمكة لكن ms7544 الاحتياط حسن ما ~~لم يخالف السنة المعلومة فإذا أفضى إلى ذلك كان خطأ # وأعلم أن القول الذي يتضمن مخالفة السنة خطأ كمن يخلع نعليه في الصلاة ~~المكتوبة أو صلاة الجنازة خوفا من أن يكون فيهما نجاسة فإن هذا خطأ مخالف ~~للسنة فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلي في نعليه وقال ( ان اليهود لا ~~يصلون في نعالهم فخالفوهم ( وقال ( إذا أتى المسجد أحدكم فلينظر في نعليه ~~فإن كان فيهما أذى فليدلكهما في التراب فإن التراب لهما طهور ( # وكما يجوز إن يصلي في نعليه فكذلك يجوز أن يطوف في نعليه PageV26P124 وإن ~~لم يمكنه الطواف ماشيا فطاف راكبا أو محمولا أجزأه بالاتفاق وكذلك ما يعجز ~~عنه من واجبات الطواف مثل من كان به نجاسة لا يمكنه إزالتها كالمستحاضة ومن ~~به سلس البول فإنه يطوف ولا شيء عليه باتفاق الأئمة وكذلك لو لم يمكنه ~~الطواف إلا عريانا فطاف بالليل كما لو لم يمكنه الصلاة إلا عريانا # وكذلك المرأة الحائض اذا لم يمكنها طواف الفرض إلا حائضا بحيث لا يمكنها ~~التأخر بمكة ففي أحد قولي العلماء الذين يوجبون الطهارة على الطائف إذا ~~طافت الحائض أو الجنب أو المحدث أو حامل النجاسة مطلقا أجزأه الطواف وعليه ~~دم إما شاة وإما بدنة مع الحيض والجنابة وشاة مع الحدث الأصغر # ومنع الحائض من الطواف قد يعلل بأنه يشبه الصلاة وقد يعلل بأنها ممنوعة ~~من المسجد كما تمنع منه بالاعتكاف وكما قال عز وجل لابراهيم صلى الله عليه ~~وسلم ( وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ( فأمره بتطهيره لهذه ~~العبادات فمنعت الحائض من دخوله وقد اتفق العلماء على أنه لا يجب للطواف ما ~~يجب للصلاة من تحريم وتحليل وقراءة وغير ذلك ولا يبطله ما يبطلها من الأكل ~~والشرب والكلام وغير ذلك ولهذا كان مقتضى تعليل من منع الحائض لحرمة المسجد ~~أنه PageV26P125 لا يرى الطهارة شرطا بل مقتضى قوله أنه يجوز لها ذلك عند ~~الحاجة كما يجوز لها دخول المسجد عند الحاجة وقد أمر الله تعالى بتطهيره ~~للطائفين والعاكفين ms7545 والركع السجود والعاكف فيه لا يشترط له الطهارة ولا تجب ~~عليه الطهارة من الحدث الأصغر باتفاق المسلمين ولو اضطرت العاكفة الحائض ~~إلى لبثها فيه للحاجة جاز ذلك وأما ( الركع السجود ( فهم المصلون والطهارة ~~شرط للصلاة باتفاق المسلمين والحائض لا تصلي لا قضاء ولا أداء # يبقى الطائف هل يلحق بالعاكف أو بالمصلي أو يكون قسما ثالثا بينها هذا ~~محل اجتهاد # وقوله ( الطواف بالبيت صلاة ( لم يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم ولكن ~~هو ثابت عن بن عباس وقد روى مرفوعا ونقل بعض الفقهاء عن بن عباس أنه قال ( ~~اذا طاف بالبيت وهو جنب عليه دم ( ولا ريب أن المراد بذلك أنه يشبه الصلاة ~~من بعض الوجوه ليس المراد أنه نوع من الصلاة التى يشترط لها الطهارة وهكذا ~~قوله ( إذا أتى أحدكم المسجد فلا يشبك بين اصابعه فإنه في صلاة ( وقوله ( ~~ان العبد في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه وما دام ينتظر الصلاة وما كان يعمد ~~إلى الصلاة ( ونحو ذلك فلا يجوز لحائض أن تطوف إلا طاهرة إذا أمكنها ذلك ~~باتفاق PageV26P126 العلماء ولو قدمت المرأة حائضا لم تطف بالبيت لكن تقف ~~بعرفة وتفعل سائر المناسك كلها مع الحيض إلا الطواف فإنها تنتظر حتى تطهر ~~إن أمكنها ذلك ثم تطوف وإن إضطرت إلى الطواف فطافت أجزأها ذلك على الصحيح ~~من قولي العلماء فإذا قضى الطواف صلى ركعتين للطواف وإن صلاهما عند مقام ~~إبراهيم فهو أحسن ويستحب أن يقرأ فيهما بسورتي الاخلاص ( قل يا أيها ~~الكافرون ( و ( قل هو الله أحد ( ثم اذا صلاهما استحب له أن يستلم الحجر ثم ~~يخرج إلى الطواف بين الصفا والمروة ولو أخر ذلك إلى بعد طواف الإفاضة جاز # فإن الحج فيه ثلاثة أطوفة طواف عند الدخول وهو يسمى طواف القدوم والدخول ~~والورود والطواف الثاني هو بعد التعريف ويقال له طواف الإفاضة والزيارة وهو ~~طواف الفرض الذي لابد منه كما قال تعالى ( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ~~وليطوفوا بالبيت العتيق ( والطواف الثالث هو لمن أراد الخروج من مكة ms7546 وهو ~~طواف الوداع وإذا سعى عقيب واحد منها أجزأه فاذا خرج للسعي خرج من باب ~~الصفا وكان النبى صلى الله عليه وسلم يرقى على الصفا والمروة وهما في جانب ~~PageV26P127 جبلي مكة فيكبر ويهلل ويدعو الله تعالى واليوم قد بنى فوقهما ~~دكتان فمن وصل إلى أسفل البناء أجزأه السعي وإن لم يصعد فوق البناء فيطوف ~~بالصفا والمروة سبعا يبتدئ بالصفا ويختم بالمروة ويستحب أن يسعى في بطن ~~الوادي من العلم إلى العلم وهما معلمان هناك وإن لم يسع في بطن الوادي بل ~~مشى على هيئته جميع ما بين الصفا والمروة أجزأه باتفاق العلماء ولا شيء ~~عليه # ولا صلاة عقيب الطواف بالصفا والمروة وإنما الصلاة عقيب الطواف بالبيت ~~بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق السلف والأئمة # فإذا طاف بين الصفا والمروة حل من احرامه كما أمر النبى صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه لما طافوا بهما أن يحلوا إلا من كان معه هدي فلا يحل حتى ينحره ~~والمفرد والقارن لا يحلان إلا يوم النحر ويستحب له أن يقصر من شعره ليدع ~~الحلاق للحج وكذلك أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم واذا أحل حل له ما حرم ~~عليه بالإحرام ### ||| فصل # فإذا كان يوم التروية احرم وأهل بالحج فيفعل كما فعل عند PageV26P128 ~~الميقات وإن شاء أحرم من مكة وإن شاء من خارج مكة هذا هو الصواب وأصحاب ~~النبى صلى الله عليه وسلم إنما أحرموا كما امرهم النبى صلى الله عليه وسلم ~~من البطحاء والسنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه وكذلك المكي يحرم من ~~أهله كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من كان منزله دون مكة فمهله من ~~أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة # والسنة أن يبيت الحاج بمنى فيصلون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ~~والفجر ولا يخرجون منها حتى تطلع الشمس كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم # وأما الايقاد فهو بدعة مكروهة باتفاق العلماء وإنما الايقاد بمزدلفة خاصة ~~بعد الرجوع من عرفة وأما الايقاد بمنى أو عرفة ms7547 فبدعة أيضا # ويسيرون منها إلى نمرة على طريق ضب من يمين الطريق و ( نمرة ( كانت قرية ~~خارجة عن عرفات من جهة اليمين فيقيمون بها إلى الزوال كما فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي وهو موضع النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي صلي فيه الظهر والعصر وخطب وهو في حدود عرفة ببطن عرنة ~~وهناك مسجد يقال له مسجد إبراهيم وإنما بنى في أول دولة PageV26P129 بنى ~~العباس # فيصلي هناك الظهر والعصر قصرا كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم ويصلي ~~خلفه جميع الحاج أهل مكة وغيرهم قصرا وجمعا يخطب بهم الإمام كما خطب النبى ~~صلى الله عليه وسلم على بعيره ثم اذا قضى الخطبة أذن المؤذن وأقام ثم يصلي ~~كما جاءت بذلك السنة ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرا ويقصر أهل مكة وغير أهل ~~مكة # وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى كما كان أهل مكة يفعلون خلف ~~النبى صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ومنى وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يأمر النبى صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه ~~أحدا من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى أتموا ~~صلاتكم فانا قوم سفر ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ ولكن المنقول عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة # وأما في حجه فإنه لم ينزل بمكة ولكن كان نازلا خارج مكة وهناك كان يصلي ~~بأصحابه ثم لما خرج إلى منى وعرفة خرج معه أهل مكة وغيرهم ولما رجع من عرفة ~~رجعوا معه ولما صلى بمنى أيام منى صلوا معه ولم يقل لهم أتموا صلاتكم فانا ~~قوم سفر ولم يحد النبى PageV26P130 صلى الله عليه وسلم السفر لا بمسافة ولا ~~بزمان ولم يكن بمنى أحد ساكنا في زمنه ولهذا قال ( منى مناخ من سبق ( ولكن ~~قيل أنها سكنت في خلافة عثمان وأنه بسبب ذلك أتم عثمان الصلاة لأنه كان يرى ~~أن المسافر ms7548 من يحمل الزاد والمزاد # ثم بعد ذلك يذهب إلى عرفات فهذه السنة لكن في هذه الأوقات لا يكاد يذهب ~~أحد إلى نمرة ولا إلى مصلى النبى صلى الله عليه وسلم بل يدخلون عرفات بطريق ~~المأزمين ويدخلونها قبل الزوال ومنهم من يدخلها ليلا ويبيتون بها قبل ~~التعريف وهذا الذي يفعله الناس كله يجزئ معه الحج لكن فيه نقص عن السنة ~~فيفعل ما يمكن من السنة مثل الجمع بين الصلاتين فيؤذن أذانا واحدا ويقيم ~~لكل صلاة والايقاد بعرفة بدعة مكروهة وكذلك الايقاد بمنى بدعة باتفاق ~~العلماء وإنما يكون الايقاد بمزدلفة خاصة في الرجوع # ويقفون بعرفات إلى غروب الشمس ولا يخرجون منها حتى تغرب الشمس واذا غربت ~~الشمس يخرجون إن شاؤوا بين العلمين وإن شاؤوا من جانبيهما والعلمان الأولان ~~حد عرفة فلا يجاوزوهما حتى تغرب الشمس والميلان بعد ذلك حد مزدلفة وما ~~بينهما بطن عرفة # ويجتهد في الذكر والدعاء هذه العشية فإنه ما رؤي إبليس في PageV26P131 ~~يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحض من عشية عرفة لما يرى من تنزيل ~~الرحمة وتجاوز الله سبحانه عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر فإنه رأي ~~جبريل يزع الملائكة # ويصح وقوف الحائض وغير الحائض # ويجوز الوقوف ماشيا وراكبا وأما الأفضل فيختلف باختلاف الناس فإن كان ممن ~~إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه أو كان يشق عليه ترك الركوب وقف راكبا فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكبا # وهكذا الحج فإن من الناس من يكون حجه راكبا أفضل ومنهم من يكون حجه ماشيا ~~أفضل ولم يعين النبي صلى الله عليه وسلم لعرفة دعاء ولا ذكرا بل يدعو الرجل ~~بما شاء من الأدعية الشرعية وكذلك يكبر ويهلل ويذكر الله تعالى حتى تغرب ~~الشمس # والاغتسال لعرفة قد روي في حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم وروى عن بن ~~عمر وغيره ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في الحج إلا ~~ثلاثة أغسال غسل الإحرام والغسل عند دخول مكة والغسل ms7549 يوم عرفة وما سوى ذلك ~~كالغسل لرمي الجمار وللطواف والمبيت بمزدلفة فلا أصل له لا عن النبى ~~PageV26P132 صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا استحبه جمهور الأئمة لا ~~مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه بل هو ~~بدعة إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي ~~الناس بها فيغتسل لإزالتها وعرفة كلها موقف ولا يقف ببطن عرنة وأما صعود ~~الجبل الذي هناك فليس من السنة ويسمى جبل الرحمة ويقال له إلآل على وزن ~~هلال وكذلك القبة التى فوقه التى يقال لها قبة آدم لا يستحب دخولها ولا ~~الصلاة فيها والطواف بها من الكبائر وكذلك المساجد التى عند الجمرات لا ~~يستحب دخول شيء منها ولا الصلاة فيها وأما الطواف بها أو بالصخرة أو بحجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وما كان غير البيت العتيق فهو من أعظم البدع ~~المحرمة ### ||| فصل # فإذا أفاض من عرفات ذهب إلى المشعر الحرام على طريق المأزمين وهو طريق ~~الناس اليوم وإنما قال الفقهاء على طريق المأزمين لأنه إلى عرفة طريق أخرى ~~تسمى طريق ضب ومنها دخل النبي صلى الله PageV26P133 عليه وسلم إلى عرفات ~~وخرج على طريق المأزمين # وكان صلى الله عليه وسلم في المناسك والاعياد يذهب من طريق ويرجع من أخرى ~~فدخل من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى ودخل المسجد من باب بني شيبة ~~وخرج بعد الوداع من باب حزورة اليوم ودخل إلى عرفات من طريق ضب وخرج من ~~طريق المأزمين وأتى إلى جمرة العقبة يوم العيد من الطريق الوسطى التى يخرج ~~منها إلى خارج منى ثم يعطف على يساره إلى الجمرة ثم لما رجع إلى موضعه بمنى ~~الذي نحر فيه هديه وحلق رأسه رجع من الطريق المتقدمة التى يسير منها جمهور ~~الناس اليوم # فيؤخر المغرب إلى أن يصليها مع العشاء بمزدلفة ولا يزاحم الناس بل إن وجد ~~خلوة أسرع فإذا وصل إلى المزدلفة صلى المغرب قبل تبريك الجمال إن أمكن ثم ms7550 ~~اذا بركوها صلوا العشاء وإن أخر العشاء لم يضر ذلك ويبيت بمزدلفة ومزدلفة ~~كلها يقال لها المشعر الحرام وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر # فإن بين كل مشعرين حدا ليس منهما فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عرنة وبين ~~مزدلفة ومنى بطن محسر قال النبي صلى الله عليه وسلم ( عرفة كلها موقف ~~وارفعوا عن بطن عرنة ومزدلفة كلها PageV26P134 موقف وارفعوا عن بطن محسر ~~ومنى كلها منحر وفجاج مكة كلها طريق ( # والسنة أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر فيصلي بها الفجر في أول الوقت ~~ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جدا قبل طلوع الشمس فإن كان من الضعفة ~~كالنساء والصبيان ونحوهم فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر ولا ~~ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلوا بها الفجر ~~ويقفوا بها ومزدلفة كلها موقف لكن الوقوف عند قزح أفضل وهو جبل الميقدة وهو ~~المكان الذي يقف فيه الناس اليوم وقد بني عليه بناء وهو المكان الذي يخصه ~~كثير من الفقهاء باسم المشعر الحرام # فإذا كان قبل طلوع الشمس أفاض من مزدلفة إلى منى فإذا أتي محسرا أسرع قدر ~~رمية بحجر فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات ويرفع يده في الرمي وهي ~~الجمرة التي هي آخر الجمرات من ناحية منى وأقربهن من مكة وهي الجمرة الكبرى ~~ولا يرمي يوم النحر غيرها يرميها مستقبلا لها يجعل البيت عن يساره ومنى عن ~~يمينه هذا هو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ويستحب أن يكبر مع ~~كل حصاة وإن شاء قال مع ذلك اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا ~~مغفورا ويرفع يديه PageV26P135 في الرمي # ولا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر مثل ذهابه إلى عرفات وذهابه من ~~عرفات إلى مزدلفة حتى يرمي جمرة العقبة فإذا شرع في الرمي قطع التلبية فإنه ~~حينئذ يشرع في التحلل # والعلماء في التلبية على ثلاثة أقوال منهم من يقول يقطعها إذا وصل إلى ~~عرفة ms7551 ومنهم من يقول بل يلبي بعرفة وغيرها إلى أن يرمي الجمرة والقول الثالث ~~أنه إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة لبى وإذا أفاض من مزدلفة إلى منى لبى حتى ~~يرمي جمرة العقبة وهكذا صح عن النبى صلى الله عليه وسلم ### ||| فصل # وأما التلبية في وقوفه بعرفة ومزدلفة فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد نقل عن الخلفاء الراشدين وغيرهم أنهم كانوا يلبون بعرفة فإذا رمى ~~جمرة العقبة نحر هديه إن كان معه هدي ويستحب أن تنحر الإبل مستقبلة القبلة ~~قائمة معقولة اليد اليسري والبقر والغنم يضجعها على شقها الأيسر مستقبلا ~~بها القبلة ويقول بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك اللهم تقبل مني كما ~~تقبلت من PageV26P136 ابراهيم خليلك وكل ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى ~~الحرم فإنه هدي سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم ويسمى أيضا أضحية ~~بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل فإنه أضحية وليس بهدي وليس بمنى ما هو أضحية ~~وليس بهدي كما في سائر الأمصار فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى ~~فهو هدي باتفاق العلماء وكذلك إن اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم وأما ~~إذا اشترى الهدي من منى وذبحه فيها ففيه نزاع فمذهب مالك أنه ليس بهدي وهو ~~منقول عن بن عمر ومذهب الثلاثة أنه هدي وهو منقول عن عائشة # وله أن يأخذ الحصى من حيث شاء لكن لا يرمي بحصى قد رمي به ويستحب أن يكون ~~فوق الحمص ودون البندق وإن كسره جاز والتقاط الحصى أفضل من تكسيره من الجبل # ثم يحلق رأسه أو يقصره والحلق أفضل من التقصير وإذا قصره جمع الشعر وقص ~~منه بقدر الأنملة أو أقل أو أكثر والمرأة لا تقص أكثر من ذلك وأما الرجل ~~فله أن يقصر ما شاء # وإذا فعل ذلك فقد تحلل باتفاق المسلمين التحلل الأول فيلبس الثياب ويقلم ~~أظفاره وكذلك له على الصحيح أن يتطيب ويتزوج وأن PageV26P137 يصطاد ولا ~~يبقى عليه من المحظورات إلا النساء # وبعد ذلك يدخل ms7552 مكة فيطوف طواف الإفاضة إن أمكنه ذلك يوم النحر وإلا فعله ~~بعد ذلك لكن ينبغي أن يكون في أيام التشريق فإن تأخيره عن ذلك فيه نزاع ثم ~~يسعى بعد ذلك سعي الحج وليس على المفرد إلا سعي واحد وكذلك القارن عند ~~جمهور العلماء وكذلك المتمتع في أصح أقوالهم وهو أصح الروايتين عند أحمد ~~وليس عليه إلا سعي واحد فإن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف # فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول أجزأه ذلك كما يجزئ المفرد والقارن ~~وكذلك قال عبد الله بن أحمد بن حنبل قيل لأبي المتمتع كم يسعى بين الصفا ~~والمروة قال إن طاف طوافين يعني بالبيت وبين الصفا والمروة فهو أجود وإن ~~طاف طوافا واحدا فلا بأس وإن طاف طوافين فهو أعجب إلى وقال أحمد حدثنا ~~الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عطاء عن بن عباس أنه كان يقول المفرد ~~والمتمتع يجزئه طواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة وقد اختلفوا في الصحابة ~~المتمتعين مع النبي صلى الله عليه وسلم مع اتفاق الناس على أنهم طافوا أولا ~~بالبيت وبين الصفا والمروة لما رجعوا من عرفة قيل أنهم سعوا أيضا بعد طواف ~~الإفاضة PageV26P138 وقيل لم يسعوا وهذا هو الذي ثبت في صحيح مسلم عن جابر ~~قال لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا ~~واحدا طوافه الأول وقد روي في حديث عائشة أنهم طافوا مرتين لكن هذه الزيادة ~~قيل إنها من قول الزهري لا من قول عائشة وقد احتج بها بعضهم على أنه يستحب ~~طوافان بالبيت وهذا ضعيف والأظهر ما في حديث جابر ويؤيده قوله ( دخلت ~~العمرة في الحج إلى يوم القيامة ( فالمتمتع من حين أحرم بالعمرة دخل بالحج ~~لكنه فصل بتحلل ليكون أيسر على الحاج وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة # ولا يستحب للمتمتع ولا لغيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف بل هذا الطواف ~~هو السنة في حقه كما فعل الصحابة ms7553 مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا طاف ~~طواف الإفاضة فقد حل له كل شيء النساء وغير النساء # وليس بمنى صلاة عيد بل رمي جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لأهل الأمصار ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لم يصل جمعة ولا عيدا في السفر لا بمكة ولا عرفة ~~بل كانت خطبته بعرفة خطبة نسك لا خطبة جمعة ولم يجهر بالقراءة في الصلاة ~~بعرفة PageV26P139 ### ||| فصل # ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ويرمي الجمرات الثلاث كل يوم بعد الزوال يبتدئ ~~بالجمرة الأولى التى هي أقرب إلى مسجد الخيف ويستحب أن يمشى إليها فيرميها ~~بسبع حصيات ويستحب له أن يكبر مع كل حصاة وإن شاء قال اللهم اجعله حجا ~~مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا ويستحب له اذا رماها أن يتقدم قليلا إلى ~~موضع لا يصيبه الحصى فيدعو الله تعالى مستقبل القبلة رافعا يديه بقدر سورة ~~البقرة # ثم يذهب إلى الجمرة الثانية فيرميها كذلك فيتقدم عن يساره يدعو مثل ما ~~فعل عند الأولى ثم يرمي الثالثة وهي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات أيضا ~~ولا يقف عندها # ثم يرمي في اليوم الثاني من أيام منى مثل ما رمى في الأول ثم إن شاء رمى ~~في اليوم الثالث وهو الأفضل وإن شاء تعجل في اليوم الثاني بنفسه قبل غروب ~~الشمس كما قال تعالى ( فمن تعجل في يومين PageV26P140 فلا اثم عليه ( الآية ~~فإذا غربت الشمس وهو بمنى أقام حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث ولا ينفر ~~الإمام الذي يقيم للناس المناسك بل السنة أن يقيم إلى اليوم الثالث والسنة ~~للإمام أن يصلي بالناس بمنى ويصلي خلفه أهل الموسم # ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى وهو مسجد الخيف مع الإمام فإن النبى ~~صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بالناس قصرا بلا جمع بمنى ~~ويقصر الناس كلهم خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة وإنما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( يا أهل مكة أتموا صلاتكم فانا قوم سفر ( لما صلى بهم ms7554 ~~بمكة نفسها فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه والمسجد بني بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على عهده # ثم اذا نفر من منى فإن بات بالمحصب وهو الابطح وهو ما بين الجبلين إلى ~~المقبرة ثم نفر بعد ذلك فحسن فإن النبى صلى الله عليه وسلم بات به وخرج ولم ~~يقم بمكة بعد صدوره من منى لكنه ودع البيت وقال ( لا ينفرن أحد حتى يكون ~~آخر عهده بالبيت ( فلا يخرج الحاج حتى يودع البيت فيطوف طواف الوداع حتى ~~يكون PageV26P141 آخر عهده بالبيت ومن أقام بمكة فلا وداع عليه # وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده ~~بتجارة ونحوها لكن إن قضى حاجته أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع أو دخل ~~إلى المنزل الذي هو فيه ليحمل المتاع على دابته ونحو ذلك مما هو من أسباب ~~الرحيل فلا إعادة عليه وإن أقام بعد الوداع أعاده وهذا الطواف واجب عند ~~الجمهور لكن يسقط عن الحائض # وإن أحب أن يأتي الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب فيضع عليه صدره ~~ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو ويسأل الله تعالى حاجته فعل ذلك وله أن يفعل ذلك ~~قبل طواف الوداع فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره ~~والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة وإن شاء قال في دعائه الدعاء ~~المأثور عن بن عباس ( اللهم اني عبدك وبن عبدك وبن أمتك حملتني على ما سخرت ~~لى من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء ~~نسكي فإن كنت رضيت عني فازدد عنى رضا وإلا فمن الآن فارض عني قبل أن تنآى ~~عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا ~~راغب عنك ولا عن بيتك اللهم فأصحبنى العافية في بدني والصحة في PageV26P142 ~~جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبى وارزقنى طاعتك ما أبقيتني واجمع لي بين ~~خيري الدنيا والآخرة إنك على ms7555 كل شيء قدير ( ولو وقف عند الباب ودعا هناك من ~~غير التزام للبيت كان حسنا # فإذا ولى لا يقف ولا يلتفت ولا يمشي القهقري قال الثعلبي في ( فقه اللغة ~~( القهقري مشية الراجع إلى خلف حتى قد قيل أنه إذا رأى البيت رجع فودع ~~وكذلك عند سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم لا ينصرف ولا يمشي القهقري ~~بل يخرج كما يخرج الناس من المساجد عند الصلاة وليس في عمل القارن زيادة ~~على عمل المفرد لكن عليه وعلى المتمتع هدي بدنة أو بقرة أو شاة أو شرك في ~~دم فمن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام قبل يوم النحر وسبعة اذا رجع وله أن ~~يصوم الثلاثة من حين أحرم بالعمرة في أظهر أقوال العلماء وفيه ثلاث روايات ~~عن أحمد قيل أنه يصومها قبل الإحرام بالعمرة وقيل لا يصومها إلا بعد ~~الإحرام بالحج وقيل يصومها من حين الإحرام بالعمرة وهو الأرجح وقد قيل أنه ~~يصومها بعد التحلل من العمرة فإنه حينئذ شرع في الحج ولكن دخلت العمرة في ~~الحج كما دخل الوضوء في الغسل قال النبي صلى الله عليه وسلم ( دخلت العمرة ~~في الحج إلى يوم القيامة ( وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ~~متمتعين معه وإنما PageV26P143 أحرموا بالحج # ويستحب أن يشرب من ماء زمزم ويتضلع منه ويدعو عند شربه بما شاء من ~~الأدعية الشرعية ولا يستحب الاغتسال منها # وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام كالمسجد الذي تحت ~~الصفا وما في سفح أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التى بنيت على آثار النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من ~~السنة ولا استحبه أحد من الأئمة وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة ~~والمشاعر عرفة ومزدلفة والصفا والمروة وكذلك قصد الجبال والبقاع التى حول ~~مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي ~~يقال أنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك فإنه ليس من سنة رسول الله ms7556 صلى الله ~~عليه وسلم زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة وكذلك ما يوجد في الطرقات من ~~المساجد المبنية على الآثار والبقاع التى يقال أنها من الآثار لم يشرع ~~النبي صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك بخصوصه ولا زيارة شيء من ذلك # ودخول الكعبة ليس بفرض ولا سنة مؤكدة بل دخولها حسن والنبى صلى الله عليه ~~وسلم لم يدخلها في الحج ولا في العمرة PageV26P144 لا عمرة الجعرانة ولا ~~عمرة القضية وانما دخلها عام فتح مكة ومن دخلها يستحب له ان يصلي فيها ~~ويكبر الله ويدعوه ويذكره فاذا دخل مع الباب تقدم حتى يصير بينه وبين ~~الحائط ثلاثة أذرع والباب خلفه فذلك هو المكان الذى صلى فيه النبى ولا ~~يدخلها الا حافيا والحجر أكثره من البيت من حيث ينحني حائطه فمن دخله فهو ~~كمن دخل الكعبة وليس على داخل الكعبة ما ليس على غيره من الحجاج بل يجوز له ~~من المشي حافيا وغيرذلك ما يجوز لغيره # والاكثار من الطواف بالبيت من الاعمال الصالحة فهو افضل من ان يخرج الرجل ~~من الحرم ويأتى بعمرة مكية فان هذا لم يكن من أعمال السابقين الاولين من ~~المهاجرين والانصار ولا رغب فيه النبى صلى الله عليه وسلم لامته بل كرهه ~~السلف ### ||| فصل # وإذا دخل المدينة قبل الحج أو بعده فانه يأتى مسجد النبى صلى الله عليه ~~وسلم ويصلى فيه والصلاة فيه خير من الف صلاة فيما سواه الا المسجد الحرام ~~ولا تشد الرحال الا إليه والى المسجد الحرام PageV26P145 والمسجد الاقصى ~~هكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة وأبى سعيد وهو مروى من طرق أخر # ومسجده كان أصغر مما هو اليوم وكذلك المسجد الحرام لكن زاد فيهما الخلفاء ~~الراشدون ومن بعدهم وحكم الزيادة حكم المزيد في جميع الاحكام # ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فانه قد قال ( ما من رجل ~~يسلم علي الارد الله علي روحى حتى أرد عليه السلام ( رواه أبو داود وغيره ~~وكان عبد الله بن عمر يقول ms7557 اذا دخل المسجد السلام عليك يا رسول الله السلام ~~عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف وهكذا كان الصحابة يسلمون ~~عليه ويسلمون عليه مستقبلى الحجرة مستدبرى القبلة عند أكثر العلماء كمالك ~~والشافعى وأحمد وأبو حنيفة قال يستقبل القبلة فمن أصحابه من قال يستدبر ~~الحجرة ومنهم من قال يجعلها عن يساره واتفقوا على انه لا يستلم الحجرة ولا ~~يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها وإذا قال في سلامه السلام عليك يا رسول ~~الله يا نبي الله يا خيرة اللهمن خلقه يا أكرم الخلق على ربه يا امام ~~المتقين فهذا كله من صفاته بأبي هو وأمي وكذلك اذا صلى عليه مع السلام عليه ~~فهذا مما أمر الله به PageV26P146 ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة فان هذا كله ~~منهى عنه باتفاق الأئمة ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك والحكاية المروية ~~عنه انه أمر المنصور أن يستقبل الحجرة وقت الدعاء كذب على مالك ولا يقف عند ~~القبر للدعاء لنفسه فان هذا بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو ~~لنفسه ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده فانه قال ( اللهم لا ~~تجعل قبرى وثنا يعبد ( وقال ( لا تجعلوا قبرى عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا ~~وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني ( وقال ( أكثروا علي من الصلاة يوم ~~الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا كيف تعرض صلاتنا عليك ~~وقد أرمت أي بليت قال ان الله حرم على الأرض ان تأكل أجساد الانبياء ( ~~فاخبر انه يسمع الصلاة والسلام من القريب وانه يبلغ ذلك من البعيد وقال ( ~~لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت ~~عائشة ولولا ذلك لا برز قبره ولكنه كره ان يتخذ مسجدا ( أخرجاه في الصحيحين # فدفنته الصحابة في موضعه الذى مات فيه من حجرة عائشة وكانت هي وسائر ~~الحجر خارج المسجدمن قبليه وشرقيه لكن لما كان في زمن الوليد بن عبد الملك ~~عمر هذا المسجد وغيره وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد ms7558 العزيز فأمر أن ~~تشترى الحجر ويزاد PageV26P147 في المسجد فدخلت الحجرة في المسجد من ذلك ~~الزمان وبنيت منحرفة عن القبلة مسنمة لئلا يصلى احداليها فانه قال ( لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها ( رواه مسلم عن أبى مرثد الغنوى والله ~~أعلم وزيارة القبور على وجهين زيارة شرعية وزيارة بدعية فالشرعية المقصود ~~بها السلام على الميت والدعاء له كما يقصد بالصلاة على جنازته فزيارته بعد ~~موته من جنس الصلاة عليه فالسنة ان يسلم على الميت ويدعو له سواء كان نبيا ~~أو غير نبى كما كان النبى يأمر أصحابه اذا زاروا القبور ان يقول أحدهم ( ~~السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وانا ان شاء الله بكم ~~لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم ~~العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ( وهكذا ~~يقول اذا زار أهل البقيع ومن به من الصحابة أو غيرهم أو زار شهداء أحد ~~وغيرهم # وليست الصلاة عند قبورهم أو قبور غيرهم مستحبة عند أحد من أئمة المسلمين ~~بل الصلاة في المساجد التى ليس فيها قبر أحد من الانبياء والصالحين وغيرهم ~~أفضل من الصلاة في المساجد التى فيها ذلك باتفاق أئمة PageV26P148 المسلمين ~~بل الصلاة في المساجد التي على القبور اما محرمه واما مكروهة # والزيارة البدعية ان يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت أو ~~يقصد الدعاء عند قبره أو يقصد الدعاء به فهذا ليس من سنة النبي ولا استحبه ~~أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة ~~وأئمتها وقد كره مالك وغيره أن يقول القائل زرت قبرالنبى وهذا اللفظ لم ~~ينقل عن النبى بل الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله ( من زارنى وزار ~~أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة ( وقوله ( من زارنى بعد ~~مماتى فكأنما زارنى في حياتى ومن زارنى بعد مماتى حلت عليه شفاعتي ( ونحو ~~ذلك كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة ليست في شيء من دواوين الاسلام التى ms7559 يعتمد ~~عليها ولا نقلها امام من أئمة المسلمين لا الأئمة الاربعة ولا غيرهم ولكن ~~روى بعضها البزار والدار قطنى ونحوهما باسانيد ضعيفة ولان من عادة ~~الدارقطنى وامثاله يذكرون هذا في السنن ليعرف وهو وغيره يبينون ضعف الضعيف ~~من ذلك فاذا كانت هذه الامور التى فيها شرك وبدعة نهى عنها عند قبره وهو ~~أفضل الخلق فالنهي عن ذلك عند قبر غيره أولى وأحرى PageV26P149 ويستحب ان ~~يأتى مسجد قباء ويصلى فيه فان النبي قال ( من تطهر في بيته واحسن الطهور ثم ~~أتى مسجد قباء لا يريد الا الصلاة فيه كان له كأجر عمرة ( رواه أحمد ~~والنسائي وبن ماجة وقال النبى ( الصلاة في مسجد قباء كعمرة ( قال الترمذى ~~حسن # والسفر إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف ~~مستحب في أى وقت شاء سواء كان عام الحج أو بعده ولا يفعل فيه وفي مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم الا ما يفعل في سائر المساجد وليس فيها شيء يتمسح ~~به ولا يقبل ولا يطاف به هذا كله ليس الا في المسجد الحرام خاصة ولا تستحب ~~زيارة الصخرة بل المستحب أن يصلي في قبلي المسجد الأقصى الذى بناه عمر بن ~~الخطاب للمسلمين # ولا يسافر أحد ليقف بغير عرفات ولا يسافر للوقوف بالمسجد الأقصى ولا ~~للوقوف عند قبر أحد لا من الانبياء ولا المشايخ ولا غيرهم باتفاق المسلمين ~~بل أظهر قولي العلماء انه لا يسافر أحد لزيارة قبر من القبور # ولكن تزار القبور الزيارة الشرعية من كان قريبا ومن اجتاز PageV26P150 ~~بها كما أن مسجد قباء يزار من المدينة وليس لأحد ان يسافر إليه لنهيه صلى ~~الله عليه وسلم ان تشد الرحال الا إلى المساجد الثلاثة # وذلك ان الدين مبني على اصلين ان لا يعبد الا الله وحده لا شريك له ولا ~~يعبد الا بما شرع لا نعبده بالبدع كما قال تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا ( ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يقول في ms7560 دعائه اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا ~~تجعل فيه لأحد شيئا وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى ( ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا ( قال أخلصه وأصوبه قيل يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال ان العمل اذا ~~كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل واذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى ~~يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون لله والصواب ان يكون على السنة وقد قال ~~الله تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ( # والمقصود بجميع العبادات ان يكون الدين كله لله وحده فالله هو المعبود ~~والمسئول الذى يخاف ويرجى ويسأل ويعبد فله الدين خالصا وله أسلم من في ~~السموات والأرض طوعا وكرها والقرآن مملوء من هذا كما قال تعالى ( تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز الحكيم PageV26P151 انا انزلنا اليك الكتاب بالحق ~~فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص ( إلى قوله ( قل الله اعبد ~~مخلصا له دينى ( إلى قوله ( أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ( وقال ~~تعالى ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله ( الآيتين وقال تعالى ( قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ( الآيتين # قالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والانبياء كالمسيح والعزير ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ~~بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول ( الآيات ومثل هذا في القرآن كثير بل هذا ~~مقصود القرآن ولبه وهو مقصود دعوة الرسل كلهم وله خلق الخلق كما قال تعالى ~~( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون # فيجب على المسلم ان يعلم ان الحج من جنس الصلاة ونحوها من العبادات التى ~~يعبد الله بها وحده لا شريك له وان الصلاة على الجنائز وزيارة قبور الأموات ~~من جنس الدعاء لهم والدعاء للخلق من جنس المعروف والاحسان الذي هو من جنس ~~الزكاة # والعبادات التى امر الله بها توحيد وسنة وغيرها فيها شرك ms7561 PageV26P152 ~~وبدعة كعبادات النصارى ومن اشبههم مثل قصد البقعة لغير العبادات التى امر ~~الله بها فانه ليس من الدين ولهذا كان أئمة العلماء يعدون من جملة البدع ~~المتكررة السفر لزيارة قبور الانبياء والصالحين وهذا في أصح القولين غير ~~مشروع حتى صرح بعض من قال ذلك ان من سافر هذا السفر لا يقصر فيه الصلاة ~~لأنه سفر معصية وكذلك من يقصد بقعة لأجل الطلب من مخلوق هي منسوبة إليه ~~كالقبر والمقام أو لأجل الاستعاذة به ونحو ذلك فهذا شرك وبدعة كما تفعله ~~النصارى ومن أشبههم من مبتدعة هذه الأمة حيث يجعلون الحج والصلاة من جنس ما ~~يفعلونه من الشرك والبدع ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما ذكر له بعض ~~ازواجه كنيسة بأرض الحبشة وذكر له عن حسنها وما فيها من التصاوير فقال ( ~~اولئك اذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك ~~التصاوير اولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ( # ولهذا نهى العلماء عما فيه عبادة لغير الله وسؤال لمن مات من الانبياء أو ~~الصالحين مثل من يكتب رقعة ويعلقها عند قبر نبي أو صالح اويسجد لقبر أو ~~يدعوه أو يرغب إليه وقالوا انه لا يجوز بناء المساجد على القبور لأن النبي ~~قال قبل ان يموت بخمس ليال ( ان من كان قبلكم كانوا يتخذون PageV26P153 ~~القبور مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني انهاكم عن ذلك ( رواه مسلم ~~وقال ( لوكنت متخذا من اهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ( وهذه ~~الأحاديث في الصحاح وما يفعله بعض الناس من اكل التمر في المسجد أو تعليق ~~الشعر في القناديل فبدعة مكروهة # ومن حمل شيئا من ماء زمزم جاز فقد كان السلف يحملونه واما التمر الصيحاني ~~فلا فضيلة فيه بل غيره من التمر البرني والعجوة خير منه والأحاديث انما ~~جاءت عن النبى صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك كما جاء في الصحيح ( من تصبح ~~بسبع تمرات عجوة لم يصبه ذلك اليوم سم ولا سحر ( ولم يجئ عنه في الصيحاني ~~شيء وقول ms7562 بعض الناس انه صاح بالنبي جهل منه بل انما سمي بذلك ليبسه فانه ~~يقال تصوح التمر اذا يبس # وهذا كقول بعض الجهال ان عين الزرقاء جاءت معه من مكة ولم يكن بالمدينة ~~على عهد النبى عين جارية لا الزرقاء ولا عيون حمزة ولا غيرهما بل كل هذا ~~مستخرج بعده # ورفع الصوت في المساجد منهي عنه وقد ثبت ان عمر بن الخطاب PageV26P154 ~~رضي الله عنه رأى رجلين يرفعان اصواتهما في المسجد فقال لو أعلم أنكما من ~~أهل البلد لأوجعتكما ضربا ان الأصوات لا ترفع في مسجده فما يفعل بعض جهال ~~العامة من رفع الصوت عقيب الصلاة من قولهم السلام عليك يا رسول الله بأصوات ~~عالية من اقبح المنكرات ولم يكن أحد من السلف يفعل شيئا من ذلك عقيب السلام ~~بأصوات عالية ولا منخفضة بل ما في الصلاة من قول المصلي السلام عليك ايها ~~النبي ورحمة الله وبركاته هو المشروع كما ان الصلاة عليه مشروعة في كل زمان ~~ومكان # وقد ثبت في الصحيح انه قال ( من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا ( ~~وفى المسند ( أن رجلا قال يا رسول الله أجعل عليك ثلث صلاتي قال اذا يكفيك ~~الله ثلث امرك فقال اجعل عليك ثلثى صلاتى قال اذا يكفيك الله ثلثى امرك قال ~~أجعل صلاتي كلها عليك قال اذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وأمر آخرتك ~~( وفى السنن عنه انه قال ( لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فان ~~صلاتكم تبلغني ( وقد رأى عبد الله بن حسن شيخ الحسنيين في زمنه رجلا ينتاب ~~قبر النبى للدعاء عنده قال يا هذا ان رسول الله قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا ~~وصلوا علي حيثما كنتم فإن PageV26P155 صلاتكم تبلغني ( فما أنت ورجل ~~بالاندلس الا سواء # ولهذا كان السلف يكثرون الصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان ولم يكونوا ~~يجتمعون عند قبره لا لقراءة ختمة ولا ايقاد شمع واطعام واسقاء ولا انشاد ~~قصائد ولا نحوذلك بل هذا من البدع بل كانوا يفعلون في ms7563 مسجده ما هو المشروع ~~في سائر المساجد من الصلاة والقراءة والذكر والدعاء والاعتكاف وتعليم ~~القرآن والعلم وتعلمه ونحو ذلك # وقد علموا ان النبى له مثل اجر كل عمل صالح تعمله أمته فانه قال ( من دعا ~~إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير ان ينقص من اجورهم شيئا ( ~~وهو الذى دعا أمته إلى كل خير فكل خير يعمله أحد من الامة فله مثل اجره فلم ~~يكن يحتاج إلى ان يهدى إليه ثواب صلاة أو صدقة أو قراءة من أحد فان له مثل ~~اجر ما يعملونه من غير ان ينقص من اجورهم شيئا # وكل من كان له أطوع وأتبع كان أولى الناس به في الدنيا والآخرة قال تعالى ~~( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة انا ومن اتبعنى ( وقال ( ان آل أبى ~~فلان ليسوا لي PageV26P156 بأولياء انما ولي الله وصالح المؤمنين ( وهو ~~أولى بكل مؤمن من نفسه وهو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ امره ونهيه ~~ووعده ووعيده فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه # والله هو المعبود المسئول المستعان به الذى يخاف ويرجى ويتوكل عليه قال ~~تعالى ( ومن يطع الله ورسوله ويخش ويتقه فاولئك هم الفائزون ( فجعل الطاعة ~~لله والرسول كما قال تعالى ( من يطع الرسول فقد اطاع الله ( وجعل الخشية ~~والتقوى لله وحده لا شريك له فقال تعالى ( ولوانهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا إلى الله راغبون ~~( فاضاف الايتاء إلى الله والرسول كما قال تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا ( فليس لاحد ان يأخذ الا ما اباحه الرسول وان كان ~~الله آتاه ذلك من جهة القدرة والملك فانه يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ~~ممن يشاء ولهذا كان يقول في الاعتدال من الركوع وبعد السلام ( اللهم لا ~~مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( أى من آتيته ~~جدا وهو البخت والمال والملك فإنه لا ms7564 ينجيه منك الا الإيمان والتقوى # وأما التوكل فعلى الله وحده والرغبة فاليه وحده كما قال PageV26P157 ~~تعالى ( وقالوا حسبنا الله ( ولم يقل ورسوله وقالوا ( انا إلى الله راغبون ~~( ولم يقولوا هنا ورسوله كما قال في الايتاء بل هذا نظير قوله ( فاذا فرغت ~~فانصب والى ربك فارغب ( وقال تعالى ( الذين قال لهم الناس ان الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ( وفى صحيح ~~البخاري عن بن عباس انه قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي ~~في النار وقالها محمد حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وقد قال تعالى ( يا أيها ~~النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ( اي الله وحده حسبك وحسب المؤمنين ~~الذين اتبعوك # ومن قال ان الله والمؤمنين حسبك فقد ضل بل قوله من جنس الكفرة فإن الله ~~وحده هو حسب كل مؤمن به والحسب الكافي كما قال تعالى ( أليس الله بكاف عبده ~~( # ولله تعالى حق لا يشركه فيه مخلوق كالعبادات والاخلاص والتوكل والخوف ~~والرجاء والحج والصلاة والزكاة والصيام والصدقة والرسول له حق كالايمان به ~~وطاعته واتباع سنته وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه وتقديمه في المحبة ~~على الأهل والمال والنفس كما قال ( والذي نفسي بيده PageV26P158 لا يؤمن ~~احدكم حتى اكون احب إليه من ولده ووالده والناس اجمعين ( بل يجب تقديم ~~الجهاد الذي أمر به على هذا كله كما قال تعالى ( قل ان كان آباؤكم وابناؤكم ~~واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها احب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله ~~بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين ( وقال تعالى ( والله ورسوله احق ان ~~يرضوه ان كانوا مؤمنين ( وبسط ما في هذا المختصر وشرحه مذكور في غير هذا ~~الموضع والله سبحانه وتعالى اعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم والحمد لله رب العالمين PageV26P159 ### |PARATEXT| # وقال قدس الله روحه ### ||| فصل # واما الحج فأخذوا فيه ms7565 بالسنن الثابتة عن رسول الله في صفته واحكامه # وقد ثبت بالنقل المتواتر عند الخاصة من علماء الحديث من وجوه كثيرة في ~~الصحيحين وغيرهما انه لما حج حجة الوداع احرم هو والمسلمون من ذى الحليفة ~~فقال ( من شاء ان يهل بعمرة فليفعل ومن شاء ان يهل بحجة فليفعل ومن شاء ان ~~يهل بعمرة وحجة فليفعل فلما قدموا وطافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أمر ~~جميع المسلمين الذين حجوا معه ان يحلوا من احرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ~~ساق الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله فراجعه بعضهم في ذلك فغضب وقال ~~( انظروا ما أمرتكم به فافعلوه ( وكان هو صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي ~~فلم يحل من إحرامه PageV26P160 ولما رأى كراهة بعضهم للاحلال قال ( لو ~~استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة ولولا ان معي ~~الهدى لأحللت ( وقال أيضا ( إنى لبدت رأسى وقلدت هديي فلا احل حتى انحر ( ~~فحل المسلمون جميعهم الا النفر الذين ساقوا الهدي منهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيد الله # فلما كان يوم التروية احرم المحلون بالحج وهم ذاهبون إلى منى فبات بهم ~~تلك الليلة بمنى وصلى بهم فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم سار ~~بهم إلى نمرة على طريق ضب ونمرة خارجة عن عرنة من يمانيها وغربيها ليست من ~~الحرم ولا من عرفة فنصبت له القبة بنمرة وهناك كان ينزل خلفاؤه الراشدون ~~بعده وبها الأسواق وقضاء الحاجة والأكل ونحو ذلك # فلما زالت الشمس ركب هو ومن ركب معه وسار المسلمون إلى المصلى ببطن عرنة ~~حيث قد بنى المسجد وليس هو من الحرم ولا من عرفة وانما هو برزخ بين ~~المشعرين الحلال والحرام هناك بينه وبين الموقف نحو ميل فخطب بهم خطبة الحج ~~على راحلته وكان يوم الجمعة ثم نزل فصلى بهم الظهر والعصر مقصورتين ~~مجموعتين ثم سار والمسلمون معه إلى الموقف بعرفة عند الجبل المعروف بجبل ~~الرحمة PageV26P161 واسمه إلال على وزن هلال وهو الذى ms7566 تسميه العامة عرفة ~~فلم يزل هو والمسلمون في الذكر والدعاء إلى ان غربت الشمس # فدفع بهم إلى مزدلفة فصلى المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق قبل حط الرحال ~~حيث نزلوا بمزدلفة وبات بها حتى طلع الفجر فصلى بالمسلمين الفجر في اول ~~وقتها مغلسا بها زيادة على كل يوم ثم وقف عند ( قزح ( وهو جبل مزدلفة الذى ~~يسمى المشعر الحرام وان كانت مزدلفة كلها هي المشعر الحرام المذكور في ~~القرآن فلم يزل واقفا بالمسلمين إلى ان اسفر جدا # ثم دفع بهم حتى قدم منى فاستفتحها برمي جمرة العقبة ثم رجع إلى منزله ~~بمنى فحلق رأسه ثم نحر ثلاثا وستين بدنه من الهدى الذى ساقه وأمر عليا فنحر ~~الباقي وكان مائة بدنة ثم أفاض إلى مكة فطاف طواف الافاضة وكان قد عجل ضعفه ~~أهل بيته من مزدلفة قبل طلوع الفجر فرموا الجمرة بليل ثم أقام بالمسلمين ~~أيام منى الثلاث يصلى بهم الصلوات الخمس مقصورة غير مجموعة يرمى كل يوم ~~الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس يفتتح بالجمرة الأولى وهي الصغرى وهي الدنيا ~~إلى منى والقصوى من مكة ويختتم بجمرة العقبة ويقف بين الجمرتين الأولى ~~والثانية وبين الثانية والثالثة وقوفا طويلا بقدر سورة البقرة يذكر الله ~~ويدعو فان المواقف ثلاثة عرفة PageV26P162 ومزدلفة ومنى # ثم افاض آخر أيام التشريق بعد رمي الجمرات هو والمسلمون فنزل بالمحصب عند ~~خيف بني كنانة فبات هو والمسلمون فيه ليلة الاربعاء # وبعث تلك الليلة عائشة مع أخيها عبد الرحمن لتعتمر من التنعيم وهو اقرب ~~اطراف الحرم إلى مكة من طريق اهل المدينة وقد بنى بعده هناك مسجد سماه ~~الناس مسجد عائشة لانه لم يعتمر بعد الحج مع النبى من اصحابه أحد قط الا ~~عائشة لاجل انها كانت قد حاضت لما قدمت وكانت معتمرة فلم تطف قبل الوقوف ~~بالبيت ولا بين الصفا والمروة وقال لها النبى ( اقضي ما يقضي الحاج غير ان ~~لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة # ثم ودع البيت هو والمسلمون ورجعوا إلى المدينة ولم يقم بعد ايام التشريق ms7567 ~~ولا اعتمر أحد قط على عهده عمرة يخرج فيها من الحرم إلى الحل الا عائشة ~~وحدها # فأخذ فقهاء الحديث كأحمد وغيره بسنته في ذلك كله وان كان منهم ومن غيرهم ~~من قد يخالف بعض ذلك بتأويل تخفى عليه PageV26P163 فيه السنة # فمن ذلك انهم استحبوا للمسلمين ان يحجوا كما امر النبى اصحابه ولما اتفقت ~~جميع الروايات على انه امر أصحابه بان يحلوا من احرامهم ويجعلوها متعة ~~استحبوا المتعة لمن جمع بين النسكين في سفرة واحدة واحرم في اشهر الحج كما ~~امر به النبى وعلموا ان من افرد الحج واعتمر عقبه من الحل وان قالوا انه ~~جائز فانه لم يفعله أحد على عهد رسول الله الا عائشة على قول من يقول انها ~~رفضت العمرة واحرمت بالحج كما يقوله الكوفيون واما على قول اكثر الفقهاء ~~انها صارت قارنة فلا عائشة ولا غيرها فعل ذلك # وكذلك علموا ان من لم يسق الهدي وقرن بين النسكين لا يفعله وان قال ~~اكثرهم كأحمد وغيره انه جائز فانه لم يفعله أحد على عهد النبى صلى الله ~~عليه وسلم الا عائشة على قول من قال انها كانت قارنة # ولم يختلف ائمة الحديث فقهاء وعلماء كأحمد وغيره ان النبى صلى الله عليه ~~وسلم نفسه لم يكن مفردا للحج ولا كان متمتعا تمتع حل به من احرامه ومن قال ~~من اصحاب أحمد انه تمتع PageV26P164 وحل من احرامه فقد غلط وكذلك من قال ~~انه لم يعتمر في حجته فقد غلط # وأما من توهم من بعض الفقهاء انه اعتمر بعد حجته كما يفعله المختارون ~~للافراد اذا جمعوا بين النسكين فهذا لم يروه أحد ولم يقله أحد اصلا من ~~العالمين بحجته فانه لا خلاف بينهم انه صلى الله عليه وسلم لا هو ولا أحد ~~من اصحابه اعتمر بعد الحج الا عائشة ولهذا لا يعرف موضع الاحرام بالعمرة ~~الا بمساجد عائشة حيث لم يخرج أحد من الحرم إلى الحل فيحرم بالعمرة الا هي ~~ولا كان ايضا قارنا قرانا طاف فيه طوافين وسعى سعيين فان ms7568 الروايات الصحيحة ~~كلها تصرح بأنه انما طاف بالبيت وبين الصفا والمروة قبل التعريف مرة واحدة # فمن قال من اصحاب ابى حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد شيئا من هذه ~~المقالات فقد غلط # وسبب غلطه الفاظ مشتركة سمعها في الفاظ الصحابة الناقلين لحجة النبى فانه ~~قد ثبت في الصحاح عن غير واحد منهم عائشة وبن عمر وغيرهما انه صلى الله ~~عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج ( وثبت ايضا عنهم ( 0 انه افرد الحج ~~PageV26P165 وعامة الذين نقل عنهم ( انه افرد الحج ( ثبت عنهم انهم قالوا ( ~~انه تمتع بالعمرة إلى الحج ( وثبت عن انس بن مالك انه قال سمعت رسول الله ~~يقول ( لبيك عمرة وحجا ( وعن عمر انه اخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم انه ~~قال ( اتاني آت من ربي يعني بوادى العقيق وقال قل عمرة في حجة ( ولم يحك ~~أحد لفظ النبى الذي احرم به الا عمر وانس فلهذا قال الامام أحمد لا أشك ان ~~النبى كان قارنا # وأما الفاظ الصحابة فان التمتع بالعمرة إلى الحج اسم لكل من اعتمر في ~~اشهر الحج وحج من عامة سواء جمع بينهما باحرام واحد أو تحلل من احرامه فهذا ~~التمتع العام يدخل فيه القران ولذلك وجب عليه الهدى عند عامة الفقهاء ~~ادخالا له في عموم قوله تعالى ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدى ) وان كان اسم ( التمتع ( قد يختص بمن اعتمر ثم احرم بالحج بعد قضاء ~~عمرته # فمن قال منهم ( تمتع بالعمرة إلى الحج ( لم يرد انه حل من احرامه ولكن ~~اراد انه جمع في حجته بين النسكين معتمرا في اشهر الحج لكن لم يبين هل احرم ~~بالعمرة قبل الطواف بالبيت وبالجبلين PageV26P166 أو أحرم بالحج بعد ذلك ~~فإن كان قد أحرم قبل الطوافين فهو قارن بلا تردد وإن كان إنما أهل بالحج ~~بعد الطواف بالبيت وبالجبلين وهو لم يكن حل من احرامه فهذا يسمى متمتعا ~~لانه اعتمر قبل الاهلال بالحج ويسمى قارنا لانه احرم بالحج قبل احلاله من ~~العمرة ولهذا ms7569 يسميه بعض اصحابنا ( متمتعا ( ويسميه بعضهم ( قارنا ( ويسميه ~~بعضهم بالاسمين وهو الاصوب وهذا في التمتع الخاص فأما التمتع العام فيشمله ~~بلا تردد # ومع هذا فالصواب ما قطع به أحمد من انه احرم بالحج قبل الطواف لقوله ( ~~لبيك عمرة وحجا ( ولو كان من حين يحرم بالعمرة مع قوله سبحانه ( فصيام ~~ثلاثة ايام في الحج ) لان العمرة دخلت في الحج كما قاله النبى # واذا كانت عمرة المتمتع جزءا من حجة فالهدي المسوق لا ينحر حتى يقضي ~~التفث كما قال تعالى ( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ) وذلك اشارة إلى ~~الهدي المسوق فانه نذر ولهذا لو عطب دون محله وجب نحره لان نحره انما يكون ~~عند بلوغه محله وانما يبلغ محله اذا بلغ صاحبه محله لانه تبع له وانما يبلغ ~~صاحبه محله يوم النحر اذ قبل ذلك لا يحل مطلقا لانه يجب عليه ان يحج بخلاف ~~من اعتمر عمرة مفردة فانه حل حلا مطلقا PageV26P167 واما ما تضمنته سنة ~~رسول الله من المقام بمنى يوم التروية والمبيت بها الليلة التى قبل يوم ~~عرفة ثم المقام بعرفة التى بين المشعر الحرام وعرفة إلى الزوال والذهاب ~~منها إلى عرفة والخطبة والصلاتين في اثناء الطريق ببطن عرفة فهذا كالمجمع ~~عليه بين الفقهاء وان كان كثير من المصنفين لا يميزه واكثر الناس لا يعرفه ~~لغلبة العادات المحدثة # ومن سنة رسول الله انه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر ~~وبمزدلفة بين المغرب والعشاء وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة القصر ~~من اهل مكة وما حولها ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة في ~~وقتها ولا ان يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر وان ينفردوا ~~فيصلوها في اثناء الوقت دون سائر المسلمين فان هذا مما يعلم بالاضطرار لمن ~~تتبع الاحاديث أنه لم يكن وهو قول مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد ~~وعليه يدل كلام أحمد # وانما غفل قوم من اصحاب الشافعي واحمد عن هذا فطردوا قياسهم في الجمع ~~واعتقدوا انه انما جمع لاجل السفر والجمع للسفر ms7570 لا يكون الا لمن سافر ستة ~~عشر فرسخا وحاضروا مكة ليسوا عن عرفة بهذا البعد PageV26P168 وهذا ليس بحق ~~فانه لو كان جمعه لاجل السفر لجمع قبل هذا اليوم وبعده وقد اقام بمنى أيام ~~التشريق ولم يجمع فيها لا سيما ولم ينقل عنه انه جمع في السفر وهو نازل الا ~~مرة واحدة وانما كان يجمع في السفر اذا جد به السير وانما جمع لنحو الوقوف ~~لاجل ان لا يفصل بين الوقوف بصلاة ولا غيرها كما قال أحمد انه يجوز الجمع ~~لاجل ذلك من الشغل المانع من تفريق الصلوات # ومن اشترط في هذا الجمع السفر من اصحاب أحمد فهو ابعد عن اصوله من اصحاب ~~الشافعي فإن أحمد يجوز الجمع لامور كثيرة غير السفر حتى قال القاضي أبو ~~يعلى وغيره تفسيرا لقول أحمد انه يجمع لكل ما يبيح ترك الجماعة فالجمع ليس ~~من خصائص السفر وهذا بخلاف القصر فانه لا يشرع الا للمسافر # ولهذا قال أكثر الفقهاء كالشافعي واحمد ان قصر الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى ~~وايام التشريق لا يجوز الا للمسافر الذي يباح له القصر عندهم طردا للقياس ~~واعتقادا ان القصر لم يكن الا للسفر بخلاف الجمع حتى امر أحمد وغيره أن ~~الموسم لا يقيمه امير مكة لاجل قصر الصلاة # وذهب طوائف من أهل المدينة وغيرهم منهم مالك وطائفة PageV26P169 من اصحاب ~~الشافعي وأحمد كأبى الخطاب في عباداته الخمس إلى انه يقصر المكيون وغيرهم ~~وان القصر هناك لاجل النسك # والحجة مع هؤلاء أنه لم يثبت ان النبى امر من صلى خلفه بعرفة ومزدلفة ~~ومنى من المكيين ان يتموا الصلاة كما امرهم ان يتموا لما كان يصلي بهم بمكة ~~ايام فتح مكة حين قال لهم ( اتموا صلاتكم فانا قوم سفر ( # فإنه لو كان المكيون قد قاموا لما صلوا خلفه الظهر فاتموها اربعا ثم لما ~~صلوا العصر قاموا فأتموها اربعا ثم لما صلوا خلفه عشاء الاخرة قاموا ~~فأتموها اربعا ثم كانوا مدة مقامه بمنى يتمون خلفه لما أهمل الصحابة نقل ~~مثل هذا # ومما قد يغلط فيه ms7571 الناس اعتقاد بعضهم انه يستحب صلاة العيد بمنى يوم ~~النحر حتى قد يصليها بعض المنتسبين إلى الفقه أخذا فيها بالعمومات اللفظية ~~أو القياسية وهذه غفلة عن السنة ظاهرة فان النبى صلى الله عليه وسلم ~~وخلفاءه لم يصلوا بمنى عيدا قط وانما صلاة العيد بمنى هي جمرة العقبة فرمى ~~جمرة العقبة لاهل الموسم بمنزلة صلاة العيد لغيرهم ولهذا استحب أحمد ان ~~تكون صلاة اهل الامصار وقت النحر بمنى ولهذا خطب النبى صلى الله عليه وسلم ~~يوم النحر PageV26P170 بعد الجمرة كما كان يخطب في غير مكة بعد صلاة العيد ~~ورمي الجمرة تحية مني كما ان الطواف تحية المسجد الحرام # ومثل هذا ما قاله طائفة منهم بن عقيل انه يستحب للمحرم إذا دخل المسجد ~~الحرام أن يصلي تحية المسجد كسائر المساجد ثم يطوف طواف القدوم أو نحوه ~~واما الائمة وجماهير الفقهاء من اصحاب أحمد وغيرهم فعلى انكار هذا # اما اولا فلأنه خلاف السنة المتواترة من فعل النبى وخلفائه فانهم لما ~~دخلوا المسجد لم يفتتحوا الا بالطواف ثم الصلاة عقب الطواف واما ثانيا فلأن ~~تحية المسجد الحرام هي الطواف كما ان تحية المساجد هي الصلاة # واشنع من هذا استحباب بعض اصحاب الشافعي لمن سعى بين الصفا والمروة ان ~~يصلي ركعتين بعد السعي على المروة قياسا على الصلاة بعد الطواف وقد انكر ~~ذلك سائر العلماء من اصحاب الشافعي وسائر الطوائف ورأوا ان هذه بدعة ظاهرة ~~القبح فان السنة مضت بان النبى وخلفاءه طافوا وصلوا كما ذكر الله الطواف ~~والصلاة ثم سعوا ولم يصلوا عقب السعي فاستحباب PageV26P171 الصلاة عقب ~~السعي كاستحبابها عند الجمرات أو بالموقف بعرفات أو جعل الفجر اربعا قياسا ~~على الظهر والترك الراتب سنة كما ان الفعل الراتب سنة بخلاف ما كان تركه ~~لعدم مقتض أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال ~~المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف وجمع الناس في ~~التراويح على امام واحد وتعلم العربية واسماء النقلة للعلم وغير ذلك ما ~~يحتاج ms7572 إليه في الدين بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية الا به ~~وانما تركه صلى الله عليه وسلم لفوات شرطه أو وجود مانع # فأما ما تركه من جنس العبادات مع انه لو كان مشروعا لفعله أو اذن فيه ~~ولفعله الخلفاء بعده والصحابة فيجب القطع بان فعله بدعة وضلالة ويمتنع ~~القياس في مثله وان جاز القياس في النوع الاول وهو مثل قياس ( صلاة العيدين ~~والاستسقاء والكسوف ( على الصلوات الخمس في ان يجعل لها اذانا واقامة كما ~~فعله بعض المراونية في العيدين وقياس حجرته ونحوها من مقابر الانبياء على ~~بيت الله في الاستلام والتقبيل ونحو ذلك من الاقيسة التى تشبه قياس الذين ~~حكى الله عنهم انهم قالوا ( انما البيع مثل الربا ) # واخذ فقهاء الحديث كالشافعي واحمد وغيرهما مع فقهاء PageV26P172 الكوفة ~~ما عليه جمهور الصحابة والسلف بتلبية رسول الله فانه قد ثبت عنه انه لم يزل ~~يلبي حتى رمى جمرة العقبة وذهب طائفة من السلف من الصحابة والتابعين واهل ~~المدينة كمالك إلى ان التلبية تنقطع بالوصول إلى الموقف بعرفة لانها اجابة ~~فتنقطع بالوصول إلى المقصد وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التى يجب ~~اتباعها # واما المعنى فان الواصل إلى عرفة وان كان قد وصل إلى هذا الموقف فانه قد ~~دعى بعده إلى موقف آخر وهو مزدلفة فاذا قضى الوقوف بمزدلفة فقد دعي إلى ~~الجمرة فاذا شرع في الرمي فقد انقضى دعاؤه ولم يبق مكان يدعى إليه محرما ~~لان الحلق والذبح يفعله حيث احب من الحرم وطواف الافاضة يكون بعد التحلل ~~الاول # ولهذا قالوا أيضا بما ثبت عن النبى انه يلبى بالعمرة إلى ان يستلم الحجر ~~وان كان بن عمر ومن اتبعه من اهل المدينة كمالك قالوا يلبى إلى ان يصل إلى ~~الحرم فانه وان وصل إليه فانه مدعو إلى البيت PageV26P173 نعم يستفاد من ~~هذا المعنى انه انما يلبى حال سيره لاحال الوقوف بعرفة ومزدلفة وحال المبيت ~~بها وهذا مما اختلف فيه اهل الحديث # فأما التلبية حال السير من عرفة إلى مزدلفة ms7573 ومن مزدلفة إلى منى فاتفق من ~~جمع الإحاديث الصحيحة عليه # واختلف الناس في اكل المحرم لحم الصيد الذي صاده الحلال وذكاه على ثلاثة ~~أقوال # فقالت طائفة من السلف هو حرام اتباعا لما فهموه من قوله تعالى ( وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) ولما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم من ~~انه رد لحم الصيد لما اهدي إليه # وقال آخرون منهم أبو حنيفة بل هو مباح مطلقا عملا بحديث ابى قتادة لما ~~صاد الحمار الوحشي واهدى لحمه للنبى واخبره بانه لم يصده له كما جاء في ~~الأحاديث الصحيحة # وقالت الطائفة الثالثة التى فيها فقهاء الحديث بل هو مباح للمحرم اذا لم ~~يصده له المحرم ولا ذبحه من اجله توفيقا بين الاحاديث كما روى جابر عن ~~النبى أنه قال PageV26P174 ( لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه ~~أو يصاد لكم ( قال الشافعي هذا احسن حديث في هذا الباب واقيس وهذا مذهب ~~مالك وأحمد والشافعي وغيرهم # وانما اختلفوا اذا صيد لمحرم بعينه فهل يباح لغيره من المحرمين على قولين ~~هما وجهان في مذهب أحمد رحمه الله تعالى PageV26P175 ### || 1 ( مسألة الطواف للحائض والجنب والمحدث ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله # عن طواف الحائض والجنب والمحدث ### ||||| فأجاب # ثبت عن النبى انه قال ( الحائض تقضي المناسك كلها الا الطواف ~~بالبيت ( ( وقال لعائشة رضي الله عنها ( اصنعى ما يصنع الحاج غير ان لا ~~تطوفي بالبيت ( ولما قيل له عن صفية انها حاضت فقال ( احابستنا هي فقيل له ~~إنها قد افاضت قال فلا اذا ( وصح عنه انه بعث أبا بكر عام تسع لما امره على ~~الموسم ينادي ( ان لا يطوف بالبيت عريان ( ولم ينقل أحد عنه انه امر ~~الطائفين بالوضوء ولا باجتناب النجاسة كما امر المصلين بالوضوء # فنهيه الحائض عن الطواف بالبيت اما ان يكون لاجل المسجد لكونها منهية عن ~~اللبث فيه وفى الطواف لبث أو عن الدخول إليه مطلقا لمرور أو لبث واما ان ~~يكون لكون الطواف نفسه يحرم مع الحيض كما يحرم على الحائض ms7574 الصلاة والصيام ~~بالنص والاجماع ومس المصحف عند عامة العلماء وكذلك قراءة القرآن في أحد ~~PageV26P176 قولى العلماء والذين حرموا عليها القراءة كأحمد في المشهور عنه ~~وكذلك الشافعى مع ابى حنيفة تنازعوا في إباحة قراءة القرآن لها وللنفساء ~~قبل الغسل وبعد انقطاع الدم على ثلاثة أقوال احدها # إباحتها للحائض والنفساء وهو اختيار القاضي أبي يعلى وقال هو ظاهر كلام ~~أحمد # والثانى منع الحائض والنفساء # والثالث إباحتها للنفساء دون الحائض اختاره الحلال من أصحاب أحمد فاما ان ~~يكون لكل منهما وإما ان يكون لمجموعهما بحيث لو انفرد احدهما لم يحرم فان ~~كان تحريمه للأول لم يحرم عليها عند الضرورة فان لبثها في المسجد لضرورة ~~جائز كما لو خافت من يقتلها إذا لم تدخل المسجد أو كان البرد شديدا أو ليس ~~لها مأوى الا المسجد # وقد ثبت عن النبى في صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها انها قالت ~~قال لي رسول الله ( ناوليني الخمرة من المسجد فقلت إني حائض PageV26P177 ~~قال ان حيضتك ليست في يدك ( وعن ميمونة زوج النبى صلى الله عليه وسلم قالت ~~( كان رسول الله يضع رأسه في حجر احدانا يتلو القرآن وهي حائض وتقوم إحدانا ~~بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهى حائض ( رواه النسائي وقد روى أبو داود من ~~حديث عائشة عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ( لا أحل المسجد لجنب ولا حائض ~~( رواه بن ماجه من حديث أم سلمة وقد تكلم في هذين الحديثين # ولهذا ذهب أكثر العلماء كالشافعى وأحمد وغيرهما إلى الفرق بين المرور ~~واللبث جمعا بين الاحاديث ومنهم من منعها من اللبث والمرور كأبى حنيفة ~~ومالك ومنهم من لم يحرم المسجد عليها وقد يستدلون على ذلك بقوله تعالى ( ~~ولا جنبا الا عابري سبيل ( # وأباح أحمد وغيره اللبث لمن يتوضأ لما رواه هو وغيره عن عطاء بن يسار قال ~~( رأيت رجالا من أصحاب رسول الله يجلسون في المسجد وهم مجنبون اذا توضؤوا ~~وضوء الصلاة ( وذلك والله اعلم ان المسجد بيت الملائكة والملائكة لا تدخل ~~بيتا فيه جنب ms7575 كما جاء ذلك في السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم ولهذا نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم الجنب أن ينام حتى PageV26P178 يتوضأ وروى يحيى ~~بن سعيد عن هشام بن عروة قال اخبرنى أبى عن عائشة انها كانت تقول ( إذا ~~اصاب أحدكم المرأة ثم اراد ان ينام فلا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة فانه ~~لا يدرى لعل نفسه تصاب في نومه ( وفي حديث آخر ( فانه اذا مات لم تشهد ~~الملائكة جنازته ( وقد أمر النبى الجنب بالوضوء عند الاكل والشرب والمعاودة ~~وهذا دليل انه اذا توضأ ذهبت الجنابة عن اعضاء الوضوء فلا تبقى جنابته تامة ~~وان كان قد بقى عليه بعض الحدث كما ان المحدث الحدث الاصغر عليه حدث دون ~~الجنابة وان كان حدثه فوق الحدث الاصغر فهودون الجنب فلا تمتنع الملائكة عن ~~شهوده فلهذا ينام ويلبث في المسجد # وهذا يدل على ان الجنابة تتبعض فتزول عن بعض البدن دون بعض كما عليه ~~جمهور العلماء # وأما الحائض فحدثها دائم لا يمكنها طهارة تمنعها عن الدوام فهي معذورة في ~~مكثها ونومها واكلها وغير ذلك فلا تمنع مما يمنع منه الجنب مع حاجتها إليه ~~ولهذا كان أظهر قولى العلماء انها لا تمنع من قراءة القرآن اذا احتاجت إليه ~~كما هومذهب مالك وأحد القولين في مذهب الشافعى ويذكر رواية عن أحمد فانها ~~محتاجة اليها ولا يمكنها الطهارة كما يمكن الجنب وان كان حدثها اغلظ من ~~PageV26P179 حدث الجنب من جهة انها لا تصوم ما لم ينقطع الدم والجنب يصوم ~~ومن جهة انها ممنوعة من الصلاة طهرت أو لم تطهر ويمنع الرجل من وطئها ايضا ~~فهذا يقتضي ان المقتضي للحظر في حقها اقوى لكن اذا احتاجت إلى الفعل ~~استباحت المحظور مع قيام سبب الحظر لاجل الضرورة كما يباح سائر المحرمات مع ~~الضرورة من الدم والميتة ولحم الخنزير وان كان ما هو دونها في التحريم لا ~~يباح من غير حاجة كلبس الحرير والشرب في آنية الذهب والفضة ونحو ذلك # وكذلك الصلاة إلى غير القبلة مع كشف العورة ms7576 ومع النجاسة في البدن والثوب ~~هي محرمة أغلظ من غيرها وتباح بل تجب مع الحاجة وغيرها وان كان دونها في ~~التحريم كقراءة القرآن الكريم مع عدم الحاجة لا تباح # واذا قدر جنب استمرت به الجنابة وهو لا يقدر على غسل أو تيمم فهذا ~~كالحائض في الرخصة وان كان هذا نادرا وقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم ~~الحيض ان يخرجن في العيد ويشهدن الخير ودعوة المسلمين ويكبرن بتكبير الناس ~~وكذلك الحائض والنفساء امرهما النبى صلى الله عليه وسلم بالاحرام والتلبية ~~وما فيهما من ذكر الله وشهودهما عرفة مع الذكر والدعاء ورمي الجمار مع ذكر ~~الله وغير PageV26P180 ذلك ولا يكره لها ذلك بل يجب عليها والجنب يكره له ~~ذلك حتى يغتسل لانه قادر على الطهارة بخلاف الحائض # فهذا أصل عظيم في هذه المسائل ونوعها لا ينبغى ان ينظر إلى غلظ المفسدة ~~المقتضية للحظر الا وينظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن بل الموجبة ~~للاستحباب أو الايجاب # وكل ما يحرم معه الصلاة يجب معه عند الحاجة اذا لم تمكن الصلاة الا كذلك ~~فان الصلاة مع تلك الامور اخف من ترك الصلاة فلو صلى بتيمم مع قدرته على ~~استعمال الماء لكانت الصلاة محرمة ومع عجزه عن استعمال الماء كانت الصلاة ~~بالتيمم واجبة بالوقت وكذلك الصلاة عريانا والى غير القبلة ومع حصول ~~النجاسة وبدون القراءة وصلاة الفرض قاعدا أو بدون اكمال الركوع والسجود ~~وأمثال ذلك مما يحرم مع القدرة ويجب مع العجز # وكذلك اكل الميتة والدم ولحم الخنزير يحرم أكلها عند الغنى عنها ويجب ~~اكلها عند الضرورة عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء قال مسروق من اضطر ~~فلم يأكل حتى مات دخل النار وذلك لأنه اعان على قتل نفسه بترك ما يقدر عليه ~~من الاكل المباح له في هذه الحال فصار بمنزلة من قتل نفسه بخلاف المجاهد ~~بالنفس ومن PageV26P181 تكلم بحق عند سلطان جائر فان ذلك قتل مجاهدا ففي ~~قتله مصلحة لدين الله تعالى # وتعليل منع طواف الحائض بانه لاجل حرمة المسجد رأيته يعلل به ms7577 بعض الحنفية ~~فان مذهب ابى حنيفة ان الطهارة واجبة له لا فرض فيه ولا شرط له ولكن هذا ~~التعليل يناسب القول بان طواف المحدث غير محرم وهذا مذهب منصور بن المعتمر ~~وحماد بن أبي سليمان رواه أحمد عنهما قال عبد الله في مناسكه حدثنى ابى ~~حدثنا سهل بن يوسف انبأنا شعبة عن حماد ومنصور قال سألتهما عن الرجل يطوف ~~بالبيت وهو غير متوضئ فلم يريا به بأسا قال عبد الله سألت ابى عن ذلك فقال ~~احب إلي ان يطوف بالبيت وهو متوضئ لان الطواف صلاة وأحمد عنه روايتان ~~منصوصتان في الطهارة هل هي شرط في الطواف أم لا وكذلك وجوب الطهارة في ~~الطواف كلامه فيها يقتضى روايتين # وكذلك قال بعض الحنفية ان الطهارة ليست واجبة في الطواف بل سنة مع قوله ~~ان في تركها دما فمن قال ان المحدث يجوز له ان يطوف بخلاف الحائض والجنب ~~فانه يمكنه تعليل المنع بحرمة المسجد لا بخصوص الطواف لأن الطواف يباح فيه ~~الكلام والاكل والشرب فلا يكون كالصلاة ولان الصلاة مفتاحها الطهور ~~وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم والطواف ليس كذلك ويقول انما منع العراة ~~من ذلك لاجل نظر الناس ولحرمة المسجد ايضا PageV26P182 ومن # قال هذا قال المطاف اشرف المساجد ولا يكاد يخلو من طائف وقد قال الله ~~تعالى ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ( فأمر بأخذها عند دخول المسجد وهذا بخلاف ~~الصلاة فإن المصلى عليه ان يستتر لنفس الصلاة والصلاة تفعل في جميع البقاع ~~فلو صلى وحده في بيت مظلم لكان عليه أن يفعل ما أمر به من الستر للصلاة ~~بخلاف الطواف فإنه يشترط فيه المسجد الحرام والاعتكاف يشترط فيه جنس ~~المساجد وعلى قول هؤلاء فلا يحرم طواف الجنب والحائض اذا اضطر إلى ذلك كما ~~لا يحرم عندهم الطواف على المحدث بحال لأنه لا يحرم عليهما دخول المسجد ~~حينئذ وهما اذا كانا مضطرين إلى ذلك اولى بالجواز من المحدث الذى يجوزون له ~~الطواف مع الحدث من غير عذر الا ترى ان المحدث منع من الصلاة ms7578 ومس المصحف مع ~~قدرته على الطهارة وذلك جائز للجنب مع التيمم واذا عجز عن التيمم صلى بلا ~~غسل ولا تيمم في أحد قولي العلماء وهو المشهور في مذهب الشافعى وأحمد كما ~~ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا مع الجنابة قبل ان تنزل آية التيمم # والحائض نهيت عن الصوم فانها ليست محتاجة إلى الصوم في الحيض فإنه يمكنها ~~ان تصوم شهرا آخر غير رمضان فاذا كان المسافر والمريض PageV26P183 مع امكان ~~صومهما جعل لهما ان يصوما شهرا آخر فالحائض الممنوعة من ذلك أولى ان تصوم ~~شهرا آخر واذا أمرت بقضاء الصوم لم تؤمر الا بشهر واحد فلم يجب عليها الا ~~ما يجب على غيرها ولهذا لو استحاضت فانها تصوم مع الاستحاضة فان ذلك لا ~~يمكن الاحتراز عنه اذ قد تستحيض وقت القضاء # واما الصلاة فانها تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات والحيض مما يمنع ~~الصلاة فلو قيل انها تصلي مع الحيض لاجل الحاجة لم يكن الحيض مانعا من ~~الصلاة بحال وكان يكون الصوم والطواف بالبيت اعظم حرمة من الصلاة وليس ~~الامر كذلك بل كان من حرمة الصلاة انها لاتصلى وقت الحيض اذا كان لها في ~~الصلاة أوقات الطهر غنية عن الصلاة وقت الحيض واذا كانت انما منعت من ~~الطواف لاجل المسجد فمعلوم ان اباحة ذلك للعذر أولى من إباحة مس المصحف ~~للعذر ولو كان لها مصحف ولم يمكنها حفظه الا بمسه مثل ان يريد ان ياخذه لص ~~أو كافر أو ينهبه أحد أو ينهبه منها ولم يمكنها منعه الا بمسه لكان ذلك ~~جائزا لها مع ان المحدث لا يمس المصحف ويجوز له الدخول في المسجد # فعلم ان حرمة المصحف اعظم من حرمة المسجد وإذا ابيح لها مس المصحف للحاجه ~~فالمسجد الذى حرمته دون حرمة المصحف PageV26P184 اولى بالاباحه ### ||| فصل # واما ان كان المنع من الطواف لمعنى في نفس الطواف كما منع من غيره أو كان ~~لذلك وللمسجد كل منهما عله مستقله فنقول اذا اضطرت إلى ذلك بحيث لم يمكنها ~~الحج بدون طوافها ms7579 وهى حائض لتعذر المقام عليها إلى ان تطهر فهنا الامر دائر ~~بين ان تطوف مع الحيض وبين الضرر الذى ينافي الشريعة فإن الزامها بالمقام ~~اذا كان فيه خوف على نفسها ومالها وفيه عجزها عن الرجوع إلى اهلها والزامها ~~بالمقام بمكة مع عجزها عن ذلك وتضررها به لاتاتى به الشريعه فإن مذهب عامة ~~العلماء ان من امكنه الحج ولم يمكنه الرجوع إلى اهله لم يجب عليه الحج وفيه ~~قول ضعيف انه يجب اذا امكنه المقام اما مع الضرر الذى يخاف منه على النفس ~~أو مع العجز عن الكسب فلا يوجب أحد عليه المقام فهذة لايجب عليها حج يحتاج ~~معه إلى سكنى مكه # وكثير من النساء اذا لم ترجع مع من حجت معه لم يمكنها بعد ذلك الرجوع ولو ~~قدر انه يمكنها بعد ذلك الرجوع فلا يجب عليها ان PageV26P185 يبقى وطؤها ~~محرما مع رجوعها إلى اهلها ولا تزال كذلك إلى ان تعود فهذا ايضا من اعظم ~~الحرج الذى لا يوجب الله مثله اذ هو اعظم من ايجاب حجتين والله تعالى لم ~~يوجب الا حجة واحدة # ومن وجب عليه القضاء كالمفسد فانما ذاك لتفريطه بافساد الحج ولهذا لم يجب ~~القضاء على المحصر في اظهر قولي العلماء لعدم التفريط ومن اوجب القضاء على ~~من فاته الحج فانه يوجبه لأنه مفرط عنده # واذا قيل في هذه المرأة بل تتحلل كما يتحلل المحصر فهذا لا يفيد سقوط ~~الفرض عنها فتحتاج مع ذلك إلى حجة ثانية ثم هي في الثانية تخاف ما خافته في ~~الأولى مع ان المحصر لا يحل الا مع العجز الحسي اما بعدو أو بمرض أو فقر أو ~~حبس فاما من جهة الشرع فلا يكون أحد محصرا وكل من قدر على الوصول إلى البيت ~~لم يكن محصرا في الشرع فهذه هي التقديرات التى يمكن ان تفعل اما مقامها ~~بمكة واما رجوعها محرمة واما تحللها وكل ذلك مما منعه الشرع في حق مثلها # وان قيل ان الحج يسقط عن مثل هذه كما يسقط عمن لا ms7580 تحج الا مع من يفجر بها ~~لكون الطواف مع الحيض يحرم كالفجور PageV26P186 قيل هذا مخالف لأصول الشرع ~~لأن الشرع مبناه على قوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ( وعلى قول النبى ~~( اذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ( ومعلوم ان المرأة اذا لم يمكنها ~~فعل شيء من فرائض الصلاة أو الصيام أو غيرهما الا مع الفجور لم يكن لها ان ~~تفعل ذلك فإن الله تعالى لم يأمر عباده بأمر لا يمكن الا مع الفجور فان ~~الزنى لا يباح بالضرورة كما يباح اكل الميتة عند الضرورة ولكن اذا اكرهت ~~عليه بأن يفعل بها ولا تستطيع الامتناع منه فهذه لا فعل لها وان كان ~~بالاكراه ففيه قولان هما روايتان عن أحمد ( إحداهما ( انه لا يباح بالاكراه ~~الا الأقوال دون الافعال ( والثانى ( وهو قول الاكثرين ان المكرهة على ~~الزنى وشرب الخمر معفو عنها لقوله تعالى ( ومن يكرهن فإن الله من بعد ~~اكراههن غفور رحيم ( # واما الرجل الزانى ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره بناء على ان الاكراه هل ~~يمنع الانتشار أم لا فأبو حنيفة واحمد في المنصوص عنه يقولان لا يكون الرجل ~~مكرها على الزنى # واما اذا امكن العبد ان يفعل بعض الواجبات دون بعض فإنه PageV26P187 يؤمر ~~بما يقدر عليه وما عجز عنه يبقى ساقطا كما يؤمر بالصلاة عريانا ومع النجاسة ~~وإلى غير القبلة اذا لم يطق الا ذلك وكما يجوز الطواف راكبا ومحمولا للعذر ~~بالنص واتفاق العلماء وبدون ذلك ففيه نزاع وكما يجوز اداء الفرض للمريض ~~قاعدا أو راكبا ولا يجوز ذلك في الفرض بدون العذر مع ان الصلاة إلى غير ~~القبلة والصلاة عريانا وبدون الاستنجاء وفي الثوب النجس حرام في الفرض ~~والنفل ومع هذا فلأن يصلي الفرض مع هذه المحظورات خير من تركها وكذ 1 لك ~~صلاة الخوف مع العمل الكثير ومع استدبار القبلة مع مفارقة الامام في أثناء ~~الصلاة ومع قضاء ما فاته قبل السلام وغير ذلك مما لا يجوز في غير العذر # فإن قيل الطواف مع الحيض كالصلاة مع الحيض ms7581 والصوم مع الحيض وذلك لا يباح ~~بحال # قيل الصوم مع الحيض لايحتاج إليه بحال فان الواجب عليها شهر وغير رمضان ~~يقوم مقامه واذا لم يكن لها ان تؤدى الفرض مع الحيض فالنفل بطريق الأولى ~~لان لها مندوحة عن ذلك بالصيام في وقت الطهر كما كان للمصلى المتطوع في ~~اوقات النهي مندوحة عن ذلك بالتطوع في أوقات أخر فلم تكن محتاجة إلى الصوم ~~مع الحيض بحال فلا تباح هذه المفسدة مع الاستغناء عنها كما لا تباح صلاة ~~PageV26P188 التطوع التى لا سبب لها في اوقات النهى بخلاف ذوات الاسباب فإن ~~الراجح في الدليل من قولي العلماء أنها تجوز لحاجته اليها فإنه ان لم ~~يفعلها تعذر فعلها وفاتت مصلحتها بخلاف التطوع المحض فإنه لا يفوت والصوم ~~من هذا الباب ليس لها صوم الا ويمكن فعله في ايام الطهر ولهذا جاز ~~للمستحاضة الصوم والصلاة # واما الصلاة فانها لوابيحت مع الحيض لم يكن الحيض مانعا من الصلاة بحال ~~فإن الحيض مما يعتاد النساء كما قال النبي لعائشة إن هذا شيء كتبه الله على ~~بنات آدم فلو أذن لهن النبي أن يصلين بالحيض صارت الصلاة مع الحيض كالصلاة ~~مع الطهر ثم أن أبيح سائر العبادات لم يبق الحيض مانعا مع أن الجنابة ~~والحدث الاصغر مانع وهذا تناقض عظيم وان حرم ما دون الصلاة وابيحت الصلاة ~~كان ايضا تناقضا ولم تكن محتاجة إلى الصلاة زمن الحيض فان لها في الصلاة ~~زمن الطهر وهو اغلب اوقاتها ما يغنيها عن الصلاة ايام الحيض ولكن رخص لها ~~فيما تحتاج إليه من التلبية والذكر والدعاء وقد امرت مع ذلك بالاغتسال كما ~~امر النبى أسماء ان تغتسل عند الاحرام لما نفست بمحمد بن ابى بكر وامر ايضا ~~بذلك النساء مطلقا وأمر عائشة حين حاضت بسرف PageV26P189 ان تغتسل وتحرم ~~بالحج فأمرها بالاغتسال مع الحيض للاهلال بالحج ورخص للحائض مع ذلك ان تلبى ~~وتقف بعرفة وتدعو وتذكر الله ولا تغتسل ولا تتوضأ ولا يكره لها ذلك كما ~~يكره للجنب لو فعل ذلك بدون طهارة ms7582 لأنها محتاجة إلى ذلك وغسلها ووضوؤها لا ~~يؤثران في الحدث المستمر بخلاف غسلها عند الاحرام فإنه غسل نظافة كما يغتسل ~~للجمعة # ولهذا هل يتيمم لمثل هذه الاغسال اذا عدم الماء على قولين في مذهب أحمد ~~وكذلك هل ييمم الميت اذا تعذر غسله على قولين وليس هذا كغسل الجنابة ~~والوضوء من الحدث ومع هذا فلم تؤمر بالغسل عند دخول مكه والوقوف بعرفه فلما ~~نهيت عن الصلاة مع الحيض دون الأذكار من غير كراهه علم الفرق بين ما تحتاج ~~إليه وما لا تحتاج إليه # فإن قيل سائر الأذكار تباح للجنب والمحدث فلا حظر في ذلك # قيل الجنب ممنوع من قراءة القرآن ويكره له الاذان مع الجنابه والخطبه ~~وكذلك النوم بلا وضوء وكذلك فعل المناسك بلا طهاره مع قدرته عليها والمحدث ~~ايضا تستحب له الطهاره لذكر الله تعالى كما قال النبى ( إني كرهت ان اذكر ~~PageV26P190 الله إلا على طهر ) والحائض لا يستحب لها شيء من ذلك ولا يكره ~~الذكر بدونه عند أحد من العلماء للسنه المتواتره في ذلك # وإنما تنازعوا في قراءة القرآن وليس في منعها من القرآن سنه اصلا فإن ~~قوله ( لاتقرا الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن ) حديث ضعيف باتفاق اهل ~~المعرفه بالحديث رواه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبه عن نافع عن بن عمر ~~واحاديثه عن اهل الحجاز يغلط فيها كثيرا وليس لهذا اصل عن النبى ولا حدث به ~~عن بن عمر ولا عن نافع ولا عن موسى بن عقبه اصحابهم المعروفون بنقل السنن ~~عنهم # وقد كان النساء يحضن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كانت ~~القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبى صلى الله عليه وسلم ~~لأمته وتعلمه امهات المؤمنين وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس فلما لم ينقل ~~أحد عن النبى في ذلك نهيا لم يجز ان تجعل حراما مع العلم انه لم ينه عن ذلك ~~واذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم انه ليس بمحرم # وهذا كما استدللنا ms7583 على ان المني لو كان نجسا لكان يأمر الصحابة بازالته ~~من ابدانهم وثيابهم لأنه لابد أن يصيب ابدان الناس وثيابهم PageV26P191 في ~~الاحتلام فلما لم ينقل أحد عنه انه امر بازالة ذلك لا بغسل ولا فرك مع كثرة ~~اصابة ذلك الابدان والثياب على عهده والى يوم القيامة علم انه لم يأمر بذلك ~~ويمتنع ان تكون ازالته واجبة ولا يأمر به مع عموم البلوى بذلك كما امر ~~بالاستنجاء من الغائط والبول والحائض بازالة دم الحيض من ثوبها # وكذلك الوضوء من لمس النساء ومن النجاسات الخارجة من غير السبيلين لم ~~يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك مع كثرة ابتلائهم به ولو كان واجبا لكان يجب ~~الأمر به وكان اذا أمر به فلا بد ان ينقله المسلمون لأنه مما تتوفر الهمم ~~والدواعى على نقله وأمره بالوضوء من مس الذكر ومما مست النار امر استحباب ~~فهذا اولى ان لا يكون الا مستحبا واذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مضت بأنه يرخص للحائض فيما لا يرخص فيه للجنب لأجل حاجتها إلى ذلك ~~لعدم امكان تطهرها وانه انما حرم عليها ما لا تحتاج إليه فمنعت منه كما ~~منعت من الصوم لأجل حدث الحيض وعدم احتياجها إلى الصوم ومنعت من الصلاة ~~بطريق الأولى لاعتياضها عن صلاة الحيض بالصلاة بالطهر فهي التى منعت من ~~الطواف اذا امكنها ان تطوف مع الطهر لأن الطواف يشبه الصلاة من بعض الوجوه ~~وليس كالصلاة من كل الوجوه PageV26P192 # والحديث الذي رواه النسائى عن بن عباس عن النبى انه قال ( الطواف بالبيت ~~صلاة الا ان الله أباح فيه الكلام فمن تكلم فيه فلا يتكلم الا بخير ( قد ~~قيل انه من كلام بن عباس وسواء كان من كلام النبى صلى الله عليه وسلم أو ~~كلام بن عباس ليس معناه انه نوع من الصلاة كصلاة الجمعة والاستسقاء والكسوف ~~فإن الله قد فرق بين الصلاة والطواف بقوله تعالى ( وطهر بيتى للطائفين ~~والقائمين والركع السجود ( وقد تكلم العلماء ايما افضل للقادم الصلاة أو ~~الطواف وأجمع العلماء على ms7584 ان النبى طاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين # والآثار عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وسائر العلماء ~~بالفرق بين مسمى الصلاة ومسمى الطواف متواترة فلا يجوز ان يجعل نوعا من ~~الصلاة والنبى صلى الله عليه وسلم قال ( الصلاة مفتاحها الطهور وتحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم ( والطواف ليس تحريمه التكبير وتحليله التسليم ~~وقد تنازع السلف ومن بعدهم في وجوب الوضوء من الحدث له والوضوء للصلاة ~~معلوم بالاضطرار من دين الاسلام ومن انكره فهو كافر ولم ينقل شيء عن النبى ~~في وجوب الوضوء له ومنع الحائض لا يستلزم PageV26P193 منع المحدث وتنازع ~~العلماء في الطهارة من الحيض هل هي واجبة فيه أو شرط فيه على قولين فيه ولم ~~يتنازعوا في الطهارة للصلاة انها شرط فيها وأيضا فقد قال النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم لا صلاة الا بأم القرآن ( والقراءة فيه ليست واجبة باتفاق ~~العلماء بل في كراهتها قولان للعلماء # وأيضا فإنه قد قال ( ان الله يحدث من أمره ما شاء ومما احدث ان لا تكلموا ~~في الصلاة ( فنهى عن الكلام في الصلاة مطلقا والطواف يجوز فيه من الكلام ما ~~لا يجوز في غيره وبهذا يظهر الفرق بينه وبين صلاة الجنازة فان لها تحريما ~~وتحليلا ونهى فيها عن الكلام وتصلى بامام وصفوف وهذا كله متفق عليه ~~والقراءة فيها سنة عن النبى وهذا أصح قولى العلماء وأما ( سجود التلاوة ( ~~فقد تنازع العلماء هل هو من الصلاة التى تشترط لها الطهارة مع انه سجود وهو ~~أعظم أركان الصلاة الفعلية ولا يتكلم في حال سجوده بل يكبر اذا سجد واذا ~~رفع ويسلم أيضا في أحد قولي العلماء هذا عند من يسلم ان السجود المجرد ~~كسجود التلاوة تجب له الطهارة ومن منع ذلك قال انه يجوز بدون الوضوء وقال ~~ان السجود المجرد لا يدخل في مسمى الصلاة وانما مسمى الصلاة ما له تحريم ~~وتحليل وهذا السجود لم يرو عن PageV26P194 النبى انه امر له بالطهارة بل ~~ثبت في الصحيح ان النبى لما قرأ ( سورة النجم ( سجد معه المسلمون ms7585 والمشركون ~~والجن والانس وسجد سحرة فرعون على غير طهارة وثبت عن بن عمر انه سجد ~~للتلاوة على غير وضوء ولم يرو عن أحد من الصحابة انه أوجب فيه الطهارة ~~وكذلك لم يرو أحد عن النبى انه سلم فيه وأكثر السلف على انه لا يسلم فيه ~~وهو احدى الروايتين عن أحمد وذكر أنه لم يسمع في التسليم أثرا ومن قال فيه ~~تسليم فقد أثبته بالقياس الفاسد حيث جعله صلاة وهو موضع المنع # ( وصلاة الجنازة ( قد ذهب بعضهم إلى أنه لا يشترط لها الطهارة لكن هذا ~~قول ضعيف فان لها تحريما وتحليلا فهي صلاة وليس الطواف مثل شيء من ذلك ولا ~~الحائض محتاجة إلى ذلك فانها اذا لم تصل فرض العين ففرض الكفاية والنفل ~~أولى ودعاؤها للميت واستغفارها له يحصل المقصود بحسب الامكان كما أن شهودها ~~العيد وذكر الله تعالى مع المسلمين يحصل المقصود بحسب الامكان والطواف وان ~~كان له مزية على سائر المناسك بنفسه ولكونه في المسجد وبان الطواف شرع ~~منفردا بنفسه وشرع في العمرة PageV26P195 وشرع في الحج وأما الاحرام والسعى ~~بين الصفا والمروة والحلق فلا يشرع الا في حج أو عمرة وأما سائر المناسك من ~~الوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار فلا يشرع الا في الحج فهذا يدل على ان ~~الله عز وجل يسره للناس وجعل لهم التقرب به مع الاحلال والاحرام في النسكين ~~وفى غيرهما فلم يوجب فيه ما أوجبه في الصلاة ولا حرم فيه ما حرمه في الصلاة ~~فعلم ان أمر الصلاة أعظم فلا يجعل مثل الصلاة # ومن قال من العلماء إن طواف أهل الآفاق افضل من الصلاة بالمسجد فانما ذلك ~~لان الصلاة تمكنهم في سائر الامصار بخلاف الطواف فانه لا يمكن الا بمكة ~~والعمل المفضول في مكانه وزمانه يقدم على الفاضل لا لأن جنسه أفضل كما يقدم ~~الدعاء في آخر الصلاة على الذكر والقراءة ويقدم الذكر في الركوع والسجود ~~على القراءة لان النبى قال ( نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا ( وكما تقدم ~~القراءة والذكر والدعاء في أوقات النهي ms7586 وكما تقدم اجابة المؤذن على الصلاة ~~والقراءة لان هذا يفوت وذلك لا يفوت وكما اذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها قدم ~~ما يخاف فواته فالطواف قدم لانه يفوت الآفاقى اذا خرج فقدم ذلك لا لأن جنسه ~~أفضل من جنس الصلاة بل ولا مثلها فإن هذا لا PageV26P196 يقوله أحد والحج ~~كله لا يقاس بالصلاة التى هي عمود الدين فكيف يقاس بها بعض افعاله وانما ~~فرض الله الحج على كل مسلم مرة في العمر ولم يوجب شيئا من اعماله مرتين بل ~~انما فرض طوافا واحدا ووقوفا واحدا # وكذلك السعي عن أحمد في أنص الروايتين عنه لا يوجب على المتمتع الا سعيا ~~واحدا اما قبل التعريف واما بعده بعد الطواف ولهذا قال اكثر العلماء ان ~~العمرة لا تجب كما هو مذهب مالك وأبى حنيفة وهو أحد القولين في مذهب ~~الشافعى وأحمد وهو الأظهر في الدليل فان الله لم يوجب الا حج البيت لم يوجب ~~العمرة ولكن أوجب اتمام الحج والعمرة على من يشرع فيها لأن العمرة هي الحج ~~الأصغر فيجب اتمامها كما يجب اتمام الحج التطوع والله لم يوجب الا مسمى ~~الحج لم يوجب حجين اكبر واصغر والمسمى يحصل بالحج الأكبر وهو المفهوم من ~~اسم الحج عند الاطلاق فلا يجب غير ذلك وليس في أعمال العمرة قدر زائد على ~~اعمال الحج فلو وجبت لم يجب الا عمل واحد مرتين وهذا خلاف ما اوجبه الله في ~~الحج # والمقصود هنا أن الحج اذا لم يجب الا مرة واحدة فكيف يقاس بما يجب في ~~اليوم والليلة خمس مرات PageV26P197 وهذا مما يفرق بين طواف الحائض وصلاة ~~الحائض فانها تحتاج إلى الطواف الذي هو فرض عليها مرة في العمر وقد تكلفت ~~السفر الطويل وحملت الابل أثقالها إلى بلد لم يكن الناس بالغيه الا بشق ~~الأنفس فأين حاجة هذه إلى الطواف من حاجتها إلى الصلاة التي تستغني عنها ~~زمن الحيض بما تفعله زمن الطهر وقد تقدم ان الحائض لم تمنع من القراءة ~~لحاجتها اليها وحاجتها إلى هذا الطواف اعظم # واذا ms7587 قال القائل القرآن تقرؤه مع الحدث الأصغر والطواف تجب له الطهارة ~~قيل له هذا فيه نزاع معروف عن السلف والخلف فلا بد لك من حجة على وجوب ~~الطهارة الصغرى في الطواف والإحتجاج بقوله ( الطواف بالبيت صلاة ( حجة ~~ضعيفة فان غايته ان يشبه بالصلاة في بعض الأحكام وليس المشبه كالمشبه به من ~~كل وجه وانما أراد أنه كالصلاة في اجتناب المحظورات التى تحرم خارج الصلاة ~~فأما ما يبطل الصلاة وهوالكلام والأكل والشرب والعمل الكثير فليس شيء من ~~هذا مبطلا للطواف وانكره فيه اذا لم يكن به حاجة إليه فإنه يشغل عن مقصوده ~~كما يكره مثل ذلك عند القراءة والدعاء والذكر وهذا كقول النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة وقوله إذا خرج أحدكم إلى ~~المسجد فلا يشبك بين اصابعه فإنه في صلاة PageV26P198 # ولهذا قال ( الا ان الله اباح لكم فيه الكلام ( ومعلوم انه يباح فيه ~~الأكل والشرب وهذه محظورات الصلاة التى تبطلها الأكل والشرب والعمل الكثير ~~ولا يبطل شيء من ذلك الطواف بل غايته انه يكره فيه لغير حاجة كما يكره ~~العبث في الصلاة ولو قطع الطواف لصلاة مكتوبة اوجنازة أقيمت بنى على طوافه ~~والصلاة لا تقطع لمثل ذلك فليست محظورات الصلاة محظورة فيه ولا واجبات ~~الصلاة واجبات فيه كالتحليل والتحريم فكيف يقال انه مثل الصلاة فيما يجب ~~لها ويحرم فيها فمن اوجب له الطهارة الصغرى فلا بد له من دليل شرعى وما ~~اعلم ما يوجب ذلك # ثم تدبرت وتبين لي ان طهارة الحدث لا تشترط في الطواف ولا تجب فيه بلا ~~ريب ولكن تستحب فيه الطهارة الصغرى فإن الأدلة الشرعية انما تدل على عدم ~~وجوبها فيه وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة الصغرى فيه وحينئذ فلا ~~نسلم ان جنس الطواف افضل من جنس قراءة القرآن بل جنس القراءة افضل منه ~~فانها افضل ما في الصلاة من الاقوال والسجود افضل ما فيها من الأفعال ~~والطواف ليس فيه ذكر مفروض # وإذا قيل الطواف قد فرض ms7588 بعضه قيل له قد فرضت القراءة في كل صلاة فلا تصح ~~صلاة الا بقراءة فكيف يقاس الطواف PageV26P199 بالصلاة واذا كانت القراءة ~~افضل وهى تجوز للحائض مع حاجتها اليها في اظهر قولي العلماء فالطواف أولى ~~ان يجوز مع الحاجة # واذا قيل أنتم تسلمون ان الطواف في الأصل محظور على الحائض وانما يباح ~~للضرورة قيل من علل بالمسجد فلا يسلم أن نفس فعله محظور لنفسه ومن سلم ذلك ~~يقول وكذلك من القرآن ما هو محظور على الحائض وهو القراءة في الصلاة وكذلك ~~في غير الصلاة لغير حاجة يحرمها اكثر العلماء وانما ابيحت للحاجة فاذا ~~ابيحت للحاجة فالطواف أولى # ثم مس المصحف يشترط له الطهارة الكبرى والصغرى عند جماهير العلماء وكما ~~دل عليه الكتاب والسنة وهو ثابت عن سلمان وسعد وغيرهم من الصحابة وحرمة ~~المصحف أعظم من حرمة المساجد ومع هذا اذا اضطر الجنب والمحدث والحائض إلى ~~مسه مسه فإذا اضطر إلى الطواف الذي لم يقم دليل شرعي على وجوب الطهارة فيه ~~مطلقا كان اولى بالجواز # فإذا قيل الطواف منه ما هو واجب قيل ومس المصحف قد يجب في بعض الاحوال ~~اذا احتيج إليه لصيانته الواجبة والقراءة الواجبة أو الحمل الواجب اذا لم ~~يمكن اداء الواجب الا بمسه # وقوله ( الحائض تقضي المناسك كلها PageV26P200 الا الطواف بالبيت ( من ~~جنس قوله ( لا يقبل الله صلاة احدكم اذا احدث حتى يتوضأ ( وقوله ( لايقبل ~~الله صلاة حائض الا بخمار ( وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا احل المسجد لجنب ~~ولا حائض ( بل اشتراط الوضوء في الصلاة وخمار المرأة في الصلاة ومنع الصلاة ~~بدون ذلك اعظم من منع الطواف مع الحيض واذا كان قد حرم المسجد على الجنب ~~والحائض ورخص للحائض ان تناوله الخمرة من المسجد وقال لها ( ان حيضتك ليست ~~في يدك ( تبين ان الحيضة في الفرج والفرج لا ينال المسجد وهذه العلة تقتضى ~~اباحته للحائض مطلقا لكن اذا كان قد قال ( لا أحل المسجد لجنب ولا حائض ( ~~فلا بد من الجمع بين ذلك والايمان بكل ما جاء ms7589 من عند الله واذا لم يكن ~~احدهما ناسخا للآخر فهذا عام مجمل وهذا خاص فيه اباحة المرور وهو مستثنى من ~~ذلك التحريم مع أنه لا ضرورة إليه فإباحة الطواف للضرورة لا تنافى تحريمه ~~بذلك النص كإباحة الصلاة للمرأة بلا خمار للضرورة واباحة الصلاة بلا وضوء ~~للضرورة بالتيمم بل وبلا وضوء ولا تيمم للضرورة كما فعل الصحابة لما فقدوا ~~الماء قبل نزول الآية وكاباحة الصلاة بلا قراءة للضرورة مع قوله ( لا صلاة ~~الا بأم القرآن ( وكاباحة الصلاة والطواف مع النجاسة للضرورة مع قوله ( ~~حتيه ثم اقرصيه ثم صلى فيه ( واباحة الصلاة على المكان النجس للضرورة مع ~~قوله ( جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا PageV26P201 بل تحريم الدم ولحم ~~الخنزير أعظم الأمور وقد أبيح للضرورة والذى جاءت به السنة ان الطواف عبادة ~~متوسطة بين الصلاة وبين سائر المناسك فهو افضل من غيره لنهى الحائض عنه ~~فالصلاة اكمل منه وذلك لأنه يشبه الصلاة اكثر من غيره ولأنه مختص بالمسجد ~~فلهاتين الحرمتين منعت منه الحائض ولم تأت سنة تمنع المحدث منه وما لم يحرم ~~على المحدث فلا يحرم على الحائض مع الضرورة بطريق الأولى والأحرى كقراءة ~~القرآن وكالاعتكاف في المسجد ولو حرم عليها مع الحدث فلا يلزم تحريم ذلك مع ~~الضرورة كمس المصحف وغيره ومن جعل حكم الطواف مثل حكم الصلاة فيما يجب ~~ويحرم فقد خالف النص والاجماع # وليس لأحد ان يحتج بقول أحد في مسائل النزاع وانما الحجة النص والاجماع ~~ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء ~~فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة ~~الشرعية ومن تربى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة ~~الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول ~~بحيث يجب الايمان به وبين ما قاله بعض العلماء ويتعسر أو يتعذر اقامة الحجة ~~عليه ومن كان لا يفرق بين هذا وهذا لم يحسن ان يتكلم في العلم بكلام ~~العلماء PageV26P202 وانما هو ms7590 من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم مثل المحدث ~~عن غيره والشاهد على غيره لا يكون حاكما والناقل المجرد يكون حاكيا لا ~~مفتيا ولا يحتمل حال هذه المرأة الا تلك الأمور الثلاثة اوهذا القول أو ان ~~يقال طواف الافاضة قبل الوقوف يجزئ اذا تعذر الطواف بعده كما يذكر ذلك قولا ~~في مذهب مالك فيمن نسي طواف الافاضة حتى عاد إلى بلده انه يجزئه طواف ~~القدوم هذا مع انه ليس لها فيه فرج فانها قد يمتد بها الحيض من حين تدخل ~~مكة إلى ان يخرج الحاج # وفيه ايضا تقديم الطواف قبل وقته الثابت بالكتاب والسنة والاجماع ~~والمناسك قبل وقتها لا تجزئ واذا دار الامر بين ان تطوف طواف الافاضة مع ~~الحدث وبين ان لا تطوفه كان ان تطوفه مع الحدث اولى فان في اشتراط الطهارة ~~نزاعا معروفا وكثير من العلماء كأبى حنيفة واحمد في احدى الروايتين عنه ~~يقولون انها في حال القدرة على الطهارة اذا طافت مع الحيض أجزأها وعليها دم ~~مع قولهم إنها تأثم بذلك ولوطافت قبل التعريف لم يجزئها وهذا القول مشهور ~~معروف فتبين لك ان الطواف مع الحيض اولى من الطواف قبل الوقت واصحاب هذا ~~القول يقولون ان الطهارة واجبة فيها لا شرط فيها والواجبات كلها تسقط ~~بالعجز ولهذا كان قول أبي حنيفة وغيره PageV26P203 من العلماء ان كل مايجب ~~في حال دون حال فليس بفرض وانما الفرض ما يجب على كل أحد في كل حال # ولهذا قالوا ان طواف الوداع لما اسقطه النبى عن الحائض دل على انه ليس ~~بركن بل يجبره دم وكذلك المبيت بمنى لما اسقطه عن اهل السقاية دل على انه ~~ليس بفرض بل هو واجب يجبره دم وكذلك الرمي لما جوز فيه للرعاة واهل السقاية ~~التأخير من وقت إلى وقت دل ذلك على ان فعله في ذلك الوقت ليس بفرض وكذلك ~~لما رخص للضعفة أن يفيضوا من جمع بليل دل على أن الوقوف بمزدلفة بعد الفجر ~~ليس بفرض بل هو واجب يجبره الدم فهذا حجة لهؤلاء ms7591 العلماء من أصحاب أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وقد ذكرها أصحاب أبي حنيفة كالطحاوي وغيره # فإذا كان قولهم إن الطهارة ليست فرضا في الطواف وشرطا فيه بل هي واجبة ~~تجبر بدم دل ذلك على أنها لا تجب على كل أحد في كل حال فإنما أوجب على كل ~~أحد في كل حال إنما هو فرض عندهم لا بد من فعله لا يجبر بدم # وحينئذ فإذا كانت الطهارة واجبة في حال دون حال سقطت مع العجز كما سقط ~~سائر الواجبات مع العجز كطواف الوداع وكما يباح PageV26P204 للمحرم ما ~~يحتاج إليه الناس من حاجة عامة كالسراويل والخفين فلا فدية عند أكثر ~~العلماء كالشافعي وأحمد وسائر فقهاء الحديث بخلاف ما يحتاج إليه في بعض ~~الأحوال فإنه لا يباح إلا مع الفدية وأبو حنيفة يوجب الفدية في الجميع ~~وحينئذ فهذه المحتاجة إلى الطواف أكثر ما يقال إنه يلزمها دم كما هو قول ~~أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد فإن الدم يلزمها بدون العذر على قول ~~من يجعل الطهارة واجبة وأما مع العجز فإذا قيل بوجوب ذلك فهذا غاية ما يقال ~~فيها والأقيس أنه لا دم عليها عند الضرورة وأما أن يجعل هذا واجبا يجبره دم ~~ويقال أنه لا يسقط للضرورة فهذا خلاف أصول الشريعة # وقد تبين بهذا أن المضطرة إلى الطواف مع الحيض لما كان في علماء المسلمين ~~من يفتيها بالأجزاء مع الدم وأن لم تكن مضطرة لم تكن الأمة مجمعة على أنه ~~لا يجزئها إلا الطواف مع الطهر مطلقا وحينئذ فليس مع المنازع القائل بذلك ~~لا نص ولا اجماع ولا قياس وقد بينا أن هذا القول مستلزم لجواز ذلك عند ~~الحاجة وأن العلماء اختلفوا في طهارة الحدث هل هي واجبة عليها وأن قول ~~النفاة للوجوب أظهر فلم تجمع الأمة على وجوب الطهارة مطلقا ولا على أن شيئا ~~من الطهارة شرط في الطواف # وأما الذى لا أعلم فيه نزاعا أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا ~~PageV26P205 كانت قادرة على الطواف مع الطهر فما ms7592 أعلم منازعا أن ذلك يحرم ~~عليها وتأثم به وتنازعوا في إجزائه فمذهب أبي حنيفة يجزئها ذلك وهو قول في ~~مذهب أحمد فإن أحمد نص في رواية على أن الجنب إذا طاف ناسيا اجزأه ذلك فمن ~~أصحابه من قصر ذلك على حال النسيان ومنهم من قال هذا يدل على أن الطهارة ~~ليست فرضا إذ لو كانت فرضا لما سقطت بالنسيان لأنها من باب المأمور به لا ~~من باب المنهي عنه كطهارة الحدث في الصلاة بخلاف اجتناب النجاسة في الصلاة ~~فإن ظاهر مذهب أحمد أنه إذا صلى ناسيا لها أو جاهلا بها لا يعيد لأن ذلك من ~~باب المنهي عنه فإذا فعله ناسيا أو جاهلا به لم يكن عليه اثم فيكون وجوده ~~كعدمه # ثم أن من أصحابه من قال هذا يدل على أن الطهارة في الطواف ليست عنده ركنا ~~على هذه الرواية بل واجبة تجبر بدم وحكى هؤلاء في صحة طواف الحائض روايتين # إحداهما لا يصح والثانية يصح وتجبره بدم وممن ذكر هذا أبو البركات وغيره ~~وكذلك صرح غير واحد منهم بأن هذا النزاع في الطهارة من الحيض والجنابة ~~كمذهب أبي حنيفة فعلى هذا القول تسقط بالعجز كسائر الواجبات PageV26P206 # وذكر آخرون من أصحابه عنه ثلاث روايات رواية يجزئه الطواف مع الجنابة ~~ناسيا ولا دم عليه ورواية أن عليه دما ورواية أنه لا يجزئه ذلك وبعض الناس ~~يظن أن النزاع في مذهب أحمد إنما هو في الجنب والمحدث دون الحائض وليس ~~الأمر كذلك بل صرح غير واحد من أصحابه بأن النزاع في الحائض وغيرها وكلام ~~أحمد يدل على ذلك وتبين أنه كان متوقفا في طواف الحائض وفي طواف الجنب وكان ~~يذكر أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم في ذلك فذكر أبو بكر عبد العزيز في ~~الشافي عن الميموني قال قلت لأحمد من سعى وطاف طواف الواجب على غير طهارة ~~ثم واقع أهله فقال هذه مسألة الناس فيها مختلفون وذكر قول بن عمر وما يقول ~~عطاء وما يسهل فيه وما يقول الحسن وأمر عائشة فقال النبي ms7593 صلى الله عليه ~~وسلم حين حاضت افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفى بالبيت إن هذا أمر قد ~~كتبه الله على بنات آدم فقد بليت به نزل بها ليس من قبلها قال الميموني قلت ~~فمن الناس من يقول عليه الحج فقال نعم كذلك أكثر علمي ومن الناس من يذهب ~~إلى أن عليه دما قال أبو عبد الله أولا وآخرا هي مسألة مشتبهة فيها نظر ~~دعنى حتى أنظر فيها ومن الناس من يقول وأن رجع إلى بلده يرجع حتى يطوف قلت ~~والنسيان قال والنسيان أهون حكما بكثير يريد أهون ممن يطوف على غير طهارة ~~متعمدا PageV26P207 قال أبو بكر عبد العزيز قد بينا أمر الطواف بالبيت في ~~أحكام الطواف على قولين يعنى لأحمد أحد القولين إذا طاف الرجل وهو غير طاهر ~~أن الطواف يجزئ عنه إذا كان ناسيا والقول الآخر أنه لا يجزئه حتى يكون ~~طاهرا فإن وطىء وقد طاف غير طاهر ناسيا فعلى قولين مثل قوله في الطواف فمن ~~أجاز الطواف غير طاهر قال تم حجه ومن لم يجزه إلا طاهرا رده من أي المواضع ~~ذكر حتى يطوف قال وبهذا أقول # فأبو بكر وغيره من أصحاب أحمد يقولون في إحدى الروايتين يجزئه مع العذر ~~ولا دم عليه وكلام أحمد بين في هذا وجواب أحمد المذكور يبين أن النزاع عنده ~~في طواف الحائض وغيره # وقد ذكر عن بن عمر وعطاء وغيرهما التسهيل في هذا ومما نقل عن عطاء في ذلك ~~أن المرأة إذا حاضت في أثناء الطواف فإنها تتم طوافها وهذا صريح عن عطاء أن ~~الطهارة من الحيض ليست شرطا وقوله مما اعتد به أحمد وذكر حديث عائشة وأن ~~قول النبي أن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم يبين أنه أمر بليت به نزل ~~عليها ليس من قبلها فهي معذورة في ذلك # ولهذا تعذر إذا حاضت وهي معتكفة فلا يبطل اعتكافها بل PageV26P208 تقيم ~~في رحبة المسجد وأن اضطرت إلى المقام في المسجد أقامت به وكذلك إذا حاضت في ~~صوم الشهرين ms7594 لم ينقطع التتابع باتفاق العلماء وهذا يقتضي أنها تشهد المناسك ~~بلا كراهة وتشهد العيد مع المسلمين بلا كراهة وتدعو وتذكر الله والجنب يكره ~~له ذلك لأنه قادر على الطهارة وهذه عاجزة عنها فهي معذورة كما عذرها من جوز ~~لها القراءة بخلاف الجنب الذي يمكنه الطهارة فالحائض أحق بأن تعذر من الجنب ~~الذي طاف مع الجنابة فإن ذلك يمكنه الطهارة وهذه تعجز عن الطهارة وعذرها ~~بالعجز والضرورة أولى من عذر الجنب بالنسيان فإن الناسي لما أمر بها في ~~الصلاة يؤمر بها إذا ذكرها وكذلك من نسى الطهارة للصلاة فعليه أن يتطهر ~~ويصلي إذا ذكر بخلاف العاجز عن الشرط مثل من يعجز عن الطهارة بالماء فإنها ~~تسقط عنه وكذلك العاجز عن سائر أركان الصلاة كالعاجز عن القراءة والقيام ~~وعن تكميل الركوع والسجود وعن استقبال القبلة فإن هذا يسقط عنه كل ما عجز ~~عنه ولم يوجب الله على أحد ما يعجز عنه من واجبات العبادات # فهذه إذا لم يمكنها الطواف على الطهارة سقط عنها ما تعجز عنه ولا يسقط ~~عنها الطواف الذي تقدر عليه بعجزها عما هو ركن فيه أو واجب كما في الصلاة ~~وغيرها وقد قال الله تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ PageV26P209 ~~وقال النبي إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وهذه لا تستطيع إلا هذا ~~وقد اتقت الله ما استطاعت فليس عليها غير ذلك # ومعلوم أن الذي طاف على غير طهارة متعمدا آثم وقد ذكر أحمد القولين هل ~~عليه دم أم يرجع فيطوف وذكر النزاع في ذلك وكلامه يبين في أن توقفه في ~~الطائف على غير طهارة يتناول الحائض والجنب مع التعمد ويبين أن أمر الناسي ~~أهون بكثير والعاجز عن الطهارة أعذر من الناسي # وقال أبو بكر عبد العزيز في الشافى باب في الطواف بالبيت غير طاهر قال ~~أبو عبد الله في رواية أبي طالب ولا يطوف بالبيت أحد إلا طاهرا والتطوع ~~أيسر ولا يقف مشاهد الحج إلا طاهرا وقال في رواية محمد بن الحكم إذا طاف ~~طواف الزيارة وهو ناس ms7595 لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه وأختار له أن يطوف ~~وهو طاهر وأن وطىء فحجه ماض ولا شيء عليه # فهذا النص من أحمد صريح بأن الطهارة ليست شرطا وأنه لا شيء عليه إذا طاف ~~ناسيا لطهارته لا دم ولا غيره وأنه إذا وطىء بعد ذلك فحجه ماض ولا شيء عليه ~~كما أنه لما فرق بين التطوع PageV26P210 وغيره في الطهارة فأمر بالطهارة ~~فيه وفي سائر المناسك دل ذلك على أن الطهارة ليست شرطا عنده فقطع هنا بأنه ~~لا شيء عليه مع النسيان وقال في رواية أبي طالب أيضا إذا طاف بالبيت وهو ~~غير طاهر يتوضأ ويعيد الطواف وإذا طاف وهو جنب فإنه يغتسل ويعيد الطواف ~~وقال في رواية أبي داود حدثنا سفيان عن بن جريج عن عطاء إذا طاف على غير ~~وضوء فليعد طوافه وقال أبو بكر عبد العزيز باب في الطواف في الثوب النجس ~~قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب وإذا طاف رجل في ثوب نجس فإن الحسن كان ~~يكره أن يفعل ذلك ولا ينبغي له أن يطوف إلا في ثوب طاهر # وهذا الكلام من أحمد يبين أنه ليس الطواف عنده كالصلاة في شروطها فإن ~~غاية ما ذكر في الطواف في الثوب النجس أن الحسن كره ذلك وقال لا ينبغي له ~~أن يطوف إلا في ثوب طاهر ومثل هذه العبارة تقال في المستحب المؤكد وهذا ~~بخلاف الطهارة في الصلاة ومذهب أبي حنيفة وغيره أنه إذا طاف وعليه نجاسة صح ~~طوافة ولا شيء عليه # وبالجملة هل يشترط للطواف شروط الصلاة على قولين في مذهب أحمد وغيره # أحدهما يشترط كقول مالك والشافعي وغيرهما PageV26P211 والثاني لا يشترط ~~وهذا قول أكثر السلف وهو مذهب أبي حنيفة وغيره وهذا القول هو الصواب فإن ~~المشترطين في الطواف كشروط الصلاة ليس معهم حجة إلا قوله الطواف بالبيت ~~صلاة وهذا لو ثبت عن النبي لم يكن لهم فيه حجة كما تقدم والأدلة الشرعية ~~تدل على خلاف ذلك فإن النبي لم يوجب على الطائفين طهارة ولا ms7596 اجتناب نجاسة ~~بل قال مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم والطواف ليس ~~كذلك والطواف لا يجب فيه ما يجب في الصلاة ولا يحرم فيه ما يحرم في الصلاة ~~فبطل أن يكون مثلها # وقد ذكروا من القياس أنها عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة وغيرها شرطا ~~فيها كالصلاة وهذا القياس فاسد فإنه يقال لا نسلم أن العلة في الأصل كونها ~~متعلقة بالبيت ولم يذكروا دليلا على ذلك والقياس الصحيح ما بين فيه أن ~~المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم أو دليل العلة # وأيضا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة سواء تعلقت بالبيت أو لم تتعلق ألا ~~ترى أنهم لما كانوا يصلون إلى الصخرة كانت الطهارة أيضا شرطا فيها ولم تكن ~~متعلقة بالبيت وكذلك أيضا إذا صلى PageV26P212 إلى غير القبلة كما يصلي ~~المتطوع في السفر وكصلاة الخوف راكبا فإن الطهارة شرط وليست متعلقة بالبيت # وأيضا فالنظر إلى البيت عبادة متعلقة بالبيت ولا يشترط له الطهارة ولا ~~غيرها ثم هناك عبادة من شرطها المسجد ولم تكن الطهارة شرطا فيها كالإعتكاف ~~وقد قال تعالى @QB@ وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود @QE@ فليس ~~إلحاق الطائف بالراكع الساجد بأولى من إلحاقه بالعاكف بل بالعاكف أشبه لأن ~~المسجد شرط في الطواف والعكوف وليس شرطا في الصلاة فإن قيل الطائف لا بد أن ~~يصلى الركعتين بعد الطواف والصلاة لا تكون الا بطهارة قيل وجوب ركعتي ~~الطواف فيه نزاع واذا قدر وجوبهما لم تجب فيهما الموالاة وليس اتصالهما ~~بالطواف بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة ومعلوم انه لو خطب محدثا ~~ثم توضأ وصلى الجمعة جاز فلأن يجوز ان يطوف محدثا ثم يتوضأ ويصلى الركعتين ~~بطريق الأولى وهذا كثير ما يبتلى به الانسان اذا نسى الطهارة في الخطبة ~~والطواف فانه يجوز له ان يتطهر ويصلي وقد نص على انه اذا خطب وهو جنب جاز # وإذا تبين ان الطهارة ليست شرطا يبقى الأمر دائرا بين ان PageV26P213 ~~تكون واجبة وبين ان تكون سنة وهما قولان للسلف وهما قولان في مذهب أحمد ~~وغيره ms7597 وفى مذهب ابى حنيفة لكن من يقول هي سنة من اصحاب أبي حنيفة يقول مع ~~ذلك عليها دم واما أحمد فإنه يقول لا شيء عليها لادم ولا غيره كما صرح به ~~فيمن طاف جنبا وهو ناس فاذا طافت حائضا مع التعمد توجه القول بوجوب الدم ~~عليها وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال ان عليها دما والأشبه انه لا يجب ~~الدم لأن هذا واجب تؤمر به مع القدرة لا مع العجز فان لزوم الدم انما يجب ~~بترك مأمور وهي لم تترك مأمورا في هذه الحالة ولم تفعل محظورا من محظورات ~~الاحرام وهذا ليس من محظورات الاحرام فان الطواف يفعله الحلال والحرام فصار ~~الحظر هنا من جنس حظر اللبث في المسجد واعتكاف الحائض في المسجد أو مس ~~المصحف أو قراءة القرآن وهذا يجوز للحاجة بلا دم وطواف الافاضة انما يجوز ~~بعد التحلل الأول وهي حينئذ يباح لها المحظورات الا الجماع # فإن قيل لو كان طوافها مع الحيض ممكنا أمرت بطواف القدوم وطواف الوداع ~~والنبى صلى الله عليه وسلم أسقط طواف الوداع عن الحائض وأمر عائشة لما قدمت ~~وهي متمتعة فحاضت ان تدع أفعال PageV26P214 العمرة وتحرم بالحج فعلم انه لا ~~يمكنها الطواف # قيل الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما والمحظورات لا ~~تباح الا حال الضرورة ولا ضرورة بها إلى طواف الوداع فإن ذلك ليس من الحج ~~ولهذا لايودع المقيم بمكة وانما يودع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت ~~وكذلك طواف القدوم ليست مضطرة إليه بل لو قدم الحاج وقد ضاق الوقت عليه بدأ ~~بعرفة ولم يطف للقدوم فهو ان أمر بهما القادر عليهما اما أمر إيجاب فيهما ~~أو في أحدهما أو استحباب فان للعلماء في ذلك أقوالا وليس واحد منهما ركنا ~~يجب على كل حاج بالسنة الثابتة باتفاق العلماء بخلاف طواف الفرض فانها ~~مضطرة إليه لأنه لا حج الا به وهذا كما يباح لها دخول المسجد للضرورة ولا ~~تدخله لصلاة ولا اعتكاف وان كان منذورا بل المعتكفة اذا ms7598 حاضت خرجت من ~~المسجد ونصبت لها قبة في فنائه # وهذا ايضا يدل على ان منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف فيه لحرمة ~~المسجد والا فالحيض لا يبطل اعتكافها لأنها مضطرة إليه بل انما تمنع من ~~المسجد لا من الاعتكاف فإنها ليست مضطرة إلى ان تقيم في المسجد ولو ابيح ~~لها ذلك مع دوام الحيض لكان في ذلك إباحة المسجد للحيض وأما الطواف فلا ~~يمكن الا في المسجد PageV26P215 الحرام فانه مختص ببقعة معينة ليس ~~كالاعتكاف فان المعتكف يخرج من المسجد لما لا بد منه كقضاء الحاجة والأكل ~~والشرب وهو معتكف في حال خروجه من المسجد ليس له في تلك الحال ان يباشر ~~النساء وهو كما قال الله تعالى ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ( ~~وقوله ( في المساجد ( يتعلق بقوله ( عاكفون ( لا بقوله ( تباشروهن ( فان ~~المباشرة في المسجد لا تجوز للمعتكف ولا لغيره بل المعتكف في المسجد ليس له ~~ان يباشر اذا خرج منه لما لابد منه # فلما كان هذا يشبه الاعتكاف والحائض تخرج لما لا بد لها منه فلم يقطع ~~الحيض اعتكافها وقد جمع سبحانه بين العكوف والطواف والصلاة في الأمر بتطهير ~~بيته بقوله ( وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ( فمنعه من الحيض ~~من تمام طهارته والطواف كالعكوف لا كالصلاة فإن الصلاة تباح في جميع الأرض ~~لا تختص بمسجد ويجب لها ويحرم فيها ما لا يحرم في اعتكاف ولا طواف # وحقيقة الأمر ان الطواف عبادة من العبادات التى يفعلها الحلال والحرام لا ~~تختص بالاحرام ولهذا كان طواف الفرض انما يجب بعد التحلل الأول فيطوف الحاج ~~الطواف المذكور في قوله تعالى PageV26P216 ( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا ~~نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ( فيطوف الحجاج وهم حلال قد قضوا حجهم ولم ~~يبق عليهم محرم الا النساء ولهذا لو جامع أحدهم في هذه الحال لم يفسد نسكه ~~باتفاق الأئمة واذا كانت عبادة من العبادات فهي عبادة مختصة بالمسجد الحرام ~~كما أن الاعتكاف يختص بجميع المساجد والله تعالى قد أمر بتطهير بيته ~~للطائفين والعاكفين والركع السجود وليس ms7599 هو نوعا من الصلاة فإذا ترك من ~~واجبه شيئا فقد يقال ترك شيئا ومن ترك شيئا من نسكه فعليه دم وإذا ترك ~~الواجب الذي هو صفة في الطواف للعجز فهذا محل اجتهاد هل يلحق بمن ترك شيئا ~~من نسكه أو يقال هذا فيمن ترك نسكا مستقلا أو تركه مع القدرة بلا عذر أو ~~ترك ما يختص بالحج والعمرة # واما القول بأن هذه العاجزة عن الطواف مع الحيض ترجع محرمة أو تكون ~~كالمحصر أو يسقط عنها الحج أو يسقط عنها طواف الفرض فهذه أقوال كلها مخالفة ~~لأصول الشرع مع أنى لم أعلم اماما من الأئمة صرح بشيء منها في هذه الصورة ~~وانما كلام من قال عليها دم أو ترجع محرمة ونحو ذلك من السلف والأئمة كلام ~~مطلق يتناول من كان يفعل ذلك في عهدهم وكان زمنهم يمكنها ان تحتبس حتى تطهر ~~وتطوف وكانوا يأمرون الأمراء ان يحتبسوا حتى تطهر الحيض PageV26P217 ويطفن # ولهذا ألزم مالك وغيره المكاري الذى لها ان يحتبس معها حتى تطهر وتطوف ثم ~~ان أصحابه قالوا لا يجب على مكاريها في هذه الأزمان ان يحتبس معها لما عليه ~~في ذلك من الضرر # فعلم أن أجوبة الأئمة بكون الطهارة من الحيض شرطا أو واجبا كان مع القدرة ~~على ان تطوف طاهرا لا مع العجز عن ذلك اللهم الا ان يكون منهم من قال ~~بالاشتراط أو الوجوب في الحالين فيكون النزاع مع من قال ذلك والله تعالى ~~اعلم وصلى الله على محمد PageV26P218 ### || 1 ( مسائل في الحيض ) 1 ### |||| وسئل شيخ الاسلام # عن هذه الضرورة التى في الحيض المبتلى بها شطر النسوة في الحج وكثرة ~~اختلاف الأنواع فيه منهم من تكون حائضا في ابتداء الاحرام ومنهم من تحيض ~~ايام التشريق # المسألة الأولى امرأة تحيض أول الشهر ولم يمكن ان تطوف الا حائضا وعند ~~الوقوف بعرفة ترى شيئا من الصفرة والكدرة التى تراها بعد القصة البيضاء فما ~~الحكم في ذلك المسألة الثانية فيمن تحيض في خامس إلى تاسع ويبقى حيضها إلى ~~سابع عشر أو ms7600 اكثر فوقفت وهي حائض ورمت وهي حائض وطافت للافاضة وهي حائض ولم ~~يمكنها عمرة # المسألة الثالثة امرأة وقفت ورمت الجمار وتريد طواف الافاضة فحاضت قبل ~~الطواف فلم تطف وكتمت وكانت تريد العمرة فلم تعتمر ورجعت ولم تفعل لا طوافا ~~ولا عمرة ولا دما ### ||||| فأجاب رحمه الله # الحمد لله رب العالمين أما المسألة ~~الأولى فإن PageV26P219 المرأة الحائض تقضى جميع المناسك وهى حائض غير ~~الطواف بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه واتفاق الأئمة فانه ~~قال الحائض تقضى المناسك كلها الا الطواف بالبيت وأمر أسماء بنت ابى بكر ~~لما نفست بذى الحليفة ان تغتسل وتحرم وأمر عائشة لما حاضت بسرف ان تغتسل ~~وتحرم بالحج ولا تطوف قبل التعريف # فهذه التى قدمت مكة وهي حائض قبل التعريف لا تطوف بالبيت لكن تقف بعرفة ~~ولو كانت حائضا فكيف اذا كانت ترى شيئا من الصفرة والكدرة و ( الصفرة ~~والكدرة ( للفقهاء فيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره هل هي حيض مطلقا أو ~~ليست حيضا مطلقا والقول الثالث وهو الصحيح أنها ان كانت في العادة مع الدم ~~الاسود والأحمر فهي حيض والا فلا لأن النساء كن يرسلن إلى عائشة بالدرجة ~~فيها الكرسف فتقول لهن لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء وكذلك غيرها فكن ~~يجعلن ما قبل القصة البيضاء حيضا وقالت أم عطية كنا لا نعد الصفرة والكدرة ~~بعد الطهر شيئا # وليس في المناسك ما تجب له الطهارة الا الطواف فان الطواف بالبيت تجب له ~~الطهارة باتفاق العلماء واما الطواف بين الصفا والمروة PageV26P220 ففيه ~~نزاع والجمهور على انه لا تجب له الطهارة وما سوى ذلك لا تجب له الطهارة ~~باتفاق العلماء # ثم تنازع العلماء في الطهارة هل هي شرط في صحة الطواف كما هي شرط في صحة ~~الصلاة أم هي واجبة اذا تركها جبرها بدم كمن ترك الإحرام من الميقات أو ترك ~~رمي الجمار أو نحو ذلك على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد # اشهرهما عنه وهى مذهب مالك والشافعى ان الطهارة شرط فيها فإذا ms7601 طاف جنبا ~~أو محدثا أو حائضا ناسيا أو جاهلا ثم علم أعاد الطواف # والثانى انه واجب فإذا فعل ذلك جبره بدم لكن عند أبي حنيفة الجنب والحائض ~~عليه بدنه والمحدث عليه شاة # وأما أحمد فأوجب دما ولم يعين بدنه ونص في ذلك على الجنب إذا طاف ناسيا ~~فقال في هذه الرواية عليه دم فمن اصحابه من جعل الروايتين في المعذور خاصة ~~كالناسي ومنهم من جعل الروايتين مطلقا في الناسي والمتعمد ونحوهما # والذين جعلوا ذلك شرطا احتجوا بأن الطواف بالبيت كالصلاة PageV26P221 كما ~~في النسائى وغيره عن بن عباس عن النبى انه قال ( الطواف بالبيت صلاة الا ان ~~الله قد اباح لكم فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم الا بخير ( وهذا قد قيل ~~انه موقوف على بن عباس وقد صح عن النبى انه قال ( لا يطوف بالبيت عريان ( ~~وقد قال الله تعالى ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ( نزلت لما كانوا يطوفون ~~بالبيت عراة الا الحمس فإنهم كانوا يطوفون في ثيابهم وغيرهم لا يطوف في ~~ثيابه يقولون ثياب عصينا الله فيها فإن وجد ثوب أحمسى طاف فيه والا طاف ~~عريانا فان طاف في ثيابه ألقاها فسميت لقاء # وكان هذا مما ابتدعه المشركون في الطواف وابتدعوا أيضا تحريم أشياء من ~~المطاعم في الاحرام فأنزل الله ( خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ~~ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق ( وقوله ( وإذا فعلوا فاحشة كالطواف بالبيت عراة قالوا ~~وجدنا عليها أباءنا والله أمرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون ( # فما ثبت بالنص من ايجاب الطهارة والستارة في الطواف متفق عليه وأما ما ~~ثبت باللزوم من كون ذلك شرطا فيه كالصلاة ففيه نزاع PageV26P222 ومن قال ان ~~ذلك ليس بشرط قال ان الحج قد وجب فيه اشياء تجبر بدم ليست شرطا في صحة الحج ~~فاذا تركها الحاج عمدا أو سهوا جبرها بدم بخلاف الصلاة # وأما الصلاة فهل يجب فيها ما ms7602 لا تبطل بتركه مطلقا أم لا أم لا تبطل إذا ~~تركه نسيانا هذا فيه نزاع مشهور فأبو حنيفة يوجب فيها ما لا تبطل بتركه ~~مطلقا كقراءة الفاتحة والطمأنينة وكذلك أحمد في أحد القولين في مذهبه إذ ~~أوجب الجماعة ولم يجعلها شرطا في صحة الصلاة وأحمد في المشهور عنه يوجب ~~فيها ما اذا تركه سهوا جبره بسجدتي السهو وما لا يحتاج إلى جبر كاجتناب ~~النجاسات في المشهور عنه وكذلك مالك يوجب فيها من اجتناب النجاسة ونحوها ما ~~اذا تركه أعاد في الوقت ولم يعد بعده كما هو مشهور في مذاهبهم # واما ( المسألة الثانية ( فإن المرأة اذا حاضت وطهرت قبل يوم النحر سقط ~~عنها طواف القدوم وطافت طواف الافاضة يوم النحر وبعده وهي طاهر وكذلك لو ~~طافت طواف الافاضة وهي طاهر ثم حاضت فلم تطهر قبل الخروج فانه يسقط عنها ~~طواف الوداع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث رخص للمرأة اذا طافت ~~وهى طاهر ثم حاضت انه يسقط عنها طواف الوداع وحاضت امرأته صفية أم المؤمنين ~~يوم النحر فقال احابستنا هي فقالوا انها PageV26P223 قد أفاضت قال فلا إذا ~~( # وان حاضت قبل طواف الافاضة فعليها ان تحتبس حتى تطهر وتطوف اذا أمكن ذلك ~~وعلى من معها ان يحتبس لأجلها اذا امكنه ذلك ولما كانت الطرقات آمنة في زمن ~~السلف والناس يردون مكة ويصدرون عنها في ايام العام كانت المرأة يمكنها ان ~~تحتبس هي وذو محرمها ومكاريها حتى تطهر ثم تطوف فكان العلماء يأمرون بذلك ~~وربما أمروا الأمير ان يحتبس لأجل الحيض حتى يطهرن كما قال النبى ( ~~أحابستنا هي ( وقال أبو هريرة رضي الله عنه أمير وليس بأمير امرأة مع قوم ~~حاضت قبل الإفاضة فيحتبسون لأجلها حتى تطهر وتطوف أو كما قال # وأما هذه الأوقات فكثير من النساء أو اكثرهن لا يمكنها الاحتباس بعد ~~الوفد والوفد ينفر بعد التشريق بيوم أو يومين أو ثلاثة وتكون هي قد حاضت ~~ليلة النحر فلا تطهر إلى سبعة ايام أو اكثر وهي لا يمكنها ان تقيم ms7603 بمكة حتى ~~تطهر اما لعدم النفقة أو لعدم الرفقة التى تقيم معها وترجع معها ولا يمكنها ~~المقام بمكة لعدم هذا أو هذا أو لخوف الضرر على نفسها ومالها في المقام وفي ~~الرجوع بعد الوفد والرفقة التى معها تارة لا يمكنهم الاحتباس لأجلها اما ~~لعدم القدرة على المقام والرجوع وحدهم واما لخوف الضرر على انفسهم ~~PageV26P224 واموالهم وتارة يمكنهم ذلك لكن لا يفعلونه فتبقى هي معذورة ~~فهذه ( المسألة ( التى عمت بها البلوى فهذه اذا طافت وهي حائض وجبرت بدم أو ~~بدنة أجزأها ذلك عند من يقول الطهارة ليست شرطا كما تقدم في مذهب ابى حنيفة ~~واحمد في احدى الروايتين عنه واولى فإن هذه معذورة لكن هل يباح لها الطواف ~~مع العذر هذا محل النظر وكذلك قول من يجعلها شرطا هل يسقط هذا الشرط للعجز ~~عنه ويصح الطواف هذا هو الذي يحتاج الناس إلى معرفته # فيتوجه ان يقال انما تفعل ما تقدر عليه من الواجبات ويسقط عنها ما تعجز ~~عنه فتطوف وينبغى ان تغتسل وان كانت حائضا كما تغتسل للاحرام وأولى وتستثفر ~~كما تستثفر المستحاضة وأولى وذلك لوجوه # احدها أن هذه لا يمكن فيها الا أحد أمور خمسة إما ان يقال تقيم حتى تطهر ~~وتطوف وان لم يكن لها نفقة ولا مكان تأوى إليه بمكة وان لم يمكنها الرجوع ~~إلى بلدها وان حصل لها بالمقام بمكة من يستكرهها على الفاحشة فيأخذ مالها ~~ان كان معها مال # واما ان يقال بل ترجع غير طائفة بالبيت وتقيم على ما بقى من احرامها إلى ~~ان يمكنها الرجوع وان لم يمكنها بقيت محرمة PageV26P225 إلى ان تموت # واما ان يقال بل تتحلل كما يتحلل المحصر ويبقى تمام الحج فرضا عليها تعود ~~إليه كالمحصر عن البيت مطلقا لعذر فانه يتحلل من احرامه ولكن لم يسقط الفر ~~ض عنه بل هو باق في ذمته باتفاق العلماء ولو كان قد أحرم بتطوع من حج أو ~~عمرة فأحصر فهل عليه قضاؤه على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد اشهرهما ~~عنه انه لا ms7604 قضاء عليه وهو قول مالك والشافعي والثانى عليه القضاء وهو قول ~~ابى حنيفة وكل من الفريقين احتج بعمرة القضية هؤلاء قالوا قضاها النبى ~~واولئك قالوا لم يقضها المحصرون معه فانهم كانوا اكثر من الف واربعمائة ~~والذين اعتمروا معه عمرة القضية في العام القابل كانوا دون ذلك بكثير ~~وقالوا سميت عمرة القضية لانه قاضى عليها المشركين لا لكونه قضاها وانما ~~كانت عمرة قائمة بنفسها # واما ان يقال من تخاف ان تحيض فلا يمكنها الطواف طاهرا لا تؤمر بالحج لا ~~ايجابا ولا استحبابا ونصف النساء أو قريب من النصف يحضن اما في العاشر واما ~~قبله بأيام ويستمر حيضهن إلى ما بعد التشريق بيوم أو يومين أو ثلاثة فهؤلاء ~~في هذه الازمنة في كثير من الاعوام أو أكثرها لا يمكنهن طواف الافاضة مع ~~الطهر PageV26P226 فلا يحججن ثم اذا قدر ان الواحدة حجت فلا بد لها من أحد ~~الامور الثلاثة المتقدمة الا ان يسوغ لها الطواف مع الحيض # ومن المعلوم ان الوجه الاول لا يجوز ان تؤمر به فان في ذلك من الفساد في ~~دينها ودنياها ما يعلم بالاضطرار ان الله ينهى عنه فضلا عن أن يأمر به # والوجه الثانى كذلك لثلاثة اوجه # أحدها ان الله لم يأمر احدا ان يبقى محرما إلى ان يموت فالمحصر بعدو له ~~ان يتحلل باتفاق العلماء والمحصر بمرض أو فقر فيه نزاع مشهور فمن جوز له ~~التحلل فلا كلام فيه ومن منعه التحلل قال ان ضرر المرض والفقر لا يزول ~~بالتحلل بخلاف حبس العدو فانه يستفيد بالتحلل الرجوع إلى بلده واباحوا له ~~ان يفعل ما يحتاج إليه من المحظورات ثم اذا فاته الحج تحلل بعمرة الفوات ~~فاذا صح المريض ذهب والفقير حاجته في اتمام سفر الحج كحاجته في الرجوع إلى ~~وطنه فهذا مأخذهم في انه لا يتحلل قالوا لانه لا يستفيد بالتحلل شيئا فان ~~كان هذا المأخذ صحيحا وإلا كان الصحيح هو القول الأول وهو التحلل وهذا ~~المأخذ يقتضى اتفاق الائمة على انه متى كان دوام الاحرام يحصل ms7605 به ضرر يزول ~~بالتحلل فله التحلل PageV26P227 ومعلوم ان هذه المرأة اذا دام احرامها تبقى ~~ممنوعة من الوطء دائما بل وممنوعة في أحد قوليهم من مقدمات الوطء بل ومن ~~النكاح ومن الطيب ومن الصيد عند من يقول بذلك وشريعتنا لا تأتى بمثل ذلك # ولو قدر ان بعض القائلين بان المحصر بمرض أو نفقة يقول بمثل ذلك فالمريض ~~المأيوس من برئه والفقير الذي يمكنه المقام دون السفر كان قوله مردودا ~~بأصول الشريعة فانه لا يقول فقيه ان الله امر المريض المعضوب المأيوس من ~~برئه ان يبقى محرما حتى يموت بل اكثر ما يقال انه يقيم مقامه من يحج عنه ~~كما قال ذلك الشافعي واحمد في اصل الحج فأوجباه على المعضوب اذا كان له مال ~~يحج به غيره عنه اذ كان مناط الوجوب عندهما هو ملك الزاد والراحلة وعند ~~مالك القدرة بالبدن كيف ما كان وعند أبي حنيفة مجموعهما وعند أحمد في كل من ~~الامرين مناط للوجوب فيجب على هذا وهذا ولم يقل أحد من ائمة المسلمين ان ~~المعضوب عليه ان يحج أو يعتمر ببدنه فكيف يبقى محرما عليه اتمام الحج إلى ~~ان يموت # الثانى ان هذه اذا امكنها العود فعادت اصابها في المرة الثانية نظير ما ~~اصابها في الاولى اذا كان لا يمكنها العود الا مع الوفد والحيض قد يصيبها ~~مدة مقامهم بمكة PageV26P228 الثالث ان هذا ايجاب سفرين كاملين على الانسان ~~للحج من غير تفريط منه ولا عدوان وهذا خلاف الاصول فإن الله لم يوجب على ~~الناس الحج الا مرة واحدة واذا اوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته ~~على احرامه واذا اوجبه على من فاته الحج فذلك بسبب تفريطه لان الوقوف له ~~وقت محدود يمكن في العادة ان لا يتأخر عنه فتأخره يكون لجهله بالطريق أو ~~بما بقى من الوقت أو لترك السير المعتاد وكل ذلك تفريط منه بخلاف الحائض ~~فانها لم تفرط ولهذا اسقط النبى عنها طواف الوداع وطواف القدوم كما في حديث ~~عائشة وصفية # واما التقدير الثالث وهو ان ms7606 يقال انها تتحلل كما يتحلل المحصر فهذا اقوى ~~كما قال ذلك طائفة من العلماء فان خوفها منعها من المقام حتى تطوف كما لو ~~كان بمكة عدو منعها من نفس الطواف دون المقام على القول بذلك لكن هذا القدر ~~لا يسقط عنها فرض الاسلام ولا يؤمر المسلم بحج يحصر فيه فمن اعتقد انه اذا ~~حج أحصر عن البيت لم يكن عليه الحج بل خلو الطريق وأمنه وسعة الوقت شرط في ~~لزوم السفر باتفاق المسلمين وانما تنازعوا هل هو شرط في الوجوب بمعنى ان ~~ملك الزاد والراحلة مع خوف الطريق أو ضيق الوقت هل يجب عليه فيحج ~~PageV26P229 عنه اذا مات أو لا يجب عليه بحال على قولين معروفين فعلى قول ~~من لم يجعل لها رخصة الا رخصة الحصر يلزمه القول الرابع وهو انها لا تؤمر ~~بالحج بل لا يجب ولا يستحب فعلى هذا التقدير يبقى الحج غير مشروع لكثير من ~~النساء أو اكثرهن في اكثر هذه الاوقات مع امكان أفعالها كلها لكونهن يعجزن ~~عن بعض الفروض في الطواف # ومعلوم ان هذا خلاف اصول الشريعة فان العبادات المشروعة ايجابا أو ~~استحبابا اذا عجز عن بعض ما يجب فيها لم يسقط عنه المقدور لاجل المعجوز بل ~~قد قال النبى ( اذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ( وذلك مطابق لقول ~~الله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ومعلوم ان الصلاة وغيرها من ~~العبادات التى هي اعظم من الطواف لا تسقط بالعجز عن بعض شروطها واركانها ~~فكيف يسقط الحج بعجزه عن بعض شروط الطواف واركانه # ومثل هذا القول ان يقال يسقط عنها طواف الافاضة فان هذا خلاف الاصول اذ ~~الحج عبارة عن الوقوف والطواف والطواف افضل الركنين واجلهما ولهذا يشرع في ~~الحج ويشرع في العمرة ويشرع منفردا ويشترط له من الشروط مالا يشترط للوقوف ~~فكيف يمكن ان يصح الحج بوقوف بلا طواف PageV26P230 ولكن أقرب من ذلك أن ~~يقال يجزيها طواف الافاضة قبل الوقوف فيقال انها ان امكنها الطواف بعد ~~التعريف والا طافت قبله لكن هذا لا نعلم ms7607 احدا من الأئمة قال به في صورة من ~~الصور ولا قال باجزائه الا ما نقله البصريون عن مالك فيمن طاف وسعى قبل ~~التعريف ثم رجع إلى بلده ناسيا أو جاهلا ان هذا يجزيه عن طواف الافاضة # وقد قيل على هذا يمكن ان يقال في الحائض مثل ذلك اذا لم يمكنها الطواف ~~الا قبل الوقوف ولكن هذا لا اعرف به قائلا # والمسألة المنقولة عن مالك قد يقال فيها ان الناسي والجاهل معذور ففي ~~تكليفه الرجوع مشقة عظيمة فسقط الترتيب لهذا العذر وكما يقال في الطهارة في ~~أحد الوجهين على احدى الروايتين في مذهب أحمد انه اذا طاف محدثا ناسيا حتى ~~ابعد كان معذورا فيجبره بدم # واما اذا امكنه الاتيان بأكثر الواجبات فكيف يسقط بعجزه عن بعضها وطواف ~~الحائض قد قيل انه يجزئ مطلقا وعليها دم # واما تقديم طواف الفرض على الوقوف فلا يجزئ مع العمد بلا نزاع وترتيب ~~قضاء الفوائت يسقط بالنسيان عند اكثر PageV26P231 العلماء ولا يسقط بالعجز ~~عن بعض شروط الصلاة ولا بضيق الوقت عند أكثرهم # وأيضا فالمستحاضة ومن به سلس البول ونحو هؤلاء لو امكنه ان يطوف قبل ~~التعريف بطهارة وبعد التعريف بهذا الحدث لم يطف الا بعد التعريف ولهذا لا ~~يجوز للمرأة ان تصوم قبل شهر رمضان لاجل الحيض في رمضان ولكن تصوم بعد وجوب ~~الصوم # وايضا فان الاصول متفقة على انه متى دار الامر بين الاخلال بوقت العبادة ~~والاخلال ببعض شروطها واركانها كان الاخلال بذلك اولى كالصلاة فان المصلى ~~لو امكنه ان يصلي قبل الوقت بطهارة وستارة مستقبل القبلة مجتنب النجاسة ولم ~~يمكنه ذلك في الوقت فانه يفعلها في الوقت على الوجه الممكن ولا يفعلها قبله ~~بالكتاب والسنة والاجماع # وكذلك ايضا لا يؤخر العبادة عن الوقت بل يفعلها فيه بحسب الامكان وانما ~~يرخص للمعذور في الجمع لان الوقت وقتان وقت مختص لاهل الرفاهية ووقت مشترك ~~لاهل الاعذار والجامع بين الصلاتين صلاهما في الوقت المشروع لم يفوت واحدة ~~منهما ولا قدمها على الوقت المجزئ باتفاق العلماء PageV26P232 وكذلك الوقوف ms7608 ~~لو فرضنا انه امكنه الوقوف قبل الوقت أو بعده اذا لم يمكنه في وقته لم يكن ~~الوقوف في غير وقته مجزيا باتفاق العلماء والطواف للافاضة هو مشروع بعد ~~التعريف ووقته يوم النحر وما بعده وهل يجزئ بعد انتصاف الليل ليلة النحر ~~فيه نزاع مشهور # فإذا تبين فساد هذه الاقسام الاربعة بقي ( الخامس ) وهو انها تفعل ما ~~تقدر عليه ويسقط عنها ما تعجز عنه وهذا هو الذي تدل عليه النصوص المتناولة ~~لذلك والاصول المشابهة له وليس في ذلك مخالفة الاصول والنصوص التى تدل على ~~وجوب الطهار ة كقوله ( تقضي الحائض المناسك كلها الا الطواف بالبيت ( انما ~~تدل على الوجوب مطلقا كقوله ( اذا احدث احدكم فلا يصلى حتى يتوضأ ( وقوله ( ~~لا يقبل الله صلاة احدكم حتى يتوضأ ( وقوله ( لا يقبل الله صلاة حائض الا ~~بخمار ) وقوله ( حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه ثم صلى فيه ( وقوله ( لا يطوف ~~بالبيت عريان ( وأمثال ذلك من النصوص وقد علم ان وجوب ذلك جميعه مشروط ~~بالقدرة كما قال تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وقال ( اذا امرتكم بأمر ~~فاتوا منه ما استطعتم ( وهذا تقسيم حاصر # اذا تبين انه لا يمكن ان تؤمر بالمقام مع العجز والضرر على نفسها ~~PageV26P233 ودينها ومالها ولا تؤمر بدوام الاحرام وبالعود مع العجز وتكرير ~~السفر وبقاء الضرر من غير تفريط منها ولا يكفي التحلل ولا يسقط به الفرض # وكذلك سائر الشروط كالستارة واجتناب النجاسة وهي في الصلاة أوكد فان غاية ~~الطواف ان يشبه بالصلاة وليس في الطواف نص ينفي قبول الطواف مع عدم الطهارة ~~والستارة كما في الصلاة ولكن فيه ما يقتضى وجوب ذلك # ولهذا تنازع العلماء هل ذلك شرط أو واجب ليس بشرط ولم يتنازعوا ان ذلك ~~شرط في صحة الصلاة وانه يستلزم ان تؤمر بترك الحج ولا تؤمر بترك الحج بغير ~~ما ذكرناه وهو المطلوب # الدليل الثانى ان يقال غاية ما في الطهارة انها شرط في الطواف ومعلوم ان ~~كونها شرطا في الصلاة اوكد منها في الطواف ومعلوم ان الطهارة كالستارة ~~واجتناب ms7609 النجاسة بل الستارة في الطواف اوكد من الطواف لان ستر العورة يجب ~~في الطواف وخارج الطواف ولان ذلك من أفعال المشركين التى نهى الله ورسوله ~~عنها نهيا عاما ولان المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما يطوف ويصلي باتفاق ~~المسلمين والحدث في حقهم من جنس الحدث في PageV26P234 حق غيرهم لم يفرق ~~بينهما الا العذر # واذا كان كذلك وشروط الصلاة تسقط بالعجز فسقوط شروط الطواف بالعجز اولى ~~واحرى والمصلي يصلي عريانا ومع الحدث والنجاسة في صورة المستحاضة وغيرها ~~ويصلي مع الجنابة وحدث الحيض مع التيمم وبدون التيمم عند الاكثرين اذا عجز ~~عن الماء والتراب لكن الحائض لا تصلي لانها ليست محتاجة إلى الصلاة مع ~~الحيض فانها تسقط عنها إلى غير بدل لان الصلاة تتكرر بتكرر الايام فكانت ~~صلاتها في سائر الايام تغنيها عن القضاء ولهذا امرت بقضاء الصيام دون ~~الصلاة لان الصوم شهر واحد في الحول فاذا لم يمكنها ان تصوم طاهرا في رمضان ~~صامت في غير شهر رمضان فلم يتعدد الواجب عليها بل نقلت من وقت إلى وقت ولو ~~قدر انها عجزت عن الصوم عجزا مستمرا كعجز الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ~~والمريض المأيوس من برئه سقط عنها إما إلى بدل وهو الفدية باطعام مسكين عن ~~كل يوم عند الاكثرين كمذهب ابى حنيفة والشافعي واحمد واما إلى غير بدل كقول ~~مالك # واما الصلاة فلا يمكن العجز عن جميع اركانها بل يفعل منها ما يقدر عليه ~~فلو قدر انه عجز عن جميع الحركات الظاهرة برأسه وبدنه سقطت عنه في أحد قولي ~~العلماء كقول ابى حنيفة وأحمد في احدى PageV26P235 الروايتين وأحد القولين ~~في مذهب مالك وفى القول الآخر يومئ بطرفه ويستحضر الافعال بقلبه كقول ~~الشافعي واحمد في احدى الروايتين والقول الاول اشبه بالاثر والنظر # واما الحج فالتقدير انه لا يمكنها ان تحج الا على هذا الوجه واذا لم ~~يمكنها ذلك كان هذا غاية المقدور كما لو لم يمكنه ان يطوف الا راكبا أو ~~حامل النجاسة # فإن قيل هنا سؤالان احدهما انه هلا جعلت الحائض ms7610 كالمعضوب فان كانت ترجو ~~ان تحج ويمكنها الطواف والا استنابت # والثانى انه اذا لم يسوغ لها الشارع الصلاة زمن الحيض كما سوغها للجنب ~~بالتيمم وللمستحاضة علم ان الحيض لا تصح معه العبادة بحال # فيقال اما الاول فلأن المعضوب هو الذي يعجز عن الوصول إلى مكة فاما من ~~امكنه الوصول إلى مكة وعجز عن بعض الواجبات فليس بمعضوب كما لو امكنه ~~الوصول وعجز عن اجتناب النجاسة مثل المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما فان ~~عليه الحج بالاجماع PageV26P236 ويسقط عنه ما يعجز عنه من الطهارة وكذلك من ~~لم يمكنه الطواف الا راكبا أو محمولا أو من لم يمكنه رمي الجمار ونحو ذلك ~~فانه يستنيب فيه ويحج ببدنه # واما صلاة الحائض فليست محتاجة اليها لان في صلاة بقية الايام غنى عنها ~~ولهذا اذا استحيضت امرت بالصلاة مع الاستحاضة ومع احتمال الصلاة مع الحيض ~~وان كان خروج ذلك الدم وتنجيسها به يفسد الصلاة لولا العذر فقد فرق الشارع ~~بين المعذور وغيره في ذلك ولهذا لو امكن المستحاضة أن تطهر وتصلي حال ~~انقطاع الدم وجب عليها ذلك وإنما اباح الصلاة مع خروجه للضرورة # فإن قيل فقد كان الجنب والمستحاضة ونحوهما يمكن اسقاط الصلاة عنه كما ~~أسقطت عن الحائض ويكون صلاة بقية الأيام مغنية فلما أمرها الشارع بالصلاة ~~دون الحائض علم أن الحيض ينافى الصلاة مطلقا وكذلك ينافى الطواف الذى هو ~~كالصلاة # فيقال الجنب ونحوه لا يدوم به موجب الطهارة بل هو بمنزلة الحائض التى ~~انقطع دمها وهو متمكن من احدى الطهارتين وأما المستحاضة فلو اسقط عنها ~~الصلاة للزم سقوطها أبدا فلما كان حدثها دائما لم تمكن الصلاة الا معه فسقط ~~وجوب الطهارة عنها فهذا دليل على أن PageV26P237 العبادة اذا لم يمكن فعلها ~~الا مع المحظور كان ذلك أولى من تركها والاصول كلها توافق ذلك والجنب اذا ~~عدم الماء والتراب صلى أيضا في أشهر قولى العلماء لعجزه عن الطهارة فالحيض ~~ينافى الصلاة مطلقا لعدم الحاجة إلى الصلاة مع الحيض استغناء بتكرر أمثالها ~~وأما الحج والطواف فيه ms7611 فلا يتكرر وجوبه فان لم يصح مع العذر لزم ألا يصح ~~مطلقا والأصول قد دلت على أن العبادة اذا لم تمكن الا مع العذر كانت صحيحة ~~مجزية معه بدون ما اذا فعلت بدون العذر وقد تبين أنه لا عذر للحائض في ~~الصلاة مع الحيض لاستغنائها بها عن ذلك بتكرر أمثالها في غير أيام الحيض ~~بخلاف الطواف فانه اذا لم يمكنها فعله الا مع الحيض لم تكن مستغنية عنه ~~بنظيره فجاز لها ذلك كسائر ما تعجز عنه من شروط العبادات # الدليل الثالث ان يقال هذا نوع من انواع الطهارة فسقط بالعجز كغيره من ~~انواع الطهارة فانها لو كانت مستحاضة ولم يمكنها ان تطوف الا مع الحدث ~~الدائم طافت باتفاق العلماء وفى وجوب الوضوء عليها خلاف مشهور بين العلماء ~~وفى هذا صلاة مع الحدث ومع حمل النجاسة وكذلك لو عجز الجنب أو المحدث عن ~~الماء والتراب صلى وطاف في اظهر قولي العلماء # الدليل الرابع ان يقال شرط من شرائط الطواف فسقط PageV26P238 بالعجز ~~كغيره من الشرائط فانه لو لم يمكنه ان يطوف الا عريانا لكان طوافه عريانا ~~اهون من صلاته عريانا وهذا واجب بالاتفاق فالطواف مع العري اذا لم يمكن الا ~~ذلك اولى وأحرى # وانما قل تكلم العلماء في ذلك لان هذا نادر فلا يكاد بمكة يعجز عن سترة ~~يطوف بها لكن لو قدر انه سلب ثيابه والقافلة خارجون لا يمكنه ان يتخلف عنهم ~~كان الواجب عليه فعل ما يقدر عليه من الطواف مع العري كما تطوف المستحاضة ~~ومن به سلس البول مع ان النهى عن الطواف عريانا أظهر واشهر في الكتاب ~~والسنة من طواف الحائض # وهذا الذي ذكرته هو مقتضى الاصول المنصوصة العامة المتناولة لهذه الصورة ~~لفظا ومعنى ومقتضى الاعتبار والقياس على الاصول التى تشابهها والمعارض لها ~~انما لم يجد للعلماء المتبوعين كلاما في هذه الحادثة المعينة كما لم يجد ~~لهم كلاما فيما اذا لم يمكنه الطواف الا عريانا وذلك لان الصور التى لم تقع ~~في ازمنتهم لا يجب ان تخطر بقلوبهم ms7612 ليجب ان يتكلموا فيها ووقوع هذا وهذا في ~~ازمنتهم اما معدوم واما نادر جدا وكلامهم في هذا الباب مطلق عام وذلك يفيد ~~العموم لو لم تختص الصورة المعينة بمعان توجب الفرق والاختصاص وهذه الصورة ~~قد لا يستحضرها المتكلم باللفظ العام من PageV26P239 الائمة لعدم وجودها في ~~زمنهم والمقلدون لهم ذكروا ما وجدوه من كلامهم # ولهذا اوجب مالك وغيره على مكاريها ان يحتبس لاجلها اذا كانت الطرقات ~~آمنة ولا ضرر عليه في التخلف معها وكانوا في زمن الصحابة وغيرهم يحتبس ~~الامير لاجل الحيض والمتأخرون من اصحاب مالك اسقطوا عن المكاري الوداع ~~واسقط المبيت عن أهل السقاية والرعاية لعجزهم وعجزهم يوجب الاحتباس معها في ~~هذه الازمان ولا ريب ان من قال الطهارة واجبة في الطواف وليست شرطا فان ~~يلزمه ان يقول ان الطهارة في مثل هذه الصورة ليست واجبة لعدم القدرة عليها ~~فانه يقول اذا طاف محدثا وأبعد عن مكة لم يجب عليه العود للمشقة فكيف يجب ~~على هذه ما لا يمكنها الا بمشقة اعظم من ذلك لكن هناك من يقول عليه دم وهنا ~~يتوجه ان لا يجب عليها دم لان الواجب اذا تركه من غير تفريط فلا دم عليه ~~بخلاف ما اذا تركه ناسيا أو جاهلا وقد يقال عليها دم لندور هذه الصورة ~~ونظير ذلك ان يمنعه عدو عن رمي الجمرة فلا يقدر على ذلك حتى يعود إلى مكة ~~أو يمنعه العدو عن الوقوف بعرفة إلى الليل أو يمنعه العدو عن طواف الوداع ~~بحيث لا يمكنه المقام حتى يودع PageV26P240 وقد ثبت في الصحيح عن النبى انه ~~اسقط عن الحائض طواف الوداع ومن قال ان الطهارة فرض في الطواف وشرط فيه ~~فليس كونها شرطا فيه أعظم من كونها شرطا في الصلاة ومعلوم ان شروط الصلاة ~~تسقط بالعجز فسقوط شروط الطواف بالعجز اولى واحرى # هذا هو الذي توجه عندي في هذه المسألة ولا حول ولا قوة الا بالله العلي ~~العظيم ولولا ضرورة الناس واحتياجهم اليها علما وعملا لما تجشمت الكلام حيث ~~لم أجد فيها ms7613 كلاما لغيري فان الاجتهاد عند الضرورة مما امرنا الله به فان ~~يكن ما قلته صوابا فهو حكم الله ورسوله والحمد لله وان يكن ما قلته خطأ ~~فمنى ومن الشيطان والله ورسوله بريئان من الخطأ وان كان المخطئ معفوا عنه ~~والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم ~~تسليما PageV26P241 ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن امراة حاضت قبل طواف الافاضة ولم ~~تطهر حتى ارتحل الحاج ولم يمكنها المقام بعدهم حتى تطهر فهل لها ان تطوف ~~والحالة هذه للضرورة أم لا واذا جاز لها ذلك فهل يجب عليها دم أم لا وهل ~~يستحب لها الاغتسال مع ذلك واذا علمت المرأة من عادتها انها لا تطهر حتى ~~يرتحل الحاج ولا يمكنها المقام بعدهم فهل يجب عليها الحج مع هذا أم لا وان ~~لم يجب فهل يستحب لها ان تتقدم فتطوف أم لا افتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله العلماء لهم في الطهارة هل هي شرط في صحة الطواف قولان ~~مشهوران # احدهما انها شرط وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في احدى الروايتين والثاني ~~ليست بشرط وهو مذهب ابى حنيفة وأحمد في الرواية الاخرى PageV26P242 # فعند هؤلاء لو طاف جنبا أو محدثا أو حاملا للنجاسة اجزأه الطواف وعليه دم ~~لكن اختلف اصحاب أحمد هل هذا مطلق في حق المعذور الذي نسي الجنابة وابو ~~حنيفة يجعل الدم بدنة اذا كانت حائضا أو جنبا فهذه التى لم يمكنها ان تطوف ~~الا حائضا اولى بالعذر فان الحج واجب عليها ولم يقل أحد من العلماء ان ~~الحائض يسقط عنها الحج وليس من اقوال الشريعة ان تسقط الفرائض للعجز عن بعض ~~ما يجب فيها كما لو عجز عن الطهارة في الصلاة فلو امكنها ان تقيم بمكة حتى ~~تطهر وتطوف وجب ذلك بلا ريب فأما اذا لم يمكن ذلك فإن اوجب عليها الرجوع ~~مرة ثانية كان قد أوجب عليها سفران للحج بلا ذنب لها وهذا بخلاف الشريعة ثم ~~هي ايضا لا يمكنها ان تذهب الا مع الركب وحيضها في ms7614 الشهر كالعادة فهذه لا ~~يمكنها ان تطوف طاهرا ألبتة # واصول الشريعة مبنية على ان ما عجز عنه العبد من شروط العبادات يسقط عنه ~~كما لو عجز المصلى عن ستر العورة واستقبال القبلة أو تجنب النجاسة وكما لو ~~عجز الطائف ان يطوف بنفسه راكبا وراجلا فانه يحمل ويطاف به # ومن قال انه يجزئها الطواف بلا طهارة ان كانت غير معذورة PageV26P243 مع ~~الدم كما يقوله من يقوله من اصحاب ابى حنيفة واحمد فقولهم لذلك مع العذر ~~اولى وأحرى واما الاغتسال فإن فعلته فحسن كما تغتسل الحائض والنفساء ~~للإحرام والله أعلم ### |||| وسئل # عن المرأة إذا جاءها الحيض في وقت الطواف ما الذي تصنع ### ||||| فأجاب # الحمد لله الحائض تقضى المناسك كلها الا الطواف بالبيت فانها تجتهد ~~ان لا تطوف بالبيت الا طاهرة فان عجزت عن ذلك ولم يمكنها التخلف عن الركب ~~حتى تطهر وتطوف فانها اذا طافت طواف الزيارة وهي حائض اجزاها في أحد قولى ~~العلماء ثم قال أبو حنيفة وغيره يجزئها لو لم يكن لها عذر لكن اوجب عليها ~~بدنة واما أحمد فاوجب على من ترك الطهارة ناسيا دما وهي شاة # واما هذه العاجزة عن الطواف وهي طاهرة فإن اخرجت دما فهو احوط والا فلا ~~يتبين ان عليها شيئا فان الله لا يكلف نفسا الا وسعها # وقال تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وقال النبى صلى الله PageV26P244 ~~عليه وسلم ( اذا امرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم ( وهذه لا تستطيع الا ~~هذا والصلاة اعظم من الطواف ولو عجز المصلي عن شرائطها من الطهارة أو ستر ~~العورة أو استقبال القبلة صلى على حسب حاله فالطواف اولى بذلك كما لو كانت ~~مستحاضة ولا يمكنها ان تطوف الا مع النجاسة نجاسة الدم فانها تصلى وتطوف ~~على هذه الحالة باتفاق المسلمين اذا توضأت وتطهرت وفعلت ما تقدر عليه # وينبغي للحائض اذا طافت ان تغتسل وتستثفر أي تستحفظ كما تفعله عند ~~الاحرام وقد أسقط النبى عن الحائض طواف الوداع واسقط عن اهل السقاية ~~والرعاة المبيت بمنى لأجل الحاجة ولم يوجب ms7615 عليهم دما فإنهم معذورون في ذلك ~~بخلاف غيره وكذلك من عجز عن الرمى بنفسه لمرض أو نحوه فانه يستنيب من يرمى ~~عنه ولا شيء عليه وليس من ترك الواجب للعجز كمن تركه لغير ذلك والله اعلم ~~PageV26P245 ### |||| وسئل # عن امرأة حجت وأحرمت لعمرة وحجة قارنة ودخلت إلى مكة ~~وطافت وسعت وتوجهت إلى منى ثم إلى عرفة ووقفت ثم عادت إلى منى ونحر عنها ما ~~وجب عليها من دم ورمت الجمار يوما واحدا ودخلت إلى مكة وطافت وعندما حضرت ~~الحرم حاضت ورجعت إلى منى وكتمت وهي محققة ان حجها قد كمل وعادت إلى بلدها ~~وبعد سنتين اعترفت بما وقع لها قيل لها يلزمك العود ولم يمكنها زوجها ~~والحالة هذه ### ||||| فأجاب # ان كانت قد طافت طواف الافاضة وهي حائض والحالة هذه ناوية اجزأها ~~الحج في أحد قولى العلماء وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ~~وغاية ما يجب عليها عند ابى حنيفة بدنة وعند أحمد دم وهي شاة # واما ان كانت لم تطف تحللت التحلل الاول وجاز لها الطيب وتغطية الوجه ~~وغير ذلك لكن لا يطؤها زوجها حتى تطوف طواف الافاضة فان لم يمكنها العود ~~فغاية ما يمكن ان يرخص لها فيه انها PageV26P246 تكون كالمحصرة تحلل من ~~احرامها بهدي ولكن الاحوط ان تبعث به إلى مكة ليذبح مثل ان يذبح يوم النحر ~~فاذا ذبح هناك حلت هنا وجاز لزوجها ان يطأها والحالة هذه # فإذا واعدت من يذبحه هناك في يوم معين حلت إلى ذلك اليوم ثم اذا امكنها ~~بعد ذلك ان تذهب إلى مكة فانها تدخل مهلة بعمرة وتطوف هذا الطواف الباقي ~~عليها ثم ان شاءت حجت من هناك وان عجزت عن ذلك حتى تموت فلا يكلف الله نفسا ~~الا وسعها وان امكن ان تبعث عنها بعد موتها من يفعل ذلك عنها فعل # وان كان وطؤها قبل هذا الطواف لم يفسد الحج بذلك لكن يفسد ما بقي وعليها ~~طواف الافاضة باتفاق الائمة كما ذكر لكن عند مالك واحمد عليها ان تحرم ~~بعمرة ms7616 كما نقل عن بن عباس وعند أبي حنيفة والشافعي في المشهور عنها يجزئها ~~بلا احرام جديد هذا اذا كانت هناك # فأما ان كانت رجعت إلى بلدها ووطأها زوجها فلا بد لها اذا رجعت ان تحرم ~~بعمرة من الميقات لانه لا يدخل أحد مكة الا محرما بحج أو عمرة اما وجوبا أو ~~استحبابا الا من له حاجة متكررة ونحو ذلك PageV26P247 ### || 1 ( قاعدة في العمر المكية ) 1 ### |||| وسئل أبو العباس # ايما افضل لمن كان بمكة الطواف بالبيت أو الخروج إلى ~~الحل ليعتمر منه ويعود وهل يستحب لمن كان بمكة كثرة الاعتمار في رمضان أو ~~في غيره أو الطواف بدل ذلك وكذلك كثرة الاعتمار لغير المكي هل هو مستحب وهل ~~في اعتمار النبى من الجعرانة وفى عمرة الحديبية مستند لمن يعتمر من مكة كما ~~في امره لعائشة ان تعتمر من التنعيم وقوله النبى ( عمرة في رمضان تعدل حجة ~~( هل هي عمرة الافقى أو تتناول المكي الذي يخرج إلى الحل ليعتمر في رمضان ### ||||| فأجاب # أما من كان بمكة من مستوطن ومجاور وقادم وغيرهم فان طوافه بالبيت ~~افضل له من العمرة وسواء خرج في ذلك إلى ادنى الحل وهو التنعيم الذي احدث ~~فيه المساجد التى تسمى ( مساجد عائشة ) أو اقصى الحل من أي جوانب الحرم ~~سواء كان من جهة ( الجعرانة ( أو ( الحديبية ( أو غير ذلك وهذا المتفق عليه ~~بين سلف الامة وما أعلم فيه مخالفا من ائمة الإسلام في العمرة المكية ~~PageV26P248 وأما العمرة من الميقات بأن يذهب إلى الميقات فيحرم منه أو ~~يرجع إلى بلده ثم ينشئ السفر منه للعمرة فهذه ليست عمرة مكية بل هذه عمرة ~~تامة وليس الكلام هنا فيها # وهذه فيها نزاع هل المقام بمكة أفضل منها أم الرجوع إلى بلده أو الميقات ~~أفضل وسيأتى كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف على الرجوع للعمرة من ~~الميقات # وانما النزاع في انه هل يكره للمكى الخروج للاعتمار من الحل أم لا وهل ~~يكره ان يعتمر من تشرع له العمرة كالأفقي في العام أكثر ms7617 من عمرة أم لا وهل ~~يستحب كثرة الاعتمار أم لا فأما كون الطواف بالبيت افضل من العمرة لمن كان ~~بمكة فهذا مما لا يستريب فيه من كان عالما بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسنة خلفائه وآثار الصحابة وسلف الأمة وأئمتها وذلك أن الطواف بالبيت ~~من أفضل العبادات والقربات التي شرعها الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وهو من أعظم عبادة اهل مكة أعنى من كان بمكة مستوطنا أو ~~غير مستوطن ومن عباداتهم الدائمة الراتبة التى امتازوا بها على سائر اهل ~~الأمصار وما زال اهل مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه ~~واصحابه رضي الله عنهم يطوفون بالبيت في كل PageV26P249 وقت ويكثرون ذلك ~~وكذلك امر النبى صلى الله عليه وسلم ولاة البيت ان لا يمنعوا احدا من ذلك ~~في عموم الأوقات فروى جبير بن مطعم ان النبي قال يا بنى عبد مناف لا تمنعوا ~~احدا طاف بهذا البيت وصلى فيه أية ساعة شاء من ليل أو نهار رواه مسلم في ~~صحيحه وسائر اهل السنن كأبى داود والترمذى والنسائى وبن ماجه وغيرهم # وقد قال تعالى لخليله إمام الحنفاء الذي امره ببناء البيت ودعا الناس إلى ~~حجة ( وطهر بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود ( وفى الآية الأخرى ( ~~والقائمين ( فذكر ثلاثة انواع الطواف والعكوف والركوع مع السجود وقدم الأخص ~~فالأخص فان الطواف لا يشرع الا بالبيت العتيق باتفاق المسلمين ولهذا اتفقوا ~~على تضليل من يطوف بغير ذلك مثل من يطوف بالصخرة أو بحجرة النبى أو ~~بالمساجد المبنية بعرفة أو منى أو غير ذلك أو بقبر بعض المشايخ أو بعض اهل ~~البيت كما يفعله كثير من جهال المسلمين فان الطواف بغير البيت العتيق لا ~~يجوز باتفاق المسلمين بل من اعتقد ذلك دينا وقربة عرف ان ذلك ليس بدين ~~باتفاق المسلمين وان ذلك معلوم بالضرورة من دين الاسلام فإن اصر على اتخاذه ~~دينا قتل PageV26P250 # وأما ( الاعتكاف ( فهو مشروع في المساجد دون غيرها وأما الركوع مع السجود ~~فهو ms7618 مشروع في عموم الأرض كما قال النبى ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما ~~رجل من أمتى أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره ( وهذا كله متفق عليه بين ~~المسلمين وان كان بعض البقاع تمنع الصلاة فيها لوصف عارض كنجاسة أو مقبرة ~~أو حش أو غير ذلك # فالمقصود هنا انه سبحانه وتعالى قدم الأخص بالبقاع فالأخص فقدم الطواف ~~لأنه يختص بالمسجد الحرام ثم العكوف لأنه يكون فيه وفي المساجد التى يصلى ~~المسلمون فيها الصلاة المشروعة وهي الصلوات الخمس جماعة ثم الصلاة لأن ~~مكانها أعم # ومن خصائص الطواف انه مشروع بنفسه منفردا أو في ضمن العمرة وفي ضمن الحج ~~وليس في اعمال المناسك ما يشرع منفردا عن حج وعمرة الا الطواف فان اعمال ~~المناسك على ثلاث درجات منها ما لا يكون الا في حج وهو الوقوف بعرفة ~~وتوابعه من المناسك التى بمزدلفة # ومنها ما لا يكون الا في حج أو عمرة وهو الاحرام والاحلال PageV26P251 ~~والسعى بين الجبلين كما قال تعالى ( ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ( # ومنها ما يكون في الحج وفي العمرة ويكون منفردا وهو الطواف والطواف ايضا ~~هو اكثر المناسك عملا في الحج فانه يشرع للقادم طواف القدوم ويشرع للحاج ~~طواف الوداع وذلك غير الطواف المفروض طواف الافاضة الذى يكون بعد التعريف # ويستحب ايضا الطواف في اثناء المقام بمنى ويستحب في جميع الحول عموما ~~وأما الاعتمار للمكي بخروجه إلى الحل فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله ~~قط الا عائشة في حجة الوداع مع ان النبى لم يأمرها به بل أذن فيه بعد ~~مراجعتها اياه كما سنذكره ان شاء الله تعالى فأما اصحابه الذين حجوا معه ~~حجة الوداع كلهم من أولهم إلى آخرهم فلم يخرج أحد منهم لا قبل الحجة ولا ~~بعدها لا إلى التنعيم ولا إلى الحديبية ولا إلى الجعرانة ولا غير ذلك لأجل ~~العمرة وكذلك اهل مكة المستوطنين لم يخرج أحد منهم إلى الحل لعمرة وهذا ~~متفق عليه ms7619 معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته PageV26P252 # وكذلك ايضا اصحابه الذين كانوا مقيمين بمكة من حين فتحه مكة من شهر رمضان ~~سنة ثمان والى ان توفى لم يعتمر أحد منهم من مكة ولم يخرج أحد منهم إلى ~~الحل ويهل منه ولم يعتمر النبي وهو بمكة قط لا من الحديبية ولا من الجعرانة ~~ولا غيرهما بل قد اعتمر اربع عمر ثلاث منفردة وواحدة مع حجته وجميع عمره ~~كان يكون فيها قادما إلى مكة لا خارجا منها إلى الحل # فأما عمرة الحديبية فانه اعتمر من ذي الحليفة ميقات اهل المدينة هو ~~وأصحابه الذين بايعوه في تلك العمرة تحت الشجرة ثم انهم لما صدهم المشركون ~~عن البيت وقاضاهم النبى على العمرة من العام القابل وصالحهم الصلح المشهور ~~حل هو وأصحابه من العمرة بالحديبية ولم يدخلوا مكة ذلك العام فأنزل الله ~~تعالى في ذلك ( سورة الفتح ( وأنزل قوله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ~~فان احصرتم فما استيسر من الهدي ( الآية وقد ذكر الشافعى وغيره الاجماع على ~~ان هذه الآية نزلت في ذلك العام # ثم انه بعد ذلك في العام القابل سنة سبع بعد ان فتح خيبر وكان فتح خيبر ~~عقيب انصرافه من الحديبية ثم اعتمر هو ومن معه عمرة القضية وتسمى عمرة ~~القضاء وكانت عمرته هذه في ذي القعدة سنة سبع والتى قبلها عمرة الحديبية ~~وكانت ايضا في ذي القعدة PageV26P253 وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة ~~وكانت عمره كلها في ذي القعدة أوسط اشهر الحج وبين للمسلمين بذلك جواز ~~الاعتمار في اشهر الحج ولما اعتمر هو ومن معه عمرة القضية أحرموا ايضا من ~~ذي الحليفة ودخلوا مكة واقاموا بها ثلاثا وتزوج في ذلك العام ميمونة بنت ~~الحارث # ثم ان اهل مكة نقضوا العهد سنة ثمان فغزاهم النبى صلى الله عليه وسلم ~~غزوة الفتح في نحو عشرة آلاف في شهر رمضان ودخل مكة حلالا على رأسه المغفر ~~وطاف بالبيت واقام بمكة سبع عشرة ليلة ولم يعتمر في دخوله هذا وبلغه ان ~~هوازن قد جمعت له ms7620 فغزاهم غزوة حنين وحاصر الطائف بعد ذلك ولم يفتحها وقسم ~~غنائم حنين بالجعرانة وأنشأ حينئذ العمرة بالجعرانة فكان قادما إلى مكة في ~~تلك العمرة لم يخرج من مكة إلى الجعرانة وحكم كل من أنشأ الحج أو العمرة من ~~مكان دون المواقيت ان يحرم من ذلك المكان كما في الصحيحين عن بن عباس قال ( ~~وقت رسول الله لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ~~المنازل ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن اتى عليهن من غير أهلهن ممن كان ~~يريد الحج والعمرة ومن كان دونهن فمهله من اهله وكذلك اهل مكة يهلون منها ~~PageV26P254 فاحرام النبى صلى الله عليه وسلم من الجعرانة كان لأنه أنشأ ~~العمرة منها وبعد ان حصل فيها لأجل الغزو والغنائم فقد تبين ان الحديبية لم ~~يحرم منها النبى صلى الله عليه وسلم لا قادما إلى مكة ولا خارجا منها بل ~~كان محله من احرامه بالعمرة لما صده المشركون واما الجعرانة فأحرم منها ~~لعمرة أنشأها منها وهذا كله متفق عليه ومعلوم بالتواتر لا يتنازع فيه اثنان ~~ممن له أدنى خبرة بسيرة النبى وسنته # فمن توهم ان النبى خرج من مكة فاعتمر من الحديبية أو الجعرانة فقد غلط ~~غلطا فاحشا منكرا لا يقوله الا من كان من أبعد الناس عن معرفة سنة النبى ~~صلى الله عليه وسلم وسيرته وان كان قد غلط في الاحتجاج بذلك على العمرة من ~~مكة طوائف من اكابر اعيان العلماء فقد ظهر ان النبى واصحابه جميعهم لم ~~يعتمر أحد منهم في حياته من مكة بعد فتح مكة ومصيرها دار اسلام الا عائشة # وكذلك ايضا لم يعتمر أحد منها قبل الفتح حين كانت دار كفر وكان بها من ~~اصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة وقبل هجرته فانهم ~~كانوا يطوفون بالبيت ولم يخرج أحد منهم إلى الحل ليعتمر منه اذ الطواف ~~بالبيت ما زال مشروعا من اول مبعث PageV26P255 النبى بل ولم يزل من زمن ~~إبراهيم بل ومن قبل إبراهيم ايضا فاذا كان ms7621 المسلمون حين كانوا بمكة من حين ~~بعث النبى صلى الله عليه وسلم إلى ان توفى اذا كانوا بمكة لم يكونوا ~~يعتمرون من مكة بل كانوا يطوفون ويحجون من العام إلى العام وكانوا يطوفون ~~في كل وقت من غير اعتمار كان هذا مما يوجب العلم الضرورى ان المشروع لأهل ~~مكة انما هو الطواف وان ذلك هو الأفضل لهم من الخروج للعمرة اذ من الممتنع ~~ان يتفق النبى صلى الله عليه وسلم وجميع اصحابه على عهده على المداومة على ~~المفضول وترك الأفضل فلا يفعل أحد منهم الأفضل ولا يرغبهم فيه النبى فهذا ~~لا يقوله أحد من اهل الايمان # ومما يوضح ذلك ان المسلمين قد تنازعوا في وجوب العمرة لوجوب الحج على ~~قولين مشهورين للعلماء وروى النزاع في ذلك عن الصحابة ايضا فروى وجوبها عن ~~عمر وبن عباس وغيرهما وروى عدم الوجوب عن بن مسعود والأول هو المشهور عن ~~الشافعى واحمد والثانى هو أحد قوليهما وقول ابى حنيفة ومالك # ومع هذا فالمنقول الصريح عمن اوجب العمرة من الصحابة والتابعين لم يوجبها ~~على اهل مكة قال أحمد بن حنبل كان بن عباس يرى العمرة واجبة ويقول يا أهل ~~مكة ليس عليكم عمرة انما عمرتكم طوافكم بالبيت وقال عطاء بن ابى رباح اعلم ~~التابعين بالمناسك PageV26P256 وامام الناس فيها ليس أحد من خلق الله الا ~~عليه حجة وعمرة واجبتان لابد منهما لمن استطاع اليهما سبيلا إلا اهل مكة ~~فإن عليهم حجة وليس عليهم عمرة من اجل طوافهم بالبيت وهم يفعلونه فأجزأ ~~عنهم وقال طاوس ليس على اهل مكة عمرة رواه بن ابى شيبة # وكلام هؤلاء السلف وغيرهم يقتضى انهم كانوا لم يستحبوها لأهل مكة فضلا عن ~~أن يوجبوها كما رواه أبو بكر بن ابى شيبة في كتابه الكبير المصنف ثنا بن ~~ادريس عن بن جريج عن عطاء قال ليس على اهل مكة عمرة قال بن عباس أنتم يا ~~أهل مكة لا عمرة لكم انما عمرتكم الطواف بالبيت فمن جعل بينه وبين الحرم ~~بطن واد فلا يدخل ms7622 مكة الا باحرام قال فقلت لعطاء أيريد بن عباس واد من الحل ~~قال بطن واد من الحل وقال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن بن ~~كيسان سمعت بن عباس يقول لايضركم يا أهل مكة ان لا تعتمروا فان ابيتم ~~فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطن واد وقال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن بن ~~جريج عن خلف بن مسلم عن سالم قال لو كنت من اهل مكة ما اعتمرت وقال حدثنا ~~عبيد الله بن موسى عن عثمان عن عطاء قال ليس على اهل مكة عمرة انما يعتمر ~~من زار البيت ليطوف به واهل مكة يطوفون متى شاؤوا PageV26P257 وهذا نص أحمد ~~في غير موضع على ان اهل مكة لا عمرة عليهم مع قوله بوجوبها على غيرهم # ولهذا كان تحقيق مذهبه اذا أوجب العمرة انها تجب الا على اهل مكة وان كان ~~من اصحابه من جعل هذا التفريق رواية ثالثة عنه وان القول بالايجاب يعم ~~مطلقا ومنهم من تأول كلامه على انه لا عمرة عليهم مع الحجة لأنه يتقدم منهم ~~فعلها في غير وقت الحج فهذا خلاف نصوص أحمد الصريحة عنه بالتفريق # ثم من هؤلاء من يقول مثل ذلك من اصحاب الشافعى في وجوب العمرة على اهل ~~مكة قول ضعيف جدا مخالف للسنة الثابتة واجماع الصحابة فانها لو كانت واجبة ~~عليهم لامرهم النبى بها ولكانوا يفعلونها وقد علم انه لم يكونوا اهل مكة ~~يعتمرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اصلا بل ولا يمكن احدا ان ~~ينقل عن أحد انه اعتمر من مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ~~عائشة # ولهذا كان المصنفون للسنن اذا ارادوا ذكر ما جاء من السنة في العمرة من ~~مكة لم يكن معهم الا قضية عائشة ومن المعلوم انما دون هذا تتوفر الهمم ~~والدواعى على نقله فلو كان اهل مكة كلهم بل PageV26P258 او بعضهم على عهد ~~النبى يخرجون إلى الحل فيعتمرون فيه لنقل ذلك كما نقل خروجهم في الحج إلى ms7623 ~~عرفات وقد حج النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وخرج معه أهل مكة إلى ~~عرفات ولم يعتمر بعد الحجة ولا قبلها أحد من أدنى الحل لا اهل مكة ولا ~~غيرهم الا عائشة ثم كان الأمر على ذلك زمن الخلفاء الراشدين حتى قال بن ~~عباس ثم عطاء وغيرهما لما بعد عهد الناس بالنبوة يا أهل مكة ليس عليكم عمرة ~~انما عمرتكم الطواف بالبيت ومن المعلوم أنه لو كان أهل مكة يعتمرون على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤمرون بذلك لم يكن مثل هذا خافيا على بن ~~عباس إمام أهل مكة وأعلم الامة في زمنه بالمناسك وغيرها # وكذلك عطاء بعده إمام أهل مكة بل إمام الناس كلهم في المناسك حتى كان ~~يقال في أئمة التابعين الأربعة أئمة أهل الامصار سعيد بن المسيب إمام أهل ~~المدينة وعطاء بن أبى رباح إمام أهل مكة وابراهيم النخعي إمام أهل الكوفة ~~والحسن البصري إمام أهل البصرة وأعلمهم بالحلال والحرام سعيد بن المسيب ~~وأعلمهم بالمناسك عطاء وأعلمهم بالصلاة إبراهيم وأجمعهم الحسن # وايضا فان كل واحد من الحج والعمرة يتضمن القصد إلى بيت PageV26P259 الله ~~المحيط به حرم الله تعالى ولهذا لم يكن بد من أن يجمع في نسكه بين الحل ~~والحرم حتى يكون قاصدا للحرم من الحل فيظهر فيه معنى القصد إلى الله ~~والتوجه إلى بيته وحرمه فمن كان بيته خارج الحرم فهو قاصد من الحل إلى ~~الحرم إلى البيت # وأما من كان بالحرم كأهل مكة فهم في الحج لابد لهم من الخروج إلى عرفات ~~وعرفات هي من الحل فاذا فاضوا من عرفات قصدوا حينئذ البيت من الحل # ولهذا كان الطواف المفروض لا يكون الا بعد التعريف وهو القصد من الحل إلى ~~الكعبة الذي هو حقيقة الحج كما قال النبى ( الحج عرفة ( ولهذا كان الحج ~~يدرك بادراك التعريف ويفوت بفوات وقته بطلوع فجر يوم النحر بعد يوم التعريف ~~فحقيقة الحج ممكنة في حق أهل مكة كما هي ممكنة في حق غيرهم اذ ما قبل ~~التعريف ms7624 من الاعمال كطواف القدوم ليس من الأمور اللازمة فإن النبى أخبرته ~~عائشة أنها قد حاضت وكانت متمتعة أمرها النبى صلى الله عليه وسلم أن تنقض ~~رأسها وتمتشط وتهل بالحج وتدع العمرة # فأكثر الفقهاء يقولون جعلها قارنة وأسقط عنها طواف القدوم PageV26P260 ~~فسقوطه عن المفرد للحج أولى وهو قول أبى حنيفة ومنهم من يقول جعلها رافضة ~~للعمرة وهذا قول مالك والشافعي وأحمد لكن تنازعوا في سقوطه عن غير المعذور ~~فعلى القولين فهو يدل على أنها لو كانت مفردة أو قارنة كان سقوط طواف ~~القدوم عنها اذا كانت حائضا أولى من العمرة وطوافها # وهذا بخلاف طواف الافاضة فانه لما قيل ان صفية بنت حيي قد حاضت ( قال ~~عقرى حلقى أحابستنا هي فقيل له انها قد افاضت قال فلا اذا ( وهذا كما أنه ~~قد أمر النبى أن لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وهو طواف الوداع ~~ورخص للحائض ان تنفر قبل الوداع وما سقط بالعذر علم انه ليس من أركان الحج ~~الذي لابد منها ولهذا لم يكن على أهل مكة طواف قدوم ولا طواف وداع لانتفاء ~~معنى ذلك في حقهم فانهم ليسوا بقادمين اليها ولا مودعين لها ماداموا فيها ~~فظهر أن الحج الذي أصله التعريف للطواف بعد ذلك مشروع لوجود حقيقته فيهم # وأما العمرة فان جماعها الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وذلك من نفس ~~الحرم وهو في الحرم دائما والطواف بين الصفا PageV26P261 والمروة تابع في ~~العمرة ولهذا لا يفعل الا بعد الطواف ولا يتكرر فعله لا في حج ولا عمرة ~~فالمقصود الأكبر من العمرة هو الطواف وذلك يمكن أهل مكة بلا خروج من الحرم ~~فلا حاجة إلى الخروج منه ولأن الطواف والعكوف هو المقصود بالقادم إلى مكة ~~واهل مكة متمكنون من ذلك ومن كان متمكنا من المقصود بلا وسيلة لم يؤمر أن ~~يترك المقصود ويشتغل بالوسيلة # وأيضا فمن المعلوم ان مشي الماشي حول البيت طائفا هو العبادة المقصودة ~~وأن مشيه من الحل هو وسيلة إلى ذلك وطريق فمن ترك المشي من هذا ms7625 المقصود ~~الذي هو العبادة واشتغل بالوسيلة فهو ضال جاهل بحقيقة الدين وهو أشر من جهل ~~من كان مجاورا للمسجد يوم الجمعة يمكنه التبكير إلى المسجد والصلاة فيه ~~فذهب إلى مكان بعيد ليقصد المسجد منه وفوت على نفسه ما يمكن فعله في المسجد ~~من الصلاة المقصودة # يبين ذلك أن الاعتمار افتعال من عمر يعمر والاسم فيه ( العمرة ) قال ~~تعالى ( فمن حج البيت أو اعتمر ) وقال تعالى ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام ) وعمارة المساجد انما هي بالعبادة فيها وقصدها لذلك كما قال ~~النبى ( اذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان ( لان الله يقول ~~PageV26P262 ( انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الأخر واقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله ) والمقيم بالبيت أحق بمعنى العمارة ~~من القاصد له ولهذا قيل العمرة هي الزيارة لان المعتمر لابد أن يدخل من ~~الحل وذلك هو الزيارة وأما الاولى فيقال لها عمارة ولفظ عمارة أحسن من لفظ ~~عمرة وزيادة اللفظ يكون لزيادة المعنى # ولهذا ثبت في الصحيح ان بعض اصحاب رسول الله قال ( لا أبالي ان لا أعمل ~~عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر لا أبالي أن لا أعمل ~~عملا بعد الاسلام الا ان أسقي الحجيج فقال علي الجهاد في سبيل الله أفضل ~~مما ذكرتم فقال عمر لا ترفعوا اصواتكم عند منبر رسول الله فإذا قضيت الجمعة ~~ان شاء الله دخلت عليه فسألته فأنزل الله تعالى ( أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام ) الآية # واذا كان كذلك فالمقيم في البيت طائفا فيه وعامرا له بالعبادة قد أتى بما ~~هو أكمل من معنى المعتمر واتى بالمقصود بالعمرة فلا يستحب له ترك ذلك ~~بخروجه عن عمارة المسجد ليصير بعد ذلك عامرا له لانه استبدل الذي هو ادنى ~~بالذي هو خير PageV26P263 ### ||| فصل # وهذا الذي ذكرناه مما يدل على أن الطواف أفضل فهو يدل على أن الاعتمار من ~~مكة وترك الطواف ليس بمستحب بل المستحب هو الطواف دون الاعتمار بل الاعتمار ~~فيه حينئذ هو بدعة ms7626 لم يفعله السلف ولم يؤمر بها في الكتاب والسنة ولا قام ~~دليل شرعي على استحبابها وما كان كذلك فهو من البدع المكروهة باتفاق ~~العلماء # ولهذا كان السلف والائمة ينهون عن ذلك فروى سعيد في سننه عن طاوس أجل ~~أصحاب بن عباس قال الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري أيؤجرون عليها أم ~~يعذبون قيل فلم يعذبون قال لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أميال ~~ويجيء وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتى طواف وكلما طاف بالبيت كان ~~أفضل من أن يمشى في غير شيء قال أبو طالب قيل لأحمد بن حنبل ما تقول في ~~عمرة المحرم فقال أي شيء فيها العمرة عندي التى تعمد لها من ذلك قال الله ~~PageV26P264 @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ وقالت عائشة إنما العمرة ~~على قدره يعنى على قدر النصب والنفقة وذكر حديث علي وعمر إنما إتمامها أن ~~تحرم بها من دويرة أهلك # قال أبو طالب قلت لأحمد قال طاوس الذين يعتمرون من التنعيم لا أدري ~~يؤجرون أو يعذبون قيل له لم يعذبون قال لأنه ترك الطواف بالبيت ويخرج إلى ~~أربعة أميال ويخرج إلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف وكلما طاف ~~بالبيت كان أفضل من أن يمشى في غير شيء فقد أقر أحمد قول طاوس هذا الذي ~~استشهد به أبو طالب لقوله رواه أبو بكر في الشافي # وذكر عبد الرزاق باسناده عن مجاهد قال سئل علي وعمر وعائشة عن العمرة ~~ليلة الحصبة فقال عمر هي خير من لا شيء وقال هي خير من مثقال ذرة وقالت ~~عائشة العمرة على قدر النفقة وعن عائشة أيضا قالت لأن أصوم ثلاثة أيام أو ~~اتصدق على عشرة مساكين أحب الي من ان اعتمر العمرة التى اعتمرت من التنعيم ~~وقال طاوس فمن اعتمر بعد الحج ما أدري أيعذبون عليها أم يؤجرون وقال عطاء ~~بن السائب اعتمرنا بعد الحج فعاب ذلك علينا سعيد بن جبير # وقد أجازها آخرون لكن لم يفعلوها وعن أم الدرداء أنه سألها PageV26P265 ~~سائل ms7627 عن العمرة بعد الحج فأمرته بها وسئل عطاء عن عمرة التنعيم فقال هي ~~تامة ومجزئة وعن القاسم بن محمد قال عمرة المحرم تامة وروى عبد الرزاق في ~~مصنفه قال أخبرنى من سمع عطاء يقول طواف سبع خير لك من سفرك إلى المدينة ~~قال فآتي جدة قال لا انما أمرتم بالطواف قال قلت فأخرج إلى الشجرة فاعتمر ~~منها قال لا قال # وقال بعض العلماء ما زالت قدماي منذ قدمت مكة قال قلت فالاختلاف أحب اليك ~~من الجواز قال لا بل الاختلاف قال عبد الرزاق أخبرنى أبى قال قلت للمثنى ~~اني اريد أن آتى المدينة قال لا تفعل سمعت عطاء سأله رجل فقال له طواف سبع ~~بالبيت خير لك من سفرك إلى المدينة # وروى أبو بكر بن أبى شيبة في ( المصنف ( حدثنا وكيع عن سفيان عن أسلم ~~المنقري قال قلت لعطاء اخرج إلى المدينة أهل بعمرة من ميقات النبى قال ~~طوافك بالبيت أحب الي من سفرك إلى المدينة وقال حدثنا وكيع ثنا عمر بن زر ~~عن مجاهد قال طوافك بالبيت أحب إلى من سفرك إلى المدينة وقال حدثنا إسماعيل ~~بن عبد الملك عن عطاء قال الطواف بالبيت أحب الي من الخروج إلى العمرة ~~PageV26P266 ### ||| فصل # وأما كثرة الاعتمار في رمضان للمكى وغيره فهنا ثلاث مسائل مرتبة أحدها ~~الاعتمار في العام اكثر من مرة ثم الاعتمار لغير المكي ثم كثرة الاعتمار ~~للمكي فأما ( كثرة الاعتمار المشروع ( كالذي يقدم من دويره اهلة فيحرم من ~~الميقات بعمرة كما كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفعلون وهذه من ~~العمرة المشهورة عندهم فقد تنازع العلماء هل يكره أن يعتمر في السنة اكثر ~~من عمرة واحدة فكره ذلك طائفة منهم الحسن وبن سيرين وهو مذهب مالك وقال ~~إبراهيم النخعي ما كانوا يعتمرون في السنة الا مرة واحدة وذلك لان النبى ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يعتمرون الا عمرة واحدة لم يعتمروا ~~في عام مرتين فتكره الزيادة على ما فعلوه كالاحرام من فوق الميقات وغير ذلك ~~ولانه ms7628 في كتاب النبى الذي كتبه لعمرو بن حزم ان العمرة هي الحج الاصغر وقد ~~دل PageV26P267 القرآن على ذلك بقوله تعالى ( يوم الحج الاكبر ) والحج لا ~~يشرع في العام الا مرة واحدة فكذلك العمرة # ورخص في ذلك آخرون منهم من أهل مكة عطاء وطاوس وعكرمة وهو مذهب الشافعي ~~وأحمد وهو المروي عن الصحابة كعلي وبن عمر وبن عباس وانس وعائشة لان عائشة ~~اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبى صلى الله عليه وسلم عمرتها التى كانت مع ~~الحجة والعمرة التى اعتمرتها من التنعيم بأمر النبى ليلة الحصبة التى تلى ~~أيام منى وهي ليلة أربعة عشر من ذي الحجة وهذا على قول الجمهور الذين ~~يقولون لم ترفض عمرتها وانما كانت قارنة # وايضا ففي الصحيحين وغيرهما عن أبى هريرة عن النبى قال ( العمرة إلى ~~العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة ( وهذا مع ~~اطلاقه وعمومه فانه يقتضى الفرق بين العمرة والحج إذ لو كانت العمرة لا ~~تفعل في السنة الا مرة لكانت كالحج فكان يقال الحج إلى الحج # وايضا فانه اقوال الصحابة روى الشافعي عن على بن أبي طالب انه قال في كل ~~شهر مرة وعن انس انه كان اذا حمم رأسه PageV26P268 خرج فاعتمر وروى وكيع عن ~~اسرائيل عن سويد بن أبي ناجية عن ابى جعفر قال قال علي اعتمر في الشهر ان ~~اطقت مرارا وروي سعيد بن منصور عن سفيان عن بن أبي حسين عن بعض ولد انس ان ~~انسا كان اذا كان بمكة فحمم رأسه خرج إلى التنعيم واعتمر # وهذه والله أعلم هي عمرة المحرم فانهم كانوا يقيمون بمكة إلى المحرم ثم ~~يعتمرون وهو يقتضى ان العمرة من مكة مشروعة في الجملة وهذا مما لا نزاع فيه ~~والائمة متفقون على جواز ذلك وهو معنى الحديث المشهور مرسلا عن بن سيرين ~~قال ( وقت رسول الله لاهل مكة التنعيم ( وقال عكرمة يعتمر اذا أمكن الموسى ~~من رأسه ان شاء اعتمر في كل شهر مرتين وفى رواية عنه اعتمر في الشهر ms7629 مرارا # وايضا فان العمرة ليس لها وقت يفوت به كوقت الحج فاذا كان وقتها مطلقا في ~~جميع العام لم تشبه الحج في انها لا تكون الا مرة ### ||| فصل # ( المسألة الثانية ( في الاكثار من الاعتمار والموالاة بينها PageV26P269 ~~مثل ان يعتمر من يكون منزله قريبا من الحرم كل يوم أو كل يومين أو يعتمر ~~القريب من المواقيت التى بينها وبين مكة يومان في الشهر خمس عمر أو ست عمر ~~ونحو ذلك أو يعتمر من يرى العمرة من مكة كل يوم عمرة أو عمرتين فهذا مكروه ~~باتفاق سلف الامة لم يفعله أحد من السلف بل اتفقوا على كراهيته وهو وان كان ~~استحبه طائفة من الفقهاء من اصحاب الشافعي واحمد فليس معهم في ذلك حجة اصلا ~~الا مجرد القياس العام وهو ان هذا تكثير للعبادات أو التمسك بالعمومات في ~~فضل العمرة ونحو ذلك # والذين رخصوا في اكثر من عمرة في الحول اكثر ما قالوا يعتمر اذا امكن ~~الموسى من رأسه أو في شهر مرتين ونحو ذلك # وهذا الذي قاله الامام أحمد قال أحمد اذا اعتمر فلا بد من ان يحلق أو ~~يقصر وفى عشرة ايام يمكن حلق الراس وهذا الذي قاله الامام أحمد فعل انس بن ~~مالك الذي رواه الشافعي انه كان اذا حمم رأسه خرج فاعتمر وهذا لان تمام ~~النسك الحلق أو التقصير وهو اما واجب فيه أو مستحب ومن حكى عن أحمد أو نحوه ~~انه ليس الا مباحا لا استحبابا فقد غلط فمدة نبات الشعر اقصر مدة يمكن فيها ~~اتمام النسك ولا ينتقض هذا بالعمرة PageV26P270 عقيب الحج من أدنى الحل ~~للمفرد فان ذلك مشروع لضرورة فعل العمرة ومع هذا لم يكن يفعله السلف ولا ~~فعله أحد على عهد رسول الله بل الثابت المنقول بالتواتر في حجة النبى حجة ~~الوداع انه امر اصحابه جميعهم اذا طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة ان ~~يحلوا من احرامهم ويجعلوها عمرة الا من ساق الهدى فانه لا يحل إلى يوم ~~النحر حتى يبلغ الهدي محله وقال ( دخلت العمرة ms7630 في الحج إلى يوم القيامة ( ~~فكانت عمرة النبى وجميع اصحابه بأمره في حجة الوداع داخلة في حجهم ليس ~~بينهم فرق الا ان اكثرهم وهم الذين لا هدي معهم حلوا من احرامهم والذين ~~معهم الهدي اقاموا على احرامهم وكل ذلك كانوا يسمونه تمتعا بالعمرة إلى ~~الحج كما استفاضت بذلك الاحاديث الصحيحة التى تبين ان القارن متمتع كما ان ~~من حل من العمرة ثم حج متمتع # فمن اعتمر في اشهر الحج وحج من عامه فهو متمتع في لغة الصحابة الذين نزل ~~القرآن بلسانهم والقارن يكون قارنا اذا احرم بالعمرة والحج ابتداء ويكون ~~قارنا اذا احرم بالعمرة ثم ادخل عليها الحج قبل الطواف باتفاق الائمة ~~الاربعة وغيرهم واذا لم يحل المتمتع من احرامه لكونه قد ساق الهدي واحرم ~~بالحج انعقد احرامه بالحج ويسميه بعض الفقهاء من أصحاب احمد PageV26P271 ~~وغيرهم قارنا لعدم وجود التحلل وبعضهم يقول لا يسمى قارنا لان عليه عندهم ~~سعيا آخر بعد طواف الفرض بخلاف القارن # وهذه المسالة فيها عن أحمد روايتان فقد استحب السعي مرة ثانية على ~~المتمتع وقد نص في غير موضع على ان المتمتع يكفيه السعي الاول كما ثبت في ~~الصحيح من حديث عائشة وغيرها ( ان الصحابة الذين تمتعوا مع النبى صلى الله ~~عليه وسلم لم يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة الا مرة واحدة طوافهم الاول ~~( ولهذا لما اوجب الله تعالى فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج ما استيسر من ~~الهدى كان واجبا على من احرم بالحج بعد تحلله من العمرة التى احرم بها في ~~اشهر الحج وعلى من قرن العمرة بالحج من حين احرامه بالحج أو في اثناء ~~احرامه في الحج # ولهذا كان من ساق الهدي محرما بعمرة التمتع ولم يحرم بالحج الا بعد ~~الطواف والسعي قد يسميه من يفرق بين القران وبين التمتع الخاص قارنا لكونه ~~احرم بالحج قبل تحلله من العمرة وقد يسمونه متمتعا وهو اشهر لكونه لم يحرم ~~الا بعد قضاء العمرة وهو نزاع لفظي لا يختلف به الحكم بحال الا ما ذكرنا من ~~وجوب ms7631 السعي ثانيا وفيمن قد يستحب للمتمتع ان يطوف طواف القدوم بعد رجوعه من ~~عرفة قبل طواف الافاضة وهذا وان كان منقولا عن أحمد PageV26P272 واختاره ~~طائفة من اصحابه فالصواب الذي عليه جماهير العلماء انه لا يستحب لان ~~الصحابة لم يفعلوا ذلك مع النبى وهذا هو القول الاخير من مذهب أحمد # ولهذا كان من روى ان النبى تمتع بالعمرة إلى الحج ومن روى انه قرن بينهما ~~كان كلا الحديثين صوابا والمعنى واحد وكذلك من روى انه افرد الحج كابن عمر ~~وعائشة وغيرهما لانهم ارادوا افراد اعمال الحج ولهذا كان هؤلاء الذين رووا ~~ذلك هم الذين رووا أنه أفرد أعمال الحج فلم يفصل بينهما بتحلل كما يفعل ~~المتمتع اذا تحلل من عمرته ولا كان في عمله زيادة على عمل المفرد بخلاف ~~المتمتع الذي تحلل من احرامه فإنه فصل بين عمرة تمتعه وحجة بتحلل # ولم يعتمر النبى صلى الله عليه وسلم بعد حجته لاهو ولا أحد من اصحابه ~~الذين حجوا معه الا عائشة فهذا متفق عليه بين جميع الناس متواتر تواترا ~~يعرفه جميع العلماء بحجته لا يتنازعون انه لم يعتمر بعد حجته لا من أدنى ~~الحل الذي هو التنعيم الذي بنيت به بعد ذلك المساجد التى تسميها العامة ( ~~مساجد عائشة ( ولا من غير التنعيم PageV26P273 ولهذا اتفقوا على ان ~~الاحاديث الثابتة في الصحاح وغيرها ان النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر اربع ~~عمر عمرة الحديبية وعمرة القضية وعمرة الجعرانة والعمرة التى مع حجته فانما ~~معناها انه اعتمر عمرة متمتع ساق الهدي وهذا ايضا قارن فتسميته متمتعا ~~وقارنا سواء اذا كان قد أهل بالعمرة والحج وهذا متمتع وهو قارن ولهذا كان ~~من غلط من الفقهاء فقال انه احرم بالحج فقط ولم يقرن به عمرة لا قبله ولا ~~معه أو قال إنه احرم إحراما مطلقا ثم عقبه الحج فإنه ينكر ان يكون النبى ~~اعتمر مع حجته ويلزمه رد هذه الاحاديث الصحيحة المبينة انه اعتمر اربع عمر ~~لاتفاق المسلمين على انه لم يعتمر هو ولا أحد من اصحابه ms7632 غير عائشة عقب الحج # ولهذا كان هذا حجة قاطعة على مالم يتنازع فيه الائمة الاربعة وعامة ~~الفقهاء في ان المتمتع بالعمرة إلى الحج سقط عنه بذلك الحج والعمرة سواء ~~قيل بوجوبها أو بتوكيد استحبابها دون وجوبها لان الصحابة الذين حجوا مع ~~النبى بامره هكذا فعلوا واخبرهم النبى صلى الله عليه وسلم ان العمرة دخلت ~~في الحج إلى يوم القيامة وقالوا له أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للابد فقال ~~بل للابد دخلت العمرة في الحج إلى يوم االقيامة ( قال PageV26P274 ومن روى ~~من الصحابة ان النبى افرد الحج ارادوا بذلك بيان انه لم يحل من احرامه ~~لعمرة التمتع كما امر بذلك جمهور اصحابه وهم الذين لم يكونوا ساقوا الهدي ~~فإن الاحاديث الثابتة المتواترة كلها متفقة على ان النبى أمر أصحابه حين ~~قدموا مكة فطافوا بالبيت وبين الصفا والمروة ان يحلوا من احرامهم ويجعلوها ~~عمرة الا من ساق الهدي فانه امره ان يبقى على احرامه إلى يوم النحر حتى ~~يبلغ الهدي محله عملا بمعنى قوله ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ~~) فهذه الجملة لم يتنازع فيها أحد من العلماء ان حجة الوداع كانت هكذا # ثم ان كثيرا من الصحابة روى ان النبى تمتع بالعمرة إلى الحج فصار يظن قوم ~~انهم ارادوا بذلك انه حل من احرامه بالعمرة ثم احرم بالحج كما امر بذلك ~~اصحابه الذين لم يسوقوا الهدي وروي ايضا من روى من هؤلاء الصحابة انه افرد ~~الحج ليزيلوا بذلك ظن من ظن أنه حل من إحرامه وأخبروا أنه لم يحل من إحرامه ~~بل فعل كما يفعل من افرد الحج من بقائه على احرامه وعمل ما يعمله المفرد ~~فروايات الصحابة متفقة على هذا # وكل من روى عنه من الصحابة انه روى الافراد فقد روى التمتع وفسروا التمتع ~~بالقران ورووا عنه صريحا انه قال ( لبيك PageV26P275 عمرة وحجا ( وانه قال ~~( اتانى آت من ربي في هذا الوادي المبارك فقال قل عمرة في حجة ( # ولهذا كان الصواب ان من ساق الهدي فالقران له افضل ومن ms7633 لم يسق الهدي وجمع ~~بينهما في سفر وقدم في اشهر الحج فالتمتع الخاص افضل له وان قدم في شهر ~~رمضان وقبله بعمرة فهذا افضل من التمتع وكذلك لو افرد الحج بسفرة والعمرة ~~بسفرة فهو افضل من المتعة المجردة بخلاف من افرد العمرة بسفرة ثم قدم في ~~اشهر الحج متمتعا فهذا له عمرتان وحجة فهو افضل كالصحابة الذين اعتمروا مع ~~النبى عمرة القضية ثم تمتعوا معه في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج فهذا افضل ~~الاتمام وكذلك فعل النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر اولا ثم قرن في حجه بين ~~العمرة والحج لما ساق الهدي لكنه لم يزد على عمل المفرد فلم يطف للعمرة ~~طوافا رابعا ولهذا قيل انه افرد بالحج # ثم إن الناس كانوا في عهد ابى بكر وعمر لما رأوا في ذلك من السهولة صاروا ~~يقتصرون على العمرة في اشهر الحج ويتركون سائر الأشهر لا يعتمرون فيها من ~~أمصارهم فصار البيت يعرى عن العمار من أهل الأمصار في سائر الحول فامرهم ~~عمر بن الخطاب بما هو اكمل لهم بأن يعتمروا في غير اشهر الحج فيصير البيت ~~مقصودا معمورا في PageV26P276 اشهر الحج وغير اشهر الحج وهذا الذى اختاره ~~لهم عمر هو الأفضل حتى عند القائلين بأن التمتع افضل من الافراد والقرآن ~~كالإمام أحمد وغيره # فإن الامام أحمد يقول انه إذا اعتمر في غير اشهر الحج كان افضل من ان ~~يؤخر العمرة إلى اشهر الحج سواء قدم مكة قبل اشهر الحج واعتمر وأقام بمكة ~~حتى يحج من عامه ذلك أو اعتمر ثم رجع إلى مصره أو ميقات بلده وأحرم بالحج ~~وهذا ظاهر فان القاصد لمكة اذا قدم مثلا في شهر رمضان فاعتمر فيه حصل له ما ~~ذكره النبى بقوله ( عمرة في رمضان تعدل حجة ) وان قدم قبل ذلك معتمرا وأقام ~~بمكة فذلك كله افضل له فإنه يطوف بمكة ويعتكف بها تلك المدة إلى حين ~~الاهلال بالحج وإن رجع إلى مصره ثم قدم وأحرم بالحج فقد افرد للعمرة سفرا ~~وللحج سفرا وذلك أتم ms7634 لهما كما قال على في قوله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة ~~لله ) إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة اهلك أى تنشئ السفر لهما من دويرة ~~اهلك # واما من اعتمر قبل اشهر الحج ثم رجع إلى مصره ثم قدم ثانيا في أشهر الحج ~~فتمتع بعمرة إلى الحج فهذا افضل ممن اقتصر على مجرد الحج في سفرته الثانية ~~إذا اعتمر معها عقيب الحج لأن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر مع الحج تمتع ~~هو قران كما بينوا ولأن من PageV26P277 تحصل له عمرة مفردة وعمرة مع حجة ~~افضل ممن لا يحصل له الا عمرة وحجة وعمرة تمتع افضل من عمرة مكية عقيب الحج # فهذا الذى اختاره عمر للناس هو الاختيار عند عامة الفقهاء كالإمام أحمد ~~ومالك والشافعى وغيرهم وكذلك ذكر اصحاب ابى حنيفة عن محمد بن الحسن ولا ~~يعرف في اختيار ذلك خلاف بين العلماء # ولما كان ذلك هو الأفضل الأرجح وكان إن لم يؤمر الناس به زهدوا فيه ~~وأعرضوا عما هو أنفع لهم في دينهم كان من اجتهاد عمر ونظره لرعيته انه ~~ألزمهم بذلك كما يلزم الأب الشفيق ولده ما هو أصلح له ولما في ذلك من ~~المنفعة لأهل مكة وهذا كان موضع اجتهاد خالفه فيه على وعمران بن حصين ~~وغيرهما من الصحابة ولم يروا ان يؤمر الناس بذلك امرا بل يتركون من احب ~~اعتمر قبل اشهر الحج ومن احب اعتمر فيها وان كان الأول اكمل # وقوي النزاع في ذلك في ( خلافة عثمان ) حتى ثبت في الصحيحين ان عثمان كان ~~ينهى عن المتعة فلما رآه على اهل بهما وقال لم اكن لادع سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقول أحد ونهى عثمان كان لاختيار الافضل لانهى كراهة فلما ~~حصلت الفرقة بعد ذلك بين الأمة بمقتل عثمان ومصير الناس PageV26P278 شيعتين ~~قوما يميلون إلى عثمان وشيعته وقوما يميلون إلى على وشيعته صار قوم من ولاة ~~بنى امية ينهون عن المتعة ويعاقبون من يتمتع ولا يمكنون احدا من العمرة في ~~اشهر الحج وكان في ذلك ms7635 نوع من الجهل والظلم فلما رأى ذلك علماء الصحابة ~~كعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما جعلوا ينكرون ذلك ويأمرون ~~الناس بالمتعة اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرون الناس ان ~~النبى امر بها اصحابه في ( حجة الوداع ) فصار بعض الناس يناظرهم بما توهمه ~~على ابى بكر وعمر فيقولون لعبد الله بن عمر إن اباك كان ينهى عنها فيقول ان ~~ابى لم يرد ذلك ولا كان يضرب الناس عليها ونحو ذلك # فبين لهم ان عمر قصد امر الناس بالافضل لا تحريم المفضول وعمر إنما امرهم ~~بالاعتمار في غير اشهر الحج فاما ان يكون عمر أو أحد من الصحابة اختار ~~للناس ان يفردوا الحج في اشهره ويعتمروا فيه عمرة مكية فهذا لم يأمر به ولم ~~يختره أحد من الصحابة اصلا ولم يفعله أحد على عهد النبى قطعا واكبر ظنى انه ~~لم يفعله أحد من الصحابة بعد النبى ولم يأمر به # وقد حمل طائفة من العلماء نهى عمر على أنه نهى عن متعة الفسخ PageV26P279 ~~وهؤلاء يقولون الفسخ إنما كان جائزا لمن كان مع النبى وقد بسط الكلام على ~~هذا في غير هذا الموضع # وبين ان السلف والعلماء تنازعوا في الفسخ فمذهب بن عباس وأصحابه وكثير من ~~الظاهرية والشيعة يرون ان الفسخ واجب وانه ليس لأحد ان يحج إلا متمتعا ~~ومذهب كثير من السلف والخلف أنه وإن جاز التمتع فليس لمن أحرم مفردا أو ~~قارنا أن يفسخ وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى ومذهب كثير من فقهاء ~~الحديث وغيرهم كأحمد بن حنبل أن الفسخ هو الأفضل وأنه إن حج مفردا أو قارنا ~~ولم يفسخ جاز وأما من ساق الهدى فلا يفسخ بلا نزاع والفسخ جائز ما لم يقف ~~بعرفة وسواء كان قد نوى عند الطواف طواف القدوم أو غير ذلك وسواء كان قد ~~نوى عند الاحرام القران أو الافراد أو أحرم مطلقا # فالأفضل عند هؤلاء لكل من لم يسق الهدى ان يحل من احرامه بعمرة تمتع كما ~~أمر النبى ms7636 أصحابه بذلك في حجة الوداع وليس له ان يتحلل بعمرة إذا كان قصده ~~أن يحج من عامه فيكون متمتعا فأما الفسخ بعمرة مجردة فلا يجوزه أحد من ~~العلماء ولا للذي PageV26P280 يجمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة أن يحج ~~في اشهر الحج ويعتمر عقيب ذلك من مكة بل هم متفقون على ان هذا ليس هو ~~المستحب المسنون فهذا أفضل ممن اقتصر على مجرد الحج في سفرته الثانية أو ~~اعتمر فيها # فثبت أن النبى اعتمر مع الحج عمرة تمتع هو قران كما تقدم ولأن من يحصل له ~~عمرة مفردة وعمرة مع حجه أفضل ممن لم يحصل له إلا عمرة وحجة وعمرة تمتع ~~أفضل من عمرة بمكة عقيب الحج إلى الحج وإن جوزوه فكان عبد الله بن عمر إذا ~~بين لهم معنى كلام عمر ينازعونه في ذلك فيقول لهم فقد روا أن عمر نهى عن ~~ذلك امر رسول الله أحق أن تتبعوه أم عمر وكذلك كان عبد الله بن عباس إذا ~~بين لهم سنة النبى في تمتعه يعارضونه بما توهموه على أبى بكر وعمر فيقول ~~لهم يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال رسول الله وتقولون ~~قال أبو بكر وعمر يبين لهم أنه ليس لأحد أن يعارض سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقول أحد من الناس مع أن أولئك المعارضين كانوا يخطئون على أبى ~~بكر وعمر وهم سواء كانوا علموا حال أبى بكر وعمر أم أخطأوا عليهما ليس لأحد ~~أن يدفع المعلوم من سنة PageV26P281 رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أحد ~~من الخلق بل كل أحد من الناس فانه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله وهذا ~~متفق عليه بين علماء الأمة وأئمتها # وإنما تنازع فيه أهل الجهالة من الرافضة وغالية النساك الذين يعتقد أحدهم ~~في بعض أهل البيت أو بعض المشائخ أنه معصوم أو كالمعصوم وكان بن عباس يبالغ ~~في المتعة حتى يجعلها واجبة ويجعل الفسخ واجبا وهو قول أبى حنيفة وطائفة من ~~أهل الظاهر ms7637 والشيعة ويجعل من طاف وسعى فقد حل من إحرامه وصار متمتعا سواء ~~قصد التمتع أو لم يقصده وصار إلى ايجاب التمتع طائفة من الشيعة وغيرهم وهذا ~~مناقضة لمن نهى عنها وعاقب عليها من بنى امية وغيرهم # وأما الذي عليه أئمة الفقه فإنهم يجوزون هذا وهذا ولكن النزاع بينهم في ~~الفسخ وفى استحبابه فمن حج متمتعا من الميقات أجزأه حجه باتفاق العلماء وما ~~سوى ذلك فيه نزاع سواء أفرد أو قرن أو فسخ إذا قدم في اشهر الحج إلا القارن ~~الذى ساق الهدى فان هذا يجزئه أيضا حجه باتفاقهم وأما من قدم بعمرة قبل ~~أشهر الحج وأقام إلى أن يحج فهذا PageV26P282 ايضا ما أعلم فيه نزاعا ~~فالتمتع المستحب والقرآن المستحب والافراد المستحب هو الذى يجزئه باتفاقهم # وبسبب ما وقع من اشتراك الالفاظ في الرواية واختلاف الاجتهاد في العمل ~~وغير ذلك صار كثير من الفقهاء يغلطون في معرفة ( صفة حجة الوداع ) فيظن ~~طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ان النبى تمتع بمعنى أنه حل من إحرام العمرة ثم ~~أحرم بالحج وهذا غلط بلا ريب وقد قال الامام أحمد لا أشك ان النبى كان ~~قارنا والمتعة أحب إلى أى لمن كان لم يسق الهدى فانه لا يختلف قوله أن من ~~جمع الحج والعمرة في سفرة واحدة وقدم في أشهر الحج ولم يسق الهدى أن هذا ~~التمتع أفضل له بل هو المسنون لأن النبى أمر أصحابه بذلك # وأما من ساق الهدى فهل القران أفضل له أم التمتع ذكروا عنه روايتين والذى ~~صرح به في رواية المروذي أن القران أفضل له لأن النبى هكذا حج بلا نزاع بين ~~أهل العلم والحديث وهذا السائق للهدى تمتعه وقرانه لا يختلفان الا في تقدم ~~الاحرام وتأخيره فمتى أحرم بالحج مع العمرة أو قرن الإحرام بالعمرة أو بز ~~يادة سعى عند من يقول به وقبل طوافه وسعيه عند من يقوله PageV26P283 كان ~~قارنا وهو متمتع تمتع قران بلا نزاع # وإن لم يحرم بالحج الا بعد الطواف والسعى مع بقائه على احرامه ms7638 فهو متمتع ~~وبقاؤه على إحرامه واجب عليه عند أبى حنيفة وأحمد إذا كان قد ساق الهدى ~~وعند مالك والشافعى انما يتحلل إن لم يسق الهدى فانه يتحلل من عمرته ~~باتفاقهم فان أحرم بالحج قبل تحلله من العمرة ففيه نزاع # ومن جوز هذا من أصحاب أحمد فانهم يسمونه أيضا ( قارنا ) فانه لم يتحلل من ~~أحرامه حتى أحرم بالحج وهل على المتمتع بعد طواف الافاضة سعى غير السعى ~~الاول الذى كان عقيب طواف العمرة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره # وقد نص أحمد على ان المتمتع يجزئه سعى واحد كما يجزئ القارن في غير موضع ~~وعلى هذا فلا يختلفان الا بالتقدم والتأخر واذا كان الامر كذلك فمعلوم ان ~~تقدم الاحرام بالحج أفضل من تأخيره لأنه أكمل وهذا الذى ثبت صحيحا صريحا عن ~~النبى حيث قال أنس سمعته يقول ( لبيك عمرة وحجا ) وكذلك في حديث عمر الذى ~~في الصحيح صحيح البخارى عن النبى أنه قال أتانى آت الليلة من ربي وهو ~~بالعقيق فقال PageV26P284 صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة ) ولم ~~ينقل أحد عن النبى نفسه لفظا يخالف هذين ألبتة بل لم ينقل أحد عن النبى ~~لفظا باحرامه الا هذا وكذلك قالت عائشة في الحديث المتفق عليه خرجنا مع ~~رسول الله في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله ( من كان معه هدى ~~فليهل بالحج مع العمرة # واما قول النبى ( لو استقبلت من امرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها ~~عمرة ) فهذا ايضا يبين انه مع سوق الهدى لم يكن يجعلها عمرة وانه إنما كان ~~يجعلها عمرة إذا لم يسق الهدى وذلك لأن اصحابه الذين امرهم بالاحلال وهم ~~الذين لم يسوقوا الهدى كرهوا ان يحلوا في اشهر الحج لأنهم لم يكونوا ~~يعتادون الحل في وسط الاحرام في اشهر الحج فكان النبى لأجل تطييب قلوبهم ~~يوافقهم في الفعل فذكر انه لو استقبل من امره ما استدبر أي لو كنت الساعة ~~مبتدئا الاحرام لم اسق الهدى ولأحرمت بعمرة احل منها وهذا كله ms7639 من النصوص ~~الثابتة عنه بلا نزاع # وهو يبين ان المختار لمن قدم في اشهر الحج أحد امرين اما ان يسوق الهدى ~~أو يتمتع تمتع قارن أو لا يسوق الهدى ويتمتع بعمرة ويحل منها PageV26P285 ~~ثم الذى ينبغى ان يقال ان الذى اختاره الله لنبيه هو افضل الامرين # واما قوله ( لو استقبلت من امرى ما استدبرت لم أفعل ذلك ) فهو حكم معلق ~~على شرط والمعلق على شرط عدم عند عدمه فما استقبل من امره ما استدبر وقد ~~اختار الله تعالى له ما فعل واختار له انه لم يستقبل ما استدبر ولا يلزم ~~اذا كان الشئ افضل على تقدير ان يكون أفضل مطلقا # وهذا كقوله ( لو لم ابعث فيكم لبعث فيكم عمر ) فهو لا يدل على ان عمر ~~افضلهم لو لم يبعث الرسول ولا يدل على انه افضل مع بعث الرسول بل أبو بكر ~~افضل منه في هذه الحال ولكن هذا بين ان الموافقة اذا كان في تنويع الاعمال ~~تفرق وتشتت هو أولى من تنويعها وتنويعها اختيار القادر المفضول للأفضل ~~والعاجز عن المفضول كما اختار من قدر على سوق الهدى الافضل ومن لم يقدر على ~~سوقه مع السلامة عن التفرق ومع تفرق يعقبه ائتلاف هو افضل وغلط ايضا في ( ~~صفة حجه ) طائفة من اصحاب مالك والشافعى وغيرهما فظنوا انه إنما كان مفردا ~~يعنى انه أحرم بحجة مفردة ولم PageV26P286 يعتمر معها اصلا وهذا خلاف ~~الاحاديث الصحيحة الثابتة ايضا وخلاف ما تواتر في سنته # ثم قد يغلط طوائف من متأخريهم فيظنون انه اعتمر مع ذلك من مكة ولهذا لم ~~ينقله أحد ممن له قول معتبر ولم يتنازعوا في أنه أمر أصحابه الذين لم ~~يسوقوا الهدى بالتمتع بالعمرة إلى الحج وأمره في حق أمته أولى بهم من فعله ~~لا سيما وقد بين أن اختصاصه بعدم الاحلال إنما كان لسوق الهدى وهذا متواتر ~~عنه وفى الصحيحين أن حفصة قالت له ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك ~~فقال ( انى لبدت رأسى وقلدت هديي فلا أحل ms7640 حتى أنحر ) فهذا لا ينافى أنه ~~احرم بالعمرة والحج كما روى أنس وعمر وغيرهما لأن ذلك يسمى عمرة لأنه وحده ~~عمل المعتمر ولأنه أمرهم بالحل وأن يجعلوها عمرة فشبهته بهم # وغلط ايضا في ( صفة حجته ) من غلط من اصحاب أبى حنيفة وغيرهم فاعتقدوا أن ~~النبى كان قارنا بمعنى أنه طاف وسعى أولا للعمرة ثم طاف وسعى ثانيا للحج ~~قبل التعريف وكل من نظر في الاحاديث الثابتة المتواترة عن النبى علم أنه لم ~~يطف طوافين ولا سعى سعيين ولا أمر بذلك أصحابه الذين ساقوا الهدى وأمرهم ~~بالبقاء على احرامهم فضلا عن PageV26P287 الذين أمرهم بالاحلال # وما روى أنه يأمر به على ونحوه من فعل الطوافين والسعيين فقد ضعفه غير ~~واحد من أهل العلم بالحديث وليس في شيء من كتب الحديث ان النبى في حجته طاف ~~طوافين وسعى سعيين وإنما يوجد ذلك في بعض كتب الرأى التى يروى أصحابها ~~أحاديث كثيرة وتكون ضعيفة وهم لم يتعمدوا الكذب لكن سمعوا تلك الاحاديث ممن ~~لا يضبط الحديث # وهكذا الاختيار فان الفقهاء وإن جوزوا الانساك الثلاثة فقد يغلط كثير ~~منهم في الاختيار فأعدل الاقوال وهو أتبعها للسنة وأصحها في الأثر والنظر ~~ما ذكرناه أن من قدم في أشهر الحج مريدا للعمرة والحج في تلك السفرة فالسنة ~~له التمتع بالعمرة إلى الحج ثم إن ساق الهدى لم يحل من إحرامه ولكن احرامه ~~بالحج مع العمرة أولا قبل الطواف والسعى أفضل له من أن يؤخر الاحرام بالحج ~~إلى ما بعد الطواف والسعى وان لم يسق الهدى حل وهذا أفضل له من أن يجئ ~~بعمرة عقب الحج # وأما من أفردهما في سفرة واعتمر قبل اشهر الحج وأقام إلى الحج فهذا أفضل ~~من التمتع وهذا قول الخلفاء الراشدين وهو PageV26P288 مذهب الامام أحمد ~~وغيره وقول من يقوله من اصحاب مالك والشافعي وغيرهم واختيار المتعة هو قول ~~اصحاب الحديث وهو قول فقهاء مكة من الصحابة والتابعين وقول بنى هاشم # فاتفق على اختياره علماء سنته وأهل بلدته وأهل بيته # ومالك وإن كان يختار ms7641 ا لافراد فلا يختاره لمن يعتمر عقب الحج بل يعتمر في ~~غير أشهر الحج كالمحرم والشافعى في أحد أقواله يختار التمتع وفى الآخر ~~يختار احراما مطلقا وفى الآخر يختار الافراد ولكن لا أحفظ قوله فيمن يعتمر ~~عقب الحج فانه وإن كان من أصحابه من يجعل هذا هو الأفضل فكثير من أصحاب ~~أحمد يظن ان مذهبه ان المتعة افضل من الاعتمار في أشهر الحج # والغلط في هذا الباب كثير على السنة وعلى الأئمة وإلا فكيف يشك من له ~~أدنى معرفة في السنة ان أصحابه لم يعتمر أحد منهم عقيب الحج وكيف يشك مسلم ~~ان ما فعلوه بأمر النبى هو الأفضل لهم ولمن كان حاله كحالهم وقد تبين بما ~~ذكرنا انه وإن سوغ العمرة من مكة عقب الحج لمن أفرد فهذا لم يفعله أحد على ~~عهد النبى ولا أمر به هو ولا أحد من خلفائه ولا أحد من صحابته PageV26P289 ~~والتابعين وأئمتهم أمر اختيار وهذا كله مما يضعف امر الاعتمار من مكة غاية ~~الضعف ### ||| فصل # وأما المسأله الثالثة فنقول فاذا كان قد تبين بما ذكرناه من السنة واتفاق ~~سلف الامة أنه لا يستحب بل تكره الموالاة بين العمرة لمن يحرم من الميقات ~~فمن المعلوم ان الذى يوالي بين العمر من مكة في شهر رمضان أو غيره أولى ~~بالكراهة فانه يتفق في ذلك محذوران أحدهما كون الاعتمار من مكة وقد اتفقوا ~~على كراهة اختيار ذلك بدل الطواف # والثانى الموالاة بين العمر وهذا اتفقوا على عدم استحبابه بل ينبغى ~~كراهته مطلقا فيما اعلم لمن لم يعتض عنه بالطواف وهو الاقيس فكيف بمن قدر ~~على ان يعتاض عنه بالطواف بخلاف كثرة الطواف فانه مستحب مأمور به لا سيما ~~للقادمين فان جمهور العلماء على ان طوافهم بالبيت افضل لهم من الصلاة ~~بالمسجد الحرام مع فضيلة الصلاة بالمسجد الحرام PageV26P290 ### ||| فصل # وأما الاعتمار في شهر رمضان ففى الصحيحين والسنن عن عطاء سمعت بن عباس ~~يحدثنا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار سماها بن ~~عباس ms7642 فنسيت اسمها ( ما منعك أن تحجى معنا فقالت لم يكن لنا الا ناضحان فحج ~~أبو ولدها على ناضح وترك لنا ناضحا ننضح عليه قال فإذا جاء شهر رمضان ~~فاعتمرى فإن عمرة في رمضان تعدل حجة وفي الصحيحين عن بن عباس عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( عمرة في رمضان تعدل حجة ) وفى الصحيحين أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال لأم سنان امرأة من الأنصار ( عمرة في رمضان تقضى حجة معى ) ~~وروى البخارى هذا الحديث من طريق جابر تعليقا وعن أم معقل عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال ( عمرة في رمضان تعدل حجة ) رواه بن ماجه والترمذى وقال ~~حديث حسن وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت لما حج رسول ~~الله حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله واصابنا مرض ~~وهلك أبو معقل وخرج PageV26P291 النبى صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجته ~~جئته فقال ( يا أم معقل ما منعك ان تحجى قالت لقد تهيأنا فهلك أبو معقل ~~وكان لنا جمل هو الذى نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله قال فهلا ~~خرجت عليه فان الحج من سبيل الله ) رواه أبو داود وروى أحمد في المسند عن ~~أم معقل الاسدية ان زوجها جعل بكرا في سبيل الله وانها ارادت العمرة فسألت ~~زوجها البكر فابى فاتت النبى فذكرت ذلك له فأمره أن يعطيها وقال رسول الله ~~( الحج والعمرة في سبيل الله ) # فهذه الأحاديث تبين انه اراد بذلك العمرة التى كان المخاطبون يعرفونها ~~وهى قدوم الرجل إلى مكة معتمرا فاما ان يخرج المكي فيعتمر من الحل فهذا امر ~~لم يكونوا يعرفونه ولا يفعلونه ولا يأمرون به فكيف يجوز ان يكون ذلك مرادا ~~من الحديث مع ان هذه المرأة كانت بالمدينة النبوية وعمرتها لا تكون إلا عن ~~الميقات ليست عمرتها مكية # وكيف يكون قد رغبهم في عمرة مكية في رمضان ثم أنهم لا يأتون ما فية هذا ~~الاجر العظيم مع فرط ms7643 رغبتهم في الخير وحرصهم عليه وهلا أخبر النبى صلى الله ~~عليه وسلم بذلك أهل مكة المقيمين بها ليعتمروا كل عام في شهر رمضان وإنما ~~أخبر بذلك من كان PageV26P292 بالمدينة لما ذكر له مانعا منعه من السفر ~~للحج فأخبره ان الحج في سبيل الله وان عمره في رمضان تعدل حجة وهذا ظاهر ~~لأن المعتمر في رمضان ان عاد إلى بلدة فقد أتى بسفر كامل للعمرة ذهابا ~~وإيابا في شهر رمضان المعظم فاجتمع له حرمه شهر رمضان وحرمه العمره وصار ما ~~في ذلك من شرف الزمان والمكان يناسب ان يعدل بما في الحج في شرف الزمان وهو ~~أشهر الحج وشرف المكان وان كان المشبه ليس كالمشبه به من جميع الوجوه لا ~~سيما في هذة القصة باتفاق المسلمين وإن أقام بمكة إلى ان حج في ذلك العام ~~فقد حصل له نسكا مكفرا ايضا بخلاف من تمتع في أشهر الحج فإن هذا هو حاج محض ~~وإن كان متمتعا ولهذا يكون داخلا في الحج من حين يحرم بالعمرة # يبين هذا ان بعض طرقة في الصحيح أنه قال للمرأة ( عمرة في رمضان تعدل حجة ~~معى ( ومعلوم ان مراده ان عمرتك في رمضان تعدل حجة معى فانها كانت قد ارادت ~~الحج معه فتعذر ذلك عليها فأخبرها بما يقوم مقام ذلك وهكذا من كان بمنزلتها ~~من الصحابة ولا يقول عاقل ما يظنه بعض الجهال ان عمرة الواحد منا من ~~الميقات أو من مكة تعدل حجة معه فانه من المعلوم بالاضطرار ان الحج التام ~~افضل من عمرة رمضان والواحد منا لو حج الحج المفروض لم يكن كالحج معه فكيف ~~بعمرة وغاية ما يحصله الحديث ان يكون عمرة احدنا في PageV26P293 رمضان من ~~الميقات بمنزلة حجة وقد يقال هذا لمن كان اراد الحج فعجز عنه فيصير بنية ~~الحج مع عمرة رمضان كلاهما تعدل حجة لا احدهما مجردا # وكذلك الانسان اذا فعل ما يقدر عليه من العمل الكامل مع انه لو قدر لفعله ~~كله فانه يكون بمنزلة العامل من الأجر # كما في ms7644 الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( اذا مرض العبد أو ~~سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ) وفى الصحيح عنه انه قال ~~( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل اجور من اتبعه من غير ان ينقص من ~~اجورهم شيئا ) وكذلك قال في الضلالة وشواهد هذا الاصل كثير # ونظير هذا قوله في الحديث الذى رواه بن مسعود عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم انه قال ( تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ~~ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة ) ~~رواه النسائى والترمذى وقال حديث حسن صحيح فان قوله ( تابعوا بين الحج ~~والعمرة ) لم يرد به العمرة من مكة إذ لو أراد ذلك لكان الصحابة يقبلون ~~امره سواء كان امر إيجاب أو استحباب ولا يظن بالصحابة PageV26P294 ~~والتابعين أنهم تركوا اتباع سنته وما رغبوا فيه كلهم حتى حدث بعدهم من فعل ~~ذلك واذا كانوا لا يعتمرون من مكة على ان هذا ليس مقصود الحديث ولكن المراد ~~به العمرة التى كانوا يعرفونها ويفعلونها وهى عمرة القادم # يبين هذا ان النبى لم يأمر عائشة بالعمرة من أدنى الحل مع انها متابعة ~~بين الحج والعمرة ولو كانت المكية مرادة حين طلبت ذلك منه امرها ان تكتفى ~~بما فعلته وقال ( طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك ) ~~فلما راجعته والحت عليه اذن لها في ذلك فلو كان مثل هذا مما امر به لم يكن ~~يأمر ها ابتداء بترك ذلك والاكتفاء بما دونه وهى تطلب ما قد رغب الناس فيه ~~كلهم ففى الصحيحين وسنن ابى داود والنسائى وغيرهما عن عائشة انها قالت ( ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال ~~رسول الله من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما ~~جميعا ثم قدمت مكة وانا حائض فلم اطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ~~إلى النبى صلى الله ms7645 عليه وسلم فقال انقضى رأسك وامتشطى واهلى بالحج ودعى ~~العمرة ففعلت فلما قضينا الحج ارسلنى رسول الله مع عبد الرحمن بن ابى بكر ~~إلى التنعيم فاعتمرت فقال PageV26P295 هذه مكان عمرتك قالت وطاف الذين ~~اهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد ~~ان رجعوا من منى لحجهم واما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فانما طافوا ~~طوافا واحدا ) وفى الصحيحين والسنن أيضا عن عائشة قالت ( لبينا بالحج حتى ~~إذا كنا بسرف حضت فد خل على رسول الله وانا أبكى فقال وما يبكيك يا عائشة ~~فقلت حضت ليتنى لم اكن حججت فقال سبحان الله إنما ذلك شيء كتبه الله على ~~بنات آدم فقال انسكى المناسك كلها غير ان لاتطوفى بالبيت فلما دخلنا مكة ~~قال رسول الله من شاء ان يجعلها عمرة فليجعلها عمرة الا من كان معه الهدى ~~وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر يوم النحر فلما كانت ~~ليلة البطحاء وطهرت عائشة قالت يا رسول الله أيرجع صواحبى بحج وعمرة وأرجع ~~انا بالحج فأمر رسول الله عبد الرحمن بن ابى بكر فأعمرها من التنعيم فأتت ~~بالعمرة ) وفى الصحيحين وسنن ابى داود والنسائي عن جابر قال ( اقبلنا مهلين ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا فأقبلت عائشة مهلة بعمرة حتى ~~اذا كانت بسرف عركت حتى إذا PageV26P296 قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا ~~والمروة فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحل منا من لم يكن معه هدى ~~قال فقلنا حل ماذا قال الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ~~ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا اربع ليال ثم اهللنا يوم التروية ثم دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكى فقال ما شأنك قالت ~~شأنى انى قد حضت وقد حل الناس ولم احلل ولم اطف بالبيت والناس يذهبون إلى ~~الحج الآن قال إن هذا امر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلى ثم اهلى بالحج ~~ففعلت ووقفت المواقف حتى اذا طهرت طافت ms7646 بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قال ~~قد حللت من حجتك وعمرتك جميعا قالت يا رسول الله إنى أجد في نفسى أنى لم ~~أطف بالبيت حين حججت قال فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ~~ليلة الحصبة ) وفى رواية مسلم ( وكان رسول الله سهلا إذا هويت الشيء تابعها ~~عليه فأرسلها مع عبد الرحمن فأهلت من التنعيم بعمرة ) وروى مسلم في صحيحه ~~عن طاوس عن عائشة أنها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حين حاضت فنسكت ~~المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم يوم النفر ~~( يكفيك PageV26P297 طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى ~~التنعيم فاعتمرت بعد الحج ) وروى مسلم أيضا عن مجاهد عن عائشة أنها حاضت ~~بسرف فتطهرت بعرفة فقال لها رسول الله ( يجزئ عنك طوافك بالبيت وبين الصفا ~~والمروة عن حجك وعمرتك ) فهذه قصة عائشة # وللفقهاء في عمرتها التى فعلتها قولان مشهوران # أحدهما وهو قول جمهور الفقهاء من أهل الحديث والحجاز كمالك والشافعى ~~وأحمد وغيرهم أنها لما حاضت وهى متمتعة بالعمرة إلى الحج فمنعها الحيض من ~~طواف العمرة أمرها النبى أن تحرم بالحج مع بقائها على الاحرام فصارت قارنة ~~بين العمرة والحج اذ القارن اسم لمن أحرم بهما ابتداء أو أحرم بالعمرة ثم ~~ادخل عليها الحج قبل طوافها قالوا والاحاديث تدل على ان القارن ليس في عمله ~~زيادة على عمل المفرد الا الهدى فلهذا قال لها النبى صلى الله عليه وسلم ~~لما احلت ( قد حللت من حجك وعمرتك جميعا ) # والقول الثانى وهو قول ابى حنيفة ومن وافقه انها لما حاضت امرها ان ترفض ~~العمرة فتنتقل عنها إلى الحج لا تفرق PageV26P298 بينهما بل تبقى في حج ~~مفرد قالوا فلما حلت حلت من الحج فقط وكان عليها عمرة تقضيها مكان عمرتها ~~التى رفضتها وعلى قول هؤلاء كانت العمرة التى فعلتها واجبة لأنها قضاء عما ~~تركتها وعلى قول الا كثرين لم تكن واجبة بل جائزة وحكم كل امرأة قدمت ~~متمتعة فحاضت قبل الطواف على ms7647 هذين القولين الأولين هل تؤمر ان تحرم بالحج ~~فتصير قارنة أم ترفض العمرة في الحج على القولين # وفيها قول ثالث وهو رواية عن أحمد انها كانت قارنة وعمرة القارن لا تجزئ ~~عن عمرة الاسلام فأمرها النبى بعمرة الاسلام # وفيها قول رابع ذكره بعض المالكية فامتنعت من طواف القدوم لأجل الحيض وان ~~هذه العمرة هي عمرة الاسلام وهذا القول أضعف الأقوال من وجوه متعددة ويليه ~~في الضعف الذى قبله # ومن اصول هذا النزاع ان القارن عند الآخرين عليه ان يطوف أولا ويسعى ~~للعمرة ثم يطوف ويسعى للحج ويختص عندهم بمنعها من عمل القران كما كان ~~يمنعها من عمل التمتع والأولون ليس عندهم على القارن الا طواف واحد وسعى ~~واحد كما على المفرد فاذا كانت حائضا سقط عنها طواف القدوم وأخرت السعى إلى ~~أن تسعى PageV26P299 بعد طواف الافاضة وليس عليها غير ذلك # وأهل القول الثانى بلغهم ما ثبت في الصحيح أن النبى قال لها ( ارفضى ~~عمرتك ) واعتقدوا ان رسول الله أمرها ان تعتمر من التنعيم فاعتقدوا أن ذلك ~~صار واجبا للعمرة المرفوضة وان رفض العمرة هو تركها بالدخول في الحج المفرد # وأما أهل القول الأول فبلغهم من العلم مالم يبلغ هؤلاء فان قصة عائشة ~~رويت من وجوه متعددة عنها وعن غيرها كجابر وغيره فانظر ما قالت وما قال لها ~~النبى حيث قال لها ( قد حللت من حجك وعمرتك جميعا ) وقال لها ( سعيك وطوافك ~~لحجك وعمرتك ) وفى رواية ( يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك ~~) فهذا نص في أنها كانت في حج وعمرة لافى حج مفرد وفى ان الطواف الواحد ~~أجزأ عنها لم يحتج إلى طوافين # وايضا قد ثبت في السنن الصحيحة الصريحة أن النبى صلى الله عليه وسلم ومن ~~ساق الهدى من أصحابه كانوا قادمين ولم يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ~~حين قدموا الا مرة واحدة PageV26P300 وايضا فإنها قالت له لما قال لها ذلك ~~انى اجد في نفسى أنى لم أطف بالبيت حين حججت قال ( فاذهب بها يا عبد الرحمن ms7648 ~~فاعمرها من التنعيم ) وكذلك قولها له ( أيرجع صواحبى بحج وعمرة وأرجع أنا ~~بالحج فأمر عبد الرحمن فذهب بها إلى التنعيم ) يدل على أنه لم يأمرها ~~بالعمرة ابتداء وإنما أجاب سؤالها لما كرهت أن ترجع الا بفعل عمرة فان ~~صواحبها كن في عمرة تمتع طفن أولا وسعين وهى لم تطف وتسع الا بعد التعريف ~~فصار عملهن أزيد من عملها لأنه سقط عنها بالحيض الطواف الاول PageV26P301 ### |||| وسئل رضى الله عنه وأرضاه # عمن يقف بعرفة ولا يمكنه الذهاب إلى البيت خوفا ~~من القتل أو ذهاب المال هل يجزئه الحج أم لا وفيمن يكون ببدنه أو رأسه أذى ~~فلبس وغطى رأسه هل تجب عليه الفدية أم لا وما هي الفدية ومن لم يجد الا ~~بعيرا حراما هل يجزئه الحج عليه وما هو الافراد والقران والتمتع وما الأفضل ~~ومن لم يعلم ذلك هل يصح حجه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لا بد بعد الوقوف من طواف الافاضة وان لم ~~يطف بالبيت لم يتم حجه باتفاق الامة وان احصره عدو عن البيت وخاف فلم يمكنه ~~الطواف تحلل فيذبح هديا ويحل وعليه الطواف بعد ذلك أن كانت تلك حجة الاسلام ~~فيدخل مكة بعمرة يعتمرها تكون عوضا عن ذلك # ولا يجوز له تغطية رأسه من غير حاجة ولا لبس القميص والجبة ونحو ذلك الا ~~لحاجة فان خاف من شدة البرد ان يمرض لبس وافتدى ايضا واستغفر الله من ذنوبه ~~PageV26P302 # والفدية للعذر ان يذبح شاة يقسمها بين الفقراء أو يصوم ثلاثة أيام أو ~~يتصدق على ستة فقراء كل فقير بنصف صاع تمر وان تصدق على كل واحد برطل خبز ~~جاز # ولا يجوز ان يحج على بعير محرم والافضل لمن ساق الهدى أن يقرن بين العمرة ~~والحج وإن لم يسق الهدى وأراد أن يجمع بين العمرة والحج فالتمتع أفضل وإن ~~حج في سفرة واعتمر في سفرة فالافراد أفضل له وإذا أحرم مطلقا ولم يخطر ~~بباله هذه الامور صح حجه اذا حج كما يحج المسلمون والله سبحانه وتعالى أعلم ms7649 ~~بالصواب PageV26P303 ### ||| 2 باب الهدى والاضحية والعقيقة 2 # قال رحمه الله ### ||| فصل # والأضحية والعقيقة والهدى افضل من الصدقة بثمن ذلك فاذا كان معه مال يريد ~~التقرب به إلى الله كان له ان يضحى به والاكل من الأضحية افضل من الصدقة ~~والهدى بمكة افضل من الصدقة بها وان كان قد نذر أضحية في ذمته فاشتراها في ~~الذمة وبيعت قبل الذبح كان عليه إبدالها شاة # واما إذا اشترى أضحية فتعيبت قبل الذبح ذبحها في أحد قولي العلماء وان ~~تعيبت عند الذبح أجزأ في الموضعين PageV26P304 # وقال رحمه الله # والأضحية من النفقة بالمعروف فيضحى عن اليتيم من ماله وتأخذ المرأة من ~~مال زوجها ما تضحى به عن أهل البيت وإن لم يأذن في ذلك ويضحى المدين اذا لم ~~يطالب بالوفاء ويتدين ويضحى اذا كان له وفاء ### |||| وسئل # عمن لا يقدر على الأضحية هل يستدين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إن كان له وفاء فاستدان ما يضحى به فحسن ولا ~~يجب عليه ان يفعل ذلك والله أعلم PageV26P305 # وقال رحمه الله ### ||| فصل # وتجوز الأضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه والصدقة عنه ويضحى عنه في ~~البيت ولا يذبح عند القبر أضحية ولا غيرها فان في سنن ابى داود عن النبى ( ~~انه نهى عن العقر عند القبر ) حتى كره أحمد الأكل مما يذبح عند القبر لأنه ~~يشبه ما يذبح على النصب فإن النبى قال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور انبيائهم مساجد ) يحذر ما فعلوا وثبت عنه في الصحيح انه قال ( لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها ) وقال ( الأرض كلها مسجد الا المقبرة ~~والحمام ) فنهى عن الصلاة عندها لئلا يشبه من يصلى لها وكذلك الذبح عندها ~~يشبه من ذبح لها # وكان المشركون يذبحون للقبور ويقربون لها القرابين وكانوا في الجاهلية ~~اذا مات لهم عظيم ذ 1 بحوا عند قبره الخيل والابل وغير ذلك تعظيما للميت ~~فنهى النبى عن ذلك كله PageV26P306 # ولو نذر ذلك ناذر لم يكن له ان يوفى به ولو شرطه واقف لكان شرطا فاسدا # وكذلك ms7650 الصدقة عند القبر كرهها العلماء وشرط الواقف ذلك شرط فاسد وانكر من ~~ذلك ان يوضع على القبر الطعام والشراب ليأخذه الناس فان هذا ونحوه من عمل ~~كفار الترك لامن أفعال المسلمين # وقال رحمه الله ### ||| فصل # والأضحية بالحامل جائزة فاذا خرج ولدها ميتا فذكاته ذكاة أمه عند الشافعى ~~واحمد وغيرهما سواء اشعر أو لم يشعر وان خرج حيا ذبح ومذهب مالك إن أشعر حل ~~والا فلا وعند ابى حنيفة لا يحل حتى يذكى بعد خروجه والله أعلم PageV26P307 ~~وقال رحمه الله ### ||| فصل # و ( الهتماء ) التى سقط بعض أسنانها فيها قولان هما وجهان في مذهب أحمد ~~أصحهما انها تجزئ وأما التى ليس لها أسنان في أعلاها فهذه تجزئ باتفاق # والعفراء أفضل من السوداء واذا كان السواد حول عينيها وفمها وفى رجليها ~~اشبهت أضحية النبى صلى الله عليه وسلم ### |||| وسئل # عما يقال على الاضحية حال ذبحها وما صفة ذبحها وكيف يقسمها ### ||||| فأجاب # الحمد لله وأما الاضحية فانه يستقبل بها القبلة فيضجعها على الأيسر ~~ويقول بسم الله والله أكبر اللهم تقبل منى كما PageV26P308 تقبلت من ~~إبراهيم خليلك واذا ذبحها قال ( وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفا ~~وما انا من المشركين ) ( قل ان صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) # ويتصدق بثلثها ويهدى ثلثها وإن أكل اكثرها أو أهداه أو اكله أو طبخها ~~ودعا الناس اليها جاز # ويعطى أجرة الجزار من عنده وجلدها ان شاء انتفع به وان شاء تصدق به والله ~~أعلم # وقال رحمه الله تعالى ### ||| فصل # الذبيحة الأضحية وغيرها تضجع على شقها الايسر ويضع الذابح رجله اليمين ~~على عنقها كما ثبت في الصحيح عن رسول الله فيسمى ويكبر فيقول ( باسم الله ~~والله اكبر اللهم منك ولك اللهم تقبل منى كما تقبلت من إبراهيم خليلك ~~PageV26P309 ومن أضجعها على شقها الا يمن وجعل رجله اليسرى على عنقها تكلف ~~مخالفة يديه ليذبحها فهو جاهل بالسنة معذب لنفسه وللحيوان ولكن يحل أكلها ~~فإن الاضجاع على الشق الايسر اروح للحيوان ms7651 وأيسر في إزهاق النفس وأعون ~~للذبح وهو السنة التى فعلها رسول الله وعليها عمل المسلمين وعمل الامم كلهم # ويشرع ان يستقبل بها القبلة ايضا # وان ضحى بشاة واحدة عنه وعن أهل بيته أجزأ ذلك في اظهر قولى العلماء وهو ~~مذهب مالك وأحمد وغيرهما فان الصحابة كانوا يفعلون ذلك وقد ثبت في الصحيح ~~ان النبى ضحى بشاتين فقال في احداهما ( اللهم عن محمد وآل محمد ) ### |||| وسئل # عن رجل اسمه أبو بكر صار جنديا وغير اسمه وسمى روحه اسم المماليك فهل ~~عليه إثم ### ||||| فأجاب # اذا سمى اسمه باسم تركى لمصلحة له في ذلك فلا إثم عليه PageV26P310 ~~ويكون له اسمان كما يكون له اسم من سماه به أبواه ثم يلقبه الناس ببعض ~~الالقاب كفلان الدين ### |||| وسئل # عن الألقاب المتواطئ عليها بين الناس ### ||||| فأجاب # أما الألقاب فكانت عادة ~~السلف الاسماء والكنى فاذا كنوه بأبي فلان تارة يكنون الرجل بولده كما ~~يكنون من لا ولد له اما بالإضافة إلى اسمه أو اسم أبيه أو بن سميه أو بأمر ~~له تعلق به كما كنى النبى عائشة بابن اختها عبد الله وكما يكنون داود أبا ~~سليمان لكونه باسم داود عليه السلام الذى اسم ولده سليمان وكذلك كنية ~~إبراهيم أبو إسحاق وكما كنوا عبد الله بن عباس أبا العباس وكما كنى النبى ~~أبا هريرة باسم هريرة كانت معه وكان الأمر على ذلك في القرون الثلاثة فلما ~~غلبت دولة الأعاجم لبنى أمية صاروا # ثم بعد هذا احدثوا الاضافة إلى الدين وتوسعوا في هذا ولا ريب ان الذى ~~يصلح مع الامكان هو ما كان السلف يعتادونه من PageV26P311 المخاطبات ~~والكنايات فمن امكنه ذلك فلا يعدل عنه إن اضطر إلى المخاطبة لا سيما وقد ~~نهى عن الأسماء التى فيها تزكية كما غير النبى بره فسماها زينب لئلا تزكى ~~نفسها والكناية عنه بهذه الاسماء المحدثة خوفا من تولد شر إذا عدل عنها ~~فليقتصر على مقدار الحاجة ولقبوا بذلك لأنه علم محض لا تلمح فيه الصفة ~~بمنزلة الاعلام المنقولة مثل اسد وكلب وثور # ولا ms7652 ريب ان هذه المحدثات التى احدثها الأعاجم وصاروا يزيدون فيها فيقولون ~~عز الملة والدين وعز الملة والحق والدين واكثر ما يدخل في ذلك من الكذب ~~المبين بحيث يكون المنعوت بذلك أحق بضد ذلك الوصف والذين يقصدون هذه الامور ~~فخرا وخيلاء يعاقبهم الله بنقيض قصدهم فيذلهم ويسلط عليهم عدوهم # والذين يتقون الله ويقومون بما امرهم به من عبادته وطاعته يعزهم وينصرهم ~~كما قال تعالى ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الاشهاد ) وقال تعالى ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا ~~يعلمون ) والله اعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم PageV26P312 ### || 1 ( زيارة بيت المقدس ) 1 # قال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ~~ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ~~من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا ! 8 < ### ||| فصل # ! 8 < في ( زيارة بيت المقدس ( ثبت في الصحيحين عن النبى انه قال ( لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا ( ~~وفى الصحيحين من حديث أبى سعيد وأبى هريرة وقد روى من طرق أخرى وهو حديث ~~مستفيض PageV27P005 متلقى بالقبول أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول ~~والتصديق # واتفق علماء المسلمين على إستحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة ~~فيه كالصلاة والدعاء والذكر وقراءة القرآن والإعتكاف وقد روى من حديث رواه ~~الحاكم في صحيحه ( إن سليمان عليه السلام سأل ربه ثلاثا ملكا لا ينبغى لأحد ~~من بعده وسأله حكما يوافق حكمه وسأله أنه لا يؤم أحد هذا البيت لا يريد إلا ~~الصلاة فيه إلا غفر له ( ولهذا كان إبن عمر رضى الله عنه يأتى إليه فيصلى ~~فيه ولا يشرب فيه ماء لتصيبه دعوة سليمان لقوله ( لا يريد إلا الصلاة فيه ( ~~فإن هذا يقتضى إخلاص النية في السفر إليه ولا ms7653 يأتيه لغرض دنيوى ولا بدعة # وتنازع العلماء فيمن نذر السفر إليه في الصلاة فيه أو الإعتكاف فيه هل ~~يجب عليه الوفاء بنذره على قولين مشهورين وهما قولان للشافعى أحدهما يجب ~~الوفاء بهذا النذر وهو قول الأكثرين مثل مالك وأحمد بن حنبل وغيرهما ~~والثانى لا يجب وهو قول أبى حنيفة فإن من اصله أنه لا يجب بالنذر إلا ما ~~كان جنسه واجبا بالشرع فلهذا يوجب نذر PageV27P006 الصلاة والصيام والصدقة ~~والحج والعمرة فإن جنسها واجب بالشرع ولا يوجب نذر الإعتكاف فإن الإعتكاف ~~لا يصح عنده إلا بصوم وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه # وأما الأكثرون فيحتجون بما رواه البخارى في صحيحه عن عائشة رضى الله عنها ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر ~~أن يعصى الله فلا يعصه ( فأمر النبى بالوفاء بالنذر لكل من نذر ان يطيع ~~الله ولم يشترط أن تكون الطاعة من جنس الواجب بالشرع وهذا القول أصح # وهكذا النزاع لو نذر السفر إلى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم مع أنه ~~أفضل من المسجد الأقصى وأما لو نذر إتيان المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب ~~عليه الوفاء بنذره بإتفاق العلماء # والمسجد الحرام أفضل المساجد ويليه مسجد النبى صلى الله عليه وسلم ويليه ~~المسجد الأقصى وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ~~( # والذى عليه جمهور العلماء أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل منها في مسجد ~~النبى وقد روى أحمد والنسائى وغيرهما PageV27P007 عن النبى ( إن الصلاة في ~~المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ( وأما في المسجد الأقصى فقد روى ( أنها ~~بخمسين صلاة ( وقيل ( بخمسمائة صلاة ( وهو أشبه # ولو نذر السفر إلى ( قبر الخليل عليه السلام ( أو قبر النبى أو إلى ( ~~الطور ( ( الذى كلم الله عليه موسى عليه السلام أو إلى ( جبل حراء ( الذى ~~كان النبى يتعبد فيه وجاءه الوحى فيه أو ms7654 الغار المذكور في القرآن وغير ذلك ~~من المقابر والمقامات والمشاهد المضافة إلى بعض الأنبياء والمشائخ أو إلى ~~بعض المغارات أو الجبال لم يجب الوفاء بهذا النذر بإتفاق الأئمة الأربعة ~~فإن السفر إلى هذه المواضع منهى عنه لنهى النبى ( لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد ( فإذا كانت المساجد التى هي من بيوت الله التى أمر فيها ~~بالصلوات الخمس قد نهى عن السفر إليها حتى مسجد قباء الذى يستحب لمن كان ~~بالمدينة أن يذهب إليه لما ثبت في الصحيحين عن بن عمر رضى الله عنه عن ~~النبى ( أنه كان يأتى قباء كل سبت راكبا وماشيا ( وروى الترمذى وغيره أن ~~النبى قال ( من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا ~~الصلاة فيه كان له كعمرة ( قال الترمذى حديث حسن صحيح PageV27P008 # فإذا كان مثل هذا ينهى عن السفر إليه وينهى عن السفر إلى الطور المذكور ~~في القرآن وكما ذكر مالك المواضع التى لم تبن للصلوات الخمس بل ينهى عن ~~إتخاذها مساجد فقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه قال في مرض موته ( لعن ~~الله اليهود والنصارى إتخذوا آثار أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا ( قالت ~~عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفى صحيح مسلم وغيره عن ~~النبى أنه قال ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( ولهذا لم يكن الصحابة يسافرون إلى شيء ~~من مشاهد الأنبياء لا مشهد إبراهيم الخليل عليه السلام ولا غيره والنبى صلى ~~الله عليه وسلم ليلة المعراج صلى في بيت المقدس ركعتين كما ثبت ذلك في ~~الحديث الصحيح ولم يصل في غيره وأما ما يرويه بعض الناس من حديث المعراج ( ~~أنه صلى في المدينة وصلى عند قبر موسى عليه السلام وصلى عند قبر الخليل فكل ~~هذه الأحاديث مكذوبة موضوعة # وقد رخص بعض المتأخرين في السفر إلى المشاهد ولم ينقلوا ذلك عن أحد من ~~الأئمة ولا إحتجوا بحجة شرعية PageV27P009 ### ||| فصل # والعبادات المشروعة ms7655 في المسجد الأقصى هي من جنس العبادات المشروعة في ~~مسجد النبى وغيره من سائر المساجد إلا المسجد الحرام فإنه يشرع فيه زيادة ~~على سائر المساجد بالطواف بالكعبة وإستلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر ~~الأسود وأما مسجد النبى والمسجد الأقصى وسائر المساجد فليس فيها ما يطاف به ~~ولا فيها ما يتمسح به ولا ما يقبل فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبى ولا ~~بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ولا بصخرة بيت المقدس ولا بغير هؤلاء ~~كالقبة التى فوق جبل عرفات وأمثالها بل ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف ~~بالكعبة # ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير ~~الكعبة فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما هاجر من مكة إلى المدينة صلى ~~بالمسلمين ثمانية عشر شهرا إلى بيت المقدس فكانت قبلة المسلمين هذه المدة ~~ثم إن الله حول القبلة إلى الكعبة وأنزل الله في ذلك القرآن PageV27P010 ~~كما ذكر في سورة البقرة وصلى النبى والمسلمون إلى الكعبة وصارت هي القبلة ~~وهى قبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء # فمن إتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلى إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب ~~وإلا قتل مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك فكيف بمن يتخذها مكانا يطاف به كما ~~يطاف بالكعبة والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال وكذلك من قصد أن يسوق ~~إليها غنما أو بقرا ليذبحها هناك ويعتقد أن الأضحية فيها افضل وأن يحلق ~~فيها شعره في العيد أو أن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة فهذه الأمور ~~التى يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق من البدع ~~والضلالات ومن فعل شيئا من ذلك معتقدا أن هذا قربة إلى الله فإنه يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل كما لو صلى إلى الصخرة معتقدا أن إستقبالها في الصلاة ~~قربة كإستقبال الكعبة ولهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين في مقدم ~~المسجد الأقصى # فإن ( المسجد الأقصى ( إسم لجميع المسجد الذى بناه سليمان عليه السلام ~~وقد صار بعض الناس ms7656 يسمى الأقصى المصلى الذى بناه عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه في مقدمه والصلاة في هذا المصلى الذى بناه عمر للمسلمين أفضل من الصلاة ~~في سائر المسجد فإن عمر بن الخطاب لما PageV27P011 فتح بيت المقدس وكان على ~~الصخرة زبالة عظيمة لأن النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين ~~يصلون إليها فأمر عمر رضى الله عنه بإزالة النجاسة عنها وقال لكعب الأحبار ~~أين ترى أن نبني مصلى المسلمين فقال خلف الصخرة فقال يا إبن اليهودية ~~خالطتك يهودية بل أبنيه أمامها فإن لنا صدور المساجد ولهذا كان أئمة الأمة ~~إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى الذى بناه عمر وقد روى عن عمر رضى ~~الله عنه أنه صلى في محراب داود # وأما الصخرة فلم يصل عندها ( عمر رضى الله عنه ولا الصحابة ولا كان على ~~عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلى ~~ومعاوية ويزيد ومروان ولكن لما تولى إبنه عبد الملك الشام ووقع بينه وبين ~~إبن الزبير الفتنة كان الناس يحجون فيجتمعون بإبن الزبير فأراد عبد الملك ~~أن يصرف الناس عن إبن الزبير فبنى القبة على الصخرة وكساها في الشتاء ~~والصيف ليرغب الناس في ( زيارة بيت المقدس ( ويشتغلوا بذلك عن إجتماعهم ~~بإبن الزبير وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا ~~يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة كما أن يوم السبت كان عيدا في شريعة موسى ~~عليه السلام ثم نسخ في شريعة محمد بيوم الجمعة فليس للمسلمين أن يخصوا يوم ~~السبت ويوم الأحد بعبادة كما تفعل اليهود PageV27P012 والنصارى وكذلك ~~الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى # وما يذكره بعض الجهال فيها من أن هناك أثر قدم النبى وأثر عمامته وغير ~~ذلك فكله كذب وأكذب منه من يظن أنه موضع قدم الرب وكذلك المكان الذى يذكر ~~أنه مهد عيسى عليه السلام كذب وإنما كان موضع معمودية النصارى وكذا من زعم ~~أن هناك الصراط والميزان أو أن السور الذى يضرب به بين الجنة والنار هو ذلك ~~الحائط المبنى ms7657 شرقى المسجد وكذلك تعظيم السلسلة أو موضعها ليس مشروعا ### ||| فصل # وليس في بيت المقدس مكان يقصد للعبادة سوى المسجد الأقصى لكن إذا زار ~~قبور الموتى وسلم عليهم وترحم عليهم كما كان النبى يعلم اصحابه فحسن فإن ~~النبى عليه السلام كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم ( ~~السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم ~~العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وإغفر لنا ولهم PageV27P013 ### ||| فصل # وأما زيارة ( معابد الكفار ) مثل الموضع المسمى ( بالقمامة ) أو ( بيت ~~لحم ( أو صهيون ( أو غير ذلك مثل ( كنائس النصارى ( فمنهى عنها فمن زار ~~مكانا من هذه الأمكنة معتقدا أن زيارته مستحبة والعبادة فيه أفضل من ~~العبادة في بيته فهو ضال خارج عن شريعة الإسلام يستتاب فإن تاب وإلا قتل ~~وأما إذا دخلها الإنسان لحاجة وعرضت له الصلاة فيها فللعلماء فيها ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد وغيره قيل تكره الصلاة فيها مطلقا وإختاره بن عقيل وهو ~~منقول عن مالك وقيل تباح مطلقا وقيل إن كان فيها صور نهى عن الصلاة وإلا ~~فلا وهذا منصوص عن أحمد وغيره وهو مروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~وغيره فإن النبى قال ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ( ولما فتح النبى ~~مكة كان في الكعبة تماثيل فلم يدخل الكعبة حتى محيت تلك الصور والله أعلم ### ||| فصل # وليس ببيت المقدس مكان يسمى ( حرما ( ولا بتربة الخليل ولا PageV27P014 ~~بغير ذلك من البقاع إلا ثلاثة أماكن أحدها هو حرم بإتفاق المسلمين وهو حرم ~~مكة شرفها الله تعالى والثانى حرم عند جمهور العلماء وهو حرم النبى من عير ~~إلى ثور بريد في بريد فإن هذا حرم عند جمهور العلماء كمالك والشافعى وأحمد ~~وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبى والثالث ( وج ( وهو واد بالطائف فإن ~~هذا روى فيه حديث رواه أحمد في المسند وليس في الصحاح وهذا حرم عند الشافعى ~~لاعتقاده صحة الحديث وليس حرما ms7658 عند أكثر العلماء وأحمد ضعف الحديث المروى ~~فيه فلم يأخذ به وأما ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرما عند أحد من ~~علماء المسلمين فإن الحرم ما حرم الله صيده ونباته ولم يحرم الله صيد مكان ~~ونباته خارجا عن هذه الأماكن الثلاثة ### ||| فصل # وأما زيارة بيت المقدس ( فمشروعة في جميع الأوقات ولكن لا ينبغى أن يؤتى ~~في الأوقات التى تقصدها الضلال مثل وقت عيد النحر فإن كثيرا من الضلال ~~يسافرون إليه ليقفوا هناك والسفر إليه لأجل التعريف به معتقدا أن هذا قربة ~~محرم بلا ريب وينبغى أن لا يتشبه بهم ولا يكثر سوادهم PageV27P015 وليس ~~السفر إليه مع الحج قربة وقول القائل قدس الله حجتك قول باطل لا أصل له كما ~~يروى ( من زارنى وزار أبى في عام واحد ضمنت له الجنة ( فإن هذا كذب بإتفاق ~~أهل المعرفة بالحديث بل وكذلك كل حديث يروى في زيارة قبر النبى صلى الله ~~عليه وسلم فإنه ضعيف بل موضوع ولم يرو أهل الصحاح والسنن والمسانيد كمسند ~~أحمد وغيره من ذلك شيئا ولكن الذى في السنن ما رواه أبوداود عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( ما من رجل يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد ~~عليه السلام ( فهو يرد السلام على من سلم عليه عند قبره ويبلغ سلام من سلم ~~عليه من البعيد كما في النسائى عنه أنه قال ( إن الله وكل بقبرى ملائكة ~~يبلغونى عن أمتى السلام ( وفى السنن عنه أنه قال ( أكثروا على من الصلاة ~~يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة على قالوا وكيف تعرض صلاتنا ~~عليك وقد أرمت فقال إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ( فبين ~~صلى الله عليه وسلم أن الصلاة والسلام توصل إليه من البعيد والله قد أمرنا ~~أن نصلى عليه ونسلم وثبت في الصحيح أنه قال ( من صلى على مرة صلى الله عليه ~~بها عشرا ( تسليما كثيرا ( PageV27P016 ### ||| فصل # وأما السفر إلى ( عسقلان ( في هذه الأوقات فليس مشروعا لا واجبا ولا ms7659 ~~مستحبا ولكن عسقلان كان لسكناها وقصدها فضيلة لما كانت ثغرا للمسلمين يقيم ~~بها المرابطون في سبيل الله فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن سلمان عن النبى ~~أنه قال ( رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات ~~مرابطا مات مجاهدا وأجرى عليه عمله وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان ( ~~وقال أبوهريرة ( لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة ~~القدر عند الحجر الأسود وكان أهل الخير والدين يقصدون ثغور المسلمين للرباط ~~فيها ثغور الشام كعسقلان وعكة وطرسوس وجبل لبنان وغيرها وثغور مصر ~~كالأسكندرية وغيرها وثغور العراق كعبادان وغيرها فما خرب من هذه البقاع ولم ~~يبق بيوتا كعسقلان لم يكن ثغورا ولا في السفر إليه فضيلة وكذلك جبل لبنان ~~وأمثاله من الجبال لا يستحب السفر إليه وليس فيه أحد من الصالحين المتبعين ~~لشريعة الإسلام ولكن فيه كثير من الجن وهم ( رجال الغيب ( الذين يرون ~~أحيانا في هذه البقاع قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال ~~من الجن فزادوهم رهقا @QE@ PageV27P017 وكذلك الذين يرون الخضر أحيانا هو ~~جني رآه وقد رآه غير واحد ممن أعرفه وقال أننى الخضر وكان ذلك جنيا لبس على ~~المسلمين الذين رأوه وإلا فالخضر الذى كان مع موسى عليه السلام مات ولو كان ~~حيا على عهد رسول الله لوجب عليه أن يأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويؤمن به ويجاهد معه فإن الله فرض على كل أحد أدرك محمدا ولو كان من ~~الأنبياء أن يؤمنوا به ويجاهدوا معه كما قال الله تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال ~~فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين @QE@ قال بن عباس رضى الله عنه لم يبعث الله ~~نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه وأمره ~~أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد ms7660 وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه ولم ~~يذكر أحد من الصحابة أنه رأى الخضر ولا أنه أتى إلى النبى صلى الله عليه ~~وسلم فإن الصحابة كانوا أعلم وأجل قدرا من أن يلبس الشيطان عليهم ولكن لبس ~~على كثير ممن بعدهم فصار يتمثل لأحدهم في صورة النبى ويقول أنا الخضر وإنما ~~هو شيطان كما أن كثيرا من الناس يرى ميته خرج وجاء إليه وكلمه في أمور وقضا ~~حوائج فيظنه الميت نفسه وإنما هو شيطان تصور بصورته وكثير من الناس يستغيث ~~بمخلوق أما نصرانى كجرجس أو غير PageV27P018 نصرانى فيراه قد جاءه وربما ~~يكلمه وإنما هو شيطان تصور بصورة ذلك المستغاث به لما أشرك به المستغيث ~~تصور له كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم الناس ومثل هذا موجود ~~كثير في هذه الأزمان في كثير من البلاد ومن هؤلاء من تحمله الشياطين فتطير ~~به في الهواء إلى مكان بعيد ومنهم من تحمله إلى عرفة فلا يحج حجا شرعيا ولا ~~يحرم ولا يلبى ولا يطوف ولا يسعى ولكن يقف بثيابه مع الناس ثم يحملونه إلى ~~بلده وهذا من تلاعب الشياطين بكثير من الناس كما قد بسط الكلام في غير هذا ~~الموضع والله أعلم بالصواب وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~PageV27P019 ### || 1 ( زيارة القبور ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله # عن زيارة ( القدس ( و ( قبر الخليل عليه السلام ( وما في ~~أكل الخبز والعدس من البركة ونقله من بلد إلى بلد للبركة وما في ذلك من ~~السنة والبدعة ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما السفر إلى بيت المقدس للصلاة فيه والإعتكاف أو ~~القراءة أو الذكر أو الدعاء فمشروع مستحب بإتفاق علماء المسلمين وقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبى من حديث أبى هريرة وأبى سعيد أنه قال ( لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا ( والمسجد ~~الحرام ومسجد رسول الله أفضل منه وفى الصحيحين عنه أنه قال ( صلاة في مسجدى ~~هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام # وأما السفر إلى مجرد ms7661 زيارة ( قبر الخليل ( أو غيره من مقابر الأنبياء ~~والصالحين ومشاهدهم وآثارهم فلم يستحبه أحد من أئمة المسلمين لا الأربعة ~~ولا غيرهم بل لو نذر ذلك ناذر لم يجب عليه الوفاء بهذا PageV27P020 النذر ~~عند الأئمة الأربعة وغيرهم بخلاف المساجد الثلاثة فإنه إذا نذر السفر إلى ~~المسجد الحرام لحج أو عمرة لزمه ذلك بإتفاق الأئمة وإذا نذر السفر إلى ~~المسجدين الآخرين لزمه السفر عند أكثرهم كمالك واحمد والشافعى في أظهر ~~قوليه لقول النبى ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا ~~يعصه ( رواه البخارى وأنما يجب الوفاء بنذر كل ما كان طاعة مثل من نذر صلاة ~~أو صوما أو إعتكافا أوصدقة لله أو حجا # ولهذا لا يجب بالنذر السفر إلى غير المساجد الثلاثة لأنه ليس بطاعة لقول ~~النبى ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ( فمنع من السفر إلى مسجد غير ~~المساجد الثلاثة فغير المساجد أولى بالمنع لأن العبادة في المساجد أفضل ~~منها في غير المساجد وغير البيوت بلا ريب ولأنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه ~~قال ( أحب البقاع إلى الله المساجد ( مع أن قوله ( لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد ( يتناول المنع من السفر إلى كل بقعة مقصودة بخلاف السفر ~~للتجارة وطلب العلم ونحو ذلك فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت وكذلك ~~السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حيث كان # وقد ذكر بعض المتأخرين من العلماء أنه لا بأس بالسفر إلى PageV27P021 ~~المشاهد وإحتجوا ( بأن النبى صلى الله عليه وسلم كأن يأتى قباء كل سبت ~~راكبا وماشيا ( أخرجاه في الصحيحين ولا حجة لهم فيه لأن قباء ليست مشهدا بل ~~مسجد وهى منهى عن السفر إليها بإتفاق الأئمة لأن ذلك ليس بسفر مشروع بل لو ~~سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يجز ولكن لو سافر إلى المسجد النبوى ثم ذهب ~~منه إلى قباء فهذا يستحب كما يستحب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد # وأما أكل الخبز والعدس المصنوع عند ( قبر الخليل عليه السلام ms7662 ( فهذا لم ~~يستحبه أحد من العلماء لا المتقدمين ولا المتأخرين ولا كان هذا مصنوعا لا ~~في زمن الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا بعد ذلك إلى خمسمائة سنة من ~~البعثة حتى أخذ النصارى تلك البلاد ولم تكن القبة التى على قبره مفتوحة بل ~~كانت مسدودة ولا كان السلف من الصحابة والتابعين يسافرون إلى قبره ولا قبر ~~غيره لكن لما أخذ النصارى تلك البلاد فسووا حجرته واتخذوها كنيسة فلما أخذ ~~المسلمون البلاد بعد ذلك إتخذ ذلك من اتخذه مسجدا وذلك بدعة منهى عنها لما ~~ثبت في الصحيح عنه أنه قال ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وفى الصحيح عنه انه قال قبل موته بخمس ( أن ~~من كان قبلكم كانوا PageV27P022 يتخذون القبور مساجد إلا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( # ثم وقف بعض الناس وقفا للعدس والخبز وليس هذا وقفا من الخليل ولا من أحد ~~من بنى إسرائيل ولا من النبى ولا من خلفائه بل قد روى عن النبى ( أنه أطلق ~~تلك القرية للدارميين ( ولم يأمرهم أن يطعموا عند مشهد الخليل عليه السلام ~~لا خبزا ولا عدسا ولا غير ذلك فمن إعتقد أن الأكل من هذا الخبز والعدس ~~مستحب شرعه النبى فهو مبتدع ضال بل من إعتقد أن العدس مطلقا فيه فضيلة فهو ~~جاهل والحديث الذى يروى ( كلوا العدس فإنه يرق القلب وقد قدس فيه سبعون ~~نبيا ( حديث مكذوب مختلق بإتفاق أهل العلم ولكن العدس هو مما إشتهاه اليهود ~~وقال الله تعالى لهم @QB@ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير @QE@ # ومن الناس من يتقرب إلى الجن بالعدس فيطبخون عدسا ويضعونه في المراحيض أو ~~يرسلونه ويطلبون من الشياطين بعض ما يطلب منهم كما يفعلون مثل ذلك في ~~الحمام وغير ذلك وهذا من الإيمان بالجبت والطاغوت # و ( جماع دين الإسلام ( أن يعبد الله وحده لا شريك له ويعبد PageV27P023 ~~بما شرعه سبحانه وتعالى على لسان نبيه محمد من الواجبات والمستحبات ~~والمندوبات فمن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة ms7663 فهو ضال والله أعلم ### |||| وسئل الشيخ رحمه الله # هل الأفضل المجاورة بمكة أو بمسجد النبى أو المسجد الأقصى أو بثغر من ~~الثغور لأجل الغزو وفيما يروى عن النبى ( من زار قبرى وجبت له شفاعتى ( و ( ~~من زار البيت ولم يزرنى فقد جفانى ( وهل زيارة النبى على وجه الإستحباب أم ~~لا أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة في ~~المساجد الثلاثة كما نص على ذلك أئمة الإسلام عامة بل قد إختلفوا في ~~المجاورة فكرهها أبوحنيفة وإستحبها مالك وأحمد وغيرهما ولكن المرابطة عندهم ~~أفضل من المجاورة وهذا متفق عليه بين السلف حتى قال أبوهريرة رضى الله عنه ~~لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر ~~الأسود وذلك أن الرباط من جنس الجهاد وجنس الجهاد مقدم على جنس الحج كما في ~~الصحيحين عن النبى صلى PageV27P024 الله عليه وسلم أنه قيل له أى العمل ~~أفضل قال ( الإيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال جهاد في سبيل الله قيل ثم ~~ماذا قال حج مبرور ( وقد قال تعالى @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله @QE@ إلى قوله @QB@ إن الله عنده أجر ~~عظيم @QE@ وأما قوله ? < من زار قبرى وجبت له شفاعتى > ? فهذا الحديث رواه ~~الدارقطنى فيما قيل بإسناد ضعيف ولهذا ذكره غير واحد من الموضوعات ولم يروه ~~أحد من أهل الكتب المعتمد عليها من كتب الصحاح والسنن والمسانيد # وأما الحديث الآخر قوله ( من حج البيت ولم يزرنى فقد جفانى ( فهذا لم ~~يروه أحد من أهل العلم بالحديث بل هو موضوع على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومعناه مخالف للإجماع فإن جفاء الرسول من الكبائر بل هو كفر ونفاق بل ~~يجب أن يكون أحب إلينا من أهلينا وأموالنا كما قال ( والذى نفسى بيده لا ~~يؤمن ms7664 أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين PageV27P025 ~~وأما ( زيارته ( فليست واجبة بإتفاق المسلمين بل ليس فيها أمر في الكتاب ~~ولا في السنة وإنما الأمر الموجود في الكتاب والسنة بالصلاة عليه والتسليم ~~فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وأكثر ما إعتمده العلماء ~~( في الزيارة ( قوله في الحديث الذى رواه أبوداود ( ما من مسلم يسلم على ~~إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام ( وقد كره مالك وغيره أن يقال ~~زرت قبر النبى صلى الله عليه وسلم وقد كان الصحابة كإبن عمر وأنس وغيرهما ~~يسلمون عليه وعلى صاحبيه كما في الموطأ أن بن عمر كان إذا دخل المسجد يقول ~~السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت # وشد الرحل إلى مسجده مشروع بإتفاق المسلمين كما في الصحيحين عنه انه قال ~~( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى ~~هذا ( وفى الصحيحين عنه أنه قال ( صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما ~~سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ( فإذا أتى مسجد النبى فإنه يسلم عليه ~~وعلى صاحبيه كما كان الصحابة يفعلون # واما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبى دون الصلاة في مسجده فهذه ~~المسألة فيها خلاف فالذى عليه الأئمة وأكثر العلماء إن هذا غير PageV27P026 ~~مشروع ولا مأمور به لقوله ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ( ولهذا لم يذكر العلماء أن مثل هذا ~~السفر إذا نذره يجب الوفاء به بخلاف السفر إلى المساجد الثلاثة لا للصلاة ~~فيها والإعتكاف فقد ذكر العلماء وجوب ذلك في بعضها في المسجد الحرام ~~وتنازعوا في المسجدين الآخرين # فالجمهور يوجبون الوفاء به في المسجدين الأخرين كمالك والشافعى واحمد ~~لكون السفر إلى الفاضل لا يغنى عن السفر إلى المفضول وأبوحنيفة إنما يوجب ~~السفر إلى المسجد الحرام بناء على انه إنما يوجب بالنذر ما كان جنسه واجب ~~بالشرع والجمهور يوجبون الوفاء بكل ما هو طاعة ms7665 لما في صحيح البخارى عن ~~عائشة رضى الله عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( بل قد صرح طائفة من العلماء ~~كابن عقيل وغيره بأن المسافر لزيارة قبور الأنبياء عليهم السلام وغيرها لا ~~يقصر الصلاة في هذا السفر لأنه معصية لكونه معتقدا أنه طاعة وليس بطاعة ~~والتقرب إلى الله عز وجل بما ليس بطاعة هو معصية ولأنه نهى عن ذلك والنهى ~~يقتضى التحريم # ورخص بعض المتأخرين في السفر لزيارة القبور كما ذكر أبو PageV27P027 حامد ~~في ( الأحياء ( وأبوالحسن بن عبدوس وأبومحمد المقدسى وقد روى حديثا رواه ~~الطبرانى من حديث إبن عمر قال قال رسول الله ( من جاءنى زائرا لا تنزعه إلا ~~زيارتى كان حقا على أن أكون له شفيعا يوم القيامة ( لكنه من حديث عبد الله ~~بن عبد الله بن عمر العمرى وهو مضعف ولهذا لم يحتج بهذا الحديث أحد من ~~السلف والأئمة وبمثله لا يجوز إثبات حكم شرعى بإتفاق علماء المسلمين والله ~~أعلم PageV27P028 # وقال الشيخ رحمه الله ### ||| فصل # وأما قوله ( من زار قبرى فقد وجبت له شفاعتى ( وأمثال هذا الحديث مما روى ~~في زيارة قبره فليس منها شيء صحيح ولم يرو أحد من أهل الكتب المعتمدة منها ~~شيئا لا اصحاب الصحيح كالبخارى ومسلم ولا اصحاب السنن كأبى داود والنسائى ~~ولا الأئمة من أهل المسانيد كالإمام أحمد وأمثاله ولا اعتمد على ذلك أحد من ~~أئمة الفقه كمالك والشافعى واحمد واسحق إبن راهوية وأبى حنيفة والثورى ~~والأوزاعى والليث بن سعد وأمثالهم بل عامة هذه الأحاديث مما يعلم أنها كذب ~~موضوعة كقوله ( من زارنى وزار أبى في عام واحد ضمنت له على الله الجنة ( ~~وقوله ( من حج ولم يزرنى فقد جفانى ( فإن هذه الأحاديث ونحوها كذب # والحديث الأول رواه الدارقطنى والبزار في مسنده ومداره على PageV27P029 ~~عبد الله بن عبد الله بن عمر العمرى وهو ضعيف وليس عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم في زيارة قبره ولا قبر الخليل ms7666 حديث ثابت أصلا بل إنما إعتمد العلماء ~~على أحاديث السلام والصلاة عليه كقوله ( ما من رجل يسلم على إلا رد الله ~~على روحى حتى أرد عليه السلام ( رواه ابوداود وغيره وقوله ( إن الله وكل ~~بقبرى ملائكة يبلغونى عن أمتى السلام ( رواه النسائى وقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة ~~على قالوا كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت فقال إن الله حرم على الأرض أن ~~تأكل لحوم الأنبياء ( رواه أبوداود وغيره # وقد كره مالك أن يقول الرجل زرت قبر النبى قالوا لأن لفظ الزيارة قد صارت ~~في عرف الناس تتضمن ما نهى عنه فإن زيارة القبور على وجهين وجه شرعى ووجه ~~بدعى ( فالزيارة الشرعية ( مقصودها السلام على الميت والدعاء له سواء كان ~~نبيا أو غير نبى ولهذا كان الصحابة إذا زاروا النبى صلى الله عليه وسلم ~~يسلمون عليه ويدعون له ثم ينصرفون ولم يكن أحد منهم يقف عند قبره ليدعو ~~لنفسه ولهذا كره مالك وغيره ذلك وقالوا أنه من البدع المحدثة ولهذا قال ~~الفقهاء إذا سلم المسلم عليه PageV27P030 وأراد الدعاء لنفسه لا يستقبل ~~القبر بل يستقبل القبلة وتنازعوا وقت السلام عليه هل يستقبل القبلة أو ~~يستقبل القبر فقال أبو حنيفة يستقبل القبلة وقال مالك والشافعى وأحمد ~~يستقبل القبر وهذا لقوله ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( وقوله ( لا ~~تتخذوا قبرى عيدا ( وقوله ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد يحذر ما فعلوا ( وقوله صلى الله عليه وسلم ( إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فأنى أنهاكم عن ذلك # ولهذا إتفق السلف على أنه لا يستلم قبرا من قبور الأنبياء وغيرهم ولا ~~يتمسح به ولا يستحب الصلاة عنده ولا قصده للدعاء عنده أو به لأن هذه الأمور ~~كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان كما قال تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ قال طائفة من ~~السلف هؤلاء كانوا قوما ms7667 صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم ~~صوروا تماثيلهم فعبدوهم # وهذه الأمور ونحوها هي من ( الزيارة البدعية وهى من جنس دين النصارى ~~والمشركين وهو أن يكون قصد الزائر أن يستجاب دعاؤه عند القبر أو أن يدعو ~~الميت ويستغيث به ويطلب منه أو PageV27P031 يقسم به على الله في طلب حاجاته ~~وتفريج كرباته فهذه كلها من البدع التى لم يشرعها النبى ولا فعلها أصحابه ~~وقد نص الأئمة على النهى عن ذلك كما قد بسط في غير هذا الموضع # ولهذا لم يكن أحد من الصحابة يقصد زيارة ( قبر الخليل ( بل كانوا يأتون ~~إلى بيت المقدس فقط طاعة للحديث الذى ثبت في الصحيح عن النبى من غير وجه ~~أنه قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ~~ومسجدى هذا ( # ولهذا إتفق أئمة الدين على أن العبد لو نذر السفر إلى زيارة ( قبر الخليل ~~و ( الطور ( الذى كلم الله عليه موسى عليه السلام أو ( جبل حراء ( ونحو ذلك ~~لم يجب عليه الوفاء بنذره وهل عليه كفارة يمين على قولين لأن النبى قال ( ~~من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( والسفر إلى ~~هذه البقاع معصية في أظهر القولين حتى صرح من يقول إن الصلاة لا تقصر في ~~سفر المعصية بأن صاحب هذا السفر لا يقصر الصلاة ولو نذر إتيان المسجد ~~الحرام لوجب عليه الوفاء بالإتفاق ولو نذر إتيان مسجد المدينة أو بيت ~~المقدس ففيه قولان للعلماء أظهرهما وجوب الوفاء به كقول مالك وأحمد ~~والشافعى في أحد قوليه والثانى PageV27P032 لا يجب عليه الوفاء به كقول أبى ~~حنيفة والشافعى في قوله الآخر وهذا بناء على انه لا يجب بالنذر إلا ما كان ~~من جنسه واجب بالشرع والصحيح وجوب الوفاء بكل نذر هو طاعة لقول النبى ( من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه ولم يستثن طاعة من طاعة # والمقصود هنا إن الصحابة لم يكونوا يستحبون السفر لشيء من زيارات البقاع ~~لا آثار الأنبياء ولا قبورهم ولا مساجدهم ms7668 إلا المساجد الثلاثة بل إذا فعل ~~بعض الناس شيئا من ذلك أنكر عليه غيره كما أنكروا على من زار الطور الذى ~~كلم الله عليه موسى حتى إن ( غار حراء ( الذى كان النبى يتعبد فيه قبل ~~المبعث لم يزره هو بعد المبعث ولا أحد من أصحابه وكذا الدعاء المأثور في ~~القرآن # وثبت أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان في بعض الأسفار فرأى قوما ~~يتناوبون مكانا يصلون فيه فقال ما هذا قالوا مكان صلى فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال ومكان صلى فيه رسول الله أتريدون أن تتخذوا أثر ~~الأنبياء لكم مساجد إنما هلك من كان قبلكم بهذا من أدركته الصلاة فليصل ~~وإلا فليمض وهذا لأن الله لم يشرع للمسلمين مكانا يتناوبونه للعبادة إلا ~~المساجد خاصة فما ليس بمسجد لم يشرع قصده PageV27P033 للعبادة وإن كان مكان ~~نبى أو قبر نبى # ثم إن المساجد حرم رسول الله أن تتخذ على قبور الأنبياء والصالحين كما ~~قال ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وهذان حديثان في الصحيح وفى المسند ~~وصحيح أبى حاتم عن النبى أنه قال ( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم ~~احياء والذين يتخذون القبور مساجد ( بل قد كره الصلاة في المقبرة عموما لما ~~في ذلك من التشبه بمن يتخذ القبور مساجد كما في السنن عنه أنه قال ( الأرض ~~كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ( وهذه المعانى قد نص عليها أئمة الدين من ~~أصحاب مالك والشافعى واحمد وأهل العراق وغيرهم بل ذلك منقول عن أنس ~~PageV27P034 ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوله ( من حج فلم يزرنى فقد جفانى ### |||| ( فأجاب ( # قوله ( من حج ولم يزرنى فقد جفانى ( كذب فإن جفاء النبى حرام وزيارة قبره ~~ليست واجبة بإتفاق المسلمين ولم يثبت عنه حديث في زيارة قبره بل هذه ~~الأحاديث التى تروى ( من زارنى وزار أبى في عام واحد ضمنت له على الله ~~الجنة ( وأمثال ذلك كذب بإتفاق العلماء وقد روى الدارقطنى وغيره ms7669 في زيارة ~~قبره أحاديث وهى ضعيفة وقد كره مالك وهو من أعلم الناس بحقوق رسول الله ~~وبالسنة التى عليها أهل مدينته من الصحابة والتابعين وتابعيهم كره أن يقال ~~زرت قبر رسول الله ولو كان هذا اللفظ ثابتا عن رسول الله معروفا عند علماء ~~المدينة لم يكره مالك ذلك وأما إذا قال سلمت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهذا لا يكره بالاتفاق كما في السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~ما من رجل يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام ( وكان ~~PageV27P035 بن عمر يقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر ~~السلام عليك يا أبت وفى سنن أبى داود عنه أنه قال ( أكثروا على من الصلاة ~~يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة على قالوا وكيف تعرض صلاتنا ~~عليك وقد أرمت قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ### |||| وسئل رحمه الله # عن مكة هل هي افضل من المدينة أم بالعكس ( ### ||||| فأجاب # الحمد لله مكة أفضل لما ثبت عن عبد الله بن عدى بن الحمراء عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لمكة وهو واقف بالحزورة والله انك لخير ~~أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أن قومى أخرجونى منك ما خرجت ( قال ~~الترمذى حديث صحيح وفى رواية ( إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ( ~~فقد ثبت أنها خير أرض الله واحب أرض الله إلى الله وإلى رسوله وهذا صريح في ~~فضلها وأما الحديث الذى يروى ( أخرجتنى من أحب البقاع إلى فأسكنى أحب ~~البقاع إليك ( فهذا حديث موضوع كذب لم يروه أحد من اهل العلم والله أعلم ~~PageV27P036 ### |||| ( وسئل ( # عن التربة التى دفن فيها النبى هل هي أفضل من المسجد الحرام ### ||||| فأجاب # ( وأما ( التربة ( التى دفن فيها النبى فلا أعلم أحدا من الناس قال ~~إنها أفضل من المسجد الحرام أو المسجد النبوى أو المسجد الأقصى إلا القاضي ~~عياض فذكر ذلك إجماعا وهو قول لم يسبقه ms7670 إليه أحد فيما علمناه ولا حجة عليه ~~بل بدن النبى أفضل من المساجد # وأما ما فيه خلق أو ما فيه دفن فلا يلزم إذا كان هو أفضل أن يكون ما منه ~~خلق أفضل فإن أحدا لا يقول أن بدن عبد الله أبيه أفضل من أبدان الأنبياء ~~فإن الله يخرج الحى من الميت والميت من الحى ونوح نبى كريم وإبنه المغرق ~~كافر وإبراهيم خليل الرحمن وأبوه آزر كافر # والنصوص الدالة على تفضيل المساجد مطلقة لم يستثن منها قبور PageV27P037 ~~الأنبياء ولا قبور الصالحين ولو كان ما ذكره حقا لكان مدفن كل نبى بل وكل ~~صالح أفضل من المساجد التى هي بيوت الله فيكون بيوت المخلوقين أفضل من بيوت ~~الخالق التى أذن الله أن ترفع ويذكر فيها إسمه وهذا قول مبتدع في الدين ~~مخالف لأصول الإسلام ### |||| وسئل أيضا ( # عن رجلين تجادلا فقال أحدهما إن تربة محمد النبى صلى الله عليه وسلم أفضل ~~من السماوات والأرض وقال الآخر الكعبة أفضل فمع من الصواب ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله أما نفس محمد صلى الله عليه وسلم فما خلق الله خلقا ~~أكرم عليه منه وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام بل ~~الكعبة أفضل منه ولا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا ~~القاضي عياض ولم يسبقه أحد إليه ولا وافقه أحد عليه والله أعلم PageV27P038 ### |||| وسئل رحمه الله ( # ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين هل تفضل الإقامة في الشام على غيره من ~~البلاد وهل جاء في ذلك نص في القرآن أو الأحاديث أم لا أجيبونا مأجورين ### ||||| فأجاب شيخ الإسلام والمسلمين ناصر السنة تقى الدين # الحمد لله الإقامة في ~~كل موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله ورسوله وأفعل للحسنات والخير بحيث يكون ~~أعلم بذلك وأقدر عليه وأنشط له أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه في ~~طاعة الله ورسوله دون ذلك هذا هو الأصل الجامع فإن أكرم الخلق عند الله ~~أتقاهم # ( والتقوى ( هي ما فسرها الله تعالى في قوله @QB@ ولكن البر من ms7671 آمن بالله ~~واليوم الآخر @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ ~~وجماعها فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله وإذا كان ~~هذا هو الأصل فهذا يتنوع بتنوع حال الإنسان فقد يكون مقام الرجل في أرض ~~الكفر والفسوق من أنواع البدع والفجور أفضل إذا كان مجاهدا في سبيل الله ~~بيده أو لسانه آمرا PageV27P039 بالمعروف ناهيا عن المنكر بحيث لو إنتقل ~~عنها إلى أرض الإيمان والطاعة لقلت حسناته ولم يكن فيها مجاهدا وإن كان ~~أروح قلبا وكذلك إذا عدم الخير الذى كان يفعله في أماكن الفجور والبدع # ولهذا كان المقام في الثغور بنية المرابطة في سبيل الله تعالى أفضل من ~~المجاورة بالمساجد الثلاثة بإتفاق العلماء فإن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج ~~كما قال تعالى @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله @QE@ الآية وسئل النبى ~~أى الأعمال أفضل قال ( إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله ) قال ثم ماذا ~~قال ( حج مبرور ( # وهكذا لو كان عاجزا عن الهجرة والإنتقال إلى المكان الأفضل التى لو انتقل ~~إليها لكانت الطاعة عليه أهون وطاعة الله ورسوله في الموضعين واحدة لكنها ~~هناك أشق عليه فإنه إذا استوت الطاعتان فأشقهما أفضلهما وبهذا ناظر مهاجرة ~~الحبشة المقيمون بين الكفار لمن زعم أنه أفضل منهم فقالوا كنا عند البغضاء ~~البعداء وأنتم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم جاهلكم ويطعم جائعكم ~~وذلك في ذات الله PageV27P040 # وأما إذا كان دينه هناك أنقص فالإنتقال أفضل له وهذا حال غالب الخلق فإن ~~أكثرهم لا يدافعون بل يكونون على دين الجمهور وإذا كان كذلك فدين الإسلام ~~بالشام في هذه الأوقات وشرائعه أظهر منه بغيره هذا أمر معلوم بالحس والعقل ~~وهو كالمتفق عليه بين المسلمين العقلاء الذين أوتوا العلم والإيمان وقد دلت ~~النصوص على ذلك مثل ما روى أبوداود في سننه عن عبد الله ms7672 بن عمر قال قال ~~رسول الله ( ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ( ~~وفى سننه أيضا عن عبد الله بن خولة عن النبى قال ( إنكم ستجندون أجنادا ~~جندا بالشام وجندا باليمن وجندا بالعراق فقال إبن خولة يا رسول الله إختر ~~لى فقال عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من خلقه ~~فمن أبى فليلحق بيمنه وليتق من غدره فإن الله قد تكفل لى بالشام وأهله ( ~~وكان الخوالى يقول من تكفل الله به فلا ضيعة عليه وهذان نصان في تفضيل ~~الشام # وفى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى قال ( لا يزال أهل المغرب ~~ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة ( قال الإمام أحمد ~~أهل المغرب هم أهل الشام وهو كما قال فإن هذه لغة أهل المدينة النبوية في ~~ذاك PageV27P041 الزمان كانوا يسمون أهل نجد والعراق أهل المشرق ويسمون أهل ~~الشام أهل المغرب لأن التغريب والتشريق من الأمور النسبية فكل مكان له غرب ~~وشرق فالنبى تكلم بذلك في المدينة النبوية فما تغرب عنها فهو غربه وما تشرق ~~عنها فهو شرقه # ومن علم حساب البلاد أطوالها وعروضها علم أن المعاقل التى بشاطئ الفرات ~~كالبيرة ونحوها هي محاذية للمدينة النبوية كما أنما شرق عنها بنحو من مسافة ~~القصر كحران وما سامتها مثل الرقة وسميساط فإنه محاذ أم القرى مكة شرفها ~~الله ولهذا كانت قبلته هو أعدل القبل فما شرق عما حاذى المدينة النبوية فهو ~~شرقها وما يغرب ذلك فهو غربها # وفي الكتب المعتمد عليها مثل ( مسند أحمد ( وغيره عدة آثار عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم في هذا الأصل مثل وصفه أهل الشام ( بأنه لا يغلب منافقوهم ~~مؤمنيهم ( وقوله ( رأيت كأن عمود الكتاب وفى رواية عمود الإسلام أخذ من تحت ~~رأسى فأتبعته نظرى فذهب به إلى الشام وعمود الكتاب والإسلام ما يعتمد عليه ~~وهم حملته القائمون به ومثل قوله ( عقر دار المؤمنين الشام ( ومثل ما في ~~الصحيحين عن معاذ بن جبل ms7673 عن النبى صلى الله PageV27P042 عليه وسلم أنه قال ~~( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ~~حتى تقوم الساعة ( وفيهما أيضا عن معاذ بن جبل قال ( وهم بالشام وفى تاريخ ~~البخارى قال ( وهم بدمشق وروى وهم بأكناف بيت المقدس ( وفى الصحيحين أيضا ~~عن إبن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه أخبر أن ملائكة الرحمن مظلة ~~أجنحتها بالشام ( # والآثار في هذا المعنى متعاضدة ولكن الجواب ليس على البديهة على عجل ( # وقد دل الكتاب والسنة وما روى عن الأنبياء المتقدمين عليهم السلام مع ما ~~علم بالحس والعقل وكشوفات العارفين ان الخلق والأمر ابتدآ من مكة أم القرى ~~فهي أم الخلق وفيها إبتدئت الرسالة المحمدية التى طبق نورها الأرض وهى ~~جعلها الله قياما للناس إليها يصلون ويحجون ويقوم بها ما شاء الله من مصالح ~~دينهم ودنياهم فكان الإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم ودلت ~~الدلائل المذكورة على أن ( ملك النبوة ( بالشام والحشر إليها فالى بيت ~~المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر وهناك يحشر الخلق والإسلام في آخر ~~الزمان يكون أظهر بالشام وكما أن مكة أفضل من بيت المقدس فأول الأمة خير من ~~آخرها وكما أنه في آخر الزمان يعود الأمر إلى PageV27P043 الشام كما أسرى ~~بالنبى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فخيار أهل الأرض في آخر الزمان ~~ألزمهم مهاجر إبراهيم عليه السلام وهو بالشام فالأمر مساسه كما هو الموجود ~~والمعلوم # وقد دل القرآن العظيم على بركة الشام في خمس آيات قوله @QB@ وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها @QE@ ~~والله تعالى إنما أورث بنى إسرائيل أرض الشام وقوله @QB@ سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله @QE@ ~~وقوله @QB@ ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها @QE@ وقوله @QB@ ~~ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة @QE@ الآية ~~فهذه خمس آيات نصوص و ( البركة ( تتناول ms7674 البركة في الدين والبركة في الدنيا ~~وكلاهما معلوم لا ريب فيه فهذا من حيث الجملة والغالب # وأما كثير من الناس فقد يكون مقامه في غير الشام أفضل له كما تقدم وكثير ~~من أهل الشام لو خرجوا عنها إلى مكان يكونون فيه أطوع لله ولرسوله لكان ~~أفضل لهم وقد كتب أبوالدرداء إلى سلمان الفارسى رضى الله عنهما يقول له هلم ~~إلى الأرض PageV27P044 المقدسة فكتب إليه سلمان إن الأرض لا تقدس أحدا ~~وإنما يقدس الرجل عمله وهو كما قال سلمان الفارسى فإن مكة حرسها الله تعالى ~~أشرف البقاع وقد كانت في غربة الإسلام دار كفر وحرب يحرم المقام بها وحرم ~~بعد الهجرة أن يرجع إليها المهاجرون فيقيموا بها وقد كانت الشام في زمن ~~موسى عليه السلام قبل خروجه ببنى إسرائيل دار الصابئة المشركين الجبابرة ~~الفاسقين وفيها قال تعالى لبنى إسرائيل @QB@ سأريكم دار الفاسقين @QE@ # فإن كون الأرض ( دار كفر ( أو دار إسلام أو إيمان ( أو ( دار سلم ( أو ( ~~حرب ( أو ( دار طاعة ( أو ( معصية ( أو ( دار المؤمنين ( أو الفاسقين ( ~~أوصاف عارضة لا لازمة فقد تنتقل من وصف إلى وصف كما ينتقل الرجل بنفسه من ~~الكفر إلى الإيمان والعلم وكذلك بالعكس # وأما الفضيلة الدائمة في كل وقت ومكان ففى الإيمان والعمل الصالح كما قال ~~تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ~~وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ~~@QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ PageV27P045 وإسلام ~~الوجه لله تعالى هو إخلاص القصد والعمل له والتوكل عليه ( كما قال تعالى ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وقال @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ # ومنذ أقام الله حجته على أهل الأرض بخاتم رسله محمد عبده ms7675 ورسوله وجب على ~~أهل الأرض الإيمان به وطاعته وإتباع شريعته ومنهاجه فأفضل الخلق أعلمهم ~~وأتبعهم لما جاء به علما وحالا وقولا وعملا وهم أتقى الخلق وأى مكان وعمل ~~كان أعون للشخص على هذا المقصود كان أفضل في حقه وإن كان الأفضل في حق غيره ~~شيئا آخر ثم إذا فعل كل شخص ما هو أفضل في حقه فإن تساوت الحسنات والمصالح ~~التى حصلت له مع ما حصل للآخر فهما سواء وإلا فإن أرجحهما في ذلك هو ~~أفضلهما # وهذه الأوقات يظهر فيها من النقص في خراب ( المساجد الثلاثة ( علما ~~وإيمانا ما يتبين به فضل كثير ممن بأقصى المغرب على أكثرهم فلا ينبغى للرجل ~~أن يلتفت إلى فضل البقعة في فضل أهلها مطلقا بل يعطى كل ذى حق حقه ولكن ~~العبرة بفضل الإنسان في إيمانه وعمله الصالح والكلم الطيب ثم قد يكون بعض ~~البقاع أعون على بعض الأعمال كإعانة مكة حرسها الله تعالى على الطواف ~~والصلاة المضعفة ونحو PageV27P046 ذلك وقد يحصل في الأفضل معارض راجح يجعله ~~مفضولا مثل من يجاور بمكة مع السؤال والإستشراف والبطالة عن كثير من ~~الأعمال الصالحة وكذلك من يطلب الإقامة بالشام لأجل حفظ ماله وحرمه نفسه لا ~~لأجل عمل صالح فالأعمال بالنيات # وهذا الحديث الشريف إنما قاله النبي بسبب الهجرة فقال ( إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ~~الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه ( قال ذلك بسبب أن رجلا كان قد هاجر يتزوج امرأة يقال لها أم قيس ~~وكان يقال له مهاجر أم قيس # وإذا فضلت جملة على جملة لم يستلزم ذلك تفضيل الأفراد على الإفراد كتفضيل ~~القرن الثانى على الثالث وتفضيل العرب على ما سواهم وتفضيل قريش على ما ~~سواهم فهذا هذا والله أعلم PageV27P047 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجلين اختلفا في الصلاة في جامع بنى أمية هل هي بتسعين صلاة كما زعموا ~~أم لا # وقد ذكروا ( أن فيه ثلاثمائة نبى ms7676 مدفونين ( فهل ذلك صحيح أم لا وقد ذكروا ~~( أن النائم بالشام كالقائم بالليل بالعراق ( وذكروا ( أن الصائم المتطوع ~~بالعراق كالمفطر بالشام ( وذكروا ( أن الله خلق البركة إحدى وسبعين جزءا ~~منها جزء واحد بالعراق وسبعون بالشام ( فهل ذلك صحيح أم لا ### |||| ( فأجاب ( # الحمد لله لم يرد في ( جامع دمشق ( حديث عن النبى بتضعيف ~~الصلاة فيه ولكن هو من أكثر المساجد ذكرا لله تعالى ولم يثبت أن فيه عدد ~~الأنبياء المذكورين # وأما القائم بالشام أو غيره فالأعمال بالنيات فإن أقام فيه بنية صالحة ~~فإنه يثاب على ذلك وكل مكان يكون فيه العبد أطوع لله فمقامه فيه أفضل وقد ~~جاء في فضل الشام وأهله أحاديث صحيحة ودل PageV27P048 القرآن على أن البركة ~~في أربع مواضع ولا ريب أن ظهور الإسلام وأعوانه فيه بالقلب واليد واللسان ~~أقوى منه في غيره وفيه من ظهور الإيمان وقمع الكفر والنفاق مالا يوجد في ~~غيره وأما ما ذكر من حديث الفطر والصيام وأن البركة إحدى وسبعون جزءا ~~بالشام والعراق على ما ذكر فهذا لم نسمعه عن أحد من أهل العلم والله أعلم ### |||| وسئل أيضا # هل دخلت عائشة زوج النبى إلى دمشق وكانت تحدث الناس بجامع دمشق ~~أم لا ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله لم يدخل دمشق أحد من أزواج النبى لا عائشة ولا غيرها ~~والله أعلم PageV27P049 ### || 1 ( سؤال في فضل جبل لبنان ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى ( # عن ( جبل لبنان ( هل ورد في فضله نص في كتاب الله تعالى أو حديث عن رسول ~~الله وهل يحل في دين الله تعالى أن يصقع الناس إليه برؤسهم إذا ابصروه وحتى ~~من أبصره صباحا أو مساء يرى أن ذلك بركة عظيمة وهل ثبت عند أهل العلم أن ~~فيه أربعين من الإبدال أو كان فيه رجال عليهم شعر مثل شعر الماعز وهل هذه ~~صفة الصالحين وهل يجوز أن يعقد له نية الزيارة أو يعتقد أن من وطأ أرضه فقد ~~وطىء بعض الجبل المخصوص بالرحمة وهل ثبت أن فيه نبيا من الأنبياء مدفون أو ~~في أذياله ms7677 أو قال أحد من أهل العلم أن فيه رجال الغيب وكيف صفة رجال الغيب ~~الذين يعتقد العوام فيهم وهل يحل في دين الله تعالى أن يعتقد المسلمون شيئا ~~من هذا وهل يكون كل من كابر فيه وحسنه أو داهن فيه مخطئا آثما وهل يكون ~~المنكر لهذا كله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحالة هذه أم لا ### |||| ( فأجاب ) # ليس في فضل ( جبل لبنان ( وأمثاله نص لا عن الله PageV27P050 ~~ولا عن رسوله بل هو وأمثاله من الجبال التى خلقها الله وجعلها أوتادا للأرض ~~وآية من آياته وفيها من منافع خلقه ما هو نعم لله على عباده وسوف يفعل بها ~~ما أخبر به في قوله @QB@ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها ~~قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا @QE@ # وأما ما ذكر في بعض الحكايات عن بعض الناس من الإجتماع ببعض العباد في ~~جبل لبنان وجبل اللكام ونحو ذلك وما يؤثر عن بعض هؤلاء من جميع المقال ~~والفعال فأصل ذلك أن هذه الأمكنة كانت ثغورا يرابط بها المسلمون لجهاد ~~العدو لما كان المسلمون قد فتحوا الشام كله وغير الشام فكانت غزة وعسقلان ~~وعكة وبيروت وجبل لبنان وطرابلس ومصيصة وسيس وطرسوس وأذنه وجبل اللكام ~~وملطية وآمد وجبل ليسون إلى قزوين إلى الشاش ونحو ذلك من البلاد كانت ثغورا ~~كما كانت الأسكندرية ونحوها ثغورا وكذلك عبادان ونحوها من أرض العراق وكان ~~الصالحون يتناوبون الثغور لأجل المرابطة في سبيل الله فإن المقام بالثغور ~~لأجل الجهاد في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة ما أعلم في ذلك ~~خلافا بين العلماء # وثبت في صحيح مسلم عن سلمان الفارسى رضى الله عنه قال قال PageV27P051 ~~رسول الله ( رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات ~~مرابطا مات مجاهدا وجرى عليه عمله وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان ( ~~وفى السنن عن عثمان بن عفان رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ~~( رباط يوم في سبيل الله خير من ms7678 ألف يوم فيما سواه من المنازل ( وعن أبى ~~هريرة رضى الله عنه أنه قال ( لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن ~~أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود # وذلك لأن الرباط هو من جنس الجهاد والمجاورة من جنس النسك وجنس الجهاد في ~~سبيل الله أفضل من جنس النسك بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين كما ~~قال تعالى @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم ~~درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم @QE@ وفضائل الجهاد ~~والرباط كثيرة # فلذلك كان صالحوا المؤمنين يرابطون في الثغور مثل ما كان الأوزاعى وأبو ~~إسحاق الفزارى ومخلد بن الحسين وإبراهيم بن PageV27P052 أدهم وعبد الله بن ~~المبارك وحذيفة المرعشى ويوسف بن اسباط وغيرهم يرابطون بالثغور الشامية ~~ومنهم من كان يجيء من خراسان والعراق وغيرهما للرباط في الثغور الشامية لأن ~~أهل الشام هم الذين كانوا يقاتلون النصارى أهل الكتاب وفى السنن عن النبى ~~انه قال ( من قتله أهل الكتاب فله أجر شهيدين ( وذلك لأن هؤلاء يقاتلون على ~~دين وأما الكفار الترك ونحوهم فلا يقاتلون على دين فإذا غلبوا أولئك أفسدوا ~~الدين والملك وأما الترك فيفسدون الملك وما يتبع ذلك من الدين ولا يقاتلون ~~على الدين # ولهذا كثر ذكر ( طرسوس ( في كتب العلم والفقه المصنفة في ذلك الوقت لأنها ~~كانت ثغر المسلمين حتى كان يقصدها أحمد بن حنبل والسرى السقطى وغيرهما من ~~العلماء والمشائخ للرباط وتوفى المأمون قريبا منها # فعامة ما يوجد في كلام المتقدمين من فضل عسقلان والأسكندرية أو عكة أو ~~قزوين أو غير ذلك وما يوجد من أخبار الصالحين الذين بهذه الأمكنة ونحو ذلك ~~فهو لأجل كونها كانت ثغورا لا لأجل خاصية ذلك المكان وكون البقعة ثغرا ~~للمسلمين أو غير ثغر هو ms7679 من الصفات العارضة لها لا اللازمة لها بمنزلة كونها ~~دار إسلام أو دار كفر أو دار حرب أو دار سلم أو دار علم وإيمان أو دار ~~PageV27P053 جهل ونفاق فذلك يختلف بإختلاف سكانها وصفاتهم بخلاف المساجد ~~الثلاثة فإن مزيتها صفة لازمة لها لا يمكن إخراجها عن ذلك وأما سائر ~~المساجد فبين العلماء نزاع في جواز تغييرها للمصلحة وجعلها غير مسجد كما ~~فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه بمسجد الكوفة لما بدله وجعل المسجد مكانا ~~آخر وصار الأول حوانيت التمارين وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره ### ||| فصل # إذا عرف ذلك فهذه السواحل الشامية كانت ثغورا للإسلام إلى أثناء المائة ~~الرابعة وكان المسلمون قد فتحوا قبرص في خلافة عثمان رضى الله عنه فتحها ~~معاوية فلما كان في أثناء المائة الرابعة اضطرب أمر الخلافة وصار للرافضة ~~والمنافقين وغيرهم دولة وملك بالبلاد المصرية والمغرب وبالبلاد الشرقية ~~وبأرض الشام وغلب هؤلاء على ما غلبوا عليه من الشام سواحله وغير سواحله وهم ~~أمة مخذولة ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة فغلبت ~~النصارى على عامة سواحل الشام بل وأكثر بلاد الشام وقهروا الروافض ~~والمنافقين وغيرهم وأخذوا منهم ما أخذوا إلى أن يسر PageV27P054 الله تعالى ~~بولاية ملوك السنة مثل ( نور الدين ( وصلاح الدين ( وغيرهما فإستنقذوا عامة ~~الشام من النصارى # وبقيت بقايا الروافض والمنافقين في جبل لبنان وغيره وربما غلبهم النصارى ~~عليه حتى يصير هؤلاء الرافضة والمنافقون فلاحين للنصارى وصار جبل لبنان ~~ونحوه دولة بين النصارى والروافض ليس فيه من الفضيلة شيء ولا يشرع بل ولا ~~يجوز المقام بين نصارى أو روافض يمنعون المسلم عن إظهار دينه # ولكن صار طوائف ممن يؤثر التخلى عن الناس زهدا ونسكا يحسب أن فضل هذا ~~الجبل ونحوه لما فيه من الخلوة عن الناس وأكل المباحات من الثمار التي فيه ~~فيقصدونه لأجل ذلك غلطا منهم وخطأ فإن سكنى الجبال والغيران والبوادى ليس ~~مشروعا للمسلمين إلا عند الفتنة في الأمصار التى تحوج الرجل إلى ترك دينه ~~من فعل الواجبات وترك المحرمات ms7680 فيهاجر المسلم حينئذ من أرض يعجز عن إقامة ~~دينه إلى أرض يمكنه فيها إقامة دينه فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه # وربما كان بعض الأوقات من هؤلاء النساك الزهاد طائفة إما ظالمون لأنفسهم ~~وإما مقتصدون مخطئون مغفور لهم خطؤهم فأما السابقون PageV27P055 المقربون ~~فهم الذين تقربوا إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض كما قال النبى في ~~الحديث الصحيح الذى رواه عن الله تعالى ( ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما ~~إفترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى ~~بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن إستعاذنى ~~لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ( # ولا خلاف بين المسلمين أن جنس النساك الزهاد الساكنين في الأمصار أفضل من ~~جنس ساكنى البوادى والجبال كفضيلة القروى على البدوى والمهاجر على الأعرابى ~~قال الله تعالى @QB@ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما ~~أنزل الله على رسوله @QE@ وفى الحديث ( أن من الكبائر أن يرتد الرجل ~~أعرابيا بعد الهجرة ( هذا لمن هو ساكن في البادية بين الجماعة فكيف بالمقيم ~~وحده دائما في جبل أو بادية فإن هذا يفوته من مصالح الدين نظير ما يفوته من ~~مصالح الدنيا أو قريب منه فإن يد الله على الجماعة والشيطان مع الواحد وهو ~~من الإثنين أبعد PageV27P056 ### ||| فصل # وأما إعتقاد بعض الجهال أن به ( الأربعين الأبدال ( فهذا جهل وضلال ما ~~إجتمع به الإبدال الأربعون قط ولا هذا مشروع لهم ولا فائدة في ذلك وإعتقاد ~~جهال الجمهور هذا يشبه إعتقاد الرافضة في الخليفة الحجة صاحب الزمان عندهم ~~الذي يقولون إنه غائب عن الأبصار حاضر في الأمصار ويعظمون قدره ويرجون ~~بركته وهو معدوم لا حقيقة له فكل من علق دينه بالمجهولات وأعرض عما بعث ~~الله به نبيه من الهدى ودين الحق ms7681 فهو من أهل الضلال الخارج عن شريعة ~~الإسلام بل فيه في هذه الأوقات المتأخرة أهل الضلال من النصارى والنصيرية ~~والرافضة الذين غزاهم المسلمون # وكذلك قول كثير من الجهال وأهل الإفك والمحال أن به أو بغيره ( رجال ~~الغيب ( وتعظيمهم لهؤلاء هو نوع من الضلال الذى إستحوذوا به على الجهال من ~~الأتراك والأعراب والفلاحين والعامة أضلوهم بذلك عن حقيقة الدين وأكلوا به ~~أموالهم بالباطل كما قال تعالى @QB@ إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله @QE@ PageV27P057 # ولم يكن من أنبياء الله وأوليائه من كان غائب الجسد عن أبصار الناس ولكن ~~كثير منهم قد تغيب عن الناس حقيقة قلبه وما في باطنه من ولاية الله وعظيم ~~العلم والإيمان والأحوال الزكية فيكون في الأمصار والمساجد وبين الناس من ~~يكون من أولياء الله وأكثر الناس لا يعلمون حاله كما قال النبى ( رب أشعث ~~أغبر ذى طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ( أى قد يكون فيمن ~~تنبو عنه الأبصار لرثاثة حاله من يبر الله قسمه وليس هذا وصفا لازما بل ~~ولاية الله هي ما ذكرنا في قوله @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ فأولياء الله هم المؤمنون المتقون ~~في جميع الأصناف المباحة # وكذلك خبر الرجل الذى نبت الشعر على جميع بدنه كالماعز باطل ومحال نعم ~~يكون في الضلال من الزهاد من يترك السنة حتى ينبت الشعر ويكثر على جسده ~~وهذا ينبغى أن يؤمر بما امر به النبى صلى الله عليه وسلم من إحفاء الشوارب ~~ونتف الإبط وحلق العانة ونحو ذلك # فإن ظن أن غير هدى النبى أكمل من هديه PageV27P058 أو أن من الأولياء من ~~يسعه الخروج عن شريعة محمد كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام ~~فهذا كافر يجب قتله بعد إستتابته لأن موسى عليه السلام لم تكن دعوته عامة ~~ولم يكن يجب على الخضر إتباع موسى عليهما السلام بل قال الخضر لموسى إنى ~~على علم من الله علمنيه الله ms7682 لا تعلمه وأنت على علم من الله علمكه الله لا ~~أعلمه # فأما محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فهو رسول الله إلى جميع الثقلين ~~الجن والإنس عربهم وعجمهم دانيهم وقاصيهم ملوكهم ورعيتهم زهادهم وغير ~~زهادهم قال الله تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا @QE@ ~~وقال تعالى قل @QB@ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض @QE@ وقال النبى ( كان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى ~~الناس عامة ( وهو خاتم الرسل ليس بعده نبى ينتظر ولا كتاب يرتقب بل هو آخر ~~الأنبياء والكتاب الذى أنزل عليه مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فمن إعتقد أن لأحد من جميع الخلق علمائهم وعبادهم وملوكهم خروجا عن إتباعه ~~وطاعته وأخذ ما بعث به من الكتاب والحكمة فهو كافر # ويجب التفريق بين العبادات الإسلامية الإيمانية النبوية الشرعية التى ~~PageV27P059 يحبها الله ورسوله وعباده المؤمنون وبين العبادات البدعية ~~الضلالية الجاهلية التى قال الله فيها @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله @QE@ وإن إبتلى بشيء منها بعض أكابر النساك ~~والزهاد ففى الصحاح عن أنس رضى الله عنه ( إن النبى صلى الله عليه وسلم ~~بلغه أن بعض أصحابه قال اما أنا فأصوم لا أفطر وقال الآخر أما انا فأقوم لا ~~أنام وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا آكل ~~اللحم فقال النبى لكنى أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم ~~فمن رغب عن سنتى فليس منى ( والراغب عن الشيء الذى لا يحبه ولا يريده بل ~~يحب ويريد ما ينافى المشروع الذى أحبه الله ورسوله فقد تبرأ منه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مثل الذى يتعرى دائما أو يصمت دائما أو يسكن وحده في ~~البرية دائما أو يترك أكل الخبز واللحم دائما أو يترهب دائما متعبدا بذلك ~~ظانا أن هذا يحبه الله ورسوله دون ضده من اللباس بالمعروف والكلام بالمعروف ~~والأكل بالمعروف ونحو ذلك # وإذا عرف هذا فكل ما ms7683 ذكر من الإنحناء للجبل المذكور ونحوه أو لمن فيه أو ~~زيارته بلا قصد للجهاد أو لأمر مشروع فهو من الجهالات والضلالات وكذلك ~~التبرك بما يحمل منه من الثمار هو من PageV27P060 البدع الجاهلية المضاهية ~~للضلالات النصرانية والشركية وقد جاء في الحديث المعروف أن بصره بن أبى ~~بصرة الغفارى رأى أبا هريرة رضى الله عنه وقد سافر إلى الطور الذى كلم الله ~~موسى عليه فقال لو رأيتك قبل أن تذهب إليه لم أدعك تذهب إليه لأن رسول الله ~~قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ~~ومسجدى هذا ( فإذا كان السفر لزيارة الطور الذى كلم الله عليه موسى وسماه ( ~~الوادى المقدس ( و ( البقعة المباركة ( لا يشرع فكيف بالسفر لزيارة غيره من ~~الأطوار فإن ( الطور ( هو الجبل والأطوار الجبال # وأما القبر المشهور في سفحه بالكرك الذى يقال إنه قبر نوح فهو باطل محال ~~لم يقل أحد ممن له علم ومعرفة إن هذا قبر نوح ولا قبر أحد من الأنبياء ~~أوالصالحين ولا كان لهذا القبر ذكر ولا خبر أصلا بل كان ذلك المكان حاكورة ~~يزرع فيها ويكون بها الحاكة إلى مدة قريبة رأوا هناك قبرا فيه عظم كبير ~~وشموا فيه رائحة فظن الجهلاء أنه لأجل تلك الرائحة يكون قبر نبى وقالوا من ~~كان من الأنبياء كبيرا فقالوا نوح فقالوا هو قبر نوح وبنوا عليه في دولة ~~الرافضة الذين كانوا مع الناصر صاحب حلب ذلك القبر وزيد بعد ذلك في دولة ~~الظاهر فصار وثنا يشرك به الجاهلون PageV27P061 وقد ثبت عن النبى أنه قال ( ~~إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ( فلو كان قبر نبى لم يتجرد ~~العظم وقد حدثنى من ثقات أهل المكان عن آبائهم من ذكر أنهم رأوا تلك العظام ~~الكبيرة فيه وشاهدوه قبل ذلك مكانا للزرع والحياكة وحدثنى من الثقات من ~~شاهد في المقابر القريبة منه رؤوسا عظيمة جدا تناسب تلك العظام فعلم أن هذا ~~وأمثاله من عظام العمالقة الذين كانوا في الزمن القديم أو نحوهم # ولو ms7684 كان قبر نبي أو رجل صالح لم يشرع أن يبنى عليه مسجد بإجماع المسلمين ~~وبسنة رسول الله المستفيضة عنه كما قال في الصحاح ( لعن الله اليهود ~~والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وقال ( إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( # ولا تستحب الصلاة لا الفرض ولا النفل عند قبر نبى ولا غيره بإجماع ~~المسلمين بل ينهى عنه وكثير من العلماء يقول هي باطلة لما ورد في ذلك من ~~النصوص وأنما البقاع التى يحبها الله ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد ~~التى قال الله فيها @QB@ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له ~~فيها بالغدو والآصال @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك ~~أن يكونوا من المهتدين @QE@ PageV27P062 # وسئل النبي ( أى البقاع أحب إلى ~~الله قال المساجد قيل فأى البقاع أبغض إلى الله قال ( الأسواق ( وقال ( من ~~غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح ( وقال ( أن العبد ~~إذا تطهر فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة كانت خطوتاه ~~أحداهما ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة ( # فدين الإسلام هو إتباع ما بعث الله به رسوله من أنواع المحبوبات وإجتناب ~~ما كرهه الله ورسوله من البدع والضلالات وأنواع المنهيات فالعبادات ~~الإسلامية مثل الصلوات المشروعة والجماعات والجمعات وقراءة القرآن وذكر ~~الله الذى شرعه لعبادة المؤمنين ودعائه وما يتبع ذلك من احوال القلوب ~~وأعمال الأبدان وكذلك أنواع الزكوات من الصدقات وسائر الإحسان إلى الخلق ~~فإن كل معروف صدقة وكذلك سائر العبادات المشروعة فنسأل الله العظيم أن ~~يثبتنا عليها وسائر إخواننا المؤمنين والله سبحانه أعلم PageV27P063 ### || 1 ( بدع زيارة القبور ) 1 ### |||| وسئل أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى # عمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور في مرض به أو بفرسه أو بعيره يطلب ~~إزالة المرض الذى بهم ويقول يا سيدى أنا في جيرتك إنا في حسبك ms7685 فلان ظلمنى ~~فلان قصد أذيتى ويقول إن المقبور يكون واسطة بينه وبين الله تعالى وفيمن ~~ينذر للمساجد والزوايا والمشائخ حيهم وميتهم بالدراهم والإبل والغنم والشمع ~~والزيت وغير ذلك يقول أن سلم ولدى فللشيخ على كذا وكذا وأمثال ذلك وفيمن ~~يستغيث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذاك الواقع وفيمن يجيء إلى شيخه ويستلم ~~القبر ويمرغ وجهه عليه ويمسح القبر بيديه ويمسح بهما وجهه وأمثال ذلك وفيمن ~~يقصده بحاجته ويقول يا فلان ببركتك أو يقول قضيت حاجتى ببركة الله وبركة ~~الشيخ وفيمن يعمل السماع ويجيء إلى القبر فيكشف ويحط وجهه بين يدى شيخه على ~~الأرض ساجدا وفيمن قال إن ثم قطبا غوثا جامعا في الوجود أفتونا مأجورين ~~وأبسطوا القول في ذلك ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين الدين الذى بعث الله به رسله PageV27P064 ~~وأنزل به كتبه هو عبادة الله وحده لا شريك له وإستعانته والتوكل عليه ~~ودعاؤه لجلب المنافع ودفع المضار كما قال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا ~~لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ قالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون ~~المسيح وعزيرا والملائكة قال الله تعالى هؤلاء الذين تدعونهم عبادى كما ~~أنتم عبادى ويرجون رحمتى كما ترجون رحمتى ويخافون عذابى كما تخافون عذابى ~~ويتقربون إلى كما تتقربون إلى فإذا كان هذا حال من يدعو الأنبياء والملائكة ~~فكيف بمن دونهم # وقال تعالى @QB@ أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا ~~أعتدنا جهنم للكافرين ms7686 نزلا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من ~~شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ ~~PageV27P065 فبين سبحانه أن من دعى من دون الله من جميع المخلوقات من ~~الملائكة والبشر وغيرهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه وأنه ليس له شريك ~~في ملكه بل هو سبحانه له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأنه ليس له ~~عون يعاونه كما يكون للملك أعوان وظهراء وإن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا ~~لمن إرتضى فنفى بذلك وجوه الشرك # وذلك أن من يدعون من دونه إما أن يكون مالكا وإما أن لا يكون مالكا وإذا ~~لم يكن مالكا فأما أن يكون شريكا وإما أن لا يكون شريكا وإذا لم يكن شريكا ~~فأما أن يكون معاونا وأما أن يكون سائلا طالبا فالأقسام الأول الثلاثة وهى ~~الملك والشركة والمعاونة منتفية وأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه كما ~~قال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وكما قال تعالى @QB@ ~~وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء ويرضى @QE@ وقال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات ~~والأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ~~@QE@ PageV27P066 # وقال تعالى @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ ما ~~كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا ~~لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون @QE@ فإذا ms7687 جعل من إتخذ الملائكة والنبيين أربابا كافرا فكيف ~~من إتخذ من دونهم من المشايخ وغيرهم أربابا # وتفصيل القول أن مطلوب العبد أن كان من الأمور التى لا يقدر عليها إلا ~~الله تعالى مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم أو وفاء دينه من ~~غير جهة معينة أو عافية أهله وما به من بلاء الدنيا والآخرة وإنتصاره على ~~عدوه وهداية قلبه وغفران ذنبه أو دخوله الجنة أو نجاته من النار أو أن ~~يتعلم العلم والقرآن أو أن يصلح قلبه ويحسن خلقه ويزكى نفسه وأمثال ذلك ~~فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى ولا يجوز أن يقول لملك ~~ولا نبى ولا شيخ سواء كان حيا أو ميتا إغفر ذنبى ولا انصرنى على عدوى ولا ~~إشف مريضى ولا عافنى أو عاف أهلى أو دابتى PageV27P067 وما أشبه ذلك ومن ~~سأل ذلك مخلوقا كائنا من كان فهو مشرك بربه من جنس المشركين الذين يعبدون ~~الملائكة والأنبياء والتماثيل التى يصورونها على صورهم ومن جنس دعاء ~~النصارى للمسيح وأمه قال الله تعالى @QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ # وأما ما يقدر عليه العبد فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض فإن ( ~~مسألة المخلوق ( قد تكون جائزة وقد تكون منهيا عنها قال الله تعالى @QB@ ~~فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ وأوصى النبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~بن عباس ( إذا سألت فاسأل الله وإذا إستعنت فإستعن بالله ( وأوصى النبى صلى ~~الله عليه وآله وسلم طائفة من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا فكان سوط ~~أحدهم يسقط من كفه فلا يقول لأحد ناولنى إياه وثبت في الصحيحين أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال ( يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب وهم ~~الذين لا يسترقون ms7688 ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ( والإسترقاء ~~طلب الرقية وهو من أنواع الدعاء ومع هذا فقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال ( ما من PageV27P068 رجل يدعو له اخوه بظهر الغيب دعوة إلا ~~وكل الله بها ملكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك ولك مثل ذلك ( ومن ~~المشروع في الدعاء دعاء غائب لغائب ولهذا أمر النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالصلاة عليه وطلبنا الوسيلة له واخبر بما لنا في ذلك من الأجر إذا ~~دعونا بذلك فقال في الحديث ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا ~~على فإن من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها ~~درجة في الجنة لا ينبغى أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ~~ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت له شفاعتى يوم القيامة # ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه وممن هو دونه فقد روى طلب ~~الدعاء من الأعلى والأدنى فإن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ودع عمر إلى ~~العمرة وقال ( لا تنسنا من دعائك يا أخى ( لكن النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما أمرنا بالصلاة عليه وطلب الوسيلة له ذكر أن من صلى عليه مرة صلى ~~الله بها عليه عشرا وأن من سأل له الوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة فكان ~~طلبه منا لمنفعتنا في ذلك وفرق بين من طلب من غيره شيئا لمنفعة المطلوب منه ~~ومن يسأل غيره لحاجته إليه فقط وثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~ذكر أويسا القرنى وقال لعمر ( إن إستطعت أن يستغفر لك فأفعل PageV27P069 ~~وفى الصحيحين أنه كان بين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما شيء فقال أبوبكر ~~لعمر إستغفر لى لكن في الحديث أن أبا بكر ذكر أنه حنق على عمر وثبت أن ~~أقواما كانوا يسترقون وكان النبى صلى الله عليه وآله وسلم يرقيهم # وثبت في الصحيحين أن الناس لما أجدبوا سألوا النبى صلى الله ms7689 عليه وآله ~~وسلم أن يستسقى لهم فدعا الله لهم فسقوا وفى الصحيحين أيضا أن عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه إستسقى بالعباس فدعا فقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا ~~نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وفى ~~السنن أن أعرابيا قال للنبى صلى الله عليه وآله وسلم جهدت الأنفس وجاع ~~العيال وهلك المال فإدع الله لنا فانا نستشفع بالله عليك وبك على الله فسبح ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال ( ويحك ~~( إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ( فأقره على ~~قوله أنا نستشفع بك على الله وأنكر عليه نستشفع بالله عليك لأن الشافع يسأل ~~المشفوع إليه والعبد يسأل ربه ويستشفع إليه والرب تعالى لا يسأل العبد ولا ~~يستشفع به # وأما ( زيارة القبور المشروعة ( فهو أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة ~~الصلاة على جنازته كما كان النبى صلى الله عليه وآله وسلم PageV27P070 يعلم ~~أصحابه إذا زارو القبور أن يقولوا ( سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل ~~الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وروى عن ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ( ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه ~~في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ( والله ~~تعالى يثيب الحى إذا دعا للميت المؤمن كما يثيبه إذا صلى على جنازته ولهذا ~~نهى النبى صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل ذلك بالمنافقين فقال عز من قائل ~~@QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ فليس في الزيارة ~~الشرعية حاجة الحى إلى الميت ولا مسألته ولا توسله به بل فيها منفعة الحى ~~للميت كالصلاة عليه والله تعالى يرحم هذا بدعاء هذا وإحسانه إليه ويثيب هذا ~~على عمله فإنه ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله ms7690 عليه وآله وسلم أنه قال ( ~~إذا مات إبن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به من ~~بعده أو ولد صالح يدعوله PageV27P071 ### ||| فصل # وأما من يأتى إلى قبر نبى أو صالح أو من يعتقد فيه أنه قبر نبى أو رجل ~~صالح وليس كذلك ويسأله ويستنجده فهذا على ثلاث درجات # إحداها ( أن يسأله حاجته مثل أن يسأله أن يزيل مرضه أو مرض دوابه أو يقضى ~~دينه أو ينتقم له من عدوه أو يعافى نفسه وأهله ودوابه ونحو ذلك مما لا يقدر ~~عليه إلا الله عز وجل فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل # وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله منى ليشفع لى في هذه الأمور لأنى ~~اتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه فهذا من أفعال ~~المشركين والنصارى فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء ~~يستشفعون بهم في مطالبهم وكذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا @QB@ ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ وقال سبحانه وتعالى @QB@ أم اتخذوا ~~من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة ~~جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون @QE@ PageV27P072 # وقال تعالى ~~@QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ فبين الفرق بينه وبين خلقه فإن من عادة ~~الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه فيسأله ذلك الشفيع ~~فيقضى حاجته إما رغبة وإما رهبة وإما حياء وإما مودة وإما غير ذلك والله ~~سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع فلا يفعل إلا ما شاء وشفاعة ~~الشافع من إذنه فالأمر كله له # ولهذا قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبى ~~هريرة رضى الله عنه ( لا يقولن أحدكم اللهم إغفر لى إن شئت اللهم إرحمنى إن ~~شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له ( فبين أن ms7691 الرب سبحانه يفعل ما ~~يشاء لا يكرهه أحد على ما إختاره كما قد يكره الشافع المشفوع إليه وكما ~~يكره السائل المسؤول إذا ألح عليه وآذاه بالمسئلة فالرغبة يجب أن تكون إليه ~~كما قال تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ والرهبة تكون من ~~الله كما قال تعالى @QB@ وإياي فارهبون @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تخشوا ~~الناس واخشون @QE@ وقد أمرنا أن نصلى على النبى صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الدعاء وجعل ذلك من أسباب إجابة دعائنا PageV27P073 # وقول كثير من الضلال هذا أقرب إلى الله منى وأنا بعيد من الله لا يمكننى ~~أن أدعوه إلا بهذه الواسطة ونحو ذلك من أقوال المشركين فإن الله تعالى يقول ~~@QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ وقد روى ~~أن الصحابة قالوا يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل ~~الله هذه الآية وفى الصحيح أنهم كانوا في سفر وكانوا يرفعون أصواتهم ~~بالتكبير فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم ( يا أيها الناس اربعوا على ~~أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا بل تدعون سميعا قريبا إن الذى تدعونه ~~أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ( وقد أمر الله تعالى العباد كلهم بالصلاة له ~~ومناجاته وأمر كلا منهم أن يقولوا @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وقد ~~أخبر عن المشركين أنهم قالوا @QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~@QE@ # ثم يقال لهذا المشرك أنت إذا دعوت هذا فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك وأقدر ~~على عطاء سؤالك أو أرحم بك فهذا جهل وضلال وكفر وإن كنت تعلم أن الله أعلم ~~وأقدر وأرحم فلم عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره ألا تسمع إلى ما خرجه البخارى ~~وغيره عن جابر رضى الله عنه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يعلمنا الإستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم ~~بأمر PageV27P074 فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إنى أستخيرك ~~بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا ms7692 اقدر وتعلم ولا ~~أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى في دينى ~~ومعاشى وعاقبة أمرى فإقدره لى ويسره لى ثم بارك لى فيه وإن كنت تعلم أن هذا ~~الأمر شر لى في دينى ومعاشى وعاقبة أمرى فاصرفه عنى واصرفنى عنه وأقدر لى ~~الخير حيث كان ثم أرضنى به قال ويسمى حاجته ( أمر العبد أن يقول أستخيرك ~~بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم # وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى درجة عند الله منك فهذا حق لكن ~~كلمة حق أريد بها باطل فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة منك فإنما معناه ~~أن يثيبه ويعطيه أكثر مما يعطيك ليس معناه إنك إذا دعوته كان الله يقضى ~~حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت الله تعالى فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ~~ورد الدعاء مثلا لما فيه من العدوان فالنبى والصالح لا يعين على ما يكرهه ~~الله ولا يسعى فيما يبغضه الله وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة والقبول # وإن قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته فهذا هو ( ~~القسم الثانى ( وهو أن لا تطلب منه الفعل ولا PageV27P075 ندعوه ولكن تطلب ~~أن يدعو لك كما تقول للحى ادع لى وكما كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبون ~~من النبى صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء فهذا مشروع في الحى كما تقدم وأما ~~الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول ادع لنا ولا اسأل ~~لنا ربك ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر به أحد من الأئمة ~~ولا ورد فيه حديث بل الذى ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر رضى الله ~~عنه إستسقى بالعباس وقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا ~~فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فإسقنا فيسقون ولم يجيئوا إلى قبر النبى ~~صلى الله عليه وآله وسلم قائلين يا رسول الله إدع الله لنا وإستسق لنا ونحن ~~نشكوا إليك ms7693 مما اصابنا ونحو ذلك لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط بل هو بدعة ~~ما أنزل الله بها من سلطان بل كانوا إذا جاؤا عند قبر النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم يسلمون عليه فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلى القبر ~~الشريف بل ينحرفون ويستقبلون القبلة ويدعون الله وحده لا شريك له كما ~~يدعونه في سائر البقاع # وذلك أن في ( الموطأ ( وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال ( اللهم لا ~~تجعل قبرى وثنا يعبد إشتد غضب الله على قوم إتخذوا PageV27P076 قبور ~~أنبيائهم مساجد ( وفى السنن عنه انه قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على ~~حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى ( وفى الصحيح عنه أنه قال في مرضه الذى لم ~~يقم منه ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما ~~فعلوا قالت عائشة رضى الله عنها وعن أبويها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره ~~أن يتخذ مسجدا وفى صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال قبل أن ~~يموت بخمس ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وفى سنن أبى داود عنه قال ( لعن الله ~~زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد # والسرج ( # ولهذا قال علماؤنا لا يجوز بناء المسجد على القبور وقالوا أنه لا يجوز أن ~~ينذر لقبر ولا للمجاورين عند القبر شيئا من الأشياء لا من درهم ولا من زيت ~~ولا من شمع ولا من حيوان ولا غير ذلك كله نذر معصية وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن ~~نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( واختلف العلماء هل على الناذر كفارة يمين على ~~قولين ولهذا لم يقل أحد من أئمة السلف إن الصلاة عند القبور وفى مشاهد ~~القبور مستحبة أو فيها فضيلة ولا أن PageV27P077 الصلاة هناك والدعاء أفضل ~~من الصلاة في غير تلك البقعة والدعاء بل إتفقوا كلهم على أن الصلاة في ~~المساجد ms7694 والبيوت افضل من الصلاة عند القبور قبور الأنبياء والصالحين سواء ~~سميت ( مشاهد ( أو لم تسم # وقد شرع الله ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء فقال تعالى @QB@ ومن ~~أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها @QE@ ولم يقل ~~المشاهد وقال تعالى @QB@ وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ ولم يقل في المشاهد ~~وقال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ وقال صلى الله ~~عليه وآله وسلم ( صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس ~~وعشرين ضعفا ( وقال صلى الله عليه وآله وسلم ( من بنى لله مسجدا بني الله ~~له بيتا في الجنة ( # وأما القبور فقد ورد نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن اتخاذها مساجد ولعن ~~من يفعل ذلك وقد ذكره غير واحد من الصحابة والتابعين كما ذكره البخارى في ~~صحيحه والطبرانى وغيره في تفاسيرهم وذكره وثيمة وغيره في ( قصص الأنبياء ( ~~في قوله تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا @QE@ PageV27P078 قالوا هذه أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثيلهم اصناما ~~وكان العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك ~~هو أصل الشرك وعبادة الأوثان ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( ~~اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( # واتفق العلماء على أن من زار قبر النبى صلى الله عليه وآله وسلم أو قبر ~~غيره من الأنبياء والصالحين الصحابة وأهل البيت وغيرهم أنه لا يتمسح به ولا ~~يقبله بل ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود وقد ~~ثبت في الصحيحين أن عمر رضى الله عنه قال والله أنى لأعلم أنك حجر لا تضر ~~ولا تنفع ms7695 ولولا إنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبلك ما قبلتك # ولهذا لا يسن بإتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركنى البيت اللذين ~~يليان الحجر ولا جدران البيت ولا مقام إبراهيم ولا صخرة بيت المقدس ولا قبر ~~أحد من الأنبياء والصالحين حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما كان موجودا فكرهه مالك وغيره لأنه ~~بدعة وذكر أن مالكا لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه العلم ورخص ~~PageV27P079 فيه أحمد وغيره لأن إبن عمر رضى الله عنهما فعله وأما التمسح ~~بقبر النبى صلى الله عليه وآله وسلم وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه وذلك ~~لأنهم علموا ما قصده النبى صلى الله عليه وآله وسلم من حسم مادة الشرك ~~وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين # وهذا ما يظهر في الفرق بين سؤال النبى صلى الله عليه وآله وسلم والرجل ~~الصالح في حياته وبين سؤاله بعد موته وفى مغيبه وذلك أنه في حياته لا يعبده ~~أحد بحضوره فإذا كان الأنبياء صلوات الله عليهم والصالحون أحياء لا يتركون ~~أحدا يشرك بهم بحضورهم بل ينهونهم عن ذلك ويعاقبونهم عليه ولهذا قال المسيح ~~عليه السلام @QB@ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على ~~كل شيء شهيد @QE@ وقال رجل للنبى صلى الله عليه وآله وسلم ما شاء الله وشئت ~~فقال ? < أجعلتنى لله ندا ما شاء الله وحده > ? وقال لا تقولوا ما شاء الله ~~وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ولما قالت الجويرية وفينا ~~رسول الله يعلم ما في غد قال ( دعى هذا قولى بالذى كنت تقولين ( وقال لا ~~تطرونى كما أطرت النصارى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ولما ~~صفوا خلفه قياما قال ( لا تعظمونى كما تعظم الأعاجم بعضهم بعضا ( وقال ~~PageV27P080 أنس لم يكن شخص أحب إليهم ms7696 من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك ولما سجد له ~~معاذ نهاه وقال ( أنه لا يصلح السجود إلا لله ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد ~~لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ( ولما أتى على ~~بالزنادقة الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه الإلهية أمر بتحريقهم بالنار # فهذا شأن أنبياء الله وأوليائه وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق ~~من يريد علوا في الأرض وفسادا كفرعون ونحوه ومشائخ الضلال الذين غرضهم ~~العلو في الأرض والفساد والفتنة بالأنبياء والصالحين وإتخاذهم أربابا ~~والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفى مماتهم كما أشرك بالمسيح وعزير # فهذا مما يبين الفرق بين سؤال النبى صلى الله عليه وآله وسلم والصالح في ~~حياته وحضوره وبين سؤاله في مماته ومغيبه ولم يكن أحد من سلف الأمة في عصر ~~الصحابة ولا التابعين ولا تابعى التابعين يتحرون الصلاة والدعاء عند قبور ~~الأنبياء ويسألونهم ولا يستغيثون بهم لا في مغيبهم ولا عند قبورهم وكذلك ~~العكوف # ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت أو غائب كما ذكره PageV27P081 ~~السائل ويستغيث به عند المصائب يقول يا سيدى فلان كأنه يطلب منه إزاله ضره ~~أو جلب نفعه وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم ومعلوم أن ~~خير الخلق وأكرمهم على الله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأعلم ~~الناس بقدره وحقه أصحابه ولم يكونوا يفعلون شيئا من ذلك لا في مغيبه ولا ~~بعد مماته وهؤلاء المشركون يضمون إلى الشرك الكذب فإن الكذب مقرون بالشرك ~~وقد قال تعالى @QB@ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء ~~لله غير مشركين به @QE@ وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم ( عدلت شهادة ~~الزور الإشراك بالله مرتين أو ثلاثا ( وقال تعالى @QB@ إن الذين اتخذوا ~~العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ ~~وقال الخليل عليه السلام @QB@ أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب ~~العالمين @QE@ # فمن كذبهم أن أحدهم ms7697 يقول عن شيخه أن المريد إذا كان بالمغرب وشيخه ~~بالمشرق وإنكشف غطاؤه رده عليه وإن الشيخ إن لم يكن كذلك لم يكن شيخا وقد ~~تغويهم الشياطين كما تغوى عباد الأصنام كما كان يجرى في العرب في اصنامهم ~~ولعباد الكواكب وطلاسمها من الشرك والسحر كما يجرى للتتار والهند والسودان ~~وغيرهم من أصناف المشركين من إغواء الشياطين ومخاطبتهم ونحو ذلك ~~PageV27P082 فكثير من هؤلاء قد يجرى له نوع من ذلك لا سيما عند سماع المكاء ~~والتصدية فإن الشياطين قد تنزل عليهم وقد يصيب أحدهم كما يصيب المصروع من ~~الإرغاء والإزباد والصياح المنكر ويكلمه بما لا يعقل هو والحاضرون وأمثال ~~ذلك مما يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين # وأما ( القسم الثالث ( وهو أن يقول اللهم بجاه فلان عندك أو ببركة فلان ~~أو بحرمة فلان عندك أفعل بى كذا وكذا فهذا يفعله كثير من الناس لكن لم ينقل ~~عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء ~~ولم يبلغنى عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه ~~أبى محمد بن عبدالسلام فإنه أفتى أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك إلا للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إن صح الحديث في النبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومعنى الإستفتاء قد روى النسائى والترمذى وغيرهما أن النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول ( اللهم أنى أسألك وأتوسل إليك ~~بنبيك نبى الرحمة يا محمد يا رسول الله إنى أتوسل بك إلى ربى في حاجتى ~~ليقضيها لى اللهم فشفعه في ( فإن هذا الحديث قد إستدل به طائفة على جواز ~~التوسل بالنبى صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد مماته قالوا وليس في ~~التوسل دعاء PageV27P083 المخلوقين ولا إستغاثة بالمخلوق وإنما هو دعاء ~~وإستغاثه بالله لكن فيه سؤال بجاهه كما في سنن بن ماجه عن النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول ( اللهم أنى أسألك ~~بحق السائلين عليك ms7698 وبحق ممشاى هذا فإنى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا ~~سمعة خرجت إتقاء سخطك وإبتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذنى من النار وأن تغفر لى ~~ذنوبى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت # قالوا ففى هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه وبحق ممشاه إلى الصلاة ~~والله تعالى قد جعل على نفسه حقا قال الله تعالى @QB@ وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين @QE@ ونحو قوله @QB@ كان على ربك وعدا مسؤولا @QE@ وفى الصحيحين ~~عن معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال له ( يا معاذ أتدرى ~~ما حق الله على العباد ( قال الله ورسوله أعلم قال ( حق الله على العباد أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك فإن ~~حقهم عليه أن لا يعذبهم ( وقد جاء في غير حديث ( كان حقا على الله كذا وكذا ~~( كقوله ( من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما فإن تاب تاب الله عليه ~~فإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة ~~الخبال قيل وما طينة الخبال قال PageV27P084 عصارة أهل النار # وقالت طائفة ليس في هذا جواز التوسل به بعد مماته وفى مغيبه بل إنما فيه ~~التوسل في حياته بحضوره كما في صحيح البخارى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~إستسقى بالعباس فقال اللهم إنا كنا إذا اجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ~~وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وقد بين عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون # وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم فيدعو لهم ويدعون ~~معه ويتوسلون بشفاعته ودعائه كما في الصحيح عن انس بن مالك رضى الله عنه أن ~~رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان بجوار ( دار القضاء ( ورسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب فإستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وإنقطعت السبل ms7699 فادع الله لنا أن ~~يمسكها عنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه ثم قال ( ~~اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت ~~الشجر ( قال وأقلعت فخرجنا نمشى في الشمس ففى هذا الحديث أنه قال إدع الله ~~لنا أن يمسكها عنا وفى الصحيح أن عبد الله بن عمر قال إنى لا PageV27P085 ~~ذكر قول أبى طالب في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول % وأبيض ~~يستسقى الغمام بوجهه % ثمال اليتامى عصمة للأرامل % # فهذا كان توسلهم به في الإستسقاء ونحوه ولما مات توسلوا بالعباس رضى الله ~~عنه كما كانوا يتوسلون به ويستسقون وما كانوا يستسقون به بعد موته ولا في ~~مغيبه ولا عند قبره ولا عند قبر غيره وكذلك معاوية بن أبى سفيان إستسقى ~~بيزيد بن الأسود الجرشى وقال اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا يا يزيد إرفع ~~يديك إلى الله فرفع يديه ودعا ودعوا فسقوا فلذلك قال العلماء يستحب أن ~~يستسقى بأهل الصلاح والخير فإذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان أحسن ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والإستسقاء ~~بالنبى والصالح بعد موته ولا في مغيبه ولا إستحبوا ذلك في الإستسقاء ولا في ~~الإستنصار ولا غير ذلك من الأدعية والدعاء مخ العبادة # والعبادة مبناها على السنة والإتباع لا على الأهواء والإبتداع وإنما يعبد ~~الله بما شرع لا يعبد بالأهواء والبدع قال تعالى @QB@ أم لهم شركاء شرعوا ~~لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ وقال النبى صلى PageV27P086 الله عليه وآله ~~وسلم أنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور # وأما الرجل إذا اصابته نائبة أو خاف شيئا فإستغاث بشيخه يطلب تثبيت قلبه ~~من ذلك الواقع فهذا من الشرك وهو من جنس دين النصارى فإن الله هو الذى يصيب ~~بالرحمة ويكشف الضر قال تعالى @QB@ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ~~وإن يردك ms7700 بخير فلا راد لفضله @QE@ وقال تعالى @QB@ ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ فبين أن من يدعى من ~~الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا # فإذا قال قائل أنا أدعو الشيخ ليكون شفيعا لى فهو من جنس دعاء النصارى ~~لمريم والأحبار والرهبان والمؤمن يرجو ربه ويخافه ويدعوه مخلصا له الدين ~~وحق شيخه أن يدعو له ويترحم عليه فإن أعظم الخلق PageV27P087 قدرا هو رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره وأطوع الناس ~~له ولم يكن يأمر أحدا منهم عند الفزع والخوف أن يقول يا سيدى يا رسول الله ~~ولم يكونوا يفعلون ذلك في حياته ولا بعد مماته بل كان يأمرهم بذكر الله ~~ودعائه والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى @QB@ ~~الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا ~~رضوان الله والله ذو فضل عظيم @QE@ وفى صحيح البخارى عن بن عباس رضى الله ~~عنهما أن هذه الكلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين القى في النار وقالها ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعني وأصحابه حين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول عند ~~الكرب ( لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم لا ~~إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم ( وقد ms7701 روى أنه علم نحو ~~هذا الدعاء بعض أهل بيته وفى السنن أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~إذا حزبه أمر قال ( يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث ( وروى أنه علم ابنته ~~فاطمة أن تقول يا حى يا قيوم يا بديع السماوات والأرض لا إله إلا أنت ~~برحمتك أستغيث PageV27P088 اصلح لى شأني كله ولا تكلنى إلى نفسى طرفه عين ~~ولا إلى أحد من خلقك ( # وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبى حاتم البستى عن إبن مسعود رضى الله عنه ~~عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ( ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن ~~فقال اللهم إنى عبدك وبن عبدك وبن أمتك ناصيتى بيدك ماض في حكمك عدل في ~~قضاؤك أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا ~~من خلقك أو إستأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبى ~~ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب همى وغمى إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه ~~فرحا قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن ( ~~وقال لأمته ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا ~~لحياته ولكن الله يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فإفزعوا إلى الصلاة وذكر ~~الله والإستغفار ( فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق ~~والصدقة ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا ولا غيرهم ( # ومثل هذا كثير في سنته لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به من ~~دعاء الله وذكره والإستغفار والصلاة والصدقة PageV27P089 ونحو ذلك فكيف ~~يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما أنزل الله بها ~~من سلطان تضاهى دين المشركين والنصارى # فإن زعم أحد أن حاجته قضيت بمثل ذلك وأنه مثل له شيخه ونحو ذلك فعباد ~~الكواكب والأصنام ونحوهم من أهل الشرك يجرى لهم مثل هذا كما قد تواتر ذلك ~~عمن مضى من المشركين وعن المشركين في هذا الزمان فلو ms7702 لا ذلك ما عبدت ~~الأصنام ونحوها قال الخليل عليه السلام @QB@ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~رب إنهن أضللن كثيرا من الناس @QE@ # ويقال إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم الخليل من جهة ( عمرو ~~بن لحى الخزاعى ( الذى رآه النبى صلى الله عليه وآله وسلم يجر أمعاءه في ~~النار وهو أول من سيب السوائب وغير دين إبراهيم قالوا أنه ورد الشام فوجد ~~فيها أصناما بالبلقاء يزعمون أنهم ينتفعون بها في جلب منافعهم ودفع مضارهم ~~فنقلها إلى مكة وسن للعرب الشرك وعبادة الأصنام # والأمور التى حرمها الله ورسوله من الشرك والسحر والقتل والزنا وشهادة ~~الزور وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات قد يكون للنفس فيها حظ مما تعده ~~منفعة أو دفع مضرة ولولا ذلك ما أقدمت النفوس على المحرمات التى لا خير ~~فيها بحال وإنما يوقع النفوس في المحرمات الجهل PageV27P090 أو الحاجة فأما ~~العالم بقبح الشيء والنهى عنه فكيف يفعله والذين يفعلون هذه الأمور جميعها ~~قد يكون عندهم جهل بما فيه من الفساد وقد تكون بهم حاجة إليها مثل الشهوة ~~إليها وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة ولا يعلمون ذلك ~~لجهلهم أو تغلبهم أهواؤهم حتى يفعلوها والهوى غالبا يجعل صاحبه كانه لا ~~يعلم من الحق شيئا فإن حبك للشيء يعمى ويصم # ولهذا كان العالم يخشى الله وقال أبوالعالية سألت أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم عن قول الله عز وجل @QB@ إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ الآية فقالوا كل من عصى الله ~~فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وليس هذا موضع البسط لبيان ~~ما في المنهيات من المفاسد الغالبة وما في المأمورات من المصالح الغالبة بل ~~يكفى المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة وما نهى ~~الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة وإن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به ~~لحاجته إليهم ولا نهاهم عما ms7703 نهاهم بخلابه عليهم بل أمرهم بما فيه صلاحهم ~~ونهاهم عما فيه فسادهم ولهذا وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه @QB@ يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث @QE@ # وأما التمسح بالقبر أى قبر كان وتقبيله وتمريغ الخد عليه PageV27P091 ~~فمنهى عنه بإتفاق المسلمين ولو كان ذلك من قبور الأنبياء ولم يفعل هذا أحد ~~من سلف الأمة وأئمتها بل هذا من الشرك قال الله تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا @QE@ ~~وقد تقدم إن هؤلاء أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح وأنهم عكفوا على ~~قبورهم مدة ثم طال عليهم الأمد فصوروا تماثيلهم لا سيما إذا إقترن بذلك ~~دعاء الميت والإستغاثة به وقد تقدم ذكر ذلك وبيان ما فيه من الشرك وبينا ~~الفرق بين ( الزيارة البدعية ( التى تشبه أهلها بالنصارى ( والزيارة ~~الشرعية ( # وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم أو تقبيل الأرض ونحو ذلك ~~فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهى عنه بل مجرد الإنحناء بالظهر ~~لغير الله عز وجل منهى عنه ففى المسند وغيره ( أن معاذ بن جبل رضى الله عنه ~~لما رجع من الشام سجد للنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال ما هذا يا ~~معاذ فقال يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ~~ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال كذبوا يا معاذ لو كنت آمرا احدا أن يسجد لأحد ~~لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها يا معاذ أرأيت أن مررت بقبرى ~~أكنت ساجدا قال لا قال لا تفعل هذا ( أو كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم PageV27P092 بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلى بأصحابه قاعدا من مرض كان به فصلوا قياما فأمرهم بالجلوس ~~وقال ( لا تعظمونى كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا ( وقال من سره أن يتمثل له ~~الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار ( فإذا كان قد نهاهم ms7704 مع قعوده وإن ~~كانوا قاموا في الصلاة حتى لا يتشبهوا بمن يقومون لعظمائهم وبين أن من سره ~~القيام له كان من أهل النار فكيف بما فيه من السجود له ومن وضع الرأس ~~وتقبيل الأيادى وقد كان عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وهو خليفة الله على ~~الأرض قد وكل أعوانا يمنعون الداخل من تقبيل الأرض ويؤدبهم إذا قبل أحد ~~الأرض # وبالجملة فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق ~~السماوات والأرض وما كان حقا خالصا لله لم يكن لغيره فيه نصيب مثل الحلف ~~بغير الله عز وجل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( متفق عليه وقال أيضا ( من حلف بغير الله فقد ~~اشرك ( فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ ~~وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ? < إن الله يرضى لكم ~~ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وإن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا وإن تناصحوا من ولاه الله أمركم > ? PageV27P093 وإخلاص الدين لله ~~هو أصل العبادة # ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشرك دقه وجله وحقيره وكبيره حتى ~~أنه قد تواتر عنه أنه نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها بألفاظ ~~متنوعة تارة يقول ( لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ( وتارة ينهى ~~عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وتارة ~~يذكر ان الشمس إذا طلعت طلعت بين قرنى شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ونهى ~~عن الصلاة في هذا الوقت لما فيه من مشابهة المشركين في كونهم يسجدون للشمس ~~في هذا الوقت وإن الشيطان يقارن الشمس حينئذ ليكون السجود له فكيف بما هو ~~أظهر شركا ومشابهة للمشركين من هذا وقد قال الله تعالى فيما امر رسوله أن ~~يخاطب به اهل الكتاب @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ms7705 بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون @QE@ وذلك لما فيه من مشابهة ~~أهل الكتاب من إتخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله ونحن منهيون عن مثل هذا ~~ومن PageV27P094 عدل عن هدى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهدى أصحابه ~~والتابعين لهم بإحسان إلى ما هو من جنس هدى النصارى فقد ترك ما أمر الله به ~~ورسوله # وأما قول القائل إنقضت حاجتى ببركة الله وبركتك فمنكر من القول فإنه لا ~~يقرن بالله في مثل هذا غيره حتى أن قائلا قال للنبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما شاء الله وشئت فقال ? < أجعلتنى لله ندا بل ما شاء الله وحده > ? ~~وقال لأصحابه ( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم ~~شاء محمد ( وفى الحديث أن بعض المسلمين رأى قائلا يقول نعم القوم أنتم لولا ~~أنكم تنددون أى تجعلون لله ندا يعنى تقولون ماشاء الله وشاء محمد فنهاهم ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك وفى الصحيح عن زيد بن خالد قال صلى ~~بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر بالحديبية في أثر سماء ~~من الليل فقال ( أتدرون ماذا قال ربكم الليلة قلنا الله ورسوله أعلم قال ~~قال أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك ~~مؤمن بى كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى مؤمن ~~بالكوكب ( والأسباب التى جعلها الله أسبابا لا تجعل مع الله شركاء وأندادا ~~وأعوانا PageV27P095 # وقول القائل ببركة الشيخ قد يعنى بها دعاءه وأسرع الدعاء إجابه دعاء غائب ~~لغائب وقد يعنى بها بركة ما امره به وعلمه من الخير وقد يعنى بها بركة ~~معاونته له على الحق وموالاته في الدين ونحو ذلك وهذه كلها معان صحيحة وقد ~~يعنى بها دعاءه للميت والغائب إذ إستقلال الشيخ بذلك التأثير أو فعله لما ~~هو عاجز ms7706 عنه أو غير قادر عليه أو غير قاصد له متابعته أو مطاوعته على ذلك ~~من البدع المنكرات ونحو هذه المعانى الباطلة والذى لا ريب فيه ان العمل ~~بطاعة الله تعالى ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض ونحو ذلك هو نافع في الدنيا ~~والآخرة وذلك بفضل الله ورحمته # وأما سؤال السائل عن ( القطب الغوث الفرد الجامع ( فهذا قد يقوله طوائف ~~من الناس ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام مثل تفسير بعضهم أن الغوث هو ~~الذى يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم حتى يقول إن مدد الملائكة ~~وحيتان البحر بواسطته فهذا من جنس قول النصارى في المسيح عليه السلام ~~والغالية في على رضى الله عنه وهذا كفر صريح يستتاب منه صاحبه فإن تاب وإلا ~~قتل فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون امداد الخلائق بواسطته ~~ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في ( العقول العشرة ( الذين يزعمون أنها ~~الملائكة وما يقوله النصارى في المسيح PageV27P096 ونحو ذلك كفر صريح ~~بإتفاق المسلمين # وكذلك عنى بالغوث ما يقوله بعضهم من أن في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ~~يسمونهم ( النجباء ( فينتقى منهم سبعون هم ( النقباء ( ومنهم أربعون هم ( ~~الإبدال ( ومنهم سبعة هم ( الأقطاب ( ومنهم أربعة هم ( الأوتاد ( ومنهم ~~واحد هو ( الغوث ( وأنه مقيم بمكة وأن أهل الأرض إذا نابهم نائبة في رزقهم ~~ونصرهم فزعوا إلى الثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وأولئك يفزعون إلى السبعين ~~والسبعون إلى الأربعين والأربعون إلى السبعة والسبعة إلى الأربعة والأربعة ~~إلى الواحد وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب فإن ~~لهم فيها مقالات متعددة حتى يقول بعضهم أنه ينزل من السماء على الكعبة ورقة ~~خضراء بإسم غوث الوقت وإسم خضره على قول من يقول منهم إن الخضر هو مرتبة ~~وإن لكل زمان خضرا فإن لهم في ذلك قولين وهذا كله باطل لا أصل له في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا من المشايخ ~~الكبار المتقدمين الذين يصلحون للإقتداء بهم ومعلوم أن سيدنا رسول ms7707 رب ~~العالمين وأبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضى الله عنهم كانوا خير الخلق في ~~زمنهم وكانوا بالمدينة ولم يكونوا بمكة وقد روى بعضهم حديثا في ( هلال ( ~~غلام المغيرة بن شعبة PageV27P097 وأنه أحد السبعة والحديث باطل بإتفاق أهل ~~المعرفة وإن كان قد روى بعض هذه الأحاديث أبو نعيم في ( حلية الأولياء ( ~~والشيخ أبو عبد الرحمن السلمى في بعض مصنفاته فلا تغتر بذلك فإن فيه الصحيح ~~والحسن والضعيف والموضوع والمكذوب الذى لا خلاف بين العلماء في أنه كذب ~~موضوع وتارة يرويه على عادة بعض أهل الحديث الذين يروون ما سمعوا ولا ~~يميزون بين صحيحة وباطله وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث لما ~~ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم انه قال ( من حدث عنى ~~بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ( # وبالجملة فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل في ~~الرغبة والرهبة مثل دعائهم عند الإستسقاء لنزول الرزق ودعائهم عند الكسوف ~~والإعتداد لرفع البلاء وأمثال ذلك إنما يدعون في ذلك الله وحده لا شريك له ~~لا يشركون به شيئا لم يكن للمسلمين قط أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله عز ~~وجل بل كان المشركون في جاهليتهم يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله افتراهم ~~بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التى ما أنزل الله ~~بها من سلطان قال تعالى @QB@ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه @QE@ وقال تعالى ~~PageV27P098 @QB@ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون ~~إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ~~@QE@ وقال @QB@ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء ~~لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم ~~الشيطان ما كانوا يعملون @QE@ # والنبى صلى الله عليه وآله ms7708 وسلم إستسقى لأصحابه بصلاة وبغير صلاة وصلى ~~بهم للإستسقاء وصلاة الكسوف وكان يقنت في صلاته فيستنصر على المشركين وكذلك ~~خلفاؤه الراشدون بعده وكذلك أئمة الدين ومشايخ المسلمين وما زالوا على هذه ~~الطريقة # ولهذا يقال ثلاثة أشياء مالها من اصل ( باب النصيرية ( و ( منتظر الرافضة ~~( و ( غوث الجهال ( فإن النصيرية تدعى في الباب الذى لهم ما هو من هذا ~~الجنس أنه الذى يقيم العالم فذاك شخصه موجود ولكن دعوى النصيرية فيه باطلة ~~وأما محمد بن الحسن المنتظر والغوث المقيم بمكة ونحو هذا فإنه باطل ليس له ~~وجود # وكذلك ما يزعمه بعضهم من ان القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم ~~كلهم ونحو هذا فهذا باطل فأبوبكر وعمر PageV27P099 رضي الله عنهما لم يكونا ~~يعرفان جميع أولياء الله ولا يمدانهم فكيف بهؤلاء الضالين المغترين ~~الكذابين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم إنما عرف الذين ~~لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء وهو الغرة والتحجيل ومن هؤلاء من أولياء ~~الله من لا يحصيه إلا الله عز وجل وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم ~~يكن يعرف اكثرهم بل قال الله تعالى @QB@ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من ~~قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك @QE@ وموسى لم يكن يعرف الخضر والخضر لم ~~يكن يعرف موسى بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر وإنى بأرضك السلام فقال ~~له أنا موسى قال موسى بنى إسرائيل قال نعم وقد كان بلغه إسمه وخبره ولم يكن ~~يعرف عينه ومن قال أنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل # والصواب الذى عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودا ~~في زمن النبى صلى الله عليه وآله وسلم لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما ~~أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره ~~مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ~~ليرقع لهم سفينتهم ولم يكن مختفيا ms7709 عن خير أمة أخرجت للناس وهو PageV27P100 ~~قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم # ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم فإن دينهم ~~أخذوه عن الرسول النبى الأمى صلى الله عليه وآله وسلم الذى علمهم الكتاب ~~والحكمة وقال لهم نبيهم ( لو كان موسى حيا ثم إتبعتموه وتركتمونى لضللتم ( ~~وعيسى بن مريم عليه السلام إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم ~~وسنة نبيهم فأى حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره والنبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد أخبرهم بنزول عيسى من السماء وحضوره مع المسلمين وقال ( كيف تهلك ~~أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها ( فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما ~~مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد ~~آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لاعوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس ~~مثلهم وإذا كان الخضر حيا دائما فكيف لم يذكر النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم ذلك قط ولا أخبر به أمته ولا خلفاؤه الراشدون # وقول القائل أنه نقيب الأولياء فيقال له من ولاه النقابة وأفضل الأولياء ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس فيهم الخضر وعامة ما يحكى في هذا ~~الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبنى على ظن رجل مثل شخص رأى رجلا ظن ~~أنه الخضر PageV27P101 # وقال أنه الخضر كما أن الرافضة ترى شخصا تظن أنه ~~الإمام المنتظر المعصوم أو تدعى ذلك وروى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال ~~وقد ذكر له الخضر من أحالك على غائب فما أنصفك وما ألقى هذا على ألسنة ~~الناس إلا الشيطان وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع # وأما أن قصد القائل بقوله ( القطب الغوث الفرد الجامع ( أنه رجل يكون ~~أفضل أهل زمانه فهذا ممكن لكن من الممكن ايضا أن يكون في الزمان إثنان ~~متساويان في الفضل وثلاثة واربعة ولا يجزم بألا يكون في كل زمان أفضل الناس ~~إلا واحدا وقد تكون جماعة بعضهم ms7710 أفضل من بعض من وجه دون وجه وتلك الوجوه ~~إما متقاربة وإما متساوية # ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان فتسميته ( بالقطب الغوث ~~الجامع ( بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة ~~وأئمتها وما زال السلف يظنون في بعض الناس أنه أفضل أو من أفضل أهل زمانه ~~ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التى ما أنزل الله بها من سلطان لا سيما أن من ~~المنتحلين لهذا الإسم من يدعى أن أول الأقطاب هو الحسن بن على بن أبى طالب ~~رضى الله عنهما ثم يتسلل الأمر إلى ما دونه إلى بعض مشايخ PageV27P102 ~~المتأخرين وهذا لا يصح لا على مذهب أهل السنة ولا على مذهب الرافضة فأين ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والحسن ~~عند وفاة النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان قد قارب سن التمييز والإحتلام # وقد حكى عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا أن القطب الفرد الغوث ~~الجامع ( ينطبق علمه على علم الله تعالى وقدرته على قدرة الله تعالى فيعلم ~~ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر عليه الله وزعم أن النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان كذلك وإن هذا إنتقل عنه إلى الحسن وتسلسل إلى شيخه فبينت أن ~~هذا كفر صريح وجهل قبيح وإن دعوى هذا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كفر دع ما سواه وقد قال الله تعالى @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا ها هنا @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ~~إن الأمر كله لله @QE@ وقال تعالى @QB@ ليقطع طرفا من الذين كفروا أو ~~يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء ms7711 أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ~~ظالمون @QE@ وقال PageV27P103 تعالى @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين @QE@ # والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نطيع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ~~@QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ وأمرنا أن نتبعه فقال تعالى @QB@ قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ وأمرنا أن نعزره ونوقره ~~وننصره وجعل له من الحقوق ما بينه في كتابه وسنة رسوله حتى أوجب علينا أن ~~يكون أحب الناس إلينا من أنفسنا وأهلينا فقال تعالى @QB@ النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره @QE@ وقال صلى الله عليه وآله وسلم ( والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم ~~حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ( وقال له عمر رضى الله ~~عنه يا رسول الله لانت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسى فقال ( لا يا عمر حتى ~~أكون أحب إليك من نفسك قال فلأنت أحب إلى من نفسى قال الآن يا عمر ( وقال ( ~~ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن PageV27P104 ~~يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ( # وقد بين في كتابه حقوقه التى لا تصلح إلا له وحقوق رسله وحقوق المؤمنين ~~بعضهم على بعض كما بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وذلك مثل قوله ~~تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ ~~فالطاعة لله والرسول والخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى @QB@ ولو أنهم ~~رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ~~إنا إلى الله راغبون @QE@ فالإيتاء لله والرسول والرغبة لله وحده وقال ~~تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما ms7712 نهاكم عنه فانتهوا @QE@ لأن الحلال ~~ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله وأما الحسب فهو لله وحده ~~كما قال @QB@ وقالوا حسبنا الله @QE@ ولم يقل حسبنا الله ورسوله وقال تعالى ~~@QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ أى يكفيك الله ~~ويكفى من إتبعك من المؤمنين وهذا هو الصواب المقطوع به في هذه الآية ولهذا ~~كانت كلمة إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام حسبنا الله ونعم الوكيل ~~والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم PageV27P105 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن هؤلاء ( الزائرين قبور الأنبياء والصالحين ( كقبر الخليل وغيره فيأتون ~~إلى الضريح ويقبلونه والقوام بذلك المكان أى من جاء يأتونه ويجيئون به إلى ~~الضريح فيعلمونهم ذلك ويقرونهم عليه فهل هذا مما أمر الله تعالى به ورسوله ~~أم لا وهل في ذلك ثواب وأجر أم لا وهل هو من الدين الذى بعث الله سبحانه به ~~رسوله أم لا وإذا لم يكن كذلك وكان أناس يعتقدون أن هذا من الدين ويفعلونه ~~على هذا الوجه فهل يجب أن ينهوا عن ذلك أم لا وهل إستحب هذا أحد من الأئمة ~~الأربعة أم لا وهل كانت الصحابة والتابعون يفعلون ذلك أم لا وإذا كان في ~~القوام أو غيرهم من يفعل ذلك أو يأمر به أو يقر عليه لأجل جعل يأخذه أو غير ~~ذلك فهل يثاب ولى الأمر على منع هؤلاء أم لا وهل إذا لم ينتهوا عن ذلك فهل ~~لولى الأمر أن يصرف عن الولاية من لم ينته منهم أم لا والكسب الذى يكسبه ~~الناس من مثل هذا الأمر هل هو كسب طيب أو خبيث وهل يستحقون مثل هذا الكسب ~~أم يؤخذ منهم ويصرف في PageV27P106 مصالح المسلمين وهل يجوز أن يقام إلى ~~جانب مسجد الخليل السماع الذى يسمونه النوبة الخليلية ( ويقام عند ذلك سماع ~~يجتمعون له الفقراء وغيرهم وفيه الشبابة أم لا والذى يصفر بالشبابة مؤذن ~~بالمكان المذكور هل يفسق أم لا وهل إذا لم ينته يصرفه ولى ms7713 الأمر أم لا وإذا ~~لم يستطع ولى الأمر أن يزيل ذلك فهل له ان ينقل هذه النوبة المذكورة إلى ~~مكان لا يمكن الرقص فيه لضيق المكان أم لا ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله رب العالمين لم يأمر الله ولا رسوله ولا ~~أئمة المسلمين بتقبيل شيء من قبور الأنبياء والصالحين ولا التمسح به لا قبر ~~نبينا ولا قبر الخليل ولا قبر غيرهما بل ولا بالتقبيل والإستلام لصخرة بيت ~~المقدس ولا الركنين الشاميين من البيت العتيق بل إنما يستلم الركنان ~~اليمانيان فقط اتباعا لسنة النبى فإنه لم يستلم الا اليمانيين ولم يقبل إلا ~~الحجر الأسود وإتفقوا على أن الشاميين لا يستلمان ولا يقبلان # واتفقوا على أن اليمانيين يستلمان وإتفقوا على تقبيل الحجر الأسود # وتنازعوا في تقبيل اليمانى على ثلاثة أقوال معروفة قيل PageV27P107 يقبل ~~وقيل يستلم وتقبل اليد وقيل يستلم ولا تقبل اليد وهذا هو الصحيح فإن الثابت ~~عن النبى أنه إستلمه ولم يقبله ولم يقبل يده لما إستلمه ولا أجر ولا ثواب ~~فيما ليس بواجب ولا مستحب فإن الأجر والثواب إنما يكون على الأعمال الصالحة ~~والأعمال الصالحة إما واجبة وإما مستحبة # فإذا كان الإستلام والتقبيل لهذه الأجسام ليس بواجب ولا مستحب لم يكن في ~~ذلك أجر ولا ثواب ومن إعتقد أنه يؤجر على ذلك ويثاب فهو جاهل ضال مخطئ ~~كالذى يعتقد أنه يؤجر ويثاب إذا سجد لقبور الأنبياء والصالحين والذى يعتقد ~~أنه يؤجر ويثاب إذا دعاهم من دون الله والذى يعتقد أنه يؤجر ويثاب إذا صور ~~صورهم كما يفعل النصارى ودعا تلك الصور وسجد لها ونحو ذلك من البدع التى ~~ليست واجبة ولا مستحبة بل هي إما كفر وإما جهل وضلال # وليس شيء من هذا من الدين الذى بعث الله به محمدا بإتفاق المسلمين ومن ~~إعتقد أن هذا من الدين وفعله وجب أن ينهى عنه ولم يستحب هذا أحد من الأئمة ~~الأربعة ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان # ومن أمر الناس بشيء من ذلك أو رغبهم فيه أو أعانهم ms7714 عليه PageV27P108 من ~~القوام أو غير القوام فإنه يجب نهيه عن ذلك ومنعه منه ويثاب ولى الأمر على ~~منع هؤلاء ومن لم ينته عن ذلك فإنه يعزر تعزيرا يردعه وأقل ذلك أن يعزل عن ~~القيامة ولا يترك من يأمر الناس بما ليس من دين المسلمين # والكسب الذى يكسب بمثل ذلك خبيث من جنس كسب الذين يكذبون على الله ورسوله ~~ويأخذون على ذلك جعلا ومن جنس كسب سدنة الأصنام الذين يأمرون بالشرك ~~ويأخذون على ذلك جعلا فإن هذه الأمور من جملة ما نهى عنه من أسباب الشرك ~~ودواعيه وأجزائه وقد قال صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا ~~يعبد ( رواه مالك في الموطأ وغيره وقال ( لا تتخذوا قبرى عيدا ( وصلوا على ~~حيثما كنتم ( فإن صلاتكم تبلغنى ( رواه أبوداود وغيره وفى الصحيحين عنه أنه ~~قال ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا ~~قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفى الصحيح عنه ~~أنه قال قبل أن يموت بخمس ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وفى المسند وصحيح أبى حاتم ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن من شرار الناس من PageV27P109 تدركهم ~~الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد ) والأحاديث والآثار في ذلك ~~كثيرة # ولهذا لم يكن الصحابة يسافرون إلى ( قبر الخليل ( ولا غيره من قبور ~~الصالحين ولا سافروا إلى زيارة ( جبل طور سيناء ( وهو ( البقعة المباركة ( ~~و ( الوادى المقدس ( الذى ذكره الله في كتابه وكلم عليه كليمه موسى بل ولا ~~كان النبى وأصحابه في حياته وبعد مماته يزورون ( جبل حراء ( الذى نزل الوحى ~~على رسول الله فيه ولم يكونوا يزورون بمكة غير المشاعر كالمسجد الحرام ومنى ~~ومزدلفة وعرفة في الحج وكذلك لم يكن أحد من أصحاب النبى يقصد الدعاء عند ~~قبر أحد من الأنبياء لا قبر نبينا ولا قبر الخليل ولا غيرهما # ولهذا ذكر الأئمة كمالك وغيره أن هذا بدعة بل ms7715 كانوا إذا أتوا إلى قبر ~~النبى يسلمون عليه ويصلون عليه كما ذكر مالك في الموطأ إن بن عمر كان إذا ~~أتى قبر النبى صلى عليه وعلى أبى بكر وعمر وفى رواية عنه كان يقول السلام ~~عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف # ومن إكتسب مالا خبيثا مثل هذا الذى يأمر الناس بالبدع PageV27P110 ويأخذ ~~على ذلك جعلا فإنه لا يملكه فإذا تعذر رده على صاحبه فإن ولاة الأمور ~~يأخذونه من هذا الذى أكل أموال الناس بالباطل وصد عن سبيل الله ويصرفها في ~~مصالح المسلمين التى يحبها الله ورسوله فيؤخذ المال الذى أنفق في طاعة ~~الشيطان فينفق في طاعة الرحمن وأما السماع الذى يسمونه نوبة الخليل فبدعة ~~باطلة لا أصل له ولم يكن الخليل يفعل شيئا من هذا ولا الصحابة لما فتحوا ~~البلاد فعلوا عند الخليل شيئا من هذا ولا فعل شيئا من هذا رسول الله ولا ~~خلفاؤه بل هذا إما أن يكون من أحداث النصارى فإنهم هم الذين نقبوا حجرة ~~الخليل بعد أن كانت مسدودة لا يدخل أحد إليها وإما أن يكون من أحداث بعض ~~جهال المسلمين ولا يجوز أن يقام هناك رقص ولا شبابة ولا ما يشبه ذلك بل يجب ~~النهى عن ذلك ومن أصر على حضور ذلك من مؤذن وغيره قدح ذلك في عدالته والله ~~أعلم PageV27P111 ### || 1 ( رسالة في العبادات عند القبور والآثار ) 1 ### |||| ( وسئل قدس الله روحه ( # عن حكم قول بعض العلماء والفقراء إن الدعاء مستجاب عند قبور أربعة من ~~أصحاب الأئمة الأربعة ( قبر الفندلاوى ( من أصحاب مالك و ( قبر البرهان ~~البلخى ( من أصحاب أبى حنيفة و ( قبر الشيخ نصر المقدسى ( من أصحاب الشافعى ~~( و ( قبر الشيخ أبى الفرج ( من أصحاب أحمد رضى الله عنهم ومن إستقبل ~~القبلة عند قبورهم ودعا استجيب له وقول بعض العلماء عن بعض المشائخ يوصيه ~~إذا نزل بك حادث أو أمر تخافه إستوحنى ينكشف عنك ما تجده من الشدة حيا كنت ~~أو ميتا ومن قرأ ms7716 آية الكرسى وإستقبل جهة الشيخ عبدالقادر الجيلانى وسلم ~~عليه سبع مرات يخطو مع كل تسليمة خطوة إلى قبره قضيت حاجته أو كان في سماع ~~فإنه يطيب ويكثر التواجد وقول الفقراء إن الله تعالى ينظر إلى الفقراء ~~بتجليه عليهم في ثلاثة مواطن عند مد السماط وعند قيامهم في الإستغفار أو ~~المجارات التى بينهم وعند السماع وما يفعله بعض المتعبدين من الدعاء عند ~~قبر زكريا وقبر هود والصلاة عندهما والموقف بين شرقى رواق الجامع بباب ~~الطهارة بدمشق PageV27P112 والدعاء عند المصحف العثمانى ومن ألصق ظهره ~~الموجوع بالعمود الذى عند رأس قبر معاوية عند الشهداء بباب الصغير # فهل للدعاء خصوصية قبول أو سرعة إجابة بوقت مخصوص أو مكان معين عند قبر ~~نبى أو ولى أو يجوز أن يستغيث إلى الله تعالى في الدعاء بنبى مرسل أو ملك ~~مقرب أو بكلامه تعالى أو بالكعبة أو بالدعاء المشهور بإحتياط قاف أو بدعاء ~~أم داود أو الخضر # وهل يجوز أن يقسم على الله تعالى في السؤال بحق فلان بحرمة فلان بجاه ~~المقربين بأقرب الخلق أو يقسم بأفعالهم وأعمالهم وهل يجوز تعظيم مكان فيه ~~خلوق وزعفران وسرج لكونه رأى النبى في المنام عنده أو يجوز تعظيم شجرة يوجد ~~فيها خرق معلقة ويقال هذه مباركة يجتمع إليها الرجال الأولياء وهل يجوز ~~تعظيم جبل أو زيارته أو زيارة ما فيه من المشاهد والآثار والدعاء فيها ~~والصلاة كمغارة الدم وكهف آدم والآثار ومغارة الجوع وقبر شيث وهابيل ونوح ~~وإلياس وحزقيل وشيبال الراعى وإبراهيم بن أدهم بجبلة وعش الغراب ببعلبك ~~ومغارة الأربعين وحمام طبرية وزيارة عسقلان ومسجد صالح بعكا وهو مشهور ~~بالحرمات والتعظيم والزيارات PageV27P113 # وهل يجوز تحرى الدعاء عند القبور وأن تقبل أو يوقد عندها القناديل والسرج ~~وهل يحصل للأموات بهذه الأفعال من الأحياء منفعة أو مضرة وهل الدعاء عند ( ~~القدم النبوى ( بدار الحديث الأشرفية بدمشق وغيره وقدم موسى ومهد عيسى ~~ومقام إبراهيم ورأس الحسين وصهيب الرومى وبلال الحبشى واويس القرنى وما ~~أشبه ذلك كله في سائر البلاد والقرى والسواحل والجبال والمشاهد ms7717 والمساجد ~~والجوامع # وكذلك قولهم الدعاء مستجاب عند برج ( باب كيسان ( بين بابى الصغير ~~والشرقى مستدبرا له متوجها إلى القبلة والدعاء عند داخل باب الفرادين فهل ~~ثبت شيء في إجابة الأدعية في هذه الأماكن أم لا وهل يجوز أن يستغاث بغير ~~الله تعالى بأن يقول يا جاه محمد أو يا لست نفيسة أو يا سيدى أحمد أو إذا ~~عثر أحد وتعسر أو قفز من مكان إلى مكان يقول يال على أو يال الشيخ فلان أم ~~لا وهل تجوز النذور للأنبياء أو للمشائخ مثل الشيخ جاكير أو أبى الوفاء أو ~~نورالدين الشهيد أو غيرهم أم لا وكذلك هل تجوز النذور لقبور أحد من آل بيت ~~النبوة ومدركه والأئمة الأربعة ومشايخ العراق والعجم ومصر والحجاز واليمن ~~والهند والمغرب وجميع الأرض وجبل قان وغيرها أم لا PageV27P114 ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين أما قول القائل إن الدعاء مستجاب عند قبور ~~المشايخ الأربعة المذكورين رضى الله عنهم فهو من جنس قول غيره قبر فلان هو ~~الترياق المجرب ومن جنس ما يقوله أمثال هذا القائل من أن الدعاء مستجاب عند ~~قبر فلان وفلان فإن كثيرا من الناس يقول مثل هذا القول عند بعض القبور ثم ~~قد يكون ذلك القبر قد علم أنه قبر رجل صالح من الصحابة أو أهل البيت أو ~~غيرهم من الصالحين وقد يكون نسبة ذلك القبر إلى ذلك كذبا أو مجهول الحال ~~مثل أكثر ما يذكر من قبور الانبياء وقد يكون صحيحا والرجل ليس بصالح فإن ~~هذه الأقسام موجودة فيمن يقول مثل هذا القول أو من يقول إن الدعاء مستجاب ~~عند قبر بعينه وأنه استجيب له الدعاء عنده والحال أن ذاك إما قبر معروف ~~بالفسق والإبتداع وأما قبر كافر كما رأينا من دعا فكشف له حال القبور فبهت ~~لذلك ورأينا من ذلك أنواعا # وأصل هذا أن قول القائل إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين ~~قول ليس له أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قاله أحد من الصحابة ولا ~~التابعين لهم بإحسان ms7718 ولا أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين ~~كمالك والثوري والأوزاعى والليث بن سعد وأبى حنيفة والشافعى وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق PageV27P115 بن راهوية وأبى عبيدة ولا مشايخهم الذين يقتدى بهم ~~كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبى سليمان الدارانى وأمثالهم # ولم يكن في الصحابة والتابعين والأئمة والمشايخ المتقدمين من يقول أن ~~الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين لا مطلقا ولا معينا ولا فيهم من ~~قال إن دعاء الإنسان عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من دعائه في غير تلك ~~البقعة ولا أن الصلاة في تلك البقعة أفضل من الصلاة في غيرها ولا فيهم من ~~كان يتحرى الدعاء ولا الصلاة عند هذه القبور بل أفضل الخلق وسيدهم هو رسول ~~الله وليس في الأرض قبر إتفق الناس على أنه قبر نبى غير قبره وقد إختلفوا ~~في قبر الخليل وغيره وإتفق الأئمة على أنه يسلم عليه عند زيارته وعلى ~~صاحبيه لما في السنن عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( ما من رجل يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه ~~السلام ( وهو حديث جيد وقد روى إبن أبى شيبة والدارقطنى عنه ( من سلم على ~~عند قبرى سمعته ومن صلى على نائيا أبلغته ( وفى إسناده لين لكن له شواهد ~~ثابتة فإن إبلاغ الصلاة والسلام عليه من البعد قد رواه أهل السنن من غير ~~وجه كما في السنن عنه أنه قال ( أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة وليلة ~~الجمعة PageV27P116 فإن صلاتكم معروضة على قالوا كيف تعرض صلاتنا عليك وقد ~~أرمت أى بليت فقال ( إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ( ~~وفى النسائى وغيره عنه أنه قال ( إن الله وكل بقبرى ملائكة يبلغونى عن أمتى ~~السلام ( ومع هذا لم يقل أحد منهم أن الدعاء مستجاب عند قبره ولا أنه يستحب ~~أن يتحرى الدعاء متوجها إلى قبره بل نصوا على نقيض ذلك وإتفقوا كلهم على ~~أنه لا يدعى مستقبل القبر # وتنازعوا في السلام عليه ms7719 فقال الأكثرون كمالك وأحمد وغيرهما يسلم عليه ~~مستقبل القبر وهو الذى ذكره أصحاب الشافعى وأظنه منقولا عنه وقال أبوحنيفة ~~وأصحابه بل يسلم عليه مستقبل القبلة بل نص أئمة السلف على أنه لا يوقف عنده ~~للدعاء مطلقا كما ذكر ذلك إسماعيل بن إسحاق في ( كتاب المبسوط ( وذكره ~~القاضي عياض قال مالك لا أرى أن يقف عند قبر النبى ويدعو ولكن يسلم ويمضى ~~وقال أيضا في ( المبسوط ( لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على ~~قبر النبى فيصلى عليه ويدعو له ولأبى بكر وعمر فقيل له فإن ناسا من أهل ~~المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر ~~وربما وقفوا في الجمعة أو في اليوم المرة والمرتين أو PageV27P117 أكثر عند ~~القبر فيسلمون ويدعون ساعة فقال لم يبلغنى هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدتنا ~~ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة ~~وصدرها انهم كانوا يفعلون ذلك إلا من جاء من سفر أو أراده قال بن القاسم ~~رأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتو القبر وسلموا قال وذلك دأبى # فهذا مالك وهو أعلم أهل زمانه أى زمن تابع التابعين بالمدينة النبوية ~~الذين كان أهلها في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أعلم الناس بما يشرع ~~عند قبر النبى يكرهون الوقوف للدعاء بعد السلام عليه وبين أن المستحب هو ~~الدعاء له ولصاحبيه وهو المشروع من الصلاة والسلام وإن ذلك أيضا لا يستحب ~~لأهل المدينة كل وقت بل عند القدوم من سفر أو ارادته لأن ذلك تحية له ~~والمحيا لا يقصد بيته كل وقت لتحيته بخلاف القادمين من السفر وقال مالك في ~~رواية أبى وهب إذا سلم على النبي يقف وجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ~~ويسلم ولا يمس القبر بيده # وكره مالك أن يقال زرنا قبر النبى قال القاضي عياض كراهة مالك له لإضافته ~~إلى قبر النبى لقوله ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ms7720 إشتد غضب الله على قوم ~~PageV27P118 إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( ينهى عن إضافة هذا اللفظ إلى ~~القبر والتشبه بفعل ذلك قطعا للذريعة وحسما للباب # قلت والأحاديث الكثيرة المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة بل موضوعة لم ~~يرو الأئمة ولا أهل السنن المتبعة كسنن أبى داود والنسائى ونحوهما فيها ~~شيئا ولكن جاء لفظ زيارة القبور في غير هذا الحديث مثل قوله ( كنت نهيتكم ~~عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ( وكان يعلم أصحابه إذا ~~زاروا القبور أن يقول أحدهم ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين وأنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم ~~والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية ( ولكن صار لفظ ( زيارة القبور ( ~~في عرف كثير من المتأخرين يتناول ( الزيارة البدعية والزيارة الشرعية ( ~~وأكثرهم لا يستعملونها إلا بالمعنى البدعى لا الشرعى فلهذا كره هذا الإطلاق # فأما ( الزيارة الشرعية ( فهي من جنس الصلاة على الميت يقصد بها الدعاء ~~للميت كما يقصد بالصلاة عليه كما قال الله في حق المنافقين @QB@ ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ فلما نهى عن PageV27P119 ~~الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم دل ذلك بطريق مفهوم الخطاب وعلة ~~الحكم أن ذلك مشروع في حق المؤمنين والقيام على قبره بعد الدفن هو من جنس ~~الصلاة عليه قبل الدفن يراد به الدعاء له وهذا هو الذى مضت به السنة ~~وإستحبه السلف عند زيارة قبور الأنبياء والصالحين # وأما ( الزيارة البدعية ( فهي من جنس الشرك والذريعة إليه كما فعل اليهود ~~والنصارى عند قبور الأنبياء والصالحين قال في الأحاديث المستفيضة عنه في ~~الصحاح والسنن والمسانيد ( لعنة الله على اليهود والنصارى إتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا ( وقال ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وقال ( إن ~~من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد ( ~~وقال ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( فإذا كان ~~قد لعن من يتخذ قبور ms7721 الأنبياء والصالحين مساجد إمتنع أن يكون تحريها للدعاء ~~مستحبا لأن المكان الذى يستحب فيه الدعاء يستحب فيه الصلاة لأن الدعاء عقب ~~الصلاة أجوب وليس في الشريعة مكان ينهى عن الصلاة عنده مع أنه يستحب الدعاء ~~عنده وقد نص الأئمة كالشافعى وغيره على أن النهى عن ذلك معلل PageV27P120 ~~بخوف الفتنة بالقبر لا بمجرد نجاسته كما يظن ذلك بعض الناس ولهذا كان السلف ~~يأمرون بتسوية القبور وتعفية ما يفتتن به منها كما أمر عمر بن الخطاب ~~بتعفية قبر دانيال لما ظهر بتستر فإنه كتب إليه أبوموسى يذكر أنه قد ظهر ~~قبر دانيال وأنهم كانوا يستسقون به فكتب إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ~~ثلاثة عشر قبرا ثم يدفنه بالليل في واحد منها ويعفيه لئلا يفتتن به الناس # والذى ذكرناه عن مالك وغيره من الأئمة كان معروفا عند السلف كما رواه أبو ~~يعلى الموصلى في ( مسنده ( وذكره الحافظ أبو عبد الله المقدسى في ( مختاره ~~( عن على بن الحسين بن على بن أبى طالب المعروف بزين العابدين أنه رأى رجلا ~~يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبى فيدخل فيدعو فيها فنهاه فقال الا أحدثكم ~~حديثا سمعته من أبى عن جدى عن رسول الله قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا ولا ~~بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنتم ( وهذا الحديث في سنن أبى داود ~~من حديث أبى هريرة قال قال رسول الله ( لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا ~~قبرى عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم ( وفى سنن سعيد بن منصور ~~حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرنى سهيل بن ابى سهيل قال رآنى الحسن بن ~~PageV27P121 الحسين بن على بن أبى طالب عند القبر فنادانى وهو في بيت فاطمة ~~يتعشى فقال هلم إلى العشاء فقلت لا أريده فقال مالى رأيتك عند القبر فقلت ~~سلمت على النبى فقال إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال إن رسول الله قال ( لا ~~تتخذوا بيتى عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر لعن الله اليهود إتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد وصلوا على فإن صلاتكم ms7722 تبلغنى حيثما كنتم ما أنتم ومن ~~بالأندلس إلا سواء ( وقد بسط الكلام على هذا الأصل في غير هذا الموضع # فإذا كان هذا هو المشروع في قبر سيد ولد آدم وخير الخلق وأكرمهم على الله ~~فكيف يقال في قبر غيره وقد تواتر عن الصحابة أنهم كانوا إذا نزلت بهم ~~الشدائد كحالهم في الجدب والإستسقاء وعند القتال والإستنصار يدعون الله ~~ويستغيثونه في المساجد والبيوت ولم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر النبى ولا ~~غيره من قبور الأنبياء والصالحين بل قد ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب قال ~~اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم ~~نبينا فإسقنا فيسقون فتوسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون به وهو أنهم كانوا ~~يتوسلون بدعائه وشفاعته وهكذا توسلوا بدعاء العباس وشفاعته ولم يقصدوا ~~الدعاء عند قبر PageV27P122 النبى ولا أقسموا على الله بشيء من مخلوقاته بل ~~توسلوا إليه بما شرعه من الوسائل وهى الأعمال الصالحة ودعاء المؤمنين كما ~~يتوسل العبد إلى الله بالإيمان بنبيه وبمحبته وموالاته والصلاة عليه ~~والسلام وكما يتوسلون في حياته بدعائه وشفاعته كذلك يتوسل الخلق في الآخرة ~~بدعائه وشفاعته ويتوسل بدعاء الصالحين كما قال النبى ( وهل تنصرون وترزقون ~~إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإستغفارهم ( # ومن المعلوم بالإضطرار أن الدعاء عند القبور لوكان أفضل من الدعاء عند ~~غيرها وهو أحب إلى الله وأجوب لكان السلف أعلم بذلك من الخلف وكانوا أسرع ~~إليه فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه وأسبق إلى طاعته ورضاه ولكان ~~النبى صلى الله عليه وسلم يبين ذلك ويرغب فيه فإنه أمر بكل معروف ونهى عن ~~كل منكر وما ترك شيئا يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث أمته به ولا شيئا يبعد عن ~~النار إلا وقد حذر أمته منه وقد ترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا ~~ينزوى عنها بعده إلا هالك فكيف وقد نهى عن هذا الجنس وحسم مادته بلعنه ~~ونهيه عن إتخاذ القبور مساجد فنهى عن الصلاة لله مستقبلا لها وإن كان ~~المصلى لا يعبد الموتى ولا يدعوهم ms7723 كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت ~~الغروب لأنها PageV27P123 وقت سجود المشركين للشمس وإن كان المصلى لا يسجد ~~إلا لله سدا للذريعة فكيف إذا تحققت المفسدة بأن صار العبد يدعو الميت ~~ويدعو به كما إذا تحققت المفسدة بالسجود للشمس وقت الطلوع ووقت الغروب # وقد كان أصل عبادة الأوثان من تعظيم القبور كما قال تعالى @QB@ وقالوا لا ~~تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ قال السلف ~~كابن عباس وغيره كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على ~~قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم # ثم من المعلوم أن بمقابر ( باب الصغير ( من الصحابة والتابعين وتابعيهم ~~من هو أفضل من هؤلاء المشايخ الأربعة فكيف يعين هؤلاء للدعاء عند قبورهم ~~دون من هو أفضل منهم ثم إن لكل شيخ من هؤلاء ونحوهم من يحبه ويعظمه بالدعاء ~~دون الشيخ الآخر فهل أمر الله بالدعاء عند واحد دون غيره كما يفعل المشركون ~~بهم الذين ضاهوا الذين @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون @QE@ PageV27P124 ### ||| فصل # وأما ما حكى عن بعض المشايخ من قوله إذا نزل بك حادث أو أمر تخافه ~~فإستوحنى فيكشف ما بك من الشدة حيا كنت أو ميتا فهذا الكلام ونحوه إما أن ~~يكون كذبا من الناقل أو خطأ من القائل فإنه نقل لا يعرف صدقه عن قائل غير ~~معصوم ومن ترك النقل المصدق عن القائل المعصوم وإتبع نقلا غير مصدق عن قائل ~~غير معصوم فقد ضل ضلالا بعيدا ومن المعلوم أن الله لم يأمر بمثل هذا ولا ~~رسله أمروا بذلك بل قال الله تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ~~@QE@ ولم يقل إرغب إلى الأنبياء والملائكة وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا @QE@ قالت ms7724 طائفة من السلف كان أقوام يدعون العزير والمسيح ~~والملائكة فأنزل الله هذه الآية # وهذا رسول الله لم يقل لأحد من أصحابه إذا PageV27P125 نزل بك حادث ~~فاستوحنى بل قال لابن عمه عبد الله بن عباس وهو يوصيه ( إحفظ الله يحفظك ~~إحفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت ~~فاسأل الله وإذا إستعنت فاستعن بالله ( # وما يرويه بعض العامة من أنه قال ( إذا سألتم الله فإسألوه بجاهى فإن ~~جاهى عند الله عظيم ( فهو حديث كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو ~~في شيء من كتب المسلمين المعتمدة في الدين فإن كان للميت فضيلة فرسول الله ~~أولى بكل فضيلة واصحابه من بعده وإن كان منفعة للحى بالميت فأصحابه أحق ~~الناس إنتفاعا به حيا وميتا فعلم أن هذا من الضلال وإن كان بعض الشيوخ قال ~~ذلك فهو خطأ منه والله يغفر له إن كان مجتهدا مخطئا وليس هو بنبى يجب إتباع ~~قوله ولا معصوم فيما يأمر به وينهى عنه وقد قال الله تعالى @QB@ فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~@QE@ ### ||| فصل # وأما قول القائل من قرأ ( آية الكرسى ( واستقبل جهة الشيخ PageV27P126 ~~عبدالقادر الجيلانى رضى الله عنه وسلم عليه وخطا سبع خطوات يخطو مع كل ~~تسليمة خطوة إلى قبره قضيت حاجته أو كان في سماع فإنه يطيب ويكثر تواجده ~~فهذا أمر القربة فيه شرك برب العالمين ولا ريب أن الشيخ عبدالقادر لم يقل ~~هذا ولا أمر به ومن يقل مثل ذلك عنه فقد كذب عليه وإنما يحدث مثل هذه البدع ~~أهل الغلو والشرك المشبهين للنصارى من أهل البدع الرافضة الغالية في الأئمة ~~ومن أشبههم من الغلاة في المشائخ وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ( فإذا نهى عن إستقبال القبر في الصلاة ~~لله فكيف يجوز التوجه إليه والدعاء لغير الله مع بعد الدار وهل هذا إلا من ~~جنس ما يفعله النصارى ms7725 بعيسى وأمه وأحبارهم ورهبانهم في اتخاذهم إياهم ~~اربابا وآلهة يدعونهم ويستغيثونهم في مطالبهم ويسألونهم ويسألون بهم ### ||| فصل # وأما قول من قال إن الله ينظر إلى الفقراء في ثلاثة مواطن عند الأكل ~~والمناصفة والسماع فهذا القول روى نحوه عن بعض الشيوخ قال إن الله ينظر ~~إليهم عند الأكل فإنهم يأكلون بايثار PageV27P127 وعند المجاراة في العلم ~~لأنهم يقصدون المناصحة وعند السماع لأنهم يسمعون لله أو كلاما يشبه هذا ~~والأصل الجامع في هذا أن من عمل عملا يحبه الله ورسوله وهو ما كان لله بإذن ~~الله فإن الله يحبه وينظر إليه فيه نظر محبة والعمل الصالح هو الخالص ~~الصواب فالخالص ما كان لله والصواب ما كان بأمر الله ولا ريب إن كل واحد من ~~المواكلة والمخاطبة والإستماع منها ما يحبه الله ومنها مالا يحبه الله ~~ومنها ما يشتمل على خير وشر وحق وباطل ومصلحة ومفسدة وحكم كل واحد بحسبه ### ||| فصل # وما يفعله بعض الناس من تحرى الصلاة والدعاء عند ما يقال أنه قبر نبى أو ~~قبر أحد من الصحابة والقرابة أو ما يقرب من ذلك أو الصاق بدنه أو شيء من ~~بدنه بالقبر أو بما يجاور القبر من عود وغيره كمن يتحرى الصلاة والدعاء في ~~قبلى شرقى جامع دمشق عند الموضع الذى يقال أنه قبر هود والذى عليه العلماء ~~أنه قبر معاوية بن أبى سفيان أو عند المثال الخشب الذى يقال تحته رأس يحيى ~~بن زكريا ونحو ذلك فهو مخطئ مبتدع مخالف للسنة فإن PageV27P128 الصلاة ~~والدعاء بهذه الأمكنة ليس له مزية عند أحد من سلف الأمة وأئمتها ولا كانوا ~~يفعلون ذلك بل كانوا ينهون عن مثل ذلك كما نهاهم النبى عن اسباب ذلك ~~ودواعيه وإن لم يقصدوا دعاء القبر والدعاء به فكيف إذا قصدوا ذلك ### ||| فصل # وأما قوله هل للدعاء خصوصية قبول أو سرعة إجابة بوقت معين أو مكان معين ~~عند قبر نبى أو ولى فلا ريب أن الدعاء في بعض الأوقات والأحوال أجوب منه في ~~بعض فالدعاء في جوف الليل أجوب الأوقات ms7726 كما ثبت في الصحيحين عن النبى أنه ~~قال ( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير وفى رواية نصف ~~الليل فيقول ( من يدعونى فأستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له ~~حتى يطلع الفجر ( وفى حديث آخر ( أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل ~~الأخير ( والدعاء مستجاب عند نزول المطر وعند إلتحام الحرب وعند الأذان ~~والإقامة وفى أدبار الصلوات وفى حال السجود ودعوة الصائم ودعوة المسافر ~~ودعوة المظلوم وأمثالذلك فهذا كله مما جاءت به PageV27P129 الأحاديث ~~المعروفة في الصحاح والسنن والدعاء بالمشاعر كعرفة ومزدلفة ومنى والملتزم ~~ونحو ذلك من مشاعر مكة والدعاء بالمساجد مطلقا وكلما فضل المسجد كالمساجد ~~الثلاثة كانت الصلاة والدعاء فيه افضل # وأما الدعاء لأجل كون المكان فيه قبر نبى أو ولى فلم يقل أحد من سلف ~~الأمة وأئمتها إن الدعاء فيه أفضل من غيره ولكن هذا مما إبتدعه بعض أهل ~~القبلة مضاهاة للنصارى وغيرهم من المشركين فاصله من دين المشركين لا من دين ~~عباد الله المخلصين كإتخاذ القبور مساجد فإن هذا لم يستحبه أحد من سلف ~~الأمة وأئمتها ولكن إبتدعه بعض اهل القبلة مضاهاة لمن لعنهم رسول الله من ~~اليهود والنصارى ### ||| فصل # وأما قول السائل هل يجوز أن يستغيث إلى الله في الدعاء بنبى مرسل أو ملك ~~مقرب أو بكلامه تعالى أو بالكعبة أو بالدعاء المشهور بإحتياط قاف أو بدعاء ~~أم داود أو الخضر أو يجوز أن يقسم على الله في السؤال بحق فلان بحرمة فلان ~~بجاه المقربين PageV27P130 بأقرب الخلق أو يقسم بأعمالهم وأفعالهم فيقال ~~هذا السؤال فيه فصول متعددة فأما الأدعية التى جاءت بها السنة ففيها سؤال ~~الله بأسمائه وصفاته والإستعاذة بكلامه كما في الأدعية التى في السنن مثل ~~قوله ( اللهم إنى أسألك بأن لك الحمد أنت الله بديع السماوات والأرض يا ذا ~~الجلال والإكرام يا حى يا قيوم ( ومثل قوله ( اللهم إنى أسألك بأنك أنت ~~الله الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( ومثل الدعاء ~~الذى ms7727 في المسند ( اللهم إنى أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في ~~كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو إستأثرت به في علم الغيب عندك ( # وأما الأدعية التى يدعو بها بعض العامة ويكتبها باعة الحروز من الطرقية ~~التى فيها أسألك بإحتياط قاف وهو يوف المخاف والطور والعرش والكرسى وزمزم ~~والمقام والبلد الحرام وأمثال هذه الأدعية فلا يؤثر منها شيء لا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن أئمة المسلمين وليس لأحد أن يقسم ~~بهذه بحال بل قد ثبت عن النبى أنه قال ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت ( وقال ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( فليس لأحد أن يقسم بالمخلوقات ~~ألبتة وقد قال النبى PageV27P131 ( ان من عباد الله من لو أقسم على الله ~~لأبره ( لما قال أنس بن النضر اتكسر ثنية الربيع لا والذى بعثك بالحق لا ~~تكسر ثنية الربيع وكما قال البراء بن مالك أقسمت عليك أى رب إلا فعلت كذا ~~وكذا ( وكلاهما كان ممن يبر الله قسمه # والعبد يسأل ربه بالأسباب التى تقتضى مطلوبه وهى الأعمال الصالحة التى ~~وعد الثواب عليها ودعا عباده المؤمنين الذين وعد إجابتهم كما كان الصحابة ~~يتوسلون إلى الله تعالى بنبيه ثم بعمه وغير عمه من صالحيهم يتوسلون بدعائه ~~وشفاعته كما في الصحيح أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه إستسقى بالعباس فقال ~~اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فإسقنا ~~فيسقون فتوسلوا بعد موته بالعباس كما كانوا يتوسلون به وهو توسلهم بدعائه ~~وشفاعته ومن ذلك ما رواه أهل السنن وصححه الترمذى ( أن رجلا قال للنبى إدع ~~الله أن يرد على بصرى فأمره أن يتوضأ ويصلى ركعتين ويقول اللهم إنى اسألك ~~وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد يا رسول الله إنى أتوجه بك إلى ~~ربى في حاجتى ليقضيها اللهم فشفعه في ( فهذا طلب من النبى وأمره أن يسأل ~~الله أن يقبل شفاعة النبى له في توجهه بنبيه إلى الله ms7728 هو كتوسل غيره من ~~الصحابة به إلى الله فإن PageV27P132 هذا التوجه والتوسل هو توجه وتوسل ~~بدعائه وشفاعته # وأما قول القائل أسألك أو أقسم عليك بحق ملائكتك أو بحق أنبيائك أو بنبيك ~~فلان أو برسولك فلان أو بالبيت الحرام أو بزمزم والمقام أو بالطور والبيت ~~المعمور ونحو ذلك فهذا النوع من الدعاء لم ينقل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا اصحابه ولا التابعين لهم بإحسان بل قد نص غير واحد من العلماء ~~كأبى حنيفة وأصحابه كأبى يوسف وغيره من العلماء على أنه لا يجوز مثل هذا ~~الدعاء فإنه أقسم على الله بمخلوق ولا يصح القسم بغير الله وإن سأله به على ~~أنه سبب ووسيلة إلى قضاء حاجته # أما إذا سأل الله بالأعمال الصالحة وبدعاء نبيه والصالحين من عباده ~~فالأعمال الصالحة سبب للإثابة والدعاء سبب للإجابة فسؤاله بذلك سؤال بما هو ~~سبب لنيل المطلوب وهذا معنى ما يروى في دعاء الخروج إلى الصلاة ( اللهم إنى ~~أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاى هذا ( وكذلك أهل الغار الذين دعوا الله ~~بأعمالهم الصالحة فالتوسل إلى الله بالنبيين هو التوسل بالإيمان بهم ~~وبطاعتهم كالصلاة والسلام عليهم ومحبتهم وموالاتهم أو بدعائهم وشفاعتهم ~~وأما نفس ذواتهم فليس فيها ما يقتضى حصول مطلوب العبد وإن كان لهم عند الله ~~الجاه العظيم والمنزلة العالية بسبب إكرام الله لهم وإحسانه إليهم وفضله ~~عليهم وليس PageV27P133 في ذلك ما يقتضى إجابة دعاء غيرهم إلا أن يكون بسبب ~~منه إليهم كالإيمان بهم والطاعة لهم أو بسبب منهم إليه كدعائهم له وشفاعتهم ~~فيه فهذان الشيئان يتوسل بهما # وأما الأقسام بالمخلوق فلا وما يذكره بعض العامة من قوله ( إذا سألتم ~~الله فاسألوه بجاهى فإن جاهى عند الله عظيم ( حديث كذب موضوع ### ||| فصل # وأما قول السائل هل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران لكون النبى صلى ~~الله عليه وسلم رئي عنده فيقال بل تعظيم مثل هذه الأمكنة وإتخاذها مساجد ~~ومزارات لأجل ذلك هو من أعمال أهل الكتاب الذين نهينا عن التشبه بهم فيها ~~وقد ثبت أن ms7729 عمر بن الخطاب كان في السفر فرأى قوما يبتدرون مكانا فقال ما ~~هذا فقالوا مكان صلى فيه رسول الله فقال ومكان صلى فيه رسول الله أتريدون ~~أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد من أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض وهذا ~~قاله عمر بمحضر من الصحابة # ومن المعلوم أن النبى كان يصلى في أسفاره PageV27P134 في مواضع وكان ~~المؤمنون يرونه في المنام في مواضع وما إتخذ السلف شيئا من ذلك مسجدا ولا ~~مزارا ولو فتح هذا الباب لصار كثير من ديار المسلمين أو أكثرها مساجد ~~ومزارات فإنهم لا يزالون يرون النبى في المنام وقد جاء إلى بيوتهم ومنهم من ~~يراه مرارا كثيرة وتخليق هذه الأمكنة بالزعفران بدعة مكروهة # وأما ما يزيده الكذابون على ذلك مثل أن يرى في المكان أثر قدم فيقال هذا ~~قدمه ونحو ذلك فهذا كله كذب والأقدام الحجارة التى ينقلها من ينقلها ويقول ~~أنها موضع قدمه كذب مختلق ولو كانت حقا لسن للمسلمين أن يتخذوا ذلك مسجدا ~~ومزارا بل لم يأمر الله أن يتخذ مقام نبى من الأنبياء مصلى إلا مقام ~~إبراهيم بقوله ( وإتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ( كما أنه لم يأمر بالإستلام ~~والتقبيل لحجر من الحجارة إلا الحجر الأسود ولا بالصلاة إلى بيت إلا البيت ~~الحرام ولا يجوز أن يقاس غير ذلك عليه بإتفاق المسلمين بل ذلك بمنزلة من ~~جعل للناس حجا إلى غير البيت العتيق أو صيام شهر مفروض غير صيام شهر رمضان ~~وأمثال ذلك # فصخرة بيت المقدس لا يسن إستلامها ولا تقبيلها بإتفاق المسلمين بل ليس ~~للصلاة عندها والدعاء خصوصية على سائر بقاع المسجد والصلاة والدعاء في قبلة ~~المسجد الذى بناه عمر بن الخطاب للمسلمين PageV27P135 أفضل من الصلاة ~~والدعاء عندها وعمر بن الخطاب لما فتح البلد قال لكعب الأحبار أين ترى أن ~~أبنى مصلى المسلمين قال إبنه خلف الصخرة قال خالطتك يهودية يا بن اليهودية ~~بل أبنيه أمامها فإن لنا صدور المساجد فبنى هذا المصلى الذى تسميه العامة ( ~~الاقصى ( ولم يتمسح بالصخرة ولا قبلها ولا صلى عندها ms7730 كيف وقد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه لما قبل الحجر الأسود قال والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا ~~تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك وكان عبد الله بن عمر إذا ~~أتى المسجد الأقصى يصلى فيه ولا يأتى الصخرة وكذلك غيره من السلف وكذلك ~~حجرة نبينا وحجرة الخليل وغيرهما من المدافن التى فيها نبى أو رجل صالح لا ~~يستحب تقبيلها ولا التمسح بها بإتفاق الأئمة بل منهى عن ذلك وأما السجود ~~لذلك فكفر وكذلك خطابه بمثل ما يخاطب به الرب مثل قول القائل إغفر لى ذنوبى ~~أو انصرني على عدوى ونحو ذلك ### ||| فصل # وأما الأشجار والأحجار والعيون ونحوها مما ينذر لها بعض العامة ~~PageV27P136 أو يعلقون بها خرقا أو غير ذلك أو يأخذون ورقها يتبركون به أو ~~يصلون عندها أو نحو ذلك فهذا كله من البدع المنكرة وهو من عمل أهل الجاهلية ~~ومن أسباب الشرك بالله تعالى وقد كان للمشركين شجرة يعلقون بها أسلحتهم ~~يسمونها ( ذات أنواط ( فقال بعض الناس يارسول الله إجعل لنا ذات أنواط كما ~~لهم ذات أنواط فقال ( الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى @QB@ اجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة @QE@ أنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم وحتى لو أن أحدهم جامع ~~أمرأته في الطريق لفعلتموه ( وقد بلغ عمر بن الخطاب أن قوما يقصدون الصلاة ~~عند ( الشجرة ( التى كانت تحتها بيعة الرضوان التى بايع النبى الناس تحتها ~~فأمر بتلك الشجرة فقطعت وقد إتفق علماء الدين على أن من نذر عبادة في بقعة ~~من هذه البقاع لم يكن ذلك نذرا يجب الوفاء به ولا مزية للعبادة فيها ### ||| فصل # وأصل هذا الباب أنه ليس في شريعة الإسلام بقعة تقصد لعبادة PageV27P137 ~~الله فيها بالصلاة والدعاء والذكر والقراءة ونحو ذلك إلا مساجد المسلمين ~~ومشاعر الحج وأما المشاهد التى على القبور سواء جعلت مساجد أو لم تجعل أو ~~المقامات التى تضاف إلى بعض الأنبياء أو ms7731 الصالحين أو المغارات والكهوف أو ~~غير ذلك مثل ( الطور ) الذى كلم الله عليه موسى ومثل ( غار حراء ( الذى كان ~~النبى صلى الله عليه وسلم يتحنث فيه قبل نزول الوحى عليه و ( الغار ( الذى ~~ذكره الله في قوله ( ثانى إثنين إذ هما في الغار ( والغار الذى بجبل قاسيون ~~بدمشق الذى يقال له ( مغارة الدم ( والمقامان اللذان بجانبيه الشرقى ~~والغربى يقال لأحدهما ( مقام إبراهيم ( ويقال للآخر ( مقام عيسى ( وما أشبه ~~هذه البقاع والمشاهد في شرق الأرض وغربها فهذه لا يشرع السفر إليها ~~لزيارتها ولو نذر ناذر السفر إليها لم يجب عليه الوفاء بنذره بإتفاق أئمة ~~المسلمين بل قد ثبت في الصحيحين عن النبى من حديث أبى هريرة وأبى سعيد وهو ~~يروى عن غيرهما أنه قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ~~والمسجد الأقصى ومسجدى هذا ( # وقد كان أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم لما فتحوا هذه البلاد بلاد الشام ~~والعراق ومصر وخراسان والمغرب وغيرها لا يقصدون هذه البقاع ولا يزورونها ~~ولا يقصدون الصلاة والدعاء فيها بل كانوا PageV27P138 مستمسكين بشريعة ~~نبيهم يعمرون المساجد التى قال الله فيها @QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ~~أن يذكر فيها اسمه @QE@ وقال @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ وأمثال هذه النصوص وفى ~~الصحيحين عن النبى أنه قال ( صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته ~~وسوقه بخمس وعشرين درجة وذلك أن الرجل إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد ~~لا ينهزه إلا الصلاة فيه كانت خطوتاه أحداهما ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة ~~فإذا جلس ينتظر الصلاة كان في صلاة ما دام ينتظر الصلاة فإذا قضى الصلاة ~~فإن الملائكة تصلى على أحدهم ما دام في مصلاه تقول اللهم إغفر له اللهم ~~ارحمه # وقد تنازع المتأخرون فيمن سافر لزيارة قبر نبى أو نحو ms7732 ذلك من المشاهد ~~والمحققون منهم قالوا إن هذا سفر معصية ولا يقصر الصلاة فيه كما لا يقصر في ~~سفر المعصية كما ذكر ذلك إبن عقيل وغيره وكذلك ذكر أبو عبد الله بن بطة إن ~~هذا من البدع المحدثة في الإسلام بل نفس قصد هذه البقاع للصلاة فيها ~~والدعاء ليس له أصل في شريعة المسلمين ولم ينقل عن السابقين الأولين رضي ~~الله PageV27P139 عنهم وأرضاهم أنهم كانوا يتحرون هذه البقاع للدعاء ~~والصلاة بل لا يقصدون إلا مساجد الله بل المساجد المبنية على غير الوجه ~~الشرعى لا يقصدونها أيضا كمسجد الضرار الذى قال الله فيه @QB@ والذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ~~ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم ~~فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون ~~أن يتطهروا والله يحب المطهرين @QE@ # بل المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين لا تجوز الصلاة فيها ~~وبناؤها محرم كما قد نص على ذلك غير واحد من الأئمة لما إستفاض عن النبى في ~~الصحاح والسنن والمسانيد أنه قال ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وقال في مرض موته ~~( لعنة الله على اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما ~~فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا # وكانت ( حجرة النبى ( خارجة عن مسجده فلما كان في إمرة الوليد بن عبد ~~الملك كتب إلى عمر بن عبد العزيز PageV27P140 عامله على المدينة النبوية أن ~~يزيد في المسجد فاشترى حجر أزواج النبى صلى الله عليه وسلم وكانت شرقى ~~المسجد وقبلته فزادها في المسجد فدخلت الحجرة إذ ذاك في المسجد وبنوها ~~مسنمة عن سمت القبلة لئلا يصلى أحد إليها # وكذلك ( قبر إبراهيم الخليل ( لما فتح المسلمون البلاد كان عليه السور ~~السليمانى ولا يدخل إليه أحد ولا يصلى أحد عنده بل كان مصلى المسلمين بقرية ~~الخليل بمسجد ms7733 هناك وكان الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ~~إلى أن نقب ذلك السور ثم جعل فيه باب ويقال أن النصارى هم نقبوه وجعلوه ~~كنيسة ثم لما أخذ المسلمون منهم البلاد جعل ذلك مسجدا ولهذا كان العلماء ~~الصالحون من المسلمين لا يصلون في ذلك المكان هذا إذا كان القبر صحيحا فكيف ~~وعامة القبور المنسوبة إلى الأنبياء كذب مثل القبر الذى يقال أنه ( قبر نوح ~~( فإنه كذب لا ريب فيه وإنما أظهره الجهال من مدة قريبة وكذلك قبر غيره ### ||| فصل # وأما ( عسقلان ( فإنها كانت ثغرا من ثغور المسلمين كان صالحوا ~~PageV27P141 المسلمين يقيمون بها لأجل الرباط في سبيل الله وهكذا سائر ~~البقاع التى مثل هذا الجنس مثل ( جبل لبنان ( و ( الأسكندرية ( ومثل ( ~~عبادان ( ونحوها بأرض العراق ومثل ( قزوين ( ونحوها من البلاد التى كانت ~~ثغورا فهذه كان الصالحون يقصدونها لأجل الرباط في سبيل الله فإنه قد ثبت في ~~صحيح مسلم عن سلمان الفارسى عن النبى أنه قال ( رباط يوم وليلة في سبيل ~~الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مات مجاهدا وأجرى عليه عمله ~~وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان ( وفى سنن أبى داود وغيره عن عثمان ~~عن النبى أنه قال ( رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من ~~المنازل ( وقال أبوهريرة لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ~~ليلة القدر عند الحجر الأسود # ولهذا قال العلماء أن الرباط بالثغور أفضل من المجاورة بالحرمين الشريفين ~~لأن المرابطة من جنس الجهاد والمجاورة من جنس الحج وجنس الجهاد أفضل بإتفاق ~~المسلمين من جنس الحج كما قال تعالى @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله ms7734 عنده أجر ~~عظيم @QE@ PageV27P142 فهذا هو الأصل في تعظيم هذه الأمكنة # ثم من هذه الأمكنة ما سكنه بعد ذلك الكفار وأهل البدع والفجور ومنها ما ~~خرب وصار ثغرا غير هذه الأمكنة والبقاع تتغير أحكامها بتغير أحوال أهلها ~~فقد تكون البقعة دار كفر إذا كان اهلها كفارا ثم تصير دار إسلام إذا أسلم ~~أهلها كما كانت مكة شرفها الله في اول الأمر دار كفر وحرب وقال الله فيها ~~@QB@ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك @QE@ ثم لما فتحها ~~النبى صارت دارإسلام وهى في نفسها أم القرى واحب الأرض إلى الله وكذلك ~~الأرض المقدسة كان فيها الجبارون الذين ذكرهم الله تعالى كما قال تعالى ~~@QB@ وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا ~~يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا ~~منها فإنا داخلون @QE@ الآيات وقال تعالى لما أنجى موسى وقومه من الغرق ~~@QB@ سأريكم دار الفاسقين @QE@ وكانت تلك الديار ديار PageV27P143 الفاسقين ~~لما كان يسكنها إذ ذاك الفاسقون ثم لما سكنها الصالحون صارت دار الصالحين # وهذا أصل يجب أن يعرف فإن البلد قد تحمد أو تذم في بعض الأوقات لحال أهله ~~ثم يتغير حال أهله فيتغير الحكم فيهم إذ المدح والذم والثواب والعقاب إنما ~~يترتب على الإيمان والعمل الصالح أو على ضد ذلك من الكفر والفسوق والعصيان ~~قال الله تعالى @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ~~وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به ~~والأرحام @QE@ وقال النبى ( لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا ~~لابيض على أسود ولا لأسود على ابيض إلا بالتقوى الناس بنو آدم وآدم من تراب ~~( وكتب أبوالدرداء إلى سلمان الفارسى وكان النبى قد آخى بينهما لما آخى بين ~~المهاجرين ms7735 والأنصار وكان أبو الدرداء بالشام وسلمان بالعراق نائبا لعمر بن ~~الخطاب أن هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان أن الأرض لا تقدس أحدا ~~وإنما يقدس الرجل عمله PageV27P144 ### ||| فصل # وقد تبين الجواب في سائر المسائل المذكورة بأن قصد الصلاة والدعاء عند ما ~~يقال أنه قدم نبى أو أثر نبى أو قبر نبى أو قبر بعض الصحابة أو بعض الشيوخ ~~أو بعض أهل البيت أو الأبراج أو الغيران من البدع المحدثة المنكرة في ~~الإسلام لم يشرع ذلك رسول الله ولا كان السابقون الأولون والتابعون لهم ~~بإحسان يفعلونه ولا إستحبه أحد من أئمة المسلمين بل هو من أسباب الشرك ~~وذرائع الإفك والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الجواب ### ||| فصل # وأما قول القائل إذا عثر يا جاه محمد يا للست نفيسة أو يا سيدى الشيخ ~~فلان أو نحو ذلك مما فيه إستغاثته وسؤاله فهو من المحرمات وهو من جنس الشرك ~~فإن الميت سواء كان نبيا أو غير نبى لا يدعى ولا يسأل ولا يستغاث به لا عند ~~قبره ولا مع البعد من قبره بل هذا من جنس دين النصارى الذين @QB@ اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ ومن جنس الذين ~~قال فيهم PageV27P145 @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ وقد قال تعالى ~~@QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون @QE@ وقد بسط هذا في غير هذا الموضع ### ||| فصل # وكذلك النذر للقبور أو لأحد من أهل القبور كالنذر لإبراهيم الخليل أو ~~للشيخ فلان أو فلان أو لبعض أهل البيت أو ms7736 غيرهم نذر معصية لا يجب الوفاء به ~~بإتفاق أئمة الدين بل ولا يجوز الوفاء به فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبى ~~أنه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( وفى ~~السنن عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين ~~عليها المساجد والسرج ( فقد لعن رسول الله من يبنى على القبور المساجد ~~ويسرج فيها السرج PageV27P146 كالقناديل والشمع وغير ذلك وإذا كان هذا ~~ملعونا فالذى يضع فيها قناديل الذهب والفضة وشمعدان الذهب والفضة ويضعها ~~عند القبور أولى باللعنة فمن نذر زيتا أو شمعا أو ذهبا أو فضة أو سترا أو ~~غير ذلك ليجعل عند قبر نبى من الأنبياء أو بعض الصحابة أو القرابة أو ~~المشائخ فهو نذر معصية لا يجوز الوفاء به وهل عليه كفارة يمين فيه قولان ~~للعلماء وأن تصدق بما نذره على من يستحق ذلك من أهل بيت النبى وغيرهم من ~~الفقراء الصالحين كان خيرا له عند الله وانفع له فإن هذا عمل صالح يثيبه ~~الله عليه فإن الله يجزى المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين والمتصدق يتصدق ~~لوجه الله ولا يطلب أجره من المخلوقين بل من الله تعالى كما قال تعالى @QB@ ~~وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ~~ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى @QE@ وقال تعالى @QB@ ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة @QE@ الآية ~~وقال عن عبادة الصالحين @QB@ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا @QE@ # ولهذا لا ينبغى لأحد أن يسأل بغير الله مثل الذى يقول كرامة لابى بكر ~~ولعلى أو للشيخ فلان أو الشيخ فلان بل لا يعطى إلا من سأل PageV27P147 لله ~~وليس لأحد أن يسأل لغير الله فإن إخلاص الدين لله واجب في جميع العبادات ~~البدنية والمالية كالصلاة والصدقة والصيام والحج فلا يصلح الركوع والسجود ~~إلا لله ولا الصيام إلا لله ولا الحج إلا إلى بيت الله ولا الدعاء إلا لله ms7737 ~~قال تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين @QE@ # وهذا هو اصل الإسلام وهو أن لا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا ~~نعبده بالبدع كما قال تعالى @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~@QE@ قال الفضيل بن عياض أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا على ما اخلصه وأصوبه ~~قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون ~~على السنة والكتاب # هذا كله لأن دين الله بلغه عنه رسوله فلا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين ~~إلا ما شرعه الله والله تعالى ذم المشركين لأنهم شرعوا PageV27P148 في ~~الدين مالم يأذن به الله فحرموا أشياء لم يحرمها الله كالبحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام وشرعوا دينا لم يأذن به الله كدعاء غيره وعبادته ~~والرهبانية التى إبتدعها النصارى # والإسلام دين الرسل كلهم أولهم وآخرهم وكلهم بعثوا بالإسلام كما قال نوح ~~عليه السلام @QB@ يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى ~~الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ~~ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن ~~أكون من المسلمين @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه ~~نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله ~~اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال ~~موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ms7738 كنتم مسلمين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد ~~بأننا مسلمون @QE@ # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه قال ( إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد ( ~~فدين الرسل كلهم دين واحد وهو دين الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له ~~بما امر به وشرعه PageV27P149 كما قال @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ وإنما يتنوع في هذا ~~الدين الشرعة والمنهاج كما قال @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ كما ~~تتنوع شريعة الرسول الواحد فقد كان الله أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في ~~أول الإسلام أن يصلى إلى بيت المقدس ثم أمره في السنة الثانية من الهجرة أن ~~يصلى إلى الكعبة البيت الحرام وهذا في وقته كان من دين الإسلام وكذلك شريعة ~~التوراة في وقتها كانت من دين الإسلام وشريعة الإنجيل في وقته كانت من دين ~~الإسلام ومن آمن بالتوراة ثم كذب بالإنجيل خرج من دين الإسلام وكان كافرا ~~وكذلك من آمن بالكتابين المتقدمين وكذب بالقرآن كان كافرا خارجا من دين ~~الإسلام فإن دين الإسلام يتضمن الإيمان بجميع الكتب وجميع الرسل كما قال ~~تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون @QE@ الآية PageV27P150 ### || 1 ( رسالة في الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين ) 1 ### |||| # ما قول السادة العلماء أئمة الدين ~~في من ينزل بة حاجة من أمر الدنيا أو الاخرة ثم ياتى قبر بعض الانبياء أو ~~غيره من الصلحاء ثم يدعو عنده في كشف كربته فهل ذلك سنة أم بدعة وهل هو ~~مشروع أم لا فان كان ما هو مشروع فقد تقضى حوائجهم بعض الاوقات فهل يسوغ ~~لهم ان يفعلوا ذلك وما العلة في قضاء حوائجهم أفتونا ### ||||| فأجاب ( شيخ الإسلام رحمه الله # الحمد ms7739 لله رب العالمين ليس ذلك سنة بل هو ~~بدعة لم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من اصحابه ولا من ~~أئمة الدين الذين يقتدى بهم المسلمون في دينهم ولا أمر بذلك ولا إستحبه لا ~~رسول الله ولا أحد من أصحابه ولا أئمة الدين بل لا يعرف هذا عن أحد من أهل ~~العلم والدين من القرون المفضلة التى أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الصحابة والتابعين وتابعيهم لا من أهل الحجاز ولا من اليمن ولا ~~الشام ولا العراق ولا مصر ولا المغرب ولا خراسان وإنما أحدث بعد ذلك ~~PageV27P151 # ومعلوم أن كلما لم يسنه ولا إستحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد ~~من هؤلاء الذين يقتدى بهم المسلمون في دينهم فإنه يكون من البدع المنكرات ~~ولا يقول أحد في مثل هذا إنه بدعة حسنة إذا البدعة الحسنة عند من يقسم ~~البدع إلى حسنة وسيئة لابد أن يستحبها أحد من أهل العلم الذين يقتدى بهم ~~ويقوم دليل شرعى على إستحبابها وكذلك من يقول البدعة الشرعية كلها مذمومة ~~لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( كل بدعة ضلالة ( ويقول قول ~~عمر في التراويح ( نعمت البدعة هذه ( إنما أسماها بدعة بإعتبار وضع اللغة ~~فالبدعة في الشرع عند هؤلاء ما لم يقم دليل شرعى على إستحبابه ومآل القولين ~~واحد إذ هم متفقون على أن مالم يستحب أو يجب من الشرع فليس بواجب ولا مستحب ~~فمن إتخذ عملا من الأعمال عبادة ودينا وليس ذلك في الشريعة واجبا ولا ~~مستحبا فهو ضال بإتفاق المسلمين # وقصد القبور لأجل الدعاء عندها رجاء الإجابة هو من هذا الباب فإنه ليس من ~~الشريعة لا واجبا ولا مستحبا فلا يكون دينا ولا حسنا ولا طاعة لله ولا مما ~~يحبه الله ويرضاه ولا يكون عملا صالحا ولا قربة ومن جعله من هذا الباب فهو ~~ضال باتفاق المسلمين PageV27P152 # ولهذا كان اصحاب رسول الله إذا نزلت بهم الشدائد وأرادوا دعاء الله لكشف ~~الضر أو طلب الرحمة ms7740 لا يقصدون شيئا من القبور لا قبور الأنبياء ولا غير ~~الأنبياء حتى أنهم لم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر النبى بل قد ثبت في ( ~~صحيح البخارى عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا إستسقى بالعباس بن عبد ~~المطلب قال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم ~~نبينا فإسقنا فيسقون وفى صحيح البخارى عن عبد الله بن دينار قال سمعت بن ~~عمر يتمثل بشعر أبى طالب % وأبيض يستسقى الغمام بوجهه % ثمال اليتامى عصمة ~~للأرامل % وفيه # عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر ~~إلى وجه النبى صلى الله عليه وسلم يستسقى فما ينزل حتى يجيش له ميزاب % ~~وأبيض يستسقى الغمام بوجهه % ثمال اليتامى عصمة للأرامل % وهو # قول أبى طالب وكذلك معاوية بالشام إستسقوا بيزيد بن الأسود الجرشى # وكانوا في حياة النبى صلى الله عليه وسلم يأتون إليه ويطلبون PageV27P153 ~~منه الدعاء يتوسلون به ويستشفعون به إلى الله كما أن الخلائق يوم القيامة ~~يأتون إليه يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله ثم لما مات وأصابهم الجدب عام ~~الرمادة في خلافة عمر وكانت شدة عظيمة أخذوا العباس فتوسلوا به وإستسقوا به ~~بدلا عن النبى ولم يأتوا إلى قبر النبى يدعون عنده ولا إستسقوا به ولا ~~توسلوا به وكذلك في الشام لم يذهبوا إلى ما فيها من القبور بل إستسقوا بمن ~~فيهم من الصالحين ومعلوم أنه لو كان الدعاء عند القبور والتوسل بالأموات ~~مما يستحب لهم لكان التوسل بالنبى أفضل من التوسل بالعباس وغيره # وقد كانوا يستسقون على ( ثلاثة أوجه ( تارة يدعون عقب الصلوات وتارة ~~يخرجون إلى المصلى فيدعون من غير صلاة وتارة يصلون ويدعون والوجهان الأولان ~~مشروعان بإتفاق الأمة والوجه الثالث مشروع عند الجمهور كمالك والشافعى ~~وأحمد ولم يعرفه أبوحنيفة # وقد أمروا في الإستسقاء بأن يستسقوا بأهل الصلاح لا سيما بأقارب النبى ~~كما فعل الصحابة وأمروا بالصلاة على النبى فيه ولم يأمر أحد منهم ~~بالإستسقاء عند شيء من قبور ms7741 الأنبياء ولا غير الأنبياء ولا الإستعانة ~~PageV27P154 بميت والتوسل به ونحو ذلك مما يظنه بعض الناس دينا وقربة وهذا ~~فيه دلالة للمؤمن على أن هذه محدثات لم تكن عند الصحابة من المعروف بل من ~~المنكر ### ||| فصل # وهذا كاف لو لم يرد عن النبى وأصحابه من النهى ما يدل على النهى عن ذلك ~~كيف وسنته المتواترة تدل على النهى عن ذلك مثلما في الصحيحين عن عائشة قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذى لم يقم منه لعن الله اليهود ~~والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشى أو ~~خشى أن يتخذ مسجدا وهذا بعض الفاظ البخارى وفى الصحيحين أيضا عن عائشة قالت ~~لما كان مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض ~~الحبشة يقال لها ( مارية ( وذكرن من حسنها وتصاوير فيها فرفع النبى رأسه ~~وقال ( إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا ~~فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله PageV27P155 # وهذا المعنى مستفيض عنه في الصحاح والسنن والمسانيد من غير وجه وفى صحيح ~~مسلم عن جندب ان النبى صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس ( إن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور أو قال قبور انبيائهم مساجد الا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإنى انهاكم عن ذلك ( وفيه ( لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ~~لإتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ( وهذا المعنى في الصحيحين من ~~وجوه وفيه ( لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر بين هذين ~~الأمرين اللذين تواترا عنه وجمع بينهما قبل موته بخمسة ايام من ذكر فضل أبى ~~بكر الصديق ومن نهيه عن إتخاذ القبور مساجد فبهما حسم مادة الشرك التى أفسد ~~بها الدين وظهر بها دين المشركين فإن الله قال في كتابه عن قوم نوح @QB@ ~~وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد ~~أضلوا كثيرا @QE@ # وقد روى ms7742 البخارى في صحيحه بإسناده عن إبن عباس قال صارت الأوثان التى ~~كانت في قوم نوح في العرب تعبد أما ( ود ( فكانت لكلب بدومة الجندل وأما ( ~~سواع ( فكانت لهذيل واما ( يغوث ( فكانت لمراد ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبأ ~~وأما ( يعوق ( فكانت لهمدان وأما ( نسر ( فكانت لحمير لآل ذى PageV27P156 ~~الكلاع وكانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى ~~قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون فيها انصابا وسموها ~~باسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت # وقد ذكر قريبا من هذا المعنى طوائف من السلف في ( كتب التفسير ( و ( قصص ~~الأنبياء ( وغيرها أن هؤلاء كانوا قوما صالحين ثم منهم من ذكر أنهم كانوا ~~يعكفون على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ومنهم من ذكر أنهم كانوا يصحبون ~~تماثيلهم معهم في السفر يدعون عندها ولا يعبدونها ثم بعد ذلك عبدت الأوثان # ولهذا جمع النبى بين القبور والصور في غير حديث كما في صحيح مسلم عن أبى ~~الهياج الأسدى قال قال لى على بن أبى طالب ألا أبعثك على ما بعثنى عليه ~~رسول الله ( أمرنى أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته ( ~~فأمره بمحو الصور وتسوية القبور كما قال في الحديث الآخر الصحيح ( إن أولئك ~~إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير ~~أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ( # والأحاديث عن النبى في النهى عن إتخاذ PageV27P157 القبور مساجد والصلاة ~~في المقبرة كثيرة جدا مثل ما في الصحيحين والسنن عن ابى هريرة أن رسول الله ~~قال ( قاتل الله اليهود إتخذوا قبور انبيائهم مساجد ( وعن عبد الله بن ~~مسعود قال سمعت رسول الله يقول ( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم ~~احياء ومن يتخذ القبور مساجد ( رواه أحمد في المسند وأبو حاتم بن حبان في ~~صحيحه وعن إبن عباس قال ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج ( رواه أحمد في المسند وأهل ms7743 السنن الأربعة ~~وأبو حاتم بن حبان في صحيحه # وروى ايضا في صحيحه عن عائشة قالت قال رسول الله ( لعن الله من إتخذوا ~~قبور انبيائهم مساجد ( وفى الصحيحين عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ? < اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا > ? وفى صحيح ~~مسلم عن ابى مرثد الغنوى أن النبى قال ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا ~~عليها ( وعن عبد الله بن عمرو قال نهى رسول الله عن ( الصلاة في المقبرة ( ~~رواه أبو حاتم في صحيحه وروى أيضا عن أنس ( أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن يصلى بين القبور ( وعن ابى سعيد أن النبى قال PageV27P158 الأرض ~~كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ( رواه أحمد وأهل الكتب الأربعة وإبن حبان ~~في صحيحه وقال الترمذى فيه إضطراب لأن سفيان الثورى أرسله لكن غير الترمذى ~~جزم بصحته لأن غيره من الثقات أسندوه وقد صححه إبن حزم أيضا وفى سنن أبى ~~داود عن على قال ( إن خليلى نهانى أن اصلى في المقبرة ونهانى أن اصلى في ~~ارض بابل ( والآثار في ذلك كثيرة جدا # وقد ظن طائفة من أهل العلم أن الصلاة في المقبرة نهى عنها من اجل النجاسة ~~لإختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومهم وهؤلاء قد يفرقون بين المقبرة الجديدة ~~والقديمة وبين ان يكون هناك حائل أو لا يكون والتعليل بهذا ليس مذكورا في ~~الحديث ولم يدل عليه الحديث لا نصا ولا ظاهرا وإنما هي علة ظنوها والعلة ~~الصحيحة عند غيرهم ما ذكره غير واحد من العلماء من السلف والخلف في زمن ~~مالك والشافعى وأحمد وغيرهم إنما هو ما في ذلك من التشبة بالمشركين وان ~~تصير ذريعة إلى الشرك ولهذا نهى عن إتخاذ قبور الأنبياء مساجد وقال ( إن ~~أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك ~~التصاوير # ) وقال ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد الا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد ( ونهى عن الصلاة إليها PageV27P159 # ومعلوم أن النهى لو لم يكن إلا لأجل النجاسة ms7744 فمقابر الأنبياء لاتنتن بل ~~الأنبياء لا يبلون وتراب قبورهم طاهر والنجاسة أمام المصلى لا تبطل صلاته ~~والذين كانوا يتخذون القبور مساجد كانوا يفرشون عند القبور المفارش الطاهرة ~~فلا يلاقون النجاسة ومع أن الذين يعللون بالنجاسة لا ينفون هذه العلة بل قد ~~ذكر الشافعى وغيره النهى عن إتخاذ المساجد على القبور وعلل ذلك بخشية ~~التشبه بذلك وقد نص على النهى عن بناء المساجد على القبور غير واحد من ~~علماء المذاهب من اصحاب مالك والشافعى وأحمد ومن فقهاء الكوفة ايضا وصرح ~~غير واحد منهم بتحريم ذلك وهذا لا ريب فيه بعد لعن النبى ومبالغته في النهى ~~عن ذلك # وإتخاذها مساجد يتناول شيئين ان يبنى عليها مسجدا أو يصلى عندها من غير ~~بناء وهو الذى خافه هو وخافته الصحابة إذا دفنوه بارزا خافوا أن يصلى عنده ~~فيتخذ قبره مسجدا وفى موطأ مالك عنه أنه قال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا ~~يعبد ( روى ذلك مسندا ومرسلا وفى سنن أبى داود أنه قال ( لا تتخذوا قبرى ~~عيدا وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى ( وما يرويه بعض الناس أنه ~~صلى بمسجد الخليل أو صلى عند قبر الخليل فإن هذا الحديث غير ثابت عند ~~PageV27P160 أهل العلم وإن كان قد ذكر ذلك طائفة توصف بالصلاح بل الذى في ~~الصحيحين أنه صلى في بيت المقدس وهذا باب واسع فمن المعلوم أنه لو كان ~~الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء عند غيرها لكان ينبغى ~~أن تستحب الصلاة في تلك البقاع وإتخاذها مساجد فإن الصلاة مقرونة بالدعاء ~~ولهذا لا يقول مسلم أن الموضع الذى ينهى عن الصلاة فيه كأعطان الإبل أو ~~المقبرة والمواضع النجسة يكون الدعاء فيه أفضل من الدعاء في غيره بل من قال ~~ذلك فقد راغم الرسول وجعل ما نهى عنه من الشرك وأسباب الشرك مماثلا أو ~~مفضلا على ما أمر به من التوحيد وعبادة الله وحده # ومن هنا أدخل أهل النفاق في الإسلام ما أدخلوه فإن الذى إبتدع دين ~~الرافضة كان زنديقا يهوديا أظهر الإسلام ms7745 وأبطن الكفر ليحتال في افساد دين ~~المسلمين كما إحتال ( بولص ( في إفساد دين النصارى سعى في الفتنة بين ~~المسلمين حتى قتل عثمان وفى المؤمنين من يستجيب للمنافقين كما قال تعالى ~~@QB@ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ~~وفيكم سماعون لهم @QE@ ثم إنه لما تفرقت الأمة إبتدع ما أدعاه في الإمامة ~~من النص والعصمة وأظهر التكلم في أبى بكر وعمر وصادف ذلك قلوبا فيها جهل ~~وظلم وإن لم تكن كافرة فظهرت بدعة التشيع التى هي مفتاح باب الشرك ~~PageV27P161 ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المشاهد وتعطيل المساجد ~~محتجين بأنه لا تصلى الجمعة والجماعة إلا خلف المعصوم # ورووا في إنارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجد ~~مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب أهل الكتاب حتى صنف كبيرهم إبن النعمان ~~كتابا في ( مناسك حج المشاهد ( وكذبوا فيه على النبى وأهل بيته أكاذيب ~~بدلوا بها دينه وغيروا ملته وإبتدعوا الشرك المنافى للتوحيد فصاروا جامعين ~~بين الشرك والكذب كما قرن الله بينهما في غير موضع كقوله @QB@ واجتنبوا قول ~~الزور حنفاء لله غير مشركين به @QE@ وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين ثم قرأ هذه الآية ( ~~وقال تعالى @QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ وقال تعالى @QB@ ويوم يناديهم فيقول أين ~~شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم ~~فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون @QE@ # وهذا الحق لله كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال لمعاذ بن جبل يا معاذ اتدرى ~~ما حق الله على عباده قال الله ورسوله أعلم قال حقه على عباده أن يعبدوه ~~ولا يشركوا به شيئا يا معاذ أتدرى ما PageV27P162 حق العباد على الله إذا ~~فعلوا ذلك قال الله ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا يعذبهم ( وقال تعالى ~~@QB@ وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ms7746 إله غيره إن ~~أنتم إلا مفترون @QE@ ومثل هذا في القرآن متعدد يصف أهل الشرك بالفرية ~~ولهذا طالبهم بالبرهان والسلطان كما في قوله @QB@ ومن يدع مع الله إلها آخر ~~لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه @QE@ وفى قوله @QB@ قل أرأيتم ما تدعون ~~من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني ~~بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين @QE@ وقال @QB@ فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا ~~تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم ~~فرحون وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا ~~فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون أم أنزلنا ~~عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولا ~~تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا @QE@ لأن التوحيد هو ~~دين الله الذى بعث به الأولين والآخرين كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ PageV27P163 ~~وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ( # ولهذا كان المتخذون القبور مساجد لما كان فيهم من الشرك ما فيهم قد فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا فتجد كل قوم يعظمون متبوعهم أو نبيهم ويقولون الدعاء عند ~~قبره يستجاب وقلوبهم معلقه به دون غيره من قبور الأنبياء والصالحين وإن كان ~~أفضل منه كما ان عباد الكواكب والأصنام كل منهم قد إتخذ إلهه ms7747 هواه فهو يعبد ~~ما يألهه وإن كان غيره أفضل منه # ثم إنهم يسمون ذلك ( زيارة ( وهو إسم شرعى وضعوه على غير موضعه ومعلوم أن ~~( الزيارة الشرعية ( التى سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته تتضمن ~~السلام على الميت والدعاء له بمنزلة الصلاة على جنازته فالمصلى على الجنازة ~~قصده الدعاء للميت والله تعالى يرحم الميت بدعائه ويثيبه هو على صلاته كذلك ~~الذى يزور القبور على الوجه المشروع فيسلم عليهم ويدعو لهم يرحمون بدعائه ~~PageV27P164 ويثاب هو على إحسانه إليهم وأين قصد النفع للميت من قصد الشرك ~~به ففى صحيح مسلم عن بريدة قال ( كان رسول الله يعلمهم إذا خرجوا للمقابر ~~أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء ~~الله بكم لاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع نسأل الله لنا ولكم العافية ( ~~وفى صحيح مسلم عن عائشة قلت كيف أقول يا رسول الله قال ( قولى السلام على ~~أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ~~وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ( # وتجوز زيارة قبر الكافر لأجل الإعتبار دون الإستغفار له كما في الصحيحين ~~عن ابى هريرة قال ( إن النبى زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ( وقال ~~إستأذنت ربى أن استغفر لها فلم يأذن لى وإستأذنته في ان ازورها فأذن لى ~~فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ( وقد ثبت عنه في الصحيح من حديث انس قال ( ~~كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ( # وأما زيارة القبور لأجل الدعاء عندها أو التوسل بها أو الإستشفاع بها ~~فهذا لم تأت به الشريعة اصلا وكل ما يروى في هذا الباب مثل قوله ( من زارنى ~~وزار قبر أبى في عام واحد ضمنت له على الله الجنة ( و ( من حج ولم يزرنى ~~فقد جفانى ( و ( من PageV27P165 زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى في حياتى ( ~~فهي أحاديث ضعيفة بل موضوعة لم يرو أهل الصحاح والسنن المشهورة والمسانيد ~~منها شيئا وغاية ما يعزى مثل ذلك إلى كتاب الدارقطنى وهو قصد به غرائب ~~السنن ولهذا ms7748 يروى فيه من الضعيف والموضوع مالا يرويه غيره وقد إتفق أهل ~~العلم بالحديث على أن مجرد العزو إليه لا يبيح الإعتماد عليه ومن كتب من ~~أهل العلم بالحديث فيما يروى في ذلك يبين أنه ليس فيها حديث صحيح # بل قد كره مالك وغيره أن يقال زرت قبر النبى صلى الله عليه وسلم ومالك ~~أعلم الناس بهذا الباب فإن أهل المدينة أعلم أهل الأمصار بذلك ومالك إمام ~~أهل المدينة فلو كان في هذا سنة عن رسول الله فيها لفظ ( زيارة قبره ( لم ~~يخف ذلك على علماء اهل مدينته وجيران قبره بأبى هو وأمى # ولهذا كانت السنة عند الصحابة وأئمة المسلمين إذا سلم العبد على النبى ~~صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أن يدعو الله مستقبل القبلة ولا يدعو مستقبل ~~الحجرة والحكاية التى تروى في خلاف ذلك عن مالك مع المنصور باطلة لا أصل ~~لها ولم أعلم الأئمة تنازعوا في أن السنة إستقبال القبلة وقت الدعاء لا ~~إستقبال القبر النبوى وإنما تنازعوا وقت السلام عليه فقال الأكثرون يسلم ~~عليه مستقبل PageV27P166 القبر وقال أبو حنيفة يسلم عليه مستقبل القبلة ~~مستدبر القبر وكان عبد الله بن عمر يقول السلام عليك يا رسول الله السلام ~~عليك يا أبا بكر السلام عليك يا ابت ثم ينصرف فإذا كان الدعاء في مسجد رسول ~~الله أمر الأئمة فيه بإستقبال القبلة كما روى عن الصحابة وكرهوا إستقبال ~~القبر فما الظن بقبر غيره وهذا مما يبين لك ان قصد الدعاء عند القبور ليس ~~من دين المسلمين # ومن ذكر شيئا يخالف هذا من المصنفين في المناسك أو غيرها فلا حجة معه ~~بذلك ولا معه نقل عن إمام متبوع وإنما هو شيء أخذه بعض الناس عن بعض ~~لأحاديث ظنوها صحيحة وهى باطلة أو لعادات مبتدعة ظنوها سنة بلا أصل شرعى # ولم يكن في العصور المفضلة ( مشاهد ( على القبور وإنما ظهر ذلك وكثر في ~~دولة بنى بويه لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب وكان بها زنادقة كفار ~~مقصودهم تبديل دين الإسلام وكان في بنى ms7749 بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك ~~ومن بدع الجهمية والمعتزلة والرافضة ما هو معروف لأهل العلم فبنوا المشاهد ~~المكذوبة ( كمشهد علي ( رضى الله عنه وأمثاله وصنف أهل الفرية الأحاديث في ~~زيارة المشاهد والصلاة عندها والدعاء عندها وما يشبه ذلك فصار هؤلاء ~~الزنادقة واهل البدع المتبعون لهم يعظمون المشاهد ويهينون المساجد ~~PageV27P167 وذلك ضد دين المسلمين ويستترون بالتشيع ففى الأحاديث المتقدمة ~~المتواترة عنه من تعظيم الصديق ومن النهى عن إتخاذ القبور مساجد ما فيه رد ~~لهاتين البدعتين اللتين هما اصل الشرك وتبديل الإسلام # ومما يبين ذلك ان الله لم يذكر ( المشاهد ( ولا أمر بالصلاة فيها وإنما ~~امر بالمساجد فقال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى في خرابها @QE@ ولم يقل مشاهد الله بل قد أمر النبى عليا أن لا ~~يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثالا إلا طمسه ونهى عن إتخاذ القبور مساجد ~~ولعن من فعل ذلك فهذا أمر بتخريب المشاهد لا بعمارتها سواء أريد به العمارة ~~الصورية أو المعنوية وقال تعالى @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~@QE@ ولم يقل في المشاهد وقال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد @QE@ ولم يقل عند كل مشهد وقال تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله @QE@ ولم يقل مشاهد الله إذ عمار المشاهد هم مشركون أو ~~متشبهون بالمشركين إلى قوله @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله @QE@ ولم يقل إنما يعمر ~~مشاهد الله # بل عمار المشاهد يخشون غير الله فيخشون الموتى ولا يخشون PageV27P168 ~~الله إذ عبدوه عبادة لم ينزل بها سلطانا ولا جاء بها كتاب ولا سنة كما قال ~~الخليل عليه السلام في مناظرته للمشركين لما حاجوه وخوفوه آلهتهم @QB@ وكيف ~~أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ~~فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون @QE@ قال تعالى @QB@ الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ وفى ms7750 الصحيحين عن ~~إبن مسعود قال لما نزلت هذه الآية @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم @QE@ شق ذلك على أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا يارسول الله ~~اينا لم يظلم نفسه فقال النبى صلى الله عليه وسلم إنما هو الشرك الم تسمعوا ~~قول العبد الصالح @QB@ إن الشرك لظلم عظيم @QE@ قال تعالى @QB@ وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء @QE@ قال زيد بن اسلم وغيره ~~بالعلم وقال تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ ولم ~~يقل وإن المشاهد لله بل أهل المشاهد يدعون مع الله غيره ولهذا لم يكن بناء ~~المساجد على القبور التى تسمى المشاهد ( وتعظيمها من دين المسلمين بل من ~~دين المشركين لم يحفظ ذلك فإن الله ضمن لنا أن يحفظ الذكر الذى أنزله كما ~~قال @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ فما بعث الله به رسوله ~~من الكتاب PageV27P169 والحكمة محفوظ وأما أمر المشاهد فغير محفوظ بل عامة ~~القبور التى بنيت عليها المساجد إما مشكوك فيها وإما متيقن كذبها مثل القبر ~~الذى بكرك الذى يقال إن به نوح والذى بظاهر دمشق الذى يقال إنه قبر أبى بن ~~كعب والذى من الناحية الأخرى الذى يقال أنه قبر أويس القرنى والقبور التى ~~هناك التى يظن أنها قبر عائشة أو أم سلمة زوج النبى أو أم حبيبة أو قبر على ~~الذى بباطنة النجف أو المشهد الذى يقال إنه على الحسين بالقاهرة والمشهد ~~الذى بحلب وأمثال هذه المشاهد فهذه كلها كذب بإتفاق أهل العلم # وأما القبر الذى يقال إنه ( قبر خالد بن الوليد ( بحمص والذى يقال إنه ~~قبر أبى مسلم الخولانى بداريا وأمثال ذلك فهذه مشكوك فيها وقد نعلم من حيث ~~الجملة ان الميت قد توفى بأرض ولكن لا يتعين أن تلك البقعة مكان قبره كقبر ~~بلال ونحوه بظاهر دمشق وكقبر فاطمة بالمدينة وأمثال ذلك وعامة من يصدق بذلك ~~يكون علم به إما مناما وإما نقلا لا يوثق به وإما غير ذلك ومن هذه القبور ~~ما قد يتيقن ms7751 لكن لا يترتب على ذلك شيء من هذه الأحكام المبتدعة # ولهذا كان السلف يسدون هذا الباب فإن المسلمين لما فتحوا تستر وجدوا هناك ~~سرير ميت باق ذكروا أنه ( دانيال PageV27P170 ووجدوا عنده كتابا فيه ذكر ~~الحوادث وكان أهل تلك الناحية يستسقون به فكتب في ذلك أبو موسى الأشعرى إلى ~~عمر فكتب إليه عمر أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا ثم يدفن بالليل في واحد ~~منها ويعفى قبره لئلا يفتتن الناس به وهذا كما نقلوا عن عمر أنه بلغه أن ~~أقواما يزورون الشجرة التى بويع تحتها بيعة الرضوان ويصلون هناك فأمر بقطع ~~الشجرة وقد ثبت عنه انه كان في سفر فرأى قوما ينتابون بقعة يصلون فيها فقال ~~ما هذا فقالوا هذا مكان صلى فيه رسول الله فقال ومكان صلى به رسول الله ~~أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد إنما هلك بنوا إسرائيل بهذا من ~~أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض # وأعلم أنه ليس مع أحد من هؤلاء ما يعارض به ذلك إلا حكاية عن بعضهم أنه ~~قال إذا كانت لكم إلى الله حاجة فادعوه عند قبرى أو قال قبر فلان هو ~~الترياق المجرب وأمثال ذلك من هذه الحكايات التى قد تكون صدقا وقد تكون ~~كذبا وبتقدير أن تكون صدقا فإن قائلها غير معصوم وما يعارض النقل الثابت عن ~~المعصوم بنقل غير ثابت عن غير معصوم إلا من يكون من الضالين إخوان الشياطين ~~وهذا من اسباب الشرك وتغيير الدين PageV27P171 # وأما قول القائل إن الحوائج تقضى لهم بعض الأوقات فهل يسوغ ذلك لهم قصدها ~~فيقال ليس ذلك مسوغ قصدها لوجوه # ( أحدها ( أن المشركين وأهل الكتاب يقضى كثير من حوائجهم بالدعاء عند ~~الأصنام وعند تماثيل القديسين والأماكن التى يعظمونها وتعظيمها حرام في زمن ~~الإسلام فهل يقول مسلم إن مثل ذلك سوغ لهم هذا الفعل المحرم بإجماع ~~المسلمين وما تجد عند أهل الأهواء والبدع من الأسباب التى بها إبتدعوا ما ~~إبتدعوه إلا تجد عند المشركين واهل الكتاب من جنس تلك الأسباب ما اوقعهم في ~~كفرهم وأشد ms7752 ومن تدبر هذا وجده في عامة الأمور فإن البدع مشتقة من الكفر ~~وكمال الإيمان هو فعل ما امر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله ~~فإذا ترك بعض المأمور وعوض عنه ببعض المحظور كان في ذلك من نقص الإيمان ~~بقدر ذلك # والبدعة لا تكون حقا محضا إذ لو كانت كذلك لكانت مشروعة ولا تكون مصلحتها ~~راجحة على مفسدتها إذ لو كانت كذلك لكانت مشروعة ولا تكون باطلا محضا لا حق ~~فيه إذ لو كانت كذلك لما إشتبهت على أحد وإنما يكون فيها بعض الحق وبعض ~~الباطل وكذلك دين المشركين وأهل الكتاب فإنه لا يكون كل ما يخبرون به كذبا ~~وكل ما يأمرون به فسادا بل لابد أن يكون في خبرهم صدق PageV27P172 وفى ~~أمرهم نوع من المصلحة ومع هذا فهم كفار بما تركوه من الحق وأتوه من الباطل # ( الوجه الثانى ( أن هذا الباب يكثر فيه الكذب جدا فإنه لما كان الكذب ~~مقرونا بالشرك كما دل عليه القرآن في غير موضع والصدق مقرونا بالإخلاص ~~فالمؤمنون أهل صدق وإخلاص والكفار أهل كذب وشرك وكان في هذه المشاهد من ~~الشرك ما فيها إقترن بها الكذب من وجوه متعددة # منها دعوى أن هذا قبر فلان المعظم أو رأسه ففى ذلك كذب كثير # والثانى الإخبار عن أحواله بأمور يكثر فيها الكذب # والثالث الإخبار بما يقضى عنده من الحاجات فما اكثر ما يحتال المعظمون ~~للقبر بحيل يلبسون على الناس أنه حصل به خرق عادة أو قضاء حاجة وما أكثر من ~~يخبر بمالا حقيقة له وقد رأينا من ذلك أمورا كثيرة جدا # الرابع الإخبار بنسب المتصلين به مثل كثير من الناس PageV27P173 يدعى ~~الإنتساب إلى قبر ذلك الميت إما ببنوة وإما بغير بنوة حتى رأيت من يدعى أنه ~~من ولد إبراهيم بن أدهم مع كذبه في ذلك ليكون سادن قبره وأما الكذب على ~~العترة النبوية فأكثر من ان يوصف فبنوا عبيد الذين يسمون القداح الذين ~~كانوا يقولون إنهم فاطميون وبنوا القاهرة وبقوا ملوكا يدعون أنهم علويون ~~نحو ms7753 مائتى سنة وغلبوا على نصف مملكة الإسلام حتى غلبوا في بعض الأوقات على ~~بغداد وكانوا كما قال فيهم أبو حامد الغزالى ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه ~~الكفر المحض وقد صنف القاضي أبو بكر إبن الطيب كتابه الذى سماه ( كشف ~~الأسرار وهتك الاستار ( في كشف أحوالهم وكذلك ما شاء الله من علماء ~~المسلمين كالقاضى أبى يعلى وأبى عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني # واهل العلم كلهم يعلمون أنهم لم يكونوا من ولد فاطمة بل كانوا من ذرية ~~المجوس وقيل من ذرية يهودى وكانوا من ابعد الناس عن رسول الله في سنته ~~ودينه باطن دينهم مركب من دين المجوس والصابئين وما يظهرون من دين المسلمين ~~هو دين الرافضة فخيار المتدينين منهم هم الرافضة وهم جهالهم وعوامهم وكل من ~~دخل معهم يظن أنه مسلم ويعتقد أن دين الإسلام حق وأما خواصهم من ملوكهم ~~وعلمائهم فيعلمون أنهم خارجون من دين الملل كلهم من دين المسلمين واليهود ~~والنصارى وأقرب الناس PageV27P174 إليهم الفلاسفة وإن لم يكونوا أيضا على ~~قاعدة فيلسوف معين ولهذا إنتسب إليهم طوائف المتفلسفة فابن سينا وأهل بيته ~~من اتباعهم وبن الهيثم وأمثاله من اتباعهم ومبشر بن فأتك ونحوه من اتباعهم ~~وأصحاب ( رسائل إخوان الصفا ( صنفوا الرسائل على نحو من طريقتهم ومنهم ~~الإسماعيلية وأهل دار الدعوة في بلاد الإسلام ووصف حالهم ليس هذا موضعه # وإنما القصد أنهم كانوا من اكذب الناس واعظمهم شركا وانهم يكذبون في ~~النسب وغير النسب ولذلك تجد أكثر المشهدية الذين يدعون النسب العلوى كذابين ~~إما ان يكون أحدهم مولى لبنى هاشم أولا يكون بينه وبينهم لا نسب ولا ولاء ~~ولكن يقول انا علوى وينوى علوى المذهب ويجعل عليا رضي الله عنه وعن اهل ~~بيته الطاهرين كان دينهم دين الرافضة فلا يكفيه هذا الطعن في على حتى يظهر ~~أنه من اهل بيته أيضا فالكذب فيما يتعلق بالقبور أكثر من ان يمكن سطره في ~~هذه الفتوى # الخامس ( أن الرافضة أكذب طوائف الأمة على الإطلاق وهم أعظم الطوائف ~~المدعية للإسلام غلوا وشركا ومنهم ms7754 كان أول من إدعى الإلهية في القراء وادعى ~~نبوة غير النبى PageV27P175 كمن ادعى نبوة على وكالمختار بن ابى عبيد الله ~~إدعى النبوة ثم يليهم الجهال كغلاة ضلال العباد وإتباع المشائخ فإنهم أكثر ~~الناس تعظيما للقبور بعد الرافضة وأكثر الناس غلوا بعدهم وأكثر الطوائف ~~كذبا وكل من الطائفتين فيها شبه من النصارى وكذب النصارى وشركهم وغلوهم ~~معلوم عند الخاص والعام وعند هذه الطوائف من الشرك والكذب مالا يحصيه إلا ~~الله # الوجه الثالث ) أنه إذا قضيت حاجة مسلم وكان قد دعا دعوة عند قبره فمن ~~اين له أن لذلك القبر تأثيرا في تلك الحاجة وهذا بمنزلة ما ينذرونه عند ~~القبور أو غيرها من النذور إذا قضيت حاجاتهم وقد ثبت في الصحيحين عن النبى ~~أنه نهى عن النذر وقال انه لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل ( وفى ~~لفظ ( إن النذر لا يأتى إبن آدم بشيء لم يكن قدر له ولكن يلقيه النذر إلى ~~القدر قدرته ( فإذا ثبت بهذا الحديث الصحيح ان النذر ليس سببا في دفع ما ~~علق به من جلب منفعة أو دفع مضرة مع ان النذر جزاء تلك الحاجة ويعلق بها ~~ومع كثرة من تقضى حوائجهم التى علقوا بها النذور كانت القبور أبعد عن ان ~~تكون سببا في ذلك ثم تلك الحاجة إما أن تكون قد قضيت بغير دعائه وإما ان ~~تكون قضيت بدعائه فإن كان الأول فلا كلام وإن PageV27P176 كان الثانى فيكون ~~قد إجتهد في الدعاء إجتهادا لو اجتهده في غير تلك البقعة أو عند الصليب ~~لقضيت حاجته فالسبب هو إجتهاده في الدعاء لا خصوص القبر # الوجه الرابع ( أنه إذا قدر أن للقبور نوع تأثير في ذلك سواء كان بها كما ~~يذكره المتفلسفة ومن سلك سبيلهم في ذلك بأن الروح المفارقة تتصل بروح ~~الداعى فيقوى بذلك كما يزعمه إبن سينا وأبوحامد وأمثالهما في زيارة القبور ~~أو كان بسبب آخر فيقال ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعا بل ولا ~~مباحا وإنما يكون مشروعا إذا غلبت مصلحته ms7755 على مفسدته أما إذا غلبت مفسدته ~~فإنه لا يكون مشروعا بل محظورا وإن حصل به بعض الفائدة # ومن هذا الباب تحريم السحر مع ماله من التأثير وقضاء بعض الحاجات وما ~~يدخل في ذلك من عبادة الكواكب ودعائها وإستحضار الجن وكذلك الكهانة ~~والإستقسام بالأزلام وأنواع الأمور المحرمة في الشريعة مع تضمنها أحيانا ~~نوع كشف أو نوع تأثير # وفى هذا تنبيه على جملة الأسباب التى تقضى بها حوائجهم واما PageV27P177 ~~تفصيل ذلك فيحتاج إلى بسط طويل كما يحتاج تفصيل أنواع السحر وسبب تأثيره ~~وما فيه من السيميا وتفصيل أنواع الشرك وما دعا المشركين إلى عبادة الأصنام ~~فإن العاقل يعلم أن أمة من الأمم لم تجمع على أمر بلا سبب والخليل عليه ~~السلام يقول @QB@ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس @QE@ ومن ظن في عباد الأصنام أنهم كانوا يعتقدون أنها تخلق العالم أو ~~أنها تنزل المطر أو تنبت النبات أو تخلق الحيوان أو غير ذلك فهو جاهل بهم ~~بل كان قصد عباد الأوثان لأوثانهم من جنس قصد المشركين بالقبور للقبور ~~المعظمة عندهم وقصد النصارى لقبور القديسين يتخذونهم شفعاء ووسائط ووسائل ~~بل قد ثبت عندنا بالنقل الصحيح أن من مساجدى القبور من يفعل بها اكثر مما ~~يفعله كثير من عباد الأصنام ويكفى المسلم أن يعلم أن الله لم يحرم شيئا إلا ~~ومفسدته محضة أو غالبة وأما ما كانت مصلحته محضة أو راجحة فإن الله شرعه إذ ~~الرسل بعثت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها # والشرك كما قرن بالكذب قرن بالسحر في مثل قوله تعالى @QB@ ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن ~~تجد له نصيرا @QE@ PageV27P178 والجبت السحر والطاغوت الشيطان والوثن وهذه ~~حال كثير من المنتسبين إلى الملة يعظمون السحر والشرك ويرجحون الكفار على ~~كثير من المؤمنين المتمسكين بالشريعة والورقة لا تحتمل أكثر من هذا والله ~~أعلم PageV27P179 ### |||| وسئل رحمه الله # عن الدعاء ms7756 عند القبر مثل الصالحين والأولياء هل هو جائز أم لا وهل هو ~~مستجاب أكثر من الدعاء عند غيرهم أم لا واى أماكن الدعاء فيها أفضل ### ||||| فأجاب # ليس الدعاء عند القبور بأفضل من الدعاء في المساجد وغيرها من ~~الأماكن ولا قال أحد من السلف والأئمة إنه مستحب أن يقصد القبور لأجل ~~الدعاء عندها لا قبور الأنبياء ولا غيرهم بل قد ثبت في صحيح البخارى أن عمر ~~بن الخطاب إستسقى بالعباس عم النبى وقال اللهم أنا كنا نستسقى اليك بنبينا ~~فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فإسقنا فيسقون فاستسقوا بالعباس كما ~~كانوا يستسقون بالنبى لأنه عم النبى صلى الله عليه وسلم # وما كانوا يستسقون عند قبره ولا يدعون عنده بل قد ثبت عن النبى في الصحاح ~~أنه قال ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~فعلوا ( وقال قبل أن PageV27P180 يموت بخمس ? < إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك > ? ~~وفى السنن عنه قال ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج ( فإذا كان قد حرم إتخاذها مساجد والإيقاد عليها علم أنه لم يجعلها ~~محلا للعبادة لله والدعاء وإنما سن لمن زار القبور أن يسلم على الميت ويدعو ~~له كما سن أن يصلي عليه قبل دفنه ويدعو له فالمقصود بما سنه الدعاء للميت ~~لا دعاؤه والله أعلم PageV27P181 ### || 1 ( فتيا في نية السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ) 1 # ! 8 < وقال الشيخ محمد بن عبد الهادى ! 8 < # بسم الله الرحمن الرحيم ( # الحمد لله رب العالمين أما بعد فهذه فتيا أفتى بها الشيخ الإمام تقى ~~الدين ابوالعباس ( أحمد بن تيمية ( رضى الله عنه ثم بعد مدة نحو سبع عشرة ~~سنة أنكرها بعض الناس وشنع بها جماعة عند بعض ولاة الأمور وذكرت بعبارات ~~شنيعة ففهم منها جماعة غير ما هي عليه وإنضم إلى الإنكار والشناعة وتغير ~~الألفاظ أمور أوجب ذلك كله مكاتبة السلطان سلطان الإسلام بمصر أيده الله ~~تعالى فجمع قضاة بلده ثم إقتضى ms7757 الرأى حبسه فحبس بقلعة دمشق المحروسة بكتاب ~~ورد سابع شعبان المبارك سنة ست وعشرين وسبعمائة # وفى ذلك كله لم يحضر الشيخ المذكور بمجلس حكم ولا وقف على خطه الذى انكر ~~ولا إدعى عليه بشيء # فكتب بعض الغرباء من بلده هذه الفتيا وأوقف عليها بعض علماء بغداد فكتبوا ~~عليها بعد تأملها وقراءة ألفاظها PageV27P182 # وسئل بعض مالكية دمشق عنها فكتبوا كذلك وبلغنا أن بمصر من وقف عليها ~~فوافق # ونبدأ الآن بذكر السؤال الذى كتب عليه أهل بغداد وبذكر الفتيا وجواب ~~الشيخ المذكور عليها وجواب الفقهاء بعده # وهذه صورة السؤال والأجوبة # المسئول من إنعام السادة العلماء والهداة الفضلاء أئمة الدين وهداة ~~المسلمين وفقهم الله لمرضاته وأدام بهم الهداية أن ينعموا ويتأملوا الفتوي ~~وجوابها المتصل بهذا السؤال المنسوخ عقبه وصورة ذلك # ما يقول السادة العلماء أئمة الدين نفع الله بهم المسلمين في رجل نوى ~~السفر إلى ( زيارة قبور الأنبياء والصالحين ( مثل نبينا محمد وغيره فهل ~~يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة وهل هذه الزيارة شرعية أم لا # وقد روى عن النبى أنه قال ( من حج ولم يزرنى فقد جفانى ( ومن زارنى بعد ~~موتى كمن زارنى في حياتى PageV27P183 وقد روى عنه أيضا أنه قال ( لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدى هذا والمسجد الأقصى ( # أفتونا مأجورين رحمكم الله ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله رب العالمين # أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة ~~على قولين معروفين ( أحدهما ( وهو قول متقدمى العلماء الذين لا يجوزون ~~القصر في سفر المعصية كأبى عبد الله بن بطة وأبى الوفاء بن عقيل وطوائف ~~كثيرة من العلماء المتقدمين أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر لأنه سفر ~~منهى عنه ومذهب مالك والشافعى وأحمد إن السفر المنهى عنه في الشريعة لا ~~يقصر فيه # والقول الثانى أنه يقصر وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبى ~~حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعى PageV27P184 وأحمد ممن يجوز ~~السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبى حامد الغزالى ms7758 وأبى الحسن بن ~~عبدوس الحرانى وأبى محمد بن قدامة المقدسى وهؤلاء يقولون إن هذا السفر ليس ~~بمحرم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( زوروا القبور ( # وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبى ~~صلى الله عليه وسلم كقوله ( من زارنى بعد مماتى فكأنما زارني في حياتى ( ~~رواه الدار قطنى وبن ماجه # وأما ما ذكره بعض الناس من قوله من حج ولم يزرني فقد جفانى فهذا ( لم ~~يروه أحد من العلماء وهو مثل قوله ( من زارنى وزار أبى إبراهيم في عام واحد ~~ضمنت له على الله الجنة # فإن هذا أيضا بإتفاق العلماء لم يروه أحد ولم يحتج به أحد وإنما يحتج ~~بعضهم بحديث الدارقطنى ونحوه # وقد احتج أبومحمد المقدسى على جواز السفر لزيارة القبور بأنه كان يزور ~~مسجد قباء # وأجاب عن حديث ( لا تشد الرحال ( بأن ذلك محمول على نفى الإستحباب ~~PageV27P185 # وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبى أنه قال ( لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ( ~~وهذا الحديث مما إتفق الأئمة على صحته والعمل به فلو نذر الرجل أن يشد ~~الرحل ليصلى بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم ~~يجب عليه ذلك بإتفاق الأئمة # ولو نذر أن يسافر ويأتى المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه ذلك بإتفاق ~~العلماء # ولو نذر أن يأتى مسجد النبى أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه ~~الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعى في أحد قوليه وأحمد ولم يجب عليه عند ~~أبى حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان جنسه واجبا بالشرع # أما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة كما ثبت في صحيح البخارى عن عائشة ~~رضى الله عنها أن النبى قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى ~~الله فلا يعصه ( # والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب الوفاء به PageV27P186 وأما السفر ~~إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من ms7759 العلماء السفر إليه إذا نذره ~~حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من المساجد ~~الثلاثة مع ان مسجد قباء يستحب زيارته لمن كان في المدينة لأن ذلك ليس بشد ~~رحل كما في الحديث الصحيح ( من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا ~~الصلاة فيه كان كعمرة ( # قالوا ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد ~~من الصحابة ولا التابعين ولا امر بها رسول الله ولا إستحب ذلك أحد من أئمة ~~المسلمين فمن إعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة # وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في ( الإبانة الصغرى ( من البدع ~~المخالفة للسنة والإجماع # وبهذا يظهر بطلان حجة أبى محمد المقدسى لأن زيارة النبى لمسجد قباء لم ~~تكن بشد رحل وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر # وقوله بأن الحديث الذى مضمونه ( لا تشد الرحال ( محمول على نفى الإستحباب ~~يجاب عنه بوجهين PageV27P187 # ( أحدهما ( أن هذا تسليم منه ان هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا ~~طاعة ولا هو من الحسنات فإذا من إعتقد أن السفر لزيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لإعتقاد أن ذلك ~~طاعة كان ذلك محرما بإجماع المسلمين فصار التحريم من جهة إتخاذه قربة ~~ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك # وأما إذا نذر الرجل أن يسافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من هذا ~~الباب ( # الوجه الثانى ( أن هذا الحديث يقتضى النهى والنهى يقتضى التحريم وما ~~ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبى فكلها ضعيفة بإتفاق أهل العلم ~~بالحديث بل هي موضوعة لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها ولم يحتج ~~أحد من الأئمة بشيء منها بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم ~~الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل زرت قبره ولو كان هذا اللفظ ~~معروفا عندهم أو مشروعا أو ماثورا عن النبى لم يكرهه عالم أهل ms7760 المدينة # والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم PageV27P188 ~~يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبى هريرة أن رسول ~~الله قال ( ما من رجل يسلم على إلا رد الله على روحى حتى ارد عليه السلام ( ~~وعلى هذا إعتمد أبوداود في سننه وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن ~~عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا ~~أبا بكر السلام عليك يا ابت ثم ينصرف # وفى سنن أبى داود عن النبى أنه قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على فإن ~~صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم ( # وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن حسن بن حسين بن على بن أبى طالب ~~رأى رجلا يختلف إلى قبر النبى صلى الله عليه وسلم ويدعو عنده فقال يا هذا ~~إن رسول الله قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على فإن صلاتكم حيثما كنتم ~~تبلغنى ( فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء # وفى الصحيحين عن عائشة عن النبى أنه قال في مرض موته ( لعن الله اليهود ~~والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما فعلوا ولولا ذلك لأبرز قبره ~~ولكن كره PageV27P189 أن يتخذ مسجدا # وهم دفنوه في حجرة عائشة رضى الله عنها خلاف ما إعتادوه من الدفن في ~~الصحراء لئلا يصلى أحد عند قبره ويتخذه مسجدا فيتخذ قبره وثنا # وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى ~~زمن الوليد بن عبد الملك لا يدخل أحد إليه لا لصلاة هناك ولا تمسح بالقبر ~~ولا دعاء هناك بل هذا جميعه إنما كانوا يفعلونه في المسجد # وكان السلف من الصحابة والتابعين إذ سلموا على النبى وأرادوا الدعاء دعوا ~~مستقبلى القبلة ولم يستقبلوا القبر # وأما الوقوف للسلام عليه صلوات الله عليه وسلامه فقال أبو حنيفة يستقبل ~~القبلة أيضا ولا يستقبل القبر # وقال أكثر الأئمة بل يستقبل القبر عند السلام خاصة ولم يقل أحد من الأئمة ~~إنه يستقبل القبر عند ms7761 الدعاء # وليس في ذلك إلا حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها PageV27P190 ~~واتفق الائمة على أنة لا يتمسح بقبر النبى ولا يقبله # وهذا كله محافظة على التوحيد فان من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد ~~كما قال طائفة من السلف في قولة تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ قالوا هؤلاء كانوا قوما صالحين في ~~قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على صورهم تماثيل ثم طال ~~عليهم الامد فعبدوها ) وقد ذكر البخارى في صحيحه هذا المعنى عن بن عباس ~~وذكره محمد بن جرير الطبرى وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف وذكره ( ~~وثيمة ) وغيره في قصص الانبياء من عدة طرق وقد بسطت الكلام على أصول هذه ~~المسائل في غير هذا الموضع # وأول من وضع هذه الاحاديث في السفر لزيارة المشاهد التى على القبور أهل ~~البدع من الرافضة ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد يدعون بيوت ~~الله التى أمر أن يذكر فيها اسمه ويعبد وحده لا شريك له ويعظمون المشاهد ~~التى يشرك فيها ويكذب ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا فان الكتاب ~~والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد كما قال تعالى @QB@ قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ ~~PageV27P191 # وقال تعالى @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها @QE@ ~~وقد ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( والله أعلم # هذا آخر ما اجاب به شيخ الإسلام والله سبحانه وتعالى أعلم وله من الكلام ~~في مثل هذا كثير كما اشار إليه في الجواب # ولما ظفروا في دمشق بهذا الجواب كتبوه وبعثوا به ms7762 إلى الديار المصرية وكتب ~~عليه قاضى الشافعية قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط إبن تيمية ~~فصح إلى أن قال وإنما المحرف جعله زيارة قبر النبى صلى الله علية وسلم ~~وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم معصية بالاجماع مقطوع بها هذا كلامه فانظر ~~إلى هذا التحريف على شيخ الاسلام والجواب ليس فيه المنع من زيارة قبور ~~الانبياء والصالحين وانما ذكر فيه قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة ~~القبور PageV27P192 وزيارة القبور من غير شد رحل اليها مسألة وشد الرحل ~~لمجرد الزيارة مسألة أخرى # والشيخ لايمنع الزيارة الخالية عن شد رحل بل يستحبها ويندب إليها وكتبه ~~ومناسكه تشهد بذلك ولم يتعرض الشيخ إلى هذه الزيارة في الفتيا ولا قال إنها ~~معصية ولا حكى الإجماع على المنع منها والله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه ~~خافية # ولما وصل خط القاضي المذكور إلى الديار المصرية كثر الكلام وعظمت الفتنة ~~وطلب القضاة بها فإجتمعوا وتكلموا وأشار بعضهم بحبس الشيخ فرسم السلطان به ~~وجرى ما تقدم ذكره ثم جرى بعد ذلك أمور على القائمين في هذه القضية لا يمكن ~~ذكرها في هذا الموضع # وقد وصل ما أجاب به الشيخ في هذه المسألة إلى علماء بغداد فقاموا في ~~الإنتصار له وكتبوا بموافقته ورأيت خطوطهم بذلك # وهذا صورة ما كتبوا PageV27P193 ( بسم الله الرحمن الرحيم ( # يقول العبد الفقير إلى الله تعالى بعد حمد الله السابغة نعمه السابقة ~~مننه والصلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله ~~وصحبه أجمعين # أنه حيث قد من الله تعالى على عباده وتفضل برحمته على بلاده بأن وسد أمور ~~الأمة المحمدية وأسند أزمة الملة الحنيفية إلى من خصصه الله تعالى بأفضل ~~الكمالات النفسانية وخصصه بأكمل السعادات الروحانية محيى سنن العدل ومبدى ~~سنن الفضل المعتصم بحبل الله المتوكل على الله المكتفى بنعم الله القائم ~~بأوامر الله المستظهر بقوة الله المستضيء بنور الله أعز الله سلطانه وأعلى ~~على سائر الملوك شأنه ولا زالت رقاب الأمم خاضعة لأوامره وأعناق العباد ~~طائعة لمراسمه ولا زال ms7763 موالى دولته بطاعته مجبورا ومعادى صولته بخزيه ~~مذموما مدحورا # فالمرجو من ألطاف الحضرة المقدسة زادها الله تعالى علوا وشرفا أن يكون ~~للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء وصفوة الأصفياء PageV27P194 وعماد الدين ~~ومدار أهل اليقين حظ من العناية السلطانية وافر ونصيب من الرحمة والشفقة ~~فإنها منقبة لا يعادلها فضيلة وحسنة لا يحيطها سيئة لأنها حقيقة التعظيم ~~لأمر الله تعالى وخلاصة الشفقة على خلق الله تعالى # ولا ريب أن المملوك وقف على ما سئل عنه الشيخ الإمام العلامة وحيد دهره ~~وفريد عصره تقى الدين أبوالعباس أحمد بن تيمية وما أجاب به فوجدته خلاصة ما ~~قاله العلماء في هذا الباب حسب ما إقتضاه الحال من نقله الصحيح وما أدى ~~إليه البحث من الإلزام والإلتزام لا يداخله تحامل ولا يعتريه تجاهل وليس ~~فيه والعياذ بالله ما يقتضى الإزراء والتنقيص بمنزلة الرسول # وكيف يجوز للعلماء أن تحملهم العصبية أن يتفوهوا بالإزراء والتنقيص في حق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهل يجوز أن يتصور متصور أن زيارة قبره تزيد في ~~قدره وهل تركها مما ينقص من تعظيمه حاشا للرسول من ذلك # نعم لو ذكر ذلك ذاكر إبتداء وكان هناك قرائن تدل على الإزراء والتنقيص ~~أمكن حمله على ذلك مع انه كان يكون كناية لا صريحا PageV27P195 فكيف وقد ~~قاله في معرض السؤال وطريق البحث والجدل # مع أن المفهوم من كلام العلماء وأنظار العقلاء أن الزيارة ليست عبادة ~~وطاعة لمجردها حتى لو حلف أنه يأتى بعبادة أو طاعة لم يبر بها لكن القاضي ~~إبن كج من متأخرى أصحابنا ذكر أن نذر هذه الزيارة عنده قربة تلزم ناذرها ~~وهو منفرد به لا يساعده في ذلك نقل صريح ولا قياس صحيح والذى يقتضيه مطلق ~~الخبر النبوى في قوله ( لا تشد الرحال إلى آخره ( أنه لا يجوز شد الرحال ~~إلى غير ما ذكر أو وجوبه أو ندبيته فإن فعله كان مخالفا لصريح النهى ~~ومخالفة النهى معصية إما كفر أو غيره على قدر المنهى عنه ووجوبه وتحريمه ~~وصفة النهى والزيارة اخص من وجه ms7764 فالزيارة بغير شد غير منهى عنها ومع الشد ~~منهى عنها # وبالجملة فما ذكره الشيخ تقى الدين على الوجه المذكور الموقوف عليه لم ~~يستحق عليه عقابا ولا يوجب عتابا # والمراحم السلطانية أحرى بالتوسعة والنظر بعين الرأفة والرحمة إليه ~~وللآراء الملكية علو المزيد # حرره إبن الكتبى الشافعى حامدا لله على نعمه PageV27P196 ( جواب # آخر ( # الله الموفق # ما أجاب به الشيخ الأجل الأوحد بقية السلف وقدوة الخلف رئيس المحققين ~~وخلاصة المدققين تقى الملة والحق والدين من الخلاف في هذه المسألة صحيح ~~منقول في غير ما كتاب من كتب أهل العلم لا اعتراض عليه في ذلك إذ ليس في ~~ذلك ثلب لرسول الله ولا غض من قدره # وقد نص الشيخ أبو محمد الجوينى في كتبه على تحريم السفر لزيارة القبور ~~وهذا إختيار القاضي الإمام عياض بن موسى بن عياض في إكماله وهو من أفضل ~~المتأخرين من اصحابنا # ومن المدونة ومن قال على المشى إلى المدينة أو بيت المقدس فلا يأتيهما ~~أصلا إلا أن يريد الصلاة في مسجديهما فليأتهما فلم يجعل نذر زيارة قبره ~~طاعة يجب الوفاء بها إذ من أصلنا أن من نذر طاعة لزمه الوفاء بها ~~PageV27P197 كان من جنسها ما هو واجب بالشرع كما هو مذهب أبى حنيفة أو لم ~~يكن # قال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق عقيب هذه المسألة ولولا الصلاة ~~فيهما لما لزمه إتيانهما ولو كان نذر زيارة طاعة لما لزمه ذلك # وقد ذكر ذلك القيروانى في تقريبه والشيخ إبن سيرين في تنبيهه وفى المبسوط ~~قال مالك ومن نذر المشى إلى مسجد من المساجد ليصلى فيه قال فإنى أكره ذلك ~~له لقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام ومسجد بيت المقدس ومسجدى هذا ( وروى محمد بن المواز في الموازية إلا ~~أن يكون قريبا فيلزمه الوفاء لأنه ليس بشد رحل وقد قال الشيخ أبوعمر بن ~~عبدالبر في كتابه ( التمهيد ( يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء ~~والصالحين مساجد # وحيث تقرر هذا فلا يجوز أن ينسب ms7765 من أجاب في هذه المسألة بأنه سفر منهى ~~عنه إلى الكفر فمن كفره بذلك من غير موجب فإن كان مستبيحا ذلك فهو كافر ~~وإلا فهو فاسق # قال الإمام أبو عبد الله محمد بن على المارزى في ( كتاب المعلم ~~PageV27P198 من كفر أحدا من اهل القبلة فإن كان مستبيحا ذلك فقد كفر وإلا ~~فهو فاسق يجب على الحاكم إذا رفع أمره إليه أن يؤدبه ويعزره بما يكون رادعا ~~لأمثاله فإن ترك مع القدرة عليه فهو آثم والله تعالى أعلم # كتبه محمد بن عبد الرحمن البغدادى الخادم للطائفة المالكية بالمدرسة ~~الشريفة المستنصرية رحمه الله على منشئها # وأجاب غيره فقال ( # الحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين # ما ذكره مولانا الإمام العالم العامل جامع الفضائل والفوائد بحر العلوم ~~ومنشأ الفضل جمال الدين كاتب خطه أمام خطى هذا جمل الله به الإسلام وأسبغ ~~عليه سوابغ الأنعام اتى فيه بالحق الجلى الواضح واعرض فيه عن اغضاء المشايخ ~~إذ السؤال والجواب اللذان تقدماه لا يخفى على ذى فطنة وعقل أنه اتى في ~~الجواب المطابق للسؤال بحكاية اقوال العلماء الذين تقدموه ولم يبق عليه في ~~ذلك إلا ان يعترضه معترض في نقله فيبرزه PageV27P199 له من كتب العلماء ~~الذين حكى اقوالهم والمعترض له بالتشنيع إما جاهل لا يعلم ما يقول أو ~~متجاهل يحمله حسده وحمية الجاهلية على رد ما هو عند العلماء مقبول أعاذنا ~~الله تعالى من غوائل الحسد وعصمنا من مخائل النكد بمحمد وآله الطيبين ~~الطاهرين والحمد لله رب العالمين # كتبه الفقير إلى عفو ربه ورضوانه عبدالمؤمن بن عبدالحق الخطيب غفر الله ~~له وللمسلمين أجمعين # وأجاب غيره فقال # بعد حمد الله الذى هو فاتح كل كلام والصلاة والسلام على رسوله محمد خير ~~الأنام وعلى آله وأصحابه البررة الكرام أعلام الهدى ومصابيح الظلام # يقول أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه ما حكاه الشيخ الإمام البارع ~~الهمام إفتخار الأنام جمال الإسلام ركن الشريعة ناصر السنة قامع البدعة ~~جامع أشتات الفضائل قدوة العلماء الأماثل في هذا ms7766 الجواب من أقوال العلماء ~~والأئمة النبلاء رحمة الله عليهم PageV27P200 أجمعين بين لا يدفع ومكشوف لا ~~يتقنع بل أوضح من النيرين وأظهر من فرق الصبح لذي عينين والعمدة في هذه ~~المسألة الحديث المتفق علي صحته ومنشأ الخلاف بين العلماء من إحتمالى صيغته ~~وذلك أن صيغة قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تشد الرحال ( ذات وجهين نفى ~~ونهى لإحتمالهما فإن لحظ معنى النفى فمقتضاه نفى فضيلة وإستحباب شد الرحال ~~وإعمال المطى إلى غير المساجد الثلاثة إذ لو فرض وقوعهما لإمتنع رفعهما ~~فتعين توجه النفى إلى فضيلتهما وإستحبابهما دون ذاتهما وهذا عام في كل ما ~~يعتقد إن إعمال المطى وشد الرحال إليه قربة وفضيلة من المساجد وزيارة قبور ~~الصالحين وما جرى هذا المجرى بل أعم من ذلك وإثبات ذلك بدليل ضرورة إثبات ~~ذلك المنفى المقدر في صدر الجملة لما بعد ( إلا ( وإلا لما إفترق الحكم بين ~~ما قبلها وما بعدها وهو مفترق حينئذ لا يلزم من نفى الفضيلة والإستحباب نفى ~~الإباحة فهذا وجه متمسك من قال بإباحة هذا السفر بالنظر إلى أن هذه الصيغة ~~نفى وبنى على ذلك جواز القصر # وإن كان النهى ملحوظا فالمعنى نهيه عن إعمال المطى وشد الرحال إلى غير ~~المساجد الثلاثة إذ المقرر عند عامة الأصوليين أن النهى عن الشيء قاض ~~بتحريمه أو كراهته على حسب مقتضى الأدلة PageV27P201 فهذا وجه متمسك من قال ~~بعدم جواز القصر في هذا السفر لكونه منهيا عنه وممن قال بحرمته الشيخ ~~الإمام أبو محمد الجوينى من الشافعية والشيخ أبوالوفاء إبن عقيل من ~~الحنابلة وهو الذى أشار القاضي عياض من المالكية إلى إختياره # وما جاء من الأحاديث في إستحباب زيارة القبور فمحمول على ما لم يكن فيه ~~شد رحل وإعمال مطى جمعا بينهما # ويحتمل أن يقال لا يصلح أن يكون غير حديث ( لا تشد الرحال معارضا له لعدم ~~مساواته إياه في الدرجة لكونه من أعلى أقسام الصحيح والله اعلم # وقد بلغنى أنه رزىء وضيق على المجيب وهذا أمر يحار فيه اللبيب ويتعجب منه ~~الأريب ويقع ms7767 به في شك مريب # فإن جوابه في هذه المسألة قاض بذكر خلاف العلماء وليس حاكما بالغض من ~~الصالحين والأنبياء فإن الأخذ بمقتضى كلامه صلوات الله وسلامه عليه في ~~الحديث المتفق على صحة رفعه إليه هو الغاية القصوى في تتبع أوامره ونواهيه ~~والعدول عن ذلك محذور وذلك مما لا مرية فيه # وإذا كان كذلك فأى حرج على من سئل عن مسألة فذكر فيها PageV27P202 خلاف ~~الفقهاء ومال فيها إلى بعض أقوال العلماء فإن الأمر لم يزل كذلك على ممر ~~العصور وتعاقب الدهور # وهل ذلك محمول من القادح إلا على إمتطاء نضو الهوى المفضى بصاحبه إلى ~~التوى فإن من يقتبس من فوائده ويلتقط من فرائده لحقيق بالتعظيم وخليق ~~بالتكريم ممن له الفهم السليم والذهن المستقيم وهل حكم المظاهر عليه في ~~الظاهر إلا كما قيل في المثل السائر الشعير يؤكل ويذم وقول الشاعر % جزى ~~بنوه أبا الغيلان عن كبر % وحسن فعل كما يجزى سنمار وقول % # غيره ( % وحديث ألذه وهو مما % ينعت الناعتون يوزن وزنا % منطق رائع ~~ويلحن أحيا % نا وخير الحديث ما كان لحنا % # وقال الله تعالى @QB@ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون @QE@ PageV27P203 # وقال ~~تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ~~واتقوا الله إن الله شديد العقاب @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع ~~الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما @QE@ وقال تعالى @QB@ ولينصرن الله من ~~ينصره إن الله لقوي عزيز @QE@ # ولولا خشية الملالة لما نكبت عن الإطالة # نسأل الله الكريم أن يسلك بنا وبكم سبيل الهداية وان يجنبنا وإياكم فسلك ~~الغواية إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير وحسبنا الله ونعم الوكيل ونعم ~~النصير # والحمد لله رب العالمين وصلوات الله وسلامه على سيد المرسلين محمد النبى ~~وآله الطاهرين واصحابه الكرام المنتخبين هذا جواب الشيخ الإمام العلامة ~~جمال الدين يوسف بن عبدالمحمود إبن عبدالسلام بن البتى الحنبلى رحمه ms7768 الله ~~تعالى # قال المؤلف ومن خطه نقلت PageV27P204 # جواب آخر ( # لبعض علماء أهل الشام المالكية ( # الحمد لله وهو حسبى # السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمشروع وأما من سافر إلى مسجد النبى ~~ليصلى فيه ويسلم على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضى الله عنهما ~~فمشروع كما ذكر بإتفاق العلماء # وأما لو قصد إعمال المطى لزيارته صلى الله عليه وسلم ولم يقصد الصلاة ~~فهذا السفر إذا ذكر رجل فيه خلافا للعلماء وان منهم من قال إنه منهى عنه ~~ومنهم من قال إنه مباح وأنه على القولين ليس بطاعة ولا قربة فمن جعله طاعة ~~وقربة على مقتضى هذين القولين كان حراما بالإجماع وذكر حجة كل قول منهما أو ~~رجح أحد القولين لم يلزمه ما يلزم من تنقص إذ لا تنقص ولا إزراء بالنبى صلى ~~الله عليه وسلم PageV27P205 وقد # قال مالك رحمه الله لسائل سأله أنه نذر أن يأتى قبر النبى فقال إن كان ~~أراد مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل فيه وإن كان اراد القبر ~~فلا يفعل للحديث الذى جاء ( لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد ( والله ~~اعلم # كتبه أبو عمرو بن أبى الوليد المالكى # كذلك يقول عبد الله بن أبى الوليد المالكى # قال المؤلف رحمه الله نقلت هذه الأجوبة كلها من خط المفتين بها قال ووقفت ~~على كتاب ورد مع أجوبة أهل بغداد وصورته # بسم الله الرحمن الرحيم ( # الحمد لله ناصر الملة الإسلامية ومعز الشريعة المحمدية بدوام أيام الدولة ~~المباركة السلطانية المالكية الناصرية ألبسها الله تعالى لباس العز المقرون ~~بالدوام وحلاها بحلية النصر المستمر بمرور الليالى والأيام والصلاة والسلام ~~على النبى المبعوث إلى جميع الأنام صلى الله عليه وعلى آله البررة الكرام ~~PageV27P206 # اللهم إن بابك لم يزل مفتوحا للسائلين ورفدك ما برح مبذولا للوافدين من ~~عودته مسألتك وحدك لم يسأل أحدا سواك ومن منحته منائح رفدك لم يفد على غيرك ~~ولم يحتم إلا بحماك أنت الرب العظيم الكريم الأكرم قصد باب غيرك على عبادك ~~محرم أنت الذى ms7769 لا إله غيرك ولا معبود سواك عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك ~~وعظم بلاؤك ولا إله غيرك ولم تزل سنتك في خلقك جارية بإمتحان أوليائك ~~وأحبابك تفضلا منك عليهم وإحسانا من لدنك إليهم ليزدادوا لك في جميع ~~الحالات ذكرا ولإ نعامك في جميع التقلبات شكرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~@QB@ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون @QE@ # اللهم وأنت العالم الذى لا تعلم وانت الكريم الذى لا تبخل قد علمت يا ~~عالم السر والعلانية ان قلوبنا لم تزل ترفع اخلاص الدعاء صادقة وألسنتنا في ~~حالتى السر والعلانية ناطقة أن تسعفنا بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة ~~السلطانية الناصرية بمزيد العلا والرفعة والتمكين وأن تحقق آمالنا فيها ~~بإعلاء الكلمة في ذلك برفع قواعد دعائم الدين وقمع مكايد الملحدين لأنها ~~الدولة التى برئت من غشيان الجنف والحيف وسلمت من طغيان القلم والسيف # والذى ينطوى عليه ضمائر المسلمين ويشتمل عليه سرائر المؤمنين PageV27P207 ~~أن السلطان الملك الناصر للدين ممن قال فيه رب العالمين وإله السماوات ~~والأرضين الذى بتمكينه في أرضه حصل التمكين لملوك الأرض وعظماء السلاطين في ~~كتابه العزيز الذى يتلى فمن شاء فليتدبر @QB@ الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر @QE@ وهو ممن ~~مكنه الله تعالى في الأرض تمكينا يقينا لا ظنا وهو ممن يعنى بقوله تعالى ~~@QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا @QE@ # والذى عهده المسلمون وتعوده المؤمنون من المراحم الكريمة والعواطف ~~الرحيمة إكرام أهل الدين وإعظام علماء المسلمين # والذى حمل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة وإن كانت لم ~~تزل مرفوعة إلى الله سبحانه بالنية الصحيحة قوله ( الدين النصيحة قيل لمن ~~يا رسول الله قال لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ( وقوله صلى الله ~~عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات ( فهذان الحديثان مشهوران بالصحة ~~ومستفيضان في الأمة PageV27P208 ثم إن # هذا الشيخ ms7770 المعظم الجليل والإمام المكرم النبيل أوحد الدهر وفريد العصر ~~طراز المملكة الملكية وعلم الدولة السلطانية لو أقسم مقسم بالله العظيم ~~القدير أن هذا الإمام الكبير ليس له في عصره مماثل ولا نظير لكانت يمينه ~~برة غنية عن التكفير وقد خلت من وجود مثله السبع الأقاليم إلا هذا الإقليم ~~يوافق على ذلك كل منصف جبل على الطبع السليم ولست بالثناء عليه أطريه بل لو ~~أطنب مطنب في مدحه والثناء عليه لما أتى على بعض الفضائل التى هي فيه أحمد ~~بن تيمية درة يتيمة يتنافس فيها تشترى ولا تباع ليس في خزائن الملوك درة ~~تماثلها وتؤاخيها إنقطعت عن وجود مثله الأطماع # لقد أصم الأسماع وأوهى قوى المتبوعين والأتباع سماع رفع أبى العباس أحمد ~~بن تيمية إلى القلاع # وليس يقع من مثله امر ينقم منه عليه إلا أنه يكون أمرا قد لبس عليه ونسب ~~إلى ما ينسب مثله إليه والتطويل على الحضرة العالية لا يليق إن يكن في ~~الدنيا قطب فهو القطب على التحقيق قد نصب الله السلطان أعلى الله شأنه في ~~هذا الزمان منصب يوسف الصديق صلى الله على نبينا وعليه لما صرف الله وجوه ~~أهل البلاد إليه حين أمحلت البلاد وإحتاج أهلها إلى القوت المدخر لديه ~~والحاجة بالناس والآن إلى قوت الأرواح المشار في ذلك الزمان إليها لإخفاء ~~PageV27P209 أنها للعلوم الشريفة والمعانى اللطيفة # وقد كانت في بلاد المملكة السلطانية حرسها الله تعالى تكال إلينا جزافا ~~بغير أثمان منحة عظيمة من الله للسلطان ونعمة جسيمة إذ خص بلاد مملكته ~~وإقليم دولته بما لا يوجد في غيرها من الأقاليم والبلدان وكان قد وفد ~~الوافدون من سائر الأمصار إلى تلك الديار فوجدوا صاحب صواع الملك قد رفع ~~إلى القلاع ومثل هذه الميرة لا توجد في غير تلك البلاد لتشترى أو تباع ~~فصادف ذلك جدب الأرض ونواحيها جدبا أعطب أهاليها حتى صاروا من شدة حاجتهم ~~إلى الأقوات كالأموات والذى عرض للملك بالتضييق على صاحب صواعه مع شدة ~~الحاجة إلى غذاء الأرواح لعله لم يتحقق عنده ms7771 أن هذا الإمام من أكابر ~~الأولياء وأعيان أهل الصلاح وهذه نزغة من نزغات الشيطان قال الله سبحانه ~~@QB@ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا @QE@ # وأما إزراء بعض العلماء عليه في فتواه وجوابه عن مسألة شد الرحال إلى ~~القبور فقد حمل جواب علماء هذه البلاد إلى نظرائهم من العلماء وقرنائهم من ~~الفضلاء وكلهم أفتى أن الصواب في الذى به اجاب PageV27P210 # والظاهر بين الأنام أن إكرام هذا الإمام ومعاملته بالتبجيل والإحترام فيه ~~قوام الملك ونظام الدولة وإعزاز الملة وإستجلاب الدعاء وكبت الأعداء وإذلال ~~أهل البدع والأهواء وإحياء الأمة وكشف الغمة ووفور الأجر وعلو الذكر ورفع ~~البأس ونفع الناس ولسان حال المسلمين تال قول الكبير المتعال @QB@ فلما ~~دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف ~~لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين @QE@ # والبضاعة المزجاة هي هذه الأوراق المرقومة بالأقلام والميرة المطلوبة هي ~~الإفراج عن شيخ الإسلام والذى حمل على هذا الإقدام قوله عليه السلام ( ~~الدين النصيحة ( والسلام # وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الكرام وسلم تسليما هذا آخر هذا ~~الكتاب # قال المؤلف ووقفت على ( كتاب آخر ( من بغداد أيضا صورته # ( بسم الله الرحمن الرحيم ( # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد النبى ~~PageV27P211 وآله وصحبه أجمعين # اللهم فكما أيدت ملوك الإسلام وولاة الأمور بالقوة والأيد وشيدت لهم ذكرا ~~وجعلتهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذخرا وللمكسور العائذ بأكناف بابهم جبرا ~~فاشدد اللهم منهم بحسن معونتك لهم إزرا وأعل لهم جدا وإرفع قدرا وزدهم عزا ~~وزودهم على أعدائك نصرا وأمنحهم توفيقا مسددا وتمكينا مستمرا # وبعد فإنه لما قرع أسماع أهل البلاد المشرقية والنواحى العراقية التضييق ~~على شيخ الإسلام تقى الدين أبى العباس ( أحمد بن تيمية ( سلمه الله عظم ذلك ~~على المسلمين وشق على ذوى الدين وإرتفعت رؤوس الملحدين وطابت نفوس أهل ~~الأهواء والمبتدعين ولما رأى علماء أهل هذه الناحية عظم هذه النازلة من ~~شماته أهل البدع وأهل الأهواء ms7772 بأكابر الأفاضل وأئمة العلماء أنهوا حال هذا ~~الأمر الفظيع والأمر الشنيع إلى الحضرة الشريفة السلطانية زادها الله شرفا ~~وكتبوا أجوبتهم في تصويب ما أجاب به الشيخ سلمه الله في فتاواه وذكروا من ~~علمه وفضائله بعض ما هو فيه وحملوا ذلك إلى بين يدى مولانا ملك الأمراء اعز ~~الله أنصاره وضاعف اقتداءه غيرة منهم على هذا الدين ونصيحة للإسلام وأمراء ~~المؤمنين PageV27P212 # والآراء المولوية العالية أولى بالتقديم لأنها ممنوحة بالهداية إلى ~~الصراط المستقيم # وأفضل الصلاة وأشرف التسليم على النبى الأمى صلى الله عليه وعلى آله ~~وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليما PageV27P213 ### || 1 ( مختصر رد المؤلف على الأخنائي ) 1 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ( ! 8 < فصل ! 8 < # مختصر في التنبيه على ما في هذا المصنف من الجهل والكذب مع أنه في غاية ~~الإختصار وقبل ذلك نذكر ( لفظ الجواب ( ليتبين ما في معارضته من الخطأ ~~والصواب ولفظ الجواب بعد لفظ السؤال والسؤال سؤال مسترشد يسأل عن السفر إلى ~~قبور الأنبياء وما جاء في ذلك من الأقوال المختلفة والأحاديث المتعارضة وقد ~~سمع الإختلاف في ذلك والأحاديث المتعارضة ولم يعرف صحيحها من ضعيفها فقال # ما تقول السادة العلماء في رجل نوى ( زيارة قبور الأنبياء والصالحين ( ~~مثل نبينا وغيره فهل يجوز له في PageV27P214 سفره أن يقصر الصلاة وهل هذه ~~الزيارة شرعية أم لا وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من حج ~~ولم يزرنى فقد جفانى ( و ( من زارنى بعد موتى فكأنما زارنى في حياتى ( وروى ~~عنه أنه قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى ومسجدى هذا ) # ولفظ الجواب الحمد لله أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ~~فهل يجوز له قصر الصلاة على قولين معروفين # أحدهما وهو قول متقدمى العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية ~~ويقولون إن هذا سفر معصية كأبى عبد الله بن بطة وأبى الوفاء إبن عقيل ~~وطوائف كثيرين من العلماء المتقدمين أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر ~~لأنه سفر منهى ms7773 عنه ومذهب مالك والشافعى وأحمد أن السفر المنهى عنه في ~~الشريعة لا تقصر فيه الصلاة # والقول الثانى ( أنه تقصر الصلاة فيه وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر ~~المحرم كأبى حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعى واحمد ممن يجوز ~~السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبى حامد الغزالى وأبى محمد المقدسى ~~وأبى الحسن إبن عبدوس PageV27P215 الحرانى وهؤلاء يقولون إن هذا السفر ليس ~~بمحرم لعموم قوله فزوروا القبور ( # وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبى ~~صلى الله عليه وسلم كقوله ( من زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى في حياتى ( ~~رواه الدارقطنى # وأما ما ذكره بعض الناس من قوله ( من حج ولم يزرنى فقد جفانى ( فهذا لم ~~يروه أحد من العلماء وهو مثل قوله ( من زارنى وزار ابى في عام واحد ضمنت له ~~على الله الجنة ( فإن هذا أيضا باطل بإتفاق العلماء ولم يروه أحد ولم يحتج ~~به أحد وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطنى وقد زاد فيها المجيب حاشية بعد ~~ذلك ولكن هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في ( كتب الفقه والحديث ( لا ~~محتجا ولا معتضدا به وإن ذكره بعض المتأخرين فقد رواه أبوأحمد بن عدى في ( ~~كتاب الضعفاء ( ليبين ضعف روايته فذكره بحديث النعمان بن شبل الباهلى ~~المصرى عن مالك عن نافع عن إبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ~~من حج ولم يزرنى فقد جفانى ( قال بن عدى لم يروه عن مالك غير هذا يعنى وقد ~~علم أنه ليس من حديث مالك فعلم أن الآفة من جهته قال يونس إبن هارون كان ~~النعمان هذا متهما وقال أبوحاتم بن حبان يأتى PageV27P216 عن الثقات ~~بالطامات وقد ذكر أبوالفرج بن الجوزى هذا الحديث في الموضوعات ورواه من ~~طريق أبى حاتم بن حبان حدثنا أحمد بن عبيد حدثنا محمد بن النعمان حدثنا جدى ~~عن مالك ثم قال أبو الفرج قال أبوحاتم النعمان يأتى عن الثقات بالطامات ~~وقال الدارقطنى الطعن في هذا الحديث من محمد ms7774 بن محمد لا من نعمان # وأما الحديث الآخر ( من زارنى وزار أبى في عام واحد ضمنت له على الله ~~الجنة ( فهذا ليس في شيء من الكتب لا بإسناد موضوع ولا غير موضوع وقد قيل ~~إن هذا لم يسمع في الإسلام حتى فتح المسلمون بيت المقدس في زمن صلاح الدين ~~فلهذا لم يذكر أحد من العلماء لا هذا ولا هذا لا على سبيل الإعتضاد ولا على ~~سبيل الإعتماد بخلاف الحديث الذى قد تقدم فإنه قد ذكره جماعة ورووه وهو ~~معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضرى صاحب عاصم عن ليث بن ابى سليم عن ~~مجاهد عن بن عمر قال قال رسول الله ( من حج فزارنى بعد موتى كان كمن زارنى ~~في حياتى ( # وقد إتفق أهل العلم بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا دون قراءته قال ~~البيهقى في ( شعب الإيمان ( روى حفص بن ابى داود وهو ضعيف عن ليث بن أبى ~~سليم عن مجاهد عن PageV27P217 بن عمر قال قال رسول الله ( من حج فزارنى بعد ~~موتى كان كمن زارنى في حياتى ( قال يحيى بن معين عن حفص هذا ليس بثقه وهو ~~أصح قراءة من ابى بكر بن عياش وأبو بكر أوثق منه وفى رواية عنه كان حفص ~~أقرأ من ابى بكر وكان أبو بكر صدوقا وكان حفص كذابا وقال البخارى تركوه ~~وقال مسلم بن الحجاج متروك وقال على بن المدينى ضعيف الحديث تركته على عمد ~~وقال النسائى ليس بثقة ولا يكتب حديثه وقال مرة متروك وقال صالح بن محمد ~~البغدادى لا يكتب حديثه وأحاديثه كلها منا كير وقال أبوزرعة ضعيف الحديث ~~وقال أبو حاتم الرازى لايكتب حديثه وهو ضعيف الحديث لا يصدق متروك الحديث ~~وقال عبد الرحمن بن خراش هو كذاب متروك يضع الحديث وقال الحاكم أبوأحمد ~~ذاهب الحديث وقال بن عدى عامة أحاديثه عمن روى عنه غير محفوظة # وفي الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطنى وغيرهما من حديث موسى بن هلال ~~حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن بن ms7775 عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( من زار قبرى وجبت له شفاعتى ( قال البيهقى وقد روى هذا الحديث ثم ~~قال وقد قيل عن موسى عن عبد الله قال وسواء عبد الله أو عبيد الله ~~PageV27P218 فهو منكر عن نافع عن بن عمر لم يأت به غيره وقال العقيلى في ~~موسى بن هلال هذا لا يتابع على حديثه وقال أبو حاتم الرازى هو مجهول وقال ~~ابوزكريا النواوى في ( شرح المهذب ( لما ذكر قول أبى إسحاق وتستحب زيارة ~~قبر رسول الله لما روى عن بن عمر عن النبى أنه قال ( من زار قبرى وجبت له ~~شفاعتى ( قال النواوى أما حديث بن عمر فرواه أبو بكر الرازى والدارقطنى ~~والبيهقى بإسنادين ضعيفين جدا # قال المجيب في تمام الجواب وقد إحتج أبو محمد المقدسى على جواز السفر ~~لزيارة القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء وانه كان يزور القبور وأجاب عن ~~حديث ( لا تشد الرحال ( بأن ذلك محمول على نفى الإستحباب # وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ~~ومسجدى هذا ( وهذا الحديث إتفق الأئمة على صحته والعمل به فلو نذر الرجل أن ~~يصلى بمسجد أو بمشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب ~~عليه ذلك بإتفاق الأئمة ولو نذر أن يسافر أو يأتى إلى المسجد الحرام لحج أو ~~عمرة وجب عليه ذلك بإتفاق العلماء ولو نذر أن يأتى مسجد النبى PageV27P219 ~~أو المسجد الأقصى لصلاة أو إعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك ~~والشافعى في أحد قوليه وأحمد ولم يجب عليه عند ابى حنيفة لأنه لا يجب عنده ~~بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع واما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل ~~طاعة كما ثبت في صحيح البخارى عن عائشة أن النبى قال ( من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا ~~وجب ms7776 الوفاء به واما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من ~~العلماء السفر إليها إذا نذره حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد ~~قباء لأنه ليس من الثلاثة مع ان مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة ~~لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الحديث الصحيح ( من تطهر في بيته ثم أتى مسجد ~~قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة ( وفى الحاشية وهذا الحديث رواه اهل ~~السنن كالنسائى وبن ماجه والترمذى وحسنه # قال وقالوا ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها ~~أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله ولا إستحب ذلك أحد من ~~ائمة المسلمين فمن إعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة ~~وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في ( الإبانة الصغرى ( من البدع ~~المخالفة للسنة PageV27P220 وبهذا يظهر ضعف حجة أبى محمد المقدسى لأن زيارة ~~النبى صلى الله عليه وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل والسفر إليه لا يجب ~~بالنذر # وقوله في قول النبى ( لا تشد الرحال ( إنه محمول على نفى الإستحباب عنه ~~جوابان # أحدهما أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ~~ولا هو من الحسنات فإذا من إعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه ~~قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لإعتقاده انها طاعة كان ذلك ~~محرما بإجماع المسلمين فصار التحريم من هذه الجهة ومعلوم أن احدا لا يسافر ~~إليها إلا لذلك وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس ~~من هذا الباب # الوجه الثانى أن هذا الحديث يقتضى النهى والنهى يقتضى التحريم وما ذكره ~~السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبى فكلها ضعيفة بإتفاق أهل العلم ~~بالحديث بل هي موضوعة لم يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها ولم ~~يحتج أحد من الأئمة بشيء منها بل مالك أمام أهل المدينة النبوية الذين هم ~~أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره ms7777 أن يقول الرجل زرت قبر النبى صلى الله ~~عليه PageV27P221 وسلم ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم أو مشروعا أو ماثورا ~~عن النبى لم يكرهه عالم المدينة # والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما ~~يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبى هريرة ( أن النبى قال ما من ~~رجل يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام ( وعلى هذا إعتمد ~~أبو داود في سننه وكذلك مالك في ( الموطأ ( روى عن عبد الله بن عمر أنه كان ~~إذا دخل المسجد قال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر ~~السلام عليك يا أبت ثم ينصرف وفى سنن أبى داود عن النبى أنه قال ( لا ~~تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى ( وفى سنن سعيد ~~بن منصور أن عبد الله بن الحسن بن الحسين رأى رجلا يختلف إلى قبر النبى ~~فقال إن رسول الله قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيث ما كنتم فإن ~~صلاتكم تبلغنى ( ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء وفى الصحيحين عن النبى ~~أنه قال في مرض موته ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد ( يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ ~~مسجدا وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما PageV27P222 إعتادوه من الدفن في ~~الصحراء لئلا يصلى أحد عند قبره ويتخذه مسجدا فيتخذ قبره وثنا # وكان الصحابة والتابعون لما كانت ( الحجرة النبوية ( منفصلة عن المسجد ~~إلى زمن الوليد بن عبد الملك لا يدخل عنده أحد لا لصلاة هناك ولا لتمسح ~~بالقبر ولا دعاء هناك بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد وكان السلف من ~~الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبى وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلى القبلة ~~لم يستقبلوا القبر # وأما وقوف المسلم عليه فقال أبوحنيفة يستقبل القبلة أيضا لا يستقبل القبر ~~وقال أكثر الأئمة بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة ولم يقل أحد ms7778 من ~~الأئمة يستقبل القبر عند الدعاء أى الدعاء الذى يقصده لنفسه إلا في حكاية ~~مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها وإتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبى ~~ولا يقبله وهذا كله محافظة على التوحيد # فإن من اصول الشرك بالله إتخاذ القبور مساجد كما قال طائفة من السلف في ~~قوله تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا @QE@ قالوا هؤلاء كانوا قوما صالحين PageV27P223 في قوم نوح ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم ~~وقد ذكر بعض هذا المعنى البخارى في صحيحه كما ذكر قول بن عباس إن هذه ~~الأوثان صارت إلى العرب وذكره إبن جرير الطبرى وغيره في التفسير عن غير ~~واحد من السلف وذكره غيره في ( قصص الأنبياء ( من عدة طرق وقد بسطت الكلام ~~على هذه المسائل في غير هذا الموضع # وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التى على القبور هم ~~اهل البدع من الرافضة وغيرهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التى ~~يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا فإن الكتاب ~~والسنة إنما فيه ذكر المساجد دون المشاهد كما قال تعالى @QB@ قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ وقال @QB@ ~~وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ وقال @QB@ إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أظلم ~~ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها @QE@ وقد ثبت عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقول ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ~~إلا فلا تتخذوا القبور مساجد PageV27P224 فإنى أنهاكم عن ذلك والله تعالى ~~أعلم # فهذه ألفاظ المجيب # فليتدبر الإنسان ما تضمنته وما عارض به هؤلاء المعارضون مما نقلوه عن ~~الجواب وما إدعوا أنه باطل هل هم صادقون مصيبون في هذا أو هذا أو ms7779 هم بالعكس ~~والمجيب أجاب بهذا من بضع عشرة سنة بحسب حال هذا السائل وإسترشاده ولم يبسط ~~القول فيها ولا سمى كل من قال بهذا القول ومن قال بهذا القول بحسب ما تيسر ~~في هذا الوقت وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب المصنفة في مذهب ~~مالك والشافعى واحمد وفى شروح الحديث وغير ذلك والقول بتحريم السفر إلى غير ~~المساجد الثلاثة وإن كان قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو قول مالك ~~وجمهور أصحابه وكذلك أكثر أصحاب أحمد الحديث عندهم معناه تحريم السفر إلى ~~غير الثلاثة لكن منهم من يقول قبر نبينا لم يدخل في العموم ثم لهذا القول ~~مأخذان # أحدهما أن السفر إليه سفر إلى مسجده وهذا المأخذ هو الصحيح وهو موافق ~~لقول مالك وجمهور أصحابه # والمأخذ الثانى أن نبينا لا يشبه بغيره من المؤمنين كما قال PageV27P225 ~~طائفة من اصحاب أحمد أنه يحلف به وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيا عنه وهو ~~رواية عن أحمد ومن اصحابة من قال في المسألتين حكم سائر الأنبياء كحكمه ~~قاله بعضهم في الحلف بهم وقاله بعضهم في زيارة قبورهم وكذلك أبو محمد ~~الجوينى ومن وافقه من أصحاب الشافعى على ان الحديث يقتضى تحريم السفر إلى ~~غير الثلاثة # وآخرون من اصحاب الشافعى ومالك واحمد قالوا المراد بالحديث نفى الفضيلة ~~والإستحباب ونفى الوجوب بالنذر لا نفى الجواز وهذا قول الشيخ أبى حامد وابى ~~على وابى المعالى والغزالى وغيرهم وهو قول إبن عبدالبر وابى محمد المقدسى ~~ومن وافقهما من اصحاب مالك واحمد فهذان هما القولان الموجودان في كتب ~~المسلمين ذكرهما المجيب ولم يعرف أحدا معروفا من العلماء المسلمين في الكتب ~~قال إنه يستحب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ولو علم أن في ~~المسألة قولا ثالثا لحكاه لكنه لم يعرف ذلك وإلى الآن لم يعرف أن أحدا قال ~~ذلك ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة قبر النبى صلى الله عليه ~~وسلم وحكى بعضهم الإجماع على ذلك وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعا في ~~الجواب ms7780 فإنه من المعلوم أن مسجد النبى يستحب السفر إليه بالنص والإجماع ~~فالمسافر إلى قبره لابد إن كان عالما بالشريعة أن يقصد السفر إلى ~~PageV27P226 مسجده فلا يدخل ذلك في جواب المسألة فإن الجواب إنما كان عمن ~~سافر لمجرد زيارة قبورهم والعالم بالشريعة لا يقع في هذا فإنه يعلم أن ~~الرسول قد إستحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه وهو يسافر إلى مسجده فكيف لا ~~يقصد السفر إليه فكل من علم ما يفعله بإختياره فلا بد أن يقصده وإنما ينتفى ~~القصد مع الجهل إما مع الجهل بأن السفر إلى مسجده مستحب لكونه مسجده لا ~~لأجل القبر وإما مع الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده فأما مع العلم ~~بالأمرين فلابد أن يقصد السفر إلى مسجده ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس ~~لسائر القبور من وجوه متعددة كما قد بسط في مواضع # وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو المعتاد لهم من السفر ~~إلى زيارة قبر من يعظمونه يسافرون إليه ليدعوه ويدعوا عنده ويدخلوا إلى ~~قبره ويقعدوا عنده ويكون عليه أو عنده مسجد بنى لاجل القبر فيصلون في ذلك ~~المسجد تعظيما لصاحب القبر وهذا مما لعن النبى أهل الكتاب على فعله ونهى ~~أمته عن فعله فقال في مرض موته ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ( وهو في الصحيحين من غير وجه وقال قبل أن يموت بخمس ( إن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإنى أنهاكم PageV27P227 عن ذلك ( رواه مسلم # فمن لم يفرق بين ماهو مشروع في زيارة القبور وما هو منهى عنه لم يعرف دين ~~الإسلام في هذا الباب # والمقصود التنبيه على مافى هذا المصنف الذى صنفه هذا المعترض على الجواب ~~المذكور وبيان ما فيه من الجهل والإفتراء # فمنها أنه قال في الجواب أنه ظهر لى من صريح ذلك الكلام وفحواه ومقصده ~~إلي ومغزاه وهو تحريم زياره قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ~~ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها # فيقال معلوم ms7781 لكل من رأى الجواب أنه ليس فيه تحريم لزيارة القبور لا قبور ~~الأنبياء ولا غيرهم إذا لم يكن بسفر ولا فيه دعوى الإجماع على تحريم السفر ~~بل قد صرح بالخلاف في ذلك فكيف يحكى عنه أنه يقول إن نفس زيارة القبور ~~مطلقا معصية محرمة مجمع عليها فهذا إفتراء ظاهر على الجواب ثم أنه تناقض في ~~ذلك فحكى بعد هذا عن المجيب أنه حكى الخلاف في جواز السفر # ثم قال في آخر كلامه إن ما ادعاه مجمع على أنه حرام وأنه يناقض في ذلك ~~وهو الذى يناقض في هذه الحكاية وأما المجيب PageV27P228 فحكى قولهم في جواز ~~السفر وأنهم إتفقوا على أنه ليس بقربة ولا طاعة فمن إعتقد ذلك فقد خالف ~~الإجماع وإذا فعله لإعتقاده أنه طاعة كان محرما بالإجماع فصار التحريم من ~~جهة إتخاذه قربة هذا لفظ الجواب # ومعلوم في كل عمل تنازع المسلمون فيه هل هو محرم أو مباح ليس بقربة أن من ~~جعله قربة فقد خالف الإجماع وإذا فعله متقربا به كان ذلك حراما بإلاجماع ~~كما لو تقرب بلعب النرد والشطرنج وبيع الدرهم بالدرهمين وإتيان النساء في ~~الحشوش وإستماع الغناء والمعازف ونحو ذلك مما للناس فيه قولان التحريم ~~والإباحة لم يقل أحد إنها قربة فالذى يجعله عبادة يتقرب به كما يتقرب ~~بالعبادات قد فعل محرما بالإجماع وهذا يشبه التقرب بالملاهى والمعازف فإن ~~جمهور المسلمين على أنها محرمة وبعضهم أباحها ولم يقل أحد إنها قربة فقائل ~~ذلك مخالف للإجماع وإنما يقول ذلك زنديق مثل ما حكى أبو عبد الرحمن السلمى ~~عن بن الراوندى أنه قال إختلف الفقهاء في الغناء هل هو حرام أو حلال وأنا ~~أقول أنه واجب ومعلوم أن هذا ليس من أقوال علماء المسلمين # والذين يتقربون بسماع القصائد والتغبير ونحو ذلك هم مخطئون عند عامة ~~الأئمة مع أنه ليس في هؤلاء من يقول إن الغناء قربة PageV27P229 مطلقا ولكن ~~يقوله في صورة مخصوصة لبعض أهل الدين الذين يحركون قلوبهم بهذا السماع إلى ~~الطاعات فيحركون به وجد المحبة والترغيب في ms7782 الطاعات ووجد الحزن والخوف ~~والترهيب من المخالفات فهذا هو الذى يقول فيه طائفة من الناس إنه قربة مع ~~أن الجمهور على أنهم مخطئون لو جعل هذا قربة لكونه بدعة ليست واجبة ولا ~~مستحبة ولاشتماله على مفاسد راجحة على ما ظنوه من المصالح كما في الخمر ~~والميسر فإنه وإن كان فيهما منافع للناس فاثمهما أكبر من نفعهما # والشريعة تأمر بالمصالح الخالصة والراجحة كالإيمان والجهاد فإن الإيمان ~~مصلحة محضة والجهاد وإن كان فيه قتل النفوس فمصلحته راجحة وفتنة الكفر أعظم ~~فسادا من القتل كما قال تعالى @QB@ والفتنة أكبر من القتل @QE@ ونهى عن ~~المفاسد الخالصة والراجحة كما نهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن وعن ~~الإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله مالا تعلمون وهذه الأمور لا يبيحها قط في حال من الأحوال ولا في ~~شرعة من الشرائع وتحريم الدم والميتة ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك مما ~~مفسدته راجحة وهذا الضرب تبيحه عند الضرورة لأن مفسدة فوات النفس أعظم من ~~مفسدة الإغتذاء به # والفقهاء إنما تنازعوا في الخمر هل تشرب للعطش لتنازعهم في PageV27P230 ~~كونها تذهب العطش والناهى قال لا تزيد الشارب إلا عطشا فلا يحصل به بقاء ~~المهجة والمبيح يقول بل قد ترطب رطوبة تبقى معها المهجة وحينئذ فأى ~~المأخذين كان هو الواقع كان قول صاحبه أصوب وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود أن ما إختلف فيه العلماء هل هو حرام أو مباح كان من جعلة قربة ~~مخالفا لإجماعهم كما إذا إختلف الصحابة على قولين فمن أحدث قولا ثالثا فقد ~~خالف إجماعهم ولهذا لم يكن في المسلمين من يقول إن إستماع الغناء قربة ~~مطلقا وإن قال إن سماع القول الذى شرط له المكان والإمكان والأخوان وهو ~~ترغيب في الطاعات وترهيب من المخالفات قربة فلا يقول قط إن كل من سمع ~~الملاهى فهو متقرب كما يقول القائل إن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين ~~قربة وأنه إذا نذر السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه يفى ms7783 بهذا ~~النذر فإن هذا القول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين وإن أطلقوا القول بأن ~~السفر إلى زيارة قبر النبى قربة أوقالوا هو قربة مجمع عليها فهذا حق إذا ~~عرف مرادهم بذلك كما ذكر ذلك القاضي عياض وإبن بطال وغيرهما فمرادهم السفر ~~المشروع إلى مسجده وما يفعل فيه من العبادة المشروعة التى تسمى زيارة لقبره ~~ومالك وغيره يكرهون أن تسمى زيارة لقبره فهذا الإجماع PageV27P231 على هذا ~~المعنى صحيح لا ريب فيه # ولكن ليس هذا إجماعا على ماصرحوا بالنهى عنه أو بأنه ليس بقربة ولا طاعة ~~والسفر لغير المساجد الثلاثة قد صرح مالك وغيره كالقاضى إسماعيل والقاضى ~~عياض وغيرهما أنه منهى عنه لا يفعله لا ناذر ولا متطوع وصرحوا بأن السفر ~~إلى المدينة وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين هو من السفر المنهى ~~عنه ليس له أن يفعله وإن نذره سواء سافر لزيارة أى نبى من الأنبياء أو قبر ~~من قبورهم أو قبور غيرهم أو مسجد غير الثلاثة فهذا كله عندهم من السفر ~~المنهى عنه فكيف يقولون إنه قربة ولكن الإجماع على تحريم إتخاذه قربة لا ~~يناقض النزاع في الفعل المجرد # وهذا الإجماع المحكى عن السلف والأئمة لا يقدح فيه خلاف بعض المتأخرين إن ~~وجد ولكن إن وجد ان أحدا من الصلحاء المعروفين من السلف قال إنه يستحب ~~السفر لمجرد زيارة القبور أو لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين كان هذا ~~قادحا في هذا الإجماع ويكون في المسألة ثلاثة أقوال ولكن الذى يحكى الإجماع ~~لم يطلع على هذا القول كما يوجد ذلك كثيرا لكثير من العلماء ومع هذا فهذا ~~القول يرد إلى الكتاب والسنة لا يجوز إلزام الناس به بلا حجة فإن هذا خلاف ~~إجماع المسلمين PageV27P232 ### ||| فصل # ومنها ظنه أن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس الزيارة ~~المعهودة في قبر غيره حتى يحتج عليها بزيارة البقيع وشهداء أحد وزيارة قبر ~~أمه # ومنها أنه جعل من حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور مجاهرا بالعداوة ~~للأنبياء مظهرا لهم العناد ms7784 ومعلوم أن هذا قول أكثر المتقدمين كمالك وأكثر ~~أصحابه والجوينى أبى محمد وغيره من اصحاب الشافعى وأكثر متقدمى أصحاب أحمد ~~فيلزمه أن يكون إمامه مالك وغيره من أئمة الدين مجاهرين للأنبياء بالعداوة ~~معاندين لهم وهذا لو قاله فيما أخطأوا فيه لإستحق العقوبة البليغة فكيف إذا ~~قاله فيما إتبعوا فيه الرسول وإتبعوا فيه سنته الصحيحة فحرموا ما حرم فقد ~~جعل المطيع لله ورسوله الذي رضي الله ورسوله وأنبياؤه عمله مجاهرا لهم ~~بالعداوة معاندا لهم فكفر من حكم الله ورسوله بإيمانه # ومثل هذا يبين له الصواب وإن هذا القول هو الذى جاء به PageV27P233 ~~الرسول وكان عليه السابقون الأولون من الأمة وأئمتها وعليه دل الكتاب ~~والسنة فإذا تبين له أن هذا هو الذى جاء به الرسول ثم أصر على مشاقة الرسول ~~وإتباع غير سبيل المؤمنين فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل # وكذلك إذا تبين أن هذا القول ليس بكفر بل هو مما إتفق المسلمون على أنه ~~قول سائغ وقائله مجتهد مأجور على إجتهاده سواء أصاب أو أخطأ فإذا أصر على ~~تكفير من تبين بالكتاب والسنة والإجماع أنه لا يكفر وتبين له أنه يكفر فأصر ~~على مشاقة الرسول وإتباع غير سبيل المؤمنين فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ~~كمن جعل إعتقاد أن المسيح عبد الله معاداة للمسيح أو إعتقد أن من قال لا ~~تحلف بالأنبياء فقد عاداهم وكفر فإن مثل هذا يستتاب # ومنها أن هذه المسألة قد نص عليها مالك إمامه وجمهور أصحابه وهو في كتبهم ~~الكبار والصغار وهو لم يعرف ما قالوا بل يكفر ويلعن ويشتم من قال بنفس ~~القول الذى قالوه فيلزمه تكفيرهم وسبهم وإستحلال دمائهم # ومنها أنه قال ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة ~~الصحيح لكنها يجوز الإستدلال بها على الأحكام PageV27P234 الشرعية وهذا ~~كلام من لا يعرف ما روى في هذا الباب ولا ما قال فيه علماء المسلمين بل هو ~~بمنزلة الرافضى الذى يقول قد روى في النص على علي أنه الإمام بعد رسول الله ~~صلى ms7785 الله عليه وسلم أحاديث صحيحه وأخر دونها ومعلوم أن الأحاديث التى فيها ~~ذكر زيارة قبره لم يخرج شيئا منها أهل الصحيح ولا السنن المعتمد عليها كسنن ~~أبى داود والترمذى ولا المسانيد التى هي من هذا الجنس كمسند أحمد ولا إستدل ~~بشيء منها إمام وهو مع ذلك لم يذكر منها حديثا واحدا فضلا عن أن يعزوه إلى ~~كتاب # وقوله إن مالم يبلغ درجة الصحيح منها يجوز الإستدلال بها إنما يكون إذا ~~كانت حسنة عند من قسم الحديث إلى ثلاثة أنواع وهذا موقوف على العلم بحسنها ~~وأئمة الحديث لم يحكموا بذلك وهو وأمثاله لا يعرفون ذلك فالقول بذلك من ~~أعظم القول بلا علم في الدين والجرأة على سنة رسول رب العالمين بأن يدخل ~~فيها ماليس منها بالجهل والضلال فكيف إذا كان جميع ما روى في هذا الباب مما ~~ضعفه أهل المعرفة بالحديث بل حكموا بأنه كذب موضوع كما قد بسط الكلام على ~~ما روى في هذا الباب في غير هذا الكتاب # ومنها أنه لم يفرق بين ( الزيارة الشرعية ( التى كان النبى يفعلها ~~ومقصودها الدعاء للميت كالصلاة على جنازته PageV27P235 وبين ما إبتدعه ~~الضالون من الإشراك بالميت والحج إلى قبره ودعائه من دون الله ومقصوده ~~بزيارته والسفر إليه أنه يدعوه من دون الله لا أنه يدعو له وهذه الزيارة لم ~~يفعلها الرسول ولا أذن فيها قط فكيف بالسفر إليها وهو من جنس الحج إلى ~~الطواغيت # ومنها أنه جعل زيارة الميت كزيارته حيا وإستدل بحديث ( الذى زار أخا له ~~في الحياة ( على أنه يستحب زيارة الميت وهذه التسوية والقياس ما عرفت عن ~~أحد من علماء المسلمين فإنه من المعلوم أن الصحابة الذين سافروا إلى الرسول ~~فساعدوه وسمعوا كلامه وخاطبوه وسألوه فأجابهم وعلمهم وأدبهم وحملهم رسائل ~~إلى قومهم وأمرهم بالتبليغ عنه لا يكون مثلهم أحد بالأعمال الفاضلة كالجهاد ~~والحج فكيف يكون بمجرد رؤية ظاهر حجرته مثلهم أو تقاس هذه الزيارة بهذه ~~الزيارة # فقد ثبت بالسنة وإتفاق الأمة أن كلما يفعل من الأعمال الصالحة في المسجد ~~عند ms7786 حجرته من صلاة عليه وسلام وثناء وإكرام وذكر محاسن وفضائل ممكن فعله في ~~سائر الأماكن ويكون لصاحبه من الأجر ما يستحقه كما قال ( لا تتخذوا بيتى ~~عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم ( ولو كان للأعمال عند القبر ~~فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجرة فلما منعوا من الوصول إلى القبر ~~PageV27P236 وأمروا بالعبادة في المسجد علم أن فضيلة العمل فيه لكونه في ~~مسجده كما أن صلاة في مسجده بألف صلاة فيما سواه ولم يأمر قط بأن يقصد بعمل ~~صالح أن يفعل عند قبره # ومنها إفتراؤه على المجيب في مواضع متعددة إفتراء ظاهرا وسبب إفترائه ~~عليه أنه ذكر قول علماء المسلمين ورجح ما قاله مالك وغيره من السلف لكون ~~سنة رسول الله الصحيحة الصريحة توافقهم وهذا يستلزم معاداة الله ورسوله إذا ~~كان من عادى سنته وشريعته ودينه فقد عاداه ومن عادى شخصا لأجل ذلك فإنما ~~عادى الرسول في الحقيقة وإن لم يقصد ذلك فكيف يجوز الكذب والإفتراء مرة بعد ~~مرة وهو كذب ظاهر ولو كان المجيب مخطئا لما جاز ذلك فإن الكذب والإفتراء ~~حرام مطلقا والله أوجب الصدق والعدل لكل أحد على كل أحد في كل حال # فكيف إذا كان ما ذكره المجيب من الأقوال هي أقوال المتبعين للرسول صلى ~~الله عليه وسلم والمعترض القادح فيهم وفيما قالوه الشاتم المكفر لمن آمن ~~بالرسول وأطاعه وإتبعه على نفس ما هو متابعة للرسول وإيمان به قوله هذا ~~المتضمن عداوة الرسول وعداوة ما جاء به وعداوة من إتبعه وإن لم يكن عالما ~~بما تضمنه قوله فقوله مع عدم العلم من جنس أقوال المحادين لله ولرسوله ~~الموالين لأهل PageV27P237 الإفك والشرك المضاهين للنصارى وأمثالهم مع أنهم ~~لا يعلمون أن قولهم يتضمن ذلك لقلة العلم وسوء الفهم والبعد عن أهلية ~~الإجتهاد والإستدلال بالأدلة الشرعية ومعرفة ما قاله أئمة الدين # بل هم في مثل هذه المسألة العظيمة يتكلمون بأنواع من الكلام صاحبها إلى ~~الإستتابة والتعزير والتعليم والتفهيم أحوج منه إلى الرد عليه والمناظرة له ~~كما يوجد في جهال أهل ms7787 البدع من الرافضة والخوارج وغيرهم من يسارع إلى تكفير ~~من إتبع الرسول من السلف لقلة علمه وسوء فهمه لما جاء به الرسول فهم ~~مبتدعون بدعة بجهلهم ويكفرون من خالفهم # وأهل السنة والعلم والإيمان يعرفون الحق ويتبعون سنة الرسول ويرحمون ~~الخلق ويعدلون فيهم ويعذرون من إجتهد في معرفة الحق فعجز عن معرفته وإنما ~~يذمون من ذمه الله ورسوله وهو المفرط في طلب الحق لتركه الواجب والمعتدي ~~المتبع لهواه بلا علم لفعله المحرم فيذمون من ترك الواجب أو فعل المحرم ولا ~~يعاقبونه إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا @QE@ لا سيما في مسائل تنازع فيها العلماء وخفى العلم فيها على ~~اكثر الناس ومن كان لا يتكلم بطريقة أهل PageV27P238 العلم بل جازف في ~~القول بلا علم # فصاحب هذا الكلام لا يصلح للمناظرة إلا كما يناظر جهال العوام المبتدعين ~~المضاهين للمشركين والنصارى فإنهم يجعلون من قال الحق في المخلوق سابا له ~~شاتما وهم يسبون الله ويشتمونه ويؤذونه ولا يخافون من سب الخالق وشتمه ~~وأشرك به ما يخافونه من قول الحق في حق المخلوق كما قال الخليل لهم @QB@ ~~وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ وكما قال تعالى عن المشركين ~~@QB@ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون @QE@ فلا يغضبون من ذكر الرحمن بالباطل كما يغضبون ~~من ذكر آلهتهم بالحق وقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في ~~الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ms7788 ولا الملائكة ~~المقربون @QE@ # وقد ذكر أهل التفسير ( أن النصارى نصارى نجران PageV27P239 لما قدموا على ~~النبى قالوا يا محمد لم تذكر صاحبنا قال ومن صاحبكم قالوا عيسى قال وأى شيء ~~أقول له هو عبد الله قالوا بل هو الله فقال إنه ليس بعار عليه أن يكون عبدا ~~لله فقالوا بلى فأنزل الله هذه الآية ( وفى الصحيحين عن النبى قال ( ما أحد ~~اصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم ) ~~وفى الصحيحين أيضا أنه قال ( يقول الله شتمنى إبن آدم وما ينبغى له ذلك ~~وكذبنى بن آدم وما ينبغى له ذلك فأما شتمه إياى فقوله إنى إتخذت ولدا وأنا ~~الأحد الصمد الذى لم ألد ولم أولد ولم يكن لى كفوا أحد وأما تكذيبه إياى ~~فقوله لن يعيدنى كما بدأنى وليس أول الخلق بأهون على من إعادته ( وكان معاذ ~~بن جبل يقول عن النصارى لا ترحموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد ~~من البشر # فهؤلاء ينتقصون الخالق ويأنفون أن يذكر المخلوق بما يستحقه ويجعلون ذلك ~~تنقيصا له وإنما هو إعطاؤه حقه وخفض له عن درجة الإلهية التى لا يستحقها ~~إلا الله وهذه حال من أشبههم من بعض الوجوه # ومنها ظنه أن كل ما كان قربة جاز التوسل إليه بكل وسيلة PageV27P240 وهذا ~~من أظهر الخطأ # ومنها ظنه أن القول بتحريم السفر لم يقل به أحد من أهل العلم بل إنما ~~نقله المجيب إن صح نقله عمن لا يعتمد عليه ولا يعتد بخلافه وهو نص مالك ~~الصريح في خصوص قبر الرسول ومذهب جمهور أصحابه وجمهور السلف والعلماء # ومنها زعمه أن الذين حكى المجيب قولهم وهم الغزالى وبن عبدوس وأبو محمد ~~المقدسى لا يعتد بخلاف من سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم ومثل هذا الكلام ~~لا يقال في أحد من الأئمة الكبار بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك ~~إلا صاحب الشرع فكيف يسوغ أن يقال في مثل هؤلاء # ومنها أنه لما أراد أن يثبت أن ms7789 النبى يسمع من القرب ويبلغ الصلاة والسلام ~~من البعد لم يذكر ما في ذلك من الأحاديث الحسان التى في السنن بل إنما ~~إعتمد على حديث موضوع ( من صلى على عند قبرى سمعته ومن صلى على نائيا بلغته ~~( وهذا إنما يرويه محمد بن مروان السدى عن الأعمش وهو كذاب بالإتفاق وهذا ~~الحديث موضوع على الأعمش بإجماعهم # ثم قد غير لفظه ففى النسخة التى رأيتها مصححا ( ومن PageV27P241 صلى على ~~نائيا سمعته ( وإنما لفظه ( بلغته ( وهكذا ذكره القاضي عياض عن مسند بن أبى ~~شيبة وهو نقل منه ومن يحتج بمثل هذا الحديث الموضوع ويعرض عن أحاديث أهل ~~السنن الحسان فهو من أبعد الناس عن أهل العلم والعرفان وإذا كان قد حرف ~~لفظه فهو ظلمات بعضها فوق بعض من جنس فعل الملاحدة في قوله ( أول ما خلق ~~الله العقل قال له أقبل فأقبل ( الحديث فهو كذب موضوع ومع هذا فحرفوا لفظه ~~فقالوا أول بالضم ولفظه ( أول ما خلق ( بالنصب على الظرف كما روى ( لما خلق ~~( # ومنها أنه إحتج بإجماع السلف والخلف على زيارة قبره وظن أن الجواب يتضمن ~~النهى عما أجمع عليه وقد صرح في الجواب بأن السفر إلى مسجده طاعة مجمع ~~عليها وكذلك ما تضمنه مما يسمى بزيارة لقبره من الأمور المستحبة مثل الصلاة ~~عليه والسلام عليه والدعاء له بالوسيلة وغيرها والشهادة له والثناء عليه ~~بما فضله الله به ومحبته وموالاته وتعزيره وتوقيره وغير ذلك مما قد يدخل في ~~مسمى الزيارة فهذا كله مستحب والمجيب يصرح بإستحباب ذلك وقد تنازع العلماء ~~هل يسمى هذا زيارة وذكر تنازع العلماء فيما تنازعوا فيه من ذلك وإجماعهم ~~على ما أجمعوا عليه فذكر جواز ما ثبت بالنص والإجماع من السفر إلى مسجده ~~وزيارة قبره وذكر بعض ما PageV27P242 تنوزع فيه من ذلك وهذا ظن أن السفر ~~إلى زيارة نبينا كالسفر إلى غيره من الأنبياء والصالحين وهو غلط من وجوه # ( أحدها ( أن مسجده عند قبره والسفر إليه مشروع بالنص والإجماع بخلاف ~~غيره # ( والثاني ( أن زيارته كما يزار غيره ممتنعة ms7790 وإنما يصل الإنسان إلى مسجده ~~وفيه يفعل ما شرع له # الثالث ( أنه لو كان قبر نبينا يزار كما تزار القبور لكان أهل مدينتة أحق ~~الناس بذلك كما أن أهل كل مدينة أحق بزيارة من عندهم من الصالحين فلما اتفق ~~السلف وأئمة الدين على أن أهل مدينتة لا يزورون قبره بل ولا يقفون عندة ~~للسلام اذا دخلوا المسجد وخرجوا وان لم يسمى هذا زيارة بل يكره لهم ذلك عند ~~غير السفر كما ذكر ذلك مالك وبين أن ذلك من البدع التى لم يكن صدر هذة ~~الأمة يفعلونه علم أن من جعل زيارة قبرة مشروعة كزيارة قبر غيره فقد خالف ~~اجماع المسلمين # ( الرابع ( أنه قد نهى أن يتخذ قبرة عيدا وأمر الأمة أن تصلى عليه وتسلم ~~حيث ما كانت وأخبر أن ذلك يبلغه فلم يكن تخصيص البقعة بالدعاء له مشروعا بل ~~يدعى له في جميع الآماكن وعند كل PageV27P243 أذان وفى كل صلاة وعند دخول ~~كل مسجد والخروج منه بخلاف غيره وهذا لعلو قدرة وارتفاع درجته فقد خصه الله ~~من الفضيلة بما لم يشركه فيه غيره لئلا يجعل قبرة مثل سائر القبور بل يفرق ~~بينهما من وجوه متعددة ويبين فضله على غيره وما من الله به على أمتة # ومنها أنه قال لم يلزم من دعواه بأن ذلك مجمع على تحريمه أن يكون السادة ~~الصحابة مع التابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين للاجماع خارقين مصرين ~~على تقرير الحرام مرتكبين بأنفسهم وفتاويهم ما لا يجوز عليه الاقدام مجمعين ~~على الضلالة سالكين طريق العماية والجهالة # وفي هذا الكلام من الجهل بالشريعة وما أجمع عليه المسلمون والتسوية بين ~~عبادة الرحمن التى أجمع عليها أهل الايمان وبين عبادة الآوثان التى أجمعوا ~~على تحريمها وغير ذلك مما يبين اشتمال هذا الكلام على أنواع من مخالفة دين ~~الاسلام ولو كان صاحبه ممن يفهم ما قال ولوازمه لكان مرتدا يجب قتله لكنه ~~جاهل قد يتكلم بما لا يتصوره ويتصور لوازمه # فيقال له ولأمثاله ممن ظن أن في الجواب ما يخالف الاجماع ms7791 PageV27P244 ~~الذى أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا قرنا بعد قرن هو السفر إلى مسجده صلى ~~الله عليه وسلم والصلاة والسلام عليه فيه ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله من ~~الأعمال المتضمنة لعبادة الله وحده والقيام بحق رسوله من أفضل العبادات لله ~~كشهادتنا له وثنائنا عليه وصلاتنا وسلامنا عليه من أفضل ما عبدنا الله به ~~وهذا ونحوه هو المشروع في مسجده سواء سمى زيارة لقبره أو لم يسم # فإن لفظ الزيارة لقبره وإستحباب ذلك لا يعرف عن أحد من الصحابة بل ~~المنقول عن بن عمر ومن وافقه السلام عليه هناك والصلاة وهم لا يسمون هذا ~~زيارة لقبره فكيف بالذين لم يكونوا يقفون عند القبر بحال وهم جمهور الصحابة # وأما ما إبتدعه بعض الناس من الشرك والبدع وسمى ذلك ( زيارة لقبره ( فهو ~~من جنس الزيارة البدعية التى تفعل عند قبر غيره ليس هو من الزيارة الشرعية # وأما ما يدخل في الأعمال الشرعية فهذا هو المستحب بسنته الثابتة عنه ~~وبإجماع أمته ثم من أئمة العلم من لا يسمى هذا زيارة لقبره ( بل يكره هذه ~~التسمية فضلا عن أن يقول إن ذلك سفر إلى قبره وقد صرح من قال ذلك مثل مالك ~~وغيره بأن المسافر إلى هناك إذا PageV27P245 كان مقصوده القبر أنه سفر منهى ~~عنه داخل في قوله ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ( وأن السفر الذى هو ~~طاعة وقربة أن يقصد السفر لأجل الصلاة في المسجد وأنه لو نذر أن يسافر إلى ~~المدينة لغير الصلاة في المسجد فإنه ينهى عن الوفاء بنذره لأنه نذر معصية # فإذا كان هذا من قولهم معروفا في الكتب الصغار والكبار فكيف يظن أن السفر ~~لمجرد زيارة القبور هو مجمع عليه بين الأئمة وطائفة أخرى من العلماء يسمون ~~هذا زيارة لقبره ويقولون تستحب زيارة قبره أو السفر لزيارة قبره ومقصودهم ~~بالزيارة هو مقصود الأولين وهو السفر إلى مسجده وأن يفعل في مسجده ما يشرع ~~من الصلاة والسلام عليه والدعاء له والثناء عليه وهذا عندهم يسمى زيارة ~~لقبره مع إتفاق ms7792 الجميع على أن أحدا لا يزور قبره الزيارة المعروفة في سائر ~~القبور فإن تلك قبور بارزة يوصل إليها ويقعد عندها أو يقام عندها ويمكن أن ~~يفعل عندها ما يشرع كالدعاء للميت والإستغفار له وما ينهى عنه كدعائه ~~والشرك به والنياحة عند قبره والندب فهذا هو المفهوم من ( زيارة القبور ( # والرسول دفن في بيته في حجرته ومنع الناس من الدخول إلى هناك والوصول إلى ~~قبره فلا يقدر أحد أن يزور قبره كما يزور قبر غيره لا زيارة شرعية ولا ~~بدعية بل إنما يصل جميع الخلق PageV27P246 إلى مسجده وفيه يفعلون ما يشرع ~~لهم أو ما يكره لهم والسفر إلى مسجده لما شرع سفر طاعة وقربة بالإجماع وهو ~~الذى أجمع عليه المسلمون # والمجيب قد ذكر إستحباب هذا السفر وأنه يستحب بالنص والإجماع في مواضع ~~كثيرة وقد ذكر ذلك في هذا الجواب وبين ما ثبت بالنص والإجماع من السفر إلى ~~مسجده وزيارته الشرعية وبين مالم يشرع من السفر إلى زيارة قبر غيره مما في ~~قبور الأنبياء والصالحين فإن السفر إلى هناك ليس هو سفر إلى مسجد شرع السفر ~~إليه بل المساجد التى هناك إن كانت مما يشرع بناؤه والصلاة فيه كجوامع ~~المسلمين التى في الأمصار فهذه ليس السفر إليها قربة ولا طاعة لا عند ~~الأئمة الأربعة ولا عامة أئمة المسلمين والسفر إليها داخل في قوله ( لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ( بإتفاق الناس فإن هذا إستثناء مفرغ والتقدير ~~فيه أحد أمرين # إما أن يقال ( لا تشد الرحال ( إلى مسجد ( إلا المساجد الثلاثة ( فيكون ~~نهيا عنها باللفظ ونهيا عن سائر البقاع التى يعتقد فضيلتها بالتنبيه ~~والفحوى وطريق الأولى فإن المساجد والعبادة فيها أحب إلى الله من العبادة ~~في تلك البقاع بالنص والإجماع فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى ~~عنه فالسفر إلى المفضولة PageV27P247 أولى وأحرى # وكذلك من جعل معنى الحديث لا يستحب السفر إلا إلى الثلاثة إن جعل معناه ~~لا يجب إلا إلى الثلاثة وأراد به الوجوب بالنذر كما ذكر ذلك طائفة فهؤلاء ms7793 ~~يقولون ما سوى الثلاثة لا يستحب السفر إليه ولا يجب بالنذر ومن حمل معنى ~~الحديث على نفى الإستحباب أو نفى الوجوب بالنذر فقولهما واحد في المعنى ~~فإذا لم يجب بالنذر إلا هذه الثلاثة فقد وجب بالنذر السفر إلى المسجدين ~~وليس واجبا بالشرع فعلم أن وجوبه لكونه مستحبا بالشرع فإذا لم يوجب إلا ~~هذان مما ليس واجبا بالشرع علم أنه ليس مستحبا إلا هذان وقد بسط هذا في ~~موضع آخر # وإما أن يقال التقدير لا تسافروا إلى بقعة ومكان غير الثلاثة أو يكون ~~المعنى لا يستحب إلى مكان غير الثلاثة وهو معنى كل من قال لا يجب بالنذر ~~إلى غير الثلاثة أى لا تسافروا لقصد ذلك المكان والبقعة بعينه بحيث يكون ~~المقصود والعبادة في نفس تلك البقعة كالسفر إلى المساجد الثلاثة بخلاف ~~السفر إلى الثغور فإن المقصود السفر إلى مكان الرباط # و ( الثغر ( قد يكون مكانا ثم يفتح المسلمون ما جاورهم فينتقل ~~PageV27P248 الثغر إلى حد بلاد المسلمين ولهذا يكون المكان تارة ثغرا وتارة ~~ليس بثغر كما يكون تارة دار إسلام وبر وتارة دار كفر وفسق كما كانت مكة دار ~~كفر وحرب وكانت المدينة دار إيمان وهجرة ومكانا للرباط فلما فتحت مكة صارت ~~دار إسلام ولم تبق المدينة دار هجرة ورباط كما كانت قبل فتح مكة بل قد قال ~~( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا إستنفرتم فإنفروا ( وصارت الثغور ~~أطراف ارض الحجاز المجاورة لأرض الحرب أرض الشام وأرض العراق ثم لما فتح ~~المسلمون الشام والعراق صارت الثغور بالشام سواحل البحر كعسقلان وعكة وما ~~جاور ذلك وبالعراق عبادان ونحوها ولهذا يكثر ذكر ( عسقلان ( و ( عبادان ( ~~في كلام المتقدمين لكونهما كانا ثغرين وكانت أيضا ( طرطوس ( ثغرا لما كانت ~~للمسلمين ولما أخذها الكفار صار الثغر ما يجاور أرض العدو من البلاد ~~الحلبية # فالمسافر إلى الثغور أو طلب العلم أو التجارة أو زيارة قريبه ليس مقصوده ~~مكانا معينا إلا بالعرض إذا عرف أن مقصوده فيه ولو كان مقصوده في غيره لذهب ~~إليه فالسفر إلى ms7794 مثل هذا لم يدخل في الحديث بإتفاق العلماء وإنما دخل فيه ~~من يسافر لمكان معين لفضيلة ذلك بعينه كالذى يسافر إلى المساجد وآثار ~~الأنبياء كالطور الذى كلم الله عليه PageV27P249 موسى وغار حراء الذى نزل ~~فيه الوحى إبتداء على الرسول وغار ثور المذكور في القرآن في قوله @QB@ إذ ~~هما في الغار @QE@ وما هو دون ذلك من المغارات والجبال كالسفر إلى جبل ~~لبنان ومغارة الدم ونحو ذلك فإن كثيرا من الناس يسافر إلى ما يعتقد فضله من ~~الجبال والغيران فإذا كان الطور الذى كلم الله عليه موسى وسماه البقعة ~~المباركة والوادي المقدس لا يستحب السفر إليه فغير ذلك من الجبال أولى أن ~~لا يسافر إليه وقولى بالإجماع أعنى به إجماع السلف والأئمة فإن الصحابة ~~كإبن عمر وأبى سعيد وأبى بصرة وغيرهم فهموا من قول النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ( إن الطور الذى كلم الله عليه ~~موسى وسماه ( الوادى المقدس ( و ( البقعة المباركة ( داخل في النهى ونهوا ~~الناس عن السفر إليه ولم يخصوا النهى بالمساجد ولهذا لم يوجب أحد ذلك ~~بالنذر وما علمت في هذا نزاعا قديما ولا رأيت أحدا صرح بخلاف ذلك إلا بن ~~حزم الظاهرى فإنه يحرم السفر إلى مسجد غير الثلاثة إذا نذره كقول الجمهور ~~وإذا نذر السفر إلى أثر من آثار الأنبياء أوجب الوفاء به لأنه لا يقول ~~بفحوى الخطاب وتنبيهه وهذا هو إحدى الروايتين عن داود فلا يجعل قوله @QB@ ~~فلا تقل لهما أف @QE@ دليلا على النهى عن السب والشتم PageV27P250 والضرب ~~ولا نهيه عن أن يبال في الماء الدائم ثم يغتسل فيه نهيا عن صب البول ثم ~~الإغتسال فيه وجمهور العلماء يرون أن مثل هذا من نقص العقل والفهم وأنه من ~~( باب السفسطة ( في جحد مراد المتكلم كما هو مبسوط في موضع آخر # وإذا كان غار حراء الذى كان أهل مكة يصعدون إليه للتعبد فيه ويقال إن عبد ~~المطلب سن لهم ذلك وكان النبى قبل النبوة يتحنث فيه وفيه نزل عليه الوحى ms7795 ~~أولا لكن من حين نزل الوحى عليه ما صعد إليه بعد ذلك ولا قربة لا هو ولا ~~أصحابه وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه وكذلك ~~المؤمنون معه بمكة وبعد الهجرة أتى مكة مرارا في عمرة الحديبية وعام الفتح ~~وأقام بها قريبا من عشرين يوما وفى عمرة الجعرانة ولم يأت غار حراء ولا ~~زاره فإذا كان هذا الغار لا يسافر إليه ولا يزار فغيره من المغارات كمغارة ~~الدم ونحوها أولى أن لا تزار فإن العبادات بعد مبعث الرسول كالصلاة والذكر ~~والدعاء مشروعة في كل مكان جعلت الأرض كلها له ولأمته مسجدا وطهورا ( # والأماكن المفضلة هي المساجد وهى أحب البقاع إلى الله كما ثبت ذلك في ~~الصحيح عن النبى وفيها الإعتكاف PageV27P251 فلا يكون الإعتكاف إلا في ~~المساجد بإتفاق العلماء كما قال تعالى @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد @QE@ لا يكون الإعتكاف لا بخلوة ولا غير خلوة لا في غار ولا عند ~~قبر ولا غير ذلك مما يقصد الضالون السفر إليه والعكوف عنده كعكوف المشركين ~~على أوثانهم قال الخليل @QB@ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ~~إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون @QE@ وبسط هذا له موضع آخر # وقد صح عن سعيد بن المسيب أنه قال من نذر أن يعتكف في مسجد إيليا فاعتكف ~~في مسجد النبى بالمدينة أجزأ عنه ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف ~~في المسجد الحرام أجزأ عنه ومن نذر أن يعتكف على رؤوس الجبال فإنه لا ينبغى ~~له ذلك ليعتكف في مسجد جماعة وهذا الذى نهى عنه سعيد متفق عليه عند عامة ~~العلماء وإن قدر أن الرجل لا يسمى ذلك إعتكافا فمن فعل ما يفعل المعتكف في ~~المسجد فهو معتكف في غير المسجد وذلك منهى عنه بالإتفاق وبسط هذا له موضع ms7796 ~~آخر # والمقصود هنا أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة من قبر وأثر PageV27P252 ~~نبى ومسجد وغير ذلك ليس بواجب ولا مستحب بالنص والإجماع والسفر إلى مسجد ~~نبينا مستحب بالنص والإجماع وهو مراد العلماء الذين قالوا تستحب زيارة قبره ~~بالإجماع فهذا هو الذى أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من المجتهدين ~~ولله الحمد والمجيب قد ذكر استحباب هذا بالنص والإجماع فكلام المجيب يبين ~~أنه متبع للصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين وأنهم منزهون ~~عن تقرير الحرام أو خرق الإجماع منزهون أن يجمعوا على ضلالة أو يسلكوا طريق ~~العماية والجهالة # وهذا المعترض وأشباهه من الجهال سووا بين هذا السفر الذى ثبت إستحبابه ~~بنص الرسول وإجماع أمته وبين السفر الذى ثبت أنه ليس مستحبا بنص الرسول ~~وإجماع أمته وقاسوا هذا بهذا والمجيب إنما ذكر القولين في النوع الثانى في ~~الذى لا يسافر إلا لقصد زيارة قبور الأنبياء والصالحين وذكر أن الذى يسافر ~~إلى مسجد الرسول وزيارته الشرعية يستحب السفر إليه بالنص والإجماع فحكوا عن ~~المجيب أنه ينهى عن زيارة قبر الرسول والسفر إليه ويحرم ذلك ويحرم قصر ~~الصلاة فيه بحيث جعلوه ينهى عما يفعله الحجاج من السفر إلى مسجده وأن من ~~سافر إلى هناك لا يقصر الصلاة وهذا كله إفتراء وبهتان PageV27P253 وذلك # أنه لا حجة لهم على السفر إلى سائر قبور الانبياء الا السفر إلى نبينا ~~فلما كان السفر إلى ذلك المكان مشروعا في الجملة قاسوا عليه السفر إلى سائر ~~القبور فضلوا وأضلوا وخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين وضلوا ~~من وجوه كثيرة # منها أنه ليس في الأرض قبر نبى معلوم بالتواتر والإجماع إلا قبر نبينا ~~وما سواه ففيه نزاع # ومنها ان الذين إستحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا مرادهم السفر إلى ~~مسجده وهذا مشروع بالإجماع ولو قصد المسافر إليه فهو إنما يصل إلى المسجد ~~والمسجد منتهى سفره لا يصل إلى القبر بخلاف غيره فإنه يصل إلى القبر إلا أن ~~يكون متوغلا في الجهل والضلال فيظن أن مسجده إنما شرع السفر إليه ms7797 لأجل ~~القبر وأنه لذلك كانت الصلاة فيه بألف صلاة وأنه لولا القبر لم يكن له ~~فضيلة على غيره أو يظن أن المسجد بنى أو جعل تبعا للقبر كما تبنى المساجد ~~على قبور الأنبياء والصالحين ويظن أن الصلاة في المسجد تبع والمقصود هو ~~القبر كما يظن المسافرون إلى قبور الأنبياء والصالحين غير قبر نبينا وكما ~~أن الذى يذهب إلى الجمعة يصلى إذا دخل تحية المسجد ركعتين ولكن هو إنما جاء ~~لأجل الجمعة لا لأجل ركعتى التحية فمن ظن هذا في مسجد نبينا فهو من أضل ~~الناس وأجهلهم بدين PageV27P254 الإسلام وأجهلهم بأحوال الرسول واصحابه ~~وسيرته وأقواله وأفعاله وهذا محتاج إلى أن يتعلم ما جهله من دين الإسلام ~~حتى يدخل في الإسلام ولا يأخذ بعض الإسلام ويترك بعضه فإن مسجده أسس على ~~التقوى في السنة الأولى من الهجرة وهو أفضل مسجد على وجه الأرض إلا المسجد ~~الحرام وقيل هو أفضل مطلقا # فهل يقول عاقل أن مساجد المسلمين مساجد الجوامع التى يصلى فيها الجمعة ~~وغيرها فضيلتها وإستحباب قصدها للصلاة فيها لأجل قبر عندها فإذا لم يجز أن ~~يقال هذا في مثل هذه المساجد فكيف يقال فيما هو خير منها كلها وأفضل # و ( المسجد ( الحرام أفضل المساجد مطلقا عند الجمهور والصلاة فيه بمائة ~~ألف صلاة كما في المسند والسنن فهل يقول عاقل إن فضيلته لقبر هناك # و ( المسجد الأقصى ( أفضل من المساجد بعد المسجد النبوى وببيت المقدس من ~~قبور الأنبياء مالا يحصيه إلا الله فهل يقول عاقل إن فضيلته لأجل القبور ~~نعم هذا إعتقاد النصارى يعتقدون أن فضيلة بيت المقدس لأجل ( الكنيسة ( التى ~~يقال أنها بنيت على قبر المصلوب ويفضلونها على بيت المقدس وهؤلاء من أضل ~~الناس وأجهلهم PageV27P255 وهذا يضاهى ما كان المشركون عليه في المسجد ~~الحرام لما كانت فيه الأوثان وكانوا يقصدونه لأجل تلك الأوثان التى فيه لم ~~يكونوا يصلون فيه بل كما قال تعالى @QB@ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء ~~وتصدية @QE@ لكن كانوا يعظمون نفس البيت ويطوفون به كما كانوا يحجون كل ms7798 عام ~~مع ما كانوا غيروه من شريعة إبراهيم حتى بعث الله محمدا بالهدى ودين الحق ~~وأمره بإتباع ملة إبراهيم فأظهرها ودعا إليها وأقام الحج على ما شرعه الله ~~لإبراهيم ونفى الشرك عن البيت وأنزل الله تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار ~~هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ # فبين أن عمار المساجد هم الذين لا يخشون إلا الله ومن لم يخش إلا الله ~~فلا يرجو ويتوكل إلا عليه فإن الرجاء والخوف متلازمان # والذين يحجون إلى القبور يدعون أهلها ويتضرعون لهم ويعبدونهم ويخشون غير ~~الله ويرجون غير الله كالمشركين الذين يخشون آلهتهم ويرجونها ولهذا لما ~~قالوا لهود عليه السلام @QB@ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني ~~أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ~~إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم @QE@ PageV27P256 ولما حاجوا إبراهيم عليه السلام قال لهم @QB@ ~~أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ~~ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ ولما ~~خوفوا محمدا عليه الصلاة والسلام بمن دون الله قال الله تعالى @QB@ أليس ~~الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن ~~يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ms7799 حسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ~~فلا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين @QE@ ~~PageV27P257 ### ||| فصل # و ( المسجد الأقصى ( صلت فيه الأنبياء من عهد الخليل كما في الصحيحين عن ~~أبى ذر قال قلت يا رسول الله أى مسجد وضع أولا قال ( المسجد الحرام ( قلت ~~ثم أى قال ( المسجد الأقصى ( قلت كم بينهما قال ( أربعون سنة ثم حيث ما ~~أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد ( وصلى فيه من أولياء الله مالا يحصيه إلا ~~الله وسليمان بناه هذا البناء وسأل ربه ثلاثا سأله ملكا لا ينبغى لأحد من ~~بعده وسأله حكما يوافق حكمه وسأله أنه لا يؤم هذا المسجد أحد لا يريد إلا ~~الصلاة فيه إلا غفر له # ولهذا كان بن عمر يأتى من الحجاز فيدخل فيصلى فيه ثم يخرج ولا يشرب فيه ~~ماء لتصيبه دعوة سليمان وكان الصحابة ثم التابعون يأتون ولا يقصدون شيئا ~~مما حوله من البقاع ولا يسافرون إلى قرية الخليل ولا غيرها # وكذلك ( مسجد نبينا ( بناه أفضل الأنبياء ومعه المهاجرون PageV27P258 ~~والأنصار وهو أول مسجد أذن فيه في الإسلام وفيه كان الرسول يصلى بالمسلمين ~~الجمعة والجماعة ويعلمهم الكتاب والحكمة وفيه كان يأمرهم بما يأمرهم به من ~~المغازى وغير المغازى وفيه سنت السنة والإسلام منه خرج وكانت الصلاة فيه ~~بألف والسفر إليه مشروعا في حياة النبى وليس عنده قبر لا قبره ولا قبر غيره ~~ثم لما دفن الرسول دفن في حجرته وبيته لم يدفن في المسجد # والفرق بين البيت والمسجد مما يعرفه كل مسلم فإن المسجد يعتكف فيه والبيت ~~لا يعتكف فيه وكان إذا إعتكف يخرج من بيته إلى المسجد ولا يدخل البيت إلا ~~لحاجة الإنسان والمسجد لا يمكث فيه جنب ولا حائض وبيته كانت عائشة تمكث فيه ~~وهى حائض وكذلك كل بيت مرسوم تمكث فيه المرأة وهى حائض وكانت تصيبه فيه ~~الجنابة فيمكث فيه جنبا حتى يغتسل وفيه ثيابه وطعامه وسكنه وراحته كما جعل ~~الله البيوت # وقد ذكر الله ( بيوت النبى ( في ms7800 كتابه وأضافها تارة إلى الرسول وتارة إلى ~~أزواجه وليس لتلك البيوت حرمة المسجد وفضيلته وفضيلة الصلاة فيه ولا تشد ~~الرحال إليها ولا الصلاة في شيء منها بألف صلاة ومعلوم أنه في حال ~~PageV27P259 حياته كان هو وأصحابه أفضل ممن جاء بعدهم وعبادتهم أفضل من ~~عبادة من جاء بعدهم وهم لما ماتوا لم تكن قبورهم أفضل من بيوتهم التى كانوا ~~يسكنونها في حال الحياة ولا أبدانهم بعد الموت أكثر عبادة لله وطاعة مما ~~كانت في حال الحياة # والله تعالى قد أخبر أنه جعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا تكفت الناس أحياء ~~على ظهرها وأمواتا في بطنها وليس كفتهم أمواتا بأفضل من كفتهم أحياء ولهذا ~~تستحب زيارة أهل البقيع وأحد وغيرهم من المؤمنين فيدعى لهم ويستغفر لهم ولا ~~يستحب أن تقصد قبورهم لما تقصد له المساجد من الصلاة والإعتكاف ونحو ذلك ~~وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أحب البقاع إلى ~~الله المساجد ( فليس في البقاع أفضل منها وليست مساكن الأنبياء لا أحياء ~~ولا أمواتا بأفضل من المساجد هذا هو الثابت بنص الرسول وإتفاق علماء أمته # وما ذكره بعضهم من أن قبور الأنبياء والصالحين أفضل من المساجد وأن ~~الدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد حتى في المسجد الحرام والمسجد ~~النبوى فقول يعلم بطلانه بالإضطرار من دين الرسول ويعلم إجماع علماء الأمة ~~على بطلانه إجماعا ضروريا كإجماعهم على ان الإعتكاف في المساجد أفضل منه ~~عند القبور والمقصود PageV27P260 بالإعتكاف العبادة والصلاة والقراءة ~~والذكر والدعاء # وما ذكره بعضهم من الإجماع على تفضيل قبر من القبور على المساجد كلها ~~فقول محدث في الإسلام لم يعرف عن أحد من السلف ولكن ذكره بعض المتأخرين ~~فأخذه عنه آخر وظنه إجماعا لكون أجساد الأنبياء أنفسها أفضل من المساجد ~~فقولهم يعم المؤمنين كلهم فأبدانهم أفضل من كل تراب في الأرض ولا يلزم من ~~كون أبدانهم أفضل أن تكون مساكنهم أحياء وأمواتا أفضل بل قد علم بالإضطرار ~~من دينهم أن مساجدهم أفضل من مساكنهم # وقد يحتج بعضهم ms7801 بما روى من ( أن كل مولود يذر عليه من تراب حفرته ( فيكون ~~قد خلق من تراب قبره وهذا الإحتجاج باطل لوجهين ( # ( أحدهما ( أن هذا لا يثبت وما روى فيه كله ضعيف والجنين في بطن أمه يعلم ~~قطعا أنه لم يذر عليه تراب ولكن آدم نفسه هو الذى خلق من تراب ثم خلقت ~~ذريته من سلالة من ماء مهين ومعلوم أن ذلك التراب لا يتميز بعضه لشخص وبعضه ~~لشخص آخر فإنه إذا إستحال وصار بدنا حيا لما نفخ في آدم الروح فلم يبق ~~ترابا وبسط هذا له موضع آخر PageV27P261 # والمقصود هنا التنبيه على مثل هذه الإجماعات التى يذكرها بعض الناس ~~ويبنون عليها ما يخالف دين المسلمين الكتاب والسنة والإجماع # الوجه الثانى ] أنه لو ثبت أن الميت خلق من ذلك التراب فمعلوم أن خلق ~~الإنسان من منى أبويه أقرب من خلقه من التراب ومع هذا فالله يخرج الحى من ~~الميت ويخرج الميت من الحى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن فيخلق ~~من الشخص الكافر مؤمنا نبيا وغير نبى كما خلق الخليل من آزر وإبراهيم خير ~~البرية هو أفضل الأنبياء بعد محمد وآزر من أهل النار كما في الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة فيقول إبراهيم ألم أقل ~~لك لا تعصنى فيقول له فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يارب ألم تعدنى أن لا ~~تخزيني وأى خزى أخزى من أبى الأبعد فيقال له التفت فيلتفت فإذا هو بذيخ ~~عظيم والذيخ ذكر الضباع فيمسخ آزر في تلك الصورة ويؤخذ بقوائمه فيلقى في ~~النار فلا يعرف أنه أبو إبراهيم وكما خلق نبينا صلى الله عليه وسلم من ~~أبويه وقد نهى عن الإستغفار لأمه وفى الصحيح أن رجلا قال له أين أبى قال ( ~~إن أباك في النار ( فلما أدبر دعاه فقال ( إن أبى وأباك في النار ( وقد ~~أخرج من نوح وهو PageV27P262 رسول كريم إبنه الكافر الذى حق عليه القول ~~وأغرقه ونهى نوحا عن الشفاعة فيه والمهاجرون والأنصار مخلوقون من آبائهم ~~وأمهاتهم ms7802 الكفار # فإذا كانت المادة القريبة التى يخلق منها الأنبياء والصالحون لا يجب أن ~~تكون مساوية لأبدانهم في الفضيلة لأن الله يخرج الحى من الميت فأخرج البدن ~~المؤمن من منى كافر فالمادة البعيدة وهى التراب أولى أن لا تساوى أبدان ~~الأنبياء والصالحين وهذه الأبدان عبدت الله وجاهدت فيه ومستقرها الجنة وأما ~~المواد التى خلقت منها هذه الأبدان فما إستحال منها وصار هو البدن فحكمه ~~حكم البدن وأما ما فضل منها فذاك بمنزلة أمثاله # ومن هنا غلط من لم يميز بين ما إستحال من المواد فصار بدنا وبين مالم ~~يستحل بل بقى ترابا أو ميتا فتراب القبور إذا قدر أن الميت خلق من ذلك ~~التراب فإستحال منه وصار بدن الميت فهو بدنه وفضله معلوم وأما ما بقى في ~~القبر فحكمه حكم أمثاله بل تراب كان يلاقى جباهم عند السجود وهو أقرب ما ~~يكون العبد من ربه المعبود أفضل من تراب القبور واللحود وبسط هذا له موضع ~~آخر PageV27P263 # والمقصود هنا أن مسجد الرسول وغيره من المساجد فضيلتها بكونها بيوت الله ~~التى بنيت لعبادته قال تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر @QE@ إلى قوله @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين @QE@ وقال تعالى @QB@ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم ~~الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب @QE@ # والمساجد الثلاثة لها فضل على ما سواها فإنها بناها انبياء ودعوا الناس ~~إلى السفر إليها فالخليل دعا إلى المسجد الحرام وسليمان دعا إلى بيت المقدس ~~ونبينا دعا إلى الثلاثة إلى مسجده والمسجدين ms7803 ولكن جعل السفر إلى المسجد ~~الحرام فرضا والآخرين تطوعا وإبراهيم وسليمان لم يوجبا شيئا ولا اوجب ~~الخليل الحج ولهذا لم يكن بنوا إسرائيل يحجون ولكن حج موسى ويونس وغيرهما ~~ولهذا لم يكن PageV27P264 الحج واجبا في أول الإسلام وإنما وجب في سورة آل ~~عمران بقوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ هذا هو الذى اتفق ~~عليه المسلمون أنه يفيد إيجابه وأما قوله @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله ~~@QE@ فقيل أنه يفيد إيجابهما إبتداء وإتمامهما بعد الشروع وقيل إنما يفيد ~~وجوب إتمامهما بعد الشروع لا إيجابهما إبتداء وهذا هو الصحيح فإن هذه الآية ~~نزلت عام الحديبية بإجماع الناس بعد شروع النبى في العمرة عمرة الحديبية ~~لما صده المشركون وأبيح فيها التحلل للمحصر فحل النبى وأصحابه لما صدهم ~~المشركون ورجعوا والحج والعمرة يجب على الشارع فيهما إتمامهما بإتفاق ~~الأئمة وتنازعوا في الصيام والصلاة والإعتكاف على قولين مشهورين ومذهب ~~الشافعى وأحمد في المشهور عنه أنه لا يجب الإتمام ومذهب مالك وابى حنيفة ~~أنه يجب كما هو مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود ان مسجد الرسول فضيلة السفر إليه لأجل العبادة فيه والصلاة فيه ~~بألف صلاة وليس شيء من ذلك لأجل القبر بإجماع المسلمين وهذا من الفروق بين ~~مسجد الرسول وغيره وبين قبره وغيره فقد ظهر الفرق من وجوه PageV27P265 وهذا ~~المعترض وأمثاله جعلوا السفر إلى قبور الأنبياء نوعا ثم لما رأوا ما ذكره ~~العلماء من إستحباب زيارة قبر نبينا ظنوا أن سائر القبور يسافر إليها كما ~~يسافر إليه فضلوا من وجوه # ( أحدها ( أن السفر إليه إنما هو سفر إلى مسجده وهو مستحب بالنص والإجماع # ( الثانى ( أن هذا السفر هو للمسجد في حياة الرسول وبعد دفنه وقبل دخول ~~الحجرة وبعد دخول الحجرة فيه فهو سفر إلى المساجد سواء كان القبر هناك أو ~~لم يكن فلا يجوز أن يشبه به السفر إلى قبر مجرد # ( الثالث ( أن من العلماء من يكره أن يسمى هذا زيارة لقبره والذين لم ~~يكرهوه يسلمون لأولئك الحكم وإنما النزاع في الأسم وأما غيره فهو زيارة ms7804 ~~لقبره بلا نزاع فللمانع أن يقول لا أسلم أنه يمكن أن يسافر إلى زيارة قبره ~~أصلا وكلما سمى زيارة قبر فإنه لا يسافر إليه والسفر إلى مسجد نبينا ليس ~~سفرا إلى زيارة قبره بل هو سفر لعبادة في مسجده # الرابع أن هذا السفر مستحب بالنص والإجماع والسفر إلى قبور سائر الأنبياء ~~والصالحين ليس مستحبا لابنص ولا إجماع بل PageV27P266 هو منهى عنه عند ~~الأئمة الكبار كما دل عليه النص ( الخامس ( أن المسجد الذى عند قبره مسجده ~~الذى اسس على التقوى وهو افضل المساجد غير المسجد الحرام والصلاة فيه بألف ~~صلاة والمساجد التى على قبور الأنبياء والصالحين نهى عن إتخاذها مساجد ~~والصلاة فيها كما تقدم فكيف عن السفر إليها # ( السادس ( أن السفر إلى مسجده الذى يسمى السفر لزيارة قبره هو ما أجمع ~~عليه المسلمون جيلا بعد جيل واما السفر إلى سائر القبور فلا يعرف عن أحد من ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان بل ولا عن إتباع التابعين ولا إستحبه أحد من ~~الأئمة الأربعة ولا غيرهم فكيف يقاس هذا بهذا وما زال المسلمون من عهده ~~وإلى هذا الوقت يسافرون إلى مسجده إما مع الحج وإما بدون الحج فعلى عهد ~~الصحابة لم يكونوا يأتونه مع الحج كما يسافرون إلى مكة فإن الطرقات كانت ~~آمنة وكان إنشاء السفر إليه أفضل من ان يجعل تبعا لسفر الحج وعمر بن الخطاب ~~قد امرهم أن يفردوا للعمرة سفرا وللحج سفرا وهذا افضل باتفاق الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من التمتع والقران فإن الذين فضلوا التمتع والقرأن كما فضل ~~أحمد التمتع لمن لم يسق الهدى والقران لمن ساق الهدى في المنصوص عنه وصرح ~~في غير موضع بأن النبى كان قارنا PageV27P267 هو مع ذلك يقول إن إفراد ~~العمرة بسفر والحج بسفر أفضل من التمتع والقران وكذلك مذهب أبى حنيفة فيما ~~ذكره محمد إبن الحسن إن عمرة كوفيه أفضل من التمتع والقران وبسط هذا له ~~موضع آخر # والمقصود أن المسلمين مازالوا يسافرون إلى مسجده ولا يسافرون إلى قبور ~~الأنبياء كقبر موسى وقبر الخليل عليه ms7805 السلام ولم يعرف عن أحد من الصحابة ~~أنه سافر إلى قبر الخليل مع كثرة مجيئهم إلى الشام والبيت المقدس فكيف يجعل ~~السفر إلى مسجد الرسول الذى يسميه بعض الناس زيارة لقبره مثل السفر إلى ~~قبور الأنبياء # ( السابع ( أن السفر المشروع إلى مسجده يتضمن ان يفعل في مسجده ما كان ~~يفعل في حياته وحياة خلفائه الراشدين من الصلاة والسلام عليه والثناء ~~والدعاء كما يفعل ذلك في سائر المساجد وسائر البقاع وإن كان مسجده أفضل ~~فالمشروع فيه عبادة لله مأمور بها واما الذى يفعله من سافر إلى قبر غيره ~~فإنما هو من نوع الشرك كدعائهم وطلب الحوائج منهم وإتخاذ قبورهم مساجد ~~وأعيادا وأوثانا وهذا محرم بالنص والإجماع # فإن قلت فقد يفعل بعض الناس عند قبره مثل هذا PageV27P268 # قلت لك أما عند القبر فلا يقدر أحد على ذلك فإن الله أجاب دعوته حيث قال ~~( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( واما في مسجده فإنما يفعل ذلك بعض الناس ~~الجهال وأما من يعلم شرع الإسلام فإنما يفعل ما شرع وهؤلاء ينهون أولئك ~~بحسب الإمكان فلا يجتمع الزوار على الضلال واما قبر غيره فالمسافرون إليه ~~كلهم جهال ضالون مشركون ويصيرون عند نفس القبر ولا أحد هناك ينكر عليهم # ( الوجه الثامن ( أن يقال قبره معلوم متواتر بخلاف قبر غيره # ومما ينبغى أن يعلم أن الله تعالى حفظ عامة قبور الأنبياء ببركة رسالة ~~محمد فلم يتمكن الناس مع ظهور دينه ان يتخذوا قبور الأنبياء مساجد كما أظهر ~~من الإيمان بنبوة الأنبياء وما جاؤوا به من إعلان ذكرهم ومحبتهم وموالاتهم ~~والتصديق لأقوالهم والإتباع لأعمالهم مالم يكن هذا لأمة أخرى وهذا هو الذى ~~ينتفع به من جهة الأنبياء وهو تصديقهم فيما اخبروا وطاعتهم فيما امروا ~~والإقتداء بهم فيما فعلوا وحب ما كانوا يحبونه وبغض ما كانوا يبغضونه ~~وموالاة من يوالونه ومعاداة من يعادونه ونحو ذلك مما لا يحصل إلا بمعرفة ~~أخبارهم والقرآن والسنة مملوء من ذكر الأنبياء وهذا أمر ثابت في القلوب ~~مذكور بالألسنة وأما نفس القبر فليس PageV27P269 في ms7806 رؤيته شيء من ذلك بل ~~أهل الضلال يتخذونها أوثانا كما كانت اليهود والنصارى يتخذون قبور الأنبياء ~~والصالحين مساجد فببركة رسالة محمد أظهر الله من ذكرهم ومعرفة أحوالهم ما ~~يجب الإيمان به وتنتفع به العباد وابطل ما يضر الخلق من الشرك بهم وإتخاذ ~~قبورهم مساجد كما كانوا يتخذونها في زمن من قبلنا # ولم يكن على عهد الصحابة قبر نبى ظاهر يزار لا بسفر ولا بغير سفر لا قبر ~~الخليل ولا غيره ولما ظهر بتستر ( قبر دانيال ( وكانوا يستسقون به كتب فيه ~~أبو موسى الأشعرى إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة ~~عشر قبرا ويدفنه بالليل في واحد منها ويعفى القبور كلها لئلا يفتتن به ~~الناس وهذا قد ذكره غير واحد وممن رواه يونس إبن بكر في ( زيادات مغازى إبن ~~إسحاق ( عن ابى خلدة خالد بن دينار حدثنا أبو العالية قال لما فتحنا ( تستر ~~( وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا ~~المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول ~~رجل من العرب قرأه قرأته مثلما أقرأ القرآن هذا فقلت لأبى العالية ما كان ~~فيه قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد PageV27P270 قلت فما ~~صنعتم بالرجل قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان بالليل ~~دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه قلت وما يرجون فيه ~~قال كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون فقلت من كنتم تظنون ~~الرجل قال رجل يقال له ( دانيال ( فقلت منذ كم وجدتموه مات قال منذ ~~ثلاثمائة سنة قلت ما كان تغير منه شيء قال لا إلا شعيرات من قفاه إن لحوم ~~الأنبياء لا تبليها ألأرض ولا تأكلها السباع # ولم تدع الصحابة في الإسلام قبرا ظاهرا من قبور الأنبياء يفتتن به الناس ~~ولا يسافرون إليه ولا يدعونه ولا يتخذونه مسجدا بل قبر نبينا حجبوه في ~~الحجرة ومنعوا الناس منه بحسب الإمكان وغيره من القبور عفوه بحسب ms7807 الإمكان ~~إن كان الناس يفتتنون به وإن كان لا يفتتنون به فلا يضر معرفة قبره كما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن ملك الموت أتى موسى عليه السلام فقال ~~أجب ربك فلطمه موسى ففقأ عينه فرجع الملك إلى الله فقال أرسلتنى إلى عبد لك ~~لا يريد الموت وقد فقأ عينى قال فرد الله عليه عينه وقال إرجع إلى موسى فقل ~~له الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من ~~شعره فإنك تعيش بكل شعرة سنة قال ثم ماذا PageV27P271 قال الموت قال فمن ~~الآن يارب ولكن أدننى من الأرض المقدسة رمية بحجر قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ( وقد ~~مر به ليلة الإسراء فرآه وهو قائم يصلى في قبره ومع هذا لم يكن أحد من ~~الصحابة والتابعين يسافر إليه ولا ذهبوا إليه لما دخلوا الشام في زمن أبى ~~بكر وعمر كما لم يكونوا يسافرون إلى قبر الخليل ولا غيره وهكذا كانوا ~~يفعلون بقبور الأنبياء والصالحين فقبر ( دانيال ( كما قيل كانوا يجدون منه ~~رائحة المسك فعفوه لئلا يفتتن به الناس # وقبر الخليل ( عليه السلام كان عليه بناء قيل إن سليمان عليه السلام بناه ~~فلا يصل أحد إليه وإنما نقب البناء بعد زمان طويل بعد إنقراض القرون ~~الثلاثة وقد قيل إنما نقبه النصارى لما إستولوا على ملك البلاد ومع هذا فلم ~~يتمكن أحد من الوصول إلى قبر الخليل صلوات الله عليه وسلامه فكان السفر إلى ~~زيارة قبور الأنبياء والصالحين ممتنعا على عهد الصحابة والتابعين وإنما حدث ~~بعدهم فالأنبياء كثيرون جدا وما يضاف إليهم من القبور قليل جدا وليس منها ~~شيء ثابت عرفا فالقبور المضافة إليهم منها ما يعلم أنه كذب مثل ( قبر نوح ( ~~الذى في اسفل جبل لبنان ومنها PageV27P272 مالا يعلم ثبوته بالإجماع إلا ~~قبر نبينا والخليل وموسى فإن هذا من كرامة محمد وأمته فإن الله صان قبور ~~الأنبياء عن ان تكون ms7808 مساجد صيانه لم يحصل مثلها في الأمم المتقدمة لأن ~~محمدا وأمته أظهروا التوحيد إظهارا لم يظهره غيرهم فقهروا عباد الأوثان ~~وعباد الصلبان وعباد النيران وكما اخفى الله بهم الشرك فاظهر الله بمحمد ~~وأمته من الإيمان بالأنبياء وتعظيمهم وتعظيم ما جاؤوا به وإعلان ذكرهم ~~بأحسن الوجوه مالم يظهر مثله في أمة من الأمم وفى القرآن يأمر بذكرهم كقوله ~~تعالى @QB@ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا @QE@ @QB@ واذكر في ~~الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا @QE@ الآيات وقوله @QB@ اصبر ~~على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب @QE@ وذكر بعده سليمان ~~إلى قوله @QB@ واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه @QE@ إلى قوله @QB@ واذكر ~~عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار @QE@ إلى قوله @QB@ ~~واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل @QE@ فامر بذكر هؤلاء واما موسى وقبله نوح ~~وهود وصالح فقد تقدم ذكرهم في قوله تعالى @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا ~~كذب الرسل فحق عقاب @QE@ وقد امر بذكر موسى وغيره أيضا في سورة PageV27P273 ~~أخرى كما تقدم # فالذى أظهره الله بمحمد وأمته من ذكر الأنبياء بأفضل الذكر وإخبارهم ~~ومدحهم والثناء عليهم ووجوب الإيمان بما جاؤوا به والحكم بالكفر على من كفر ~~بواحد منهم وقتله وقتل من سب أحدا منهم ونحو ذلك من تعظيم أقدارهم مالم ~~يوجد مثله في ملة من الملل # و ( أصل الإيمان ( توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسله ~~كما قال تعالى @QB@ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون @QE@ قال أبو ~~العالية خلتان تسأل العباد يوم القيامة عنهما عما كانوا يعملون وعما اجابوا ~~الرسل ولهذا يقرر الله هذين الأصلين في غير موضع من القرآن بل يقدمهما على ~~كل ما سواهما لأنهما أصل ألأصول مثلما ذكر في ( سورة البقرة ( فإنه إفتتحها ~~بذكر أصناف الخلق وهم ثلاثة مؤمن وكافر ومنافق وهذا التقسيم كان لما هاجر ~~النبى إلى المدينة فإن مكة لم يكن بها نفاق بل إما مؤمن وإما كافر و ( ~~البقرة ms7809 ( مدنية من أوائل ما نزل بالمدينة فأنزل الله أربع آيات في ذكر ~~المؤمنين وآيتين في ذكر الكافرين وبضع عشرة آية في صفة المنافقين وإفتتحها ~~بالإيمان بجميع الكتب والأنبياء ووسطها بذلك وختمها PageV27P274 بذلك قال ~~في أولها @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ ~~والصحيح في قوله @QB@ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك @QE@ ~~أنه والذى قبله صفة لموصوف واحد فإنه لابد من الإيمان بما انزل إليه وما ~~أنزل من قبله والعطف لتغاير الصفات كقوله @QB@ هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن @QE@ وقوله @QB@ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى ~~@QE@ وقوله @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن ~~اللغو معرضون @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم ~~فيها خالدون @QE@ ومن قال @QB@ الذين يؤمنون بالغيب @QE@ أراد به مشركى ~~العرب وقوله @QB@ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك @QE@ أن ~~المراد به أهل الكتاب فقد غلط فإن مشركى العرب لم يؤمنوا بما انزل إليه وما ~~أنزل من قبله فلم يكونوا مفلحين وأهل الكتاب إن لم يؤمنوا بالغيب ويقيموا ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون لم يكونوا مفلحين ولهذا قال تعالى @QB@ أولئك ~~على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ فدل على أنهم صنف واحد ~~PageV27P275 # وقال في وسط السورة @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون @QE@ فأمر ~~بالإيمان بكل ما أوتى النبيون من ربهم وقد قال في أثنائها @QB@ ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين @QE@ وختمها بقوله ~~@QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ # ثم أنه بعد تقسيم الخلق قرر ms7810 أصول الدين فقرر التوحيد أولا ثم النبوة ~~ثانيا بقوله @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون @QE@ ثم ~~قرر النبوة بقوله @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ~~@QE@ فأخبر انهم لا يفعلون ذلك كما قال @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ ثم ذكر الجنة فقرر التوحيد ~~والنبوة والمعاد وهذه أصول الإيمان PageV27P276 # وفى آل عمران قال @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان @QE@ فذكر التوحيد أولا ثم الإيمان بما جاءت به الرسل ثانيا وذكر ~~انه أنزل الكتاب والفرقان كما قال @QB@ وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان ~~@QE@ ولفظ ( الفرقان ( يتناول ما يفرق بين الحق والباطل مثل ألايات التى ~~بعث بها الأنبياء كالحية واليد البيضاء وإنفلاق البحر والقرآن فرقان بين ~~هذا الوجه من جهة أنه آية عظيمة لنبوة محمد وعلم عظيم وهو أيضا فرقان ~~بإعتبار أنه فرق ببيانه بين الحق والباطل كما قال @QB@ تبارك الذي نزل ~~الفرقان على عبده @QE@ ولهذا فسر جماعة الفرقان هنا به ولفظ ( الفرقان ( ~~أيضا يتناول نصر الله لأنبيائه وعباده المؤمنين وإهلاك أعدائهم فإنه فرق به ~~بين أوليائه وأعدائه وهو أيضا من الأعلام قال تعالى @QB@ إن كنتم آمنتم ~~بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان @QE@ والآيات ~~التى يجعلها الله دلالة على صدق الأنبياء هي مما ينزله كما قال @QB@ وقالوا ~~لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية @QE@ وقال @QB@ ~~إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ms7811 ظلموا رجزا ~~من السماء بما كانوا يفسقون @QE@ وبسط هذا له موضع آخر PageV27P277 # والمقصود هنا التنبيه وكذلك في سورة ( يونس ( قال تعالى @QB@ أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم @QE@ ثم قال @QB@ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم ~~الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون @QE@ وفى سورة ( ألم السجدة ( قال تعالى ~~@QB@ الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو ~~الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون الله الذي ~~خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون @QE@ وقال @QB@ تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا ~~لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى @QE@ ومن هذا قوله تعالى @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير @QE@ وقوله @QB@ ~~فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل ~~أنتم مسلمون @QE@ وقوله @QB@ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من ~~عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون @QE@ وقوله @QB@ ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون @QE@ ثم قال PageV27P278 @QB@ ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين @QE@ وقوله @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ # وكان النبى يقرأ في ركعتى الفجر بسورتى الإخلاص تارة وتارة قوله تعالى ~~@QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم @QE@ الآيات ~~وفى الثانية @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ms7812 الله ~~فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون @QE@ وهذا باب واسع لأن الناس مضطرون ~~إلى هذين الأصلين فلا ينجون من العذاب ولا يسعدون إلا بهما فعليهم أن ~~يؤمنوا بالأنبياء وما جاؤا به وأصل ما جاؤا به أن لا يعبدوا إلا الله وحده ~~كما قال ( @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ # والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه هم وسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ ~~كلامه وأمره ونهيه ووعده ووعيده وأنبائه التى أنبأ بها عن أسمائه وصفاته ~~وملائكته وعرشه وما كان وما يكون وليسوا وسائط في خلقه لعباده ولا في رزقهم ~~وإحيائهم وإماتتهم ولا PageV27P279 جزائهم بالأعمال وثوابهم وعقابهم ولا في ~~إجابة دعواتهم وإعطاء سؤالهم بل هو وحده خالق كل شيء وهو الذى يجيب المضطر ~~إذا دعاه وهو الذى يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن @QB@ وما ~~بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ما في ~~السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون @QE@ كما قال تعالى @QB@ ~~قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك ~~وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ # فبين ان كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون ~~مثقال ذرة ولا لأحد منهم شرك معه ولا له ظهير منهم فلم يبق إلا الشفاعة ~~@QB@ ولا تنفع ms7813 الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ فالأمر في الشفاعة إليه ~~وحده كما قال تعالى @QB@ قل لله الشفاعة جميعا @QE@ وقال @QB@ ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة @QE@ وقوله @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ~~@QE@ PageV27P280 إستثناء منقطع في أصح القولين # فانقسم الناس فيهم ( ثلاثة أقسام ( قوم انكروا توسطهم بتبليغ الرسالة ~~فكذبوا بالكتب والرسل مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون وغيرهم ~~ممن يخبر الله أنهم كذبوا المرسلين فإنهم كذبوا جنس الرسل لم يؤمنوا ببعضهم ~~دون بعض ومن هؤلاء منكروا النبوات من البراهمة وفلاسفة الهند المشركين ~~وغيرهم من المشركين وكل من كذب الرسل لا يكون إلا مشركا وكذلك من كذب ~~ببعضهم دون بعض كما قال تعالى @QB@ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ~~ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا @QE@ # فكل من كذب محمدا أو المسيح أو داود أو سليمان أو غيرهم من الأنبياء ~~الذين بعثوا بعد موسى فهو كافر قال تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى الكتاب ~~وقفينا من بعده بالرسل @QE@ وقال تعالى @QB@ وآتينا عيسى ابن مريم البينات ~~وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا ~~كذبتم وفريقا تقتلون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل ~~الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم ~~قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين @QE@ PageV27P281 # والفلاسفة والملاحدة وغيرهم منهم من يجعل النبوات من جنس المنامات ويجعل ~~مقصودها التخييل فقط قال تعالى @QB@ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو ~~شاعر @QE@ فهؤلاء مكذبون بالنبوات ومنهم من يجعلهم مخصوصين بعلم ينالونه ~~بقوة قدسية بلا تعلم ولا يثبت ملائكة تنزل بالوحى ولا كلاما لله يتكلم به ~~بل يقولون أنه لا يعلم الجزئيات فلا يعلم لا موسى ولا محمدا ولا غيرهما من ~~الرسل ويقولون خاصية النبى هذه القوة العلمية القدسية قوة يؤثر بها في ~~العالم وعنها تكون الخوارق وقوة تخيلية وهو أن تمثل له ms7814 الحقائق في صور ~~خيالية في نفسه فيرى في نفسه أشكالا نورانية ويسمع في نفسه كلاما فهذا هو ~~النبى عندهم وهذه الثلاث توجد لكثير من آحاد العامة الذين غيرهم من النبيين ~~أفضل منهم وهؤلاء وإن كانوا أقرب من الذين قبلهم فهم من المكذبين للرسل # وكثير من أهل البدع يقر بما جاؤوا به إلا في أشياء تخالف رأية فيقدم رأية ~~على ما جاؤا به ويعرض عما جاؤا به فيقول إنه لا يدرى ما أرادوا به أو يحرف ~~الكلم عن مواضعه وهؤلاء موجودون في أهل الكتاب وفى أهل القبلة ولهذا ذكر ~~الله في اول البقرة المؤمنين والكافرين ثم ذكر المنافقين وبسط القول فيهم ~~PageV27P282 وقسم # ثان غلوا في الأنبياء والصالحين وفى الملائكة أيضا فجعلوهم وسائط في ~~العبادة فعبدوهم ليقربوهم إلى الله زلفى وصوروا تماثيلهم وعكفوا على قبورهم ~~وهذا كثير في النصارى ومن ضاهاهم من ضلال أهل القبلة ولهذا ذكر الله هذا ~~الصنف في القرآن في ( آل عمران ( وفى ( براءة ( في ضمن الكلام على النصارى ~~وقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون @QE@ وهذا الذى أمره الله أن يقوله لهم هو الذى كتب إلى هرقل ملك ~~الروم # وهؤلاء قد يظنون أنهم إذا إستشفعوا بهم شفعوا لهم وإن من قصد معظما من ~~الملائكة والأنبياء فاستشفع به شفع له عند الله كما يشفع خواص الملوك عندهم ~~وقد أبطل الله هذه الشفاعة في غير ms7815 PageV27P283 موضع من القرآن وبين الفرق ~~بينه وبين خلقه فإن المخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه ويقبل الشفاعة ~~لرغبة أو رهبة أو محبة أو نحو ذلك فيكون الشفيع شريكا للمشفوع إليه وهذه ~~الشفاعة منتفية في حق الله قال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ # وهؤلاء يحجون إلى قبورهم ويدعونهم وقد يسجدون لهم وينذرون لهم وغير ذلك ~~من انواع العبادات وهؤلاء ايضا مشركون وأكثر المشركين يجمعون بين التكذيب ~~ببعض ما جاؤا به وبين الشرك فيكون فيهم نوع من الشرك بالخالق وتكذيب رسله ~~ومنهم من يجمع بين الشرك والتعطيل فيعطل الخالق أو بعض ما يستحقه من أسمائه ~~وصفاته # فأصحاب رسول الله والتابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة ليسوا من هؤلاء ~~ولا من هؤلاء بل يثبتون أنهم وسائط في التبليغ عن الله ويؤمنون بهم ~~ويحبونهم ولا يحجون إلى قبورهم ولا يتخذون قبورهم مساجد وذلك تحقيق ( شهادة ~~أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ( فإظهار ذكرهم وما جاؤا به هو من ~~الإيمان بهم وإخفاء قبورهم لئلا يفتتن بها الناس هو من تمام التوحيد وعبادة ~~الله وحده والصحابة وأمة محمد قاموا بهذا PageV27P284 ولهذا # تجد عند علماء المسلمين من أخبار أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم من مشايخ العلم والدين والعدل من ولاة الأمور ما يوجب معرفة ذلك ~~الشخص والثناء عليه والدعاء له وأن يكون له لسان صدق وما ينتفع به إما كلام ~~له ينتفع به وإما عمل صالح يقتدى به فيه فإن العلماء ورثة الأنبياء ~~والأنبياء صلوات الله عليهم يقصد الإنتفاع بما قالوه وأخبروا به وأمروا به ~~والإقتداء بهم فيما فعلوه صلوات الله عليهم أجمعين # وأما اهل الضلال كالنصارى وأهل البدع فهم مع غلوهم وتعظيمهم لقبورهم ~~وتماثيلهم والإستشفاع بهم لا تجد عندهم من أخبارهم ما يعرف صدقه من كذبه بل ~~قد التبس هذا بهذا ولا يكاد أحد من علمائهم يميز فيما هم عليه من الدين بين ~~ما جاء عن المسيح وما جاء عن ms7816 غيره إما من الأنبياء وإما من شيوخهم بل قد ~~لبسوا الحق بالباطل # وكذلك أهل الضلال والبدع من أهل القبلة تجدهم يعظمون شيخا أو إماما أو ~~غير ذلك ويشركون به ويدعونه من دون الله ويستغيثون به وينذرون له ويحجون ~~إلى قبره وقد يسجدون له وقد يعبدونه أعظم مما يعبدون الله كما يفعل النصارى ~~وهم مع ذلك من أجهل الناس بأحواله ينقلون عنه أخبارا مسيبة ليس لها إسناد ~~PageV27P285 ولا يعرف صدقها من كذبها بل عامة ما يحفظونه ما فيه غلو وشطح ~~للإشراك به فأهل الإسلام الذين يعرفون دين الإسلام ولا يشوبونه بغيره ~~يعرفون الله ويعبدونه وحده ويعرفون أنبياءه فيقرون بما جاؤا به ويقتدون به ~~ويعرفون أهل العلم والدين وينتفعون بأقوالهم وأفعالهم واهل الضلال في ظلمة ~~لا يعرفون الله ولا أنبياءه ولا أولياءه ولا يميزون بين ما أمر الله به وما ~~نهى عنه وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان # ولا ريب أن في أهل القبلة من يشبه اليهود والنصارى في بعض الأمور كما في ~~الصحيحين عن أبى سعيد الخدرى عن النبى أنه قال ( لتتبعن سنن من كان قبلكم ~~حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود ~~والنصارى قال فمن ( وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة أن النبى قال ( لتأخذن ~~أمتى مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا يا رسول الله فارس ~~والروم قال فمن الناس إلا هؤلاء ( # ومشابهتهم في الشرك بقبور الأنبياء والصالحين هو من مشابهتهم التى حذر ~~منها أمته قبل موته في صحته ومرضه وفى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال ~~سمعت رسول الله PageV27P286 قبل أن يموت بخمس وهو يقول ( إنى أبرأ إلى الله ~~أن يكون لى منكم خليل فإن الله قد إتخذنى خليلا كما إتخذ إبراهيم خليلا ولو ~~كنت متخذا من أمتى خليلا لإتخذت أبا بكر خليلا ألا وأن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى ~~أنهاكم عن ذلك ( وأما لعنه لمن فعل ذلك ففى ms7817 الصحيحين عن عائشة وإبن عباس ~~قالا لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا إغتم بها كشفها عن ~~وجهه فقال وهو كذلك ( لعنة الله على اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد ( يحذر ما صنعوا وفى الصحيحين عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مرضه الذى لم يقم منه ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ( قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشى أن يتخذ ~~مسجدا وفى لفظ غير أنه خشى أو خشى وفى الصحيح أيضا عن أبى هريرة أن النبى ~~قال لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( هذا لفظ مسلم ~~وله وللبخارى ( قاتل الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( ~~وفى الصحيحين عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض ~~الحبشة فيها تصاوير لرسول الله فقال رسول الله ( إن أولئك إذا مات فيهم ~~PageV27P287 الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك ~~شرار الخلق عند الله يوم القيامة ( وفى المسند وصحيح أبى حاتم عن بن مسعود ~~عن النبى أنه قال إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين ~~يتخذون القبور مساجد ( # وهذا باب واسع لبسطه موضع آخر وقد بسط الكلام في هذا الباب في الرد على ~~من هو أفضل من هذا وبين ما خالفوا فيه الكتاب والسنه والإجماع في هذا الباب ~~وفى غيره ولما كان أولئك أعلم وأفضل كان الرد عليهم بحسبهم والله أعلم ### || صورة خطوط القضاة الأربعة # على ظهر فتيا الشيخ تقى الدين أبى العباس إبن تيمية في ( السفر لمجرد ~~زيارة قبور الأنبياء ( # هذا المنقول باطنها جوابا عن السؤال أن زيارة الأنبياء بدعة أو ما ذكره ~~من نحو ذلك وأنه لا يترخص في السفر إلى زيارة الأنبياء هذا كلام باطل مردود ~~عليه وقد نقل جماعة من العلماء والأئمة الكبار أن زيارة النبى صلى الله ~~عليه وسلم فضيلة وسنة مجمع عليها وهذا المفتى المذكور ينبغى أن يزجر عن مثل ~~هذه الفتاوى الباطلة ms7818 عند PageV27P288 العلماء والأئمة الكبار ويمنع من ~~الفتاوى الغريبة المردودة عند الأئمة الأربعة ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك ~~ويشهر أمره ليتحفظ الناس من الإقتداء به # كتبه العبد الفقير إلى الله محمد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة وتحته يقول ~~أحمد بن عمر المقدسى الحنبلى وتحته كذلك يقول محمد بن الجريرى الحنفى لكن ~~يحبس الآن جزما مطلقا وتحته كذلك يقول العبد الفقير إلى الله محمد بن أبى ~~بكر المالكى أن ثبت ذلك عليه ويبالغ في زجره بحسب ما تندفع به هذه المفسدة ~~وغيرها من المفاسد فهذه صورة خطوطهم بمصر والحمد لله رب العالمين وصلى الله ~~على محمد سيدنا وآله وصحبه وسلم تسليما # قال شيخ الإسلام أسكنه الله الجنة آمين # بسم الله الرحمن الرحيم ولا قوة إلا بالله العلى العظيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وصحبه وسلم تسليما PageV27P289 ### || 1 ( إبطال المؤلف لفتاوي قضاة مصر ) 1 ### ||| ! 8 < فصل ! 8 < # في الجواب عما كتب على نسخة جواب الفتيا وبيان بطلان ذلك وأن الحكم به ~~باطل بإجماع المسلمين من وجوه كثيرة قد بسطت في غير هذا الموضع وهى خمسون ~~وجها تبين بطلان ما كتب به وبطلان الحكم به # الأول أنه نقل عن الجواب ما ليس فيه ورتب الحكم على ذلك النقل الباطل ~~ومثل هذا باطل بالإجماع فإنه نقل أن المجيب قال أن زيارة الأنبياء بدعة أو ~~أنه ذكر نحو ذلك والمجيب لم يذكر ذلك ولا نقل ذلك عن أحد من العلماء وإنما ~~في الجواب ذكر قول العلماء فيمن سافر لمجرد زيارة قبور ألأنبياء والصالحين ~~هل يحرم هذا السفر أو يجوز وأن الطائفتين إتفقوا على أنه غير مستحب ~~والطائفتان لم يقولا ذلك في الزيارة المطلقة بل جمهورهم يقولون أن زيارة ~~القبور مستحبة وهذا هو الصحيح كما دلت ms7819 عليه الأحاديث الصحيحة ولكن لا ~~يقولون إنه يستحب السفر إليها كما إتفق المسلمون على أنه يشرع إتيان ~~المساجد غير المساجد الثلاثة وإن إتيانها PageV27P290 قد يكون فرضا وقد ~~يكون سنة مثل إتيانها للجمعة والجماعة وإتفقوا على أن السفر إلى غير ~~المساجد الثلاثة ليس بفرض ولا سنة فهكذا زيارة القبور على الوجه الشرعى ~~مستحبه وهى سنة والسفر إلى ذلك ليس بفرض ولا سنة عند الطائفتين # والمجيب لم يذكر لنفسه في الجواب قولا بل حكى أقوال علماء المسلمين ~~وأدلتهم وهؤلاء نقلوا عنه مالم يقله وإستدلوا بما لا ينازع فيه وأخطأوا ~~فيما نقلوه وفهموه من كلام من نقل الإجماع وفيما إستدلوا به عليه وذلك من ~~وجوه كثيرة جدا ولكن مقصود هذا الوجه أن الذى كتب على الجواب نقل عنه أنه ~~هو القائل وأنه قال أن زيارة الأنبياء بدعة وهذا باطل عنه والحكم المرتب ~~على النقل الباطل باطل بالإجماع # الوجه الثانى أن الطائفتين من علماء المسلمين إتفقوا على أن السفر لمجرد ~~زيارة القبور ليس بفرض ولا سنة وهؤلاء جعلوا السفر إلى زيارة القبور سنة ~~سنها رسول الله والنبى لم يسن لأمته السفر لذلك ولا قال علماء شريعته أن ~~السفر إليها سنة فقد حكموا بما يخالف السنة والإجماع وهذا الحكم باطل ~~بالإجماع وذلك أن المجيب ذكر القولين فيمن لم يسافر إلا إلى القبور ولم ~~يقصد مع ذلك المسجد قول من جوز ذلك ولم يستحبه PageV27P291 وقول من حرمه ~~وهم لم يقتصروا على رد أحد القولين فإن هذا لا يناقض ما ذكره المجيب بل ~~قالوا وهذا المفتى المذكور ينبغى أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند ~~العلماء ومتى ما بطل ما ذكره في الجواب بالقولين تعين جعل السفر سنة مستحبة # وأيضا فإنهم إحتجوا بنقل من نقل الإجماع على إستحباب السفر الذى ذكر فيه ~~القولين # الثالث أنهم إحتجوا بنقل من نقل من العلماء أن زيارة النبى فضيلة مرغب ~~فيها وسنة مجمع عليها وهؤلاء نقلوا الإجماع على الزيارة لا على السفر لمجرد ~~القبر ولو نقلوا الإجماع على السفر للزيارة ms7820 فمعلوم أن المسلمين يقصدون ~~المسجد والقبر لا يقصد القبر دون المسجد إلا جاهل وإذا قصد الزائر المسجد ~~والقبر جميعا فالمجيب لم يذكر القولين في هذه الصورة وإنما ذكرهما فيمن لم ~~يسافر إلا لمجرد زيارة القبور والجواب لم يكن في خصوص قبر النبى بل كان في ~~جنس القبور وجعلوا ذلك إجماعا على السفر إلى سائر قبور الأنبياء فإن المجيب ~~فرق بين الزيارة النبوية الشرعية التى أجمع المسلمون على إستحبابها وبين ما ~~أجمعوا على أنه لا يستحب وما تنازعوا فيه وما نقلوه من الإجماع وإن كان ~~عندهم لا يدل على مثل ما ذكره المجيب لم يكن حجة عليه وهم جعلوه حجة ~~PageV27P292 على بطلان الجواب وذلك إنما يكون إذا قيل بإستحباب السفر مطلقا ~~فغلطوا على من نقل الإجماع فلم يفهموا مراده وحكموا بناء على هذا الإعتقاد ~~الباطل ومثل ذلك باطل بالإجماع # الرابع أنهم جعلوا هذا النقل مخالفا للجواب وليس مخالفا له بل المفتى قد ~~ذكر في الجواب إستحباب العلماء لزيارة قبر النبى صلى الله عليه وسلم ولم ~~يحك عن أحد أنه قال زيارة قبر النبى محرمة والحكم المرتب على النقل الباطل ~~باطل بالإجماع # الخامس ( أن هؤلاء جعلوا جنس الزيارة مستحبا بالإجماع ولم يفصلوا بين ~~المشروع والمحرم والزيارة بعضها مشروع وبعضها محرم بالإجماع كما ذكر ذلك في ~~جواب الفتيا وهم أنكروا هذا التفصيل وهذا مخالف للإجماع والحكم به باطل ~~بالإجماع فإن المجيب لم ينكر السفر للزيارة الشرعية بالإجماع بل بين في ~~الجواب ما أجمع عليه المسلمون من السفر ومن الزيارة وهذا مبسوط في مواضع ~~كثيرة من كلامه مشهور عنه وذكر ما تنازعوا فيه وما إتفقوا على النهى عنه ~~فلو وافقوا على التفصيل لم ينكروا الجواب فلما جعلوا الجواب باطلا عند ~~العلماء تبين أنهم لم يفصلوا PageV27P293 السادس أن الزيارة ثلاثة أنواع ~~نوع إتفق العلماء على إستحبابه ونوع إتفقوا على النهى عنه ونوع تنازعوا فيه ~~وفى الجواب ذكر الأنواع الثلاثة وهؤلاء لم يفصلوا بين ما أجمع عليه وبين ما ~~تنازع العلماء فيه ولا ذكروا أن ما ms7821 تنازع فيه العلماء يرد إلى الله والرسول ~~بل جعلوه مردودا بمجرد قولهم وهذا باطل بالإجماع والحكم بذلك باطل بالإجماع ~~والمجيب إنما ذكر إتفاق الطائفتين على أن السفر غير مستحب إذا سافر لمجرد ~~زيارة قبر بعض الأنبياء والصالحين وهذا منتف في الغالب في قبر النبى فإن من ~~هو عارف بشريعة الإسلام لا بد أن يقصد المسجد مع القبر لا سيما مع علمه ~~بأنه صلى الله عليه وسلم قال ( صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما ~~سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ( ولهذا إحتج طائفة من العلماء على ~~إستحباب زيارة قبره بهذا الحديث وهذه الزيارة التى يفعلها من يعلم الشريعة ~~لم يذكر المجيب أنها لا تستحب بالإجماع وكيف يقول ذلك وإستحبابها موجود في ~~كلام العلماء # السابع أن الإجماع على أن الزيارة سنة وفضيلة ليس هو إجماعا على كل ما ~~يسمى زيارة ولا على هذا اللفظ بل هو إجماع على ما شرعه الله من حقوقه في ~~مسجده وهل يكره أن يسمى ذلك زيارة لقبره على قولين وكثير مما يسمى زيارة ~~لقبره فيه نزاع أو هو منهى PageV27P294 عنه بالإجماع وهؤلاء جعلوا الإجماع ~~متناولا لما تنازع العلماء فيه وإحتجوا بالإجماع في موارد النزاع وهذا خطأ ~~( الثامن ( أن ما تنازع فيه العلماء يجب رده إلى الله والرسول وهؤلاء لم ~~يردوه إلى الله ولا إلى الرسول بل قالوا إنه كلام باطل مردود على قائله بلا ~~حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله وهذا باطل بإلاجماع # ( التاسع ( أن الذين حكوا الإجماع على إستحباب السفر لمجرد زيارة القبر ~~بل الإجماع إنما هو على إستحباب السفر إلى مسجده واما السفر لمجرد القبر ~~فهذا فيه النزاع المشهور وما فيه نزاع يجب رده إلى الله والرسول وهؤلاء لم ~~يردوا ما تنازع العلماء فيه إلى الله والرسول بل إدعوا فيه الإجماع وغلطوا ~~على من حكوا عنه الإجماع ومن زجر عن قول لكونه مخالفا للإجماع ولم يكن ~~مخالفا للإجماع كان هو المخطئ بالإجماع # ( العاشر ( أن مالا إجماع فيه يجب رده إلى الله ms7822 والرسول بالإجماع وإن ~~إحتج فيه بالكتاب والسنة كان هو المصيب والجواب فيه ذكر النزاع والإحتجاج ~~بالكتاب والسنة في موارد النزاع وهؤلاء جعلوا ذلك مردودا ولم يردوه إلى ~~الله والرسول بل ردوا على من إحتج PageV27P295 بالكتاب والسنة في مسائل ~~النزاع وحكموا بهذا الرد المخالف للإجماع والحكم بمثل ذلك باطل بالإجماع # ( الحادى عشر ( أن الذى ذكر في الفتيا ما اجمع عليه كالزيارة المستحبة ~~وما أجمعوا على النهى عنه وما تنازعوا فيه وهذا أقصى ما يكون عند المفتين ~~وهؤلاء جعلوا ذلك من الفتاوى الباطلة عند العلماء وهذا التفصيل ليس باطلا ~~عند أحد من علماء المسلمين وهم جعلوه باطلا وحكموا بذلك ومثل هذا الحكم ~~باطل بالإجماع # ( الثانى عشر ( أن ما تنازع فيه العلماء ليس لأحد من القضاة أن يفصل ~~النزاع فيه بحكم وإذا لم يكن لأحد من القضاة أن يقول حكمت بأن هذا القول هو ~~الصحيح وأن القول الآخر مردود على قائله بل الحاكم فيما تنازع فيه علماء ~~المسلمين أو أجمعوا عليه قوله في ذلك كقول آحاد العلماء إن كان عالما وإن ~~كان مقلدا كان بمنزلة العامة المقلدين والمنصب والولاية لا يجعل من ليس ~~عالما مجتهدا عالما مجتهدا ولو كان الكلام في العلم والدين بالولايه ~~والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين وبأن يستفتيه ~~الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين فإذا كان الخليفة ~~والسلطان لا يدعى ذلك لنفسه ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول إلا ~~بكتاب الله وسنة رسوله فمن هو دون السلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدى ~~PageV27P296 طوره ولا يقيم نفسه في منصب لا يستحق القيام فيه ابوبكر وعمر ~~وعثمان وعلى وهم الخلفاء الراشدون فضلا عمن هو دونهم فإنهم رضى الله عنهم ~~إنما كانوا يلزمون الناس بإتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم وكان عمر رضى الله ~~عنه يقول إنما بعثت عمالى أى نوابى إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ~~ويقسموا بينكم فيئكم بل هذه يتكلم فيها من علماء المسلمين من يعلم ما دلت ~~عليه الأدلة ms7823 الشرعية الكتاب والسنة فكل من كان أعلم بالكتاب والسنة فهو ~~أولى بالكلام فيها من غيره وإن لم يكن حاكما والحاكم ليس له فيها كلام ~~لكونه حاكما بل إن كان عنده علم تكلم فيها كآحاد العلماء فهؤلاء حكموا فيما ~~ليس لهم فيه الحكم بالإجماع وهذا من الحكم الباطل بالإجماع # ( الثالث عشر ( أن الأحكام الكلية التى يشترك فيها المسلمون سواء كانت ~~مجمعا عليها أو متنازعا فيها ليس للقضاة الحكم فيها بل الحاكم العالم كآحاد ~~العلماء يذكر ما عنده من العلم وإنما يحكم القاضي في أمور معينة وأما كون ~~هذا العمل واجبا أو مستحبا أو محرما فهذا من الأحكام الكلية التى ليس لأحد ~~فيها حكم إلا لله ورسوله وعلماء المسلمين يستدلون على حكم الله ورسوله ~~بأدلة ذلك وهؤلاء حكموا في الأحكام الكلية وحكمهم في ذلك PageV27P297 باطل ~~بالإجماع # الرابع عشر ( أن الكلام في هذه المسائل الكلية إنما يجوز لمن كان عالما ~~بأقوال علماء المسلمين فيها وما اجمعوا عليه وما تنازعوا فيه عالما بالكتاب ~~والسنة ووجه الإستدلال بهما وكلام هؤلاء يتضمن انهم لا يعرفون ما قاله ~~علماء المسلمين في هذه المسائل ولا يميزون بين ما أجمع عليه العلماء ~~وتنازعوا فيه ولا يعرفون سنة رسول الله في هذه المسائل ولا يفرقون بين ما ~~رغب فيه وما نهى عنه ولم يسنه ولا يعرفون الأحاديث الصحيحة والضعيفة في هذا ~~الباب بل ولا يعرفون مذهبهم في هذه المسائل ولا عندهم نقل عن الأئمة ~~الأربعة ولا العلماء المشهورين من أتباعهم فيما قالوه وحكموا به بل هم فيه ~~بمنزلة آحاد المتفقهة الطلبة الذين ينبغى لهم طلب علم هذه المسائل بل لا ~~يجوز لأحدهم أن يفتى فيها ولا يناظر ولا يصنف فضلا عن أن يحكم ومعلوم أن من ~~كان كذلك وحكم فيما ليس له الحكم فيه كان حكمه محرما بالإجماع فكيف إذا حكم ~~فيما ليس له فيه الحكم وحكم بخلاف الإجماع فإن الحاكم إذا حكم بغير إجتهاد ~~ولا تقليد كان حكمه محرما بالإجماع # ( الخامس عشر ( أن القاضي يجب أن يكون مجتهدا عند ms7824 بعض PageV27P298 ~~العلماء وعند بعضهم يجوز له التقليد للعلماء وهؤلاء لو كانت هذه المسائل ~~مما لهم فيه الحكم فهم لم يقلدوا فيما قالوه احدا من أئمة المسلمين فضلا أن ~~يكونوا فيه مجتهدين بل حكموا بغير إجتهاد ولا تقليد وهذا الحكم الباطل ~~بالإجماع ولو كان على يهودى عشرة دراهم معينة فكيف إذا حكموا على علماء ~~المسلمين في الأحكام الكلية التى لا حكم لهم فيها بالإجماع # ( السادس عشر لو كان لهم فيها الحكم وقد حكموا بالكتاب والسنة والإجماع ~~لم يكن لهم الحكم حتى يسمعوا كلام المحكوم عليه وحجته ويعذروا إليه وهل له ~~جواب أم لا فإن العلماء تنازعوا في الحقوق كالأموال هل يحكم فيها على غائب ~~على قولين ومن جوز الحكم عليه قال هو باق على حجته تسمع إذا حضر فأما ~~العقوبات والحدود فلا يحكم فيها على غائب وهؤلاء حكموا على غائب في ذلك ولم ~~يمكنوه من سماع كلامه والأدلاء بحجته وهذا لو كان على يهودى كان حكما باطلا ~~بالإجماع ولهذا كان جميع الناس أهل العلم والدين والعقل ينكرون مثل هذا ~~الحكم ويعلمون أنه حكم بغير حق # ( السابع عشر ( أنه لو كان الحاكم خصما لشخص في حق من الحقوق لم يجز ان ~~يحكم الحاكم على خصمه بإجماع المسلمين وكذلك ( المسائل العلمية ( إذا تنازع ~~حاكم وغيره من العلماء في تفسير آية أو PageV27P299 حديث أو بعض مسائل ~~العلم لم يكن للحاكم أن يحكم عليه بالإجماع فإنهما خصمان فيما تنازعا فيه ~~والحاكم لا يحكم على خصمه بالإجماع # الثامن عشر ( أن هذه المسائل منقولة في كتب أهل العلم من اصحاب مالك ~~والشافعى وأحمد وغيرهم وهؤلاء حكموا فيها بخلاف مذاهب الأئمة الأربعة ولم ~~يعرفوا مذاهب أئمتهم ولا مذاهب غيرهم من الأئمة والعلماء ولا ما دلت عليه ~~السنة والآثار ومعلوم أن مثل هذا الحكم باطل بالإجماع ومن إدعى منهم أن ~~الذى حكم به هو قول العلماء فليكتب خطه بذلك وليذكر ما ذكره العلماء فيها ~~من إجماع ونزاع وأدلة ذلك ليتبين أن الذى يقول بخلاف جواب المفتى قولا ~~باطلا وإلا ms7825 فقد علم أنهم حكموا بغير الحق وهذا باطل بالإجماع # ( التاسع عشر ( أنه لو كان أحدهم عارفا بمذهبه لم يكن له ان يلزم علماء ~~المسلمين بمذهبه ولا يقول يجب عليكم أنكم تفتون بمذهبى وأنه أى مذهب خالف ~~مذهبى كان باطلا من غير إستدلال على مذهبه بالكتاب والسنة ولو قال من خالف ~~مذهبى فقوله مردود ويجب منع المفتى به وحبسه لكان مردودا عليه وكان مستحقا ~~العقوبة على ذلك بالإجماع فكيف إذا كان الذى حكم به ليس هو مذهب أحد من ~~الأئمة الأربعة بل الذى أفتى به المفتى هو موافق للإجماع دون من أنكر قوله ~~وخالف الإجماع PageV27P300 # الوجه العشرون ( أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أخطأ في مائة مسألة ~~لم يكن ذلك عيبا وكل من سوى الرسول يصيب ويخطئ ومن منع عالما من الإفتاء ~~مطلقا وحكم بحبسه لكونه أخطا في مسأئل كان ذلك باطلا بالإجماع فالحكم ~~بالمنع والحبس حكم باطل بالإجماع فكيف إذا كان المفتى قد اجاب بما هو سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول علماء أمته # ( الحادى والعشرون ( ان المفتى لو أفتى في المسائل الشرعية ( مسائل ~~الأحكام ( بما هو أحد قولى علماء المسلمين وإستدل على ذلك بالكتاب والسنة ~~وذكر أن هذا القول هو الذى يدل عليه الكتاب والسنة دون القول الآخر في أى ~~باب كان ذلك من مسائل البيوع والنكاح والطلاق والحج والزيارة وغير ذلك لم ~~يكن لأحد أن يلزمه بالقول الآخر بلا حجة من كتاب أو سنة ولا أن يحكم بلزومه ~~ولا منعه من القول الآخر بالإجماع فكيف إذا منعه منعا عاما وحكم بحبسه فإن ~~هذا من ابطل الأحكام بإجماع المسلمين # ( الثانى والعشرون ( أن الحاكم لو ظن الإجماع فيما ليس فيه إجماع والزم ~~الناس بذلك القول لظنه أنه مجمع عليه ولم يستدل على ذلك بكتاب أو سنة وكان ~~فيه نزاع لم يعلمه لكان مخطئا في الزام الناس PageV27P301 بذلك بالإجماع ~~إلا أن يدل عليه كتاب أو سنة # ( الثالث والعشرون ( أن الحاكم متى خالف نصا أو إجماعا نقض حكمه بإتفاق ms7826 ~~الأئمة وحكم هؤلاء خالف النص والإجماع من وجوه كثيرة فهومستحق للنقض ~~بالإجماع # ( الرابع والعشرون ( أن هذا الحكم وأمثاله هو مثل ما تقدم من الحكم مرة ~~بعد مرة في بعض ما هو في نظير هذه القضية وكل واحد من تلك الأحكام باطل ~~بالإجماع من وجوه كثيرة فكذلك هذا # ( الخامس والعشرون أن هذه الأحكام مع أنها باطلة بالإجماع فإنها مثيرة ~~للفتن مفرقة بين قلوب الأمة متضمنة للعدوان على المسلمين وعلى ولاة أمورهم ~~مؤذية لهم جالبة للفتن بين المسلمين والحكم بما انزل الله فيه صلاح الدنيا ~~والآخرة والحكم بغير ما انزل الله فيه فساد الدنيا والآخرة فيجب نقضه ~~بالإجماع # ( السادس والعشرون ( أن ما يحصل به أذى للمسلمين إذا كان مما أمر الله به ~~ورسوله كانوا مطيعين في ذلك لله ورسوله وأجرهم فيه على الله كالجهاد أما ~~إذا كان الذى يؤذيهم مما لم يأمر به الله ولا رسوله وجب رده بالإجماع ومثل ~~هذه الأحكام المؤذية للمسلمين وولاة أمورهم PageV27P302 وهى مخالفة للسنة ~~والإجماع فيجب ردها بالإجماع ( # السابع والعشرون ( أنهم قالوا إن هذا المفتى ينبغى أن يزجر عن مثل هذه ~~الفتاوى الباطلة عند العلماء والأئمة الكبار وقولهم هو الباطل عند العلماء ~~والأئمة الكبار ومن إدعى أن قول العلماء والأئمة الكبار هو الباطل عند ~~العلماء والأئمة الكبار كان قوله وحكمه به باطلا بالإجماع فإن هذه الفتيا ~~هي قول العلماء والأئمة الكبار فيها قول مالك وغيره من الأئمة الكبار ~~والقول الآخر ليس للعلماء والأئمة الكبار قول إلا ما ذكر فيها وما ذكروه لا ~~يعرف عن أحد من العلماء والأئمة الكبار # ( الثامن والعشرون ( انهم قالوا يمنع من الفتاوى الغريبة المردودة عند ~~الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين والحكم به باطل بالإجماع فإن ~~الأئمة الأربعة متفقون على أنه إنما ينقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أو سنة ~~أو إجماعا أو معنى ذلك فأما ما وافق قول بعض المجتهدين في ( مسائل الإجتهاد ~~( فإنه لا ينقض لأجل مخالفته قول الأربعة وما يجوز أن يحكم به الحاكم يجوز ~~أن يفتى به المفتى بالإجماع ms7827 بل الفتيا أيسر فإن الحاكم يلزم والمفتى لا ~~يلزم فما سوغ الأئمة الأربعة للحاكم أن يحكم به فهم يسوغون للمفتى أن يفتى ~~به بطريق الأولى والأحرى ومن حكم بمنع الإفتاء بذلك فقد خالف الأئمة ~~الأربعة وسائر أئمة المسلمين فما قالوه هو المخالف للأربعة وسائر أئمة ~~المسلمين PageV27P303 فهو باطل بالإجماع # ( التاسع والعشرون ( أن جميع المذاهب فيها اقوال قالها بعض أهلها ليست ~~قولا لصاحب المذهب وفيها جميعها ما هو مخالف لقول الأربعة وهم يحكون ذلك ~~قولا في المذهب ولا يحكمون ببطلانه إلا بالحجة لا سيما إذا خرج على أصول ~~صاحب المذهب وبين من نصوصهم ما يقتضى ذلك كما يفعله أتباعهم في كثير من ~~المسائل والمجيب قد ذكر من كلام الأئمة ألأربعة ومن قبلهم ممن يعظمونهم من ~~العلماء وكلام من تقدمهم ما يعرف به أقوال علماء المسلمين فإبطال القول ~~لمجرد مخالفته للأربعة هو مخالف لأقوال الأربعة ولأتباع الأئمة الأربعة فهو ~~باطل بالإجماع # ( الوجه الموفى ثلاثين ( أنما أنكروه في مسائل الزيارة ومسائل الطلاق من ~~فتاوى المفتى المدلول ليس فيها شيء يخرج عن المذاهب الأربعة بل إما أن يكون ~~ما افتى به قول جميع أهل المذاهب الأربعة كالذى أفتى في هذه المسألة ( ~~مسألة الزيارة ) فإن الذى قاله هو قول جميع أهل المذاهب الأربعة بل وقول ~~جميع علماء المسلمين قد ذكروا ما اجمعوا عليه وما تنازعوا فيه وإما ان يكون ~~ما افتى به فيها قول بعض الأئمة الأربعة أو بعض المنتسبين إليهم ( كمسائل ~~الطلاق ) فإن مسائل النزاع فيها قد تنازع فيها أهل المذاهب الأربعة والمفتى ~~PageV27P304 المذكور لم يفت فيها إلا بما قاله بعضهم وما يمكن الإفتاء فيها ~~إلا بذلك ومن أنكر مالا يعلمه وحكم بلا علم وخالف النص والإجماع كان حكمه ~~باطلا بالإجماع # ( الحادى والثلاثون ( أن قولهم يحبس إذا لم يمتنع من ذلك ويشهر أمره ~~ليتحفظ الناس من الإقتداء به وإنما يستحق ذلك من أظهر البدعة في دين ~~المسلمين وإستحبها ودعا إليها الناس وحكم بعقوبة من أمر بالسنة ودعا إليها ~~والسفر إلى زيارة القبور هي البدعة ms7828 التى لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين ~~وكذلك جعل زيارة القبور جنسا واحدا لا يفرق بين الزيارة الشرعية والزيارة ~~البدعية خطأ بإتفاق المسلمين وكذلك التسوية بين ( الزيارة النبوية الشرعية ~~( التى يسافر فيها المسلمون إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~السفر إلى زيارة قبر غيره كل ذلك مخالف لسنة رسول الله ولإجماع أمته فمن ~~أمر بذلك كان أحق بالمنع ويشهر خطاه ليتحفظ الناس من الإقتداء به أولى ممن ~~أفتى بالسنة والإجماع مع ان الله سبحانه هو الفاعل لذلك فهو الذى يظهر خطأ ~~هؤلاء في مشارق الأرض ومغاربها في هذا الزمان وما بعده من الأزمنة كما فعله ~~في سائر من إبتدع في الدين وخالف شريعة سيد المرسلين فإن المفتى ذكر في ~~الجواب ما إتفق المسلمون على إستحبابه PageV27P305 وما إتفقوا على النهى ~~عنه وما تنازعوا فيه ولم ينه عن الزيارة مطلقا لا لفظا ولا معنى والإجماع ~~الذى ذكروه هو موافق لما ذكره لا مخالف له فالزيارة التى أجمع المسلمون ~~عليها هو من أعظم القائلين بإستحبابها لا يجعل المستحب مسمى الزيارة ويسوى ~~بين دين الرحمن ودين الشيطان كما فعل هؤلاء وانكروا على من فرق بين دين ~~الرحمن ودين الشيطان # ( الثانى والثلاثون ( ان قبول قول الحاكم وغيره بلا حجة مع مخالفته للسنة ~~مخالف لإجماع المسلمين وإنما هو دين النصارى الذين إتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون قال النبى ( أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم ~~الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم ( والمسلمون متفقون على أن ما ~~تنازعوا فيه يجب رده إلى الله والرسول وهؤلاء لم يردوا ما تنازع فيه ~~المسلمون إلى الله والرسول بل حكموا برده بقولهم وهذا باطل بإجماع المسلمين # وايضا فحكموا بقول ثالث خلاف قولى علماء المسلمين فخرجوا وحكمهم عن إجماع ~~المسلمين وهذا باطل بإجماع المسلمين PageV27P306 ( الثالث والثلاثون ) ان ~~كلامهم تضمن الإعتراف بأن ما افتى به المفتى هو قول بعض علماء المسلمين ~~وحينئذ فما تنازع ms7829 فيه المسلمون يجب رده إلى الله والرسول ولا يحكم فيه إلا ~~كتاب الله أوسنة نبيه وهؤلاء حكموا فيما تنازع فيه المسلمون بغير كتاب الله ~~ولا سنة رسوله ومثل هذا الحكم باطل بإجماع المسلمين وهذا لو كان ما أفتى به ~~قول بعضهم فكيف وهو ذكر القولين اللذين إتفق المسلمون عليهما والقول الذى ~~انكروه هو قول الأئمة الكبار وقولهم لم ينقله أحد من الأئمة الكبار ولا ~~الصغار # ( الرابع والثلاثون ( انه لو قدر أن المفتى أفتى بالخطأ فالعقوبة لا تجوز ~~إلا بعد إقامة الحجة فالواجب ان تبين دلالة الكتاب والسنة على خطئه ويجاب ~~عما إحتج به فإنه لابد من ذكر الدليل والجواب عن المعارض وإلا فإذا كان مع ~~هذا حجة ومع هذا حجة لم يجز تعيين الصواب مع أحدهما إلا بمرجح وهؤلاء لم ~~يفعلوا شيئا من ذلك فلو كان المفتى مخطئا لم يقيموا عليه فكيف إذا كان هو ~~المصيب وهم المخطئون فحكم مثل هؤلاء الحكام باطل بالإجماع # ( الخامس والثلاثون ( أن المفتى إذا تبينت له الأدلة الشرعية فإن تبين له ~~الصواب وإلا كان له أسوة أمثاله من العلماء الذين يقولون قولا مرجوحا ~~ومعلوم أن هؤلاء يستحقون العقوبة والحبس والمنع عن PageV27P307 الفتيا ~~مطلقا بإجماع المسلمين وهذا الحكم باطل بإجماع المسلمين # ( السادس والثلاثون ( إن إلزام الناس بما لم يلزمهم به الله ورسوله ~~ومنعهم أن يتبعوا ما جاء به الكتاب والسنة حرام بإجماع المسلمين والحكم به ~~باطل بإجماع المسلمين وهؤلاء لم يستدلوا على ما قالوه بكتاب الله ولا سنة ~~رسوله ولا أجابوا عن حجة من إحتج بالكتاب والسنة ومثل هذا الإلزام والحكم ~~به باطل بالإجماع # ( السابع والثلاثون ( إن علماء المسلمين إذا تنازعوا في مسألة على قولين ~~لم يكن لمن بعدهم أحداث قول ثالث بل القول الثالث يكون مخالفا لإجماعهم ~~والمسلمون تنازعوا في السفر لغير المساجد الثلاثة على قولين هل هو حرام أو ~~جائز غير مستحب فإستحباب ذلك قول ثالث مخالف للإجماع وليس من علماء ~~المسلمين من قال يستحب السفر لزيارة القبور ولا يستحب إلى المساجد بل السفر ms7830 ~~إلى المساجد قد نقل عن بعضهم أنه قال مستحب يجب بالنذر وأما السفر إلى ~~القبور لم يقل أحد منهم أنه مستحب ولا أنه يجب بالنذر وكلهم متفقون على أن ~~الذهاب إلى المساجد أفضل من الذهاب إلى القبور فإن زيارة الأنبياء ~~والصالحين حيث كانت مشروعة فلا تشرع في اليوم والليلة خمس مرات والمسجد ~~مشروع إتيانه في اليوم والليلة خمس مرات فإتيانه أولى من إتيانها بالإجماع ~~PageV27P308 # ( الثامن والثلاثون ( إن إتيان مسجد رسول الله وقصد ذلك والسفر لذلك أولى ~~من إتيان قبره لو كانت الحجرة مفتوحة والسفر إليه بإجماع المسلمين فإن ~~الصحابة كانوا يأتون مسجده في اليوم والليلة خمس مرات والحجرة إلى جانب ~~المسجد لم يدخلها أحد منهم لأنهم قد علموا أنه نهاهم أن يتخذوا القبور ~~مساجد وأن يتخذوا قبره عيدا أو وثنا وأنه قال لهم ( صلوا على حيثما كنتم ( ~~وكذلك قد علموا أن صلاتهم وسلامهم عليه في المسجد أولى من عند قبره وكل من ~~يسافر للزيارة فسفره إنما يكون إلى المسجد سواء قصد ذلك أو لم يقصده والسفر ~~إلى المسجد مستحب بالنص والإجماع # والمجيب قد ذكر في الجواب الزيارة المجمع عليها والمتنازع فيها وهؤلاء ~~أعرضوا عن الأمر بما امر الله به ورسوله وعلماء أمته وعن إستحباب ما أحبه ~~الله ورسوله وجميع علماء أمته وفهموا من كلام العلماء ما لم يقصدوه فإن ~~القاضي عياض الذى حكى الفاظه قد صرح بما صرح به إمامه وجمهور أصحابه أنه لا ~~يجوز السفر إلى غير المساجد الثلاثة وهو لم يذكر إستحباب قصد القبر دون ~~المسجد بل ذكر ما نقله عن العلماء في فضل زيارة الرسول ما بين به مراده ~~وذكر عن مالك أنه كره أن يقف بعد السلام وهذا كراهته لزيارة أكثر العامة ~~وهؤلاء PageV27P309 جعلوا مسمى الزيارة مستحبا وأنكروا على من فصل بين ~~الزيارة الشرعية والبدعية وذكر أن أهل المدينة يكره لهم الوقوف عند القبر ~~وإن قصدوا مجرد السلام إلا عند السفر وذكر ايضا أنه يستحب قصد المسجد وأن ~~هذا لم يزل المسلمون يفعلونه فقال ( فصل في ms7831 حكم زيارة قبره ( وزيارة قبره ~~سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها قال وكره مالك أن يقال زرنا ~~قبر النبى ثم قال ( وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه ومما لم يزل من شأن من حج ~~المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود ~~الذى كان يستند عليه وينزل جبرائيل بالوحى فيه عليه وبمن عمره وقصده من ~~الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين والإعتبار بذلك كله # فقد بين أن الإجماع الذى حكوه يتضمن قصد الصلاة في مسجده وإن القبر من ~~جملة آثاره وهؤلاء زعموا أنه حكى الإجماع على السفر إلى مجرد القبر وهو لم ~~يذكر ذلك ولا ما يدل عليه بل ذكر خلاف ذلك من وجوه وهؤلاء أخطأؤا عليه فيما ~~نقله ولم يعرفوا ما في ذلك من السنة والإجماع وهذا الحكم باطل بالإجماع ~~PageV27P310 # ( الوجه التاسع والثلاثون ( أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أفتى في ~~عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله الثابتة عنه وخلاف ما عليه الخلفاء الراشدون ~~لم يجز منعه من الفتيا مطلقا بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه فما زال في كل ~~عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك ~~فإبن عباس رضى الله عنهما كان يقول في ( المتعة والصرف ( بخلاف السنة ~~الصحيحة وقد أنكر عليه الصحابة ذلك ولم يمنعوه من الفتيا مطلقا بل بينوا له ~~سنة رسول الله المخالفة لقوله فعلى رضى الله عنه روى له عن النبى أنه حرم ~~المتعة وأبو سعيد الخدرى رضى الله عنه وغيره رووا له تحريمه لربا الفضل ولم ~~يردوا فتياه لمجرد قولهم وحكمهم ويمنعوه من الفتيا مطلقا ومثل هذا كثير ~~فالمنع العام حكم بغير ما أنزل الله وهو باطل بإتفاق المسلمين لو كان ما ~~نازعوه فيه مخالفا للسنة فكيف إذا كانت معه بل ومعه إجماع علماء المسلمين ~~فيما أنكروه من مسائل الزيارة وهذا مما يبين أن هذا الحكم من أبطل حكم في ms7832 ~~الإسلام ومن أعظم التغيير لدين الإسلام بإجماع المسلمين # ( الوجه الموفى أربعين ( إن هذه المسائل يعرفها علماء المسلمين من زمن ~~رسول الله وإلى هذا الوقت فإن جميع المسلمين PageV27P311 يحتاجون إليها ~~فيمتنع أن يعرف بعض الناس فيها الحق دون السلف والأئمة والمجيب قد صنف فيها ~~مجلدات بين فيها أقوال الصحابة وافعالهم وأقوال علماء المسلمين ما أجمعوا ~~عليه وما تنازعوا فيه وبين الأحاديث النبوية صحيحها وضعيفها وكلام العلماء ~~فيها وبين خطأ من نازعه ممن صنف في ذلك وبسط القول في ذلك وهؤلاء لو كانوا ~~قد قالوا ببعض أقاويل العلماء فلم يأتوا عليه بحجة فكيف وقد قالوا ما يخالف ~~سنة رسول الله وإجماع علماء المسلمين في مثل هذا الأمر العظيم الذى قد بينه ~~الرسول لأمته وعرف ذلك علماء أمته قرنا بعد قرن إلى هذا الزمان ومعلوم أن ~~مثل هذا الحكم باطل بإجماع المسلمين # ( الوجه الحادى والأربعون ( أنهم لو قالوا ببعض أقوال العلماء فظنوا أنه ~~لا تنازع فيه كانوا عددا مثل من يظن أن السنة للزائر أن يقف عند القبر ~~ويستقبله ويسلم عليه وقد يظن ذلك إجماعا وهو غالط فإن من العلماء من لم ~~يستحب إستقبال القبلة ومنهم من لم يستحب الوقوف عند القبر كما قد بين النقل ~~عنهم في مواضعه وأما هؤلاء فحكموا بقول لم يقله أحد من علماء المسلمين وذلك ~~باطل بإلإجماع # ( الثانى والأربعون ( أن ما قالوه لو قاله مفت لوجب الإنكار عليه ~~PageV27P312 ومنعه وحبسه إن لم ينته عن الإفتاء به لأنه مخالف للسنة ~~والإجماع فكيف إذا قاله حاكم يلزم الناس به وهو أولى بالمنع والعقوبة على ~~ذلك كأهل البدع من الخوارج والرافضة وغيرهم والذين يبتدعون بدعة يلزمون بها ~~الناس ويعادون من خالفهم فيها ويستحلون عقوبته والبدع المتضمنة للشرك ~~وإتخاذ القبور أوثانا والحج إليها ودعاء غير الله وعبادته من بدع الخوارج ~~والروافض والله أعلم والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ~~PageV27P313 ### || 1 ( الجواب الباهر في زوار المقابر ) 1 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ( بسم الله الرحمن الرحيم ( # وحسبنا الله ms7833 ونعم الوكيل ( # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما # أما بعد يقول أحمد بن تيمية إننى لما علمت مقصود ولى الأمر السلطان أيده ~~الله وسدده فيما رسم به كتبت إذ ذاك كلاما مختصرا لأن الحاضر إستعجل ~~بالجواب وهذا فيه شرح الحال أيضا مختصرا وإن رسم ولى الأمر أيده الله وسدده ~~أحضرت له كتبا كثيرة من كتب المسلمين قديما وحديثا مما فيه كلام النبى صلى ~~الله عليه PageV27P314 وسلم والصحابة والتابعين وكلام أئمة المسلمين ~~الأربعة وغير الأربعة وأتباع الأربعة مما يوافق ما كتبته في الفتيا فإن ~~الفتيا مختصرة لا تحتمل البسط ولا يقدر أحد أن يذكر خلاف ذلك لا عن النبى ~~ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم # وإنما خالف ذلك من يتكلم بلا علم وليس معه بما يقوله نقل لا عن النبى ولا ~~عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمة المسلمين ولا يمكنه أن يحضر كتابا ~~من الكتب المعتمدة عن أئمة المسلمين بما يقوله ولا يعرف كيف كان الصحابة ~~والتابعون يفعلون في زيارة قبر النبى وغيره وأنا خطى موجود بما أفتيت به ~~وعندى مثل هذا كثير كتبته بخطى ويعرض على جميع من ينسب إلى العلم شرقا ~~وغربا فمن قال إن عنده علما يناقض ذلك فليكتب خطه بجواب مبسوط يعرف فيه من ~~قال هذا القول قبله وما حجتهم في ذلك وبعد ذلك فولى الأمر السلطان أيده ~~الله إذا رأى ما كتبته وما كتبه غيرى فأنا أعلم أن الحق ظاهر مثل الشمس ~~يعرفه أقل غلمان السلطان الذى ما رؤى في هذه الأزمان سلطان مثله زاده الله ~~علما وتسديدا وتأييدا فالحق يعرفه كل أحد فإن الحق الذى بعث الله به الرسل ~~لا يشتبه بغيره PageV27P315 على العارف كما لا ms7834 يشتبه الذهب الخالص بالمغشوش ~~على الناقد والله تعالى أوضح الحجة وأبان المحجة بمحمد خاتم المرسلين وافضل ~~النبيين وخير خلق الله اجمعين فالعلماء ورثة الأنبياء عليهم بيان ما جاء به ~~الرسول ورد ما يخالفه # فيجب أن يعرف ( اولا ( ما قاله الرسول فإن الأحاديث المكذوبة كثيرة وبعض ~~المنتسبين إلى العلم قد صنف في هذه المسألة وما يشبهها مصنفا ذكر فيه من ~~الكذب على رسول الله وعلى الصحابة الوانا يغتر بها الجاهلون وهو لم يتعمد ~~الكذب بل هو محب للرسول صلى الله عليه وسلم معظم له لكن لا خبرة له ~~بالتمييز بين الصدق والكذب فإذا وجد بعض المصنفين في فضائل البقاع وغيرها ~~قد نسب حديثا إلى النبى أو إلى الصحابة إعتقده صحيحا وبنى عليه ويكون ذلك ~~الحديث ضعيفا بل كذبا عند أهل المعرفة بسنته صلى الله عليه وسلم # ثم إذا ميز العالم بين ما قاله الرسول وما لم يقله فإنه يحتاج أن يفهم ~~مراده ويفقه ما قاله ويجمع بين الأحاديث ويضم كل شكل إلى شكله فيجمع بين ما ~~جمع الله بينه ورسوله ويفرق بين ما فرق الله بينه ورسوله فهذا هو العلم ~~الذى ينتفع به المسلمون ويجب تلقيه وقبوله وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة ~~وغيرهم PageV27P316 رضى الله عنهم أجمعين # وولى الأمر سلطان المسلمين أيده الله وسدده هو أحق الناس بنصر دين ~~الإسلام وما جاء به الرسول عليه السلام وزجر من يخالف ذلك ويتكلم في الدين ~~بلا علم ويأمر بما نهى عنه رسول الله ومن يسعى في إطفاء دينه إما جهلا وإما ~~هوى وقد نزه الله رسوله عن هذين الوصفين فقال تعالى @QB@ والنجم إذا هوى ما ~~ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ وقال تعالى ~~عن الذين يخالفونه @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ~~ربهم الهدى @QE@ ويخالفون شريعته وما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة ~~المسلمين الذين يعرفون سنته ومقاصده ويتحرون متابعته بحسب جهدهم رضى الله ~~عنهم أجمعين ( # فولى الأمر السلطان أعزه الله إذا تبين ms7835 له الأمر فهو صاحب السيف الذى هو ~~أولى الناس بوجوب الجهاد في سبيل الله باليد لتكون كلمة الله هي العليا ~~ويكون الدين كله لله ويبين تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله وتظهر حقيقة التوحيد ورسالة الرسول الذى جعله الله أفضل الرسل وخاتمهم ~~ويظهر الهدى ودين الحق الذى بعث به والنور الذى أوحى إليه ويصان ذلك ~~PageV27P317 عن ما يخلطه به اهل الجهل والكذب الذين يكذبون على الله ورسوله ~~ويجهلون دينه ويحدثون في دينه من البدع ما يضاهى بدع المشركين وينتقصون ~~شريعته وسنته وما بعث به من التوحيد ففى تنقيص دينه وسنته وشريعته من ~~التنقص له والطعن عليه ما يستحق فاعله عقوبة مثله # فولاة أمور المسلمين احق بنصر الله ورسوله والجهاد في سبيله وإعلاء دين ~~الله وإظهار شريعة رسول الله التى هي أفضل الشرائع التى بعث الله بها خاتم ~~المرسلين وأفضل النبيين وما تضمنته من توحيد الله وعبادته لا شريك له وأن ~~يعبد بما أمر وشرع لا يعبد بالأهواء والبدع وما من الله به على ولاة الأمر ~~وما أنعم الله به عليهم في الدنيا وما يرجونه من نعمة الله في الآخرة إنما ~~هو بإتباعهم للرسول ونصر ما جاء به من الحق # وقد طلب ولى الأمر أيده الله وسدده المقصود بما كتبته والمقصود طاعة الله ~~عز وجل ورسوله وان نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا ولا تكون العبادة إلا ~~بشريعة رسول الله وهو ما أوجبه الله تعالى كالصلوات الخمس وصيام شهر رمضان ~~وحج البيت أو ندب إليه كقيام الليل PageV27P318 والسفر إلى مسجد رسول الله ~~والمسجد الأقصى للصلاة فيهما والقراءة والذكر والإعتكاف وغير ذلك مع ما في ~~ذلك من الصلاة والسلام على النبى عند دخول المسجد والخروج منه وفى الصلاة ~~والإقتداء بالنبى فيما كان يفعل في المساجد وفى زيارة القبور وغير ذلك فإن ~~الدين هو طاعته فيما أمر والإقتداء به فيما سنه لأمته فلا نتجاوز سنته فيما ~~فعله في عبادته مثل الذهاب إلى مسجد قباء والصلاة فيه وزيارة ms7836 شهداء أحد ~~وقبور أهل البقيع # فأما مالا يحبه الله ورسوله ولا هو مستحب فهذا ليس من العبادات والطاعات ~~التى يتقرب بها إلى الله عز وجل كعبادات أهل البدع من المشركين وأهل الكتاب ~~ومن ضاهاهم فإن لهم عبادات ما أنزل الله بها كتابا ولا بعث بها رسولا مثل ~~عبادات المخلوقين كعبادات الكواكب أو الملائكة أو الأنبياء أو عبادة ~~التماثيل التى صورت على صورهم كما تفعله النصارى في كنائسهم يقولون إنهم ~~يستشفعون بهم وفى الصحيح أن النبى كان يقول في خطبته ( خير الكلام كلام ~~الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة أى ما كان ~~بدعة في الشرع وقد يكون مشروعا لكنه إذا فعل بعده سمى بدعة كقول عمر رضى ~~PageV27P319 الله عنه في قيام رمضان لما جمعهم على قارئ واحد فقال نعمت ~~البدعة هذه والتى ينامون عنها أفضل وقيام رمضان قد سنة رسول الله فقال ( إن ~~الله قد فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه ( وكانوا على عهده صلى الله ~~عليه وسلم يصلون أوزاعا متفرقين يصلى الرجل وحده ويصلى الرجل ومعه جماعة ~~جماعة وقد صلى بهم النبى جماعة مرة بعد مرة وقال ( إن الرجل إذا صلى مع ~~الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ( لكن لم يداوم على الجماعة كالصلوات ~~الخمس خشية أن يفرض عليهم فلما مات أمنوا زيادة الفرض فجمعهم عمر على أبى ~~بن كعب # والنبى يجب علينا أن نحبه حتى يكون أحب إلينا من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا ~~وأهلنا واموالنا ونعظمه ونوقره ونطيعه باطنا وظاهرا ونوالى من يواليه ~~ونعادى من يعاديه ونعلم أنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته صلى الله عليه ~~وسلم ولا يكون وليا لله بل ولا مؤمنا ولا سعيدا ناجيا من العذاب إلا من آمن ~~به وإتبعه باطنا وظاهرا ولا وسيلة يتوسل إلى الله عز وجل بها إلا الإيمان ~~به وطاعته وهو أفضل الأولين والآخرين وخاتم النبيين والمخصوص يوم القيامة ~~بالشفاعة العظمى التى ميزه الله بها على سائر النبيين صاحب المقام المحمود ~~واللواء المعقود لواء ms7837 الحمد آدم فمن PageV27P320 دونه تحت لوائه وهو أول من ~~يستفتح باب الجنة فيقول الخازن من أنت فيقول أنا محمد فيقول بك أمرت أن لا ~~أفتح لأحد قبلك وقد فرض على أمته فرائض وسن لهم سننا مستحبة فالحج إلى بيت ~~الله فرض والسفر إلى مسجده والمسجد الأقصى للصلاة فيهما والقراءة والذكر ~~والدعاء والإعتكاف مستحب بإتفاق المسلمين وإذا أتى مسجده فإنه يسلم عليه ~~ويصلى عليه ويسلم عليه في الصلاة ويصلى عليه فيها فإن الله يقول ( إن الله ~~وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ( ~~ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا ومن سلم عليه سلم الله عليه عشرا # وطلب الوسيلة له كما ثبت في الصحيح أنه قال ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا ~~مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه بها عشرا ثم ~~سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله ~~وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم ~~القيامة ( رواه مسلم وروى البخارى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من قال ~~حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا ~~الوسيلة والفضيلة وإبعثه مقاما محمودا الذى وعدته إنك لا تخلف الميعاد حلت ~~له شفاعتى يوم القيامة ( وهذا مأمور به والسلام عليه عند PageV27P321 قبره ~~المكرم جائز لما في السنن عن النبى أنه قال ( ما من أحد يسلم على إلا رد ~~الله على روحى حتى أرد عليه السلام # وحيث صلى الرجل وسلم عليه من مشارق الأرض ومغاربها فإن الله يوصل صلاته ~~وسلامه إليه لما في السنن عن أوس بن أوس أن النبى قال ( أكثروا على من ~~الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة على قالوا وكيف تعرض ~~صلاتنا عليك وقد أرمت أى صرت رميما قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم ~~الأنبياء ( ولهذا قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيث ms7838 ما كنتم فإن ~~صلاتكم تبلغنى ( رواه أبوداود وغيره فالصلاة تصل إليه من البعيد كما تصل ~~إليه من القريب وفى النسائى عنه أنه قال ( إن لله ملائكة سياحين يبلغونى عن ~~أمتى السلام ( وقد أمرنا الله ان نصلى عليه وشرع ذلك لنا في كل صلاة أن ~~نثنى على الله بالتحيات ثم نقول ( السلام عليك أيها النبى ورحمة الله ~~وبركاته ( وهذا السلام يصل إليه من مشارق الأرض ومغاربها وكذلك إذا صلينا ~~عليه فقلنا ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد ( وكان المسلمون على عهده وعهد أبى بكر وعمر وعثمان وعلى يصلون ~~PageV27P322 في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة وكذلك يسلمون عليه إذا دخلوا ~~المسجد وإذا خرجوا منه ولا يحتاجون أن يذهبوا إلى القبر المكرم ولا أن ~~يتوجهوا نحو القبر ويرفعوا اصواتهم بالسلام كما يفعله بعض الحجاج بل هذا ~~بدعة لم يستحبها أحد من العلماء بل كرهوا رفع الصوت في مسجده وقد رأى عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه رجلين يرفعان اصواتهما في مسجده ورآهما غريبين فقال ~~أما علمتما أن الأصوات لا ترفع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~أنكما من اهل البلد لأوجعتكما ضربا وعذرهما بالجهل فلم يعاقبهما # وكان النبى لما مات دفن في حجرة عائشة رضى الله عنها وكانت هي وحجر نسائه ~~في شرقى المسجد وقبليه لم يكن شيء من ذلك داخلا في المسجد وإستمر الأمر على ~~ذلك إلى أن إنقرض عصر الصحابة بالمدينة ثم بعد ذلك في خلافة الوليد بن عبد ~~الملك بن مروان بنحو من سنة من بيعته وسع المسجد وأدخلت فيه الحجرة للضرورة ~~فإن الوليد كتب إلى نائبه عمر بن عبد العزيز أن يشترى الحجر من ملاكها ورثة ~~أزواج النبى فإنهن كن قد توفين كلهن رضى الله عنهن فأمره أن يشترى الحجر ~~ويزيدها في المسجد فهدمها وأدخلها في المسجد وبقيت حجرة عائشة على حالها ~~وكانت ms7839 مغلقة لا يمكن أحد من الدخول إلى قبر النبى صلى PageV27P323 الله ~~عليه وسلم لا لصلاة عنده ولا لدعاء ولا غير ذلك إلى حين كانت عائشة في ~~الحياة وهى توفيت قبل إدخال الحجرة بأكثر من عشرين أو ثلاثين سنة فإنها ~~توفيت في خلافة معاوية ثم ولى إبنه يزيد ثم إبن الزبير في الفتنة ثم عبد ~~الملك بن مروان ثم إبنه الوليد وكانت ولايته بعد ثمانين من الهجرة وقد مات ~~عامة الصحابة قيل أنه لم يبق بالمدينة إلا جابر بن عبد الله رضى الله عنهما ~~فإنه آخر من مات بها في سنة ثمان وسبعين قبل إدخال الحجرة بعشر سنين # ففى حياة عائشة رضى الله عنها كان الناس يدخلون عليها لسماع الحديث ~~ولإستفتائها وزيارتها من غير أن يكون إذا دخل أحد يذهب إلى القبر المكرم لا ~~لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك بل ربما طلب بعض الناس منها أن تريه القبور ~~فترية إياهن وهى قبور لا لاطئة ولا مشرفة مبطوحة ببطحاء العرصة وقد إختلف ~~هل كانت مسنمة أو مسطحة والذى في البخارى أنها مسنمة قال سفيان التمار إنه ~~رأى قبر النبى مسنما ولكن كان الداخل يسلم على النبى لقوله ( ما من أحد ~~يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام ( وهذا السلام مشروع ~~لمن كان يدخل الحجرة وهذا السلام هو القريب الذى يرد النبى على صاحبه وأما ~~السلام المطلق PageV27P324 الذى يفعل خارج الحجرة وفى كل مكان فهو مثل ~~السلام عليه في الصلاة وذلك مثل الصلاة عليه والله هو الذى يصلى على من ~~يصلى عليه مرة عشرا ويسلم على من يسلم عليه مرة عشرا فهذا هو الذى أمر به ~~المسلمون خصوصا للنبى بخلاف السلام عليه عند قبره فإن هذا قدر مشترك بينه ~~وبين جميع المؤمنين فإن كل مؤمن يسلم عليه عند قبره كما يسلم عليه في ~~الحياة عند اللقاء وأما الصلاة والسلام في كل مكان والصلاة على التعيين ~~فهذا إنما أمر به في حق النبى صلى الله عليه وسلم فهو الذى ms7840 أمر الله العباد ~~أن يصلوا عليه ويسلموا تسليما صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما فحجر ~~نسائه كانت خارجة عن المسجد شرقية وقبليه ولهذا قال ( ما بين بيتى ومنبرى ~~روضة من رياض الجنة ( هذا لفظ الصحيحين ولفظ ( قبرى ( ليس في الصحيح فإنه ~~حينئذ لم يكن قبر # ومسجده إنما فضل به صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذى بناه واسسه على ~~التقوى وقد ثبت في الصحيحين عنه أنه قال ( صلاة في مسجدى هذا خير من ألف ~~صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ( وجمهور العلماء على أن ~~المسجد الحرام أفضل المساجد والصلاة فيه بمائة ألف صلاة هكذا روى أحمد ~~والنسائى وغيرهما PageV27P325 بإسناد جيد والمسجد الحرام هو فضل به ~~وبإبراهيم الخليل فإن إبراهيم الخليل بنى البيت ودعا الناس إلى حجه بأمره ~~تعالى ولم يوجبه على الناس ولهذا لم يكن الحج فرضا في أول الإسلام وإنما ~~فرض في آخر الأمر والصحيح أنه إنما فرض سنة نزلت آل عمران لما وفد أهل ~~نجران سنة تسع أو عشر ومن قال في سنة ست فإنما إستدل بقوله تعالى @QB@ ~~وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ فإن هذه نزلت عام الحديبية بإتفاق الناس لكن ~~هذه الآية فيها الأمر بإتمامه بعد الشروع فيه ليس فيها إيجاب إبتداء به ~~فالبيت الحرام كان له فضيلة بناء إبراهيم الخليل ودعاء الناس إلى حجه وصارت ~~له فضيلة ثانية فإن محمدا هو الذى أنقذه من أيدى المشركين ومنعه منهم وهو ~~الذى أوجب حجه على كل مستطيع وقد حجه الناس من مشارق الأرض ومغاربها فعبد ~~الله فيه بسبب محمد أضعاف ما كان يعبد الله فيه قبل ذلك وأعظم مما كان يعبد ~~فإن محمدا سيد ولد آدم ( # ولما مات دفن في حجرة عائشة قالت قال رسول الله في مرض موته ( لعن الله ~~اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما فعلوا قالت عائشة ~~رضى الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره ان يتخذ مسجدا وفى صحيح ~~PageV27P326 مسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس ( إن من كان ms7841 قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وفى صحيح ~~مسلم أيضا أنه قال ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ( فنهى عن إتخاذ ~~القبور مساجد وعن الصلاة إليها ولعن اليهود والنصارى لكونهم إتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد لأن هذا كان هو أول اسباب الشرك في قوم نوح قال الله تعالى ~~عنهم @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا وقد أضلوا كثيرا @QE@ قال إبن عباس وغيره من السلف هؤلاء كانوا قوما ~~صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم ~~عبدوهم فهو لكمال نصحه لأمته حذرهم أن يقعوا فيما وقع فيه المشركون وأهل ~~الكتاب فنهاهم عن إتخاذ القبور مساجد وعن الصلاة إليها لئلا يتشبهوا ~~بالكفار كما نهاهم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لئلا يتشبهوا ~~بالكفار # ولهذا لما أدخلت الحجرة في مسجده المفضل في خلافة الوليد بن عبد الملك ~~كما تقدم بنوا عليها حائطا وسنموه وحرفوه لئلا يصلى أحد إلى قبره الكريم ~~وفى موطأ مالك عنه أنه قال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد إشتد غضب الله ~~على قوم PageV27P327 اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وقد إستجاب الله دعوته ~~فلم يتخذ ولله الحمد وثنا كما إتخذ قبر غيره بل ولا يتمكن أحد من الدخول ~~إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة وقبل ذلك ما كانوا يمكنون احدا من أن يدخل ~~إليه ليدعو عنده ولا يصلي عنده ولا غير ذلك مما يفعل عند قبر غيره لكن من ~~الجهال من يصلى إلى حجرته أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهى عنه وهذا إنما ~~يفعل خارجا عن حجرته لا عند قبره وإلا فهو ولله الحمد استجاب الله دعوته ~~فلم يمكن أحد قط أن يدخل إلى قبره فيصلى عنده أو يدعو أو يشرك به كما فعل ~~بغيره اتخذ قبره وثنا فإنه في حياة عائشة رضى الله عنها ما كان أحد يدخل ~~إلا لأجلها ولم تكن تمكن أحدا أن يفعل عند قبره ms7842 شيئا مما نهى عنه وبعدها ~~كانت مغلقة إلى أن أدخلت في المسجد فسد بابها وبنى عليها حائط آخر كل ذلك ~~صيانه له صلى الله عليه وسلم أن يتخذ بيته عيدا وقبره وثنا وإلا فمعلوم أن ~~أهل المدينة كلهم مسلمون ولا يأتى إلى هناك إلا مسلم وكلهم معظمون للرسول ~~وقبور آحاد أمته في البلاد معظمة فما فعلوا ذلك ليستهان بالقبر المكرم بل ~~فعلوه لئلا يتخذ وثنا يعبد ولا يتخذ بيته عيدا ولئلا يفعل به كما فعل أهل ~~الكتاب بقبور أنبيائهم والقبر المكرم في الحجرة إنما عليه بطحاء وهو الرمل ~~الغليظ ليس عليه حجارة ولا خشب ولا هو مطين كما فعل بقبور غيره PageV27P328 # وهو صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن ذلك سدا للذريعة كما نهى عن الصلاة ~~وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لئلا يفضى ذلك إلى الشرك ودعا الله عز وجل أن ~~لا يتخذ قبره وثنا يعبد فإستجاب الله دعاءه فلم يكن مثل الذين إتخذت قبورهم ~~مساجد فإن احدا لا يدخل عند قبره ألبته فإن من كان قبله من الأنبياء إذا ~~إبتدع أممهم بدعة بعث الله نبيا ينهى عنها وهو خاتم الأنبياء لا نبى بعده ~~فعصم الله امته أن تجتمع على ضلالة وعصم قبره المكرم أن يتخذ وثنا فإن ذلك ~~والعياذ بالله لو فعل لم يكن بعده نبي ينهى عن ذلك وكان الذين يفعلون ذلك ~~قد غلبوا الأمة وهو قد اخبر انه لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا ~~يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة فلم يكن لأهل البدع سبيل أن ~~يفعلوا بقبره المكرم كما فعل بقبور غيره ### ||| فصل # قد ذكرت فيما كتبته من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره كما يذكره ~~أئمة المسلمين في مناسك الحج عمل صالح PageV27P329 مستحب وقد ذكرت في عدة ( ~~مناسك الحج ( السنة في ذلك وكيف يسلم عليه وهل يستقبل الحجرة أم القبلة على ~~قولين فالأكثرون يقولون يستقبل الحجرة كمالك والشافعى وأحمد وأبو حنيفة ~~يقول يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره ms7843 في قول وخلفه في قول لأن الحجرة ~~المكرمة لما كانت خارجة عن المسجد وكان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن ~~أحد أن يستقبل وجهه صلى الله عليه وسلم ويستدبر القبلة كما صار ذلك ممكنا ~~بعد دخولها في المسجد بل كان إن إستقبل القبلة صارت عن يساره وحينئذ فإن ~~كانوا يستقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الأكثرين أرجح وإن كانوا يستقبلون ~~القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبى حنيفة أرجح # والصلاة تقصر في هذا السفر المستحب بإتفاق أئمة المسلمين لم يقل أحد من ~~أئمة المسلمين إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة ولا نهى أحد عن السفر إلى ~~مسجده وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره بل هذا من افضل الأعمال الصالحة ~~ولا في شيء من كلامى وكلام غيرى نهى عن ذلك ولا نهى عن المشروع في زيارة ~~قبور الأنبياء والصالحين ولا عن المشروع في زيارة سائر القبور بل قد ذكرت ~~في غير موضع إستحباب زيارة القبور كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يزور ~~أهل البقيع وشهداء أحد ويعلم أصحابه PageV27P330 إذا زاروا القبور أن يقول ~~قائلهم ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله ~~بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ~~ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وإغفر لنا ولهم ( وإذا ~~كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبور الأنبياء والصالحين أولى ~~لكن رسول الله له خاصية ليست لغيره من الأنبياء والصالحين وهو أنا أمرنا أن ~~نصلى عليه وأن نسلم عليه في كل صلاة ويتأكد ذلك في الصلاة وعند الأذان ~~وسائر الأدعية وأن نصلى ونسلم عليه عند دخول المسجد مسجده وغير مسجده وعند ~~الخروج منه فكل من دخل مسجده فلابد أن يصلى فيه ويسلم عليه في الصلاة ~~والسفر إلى مسجده مشروع لكن العلماء فرقوا بينه وبين غيره حتى كره مالك ~~رحمه الله أن يقال زرت قبر النبى لأن المقصود الشرعى بزيارة القبور السلام ~~عليهم والدعاء لهم وذلك السلام والدعاء قد حصل ms7844 على أكمل الوجوه في الصلاة ~~في مسجده وغير مسجده وعند سماع الأذان وعند كل دعاء فتشرع الصلاة عليه عند ~~كل دعاء فإنه @QB@ أولى بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ # ولهذا يسلم المصلى عليه في الصلاة قبل أن يسلم على نفسه وعلى سائر عباد ~~الله الصالحين فيقول ( السلام عليك أيها النبى ورحمة الله PageV27P331 ~~وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ( ويصلى عليه فيدعو له قبل ~~أن يدعو لنفسه واما غيره فليس عنده مسجد يستحب السفر إليه كما يستحب السفر ~~إلى مسجده وإنما يشرع أن يزار قبره كما شرعت زيارة القبور وأما هو فشرع ~~السفر إلى مسجده ونهى عما يوهم أنه سفر إلى غير المساجد الثلاثة # ويجب الفرق بين الزيارة الشرعية التى سنها رسول الله وبين الزيارة ~~البدعية التى لم يشرعها بل نهى عنها مثل إتخاذ قبور الأنبياء والصالحين ~~مساجد والصلاة إلى القبر وإتخاذه وثنا وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال ( ~~لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدى هذا والمسجد ~~الأقصى ( حتى أن أبا هريرة سافر إلى الطور الذى كلم الله عليه موسى بن ~~عمران عليه السلام فقال له بصرة بن أبى بصرة الغفارى لو أدركتك قبل أن تخرج ~~لما خرجت سمعت رسول الله يقول ( لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام ومسجدى هذا ومسجد بيت المقدس ( فهذه المساجد شرع السفر إليها لعبادة ~~الله فيها بالصلاة والقراءة والذكر والدعاء والإعتكاف والمسجد الحرام مختص ~~بالطواف لا يطاف بغيره # وما سواه من المساجد إذا أتاها الإنسان وصلى فيها من غير سفر PageV27P332 ~~كان ذلك من أفضل الأعمال كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~انه قال ( من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد كانت خطواته إحداهما تحط ~~خطيئة والأخرى ترفع درجة والعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة والملائكة ~~تصلى على أحدكم ما دام في مصلاه الذى صلى فيه اللهم إغفر له اللهم إرحمه ~~مالم يحدث ( ولو سافر من بلد إلى بلد مثل أن سافر إلى دمشق من ms7845 مصر لأجل ~~مسجدها أو بالعكس أو سافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعا ~~بإتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم ولو نذر ذلك لم يف بنذره بإتفاق الأئمة ~~الأربعة وغيرهم إلا خلاف شاذ عن الليث بن سعد في المساجد وقاله بن مسلمة من ~~أصحاب مالك في مسجد قباء خاصة ولكن إذا أتى المدينة إستحب له أن يأتى مسجد ~~قباء ويصلى فيه لأن ذلك ليس بسفر ولا بشد رحل لأن النبى صلى الله عليه وسلم ~~كان يأتى مسجد قباء راكبا وماشيا كل سبت ويصلى فيه ركعتين وقال ( من تطهر ~~في بيته ثم أتى مسجد قباء كان له كعمرة ( رواه الترمذى وإبن أبى شيبة وقال ~~سعد بن أبى وقاص وإبن عمر صلاة فيه كعمرة # ولو نذر المشى إلى مكة للحج والعمرة لزمه باتفاق المسلمين ولو نذر أن ~~يذهب إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس ففيه قولان PageV27P333 ( أحدهما ( ~~ليس عليه الوفاء وهو قول أبى حنيفة وأحد قولى الشافعى لأنه ليس من جنسه ما ~~يجب بالشرع ( والثانى ( عليه الوفاء وهو مذهب مالك وأحمد بن حنبل والشافعى ~~في قوله الآخر لأن هذا طاعة لله وقد ثبت في صحيح البخارى عن النبى أنه قال ~~( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه # ولو نذر السفر إلى غير المساجد أو السفر إلى مجرد قبر نبى أو صالح لم ~~يلزمه الوفاء بنذره بإتفاقهم فإن هذا السفر لم يأمر به النبى بل قد قال ( ~~لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدى هذا والمسجد ~~الأقصى ( وإنما يجب بالنذر ما كان طاعة وقد صرح مالك وغيره بأن من نذر ~~السفر إلى المدينة النبوية إن كان مقصوده الصلاة في مسجد رسول الله وفى ~~بنذره وإن كان مقصوده مجرد زيارة القبر من غير صلاة في المسجد لم يف بنذره ~~لأن النبى قال ( لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد ( والمسألة ذكرها ~~القاضي إسماعيل بن إسحاق في ( المبسوط ( ومعناها ( في المدونة ( و ( الخلاف ~~( وغيرهما من ms7846 كتب أصحاب مالك يقول إن من نذر إتيان مسجد النبى لزمه الوفاء ~~بنذره لأن المسجد لا يؤتى إلا PageV27P334 للصلاة ومن نذر إتيان المدينة ~~النبوية فإن كان قصده الصلاة في المسجد وفى بنذره وإن قصد شيئا آخر مثل ~~زيارة من بالبقيع أو شهداء أحد لم يف بنذره لأن السفر إنما يشرع إلى ~~المساجد الثلاثة وهذا الذى قاله مالك وغيره ما علمت أحدا من أئمة المسلمين ~~قال بخلافة بل كلامهم يدل على موافقته # وقد ذكر أصحاب الشافعى واحمد في السفر لزيارة القبور قولين التحريم ~~والإباحة وقدماؤهم وأئمتهم قالوا أنه محرم وكذلك أصحاب مالك وغيرهم وإنما ~~وقع النزاع بين المتأخرين لأن قوله ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ( ~~صيغة خبر ومعناه النهى فيكون حراما وقال بعضهم ليس بنهى وإنما معناه أنه لا ~~يشرع وليس بواجب ولا مستحب بل مباح كالسفر في التجارة وغيرها # فيقال له تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة بل يقصد بها مصلحة دنيوية ~~مباحة والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة والعبادة إنما تكون بواجب أو ~~مستحب فإذا حصل الإتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان ~~من فعله على وجه التعبد مبتدعا مخالفا للإجماع والتعبد بالبدعة ليس بمباح ~~لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر فإذا بينت له السنة لم يجز له ~~مخالفة النبى صلى الله PageV27P335 عليه وسلم ولا التعبد بما نهى عنه كما ~~لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند غروبها وكما لا يجوز صوم يوم ~~العيدين وإن كانت الصلاة والصيام من أفضل العبادات ولو فعل ذلك إنسان قبل ~~العلم بالسنة لم يكن عليه إثم فالطوائف متفقة على أنه ليس مستحبا وما علمت ~~أحدا من ائمة المسلمين قال إن السفر إليها مستحب وإن كان قاله بعض الأتباع ~~فهو ممكن وأما الأئمة المجتهدون فما منهم من قال هذا وإذا قيل هذا كان قولا ~~ثالثا في المسألة وحينئذ فيبين لصاحبه ان هذا القول خطأ مخالف للسنة ~~ولإجماع الصحابة فإن الصحابة رضوان الله ms7847 عليهم أجمعين في خلافة أبى بكر ~~الصديق وعمر وعثمان وعلى ومن بعدهم إلى إنقراض عصرهم لم يسافر أحد منهم إلى ~~قبر نبى ولا رجل صالح # و ( قبر الخليل عليه السلام ( بالشام لم يسافر إليه أحد من الصحابة ~~وكانوا يأتون البيت المقدس فيصلون فيه ولا يذهبون إلى قبر الخليل عليه ~~السلام ولم يكن ظاهرا بل كان في البناء الذى بناه سليمان بن داود عليهما ~~السلام ولا كان ( قبر يوسف الصديق ( يعرف ولكن أظهر ذلك بعد أكثر من ~~ثلاثمائة سنة من الهجرة ولهذا وقع فيه نزاع فكثير من اهل العلم ينكره ونقل ~~ذلك عن مالك وغيره لأن الصحابة لم يكونوا يزورونه فيعرف ولما إستولى ~~PageV27P336 النصارى على الشام نقبوا البناء الذى كان على الخليل عليه ~~السلام وإتخذوا المكان كنيسة # ثم لما فتح المسلمون البلد بقى مفتوحا واما على عهد الصحابة فكان قبر ~~الخليل مثل قبر نبينا ولم يكن أحد من الصحابة يسافر إلى المدينة لأجل قبر ~~النبى صلى الله عليه وسلم بل كانوا يأتون فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في ~~الصلاة ويسلم من يسلم عند دخول المسجد والخروج منه وهو مدفون في حجرة عائشة ~~رضى الله عنها فلا يدخلون الحجرة ولا يقفون خارجا عنها في المسجد عند السور ~~وكان يقدم في خلافة أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب أمداد اليمن الذين فتحوا ~~الشام والعراق وهم الذين قال الله فيهم @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه @QE@ ويصلون في مسجده كما ذكرنا ولم يكن أحد يذهب إلى القبر ولا ~~يدخل الحجرة ولا يقوم خارجها في المسجد بل السلام عليه من خارج الحجرة ~~وعمدة مالك وغيره فيه على فعل إبن عمر رضى الله عنهما # وبكل حال فهذا القول لو قاله نصف المسلمين لكان له حكم أمثاله من الأقوال ~~في مسائل النزاع فأما أن يجعل هو الدين الحق وتستحل عقوبة من خالفه أو يقال ~~بكفره فهذا خلاف إجماع المسلمين وخلاف ما جاء به الكتاب والسنة فإن كان ~~المخالف للرسول PageV27P337 في هذه المسالة يكفر فالذى خالف سنته وإجماع ms7848 ~~الصحابة وعلماء أمته فهو الكافر ونحن لا نكفر أحدا من المسلمين بالخطأ لا ~~في هذه المسائل ولا في غيرها ولكن إن قدر تكفير المخطئ فمن خالف الكتاب ~~والسنة والإجماع إجماع الصحابة والعلماء أولى بالكفر ممن وافق الكتاب ~~والسنة والصحابة وسلف الأمة وائمتها فأئمة المسلمين فرقوا بين ما امر به ~~النبى وبين ما نهى عنه في هذا وغيره فما امر به هو عبادة وطاعة وقربة وما ~~نهى عنه بخلاف ذلك بل قد يكون شركا كما يفعله أهل الضلال من المشركين وأهل ~~الكتاب ومن ضاهاهم حيث يتخذون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين ويصلون ~~إليها وينذرون لها ويحجون إليها بل قد يجعلون الحج إلى بيت المخلوق أفضل من ~~الحج إلى بيت الله الحرام ويسمون ذلك الحج الأكبر وصنف لهم شيوخهم في ذلك ~~مصنفات كما صنف المفيد بن النعمان كتابا في مناسك المشاهد سماه ( مناسك حج ~~المشاهد ( وشبه بيت المخلوق ببيت الخالق # وأصل دين الإسلام أن نعبد الله وحده ولا نجعل له من خلقه ندا ولا كفوا ~~ولا سميا قال تعالى @QB@ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ وقال تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ~~@QE@ PageV27P338 وفى الصحيحين عن بن مسعود قال ( قلت يا رسول الله أى ~~الذنب اعظم قال ان تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أى قال أن تقتل ولدك خشية ~~أن يطعم معك قلت ثم أي قال أن تزانى بحليلة جارك ( فأنزل الله تصديق رسوله ~~@QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله @QE@ فمن سوى بين الخالق والمخلوق في الحب له أو الخوف منه والرجاء له ~~فهو مشرك والنبى نهى أمته عن دقيق الشرك وجليلة حتى قال ( من حلف بغير الله ~~فقد ms7849 أشرك ( رواه أبو داود وغيره وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال أجعلتنى ~~لله ندا بل ما شاء الله وحده وقال لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن ~~قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد وجاء معاذ بن جبل مرة فسجد له فقال ما هذا ~~يا معاذ فقال يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم فقال يا معاذ ~~إنه لا يصلح السجود إلا لله ولو كنت آمرا أحدا ان يسجد لأحد لأمرت المرأة ~~ان تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ( فلهذا فرق PageV27P339 النبى بين زيارة ~~أهل التوحيد وبين زيارة أهل الشرك فزيارة اهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن ~~السلام عليهم والدعاء لهم وهى مثل الصلاة على جنائزهم وزيارة أهل الشرك ~~تتضمن أنهم يشبهون المخلوق بالخالق ينذرون له ويسجدون له ويدعونه ويحبونه ~~مثل ما يحبون الخالق فيكونون قد جعلوه لله ندا وسووه برب العالمين # وقد نهى الله ان يشرك به الملائكة والأنبياء وغيرهم فقال تعالى @QB@ ما ~~كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا ~~لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ ~~قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون الأنبياء كالمسيح وعزير ويدعون ~~الملائكة فأخبرهم تعالى ان هؤلاء عبيده يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون ~~إليه بالأعمال # ونهى سبحانه أن يضرب له مثل بالمخلوق فلا يشبه بالمخلوق الذى PageV27P340 ~~يحتاج إلى الأعوان والحجاب ونحو ذلك قال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ms7850 فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ # ومحمد سيد الشفعاء لديه وشفاعته أعظم الشفاعات وجاهه عند الله أعظم ~~الجاهات ويوم القيامة إذا طلب الخلق الشفاعة من آدم ثم من نوح ثم من ~~إبراهيم ثم من موسى ثم من عيسى كل واحد يحيلهم على الآخر فإذا جاؤوا إلى ~~المسيح يقول إذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال ~~( فإذهب فإذا رأيت ربى خررت له ساجدا وأحمد ربى بمحامد يفتحها على لا ~~أحسنها الآن فيقال أى محمد إرفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه وإشفع تشفع قال ~~فيحد لى حدا فأدخلهم الجنة ( الحديث # فمن أنكر شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر فهو مبتدع ضال ~~كما ينكرها الخوارج والمعتزلة ومن قال إن مخلوقا يشفع عند الله بغير إذنه ~~فقد خالف إجماع المسلمين ونصوص القرآن قال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ PageV27P341 ~~وقال تعالى @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد ~~أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ وقال تعالى @QB@ وخشعت الأصوات للرحمن ~~فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له ~~قولا @QE@ وقال تعالى @QB@ ما من شفيع إلا من بعد إذنه @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ ومثل هذا في القرآن كثير فالدين ~~هو متابعة النبى بأن يؤمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه ويحب ما أحبه الله ~~ورسوله من الأعمال والأشخاص ويبغض ما أبغضه الله ورسوله من الأعمال ~~والأشخاص والله سبحانه وتعالى قد بعث رسوله محمدا بالفرقان ففرق بين هذا ~~وهذا فليس لأحد أن يجمع بين ما فرق الله بينه # فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول فصلى في ~~مسجده وصلى في مسجد قباء وزار القبور كما مضت به سنة رسول الله فهذا هو ~~الذى عمل العمل ms7851 الصالح ومن أنكر هذا السفر فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا ~~قتل وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في مسجده وسافر ~~إلى مدينته فلم يصل في مسجده ولا سلم عليه في الصلاة بل أتى القبر ثم رجع ~~فهذا مبتدع PageV27P342 ضال مخالف لسنة رسول الله ولإجماع اصحابه ولعلماء ~~أمته وهو الذى ذكر فيه القولان أحدهما أنه محرم والثانى أنه لا شيء عليه ~~ولا اجر له والذى يفعله علماء المسلمين هو الزيارة الشرعية يصلون في مسجده ~~ويسلمون عليه في الدخول للمسجد وفي الصلاة وهذا مشروع بإتفاق المسلمين # وقد ذكرت هذا في المناسك وفى الفتيا وذكرت أنه يسلم على النبى وعلى ~~صاحبيه وهذا هو الذى لم أذكر فيه نزاعا في الفتيا مع أن فيه نزاعا إذ من ~~العلماء من لا يستحب زيارة القبور مطلقا ومنهم من يكرهها مطلقا كما نقل ذلك ~~عن إبراهيم النخعى والشعبى ومحمد بن سيرين وهؤلاء من اجلة التابعين ونقل ~~ذلك عن مالك وعنه أنها مباحة ليست مستحبة وهو أحد القولين في مذهب أحمد لكن ~~ظاهر مذهبه ومذهب الجمهور أن الزيارة الشرعية مستحبة وهو أن يزور قبور ~~المؤمنين للدعاء لهم فيسلم عليهم ويدعو لهم وتزار قبور الكفار لأن ذلك يذكر ~~الآخرة # وأما النبى فله خاصة لا يماثله فيها أحد من الخلق وهو أن المقصود عند قبر ~~غيره من الدعاء له هو مأمور في حق الرسول في الصلوات الخمس وعند دخول ~~المساجد والخروج منها وعند الأذان وعند كل دعاء وهو قد نهى عن إتخاذ القبور ~~مساجد PageV27P343 ونهى أن يتخذ قبره عيدا وسأل الله أن لا يجعله وثنا يعبد ~~فمنع أحد أن يدخل إلى قبره فيزوره كما يدخل إلى قبر غيره وكل ما يفعل في ~~مسجده وغير مسجده من الصلاة والسلام عليه أمر خصه الله وفضله به على غيره ~~وأغناه بذلك عما يفعل عند قبر غيره وإن كان جائزا # وأما ( إتخاذ القبور مساجد ( فهذا ينهى عنه عند كل قبر وإن كان المصلى ~~إنما يصلى لله ولا يدعو إلا ms7852 الله فكيف إذا كان يدعو المخلوق أو يسجد له ~~وينذر له ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع والضلالة # وأما إذا قدر أن من أتى المسجد فلم يصل فيه ولكن أتى القبر ثم رجع فهذا ~~هو الذى انكره الأئمة كمالك وغيره وليس هذا مستحبا عند أحد من العلماء وهو ~~محل النزاع هل هو حرام أو مباح وما علمنا أحدا من علماء المسلمين إستحب مثل ~~هذا بل أنكروا إذا كان مقصوده بالسفر مجرد القبر من غير ان يقصد الصلاة في ~~المسجد وجعلوا هذا من السفر المنهى عنه ولا كان أحد من السلف يفعل هذا بل ~~كان الصحابة إذا سافروا إلى مسجده صلوا فيه وإجتمعوا بخلفائه مثل ابى بكر ~~وعمر وعثمان وعلي يسلمون عليه ويصلون عليه في الصلاة ويفعل ذلك من يفعله ~~منهم عند دخول المسجد والخروج منه ولم PageV27P344 يكونوا يذهبون إلى القبر ~~وهذا متواتر عنهم لا يقدر أحد ان ينقل عنهم أو عن واحد منهم أنه كان إذا ~~صلى خلف الخلفاء الراشدين يذهب في ذلك الوقت أو غيره يقف عند الحجرة خارجا ~~منها وأما دخول الحجرة فلم يكن يمكنهم # فإذا كانوا بعد السفر إلى مسجده يفعلون ما سنه لهم في الصلاة والسلام ~~عليه ولا يذهبون إلى قبره فكيف يقصدون أن يسافروا إليه أو يقصدون بالسفر ~~إليه دون الصلاة في المسجد ومن قال إن هذا مستحب فلينقل ذلك عن إمام من ~~أئمة المسلمين ثم إذا نقله يكون قائله قد خالف أقوال العلماء كما خالف ~~فاعله فعل الأمة وخالف سنة رسول الله وإجماع اصحابه وعلماء أمته قال تعالى ~~@QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل ~~إمرىء ما نوى ( وعلماء المسلمين قد ذكروا في مناسكهم إستحباب السفر إلى ~~مسجده وذكروا زيارة قبره المكرم وما علمت أحدا من المسلمين قال أنه من لم ~~يقصد إلا زيارة القبر يكون سفره مستحبا ولو قالوا ذلك في قبر غيره لكن ms7853 هذا ~~لم يقصده بعض الناس ممن لا يكون عارفا بالشريعة وبما أمر به النبى ونهى عنه ~~وغايته أن يعذر بجهله PageV27P345 ويعفو الله عنه وأما من يعرف ما امر الله ~~به ورسوله وما نهى الله عنه ورسوله فهؤلاء كلهم ليس فيهم من أمر بالسفر ~~لمجرد زيارة قبر لا نبى ولا غير نبى بل صرح أكابرهم بتحريم مثل هذا السفر ~~من اصحاب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهم وإنما قال إنه مباح غير محرم ~~طائفة من متأخرى أصحاب الشافعى وأحمد # وتنازعوا حينئذ فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين هل يقصر ~~الصلاة على قولين كما ذكر في جواب الفتيا وبعضهم فرق بين قبور الأنبياء ~~وغيرهم وقال إن السفر لمجرد زيارة القبور محرم كما هو مذهب مالك وأصحابه ~~وقول المتقدمين من اصحاب الشافعى واحمد فهؤلاء عندهم أن العاصى بسفره لا ~~يقصر الصلاة فعلى قولهم لا تقصر الصلاة لكن اللذين يسافرون لا يعلمون أن ~~هذا محرم ومن علم أنه محرم لم يفعله فإنه لا غرض لمسلم أن يتقرب إلى الله ~~بالمحرم وحينئذ فسفرهم الذى لم يعلموا أنه محرم إذا قصروا فيه الصلاة كان ~~ذلك جائزا ولا إعادة عليهم كما لو سافر الرجل لطلب العلم أو سماع الحديث من ~~شخص فوجده كذابا أو جاهلا فإن قصر الصلاة في مثل هذا السفر جائز # وقد ذكر أصحاب أحمد في السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين هل تقصر ~~فيها الصلاة أربعة أقوال قيل لا يقصر مطلقا PageV27P346 وقيل يقصر مطلقا ~~وقيل لا يقصر إلا إلى قبر نبينا وقيل لا يقصر إلا إلى قبره المكرم وقبور ~~الأنبياء دون قبور الصالحين والذين إستثنوا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ~~لقولهم وجهان # أحدهما وهو الصحيح ان السفر المشروع إليه هو السفر إلى مسجده وهذا السفر ~~تقصر فيه الصلاة بإجماع المسلمين وهؤلاء رأوا مطلق السفر ولم يفصلوا بين ~~قصد وقصد إذ كان عامة المسلمين لابد أن يصلوا في مسجده فكل من سافر إلى ~~قبره المكرم فقد سافر إلى مسجده المفضل وكذلك قال بعض ms7854 أصحاب الشافعى فمن ~~نذر زيارة قبر النبى أنه يوفى بنذره وإن نذر قبر غيره فوجهان وكذلك كثير من ~~العلماء يطلق السفر إلى قبره المكرم وعندهم أن هذا يتضمن السفر إلى مسجده ~~إذ كان كل مسلم لابد إذا أتى الحجرة المكرمة أن يصلى في مسجده فهما عندهم ~~متلازمان ثم من هؤلاء من يقول المسلم لابد أن يقصد في إبتداء السفر الصلاة ~~في مسجده فالسفر المأمور به لازم وهؤلاء لم يسافروا لمجرد القبر ومنهم من ~~قال بل السفر لمجرد قصد القبر جائز وظن هؤلاء ان الإستثناء ليس لخصوصه بل ~~لكونه نبيا فقال تقصر الصلاة في السفر إلى قبور الأنبياء دون غيرهم # وحقيقة الأمر أن فعل الصلاة في مسجده من لوازم هذا السفر PageV27P347 فكل ~~من سافر إلى قبره المكرم لابد أن تحصل له طاعة وقربة يثاب عليها بالصلاة في ~~مسجده وأما نفس القصد فأهل العلم بالحديث يقصدون السفر إلى مسجده وإن قصد ~~منهم من قصد السفر إلى القبر أيضا إذا لم يعلم انه منهى عنه وأما من لم ~~يعرف هذا فقد لا يقصد إلا السفر إلى القبر ثم أنه لابد أن يصلى في مسجده ~~فيثاب على ذلك وما فعله وهو منهى عنه ولم يعلم أنه منهى عنه لا يعاقب عليه ~~فيحصل له أجر ولا يكون عليه وزر بخلاف السفر إلى قبر غيره فإنه ليس عنده ~~شيء يشرع السفر إليه لكن قد يفعل هذا طاعة يثاب عليها ويغفر له ما جهل أنه ~~محرم والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهى عنها مطلقا بخلاف مسجده ~~فإن الصلاة فيه بألف صلاة فإنه أسس على التقوى وكان حرمته في حياته وحياة ~~خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه حين كان النبى يصلى فيه والمهاجرون ~~والأنصار والعبادة فيه إذ ذاك أفضل وأعظم مما بقى بعد إدخال الحجرة فيه ~~فإنها إنما أدخلت بعد إنقراض عصر الصحابة في إمارة الوليد بن عبد الملك وهو ~~تولى سنة بضع وثمانين من الهجرة النبوية كما تقدم # وظن بعضهم أن الاستثناء كونه نبيا فعدى ذلك ms7855 فقالوا يسافر PageV27P348 إلى ~~سائر قبور الأنبياء كذلك # ولهذا تنازع الناس هل يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم مع إتفاقهم بأنه لا ~~يحلف بشيء من المخلوقات المعظمة كالعرش والكرسى والكعبة والملائكة فذهب ~~جمهور العلماء كمالك والشافعى وأبى حنيفة واحمد في أحد قوليه إلى أنه لا ~~يحلف بالنبى ولا تنعقد اليمين كما لا يحلف بشيء من المخلوقات ولا تجب ~~الكفارة على من حلف بشيء من ذلك وحنث فإنه صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه ~~في الصحيح أنه قال ( لا تحلفوا إلا بالله ( وقال ( من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت ( وفى السنن ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( وعن أحمد بن ~~حنبل رواية أنه يحلف بالنبى خاصة لأنه يجب الإيمان به خصوصا ويجب ذكره في ~~الشهادتين والأذان فللإيمان به إختصاص لا يشركه فيه غيره وقال إبن عقيل بل ~~هذا لكونه نبيا وطرد ذلك في سائر الأنبياء مع أن الصواب الذى عليه عامة ~~علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنه لا يحلف بمخلوق لا نبى ولا غير نبى ولا ~~ملك من الملائكة ولا ملك من الملوك ولا شيخ من الشيوخ # والنهى عن ذلك نهى تحريم عند اكثرهم كمذهب أبى حنيفة وغيره وهو أحد ~~القولين في مذهب أحمد كما تقدم حتى إن بن مسعود وإبن عباس وغيرهما يقول ~~أحدهم لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن PageV27P349 أحلف بغير الله ~~صادقا وفى لفظ لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أضاهى فالحلف بغير الله ~~شرك والشرك أعظم من الكذب وغاية الكذب أن يشبه بالشرك كما في الحديث الصحيح ~~عن النبى أنه قال ( عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ( قالها مرتين أوثلاثا ~~وقرأ قوله تعالى @QB@ واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ~~@QE@ وهذا المنهى عنه بل المحرم الذى هو أعظم من اليمين الفاجرة عند ~~الصحابة رضوان الله عليهم قد ظن طائفة من أهل العلم أنه مشروع غير منهى عنه ms7856 ~~ولهذا نظائر كثيرة لكن قال الله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ وما أمر الله ورسوله ~~به فهو الحق # وهو نهى عن الحلف بغير الله وعن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها وعن إتخاذ ~~القبور مساجد وإتخاذ قبره عيدا ونهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة ~~وأمثال ذلك لتحقيق إخلاص الدين لله وعبادة الله وحده لا شريك له فهذا كله ~~محافظة PageV27P350 على توحيد الله عز وجل وأن يكون الدين كله لله فلا يعبد ~~غيره ولا يتوكل إلا عليه ولا يدعى إلا هو ولا يتقى إلا هو ولا يصلى ولا ~~يصام إلا له ولا ينذر إلا له ولا يحلف إلا به ولا يحج إلا إلى بيته فالحج ~~الواجب ليس إلا إلى أفضل بيوته وأقدمها وهو المسجد الحرام والسفر المستحب ~~ليس إلا إلى مسجدين لكونهما بناهما نبيان فالمسجد النبوى مسجد المدينة أسسه ~~على التقوى خاتم المرسلين ومسجد إيليا قد كان مسجدا قبل سليمان ففى ~~الصحيحين عن أبى ذر رضى الله عنه ( قلت يا رسول الله أى مسجد وضع أولا قال ~~المسجد الحرام قال قلت ثم أى قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما قال أربعون ~~سنة ثم حيث ما أدركتك الصلاة فصل فإنه لك مسجد ( وفى لفظ البخارى ( فإن فيه ~~الفضل ( وهذه سنة رسول الله كان يصلى حيث أدركته الصلاة فالمسجد الأقصى كان ~~من عهد إبراهيم عليه السلام لكن سليمان عليه السلام بناه بناء عظيما فكل من ~~المساجد الثلاثة بناه نبى كريم ليصلى فيه هو والناس # فلما كانت الأنبياء عليهم السلام تقصد الصلاة في هذين المسجدين شرع السفر ~~إليهما للصلاة فيهما والعبادة إقتداء بالأنبياء عليهم السلام وتأسيا بهم ~~كما أن إبراهيم الخليل عليه السلام PageV27P351 لما بنى البيت وأمره الله ~~تعالى أن يؤذن في الناس بحجه فكانوا يسافرون إليه من زمن إبراهيم عليه ~~السلام ولم يكن ذلك فرضا على الناس في اصح القولين كما لم ms7857 يكن ذلك مفروضا ~~في أول الإسلام وإنما فرضه الله على محمد في آخر الأمر لما نزلت ( سورة آل ~~عمران ( وفى البقرة أمر بإتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما ولهذا كان ~~التطوع بهما يوجب إتمامهما عند عامة العلماء وقيل إن الأمر بالإتمام إيجاب ~~لهما إبتداء والأول هو الصحيح فكذلك المسجد الأقصى ومسجد النبى بنى كلا ~~منهما رسول كريم ودعا الناس إلى السفر إليهما للعبادة فيهما ولم يبن أحد من ~~الأنبياء عليهم السلام مسجدا ودعا الناس إلى السفر للعبادة فيه إلا هذه ~~المساجد الثلاثة ولكن كان لهم مساجد يصلون فيها ولم يدعوا الناس إلى السفر ~~إليها كما كان إبراهيم عليه السلام يصلى في موضعه وإنما دعا الناس إلى حج ~~البيت ولا دعا نبى من الأنبياء إلى السفر إلى قبره ولا بيته ولا مقامه ولا ~~غير ذلك من آثاره بل هم دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له قال تعالى لما ~~ذكرهم @QB@ ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده @QE@ PageV27P352 # ولهذا لا يجوز تغيير واحد من هذه المساجد الثلاثة عن موضعه وأما سائر ~~المساجد ففضيلتها من أنها مسجد لله وبيت يصلى فيه وهذا قدر مشترك بين ~~المساجد وإن كان بعضها تكثر العبادة فيه أو لكونه أعتق من غيره ونحو ذلك ~~فهذه المزية موجودة في عامة المساجد بعضها أكثر عبادة من بعض وبعضها أعتق ~~من بعض فلو شرع السفر لذلك لسوفر إلى عامة المساجد # والسفر إلى البقاع المعظمة هو من جنس الحج ولكل أمة حج فالمشركون من ~~العرب كانوا يحجون إلى اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وغير ذلك من ~~الأوثان ولهذا لما قال الحبر الذى بشر بالنبي صلى الله عليه وسلم لأمية بن ~~أبى الصلت إنه قد أظل زمان نبى يبعث وهو من بيت يحجه العرب فقال أمية نحن ~~معشر ثقيف فينا ms7858 بيت يحجه العرب فقال الحبر إنه ليس منكم إنه من إخوانكم من ~~قريش فأخبر أمية أن العرب كانت تحج إلى اللات وقد ذكر طائفة من السلف أن ~~هذا كان رجلا يلت السويق للحاج ويطعمهم إياه فلما مات عكفوا على قبره وصار ~~وثنا يحج إليه ويصلى له ويدعى من دون الله وقرأ جماعة من السلف ( أفرأيتم ~~اللات ( بتشديد التاء وكانت اللات لأهل الطائف والعزى لأهل مكة ومناة لأهل ~~المدينة ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد لما جعل يرتجز فقال أعل هبل ~~PageV27P353 فقال النبى ( ألا تجيبوه ( قالوا وما نقول قال ( قولوا الله ~~أعلى وأجل ( فقال أبوسفيان إن لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبى ( ألا ~~تجيبوه ( قالوا وما نقول قال قولوا ( الله مولانا ولا مولى لكم ( # فالسفر إلى البقاع المعظمة من جنس الحج والمشركون من أجناس الأمم يحجون ~~إلى آلهتهم كما كانت العرب تحج إلى اللات والعزى ومناة الثالثة الآخرى وهم ~~مع ذلك يحجون إلى البيت ويطوفون به ويقفون بعرفات ولهذا كانوا تارة يعبدون ~~الله وتارة يعبدون غيره وكانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا ~~شريكا هو لك تملكه وما ملك ولهذا قال تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل ~~لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم @QE@ يقول تعالى إذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه ~~شريكا له مثل نفسه فكيف تجعلون مملوكى شريكا لى وكل ما سوى الله من ~~الملائكة والنبيين والصالحين وسائر المخلوقات هو مملوك له وهو سبحانه لا ~~إله إلا هو له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولهذا جعل الشرك ~~بالملائكة والأنبياء كفرا فقال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ وذم النصارى على ~~شركهم فقال تعالى PageV27P354 @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون @QE@ # والمشركون في هذه الأزمان من الهند وغيرهم ms7859 يحجون إلى آلهتهم كما يحجون ~~إلى سمناة وغيره من آلهتهم وكذلك النصارى يحجون إلى قمامة وبيت لحم ويحجون ~~إلى القونة التى بصيدنايا والقونة الصورة وغير ذلك من كنائسهم التى بها ~~الصور التى يعظمونها ويدعونها ويستشفعون بها وقد ذكر العلماء من أهل ~~التفسير والسير وغيرهم أن أبرهة ملك الحبشة الذى ساق الفيل إلى مكة ليهدمها ~~حين إستولت الحبشة على اليمن وقهروا العرب ثم بعد هذا وفد سيف بن ذى يزن ~~فإستنجد كسرى ملك الفرس فأنجده بجيش حتى أخرج الحبشة عنها وهو ممن بشر ~~بالنبي وكانت آية الفيل التى أظهر الله تعالى بها حرمة الكعبة لما أرسل ~~عليهم الطير الأبابيل ترميهم بحجارة من سجيل أى جماعات متفرقة والحجارة من ~~سجيل طين قد إستحجر وكان عام مولد النبى وهو من دلائل نبوته وأعلام رسالته ~~ودلائل شريعته والبيت الذى لا يحج ولا يصلى إليه إلا هو وأمته # قالوا كان أبرهة قد بنى كنيسة بأرض اليمن وأراد أن يصرف حج العرب إليها ~~فدخل رجل من العرب فأحدث في الكنيسة فغضب PageV27P355 لذلك أبرهة وسافر إلى ~~الكعبة ليهدمها حتى جرى ما جرى قال تعالى @QB@ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من ~~سجيل فجعلهم كعصف مأكول @QE@ وهذا معروف عند عامة العلماء من أهل التفسير ~~والسير وغيرهم أنه بني كنيسة أراد أن يصرف حج العرب إليها ومعلوم أنه إنما ~~أراد أن يفعل فيها ما يفعله في كنائس النصارى فدل على أن السفر إلى الكنائس ~~عندهم هو من جنس الحج عند المسلمين وأنه يسمى حجا ويضاهى به البيت الحرام ~~وأن من قصد أن يجعل بقعة للعبادة فيها كما يسافر إلى المسجد الحرام فإنه ~~قصد ما هو عبادة من جنس الحج والنبى نهى أن يحج أحد أو يسافر إلى غير ~~المساجد الثلاثة والحج الواجب الذى يسمى عند الإطلاق حجا إنما هو إلى ~~المسجد الحرام خاصة والسفر إلى بقعة للعبادة فيها هو إلى المسجدين وما سوى ~~ذلك من الأسفار إلى ms7860 مكان معظم هو من جنس الحج إليه وذلك منهى عنه # وكذلك في حديث أبى سفيان لما إجتمع بأمية بن أبى الصلت الثقفى وذكر عن ~~عالم من علماء النصارى أنه أخبره بقرب نبى يبعث من العرب قال أمية قلت نحن ~~من العرب قال إنه من أهل بيت يحجه العرب قال فقلت نحن معشر ثقيف فينا بيت ~~يحجه العرب PageV27P356 قال إنه ليس منكم أنه من إخوانكم قريش كما تقدم ~~وثقيف كان فيهم اللات المذكورة في القرآن في قوله تعالى @QB@ أفرأيتم اللات ~~والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى @QE@ وقد ذكروا أنها ~~مكان رجل كان يلت السويق ويسقيه للحجاج فلما مات عكفوا على قبره وصار ذلك ~~وثنا عظيما يعبد والسفر إليه كانوا يسمونه حجا كما تقدم فدل ذلك على أن ~~السفر إلى المشاهد حج إليها كما يقول من يقول من العامة وحق النبى الذى تحج ~~المطايا إليه # قال عبد بن حميد في تفسيره حدثنا قبيصة عن سفيان عن منصور عن مجاهد ( ~~أفرأيتم اللات والعزى ( قال كان رجل يلت السويق فمات فإتخذ قبره مصلى وقال ~~حدثنا سليمان بن داود عن أبى الأشهب عن أبى الجوزاء عن بن عباس قال ( اللات ~~( رجل يلت السويق للحجاج وكذلك رواه بن أبى حاتم عن أبى الجوزاء عن بن عباس ~~قال كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه وروى عن ~~الأعمش قال كان مجاهد يقرأ ( اللات ( مثقلة ويقول كان رجل يلت السويق على ~~صخرة في طريق الطائف ويطعمه الناس فمات فقبر فعكفوا على قبره وقال سليمان ~~بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن مالك عن أبى الجوزاء قال ( اللات ( ~~حجر كان يلت السويق عليه فسمى ( اللات ( وقال PageV27P357 حدثنا عبيد الله ~~بن موسى عن إسرائيل عن السدى عن أبى صالح قال ( اللات ( الذى كان يقوم على ~~آلهتهم وكان يلت لهم السويق ( والعزى ( نخلة كانوا يعلقون عليها الستور ~~والعهن ( ومناة ( حجر بقديد وقد قرأ طائفة من السلف اللات بتشديد التاء ~~وقيل أنها إسم ms7861 معدول عن اسم الله قال الخطابى المشركون يتعاطون الله إسما ~~لبعض أصنامهم فصرفه الله إلى اللات صيانة لهذا الأسم وذبا عنه # قلت ولا منافاة بين القولين والقراءتين فإنه كان رجل يلت السويق على حجر ~~وعكفوا على قبره وسموه بهذا الأسم وخففوه وقصدوا أن يقولوا هو إلا له كما ~~كانوا يسمون الأصنام آلهة فاجتمع في الأسم هذا وهذا وكانت ( اللات ( لأهل ~~الطائف وكانوا يسمونها ( الربة ( والعزى ( لأهل مكة ولهذا قال أبو سفيان ~~يوم أحد ( إن لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبى ألا تجيبوه فقالوا ما نقول ~~قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ( الحديث وقد تقدم وكانت مناة لأهل ~~المدينة فكل مدينة من مدائن أهل الحجاز كان لها طاغوت تحج إليه وتتخذه ~~شفيعا وتعبده # وما ذكره بعض المفسرين من أن ( العزى ( كانت لغطفان فذلك لأن غطفان كانت ~~تعبدها وهى في جهتها وأهل مكة يحجون إليها PageV27P358 فإن العزى كانت ببطن ~~نخلة من ناحية عرفات ومعلوم بالنقول الصحيحة أن أهل مكة كانوا يعبدون العزى ~~كما علم بالتواتر أن أهل الطائف كان لهم اللات ومناة كانت حذو قديد وكان ~~أهل المدينة يهلون لها كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها # وأما ما ذكره معمر بن المثنى من أن هذه الثلاثة كانت أصناما في جوف ~~الكعبة من حجارة فهو باطل بإتفاق أهل العلم بهذا الشأن وإنما كان في الكعبة ~~( هبل ( الذى إرتجز له أبو سفيان يوم أحد وقال أعل هبل أعل هبل فقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( ألا تجيبوه قالوا وما نقول قال قولوا الله أعلى وأجل ~~( كما تقدم ذكره هذا وكان إساف ونائلة على الصفا والمروة وكان حول الكعبة ~~ثلاثمائة وستون صنما وهذه الأسماء الثلاثة مؤنثة اللات والعزى ومناة # وبكل حال فقد قال أمية بن أبى الصلت فينا بيت يحجه العرب وأبو سفيان ~~يوافقه على ذلك فدل ذلك على أن البقاع التى يسافر إليها فالسفر إليها حج ~~والحج نسك وهو حج إلى غير بيت الله ونسك لغير الله كما ms7862 أن الدعاء لها صلاة ~~لغير الله وقد قال تعالى @QB@ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ~~ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين @QE@ فالله تعالى ~~أمر نبيه صلى PageV27P359 الله عليه وسلم أن تكون صلاته ونسكه لله فمن سافر ~~إلى بقعة غير بيوت الله التى يشرع السفر إليها ودعا غير الله فقد جعل نسكه ~~وصلاته لغير الله عز وجل والنبى نهى عن السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ~~وإن كان بيتا من بيوت الله إذ لم تكن له خاصية تستحق السفر إليه ولا شرع هو ~~ومن قبله من الأنبياء السفر إليه بخلاف الثلاثة فإن كل مسجد منها بناه نبى ~~من الأنبياء ودعا الناس إلى السفر إليه فلها خصائص ليست لغيرها # فإذا كان السفر إلى بيوت الله غير الثلاثة ليس بمشروع بإتفاق الأئمة ~~الأربعة بل قد نهى عنه الرسول فكيف بالسفر إلى بيوت المخلوقين الذين تتخذ ~~قبورهم مساجد وأوثانا وأعيادا ويشرك بها وتدعى من دون الله حتى أن كثيرا من ~~معظميها يفضل الحج إليها على الحج إلى بيت الله فيجعل الشرك وعبادة الأوثان ~~أفضل من التوحيد وعبادة الرحمن كما يفعل ذلك من يفعله من المشركين وقال ~~تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك ~~بالله فقد ضل ضلالا بعيدا إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا لعنه الله @QE@ وكانت لها شياطين تكلمهم وتتراءى لهم قال بن عباس في ~~كل PageV27P360 صنم شيطان يتراءى للسدنة ويكلمهم وقال أبى بن كعب مع كل صنم ~~جنية # وقد قيل الاناث هي الموات وعن الحسن كل شيء لا روح فيه كالخشب والحجر فهو ~~اناث قال الزجاج والموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث فتقول في ذلك ~~الأحجار تعجبنى والدراهم تنفعك وليس ذلك مختصا بالموات بل كل ما سوى الله ~~تعالى يجمع بلفظ التأنيث فيقال الملائكة ويقال ms7863 لما يعبد من دون الله آلهة ~~قال تعالى @QB@ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي ~~هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا ~~أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا ~~موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم ~~فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين @QE@ هي أوثان وهى مؤنثة قال تعالى @QB@ أفرأيتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات ~~رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون @QE@ فالآلهة المعبودة من دون ~~الله كلها بهذه المثابة وهى PageV27P361 الأوثان التى تتخذ من دون الله قال ~~تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ وقال يوسف الصديق @QB@ يا صاحبي السجن أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان @QE@ وكل من عبد شيئا من دون الله ~~فإنما يعبد أسماء ما أنزل الله بها من سلطان # وأيضا فالذين يعبدون الملائكة أوالأنبياء لا يرونهم وإنما يعبدون تماثيل ~~صوروها على مثال صورهم وهى من تراب وحجر وخشب فهم يعبدون الموات وفى الصحيح ~~صحيح مسلم عن أبى الهياج الأسدى قال ( قال لى على بن أبى طالب رضى الله عنه ~~ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله بعثنى أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ~~ولا قبرا مشرفا إلا سويته وقال تعالى @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ~~تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما ~~تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون @QE@ وجميع ms7864 الأموات لا يشعرون أيان ~~يبعثون فلا يعلم بقيام الساعة إلا الله عز وجل وفى الصحيح ( أنه لما توفى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس أبو بكر PageV27P362 الصديق ( فقال ~~( من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا ~~يموت ( وقرأ قوله تعالى @QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ~~وسيجزي الله الشاكرين @QE@ وكأن الناس ما سمعوها حتى تلاها أبو بكر فلا ~~يوجد أحد من الناس إلا وهو يتلوها والناس تغيب عنهم معانى القرآن عند ~~الحوادث فإذا ذكروا بها عرفوها وقال تعالى @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون @QE@ # وأما قوله تعالى @QB@ ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى @QE@ أى ~~قسمة جائرة عوجاء إذ تجعلون لكم ما تحبون وهم الذكور وتجعلون لى الإناث ~~وهذا من قولهم الملائكة بنات الله حيث جعلوا له أولادا إناثا وهم يكرهون أن ~~يكون ولد أحدهم أنثى كالنصارى الذين يجعلون لله ولدا ويجلون الراهب الكبير ~~أن يكون له ولد # وأما اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فلما قال تعالى @QB@ ألكم الذكر ~~وله الأنثى @QE@ فسرها طائفة منهم الكلبى بأنهم كانوا يقولون هذه الأصنام ~~بنات الله وهذا هو الذى ذكره طائفة من المتأخرين PageV27P363 وليس كذلك ~~فإنهم لم يكونوا يقولون عن هذه الأصنام أنها بنات الله وإنما قالوا ذلك عن ~~الملائكة كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى بعد هذا @QB@ إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى @QE@ وقال @QB@ وجعلوا الملائكة ~~الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا بشر ~~أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم @QE@ فإن الولد يماثل ~~أباه وكذلك الشريك يماثل شريكه فهم ضربوا الإناث مثلا وهم جعلوا هذه شركاء ~~لله سبحانه فكانوا يجعلونها أندادا لله والشريك كالأخ فجعلوا له أولادا ~~إناثا وشركاء إناثا ms7865 فجعلوا له بنات وأخوات وهم لا يحبون أن تكون لأحدهم ~~أنثى لا بنت ولا أخت بل إذا كان الأب يكره أن تكون له بنت فالأخت أشد كراهة ~~له منها ولم يكونوا يورثون البنات والأخوات فتبين فرط جهلهم وظلمهم إذ ~~جعلوا لله مالا يرضونه لأنفسهم فكانت أنفسهم عندهم أعظم من الله سبحانه # وهذا كما ضرب لهم مثلا فقال تعالى @QB@ ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما ~~رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون @QE@ إلى قوله @QB@ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل ~~الأعلى وهو العزيز الحكيم @QE@ وقال تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل ~~لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون @QE@ PageV27P364 فهم لا ~~يرضون أن يكون مملوك احدهم شريكه وقد جعلوا مملوكى الرب شركاء له فجعلوا ~~لله مالا يرضونه لأنفسهم من الشركاء ومن الأولاد لا يرضون مملوكيهم أن ~~يكونوا شركاء وقد جعلوهم لله شركاء ولايرضون من الأولاد بالإناث فلا ~~يرضونها ولدا ولا نظيرا وهم جعلوا الإناث لله أولادا ونظراء # والنكتة أن الله أجل وأعظم وأعلى وأكبر من كل شيء وهم قد جعلوا لله مالا ~~يرضونه لأنفسهم # وهذا يتناول كل من وصف الله بصفة ينزه عنها المخلوق كالذين قالوا أنه ~~فقير وأنه بخيل والذين قالوا إنه لا يوصف إلا بالسلوب أولا يوصف لا بسلب ~~ولا إثبات والذين جعلوا بعض المخلوقات مماثلة له في شيء من ألاشياء في ~~عبادة له أو دعاء له أو توكل عليه أو حبها مثل حبه والذين قالوا يفعل لا ~~لحكمة بل عبثا والذين قالوا إنه يجوز أن يضع الأشياء في غير مواضعها فيعاقب ~~خيار الناس ويكرم شرارهم والذين قالوا لا يقدر أن يتكلم بمشيئته والذين ~~قالوا أنه لا يسمع ولا يبصر والذين قالوا إنه يجوز أن يحب غيره كما يحب هو ~~ويدعى ويسأل فجعلوا مملوكه ندا له ونظائر ذلك كثيرة PageV27P365 # والقرآن ملآن من توحيد الله تعالى وأنه ليس ms7866 كمثله شيء فلا يمثل به شيء من ~~المخلوقات في شيء من ألاشياء إذ ليس كمثله شيء لافى ذاته ولا في صفاته ولا ~~في أفعاله ولا فيما يستحقه من العبادة والمحبة والتوكل والطاعة والدعاء ~~وسائر حقوقه قال تعالى @QB@ رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر ~~لعبادته هل تعلم له سميا @QE@ فلا أحد يساميه ولا يستحق أن يسمى بما يختص ~~به من الأسماء ولا يساويه في معنى شيء من الأسماء لا في معنى الحى ولا ~~العليم ولا القدير ولا غير ذلك من الأسماء ولا في معنى الذات والموجود ونحو ~~ذلك من الأسماء العامة ولا يكون إلها ولا ربا ولا خالقا فقال تعالى @QB@ قل ~~هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ فلم يكن ~~أحد يكافيه في شيء من الأشياء فلا يساويه شيء ولا يماثله شيء ولا يعادله ~~شيء قال تعالى @QB@ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون @QE@ وقال تعالى @QB@ فكبكبوا فيها هم ~~والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال ~~مبين إذ نسويكم برب العالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما ~~لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله ~~الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ PageV27P366 وهذا الذى ذكرنا من ~~أن السفر إلى الأماكن المعظمة القبور وغيرها عند اصحابه كالحج عند المسلمين ~~هو أمر معروف عند المتقدمين والمتأخرين لفظا ومعنى فإنهم يقصدون من دعاء ~~المخلوق والخضوع له والتضرع إليه نظير ما يقصده المسلمون من دعاء الله ~~تعالى والخضوع له والتضرع إليه لكن كما قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وهم ~~يسمون ذلك حجا إليها وهذا معروف عند متقدميهم ومتأخريهم وكذلك أهل البدع ~~والضلال من المسلمين كالرافضة وغيرهم يحجون إلى المشاهد وقبور شيوخهم ~~وأئمتهم ويسمون ذلك حجا ويقول داعيتهم السفر إلى الحج الأكبر ويظهرون علما ~~للحج إليه ms7867 ومعه مناد ينادى إليه كما يرفع المسلمون علما للحج لكن داعى أهل ~~البدع ينادى السفر إلى الحج الأكبر علانية في مثل بغداد يعنى السفر إلى ~~مشهد من المشاهد فيجعلون السفر إلى قبر بعض المخلوقين هو الحج الأكبر والحج ~~إلى بيت الله عندهم الأصغر وقد ذكر ذلك ائمتهم في مصنفاتهم ومن جهال الناس ~~من يقول وحق النبى الذى تحج المطايا إليه # فلما كان المشركون يصلون ويدعون المخلوق ويحجون إلى قبره قال تعالى @QB@ ~~قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين @QE@ PageV27P367 # وقال تعالى @QB@ ولا تدع مع ~~الله إلها آخر @QE@ وقوله تعالى ( ونسكى ( قد ذكروا في تفسيره الذبح لله ~~والحج إلى بيت الله وذكروا أن لفظ النسك يتناول العبادة مطلقا والله سبحانه ~~قد بين في القرآن أن الذبح والحج كلاهما منسك قال تعالى @QB@ ولكل أمة ~~جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام @QE@ وقال ~~النبى ( من ذبح بعد الصلاة فقد اصاب النسك ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو شاة ~~لحم عجلها لأهله ليس من النسك في شيء ( وقال تعالى عن إبراهيم وإسماعيل ~~@QB@ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم @QE@ ~~فأرى الله إبراهيم وابنه إسماعيل المواضع التى تقصد في الحج والأفعال التى ~~تفعل هناك كالطواف والسعى والوقوف والرمى كما ذكر ذلك غير واحد من السلف # والصلاة تتناول الدعاء الذى هو بمعنى العبادة والذى هو بمعنى السؤال ~~فالصلاة تجمع هذا وهذا قال تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين @QE@ فقد فسر دعاءه بسؤاله فالنبى ~~أمره الله أن يقول @QB@ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ~~@QE@ PageV27P368 فأمره تعالى أن يكون الدعاء لله والصلاة لله ولا تبنى ~~المساجد إلا لله لا تبنى على ms7868 قبر مخلوق ولا من أجله ولا يسافر إلى بيوت ~~المخلوقين وقد نهى أن يحج ويسافر إلى بيوت الله التى ليست لها تلك الخصائص # وهذا ونحوه يعرف من كلام النبى وسنته وسنة خلفائه الراشدين وما كان عليه ~~الصحابة من بعده والتابعون لهم بإحسان وما ذكره أئمة المسلمين الأربعة ~~وغيرهم ولهذا لا يقدر أحد أن ينقل عن إمام من أئمة المسلمين أنه يستحب ~~السفر إلى زيارة قبر نبى أو رجل صالح ومن نقل ذلك فليخرج نقله # وإذا كان ألامر كذلك وليس في الفتيا إلا ما ذكره أئمة المسلمين وعلماؤهم ~~فالمخالف لذلك مخالف لدين المسلمين وشرعهم ولسنة نبيهم وسنة خلفائه ~~الراشدين ولما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه من توحيده وعبادته وحده لا ~~شريك له وانه إنما يعبد بما شرعه من واجب ومستحب لا يعبد بما نهى عنه ولم ~~يشرعه والله سبحانه بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا فبعثه بدين الإسلام الذى بعث به جميع الأنبياء فإن الدين عند ~~الله الإسلام @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه @QE@ لا من ~~الأولين ولا من الآخرين PageV27P369 # وجميع الأنبياء كانوا على دين الإسلام كما في الصحيحين عن النبى أنه قال ~~( إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء إخوة لعلات ( وقد أخبر تعالى في ~~القرآن عن نوح وإبراهيم وإسرائيل وأتباع موسى والمسيح وغيرهم أنهم كانوا ~~مسلمين متفقين على عبادة الله وحده لا شريك له وأن يعبد بما أمر هو سبحانه ~~وتعالى فلا يعبد غيره ولا يعبد هو بدين لم يشرعه فلما امر أن يصلى في أول ~~الإسلام إلى بيت المقدس كان ذلك من دين الإسلام ثم لما نسخ ذلك وامر ~~بإستقبال البيت الحرام كان هذا من دين الإسلام وذلك المنسوخ ليس من دين ~~الإسلام وقد قال تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ فللتوراة ~~شرعة وللإنجيل شرعة وللقرآن شرعة فمن كان متبعا لشرع التوراة أو الإنجيل ~~الذى لم يبدل ولم ينسخ فهو على دين الإسلام كالذين كانوا على شريعة التوراة ~~بلا ms7869 تبديل قبل مبعث المسيح عليه السلام والذين كانوا على شريعة الإنجيل بلا ~~تبديل قبل مبعث محمد # وأما من إتبع دينا مبدلا ما شرعه الله أو دينا منسوخا فهذا قد خرج عن دين ~~الإسلام كاليهود الذين بدلوا التوراة وكذبوا المسيح عليه السلام ثم كذبوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم والنصارى الذين بدلوا الإنجيل وكذبوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فهؤلاء ليسوا على PageV27P370 دين الإسلام الذى كان عليه ~~الأنبياء بل هم مخالفون لهم فيما كذبوا به من الحق وإبتدعوه من الباطل ~~وكذلك كل مبتدع خالف سنة رسول الله وكذب ببعض ما جاء به من الحق وإبتدع من ~~الباطل ما لم تشرعه الرسل فالرسول بريء مما إبتدعه وخالفه فيه قال تعالى ~~@QB@ فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ فالحلال ما حلله الله ورسوله ~~والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله وقد ذم الله ~~المشركين على انهم حللوا وحرموا وشرعوا دينا لم يأذن به الله ( فقال تعالى ~~@QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ والسور ~~المكية أنزلها الله تبارك وتعالى في الدين العام الذى بعث به جميع الرسل ~~كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر # ومحمد خاتم المرسلين لا نبى بعده وأمته خير أمة أخرجت للناس وقد بعثه ~~الله بأفضل الكتب وأفضل الشرائع وأكمل له ولأمته الدين وأتم عليه النعمة ~~ورضى لهم الإسلام دينا وهو قد دعا إلى الصراط المستقيم كما قال تعالى @QB@ ~~وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ وقد أمرنا الله أن نتبع PageV27P371 هذا ~~الصراط المستقيم ولا نعدل عنه إلى السبل المبتدعة فقال تعالى @QB@ وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تتقون @QE@ وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه خط لنا رسول الله ~~خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ms7870 ثم قال هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل ~~منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ ( وأن هذا صراطى مستقيما فإتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله ( ولهذا أمرنا الله ان نقول في صلاتنا @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ وقال النبى ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( # وهو لم يمت حتى بين الدين وأوضح السبيل وقال ( تركتكم على البيضاء النقية ~~ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك ( وقال ( ما تركت من شيء يقربكم ~~من الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به ~~( وقال ( أنه من يعش منكم بعدى فسيرى إختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ~~ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ( قال الترمذى حديث صحيح ~~PageV27P372 ولهذا كان أئمة المسلمين لا يتكلمون في الدين بأن هذا واجب أو ~~مستحب أو حرام أو مباح إلا بدليل شرعى من الكتاب أو السنة وما دلا عليه ( # وما إتفق عليه المسلمون فهو حق جاء به الرسول فإن أمته ولله الحمد لا ~~تجتمع على ضلالة كما اخبر هو فقال ( إن الله أجاركم على لسان نبيكم أن ~~تجتمعوا على ضلالة ( وما تنازعوا فيه ردوه إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ كما كان السلف يفعلون فقد يكون عند هذا حديث ~~سمعه أو معنى فهمه خفى على الآخر والآخر مأجور على إجتهاده أيضا ولا إثم ~~عليه فيما خفى عليه بعد إجتهاده كما في الصحيحين عن النبى أنه قال ( إذا ~~إجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا إجتهد فأخطأ فله أجر ( ولو صلى أربعة ~~أنفس إلى أربع جهات إذا أغيمت السماء كل بإجتهاده فكلهم مطيع لله عز وجل ~~وتبرأ ذمته لكن الذى أصاب جهة ms7871 الكعبة واحد وله أجران وقد قال تعالى @QB@ ~~وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ فأثنى تعالى على ~~PageV27P373 النبيين جميعا مع أنه خص أحدهما بفهم تلك الحكومة # والدين كله مأخوذ عن الرسول ليس لأحد بعده أن يغير من دينه شيئا هذا دين ~~المسلمين بخلاف النصارى فإنهم يجوزون لعلمائهم وعبادهم أن يشرعوا شرعا ~~يخالف شرع الله قال تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون @QE@ قال النبى ( إنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم ~~الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم ( ولهذا كان أئمة المسلمين لا ~~يتكلمون في شيء أنه عبادة وطاعة وقربة إلا بدليل شرعى وإتباع لمن قبلهم لا ~~يتكلمون في الدين بلا علم فإن الله حرم ذلك بقوله تعالى @QB@ قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ # وقد اتفق أئمة الدين على أنه يشرع السفر إلى المساجد الثلاثة المسجد ~~الحرام ومسجد الرسول والمسجد الأقصى بخلاف غير هذه الثلاثة لأن في الصحيحين ~~عنه أنه قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدى هذا ~~والمسجد الأقصى ( PageV27P374 # وتنازع المسلمون في زيارة القبور فقال طائفة من السلف أن ذلك كله منهى ~~عنه لم ينسخ فإن أحاديث النسخ لم يروها البخارى ولم تشتهر ولما ذكر البخارى ~~زيارة القبور إحتج بحديث المرأة التى بكت عند القبر ونقل بن بطال عن الشعبى ~~أنه قال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور لزرت ~~قبر ابنى وقال النخعى كانوا يكرهون زيارة القبور وعن بن سيرين مثله قال بن ~~بطال وقد سئل مالك عن زيارة القبور فقال قد كان نهى عنها عليه السلام ثم ~~أذن فيها فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا ms7872 خيرا لم أر بذلك بأسا وليس من عمل ~~الناس وروى عنه أنه كان يضعف زيارتها # وكان النبى قد نهى أولا عن زيارة القبور بإتفاق العلماء فقيل لأن ذلك ~~يفضى إلى الشرك وقيل لأجل النياحة عندها وقيل لأنهم كانوا يتفاخرون بها وقد ~~ذكر طائفة من العلماء في قوله تعالى @QB@ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ~~@QE@ أنهم كانوا يتكاثرون بقبور الموتى وممن ذكره إبن عطية في تفسيره قال ~~وهذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور أى حتى جعلتم اشغالكم القاطعة لكم ~~عن العبادة والعلم زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة بذكره ثم قال النبى ( ~~كنت نهيتكم عن زيارة PageV27P375 القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا ( فكان ~~نهيه في معنى الآية ثم أباح الزيارة بعد لمعنى الإتعاظ لا لمعنى المباهاة ~~والتفاخر وتسنيمها بالحجارة الرخام وتلوينها سرفا وبنيان النواويس عليها ~~هذا لفظ بن عطية # والمقصود ان العلماء متفقون على أنه كان نهى عن زيارة القبور ونهى عن ~~الإنتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والمقير # واختلفوا هل نسخ ذلك فقالت طائفة لم ينسخ ذلك لأن أحاديث النسخ ليست ~~مشهورة ولهذا لم يخرج أبو عبد الله البخارى ما فيه نسخ عام وقال الاخرون بل ~~نسخ ذلك ثم قالت طائفة منهم إنما نسخ إلى الإباحة فزيارة القبور مباحة لا ~~مستحبة وهذا قول في مذهب مالك وأحمد قالوا لأن صيغة إفعل بعد الحظر إنما ~~تفيد الإباحة كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور فزوروها وكنت نهيتكم عن الإنتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا ~~تشربوا مسكرا ( وروى ( فزوروها ولا تقولوا هجرا ( وهذا يدل على أن النهى ~~كان لما كان يقال عندها من الأقوال المنكرة سدا للذريعة كالنهى عن الإنتباذ ~~في الأوعية أولا لأن الشدة المطربة تدب فيها ولا يدرى بذلك فيشرب الشارب ~~الخمر وهو لا يدرى PageV27P376 # وقال الأكثرون زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى السلام عليهم ~~كما كان النبى يخرج إلى البقيع فيدعو لهم وكما ثبت عنه في الصحيحين أنه خرج ~~إلى شهداء أحد فصلى عليهم صلاته ms7873 على الموتى كالمودع للأحياء والأموات وثبت ~~عنه في الصحيح انه كان يعلم اصحابه إذا زاروا القبور ان يقولوا ( السلام ~~عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله ~~المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسال الله لنا ولكم العافية اللهم لا ~~تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وإغفر لنا ولهم ) وهذا في زيارة قبور ~~المؤمنين # واما زيارة قبر الكافر فرخص فيها لأجل تذكار الآخرة ولا يجوز الإستغفار ~~لهم وقد ثبت في الصحيحين عن النبى أنه ( زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ~~وقال إستاذنت ربى في أن أزور قبرها فأذن لى وإستاذنته في ان استغفر لها فلم ~~يأذن لى فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ( # والعلماء المتنازعون كل منهم يحتج بدليل شرعى ويكون عند بعضهم من العلم ~~ما ليس عند الآخر فإن العلماء ورثة الأنبياء وقال تعالى @QB@ وداود وسليمان ~~إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها ~~سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ PageV27P377 والأقوال الثلاثة صحيحة ~~بإعتبار فإن الزيارة إذا تضمنت أمرا محرما من شرك أو كذب أو ندب أو نياحة ~~وقول هجر فهي محرمة بالإجماع كزيارة المشركين بالله والساخطين لحكم الله ~~فإن هؤلاء زيارتهم محرمة فإنه لا يقبل دين إلا دين الإسلام وهو الإستسلام ~~لخلقه وأمره فيسلم لما قدره وقضاه ويسلم لما يأمر به ويحبه وهذا نفعله ~~وندعو إليه وذاك نسلمه ونتوكل فيه عليه فنرضى بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبمحمد نبيا ونقول في صلاتنا @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ مثل قوله ~~تعالى @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقوله تعالى @QB@ استعينوا بالصبر ~~والصلاة إن الله مع الصابرين @QE@ وقوله تعالى @QB@ وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ # والنوع الثانى زيارة القبور لمجرد الحزن على الميت لقرابته أو صداقته ~~فهذه مباحة كما يباح البكاء على الميت بلا ندب ولا نياحة كما زار النبى قبر ~~أمه فبكى وابكى من حوله وقال ( زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ( فهذه ~~الزيارة ms7874 كان نهى عنها لما كانوا يفعلون من المنكر فلما عرفوا الإسلام اذن ~~فيها لأن فيها مصلحة وهو تذكر الموت فكثير من الناس إذا راى قريبه وهو ~~PageV27P378 مقبور ذكر الموت وإستعذ للآخرة وقد يحصل منه جزع فيتعارض ~~الأمران ونفس الحزن مباح إن قصد به طاعة كان طاعة وإن عمل معصية كان معصية # وأما النوع الثالث فهو زيارتها للدعاء لها كالصلاة على الجنازة فهذا هو ~~المستحب الذى دلت السنة على استحبابه لأن النبى فعله وكان يعلم اصحابه ما ~~يقولون إذا زاروا القبور # وأما زيارة قباء فيستحب لمن أتى المدينة أن يأتى قباء فيصلى في مسجدها ~~وكذلك يستحب له عند الجمهور أن يأتى البقيع وشهداء أحد كما كان النبى يفعل ~~فزيارة القبور للدعاء للميت من جنس الصلاة على الجنائز يقصد فيها الدعاء ~~لهم لا يقصد فيها ان يدعو مخلوقا من دون الله ولايجوز ان تتخذ مساجد ولا ~~تقصد لكون الدعاء عندها أو بها أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت والصلاة ~~على الجنائز أفضل باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى عند قبورهم وهذا مشروع ~~بل فرض على الكفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين ولو جاء إنسان إلى سرير ~~الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به كان هذا شركا محرما بإجماع المسلمين ~~ولو ندبه وناح لكان أيضا محرما وهو دون الأول # فمن إحتج بزيارة النبى صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع ولأهل PageV27P379 ~~أحد على الزيارة التى يفعلها أهل الشرك وأهل النياحة فهو أعظم ضلالا ممن ~~يحتج بصلاته على الجنازة على أنه يجوز ان يشرك بالميت ويدعى من دون الله ~~ويندب ويناح عليه كما يفعل ذلك بعض الناس يستدل بهذا الذى فعله الرسول وهو ~~عبادة لله وطاعة له يثاب عليه الفاعل وينتفع به المدعو له ويرضى به الرب عز ~~وجل على أنه يجوز أن يفعل ما هو شرك بالله وإيذاء للميت وظلم من العبد ~~لنفسه كزيارة المشركين وأهل الجزع الذين لا يخلصون لله الدين ولا يسلمون ~~لما حكم به سبحانه وتعالى فكل زيارة تتضمن فعل ما نهى ms7875 عنه وترك ما امر به ~~كالتى تتضمن الجزع وقول الهجر وترك الصبر أو تتضمن الشرك ودعاء غير الله ~~وترك إخلاص الدين لله فهي منهى عنها وهذه الثانية أعظم إثما من الأولى ولا ~~يجوز أن يصلى إليها بل ولا عندها بل ذلك مما نهى عنه النبى فقال ( لا تصلوا ~~إلى القبور ولا تجلسوا عليها ( رواه مسلم في صحيحه # فزيارة القبور على وجهين وجه نهى عنه رسول الله وإتفق العلماء على أنه ~~غير مشروع وهو أن نتخذها مساجد ونتخذها وثنا ونتخذها عيدا فلا يجوز أن تقصد ~~للصلاة الشرعية ولا أن تعبد كما تعبد الأوثان ولا أن تتخذ عيدا يجتمع إليها ~~في وقت PageV27P380 معين كما يجتمع المسلمون في عرفة ومنى وأما ( الزيارة ~~الشرعية ( فهي مستحبة عند الأكثرين وقيل مباحة وقيل كلها منهى عنها كما ~~تقدم والذى تدل عليه الأدلة الشرعية أن نحمل المطلق من كلام العلماء على ~~المقيد ونفصل الزيارة إلى ثلاثة أنواع منهى عنه ومباح ومستحب وهو الصواب ~~قال مالك وغيره لا نأتى إلا هذه الآثار مسجد النبى ومسجد قباء وأهل البقيع ~~واحد فإن النبى لم يكن يقصد إلا هذين المسجدين وهاتين المقبرتين كان يصلى ~~يوم الجمعة في مسجده ويوم السبت يذهب إلى قباء كما في الصحيحين عن بن عمر ~~رضى الله عنهما أن النبى كان يأتى قباء كل سبت راكبا وماشيا فيصلى فيه ~~ركعتين # وأما أحاديث النهى فكثيرة مشهورة في الصحيحين وغيرهما كقوله صلى الله ~~عليه وسلم ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور انبيائهم مساجد ) قالت ~~عائشة رضى الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشى أن يتخذ مسجدا رواه ~~البخارى ومسلم وفى صحيح مسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس ( إن من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ~~( وفى الصحيحين عن عائشة وبن عباس PageV27P381 رضى الله عنهم قالوا لما نزل ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا إغتم كشفها ~~فقال وهو كذلك ( لعنة الله على ms7876 اليهود والنصارى إتخذوا قبور انبيائهم مساجد ~~( يحذر ما صنعوا وفى الصحيحين عن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبى أنه قال ~~( قاتل الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وفى لفظ ( لعن ~~الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور انبيائهم مساجد ) وفى الصحيحين عن عائشة ~~أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير فقال ~~رسول الله ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ( وعائشة ~~رضى الله عنها أم المؤمنين صاحبة الحجرة النبوية قد روت أحاديث هذا الباب ~~مع مشاركة غيرها من الصحابة كابن عباس وأبى هريرة وجندب وإبن مسعود وغيرهم ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه بن مسعود ( إن من شرار الناس من ~~تدركهم الساعة وهم احياء والذين يتخذون القبور مساجد ( رواه أبو حاتم في ~~صحيحه والإمام أحمد في مسنده وفى سنن أبى داود عنه أنه قال ( لا تتخذوا ~~قبرى عيدا وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى ( وفى موطأ مالك عن ~~النبى أنه قال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد إشتد PageV27P382 غضب الله ~~على قوم إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وفى سنن سعيد بن منصور أن عبد الله ~~بن حسن بن حسين بن على بن أبى طالب أحد الأشراف الحسنيين بل أجلهم قدرا في ~~عصر تابعى التابعين في خلافة المنصور وغيره راى رجلا يكثر الإختلاف إلى قبر ~~النبى فقال يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا تتخذوا قبرى ~~عيدا وصلوا على حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى ) فما انت ورجل بالأندلس إلا ~~سواء # فلما اراد الأئمة اتباع سنته في زيارة قبره المكرم والسلام عليه طلبوا ما ~~يعتمدون عليه من سنته فاعتمد الإمام أحمد على الحديث الذى في السنن عن أبى ~~هريرة رضى الله عنه أن رسول الله قال ( ما من أحد يسلم على إلا رد الله على ~~روحى حتى أرد عليه السلام ( وعن أحمد اخذ ذلك ms7877 أبو داود فلم يذكر في زيارة ~~قبره المكرم غير هذا الحديث وترجم عليه ( باب زيارة القبر ( مع ان دلالة ~~الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل فإنه لا يدل على كل ما تسميه الناس ( ~~زيارة ( بإتفاق المسلمين # ويبقى الكلام المذكور فيه هل هو السلام عند القبر كما كان من دخل على ~~عائشة رضى الله عنها يسلم عليه أو يتناول هذا والسلام عليه من خارج الحجرة ~~فالذين إستدلوا به جعلوه متناولا لهذا وهذا PageV27P383 وهو غاية ما كان ~~عندهم في هذا الباب عنه وهو صلى الله عليه وسلم يسمع السلام من القريب ~~وتبلغه الملائكة الصلاة والسلام عليه من البعيد كما في النسائى عنه أنه قال ~~( إن لله ملائكة سياحين يبلغونى عن أمتى السلام ( وفى السنن عن اوس بن أوس ~~رضى الله عنه أن النبى قال ( أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة ~~فإن صلاتكم معروضة على قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت فقال إن الله ~~حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ~~وذكر مالك في موطئة أن عبد الله بن عمر كان يأتى فيقول السلام عليك يا رسول ~~الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف وفى رواية كان ~~إذا قدم من سفر رواه معمر عن نافع عنه وعلى هذا إعتمد مالك رحمه الله فيما ~~يفعل عند الحجرة إذا لم يكن عنده إلا أثر بن عمر رضى الله عنهما # وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبى مع كثرة الصلاة والسلام ~~عليه فقد كرهه مالك وقال هو بدعة لم يفعلها السلف ولن يصلح آخر هذه الأمة ~~إلا ما اصلح اولها # واما السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فهذا لم يكن موجودا في الإسلام ~~في زمن مالك وإنما حدث هذا بعد القرون الثلاثة قرن PageV27P384 الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم فأما هذه القرون التى أثنى عليها رسول الله فلم يكن هذا ~~ظاهرا فيها ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك ولهذا لما سأل سائل لمالك عن ms7878 رجل ~~نذر أن يأتى قبر النبى فقال إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه وإن كان ~~أراد القبر فلا يفعل للحديث الذى جاء ( لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد ~~( وكذلك من يزور قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم أو يطلب منهم الدعاء أو ~~يقصد الدعاء عندهم لكونه أقرب إجابة في ظنه فهذا لم يكن يعرف على عهد مالك ~~لا عند قبر النبى ولا غيره # وإذا كان مالك رحمه الله يكره أن يطيل الرجل الوقوف عنده للدعاء فكيف بمن ~~لا يقصد لا السلام عليه ولا الدعاء له وإنما يقصد دعاءه وطلب حوائجه منه ~~ويرفع صوته عنده فيؤذى الرسول ويشرك بالله ويظلم نفسه ولم يعتمد الأئمة لا ~~الأربعة ولا غير الأربعة على شيء من الأحاديث التى يرويها بعض الناس في ذلك ~~مثل ما يروون أنه قال ( من زارنى في مماتى فكأنما زارنى في حياتى ( ومن ~~قوله ( من زارنى وزار أبى في عام واحد ضمنت له على الله الجنة ( ونحو ذلك ~~فإن هذا لم يروه أحد من ائمة المسلمين ولم يعتمد PageV27P385 عليها ولم ~~يروها لأنها أهل الصحاح ولا أهل السنن التى يعتمد عليها كأبى داود والنسائى ~~لانها ضعيفة بل موضوعة كما قد بين العلماء الكلام عليها ومن زاره في حياته ~~صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين إليه والواحد بعدهم لو انفق مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وهو إذا اتى بالفرائض لا يكون مثل الصحابة ~~فكيف يكون مثلهم بالنوافل أو بما ليس بقربة أو بما هو منهى عنه # وكره مالك رضى الله عنه أن يقول القائل زرت قبر النبى صلى الله عليه وسلم ~~كره هذا اللفظ لأن السنة لم تأت به في قبره وقد ذكروا في تعليل ذلك وجوها ~~ورخص غيره في هذا اللفظ للأحاديث العامة في زيارة القبور ومالك يستحب ما ~~يستحبه سائر العلماء من السفر إلى المدينة والصلاة في مسجده وكذلك السلام ~~عليه وعلى صاحبيه عند قبورهم إتباعا لابن عمر ومالك من أعلم الناس بهذا ~~لأنه قد رأى ms7879 التابعين الذين رأوا الصحابة بالمدينة ولهذا كان يستحب إتباع ~~السلف في ذلك ويكره أن يبتدع أحد هناك بدعة فكره ان يطيل الرجل القيام ~~والدعاء عند قيد النبى لأن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يفعلون ذلك ~~وكره ومالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتى قبر النبى لأن ~~السلف لم يكونوا يفعلون ذلك قال مالك رحمه الله عليه ولن PageV27P386 يصلح ~~آخر هذه الأمة إلا ما اصلح أولها بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون فيه خلف ~~أبى بكر الصديق وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم أجمعين فإن هؤلاء الأربعة ~~صلوا أئمة في مسجده والمسلمون يصلون خلفهم كما كانوا يصلون خلفه وهم يقولون ~~في الصلاة السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته كما كانوا يقولون ذلك ~~في حياته ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام ~~لعلمهم بأن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل وهى المشروعة # وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو الصلاة والدعاء فإنه ~~لم يشرعه لهم بل نهاهم وقال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيث ما كنتم ~~فإن صلاتكم تبلغنى ( فبين أن الصلاة تصل إليه من البعيد وكذلك السلام ومن ~~صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا ومن سلم عليه مرة سلم الله عليه عشرا ~~كما قد جاء في بعض الأحاديث وتخصيص الحجرة بالصلاة والسلام جعل لها عيدا ~~وهو قد نهاهم عن ذلك ونهاهم أن يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجدا ولعن من فعل ~~ذلك ليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصاب غيرهم من اللعنة # وكان اصحابه خير القرون وهم أعلم ألامة بسنته وأطوع الأمة لأمره وكانوا ~~إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهب أحد منهم إلى قبره PageV27P387 لا من داخل ~~الحجرة ولا من خارجها وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت ~~عائشة رضى الله عنها فيها وبعد ذلك إلى أن بنى الحائط الآخر وهم مع ذلك ~~التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه لا لسلام ولا ms7880 لصلاة عليه ولا ~~لدعاء لأنفسهم ولا لسؤال عن حديث أو علم ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى ~~يسمعهم كلاما أو سلاما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو ~~أنه قد رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم فاضلهم ~~عند قبره وقبر غيره حتى ظنوا أن صاحب القبر يحدثهم ويفتيهم ويأمرهم وينهاهم ~~في الظاهر وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر ويظنون أن نفس أبدان ~~الموتى خرجت من القبر تكلمهم وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم ~~النبى ليلة المعراج يقظة لا مناما # فإن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التى هي خير أمة اخرجت ~~للناس وهم تلقوا الدين عن النبى بلا واسطة ففهموا من مقاصده وعاينوا من ~~أفعاله وسمعوا منه شفاها مالم يحصل لمن بعدهم وكذلك كان يستفيد بعضهم من ~~بعض ما لم يحصل لمن بعدهم وهم قد فارقوا جميع أهل ألارض وعادوهم وهجروا ~~جميع الطوائف وأديانهم وجاهدوهم بأنفسهم PageV27P388 وأموالهم قال في ~~الحديث الصحيح ( لا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( وهذا قاله لخالد بن الوليد لما تشاجر هو ~~وعبد الرحمن بن عوف لأن عبد الرحمن بن عوف كان من السابقين الأولين وهم ~~الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وهو فتح الحديبية وخالد وهو عمرو بن ~~العاص وعثمان بن طلحة أسلموا في مدة الهدنة بعد الحديبية وقبل فتح مكة ~~فكانوا من المهاجرين التابعين لا من المهاجرين الأولين وأما الذين أسلموا ~~عام فتح مكة فليسوا بمهاجرين فإنه لا هجرة بعد الفتح بل كان الذين أسلموا ~~من اهل مكة يقال لهم الطلقاء لأن النبى أطلقهم بعد الإستيلاء عليهم عنوة ~~كما يطلق الأسير والذين بايعوه تحت الشجرة هم ومن كان من مهاجرة الحبشة هم ~~السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وفى الصحيح عن جابر بن عبد الله ~~رضى الله عنهما قال ( قال لنا رسول الله يوم الحديبية ( أنتم خير أهل الأرض ~~( وكنا ms7881 ألفا وأربعمائة # ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ما ناله ممن ~~بعدهم فلم يكن فيهم من يتعمد الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم وإن كان ~~له أعمال غير ذلك قد تنكر عليه ولم يكن فيهم أحد من PageV27P389 أهل البدع ~~المشهورة كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية بل كل هؤلاء إنما ~~حدثوا فيمن بعدهم ولم يكن فيهم من طمع الشيطان أن يتراءى له في صورة بشر ~~ويقول أنا الخضر أو أنا إبراهيم أو موسى أو عيسى أو المسيح أو أن يكلمه عند ~~قبر حتى يظن أن صاحب القبر كلمه بل هذا إنما ناله فيمن بعدهم وناله أيضا من ~~النصارى حيث أتاهم بعد الصلب وقال أنا هو المسيح وهذه مواضع المسامير ولا ~~يقول انا شيطان فإن الشيطان لا يكون جسدا أو كما قال وهذا هو الذى إعتمد ~~عليه النصارى في انه صلب لا في مشاهدته فإن أحدا منهم لم يشاهد الصلب وإنما ~~حضره بعض اليهود وعلقوا المصلوب وهم يعتقدون أنه المسيح ولهذا جعله الله من ~~ذنوبهم وإن لم يكونوا صلبوه لكنهم قصدوا هذا الفعل وفرحوا به قال تعالى ~~@QB@ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا ~~فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه ~~الله إليه @QE@ وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما اضل ~~غيرهم من اهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله أو جهلوا السنة أو ~~رأوا وسمعوا أمورا من الخوارق فظنوها من جنس آيات PageV27P390 الأنبياء ~~والصالحين وكانت من افعال الشياطين كما أضل النصارى وأهل البدع بمثل ذلك ~~فهم يتبعون المتشابه ويدعون المحكم وكذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج ~~العقلية والحسية فيسمع ويرى امورا فيظن أنه رحمانى وإنما هو شيطانى ويدعون ~~البين الحق الذى لا اجمال فيه وكذلك لم يطمع الشيطان ms7882 أن يتمثل في صورته ~~ويغيث من إستغاث به أو أن يحمل اليهم صوتا يشبه صوته لأن الذين رأوه علموا ~~ان هذا شرك لايحل ولهذا أيضا لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه إذا ~~كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبرى وإستغيثوا بى لافى محياه ولا في مماته كما ~~جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين ولا طمع الشيطان أن يأتى أحدهم ويقول أنا ~~من رجال الغيب أو من ألاوتاد الأربعة أو السبعة أو الأربعين أو يقول له أنت ~~منهم إذ كان هذا عندهم من الباطل الذى لا حقيقة له ولا طمع الشيطان أن يأتى ~~أحدهم فيقول أنا رسول الله أو يخاطبه عند القبر كما وقع لكثير ممن بعدهم ~~عند قبره وقبر غيره وعند غير القبور كما يقع كثير من ذلك للمشركين واهل ~~الكتاب يرون بعد الموت من يعظمونه من شيوخهم # فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم والنصارى يرون من ~~يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم والضلال من أهل القبلة يرون من ~~يعظمونه إما النبى PageV27P391 وإما غيره من الأنبياء يقظة ويخاطبهم ~~ويخاطبونه وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم ومنهم من يخيل إليه أن ~~الحجرة قد إنشقت وخرج منها النبى وعانقه هو وصاحباه ومنهم من يخيل إليه أنه ~~رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام وإلى مكان بعيد وهذا وأمثاله أعرف ممن ~~وقع له هذا واشباهه عددا كثيرا وقد حدثنى بما وقع له في ذلك وبما اخبر به ~~غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم وهذا موجود عند خلق كثير كما ~~هو موجود عند النصارى والمشركين لكن كثير من الناس يكذب بهذا وكثير منهم ~~إذا صدق به يظن أنه من الآيات الإلهية وإن الذى رآى ذلك رآه لصلاحه ودينه ~~ولم يعلم أنه من الشيطان وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان ومن كان أقل ~~علما قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا ومن عنده علم منها لا ~~يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيدا فائدة في ms7883 دينه بل يضله عن بعض ~~ما كان يعرفه فإن هذا فعل الشياطين وهو وإن ظن أنه قد إستفاد شيئا فالذى ~~خسره من دينه أكثر # ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة إن الخضر أتاه ولا موسى ولا عيسى ولا انه ~~سمع رد النبى عليه وإبن عمر كان يسلم إذا قدم من سفر ولم يقل قط إنه يسمع ~~الرد وكذلك التابعون وتابعوهم وإنما حدث هذا من بعض المتأخرين PageV27P392 ~~وكذلك لم يكن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم يأتيه فيسأله عند القبر عن ~~بعض ما تنازعوا فيه واشكل عليهم من العلم لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم مع ~~أنهم أخص الناس به صلى الله عليه وسلم حتى ابنته فاطمة رضى الله عنها لم ~~يطمع الشيطان أن يقول لها إذهبى إلى قبره فسليه هل يورث أم لا يورث كما ~~أنهم أيضا لم يطمع الشيطان فيهم فيقول لهم إطلبوا منه أن يدعو لكم بالمطر ~~لما أجدبوا ولا قال أطلبوا منه أن يستنصر لكم ولا ان يستغفر كما كانوا في ~~حياته يطلبون منه أن يستسقى لهم وإن يستنصر لهم فلم يطمع الشيطان فيهم بعد ~~موته أن يطلبوا منه ذلك ولا طمع بذلك في القرون الثلاثة وإنما ظهرت هذه ~~الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد والسنة فأضله الشيطان كما أضل النصارى في ~~أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم # وكذلك لم يطمع الشيطان أن يطير بأحدهم في الهواء ولا أن يقطع به الأرض ~~البعيده في مدة قريبة كما يقع مثل هذا لكثير من المتأخرين لأن الأسفار التى ~~كانوا يسافرونها كانت طاعات كسفر الحج والعمرة والجهاد وهذه يثابون على كل ~~خطوة يخطونها فيه وكلما بعدت المسافة كان الأجر أعظم كالذى يخرج من بيته ~~إلى المسجد فخطواته إحداها PageV27P393 ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة فلم ~~يمكن الشيطان أن يفوتهم ذلك الأجر بأن يحملهم في الهواء أو يؤزهم في الأرض ~~أزا حتى يقطعوا المسافة البعيدة بسرعة وقد علموا ان النبى إنما أسرى به ~~الله ms7884 عز وجل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته الكبرى ~~وكان هذا من خصائصه فليس لمن بعده مثل هذا المعراج ولكن الشيطان يخيل إليه ~~معاريج شيطانية كما خيلها لجماعة من المتأخرين # وأما قطع النهر الكبير بالسير على الماء فهذا قد يحتاج إليه المؤمنون ~~أحيانا مثل أن لا يمكنهم العبور إلى العدو وتكميل الجهاد إلا بذلك فلهذا ~~كان الله يكرم من إحتاج إلى ذلك من الصحابة والتابعين بمثل ذلك كما أكرم به ~~العلاء بن الحضرمى وأصحابه وأبا مسلم الخولانى وأصحابه وبسط هذا له موضع ~~آخر غير هذا الكتاب # لكن المقصود أن يعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء فما ~~ظهر فيمن بعدهم مما يظن أنها فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من ~~الشيطان وهى نقيصة لا فضيلة سواء كانت من جنس العلوم أو من جنس العبادات أو ~~من جنس الخوارق والآيات أو من جنس السياسة والملك بل خير الناس بعدهم ~~أتبعهم لهم قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه من كان منكم مستنا ~~PageV27P394 فليستن بمن قد مات فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب ~~محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم إختارهم الله ~~لصحبة نبية وإقامة دينه فإعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على ~~الهدى المستقيم وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا ان الصحابة رضوان الله عليهم تركوا البدع المتعلقة بالقبور ~~كقبره المكرم وقبر غيره لنهيه لهم عن ذلك ولئلا يتشبهوا بأهل الكتاب الذين ~~إتخذوا قبور الأنبياء أوثانا وإن كان بعضهم يأتى من خارج فيسلم عليه إذا ~~قدم من سفر كما كان بن عمر يفعل بل كانوا في حياته يسلمون عليه ثم يخرجون ~~من المسجد لا يأتون إليه عند كل صلاة وإذا جاء أحدهم يسلم عليه رد عليه ~~النبى السلام وكذلك من يسلم عليه عند قبره رد عليه السلام وكانوا يدخلون ~~على عائشة فكانوا يسلمون عليه كما كانوا يسلمون عليه في حياته ويقول أحدهم ~~السلام على النبى ورحمة الله وبركاته ms7885 وقد جاء هذا عاما في جميع قبور ~~المؤمنين فما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ~~الله روحه عليه حتى يرد عليه السلام فإذا كان رد السلام موجودا في عموم ~~المؤمنين فما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ~~الله روحه عليه حتى يرد عليه السلام فإذا كان رد السلام موجودا في عموم ~~المؤمنين فهو في أفضل الخلق أولى وإذا سلم المسلم عليه في صلاته فإنه وإن ~~لم يرد عليه لكن الله يسلم عليه عشرا كما جاء في الحديث ( من سلم على مرة ~~سلم الله عليه PageV27P395 عشرا ( فالله يجزيه على هذا السلام أفضل مما ~~يحصل بالرد كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا وكان إبن عمر ~~يسلم عليه ثم ينصرف لا يقف لا لدعاء له ولا لنفسه ولهذا كره مالك ما زاد ~~على فعل بن عمر من وقوف له أو لنفسه لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة ~~فكان بدعة محضة قال مالك لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها مع أن ~~فعل بن عمر إذا لم يفعل مثله سائر الصحابة إنما يصلح للتسويغ كأمثال ذلك ~~فيما فعله بعض الصحابة رضوان الله عليهم # وأما القول بأن هذا الفعل مستحب أو منهى عنه أو مباح فلا يثبت إلا بدليل ~~شرعى فالوجوب والندب والإباحة والإستحباب والكراهة والتحريم لا يثبت شيء ~~منها إلا بالأدلة الشرعية والأدلة الشرعية مرجعها كلها إليه صلوات الله ~~وسلامه عليه فالقرآن هو الذى بلغه والسنة هو الذى علمها والإجماع بقوله عرف ~~أنه معصوم والقياس إنما يكون حجة إذا علمنا أن الفرع مثل الأصل وإن علة ~~الأصل في الفرع وقد علمنا أنه لا يتناقص فلا يحكم في المتماثلين بحكمين ~~متناقضين ولا يحكم بالحكم لعلة تارة ويمنعه أخرى مع وجود العلة إلا لإختصاص ~~إحدى الصورتين بما يوجب التخصيص فشرعه هو ما شرعه هو وسنته ما سنها هو لا ~~يضاف إليه قول غيره ms7886 PageV27P396 وفعله وإن كان من أفضل الناس إذا وردت سنته ~~بل ولا يضاف إليه إلا بدليل على الإضافة ولهذا كان الصحابة كأبى بكر وعمر ~~وإبن مسعود يقولون بإجتهادهم ويكونون مصيبين موافقين لسنته لكن يقول أحدهم ~~أقول في هذا برأيى فإن يكن صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان ~~والله ورسوله بريئان منه فإن كل ما خالف سنته فهو شرع منسوخ أو مبدل لكن ~~المجتهدون وإن قالوا بآرائهم وأخطأوا فلهم أجر وخطؤهم مغفور لهم # وكان الصحابة إذا أراد أحدهم أن يدعو لنفسه إستقبل القبلة ودعا في مسجده ~~كما كانوا يفعلون في حياته لا يقصدون الدعاء عند الحجرة ولا يدخل أحدهم إلى ~~القبر والسلام عليه قد شرع للمسلمين في كل صلاة وشرع للمسلمين إذا دخل ~~أحدهم المسجد أى مسجد كان فالنوع الأول كل صلاة يقول المصلى السلام عليك ~~ايها النبى ورحمة الله وبركاته ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين قال النبى صلى الله عليه وسلم ( فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح ~~لله في السماء والأرض ( وقد شرع للمسلمين في كل صلاة أن يسلموا على النبى ~~صلى الله عليه وسلم خصوصا وعلى عباد الله الصالحين من الملائكة والأنس ~~والجن عموما وفى الصحيحين عن إبن مسعود أنه قال كنا نقول خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الصلاة السلام على فلان وفلان فقال النبى صلى الله عليه ~~وسلم إن الله هو السلام فإذا PageV27P397 قعد أحدكم في الصلاة فليقل ~~التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله ( وقد روى عنه التشهد بألفاظ أخر كما رواه مسلم من حديث ~~بن عباس وكما كان بن عمر يعلم الناس التشهد ورواه مسلم من حديث أبى موسى ~~لكن هو تشهد إبن مسعود ولكن لم يخرج البخارى إلا تشهد بن مسعود وكل ذلك ~~جائز فإن القرآن أنزل على سبعة أحرف فالتشهد أولى # والمقصود أنه ذكر ms7887 أن المصلى إذا قال السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض وهذا يتناول الملائكة ~~وصالحى الإنس والجن كما قال تعالى عنهم @QB@ وأنا منا الصالحون ومنا دون ~~ذلك كنا طرائق قددا @QE@ # ( والنوع الثانى ( السلام عليه عند دخول المسجد كما في المسند والسنن عن ~~فاطمة بنت رسول الله ورضى الله عنها أن النبى قال ك ( إذا دخل أحدكم المسجد ~~فليقل بسم الله والسلام على رسول الله اللهم إغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب ~~رحمتك وإذا خرج قال بسم الله والسلام على رسول الله PageV27P398 اللهم إغفر ~~لى ذنوبى وإفتح لى أبواب فضلك ( وقد روى مسلم في صحيحه الدعاء عند دخول ~~المسجد بأن يفتح له أبواب رحمته وعند خروجه يسأل الله من فضله وهذا الدعاء ~~مؤكد في دخول مسجد النبى صلى الله عليه وسلم ولهذا ذكره العلماء فيما صنفوه ~~من المناسك لمن أتى إلى مسجده أن يقول ذلك فكان السلام عليه مشروعا عند ~~دخول المسجد والخروج منه وفى نفس كل صلاة وهذا أفضل وأنفع من السلام عليه ~~عند قبره وأدوم وهذا مصلحة محضة لا مفسدة فيها تخشى فبها يرضى الله ويوصل ~~نفع ذلك إلى رسوله وإلى المؤمنين وهذا مشروع في كل صلاة وعند دخول المسجد ~~والخروج منه بخلاف السلام عند القبر # مع أن قبره من حين دفن لم يمكن أحد من الدخول إليه لا لزيارة ولا لصلاة ~~ولا لدعاء ولا غير ذلك ولكن كانت عائشة فيه لأنه بيتها وكانت ناحية عن ~~القبور لأن القبور في مقدم الحجرة وكانت هي في مؤخر الحجرة ولم يكن الصحابة ~~يدخلون إلى هناك وكانت الحجرة على عهد الصحابة خارجة عن المسجد متصلة به ~~وإنما أدخلت فيه في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد موت العبادلة ~~بن عمر وبن عباس وبن الزبير وبن عمرو بل بعد موت جميع الصحابة الذين كانوا ~~بالمدينة فإن آخر من مات بها جابر بن عبد الله في بضع PageV27P399 وسبعين ~~سنة ووسع المسجد في بضع وثمانين سنة ms7888 ولم يكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر ~~ولا يقفون عنده خارجا مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلا ونهارا وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم ( صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ~~إلا المسجد الحرام ( وقال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام ومسجدى هذا والمسجد الأقصى ( وكانوا يقدمون من ألاسفار للإجتماع ~~بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة وعند ~~دخول المسجد والخروج منه ولا يأتون القبر إذ كان هذا عندهم مما لم يأمرهم ~~به ولم يسنه لهم وإنما امرهم وسن لهم الصلاة والسلام عليه في الصلاة وعند ~~دخولهم المساجد وغير ذلك # ولكن بن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر وقد ~~يكون فعله غير بن عمر أيضا فلهذا رأى من رأى من العلماء هذا جائزا إقتداء ~~بالصحابة رضوان الله عليهم وبن عمر كان يسلم ثم ينصرف ولا يقف يقول السلام ~~عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف ولم ~~يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل بن عمر بل كان الخلفاء وغيرهم يسافرون ~~للحج وغيره ويرجعون ولا يفعلون ذلك إذ لم يكن هذا PageV27P400 عندهم سنة ~~سنها لهم وكذلك ازواجه كن على عهد الخلفاء وبعدهم يسافرون إلى الحج ثم ترجع ~~كل واحدة إلى بيتها كما وصاهن بذلك وكانت أمداد اليمن الذين قال الله تعالى ~~فيهم @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ على عهد أبى بكر وعمر ~~يأتون أفواجا من اليمن للجهاد في سبيل الله ويصلون خلف أبى بكر وعمر في ~~مسجده ولا يدخل أحد منهم إلى داخل الحجرة ولا يقف في المسجد خارجا لا لدعاء ~~ولا لصلاة ولا سلام ولا غير ذلك وكانوا عالمين بسنته كما علمتهم الصحابة ~~والتابعون وإن حقوقه لازمة لحقوق الله عز وجل وأن جميع ما امر الله به ~~وأحبه من حقوقه وحقوق رسوله فإن صاحبها يؤمر بها في جميع المواضع والبقاع ~~فليست الصلاة والسلام عند قبره ms7889 المكرم بأوكد من ذلك في غير ذلك المكان بل ~~صاحبها مأمور بها حيث كان إما مطلقا وإما عند الأسباب المؤكدة لها كالصلاة ~~والدعاء والأذان ولم يكن شيء من حقوقه ولا شيء من العبادات هو عند قبره ~~افضل منه في غير تلك البقعة بل نفس مسجده له فضيلة لكونه مسجده # ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن له فضيلة إذ كان النبى يصلى فيه ~~والمهاجرون والأنصار وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد بن عبد الملك ~~لما أدخل الحجرة في مسجده فهذا لا يقوله PageV27P401 إلا جاهل مفرط في ~~الجهل أو كافر فهو مكذب لما جاء به مستحق للقتل وكان الصحابة يدعون في ~~مسجده كما كانوا يدعون في حياته لم تحدث لهم شريعة غير الشريعة التى علمهم ~~إياها في حياته وهو لم يأمرهم إذا كان لأحدهم حاجة أن يذهب إلى قبر نبى أو ~~صالح فيصلى عنده ويدعوه أو يدعو بلا صلاة أو يسأل حوائجه أو يسأله أن يسأل ~~ربه فقد علم الصحابة رضوان الله عليهم أن رسول الله لم يكن يأمرهم بشيء من ~~ذلك ولا امرهم أن يخصوا قبره أو حجرته لا بصلاة ولا دعاء لا له ولا لأنفسهم ~~بل قد نهاهم أن يتخذوا بيته عيدا فلم يقل لهم كما يقول بعض الشيوخ الجهال ~~لأصحابه إذا كان لكم حاجة فتعالوا إلى قبرى بل نهاهم عما هو أبلغ من ذلك أن ~~يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجدا يصلون فيه لله عز وجل ليسد ذريعة الشرك فصلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم تسليما وجزاه أفضل ما جزى نبينا عن أمته قد بلغ ~~الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى ~~أتاه اليقين من ربه وكان إنعام الله به أفضل نعمة أنعم بها على العباد # وقد دلهم على افضل العبادات وافضل البقاع كما في الصحيحين عن إبن مسعود ~~رضى الله عنه أنه قال ( قلت PageV27P402 يا رسول الله أى العمل افضل قال ~~الصلاة على مواقيتها قلت ثم أي قال بر الوالدين ms7890 قلت ثم أي قال الجهاد في ~~سبيل الله قال سألته عنهن ولو إستزدته لزادنى ( وفى المسند وسنن بن ماجه عن ~~ثوبان عن النبى أنه قال ( إستقيموا ولن تحصوا وإعلموا أن خير أعمالكم ~~الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ( والصلاة قد شرع للأمة أن تتخذ لها ~~مساجد وهى أحب البقاع إلى الله كما ثبت عنه في صحيح مسلم وغيره أنه قال ( ~~أحب البقاع إلى الله المساجد وأبغض البقاع إلى الله الأسواق ومع هذا فقد ~~لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد وهو في مرض موته نصيحة للأمة ~~وحرصا منه على هداها كما نعته الله بقوله @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ ففى الصحيحين عن ~~عائشة رضى الله عنها أنها قالت قال رسول الله في مرضه الذى لم يقم منه ( ~~لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( قالت عائشة ولولا ~~ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفي رواية ولكن خشى أن يتخذ مسجدا ~~وفى رواية للبخارى ( غير أنى أخشى أن يتخذ مسجدا ( وعن عائشة وإبن عباس ~~قالا لما نزل برسول الله صلى PageV27P403 الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له ~~على وجهه فإذا إغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك ( لعنة الله على اليهود ~~والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما صنعوا ومن حكمة الله أن ~~عائشة أم المؤمنين صاحبة الحجرة التى دفن فيها تروى هذه الأحاديث وقد ~~سمعتها منه وإن كان غيرها من الصحابة أيضا يرويها كابن عباس وأبى هريرة ~~وجندب بن عبد الله وبن مسعود رضى الله تعالى عنهم # وفى الصحيحين عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ( قاتل الله ~~اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وفى الصحيحين عن عائشة ان أم حبيبة ~~وأم سلمة ذكرنا كنيسة راينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال رسول الله ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على ~~قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور اولئك ms7891 شرار الخلق عند الله يوم القيامة ( ~~وفى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول ( إنى ابرأ إلى الله أن يكون لى ~~منكم خليل فإن الله قد إتخذنى خليلا كما إتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا ~~من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا الا وإن من PageV27P404 كان قبلكم ~~كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ~~ذلك ( وفى صحيح مسلم عن أبى مرثد الغنوى ان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( ~~لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ( وفى المسند وصحيح ابى حاتم أنه قال ~~( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور ~~المساجد ( وقد تقدم نهيه أن يتخذوا قبره عيدا # فلما علم الصحابة أنه قد نهاهم عن أن يتخذوه مصلى للفرائض التى يتقرب بها ~~إلى الله عز وجل لئلا يتشبهوا بالمشركين الذين يدعونها ويصلون لها وينذرون ~~لها كان نهيهم عن دعائها أعظم وأعظم كما أنه لما نهاهم عن الصلاة عند طلوع ~~الشمس وعند غروبها لئلا يتشبهوا بمن يسجد للشمس كان نهيهم عن السجود للشمس ~~اولى وأحرى فكان الصحابة رضوان الله عليهم يقصدون الصلاة والدعاء والذكر في ~~المساجد التى بنيت لله دون قبور الأنبياء والصالحين التى نهوا أن يتخذوها ~~مساجد وإنما هي بيوت المخلوقين وكانوا يفعلون بعد موته ما كانوا يفعلون في ~~حياته صلى الله عليه وسلم تسليما # ومما يدل على ما ذكره مالك وغيره من علماء المسلمين من الكراهة لأهل ~~المدينة قصدهم القبر إذا دخلوا أو خرجوا منه ونحو ذلك PageV27P405 وإن كان ~~قصدهم مجرد السلام عليه والصلاة أن النبى كان ياتى قباء راكبا وماشيا كل ~~سبت كما ثبت في الصحيحين من حديث بن عمر قال ( كان رسول الله يأتى قباء كل ~~سبت راكبا وماشيا ( وكان بن عمر يفعله زاد نافع عن بن عمر عن النبى ( فيصلى ~~فيه ركعتين ( وهذا الحديث الصحيح يدل على أنه ms7892 كان يصلى في مسجده يوم الجمعة ~~ويذهب إلى مسجد قباء فيصلى فيه يوم السبت وكلاهما أسس على التقوى وقد قال ~~تعالى @QB@ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين @QE@ وقد روى عن النبى من غير وجه انه ~~سأل أهل قباء عن هذا الطهور الذى اثنى الله عليهم فذكروا أنهم يستنجون ~~بالماء وفى سنن أبى داود وغيره قال ( نزلت هذه الآية في مسجد أهل قباء @QB@ ~~فيه رجال يحبون أن يتطهروا @QE@ قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه ~~الآية ( وقد ثبت في الصحيح عن سعد أنه سأل النبى عن المسجد الذى أسس على ~~التقوى وهو في بيت بعض نسائه فأخذ كفا من حصى فضرب به الأرض ثم قال ( هو ~~مسجدكم هذا ( لمسجد المدينة فتبين أن كلا المسجدين أسس على التقوى لكن مسجد ~~المدينة أكمل في هذا النعت فهو أحق بهذا الأسم ومسجد قباء كان سبب نزول ~~الآية لأنه PageV27P406 مجاور لمسجد الضرار الذى نهى عن القيام فيه # والمقصود أن إتيان قباء كل أسبوع للصلاة فيه كان إبن عمر يفعله اتباعا ~~للنبى ولم يكن بن عمر ولا غيره إذا كانوا مقيمين بالمدينة يأتون قبر النبى ~~صلى الله عليه وسلم لا في الأسبوع ولا في غير الأسبوع وإنما كان بن عمر ~~يأتى القبر إذا قدم من سفر وكثير من الصحابة أو اكثرهم كانوا يقدمون من ~~الأسفار ولا يأتون القبر لا لسلام ولا لدعاء ولا غير ذلك فلم يكونوا يقفون ~~عنده خارج الحجرة في المسجد كما كان بن عمر يفعل ولم يكن أحد منهم يدخل ~~الحجرة لذلك بل ولا يدخلونها إلا لأجل عائشة رضى الله عنها لما كانت مقيمة ~~فيها وحينئذ فكان من يدخل إليها يسلم على النبى كما كانوا يسلمون عليه إذا ~~حضروا عنده واما السلام الذى لا يسمعه فذلك سلام الله عليهم به عشرا ~~كالسلام عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه وهذا السلام مأمور به ~~في كل مكان وزمان وهو أفضل ms7893 من السلام المختص بقبره فإن هذا المختص بقبره من ~~جنس تحته سائر المؤمنين أحياء وامواتا # وأما السلام المطلق العام فالأمر به من خصائصه كما ان الأمر بالصلاة من ~~خصائصه وإن كان في الصلاة والسلام على غيره عموما وفى الصلاة على غيره ~~خصوصا نزاع وقد عدى بعضهم ذلك إلى السلام PageV27P407 فجعله مختصا به كما ~~اختص بالصلاة وحكى هذا عن أبى محمد الجوينى لكن جمهور العلماء على أن ~~السلام لا يختص به وأما الصلاة ففيها نزاع مشهور وذلك أن الله تعالى أمر في ~~كتابه بالصلاة والسلام عليه مخصوصا بذلك فقال تعالى @QB@ إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما @QE@ فهنا ~~أخبر وامر وأما في حق عموم المؤمنين فأخبر ولم يأمر فقال تعالى @QB@ هو ~~الذي يصلي عليكم وملائكته @QE@ ولهذا إذا ذكر الخطباء ذلك قالوا إن الله ~~أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته وأية بالمؤمنين من بريته أى قال ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ فإن صلاته تعالى على المؤمنين بدأ فيها ~~بنفسه وثنى بملائكته لكن لم يؤيه فيها بالمؤمنين من بريته وقد جاء في ~~الحديث ( إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير ( # وقد اتفق المسلمون على أنه تشرع الصلاة عليه في الصلاة قبل الدعاء وفى ~~غير الصلاة وإنما تنازعوا في وجوب الصلاة عليه في الصلاة المكتوبة وفى ~~الخطب فأوجب ذلك الشافعى ولم يوجبه أبوحنيفة ومالك وعن الإمام أحمد روايتان ~~وإذا قيل بوجوبها فهل هي ركن أو تسقط بالسهو على روايتين وأظهر الأقوال أن ~~الصلاة واجبة مع الدعاء فلا ندعو حتى نبدأ به والسلام عليه مأمور به في ~~الصلاة وهو في التشهد الذى هو PageV27P408 ركن في الصلاة عند الشافعى وأحمد ~~في الشهور عنه فتبطل الصلاة بتركه عمدا وسهوا والتشهد الأخير عند مالك وأبى ~~حنيفة وعند مالك وأحمد في المشهور عنه إذا ترك التشهد الأول عمدا بطلت ~~صلاته وإن تركه سهوا فعليه سجود السهو وهذا يسميه الإمام أحمد واجبا ويسميه ~~أصحاب مالك سنة واجبة ويقولون سنة واجبة وليس في ms7894 ذلك نزاع معنوى مع القول ~~بأن من تعمد تركه يعيد ومن تركه سهوا فعليه سجود السهو # ومالك واحمد عندهما الأفعال في الصلاة أنواع كأفعال الحج وأبو حنيفة ~~يجعلها ثلاثة انواع لكن عنده أن النوع الواجب يكون مسيئا بتركه ولا إعادة ~~عليه سواء تركه عمدا أو سهوا وأما الشافعى فعنده الواجب فيها هو الركن ~~بخلاف الحج فإنه بإتفاقهم فيه واجب يجبر بالدم غير الركن وغير المستحب # ولا نزاع أنه هو صلى الله عليه وسلم يصلى على غيره كما قال تعالى @QB@ ~~وصل عليهم @QE@ وكما ثبت في الصحيح أنه قال ( اللهم صل على آل أبى أوفى ( ~~وكما روى أنه قال لأمرأة ( صلى الله عليك وعلى زوجك ( وكانت قد طلبت منه أن ~~يصلى عليها وعلى زوجها # وأيضا لا نزاع أنه يصلى على آله تبعا كما علم أمته أن يقولوا ( اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد PageV27P409 مجيد ~~وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ( # وأما صلاة على غيره منفردا مثل أن يقال صلى الله علي أبى بكر أو عمر أو ~~عثمان أو علي ففيهما قولان # أحدهما ان ذلك جائز وهو منصوص أحمد في غير موضع وإستدل على ذلك بأن عليا ~~قال لعمر صلى الله عليك وعليه جمهور أصحابه كالقاضى أبى يعلى وبن عقيل ~~والشيخ عبدالقادر ولم يذكروا في ذلك نزاعا # والثانى المنع من ذلك كما ذكر ذلك طائفة من اصحاب مالك والشافعى ونقل ذلك ~~عنهما وهو الذى ذكره جدنا أبو البركات في كتابه الكبير لم يذكر غيره وإحتج ~~بما رواه جماعة عن بن عباس قال لا أعلم الصلاة تنبغى من أحد على أحد إلا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال من منع أما صلاته على غيره فإن ~~الصلاة له فله أن يعطيها لغيره وأماالصلاة على غيره تبعا فقد يجوز تبعا ~~مالا يجوز قصدا ومن جوز ذلك يحتج بالخليفتين الراشدين عمر وعلى وبأنه ليس ~~في الكتاب والسنة نهى عن ذلك ms7895 لكن لا يجب ذلك في حق أحد كما يجب في حق النبى ~~فتخصيصه كان بالأمر والإيجاب لا بالجواز والإستحباب قالوا وقد ثبت أن ~~PageV27P410 الملائكة تصلى على المؤمنين كما في الصحيح ( إن الملائكة تصلى ~~على أحدكم ما دام في مصلاة ( فإذا كان الله وملائكته يصلون على المؤمن ~~فلماذا لا يجوز أن يصلى عليه المؤمنون # وأما قول بن عباس فهذا ذكره لما صار أهل البدع يخصون بالصلاة عليا أو ~~غيره ولا يصلون على غيرهم فهذا بدعة بالإتفاق وهم لا يصلون على كل أحد من ~~بنى هاشم من العباسيين ولا على كل أحد من ولد الحسن والحسين ولا على ازواجه ~~مع أنه قد ثبت في الصحيحح ( اللهم صل على محمد وعلى ازواجه وذريته ( فحينئذ ~~لا حجة لمن خص بالصلاة [ بعض ] اهل البيت دون سائر أهل البيت ودون سائر ~~المؤمنين # ولما كان الله تعالى أمر بالصلاة والسلام عليه ثم قال من قال ان الصلاة ~~على غيره ممنوع منها طرد ذلك طائفة منهم أبو محمد الجوينى فقالوا لا يسلم ~~على غيره وهذا لم يعرف عن أحد من المتقدمين وأكثر المتأخرين أنكروه فإن ~~السلام على الغير مشروع سلام التحية يسلم عليه إذا لقيه وهو إما واجب وإما ~~مستحب مؤكد فإن في ذلك قولين للعلماء ء وهما قولا في مذهب أحمد والرد واجب ~~بالإجماع إما على الأعيان وإما على الكفاية والمصلى إذا خرج من الصلاة يقول ~~السلام عليكم السلام عليكم وقد كان النبى صلى الله عليه PageV27P411 وسلم ~~يعلم اصحابه إذا زاروا القبور ان يسلموا عليهم فيقولوا ( السلام عليكم أهل ~~الديار من المؤمنين والمسلمين ( فالذين جعلوا السلام من خصائصه لا يمنعون ~~من السلام على الحاضر لكن يقولون لا يسلم على الغائب فجعلوا السلام عليه مع ~~الغيبة من خصائصه وهذا حق لكن الأمر بذلك وإيجابه هو من خصائصه كما في ~~التشهد فليس فيه سلام على معين إلا عليه وكذلك عند دخول المسجد والخروج منه ~~وهذا يؤيد أن السلام كالصلاة كلاهما واجب له في الصلاة وغيرها وغيره فليس ~~واجبا إلا ms7896 سلام التحية عند اللقاء فإنه مؤكد بالإتفاق # وهل يجب أو يستحب على قولين معروفين في مذهب أحمد وغيره والذى تدل عليه ~~النصوص أنه واجب وقد روى مسلم في صحيحه عنه أنه قال ( خمس تجب للمسلم على ~~المسلم يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشيعه إذا مات ويجيبه إذا دعاه ~~( وروى ( ويشمته إذا عطس ( وقد أوجب أكثر الفقهاء إجابة الدعوة والصلاة على ~~الميت فرض على الكفاية بإجماعهم والسلام عند اللقاء اوكد من إجابة الدعوة ~~وكذلك عيادة المريض والشر الذى يحصل إذا لم يسلم عليه عند اللقاء ولم يعده ~~إذا مرض أعظم مما يحصل إذا لم يجب دعوته والسلام اسهل من إجابة الدعوة ومن ~~العيادة وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر PageV27P412 # والمقصود هنا إن سلام التحية عند اللقاء في المحيا وفى الممات إذا زار ~~قبر المسلم مشروع في حق كل مسلم لكل من لقيه حيا أو زار قبره أن يسلم عليه ~~فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون أن هذا السلام عليه عند قبره الذى ~~قال فيه ( ما من أحد يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام ( ~~ليس من خصائصه ولا فيه فضيلة له على غيره بل هو مشروع في حق كل مسلم حى ~~وميت وكل مؤمن يرد السلام على من سلم عليه وهذا ليس مقصودا بنفسه بل إذا ~~لقيه سلم عليه وهكذا زار القبر يسلم على الميت لا أنه يتكلف قطع المسافة ~~واللقاء لمجرد ذلك والسلام عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه ~~فهو من خصائصه هو من السلام الذى أمر الله به في القرآن أن يسلم عليه ومن ~~سلم يسلم الله عليه عشرا كما يصلى عليه إذا صلى عليه عشرا فهو المشروع ~~المأمور به الأفضل الأنفع الأكمل الذى لا مفسدة فيه وذاك جهد لا يختص به ~~ولا يؤمر بقطع المسافة لمجرده بل قصد نية الصلاة والسلام والدعاء هو إتخاذ ~~له عيدا وقد قال صلى الله عليه وسلم ( لا تتخذوا بيتى عيدا ( # فلهذا كان العمل الشائع في ms7897 الصحابة الخلفاء الراشدين والسابقين الأولين ~~من المهاجرين والأنصار أنهم يدخلون مسجده ويصلون عليه PageV27P413 في ~~الصلاة ويسلمون عليه كما أمرهم الله ورسوله ويدعون لأنفسهم في الصلاة مما ~~إختاروا من الدعاء المشروع كما في الصحيح من حديث بن مسعود لما علمه التشهد ~~قال ( ثم ليتخير بعد ذلك من الدعاء أعجبه إليه ( ولم يكونوا يذهبون إلى ~~القبر لا من داخل الحجرة ولا من خارجها لا لدعاء ولا صلاة ولا سلام ولا غير ~~ذلك من حقوقه المأمور بها في كل مكان فضلا عن أن يقصدوها لحوائجهم كما ~~يفعله أهل الشرك والبدع فإن هذا لم يكن يعرف في القرون الثلاثة لا عند قبره ~~ولا قبر غيره لا في زمن الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم # فهذه الأمور إذا تصورها ذو الإيمان والعلم عرف دين الإسلام في هذه الأمور ~~وفرق بين من يعرف التوحيد والسنة والإيمان ومن يجهل ذلك وقد تبين أن ~~الخلفاء الراشدين وجمهور الصحابة كانوا يدخلون المسجد ويصلون فيه على النبى ~~ولا يسلمون عليه عند الخروج من المدينة وعند القدوم من السفر بل يدخلون ~~المسجد فيصلون فيه ويسلمون على النبى ولا يأتون القبر ومقصود بعضهم التحية # وأيضا فقد إستحب لكل من دخل المسجد أن يسلم على النبى فيقول بسم الله ~~والسلام على رسول الله اللهم إغفر لى ذنوبى وإفتح لى أبواب رحمتك وكذلك إذا ~~خرج يقول PageV27P414 بسم الله والسلام على رسول الله اللهم إغفر لى ذنوبى ~~وإفتح لى أبواب فضلك فهذا السلام عند دخول المسجد كلما يدخل يغنى عن السلام ~~عليه عند القبر وهو من خصائصه ولا مفسدة فيه وهو يفعل ذلك في الصلاة فيصلون ~~ويسلمون عليه في الصلاة ويصلون عليه إذا سمعوا الأذان ويطلبون له الوسيلة ~~لما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على ~~فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها ~~درجة في الجنة ms7898 لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن ~~سأل لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة ( # وقد علموا أن الذى يستحب عند قبره المكرم من السلام عليه هو سلام التحية ~~عند اللقاء كما يستحب ذلك عند قبر كل مسلم وعند لقائه فيشاركه فيه غيره كما ~~قال ( ما من رجل يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام ( وقال ~~( ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه ~~السلام ( وكان إذا أتى المقابر قال ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع أسأل ~~الله العافية لنا ولكم ( وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا ~~PageV27P415 السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ( والسلام عليه ~~في الصلاة أفضل من السلام عليه عند القبر وهو من خصائصه وهو مامور به والله ~~يسلم على صاحبه كما يصلى على من صلى عليه فإنه من صلى عليه واحدة صلى الله ~~عليه بها عشرا ومن سلم عليه واحدة سلم الله عليه عشرا وقد حصل مقصودهم ~~ومقصوده من السلام عليه والصلاة عليه في مسجده وغير مسجده فلم يبق في إتيان ~~القبر فائدة لهم ولا له بخلاف إتيان مسجد قباء فإنهم كانوا يأتونه كل سبت ~~فيصلون فيه إتباعا له صلى الله عليه وسلم فإن الصلاة فيه كعمرة ويجمعون بين ~~هذا وبين الصلاة في مسجده يوم الجمعة إذ كان أحد هذين لا يغنى عن الآخر بل ~~يحصل بهذا أجر زائد وكذلك إذا خرج الرجل إلى البقيع وأهل أحد كما كان يخرج ~~إليهم النبى يدعو لهم كان حسنا لأن هذا مصلحة لا مفسدة فيها وهم لا يدعون ~~لهم في كل صلاة حتى يقال هذا يغنى عن هذا # ومع هذا فقد نقل عن مالك كراهة إتخاذ ذلك سنة ولم يأخذ في هذا بفعل بن ~~عمر كما لم يأخذ بفعله في التمسح بمقعده على المنبر ولا بإستحباب قصد ms7899 ~~الأماكن التى صلى فيها لكون الصلاة أدركته فيها فكان بن عمر يستحب قصدها ~~للصلاة فيها وكان جمهور الصحابة لا يستحبون ذلك بل يستحبون ما كان يستحبة ~~PageV27P416 وهو أن يصلى حيث أدركته الصلاة وكان أبوه عمر بن الخطاب ينهى ~~من يقصدها للصلاة فيها ويقول إنما هلك من كان قبلكم بهذا فإنهم إتخذوا آثار ~~أنبيائهم مساجد من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليذهب فأمرهم عمر بن ~~الخطاب بما سنه لهم رسول الله إذ كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه من ~~الخلفاء الراشدين الذين امرنا بإتباع سنتهم وله خصوص الأمر بالإقتداء به ~~وبأبى بكر حيث قال ( إقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر ( فالأمر ~~بالإقتداء أرفع من الأمر بالسنة كما قد بسط في مواضع # وكذلك نقل عن مالك كراهة المجىء إلى بيت المقدس خشية أن يتخذ السفر إليه ~~سنة فإنه كره ذلك لما جعل لهذا وقت معين كوقت الحج الذى يذهب إليه جماعة ~~فإن النبى لم يفعل هذا لا في قباء ولا في قبور الشهداء وأهل البقيع ولا ~~غيرهم كما فعل مثل ذلك في الحج وفى الجمع والأعياد فيجب الفرق بين هذا وبين ~~هذا مع أنه صلى التطوع في جماعة مرات في قيام الليل ووقت الضحى وغيره ولكن ~~لم يجعل الإجتماع مثل تطوع في وقت معين سنة كالصلوات الخمس وكصلاة الكسوف ~~والعيدين والجمعة واما إتيان القبر للسلام عليه فقد إستغنوا عنه بالسلام ~~عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه وفى إتيانه بعد الصلاة مرة ~~بعد مرة ذريعة إلى أن يتخذ عيدا ووثنا PageV27P417 وقد نهوا عن ذلك # وهو صلى الله عليه وسلم مدفون في حجرة عائشة وكانت حجرة عائشة وسائر حجر ~~أزواجه من جهة شرقى المسجد وقبلته لم تكن داخلة في مسجده بل كان يخرج من ~~الحجرة إلى المسجد ولكن في خلافة الوليد وسع المسجد وكان يحب عمارة المساجد ~~وعمر المسجد الحرام ومسجد دمشق وغيرهما فأمر نائبة عمر بن عبد العزيز أن ~~يشترى الحجر من أصحابها الذين ورثوا أزواج النبى ويزيدها في ms7900 المسجد فمن ~~حينئذ دخلت الحجر في المسجد وذلك بعد موت الصحابة بعد موت بن عمر وبن عباس ~~وأبى سعيد الخدرى وبعد موت عائشة بل بعد موت عامة الصحابة ولم يكن بقى في ~~المدينة منهم أحد وقد روى أن سعيد بن المسيب كره ذلك وقد كره كثير من ~~الصحابة والتابعين ما فعله عثمان رضى الله عنه من بناء المسجد بالحجارة ~~والقصة والساج وهؤلاء لما فعله الوليد أكره وأما عمر رضى الله عنه فإنه ~~وسعه لكن بناه على ما كان من بنائه من اللبن وعمده جذوع النخل وسقفه الجريد ~~ولم ينقل أن أحدا كره ما فعل عمر وإنما وقع النزاع فيما فعله عثمان والوليد # وكان من أراد السلام عليه على عهد الصحابة رضوان الله عليهم يأتيه من ~~غربى الحجرة فيسلم عليه إما مستقبل الحجرة PageV27P418 وإما مستقبل القبلة ~~والآن يمكنه أن يأتى من جهة القبلة فلهذا كان أكثر العلماء يستحبون أن ~~يستقبل الحجرة ويسلم عليه ومنهم من يقول بل يستقبل القبلة ويسلم عليه كقول ~~أبى حنيفة # فإن الوليد بن عبد الملك تولى بعد موت أبيه عبد الملك سنة بضع وثمانين من ~~الهجرة وكان قد مات هؤلاء الصحابة كلهم وتوفى عامة الصحابة في جميع ~~االأمصار ولم يكن بقى بالأمصار إلا قليل جدا مثل أنس بن مالك بالبصرة فإنه ~~توفى في خلافة الوليد سنة بضع وتسعين وجابر بن عبد الله مات سنة ثمان ~~وسبعين بالمدينة وهو آخر من مات بها والوليد أدخل الحجرة بعد ذلك بمدة ~~طويلة نحو عشر سنين وبناء المسجد كان بعد موت جابر فلم يكن قد بقى بالمدينة ~~أحد وأما عثمان بن عفان رضى الله عنه فزاد في المسجد والصحابة كثيرون ولم ~~يدخل فيه شيئا من الحجرة بل ترك الحجرة النبوية على ما كانت عليه خارجة عن ~~المسجد متصلة به من شرقية كما كانت على عهد النبى وأبى بكر وعمر وكانت ~~عائشة رضى الله عنها فيها ولم تزل عائشة فيها إلى أواخر خلافة معاوية ~~وتوفيت بعد موت الحسن بن على وكان الحسن ms7901 قد إستأذنها في أن يدفن في الحجرة ~~فأذنت له لكن كره ذلك ناس آخرون ورأوا أن عثمان رضى الله عنه لما لم يدفن ~~فيها فلا يدفن غيره وكادت تقوم فتنة ولما إحتضرت عائشة رضى الله عنها أوصت ~~أن تدفن مع PageV27P419 صواحباتها بالبقيع ولا تدفن هناك فعلت هذا تواضعا ~~أن تزكى به # فلهذا لم يتكلم فيما فعله الوليد هل هو جائز أو مكروه إلا التابعون كسعيد ~~بن المسيب وأمثاله وكان سعيد إذ ذاك من أجل التابعين قيل لأحمد بن حنبل أى ~~التابعين أفضل قال سعيد بن المسيب فقيل له فعلقمة والأسود فقال سعيد بن ~~المسيب وعلقمة والأسود هذان كانا قد ماتا قبل ذلك بمدة ومن ذلك الوقت دخلت ~~في المسجد وكان قبل دخول الحجرة فيه فاضلا وكانت فضيلة المسجد بأن النبى ~~بناه لنفسه وللمؤمنين يصلى فيه هو والمؤمنون إلى يوم القيامة ففضل ببنائه ~~له قلت قال مالك بلغنى أن جبريل هو الذى أقام قبلته للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وبأنه كان هو الذي يقصد فيه الجمعة والجماعة إلى أن مات وما صلى جمعة ~~بغيره قط لا في سفره ولا في مقامه وأما الجماعة فكان يصليها حيث أدركته # ونحن مأمورون بإتباعه صلى الله عليه وسلم وذلك بأن نصدقه في كل ما أخبر ~~به ونطيعه في كل ما أوجبه وأمر به لا يتم الإيمان به إلا بهذا وهذا ومن ذلك ~~أن نقتدى به في أفعاله التى يشرع لنا أن نقتدى به فما فعله على وجه الوجوب ~~أو الإستحباب أو الإباحة نفعله على وجه الوجوب أو الإستحباب أو الإباحة وهو ~~مذهب جماهير العلماء PageV27P420 إلا ما ثبت إختصاصه به فإذا قصد عبادة في ~~مكان شرع لنا أن نقصد تلك العبادة في ذلك المكان فلما قصد السفر إلى مكة ~~وقصد العبادة بالمسجد الحرام والصلاة فيه والطواف به وبين الصفا والمروة ~~والصعود على الصفا والمروة والوقوف بعرفة وبالمشعر الحرام ورمى الجمار ~~والوقوف للدعاء عند الجمرتين الأوليين دون الثالثة التى هي جمرة العقبة كان ~~ذلك كله مشروعا لنا ms7902 إما واجبا وأما مستحبا ولم يذهب بمكة إلى غير المسجد ~~الحرام ولا سافر إلى الغار الذى مكث فيه لما سافر سفر الهجرة ولا صعد إلى ~~غار حراء الذى كان يتحنث فيه قبل أن يأتيه الوحى وكان ذلك عبادة لأهل مكة ~~قيل أنه سنها لهم عبد المطلب وصلى عقب الطواف ركعتين ولم يصل عقب الطواف ~~بالصفا والمروة شيئا وحين دخل المسجد الحرام طاف بالبيت وكان الطواف تحية ~~المسجد لم يصل قبله تحية كما تصلى في سائر المساجد كما أنه إفتتح برمى جمرة ~~العقبة حين أتى منى وتلك هي العبادة وبعدها نحر هديه ثم حلق رأسه ثم طاف ~~بالبيت # ولهذا صارت السنة أن أهل منى يرمون ثم يذبحون والرمي لهم بمنزلة صلاة ~~العيد لغيرهم وليس بمنى صلاة عيد ولا جمعة ولا بها ولا بعرفة فان النبى لم ~~يصل بهما صلاة عيد ولا صلى يوم عرفة جمعة ولا كان في أسفاره يصلي جمعة ولا ~~عيدا ولهذا PageV27P421 كان عامة العلماء على ان الجمعة لا تصلى في السفر ~~وليس في ذلك الا نزاع شاذ وجمهور العلماء على ان العيد أيضا لا يكون إلا ~~حيث تكون الجمعة فإن النبى لم يصل عيدا في السفر ولا كان يصلى في المدينة ~~على عهده الا عيدا واحدا ولم يكن أحد يصلي العيد منفردا وهذا قول جمهور ~~العلماء وفيه نزاع مشهور ولهذا صار المسلمون بمنى يرمون ثم يذبحون النسك ~~اتباعا لسنته # فما فعله على وجه التقرب كان عبادة تفعل على وجه التقرب وما أعرض عنه ولم ~~يفعله مع قيام السبب المقتضى لم يكن عبادة ولا مستحبا وما فعله على وجه ~~الاباحة من غير قصد التعبد به كان مباحا ومن العلماء من يستحب مشابهته في ~~هذا في الصورة كما كان إبن عمر يفعل وأكثرهم يقول إنما تكون المتابعة إذا ~~قصدنا ما قصد وأما المشابهة في الصورة من غير مشاركة في القصد والنية فلا ~~تكون متابعة فما فعله على غير العبادة فلا يستحب أن يفعل على وجه العبادة ~~فان ذلك ليس بمتابعة ms7903 بل مخالفة وقد ثبت في الصحيح أنه كان يصلي حيث أدركته ~~الصلاة وثبت في الصحيح أنه قال لأبى ذر حين سأله أي مسجد وضع في الأرض أول ~~فقال ( المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى ثم حيث ما أدركتك الصلاة فصل فانه ~~مسجد ( وروى في PageV27P422 الصحيح ( فان فيه الفضل ( فمن أدركته الصلاة هو ~~وأصحابه بمكان فتركوا الصلاة فيه وذهبوا إلى مكان آخر لكونه فيه أثر لبعض ~~الأنبياء فقد خالفوا السنة وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوما ~~ينتابون مكانا صلى فيه رسول الله فقال ما هذا قالوا هذا مكان صلى فيه رسول ~~الله فقال ومكان صلى فيه رسول الله أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ~~إنما هلك بنوا اسرائيل بمثل هذا فمن أدركته الصلاة فيه فليصل فيه والا ~~فليذهب # فمسجده المفضل لما كان يفضل الصلاة فيه كان مستحبا فكيف وقد قال ( صلاة ~~في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ( وقال ( لا تشد ~~الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا ( ~~وهذه الفضيلة ثابتة له قبل أن تدخل فيه الحجرة بل كان حنيئذ الذين يصلون ~~فيه أفضل ممن صلى فيه إلى يوم القيامة ولا يجوز أن يظن انه بعد دخول الحجرة ~~فيه صار أفضل مما كان في حياته وحياة خلفائه الراشدين بل الفضيلة ان اختلفت ~~الأزمنة والرجال فزمنه وزمن الخلفاء الراشدين أفضل ورجاله أفضل فالمسجد ~~حينئذ قبل دخول الحجرة فيه كان أفضل أن اختلفت الأمور وان لم تختلف ~~PageV27P423 فلا فرق وبكل حال فلا يجوز أن يظن أنه صار بدخول الحجرة فيه ~~أفضل مما كان وهم لم يقصدوا دخول الحجرة فيه وإنما قصدوا توسيعه بادخال حجر ~~أزواج النبى فدخلت فيه الحجرة ضرورة مع كراهة من كره ذلك من السلف # والمقصود أن ما بنى لله من المساجد فضيلتها بعبادة الله فيها وحده لا ~~شريك له وبمن عبد الله فيها من الأنبياء والصالحين وببنائها لذلك كما قال ~~تعالى @QB@ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق ms7904 أن تقوم فيه فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ~~ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله ~~لا يهدي القوم الظالمين @QE@ # والأعمال تفضل بنيات أصحابها وطاعتهم لله تعالى وما في قلوبهم من الإيمان ~~بطاعتهم لله كما ثبت في الصحيح ان النبى قال ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ~~وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ( وبذلك يثابون وعلى ترك ما فرضه ~~الله يعاقبون وبذلك يندفع عنهم بلاء الدنيا والآخرة وما اصابهم من المصائب ~~فبذنوبهم قال تعالى @QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~@QE@ PageV27P424 قال العلماء ( أى ما اصابك من نصر ورزق وعافية فهو من نعم ~~الله عليك وما اصابك من المصائب فبذنوبك كما قال تعالى @QB@ وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ كما انهم متفقون كلهم على أنه ~~لا تكون العبادة إلا لله وحده ولا يكون التوكل إلا عليه وحده ولا تكون ~~الخشية والتقوى إلا لله وحده # والرسول صلى الله عليه وسلم له حق لا يشركه فيه أحد من الأمة مثل وجوب ~~طاعته في كل ما يوجب ويأمر قال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ ولهذا ~~كانت مبايعته مبايعة لله كما قال تعالى @QB@ إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله @QE@ فإنهم عاقدوه على أن يطيعوه في الجهاد ولا يفروا وإن ~~ماتوا وهذه الطاعة له هي طاعة لله # وعلينا أن يكون الرسول أحب إلينا من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا وأهلنا ~~وأموالنا كما في الحديث الصحيح عن النبى أنه قال ( والذى نفسى بيده لا يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ( رواه البخارى ~~ومسلم وفى لفظ لمسلم ( وأهله وماله ( وفى البخارى عن عبد الله بن هشام أنه ~~قال ( كنا مع النبى وهو آخذ بيد عمر بن ms7905 الخطاب PageV27P425 فقال له عمر يا ~~رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسى فقال النبى ( لا والذى نفسى ~~بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ( فقال له عمر فإنك الآن والله لأنت أحب ~~إلى من نفسى فقال النبى ( الآن يا عمر ( وقد قال تعالى @QB@ قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ وقد قال ~~تعالى @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ وفى الصحيحين عنه أنه قال ~~أنا أولى بكل مؤمن من نفسه # وذلك أنه لا نجاة لأحد من عذاب الله ولا وصول له إلى رحمة الله إلا ~~بواسطة الرسول بالإيمان به ومحبته وموالاته وأتباعه وهو الذى ينجيه الله به ~~من عذاب الدنيا والآخرة وهو الذى يوصله إلى خير الدنيا والآخرة فأعظم النعم ~~وأنفعها نعمة الإيمان ولا تحصل إلا به وهو أنصح وأنفع لكل أحد من نفسه ~~وماله فإنه الذى يخرج الله به من الظلمات إلى النور لا طريق له إلا هو وأما ~~نفسه وأهله فلا يغنون عنه من الله شيئا وهو دعا الخلق إلى الله بإذن الله ~~كما قال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا @QE@ PageV27P426 والمخالف له يدعو إلى غير الله بغير إذن ~~الله ومن إتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه إنما يدعو إلى الله ورسوله ~~وقوله تعالى @QB@ بإذنه @QE@ أى بأمره وما أنزله من العلم كما قال تعالى ~~@QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني @QE@ فمن إتبع ~~الرسول دعا إلى الله على بصيرة أى على بينة وعلم يدعو إليه بمنزل من الله ~~بخلاف الذى يأمر بمالا يعلم أو بما لم ينزل به وحيا كما قال تعالى @QB@ ~~ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين ~~من نصير @QE@ # وكل ما أمر الله به أو ندب إليه ms7906 من حقوقه فإنه لا يختص بحجرته لا من داخل ~~ولا من خارج بل يفعل في جميع الأمكنة التى شرع فيها فليس فعل شيء من حقوقه ~~كالإيمان به ومحبته وموالاته وتبليغ العلم عنه والجهاد على ما جاء به ~~وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والصلاة والسلام عليه وكل ما يحبه الله ~~ويتقرب إليه ليس شيء من ذلك عند حجرته أفضل منه فيما بعد عن الحجرة لا ~~الصلاة والسلام عليه ولا غير ذلك من حقوقه بل قد نهى هو صلى الله عليه وسلم ~~أن يجعل بيته عيدا فنهى أن يقصد بيته بتخصيص شيء من ذلك فمن قصد أو إعتقد ~~أن PageV27P427 فعل ذلك عند الحجرة أفضل فهو مخالف له وهذا مما كان مشروعا ~~كالإيمان به والشهادة له بأنه رسول الله والصلاة والسلام عليه وأما مالم ~~يشرعه الله ولم ينزل به سلطانا إليه بل نهى عنه كدعاء غير الله وعبادتهم من ~~جميع المخلوقات الملائكة والأنبياء وغيرهم والحج إلى المخلوقين وإلى قبورهم ~~فهذه إنما يأمر بها من ليس معهم بذلك علم ولا وهي منزل من الله فهم يضاهون ~~الذين يعبدون من دون الله مالم ينزل به سلطانا وماليس لهم به علم أو هم نوع ~~منهم # وقد ميز الله بين حقه وحق الرسول في مثل قوله @QB@ ومن يطع الله ورسوله ~~ويخش الله ويتقه @QE@ فالطاعة لله والرسول والخشية لله وحده والتقوى لله ~~وحده لا يخشى مخلوق ولا يتقى مخلوق لا ملك ولا نبى ولا غيرهما قال تعالى ~~@QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ~~ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا @QE@ # وكذلك ميز بين النوعين في قوله تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا ms7907 إلى الله راغبون ~~@QE@ PageV27P428 ففى الإيتاء قال @QB@ آتاهم الله ورسوله @QE@ لأن الرسول ~~هو الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ أمره ونهيه وتحليله وتحريمه ووعده ~~ووعيده فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما ~~شرعه الله ورسوله قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ فلهذا قال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله @QE@ ولم يقل هنا ( ورسوله ( لأن الله وحده حسب جميع ~~عبادة المؤمنين كما قال تعالى @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين @QE@ أى هو حسبك وحسب من إتبعك من المؤمنين # وقال تعالى @QB@ إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين @QE@ ~~ذكر هذا بعد قوله @QB@ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم @QE@ إلى ~~قوله @QB@ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون إن وليي الله الذي نزل ~~الكتاب وهو يتولى الصالحين @QE@ عن بن عباس قال هم الذين لا يعدلون بالله ~~فيتولاهم وينصرهم ولا تضرهم عداوة من عاداهم كما قال تعالى @QB@ إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ ثم قال تعالى ~~مما يأمرهم @QB@ سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ ~~فأمرهم أن PageV27P429 يجعلوا الرغبة لله وحدة كما قال تعالى @QB@ فإذا ~~فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ وهذا لأن المخلوق لا يملك للمخلوق نفعا ولا ~~ضرا وهذا عام في أهل السماوات وأهل الأرض قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا @QE@ # قال طائفة من السلف بن عباس وغيره هذه الآية في الذين عبدوا الملائكة ~~والأنبياء كالمسيح وعزير وقال عبد الله بن مسعود كان قوم من الانس يعبدون ~~قوما من الجن فأسلم الجن وبقي أولئك على عبادتهم فالآية تتناول كل من دعا ~~من دون الله من هو صالح عند الله من الملائكة والانس والجن قال تعالى هؤلاء ~~الذين دعوتموهم @QB@ فلا ms7908 يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا @QE@ قال أبو محمد عبد الحق بن عطية في تفسيره أخبر ~~الله تعالى ان هؤلاء المعبودين يطلبون التقرب إليه والتزلف إليه وأن هذه ~~حقيقة حالهم والضمير في ( ربهم ( للمبتغين أو للجميع و ( الوسيلة ( هي ~~القربة وسبب الوصول إلى البغية وتوسل الرجل إذا طلب الدنو والنيل لأمر ما ~~ومنه قول النبى PageV27P430 ( من سأل الله لي الوسيلة ( الحديث وهذا الذى ~~ذكره ذكر سائر المفسرين ( نحوه الا أنه ( برز به على غيره فقال و ( أيهم ( ~~ابتداء وخبره ( أقرب ) و ( أولئك ) يراد بهم المعبودون وهو ابتداء وخبره ( ~~يبتغون ) والضمير في ( يدعون ) للكفار وفى ( يبتغون ( للمعبودين والتقدير ~~نظرهم وذكرهم ( أيهم أقرب ( وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه في ~~حديث الراية بخيبر فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهما يعطاها أى يتبارون في ~~طلب القرب قال رحمه الله وطفف الزجاج في هذا الموضع فتأمله # ولقد صدق في ذلك فإن الزجاج ذكر في قوله أيهم أقرب وجهين كلاهما في غاية ~~الفساد وقد ذكر ذلك عنه بن الجوزى وغيره وتابعه المهدوي والبغوى وغيرهما ~~ولكن إبن عطية كان أقعد بالعربية والمعانى من هؤلاء واخبر بمذهب سيبوبة ~~والبصريين فعرف تطفيف الزجاج مع علمه رحمه الله بالعربية وسبقه ومعرفته بما ~~يعرفه من المعانى والبيان وأولئك لهم براعة وفضيلة في أمور يبرزون فيها على ~~بن عطية لكن دلالة الألفاظ من جهة العربية هو بها أخبر وإن كانوا هم أخبر ~~بشيء آخر من المنقولات أو غيرها # وقد بين سبحانه وتعالى أن المسيح وان كان رسولا كريما فانه عبد الله فمن ~~عبده فقد عبد مالا ينفعه ولا يضره قال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ~~إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من ~~أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ms7909 ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن ~~لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى ~~الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم ~~انظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله ~~هو السميع العليم @QE@ PageV27P431 # وقد أمر تعالى أفضل الخلق ان يقول إنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا ~~يملك لغيره ضرا ولا رشدا فقال تعالى @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ~~إلا ما شاء الله @QE@ وقال @QB@ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته ~~@QE@ يقول لن يجيرنى من الله أحد إن عصيته كما قال تعالى @QB@ قل إني أخاف ~~إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم @QE@ @QB@ ولن أجد من دونه ملتحدا @QE@ أي ملجأ ~~الجا إليه إلا بلاغا من الله ورسالاته أى لا يجيرنى منه أحد الا طاعته ان ~~أبلغ ما أرسلت به اليكم فبذلك تحصل الاجاره والأمن وقيل أيضا لا ~~PageV27P432 أملك لكم ضرا ولا رشدا لا املك الا تبليغ ما ارسلت به منه ومثل ~~هذا في القرآن كثير # فتبين أن الأمن من عذاب الله وحصول السعادة إنما هو بطاعته تعالى لقوله ~~@QB@ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ما ~~يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم @QE@ أى لو لم تدعوه كما أمر فتطيعوه فتعبدوه ~~وتطيعوا رسله فانه لا يعبأ بكم شيئا # وهذه الوسيلة التى امر الله أن تبتغى إليه فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة @QE@ قال عامة المفسرين كابن عباس ~~ومجاهد وعطاء والفراء الوسيلة القربة قال قتادة تقربوا إلى الله بما يرضيه ~~قال أبو عبيدة توسلت إليه أى تقربت وقال عبد الرحمن بن زيد تحببوا إلى الله ~~والتحبب والتقرب إليه انما هو بطاعة ms7910 رسوله فالايمان بالرسول وطاعته هو ~~وسيلة الخلق إلى الله ليس لهم وسيلة يتوسلون بها البتة الا الايمان برسوله ~~وطاعته وليس لاحد من الخلق وسيلة إلى الله تبارك وتعالى الا بوسيلة الايمان ~~بهذا الرسول الكريم وطاعته وهذه يؤمر بها الانسان حيث كان من الأمكنة وفى ~~كل وقت وما خص من العبادات بمكان كالحج أو زمان كالصوم والجمعة فكل في ~~مكانه وزمانه وليس لنفس الحجرة من داخل فضلا عن جدارها من خارج اختصاص بشيء ~~في شرع PageV27P433 العبادات ولا فعل شيء منها فالقرب من الله أفضل منه ~~بالبعد منه باتفاق المسلمين والمسجد خص بالفضيلة في حياته قبل وجود القبر ~~فلم تكن فضيلة مسجده لذلك ولا استحب هو ولا أحد من أصحابه ولا علماء أمته ~~ان يجاور أحد عند قبر ولا يعكف عليه ولا قبره المكرم ولا قبر غيره ولا ان ~~يقصد السكنى قريبا من قبر أى قبر كان # وسكنى المدينة النبوية هو أفضل في حق من تتكرر طاعته لله ورسوله فيها ~~أكثر كما كان الامر لما كان الناس مأمورين بالهجرة اليها فكانت الهجرة ~~اليها والمقام بها أفضل من جميع البقاع مكة وغيرها بل كان ذلك واجبا من ~~أعظم الواجبات فلما فتحت مكة قال النبى ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ~~( وكان من اتى من اهل مكة وغيرهم ليهاجر ويسكن المدينة يأمره ان يرجع إلى ~~مدينته ولا يأمره بسكناها كما كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يأمر الناس ~~عقب الحج ان يذهبوا إلى بلادهم لئلا يضيقوا على أهل مكة وكان يامر كثيرا من ~~أصحابه وقت الهجرة ان يخرجوا إلى أماكن اخر لولاية مكان وغيره وكانت طاعة ~~الرسول بالسفر إلى غير المدينة أفضل من المقام عنده بالمدينة حين كانت دار ~~الهجرة فكيف بها بعد ذلك PageV27P434 إذ كان الذى ينفع الناس طاعة الله ~~ورسوله وأما ما سوى ذلك فإنه لا ينفعهم لا قرابة ولا مجاورة ولا غير ذلك ~~كما ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال ( يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من ms7911 ~~الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول ~~الله لا أغنى عنك من الله شيئا ( قال ( إن آل أبى فلان ليسوا لى بأولياء ~~إنما ولى الله وصالح المؤمنين ( وقال ( إن أوليائى المتقون حيث كانوا ومن ~~كانوا ( # وقد قال تعالى @QB@ إن الله يدافع عن الذين آمنوا @QE@ فهو تبارك وتعالى ~~يدافع عن المؤمنين حيث كانوا فالله هو الدافع والسبب هو الإيمان وكان النبى ~~صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ( من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما ~~فإنه لا يضر إلا نفسه ( ولن يضر الله شيئا قال تعالى @QB@ ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ # وأما ما يظنه بعض الناس من ان البلاء يندفع عن أهل بلد أو إقليم عن هو ~~مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين كما يظن بعض الناس انه يندفع عن أهل ~~بغداد البلاء لقبور ثلاثة أحمد بن حنبل وبشر الحافى ومنصور بن عمار ويظن ~~بعضهم انه يندفع البلاء عن PageV27P435 أهل الشام بمن عندهم من قبور ~~الأنبياء الخليل وغيره عليهم السلام وبعضهم يظن انه يندفع البلاء عن اهل ~~مصر بنفيسة أو غيرها أو يندفع عن أهل الحجاز بقبر النبى وأهل البقيع أو ~~غيرهم فكل هذا غلو مخالف لدين الإسلام مخالف للكتاب والسنة والإجماع فالبيت ~~المقدس كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله فلما عصوا ~~الأنبياء وخالفوا ما أمر الله به ورسله سلط عليهم من إنتقم منهم والرسل ~~الموتى ما عليهم الإ البلاغ المبين وقد بلغوا رسالة ربهم وكذلك نبينا قال ~~الله تعالى في حقه @QB@ إن عليك إلا البلاغ @QE@ وقال تعالى @QB@ وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ # وقد ضمن الله لكل من أطاع الرسول أن يهديه وينصره فمن خالف أمر الرسول ~~إستحق العذاب ولم يغن عنه أحد من الله شيئا كما قال النبى يا عباس عم رسول ~~الله لا أغنى عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول ms7912 الله لا أغنى عنك من الله ~~شيئا يا فاطمة بنت رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا ( وقال لمن ولاه من ~~أصحابه ( لا ألفين أحدكم يأتى يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا ~~رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك ( وكان اهل ~~المدينة في خلافة PageV27P436 أبى بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان على أفضل ~~أمور الدنيا والآخرة لتمسكهم بطاعة الرسول ثم تغيروا بعض التغير بقتل عثمان ~~رضى الله عنه وخرجت الخلافة النبوية من عندهم وصاروا رعية لغيرهم ثم تغيروا ~~بعض التغير فجرى عليهم عام الحرة من القتل والنهب وغير ذلك من المصائب مالم ~~يجر عليهم قبل ذلك والذى فعل بهم ذلك وإن كان ظالما معتديا فليس هو اظلم ~~ممن فعل بالنبى وأصحابه ما فعل وقد قال تعالى @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ وقد كان النبى ~~والسابقون الأولون مدفونين بالمدينة # وكذلك الشام كانوا في أول الإسلام في سعادة الدنيا والدين ثم جرت فتن ~~وخرج الملك من أيديهم ثم سلط عليهم المنافقون الملاحدة والنصارى بذنوبهم ~~وإستولوا على بيت المقدس وقبر الخليل وفتحوا البناء الذى كان عليه وجعلوه ~~كنيسة ثم صلح دينهم فأعزهم الله ونصرهم على عدوهم لما أطاعوا الله ورسوله ~~وإتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم فطاعة الله ورسوله قطب السعادة وعليها تدور ~~@QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ وكان النبى يقول في ~~خطبته ? < من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ولا يضر ~~الله شيئا > ? PageV27P437 # ومكة نفسها لا يدفع البلاء عن أهلها ويجلب لهم الرزق إلا بطاعتهم لله ~~ورسوله كما قال الخليل عليه السلام @QB@ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ~~ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي ~~إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون @QE@ وكانوا في الجاهلية يعظمون ~~حرمة الحرم ويحجون ms7913 ويطوفون بالبيت وكانوا خيرا من غيرهم من المشركين والله ~~لا يظلم مثقال ذرة وكانوا يكرمون مالا يكرم غيرهم ويؤتون مالا يؤتاه غيرهم ~~لكونهم كانوا متمسكين بدين إبراهيم بأعظم مما تمسك به غيرهم وهم في الإسلام ~~إن كانوا أفضل من غيرهم كانوا جزاؤهم بحسب فضلهم وإن كانوا أسوأ عملا من ~~غيرهم كان جزاؤهم بحسب سيئاتهم فالمسجد والمشاعر إنما ينفع فضلها لمن عمل ~~فيها بطاعة الله عز وجل وإلا فمجرد البقاع لا يحصل بها ثواب ولا عقاب وإنما ~~الثواب والعقاب على الأعمال المأمور بها والمنهى عنها وكان النبى قد آخى ~~بين سلمان الفارسى وأبى الدرداء وكان أبوالدرداء بدمشق وسلمان الفارسى ~~بالعراق فكتب أبوالدرداء إلى سلمان هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان ~~أن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الرجل عمله # والمقام بالثغور للجهاد أفضل من سكنى الحرمين بإتفاق العلماء PageV27P438 ~~ولهذا كان سكنى الصحابة بالمدينة أفضل للهجرة والجهاد # والله تعالى هو الذى خلق الخلق وهو الذى يهديهم ويرزقهم وينصرهم وكل من ~~سواه لا يملك شيئا من ذلك كما قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك ~~وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقد فسروها ~~بأنه يؤذن للشافع والمشفوع له جميعا فإن سيد الشفعاء يوم القيامة محمد إذا ~~أراد الشفاعة قال ( فإذا رأيت ربى خررت له ساجدا وأحمده بمحامد يفتحها على ~~لا أحسنها الآن فيقال لى إرفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه وإشفع تشفع قال فيحد ~~لى حدا فأدخلهم الجنة وكذلك ذكر في المرة الثانية والثالثة ( # ولهذا قال تعالى @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون @QE@ فأخبر أنه لا يملكها أحد دون الله وقوله @QB@ إلا من ~~شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ إستثناء منقطع أى من شهد بالحق وهم يعلمون هم ~~أصحاب الشفاعة منهم الشافع ومنهم المشفوع له وقد ثبت في الصحيح عن النبى ~~أنه سأله أبو ms7914 هريرة فقال من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله فقال ( يا أبا ~~هريرة لقد ظننت أن لا يسألنى عن هذا الحديث أحد أول منك PageV27P439 لما ~~رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال لا إله إلا ~~الله خالصا من قلبه ( رواه البخاري فجعل أسعد الناس بشفاعته أكملهم إخلاصا ~~وقال في الحديث الصحيح ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على ~~فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها ~~درجة في الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وارجوا أن أكون ذلك العبد ~~فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة ( فالجزاء من جنس ~~العمل فقد أخبر النبى أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا ومن سأل ~~الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة ( ولم يقل كان اسعد الناس ~~بشفاعتى بل قال ( أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال لا إله إلا الله ~~خالصا من قلبه ( # فعلم أن ما يحصل للعبد بالتوحيد والإخلاص من شفاعة الرسول وغيرها لا يحصل ~~بغيره من الأعمال وإن كان صالحا كسؤاله الوسيلة للرسول فكيف بما لم يأمر به ~~من الأعمال بل نهى عنه فذاك لا ينال به خيرا لا في الدنيا ولا في الآخرة ~~مثل غلو النصارى في المسيح عليه السلام فإنه يضرهم ولا ينفعهم ونظير هذا ما ~~في الصحيحين عنه أنه قال ( إن لكل نبى دعوة مستجابة وإنى اختبأت دعوتى ~~شفاعة لأمتى يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك PageV27P440 ~~بالله شيئا وكذلك في احاديث الشفاعة كلها إنما يشفع في أهل التوحيد فبحسب ~~توحيد العبد لله وإخلاصه دينه لله يستحق كرامة الشفاعة وغيرها # وهو سبحانه علق الوعد والوعيد والثواب والعقاب والحمد والذم بالإيمان به ~~وتوحيده وطاعته فمن كان أكمل في ذلك كان احق بتولى الله له بخير الدنيا ~~والآخرة ثم جميع عباده مسلمهم وكافرهم هو الذى يرزقهم وهو الذى يدفع عنهم ms7915 ~~المكاره وهو الذى يقصدونه في النوائب قال تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن ~~الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل من يكلؤكم ~~بالليل والنهار من الرحمن @QE@ أى بدلا عن الرحمن هذا اصح القولين كقوله ~~تعالى @QB@ ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون @QE@ أى لجعلنا ~~بدلا منكم كما قاله عامة المفسرين ومنه قول الشاعر % فليت لنا من ماء زمزم ~~شربة % مبردة باتت على طهيان % # أى بدلا من ماء زمزم فلا يكلأ الخلق بالليل والنهار فيحفظهم ويدفع عنهم ~~المكاره إلا الله قال تعالى @QB@ أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن إن الكافرون إلا في غرور أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل ~~لجوا في عتو ونفور @QE@ PageV27P441 ومن ظن أن أرضا معينة تدفع عن اهلها ~~البلاء مطلقا لخصوصها أو لكونها فيها قبور الأنبياء والصالحين فهو غالط ~~فأفضل البقاع مكة وقد عذب الله أهلها عذابا عظيما فقال تعالى @QB@ وضرب ~~الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول ~~منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون @QE@ ### ||| فصل # وولاة الأمر أحق الناس بنصر دين الرسول وما جاء به من الهدى ودين الحق و ~~[ بإنكار ] ما نهى عنه وما نسب إليه بالباطل من الكذب والبدع أما جهلا من ~~ناقله وإما عمدا فإن أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ورأس ~~المعروف هو التوحيد ورأس المنكر هو الشرك وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بالهدى ودين الحق به فرق الله بين التوحيد والشرك وبين الحق والباطل ~~وبين الهدى والضلال وبين الرشاد والغى وبين المعروف والمنكر فمن اراد أن ~~يأمر بما نهى عنه وينهى عما أمر به وبغير شريعته ودينه إما جهلا وقلة علم ~~وإما لغرض وهوى كان السلطان أحق بمنعه بما امر الله به ورسوله وكان هو أحق ~~PageV27P442 بإظهار ما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق فإن الله ms7916 سبحانه ~~لا بد أن ينصر رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد فمن ~~كان النصر على يديه كان له سعادة الدنيا والآخرة وإلا جعل الله النصر على ~~يد غيره وجازى كل قوم بعملهم وما ربك بظلام للعبيد # والله سبحانه وتعالى قد وعد أنه لا يزال [ هذا الدين ظاهرا ولا يظهر ] ~~إلا بالحق وأنه من نكل عن القيام بالحق إستبدل من يقوم بالحق فقال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ~~إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا ~~تضروه شيئا والله على كل شيء قدير @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم @QE@ وقد أرى الله الناس في أنفسهم ~~والآفاق ما عملوا به تصديق ما أخبر به تحقيقا لقوله تعالى @QB@ سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على ~~كل شيء شهيد @QE@ والله أعلم والحمد لله رب العالمين PageV27P443 ### |PARATEXT| # وقال شيخ ~~الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # وأما قبور الأنبياء فالذى إتفق عليه العلماء هو ( قبر النبى ( فإن قبره ~~منقول بالتواتر وكذلك قبر صاحبيه وأما ( قبر الخليل ( فأكثر الناس على ان ~~هذا المكان المعروف هو قبره وأنكر ذلك طائفة وحكى الإنكار عن مالك وأنه قال ~~ليس في الدنيا قبر نبى يعرف إلا قبر نبينا لكن جمهور الناس على أن هذا قبره ~~ودلائل ذلك كثيرة وكذلك هو عند أهل الكتاب # ولكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية وليس حفظ ذلك من ~~الدين ولو كان من الدين لحفظه الله كما حفظ سائر الدين وذلك ان عامة من ~~يسأل عن ذلك إنما قصده الصلاة عندها والدعاء بها ونحو ms7917 ذلك من البدع المنهى ~~عنها ومن كان مقصوده الصلاة والسلام على الأنبياء والإيمان بهم وأحياء ~~ذكرهم فذاك ممكن له وإن لم PageV27P444 يعرف قبورهم صلوات الله عليهم وقد ~~تقدم ( أن النبى لعن اليهود والنصارى الذين إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( ~~وما يشبه هذا من الحديث ### |||| وسئل رحمه الله # عن ( قبور الأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام هل هي هذه القبور التى تزورها ~~الناس اليوم مثل قبر نوح وقبر الخليل وإسحاق ويعقوب ويوسف ويونس وإلياس ~~واليسع وشعيب وموسى وزكريا وهو بمسجد دمشق واين قبر على بن أبى طالب فهل ~~يصح من تلك القبور شيء أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله القبر المتفق عليه هو قبر نبينا وقبر الخليل فيه نزاع ~~لكن الصحيح الذى عليه الجمهور أنه قبره وأما يونس والياس وشعيب وزكريا فلا ~~يعرف وقبر على بن أبى طالب بقصر الإمارة الذى بالكوفة وقبر معاوية هو القبر ~~الذى تقول العامة إنه قبر هود والله أعلم PageV27P445 ### |||| وسئل # هل المشاهد المسماة باسم على بن أبى طالب وولده الحسين رضى الله عنهما ~~صحيحه أم لا وأين ثبت قبر على ### ||||| فأجاب # أما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطعا مثل المشهد الذى ~~بظاهر دمشق المضاف إلى ( أبى بن كعب ( والمشهد الذى بظاهرها المضاف إلى ( ~~أويس القرنى ( والمشهد الذى بمصر المضاف إلى ( الحسين ( رضى الله عنه إلى ~~غير ذلك من المشاهد التى يطول ذكرها بالشام والعراق ومصر وسائر الأمصار حتى ~~قال طائفة من العلماء منهم عبد العزيز الكنانى كل هذه القبور المضافة إلى ~~الأنبياء لا يصح شيء منها إلا قبر النبى وقد أثبت غيره أيضا قبر الخليل ~~عليه السلام # وأما مشهد على فعامة العلماء على أنه ليس قبره بل قد قيل إنه قبر المغيرة ~~بن شعبة وذلك انه إنما أظهر بعد نحو ثلاثمائة سنة من موت على في إمارة بنى ~~بويه وذكروا أن أصل ذلك حكاية PageV27P446 بلغتهم عن الرشيد انه اتى إلى ~~ذلك المكان وجعل يعتذر إلى من فيه مما جرى بينه وبين ذرية علي وبمثل هذه ~~الحكاية لا يقوم ms7918 شيء فالرشيد أيضا لا علم له بذلك ولعل هذه الحكاية إن صحت ~~عنه فقد قيل له ذلك كما قيل لغيره وجمهور أهل المعرفة يقولون إن عليا إنما ~~دفن في قصر الإمارة بالكوفة أو قريبا منه وهكذا هو السنة فإن حمل ميت من ~~الكوفة إلى مكان بعيد ليس فيه فضيلة أمر غير مشروع فلا يظن بآل على رضى ~~الله عنه أنهم فعلوا به ذلك ولا يظن أيضا أن ذلك خفى على أهل بيته ~~وللمسلمين ثلاثمائة سنة حتى أظهره قوم من الأعاجم الجهال ذوى الأهواء # وكذلك ( قبر معاوية ( الذى بظاهر دمشق قد قيل إنه ليس قبر معاوية وإن ~~قبره بحائط مسجد دمشق الذى يقال إنه ( قبر هود ( # وأصل ذلك ان عامة أمر هذه القبور والمشاهد مضطرب مختلق لا يكاد يوقف منه ~~على العلم إلا في قليل منها بعد بحث شديد وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد ~~عليها ليس من شريعة الإسلام ولا ذلك من حكم الذكر الذى تكفل الله بحفظه حيث ~~قال @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ بل قد نهى النبى صلى ~~الله عليه PageV27P447 وسلم عما يفعله المبتدعون عندها مثل قوله الذى رواه ~~مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال سمعت رسول النبى قبل أن يموت بخمس ~~وهو يقول ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد إلا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وقال ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ( # وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور ولا ~~يشرع إتخاذها مساجد ولا يشرع الصلاة عندها ولا يشرع قصدها لأجل التعبد ~~عندها بصلاة أو إعتكاف أو إستغاثة أو إبتهال أو نحو ذلك وكرهوا الصلاة ~~عندها ثم إن كثيرا منهم قال إن الصلاة عندها باطلة لأجل نهى النبى عنها # وإنما السنة لمن زار قبر مسلم ميت إما نبى أو رجل صالح أو غيرهما أن يسلم ~~عليه ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته كما جمع الله بين هذه حيث يقول في ms7919 ~~المنافقين @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ فكان ~~دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم وفى السنن أن النيى ~~إذا PageV27P448 دفن الميت من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول ( سلوا له ~~التثبيت فإنه الآن يسأل ( وفى الصحيح أنه كان يعلم أصحابه أن يقولوا إذا ~~زاروا القبور ( السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم ~~العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وإغفر لنا ولهم ( # وإنما دين الله تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له وهى المساجد التى تشرع ~~فيها الصلوات جماعة وغير جماعة والإعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية ~~من القراءة والذكر والدعاء لله قال الله تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا ~~تدعوا مع الله أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين @QE@ وقال تعالى @QB@ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء ~~بغير حساب @QE@ فهذا دين المسلمين الذين يعبدون الله مخلصين له الدين ~~PageV27P449 # وأما إتخاذ القبور أوثانا فهو دين المشركين الذى نهى عنه سيد المرسلين ~~والله تعالى يصلح حال جميع المسلمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~محمد ### || 1 ( رأس الحسين ) 1 ### |||| وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه ( # عن المشهد المنسوب إلى الحسين رضى الله عنه بمدينة القاهرة هل هو صحيح أم ~~لا # وهل حمل رأس الحسين إلى دمشق ثم إلى مصر أم حمل إلى المدينة من جهة ~~العراق # وهل لما يذكره بعض الناس من جهة المشهد الذى كان بعسقلان صحة أم ms7920 لا # ومن ذكر أمر رأس الحسين ونقله إلى المدينة النبوية دون الشام ومصر # ومن جزم من العلماء المتقدمين والمتأخرين بأن مشهد عسقلان ومشهد القاهرة ~~مكذوب وليس بصحيح # وليبسطوا القول في ذلك لأجل مسيس الضرورة والحاجة إليه PageV27P450 ~~مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل المشهد المنسوب إلى الحسين بن على رضى الله عنهما الذى ~~بالقاهرة كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم الذين ~~يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم ولا يعرف عن عالم مسمى معروف ~~بعلم وصدق أنه قال ( إن هذا المشهد صحيح وإنما يذكره بعض الناس قولا عمن لا ~~يعرف على عادة من يحكى مقالات الرافضة وأمثالهم من أهل الكذب # فإنهم ينقلون أحاديث وحكايات ويذكرون مذاهب ومقالات وإذا طالبتهم بمن قال ~~ذلك ونقله لم يكن لهم عصمة يرجعون إليها ولم يسموا أحدا معروفا بالصدق في ~~نقله ولا بالعلم في قوله بل غاية ما يعتمدون عليه أن يقولوا أجمعت الطائفة ~~الحقة وهم عند أنفسهم الطائفة الحقة الذين هم عند أنفسهم المؤمنون وسائر ~~الأمة سواهم كفار # ويقولون إنما كانوا على الحق لأن فيهم الإمام المعصوم والمعصوم عند ~~الرافضة الأمامية الإثني عشرية هو الذى يزعمون أنه دخل إلى PageV27P451 ~~سرداب سامرا بعد موت أبيه الحسن بن على العسكري سنة ستين ومائتين وهو إلى ~~الآن غائب لم يعرف له خبر ولا وقع له أحد على عين ولا اثر # وأهل العلم بأنساب أهل البيت يقولون إن الحسن بن على العسكرى لم يكن له ~~نسل ولا عقب ولا ريب أن العقلاء كلهم يعدون مثل هذا القول من اسفه السفه ~~وإعتقاد الإمامة والعصمة في مثل هذا مما لا يرضاه لنفسه إلا من هو أسفه ~~الناس وأضلهم وأجهلهم وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا # والمقصود هنا بيان جنس المقولات والمنقولات عند اهل الجهل والضلالات # فإن هؤلاء عند الجهال الضلال يزعمون أن هذا المنتظر كان عمره عند موت ~~أبيه إما سنتين أو ثلاثا أو خمسا على إختلاف بينهم في ذلك # وقد ms7921 علم بنص القرآن والسنة المتواترة وإجماع ألأمة أن مثل هذا يجب أن ~~يكون تحت ولاية غيره في نفسه وماله فيكون هو نفسه محضونا مكفولا لآخر يستحق ~~كفالته في نفسه وماله تحت من يستحق النظر والقيام عليه من ذمى أو غيره وهو ~~قبل السبع طفل لا يؤمر PageV27P452 بالصلاة فإذا بلغ العشر ولم يصل أدب على ~~فعلها فكيف يكون مثل هذا إماما معصوما يعلم جميع الدين ولا يدخل الجنة إلا ~~من آمن به # ثم بتقدير وجوده وإمامته وعصمته إنما يجب على الخلق أن يطيعوا من يكون ~~قائما بينهم يأمرهم بما أمرهم الله به ورسوله وينهاهم عما نهاهم عنه الله ~~ورسوله فإذا لم يروه ولم يسمعوا كلامه لم يكن لهم طريق إلى العلم بما يأمر ~~به وما ينهى عنه فلا يجوز تكليفهم طاعته إذ لم يأمرهم بشيء سمعوه وعرفوه ~~وطاعة من لا يأمر ممتنعة لذاتها وإن قدر أنه يأمرهم ولكن لم يصل إليهم أمره ~~ولا يتمكنون من العلم بذلك كانوا عاجزين غير مطيقين لمعرفة ما أمروا به ~~والتمكن من العلم شرط في طاعة الأمر ولا سيما عند الشيعة المتأخرين فإنهم ~~من اشد الناس منعا لتكليف مالا يطاق لموافقتهم المعتزلة في القدر والصفات ~~أيضا # وإن قيل إن ذلك بسبب ذنوبهم لأنهم أخافوه أن يظهر قيل هب إن أعداءه ~~أخافوه فأى ذنب لاوليائه ومحبيه وأى منفعة لهم من الإيمان به وهو لا يعلمهم ~~شيئا ولا يأمرهم بشيء # ثم كيف جاز له مع وجوب الدعوة عليه أن يغيب هذه PageV27P453 الغيبة التى ~~لها الآن أكثر من أربعمائة وخمسين سنة # وما الذى سوغ له هذه الغيبة دون آبائه الذين كانوا موجودين قبل موتهم ~~كعلى والحسن والحسين وعلى بن الحسين ومحمد بن على وجعفر بن محمد وموسى بن ~~جعفر وعلى بن موسى ومحمد بن على وعلى بن محمد والحسن بن على العسكرى # فإن هؤلاء كانوا موجودين يجتمعون بالناس وقد أخذ عن على والحسن والحسين ~~وعلى بن الحسين ومحمد بن على وجعفر بن محمد من العلم ما هو معروف عند ms7922 أهله ~~والباقون لهم سير معروفة وأخبار مكشوفة فما باله إستحل هذا الإختفاء هذه ~~المدة الطويلة أكثر من أربعمائة سنة وهو إمام الأمة بل هو على زعمهم هاديها ~~وداعيها ومعصومها الذى يجب عليها الإيمان به ومن لم يؤمن به فليس بمؤمن ~~عندهم # فإن قالوا الخوف # قيل الخوف على آبائه كان أشد بلا نزاع بين العلماء وقد حبس بعضهم وقتل ~~بعضهم ثم الخوف إنما يكون إذا حارب فأما إذا فعل كما كان يفعل سلفه من ~~الجلوس مع المسلمين وتعليمهم لم يكن عليه خوف PageV27P454 # وبيان ضلال هؤلاء طويل # وإنما المقصود بيانه هنا أنهم يجعلون هذا أصل دينهم ثم يقولون إذا إختلفت ~~الطائفة الحقة على قولين احدهما يعرف قائله والآخر لا يعرف قائله كان القول ~~الذى لا يعرف قائله هو الحق هكذا وجدته في كتب شيوخهم وعللوا ذلك بأن القول ~~الذى لا يعرف قائله يكون من قائليه الإمام المعصوم وهذا نهاية الجهل ~~والضلال # وهكذا كل ما ينقلونه من هذا الباب ينقلون سيرا أو حكايات وأحاديث إذا ما ~~طالبتهم بإسنادها لم يحيلوك على رجل معروف بالصدق بل حسب أحدهم أن يكون سمع ~~ذلك من آخر مثله أو قرأه في كتاب ليس فيه إسناد معروف وإن سموا احدا كان من ~~المشهورين بالكذب والبهتان لا يتصور قط أن ينقلوا شيئا مما لا يعرف عند ~~علماء السنة إلا وهو عن مجهول لا يعرف أو عن معروف بالكذب # ومن هذا الباب نقل الناقل إن هذا القبر الذى بالقاهرة ( مشهد الحسين ( ~~رضى الله عنه بل وكذلك مشاهد غير هذا مضافة إلى قبر الحسين رضى الله عنه ~~فإنه معلوم بإتفاق الناس أن هذا المشهد بنى عام بضع واربعين وخمسمائة وانه ~~نقل من مشهد بعسقلان وان ذلك PageV27P455 المشهد بعسقلان كان قد أحدث بعد ~~التسعين والأربعمائة # فأصل هذا المشهد القاهرى هو ذلك المشهد العسقلانى وذلك العسقلانى محدث ~~بعد مقتل الحسين بأكثر من اربعمائة وثلاثين سنة وهذا القاهرى محدث بعد ~~مقتله بقريب من خمسمائة سنة وهذا مما لم يتنازع فيه إثنان ممن تكلم في ms7923 هذا ~~الباب من أهل العلم على إختلاف أصنافهم كأهل الحديث ومصنفى أخبار القاهرة ~~ومصنفى التواريخ وما نقله اهل العلم طبقة عن طبقة فمثل هذا مستفيض عندهم ~~وهذا بينهم مشهور متواتر سواء قيل إن إضافته إلى الحسين صدق أو كذب لم ~~يتنازعوا أنه نقل من عسقلان في أواخر الدولة العبيدية # وإذا كان اصل هذا المشهد القاهرى منقول عن ذلك المشهد العسقلانى بإتفاق ~~الناس وبالنقل المتواتر فمن المعلوم أن قول القائل إن ذلك الذى بعسقلان هو ~~مبنى على رأس الحسين رضى الله عنه قول بلا حجة اصلا فإن هذا لم ينقله أحد ~~من اهل العلم الذين من شأنهم نقل هذا لا من أهل الحديث ولا من علماء ~~الأخبار والتواريخ ولا من العلماء المصنفين في النسب نسب قريش أو نسب بنى ~~هاشم ونحوه PageV27P456 # وذلك المشهد العسقلانى أحدث في آخر المائة الخامسة لم يكن قديما ولا كان ~~هناك مكان قبله أو نحوه مضاف إلى الحسين ولا حجر منقوش ولا نحوه مما يقال ~~إنه علامة على ذلك # فتبين بذلك أن إضافة مثل هذا إلى الحسين قول بلا علم أصلا وليس مع قائل ~~ذلك ما يصلح أن يكون معتمدا لا نقل صحيح ولا ضعيف بل لا فرق بين ذلك وبين ~~أن يجيء الرجل إلى بعض القبور التى بأحد امصار المسلمين فيدعى أن في واحد ~~منها رأس الحسين اويدعى ان هذا قبر نبى من الأنبياء أو نحو ذلك مما يدعيه ~~كثير من أهل الكذب والضلال # ومن المعلوم أن مثل هذا القول غير منقول باتفاق المسلمين # وغالب ما يستند إليه الواحد من هؤلاء أن يدعى أنه رأى مناما أو أنه وجد ~~بذلك القبر علامة تدل على صلاح ساكنه إما رائحة طيبة وإما توهم خرق عادة ~~ونحو ذلك وإما حكاية عن بعض الناس أنه كان يعظم ذلك القبر # فأما المنامات فكثير منها بل أكثرها كذب وقد عرفنا في زماننا بمصر والشام ~~والعراق من يدعى أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبى أو أن فيه ~~أثر نبى ونحو ms7924 ذلك ويكون كاذبا PageV27P457 وهذا الشيء منتشر فرائى المنام ~~غالبا ما يكون كاذبا وبتقدير صدقه فقد يكون الذى اخبره بذلك شيطان والرؤيا ~~المحضة التى لا دليل يدل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالإتفاق فإنه ~~قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( الرؤيا ثلاثة رؤيا من الله ورؤيا مما ~~يحدث به المرء نفسه ورؤيا من الشيطان ( # فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة فلابد من تمييز كل نوع منها عن نوع # ومن الناس حتى من الشيوخ الذى لهم ظاهر علم وزهد من يجعل مستنده في مثل ~~ذلك حكاية يحكيها عن مجهول حتى ان منهم من يقول حدثنى أخى الخضر أن قبر ~~الخضر [ بمكان كذا ] ومن المعلوم الذى بيناه في غير هذا الموضع أن ( كل من ~~إدعى أنه رأى الخضر أو رأى من رأى الخضر أو سمع ) شخصا رأى الخضر أو ظن ~~الرائى أنه الخضر أن كل ذلك لا يجوز إلا على ( الجهلة المخرفين ( الذين لا ~~حظ لهم من علم ولا عقل ولا دين بل هم من الذين لا يفقهون ولا يعقلون ) # وأما ما يذكر من وجود رائحة طيبة أو خرق عادة أو نحو ذلك مما يتعلق ~~بالقبر فهذا لا يدل على تعينه وأنه فلان أو فلان بل PageV27P458 غاية ما ~~يدل عليه إذا ثبت أنه دليل على صلاح المقبور وأنه قبر رجل صالح أو نبى # وقد تكون تلك الرائحة مما صنعه بعض السوقة فإن هذا مما يفعله طائفة من ~~هؤلاء كما حدثنى بعض اصحابنا أنه ظهر بشاطئ الفرات رجلان وكان أحدهما قد ~~إتخذ قبرا تجبى إليه أموال ممن يزوره وينذر له من الضلال فعمد الآخر إلى ~~قبر وزعم أنه راى في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف وجعل فيه من أنواع ~~الطيب ما ظهرت له رائحة عظيمة # وقد حدثني جيران القبر الذى بجبل لبنان بالبقاع الذى يقال إنه قبر نوح ~~وكان قد ظهر قريبا في أثناء المائة السابعة وأصله أنهم شموا من قبر رائحة ~~طيبة ووجدوا عظاما كبيرة ms7925 فقالوا هذه تدل على كبير خلق البنية فقالوا بطريق ~~الظن هذا قبر نوح وكان بالبقعة موتى كثيرون من جنس هؤلاء # وكذلك هذا المشهد العسقلانى قد ذكر طائفة أنه قبر بعض الحواريين أو غيرهم ~~من أتباع عيسى بن مريم وقد يوجد عند قبور الوثنيين من جنس ما يوجد عند قبور ~~المؤمنين بل إن زعم الزاعم أنه قبر الحسين ظن وتخرص وكان من الشيوخ ~~المشهورين بالعلم والدين PageV27P459 بالقاهرة من ذكروا عنه أنه قال هو قبر ~~نصرانى # وكذلك بدمشق بالجانب الشرقى مشهد يقال إنه قبر أبى بن كعب وقد إتفق أهل ~~العلم على أن أبيا لم يقدم دمشق وإنما مات بالمدينة فكان بعض الناس يقول ~~إنه قبر نصرانى وهذا غير مستبعد فإن اليهود والنصارى هم السابقون في تعظيم ~~القبور والمشاهد ولهذا قال في الحديث المتفق عليه ( لعن الله اليهود ~~والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا ( # والنصارى أشد غلوا في ذلك من اليهود كما في الصحيحين عن عائشة ( أن النبى ~~ذكرت له أم حبيبة وأم سلمة رضى الله عنهما كنيسة بأرض الحبشة وذكرتا من ~~حسنها وتصاوير فيها فقال إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على ~~قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ~~( # والنصارى كثيرا ما يعظمون آثار القديسين منهم فلا يستبعد أنهم ألقوا إلى ~~بعض جهال المسلمين ان هذا قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه ~~كيف لا وهم قد اضلوا كثيرا من PageV27P460 جهال المسلمين حتى صاروا يعمدون ~~أولادهم ويزعمون ان ذلك يوجب طول العمر للولد وحتى جعلوهم يزورون ما ~~يعظمونه من الكنائس والبيع وصار كثير من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التى ~~يعظمها النصارى كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى ويلتمسون ~~البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم # والذين يعظمون القبور والمشاهد لهم شبه شديد بالنصارى حتى إنى لما قدمت ~~القاهرة إجتمع بى بعض معظميهم من الرهبان وناظرنى في المسيح ودين النصارى ~~حتى بينت له فساد ذلك وأجبته عما يدعيه من ms7926 الحجة وبلغنى بعد ذلك أنه صنف ~~كتابا في الرد على المسلمين وإبطال نبوة محمد وأحضره إلى بعض المسلمين وجعل ~~يقرأوه على لأجيب عن حجج النصارى وأبين فسادها # وكان من أواخر ما خاطبت به النصرانى أن قلت له أنتم مشركون وبينت من ~~شركهم ماهم عليه من العكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والإستغاثة بها # قال لى نحن ما نشرك بهم ولا نعبدهم وإنما نتوسل بهم كما يفعل المسلمون ~~إذا جاؤوا إلى قبر الرجل الصالح فيتعلقون بالشباك الذى PageV27P461 عليه ~~ونحو ذلك # فقلت له وهذا أيضا من الشرك ليس هذا من دين المسلمين وإن فعله الجهال ~~فأقر أنه شرك حتى أن قسيسا كان حاضرا في هذه المسألة فلما سمعها قال نعم ~~على هذا التقدير نحن مشركون # وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين لنا سيد وسيدة ولكم سيد وسيدة لنا ~~السيد المسيح والسيدة مريم ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسة # فالنصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم ~~ويشابهونهم فيه ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر ويحبون أن يجعلوا رهبانهم مثل ~~عباد المسلمين وقسيسيهم مثل علماء المسلمين ويضاهئون المسلمين فإن عقلاءهم ~~لا ينكرون صحة دين الإسلام بل يقولون هذا طريق إلى الله وهذا طريق إلى الله # ولهذا يسهل إظهار الإسلام على كثير من المنافقين الذين أسلموا منهم فإن ~~عندهم أن المسلمين والنصارى كأهل المذاهب من المسلمين بل يسمون الملل مذاهب ~~ومعلوم أن أهل المذاهب كالحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية دينهم واحد ~~وكل من أطاع الله ورسوله منهم بحسب وسعه كان مؤمنا سعيدا بإتفاق المسلمين ~~PageV27P462 # فإذا إعتقد النصارى مثل هذا في الملل يبقى إنتقال أحدهم عن ملته كانتقال ~~الإنسان من مذهب إلى مذهب وهذا كثيرا ما يفعله الناس لرغبة أو رهبة وإذا ~~بقى أقاربه وأصدقاؤه على المذهب الأول لم ينكر ذلك بل يحبهم ويودهم في ~~الباطن لأن المذهب كالوطن والنفس تحن إلى الوطن إذا لم تعتقد أن المقام به ~~محرم أو به مضرة وضياع دنيا فلهذا يوجد كثير ممن اظهر الإسلام من أهل ~~الكتاب لا ms7927 يفرق بين المسلمين وأهل الكتاب # ثم منهم من يميل إلى المسلمين أكثر ومنهم من يميل إلى ما كان عليه أكثر # ومنهم من يميل إلى أولئك من جهة الطبع والعادة أو من جهة الجنس والقرابة ~~والبلد والمعاونة على المقاصد ونحو ذلك # وهذا كما أن الفلاسفة ومن سلك سبيلهم من القرامطة والإتحادية ونحوهم يجوز ~~عندهم أن يتدين الرجل بدين المسلمين واليهود والنصارى # ومعلوم أن هذا كله كفر بإتفاق المسلمين # فمن لم يقر باطنا وظاهرا بان الله لا يقبل دينا سوى الإسلام فليس بمسلم ~~PageV27P463 # ومن لم يقر بأن بعد مبعث محمد لن يكون مسلم إلا من آمن به واتبعه باطنا ~~وظاهرا فليس بمسلم ومن لم يحرم التدين بعد مبعثه بدين اليهود والنصارى بل ~~من لم يكفرهم ويبغضهم فليس بمسلم بإتفاق المسلمين # والمقصود هنا أن النصارى يحبون أن يكون في المسلمين ما يشابهونهم به ~~ليقوى بذلك دينهم ولئلا ينفر المسلمون عنهم وعن دينهم # ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بمخالفة اليهود والنصارى كما قد بسطناه في ~~كتابنا ( إقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم # وقد حصل للنصارى من جهال المسلمين كثير من مطلوبهم لا سيما من الغلاة من ~~الشيعة وجهال النساك والغلاة في المشايخ فإن فيهم شبها قريبا بالنصارى في ~~الغلو والبدع في العبادات ونحو ذلك فلهذا يلبسون على المسلمين في مقابر ~~تكون من قبورهم حتى يتوهم الجهال انها من قبور صالحى المسلمين ليعظموها # وإذا كان ذلك المشهد العسقلانى قد قال طائفة أنه قبر بعض النصارى أو بعض ~~الحواريين وليس معنا ما يدل على أنه قبر مسلم فضلا عن أن يكون قبرا لرأس ~~الحسين كان قول من قال إنه قبر PageV27P464 مسلم الحسين أو غيره قولا زورا ~~وكذبا مردودا على قائله # فهذا كاف في المنع من أن يقال هذا ( مشهد الحسين ( ### ||| فصل # ثم نقول بل نحن نعلم ونجزم بأنه ليس فيه رأس الحسين ولا كان ذلك المشهد ~~العسقلانى مشهدا للحسين من وجوه متعددة # منها أنه لو كان رأس الحسين هناك لم يتأخر كشفه وإظهاره إلى ما بعد مقتل ms7928 ~~الحسين بأكثر من أربعمائة سنة ودولة بنى أمية إنقرضت قبل ظهور ذلك بأكثر من ~~ثلاثمائة وبضع وخمسين سنة وقد جاءت خلافة بنى العباس وظهر في أثنائها من ~~المشاهد بالعراق وغير العراق ما كان كثير منها كذبا وكانوا عند مقتل الحسين ~~بكربلاء قد بنوا هناك مشهدا وكان ينتابه أمراء عظماء حتى أنكر ذلك عليهم ~~الأئمة وحتى إن المتوكل لما تقدموا له بأشياء يقال إنه بالغ في إنكار ذلك ~~وزاد على الواجب # دع خلافة بنى العباس في أوائلها وفى حال إستقامتها فإنهم حينئذ لم يكونوا ~~يعظمون المشاهد سواء منها ما كان صدقا أو كذبا كما PageV27P465 حدث فيما ~~بعد لأن الإسلام كان حينئذ ما يزال في قوته وعنفوانه ولم يكن على عهد ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام لا في الحجاز ولا ~~اليمن ولا الشام ولا العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب ولم يكن قد أحدث ~~مشهد لا على قبر نبى ولا صاحب ولا أحد من أهل البيت ولا صالح أصلا بل عامة ~~هذه المشاهد محدثة بعد ذلك وكان ظهورها وإنتشارها حين ضعفت خلافة بنى ~~العباس وتفرقت الأمة وكثر فيهم الزنادقة الملبسون على المسلمين وفشت فيهم ~~كلمة أهل البدع وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة فإنه إذ ذاك ~~ظهرت القرامطة العبيدية القداحية بأرض المغرب ثم جاؤوا بعد ذلك إلى أرض مصر # ويقال إنه حدث قريبا من ذلك المكوس في الإسلام # وقريبا من ذلك ظهر بنو بويه وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية وفى ~~دولتهم قوى بنو عبيد القداح بأرض مصر وفى دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى ~~على رضى الله عنه بناحية النجف وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول إن قبر على ~~هناك وإنما دفن على رضى الله عنه بقصر الإمارة بالكوفة وإنما ذكروا أن ~~بعضهم حكى عن الرشيد أنه جاء إلى بقعة هناك وجعل يعتذر إلى المدفون فيها ~~فقالوا إنه على وأنه اعتذر إليه مما فعل بولده فقالوا هذا قبر على وقد قال ~~قوم PageV27P466 إنه ms7929 قبر المغيرة بن شعبة والكلام عليه مبسوط في غير هذا ~~الموضع # فإذا كان بنو بويه وبنو عبيد مع ما كان في الطائفتين من الغلو في التشيع ~~حتى أنهم كانوا يظهرون في دولتهم ببغداد يوم عاشوراء من شعار الرافضة مالم ~~يظهر مثله مثل تعليق المسوح على الأبواب وإخراج النوائح بالأسواق وكان ~~الأمر يفضى في كثير من الأوقات إلى قتال تعجز الملوك عن دفعه وبسبب ذلك خرج ~~الخرقى صاحب المختصر في الفقه من بغداد لما ظهر بها سب السلف وبلغ من أمر ~~القرامطة الذين كانوا بالمشرق في تلك الأوقات أنهم أخذوا الحجر الأسود وبقى ~~معهم مدة وأنهم قتلوا الحجاج وألقوهم ببئر زمزم # فإذا كان مع كل هذا لم يظهر حتى مشهد للحسين بعسقلان مع العلم بأنه لو ~~كان رأسه بعسقلان لكان المتقدمون من هؤلاء أعلم بذلك من المتأخرين فإذا كان ~~مع توفر الهمم والدواعى والتمكن والقدرة لم يظهر ذلك علم أنه باطل مكذوب ~~مثل من يدعى أنه شريف علوى وقد علم أنه لم يدع هذا أحد من اجداده مع حرصهم ~~على ذلك لو كان صحيحا فإنه بهذا يعلم كذب هذا المدعى وبمثل ذلك علمنا كذب ~~من يدعى النص على خلافة على أو غير ذلك مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله ~~ولم ينقل PageV27P467 # ( الوجه الثانى ( أن الذين جمعوا أخبار الحسين ومقتله مثل أبى بكر بن أبى ~~الدنيا وأبى القاسم البغوى وغيرهما لم يذكر أحد منهم أن الرأس حمل إلى ~~عسقلان ولا إلى القاهرة # وقد ذكر نحو ذلك أبو الخطاب بن دحية في كتابه الملقب ب ( العلم المشهور ~~في فضائل الأيام والشهور ( ذكر أن الذين صنفوا في مقتل الحسين أجمعوا أن ~~الرأس لم يغترب وذكر هذا بعد أن ذكر أن المشهد الذى بالقاهرة كذب مختلق ~~وأنه لا أصل له وبسط القول في ذلك كما ذكر في يوم عاشوراء ما يتعلق بذلك # ( الوجه الثالث ( إن الذى ذكره من يعتمد عليه من العلماء والمؤرخين أن ~~الرأس حمل إلى المدينة ودفن عند أخيه الحسن # ومن المعلوم أن ms7930 الزبير بن بكار صاحب ( كتاب الأنساب ( ومحمد بن سعد كاتب ~~الواقدى وصاحب الطبقات ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والإطلاع أعلم ~~بهذا الباب وأصدق فيما ينقلونه من الجاهلين والكذابين ومن بعض أهل التواريخ ~~الذين لا يوثق بعلمهم ولا صدقهم بل قد يكون الرجل صادقا ولكن لا خبرة له ~~بالأسانيد حتى يميز بين المقبول والمردود أو يكون سيئ الحفظ أو متهما ~~بالكذب أو بالتزيد في الرواية كحال كثير من الأخباريين والمؤرخين ~~PageV27P468 لا سيما إذا كان مثل أبى مخنف لوط بن يحيى وأمثاله # ومعلوم أن الواقدي نفسه خير عند الناس من مثل هشام بن الكلبى وأبيه محمد ~~بن السائب وامثالهما وقد علم كلام الناس في الواقدى فإن ما يذكره هو ~~وأمثاله إنما يعتضد به ويستأنس به وأما الإعتماد عليه بمجرده في العلم فهذا ~~لا يصلح # فإذا كان المعتمد عليهم يذكرون أن رأس الحسين دفن بالمدينة وقد ذكر غيرهم ~~أنه إما أن يكون قد عاد إلى البدن فدفن معه بكربلاء وأما انه دفن بحلب أو ~~بدمشق أو نحو ذلك من الأقوال التى لا أصل لها ولم يذكر أحد ممن يعتمد عليه ~~أنه بعسقلان علم أن ذلك باطل إذ يمتنع أن يكون أهل العلم والصدق على الباطل ~~وأهل الجهل والكذب على الحق في الأمور النقلية التى إنما تؤخذ عن أهل العلم ~~والصدق لا عن أهل الجهل والكذب # الوجه الرابع أن الذى ثبت في صحيح البخارى ( إن الرأس حمل إلى قدام عبيد ~~الله بن زياد وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه بحضرة أنس بن مالك ( وفى المسند ~~( أن ذلك كان بحضرة أبى برزة الأسلمى ( ولكن بعض الناس روى بإسناد منقطع ( ~~إن هذا النكت كان بحضرة يزيد بن معاوية ( وهذا باطل فإن أبا برزة وأنس ~~PageV27P469 بن مالك كانا بالعراق لم يكونا بالشام ويزيد بن معاوية كان ~~بالشام لم يكن بالعراق حين مقتل الحسين فمن نقل أنه نكت بالقضيب ثناياه ~~بحضرة أنس وأبى برزة قدام يزيد فهو كاذب قطعا كذبا معلوما بالنقل المتواتر # ومعلوم بالنقل المتواتر أن عبيد الله ms7931 بن زياد كان هو أمير العراق حين ~~مقتل الحسين وقد ثبت بالنقل الصحيح أنه هو الذى أرسل عمر بن سعد بن أبى ~~وقاص مقدما على الطائفة التى قاتلت الحسين وكان عمر قد إمتنع من ذلك فأرغبه ~~بن زياد وأرهبه حتى فعل ما فعل # وقد ذكر المصنفون من أهل العلم بالأسانيد المقبولة أنه لما كتب أهل ~~العراق إلى الحسين وهو بالحجاز أن يقدم عليهم وقالوا أنه قد أميتت السنة ~~وأحييت البدعة وأنه وأنه حتى يقال إنهم أرسلوا إليه كتبا ملء صندوق وأكثر ~~وأنه أشار عليه الأحباء الألباء فلم يقبل مشورتهم فإنه كما قيل % وما كل ذى ~~لب بمؤتيك نصحه % وما كل مؤت نصحه بلبيب % فقد أشار عليه مثل عبد الله بن ~~عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما بأن لا يذهب إليهم وذلك كان قد رآه أخوه ~~الحسن وإتفقت كلمتهم على أن هذا لا مصلحة فيه وأن هؤلاء العراقيين يكذبون ~~PageV27P470 عليه ويخذلونه إذ هم أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها عن ثبات ~~وإن أباه كان أفضل منه واطوع في الناس وكان جمهور الناس معه ومع هذا فكان ~~فيهم من الخلاف عليه والخذلان له ما الله به عليم حتى صار يطلب السلم بعد ~~أن كان يدعو إلى الحرب وما مات إلا وقد كرههم كراهة الله بها عليم ودعا ~~عليهم وبرم بهم # فلما ذهب الحسين رضى الله عنه وأرسل إبن عمه مسلم بن عقيل إليهم وإتبعه ~~طائفة ثم لما قدم عبيد الله بن زياد الكوفة قاموا مع إبن زياد وقتل مسلم بن ~~عقيل وهانىء بن عروة وغيرهما فبلغ الحسين ذلك فأراد الرجوع فوافته سرية عمر ~~بن سعد وطلبوا منه أن يستأسر لهم فأبى وطلب أن يردوه إلى يزيد إبن عمه حتى ~~يضع يده في يده أو يرجع من حيث جاء أو يلحق ببعض الثغور فإمتنعوا من إجابته ~~إلى ذلك بغيا وظلما وعدوانا وكان من أشدهم تحريضا عليه شمر بن ذى الجوشن ~~ولحق بالحسين طائفة منهم ووقع القتل حتى أكرم الله الحسين ومن أكرمه من ms7932 أهل ~~بيته بالشهادة رضى الله عنهم وأرضاهم وأهان بالبغى والظلم والعدوان من ~~أهانه بما أنتهكه من حرمتهم وإستحله من دمائهم @QB@ ومن يهن الله فما له من ~~مكرم إن الله يفعل ما يشاء @QE@ وكان ذلك من نعمة الله على الحسين وكرامته ~~له لينال منازل الشهداء حيث لم يجعل له في أول الإسلام من الإبتلاء ~~PageV27P471 والإمتحان ما جعل لسائر أهل بيته كجده وأبيه وعمه وعم أبيه رضى ~~الله عنهم فإن بنى هاشم أفضل قريش وقريشا افضل العرب والعرب افضل بنى آدم ~~كما صح ذلك عن النبى مثل قوله في الحديث الصحيح ( إن الله إصطفى من ولد ~~إبراهيم بنى إسماعيل وإصطفى كنانة من بنى إسماعيل وإصطفى قريشا من كنانة ~~وإصطفى بنى هاشم من قريش وإصطفانى من بنى هاشم ( # وفى صحيح مسلم عنه أنه قال يوم غدير خم ( أذكركم الله في أهل بيتى أذكركم ~~الله في أهل بيتى أذكركم الله في أهل بيتى ( # وفى السنن أنه شكا إليه العباس إن بعض قريش يحقرونهم فقال والذى نفسى ~~بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتى ( وإذا كانوا أفضل الخلق فلا ~~ريب أن أعمالهم أفضل الأعمال # وكان أفضلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى لا عدل له من البشر ~~ففاضلهم أفضل من كل فاضل من سائر قبائل قريش والعرب بل ومن بنى إسرائيل ~~وغيرهم # ثم على وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث هم من السابقين الأولين من ~~المهاجرين فهم أفضل من الطبقة الثانية من سائر القبائل ولهذا PageV27P472 ~~لما كان يوم بدر أمرهم النبى بالمبارزة لما برز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ~~ربيعة والوليد بن عتبة فقال النبى قم يا حمزة قم يا عبيدة قم يا على ( فبرز ~~إلى الثلاثة ثلاثة من بنى هاشم # وقد ثبت في الصحيح أن فيهم نزل قوله @QB@ هذان خصمان اختصموا في ربهم ~~@QE@ الآية وإن كان في الآية عموم # ولما كان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وكانا قد ولدا بعد الهجرة في ~~عز الإسلام ولم ينلهما من الأذى والبلاء ما نال سلفهما ms7933 الطيب فأكرمهما الله ~~بما اكرمهما به من الإبتلاء ليرفع درجاتهما ( وذلك من كرامتهما عليه لا من ~~هوانهما عنده كما أكرم حمزة وعليا وجعفرا وعمر وعثمان وغيرهم بالشهادة ] ~~وفى المسند وغيره عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث ~~لها إسترجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها # فهذا الحديث رواه الحسين وعنه بنته فاطمة التى شهدت مصرعه # وقد علم الله إن مصيبته تذكر على طول الزمان # فالمشروع إذا ذكرت المصيبة وأمثالها أن يقال @QB@ إنا لله وإنا إليه ~~راجعون @QE@ PageV27P473 اللهم آجرنا في مصيبتنا وإخلف لنا خيرا منها ( قال ~~تعالى @QB@ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون @QE@ قال الله تعالى @QB@ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك ~~هم المهتدون @QE@ # والكلام في احوال الملوك على سبيل التفصيل متعسر أو متعذر لكن ينبغى أن ~~نعلم من حيث الجملة أنهم هم وغيرهم من الناس ممن له حسنات وسيئات يدخلون ~~بها في نصوص الوعد أو نصوص الوعيد # وتناول نصوص الوعد للشخص مشروط بأن يكون عمله خالصا لوجه الله موافقا ~~للسنة فإن النبى صلى الله عليه وسلم قيل له ( الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل ~~حمية ويقاتل ليقال فأى ذلك في سبيل الله فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا فهو في سبيل الله ( # وكذلك تناول نصوص الوعيد للشخص مشروط بأن لا يكون متأولا ولا مجتهدا ~~مخطئا فإن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وكثير من تأويلات ~~المتقدمين وما يعرض لهم فيها من الشبهات معروفة يحصل بها من الهوى والشهوات ~~فيأتون ما يأتونه بشبهة وشهوة والسيئات التى يرتكبها أهل الذنوب تزول ~~بالتوبة وقد تزول بحسنات ماحية ومصائب مكفرة وقد تزول بصلاة المسلمين عليه ~~وبشفاعة PageV27P474 النبى يوم القيامة في أهل الكبائر فلهذا كان اهل العلم ~~يختارون فيمن عرف بالظلم ونحوه مع أنه مسلم له أعمال صالحة في الظاهر ~~كالحجاج بن يوسف وأمثاله أنهم ms7934 لا يلعنون أحدا منهم بعينه بل يقولون كما قال ~~الله تعالى @QB@ ألا لعنة الله على الظالمين @QE@ فيلعنون من لعنه الله ~~ورسوله عاما كقوله ( لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها ~~وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها ( ولا يلعنون المعين ~~كما ثبت في صحيح البخارى وغيره ( أن رجلا كان يدعى حمارا وكان يشرب الخمر ~~وكان النبى صلى الله عليه وسلم يجلده فأتي به مرة فلعنه رجل فقال النبى صلى ~~الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله وذلك لأن اللعنة من باب ~~الوعيد والوعيد العام ( لا يقطع به للشخص المعين ( لأحد الأسباب المذكورة ~~من توبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة وغير ذلك # وطائفة من العلماء يلعنون المعين كيزيد وطائفة بإزاء هؤلاء يقولون بل ~~نحبه لما فيه من الإيمان الذى أمرنا الله أن نوالى عليه إذ ليس كافرا # والمختار عند الأمة أنا لا نلعن معينا مطلقا ولا نحب معينا مطلقا ~~PageV27P475 [ فإن العبد قد يكون فيه سبب هذا وسبب هذا ] إذا إجتمع فيه من ~~حب الأمرين # إذ كان من اصول أهل السنة التى فارقوا بها الخوارج إن الشخص الواحد تجتمع ~~فيه حسنات وسيئات فيثاب على حسناته ويعاقب على سيئاته ويحمد على حسناته ~~ويذم على سيئاته وانه من وجه مرضى محبوب ومن وجه بغيض مسخوط فلهذا كان لأهل ~~الأحداث هذا الحكم # وأما أهل التأويل المحض الذين يسوغ تأويلهم فأولئك مجتهدون مخطئون خطؤهم ~~مغفور لهم وهم مثابون على ما أحسنوا فيه من حسن قصدهم وإجتهادهم في طلب ~~الحق وإتباعه كما قال النبى ( إذا إجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا إجتهد ~~الحاكم فأخطأ فله أجر ( ولهذا كان الكلام في السابقين الأولين ومن شهد له ~~النبى بالجنة كعثمان وعلى وطلحة والزبير ونحوهم له هذا الحكم بل ومن هو دون ~~هؤلاء الأكابر أهل الحديبية الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا أكثر من الف ~~وأربعمائة # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال PageV27P476 لا يدخل النار أحد بايع ~~تحت الشجرة ( # فنقول في هؤلاء ونحوهم ms7935 فيما شجر بينهم إما أن يكون عمل أحدهم سعيا مشكورا ~~أو ذنبا مغفورا أو إجتهادا قد عفى لصاحبه عن الخطأ فيه فلهذا كان من اصول ~~أهل العلم أنه لا يمكن أحد من الكلام في هؤلاء بكلام يقدح في عدالتهم ~~وديانتهم بل يعلم أنهم عدول مرضيون وأن هؤلاء رضى الله عنهم لا سيما ~~والمنقول عنهم من العظائم كذب مفترى مثلما كان طائفة من شيعة عثمان يتهمون ~~عليا بأنه امر بقتل عثمان أو اعان عليه وكان بعض من يقاتله يظن ذلك به وكان ~~ذلك من شبههم التى قاتلوا عليا بها وهى شبهة باطلة وكان على يحلف وهو ~~الصادق البار إنى ما قتلت عثمان ولا أعنت على قتله ويقول ( اللهم شتت قتله ~~عثمان في البر والبحر والسهل والجبل وكانوا يجعلون إمتناعه من تسليم قتلة ~~عثمان من شبههم في ذلك ولم يكن ممكنا من أن يعمل كل ما يريده من إقامة ~~الحدود ونحو ذلك لكون الناس مختلفين عليه وعسكره وأمراء عسكره غير مطيعين ~~له في كل ما كان يأمرهم به فإن التفرق والإختلاف يقوم فيه من ( اسباب الشر ~~والفساد وتعطيل الأحكام ما يعلمه ( من يكون [ من أهل العلم العارفين بما ~~جاء من النصوص في فضل ] الجماعة والإسلام PageV27P477 ويزيد بن معاوية قد ~~أتى أمورا منكرة منها وقعة الحرة وقد جاء في الصحيح عن على رضى الله عنه عن ~~النبى قال ( المدينة حرام ما بين عير إلى كذا من أحدث فيها حدثا أو آوى ] ~~محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ( ~~وقال ( من أراد أهل المدينة بسوء أماعه الله كما ينماع الملح في الماء ( # ولهذا قيل للإمام أحمد أتكتب الحديث عن يزيد فقال لا ولا كرامة أو ليس هو ~~الذى فعل بأهل الحرة ما فعل # وقيل له أى في ما يقولون أما تحب يزيد فقال وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فقيل فلماذا لا تلعنه فقال ومتى رأيت أباك يلعن أحدا # ومذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون ms7936 أهل القبلة بمجرد الذنوب ولا ~~بمجرد التأويل بل الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات فأمره إلى الله # وهذا الذى ذكرناه هو المتفق عليه بين الناس في مقتل الحسين رضى الله عنه ~~PageV27P478 وقد رويت زيادات بعضها صحيح وبعضها ضعيف وبعضها كذب موضوع # والمصنفون من أهل الحديث في ذلك كالبغوى وإبن أبى الدنيا ونحوهما ~~كالمصنفين من أهل الحديث في سائر المنقولات هم بذلك اعلم وأصدق بلا نزاع ~~بين اهل العلم لأنهم يسندون ما ينقلونه عن الثقات أو يرسلونه عمن يكون ~~مرسله يقارب الصحة بخلاف الأخباريين فإن كثيرا مما يسندونه عن كذاب أو ~~مجهول وأما ما يرسلونه فظلمات بعضها فوق بعض وهؤلاء لعمرى ممن ينقل عن غيره ~~مسندا أو مرسلا # وأما أهل الأهواء ونحوهم فيعتمدون على نقل لا يعرف له قائل أصلا لا ثقة ~~ولا معتمد وأهون شيء عندهم الكذب المختلق وأعلم من فيهم لا يرجع فيما ينقله ~~إلى عمدة بل إلى سماعات عن الجاهلين والكذابين وروايات عن أهل الإفك المبين # فقد تبين إن القصة التى يذكرون فيها حمل رأس الحسين إلى يزيد ونكته إياها ~~بالقضيب كذبوا فيها وإن كان الحمل إلى بن زياد وهو الثابت بالقصة فلم ينقل ~~بإسناد معروف إن الرأس حمل إلى قدام يزيد # ولم أر في ذلك إلا إسنادا منقطعا قد عارضه من الروايات ما هو PageV27P479 ~~أثبت منه وأظهر نقلوا فيها أن يزيد لما بلغه مقتل الحسين أظهر التألم من ~~ذلك وقال لعن الله أهل العراق لقد كنت أرضى من طاعتهم بدون هذا وقال في بن ~~زياد أما إنه لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله وأنه ظهر في داره النوح ~~لمقتل الحسين وأنه لما قدم عليه أهله وتلاقى النساء تباكين وأنه خير ابنه ~~عليا بين المقام عنده والسفر إلى المدينة فإختار السفر إلى المدينة فجهزه ~~إلى المدينة جهازا حسنا # فهذا ونحوه مما نقلوه بالأسانيد التى هي أصح وأثبت من ذلك الإسناد ~~المنقطع المجهول تبين أن يزيد لم يظهر الرضى بقتل الحسين وأنه أظهر الألم ~~لقتله والله ms7937 أعلم بسريرته # وقد علم أنه لم يأمر بقتله إبتداء لكنه مع ذلك ما إنتقم من قاتليه ولا ~~عاقبهم على ما فعلوا إذ كانوا قتلوه لحفظ ملكه [ الذى كان يخاف عليه من ] ~~الحسين وأهل البيت رضى الله عنهم أجمعين # والمقصود هنا أن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد فكيف ~~بنقله بعد زمن يزيد وإنما الثابت هو نقله من كربلاء إلى أمير العراق عبيد ~~الله بن زياد بالكوفة والذى ذكر العلماء أنه دفن بالمدينة PageV27P480 # وأما ما يرويه من لا عقل له يميز به ما يقول ولا له إلمام بمعرفة المنقول ~~من أن اهل البيت سبوا وأنهم حملوا على البخاتى وأن البخاتى نبت لها من ذلك ~~الوقت سنامان فهذا من الكذب الواضح الفاضح لمن يقوله فإن البخاتى قد كانت ~~من يوم خلقها الله قبل ذلك ذات سنامين كما كان غيرها من اجناس الحيوان ~~والبخاتى لا تستر أمرأة ولا سبى أهل البيت أحد ولا سبى منهم أحد بل هذا كما ~~يقولون إن الحجاج قتلهم # وقد علم أهل النقل كلهم أن الحجاج لم يقتل أحدا من بنى هاشم كما عهد إليه ~~خليفته عبد الملك وأنه لما تزوج بنت عبد الله بن جعفر شق ذلك على بنى أمية ~~وغيرهم من قريش ورأوه ليس بكفء لها ولم يزالوا به حتى فرقوا بينه وبينها بل ~~بنو مروان على الإطلاق لم يقتلوا أحدا من بنى هاشم لا آل على ولا آل العباس ~~إلا زيد بن على المصلوب بكناسة الكوفة وإبنه يحيى # ( الوجه الرابع ( أنه لو قدر إنه حمل إلى يزيد فأى غرض كان لهم في دفنه ~~بعسقلان وكانت إذ ذاك ثغرا يقيم به المرابطون فإن كان قصدهم تعفية خبره ~~فمثل عسقلان تظهره لكثرة من ينتابها للرباط وإن كان قصدهم بركة البقعة فكيف ~~يقصد هذا من يقال أنه عدو له مستحل لدمه ساع في قتله PageV27P481 # ثم من المعلوم أن دفنه قريبا عند أمه وأخيه بالبقيع أفضل له # ( الوجه الخامس ( أن دفنه بالبقيع هو الذى تشهد ms7938 له عادة القوم فإنهم ~~كانوا في الفتن إذا قتلوا الرجل لم يكن منهم سلموا راسه وبدنه إلى أهله كما ~~فعل الحجاج بإبن الزبير لما قتله وصلبه ثم سلمه إلى أمه # وقد علم أن سعى الحجاج في قتل بن الزبير وأن ما كان بينه وبينه من الحروب ~~أعظم بكثير مما كان بين الحسين وبين خصومه فإن بن الزبير إدعى الخلافة بعد ~~مقتل الحسين وبايعه أكثر الناس وحاربه يزيد حتى مات وجيشه محاربون له بعد ~~وقعة الحرة # ثم لما تولى عبد الملك غلبه على العراق مع الشام ثم بعث إليه الحجاج بن ~~يوسف فحاصره الحصار المعروف حتى قتل ثم صلبه ثم سلمه إلى أمه # وقد دفن بدن الحسين بمكان مصرعه بكربلاء ولم ينبش ولم يمثل به فلم يكونوا ~~يمتنعون من تسليم رأسه إلى أهله كما سلموا بدن بن الزبير إلى أهله وإذا ~~تسلم أهله رأسه فلم يكونوا ليدعوا دفنه عندهم بالمدينة المنورة عند عمه ~~وأمه وأخيه وقريبا من جده صلى الله عليه وسلم ويدفنونه بالشام حيث لا أحد ~~إذ ذاك ينصرهم على PageV27P482 خصومهم بل كثير منهم كان يبغضه ويبغض أباه ~~هذا لا يفعله أحد # والقبة التى على العباس بالبقيع يقال إن فيها مع العباس الحسن وعلى بن ~~الحسين وأبو جعفر محمد بن على وجعفر بن محمد ويقال إن فاطمة تحت الحائط أو ~~قريبا من ذلك وأن رأس الحسين هناك أيضا # ( الوجه السادس ( أنه لم يعرف قط أن أحدا لا من أهل السنة ولا من الشيعة ~~كان ينتاب ناحية عسقلان لأجل رأس الحسين ولا يزورونه ولايأتونه كما أن ~~الناس لم يكونوا ينتابون الأماكن التى تضاف إلى الراس في هذا الوقت كموضع ~~بحلب # فإذا كانت تلك البقاع لم يكن الناس ينتابونها ولا يقصدونها وإنما كانوا ~~ينتابون كربلاء لأن البدن هناك كان هذا دليلا على أن الناس فيما مضى لم ~~يكونوا يعرفون أن الرأس في شيء من هذه البقاع ولكن الذى عرفوه وإعتقدوه هو ~~وجود البدن بكربلاء حتى كانوا ينتابونه في زمن أحمد وغيره حتى ms7939 أن في مسائله ~~مسائل فيما يفعل عند قبره ذكرها أبو بكر الخلال في جامعه الكبير في زيارة ~~المشاهد # ولم يذكر أحد من العلماء أنهم كانوا يرون موضع الرأس في شيء من هذه ~~البقاع غير المدينة PageV27P483 فعلم أن ذلك لو كان حقا لكان المتقدمون به ~~أعلم ولو إعتقدوا ذلك لعملوا ما جرت عادتهم بعمله ولأظهروا ذلك وتكلموا به ~~كما تكلموا في نظائرة # فلما لم يظهر عن المتقدمين بقول ولا فعل ما يدل على أن الرأس في هذه ~~البقاع علم أن ذلك باطل والله أعلم # ( الوجه السابع ( أن يقال ما زال أهل العلم في كل وقت وزمان يذكرون في ~~هذا المشهد القاهرى المنسوب إلى الحسين أنه كذب ومين كما يذكرون ذلك في ~~أمثاله من المشاهد المكذوبة مثل المشاهد المنسوبة بدمشق إلى أبي بن كعب ~~وأويس القرنى أو هود أو نوح أو غيرهما والمشهد المنسوب بحران إلى جابر بن ~~عبد الله وبالجزيرة إلى عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر ونحوهما ~~وبالعراق إلى على رضى الله عنه ونحوه وكذلك ما يضاف إلى الأنبياء غير قبر ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم الخليل عليه السلام # فإنه لما كان كثير من المشاهد مكذوبا مختلقا كان اهل العلم في كل وقت ~~يعلمون أن ذلك كذب مختلق والكتب والمصنفات المعروفة عن أهل العلم بذلك ~~مملوءة من مثل هذا يعرف ذلك من تتبعه وطلبه PageV27P484 # وما زال الناس في مصنفاتهم ومخاطباتهم يعلمون أن هذا المشهد القاهرى من ~~المكذوبات المختلقات ويذكرون ذلك في المصنفات حتى من سكن هذا البلد من ~~العلماء بذلك # فقد ذكر أبو الخطاب بن دحية في كتابه ( العلم المشهور ( في هذا المشهد ~~فصلا مع ما ذكره في مقتل الحسين من أخبار ثابتة وغير ثابتة ومع هذا فقد ذكر ~~أن المشهد كذب بالإجماع وبين أنه نقل من عسقلان في آخر الدول العبيدية وأنه ~~وضع لأغراض فاسدة وأنه بعد ذلك بقليل أزال الله تلك الدولة وعاقبها بنقيض ~~قصدها # وما زال ذلك مشهورا بين أهل العلم حتى أهل ms7940 عصرنا من ساكنى الديار المصرية ~~القاهرة وما حولها # فقد حدثنى طائفة من الثقات عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن على الغنوى ~~المعروف بابن دقيق العيد وطائفة عن الشيخ أبى محمد عبدالمؤمن بن خلف ~~الدمياطى وطائفة عن الشيخ أبى محمد بن القسطلانى وطائفة عن الشيخ أبى عبد ~~الله محمد القرطبى صاحب التفسير وشرح أسماء الله الحسنى وطائفة عن الشيخ ~~عبد العزيز الديرينى كل من هؤلاء حدثنى عنه من لا اتهمه وحدثنى عن بعضهم ~~عدد كثير كل يحدثنى عمن حدثنى من هؤلاء أنه كان ينكر أمر هذا المشهد ويقول ~~PageV27P485 إنه كذب وإنه ليس فيه الحسين ولا غيره والذين حدثونى عن إبن ~~القسطلانى ذكروا عنه أنه قال إن فيه نصرانيا بل القرطبى والقسطلانى ذكرا ~~بطلان أمر هذا المشهد في مصنفاتهما وبينا فيها أنه كذب كما ذكره أبوالخطاب ~~بن دحية # وبن دحية هو الذى بنى له الكامل دار الحديث الكاملية وعنه أخذ أبو عمرو ~~بن الصلاح ونحوه كثيرا مما أخذوه من ضبط الأسماء واللغات وليس الإعتماد في ~~هذا على واحد بعينه بل هو الإجماع من هؤلاء ومعلوم أنه لم يكن بهذه البلاد ~~من يعتمد عليه في مثل هذا الباب أعلم ولا أدق من هؤلاء ونحوهم # فإذا كان كل هؤلاء متفقين على أن هذا كذب ومين علم أن الله قد برأ منه ~~الحسين # وحدثنى من حدثنى من الثقات أن من هؤلاء من كان يوصى أصحابه بأن لا يظهروا ~~ذلك عنه خوفا من شر العامة بهذه البلاد لما فيهم من الظلم والفساد إذ كانوا ~~في الأصل دعاة للقرامطة الباطنيين الذين إستولوا عليها مائتى سنة فزرعوا ~~فيهم من أخلاق الزنادقة المنافقين وأهل الجهل المبتدعين وأهل الكذب ~~الظالمين مالم يمكن أن ينقلع إلا بعد حين فإنه قد فتحها بإزالة ملك ~~العبيديين أهل الإيمان PageV27P486 والسنة في الدولة النورية والصلاحية ~~وسكنها من أهل الإسلام والسنة من سكنها وظهرت بها كلمة الإيمان والسنة نوعا ~~من الظهور لكن كان النفاق والبدعة فيها كثيرا مستورا وفى كل وقت يظهر الله ~~فيها من ms7941 الإيمان والسنة مالم يكن مذكورا ويطغى فيها من النفاق والجهل ما ~~كان مشهورا # والله هو المسئول أن يظهر بسائر البلاد ما يحبه ويرضاه من الهدى والسداد ~~ويعظم على عباده الخير بظهور الإسلام والسنة ويحقق ما وعد به في القرآن من ~~علو كلمته وظهور اهل الإيمان # وكثير من الناس قد إعتقد وتخلق بعقائد وبأخلاق هي في الأصل من أخلاق ~~الكفار والمنافقين وإن لم يكن بذلك من العارفين كما أن كثيرا منهم يشارك ~~النصارى في أعيادهم ويعظم ما يعظمونه من الأمكنة والأزمنة والأعمال وهو قد ~~لا يقصد بذلك تعظيم الكفر بل ولا يعرف إن ذلك من خصائصهم فإذا عرف ذلك ~~إنتهى عنه وتاب منه # وكذلك كثير من الناس تخلق بشيء من أخلاق أهل النفاق وهو لا يعرف أنها من ~~أخلاق المنافقين وإذا عرف ذلك كان إلى الله من التائبين والله يتوب علينا ~~وعليه وعلى جميع المذنبين PageV27P487 من المؤمنين # وهذا كله كلام في بطلان دعوى وجود رأس الحسين رضى الله عنه في القاهرة أو ~~عسقلان وكذبه # ثم نقول سواء كان صحيحا أو كذبا فإن بناء المساجد على القبور ليس من دين ~~المسلمين بل هو منهى عنه بالنصوص الثابتة عن النبى وإتفاق أئمة الدين بل لا ~~يجوز إتخاذ القبور مساجد سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها أو بقصد الصلاة ~~عندها بل أئمة الدين متفقون على النهى عن ذلك وأنه ليس لأحد أن يقصد الصلاة ~~عند قبر أحد لا نبى ولا غير نبى وكل من قال إن قصد الصلاة عند قبر أحد أو ~~عند مسجد بنى على قبر أو مشهد أو غير ذلك أمر مشروع بحيث يستحب ذلك ويكون ~~أفضل من الصلاة في المسجد الذى لا قبر فيه فقد مرق من الدين وخالف إجماع ~~المسلمين والواجب أن يستتاب قائل هذا ومعتقده فإن تاب وإلا قتل # بل ليس لأحد أن يصلى في المساجد التى بنيت على القبور ولو لم يقصد الصلاة ~~عندها فلا يقبل ذلك لا إتفاقا ولا إبتغاء لما في ذلك من التشبه بالمشركين ~~والذريعة ms7942 إلى الشرك ووجوب التنبيه عليه PageV27P488 وعلى غيره كما قد نص ~~على ذلك أئمة الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم منهم من صرح بالتحريم ~~ومنهم من أطلق الكراهة وليست هذه المسألة عندهم مسألة الصلاة في المقبرة ~~العامة فإن تلك منهم من يعلل النهى عنها بنجاسة التراب ومنهم من يعلله ~~بالتشبه بالمشركين # وأما المساجد المبنية على القبور فقد نهوا عنه معللين بخوف الفتنة بتعظيم ~~المخلوق كما ذكر ذلك الشافعى وغيره من سائر أئمة المسلمين # وقد نهى النبى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند وجودها في كبد ~~السماء وقال ( إنه حينئذ يسجد لها الكفار ( فنهى عن ذلك لما فيه من ~~المشابهة لهم وإن لم يقصد المصلى السجود إلا للواحد المعبود # فكيف بالصلاة في المساجد التى بنيت لتعظيم القبور # وهذه المسألة قد بسطناها في غير هذا ### ||||| الجواب # وإنما كان المقصود تحقيق مكان رأس الحسين رضى الله عنه وبيان أن الأمكنة ~~المشهورة عند الناس بمصر والشام أنها مشهد الحسين وأن فيها رأسه فهي كذب ~~وإختلاق وإفك وبهتان والله أعلم وكتبه أحمد بن تيمية PageV27P489 ### |||| وسئل رحمه الله أيضا ( # عن الزيارة إلى قبر الحسين وإلى السيدة نفيسة والصلاة عند الضريح وإذا ~~قال إن السيدة نفيسة تخلص المحبوس وتجير الخائف وباب الحوائج إلى الله هذا ~~جائز أم لا ### ||||| فأجاب # أما الحسين فلم يحمل رأسه إلى مصر بإتفاق العلماء وكذلك لم يحمل ~~إلى الشام ومن قال إن ميتا من الموتى نفيسة أو غيرها تجير الخائف وتخلص ~~المحبوس وهى باب الحوائج فهو ضال مشرك فإن الله سبحانه هو الذى يجير ولا ~~يجار عليه وباب الحوائج إلى الله هو دعاؤه بصدق وإخلاص كما قال تعالى @QB@ ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ والله أعلم ~~PageV27P490 # وقال رحمه الله # وأما بنت يزيد بن السكن ( فهذه توفيت بالشام فهذه قبرها محتمل وأما ( قبر ~~بلال ( فممكن فإنه دفن بباب الصغير بدمشق فيعلم أنه دفن هناك وأما القطع ~~بتعيين قبره ففيه نظر فإنه يقال إن تلك القبور حرثت ومنها القبر ms7943 المضاف إلى ~~( اويس القرنى ( غربى دمشق فإن أويسا لم يجيء إلى الشام وإنما ذهب إلى ~~العراق # ومنها القبر المضاف إلى ( هود عليه السلام ( بجامع دمشق كذب بإتفاق أهل ~~العلم فإن هودا لم يجيء إلى الشام بل بعث باليمن وهاجر إلى مكة فقيل إنه ~~مات باليمن وقيل إنه مات بمكة وإنما ذلك تلقاء ( قبر معاوية بن ابى سفيان ( ~~وأما الذى خارج باب الصغير الذى يقال أنه قبر معاوية فإنما هو معاوية بن ~~يزيد بن معاوية الذى تولى الخلافة مدة قصيرة ثم مات ولم يعهد إلى أحد وكان ~~فيه دين وصلاح PageV27P491 # ومنها ( قبر خالد ( بحمص يقال أنه قبر خالد بن يزيد بن معاوية أخو معاوية ~~هذا ولكن لما إشتهر أنه خالد والمشهور عند العامة خالد بن الوليد ظنوا أنه ~~خالد بن الوليد وقد إختلف في ذلك هل هو قبره أو قبر خالد بن يزيد وذكر أبو ~~عمر بن عبدالبر في ( الإستيعاب ( أن خالد بن الوليد توفى بحمص وقيل ~~بالمدينة سنة إحدى وعشرين أو اثنين وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب وأوصى ~~إلى عمر والله أعلم # ومنها ( قبر أبى مسلم الخولانى ( الذى بداريا إختلف فيه ومنها ( قبر على ~~بن الحسين ( الذى بمصر فإنه كذب قطعا فإن على بن الحسين توفى بالمدينة ~~بإجماع الناس ودفن بالبقيع ومنها ( مشهد الرأس ( الذى بالقاهرة فإن ~~المصنفين في قتل الحسين اتفقوا على أن الرأس ليس بمصر ويعلمون أن هذا كذب ~~وأصله انه نقل من مشهد بعسقلان وذاك المشهد بنى قبل هذا بنحو من ستين سنة ~~في أواخر المائة الخامسة وهذا بنى في أثناء المائة السادسة بعد مقتل الحسين ~~بنحو من خمسمائة عام والقاهرة بنيت بعد مقتل الحسين بنحو ثلاثمائة عام قد ~~بين كذب هذا المشهد بن دحية في ( العلم المشهور ( وأن الرأس دفن بالمدينة ~~كما ذكره الزبير بن بكار والذى صح من أمر حمل الرأس ما ذكره البخارى في ~~صحيحه أنه حمل إلى عبيد الله بن زياد وجعل PageV27P492 ينكت بالقضيب على ~~ثناياه وقد شهد ذلك انس بن مالك ms7944 وفى رواية أبي برزة الأسلمى وكلاهما كان ~~بالعراق وقد ورد بإسناد منقطع أو مجهول أنه حمل إلى يزيد وجعل ينكت بالقضيب ~~على ثناياه وإن أبا برزة كان حاضرا وأنكر هذا وهذا كذب فإن أبا برزة لم يكن ~~بالشام عند يزيد وإنما كان بالعراق # وأما ( بدن الحسين ( فبكربلاء بالإتفاق قال أبوالعباس وقد حدثنى الثقات ~~طائفة عن بن دقيق العيد وطائفة عن أبى محمد عبدالمؤمن بن خلف الدمياطى ~~وطائفة عن أبى بكر محمد بن أحمد بن القسطلانى وطائفة عن أبى عبد الله ~~القرطبى صاحب التفسير كل هؤلاء حدثنى عنه من لا أتهمه وحدثنى عن بعضهم عدد ~~كثير كل حدثنى عمن حدثه من هؤلاء أنه كان ينكر أمر هذا المشهد ويقول أنه ~~كذب وأنه ليس فيه قبر الحسين ولا شيء منه والذين حدثونى عن إبن القسطلانى ~~ذكروا عنه انه قال إنما فيه نصرانى # ومنها ( قبر على رضى الله عنه الذى بباطن النجف فإن المعروف عند أهل ~~العلم أن عليا دفن بقصر الإمارة بالكوفة كما دفن معاوية بقصر الإمارة من ~~الشام ودفن عمرو بقصر الإمارة خوفا عليهم من الخوارج أن ينبشوا قبورهم ولكن ~~قيل أن الذى بالنجف قبر المغيرة PageV27P493 بن شعبة ولم يكن أحد يذكر أنه ~~قبر على ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة سنة ومنها ( قبر عبد الله بن عمر ( ~~في الجزيرة والناس متفقون على أن عبد الله بن عمر مات بمكة عام قتل بن ~~الزبير وأوصى أن يدفن بالحل لكونه من المهاجرين فشق ذلك عليهم فدفنوه بأعلى ~~مكة ومنها ( قبر جابر ( الذى بظاهر حران والناس متفقون على أن جابرا توفى ~~بالمدينة النبوية وهو آخر من مات من الصحابة بها ومنها قبر ينسب إلى ( أم ~~كلثوم ( و ( رقية ( بالشام وقد إتفق الناس على أنهما ماتتا في حياة النبى ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة تحت عثمان وهذا إنما هو سبب إشتراك الأسماء ~~لعل شخصا يسمى باسم من ذكر توفى ودفن في موضع من المواضع المذكورة فظن بعض ~~الجهال أنه أحد من الصحابة PageV27P494 ### |||| وسئل رحمه ms7945 الله # عن أناس ساكنين بالقاهرة ثم أنهم يأخذون أضحيتهم فيذبحونها بالقرافة ### ||||| فأجاب # لا يشرع لأحد أن يذبح الأضحية ولا غيرها عند القبور بل ولا يشرع ~~شيء من العبادات الأصلية كالصلاة والصيام والصدقة عند القبور فمن ظن أن ~~التضحية عند القبور مستحبة وأنها أفضل فهو جاهل ضال مخالف لإجماع المسلمين ~~بل قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقر عند القبر كما كان يفعل ~~بعض أهل الجاهلية إذا مات لهم كبير ذبحوا عند قبره والنبى نهى أن تتخذ ~~القبور مساجد فلعن الذين يفعلون ذلك تحذيرا لأمته أن تتشبه بالمشركين الذين ~~يعظمون القبور حتى عبدوهم فكيف يتخذ القبر منسكا يقصد النسك فيه فإن هذا ~~أيضا من التشبه بالمشركين وقد قال الخليل صلاة الله وسلامه عليه ( إن صلاتى ~~ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين ( # فيجب الإخلاص والصلاة والنسك لله وإن لم يقصد العبد الذبح PageV27P495 ~~عند القبر لكن الشريعة سدت الذريعة كما نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لأنه حينئذ يسجد لها الكفار وإن كان ~~المصلى لله لم يقصد ذلك وكذلك إتخاذ القبور مساجد قد نهى عنها وإن كان ~~المصلى لا يصلى إلا لله وقال ( ليس منا من تشبه بغيرنا ( وقال ( من تشبه ~~بقوم فهو منهم ( والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل غدا إلى ( التكرورى ( يتفرج فغرق هل هو عاص أم شهيد ### ||||| فأجاب ( # أن قصد الذهاب إلى هذا القبر للصلاة عنده والدعاء به والتمسح ~~بالقبر وتقبيله ونحو ذلك مما نهى عنه أو أن يعمل بشيء نهى الله عنه من ~~الفواحش والخمر والزمر أو التفرج على هؤلاء ورؤية أهل المعاصى من غير إنكار ~~فهم عصاة لله في هذا السفر وأمرهم إلى الله تعالى ويرجى لهم بالغرق رحمة ~~الله والله أعلم PageV27P496 ### |||| وسئل رحمه الله # هل في هذه الأمة أقوام صالحون غيبهم الله عن الناس لا يراهم إلا من ~~أرادوا ولو كانوا بين الناس فهم محجوبون بحالهم وهل في جبل لبنان أربعين ~~رجلا غائبين عن أعين الناظرين كلما مات ms7946 منهم واحد أخذوا من الناس واحدا ~~غيره يغيب معهم كما يغيبون وكل أولئك تطوى بهم الأرض ويحجون ويسافرون ما ~~مسيرته شهرا أو سنة في ساعة ومنهم قوم يطيرون كالطيور ويتحدثون عن المغيبات ~~قبل أن تأتى ويأكلون العظام والطين ويجدونه طعاما وحلاوة وغير ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما وجود أقوام يحتجبون عن الناس دائما فهذا ~~باطل لم يكن لأحد من الأنبياء ولا الأولياء ولا السحرة ولكن قد يحتجب الرجل ~~بعض الأوقات عن بعض الناس أما كرامة لولى وإما على سبيل السحر فإن هذه ~~الأحوال منها ما هو حال رحمانى وهو كرامات أولياء الله المتبعين للكتاب ~~والسنة وهم المؤمنون المتقون ومنه ما هو حال نفسانى أو شيطانى كما يحصل ~~لبعض PageV27P497 الكفار إن يكاشف أحيانا وكما يحصل لبعض الكهان أن تخبره ~~الشياطين بأشياء وأحوال أهل البدع هي من هذا الباب # ومن هؤلاء من تحمله الشياطين فتطير به في الهواء ومنهم من يرقص في الهواء ~~ومنهم من يلبسه الشيطان فلا يحس بالضرب ولا بالنار إذا ألقى فيها لكنها لا ~~تكون عليه بردا أو سلاما فإن ذلك لا يكون إلا لأهل الأحوال الرحمانية وأهل ~~الإشارات التى هي فسادات من اللاذن والزعفران وماء الورد وغير ذلك هم من ~~هؤلاء فجمهورهم أرباب محال بهتانى وخواصهم لهم حال شيطانى وليس فيهم ولى ~~لله بل هم من إخوان الشياطين من جنس التتر # وليس في جبل لبنان ولا غيره أربعون رجلا يقيمون هناك ولا هناك من يغيب عن ~~أبصار الناس دائما والحديث المروى في أن الأبدال أربعون رجلا حديث ضعيف فإن ~~أولياء الله المتقين يزيدون وينقصون بحسب كثرة الإيمان والتقوى وبحسب قلة ~~ذلك كانوا في أول الإسلام أقل من أربعين فلما إنتشر الإسلام كانوا أكثر من ~~ذلك # وأما قطع المسافة البعيدة فهذا يكون لبعض الصالحين ويكون لبعض إخوان ~~الشياطين وليس هذا من أعظم الكرامات بل الذى PageV27P498 يحج مع المسلمين ~~أعظم ممن يحج في الهواء ولهذا إجتمع الشيخ إبراهيم الجعبرى ببعض من كان يحج ~~في الهواء فطلبوا منه أن ms7947 يحج معهم فقال هذا الحج لا يجزى عنكم حتى تحجوا ~~كما يحج المسلمون وكما حج رسول الله وأصحابه فوافقوه على ذلك وقالوا بعد ~~قضاء الحج ما حججنا حجة أبرك من هذه الحجة ذقنا فيها طعم عبادة الله وطاعته ~~وهذا يكون بعض الأوقات ليس هذا للإنسان كلما طلبه # وكذلك المكاشفات تقع بعض الأحيان من اولياء الله واحيانا من إخوان ~~الشياطين # وهؤلاء الذين أحوالهم شيطانية قد ياكل أحدهم المآكل الخبيثة حتى يأكل ~~العذرة وغيرها من الخبائث بالحال الشيطانى وهم مذمومون على هذا فإن أولياء ~~الله هم الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فمن أكل الخبائث كانت أحواله ~~شيطانية فإن الأحوال نتائج الأعمال فالأكل من الطيبات والعمل الصالح يورث ~~الأحوال الرحمانية من المكاشفات والتأثيرات التى يحبها الله ورسوله وأكل ~~الخبائث وعمل المنكرات يورث الأحوال الشيطانية التى يبغضها الله ورسوله ~~وخفراء التتر هم من هؤلاء PageV27P499 وإذا إجتمعوا مع من له حال رحمانى ~~بطلت أحوالهم وهربت شياطينهم وإنما يظهرون عند الكفار والجهال كما يظهر أهل ~~الإشارات عند التتر والأعراب والفلاحين ونحوهم من الجهال الذين لا يعرفون ~~الكتاب والسنة وأما إذا ظهر المحمديون أهل الكتاب والسنة فإن حال هؤلاء ~~يبطل والله أعلم ### |||| # ما قول أئمة الدين # في تعبد النبى ما هو وكيف كان قبل مبعثه أفتونا مأجورين ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله هذه المسألة مما لا يحتاج إليها في شريعتنا فإنما ~~علينا أن نطيع الرسول فيما أمرنا به ونقتدى به بعد إرساله إلينا وأما ما ~~كان قبل ذلك مثل تحنثه بغار حراء وأمثال ذلك فهذا ليس سنة مسنونة للأمة ~~فلهذا لم يكن أحد من الصحابة بعد الإسلام يذهب إلى غار حراء ولا يتحرى مثل ~~ذلك فإنه لا يشرع لنا بعد الإسلام أن نقصد غيران الجبال ولا نتخلى فيها بل ~~يسن لنا العكوف بالمساجد سنة مسنونة لنا # وأما قصد التخلى في كهوف الجبال وغيرانها والسفر إلى الجبل PageV27P500 ~~للبركة مثل جبل الطور وجبل حراء وجبل يثرب أو نحو ذلك ms7948 فهذا ليس بمشروع لنا ~~بل قد قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ( وقد كان قبل البعثة يحج ~~ويتصدق ويحمل الكل ويقرى الضيف ويعين على نوائب الحق ولم يكن على دين قومه ~~المشركين صلى الله عليه وعلى أصحابه وسلم تسليما كثيرا PageV27P501 # وقال ### ||| فصل # وأما قصد الصلاة والدعاء والعبادة في مكان لم يقصد الأنبياء فيه الصلاة ~~والعبادة بل روى أنهم مروا به ونزلوا فيه أو سكنوه فهذا كما تقدم لم يكن ~~إبن عمر ولا غيره يفعله فإنه ليس فيه متابعتهم لا في عمل عملوه ولا قصد ~~قصدوه ومعلوم أن الأمكنة التى كان النبى يحل فيها أما في سفره وأما في ~~مقامه مثل طرقه في حجه وغزواته ومنازله في أسفاره ومثل بيوته التى كان ~~يسكنها والبيوت التى كان يأتى إليها أحيانا من فلا تتخذوا القبور مساجد ~~فإنى أنهاكم عن ذلك ( # فهذه نصوصه الصريحة توجب تحريم إتخاذ قبورهم مساجد مع أنهم مدفونون فيها ~~وهم أحياء في قبورهم ويستحب إتيان قبورهم للسلام عليهم ومع هذا يحرم ~~إتيانها للصلاة عندها وإتخاذها مساجد # ومعلوم أن هذا إنما نهى عنه لأنه ذريعة إلى الشرك واراد أن PageV27P502 ~~تكون المساجد خالصة لله تعالى تبنى لأجل عبادته فقط لا يشركه في ذلك مخلوق ~~فإذا بنى المسجد لأجل ميت كان حراما فكذلك إذا كان لأثر آخر فإن الشرك في ~~الموضعين حاصل # ولهذا كانت النصارى يبنون الكنائس على قبر النبى والرجل الصالح وعلى أثره ~~وباسمه وهذا الذى خاف عمر رضى الله عنه أن يقع فيه المسلمون وهو الذى قصد ~~النبى منع أمته منه كما قال الله تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع ~~الله أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ وقال تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار ~~هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا ms7949 من المهتدين @QE@ # ولو كان هذا مستحبا لكان يستحب للصحابة والتابعين أن يصلوا في جميع حجر ~~أزواجه وفى كل مكان نزل فيه في غزواته أو أسفاره ولكان يستحب أن يبنوا هناك ~~مساجد ولم يفعل السلف شيئا من ذلك # ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانا يقصد للصلاة إلا المسجد ولا مكانا ~~يقصد للعبادة إلا المشاعر فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى PageV27P503 تقصد ~~بالذكر والدعاء والتكبير لا الصلاة بخلاف المساجد فإنها هي التى تقصد ~~للصلاة وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر وفيها الصلاة والنسك ~~قال تعالى @QB@ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك ~~له وبذلك أمرت @QE@ وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها ~~للصلاة ولا الدعاء ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك وإن ~~كان مسكنا لنبى أو منزلا أو ممرا # فإن الدين أصله متابعة النبى وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا وسنه ~~لنا ونقتدى به في أفعاله التى شرع لنا الإقتداء به فيها بخلاف ما كان من ~~خصائصه # فأما الفعل الذى لم يشرعه هو لنا ولا أمرنا به ولا فعله فعلا سن لنا أن ~~نتأسى به فيه فهذا ليس من العبادات والقرب فإتخاذ هذا قربة مخالفة له وما ~~فعله من المباحات على غير وجه التعبد يجوز لنا أن نفعله مباحا كما فعله ~~مباحا ولكن هل يشرع لنا أن نجعله عبادة وقربة فيه قولان كما تقدم وأكثر ~~السلف والعلماء على أنا لا نجعله عبادة وقربة بل نتبعه فيه فإن فعله مباحا ~~فعلناه مباحا وإن فعله قربة فعلناه قربة ومن جعله عبادة رأى أن ذلك من تمام ~~التأسى به والتشبه به ورأى أن في ذلك بركة لكونه مختصا به نوع إختصاص ~~PageV27P504 # وقال رحمه الله ### ||| فصل # ثبت للشام وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء وهى أحد ما اعتمدته ~~في تحضيضي المسلمين على غزو التتار وأمرى لهم بلزوم دمشق ونهيى لهم عن ~~الفرار إلى مصر وإستدعائى العسكر المصرى إلى الشام وتثبيت الشامى ms7950 فيه وقد ~~جرت في ذلك فصول متعددة وهذه المناقب أمور # أحدها البركة فيه ثبت ذلك بخمس آيات من كتاب الله تعالى قوله تعالى في ~~قصة موسى @QB@ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم @QE@ إلى قوله @QB@ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم ~~بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ~~ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ~~@QE@ ومعلوم أن بني PageV27P505 إسرائيل إنما أورثوا مشارق أرض الشام ~~ومغاربها بعد أن أغرق فرعون في اليم # وقوله تعالى @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله @QE@ وحوله ( أرض الشام وقوله تعالى في قصة ~~إبراهيم @QB@ وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ونجيناه ولوطا إلى الأرض ~~التي باركنا فيها للعالمين @QE@ ومعلوم أن إبراهيم إنما نجاه الله ولوطا ~~إلى أرض الشام من أرض الجزيرة والفرات وقوله تعالى @QB@ ولسليمان الريح ~~عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها @QE@ وإنما كانت تجرى إلى أرض ~~الشام التى فيها مملكة سليمان وقوله تعالى في قصة سبأ @QB@ وجعلنا بينهم ~~وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير @QE@ وهما كانا ~~بين اليمن مساكن سبأ وبين منتهى الشام من العمارة القديمة كما قد ذكره ~~العلماء # فهذه خمس نصوص حيث ذكر الله أرض الشام في هجرة إبراهيم إليها ومسرى ~~الرسول إليها وإنتقال بنى إسرائيل إليها ومملكة سليمان بها ومسير سبأ إليها ~~وصفها بأنها الأرض التى باركنا فيها # وأيضا ففيها الطور الذى كلم الله عليه موسى والذى أقسم الله به في ( سورة ~~الطور ( وفى @QB@ والتين والزيتون وطور سينين @QE@ وفيها PageV27P506 ~~المسجد الأقصى وفيها مبعث أنبياء بنى إسرائيل وإليها هجرة إبراهيم وإليها ~~مسرى نبينا ومنها معراجه وبها ملكه وعمود دينه وكتابه وطائفة منصورة من ~~أمته وإليها المحشر والمعاد كما أن من مكة المبدأ فمكة أم القرى من تحتها ~~دحيت الأرض والشام ms7951 إليها يحشر الناس كما في قوله ( لأول الحشر ( نبه على ~~الحشر الثانى فمكة مبدأ وإيليا معاد في الخلق وكذلك في الأمر فإنه أسرى ~~بالرسول من مكة إلى إيليا ومبعثه ومخرج دينه من مكة وكمال دينه وظهوره ~~وتمامه حتى مملكة المهدى بالشام فمكة هي الأول والشام هي الآخر في الخلق ~~والأمر في الكلمات الكونية والدينية # ومن ذلك أن بها طائفة منصورة إلى قيام الساعة التى ثبت فيها الحديث في ~~الصحاح من حديث معاوية وغيره ( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا ~~يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة ( وفيهما عن معاذ بن جبل قال ~~( وهم في الشام ( وفى تاريخ البخارى مرفوعا قال ( وهم بدمشق ( وفى صحيح ~~مسلم عن النبى أنه قال ( لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى ~~تقوم الساعة ( قال أحمد بن حنبل أهل المغرب هم أهل الشام وهم كما قال ~~لوجهين # أحدهما أن في سائر الحديث بيان أنهم أهل الشام PageV27P507 الثانى أن لغة ~~النبى صلى الله عليه وسلم وأهل مدينته في ( أهل المغرب ( هم أهل الشام ومن ~~يغرب عنهم كما أن لغتهم في أهل المشرق هم أهل نجد والعراق فإن التغريب ~~والتشريق من الأمور النسبية فكل بلد له غرب قد يكون شرقا لغيره وله شرق قد ~~يكون غربا لغيره فالإعتبار في كلام النبى صلى الله عليه وسلم بما كان غربا ~~وشرقا له حيث تكلم بهذا الحديث وهى المدينة # ومن علم حساب الأرض كطولها وعرضها علم أن حران والرقة وسيمسياط على سمت ~~مكة وأن الفرات وما على جانبيها بل أكثره على سمت المدينة بينهما في الطول ~~درجتين فما كان غربى الفرات فهو غربى المدينة وما كان شرقيها فهو شرقى ~~المدينة # فأخبر أن أهل الغرب لا يزالون ظاهرين وأما أهل الشرق فقد يظهرون تارة ~~ويغلبون أخرى وهكذا هو الواقع فإن جيش الشام ما زال منصورا وكان أهل ~~المدينة يسمون ( الأوزاعى ( إمام أهل المغرب ويسمون ( الثورى ( شرقيا ومن ~~أهل المشرق # ومن ذلك انها خيرة الله ms7952 من الأرض أن أهلها خيرة الله وخيار أهل ألأرض ~~وإستدل أبوداود في سننه على ذلك بحديثين حديث عبد الله بن خوالة الأزدى عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( قال ستجندون PageV27P508 أجنادا جندا بالشام ~~وجندا باليمن وجندا بالعراق فقال الخوالى يا رسول الله إختر لى قال عليك ~~بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبى إليها خيرته من عباده فمن ابى فليلحق ~~بيمنه وليتق من غدره فإن الله قد تكفل لى بالشام وأهله ( وكان الخوالى يقول ~~ومن تكفل الله به فلا ضعية عليه ففى هذا الحديث مناقب أنها خيرة # وحديث عبد الله بن عمرو عن النبى قال ( ستكون هجرة بعد هجرة ( فخيار أهل ~~الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم ~~تقذرهم نفس الرحمن تحشرهم النار مع القردة والخنازير تبيت معهم حيث ما ~~باتوا وتقيل معهم حيث ما قالوا ) فقد أخبر أن خير أهل الأرض ألزمهم مهاجر ~~إبراهيم بخلاف من يأتى إليه أو يذهب عنه ومهاجر إبراهيم هي الشام وفى هذا ~~الحديث بشرى لأصحابنا الذين هاجروا من حران وغيرها إلى مهاجر إبراهيم ~~وإتبعوا ملة إبراهيم ودين نبيهم محمد تسليما وبيان أن هذه الهجرة التى لهم ~~بعد هجرة أصحاب رسول الله إلى المدينة لأن الهجرة إلى حيث يكون الرسول ~~وآثاره وقد جعل مهاجر إبراهيم يعدل لنا مهاجر نبينا فإن الهجرة إلى مهاجره ~~إنقطعت بفتح مكة # ومن ذلك أمر النبى بها في حديث الترمذى PageV27P509 ومن ذلك إن الله قد ~~تكفل بالشام واهله كما في حديث الخوالى ومن ذلك ( إن ملائكة الرحمن باسطة ~~أجنحتها على الشام ( كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر ومن ذلك أن ~~عمود الكتاب والإسلام بالشام كما قال النبى ( رأيت كأن عمود الكتاب أخذ من ~~تحت رأسى فأتبعته بصرى فذهب به إلى الشام ( ومن ذلك أنها عقر دار المؤمنين ~~كما قال النبى ( وعقر دار المؤمنين الشام ( # ومن ذلك أن منافقيها لا يغلبوا أمر مؤمنيها كما رواه أحمد في المسند في ~~حديث وبهذا إستدللت لقوم من قضاة ms7953 القضاة وغيرهم في فتن قام فيها علينا قوم ~~من أهل الفجور والبدع الموصوفين بخصال المنافقين لما خوفونا منهم فأخبرتهم ~~بهذا الحديث وإن منافقينا لا يغلبوا مؤمنينا # وقد ظهر مصداق هذه النصوص النبوية على أكمل الوجوه في جهادنا للتتار ~~وأظهر الله للمسلمين صدق ما وعدناهم به وبركة ما أمرناهم به وكان ذلك فتحا ~~عظيما ما رأى المسلمون مثله منذ خرجت مملكة التتار التى أذلت أهل الإسلام ~~فإنهم لم يهزموا ويغلبوا كما غلبوا PageV27P510 على ( باب دمشق ( في الغزوة ~~الكبرى التى أنعم الله علينا فيها من النعم بما لا نحصيه خصوصا وعموما ~~والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضاه ~~وكما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله PageV27P511 ### || 1 ( الجهاد ) 1 # ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم ! 8 < ### |||| سئل شيخ الاسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه # عن الحديث وهو ( حرس ليلة على ساحل البحر أفضل من عمل رجل في أهله الف ~~سنة ( وعن سكنى مكة والبيت المقدس والمدينة المنورة على نية العبادة ~~والانقطاع إلى الله تعالى والسكنى بدمياط واسكندرية وطرابلس على نية الرباط ~~أيهم أفضل ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل المقام في ثغور المسلمين كالثغور الشامية والمصرية ~~أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة وما أعلم في هذا نزاعا بين أهل العلم ~~وقد نص على ذلك غير واحد من الائمة وذلك لأن الرباط من جنس الجهاد ~~والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج كما قال تعالى @QB@ أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ~~لا يستوون عند الله @QE@ # وفى الصحيحين عن النبى أنه سئل أي PageV28P005 الاعمال أفضل قال ( ايمان ~~بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال ثم جهاد في سبيله قيل ثم ماذا قال ثم حج ~~مبرور ( وقد روى ( غزوة في سبيل الله أفضل من سبعين حجة ( وقد روى مسلم في ~~صحيحه عن سلمان الفارسى ان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( رباط يوم وليلة ~~في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا ms7954 مات مجاهدا وأجرى عليه ~~رزقه من الجنة وأمن الفتان ( وفى السنن عن عثمان عن النبى انه قال ( رباط ~~يوم في سبيل الله خير من الف يوم فيما سواه من المنازل ( وهذا قاله عثمان ~~على منبر رسول الله وذكر انه قال لهم ذلك تبليغا للسنة # وقال أبو هريرة لأن ارابط ليلة في سبيل الله احب إلى من ان أقوم ليلة ~~القدر عند الحجر الأسود # وفضائل الرباط والحرس في سبيل الله كثيرة لا تسعها هذه الورقة والله أعلم ~~PageV28P006 ### || 1 ( رسالة في فضائل الرمي وتعليمه ) 1 # ! 8 < المسؤول من السادة العلماء القادة الفضلاء أئمة الدين رضي الله ~~عنهم أجمعين أن يخبرونا بفضائل الرمى وتعليمه وما ورد فيمن تركه بعد تعلمه ~~وايما افضل الرمي بالقوس أو الطعن بالرمح أو الضرب بالسيف وهل لكل واحد ~~منهم علم يختص به ومحل يليق به واذا علم رجل رجلا الرمى أو الطعن وغيرهما ~~من آلات الحرب والجهاد في سبيل الله تعالى وجحد تعليمه وانتقل إلى غيره ~~وانتمى إليه هل يأثم بذلك أم # لا واذا قال قائل لهذا المنتقل انت مهدور أو تقتل أثم بذلك أم لا وان زاد ~~فقال له انت لقيط أو ولد زنا يعد قذفا ويحد بذلك أم لا # وهل يحل للاستاذ الثانى ان يقبل هذا المنتقل ويعزره على جحده لمعلمه واذا ~~قال المنتقل انا انتمي إلى فلان تعليما وتخريجا والى فلان افادة وتفهيما هل ~~يسوغ له ذلك أم لا وهل للمبتدئ ان PageV28P007 يقوم في وسط جماعة من ~~الاستاذين والمتعلمين ويقول يا جماعة الخير اسال الله تعالى واسالكم ان ~~تسألوا فلانا ان يقبلنى ان اكون له أخا أو رفيقا أو غلاما أو تلميذا أو ما ~~اشبه ذلك فيقوم أحد الجماعة فيأخذ عليه العهد ويشترط عليه ما يريده ويشد ~~وسطه بمنديل أو غيره فهل يسوغ هذا الفعل أم لا لما يترتب عليه من المحاماة ~~والعصبية لأستاذ بحيث يصير لكل من الاستاذين اخوان ورفقاء واحزاب وتلامذة ~~يقومون معه اذا قام بحق أو باطل ويعادون من عاداه ويوالون من ms7955 والاه # وهل اذا اجتمعوا للرمي على رهن هل يحل أم لا وهل يقدح في عدالة الاستاذ ~~اذا فعل التلامذة مالا يحل في الدين ويقرهم على ذلك وهل اذا شد المعلم ~~للتلميذ وحصل بذلك هبة وكرامة وجميع ذلك في العرف يرجع إلى الاستاذ يحل له ~~تناوله أم لا وهل للاستاذ ان يقبل اجرة أو هبة أو هدية فان المعلم تلحقه ~~كلفة من آلات وغيرها # افتونا مأجورين وارشدونا رضى الله عنكم أجمعين ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رضى الله عنه # الحمد لله رب العالمين الرمى في سبيل الله والطعن في ~~سبيل PageV28P008 الله والضرب في سبيل الله كل ذلك مما أمر الله تعالى به ~~ورسوله وقد ذكر الله تعالى الثلاثة فقال تعالى @QB@ فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى ~~تضع الحرب أوزارها @QE@ وقال تعالى @QB@ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم ~~كل بنان @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من ~~الصيد تناله أيديكم ورماحكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم @QE@ وقد ~~ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبى أنه قرأ على المنبر هذه الآية فقال ( ألا ~~إن القوة الرمى ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمى ( # وثبت عنه في الصحيح انه قال ( ارموا واركبوا وان ترموا احب إلى من ان ~~تركبوا ومن تعلم الرمى ثم نسيه فليس منا ( وفى رواية ( ومن تعلم الرمى ثم ~~نسيه فهي نعمة جحدها ( وفى السنن عنه انه قال ( كل لهو يلهو به الرجل فهو ~~باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فانهن من الحق ( وقال ( ~~ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه ( # وقال مكحول كتب عمر بن الخطاب إلى الشام ان علموا PageV28P009 أولادكم ~~الرمى والفروسية # وفى صحيح البخارى عنه انه قال ( ارموا بنى إسماعيل فان أباكم كان راميا ( ~~ومر على نفر من اسلم ينتضلون فقال ( ارموا بنى ms7956 إسماعيل فان أباكم كان راميا ~~ارموا وانا مع بنى فلان ( فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال مالكم لا ترمون ~~قالوا كيف نرمى وانت معهم فقال ( ارموا وانا معكم كلكم ( # وقال سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه نثل لى رسول الله يعنى نفض كنانته يوم ~~أحد وقال ( ارم فداك ابى وأمى ( وقال على بن ابى طالب ما رأيت رسول الله ~~جمع ابويه لأحد إلا لسعد قال له ( ارم سعد فداك ابى وأمي ( # وقال أنس بن مالك قال رسول الله ( لصوت ابى طلحة في الجيش خير من مائة ( ~~وكان اذا كان في الجيش جثا بين يديه ونثر كنانته فقال نفسى لنفسك الفداء ~~ووجهى لوجهك الوقاء وكان النبى له السيف والقوس والرمح وفى السنن عنه انه ~~قال PageV28P010 ( من رمى بسهم في سبيل الله بلغ العدو أو لم يبلغه كانت له ~~عدل رقبة ( # وفى السنن عنه أنه قال ( ان الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة ~~صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامى به والممد به ( وهذا لأن هذه الأعمال ~~هي اعمال الجهاد والجهاد أفضل ما تطوع به الانسان وتطوعه أفضل من تطوع الحج ~~وغيره كما قال تعالى ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدى ~~القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ( # وفى الصحيح ان رجلا قال لا أبالى ان لا أعمل عملا بعد الاسلام إلا أن ~~أعمر المسجد الحرام فقال على بن ابى طالب الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا ~~كله فقال عمر بن الخطاب لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ولكن اذا ~~قضيت الصلاة سالته عن ذلك فسأله فأنزل الله هذه الآية فبين لهم ان الايمان ~~والجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام والحج والعمرة والطواف ومن ~~PageV28P011 الاحسان ms7957 إلى الحجاج بالسقاية ولهذا قال أبو هريرة رضى الله عنه ~~لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر ~~الأسود # ولهذا كان الرباط في الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة والعمل ~~بالرمح والقوس في الثغور افضل من صلاة التطوع وأما في الأمصار البعيدة من ~~العدو فهو نظير صلاة التطوع # وفى الصحيحين عن النبى انه قال ( إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة ~~إلى الدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله ( # وهذه الأعمال كل منها له محل يليق به هو أفضل فيه من غيره فالسيف عند ~~مواصلة العدو والطعن عند مقاربته والرمى عند بعده أو عند الحائل كالنهر ~~والحصن ونحو ذلك فكلما كان انكى في العدو وأنفع للمسلمين فهو أفضل وهذا ~~يختلف باختلاف أحوال العدو وباختلاف حال المجاهدين في العدو ومنه ما يكون ~~الرمى فيه أنفع ومنه ما يكون الطعن فيه أنفع وهذا مما يعلمه المقاتلون ~~PageV28P012 ### ||| فصل # وتعلم هذه الصناعات هو من الأعمال الصالحة لمن يبتغى بذلك وجه الله عز ~~وجل فمن علم غيره ذلك كان شريكه في كل جهاد يجاهد به لا ينقص أحدهما من ~~الأجر شيئا كالذى يقرأ القرآن ويعلم العلم وعلى المتعلم ان يحسن نيته في ~~ذلك ويقصد به وجه الله تعالى وعلى المعلم ان ينصح للمتعلم ويجتهد في تعليمه ~~وعلى المتعلم ان يعرف حرمة أستاذه ويشكر إحسانه إليه فانه من لايشكر الناس ~~لا يشكر الله ولا يجحد حقه ولا ينكر معروفه # وعلى المعلمين ان يكونوا متعاونين على البر والتقوى كما أمر النبى بقوله ~~( المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ( وقوله ( مثل المؤمنين في توادهم ~~وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى ~~والسهر ( وقوله ( والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما ~~يحبه لنفسه ( وقوله ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين ~~أصابعه ( وقال صلى الله عليه وسلم ( لا تحاسدوا PageV28P013 ولا تقاطعوا ~~ولا تباغضوا ولا تدابروا ms7958 وكونوا عباد الله إخوانا ( وهذا كله في الصحيح # وفى السنن عنه أنه قال ( ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام ~~والصدقة والامر بالمعروف والنهى عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال صلاح ~~ذات البين فان فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق ~~الدين ( # وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ( تفتح أبواب الجنة كل يوم ~~اثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كان بينه وبين أخيه ~~شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا ( # وقال ( لا يحل لمسلم ان يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا ~~وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ( # وليس لأحد من المعلمين ان يعتدى على الآخر ولا يؤذيه بقول ولا فعل بغير ~~حق فان الله تعالى يقول @QB@ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما ~~اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا @QE@ وليس لأحد ان يعاقب أحدا على ~~غير ظلم ولاتعدى حد ولا تضييع حق بل لأجل هواه فان هذا من الظلم الذى حرم ~~الله ورسوله فقد قال تعالى فيما روى PageV28P014 عنه نبيه ( يا عبادى إنى ~~حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( # وإذا جنى شخص فلا يجوز ان يعاقب بغير العقوبة الشرعية وليس لأحد من ~~المتعلمين والأستاذين ان يعاقبه بما يشاء وليس لأحد ان يعاونه ولا يوافقه ~~على ذلك مثل ان يأمر بهجر شخص فيهجره بغير ذنب شرعى أو يقول اقعدته أو ~~اهدرته أو نحو ذلك فان هذا من جنس ما يفعله القساقسة والرهبان مع النصارى ~~والحزابون مع اليهود ومن جنس ما يفعله أئمة الضلالة والغواية مع أتباعهم # وقد قال الصديق الذى هو خليفة رسول الله في أمته أطيعونى ما أطعت الله ~~فان عصيت الله فلا طاعة لى عليكم وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق ( وقال ( من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه ( ~~فاذا كان المعلم أو الاستاذ قد أمر بهجر شخص أو باهداره واسقاطه وابعاده ~~ونحو ذلك نظر فيه فان ms7959 كان قد فعل ذنبا شرعيا عوقب بقدر ذنبه بلا زيادة وان ~~لم يكن أذنب ذنبا شرعيا لم يجز ان يعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره # وليس للمعلمين ان يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقى بينهم العداوة ~~PageV28P015 والبغضاء بل يكونون مثل الأخوة المتعاونين على البر والتقوى ~~كما قال تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان @QE@ # وليس لأحد منهم ان يأخذ على أحد عهدا بموا فقتة على كل ما يريده وموالاة ~~من يواليه ومعاداة من يعاديه بل من فعل هذا كان من جنس جنكيزخان وأمثاله ~~الذين يجعلون من وافقهم صديقا مواليا ومن خالفهم عدوا باغيا بل عليهم وعلى ~~أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله ويفعلوا ما أمر الله به ~~ورسوله ويحرموا ما حرم الله ورسوله ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ~~ورسوله فان كان أستاذ أحد مظلوما نصره وإن كان ظالما لم يعاونه على الظلم ~~بل يمنعه منه كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~انصر أخاك ظالما أو مظلوما ( قيل يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف انصره ~~ظالما قال ( تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه ( # واذا وقع بين معلم ومعلم أو تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة ~~لم يجز لأحد ان يعين أحدهما حتى يعلم الحق فلا يعاونه بجهل ولا بهوى بل ~~ينظر في الأمر فاذا تبين له الحق أعان المحق منهما على المبطل سواء كان ~~المحق من أصحابه أو أصحاب غيره وسواء كان المبطل من أصحابه أو أصحاب غيره ~~فيكون المقصود عبادة الله وحده وطاعة رسوله واتباع الحق والقيام بالقسط قال ~~الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ~~على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ~~فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا @QE@ PageV28P016 يقال لوى يلوي لسانه فيخبر بالكذب والاعراض ان يكتم ~~الحق فان الساكت عن الحق شيطان أخرس # ومن مال ms7960 مع صاحبه سواء كان الحق له أو عليه فقد حكم بحكم الجاهلية وخرج ~~عن حكم الله ورسوله والواجب على جميعهم ان يكونوا يدا واحدة مع المحق على ~~المبطل فيكون المعظم عندهم من عظمه الله ورسوله والمقدم عندهم من قدمه الله ~~ورسوله والمحبوب عندهم من أحبه الله ورسوله والمهان عندهم من أهانه الله ~~ورسوله بحسب ما يرضى الله ورسوله لا بحسب الأهواء فانه من يطع الله ورسوله ~~فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فانه لا يضر إلا نفسه فهذا هو الأصل الذى ~~عليهم اعتماده وحينئذ فلا حاجة إلى تفرقهم وتشيعهم فان الله تعالى يقول ~~@QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات @QE@ واذا ~~كان الرجل قد علمه استاذ عرف قدر إحسانه إليه وشكره # ولا يشد وسطه لا لمعلمه ولا لغير معلمه فان شد الوسط لشخص PageV28P017 ~~معين وانتسابه إليه كما ذكر في السؤال من بدع الجاهلية ومن جنس التحالف ~~الذى كان المشركون يفعلونه ومن جنس تفرق قيس ويمن فان كان المقصود بهذا ~~الشد والانتماء التعاون على البر والتقوى فهذا قد أمر الله به ورسوله له ~~ولغيره بدون هذا الشد وإن كان المقصود به التعاون على الاثم والعدوان فهذا ~~قد حرمه الله ورسوله فما قصد بهذا من خير ففى أمر الله ورسوله بكل معروف ~~استغناء عن أمر المعلمين وما قصد بهذا من شر فقد حرمه الله ورسوله # فليس لمعلم ان يحالف تلامذته على هذا ولا لغير المعلم ان يأخذ أحدا من ~~تلامذته لينسبوا إليه على الوجه البدعى لا ابتداء ولا إفادة وليس له أن ~~يجحد حق الأول عليه وليس للأول أن يمنع أحدا من إفادة التعلم من غيره وليس ~~للثانى ان يقول شد لى وانتسب لى دون معلمك الأول بل إن تعلم من اثنين فانه ~~يراعى حق كل منهما ولا يتعصب لا للأول ولا للثانى واذا كان تعليم الأول له ~~اكثر كانت رعايته لحقه اكثر # واذا اجتمعوا على طاعة ms7961 الله ورسوله وتعاونوا على البر والتقوى لم يكن أحد ~~مع أحد في كل شيء بل يكون كل شخص مع كل شخص في طاعة الله ورسوله ولا يكونون ~~مع أحد في معصية الله ورسوله بل يتعاونون على الصدق والعدل والاحسان والأمر ~~بالمعروف والنهى عن PageV28P018 المنكر ونصر المظلوم وكل ما يحبه الله ~~ورسوله ولا يتعاونون لا على ظلم ولا عصبية جاهلية ولا اتباع الهوى بدون هدى ~~من الله ولا تفرق ولا اختلاف ولا شد وسط لشخص ليتابعه في كل شيء ولا يحالفه ~~على غير ما أمر الله به ورسوله # وحينئذ فلا ينتقل أحد عن أحد إلى أحد ولا ينتمى أحد لا لقيطا ولا ثقيلا ~~ولا غيرذلك من أسماء الجاهلية فان هذه الأمور إنما ولدها كون الاستاذ يريد ~~أن يوافقه تلميذه على ما يريد فيوالى من يواليه ويعادى من يعاديه مطلقا ~~وهذا حرام ليس لأحد أن يأمر به أحدا ولا يجيب عليه احدا بل تجمعهم السنة ~~وتفرقهم البدعة يجمعهم فعل ما أمر الله به ورسوله 2 وتفرق بينهم معصية الله ~~ورسوله حتى يصير الناس أهل طاعة الله أو أهل معصية الله فلا تكون العبادة ~~إلالله عز وجل ولا الطاعة المطلقة الا له سبحانه ولرسوله # ولا ريب أنهم إذا كانوا على عادتهم الجاهلية أى من علمه استاذ كان محالفا ~~له كان المنتقل عن الأول إلى الثانى ظالما باغيا ناقضا لعهده غير موثوق ~~بعقده وهذا أيضا حرام وإثم هذا أعظم من إثم من لم يفعل مثل فعله بل مثل هذا ~~إذا انتقل إلى غير استاذه وحالفه كان قد فعل حراما فيكون مثل لحم الخنزير ~~الميت فانه لا PageV28P019 بعهد الله ورسوله أو في ولا بعهد الأول بل كان ~~بمنزلة المتلاعب الذى لا عهد له ولا دين له ولا وفاء وقد كانوا في الجاهلية ~~يحالف الرجل قبيلة فاذا وجد أقوى منها نقض عهد الأولى وحالف الثانية وهو ~~شبيه بحال هؤلاء فأنزل الله تعالى @QB@ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما ms7962 تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت ~~غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من ~~أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ولو ~~شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما ~~كنتم تعملون ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا ~~السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم @QE@ ( # وعليهم أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ولا يدعوا بينهم من يظهر ~~ظلما أو فاحشة ولا يدعوا صبيا أمرد يتبرج أو يظهر ما يفتن به الناس ولا ان ~~يعاشر من يتهم بعشرته ولا يكرم لغرض فاسد # ومن حالف شخصا على أن يوالى من والاه ويعادى من عاداه كان من جنس التتر ~~المجاهدين في سبيل الشيطان ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى ~~ولا من جند المسلمين ولا يجوز أن PageV28P020 يكون مثل هؤلاء من عسكر ~~المسلمين بل هؤلاء من عسكر الشيطان ولكن يحسن ان يقول لتلميذه عليك عهد ~~الله وميثاقه ان توالى من والى الله ورسوله وتعادى من عادى الله ورسوله ~~وتعاون على البر والتقوى ولا تعاون على الاثم والعدوان وإذا كان الحق معى ~~نصرت الحق وان كنت على الباطل لم تنصر الباطل فمن التزم هذا كان من ~~المجاهدين في سبيل الله تعالى الذين يريدون ان يكون الدين كله لله وتكون ~~كلمة الله هي العليا # وفى الصحيحين ان النبى قيل له يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل ~~حمية ويقاتل رياء فأى ذلك في سبيل الله فقال ( من قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا فهو في سبيل الله ( فاذا كان المجاهد الذى يقاتل حمية للمسلمين أو ~~يقاتل رياء للناس ليمدحوه أو يقاتل لما فيه من الشجاعة لا يكون قتاله في ~~سبيل الله عز وجل حتى يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فكيف من يكون أفضل ~~تعلمه صناعة القتال مبنيا على أساس فاسد ليعاون شخصا مخلوقا على شخص مخلوق ~~فمن فعل ms7963 ذلك كان من اهل الجاهلية الجهلاء والتتر الخارجين عن شريعة الاسلام ~~ومثل هؤلاء يستحقون العقوبة البليغة الشرعية التى تزجرهم وأمثالهم عن مثل ~~هذا التفرق والاختلاف حتى يكون الدين كله لله والطاعة لله ورسوله ~~PageV28P021 ويكونون قائمين بالقسط يوالون لله ورسوله ويحبون لله ويبغضون ~~لله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر # وللمعلمين ان يطلبوا جعلا ممن يعلمونه هذه الصناعة فان أخذ الجعل والعوض ~~على تعليم هذه الصناعه جائز والاكتساب بذلك أحسن المكاسب ولو اهدى المعلم ~~لأستاذه لأجل تعليمه واعطاه ما حصل له من السبق أو غير السبق عوضا عن ~~تعليمه وتحصيله الآلات واستكرائه الحانوت كان ذلك جائزا للاستاذ قبوله وبذل ~~العوض في ذلك من أفضل الاعمال حتى أن الشريعة مضت بأنه يجوز ان يبذل العوض ~~للمسابقين من غيرهما # فاذا أخرج ولى الأمر مالا من بيت المال للمسابقين بالنشاب والخيل والابل ~~كان ذلك جائزا باتفاق الأئمة ولو تبرع رجل مسلم ببذل الجعل في ذلك كان ~~مأجورا على ذلك وكذلك ما يعطيه الرجل لمن يعلمه ذلك هو ممن يثاب عليه وهذا ~~لأن هذه الأعمال منفعتها عامة للمسلمين فيجوز بذل العوض من آحاد المسلمين ~~فكان جائزا وان اخرجا جميعا العوض وكان معهما آخر محللا يكافيها كان ذلك ~~جائزا وان لم يكن بينهما محلل فبذل أحدهما شيئا طابت به نفسه من غير الزام ~~له أطعم به الجماعة أو اعطاه للمعلم أو اعطاه لرفيقه كان ذلك جائزا ~~PageV28P022 واصل هذا ان يعلم ان هذه الأعمال عون على الجهاد في سبيل الله ~~والجهاد في سبيل الله مقصوده ان يكون الدين كله لله وان تكون كلمة الله هي ~~العليا # وجماع الدين شيئان احدهما ان لا نعبد الا الله تعالى # والثانى ان نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع كما قال تعالى @QB@ ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا @QE@ ) قال الفضيل بن عياض أخلصه وأصوبه قيل له ما اخلصه ~~وأصوبه قال إن العمل اذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ~~ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون ms7964 لله والصواب ~~ان يكون على السنة # وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه اللهم اجعل عملى كله صالحا واجعله ~~لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا # وهذا هو دين الاسلام الذى ارسل الله به رسله وأنزل به كتبه وهو الاستسلام ~~لله وحده فمن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته وقد قال تعالى @QB@ إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين @QE@ PageV28P023 ) ومن ~~استسلم لله ولغيره كان مشركا فقد قال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به @QE@ ولهذا كان لله حق لا يشركه فيه أحد من المخلوقين فلا يعبد الا الله ~~ولا يخاف الا الله ولا يتقى الا الله ولا يتوكل الا على الله ولا يدعى الا ~~الله كما قال تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فالطاعة لله والرسول ~~والخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى ( @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ~~@QE@ فالرغبة إلى الله وحده والتحسب بالله وحده وأما الايتاء فلله والرسول ~~كما قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ # فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه فليس لآحد من المشايخ ~~والملوك والعلماء والامراء والمعلمين وسائر الخلق خروج عن ذلك بل على جميع ~~الخلق ان يدينوا بدين الاسلام الذي بعث الله به رسله ويدخلوا به كلهم في ~~دين خاتم الرسل وسيد ولد آدم وامام المتقين خير الخلق وأكرمهم على الله ~~محمد عبده ورسوله تسليما وكل من أمر بأمر كائنا من كان عرض على PageV28P024 ~~الكتاب والسنة فان وافق ذلك قبل والا رد كما جاء في الصحيحين عنه انه قال ( ~~من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ( أى فهو مردود # فاذا كان المشايخ والعلماء في احوالهم وأقوالهم المعروف والمنكر والهدى ~~والضلال والرشاد والغى وعليهم أن يردوا ذلك إلى الله والرسول فيقبلوا ما ms7965 ~~قبله الله ورسوله ويردوا ما رده الله ورسوله فكيف بالمعلمين وأمثالهم وقد ~~قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ وقد قال تعالى @QB@ كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ فنسأل الله تعالى أن يهدينا ~~وسائر اخواننا إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا والله سبحانه أعلم ~~PageV28P025 ### |PARATEXT| # وقال رضى الله عنه ### ||| # من شرط الجندى أن يكون دينا شجاعا ثم قال الناس على أربعة أقسام أعلاهم ~~الدين الشجاع ثم الدين بلا شجاعة ثم عكسه ثم العرى عنهما ### |||| وسئل # عن رجل جندى وهو يريد ان لا يخدم ### ||||| فأجاب # إذا كان للمسلمين به منفعة وهو ~~قادر عليها لم ينبغ له ان يترك ذلك لغير مصلحة راجحة على المسلمين بل كونه ~~مقدما في الجهاد الذى يحبه الله ورسوله أفضل من التطوع بالعبادة كصلاة ~~التطوع والحج التطوع والصيام التطوع والله أعلم PageV28P026 ### |||| وسئل رحمه الله # هل يجوز للجندى أن يلبس شيئا من الحرير والذهب والفضة في القتال أو وقت ~~يصل رسل العدو إلى المسلمين ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق ~~المسلمين وذلك بأن لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية وأما لباسه ~~لارهاب العدو ففيه للعلماء قولان أظهرهما ان ذلك جائز فان جند الشام كتبوا ~~إلى عمر بن الخطاب انا إذا لقينا العدو ورأيناهم قد كفروا أى غطوا اسلحتهم ~~بالحرير وجدنا لذلك رعبا في قلوبنا فكتب اليهم عمر وأنتم فكفروا أسلحتكم ~~كما يكفرون أسلحتهم # ولأن لبس الحرير فيه خيلاء والله يحب الخيلاء حال القتال كما ms7966 في السنن عن ~~النبى انه قال ( ان من الخيلاء ما يحبه الله ومن الخيلاء ما يبغضه الله ~~فأما الخيلاء التى يحبها الله فاختيال الرجل عند الحرب وعند الصدقة وأما ~~الخيلاء التى يبغضها الله فالخيلاء في البغى والفخر ( ولما كان يوم أحد ~~اختال أبو دجانة PageV28P027 الانصارى بين الصفين فقال النبى ( انها لمشية ~~يبغضها الله الا في هذا الموطن ( # وأما يسير الحرير مثل العلم الذى عرضه أربعة أصابع ونحو ذلك فيجوز مطلقا ~~وفى العلم الذهب نزاع بين العلماء والأظهر جوازه ايضا فان في السنن عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن الذهب الا مقطعا ( ### |||| وسئل # عن سفر صاحب العيال # الخ 00000 ### ||||| فأجاب # أما سفر صاحب العيال فان كان السفر يضر بعياله لم يسافر فإن النبى ~~قال ( كفى بالمرء إثماأن يضيع من يقوت ( وسواء كان تضررهم لقلة النفقة أو ~~لضعفهم وسفر مثل هذا حرام وان كانوا لا يتضررون بل يتألمون وتنقص أحوالهم ~~فان لم يكن في السفر فائدة جسيمة تربو على ثواب مقامه عندهم كعلم يخاف فوته ~~وشيخ يتعين الاجتماع به والا فمقامه عندهم أفضل وهذا لعمري اذا صحت نيته في ~~السفر كان مشروعا # واما إن كان كسفر كثير من الناس انما يسافر قلقا وتزجية للوقت فهذا مقامه ~~يعبد الله في بيته خير له بكل حال ويحتاج صاحب هذه PageV28P028 الحال أن ~~يستشير في خاصة نفسه رجلا عالما بحاله وبما يصلحه مأمونا على ذلك فان أحوال ~~الناس تختلف في مثل هذا اختلافا متباينا والله سبحانه وتعالى اعلم ### |||| وسئل # عن الايام والليالى مثل أن يقول السفر يكره يوم الاربعاء أو الخميس أو ~~السبت أو يكره التفصيل أو الخياطة أو الغزل في هذه الأيام أو يكره الجماع ~~في ليلة من الليالى ويخاف على الولد ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا كله باطل لا أصل له بل الرجل اذا استخار الله تعالى ~~وفعل شيئا مباحا فليفعله في أي وقت تيسر ولا يكره التفصيل ولا الخياطة ولا ~~الغزل ولا نحو ذلك من الأفعال في يوم من الأيام ولا ms7967 يكره الجماع في ليلة من ~~الليالى ولا يوم من الأيام # والنبى قد نهى عن التطير كما ثبت في الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمى ~~قال ( قلت يا رسول الله ان منا قوما يأتون الكهان قال فلا تأتوهم قلت منا ~~قوم يتطيرون قال ذاك شيء يجده أحدكم من نفسه فلا يصدنكم ( فاذا كان قد نهى ~~عن ان تصده الطيرة عما عزم عليه فكيف بالأيام والليالى PageV28P029 ولكن ~~يستحب السفر يوم الخميس ويوم السبت ويوم الاثنين من غير نهى عن سائر الأيام ~~إلا يوم الجمعة اذا كانت الجمعة تفوته بالسفر ففيه نزاع بين العلماء واما ~~الصناعات والجماع فلا يكره في شيء من الأيام والله أعلم # رسالة من شيخ الاسلام قدس الله روحه إلى أصحابه وهو في حبس الاسكندرية ~~قال ! 8 < ### || 1 ( رسالة من الشيخ إلى أصحابه وهو في الحبس ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم # @QB@ وأما بنعمة ربك فحدث @QE@ والذى أعرف به الجماعة أحسن الله اليهم في ~~الدنيا وفى الاخرة وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنه فانى والله العظيم ~~الذى لا اله الا هو في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمرى كله وقد فتح الله ~~سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال ~~ولا يدور في الخيال ما يصل الطرف اليها يسرها الله تعالى حتى صارت مقاعد ~~وهذا يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة الله وتوحيده وحقائق الأيمان ~~وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والايمان PageV28P030 # فان اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذى لا يمكن التعبير عنه ~~انما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده والايمان به وانفتاح الحقائق ~~الإيمانية والمعارف القرآنية كما قال بعض الشيوخ لقد كنت في حال اقول فيها ~~ان كان أهل الجنة في هذه الحال انهم لفى عيش طيب # وقال آخر لتمر على القلب أوقات يرقص فيها طربا وليس في الدنيا نعيم يشبه ~~نعيم الأخرة الا نعيم الايمان والمعرفة ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~يقول ( أرحنا بالصلاة يا بلال ms7968 ) ولا يقول أرحنا منها كما يقوله من تثقل ~~عليه الصلاة كما قال تعالى @QB@ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين @QE@ ~~والخشوع الخضوع لله تعالى والسكون والطمانينة إليه بالقلب والجوارح وكان ~~النبى يقول ( حبب إلى من دنياكم النساء والطيب ( ثم يقول ( وجعلت قرة عينى ~~في الصلاة ( ولم يقل ( حبب إلى من دنياكم ثلاث ( كما يرفعه بعض الناس بل ~~هكذا رواه الامام أحمد والنسائى ان المحبب إليه من الدنيا النساء والطيب ~~وأما قرة العين تحصل بحصول المطلوب وذلك في الصلاة # والقلوب فيها وسواس النفس والشيطان يأمر بالشهوات والشبهات ما يفسد عليه ~~طيب عيشها فمن كان محبا لغير الله فهو معذب في الدنيا PageV28P031 والاخرة ~~ان نال مراده عذب به وان لم ينله فهو في العذاب والحسرة والحزن # وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة الا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه ~~ولا تمكن محبته الا بالاعراض عن كل محبوب سواه وهذا حقيقة لا إله إلا الله ~~وهى ملة إبراهيم الخليل عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله ~~وسلامه عليهم أجمعين وكان النبى يقول لأصحابه ( قولوا أصبحنا على فطرة ~~الاسلام وكلمة الاخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين ( # ( والحنيف ( للسلف فيه ثلاث عبارات قال محمد بن كعب مستقيما وقال عطاء ~~مخلصا وقال آخرون متبعا فهو مستقيم القلب إلى الله دون ما سواه قال الله ~~تعالى @QB@ فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا @QE@ قال أبو بكر الصديق رضى الله ~~عنه فلم يلتفتوا عنه يمنه ولا يسرة فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه لا ~~بالحب ولا بالخوف ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل عليه بل لا يحبون ~~الا الله ولا يحبون معه أندادا ولا يحبون الا اياه لا لطلب منفعة ولا لدفع ~~مضرة ولا يخافون غيره كائنا من كان ولا يسالون غيره ولا يتشرفون ~~PageV28P032 بقلوبهم إلى غيره # ولهذا قال النبى لعمر رضى الله عنه ( ما اتاك من هذا المال وأنت غير سائل ~~ولا متشرف فخذه ms7969 وما لا فلا تتبعة نفسك ( فالسائل بلسانه والمتشرف بقلبه ~~متفق على صحته وعن أبى سعيد عن النبى أنه قال ( من يستعفف يعفه الله ومن ~~يستغن يغنه الله ومن يصبر يصبره الله ( متفق على صحته فالغنى في القلب كما ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ليس الغنى عن كثرة المال ولكن الغني غنى ~~النفس ( و ( العفيف ( الذى لا يسأل بلسانه لا نصرا ولا رزقا قال تعالى @QB@ ~~أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ~~أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده @QE@ إلى آخر السورة وقال تعالى @QB@ ~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ أى لا في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله فانه سبحانه وتعالى من حسن تدبيره لعبده وتيسيره له اسباب الخير من ~~الهدى للقلوب والزلفى لديه والتبصير يدفع عنه شياطين الانس والجن ما لا ~~تبلغ العباد قدره والخير كله في متابعة النبى النبى الأمى الذى @QB@ يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ إلى آخر الآيه واكثر الناس PageV28P033 لا ~~يعرفون حقائق ما جاء به إنما عندهم قسط من ذلك @QB@ والذين اهتدوا زادهم ~~هدى وآتاهم تقواهم @QE@ ) وقال تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا @QE@ والجهاد يوجب هداية السبيل إليه وقال تعالى @QB@ يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ فكل من اتبع الرسول فان الله حسبه أى ~~كافيه وهاديه وناصره أى كافيه كفايته وهدايته وناصره ورازقه # فالانسان ظالم جاهل كما قال تعالى @QB@ إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال @QE@ إلى قوله @QB@ ظلوما جهولا @QE@ وانما غاية أولياء ~~الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين التوبة وقد قال تعالى @QB@ ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا @QE@ وتوبة كل انسان بحسبه وعلى قدر ~~مقامه وحاله ولهذا كان الدين مجموعا في التوحيد والاستغفار قال تعالى @QB@ ~~فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ms7970 @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فاستقيموا إليه واستغفروه @QE@ وقال تعالى @QB@ واستغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه @QE@ ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل في ~~التوحيد في قول لا اله الا الله فانه من لم يفعل الطاعات لله ويترك المعاصى ~~لله لم يقبل الله عمله قال تعالى @QB@ إنما يتقبل الله من المتقين @QE@ قال ~~طلق بن حبيب التقوى ان تعمل بطاعة الله على نور PageV28P034 من الله ترجو ~~رحمة الله وان تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله # ولا بد لكل عبد من التوبة والاستغفار بحسب حاله # والعبد اذا انعم الله عليه بالتوحيد فشهد ان لا اله الا الله مخلصا من ~~قلبه والا له هو المعبود الذى يستحق غاية الحب والعبودية بالأجلال والاكرام ~~والخوف والرجاء يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه ودعائه والتوكل ~~عليه وسؤاله عما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه حلاه الله بالأمن والسرور ~~والحبور والرحمة للخلق والجهاد في سبيل الله فهو يجاهد ويرحم له الصبر ~~والرحمة قال الله تعالى @QB@ وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة @QE@ وكلما ~~قوى التوحيد في قلب العبد قوى ايمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه # والخوف الذى يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذى في قلوبهم قال الله تعالى ~~@QB@ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله @QE@ وكما قال الله ~~جل جلاله في قصة الخليل عليه السلام @QB@ أتحاجوني في الله وقد هدان @QE@ ~~إلى قوله @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون @QE@ وفى الحديث الصحيح ( تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد ~~الخميصة تعس عبد الخميلة PageV28P035 تعس وانتكس واذا شيك فلا انتقش ( فمن ~~كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك فلما خوفوا خليله بما ~~يعبدونه ويشركون به الشرك الأكبر كالعبادة قال الخليل @QB@ وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون @QE@ يقول ان تطيعوا غير الله وتعبدون ~~غيره وتكلمون في دينه مالم ينزل به سلطانا فأى الفريقين أحق ms7971 بالأمن ان كنتم ~~تعلمون أى تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفونى انا بغير الله فمن ذا الذى ~~يستحق الامن إلى قوله @QB@ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ أى هؤلاء ~~الموحدون المخلصون ولهذا قال الأمام أحمد لبعض الناس لو صححت لم تخف أحدا # ولكن للشيطان وسواس في قلوب الناس كما قال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ إلى ~~قوله تعالى @QB@ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون @QE@ أخبر سبحانه ~~وتعالى ان ما جاءت به الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين لابد ~~له من عدو شياطين الانس والجن يوسوسون القول المزخرف ونهى ان يطلب حكما من ~~غير الله بقوله تعالى @QB@ أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا @QE@ PageV28P036 ) # والكتاب هو الحاكم بين الناس شرعا ودينا وينصر القائم نصرا وقدرا وقد قال ~~الله تعالى @QB@ إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها @QE@ إلى قوله @QB@ ~~والله ولي المتقين @QE@ وقال تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط @QE@ إلى قوله @QB@ إن الله قوي ~~عزيز @QE@ و @QB@ الميزان @QE@ هو العدل وما به يعرف العدل وأنزل الحديد ~~لينصر الكتاب فان قام صاحبه بذلك كان سعيدا مجاهدا في سبيل الله فان الله ~~نصر الكتاب بأمر من عنده وانتقم ممن خرج عن حكم الكتاب كما قال تعالى @QB@ ~~إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين @QE@ إلى قوله ~~@QB@ والله عزيز حكيم @QE@ وقوله لأبى بكر @QB@ إن الله معنا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إن الله مع الصابرين @QE@ وكل من وافق الرسول في أمر خالف فيه غيره فهو من ~~الذين اتبعوه في ذلك وله نصيب من قوله @QB@ لا تحزن إن الله معنا @QE@ فان ~~المعية الالهية المتضمنة للنصر هي لما جاء به إلى يوم القيامة وهذا قد دل ~~عليه القرآن وقد رأينا من ذلك وجربنا ما يطول وصفه ms7972 وقال تعالى @QB@ سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم @QE@ إلى آخر السورة وقال تعالى ~~@QB@ والعاقبة للمتقين @QE@ PageV28P037 # وقال تعالى @QB@ فصل لربك وانحر إن ~~شانئك هو الأبتر @QE@ فمن شنأ شيئا مما جاء به الرسول فله من ذلك نصيب ~~ولهذا قال أبو بكر بن عياش لما قيل له ان بالمسجد أقواما يجلسون ويجلس ~~الناس اليهم فقال من جلس للناس جلس الناس إليه لكن أهل السنة يبقون ويبقى ~~ذكرهم وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم وذلك ان اهل البدعة شنأوا بعض ما جاء ~~به الرسول فابترهم بقدر ذلك والذين أعلنوا ما جاء به النبى فصار لهم نصيب ~~من قوله تعالى @QB@ ورفعنا لك ذكرك @QE@ فان ما اكرم الله به نبيه من سعادة ~~الدنيا والأخرة فللمؤمنين المتابعين نصيب بقدر ايمانهم فما كان من خصائص ~~النبوة والرسالة فلم يشارك فيه أحد من أمته وما كان من ثواب الايمان ~~والأعمال الصالحة فلكل مؤمن نصيب بقدر ذلك # والله تعالى يقول @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله @QE@ بالحجة والبيان وباليد واللسان هذا إلى يوم القيامة لكن ~~الجهاد المكى بالعلم والبيان والجهاد المدنى مع المكى باليد والحديد قال ~~تعالى @QB@ فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا @QE@ و سورة الفرقان ~~مكية وإنما جاهدهم باللسان والبيان ولكن يكف عن الباطل وانما قد بين في ~~المكية @QB@ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ~~@QE@ PageV28P038 # وقال تعالى @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب @QE@ وقال تعالى @QB@ الم ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون @QE@ إلى قوله @QB@ ساء ~~ما يحكمون @QE@ فبين سبحانه وتعالى أنه أرسل رسله والناس رجلان رجل يقول ~~انا مؤمن به مطيعه فهذا لا بد ان يمتحن حتى يعلم صدقه من كذبه ورجل مقيم ~~على المعصية فهذا قد عمل السيئات فلا يظن ان يسبقونا بل لابد ان نأخذهم وما ~~لأحد من خروج ms7973 عن هذين القسمين # قال تعالى @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ~~@QE@ إلى قوله @QB@ لبئس المولى ولبئس العشير @QE@ # فبين سبحانه حال من يجادل في الدين بلا علم والعلم هو ما بعث الله به ~~رسوله وهو السلطان كما قال تعالى @QB@ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم @QE@ فمن تكلم في الدين بغير ما بعث الله به رسوله كان متكلما ~~بغير علم ومن تولاه الشيطان فانه يضله ويهديه إلى عذاب السعير # ومن انقاد لدين الله فقد عبد الله باليقين بل ان اصابه ما يهواه استمر ~~PageV28P039 وان أصابه ما يخالف هواه رجع وقد عبد الله على حرف و ( الحرف ( ~~هو الجانب كحرف الرغيف وحرف الجبل ليس مستقرا باثبات @QB@ فإن أصابه خير ~~@QE@ في الدنيا @QB@ اطمأن به وإن أصابته فتنة @QE@ أى محنة امتحن بها @QB@ ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين @QE@ وحرف الجبل ~~ليس مستقرا بالثبات معناه خسر الدنيا بما امتحن به وخسر الآخرة برجوعه عن ~~الدين # @QB@ يدعو من دون الله ما لا يضره @QE@ الآية أى يدعو المخلوقين يخافهم ~~ويرجوهم وهم لا يملكون له ضرا ولا نفعا بل ضرهم أقرب من نفعهم وإن كان سبب ~~نزولها في شخص معين أسلم وكان مشركا فحكمها عام في كل من تناوله لفظها ~~ومعناها إلى يوم القيامة # فكل من دعا غير الله فهو مشرك والعيان يصدق هذا فان المخلوقين اذا اشتكى ~~اليهم الانسان فضررهم أقرب من نفعهم والخالق جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا ~~اله غيره اذا اشتكى إليه المخلوق وانزل حاجته به واستغفره من ذنوبه أيده ~~وقواه وهداه وسد فاقته وأغناه وقربه وأقناه وحبه واصطفاه والمخلوق اذا انزل ~~العبد به حاجته استرذله وازدراه ثم أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة وان قضى له ~~ببعض مطلبه لأن عنده من بعض رعاياه يستعبده بما يهواه قال الخليل عليه أفضل ~~الصلاة والسلام @QB@ فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون @QE@ PageV28P040 # وقال تعالى @QB@ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن ~~يخذلكم فمن ذا ms7974 الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ # وهذا باب واسع قد كتبت فيه شيئا كثيرا وعرفته علما وذوقا وتجربة ### ||| فصل # وفى ( الجملة ( ما يبين نعم الله التى أنعم بها على وأنا في هذا المكان ~~أعظم قدرا وأكثر عددا ما لا يمكن حصره وأكثر ما ينقص على الجماعة فأنا أحب ~~لهم ان ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقربه أعينهم وان يفتح لهم من ~~معرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات وأعرف ~~أكثر الناس قدر ذلك فانه لايعرف الا بالذوق والوجد لكن ما من مؤمن الا له ~~نصيب من ذلك ويستدل منه بالقليل على الكثير وان كان لا يقدر قدره الكبير ~~وأنا أعرف أحوال الناس والأجناس واللذات وأين الدر من البعر وأين الفالوذج ~~من الدبس وأين الملائكة من البهيمة أو البهائم # لكن أعرف أن حكمة PageV28P041 الله وحسن اختياره ولطفه ورحمته يقتضى أن ~~كل واحد يريد ان يعبد الله ويجاهد في سبيله علما وعملا بحسب طاقته ليكون ~~الدين لله ويكون مقصوده ان كلمة الله هي العليا ولا يكون حبه وبغضه ~~ومعاداته ومدحه وذمه الا لله لا لشخص معين # والهادى المطلق الذى يهدى إلى كل خير وكل أحد محتاج إلى هدايته في كل وقت ~~هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أفضل أمته أفضلهم متابعة له وهذا يكون ~~بالايمان واليقين والجهاد # كما قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا @QE@ ) إلى قوله @QB@ أولئك هم الصادقون @QE@ فبين سبحانه وتعالى ~~أن المؤمن لابد له من ثلاثة أمور أولها ان يؤمن بالله ورسوله وثانيها لا ~~يرتاب بعد ذلك ان يكون موقنا ثابتا واليقين يخالف الريب والريب نوعان نوع ~~يكون شكا لنقص العلم ونوع يكون اضطرابا في القلب وكلاهما لنقص الحال ~~الايمانى فان الايمان لا بد فيه من علم القلب وليس كل مكان يكون له علم ~~يعلمه وعمل القلب أو بصيرته وثباته وطمأنينته وسكينته وتوكله وإخلاصه ms7975 ~~وانابته إلى الله تعالى وهذه الأمور كلها في القرآن يقال رابنى كذا وكذا ~~PageV28P042 يريبنى أى حرك قلبى ومنه الحديث عن رسول الله أنه مر بظبى حاقف ~~فقال ( لا يريبه أحد ( أي لا يحركه أحد ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( دع ~~ما يريبك إلى ما لا يريبك ( فان الصدق طمأنينة والكذب ريبة فان الصادق من ~~لا يقلق قلبه والكاذب يقلق قلبه وليس هناك شك بل يعلم ان الريب أعم من الشك # ولهذا في الدعاء الماثور ( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا ~~وبين معصيتك ( الحديث إلى آخره وفى المسند والترمذى عن أبى بكرة رضى الله ~~عنه أنه قال ( سلوا الله اليقين والعافية فانه لم يعط خير من اليقين ~~والعافية فاسألوها الله سبحانه وتعالى ( والعرب تقول ماءيقن اذا كان ساكنا ~~لا يتحرك ( فقلب المؤمن مطمئن لا يكون فيه ريب هذا معنى قوله سبحانه وتعالى ~~( انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ( وفى الصحيحين عن سعد بن أبى وقاص ~~رضى الله عنه قال ( أعطى رسول الله رهطا ولم يعط رجلا وهو أحب إلى منهم ~~فقلت يا رسول الله مالك عن فلان فو الله انى أراه مؤمنا قال أو مسلما مرتين ~~أو ثلاثا ثم قال انى لاعطى الرجل وغيره أحب إلى منه خشية ان يكبه الله على ~~وجهه في النار ( ولهذا قال أبو جعفر الباقر وغيره من السلف الاسلام دائرة ~~PageV28P043 كبيرة والايمان دائرة في وسطها فاذا زنا العبد خرج من الايمان ~~إلى الاسلام كما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا ~~يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( # وهذا أظهر قولى العلماء أن هؤلاء الأعراب الذين قالوا أسلمنا ونحوهم من ~~المسلمين الذين لم يدخل الايمان المتقدم في قلوبهم يثابون على أعمالهم ~~الصالحة كما قال تعالى @QB@ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم ms7976 ~~شيئا @QE@ وهم ليسوا بكفار ولا منافقين بل لم يبلغوا حقيقة الايمان وكماله ~~فنفى عنهم كمال الايمان الواجب وان كانوا يدخلون في الايمان مثل قوله @QB@ ~~فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ وقوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم @QE@ وهذا باب واسع # والمقصود اخبار الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير كثير ونحن ~~بحمد الله في زيادة من نعم الله وان لم يمكن خدمة الجماعة باللقاء فأنا داع ~~لهم بالليل والنهار قياما ببعض الواجب من حقهم وتقربا إلى الله تعالى في ~~معاملته فيهم والذى آمر به كل شخص منهم ان يتقي الله ويعمل لله مستعينا ~~بالله مجاهدا في سبيل الله ويقصد بذلك ان PageV28P044 تكون كلمة الله هي ~~العلياء وان يكون الدين كله لله ويكون دعاؤه وغيره بحسب ذلك كما أمر الله ~~به ورسوله # اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات والف بين قلوبهم ~~وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم واهدهم سبل السلام وأخرجهم من ~~الظلمات إلى النور وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وبارك لهم في ~~اسماعهم وأبصارهم ما أبقيتهم واجعلهم شاكرين لنعمك مثنين بها عليك قابليها ~~واتممها عليهم يارب العالمين اللهم انصر كتابك ودينك وعبادك المؤمنين واظهر ~~الهدى ودين الحق الذى بعثت به نبينا محمدا على الدين كله اللهم عذب الكفار ~~والمنافقين الذين يصدون عن سبيلك ويبدلون دينك ويعادون المؤمنين اللهم خالف ~~كلمتهم وشتت بين قلوبهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم وأدر عليهم دائرة السوء ~~اللهم أنزل بهم بأسك الذى لا يرد عن القوم المجرمين اللهم مجرى السحاب ~~ومنزل الكتاب وهازم الاحزاب اهزمهم وزلزلهم وانصرنا عليهم ربنا اعنا ولا ~~تعن علينا وانصرنا ولا تنصر علينا وامكر لنا ولا تمكر علينا واهدنا ويسر ~~الهدى لنا وانصرنا على من بغى علينا ربنا اجعلنا لك شاكرين مطاوعين مخبتين ~~اواهين منيبين ربنا تقبل توبتنا واغسل حوبتنا وثبت حجتنا واهد قلوبنا وسدد ~~ألسنتنا PageV28P045 واسلل سخائم صدورنا # وهذا رواه الترمذى بلفظ افراد وصححه وهو من أجمع الادعية بخير الدنيا ~~والآخرة وله شرح عظيم ms7977 # والحمد لله ناصر السنة وخاذل أهل البدعة والغرة وصلى الله على محمد وآله ~~وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV28P046 وكتب رحمه الله # وهو في السجن ونحن ولله الحمد والشكر في نعم عظيمة تتزايد كل يوم ويجدد ~~الله تعالى من نعمه نعما أخرى وخروج الكتب كان من أعظم النعم فانى كنت ~~حريصا على خروج شيء منها لتقفوا عليه وهم كرهوا خروج ( الاخنائية ( ~~فاستعملهم الله في اخراج الجميع والزام المنازعين بالوقوف عليه وبهذا يظهر ~~ما أرسل الله به رسوله من الهدى ودين الحق فان هذه المسائل كانت خفية على ~~أكثر الناس فاذا ظهرت فمن كان قصده الحق هداه الله ومن كان قصده الباطل ~~قامت عليه حجة الله واستحق ان يذله الله ويخزيه وما كتبت شيئا من هذا ليكتم ~~عن أحد ولو كان مبغضا # والاوراق التى فيها جواباتكم وصلت وانا طيب وعيناى طيبتان أطيب ما كانتا ~~ونحن في نعم عظيمة لا تحصى ولا تعد والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه # ثم ذكر كلاما وقال كل ما يقضيه الله تعالى فيه الخير والرحمة PageV28P047 ~~والحكمة ان ربى لطيف لما يشاء انه هو القوى العزيز العليم الحكيم ولا يدخل ~~على أحد ضرر الا من ذنوبه @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك @QE@ فالعبد عليه ان يشكر الله ويحمده دائما على كل حال ~~ويستغفر من ذنوبه فالشكر يوجب المزيد من النعم والاستغفار يدفع النقم ولا ~~يقضى الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر وأن أصابته ضرا ~~ء صبر فكان خيرا له # ! 8 < ### || كتاب الشيخ إلى والدته # يقول ! 8 < فيه بسم الله الرحمن الرحيم ! 8 < # من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة أقر الله عينيها بنعمه وأسبغ عليها ~~جزيل كرمه وجعلها من خيار امائه وخدمه # سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته # فانا نحمد اليكم الله الذى لا اله إلا هو وهو للحمد اهل وهو على كل شيء ~~قدير ونساله أن يصلى على خاتم النبيين وإمام المتقين محمد عبده ورسوله صلى ms7978 ~~الله عليه وعلى آله وسلم تسليما PageV28P048 كتابى اليكم عن نعم من الله ~~عظيمة ومنن كريمة والاء جسيمة نشكر الله عليها ونسأله المزيد من فضله ونعم ~~الله كلما جاءت في نمو وازدياد وأياديه جلت عن التعداد # وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد إنما هو لأمور ضرورية متى ~~أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا # ولسنا والله مختارين للبعد عنكم ولو حملتنا الطيور لسرنا اليكم ولكن ~~الغائب عذره معه وأنتم لو اطلعتم على باطن الامور فانكم ولله الحمد ما ~~تختارون الساعة الا ذلك ولم نعزم على المقام والاستيطان شهرا واحدا بل كل ~~يوم نستخير الله لنا ولكم وادعوا لنا بالخيرة فنسأل الله العظيم أن يخير ~~لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخيرة في خير وعافية # ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة والهداية والبركة مالم يكن ~~يخطر بالبال ولا يدور في الخيال ونحن في كل وقت مهمومون بالسفر مستخيرون ~~الله سبحانه وتعالى # فلا يظن الظان أنا نؤثر على قربكم شيئا من أمور الدنيا قط بل ولا نؤثر من ~~أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه ولكن ثم أمور كبار نخاف الضرر الخاص ~~والعام من اهمالها والشاهد يرى مالا يرى الغائب # والمطلوب كثرة الدعاء بالخيرة فإن الله يعلم ولانعلم ويقدر PageV28P049 ~~ولا نقدر وهو علام الغيوب وقد قال النبى ( من سعادة بن آدم استخارته الله ~~ورضاه بما يقسم الله له ومن شقاوة بن آدم ترك استخارته الله وسخطه بما يقسم ~~الله له ( والتاجر يكون مسافرا فيخاف ضياع بعض ماله فيحتاج ان يقيم حتى ~~يستوفيه وما نحن فيه امر يجل عن الوصف ولا حول ولا قوة الا بالله والسلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرا كثيرا وعلى سائر من في البيت من الكبار ~~والصغار وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدا واحدا والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما # وقال الشيخ # بعد حمد الله تعالى والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم أما بعد فان ~~الله وله الحمد قد أنعم على من ms7979 نعمه العظيمة ومننه الجسيمة وآلائه الكريمة ~~ما هو مستوجب لعظيم الشكر والثبات على الطاعة واعتياد حسن الصبر على فعل ~~المامور والعبد مأمور بالصبر في السراء أعظم من الصبر في الضراء قال تعالى ~~( ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه انه ليئوس كفور ولئن أذقناه ~~نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح فخور الا الذين صبروا ~~وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير PageV28P050 وتعلمون أن الله ~~سبحانه من في هذه القضية من المنن التى فيها من أسباب نصر دينه وعلو كلمته ~~ونصر جنده وعزة أوليائه وقوة أهل السنة والجماعة وذل أهل البدعة والفرقة ~~وتقرير ما قرر عندكم من السنة وزيادات على ذلك بانفتاح ابواب من الهدى ~~والنصر والدلائل وظهور الحق لأمم لا يحصى عددهم إلا الله تعالى واقبال ~~الخلائق إلى سبيل السنة والجماعة وغير ذلك من المنن مالا بد معه من عظيم ~~الشكر ومن الصبر وان كان صبرا في سراء # وتعلمون ان من القواعد العظيمة التى هي من جماع الدين تاليف القلوب ~~واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين فان الله تعالى يقول @QB@ فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم @QE@ ويقول @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~@QE@ ويقول @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم @QE@ وأمثال ذلك من النصوص التى تأمر ~~بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف # وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة # وجماع السنة طاعة الرسول ولهذا قال النبى صلى الله عليه PageV28P051 وسلم ~~في الحديث الصحيح الذى رواه مسلم في صحيحه عن أبى هريرة ( إن الله يرضى لكم ~~ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم ( # وفى السنن من حديث زيد بن ثابت وبن مسعود فقيهى الصحابة عن النبى أنه قال ~~( نضر الله امرءا سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل فقه غير ~~فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه ms7980 منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص ~~العمل لله ومنا صحة ولاة الامر ولزوم جماعة المسلمين فان دعوتهم تحيط من ~~وراءهم ( # وقوله لا يغل أى لا يحقد عليهن فلا يبغض هذه الخصال قلب المسلم بل يحبهن ~~ويرضاهن # وأول ما أبدأ به من هذا الأصل ما يتعلق بى فتعلمون رضى الله عنكم أنى لا ~~أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلا عن اصحابنا بشيء أصلا لا باطنا ولا ~~ظاهرا ولا عندى عتب على أحد منهم ولا لوم أصلا بل لهم عندى من الكرامة ~~والاجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان كل بحسبه ولا يخلو ~~PageV28P052 الرجل اما ان يكون مجتهدا مصيبا أو مخطئا أو مذنبا فالأول ~~ماجور مشكور والثانى مع أجره على الأجتهاد فمعفو عنه مغفور له والثالث ~~فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين # فنطوى بساط الكلام المخالف لهذا الأصل # كقول القائل فلان قصر فلان ما عمل فلان أوذى الشيخ بسببه فلان كان سبب ~~هذه القضية فلان كان يتكلم في كيد فلان ونحو هذه الكلمات التى فيها مذمة ~~لبعض الاصحاب والاخوان فانى لاأسامح من أذاهم من هذا الباب ولاحول ولا قوة ~~إلا بالله # بل مثل هذا يعود على قائله بالملام إلا ان يكون له من حسنة وممن يغفر ~~الله له إن شاء وقد عفا الله عما سلف # وتعلمون ايضا ان ما يجرى من نوع تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والاخوان ~~ما كان يجرى بدمشق ومما جرى الان بمصر فليس ذلك غضاضة ولا نقصا في حق صاحبه ~~ولا حصل بسبب ذلك تغير منا ولا بغض بل هو بعد ما عومل به من التغليظ ~~والتخشين أرفع قدرا وأنبه ذكرا وأحب وأعظم وإنما هذه الأمور هي من مصالح ~~المؤمنين التى يصلح الله بها بعضهم ببعض فان المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل ~~إحداهما الاخرى وقد لا PageV28P053 ينقلع الوسخ الا بنوع من الخشونة لكن ~~ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين # وتعلمون أنا جميعا متعاونون على البر والتقوى واجب علينا نصر بعضنا ms7981 بعضا ~~أعظم مما كان وأشد فمن رام ان يؤذي بعض الأصحاب أو الأخوان لما قد يظنه من ~~نوع تخشين عومل به بدمشق أو بمصر الساعة أو غير ذلك فهو الغالط # وكذلك من ظن أن المؤمنين يبخلون عما أمروا به من التعاون والتناصر فقد ظن ~~ظن سوء @QB@ وإن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ ) وما غاب عنا أحد من ~~الجماعة أو قدم الينا الساعة أو قبل الساعة الا ومنزلته عندنا اليوم أعظم ~~مما كانت وأجل وأرفع # وتعلمون رضى الله عنكم أن مادون هذه القضية من الحوادث يقع فيها من ~~اجتهاد الاراء واختلاف الأهواء وتنوع أحوال أهل الايمان وما لا بد منه من ~~نزغات الشيطان مالا يتصور ان يعرى عنه نوع الانسان وقد قال تعالى @QB@ ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ~~رحيما @QE@ بل انا أقول ما هو أبلغ من ذلك تنبيها بالادنى على الاعلى ~~PageV28P054 وبالاقصى على الأدنى فأقول # تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة والاغاليط ~~المظنونة والأهواء الفاسدة وأن ذلك أمر يجل عن الوصف وكل ما قيل من كذب ~~وزور فهو في حقنا خير ونعمة قال تعالى @QB@ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة ~~منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ~~والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم @QE@ وقد أظهر الله من نور الحق وبرهانه ~~ما رد به أفك الكاذب وبهتانه # فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه على أو ظلمه وعدوانه فانى قد أحللت كل ~~مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسى # والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتى # وأما ما يتعلق بحقوق الله فان تابوا تاب الله عليهم والا فحكم الله نافذ ~~فيهم فلو كان الرجل مشكورا على سوء عمله لكنت أشكر كل من كان سببا في هذه ~~القضية لما يترتب عليه من خير الدنيا PageV28P055 والاخرة ms7982 لكن الله هو ~~المشكور على حسن نعمه وألائه وآياديه التى لا يقضى للمؤمن قضاء الا كان ~~خيرا له # وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم ~~وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم وأنتم تعلمون هذا من خلقى والأمر ~~أزيد مما كان وأوكد لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض وحقوق الله عليهم هم فيها ~~تحت حكم الله # وأنتم تعلمون ان الصديق الأكبر في قضية الافك التى أنزل الله فيها القرآن ~~حلف لا يصل مسطح بن اثاثة لأنه كان من الخائضين في الافك فأنزل الله تعالى ~~@QB@ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم @QE@ ( فلما نزلت قال أبو بكر بلى والله إنى لأحب ان يغفر ~~الله لى فأعاد إلى مسطح النفقة التى كان ينفق # ومع ما ذكرمن العفو والأحسان وأمثاله واضعافه والجهاد على ما بعث الله به ~~رسوله من الكتاب والحكمة امر لا بد منه ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم ذلك فضل الله PageV28P056 يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ~~انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون ( ~~والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~محمد وآله وسلم تسليما # وكتب ايضا بسم الله الرحمن الرحيم # سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته ونحن لله الحمد والشكر في نعم ~~متزايدة متوافرة وجميع ما يفعله الله فيه نصر الاسلام وهو من نعم الله ~~العظام و @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا @QE@ فان الشيطان استعمل حزبه في افساد دين الله الذى بعث ~~به رسله وأنزل به كتبه # ومن سنة الله انه اذا اراد اظهار دينه أقام من يعارضه فيحق الحق ms7983 بكلماته ~~ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق PageV28P057 والذى سعى فيه حزب ~~الشيطان لم يكن مخالفة لشرع محمد وحده بل مخالفة لدين جميع المرسلين ~~إبراهيم وموسى والمسيح ومحمد خاتم النبيين صلى الله عليهم أجمعين # وكانوا قد سعوا في أن لا يظهر من جهة حزب الله ورسوله خطاب ولا كتاب ~~وجزعوا من ظهور الاخنائية فاستعملهم الله تعالى حتى أظهروا أضعاف ذلك وأعظم ~~والزمهم بتفتيشة ومطالعته ومقصودهم اظهار عيوبه وما يحتجون به فلم يجدوا ~~فيه الا ماهو حجة عليهم وظهر لهم جهلهم وكذبهم وعجزهم وشاع هذا في الأرض ~~وأن هذا مما لايقدر عليه إلا الله ولم يمكنهم أن يظهروا علينا فيه عيبا في ~~الشرع والدين بل غاية ما عندهم أنه خولف مرسوم بعض المخلوقين والمخلوق ~~كائنا من كان إذا خالف أمر الله تعالى ورسوله لم يجب بل ولا يجوز طاعته في ~~مخالفة امر الله ورسوله باتفاق المسلمين # وقول القائل إنه يظهر البدع كلام يظهر فساده لكل مستبصر ويعلم أن الأمر ~~بالعكس فان الذى يظهر البدعة إما أن يكون لعدم علمه بسنة الرسول أو لكونه ~~له غرض وهوى يخالف ذلك وهو أولى بالجهل بسنة الرسول واتباع هواهم بغير هدى ~~من الله @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ ممن هو اعلم ~~بسنة الرسول منهم وأبعد عن الهوى والغرض في مخالفتها @QB@ ثم جعلناك على ~~شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك ~~من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين @QE@ ~~PageV28P058 # وهذه قضية كبيرة لها شأن عظيم ولتعلمن نبأه بعد حين ثم قال بعده # وكانوا يطلبون تمام الاخنائية فعندهم ما يطمهم أضعافها وأقوى فقها منها ~~وأشد مخالفة لاغراضهم فان الزملكانية قد بين فيها من نحو خمسين وجها أن ما ~~حكم به ورسم به مخالف لاجماع المسلمين وما فعلوه لو كان ممن يعرف ما جاء به ~~الرسول ويتعمد مخالفته لكان كفرا وردة عن الاسلام لكنهم جهال دخلوا في شيء ~~ما كانوا يعرفونه ولا ظنوا ms7984 أنه يظهر منه أن السلطنة تخالف مرادهم والأمر ~~أعظم مما ظهر لكم ونحن ولله الحمد على عظيم الجهاد في سبيله # ثم ذكر كلاما وقال # بل جهادنا في هذا مثل جهادنا يوم قازان والجبلية والجهمية والاتحادية ~~وأمثال ذلك وذلك من أعظم نعم الله علينا وعلى الناس ولكن اكثر الناس لا ~~يعلمون PageV28P059 ### || 1 ( قاعدة فى الحسبة ) 1 # ! 8 < وقال الشيخ الامام العلامة ! 8 < # شيخ الأسلام أبو العباس أحمد بن الشيخ الامام العالم شهاب الدين عبد ~~الحليم بن الشيخ الامام مجد الدين أبى البركات عبد السلام بن تيمية رحمة ~~الله عليه # الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~أرسله بين يدى الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا ~~فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى وارشد به من الغى وفتح به أعينا عميا ~~وآذانا صما وقلوبا غلفا حيث بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الامة وجاهد في ~~الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وعلى ~~PageV28P060 آله وسلم تسليما وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته # أما بعد # فهذه ( قاعدة في الحسبة ) # أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الاسلام مقصودها ان يكون الدين كله ~~لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فان الله سبحانه وتعالى انما خلق الخلق ~~لذلك وبه انزل الكتب وبه أرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون قال الله ~~تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ ~~وقال @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~@QE@ وقد أخبر عن جميع المرسلين ان كلامنهم يقول لقومه @QB@ اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره @QE@ وعباداته تكون بطاعته وطاعة رسوله وذلك هو ms7985 الخير ~~والبر والتقوى والحسنات والقربات والباقيات والصالحات والعمل الصالح وان ~~كانت هذه الاسماء بينها فروق لطيفة ليس هذا موضعها # وهذا الذى يقاتل عليه الخلق كما قال تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ وفى الصحيحين عن أبى موسى PageV28P061 ~~الاشعرى رضى الله عنه قال سئل النبى عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ~~ويقاتل رياء فأى ذلك في سبيل الله فقال ? < من قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا فهو في سبيل الله > ? # وكل بنى آدم لاتتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة الا بالاجتماع ~~والتعاون والتناصر فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم والتناصر لدفع مضارهم ~~ولهذا يقال الانسان مدنى بالطبع فاذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها ~~يجتلبون بها المصلحة وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة ويكونون مطيعين ~~للآمر بتلك المقاصد والناهى عن تلك المفاسد فجميع بنى آدم لا بد لهم من ~~طاعة آمر وناه # فمن لم يكن من أهل الكتب الالهية ولا من أهل دين فانهم يطيعون ملوكهم ~~فيما يرون انه يعود بمصالح دنياهم مصيبين تارة ومخطئين اخرى وأهل الأديان ~~الفاسدة من المشركين وأهل الكتاب المستمسكين به بعد التبديل أو بعد النسخ ~~والتبديل مطيعون فيما يرون انه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياهم # وغير اهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت ومنهم من لا يؤمن به ~~وأما اهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت ولكن الجزاء في الدنيا متفق ~~عليه أهل الأرض فان الناس لم يتنازعوا في PageV28P062 أن عاقبة الظلم وخيمة ~~وعاقبة العدل كريمة ولهذا يروى ( الله ينصر الدولة العادلة وان كانت كافرة ~~( ولا ينصر الدولة الظالمة وان كانت مؤمنة ( # واذا كان لابد من طاعة آمر وناه فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ~~ورسوله خير له وهو الرسول النبى الأمي المكتوب في التوراة والانجيل الذى ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وذلك ~~هو الواجب على جميع الخلق قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ms7986 ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر ~~لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وقال ~~@QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ وقال @QB@ ومن يطع ~~الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ~~العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب ~~مهين @QE@ # وكان النبى يقول في خطبته للجمعة ? < ان خير الكلام كلام الله وخير الهدى ~~هدى محمد وشر الأمور PageV28P063 محدثاتها > ? وكان يقول في خطبة الحاجة ? ~~< من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فانه لا يضر الا نفسه ولن يضر ~~الله شيئا > ? # وقد بعث الله رسوله محمدا بأفضل المناهج والشرائع وأنزل عليه أفضل الكتب ~~فأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس وأكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة ~~وحرم الجنة الا على من آمن به وبما جاء به ولم يقبل من أحد الا الاسلام ~~الذى جاء به فمن ابتغى غيره دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين # وأخبر في كتابه انه أنزل الكتاب والحديد ليقوم الناس بالقسط فقال تعالى ~~@QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز @QE@ ولهذا أمر النبى أمته بتولية ولاة أمور ~~عليهم وأمر ولاة الأمور ان يردوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس ~~أن يحكموا بالعدل وأمرهم بطاعة ولاة الامور في طاعة الله تعالى ففى سنن أبى ~~داود عن أبى سعيد ان رسول الله PageV28P064 قال ( اذا خرج ثلاثة في سفر ~~فليؤمروا أحدهم ( وفى سننه ايضا عن أبى هريرة مثله وفى مسند الامام أحمد عن ~~عبد الله بن عمر أن النبى قال ( لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض الا ~~أمروا أحدهم ( # فاذا كان قد أوجب في أقل الجماعات ms7987 وأقصر الاجتماعات ان يولى أحدهم كان ~~هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو اكثر من ذلك ولهذا كانت الولاية لمن ~~يتخذها دينا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الامكان من أفضل ~~الاعمال الصالحة حتى قد روى الامام أحمد في مسنده عن النبى انه قال ( إن ~~أحب الخلق إلى الله امام عادل وأبغض الخلق إلى الله امام جائر ( ### ||| فصل # واذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهى فالأمر الذى بعث الله به ~~رسوله هو الأمر بالمعروف والنهى الذى بعثه به هو النهى عن المنكر وهذا نعت ~~النبى والمؤمنين كما قال تعالى @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر @QE@ # وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية ويصير PageV28P065 فرض ~~عين على القادر الذى لم يقم به غيره والقدرة هو السلطان والولاية فذووا ~~السلطان أقدر من غيرهم وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم فان مناط الوجوب ~~هو القدرة فيجب على كل انسان بحسب قدرته قال تعالى @QB@ فاتقوا الله ما ~~استطعتم @QE@ # وجميع الولايات الاسلامية انما مقصودها الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية ~~الشرطة وولاية الحكم أو ولاية المال وهى ولاية الدواوين المالية وولاية ~~الحسبة # لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن والمطلوب منه الصدق مثل ~~الشهود عند الحاكم ومثل صاحب الديوان الذى وظيفته أن يكتب المستخرج ~~والمصروف والنقيب والعريف الذى وظيفته اخبار ذى الأمر بالاحوال # ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع والمطلوب منه العدل مثل الأمير ~~والحاكم والمحتسب وبالصدق في كل الأخبار والعدل في الانشاء من الأقوال ~~والأعمال تصلح جميع الاحوال وهما قرينان كما قال تعالى @QB@ وتمت كلمة ربك ~~صدقا وعدلا @QE@ وقال النبى صلى الله عليه وسلم لما ذكر الظلمة ( من صدقهم ~~بكذبهم وأعانهم على PageV28P066 ظلمهم فليس منى ولست منه ولا يرد على الحوض ~~ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منى وأنا منه وسيرد على ~~الحوض ( # وفى الصحيحين عن النبى ms7988 صلى الله عليه وسلم أنه قال ( عليكم بالصدق فان ~~الصدق يهدى إلى البر وان البر يهدى إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى ~~الصدق حتى يكتب عند الله صديقا واياكم والكذب فان الكذب يهدى إلى الفجور ~~وان الفجور يهدى إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند ~~الله كذابا ( ولهذا قال سبحانه وتعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ ) وقال @QB@ لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة ~~@QE@ # فلهذا يجب على كل ولى أمر ان يستعين بأهل الصدق والعدل واذا تعذر ذلك ~~استعان بالامثل فالامثل وإن كان فيه كذب وظلم فان الله يؤيد هذا الدين ~~بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم والواجب انما هو فعل المقدور وقد قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم أو عمر بن الخطاب ( من قلد رجلا على عصابة وهو ~~يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان ~~المؤمنين ( # فالواجب انما هو الارضى من الموجود والغالب انه لا يوجد PageV28P067 كامل ~~فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول اشكوا ~~إليك جلد الفاجر وعجز الثقة وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس وكلاهما كافر لأن أحد الصنفين ~~أقرب إلى الاسلام وأنزل الله في ذلك ( سورة الروم ( لما اقتتلت الروم وفارس ~~والقصة مشهورة وكذلك يوسف كان نائبا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون وفعل من ~~العدل والخير ما قدر عليه ودعاهم إلى الايمان بحسب الامكان ### ||| فصل # عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولى بالولاية يتلقى من الألفاظ ~~والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض ~~الأمكنة والازمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر وبالعكس وكذلك ~~الحسبة وولاية المال # وجميع هذه الولايات هي في الاصل ولاية شرعية ومناصب دينية فأى من عدل في ~~ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الامكان ~~فهو من الابرار الصالحين وأى ms7989 من ظلم PageV28P068 وعمل فيها بجهل فهو من ~~الفجار الظالمين انما الضابط قوله تعالى @QB@ إن الأبرار لفي نعيم وإن ~~الفجار لفي جحيم @QE@ # وإذا كان كذلك فولاية الحرب في عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية ~~والمصرية تختص باقامة الحدود التى فيها اتلاف مثل قطع يد السارق وعقوبة ~~المحارب ونحو ذلك وقد يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه اتلاف كجلد السارق ~~ويدخل فيها الحكم في المخاصمات والمضاربات ودواعى التهم التى ليس فيها كتاب ~~وشهود كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود وكما تختص باثبات الحقوق ~~والحكم في مثل ذلك والنظر في حال نظار الوقوف وأوصياء اليتامى وغير ذلك مما ~~هو معروف وفى بلاد أخرى كبلاد المغرب ليس لوالى الحرب حكم في شيء وانما هو ~~منفذ لما يأمر به متولى القضاء وهذا اتبع السنة القديمة ولهذا أسباب من ~~المذاهب والعادات مذكورة في غير هذا الموضع # وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مما ليس من خصائص ~~الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ~~ولاة الأمور فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه # فعلى المحتسب أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم ~~يصل بالضرب والحبس وأما القتل فالى غيره ويتعهد الأئمة والمؤذنين ~~PageV28P069 فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق الامامة أو خرج عن الأذان ~~المشروع الزمه بذلك واستعان فيما يعجز عنه بوالى الحرب والحكم وكل مطاع ~~يعين على ذلك # وذلك ان ( الصلاة ( هي أعرف المعروف من الأعمال وهى عمود الاسلام وأعظم ~~شرائعة وهى قرينة الشهادتين وانما فرضها الله ليلة المعراج وخاطب بها ~~الرسول بلا واسطة لم يبعث بها رسولا من الملائكة وهى آخر ما وصى به النبى ~~أمته وهى المخصوصة بالذكر في كتاب الله تخصيصا بعد تعميم كقوله تعالى @QB@ ~~والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة @QE@ وقوله @QB@ اتل ما أوحي إليك من ~~الكتاب وأقم الصلاة @QE@ وهى المقرونه بالصبر وبالزكاة وبالنسك وبالجهاد في ~~مواضع من كتاب الله كقوله تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ وقوله ~~@QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا ms7990 الزكاة @QE@ وقوله @QB@ إن صلاتي ونسكي @QE@ ~~وقوله @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا @QE@ وقوله @QB@ ~~وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم @QE@ إلى قوله @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ~~إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ PageV28P070 وأمرها أعظم من ~~ان يحاط به فاعتناء ولاة الامر بها يجب أن يكون فوق اعتنائهم بجميع الاعمال ~~ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه يكتب إلى عماله ان أهم ~~أمركم عندى الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها ~~أشد إضاعة رواه مالك وغيره # ويأمر المحتسب بالجمعة والجماعات وبصدق الحديث واداء الأمانات وينهى عن ~~المنكرات من الكذب والخيانة وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال والميزان ~~والغش في الصناعات والبياعات والديانات ونحو ذلك قال الله تعالى @QB@ ويل ~~للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون @QE@ وقال في قصة شعيب @QB@ أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ~~وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما @QE@ وقال ~~@QB@ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين @QE@ وفى الصحيحين عن حكيم بن حزام قال ~~قال رسول الله ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدقا وبينا بورك لهما في ~~بيعهما وان كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ( وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة أن ~~رسول الله مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها PageV28P071 فنالت أصابعه بللا ~~فقال ( ما هذا يا صاحب الطعام فقال أصابته السماء يا رسول الله قال أفلا ~~جعلته فوق الطعام كى يراه الناس من غشنا فليس منا ( وفى رواية ( من غشنى ~~فليس منى ( فقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم ان الغاش ليس بداخل في مطلق ~~اسم أهل الدين والايمان كما قال ( لا يزنى الزانى حين يزني وهو مؤمن ولا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ms7991 ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( فسلبه ~~حقيقة الايمان التى بها يستحق حصول الثواب والنجاة من العقاب وان كان معه ~~أصل الايمان الذى يفارق به الكفار ويخرج به من النار # والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع مثل ان يكون ظاهر ~~المبيع خيرا من باطنه كالذى مر عليه النبى وأنكر عليه ويدخل في الصناعات ~~مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ والعدس والشواء وغير ذلك أو ~~يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم أو يصنعون غير ذلك من ~~الصناعات فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان ومن هؤلاء ( الكيماوية ( ~~الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك فيصنعون ذهبا أو فضه أو عنبرا ~~أو مسكا أو جواهر أو زعفرانا أو ماء ورد أو غير ذلك يضاهون به خلق الله ولم ~~يخلق الله شيئا PageV28P072 فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه بل قال الله عز ~~وجل فيما حكى عنه رسوله ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة ~~فليخلقوا بعوضة ( ولهذا كانت المصنوعات مثل الأطبخة والملابس والمساكن غير ~~مخلوقة الا بتوسط الناس قال تعالى @QB@ وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون @QE@ ) وقال تعالى @QB@ أتعبدون ما ~~تنحتون والله خلقكم وما تعملون @QE@ # وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدورة لبنى آدم ان ~~يصنعوها لكنهم يشبهون على سبيل الغش وهذا حقيقة الكيمياء فانه المشبه وهذا ~~باب واسع قد صنف فيه أهل الخبرة ما لا يحتمل ذكره في هذا الموضع # ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة مثل عقود ~~الربا والميسر ومثل بيع الغرر وكحبل الحبله والملامسة والمنابذة وربا ~~النسيئة وربا الفضل وكذلك النجش وهو ان يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ~~وتصرية الدابة اللبون وسائر أنواع التدليس # وكذلك المعاملات الربوية سواء كانت ثنائية أو ثلاثية اذا كان المقصود بها ~~جميعها أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل # فالثنائية ما يكون بين اثنين مثل ان يجمع إلى القرض بيعا أو إجارة أو ~~مساقاة أو مزارعة وقد ms7992 ثبت عن النبى أنه PageV28P073 قال لا ( يحل سلف وبيع ~~ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك ( قال الترمذى ~~حديث صحيح ومثل أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يعيدها إليه ففى سنن أبى داود عن ~~النبى قال ( من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا ( # والثلاثية مثل ان يدخلا بينهما محللا للربا يشترى السلعة منه آكل الربا ~~ثم يبيعها المعطى للربا إلى أجل ثم يعيدهاالى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها ~~المحلل وهذه المعاملات منها ما هو حرام باجماع المسلمين مثل التى يجرى فيها ~~شرط لذلك أو التى يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعى أو بغير الشروط ~~الشرعية أو يقلب فيها الدين على المعسر فان المعسر يجب انظاره ولا يجوز ~~الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها باجماع المسلمين ومنها ما قد تنازع فيه بعض ~~العلماء لكن الثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين تحريم ~~ذلك كله # ومن المنكرات تلقى السلع قبل ان تجيء إلى السوق فان النبى نهى عن ذلك لما ~~فيه من تغرير البائع فانه لا يعرف السعر فيشترى منه المشترى بدون القيمة ~~ولذلك أثبت النبى له الخيار اذا هبط إلى السوق وثبوت الخيار له مع الغبن لا ~~ريب فيه وأما ثبوته بلا غبن ففيه نزاع بين العلماء وفيه عن أحمد روايتان ~~احداهما يثبت وهو قول الشافعى والثانية لا PageV28P074 يثبت لعدم الغبن # وثبوت الخيار بالغبن للمسترسل وهو الذى لا يماكس هو مذهب مالك وأحمد ~~وغيرهما فليس لا هل السوق ان يبيعوا المماكس بسعر ويبيعوا المسترسل الذى لا ~~يماكس أو من هو جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر هذا مما ينكر على الباعة ~~وجاء في الحديث ( غبن المسترسل ربا ( وهو بمنزلة تلقى السلع فان القادم ~~جاهل بالسعر ولذلك نهى النبى ان يبيع حاضر لباد وقال دعوا الناس يرزق الله ~~بعضهم من بعض ( وقيل لا بن عباس ما قوله ( لا يبيع حاضر لباد ( قال لا يكون ~~له سمسار وهذا نهى عنه لما فيه من ms7993 ضرر المشترين فان المقيم اذا توكل للقادم ~~في بيع سلعة يحتاج الناس اليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشترى فقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ( # ومثل ذلك ( الاحتكار ( لما يحتاج الناس إليه روى مسلم في صحيحه عن معمر ~~بن عبد الله أن النبى قال ( لا يحتكر الا خاطئ ( فان المحتكر هو الذى يعمد ~~إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد اغلاءه عليهم ~~وهو ظالم للخلق المشترين # ولهذا كان لولى الامر ان يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ~~ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في PageV28P075 ~~مخمصة فانه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل ولهذا قال الفقهاء من اضطر إلى ~~طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله ولو امتنع من بيعه الا بأكثر ~~من سعره لم يستحق # الا سعره ومن # هنا يتبين ان السعر منه ما هو ظلم لا يجوز ومنه ما هو عدل جائز فاذا تضمن ~~ظلم الناس واكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباحه ~~الله لهم فهو حرام واذا تضمن العدل بين الناس مثل اكراههم على ما يجب عليهم ~~من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل ~~فهو جائز بل واجب # فاما الأول فمثل ما روى أنس قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا يا رسول الله لو سعرت فقال ( ان الله هو القابض الباسط ~~الرازق المسعر وانى لارجو أن ألقى الله ولا يطلبنى أحد بمظلمة ظلمتها اياه ~~في دم ولامال ( رواه أبو داود والترمذى وصححه فاذا كان الناس يبيعون سلعهم ~~على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر اما لقلة الشيء واما ~~لكثرة الخلق فهذا إلى الله فالزام الخلق ان يبيعوا بقيمة بعينها اكراه بغير ~~حق # وأما الثانى فمثل ان يمتنع ارباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس ~~PageV28P076 اليها الا ms7994 بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها ~~بقيمة المثل ولا معنى للتسعير الا الزامهم بقيمة المثل فيجب ان يلتزموا بما ~~ألزمهم الله به # وأبلغ من هذا ان يكون الناس قد التزموا ان لا يبيع الطعام أو غيره الا ~~أناس معروفون لاتباع تلك السلع الا لهم ثم يبيعونها هم فلو باع غيرهم ذلك ~~منع اما ظلما لوظيفة تؤخذ من البائع أو غير ظلم لما في ذلك من الفساد فها ~~هنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون الا بقيمة المثل ولا يشترون أموال ~~الناس الا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء لأنه اذا كان قد ~~منع غيرهم ان يبيع ذلك النوع أو يشتريه فلو سوغ لهم ان يبيعوا بما اختاروا ~~أواشتروا بما اختاروا كان ذلك ظلما للخلق من وجهين ظلما للبائعين الذين ~~يريدون بيع تلك الأموال وظلما للمشترين منهم والواجب اذا لم يمكن دفع جميع ~~الظلم ان يدفع الممكن منه فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع وحقيقته ~~إلزامهم ان لا يبيعوا أو لا يشتروا الا بثمن المثل وهذا # واجب في مواضع كثيرة من الشريعة فانه كما ان الاكراه على البيع لا يجوز ~~الا بحق يجوز الا كراه على البيع بحق في مواضع مثل بيع المال لقضاء الدين ~~الواجب والنفقة الواجبة والاكراه على ان لا يبيع الا بثمن المثل لا يجوز ~~الا بحق ويجوز في مواضع مثل المضطر إلى PageV28P077 طعام الغير ومثل الغراس ~~والبناء الذى في ملك الغير فان لرب الأرض ان يأخذه بقيمة المثل لا بأكثر ~~ونظائره كثيرة # وكذلك السراية في العتق كما قال النبى ( من أعتق شركا له في عبد وكان له ~~من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه ~~حصصهم وعتق عليه العبد والا فقد عتق منه ما عتق ( # وكذلك من وجب عليه شراء شيء للعبادات كآلة الحج ورقبة العتق وماء الطهارة ~~فعليه أن يشتريه بقيمة المثل ليس له أن يمتنع عن الشراء الا بما # يختار ms7995 وكذلك فيما يجب عليه من طعام أو كسوة لمن عليه نفقته اذا وجد ~~الطعام أو اللباس الذى يصلح له في العرف بثمن المثل لم يكن له ان ينتقل إلى ~~ما هو دونه حتى يبذل له ذلك بثمن يختاره ونظائره كثيرة # ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبى حنيفة وأصحابة القسام الذين يقسمون ~~العقار وغيره بالأجر ان يشتركوا والناس محتاجون اليهم أغلوا عليهم الأجر ~~فمنع البائعين الذين تواطؤا على أن لايبعوا إلا بثمن قدروه أولى وكذلك منع ~~المشترين اذا تواطؤا على أن يشتركوا فانهم اذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم ~~حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضا PageV28P078 فاذا كانت الطائفة التى تشترى ~~نوعا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ~~ثمن المثل المعروف ويزيدون ما يبيعونه بأكثر من الثمن المعروف وينموا ما ~~يشترونه كان هذا أعظم عدوانا من تلقى السلع ومن بيع الحاضر للبادي ومن ~~النجش ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى بيع سلعهم وشرائها ~~بأكثر من ثمن المثل والناس يحتاجون إلى ذلك وشرائه وما احتاج إلى بيعه ~~وشرائه عموم الناس فانه يجب أن لايباع الا بثمن المثل اذا كانت الحاجة إلى ~~بيعه وشرائة عامة # ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس مثل حاجة الناس إلى الفلاحة ~~والنساجة والبناية فان الناس لا بد لهم من طعام يأكلونه وثياب يلبسونها ~~ومساكن يسكنونها فاذا لم يجلب لهم من الثياب ما يكفيهم كما كان يجلب إلى ~~الحجاز على عهد رسول الله كانت الثياب تجلب اليهم من اليمن ومصر والشام ~~وأهلها كفار وكانوا يلبسون ما نسجه الكفار ولا يغسلونه فاذا لم يجلب إلى ~~ناس البلد ما يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب ولابد لهم من طعام اما ~~مجلوب من غير بلدهم واما من زرع بلدهم وهذا هو الغالب وكذلك لا بد لهم من ~~مساكن يسكنونها فيحتاجون إلى البناء فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من ~~اصحاب الشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهم PageV28P079 كأبى حامد الغزالى وأبى ~~الفرج ms7996 بن الجوزى وغيرهم ان هذه الصناعات فرض على الكفاية فانه لا تتم مصلحة ~~الناس الا بها كما أن الجهاد فرض على الكفاية الا أن يتعين فيكون فرضا على ~~الاعيان مثل أن يقصد العدو بلدا أو مثل أن يستنفر الامام أحدا # وطلب العلم الشرعى فرض على الكفاية الافيما يتعين مثل طلب كل واحد علم ما ~~أمره الله به وما نهاه عنه فان هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ~~( وكل من أراد الله به خيرا لا بد ان يفقهه في الدين فمن لم يفقهه في الدين ~~لم يرد الله به خيرا والدين ما بعث الله به رسوله وهو ما يجب على المرء ~~التصديق به والعمل به وعلى كل أحد أن يصدق محمدا صلى الله عليه وسلم فيما ~~أخبر به ويطيعه فيما أمر تصديقا عاما وطاعة عامة ثم اذا ثبت عنه خبر كان ~~عليه ان يصدق به مفصلا واذا كان مأمورا من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه ~~طاعة مفصل # ة وكذلك غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم فرض على الكفاية # وكذلك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض على الكفاية PageV28P080 ~~والولايات كلها الدينية مثل إمرة المؤمنين وما دونها من ملك ووزارة ~~وديوانية سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب لمستخرج أو مصروف في أرزاق ~~المقاتلة أو غيرهم ومثل امارة حرب وقضاء وحسبة وفروع هذه الولايات انما ~~شرعت للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر # وكان رسول الله في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور ~~ويولى في الأماكن البعيدة عنه كما ولى على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف ~~عثمان بن أبى العاص وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص وبعث عليا ومعاذا ~~وأبا موسى إلى اليمن وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث على الأموال الزكوية ~~السعاة فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في ~~القرآن فيرجع الساعى إلى المدينة وليس ms7997 معه الا السوط لا يأتى إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم بشيء اذا وجد لها موضعا يضعها فيه # وكان النبى صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على العمال يحاسبهم على ~~المستخرج والمصروف كما في الصحيحين عن ابى حميد الساعدى ان النبى استعمل ~~رجلا من الأزد يقال له بن اللتبية على الصدقات فلما رجع حاسبه فقال هذا لكم ~~PageV28P081 وهذا أهدى إلى فقال النبى ( ما بال الرجل نستعمله على العمل ~~بما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدى إلى أفلا قعد في بيت أبيه وأمه ~~فينظر أيهدى إليه أم لا والذى نفسى بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ~~ولانا الله فيغل منه شيئا الا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته ان كان ~~بعيرا له رغاء وان كانت بقرة لها خوار وان كانت شاه تيعر ثم رفع يديه إلى ~~السماء وقال اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت ( قالها مرتين أو ثلاثا # والمقصود هنا أن هذه الأعمال التى هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير ~~الانسان صارت فرض عين عليه لاسيما ان كان غيره عاجزا عنها فاذا كان الناس ~~محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا يجبرهم ~~ولى الأمر عليه اذا امتنعوا عنه بعوض المثل ولا يمكنهم من مطالبة الناس ~~بزيادة عن عوض المثل ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم كما إذا ~~احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن ~~يصنعها لهم فان الجند يلزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح أن يفلح ~~للجند # والمزارعة جائزة في أصح قولى PageV28P082 العلماء وهى عمل المسلمين على ~~عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين وعليها عمل آل أبى بكر وآل عمر وآل عثمان ~~وآل على وغيرهم من بيوت المهاجرين وهى قول أكابر الصحابة كابن مسعود وهى ~~مذهب فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل واسحق بن راهويه وداود بن على والبخارى ~~ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبى بكر بن المنذر وغيرهم ومذهب الليث بن سعد ms7998 وبن ~~أبى ليلى وأبى يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء المسلمين وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى ~~مات ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر وكان قد شارطهم أن ~~يعمروها من أموالهم وكان البذر منهم لا من النبى صلى الله عليه وسلم ولهذا ~~كان الصحيح من قولى العلماء أن البذر يجوز أن يكون من العامل بل طائفة من ~~الصحابة قالوا لا يكون البذر الا من العامل # والذى نهى عنه النبى من المخابرة وكراء الأرض قد جاء مفسرا بأنهم كانوا ~~يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع ~~العلماء وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة فان هذا لا يجوز ~~بالاتفاق لأن المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس المشاركات ~~والمشاركة انما تكون اذا كان لكل من الشريكين جزء شائع PageV28P083 كالثلث ~~والنصف فاذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلا بل كان ظلما # وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الاجارات بعوض مجهول ~~فقالوا القياس يقتضى تحريمها ثم منهم من حرم المساقاة والزراعة وأباح ~~المضاربة استحبابا للحاجة لان الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو حنيفة ~~ومنهم من أباح المساقاة إما مطلقا كقول مالك والقديم للشافعي أو على النخل ~~والعنب كالجديد للشافعى لأن الشجر لا يمكن اجارتها بخلاف الأرض واباحوا ما ~~يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة فأباحوا المزارعة تبعا للمساقاة كقول ~~الشافعى اذا كانت الأرض أغلب أو قدروا ذلك بالثلث كقول مالك وأما جمهور ~~السلف وفقهاء الأمصار فقالوا هذا من باب المشاركة لا من باب الاجارة التى ~~يقصد فيها العمل فان مقصود كل منهما ما يحصل من الثمر والزرع وهما متشاركان ~~هذا ببدنه وهذا بماله كالمضاربة # ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن هذه المشاركات اذا فسدت وجب نصيب ~~المثل لا أجرة المثل فيجب من الربح أو النماء إما ثلثه وإما نصفه كما ms7999 جرت ~~العادة في مثل ذلك ولا يجب أجرة مقدرة فان ذلك قد يستغرق المال واضعافه # وأنما يجب في الفاسد من PageV28P084 العقود نظير ما يجب في الصحيح ~~والواجب في الصحيح ليس هو أجرة مسماة بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب في ~~الفاسدة نظير ذلك # والمزارعة آصل من المؤاجرة وأقرب إلى العدل والأصول فانهما يشتركان في ~~المغنم والمغرم بخلاف المؤاجرة فان صاحب الأرض تسلم له الاجرة والمستأجر قد ~~يحصل له زرع وقد لا يحصل والعلماء مختلفون في جواز هذا وجواز هذا والصحيح ~~جوازهما # وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة وما علمت احدا من علماء المسلمين ~~لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم قال ان إجارة الاقطاع لا تجوز وما زال ~~المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة من زمن الصحابة إلى زمننا هذا لكن بعض أهل ~~زماننا ابتدعوا هذا القول قالوا لأن المقطع لا يملك المنفعة فيصير ~~كالمستعير اذا اكرى الأرض المعارة وهذا القياس خطأ لوجهين # أحدهما أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له وإنما تبرع له المعير بها وأما ~~أراضى المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين وولى الأمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم ~~ليس متبرعا لهم كالمعير والمقطع يستوفى المنفعة بحكم الاستحقاق كما يستوفى ~~الموقوف عليه منافع الوقف واولى واذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وان ~~أمكن أن يموت فتنفسخ الأجارة بموته على أصح قولى العلماء فلأن يجوز للمقطع ~~أن يؤجر الاقطاع PageV28P085 وان انفسخت الاجارة بموته أو غير ذلك بطريق ~~الأولى والأحرى الثانى ان المعير لو أذن في الاجارة جازت الاجارة مثل ~~الاجارة في الأقطاع وولى الأمر يأذن للمقطعين في الأجارة وإنما أقطعهم ~~لينتفعوا بها إما بالمزارعة وإما بالأجارة ومن حرم الأنتفاع بها بالمؤاجرة ~~والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم فان المساكن كالحوانيت ~~والدور ونحو ذلك لا ينتفع بها المقطع الا بالأجارة وأما المزارع والبساتين ~~فينتفع بها بالاجارة وبالمزارعة والمساقاة في الأمر العام # والمرابعة نوع من المزارعة ولا تخرج عن ذلك الا اذا استكرى باجارة مقدرة ~~من يعمل له فيها وهذا لا يكاد ms8000 يفعله الا قليل من الناس لأنه قد يخسر ماله ~~ولا يحصل له شيء بخلاف المشاركة فانهما يشتركان في المغنم والمغرم فهو أقرب ~~إلى العدل فلهذا تختارة الفطر السليمة وهذه المسائل لبسطها موضع آخر ~~والمقصود هنا ان ولى الأمر ان أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس ~~من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فانه يقدر أجرة المثل فلا يمكن ~~المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك ولايمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ~~ذلك حيث تعين عليه العمل وهذا من التسعير الواجب وكذلك اذا احتاج الناس إلى ~~من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل باجرة المثل ~~لا PageV28P086 يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة ~~على حقهم مع الحاجة اليهم فهذا تسعير في الأعمال # وأما في الاموال فاذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن ~~يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل ~~لهم من الأموال ما يختارون والامام لو عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم ~~كما قال النبى ( وإذا استنفرتم فانفروا ( أخرجاه في الصحيحين وفى الصحيح ~~أيضا عنه أنه قال ( على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ~~ومكرهه وأثرة عليه ( فاذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله فكيف لا يجب عليه ~~أن يبيع ما يحتاج إليه في الجهاد بعوض المثل والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب ~~عليه الجهاد بماله في أصح قولى العلماء وهو احدى الروايتين عن أحمد فان ~~الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن وقد قال الله تعالى ~~@QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وقال النبى صلى الله عليه وسلم اذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ( أخرجاه في الصحيحين فمن عجز عن الجهاد ~~بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال كما ان من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط ~~عنه الجهاد بالبدن ومن أوجب على المعضوب أن يخرج من ماله ما يحج به الغير ~~عنه وأوجب الحج على المستطيع بماله فقوله PageV28P087 ظاهر التناقض ms8001 # ومن ذلك اذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم لعجزهم عن ~~الطحن والخبز في البيوت كما كان أهل المدينه على عهد رسول الله فانه لم يكن ~~عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا ولا خبزا بل كانوا يشترون ~~الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم فلم يكونوا يحتاجون إلى التسعير وكان من ~~قدم بالحب باعه فيشتريه الناس من الجالبين ولهذا قال النبى ( الجالب مرزوق ~~والمحتكر ملعون ( وقال ( لا يحتكر الا خاطئ ( رواه مسلم في صحيحه # وما يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ( انه نهى عن قفيز الطحان ( فحديث ~~ضعيف بل باطل فان المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز لعدم حاجتهم إلى ذلك ~~كما ان المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفارا لأن المسلمين ~~كانوا مشتغلين بالجهاد # ولهذا لما فتح النبى خيبر أعطاها لليهود يعملونها فلاحة لعجز الصحابة عن ~~فلاحتها لأن ذلك يحتاج إلى سكناها وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان ~~الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا نحو الف واربعمائة وانضم اليهم أهل سفينة ~~جعفر فهؤلاء هم الذين قسم النبى بينهم أرض خيبر فلو أقام PageV28P088 طائفة ~~من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التى لا يقوم بها غيرهم فلما كان ~~في زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وفتحت البلاد وكثر المسلمون استغنوا عن ~~اليهود فأجلوهم وكان النبى قد قال ( نقركم فيها ما شئنا وفى رواية ما أقركم ~~الله ( وأمر باجلائهم منها عند موته فقال ( اخرجوا اليهود والنصارى من ~~جزيرة العرب ( # ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبرى إلى ان الكفار لا يقرون ~~في بلاد المسلمين بالجزية الا اذا كان المسلمون محتاجين اليهم فاذا استغنوا ~~عنهم اجلوهم كأهل خيبر وفى هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه # والمقصود هنا أن الناس اذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على ~~وجهين # احدهما أن يحتاجوا إلى صناعتهم كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت فهؤلاء ~~يستحقون الأجرة وليس لهم عند الحاجة اليهم أن يطالبوا إلا باجرة المثل ~~كغيرهم من ms8002 الصناع # والثانى أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع فيحتاجوا إلى من يشترى الحنطة ~~ويطحنها والى من يخبزها ويبيعها خبزا لحاجة الناس إلى PageV28P089 شراء ~~الخبز من الاسواق فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة ويبيعوا ~~الدقيق والخبز بما شاؤوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ضررا عظيما ~~فان هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة وجمهور علماء ~~المسلمين كما يجب على كل من اشترى شيئا يقصد أن يبيعه بربح سواء عمل فيه ~~عملا أو لم يعمل وسواء اشترى طعاما أو ثيابا أو حيوانا وسواء كان مسافرا ~~ينقل ذلك من بلد إلى بلد أو كان متربصا به يحبسه إلى وقت النفاق أو كان ~~مديرا يبيع دائما ويشترى كأهل الحوانيت فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجار ~~واذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما ~~تقدم أو دخلوا طوعا فيما يحتاج إليه الناس من غير الزام لواحد منهم بعينه ~~فعلى التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة فلا يبيعوا الحنطة والدقيق الا ~~بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير اضرار بهم ولا بالناس # وقد تنازع العلماء في التسعير في مسالتين # إحداهما اذا كان للناس سعر غال فأراد بعضهم أن يبيع باغلى من ذلك فانه ~~يمنع منه في السوق في مذهب مالك وهل يمنع النقصان على قولين لهم # وأما الشافعى وإصحاب أحمد كأبى حفص العكبرى والقاضى PageV28P090 أبى يعلى ~~والشريف أبى جعفر وأبى الخطاب وبن عقيل وغيرهم فمنعوا من ذلك واحتج مالك ~~بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب ان عمر بن الخطاب مر ~~بحاطب بن أبى بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق فقال له عمر إما أن تزيد في ~~السعر وإما أن ترفع من سوقنا وأجاب الشافعى وموافقوه بما رواه فقال حدثنا ~~الدراوردى عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر أنه مر بحاطب ~~بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له مدين ~~لكل درهم ms8003 فقال له عمر قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون ~~سعرك فاما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت فلما رجع ~~عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال ان الذى قلت لك ليس بمعرفة منى ~~ولا قضاء انما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع ~~وقال الشافعى وهذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما رواه مالك ولكنه روى بعض ~~الحديث أو رواه عنه من رواه وهذا أتى باول الحديث وآخره وبه أقول لأن الناس ~~مسلطون على أموالهم ليس لأحد ان يأخذها أو شيئا منها بغير طيب PageV28P091 ~~أنفسهم الا في المواضع التى تلزمهم وهذا ليس منها # قلت وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي الذى يؤمر من حط عنه ان يلحق به ~~هو السعر الذى عليه جمهور الناس فاذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط ~~السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور لأن المراعى حال الجمهور وبه تقوم ~~المبيعات وروى بن القاسم عن مالك لا يقام الناس لخمسة قال وعندى أنه يجب ان ~~ينظر في ذلك إلى قدر الأسواق وهل يقام من زاد في السوق أى في قدر المبيع ~~بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه قال أبو الحسن بن القصار المالكى اختلف ~~أصحابنا في قول مالك ولكن من حط سعرا فقال البغداديون أراد من باع خمسة ~~بدرهم والناس يبيعون ثمانية وقال قوم من المصريين أراد من باع ثمانية ~~والناس يبيعون خمسة قال وعندى ان الأمرين جميعا ممنوعان لأن من باع ثمانية ~~والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم فربما أدى إلى الشغب والخصومة ~~ففى منع الجميع مصلحة قال أبو الوليد ولا خلاف ان ذلك حكم أهل السوق # 2 وأما الجالب ففى كتاب محمد لا يمنع الجالب ان يبيع في السوق دون الناس ~~وقال بن حبيب ما عدا القمح والشعير الا بسعر الناس والا رفعوا قال وأما ~~جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء PageV28P092 الا أن لهم في أنفسهم ms8004 حكم ~~أهل السوق إن أرخص بعضهم تركوا وان كثر المرخص قيل لمن بقى اما ان تبيعوا ~~كبيعهم واما أن ترفعوا قال بن حبيب وهذا في المكيل والموزون مأكولا أو غير ~~مأكول دون مالا يكال ولا يوزن لأن غيره لا يمكن تسعيره لعدم التماثل فيه ~~قال أبو الوليد يريد اذا كان المكيل والموزون متساويا فاذا اختلف لم يؤمر ~~بائع الجيد أن يبيعه بسعر الدون # قلت والمسألة الثانية التى تنازع فيها العلماء في التسعير أن لا يحد لأهل ~~السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب فهذا منع منه جمهور العلماء ~~حتى مالك نفسه في المشهور عنه ونقل المنع ايضا عن بن عمر وسالم والقاسم بن ~~محمد وذكر أبو الوليد عن سعيد بن المسيب وربيعة بن ابى عبد الرحمن وعن يحيى ~~بن سعيد أنهم أرخصوا فيه ولم يذكر الفاظهم # وروى أشهب عن مالك وصاحب السوق يسعر على الجزارين لحم الضأن ثلث رطل ولحم ~~الابل نصف رطل والا خرجوا من السوق قال إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم ~~فلا بأس 8 به ولكن أخاف أن يقوموا من السوق # واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس بالمنع من اغلاء PageV28P093 ~~السعر عليهم ولا فساد عليهم قالوا ولا يجبر الناس على البيع انما يمنعون من ~~البيع بغير السعر الذي يحده ولى الامر على حسب ما يرى من المصلحة فيه ~~للبائع والمشترى ولا يمنع البائع ربحا ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس # وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبى وقد رواه ايضا أبو داود ~~وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أنه قال جاء رجل ~~إلى النبى فقال له يا رسول الله سعر لنا فقال ( بل أدعو الله ( ثم جاء رجل ~~فقال يا رسول الله سعر لنا فقال ( بل الله يرفع ويخفض وإنى لآرجو ان القى ~~الله وليست لأحد عندى مظلمة ( قالوا ولأن اجبار الناس على بيع لا يجب أو ~~منعهم مما يباح شرعا ظلم لهم والظلم ms8005 حرام # وأما صفة ذلك عند من جوزه فقال بن حبيب ينبغى للامام أن يجمع وجوه اهل ~~سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم فيسألهم كيف يشترون وكيف ~~يبيعون فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ولا يجبرون على ~~التسعير ولكن عن رضا قال وعلى هذا أجازه من أجازه قال أبو الوليد ووجه ذلك ~~أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ويجعل للباعة PageV28P094 ~~في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا يكون فيه اجحاف بالناس واذا سعر عليهم من ~~غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار واخفاء الأقوات ~~واتلاف اموال الناس قلت فهذا الذى تنازع فيه العلماء وأما اذا امتنع الناس ~~من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه وكذلك من ~~وجب عليه ان يبيع بثمن المثل فامتنع ان يبيع الا بأكثر منه فهنا يؤمر بما ~~يجب عليه ويعاقب على تركه بلا ريب # ومن منع التسعير مطلقا محتجا بقول النبى ( ان الله هو المسعر القابض ~~الباسط وانى لأرجو ان ألقى الله وليس أحد منكم يطالبنى بمظلمة في دم ولا ~~مال ( فقد غلط فان هذه قضية معينة ليست لفظا عاما وليس فيها ان أحدا امتنع ~~من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه أو طلب في ذلك اكثر من عوض المثل # ومعلوم ان الشيء اذا رغب الناس في المزايدة فيه فاذا كان صاحبه قد بذله ~~كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم والمدينة كما ~~ذكرنا انما كان الطعام الذى يباع فيها غالبا من الجلب وقد يباع فيها شيء ~~يزرع فيها وانما كان يزرع فيها PageV28P095 الشعير فلم يكن البائعون ولا ~~المشترون ناسا معينين ولم يكن هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله ~~ليجبر على عمل أو على بيع بل المسلمون كلهم من جنس واحد كلهم يجاهد في سبيل ~~الله ولم يكن من المسلمين البالغين القادرين على الجهاد الا من يخرج في ~~الغزو وكل ms8006 منهم يغزو بنفسه وماله أو بما يعطاه من الصدقات أو الفيء أو ما ~~يجهزه به غيره وكان إكراه البائعين على ان لا يبيعوا سلعهم الا بثمن معين ~~اكراها بغير حق وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل البيع فاكراههم على تقدير ~~الثمن كذلك لا يجوز # واما من تعين عليه ان يبيع فكالذى كان النبى قدر له الثمن الذى يبيع به ~~ويسعر عليه كما في الصحيحين عن النبى انه قال ( من اعتق شركا له في عبد ~~وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط ~~فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ( فهذا لما وجب عليه أن يملك شريكه عتق ~~نصيبه الذى لم يعتقه ليكمل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد ~~قيمة عدل لا وكس ولا شطط ويعطى قسطه من القسمة فان حق الشريك في نصف القيمة ~~لا في قيمة النصف عند جماهير العلماء كمالك وأبى حنيفة وأحمد ولهذا قال ~~هؤلاء كل ما لا يمكن قسمه فانه يباع ويقسم ثمنه اذا طلب أحد الشركاء ذلك ~~PageV28P096 ويجبر الممتنع على البيع وحكى بعض المالكية ذلك اجماعا لأن حق ~~الشريك في نصف القيمة كما دل عليه هذا الحديث الصحيح ولا يمكن اعطاؤه ذلك ~~الا ببيع الجميع فاذا كان الشارع يوجب اخراج الشئ من ملك مالكه بعوض المثل ~~لحاجة الشريك إلى اعتاق ذلك وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة ~~فكيف بمن كانت حاجته اعظم من الحاجة إلى اعتاق ذلك النصيب مثل حاجة المضطر ~~إلى الطعام واللباس وغير ذلك # وهذا الذى امر به النبى من تقويم الجميع بقيمة المثل هو حقيقة التسعير ~~وكذلك يجوز للشريك ان ينزع النصف المشفوع من يد المشترى بمثل الثمن الذى ~~اشتراه به لا بزيادة للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة وهذا ثابت بالسنة ~~المستفيضة واجماع العلماء وهذا الزام له بان يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة ~~لأجل تحصيل مصلحة التكميل لواحد فكيف بما هو اعظم من ذلك ولم يكن له ان ~~يبيعه للشريك ms8007 بما شاء بل ليس له أن يطلب من الشريك زيادة على الثمن الذى ~~حصل له به وهذا في الحقيقة من نوع التولية فان التولية أن يعطى المشترى ~~السلعة لغيره بمثل الثمن الذى اشتراها به وهذا ابلغ من البيع بثمن المثل ~~ومع هذا فلا يجبر المشترى على أن يبيعه لأجنبى غير الشريك الا بما شاء اذ ~~لا حاجة بذاك إلى PageV28P097 شرائه كحاجة الشريك # فأما اذا قدر ان قوما اضطروا إلى سكنى في بيت انسان اذا لم يجدوا مكانا ~~يأوون إليه الا ذلك البيت فعليه ان يسكنهم وكذلك لو احتاجوا إلى أن يعيرهم ~~ثيابا يستدفئون بها من البرد أو إلى الات يطبخون بها أو يبنون أو يسقون ~~يبذل هذا مجانا واذا احتاجوا إلى ان يعيرهم دلوا يستقون به أو قدرا يطبخون ~~فيها أو فأسا يحفرون به فهل عليه بذله باجرة المثل لا بزيادة فيه قولان ~~للعلماء في مذهب أحمد وغيره والصحيح وجوب بذل ذلك مجانا اذا كان صاحبها ~~مستغنيا عن تلك المنفعة وعوضها كما دل عليه الكتاب والسنة # قال الله تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم ~~يراؤون ويمنعون الماعون @QE@ وفى السنن عن بن مسعود قال كنا نعد ( الماعون ~~( عارية الدلو والقدر والفاس # وفى الصحيحين عن النبى انه لما ذكر الخيل قال ( هي لرجل أجر ولرجل ستر ~~وعلى رجل وزر فاما الذى هي له أجر فرجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله ~~في رقابها ولا ظهورها ( وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( من حق الابل اعارة ~~دلوها واضراب فحلها ( وثبت عنه ( أنه نهى عن عسب الفحل ( وفى الصحيحين عنه ~~انه PageV28P098 قال ( لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره ( وايجاب ~~بذل هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره # ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض فهل يجبر ~~على قولين للعلماء هما روايتان عن أحمد والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن ~~الخطاب قال للمهنع والله لنجرينها ولو على بطنك ومذهب غير واحد من الصحابة ms8008 ~~والتابعين ان زكاة الحلى عاريته وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره # والمنافع التى يجب بذلها نوعان منها ما هو حق المال كما ذكره في الخيل ~~والابل وعارية الحلي ومنها ما يجب لحاجة الناس # وايضا فان بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم وافتاء ~~الناس وأداء الشهادة والحكم بينهم والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~والجهاد وغير ذلك من منافع الابدان فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال ~~للمحتاج وقد قال تعالى @QB@ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا @QE@ ) وقال @QB@ ~~ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله @QE@ # وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال هي أربعة أوجه في مذهب ~~أحمد وغيره # ( أحدها ( أنه لا يجوز مطلقا و ( الثانى ( لا يجوز الا عند الحاجة ~~PageV28P099 و ( الثالث ( يجوز إلا أن يتعين عليه و ( الرابع ( يجوز فان ~~أخذ أجرا عند العمل لم ياخذ عند الأداء وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر # والمقصود هنا انه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك ان يبيع ~~ماله بثمن مقدر اما بثمن المثل واما بالثمن الذى اشتراه به لم يحرم مطلقا ~~تقدير الثمن ثم ان ما قدر به النبى في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل ~~الحرية وذلك حق الله وما إحتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله ولهذا ~~يجعل العلماء هذه حقوقا لله تعالى وحدودا لله بخلاف حقوق الأدميين وحدودهم ~~وذلك مثل حقوق المساجد ومال الفيء والصدقات والوقف على أهل الحاجات ~~والمنافع العامة ونحو ذلك ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر فان ~~الذى يقتل شخصا لأجل المال يقتل حتما باتفاق العلماء وليس لورثة المقتول ~~العفو عنه بخلاف من يقتل شخصا لغرض خاص مثل خصومة بينهما فان هذا حق ~~لأولياء المقتول ان أحبوا قتلوا وان أحبوا عفوا باتفاق المسلمين # وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة ليس الحق فيها ~~لواحد بعينة فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من ~~تقديره لتكميل الحرية لكن ms8009 تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق فلو لم يقدر ~~فيها الثمن لتضرر بطلب PageV28P100 الشريك الآخر ما شاء وهنا عموم الناس ~~عليهم شراء الطعام والثياب لا نفسهم فلو مكن من يحتاج إلى سلعته أن لا يبيع ~~الا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم # ولهذا قال الفقهاء اذا اضطر الانسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له ~~بثمن المثل فيجب الفرق بين من عليه ان يبيع وبين من ليس عليه ان يبيع وأبعد ~~الأئمة عن ايجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعى ومع هذا فانه يوجب على من ~~أضطر الأنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل # وتنازع اصحابه في جواز التسعير للناس اذا كان بالناس حاجة ولهم فيه وجهان ~~وقال أصحاب أبى حنيفة لا ينبغى للسلطان ان يسعر على الناس الا اذا تعلق به ~~حق ضرر العامة فاذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت ~~أهله على أعتبار السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار فان رفع التاجر فيه إليه ~~ثانيا حبسه وعزره على مقتضى رايه زجرا له أو دفعا للضرر عن الناس فان كان ~~أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة ~~حقوق المسلمين الا بالتسعير سعر حينئذ بمشورة اهل الراى والبصيرة واذا تعدى ~~أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي وهذا على قول ابى حنيفة ظاهر حيث لايرى ~~الحجر على الحر وكذا عندهما أي عند ابى PageV28P101 يوسف ومحمد الا ان يكون ~~الحجر على قوم معينين ومن باع منهم بما قدره الامام صح لانه غير مكره عليه # وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه قيل هو ( على ) الاختلاف ~~المعروف في مال المديون وقيل يبيع ها هنا بالاتفاق لان أبا حنيفة يرى الحجر ~~لدفع الضرر العام والسعر لما غلا في عهد النبى وطلبوا منه التسعير فامتنع ~~لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام إمتنع من بيعه بل عامة من كانوا يبيعون ~~الطعام انما هم جالبون يبيعونه اذا هبطوا السوق # لكن نهى النبى أن يبيع حاضر ms8010 لباد نهاه أن يكون له سمسارا وقال ( دعوا ~~الناس يرزق الله بعضهم من بعض ( وهذا ثابت في الصحيح عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم من غير وجه فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادى الجالب ~~للسلعة لانه اذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشترى ~~فنهاه عن التوكل له مع أن جنس الوكالة مباح لما في ذلك من زيادة السعر على ~~الناس # ونهى النبى عن تلقى الجلب وهذا ايضا ثابت في الصحيح من غير وجه وجعل ~~للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ~~ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه فأثبت النبى الخيار لهذا ~~PageV28P102 البائع وهل هذا الخيار فيه ثابت مطلقا أو اذا غبن قولان ~~للعلماء هما روايتان عن أحمد اظهرهما أنه انما يثبت له الخيار اذا غبن ~~والثانى يثبت له الخيار مطلقا وهو ظاهر مذهب الشافعى # وقال طائفة بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري اذا تلقاه المتلقى ~~فاشتراه ثم باعه # وفى الجملة فقد نهى النبى عن البيع والشراء الذى جنسه حلال حتى يعلم ~~البائع بالسعر وهو ثمن المثل ويعلم المشترى بالسلعة وصاحب القياس الفاسد ~~يقول للمشترى أن يشترى حيث شاء وقد اشترى من البائع كما يقول وللبادى أن ~~يوكل الحاضر # ولكن الشارع رأى المصلحة العامة فان الجالب اذا لم يعرف السعر كان جاهلا ~~بثمن المثل فيكون المشترى غارا له ولهذا ألحق مالك واحمد بذلك كل مسترسل # والمسترسل الذى لا يماكس والجاهل بقيمة المبيع فانه بمنزلة الجالبين ~~الجاهلين بالسعر فتبين أنه يجب على الإنسان أن لايبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر ~~المعروف وهو ثمن المثل وأن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك ~~البائع لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير مما كسين له ~~والبيع يعتبر فيه الرضا والرضا يتبع العلم ومن لم يعلم انه غبن فقد يرضى ~~وقد لا PageV28P103 يرضى فاذا علم أنه غبن ورضى فلا بأس بذلك واذا لم ms8011 يرض ~~بثمن المثل لم يلتفت إلى سخطه # ولهذا اثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس فان الأصل في ~~البيع الصحة وان يكون الباطن كالظاهر فاذا أشترى على ذلك فما عرف رضاه إلا ~~بذلك فاذا تبين ان في السلعة غشا أو عيبا فهو كما لو وصفها بصفة وتبينت ~~بخلافها فقد يرضى وقد لا يرضى فان رضى والا فسخ البيع وفى الصحيحين عن حكيم ~~بن حزام عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( البيعان بالخيار ما لم ~~يتفرقا فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وان كذبا وكتما محقت بركة ~~بيعهما ( وفى السنن ان رجلا كانت له شجرة في أرض غيره وكان صاحب الأرض ~~يتضرر بدخول صاحب الشجرة فشكا ذلك إلى النبى فأمره أن يقبل منه بدلها أو ~~يتبرع له بها فلم يفعل فأذن لصاحب الأرض في قلعها وقال لصاحب الشجرة ( انما ~~أنت مضار ( فهنا أوجب عليه اذا لم يتبرع بها أن يبيعها فدل على وجوب البيع ~~عند حاجة المشترى وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام # ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن والخبز ونظير هؤلاء صاحب ~~الخان والقيسارية والحمام اذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك وهو انما ~~ضمنها ليتجر فيها فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم PageV28P104 ~~يحتاجون لم يمكن من ذلك وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل كما يلزم الذى يشترى ~~الحنطة ويطحنها ليتجر فيها والذى يشترى الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة ~~الناس إلى ما عنده بل الزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى بل اذا امتنع ~~من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر الناس بذلك الزم بصنعتها كما تقدم واذا ~~كانت حاجة الناس تندفع اذا عملوا ما يكفى الناس بحيث يشترى إذ ذاك بالثمن ~~المعروف لم يحتج إلى تسعير وأما اذا كانت حاجة الناس لا تندفع الا بالتسعير ~~العادل سعر عليهم تسعير عدل لا وكس ولا شطط ### ||| فصل # فأما الغش والتدليس في ( الديانات ( فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة ~~واجماع سلف الأمة من ms8012 الأقوال والأفعال مثل أظهار المكاء والتصدية في مساجد ~~المسلمين ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين أو سب أئمة المسلمين ~~ومشايخهم وولاة أمورهم المشهورين عند عموم الأمة بالخير ومثل التكذيب ~~بأحاديث النبى التى تلقاها أهل العلم بالقبول ومثل رواية الأحاديث الموضوعة ~~المفتراة على رسول الله ومثل الغلو في الدين PageV28P105 بأن ينزل البشر ~~منزلة الاله ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبى ومثل الالحاد في أسماء الله ~~وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه والتكذيب بقدر الله ومعارضة أمره ونهيه ~~بقضائه وقدره ومثل اظهار الخزعبلات السحرية والشعبذية الطبيعية وغيرها التى ~~يضاهى بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات ليصد بها عن سبيل ~~الله أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله وهذا باب واسع يطول وصفه # فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك وعقوبته عليها إذا لم ~~يتب حتى قدر عليه بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك وأما ~~المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولا أو فعلا ويمنع من الاجتماع في مظان ~~التهم فالعقوبة لا تكون الا على ذنب ثابت وأما المنع والاحتراز فيكون مع ~~التهمة كما منع عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يجتمع الصبيان بمن كان يتهم ~~بالفاحشة وهذا مثل الاحتراز عن قبول شهادة المتهم بالكذب وائتمان المتهم ~~بالخيانة ومعاملة المتهم بالمطل PageV28P106 ### ||| فصل # ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ( لا يتم الا بالعقوبات الشرعية فإن ~~الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن واقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور ~~وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات فمنها عقوبات مقدرة مثل ~~جلد المفترى ثمانين وقطع السارق ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى ( التعزير ~~( وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها وبحسب حال المذنب وبحسب ~~حال الذنب في قلته وكثرته # ( والتعزير ( أجناس فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام ومنه ما يكون ~~بالحبس ومنه ما يكون بالنفى عن الوطن ومنه ما يكون بالضرب فان كان ذلك لترك ~~واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك ms8013 أداء الحقوق الواجبة مثل ترك وفاء ~~الدين مع القدرة عليه أو على ترك رد المغصوب أو أداء الامانة إلى أهلها ~~فانه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدى الواجب ويفرق الضرب عليه يوما بعد يوم وان ~~كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالا من الله له ولغيره فهذا يفعل ~~منه بقدر الحاجة فقط وليس لأقله حد PageV28P107 وأما أكثر التعزير ففيه ~~ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره احدها عشر جلدات # والثانى دون أقل الحدود اما تسعة وثلاثون سوطا واما تسعة وسبعون سوطا ~~وهذا قول كثير من أصحاب أبى حنيفة والشافعى وأحمد # والثالث انه لا يتقدر بذلك وهو قول أصحاب مالك وطائفة من أصحاب الشافعى ~~واحمد وهو أحدى الروايتين عنه لكن ان كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ~~ذلك المقدر مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع والتعزير على ~~المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب والتعزير على القذف بغير الزنى لا يبلغ ~~به الحد # وهذا القول أعدل الأقوال عليه دلت سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين ~~فقد أمر النبى بضرب الذى أحلت له امراته جاريتها مائة ودرأ عنه الحد ~~بالشبهة وأمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامراة وجدا في لحاف واحد مائة مائة ~~وامر بضرب الذى نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة ثم ضربه في اليوم ~~الثانى مائة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة وضرب صبيغ بن عسل لما رأى من ~~بدعته ضربا كثيرا لم يعده # ومن لم يندفع فساده في الأرض الا بالقتل قتل مثل المفرق PageV28P108 ~~لجماعة المسلمين والداعى إلى البدع في الدين قال تعالى @QB@ من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا @QE@ ) وفى الصحيح عن النبى أنه قال ( اذا بويع لخليفتين ~~فاقتلوا الآخر منهما ( وقال ( من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد ان يفرق ~~جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان ( وأمر النبى بقتل رجل تعمد عليه ~~الكذب ms8014 وسأله بن الديلمى عمن لم ينته عن شرب الخمر فقال ( من لم ينته عنها ~~فاقتلوه ( # فلهذا ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس وذهب مالك ومن ~~وافقه من أصحاب الشافعى إلى قتل الداعية إلى البدع وليست هذه القاعدة ~~المختصرة موضع ذلك فان المحتسب ليس له القتل والقطع # ومن أنواع التعزير النفى والتغريب كما كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفى في ~~شرب الخمر إلى خيبر وكما نفى صبيغ بن عسل إلى البصرة وأخرج نصر بن حجاج إلى ~~البصرة لما افتتن به النساء ### ||| فصل # و ( التعزير بالعقوبات المالية ( مشروع أيضا PageV28P109 في مواضع مخصوصة ~~في مذهب مالك في المشهور عنه ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه وفى مواضع ~~فيها نزاع عنه والشافعى في قول وان تنازعوا في تفصيل ذلك كما دلت عليه سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل اباحته سلب الذى يصطاد في حرم المدينة ~~لمن وجده ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه ومثل أمره عبد الله بن عمر ~~بحرق الثوبين المعصفرين وقال له أغسلهما قال ( لا بل أحرقهما ( وأمره لهم ~~يوم خيبر بكسر الاوعية التى فيها لحوم الحمر ثم لما استأذنوه في الاراقة ~~أذن فانه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها واراقة ما فيها فقالوا ~~أفلا نريقها ونغسلها فقال ( افعلوا ( فدل ذلك على جواز الامرين لأن العقوبة ~~بذلك لم تكن واجبة # ومثل هدمه لمسجد الضرار ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إلها ومثل تضعيفه ~~صلى الله عليه وسلم الغرم على من سرق من غير حرز ومثل ما روى من احراق متاع ~~الغال ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الامير # ومثل امر عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب بتحريق المكان الذى يباع فيه ~~الخمر ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف ~~المخالفة للامام وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل وامره بتحريق قصر سعد ~~بن أبى وقاص الذى بناه لما أراد PageV28P110 أن يحتجب عن الناس فأرسل محمد ~~بن ms8015 مسلمة وأمره أن يحرقه عليه فذهب فحرقه عليه # وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك ونظائرها متعددة # ومن قال ان العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد ~~غلط على مذهبهما ومن قاله مطلقا من أى مذهب كان فقد قال قولا بلا دليل ولم ~~يجئ عن النبى شيء قط يقتضى أنه حرم جميع العقوبات المالية بل أخذ الخلفاء ~~الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ # وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه وبعضها قول عند الشافعى ~~باعتبار ما بلغه من الحديث # ومذهب مالك وأحمد وغيرهما ان العقوبات المالية كالبدنية تنقسم إلى ما ~~يوافق الشرع والى ما يخالفه وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما والمدعون ~~للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ لا من كتاب ولا سنة وهذا شأن كثير ممن يخالف ~~النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة الا مجرد دعوى النسخ واذا طولب ~~بالناسخ لم يكن معه حجة PageV28P111 لبعض النصوص توهمه ترك العمل الا ان ~~مذهب طائفته ترك العمل بها إجماع والإجماع دليل على النسخ ولا ريب انه اذا ~~ثبت الاجماع كان ذلك دليلا على أنه منسوخ فان الأمة لا تجتمع على ضلالة ~~ولكن لا يعرف اجماع على ترك نص الا وقد عرف النص الناسخ له ولهذا كان أكثر ~~من يدعى نسخ النصوص بما يدعيه من الاجماع اذا حقق الأمر عليه لم يكن ~~الاجماع الذى ادعاه صحيحا بل غايته انه لم يعرف فيه نزاعا ثم من ذلك ما ~~يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول اصحابه ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال ~~العلماء # وأيضا فان واجبات الشريعة التى هي حق لله ثلاثة أقسام عبادات كالصلاة ~~والزكاة والصيام وعقوبات اما مقدرة واما مفوضة وكفارات وكل واحد من أقسام ~~الواجبات ينقسم إلى بدنى والى مالى والى مركب منهما # فالعبادات البدنية كالصلاة والصيام والمالية كالزكاة والمركبة كالحج ~~والكفارات المالية كالاطعام والبدنية كالصيام والمركبة كالهدى بذبح # والعقوبات البدنية كالقتل والقطع والمالية كاتلاف أوعية الخمر ~~PageV28P112 والمركبة كجلد ms8016 السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه وكقتل ~~الكفار وأخذ أموالهم # وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق وتارة ~~تكون دفعا عن المستقبل كقتل القاتل فكذلك المالية فان منها ما هو من باب ~~ازالة المنكر وهى تنقسم كالبدنية إلى اتلاف والى تغيير والى تمليك الغير # فالأول المنكرات من الأعيان والصفات يجوز اتلاف محلها تبعا لها مثل ~~الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها منكرة جاز اتلاف مادتها فاذا ~~كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها وكذلك آلات الملاهى مثل ~~الطنبور يجوز اتلافها عند اكثر الفقهاء وهو مذهب مالك واشهر الروايتين عن ~~أحمد ومثل ذلك أوعية الخمر يجوز تكسيرها وتخريقها والحانوت الذى يباع فيه ~~الخمر يجوز تحريقه وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم ~~واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب انه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر ~~لرويشد الثقفى وقال انما أنت فويسق لا رويشد وكذلك أمير المؤمنين على بن ~~أبى طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر رواه أبو عبيدة وغيره وذلك ~~لأن مكان البيع مثل الاوعية وهذا ايضا على المشهور في مذهب أحمد ومالك ~~وغيرهما PageV28P113 ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب حيث رأى رجلا قد ~~شاب اللبن بالماء للبيع فأراقه عليه وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل وذلك لما روى عن ~~النبى أنه ( نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع ( وذلك بخلاف شوبه للشرب لأنه ~~اذا خلط لم يعرف المشترى مقدار اللبن من الماء فأتلفه عمر # ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الاصل في جواز اتلاف ~~المغشوشات في الصناعات مثل الثياب التى نسجت نسجا رديئا انه يجوز تمزيقها ~~وتحريقها ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على بن الزبير ثوبا من حرير مزقه ~~عليه فقال الزبير أفزعت الصبى فقال لا تكسوهم الحرير وكذلك تحريق عبد الله ~~بن عمر لثوبه المعصفر بأمر ms8017 النبى صلى الله عليه وسلم # وهذا كما يتلف من البدن المحل الذى قامت به المعصية فتقطع يد السارق ~~وتقطع رجل المحارب ويده وكذلك الذي قام به المنكر في اتلافه نهى عن العود ~~إلى ذلك المنكر وليس اتلاف ذلك واجبا على الاطلاق بل اذا لم يكن في المحل ~~مفسدة جاز ابقاؤه ايضا اما لله واما أن يتصدق به كما أفتى طائفة من العلماء ~~على هذا الأصل أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء كالخبز والطعام ~~الذى لم PageV28P114 ينضج وكالطعام المغشوش وهو الذى خلط بالرديء وأظهر ~~المشترى أنه جيد ونحو ذلك يتصدق به على الفقراء فان ذلك من اتلافه واذا كان ~~عمر بن الخطاب قد اتلف اللبن الذى شيب للبيع فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق ~~الأولى فانه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود ويكون انتفاع الفقراء بذلك ~~أنفع من اتلافه وعمر اتلفه لأنه كان يغنى الناس بالعطاء فكان الفقراء عنده ~~في المدينة اما قليلا واما معدومين # ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا اتلافه ففى المدونة عن مالك ~~بن أنس أن عمربن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض ادبا لصاحبه وكره ~~ذلك مالك في رواية بن القاسم وراى ان يتصدق به وهل يتصدق باليسير فيه قولان ~~للعلماء # وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية وقال لا يحل ذنب من الذنوب ~~مال انسان وان قتل نفسا لكن الأول أشهر عنه وقد استحسن أن يتصدق باللبن ~~المغشوش وفى ذلك عقوبة الغاش باتلافه عليه ونفع المساكين باعطائهم إياه ولا ~~يهراق قيل لمالك فالزعفران والمسك أتراه مثله قال ما أشبهه بذلك اذا كان هو ~~غشه فهو كاللبن قال بن القاسم هذا في الشيء الخفيف منه فاما PageV28P115 ~~أذا كثر منه فلا أرى ذلك وعلى صاحبه العقوبة لانه يذهب في ذلك أموال عظام ~~يريد في الصدقة بكثيره # قال بعض الشيوخ وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيرا أو كثيرا لأنه ساوى في ~~ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره وخالفه بن القاسم فلم ير ms8018 أن ~~يتصدق من ذلك الا بما كان يسيرا وذلك اذا كان هو الذى غشه وأما من وجد عنده ~~من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو وانما اشتراه أو وهب له أو ورثه فلا خلاف في ~~أنه لا يتصدق بشيء من ذلك # وممن آفتى بجواز اتلاف المغشوش من الثياب بن القطان قال في الملاحف ~~الرديئة النسج تحرق بالنار وأفتى بن عتاب فيها بالتصدق وقال تقطع خرقا ~~وتعطى للمساكين اذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا وكذلك أفتى باعطاء الخبز ~~المغشوش للمساكين فأنكر عليه بن القطان وقال لا يحل هذا في مال امرئ مسلم ~~الا باذنه # قال القاضي أبو الأصبع وهذا اضطراب في جوابه وتناقض في قوله لأن جوابه في ~~الملاحف باحراقها بالنار أشد من اعطاء هذا الخبز للمساكين وبن عتاب أضبط في ~~أصله في ذلك واتبع لقوله # واذا لم ير ولى الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الاتلاف فلا بد PageV28P116 ~~أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش إما بازالة الغش واما ببيع المغشوش ~~ممن يعلم انه مغشوش ولا يغشه على غيره قال عبد الملك بن حبيب قلت لمطرف وبن ~~الماجشون لما نهينا عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب فما وجه الصواب عندكما ~~فيمن غش أو نقص من الوزن قالا يعاقب بالضرب والحبس والاخراج من السوق وما ~~كثر من الخبز واللبن أو غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب قال عبد ~~الملك بن حبيب ولا يرده الامام إليه وليؤمر ببيعه عليه من يأمن أن يغش به ~~وبكسر الخبز اذا كثر ويسلمه لصاحبه ويباع عليه العسل والسمن واللبن الذى ~~يغشه ممن يأكله ويبين له غشه هكذا العمل فيما غش من التجارات قال وهو ايضاح ~~من استوضحته ذلك من اصحاب مالك وغيرهم ### ||| فصل # وأما التغيير فمثل ما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر عن النبى ( أنه ~~نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم الا من بأس ( فاذا كانت الدراهم أو ~~الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت ومثل تغيير الصورة المجسمة وغير المجسمة ~~اذا لم ms8019 تكن موطواة مثل ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~PageV28P117 عليه وسلم ( أتانى جبريل فقال إنى أتيتك الليلة فلم يمنعنى أن ~~أدخل عليك البيت الا أنه كان في البيت تمثال رجل وكان في البيت قرام ستر ~~فيه تماثيل وكان في البيت كلب فأمر برأس التمثال الذى في البيت يقطع فيصير ~~كهيئة الشجرة وأمر بالستر يقطع فيجعل في وسادتين منتبذتين يوطآن وأمر ~~بالكلب يخرج ففعل رسول الله واذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضيد لهم ~~( رواه الامام أحمد وابو داود والترمذى وصححه # وكل ما كان من العين أو التأليف المحرم فازالته وتغييره متفق عليها بين ~~المسلمين مثل اراقة خمر المسلم وتفكيك الات الملاهي وتغيير الصور المصورة ~~وانما تنازعوا في جواز اتلاف محلها تبعا للحال والصواب جوازه كما دل عليه ~~الكتاب والسنة واجماع السلف وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما والصواب ان ~~كل مسكر من الطعام والشراب فهو حرام ويدخل في ذلك البتع والمزر والحشيشة ~~القنبية وغير ذلك # وأما التغريم فمثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن النبى فيمن سرق ~~من الثمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الجرين ان عليه جلدات نكال وغرمه مرتين ~~وفيمن PageV28P118 سرق من الماشية قبل أن تؤوى إلى المراح أن عليه جلدات ~~نكال وغرمه مرتين # وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أنه يضعف غرمها وبذلك كله ~~قال طائفة من العلماء مثل أحمد وغيره وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة اعرابى ~~أخذها مماليك جياع فأضعف الغرم على سيدهم ودرا عنهم القطع وأضعف عثمان بن ~~عفان في المسلم اذا قتل الذمى عمدا انه يضعف عليه الدية لأن دية الذمى نصف ~~دية المسلم وأخذ بذلك أحمد بن حنبل ### ||| فصل # الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قدر الله وفى شرعه فان هذامن ~~العدل الذى تقوم به السماء والأرض كما قال الله تعالى @QB@ إن تبدوا خيرا ~~أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا @QE@ وقال @QB@ وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن ms8020 يغفر الله لكم @QE@ وقال النبى ( من لا يرحم لا يرحم ~~( وقال ( ان الله وتر يحب الوتر ( وقال ( ان الله جميل يحب الجمال ( وقال ( ~~ان الله طيب لا يقبل الا طيبا ( وقال ( إن الله نظيف PageV28P119 يحب ~~النظافة ( # ولهذاقطع يد السارق وشرع قطع يد المحارب ورجله وشرع القصاص في الدماء ~~والأموال والأبشارفاذا أمكن ان تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو ~~المشروع بحسب الامكان مثل ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه في شاهد ~~الزور انه أمر باركابه دابة مقلوبا وتسويد وجهه فانه لما قلب الحديث قلب ~~وجهه ولما سود وجهه بالكذب سود وجهه وهذاقد ذكره في تعزير شاهد الزور طائفة ~~من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم # ولهذا قال الله تعالى @QB@ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا @QE@ ) وقال تعالى @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ وفى الحديث ( يحشر الجبارون ~~والمتكبرون على صور الذر يطأهم الناس بأرجلهم ( فانهم لما أذلوا عباد الله ~~أذلهم الله لعباده كما أن من تواضع لله رفعه الله فجعل العباد متواضعين له ~~والله تعالى يصلحنا وسائر اخواننا المؤمنين ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من ~~القول والعمل وسائر اخواننا المؤمنين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين PageV28P120 ### || 1 ( فصل في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) 1 # ! 8 < الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى أنزل الله به كتبه وأرسل به ~~رسله من الدين فان رساله الله اما إخبار وإما انشاء # فالاخبار عن نفسه وعن خلقه مثل التوحيد والقصص الذى يندرج فيه الوعد ~~والوعيد والانشاء الأمر والنهى والاباحة وهذا كما ذكر في أن @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ ) تعدل ثلث القرآن لتضمنها ثلث التوحيد اذ هو قصص وتو حيد ~~وأمر # وقوله سبحانه في صفة نبينا @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث @QE@ ) هو بيان لكمال ms8021 رسالته فانه هو الذى ~~امر الله على لسانه بكل معروف ونهى عن كل منكر وأحل كل طيب وحرم كل خبيث ~~ولهذا روى عنه أنه قال ( انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق ( وقال في الحديث ~~المتفق عليه ( مثلى ومثل الانبياء كمثل PageV28P121 رجل بنى دارا فاتمها ~~وأكملها الا موضع لبنة فكان الناس يطيفون بها ويعجبون من حسنها ويقولون ~~لولا موضع اللبنة فأنا تلك اللبنة ( فبه كمل دين الله المتضمن للأمر بكل ~~معروف والنهى عن كل منكر واحلال كل طيب وتحريم كل خبيث وأما من قبله من ~~الرسل فقد كان يحرم على أممهم بعض الطيبات كما قال @QB@ فبظلم من الذين ~~هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ ) وربما لم يحرم عليهم جميع الخبائث ~~كما قال تعالى @QB@ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه من قبل أن تنزل التوراة @QE@ وتحريم الخبائث يندرج في معنى ( النهى عن ~~المنكر ( كما ان احلال الطيبات يندرج في ( الامر بالمعروف ( لأن تحريم ~~الطيبات مما نهى الله عنه وكذلك الأمر بجميع المعروف والنهى عن كل منكر مما ~~لم يتم الا للرسول الذى تمم الله به مكارم الاخلاق المندرجة في المعروف وقد ~~قال الله تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا @QE@ فقد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضى لنا ~~الاسلام دينا # وكذلك وصف الأمة بما وصف به نبيها حيث قال @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله @QE@ ( وقال تعالى @QB@ ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~@QE@ PageV28P122 ولهذا قال أبو هريرة كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في ~~الاقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة فبين سبحانه أن هذه الامة خير الأمم ~~للناس فهم أنفعهم لهم وأعظمهم احسانا اليهم لأنهم كملوا أمر الناس بالمعروف ~~ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر حيث أمروا بكل معروف ونهوا عن كل ~~منكر لكل أحد وأقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم وهذا كمال ~~النفع للخلق # وسائر الأمم لم ms8022 يأمروا كل أحد بكل معروف ولا نهوا كل أحد عن كل منكر ولا ~~جاهدوا على ذلك بل منهم من لم يجاهد والذين جاهدوا كبنى إسرائيل فعامة ~~جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم كما يقاتل الصائل الظالم لا لدعوة ~~المجاهدين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر كما قال موسى لقومه @QB@ يا ~~قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون @QE@ إلى قوله @QB@ قالوا يا موسى ~~إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ~~@QE@ # وقال تعالى ( ألم تر إلى الملأ من بنى اسرائيل من بعد موسى اذ قالوا لنبي ~~لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال PageV28P123 @QB@ هل عسيتم إن ~~كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنائنا @QE@ فعللوا القتال بأنهم أخرجوا من ديارهم ~~وأبنائهم ومع هذا فكانوا ناكلين عما أمروا به من ذلك ولهذا لم تحل لهم ~~الغنائم ولم يكونوا يطؤون بملك اليمين ومعلوم أن أعظم الأمم المؤمنين قبلنا ~~بنوا اسرئيل كما جاء في الحديث المتفق على صحته في الصحيحين عن بن عباس رضى ~~الله عنهما قال خرج علينا النبى يوما فقال ( عرضت على الامم فجعل يمر النبى ~~ومعه الرجل والنبي معه الرجلان والنبى معه الرهط والنبى ليس معه أحد ورأيت ~~سوادا كثيرا سد الافق فرجوت ان يكون أمتى فقيل هذا موسى وقومه ثم قيل لى ~~أنظر فرأيت سوادا كثيرا سد الافق فقيل لى انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادا ~~كثيرا سد الأفق فقيل هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون الفا يدخلون الجنة بغير ~~حساب ( فتفرق الناس ولم يبين لهم فتذاكر اصحاب النبى فقالوا أما نحن فولدنا ~~في الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله ولكن هؤلاء ابناؤنا فبلغ النبى فقال ( هم ~~الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون ( فقام عكاشة ~~بن ms8023 محصن فقال PageV28P124 أمنهم أنا يا رسول الله قال ( نعم ( فقام آخر ~~فقال أمنهم أنا فقال ( سبقك بها عكاشة ( ولهذا كان اجماع هذه الامة حجة لأن ~~الله تعالى أخبر أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فلو اتفقوا على ~~إباحة محرم أو اسقاط واجب أو تحريم حلال أو اخبار عن الله تعالى أو خلقه ~~بباطل لكانوا متصفين بالأمر بمنكر والنهى عن معروف من الكلم الطيب والعمل ~~الصالح بل الآية تقتضى أن مالم تأمر به الأمة فليس من المعروف ومالم تنه ~~عنه فليس من المنكر وإذا كانت آمرة بكل معروف ناهية عن كل منكر فكيف يجوز ~~ان تأمر كلها بمنكر أو تنهى كلها عن معروف والله تعالى كما أخبر بأنها تأمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر فقد أوجب ذلك على الكفاية منها بقوله @QB@ ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون @QE@ # وإذا أخبر بوقوع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر منها لم يكن من شرط ذلك ~~أن يصل امر الآمر ونهى الناهى منها إلى كل مكلف في العالم إذ ليس هذا من ~~شرط تبليغ الرسالة فكيف يشترط فيما هو من توابعها بل الشرط ان يتمكن ~~المكلفون من وصول ذلك اليهم ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله اليهم مع قيام ~~فاعله بما يجب عليه PageV28P125 كان التفريط منهم لا # منه # وكذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه بل هو ~~على الكفاية كما دل عليه القرآن ولما كان الجهاد من تمام ذلك كان الجهاد ~~ايضا كذلك فاذا لم يقم به من يقوم بواجبه أثم كل قادر بحسب قدرته اذ هو ~~واجب على كل انسان بحسب قدرته كما قال النبى ( من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان ( # وإذا كان كذلك فمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واتمامه ~~بالجهاد هو من اعظم المعروف الذى أمرنا به ولهذا قيل ليكن امرك بالمعروف ~~ونهيك عن المنكر غير ms8024 منكر واذا كان هو من اعظم الواجبات والمستحبات ~~فالواجبات والمستحبات لابد ان تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة اذ بهذا ~~بعثت الرسل ونزلت الكتب والله لا يحب الفساد بل كل ما أمر الله به فهو صلاح ~~وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذم ~~المفسدين في غير موضع فحيث كانت مفسدة الأمر والنهى أعظم من مصلحته لم تكن ~~مما أمر الله به وان كان قد ترك واجب وفعل محرم إذ المؤمن عليه أن يتقى ~~الله في عباده وليس عليه هداهم PageV28P126 وهذا معنى قوله تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم @QE@ والاهتداء ~~انما يتم باداء الواجب فاذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضلال # وذلك يكون تارة بالقلب وتارة باللسان وتارة باليد فأما القلب فيجب بكل ~~حال اذ لاضرر في فعله ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النبى ( وذلك ~~أدنى أو أضعف الايمان ( وقال ( ليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل ( وقيل ~~لابن مسعود من ميت الاحياء فقال الذى لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وهذا ~~هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان # وهنا يغلط فريقان من الناس فريق يترك ما يجب من الأمر والنهى تاويلا لهذه ~~الآية كما قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه في خطبته انكم تقرؤون هذه الآية ~~@QB@ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم @QE@ وانكم تضعونها في غير ~~موضعها وانى سمعت النبى يقول ( ان الناس اذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك ~~ان يعمهم الله بعقاب منه PageV28P127 والفريق الثانى من يريد ان يأمر وينهى ~~إما بلسانه واما بيده مطلقا من غير فقه وحلم وصبر ونظر فيما يصلح من ذلك ~~ومالا يصلح وما يقدر عليه ومالا يقدر كما في حديث أبى ثعلبة الخشنى سألت ~~عنها رسول الله قال ( بل أئتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى اذا رأيت ~~شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا ms8025 مؤثرة واعجاب كل ذى رأى برأيه ورأيت أمرا لا ~~يدان لك به فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام فان من ورائك أيام الصبر فيهن ~~على مثل قبض على الجمر للعامل فيهن كاجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله ( ~~فيأتى بالأمر والنهى معتقدا انه مطيع في ذلك لله ورسوله وهو معتد في حدوده ~~كما انتصب كثير من أهل البدع والاهواء كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم ~~ممن غلط فيما أتاه من الأمر والنهى والجهاد على ذلك وكان فساده أعظم من ~~صلاحه ولهذا أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة ونهى عن ~~قتالهم ما أقاموا الصلاة وقال ( أدوا اليهم حقوقهم وسلوا الله حقوقكم ( وقد ~~بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع # ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة ~~وترك القتال في الفتنة واما أهل الأهواء كالمعتزلة فيرون القتال للأئمة من ~~أصول دينهم ويجعل المعتزلة أصول دينهم PageV28P128 خمسة ( التوحيد ( الذى ~~هو سلب الصفات و ( العدل ( الذى هو التكذيب بالقدر و ( المنزلة بين ~~المنزلتين ( و ( انفاذ الوعيد ( و ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ( ~~الذى منه قتال الأئمة # وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع وجماع ذلك داخل في ( ~~القاعدة العامة ( فيما اذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو ~~تزاحمت فانه يجب ترجيح الراجح منها فيما اذا ازدحمت المصالح والمفاسد ~~وتعارضت المصالح والمفاسد فان الأمر والنهى وان كان متضمنا لتحصيل مصلحة ~~ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فان كان الذى يفوت من المصالح أو يحصل من ~~المفاسد اكثر لم يكن مأمورا به بل يكون محرما اذا كانت مفسدته اكثر من ~~مصلحته لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر ~~الانسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها والا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه ~~والنظائر وقل ان تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام # وعلى هذا اذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا ~~يفرقون بينهما بل اما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوهما ms8026 جميعا لم يجز أن ~~يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر بل ينظر فان كان المعروف اكثر أمر به ~~وان استلزم ما هو دونه من المنكر ولم ينه PageV28P129 عن منكر يستلزم تفويت ~~معروف أعظم منه بل يكون النهى حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعى في ~~زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات وان كان المنكر أغلب نهى عنه وان ~~استلزم فوات ما هو دونه من المعروف ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم ~~للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله وان تكافأ ~~المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما # فتارة يصلح الأمر وتارة يصلح النهى وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهى حيث كان ~~المعروف والمنكر متلازمين وذلك في الأمور المعينة الواقعة # وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا وفى ~~الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد ~~محمودها ويذم مذمومها بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات اكثر منه أو حصول ~~منكر فوقه ولا يتضمن النهى عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه # واذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق فلا يقدم على الطاعة ~~الا بعلم ونية واذا تركها كان عاصيا فترك الأمر الواجب معصية وفعل ما نهى ~~عنه من الأمر معصية وهذا باب واسع ولا PageV28P130 حول ولا قوة إلا بالله # ومن هذا الباب اقرار النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبى وامثاله ~~من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان فازالة منكره بنوع من عقابه ~~مستلزمه ازالة معروف اكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم وبنفور الناس اذا سمعوا ~~أن محمدا يقتل أصحابه ولهذا لما خاطب الناس في قصة الافك بما خاطبهم به ~~واعتذر منه وقال له سعد بن معاذ قوله الذى أحسن فيه حمى له سعد بن عبادة مع ~~حسن إيمانه # وأصل هذا أن تكون محبة الانسان المعروف وبغضه للمنكر وارادته لهذا ~~وكراهته لهذا موافقة لحب الله وبغضه وارادته وكراهته الشرعيين ms8027 وأن يكون ~~فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته فان الله لا يكلف نفسا ~~الاوسعها وقد قال @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ فأما حب القلب وبغضه ~~وارادته وكراهيته فينبغى أن تكون كاملة جازمة لا يوجب نقص ذلك الا نقص ~~الايمان # وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته ومتى كانت ارادة القلب وكراهته كاملة تامة ~~وفعل العبد معها بحسب قدرته فانه يعطى ثواب الفاعل الكامل كما قد بيناه في ~~غير هذا الموضع فان من الناس من يكون حبه وبغضه وارادته وكراهته بحسب محبة ~~نفسه وبغضها لا PageV28P131 بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله # وهذا من نوع الهوى فان اتبعه الانسان فقد اتبع هواه @QB@ ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ فان أصل الهوى محبة النفس ويتبع ذلك بغضها ~~ونفس الهوى وهو الحب والبغض الذى في النفس لا يلام عليه فان ذلك قد لا يملك ~~وإنما يلام على اتباعه كما قال تعالى @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ وقال النبى ( ثلاث ~~منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في ~~الغضب والرضا وثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه ( # والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض ووجد وارادة وغير ذلك ~~فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله بل ~~قد يصعد به الأمر إلى أن يتخذ الهه هواه واتباع الأهواء في الديانات أعظم ~~من اتباع الاهواء في الشهوات فان الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين كما قال تعالى @QB@ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ضرب ~~لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم @QE@ ~~PageV28P132 الآية إلى ان قال @QB@ بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير ms8028 علم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن ~~كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ وقال تعالى @QB@ ولن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد ~~الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير @QE@ وقال تعالى في ~~الآية الأخرى @QB@ ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين @QE@ وقال @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~@QE@ ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء والعباد يجعل من ~~أهل الاهواء كما كان السلف يسمونهم أهل الاهواء وذلك ان كل من لم يتبع ~~العلم فقد اتبع هواه والعلم بالدين لا يكون الا بهدى الله الذى بعث به ~~رسوله ولهذا قال تعالى في موضع @QB@ وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ~~@QE@ وقال في موضع آخر @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ ~~فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه ومقدار حبه PageV28P133 وبغضه ~~هل هو موافق لأمر الله ورسوله وهو هدى الله الذى أنزله على رسوله بحيث يكون ~~مأمورا بذلك الحب والبغض لا يكون متقدما فيه بين يدى الله ورسوله فانه قد ~~قال ( لا تقدموا بين يدى الله ورسوله ( ومن أحب أو أبغض قبل أن يأمره الله ~~ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدى الله ورسوله ومجرد الحب والبغض هوى لكن ~~المحرم اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله ولهذا قال @QB@ ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد @QE@ ) ~~فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله وهو هداه الذى بعث به رسوله ~~وهو السبيل إليه وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو من أوجب ~~الأعمال وأفضلها ms8029 وأحسنها وقد قال تعالى ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ( وهو كما ~~قال الفضيل بن عياض رحمه الله أخلصه وأصوبه فان العمل اذا كان خالصا ولم ~~يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن ~~يكون على السنة فالعمل الصالح لا بد أن يراد به وجه الله تعالى فان الله ~~تعالى لا يقبل من العمل الا ما أريد به وجهه وحده كما في الصحيح عن النبى ~~قال ( يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا ~~بريء منه وهو كله للذى أشرك PageV28P134 وهذا هو التوحيد الذى هو أصل ~~الاسلام وهو دين الله الذى بعث به جميع رسله وله خلق الخلق وهو حقه على ~~عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ولا بد مع ذلك أن يكون العمل صالحا وهو ~~ما أمر الله به ورسوله وهو الطاعة فكل طاعة عمل صالح وكل عمل صالح طاعة وهو ~~العمل المشروع المسنون اذ المشروع المسنون هو المأمور به أمر ايجاب أو ~~استحباب وهو العمل الصالح وهو الحسن وهو البر وهو الخير وضده المعصية ~~والعمل الفاسد والسيئة والفجور والظلم # ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين النية والحركة كما قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( أصدق الأسماء حارث وهمام ( فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية لكن ~~النية المحمودة التى يتقبلها الله ويثيب عليها أن يراد الله بذلك العمل ~~والعمل المحمود الصالح وهو المأمور به ولهذا كان عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه يقول في دعائه اللهم اجعل عملى كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل ~~لا حد فيه شيئا # وإذا كان هذا حد كل عمل صالح فالآمر بالمعروف والناهى عن المنكر يجب أن ~~يكون هكذا في حق نفسه ولا يكون عمله صالحا ان لم يكن بعلم وفقه وكما قال ~~عمر بن عبد العزيز من عبد الله بغير علم PageV28P135 كان ما يفسد اكثر مما ~~يصلح وكما في حديث معاذ بن جبل رضى الله عنه ( العلم امام ms8030 العمل والعمل ~~تابعه ( وهذا ظاهر فان القصد والعمل ان لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا ~~واتباعا للهوى كما تقدم وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الاسلام فلابد ~~من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما ولا بد من العلم بحال المأمور ~~والمنهى ومن الصلاح ان يأتى بالأمر والنهى بالصراط المستقيم وهو اقرب الطرق ~~إلى حصول المقصود # ولابد في ذلك من الرفق كما قال النبى ( ما كان الرفق في شيء الا زانه ولا ~~كان العنف في شيء الا شانه ( وقال ( إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ~~ويعطى عليه ما لا يعطى على العنف ( # ولا بد أيضا أن يكون حليما صبورا على الأذى فانه لا بد ان يحصل له أذى ~~فان لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح كما قال لقمان لابنه @QB@ ~~وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ~~@QE@ ( ولهذا أمر الله الرسل وهم أئمة الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~بالصبر كقوله لخاتم الرسل بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة فانه أول ما أرسل ~~أنزلت عليه سورة @QB@ يا أيها المدثر @QE@ بعد ان أنزلت عليه سورة @QB@ ~~اقرأ @QE@ التى بها نبئ PageV28P136 فقال @QB@ يا أيها المدثر قم فأنذر ~~وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر @QE@ ) ~~فافتتح أيات الارسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة وختمها بالأمر بالصبر ونفس ~~الانذار أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فعلم انه يجب بعد ذلك الصبر وقال @QB@ ~~واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ وقال تعالى @QB@ واصبر على ما يقولون ~~واهجرهم هجرا جميلا @QE@ @QB@ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل @QE@ ~~@QB@ فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت @QE@ @QB@ واصبر وما صبرك إلا ~~بالله @QE@ @QB@ واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ فلا بد من هذه ~~الثلاثة العلم والرفق والصبر العلم قبل الأمر والنهى والرفق معه والصبر ~~بعده وان كان كل من الثلاثة مستصحبا في هذه الاحوال وهذا كما جاء في الأثر ~~عن بعض السلف ورووه مرفوعا ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد ( لا يأمر ms8031 ~~بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى ~~عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه حليما فيما يأمر به حليما فيما ~~ينهى عنه ( # وليعلم أن الأمر بهذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مما ~~يوجب صعوبة على كثير من النفوس فيظن انه بذلك يسقط عنه فيدعه وذلك مما يضره ~~أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال أو PageV28P137 أقل فان ترك الأمر ~~الواجب معصية فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار والمنتقل من معصية إلى معصية كالمنتقل من دين باطل إلى دين باطل وقد ~~يكون الثانى شرا من الأول وقد يكون دونه وقد يكونان سواء فهكذا تجد المقصر ~~في الأمر والنهى والمعتدى فيه قد يكون ذنب هذا أعظم وقد يكون ذنب هذا أعظم ~~وقد يكونان سواء # ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفى انفسنا وبما شهد به ~~في كتابه أن المعاصى سبب المصائب فسيئات المصائب والجزاء من سيئات الأعمال ~~وان الطاعة سبب النعمة فاحسان العمل سبب لا حسان الله قال تعالى @QB@ وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ وقال تعالى @QB@ ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ~~ولقد عفا الله عنهم @QE@ وقال @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ~~قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ وقال @QB@ أو يوبقهن بما كسبوا ويعف ~~عن كثير @QE@ وقال @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون @QE@ PageV28P138 وقد أخبر سبحانه بما عاقب به أهل السيئات من ~~الأمم كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وقوم فرعون في الدنيا ~~وأخبر بما يعاقبهم به في الآخرة ولهذا قال مؤمن آل فرعون @QB@ يا قوم إني ~~أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب ms8032 قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون ~~مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر @QE@ وقال @QB@ سنعذبهم مرتين ~~ثم يردون إلى عذاب عظيم @QE@ وقال @QB@ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر لعلهم يرجعون @QE@ وقال @QB@ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان ~~مبين @QE@ ( إلى قوله ( يوم نبطش البطشة الكبرى انا منتقمون ( # ولهذا يذكر الله في عامة سور الانذار ما عاقب به أهل السيئات في الدنيا ~~وما أعده لهم في الآخرة وقد يذكر في السورة وعد الآخرة فقط اذ عذاب الآخرة ~~أعظم وثوابها أعظم وهى دار القرار وإنما يذكر ما يذكره من الثواب والعذاب ~~في الدنيا تبعا كقوله في قصة يوسف @QB@ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ ~~منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة ~~خير للذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ وقال @QB@ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة @QE@ PageV28P139 # وقال @QB@ والذين هاجروا في الله من بعد ما ~~ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون @QE@ وقال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام @QB@ ~~وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين @QE@ ( # وأما ذكره لعقوبة الدنيا والآخرة ففى سورة @QB@ والنازعات غرقا والناشطات ~~نشطا @QE@ ثم قال @QB@ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة @QE@ فذكر القيامة ~~مطلقا ثم قال @QB@ هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب ~~إلى فرعون إنه طغى @QE@ إلى قوله @QB@ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى @QE@ ثم ~~ذكر المبدأ والمعاد مفصلا فقال @QB@ أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها @QE@ ~~إلى قوله تعالى @QB@ فإذا جاءت الطامة الكبرى @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ~~فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ إلى آخر السورة وكذلك في ( ~~المزمل ( ذكر قوله @QB@ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ms8033 إن لدينا ~~أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا @QE@ وكذلك ~~في سورة الحاقة ذكر قصص الأمم كثمود وعاد وفرعون PageV28P140 ثم قال تعالى ~~@QB@ فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ~~@QE@ إلى تمام ما ذكره من أمر الجنة والنار وكذلك في سورة @QB@ ن والقلم ~~@QE@ ذكر قصة أهل البستان الذين منعوا حق أموالهم وما عاقبهم به ثم قال ( ~~كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ( # وكذلك في ( سورة التغابن ( قال @QB@ ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل ~~فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد @QE@ ثم ~~قال @QB@ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن @QE@ وكذلك في ~~سورة ( ق ( ذكر حال المخالفين للرسل وذكر الوعد والوعيد في الآخرة # وكذلك في ( سورة القمر ( ذكر هذا وهذا # وكذلك في ( آل حم ( مثل حم غافر والسجدة والزخرف والدخان وغير ذلك إلى ~~غير ذلك مما لا يحصى # فان التوحيد والوعد والوعيد هو أول ما أنزل كما في صحيح PageV28P141 ~~البخارى عن يوسف بن ماهك قال انى عند عائشة أم المؤمنين اذ جاءها عراقى ~~فقال أى الكفن خير قالت ويحك وما يضرك قال يا أم المؤمنين أرينى مصحفك قالت ~~لم قال لعلى أؤلف القرآن عليه فانه يقرأ غير مؤلف قالت وما يضرك أيه قرأت ~~قبل إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى اذا ~~ثاب الناس إلى الاسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر ~~لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنى أبدا لقد ~~نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وانى لجارية ألعب @QB@ بل الساعة ~~موعدهم والساعة أدهى وأمر @QE@ وما نزلت ( سورة البقرة ( و ( النساء ( إلا ~~وانا عنده قال فأخرجت له المصحف فأملت عليه آى السور ms8034 # واذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو ~~الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهى فيكون ذلك من ذنوبهم وينكر عليهم ~~آخرون انكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم فيحصل التفرق والاختلاف والشر ~~وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا اذ الانسان ظلوم جهول والظلم ~~والجهل أنواع فيكون ظلم الاول وجهله من نوع وظلم كل من الثانى والثالث ~~وجهلهما من نوع آخر وآخر PageV28P142 # ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة ~~وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعهم من العامة من الفتن ~~هذا أصلها يدخل في ذلك أسباب الضلال والغى التى هي الأهواء الدينية ~~والشهوانية وهى البدع في الدين والفجور في الدنيا وذلك أن أسباب الضلال ~~والغى البدع في الدين والفجور في الدنيا وهى مشتركة تعم بنى آدم لما فيهم ~~من الظلم والجهل فبذنب بعض الناس يظلم نفسه وغيره كالزنا بلواط وغيره أو ~~شرب خمر أو ظلم في المال بخيانة أو سرقة أو غصب أو نحو ذلك # ومعلوم أن هذه المعاصى وان كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي ~~مشتهاة أيضا ومن شأن النفوس أنها لا تحب اختصاص غيرها بها لكن تريد أن يحصل ~~لها ما حصل له وهذا هو الغبطة التى هي أدنى نوعى الحسد فهي تريد الاستعلاء ~~على الغير والاستئثار دونه أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وان لم يحصل ~~ففيها من ارادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها تختص عن ~~غيرها بالشهوات فكيف اذا رأت الغير قد استأثر عليها بذلك واختص بها دونها ~~فالمعتدل منهم في ذلك الذى يحب الاشتراك والتساوى وأما الآخر فظلوم حسود ~~وهذان يقعان في الأمور المباحة والأمور المحرمة لحق الله فما كان ~~PageV28P143 جنسة مباحا من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب وأموال اذا وقع فيها ~~الاختصاص حصل الظلم والبخل والحسد وأصلهما الشح كما في الصحيح عن النبى أنه ~~قال ( اياكم والشح فانه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم ~~بالظلم ms8035 فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ( ولهذا قال الله تعالى في وصف ~~الانصار الذين تبوأوا الدار والايمان من قبل المهاجرين @QB@ ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا @QE@ أى لا يجدون الحسد مماأوتى اخوانهم من ~~المهاجرين @QB@ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ # ثم قال @QB@ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون @QE@ ورؤى عبد الرحمن بن ~~عوف يطوف بالبيت ويقول رب قنى شح نفسى رب قنى شح نفسى فقيل له في ذلك فقال ~~اذا وقيت شح نفسى فقد وقيت البخل والظلم والقطيعة أو كما قال # فهذا الشح الذى هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع ما هو عليه والظلم بأخذ ~~مال الغير ويوجب قطيعه الرحم ويوجب الحسد وهو كراهة ما اختص به الغير ~~والحسد فيه بخل وظلم فانه بخل بما أعطيه غيره وظلمه بطلب زوال ذلك عنه # فاذا كان هذا في جنس الشهوات المباحة فكيف بالمحرمة PageV28P144 كالزنا ~~وشرب الخمر ونحو ذلك واذا وقع فيها اختصاص فانه يصير فيها نوعان أحدهما ~~بغضها لما في ذلك من الأختصاص والظلم كما يقع في الأمور المباحة الجنس ~~والثانى بغضها لما في ذلك من حق الله # ولهذا كانت الذنوب ثلاثة أقسام أحدها ما فيها ظلم للناس كالظلم بأخذ ~~الأموال ومنع الحقوق والحسد ونحو ذلك # والثانى ما فيه ظلم للنفس فقط كشرب الخمر والزنا اذا لم يتعد ضررهما # والثالث ما يجتمع فيه الأمران مثل أن يأخذ المتولى أموال الناس يزني بها ~~ويشرب بها الخمر ومثل أن يزنى بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ويضرهم كما ~~يقع ممن يحب بعض النساء والصبيان وقد قال الله تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ PageV28P145 # وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذى فيه الاشتراك في أنواع الاثم ~~اكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وان لم تشترك في أثم ولهذا قيل ان الله ~~يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة ms8036 ولا يقيم الظالمة وان كانت مسلمة ويقال ~~الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والاسلام وقد قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( ليس ذنب أسرع عقوبة من البغى وقطيعة الرحم ( فالباغى يصرع ~~في الدنيا وان كان مغفورا له مرحوما في الآخرة وذلك ان العدل نظام كل شيء ~~فاذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق ومتى ~~لم تقم بعدل لم تقم وان كان لصاحبها من الايمان ما يجزى به في الآخرة # فالنفس فيها داعى الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له والتعدى عليه في ~~حقه وداعى الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث فهي قد ~~تظلم من لا يظلمها وتؤثر هذه الشهوات وان لم تفعلها فاذا رأت نظراءها قد ~~ظلموا وتناولوا هذه الشهوات صار داعى هذه الشهوات أو الظلم فيها اعظم بكثير ~~وقد تصبر ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ~~ما لم يكن فيها قبل ذلك ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين بكون ذلك ~~الغير قد ظلم نفسه والمسلمين وان أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب ~~والجهاد على ذلك من الدين PageV28P146 والناس هنا ثلاثة أقسام قوم لا ~~يقومون الا في أهواء نفوسهم فلا يرضون الا بما يعطونه ولا يغضبون الا لما ~~يحرمونه فاذا أعطى أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه ~~وحصل رضاه وصار الامر الذى كان عنده منكرا ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ~~ويغضب عليه مرضيا عنده وصار فاعلا له وشريكا فيه ومعاونا عليه ومعاديا لمن ~~نهى عنه وينكر عليه وهذا غالب في بنى آدم يرى الانسان ويسمع من ذلك مالا ~~يحصيه وسببه ان الانسان ظلوم جهول فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالما في ~~الحالين يرى قوما ينكرون على المتولى ظلمه لرعيته واعتدائه عليهم فيرضى ~~أولئك المنكرين ببعض الشيء فينقلبون أعوانا له وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن ~~الانكار عليه وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزنى ويسمع ms8037 الملاهى ~~حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك أو يرضوه ببعض ذلك فتراه قد صار عونا لهم ~~وهؤلاء قد يعودون بانكارهم إلى أقبح من الحال التى كانوا عليها وقد يعودون ~~إلى ما هو دون ذلك أو نظيره # وقوم يقومون ديانة صحيحة يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما عملوه ~~ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وهم من خير أمة أخرجت للناس PageV28P147 يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ويؤمنون بالله # وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا وهم غالب المؤمنين فمن فيه دين وله شهوة تجتمع ~~في قلوبهم ارادة الطاعة وارادة المعصية وربما غلب هذا تارة وهذا تارة # وهذه القسمة الثلاثية كما قيل الأنفس ثلاث أمارة ومطمئنة ولوامة فالأولون ~~هم أهل الأنفس الأمارة التى تأمره بالسوء والاوسطون هم أهل النفوس المطمئنة ~~التى قيل فيها @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي @QE@ والآخرون هم أهل النفوس اللوامة التى ~~تفعل الذنب ثم تلوم عليه وتتلون تارة كذا وتارة كذا وتخلط عملا صالحا وآخر ~~سيئا # ولهذا لما كان الناس في زمن أبى بكر وعمر اللذين أمر المسلمون بالاقتداء ~~بهما كما قال صلى الله عليه وسلم ( اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر ( ~~أقرب عهدا بالرسالة وأعظم ايمانا وصلاحا وأئمتهم أقوم بالواجب وأثبت في ~~الطمأنينة لم تقع فتنة اذ كانوا في حكم القسم الوسط # ولما كان في آخر خلافة عثمان وخلافة على كثر القسم الثالث فصار فيهم شهوة ~~وشبهة مع الايمان والدين وصار ذلك في بعض الولاة PageV28P148 وبعض الرعايا ~~ثم كثر ذلك بعد فنشأت الفتنة التى سببها ما تقدم من عدم تمحيص التقوى ~~والطاعة في الطرفين واختلاطهما بنوع من الهوى والمعصية في الطرفين وكل ~~منهما متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وانه مع الحق والعدل ومع ~~هذا التأويل نوع من الهوى ففيه نوع من الظن وما تهوى الأنفس وان كانت احدى ~~الطائفتين أولى بالحق من الاخرى # فلهذا يجب على المؤمن أن يستعين بالله ms8038 ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا ~~يزيغه ويثبته على الهدى والتقوى ولا يتبع الهوى كما قال تعالى @QB@ فلذلك ~~فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ~~وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم @QE@ # وهذا ايضا حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات والعبادات وهذه ~~الامور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين فانهم يحتاجون إلى شيئين إلى دفع ~~الفتنة التى ابتلى بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع قيام ~~المقتضى لها فان معهم نفوسا وشياطين كما مع غيرهم فمع وجود ذلك من نظرائهم ~~يقوى المقتضى عندهم كما هو الواقع فيقوى الداعى الذى في نفس الانسان ~~وشيطانهم وما يحصل من الداعى بفعل الغير والنظير فكم ممن لم يرد خيرا ولا ~~شرا حتى رأى غيره لا سيما ان كان نظيره PageV28P149 يفعله ففعله فان الناس ~~كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض # ولهذا كان المبتدئ بالخير والشر له مثل من تبعه من الأجر والوزر كما قال ~~النبى ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير ~~أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ( وذلك لاشتراكهم في الحقيقة ~~وان حكم الشيء حكم نظيره وشبه الشيء منجذب إليه فاذا كان هذان داعيين قويين ~~فكيف اذا انضم اليهما داعيان آخران وذلك ان كثيرا من أهل المنكر يحبون من ~~يوافقهم على ما هم فيه ويبغضون من لا يوافقهم وهذا ظاهر في الديانات ~~الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم ومعاداتهم لمخالفيهم # وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم اما ~~للمعاونة على ذلك كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم ~~واما بالموافقة كما في المجتمعين على شرب الخمر فانهم يختارون أن يشرب كل ~~من حضر عندهم واما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير اما حسدا له على ذلك لئلا ~~يعلو عليهم بذلك ويحمد ms8039 دونهم وإما لئلا يكون له عليهم حجة واما لخوفهم من ~~معاقبته لهم بنفسه أو بمن يرفع ذلك اليهم ولئلا يكونوا تحت منته وخطره ~~PageV28P150 ونحو ذلك من الاسباب قال الله تعالى @QB@ ود كثير من أهل ~~الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين ~~لهم الحق @QE@ وقال تعالى في المنافقين @QB@ ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سواء @QE@ وقال عثمان بن عفان رضى الله عنه ودت الزانية لو زنى ~~النساء كلهن # والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور كالاشتراك في الشرب والكذب ~~والاعتقاد الفاسد وقد يختارونها في النوع كالزانى الذى يود أن غيره يزنى ~~والسارق الذى يود أن غيره يسرق أيضا لكن في غير العين التى زنى بها أو ~~سرقها # وأما الداعى الثانى فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر ~~فان شاركهم والا عادوه وآذوه على وجه ينتهى إلى حد الا كراه أولا ينتهى إلى ~~حد الأكراه ثم أن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو ~~يأمرونه بذلك ويستعينون به على ما يريدونه متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم ~~انتقصوه واستخفوا به وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى وان لم يشاركهم ~~عادوه وآذوه وهذه حال غالب الظالمين القادرين # وهذا الموجود في المنكر نظيره في المعروف وأبلغ منه كما قال PageV28P151 ~~تعالى @QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ فان داعى الخير أقوى فان الانسان ~~فيه داع يدعوه إلى الايمان والعلم والصدق والعدل واداء الامانة فاذا وجد من ~~يعمل مثل ذلك صار له داع آخر لا سيما اذا كان نظيره لا سيما مع المنافسة ~~وهذا محمود حسن فان وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين ~~والصالحين ويبغضه اذا لم يفعل صار له داع ثالث فاذا أمروه بذلك ووالوه على ~~ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع # ولهذا يؤمر المؤمنون ان يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات كما يقابل ~~الطبيب المرض بضده فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه وذلك بشيئين بفعل الحسنات ~~وترك السيئات مع ms8040 وجود ما ينفى الحسنات ويقتضى السيئات وهذه أربعة أنواع # ويؤمر ايضا باصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وامكانه قال ~~تعالى @QB@ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ وروى عن الشافعى رضى الله عنه انه قال ~~لو فكر الناس كلهم في سورة ( والعصر ( لكفتهم وهو كما قال فان الله تعالى ~~اخبر ان جميع الناس خاسرون الا من كان في نفسه مؤمنا صالحا ومع غيره موصيا ~~بالحق موصيا بالصبر واذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو ~~PageV28P152 الدرجة وعظيم الأجر كما سئل النبى أى الناس أشد بلاء قال ( ~~الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالامثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان ~~في دينه صلابة زيد في بلائه وان كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء ~~بالمؤمن حتى يمشى على وجه الأرض وليس عليه خطيئة ( وحينئذ فيحتاج من الصبر ~~مالا يحتاج إليه غيره وذلك هو سبب الامامة في الدين كما قال تعالى @QB@ ~~وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ فلابد ~~من الصبر على فعل الحسن المأمور به وترك السئ المحظور ويدخل في ذلك الصبر ~~على الاذى وعلى ما يقال والصبر على ما يصيبه من المكاره والصبر عن البطر ~~عند النعم وغير ذلك من أنواع الصبر ولا يمكن العبد ان يصبر ان لم يكن له ما ~~يطمئن به ويتنعم به ويغتذى به وهو اليقين كما في الحديث الذى رواه أبو بكر ~~الصديق رضى الله عنه عن النبى انه قال ? < يا أيها الناس سلوا الله اليقين ~~والعافية فانه لم يعط أحد بعد اليقين خيرا من العافية فسلوهما الله > ? # وكذلك إذا أمر غيره بحسن أو أحب موافقته على ذلك أو نهى PageV28P153 غيره ~~عن شيء فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير احسانا يحصل به مقصوده من حصول ~~المحبوب واندفاع المكروه # فان النفوس لا تصبر على المر الا بنوع من الحلو لا يمكن غير ذلك ولهذا ~~أمر الله تعالى بتاليف القلوب حتى جعل للمؤلفة ms8041 قلوبهم نصيبا في الصدقات ~~وقال تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين ) ) وقال تعالى @QB@ وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة @QE@ فلا بد ~~أن يصبر وان يرحم وهذا هو الشجاعة والكرم # ولهذا يقرن الله بين الصلاة والزكاة تارة وهى الاحسان إلى الخلق وبينهما ~~وبين الصبر تارة ولابد من الثلاثة الصلاة والزكاة والصبر لا تقوم مصلحة ~~المؤمنين الا بذلك في صلاح نفوسهم واصلاح غيرهم لا سيما كلما قويت الفتنة ~~والمحنة فالحاجة إلى ذلك تكون أشد فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع ~~بنى أدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم الا به # ولهذا جميعهم يتمادحون بالشجاعة والكرم حتى ان ذلك عامة ما يمدح به ~~الشعراء في شعرهم وكذلك يتذامون بالبخل والجبن والقضايا التى يتفق عليها ~~بنوا آدم لا تكون الا حقا كاتفاقهم على مدح الصدق والعدل وذم الكذب والظلم ~~وقد قال النبى لما سأله الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة فتعلقت بردائه فالتفت ~~اليهم PageV28P154 # وقال ? < ( والذى نفسى بيده لو أن عندى عدد هذه العضاه ~~نعما لقسمته عليكم ثم لا تجدونى بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا > ? لكن يتنوع ~~ذلك بتنوع المقاصد والصفات فانما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى # ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن ومدح الشجاعة والسماحة في ~~سبيله دون ما ليس في سبيله فقال النبى ( شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع ~~( وقال ( من سيدكم يا بنى سلمة فقالوا الجد بن قيس على أنا نزنه بالبخل ~~فقال وأى داء أدوا من البخل ( وفى رواية ( ان السيد لا يكون بخيلا بل سيدكم ~~الأبيض الجعد البراء بن معرور ( وكذلك في الصحيح قول جابر بن عبد الله لابى ~~بكر الصديق رضى الله عنهما اما ان تعطينى واما أن تبخل عنى فقال تقول واما ~~أن تبخل عنى وأى داء أدوأ من البخل فجعل البخل من أعظم الأمراض # وفى صحيح مسلم عن سلمان بن ربيعة قال قال عمر قسم النبى صلى الله عليه ~~وسلم قسما فقلت يا رسول الله والله لغير ms8042 هؤلاء أحق به منهم فقال ( انهم ~~خيرونى بين ان يسألونى بالفحش وبين أن يبخلونى ولست بباخل ( يقول انهم ~~يسألونى مسألة لا تصلح فان أعطيتهم والا قالوا هو بخيل فقد خيرونى بين ~~أمرين مكرهين لا يتركونى من أحدهما الفاحشة والتبخيل والتبخيل أشد فادفع ~~PageV28P155 الاشد باعطائهم # والبخل جنس تحته أنواع كبائر وغير كبائر قال تعالى @QB@ ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة @QE@ وقال @QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا @QE@ إلى قوله @QB@ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل @QE@ وقال تعالى @QB@ وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون @QE@ وقال @QB@ فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا ~~وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه @QE@ وقال @QB@ ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه @QE@ وقال @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون @QE@ وقال @QB@ والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار ~~جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم @QE@ الآية # وما في القرآن من الأمر بالايتاء والاعطاء وذم من ترك ذلك كله ذم للبخل ~~وكذلك ذمه للجبن كثير مثل قوله @QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير @QE@ ~~وقوله عن المنافقين @QB@ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم ~~يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون @QE@ ~~PageV28P156 وقوله @QB@ فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين ~~في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت @QE@ وقوله @QB@ ألم ~~تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب ~~عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت ms8043 علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا @QE@ # وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه ~~والتاركين له كله ذم للجبن ولما كان صلاح بنى آدم لا يتم في دينهم ودنياهم ~~الا بالشجاعة والكرم بين سبحانه ان من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به ~~من يقوم بذلك فقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في ~~سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير @QE@ وقال تعالى @QB@ ها ~~أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل ~~عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم @QE@ PageV28P157 وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل الله ~~السابقين فقال @QB@ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم ~~درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى @QE@ ) # وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيلة ومدحة في غير آية من كتابة وذلك ~~هو الشجاعة والسماحة في طاعتة سبحانة فقال # ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين ( وقال ~~تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون وأطيعواالله ورسولة ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ~~ان الله مع الصابرين ) # والشجاعة ليست هي قوة البدن وقد يكون الرجل قوى البدن ضعيف القلب وانما ~~هي قوة القلب وثباته فان القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال وعلى ~~قوة القلب وخبرته به والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة دون التهور الذى لا ~~يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم ولهذا كان القوى الشديد الذى ~~يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح فاما المغلوب حين غضبه # فليس بشجاع ولا شديد وقد ms8044 تقدم أن جماع ذلك هو الصبر فانه لا بد منه ~~والصبر صبران صبر عند الغضب وصبر عند المصيبة كما قال الحسن ما تجرع عبد ~~PageV28P158 جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب وجرعة صبر عند المصيبة وذلك ~~لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم وهذا هو الشجاع الشديد الذى يصبر على ~~المؤلم # والمؤلم ان كان مما يمكن دفعه أثار الغضب وان كان مما لا يمكن دفعه أثار ~~الحزن ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة ويصفر ~~عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز ولهذا جمع النبى صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح الذى رواه مسلم عن بن مسعود قال قال النبى ( ما تعدون ~~الرقوب فيكم قالوا الرقوب الذى لا يولد له قال ليس ذلك بالرقوب ولكن الرقوب ~~الرجل الذى لم يقدم من ولده شيئا ثم قال ما تعدون الصرعة فيكم قلنا الذى لا ~~تصرعه الرجال فقال ليس بذلك ولكن الصرعة الذى يملك نفسه عند الغضب ( فذكر ~~ما يتضمن الصبر عند المصيبة والصبر عند الغضب قال الله تعالى في المصيبة ~~@QB@ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون @QE@ الآية وقال تعالى في الغضب @QB@ وما يلقاها إلا الذين صبروا ~~وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم @QE@ # وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر النعمة وصبر ~~المصيبة كما في قوله تعالى @QB@ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ~~منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات ~~عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر ~~كبير @QE@ PageV28P159 # وقال @QB@ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم @QE@ وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين حيث قال % ~~لا يفرحون اذا نالت سيوفهم % قوما وليسوا مجازيعا اذا % نيلوا وكذلك قال ~~حسان بن ثابت في صفة الانصار % لا فخر ان هم أصابوا من عدوهم % % وان ~~أصيبوا فلا خور ولا هلع % وقال بعض العرب في ms8045 صفة النبى يغلب فلا يبطر ويغلب ~~فلا يضجر # ولما كان الشيطان يدعو الناس عند هذين النوعين إلى تعدي الحدود بقلوبهم ~~وأصواتهم وأيديهم نهى النبى عن ذلك فقال لما قيل له وقد بكى لما رأى ~~إبراهيم في النزع اتبكى أو لم تنه عن البكاء فقال ( انما نهيت عن صوتين ~~أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة لطم ~~خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية ( فجمع بين الصوتين PageV28P160 وأما ~~نهيه عن ذلك في المصائب فمثل قوله صلى الله عليه وسلم ( ليس منا من لطم ~~الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ( وقال ( أنا بريء من الحالقة ~~والصالقة والشاقة ( وقال ( ما كان من العين والقلب فمن الله وما كان من ~~اليد واللسان فمن الشيطان ( وقال ( ان الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن ~~القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه ( وقال ( من ينح عليه فانه ~~يعذب بما نيح عليه ( واشترط على النساء في البيعة أن لا ينحن وقال ( ان ~~النائحة اذا لم تتب قبل موتها فانها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا ~~من قطران ( # وقال في الغلبة والمصائب والفرح ( ان الله كتب الاحسان على كل شيء فاذا ~~قتلتم فاحسنوا القتلة واذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ~~ذبيحته ( وقال ( ان اعف الناس قتلة أهل الايمان ( وقال ( لا تمثلوا ولا ~~تغدروا ولا تقتلوا وليدا ( إلى غير ذلك مما أمر به في الجهاد من العدل وترك ~~العدوان اتباعا لقوله تعالى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى ( ولقوله تعالى @QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ # ونهى عن لباس الحرير وتختم الذهب والشرب في آنية الذهب PageV28P161 ~~والفضة واطالة الثياب إلى غير ذلك من أنواع السرف والخيلاء في النعم وذم ~~الذين يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف وجعل فيهم الخسف والمسخ وقد ~~قال الله تعالى @QB@ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا @QE@ وقال عن ~~قارون ( اذ قال له ms8046 قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين ( وهذه الامور ~~الثلاثة مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب # وذلك أن الانسان بين ما يحبه ويشتهيه وبين ما يبغضه ويكرهه فهو يطلب ~~الاول بمحبته وشهوته ويدفع الثانى ببغضه ونفرته واذا حصل الاول أو اندفع ~~الثانى أوجب له فرحا وسرورا وان حصل الثانى أو اندفع الاول حصل له حزن فهو ~~محتاج عند المحبة والشهوة ان يصبر عن عدوانهما وعند الغضب والنفرة ان يصبر ~~عن عدوانهما وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه وعند المصيبة أن يصبر عن الجزع ~~منها فالنبى صلى الله عليه وسلم ذكر الصوتين الاحمقين الفاجرين الصوت الذى ~~يوجب الاعتداء في الفرح حتى يصير الانسان فرحا فخورا والصوت الذى يوجب ~~الجزع # وأما الصوت الذى يثير الغضب لله كالاصوات التى تقال في الجهاد من الاشعار ~~المنشدة فتلك لم تكن بآلات وكذلك أصوات الشهوة في الفرح فرخص منها فيما ~~وردت به السنة من الضرب بالدف PageV28P162 في الاعراس والأفراح للنساء ~~والصبيان # وعامة الأشعار التى تنشد بالأصوات لتحريك النفوس هي من هذه الأقسام ~~الأربعة وهى التشبيب واشعار الغضب والحمية وهى الحماسة والهجاء واشعار ~~المصائب كالمراثى واشعار النعم والفرح وهى المدائح والشعراء جرت عادتهم أن ~~يمشوا مع الطبع كما قال الله تعالى @QB@ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون @QE@ ولهذا أخبر أنهم يتبعهم الغاوون والغاوي هو ~~الذى يتبع هواه بغير علم وهذا هو الغى وهو خلاف الرشد كما ان الضال الذى لا ~~يعلم مصلحته هو خلاف المهتدى قال الله سبحانه وتعالى @QB@ والنجم إذا هوى ~~ما ضل صاحبكم وما غوى @QE@ ولهذا قال النبى ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدى ( فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة ~~اذ كان عدم هذين مذموما على الاطلاق وأما وجودهما فبه تحصل مقاصد النفوس ~~على الاطلاق لكن العاقبة في ذلك للمتقين وأما غير المتقين فلهم عاجلة لا ~~عاقبة والعاقبة وان كانت في الآخرة فتكون في الدنيا ايضا كما قال تعالى لما ~~ذكر ms8047 قصة نوح ونجاته بالسفينة ( قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ( إلى قوله @QB@ فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين @QE@ وقال PageV28P163 ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين ( # والفرقان أن يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله فان الله تعالى هو الذى ~~حمده زين وذمه شين دون غيره من الشعراء والخطباء وغيرهم ولهذا لما قال ~~القائل من بنى تميم للنبى ان حمدى زين وذمى شين قال له ( ذاك الله ( # والله سبحانه حمد الشجاعة والسماحة في سبيله كما في الصحيح عن أبى موسى ~~قال قيل يارسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فاى ذلك في ~~سبيل الله فقال ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ( ~~وقد قال سبحانه @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ ~~وذلك ان هذا هو المقصود الذى خلق الخلق له كما قال تعالى @QB@ وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ فكل ما كان لأجل الغاية التى خلق لها الخلق ~~كان محمودا عندالله وهو الذى يبقى لصاحبه وهذه الاعمال الصالحات # ولهذا كان الناس أربعة أصناف من يعمل لله بشجاعة وسماحة فهؤلاء هم ~~المؤمنون المستحقون للجنة ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة PageV28P164 ~~فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق ومن يعمل لله لكن لا ~~بشجاعة ولا سماحة فهذا فيه من النفاق ونقص الايمان بقدر ذلك ومن لا يعمل ~~لله وليس فيه شجاعة ولا سماحة فهذا ليس له دنيا ولا آخرة # فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج اليها المؤمن عموما وخصوصا في أوقات المحن ~~والفتن الشديدة فانهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند ~~المقتضى للفتنة عندهم ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم وكل ~~من هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه وان كان يسيرا على من يسره الله ~~عليه وهذا لان الله أمر المؤمنين بالايمان والعمل الصالح وأمرهم ms8048 بدعوة ~~الناس وجهادهم على الايمان والعمل الصالح كما قال الله تعالى @QB@ ولينصرن ~~الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور @QE@ وكما ~~قال @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ~~@QE@ وكما قال @QB@ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز @QE@ وكما ~~قال @QB@ وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ # ولما كان في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد في سبيل الله من ~~الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل ~~PageV28P165 لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة كما قال ~~عن المنافقين @QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ~~@QE@ الآية وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبى ~~بالتجهز لغزو الروم وأظنه قال ( هل لك في نساء بنى الأصفر ( فقال يارسول ~~الله اني رجل لا أصبر عن النساء وانى أخاف الفتنة بنساء بنى الأصفر فائذن ~~لى ولا تفتني وهذا الجد هو الذى تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة واستتر ~~بجمل أحمر وجاء فيه الحديث ( ان كلهم مغفور له الا صاحب الجمل الأحمر ( ~~فأنزل الله تعالى فيه @QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة ~~سقطوا @QE@ # يقول انه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء فلا يفتتن بهن فيحتاج إلى ~~الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو يواقعه فيأثم فان من ~~رأى الصور الجميلة وأحبها فان لم يتمكن منها اما لتحريم الشارع واما للعجز ~~عنها يعذب قلبه وان قدر عليها وفعل المحظور هلك وفى الحلال من ذلك من ~~معالجة النساء ما فيه بلاء فهذا وجه قوله @QB@ ولا تفتني @QE@ قال الله ~~تعالى @QB@ ألا في الفتنة سقطوا @QE@ يقول نفس اعراضه عن الجهاد الواجب ~~ونكوله عنه وضعف ايمانه ومرض قلبه الذى زين له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد ~~سقط فيها PageV28P166 فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه ms8049 بوقوعه في ~~فتنة عظيمة قد أصابته والله يقول @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله @QE@ فمن ترك القتال الذى أمر الله به لئلا تكون فتنة فهو في ~~الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من ~~الجهاد # فتدبر هذا فان هذا مقام خطر فان الناس هنا ثلاثة أقسام قسم يأمرون وينهون ~~ويقاتلون طلبا لا زالة الفتنة التى زعموا ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة ~~كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الامة # وأقوام ينكلون عن الأمر والنهى والقتال الذى يكون به الدين كله لله وتكون ~~كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة وهذه الفتنة ~~المذكورة في ( سورة براءة ( دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة فانها سبب ~~نزول الآية وهذه حال كثير من المتدينين يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهى ~~وجهاد يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا بجنس ~~الشهوات وهم قد وقعوا في الفتنة التى هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه ~~وانما الواجب عليهم القيام بالواجب وترك المحظور وهما متلازمان وانما تركوا ~~ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم الا على فعلهما جميعا أو تركهما جميعا مثل كثير ~~ممن يحب الرئاسة أو PageV28P167 المال وشهوات الغى فانه اذا فعل ما وجب ~~عليه من أمر ونهى وجهاد وامارة ونحو ذلك فلا بد أن يفعل شيئا من المحظورات # فالواجب عليه ان ينظر أغلب الأمرين فان كان المأمور أعظم أجرا من ترك ذلك ~~المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة وان كان ~~ترك المحظور أعظم أجرا لم يفوت ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك فذلك ~~يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات فهذا هذا وتفصيل ذلك ~~يطول # وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهى ولا بد أن يأمر وينهى حتى ~~لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها اما بمعروف واما بمنكر كما قال تعالى ~~@QB@ إن ms8050 النفس لأمارة بالسوء @QE@ فان الأمر هو طلب الفعل وارادته والنهى ~~طلب الترك وارادته ولا بد لكل حى من ارادة وطلب في نفسه يقتضى بهما فعل ~~نفسه ويقتضى بهما فعل غيره اذا أمكن ذلك فان الانسان حى يتحرك بارادته ~~وبنوا آدم لا يعيشون الا باجتماع بعضهم مع بعض واذا اجتمع اثنان فصاعدا ~~فلابد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن أمر ولهذا كان أقل الجماعة في ~~الصلاة اثنين كما قيل الاثنان فما فوقهما جماعة لكن لما كان ذلك اشتراكا في ~~مجرد الصلاة حصل باثنين أحدهما إمام PageV28P168 والآخر مأموم كما قال ~~النبى لمالك بن الحويرث وصاحبه ( اذا حضرت الصلاة فاذنا وأقيما وليؤمكما ~~اكبركما ( وكانا متقاربين في القراءة # وأما الأمور العادية ففى السنن انه قال ( لا يحل لثلاثة يكونون في سفر ~~الا أمروا عليهم أحدهم ( # وإذا كان الأمر والنهى من لوازم وجود بنى آدم فمن لم يأمر بالمعروف الذى ~~أمر الله به ورسوله وينه عن المنكر الذى نهى الله عنه ورسوله ويؤمر ~~بالمعروف الذى أمر الله به ورسوله وينه عن المنكر الذى نهى الله عنه ورسوله ~~والا فلا بد أن يأمر وينهى ويؤمر وينهى اما بما يضاد ذلك واما بما يشترك ~~فيه الحق الذى أنزل الله بالباطل الذى لم ينزله الله واذا اتخذ ذلك دينا ~~كان دينا مبتدعا وهذا كما أن كل بشر فانه متحرك بارادته همام حارث فمن لم ~~تكن نيته صالحة وعمله عملا صالحا لوجه الله والا كان عملا فاسدا أو لغير ~~وجه الله وهو الباطل كما قال تعالى @QB@ إن سعيكم لشتى @QE@ # وهذه الأعمال كلها باطلة من جنس أعمال الكفار @QB@ الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب @QE@ PageV28P169 # وقال @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا ~~من عمل فجعلناه هباء منثورا @QE@ # وقد أمر الله في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولى الأمر من المؤمنين ~~كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين ms8051 آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ و @QB@ وأولي الأمر @QE@ ~~أصحاب الأمر وذووه وهم الذين يأمرون الناس وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة ~~وأهل العلم والكلام فلهذا كان أولوا الأمر صنفين العلماء والأمراء فاذا ~~صلحوا صلح الناس واذا فسدوا فسد الناس كما قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه ~~للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا على هذا الامر قال ما استقامت لكم أئمتكم ~~ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعا فإنه من أولى ~~الأمر وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به وينهى عما نهى عنه ~~وعلى كل واحد ممن عليه طاعته ان يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية ~~الله كما قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه حين تولى أمر المسلمين وخطبهم ~~فقال في خطبته أيها الناس القوى فيكم الضعيف عندى حتى آخذ منه الحق ~~PageV28P170 والضعيف فيكم القوى عندى حتى آخذ له الحق أطيعونى ما أطعت الله ~~1 فاذا عصيت الله فلا طاعة لى عليكم ### ||| فصل # واذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين أن يراد بها وجه الله وان ~~تكون موافقة للشريعة فهذا في الأقوال والأفعال في الكلم الطيب والعمل ~~الصالح في الأمور العلمية والأمور العبادية ولهذا ثبت في الصحيح عن النبى ( ~~ان أول ثلاثة تسجر بهم جهنم رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القر آن وأقرأه ~~ليقول الناس هو عالم وقارئ ورجل قاتل وجاهد ليقول الناس هو شجاع وجريء ورجل ~~تصدق واعطى ليقول الناس جواد سخى ( فان هؤلاء الثلاثة الذين يريدون الرياء ~~والسمعة هم بازاء الثلاثة الذين بعد النبيين من الصديقين والشهداء ~~والصالحين فان من تعلم العلم الذى بعث الله به رسله وعلمه لوجه الله كان ~~صديقا ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وقتل كان شهيدا ومن تصدق يبتغى ~~بذلك وجه الله كان صالحا ولهذا يسأل المفرط في ماله الرجعة ms8052 وقت الموت كما ~~قال بن عباس من اعطى مالا فلم يحج منه ولم يزك منه ولم سأل الرجعة وقت ~~الموت وقرأ قوله تعالى @QB@ وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين @QE@ ~~PageV28P171 فهذه الأمور العلمية الكلامية يحتاج المخبر بها ان يكون ما ~~يخبر به عن الله واليوم الاخر وما كان وما يكون حقا صوابا وما يأمر به ~~وينهى عنه كما جاءت به الرسل عن الله فهذا هو الصواب المو افق للسنة ~~والشريعة المتبع لكتاب الله وسنة رسوله كما ان العبادات التى يتعبد العباد ~~بها إذا كانت مما شرعه الله وأمر الله به ورسوله كانت حقا صوابا موافقا لما ~~بعث الله به رسله وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة ~~والجهل وان كان يسميه من يسميه علوما ومعقولات وعبادات ومجاهدات وأذواقا ~~ومقامات # ويحتاج ايضا ان يؤمر بذلك لامر الله وينهى عنه لنهى الله ويخبر بما اخبر ~~الله به لأنه حق وايمان وهدى كما أخبرت به الرسل كما تحتاج العبادة ان يقصد ~~بها وجه الله فاذا قيل ذلك لاتباع الهوى والحمية أو لاظهار العلم والفضيلة ~~أو لطلب السمعة والرياء كان بمنزلة المقاتل شجاعة وحمية ورياء # ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من أهل العلم والمقال وأهل العبادة ~~والحال فكثيرا ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف PageV28P172 الكتاب ~~والسنة ووفاقها وكثيرا ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله بها بل قد نهى ~~عنها أو ما يتضمن مشروعا محظورا وكثيرا ما يقاتل هؤلاء قتالا مخالفا للقتال ~~المأمور به أو متضمنا لمأمور محظور # ثم كل من الاقسام الثلاثة المأمور والمحظور والمشتمل على الأمرين قد يكون ~~لصاحبه نية حسنة وقد يكون متبعا لهواه وقد يجتمع له هذا وهذا # فهذه تسعة أقسام في هذه الامور وفى الأموال المنفقة عليها من الأموال ~~السلطانية الفيء وغيره والأموال الموقوفة والأموال الموصى بها والمنذورة ~~وانواع العطايا والصدقات والصلات وهذا كله من لبس ms8053 الحق بالباطل وخلط عمل ~~صالح وآخر سيء والسيئ من ذلك قد يكون صاحبه مخطئا أو ناسيا مغفورا له ~~كالمجتهد المخطئ الذى له أجر وخطؤه مغفور له وقد يكون صغيرا مكفرا باجتناب ~~الكبائر وقد يكون مغفورا بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات أو مكفرا بمصائب ~~الدنيا ونحو ذلك الا أن دين الله الذى أنزل به كتبه وبعث به رسله ما تقدم ~~من إرادة الله وحده بالعمل الصالح وهذا هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله ~~من أحد غيره قال تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين @QE@ وقال تعالى @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين ~~عند الله الإسلام @QE@ PageV28P173 والاسلام يجمع معنيين أحدهما الاستسلام ~~والانقياد فلا يكون متكبرا والثانى الاخلاص من قوله تعالى @QB@ ورجلا سلما ~~لرجل @QE@ فلا يكون مشركا وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين كما قال تعالى ~~@QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ~~دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين @QE@ # والاسلام يستعمل لا زما معدى بحرف اللام مثل ما ذكر في هذه الآيات ومثل ~~قوله تعالى @QB@ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم ~~لا تنصرون @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع ~~سليمان لله رب العالمين @QE@ ومثل قوله @QB@ أفغير دين الله يبغون وله أسلم ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون @QE@ PageV28P174 ومثل قوله ~~@QB@ قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد ms8054 إذ ~~هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ~~الصلاة واتقوه @QE@ # ويستعمل متعديا مقرونا بالاحسان كقوله تعالى @QB@ وقالوا لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى ~~من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~@QE@ ( وقوله @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ فقد انكر أن يكون دين أحسن من ~~هذا الدين وهو اسلام الوجه لله مع الاحسان وأخبر ان كل من أسلم وجهه لله ~~وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون أثبتت هذه الكلمة ~~الجامعة والقضية العامة ردا لما زعم من زعمه أن لا يدخل الجنة الا متهود أو ~~متنصر # وهذان الوصفان وهما اسلام الوجه لله والاحسان هما الأصلان المتقدمان وهما ~~كون العمل خالصا لله صوابا موافقا للسنة والشريعة وذلك ان اسلام الوجه لله ~~هو متضمن للقصد والنية لله كما PageV28P175 قال % بعضهم استغفر الله ذنبا ~~لست محصيه % % رب العباد إليه الوجه والعمل % # وقد استعمل هنا أربعة ألفاظ إسلام الوجه واقامة الوجه كقوله تعالى @QB@ ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد @QE@ وقوله @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها @QE@ وتوجيه الوجه كقول الخليل @QB@ إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ وكذلك كان ~~النبى يقول في دعاء الاستفتاح في صلاته @QB@ وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ وفى الصحيحين عن البراء بن عازب عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم مما يقول اذا أوى إلى فراشه ? < اللهم اسلمت نفسى ~~اليك ووجهت وجهى اليك > ? # فالوجه يتناول المتوجه والمتوجه إليه ويتناول المتوجه نحوه كما يقال أى ~~وجه تريد أى أى وجهة وناحية تقصد وذلك أنهما متلازمان فحيث توجه الإنسان ~~توجه وجهه ووجهه مستلزم لتوجهه ms8055 وهذا في باطنه وظاهره جميعا فهذه أربعة أمور ~~والباطن هو الأصل والظاهر هو الكمال والشعار فاذا توجه قلبه إلى شيء تبعه ~~وجهه الظاهر فاذا كان العبد قصده ومراده وتوجهه إلى الله فهذا صلاح ارادته ~~وقصده PageV28P176 فاذا كان مع ذلك محسنا فقد اجتمع أن يكون عمله صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا وهو قول عمر رضى الله عنه اللهم اجعل عملى كله صالحا ~~واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا والعمل الصالح هو الإحسان وهو ~~فعل الحسنات وهو ما أمر الله به والذى أمر الله به هو الذى شرعه الله وهو ~~الموافق لسنة اللهوسنة رسوله فقد أخبر الله تعالى انه من أخلص قصده لله ~~وكان محسنا في عمله فانه مستحق للثواب سالم من العقاب # ولهذا كان أئمة السلف يجمعون هذين الأصلين كقول الفضيل بن عياض في قوله ~~تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال أخلصه وأصوبه فقيل يا أبا على ~~ما اخلصه وأصوبه فقال ان العمل اذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل واذا ~~كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله ~~والصواب أن يكون على السنة # وقد روى بن شاهين واللالكائى عن سعيد بن جبير قال لا يقبل قول وعمل الا ~~بنية ولا يقبل قول وعمل ونية الا بموافقة السنة ورويا عن الحسن البصرى مثله ~~ولفظه ( لا يصلح ( مكان يقبل وهذا فيه رد على المرجئة الذين يجعلون مجرد ~~القول كافيا فأخبر أنه لابد من قول وعمل اذ الايمان قول وعمل لا بد من هذين ~~كما قد بسطناه في غير هذا الموضع وبينا أن مجرد تصديق القلب واللسان ~~PageV28P177 مع البغض والاستكبار لا يكون ايمانا باتفاق المؤمنين حتى يقترن ~~بالتصديق عمل # وأصل العملعمل القلب وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار ثم ~~قالوا ولا يقبل قول وعمل الا بنية وهذا ظاهر فان القول والعمل اذا لم يكن ~~خالصا لله تعالى لم يقبله الله تعالى ثم قالوا ولا يقبل قول وعمل ونية الا ~~بموافقة السنة وهى ms8056 الشريعة وهى ما أمر الله به ورسوله لأن القول والعمل ~~والنية الذى لا يكون مسنونا مشروعا قد أمر الله به يكون بدعة ليس مما يحبه ~~الله فلا يقبله الله ولا يصلح مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب # ولفظ ( السنة ( في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفى الإعتقادات ~~وان كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات وهذا كقول بن ~~مسعود وابى بن كعب وابى الدرداء رضى الله عنهم اقتصاد في سنة خير من اجتهاد ~~في بدعة وأمثال ذلك والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله الطاهرين ~~وأصحابة أجمعين PageV28P178 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام بعد كلام سبق # وأصل ذلك العلم فإنه لا يعلم العدل والظلم الا بالعلم فصار الدين كله ~~العلم والعدل وضد ذلك الظلم والجهل قال الله تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا @QE@ ولما كان ظلوما جهو لا وذلك يقع من الرعاة تارة ومن ~~الرعية تارة ومن غيرهم تارة كان من العلم والعدل المأمور به الصبر على ظلم ~~الأئمة وجورهم كما هو من اصول أهل السنة والجماعة وكما أمر به النبى صلى ~~الله عليه وسلم في الأحاديث المشهورة عنه لما قال ( إنكم ستلقون بعدى أثرة ~~فاصبروا حتى تلقونى على الحوض ( وقال ( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر ~~عليه ( إلى أمثال ذلك وقال ( ادوا اليهم الذى لهم واسألوا الله الذى لكم ( ~~ونهوا عن قتالهم ما صلوا وذلك لان معهم أصل الدين المقصود وهو توحيد الله ~~وعبادته ومعهم حسنات وترك سيئات كثيرة # وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ فلا يجوز أن يزال ~~لما فيه من ظلم وجور كما هو عادة أكثر النفوس تزيل الشر بما هو شر منه ~~وتزيل العدوان بما هو أعدى منه PageV28P179 فالخروج عليهم يوجب من الظلم ~~والفساد أكثر من ظلمهم فيصبر عليه كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر على ظلم المامور والمنهى في مواضع كثيرة كقوله ? < وأمر بالمعروف ~~وانه عن المنكر واصبر على ما أصاب > ? ك ( وقوله @QB@ فاصبر ms8057 كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل @QE@ وقوله @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ # وهذا عام في ولاة الأمور وفى الرعية اذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ~~فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله كما يصبر المجاهدون على ما ~~يصاب من أنفسهم وأموالهم فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى وذلك لأن ~~مصلحة الأمر والنهى لا تتم إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ~~ويندرج في ذلك ولاة الأمور فان عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم كما ~~أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم لأن مصلحة الامارة لا تتم ~~الا بذلك فكما وجب على الأئمة الصبر على أذى الرعية وظلمها إذا لم تتم ~~المصلحة إلا بذلك اذ كان تركه يفضى إلى فساد اكثر منه فكذلك يجب على الرعية ~~الصبر على جور الائمة وظلمهم إذا لم يكن في ترك الصبر مفسدة راجحة # فعلى كل من الراعى والرعية للآخر حقوقا يجب عليه أداؤها كما ذكر بعضه في ~~( كتاب الجهاد والقضاء ( وعليه أن يصبر للآخر ويحلم PageV28P180 عنه في ~~أمور فلا بد من السماحة والصبر في كل منهما كما قال تعالى @QB@ وتواصوا ~~بالصبر وتواصوا بالمرحمة @QE@ وفى الحديث ( أفضل الايمان السماحة والصبر ( ~~ومن اسماء الله الغفور الرحيم فبالحلم يعفو عن سيئاتهم وبالسماحة يوصل ~~اليهم المنافع فيجمع جلب المنفعة ودفع المضرة # فأما الامساك عن ظلمهم والعدل عليهم فوجوب ذلك أظهر من هذا فلا حاجة إلى ~~بيانه والله أعلم # ! 8 < ### ||| فصل في مراتب الذنوب # أما مراتبها في الآخرة فله موضع غير هذا وإنما الغرض هنا مراتبها في ~~الدنيا في الذم والعقاب وقد ذكرت فيما قبل هذا أن الذنوب التى فيها ظلم ~~الغير والاضرار به في الدين والدنيا أعظم عقوبة في الدنيا مما لم يتضمن ضرر ~~الغير وان كان عقوبة هذا في الآخرة اكبر كما يعاقب ذووا الجرائم من ~~المسلمين بما لا يعاقب به اهل الذمة من الكافرين وان كان الكافر اشد عذابا ~~في الآخرة من المسلم ويعاقب الثانى على ms8058 عدالته مثل شارب النبيذ متأولا ~~والبغاة المتأولين بما لا يعاقب به الفاسق المستسر بالذنب ويعاقب ~~PageV28P181 الداعى إلى بدعة والمظهر للمنكر بما لا يعاقب به المنافق ~~المستسر بنفاقه من غير دعوة للغير فهذه أمثلة في الكافر والفاسق وفى الفاسق ~~والعدل وفى المنافق والمؤمن المظهر لبدعة أو ذنب وبينت سبب ذلك أن عقوبة ~~هؤلاء من باب دفع ظلم الظالمين عن الدين والدنيا بخلاف من لم يظلم الا نفسه ~~فان عقوبته إلى ربه # ( وجماع الأمر ( أن الذنوب كلها ظلم فاما ظلم العبد لنفسه فقط أو ظلمه مع ~~ذلك لغيره فما كان من ظلم الغير فلا بد ان يشرع من عقوبته ما يدفع به ظلم ~~الظالم عن الدين والدنيا كما قال تعالى @QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ~~وإن الله على نصرهم لقدير @QE@ فجعل السبب المبيح لعقوبة الغير التى هي ~~قتاله @QB@ بأنهم ظلموا @QE@ وقال @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين @QE@ فبين أن الظالم ~~يعتدى عليه أى بتجاوز الحد المطلق في حقه وهو العقوبة وهذا عدوان جائز # كما قال @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ # وقول بعضهم إن هذا ليس بعدوان في الحقيقة وانما سماه عدوانا على سبيل ~~المقابلة كما قالوا مثل ذلك في قوله @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ لا ~~يحتاج إليه فان العدوان المطلق هو مجاوزة الحد المطلق وهذا لا يجوز في حقه ~~الا اذا اعتدى فيتجاوز الحد في حقه بقدر تجاوزه PageV28P182 والسيئة اسم ~~لما يسوء الانسان فان المصائب والعقوبات تسمى سيئة في غير موضع من كتاب ~~الله تعالى # والظلم نوعان تفريط في الحق وتعد للحد فالأول ترك ما يجب للغير مثل ترك ~~قضاء الديون وسائر الأمانات وغيرها من الأموال والثانى الاعتداء عليه مثل ~~القتل واخذ المال وكلاهما ظلم ولهذا قال النبى في الحديث المتفق عليه ( مطل ~~الغنى ظلم واذا اتبع احدكم على مليء فليتبع ( فجعل مجرد المطل الذى هو ~~تأخير الاداء مع القدرة ظلما فكيف بالترك رأسا وقد قال تعالى @QB@ ~~ويستفتونك في ms8059 النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن @QE@ إلى ~~قوله @QB@ وأن تقوموا لليتامى بالقسط @QE@ قالت عائشة رضى الله عنها هي ~~اليتيمة تكون في حجر وليها فيريد ان يتزوجها بدون أن يقسط لها في مهرها ~~فسمى الله تكميل المهر قسطا وضده الظلم # وهذا في الجملة ظاهر متفق عليه بين المسلمين أن العدل قد يكون اداء واجب ~~وقد يكون ترك محرم وقد يجمع الأمرين وان الظلم ايضا قد يكون ترك واجب وقد ~~يكون فعل محرم وقد يجمع الامرين فاذا عرف هذا وقد عرف ان العدل والظلم يكون ~~PageV28P183 في حق نفس الانسان ويكون في حقوق الناس كما تقدم وقد كتبت فيما ~~تقدم من ( القواعد ( وفى آخر ( مسودة الفقه ( كلاما كليا في ان جميع ~~الحسنات تدخل في العدل وجميع السيئات تدخل في الظلم فانه يتبين بهذا مسائل ~~نافعة # منها ان أولى الأمر من المسلمين من العلماء والأمراء ومن يتبعهم على كل ~~واحد منهم حقوق للناس هي المقصوده الواجبة منه في مرتبته وان لم تكن مطلوبة ~~من غير ذلك النوع ولا واجبة عليه اذ وجوبها عليه دون ذلك وكذلك قد تكون ~~عليه محرمات حرمتها عليه مرتبته وإن لم تحرم على غير أهل تلك المرتبة أو ~~تحريمها عليهم أخف # مثال ذلك الجهاد فانه واجب على المسلمين عموما على الكفاية منهم وقد يجب ~~أحيانا على أعيانهم لكن وجوبه على المرتزقة الذين يعطون مال الفيء لأجل ~~الجهاد أوكد بل هو واجب عليهم عينا واجب بالشرع وواجب بالعقد الذى دخلوا ~~فيه لما عقدوا مع ولاة الأمر عقد الطاعة في الجهاد وواجب بالعوض فانه لو لم ~~يكن واجبا لا بشرع ولا ببيعة إمام لوجب بالمعاوضة عليه كما يجب العمل على ~~الأجير الذى قبض الأجرة ويجب تسليم المبيع على من قبض الثمن وهذا وجوب بعقد ~~المعاوضة وبقبض العوض كما ان الأول وجوب PageV28P184 بالشرع وبمجرد مبايعة ~~الأمام وهو واجب ايضا من جهة ما في تركه من تغرير المسلمين ms8060 والضرر اللاحق ~~لهم بتركه وجوب الضمان للمضمون له # فان ( المرتزقة ( ضمنوا للمسلمين بالارتزاق الدفع عنهم فاطمأن الناس إلى ~~ذلك واكتفوا بهم واعرضوا عن الدفع بأنفسهم أعظم مما يطمئن الموكل والمضارب ~~إلى وكيله وعامله فاذا فرط بعضهم وضيع كان ذلك من أعظم الضرر على المسلمين ~~فانهم أدخلوا الضرر العظيم على المسلمين في دينهم ودنياهم بما تركوه من ~~القتال عن المسلمين الواجب عليهم حتى لحق المسلمين من الضرر في دينهم ~~ودنياهم في الأنفس والذرية والأموال مالا يقدر قدره أحد # فظلم المقاتلة بترك الجهاد عن المسلمين من أعظم ظلم يكون بخلاف ما يلحق ~~أحدهم من الضرر فان ذاك ظلم لنفسه وكذلك ما يفعله من المعصية المختصة به ~~كشرب الخمر وفعل الفاحشة فان هذا ظلم لنفسه مختص به فعقوبته على ترك الجهاد ~~وذمه على ذلك أعظم بكثير من ذمه وعقوبته على ذلك # واذا لم يمكن جمع العقوبتين كانت العقوبة على ترك الجهاد مقدمة على ~~العقوبة على هذه المعاصى كما أن منفعة الجهاد له وللمسلمين قد PageV28P185 ~~تكون أعظم بكثير من منفعة ردعه عن الخمر والفاحشة اذا استسر بذلك ولم يظلم ~~به غيره فيدفع هنا أعظم الفاسدين باحتمال ادناهما وفى مثل هذا قال ( إن ~~الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم ( ويذم أحد هؤلاء ~~أو يؤجر بما فيه من عجز عن الجهاد أو تفريط فيه مالا يفعل بغيره ممن ليس ~~مرصدا للجهاد # وكذلك أهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة صورة ومعنى مع أن ~~حفظ ذلك واجب على الأمة عمو ما على الكفاية منهم ومنه ما يجب على أعيانهم ~~وهو علم العين الذى يجب على المسلم في خاصة نفسه لكن وجوب ذلك عينا وكفاية ~~على أهل العلم الذين رأسوا فيه أو رزقوا عليه أعظم من وجوبه على غيرهم لأنه ~~واجب بالشرع عموما وقد يتعين عليهم لقدرتهم عليه وعجز غيرهم ويدخل في ~~القدرة استعداد العقل وسابقة الطلب ومعرفة الطرق الموصلة إليه من الكتب ~~المصنفة والعلماء المتقدمين وسائر الأدلة المتعدده والتفرغ له عما يشغل ms8061 به ~~غيرهم # و # لهذا مضت السنة بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم كالشروع في الحج يعنى ~~ان ما حفظه من علم الدين وعلم الجهاد ليس له PageV28P186 اضاعته لقول النبى ~~( من قرأ القرآن ثم نسيه لقى الله وهو أجذم ( رواه أبو داود وقال ( عرضت ~~على أعمال أمتى حسنها وسيئها فرأيت في مساوئ اعمالها الرجل يؤتيه الله آية ~~من القرآن ثم ينام عنها حتى ينساها ( وقال ( من تعلم الرمى ثم نسيه فليس ~~منا ( رواه مسلم # وكذلك الشروع في عمل الجهاد فان المسلمين اذا صافوا عدوا أو حاصروا حصنا ~~ليس لهم الانصراف عنه حتى يفتحوه ولذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ما ~~ينبغى لنبي اذا لبس لأمته ان ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ( # فالمرصدون للعلم عليهم للامة حفظ علم الدين وتبليغه فاذا لم يبلغوهم علم ~~الدين أو ضيعوا حفظه كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين ولهذا قال تعالى @QB@ ~~إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون @QE@ فان ضرر كتمانهم تعدى إلى ~~البهائم وغيرها فلعنهم اللاعنون حتى البهائم # كما ان معلم الخير يصلى عليه الله وملائكتة ويستغفر له كل شيء حتى ~~الحيتان في جوف البحر والطير في جو السماء PageV28P187 # وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم وكذلك اظهارهم للمعاصى والبدع التى ~~تمنع الثقة بأقوالهم وتصرف القلوب عن اتباعهم وتقتضى متابعة الناس لهم فيها ~~هي من اعظم الظلم ويستحقون من الذم والعقوبة عليها مالا يستحقه من أظهر ~~الكذب والمعاصى والبدع من غيرهم لأن أظهار غير العالم وان كان فيه نوع ضرر ~~فليس هو مثل العالم في الضرر الذى يمنع ظهور الحق ويوجب ظهور الباطل فإن ~~إظهار هؤلاء للفجور والبدع بمنزلة اعراض المقاتلة عن الجهاد ودفع العدو ليس ~~هو مثل اعراض آحاد المقاتلة لما في ذلك من الضرر العظيم على المسلمين # فترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد وترك أهل القتال ~~للقتال الواجب عليهم كترك أهل العلم للتبليغ الواجب ms8062 عليهم كلاهما ذنب عظيم ~~وليس هو مثل ترك ما تحتاج الأمة إليه مما هو مفوض اليهم فان ترك هذا أعظم ~~من ترك أداء المال الواجب إلى مستحقة وما يظهرونه من البدع والمعاصى التى ~~تمنع قبول قولهم وتدعو النفوس إلى موافقتهم وتمنعهم وغيرهم من اظهار الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر أشد ضررا للأمة وضررا عليهم من إظهار غيرهم لذلك # ولهذا جبل الله قلوب الامة على انها تستعظم جبن الجندى PageV28P188 وفشله ~~وتركه للجهاد ومعاونته للعدو اكثر مما تستعظمه من غيره وتستعظم إظهار ~~العالم الفسوق والبدع اكثر مما تستعظم ذلك من غيره بخلاف فسوق الجندى وظلمه ~~وفاحشته وبخلاف قعود العالم عن الجهاد بالبدن # ومثل ذلك ولاة الأمور كل بحسبه من الوالى والقاضى فان تفريط أحدهم فيما ~~عليه رعايته من مصالح الأمة أو فعل ضد ذلك من العدوان عليهم يستعظم أعظم ~~مما يستعظم ذنب يخص أحدهم PageV28P189 ! 8 < وقال شيخ الاسلام رحمه الله ! ~~8 < ### ||| فصل في الولاية والعداوة # ! 8 < # فان المؤمنين أولياء الله وبعضهم أولياء بعض والكفار أعداء الله وأعداء ~~المؤمنين وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين وبين ان ذلك من لوازم الايمان ~~ونهى عن موالاة الكفار وبين ان ذلك منتف في حق المؤمنين وبين حال المنافقين ~~في موالاة الكافرين # فأما ( موالاة المؤمنين ( فكثيرة كقوله @QB@ إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا @QE@ إلى قوله @QB@ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون @QE@ وقوله @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ~~@QE@ إلى قوله @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون @QE@ PageV28P190 # وقال @QB@ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء @QE@ إلى قوله @QB@ قد كانت لكم ~~أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه @QE@ ه ( إلى آخر السورة وقوله @QB@ لا ~~تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور @QE@ وقال @QB@ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى ms8063 النور ~~@QE@ وقال @QB@ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ~~@QE@ وقال @QB@ وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ~~@QE@ وقال @QB@ فإن الله عدو للكافرين @QE@ وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم ~~منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم @QE@ إلى قوله @QB@ ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ~~يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين يا أيها ~~الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه @QE@ إلى قوله PageV28P191 @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين @QE@ إلى تمام ~~الكلام وقال @QB@ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ~~أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون @QE@ # فذم من يتولى الكفار من أهل الكتاب قبلنا وبين أن ذلك ينافى الايمان @QB@ ~~بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا @QE@ إلى قوله @QB@ ~~سبيلا @QE@ وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا @QE@ وقال عن المنافقين @QB@ وإذا ~~لقوا ms8064 الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما ~~نحن مستهزؤون @QE@ كما قال عن الكفار المنافقين من أهل الكتاب @QB@ وإذا ~~لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما ~~فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون @QE@ PageV28P192 # وقال ~~@QB@ ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم @QE@ ~~( نزلت فيمن تولى اليهود من المنافقين وقال @QB@ ما هم منكم @QE@ ولا من ~~اليهود @QB@ ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ~~ساء ما كانوا يعملون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين ~~@QE@ إلى قوله @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم @QE@ وقال ~~@QB@ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ~~لئن أخرجتم لنخرجن معكم @QE@ إلى تمام القصة وقال @QB@ إن الذين ارتدوا على ~~أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم ~~قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم ~~@QE@ # وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم ولهذا ذكر في سورة ~~المائدة ( أئمة المرتدين عقب النهى عن موالاة الكفار قوله @QB@ ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم @QE@ وقال @QB@ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ~~يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا @QE@ PageV28P193 # فذكر المنافقين والكفار المهادنين وأخبر أنهم يسمعون لقوم آخرين لم يأتوك ~~وهو استماع المنافقين والكفار المهادنين للكفار المعلنين الذين لم يهادنوا ~~كما أن في المؤمنين من قد يكون سماعا للمنافقين كما قال @QB@ وفيكم سماعون ~~لهم @QE@ # وبعض الناس يظن أن المعنى سماعون لأجلهم بمنزلة الجاسوس أى يسمعون ما ~~يقول وينقلونه اليهم حتى قيل لبعضهم أين في القرآن الحيطان لها ms8065 أذان قال في ~~قوله @QB@ وفيكم سماعون لهم @QE@ وكذلك قوله @QB@ سماعون للكذب @QE@ أى ~~ليكذبوا أن اللام لام التعدية لا لام التبعية وليس هذا معنى الآيتين وإنما ~~المعنى فيكم من يسمع لهم أى يستجيب لهم ويتبعهم كما في قوله سمع الله لمن ~~حمده استجاب الله لمن حمده أى قبل منه يقال فلان يسمع لفلان أى يستجيب له ~~ويطيعه # وذلك أن المسمع وإن كان أصله نفس السمع الذى يشبه الإدراك لكن اذا كان ~~المسموع طلبا ففائدته وموجبه الاستجابة والقبول واذا كان المسموع خبرا ~~ففائدته التصديق والاعتقاد فصار يدخل PageV28P194 مقصوده وفائدته في مسماه ~~نفيا وإثباتا فيقال فلان يسمع لفلا ن أى يطيعه في أمره أو يصدقه في خبره ~~وفلان لا يسمع ما يقال له أى لا يصدق الخبر ولا يطيع الأمر كما بين الله ~~السمع عن الكفار في غير موضع كقوله @QB@ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ~~بما لا يسمع إلا دعاء ونداء @QE@ وقوله @QB@ ولا يسمع الصم الدعاء @QE@ ~~وذلك لأن سمع الحق يوجب قبوله ايجاب الاحساس الحركة وايجاب علم القلب حركة ~~القلب فان الشعور بالملائم يوجب الحركة إليه والشعور بالمنافر يوجب النفرة ~~عنه فحيث انتفى موجب ذلك دل على إنتفاء مبدئه ولهذا قال تعالى @QB@ إنما ~~يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله @QE@ # ولهذا جعل سمع الكفار بمنزلة سمع البهائم لأصوات الرعاة أى يسمعون مجرد ~~الأصوات سمع الحيوان لا يسمعون ما فيها من تأليف الحروف المتضمنة للمعانى ~~السمع الذى لا بد أن يكون بالقلب مع الجسم فقال تعالى @QB@ سماعون للكذب ~~سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم ~~هذا فخذوه @QE@ ه ( يقول هم يستجيبون @QB@ لقوم آخرين @QE@ وأولئك @QB@ لم ~~يأتوك @QE@ وأولئك @QB@ يحرفون الكلم من بعد مواضعه @QE@ يقولون لهؤلاء ~~الذين أتوك @QB@ إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا @QE@ كما ذكروا ~~في سبب نزول PageV28P195 الآية أنهم قالوا في حد الزنى وفى القتل إذهبوا ~~إلى هذا النبى الأمى فان حكم لكم بما تريدونه فاقبلوه وان حكم بغيره فانتم ~~قد تركتم حكم التوراة أفلا تتركون ms8066 حكمه فهذا هو استماع المتحاكمين من أولئك ~~الذين لم يأتوه ولو كانوا بمنزلة الجاسوس لم يخص ذلك بالسماع بل يرون ~~ويسمعون وان كانوا قد ينقلون إلى شياطينهم ما رأوه وسمعوه لكن هذا من توابع ~~كونهم يستجيبون لهم ويوالونهم # يبين ذلك أنه قال @QB@ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم @QE@ أى لأسرعوا بينكم يطلبون ~~الفتنة بينكم ثم قال وفيكم مستجيبون لهم اذا أوضعوا خلالكم ولو كان المعنى ~~وفيكم من تجسس لهم لم يكن مناسبا وانما المقصود أنهم إذا أوضعوا بينكم ~~يطلبون الفتنة وفيكم من يسمع منهم حصل الشر واما الجس فلم يكونوا يحتاجون ~~إليه فانهم بين المؤمنين وهم يوضعون خلالهم # مما يبين ذلك أنه قال @QB@ سماعون للكذب أكالون للسحت @QE@ فذكر ما يدخل ~~في أذانهم وقلوبهم من الكلام وما يدخل في أفواههم وبطونهم من الطعام غذاء ~~الجسوم وغذاء القلوب فانهما غذآن PageV28P196 خبيثان الكذب والسحت وهكذا من ~~يأكل السحت من البرطيل ونحوه يسمع الكذب كشهادة الزور ولهذا قال @QB@ لولا ~~ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت @QE@ فلما كان ~~هؤلاء يستجيبون لغير الرسول كما يستجيبون له اذا وافق أراءهم وأهواءهم لم ~~يجب عليه الحكم بينهم فانهم متخيرون بين القبول منه والقبول ممن يخالفه ~~فكان هو متخيرا في الحكم بينهم والاعراض عنهم وانما يجب عليه الحكم بين من ~~لابد له منه من المؤمنين # واذا ظهر المعنى تبين فصل الخطاب في وجوب الحكم بين المعاهدين من أهل ~~الحرب كالمستأمن والمهادن والذمى فان فيه نزاعا مشهورا بين العلماء قيل ليس ~~بواجب للتخير وقيل بل هو واجب والتخيير منسوخ بقوله @QB@ وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله @QE@ # قال الأولون أما الأمر هنا أن يحكم بما أنزل الله اذا حكم فهو أمر بصفة ~~الحكم لا بأصله كقوله @QB@ وإن حكمت @QE@ @QB@ فاحكم بينهم بما أنزل الله ~~@QE@ وقوله @QB@ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل @QE@ وهذا أصوب فان ~~النسخ لا يكون بمحتمل فكيف بمرجوح وقيل يجب في مظالم العباد دون غيرها ~~والخلاف في ذلك مشهور ms8067 في PageV28P197 مذهب الامام أحمد وغيره من الأئمة # وحقيقة الآية إن كان مستجيبا لقوم آخرين لم يأتوه لم يجب عليه الحكم ~~بينهم كالمعاهد من المستأمن وغيره الذى يرجع إلى أمرآئه وعلمائه في دراهم ~~وكالذمى الذى إن حكم له بما يوافق غرضه وإلارجع إلى اكابرهم وعلمائهم فيكون ~~متخيرا بين الطاعة لحكم الله ورسوله وبين الاعراض عنه واما من لم يكن الا ~~مطيعا لحكم الله ورسوله ليس عنه مندوحة كالمظلوم الذى يطلب نصره من ظالمه ~~وليس له من ينصره من أهل دينه فهذا ليس في الآية تخيير واذا كان عقد الذمة ~~قد أوجب نصره من أهل الحرب فنصره ممن يظلمه من أهل الذمة أولى ان يوجب ذلك # وكذلك لو كان المتحاكم إلى الحاكم والعالم من المنافقين الذين يتخيرون ~~بين القبول من الكتاب والسنة وبين ترك ذلك لم يجب عليه الحكم بينهم وهذا من ~~حجة كثير من السلف الذين كانوا لا يحدثون المعلنين بالبدع بأحاديث النبى # ومن هذا الباب من لا يكون قصده في استفتائه وحكومته الحق بل غرضه من ~~يوافقه على هواه كائنا من كان سواء كان صحيحا أو باطلا فهذا سماع لغير ما ~~بعث الله به رسوله فان الله إنما بعث رسوله PageV28P198 بالهدى ودين الحق ~~فليس على خلفاء رسول الله أن يفتوه ويحكموا له كما ليس عليهم أن يحكموا بين ~~المنافقين والكافرين المستجيبين لقوم آخرين لم يستجيبوا لله ورسوله # ومن جنس موالاة الكفار التى ذم الله بها أهل الكتاب والمنافقين الايمان ~~ببعض ما هم عليه من الكفر أو التحاكم اليهم دون كتاب الله كما قال تعالى ~~@QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا @QE@ وقد عرف أن سبب ~~نزولها شأن كعب بن الأشرف أحد رؤساء اليهود لما ذهب إلى المشركين ورجح ~~دينهم على دين محمد واصحابه والقصة قد ذكرناها في ( الصارم المسلول ( لما ~~ذكرنا قول النبى ( من لكعب بن الأشرف فانه قد آذى الله ورسوله ( # ونظير هذه الآية قوله تعالى ms8068 عن بعض أهل الكتاب @QB@ ولما جاءهم رسول من ~~عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ~~ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان @QE@ ( ~~الآية فأخبر أنهم اتبعوا السحر وتركوا كتاب الله كما يفعله كثير من اليهود ~~وبعض المنتسبين إلى الاسلام من اتباعهم كتب السحرة أعداء إبراهيم وموسى من ~~المتفلسفة ونحوهم PageV28P199 وهو كايمانهم بالجبت والطاغوت فان الطاغوت هو ~~الطاغى من الأعيان والجبت هو من الأعمال والأقوال كما قال عمر بن الخطاب ~~الجبت السحر والطاغوت الشيطان ولهذا قال النبى ( العيافة والطيرة والطرق من ~~الجبت ( رواه أبو داود # وكذلك ما أخبر عن أهل الكتاب بقوله ( قل 2 هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة ~~عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ~~( أى ومن عبد الطاغوت فان أهل الكتاب كان منهم من أشرك وعبد الطواغيت فهنا # ذكر عبادتهم للطاغوت وفى ( البقرة ( ذكر اتباعهم للسحر وذكر في ( النساء ~~( أيمانهم بهما جميعا بالجبت والطاغوت # وأما التحاكم إلى غير كتاب الله فقد قال @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ~~وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا @QE@ ~~( # والطاغوت فعلوت من الطغيان كما أن الملكوت فعلوت من الملك والرحموت ~~والرهبوت والرغبوت فعلوت من الرحمة PageV28P200 والرهبة والرغبة والطغيان ~~مجاوزة الحد وهو الظلم والبغى فالمعبود من دون الله اذا لم يكن كارها لذلك ~~طاغوت ولهذا سمى النبى الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح لما قال ( ويتبع من ~~يعبد الطواغيت الطواغيت ( والمطاع في معصية الله والمطاع في اتباع غير ~~الهدى ودين الحق سواء كان مقبولا خبره المخالف لكتاب الله أو مطاعا امره ~~المخالف لأمر الله هو طاغوت ولهذا سمى من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب ~~الله طاغوت وسمى الله فرعون ( وعادا طغاة ( وقال في صيحة ms8069 ثمود @QB@ فأما ~~ثمود فأهلكوا بالطاغية @QE@ # فمن كان من هذه الأمة مواليا للكفار من المشركين أو اهل الكتاب ببعض ~~انواع الموالاة ونحوها مثل اتيانه ( أهل ( الباطل واتباعهم في شيء من ~~مقالهم وفعالهم الباطل كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك وذلك مثل ~~متابعتهم في آرائهم وأعمالهم كنحو أقوال الصابئة وافعالهم من الفلاسفة ~~ونحوهم المخالفة للكتاب والسنة ونحو أقوال اليهود والنصارى وأفعالهم ~~المخالفة للكتاب والسنة ونحو أقوال المجوس والمشركين وأفعالهم المخالفة ~~للكتاب والسنة # ومن تولى أمواتهم أو أحياءهم بالمحبة والتعظيم والموافقة فهو منهم كالذين ~~وافقوا أعداء إبراهيم الخليل من الكلدانيين وغيرهم PageV28P201 من المشركين ~~عباد الكواكب أهل السحر والذين وافقوا أعداء موسى من فرعون وقومه بالسحر أو ~~ادعى أنه ليس ثم صانع غير الصنعه ولا خالق غير المخلوق ولا فوق السماوات ~~اله كما يقوله الاتحادية وغيرهم من الجهمية والذين وافقوا الصائبة ~~والفلاسفة فيما كانوا يقولونه في الخالق ورسله في أسمائه وصفاته والمعاد ~~وغير ذلك # ولا ريب أن هذه الطوائف وان كان كفرها ظاهرا فان كثيرا من الداخلين في ~~الاسلام حتى من المشهورين بالعلم والعبادة والامارة قد دخل في كثير من ~~كفرهم وعظمهم ويرى تحكيم ما قرروه من القواعد ونحو ذلك وهؤلاء كثروا في ~~المستأخرين ولبسوا الحق الذى جاءت به الرسل بالباطل الذى كان عليه أعداؤهم # والله تعالى يحب تمييز الخبيث من الطيب والحق من الباطل فيعرف ان هؤلاء ~~الأصناف منافقون أو فيهم نفاق وان كانوا مع المسلمين فان كون الرجل مسلما ~~في الظاهر لا يمنع أن يكون منافقا في الباطن فان المنافقين كلهم مسلمون في ~~الظاهر والقرآن قد بين صفاتهم وأحكامهم واذا كانوا موجودين على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفى عزة الاسلام مع ظهور أعلام النبوة ونور ~~الرسالة فهم مع بعدهم عنهما اشد وجودا لاسيما وسبب النفاق هو سبب الكفر وهو ~~المعارض لما جاءت به الرسل PageV28P202 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن يجب أو يجوز بغضه أو هجره أو كلاهما لله تعالى وماذا يشترط على الذى ~~يبغضه أو يهجره لله تعالى ms8070 من الشروط وهل يدخل ترك السلام في الهجران أم لا ~~واذا بدأ المهجور الهاجر بالسلام هل يجب الرد عليه أم لا وهل يستمر البغض ~~والهجران لله عز وجل حتى يتحقق زوال الصفة المذكورة التى أبغضه وهجره عليها ~~أم يكون لذلك مدة معلومة فان كان لها مدة معلومة فما حدها افتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الهجر الشرعى نوعان ( أحدهما ( بمعنى الترك للمنكرات و ( الثانى ( ~~بمعنى العقوبة عليها # فالأول هو المذكور في قوله تعالى @QB@ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظالمين @QE@ وقوله تعالى @QB@ وقد نزل عليكم في الكتاب ~~أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا ~~في حديث غيره إنكم إذا مثلهم @QE@ PageV28P203 # فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس ~~عندهم وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم وأمثال ذلك بخلاف ~~من حضر عندهم للانكار عليهم أو حضر بغير اختياره ولهذا يقال حاضر المنكر ~~كفاعله وفى الحديث ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة ~~يشرب عليها الخمر ( وهذا الهجر من جنس هجر الانسان نفسه عن فعل المنكرات ~~كما قال ( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ( # ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الاسلام والايمان ~~فانه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر ~~الله به ومن هذا قوله تعالى @QB@ والرجز فاهجر @QE@ # النوع الثانى الهجر على وجه التاديب وهو هجر من يظهر المنكرات يهجر حتى ~~يتوب منها كما هجر النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا ~~حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر ولم ~~يهجر من أظهر الخير PageV28P204 وان كان منافقا فهنا الهجر هو بمنزلة ~~التعزير # والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات كتارك الصلاة ~~والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعى إلى البدع المخالفة ms8071 للكتاب ~~والسنة واجماع سلف الامة التى ظهر انها بدع # وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة ان الدعاة إلى البدع لا تقبل ~~شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون فهذه عقوبة لهم ~~حتى ينتهوا ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية لأن الداعية اظهر ~~المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فانه ليس شرا من المنافقين الذين كان ~~النبى صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله مع علمه ~~بحال كثير منهم ولهذا جاء في الحديث ( ان المعصية اذا خفيت لم تضر الا ~~صاحبها ولكن اذا اعلنت فلم تنكر ضرت العامة ( وذلك لأن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( ان الناس اذا رأوا المنكر فلم يغيروه اوشك ان يعمهم الله بعقاب ~~منه ( # فالمنكرات الظاهرة يجب انكارها بخلاف الباطنة فان عقوبتها على صاحبها ~~PageV28P205 خاصة # وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فان ~~المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله فان كانت المصلحة ~~في ذلك راجحة بحيث يفضى هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعا وان كان لا ~~المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ~~ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من ~~الهجر # والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ولهذا كان النبى يتألف قوما ويهجر ~~آخرين كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرا من اكثر المؤلفة قلوبهم لما ~~كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم فكانت المصلحة الدينية في تأليف ~~قلوبهم وهؤلاء كانوا مؤمنين والمؤمنون سواهم كثير فكان في هجرهم عز الدين ~~وتطهيرهم من ذنوبهم وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة والمهادنه ~~تارة وأخذ الجزية تارة كل ذلك بحسب الاحوال والمصالح # وجواب الائمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبنى على هذا الأصل ولهذا كان ~~يفرق بين الأماكن التى كثرت فيها البدع كما كثر القدر في البصرة والتنجيم ~~بخراسان والتشيع بالكوفة وبين ما ليس PageV28P206 كذلك ويفرق بين الأئمة ~~المطاعين ms8072 وغيرهم واذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه # واذا عرف هذا فالهجرة الشرعية هي من الاعمال التى أمر الله بها ورسوله ~~فالطاعة لابد أن تكون خالصه لله وأن تكون موافقة لامره فتكون خالصة لله ~~صوابا فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرا غير مأمور به كان خارجا عن هذا وما ~~اكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله # والهجر لأجل حظ الانسان لا يجوز اكثر من ثلاث كما جاء في الصحيحين عن ~~النبى انه قال ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد ~~هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ( فلم يرخص في هذا الهجر اكثر من ثلاث كما ~~لم يرخص في احداد غير الزوجة اكثر من ثلاث وفى الصحيحين عنه أنه قال ( تفتح ~~أبواب الجنة كل أثنين وخميس فيغفر لكل عبد لايشرك بالله شيئا الا رجلا كان ~~بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا ( فهذا الهجر لحق ~~الانسان حرام وانما رخص في بعضه كما رخص للزوج ان يهجر امرأته في المضجع ~~اذا نشزت وكما رخص في هجر الثلاث # فينبغى ان يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه PageV28P207 ف ( ~~الأول ( مأمور به و ( الثانى ( منهى عنه لأن المؤمنين أخوة وقد قال النبى ~~في الحديث الصحيح ( لاتقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا ~~عباد الله أخوانا المسلم أخو المسلم ( وقال في الحديث الذى في السنن ( ألا ~~أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال اصلاح ذات البين فان فساد ذات البين هي ~~الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ( وقال في الحديث الصحيح ( مثل ~~المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذ اشتكى منه عضو ~~تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ( # وهذا لأن الهجر من ( باب العقوبات الشرعية ( فهو من جنس الجهاد في سبيل ~~الله وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله ms8073 لله والمؤمن ~~عليه أن يعادى في الله ويوالى في الله فان كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه ~~وان ظلمه فان الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية قال تعالى @QB@ وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ~~إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة @QE@ فجعلهم أخوة PageV28P208 مع ~~وجود القتال والبغى والأمر بالاصلاح بينهم # فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر ~~وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وان ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته ~~وان أعطاك وأحسن اليك فان الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين ~~كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه والاكرام لأوليائه والاهانة ~~لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه # واذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق ~~من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعادات والعقاب بحسب ~~ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الأكرام والأهانة فيجتمع له ~~من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه ~~لحاجته # هذا هو الأصل الذى اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج ~~والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا الناس لا مستحقا للثواب فقط ولا ~~مستحقا للعقاب فقط وأهل السنة يقولون ان الله يعذب بالنار من أهل الكبائر ~~من يعذبه ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن PageV28P209 له في الشفاعة بفضل ~~رحمته كما استفاضت بذلك السنة عن النبى والله سبحانه وتعالى أعلم وصل اللهم ~~على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وقال رحمه الله ### ||| فصل # في مسائل إسحاق بن منصور وذكره الخلال في ( كتاب السنة ( في باب مجانبة ~~من قال القرآن مخلوق عن إسحاق انه قال لأبى عبد الله من قال القرآن مخلوق ~~قال ألحق به كل بلية قلت فيظهر العداوة لهم أم يداريهم قال أهل خراسان لا ~~يقوون بهم وهذا الجواب منه مع قوله في القدرية لو تركنا ms8074 الرواية عن القدرية ~~لتركناها عن اكثر اهل البصرة ومع ما كان يعاملهم به في المحنة من الدفع ~~بالتى هي أحسن ومخاطبتهم بالحجج يفسر ما في كلامه وأفعاله من هجرهم والنهى ~~عن مجالستهم ومكالمتهم حتى هجر # في زمن غير ما أعيان من الاكابر وامر بهجرهم لنوع ما من التجهم ~~PageV28P210 فان الهجرة نوع من أنواع التعزير والعقوبة نوع من أنواع الهجرة ~~التى هي ترك السيئات فان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( المهاجر من هجر ~~السيئات ( وقال ( من هجر ما نهى الله عنه ( فهذا هجرة التقوى وفى هجرة ~~التعزير والجهاد هجرة الثلاثة الذين خلفوا وأمر المسلمين بهجرهم حتى تيب ~~عليهم # فالهجرة تارة تكون من نوع التقوى إذا كانت هجرا للسيئات كما قال تعالى ~~@QB@ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين ~~يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون @QE@ فبين سبحانه ان المتقين ~~خلاف الظالمين وان المأمورين بهجران مجالس الخوض في آيات الله هم المتقون ~~وتارة تكون من نوع الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واقامة الحدود ~~وهو عقوبة من اعتدى وكان ظالما # وعقوبة الظالم وتعزيره مشروط بالقدرة فلهذا اختلف حكم الشرع في نوعى ~~الهجرتين بين القادر والعاجز وبين قلة نوع الظالم المبتدع وكثرته وقوته ~~وضعفه كما يختلف الحكم بذلك في سائر أنواع الظلم من الكفر والفسوق والعصيان ~~فإن كلما حرمه الله فهو ظلم اما في حق الله فقط واما في حق عباده واما ~~فيهما وما امر به من هجر الترك والانتهاء وهجر العقوبة والتعزير إنما هو ~~إذا لم يكن فيه مصلحة PageV28P211 دينية راجحة على فعله والا فاذا كان في ~~السيئة حسنة راجحة لم تكن سيئة واذا كان في العقوبة مفسدة راجحة على ~~الجريمة لم تكن حسنة بل تكون سيئة وان كانت مكافئة لم تكن حسنة ولا سيئة # فالهجران قد يكون مقصوده ترك سيئة البدعة التى هي ظلم وذنب وأثم وفساد ~~وقد يكون ms8075 مقصوده فعل حسنة الجهاد والنهى عن المنكر وعقوبة الظالمين ~~لينزجروا ويرتدعوا وليقوى الايمان والعمل الصالح عند اهله فان عقوبة الظالم ~~تمنع النفوس عن ظلمه وتحضها على فعل ضد ظلمه من الايمان والسنة ونحو ذلك ~~فاذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد بل بطلان كثير من الحسنات ~~المأمور بها لم تكن هجرة مامورا بها كما ذكره أحمد عن أهل خراسان اذ ذاك ~~انهم لم يكونوا يقوون بالجهمية فاذا عجزوا عن أظهار العداوة لهم سقط الأمر ~~بفعل هذه الحسنة وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف ولعله ان ~~يكون فيه تأليف الفاجر القوى وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة فلو ترك ~~رواية الحديث عنهم لاندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم فاذا تعذر ~~اقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك الا بمن فيه بدعة مضرتها دون ~~مضرة ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من ~~العكس ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل PageV28P212 وكثير من ~~أجوبة الامام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسئول حاله ~~أو خرج خطابا لمعين قد علم حاله فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن ~~الرسول إنما يثبت حكمها في نظيرها # فان أقواما جعلوا ذلك عاما فاستعملوا من الهجر والأنكار ما لم يؤمروا به ~~فلا يجب ولا يستحب وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات ~~وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات ~~البدعية بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهى الكاره أو وقعوا فيها وقد ~~يتركونها ترك المنتهى الكاره ولا ينهون عنها غيرهم ولا يعاقبون بالهجرة ~~ونحوها من يستحق العقوبة عليها فيكونون قد ضيعوا من النهى عن المنكر ما ~~أمروا به إيجابا أو إستحبابا فهم بين فعل المنكر أو ترك النهى عنه وذلك فعل ~~مانهوا عنه وترك ما أمروا به فهذا هذا ودين الله وسط بين الغالى فيه ~~والجافى عنه والله سبحانه أعلم PageV28P213 ### |||| وسئل شيخ الاسلام # عن مسلم ms8076 بدرت منه معصية في حال صباه توجب مهاجرته ومجانبته فقالت طائفة ~~منهم يستغفر الله ويصفح عنه ويتجاوز عن كل ما كان منه وقالت طائفة أخرى لا ~~تجوز أخوته ولا مصاحبته فأى الطائفتين أحق بالحق ### ||||| فأجاب # لا ريب أن من تاب ~~إلى الله توبة نصوحا تاب الله عليه كما قال تعالى @QB@ وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا @QE@ أى لمن تاب # واذا كان كذلك وتاب الرجل فان عمل عملا صالحا سنة من الزمان ولم ينقض ~~التوبة فانه يقبل منه ذلك ويجالس ويكلم وأما اذا تاب ولم تمض عليه سنة ~~فللعلماء فيه قولان مشهوران منهم من يقول في الحال يجالس وتقبل شهادته ~~ومنهم من يقول لابد من مضى سنة كما فعل عمر بن الخطاب بصبيغ بن عسل وهذه من ~~PageV28P214 مسائل الاجتهاد فمن رأى أن تقبل توبة هذا التائب ويجالس في ~~الحال قبل اختباره فقد أخذ بقول سائغ ومن رأى أنه يؤخر مدة حتى يعمل صالحا ~~ويظهر صدق توبته فقد أخذ بقول سائغ وكلا القولين ليس من المنكرات # وقال الشيخ # نهى الله عن اشاعة الفاحشة بقوله تعالى @QB@ إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة @QE@ وكذلك أمر ~~بستر الفواحش كما قال النبى ( من ابتلى بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر ~~الله فانه من يبدلنا صفحته نقم عليه الكتاب ( وقال ( كل أمتى معافى الا ~~المجاهرين والمجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله فيصبح يتحدث به ~~( فما دام الذنب مستورا فمصيبته على صاحبه خاصة فاذا اظهر ولم ينكر كان ~~ضرره عاما فكيف إذا كان في ظهوره تحريك غيره إليه # ولهذا أنكر الامام أحمد وغيره أشكال الشعر الغزلى الرقيق لئلا تتحرك ~~النفوس إلى الفواحش فلهذا أمر من إبتلى بالعشق ان يعف ويكتم فيكون حينئذ ~~ممن قال الله فيه @QB@ إنه من يتق ويصبر فإن ms8077 الله لا يضيع أجر المحسنين ~~@QE@ والله أعلم PageV28P215 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله # وأما تارك الصلاة ونحوه من المظهرين لبدعة أو فجور فحكم المسلم يتنوع كما ~~تنوع الحكم في حق رسول الله في حق مكة وفى المدينة فليس حكم القادر على ~~تعزيرهم بالهجرة حكم العاجز ولا هجرة من لا يحتاج إلى مجالستهم كهجرة ~~المحتاج والأصل ان هجرة الفجار نوعان هجرة ترك وهجرة تعزير أما الأولى فقد ~~دل عليها قوله تعالى @QB@ واهجرهم هجرا جميلا @QE@ وقوله @QB@ وقد نزل ~~عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره @QE@ # ومن هذا الباب هجرة المسلم من دار الحرب فالمقصود بهذا ان يهجر المسلم ~~السيئات ويهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم الا لحاجة أو مصلحة راجحة ~~وأما ( هجر التعزير ( فمثل هجر النبى وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا وهجر عمر ~~والمسلمين لصبيغ فهذا من نوع العقوبات فاذا كان يحصل PageV28P216 # بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة وان كان يحصل بها من ~~الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست مشروعة والله أعلم ### |||| وسئل # عن شارب الخمر هل يسلم عليه وهل اذا سلم رد عليه وهل تشيع جنازته وهل ~~يكفر اذا شك في تحريمها ### ||||| فأجاب # الحمد لله من فعل شيئا من المنكرات كالفواحش والخمر والعدوان وغير ~~ذلك فانه يجب الأنكار عليه بحسب القدرة كما قال النبى ( من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الأيمان ~~( فان كان الرجل متسترا بذلك وليس معلنا له انكر عليه سرا وستر عليه كما ~~قال النبى ( من ستر عبدا ستره الله في الدنيا والاخرة ( إلا ان يتعدى ضرره ~~والمتعدى لابد من كف عدوانه واذا نهاه المرء سرا فلم ينته فعل ما ينكف به ~~من هجر وغيره اذا كان ذلك أنفع في الدين # وأما اذا اظهر الرجل المنكرات وجب الانكار عليه علانية ولم PageV28P217 ~~يبق له غيبة ووجب ان يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره ms8078 فلا يسلم ~~عليه ولا يرد عليه السلام اذا كان الفاعل لذلك متمكنا من ذلك من غير مفسدة ~~راجحة # وينبغى لأهل الخير والدين ان يهجروه ميتا كما هجروه حيا اذا كان في ذلك ~~كف لامثاله من المجرمين فيتركون تشييع جنازته كما ترك النبى الصلاة على غير ~~واحد من أهل الجرائم وكما قيل لسمرة بن جندب ان أبنك مات البارحة فقال لو ~~مات لم أصل عليه يعنى لأنه أعان على قتل نفسه فيكون كقاتل نفسه وقد ترك ~~النبى الصلاه على قاتل نفسه وكذلك هجر الصحابة الثلاثة الذين ظهر ذنبهم في ~~ترك الجهاد الواجب حتى تاب الله عليهم فاذا أظهر التوبة أظهر له الخير # واما من انكر تحريم شيء من المحرمات المتواترة كالخمر والميتة والفواحش ~~أو شك في تحريمه فانه يستتاب ويعرف التحريم فان تاب والا قتل وكان مرتدا عن ~~دين الاسلام ولم يصل عليه ولم يدفن بين المسلمين PageV28P218 ### |||| وسئل # عن قوله ( لا غيبة لفاسق ( وما حد الفسق ورجل شاجر رجلين احدهما شارب خمر ~~أو جليس في الشرب أو آكل حرام أو حاضر الرقص أو السماع للدف أو الشبابة فهل ~~على من لم يسلم عليه اثم ### ||||| فأجاب # اما الحديث فليس هو من كلام النبى ولكنه مأثور عن الحسن البصرى أنه ~~قال اترغبون عن ذكر الفاجر اذ كروه بما فيه يحذره الناس وفى حديث آخر من ~~القى جلباب الحياء فلا غيبة له وهذان النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع ~~بين العلماء # أحدهما ان يكون الرجل مظهرا للفجور مثل الظلم والفواحش والبدع المخالفة ~~للسنة فاذا أظهر المنكر وجب الانكار عليه بحسب القدرة كما قال النبى ( من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه ~~وذلك اضعف الايمان ( رواه مسلم وفى المسند والسنن عن ابى بكر الصديق رضى ~~الله عنه انه قال ايها PageV28P219 الناس انكم تقرؤون القرآن وتقرآون هذه ~~الآية وتضعونها على غير مواضعها @QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم @QE@ وانى سمعت رسول الله يقول ms8079 ( ان الناس اذا ~~رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك ان يعمهم الله بعقاب منه ( فمن أظهر المنكر ~~وجب عليه الانكار وان يهجر ويذم على ذلك فهذا معنى قولهم من القى جلباب ~~الحياء فلا غيبة له بخلاف من كان مستترا بذنبه مستخفيا فان هذا يستر عليه ~~لكن ينصح سرا ويهجره من عرف حاله حتى يتوب ويذكر امره على وجه النصيحة # النوع الثانى ان يستشار الرجل في مناكحته ومعاملته أو استشهاده ويعلم انه ~~لا يصلح لذلك فينصحه مستشاره ببيان حاله كما ثبت في الصحيح ان النبى قالت ~~له فاطمة بنت قيس قد خطبنى أبو جهم ومعاوية فقال لها ( أما أبو جهم فرجل ~~ضراب للنساء وأما معاوية فصعلوك لا مال له ( فبين النبى حال الخاطبين ~~للمرأة فهذا حجة لقول الحسن اترغبون عن ذكر الفاجر أذكروه بما فيه يحذره ~~الناس فان النصح في الدين أعظم من النصح في الدنيا فاذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم نصح المراة في دنياها فالنصيحة في الدين أعظم # واذا كان الرجل يترك الصلوات ويرتكب المنكرات وقد عاشره PageV28P220 من ~~يخاف ان يفسد دينه بين أمره له لتتقى معاشرته وإذا كان مبتدعا يدعو إلى ~~عقائد تخالف الكتاب والسنة أو يسلك طريقا يخالف الكتاب والسنة ويخاف ان يضل ~~الرجل الناس بذلك بين أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله وهذا كله يجب ~~ان يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى لا لهوى الشخص مع الأنسان ~~مثل ان يكون بينهما عداوة دنيوية أو تحاسد أو تباغض أو تنازع على الرئاسة ~~فيتكلم بمساويه مظهرا للنصح وقصده في الباطن الغض من الشخص واستيفاؤه منه ~~فهذا من عمل الشيطان و ( انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى ( بل ~~يكون الناصح قصده ان الله يصلح ذلك الشخص وان يكفى المسلمين ضرره في دينهم ~~ودنياهم ويسلك في هذا المقصود ايسر الطرق التى تمكنه # ولا يجوز لأحد ان يحضر مجالس المنكر باختياره لغير ضرورة كما في الحديث ~~انه قال ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على ms8080 مائدة يشرب عليها ~~الخمر ( ورفع لعمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر فامر بجلدهم فقيل له ان ~~فيهم صائما فقال ابداوا به اما سمعتم الله يقول @QB@ وقد نزل عليكم في ~~الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم @QE@ بين عمر بن عبد العزيز رضى الله ~~عنه ان الله جعل حاضر PageV28P221 المنكر كفاعله ولهذا قال العلماء اذا دعى ~~إلى وليمة فيها منكر كالخمر والزمر لم يجز حضورها وذلك ان الله تعالى قد ~~أمرنا بانكار المنكر بحسب الامكان فمن حضر باختياره ولم ينكره فقد عصى الله ~~ورسوله بترك ما امره به من بغض انكاره والنهى عنه واذا كان كذلك فهذا الذى ~~يحضر مجالس الخمر باختياره من غير ضرورة ولا ينكر المنكر كما امره الله هو ~~شريك الفساق في فسقهم فيلحق بهم ### || 1 ( رسالة في الغيبة ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه ! 8 < الله # عن الغيبة هل تجوز على أناس معينين أو يعين شخص بعينه وما حكم ذلك ~~افتونا بجوا ب بسيط ليعلم ذلك الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويستمد ~~كل واحد بحسب قوته بالعلم والحكم ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أصل الكلام في هذا ان يعلم ان الغيبة هي كما ~~فسرها النبى في الحديث الصحيح لما سئل عن الغيبة فقال ( هي ذكرك أخاك بما ~~يكره ( قيل يا رسول الله أرأيت ان كان في أخى ما أقول قال ( ان كان فيه ما ~~تقول فقد اغتبته وان لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ( # بين الفرق بين الغيبة والبهتان وان الكذب PageV28P222 عليه بهت له كما ~~قال سبحانه @QB@ ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك ~~هذا بهتان عظيم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن @QE@ وفى الحديث الصحيح ( ان اليهود قوم بهت ( فالكذب على الشخص ~~حرام كله سواء كان الرجل مسلما أو كافرا برا أو فاجرا لكن الافتراء على ~~المؤمن أشد بل الكذب كله حرام # ولكن تباح عند ms8081 الحاجة الشرعية ( المعاريض ( وقد تسمى كذبا لأن الكلام ~~يعنى به المتكلم معنى وذلك المعنى يريد ان يفهمه المخاطب فاذا لم يكن على ~~ما يعنيه فهو الكذب المحض وان كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه ~~المخاطب فهذه المعاريض وهى كذب باعتبار الافهام وان لم تكن كذبا باعتبار ~~الغاية السائغة ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم ( لم يكذب إبراهيم الا ~~ثلاث كذبات كلهن في ذات الله قوله لسارة أختى وقوله @QB@ بل فعله كبيرهم ~~هذا @QE@ وقوله @QB@ إني سقيم @QE@ وهذه الثلاثة معاريض # وبها احتج العلماء على جواز التعريض للمظلوم وهو أن يعنى بكلامه ما ~~يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه المخاطب ولهذا قال من قال من PageV28P223 ~~العلماء إن ما رخص فيه رسول الله انما هو من هذا كما في حديث أم كلثوم بنت ~~عقبة عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( ليس الكاذب بالذى يصلح بين ~~الناس فيقول خيرا أو ينمى خيرا ( ولم يرخص فيما يقول الناس انه كذب الا في ~~ثلاث في الاصلاح بين الناس وفى الحرب وفى الرجل يحدث امرأته قال فهذا كله ~~من المعاريض خاصة # ولهذا نفى عنه النبى اسم الكذب باعتبار القصد والغاية كما ثبت عنه انه ~~قال ( الحرب خدعة ( وانه كان اذا اراد غزوة ورى بغيرها ومن هذا الباب قول ~~الصديق في سفر الهجرة عن النبى هذا الرجل يهدينى السبيل وقول النبى للكافر ~~السائل له في غزوة بدر ( نحن من ماء ( وقوله للرجل الذى حلف على المسلم ~~الذى اراد الكفار اسره انه أخى وعنى أخوة الدين وفهموا منه أخوة النسب فقال ~~النبى ( إن كنت لأبرهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم ( # والمقصود هنا ان النبى فرق بين الاغتياب وبين البهتان وأخبر أن المخبر ~~بما يكره أخوه المؤمن عنه اذا كان صادقا فهو المغتاب وفى قوله ( ذكرك أخاك ~~بما PageV28P224 يكره ( موافقة لقوله تعالى @QB@ ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه @QE@ ه ( فجعل جهة التحريم كونه أخا ~~اخوة الايمان ولذلك تغلظت الغيبة بحسب حال ms8082 المؤمن فكلما كان أعظم ايمانا ~~كان أغتيابه أشد # ومن جنس الغيبة الهمز واللمز فان كلاهما فيه عيب الناس والطعن عليهم كما ~~في الغيبة لكن الهمز هو الطعن بشدة وعنف بخلاف اللمز فانه قد يخلو من الشدة ~~والعنف كما قال تعالى @QB@ ومنهم من يلمزك في الصدقات @QE@ أى يعيبك ويطعن ~~عليك وقال تعالى @QB@ ولا تلمزوا أنفسكم @QE@ أي لا يلمز بعضكم بعضا وقال ~~@QB@ هماز مشاء بنميم @QE@ وقال @QB@ ويل لكل همزة لمزة @QE@ # إذا تبين هذا فنقول ذكر الناس بما يكرهون هو في الأصل على وجهين ( أحدهما ~~( ذكر النوع ( والثانى ( ذكر الشخص المعين الحى أو الميت # أما الأول فكل صنف ذمه الله ورسوله يجب ذمه وليس ذلك من الغيبة كما ان كل ~~صنف مدحه الله ورسوله يجب مدحه وما لعنه الله ورسوله لعن كما أن من صلى ~~الله عليه وملائكته يصلى عليه فالله تعالى ذم الكافر والفاجر والفاسق ~~والظالم والغاوى PageV28P225 والضال والحاسد والبخيل والساحر وآكل الربا ~~وموكله والسارق والزانى والمختال والفخور والمتكبر الجبار وأمثال هؤلاء كما ~~حمد المؤمن التقى والصادق والبار والعادل والمهتدى والراشد والكريم ~~والمتصدق والرحيم وأمثال هؤلاء ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل ~~الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له ولعن من عمل عمل قوم لوط ~~ولعن من احدث حدثا أو آوى محدثا ولعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها ~~والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها ولعن اليهود ~~والنصارى حيث حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها ولعن الله ~~الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات من بعد ما بينه للناس وذكر لعنة ~~الظالمين # والله هو وملائكته يصلون على النبى ويصلون على الذين آمنوا والصابر ~~المسترجع عليه صلاة من ربه ورحمة والله وملائكتة يصلون على معلم الناس ~~الخير ويستغفر له كل شيء حتى الحيتان والطير وأمر الله نبيه أن يستغفر ~~لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات # فاذا كان المقصود الأمر بالخير والترغيب فيه والنهى عن الشر والتحذير منه ~~فلابد من ذكر ذلك ولهذا كان النبى اذا بلغه أن احدا فعل ما ينهى عنه يقول ms8083 ( ~~ما بال رجال يشترطون PageV28P226 شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ~~ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط ( ما بال رجال يتنزهون عن ~~أشياء أترخص فيها والله انى لأتقاكم لله واعلمكم بحدوده ( ما بال رجال يقول ~~احدهم أما أنا فأصوم ولا افطر ويقول الآخر أما انا فأقوم ولا أنام ويقول ~~الآخر لا أتزوج النساء ويقول الآخر لا آكل اللحم لكنى أصوم وأفطر واقوم ~~وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى ( # وليس لأحد ان يعلق الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة والصلاة ~~واللعن بغير الأسماء التى علق الله بها ذلك مثل اسماء القبائل والمدائن ~~والمذاهب والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ ونحو ذلك مما يراد به ~~التعريف كما قال تعالى @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون @QE@ وقال @QB@ تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا @QE@ وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم ( ان آل ابى فلان ليسوا لى بأولياء انما وليى الله ~~وصالح المؤمنين ( وقال ( الا ان أوليائى المتقون حيث كانوا ومن كانوا ( ~~وقال ( ان الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالاباء الناس رجلان مؤمن ~~تقى وفاجر شقى PageV28P227 الناس من آدم وآدم من تراب ( وقال ( انه لا فضل ~~لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأبيض على اسود ولا لأسود على أبيض ~~إلا بالتقوى ( # فذكر الازمان والعدل باسماء الايثار والولاء والبلد والانتساب إلى عالم ~~أو شيخ إنما يقصد بها التعريف به ليتميز عن غيره فأما الحمد والذم والحب ~~والبغض والموالاة والمعاداة فانما تكون بالأشياء التى انزل الله بها سلطانه ~~وسلطانه كتابه فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان ومن كان كافرا ~~وجبت معاداته من أى صنف كان قال تعالى @QB@ إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول ms8084 الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء @QE@ وقال تعالى @QB@ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ~~وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ ( ~~ومن كان فيه ايمان وفيه فجور أعطى من الموالاة بحسب ايمانه PageV28P228 ومن ~~البغض بحسب فجوره ولا يخرج من الايمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصى كما ~~يقوله الخوارج والمعتزلة ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ~~بمنزلة الفساق في الايمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة قال ~~الله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين @QE@ إلى قوله @QB@ ~~إنما المؤمنون إخوة @QE@ فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغى وقال تعالى ~~@QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار @QE@ وقد قال تعالى @QB@ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ فهذا الكلام في الأنواع # وأما الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع # منها المظلوم له ان يذكر ظالمه بما فيه إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء ~~حقه كما قالت هند يا رسول الله ان أبا سفيان رجل شحيح وانه ليس يعطينى من ~~النفقة ما يكفينى وولدى فقال لها النبى ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ( ~~كما قال ( لى الواجد يحل عرضه وعقوبته ( وقال وكيع عرضه شكايته وعقوبته ~~حبسه وقال تعالى ( لا يحب الله الجهر بالسوء PageV28P229 @QB@ من القول إلا ~~من ظلم @QE@ وقد روى انها نزلت في رجل نزل بقوم فلم يقروه فاذا كان هذا ~~فيمن ظلم بترك قراه الذى تنازع الناس في ms8085 وجوبه وان كان الصحيح انه واجب ~~فكيف بمن ظلم بمنع حقه الذى اتفق المسلمون على استحقاقه إياه أو يذكر ظالمه ~~على وجه القصاص من غير عدوان ولا دخول في كذب ولا ظلم الغير وترك ذلك أفضل # ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم ( كما في ~~الحديث الصحيح عن فاطمة بنت قيس لما استشارت النبى صلى الله عليه وسلم من ~~تنكح وقالت انه خطبنى معاوية وابو جهم فقال ( أما معاوية فصعلوك لا مال له ~~وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء ( وروى ( لا يضع عصاه عن عاتقه ( فبين لها ~~أن هذا فقير قد يعجز عن حقك وهذا يؤذيك بالضرب وكان هذا نصحا لها وان تضمن ~~ذكر عيب الخاطب # وفى معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله ومن يوكله ويوصى إليه ومن يستشهده بل ~~ومن يتحاكم إليه وامثال ذلك واذا كان هذا في مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما ~~يتعلق به حقوق عموم المسلمين من الأمراء والحكام والشهود والعمال أهل ~~الديوان وغيرهم فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم كما قال النبى PageV28P230 ( ~~الدين النصيحة الدين النصيحة ( قالوا لمن يا رسول الله قال ( لله ولكتابه ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ( # وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشورى أمر فلانا وفلانا فجعل يذكر في ~~حق كل واحد من الستة وهم أفضل الأمة أمرا جعله مانعا له من تعيينه # واذا كان النصح واجبا في المصالح الدينية الخاصة والعامة مثل نقلة الحديث ~~الذين يغلطون أو يكذبون كما قال يحيى بن سعيد سألت مالكا والثورى والليث بن ~~سعد أظنه والأوزاعى عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ فقالوا بين أمره ~~وقال بعضهم لاحمد بن حنبل انه يثقل على أن أقول فلان كذا وفلان كذا فقال ~~اذا سكت أنت وسكت أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم # ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات ~~المخالفة للكتاب والسنة فان بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق ~~المسلمين حتى قيل لاحمد بن حنبل الرجل يصوم ms8086 ويصلى ويعتكف أحب اليك أو يتكلم ~~في أهل البدع فقال اذا قام وصلى واعتكف فانما هو لنفسه واذا تكلم في أهل ~~البدع فانما هو للمسلمين هذا أفضل فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم ~~من جنس الجهاد PageV28P231 في سبيل الله اذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه ~~وشرعته ودفع بغى هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ~~ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد ~~استيلاء العدو من أهل الحرب فان هؤلاء اذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما ~~فيها من الدين الا تبعا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء # وقد قال النبى ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وانما ينظر إلى ~~قلوبكم وأعمالكم ( وذلك ان الله يقول في كتابه @QB@ لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب @QE@ فأخبر ~~انه أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وانه أنزل الحديد كما ذكره ~~فقوام الدين بالكتاب الهادى والسيف الناصر @QB@ وكفى بربك هاديا ونصيرا ~~@QE@ # والكتاب هو الأصل ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب ومكث ~~بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد # وأعداء الدين نوعان الكفار والمنافقون وقد أمرالله نبيه PageV28P232 ~~بجهاد الطائفتين في قوله @QB@ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم @QE@ في ~~آيتين من القرآن # فاذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعا تخالف الكتاب ويلبسونها على الناس ~~ولم تبين للناس فسد أمر الكتاب وبدل الدين كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا ~~بما وقع فيه من التبديل الذى لم ينكر على أهله # واذا كان أقوام ليسوا منافقين لكنهم سماعون للمنافقين قد التبس عليهم ~~أمرهم حتى ظنوا قولهم حقا وهو مخالف للكتاب وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين ~~كما قال تعالى @QB@ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم ~~يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم @QE@ فلا بد أيضا من بيان حال هؤلاء بل ~~الفتنة بحال هؤلاء أعظم فان فيهم ms8087 ايمانا يوجب موالاتهم وقد دخلوا في بدع من ~~بدع المنافقين التى تفسد الدين فلا بد من التحذير من تلك البدع وان اقتضى ~~ذلك ذكرهم وتعيينهم بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق لكن قالوها ~~ظانين أنها هدى وانها خير وانها دين ولم تكن كذلك لوجب بيان حالها # ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية ومن PageV28P233 يغلط في ~~الرأى والفتيا ومن يغلط في الزهد والعبادة # وان كان المخطئ المجتهد مغفورا له خطؤه وهو مأجور على اجتهاده فبيان ~~القول والعمل الذى دل عليه الكتاب والسنة واجب وان كان في ذلك مخالفة لقوله ~~وعمله ومن علم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز ان يذكر على وجه الذم والتاثيم ~~له فان الله غفر له خطأه بل يجب لما فيه من الايمان والتقوى موالاته ومحبته ~~والقيام بما أوجب الله من حقوقه من ثناء ودعاء وغير ذلك وان علم منه النفاق ~~كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله مثل عبد الله بن أبى وذويه وكما علم ~~المسلمون نفاق سائر الرافضه عبد الله بن سبأ وأمثاله مثل عبد القدوس بن ~~الحجاج ومحمد بن سعيد المصلوب فهذا يذكر بالنفاق وان اعلن بالبدعة ولم يعلم ~~هل كان منافقا أو مؤمنا مخطئا ذكر بما يعلم منه فلا يحل للرجل ان يقفو ما ~~ليس له به علم ولا يحل له ان يتكلم في هذا الباب الا قاصدا بذلك وجه الله ~~تعالى وان تكون كلمة الله هي العليا وان يكون الدين كله لله فمن تكلم في ~~ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه كان آثما # وكذلك القاضي والشاهد والمفتى كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( القضاة ~~ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ~~ورجل # قضى للناس على جهل فهو في النار PageV28P234 ورجل علم الحق فقضى بخلاف ~~ذلك فهو في النار ( # وقد قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ms8088 إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا @QE@ و اللى ( هو الكذب و ( الاعراض ( كتمان الحق ومثله ما في ~~الصحيحين عن النبى انه قال ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدقا وبينا ~~بورك لهما في بيعهما وان كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ( # ثم القائل في ذلك بعلم لابد له من حسن النية فلو تكلم بحق لقصد العلو في ~~الأرض أو الفساد كان بمنزلة الذى يقاتل حمية ورياء وإن تكلم لأجل الله ~~تعالى مخلصا له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله من ورثة الأنبياء ~~خلفاء الرسل وليس هذا الباب مخالفا لقوله الغيبة ذكرك اخاك بما يكره ( فان ~~الأخ هو المؤمن والأخ المؤمن إن كان صادقا في ايمانه لم يكره ما قلته من ~~هذا الحق الذى يحبه الله ورسوله وان كان فيه شهادة عليه وعلى ذويه بل عليه ~~أن يقوم بالقسط ويكون شاهدا لله ولو على نفسه أو والديه أو اقربيه ومتى كره ~~هذا الحق كان ناقصا في ايمانه ينقص من اخوته بقدر ما نقص من ايمانه فلم ~~يعتبر كراهته من الجهه التى نقص منها ايمانه اذ كراهته لما PageV28P235 لا ~~يحبه الله ورسوله توجب تقديم محبة الله ورسوله كما قال تعالى @QB@ والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه @QE@ # ثم قد يقال هذا لم يدخل في حديث الغيبة لفظا ومعنى وقد يقال دخل في ذلك ~~الذين خص منه كما يخص العموم اللفظى والعموم المعنوى وسواء زال الحكم لزوال ~~سببه أو لوجود ما نعه فالحكم واحد والنزاع في ذلك يؤول إلى اللفظ اذ العلة ~~قد يعنى بها التامة وقد يعنى بها المقتضية والله اعلم واحكم وصلى الله على ~~نبينا محمد وآله وصحبه وسلم وقال رحمه الله تعالى # فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب ~~بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع ~~المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه ms8089 فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب ~~المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم PageV28P236 # ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى تارة في قالب ديانة وصلاح فيقول ليس ~~لى عادة أن أذكر أحدا الا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب وإنما أخبركم ~~بأحواله ويقول والله إنه مسكين أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت وربما يقول ~~دعونا منه الله يغفر لنا وله وإنما قصده استنقاصه وهضما لجنابه ويخرجون ~~الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا وقد ~~رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه # ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه فيقول لو دعوت البارحة في صلاتي ~~لفلان لما بلغنى عنه كيت وكيت ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده أو يقول فلان ~~بليد الذهن قليل الفهم وقصده مدح نفسه واثبات معرفته وانه أفضل منه # ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين الغيبة والحسد ~~واذا اثنى على شخص ازال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح أو ~~في قالب حسد وفجور وقدح ليسقط ذلك عنه # ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره PageV28P237 ~~باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به # ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب فيقول تعجبت من فلان كيف لا يفعل ~~كيت وكيت ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت وكيف فعل كيت وكيت فيخرج اسمه في ~~معرض تعجبه # ومنهم من يخرج الاغتمام فيقول مسكين فلان غمنى ما جرى له وما تم له فيظن ~~من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفى به ولو قدر لزاد على ما ~~به وربما يذكره عند اعدائه ليشتفوا به وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب ~~والمخادعات لله ولخلقه # ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر فيظهر في هذا الباب اشياء ~~من زخارف القول وقصده غير ما أظهر والله المستعان PageV28P238 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل مقبول القول عند الحكام يخرج للفرجة في الزهر في مواسم الفرج حيث ~~يكون مجمع الناس ويرى ms8090 المنكر ولا يقدر على ازالته وتخرج امرأته أيضا معه هل ~~يجوز ذلك وهل يقدح في عدالته ### ||||| فأجاب # ليس للانسان أن يحضر الأماكن التى يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه ~~الانكار الا لموجب شرعى مثل ان يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو ~~دنياه لابد فيه من حضوره أو يكون مكرها فأما حضوره لمجرد الفرجة واحضار ~~امرأته تشاهد ذلك فهذا مما يقدح في عدالته ومروأته اذا اصر عليه والله أعلم ~~PageV28P239 ### |||| وسئل رحمه الله # عن بلد ( ماردين ( هل هي بلد حرب أم بلد سلم وهل يجب على المسلم المقيم ~~بها الهجرة إلى بلاد الاسلام أم لا واذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد ~~اعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك وهل يأثم من رماه بالنفاق ~~وسبه به أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ( ماردين ( ~~أو غيرها واعانة الخارجين عن شريعة دين الاسلام محرمة سواء كانوا أهل ~~ماردين أو غيرهم والمقيم بها ان كان عاجزا عن اقامة دينه وجبت الهجرة عليه ~~والا استحبت ولم تجب # ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والاموال محرمة عليهم ويجب عليهم ~~الامتناع من ذلك بأى طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة فاذا لم يمكن ~~الا بالهجرة تعينت # ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق بل السب والرمى بالنفاق يقع على ~~الصفات المذكورة في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض PageV28P240 أهل ماردين ~~وغيرهم # وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة فيها المعنيان ليست بمنزلة دار ~~السلم التى تجرى عليها أحكام الاسلام لكون جندها مسلمين ولا بمنزلة دار ~~الحرب التى أهلها كفار بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل ~~الخارج عن شريعة الاسلام بما يستحقه # وقال رحمه الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم # من أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين وولى أمر المؤمنين نائب رسول الله ~~في أمته باقامة فرض الدين وسنته أيده الله تأييدا يصلح به له وللمسلمين أمر ~~الدنيا والآخرة ويقيم به جميع الامور الباطنة والظاهرة حتى يدخل ms8091 في قول ~~الله تعالى @QB@ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور @QE@ وفى قوله سبعة ~~يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل ( إلى آخر الحديث وفى قوله ~~صلى الله عليه PageV28P241 وسلم ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور ~~من تبعه من غير ان ينقص من أجورهم شيء ( وقد استجاب الله الدعاء في السلطان ~~فجعل فيه من الخير الذى شهدت به قلوب الأمة ما فضله به على غيره # والله المسؤول أن يعينه فانه أفقر خلق الله إلى معونة الله وتأييده قال ~~تعالى @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من ~~بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا @QE@ الآية # وصلاح أمر السلطان بتجريد المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله ونبيه وحمل ~~الناس على ذلك فانه سبحانه جعل صلاح أهل التمكين في أربعة أشياء إقام ~~الصلاة وايتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فاذا أقام الصلاة ~~في مواقيتها جماعة هو وحاشيته وأهل طاعته وأمر بذلك جميع الرعية وعاقب من ~~تهاون في ذلك العقوبة التى شرعها الله فقد تم هذا الأصل ثم إنه مضطر إلى ~~الله تعالى فاذا ناجى ربه في السحر واستغاث به وقال ياحى يا قيوم لا إله ~~إلا أنت برحمتك استغيث أعطاه الله من التمكين مالا يعلمه إلا الله قال الله ~~تعالى @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا ~~لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ PageV28P242 ا ( ~~ثم كل نفع وخير يوصله إلى الخلق هو من جنس الزكاة فمن اعظم العبادات سد ~~الفاقات وقضاء الحاجات ونصر المظلوم واغاثة الملهوف والأمر بالمعروف وهو ~~الأمر بما أمر الله به ورسوله من العدل والاحسان وأمر نوائب البلاد وولاة ~~الأمور باتباع حكم الكتاب والسنة واجتنابهم حرمات الله والنهى عن المنكر ~~وهو النهى عما نهى الله عنه ورسوله # واذا ms8092 تقدم السلطان ايده الله بذلك في عامة بلاد الاسلام كان فيه من صلاح ~~الدنيا والآخرة له وللمسلمين ما لا يعلمه إلا الله والله يوفقه لما يحبه ~~ويرضاه PageV28P243 ### || 1 ( السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ) 1 # وقال شيخ الاسلام رضى الله عنه وأرضاه بسم الله الرحمن الرحيم ! 8 < ~~الحمد لله الذى أرسل رسله بالبينات والهدى وانزل معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وانزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز وختمهم بمحمد الذى ارسله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله وأيده بالسلطان النصير الجامع معنى العلم والقلم ~~للهداية والحجة ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزير وأشهد ان لا اله الا ~~الله وحده لا شريك له شهادة خالصة أخلص من الذهب الابريز واشهد ان محمدا ~~عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا شهادة يكون ~~صاحبها في حرز حريز # ( أما بعد ) فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة PageV28P244 ~~الالهية والايات النبوية لا يستغنى عنها الراعى والرعية اقتضاها من اوجب ~~الله نصحه من ولاة الامور كما قال النبى فيما ثبت عنه من غير وجه في صحيح ~~مسلم وغيره ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وان ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وان تناصحوا من ولاه الله امركم ( # وهذه الرسالة مبنية على آيتين في كتاب الله وهى قوله تعالى @QB@ إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ~~إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ قال ~~العلماء نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى ~~اهلها واذا حكموا بين الناس ان يحكموا بالعدل ونزلت الثانية في الرعية من ~~الجيوش وغيرهم عليهم ان يطيعوا أولى الأمر الفاعلين ms8093 لذلك في قسمهم وحكمهم ~~ومغازيهم وغير ذلك إلا ان يأمروا بمعصية الله فاذا امروا بمعصية الله فلا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق فان تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله وان لم تفعل ولاة الامر ذلك اطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله ~~ورسوله لان ذلك من طاعة الله PageV28P245 ورسوله وأديت حقوقهم اليهم كما ~~امر الله ورسوله قال تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان @QE@ واذا كانت الآية قد اوجبت أداء الأمانات إلى اهلها ~~والحكم بالعدل فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة ### ||| فصل # اما أداء الامانات ففيه نوعان احدهما الولايات وهو كان سبب نزول الآية ~~فان النبى صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بنى شيبة ~~طلبها منه العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت فأنزل الله هذه ~~الآية فدفع مفاتيح الكعبة إلى بنى شيبة فيجب على ولى الأمر أن يولى على كل ~~عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( من ولى من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين ~~منه فقد خان الله ورسوله ( وفى رواية ( من ولى رجلا على عصابة وهو يجد في ~~تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد PageV28P246 خان الله ورسوله وخان ~~المؤمنين ( رواه الحاكم في صحيحة وروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر روى ~~ذلك عنه وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه ( من ولى من أمر المسلمين شيئا ~~فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين ( وهذا ~~واجب عليه # فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار من الأمراء ~~الذين هم نواب ذى السلطان والقضاة ونحوهم ومن أمراء الأجناد ومقدمى العساكر ~~الصغار والكبار وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على ~~الخراج والصدقات وغير ذلك من الأموال التى للمسلمين وعلى كل واحد من هؤلاء ~~ان يستنيب ويستعمل أصلح من يجده وينتهى ذلك إلى ائمة الصلاة ms8094 والمؤذنين ~~والمقرئين والمعلمين وأمراء الحاج والبرد والعيون الذين هم القصاد وخزان ~~الاموال وحراس الحصون والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن ~~ونقباء العساكر الكبار والصغار وعرفاء القبائل والاسواق # ورؤساء القرى الذين هم ( الدهاقين ) فيجب على كل من ولى شيئا من أمر ~~المسلمين من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر ~~عليه ولايقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو سبق في الطلب PageV28P247 بل يكون ~~ذلك سببا للمنع فان في الصحيح عن النبى ( أن قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية ~~فقال إنا لانولى امرنا هذا من طلبه ) وقال لعبد الرحمن بن سمرة ( ياعبد ~~الرحمن لاتسأل الامارة فانك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن ~~اعطيتها عن مسألة وكلت اليها ( أخرجاه في الصحيحين وقال ( من طلب القضاء ~~واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ~~ملكا يسدده ( رواه اهل السنن # فان عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة أو ~~صداقة أو مرافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس كالعربية والفارسية ~~والتركية والرومية أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من ~~الأسباب أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله ~~والمؤمنين ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى ( ياأيها الذين آمنوا لاتخونوا ~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) ثم قال ( واعلموا أنما ~~اموالكم واولادكم فتنة وان الله عنده أجر عظيم ) # فان الرجل لحبه لولده أو لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه مالا ~~يستحقه فيكون قد خان أمانته وكذلك قد يؤثره زيادة في PageV28P248 ماله أو ~~حفظه بأخذ مالا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات فيكون قد خان ~~الله ورسوله وخان أمانته # ثم إن المؤدى للأمانة مع مخالفة هواه يثبته الله فيحفظه في أهله وماله ~~بعده والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيذل أهله ويذهب ماله وفى ذلك ~~الحكاية المشهورة أن بعض خلفاء بنى العباس ms8095 سأل بعض العلماء أن يحدثه عما ~~أدرك فقال أدركت عمر بن عبد العزيز قيل له يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه ~~بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم وكان في مرض موته فقال أدخلوهم ~~على فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكرا ليس فيهم بالغ فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال ~~لهم يابنى والله ما منعتكم حقا هو لكم ولم أكن بالذى آخذ أموال الناس ~~فأدفعها إليكم وإنما أنتم أحد رجلين إما صالح فالله يتولى الصالحين وإما ~~غير صالح فلا اخلف له ما يستعين به على معصية الله قوموا عنى قال فلقد رأيت ~~بعض بنيه حمل على مائه فرس في سبيل الله يعنى أعطاها لمن يغزو عليها # قلت هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق بلاد الترك إلى أقصى ~~المغرب بلاد الأندلس وغيرها ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ~~ونحوها إلى اقصى اليمن وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئا يسيرا ~~يقال اقل من PageV28P249 عشرين درهما قال وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم ~~تركته بنوه فأخذ كل واحد منهم ستمائه ألف دينار ولقد رأيت بعضهم يتكفف ~~الناس أي يسألهم بكفه وفى هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في ~~الزمان والمسموعة عما قبله ما فيه عبرة لكل ذى لب # وقد دلت سنة رسول الله على أن الولاية امانة يجب أداؤها في مواضع مثل ~~ماتقدم ومثل قوله لأبى ذر رضى الله عنه في الامارة ( إنها أمانة وإنها يوم ~~القيامة خزى وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها ) رواه مسلم ~~وروى البخارى في صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه ان النبى قال ( إذا ضيعت ~~الأمانة فانتظر الساعة قيل يارسول الله وما إضاعتها قال إذا وسد الأمر إلى ~~غير أهله فانتظر الساعة ( وقد أجمع المسلمون على معنى هذا فان وصي اليتيم ~~وناظرالوقف ووكيل الرجل في ماله عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح كما قال ~~الله تعالى ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن ) ولم يقل إلا بالتى ~~هي ms8096 حسنة # وذلك لأن الوالى راع على الناس بمنزلة راعى الغنم كما قال النبى ( كلكم ~~راع وكلكم مسؤول عن رعيته PageV28P250 فالامام الذى على الناس راع وهو ~~مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهى مسئوله عن رعيتها والولد ~~راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن ~~رعيته ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ( أخرجاه في الصحيحين وقال ( ما ~~من راع يسترعيه الله رعيه يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه ~~رائحة الجنة ) رواه مسلم # ودخل أبو مسلم الخولانى على معاوية بن أبى سفيان فقال السلام عليك أيها ~~الأجير فقالوا قل السلام عليك أيها الأمير فقال السلام عليك أيها الأجير ~~فقالوا قل السلام عليك ايها الأمير فقال السلام عليك أيها الأجير فقالوا قل ~~السلام عليك أيها الأمير فقال السلام عليك ايها الأجير فقال معاوية دعوا ~~أبا مسلم فانه اعلم بما يقول فقال إنما أنت اجير استأجرك رب هذه الغنم ~~لرعايتها فان انت هنأت جرباها وداويت مرضاها وحبست اولاها على أخراها وفاك ~~سيدها أجرك وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها ولم تحبس أولاها على ~~أخراها عاقبك سيدها # وهذا ظاهر في الاعتبار فان الخلق عباد الله والولاة نواب الله على عباده ~~وهم وكلاء العباد على نفوسهم بمنزلة أحد الشريكين مع PageV28P251 الآخر ~~ففيهم معنى الولاية والوكالة ثم الولى والوكيل متى استناب في أموره رجلا ~~وترك من هو أصلح للتجارة أو العقار منه وباع السلعة بثمن وهو يجد من ~~يشتريها بخير من ذلك الثمن فقد خان صاحبه لاسيما إن كان بين من حاباه وبينه ~~مودة أو قرابة فان صاحبه يبغضه ويذمه ويرى انه قد خانه وداهن قريبه أو ~~صديقه ### ||| فصل # إذا عرف هذا فليس عليه ان يستعمل إلا أصلح الموجود وقد لايكون في موجوده ~~من هو اصلح لتلك الولاية فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه وإذا فعل ~~ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه للولاية بحقها فقد أدى الأمانة وقام بالواجب ~~في ms8097 هذا وصار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند الله وان اختل بعض ~~الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك فان الله يقول ( فاتقوا الله ما ~~استطعتم ) ويقول ( لايكلف الله نفسا إلا وسعها ) وقال في الجهاد في سبيل ~~الله ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ) وقال ( يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم ) فمن أدى الواجب ~~المقدور عليه فقد اهتدى وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( إذا امرتكم بأمر ~~فاتوا PageV28P252 منه ما استطعتم ( أخرجاه في الصحيحين لكن إن كان منه عجز ~~بلا حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك وينبغى ان يعرف الأصلح في كل منصب # فان الولاية لها ركنان القوة والأمانة كما قال تعالى ( إن خير من استأجرت ~~القوى الأمين ) وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام ( إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين ) وقال تعالى في صفة جبريل ( إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش ~~مكين مطاع ثم أمين ) # والقوة في كل ولاية بحسبها فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب ~~وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها فان الحرب خدعة والى القدرة على انواع ~~القتال من رمى وطعن وضرب وركوب وكر وفر ونحو ذلك كما قال الله تعالى ( ~~واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) ~~وقال النبى ( ارموا واركبوا وان ترموا أحب إلى من ان تركبوا ومن تعلم الرمى ~~ثم نسيه فليس منا ( وفى رواية ( فهي نعمة جحدها ( رواه مسلم # والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذى دل عليه الكتاب ~~والسنة والى القدرة على تنفيذ الأحكام # والآمانة ترجع إلى خشية الله وألا يشترى بآياته ثمنا قليلا PageV28P253 ~~وترك خشية الناس وهذه الخصال الثلاث التى اخذها الله على كل من حكم على ~~الناس في قوله تعالى ( فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنا ~~قليلا ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون ) ولهذا قال النبى ( ~~القضاة ثلاثة قاضيان ms8098 في النار وقاض في الجنة فرجل علم الحق وقضى بخلافة فهو ~~في النار ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى به ~~فهو في الجنة ( رواه أهل السنن # والقاضى اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما سواء كان خليفة أو سلطانا ~~أو نائبا أو واليا أو كان منصوبا ليقضى بالشرع أو نائبا له حتى من يحكم بين ~~الصبيان في الخطوط إذا تخايروا هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو ظاهر ### ||| فصل # اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ولهذا كان عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه يقول اللهم اشكو اليك جلد الفاجر وعجز الثقة فالواجب في كل ولاية ~~الأصلح بحسبها فاذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر اعظم قوة قدم ~~أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما PageV28P254 ضررا فيها فيقدم في إمارة الحروب ~~الرجل القوى الشجاع وان كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان ~~أمينا كما سئل الامام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو واحدهما قوى ~~فاجر والآخر صالح ضعيف مع ايهما يغزى فقال أما الفاجر القوى فقوته للمسلمين ~~وفجورة على نفسه وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى ~~مع القوى الفاجر وقد قال النبى ( إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ( ~~وروى ( بأقوام لا خلاق لهم ( وان لم يكن فاجرا كان أولى بامارة الحرب ممن ~~هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده # ولهذا كان النبى يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم وقال ( ان ~~خالدا سيف سله الله على المشركين ( مع انه أحيانا قد كان يعمل ما ينكره ~~النبى حتى إنه مرة قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال ( اللهم إنى أبرأ اليك ~~مما فعل خالد ( لما ارسله إلى بنى جذيمة فقتلهم واخذ اموالهم بنوع شبهة ولم ~~يكن يجوز ذلك وانكره عليه بعض من معه من الصحابة حتى وداهم النبى صلى الله ~~عليه وسلم وضمن اموالهم ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب لأنه كان ms8099 ~~اصلح في هذا الباب من غيره وفعل ما فعل بنوع تأويل PageV28P255 وكان أبو ذر ~~رضى الله عنه اصلح منه في الأمانة والصدق ومع هذا فقال له النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم يا أبا ذر انى اراك ضعيفا وانى احب لك ما احب لنفسى لا تأمرن على ~~اثنين ولا تولين مال يتيم ( رواه مسلم نهى أبا ذر عن الامارة والولاية لأنه ~~رآه ضعيفا مع انه قد روى ( ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء اصدق لهجة من ~~ابى ذر ( # وأمر النبى صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن العاص في غزوة ( ذات السلاسل ~~استعطافا لاقاربه الذين بعثه اليهم على من هم افضل منه وامر اسامة بن زيد ~~لأجل طلب ثأر أبيه كذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة مع انه قد كان يكون ~~مع الأمير من هو افضل منه في العلم والايمان # وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله رضى الله عنه ما زال يستعمل خالدا في حرب ~~اهل الردة وفى فتوح العراق والشام وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل وقد ~~ذكر له عنه انه كان له فيها هوى فلم يعزله من أجلها بل عاتبه عليها لرجحان ~~المصلحة على المفسدة في بقائه وأن غيره لم يكن يقوم مقامه لأن المتولى ~~الكبير اذا كان خلقه يميل إلى اللين فينبغى ان يكون خلق نائبه يميل إلى ~~الشدة واذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغى ان PageV28P256 يكون خلق نائبه ~~يميل إلى اللين ليعتدل الأمر ولهذا كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يؤثر ~~استنابة خالد وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يؤثر عزل خالد واستنابة ابى ~~عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب وابا ~~عبيدة كان لينا كأبى بكر وكان الأصلح لكل منهما ان يولى من ولاة ليكون امره ~~معتدلا ويكون بذلك من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى هو معتدل ~~حتى قال النبى ( انا نبى الرحمة انا نبى الملحمة ( وقال ( انا الضحوك ~~القتال ( وامته وسط قال ms8100 الله تعالى فيهم ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ( وقال تعالى ( أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين ) # ولهذا لما تولى أبو بكر وعمر رضى الله عنهما صارا كاملين في الولاية ~~واعتدل منهما ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبى من لين ~~احدهما وشدة الآخر حتى قال فيهما النبى ( اقتدوا باللذين من بعدى ابى بكر ~~وعمر ( وظهر من ابى بكر من شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم ما برز به ~~على عمر وسائر الصحابة رضى الله عنهم اجمعين # واذا كانت الحاجة في الولاية إلى الامانة أشد قدم الأمين مثل PageV28P257 ~~حفظ الاموال ونحوها فاما استخراجها وحفظها فلا بد فيه من قوة وأمانة فيولى ~~عليها شاد قوى يستخرجها بقوته وكاتب امين يحفظها بخبرته وامانته وكذلك في ~~إمارة الحرب اذا امر الأمير بمشاورة اهل العلم والدين جمع بين المصلحتين ~~وهكذا في سائر الولايات اذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد فلا بد ~~من ترجيح الأصلح أو تعدد المولى اذا لم تقع الكفاية بواحد تام # ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ فان كان احدهما اعلم والآخر ~~أورع قدم فيما قد يظهر حكمه ويخاف فيه الهوى الاورع وفيما يدق حكمه ويخاف ~~فيه الاشتباه الاعلم ففى الحديث عن النبى انه قال ( ان الله يحب البصر ~~النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ) # ويقدمان على الأكفأ ان كان القاضي مؤيدا تأييدا تاما من جهة والى الحرب ~~أو العامة # ويقدم الأكفأ ان كان القضاء يحتاج إلى قوة واعانة للقاضى اكثر من حاجته ~~إلى مزيد العلم والورع فان القاضي المطلق يحتاج ان يكون عالما عادلا قادرا ~~بل وكذلك كل وال للمسلمين فأى صفة من هذه الصفات نقصت ظهر الخلل بسببه ~~والكفاءة إما بقهر ورهبة PageV28P258 وإما باحسان ورغبة وفى الحقيقة فلا بد ~~منهما وسئل بعض العلماء اذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل ~~دين فايهما يقدم فقال ان كانت الحاجة ms8101 إلى الدين اكثر لغلبة الفساد قدم ~~الدين وان كانت الحاجة إلى العلم اكثر لخفاء الحكومات قدم العالم واكثر ~~العلماء يقدمون ذا الدين فان الأئمة متفقون على أنه لابد في المتولى من أن ~~يكون عدلا أهلا للشهادة واختلفوا في اشتراط العلم هل يجب أن يكون مجتهدا أو ~~يجوز أن يكون مقلدا أو الواجب تولية الامثل فالامثل كيفما تيسر على ثلاثة ~~أقوال وبسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان اصلح الموجود فيجب مع ذلك ~~السعى في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس مالا بد لهم منه من أمور ~~الولايات والامارات ونحوها كما يجب على المعسر السعى في وفاء دينه وان كان ~~في الحال لا يطلب منه الا ما يقدر عليه وكما يجب الاستعداد للجهاد باعداد ~~القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فان ما لا يتم الواجب الا به فهو ~~واجب بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها فانه لا يجب تحصيلها لأن الوجوب هنا ~~لا يتم الا بها PageV28P259 ### ||| فصل # واهم ما في هذا الباب معرفة الأصلح وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية ~~ومعرفة طريق المقصود فاذا عرفت المقاصد والوسائل تم الامر فلهذا لما غلب ~~على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين قدموا في ولايتهم من يعينهم على تلك ~~المقاصد وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته وقد كانت السنة ~~أن الذى يصلى بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم هم أمراء الحرب الذين هم ~~نواب ذى السلطان على الأجناد ولهذا لما قدم النبى أبا بكر في الصلاة قدمه ~~المسلمون في إمارة الحرب وغيرها # وكان النبى اذا بعث أميرا على حرب كان هو الذى يؤمره للصلاة بأصحابه ~~وكذلك اذا استعمل رجلا نائبا على مدينة كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة ~~وعثمان بن أبى العاص على الطائف وعليا ومعاذا وأبا موسى على اليمن وعمرو بن ~~حزم على نجران كان نائبه هو الذى يصلى بهم ويقيم PageV28P260 فيهم الحدود ~~وغيرها مما يفعله أمير الحرب وكذلك ms8102 خلفاؤه بعده ومن بعدهم من الملوك ~~الامويين وبعض العباسيين # وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن ~~النبى في الصلاة والجهاد وكان اذا عاد مريضا يقول ( اللهم اشف عبدك يشهد لك ~~صلاة وينكأ لك عدوا ) # ولما بعث النبى معاذ إلى اليمن قال ( يا معاذ إن أهم أمرك عندى الصلاة ( # وكذلك كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يكتب إلى عماله ( ان أهم أموركم ~~عندى الصلاة فمن حافظ عليها وحفظهاحفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها من ~~عمله أشد إضاعة ) # وذلك لأن النبى قال ( الصلاة عماد الدين ) فاذا اقام المتولى عماد الدين ~~فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهى التى تعين الناس على ما سواها من ~~الطاعات كما قال الله تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا ~~على الخاشعين ) وقال سبحانه وتعالى ( يا ايها الذين آمنوا استعينوا بالصبر ~~والصلاة إن الله مع الصابرين ( وقال لنبيه ( وأمر أهلك بالصلاة وأصطبر ~~عليها لانسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) وقال PageV28P261 تعالى ( ~~وماخلقت الجن والانس الا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ~~إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) # فالمقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذى متى فاتهم خسروا خسرانا ~~مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا واصلاح مالا يقوم الدين الا به من ~~أمر دنياهم وهو نوعان قسم المال بين مستحقيه وعقوبات المعتدين فمن لم يعتد ~~أصلح له دينه ودنياه ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول ( انما بعثت عمالى اليكم ~~ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ويقسموا بينكم فيأكم فلما تغيرت الرعية من ~~وجه والرعاة من وجه تناقضت الأمور فإذا اجتهد الراعى في اصلاح دينهم ~~ودنياهم بحسب الامكان كان من افضل اهل زمانه وكان من أفضل المجاهدين في ~~سبيل الله فقد روى ( يوم من امام عادل افضل من عبادة ستين سنة ) وفى مسند ~~الامام أحمد عن النبى انه قال ( احب الخلق إلى الله امام عادل وأبغضهم إليه ~~امام جائر ) وفى الصحيحين عن ابى هريرة رضى الله عنه ms8103 قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله امام عادل وشاب ~~نشا في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد اذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان ~~تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت ~~PageV28P262 عيناه ورجل دعته إمراة ذات منصب وجمال فقال إنى اخاف الله رب ~~العالمين ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) # وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضى الله عنه قال قال رسول الله ( اهل ~~الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذى قربى ومسلم ورجل ~~غنى عفيف متصدق ) وفى السنن عنه أنه قال ( الساعى على الصدقة بالحق ~~كالمجاهد في سبيل الله ) وقد قال الله تعالى لما أمر بالجهاد ( وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) وقيل للنبى يا رسول الله الرجل ~~يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأى ذلك في سبيل الله فقال ( من قاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) أخرجاه في الصحيحين # فالمقصود أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الله ~~اسم جامع لكلماته التى تضمنها كتابه وهكذا قال الله تعالى ( لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) ~~فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله ~~وحقوق خلقه ثم قال تعالى PageV28P263 @QB@ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ~~ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب @QE@ فمن عدل عن الكتاب ~~قوم بالحديد ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف وقد روى عن جابر بن عبد ~~الله رضى الله عنهما قال امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نضرب بهذا ~~يعنى السيف من عدل عن هذا يعنى المصحف فاذا كان هذا هو المقصود فانه يتوسل ~~إليه بالأقرب فالأقرب وينظر إلى الرجلين أيهما كان أقرب إلى المقصود ولى ~~فاذا كانت الولاية مثلا إمامة صلاة فقط قدم ms8104 من قدمه النبى حيث قال ( يؤم ~~القوم اقرؤهم لكتاب الله فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فان ~~كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ~~ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس في بيته على تكرمته إلا باذنه ( ~~رواه مسلم فاذا تكأفا رجلان وخفى أصلحهما أقرع بينهما كما أقرع سعد بن أبى ~~وقاص بين الناس يوم القادسية لما تشاجروا على الأذان متابعة لقوله ( لو ~~يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه ~~لاستهموا فاذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر وبفعله وهو ما يرجحه بالقرعة ~~إذا خفى الأمر كان المتولى قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها ~~PageV28P264 ### ||| فصل # القسم الثانى من الأمانات الأموال كما قال تعالى في الديون ( فان أمن ~~بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ) ويدخل في هذا القسم ~~الأعيان والديون الخاصة والعامة مثل رد الودائع ومال الشريك والموكل ~~والمضارب ومال المولى من اليتيم وأهل الوقف ونحو ذلك وكذلك وفاء الديون من ~~أثمان المبيعات وبدل القرض وصدقات النساء وأجور المنافع ونحو ذلك وقد قال ~~الله تعالى ( إن الانسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم ~~للسائل والمحروم ) إلى قوله ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) وقال ~~تعالى ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا ~~تكن للخائنين خصيما ) أى لاتخاصم عنهم وقال النبى ( اد الأمانة إلى من ~~ائتمنك ولا تخن من خانك ( وقال النبى ( المؤمن من امنه المسلمون على دمائهم ~~وأموالهم والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما ~~PageV28P265 نهى الله عنه والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله ( وهو حديث ~~صحيح بعضه في الصحيحين وبعضه في سنن الترمذى وقال ( من أخذ اموال الناس ~~يريد اداءها أداها الله عنه ومن اخذها يريد إتلافها اتلفه الله ( رواه ~~البخارى # وإذا كان الله قد اوجب ms8105 أداء الأمانات التى قبضت بحق ففيه تنبيه على وجوب ~~اداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم وكذلك أداء العارية وقد ~~خطب النبى في حجة الوداع وقال في خطبته ( العارية مؤداة والمنحة مردودة ~~والدين مقضى والزعيم غارم إن الله قد اعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث # ( وهذا القسم يتناول الولاة والرعية فعلى كل منهما أن يؤدى إلى الآخر ما ~~يجب اداؤه إليه فعلى ذى السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذى حق حقه ~~وعلى جباة الأموال كأهل الديوان أن يؤدوا إلى ذى السلطان ما يجب إيتاؤه ~~إليه وكذلك على الرعية الذين تجب عليهم الحقوق وليس للرعية ان يطلبوا من ~~ولاة الأموال مالا يستحقونه فيكونون من جنس من قال الله تعالى فيه ( ومنهم ~~من يلمزك في الصدقات فان اعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ~~ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ) ثم بين سبحانه لمن تكون PageV28P266 ~~بقوله ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ~~وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وبن السبيل فريضة من الله والله عليم ~~حكيم ) # ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق وإن كان ظالما كما ~~أمر النبى لما ذكر جور الولاة فقال ( أدوا اليهم الذى لهم فان الله سائلهم ~~عما استرعاهم ( ففى الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى قال ( ~~كانت بنو اسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبى خلفه نبى وانه لا نبى بعدى ~~وسيكون خلفاء ويكثرون قالوا فما تأمرنا فقال اوفوا ببيعة الأول فالأول ثم ~~أعطوهم حقهم فان الله سائلهم عما استرعاهم ( # وفيهما عن بن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله ( انكم سترون بعدى ~~أثرة وأمورا تنكرونها قالوا فما تأمرنا به يارسول الله قال ادوا اليهم حقهم ~~واسألوا الله حقكم ( # وليس لولاة الأمور ان يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالك ملكه فانما ~~هم امناء ونواب ووكلاء ليسوا ملا ms8106 كا كما قال رسول الله PageV28P267 ( إنى ~~والله لاأعطى أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ( رواه ~~البخارى وعن أبى هريرة رضى الله عنه نحوه فهذا رسول رب العالمين قد أخبر ~~أنه ليس المنع والعطاء بارادته واختياره كما يفعل ذلك المالك الذى أبيح له ~~التصرف في ماله وكما يفعل ذلك الملوك الذين يعطون من أحبوا ويمنعون من ~~ابغضوا وإنما هو عبد الله يقسم المال بأمره فيضعه حيث امره الله تعالى # وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين لو وسعت على نفسك في ~~النفقة من مال الله تعالى فقال له عمر أتدرى ما مثلى ومثل هؤلاء كمثل قوم ~~كانوا في سفر فجمعوا منهم مالا وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم فهل يحل لذلك ~~الرجل أن يستأثر عنهم من اموالهم وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~مال عظيم من الخمس فقال إن قوما أدوا الأمانة في هذا لأمناء فقال له بعض ~~الحاضرين إنك اديت الأمانة إلى الله تعالى فأدوا إليك الأمانة ولو رتعت ~~لرتعوا # وينبغى ان يعرف أن اولى الأمر كالسوق ما نفق فيه جلب إليه هكذا قال عمر ~~بن عبد العزيز رضى الله عنه فان نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة جلب ~~إليه ذلك وان نفق فيه الكذب والفجور PageV28P268 والجور والخيانة جلب إليه ~~ذلك والذى على ولى الأمر أن يأخذ المال من حله ويضعه في حقه ولا يمنعه من ~~مستحقه وكان على بن أبى طالب رضى الله عنه إذا بلغه أن بعض نوابه ظلم يقول ~~اللهم إنى لم آمرهم أن يظلموا خلقك ولا يتركوا حقك ### ||| فصل # الأموال السلطانية التى أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف الغنيمة ~~والصدقة والفيء # فأما ( الغنيمة ( فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال ذكرها الله في ~~سورة الأنفال التى أنزلها في غزوة بدر وسماها انفالالأنها زيادة في أموال ~~المسلمين فقال @QB@ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول @QE@ إلى ~~قوله @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين ms8107 وابن السبيل @QE@ الآية وقال @QB@ فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم @QE@ # وفى الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما ان النبى قال ( أعطيت ~~خمسا لم يعطهن نبى قبلى نصرت PageV28P269 بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الأرض ~~مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل وأحلت لى الغنائم ولم ~~تحل لأحد قبلى واعطيت الشفاعة وكان النبى بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى ~~الناس عامة ( وقال النبى ( بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده ~~لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعل الذل والصغار على من خالف أمرى ومن ~~تشبه بقوم فهو منهم ( رواه أحمد في المسند عن بن عمر واستشهد به البخارى # فالواجب في المغنم تخميسه وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى وقسمة ~~الباقى بين الغانمين قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه الغنيمة لمن شهد ~~الوقعة وهم الذين شهدوها للقتال قاتلوا أو لم يقاتلوا ويجب قسمها بينهم ~~بالعدل فلا يحابى أحد لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله كما كان النبى ~~وخلفاؤه يقسمونها وفى صحيح البخارى أن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه رأى له ~~فضلا على من دونه فقال النبى ( هل تنصرون وترزقون الا بضعفائكم ( وفى مسند ~~أحمد عن سعد بن ابى وقاص قال قلت يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم يكون ~~سهمه وسهم غيره سواء قال ( ثكلتك أمك بن أم سعد وهل ترزقون وتنصرون ~~PageV28P270 إلا بضعفائكم ( # وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بنى أمية ودولة بنى العباس ~~لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر لكن يجوز للأمام أن ينفل من ~~ظهر منه زيادة نكاية كسرية تسرت من الجيش أو رجل صعد حصنا عاليا ففتحه أو ~~حمل على مقدم العدو فقتله فهزم العدو ونحو ذلك لأن النبى وخلفاءه كانوا ~~ينفلون لذلك # وكان ينفل السرية في البداية الربع بعد الخمس وفى الرجعة الثلث بعد الخمس ~~وهذا النفل قال العلماء انه يكون من الخمس وقال بعضهم إنه يكون ms8108 من خمس ~~الخمس لئلا يفضل بعض الغانمين على بعض والصحيح انه يجوز من أربعة الاخماس ~~وان كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية لا لهوى النفس كما فعل رسول ~~الله غير مرة وهذا قول فقهاء الشام وابى حنيفة واحمد وغيرهم وعلى هذا فقد ~~قيل إنه ينفل الربع والثلث بشرط وغير شرط وينفل الزيادة على ذلك بالشرط مثل ~~ان يقول من دلنى على قلعة فله كذا أو من جاءنى براس فله كذا ونحو ذلك وقيل ~~لا ينفل زيادة على الثلث ولا ينفله الا بالشرط وهذان قولان لأحمد وغيره ~~وكذلك على القول الصحيح PageV28P271 للامام ان يقول من أخذ شيئا فهو له كما ~~روى ان النبى كان قد قال ذلك في غزوة بدر اذا رأى ذلك مصلحة راجحة على ~~المفسدة # واذا كان الامام يجمع الغنائم ويقسمها لم يجز لأحد ان يغل منها شيئا ( ~~ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ( فان الغلول خيانة ولا تجوز النهبة فان ~~النبى نهى عنها فاذا ترك الامام الجمع والقسمة واذن في الأخذ إذنا جائزا ~~فمن اخذ شيئا بلا عدوان حل له بعد تخميسه وكل ما دل على الاذن فهو إذن وأما ~~إذا لم يأذن أو أذن إذنا غير جائز جاز للانسان ان يأخذ مقدار ما يصيبه ~~بالقسمة متحريا للعدل في ذلك # ومن حرم على المسلمين جمع الغنائم والحال هذه واباح للامام ان يفعل فيها ~~ما يشاء فقد تقابل القولان تقابل الطرفين ودين الله وسط والعدل في القسمة ~~ان يقسم للراجل سهم وللفارس ذى الفرس العربى ثلاثة اسهم سهم له وسهمان ~~لفرسه هكذا قسم النبى صلى الله عليه وسلم عام خيبر ومن الفقهاء من يقول ~~للفارس سهمان والأول هو الذى دلت عليه السنة الصحيحة ولأن الفرس يحتاج إلى ~~مئونة نفسه وسائسه ومنفعة الفارس به اكثر من منفعة راجلين ومنهم من يقول ~~يسوى بين الفرس العربى والهجين PageV28P272 في هذا ومنهم من يقول بل الهجين ~~يسهم له سهم واحد كما روى عن النبى واصحابه والفرس الهجين الذى تكون امة ms8109 ~~نبطية ويسمى البرذون وبعضهم يسميه التترى سواء كان حصانا أو خصيا ويسمى ~~الأكديش أو رمكة وهى الحجر كان السلف يعدون للقتال الحصان لقوته وحدته ~~وللإغارة والبيات الحجر لأنه ليس لها صهيل ينذر العدو فيحترزون وللسير ~~الخصى لأنه اصبر على السير # واذا كان المغنوم مالا قد كان للمسلمين قبل ذلك من عقار اومنقول وعرف ~~صاحبه قبل القسمة فانه يرد إليه باجماع المسلمين وتفاريع المغانم واحكامها ~~فيها آثار واقوال اتفق المسلمون على بعضها وتنازعوا في بعض ذلك وليس هذا ~~موضعها وانما الغرض ذكر الجمل الجامعة ### ||| فصل # واما الصدقات فهي لمن سمى الله تعالى في كتابه فقد روى عن النبى ان رجلا ~~سأله من الصدقة فقال ( ان الله لم يرض في الصدقة بقسم نبى ولا غيره ولكن ~~جزأها ثمانية اجزاء فان PageV28P273 كنت من تلك الاجزاء اعطيتك ( # فالفقراء والمساكين يجمعهما معنى الحاجة إلى الكفاية فلا تحل الصدقة لغنى ~~ولا لقوى مكتسب والعاملين عليه ا هم الذين يجبونها ويحفظونها ويكتبونها ~~ونحو ذلك @QB@ والمؤلفة قلوبهم @QE@ فنذكرهم ان شاء الله تعالى في مال ~~الفيء @QB@ وفي الرقاب @QE@ ب ( يدخل فيه اعانة المكاتبين وافتداء الأسرى ~~وعتق الرقاب هذا اقوى الاقوال فيها @QB@ والغارمين @QE@ هم الذين عليهم ~~ديون لا يجدون وفاءها فيعطون وفاء ديونهم ولو كان كثيرا الا ان يكونوا ~~غرموه في معصية الله تعالى فلا يعطون حتى يتوبوا @QB@ وفي سبيل الله @QE@ ~~وهم الغزاة الذين لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم فيعطون ما يغزون ~~به أو تمام ما يغزون به من خيل وسلاح ونفقة واجرة والحج من سبيل الله كما ~~قال النبى @QB@ وابن السبيل @QE@ هو المجتاز من بلد إلى بلد ### ||| فصل # وأما الفيء فأصله ما ذكره الله تعالى في سورة الحشر التى انزلها الله في ~~غزوة بنى النضير بعد بدر من قوله تعالى @QB@ وما أفاء الله على رسوله منهم ~~فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله ~~على كل شيء قدير ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ms8110 ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤوا الدار ~~والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ~~والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم @QE@ ~~PageV28P274 # فذكر سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم على ما وصف ~~فدخل في الصنف الثالث كل من جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة كما دخلوا ~~في قوله تعالى @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ~~@QE@ وفى قوله @QB@ والذين اتبعوهم بإحسان @QE@ وفى قوله @QB@ وآخرين منهم ~~لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم @QE@ ومعنى قوله @QB@ فما أوجفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب @QE@ أي ما PageV28P275 حركتم ولا سقتم خيلا ولا ابلا ولهذا ~~قال الفقهاء ان الفيء هو ما أخذ من الكفار بغير قتال لأن ايجاف الخيل ~~والركاب هومعنى القتال وسمى فيئا لأن الله افاءه على المسلمين أي رده عليهم ~~من الكفار فان الأصل ان الله تعالى انما خلق الاموال اعانة على عبادته لأنه ~~إنما خلق الخلق لعبادته فالكافرون به اباح انفسهم التى لم يعبدوه بها ~~واموالهم التى لم يستعينوا بها على عبادته لعبادة المؤمنين الذين يعبدونه ~~وافاء اليهم ما يستحقونه كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه وان لم يكن ~~قبضه قبل ذلك وهذا مثل الجزية التى على اليهود والنصارى والمال الذى يصالح ~~عليه العدو أو يهدونه إلى سلطان المسلمين كالحمل الذى يحمل من بلاد النصارى ~~ونحوهم وما يؤخذ من تجار اهل الحرب وهو العشر ومن تجار اهل الذمة اذا ~~اتجروا في غير بلادهم وهو نصف العشر هكذا كان عمر بن ms8111 الخطاب رضى الله عنه ~~يأخذ وما يؤخذ من اموال من ينقض العهد منهم والخراج الذي كان مضروبا في ~~الأصل عليهم وان كان قد صار بعضه على بعض المسلمين # ثم انه يجتمع من الفيء جميع الأموال السلطانية التى لبيت مال المسلمين ~~كالأموال التى ليس لها مالك معين مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معين ~~وكالغصوب والعواري والودائع PageV28P276 التى تعذر معرفة اصحابها وغير ذلك ~~من اموال المسلمين العقار والمنقول فهذا ونحوه مال المسلمين وانما ذكر الله ~~تعالى في القرآن الفيء فقط لأن النبى ما كان يموت على عهده ميت الا وله ~~وارث معين لظهور الأنساب في اصحابه # وقد مات مرة رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى اكبر رجل من تلك القبيلة أي ~~أقربهم نسبا إلى جدهم وقد قال بذلك طائفة من العلماء كأحمد في قول منصوص ~~وغيره ومات رجل لم يخلف إلا عتيقا له فدفع ميراثه إلى عتيقه وقال بذلك ~~طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ودفع ميراث رجل إلى رجل من أهل قريته وكان هو ~~وخلفاؤه يتوسعون في دفع ميراث الميت إلى من بينه وبينه نسب كما ذكرناه # ولم يكن يأخذ من المسلمين الا الصدقات وكان يأمرهم ان يجاهدوا في سبيل ~~الله بأموالهم وانفسهم كما امر الله به في كتابه # ولم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ديوان جامع على عهد رسول الله وابي ~~بكر رضى الله عنه بل كان يقسم المال شيئا فشيئا فلما كان في زمن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كثر المال واتسعت البلاد وكثر الناس فجعل ديوان العطاء ~~للمقاتلة وغيرهم وديوان الجيش في هذا الزمان مشتمل على PageV28P277 أكثره ~~وذلك الديوان هو اهم دواوين المسلمين وكان للأمصار دواوين الخراج والفيء ~~وما يقبض من الاموال وكان النبي وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات والفيء ~~وغير ذلك # فصارت الأموال في هذا الزمان وما قبله ثلاثة أنواع نوع يستحق الإمام قبضه ~~بالكتاب والسنة والاجماع كما ذكرناه ونوع يحرم اخذه بالاجماع كالجبايات ~~التى تؤخذ من اهل القرية لبيت المال لأجل قتيل قتل بينهم ms8112 وان كان له وارث ~~أو على حد ارتكبه وتسقط عنه العقوبة بذلك وكالمكوس التى لا يسوغ وضعها ~~اتفاقا ونوع فيه اجتهاد وتنازع كمال من له ذو رحم وليس بذى فرض ولا عصبة ~~ونحو ذلك # وكثيرا ما يقع الظلم من الولاة والرعية هؤلاء يأخذون ما لا يحل وهؤلاء ~~يمنعون مايجب كما قد يتظالم الجند والفلاحون وكما قد يترك بعض الناس من ~~الجهاد ما يجب ويكنز الولاة من مال الله مالا يحل كنزه وكذلك العقوبات على ~~أداء الأموال فانه قد يترك منها ما يباح أو يجب وقد يفعل ما لا يحل # والأصل في ذلك ان كل من عليه مال يجب أداؤه كرجل PageV28P278 عنده وديعة ~~أو مضاربة أو شركة أو مال لموكله أومال يتيم أو مال وقف أو مال لبيت المال ~~أو عنده دين وهو قادر على أدائه # فانه اذا امتنع من أداء الحق الواجب من عين أو دين وعرف انه قادر على ~~أدائه فانه يستحق العقوبة حتى يظهر المال أو يدل على موضعه فاذا عرف المال ~~وصبر على الحبس فانه يستوفى الحق من المال ولا حاجة إلى ضربه وان امتنع من ~~الدلالة على ماله ومن الايفاء ضرب حتى يؤدى الحق أو يمكن من ادائه وكذلك لو ~~امتنع من اداء النفقة الواجبة عليه مع القدرة عليها لما روى عمرو بن الشريد ~~عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( لى الواجد يحل عرضه وعقوبته ~~( رواه اهل السنن وقال صلى الله عليه وسلم ( مطل الغني ظلم ( أخرجاه في ~~الصحيحين و ( اللي ( هو المطل والظالم يستحق العقوبة والتعزير # وهذا أصل متفق عليه ان كل من فعل محرما أو ترك واجبا استحق العقوبة فان ~~لم تكن مقدرة بالشرع كان تعزيرا يجتهد فيه ولي الأمر فيعاقب الغني المماطل ~~بالحبس فان اصر عوقب بالضرب حتى يؤدى الواجب وقد نص على ذلك الفقهاء من ~~اصحاب مالك والشافعى واحمد وغيرهم رضى الله عنهم ولا اعلم فيه خلافا # وقد روى البخارى في صحيحه عن بن عمر رضى الله عنهما ms8113 ان PageV28P279 النبى ~~صلى الله عليه وسلم لما صالح اهل خيبر على الصفراء والبيضاء والسلاح سأل ~~بعض اليهود وهو سعية عم حيي بن أخطب عن كنز مال حيي بن أخطب فقال اذهبته ~~النفقات والحروب فقال ( العهد قريب والمال اكثر من ذلك ( فدفع النبى سعيه ~~إلى الزبير فمسه بعذاب فقال قد رأيت حييا يطوف في خربة ها هنا فذهبوا ~~فطافوا فوجدوا المسك في الخربة وهذا الرجل كان ذميا والذمي لا تحل عقوبته ~~الا بحق وكذلك كل من كتم ما يجب اظهاره من دلالة واجبة ونحو ذلك يعاقب على ~~ترك الواجب # وما اخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق فلولي الأمر العادل ~~استخراجه منهم كالهدايا التى يأخذونها بسبب العمل قال أبو سعيد الخدري رضى ~~الله عنه هدايا العمال غلول وروى إبراهيم الحربي في كتاب الهدايا عن بن ~~عباس رضى الله عنهما ان النبى قال ( هدايا الأمراء غلول ( وفي الصحيحين عن ~~أبي حميد الساعدى رضى الله عنه قال استعمل النبى صلى الله عليه وسلم رجلا ~~من الأزد يقال له بن اللتبيه على الصدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا اهدى ~~إلى فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ~~PageV28P280 ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا اهدى إلى فهلا جلس في بيت أبيه ~~أو بيت امه فينظر ايهدى إليه أم لا والذى نفسى بيده لا يأخذ منه شيئا الا ~~جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ان كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار ~~أو شاه تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتى ابطيه ثم قال اللهم هل بلغت اللهم ~~هل بلغت اللهم هل بلغت ثلاثا ( # وكذلك محاباه الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة ~~والمساقاه والمزارعة ونحو ذلك هو من نوع الهدية ولهذا شاطر عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنه من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة وانما شاطرهم لما ~~كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها وكان الأمر يقتضى ذلك لأنه ~~كان ms8114 امام عدل يقسم بالسوية # فلما تغير الامام والرعية كان الواجب على كل انسان ان يفعل من الواجب ما ~~يقدر عليه ويترك ما حرم عليه ولا يحرم عليه ما اباح الله له # وقد يبتلى الناس من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها ليتمكن بذلك من ~~استيفاء المظالم منهم ويترك ما اوجبه الله من قضاء حوائجهم PageV28P281 ~~فيكون من اخذ منهم عوضا على كف ظلم وقضاء حاجة مباحة احب اليهم من هذا فان ~~الأول قد باع آخرته بدنيا غيره وأخسر الناس صفقة من باع آخرته بدنيا غيره ~~وانما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة وقضاء حوائجهم التى لا تتم مصلحة ~~الناس الا بها من تبليغ ذى السلطان حاجاتهم وتعريفه بأمورهم ودلالته على ~~مصالحهم وصرفه عن مفاسدهم بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة كما يفعل ذووا ~~الاغراض من الكتاب ونحوهم في اغراضهم # ففى حديث هند بن ابى هالة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم انه ~~كان يقول ( ابلغونى حاجة من لا يستطيع ابلاغها فانه من ابلغ ذا سلطان حاجة ~~من لا يستطيع ابلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام ( وقد روى ~~الامام أحمد وابو داود في سننه عن ابى امامه الباهلى رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله من شفع لاخية شفاعة فأهدى له عليها هديه فقبلها فقد اتى بابا ~~عظيما من ابواب الربا ( وروى إبراهيم الحربى عن عبد الله بن مسعود رضى الله ~~عنه قال السحت ان يطلب الحاجة للرجل فتقضى له فيهدى إليه هدية فيقبلها وروى ~~ايضا عن مسروق انه كلم بن زياد في مظلمة فردها فأهدى له صاحبها وصيفا فرده ~~عليه وقال سمعت بن مسعود يقول من PageV28P282 رد عن مسلم مظلمة فرزأه عليها ~~قليلا أو كثيرا فهو سحت فقلت يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى السحت الا ~~الرشوة في الحكم قال ذاك كفر # فاما اذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال مايريد ان يختص به هو وذووه فلا ~~ينبغى اعانة واحد منهمااذ كل منها ظالم كلص ms8115 سرق من لص وكالطائفتين ~~المقتتلتين على عصبية ورئاسة ولا يحل للرجل ان يكون عونا على ظلم فان ~~التعاون نوعان # الأول تعاون على البر والتقوى من الجهاد وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق ~~واعطاء المستحقين فهذا مما امر الله به ورسوله ومن امسك عنه خشية ان يكون ~~من اعوان الظلمة فقد ترك فرضا على الأعيان أو على الكفاية متوهما انه متورع ~~وما اكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع إذ كل منهما كف وامساك # والثانى تعاون على الاثم والعدوان كالاعانة على دم معصوم أو أخذ مال ~~معصوم أو ضرب من لا يستحق الضرب ونحو ذلك فهذا الذي حرمه الله ورسوله # نعم اذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق وقد تعذر ردها إلى اصحابها ككثير ~~من الأموال السلطانية فالاعانة على صرف هذه PageV28P283 الأموال في مصالح ~~المسلمين كسداد الثغور ونفقة المقاتلة ونحوذلك من الاعانة على البر والتقوى ~~اذ الواجب على السلطان في هذه الاموال اذا لم يمكن معرفة اصحابها وردها ~~عليهم ولا على ورثتهم ان يصرفها مع التوبة ان كان هوالظالم إلى مصالح ~~المسلمين هذا هو قول جمهور العلماء كمالك وابى حنيفة واحمد وهو منقول عن ~~غير واحد من الصحابة وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية كما هو منصوص في موضع آخر # وان كان غيره قد اخذها فعليه هو ان يفعل بها ذلك وكذلك لو امتنع السلطان ~~من ردها كانت الاعانة على انفاقها في مصالح اصحابها اولى من تركها بيد من ~~يضيعها على اصحابها وعلى المسلمين # فان مدار الشريعة على قوله تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ ~~المفسر لقوله @QB@ اتقوا الله حق تقاته @QE@ وعلى قول النبى ( إذا امرتكم ~~بأمر فاتوا منه ما استطعتم ( اخرجاه في الصحيحين وعلى ان الواجب تحصيل ~~المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فاذا تعارضت كان تحصيل اعظم ~~المصلحتين بتفويت ادناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال ادناهما هو ~~المشروع # والمعين على الأثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه أما من PageV28P284 ~~أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه أو على اداء المظلمة فهو وكيل المظلوم لا ~~وكيل الظالم ms8116 بمنزلة الذى يقرضه أو الذى يتوكل في حمل المال له إلى الظالم ~~مثال ذلك ولي اليتيم والوقف اذا طلب ظالم منه ما لا فاجتهد في دفع ذلك بمال ~~اقل منه إليه أو إلى غيره بعد الاجتهاد التام في الدفع فهو محسن وما على ~~المحسنين من سبيل # وكذلك وكيل المالك من المنادين والكتاب وغيرهم الذى يتوكل لهم في العقد ~~والقبض ودفع ما يطلب منهم لا يتوكل للظالمين في الأخذ ل # وكذلك لو وضعت مظلمة على اهل قرية أو درب أو سوق أو مدينة فتوسط رجل منهم ~~محسن في الدفع عنهم بغاية الامكان وقسطها بينهم على قدر طاقتهم من غير ~~محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء بل توكل لهم في الدفع عنهم والاعطاء كان ~~محسنا لكن الغالب ان من يدخل في ذلك يكون وكيل الظالمين محابيا مرتشيا ~~مخفرا لمن يريد وآخذا ممن يريد وهذا من اكبر الظلمة الذين يحشرون في توابيت ~~من نار هم واعوانهم واشباههم ثم يقذفون في النار PageV28P285 ### ||| فصل # واما المصارف فالواجب ان يبدأ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين ~~العامة كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة # فمنهم المقاتلة الذين هم اهل النصرة والجهاد وهم احق الناس بالفيء فإنه ~~لا يحصل الا بهم حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء هل هو مختص بهم أو مشترك ~~في جميع المصالح واما سائر الأموال السلطانية فلجميع المصالح وفاقا الا ما ~~خص به نوع كالصدقات والمغنم # ومن المستحقين ذوو الولايات عليهم كالولاة والقضاه والعلماء والسعاه على ~~المال جمعا وحفظا وقسمة ونحو ذلك حتى ائمة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك # وكذا صرفه في الأثمان والأجور لما يعم نفعه من سداد الثغور بالكراع ~~والسلاح وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس كالجسور والقناطر ~~وطرقات المياه كالأنهار # ومن المستحقين ذوو الحاجات فان الفقهاء قد اختلفوا هل يقدمون PageV28P286 ~~في غير الصدقات من الفيء ونحوه على غيرهم على قولين في مذهب أحمد وغيره ~~منهم من قال يقدمون ومنهم من قال المال استحق بالاسلام فيشتركون فيه كما ~~يشترك ms8117 الورثة في الميراث والصحيح انهم يقدمون فان النبى كان يقدم ذوى ~~الحاجات كما قدمهم في مال بني النضير وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس ~~أحد احق بهذا المال من أحد انما هو الرجل وسابقته والرجل وغناؤه والرجل ~~وبلاؤه والرجل وحاجته # فجعلهم عمر رضي الله عنه اربعة اقسام # الأول ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال الثانى من يغنى عن المسلمين ~~في جلب المنافع لهم كولاة الأمور والعلماء الذين يجتلبون لهم منافع الدين ~~والدنيا # الثالث من يبلى بلاء حسنا في دفع الضرر عنهم كالمجاهدين في سبيل الله من ~~الأجناد والعيون من القصاد والناصحين ونحوهم # الرابع ذوو الحاجات واذا حصل من هؤلاء متبرع فقد اغنى الله به والا اعطى ~~ما يكفيه أو قدر عمله واذا عرفت ان العطاء يكون بحسب منفعة PageV28P287 ~~الرجل وبحسب حاجته في مال المصالح وفى الصدقات ايضا فما زاد على ذلك ~~لايستحقه الرجل إلا كما يستحقه نظراؤه مثل أن يكون شريكا في غنيمة أو ميراث # ولا يجوز للامام ان يعطى احدا ما لا يستحقه لهوى نفسه من قرابة بينهما ~~اومودة ونحو ذلك فضلا عن ان يعطيه لأجل منفعة محرمة منه كعطية المخنثين من ~~الصبيان المردان الأحرار والمماليك ونحوهم والبغايا والمغنين والمساخر ونحو ~~ذلك أو إعطاء العرافين من الكهان والمنجمين ونحوهم # لكن يجوز بل يجب الأعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه وأن كان هو لا ~~يحل له أخذ ذلك كما أباح الله تعالى في القرآن العطاء للمؤلفة قلوبهم من ~~الصدقات وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطى المؤلفة قلوبهم من الفيء ~~ونحوه وهم السادة المطاعون في عشائرهم كما كان النبى يعطى الأقرع بن حابس ~~سيد بنى تميم وعيينة بن حصن سيد بني فزاره وزيد الخير الطائى سيد بني نبهان ~~وعلقمة بن علاثة العامرى سيد بني كلاب ومثل سادات قريش من الطلقاء كصفوان ~~بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وابي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو والحارث بن ~~هشام وعدد كثير # ففى الصحيحين عن أبي سعيد الخدرى رضى ms8118 الله عنه قال PageV28P288 بعث علي ~~وهو باليمن بذهيبة في تربتها إلى رسول الله فقسمها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين اربعة الأقرع بن حابس الحنظلى وعيينة بن حصن الفزارى وعلقمة بن ~~علاثة العامرى سيد بني كلاب وزيد الخير الطائى سيد بني نبهان قال فغضبت ~~قريش والأنصار فقالوا يعطى صناديد نجد ويدعنا فقال رسول الله ( إنى إنما ~~فعلت ذلك لتأليفهم ( فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتىء ~~الجبين محلوق الرأس فقال اتق الله يا محمد فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( فمن يتق الله إن عصيته أيأمننى على أهل الأرض ولا تأمنونى ( قال ثم ~~أدبر الرجل فإستأذن رجل من القوم في قتله ويرون أنه خالد بن الوليد فقال ~~رسول الله ( إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون ~~أهل الإسلام ويدعون أهل الاوثان يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية لئن ادركتهم لأقتلنهم قتل عاد ( # وعن رافع بن خديج رضى الله عنه قال ( اعطى رسول الله أبا سفيان بن حرب ~~وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل انسان منهم مائة من الأبل ~~وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس PageV28P289 % أتجعل نهبى ~~ونهب العبيد % % بين عيينة والأقرع % % وما كان حصن ولا حابس % يفوقان ~~مرداس في المجمع % وما كنت دون امرئ منهما % % ومن يخفض اليوم لا يرفع % ~~قال فأتم له رسول الله مائة رواه مسلم و ( العبيد ( اسم فرس له # والمؤلفة قلوبهم نوعان كافر ومسلم فالكافر اما أن يرجى بعطيته منفعة ~~كاسلامه أو دفع مضرته اذا لم يندفع الا بذلك والمسلم المطاع يرجى بعطيته ~~المنفعة ايضا كحسن إسلامه اواسلام نظيره أو جباية المال ممن لايعطيه الا ~~لخوف أو النكاية في العدو أو كف ضرره عن المسلمين اذا لم ينكف الا بذلك # وهذا النوع من العطاء وان كان ظاهره اعطاء الرؤساء وترك الضعفاء كما يفعل ~~الملوك فالأعمال بالنيات فاذا كان القصد بذلك مصلحة الدين واهله كان من جنس ~~عطاء النبى ms8119 صلى الله عليه وسلم وخلفائه وان كان المقصود العلو في الأرض ~~والفساد كان من جنس عطاء فرعون وانما ينكره ذوو الدين الفاسد كذى الخويصرة ~~الذى انكره على النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال فيه ما قال وكذلك حزبه ~~الخوارج انكروا على امير المؤمنين على رضى الله عنه ما قصد PageV28P290 به ~~المصلحة من التحكيم ومحو اسمه وما تركه من سبي نساء المسلمين وصبيانهم # وهؤلاء امر النبى بقتالهم لأن معهم دينا فاسدا لا يصلح به دنيا ولا آخرة # وكثيرا مايشتبه الورع الفاسد بالجبن والبخل فان كلاهما فيه ترك فيشتبه ~~ترك الفساد لخشية الله تعالى بترك مايؤمر به من الجهاد والنفقة جبنا وبخلا ~~وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع ( ~~قال الترمذى حديث صحيح # وكذلك قد يترك الانسان العمل ظنا أو إظهارا أنه ورع وإنما هو كبر وإرادة ~~للعلو وقول النبى ( إنما الأعمال بالنيات ( كلمة جامعة كاملة فان النية ~~للعمل كالروح للجسد وإلا فكل واحد من الساجد لله والساجد للشمس والقمر قد ~~وضع جبهته على الأرض فصورتهما واحدة ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى وهذا ~~أبعد الخلق عن الله وقد قال الله تعالى @QB@ وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة @QE@ وفى الأثر أفضل الايمان السماحة والصبر فلا تتم رعاية الخلق ~~وسياستهم إلا بالجود الذى هو العطاء والنجدة التى هي الشجاعة بل لايصلح ~~الدين والدنيا إلا بذلك # ولهذا كان من لايقوم بهما سلبه الله الأمر ونقله إلى غيره كما قال ~~PageV28P291 الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم ~~انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ~~فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ~~ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل ~~فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا ms8120 يكونوا أمثالكم @QE@ وقد قال الله تعالى @QB@ لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ~~وكلا وعد الله الحسنى @QE@ فعلق الأمر بالانفاق الذى هو السخاء والقتال ~~الذى هو الشجاعة وكذلك قال الله تعالى في غير موضع @QB@ وجاهدوا بأموالكم ~~وأنفسكم في سبيل الله @QE@ # وبين أن البخل من الكبائر في قوله تعالى @QB@ ولا يحسبن الذين يبخلون بما ~~آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة @QE@ وفى قوله @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم @QE@ الآية وكذلك الجبن في مثل قوله تعالى ~~@QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء ~~بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير @QE@ PageV28P292 ) وفى قوله تعالى ~~@QB@ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون @QE@ وهو ~~كثير في الكتاب والسنة وهو مما اتفق عليه أهل الأرض حتى إنهم يقولون في ~~الأمثال العامية ( لاطعنة ولا جفنة ( ويقولون ( لافارس الخيل ولاوجه العرب ~~( # ولكن افترق الناس هنا ثلاث فرق فريق غلب عليهم حب العلو في الأرض والفساد ~~فلم ينظروا في عاقبة المعاد ورأوا أن السلطان لايقوم إلا بعطاء وقد لايتأتى ~~العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلها فصاروا نهابين وهابين وهؤلاء يقولون ~~لايمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل ويطعم فانه إذا تولى العفيف الذى لا ~~يأكل ولا يطعم سخط عليه الرؤساء وعزلوه ان لم يضروه في نفسه وماله وهؤلاء ~~نظروا في عاجل دنياهم وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم فعاقبتهم عاقبة ~~رديئة في الدنيا والآخرة ان لم يحصل لهم مايصلح عاقبتهم من توبة ونحوها # وفريق عندهم خوف من الله تعالى ودين يمنعهم عما يعتقدونه قبيحا من ظلم ~~الخلق وفعل المحارم فهذا حسن واجب ولكن قد يعتقدون مع ذلك أن السياسة لاتتم ~~الا بما يفعله أولئك من الحرام فيمتنعون عنها مطلقا وربما كان في نفوسهم ~~جبن أو بخل أو ضيق خلق ينضم إلى ms8121 ما معهم من الدين فيقعون احيانا في ترك ~~واجب يكون تركه PageV28P293 اضر عليهم من بعض المحرمات أو يقعون في النهى ~~عن واجب يكون النهى عنه من الصد عن سبيل الله وقد يكونون متأولين وربما ~~اعتقدوا ان انكار ذلك واجب ولا يتم الا بالقتال فيقاتلون المسلمين كما فعلت ~~الخوارج وهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل لكن قد يصلح بهم كثير ~~من أنواع الدين وبعض امور الدنيا وقد يعفى عنهم فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا ~~ويغفر لهم قصورهم وقد يكونون من الأخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ولا يعطى ~~غيره ولا يرى انه يتألف الناس من الكفار والفجار لا بمال ولا بنفع ويرى ان ~~اعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرم # الفريق الثالث الأمة الوسط وهم اهل دين محمد وخلفائه على عامة الناس ~~وخاصتهم إلى يوم القيامة وهو انفاق المال والمنافع للناس وان كانوا رؤساء ~~بحسب الحاجة إلى صلاح الاحوال ولاقامة الدين والدنيا التى يحتاج اليها ~~الدين وعفته في نفسه فلا يأخذ مالا يستحقه فيجمعون بين التقوى والاحسان ( ~~ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) # ولا تتم السياسة الدينية الابهذا ولا يصلح الدين والدنيا الا PageV28P294 # بهذه الطريقة وهذا هو الذي يطعم الناس مايحتاجون إلى طعامه ولا يأكل ~~هوإلا الحلال الطيب ثم هذا يكفيه من الانفاق اقل مما يحتاج إليه الاول فان ~~الذي يأخذ لنفسه تطمع فيه النفوس مالا تطمع في العفيف ويصلح به الناس في ~~دينهم ما لا يصلحون بالثانى فان العفة مع القدرة تقوى حرمة الدين وفى ~~الصحيحين عن ابى سفيان بن حرب ان هرقل ملك الروم سأله عن النبى بماذا ~~يأمركم قال يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة وفى الأثر ( ان الله أوحى ~~إلى إبراهيم الخليل عليه السلام يا إبراهيم اتدرى لم اتخذتك خليلا لأنى ~~رأيت العطاء احب اليك من الأخذ ( وهذا الذي ذكرناه في الرزق والعطاء الذى ~~هو السخاء وبذل المنافع نظيره في الصبر ms8122 والغضب الذي هوالشجاعة ودفع المضار # فان الناس ثلاثة اقسام قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم وقسم لايغضبون لنفوسهم ~~ولا لربهم والثالث وهو الوسط الذي يغضب لربه لا لنفسه كما في الصحيحين عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت ( ماضرب رسول الله بيده خادما له ولا امرأة ولا ~~دابة ولا شيئا قط الا ان يجاهد في سبيل الله ولا PageV28P295 نيل منه شيء ~~فانتقم لنفسه قط الا أن تنتهك حرمات الله فاذا انتهكت حرمات الله لميقم ~~لغضبه شيء حتى ينتقم لله ( # فأما من يغضب لنفسه لا لربه أو يأخذ لنفسه ولا يعطى غيره فهذا القسم ~~الرابع شر الخلق لايصلح بهم دين ولا دنيا # كما أن الصالحين ارباب السياسة الكاملة هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا ~~المحرمات وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه ولا يأخذون الا ما ابيح لهم ~~ويغضبون لربهم اذا انتهكت محارمه ويعفون عن حقوقهم وهذه اخلاق رسول الله في ~~بذله ودفعة وهي اكمل الأمور # وكلما كان اليها اقرب كان افضل فليجتهد المسلم في التقرب اليها بجهده ~~ويستغفر الله بعد ذلك من قصوره أو تقصيره بعد ان يعرف كمال ما بعث الله ~~تعالى به محمدا صلى الله عليه وسلم من الدين فهذا في قول الله سبحانه ~~وتعالى @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها @QE@ والله اعلم ~~PageV28P296 ### ||| فصل # وأما قوله تعالى ( واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ( فان الحكم ~~بين الناس يكون في الحدود والحقوق وهما قسمان فالقسم الأول الحدود والحقوق ~~التى ليست لقوم معينين بل منفعتها لمطلق المسلمين أو نوع منهم وكلهم محتاج ~~اليها وتسمى حدود الله وحقوق الله مثل حد قطاع الطريق والسراق والزناة ~~ونحوهم ومثل الحكم في الاموال السلطانية والوقوف والوصايا التى ليست لمعين ~~فهذه من اهم امور الولايات ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابد ~~للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة فقيل ياامير المؤمنين هذه البرة قد ~~عرفناها فما بال الفاجرة فقال يقام بها الحدود وتأمن بها السبل ويجاهد بها ~~العدو ويقسم بها الفيء # وهذا ms8123 القسم يجب على الولاة البحث عنه واقامته من غير دعوى أحد به وكذلك ~~تقام الشهادة فيه من غير دعوى أحد به وان كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد ~~السارق هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله على قولين في مذهب أحمد وغيره ~~لكنهم متفقون على انه لا PageV28P297 يحتاج إلى مطالبة المسروق بالحد وقد ~~اشترط بعضهم المطالبة بالمال لئلا يكون للسارق فيه شبهة # وهذا القسم يجب اقامته على الشريف والوضيع والضعيف ولا يحل تعطيله لا ~~بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما ولا تحل الشفاعة فيه ومن عطله لذلك وهو قادر ~~على اقامته فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل الله منه صرفا ~~ولاعدلا وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنا قليلا وروى أبو داود في سننه عن عبد ~~الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ( من حالت شفاعته دون حد من ~~حدود الله فقد ضاد الله في امره ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط ~~الله حتى ينزع ومن قال في مسلم دين ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج ~~مما قال قيل يا رسول الله وما ردغة الخبال قال عصارة اهل النار ( فذكر ~~النبى الحكماء والشهداء والخصماء وهؤلاء اركان الحكم # وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ( ان قريشا اهمهم شأن المخزومية ~~التى سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله فقالوا ومن يجترئ عليه الا اسامة ~~بن زيد فقال يا أسامة اتشفع في حد من حدود الله انما هلك بنو اسرائيل انهم ~~PageV28P298 كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا ~~عليه الحد والذى نفس محمد بيده لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ( ففى ~~هذه القصة عبرة فان اشرف بيت كان في قريش بطنان بنو مخزوم وبنو عبد مناف ~~فلما وجب على هذه القطع بسرقتها التى هي جحود العارية على قول بعض العلماء ~~أو سرقة اخرى غيرها على قول آخرين وكانت من اكبر القبائل واشرف البيوت وشفع ~~فيها حب ms8124 رسول الله صلى الله عليه وسلم اسامة غضب رسول الله فأنكر عليه ~~دخوله فيما حرمه الله وهو الشفاعة في الحدود ثم ضرب المثل بسيدة نساء ~~العالمين وقد برأها الله من ذلك فقال ( لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت ~~يدها ( # وقد روى ان هذه المرأة التى قطعت يدها تابت وكانت تدخل بعد ذلك على النبى ~~فيقضى حاجتها فقد روى ( ان السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة وان لم يتب ~~سبقته يده إلى النار ( وروى مالك في المؤطا أن جماعة أمسكوا لصا ليرفعوه ~~إلى عثمان رضى الله عنه فتلقاهم الزبير فشفع فيه فقالوا اذا رفع إلى عثمان ~~فاشفع فيه عنده فقال ( إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع ( ~~يعنى الذى يقبل الشفاعة وكان صفوان بن PageV28P299 أمية نائما على رداء له ~~في مسجد رسول الله فجاء لص فسرقه فأخذه فأتى به النبى فأمر بقطع يده فقال ~~يارسول الله أعلى ردائى تقطع يده أنا أهبه له فقال ( فهلا قبل أن تأتينى به ~~) ثم قطع يده رواه أهل السنن يعنى أنك لو عفوت عنه قبل أن تأتينى به لكان ~~فأما بعد أن رفع إلى فلا فلا يجوز تعطيل الحد لا بعفو ولا بشفاعة ولا بهبة ~~ولا غير ذلك # ولهذا اتفق العلماء فيما أعلم على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا ~~رفعوا إلى ولى الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم يسقط الحد عنهم بل تجب إقامته وإن ~~تابوا فان كانوا صادقين في التوبة كان الحد كفارة لهم وكان تمكينهم من ذلك ~~من تمام التوبة بمنزلة رد الحقوق إلى أهلها والتمكين من استيفاء القصاص في ~~حقوق الآدميين وأصل هذا في قوله تعالى @QB@ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب ~~منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا @QE@ ~~فان الشفاعة إعانة الطالب حتى يصير معه شفعا بعد أن كان وترا فان أعانه على ~~بر وتقوى كانت شفاعة حسنة وإن أعانة على إثم وعدوان كانت شفاعة سيئة والبر ~~ما ms8125 أمرت به والأثم ما نهيت عنه وإن كانوا كاذبين فان الله لايهدى كيد ~~الخائنين PageV28P300 وقد قال تعالى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم @QE@ ~~فاستثنى التائبين قبل القدرة عليهم فقط فالتائب بعد القدرة عليه باق فيمن ~~وجب عليه الحد للعموم والمفهوم والتعليل هذا إذا كان قد ثبت بالبينة فأما ~~إذا كان باقرار وجاء مقرى بالذنب تائبا فهذا فيه نزاع مذكور في غير هذا ~~الموضع وظاهر مذهب أحمد انه لاتجب إقامة الحد في مثل هذه الصورة بل إن طلب ~~إقامة الحد عليه أقيم وإن ذهب لم يقم عليه حد # وعلى هذا حمل حديث ماعز بن مالك لما قال فهلا تركتموه وحديث الذى قال ( ~~أصبت حدا فأقمه ( مع آثار أخر وفى سنن أبى داود والنسائى عن عبد الله بن ~~عمرو أن رسول الله قال ( تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغنى من حد فقد وجب ~~( وفى سنن النسائى وبن ماجه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى قال ( حد ~~يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من ان يمطروا أربعين صباحا ( وهذا لأن ~~المعاصى سبب لنقص الرزق والخوف من العدو كما يدل عليه الكتاب والسنة فأذا ~~PageV28P301 أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله ونقصت معصية الله تعالى فحصل ~~الرزق والنصر # ولايجوز أن يؤخذ من الزانى أو السارق أو الشارب أو قاطع الطريق ونحوهم ~~مال تعطل به الحدود لالبيت المال ولا لغيره وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد ~~سحت خبيث وإذا فعل ولى الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين ( احدهما ) تعطيل ~~الحد و ( الثانى ) أكل السحت فترك الواجب وفعل المحرم قال الله تعالى ( ~~لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ماكانوا ~~يصنعون ) وقال الله تعالى عن اليهود ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) لأنهم ~~كانوا ms8126 يأكلون السحت من الرشوة التى تسمى البرطيل وتسمى أحيانا الهدية ~~وغيرها ومتى أكل السحت ولى الأمر احتاج ان يسمع الكذب من شهادة الزور ~~وغيرها وقد ( لعن رسول الله الراشى والمرتشى والرائش الواسطة الذى بينهما ( ~~رواه أهل السنن # وفى الصحيحين ( أن رجلين اختصما إلى النبى فقال أحدهما يارسول الله اقض ~~بيننا بكتاب الله فقال صاحبه وكان أفقه منه نعم يارسول الله اقض بيننا ~~بكتاب الله وائذن لى فقال قل فقال إن ابنى كان عسيفا في أهل PageV28P302 ~~هذا يعنى اجيرا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم وانى سألت رجالا ~~من أهل العلم فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام وان على امرأة هذا ~~الرجم فقال والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله المائة والخادم رد ~~عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها ~~فان اعترفت فارجمها فسألها فاعترفت فرجمها ( # ففى هذا الحديث انه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحد عنه أمر النبى ~~بدفع المال إلى صاحبه وامر باقامة الحد ولم ياخذ المال للمسلمين من ~~المجاهدين والفقراء وغيرهم وقد اجمع المسلمون على ان تعطيل الحد بمال يؤخذ ~~أو غيره لايجوز واجمعوا على ان المال المأخوذ من الزانى والسارق والشارب ~~والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد مال سحت خبيث # كثير مما يوجد من فساد امور الناس إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه وهذا ~~من اكبر الأسباب التى هي فساد أهل البوادى والقرى والأمصار من الأعراب ~~والتركمان والأكراد والفلاحين وأهل الأهواء كقيس ويمن وأهل الحاضرة من ~~رؤساء الناس وأغنيائهم وفقرائهم وامراء الناس ومقدميهم وجندهم وهو سبب سقوط ~~حرمة المتولى وسقوط قدره من القلوب وانحلال أمره فاذا ارتشى وتبرطل على ~~تعطيل حد ضعفت نفسه ان يقيم حدا آخر PageV28P303 وصار من جنس اليهود ~~الملعونين وأصل البرطيل هو الحجر المستطيل سميت به الرشوة لأنها تلقم ~~المرتشى عن التكلم بالحق كما يلقمه الحجر الطويل كما قد جاء في الأثر ( إذا ~~دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من ms8127 الكوة ( وكذلك إذا أخذ مال للدولة ~~على ذلك مثل هذا السحت الذى يسمى التأديبات ألا ترى ان الأعراب المفسدين ~~أخذوا لبعض الناس ثم جاؤوا إلى ولى الأمر فقادوا إليه خيلا يقدمونها له أو ~~غير ذلك كيف يقوى طمعهم في الفساد وتنكسر حرمة الولاية والسلطنة وتفسد ~~الرعية # وكذلك الفلاحون وغيرهم وكذلك شارب الخمر اذا اخذ فدفع بعض ماله كيف يطمع ~~الخمارون فيرجون اذا امسكوا ان يفتدوا ببعض اموالهم فيأخذها ذلك الوالى ~~سحتا لايبارك فيها والفساد قائم # وكذلك ذوو الجاه اذا حموا احدا ان يقام عليه الحد مثل ان يرتكب بعض ~~الفلاحين جريمة ثم يأوى إلى قرية نائب السلطان أو اميره فيحمى على الله ~~ورسوله فيكون ذلك الذى حماه ممن لعنه الله ورسوله فقد روى مسلم في صحيحه عن ~~على بن أبى طالب رضى الله عنه قال قال رسول الله ( لعن الله من احدث حدثا ~~أو آوى محدثا ( فكل من آوى محدثا من هؤلاء المحدثين PageV28P304 فقد لعنه ~~الله ورسوله واذا كان النبى قد قال ( إن من حالت شفاعته دون حد من حدود ~~الله فقد ضاد الله في امره ( فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده واعتاض عن ~~المجرمين بسحت من المال يأخذه لاسيما الحدود على سكان البر فان من اعظم ~~فسادهم حماية المعتدين منهم بجاه أو مال سواء كان المال المأخوذ لبيت المال ~~أو للوالى سرا أو علانية فذلك جميعه محرم باجماع المسلمين وهو مثل تضمين ~~الحانات والخمر فان من مكن من ذلك أو أعان أحدا عليه بمال يأخذه منه فهو من ~~جنس واحد # والمال المأخوذ على هذا يشبه مايؤخذ من مهر البغى وحلوان الكاهن وثمن ~~الكلب وأجرة المتوسط في الحرام الذى يسمى القواد قال النبى ( ثمن الكلب ~~خبيث ومهر البغى خبيث وحلوان الكاهن خبيث ( رواه البخارى فمهر البغى الذى ~~يسمى حدور القحاب وفى معناه مايعطاه المخنثون الصبيان من المماليك أو ~~الأحرار على الفجور بهم وحلوان الكاهن مثل حلاوة المنجم ونحوه على ما يخبر ~~به من الأخبار المبشرة بزعمه ونحو ذلك # وولى الأمر ms8128 اذا ترك انكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمال يأخذه كان ~~بمنزلة مقدم الحرامية الذى يقاسم المحاربين على الأخيذة وبمنزلة القواد ~~الذى يأخذ ما يأخذه ليجمع بين اثنين على فاحشة PageV28P305 وكان حاله شبيها ~~بحال عجوز السوء امرأة لوط التى كانت تدل الفجار على ضيفه التى قال الله ~~تعالى فيها ( فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ) وقال تعالى ( ~~فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا امرأتك انه مصيبها ما ~~أصابهم ) فعذب الله عجوز السوء القوادة بمثل ما عذب قوم السوء الذين كانوا ~~يعملون الخبائث وهذا لأن هذا جميعه اخذ مال للأعانة على الاثم والعدوان ~~وولى الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهذا هو مقصود الولاية ~~فاذا كان الوالى يمكن من المنكر بمال يأخذه كان قد أتى بضد المقصود مثل من ~~نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك وبمنزلة من أخذ مالا ليجاهد به في ~~سبيل الله فقاتل به المسلمين # يوضح ذلك ان صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فأن صلاح ~~المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله ولا يتم ذلك الا بالأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس قال الله تعالى ~~@QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ @QB@ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر @QE@ وقال تعالى @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر @QE@ وقال تعالى عن بنى اسرائيل @QB@ ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون @QE@ PageV28P306 ) ~~وقال تعالى @QB@ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا ~~الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون @QE@ فأخبر الله تعالى ان العذاب ~~لما نزل نجى الذين ينهون عن السوء وأخذ الظالمين بالعذاب الشديد # وفى الحديث الثابت ان أبا بكر الصديق رضى الله عنه خطب الناس على منبر ~~رسول الله فقال ( ايها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ms8129 لا يضركم من ضل إذا اهتديتم @QE@ ~~وانى سمعت رسول الله يقول ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك ان ~~يعمهم الله بعقاب من عنده ( وفى حديث آخر ( ان المعصية اذا خفيت لم تضر الا ~~صاحبها ولكن اذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة ( # وهذا القسم الذى ذكرناه من الحكم في حدود الله وحقوقه مقصوده الأكبر هو ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فالأمر بالمعروف مثل الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج والصدق والأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام وحسن العشرة مع ~~الأهل والجيران ونحو ذلك فالواجب على ولى الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات ~~جميع من يقدر على أمره ويعاقب التارك باجماع المسلمين PageV28P307 فان كان ~~التاركون طائفة ممتنعة قوتلوا على تركها باجماع المسلمين وكذلك يقاتلون على ~~ترك الزكاة والصيام وغيرهما وعلى استحلال المحرمات الظاهرة المجمع عليها ~~كنكاح ذوات المحارم والفساد في الأرض ونحو ذلك فكل طائفة ممتنعة عن التزام ~~شريعة من شرائع الاسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها حتى يكون الدين كله ~~لله باتفاق العلماء # وإن كان التارك للصلاة واحدا فقد قيل إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلى ~~وجمهور العلماء على انه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب فان ~~تاب وصلى والا قتل وهل يقتل كافرا أو مسلما فاسقا فيه قولان واكثر السلف ~~على انه يقتل كافرا وهذا كله مع الاقرار بوجوبها اما اذا جحد وجوبها فهو ~~كافر باجماع المسلمين وكذلك من جحد سائر الواجبات المذكورات والمحرمات التى ~~يجب القتال عليها فالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات هي مقصود الجهاد ~~في سبيل الله وهو واجب على الأمة بالاتفاق كما دل عليه الكتاب والسنة # وهو من افضل الأعمال قال رجل يارسول الله دلنى على عمل يعدل الجهاد في ~~سبيل الله قال لاتستطيعه أو لا تطيقه قال أخبرنى به قال هل تستطيع اذا خرج ~~المجاهد ان تصوم ولا تفطر PageV28P308 وتقوم ولا تفتر قال ومن يستطيع ذلك ~~قال فذلك الذى يعدل الجهاد في سبيل الله ( وقال ? < إن في الجنة لمئة درجة ~~بين الدرجة إلى الدرجة كما ms8130 بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في ~~سبيله > ? كلاهما في الصحيحين وقال النبى ( رأس الأمر الاسلام وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ( وقال الله تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال تعالى @QB@ أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون ~~يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا ~~إن الله عنده أجر عظيم @QE@ ### ||| فصل # ومن ذلك عقوبة المحاربين وقطاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في ~~الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة من الاعراب والتركمان والاكراد ~~والفلاحين وفسقة الجند أو مردة الحاضرة PageV28P309 او غيرهم قال الله ~~تعالى فيهم @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم @QE@ وقد روى ~~الشافعى رحمه الله في مسنده عن بن عباس رضى الله عنهما في قطاع الطريق ? < ~~اذا قتلوا واخذوا المال قتلوا وصلبوا واذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ~~ولم يصلبوا واذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وارجلهم من خلاف واذا ~~أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض > ? # وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعى وأحمد وهو قريب من قول ابى حنيفة ~~رحمه الله ومنهم من قال للأمام ان يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة وان ~~كان لم يقتل مثل ان يكون رئيسا مطاعا فيها ويقطع من رأى قطعه مصلحة وان كان ~~لم يأخذ المال مثل ان يكون ذا جلد وقوة في اخذ المال كما ان منهم من يرى ~~انهم إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا والأول قول الأكثر فمن كان من ~~المحاربين قد قتل فانه ms8131 يقتله الامام حدا لايجوز العفو عنه بحال باجماع ~~العلماء ذكره بن المنذر ولايكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل رجل ~~رجلا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو PageV28P310 ذلك من الأسباب الخاصة فان ~~هذا دمه لأولياء المقتول إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا عفوا وإن أحبوا أخذوا ~~الدية لأنه قتله لغرض خاص # وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس فضررهم عام بمنزلة السراق ~~فكان قتلهم حدا لله وهذا متفق عليه بين الفقهاء حتى لو كان المقتول غير ~~مكافئ للقاتل مثل ان يكون القاتل حرا والمقتول عبدا أو القاتل مسلما ~~والمقتول ذميا أو مستأمنا فقد اختلف الفقهاء هل يقتل في المحاربة والأقوى ~~انه يقتل لأنه قتل للفساد العام حدا كما يقطع اذا أخذ أموالهم وكما يحبس ~~بحقوقهم # واذا كان المحاربون الحرامية جماعة فالواحد منهم باشر القتل بنفسه ~~والباقون له أعوان وردء له فقد قيل إنه يقتل المباشر فقط والجمهور على ان ~~الجميع يقتلون ولو كانوا مائة وان الردء والمباشر سواء وهذا هو المأثور عن ~~الخلفاء الراشدين فان عمر بن الخطاب رضى الله عنه قتل ربيئة المحاربين ~~والربيئة هو الناظر الذى يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء ولأن ~~المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته # والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب ~~والعقاب كالمجاهدين فان النبى PageV28P311 قال ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ~~ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ويرد متسريهم على قاعدهم ( # يعنى ان جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالا فان الجيش يشاركها ~~فيما غنمت لأنها بظهره وقوته تمكنت لكن تنفل عنه نفلا فان النبى صلى الله ~~عليه وسلم كان ينفل السرية اذا كانوا في بدايتهم الربع بعد الخمس فإذا ~~رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلهم الثلث بعد الخمس وكذلك لو غنم الجيش ~~غنيمة شاركته السرية لأنها في مصلحة الجيش كما قسم النبى لطلحة والزبير يوم ~~بدر لأنه كان قد بعثهما في مصلحة الجيش فأعوان الطائفة الممتنعة وانصارها ~~منها فيما لهم ms8132 وعليهم # وهكذا المقتتلون على باطل لاتأويل فيه مثل المقتتلين على عصبية ودعوى ~~جاهلية كقيس ويمن ونحوهما هما ظالمتان كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يارسول الله ~~هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه اراد قتل صاحبه ) أخرجاه في الصحيحين ~~وتضمن كل طائفة ما أتلفته للأخرى من نفس ومال وان لم يعرف عين القاتل لأن ~~الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد وفى ذلك قوله تعالى @QB@ ~~كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ PageV28P312 # وأما إذا اخذوا المال فقط ولم يقتلوا كما قد يفعله الأعراب كثيرا فإنه ~~يقطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى عند اكثر العلماء كأبى حنيفة ~~واحمد وغيرهم وهذا معنى قول الله تعالى @QB@ أو تقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف @QE@ تقطع اليد التى يبطش بها والرجل التى يمشى عليها وتحسم يده ورجله ~~بالزيت المغلى ونحوه لينحسم الدم فلا يخرج فيفضى إلى تلفه وكذلك تحسم يد ~~السارق بالزيت # وهذا الفعل قد يكون أزجر من القتل فإن الاعراب وفسقة الجند وغيرهم اذا ~~راوا دائما من هو بينهم مقطوع اليد والرجل ذكروا بذلك جرمه فارتدعوا بخلاف ~~القتل فإنه قد ينسى وقد يؤثر بعض النفوس الأبية قتله على قطع يده ورجله من ~~خلاف فيكون هذا أشد تنكيلا له ولأمثاله وأما اذا شهروا السلاح ولم يقتلوا ~~نفسا ولم يأخذوا مالا ثم اغمدوه أو هربوا وتركوا الحراب فانهم ينفون فقيل ~~نفيهم تشريدهم فلا يتركون يأوون في بلد وقيل هو حبسهم وقيل هو ما يراه ~~الامام أصلح من نفى أو حبس أو نحو ذلك # والقتل المشروع هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه لأن ذلك أروح أنواع القتل ~~وكذلك شرع الله قتل مايباح قتله من الآدميين والبهائم PageV28P313 اذا قدر ~~عليه على هذا الوجه قال النبى ( ان الله كتب الاحسان على كل شيء فاذا قتلتم ~~فاحسنوا القتله وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد احدكم شفرته وليرح ذبيحته ~~( رواه مسلم وقال ( ان أعف الناس قتلة أهل الايمان ( # وأما الصلب المذكور فهو رفعهم على ms8133 مكان عال ليراهم الناس ويشتهر أمرهم ~~وهو بعد القتل عند جمهور العلماء ومنهم من قال يصلبون ثم يقتلون وهم مصلبون ~~وقد جوز بعض العلماء قتلهم بغير السيف حتى قال يتركون على المكان العالى ~~حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلاعلى وجه ~~القصاص وقد قال عمران بن حصين رضى الله عنهما ما خطبنا رسول الله خطبة إلا ~~أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة حتى الكفار إذا قتلناهم فانا لانمثل بهم ~~بعد القتل ولا نجدع آذانهم وانوفهم ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ~~ذلك بنا فنفعل بهم مثل ما فعلوا والترك أفضل كما قال الله تعالى @QB@ وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما ~~صبرك إلا بالله @QE@ قيل إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء ~~أحد رضى الله عنهم فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( لئن أظفرنى الله بهم ~~لأمثلن بضعفى ما مثلوا بنا ( فأنزل الله هذه الآية وإن كانت قد نزلت قبل ~~ذلك بمكة PageV28P314 مثل قوله @QB@ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~@QE@ وقوله @QB@ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات @QE@ وغير ذلك من الآيات التى نزلت بمكة ثم جرى بالمدينة سبب يقتضى ~~الخطاب فأنزلت مرة ثانية فقال النبى ( بل نصبر ( وفى صحيح مسلم عن بريدة بن ~~الحصيب رضى الله عنه قال ( كان النبى إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أو في ~~حاجة نفسه أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا ~~ثم يقول أغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا ~~تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ( # ولو شهروا السلاح في البنيان لا في الصحراء لأخذ المال فقد قيل إنهم ~~ليسوا محاربين بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب لأن المطلوب يدركه الغوث إذا ~~استغاث بالناس وقال أكثرهم إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد وهذا قول ~~مالك في المشهور عنه والشافعى وأكثر أصحاب ms8134 أحمد وبعض أصحاب أبى حنيفة بل هم ~~في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة ~~ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم فاقدامهم عليه يقتضى شدة المحاربة ~~والمغالبة ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله والمسافر PageV28P315 ~~لايكون معه غالبا إلا بعض ماله وهذا هو الصواب لاسيما هؤلاء المتحزبون ~~الذين تسميهم العامة في الشام ومصر المنسر وكانوا يسمون ببغداد العيارين ~~ولو حاربوا بالعصى والحجارة المقذوفة بالأيدى أو المقاليع ونحوها فهم ~~محاربون ايضا وقد حكى عن بعض الفقهاء لا محاربة إلا بالمحدد وحكى بعضهم ~~الاجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل وسواء كان فيه خلاف أو لم ~~يكن # فالصواب الذى عليه جماهير المسلمين أن من قاتل على أخذ المال بأى نوع كان ~~من أنواع القتال فهو محارب قاطع كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأى نوع ~~كان من انواع القتال فهو حربى ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف أو رمح أو ~~سهم أو حجارة أو عصى فهو مجاهد في سبيل الله # وأما إذا كان يقتل النفوس سرا لأخذ المال مثل الذى يجلس في خان يكريه ~~لأبناء السبيل فاذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم أو يدعو إلى منزله ~~من يستأجره لخياطة أو طب أو نحو ذلك فيقتله ويأخذ ماله وهذا يسمى القتل ~~غيلة ويسميهم بعض العامة المعرجين فاذا كان لأخذ المال فهل هم كالمحاربين ~~أو يجرى عليهم حكم القود فيه قولان للفقهاء # أحدهما أنهم كالمحاربين لأن القتل بالحيلة كالقتل مكابرة كلاهما لايمكن ~~الاحتراز منه بل قد يكون ضرر هذا أشد لأنه لا PageV28P316 يدرى به # والثانى أن المحارب هو المجاهر بالقتال وأن هذا المغتال يكون أمره إلى ~~ولى الدم والأول أشبه بأصول الشريعة بل قد يكون ضرر هذا أشد لأنه لا يدرى ~~به # واختلف الفقهاء أيضا فيمن يقتل السلطان كقتلة عثمان وقاتل على رضى الله ~~عنهما هل هم كالمحاربين فيقتلون حدا أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره لأن في قتله فسادا عاما ### ||| فصل # وهذا ms8135 كله اذا قدر عليهم فأما اذا طلبهم السلطان أو نوابه لاقامة الحد بلا ~~عدوان فامتنعوا عليه فانه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يقدر ~~عليهم كلهم ومتى لم ينقادوا الا بقتال يفضى إلى قتلهم كلهم قوتلوا وإن أفضى ~~إلى ذلك سواء كانوا قد قتلوا أو لم يقتلوا ويقتلون في القتال كيفما أمكن في ~~العنق وغيره ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويعينهم فهذا قتال وذاك إقامة ~~حد وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف الممتنعة عن شرائع الاسلام PageV28P317 ~~فان هؤلاء قد تحزبوا لفساد النفوس والاموال وهلاك الحرث والنسل ليس مقصودهم ~~اقامة دين ولا ملك # وهؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن أو مغارة أو رأس جبل أو بطن واد ~~ونحو ذلك يقطعون الطريق على من مر بهم واذا جاءهم جند ولى الأمر يطلبهم ~~للدخول في طاعة المسلمين والجماعة لا قامة الحدود قاتلوهم ودفعوهم مثل ~~الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج أو غيره من الطرقات أو الجبلية ~~الذين يعتصمون برءوس الجبال اوالمغارات لقطع الطريق وكالأحلاف الذين ~~تحالفوا لقطع الطريق بين الشام والعراق ويسمون ذلك ( النهيضة ) فانهم ~~يقاتلون كما ذكرنا لكن قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار اذا لم يكونوا كفارا ~~ولا تؤخذ أموالهم ألا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق فان عليهم ~~ضمانها فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم نعلم عين الآخذ وكذلك لو علم عينه ~~فان الردء والمباشر سواء كما قلناه لكن إذا عرف عينه كان قرار الضمان عليه ~~ويرد ما يؤخذ منهم على أرباب الأموال فان تعذر الرد عليهم كان لمصالح ~~المسلمين من رزق الطائفة المقاتلة لهم وغير ذلك # بل المقصود من قتالهم التمكن منهم لاقامة الحدود ومنعهم من الفساد فاذا ~~جرح الرجل منهم جرحا مثخنا لم يجهز عليه حتى يموت PageV28P318 الا أن يكون ~~قد وجب عليه القتل واذا هرب وكفانا شره لم نتبعه الا ان يكون عليه حد أو ~~نخاف عاقبته ومن أسر منهم أقيم عليه الحد الذى يقام على غيره ومن الفقهاء ~~من يشدد فيهم حتى يرى ms8136 غنيمة أموالهم وتخميسها وأكثرهم يأبون ذلك فامااذا ~~تحيزوا إلى مملكة طائفة خارجة عن شريعة الاسلام وأعانوهم على المسلمين ~~قوتلوا كقتالهم # وأما من كان لا يقطع الطريق ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل ~~على الرءوس والدواب والاحمال ونحو ذلك فهذا مكاس عليه عقوبة المكاسين وقد ~~اختلف الفقهاء في جواز قتله وليس هو من قطاع الطريق فان الطريق لا ينقطع به ~~مع أنه أشد الناس عذابا يوم القيامة حتى قال النبى في الغامدية ( لقد تابت ~~توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ) ويجوز للمظلومين الذين تراد أموالهم قتال ~~المحاربين باجماع المسلمين ولا يجب ان يبذل لهم من المال لا قليل ولا كثير ~~اذا أمكن قتالهم قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من قتل دون ماله فهو شهيد ~~ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون حرمته فهو ~~شهيد ) # وهذا الذى تسميه الفقهاء ( الصائل ) وهو الظالم بلا تأويل PageV28P319 ~~ولا ولاية فاذا كان مطلوبة المال جاز دفعه بما يمكن فاذا لم يندفع الا ~~بالقتال قوتل وان ترك القتال واعطاهم شيئا من المال جاز وأما اذا كان ~~مطلوبة الحرمة مثل أن يطلب الزنى بمحارم الانسان أو يطلب من المراة أو ~~الصبى المملوك أو غيره الفجور به فانه يجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن ~~ولو بالقتال ولا يجوز التمكين منه بحال بخلاف المال فانه يجوز التمكين منه ~~لأن بذل المال جائز وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز وأما إذا كان ~~مقصوده قتل الانسان جاز له الدفع عن نفسه وهل يجب عليه على قولين للعلماء ~~في مذهب أحمد وغيره وهذا اذا كان للناس سلطان فأما إذا كان والعياذ بالله ~~فتنه مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين ويقتتلان على الملك فهل يجوز للانسان ~~اذا دخل أحدهما بلد الآخر وجرى السيف أن يدفع عن نفسه في الفتنة أو يستسلم ~~فلا يقاتل فيها على قولين لأهل العلم في مذهب أحمد وغيره # فأذا ظفر السلطان بالمحاربين الحرامية وقد أخذوا الاموال ms8137 التى للناس ~~فعليه ان يستخرج منهم الأموال التى للناس ويردها عليهم مع أقامة الحد على ~~ابدانهم وكذلك السارق فأن امتنعوا من احضار المال بعد ثبوته عليهم عاقبهم ~~بالحبس والضرب حتى يمكنوا من أخذه باحضاره أو توكيل من يحضره أو الاخبار ~~بمكانه كما يعاقب كل ممتنع PageV28P320 عن حق وجب عليه أداؤه فأن الله قد ~~أباح للرجل في كتابه أن يضرب امرأته اذا نشزت فامتنعت من الحق الواجب عليها ~~حتى تؤديه فهؤلاء أولى وأحرى وهذه المطالبة والعقوبة حق لرب المال فان أراد ~~هبتهم المال أو المصالحة عليه أو العفو عن عقوبتهم فله ذلك بخلاف اقامة ~~الحد عليهم فإنه لا سبيل إلى العفو عنه بحال وليس للامام أن يلزم رب المال ~~بترك شيء من حقه وإن كانت الأموال قد تلفت بالأكل وغيره عندهم أو عند ~~السارق فقيل يضمنونها لأربابها كما يضمن سائر الغارمين وهو قول الشافعى ~~وأحمد رضى الله عنهما وتبقى مع الأعسار في ذمتهم إلى ميسرة وقيل لا يجتمع ~~الغرم والقطع وهو قول أبى حنيفة رحمه الله وقيل يضمنونها مع اليسار فقط دون ~~الاعسار وهو قول مالك رحمه الله # ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلا على طلب المحاربين واقامة ~~الحد وارتجاع اموال الناس منهم ولا على طلب السارقين لا لنفسه ولا للجند ~~الذين يرسلهم في طلبهم بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد في سبيل الله فيخرج فيه ~~جند المسلمين كما يخرج في غيره من الغزوات التى تسمى البيكار وينفق على ~~المجاهدين في هذا من المال الذى ينفق منه على سائر الغزاة فان كان لهم ~~اقطاع أو عطاء يكفيهم والا اعطاهم تمام كفاية غزوهم من مال المصالح من ~~الصدقات PageV28P321 فإن هذا من سبيل الله فان كان على أبناء السبيل ~~المأخوذين زكاة مثل التجار الذين قد يؤخذون فأخذ الامام زكاة أموالهم ~~وانفقها في سبيل الله كنفقة الذين يطلبون المحاربين جاز ولو كانت لهم شوكة ~~قوية تحتاج إلى تأليف فأعطى الامام من الفيء والمصالح والزكاة لبعض رؤسائهم ~~يعينهم على إحضار الباقين أو ms8138 لترك شره فيضعف الباقون ونحو ذلك جاز وكان ~~هؤلاء من المؤلفة قلوبهم وقد ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره ~~وهو ظاهر الكتاب والسنة وأصول الشريعة # ولايجوز ان يرسل الامام من يضعف عن مقاومة الحرامية ولا من يأخذ مالا من ~~المأخوذين التجار ونحوهم من أبناء السبيل بل يرسل من الجند الأقوياء ~~الأمناء إلا أن يتعذر ذلك فيرسل الأمثل فالامثل # فإن كان بعض نواب السلطان أو رؤساء القرى ونحوهم يأمرون الحرامية بالأخذ ~~في الباطن أو الظاهر حتى إذا أخذوا شيئا قاسمهم ودافع عنهم وأرضى المأخوذين ~~ببعض أموالهم أو لم يرضهم فهذا أعظم جرما من مقدم الحراميه لأن ذلك يمكن ~~دفعه بدون ما يندفع به هذا والواجب أن يقال فيه ما يقال في الردء والعون ~~لهم فإن قتلوا قتل هو على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~وأكثر أهل PageV28P322 العلم وإن أخذوا المال قطعت يده ورجله وإن قتلوا ~~واخذوا المال قتل وصلب وعلى قول طائفة من اهل العلم يقطع ويقتل ويصلب وقيل ~~يخير بين هذين وإن كان لم يأذن لهم لكن لما قدر عليهم قاسمهم الأموال وعطل ~~بعض الحقوق والحدود # ومن آوى محاربا أو سارقا أو قاتلا ونحوهم ممن وجب عليه حد أو حق لله ~~تعالى أو لآدمي ومنعه ان يستوفى منه الواجب بلا عدوان فهو شريكه في الجرم ~~وقد لعنه الله ورسوله روى مسلم في صحيحه عن على بن أبى طالب رضى الله عنه ~~قال قال رسول الله ( لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا ( وإذا ظفر بهذا ~~الذى آوى المحدث فانه طلب منه إحضاره أو الاعلام به فإن امتنع عوقب بالحبس ~~والضرب مرة بعد مرة حتى يمكن من ذلك المحدث كما ذكرنا أنه يعاقب الممتنع من ~~أداء المال الواجب فمن وجب حضوره من النفوس والأموال يعاقب من منع حضورها # ولو كان رجلا يعرف مكان المال المطلوب بحق أو الرجل المطلوب بحق وهو الذى ~~يمنعه فانه يجب عليه الاعلام به والدلالة عليه ولا يجوز كتمانه ms8139 فان هذا من ~~باب التعاون على البر والتقوى وذلك واجب بخلاف ما لو كان النفس أو المال ~~مطلوبا بباطل فانه لايحل الاعلام به لأنه من التعاون على الاثم والعدوا ن ~~بل يجب الدفع عنه لأن PageV28P323 نصر المظلوم واجب ففى الصحيحين عن أنس بن ~~مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما قلت ~~يارسول الله انصره مظلوما فكيف أنصره ظالما قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك ~~إياه ( # وروى مسلم نحوه عن جابر وفى الصحيحين عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال ~~( امرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع امرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة ~~وتشميت العاطس وإبرار المقسم وإجابة الدعوة ونصر المظلوم ونهانا عن خواتيم ~~الذهب وعن الشرب بالفضة وعن المياثر وعن لبس الحرير والقسى والديباج ~~والإستبرق ( فإن امتنع هذا العالم به من الاعلام بمكانه جازت عقوبته بالحبس ~~وغيره حتى يخبر به لأنه امتنع من حق واجب عليه لا تدخله النيابة فعوقب كما ~~تقدم ولا تجوز عقوبته على ذلك إلا إذا عرف انه عالم به وهذا مطرد في ما ~~تتولاه الولاة والقضاة وغيرهم في كل من امتنع من واجب من قول أو فعل وليس ~~هذا بمطالبة للرجل بحق وجب على غيره ولا عقوبة على جناية غيره حتى يدخل في ~~قوله تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ وفى قول النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( ألا لا يجنى جان إلا على نفسه ( وإنما ذلك مثل أن يطلب بمال قد ~~PageV28P324 وجب على غيره وهو ليس وكيلا ولا ضامنا ولا له عنده مال أو ~~يعاقب الرجل بجريرة قريبه أو جاره من غير ان يكون هو قد أذنب لابترك واجب ~~ولا بفعل محرم فهذا الذى لايحل فأما هذا فانما يعاقب على ذنب نفسه وهو ان ~~يكون قد علم مكان الظالم الذى يطلب حضوره لاستيفاء الحق أو يعلم مكان المال ~~الذى قد تعلق به حقوق المستحقين فيمتنع من الاعانة والنصرة الواجبة عليه في ~~الكتاب والسنة والاجماع إما محاباة أو حمية لذلك الظالم ms8140 كما قد يفعل أهل ~~العصبية بعضهم ببعض وإما معاداة أو بغضا للمظلوم وقد قال الله تعالى @QB@ ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ # وإما اعراضا عن القيام لله والقيام بالقسط الذى أوجبه الله وجبنا وفشلا ~~وخذلانا لدينه كما يفعل التاركون لنصر الله ورسوله ودينه وكتابه الذين إذا ~~قيل لهم انفروا في سبيل الله اثاقلوا إلى الأرض # وعلى كل تقدير فهذا الضرب يستحق العقوبة باتفاق العلماء # ومن لم يسلك هذه السبل عطل الحدود وضيع الحقوق وأكل القوى الضعيف # وهو يشبه من عنده مال الظالم المماطل من عين أودين وقد PageV28P325 امتنع ~~من تسليمه لحاكم عادل يوفى به دينه أو يؤدى منه النفقة الواجبة عليه لأهله ~~أو أقاربه أو مماليكه أو بهائمه وكثيرا ما يجب على الرجل حق بسبب غيره كما ~~تجب عليه النفقة بسبب حاجة قريبه وكما تجب الدية على عاقلة القاتل وهذا ~~الضرب من التعزير عقوبة لمن علم أن عنده مالا أو نفسا يجب إحضاره وهو ~~لايحضره كالقطاع والسراق وحماتهم أو علم أنه خبير به وهو لا يخبر بمكانه ~~فأما إن امتنع من الأخبار والاحضار لئلا يتعدى عليه الطالب أو يظلمه فهذا ~~محسن وكثيرا ما يشتبه أحدهما بالآخر ويجتمع شبهة وشهوة والواجب تمييز الحق ~~من الباطل # وهذا يقع كثيرا في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة إذا استجار بهم ~~مستجير أو كان بينهما قرابة أو صداقة فانهم يرون الحمية الجاهلية والعزة ~~بالاثم والسمعة عند الأوباش أنهم ينصرونه وإن كان ظالما مبطلا على المحق ~~المظلوم لاسيما ان كان المظلوم رئيسا يناديهم ويناويهم فيرون في تسليم ~~المستجير بهم إلى من يناويهم ذلا أو عجزا وهذا على الاطلاق جاهلية محضة وهى ~~من اكبر اسباب فساد الدين والدنيا وقد ذكر أنه إنما كان سبب كثير من حروب ~~الأعراب كحرب البسوس التى كانت بين بنى بكر وتغلب إلى نحو هذا وكذلك سبب ~~دخول الترك والمغول دار الاسلام PageV28P326 واستيلاؤهم على ملوك ما وراء ~~النهر وخراسان كان سببه نحو هذا # ومن أذل نفسه لله فقد ms8141 أعزها ومن بذل الحق من نفسه فقد اكرم نفسه فان اكرم ~~الخلق عند الله اتقاهم ومن اعتز بالظلم من منع الحق وفعل الاثم فقد أذل ~~نفسه وأهانها قال الله تعالى @QB@ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا @QE@ ~~وقال تعالى عن المنافقين @QB@ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون @QE@ ~~وقال الله تعالى في صفة هذا الضرب @QB@ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ~~ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله ~~أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد @QE@ # وانما الواجب على من استجار به مستجير إن كان مظلوما ينصره ولا يثبت أنه ~~مظلوم بمجرد دعواه فطالما اشتكى الرجل وهو ظالم بل يكشف خبره من خصمه وغيره ~~فان كان ظالما رده عن الظلم بالرفق إن أمكن إما من صلح أو حكم بالقسط وإلا ~~فبالقوة # وإن كان كل منهم ظالما مظلوما كأهل الأهواء من قيس ويمن PageV28P327 ~~ونحوهم واكثر المتداعين من اهل الأمصار والبوادى أو كانا جميعا غير ظالمين ~~لشبهة أو تأويل أو غلط وقع فيما بينهما سعى بينهما بالاصلاح أو الحكم كما ~~قال الله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون @QE@ وقال تعالى @QB@ لا خير ~~في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ~~ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما @QE@ ( وقد روى أبو داود في ~~السنن عن النبى أنه قيل له ( أمن العصبية ان ينصر الرجل قومه في الحق قال ~~لا قال ولكن من العصبية ان ينصر الرجل قومه في الباطل ( وقال ( خيركم ~~الدافع عن قومه مالم يأثم ( وقال ms8142 ( مثل الذى ينصر قومه بالباطل كبعير تردى ~~في بئر فهو يجر بذنبه ( وقال ( من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن ~~أبيه ولا تكنوا ( # وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو ~~طريقة فهو من عزاء الجاهلية بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال ~~المهاجرى ياللمهاجرين PageV28P328 # وقال الانصارى ياللأنصار قال النبى ( ~~أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ) وغضب لذلك غضبا شديدا ### ||| فصل # وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والاجماع قال الله تعالى ~~@QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ~~@QE@ ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة عليه أو بالاقرار تأخيره لابحبس ولا ~~مال يفتدى به ولا غيره بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها فان إقامة ~~الحد من العبادات كالجهاد في سبيل الله فينبغى أن يعرف ان إقامة الحدود ~~رحمة من الله بعباده فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في ~~دين الله فيعطله ويكون قصده رحمه الخلق بكف الناس عن المنكرات لاشفاء غيظه ~~وإراده العلو على الخلق بمنزلة الوالد إذا أدب ولده فانه لو كف عن تأديب ~~ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد وإنما يؤدبه رحمة به وإصلاحا ~~لحاله مع أنه يود ويؤثر أن لايحوجه إلى تأديب وبمنزلة الطبيب الذى يسقى ~~المريض الدواء الكريه وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع PageV28P329 ~~العروق بالفصاد ونحو ذلك بل بمنزلة شرب الانسان الدواء الكريه وما يدخله ~~على نفسه من المشقة لينال به الراحة # فهكذا شرعت الحدود وهكذا ينبغى ان تكون نية الوالي في إقامتها فانه متى ~~كان قصده صلاح الرعية والنهى عن المنكرات بجلب المنفعة لهم ودفع المضرة ~~عنهم وابتغى بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره ألان الله له القلوب وتيسرت له ~~اسباب الخير وكفاه العقوبة البشرية وقد يرضى المحدود اذا أقام عليه الحد # واما اذا كان غرضه العلو عليهم ms8143 وإقامة رياسته ليعظموه أو ليبذلوا له ما ~~يريد من الأموال انعكس عليه مقصوده ويروى ان عمر بن عبد العزيز رضى الله ~~عنه قبل ان يلى الخلافة كان نائبا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبى ~~وكان قد ساسهم سياسة صالحة فقدم الحجاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب ~~فسأل أهل المدينة عن عمر كيف هيبته فيكم قالوا ما نستطيع أن ننظر إليه قال ~~كيف محبتكم له قالوا هو أحب الينا من أهلنا قال فكيف أدبه فيكم قالوا ما ~~بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة قال هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدبه هذا ~~أمر من السماء # واذا قطعت يده حسمت ويستحب ان تعلق في عنقه فان PageV28P330 سرق ثانيا ~~قطعت رجله اليسرى فان سرق ثالثا ورابعا ففيه قولان للصحابة ومن بعدهم من ~~العلماء أحدهما تقطع اربعته في الثالثة والرابعة وهو قول ابى بكر رضى الله ~~عنه ومذهب الشافعى وأحمد في احدى الروايتين والثانى انه يحبس وهو قول على ~~رضى الله عنه والكوفيين واحمد في روايته الأخرى # وانما تقطع يده إذا سرق نصابا وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور ~~العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم كمالك والشافعى واحمد ومنهم من ~~يقول دينار أو عشرة دراهم فمن سرق ذلك قطع بالاتفاق وفى الصحيحين عن بن عمر ~~رضى الله عنهما ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة ~~دراهم ( وفى لفظ لمسلم ( قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم ( والمجن ~~الترس وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله ( تقطع اليد ~~في ربع دينار فصاعدا ( وفى رواية لمسلم ( لاتقطع يد السارق إلا في ربع ~~دينار فصاعدا ( وفى رواية للبخارى قال ( اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا ~~فيما هو أدنى من ذلك ( وكان ربع الدينار يؤمئذ ثلاثة دراهم والدينار اثنى ~~عشر درهما # ولا يكون السارق سارقا حتى يأخذ المال من حرز فأما المال PageV28P331 ~~الضائع من صاحبه والثمر الذى يكون في الشجر في الصحراء بلا حائط والماشية ~~التى ms8144 لاراعى عندها ونحو ذلك فلا قطع فيه لكن يعزر الآخذ ويضاعف عليه الغرم ~~كما جاء به الحديث # وقد اختلف أهل العلم في التضعيف وممن قال به أحمد وغيره قال رافع بن خديج ~~سمعت رسول الله يقول ( لاقطع في ثمر ولا كثر ( والكثر جمار النخل رواه أهل ~~السنن وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى الله عنه قال ( سمعت رجلا من ~~مزينة يسأل رسول الله قال يارسول الله جئت أسألك عن الضالة من الابل قال ~~معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء فدعها حتى يأتيها باغيها قال ~~فالضالة من الغنم قال لك أو لأخيك أو للذئب تجمعها حتى يأتيها باغيها قال ~~فالحريسة التى تؤخذ من مراتعها قال فيها ثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من ~~عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قال يارسول الله فالثمار ~~وما أخذ منها من أكمامها قال من أخذ منها بفمه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء ~~ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال وما أخذ من اجرانه ففيه القطع إذا ~~بلغ مايؤخذ من ذلك ثمن المجن وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه ~~وجلدات نكال ( رواه أهل PageV28P332 السنن لكن هذا سياق النسائى # ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ليس على المنتهب ولا على المختلس ~~ولا الخائن قطع ( فالمنتهب الذى ينهب الشيء والناس ينظرون والمختلس الذى ~~يجتذب الشيء فيعلم به قبل اخذه وأما الطرار وهو البطاط الذى يبط الجيوب ~~والمناديل والأكمام ونحوها فانه يقطع على الصحيح ### ||| فصل # واما الزانى فان كان محصنا فانه يرجم بالحجارة حتى يموت كما رجم النبى ~~ماعز بن مالك الأسلمى ورجم الغامدية ورجم اليهوديين ورجم غير هؤلاء ورجم ~~المسلمون بعده وقد اختلف العلماء هل يجلد قبل الرجم مائة على قولين في مذهب ~~أحمد وغيره وان كان غير محصن فانه يجلد مائة جلدة بكتاب الله ويغرب عاما ~~بسنه رسول الله وان كان بعض العلماءلايرى وجوب التغريب # ولايقام عليه الحد حتى يشهد عليه أربعة شهداء أو ms8145 يشهد على نفسه أربع ~~شهادات عند كثير من العلماء أو اكثرهم ومنهم من يكتفى بشهادته على نفسه مرة ~~واحدة ولو أقر على نفسه ثم رجع PageV28P333 فمنهم من يقول يسقط عنه الحد ~~ومنهم من يقول لايسقط # والمحصن من وطىء وهو حر مكلف لمن تزوجها نكاحا صحيحا في قبلها ولو مرة ~~واحدة وهل يشترط ان تكون الموطوءة مساوية للواطئ في هذه الصفات على قولين ~~للعلماء وهل تحصن المراهقة للبالغ وبالعكس فأما أهل الذمة فانهم محصنون ~~ايضا عند اكثر العلماء كالشافعى وأحمد لأن النبى رجم يهوديين عند باب مسجده ~~وذلك أول رجم كان في الاسلام # واختلفوا في المرأة اذا وجدت حبلى ولم يكن لها زوج ولاسيد ولم تدع شبهة ~~في الحبل ففيها قولان في مذهب أحمد وغيره قيل لاحد عليها لأنه يجوز ان تكون ~~حبلت مكرهة أو بتحمل أو بوطء شبهة وقيل بل تحد وهذا هو المأثور عن الخلفاء ~~الراشدين وهو الأشبه بأصول الشريعة وهو مذهب أهل المدينة فان الاحتمالات ~~النادرة لايلتفت اليها كإحتمال كذبها وكذب الشهود # واما اللواط فمن العلماء من يقول حده كحد الزنى وقد قيل دون ذلك والصحيح ~~الذى اتفقت عليه الصحابة ان يقتل الاثنان الأعلى والأسفل سواء كانا محصنين ~~أو غير محصنين فان أهل السنن رووا عن بن PageV28P334 عباس رضى الله عنهما ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا ~~الفاعل والمفعول به ( وروى أبو داود عن بن عباس رضى الله عنهما في البكر ~~يوجد على اللوطية قال يرجم ويروى عن على بن ابى طالب رضى الله عنه نحو ذلك # ولم تختلف الصحابة في قتله ولكن تنوعوا فيه فروى عن الصديق رضى الله عنه ~~انه أمر بتحريقة وعن غيره قتله وعن بعضهم أنه يلقى عليه جدار حتى يموت تحت ~~الهدم وقيل يحبسان في أنتن موضع حتى يموتا وعن بعضهم أنه يرفع على أعلى ~~جدار في القرية ويرمى منه ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط وهذه رواية ~~عن بن عباس والرواية الأخرى قال ms8146 يرجم وعلى هذا اكثر السلف قالوا لأن الله ~~رجم قوم لوط وشرع رجم الزانى تشبيها برجم قوم لوط فيرجم الاثنان سواء كانا ~~حرين أو مملوكين أو كان احدهما مملوكا والآخر حرا اذا كانا بالغين فان كان ~~احدهما غير بالغ عوقب بما دون القتل ولا يرجم إلا البالغ PageV28P335 ### ||| فصل # وأما حد الشرب فانه ثابت بسنة رسول الله وإجماع المسلمين فقد روى اهل ~~السنن عن النبى من وجوه انه قال ( من شرب الخمر فاجلدوه ثم ان شرب فاجلدوه ~~ثم ان شرب فاجلدوه ثم ان شرب الرابعة فاقتلوه ( وثبت عنه انه جلد الشارب ~~غير مرة هو وخلفاؤه والمسلمون بعده # والقتل عند اكثر العلماء منسوخ وقيل هو محكم يقال هو تعزير يفعله الامام ~~عند الحاجة # وقد ثبت عن النبى انه ضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين وضرب أبو بكر ~~رضى الله عنه اربعين وضرب عمر في خلافته ثمانين وكان على رضى الله عنه يضرب ~~مرة أربعين ومرة ثمانين فمن العلماء من يقول يجب ضرب الثمانين ومنهم من ~~يقول الواجب اربعون والزيادة يفعلها الامام عند الحاجة إذا أدمن الناس ~~الخمر أو كان الشارب ممن لايرتدع بدونها ونحوذلك PageV28P336 فاما مع قلة ~~الشاربين وقرب أمر الشارب فتكفى الأربعون وهذا اوجه القولين وهو قول ~~الشافعى واحمد رحمهما الله في إحدى الروايتين عن أحمد # وقد كان عمر رضى الله عنه لما كثر الشرب زاد فيه النفى وحلق الرأس مبالغة ~~في الزجر عنه فلو غرب الشارب مع الأربعين لينقطع خبره أو عزله عن ولايته ~~كان حسنا فان عمر بن الخطاب رضى الله عنه بلغه عن بعض نوابه أنه تمثل ~~بأبيات في الخمر فعزله # والخمر التى حرمها الله ورسوله وأمر النبى بجلد شاربها كل شراب مسكر من ~~أى اصل كان سواء كان من الثمار كالعنب والرطب والتين أو الحبوب كالحنطه ~~والشعير أو الطلول كالعسل أو الحيوان كلبن الخيل بل لما انزل الله سبحانه ~~وتعالى على نبيه محمد تحريم الخمر لم يكن عندهم بالمدينة من خمر العنب شيء ~~لأنه لم يكن بالمدينة ms8147 شجر عنب وإنما كانت تجلب من الشام وكان عامة شرابهم ~~من نبيذ التمر وقد تواترت السنة عن النبى وخلفائه الراشدين وأصحابه رضى ~~الله عنهم أنه حرم كل مسكر وبين أنه خمر # وكانوا يشربون النبيذ الحلو وهو ان ينبذ في الماء تمر وزبيب PageV28P337 ~~أى يطرح فيه والنبذ الطرح ليحلو الماء لاسيما كثير من مياه الحجاز فان فيه ~~ملوحة فهذا النبيذ حلال باجماع المسلمين لأنه لا يسكر كما يحل شرب عصير ~~العنب قبل ان يصير مسكرا وكان النبى قد نهاهم ان ينبذوا هذا النبيذ في ~~أوعيه الخشب أو الجرى وهو ما يصنع من التراب أو القرع أو الظروف المزفتة ~~وأمرهم ان ينبذوا في الظروف التى تربط أفواهها بالأوكية لأن الشدة تدب في ~~النبيذ دبيبا خفيفا ولا يشعر الانسان فربما شرب الانسان ما قد دبت فيه ~~الشدة المطربة وهو لايشعر فاذا كان السقاء موكى انشق الظرف إذا غلا فيه ~~النبيذ فلا يقع الانسان في محذور وتلك الأوعية لاتنشق # وروى عنه أنه رخص بعد هذا في الانتباذ في الأوعية وقال ( كنت نهيتكم عن ~~الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا المسكر ( فاختلف الصحابة ومن ~~بعدهم من العلماء منهم من لم يبلغه النسخ أو لم يثبته فنهى عن الانتباذ في ~~الأوعية ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ فرخص في الانتباذ في الأوعية فسمع ~~طائفة من الفقهاء ان بعض الصحابة كانوا يشربون النبيذ فاعتقدوا أنه المسكر ~~فترخصوا في شرب أنواع من الأشربة التى ليست من العنب والتمر وترخصوا في ~~المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم يسكر الشارب PageV28P338 والصواب ما ~~عليه جماهير المسلمين ان كل مسكر خمر يجلد شاربه ولو شرب منه قطرة واحدة ~~لتداو أو غير تداو فان النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر يتداوى بها ~~فقال ( إنها داء وليست بدواء وإن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها ( # والحد واجب إذا قامت البينة أو اعترف الشارب فان وجدت منه رائحة الخمر أو ~~رؤى وهو يتقيؤها ونحو ذلك فقد قيل لا يقام عليه ms8148 الحد لاحتمال انه شرب ما ~~ليس بخمر أو شربها جاهلا بها أو مكرها ونحو ذلك وقيل بل يجلد إذا عرف ان ~~ذلك مسكر وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة كعثمان ~~وعلى وبن مسعود وعليه تدل سنة رسول الله وهو الذى يصلح عليه الناس وهو مذهب ~~مالك وأحمد في غالب نصوصه وغيرهما # والحشيشة المصنوعة من ورق العنب حرام أيضا يجلد صاحبها كما يجلد شارب ~~الخمر وهى أخبث من الخمر من جهة انها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في الرجل ~~تخنث ودياثة وغير ذلك من الفساد والخمر أخبث من جهة انها تفضى إلى المخاصمة ~~والمقاتلة وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وقد توقف بعض الفقهاء ~~المتأخرين في حدها ورأى ان آكلها PageV28P339 يعزر بما دون الحد حيث ظنها ~~تغير العقل من غير طرب بمنزلة البنج ولم نجد للعلماء المتقدمين فيها كلاما ~~وليس كذلك بل آكلوها ينشون عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر وتصدهم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة إذا أكثروا منها مع ما فيها من المفاسد الأخرى من الدياثة ~~والتخنث وفساد المزاج والعقل وغير ذلك # ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابا تنازع الفقهاء في نجاستها على ~~ثلاثة اقوال في مذهب أحمد وغيره فقيل هي نجسه كالخمر المشروبة وهذا هو ~~الاعتبار الصحيح وقيل لا لجمودها وقيل يفرق بين جامدها ومائعها وبكل حال ~~فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظا ومعنى قال أبو موسى ~~الأشعرى رضى الله عنه يارسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن ~~البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى ~~يشتد قال وكان رسول الله قد أعطى جوامع الكلم وخواتيمه فقال ( كل مسكر حرام ~~( متفق عليه في الصحيحين # وعن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( إن من الحنطة خمرا ومن الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا ومن التمر خمرا ومن ~~العسل خمرا وأنا أنهى عن كل مسكر ( رواه PageV28P340 أبو داود ms8149 وغيره ولكن ~~هذا في الصحيحين عن عمر موقوفا عليه أنه خطب به على منبر رسول الله فقال ( ~~الخمر ما خامر العقل ( وعن بن عمر رضى الله عنهما ان النبى قال ( كل مسكر ~~خمر وكل مسكر حرام ( وفى رواية ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ( رواهما مسلم ~~في صحيحه وعن عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله ( كل مسكر حرام وما ~~أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام ( قال الترمذى حديث حسن وروى أهل السنن ~~عن النبى من وجوه أنه قال ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ( وصححه الحفاظ وعن ~~جابر رضى الله عنه ان رجلا سأل النبى عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال ~~له المزر فقال ( أمسكر هو قال نعم فقال كل مسكر حرام إن على الله عهدا لمن ~~شرب المسكر ان يسقيه من طينة الخبال قالوا يارسول الله وما طينة الخبال قال ~~عرق أهل النار أو عصارة أهل النار ( رواه مسلم في صحيحه وعن بن عباس رضى ~~الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( كل مخمر خمر وكل مسكر حرام ( ~~رواه أبو داود # والأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة جمع رسول الله صلى PageV28P341 ~~الله عليه وسلم بما أوتيه من جوامع الكلم كل ما غطى العقل وأسكر ولم يفرق ~~بين نوع ونوع ولا تأثير لكونه مأكولا أو مشروبا على ان الخمر قد يصطبغ بها ~~والحشيشة قد تذاب في الماء وتشرب فكل خمر يشرب ويؤكل والحشيشة تؤكل وتشرب ~~وكل ذلك حرام وإنما لم يتكلم المتقدمون في خصوصها لأنه إنما حدث أكلها من ~~قريب في أواخر المائة السادسة أو قريبا من ذلك كما أنه قد أحدثت أشربة ~~مسكرة بعد النبى وكلها داخلة في الكلم الجوامع من الكتاب والسنة ### ||| فصل # ومن الحدود التى جاء بها الكتاب والسنة وأجمع عليها المسلمون حد القذف ~~فاذا قذف الرجل محصنا بالزنى أو اللواط وجب عليه الحد ثمانون جلدة والمحصن ~~هنا هو الحر العفيف وفى باب حد الزنى هو الذى وطىء وطئا كاملا في نكاح ms8150 تام ~~PageV28P342 ### ||| فصل # وأما المعاصى التى ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذى يقبل الصبى والمرأة ~~الأجنبية أو يباشر بلا جماع أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة أو يقذف الناس ~~بغير الزنى أو يسرق من غير حرز ولو شيئا يسيرا أو يخون أمانته كولاة أموال ~~بيت المال أو الوقوف ومال اليتيم ونحو ذلك اذا خانوا فيها وكالوكلاء ~~والشركاء إذا خانوا أو يغش في معاملته كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ~~ونحو ذلك أو يطفف المكيال والميزان أو يشهد بالزور أو يلقن شهادة الزور أو ~~يرتشى في حكمه أو يحكم بغير ما أنزل الله أو يعتدى على رعيته أو يتعزى ~~بعزاء الجاهلية أو يلبى داعى الجاهلية إلى غير ذلك من أنواع المحرمات # فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا بقدر ما يراه الوالى على حسب كثرة ~~ذلك الذنب في الناس وقلته فاذا كان كثيرا زاد في العقوبة بخلاف ما إذا كان ~~قليلا وعلى حسب حال المذنب فاذا كان من المدمنين على الفجور زيد في عقوبته ~~بخلاف المقل من ذلك وعلى حسب كبر الذنب وصغره فيعاقب من يتعرض لنساء الناس ~~وأولادهم بما لايعاقب من لم يتعرض إلا لمرأة PageV28P343 واحدة أو صبى واحد # وليس لأقل التعزير حد بل هو بكل ما فيه إيلام الانسان من قول وفعل وترك ~~قول وترك فعل فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والاغلاظ له وقد يعزر بهجره ~~وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة كما هجر النبى وأصحابه ( ~~الثلاثة الذين خلفوا ( وقد يعزر بعزله عن ولايته كما كان النبى وأصحابه ~~يعزرون بذلك وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين كالجندى المقاتل إذا ~~فر من الزحف فان الفرار من الزحف من الكبائر وقطع أجره نوع تعزير له وكذلك ~~الأمير إذا فعل ما يستعظم فعزله عن إمارته تعزيرا له وكذلك قد يعزر بالحبس ~~وقد يعزر بالضرب وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبا كما روى عن ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه أمر بمثل ذلك في شاهد الزور فان ms8151 الكاذب سود ~~الوجه فسود وجهه وقلب الحديث فقلب ركوبه # واما أعلاه فقد قيل ( لايزاد على عشرة أسواط ( وقال كثير من العلماء ~~لايبلغ به الحد ثم هم على قولين منهم من يقول ( لايبلغ به أدنى الحدود ( ~~لايبلغ بالحر أدنى حدود الحر وهى الأربعون أو الثمانون ولا يبلغ بالعبد ~~أدنى حدود العبد وهى PageV28P344 العشرون أو الأربعون وقيل بل لايبلغ بكل ~~منهما حد العبد ومنهم من يقول لايبلغ بكل ذنب حد جنسه وإن زاد على حد جنس ~~آخر فلا يبلغ بالسارق من غير حرز قطع اليد وإن ضرب اكثر من حد القاذف ~~ولايبلغ بمن فعل ما دون الزنى حد الزانى وإن زاد على حد القاذف كما روى عن ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان رجلا نقش على خاتمه وأخذ بذلك من بيت المال ~~فأمر به فضرب مائة ضربة ثم ضربه في اليوم الثانى مائة ضربة ثم ضربه في ~~اليوم الثالث مائة ضربه # وروى عن الخلفاء الراشدين في رجل وامرأة وجدا في لحاف ( يضربان مائة ( ~~وروى عن النبى في الذى يأتى جارية امراته ( ان كانت أحلتها له جلد مائة وان ~~لم تكن أحلتها له رجم ( وهذه الأقوال في مذهب أحمد وغيره والقولان الأولان ~~في مذهب الشافعى وغيره # وأما مالك وغيره فحكى عنه ان من الجرائم ما يبلغ به القتل ووافقه بعض ~~اصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم اذا تجسس للعدو على المسلمين فان أحمد ~~توقف في قتله وجوز مالك وبعض الحنابلة كابن عقيل قتله ومنعه أبو حنيفة ~~والشافعى وبعض الحنابلة كالقاضى ابى يعلى PageV28P345 وجوز طائفة من اصحاب ~~الشافعى واحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وكذلك ~~كثير من أصحاب مالك وقالوا إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في ~~الأرض لا لأجل الردة وكذلك قد قيل في قتل الساحر فان اكثر العلماء على انه ~~يقتل وقد روى عن جندب رضى الله عنه موقوفا ومرفوعا ( ان حد الساحر ضربه ~~بالسيف ( رواه الترمذى وعن عمر وعثمان وحفصة وعبد الله بن عمر وغيرهم ms8152 من ~~الصحابة رضى الله عنهم قتله فقال بعض العلماء لأجل الكفر وقال بعضهم لأجل ~~الفساد في الأرض لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حدا وكذلك أبو حنيفة يعزر ~~بالقتل فيما تكرر من الجرائم إذا كان جنسه يوجب القتل كما يقتل من تكرر منه ~~اللواط أو اغتيال النفوس لأخذ المال ونحو ذلك # وقد يستدل على ان المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله فانه يقتل بما رواه ~~مسلم في صحيحه عن عرفجة الاشجعى رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول ( من ~~أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد ان يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ~~( وفى رواية ( ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق امر هذه الأمة وهى جميع ~~فاضربوه بالسيف كائنا من كان PageV28P346 # وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في الرابعة بدليل مارواه أحمد في ~~المسند عن ديلم الحميرى رضى الله عنه قال ( سألت رسول الله فقلت يارسول ~~الله انا بأرض نعالج بها عملا شديدا وانا نتخذ شرابا من القمح نتقوى به على ~~أعمالنا وعلى برد بلادنا فقال هل يسكر قلت نعم قال فاجتنبوه قلت ان الناس ~~غير تاركيه قال فان لم يتركوه فاقتلوهم ( وهذا لأن المفسد كالصائل فاذا لم ~~يندفع الصائل الا بالقتل قتل # وجماع ذلك أن العقوبة نوعان ( احدهما ) على ذنب ماض جزاء بما كسب نكالا ~~من الله كجلد الشارب والقاذف وقطع المحارب والسارق # و ( الثانى ) العقوبة لتأدية حق واجب وترك محرم في المستقبل كما يستتاب ~~المرتد حتى يسلم فان تاب والا قتل وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق ~~الادميين حتى يؤدوها فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول ولهذا ~~يجوز ان يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدى الصلاة الواجبة أو يؤدى الواجب عليه ~~والحديث الذى في الصحيحين عن النبى أنه قال ( لا يجلد فوق عشرة PageV28P347 ~~أسواط الا في حد من حدود الله ) قد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد ~~بحدود الله ما حرم لحق الله فان الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد ms8153 بها ~~الفصل بين الحلال والحرام مثل آخر الحلال وأول الحرام فيقال في الأول @QB@ ~~تلك حدود الله فلا تعتدوها @QE@ ويقال في الثانى @QB@ تلك حدود الله فلا ~~تقربوها @QE@ # وأما تسمية العقوبة المقدرة حدا فهو عرف حادث ومراد الحديث ان من ضرب لحق ~~نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز لا يزيد على عشر جلدات # والجلد الذى جاءت به الشريعة هو الجلد المعتدل بالسوط فان خيار الامور أو ~~ساطها قال على رضى الله عنه ( ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين ) ولا يكون ~~الجلد بالعصى ولا بالمقارع ولا يكتفى فيه بالدرة بل الدرة تستعمل في ~~التعزير # أما الحدود فلا بد فيها من الجلد بالسوط وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~يؤدب بالدرة فاذا جاءت الحدود دعا بالسوط ولا تجرد ثيابه كلها بل ينزع عنه ~~ما يمنع ألم الضرب من الحشايا والفراء ونحو ذلك ولا يربط اذا لم يحتج إلى ~~ذلك ولا يضرب وجهه فان النبى قال ? < اذا قاتل احدكم PageV28P348 فليتق ~~الوجه ولا يضرب مقاتل > ? ه ) فان المقصود تأديبه لا قتله ويعطى كل عضو حظه ~~من الضرب كالظهر والاكتاف والفخذين ونحو ذلك ### ||| فصل # العقوبات التى جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان أحدهما عقوبة ~~المقدور عليه من الواحد والعدد كما تقدم والثانى عقاب الطائفة الممتنعة ~~كالتى لا يقدر عليها الا بقتال # فأصل هذا هو جهاد الكفار أعداء الله ورسوله فكل من بلغته دعوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذى بعثه به فلم يستجب له فانه يجب قتاله ~~@QB@ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ # ولأن الله لما بعث نبيه وأمره بدعوة الخلق إلى دينه لم يأذن له في قتل ~~أحد على ذلك ولا قتاله حتى هاجر إلى المدينة فأذن له وللمسلمين بقوله تعالى ~~@QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا ~~من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله ms8154 كثيرا ولينصرن ~~الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور @QE@ ~~PageV28P349 ) ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله تعالى @QB@ كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ # واكد الايجاب وعظم أمر الجهاد في عامة السور المدنية وذم التاركين له ~~ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب فقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر ~~فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من ~~الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا ~~لهم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم @QE@ فهذا ~~كثير PageV28P350 في القرآن # وكذلك تعظيمه وتعظيم أهله في سورة الصف التى يقول فيها @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر ~~لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ~~ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين @QE@ ~~وقولة تعالى @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم ~~درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله ms8155 عنده أجر عظيم @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك بأنهم لا ~~يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ~~ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ~~ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون @QE@ PageV28P351 ) فذكر ما يتولد من ~~أعمالهم وما يباشرونه من الأعمال # والأمر بالجهاد وذكر فضائله في الكتاب والسنة اكثر من أن يحصر # ولهذا كان أفضل ما تطوع به الانسان وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج ~~والعمرة ومن الصلاة التطوع والصوم التطوع كما دل عليه الكتاب والسنة حتى ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم ( رأس الأمر الاسلام وعموده الصلاة وذروة ~~سنامه الجهاد ) وقال ( ان في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما ~~بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله ) متفق عليه وقال ( من ~~اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ) رواه البخارى وقال صلى ~~الله عليه وسلم ( رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه وإن ~~مات أجرى عليه عمله الذى كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان ( رواه ~~مسلم وفى السنن ( رباط يوم في سبيل الله خير من الف يوم فيما سواه من ~~المنازل ( وقال ( عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت ~~تحرس في سبيل الله ( قال الترمذى حديث حسن وفى مسند الامام PageV28P352 ~~احمد ( حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها ( ~~وفى الصحيحين ( ان رجلا قال يارسول الله أخبرنى بشيء يعدل الجهاد في سبيل ~~الله قال لاتستطيع قال أخبرنى به قال هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا ~~تفطر وتقوم لاتفتر ms8156 قال لا قال فذلك الذى يعدل الجهاد ( وفى السنن انه قال ( ~~إن لكل أمة سياحة وسياحة أمتى الجهاد في سبيل الله ( # وهذا باب واسع لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه # وهو ظاهر عند الاعتبار فان نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين ~~والدنيا ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة فانه مشتمل من ~~محبة الله تعالى والاخلاص له والتوكل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر ~~والزهد وذكر الله وسائر أنواع الأعمال على مالا يشتمل عليه عمل آخر # والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائما إما النصر والظفر ~~وإما الشهادة والجنة فان الخلق لابد لهم من محيا وممات ففيه استعمال محياهم ~~ومماتهم PageV28P353 في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة وفى تركه ذهاب ~~السعادتين أو نقصهما فان من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو ~~الدنيا مع قله منفعتها فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد وقد يرغب في ~~ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت فموت الشهيد أيسر من كل ميتة وهى أفضل الميتات # وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو ان يكون الدين كله لله ~~وان تكون كلمة الله هي العليا فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين واما ~~من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ ~~الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا ان يقاتل ~~بقوله أو فعله وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء ~~والصبيان لكونهم مالا للمسلمين والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا ~~إذا أردنا إظهار دين الله كما قال الله تعالى @QB@ وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ وفى السنن عنه ( ~~أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس فقال ماكانت هذه ~~لتقاتل ( وقال لأحدهم ( إلحق خالدا فقل له لاتقتلوا ذرية ولا عسيفا ( ~~وفيهما أيضا عنه أنه كان يقول ( لاتقتلوا شيخا فانيا ولا PageV28P354 طفلا ~~صغيرا ولا امرأة ms8157 ( # وذلك ان الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما ~~قال تعالى @QB@ والفتنة أكبر من القتل @QE@ أى ان القتل وإن كان فيه شر ~~وفساد ففى فتنة الكفار من الشر والفساد ماهو أكبر منه فمن لم يمنع المسلمين ~~من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه ولهذا قال الفقهاء إن ~~الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة يعاقب بما لايعاقب به الساكت # وجاء في الحديث ( أن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا ظهرت ~~فلم تنكر ضرت العامة ( # ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم بل إذا ~~أسر الرجل منهم في القتال أو غير القتال مثل ان تلقيه السفينة إلينا أو يضل ~~الطريق أو يؤخذ بحيلة فانه يفعل فيه الامام الأصلح من قتله أو استعباده أو ~~المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء كما دل عليه الكتاب ~~والسنة وإن كان من الفقهاء من يرى المن عليه ومفاداته منسوخا # فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون PageV28P355 # ومن سواهم فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم 8 الا إن عامتهم لا ~~يأخذونها من العرب وأيما طائفة انتسبت إلى الاسلام وامتنعت من بعض شرائعه ~~الظاهرة المتواترة فانه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله ~~كما قاتل أبو بكر الصديق رضى الله عنه وسائر الصحابة رضى الله عنهم مانعى ~~الزكاة وكان قد توقف في قتالهم بعض الصحابة ثم اتفقوا حتى قال عمر بن ~~الخطاب لأبى بكر رضى الله عنهما كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ( أمرت ~~ان أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فاذا ~~قالوها فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ( فقال ~~له أبو بكر فان الزكاة من حقها والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى ~~رسول الله لقاتلتهم على منعها قال عمر فما هو إلا ان رأيت ms8158 الله قد شرح صدر ~~أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق # وقد ثبت عنه من وجوه كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج ففى الصحيحين عن على بن ~~أبى طالب رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول ( سيخرج قوم في آخر الزمان ~~حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لايجاوز إيمانهم ~~حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم PageV28P356 من الرمية فأينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة ( وفى رواية ~~لمسلم عن على رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول ( يخرج قوم من أمتى ~~يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ~~يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لاتجاوز قراءتهم تراقيهم يمرقون من ~~الاسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم ~~على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل ( وعن أبى سعيد عن رسول الله في هذا الحديث ~~( يقتلون أهل الاسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ( ~~متفق عليه وفى رواية لمسلم ( تكون أمتى فرقتين فتخرج من بينهما مارقة يلي ~~فتلهم أولى الطائفتين بالحق ( # فهؤلاء الذين قتلهم أمير المؤمنين على رضى الله عنه لما حصلت الفرقة بين ~~أهل العراق والشام وكانوا يسمون الحرورية بين النبى صلى الله عليه وسلم ان ~~كلا الطائفتين المفترقتين من أمته وان أصحاب على أولى الطائفتين بالحق ولم ~~يحرض إلا على قتال أولئك المارقين الذين خرجوا من الاسلام وفارقوا الجماعة ~~واستحلوا دماء من سواهم من المسلمين وأموالهم # فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن PageV28P357 شريعة ~~الاسلام وان تكلم بالشهادتين # وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة كركعتى ~~الفجر هل يجوز قتالها على قولين فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة ~~والمستفيضة فيقاتل عليها بالاتفاق حتى يلتزموا ان يقيموا الصلوات المكتوبات ~~ويؤدوا الزكاة ويصوموا شهر رمضان ويحجوا البيت ويلتزموا ترك المحرمات من ~~نكاح الأخوات وأكل الخبائث والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال ونحو ~~ذلك # وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد ms8159 بلوغ دعوة النبى إليهم بما يقاتلون عليه ~~فأما إذا بدأوا المسلمين فيتأكد قتالهم كما ذكرناه في قتال الممتنعين من ~~المعتدين قطاع الطرق وأبلغ الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع ~~كما نعى الزكاة والخوارج ونحوهم يجب ابتداء ودفعا فاذا كان ابتداء فهو فرض ~~على الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين وكان الفضل لمن قام به ~~كما قال الله تعالى @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~@QE@ الآية # فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فانه يصير دفعه واجبا على ~~المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لاعانتهم كما قال الله تعالى ~~PageV28P358 @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق @QE@ وكما امر النبى بنصر المسلم وسواء كان الرجل من المرتزقه ~~للقتال أو لم يكن وهذا يجب بحسب الامكان على كل أحد بنفسه وماله مع القله ~~والكثره والمشى والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم ~~يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذى ~~قسمهم فيه إلى قاعد وخارج بل ذم الذين يستأذنون النبى @QB@ يقولون إن ~~بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا @QE@ # فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار وذلك قتال اختيار ~~للزيادة في الدين وإعلائه ولارهاب العدو كغزاة تبوك ونحوها فهذا النوع من ~~العقوبة هو للطوائف الممتنعة # فأما غير الممتنعين من أهل ديار الاسلام ونحوهم فيجب إلزامهم بالواجبات ~~التى هي مبانى الاسلام الخمس وغيرها من أداء الأمانات والوفاء بالعهود في ~~المعاملا ت وغير ذلك # فمن كان لايصلى من جميع الناس من رجالهم ونسائهم فإنه يؤمر بالصلاة فان ~~امتنع عوقب حتى يصلى باجماع العلماء ثم ان أكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصل ~~فيستتاب فان تاب وإلا قتل وهل يقتل كافرا أو PageV28P359 مرتدا أو فاسقا ~~على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره والمنقول عن أكثر السلف يقتضى كفره ~~وهذا مع الاقرار بالوجوب # فأما من جحد الوجوب فهو كافر بالاتفاق بل يجب على الأولياء ان ms8160 يأمروا ~~الصبى بالصلاة إذا بلغ سبعا ويضربوه عليها لعشر كما أمر النبى صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم ~~في المضاجع ( وكذلك ماتحتاج إليه الصلاة من الطهارة الواجبة ونحوها # ومن تمام ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة ~~النبى حيث قال ( صلوا كما رأيتمونى أصلى ( رواه البخارى وصلى مرة بأصحابه ~~على طرف المنبر فقال ( إنما فعلت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى ) # وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها ان ينظر لهم فلا يفوتهم ما يتعلق بفعله ~~من كمال دينهم بل على كل إمام للصلاة ان يصلى بهم صلاة كاملة ولا يقتصر على ~~ما يجوز للمنفرد الاقتصار عليه من قدر الاجزاء إلا لعذر وكذلك على امامهم ~~في الحج وأميرهم في الحرب ألا ترى ان الوكيل والولى في البيع والشراء عليه ~~ان يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله وهو في مال نفسه يفوت ~~نفسه ما شاء فأمر PageV28P360 الدين أهم وقد ذكر الفقهاء هذا المعنى # ومتى اهتمت الولاة باصلاح دين الناس صلح للطائفتين دينهم ودنياهم وإلا ~~اضطربت الأمور عليهم وملاك ذلك كله صلاح النية للرعية وإخلاص الدين كله لله ~~والتوكل عليه فان الاخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة كما أمرنا ان ~~نقول في صلاتنا @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فان هاتين الكلمتين قد ~~قيل انهما يجمعان معانى الكتب المنزلة من السماء وقد روى أن النبى كان مرة ~~في بعض مغازيه فقال @QB@ مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فجعلت ~~الرءوس تندر عن كواهلها وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله ( @QB@ ~~فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقوله تعالى @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ وكان ~~صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته يقول اللهم منك ول ك ( # وأعظم عون لولى الأمر خاصة ولغيره عامة ثلاثة امور أحدها الاخلاص لله ~~والتوكل عليه بالدعاء وغيره وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن ~~الثانى الاحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذى هو الزكاة الثالث الصبر على ~~أذى الخلق وغيره ms8161 من النوائب ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرا كقوله ~~تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ وكقوله تعالى @QB@ وأقم الصلاة ~~طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ~~واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ PageV28P361 ) وقوله تعالى @QB@ ~~فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها @QE@ وكذلك ~~في سورة ق @QB@ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ~~ربك وكن من الساجدين @QE@ وأما قرنه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير ~~جدا # فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعى والرعية إذا عرف ~~الانسان ما يدخل في هذه الاسماء الجامعة يدخل في الصلاة ذكر الله تعالى ~~ودعاؤه وتلاوه كتابه واخلاص الدين له والتوكل عليه وفى الزكاة الاحسان إلى ~~الخلق بالمال والنفع من نصر المظلوم وإغاثة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج ففى ~~الصحيحين عن النبى انه قال ( كل معروف صدقة ( فيدخل فيه كل إحسان ولو ببسط ~~الوجه والكلمة الطيبة ففى الصحيحين عن عدى بن حاتم رضى الله عنه قال قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( مامنكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ~~حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا ~~يرى PageV28P362 إلا شيئا قدمه فينظر أمامه فتستقبله النار فمن استطاع منكم ~~ان يتقى النار ولو بشق تمرة فليفعل فان لم يجد فبكلمة طيبة ( # وفى السنن عن النبى قال ( لاتحقرن من المعروف شيئا ولو ان تلقى أخاك ~~ووجهك إليه منبسط ولو ان تفرغ من دلوك في إناء المستقى ( وفى السنن عن ~~النبى ( ان أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن ( وروى عنه انه قال لأم ~~سلمة ( يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة ( # وفى الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك ~~الأشر والبطر كما قال تعالى @QB@ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ~~منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء ms8162 بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات ~~عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر ~~كبير @QE@ وقال لنبيه @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تستوي الحسنة ولا ~~السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان ~~نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم @QE@ PageV28P363 ) وقال تعالى @QB@ ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ~~@QE@ قال الحسن البصرى رحمة الله عليه إذا كان يوم القيامة نادى مناد من ~~بطنان العرش ألا ليقم من وجب أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلح # فليس حسن النية بالرعية والاحسان اليهم ان يفعل ما يهوونه ويترك ما ~~يكرهونه فقد قال الله تعالى @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن @QE@ وقال تعالى للصحابة @QB@ واعلموا أن فيكم رسول الله ~~لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم @QE@ وإنما الاحسان اليهم فعل ما ينفعهم ~~في الدين والدنيا ولو كرهه من كرهه لكن ينبغى له ان يرفق بهم فيما يكرهونه ~~ففى الصحيحين عن النبى انه قال ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان ~~العنف في شيء إلا شانه ( وقال ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق ~~مالا يعطى على العنف ( # وكان عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه يقول والله انى لأريد PageV28P364 ~~أن أخرج لهم المرة من الحق فأخاف ان ينفروا عنها فأصبر حتى تجيء الحلوة من ~~الدنيا فأخرجها معها فاذا نفروا لهذه سكنوا لهذه # وهكذا كان النبى إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول ~~وسأله مرة بعض أقاربه أن يوليه على الصدقات ويرزقه منها فقال ( ان الصدقة ~~لا تحل ms8163 لمحمد ولالآل محمد ( فمنعهم إياها وعوضهم من الفيء وتحاكم إليه على ~~وزيد وجعفر في ابنه حمزة فلم يقض بها لواحد منهم ولكن قضى بها لخالتها ثم ~~إنه طيب قلب كل واحد منهم بكلمة حسنة فقال لعلى ( أنت منى وأنا منك ( وقال ~~لجعفر ( أشبهت خلقى وخلقى ( وقال لزيد ( انت أخونا ومولانا ( # فهكذا ينبغى لولى الأمر في قسمه وحكمه فان الناس دائما يسألون ولى الأمر ~~مالا يصلح بذله من الولايات والأموال والمنافع والأجور والشفاعة في الحدود ~~وغير ذلك فيعوضهم من جهة أخرى إن أمكن أو يردهم بميسور من القول مالم يحتج ~~إلى الاغلاظ فان رد السائل يؤلمه خصوصا من يحتاج إلى تأليفه وقد قال الله ~~تعالى @QB@ وأما السائل فلا تنهر @QE@ وقال الله تعالى @QB@ وآت ذا القربى ~~حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا @QE@ إلى قوله @QB@ وإما تعرضن ~~عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا @QE@ PageV28P365 ) # وإذا حكم على شخص فانه قد يتأذى فاذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل ~~كان ذلك تمام السياسة وهو نظير ما يعطيه الطبيب للمريض من الطب الذى يسوغ ~~الدواء الكريه وقد قال الله لموسى عليه السلام لما أرسله إلى فرعون ( فقولا ~~له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) # وقال النبى لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى رضى الله عنهما لما بعثهما ~~إلى اليمن ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا ( وبال مرة ~~أعرابى في المسجد فقام أصحابه إليه فقال ( لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه ~~بوله ثم أمر بدلو من ماء فصب عليه وقال النبى ( إنما بعثتم ميسرين ولم ~~تبعثوا معسرين ( والحديثان في الصحيحين # وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته فان النفوس لاتقبل ~~الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التى هي محتاجة اليها فتكون تلك الحظوظ ~~عباده لله وطاعة له مع النية الصالحة ألا ترى ان الأكل والشرب واللباس واجب ~~على الانسان حتى لو PageV28P366 اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة ~~العلماء فان لم يأكل حتى ms8164 مات دخل النار لأن العبادات لا تؤدى إلا بهذا ~~ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب # ولهذا كانت نفقة الإ نسان على نفسه وأهله مقدمه على غيرها ففى السنن عن ~~أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ( تصدقوا فقال رجل يارسول الله ~~عندى دينار فقال تصدق به على نفسك قال عندى آخر قال تصدق به على زوجتك قال ~~عندى آخر قال تصدق به على ولدك قال عندى آخر قال تصدق به على خادمك قال ~~عندى آخر قال انت أبصر به ( وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال ~~قال رسول صلى الله عليه وسلم ( دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في ~~رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذى ~~أنفقتة على أهلك ( وفى صحيح مسلم عن أبى أمامة رضى الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( يا بن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه ~~شر لك ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى ( ~~وهذا تأويل قوله تعالى ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) أى الفضل وذلك ~~لأن نفقة الرجل على نفسه وأهله فرض عين بخلاف PageV28P367 النفقة في الغزو ~~والمساكين فانه في الأصل إما فرض على الكفاية وإما مستحب وإن كان قد يصير ~~متعينا إذا لم يقم غيره به فان إطعام الجائع واجب ولهذا جاء في الحديث ( لو ~~صدق السائل لما أفلح من رده ( ذكره الامام أحمد وذكر انه إذا علم صدقه وجب ~~إطعامه # وقد روى أبو حاتم البستى في صحيحه حديث أبى ذر رضى الله عنه الطويل عن ~~النبى الذى فيه من أنواع العلم والحكمة وفيه أنه كان في حكمة آل داود عليه ~~السلام ( حق على العاقل ان تكون له أربع ساعات ساعة يناجى فيها ربه وساعة ~~يحاسب فيها نفسه وساعة يخلو فيها بأصحابة الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ~~ذات نفسه وساعة يخلو فيها بلذته فيما يحل ويجمل فان ms8165 في هذه الساعة عونا على ~~تلك الساعات ( فبين أنه لابد من اللذات المباحة الجميلة فانها تعين على تلك ~~الأمور # ولهذا ذكر الفقهاء ان العدالة هي الصلاح في الدين والمروءة باستعمال ما ~~يجمله ويزينه وتجنب ما يدنسه ويشينه وكان أبو الدرداء رضى الله عنه يقول ~~إنى لأستجم نفسي بالشيء من الباطل لأستعين به على الحق والله سبحانه إنما ~~خلق اللذات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق فانه بذلك يجتلبون ما ~~ينفعهم كما خلق الغضب ليدفعوا به PageV28P368 ما يضرهم وحرم من الشهوات ما ~~يضر تناوله وذم من اقتصر عليها فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق ~~فهذا من الأعمال # الصالحة ولهذا جاء في الحديث الصحيح ان النبى قال ( في بضع أحدكم صدقة ~~قالوا يارسول الله أياتى أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو ~~وضعها في حرام أما يكون عليه وزر قالوا بلى قال فلم تحتسبون بالحرام ولا ~~تحتسبون بالحلال ( وفى الصحيحين عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ان النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال له ( إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا ~~ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك ( والآثار في هذا ~~كثيرة فالمؤمن إذا كانت له نية أتت على عامة أفعاله وكانت المباحات من صالح ~~أعماله لصلاح قلبه ونيته والمنافق لفساد قلبه ونيته يعاقب على ما يظهره من ~~العبادات رياء فان في الصحيح ان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( ألا إن في ~~الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا ~~وهى القلب ( # وكما ان العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات وترك المحرمات فقد شرع ~~أيضا كل ما يعين على ذلك فينبغى تيسير طريق الخير والطاعة والاعانة عليه ~~والترغيب فيه بكل ممكن مثل أن يبذل PageV28P369 لولده وأهله أو رعيته ما ~~يرغبهم في العمل الصالح من مال أو ثناء أو غيره ولهذا شرعت المسابقة بالخيل ~~والابل والمناضلة بالسهام وأخذ الجعل عليها لما فيه من الترغيب في ms8166 إعداد ~~القوة ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله حتى كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~يسابق بين الخيل هو وخلفاؤه الراشدون ويخرجون الأسباق من بيت المال وكذلك ~~عطاء المؤلفة قلوبهم فقد روى ( أن الرجل كان يسلم أول النهار رغبة في ~~الدنيا فلا يجيء آخر النهار إلا والاسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس ( # وكذلك الشر والمعصية ينبغى حسم مادته وسد ذريعته ودفع ما يفضى إليه إذا ~~لم يكن فيه مصلحة راجحة مثال ذلك مانهى عنه النبى فقال ( لايخلون رجل ~~بامرأة فان ثالثهما الشيطان ( وقال ( لايحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ~~ان تسافر مسيرة يومين الا ومعها زوج أو ذو محرم ( فنهى صلى الله عليه وسلم ~~عن الخلوة بالأجنبية والسفر بها لأنه ذريعة إلى الشر وروى عن الشعبى أن وفد ~~عبد القيس لما قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم كان فيهم غلام ظاهر ~~الوضاءة فأجلسه خلف ظهره وقال ( إنما كانت خطيئة داود النظر ( وعمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه لما كان يعس بالمدينة فسمع امرأة تتغنى بأبيات تقول ~~فيها PageV28P370 % هل من سبيل إلى خمر فأشربها % % هل من سبيل إلى نصر بن ~~حجاج # فدعى به فوجده شابا حسنا فحلق رأسه فازداد جمالا فنفاه إلى البصرة لئلا ~~تفتتن به النساء وروى عنه أنه بلغه أن رجلا يجلس إليه الصبيان فنهى عن ~~مجالسته # فإذا كان من الصبيان من تخاف فتنته على الرجال أو على النساء منع وليه من ~~إظهاره لغير حاجة أو تحسينه لاسيما بتربيحه في الحمامات وإحضاره مجالس ~~اللهو والأغانى فان هذا مما ينبغى التعزير عليه # وكذلك من ظهر منه الفجور يمنع من تملك الغلمان المردان الصباح ويفرق ~~بينهما فان الفقهاء متفقون على أنه لو شهد شاهد عند الحاكم وكان قد استفاض ~~عنه نوع من أنواع الفسوق القادحة في الشهادة فانه لايجوز قبول شهادته ويجوز ~~للرجل أن يجرحه بذلك وان لم يره فقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال ( وجبت وجبت ( ثم مر ms8167 علية بجنازة ~~فأثنوا عليها شرا فقال ( وجبت وجبت ( فسألوه عن ذلك فقال ( هذه الجنازة ~~أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت ~~وجبت لها النار أنتم PageV28P371 شهداء الله في الأرض ( مع أنه كان في ~~زمانه امرأة تعلن الفجور فقال ( لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه ( # فالحدود لاتقام إلا بالبينة وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ~~ذلك فلا يحتاج إلى المعاينة بل الاستفاضة كافية في ذلك وما هو دون ~~الاستفاضة حتى أنه يستدل عليه بأقرانه كما قال بن مسعود ( اعتبروا الناس ~~بأخدانهم ( فهذا لدفع شره مثل الاحتراز من العدو وقد قال عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه ( احترسوا من الناس بسوء الظن ( فهذا أمر عمر مع أنه لاتجوز عقوبة ~~المسلم بسوء الظن ### ||| فصل # وأما الحدود والحقوق التى لآدمى معين فمنها النفوس قال الله تعالى @QB@ ~~قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون ولا تقربوا @QE@ PageV28P372 ) وقال تعالى @QB@ وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ @QE@ إلى قوله @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ~~خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا @QE@ وفى ~~الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أول ما يقضى بين الناس يوم ~~القيامة في الدماء ( # فالقتل ثلاثة أنواع أحدها العمد المحض وهو ان يقصد من يعلمه معصوما بما ~~يقتل غالبا سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه أو بثقله كالسندان وكوذين ~~القصار أو بغير ذلك كالتحريق والتغريق والالقاء من مكان شاهق والخنق وإمساك ~~الخصيتين حتى تخرج الروح وغم الوجه حتى يموت وسقى السموم ونحو ms8168 ذلك من ~~الأفعال فهذا إذا فعله وجب فيه القود وهو ان يمكن أولياء المقتول من القاتل ~~فإن أحبوا قتلوا PageV28P373 وإن أحبوا عفوا وان أحبوا أخذوا الدية وليس ~~لهم ان يقتلوا غير قاتله قال الله تعالى @QB@ ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ~~إنه كان منصورا @QE@ قيل في التفسير لايقتل غير قاتله # وروى عن أبى شريح الخزاعى رضى الله عنه قال قال رسول الله ( من أصيب بدم ~~أو خبل الخبل الجراح فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فان أراد الرابعة فخذوا على ~~يديه ان يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية فمن فعل شيئا من ذلك فعاد فان له جهنم ~~خالدا مخلدا فيها أبدا ( رواه أهل السنن قال الترمذى حديث حسن صحيح فمن قتل ~~بعد العفو أو أخذ الدية فهو أعظم جرما ممن قتل ابتداء حتى قال بعض العلماء ~~انه يجب قتله حدا ولا يكون أمره لأولياء المقتول قال الله تعالى @QB@ كتب ~~عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي ~~له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ~~فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ~~لعلكم تتقون @QE@ # قال العلماء إن أولياء المقتول تغلى قلوبهم بالغيظ حتى يؤثروا ان يقتلوا ~~القاتل وأولياءه وربما لم يرضوا بقتل القاتل بل يقتلون PageV28P374 كثيرا ~~من أصحاب القاتل كسيد القبيلة ومقدم الطائفة فيكون القاتل قد اعتدى في ~~الابتداء وتعدى هؤلاء في الاستيفاء كما كان يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن ~~الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم وقد يستعظمون قتل ~~القاتل لكونه عظيما أشرف من المقتول فيفضى ذلك إلى أن أولياء المقتول ~~يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل وربما خالف هؤلاء قوما واستعانوا ~~بهم وهؤلاء قوما فيفضى إلى الفتن والعداوات العظيمة وسبب ذلك خروجهم عن سنن ~~العدل الذى هو القصاص في القتلى فكتب الله علينا القصاص وهو المساواة ~~والمعادلة ms8169 في القتلى وأخبر ان فيه حياة فانه يحقن دم غير القاتل من أولياء ~~الرجلين # وأيضا فاذا علم من يريد القتل أنه يقتل كف عن القتل وقد روى عن على بن ~~أبى طالب رضى الله عنه وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى الله عنهما عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من ~~سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ( ~~رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن فقضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ان المسلمين تتكافأ دماؤهم أى تتساوى وتتعادل فلا يفضل عربى على عجمى ~~ولا قرشى أو هاشمى على غيره من PageV28P375 المسلمين ولا حر اصلى على مولى ~~عتيق ولا عالم أو أمير على أمى أو مأمور # وهذا متفق عليه بين المسلمين بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية وحكام ~~اليهود فانه كان بقرب مدينة النبى صلى الله عليه وسلم صنفان من اليهود ~~قريظة والنضير وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء فتحاكموا إلى النبى ~~في ذلك وفى حد الزنى فانهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى التحميم وقالوا إن ~~حكم بينكم بذلك كان لكم حجة والا فأنتم قد تركتم حكم التوراة فأنزل الله ~~تعالى @QB@ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا ~~آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم @QE@ إلى قوله @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم ~~أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن ~~الله يحب المقسطين @QE@ إلى قوله @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن ~~والسن بالسن والجروح قصاص @QE@ # فبين سبحانه وتعالى أنه سوى بين نفوسهم ولم يفضل منهم نفسا على أخرى كما ~~كانوا يفعلونه إلى قوله @QB@ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ~~من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما ms8170 أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما ~~جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ PageV28P376 ) إلى قوله ~~@QB@ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون @QE@ فحكم ~~الله سبحانه في دماء المسلمين أنها كلها سواء خلاف ما عليه أهل الجاهلية # وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادى والحواضر إنما هو البغى ~~وترك العدل فان إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها بعضا من الأخرى دما أو مالا ~~أو تعلو عليهم بالباطل ولا تنصفها ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق ~~فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء والأموال وغيرها بالقسط ~~الذى أمر الله به ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية وإذا ~~أصلح مصلح بينهما فليصلح بالعدل كما قال الله تعالى @QB@ وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم @QE@ # وينبغى أن يطلب العفو من أولياء المقتول فانه أفضل لهم كما قال تعالى ~~@QB@ والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له @QE@ قال أنس رضى الله عنه ( ~~ما رفع إلى رسول الله PageV28P377 أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو ( ~~رواه أبو داود وغيره وروى مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله ( ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع ~~أحد لله إلا رفعه الله ) # وهذا الذى ذكرناه من التكافؤ هو في المسلم الحر مع المسلم الحر فأما ~~الذمى فجمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم كما أن المستأمن الذى يقدم ~~من بلاد الكفار رسولا أو تاجرا ونحو ذلك ليس بكفء له وفاقا ومنهم من يقول ~~بل هو كفء له وكذلك النزاع في قتل الحر بالعبد # والنوع الثانى الخطأ الذى يشبه العمد قال النبى ( ألا إن في قتل الخطأ ~~شبه العمد ما كان في السوط والعصا مائة من الابل منها ms8171 أربعون خلفة في ~~بطونها أولادها ( سماه شبه العمد لأنه قصد العدوان عليه بالضرب لكنه لايقتل ~~غالبا فقد تعمد العدوان ولم يتعمد ما يقتل # والثالث الخطأ المحض وما يجرى مجراه مثل أن يرمى صيدا أو هدفا فيصيب ~~إنسانا بغير علمه ولا قصده فهذا ليس فيه قود وإنما فيه الدية والكفارة وهنا ~~مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم PageV28P378 ### ||| فصل # والقصاص في الجراح ايضا ثابت بالكتاب والسنة والاجماع بشرط المساواة فاذا ~~قطع يده اليمنى من مفصل فله ان يقطع يده كذلك وإذا قلع سنه فله أن يقلع سنه ~~وإذا شجه في رأسه أو وجهه فأوضح العظم فله أن يشجه كذلك وإذا لم تمكن ~~المساواة مثل أن يكسر له عظما باطنا أو يشجه دون الموضحة فلا يشرع القصاص ~~بل تجب الدية المحدودة أو الأرش واما القصاص في الضرب بيده أو بعصاه أو ~~سوطه مثل ان يلطمه أو يلكمه أو يضربه بعصا ونحو ذلك فقد قالت طائفة من ~~العلماء إنه لاقصاص فيه بل فيه التعزير لأنه لا تمكن المساواة فيه # والمأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين ان القصاص ~~مشروع في ذلك وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء وبذلك جاءت سنة رسول الله وهو ~~الصواب قال أبو فراس خطب عمر بن الخطاب رضى الله عنه فذكر حديثا قال فيه ~~ألا إنى والله ما أرسل عمالى اليكم ليضربوا أبشاركم ولا PageV28P379 ~~ليأخذوا أموالكم ولكن أرسلهم اليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم فمن فعل به ~~سوى ذلك فليرفعه إلى فوالذى نفسى بيده إذا لأقصنه منه فوثب عمرو بن العاص ~~فقال يا أمير المؤمنين ان كان رجل من المسلمين أمر على رعية فأدب رعيته ~~أئنك لتقصه منه قال إى والذى نفس محمد بيده إذا لأقصنه منه وقد رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه ألا لاتضربوا المسلمين فتذلوهم ولا ~~تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم رواه الامام أحمد وغيره # ومعنى هذا إذا ضرب الوالى رعيته ضربا غير جائز فأما الضرب المشروع فلا ~~قصاص فيه بالاجماع إذ هو ms8172 واجب أو مستحب أو جائز ### ||| فصل # والقصاص في الاعراض مشروع ايضا وهو ان الرجل إذا لعن رجلا أو دعا عليه ~~فله أن يفعل به كذلك وكذلك إذا شتمه بشتمة لا كذب فيها والعفو أفضل قال ~~الله تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه ~~لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل @QE@ وقال ~~النبى صلى الله عليه PageV28P380 وسلم ( المستبان ما قالا فعلى البادئ ~~منهما مالم يعتد المظلوم ( ويسمى هذا الانتصار والشتيمة التى لا كذب فيها ~~مثل الاخبار عنه بما فيه من القبائح أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك ~~فأما إن افترى عليه لم يحل له ان يفترى عليه ولو كفره أو فسقه بغير حق لم ~~يحل له ان يكفره أو يفسقه بغير حق ولو لعن أباه أو قبيلته أو أهل بلده ونحو ~~ذلك لم يحل له ان يتعدى على أولئك فانهم لم يظلموه قال الله تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ~~ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ فأمر الله المسلمين ألا يحملهم ~~بغضهم للكفار على ألا يعدلوا وقال @QB@ اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ # فان كان العدوان عليه في العرض محرما لحقه لما يلحقه من الأذى جاز ~~الاقتصاص منه بمثله كالدعاء عليه بمثل مادعاه وأما إذا كان محرما لحق الله ~~تعالى كالكذب لم يجز بحال وهكذا قال كثير من الفقهاء إذا قتله بتحريق أو ~~تغريق أو خنق أو نحو ذلك فانه يفعل به كما فعل مالم يكن الفعل محرما في ~~نفسه كتجريع الخمر واللواط به ومنهم من قال لاقود عليه إلا بالسيف والآول ~~أشبه بالكتاب والسنة والعدل PageV28P381 ### ||| فصل # وإذا كانت الفرية ونحوها لاقصاص فيها ففيها العقوبة بغير ذلك فمنه حد ~~القذف الثابت في الكتاب والسنة والاجماع قال الله تعالى @QB@ والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك ms8173 وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم @QE@ # فاذا رمى الحر محصنا بالزنى واللواط فعليه حد القذف وهو ثمانون جلده وإن ~~رماه بغير ذلك عوقب تعزيرا # وهذا الحد يستحقه المقذوف فلا يستوفى إلا بطلبه باتفاق الفقهاء فان عفا ~~عنه سقط عند جمهور العلماء لأن المغلب فيه حق الآدمى كالقصاص والأموال وقيل ~~لايسقط تغليبا لحق الله لعدم المماثلة كسائر الحدود وإنما يجب حد القذف إذا ~~كان المقذوف محصنا وهو المسلم الحر العفيف فأما المشهور بالفجور فلا يحد ~~قاذفه وكذلك الكافر والرقيق PageV28P382 لكن يعزر القاذف ) # إلا الزوج فانه يجوز له أن يقذف امرأته إذا زنت ولم تحبل من الزنى فان ~~حبلت منه وولدت فعليه أن يقذفها وينفى ولدها لئلا يلحق به من ليس منه وإذا ~~قذفها فاما أن تقر بالزنى وإما ان تلاعنه كما ذكره الله في الكتاب والسنة ~~ولو كان القاذف عبدا فعليه نصف حد الحر وكذلك في جلد الزنى وشرب الخمر لأن ~~الله تعالى قال في الاماء @QB@ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب @QE@ واما إذا كان الواجب القتل أو قطع اليد فانه لايتنصف ### ||| فصل # ومن الحقوق الأبضاع فالواجب الحكم بين الزوجين بما أمر الله تعالى به من ~~إمساك بمعروف أو تسريح باحسان فيجب على كل من الزوجين ان يؤدى إلى الآخر ~~حقوقه بطيب نفس وانشراح صدر فان للمرأة على الرجل حقا في ماله وهو الصداق ~~والنفقة بالمعروف وحقا في بدنه وهو العشرة والمتعة بحيث لو آلى منها استحقت ~~الفرقة باجماع المسلمين وكذلك لو كان مجبوبا أو عنينا لا يمكنه جماعها فلها ~~الفرقة ووطؤها واجب عليه عند اكثر العلماء PageV28P383 وقد قيل إنه لايجب ~~اكتفاء بالباعث الطبيعى والصواب أنه واجب كما دل عليه الكتاب والسنة ~~والأصول وقد قال النبى لعبد الله بن عمرو رضى الله عنه لما رآه يكثر الصوم ~~والصلاة ( إن لزوجك عليك حقا ( # ثم قيل يجب عليه وطؤها كل أ ربعة اشهر مرة وقيل يجب وطؤها بالمعروف على ~~قدر قوته وحاجتها كما تجب النفقة بالمعروف كذلك وهذا أشبه # وللرجل ms8174 عليها ان يستمتع منها متى شاء مالم يضر بها أو يشغلها عن واجب ~~فيجب عليها ان تمكنه كذلك # ولا تخرج من منزله إلا باذنه أو باذن الشارع واختلف الفقهاء هل عليها ~~خدمه المنزل كالفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك فقيل يجب عليها وقيل لايجب وقيل ~~يجب الخفيف منه ### ||| فصل # وأما الأموال فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر الله ورسوله مثل ~~قسم المواريث بين الورثة على ماجاء به PageV28P384 الكتاب والسنة # وقد تنازع المسلمون في مسائل من ذلك وكذلك في المعاملات من المبايعات ~~والاجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا ونحو ذلك من ~~المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض فان العدل فيها هو قوام العالمين ~~لاتصلح الدنيا والآخرة إلا به # فمن العدل فيها ما هو ظاهر يعرفه كل أحد بعقله كوجوب تسليم الثمن على ~~المشترى وتسليم المبيع على البائع للمشترى وتحريم تطفيف المكيال والميزان ~~ووجوب الصدق والبيان وتحريم الكذب والخيانة والغش وان جزاء القرض الوفاء ~~والحمد # ومنه ماهو خفى جاءت به الشرائع أو شريعتنا أهل الاسلام فان عامة مانهى ~~عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهى عن الظلم دقه ~~وجله مثل أكل المال بالباطل وجنسه من الربا والميسر وأنواع الربا والميسر ~~التى نهى عنها النبى مثل بيع الغرر وبيع حبل الحبلة وبيع الطير في الهواء ~~والسمك في الماء والبيع إلى اجل غير مسمى وبيع المصراة وبيع المدلس ~~والملامسة والمنابذة والمزابنة والمحاقلة والنجش وبيع الثمر قبل بدو صلاحه ~~ومانهى عنه من أنواع المشاركات PageV28P385 الفاسدة كالمخابرة بزرع بقعة ~~بعينها من الأرض # ومن ذلك ما قد تنازع فيه المسلمون لخفائه واشتباهه فقد يرى هذا العقد ~~والقبض صحيحا عدلا وان كان غيره يرى فيه جورا يوجب فساده وقد قال الله ~~تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا @QE@ والأصل في هذا انه لايحرم على الناس من المعاملات التى ~~يحتاجون اليها إلا مادل الكتاب والسنة على تحريمه كما ms8175 لايشرع لهم من ~~العبادات التى يتقربون بها إلى الله الا مادل الكتاب والسنة على شرعه إذ ~~الدين ما شرعه الله والحرام ما حرمه الله بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا ~~من دين الله مالم يحرمه الله وأشركوا به مالم ينزل به سلطانا وشرعوا لهم من ~~الدين مالم يأذن به الله اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ماحللته والحرام ما ~~حرمته والدين ما شرعته ### ||| فصل # لاغنى لولى الأمر عن المشاورة فان الله تعالى امر بها نبيه فقال تعالى ~~@QB@ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن ~~الله يحب المتوكلين @QE@ PageV28P386 ) وقد روى عن أبى هريرة رضى الله عنه ~~قال ( لم يكن أحد اكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~وقد قيل ان الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه وليقتدى به من بعده ~~وليستخرج بها منهم الرأى فيما لم ينزل فيه وحى من امر الحروب والأمور ~~الجزئية وغير ذلك فغيره اولى بالمشورة # وقد اثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله @QB@ وما عند الله خير وأبقى ~~للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ~~ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى ~~بينهم ومما رزقناهم ينفقون @QE@ واذا استشارهم فان بين له بعضهم ما يجب ~~اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين فعليه اتباع ذلك ولا ~~طاعة لأحد في خلاف ذلك وإن كان عظيما في الدين والدنيا قال الله تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ # وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون فينبغى ان يستخرج من كل منهم رأيه ~~ووجه رأيه فأى الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به كما قال تعالى ~~( فان تنازعتم في شيء فردوه PageV28P387 إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الاخر ذلك خير واحسن تاويلا ) # وأولو الأمر صنفان الأمراء والعلماء وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس فعلى ~~كل منهما أن يتحرى بما يقوله ويفعله طاعه ms8176 لله ورسوله واتباع كتاب الله ومتى ~~امكن في الحوادث المشكله معرفه ما دل عليه الكتاب والسنه كان هو الواجب وان ~~لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك فله ~~أن يقلد من يرتضى علمه ودينه هذا أقوى الأقوال وقد قيل ليس له التقليد بكل ~~حال وقيل له التقليد بكل حال والأقوال الثلاثه في مذهب أحمد وغيره # وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الامكان # بل وسائر العبادات من الصلاه والجهاد وغير ذلك كل ذلك واجب مع القدرة ~~فاما مع العجز فان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولهذا أمر الله المصلى ان ~~يتطهر بالماء فان عدمه أو خاف الضرر باستعماله لشدة البرد أو جراحة أو غير ~~ذلك تيمم صعيدا طيبا فمسح بوجهه ويديه منه وقال النبى لعمران بن حصين ( صل ~~قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنب ( فقد أوجب الله فعل ~~الصلاة في الوقت على أى حال أمكن كما قال تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم ~~فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون @QE@ PageV28P388 ) فأوجب الله ~~الصلاة على الآمن والخائف والصحيح والمريض والغنى والفقير والمقيم والمسافر ~~وحففها على المسافر والخائف والمريض كما جاء به الكتاب والسنة # وكذلك أوجب فيها واجبات من الطهارة والستارة واستقبال القبلة وأسقط ما ~~يعجز عنه العبد من ذلك فلوا انكسرت سفينة قوم أو سلبهم المحاربون ثيابهم ~~صلوا عراة بحسب أحوالهم وقام إمامهم وسطهم لئلا يرى الباقون عورته # ولو اشتبهت عليهم القبلة اجتهدوا في الاستدلال عليها فلو عميت الدلائل ~~صلوا كيفما أمكنهم كما قد روى أنهم فعلوا ذلك على عهد رسول الله فهكذا ~~الجهاد والولايات وسائر أمور الدين وذلك كله في قوله تعالى @QB@ فاتقوا ~~الله ما استطعتم @QE@ وفى قول النبى ( إذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم ( كما ان الله تعالى لما حرم المطاعم الخبيثة قال ( فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فلا ms8177 إثم عليه ( وقال تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج @QE@ PageV28P389 ~~فلم يوجب مالا يستطاع ولم يحرم ما يضطر إليه إذا كانت الضرورة بغير معصية ~~من العبد ### ||| فصل # يجب ان يعرف ان ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لاقيام للدين ~~ولا للدنيا إلا بها فان بنى آدم لاتتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم ~~إلى بعض ولابد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبى ( إذا خرج ثلاثة في ~~سفر فليؤمروا أحدهم ( رواه أبو داود من حديث أبى سعيد وابى هريرة # وروى الامام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو ان النبى قال ( لايحل ~~لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم ( فأوجب تأمير الواحد ~~في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع ~~ولأن الله تعالى اوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا يتم ذلك إلا ~~بقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع ~~والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لاتتم إلا بالقوة والامارة ولهذا روى ~~( ان السلطان ظل الله في الأرض PageV28P390 ويقال ( ستون سنة من إمام جائر ~~أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان ( والتجربة تبين ذلك ولهذا كان السلف كالفضيل ~~بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها ~~للسلطان وقال النبى ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ~~وان تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وان تناصحوا من ولا ه الله أمركم ( ~~رواه مسلم وقال ( ثلاث لايغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولا ة ~~الأمور ولزوم جماعة المسلمين فان دعوتهم تحيط من ورائهم ( رواه أهل السنن ~~وفى الصحيح عنه أنه قال ( الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا ~~لمن يارسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ( # فالواجب اتخاذ الامارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله فان التقرب إليه ~~فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات وإنما ms8178 يفسد فيها حال أكثر الناس ~~لابتغاء الرياسة أو المال بها وقد روى كعب بن مالك عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء ~~على المال والشرف لدينه ( قال الترمذى حديث حسن صحيح فأخبر ان حرص المرء ~~على المال والرياسة PageV28P391 يفسد دينه مثل أو أكثر من فساد الذئبين ~~الجائعين لزريبة الغنم # وقد أخبر الله تعالى عن الذى يؤتى كتابه بشماله أنه يقول @QB@ ما أغنى ~~عني ماليه هلك عني سلطانيه @QE@ # وغاية مريد الرياسة ان يكون كفرعون وجامع المال ان يكون كقارون وقد بين ~~الله تعالى في كتابه حال فرعون وقارون فقال تعالى @QB@ أولم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة ~~وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين @QE@ # فان الناس أربعة أقسام # القسم الأول يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض وهو معصية الله ~~وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون كفرعون وحزبه وهؤلاء هم شرار الخلق قال ~~الله تعالى @QB@ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين @QE@ وروى مسلم في صحيحه ~~عن بن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لايدخل ~~الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من PageV28P392 في قلبه ~~مثقال ذرة من إيمان ( فقال رجل يارسول الله إنى أحب ان يكون ثوبى حسنا ~~ونعلى حسنا أفمن الكبر ذاك قال ( لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر ~~الحق وغمط الناس ( فبطر الحق دفعه وجحده وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم ~~وهذا حال من يريد العلو والفساد # والقسم الثانى الذين يريدون الفساد بلا علو كالسراق والمجرمين من سفلة ~~الناس # والقسم الثالث يريدون العلو بلا فساد كالذين عندهم دين يريدون ان يعلوا ~~به على ms8179 غيرهم من الناس # وأما القسم الرابع فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم كما قال الله تعالى @QB@ ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون @QE@ إن كنتم مؤمنين وقال تعالى @QB@ فلا تهنوا ~~وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم @QE@ وقال ~~@QB@ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين @QE@ # فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولا وكم ممن جعل من الأعلين وهو ~~لايريد العلو ولا الفساد وذلك لأن إرادة العلو PageV28P393 على الخلق ظلم ~~لأن الناس من جنس واحد فإرادة الانسان ان يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم ~~ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه لأن العادل منهم لايحب ان ~~يكون مقهورا لنظيره وغير العادل منهم يؤثر ان يكون هو القاهر ثم إنه مع هذا ~~لابد له في العقل والدين من ان يكون بعضهم فوق بعض كما قدمناه كما ان الجسد ~~لايصلح إلا برأس قال تعالى @QB@ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق ~~بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم @QE@ وقال تعالى @QB@ نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا @QE@ فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل الله # فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإنفاق ذلك في ~~سبيله كان ذلك صلاح الدين والدنيا وإن انفرد السلطان عن الدين أو الدين عن ~~السلطان فسدت أحوال الناس وإنما يمتاز أهل طاعة الله عن أهل معصيته بالنية ~~والعمل الصالح كما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ( إن الله ~~لاينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ( # ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف صاروا بمعزل عن ~~حقيقة الايمان في ولا يتهم رأى كثير من الناس ان الامارة PageV28P394 تنافى ~~الايمان وكمال الدين ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا يتم الدين إلا به ~~من ذلك ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك فأخذه معرضا عن ms8180 الدين لاعتقاده أنه مناف ~~لذلك وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل لا في محل العلو والعز وكذلك لما ~~غلب على كثير من أهل الدين العجز عن تكميل الدين والجزع لما قد يصيبهم في ~~إقامته من البلاء استضعف طريقتهم واستذلها من رأى أنه لا تقوم مصلحته ~~ومصلحة غيره بها # وهاتان السبيلان الفاسدتان سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج ~~إليه من السلطان والجهاد والمال وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب ~~ولم يقصد بذلك إقامة الدين هما سبيل المغضوب عليهم والضالين الأولى للضالين ~~النصارى والثانية للمغضوب عليهم اليهود # وإنما الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين هي سبيل نبينا محمد وسبيل خلفائه وأصحابه ومن سلك ~~سبيلهم وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان ~~رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا ذلك PageV28P395 # الفوز العظيم فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه فمن ولى ~~ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين وأقام ~~فيها ما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرمات لم يؤاخذ بما يعجز ~~عنه فان تولية الأبرار خير للامة من تولية الفجار ومن كان عاجزا عن إقامة ~~الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للامة ~~ومحبة الخير وفعل ما يقدر عليه من الخير لم يكلف ما يعجز عنه فان قوام ~~الدين بالكتاب الهادى والحديد الناصر كما ذكره الله تعالى # فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى ولطلب ماعنده ~~مستعينا بالله في ذلك ثم الدنيا تخدم الدين كما قال معاذ بن جبل رضى الله ~~عنه يا بن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة ~~أحوج فان بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظاما وإن ~~بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا على خطر ودليل ~~ذلك ما رواه الترمذى ms8181 عن النبى أنه قال ( من أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله ~~له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهى راغمة ومن أصبح والدنيا أكبر ~~همه فرق الله عليه ضيعته PageV28P396 وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما كتب له ( وأصل ذلك في قوله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين @QE@ فنسأل الله العظيم ان يوفقنا وسائر إخواننا وجميع ~~المسلمين لما يحبه لنا ويرضاه من القول والعمل فانه لاحول ولا قوة إلا ~~بالله العلى العظيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين PageV28P397 ### || 1 ( تهنئة المؤلف للملك الناصر ) 1 # ! 8 < وكتب شيخ الاسلام إلى الملك الناصر ! 8 < بعد وقعة جبل كسروان بسبب ~~فتوح الجبل ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم من الداعى أحمد بن تيمية إلى ~~سلطان المسلمين ومن أيد الله في دولته الدين وأعز بها عبادة المؤمنين وقمع ~~فيها الكفار والمنافقين والخوارج 2 المارقين نصره الله ونصر به الاسلام ~~وأصلح له وبه أمور الخاص والعام وأحيى به معالم الايمان وأقام به شرائع ~~القرآن وأذل به أهل الكفر والفسوق والعصيان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~~فانا نحمد اليكم الله الذى لا إله إلا هو وهو للحمد أهل وهو على كل شيء ~~قدير ونسأله أن يصلى على خاتم النبيين وإمام المتقين محمد عبده ورسوله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم تسليما # أما بعد فقد صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الاحزاب وحده وأنعم ~~الله على السلطان وعلى المؤمنين في دولته نعما لم تعهد في القرون الخالية ~~وجدد الاسلام في أيامه تجديدا PageV28P398 بانت فضيلته على الدول الماضية ~~وتحقق في ولايته خبر الصادق المصدوق أفضل الأولين والآخرين الذى أخبر فيه ~~عن تجديد الدين في رؤوس المئين والله تعالى يوزعه والمسلمين شكر هذه النعم ~~العظيمة في الدنيا والدين ويتمها بتمام النصر على سائر الأعداء ms8182 المارقين # وذلك ان السلطان أتم الله نعمته حصل للامه بيمن ولايته وحسن نيته وصحة ~~إسلامه وعقيدته وبركة ايمانه ومعرفته وفضل همته وشجاعته وثمرة تعظيمه للدين ~~وشرعته ونتيجة اتباعه لكتاب الله وحكمته ماهو شبيه بما كان يجرى في أيام ~~الخلفاء الراشدين وما كان يقصده أكابر الأئمة العادلين من جهاد أعداء الله ~~المارقين من الدين وهم صنفان # أهل الفجور والطغيان وذوو الغى والعدوان الخارجون عن شرائع الايمان طلبا ~~للعلو في الأرض والفساد وتركا لسبيل الهدى والرشاد وهؤلاء هم التتار ونحوهم ~~من كل خارج عن شرائع الاسلام وإن تمسك بالشهادتين أو ببعض سياسة الاسلام # والصنف الثانى أهل البدع المارقون وذوو الضلال المنافقون الخارجون عن ~~السنة والجماعة المفارقون للشرعة والطاعة مثل هؤلاء PageV28P399 الذين غزوا ~~بأمر السلطان من أهل الجبل والجرد والكسروان فان ما من الله به من الفتح ~~والنصر على هؤلاء الطغام هو من عزائم الأمور التى أنعم الله بها على ~~السلطان وأهل الاسلام # وذلك أن هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في أمر الدنيا والدين فان ~~اعتقادهم أن أبا بكر وعمر وعثمان وأهل بدر وبيعة الرضوان وجمهور المهاجرين ~~والأنصار والتابعين لهم باحسان وأئمة الاسلام وعلماءهم أهل المذاهب الأربعة ~~وغيرهم ومشايخ الاسلام وعبادهم وملوك المسلمين وأجنادهم وعوام المسلمين ~~وأفرادهم كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون اكفر من اليهود والنصارى لأنهم مرتدون ~~عندهم والمرتد شر من الكافر الأصلى ولهذاالسبب يقدمون الفرنج والتتارعلى ~~أهل القرآن والايمان # ولهذا لما قدم التتار إلى البلاد وفعلوا بعسكر المسلمين مالا يحصى من ~~الفساد وأرسلوا إلى أهل قبرص فملكوا بعض الساحل وحملوا راية الصليب وحملوا ~~إلى قبرص من خيل المسلمين وسلاحهم وأسراهم مالا يحصى عدده إلا الله وأقام ~~سوقهم بالساحل عشرين يوما يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرص ~~وفرحوا بمجيء التتار هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون مثل أهل جزين وما ~~حواليها وجبل عامل ونواحيه PageV28P400 ولما خرجت العساكر الاسلامية من ~~الديار المصرية ظهر فيهم من الخزى والنكال ماعرفه الناس منهم ولما نصر الله ~~الاسلام النصرة العظمى عند قدوم السلطان كان بينهم ms8183 شبيه بالعزاء # كل هذا وأعظم منه عند هذه الطائفة التى كانت من أعظم الأسباب في خروج ~~جنكسخان إلى بلاد الاسلام وفى استيلاء هولاكو على بغداد وفى قدومه إلى حلب ~~وفى نهب الصالحية وفى غير ذلك من انواع العداوة للاسلام وأهله # لأن عندهم أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد ومن استحل ~~الفقاع فهو كافر ومن مسح على الخفين فهو عندهم كافر ومن حرم المتعة فهو ~~عندهم كافر ومن أحب أبا بكر أوعمر أو عثمان أو ترضى عنهم أو عن جماهير ~~الصحابة فهو عندهم كافر ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر # وهذا المنتظر صبى عمره سنتان أو ثلاث أو خمس يزعمون انه دخل السرداب ~~بسامرا من اكثر من أربعمائة سنة وهو يعلم كل شيء وهو حجة الله على أهل ~~الأرض فمن لم يؤمن به فهو # عندهم كافر وهو شيء لاحقيقة له ولم يكن هذا في الوجود قط وعندهم من قال ~~ان الله يرى في الآخرة فهو كافر ومن قال PageV28P401 إن الله تكلم بالقرآن ~~حقيقة فهو كافر # ومن قال إن الله فوق السماوات فهو كافر ومن آمن بالقضاء والقدر وقال ان ~~الله يهدى من يشاء ويضل من يشاء وان الله يقلب قلوب عباده وان الله خالق كل ~~شيء فهو عندهم كافر وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التى أخبر ~~بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو عندهم كافر هذا هو المذهب الذى تلقنه لهم ~~أئمتهم مثل بنى العود فانهم شيوخ أهل هذا الجبل وهم الذين كانوا يأمرونهم ~~بقتال المسلمين ويفتونهم بهذه الأمور # وقد حصل بأيدى المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف بن العود وغيره وفيها هذا ~~وأعظم منه وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم وأمروهم لكنهم مع هذا يظهرون ~~التقية والنفاق ويتقربون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم وهكذا كان عادة ~~هؤلاء الجبلية فانما أقاموا بجبلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق ويبذلونه ~~من البرطيل لمن يقصدهم # والمكان الذى لهم في غاية الصعوبة ذكر أهل الخبرة أنهم لم ms8184 يروا مثله ~~ولهذا كثر فسادهم فقتلوا من النفوس وأخذوا من الأموال مالا يعلمه الا الله ~~PageV28P402 ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم في أمرلا يضبط شره ~~كل ليلة تنزل عليهم منهم طائفة ويفعلون من الفساد مالا يحصيه إلا رب العباد ~~كانوا في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عرفت من أهل ~~الجنايات يرد اليهم النصارى من أهل قبرص فيضيفونهم ويعطونهم سلاح المسلمين ~~ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين فاما ان يقتلوه أو يسلبوه وقليل منهم من ~~يفلت منهم بالحيلة # فأعان الله ويسر بحسن نية السلطان وهمته في إقامة شرائع الاسلام وعنايته ~~بجهاد المارقين ان غزوا غزوة شرعية كما أمر الله ورسوله بعد ان كشفت ~~أحوالهم وأزيحت عللهم وأزيلت شبههم وبذل لهم من العدل والانصاف مالم يكونوا ~~يطمعون به وبين لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين على بن ابى طالب ~~رضى الله عنه في قتال الحرورية المارقين الذين تواتر عن النبى الأمر ~~بقتالهم ونعت حالهم من وجوه متعددة أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه من ~~حديث على بن أبى طالب وأبى سعيد الخدرى وسهل بن حنيف وأبى ذر الغفارى ورافع ~~بن عمرو وغيرهم من أصحاب النبى # قال فيهم ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم PageV28P403 ~~وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لايجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد لو يعلم الذين ~~يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل يقتلون أهل الاسلام ~~ويدعون أهل الأوثان يقرؤون القرآن يحسبون انه لهم وهو عليهم شر قتلى تحت ~~أديم السماء خير قتلى من قتلوه ( # وأول ما خرج هؤلاء زمن أمير المؤمنين على رضى الله عنه وكان لهم من ~~الصلاة والصيام والقراءة والعبادة والزهادة مالم يكن لعموم الصحابة لكن ~~كانوا خارجين عن سنة رسول الله وعن جماعة المسلمين وقتلوا من المسلمين رجلا ~~اسمه عبد الله بن خباب وأغاروا على دواب المسلمين # وهؤلاء القوم كانوا أقل صلاة وصياما ولم نجد في جبلهم مصحفا ولا ms8185 فيهم ~~قارئا للقرآن وإنما عندهم عقائدهم التى خالفوا فيها الكتاب والسنة وأباحوا ~~بها دماء المسلمين وهم مع هذا فقد سفكوا من الدماء وأخذوا من الأموال مالا ~~يحصى عدده إلا الله تعالى # فإذا كان على بن أبى طالب قد أباح لعسكره ان ينهبوا مافى عسكر الخوارج مع ~~أنه قتلهم جميعهم كان هؤلاء أحق بأخذ أموالهم وليس هؤلاء PageV28P404 ~~بمنزلة المتأولين الذين نادى فيهم على بن أبى طالب يوم الجمل انه لا يقتل ~~مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يغنم لهم مالا ولايسبى لهم ذرية لأن مثل ~~أولئك لهم تأويل سائغ وهؤلاء ليس لهم تأويل سائغ ومثل أولئك إنما يكونون ~~خارجين عن طاعة الامام وهؤلاء خرجوا عن شريعة رسول الله وسنته وهم شر من ~~التتار من وجوه متعددة لكن التتر اكثر وأقوى فلذلك يظهر كثرة شرهم # وكثير من فساد التتر هو لمخالطة هؤلاء لهم كما كان في زمن قازان وهولاكو ~~وغيرهما فانهم أخذوا من أموال المسلمين أضعاف ما أخذوا من أموالهم وأرضهم ~~فيئا لبيت المال # وقد قال كثير من السلف ان الرافضة لا حق لهم من الفيء لأن الله إنما جعل ~~الفيء للمهاجرين والأنصار @QB@ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤوف رحيم @QE@ فمن لم يكن قلبه سليما لهم ولسانه مستغفرا لهم لم يكن ~~من هؤلاء # وقطعت أشجارهم لأن النبى لما حاصر بنى النضير قطع أصحابه نخلهم وحرقوه ~~فقال اليهود هذا فساد وأنت PageV28P405 يامحمد تنهى عن الفساد فأنزل الله ~~@QB@ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين @QE@ وقد اتفق العلماء على جواز قطع الشجر وتخريب العامر عند ~~الحاجة إليه فليس ذلك بأولى من قتل النفوس وما أمكن غير ذلك # فان القوم لم يحضروا كلهم من الاماكن التى اختفوا فيها وايسوا من المقام ~~في الجبل الا حين قطعت الاشجار والا كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم ~~وما أمكن ان يسكن الجبل غيرهم لأن التركمان ms8186 انما قصدهم الرعي وقد صار لهم ~~مرعى وسائر الفلاحين لايتركون عمارة ارضهم ويجيئون إليه # فالحمد لله الذى يسر هذا الفتح في دولة السلطان بهمته وعزمه وامره واخلاء ~~الجبل منهم واخراجهم من ديارهم # وهم يشبهون ما ذكره الله في قوله @QB@ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ~~من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم ~~الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ما قطعتم من لينة أو تركتموها ~~قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين @QE@ PageV28P406 # وأيضا فانه بهذا قد انكسر من اهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز ~~واليمن والعراق ما يرفع الله به درجات السلطان ويعز به اهل الايمان ### ||| فصل # تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بحسم مادة اهل الفساد واقامة ~~الشريعة في البلاد فان هؤلاء القوم لهم من المشايخ والأخوان في قرى كثيرة ~~من يقتدون بهم وينتصرون لهم وفي قلوبهم غل عظيم وابطان معاداة شديدة لا ~~يؤمنون معها على مايمكنهم ولو انه مباطنة العدو فاذا امسك رؤوسهم الذين ~~يضلونهم مثل بنى العود زال بذلك من الشر مالا يعلمه الا الله # ويتقدم إلى قراهم وهى قرى متعددة بأعمال دمشق وصفد وطرابلس وحماة وحمص ~~وحلب بأن يقام فيهم شرائع الاسلام والجمعة والجماعة وقراءة القرآن ويكون ~~لهم خطباء ومؤذنون PageV28P407 كسائر قرى المسلمين وتقرأ فيهم الأحاديث ~~النبوية وتنشر فيهم المعالم الاسلامية ويعاقب من عرف منهم بالبدعة والنفاق ~~بما توجبه شريعة الاسلام فان هؤلاء المحاربين وامثالهم قالوا نحن قوم جهال ~~وهؤلاء كانوا يعلموننا ويقولون لنا أنتم اذا قاتلتم هؤلاء تكونون مجاهدين ~~ومن قتل منكم فهو شهيد # وفى هؤلاء خلق كثير لا يقرون بصلاة ولا صيام ولا حج ولا عمرة ولا يحرمون ~~الميتة والدم ولحم الخنزير ولا يؤمنون بالجنة والنار ms8187 من جنس الأسماعيلية ~~والنصيرية والحاكمية والباطنية وهم كفار اكفر من اليهود والنصارى باجماع ~~المسلمين ف # تقدم المراسيم السلطانية باقامة شعائر الاسلام من الجمعة والجماعة وقراءة ~~القرآن وتبليغ احاديث النبى في قرى هؤلاء من اعظم المصالح الاسلامية وابلغ ~~الجهاد في سبيل الله وذلك سبب لانقماع من يباطن العدو من هؤلاء ودخولهم في ~~طاعة الله ورسوله وطاعة اولى الأمر من المسلمين وهو من الأسباب التى يعين ~~الله بها على قمع الاعداء فان مافعلوه بالمسلمين في ارض ( سيس ( نوع من ~~غدرهم الذي به ينصر الله المسلمين عليهم وفى ذلك لله حكمة PageV28P408 ~~عظيمة ونصرة للاسلام جسيمة # قال بن عباس ما نقض قوم العهد الا اديل عليهم العدو # ولولا هذا وأمثاله ما حصل للمسلمين من العزم بقوة الايمان وللعدو من ~~الخذلان ماينصر الله به المؤمنين ويذل به الكفار والمنافقين # والله هو المسئول ان يتم نعمته على سلطان الاسلام خاصة وعلى عباده ~~المؤمنين عامة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله وحده وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV28P409 وكتب شيخ الاسلام ~~أحمد بن تيمية قدس الله روحه لما قدم العدو من التتار سنة تسع وتسعين ~~وستمائة إلى حلب وانصرف عسكر مصر وبقي عسكر الشام # بسم الله الرحمن الرحيم # إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين احسن الله اليهم في الدنيا ~~والآخرة واسبغ عليهم نعمة باطنة وظاهرة ونصرهم نصرا عزيزا وفتح عليهم فتحا ~~كبيرا وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا وجعلهم معتصمين بحبله المتين مهتدين ~~إلى صراطه المستقيم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فانا نحمد اليكم الله ~~الذي لا اله الا هو وهو للحمد اهل وهو على كل شيء قدير ونسأله ان يصلي على ~~صفوته من خليقته وخيرته من بريته محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما # اما بعد فان الله عز وجل بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله وكفى بالله شهيدا وجعله خاتم النبيين وسيد ولد آدم من الناس اجمعين ~~وجعل كتابه الذي انزله PageV28P410 عليه مهيمنا ms8188 على ما بين يديه من الكتب ~~ومصدقا لها وجعل امته خير امة اخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر فهم يوفون سبعين فرقة هم خيرها وأكرمها على الله وقد اكمل لهم دينهم ~~واتم عليهم نعمته ورضي لهم الاسلام دينا فليس دين افضل من دينهم الذي جاء ~~به رسولهم ولا كتاب افضل من كتابهم ولا امة خيرا من امتهم بل كتابنا ونبينا ~~وديننا وامتنا افضل من كل كتاب ودين ونبى وامة # فاشكروا الله على ما انعم به عليكم فمن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ~~ربى غنى كريم واحفظوا هذه التى بها تنالون نعيم الدنيا والآخرة واحذروا ان ~~تكونوا ممن بدل نعمة الله كفرا فتعرضون عن حفظ هذه النعمة ورعايتها فيحيق ~~بكم ما حاق بمن انقلب على عقبيه واشتغل بما لا ينفعه من أمر الدنيا عما لا ~~بد له منه من مصلحة دينه ودنياه فخسر الدنيا والآخرة # فقد سمعتم ما نعت الله به الشاكرين والمنقلبين حيث يقول @QB@ وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين @QE@ انزل الله ~~سبحانه هذه الآية وما قبلها وما بعدها في غزوة أحد لما انكسر المسلمون مع ~~النبى PageV28P411 وقتل جماعة من خيار الأمة وثبت رسول الله مع طائفة يسيرة ~~حتى خلص إليه العدو فكسروا رباعيته وشجوا وجهه وهشموا البيضة على رأسه وقتل ~~وجرح دونه طائفة من خيار اصحابه لذ بهم عنه ونعق الشيطان فيهم ان محمدا قد ~~قتل فزلزل ذلك قلوب بعضهم حتى انهزم طائفة وثبت الله آخرين حتى ثبتوا # وكذلك لما قبض النبى فتزلزلت القلوب واضطرب حبل الدين وغشيت الذلة من شاء ~~الله من الناس حتى خرج عليهم الصديق رضي الله تعالى عنه فقال من كان يعبد ~~محمدا فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حى لا يموت وقرأ قوله ~~@QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ms8189 انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين @QE@ ~~فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها الصديق رضي الله عنه فلا يوجد من الناس ~~الا من يتلوها # وارتد بسبب موت الرسول صلى الله عليه وسلم ولما حصل لهم من الضعف جماعات ~~من الناس قوم ارتدوا عن الدين بالكلية وقوم ارتدوا عن بعضه فقالوا نصلى ولا ~~نزكى وقوم ارتدوا عن اخلاص الدين الذي جاء به محمد فآمنوا مع محمد ~~PageV28P412 بقوم من النبيين الكذابين كمسيلمة الكذاب وطليحة الأسدى ~~وغيرهما فقام إلى جهادهم الشاكرون الذين ثبتوا على الدين اصحاب رسول الله ~~من المهاجرين والانصار والطلقاء والأعراب ومن اتبعهم باحسان الذين قال الله ~~عز وجل فيهم @QB@ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ هم اولئك الذين جاهدوا المنقلبين على اعقابهم ~~الذين لم يضروا الله شيئا # وما انزل الله في القرآن من آية الا وقد عمل بها قوم وسيعمل بها آخرون ~~فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين الذين يحبهم الله عز وجل ورسوله ~~فإنه يجاهد المنقلبين على أعقابهم الذين يخرجون عن الدين ويأخذون بعضه ~~ويدعون بعضه كحال هؤلاء القوم المجرمين المفسدين الذين خرجوا على اهل ~~الأسلام وتكلم بعضهم بالشهادتين وتسمى بالاسلام من غير التزام شريعته فان ~~عسكرهم مشتمل على اربع طوائف # كافرة باقية على كفرها من الكرج والارمن والمغل # وطائفة كانت مسلمة فارتدت عن الاسلام وانقلبت على عقبيها من العرب والفرس ~~والروم وغيرهم وهؤلاء اعظم جرما عند الله PageV28P413 وعند رسوله والمؤمنين ~~من الكافر الأصلى من وجوه كثيرة فان هؤلاء يجب قتلهم حتما مالم يرجعوا إلى ~~ما خرجوا عنه لا يجوز ان يعقد لهم ذمة ولا هدنة ولا امان ولا يطلق اسيرهم ~~ولا يفادى بمال ولا رجال ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون مع ~~بقائهم على الردة بالاتفاق ويقتل من قاتل منهم ومن لم يقاتل كالشيخ الهرم ~~والأعمى والزمن باتفاق العلماء وكذا نساؤهم عند الجمهور # والكافر الأصلى يجوز ان يعقد له ms8190 امان وهدنة ويجوز المن عليه والمفاداة به ~~اذا كان اسيرا عند الجمهور ويجوز اذا كان كتابيا ان يعقد له ذمة ويؤكل ~~طعامهم وتنكح نساؤهم ولا تقتل نساؤهم الا ان يقاتلن بقول أو عمل باتفاق ~~العلماء وكذلك لا يقتل منهم الا من كان من اهل القتال عند جمهور العلماء ~~كما دلت عليه السنة # فالكافر المرتد اسوأ حالا في الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره ~~وهؤلاء القوم فيهم من المرتدة مالا يحصى عددهم الا الله فهذان صنفان # وفيهم ايضا من كان كافرا فانتسب إلى الاسلام ولم يلتزم شرائعه من اقامة ~~الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت والكف عن دماء PageV28P414 المسلمين ~~واموالهم والتزام الجهاد في سبيل الله وضرب الجزية على اليهود والنصارى ~~وغيرذلك # وهؤلاء يجب قتالهم باجماع المسلمين كما قاتل الصديق ما نعى الزكاة بل ~~هؤلاء شر منهم من وجوه وكما قاتل الصحابة ايضا مع امير المؤمنين علي رضي ~~الله عنه الخوارج بأمر رسول الله حيث قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم ( ~~تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ~~يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم فاقتلوهم فان ~~في قتلهم اجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ( وقال ( لو يعلم الذين ~~يقاتلون ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل ( وقال ( هم شر الخلق ~~والخليقة شر قتلى تحت اديم السماء خير قتلى من قتلوه ( فهؤلاء مع كثرة ~~صيامهم وصلاتهم وقرائتهم امر النبى بقتالهم وقاتلهم امير المؤمنين علي ~~وسائر الصحابة الذين معه ولم يختلف أحد في قتالهم كما اختلفوا في قتال اهل ~~البصرة والشام لأنهم كانوا يقاتلون المسلمين فان هؤلاء شر من اولئك من غير ~~وجه وان لم يكونوا مثلهم في الإعتقاد فان معهم من يوافق رأية في المسلمين ~~رأى الخوارج فهذه ثلاثة اصناف # وفيهم صنف رابع شر من هؤلاء وهم قوم ارتدوا عن شرائع PageV28P415 الاسلام ~~وبقوا مستمسكين بالانتساب إليه فهؤلاء الكفار المرتدون والداخلون فيه من ~~غير التزام لشرائعه والمرتدون عن شرائعه لا عن سمته ms8191 كلهم يجب قتالهم باجماع ~~المسلمين حتى يلتزموا شرائع الاسلام وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ~~وحتى تكون كلمة الله التى هي كتابه وما فيه من امره ونهيه وخبره هي العليا ~~هذا اذا كانوا قاطنين في ارضهم فكيف اذا استولوا على اراضى الاسلام من ~~العراق وخراسان والجزيرة والروم فكيف اذا قصدوكم وصالوا عليكم بغيا وعدوانا ~~@QB@ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول ~~مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب ~~الله على من يشاء والله عليم حكيم @QE@ # واعلموا اصلحكم الله ان النبى قد ثبت عنه من وجوه كثيرة انه قال ( لا ~~تزال طائفة من امتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى ~~قيام الساعة ( وثبت انهم بالشام # فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق الطائفة المنصورة وهم المجاهدون ~~لهؤلاء القوم المفسدين والطائفة المخالفة وهم هؤلاء PageV28P416 القوم ومن ~~تحيز اليهم من خبالة المنتسبين إلى الاسلام والطائفة المخذلة وهم القاعدون ~~عن جهادهم وان كانوا صحيحى الأسلام فلينظر الرجل ايكون من الطائفة المنصورة ~~أم من الخاذلة أم من المخالفة فما بقى قسم رابع # واعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة وفى تركه خسارة الدنيا والآخرة ~~قال الله تعالى في كتابه @QB@ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين @QE@ ~~يعنى اما النصر والظفر واما الشهادة والجنة فمن عاش من المجاهدين كان كريما ~~له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ومن مات منهم أو قتل فالى الجنة قال النبى ~~( يعطى الشهيد ست خصال يغفر له بأول قطرة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويكسى ~~حلة من الايمان ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين ويوقى فتنة القبر ويؤمن ~~من الفزع الأكبر ( رواه اهل السنن وقال ( ان في الجنة لمائة درجة ما بين ~~الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض اعدها الله سبحانه وتعالى ~~للمجاهدين في سبيله ( فهذا ارتفاع خمسين الف سنة في ms8192 الجنة لأهل الجهاد وقال ~~( مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت الذي لا يفتر من صلاة ~~ولا صيام ( وقال رجل اخبرنى بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله قال لا تستطيعه ~~قال PageV28P417 اخبرنى به قال هل تستطيع اذا خرج المجاهد ان تصوم لا تفطر ~~وتقوم لا تفتر قال لا قال فذلك الذى يعدل الجهاد في سبيل الله ( وهذه ~~الأحاديث في الصحيحين وغيرهما # وكذلك اتفق العلماء فيما اعلم على انه ليس في التطوعات افضل من الجهاد ~~فهو افضل من الحج وافضل من الصوم التطوع وافضل من الصلاة التطوع # والمرابطة في سبيل الله افضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس حتى ~~قال أبو هريرة رضي الله عنه لأن ارابط ليلة في سبيل الله احب الي من ان ~~اوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في ~~افضل الليالى عند افضل البقاع ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم واصحابه ~~يقيمون بالمدينة دون مكة لمعان منها انهم كانوا مرابطين بالمدينة فان ~~الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدو ويخيف العدو فمن اقام فيه بنية دفع ~~العدو فهو مرابط والأعمال بالنيات قال رسول الله ( رباط يوم في سبيل الله ~~خير من الف يوم فيما سواه من المنازل ( رواه اهل السنن وصححوه وفي صحيح ~~مسلم ( عن سلمان ان النبى قال رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر ~~وقيامه ومن مات مرابطا اجرى عليه عمله واجرى عليه رزقه من الجنة وامن ~~الفتان ( يعنى منكرا ونكيرا فهذا في الرباط فكيف الجهاد PageV28P418 # وقال ( ~~لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد ابدا ( وقال ( من اغبرت ~~قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار ( فهذا في الغبار الذي يصيب ~~الوجه والرجل فكيف بما هواشق منه كالثلج والبرد والوحل # ولهذا عاب الله عز وجل المنافقين الذين يتعللون بالعوائق كالحر والبرد ~~فقال سبحانه وتعالى @QB@ فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا ms8193 في الحر قل نار ~~جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون @QE@ وهكذا الذين يقولون لا تنفروا في البرد ~~فيقال نار جهنم اشد بردا كما اخرجاه في الصحيحين عن النبى انه قال ( اشتكت ~~النار إلى ربها فقالت ربى اكل بعضى بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ~~ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر والبرد فهو من زمهرير جهنم فالمؤمن ~~يدفع بصبره على الحر والبرد في سبيل الله حر جهنم وبردها والمنافق يفر من ~~حر الدنيا وبردها حتى يقع في حر جهنم وزمهريرها # واعلموا اصلحكم الله ان النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين وان الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون والله سبحانه ~~وتعالى ناصرنا عليهم ومنتقم لنا منهم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي ~~العظيم فابشروا بنصر الله تعالى وبحسن PageV28P419 عاقبته @QB@ ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ وهذا امر قد تيقناه وتحققناه ~~والحمد لله رب العالمين @QB@ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر ~~من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما ~~قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين @QE@ # واعلموا اصلحكم الله ان من اعظم النعم على من اراد الله به خيرا ان احياه ~~إلى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين ويحيى فيه شعار المسلمين واحوال ~~المؤمنين والمجاهدين حتى يكون شبيها بالسابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار فمن قام في هذا الوقت بذلك كان من التابعين لهم بإحسان الذين رضى ~~الله عنهم ورضوا عنه واعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ابدا ~~ذلك الفوز العظيم فينبغى ms8194 للمؤمنين ان يشكروا الله تعالى على هذه المحنة ~~التى PageV28P420 حقيقتها منحة كريمة من الله وهذه الفتنة التى في باطنها ~~نعمة جسيمة حتى والله لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار كأبى ~~بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم حاضرين في هذا الزمان لكان من افضل اعمالهم ~~جهاد هؤلاء القوم المجرمين # ولا يفوت مثل هذه الغزاة الا من خسرت تجارته وسفه نفسه وحرم حظا عظيما من ~~الدنيا والآخرة الا ان يكون ممن عذر الله تعالى كالمريض والفقير والأعمى ~~وغيرهم والا فمن كان له مال وهو عاجز ببدنه فليغز بماله ففى الصحيحين عن ~~النبى انه قال ( من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في اهله بخير فقد غزا ومن ~~كان قادرا ببدنه وهو فقير فليأخذ من اموال المسلمين ما يتجهز به سواء كان ~~المأخوذ زكاة أو صلة أو من بيت المال أو غير ذلك حتى لو كان الرجل قد حصل ~~بيده مال حرام وقد تعذر رده إلى اصحابه لجهله بهم ونحو ذلك أو كان بيده ~~ودائع أو رهون أو عوار قد تعذر معرفة اصحابها فلينفقها في سبيل الله فان ~~ذلك مصرفها # ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد فان الله عز وجل يغفر ذنوبه ( ~~كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى @QB@ يغفر لكم ذنوبكم @QE@ ومن ~~اراد التخلص من الحرام والتوبة ولا يمكن رده إلى اصحابه فلينفقه في سبيل ~~الله عن اصحابه فان ذلك طريق حسنة إلى PageV28P421 خلاصه مع مايحصل له من ~~اجر الجهاد # وكذلك من اراد ان يكفر الله عنه سيئاته في دعوى الجاهلية وحميتها فعليه ~~بالجهاد فان الذين يتعصبون للقبائل وغيرالقبائل مثل قيس ويمن وهلال واسد ~~ونحو ذلك كل هؤلاء اذا قتلوا فان القاتل والمقتول في النار كذلك صح عن ~~النبى انه قال ( اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ~~قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال انه كان حريصا على قتل ~~اخيه ( اخرجاه في الصحيحين وقال ( من قتل تحت راية عمية يغضب لعصبيه ويدعو ~~لعصبيه فهو في ms8195 النار ( رواه مسلم وقال ( من تعزى بعزاء اهل الجاهلية فاعضوه ~~بهن أبيه ولا تكنوا ( فسمع ابى بن كعب رجلا يقول يا لفلان فقال اعضض اير ~~ابيك فقال يا أبا المنذر ما كنت فاحشا فقال بهذا امرنا رسول الله رواه أحمد ~~في مسنده # ومعنى قوله ( من تعزى بعزاء الجاهلية ( يعنى يعتزى بعزواتهم وهي الانتساب ~~اليهم في الدعوة مثل قوله يا لقيس يا ليمن ويا لهلال ويا لأسد فمن تعصب ~~لأهل بلدته أو مذهبه أو طريقتة أو قرابته أو لأصدقائه دون غيرهم كانت فيه ~~شعبة من الجاهلية حتى يكون المؤمنون كما امرهم الله تعالى معتصمين بحبله ~~وكتابه وسنة رسوله فان PageV28P422 كتابهم واحد ودينهم واحد ونبيهم واحد ~~وربهم اله واحد لا اله الا هو له الحمد في الاولى والآخرة وله الحكم واليه ~~ترجعون قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على ~~شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ~~ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ~~هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه @QE@ قال بن عباس رضي الله ~~عنهما تبيض وجوه اهل السنة والجماعة وتسود وجوه اهل الفرقة والبدعة # فالله الله عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله والجهاد في ~~سبيله يجمع الله قلوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم ويحصل لكم خير الدنيا والآخرة ~~اعاننا الله واياكم على طاعته وعبادته وصرف عنا وعنكم سبيل معصيته واتانا ~~واياكم في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة ووقانا عذاب النار وجعلنا واياكم ~~ممن رضى الله عنه واعد له جنات النعيم انه على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم ~~PageV28P423 ### |PARATEXT| # وقال قدس الله روحه ms8196 # بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| # إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~~فانا نحمد اليكم الله الذى لا اله الا هو وهو للحمد اهل وهو على كل شيء ~~قدير ونسأله ان يصلي على صفوته من خليقته وخيرته من بريته محمد عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما # اما بعد فقد صدق الله وعده ونصر عبده واعز جنده وهزم الأحزاب وحده @QB@ ~~ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ~~وكان الله قويا عزيزا @QE@ والله تعالى يحقق لنا التمام بقوله @QB@ وأنزل ~~الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ~~وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله ~~على كل شيء قديرا @QE@ PageV28P424 # فان هذه الفتنة التى ابتلى بها المسلمون مع هذا العدو المفسد الخارج عن ~~شريعة الاسلام قد جرى فيها شبيه بما جرى للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول ~~الله في المغازى التى انزل الله فيها كتابه وابتلى بها نبيه والمؤمنين مما ~~هو اسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا إلى يوم القيامة ~~فان نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد يتناولان عموم الخلق بالعموم ~~اللفظى والمعنوى أو بالعموم المعنوى وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال ~~آخر هذه الأمة كما نالت اولها وانما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم ~~لتكون عبرة لنا فنشبه حالنا بحالهم ونقيس اواخر الامم بأوائلها فيكون ~~للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين ويكون للكافر ~~والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين كماقال ~~تعالى لما قص قصة يوسف مفصلة واجمل قصص الانبياء ثم قال @QB@ لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى @QE@ أي هذه القصص المذكورة ~~في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص المكذوبة كنحو مايذكر في الحروب ~~من السير المكذوبة # وقال تعالى لما ذكر قصة فرعون ( فأخذه الله نكال الآخرة PageV28P425 @QB@ ~~والأولى إن في ذلك لعبرة ms8197 لمن يخشى @QE@ وقال في سيرة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم مع اعدائه ببدر وغيرها @QB@ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة ~~تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره ~~من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار @QE@ وقال تعالى في محاصرته لبنى ~~النضير @QB@ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ~~ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث ~~لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ فأمرنا ان نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من ~~هذه الأمة وممن قبلها من الامم # وذكر في غير موضع ان سنته في ذلك سنة مطردة وعادته مستمرة فقال تعالى ~~@QB@ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ ~~ا ( واخبر سبحانه ان دأب الكافرين من المستأخرين كدأب الكافرين من ~~المستقدمين PageV28P426 فينبغى للعقلاء ان يعتبروا بسنة الله وأيامه في ~~عبادة ودأب الامم وعاداتهم لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التى طبق ~~الخافقين خبرها واستطار في جميع ديار الاسلام شررها واطلع فيها النفاق ~~ناصية رأسه وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه وكاد فيه عمود الكتاب ان ~~يجتث ويخترم وحبل الايمان ان ينقطع ويصطلم وعقر دار المؤمنين ان يحل بها ~~البوار وان يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار وظن المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض ان ما وعدهم الله ورسوله الا غرورا وان لن ينقلب حزب الله ~~ورسوله إلى اهليهم ابدا وزين ذلك في قلوبهم وظنوا ظن السوء وكانوا قوما ~~بورا ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران وانزلت الرجل الصاحي ms8198 منزلة السكران ~~وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان وتناكرت فيها ~~قلوب المعارف والاخوان حتى بقى للرجل بنفسه شغل عن ان يغيث اللهفان وميز ~~الله فيها اهل البصائر والايقان من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق وضعف ايمان ~~ورفع بها اقواما إلى الدرجات العالية كما خفض بها اقواما إلى المنازل ~~الهاوية وكفر بها عن آخرين اعمالهم الخاطئة وحدث من انواع البلوى ما جعلها ~~قيامة مختصرة من القيامة الكبرى # فان الناس تفرقوا فيها ما بين شقى وسعيد كما يتفرقون كذلك PageV28P427 في ~~اليوم الموعود وفر الرجل فيها من اخيه وامه وابيه اذ كان لكل امرئ منهم شأن ~~يغنيه وكان من الناس من اقصى همته النجاة بنفسه لا يلوى على ماله ولا ولده ~~ولا عرسه كما ان منهم من فيه قوة على تخليص الأهل والمال وآخر فيه زيادة ~~معونة لمن هو منه ببال وآخر منزلتة منزلة الشفيع المطاع وهم درجات عند الله ~~في المنفعة والدفاع ولم تنفع المنفعه الخالصة من الشكوى الا الايمان والعمل ~~الصالح والبر والتقوى وبليت فيها السرائر وظهرت الخبايا التى كانت تكنها ~~الضمائر وتبين ان البهرج من الاقوال والأعمال يخون صاحبه احوج ما كان إليه ~~في المآل وذم سادته وكبراءه من اطاعهم فأضلوه السبيلا كما حمد ربه من صدق ~~في ايمانه فاتخذ مع الرسول سبيلا وبان صدق ما جاءت به الآثار النبوية من ~~الأخبار بما يكون وواطأتها قلوب الذين هم في هذه الأمة محدثون كما تواطأت ~~عليه المبشرات التى اريها المؤمنون وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة ~~على الدين الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة حيث ~~تحزبت الناس ثلاثة أحزاب حزب مجتهد في نصر الدين وآخر خاذل له وآخر خارج عن ~~شريعة الإسلام # وانقسم الناس ما بين مأجور ومعذور وآخر قد غره بالله الغرور وكان هذا ~~الامتحان تمييزا من الله وتقسيما @QB@ ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب ~~المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما @QE@ PageV28P428 # ووجه الاعتبار في هذه الحادثة العظيمة ان ms8199 الله تعالى بعث محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرع له الجهاد إباحة له ~~اولا ثم ايجابا له ثانيا لما هاجر إلى المدينة وصار له فيها انصار ينصرون ~~الله ورسوله فغزا بنفسه مدة مقامة بدار الهجرة وهو نحو عشر سنين بضعا ~~وعشرين غزوة اولها غزوة بدر وآخرها غزوة تبوك انزل الله في اول مغازيه سورة ~~الانفال وفى آخرها سورة براءة وجمع بينهما في المصحف لتشابه اول الأمر ~~وآخره كما قال امير المؤمنين عثمان لما سئل عن القرآن بين السورتين من غير ~~فصل بالبسملة # وكان القتال منها في تسع غزوات # فأول غزوات القتال بدر وآخرها حنين والطائف وانزل الله فيها ملائكته كما ~~اخبر به القرآن ولهذا صار الناس يجمعون بينهما في القول وان تباعد ما بين ~~الغزوتين مكانا وزمانا فان بدرا كانت في رمضان في السنة الثانية من الهجرة ~~ما بين المدينة ومكة شامى مكة وغزوة حنين في آخر شوال من السنة الثامنة ~~وحنين واد قريب من الطائف شرقى مكة ثم قسم النبي PageV28P429 غنائمها ~~بالجعرانة واعتمر من الجعرانة ثم حاصر الطائف فلم يقاتله اهل الطائف زحفا ~~وصفوفا وانما قاتلوه من وراء جدار فآخر غزوة كان فيها القتال زحفا واصطفافا ~~هي غزوة حنين وكانت غزوة بدر اول غزوة ظهر فيها المسلمون على صناديد الكفار ~~وقتل الله اشرافهم واسر رؤوسهم مع قلة المسلمين وضعفهم فانهم كانوا ~~ثلاثمائة وبضعة عشر ليس معهم الافرسان وكان يعتقب الاثنان والثلاثة على ~~البعير الواحد وكان عدوهم بقدرهم اكثر من ثلاث مرات في قوة وعدة وهيئة ~~وخيلاء # فلما كان من العام المقبل غزا الكفار المدينة وفيها النبى واصحابه فخرج ~~اليهم النبى صلى الله عليه وسلم واصحابه في نحو من ربع الكفار وتركوا ~~عيالهم بالمدينة لم ينقلوهم إلى موضع آخر وكانت اولا الكرة للمسلمين عليهم ~~ثم صارت للكفار فانهزم عامة عسكر المسلمين الا نفرا قليلا حول النبى صلى ~~الله عليه وسلم منهم من قتل ومنهم من جرح وحرصوا على قتل النبى حتى كسروا ~~رباعيته ms8200 وشجوا جبينه وهشموا البيضة على رأسه وانزل الله فيها شطرا من سورة ~~آل عمران من قوله @QB@ وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال @QE@ ~~وقال فيها @QB@ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم @QE@ ~~PageV28P430 # وقال فيها @QB@ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا ~~فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ~~ذو فضل على المؤمنين @QE@ وقال فيها @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير @QE@ # وكان الشيطان قد نعق في الناس ان محمدا قد قتل فمنهم من تزلزل لذلك فهرب ~~ومنهم من ثبت فقاتل فقال الله تعالى @QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين @QE@ # وكان هذا مثل حال المسلمين لما انكسروا في العام الماضى وكانت هزيمة ~~المسلمين في العام الماضى بذنوب ظاهرة وخطايا واضحة من فساد النيات والفخر ~~والخيلاء والظلم والفواحش والاعراض عن حكم الكتاب والسنة وعن المحافظة على ~~فرائض الله والبغى على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم وكان ~~عدوهم في اول الامر راضيا منهم بالموادعة والمسالمة شارعا في الدخول في ~~الاسلام PageV28P431 وكان مبتدئا في الايمان والأمان وكانوا هم قد اعرضوا ~~عن كثير من احكام الايمان # فكان من حكمه الله ورحمته بالمؤمنين ان ابتلاهم بما ابتلاهم به ليمحص ~~الله الذين آمنوا وينيبوا إلى ربهم وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي ~~والمكر والنكث والخروج عن شرائع الاسلام فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر ~~وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام # فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو ~~يقترن به ظفر بعدوهم الذي هوعلى الحال المذكورة ms8201 لأوجب لهم ذلك من فساد ~~الدين والدنيا ما لا يوصف كما ان نصر الله للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة ~~وهزيمتهم يوم أحد كان نعمة ورحمة على المؤمنين فان النبى قال ( لا يقضى ~~الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له وليس ذلك لأحد الا للمؤمن ان اصابته سراء ~~فشكر الله كان خيرا له وان اصابته ضراء فصبر كان خيرا له ( # فلما كانت حادثة المسلمين عام اول شبيهة بأحد وكان بعد أحد بأكثر من سنة ~~وقيل بسنتين قد ابتلى المسلمون عام الخندق كذلك في هذا العام ابتلى ~~المؤمنون بعدوهم كنحو ماابتلى المسلمون PageV28P432 مع النبى صلى الله عليه ~~وسلم عام الخندق وهي غزوة الأحزاب التى انزل الله فيها سورة الأحزاب وهى ~~سورة تضمنت ذكر هذه الغزاة التى نصر الله فيها عبده واعز فيها جنده ~~المؤمنين وهزم الأحزاب الذين تحزبوا عليه وحده بغير قتال بل بثبات المؤمنين ~~بإزاء عدوهم ذكر فيها خصائص رسول الله وحقوقه وحرمته وحرمة اهل بيته لما ~~كان هو القلب الذي نصره الله فيها بغير قتال كما كان ذلك في غزوتنا هذه ~~سواء وظهر فيها سر تأييد الدين كما ظهر في غزوة الخندق وانقسم الناس فيها ~~كانقسامهم عام الخندق # وذلك ان الله تعالى منذ بعث محمدا وأعزه بالهجرة والنصرة صار الناس ثلاثة ~~اقسام قسما مؤمنين وهم الذين آمنوا به ظاهرا وباطنا وقسما كفارا وهم الذين ~~اظهروا الكفر به وقسما منافقين وهم الذين آمنوا ظاهرا لا باطنا # ولهذا افتتح سورة البقرة بأربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة ~~الكافرين وثلاث عشرة آية في صفة المنافقين # وكل واحد من الايمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب كما PageV28P433 دلت ~~عليه دلائل الكتاب والسنة وكما فسره امير المؤمنين علي بن ابى طالب رضي ~~الله عنه في الحديث المأثور عنه في الإيمان ودعائمه وشعبه # فمن النفاق ما هو اكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار كنفاق عبد ~~الله بن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به أو بغضه أو ms8202 ~~عدم اعتقاد وجوب اتباعه أو المسرة بانخفاض دينه أو المساءة بظهور دينه ونحو ~~ذلك مما لا يكون صاحبه الا عدوا لله ورسوله وهذا القدر كان موجودا في زمن ~~رسول الله وما زال بعده بل هو بعده اكثر منه على عهده لكون موجبات الايمان ~~على عهده أقوى فاذا كانت مع قوتها وكان النفاق معها موجودا فوجوده فيما دون ~~ذلك اولى # وكما انه صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض المنافقين ولا يعلم بعضهم كما ~~بينه قوله @QB@ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم @QE@ كذلك خلفاؤه بعده وورثته قد يعلمون بعض ~~المنافقين ولايعلمون بعضهم وفى المنتسبين إلى الاسلام من عامة الطوائف ~~منافقون كثيرون في الخاصة والعامة ويسمون ( الزنادقة ( # وقد اختلف العلماء في قبول توبتهم في الظاهر لكون ذلك لا PageV28P434 ~~يعلم اذهم دائما يظهرون الأسلام وهؤلاء يكثرون في المتفلسفة من المنجمين ~~ونحوهم ثم في الأطباء ثم في الكتاب اقل من ذلك ويوجدون في المتصوفة ~~والمتفقهة وفى المقاتلة والأمراء وفى العامة ايضا ولكن يوجدون كثيرا في نحل ~~أهل البدع لا سيما الرافضة ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس في أحد من ~~اهل النحل ولهذا كانت الخرمية والباطنية والقرامطة والاسماعيلية والنصيرية ~~ونحوهم من المنافقين الزنادقة منتسبة إلى الرافضة # وهؤلاء المنافقون في هذه الاوقات لكثير منهم ميل إلى دولة هؤلاء التتار ~~لكونهم لا يلزمونهم شريعة الأسلام بل يتركونهم وما هم عليه وبعضهم انما ~~ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم في الدنيا واستيلائهم على الاموال واجترائهم ~~على الدماء والسبى لا لأجل الدين # فهذا ضرب النفاق الأكبر # واما النفاق الاصغر فهو النفاق في الأعمال ونحوها مثل ان يكذب اذا حدث ~~ويخلف اذا وعد ويخون اذا اؤتمن أو يفجر اذا خاصم ففى الصحيحين عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال ( آية المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا ~~اؤتمن خان ( وفى رواية صحيحه ( وان صلى وصام وزعم انه مسلم ( وفى الصحيحين ~~PageV28P435 عن عبد الله بن عمرو عن النبى قال ( اربع ms8203 من كن فيه كان منافقا ~~خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها اذا حدث ~~كذب واذا وعد اخلف واذا عاهد غدر واذا خاصم فجر ( # ومن هذا الباب الاعراض عن الجهاد فانه من خصال المنافقين قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من ~~نفاق ( رواه مسلم وقد أنزل الله سورة براءة التى تسمى الفاضحة لأنها فضحت ~~المنافقين اخرجاه في الصحيحين عن بن عباس قال هي الفاضحة ما زالت تنزل ( ~~ومنهم ( ومنهم ( حتى ظنوا ان لا يبقى أحد الا ذكر فيها وعن المقداد بن ~~الأسود قال هي سورة البحوث لأنها بحثت عن سرائر المنافقين وعن قتادة قال هي ~~المثيرة لانها اثارت مخازى المنافقين # وعن بن عباس قال هي المبعثرة والبعثرة والاثارة متقاربان # وعن بن عمر انها المقشقشة لانها تبرىء من مرض النفاق يقال تقشقش المريض ~~اذا برأ وقال الأصمعى وكان يقال لسورتى الاخلاص المقشقشتان لانهما يبرئان ~~من النفاق PageV28P436 وهذه السورة نزلت في آخر مغازى النبى صلى الله عليه ~~وسلم غزوة تبوك عام تسع من الهجرة وقد عز الاسلام وظهر فكشف الله فيها ~~احوال المنافقين ووصفهم فيها بالجبن وترك الجهاد ووصفهم بالبخل عن النفقة ~~في سبيل الله والشح على المال وهذان داءان عظيمان الجبن والبخل قال النبى ( ~~شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع ( حديث صحيح ولهذا قد يكونان من الكبائر ~~الموجبة للنار كما دل عليه قوله @QB@ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم ~~الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى ~~فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير @QE@ واما وصفهم بالجبن ~~والفزع فقال تعالى @QB@ بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو ~~يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون @QE@ فأخبر سبحانه ~~انهم وان حلفوا انهم من المؤمنين فما ms8204 هم منهم ولكن يفزعون من العدو ف ( لو ~~يجدون ملجأ ( يلجأون إليه من المعاقل والحصون التى يفر اليها من يترك ~~الجهاد أو ( مغارات ( وهي جمع مغارة ومغارات سميت بذلك لأن الداخل يغور ~~فيها أي يستتر كما يغور الماء ( أو مدخلا PageV28P437 وهو الذى يتكلف ~~الدخول إليه اما لضيق بابه أو لغيرذلك أى مكانا يدخلون إليه ولو كان الدخول ~~بكلفة 2 ومشقة ( لولوا ( عن الجهاد @QB@ إليه وهم يجمحون @QE@ أي يسرعون ~~اسراعا لا يردهم شيء كالفرس الجموح الذى اذا حمل لا يرده اللجام وهذا وصف ~~منطبق على اقوام كثيرين في حادثتنا وفيما قبلها من الحوادث وبعدها # وكذلك قال في ( سورة محمد ( ( فاذا انزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم ~~( أي فبعدا لهم ( طاعة وقول معروف فاذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا ~~لهم ( وقال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ ~~فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد # وقال تعالى @QB@ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون @QE@ فهذا اخبار من الله ~~بأن المؤمن لا يستأذن الرسول في ترك الجهاد وانما يستأذنه الذى لا يؤمن ~~فكيف بالتارك من غير استئذان # ومن تدبر القرآن وجد نظائر هذا متظافرة على هذا المعنى PageV28P438 # وقال ~~في وصفهم بالشح @QB@ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون @QE@ ~~فهذه حال من انفق كارها فكيف بمن ترك النفقة رأسا وقال @QB@ ومنهم من يلمزك ~~في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون @QE@ وقال ~~@QB@ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ~~فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون @QE@ # وقال في السورة @QB@ يا ms8205 أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار ~~جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما ~~كنتم تكنزون @QE@ فانتظمت هذه الآية حال من اخذ المال بغير حقه أو منعه من ~~مستحقه من جميع الناس فان الأحبار هم العلماء والرهبان هم العباد وقد اخبر ~~ان كثيرا منهم يأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون أي يعرضون ويمنعون يقال ~~صد عن الحق صدودا وصد غيره صدا # وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل من وقف أو عطية على PageV28P439 الدين ~~كالصلاة والنذور التى تنذر لأهل الدين ومن الأموال المشتركة كأموال بيت ~~المال ونحو ذلك فهذا فيمن يأكل المال بالباطل بشبهة دين # ثم قال @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ ~~فهذا يندرج فيه من كنز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله والجهاد احق ~~الاعمال باسم سبيل الله سواء كان ملكا اومقدما أو غنيا أو غير ذلك واذا دخل ~~في هذا ما كنز من المال الموروث والمكسوب فما كنز من الأموال المشتركة التى ~~يستحقها عموم الأمة ومستحقها مصالحهم اولى واحرى ### ||| فصل # فإذا تبين بعض معنى المؤمن والمنافق فإذا قرأ الإنسان سورة الأحزاب وعرف ~~من المنقولات في الحديث والتفسير والفقه والمغازى كيف كانت صفة الواقعة ~~التى نزل بها القرآن ثم إعتبر هذه الحادثة بتلك وجد مصداق ما ذكرنا وأن ~~الناس إنقسموا في هذه هذه الحادثة إلى الأقسام الثلاثة كما إنقسموا في تلك ~~وتبين له كثير من المتشابهات PageV28P440 # إفتتح الله السورة بقوله @QB@ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين @QE@ وذكر في أثنائها قوله @QB@ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا ولا تطع الكافرين والمنافقين @QE@ ثم قال @QB@ واتبع ما يوحى ~~إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~@QE@ ) فأمره بإتباع ما أوحى إليه من الكتاب والحكمة التى هي ms8206 سنته وبأن ~~يتوكل على الله فبالأولى يحقق قوله @QB@ إياك نعبد @QE@ وبالثانية يحقق ~~قوله @QB@ وإياك نستعين @QE@ ومثل ذلك قوله @QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ ~~وقوله @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ # وهذا وإن كان مأمورا به في جميع الدين فإن ذلك في الجهاد أوكد لأنه يحتاج ~~إلى أن يجاهد الكفار والمنافقين وذلك لا يتم إلا بتأييد قوى من الله ولهذا ~~كان الجهاد سنام العمل وإنتظم سنام جميع الأحوال الشريفة ففيه سنام المحبة ~~كما في قوله @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ وفيه ~~سنام التوكل وسنام الصبر فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل ولهذا ~~قال تعالى @QB@ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ~~@QE@ PageV28P441 # وقال موسى لقومه @QB@ استعينوا بالله واصبروا إن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين @QE@ # ولهذا كان الصبر واليقين اللذين هما أصل التوكل يوجبان الإمامة في الدين ~~كما دل عليه قوله تعالى @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ # ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية التى هي محيطة بأبواب العلم كما دل عليه ~~قوله تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ فجعل لمن جاهد فيه ~~هداية جميع سبله تعالى ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن ~~حنبل وغيرهما إذا إختلف الناس في شيء فإنظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق ~~معهم لأن الله يقول @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ # وفى الجهاد أيضا حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفى الدار الدنيا # وفيه أيضا حقيقة الإخلاص فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل ~~الرياسة ولا في سبيل المال ولا في سبيل الحمية وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ~~ليكون الدين كله لله ولتكون كلمة الله هي العليا # وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود كما قال PageV28P442 ~~تعالى @QB@ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ms8207 ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون @QE@ و ( الجنة ) إسم للدار التى حوت ~~كل نعيم أعلاه النظر إلى الله إلى ما دون ذلك مما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين مما قد نعرفه وقد لا نعرفه كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله ~~( أعددت لعبادى الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر # فقد تبين بعض أسباب إفتتاح هذه السورة بهذا ثم أنه تعالى قال @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا @QE@ # وكان مختصر القصة أن المسلمين تحزب عليهم عامة المشركين الذين حولهم ~~وجاءوا بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين فإجتمعت قريش وحلفاؤها من ~~بنى أسد وأشجع وفزارة وغيرهم من قبائل نجد وإجتمعت أيضا اليهود من قريظة ~~والنضير فإن بنى النضير كان النبى قد أجلاهم قبل ذلك كما ذكره الله تعالى ~~في ( سورة الحشر ( فجاؤوا في الأحزاب إلى قريظة وهم معاهدون للنبى ومجاورون ~~له قريبا من PageV28P443 المدينة فلم يزالوا بهم حتى نقضت قريظة العهد ~~ودخلوا في الأحزاب فإجتمعت هذه الأحزاب العظيمة وهم بقدر المسلمين مرات ~~متعددة فرفع النبى صلى الله عليه وسلم الذرية من النساء والصبيان في آطام ~~المدينة وهى مثل الجواسق ولم ينقلهم إلى مواضع أخر وجعل ظهرهم إلى سلع وهو ~~الجبل القريب من المدينة من ناحية الغرب والشأم وجعل بينه وبين العدو خندقا ~~والعدو قد أحاطبهم من العالية والسافلة وكان عدوا شديد العداوة لو تمكن من ~~المؤمنين لكانت نكايته فيهم أعظم النكايات # وفى هذه الحادثة تحزب هذا العدو من مغل وغيرهم من أنواع الترك ومن فرس ~~ومستعربة ونحوهم من أجناس المرتدة ومن نصارى الأرمن وغيرهم ونزل هذا العدو ~~بجانب ديار المسلمين وهو بين الأقدام والأحجام مع قلة من بإزائهم من ~~المسلمين ومقصودهم الإستيلاء على الدار وإصطلام أهلها كما نزل أولئك بنواحى ~~المدينة بإزاء المسلمين # ودام الحصار على المسلمين عام الخندق على ما قيل بضعا وعشرين ليلة وقيل ~~عشرين ليلة # وهذا العدو عبر ms8208 الفرات سابع عشر ربيع الآخر وكان أول PageV28P444 إنصرافه ~~راجعا عن حلب لما رجع مقدمهم الكبير قازان بمن معه يوم الأثنين حادى أو ~~ثانى عشر جمادى الأولى يوم دخل العسكر عسكر المسلمين إلى مصر المحروسة ~~وإجتمع بهم الداعى وخاطبهم في هذه القضية وكان الله سبحانه وتعالى لما ألقى ~~في قلوب المؤمنين ما ألقى من الإهتمام والعزم ألقى الله في قلوب عدوهم ~~الروع والإنصراف # وكان عام الخندق برد شديد وريح شديدة منكرة بها صرف الله الأحزاب عن ~~المدينة كما قال تعالى @QB@ فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها @QE@ وهكذا ~~هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد على خلاف أكثر العادات حتى ~~كره أكثر الناس ذلك وكنا نقول لهم لا تكرهوا ذلك فإن لله فيه حكمة ورحمة ~~وكان ذلك من أعظم الأسباب التى صرف الله به العدو فإنه كثر عليهم الثلج ~~والمطر والبرد حتى هلك من خيلهم ما شاء الله وهلك أيضا منهم من شاء الله ~~وظهر فيهم وفى بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم ~~لا طاقة لهم معه بقتال حتى بلغنى عن بعض كبار المقدمين في أرض الشام أنه ~~قال لا بيض الله وجوهنا أعدونا في الثلج إلى شعره ونحن قعود لا نأخذهم وحتى ~~علموا أنهم كانوا صيدا للمسلمين لو يصطادونهم لكن في تأخيرالله إصطيادهم ~~حكمة عظيمة PageV28P445 # وقال الله في شأن الأحزاب @QB@ إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي ~~المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا @QE@ # وهكذا هذا العام جاء العدو من ناحيتى علو الشام وهو شمال الفرات وهو قبلى ~~الفرات فزاغت الأبصار زيغا عظيما وبلغت القلوب الحناجر لعظم البلاء لا سيما ~~لما إستفاض الخبر بإنصراف العسكر إلى مصر وتقرب العدو وتوجهه إلى دمشق وظن ~~الناس بالله الظنونا هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام حتى ~~يصطلموا أهل الشام وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم احاطة ~~الهالة بالقمر وهذا يظن ان أرض الشام ms8209 ما بقيت تسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة ~~الإسلام وهذا يظن أنهم يأخذونها ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها فلا يقف ~~قدامهم أحد فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها وهذا إذا أحسن ظنه قال ~~إنهم يملكونها العام كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين ثم قد يخرج ~~العسكر من مصر فيستنقذها منهم كما خرج ذلك العام وهذا ظن خيارهم وهذا يظن ~~أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية وأهل التحديث والمبشرات أمانى كاذبة ~~وخرافات لاغية وهذا قد إستولى عليه الرعب والفزع حتى يمر الظن بفؤاده مر ~~السحاب ليس له عقل PageV28P446 يتفهم ولا لسان يتكلم # وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات لا سيما وهو لا يفرق ~~من المبشرات بين الصادق والكاذب ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب ~~ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء بل إما أن يكون جاهلا بها وقد سمعها ~~سماع العبر ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية ولا يهتدى لدفع ما يتخيل ~~أنه معارض لها في بادىء الروية # فلذلك إستولت الحيرة على من كان متسما بالإهتداء وتراجمت به الآراء تراجم ~~الصبيان بالحصباء @QB@ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا @QE@ ~~إبتلاهم الله بهذا الإبتلاء الذى يكفر به خطيئاتهم ويرفع به درجاتهم ~~وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات ما إستوجبوا به أعلى الدرجات قال الله ~~تعالى @QB@ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا @QE@ وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية ~~والخلافة الرسالية وحزب الله المحدثون عنه حتى حصل لهؤلاء التأسي برسول ~~الله كما قال الله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ # فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم PageV28P447 وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فقد تكرر ذكرهم في هذه السورة فذكروا هنا وفى قوله @QB@ لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة @QE@ وفى قوله @QB@ ~~فيطمع الذي في قلبه مرض @QE@ # وذكر الله مرض القلب في مواضع فقال تعالى @QB@ إذ يقول المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض غر ms8210 هؤلاء دينهم @QE@ # والمرض في القلب كالمرض في الجسد فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة ~~والإعتدال من غير موت فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والإعتدال ~~من غير أن يموت القلب سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه أو أفسد عمله وحركته # وذلك كما فسروه هو من ضعف الإيمان إما بضعف علم القلب وإعتقاده وإما بضعف ~~عمله وحركته فيدخل فيه من ضعف تصديقه ومن غلب عليه الجبن والفزع فإن أدواء ~~القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير # ذلك كلها أمراض وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التى فيه # وعلى هذا فقوله @QB@ فيطمع الذي في قلبه مرض @QE@ هو إرادة الفجور وشهوة ~~الزنى كما فسروه به ومنه قول النبى PageV28P448 ( وأى داء أدوأ من البخل ( ~~وقد جعل الله تعالى كتابه شفاء لما في الصدور وقال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( إنما شفاء العى السؤال وكان يقول في دعائه ( اللهم إنى اعوذ بك من ~~منكرات الاخلاق والأهواء والأدواء ( # ولن يخاف الرجل غير الله الا لمرض في قلبه كما ذكروا ان رجلا شكا إلى ~~أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال لو صححت لم تخف احدا أي خوفك من اجل ~~زوال الصحة من قلبك ولهذا اوجب الله على عباده ان لا يخافوا حزب الشيطان بل ~~لا يخافون غيره تعالى فقال @QB@ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين @QE@ أي يخوفكم اولياءه وقال لعموم بنى ~~اسرائيل تنبيها لنا @QB@ وإياي فارهبون @QE@ # وقال @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ وقال @QB@ لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني @QE@ وقال تعالى @QB@ اليوم ~~يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون @QE@ وقال @QB@ إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله @QE@ وقال @QB@ الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا ~~إلا الله @QE@ PageV28P449 ه ( وقال @QB@ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ~~وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه @QE@ ~~فدلت هذه الآية وهى قوله ms8211 تعالى @QB@ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض @QE@ على ان المرض والنفاق في القلب يوجب الريب في الأنباء الصادقة ~~التى توجب امن الانسان من الخوف حتى يظنوا انها كانت غرورا لهم كما وقع في ~~حادثتنا هذه سواء ثم قال تعالى @QB@ وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا ~~مقام لكم فارجعوا @QE@ وكان النبى قد عسكر بالمسلمين عند سلع وجعل الخندق ~~بينه وبين العدو فقالت طائفة منهم لا مقام لكم هنا لكثرة العدو فارجعوا إلى ~~المدينة وقيل لا مقام لكم على دين محمد فأرجعوا إلى دين الشرك وقيل لا مقام ~~لكم على القتال فارجعوا إلى الاستئمان والاستجارة بهم # وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال ما بقيت الدولة ~~الاسلامية تقوم فينبغى الدخول في دولة التتار وقال بعض الخاصة ما بقيت ارض ~~الشام تسكن بل ننتقل عنها اما إلى الحجاز واليمن واماالى مصر وقال بعضهم بل ~~المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قد PageV28P450 استسلم لهم اهل العراق ~~والدخول تحت حكمهم # فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة كما قيلت في تلك وهكذا قال ~~طائفة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض لأهل دمشق خاصة والشام عامة لا ~~مقام لكم بهذه الأرض # ونفى المقام بها ابلغ من نفى المقام وان كانت قد قرئت بالضم ايضا فان من ~~لم يقدر ان يقوم بالمكان فكيف يقيم به قال # الله تعالى @QB@ ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي ~~بعورة إن يريدون إلا فرارا @QE@ # وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون والناس مع النبى عند سلع داخل الخندق ~~والنساء والصبيان في آطام المدينة يا رسول الله ان بيوتنا عورة أي مكشوفة ~~ليس بينها وبين العدو حائل # واصل العورة الخالى الذى يحتاج إلى حفظ وستر يقال اعور مجلسك اذا ذهب ~~سترة أو سقط جدارة ومنه عورة العدو # وقال مجاهد والحسن اي ضائعة تخشى عليها السراق وقال قتادة قالوا بيوتنا ~~مما يلى العدو فلا نأمن على اهلنا فائذن لنا ان PageV28P451 نذهب اليها ~~لحفظ النساء والصبيان قال ms8212 الله تعالى @QB@ وما هي بعورة @QE@ لأن الله ~~يحفظها ( @QB@ إن يريدون إلا فرارا @QE@ فهم يقصدون الفرار من الجهاد ~~ويحتجون بحجة العائلة # وهكذا اصاب كثيرا من الناس في هذه الغزاة صاروا يفرون من الثغر إلى ~~المعاقل والحصون والى الأماكن البعيدة كمصر ويقولون ما مقصودنا الا حفظ ~~العيال ومايمكن ارسالهم مع غيرنا وهم يكذبون في ذلك فقد كان يمكنهم جعلهم ~~في حصن دمشق لودنا العدو كمافعل المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقد كان يمكنهم ارسالهم والمقام للجهاد فكيف بمن فر بعد ارسال عياله ~~قال الله تعالى @QB@ ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما ~~تلبثوا بها إلا يسيرا @QE@ فأخبر انه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم ~~طلبت منهم الفتنة وهي الافتتان عن الدين بالكفر أوالنفاق لأعطوا الفتنة ~~ولجاءوها من غير توقف # وهذه حال اقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم ثم طلب منهم ~~موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الأسلام وتلك فتنة عظيمة لكانوا ~~معه على ذلك كما ساعدهم في العام الماضى اقوام بأنواع من الفتنة في الدين ~~والدنيا ما بين ترك واجبات وفعل محرمات إما في حق الله واما في حق العباد ~~كترك الصلاة وشرب PageV28P452 الخمور وسب السلف وسب جنود المسلمين والتجسس ~~لهم على المسلمين ودلالتهم على اموال المسلمين وحريمهم واخذ اموال الناس ~~وتعذيبهم وتقوية دولتهم الملعونة وإرجاف قلوب المسلمين منهم إلى غير ذلك من ~~انواع الفتنة ثم قال تعالى @QB@ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون ~~الأدبار وكان عهد الله مسؤولا @QE@ وهذه حال اقوام عاهدوا ثم نكثوا قديما ~~وحديثا في هذه الغزوة فان في العام الماضى وفى هذا العام في اول الامر كان ~~من اصناف الناس من عاهد على ان يقاتل ولايفر ثم فر منهزما لما اشتد الامر # ثم قال الله تعالى @QB@ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ~~وإذا لا تمتعون إلا قليلا @QE@ فأخبر الله ان الفرار لا ينفع لا من الموت ~~ولا من القتل ms8213 فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون ولذلك قال النبى ( اذا ~~وقع بارض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ( والفرار من القتل كالفرار من ~~الجهاد وحرف ( لن ( ينفى الفعل في الزمن المستقبل والفعل نكرة والنكرة في ~~سياق النفى تعم جميع افرادها فاقتضى ذلك ان الفرار من الموت اوالقتل ليس ~~فيه منفعة ابدا وهذا خبر الله الصادق فمن اعتقد ان ذلك ينفعه فقد كذب الله ~~في خبره PageV28P453 والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن فان هؤلاء ~~الذين فروا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم بل خسروا الدين والدنيا وتفاوتوا ~~في المصائب والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا حتى الموت الذى ~~فروا منه كثر فيهم وقل في المقيمين فما منع الهرب من شاء الله والطالبون ~~للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد ولا قتل بل الموت قل في البلد من حين ~~خرج الفارون وهكذا سنة الله قديما وحديثا # ثم قال تعالى @QB@ وإذا لا تمتعون إلا قليلا @QE@ يقول لو كان الفرار ~~ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة ثم تموتون فإن الموت لابد منه وقد حكى عن ~~بعض الحمقى أنه قال فنحن نريد ذلك القليل وهذا جهل منه بمعنى الآية فإن ~~الله لم يقل إنهم يمتعون بالفرار قليلا لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه ابدا ثم ~~ذكر جوابا ثانيا أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل ثم ذكر جوابا ~~ثالثا وهو أن الفار يأتيه ما قضى له من المضرة ويأتى الثابت ما قضى له من ~~المسرة فقال @QB@ قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد ~~بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا @QE@ # ونظيره قوله في سياق آيات الجهاد @QB@ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو ~~كنتم في بروج مشيدة @QE@ الآية وقوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ms8214 ويميت ~~والله بما تعملون بصير @QE@ PageV28P454 ) فمضمون الأمر أن المنايا محتومة ~~فكم ممن حضر الصفوف فسلم وكم ممن فر من المنية فصادفته كما قال خالد بن ~~الوليد لما إحتضر لقد حضرت كذا وكذا صفا وإن ببدنى بضعا وثمانين ما بين ~~ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم وهأنذا أموت على فراشى كما يموت العير فلا ~~نامت أعين الجبناء # ثم قال تعالى @QB@ قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم ~~إلينا @QE@ قال العلماء كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة ~~فإذا جاءهم أحد قالوا له ويحك أجلس فلا تخرج ويكتبون بذلك إلى إخوانهم ~~الذين بالعسكر أن أئتونا بالمدينة فإنا ننتظركم يثبطونهم عن القتال وكانوا ~~لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدا فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم فإذا ~~غفل عنهم عادوا إلى المدينة فإنصرف بعضهم من عند النبى فوجد أخاه لأبيه ~~وأمه وعنده شواء ونبيذ فقال أنت ها هنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~الرماح والسيوف فقال هلم إلي فقد أحيط بك وبصاحبك PageV28P455 فوصف ~~المثبطين عن الجهاد وهم صنفان بأنهم إما أن يكونوا في بلد الغزاة أوفى غيره ~~فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول أو بالعمل أو بهما وإن كانوا في ~~غيره راسلوهم أو كاتبوهم بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة ليكونوا معهم ~~بالحصون أو بالبعد كما جرى في هذه الغزاة # فإن أقواما في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو ~~وأقواما بعثوا من المعاقل والحصون وغيرهاإلى إخوانهم هلم إلينا قال الله ~~تعالى فيهم @QB@ ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم @QE@ أى بخلاء عليكم ~~بالقتال معكم والنفقة في سبيل الله وقال مجاهد بخلاء عليكم بالخير والظفر ~~والغنيمة وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله أو شح عليهم بفضل الله ~~من نصره ورزقه الذي يجريه بفعل غيره فإن أقواما يشحون بمعروفهم وأقواما ~~يشحون بمعروف الله وفضله وهم الحساد # ثم قال تعالى @QB@ فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي ~~يغشى عليه من الموت @QE@ من شدة الرعب ms8215 الذى في قلوبهم يشبهون المغمى عليه ~~وقت النزع فإنه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره ولا يطرف فكذلك هؤلاء لأنهم ~~يخافون القتل # @QB@ فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد @QE@ ويقال في اللغة PageV28P456 ~~( صلقوكم ( وهو رفع الصوت بالكلام المؤذى ومنه ( الصالقة ( وهى التى ترفع ~~صوتها بالمصيبة يقال صلقه وسلقه وقد قرأ طائفة من السلف بها لكنها خارجة عن ~~المصحف إذا خاطبه خطابا شديدا قويا ويقال خطيب مسلاق إذا كان بليغا في ~~خطبته لكن الشدة هنا في الشر لا في الخير كما قال ( بألسنة حداد أشحة على ~~الخير ) وهذا السلق بالألسنة الحادة يكون بوجوه # تارة يقول المنافقون للمؤمنين هذا الذى جرى علينا بشؤمكم فإنكم أنتم ~~الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم فإن هذه مقالة ~~المنافقين للمؤمنين من الصحابة # وتارة يقولون أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا والثبات بهذا الثغر إلى ~~هذا الوقت وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا وتارة يقولون أنتم ~~مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو وقد غركم دينكم كما قال تعالى @QB@ ~~إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله ~~فإن الله عزيز حكيم @QE@ # وتارة يقولون أنتم مجانين لاعقل لكم تريدون أن تهلكوا PageV28P457 أنفسكم ~~والناس معكم # وتارة يقولون أنواعا من الكلام المؤذى الشديد وهم مع ذلك أشحة على الخير ~~أى حراص على الغنيمة والمال الذى قد حصل لكم قال قتادة أن كان وقت قسمة ~~الغنيمة بسطوا ألسنتهم فيكم يقولون أعطونا فلستم بأحق بها منا فأما عند ~~البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق وأما عند الغنيمة فأشح قوم وقيل أشحة على ~~الخير أى بخلاء به لا ينفعون لا بنفوسهم ولا بأموالهم # وأصل الشح شدة الحرص الذى يتولد عنه البخل والظلم من منع الحق وأخذ ~~الباطل كما قال النبى ( إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم ~~بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ( فهؤلاء أشحاء ~~على إخوانهم أى بخلاء عليهم وأشحاء على الخير أى حراص عليه فلا ينفقونه كما ~~قال ms8216 @QB@ وإنه لحب الخير لشديد @QE@ ثم قال تعالى @QB@ يحسبون الأحزاب لم ~~يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ~~ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا @QE@ فوصفهم بثلاثة أوصاف PageV28P458 # أحدها أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد وهذه حال ~~الجبان الذى في قلبه مرض فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف وتكذيب خبر ~~الأمن # الوصف الثانى أن الأحزاب إذا جاؤوا تمنوا أن لا يكونوا بينكم بل يكونون ~~في البادية بين الأعراب يسألون عن أنبائكم إيش خبر المدينة وإيش جرى للناس ~~والوصف الثالث أن الأحزاب إذا أتوا وهم فيكم لم يقاتلوا إلا قليلا وهذه ~~الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس في هذه الغزوة كما يعرفونه من ~~أنفسهم ويعرفه منهم من خبرهم # ثم قال تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا @QE@ فأخبر سبحانه أن الذين يبتلون بالعدو ~~كما إبتلى رسول الله فلهم فيه أسوة حسنة حيث أصابهم مثل ما أصابه فليتأسوا ~~به في التوكل والصبر ولا يظنون أن هذه نقم لصاحبها وإهانة له فإنه لو كان ~~كذلك ما إبتلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلائق بل بها ينال ~~الدرجات العالية وبها يكفر الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا وإلا فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك PageV28P459 فيكون في حقه ~~عذابا كالكفار والمنافقين # ثم قال تعالى @QB@ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما @QE@ قال العلماء ~~كان الله قد أنزل في سورة البقرة ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم ~~مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) فبين الله سبحانه ~~منكرا على من حسب خلاف ذلك أنهم لا يدخلون الجنة إلابعد أن يبتلوا مثل هذه ~~الأمم قبلهم ب ( البأساء ( وهى الحاجة والفاقة ms8217 و ( الضراء ( وهى الوجع ~~والمرض و ( الزلزال ( وهى زلزلة العدو # فلما جاء الأحزاب عام الخندق فرأوهم قالوا ( هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله ) وعلموا أن الله قد إبتلاهم بالزلزال وأتاهم مثل الذين ~~خلوا من قبلهم وما زادهم إلا إيماناوتسليما لحكم الله وأمره وهذه حال أقوام ~~في هذه الغزوة قالوا ذلك # وكذلك قوله ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه ) أى عهده الذى عاهد الله عليه فقاتل حتى قتل أو عاش و ( النحب ( ~~النذر والعهد وأصله من النحيب وهو PageV28P460 الصوت ومنه الإنتحاب في ~~البكاء وهو الصوت الذى تكلم به في العهد ثم لما كان عهدهم هو نذرهم الصدق ~~في اللقاء ومن صدق في اللقاء فقد يقتل صار يفهم من قوله ( قضى نحبه ) أنه ~~إستشهد لا سيما إذا كان النحب نذر الصدق في جميع المواطن فإنه لا يقضيه إلا ~~بالموت وقضاء النحب هو الوفاء بالعهد كما قال تعالى @QB@ من المؤمنين رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه @QE@ أى أكمل الوفاء وذلك لمن ~~كان عهده مطلقا بالموت أو القتل # @QB@ ومنهم من ينتظر @QE@ قضاءه إذا كان قد وفى البعض فهو ينتظر تمام ~~العهد وأصل القضاء الأتمام والأكمال # @QB@ ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ~~إن الله كان غفورا رحيما @QE@ بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب ليجزى ~~الصادقين بصدقهم حيث صدقوا في إيمانهم كما قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون @QE@ فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين وأخبر ~~أنهم هم الصادقون في قولهم آمنا لامن قال كما قالت الاعراب ( آمنا ) ~~والإيمان لم يدخل في قلوبهم بل انقادوا وإستسلموا وأما المنافقون فهم بين ~~أمرين إما أن يعذبهم وإما أن يتوب عليهم فهذا حال الناس في الخندق وفى هذه ~~الغزاة PageV28P461 وأيضا فإن الله تعالى إبتلى الناس بهذه الفتنة ليجزى ~~الصادقين بصدقهم وهم الثابتون الصابرون لينصروا الله ورسوله ويعذب ~~المنافقين إن شاء ms8218 أو يتوب عليهم ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلق كثير من ~~هؤلاء المذمومين فإن منهم من ندم والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو ~~عن السيئات وقد فتح الله للتوبة بابا من قبل المغرب عرضه أربعون سنة لا ~~يغلقه حتى تطلع الشمس من مغربها # وقد ذكر أهل المغازى منهم بن إسحاق أن النبى قال في الخندق ( الآن نغزوهم ~~ولا يغزونا ( فما غزت قريش ولا غطفان ولا اليهود المسلمين بعدها بل غزاهم ~~المسلمون ففتحوا خيبر ثم فتحوا مكة كذلك إن شاء الله هؤلاء الأحزاب من ~~المغل وأصناف الترك ومن الفرس والمستعربة والنصارى ونحوهم من أصناف ~~الخارجين عن شريعة الإسلام الآن نغزوهم ولا يغزونا ويتوب الله على من يشاء ~~من المسلمين الذين خالط قلوبهم مرض أو نفاق بأن ينيبوا إلى ربهم ويحسن ظنهم ~~بالإسلام وتقوى عزيمتهم على جهاد عدوهم فقد أراهم الله من الآيات ما فيه ~~عبرة لأولى الأبصار كما قال @QB@ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا @QE@ PageV28P462 فإن ~~الله صرف الأحزاب عام الخندق بما أرسل عليهم من ريح الصبا ريح شديدة باردة ~~وبما فرق به بين قلوبهم حتى شتت شملهم ولم ينالوا خيرا إذ كان همهم فتح ~~المدينة والإستيلاء عليها وعلى الرسول والصحابة كما كان هم هذا العدو فتح ~~الشام والإستيلاء على من بها من المسلمين فردهم الله بغيظهم حيث أصابهم من ~~الثلج العظيم والبرد الشديد والريح العاصف والجوع المزعج ما الله به عليم # وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التى وقعت في هذا ~~العام حتى طلبوا الإستصحاء غير مرة وكنا نقول لهم هذا فيه خيرة عظيمة وفيه ~~لله حكمه وسر فلا تكرهوه فكان من حكمته أنه فيما قيل أصاب قازان وجنوده حتى ~~أهلكهم وهو كان فيما قيل سبب رحيلهم وإبتلى به المسلمون ليتبين من يصبر على ~~أمر الله وحكمه ممن يفر عن طاعته وجهاد عدوه وكان مبدأ رحيل قازان فيمن معه ~~من أرض الشام وأراضى حلب ms8219 يوم الأثنين حادى عشر جمادى الأولى يوم دخلت مصر ~~عقيب العسكر وإجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين وألقى الله في قلوبهم من ~~الإهتمام بالجهاد ما ألقاه فلما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو جزاء منه ~~وبيانا أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها وإن لم يقع الفعل ~~وإن تباعدت الديار PageV28P463 وذكر إن الله فرق بين قلوب هؤلاء المغل ~~والكرج وألقى بينهم تباغضا وتعاديا كما ألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش ~~وغطفان وبين اليهود كما ذكر ذلك أهل المغازى فإنه لم يتسع هذا المكان لأن ~~نصف فيه قصة الخندق بل من طالعها علم صحة ذلك كما ذكره أهل المغازى مثل ~~عروة بن الزبير والزهرى وموسى بن عقبة وسعيد بن يحيى الأموى ومحمد بن عائذ ~~ومحمد بن إسحاق والواقدى وغيرهم # ثم تبقى بالشام منهم بقايا سار إليهم من عسكر دمشق أكثرهم مضافا إلى عسكر ~~حماة وحلب وما هنالك وثبت المسلمون بإزائهم وكانوا أكثر من المسلمين بكثير ~~لكن في ضعف شديد وتقربوا إلى حماة وأذلهم الله تعالى فلم يقدموا على ~~المسلمين قط وصار من المسلمين من يريد الإقدام عليهم فلم يوافقه غيره فجرت ~~مناوشات صغار كما جرى في غزوة الخندق حيث قتل على بن أبى طالب رضى الله عنه ~~فيها عمرو بن عبد ود العامرى لما إقتحم الخندق هو ونفر قليل من المشركين # كذلك صار يتقرب بعض العدو فيكسرهم المسلمون مع كون العدو المتقرب أضعاف ~~من قد سرى إليه من المسلمين وما من مرة إلا وقد كان المسلمون مستظهرين ~~عليهم وساق المسلمون خلفهم في آخر PageV28P464 النوبات فلم يدركوهم إلا عند ~~عبور الفرات وبعضهم في جزيرة فيها فرأوا أوائل المسلمين فهربوا منهم ~~وخالطوهم وأصاب المسلمون بعضهم وقيل إنه غرق بعضهم # وكان عبورهم وخلو الشام منهم في أوائل رجب بعد أن جرى ما بين عبور قازان ~~أولا وهذا العبور رجفات ووقعات صغار وعزمنا على الذهاب إلى حماة غير مرة ~~لاجل الغزاة لما بلغنا أن المسلمين يريدون غزو الذين بقوا وثبت بإزائهم ~~المقدم الذى بحماة ومن معهم ms8220 من العسكر ومن أتاه من دمشق وعزموا على لقائهم ~~ونالوا أجرا عظيما وقد قيل إنهم كانوا عدة كمانات إما ثلاثة أو أربعة فكان ~~من المقدر أنه إذا عزم الأمر وصدق المؤمنون الله يلقى في قلوب عدوهم الرعب ~~فيهربون لكن أصابوا من البليدات بالشمال مثل ( تيزين ( والفوعة ومعرة مصرين ~~( وغيرها مالم يكونوا وطئوه في العام الماضى # وقيل إن كثيرا من تلك البلاد كان فيهم ميل إليهم بسبب الرفض وأن عند ~~بعضهم فرامين منهم لكن هؤلاء ظلمة ومن أعان ظالما بلى به والله تعالى يقول ~~@QB@ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون @QE@ # وقد ظاهروهم على المسلمين الذين كفروا من أهل الكتاب من PageV28P465 أهل ~~( سيس ( والأفرنج فنحن نرجو من الله أن ينزلهم من صياصيهم وهى الحصون ويقال ~~للقرون الصياصى ويقذف في قلوبهم الرعب وقد فتح الله تلك البلاد ونغزوهم إن ~~شاء الله تعالى فنفتح أرض العراق وغيرها وتعلو كلمة الله ويظهر دينه فإن ~~هذه الحادثة كان فيها أمور عظيمة جازت حد القياس وخرجت عن سنن العادة وظهر ~~لكل ذى عقل من تأييد الله لهذا الدين وعنايته بهذه الأمة وحفظه للأرض التى ~~بارك فيها للعالمين بعد أن كاد الإسلام أن ينثلم وكر العدو كرة فلم يلو عن ~~وخذل الناصرون فلم يلووا على وتحير السائرون فلم يدروا من ولا إلى وإنقطعت ~~الأسباب الظاهرة وأهطعت الأحزاب القاهرة وإنصرفت الفئة الناصرة وتخاذلت ~~القلوب المتناصرة وثبتت الفئة الناصرة وأيقنت بالنصر القلوب الطاهرة ~~وإستنجزت من الله وعده العصابة المنصورة الظاهرة ففتح الله أبواب سمواته ~~لجنوده القاهرة وأظهر على الحق آياته الباهرة وأقام عمود الكتاب بعد ميله ~~وثبت لواء الدين بقوته وحوله وأرغم معاطس أهل الكفر والنفاق وجعل ذلك آية ~~للمؤمنين إلى يوم التلاق # فالله يتم هذه النعمة بجمع قلوب أهل الإيمان على جهاد أهل الطغيان ويجعل ~~هذه المنة الجسيمة مبدأ لكل منحة كريمة وأساسا PageV28P466 لإقامة الدعوة ~~النبوية القويمة ويشفى صدور المؤمنين من أعاديهم ويمكنهم من دانيهم وقاصيهم ~~والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ms8221 وسلم تسليما # قال الشيخ رحمه الله كتبت أول هذا الكتاب بعد رحيل قازان وجنوده لما رجعت ~~من مصر في جمادى الآخرة وأشاعوا أنه لم يبق منهم أحد ثم لما بقيت تلك ~~الطائفة إشتغلنا بالإهتمام بجهادهم وقصد الذهاب إلى إخواننا بحماة وتحريض ~~الأمراء على ذلك حتى جاءنا الخبر بإنصراف المتبقين منهم فكتبته في رجب ~~والله أعلم والحمد لله وحده وصلى الله على أشرف الخلق محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا إلى يوم الدين PageV28P467 ### || 1 ( سؤال في علي بن أبي طالب ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل شيخ الإسلام تقى الدين ! 8 < # عمن يزعمون إنهم يؤمنون بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~ويعتقدون أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هوعلى بن أبى ~~طالب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على إمامته وإن الصحابة ظلموه ~~ومنعوه حقه وإنهم كفروا بذلك فهل يجب قتالهم ويكفرون بهذا الإعتقاد أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة ~~عن شريعه من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون ~~الدين كله لله # فلو قالوا نصلى ولا نزكى أو نصلى الخمس ولا نصلى الجمعة ولا الجماعة أو ~~نقوم بمبانى الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم أو لا نترك ~~الربا ولاالخمر ولا الميسر أو نتبع القرأن ولا نتبع رسول الله ولا نعمل ~~بالأحاديث الثابتة عنه أو نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين ~~وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة ~~PageV28P468 أو قالوا إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين أو غير ذلك من ~~الأمور المخالفة لشريعة رسول الله وسنته وما عليه جماعة المسلمين فإنه يجب ~~جهاد هذه الطوائف جميعها كما جاهد المسلمون ما نعى الزكاة وجاهدوا الخوارج ~~وأصنافهم وجاهدوا الخرمية والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف أهل الأهواء ~~والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام # وذلك لأن الله تعالى يقول في كتابه @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله ms8222 @QE@ فاذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى ~~يكون الدين كله لله وقال تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم @QE@ فلم يأمر بتخلية سبيلهم الا بعد التوبة من جميع انواع ~~الكفر وبعد اقام الصلاة وايتاء الزكاة وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا ~~بحرب من الله ورسوله @QE@ فقد اخبر تعالى ان الطائفة الممتنعة اذا لم تنته ~~عن الربا فقد حاربت الله ورسوله والربا آخر ما حرم الله في القرآن فما حرمه ~~قبله اوكد وقال تعالى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض @QE@ PageV28P469 فكل من امتنع من اهل الشوكة عن الدخول في طاعة ~~الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة ~~رسوله فقد سعى في الأرض فسادا ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى ~~اهل القبلة حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح ~~لمجرد اخذ الاموال وجعلوهم بأخذ اموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ~~ساعين في الأرض فسادا وان كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالايمان ~~بالله ورسوله # فالذى يعتقد حل دماء المسلمين واموالهم ويستحل قتالهم اولى بأن يكون ~~محاربا لله ورسوله ساعيا في الأرض فسادا من هؤلاء كما ان الكافر الحربي ~~الذى يستحل دماء المسلمين واموالهم ويرى جواز قتالهم اولى بالمحاربة من ~~الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك وكذلك المبتدع الذى خرج عن بعض شريعة رسول ~~الله وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وشريعته واموالهم هو اولى بالمحاربة من الفاسق وان اتخذ ذلك دينا ~~يتقرب به إلى الله كما ان اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينا تتقرب ~~به إلى الله # ولهذا إتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب التى ~~يعتقد أصحابها أنها ذنوب وبذلك مضت سنة ms8223 رسول الله صلى الله PageV28P470 ~~عليه وسلم حيث أمر بقتال الخوارج عن السنة وأمر بالصبر على جور الأئمة ~~وظلمهم والصلاة خلفهم مع ذنوبهم وشهد لبعض المصرين من أصحابه على بعض ~~الذنوب أنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنته وأخبر عن ذى الخويصرة وأصحابه مع ~~عبادتهم وورعهم أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وقد قال ~~تعالى في كتابه @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ # فكل من خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته فقد أقسم الله ~~بنفسه المقدسة أنه لايؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله في جميع ما يشجر بينهم ~~من أمور الدين والدنيا وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه ودلائل القرآن ~~على هذا الأصل كثيرة # وبذلك جاءت سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين ففى الصحيحين عن أبى ~~هريرة قال ( لما توفى رسول الله وإرتد من إرتد من العرب قال عمر بن الخطاب ~~لأبى بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ~~ذلك عصموا منى دماءهم PageV28P471 وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ~~فقال أبو بكر ألم يقل إلا بحقها فإن الزكاة من حقها والله لو منعونى عناقا ~~كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها فقال عمر فو الله ما هو ~~إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق ( فإتفق ~~أصحاب رسول الله على قتال أقوام يصلون ويصومون إذا إمتنعوا عن بعض ما أوجبه ~~الله عليهم من زكاة أموالهم # وهذا الإستنباط من صديق الأمة قد جاء مصرحا به ففى الصحيحين ( عن عبد ~~الله بن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة فإذا فعلوا ذلك ms8224 عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ( فأخبر أنه ~~أمر بقتالهم حتى يؤدوا هذه الواجبات # وهذا مطابق لكتاب الله وقد تواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ~~كثيره وأخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه ذكرها مسلم في صحيحه وأخرج منها ~~البخارى غير وجه وقال الإمام أحمد رحمه الله صح الحديث في الخوارج من عشرة ~~أوجه قال ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه PageV28P472 مع صيامهم ~~وقرائته مع قرائتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد ~~لنكلوا عن العمل ( وفى رواية ( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ( وفى رواية ( ~~شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ( # وهؤلاء أول من قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب ومن معه من أصحاب ~~رسول الله قاتلهم بحرورى لما خرجوا عن السنة والجماعة وإستحلوا دماء ~~المسلمين وأموالهم فإنهم قتلوا عبد الله بن خباب وأغاروا على ماشية ~~المسلمين فقام أمير المؤمنين على بن أبى طالب وخطب الناس وذكر الحديث وذكر ~~أنهم قتلوا وأخذوا الأموال فإستحل قتالهم وفرح بقتلهم فرحا عظيما ولم يفعل ~~في خلافته أمرا عاما كان أعظم عنده من قتال الخوارج وهم كانوا يكفرون جمهور ~~المسلمين حتى كفروا عثمان وعليا وكانوا يعملون بالقرآن في زعمهم ولا يتبعون ~~سنة رسول صلى الله عليه وسلم التى يظنون أنها تخالف القرآن كما يفعله سائر ~~أهل البدع مع كثرة عبادتهم وورعهم # وقد ثبت عن على في صحيح البخارى وغيره من نحو ثمانين وجها أنه قال خير ~~هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وثبت عنه PageV28P473 أنه حرق غالية ~~الرافضة الذين إعتقدوا فيه الإلهية وروى عنه بأسانيد جيدة أنه قال لا أوتى ~~بأحد يفضلنى على ابى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى وعنه أنه طلب عبد الله ~~بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه # وعمر بن الخطاب رضى الله عنه أمر برجل فضله على أبى بكر أن يجلد ms8225 لذلك ~~وقال عمر رضى الله عنه لصبيغ بن عسل لما ظن أنه من الخوارج لو وجدتك محلوقا ~~لضربت الذى فيه عيناك # فهذه سنة أمير المؤمنين على وغيره قد أمر بعقوبة الشيعة الأصناف الثلاثة ~~وأخفهم المفضلة فأمر هو وعمر بجلدهم والغالية يقتلون بإتفاق المسلمين وهم ~~الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في على وغيره مثل النصيرية والإسماعيلية ~~الذين يقال لهم بيت صاد وبيت سين ومن دخل فيهم من المعطلة الذين ينكرون ~~وجود الصانع أو ينكرون القيامة أو ينكرون ظواهر الشريعة مثل الصلوات الخمس ~~وصيام شهر رمضان وحج البيت الحرام ويتأولون ذلك على معرفة أسرارهم وكتمان ~~أسرارهم وزيارة شيوخهم ويرون أن الخمر حلال لهم ونكاح ذوات المحارم حلال ~~لهم # فإن جميع هؤلاء الكفار اكفر من اليهود والنصارى فإن لم يظهر عن أحدهم ~~PageV28P474 ذلك كان من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار ومن ~~أظهر ذلك كان أشد من الكافرين كفرا فلا يجوز أن يقر بين المسلمين لا بجزية ~~ولا ذمة ولا يحل نكاح نسائهم ولا تؤكل ذبائحهم لأنهم مرتدون من شر المرتدين ~~فإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم كما يقاتل المرتدون كما قاتل الصديق ~~والصحابة أصحاب مسيلمة الكذاب وإذا كانوا في قرى المسلمين فرقوا وأسكنوا ~~بين المسلمين بعد التوبة والزموا بشرائع الإسلام التى تجب على المسلمين # وليس هذا مختصا بغالية الرافضة بل من غلا في أحد من المشايخ وقال أنه ~~يرزقه أو يسقط عنه الصلاة أو أن شيخة أفضل من النبى أو أنه مستغن عن شريعة ~~النبى وأن له إلى الله طريقا غير شريعة النبى أو أن أحدا من المشايخ يكون ~~مع النبى كما كان الخضر مع موسى # وكل هؤلاء كفار يجب قتالهم بإجماع المسلمين وقتل الواحد المقدور عليه ~~منهم # وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روى عنهما اعنى عمر ~~وعلى قتلهما ايضا والفقهاء وان تنازعوا في قتل الواحد PageV28P475 المقدور ~~عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتالهم اذا كانوا ممتنعين فان القتال ~~اوسع من القتل كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون ms8226 البغاة وان كان احدهم ~~اذا قدر عليه لم يعاقب الا بما امر الله ورسوله به # وهذه النصوص المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم في الخوارج قد ادخل ~~فيها العلماء لفظا أو معنى من كان في معناهم من اهل الأهواء الخارجين عن ~~شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة المسلمين بل بعض هؤلاء شر من ~~الخوارج الحرورية مثل الخرمية والقرامطة والنصيرية وكل من اعتقد في بشر انه ~~اله أو في غير الانبياء انه نبى وقاتل على ذلك المسلمين فهو شر من الخوارج ~~الحرورية # والنبى انما ذكر الخوارج الحرورية لانهم اول صنف من اهل البدع خرجوا بعده ~~بل اولهم خرج في حياته فذكرهم لقربهم من زمانه كما خص الله ورسوله اشياء ~~بالذكر لوقوعها في ذلك الزمان مثل قوله @QB@ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ~~@QE@ وقوله @QB@ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~@QE@ ونحو ذلك ومثل تعيين النبى قبائل من الانصار وتخصيصه اسلم وغفار ~~وجهينة وتميما وأسدا وغطفان وغيرهم باحكام لمعان قامت بهم وكل من وجدت فيه ~~تلك المعانى الحق بهم لان PageV28P476 التخصيص بالذكر لم يكن لاختصاصهم ~~بالحكم بل لحاجة المخاطبين اذ ذاك إلى تعيينهم هذا اذا لم تكن الفاظه شاملة ~~لهم # وهؤلاء الرافضة ان لم يكونوا شرا من الخوارج المنصوصين فليسوا دونهم فان ~~اولئك انما كفروا عثمان وعليا واتباع عثمان وعلي فقط دون من قعد عن القتال ~~أو مات قبل ذلك # والرافضة كفرت أبا بكر وعمر وعثمان وعامة المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم باحسان الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه وكفروا جماهير امة محمد من ~~المتقدمين والمتاخرين # فيكفرون كل من اعتقد في ابى بكر وعمر والمهاجرين والأنصار العدالة أو ~~ترضى عنهم كما رضى الله عنهم أو يستغفر لهم كما أمر الله بالاستغفار لهم ~~ولهذا يكفرون اعلام الملة مثل سعيد بن المسيب وابى مسلم الخولانى وأويس ~~القرنى وعطاء بن ابى رباح وابراهيم النخعى ومثل مالك والأوزاعى وابى حنيفة ~~وحماد بن زيد وحماد بن سلمة والثورى والشافعى واحمد بن حنبل ms8227 وفضيل بن عياض ~~وأبى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله ~~التسترى وغير هؤلاء ويستحلون دماء من خرج عنهم ويسمون مذهبهم مذهب الجمهور ~~كما يسميه المتفلسفة ونحوهم بذلك PageV28P477 وكما تسميه المعتزلة مذهب ~~الحشو والعامة واهل الحديث ويرون في اهل الشام ومصر والحجاز والمغرب واليمن ~~والعراق والجزيرة وسائر بلاد الأسلام انه لا يحل نكاح هؤلاء ولا ذبائحهم ~~وأن المائعات التى عندهم من المياة والأدهان وغيرها نجسة ويرون ان كفرهم ~~اغلظ من كفر اليهود والنصارى لأن أولئك عندهم كفار أصليون وهؤلاء مرتدون ~~وكفرالردة أغلظ بالاجماع من الكفر الأصلى # ولهذا السبب يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين فيعاونون التتار على ~~الجمهور وهم كانوا من أعظم الأسباب في خروج جنكزخان ملك الكفار إلى بلاد ~~الإسلام وفى قدوم هولاكو إلى بلاد العراق وفى اخذ حلب ونهب الصالحية وغير ~~ذلك بخبثهم ومكرهم لما دخل فيه من توزر منهم للمسلمين وغير من توزر منهم # وبهذا السبب نهبوا عسكر المسلمين لما مر عليهم وقت انصرافه إلى مصر في ~~النوبة الأولى وبهذا السبب يقطعون الطرقات على المسلمين وبهذا السبب ظهر ~~فيهم من معاونة التتار والافرنج على المسلمين والكآبة الشديدة بانتصار ~~الاسلام ما ظهر وكذلك لما فتح المسلمون الساحل عكة وغيرها ظهر فيهم من ~~الانتصار للنصارى وتقديمهم على المسلمين ما قد سمعه الناس منهم وكل هذا ~~الذى وصفت بعض امورهم وإلا فالأمر أعظم من ذلك PageV28P478 وقد اتفق أهل ~~العلم بالأحوال ان اعظم السيوف التى سلت على أهل القبلة ممن ينتسب اليها ~~وأعظم الفساد الذى جرى على المسلمين ممن ينتسب إلى أهل القبلة انما هو من ~~الطوائف المنتسبة اليهم # فهم أشد ضررا على الدين وأهله وأبعد عن شرائع الاسلام من الخوارج ~~الحرورية ولهذا كانوا اكذب فرق الامة فليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة ~~اكثر كذبا ولا اكثر تصديقا للكذب وتكذيبا للصدق منهم وسيما النفاق فيهم ~~اظهر منه في سائر الناس وهى التى قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم ( آية ~~المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد ms8228 اخلف واذا اؤتمن خان ) وفى رواية ( أربع ~~من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق ~~حتى يدعها اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ) وكل من ~~جربهم يعرف اشتمالهم على هذه الخصال ولهذا يستعملون التقية التى هي سيما ~~المنافقين واليهود ويستعملونها مع المسلمين @QB@ يقولون بألسنتهم ما ليس في ~~قلوبهم @QE@ ويحلفون ما قالوا وقد قالوا @QB@ يحلفون بالله لكم ليرضوكم ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه @QE@ # وقد أشبهوا اليهود في أمور كثيرة لا سيما السامرة من اليهود فإنهم أشبه ~~بهم من سائر الأصناف يشبهونهم في دعوى الإمامة في PageV28P479 شخص أو بطن ~~بعينه والتكذيب لكل من جاء بحق غيره يدعونه وفى إتباع الأهواء أو تحريف ~~الكلم عن مواضعه وتأخيرالفطر وصلاة المغرب وغير ذلك وتحريم ذبائح غيرهم # ويشبهون النصارى في الغلو في البشر والعبادات المبتدعة وفى الشرك وغير ~~ذلك # وهم يوالون اليهود والنصارى والمشركين على المسلمين وهذه شيم المنافقين ~~قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ترى ~~كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم ~~وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون @QE@ وليس لهم عقل ولا نقل ولا دين ~~صحيح ولا دنيا منصورة وهم لا يصلون جمعة ولا جماعة والخوارج كانوا يصلون ~~جمعة وجماعة وهم لا يرون جهاد الكفار مع أئمة المسلمين ولا الصلاة خلفهم ~~ولا طاعتهم في طاعة الله ولا تنفيذ شيء من أحكامهم لإعتقادهم [ أن ذلك ] لا ~~يسوغ إلا خلف إمام معصوم ويرون أن المعصوم قد دخل في السرداب من أكثر من ~~أربعمائة وأربعين سنة وهو إلى الآن لم يخرج ولا رآه أحد ولا علم أحدا دينا ~~ولا PageV28P480 حصل به فائدة بل مضرة ومع هذا فالإيمان عندهم لا يصح إلا ~~به ولا يكون مؤمنا إلا من آمن ms8229 به ولا يدخل الجنة إلا أتباعه مثل هؤلاء ~~الجهال الضلال من سكان الجبال والبوادى أو من إستحوذ عليهم بالباطل مثل إبن ~~العود ونحوه ممن قد كتب خطه مما ذكرناه من المخازى عنهم وصرح بما ذكرناه ~~عنهم وبأكثر منه # وهم مع هذا الأمر يكفرون كل من آمن بأسماء الله وصفاته التى في الكتاب ~~والسنة وكل من آمن بقدر الله وقضائه فآمن بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة ~~وأنه خالق كل شيء # وأكثر محققيهم عندهم يرون أن أبا بكر وعمر وأكثر المهاجرين والأنصار ~~وأزواج النبى مثل عائشة وحفصة وسائر أئمة المسلمين وعامتهم ما آمنوا بالله ~~طرفة عين قط لأن الإيمان الذى يتعقبه الكفر عندهم يكون باطلا من أصله كما ~~يقوله بعض علماء السنة ومنهم من يرى أن فرج النبى الذى جامع به عائشة وحفصة ~~لابد أن تمسه النار ليطهر بذلك من وطىء الكوافر على زعمهم لأن وطء الكوافر ~~حرام عندهم # ومع هذا يردون أحاديث رسول الله الثابتة المتواترة عنه عند أهل العلم مثل ~~أحاديث البخارى ومسلم ويرون أن شعر شعراء الرافضة مثل الحميرى وكوشيار ~~الديلمى وعمارة اليمنى خيرا PageV28P481 من أحاديث البخارى ومسلم وقد رأينا ~~في كتبهم من الكذب والإفتراء على النبى وصحابته وقرابته أكثر مما رأينا من ~~الكذب في كتب أهل الكتاب من التوراة والإنجيل # وهم مع هذا يعطلون المساجد التى أمر الله أن ترفع ويذكر فيها إسمه فلا ~~يقيمون فيها جمعة ولا جماعة ويبنون على القبور المكذوبة وغير المكذوبة ~~مساجد يتخذونها مشاهد وقد لعن رسول الله من إتخذ المساجد على القبور ونهى ~~أمته عن ذلك وقال قبل أن يموت بخمس ( ان من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فأنى أنهاكم عن ذلك ( ويرون أن حج هذه ~~المشاهد المكذوبة وغير المكذوبة من أعظم العبادات حتى أن من مشائخهم من ~~يفضلها على حج البيت الذى أمر الله به ورسوله ووصف حالهم يطول # فبهذا يتبين أنهم شر من عامة أهل الأهواء وأحق بالقتال من الخوارج وهذا ~~هو السبب فيما شاع في ms8230 العرف العام أن أهل البدع هم الرافضة فالعامة شاع ~~عندها أن ضد السنى هو الرافضى فقط لأنهم أظهر معاندة لسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وشرائع دينه من سائر أهل الأهواء PageV28P482 وأيضا ~~فالخوارج كانوا يتبعون القرآن بمقتضى فهمهم وهؤلاء إنما يتبعون الإمام ~~المعصوم عندهم الذى لا وجود له فمستند الخوارج خير من مستندهم # وأيضا فالخوارج لم يكن منهم زنديق ولا غال وهؤلاء فيهم من الزنادقة ~~والغالية من لا يحصية إلا الله وقد ذكر اهل العلم أن مبدأ الرفض إنما كان ~~من الزنديق عبد الله بن سبأ فإنه أظهر الإسلام وأبطن اليهودية وطلب أن يفسد ~~الإسلام كما فعل بولص النصرانى الذى كان يهوديا في إفساد دين النصارى # وأيضا فغالب أئمتهم زنادقة إنما يظهرون الرفض لأنه طريق إلى هدم الإسلام ~~كما فعلته أئمة الملاحدة الذين خرجوا بأرض أذربيجان في زمن المعتصم مع بابك ~~الخرمى وكانوا يسمون ( الخرمية ( و ( المحمرة ) ( والقرامطة الباطنية ( ~~الذين خرجوا بأرض العراق وغيرها بعد ذلك وأخذوا الحجر الأسود وبقى معهم مدة ~~كأبى سعيد الجنابى وأتباعه والذين خرجوا بأرض المغرب ثم جاوزوا إلى مصر ~~وبنوا القاهرة وادعوا أنهم فاطميون مع اتفاق أهل العلم بالأنساب أنهم ~~بريئون من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نسبهم متصل بالمجوس ~~واليهود واتفاق أهل العلم بدين رسول الله أنهم أبعد عن دينه من اليهود ~~والنصارى بل الغالية الذين يعتقدون PageV28P483 إلهية علي والأئمة ومن ~~اتباع هؤلاء الملاحدة أهل دور الدعوة الذين كانوا بخراسان والشام واليمن ~~وغير ذلك # وهؤلاء من أعظم من أعان التتار على المسلمين باليد واللسان بالمؤازرة ~~والولاية وغير ذلك لمباينة قولهم لقول المسلمين واليهود والنصارى ولهذا كان ~~ملك الكفار ( هولاكو ( يقرر أصنامهم # وأيضا فالخوارج كانوا من أصدق الناس وأوفاهم بالعهد وهؤلاء من أكذب الناس ~~وأنقضهم للعهد # وأما ذكر المستفتى أنهم يؤمنون بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~فهذا عين الكذب بل كفروا مما جاء به بما لا يحصيه الا الله فتارة يكذبون ~~بالنصوص الثابتة عنه وتارة يكذبون بمعانى ms8231 التنزيل وما ذكرناه وما لم نذكره ~~من مخازيهم يعلم كل أحد أنه مخالف لما بعث الله به محمدا صلى الله عليه ~~وسلم # فان الله قد ذكر في كتابه من الثناء على الصحابة والرضوان عليهم ~~والاستغفار لهم ما هم كافرون بحقيقته وذكر في كتابه من الامر بالجمعة ~~والامر بالجهاد وبطاعة أولى الامر ما هم خارجون عنه وذكر في كتابه من ~~موالاة المؤمنين وموادتهم ومؤاخاتهم والاصلاح بينهم ما هم عنه خارجون وذكر ~~في كتابه من النهى عن موالاة الكفار وموادتهم ما هم خارجون PageV28P484 عنه ~~وذكر في كتابه من تحريم دماء المسلمين واموالهم وأعراضهم وتحريم الغيبة ~~والهمز واللمز ما هم أعظم الناس استحلالا له وذكر في كتابه من الامر ~~بالجماعة والائتلاف والنهى عن الفرقة والاختلاف ما هم أبعد الناس عنه وذكر ~~في كتابه من طاعة رسول الله ومحبته واتباع حكمه ما هم خارجون عنه وذكر في ~~كتابه من حقوق أزواجه ما هم برآء منه وذكر في كتابه من توحيده واخلاص الملك ~~له وعبادته وحده لا شريك له ما هم خارجون عنه فانهم مشركون كما جاء فيهم ~~الحديث لأنهم أشد الناس تعظيما للمقابر التى اتخذت أوثانا من دون الله وهذا ~~باب يطول وصفه # وقد ذكر في كتابه من أسمائه وصفاته ما هم كافرون به وذكر في كتابه من قصص ~~الأنبياء والنهى عن الاستغفار للمشركين ما هم كافرون به وذكر في كتابه من ~~أنه على كل شيء قدير وأنه خالق كل شيء وأنه ما شاء الله لا قوة الا بالله ~~ما هم كافرون به ولا تحتمل الفتوى الا الاشاره المختصرة # ومعلوم قطعا ان ايمان الخوارج بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أعظم ~~من ايمانهم فاذا كان أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه قد قتلهم ~~ونهب عسكره ما في عسكرهم من الكراع والسلاح والأموال فهؤلاء أولى أن ~~يقاتلوا وتؤخذ أموالهم كما أخذ أمير المؤمنين علي بن PageV28P485 أبى طالب ~~أموال الخوارج # ومن إعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن قتال هؤلاء ms8232 بمنزلة قتال ~~البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين على بن أبى ~~طالب لأهل الجمل وصفين فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة الإسلام وتخصيصه هؤلاء ~~الخارجين عنها # فإن هؤلاء لو ساسوا البلاد التى يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكا ~~كسائر الملوك وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله وسنته شرا من خروج ~~الخوارج الحرورية وليس لهم تأويل سائغ فإن التأويل السائغ هوالجائز الذى ~~يقر صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب كتأويل العلماء المتنازعين في موارد ~~الإجتهاد وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ولكن لهم تأويل من ~~جنس تأويل مانعى الزكاة والخوارج واليهود والنصارى وتأويلهم شر تأويلات أهل ~~الأهواء # ولكن هؤلاء المتفقهة لم يجدوا تحقيق هذه المسائل في مختصراتهم # وكثير من الأئمة المصنفين في الشريعة لم يذكروا في مصنفاتهم قتال ~~الخارجين عن أصول الشريعة الإعتقادية والعملية كما نعى الزكاة والخوارج ~~ونحوهم إلا من جنس قتال الخارجين على الإمام كأهل PageV28P486 الجمل وصفين ~~وهذا غلط بل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فرق بين الصنفين كما ذكر ذلك ~~أكثر أئمة الفقه والسنة والحديث والتصوف والكلام وغيرهم # وأيضا فقد جاءت النصوص عن النبى بما يشملهم وغيرهم مثل ما رواه مسلم في ~~صحيحه عن أبى هريرة قال قال رسول صلى الله عليه وسلم الله ( من خرج من ~~الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية ومن قتل تحت راية عمية يغضب ~~للعصبية ويقاتل للعصبية فليس منى ومن خرج على أمتى يضرب برها وفاجرها ولا ~~يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذى عهدها فليس منى ( فقد ذكر صلى الله عليه وسلم ~~البغاة الخارجين عن طاعة السلطان وعن جماعة المسلمين وذكر أن أحدهم إذا مات ~~مات ميتة جاهلية فإن أهل الجاهلية لم يكونوا يجعلون عليهم أئمة بل كل طائفة ~~تغالب الأخرى ثم ذكر قتال أهل العصبية كالذين يقاتلون على الأنساب مثل قيس ~~ويمن وذكر أن من قتل تحت هذه الرايات فليس من أمته ثم ذكر قتال العداة ~~الصائلين والخوارج ونحوهم وذكر أن من فعل هذا فليس ms8233 منه # وهؤلاء جمعوا هذه الثلاثة الأوصاف وزادوا عليها فإنهم خارجون عن الطاعة ~~والجماعة يقتلون المؤمن والمعاهد لايرون لأحد من ولاة PageV28P487 المسلمين ~~طاعة سواء كان عدلا أو فاسقا إلا لمن لا وجود له وهم يقاتلون لعصبية شر من ~~عصبية ذوى الأنساب وهى العصبية للدين الفاسد فإن في قلوبهم من الغل والغيظ ~~على كبار المسلمين وصغارهم وصالحيهم وغير صالحيهم ما ليس في قلب أحد وأعظم ~~عبادتهم عندهم لعن المسلمين من أولياء الله مستقدمهم ومستأخرهم وأمثلهم ~~عندهم الذى لايلعن ولا يستغفر # وأما خروجهم يقتلون المؤمن والمعاهد فهذا أيضا حالهم مع دعواهم أنهم هم ~~المؤمنون وسائرالأمة كفار وروى مسلم في صحيحه عن محمد بن شريح قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ستكون هنأة وهنأة فمن أراد أن يفرق أمر هذه ~~الأمة وهى جميع فأضربوه بالسيف كائنا من كان ( وفى لفظ فأقتلوه وفى لفظ ? < ~~من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم ~~فأقتلوه > ? # وهؤلاء أشد الناس حرصا على تفريق جماعة المسلمين فإنهم لا يقرون لولى أمر ~~بطاعة سواء كان عدلا أو فاسقا ولا يطيعونه لا في طاعة ولا في غيرها بل أعظم ~~أصولهم عندهم التكفير واللعن والسب لخيار ولاة الأمور كالخلفاء الراشدين ~~والعلماء المسلمين ومشائخهم لإعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم ~~الذى لا وجود له فما آمن PageV28P488 بالله ورسوله # وإنما كان هؤلاء شرا من الخوارج الحرورية وغيرهم من أهل الأهواء لإشتمال ~~مذاهبهم على شر مما إشتملت عليه مذاهب الخوارج وذلك لأن الخوارج الحرورية ~~كانوا أول أهل الأهواء خروجا عن السنة والجماعة مع وجود بقية الخلفاء ~~الراشدين وبقايا المهاجرين والأنصار وظهور العلم والإيمان والعدل في الأمة ~~وإشراق نور النبوة وسلطان الحجة وسلطان القدرة حيث أظهر الله دينه على ~~الدين كله بالحجة والقدرة # وكان سبب خروجهم ما فعله أمير المؤمنين عثمان وعلى ومن معهما من الأنواع ~~التى فيها تأويل فلم يحتملوا ذلك وجعلوا موارد الإجتهاد بل الحسنات ذنوبا ~~وجعلوا الذنوب كفرا ولهذا لم يخرجوا في زمن أبى ms8234 بكر وعمر لإنتفاء تلك ~~التأويلات وضعفهم # ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف فلهذا كانت ~~البدعة الأولى أخف من الثانية والمستأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى ~~وزيادة عليها كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى النبى كانت أفضل فالسنن ~~ضد البدع فكل ما قرب منه مثل سيرة أبى بكر وعمر كان أفضل مما PageV28P489 ~~تأخر كسيرة عثمان وعلى والبدع بالضد كل ما بعد عنه كان شرا مما قرب منه ~~وأقربها من زمنه الخوارج فإن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه ولكن لم يجتمعوا ~~وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين على رضى الله عنه # ثم ظهر في زمن على التكلم بالرفض لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد ~~مقتل الحسين رضى الله عنه بل لم يظهر إسم الرفض إلا حين خروج زيد بن على بن ~~الحسين بعد المائة الأولى لما أظهر الترحم على أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ~~رفضته الرافضة فسموا ( رافضة ( وإعتقدوا أن أبا جعفر هوالإمام المعصوم ~~واتبعه آخرون فسموا ( زيدية ( نسبة إليه # ثم في أواخر عصر الصحابة نبغ التكلم ببدعة القدرية والمرجئة فردها بقايا ~~الصحابة كإبن عمر وإبن عباس وجابر بن عبد الله وأبى سعيد وواثلة بن الأسقع ~~وغيرهم ولم يصر لهم سلطان وإجتماع حتى كثرت المعتزلة والمرجئة بعد ذلك # ثم في أواخر عصر التابعين ظهر التكلم ببدعة الجهمية نفاة الصفات ولم يكن ~~لهم إجتماع وسلطان إلا بعد المائة الثانية في إمارة أبى العباس الملقب ~~بالمأمون فإنه أظهر التجهم وإمتحن الناس عليه وعرب كتب PageV28P490 الأعاجم ~~من الروم واليونانيين وغيرهم وفى زمنه ظهرت ( الخرمية ( وهم زنادقة منافقون ~~يظهرون الإسلام وتفرعوا بعد ذلك إلى القرامطة والباطنية والإسماعيلية وأكثر ~~هؤلاء ينتحلون الرفض في الظاهر وصارت الرافضة الإمامية في زمن بنى بويه بعد ~~المائة الثالثة فيهم عامة هذه الأهواء المضلة فيهم الخروج والرفض والقدر ~~والتجهم # وإذا تأمل العالم ما ناقضوه من نصوص الكتاب والسنة لم يجد أحدا يحصيه إلا ~~الله فهذا كله يبين أن فيهم ما ms8235 في الخوارج الحرورية وزيادات # وأيضا فإن الخوارج الحرورية كانوا ينتحلون إتباع القرآن بآرائهم ويدعون ~~إتباع السنن التى يزعمون أنها تخالف القرآن والرافضة تنتحل إتباع أهل البيت ~~وتزعم أن فيهم المعصوم الذى لا يخفى عليه شيء من العلم ولا يخطئ لا عمدا ~~ولا سهوا ولا رشدا وإتباع القرآن واجب على الأمة بل هو أصل الإيمان وهدى ~~الله الذى بعث به رسوله # وكذلك أهل بيت رسول الله تجب محبتهم وموالاتهم ورعاية حقهم وهذان الثقلان ~~اللذان وصى بهما رسول الله فروى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال خطبنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال ( يا ~~أيها الناس انى تارك فيكم الثقلين ( وفى رواية أحدهما أعظم من الآخر كتاب ~~الله فيه الهدى PageV28P491 والنور ( فرغب في كتاب الله وفى رواية ( هو حبل ~~الله من أتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة وعترتى أهل بيتى ~~أذكركم الله في أهل بيتى أذكركم الله في أهل بيتى أذكركم الله في أهل بيتى ~~( فقيل لزيد بن أرقم من أهل بيته قال أهل بيته من حرم الصدقة آل العباس وآل ~~علي وآل جعفر وآل عقيل # والنصوص الدالة على إتباع القرآن أعظم من أن تذكر هنا وقد روى عن النبى ~~من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته ( والذى نفسى بيده لا يدخلون الجنة حتى ~~يحبوكم من أجلى ( وقد أمرنا الله بالصلاة على آل محمد وطهرهم من الصدقة ~~التى هي أوساخ الناس وجعل لهم حقا في الخمس والفيء وقال فيما ثبت في الصحيح ~~( أن الله إصطفى بنى إسماعيل وإصطفى كنانة من بنى إسماعيل وإصطفى قريشا من ~~كنانة واصطفى بنى هاشم من قريش وإصطفانى من بنى هاشم فأنا خيركم نفسا ~~وخيركم نسبا ( ولو ذكرنا ما روى في حقوق القرابة وحقوق الصحابة لطال الخطاب ~~فإن دلائل هذا كثيرة من الكتاب والسنة # ولهذا إتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة وتبرؤا ~~من الناصبة الذين يكفرون على بن أبى طالب ويفسقونه PageV28P492 ويتنقصون ms8236 ~~بحرمة أهل البيت مثل من كان يعاديهم على الملك أو يعرض عن حقوقهم الواجبة ~~أو يغلو في تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق وتبرؤا من الرافضة الذين يطعنون ~~على الصحابة وجمهور المؤمنين ويكفرون عامة صالحى أهل القبلة وهم يعلمون أن ~~هؤلاء أعظم ذنبا وضلالا من أولئك كما ذكرنا من أن هؤلاء الرافضة المحاربين ~~شر من الخوارج وكل من الطائفتين إنتحلت إحدى الثقلين لكن القرآن أعظم # فلهذا كانت الخوارج أقل ضلالا من الروافض مع أن كل واحدة من الطائفتين ~~مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ومخالفة لصحابته وقرابته ومخالفون لسنة ~~خلفائه الراشدين ولعترته أهل بيته # وقد تنازع العلماء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في إجماع الخلفاء وفى ~~إجماع العترة هل هو حجة يجب إتباعها والصحيح أن كلاهما حجة فإن النبى قال ( ~~عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا ~~عليها بالنواجذ ( وهذا حديث صحيح في السنن وقال صلى الله عليه وسلم ( أنى ~~تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ( ~~رواه الترمذى وحسنه وفيه نظر وكذلك إجماع أهل المدينة النبوية في زمن ~~الخلفاء الراشدين هو بهذه المنزلة PageV28P493 # والمقصود هنا أن يتبين أن هؤلاء الطوائف المحاربين لجماعة المسلمين من ~~الرافضة ونحوهم هم شر من الخوارج الذين نص النبى صلى الله عليه وسلم على ~~قتالهم ورغب فيه وهذا متفق عليه بين علماء الإسلام العارفين بحقيقته ثم ~~منهم من يرى أن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم شمل الجميع ومنهم من يرى ~~أنهم دخلوا من باب التنبيه والفحوى أو من باب كونهم في معناهم فإن الحديث ~~روى بألفاظ متنوعة ففى الصحيحين واللفظ للبخارى عن على بن أبى طالب رضى ~~الله عنه أنه قال إذا حدثتكم عن رسول الله حديثا فوالله لأن أخر من السماء ~~أحب إلى من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بينى وبينكم فإن الحرب خدعة وانى ~~سمعت رسول الله يقول ( سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام ~~يقولون من خير قول البرية ms8237 لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما ~~يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن ~~قتلهم يوم القيامة ( وفى صحيح مسلم ( عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين ~~كانوا مع على رضى الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج فقال على يا أيها الناس ~~إنى سمعت رسول الله يقول ( يخرج قوم من أمتى يقرؤون القرآن ليس قرائتكم إلى ~~قرائتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ~~يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم PageV28P494 لا تجاوز صلاتهم ~~تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين ~~يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا ~~له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدى عليه شعرات بيض ( والله ~~أنى لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في ~~سرح الناس فسيروا على إسم الله وذكر الحديث إلى آخره # وفى مسلم أيضا ( عن عبد الله بن رافع كاتب على رضى الله عنه أن الحرورية ~~لما خرجت وهو مع على قالوا لا حكم إلا لله فقال على كلمة حق أريد بها باطل ~~أن رسول الله وصف ناسا أنى لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا ~~يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه من ابغض خلق الله إليه منهم رجل أسود إحدى ~~يديه طبي شاة أو حلمة ثدي فلما قتلهم على بن طالب قال أنظروا فنظروا فلم ~~يجدوا شيئا فقال أرجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه ~~في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه ( # وهذه العلامة التى ذكرها النبى هي علامة أول من يخرج منهم ليسوا مخصوصين ~~بأولئك القوم فإنه قد أخبر PageV28P495 في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون ~~يخرجون إلى زمن الدجال وقد إتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك ~~العسكر # وأيضا فالصفات التي وصفها تعم غير ذلك العسكر ولهذا كان الصحابة ms8238 يروون ~~الحديث مطلقا مثل ما في الصحيحين عن أبى سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا ~~سعيد فسألاه عن الحرورية هل سمعت رسول الله يذكرها قال لا أدري ولكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول ( يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها قوم تحقرون ~~صلاتكم مع صلاتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو حلوقهم يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه ~~فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء من الدم اللفظ لمسلم وفى الصحيحين أيضا ~~عن أبى سعيد قال بينما النبى يقسم جاء عبد الله ذو الخويصرة التميمي وفى ~~رواية أتاه ذو الخويصرة رجل من بنى تميم فقال أعدل يارسول الله فقال ( ويلك ~~من يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت أن لم أكن أعدل ( قال عمر بن الخطاب إئذن ~~لى فأضرب عنقه قال ( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه ~~مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا ~~يوجد فيه شيء PageV28P496 ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى ~~نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذة فلا يوجد فيه شيء قد سبق ~~الفرث والدم ( وذكر ما في الحديث # فهؤلاء أصل ضلالهم إعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون ~~عن العدل وأنهم ضالون وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم ثم ~~يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا ثم يرتبون على الكفر أحكاما إبتدعوها # فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم في كل مقام تركوا ~~بعض أصول دين الإسلام حتى مرقوا منه كما مرق السهم من الرمية وفى الصحيحين ~~في حديث أبى سعيد ( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم ~~لأقتلنهم قتل عاد ( وهذا 1 نعت سائر الخارجين كالرافضة ونحوهم فإنهم ~~يستحلون دماء أهل القبلة لإعتقادهم أنهم مرتدون أكثر مما يستحلون من دماء ~~الكفار الذين ليسوا مرتدين لأن المرتد شر ms8239 من غيره وفى حديث أبى سعيد أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته ( يخرجون في فرقة من ~~الناس سيماهم التحليق قال هم شر الخلق أو من شر الخلق تقتلهم أدنى ~~الطائفتين إلى الحق ( وهذه السيما سيما أولهم كما كان ذو الثدية لأن هذا ~~وصف لازم لهم PageV28P497 # وأخرجا في الصحيحين حديثهم من حديث سهل بن حنيف بهذا المعنى ورواه ~~البخارى من حديث عبد الله بن عمر ورواه مسلم من حديث أبى ذر ورافع بن عمرو ~~وجابر بن عبد الله وغيرهم وروى النسائى عن أبى برزة أنه قيل له هل سمعت ~~رسول الله يذكر الخوارج قال نعم سمعت رسول الله بأذنى ورأيته بعينى أن رسول ~~الله أتى بمال فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ولم يعط من وراءه شيئا ~~فقام رجل من ورائه فقال يا محمد ما عدلت في القسمة رجل أسود مطموم الشعر ~~عليه ثوبان أبيضان فغضب رسول الله غضبا شديدا وقال له ( والله لا تجدون ~~بعدى رجلا هو أعدل منى ( ثم قال ( يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم ~~يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية سيماهم التحليق لايزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال فإذا ~~لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة ( وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~الصامت عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن بعدى من أمتى ~~أو سيكون بعدى من أمتى قوم يقرؤون القرآن لايجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين ~~كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة ( قال إبن ~~الصامت فلقيت PageV28P498 رافع بن عمرو الغفارى أخا الحكم بن عمرو الغفارى ~~قلت ما حديث سمعته من أبى ذر كذا وكذا فذكرت له الحديث فقال وأنا سمعته من ~~رسول الله ( # فهذه المعانى موجودة في أولئك القوم الذين قتلهم علي رضى الله عنه وفى ~~غيرهم وإنما قولنا أن عليا قاتل الخوارج بأمر رسول الله مثل ما ms8240 يقال أن ~~النبى قاتل الكفار أى قاتل جنس الكفار وإن كان الكفر أنواعا مختلفة وكذلك ~~الشرك أنواع مختلفة وإن لم يكن الآلهة التى كانت العرب تعبدها هي التى ~~تعبدها الهند والصين والترك لكن يجمعهم لفظ الشرك ومعناه # وكذلك الخروج والمروق يتناول كل من كان في معنى أولئك ويجب قتالهم بأمر ~~النبى صلى الله عليه وسلم كما وجب قتال أولئك وإن كان الخروج عن الدين ~~والإسلام أنواعا مختلفة وقد بينا أن خروج الرافضة ومروقهم أعظم بكثير # فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية والرافضة ونحوهم فهذا ~~فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن الإمام أحمد والصحيح أنه يجوز قتل الواحد ~~منهم كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه PageV28P499 فساد فإن النبى قال ~~( أينما لقيتموهم فاقتلوهم ( وقال ( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ( وقال ~~عمر لصبيغ بن عسل لو وجدتك محلوقا لضربت الذى فيه عيناك ولأن على بن أبى ~~طالب طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه ولأن هؤلاء من ~~أعظم المفسدين في الأرض فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا ولا يجب قتل ~~كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدة راجحة ولهذا ترك ~~النبى قتل ذلك الخارجى إبتداء لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولم ~~يكن إذ ذاك فيه فساد عام ولهذا ترك على قتلهم أول ما ظهروا لأنهم كانوا ~~خلقا كثيرا وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرا لم يحاربوا أهل الجماعة ~~ولم يكن يتبين له أنهم هم # وأما تكفيرهم وتخليدهم ففيه أيضا للعلماء قولان مشهوران وهما روايتان عن ~~أحمد والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم والصحيح ~~أن هذه الأقوال التى يقولونها التى يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر ~~وكذلك أفعالهم التى هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضا وقد ذكرت ~~دلائل ذلك في غير هذا الموضع لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده ~~في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وإنتفاء موانعه فإنا ms8241 نطلق ~~PageV28P500 القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق ولا نحكم للمعين ~~بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذى لا معارض له وقد بسطت هذه ~~القاعدة في ( قاعدة التكفير ( # ولهذا لم يحكم النبى صلى الله عليه وسلم بكفر الذى قال إذا أنا مت ~~فأحرقونى ثم ذرونى في اليم فوالله لأن قدر الله على ليعذبنى عذابا لا يعذبه ~~أحدا من العالمين مع شكة في قدرة الله وإعادته ولهذا لا يكفر العلماء من ~~إستحل شيئا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيدة فإن حكم ~~الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته ~~النصوص المخالفة لما يراه ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك فيطلق أن هذا القول ~~كفر ويكفر من قامت عليه الحجة التى يكفر تاركها دون غيره والله أعلم # ما تقول الفقهاء أئمة الدين ### || 1 ( سؤال عن حكم التتار ) 1 # في هؤلاء التتار الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة وفعلوا ما إشتهر من ~~قتل المسلمين وسبى بعض الذرارى والنهب لمن وجدوه من المسلمين وهتكوا حرمات ~~الدين من إذلال المسلمين وإهانة المساجد لا سيما ( بيت المقدس ( وأفسدوا ~~فيه PageV28P501 وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم ~~وأسروا من رجال المسلمين الجم الغفير وأخرجوهم من أوطانهم وإدعوا مع ذلك ~~التمسك بالشهادتين وإدعوا تحريم قتال مقاتلهم لما زعموا من إتباع أصل ~~الإسلام ولكونهم عفوا عن إستئصال المسلمين فهل يجوز قتالهم أو يجب وأيما ~~كان فمن أى الوجوه جوازه أو وجوبه أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله كل طائفة ممتنعة عن إلتزام شريعة من شرائع الإسلام ~~الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا ~~شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل ~~أبو بكر الصديق والصحابة رضى الله عنهم ما نعى الزكاة وعلى ذلك اتفق ~~الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبى بكررضى الله عنهما فإتفق الصحابة ~~رضى الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملا بالكتاب والسنة # وكذلك ثبت ms8242 عن النبى من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج وأخبر أنهم شر الخلق ~~والخليقة مع قوله ( تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم فعلم أن ~~مجرد الإعتصام بالإسلام مع عدم إلتزام شرائعه ليس بمسقط للقتال فالقتال ~~واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة فمتى كان الدين لغير الله ~~PageV28P502 # فالقتال واجب فأيما طائفة إمتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو ~~الحج أو عن إلتزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر أو عن نكاح ~~ذوات المحارم أو عن إلتزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ~~ذلك من واجبات الدين ومحرماته التى لا عذر لأحد في جحودها وتركها التى يكفر ~~الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا ~~مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء # وإنما إختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن ~~كركعتى الفجر والأذان والإقامة عند من لا يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر ~~هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا فأما الواجبات والمحرمات ~~المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها # وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام ~~أو الخارجين عن طاعته كأهل الشام مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى ~~الله عنه فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لإزالة ولايته ~~وأما المذكورون فهم خارجون عن PageV28P503 الإسلام بمنزلة مانعى الزكاة ~~وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم على بن أبى طالب رضى الله عنه ولهذا إفترقت ~~سيرة على رضى الله عنه في قتاله لأهل البصرة والشام وفى قتاله لأهل ~~النهروان فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه ومع ~~الخوارج بخلاف ذلك وثبتت النصوص عن النبى بما إستقر عليه إجماع الصحابة من ~~قتال الصديق وقتال الخوارج بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة فإن ~~النصوص دلت فيها بما دلت والصحابة والتابعون إختلفوافيها # على أن من الفقهاء الأئمة من يرى أن أهل البغى الذين يجب قتالهم هم ~~الخارجون على ms8243 الإمام بتأويل سائغ لا الخارجون عن طاعته وآخرون يجعلون ~~القسمين بغاة وبين البغاة والتتار فرق بين فأما الذين لا يلتزمون شرائع ~~الإسلام الظاهرة المتواترة فلا أعلم في وجوب قتالهم خلافا # فإذا تقررت هذه القاعدة فهؤلاء القوم المسئول عنهم عسكرهم مشتمل على قوم ~~كفار من النصارى والمشركين وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام وهم جمهور العسكر ~~ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم ويعظمون الرسول وليس فيهم من يصلى إلا ~~قليل جدا وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة والمسلم عندهم أعظم من غيره ~~PageV28P504 وللصالحين من المسلمين عندهم قدر وعندهم من الإسلام بعضه وهم ~~متفاوتون فيه لكن الذى عليه عامتهم والذى يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من ~~شرائع الإسلام أو أكثرها فإنهم أولا يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه بل ~~من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافرا عدوا لله ورسوله وكل ~~من خرج عن دوله المغول أو عليها إستحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين ~~فلا يجاهدون الكفار ولا يلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار ولا ينهون أحدا ~~من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك بل الظاهر من سيرتهم أن ~~المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح أو المتطوع في المسلمين والكافر ~~عندهم بمنزلة الفاسق في المسلمين أو بمنزلة تارك التطوع # وكذلك أيضا عامتهم لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم إلا أن ينهاهم عنها ~~سلطانهم أى لا يلتزمون تركها وإذا نهاهم عنها أو عن غيرها أطاعوه لكونه ~~سلطانا لا بمجرد الدين وعامتهم لا يلتزمون أداء الواجبات لا من الصلاة ولا ~~من الزكاة ولا من الحج ولاغير ذلك ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله بل ~~يحكمون بأوضاع لهم توافق الاسلام تارة وتخالفه اخرى وانما كان الملتزم ~~لشرائع الاسلام الشيزبرون وهوالذى اظهر من شرائع الاسلام ما استفاض عند ~~الناس واما هؤلاء فدخلوا فيه وما التزموا شرائعه PageV28P505 # وقتال هذا الضرب واجب باجماع المسلمين وما يشك في ذلك من عرف دين الاسلام ~~وعرف حقيقة امرهم فان هذا السلم الذى هم عليه ودين ms8244 الاسلام لايجتمعان ابدا ~~واذا كان الأكراد والأعراب وغيرهم من اهل البوادى الذين لا يلتزمون شريعة ~~الاسلام يجب قتالهم وان لم يتعد ضررهم إلى اهل الأمصار فكيف بهؤلاء نعم يجب ~~ان يسلك في قتاله المسلك الشرعى من دعائهم إلى التزام شرائع الاسلام ان لم ~~تكن الدعوة إلى الشرائع قد بلغتهم كما كان الكافر الحربى يدعى اولا إلى ~~الشهادتين ان لم تكن الدعوة قد بلغته # فان اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله واعزاز ~~كلمته واقامة دينه وطاعة رسوله وان كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن ~~يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور وكانت مفسدة ترك ~~قتالهم اعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه كان الواجب ايضا ~~قتالهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام ادناهما فان هذا من اصول الاسلام التى ~~ينبغى مراعاتها # ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر فإن الله ~~يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لإخلاق لهم كما أخبر بذلك النبى لأنه ~~إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور فإنه لابد ~~من أحد PageV28P506 أمرين إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك إستيلاء الآخرين ~~الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل ~~بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها ~~فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها بل كثير من الغزو الحاصل بعد ~~الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه # وثبت عن النبى ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر ~~والمغنم ( فهذا الحديث الصحيح يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من ~~قوله ( الغزو ماض منذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال لا يبطله ~~جور جائر ولا عدل عادل وما إستفاض عنه أنه قال ( لا تزال طائفة من أمتى ~~ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة ( إلى غير ذلك ms8245 من ~~النصوص التى إتفق أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها في ~~جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم بخلاف الرافضة والخوارج ~~الخارجين عن السنة والجماعة هذا مع اخباره بأنه ( سيلى أمراء ظلمة خونة ~~فجرة فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس منى ولست منه PageV28P507 ولا يرد على ~~الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منى وأنا منه وسيرد ~~على الحوض # فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم من الجهاد ~~الذى يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ~~ظلمهم علم أن الطريقة الوسطى التى هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق ~~الجهاد كهؤلاء القوم المسئول عنهم مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم ~~إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك وإجتناب إعانة الطائفة التى يغزو معها على شيء ~~من معاصى الله بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم في معصية الله إذ لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق # وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا وهى واجبة على كل مكلف وهى ~~متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن ~~قلة العلم وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا ~~وأن لم يكونوا أبرارا ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ~~ويرضاه من القول والعمل والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله ~~وصحبه وسلم PageV28P508 ### || 1 ( سؤال عن حكم التتار المنتسبين إلى الإسلام ) 1 ### ||||| ! 8 < فأجاب # الحمد لله كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام ~~الظاهرة المتواترة من هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة ~~وتكلموا بالشهادتين وإنتسبوا إلى الإسلام ولم يبقوا على الكفر الذى كانوا ~~عليه في أول الأمر فهل يجب قتالهم أم لا وما الحجة على قتالهم وما مذاهب ~~العلماء في ذلك وما حكم من كان معهم ممن يفر إليهم من عسكر المسلمين ~~الأمراء وغيرهم وما حكم من قد أخرجوه معهم مكرها ms8246 وما حكم من يكون مع عسكرهم ~~من المنتسبين إلى العلم والفقه والفقر والتصوف ونحو ذلك وما يقال فيمن زعم ~~أنهم مسلمون والمقاتلون لهم مسلمون وكلاهما ظالم فلا يقاتل مع أحدهما وفى ~~قول من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون وما الواجب على جماعة ~~المسلمين من أهل العلم والدين وأهل القتال وأهل الأموال في أمرهم أفتونا في ~~ذلك بأجوبة مبسوطة شافية فإن أمرهم قد أشكل على كثير من المسلمين بل على ~~أكثرهم تارة لعدم العلم بأحوالهم وتارة لعدم العلم بحكم الله PageV28P509 ~~تعالى ورسوله في مثلهم والله الميسر لكل خير بقدرته ورحمته انه على كل شيء ~~قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل # فأجاب الحمد لله رب العالمين نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله ~~واتفاق أئمة المسلمين وهذا 1 مبنى على أصلين أحدهما المعرفة بحالهم والثانى ~~معرفة حكم الله في مثلهم # فأما الأول فكل من باشر القوم يعلم حالهم ومن لم يباشرهم يعلم ذلك بما ~~بلغه من الأخبار المتواترة وأخبار الصادقين ونحن نذكر جل أمورهم بعد أن ~~نبين الأصل الآخر الذى يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية فنقول # كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب ~~قتالها بإتفاق أئمة المسلمين PageV28P510 وإن تكلمت بالشهادتين فإذا أقروا ~~بالشهادتين وإمتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا وإن إمتنعوا عن ~~الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة وكذلك إن إمتنعوا عن صيام شهر رمضان أو ~~حج البيت العتيق وكذلك أن إمتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنى أو الميسر أو ~~الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة وكذلك إن إمتنعوا عن الحكم في الدماء ~~والأموال والأعراض والإبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة وكذلك إن إمتنعوا عن ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة وإتباع سلف ~~الأمة وأئمتها مثل أن يظهروا الألحاد في أسماء الله وآياته أو التكذيب ~~بأسماء الله وصفاته أو التكذيب بقدره وقضائه أو التكذيب بما ms8247 كان عليه جماعة ~~المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين أو الطعن في السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار والذين إتبعوهم بإحسان أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا ~~في طاعتهم التى توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور # قال الله تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ ~~فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ~~إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله @QE@ وهذه الآية ~~نزلت في أهل الطائف وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا لكن كانوا يتعاملون ~~بالربا فأنزل الله هذه الآية وأمر المؤمنين فيها بترك ما بقى من الربا وقال ~~( @QB@ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله @QE@ وقد قرئ @QB@ فأذنوا ~~@QE@ / < وآذنوا > / وكلا المعنيين صحيح والربا PageV28P511 آخر المحرمات ~~في القرآن وهو مال يؤخذ بتراضى المتعاملين فإذا كان من لم ينته عنه محاربا ~~لله ورسوله فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التى هي أسبق تحريما ~~وأعظم تحريما # وقد إستفاض عن النبى الأحاديث بقتال الخوارج وهى متواترة عند أهل العلم ~~بالحديث قال الإمام أحمد صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وقد رواها مسلم ~~في صحيحه وروى البخارى منها ثلاثة أوجه حديث على وأبى سعيد الخدرى وسهل بن ~~حنيف وفى السنن والمسانيد طرق أخر متعددة وقد قال في صفتهم ( يحقر أحدكم ~~صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا ~~يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم ~~فأقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم ~~لأقتلنهم قتل عاد ( # وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب بمن معه من الصحابة وإتفق ~~على قتالهم سلف الأمة وأئمتها لم يتنازعوا في قتالهم كما تنازعوا في القتال ~~يوم الجمل وصفين فإن الصحابة كانوا في قتال الفتنة ثلاثة أصناف قوم قاتلوا ~~مع على رضى الله عنه وقوم ms8248 قاتلوا مع من قاتله وقوم قعدوا عن القتال لم ~~يقاتلوا الواحدة من الطائفتين وأما الخوارج PageV28P512 فلم يكن فيهم أحد ~~من الصحابة ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة وفى الصحيح عن أبى سعيد أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال ( تمرق مارقة على حين فرقه من المسلمين ~~تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ( وفى لفظ ( أدنى الطانفتين إلى الحق فبهذا ~~الحديث الصحيح ثبت أن عليا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه ~~وإن تلك المارقة التى مرقت من الإسلام ليس حكمها حكم إحدى الطائفتين بل أمر ~~النبى بقتال هذه المارقة وأكد الأمر بقتالها ولم يأمر بقتال أحدى الطائفتين ~~كما أمر بقتال هذه بل قد ثبت عنه في الصحيح من حديث أبى بكرة أنه قال للحسن ~~( أن إبنى هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين فمدح ~~الحسن وأثنى عليه بما أصلح الله به بين الطائفتين حين ترك القتال وقد بويع ~~له وإختار الأصلح وحقن الدماء مع نزوله عن الأمر فلو كان القتال مأمورا به ~~لم يمدح الحسن ويثنى عليه بترك ما أمر الله به وفعل ما نهى الله عنه # والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان منهم من يرى ~~قتال على يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغى وكذلك ~~يجعل قتال أبى بكر لمانعى الزكاة وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى ~~القبلة كما ذكر ذلك من ذكره PageV28P513 من أصحاب أبى حنيفة والشافعى ومن ~~وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم وهم متفقون على أن الصحابة ليسوا فساقا بل هم ~~عدول فقالوا إن أهل البغى عدول مع قتالهم وهم مخطئون خطأ المجتهدين في ~~الفروع # وخالفت في ذلك طائفة كإبن عقيل وغيره فذهبوا إلى تفسيق أهل البغى وهؤلاء ~~نظروا إلى من عدوه من أهل البغى في زمنهم فرأوهم فساقا ولا ريب أنهم لا ~~يدخلون الصحابة في ذلك وإنما يفسق الصحابة بعض أهل الأهواء من المعتزلة ~~ونحوهم كما يكفرهم بعض أهل الأهواء من الخوارج ms8249 والروافض وليس ذلك من مذهب ~~الأئمة والفقهاء أهل السنة والجماعة ولا يقولون إن أموالهم معصومة كما كانت ~~وما كان ثابتا بعينه رد إلى صاحبه وما أتلف في حال القتال لم يضمن حتى أن ~~جمهور العلماء يقولون لا يضمن لا هؤلاء ولا هؤلاء كما قال الزهري وقعت ~~الفتنة وأصحاب رسول الله متوافرون فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل ~~القرآن فإنه هدر # وهل يجوز أن يستعان بسلاحهم في حربهم إذا لم يكن إلى ذلك ضرورة على وجهين ~~في مذهب أحمد يجوز والمنع قول الشافعى والرخصة قول أبى حنيفة # وإختلفوا في قتل أسيرهم وإتباع مدبرهم والتذفيف على جريحهم PageV28P514 ~~إذا كان لهم فئة يلجئون إليها فجوز ذلك أبو حنيفة ومنعه الشافعى وهو ~~المشهور في مذهب أحمد وفي مذهبه وجه أنه يتبع مدبرهم في أول القتال وأما ~~إذا لم يكن لهم فئة فلا يقتل أسير ولا يذفف على جريح كما رواه سعيد وغيره ~~عن مروان بن الحكم قال خرج صارخ لعلى يوم الجمل لا يقتلن مدبر ولا يذفف على ~~جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن # فمن سلك هذه الطريقة فقد يتوهم أن هؤلاء التتار من أهل البغى المتأولين ~~ويحكم فيهم بمثل هذه الأحكام كما أدخل من أدخل في هذا الحكم مانعى الزكاة ~~والخوارج وسنبين فساد هذا التوهم إن شاء الله تعالى # والطريقة الثانية أن قتال مانعى الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل ~~الجمل وصفين وهذا هو المنصوص عن جمهور الأئمة المتقدمين وهو الذى يذكرونه ~~في إعتقاد أهل السنة والجماعة وهو مذهب أهل المدينة كمالك وغيره ومذهب أئمة ~~الحديث كأحمد وغيره # وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا في غير موضع حتى في الأموال فإن منهم من ~~أباح غنيمة أموال الخوارج وقد نص أحمد في رواية أبى طالب في حرورية كان لهم ~~سهم في قرية فخرجوا PageV28P515 يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون فأرضهم ~~فيء للمسلمين فيقسم خمسة على خمسة وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم ~~أو يجعل الأمير الخراج على المسلمين ms8250 ولا يقسم مثل ما أخذ عمر السواد عنوة ~~ووقفه على المسلمين فجعل أحمد الأرض التى للخوارج إذا غنمت بمنزلة ما غنم ~~من أموال الكفار وبالجملة فهذه الطريقة هى الصواب المقطوع به # فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا وسيرة على رضى الله عنه تفرق بين هذا ~~وهذا فإنه قاتل الخوارج بنص رسول الله وفرح بذلك ولم ينازعه فيه أحد من ~~الصحابة وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والذم عليه ما ظهر ~~وقال في أهل الجمل وغيرهم إخواننا بغوا علينا طهرهم السيف وصلى على قتلى ~~الطائفتين # وأما الخوارج ففى الصحيحين عن على بن أبى طالب قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول ( سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام ~~يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما ~~يمرق السهم من الرمية فإينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن ~~قتلهم يوم القيامة ( وفى صحيح مسلم عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذى ~~PageV28P516 كانوا مع على الذين ساروا إلى الخوارج فقال على أيها الناس أنى ~~سمعت رسول الله يقول ( يخرج قوم من أمتى يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى ~~قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ~~يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم ~~على لسان محمد نبيهم لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ~~ذراع على عضده مثل حلمة الثدى عليه شعرات بيض قال فيذهبون إلى معاوية وأهل ~~الشام ويتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله انى لأرجو أن ~~يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس ~~فسيروا على إسم الله قال فلما إلتقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب ~~رئيسا فقال لهم ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من حقوتها فإنى أناشدكم كما ~~ناشدوكم يوم ms8251 حروراء فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وسحرهم الناس ~~برماحهم قال وأقبل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال ~~على إلتمسوا فيهم المخدج فإلتمسوه فلم يجدوه فقام على سيفه حتى أتى ناسا قد ~~أقبل بعضهم على بعض قال أخروهم فوجدوه مما يلى الأرض فكبر ثم قال صدق الله ~~وبلغ رسوله قال فقام إليه عبيدة السلمانى فقال يا أمير المؤمنين الله الذى ~~لا إله إلا PageV28P517 هو أسمعت هذا الحديث من رسول الله قال أى والله ~~الذى لا إله إلا هو حتى إستحلفه ثلاثا وهو يحلف له أيضا # فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم وإنما تنازعوا في تكفيرهم على ~~قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد وفى مذهب الشافعي أيضا نزاع في كفرهم # ولهذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى أحدهما أنهم ~~بغاة والثانى أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم إبتداء وقتل أسيرهم وإتباع ~~مدبرهم ومن قدر عليه منهم إستتيب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل كما أن مذهبه في ~~مانعى الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها على ~~روايتين # وهذا كله مما يبين أن قتال الصديق لمانعى الزكاة وقتال على للخوارج ليس ~~مثل القتال يوم الجمل وصفين فكلام على وغيره في الخوارج يقتضى أنهم ليسوا ~~كفارا كالمرتدين عن أصل الإسلام وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره ~~وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين بل هم نوع ثالث وهذا أصح الأقوال ~~الثلاثة فيهم PageV28P518 وممن قاتلهم الصحابة مع إقرارهم بالشهادتين ~~والصلاة وغير ذلك مانعى الزكاة كما في الصحيحين ( عن أبى هريرة أن عمر بن ~~الخطاب قال لأبى بكر يا خليفة رسول الله كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ~~وأنى رسول الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلابحقها ( فقال له ~~أبو بكر ألم يقل لك إلا بحقها فإن الزكاة من حقها والله لو منعونى عناقا ~~كانوا يؤدونها ms8252 إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها قال عمر فما هو إلا أن ~~رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق # وقد إتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعى الزكاة وإن كانوا يصلون ~~الخمس ويصومون شهر رمضان وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين ~~وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله وقد حكى عنهم أنهم ~~قالوا إن الله أمر نبيه بأخذ الزكاة بقوله @QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ ~~وقد سقطت بموته # وكذلك أمر النبى بقتال الذين لا ينتهون عن شرب الخمر # وأما الأصل الآخر وهو معرفة أحوالهم فقد علم أن هؤلاء PageV28P519 القوم ~~جازوا على الشام في المرة الأولى عام تسعة وتسعين وأعطوا الناس الأمان ~~وقرؤوه على المنبر بدمشق ومع هذا فقد سبوا من ذرارى المسلمين مايقال أنه ~~مائة ألف أو يزيد عليه وفعلوا ببيت المقدس وبجبل الصالحية ونابلس وحمص ~~وداريا وغير ذلك من القتل والسبى مالا يعلمه إلا الله حتى يقال أنهم سبوا ~~من المسلمين قريبا من مائة ألف وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في ~~المساجد وغيرها كالمسجد الأقصى والأموى وغيره وجعلوا الجامع الذى بالعقيبة ~~دكا # وقد شاهدنا عسكر القوم فرأينا جمهورهم لا يصلون ولم نر في عسكرهم مؤذنا ~~ولا إماما وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم مالا ~~يعلمه إلا الله # ولم يكن معهم في دولتهم إلا من كان من شر الخلق إما زنديق منافق لا يعتقد ~~دين الإسلام في الباطن وإما من هو من شر أهل البدع كالرافضة والجهمية ~~والإتحادية ونحوهم وأما من هو من أفجر الناس وأفسقهم وهم في بلادهم مع ~~تمكنهم لا يحجون البيت العتيق وإن كان فيهم من يصلى ويصوم فليس الغالب ~~عليهم إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة # وهم يقاتلون على ملك جنكسخان فمن دخل في طاعتهم جعلوه PageV28P520 وليا ~~لهم وإن كان كافرا ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وإن كان من خيار المسلمين ~~ولا يقاتلون على الإسلام ولا يضعون الجزية والصغار # بل غاية كثير ms8253 من المسلمين منهم من أكابر أمرائهم ووزرائهم أن يكون المسلم ~~عندهم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى كما قال أكبر مقدميهم ~~الذين قدموا إلى الشام وهو يخاطب رسل المسلمين ويتقرب إليهم بانا مسلمون ~~فقال هذان آيتان عظيمتان جاءا من عند الله محمد وجنكسخان فهذا غاية ما ~~يتقرب به أكبر مقدميهم إلى المسلمين أن يسوى بين رسول الله وأكرم الخلق ~~عليه وسيد ولد آدم وخاتم المرسلين وبين ملك كافر مشرك من أعظم المشركين ~~كفرا وفسادا وعدوانا من جنس بختنصر وأمثاله # وذلك إن إعتقاد هؤلاء التتار كان في جنكسخان عظيما فإنهم يعتقدون أنه إبن ~~الله من جنس ما يعتقده النصارى في المسيح ويقولون أن الشمس حبلت أمه وأنها ~~كانت في خيمة فنزلت الشمس من كوة الخيمة فدخلت فيها حتى حبلت ومعلوم عند كل ~~ذى دين أن هذا كذب وهذا دليل على أنه ولد زنا وأن أمة زنت فكتمت زناها ~~وإدعت هذا حتى تدفع عنها معرة الزنى وهم مع هذا يجعلونه أعظم رسول عند الله ~~في تعظيم ما سنة لهم وشرعه بظنه وهواه حتى PageV28P521 يقولوا لما عندهم من ~~المال هذا رزق جنكسخان ويشكرونه على أكلهم وشربهم وهم يستحلون قتل من عادى ~~ما سنه لهم هذا الكافر الملعون المعادى لله ولأنبيائه ورسوله وعباده ~~المؤمنين # فهذا وأمثاله من مقدميهم كان غايته بعد الإسلام أن يجعل محمدا بمنزلة هذا ~~الملعون ومعلوم أن مسيلمة الكذاب كان أقل ضررا على المسلمين من هذا وإدعى ~~أنه شريك محمد في الرسالة وبهذا إستحل الصحابة قتاله وقتال أصحابه المرتدين ~~فكيف بمن كان فيما يظهره من الإسلام يجعل محمدا كجنكسخان وإلا فهم مع ~~إظهارهم للإسلام يعظمون أمر جنكسخان على المسلمين المتبعين لشريعة القرآن ~~ولا يقاتلون أو لئك المتبعين لما سنه جنكسخان كما يقاتلون المسلمين بل أعظم ~~أولئك الكفار يبذلون له الطاعة والإنقياد ويحملون إليه الأموال ويقرون له ~~بالنيابة ولا يخالفون ما يأمرهم به إلا كما يخالف الخارج عن طاعة الإمام ~~للإمام وهم يحاربون المسلمين ويعادونهم أعظم معاداة ويطلبون من المسلمين ~~الطاعة ms8254 لهم وبذل الأموال والدخول فيما وضعه لهم ذلك الملك الكافر المشرك ~~المشابه لفرعون أو النمروذ ونحوهما بل هو أعظم فسادا في الأرض منهما قال ~~الله تعالى @QB@ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين @QE@ PageV28P522 # وهذا الكافر علا في الأرض يستضعف أهل الملل كلهم من المسلمين واليهود ~~والنصارى ومن خالفه من المشركين بقتل الرجال وسبى الحريم وبأخذ الأموال ~~وبهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ويرد الناس عما كانوا عليه من سنن ~~الأنبياء والمرسلين إلى أن يدخلوا فيما إبتدعه من سنته الجاهلية وشريعته ~~الكفرية # فهم يدعون دين الإسلام ويعظمون دين أولئك الكفار على دين المسلمين ~~ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة المؤمنين ~~والحكم فيما شجر بين أكابرهم بحكم الجاهلية لا بحكم الله ورسوله # وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود ~~والنصارى وإن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين # ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى ومنهم من يرجح دين المسلمين ~~وهذا القول فاش غالب فيهم حتى في فقهائهم وعبادهم لاسيما الجهمية من ~~الإتحادية الفرعونية ونحوهم فإنه غلبت عليهم الفلسفة وهذا مذهب كثير من ~~المتفلسفة أو أكثرهم وعلى PageV28P523 هذا كثير من النصارى أو أكثرهم وكثير ~~من اليهود أيضا بل لو قال القائل أن غالب خواص العلماء منهم والعباد على ~~هذا المذهب لما أبعد وقد رأيت من ذلك وسمعت مالا يتسع له هذا الموضع # ومعلوم بالإضطرار من دين المسلمين وبإتفاق جميع المسلمين أن من سوغ إتباع ~~غير دين الإسلام أو إتباع شريعة غير شريعة محمد فهو كافر وهو ككفر من آمن ~~ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب كما قال تعالى @QB@ إن الذين يكفرون بالله ~~ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا @QE@ واليهود والنصارى داخلون في ذلك وكذلك المتفلسفة يؤمنون ~~ببعض ويكفرون ببعض ms8255 ومن تفلسف من اليهود والنصارى يبقى كفره من وجهين # وهؤلاء أكثر وزرائهم الذين يصدرون عن رأيه غايته أن يكون من هذا الضرب ~~فإنه كان يهوديا متفلسفا ثم إنتسب إلى الإسلام مع ما فيه من اليهودية ~~والتفلسف وضم إلى ذلك الرفض فهذاهو أعظم من عندهم من ذوى الأفلام وذاك أعظم ~~من كان عندهم من ذوى السيف فليعتبر المؤمن بهذا # وبالجملة فما من نفاق وزندقة والحاد إلا وهى داخلة في إتباع التتار ~~PageV28P524 لأنهم من أجهل الخلق وأقلهم معرفة بالدين وأبعدهم عن إتباعه ~~وأعظم الخلق إتباعا للظن وما تهوى الأنفس # وقد قسموا الناس أربعة أقسام يال وباع وداشمند وطاط أى صديقهم وعدوهم ~~والعالم والعامى فمن دخل في طاعتهم الجاهلية وسنتهم الكفرية كان صديقهم ومن ~~خالفهم كان عدوهم ولو كان من أنبياء الله ورسله وأوليائه وكل من إنتسب إلى ~~علم أو دين سموه ( داشمند ( كالفقيه والزاهد والقسيس والراهب ودنان اليهود ~~والمنجم والساحر والطبيب والكاتب والحاسب فيدرجون سادن الأصنام فيدرجون في ~~هذا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع مالا يعلمه إلا الله ويجعلون أهل ~~العلم والإيمان نوعا واحدا # بل يجعلون القرامطة الملاحدة الباطنية الزنادقة المنافقين كالطوسى ~~وأمثاله هم الحكام على جميع من إنتسب إلى علم أو دين من المسلمين واليهود ~~والنصارى وكذلك وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد يحكم على هذه الأصناف ويقدم ~~شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار المسلمين أهل العلم والإيمان ~~حتى تولى قضاء القضاة من كان أقرب إلى الزندقة والألحاد والكفر بالله ~~ورسوله بحيث تكون موافقته للكفار والمنافقين من اليهود والقرامطة والملاحدة ~~والرافضة على ما يريدونه أعظم من غيره PageV28P525 # ويتظاهر من شريعة الإسلام بما لابد له منه لأجل من هناك من المسلمين حتى ~~أن وزيرهم هذا الخبيث الملحد المنافق صنف مصنفا مضمونه أن النبى رضي بدين ~~اليهود والنصارى وانه لا ينكر عليهم ولا يذمون ولا ينهون عن دينهم ولا ~~يؤمرون بالانتقال إلى الاسلام واستدل الخبيث الجاهل بقوله @QB@ قل يا أيها ~~الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما ms8256 عبدتم ~~ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين @QE@ وزعم ان هذه الآية تقتضى ~~انه يرضى دينهم قال وهذه الآية محكمة ليست منسوخة وجرت بسبب ذلك أمور # ومن المعلوم أن هذا جهل منه فإن قوله @QB@ لكم دينكم ولي دين @QE@ ليس ~~فيه ما يقتضى أن يكون دين الكفار حقا ولا مرضيا له وإنما يدل على تبرئه من ~~دينهم ولهذا قال في هذه السورة انها براءة من الشرك كما قال في الاية ~~الاخرى @QB@ وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا ~~بريء مما تعملون @QE@ فقوله @QB@ لكم دينكم ولي دين @QE@ كقوله @QB@ لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم @QE@ وقد اتبع ذلك بموجبه ومقتضاه حيث قال @QB@ أنتم ~~بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون @QE@ ولو قدر ان في هذه السورة ما ~~يقتضى انهم لم يؤمروا بترك دينهم فقد علم بالاضطرار من دين PageV28P526 ~~الاسلام بالنصوص المتواترة وباجماع الأمة انه امر المشركين واهل الكتاب ~~بالايمان به وانه جاءهم على ذلك واخبر انهم كافرون يخلدون في النار # وقد اظهروا الرفض ومنعوا أن نذكر على المنابر الخلفاء الراشدين وذكروا ~~عليا وأظهروا الدعوة للاثنى عشر الذين تزعم الرافضة أنهم أئمة معصومون وإن ~~أبا بكر وعمر وعثمان كفار وفجار ظالمون لا خلافة لهم ولا لمن بعدهم ومذهب ~~الرافضة شر من مذهب الخوارج المارقين فان الخوارج غايتهم تكفير عثمان وعلي ~~وشيعتهما والرافضة تكفير ابى بكر وعمر وعثمان وجمهور السابقين الأولين ~~وتجحد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم مما جحد به الخوارج وفيهم ~~من الكذب والافتراء والغلو والالحاد ما ليس في الخوارج وفيهم من معاونة ~~الكفار على المسلمين ما ليس في الخوارج # والرافضة تحب التتار ودولتهم لأنه يحصل لهم بها من العز مالا يحصل بدولة ~~المسلمين والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين ~~وهم كانوا من اعظم الاسباب في دخول التتار قبل اسلامهم إلى أرض المشرق ~~بخراسان والعراق والشام وكانوا من اعظم الناس معاونة لهم على اخذهم لبلاد ~~الاسلام وقتل المسلمين PageV28P527 وسبى حريمهم وقضية إبن ms8257 العلقمى وأمثاله ~~مع الخليفة وقضيتهم في حلب مع صاحب حلب مشهورة يعرفها عموم الناس وكذلك في ~~الحروب التى بين المسلمين وبين النصارى بسواحل الشام قد عرف أهل الخبرة أن ~~الرافضة تكون مع النصارى على المسلمين وأنهم عاونوهم على أخذ البلاد لما ~~جاء التتار وعز على الرافضة فتح عكة وغيرها من السواحل وإذا غلب المسلمون ~~النصارى والمشركين كان ذلك غصة عند الرافضة وإذا غلب المشركون والنصارى ~~المسلمين كان ذلك عيدا ومسرة عند الرافضة # ودخل في الرافضة اهل الزندقة والألحاد من ( النصيرية والإسماعيلية ( ~~وأمثالهم من الملاحدة ( القرامطة ( وغيرهم ممن كان بخراسان والعراق والشام ~~وغير ذلك والرافضة جهمية قدرية وفيهم من الكذب والبدع والإفتراء على الله ~~ورسوله أعظم مما في الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين على وسائر ~~الصحابة بأمر رسول الله بل فيهم من الردة عن شرائع الدين أعظم مما في مانعى ~~الزكاة الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والصحابة # ومن أعظم ما ذم به النبى الخوارج قوله فيهم ( يقتلون أهل الإسلام ويدعون ~~أهل الأوثان ( كما أخرجا في الصحيحين عن أبى سعيد قال بعث على إلى النبى ~~صلى الله عليه PageV28P528 وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة يعنى من أمراء نجد ~~فغضبت قريش والأنصار قالوا يعطى صناديد أهل نجد ويدعنا قال إنما أتالفهم ~~فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتىء الجبين كث اللحية محلوق فقال ~~يا محمد إتق الله فقال ( من يطع الله إذا عصيته أيامننى الله على أهل الأرض ~~ولا تأمنونى ( فسأله رجل قتله فمنعه فلما ولى قال ( ان من ضئضئ هذا أو في ~~عقب هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم ~~من الرمية يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل ~~عاد ) وفى لفظ في الصحيحين عن ابى سعيد قال ( بينما نحن عند رسول الله وهو ~~يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بنى تميم فقال يارسول الله أعدل ( ~~فقال ( ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت أن لم أكن أعدل فقال عمر ms8258 يا ~~رسول الله أتأذن لى فيه فأضرب عنقه فقال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم ~~صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون ~~من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر ~~إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى ~~قذذة فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى PageV28P529 ~~عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة يخرجون على حين فرقة من الناس ( قال ~~أبو سعيد فأشهد أنى سمعت هذا الحديث من رسول الله وأشهد أن على بن أبى طالب ~~قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت ~~رسول الله الذى نعته # فهؤلاء الخوارج المارقون من أعظم ما ذمهم به النبى أنهم يقتلون أهل ~~الإسلام ويدعون أهل الأوثان وذكر أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس ~~والخوارج مع هذا لم يكونوا يعاونون الكفار على قتال المسلمين والرافضة ~~يعاونون الكفار على قتال المسلمين فلم يكفهم أنهم لا يقاتلون الكفار مع ~~المسلمين حتى قاتلوا المسلمين مع الكفار فكانوا أعظم مروقا عن الدين من ~~أولئك المارقين بكثير كثير # وقد أجمع المسلمون على وجوب قتال الخوارج والروافض ونحوهم إذا فارقوا ~~جماعة المسلمين كما قاتلهم على رضى الله عنه فكيف إذا ضموا إلى ذلك من ~~أحكام المشركين كنائسا وجنكسخان ملك المشركين ما هو من أعظم المضادة لدين ~~الإسلام # وكل من قفز إليهم من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم وفيهم من ~~الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما إرتد عنه من شرائع الإسلام وإذا كان السلف ~~PageV28P530 قد سموا مانعى الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون ولم ~~يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا ~~للمسلمين مع أنه والعياذ بالله لوإستولى هؤلاء المحاربون لله ورسوله ~~المحادون لله ورسوله المعادون لله ورسوله على أرض الشام ومصر في مثل هذا ~~الوقت لأفضى ذلك إلى زوال دين ms8259 الإسلام ودروس شرائعه # أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين ~~الإسلام وهم من أحق الناس دخولا في الطائفة المنصورة التى ذكرها النبى ~~بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه ( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين ~~على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة ( وفى رواية ~~لمسلم ( لا يزال أهل الغرب ( # والنبى تكلم بهذا الكلام بمدينته النبوية فغربه ما يغرب عنها وشرقه ما ~~يشرق عنها فإن التشريق والتغريب من الأمور النسبية إذ كل بلد له شرق وغرب ~~ولهذا إذا قدم الرجل إلى الإسكندرية من الغرب يقولون سافر إلى الشرق وكان ~~أهل المدينة يسمون أهل الشام أهل الغرب ويسمون أهل نجد والعراق أهل الشرق ~~كما في حديث إبن عمر قال قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا وفى PageV28P531 ~~رواية من أهل نجد ولهذا قال أحمد بن حنبل ( أهل الغرب ( هم أهل الشام يعنى ~~هم أهل الغرب كما أن نجدا والعراق أول الشرق وكل ما يشرق عنها فهو من الشرق ~~وكل ما يغرب عن الشام من مصر وغيرها فهو داخل في الغرب وفى الصحيحين إن ~~معاذ بن جبل قال في الطائفة المنصورة وهم بالشام فإنها أصل المغرب وهم ~~فتحوا سائر المغرب كمصر والقيروان والأندلس وغير ذلك # وإذا كان غرب المدينة النبوية ما يغرب عنها فالبيرة ونحوها على مسامته ~~المدينة النبوية كما أن حران والرقة وسميساط ونحوها على مسامته مكة فما ~~يغرب عن البيرة فهو من الغرب الذين وعدهم النبى لما تقدم وقد جاء في حديث ~~آخر في صفة الطائفة المنصورة ( أنهم بأكناف البيت المقدس ( وهذه الطائفة هي ~~التى بأكناف البيت المقدس اليوم # ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت يعلم أن هذه الطائفة هي أقوم ~~الطوائف بدين الإسلام علما وعملا وجهادا عن شرق الأرض وغربها فإنهم هم ~~الذين يقاتلون أهل الشوكة العظيمة من المشركين وأهل الكتاب ومغازيهم مع ~~النصارى ومع المشركين من الترك ومع الزنادقة المنافقين من الداخلين في ~~الرافضة وغيرهم كالإسماعيلية ونحوهم من القرامطة معروفة ms8260 معلومة قديما ~~وحديثا والعز الذى للمسلمين بمشارق الأرض ومغاربها هو بعزهم ولهذا لما ~~هزموا PageV28P532 سنة تسع وتسعين وستمائة دخل على أهل الإسلام من الذل ~~والمصيبة بمشارق الأرض ومغاربها مالا يعلمه إلا الله والحكايات في ذلك ~~كثيرة ليس هذا موضعها # وذلك أن سكان اليمن في هذا الوقت ضعاف عاجزون عن الجهاد أو مضيعون له وهم ~~مطيعون لمن ملك هذه البلاد حتى ذكروا أنهم أرسلوا بالسمع والطاعة لهؤلاء ~~وملك المشركين لما جاء إلى حلب جرى بها من القتل ما جرى وأما سكان الحجاز ~~فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة وفيهم من البدع والضلال والفجور ~~مالا يعلمه إلا الله وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون وإنما تكون ~~القوة والعزة في هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد فلو ذلت هذه ~~الطائفة والعياذ بالله تعالى لكان المؤمنون بالحجاز من أذل الناس لاسيما ~~وقد غلب فيهم الرفض وملك هؤلاء التتار المحاربين لله ورسوله الآن مرفوض فلو ~~غلبوا لفسد الحجاز بالكلية وأما بلاد أفريقية فأعرابها غالبون عليها وهم من ~~شر الخلق بل هم مستحقون للجهاد والغزو وأما المغرب الأقصى فمع إستيلاء ~~الأفرنج على أكثر بلادهم لايقومون بجهاد النصارى هناك بل في عسكرهم من ~~النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم لو إستولى التتار على هذه البلاد ~~لكان أهل المغرب معهم من أذل الناس لا سيما والنصارى PageV28P533 تدخل مع ~~التتار فيصيرون حزبا على أهل المغرب # فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التى بالشام ومصر في هذا الوقت هم ~~كتيبة الإسلام وعزهم عز الإسلام وذلهم ذل الإسلام فلو إستولى عليهم التتار ~~لم يبق للإسلام عز ولا كلمة عالية ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض ~~تقاتل عنه # فمن قفز عنهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار فإن التتار ~~فيهم المكره وغير المكره وقد إستقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة ~~الكافر الأصلى من وجوه متعددة منها أن المرتد يقتل بكل حال ولا يضرب عليه ~~جزية ولا تعقد له ذمة بخلاف الكافر الأصلى ومنها ms8261 أن المرتد يقتل وإن كان ~~عاجزا عن القتال بخلاف الكافر الأصلى الذى ليس هو من أهل القتال فإنه ~~لايقتل عند أكثر العلماء كأبى حنيفة ومالك وأحمد ولهذا كان مذهب الجمهور أن ~~المرتد يقتل كما هو مذهب مالك والشافعى وأحمد ومنها أن المرتد لا يرث ولا ~~يناكح ولا تؤكل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلى إلى غير ذلك من الأحكام # وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين فالردة عن شرائعه ~~أعظم من خروج الخارج الأصلى عن شرائعه ولهذا كان كل مؤمن يعرف أحوال التتار ~~ويعلم أن المرتدين الذين فيهم PageV28P534 من الفرس والعرب وغيرهم شر من ~~الكفار الأصليين من الترك ونحوهم وهم بعد أن تكلموا بالشهادتين مع تركهم ~~لكثير من شرائع الدين خير من المرتدين من الفرس والعرب وغيرهم وبهذا يتبين ~~أن من كان معهم ممن كان مسلم الأصل هو شر من الترك الذين كانوا كفارا فإن ~~المسلم الأصلى إذا إرتد عن بعض شرائعه كان أسوأ حالا ممن لم يدخل بعد في ~~تلك الشرائع مثل مانعى الزكاة وأمثالهم ممن قاتلهم الصديق وإن كان المرتد ~~عن بعض الشرائع متفقها أومتصوفا أو تاجرا أو كاتبا أو غير ذلك فهؤلاء شر من ~~الترك الذين لم يدخلوا في تلك الشرائع وأصروا على الإسلام ولهذا يجد ~~المسلمون من ضرر هؤلاء على الدين مالا يجدونه من ضرر أولئك وينقادون ~~للإسلام وشرائعه وطاعة الله ورسوله أعظم من إنقياد هؤلاء الذين إرتدوا عن ~~بعض الدين ونافقوا في بعضه وأن تظاهروا بالإنتساب إلى العلم والدين # وغاية ما يوجد من هؤلاء يكون ملحدا نصيريا أو إسماعيليا أو رافضيا ~~وخيارهم يكون جهميا إتحاديا أو نحوه فإنه لا ينضم إليهم طوعا من المظهرين ~~للاسلام إلا منافق أو زنديق أو فاسق فاجر ومن أخرجوه معهم مكرها فانه يبعث ~~على نيته ونحن علينا ان نقاتل العسكر جميعه اذ لا يتميز المكره من غيره # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال PageV28P535 ( يغزو هذا البيت جيش من ~~الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف ms8262 بهم فقيل يا رسول الله إن فيهم ~~المكره فقال يبعثون على نياتهم ( والحديث مستفيض عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم من وجوه متعددة أخرجه أرباب الصحيح عن عائشة وحفصة وأم سلمة ففى صحيح ~~مسلم عن أم سلمة قالت قال رسول الله ( يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذ ~~كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم فقلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارها قال ~~يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته ( وفى الصحيحين عن عائشة ~~قالت ( عبث رسول الله في منامه فقلنا يا رسول الله صنعت شيئا في منامك لم ~~تكن تفعله فقال العجب أن ناسا من أمتى يؤمون هذا البيت برجل من قريش وقد ~~لجأ إلى البيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسفت بهم فقلنا يا رسول الله أن ~~الطريق قد يجمع الناس قال نعم فيهم المستنصر والمجنون وإبن السبيل فيهلكون ~~مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله عز وجل على نياتهم ( وفى لفظ ~~للبخارى عن عائشة قالت قال رسول الله ( يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء ~~من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم قالت قلت يا رسول كيف يخسف بأولهم وآخرهم ~~وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم ~~PageV28P536 وفى صحيح مسلم عن حفصة أن رسول الله قال سيعوذ بهذا البيت يعنى ~~الكعبة قوم ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة يبعث إليهم جيش يومئذ حتى إذا ~~كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم قال يوسف بن ماهك وأهل الشام يومئذ يسيرون ~~إلى مكة فقال عبد الله بن صفوان أما والله ما هو بهذا الجيش # فالله تعالى أهلك الجيش الذى أراد أن ينتهك حرماته المكره فيهم وغير ~~المكره مع قدرته على التمييز بينهم مع أنه يبعثهم على نياتهم فكيف يجب على ~~المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره وهم لا يعلمون ذلك بل لو ~~إدعى مدع أنه خرج مكرها لم ينفعه ذلك بمجرد دعواه كما روى أن العباس بن عبد ~~المطلب قال للنبى لما أسره المسلمون ms8263 يوم بدر يا رسول الله أنى كنت مكرها ~~فقال ( أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فالى الل ( ه بل لو كان فيهم قوم ~~صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضا # فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين ~~إذا لم يقاتلوا فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار ولو لم نخف على المسلمين ~~جاز رمى أولئك المسلمين أيضا في أحد قولى العلماء ومن قتل لأجل الجهاد الذى ~~PageV28P537 أمر الله به ورسوله هو في الباطن مظلوم كان شهيدا وبعث على ~~نيته ولم يكن قتله أعظم فسادا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين # وإذا كان الجهاد واجبا وإن قتل من المسلمين ما شاء الله فقتل من يقتل في ~~صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا بل قد أمر النبى المكره في ~~قتال الفتنة بكسر سيفه وليس له أن يقاتل وإن قتل كما في صحيح مسلم عن أبى ~~بكرة قال قال رسول الله ( أنها ستكون فتن ألاثم تكون فتن ألاثم تكون فتن ~~القاعد فيها خير من الماشى والماشى فيها خير من الساعى ألا فإذا نزلت أو ~~وقعت فمن كان له إبل فليلحق بابله 2 ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت ~~له أرض فليلحق بأرضه قال فقال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا ~~غنم ولا أرض قال يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج أن إستطاع النجاة ~~اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت فقال رجل يا رسول الله أرأيت أن ~~أكرهت حتى ينطلق بى إلى إحدى الصفين أو إحدى الفئتين فيضربنى رجل بسيفه أو ~~بسهمه فيقتلنى قال يبوء باثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار PageV28P538 ففى ~~هذا الحديث أنه نهى عن القتال في الفتنة بل أمر بما يتعذر معه القتال من ~~الإعتزال أو إفساد السلاح الذى يقاتل به وقد دخل في ذلك المكره وغيره ثم ~~بين أن المكره إذا قتل ظلما كان ms8264 القاتل قد باء باثمه وإثم المقتول كما قال ~~تعالى في قصة إبنى آدم عن المظلوم @QB@ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون ~~من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين @QE@ ومعلوم أن الإنسان إذا صال صائل ~~على نفسه جاز له الدفع بالسنة والإجماع وإنما تنازعوا هل يجب عليه الدفع ~~بالقتال على قولين هما روايتان عن أحمد ( أحداهما ) يجب الدفع عن نفسه ولو ~~لم يحضر الصف والثانية يجوز له الدفع عن نفسه وأما الإبتداء بالقتال في ~~الفتنة فلا يجوز بلا ريب # والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل بل ~~عليه إفساد سلاحه وأن يصبر حتى يقتل مظلوما فكيف بالمكره على قتال المسلمين ~~مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام كما نعى الزكاة والمرتدين ونحوهم فلا ~~ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون # كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين وكما لو أكره رجل ~~رجلا على قتل مسلم معصوم فإنه لا يجوز له قتله بإتفاق المسلمين وإن اكرهه ~~بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس PageV28P539 فليس ~~له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو بل إذا فعل ذلك كان القود على المكره ~~والمكره جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعى في أحد قوليه وفى ~~الآخر يجب القود على المكره فقط كقول أبى حنيفة ومحمد وقيل القود على ~~المكره المباشر كما روى ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ~~ولم يوجبه وقد روى مسلم في صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب ~~الأخدود وفيها ( أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين # ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه ~~أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين وقد بسطنا القول في هذه ~~المسألة في موضع آخر # فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله ~~نفسه أعظم ms8265 من قتله لغيره كان ما يفضى إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التى ~~لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذى لا يندفع إلا ~~بذلك أولى وإذا كانت السنة والإجماع متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم ~~يندفع صوله إلا بالقتل قتل وإن كان المال الذى يأخذه قيراطا من دينار كما ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( من قتل دون ماله فهو شهيد ~~ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون حرمه فهو شهيد فكيف PageV28P540 ~~بقتال هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام المحاربين لله ورسوله الذين صولهم ~~وبغيهم أقل ما فيهم فإن قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنة والإجماع ~~وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين في أنفسهم وأموالهم وحرمهم ودينهم وكل ~~من هذه يبيح قتال الصائل عليها ومن قتل دونها فهو شهيد فكيف بمن قاتل عليها ~~كلها وهم من شر البغاة المتأولين الظالمين # لكن من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون فقد أخطأ خطأ قبيحا ~~وضل ضلالا بعيدا فإن أقل ما في البغاة المتأولين أن يكون لهم تأويل سائغ ~~خرجوا به ولهذا قالوا إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا ~~مظلمة أزالها فأى شبهة لهؤلاء المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادا ~~الخارجين عن شرائع الدين ولا ريب أنهم لا يقولون أنهم أقوم بدين الإسلام ~~علما وعملا من هذه الطائفة بل هم مع دعواهم الإسلام يعلمون أن هذه الطائفة ~~أعلم بالإسلام منهم وأتبع له منهم وكل من تحت أديم السماء من مسلم وكافر ~~يعلم ذلك وهم مع ذلك ينذرون المسلمين بالقتال فإمتنع أن تكون لهم شبهة بينه ~~يستحلون بها قتال المسلمين كيف وهم قد سبوا غالب حريم الرعية الذين لم ~~يقاتلوهم حتى أن الناس قد رأوهم يعظمون البقعة ويأخذون ما فيها من الأموال ~~ويعظمون الرجل PageV28P541 ويتبركون به ويسلبونه ماعليه من الثياب ويسبون ~~حريمه ويعاقبونه بأنواع العقوبات التى لا يعاقب بها إلا أظلم الناس وأفجرهم ~~والمتأول تأويلا دينيا لا يعاقب إلا من يراه عاصيا ms8266 للدين وهم يعظمون من ~~يعاقبونه في الدين ويقولون أنه أطوع لله منهم فأى تأويل بقى لهم ثم لو قدر ~~أنهم متأولون لم يكن تأويلهم سائغا بل تأويل الخوارج ومانعى الزكاة أوجه من ~~تأويلهم # أما الخوارج فإنهم إدعوا إتباع القرآن وإن ما خالفه من السنة لا يجوز ~~العمل به وأما مانعوا الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا أن الله قال لنبيه ( خذ ~~من أموالهم صدقة ) وهذا خطاب لنبيه فقط فليس علينا أن ندفعها لغيره فلم ~~يكونوا يدفعونها لأبى بكر ولا يخرجونها له والخوارج لهم علم وعبادة ~~وللعلماء معهم مناظرات كمناظرتهم مع الرافضة والجهمية وأما هؤلاء فلا ~~يناظرون على قتال المسلمين فلو كانوا متأولين لم يكن لهم تأويل يقوله ذو ~~عقل # وقد خاطبنى بعضهم بأن قال ملكنا ملك إبن ملك إبن ملك إلى سبعة أجداد ~~وملككم إبن مولى فقلت له آباء ذلك الملك كلهم كفار ولا فخر بالكافر بل ~~المملوك المسلم خير من الملك الكافر قال الله تعالى @QB@ ولعبد مؤمن خير من ~~مشرك ولو أعجبكم @QE@ فهذه وأمثالها حججهم ومعلوم أن من كان مسلما وجب ~~PageV28P542 عليه أن يطيع المسلم ولو كان عبدا ولا يطيع الكافر وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبى أنه قال ( إسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشى كأن رأسه ~~زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله ودين الإسلام ( إنما يفضل الأنسان بإيمانه ~~وتقواه لا بآبائه ولو كانوا من بنى هاشم أهل بيت النبى فإن الله خلق الجنة ~~لمن أطاعه وإن كان عبدا حبشيا وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفا قرشيا وقد ~~قال الله تعالى @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ وفى السنن عنه أنه ~~قال لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأسود على أبيض ولا ~~لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب ( # وفى الصحيحين عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه ( أن آل أبى فلان ليسوا ~~بأوليائى إنما وليى الله وصالح المؤمنين ( فأخبر ms8267 النبى أن موالاته ليست ~~بالقرابة والنسب بل بالإيمان والتقوى فإذا كان هذا في قرابة الرسول فكيف ~~بقرابة جنكسخان الكافر المشرك وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانا ~~وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى وإن كان الأول أسود حبشيا ~~والثانى علويا أو عباسيا PageV28P543 ### || 1 ( حكم الإمتناع عن قتال التتار ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه الله ورضى ! 8 < # عنه عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار ويقولون أن فيهم من يخرج مكرها معهم ~~واذا هرب أحدهم هل يتبع أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالم قتال التتار الذين قدموا إلى بلاد الشام واجب ~~بالكتاب والسنة فان الله يقول في القرآن @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله @QE@ والدين هو الطاعة فاذا كان بعض الدين لله وبعضه ~~لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله ولهذا قال الله تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم ~~تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله @QE@ وهذه الآية نزلت في اهل الطائف لما ~~دخلوا في الاسلام والتزموا الصلاة والصيام لكن امتنعوا من ترك الربا فبين ~~الله انهم محاربون له ولرسوله اذا لم ينتهوا عن الربا والربا هو آخر ما ~~حرمه الله وهومال يؤخذ برضا صاحبه فاذا كان هؤلاء محاربين لله ورسوله يجب ~~جهادهم فكيف بمن يترك كثيرا من شرائع الاسلام أو اكثرها كالتتار ~~PageV28P544 # وقد اتفق علماء المسلمين على ان الطائفة الممتنعة اذا امتنعت عن بعض ~~واجبات الاسلام الظاهرة المتواترة فانه يجب قتالها اذا تكلموا بالشهادتين ~~وامتنعوا عن الصلاة والزكاة أو صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق أو عن ~~الحكم بينهم بالكتاب والسنة أو عن تحريم الفواحش أو الخمر أو نكاح ذوات ~~المحارم أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق أو الربا اوالميسر أو ~~الجهاد للكفار أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب ونحو ذلك من شرائع ~~الاسلام فانهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله # وقد ثبت في الصحيحين ان عمر ms8268 لما ناظر أبا بكر في مانعى الزكاة قال له أبو ~~بكر كيف لا أقاتل من ترك الحقوق التى اوجبها الله ورسوله وان كان قد اسلم ~~كالزكاة 1 وقال له فان الزكاة من حقها والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها ~~إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها قال عمر فما هو الا ان رأيت الله قد شرح ~~صدر ابى بكر للقتال فعلمت انه الحق وقد ثبت في الصحيح من غير وجه ان النبي ~~ذكر الخوارج وقال فيهم ( يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم PageV28P545 فاقتلوهم فان في قتلهم ~~اجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد وقد ~~اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء وأول من قاتلهم امير المؤمنين علي بن ~~ابى طالب رضي الله عنه وما زال المسلمون يقاتلون في صدر خلافة بنى امية ~~وبنى العباس مع الأمراء وان كانوا ظلمة وكان الحجاج ونوابه ممن يقاتلونهم ~~فكل أئمة المسلمين يأمرون بقتالهم # والتتار واشباههم أعظم خروجا عن شريعة الإسلام من مانعى الزكاة والخوارج ~~من اهل الطائف الذين امتنعوا عن ترك الربا فمن شك في قتالهم فهو أجهل الناس ~~بدين الاسلام وحيث وجب قتالهم قوتلوا وان كان فيهم المكره باتفاق المسلمين ~~كما قال العباس لما أسر يوم بدر يا رسول الله إنى خرجت مكرها فقال النبى ( ~~اما ظاهرك فكان علينا واما سريرتك فالى الله ( # وقد اتفق العلماء على ان جيش الكفار اذا تترسوا بمن عندهم من اسرى ~~المسلمين وخيف على المسلمين الضرر اذا لم يقاتلوا فانهم يقاتلون وان افضى ~~ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم وان PageV28P546 لم يخف على ~~المسلمين ففى جواز القتال المفضى إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران ~~للعلماء وهؤلاء المسلمون اذا قتلوا كانوا شهداء ولا يترك الجهاد الواجب ~~لاجل من يقتل شهيدا فان المسلمين اذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين ~~يكون شهيدا ومن قتل وهو في ms8269 الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الاسلام كان ~~شهيدا وقد ثبت في الصحيحين عن النبي انه قال ( يغزو هذا البيت جيش من الناس ~~فبينما هم ببيداء من الأرض اذ خسف بهم فقيل يا رسول الله وفيهم المكره فقال ~~يبعثون على نياتهم ( فاذا كان العذاب الذى ينزله الله بالجيش الذي يغزو ~~المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو ~~بأيدى المؤمنين كما قال تعالى @QB@ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ~~ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا @QE@ # ونحن لا نعلم المكره ولا نقدر على التمييز فاذا قتلناهم بأمر الله كنا في ~~دلك مأجورين ومعذورين وكانوا هم على نياتهم فمن كان مكرها لا يستطيع ~~الامتناع فانه يحشر على نيته يوم القيامة فاذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ~~ذلك بأعظم من قتل من يقتل من عسكر المسلمين واما اذا هرب احدهم فان من ~~الناس من يجعل قتالهم بمنزلة قتال البغاة المتأولين PageV28P547 وهؤلاء اذا ~~كان لهم طائفة ممتنعة فهل يجوز اتباع مدبرهم وقتل اسيرهم والاجهاز على ~~جريحهم على قولين للعلماء مشهورين فقيل لا يفعل ذلك لان منادى علي بن ابى ~~طالب نادى يوم الجمل لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يقتل اسير وقيل بل ~~يفعل ذلك لأنه يوم الجمل لم يكن لهم طائفة ممتنعة وكان المقصود من القتال ~~دفعهم فلما اندفعوا لم يكن إلى ذلك حاجة بمنزلة دفع الصائل وقد روى انه يوم ~~الجمل وصفين كان امرهم بخلاف ذلك فمن جعلهم بمنزلة البغاة المتأولين جعل ~~فيهم هذين القولين والصواب ان هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين فان هؤلاء ~~ليس لهم تأويل سائغ اصلا وانما هم من جنس الخوارج المارقين ومانعى الزكاة ~~واهل الطائف والخرمية ونحوهم ممن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الاسلام # وهذا موضع اشتبه على كثير من الناس من الفقهاء فان المصنفين في ( قتال ~~أهل البغى ( جعلوا قتال مانعى الزكاة وقتال الخوارج وقتال علي لاهل البصرة ~~وقتاله لمعاوية واتباعه من ms8270 قتال اهل البغى وذلك كله مأمور به وفرعوا مسائل ~~ذلك تفريع من يرى ذلك بين الناس وقد غلطوا بل الصواب ما عليه أئمة الحديث ~~والسنة واهل المدينة النبوية كالاوزاعى والثورى ومالك واحمد بن حنبل ~~PageV28P548 وغيرهم انه يفرق بين هذا وهذا فقتال علي للخوارج ثابت بالنصوص ~~الصريحة عن النبى باتفاق المسلمين واما القتال ( يوم صفين ( ونحوه فلم يتفق ~~عليه الصحابة بل صد عنه اكابر الصحابة مثل سعد بن ابى وقاص ومحمد بن مسلمة ~~واسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وغيرهم ولم يكن بعد علي بن أبي طالب في ~~العسكرين مثل سعد بن ابى وقاص # والأحاديث الصحيحة عن النبى تقتتضى انه كان يجب الاصلاح بين تينك ~~الطائفتين لا الاقتتال بينهما كما ثبت عنه في صحيح البخاري انه خطب الناس ~~والجيش معه فقال ( ان ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من ~~المؤمنين ( فأصلح الله بالحسن بين اهل العراق واهل الشام فجعل النبى صلى ~~الله عليه وسلم الاصلاح به من فضائل الحسن مع ان الحسن نزل عن الامر وسلم ~~الأمر إلى معاوية فلو كان القتال هو المأمور به دون ترك الخلافة ومصالحة ~~معاوية لم يمدحه النبى على ترك ما امر به وفعل ما لم يؤمر به ولا مدحه على ~~ترك الأولى وفعل الأدنى فعلم ان الذى فعله الحسن هو الذى كان يحبه الله ~~ورسوله لا القتال وقد ثبت في الصحيح ان النبى كان يضعه وأسامة على فخذيه ~~ويقول ( اللهم انى احبهما فأحبهما واحب PageV28P549 من يحبهما ( وقد ظهر ~~اثر محبة رسول الله لهما بكراهتهما القتال في الفتنة فان اسامة امتنع عن ~~القتال مع واحدة من الطائفتين وكذلك الحسن كان دائما يشير على علي بأنه لا ~~يقاتل ولما صار الأمر إليه فعل ما كان يشير به على أبيه رضى الله عنهم ~~اجمعين # وقد ثبت عنه في الصحيح انه قال ( تمرق مارقة علي حين فرقة من المسلمين ~~تقتلهم اولى الطائفتين بالحق ( فهذه المارقة هم الخوارج وقاتلهم علي بن ابى ~~طالب وهذا يصدقه بقية ms8271 الأحاديث التى فيها الأمر بقتال الخوارج وتبين ان ~~قتلهم مما يحبه الله ورسوله وان الذين قاتلوهم مع علي اولى بالحق من معاوية ~~واصحابه مع كونهم اولى بالحق فلم يأمر النبى بالقتال لواحدة من الطائفتين ~~كما امر بقتال الخوارج بل مدح الاصلاح بينهما وقد ثبت عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم من كراهة القتال في الفتن والتحذير منها من الاحاديث الصحيحة ما ~~ليس هذا موضعه كقوله ? < ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها ~~خير من الماشى والماشى خير من الساعى > ? وقال ( يوشك ان يكون خير مال ~~المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ( ~~PageV28P550 فالفتن مثل الحروب التى تكون بين ملوك المسلمين وطوائف ~~المسلمين مع أن كل واحدة من الطائفتين ملتزمة لشرائع الإسلام مثل ما كان ~~أهل الجمل وصفين وإنما إقتتلوا لشبه وأمور عرضت وأما قتال الخوارج ومانعى ~~الزكاة وأهل الطائف الذين لم يكونوا يحرمون الربا فهؤلاء يقاتلون حتى ~~يدخلوا في الشرائع الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم # وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة فلا ريب أنه يجوز قتل أسيرهم وأتباع ~~مدبرهم والإجهاز على جريحهم فإن هؤلاء إذا كانوا مقيمين ببلادهم على ما هم ~~عليه فإنه يجب على المسلمين أن يقصدوهم في بلادهم لقتالهم حتى يكون الدين ~~كله لله فإن هؤلاء التتار لا يقاتلون على دين الإسلام بل يقاتلون الناس حتى ~~يدخلوا في طاعتهم فمن دخل في طاعتهم كفوا عنه وإن كان مشركا أو نصرانيا أو ~~يهوديا ومن لم يدخل كان عدوا لهم وإن كان من الأنبياء والصالحين وقد أمر ~~الله المسلمين أن يقاتلوا أعداءه الكفار ويوالوا عباده المؤمنين فيجب على ~~المسلمين من جند الشام ومصر واليمن والمغرب جميعهم أن يكونوا متعاونين على ~~قتال الكفار وليس لبعضهم أن يقاتل بعضا بمجرد الرياسة والأهواء فهؤلاء ~~التتار أقل ما يجب عليهم أن يقاتلوا من يليهم من الكفار وإن يكفوا من قتال ~~من يليهم من المسلمين ويتعاونون هم وهم على PageV28P551 # قتال الكفار وأيضا لا يقاتل معهم غير ms8272 مكره إلا فاسق أو مبتدع أو زنديق ~~كالملاحدة القرامطة الباطنية وكالرافضة السبابة وكالجهمية المعطلة من ~~النفاة الحلولية ومعهم ممن يقلدونه من المنتسبين إلى العلم والدين من هو شر ~~منهم فإن التتار جهال يقلدون الذين يحسنون به الظن وهم لضلالهم وغيهم ~~يتبعونه في الضلال الذى يكذبون به على الله ورسوله ويبدلون دين الله ولا ~~يحرمون ماحرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ولو وصفت ما أعلمه من أمورهم ~~لطال الخطاب # وبالجملة فمذهبهم ودين الإسلام لا يجتمعان ولو أظهروا دين الإسلام ~~الحنيفى الذى بعث رسوله به لإهتدوا وأطاعوا مثل الطائفة المنصورة فإن النبى ~~قد ثبت عنه أنه قال ( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من ~~خالفهم ولامن خذلهم حتى تقوم الساعة ( وثبت عنه في الصحيح أنه قال لايزال ~~أهل الغرب ظاهرين ( وأول الغرب ما يسامت البيرة ونحوها فإن النبى تكلم بهذا ~~الكلام وهو بالمدينة النبوية فما يغرب عنها فهو غرب كالشام ومصر وما شرق ~~عنها فهو شرق كالجزيرة والعراق وكان السلف يسمون أهل الشام ( أهل المغرب ( ~~ويسمون ( أهل العراق أهل المشرق ( وهذه الجملة التى ذكرتها فيها ~~PageV28P552 ### |||| وسئل رحمه الله # عن طائفة من رعية البلاد كانوا يرون مذهب النصيرية ثم أجمعوا على رجل ~~وإختلفت أقوالهم فيه فمنهم من يزعم أنه إله ومنهم من يزعم أنه نبى مرسل ~~ومنهم من إدعى أنه محمد بن الحسن يعنون المهدى وأمروا من وجده بالسجود له ~~وأعلنوا بالكفر بذلك وسب الصحابة وأظهروا الخروج عن الطاعة وعزموا على ~~المحاربة فهل يجب قتالهم وقتل مقاتلتهم وهل تباح ذراريهم وأموالهم أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هؤلاء يجب قتالهم ما داموا ممتنعين حتى يلتزموا شرائع ~~الإسلام فإن النصيرية من أعظم الناس كفرا بدون أتباعهم لمثل هذا الدجال ~~فكيف إذا إتبعوا مثل هذاالدجال وهم مرتدون من أسوأ الناس ردة تقتل مقاتلتهم ~~وتغنم أموالهم وسبى الذرية فية نزاع لكن أكثر العلماء على أنة تسبى الصغار ~~من أولاد المرتدين وهذا هو الذى دلت علية سيرة الصديق في قتال المرتدين ~~وكذلك قد ms8273 تنازع العلماء في استرقاق المرتد فطائفة تقول انها تسترق ~~PageV28P553 كقول أبي حنيفة وطائفة تقول لا تسترق كقول الشافعى واحمد ~~والمعروف عن الصحابة هو الأول وانه تسترق منه المرتدات نساء المرتدين فإن ~~الحنفية التى تسرى بها علي بن ابى طالب رضي الله عنه أم ابنه محمد بن ~~الحنفية من سبى بني حنيفة المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه والصحابة لما بعث خالد بن الوليد في قتالهم # و ( النصيرية ( لا يكتمون امرهم بل هم معروفون عند جميع المسلمين لا ~~يصلون الصلوات الخمس ولا يصومون شهر رمضان ولا يحجون البيت ولا يؤدون ~~الزكاة ولا يقرون بوجوب ذلك ويستحلون الخمر وغيرها من المحرمات ويعتقدون ان ~~الاله علي بن ابى طالب ويقولون % نشهد ان لا إله إلا % حيدرة الانزع البطين ~~% % ولا حجاب عليه الا % 5 محمد الصادق الامين % 5 ولا طريق إليه الا % % ~~سلمان ذو القوة المتين % # واما اذا لم يظهروا الرفض وان هذا الكذاب هو المهدى المنتظر وامتنعوا ~~فانهم يقاتلون ايضا لكن يقاتلون كما يقاتل الخوارج المارقون الذين قاتلهم ~~على بن ابى طالب رضى الله عنه بأمر رسول الله صلى الله PageV28P554 عليه ~~وسلم وكما يقاتل المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضى الله عنه فهؤلاء ~~يقاتلون ما داموا ممتنعين ولا تسبى ذراريهم ولا تغنم اموالهم التى لم ~~يستعينوا بها على القتال واما ما استعانوا به على قتال المسلمين من خيل ~~وسلاح وغيرذلك ففي اخذه نزاع بين العلماء وقد روى عن على بن ابى طالب انه ~~نهب عسكره ما في عسكر الخوارج فان رأى ولي الامر أن يستبيح ما في عسكرهم من ~~المال كان هذا سائغا هذا ما داموا ممتنعين # فان قدر عليهم فانه يجب ان يفرق شملهم وتحسم مادة شرهم والزامهم شرائع ~~الاسلام وقتل من اصر على الردة منهم # واما قتل من اظهر الاسلام وابطن كفرا منه وهوالمنافق الذي تسميه الفقهاء ~~( الزنديق ( فأكثر الفقهاء على انه يقتل وان تاب كما هو مذهب مالك واحمد في ~~اظهر الروايتين عنه واحد القولين في ms8274 مذهب ابى حنيفة والشافعى # ومن كان داعيا منهم إلى الضلال لا ينكف شره الا بقتله قتل ايضا وان اظهر ~~التوبة وان لم يحكم بكفره كأئمة الرفض الذين يضلون الناس كما قتل المسلمون ~~غيلان القدري والجعد بن درهم وامثالهما من الدعاة فهذا الدجال يقتل مطلقا ~~والله اعلم PageV28P555 ### |||| وسئل الشيخ # عن قوم ذوي شوكة مقيمين بأرض وهم لا يصلون الصلوات المكتوبات وليس عندهم ~~مسجد ولا اذان ولا اقامة وان صلى احدهم صلى الصلاة غير المشروعة ولا يؤدون ~~الزكاة مع كثرة اموالهم من المواشى والزروع وهم يقتتلون فيقتل بعضهم بعضا ~~وينهبون مال بعضهم بعضا ويقتلون الاطفال وقد لا يمتنعون عن سفك الدماء واخذ ~~الأموال لافى شهر رمضان ولا في الاشهر الحرم ولا غيرها واذا اسر بعضهم بعضا ~~باعوا اسراهم للافرنج ويبيعون رقيقهم من الذكور والاناث للافرنج علانية ~~ويسوقونهم كسوق الدواب ويتزوجون المرأة في عدتها ولا يورثون النساء ولا ~~ينقادون لحاكم المسلمين واذا دعى احدهم إلى الشرع قال انا الشرع إلى غير ~~ذلك فهل يجوز قتالهم والحالة هذه وكيف الطريق إلى دخولهم في الاسلام مع ما ~~ذكر ### ||||| فأجاب # نعم يجوز بل يجب باجماع المسلمين قتال هؤلاء وامثالهم من كل طائفة ~~ممتنعة عن شريعة من شرائع الاسلام الظاهرة PageV28P556 المتواترة مثل ~~الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس أو عن اداء الزكاة المفروضة إلى الاصناف ~~الثمانية التى سماها الله تعالى في كتابه اوعن صيام شهر رمضان أو الذين لا ~~يمتنعون عن سفك دماء المسلمين واخذ اموالهم أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع ~~الذي بعث الله به رسوله كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة رضي الله ~~عنهم في مانعى الزكاة وكما قاتل علي بن ابى طالب واصحاب النبى الخوارج ~~الذين قال فيهم النبى ( يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لايجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام ~~كمايمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم أجرا عند ~~الله لمن قتلهم يوم القيامة ( وذلك بقوله تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله ms8275 لله @QE@ وبقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا ~~بحرب من الله ورسوله @QE@ والربا آخر ما حرمه الله ورسوله فكيف بما هو اعظم ~~تحريما # ويدعون قبل القتال إلى التزام شرائع الاسلام فان التزموها استوثق منهم ~~ولم يكتف منهم بمجرد الكلام كما فعل أبو بكر بمن قاتلهم بعد ان اذلهم وقال ~~اختاروا إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية وقال انا خليفة رسول الله ~~فقالوا هذه الحرب المجلية قد عرفناها فما السلم PageV28P557 المخزية قال ~~تشهدون ان قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار وننزع منكم الكراع يعنى الخيل ~~والسلاح حتى يرى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون امرا بعد # فهكذا الواجب في مثل هؤلاء اذا اظهروا الطاعة يرسل اليهم من يعلمهم شرائع ~~الاسلام ويقيم بهم الصلوات وما ينتفعون به من شرائع الاسلام واما ان يستخدم ~~بعض المطيعين منهم في جند المسلمين ويجعلهم في جماعة المسلمين واما بأن ~~ينزع منهم السلاح الذى يقاتلون به ويمنعون من ركوب الخيل واما انهم يضعوه ~~حتى يستقيموا واما ان يقتل الممتنع منهم من التزام الشريعة وان لم يستجيبوا ~~لله ولرسوله وجب قتالهم حتى يلتزموا شرائع الاسلام الظاهرة المتواترة وهذا ~~متفق عليه بين علماء المسلمين والله أعلم ### || 1 ( مسائل في عطايا الملوك ) 1 ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < # فيما استقر اطلاقه من الملوك المتقدمين والى الآن من وجوه البر والقربات ~~على سبيل المرتب للمرتزقين من الفقراء والمساكين على اختلاف احوالهم فمنهم ~~الفقير الذى لا مال له ومنهم من له عائلة كثيرة يلزمه نفقتهم وكسبه لايقوم ~~بكلفتهم ومنهم المنقطع إلى الله تعالى الذى ليس له سبب يتسبب به لا يحسن ~~صنعه يصنعها ومنهم العاجز عن PageV28P558 الحركة لكبر أو ضعف ومنهم الصغير ~~دون البالغ والنساء الأرامل وذو العاهات ومنهم المشتغلون بالعلم الشريف ~~وقراءة القرآن ومن للمسلمين بهم نفع عام وله في بيت المال نصيب ومنهم ارباب ~~الزوايا والربط المتجردون للعبادة وتلقى الورادين من الفقهاء واهل العلم ms8276 ~~وغيرهم من ابناء السبيل ومنهم ايتام المستشهدين في سبيل الله تعالى من ~~اولاد الجند وغيرهم من لم يخلف له مايكفيه وممن يسأل احياء الموات فأحياها ~~أو استصلح احراسا عاليه لتكون له مستمرة بعد اصلاحها فأستخرجها في مدة سنين ~~عديدة واستقرت عليه على جارى العوائد في مثل ذلك # فهل تكون هذه الانساب التى اتصفوا بها مسوغة لهم تناول ما نالوه من ذلك ~~واطلقه لهم ملوك الاسلام ونوابهم على وجه المصلحة واستقر بأيديهم إلى الآن ~~أم لا # وما حكم من ينزلهم بعدم الاستحقاق مع وجود هذه الصفات وتقرب إلى السلطان ~~بالسعى بقطع ارزاقهم المؤدى إلى تعطيل الزوايا ومعظم الزوايا والربط التى ~~يرتفق بها ابناء السبيل وغيرهم من المجردين ويقوم بها شعار الاسلام هل يكون ~~بذلك آثما عاصيا أم لا وهل يجب ان يكلف هؤلاء اثبات استحقاقهم مع كون ذلك ~~مستقرا بأيديهم من قبل اولى الامر ولو كلفوا ذلك فهل يتعين عليهم اثباته ~~عند حاكم بعينه PageV28P559 غريب من بلادهم متظاهر بمنافرتهم مع وجود عدة ~~من الحكام غيره في بلادهم اولا وما حكم من عجز منهم عن الاثبات لضعفه عن ~~اقامة البينة الشرعية لما غلب عليه الحال من ان شهود هذا الزمان لا يؤدون ~~شهادة الا بأجرة ترضيهم وقد يعجز الفقير عن مثلها وكذلك النسوة اللاتى لا ~~يعلم الشهود احوالهن غالبا # واذا سأل الامام حاكما عن استحقاق من ذكر فأجاب بأنه لا يستحق من هؤلاء ~~المذكورين ومن يجرى مجراهم الا الأعمى والمكسح والزمن لا غير واضرب عما ~~سواهم من غير اطلاع على حقيقة احوالهم هل يكون بذلك آثما عاصيا أم لا وما ~~الذى يجب عليه في ذلك واذا سأله الامام عن الزوايا والربط هل يستحق من هو ~~بها ما هو مرتب لهم فأجاب بأن هذه الزوايا والربط دكاكين ولا شك ان فيهم ~~الصلحاء والعلماء وحملة الكتاب العزيز والمنقطعين إلى الله تعالى هل يكون ~~مؤذيا لهم بذلك أم لا # وما حكم هذا القول المطلق فيهم مع عدم المعرفة بجميعهم والاطلاع على ~~حقيقة احوالهم بالكلية اذا ms8277 تبين سقوطه وبطلانه هل تسقط بذلك روايته وما ~~عداها من اخباره أم لا وهل للمقذوفين الدعوى عليه بهذا الطعن عليهم المؤدى ~~عند الملوك إلى قطع ارزاقهم وان يكلفوه اثبات ذلك واذا عجز عن اثباته فهل ~~لهم مطالبته PageV28P560 بمقتضاه أم لا واذا عجز عن ثبوت ذلك هل يكون قادحا ~~في عدالته وجرحه ينعزل بها عن المناصب الدينية أم لا # ومن كانت هذه صفته لهذه الطائفة وهم له في غاية الكراهة هل يجوز ان يؤم ~~بهم وقد جاء ( لا يؤم الرجل قوما اكثرهم له كارهون ( ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه المسائل تحتاج إلى تقرير اصل جامع في ~~اموال بيت المال مبني على الكتاب والسنة التى سنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وخلفاؤه الراشدون كما قال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وولاة الأمر بعده اشياء الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال ~~لطاعة الله وقوة على طاعة الله ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأى من ~~خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع ~~غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى واصلاه جهنم وساءت مصيرا وقد قال ( ~~اوصيكم بالسمع والطاعة فانه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم ~~بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ واياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة ( # والواجب على ولاة الأمور وغيرهم من المسلمين العمل من ذلك PageV28P561 ~~بما عليهم كما قال تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وقال النبى ( ~~اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم واذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ( # ونحن نذكر ذلك مختصرا فنقول الأموال التى لها اصل في كتاب الله التى ~~يتولى قسمها ولاة الأمر ثلاثة # ( مال المغانم ( وهذا لمن شهد الوقعة الا الخمس فان مصرفه ما ذكره الله ~~في قوله @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله @QE@ و ( المغانم ( ما ~~أخذ من الكفار بالقتال ms8278 فهذه المغانم وخمسها و ( الثانى الفيء ( وهو الذى ~~ذكره الله تعالى في سورة الحشر ( حيث قال @QB@ وما أفاء الله على رسوله ~~منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب @QE@ ومعنى قوله @QB@ فما أوجفتم ~~@QE@ أي ما حركتم ولا اعملتم ولا سقتم يقال وجف البعير يجف وجوفا واوجفته ~~اذا سار نوعا من السير فهذا هو الفيء الذي افاءه الله على رسوله وهو ما صار ~~للمسلمين بغير ايجاف خيل ولا ركاب وذلك عبارة عن PageV28P562 القتال أي ما ~~قاتلتم عليه فما قاتلوا عليه كان للمقاتلة وما لم يقاتلوا عليه فهو فيء لأن ~~الله أفاءه على المسلمين فانه خلق الخلق لعبادته واحل لهم الطيبات ليأكلوا ~~طيبا ويعملوا صالحا والكفار عبدوا غيره فصاروا غير مستحقين للمال فأباح ~~للمؤمنين ان يعبدوه وان يسترقوا انفسهم وان يسترجعوا الاموال منهم فاذا ~~اعادها الله إلى المؤمنين منهم فقد فاءت أي رجعت إلى مستحقيها # وهذا الفيء يدخل فيه جزية الرؤوس التى تؤخذ من اهل الذمة ويدخل فيه ما ~~يؤخذ منهم من العشور وانصاف العشور وما يصالح عليه الكفار من المال كالذى ~~يحملونه وغير ذلك ويدخل فيه ما جلوا عنه وتركوه خوفا من المسلمين كأموال ~~بنى النضير التى انزل الله فيها ( سورة الحشر ( وقال @QB@ هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ~~ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار @QE@ وهؤلاء اجلاهم النبى وكانوا يسكنون شرقى المدينة النبوية ~~فأجلاهم بعد ان حاصرهم وكانت اموالهم مما افاء الله على رسوله PageV28P563 ~~وذكر مصارف الفيء بقوله @QB@ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب للفقراء المهاجرين الذين ms8279 أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين ~~تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف ~~رحيم @QE@ فهؤلاء المهاجرون والأنصار ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ولهذا ~~قال مالك وابو عبيد وابو حكيم النهروانى من اصحاب أحمد وغيرهم ان من سب ~~الصحابة لم يكن له في الفيء نصيب # ومن الفيء ما ضربه عمر رضى الله عنه على الأرض التى فتحها عنوة ولم ~~يقسمها كأرض مصر وأرض العراق الا شيئا يسيرا منها وبر الشام وغير ذلك فهذا ~~الفيء لا خمس فيه عند جماهير الأئمة كابي حنيفة ومالك وأحمد وانما يرى ~~تخميسة الشافعى وبعض PageV28P564 اصحاب أحمد وذكر ذلك رواية عنه قال بن ~~المنذر لا يحفظ عن أحد قبل الشافعى ان في الفيء خمسا كخمس الغنيمة # وهذا الفيء لم يكن ملكا للنبى في حياته عند اكثر العلماء وقال الشافعى ~~وبعض اصحاب أحمد كان ملكا له # واما مصرفه بعد موته فقد اتفق العلماء على ان يصرف منه ارزاق الجند ~~المقاتلين الذين يقاتلون الكفار فان تقويتهم تذل الكفار فيؤخذ منهم الفيء ~~وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين أم تختص به المقاتلة على قولين ~~للشافعى ووجهين في مذهب الامام أحمد لكن المشهور في مذهبه وهو مذهب ابى ~~حنيفة ومالك انه لا يختص به المقاتلة بل يصرف في المصالح كلها # وعلى القولين يعطى من فيه منفعة عامة لأهل الفيء فان الشافعى قال ينبغى ~~للامام ان يخص من في البلدان من المقاتلة وهو من بلغ ويحصى الذرية وهي من ~~دون ذلك والنساء إلى ان قال ثم يعطى المقاتلة في كل عام عطاءهم ويعطى ~~الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم قال والعطاء من الفيء لا يكون الا ms8280 لبالغ ~~يطيق القتال قال ولم يختلف أحد ممن لقيه في انه ليس للمماليك في العطاء حق ~~ولا للاعراب الذين هم اهل الصدقة قال فان فضل من الفيء شيء وضعه الامام في ~~اهل الحصون والازدياد في الكراع والسلاح وكل ما PageV28P565 يقوى به ~~المسلمون فإن إستغنوا عنه وحصلت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى عنهم بينهم على ~~قدر ما يستحقون من ذلك المال قال ويعطى من الفيء رزق العمال والولاة وكل من ~~قام بأمر الفيء من وال وحاكم وكاتب وجندى ممن لا غنى لأهل الفيء عنه # وهذا مشكل مع قوله أنه لا يعطى من الفيء صبى ولا مجنون ولا عبد ولا إمرأة ~~ولا ضعيف لا يقدر على القتال لأنه للمجاهدين # وهذا اذا كان للمصالح فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة ~~كالمجاهدين وكولاة أمورهم من ولاة الحرب وولاة الديوان وولاة الحكم ومن ~~يقرئهم القرآن ويفتيهم ويحدثهم ويؤمهم في صلاتهم ويؤذن لهم ويصرف منه في ~~سداد ثغورهم وعمارة طرقاتهم وحصونهم ويصرف منه إلى ذوى الحاجات منهم أيضا ~~ويبدأ فيه بالأهم فالأهم فيقدم ذوو المنافع الذين يحتاج المسلمون إليهم على ~~ذوى الحاجات الذين لا منفعة فيهم هكذا نص عليه عامة الفقهاء من أصحاب أحمد ~~والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم # قال أصحاب أبى حنيفة يصرف في المصالح ما يسد به الثغور من القناطر ~~والجسور ويعطى قضاة المسلمين ما يكفيهم ويدفع منه أرزاق المقاتلة وذووا ~~الحاجات يعطون من الزكوات ونحوها وما فضل عن PageV28P566 منافع المسلمين ~~قسم بينهم لكن مذهب الشافعى وبعض اصحاب أحمد انه ليس للاغنياء الذين لا ~~منفعة للمسلمين بهم فيه حق اذا فضل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعل ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كثر المال اعطا منهم عامة المسلمين فكان ~~لجميع اصناف المسلمين فرض في ديوان عمر بن الخطاب غنيهم وفقيرهم لكن كان ~~اهل الديوان نوعين مقاتلة وهم البالغون وذرية وهم الصغار والنساء الذين ~~ليسوا من اهل القتال ومع هذا فالواجب تقديم الفقراء على الأغنياء الذين لا ~~منفعة فيهم ms8281 فلايعطى غنى شيئا حتى يفضل عن الفقراء هذا مذهب الجمهور كمالك ~~واحمد في الصحيح من الروايتين عنه ومذهب الشافعى كما تقدم تخصيص الفقراء ~~بالفاضل # واما ( المال الثالث ( فهو الصدقات التى هي زكاة اموال المسلمين زكاة ~~الحرث وهى العشور وانصاف العشور المأخوذة من الحبوب والثمار وزكاة الماشية ~~وهى الابل والبقر والغنم وزكاة التجارة وزكاة النقدين فهذا المال مصرفه ما ~~ذكره الله تعالى في قوله @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ~~فريضة من الله والله عليم حكيم @QE@ وفى السنن ( ان النبى سأله رجل ان ~~يعطيه شيئا من الصدقات PageV28P567 فقال إن الله لم يرض في الصدقات بقسمة ~~نبى ولا غيره ولكن جزأها ثمانية إجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك وقد ~~إتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يخرج بالصدقات عن الأصناف الثمانية ~~المذكورين في هذه الآية كما دل على ذلك القرآن # إذا تبين هذا الأصل فنذكر أصلا آخر ونقول أموال بيت المال في مثل هذه ~~الأزمنة هي أصناف صنف منها هو من الفيء أو الصدقات أو الخمس فهذا قد عرف ~~حكمه وصنف صار إلى بيت المال بحق من غير هذه مثل من مات من المسلمين ولا ~~وارث له ومن ذلك ما فيه نزاع ومنه ما هو متفق عليه وصنف قبض بغير حق أو ~~بتأويل يجب رده إلى مستحقه إذا أمكن وقد تعذر ذلك مثل ما يؤخذ من مصادرات ~~العمال وغيرهم الذين أخذوا من الهدايا وأموال المسلمين مالا يستحقونه ~~فإسترجعه ولى الأمر منهم أو من تركاتهم ولم يعرف مستحقه ومثل ما قبض من ~~الوظائف المحدثة وتعذر رده إلى أصحابه وأمثال ذلك # فهذه الأموال التى تعذر ردها إلى أهلها لعدم العلم بهم مثلا هي مما يصرف ~~في مصالح المسلمين عند أكثر العلماء وكذلك من كان عنده مال لا يعرف صاحبه ~~كالغاصب التائب والخائن التائب والمرابى التائب ونحوهم ممن صار بيده مال لا ~~يملكه ولايعرف صاحبه فإنه PageV28P568 يصرفه إلى ذوى الحاجات ومصالح ~~المسلمين # إذا تبين ms8282 هذان الأصلان فنقول من كان من ذوى الحاجات كالفقراء والمساكين ~~والغارمين وإبن السبيل فهؤلاء يجوز بل يجب أن يعطوا من الزكوات ومن الأموال ~~المجهولة بإتفاق المسلمين وكذلك يعطوا من الفيء مما فضل عن المصالح العامة ~~التى لابد منها عند أكثر العلماء كما تقدم سواء كانوا مشتغلين بالعلم ~~الواجب على الكفاية أو لم يكونوا وسواء كانوا في زوايا أو ربط أو لم يكونوا ~~لكن من كان مميزا بعلم أو دين كان مقدما على غيره وأحق هذا الصنف من ذكرهم ~~الله بقوله @QB@ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس ~~إلحافا @QE@ فمن كان ما هو مشغول به من العلم والدين الذى أحصر به في سبيل ~~الله قد منعه الكسب فهو أولى من غيره ويعطى قضاة المسلمين وعلماؤهم منه ما ~~يكفيهم ويدفع منه أرزاق المقاتلة وذراريهم لا سيما من بنى هاشم الطالبيين ~~والعباسيين وغيرهم فإن هؤلاء يتعين أعطاؤهم من الخمس والفيء والمصالح لكون ~~الزكاة محرمة عليهم # والفقير الشرعى المذكور في الكتاب والسنة الذى يستحق من الزكاة والمصالح ~~ونحوهما ليس هو الفقير الإصطلاحى الذى يتقيد بلبسه PageV28P569 معينة ~~وطريقة معينة بل كل من ليس له كفاية تكفيه وتكفى عياله فهو من الفقراء ~~والمساكين # وقد تنازع العلماء هل الفقير اشد حاجة اوالمسكين أو الفقير من يتعفف ~~والمسكين من يسأل على ثلاثة اقوال لهم واتفقوا على ان من لا مال له وهو ~~عاجز عن الكسب فانه يعطى ما يكفيه سواء كان لبسه لبس الفقير الاصطلاحى أو ~~لباس الجند والمقاتلة أو لبس الشهود أو لبس التجار أو الصناع أو الفلاحين ~~فالصدقة لا يختص بها صنف من هذه الأصناف بل كل من ليس له كفاية تامة من ~~هؤلاء مثل الصانع الذى لا تقوم صنعته بكفايته والتاجر الذى لا تقوم تجارته ~~بكفايته والجندى الذى لا يقوم اقطاعه بكفايته والفقير والصوفى الذى لا يقوم ~~معلومة من الوقف بكفايته والشاهد والفقيه الذى لا يقوم ما يحصل له بكفايته ~~وكذلك ms8283 من كان في رباط أو زاوية وهوعاجز عن كفايته فكل هؤلاء مستحقون # ومن كان من هؤلاء كلهم مؤمنا تقيا كان لله وليا فان اولياء الله الذين ~~@QB@ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ من اي صنف ~~كانوا من اصناف القبلة ومن كان من هؤلاء منافقا أو مظهرا لبدعة تخالف ~~الكتاب والسنة من بدع الاعتقادات والعبادات فانه مستحق للعقوبة ومن عقوبته ~~ان يحرم حتى يتوب PageV28P570 # واما من كان زنديقا كالحلولية والمباحية ومن يفضل متبوعه على النبى صلى ~~الله عليه وسلم ومن يعتقد انه لا يجب عليه في الباطن اتباع شريعة رسول الله ~~أو انه اذا حصلت له المعرفة والتحقيق سقط عنه الأمر والنهي أو ان العارف ~~المحقق يجوز له التدين بدين اليهود والنصارى ولا يجب عليه الاعتصام بالكتاب ~~والسنة وامثال هؤلاء فان هؤلاء منافقون زنادقة واذا ظهر على احدهم فانه يجب ~~قتله باتفاق المسلمين وهم كثيرون في هذه الأزمنة # وعلى ولاة الأمور مع اعطاء الفقراء بل والأغنياء بأن يلزموا هؤلاء باتباع ~~الكتاب والسنة وطاعة الله ورسوله ولا يمكنوا احدا من الخروج من ذلك ولو ~~ادعى من الدعاوى ما ادعاه ولو زعم انه يطير في الهواء أو يمشى على الماء # ومن كان من الفقراء الذين لم تشغلهم منفعة عامة للمسلمين عن الكسب قادرا ~~عليه لم يجز ان يعطى من الزكاة عند الشافعى واحمد وجوز ذلك أبو حنيفة وقد ~~قال النبى ( لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى مكتسب ( ولا يجوز ان يعطى من ~~الزكاة من يصنع بها دعوة وضيافة للفقراء ولا يقيم بها سماطا لا لوارد ولا ~~غير وارد بل يجب ان يعطى ملكا للفقير المحتاج بحيث ينفقها على نفسه وعياله ~~في بيته ان شاء ويقضى منها ديونه ويصرفها PageV28P571 في حاجاته # وليس في المسلمين من ينكر صرف الصدقات وفاضل اموال المصالح إلى الفقراء ~~والمساكين ومن نقل عنه ذلك فاما ان يكون من اجهل الناس بالعلم واما ان يكون ~~من اعظم الناس كفرا بالدين بل بسائر الملل والشرائع أو يكون النقل ms8284 عنه كذبا ~~اومحرفا فاما من هو متوسط في علم ودين فلا يخفى عليه ذلك ولا ينهى عن ذلك # ولكن قداختلط في هذه الأموال المرتبة السلطانية الحق والباطل فاقوام ~~كثيرون من ذوى الحاجات والدين والعلم لا يعطى احدهم كفايته ويتمزق جوعا ~~وهولا يسأل ومن يعرفه فليس عنده ما يعطيه واقوام كثيرون يأكلون اموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله وقوم لهم رواتب اضعاف حاجاتهم وقوم لهم رواتب ~~مع غناهم وعدم حاجاتهم وقوم ينالون جهات كمساجد وغيرها فيأخذون معلومها ~~ويستثنون من يعطون شيئا يسيرا واقوام في الربط والزوايا يأخذون ما لا ~~يستحقون ويأخذون فوق حقهم ويمنعون من هواحق منهم حقه أو تمام حقه وهذا ~~موجود في مواضع كثيرة # ولا يستريب مسلم ان السعى في تمييز المستحق من غيره واعطاء الولايات ~~والأرزاق من هواحق بها والعدل بين الناس في ذلك PageV28P572 وفعله بحسب ~~الامكان هو من افضل اعمال ولاة الامور بل ومن اوجبها عليهم فان الله يأمر ~~بالعدل والاحسان والعدل واجب على كل أحد في كل شيء وكما ان النظر في الجند ~~المقاتلة والتعديل بينهم وزيادة من يستحق الزيادة ونقصان من يستحق النقصان ~~واعطاء العاجز عن الجهاد من جهة اخرى هو من احسن افعال ولاة الأمور وأوجبها ~~فكذلك النظر في حال سائر المرتزقين من اموال الفيء والصدقات والمصالح ~~والوقوف والعدل بينهم في ذلك واعطاء المستحق تمام كفايته ومنع من دخل في ~~المستحقين وليس منهم من ان يزاحمهم في ارزاقهم # واذا ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى وطلب الأخذ من الصدقات فانه يجوز ~~للامام ان يعطيه بلا بينة بعد ان يعلمه انه لا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب ~~فان النبى سأله رجلان من الصدقة فلما رآهما جلدين صعد فيهما النظر وصوبه ~~فقال ( ان شئتما اعطيتكما ولاحظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب ( # واما ان ذكر ان له عيالا فهل يفتقر إلى بينة فيه قولان للعلماء مشهوران ~~هما قولان في مذهب الشافعي واحمد واذا رأى الامام قول من يقول فيه يفتقر ~~إلى بينة فلا نزاع بين ms8285 العلماء انه لا يجب ان تكون البينة من الشهود ~~المعدلين بل يجب انهم لم يرتزقوا PageV28P573 على أداء الشهادة فترد ~~شهادتهم اذا أخذوا عليها رزقا لا سيما مع العلم بكثرة من يشهد بالزور ولهذا ~~كانت العادة ان الشهود في الشام المرتزقة بالشهادة لا يشهدون في ~~الاجتهاديات كالأعشار والرشد والعدالة والأهلية والاستحقاق ونحو ذلك بل ~~يشهدون بالحسيات كالذى سمعوه ورأوه فان الشهادة بالاجتهاديات يدخلها ~~التأويل والتهم فالجعل يسهل الشهادة فيها بغير تحر بخلاف الحسيات فان ~~الزيادة فيها كذب صريح لا يقدم عليه الا من يقدم على صريح الزور وهؤلاء اقل ~~من غيرهم بل اذا اتى الواحد من هؤلاء بمن يعرف صدقه من جيرانه ومعارفه واهل ~~الخبرة الباطنة به قبل ذلك منهم # واطلاق القول بأن جميع من بالربط والزوايا غير مستحقين باطل ظاهر البطلان ~~كما ان اطلاق القول بان كل من فيهم مستحق لما يأخذه هو باطل ايضا فلا هذا ~~ولا هذا بل فيهم المستحق الذي يأخذ حقه وفيهم من يأخذ فوق حقه وفيهم من لا ~~يعطى الا دون حقه وفيهم غير المستحق حتى انهم في الطعام الذى يشتركون فيه ~~يعطى احدهم افضل مما يعطى الآخر وان كان اغنى منه خلاف ما جرت عادة اهل ~~العدل الذين يسوون في الطعام بالعدل كما يعمل في رباطات اهل العدل وامر ولي ~~الأمر هؤلاء بجميع ( ما ذكر ) هو من افضل العبادات واعظم الواجبات ~~PageV28P574 # وما ذكر عن بعض الحكام من انه لا يستحق من هؤلاء الا الأعمى والمكسح ~~والزمن قول لم يقله أحد من المسلمين ولا يتصور ان يقول هذا حاكم ممن جرت ~~العادة بأن يتولى الحكم اللهم الا ان يكون من اجهل الناس اوافجرهم فمعلوم ~~ان ذلك يقدح في عدالته وانه يجب ان يستدل به على جرحه كما انه ان كان ~~الناقل لهذا عن حاكم قد كذب عليه فينبغى ان يعاقب على ذلك عقوبة تردعه ~~وامثاله من المفترين على الناس وعقوبة الامام للكذاب المفترى على الناس ~~والمتكلم فيهم وفى استحقاقهم لما يخالف دين الاسلام لا يحتاج ms8286 إلى دعواهم بل ~~العقوبة في ذلك جائزة بدون دعوى أحد كعقوبته لمن يتكلم في الدين بلا علم ~~فيحدث بلا علم ويفتى بلا علم وامثال هؤلاء يعاقبون فعقوبة كل هؤلاء جائزة ~~بدون دعوى فان الكذب على الناس والتكلم في الدين وفى الناس بغير حق كثير في ~~كثير من الناس # فمن قال انه لا يستحق الا الأعمى والزمن والمكسح فقد اخطأ باتفاق ~~المسلمين وكذلك من قال ان اموال بيت المال على اختلاف اصنافها مستحقة ~~لاصناف منهم الفقراء وانه يجب على الامام اطلاق كفايتهم من بيت المال فقد ~~اخطأ بل يستحقون من الزكوات بلا ريب واما من الفيء والمصالح فلا يستحقون ~~الا ما فضل عن PageV28P575 المصالح العامة ولو قدر انه لم يحصل لهم من ~~الزكوات ما يكفيهم واموال بيت المال مستغرقة بالمصالح العامة كان اعطاء ~~العاجز منهم عن الكسب فرضا على الكفاية فعلى المسلمين جميعا ان يطعموا ~~الجائع ويكسوا العاري ولا يدعوا بينهم محتاجا وعلى الامام ان يصرف ذلك من ~~المال المشترك الفاضل عن المصالح العامة التى لا بد منها # واما من يأخذ بمصلحة عامة فانه يأخذ مع حاجته باتفاق المسلمين وهل له ان ~~يأخذ مع الغنى كالقاضى والشاهد والمفتى والحاسب والمقرى والمحدث اذا كان ~~غنيا فهل له ان يرتزق على ذلك من بيت المال مع غناه قولان مشهوران للعلماء # وكذلك قول القائل ان عناية الامام بأهل الحاجات تجب ان تكون فوق عنايته ~~بأهل المصالح العامة التى لابد للناس منها في دينهم ودنياهم كالجهاد ~~والولاية والعلم ليس بمستقيم لوجوه # احدها ان العلماء قد نصوا على انه يجب في مال الفيء والمصالح ان يقدم اهل ~~المنفعة العامة واما مال الصدقات فيأخذه نوعان نوع يأخذ بحاجته كالفقراء ~~والمساكين والغارمين لمصلحة انفسهم وبن السبيل وقوم يأخذون لمنفعتهم ~~كالعاملين والغارمين في اصلاح ذات البين كمن فيه نفع عام كالمقاتلة وولاة ~~امورهم وفى سبيل PageV28P576 الله وليس أحد الصنفين احق من الآخر بل لابد ~~من هذا وهذا # الثانى ان ما يذكره كثير من القائمين بالمصالح من الجهاد والولايات ~~والعلم ms8287 من فساد النية معارض بما يوجد في كثير من ذوى الحاجات من الفسق ~~والزندقة وكما ان من ذوى الحاجات صالحين اولياء لله ففى المجاهدين والعلماء ~~اولياء لله واولياء الله هم المؤمنون المتقون من اي صنف كانوا ومن كان من ~~اولياء الله من اهل الجهاد والعلم كان افضل ممن لم يكن من هؤلاء فان سادات ~~اولياء الله من المهاجرين والانصار كانوا كذلك # وقول القائل اليوم في زماننا كثير من المجاهدين والعلماء انما يتخذون ~~الجهاد والقتال والاشتغال بالعلم معيشة دنيوية يحامون بها عن الجاه والمال ~~وانهم عصاة بقتالهم واشتغالهم مع انضمام معاص ومصائب اخرى لا يتسع الحال ~~لها والمجاهد لتكون كلمة الله هي العليا والمعلم ليكون التعلم محض التقرب ~~قليل الوجود اومفقود فلا ريب ان الاخلاص واتباع السنة فيمن لا يأكل اموال ~~الناس اكثر ممن يأكل الأموال بذلك بل والزندقة نعارضه بما هواصدق منه وهو ~~ان يقال كثير من اهل الربط والزوايا والمتظاهرين للناس بالفقر انما يتخذون ~~ذلك معيشة دنيوية هذا مع انضمام كفر وفسوق ومصائب لا يتسع الحال لقولها ~~بمثل دعوى الحلول والاتحاد في PageV28P577 العباد اكثر منها في اهل العلم ~~والجهاد وكذلك التقرب إلى الله بالعبادات البدعية ومعلوم انه في كل طائفة ~~بار وفاجر وصديق وزنديق والواجب موالاة اولياء الله المتقين من جميع ~~الأصناف وبغض الكفار والمنافقين من جميع الاصناف والفاسق الملي يعطى من ~~الموالاة بقدر ايمانه ويعطى من المعاداة بقدر فسقه فان مذهب اهل السنة ~~والجماعة ان الفاسق الملي له الثواب والعقاب اذا لم يعف الله عنه وانه لابد ~~ان يدخل النار من الفساق من شاء الله وان كان لا يخلد في النار أحد من اهل ~~الايمان بل يخلد فيها المنافقون كما يخلد فيها المتظاهرون بالكفر # الوجه الثالث ان يقال غالب الذين يأخذون لمنفعة المسلمين من الجند واهل ~~العلم ونحوهم محاويج ايضا بل غالبهم ليس له رزق الا العطاء ومن يأخذ ~~للمنفعة والحاجة اولى ممن يأخذ بمجرد الحاجة # الوجه الرابع ان يقال العطاء اذا كان لمنفعة المسلمين لم ينظر إلى ms8288 الآخذ ~~هل هو صالح النية أو فاسدها ولو ان الامام اعطى ذوى الحاجات العاجزين عن ~~القتال وترك اعطاء المقاتلة حتى يصلحوا نياتهم لأهل الاسلام لاستولى الكفار ~~على بلاد الاسلام فان تعليق العطايا PageV28P578 في القلوب متعذر وقد قال ~~النبى ( ان الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لاخلاق لهم ( وقال ~~( انى لأعطى رجالا وادع رجالا والذين ادع احب الي من الذين اعطى رجالا لما ~~في قلوبهم من الهلع والجزع واكل رجالا لما في قلوبهم من الغنى والخير ( ~~وقال ( اني لأعطى احدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله ~~فلم تعطيهم قال يأبون الا ان يسألونى ويأبى الله لي البخل ( # ولما كان عام حنين قسم غنائم حنين بين المؤلفة قلوبهم من اهل نجد ~~والطلقاء من قريش كعيينة بن حصن والعباس بن مرداس والاقرع بن حابس وامثالهم ~~وبين سهيل بن عمرو وصفوان بن امية وعكرمة بن أبي جهل وابى سفيان بن حرب ~~وابنه معاوية وامثالهم من الطلقاء الذين اطلقهم عام الفتح ولم يعط ~~المهاجرين والأنصار شيئا اعطاهم ليتألف بذلك قلوبهم على الاسلام وتأليفهم ~~عليه مصلحة عامة للمسلمين والذين لم يعطهم هم افضل عنده وهم سادات اولياء ~~الله المتقين وافضل عباد الله الصالحين بعد النبيين والمرسلين والذين ~~اعطاهم منهم من ارتد عن الاسلام قبل موته وعامتهم اغنياء لا فقراء فلو كان ~~العطاء للحاجة مقدما على العطاء للمصلحة العامة لم يعط النبى هؤلاء ~~الاغنياء السادة المطاعين في عشائرهم ويدع عطاء من عنده من PageV28P579 ~~المهاجرين والانصار الذين هم احوج منهم وافضل # وبمثل هذا طعن الخوارج على النبى صلى الله عليه وسلم وقال له اولهم يا ~~محمد اعدل فانك لم تعدل وقال ان هذه لقسمة ما اريد بها وجه الله تعالى حتى ~~قال النبى ( ويحك ومن يعدل اذا لم اعدل لقد خبت وخسرت ان لم اعدل ( فقال له ~~بعض الصحابة دعنى اضرب عنق هذا فقال ( انه يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر احدكم ~~صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ويقرؤون القرآن لا ms8289 ~~يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم فان في قتلهم اجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ( وفى رواية ( ~~لئن ادركتهم لأقتلنهم قتل عاد ( # وهؤلاء خرجوا على عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه فقتل ~~الذين قاتلوه جميعهم مع كثرة صومهم وصلاتهم وقراءتهم فاخرجوا عن السنة ~~والجماعة وهم قوم لهم عبادة وورع وزهد لكن بغير علم فاقتضى ذلك عندهم ان ~~العطاء لا يكون الا لذوى الحاجات وان اعطاء السادة المطاعين الأغنياء لا ~~يصلح لغير الله بزعمهم وهذا من جهلهم فان العطاء إنما هو بحسب مصلحة دين ~~الله فكلما كان لله اطوع ولدين الله أنفع كان العطاء فيه أولى وعطاء ~~PageV28P580 محتاج إليه في اقامة الدين وقمع أعدائه واظهاره واعلائه اعظم ~~من اعطاء من لا يكون كذلك وان كان الثانى أحوج # وقول القائل ان هذه القيود على مذهب الشافعى دون مذهب مالك وما نقله من ~~مذهب عمر فهذا يحتاج إلى معرفة بمذاهب الأئمة في ذلك وسيرة الخلفاء في ~~العطاء واصل ذلك ان الأرض اذا فتحت عنوة ففيها للعلماء ثلاثة اقوال # احدها وهو مذهب الشافعى انه يجب قسمها بين الغانمين الا ان يستطيب انفسهم ~~فيقفها وذكر في ( الأم ( انه لو حكم حاكم بوقفها من غير طيب انفسهم نقض ~~حكمه لأن النبى قسم خيبر بين الغانمين لكن جمهور الأئمة خالفوا الشافعى في ~~ذلك ورأوا ان ما فعله عمر بن الخطاب من جعل الأرض المفتوحة عنوة فيئا حسن ~~جائز وان عمر حبسها بدون استطابة انفس الغانمين ولا نزاع ان كل ارض فتحها ~~عمر بالشام عنوة والعراق ومصر وغيرها لم يقسمها عمر بين الغانمين وانما قسم ~~المنقولات لكن قال مالك وطائفة وهو القول الثانى انها مختصة باهل الحديبية ~~وقد صنف إسماعيل بن إسحاق امام المالكية في ذلك بما نازع به الشافعى في هذه ~~المسألة وتكلم على حججه # وعن الامام أحمد كالقولين لكن المشهور في مذهبه هو القول PageV28P581 ~~الثالث وهو مذهب الأكثرين ابى حنيفة واصحابه والثوري وابى عبيد ms8290 وهو ان ~~الامام يفعل فيها ما هو اصلح للمسلمين من قسمها أو حبسها فان رأى قسمها كما ~~قسم النبى خيبر فعل وان رأى ان يدعها فيئا للمسلمين فعل كما فعل عمر وكما ~~روى ان النبى فعل بنصف خيبر وانه قسم نصفها وحبس نصفها لنوائبه وانه فتح ~~مكة عنوة ولم يقسمها بين الغانمين # فعلم ان أرض العنوة يجوز قسمها ويجوز ترك قسمها وقد صنف في ذلك مصنفا ~~كبيرا اذا عرف ذلك فمصر هي مما فتح عنوة ولم يقسمها عمر بين الغانمين كما ~~صرح بذلك ائمة المذاهب من الحنفية والمالكية والحنبلية والشافعية لكن تنقلت ~~احوالها بعد ذلك كما تنقلت احوال العراق فان خلفاء بنى العباس نقلوه إلى ~~المقاسمة بعد المخارجة وهذا جائز في أحد قولى العلماء وكذلك مصر رفع عنها ~~الخراج من مدة لا اعلم ابتداءها وصارت الرقبة للمسلمين وهذا جائز في أحد ~~قولى العلماء # واما مذهب عمر في الفيء فانه يجعل لكل مسلم فيه حقا لكنه يقدم الفقراء ~~واهل المنفعة كما قال عمر رضى الله عنه ليس أحد احق بهذا المال من أحد انما ~~هو الرجل وبلاؤه والرجل وغناؤه PageV28P582 والرجل وسابقته والرجل وحاجته ~~فكان يقدم في العطاء بهذه الأسباب وكانت سيرته التفضيل في العطاء بالفضائل ~~الدينية واما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فسوى بينهم في العطاء اذا استووا ~~في الحاجة وان كان بعضهم افضل في دينه وقال انما اسلموا لله واجورهم على ~~الله وانما هذه الدنيا بلاغ وروى عنه انه قال استوى فيهم ايمانهم يعنى ان ~~حاجتهم إلى الدنيا واحدة فاعطيهم لذلك لا للسابقة والفضيلة في الدين فان ~~اجرهم يبقى على الله فاذا استووا في الحاجة الدنيوية سوى بينهم في العطاء # ويروى ان عمر في آخر عمره قال لئن عشت إلى قابل لأجعلن الناس ببانا واحدا ~~اي ماية واحدة أي صنفا واحدا # وتفضيله كان بالاسباب الاربعة التى ذكرها الرجل وبلاؤه وهو الذى يجتهد في ~~قتال الاعداء والرجل وغناؤه وهو الذى يغنى عن المسلمين في مصالحهم لولاة ~~أمورهم ومعلميهم وأمثال هؤلاء ms8291 والرجل وسابقته وهو من كان من السابقين ~~الاولين فانه كان يفضلهم في العطاء على غيرهم والرجل وفاقته فانه كان يقدم ~~الفقراء على الاغنياء وهذا ظاهر فانه مع وجود المحتاجين كيف يحرم بعضهم ~~ويعطى لغنى لا حاجة له ولا منفعة به لا سيما اذاضاقت اموال بيت المال عن ~~اعطاء كل المسلمين غنيهم وفقيرهم فكيف يجوز ان يعطى الغنى الذى PageV28P583 ~~ليس فيه نفع عام ويحرم الفقير المحتاج بل الفقير النافع # وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ( انه اعطى من اموال بنى النضير ~~وكانت للمهاجرين لفقيرهم ولم يعط الأنصار منها شيئا لغناهم الا انه اعطى ~~بعض الانصار لفقره ( وفى السنن ( ان النبى كان اذا اتاه مال اعطى الآهل ~~قسمين والعزب قسما ( فيفضل المتأهل على المتعزب لانه محتاج إلى نفقة نفسه ~~ونفقة امرأته والحديث رواه أبو داود وابو حاتم في صحيحه والامام أحمد في ~~رواية ابى طالب وقال حديث حسن ولفظه عن عوف بن مالك ان رسول الله كان اذا ~~اتاه الفيء قسمه من يومه فاعطى الآهل حظين واعطى العزب حظا ( # وحديث عمر رواه أحمد وابو داود ولفظ ابى داود عن مالك بن اوس بن الحدثان ~~قال ذكر عمر يوما الفيء فقال ما انا بأحق بهذا الفيء منكم وما أحد منا باحق ~~به من أحد الا انا على منازلنا من كتاب الله الرجل وقدمه والرجل وبلاؤه ~~والرجل وغناؤه والرجل وحاجته ولفظ أحمد قال كان عمر يحلف على ايمان ثلاث ~~والله ما أحد احق بهذا المال من أحد وما انا احق به من أحد ووالله ما من ~~المسلمين أحد الا وله في هذا المال نصيب الا عبدا مملوكا ولكنا على منازلنا ~~من كتاب الله فالرجل وبلاؤه في الاسلام والرجل PageV28P584 وقدمه والرجل ~~وغناؤه في الاسلام والرجل وحاجته والله لئن بقيت لهم لأوتين الراعى بجبل ~~صنعاء حظه في هذا المال وهو يرعى مكانه ( # فهذا كلام عمر الذي يذكر فيه بان لكل مسلم حقا يذكر فيه تقديم اهل ~~الحاجات ولا يختلف اثنان من المسلمين انه لا ms8292 يجوز ان يعطى الأغنياء الذين ~~لا منفعة لهم ويحرم الفقراء فان هذا مضاد لقوله تعالى @QB@ كي لا يكون دولة ~~بين الأغنياء منكم @QE@ فاذا جعل الفيء متداولا بين الأغنياء فهذا الذي ~~حرمه الله ورسوله وهذه الآية في نفس الامر # واما نقل الناقل مذهب مالك بأن في ( المدونة ( وجزية جماجم اهل الذمة ~~وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحا فهو عند مالك جزية والجزية عنده ~~فيء قال ويعطى هذا الفيء اهل كل بلد افتتحوها عنوة أو صالحوا عليها فيقسم ~~عليهم ويفضل بعض الناس على بعض من الفيء ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا منه ~~ولا يخرج إلى غيرهم الا ان ينزل بقوم حاجة فينقل اليهم بعد ان يعطى اهله ~~منه ما يغنيهم عن الاحتياج وقال ايضا قال مالك واما جزية الأرض فماادرى كيف ~~كان يصنع فيها الا ان عمر قد أقر الأرض فلم يقسمها بين الذين افتتحوها وأرى ~~لمن ينزل ذلك ان يكشف عنه PageV28P585 من يرضاه فان وجد عالما يستفتيه والا ~~اجتهد هو ومن بحضرته رأسا # واما احياء الموات فجائز بدون اذن الامام في مذهب الشافعى واحمد وابى ~~يوسف ومحمد واشترط أبو حنيفة ان يكون باذن الامام وقال مالك ان كان بعيدا ~~عن العمران بحيث لا تباح الناس فيه لم يحتج إلى اذنه وان كان مما قرب من ~~العمران ويباح الناس فيه افتقر إلى اذنه # لكن ان كان الاحياء في ارض الخراج فهل يملك بالاحياء ولا خراج عليه أو ~~يكون بيده وعليه الخراج على قولين للعلماء هما روايتان عن أحمد # واما من قتل أو مات من المقاتلة فانه ترزق امرأته واولاده الصغار وفى ~~مذهب أحمد والشافعى في أحد قوليه وغيرهما فينفق على امرأته حتى تتزوج وعلى ~~ابنته الصغيرة حتى تتزوج وعلى ابنه الصغير حتى يبلغ ثم يجعل من المقاتلة ان ~~كان يصلح للقتال والا ان كان من اهل الحاجة والذين يعطون من الصدقة وفاضل ~~الفيء والمصالح اعطى له من ذلك والا فلا PageV28P586 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### ||| # اذا كان بيت المال مستقيما امره ms8293 بحيث لا يوضع ماله الا في حقه ولا يمنع ~~من مستحقه فمن صرف بعض اعيانه أو منافعه في جهة من الجهات التى هي مصارف ~~بيت المال كعمارة طريق ونحو ذلك بغير اذن الامام فقد تعدى بذلك اذ ولايته ~~إلى الامام ثم الامام يفعل الأصلح فان كان نقض ذلك اصلح للمسلمين نقض ~~التصرف وان كان الأصلح اقراره اقره وكذلك ان تصرف في ملك الوقف واليتيم ~~بغير اذن الناظر تصرفا من جنس التصرف المشروع كأن يعمر بأعيان ماله حانوتا ~~أو دارا في عرصة الوقف أو اليتيم # واما اذا كان امر بيت المال مضطربا فقال الفقهاء من صرف بعض اعيانه أو ~~منافعه في جهة بعض المصالح من غير ان يكون متهما في ذلك التصرف بل كان ~~التصرف واقعا على جهة المصلحة فانه لا ينبغى للامام نقض التصرف ولا تضمين ~~المتصرف مع انه لا تجوز معصية الامام برا كان أو فاجرا الا ان يأمره بمعصية ~~الله وحكمه أو قسمه اذا وافق الحق نافذ برا كان اوفاجرا واما اذا تصرف ~~PageV28P587 الرجل تصرفايتهم فيه مثل أن يقبض المال لنفسه متأولا إن لى حقا ~~في بيت المال وإنى لا أعطى حقى فهذا ### |||| وسئل رحمه الله # عن أقوام لهم أملاك إرث من آبائهم وأجدادهم وهى للسلطان مقاسمة الثلث ثلث ~~المغل وإن شخصا ضامنا إشترى ما يخص السلطان من الثلث وأخذ الملك الذى لهم ~~جميعه باليد القوية فهل له ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # ليس له أن ينزع أملاك الناس التى بأيديهم بما ذكر ولا يجوز رفع ~~أيدى المسلمين الثابتة على حقوقهم بما ذكر إذ الأرض الخراجية كالسواد وغيره ~~نقلت من المخارجة إلى المقاسمة كما فعل أبو جعفر المنصور بسواد العراق ~~وأقرت بيد أهلها وهى تنتقل عن أهلها إلى ذريتهم وغير ذريتهم بالأرث والوصية ~~والهبة وكذلك البيع في أصح قولى العلماء إذ حكمها بيد المشترى كحكمها بيد ~~البائع وليس هذا تبعا للوقف الذي لا يباع ولا يوهب ولايورث كما غلط في ذلك ~~من منع بيع أرض السواد معتقدا أنها كالوقف ms8294 الذى لا يجوز PageV28P588 بيعه ~~مع أنه يجوز أن يورث ويوهب إذلا خلاف في هذا بل ينبغى أن يبيع ما لبيت ~~المال من هذه الأرضين وما لبيت المال من المقاسمة الذى هو بمنزلة الخراج ~~وقيل لأتباع لما فيه من إضاعة حقوق المسلمين ### |||| وسئل # إذا دخل التتار الشام ونهبوا أموال النصارى والمسلمين ثم نهب المسلمون ~~التتار وسلبوا القتلى منهم فهل المأخوذ من أموالهم وسلبهم حلال أم لا ### ||||| فأجاب # كل ما أخذ من التتار يخمس ويباح الإنتفاع به ### |||| وسئل رحمه الله 3 # عن رجل فقير ملازم الصلوات الخمس غريب فهل إذا حصل له ~~من السلطان راتب يتقوت به ويستغنى عن السؤال يكون مأثوما وهل يحصل له ~~المسامحة ### ||||| فأجاب # نعم إذا أعطى ولى الأمر لمثل هذا ما يكفيه من أموال PageV28P589 ~~بيت المال كان ذلك جائزا ومال الديوان الإسلامى ليس كله ولا أكثره حراما ~~حتى يقال فيه ذلك بل فيه من أموال الصدقات والفيء وأموال المصالح مالا ~~يحصية إلا الله وفيه ماهو حرام أوشبهة فإن علم أن الذى أعطاه من الحرام لم ~~يكن له أخذ ذلك وإن جهل الحال لم يحرم عليه ذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل أعطاه ولى الأمر إقطاعا وفيه شيء من المكوس فهل ~~يجوز له الأكل منها أو يقطعها لأجناده أو يصرفها في علف خيوله وجامكية ~~الغلمان ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما المال المأخوذ من الجهات فلا يخلو عن شبهة وليس كله ~~حراما محضا بل فيه ما هو حرام وفيه ما يؤخذ بحق وبعضه أخف من بعض # فما على الساحل واقطاعه أخف مما على بيع العقار ونحو ذلك من السلع ومما ~~على سوق الغزل ونحوه فإن هذا لا شبهة فيه فإنه ظلم بين وكذلك ضمان الإفراج ~~فإنه قد يؤخذ إما من الفواحش المحرمة وإما من المناكح المباحة فهذا ظلم ~~وذلك إعانة على الفواحش التى PageV28P590 تسمى ( مغانى العرب ونحو ذلك فإن ~~هذا فيه ضمان الحانة في بعض الوجوه فهذا أقبح ما يكون بخلاف ساحل القبلة ~~فإنه قد يظلم فيه كثير من ms8295 الناس # لكن أهل الإقطاعات الكثيرة الذين أقطعوا أكثر مما يستحقونه إذا أمر ~~السلطان أن يؤخذ منها بعض الزيادة لم يكن هذا ظلما وإقطاعه أصلها زكاة لكن ~~زيد فيها ظلم # وإذا كان كذلك فمن كان في إقطاعه شيء من ذلك فليجعل الحلال الطيب لأكله ~~وشربه ثم الذى للناس ثم الذى يليه يجعل لعلف الجمال ويكون علف الخيل أطيب ~~منها فإنها أشرف ويعطى الذى يليه للدبادب والبوقات والبازيات ونحوهم فإن ~~الله يقول @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ فعلى كل إنسان أن يتقى الله ما ~~إستطاع وما لم يمكن إزالته من الشر يخفف بحسب الإمكان فإن الله بعث الرسل ~~بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها PageV28P591 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن الأموال التى يجهل مستحقها مطلقا أو مبهما فإن هذه عامة النفع لأن ~~الناس قد يحصل في أيديهم أموال يعلمون أنها محرمة لحق الغير إما لكونها ~~قبضت ظلما كالغصب وأنواعه من الجنايات والسرقة والغلول وإما لكونها قبضت ~~بعقد فاسد من ربا أو ميسر ولايعلم عين المستحق لها وقد يعلم أن المستحق أحد ~~رجلين ولا يعلم عينه كالميراث الذى يعلم أنه لا حدى الزوجين الباقية دون ~~المطلقة والعين التى يتداعاها اثنان فيقربها ذو اليد لأحدهما # فمذهب الامام أحمد وابى حنيفة ومالك وعامة السلف إعطاء هذه الاموال لاولى ~~الناس بها ومذهب الشافعى أنها تحفظ مطلقا ولا تنفق بحال فيقول فيما جهل ~~مالكه من الغصوب والعوارى والودائع انها تحفظ حتى يظهر اصحابها كسائر ~~الاموال الضائعة ويقول في العين التى عرفت لأحد رجلين يوقف الأمر حتى ~~يصطلحا ومذهب أحمد وابى حنيفة فيما جهل مالكه أنه يصرف عن أصحابه في ~~المصالح PageV28P592 كالصدقة على الفقراء وفيما استبهم مالكة القرعة عند ~~أحمد والقسمة عند ابى حنيفة ويتفرع على هذه القاعدة ألف من المسائل النافعة ~~الواقعة # وبهذا يحصل الجواب عما فرضه أبو المعالى في كتابه ( الغياثى ) وتبعة من ~~تبعه اذا طبق الحرام الأرض ولم يبق سبيل إلى الحلال فانه يباح للناس قدر ~~الحاجة من المطاعم والملابس والمساكن والحاجة اوسع من الضرورة وذكر ms8296 ان ذلك ~~يتصور اذا استولت الظلمة من الملوك على الاموال بغير حق وبثتها في الناس ~~وان زمانه قريب من هذا التقدير فكيف بما بعده من الازمان # وهذا الذى قاله فرض محال لا يتصور لما ذكرته من هذه ( القاعدة الشرعية ) ~~فان المحرمات قسمان محرم لعينه كالنجاسات من الدم والميتة ومحرم لحق الغير ~~وهو ما جنسه مباح من المطاعم والمساكن والملابس والمراكب والنقود وغير ذلك # وتحريم هذه جميعها يعود إلى الظلم فانها انما تحرم لسببين ( أحدهما ) ~~قبضها بغير طيب نفس صاحبها ولا اذن الشارع وهذا هو الظلم المحض كالسرقة ~~والخيانة والغصب الظاهر وهذا أشهر الانواع بالتحريم PageV28P593 ( والثانى ~~) قبضها بغير اذن الشارع وإن أذن صاحبها وهى العقود والقبوض المحرمة كالربا ~~والميسر ونحو ذلك والواجب على من حصلت بيده ردها إلى مستحقها فاذا تعذر ذلك ~~فالمجهول كالمعدوم وقد دل على ذلك قول النبى في اللقطة ( فان وجدت صاحبها ~~فارددها إليه والا فهي مال الله يؤتيه من يشاء ) فبين النبى أن اللقطة التى ~~عرف انها ملك لمعصوم وقد خرجت عنه بلا رضاه اذا لم يوجد فقد آتاها الله لمن ~~سلطه عليها بالالتقاط الشرعي # وكذلك اتفق المسلمون على انه من مات ولا وارث له معلوم فما له يصرف في ~~مصالح المسلمين مع انه لا بد في غالب الخلق ان يكون له عصبة بعيد لكن جهلت ~~عينه ولم ترج معرفته فجعل كالمعدوم وهذا ظاهر وله دليلان قياسيان قطعيان ~~كما ذكرنا من السنة والاجماع فان مالا يعلم بحال أولا يقدر عليه بحال هو في ~~حقنا بمنزلة المعدوم فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه # وكما انه لا فرق في حقنا بين فعل لم نؤمر به وبين فعل أمرنا به جملة عند ~~فوت العلم أو القدرة كما في حق المجنون والعاجز كذلك لا فرق في حقنا بين ~~مال لا مالك له امرنا بايصاله إليه وبين ما امرنا بايصاله إلى مالكه جملة ~~اذا فات العلم به أوالقدرة PageV28P594 عليه والاموال كالأعمال سواء # وهذا النوع انما حرم لتعلق حق الغير به فاذا ms8297 كان الغير معدوما أومجهولا ~~بالكلية أو معجوزا عنه بالكلية سقط حق تعلقة به مطلقا كما يسقط تعلق حقه به ~~اذا رجى العلم به اوالقدرة عليه إلى حين العلم والقدرة كما في اللقطة سواء ~~كما نبه عليه صلى الله عليه وسلم بقوله ( فان جاء صاحبها والا فهي مال الله ~~يؤتيه من يشاء ) فانه لو عدم المالك انتقل الملك عنه بالاتفاق فكذلك اذا ~~عدم العلم به إعداما مستقرا واذا عجز عن الايصال إليه اعجازا مستقرا ~~فالإعدام ظاهر والاعجاز مثل الاموال التى قبضها الملوك كالمكوس وغيرها من ~~اصحابها وقد تيقن انه لا يمكننا اعادتها إلى اصحابها فانفاقها في مصالح ~~اصحابها من الجهاد عنهم أولى من إبقائها بأيدى الظلمة يأكلونها واذا انفقت ~~كانت لمن يأخذها بالحق مباحة كما انها على من يأكلها بالباطل محرمة # والدليل الثانى ( القياس ) مع ما ذكرناه من السنة والاجماع ان هذه ~~الاموال لا تخلو إما أن تحبس وإما ان تتلف وإما أن تنفق فأما إتلافها ~~فافساد لها @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ وهو إضاعة لها PageV28P595 ~~والنبى صلى الله عليه وسلم قد نهى عن اضاعة المال وان كان في مذهب أحمد ~~ومالك تجويز العقوبات المالية تارة بالأخذ وتارة بالاتلاف كما يقوله أحمد ~~في متاع الغال وكما يقوله أحمد ومن يقوله من المالكية في أوعية الخمر ومحل ~~الخمار وغير ذلك # فان العقوبة باتلاف بعض الاموال أحيانا كالعقوبة باتلاف بعض النفوس ~~احيانا وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمه من المصلحة ما شرع له ~~ذلك كما في اتلاف النفس والطرف وكما ان قتل النفس يحرم إلا بنفس أو فساد ~~كما قال تعالى @QB@ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض @QE@ وقالت ~~الملائكة @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء @QE@ فكذلك اتلاف ~~المال انما يباح قصاصا أو لافساد مالكه كما أبحنا من اتلاف البناء والغراس ~~الذى لأهل الحرب مثل ما يفعلون بنا بغير خلاف وجوزنا لافساد مالكه ما جوزنا # ولهذا لم أعلم أحدا من الناس قال إن الأموال المحترمة المجهولة المالك ~~تتلف ms8298 وانما يحكى ذلك عن بعض الغالطين من المتورعة أنه ألقى شيئا من ماله في ~~البحر أو أنه تركه في البر ونحو ذلك فهؤلاء تجد منهم حسن القصد وصدق الورع ~~لا صواب العمل # وأما حبسها دائما ابدا إلى غير غاية منتظرة بل مع العلم انه لا ~~PageV28P596 يرجى معرفة صاحبها ولا القدرة على ايصالها إليه فهذا مثل ~~اتلافها فان الاتلاف انما حرم لتعطيلها عن انتفاع الآدميين بها وهذا تعطيل ~~ايضا بل هو أشد منه من وجهين ( # احدهما ) انه تعذيب للنفوس بابقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به # ( الثانى ) أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لابد ان يستولى عليها أحد ~~من الظلمة بعد هذا اذا لم ينفقها أهل العدل والحق فيكون حبسها اعانة للظلمة ~~وتسليما في الحقيقة إلى الظلمة فيكون قد منعها أهل الحق وأعطاها أهل الباطل ~~ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا فان من وضع انسانا بمسبعة فقد قتله ومن ~~ألقى اللحم بين السباع فقد أكله ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولى عليها ~~من الظلمة فقد أعطاهموها فاذا كان اتلافها حراما وحبسها اشد من اتلافها ~~تعين انفاقها وليس لها مصرف معين فتصرف في جميع جهات البر والقرب التى ~~يتقرب بها إلى الله لأن الله خلق الخلق لعبادته وخلق لهم الأموال ليستعينوا ~~بها على عبادته فتصرف في سبيل الله والله أعلم PageV28P597 ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن رجل له حق في بيت المال اما لمنفعة في الجهاد أو لولايته فأحيل ببعض ~~حقه على بعض المظالم ### ||||| فأجاب # لا تستخرج أنت هذا ولا تعن على استخراجه فان ذلك ظلم لكن اطلب حقك ~~من المال المحصل عندهم وان كان مجموعا من هذه الجهة وغيرها لأن ما اجتمع في ~~بيت المال ولم يرد إلى أصحابه فصرفه في مصالح اصحابه والمسلمين أولى من ~~صرفه فيما لا ينفع اصحابه أو فيما يضره وقد كتبت نظير هذه المسألة في غير ~~هذا الموضع وايضا فانه يصير مختلطا فلا يبقى محكوما بتحريمه بعينه مع كون ~~الصرف إلى مثل هذا ms8299 واجبا على المسلمين # فان الولاة يظلمون تارة في استخراج الاموال وتارة في صرفها فلا تحل ~~إعانتهم على الظلم في الاستخراج ولا أخذ الانسان مالا يستحقه # وأما ما يسوغ فيه الاجتهاد من الاستخراج والصرف فلمسائل الاجتهاد وأما ~~مالا يسوغ فيه اجتهاد من الاخذ والاعطاء فلا يعاونون PageV28P598 لكن اذا ~~كان المصروف إليه مستحقا بمقدار المأخوذ جاز أخذه من كل مال يجوز صرفه ~~كالمال المجهول مالكه اذا وجب صرفه فان امتنعوا من اعادته إلى مستحقه فهل ~~الأولى إقراره بأيدى الظلمة أو السعى في صرفه في مصالح اصحابه والمسلمين ~~اذا كان الساعى في ذلك ممن يكره اصل أخذه ولم يعن على أخذه بل سعى في منع ~~أخذه فهذه مساله حسنة ينبغى التفطن لها والا دخل الانسان في فعل المحرمات ~~أو في ترك الواجبات فان الاعانه على الظلم من فعل المحرمات واذا لم تمكن ~~الواجبات الا بالصرف المذكور كان تركه من ترك الواجبات واذا لم يمكن الا ~~اقراره بيد الظالم أو صرفه في المصالح كان النهى عن صرفه في المصالح اعانه ~~على زيادة الظلم التى هي إقراره بيد الظالم فكما يجب إزالة الظلم يجب ~~تقليله عند العجز عن إزالته بالكلية فهذا اصل عظيم والله أعلم واصل آخر وهو ~~ان الشبهات ينبغى صرفها في الأبعد عن المنفعة فالأبعد كما أمر النبى في كسب ~~الحجام بأن يطعمه الرقيق والناضح فالأقرب ما دخل في الطعام والشراب ونحوه ~~ثم ما ولى الظاهر من اللباس ثم ما ستر مع الانفصال من البناء ثم ما عرض من ~~الركوب ونحوه فهكذا ترتيب الانتفاع بالرزق وكذلك اصحابنا يفعلون ~~PageV28P599 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اهدى إلى ملك عبدا ثم ان المهدى إليه ~~مات وولى مكانه ملك آخر فهل يجوز له عتق ذلك ### ||||| فأجاب # الأرقاء الذين يشترون بمال المسلمين كالخيل والسلاح الذى يشترى ~~بمال المسلمين أو يهدى لملوك المسلمين من اموال بيت المال فاذا تصرف فيهم ~~الملك الثانى بعتق أو اعطاء فهو بمنزلة تصرف الأول له وهل بالاعتاق ~~والاعطاء ينفذ تصرف الثانى كما ينفذ تصرف ms8300 الأول نعم وهذا مذهب الأئمة كلهم ~~والله اعلم ### |||| وسئل # عمن سبى من دار الحرب دون البلوغ واشتراه النصارى وكبر الصبى وتزوج وجاءه ~~اولاد نصارى ومات هو وقامت البينة انه اسر دون البلوغ لكنهم ماعلموا من ~~سباه هل السابى له كتابى أم مسلم فهل يلحق اولاده بالمسلمين أم لا ~~PageV28P600 ### ||||| فأجاب # اما ان كان السابى له مسلما حكم باسلام الطفل واذا كان ~~السابى له كافرا أو لم تقم حجة بأحدهما لم يحكم باسلامه واولاده تبع له في ~~كلا الوجهين والله اعلم ### || 1 ( الرسالة القبرصية ) 1 # ! 8 < وقال قدس الله روحه ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم ! 8 < من أحمد بن ~~تيمية إلى سرجوان عظيم اهل ملته ومن تحوط به عنايته من رؤساء الدين وعظماء ~~القسيسين والرهبان والأمراء والكتاب واتباعهم سلام على من اتبع الهدى # أما بعد فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، إله إبراهيم ، وآل ~~عمران . ونسأله أن يصلي على عباده المصطفين وأنبيائه المرسلين . ويخص ~~بصلاته وسلامه أولي العزم الذين هم سادة الخلق وقادة الأمم . الذين خصوا ~~بأخذ الميثاق ، وهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد . كما سماهم ~~الله تعالى في كتابه فقال عز وجل : ^(شرع لكم من # PageV28P601 @QB@ الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين ~~عذابا أليما @QE@ # ونسأله ان يخص بشرائف صلاته وسلامه خاتم المرسلين وخطيبهم اذا وفدوا على ~~ربهم وامامهم اذا اجتمعوا شفيع الخلائق يوم القيامة نبى الرحمة ونبى ~~الملحمة الجامع محاسن الأنبياء الذى بشر به عبد الله وروحه وكلمته التى ~~القاها إلى الصديقة الطاهرة البتول التى لم يمسها بشر قط ( مريم ابنة عمران ~~( ذلك مسيح الهدى عيسى بن مريم الوجيه في الدنيا والآخرة المقرب عند الله ms8301 ~~المنعوت بعوت الجمال والرحمة لما انجر بنو اسرائيل فيما بعث به موسى من نعت ~~الجلال والشدة وبعث الخاتم الجامع بنعت الكمال المشتمل على الشدة على ~~الكفار والرحمة بالمؤمنين والمحتوى على محاسن الشرائع والمناهج التى كانت ~~قبله صلى الله عليهم وسلم اجمعين وعلى من تبعهم إلى يوم القيامة # اما بعد فان الله خلق الخلائق بقدرته واظهر فيهم آثار مشيئته PageV28P602 ~~وحكمته ورحمته وجعل المقصود الذى خلقوا له فيما امرهم به هو عبادته واصل ~~ذلك هو معرفته ومحبته فمن هداه الله صراطه المستقيم آتاه رحمة وعلما ومعرفة ~~باسمائه الحسنى وصفاته العليا ورزقه الانابة إليه والوجل لذكره والخشوع له ~~والتأله له فحن إليه حنين النسور إلى اوكارها وكلف بحبه كلف الصبى بامه لا ~~يعبد الااياه رغبة ورهبة ومحبة واخلص دينه لمن الدنيا والآخرة له رب ~~الأولين وألآخرين مالك يوم الدين خالق ما تبصرون وما لا تبصرون عالم الغيب ~~والشهادة الذى امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون لم يتخذ من دونه ~~اندادا كالذين اتخذوا من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا ~~أشد حبا لله ولم يشرك بربه أحدا ولم يتخذ من دونه وليا ولاشفيعا لا ملكا ~~ولا نبيا ولاصديقا فان كل من في السماوات والأرض الا آتى الرحمن عبدا لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا فهنالك اجتباه مولاه واصطفاه ~~وآتاه رشده وهداه لما اختلف فيه الحق باذنه فانه يهدى من يشاء إلى صراط ~~مستقيم # وذلك ان الناس كانوا بعد آدم عليه السلام وقبل نوح عليه السلام على ~~التوحيد والاخلاص كما كان عليه ابوهم آدم أبو البشر عليه السلام حتى ~~ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء PageV28P603 انفسهم لم ينزل ~~الله بها كتابا ولا ارسل بها رسولا بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس ~~الفاسدة والفلسفة الحائدة قوم منهم زعموا ان التماثيل طلاسم الكواكب ~~السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية وقوم اتخذوها على صورة من كان ~~فيهم من الانبياء والصالحين وقوم جعلوها لأجل الارواح السفلية من الجن ~~والشياطين وقوم على ms8302 مذاهب أخر # واكثرهم لرؤسائهم مقلدون وعن سبيل الهدى ناكبون فابتعث الله نبيه نوحا ~~عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما ~~سواه وان زعموا انهم يعبدونهم ليتقربوا بهم إلى الله زلفى ويتخذوهم شفعاء ~~فمكث فيهم الف سنة الا خمسين عاما فلما اعلمه الله انه لن يؤمن من قومك الا ~~من قد آمن دعا عليهم فاغرق الله تعالى اهل الأرض بدعوته وجاءت الرسل بعده ~~تترى إلى ان عم الأرض دين الصائبة والمشركين لما كانت النماردة والفراعنة ~~ملوك الأرض شرقا وغربا فبعث الله تعالى امام الحنفاء واساس الملة الخالصة ~~والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن فدعا الخلق من الشرك إلى الاخلاص ~~ونهاهم عن عبادة الكواكب والاصنام وقال @QB@ وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ وقال لقومه PageV28P604 @QB@ ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين ~~والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين @QE@ وقال ~~إبراهيم عليه السلام ومن معه لقومهم @QB@ إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~وحده @QE@ # فجعل الله الانبياء والمرسلين من اهل بيته وجعل لكم منهم خصائص ورفع ~~بعضهم فوق بعض درجات وآتى كلا منهم من الآيات ما آمن على مثله البشر فجعل ~~لموسى العصا حية حتى ابتلعت ما صنعت السحرة الفلاسفة من الحبال والعصى ~~وكانت شيئا كثيرا وفلق له البحر حتى صار يابسا والماء واقفا حاجزا بين اثنى ~~عشر طريقا على عدد الاسباط وارسل معه القمل والضفادع والدم وظلل عليه وعلى ~~قومه الغمام الأبيض يسير معهم وانزل عليهم صبيحة كل يوم المن والسلوى واذا ~~عطشوا ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس ~~مشربهم # وبعث بعده انبياء من بنى اسرائيل منهم من أحي الله على يده الموتى ومنهم ~~من شفى الله على يده ms8303 المرضى ومنهم من اطلعه على ما شاء من غيبه ومنهم من ~~سخر له المخلوقات ومنهم من بعثه PageV28P605 بأنواع المعجزات # وهذا مما إتفق عليه جميع أهل الملل وفى الكتب التى بأيدى اليهود والنصارى ~~والنبوات التى عندهم وأخبار الأنبياء عليهم السلام مثل شعياء وأرمياء ~~ودانيال وحبقوق وداود وسليمان وغيرهم وكتاب ( سفر الملوك ( وغيره من الكتب ~~ما فيه معتبر # وكانت بنو إسرائيل أمة قاسية عاصية تارة يعبدون الأصنام والأوثان وتارة ~~يعبدون الله وتارة يقتلون النبيين بغير الحق وتارة يستحلون محارم الله ~~بأدنى الحيل فلعنوا أولا على لسان داود وكان من خراب بيت المقدس ما هو ~~معروف عند أهل الملل كلهم # ثم بعث الله المسيح بن مريم رسولا قد خلت من قبله الرسل وجعله وأمه آية ~~للناس حيث خلقه من غير أب إظهارا لكمال قدرته وشمول كلمته حيث قسم النوع ~~الإنسانى الأقسام الأربعة فجعل آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق زوجه حواء من ~~ذكر بلا أنثى وخلق المسيح بن مريم من أنثى بلا ذكر وخلق سائرهم من الزوجين ~~الذكر والأنثى وآتى عبده المسيح من الآيات البينات ما جرت به سنته فأحى ~~الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص وأنبأ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ~~ودعا إلى الله وإلى عبادته متبعا سنة PageV28P606 أخوانه المرسلين مصدقا ~~لمن قبله ومبشرا بمن يأتى بعده # وكان بنوا إسرائيل قد عتوا وتمردوا وكان غالب أمره اللين والرحمه والعفو ~~والصفح وجعل في قلوب الذين أتبعوه رأفة ورحمة وجعل منهم قسيسين ورهبانا ~~فتفرق الناس في المسيح عليه السلام ومن إتبعه من الحواريين ثلاثة أحزاب # قوم كذبوه وكفروا به وزعموا أنه إبن بغى ورموا أمة بالقرية ونسبوه إلى ~~يوسف النجار وزعموا أن شريعة التوراة لم ينسخ منها شيء وإن الله لم ينسخ ما ~~شرعه بعد ما فعلوه بالأنبياء وماكان عليهم من الآصار في النجاسات والمطاعم # وقوم غلوا فيه وزعموا أنه الله أو أبن الله وأن اللاهوت تدرع الناسوت وأن ~~رب العالمين نزل وأنزل إبنه ليصلب ويقتل فداء لخطيئة آدم عليه السلام ~~وجعلوا الاله ms8304 الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد قد ولد ~~وإتخذ ولدا وأنه إله حي عليم قدير جوهر واحد ثلاثة أقانيم وأن الواحد منها ~~أقنوم الكلمة وهى العلم هي تدرعت الناسوت البشرى مع العلم بأن أحدهما لا ~~يمكن إنفصاله عن الآخرين إلا إذا جعلوه ثلاثة 1 إلهات متباينة وذلك ما ~~لايقولونه PageV28P607 وتفرقوا في التثليث والاتحاد تفرقا وتشتتوا تشتتا لا ~~يقر به عاقل ولم يجى نقل إلا كلمات متشابهات في الإنجيل وماقبله من الكتب ~~قد بينتها كلمات محكمات في الإنجيل وما قبله كلها تنطق بعبودية المسيح ~~وعبادته لله وحده ودعائه وتضرعه # ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله ورسوله كما قال خاتم النبين ~~والمرسلين أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله ( وقال ( لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد ~~فقولوا عبد الله ورسوله ( كان أمر الدين توحيد الله والإقرار برسله ولهذا ~~كان الصابئون والمشركون كالبراهمة ونحوهم من منكرى النبوات مشركين بالله في ~~إقرارهم وعبادتهم وفاسدى الإعتقاد في رسله # فأرباب التثلث في الوحدانية والإتحاد في الرسالة قد دخل في أصل دينهم من ~~الفساد ماهو بين بفطرة الله التى فطر الناس عليها وبكتب الله التى أنزلها # ولهذا كان عامة رؤسائهم من القسيسين والرهبان وما يدخل فيهم من البطارقة ~~والمطارنة والأساقفة إذا صار الرجل منهم فاضلا مميزا فإنه ينحل عن دينه ~~ويصير منافقا لملوك أهل دينه وعامتهم PageV28P608 رضى بالرياسة عليهم وبما ~~يناله من الحظوظ كالذى كان لبيت المقدس الذى يقال له ( إبن البورى ( والذى ~~كان بدمشق الذى يقال له ( أين القف ( والذى بقسطنطينية وهو ( البابا ( ~~عندهم وخلق كثير من كبار الباباوات والمطارنة والأساقفة لما خاطبهم قوم من ~~الفضلاء أقروا لهم بأنهم ليسواعلى عقيدة النصارى وإنما بقاؤهم على ماهم ~~عليه لأجل العادة والرياسة كبقاء الملوك والاغنياء على ملكهم وغناهم ولهذا ~~تجد غالب فضلائهم إنما همة أحدهم نوع من العلم الرياضى كالمنطق والهيئة ~~والحساب والنجوم أو الطبيعى كالطب ومعرفة الأركان ms8305 أو التكلم في الإلهى على ~~طريقة الصابئة الفلاسفة الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل عليه السلام قد ~~نبذوا دين المسيح والرسل الذين قبله وبعده وراء ظهورهم وحفظوا رسوم الدين ~~لأجل الملوك والعامة # وأماالرهبان فأحدثوا من أنواع المكر والحيل بالعامة ما يظهر لكل عاقل حتى ~~صنف الفضلاء في حيل الرهبان كتبا مثل النار التى كانت تصنع بقمامة يدهنون ~~خيطا دقيقا بسندروس ويلقون النار عليه بسرعة فتنزل فيعتقد الجهال أنها نزلت ~~من السماء ويأخذونها إلى البحر وهى صنعة ذلك الراهب يراه الناس عيانا وقد ~~إعترف هو وغيره أنهم يصنعونها # وقد إتفق أهل الحق من جميع الطوائف على أنه لا تجوز عبادة الله ~~PageV28P609 تعالى بشيء ليس له حقيقة وقد يظن المنافقون أن ما ينقل عن ~~المسيح وغيره من المعجزات من جنس النار المصنوعة وكذلك حيلهم في تعليق ~~الصليب وفى بكاء التماثيل التى يصورنها على صورة المسيح وأمه وغيرهما ونحو ~~ذلك كل ذلك يعلم كل عاقل أنه إفك مفترى وأن جميع أنبياء الله وصالحى عباده ~~برآء من كل زور وباطل لوإفك كبرائتهم من سحر سحرة فرعون # ثم أن هؤلاء عمدوا إلى الشريعة التى يعبدون لله به فناقضو الأولين من ~~اليهود فيها مع أنهم يأمرون بالتمسك بالتوراة إلا ما نسخه المسيح قصر هؤلاء ~~في الأنبياء حتى قتلوهم وغلا هؤلاء فيهم حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم وقال ~~أولئك إن الله لايصلح له أن يغير ما أمر به فينسخه لا في وقت آخر ولا على ~~لسان نبى آخر وقال هؤلاء بل الأحبار والقسيسون يغيرون ما شاؤوا ويحرمون ما ~~رأوا ومن أذنب ذنبا وضعوا عليه ما رأوا من العبادات وغفروا له ومنهم من ~~يزعم أنه ينفخ في المرأة من روح القدس فيجعل البخور قربانا وقال أولئك حرم ~~علينا أشياء كثيرة وقال هؤلاء ما بين البقة والفيل حلال كل ما شئت ودع ما ~~شئت وقال أولئك النجاسات مغلظة حتى أن الحائض لا يقعد معها ولا يؤكل معها ~~وهؤلاء يقولون ما عليك شيء نجس ولا يأمرون بختان ولا غسل من PageV28P610 ~~جنابة ولا ms8306 إزالة نجاسة مع أن المسيح والحواريين كانوا على شريعة التوراة ثم ~~أن الصلاة إلى المشرق لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون وإنما إبتدعها ~~قسطنطين أو غيره # وكذلك الصليب إنما إبتدعه قسطنطين برأيه وبمنام زعم رآه وأما المسيح ~~والحواريون فلم يأمروا بشيء من ذلك # والدين الذى يتقرب العباد به إلى الله لابد أن يكون الله أمر به وشرعه ~~على ألسنة رسله وأنبيائه وإلا فالبدع كلها ضلالة وما عبدت الأوثان إلا ~~بالبدع # وكذلك إدخال الألحان في الصلوات لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون # وبالجملة فعامة أنواع العبادات والأعياد التى هم عليها لم ينزل بها الله ~~كتابا ولا بعث بها رسولا لكن فيهم رأفة ورحمة وهذا من دين الله بخلاف ~~الأولين فإن فيهم قسوة ومقتا وهذا مما حرمه الله تعالى لكن الأولون لهم ~~تمييز وعقل مع العناد والكبر والآخرون فيهم ضلال عن الحق وجهل بطريق الله ~~PageV28P611 ثم ان هاتين الامتين تفرقتا احزابا كثيرة في أصل دينهم ~~واعتقادهم في معبودهم ورسولهم هذا يقول ان جوهر اللاهوت والناسوت صارا ~~جوهرا واحدا وطبيعة واحدة وأقنوما واحدا وهم اليعقوبية وهذا يقول بل هما ~~جوهران وطبيعتان وأقنومان وهم النسطورية وهذا يقول بالاتحاد من وجه دون وجه ~~وهم الملكانية # وقد آمن جماعات من علماء أهل الكتاب قديما وحديثا وهاجروا إلى الله ~~ورسوله وصنفوا في كتب الله من دلالات نبوة النبى خاتم المرسلين وما في ~~التوراة والزبور والانجيل من مواضع لم يدبروها وكذلك الحواريون فلما اختلف ~~الاحزاب من بينهم هدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنة فبعث ~~النبى الذى بشر به المسيح ومن قبله من الأنبياء داعيا إلى ملة إبراهيم ودين ~~المرسلين قبله وبعده وهو عبادة الله وحده لا شريك له واخلاص الدين كله لله ~~وطهر الأرض من عبادة الأوثان ونزه الدين عن الشرك دقه وجله بعد ما كانت ~~الاصنام تعبد في ارض الشام وغيرها في دولة بنى إسرائيل ودولة الذين قالوا ~~انا نصارى وأمر بالايمان بجميع كتب الله المنزلة كالتوراة والانجيل والزبور ~~والفرقان وبجميع أنبياء الله ms8307 من آدم إلى محمد # قال الله تعالى @QB@ وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ~~ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو ~~السميع العليم صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون @QE@ ~~PageV28P612 ) وأمر الله ذلك الرسول بدعوة الخلق إلى توحيده بالعدل فقال ~~تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب @QE@ وقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون @QE@ # وأمره أن تكون صلاته وحجة إلى بيت الله الحرام الذى بناه خليله إبراهيم ~~أبو الأنبياء وأمام الحنفاء وجعل أمته وسطا فلم يغلوا في PageV28P613 ~~الأنبياء كغلو من عدلهم بالله وجعل فيهم شيئا من الألهية وعبدهم وجعلهم ~~شفعاء ولم يجفوا جفاء من آذاهم وإستخف بحرماتهم وأعرض عن طاعتهم بل عزروا ~~الأنبياء أى عظموهم ونصروهم وآمنوا بما جاؤوا به وأطاعوهم وإتبعوهم وإئتموا ~~بهم وأحبوهم وأجلوهم ولم يعبدوا إلاالله فلم يتكلوا إلا عليه ولم يستعينوا ~~إلا به مخلصين له الدين حنفاء # وكذلك في الشرائع قالوا ما أمرناالله به أطعناه وما نهانا عنه إنتهينا ~~وإذا نهانا عما كان أحله كما نهى بنى إسرائيل عما كان أباحه ليعقوب أو أباح ~~لنا ما كان حراما كما أباح المسيح بعض الذى حرم الله على بنى إسرائيل ms8308 سمعنا ~~وأطعنا # وأما غير رسل الله وأنبيائه فليس لهم أن يبدلوا دين الله ولا يبتدعوا في ~~الدين مالم يأذن به الله والرسل إنما قالوا تبليغا عن الله فإنه سبحانه له ~~الخلق والأمر فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره @QB@ إن الحكم إلا لله أمر ~~ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ ~~وتوسطت هذه الأمة في الطهارة والنجاسة وفى الحلال والحرام وفى الأخلاق ولم ~~يجردوا الشدة كما فعله الأولون ولم يجردوا الرأفة PageV28P614 كما فعله ~~الآخرون بل عاملوا أعداء الله بالشدة وعاملوا أولياء الله بالرأفة والرحمة ~~وقالوا في المسيح ما قاله سبحانه وتعالى وما وقاله المسيح والحواريون لا ما ~~إبتدعه الغالون والجافون # وقد أخبر الحواريون عن خاتم المرسلين أنه يبعث من أرض اليمن وأنه يبعث ~~بقضب الأدب وهو السيف وأخبر المسيح أنه يجيء بالبينات والتأويل وأن المسيح ~~جاء بالأمثال وهذا باب يطول شرحه # وإنما نبه الداعى لعظيم ملته وأهله لما بلغنى ما عنده من الديانة والفضل ~~ومحبة العلم وطلب المذاكرة ورأيت الشيخ أبا العباس المقدسى شاكرا من الملك ~~من رفقه ولطفه وإقباله عليه وشاكرا من القسيسين ونحوهم # ونحن قوم نحب الخير لكل أحد ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة ~~فإن أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه وبذلك بعث الله الأنبياء والمرسلين ولا ~~نصيحة أعظم من النصيحة فيما بين العبد وبين ربه فإنه لابد للعبد من لقاء ~~الله ولابد أن الله يحاسب عبده كما قال تعالى @QB@ فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم ولنسألن المرسلين @QE@ # وأما الدنيا فأمرها حقير وكبيرها صغير وغاية أمرها يعود إلى الرياسة ~~والمال وغاية ذى الرياسة أن يكون كفرعون الذى أغرقه PageV28P615 الله في ~~اليم إنتقاما منه وغاية ذى المال أن يكون كقارون الذى خسف الله به الأرض ~~فهو بتجلجل فيها إلى يوم القيامة لما أذى نبى الله موسى # وهذه وصايا المسيح ومن قبله ومن بعده من المرسلين كلها تأمر بعبادة الله ~~والتجرد للدار الآخرة والأعراض عن زهرة الحياة الدنيا # ولما كان أمرالدنيا خسيسا رايت ms8309 ان اعظم ما يهدى لعظيم قومه المفاتحة في ~~العلم والدين بالمذاكرة فيما يقرب إلى الله والكلام في الفروع مبنى على ~~الأصول وأنتم تعلمون أن دين الله لا يكون بهوى النفس ولا بعادات الآباء ~~وأهل المدئية وإنما ينظر العاقل فيما جاءت به الرسل وفى ما إتفق الناس عليه ~~وما إختلفوا فيه ويعامل الله تعالى بينه وبين الله تعالى بالإعتقاد الصحيح ~~والعمل الصالح وإن كان لايمكن الإنسان أن يظهر كل ما في نفسه لكل أحد ~~فينتفع هو بذلك القدر # وإن رأيت من الملك رغبة في العلم والخير كاتبته وجاوبته عن مسائل يسألها ~~وقد كان خطر لى أن أجىء إلى قبرص لمصالح في الدين والدنيا لكن إذا رأيت من ~~الملك ما فيه رضى الله ورسوله عاملته بما يقتضيه عمله فإن الملك وقومه ~~يعلمون أن الله قد أظهر من معجزات PageV28P616 رسله عامة ومحمد خاصة ما أيد ~~به دينه وأذل الكفار والمنافقين # ولما قدم مقدم المغول غازان وإتباعه إلى دمشق وكان قد إنتسب إلى الإسلام ~~لكن لم يرض الله ورسوله والمؤمنون بما فعلوه حيث لم يلتزموا دين الله وقد ~~إجتمعت به وبأمرأته وجرى لى معهم فصول يطول شرحها لابد أن تكون قد بلغت ~~الملك فأذلة الله وجنوده لنا حتى يقينا نضربهم بأيدينا ونصرخ فيهم بأصواتنا ~~وكان معهم صاحب سيس مثل أصغر غلام يكون حتى كان بعض المؤذنين الذين معنا ~~يصرخ عليه ويشتمه وهو لا يجترئ أن يجاوبه حتى أن وزراء غازان ذكروا ما ينم ~~عليه من فساد النية له وكنت حاضرا لما جاءت رسلكم إلى ناحية الساحل وأخبرنى ~~التتار بالأمر الذى أراد صاحب سيس أن يدخل بينكم وبينه فيه حيث مناكم ~~بالغرور وكان التتارمن أعظم الناس شتيمة لصاحب سيس وإهانة له ومع هذا فإنا ~~كنا نعامل أهل ملتكم بالإحسان إليهم والذب عنهم # وقد عرف النصارى كلهم أنى لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم ~~غازان وقطلوشاه وخاطبت مولاى فيهم فسمح بإطلاق المسلمين قال لى لكن معنا ~~نصارى أخذناهم من القدس فهؤلاء لا يطلقون فقلت له ms8310 بل جميع من معك من اليهود ~~والنصارى الذين هم أهل ذمتنا فإنا نفتكهم ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ~~PageV28P617 ولا من أهل الذمة وأطلقنا من النصارى من شاء الله فهذا عملنا ~~وإحساننا والجزاء على الله # وكذلك السبى الذى بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا ~~ورأفتنا بهم كما أوصانا خاتم المرسلين حيث قال في آخر حياته ( الصلاة وما ~~ملكت إيمانكم قال الله تعالى في كتابة @QB@ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا @QE@ ومع خضوع التتار لهذه الملة وإنتسابهم إلى هذه الملة ~~فلم نخادعهم ولم نافقهم بل بينا لهم ما هم عليه من الفساد والخروج عن ~~الإسلام الموجب لجهادهم وإن جنود الله المؤيدة وعساكره المنصورة المستقرة ~~بالديار الشامية والمصرية ما زالت منصورة على من ناواها مظفرة على من ~~عاداها وفى هذه المدة لما شاع عند العامة أن التتار مسلمون إمسك العسكر عن ~~قتالهم فقتل منهم بضعة عشر ألفا ولم يقتل من المسلمين مائان فلما إنصرف ~~العسكر إلى مصر وبلغه ما عليه هذه الطائفة الملعونة من الفساد وعدم الدين ~~خرجت جنود الله وللأرض منها وئيد قد ملأ السهل والجبل في كثرة وقوة وعدة ~~وإيمان وصدق قد بهرت العقول والألباب محفوفة بملائكة الله التى ما زال يمد ~~بها الأمة الحنيفية المخلصة لبارئها فإنهزم العدو بين أيديها ولم يقف ~~لمقابلتها ثم أقبل العدو ثانيا فأرسل عليه من PageV28P618 العذاب ما أهلك ~~النفوس والخيل وإنصرف خاسئا وهو حسير وصدق الله وعده ونصر عبده وهو الآن في ~~البلاء الشديد والتعكيس العظيم والبلاء الذى أحاط به والإسلام في عز متزايد ~~وخير مترافد فإن النبى قد قال ( إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة ~~سنة من يجدد لها أمر دينه ( ا وهذا الدين في إقبال وتجديد وأنا ناصح للملك ~~وأصحابه والله الذى لا إله إلا هو الذى أنزل التوراة والأنجيل والفرقان ) 9 # ويعلم الملك أن وفد بحران وكانوا نصارى كلهم فيهم الأسقف وغيره لما قدموا ~~على النبى صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله ورسوله ms8311 وإلى الإسلام خاطبوه ~~في أمر المسيح وناظروه فلما قامت عليهم الحجة جعلوا يراوغون فأمر الله نبيه ~~أن يدعوهم إلى المباهلة كما قال @QB@ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ~~فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ~~فنجعل لعنة الله على الكاذبين @QE@ فلما ذكر النبى ذلك إستشدروا بينهم ~~فقالوا تعلمون أنه نبى وأنه ما باهل أحد نبيا فأفلح فأدوا إليه الجزية ~~ودخلوا في الذمة وإستعفوا من المباهلة # وكذلك بعث النبى صلى الله عليه وسلم كتابه إلى قيصر الذى كان ملك النصارى ~~بالشام والبحر إلى قسطنطينية وغيرهاوكان ملكا PageV28P619 فاضلا فلما قرأ ~~كتابة وسأل عن علامته عرف أنه النبى الذى بشر به المسيح وهو الذى كان وعد ~~الله به إبراهيم في إبنه إسماعيل وجعل يدعوه قومه النصارى إلى متابعته ~~وأكرم كتابة وقبله ووضعه على عينيه وقال وددت أنى أخلص إليه حتى أغسل عن ~~قدميه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه # وأما النجاشى ملك الحبشة النصرانى فإنه لما بلغه خبر النبى من أصحابه ~~الذين هاجروا إليه آمن به وصدقه وبعث إليه إبنه وأصحابه مهاجرين وصلى الله ~~النبى صلى الله عليه وسلم عليه لما مات ولما سمع سورة ( كهيعص ( بكى ولما ~~أخبره عما يقولون في المسيح قال والله ما يزيد عيسى على هذا مثل هذا العود ~~وقال أن هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة # وكانت سيرة النبى أن من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من النصارى صار ~~من أمته له مالهم وعليه ما عليهم وكان له أجران أجر على إيمانه بالمسيح ~~وأجر على إيمانه بمحمد ومن لم يؤمن به من الأمم فإن الله أمر بقتاله كما ~~قال في كتابته @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ PageV28P620 فمن كان لا يؤمن بالله بل ~~يسب الله ويقول أنه ثالث ثلا وأنه صلب ولا يؤمن ms8312 برسله بل يزعم أن الذى حمل ~~وولد وكان يأكل ويشرب ويغوط وينام هو الله وإبن الله وإن الله أو إبنه حل ~~فيه وتدرعه ويجحد ما جاء به محمد خاتم المرسلين ويحرف نصوص التوراة ~~والأنجيل فإن في الأناجيل الأربعة من التناقض والإختلاف بين ما أمر الله به ~~أوجبه ما فيها ولايدين الحق ودين الحق هو الإقرار بما أمر الله به وأوجبه ~~من عبادته وطاعته ولا يحرم ما حرم الله ورسوله من الدم والميتة ولحم ~~الخنزير الذى ما زال حراما من لون آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما ~~أباحه نبى قط بل علماء النصارى يعلمون أنه محرم وما يمنع بعضهم من إظهار ~~ذلك إلا الرغبة والرهبة وبعضهم يمنعه العناد والعادة ونحو ذلك ولا يؤمنون ~~باليوم الآخر لأن عامتهم وان كانوا يقرون بقيامة الابدان لكنهم لا يقرون ~~بما أخبر الله به من الاكل والشرب واللباس والنكاح والنعيم والعذاب في ~~الجنة والنار بل غاية ما يقرون به من النعيم السماع والشم ومنهم متفلسفة ~~ينكرون معاد الاجساد واكثر علمائهم زنادقة وهم يضمرون ذلك ويسخرون بعوامهم ~~لاسيما بالنساء والمترهبين منهم بضعف العقول فمن هذا حاله فقد امر الله ~~رسوله بجهاده حتى يدخل في دين الله أو يؤدى الجزية وهذا دين محمد # ثم المسيح صلوات الله عليه لم يأمر بجهاد لاسيما بجهاد الأمة PageV28P621 ~~الحنيفية ولا الحواريون بعد # فيا أيها الملك كيف تستحل سفك الدماء وسبى الحريم وأخذ الأموال بغير حجة ~~بأحدهما PageV28P622 فرشها وعلى افراسها من قد بلغ الملك خبرهم قديما ~~وحديثا وفيهم الصالحون الذين لا يرد الله دعواتهم ولا يخيب طلباتهم الذين ~~يغضب الرب لغضبهم ويرضى لرضاهم وهؤلاء التتار مع كثرتهم وانتسابهم إلى ~~المسلمين لما غضب المسلمون عليهم أحاط بهم من البلاء ما يعظم عن الوصف فكيف ~~يحسن أيها الملك بقوم يجاورون المسلمين من اكثر الجهات أن يعاملوهم هذة ~~المعاملة التى لايرضاها عاقل لامسلم ولا معاهد # هذا وأنت تعلم ان المسلمين لا ذنب لهم أصلا بل هم المحمودون على مافعلوه ~~فان الذى أطبقت العقلاء على ms8313 الاقرار بفضله هو دينهم حتى الفلاسفة أجمعوا ~~على أنه لم يطرق العالم دين أفضل من هذا الدين فقد قامت البراهين على وجوب ~~متابعته # ثم هذة البلاد ما زالت بأيديهم الساحل بل وقبرص أيضا ما أخذت منهم الا من ~~أقل من ثلاثمائة سنة وقد وعدهم النبى أنهم لايزالون ظاهرين إلى يوم القيامة ~~فما يؤمن الملك ان هؤلاء الاسرى المظلومين ببلدتة ينتقم لهم رب العباد ~~والبلاد كما ينتقم لغيرهم وما يؤمنة أن تأخذ المسلمين حمية اسلامهم فينالوا ~~منها ما نالوا من غيرها ونحن اذا رأينا من الملك وأصحابه ما يصلح عاملناهم ~~بالحسنى والا فمن بغى علية لينصرنه الله PageV28P623 # وأنت تعلم ان ذلك من أيسر الامور على المسلمين وأنا ما غرضى الساعة الا ~~مخاطبتكم بالتى هي احسن والمعاونة على النظر في العلم وإتباع الحق وفعل ما ~~يجب فان كان عند الملك من يثق بعقله ودينه فليبحث معه عن أصول العلم وحقائق ~~الأديان ولا يرضى أن يكون من هؤلاء النصارى المقلدين الذين لا يسمعون ~~ولايعقلون أن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا # وأصل ذلك أن تستعين بالله وتسأله الهداية وتقول اللهم أرنى الحق حقا ~~وأعنى على أتباعه وأرنى الباطل باطلا وأعنى على إجتنابه ولا تجعله مشتبها ~~على فإتبع الهوى فأضل وقل اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~أهدنى لما إختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم # والكتاب لايحتمل البسط أكثر من هذا لكن أنا ما أريد للملك إلا ما ينفعه ~~في الدنيا والآخرة وهما شيئان ( أحدهما ) له خاصة وهو معرفته بالعلم والدين ~~وإنكشاف الحق وزوال الشبهة وعبادة الله كما أمر فهذا خير له من ملك الدنيا ~~بحذافيرها وهو الذى بعث به المسيح وعلمه الحواريين ( الثانى ) له وللمسلمين ~~وهو مساعدته للأسرى الذين في بلاده وإحسانه إليهم وأمر رعيته بالإحسان ~~إليهم PageV28P624 والمعاونة لنا على خلاصهم فإن في الإساءة إليهم دركا على ~~الملك في دينه ودين الله تعالى ودركا ms8314 من جهة المسلمين وفى المعاونة على ~~خلاصهم حسن له في دينه ودين الله تعالى وعند المسلمين وكان المسيح أعظم ~~الناس توصية بذلك # ومن العجب كل العجب أن يأسر النصارى قوما غدرا أو غير غدر ولم يقاتلوهم ~~والمسيح يقول ( من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن أخذ رداءك ~~فأعطه قميصك ( وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده ~~المسلمين فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص سيما وعامة هؤلاء ~~الأسرى قوم فقراء وضعفاء ليس لهم من يسعى فيهم وهذا أبو العباس مع أنه من ~~عباد المسلمين وله عبادة وفقر وفيه مشيخة ومع هذا فما كاد يحصل له فداؤه ~~إلا بالشدة ودين الإسلام يأمرنا أن نعين الفقير والضعيف فالملك أحق أن ~~يساعد على ذلك من وجوه كثيرة لا سيما والمسيح يوصى بذلك في الإنجيل ويأمر ~~بالرحمة العامة والخير الشامل كالشمس والمطر # والملك وأصحابه إذا عاونونا على تخليص الأسرى والإحسان إليهم كان الحظ ~~الأوفر لهم في ذلك في الدنيا والآخرة أما في الآخرة فإن الله يثيب على ذلك ~~ويأجر عليه وهذا مما لا ريب فيه عند العلماء المسيحيين PageV28P625 الذين ~~لا يتبعون الهوى بل كل من إتقى الله وأنصف علم أنهم أسروا بغير الحق لاسيما ~~من أخذ غدرا والله تعالى لم يأمر المسيح ولا أحدا من الحواريين ولا من إتبع ~~المسيح على دينه لا بأسر أهل ملة إبراهيم ولا بقتلهم وكيف وعامة النصارى ~~يقرون بأن محمدا رسول الأميين فكيف يجوز أن يقاتل أهل دين إتبعوا رسولهم # فإن قال قائل هم قاتلونا أول مرة قيل هذا باطل فيمن غدرتم به ومن بدأتموه ~~بالقتال وأما من بدأكم منهم فهو معذور لأن الله تعالى أمره بذلك ورسوله بل ~~المسيح والحواريون أخذ عليهم المواثيق بذلك ولا يستوى من عمل بطاعة الله ~~ورسله ودعا إلى عباده ودينه وأقر بجميع الكتب والرسل وقاتل لتكون كلمة الله ~~هي العليا وليكون الدين كله لله ومن قاتل في هوى نفسه وطاعة شيطانه على ~~خلاف أمر الله # ورسله ms8315 وما زال في النصارى من الملوك والقسيسين والرهبان والعامة من له ~~مزية على غيره في المعرفة والدين فيعرف بعض الحق وينقاد لكثير منه ويعرف من ~~قدر الإسلام وأهله ما يجهله غيره فيعاملهم معاملة تكون نافعة له في الدنيا ~~والآخرة ثم في فكاك الأسير وثواب العتق من كلام الأنبياء والصديقين ما هو ~~معروف لمن طلبه فمهما عمل الملك معهم وجد ثمرته PageV28P626 وأما في الدنيا ~~فإن المسلمين أقدر على المكأفاة في الخير والشر من كل أحد ومن حاربوه ~~فالويل كل الويل له والملك لابد أن يكون سمع السير وبلغه أنه ما زال في ~~المسلمين النفر القليل منهم من يغلب أضعافا مضاعفة من النصارى وغيرهم فكيف ~~إذا كانوا أضعافهم وقد بلغه الملاحم المشهورة في قديم الدهر وحديثه مثل ~~أربعين ألفا يغلبون من النصارى أكثر من أربعمائة ألف أكثرهم فارس وما زال ~~المرابطون بالثغور مع قلتهم وإشتغال ملوك الاسلام عنهم يدخلون بلاد النصارى ~~فكيف وقد من الله تعالى على المسلمين باجتماع كلمتهم وكثرة جيوشهم وبأس ~~مقدميهم وعلو هممهم ورغبتهم فيما يقرب إلى الله تعالى واعتقادهم ان الجهاد ~~أفضل الاعمال المطوعة وتصديقهم بما وعدهم نبيهم حيث قال ( يعطى الشهيد ست ~~حصال يغفر لة باول قطرة من دمة ويرى مقعدة في الجنة ويكسى حلة الايمان ~~ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين ويوقى فتنة القبر ويؤمن من الفزع ~~الاكبر يوم القيامة ( # ثم إن في بلادهم من النصارى أضعاف ما عندكم من المسلمين فان فيهم من رؤوس ~~النصارى من ليس في البحر مثلهم الا قليل وأما أسراء المسلمين فليس فيهم من ~~يحتاج الية المسلمون ولا من ينتفعون بة وانما نسعى في تخليصهم لاجل الله ~~تعالى رحمة لهم وتقربا الية يوم يجزى PageV28P627 الله المصدقين ولا يضيع ~~أجر المحسنين # وأبو العباس حامل هذا الكتاب قد بث محاسن الملك وإخوتة عندنا واستعطف ~~قلوبنا الية فلذلك كاتبت الملك لما بلغتنى رغبتة في الخير وميلة إلى العلم ~~والدين وأن من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك واصحابة وطلب ~~الخير لهم فان أمة ms8316 محمد خير أمة أخرجت للناس يريدون للخلق خير الدنيا ~~والآخرة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويدعونهم إلى الله ويعينونهم على ~~مصالح دينهم ودنياهم وان كان الملك قد بلغة بعض الاخبار التى فيها طعن على ~~بعضهم أو طعن على دينهم فاما ان يكون المخبر كاذبا أو ما فهم التأويل وكيف ~~صورة الحال وان كان صادقا عن بعضهم بنوع من المعاصى والفواحش والظلم فهذا ~~لابد منة في كل أمة بل الذى يوجد في المسلمين من الشر أقل مما في غيرهم ~~بكثير والذى فيهم من الخير لايوجد مثلة في غيرهم # والملك وكل عاقل يعرف ان اكثر النصارى خارجون عن وصايا المسيح والحواريين ~~ورسائل بولص وغيره من القديسين وان كان اكثر ما معهم من النصرانية شرب ~~الخمر وأكل الخنزير وتعظيم الصليب ونواميس مبتدعة ما أنزل الله بها من ~~سلطان وأن بعضهم يستحل بعض ما حرمته الشريعة النصرانية هذا فيما يقرون به ~~وأما PageV28P628 مخالفتهم لما لا يقرون به فكلهم داخل في ذلك بل قد ثبت ~~عندنا عن الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسيح عيسى بن ~~مريم ينزل عندنا بالمنارة البيضاء في دمشق واضعا كفيه على منكبى ملكين ~~فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل من أحد إلا الاسلام ويقتل ~~مسيح الضلالة الأعور الدجال الذى يتبعه اليهود ويسلط المسلمون على اليهود ~~حتى يقول الشجر والحجر يامسلم هذا يهودى ورائى فاقتله وينتقم الله للمسيح ~~بن مريم مسيح الهدى من اليهود ما آذوه وكذبوه لما بعث اليهم # وأما ما عندنا في أمر النصارى وما يفعل الله بهم من ادالة المسلمين عليهم ~~وتسليطه عليهم فهذا مما لا أخبر به الملك لئلا يضيق صدره ولكن الذى أنصحه ~~به ان كل من أسلف إلى المسلمين خيرا ومال اليهم كانت عاقبته معهم حسنة بحسب ~~ما فعله من الخير فان الله يقول @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره @QE@ # والذى اختم به الكتاب الوصية بالشيخ ابى العباس وبغيره من الاسرى ~~والمساعدة لهم والرفق ms8317 بمن عندهم من أهل القرآن والامتناع من تغيير دين واحد ~~منهم وسوف يرى الملك عاقبة ذلك كله ونحن نجزى الملك على ذلك باضعاف ما في ~~نفسه والله يعلم انى قاصد للملك الخير لان الله تعالى أمرنا بذلك وشرع لنا ~~ان نريد الخير لكل PageV28P629 أحد ونعطف على خلق الله وندعوهم إلى الله ~~والى دينه وندفع عنهم شياطين الانس والجن # والله المسئول ان يعين الملك على مصلحته التى هي عند الله المصلحة وأن ~~يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله ويختم له بخاتمة خير والحمد لله ~~رب العالمين وصلواته على انبيائه المرسلين ولا سيما محمد خاتم النبيين ~~والمرسلين والسلام عليهم أجمعين ### |||| وسئل # هل المدينة من الشام ### ||||| فأجاب # مدينة النبى من الحجاز باتفاق أهل العلم ولم يقل أحد من المسلمين ~~ولا غيرهم ان المدينة النبوية من الشام وانما يقول هذا جاهل بحد الشام ~~والحجاز جاهل بما قاله الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم ولكن يقال المدينة شامية ~~ومكة يمانية أى المدينة اقرب إلى الشام ومكة اقرب إلى اليمن وليست مكة من ~~اليمن ولا المدينة من الشام # وقد أمر النبى في مرض موته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وهى ~~الحجاز فاخرجهم عمر PageV28P630 بن الخطاب رضى الله عنه من المدينة وخيبر ~~وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد ولم يخرجهم من الشام بل لما فتح الشام ~~أقر اليهود والنصارى بالاردن وفلسطين وغيرهما كما أقرهم بدمشق وغيرها # وتربة الشام تخالف تربة الحجاز كما يوجد الفرق بينهما عند المنحنى الذى ~~يسمى عقبة الصوان فان الانسان يجد تلك التربة مخالفة لهذه التربة كما تختلف ~~تربة الشام ومصر فما كان دون وادى المنحنى فهو من الشام مثل معان وأما ~~العلى وتبوك ونحوهما فهو من أرض الحجاز والله أعلم PageV28P631 ### || ما تقول السادة العلماء أئمة الدين # في الكنائس التى بالقاهرة وغيرها التى اغلقت بأمر ولاة الأمور اذا ادعى ~~اهل الذمة انها اغلقت ظلما وانهم يستحقون فتحها وطلبوا ذلك من ولي الأمر ~~أيده الله تعالى ونصره فهل تقبل دعواهم وهل تجب ms8318 اجابتهم أم لا # واذا قالوا ان هذه الكنائس كانت قديمة من زمن امير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه وغيره من خلفاء المسلمين وانهم يطلبون انهم يقرون على ~~ما كانوا عليه في زمن عمر وغيره وان اغلاقها مخالف لحكم الخلفاء الراشدين ~~فهل هذا القول مقبول منهم أو مردود # واذا ذهب اهل الذمة إلى من يقدم من بلاد الحرب من رسول أو غيره فسألوه ان ~~يسأل ولي الأمر في فتحها أو كاتبوا ملوك الحرب ليطلبوا ذلك من ولي امر ~~المسلمين فهل لأهل الذمة ذلك وهل ينتقض عهدهم بذلك أم لا واذا قال قائل ~~انهم ان لم يجابوا إلى ذلك حصل للمسلمين ضرر PageV28P632 اما بالعدوان على ~~من عندهم من الأسرى والمساجد واما بقطع متاجرهم عن ديار الاسلام واما بترك ~~معاونتهم لولي امر المسلمين على ما يعتمده من مصالح المسلمين ونحو ذلك فهل ~~هذا القول صواب أو خطأ بينوا ذلك مبسوطا مشروحا # واذا كان في فتحها تغير قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وحصول ~~الفتنة والفرقة بينهم وتغير قلوب اهل الصلاح والدين وعموم الجند والمسلمين ~~على ولاة الأمور لأجل إظهار شعائر الكفر وظهور عزهم وفرحهم وسرورهم بما ~~يظهرونه وقت فتح الكنائس من الشموع والجموع والافراح وغير ذلك وهذا فيه ~~تغير قلوب المسلمين من الصالحين وغيرهم حتى انهم يدعون الله تعالى على من ~~تسبب في ذلك وأعان عليه فهل لأحد ان يشير على ولي الامر بذلك # ومن اشار عليه بذلك هل يكون ناصحا لولي امر المسلمين أم غاشا # وأي الطرق هو الأفضل لولي الأمر ايده الله تعالى اذا سلكه نصره الله ~~تعالى على اعدائه # بينوا لنا ذلك وابسطوه بسطا شافيا مثابين مأجورين ان شاء الله تعالى ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله ~~وصحبه أجمعين ورضى الله عن الصحابة المكرمين PageV28P633 وعن التابعين لهم ~~باحسان إلى يوم الدين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما دعواهم ان المسلمين ظلموهم في إغلاقها ~~فهذا كذب مخالف لأجماع المسلمين فان علماء المسلمين ms8319 من أهل المذاهب الأربعه ~~مذهب ابى حنيفة ومالك والشافعى واحمد وغيرهم من الأئمة كسفيان الثورى ~~والاوزاعى والليث بن سعد وغيرهم ومن قبلهم من الصحابة والتابعين رضي الله ~~عنهم اجمعين متفقون على ان الامام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة كأرض مصر ~~والسواد بالعراق وبر الشام ونحو ذلك مجتهدا في ذلك ومتبعا في ذلك لمن يرى ~~ذلك لم يكن ذلك ظلما منه بل تجب طاعته في ذلك ومساعدته في ذلك ممن يرى ذلك ~~وان امتنعوا عن حكم المسلمين لهم كانوا ناقضين العهد وحلت بذلك دماؤهم ~~وأموالهم # وأما قولهم ان هذه الكنائس قائمة من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وان الخلفاء الراشدين اقروهم عليها فهذا أيضا من الكذب فان من ~~العلم المتواتر ان القاهرة بنيت بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه باكثر من ~~ثلاثمائة سنة بنيت بعد بغداد وبعد البصرة والكوفة وواسط # وقد أتفق المسلمون على ان ما بناة المسلمون من المدائن لم يكن ~~PageV28P634 لأهل الذمة ان يحدثوا فيها كنيسة مثل ما فتحة المسلمون صلحا ~~وأبقوا لهم كنائسهم القديمة بعد ان شرط عليهم فيها عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنة ان لايحدثوا كنيسة في ارض الصلح فكيف في مدائن المسلمين بل إذا كان لهم ~~كنيسة بأرض العنوة كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها فان ~~لهم أخذ تلك الكنيسة لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسة بغير عهد فان في ~~سنن أبى داود باسناد جيد عن بن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم انة قال ( لا تصلح قبلتان بأرض ولا جزية على مسلم ( والمدينة التى ~~يسكنها المسلمون والقرية التى يسكنها المسلمون وفيها مساجد المسلمين لا ~~يجوز ان يظهر فيها شيء من شعائر الكفر لا كنائس ولا غيرها الا ان يكون لهم ~~عهد فيوفى لهم بعهدهم فلو كان بارض القاهرة ونحوها كنيسة قبل بنائها لكان ~~للمسلمين اخذها لان الأرض عنوة فكيف وهذه الكنائس محدثة أحدثها النصارى # فان القاهرة بقى ولاة أمورها نحو مائتى سنة ms8320 على غير شريعة الاسلام وكانوا ~~يظهرون انهم رافضة وهم في الباطن اسماعيلية ونصيرية وقرامطة باطنية كما قال ~~فيهم الغزالى رحمة الله تعالى في كتابة الذى صنفة في الرد عليهم ظاهر ~~مذهبهم الرفض وباطنة الكفر المحض واتفق طوائف المسلمين علماؤهم وملوكهم ~~وعامتهم من PageV28P635 الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم على ~~انهم كانوا خارجين عن شريعة الاسلام وان قتالهم كان جائزا بل نصوا على ان ~~نسبهم كان باطلا وان جدهم كان عبيد الله بن ميمون القداح لم يكن من آل بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنف العلماء في ذلك مصنفات وشهد بذلك مثل ~~الشيخ ابى الحسن القدورى امام الحنفية والشيخ ابى حامد الاسفرائينى امام ~~الشافعية ومثل القاضي ابى يعلى إمام الحنبلية ومثل أبى محمد بن ابى زيد ~~امام المالكية وصنف القاضي أبو بكر بن الطيب فيهم كتابا في كشف اسرارهم ~~وسماه ( كشف الأسرار وهتك الأستار ( في مذهب القرامطة الباطنية # والذين يوجدون في بلاد الاسلام من الأسماعيلية والنصيرية والدرزية ~~وأمثالهم من أتباعهم وهم الذين أعانوا التتر على قتال المسلمين وكان وزير ( ~~هولاكو ( النصير الطوسى من أئمتهم # وهؤلاء أعظم الناس عداوة للمسلمين وملوكهم ثم الرافضة بعدهم فالرافضة ~~يوالون من حارب اهل السنة والجماعة ويوالون التتار ويوالون النصارى وقد كان ~~بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص ~~خيل المسلمين وسلاحهم وغلمان السلطان وغيرهم من الجند والصبيان واذا انتصر ~~المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن واذا انتصر التتار على المسلمين ~~أقاموا PageV28P636 الفرح والسرور وهم الذين أشاروا على التتار بقتل ~~الخليفة وقتل أهل بغداد ووزير بغداد بن العلقمى الرافضى هو الذى خامر على ~~المسلمين وكاتب التتار حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة ونهى الناس ~~عن قتالهم # وقد عرف العارفون بالاسلام ان الرافضة تميل مع اعداء الدين ولما كانوا ~~ملوك القاهرة كان وزيرهم مرة يهوديا ومرة نصرانيا أرمينيا وقويت النصارى ~~بسبب ذلك النصرانى الارمينى وبنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة أولئك ~~الرافضة المنافقين وكانوا ينادون بين القصرين من لعن وسب فله ms8321 دينار وإردب ~~وفى أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين حتى فتحه نور الدين وصلاح ~~الدين وفى أيامهم جاءت الفرنج إلى بلبيس وغلبوا من الفرنج فانهم منافقون ~~وأعانهم النصارى والله لاينصر المنافقين الذين هم يوالون النصارى فبعثوا ~~إلى نور الدين يطلبون النجدة فأمدهم بأسد الدين وبن أخيه صلاح الدين فلما ~~جاءت الغزاة المجاهدون إلى ديار مصر قامت الرافضة مع النصارى فطلبوا قتال ~~الغزاة المجاهدين المسلمين وجرت فصول يعرفها الناس حتى قتل صلاح الدين ~~مقدمهم شاور # ومن حينئذ ظهرت بهذه البلاد كلمة الاسلام والسنة والجماعة وصار يقرأ فيها ~~أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كالبخاري PageV28P637 ومسلم ونحوذلك ~~ويذكر فيها مذاهب الائمة ويترضى فيها عن الخلفاء الراشدين والا كانوا قبل ~~ذلك من شر الخلق فيهم قوم يعبدون الكواكب ويرصدونها وفيهم قوم زنادقة دهرية ~~لا يؤمنون بالاخرة ولاجنة ولا نار ولا يعتقدون وجوب الصلاة والزكا ة ~~والصيام والحج وخيرمن كان فيهم الرافضة والرافضة شر الطوائف المنتسبين إلى ~~القبلة # فبهذا السبب وامثاله كان احداث الكنائس في القاهرة وغيرها وقد كان في بر ~~مصر كنائس قديمة لكن تلك الكنائس اقرهم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد ~~لان الفلاحين كانوا كلهم نصارى ولم يكونوا مسلمين وانما كان المسلمون الجند ~~خاصة واقروهم كما أقر النبى اليهود على خيبر لما فتحها لان اليهود كانوا ~~فلاحين وكان المسلمون مشتغلين بالجهاد ثم انه بعد ذلك في خلافة عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود أجلاهم أمير ~~المؤمنين عن خيبر كما أمر بذلك النبى حيث قال ( اخرجوا اليهود والنصارى من ~~جزيرة العرب ( حتى لم يبق في خيبر يهودي وهكذا القرية التى يكون أهلها ~~نصارى وليس عندهم مسلمون ولامسجد للمسلمين فاذا أقرهم المسلمون على كنائسهم ~~التى فيها جاز ذلك كما فعله المسلمون وأما اذا سكنها المسلمون PageV28P638 ~~وبنوا بها مساجدهم فقد قال النبى ( لا تصلح قبلتان بأرض ) وفى أثر آخر ( لا ~~يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب ( # والمسلمون قد كثروا بالديار المصرية وعمرت في هذه الاوقات حتى صار أهلها ms8322 ~~بقدر ما كانوا في زمن صلاح الدين مرات متعددة وصلاح الدين وأهل بيته ما ~~كانوا يوالون النصارى ولم يكونوا يستعملون منهم أحدا في شيء من أمور ~~المسلمين اصلا ولهذا كانوا مؤيدين منصورين على الاعداء مع قلة المال والعدد ~~وانما قويت شوكة النصارى والتتار بعد موت العادل أخي صلاح الدين حتى ان بعض ~~الملوك اعطاهم بعض مدائن المسلمين وحدث حوادث بسبب التفريط فيما امر الله ~~به ورسوله صلى الله عليه وسلم فان الله تعالى يقول @QB@ ولينصرن الله من ~~ينصره إن الله لقوي عزيز @QE@ وقال الله تعالى @QB@ الذين إن مكناهم في ~~الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله ~~عاقبة الأمور @QE@ فكان ولاة الامور الذين يهدمون كنائسهم ويقيمون أمر الله ~~فيهم كعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد ونحوهما مؤيدين منصورين وكان الذين ~~هم بخلاف ذلك مغلوبين مقهورين 0 # وإنما كثرت الفتن بين المسلمين وتفرقوا على ملوكهم من حين دخل ~~PageV28P639 النصارى مع ولاة الأمور بالديار المصرية في دولة المعز ووزارة ~~الفائز وتفرق البحرية وغير ذلك والله تعالى يقول في كتابه @QB@ ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ ~~وقال تعالى في كتابه @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا ~~الله ينصركم ويثبت أقدامكم @QE@ وقد صح عن النبى أنه قال ( لا تزال طائفة ~~من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة # وكل من عرف سير الناس وملوكهم رأى كل من كان أنصر لدين الإسلام وأعظم ~~جهادا لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله أعظم نصره وطاعة وحرمة من عهد أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه وإلى الآن # وقد أخذ المسلمون منهم كنائس كثيرة من أرض العنوة بعد أن أقروا عليها في ~~خلافة عمر بن عبد العزيز وغيره من الخلفاء وليس في المسلمين من أنكر ذلك ~~فعلم أن هدم كنائس العنوة جائز إذا لم يكن فيه ضرر على المسلمين ms8323 فاعراض من ~~أعرض عنهم كان لقلة المسلمين ونحو ذلك من الأسباب كما أعرض النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن إجلاء اليهود حتى أجلاهم عمر بن الخطاب PageV28P640 رضى الله ~~عنه # وليس لأحد من أهل الذمة أن يكاتبوا أهل دينهم من أهل الحرب ولا يخبروهم ~~بشيء من أخبار المسلمين ولا يطلب من رسولهم أن يكلف ولى أمر المسلمين ما ~~فيه ضرر على المسلمين ومن فعل ذلك منهم وجبت عقوبته بإتفاق المسلمين وفى ~~أحد القولين يكون قد نقض عهده وحل دمه وماله # ومن قال إن المسلمين يحصل لهم ضرر أن لم يجابوا إلى ذلك لم يكن عارفا ~~بحقيقة الحال فإن المسلمين قد فتحوا ساحل الشام وكان ذلك أعظم المصائب ~~عليهم وقد ألزموهم بلبس الغيار وكان ذلك من أعظم المصائب عليهم بل التتار ~~في بلادهم خربوا جميع كنائسهم وكان نوروز رحمه الله تعالى قد ألزموهم بلبس ~~الغيار وضرب الجزية والصغار فكان ذلك من أعظم المصائب عليهم ومع هذا لم ~~يدخل على المسلمين بذلك إلا كل خير فإن المسلمين مستغنون عنهم وهم إلى ما ~~في بلاد المسلمين أحوج من المسلمين إلى مافي بلادهم بل مصلحة دينهم ودنياهم ~~لا تقوم إلا بما في بلاد المسلمين والمسلمون ولله الحمد والمنة أغنياء عنهم ~~في دينهم ودنياهم فأما نصارى الأندلس فهم لايتركون المسلمين في بلادهم ~~لحاجتهم إليهم وإنما يتركونهم خوفا من التتار فإن المسلمين عند التتار أعز ~~من النصارى وأكرم ولو قدر أنهم PageV28P641 قادرون على من عندهم من ~~المسلمين فالمسلمون أقدر على من عندهم من النصارى # والنصارى الذين في ذمة المسلمين فيهم من البتاركة وغيرهم من علماء ~~النصارى ورهبانهم ممن يحتاج إليهم أولئك النصارى وليس عند النصارى مسلم ~~يحتاج إليه المسلمون ولله الحمد مع أن فكاك الأسارى من أعظم الواجبات وبذل ~~المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات وكل مسلم يعلم أنهم لا يتجرون ~~إلى بلاد المسلمين إلا لأغراضهم لا لنفع المسلمين ولو منعهم ملوكهم من ذلك ~~لكان حرصهم على المال يمنعهم من الطاعة فإنهم أرغب الناس في ms8324 المال ولهذا ~~يتقامرون في الكنائس وهم طوائف مختلفون وكل طائفة تضاد الأخرى # ولا يشير على ولى أمر المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام أو ~~تقوية أمرهم بوجه من الوجوه إلا رجل منافق يظهر الإسلام وهو منهم في الباطن ~~أو رجل له غرض فاسد مثل أن يكونوا برطلوه ودخلوا عليه برغبة أو رهبة أو رجل ~~جاهل في غاية الجهل لايعرف السياسة الشرعية الألهية التى تنصر سلطان ~~المسلمين على أعدائه وأعداء الدين وإلا فمن كان عارفا ناصحا له أشار عليه ~~بما يوجب نصره وثباته وتأييده وإجتماع قلوب المسلمين عليه ومحبتهم له ودعاء ~~الناس له في مشارق الأرض ومغاربها وهذا كله PageV28P642 إنما يكون بإعزاز ~~دين الله وإظهار كلمة الله وإذلال أعداء الله تعالى # وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين وصلاح الدين ثم العادل كيف مكنهم الله ~~وأيدهم وفتح لهم البلاد وأذل لهم الأعداء لما قاموا من ذلك بما قاموا به ~~وليعتبر بسيرة من والى النصارى كيف أذله الله تعالى وكبته # وليس المسلمون محتاجين إليهم ولله الحمد فقد كتب خالد بن الوليد رضى الله ~~عنه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول ( إن بالشام كاتبا نصرانيا لا ~~يقوم خراج الشام إلا به ( فكتب إليه ( لا تستعمله ( فكتب ( أنه لاغنى بنا ~~عنه ( فكتب إليه عمر ( لا تستعمله ( فكتب إليه إذا لم نوله ضاع المال ( ~~فكتب إليه عمر رضى الله عنه ( مات النصرانى والسلام ( وثبت في الصحيح عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أن مشركا لحقه ليقاتل معه فقال له ( إنى لا ~~أستعين بمشرك وكما إن إستخدام الجند المجاهدين أنما يصلح إذا كانوا مسلمين ~~مؤمنين فكذلك الذين يعاونون الجند في أموالهم وأعمالهم إنما تصلح بهم ~~أحوالهم إذا كانوا مسلمين مؤمنين وفى المسلمين كفاية في جميع مصالحهم ولله ~~الحمد # ودخل أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه على عمر بن الخطاب PageV28P643 رضى ~~الله عنه فعرض عليه حساب العراق فأعجبه ذلك وقال ( أدع كاتبك يقرؤه علي ( ~~فقال ( انه لا يدخل المسجد ( قال ( ولم ( قال ( لأنه نصرانى ( فضربه ms8325 عمر ~~رضى الله عنه بالدرة فلو أصابته لأوجعته ثم قال لا تعزوهم بعد أن أذلهم ~~الله ولا تأمنوهم بعد ان خونهم الله ولاتصدقوهم بعد ان أكذبهم الله # والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة موالية لله ولرسوله ~~ولعباده المؤمنين معادية لأعداء الله ورسوله وأعداء عباده المؤمنين وقلوبهم ~~الصادقة وأدعيتهم الصالحة هي العسكرالذي لا يغلب والجند الذي لا يخذل فانهم ~~هم الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة كما أخبر رسول الله # وقال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم ~~أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ~~وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ~~من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم ~~وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله ~~بما يعملون محيط @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون ~~نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ~~ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله ~~جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين يا أيها الذين آمنوا ~~من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ PageV28P644 ( # وهذه الآيات العزيزة فيها عبرة لأولى الألباب فان الله تعالى انزلها بسبب ~~انه كان بالمدينة النبوية من أهل ms8326 الذمة من كان له عز ومنعة على عهد النبى ~~صلى الله عليه وسلم وكان أقوام من المسلمين عندهم ضعف يقين وايمان وفيهم ~~منافقون يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر مثل عبد الله بن أبي رأس المنافقين ~~وأمثاله وكانوا يخافون ان تكون للكفار دولة فكانوا يوالونهم ويباطنونهم قال ~~الله تعالى @QB@ فترى الذين في قلوبهم مرض @QE@ أى نفاق وضعف إيمان @QB@ ~~يسارعون فيهم @QE@ PageV28P645 أي في معاونتهم @QB@ يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة @QE@ فقال الله تعالى @QB@ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا @QE@ اي هؤلاء المنافقون الذين يوالون أهل الذمة ( على ما اسروا في ~~انفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا اهؤلاء الذين اقسموا بالله جهد ايمانهم ~~انهم لمعكم حبطت اعمالهم فأصبحوا خاسرين ( # فقد عرف أهل الخبرة ان أهل الذمة من اليهود والنصارى والمنافقين يكاتبون ~~أهل دينهم بأخبار المسلمين وبما يطلعون على ذلك من اسرارهم حتى اخذ جماعة ~~من المسلمين في بلاد التتر وسبي وغير ذلك بمطالعة اهل الذمة لأهل دينهم ومن ~~الأبيات المشهورة قول بعضهم كل % العداوات قد ترجى مودتها % % الا عداوة من ~~عاداك في % الدين # ولهذا وغيره منعوا ان يكونوا على ولاية المسلمين أو على مصلحة من يقويهم ~~أو يفضل عليهم في الخبرة والأمانة من المسلمين بل استعمال من هو دونهم في ~~الكفاية انفع للمسلمين في دينهم ودنياهم والقليل من الحلال يبارك فيه ~~والحرام الكثير يذهب ويمحقه الله تعالى والله اعلم وصلى الله على محمد وآله ~~وصحبه وسلم PageV28P646 ### |||| وسئل # عن نصرانى قسيس بجانب داره ساحة بها كنيسة خراب لا سقف لها ولم يعلم أحد ~~من المسلمين وقت خرابها فاشترى القسيس الساحة وعمرها وادخل الكنيسة في ~~العمارة وأصلح حيطانها وعمرها وبقي يجمع النصارى فيها وأظهروا شعارهم وطلبه ~~بعض الحكام فتقوى واعتضد ببعض الأعراب وأظهر الشر ### ||||| فأجاب # ليس له ان يحدث ما ذكره من الكنيسة وان كان هناك آثار كنيسة قديمة ~~ببر الشام فان بر الشام فتحه المسلمون عنوة وملكوا تلك الكنائس وجاز لهم ~~تخريبها باتفاق العلماء وانما تنازعوا في وجوب تخريبها وليس لأحد أن يعاونه ms8327 ~~على احداث ذلك ويجب عقوبة من أعانه على ذلك وأما المحدث لذلك من اهل الذمة ~~فانه في أحد قولي العلماء ينتقض عهده ويباح دمه وماله لأنه خالف الشروط ~~التى شرطها عليهم المسلمون وشرطوا عليهم ان من نقضها فقد حل لهم منها ~~مايباح من اهل الحرب والله اعلم PageV28P647 # وقال رحمة الله # في قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود @QE@ قد قيل إنها ~~ما أمر الله بة ورسوله فان هذة الآية كتبها النبى في أول الكتاب الذى كتبه ~~لعمرو بن حزم لما بعثه عاملا على نجران وكتاب عمرو فية الفرائض والديات ~~والسنن الواجبة بالشرع # وقوله للمؤمنين @QB@ واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ ~~قلتم سمعنا وأطعنا @QE@ وقد ذكر أهل التفسير أن سبب نزولها مبايعته للانصار ~~ليلة العقبة فكان النبى صلى الله عليه وسلم واثقهم على ما هو واجب بأمر ~~الله من السمع له والطاعة وذكرهم الله ذلك الميثاق ليوفوا به مع انه لم ~~يوجب إلا ما كان واجبا بأمر الله وهذه الآية أمرهم فيها بذكر نعمته عليهم ~~وذكر ميثاقه فذكر سببى الوجوب لأن الوجوب الثابت بالشرع ثابت بايجاب ~~الربوبية وهي انعامه عليهم ولهذا جاء في الحديث ( أحبوا الله لما يغذوكم به ~~من نعمه ( ولهذا كان عادة المصنفين في ( أصول الدين ( اول ما يذكرون أول ~~نعمة أنعمها الله على عباده وأول ما وجب على عباده ويذكرون PageV28P648 ( ~~مسأله وجوب شكر المنعم ( هل وجب مع الشرع بالعقل أم لا ولهذا كانت طريقة ~~القرآن تذكير العباد بآلاء الله عليهم فان ذلك يقتضى شكرهم له وهو أداء ~~الواجبات الشرعية # وقوله @QB@ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ~~وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا @QE@ الآية إلى قوله @QB@ فبما نقضهم ميثاقهم ~~لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية @QE@ والميثاق على ما هو واجب عليهم من اقام ~~الصلاة وايتاء الزكاة والايمان بالرسل وتعزيرهم وقد أخبر انه بنقضهم ~~ميثاقهم لعناهم واقسى قلوبهم لابمجرد المعصية للأمر فكان في ms8328 هذا ان عقوبة ~~هذه الواجبات الموثقة بالعهود من جهة النقض اوكد # وقوله @QB@ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا ~~به @QE@ والامر فيهم كذلك # وقوله تعالى @QB@ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن ~~من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا ~~في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون @QE@ ~~( فان كونه في الصالحين PageV28P649 واجب والصدقة المفروضة واجبة وقد روى ~~انها هي المنذورة وهذا نص في انه يجب ب بالنذر ما كان واجبا بالشرع فإذا ~~تركه عوقب لاخلاف الوعد الذى هو النذر فان النذر وعد مؤكد هكذا نقل عن ~~العرب وهذه الآية تسمى النذر وعدا وقوله @QB@ لن أرسله معكم حتى تؤتون ~~موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ~~ما نقول وكيل @QE@ ورده إلى أبيه كان واجبا عليهم بلا موثق # ومن الحرب المباحة دفع الظالم عن النفوس والأموال والأبضاع المعصومة ~~وإنما جاءت الرخصة في السلم والحرب خاصة لأن هذين الموطنين مبناهما على ~~تأليف القلوب وتنفيرها فإذا تألفت فهي المسالمة وإذاتنافرت فهي المحاربة ~~والتأليف والتنفير يحصل بالتوهمات كما يحصل بالحقائق ولهذا يؤثر قول الشعر ~~في التأليف والتنفير بحيث يحرك النفوس شهوة ونفرة تحريكا عظيما وإن لم يكن ~~الكلام منطبقا على الحق لكن لأجل تخييل أو تمثيل # فلما كانت المسألمة والمحاربة الشرعية يقوم فيها التوهم لما لا حقيقة له ~~مقام توهم ماله حقيقة ولم يكن في المعارض إلا الإيهام بما لا حقيقة له ~~والناطق لم يعن إلا الحق صارذلك حقا وصدقا عند المتكلم وموهما للمستمع ~~توهما يؤلفه تأليفا يحبه الله ورسوله أو ينفره تنفيرا يحبه الله ورسوله ~~بمنزلة تأليفه وتنفيره بالأشعار التى فيها تخييل وتمثيل وبمنزلة ~~PageV28P650 الحكايات التى فيها الأمثال المضروبة فإن الأمثال المنظومة ~~والمنثورة إذا كانت حقا مطابقا فهي من الشعر الذى هو حكمة وإن كان فيها ~~تشبيهات شديدة وتخييلات عظيمة أفادت تأليفا وتنفيرا # وقال قدس الله روحه ### ||| فصل ms8329 # في شروط عمر بن الخطاب رضى الله عنه التى شرطها على أهل الذمة لما قدم ~~الشام وشارطهم بمحضر من المهاجرين والأنصار رضى الله عنهم وعليه العمل عند ~~أئمة المسلمين لقول رسول الله ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى ~~تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ~~وكل بدعة ضلالة ( وقوله ( إقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر لأن هذا صار ~~إجماعا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا يجتمعون على ضلاله ~~على ما نقلوه وفهموه من كتاب الله وسنة نبيه # وهذه الشروط مروية من وجوه مختصرة ومبسوطة منها ما رواه PageV28P651 ~~سفيان الثورى عن مسروق بن عبد الرحمن بن عتبة قال كتب عمر رضى الله عنه حين ~~صالح نصارى الشام كتابا وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدنهم ولا ما حولها ~~ديرا ولا صومعه ولا كنيسة ولا قلاية لراهب ولا يجددوا ما خرب ولا يمنعوا ~~كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يؤوا جاسوسا ولا ~~يكتموا غش المسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ولا يمنعوا ~~ذوى قرابتهم من الإسلام إن أرادوه وإن يوقروا المسلمين وإن يقوموا لهم من ~~مجالسهم إذا أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم من ~~قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجا ~~ولا يتقلدوا سيفا ولا يتخذوا شيئا من سلاحهم ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ~~ولا يبيعوا الخمور وأن يجزوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا ~~وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في شيء ~~من طريق المسلمين ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ~~ضربا خفيا ولا يرفعوا أصواتهم بقراءتهم في كنائسهم في شيء في حضرة المسلمين ~~ولا يخرجوا شعانين ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ~~ولايشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين فان خالفوا شيئا مما اشترط ~~عليهم فلاذمة لهم وقد حل ms8330 للمسلمين منهم PageV28P652 ما يحل من اهل المعاندة ~~والشقاق # واما ما يرويه بعض العامة عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( من آذى ~~ذميا فقد آذاني ( فهذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروه أحد ~~من اهل العلم وكيف ذلك واذاهم قد يكون بحق وقد يكون بغير حق بل قد قال الله ~~تعالى @QB@ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا @QE@ فكيف يحرم أذى الكفار مطلقا واى ذنب أعظم من الكفر # ولكن في سنن ابى داود عن العرباض بن سارية رضي الله عنه عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال ( أن الله لم يأذن لكم ان تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا ~~بإذن ولا ضرب ابشارهم ولا أكل ثمارهم اذا اعطوكم الذي عليهم ( وكان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يقول اذلوهم ولا تظلموهم وعن صفوان بن سليم عن عدة من ~~أبناء أصحاب النبى عن آبائهم عن رسول الله قال ( الا من ظلم معاهدا ~~أوانتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجة ~~يوم القيامة ( وفى سنن ابى داود عن قابوس بن أبي ضبيان عن ابية عن بن عباس ~~رضى الله عنهما قال قال PageV28P653 رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس ~~على مسلم جزية ولا تصلح قبلتان بأرض ( # وهذه الشروط قد ذكرها أئمة العلماء من أهل المذاهب المتبوعة وغيرها في ~~كتبهم واعتمدوها فقد ذكروا ان على الامام أن يلزم أهل الذمة بالتميز عن ~~المسلمين في لباسهم وشعورهم وكناهم وركوبهم بأن يلبسوا أثوابا تخالف ثياب ~~المسلمين كالعسلى والأزرق والأصفر والأدكن ويشدوا الخرق في قلانسهم ~~وعمائمهم والزنانير فوق ثيابهم # وقد أطلق طائفة من العلماء أنهم يؤخذون باللبس وشد الزنانير جميعا ومنهم ~~من قال هذا يجب إذا شرط عليهم وقد تقدم اشتراط عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~ذلك عليهم جميعا حيث قال ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ~~ولا غيرها من عمامة ولا نعلين إلى ان قال ms8331 ويلزمهم بذلك حيث ما كانوا ويشدوا ~~الزنانير على أوساطهم # وهذه الشروط مازال يجددها عليهم من وفقه الله تعالى من ولاة أمور ~~المسلمين كما جدد عمر بن عبد العزيز رحمه الله في خلافته وبالغ في اتباع ~~سنة عمر بن الخطاب رضى الله عنه PageV28P654 حيث كان من العلم والعدل ~~والقيام بالكتاب والسنة بمنزلة ميزه الله تعالى بها على غيره من الأئمة ~~وجددها هارون الرشيد وجعفر المتوكل وغيرهما وأمروا بهدم الكنائس التى ينبغى ~~هدمها كالكنائس التى بالديار المصرية كلها ففى وجوب هدمها قولان # ولا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت ولو أقرت بأيديهم ~~لكونهم أهل الوطن كما أقرهم المسلمون على كنائس بالشام ومصر ثم ظهرت شعائر ~~المسلمين فيما بعد بتلك البقاع بحيث بنيت فيها المساجد فلا يجتمع شعائر ~~الكفر مع شعائر الإسلام كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لا يجتمع ~~قبلتان بأرض ( ولهذا شرط عليهم عمر والمسلمون رضى الله عنهم أن لا يظهروا ~~شعائر دينهم # وأيضا فلا نزاع بين المسلمين أن أرض المسلمين لا يجوز أن تحبس على ~~الديارات والصوامع ولا يصح الوقف عليها بل لو وقفها ذمى وتحاكم إلينا لم ~~نحكم بصحة الوقف فكيف بحبس أموال المسلمين على معابد الكفار التى يشرك فيها ~~بالرحمن ويسب الله ورسوله فيها أقبح سب # وكان من سبب إحداث هذه الكنائس وهذه الأحباس عليها PageV28P655 شيئان ( ~~أحدهما ( أن بنى عبيد القداح الذين كان ظاهرهم الرفض وباطنهم النفاق ~~يستوزرون تارة يهوديا وتارة نصرانيا وإجتلب ذلك النصرانى خلقا كثيرا وبنى ~~كنائس كثيرة ( والثانى ( إستيلاء الكتاب من النصارى على أموال المسلمين ~~فيدلسون فيها على المسلمين ما يشاؤون والله أعلم وصلى الله على محمد # وقال الشيخ رحمه الله # تعلمون أنا بحمد الله في نعم عظيمة ومنن جسيمة وآلاء متكاثرة وأياد ~~متظاهرة لم تكن تخطر لأكثر الخلق ببال ولا تدور لهم في خيال والحمد لله ~~حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى إلى أن قال # والحق دائما في إنتصار وعلو وإزدياد والباطل في إنخفاض وسفال ونفاد ms8332 وقد ~~أخضع الله رقاب الخصوم وأذلهم غاية الذل وطلب أكابرهم من السلم والإنقياد ~~ما يطول وصفه # ونحن ولله الحمد قد إشترطنا عليهم في ذلك من الشروط ما فيه عزالإسلام ~~والسنة وإنقماع الباطل والبدعة وقد دخلوا في ذلك كله وامتنعنا حتى يظهروا ~~ذلك إلى الفعل فلم نثق لهم بقول PageV28P656 ولا عهد ولم نجبهم إلى مطلوبهم ~~حتى يصير المشروط معمولا والمذكور مفعولا ويظهر من عز الإسلام والسنة ~~للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التى تمحو سيئاتهم وقد أمد الله من ~~الأسباب التى فيها عز الإسلام والسنة وقمع الكفر والبدعة بأمور يطول وصفها ~~في كتاب وكذلك جرى من الأسباب التى هي عزالإسلام وقمع اليهود والنصارى بعد ~~أن كانوا قد إستطالوا وحصلت لهم شوكة وأعانهم من أعانهم على أمر فيه ذل ~~كبير من الناس فلطف الله بإستعمالنا في بعض ما أمر الله به ورسوله وجرى في ~~ذلك مما فيه عز المسلمين وتأليف قلوبهم وقيامهم على اليهود والنصارى وذل ~~المشركين وأهل الكتاب مما هو من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين ووصف هذا ~~يطول وقد أرسلت إليكم كتابا أطلب ما صنفته في أمر الكنائس وهى كراريس بخطى ~~قطع النصف البلدى فترسلون ذلك إن شاء الله تعالى وتستعينون على ذلك بالشيخ ~~جمال الدين المزى فإنه يقلب الكتب ويخرج المطلوب وترسلون أيضا من تعليق ~~القاضي أبى يعلى الذى بخط القاضي أبى الحسين إن أمكن الجميع وهو أحد عشر ~~مجلدا وإلا فمن أوله مجلدا أو مجلدين أو ثلاثة وذكر كتبا يطلبها منهم ~~PageV28P657 ما تقول السادة العلماء # في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد وزى غير زيهم ~~المألوف وذلك أن السلطان ألزمهم بتغيير عمائمهم وأن تكون خلاف عمائم ~~المسلمين فحصل بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه ~~السفهاء والرعاع وآذوهم غاية الأذى وطمع بذلك في إهانتهم والتعدى عليهم فهل ~~يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول وإعادتهم إلى ماكانوا عليه مع حصول ~~التمييز بعلامة يعرفون بها وهل ذلك مخالف للشرع أم لا # قال إبن القيم ms8333 فأجابهم من منع التوفيق وصد عن الطريق بجواز ذلك وأن ~~للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه قال شيخنا فجاءتنى الفتوى فقلت لاتجوز ~~إعادتهم ويجب إبقاؤهم على الزى الذى يتميزون به عن المسلمين فذهبوا ثم ~~غيروا الفتيا ثم جاؤوا بها في قالب آخر فقلت لا تجوز إعادتهم فذهبوا ثم ~~أتوا بها في قالب آخر فقلت هي المسألة المعينة وإن خرجت في عدة قوالب قال ~~إبن القيم ثم ذهب شيخ الإسلام إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عجب منه ~~الحاضرون فأطبق القوم على إبقائهم ولله الحمد والمنة PageV28P658 ### |||| وسئل # عن الرهبان الذين يشاركون الناس في غالب الدنيا فيتجرون ويتخذون المزارع ~~وأبراج الحمام وغير ذلك من الأمور التى يتخذها سائر الناس فيما هم فيه الآن ~~وإنما ترهب أحدهم في اللباس وترك النكاح وأكل اللحم والتعبد بالنجاسة ونحو ~~ذلك وقد صار من يريد إسقاط الجزية من النصارى يترهب هذا الترهب لسقوط ~~الجزية عنه ويأخذون من الأموال المحبوسة والمنذورة ما يأخذون فهل يجوز أخذ ~~الجزية من هؤلاء أم لا وهل يجوز إسكانهم بلاد المسلمين مع رفع الجزية عنهم ~~أم لا أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله الرهبان الذين تنازع العلماء في قتلهم وأخذ ~~الجزية منهم هم المذكورون في الحديث المأثور عن خليفة رسول الله أبى بكر ~~الصديق رضى الله عنه أنه قال في وصيتة ليزيد بن أبى سفيان لما بعثه أميرا ~~على فتح الشام فقال له في وصيته وستجدون أقواما قد PageV28P659 حبسوا ~~أنفسهم في الصوامع فذروهم وما حبسوا أنفسهم له وستجدون أقواما قد فحصوا عن ~~أوساط رؤوسهم فأضربوا مافحصوا عنه بالسيف وذلك بأن الله يقول فقاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ) # وإنما نهى عن قتل هؤلاء لأنهم قوم منقطعون عن الناس محبوسون في الصوامع ~~يسمى أحدهم حبيسا لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلا ~~ولايخ الطونهم في دنياهم ولكن يكتفى أحدهم بقدر ما يتبلغ به فتنازع العلماء ~~في قتلهم كتنازعهم في قتل من لا يضر المسلمين لابيده ولا ms8334 لسانه كالأعمى ~~والزمن والشيخ الكبير ونحوه كالنساء والصبيان # فالجمهور يقولون لا يقتل إلا من كان من المعاونين لهم على القتال في ~~الجملة وإلا كان كالنساء والصبيان ومنهم من يقول بل مجرد الكفر هو المبيح ~~للقتل وإنما إستثنى النساء والصبيان لأنهم أموال وعلى هذا الأصل ينبنى أخذ ~~الجزية # وأما الراهب الذى يعاون أهل دينه بيده ولسانه مثل أن يكون له رأى يرجعون ~~إليه في القتال أو نوع من التحضيض فهذا يقتل بإتفاق العلماء إذا قدر عليه ~~وتؤخذ منه الجزية وإن كان حبيسا منفردا في متعبده فكيف بمن هم كسائر ~~النصارى في معائشهم ومخالطتهم الناس وإكتساب الأموال بالتجارات والزراعات ~~والصناعات PageV28P660 وإتخاذ الديارات الجامعات لغيرهم وإنما تميزوا على ~~غيرهم بما يغلظ كفرهم ويجعلهم أئمة في الكفر مثل التعبد بالنجاسات وترك ~~النكاح واللحم واللباس الذى هو شعار الكفر لا سيما وهم الذين يقيمون دين ~~النصارى بما يظهرونه من الحيل الباطلة التى صنف الفضلاء فيها مصنفات ومن ~~العبادات الفاسدة وقبول نذورهم وأوقافهم # والراهب عندهم شرطه ترك النكاح فقط وهم مع هذا يجوزون أن يكون بتركا ~~وبطرقا وقسيسا وغيرهم من أئمة الكفر الذين يصدرون عن أمرهم ونهيهم ولهم أن ~~يكتسبوا الأموال كما لغيرهم مثل ذلك فهؤلاء لايتنازع العلماء في أنهم من ~~أحق النصارى بالقتل عند المحاربة وبأخذ الجزية عند المسالمة وأنهم من جنس ~~أئمة الكفر الذين قال فيهم الصديق رضى الله عنه ما قال وتلا قوله تعالى ~~@QB@ فقاتلوا أئمة الكفر @QE@ # ويبين ذلك أنه سبحانه وتعالى قد قال ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) وقد قال تعالى ( إتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) # فهل يقول عالم إن أئمة الكفر الذين يصدون عوامهم عن سبيل PageV28P661 ~~الله ويأكلون أموال الناس بالباطل ويرضون بأن يتخذوا أربابا من دون الله لا ~~يقاتلون ولا تؤخذ منهم الجزية مع كونها تؤخذ من العامة الذين هم أقل منهم ~~ضررا في ms8335 الدين وأقل أموالا لايقوله من يدرى ما يقول وإنما وقعت الشبهة لما ~~في لفظ الراهب من الإجمال والإشتراك وقد بينا أن الأثر الوارد مقيد مخصوص ~~وهو يبين المرفوع في ذلك وقد إتفق العلماء على أن علة المنع هو ما بيناه # فهؤلاء الموصوفون تؤخذ منهم الجزية بلاريب ولا نزاع بين أئمة العلم فإنه ~~ينتزع منهم ولا يحل أن يترك شيء من أرض المسلمين التى فتحوها عنوة وضرب ~~الجزية عليها ولهذا لم يتنازع فيه أهل العلم من أهل المذاهب المتبوعة من ~~الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أن أرض مصر كانت خراجية وقد ثبت ذلك ~~في الحديث الصحيح الذى في صحيح مسلم حيث قال ( منعت العراق درهمها وقفيزها ~~ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودرهمها وعدتم من حيث بدأتم ~~لكن المسلمون لما كثروا نقلوا أرض السواد في أوائل الدولة العباسية من ~~المخارجة إلى المقاسمة ولذلك نقلوا مصر إلى أن إستغلوها هم كما هو الواقع ~~اليوم ولذلك رفع عنها الخراج # ومثل هذه الأرض لا يجوز بإتفاق المسلمين أن تجعل حبسا على PageV28P662 ~~مثل هؤلاء يستغلونها بغير عوض فعلم أن إنتزاع هذه الأرضين منهم واجب بإتفاق ~~علماء المسلمين وإنما إستولوا عليها بكثرة المنافقين من المنتسبين إلى ~~الإسلام في الدولة الرافضية وإستمر الأمر على ذلك وبسبب كثرة الكتاب ~~والدواوين منهم ومن المنافقين يتصرفون في أموال المسلمين بمثل هذا كما هو ~~معروف من عمل الدواوين الكافرين والمنافقين # ولهذا يوجد لمعابد هؤلاء الكفار من الأحباس مالا يوجد لمساجد المسلمين ~~ومساكنهم للعلم والعبادة مع أن الأرض كانت خراجية بإتفاق علماء المسلمين ~~ومثل هذا لا يفعله من يؤمن بالله ورسوله وإنما يفعله الكفار والمنافقون ومن ~~لبسوا عليه ذلك من ولاة أمور المسلمين فإذا عرف ولاة أمور المسلمين الحال ~~عملوا في ذلك ما أمر الله به ورسوله والله سبحانه وتعالى اعلم وصلى الله ~~على محمد PageV28P663 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل يهودى معه كتاب يدعى أنه خط على بن أبى طالب يمتنع به عن الجزية ~~وله مدة لم يعطها ### ||||| فأجاب # كل كتاب تدعيه ms8336 اليهود بإسقاط الجزية من على أو غيره فهو كذب ~~يستحقون العقوبة عليه مع أخذ الجزية منهم وتؤخذ منه الجزية الماضية والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن اليهود والنصارى إذا إتخذوا خمورا هل يحل للمسلم إراقتها عليهم وكسر ~~أوانيهم وهجم بيوتهم لذلك أم لا وهل يجوز هجم بيوت المسلمين إذا علم أو ظن ~~أن بها خمرا من غير أن يظهر شيء من ذلك لتراق وتكسر الأوانى ويتجسس على ~~مواضعه أم لا وهل يحرم على الفاعل ذلك أم لا إذا كان مأمورا من جهة الإمام ~~بذلك أم يكون معذورا بمجرد الأمر دون الإكراه وإذا PageV28P664 خشى من ~~مخالفة الأمر وقوع محذور به فهل يكون عذرا له أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما ~~أهل الذمة فإنهم وإن أقروا على ما يستحقون به في دينهم فليس لهم أن يبيعوا ~~المسلم خمرا ولا يهدونها إليه ولا يعاونوه عليها بوجه من الوجوه فليس لهم ~~أن يعصروها لمسلم ولا يحملوها له ولا يبيعوها من مسلم ولا ذمى وهذا كله مما ~~هو مشروط عليهم في عقد الذمة ومتى فعلوا ذلك إستحقوا العقوبة التى تردعهم ~~وأمثالهم عن ذلك وهل ينتقض عهدهم بذلك وتباح دماؤهم وأموالهم على قولين في ~~مذهب الإمام أحمد وغيره # وكذلك ليس لهم أن يستعينوا بجاه أحد ممن يخدمونه أو ممن أظهر الإسلام ~~منهم أو غيرهما على إظهار شيء من المنكرات بل كما تجب عقوبتهم تجب عقوبة من ~~يعينهم بجاهه أو غير جاهه على شيء من هذه الأمور # وإذا شرب الذمى الخمر فهل يحد على ثلاثة أقوال للفقهاء قيل يحد وقيل لا ~~يحد وقيل يحد إن سكر وهذا إذا أظهر ذلك بين المسلمين وأما ما يختفون به في ~~بيوتهم من غير ضرر بالمسلمين بوجه من الوجوه فلا يتعرض لهم وعلى هذا فإذا ~~كانوا لا ينتهون عن إظهار الخمر أو معاونة المسلمين عليها أو بيعها وهديها ~~للمسلمين إلا بإراقتها PageV28P665 عليهم فإنها تراق عليهم مع ما يعاقبون ~~به إما بما يعاقب به ناقض العهد وإما بغير ذلك ### |||| وسئل # عن اليهود ms8337 بمصر من أمصار المسلمين وقد كثر منهم بيع الخمر لآحاد المسلمين ~~وقد كثرت أموالهم من ذلك وقد شرط عليهم سلطان المسلمين أن لا يبيعوها ~~للمسلمين ومتى فعلوا ذلك حل منهم ما يحل من أهل الحرب فماذا يستحقون من ~~العقوبة وهل للسلطان أن يأخذ منهم الأموال التى إكتسبوها من بيع الخمر أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله يستحقون على ذلك العقوبة التى تردعهم وأمثالهم عن ذلك ~~وينتقض بذلك عهدهم في أحد قولى العلماء في مذهب أحمد وغيره وإذا إنتقض ~~عهدهم حلت دماؤهم وأموالهم وحل منهم مايحل من المحاربين الكفار وللسلطان أن ~~يأخذ منهم هذه الأموال التى قبضوها من أموال المسلمين بغير حق ولا يردها ~~إلى من إشترى منهم الخمر فإنهم إذا علموا أنهم ممنوعين من شرب الخمر ~~وشرائها وبيعها فإشتروها كانوا بمنزلة من يبيع الخمر من المسلمين ومن باع ~~خمرا لم يملك ثمنه فأذا كان المشترى قد أخذ الخمر فشربها لم PageV28P666 ~~يجمع له بين العوض والمعوض بل يؤخذ هذا المال فيصرف في مصالح المسلمين كما ~~قيل في مهر البغى وحلوان الكاهن وأمثال ذلك مما هو عوض عن عين أو منفعة ~~محرمة إذا كان العاصى قد إستوفى العوض # وهذا بخلاف مالو باع ذمى لذمى خمرا سرا فإنه لا يمنع من ذلك وإذا تقابضا ~~جاز أن يعامله المسلم بذلك الثمن الذى قبضه من ثمن الخمر كما قال عمر رضى ~~الله عنه ولو هم بيعها وخذوا منهم أثمانها بل أبلغ من ذلك أنه يجوز للإمام ~~أن يخرب المكان الذى يباع فيه الخمر كالحانوت والدار كما فعل ذلك عمر بن ~~الخطاب حيث أخرب حانوت رويشد الثقفى وقال إنما أنت فويسق لست برويشد وكما ~~أحرق على بن أبى طالب قرية كان يباع فيها الخمر وقد نص على ذلك أحمد وغيره ~~من العلماء PageV28P667 ### |||| وسئل # عن يهودى قال هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب يتعصبون علينا وكان قد ~~خاصمه بعض المسلمين ف ### ||||| أجاب رحمه الله # إذا كان أراد بشتمه طائفة معينة من المسلمين فإنه يعاقب ~~على ذلك عقوبة تزجره وأمثاله ms8338 عن مثل ذلك وأما ان ظهر منه قصد العموم فإنه ~~ينتقض عهده بذلك ويجب قتله PageV28P668 ### || 1 ( قواعد في العقود ) 1 # قال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ~~وأما العقود من المعاملات المالية والنكاحية وغيرها فنذكر فيها قواعد جامعة ~~عظيمة المنفعة فإن القول فيها كالقول في العبادات # فمن ذلك ( صفة العقود ( فالفقهاء فيها على ثلاثة أقوال # ( أحدها ) أن الأصل في العقود أنها لا تصح إلا بالصيغة وهي العبارات التى ~~قد يخصها بعض الفقهاء بإسم الإيجاب والقبول سواء في ذلك البيع والإجارة ~~والهبة والنكاح والعتق والوقف وغير ذلك وهذا ظاهر قول الشافعي وهو قول في ~~مذهب أحمد يكون تارة رواية منصوصة في بعض المسائل كالبيع والوقف ويكون تارة ~~رواية مخرجة كالهبة والإجارة ثم هؤلاء يقيمون الإشارة مقام العبارة عند ~~العجز عنها كما في إشارة الأخرس ويقيمون أيضا الكتابة في مقام العبارة عند ~~الحاجة PageV29P005 وقد يستثنون مواضع دلت النصوص على جوازها إذا مست ~~الحاجة إليها كما في الهدي إذا عطب دون محله فإنه ينحر ثم يضمخ نعله المعلق ~~في عنقه بدمه علامة للناس ومن أخذه ملكه وكذلك الهدية ونحو ذلك # لكن الأصل عندهم هو اللفظ لأن الأصل في العقود هو التراضي المذكور في ~~قوله @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ وقوله @QB@ فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا @QE@ والمعاني التى في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التى قد ~~جعلت لإبانة ما في القلب إذ الأفعال من المعاطاة ونحوها تحتمل وجوها كثيرة ~~ولأن العقود من جنس الأقوال فهي في المعاملات كالذكر والدعاء في العبادات ( ~~القول الثانى أنها تصح بالأفعال فيما كثر عقده بالأفعال كالمبيعات ~~بالمعاطاة وكالوقف في مثل من بنى مسجدا وأذن للناس في الصلاة فيه أو سبل ~~أرضا للدفن فيها أو بنى مطهرة وسبلها للناس وكبعض أنواع الإجارة كمن دفع ~~ثوبه إلى غسال أو خياط يعمل بالأجرة أو ركب سفينة ملاح وكالهدية ونحو ذلك ~~فإن هذه العقود لو لم تنعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أمور الناس ms8339 ولأن ~~الناس من لدن النبى صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا ما زالوا يتعاقدون في ~~مثل هذه الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدال على المقصود وهذا هو الغالب على ~~أصول PageV29P006 أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد ووجه في مذهب الشافعي ~~بخلاف المعاطاة في الأموال الجليلة فإنه لا حاجة إليه ولم يجر به العرف # القول الثالث أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل فكل ما عده ~~الناس بيعا وإجارة فهو بيع وإجارة وإن إختلف إصطلاح الناس في الألفاظ ~~والأفعال إنعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال وليس ~~لذلك حد مستمر لا في شرع ولا في لغة بل يتنوع بتنوع إصطلاح الناس كما تتنوع ~~لغاتهم # فإن لفظ البيع والإجارة في لغة العرب ليس هو اللفظ الذي في لغة الفرس أو ~~الروم أو الترك أو البربر أو الحبشة بل قد تختلف أنواع اللغة الواحدة ولا ~~يجب على الناس إلتزام نوع معين من الإصطلاحات في المعاملات ولا يحرم عليهم ~~التعاقد بغير ما يتعاقد به غيرهم إذا كان ما تعاقدوا به دالا على مقصودهم ~~وإن كان قد يستحب بعض الصفات وهذا هو الغالب على أصول مالك وظاهر مذهب أحمد # ولهذا يصح في ظاهر مذهبه بيع المعاطاة مطلقا وإن كان قد PageV29P007 وجد ~~اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر بأن يقول خذ هذا لله فيأخذه أو يقول أعطني ~~خبزا بدرهم فيعطيه أو لم يوجد لفظ من أحدهما بأن يضع الثمن ويقبض جرزة ~~البقل أو الحلواء أو غير ذلك كما يتعامل به غالب الناس أو يضع المتاع ليوضع ~~له بدله فإذا وضع البدل الذي يرضي به أخذه كما يجلبه التجار على عادة بعض ~~أهل المشرق # فكل ما عده الناس بيعا فهو بيع وكذلك في الهبة مثل الهدية ومثل تجهيز ~~الزوجة بمال يحمل معها إلى بيت زوجها إذا كانت العادة جارية بأنه عطية لا ~~عارية وكذلك الإجارات مثل ركوب سفينة الملاح المكاري وركوب دابة الجمال أو ~~الحمار أو البغال المكاري ms8340 على الوجه المعتاد أنه إجارة ومثل الدخول إلى ~~حمام الحمامي يدخلها الناس بالأجرة ومثل دفع الثوب إلى غسال أو خياط يعمل ~~بالأجر أو دفع الطعام إلى طباخ أو شواي يطبخ أو يشوي للآخر سواء شوي اللحم ~~مشروحا أو غير مشروح # حتى إختلف أصحابه هل يقع الخلع بالمعاطاة مثل أن تقول إخلعني بهذه الألف ~~أو بهذا الثوب فيقبض العوض على الوجه المعتاد أنه رضي منه بالمعاوضة فذهب ~~العكبريون كأبي حفص وأبي علي بن شهاب إلى أن ذلك خلع صحيح وذكروا من كلام ~~أحمد ومن كلام غيره PageV29P008 من السلف من الصحابة والتابعين ما يوافق ~~قولهم ولعله هو الغالب على نصوصه بل قد نص على أن الطلاق يقع بالفعل والقول ~~وإحتج على أنه يقع بالكتاب بقول النبى ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به ~~أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به ( قال وإذا كتب فقد عمل وذهب البغداديون ~~الذين كانوا في ذلك الوقت كأبي عبد الله بن حامد ومن اتبعهم كالقاضي أبي ~~يعلى ومن سلك سبيله أنه لا تقع الفرقة إلا بالكلام وذكروا من كلام أحمد ما ~~إعتمدوه في ذلك بناء على أن الفرقة فسخ النكاح والنكاح يفتقر إلى لفظ فكذلك ~~فسخه # وأما النكاح فقال هؤلاء كابن حامد والقاضي وأصحابه مثل أبى الخطاب وعامة ~~المتأخرين أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج كما قاله الشافعي بناء ~~على أنه لا ينعقد بالكناية لأن الكناية تفتقر إلى نية والشهادة شرط في صحة ~~النكاح والشهادة على النية غير ممكنة ومنعوا من إنعقاد النكاح بلفظ الهبة ~~أو العطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك # وقال أكثر هؤلاء كابن حامد والقاضي والمتأخرين أنه لا ينعقد إلا بلفظ ~~العربية لمن يحسنها فإن لم يقدر على تعلمها إنعقد بمعناها الخاص بكل لسان ~~وإن قدر على تعلمها ففيه وجهان PageV29P009 بناء على أنه مختص بهذين ~~اللفظين وأن فيه شوب التعبد وهذا مع أنه ليس منصوصا عن أحمد فهو مخالف ~~لأصوله ولم ينص أحمد على ذلك ولا نقلوا عنه نصا في ذلك وإنما ms8341 نقلوا قوله في ~~رواية أبي الحارث إذا وهبت نفسها لرجل فليس بنكاح فإن الله تعالى قال @QB@ ~~خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ وهذا إنما هو نص على منع ما كان من خصائص ~~النبى صلى الله عليه وسلم وهو النكاح بغير مهر بل قد نص أحمد في المشهور ~~عنه على أن النكاح ينعقد بقوله لأمته أعتقتك وجعلت عتقك صداقك وبقوله جعلت ~~عتقك صداقك أو صداقك عتقك ذكر ذلك في غير موضع من جواباته # فاختلف أصحابه فأما أبو عبد الله بن حامد فطرد قياسه وقال لابد مع ذلك من ~~أن يقول تزوجتها أو نكحتها لأن النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلا بهاتين ~~الصيغتين وأما القاضي أبو يعلى وغيره فجعلوا هذه الصورة مستثناة من القياس ~~الذي وافقوا عليه إبن حامد وأن ذلك من صور الاستحسان وذكر بن عقيل قولا في ~~المذهب أنه ينعقد بغير لفظ الانكاح والتزويج لنص أحمد بهذا وهذا أشبه بنصوص ~~أحمد وأصوله ومذهب مالك في ذلك شبيه بمذهبه فإن أصحاب مالك إختلفوا هل ~~ينعقد بغير لفظ الانكاح والتزويج على PageV29P010 قولين والمنصوص عنه إنما ~~هو منع ما إختص به النبى من هبة البضع بغير مهر قال بن القاسم وإن وهب ~~ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك فهو عندى جائز # وما ذكره بعض أصحاب مالك وأحمد من أنه لا ينعقد إلا بهذين اللفظين بعيد ~~عن أصولهما فإن الحكم مبنى على مقدمتين إحداهما أن ما سوى ذلك كناية وأن ~~الكناية تفتقر إلى النية ومذهبهما المشهور أن دلالة الحال في الكنايات ~~تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية ولهذا جعلا الكنايات في الطلاق والقذف ~~ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح # ومعلوم أن دلالات الأحوال في النكاح معروفة من إجتماع الناس لذلك والتحدث ~~بما إجتمعوا له فإذا قال بعد ذلك ملكتكهالك بألف درهم علم الحاضرون ~~بالاضطرار أن المراد به الانكاح وقد شاع هذا اللفظ في عرف الناس حتى سموا ~~عقده إملاكا وملاكا ولهذا روى الناس قول النبي لخاطب الواهبة الذي التمس ~~فلم يجد خاتما من حديد ms8342 رووه تارة ( أنكحتكها بما معك من القرآن ( وتارة ( ~~ملكتكها ( وإن كان النبى لم يثبت عنه أنه إقتصر على ( ملكتكها ( بل إما أنه ~~قالهما جميعا أو قال أحدهما لكن لما كان اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع ~~سواء PageV29P011 رووا الحديث تارة هكذا وتارة هكذا # ثم تعيين اللفظ العربى في مثل هذا في غاية البعد عن أصول أحمد ونصوصه وعن ~~أصول الأدلة الشرعية إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم وهو وإن كان قربة ~~فإنما هو كالعتق والصدقة ومعلوم أن العتق لا يتعين له لفظ لا عربي ولا عجمي ~~وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين لها لفظ عربي بالإجماع ثم العجمي إذا ~~تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما يفهمه من اللغة ~~التى إعتادها # نعم لو قيل تكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع ~~الخطاب بغير العربية لغير حاجة لكان متوجها كما قد روى عن مالك وأحمد ~~والشافعي ما يدل على كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة وقد ~~ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع # وقد ذكر أصحاب مالك والشافعي وأصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وبن عقيل ~~والمتأخرين أنه يرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم فما اعتقدوه نكاحا بينهم ~~جاز إقرارهم عليه إذا أسلموا وتحاكموا إلينا إذا لم يكن حينئذ مشتملا على ~~مانع وإن كانوا يعتقدون أنه ليس بنكاح لم يجز الاقرار عليه حتى قالوا لو ~~قهر حربى حربية فوطئها PageV29P012 أو طاوعته واعتقداه نكاحا أقرا عليه ~~وإلا فلا # ومعلوم أن كون القول أو الفعل يدل على مقصود العقد لا يختص به المسلم دون ~~الكافر وإنما اختص المسلم بأن الله أمر في النكاح بأن يميز عن السفاح كما ~~قال تعالى @QB@ محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان @QE@ وقال @QB@ محصنات ~~غير مسافحات ولا متخذات أخدان @QE@ فأمر بالولي والشهود ونحو ذلك مبالغة في ~~تمييزه عن السفاح وصيانة للنساء عن التشبه بالبغايا حتى شرع فيه الضرب ~~بالدف والوليمة الموجبة لشهرته ولهذا جاء في الأثر ( المرأة لا تزوج نفسها ~~( فإن ms8343 البغي هي التى تزوج نفسها وأمر فيه بالاشهاد أو بالإعلان أو بهما ~~جميعا ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات في مذهب أحمد ومن إقتصر على الاشهاد علله ~~بأن به يحصل الإعلان المميز له عن السفاح وبأنه يحفظ النسب عند التجاحد # فهذه الأمور التى اعتبرها الشارع في الكتاب والسنة والآثار حكمتها بينة ~~فأما إلتزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر # وهذه القاعدة الجامعة التي ذكرناها من أن العقود تصح بكل ما دل على ~~مقصودها من قول أو فعل هي التى تدل عليها أصول الشريعة وهي التى تعرفها ~~القلوب وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال PageV29P013 @QB@ فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء @QE@ وقال @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@ وقال @QB@ وأحل ~~الله البيع @QE@ وقال @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ~~@QE@ وقال @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ وقال @QB@ فإن أرضعن ~~لكم فآتوهن أجورهن @QE@ وقال @QB@ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~@QE@ إلى قوله @QB@ إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم ~~جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا ~~فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم وإن كنتم على ~~سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة @QE@ وقال @QB@ من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا @QE@ وقال @QB@ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل @QE@ وقال @QB@ يمحق الله الربا ويربي الصدقات @QE@ وقال ~~@QB@ إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم @QE@ وقال ~~@QB@ فتحرير رقبة @QE@ وقال @QB@ فطلقوهن لعدتهن @QE@ وقال @QB@ فأمسكوهن ~~بمعروف أو سرحوهن بمعروف @QE@ إلى غير ذلك من الآيات المشروع فيها هذه ~~العقود إما أمرا وإما إباحة والمنهى فيها عن بعضها كالربا فإن الدلالة فيها ~~من وجوه # أحدها أنه إكتفي بالتراضي في البيع في قوله @QB@ إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم @QE@ وبطيب النفس في التبرع في قوله @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا @QE@ PageV29P014 فتلك الآية في جنس المعاوضات وهذه ~~الآية في جنس التبرعات ولم يشترط لفظا ms8344 معينا ولا فعلا معينا يدل على ~~التراضي وعلى طيب النفس ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم ~~وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة # والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من العقود وهو ظاهر في بعضها وإذا وجد ~~تعلق الحكم بهما بدلالة القرآن وبعض الناس قد يحمله اللدد في نصره لقول ~~معين على أن يجحد ما يعلمه الناس من التراضي وطيب النفس فلا عبرة بجحد مثل ~~هذا فإن جحد الضروريات قد يقع كثيرا عن مواطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب ~~فالعبرة بالفطرة السليمة التى لم يعارضها ما يغيرها ولهذا قلنا إن الأخبار ~~المتواترة يحصل بها العلم حيث لا تواطؤ على الكذب لأن الفطر السليمة لا ~~تتفق على الكذب فأما مع التواطؤ والإتفاق فقد يتفق جماعات على الكذب # الوجه الثانى أن هذه الأسماء جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقا بها ~~أحكام شرعية وكل اسم فلابد له من حد فمنه ما يعلم حده باللغة كالشمس والقمر ~~والبر والبحر والسماء والأرض ومنه ما يعلم بالشرع كالمؤمن والكافر والمنافق ~~وكالصلاة والزكاة PageV29P015 و الصيام والحج وما لم يكن له حد في اللغة ~~ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه ( # ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدا لا في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عين ~~للعقود صفة معينة من الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ذلك من أنها لا ~~تنعقد إلا بالصيغ الخاصة بل قد قيل إن هذا القول مما يخالف الاجماع القديم ~~وأنه من البدع وليس لذلك حد في لغة العرب بحيث يقال إن أهل اللغة يسمون هذا ~~بيعا ولا يسمون هذا بيعا حتى يدخل أحدهما في خطاب الله ولا يدخل الآخر بل ~~تسمية أهل العرف من العرب هذه المعاقدات بيعا دليل على أنها في لغتهم تسمى ~~بيعا والأصل بقاء اللغة وتقريرها ms8345 لا نقلها وتغييرها فإذا لم يكن له حد في ~~الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم فما سموه بيعا ~~فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة # الوجه الثالث أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان عبادات يصلح ~~بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن ~~العبادات التى أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع وأما ~~العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما PageV29P016 يحتاجون إليه ~~والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى وذلك ~~لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لابد أن تكون مأمورا بها فما لم ~~يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة وما لم يثبت من العبادات أنه ~~منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث ~~يقولون إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى ~~وإلا دخلنا في معنى قوله @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن ~~به الله @QE@ # والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى ~~قوله @QB@ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا @QE@ ~~ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما ~~لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا ~~يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون وكذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو ~~شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها ~~إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ~~افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون @QE@ PageV29P017 فذكر ما ابتدعوه من ~~العبادات ومن التحريمات وفي ms8346 صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال ( قال الله تعالى إنى خلقت عبادى حنفاء ~~فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ~~أنزل به سلطانا ( # وهذه ( قاعدة عظيمة نافعة ( وإذا كان كذلك فنقول # البيع والهبة والاجارة وغيرها هي من العادات التى يحتاج الناس إليها في ~~معاشهم كالأكل والشرب واللباس فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب ~~الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لابد منه وكرهت ما لا ينبغى ~~واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها # وإذا كان كذلك فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاؤوا ما لم تحرم الشريعة ~~كما يأكلون ويشربون كيف شاؤوا ما لم تحرم الشريعة وإن كان بعض ذلك قد يستحب ~~أو يكون مكروها وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على الاطلاق ~~الأصلى # وأما السنة والإجماع فمن تتبع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة والتابعين من أنواع المبايعات والمؤاجرات والتبرعات PageV29P018 ~~علم ضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين والآثار في ذلك كثيرة ~~ليس هذا موضعها إذ الغرض التنبيه على القواعد وإلا فالكلام في أعيان ~~المسائل له موضع غير هذا # فمن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى مسجده والمسلمون بنوا ~~المساجد على عهده وبعد موته ولم يأمر أحدا أن يقول وقفت هذا المسجد ولا ما ~~يشبه هذا اللفظ بل قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من بنى لله مسجدا بنى ~~الله له بيتا في الجنة ( فعلق الحكم بنفس بنائه وفى الصحيحين أنه لما اشترى ~~الجمل من عبد الله بن عمر بن الخطاب قال ( هو لك يا عبد الله بن عمر ( ولم ~~يصدر من إبن عمر لفظ قبول وكان يهدي ويهدى له فيكون قبض الهدية قبولها ولما ~~نحر البدنات قال ( من شاء اقتطع ( مع إمكان قسمتها فكان هذا إيجابا وكان ~~الاقتطاع هو القبول وكان يسأل فيعطي أو يعطي من غير ms8347 سؤال فيقبض المعطي ~~ويكون الاعطاء هو الإيجاب والأخذ هو القبول في قضايا كثيرة جدا ولم يكن ~~يأمر الآخذين بلفظ ولا يلتزم أن يتلفظ لهم بصيغة كما في إعطائه للمؤلفة ~~قلوبهم وللعباس وغيرهم # وجعل إظهار الصفات في المبيع بمنزلة اشتراطها باللفظ في مثل المصراة ~~ونحوها من المدلسات PageV29P019 # وأيضا فإن التصرفات جنسان عقود وقبوض كما جمعهما النبى صلى الله عليه ~~وسلم في قوله ( رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى ~~سمحا إذا اقتضى ( ويقول الناس البيع والشراء والأخذ والعطاء # والمقصود من العقود إنما هو القبض والاستيفاء فإن المعاقدات تفيد وجوب ~~القبض أو جوازه بمنزلة إيجاب الشارع ثم التقابض ونحوه وفاء بالعقود بمنزلة ~~فعل المأمور به في الشرعيات # والقبض ينقسم إلى صحيح وفاسد كالعقد وتتعلق به أحكام شرعية كما تتعلق ~~بالقبض فإذا كان المرجع في القبض إلى عرف الناس وعاداتهم من غير حد يستوى ~~فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات فكذلك العقود وإن حررت عبارته قلت ~~أحد نوعى التصرفات فكان المرجع فيه إلى عادة الناس كالنوع الآخر # ومما يلتحق بهذا أن الاذن العرفى في الاباحة أو التمليك أو التصرف بطريق ~~الوكالة كالإذن اللفظى فكل واحد من الوكالة والاباحة ينعقد بما يدل عليها ~~من قول وفعل والعلم برضى المستحق يقوم مقام إظهاره للرضى وعلى هذا يخرج ~~مبايعة النبى صلى الله PageV29P020 عليه وسلم عن عثمان بن عفان بيعة ~~الرضوان وكان غائبا وإدخاله أهل الخندق إلى منزل أبي طلحة ومنزل جابر بدون ~~استئذانهما لعلمه أنهما راضيان بذلك ولما دعاه صلى الله عليه وسلم اللحام ~~سادس ستة اتبعهم رجل فلم يدخله حتى استأذن اللحام الداعي وكذلك ما يؤثر عن ~~الحسن البصرى أن أصحابه لما دخلوا منزله وأكلوا طعامه قال ذكرتمونى أخلاق ~~قوم قد مضوا وكذلك معنى قول أبي جعفر إن الاخوان من يدخل أحدهم يده في جيب ~~صاحبه فيأخذ منه ما شاء # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمن استوهبه كبة شعر ( أما ما كان لى ~~ولبنى عبد المطلب فقد ms8348 وهبته لك ( وكذلك إعطاؤه المؤلفة قلوبهم عند من يقول ~~إنه أعطاهم من أربعة الأخماس وعلى هذا خرج الإمام أحمد بيع حكيم بن حزام ~~وعروة بن الجعد لما وكله النبى صلى الله عليه وسلم في شراء شاة بدينار ~~فاشترى شاتين وباع إحداهما بدينار فإن التصرف بغير إستئذان خاص تارة ~~بالمعاوضة وتارة بالتبرع وتارة بالانتفاع مأخذه إما إذن عرفى عام أو خاص ~~PageV29P021 ### ||| فصل القاعدة الثانية في العقود حلالها وحرامها # والأصل في ذلك أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل وذم ~~الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل وذم اليهود على أخذهم ~~الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وهذا يعم كل ما يؤكل ~~بالباطل في المعاوضات والتبرعات وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق وأكل ~~المال بالباطل في المعاوضة نوعان ذكرهما الله في كتابه هما الربا والميسر ~~فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر ( سورة البقرة ( وسورة آل عمران ~~( والروم ( والمدثر ( وذم اليهود عليه في ( سورة النساء ( وذكر تحريم ~~الميسر في ( سورة المائدة ( # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما جمعه الله في كتابه فنهى صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الغرر كما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه والغرر هو المجهول العاقبة فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار وذلك أن ~~العبد اذا أبق PageV29P022 أو الفرس أو البعير اذا شرد فإن صاحبه اذا باعه ~~فانما يبيعه مخاطرة فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير فإن حصل له قال البائع ~~قمرتنى وأخذت مالي بثمن قليل وإن لم يحصل قال المشتري قمرتنى وأخذت الثمن ~~مني بلا عوض فيفضى إلى مفسدة الميسر التى هي إيقاع العداوة والبغضاء مع ما ~~فيه من أكل المال بالباطل الذي هو نوع من الظلم ففي بيع الغرر ظلم وعداوة ~~وبغضاء # ومن نوع الغرر ما نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم من بيع حبل الحبلة ~~والملاقيح والمضامين ومن بيع السنين وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع ~~الملامسة والمنابذة ونحو ذلك كله ms8349 من نوع الغرر # وأما الربا فتحريمه في القرآن أشد ولهذا قال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله @QE@ وذكره النبى صلى الله عليه وسلم في ~~الكبائر كما خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وذكر الله أنه ~~حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم وصدهم عن سبيل الله وأخذهم ~~الربا واكلهم أموال الناس بالباطل وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا كما يربى ~~الصدقات وكلاهما أمر مجرب عند الناس PageV29P023 # وذلك أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج وإلا فالموسر لا يأخذ ألفا ~~حالة بألف ومائتين مؤجلة اذا لم يكن له حاجة لتلك الألف وإنما يأخذ المال ~~بمثله وزيادة إلى أجل من هو محتاج إليه فتقع تلك الزيادة ظلما للمحتاج ~~بخلاف الميسر فإن المظلوم فيه غير مفتقر ولا هو محتاج إلى العقد وقد تخلو ~~بعض صوره عن الظلم إذا وجد في المستقبل المبيع على الصفة التى ظناها والربا ~~فيه ظلم محقق للمحتاج ولهذا كان ضد الصدقة فإن الله لم يدع الأغنياء حتى ~~أوجب عليهم إعطاء الفقراء فإن مصلحة الغنى والفقير في الدين والدنيا لا تتم ~~إلا بذلك فاذا أربى معه فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه دينه وظلمه ~~زيادة أخرى والغريم محتاج إلى دينه فهذا من أشد أنواع الظلم ولعظمته لعن ~~النبى صلى الله عليه وسلم آكله وهو الآخذ وموكله وهو المحتاج المعطى ~~للزيادة وشاهديه وكاتبه لاعانتهم عليه # ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم حرم أشياء مما يخفى فيها الفساد لافضائها ~~إلى الفساد المحقق كما حرم قليل الخمر لأنه يدعو إلى كثيرها مثل ربا الفضل ~~فإن الحكمة فيه قد تخفى اذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف ~~الصفات مثل كون الدرهم صحيحا والدرهمين مكسورين أو كون الدرهم مصوغا أو من ~~نقد نافق ونحو ذلك ولذلك خفيت حكمة تحريمه على بن عباس ومعاوية PageV29P024 ~~و غيرهما فلم يروا به بأسا حتى أخبرهم ms8350 الصحابة الأكابر كعبادة بن الصامت ~~وأبي سعيد وغيرهما بتحريم النبى صلى الله عليه وسلم لربا الفضل # وأما الغرر فإنه ثلاثة أنواع إما المعدوم كحبل الحبلة وبيع السنين وأما ~~المعجوز عن تسليمه كالعبد الآبق وأما المجهول المطلق أو المعين المجهول ~~جنسه أو قدره كقوله بعتك عبدا أو بعتك ما في بيتى أو بعتك عبيدي # فأما المعين المعلوم جنسه وقدره المجهول نوعه أو صفته كقوله بعتك الثوب ~~الذي في كمي أو العبد الذي أملكه ونحو ذلك ففيه خلاف مشهور وتغلب مسألة بيع ~~الأعيان الغائبة وعن أحمد فيه ثلاث روايات إحداهن لا يصح بيعه بحال كقول ~~الشافعي في الجديد والثانية يصح وإن لم يوصف وللمشتري الخيار إذا رآه كقول ~~أبى حنيفة وقد روي عن أحمد لا خيار له والثالثة وهي المشهورة أنه يصح ~~بالصفة ولا يصح بدون الصفة كالمطلق الذي في الذمة وهو قول مالك # ومفسدة الغرر اقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو إليه PageV29P025 الحاجة ~~منه فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار جملة وإن لم يعلم ~~دواخل الحيطان والأساس ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع وإن لم يعلم ~~مقدار الحمل أو اللبن وإن كان قد نهى عن بيع الحمل مفردا وكذلك اللبن عند ~~الأكثرين وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها فإنه يصح مستحق الابقاء كما دلت ~~عليه السنة وذهب إليه الجمهور كمالك والشافعي وأحمد وإن كانت الأجزاء التى ~~يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد # وجوز النبى صلى الله عليه وسلم إذا باع نخلا قد أبرت أن يشترط المبتاع ~~ثمرتها فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها لكن على وجه البيع للأصل # فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره # ولما احتاج الناس إلى العرايا أرخص في بيعها بالخرص ولم يجوز المفاضلة ~~المتيقنة بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة وهو قدر ~~النصاب خمسة أوسق ( أو ) ما دون النصاب على اختلاف القولين للشافعي واحمد ( ~~و ) إن كان المشهور عن أحمد ms8351 ما دون النصاب # إذا تبين ذلك فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره PageV29P026 فإنه ~~أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال هو أفقه الناس في البيوع كما كان ~~يقال عطاء أفقه الناس في المناسك وابراهيم أفقههم في الصلاة والحسن أجمعهم ~~لذلك كله ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فضل فيه لمن ~~إستقرأ ذلك من أجوبته # والامام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب فإنهما يحرمان الربا ويشددان ~~فيه حق التشديد لما تقدم من شدة تحريمه وعظم مفسدته ويمنعان الاحتيال عليه ~~بكل طريق حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه وإن لم تكن حيلة وإن كان مالك ~~يبالغ في سد الذرائع ما لا يختلف قول أحمد فيه أو لا يقوله لكنه يوافقه بلا ~~خلاف عنه على منع الحيل كلها # وجماع الحيل نوعان إما أن يضموا إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود أو يضموا ~~إلى العقد عقدا ليس بمقصود # فالأول مسألة ( مد عجوة ( وضابطها أن يبيع ربويا بجنسه ومعهما أو مع ~~أحدهما ما ليس من جنسه مثل أن يكون غرضهما بيع فضة بفضة متفاضلا ونحو ذلك ~~فيضم إلى الفضة القليلة عوضا آخر حتى يبيع ألف دينار في منديل بألفي دينار ~~فمتى كان المقصود بيع الربوى بجنسه متفاضلا حرمت مسألة ( مد عجوة ( بلا ~~خلاف عند مالك وأحمد وغيرهما وإنما يسوغ مثل هذا من جوز الحيل من الكوفيين ~~وإن PageV29P027 كان قدماء الكوفيين يحرمون هذا # وأما إن كان كلاهما مقصودا كمد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم أو مدين أو ~~درهمين ففيه روايتان عن أحمد والمنع قول مالك والشافعي والجواز قول أبي ~~حنيفة وهي مسألة اجتهاد # وأما إن كان المقصود من أحد الطرفين غير الجنس الربوي كبيع شاة ذات صوف ~~أو لبن بصوف أو لبن فأشهر الروايتين عن أحمد الجواز # والنوع الثانى من الحيل أن يضما إلى العقد المحرم عقدا غير مقصود مثل أن ~~يتواطآ على أن يبيعه الذهب بخرزه ثم يبتاع الخرز منه بأكثر من ذلك الذهب أو ~~يواطئا ثالثا ms8352 على أن يبيع احدهما عرضا ثم يبيعه المبتاع لمعامله المرابى ثم ~~يبيعه المرابي لصاحبه وهي الحيلة المثلثة أو يقرن بالقرض محاباة في بيع أو ~~إجارة أو مساقاة ونحو ذلك مثل أن يقرضه ألفا ويبيعه سلعة تساوي عشرة ~~بمائتين أو يكريه دارا تساوي ثلاثين بخمسة ونحو ذلك # فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة التى حرم الله من أجلها الربا ~~وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال ( ~~لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا PageV29P028 ربح ما لم يضمن ولا بيع ~~ما ليس عندك ( قال الترمذي حديث حسن صحيح وهو من جنس حيل اليهود فانهم إنما ~~استحلوا الربا بالحيل ويسمونه المشكند وقد لعنهم الله على ذلك # وقد روي بن بطة باسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله ~~بأدنى الحيل ( وفى الصحيحين عنه أنه قال ( لعن الله اليهود حرمت عليهم ~~الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها ( وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارا ومن أدخل ~~فرسا بين فرسين وقد أمن ان يسبق فهو قمار ( وقال صلى الله عليه وسلم فيما ~~رواه أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( البيعان بالخيار ما ~~لم يتفرقا ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله ( # ودلائل تحريم الحيل من الكتاب والسنة والاجماع والاعتبار كثيرة ذكرنا ~~منها نحوا من ثلاثين دليلا فيما كتبناه في ذلك وذكرنا ما يحتج به من يجوزها ~~كيمين أيوب وحديث تمر خيبر ومعاريض PageV29P029 السلف وذكرنا جواب ذلك # ومن ذرائع ذلك ( مسألة العينة ( وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يبتاعها ~~منه بأقل من ذلك فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين لأنها حيلة وقد روي أحمد ~~وابو داود باسنادين جيدين عن إبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ms8353 وسلم ~~( إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله ~~أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم ( وإن لم يتواطآ ~~فانهما يبطلان البيع الثانى سدا للذريعة ولو كانت عكس مسألة العينة من غير ~~تواطؤ ففيه روايتان عن أحمد وهو أن يبيعه حالا ثم يبتاع منه بأكثر مؤجلا ~~وأما مع التواطؤ فربا محتال عليه # ولو كان مقصود المشترى الدرهم وابتاع السلعة إلى أجل ليبيعها ويأخذ ثمنها ~~فهذا يسمى ( التورق ( ففي كراهته عن أحمد روايتان والكراهة قول عمر بن عبد ~~العزيز ومالك فيما أظن بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة أو غرضه الانتفاع ~~أو القنية فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق # ففي الجملة أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما ~~مراعين لمقصود الشريعة وأصولها وقولهم في ذلك هو PageV29P030 الذي يؤثر ~~مثله عن الصحابة وتدل عليه معاني الكتاب والسنة # وأما الغرر فأشد الناس فيه قولا أبو حنيفة والشافعي رضى الله عنهما أما ~~الشافعي فانه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من الفقهاء ~~مثل الحب والثمر في قشره الذي ليس بصوان كالباقلاء والجوز واللوز في قشره ~~الأخضر وكالحب في سنبله فإن القول الجديد عنده أن ذلك لا يجوز مع أنه قد ~~اشترى في مرض موته باقلاء أخضر فخرج ذلك له قولا واختاره طائفة من أصحابه ~~كأبى سعيد الاصطخري وروى عنه أنه ذكر له أن النبى صلى الله عليه وسلم ( نهى ~~عن بيع الحب حتى يشتد ( فدل على جواز بيعه بعد اشتداده وإن كان في سنبله ~~فقال إن صح هذا أخرجته من العام أو كلاما قريبا من هذا وكذلك ذكر أنه رجع ~~عن القول بالمنع # قال بن المنذر جواز ذلك هو قول مالك وأهل المدينة وعبيد الله بن الحسن ~~وأهل البصرة وأصحاب الحديث واصحاب الرأي وقال الشافعي مرة لا يجوز ثم بلغه ~~حديث بن عمر فرجع عنه وقال به قال بن المنذر ولا اعلم أحدا يعدل عن القول ~~به # وذكر بعض اصحابه له قولين ms8354 وأن الجواز هو القديم حتى منع PageV29P031 من ~~بيع الأعيان الغائبة بصفة وغير صفة متأولا أن بيع الغائب غرر وإن وصف حتى ~~اشترط فيما في الذمة كدين السلم من الصفات وضبطها ما لم يشترطه غيره ولهذا ~~يتعذر أو يتعسر على الناس المعاملة في العين والدين بمثل هذا القول وقاس ~~على بيع الغرر جميع العقود من التبرعات والمعاوضات فاشترط في أجرة الأجير ~~وفدية الخلع والكتابة وصلح أهل الهدنة وجزية أهل الذمة ما اشترطه في البيع ~~عينا ودينا ولم يجوز في ذلك جنسا وقدرا وصفة إلا ما يجوز مثله في البيع وإن ~~كانت هذه العقود لا تبطل بفساد اعواضها أو يشترط لها شروط أخر # وأما أبو حنيفة فانه يجوز بيع الباقلاء ونحوه في القشرين ويجوز إجارة ~~الأجير بطعامه وكسوته ويجوز أن تكون جهالة المهر كجهالة مهر المثل ويجوز ~~بيع الأعيان الغائبة بلا صفة مع الخيار لأنه يرى وقف العقود لكنه يحرم ~~المساقاة والمزارعة ونحوهما من المعاملات مطلقا والشافعي يجوز بيع بعض ذلك ~~ويحرم أيضا كثيرا من الشروط في البيع والاجارة والنكاح وغير ذلك مما يخالف ~~مطلق العقد # وابو حنيفة يجوز بعض ذلك ويجوز من الوكالات والشركات ما لا يجوزه الشافعي ~~حتى جوز شركة المفاوضة والوكالة بالمجهول المطلق PageV29P032 و قال الشافعي ~~إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فما أعلم شيئا باطلا # فبينهما في هذا الباب عموم وخصوص لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول ~~أبى حنيفة في ذلك # وأما مالك فمذهبه أحسن المذاهب في هذا فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما ~~تدعو إليه الحاجة أو يقل غرره بحيث يحتمل في العقود حتى يجوز بيع المقاثى ~~جملة وبيع المغيبات في الأرض كالجزر والفجل ونحو ذلك # واحمد قريب منه في ذلك فانه يجوز هذه الأشياء ويجوز على المنصوص عنه أن ~~يكون المهر عبدا مطلقا أو عبدا من عبيده ونحو ذلك مما لا تزيد جهالته على ~~مهر المثل وإن كان من أصحابه من يجوز المبهم دون المطلق كأبى الخطاب ومنهم ~~من يوافق الشافعي فلا يجوز في المهر ms8355 وفدية الخلع ونحوهما إلا ما يجوز في ~~المبيع كأبي بكر عبد العزيز ويجوز على المنصوص عنه في فدية الخلع أكثر من ~~ذلك حتى ما يجوز في الوصية وإن لم يجز في المهر كقول مالك مع اختلاف في ~~مذهبه ليس هذا موضعه لكن المنصوص عنه أنه لا يجوز بيع المغيب في الأرض ~~كالجزر ونحوه إلا اذا قلع وقال PageV29P033 هذا الغرر شيء ليس يراه كيف ~~يشتريه والمنصوص عنه أنه لا يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان ونحوه الا ~~لقطة لقطة ولا يباع من المقاثى والمباطخ إلا ما ظهر دون ما بطن ولا تباع ~~الرطبة إلا جزة جزة كقول أبى حنيفة والشافعي لأن ذلك غرر وهو بيع الثمرة ~~قبل بدو صلاحها # ثم اختلف أصحابه فأكثرهم أطلقوا ذلك في كل مغيب كالجزر والفجل والبصل وما ~~أشبه ذلك كقول الشافعي وأبى حنيفة # وقال الشيخ أبو محمد إذا كان مما يقصد فروعه وأصوله كالبصل المبيع أخضر ~~والكراث والفجل أو كان المقصود فروعه فالأولى جواز بيعه لأن المقصود منه ~~ظاهر فأشبه الشجر والحيطان ويدخل ما لم يظهر في المبيع تبعا وإن كان معظم ~~المقصود منه أصوله لم يجز بيعه في الأرض لأن الحكم للأغلب وإن تساويا لم ~~يجز أيضا لأن الأصل اعتبار الشرط وإنما سقط في الأقل التابع # وكلام أحمد يحتمل وجهين فإن أبا داود قال قلت لأحمد بيع الجزر في الأرض ~~قال لا يجوز بيعه إلا ما قلع منه هذا الغرر شيء ليس يراه كيف يشتريه فعلل ~~بعدم الرؤية فقد يقال إن لم ير كله لم يبع وقد يقال رؤية بعض المبيع تكفي ~~إذا دلت على الباقي PageV29P034 كرؤية وجه العبد # وكذلك اختلفوا في المقاثى إذا بيعت بأصولها كما هو العادة غالبا فقال قوم ~~من المتأخرين يجوز ذلك لأن بيع أصول الخضروات كبيع الشجر وإذا باع الشجرة ~~وعليها الثمر لم يبد صلاحه جاز فكذلك هذا وذكر أن هذا مذهب أبى حنيفة ~~والشافعي # وقال المتقدمون لا يجوز بحال وهو معني كلامه ومنصوصه وهو إنما نهى عما ~~يعتاده الناس وليست ms8356 العادة جارية في البطيخ والقثاء والخيار أن يباع دون ~~عروقه والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع عنده فإن المنصوص عنه في رواية الأثرم ~~وابراهيم بن الحارث في الشجر الذي عليه ثمر لم يبد صلاحه أنه إن كان الأصل ~~هو مقصوده الأعظم جاز وأما إن كان مقصوده الثمرة فاشترى الأصل معها حيلة لم ~~يجز وكذلك إذا اشتري أرضا وفيها زرع أو شجر مثمر لم يبد صلاحه فإن كانت ~~الأرض هي المقصود جاز دخول الثمر والزرع معها تبعا وإن كان المقصود هو ~~الثمر والزرع فاشترى الأرض لذلك لم يجز وإذا كان هذا قوله في ثمرة الشجر ~~فمعلوم أن المقصود من المقاثى والمباطخ إنما هو الخضروات دون الأصول التى ~~ليس لها إلا قيمة يسيرة بالنسبة إلى الخضر # وقد خرج بن عقيل وغيره فيها وجهين PageV29P035 أحدهما كما في جواز بيع ~~المغيبات بناء على إحدى الروايتين عنه في بيع ما لم يره ولا شك أنه ظاهر ~~فإن المنع إنما يكون على قولنا لا يصح بيع ما لم يره فإذا صححنا بيع الغائب ~~فهذا من الغائب # والثانى أنه يجوز بيعها مطلقا كمذهب مالك إلحاقا لها بلب الجوز وهذا ~~القول هو قياس أصول أحمد وغيره لوجهين # أحدهما أن أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ~~ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه والمرجع في كل شيء إلى ~~الصالحين من أهل الخبرة به وهم يقرون بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما يعرف ~~غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأولى # الثانى أن هذا مما تمس حاجة الناس إلى بيعه فإنه إذا لم يبع حتى يقلع حصل ~~على أصحابه ضرر عظيم فإنه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة فيه وإن ~~قلعوه جملة فسد بالقلع فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما في قشره ~~الأخضر # وأحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة ~~لحاجة المشترى إلى أكل الرطب أو البائع إلى أكل التمر فحاجة البائع هنا ~~أوكد بكثير وسنقرر ذلك إن شاء الله تعالى PageV29P036 # وكذلك ms8357 قياس أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث جواز بيع المقاثى باطنها ~~وظاهرها وإن اشتمل ذلك على بيع معدوم إذا بدا صلاحها كما يجوز بالاتفاق إذا ~~بدا صلاح بعض نخلة أو شجرة أن يباع جميع ثمرها وإن كان فيها ما لم يصلح بعد # وغاية ما اعتذروا به عن خروج هذا من القياس ان قالوا إنه لا يمكن إفراد ~~البيع لذلك من نخلة واحدة لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت بغيرها في يوم ~~واحد لأن البسرة تصفر في يومها وهذا بعينه موجود في المقثاة # وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي وأحمد عن بيع المعدوم تبعا بأن ما يحدث من ~~الزيادة في الثمرة بعد العقد ليس بتابع للموجود وإنما يكون ذلك للمشتري ~~لأنه موجود في ملكه # والجمهور من الطائفتين يعلمون فساد هذا العذر لأنه يجب على البائع سقي ~~الثمرة ويستحق إبقاءها على الشجر بمطلق العقد ولو لم يستحق الزيادة بالعقد ~~لما وجب على البائع ما به يوجد فإن الواجب على البائع بحكم البيع توفية ~~المبيع الذي أوجبه العقد لا ما كان من موجبات الملك # وأيضا فإن الرواية اختلفت عن أحمد إذا بدا الصلاح في PageV29P037 حديقة ~~من الحدائق هل يجوز بيع جميعها أم لا يباع إلا ما صلح منها على روايتين # أشهرهما عنه أنه لا يباع إلا ما بدا صلاحه وهي اختيار قدماء أصحابه كأبى ~~بكر وبن شاقلاء # والرواية الثانية يكون بدو الصلاح في البعض صلاحا للجميع وهي اختيار أكثر ~~أصحابه كابن حامد والقاضي ومن تبعهما # ثم المنصوص عنه في هذه الرواية أنه قال إذا كان في بستان بعضه بالغ وبعضه ~~غير بالغ بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ فمنهم من فرق بين صلاح القليل ~~والكثير كالقاضى أخيرا وابى حكيم النهرواني وأبي البركات وغيرهم ممن قصر ~~الحكم بما إذا غلب الصلاح ومنهم من سوى بين الصلاح القليل والكثير كأبى ~~الخطاب وجماعات وهو قول مالك والشافعي والليث وزاد مالك فقال يكون صلاحا ~~لما جاوره من الأقرحة وحكوا ذلك رواية عن أحمد # واختلف هؤلاء هل يكون صلاح ms8358 النوع كالبرنى من الرطب صلاحا لسائر أنواع ~~الرطب على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد أحدهما المنع وهو قول القاضي وبن ~~عقيل وأبى محمد والثانى الجواز وهو قول أبى الخطاب وزاد الليث على هؤلاء ~~فقال PageV29P038 صلاح الجنس كالتفاح واللوز يكون صلاحا لسائر أجناس الثمار # ومأخذ من جوز شيئا من ذلك أن الحاجة تدعو إلى ذلك فإن بيع بعض ذلك دون ~~بعض يفضي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدى وهذه علة من فرق بين البستان ~~الواحد والبساتين ومن سوى بينهما قال المقصود الأمن من العاهة وذلك يحصل ~~بشروع الثمر في الصلاح # ومأخذ من منع ذلك أن قول النبى صلى الله عليه وسلم ( حتى يبدو صلاحها ( ~~يقتضي بدو صلاح الجميع # والغرض من هذه المذاهب أن من جوز بيع البستان من الجنس الواحد لبدو ~~الصلاح في بعضه فقياس قوله جواز بيع المقثاة إذا بدا صلاح بعضها والمعدوم ~~هنا فيها كالمعدوم من أجزاء الثمرة فإن الحاجة تدعو إلى ذلك أكثر إذ تفريق ~~الأشجار في البيع أيسر من تفريق البطيخات والقثاءات والخيارات وتمييز ~~اللقطة عن اللقطة لو لم يشق فانه امر لا ينضبط فإن إجتهاد الناس في ذلك ~~متفاوت # والغرض من هذا أن أصول أحمد تقتضى موافقة مالك في هذه المسائل كما قد روي ~~عنه في بعض الجوابات أو قد خرجه اصحابه على أصوله PageV29P039 # وكما أن العالم من الصحابة والتابعين والأئمة كثيرا ما يكون له في ~~المسألة الواحدة قولان في وقتين فكذلك يكون له في النوع الواحد من المسائل ~~قولان في وقتين فيجيب في بعض أفرادها بجواب في وقت ويجيب في بعض الأفراد ~~بجواب آخر في وقت آخر وإذا كانت الأفراد مستوية وكان له فيها قولان فإن لم ~~يكن بينهما فرق يذهب إليه مجتهد فقوله فيها واحد بلا خلاف وإن كان مما قد ~~يذهب إليه مجتهد فقالت طائفة منهم أبو الخطاب لا يخرج وقال الجمهور كالقاضي ~~أبى يعلى يخرج الجواب اذا لم يكن هو ممن يذهب إلى الفرق كما اقتضته أصوله ~~ومن هؤلاء من يخرج الجواب اذا ms8359 رآهما مستويين وإن لم يعلم هل هو ممن يفرق أم ~~لا وإن فرق بين بعض الأفراد وبعض مستحضرا لهما # فإن كان سبب الفرق مأخذا شرعيا كان الفرق قولا له وإن كان سبب الفرق ~~مأخذا عاديا أو حسيا ونحو ذلك مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء ~~الذين لم يباشروا ذلك فهذا في الحقيقة لا يفرق بينهما شرعا وإنما هو أمر من ~~أمر الدنيا لم يعلمه العالم فإن العلماء ورثة الأنبياء وقد قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( أنتم أعلم بأمر دنياكم فأما ما كان من أمر دينكم فالي ( # وهذا الاختلاف في عين المسألة أو نوعها من العلم قد يسمى تناقضا ~~PageV29P040 أيضا لأن التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والاثبات فإذا كان في ~~وقت قد قال إن هذا حرام وقال في وقت آخر فيه أو في مثله إنه ليس بحرام أو ~~قال ما يستلزم أنه ليس بحرام فقد تناقض قولاه وهو مصيب في كليهما عند من ~~يقول إن كل مجتهد مصيب وأنه ليس لله في الباطن حكم على المجتهد غير ما ~~اعتقده # وأما الجمهور الذين يقولون إن لله حكما في الباطن علمه العالم في إحدى ~~المقالتين ولم يعلمه في المقالة التى تناقضها وعدم علمه به مع اجتهاده ~~مغفور له مع ما يثاب عليه من قصده للحق واجتهاده في طلبه ولهذا يشبه بعضهم ~~تعارض الاجتهادات من العلماء بالناسخ والمنسوخ في شرائع الأنبياء مع الفرق ~~بينهما بأن كل واحد من الناسخ والمنسوخ ثابت بخطاب حكم الله باطنا وظاهرا ~~بخلاف أحد قولي العالم المتناقضين # هذا فيمن يتقي الله فيما يقوله مع علمه بتقواه وسلوكه الطريق الراشد # وأما أهل الأهواء والخصومات فهم مذمومون في مناقضاتهم لانهم يتكلمون بغير ~~علم ولا حسن قصد لما يجب قصده # وعلى هذا فلازم قول الانسان نوعان PageV29P041 أحدهما لازم قوله الحق ~~فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه فان لازم الحق حق ويجوز أن يضاف إليه إذا علم ~~من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره وكثير مما يضيفه الناس إلى ms8360 مذهب ~~الأئمة من هذا الباب # والثانى لازم قوله الذي ليس بحق فهذا لا يجب التزامه إذ أكثر ما فيه أنه ~~قد تناقض وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين ثم ان عرف من ~~حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه ~~قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه لكونه قد قال ما يلزمه وهو لا يشعر بفساد ~~ذلك القول ولا يلزمه # وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب هل هو مذهب أو ليس بمذهب هو ~~أجود من إطلاق أحدهما فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو ~~قوله وما لا يرضاه فليس قوله وإن كان متناقضا وهو الفرق بين اللازم الذي ~~يجب التزامه مع ملزوم اللازم الذي يجب ترك الملزوم للزومه فاذا عرف هذا عرف ~~الفرق بين الواجب من المقالات والواقع منها وهذا متوجه في اللوازم التى لم ~~يصرح هو بعدم لزومها # فأما إذا نفي هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال وإلا ~~PageV29P042 لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قاله لكونه ملتزما لرسالته فلما لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول وإن كان ~~لازما له ظهر الفرق بين اللازم الذي لم ينفه واللازم الذي نفاه ولا يلزم من ~~كونه نص على الحكم نفيه للزوم ما يلزمه لأنه قد يكون عن اجتهادين في وقتين # وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء مع وجود الاختلاف في قول كل منهما ~~أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد وهو مأمور في الظاهر ~~باعتقاد ما قام عنده دليله وإن لم يكن مطابقا لكن اعتقادا ليس بيقينى كما ~~يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل وإن كانا في الباطن قد أخطآ أو كذبا ~~وكما يؤمر المفتى بتصديق المخبر العدل الضابط أو باتباع الظاهر فيعتقد ما ~~دل عليه ذلك وإن لم يكن ذلك الإعتقاد مطابقا فالاعتقاد المطلوب هو الذي ~~يغلب على الظن مما ms8361 يؤمر به العباد وإن كان قد يكون غير مطابق وإن لم يكونوا ~~مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط # فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين مع قصده للحق ~~واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة عذر بما لم يعلمه وهو الخطأ ~~المرفوع عنا بخلاف أصحاب الأهواء فانهم ( إن يتبعون الا الظن وما تهوى ~~الأنفس ( ويجزمون بما يقولونه بالظن والهوى PageV29P043 جزما لا يقبل ~~النقيض مع عدم العلم بجزمه فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده لا باطنا ولا ~~ظاهرا ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده ويجتهدون اجتهادا لم يؤمروا به فلم يصدر ~~عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه فكانوا ظالمين شبيها ~~بالمغضوب عليهم أو جاهلين شبيها بالضالين # فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق وقد سلك طريقه وأما ~~متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عنه # وثم قسم آخر وهو غالب الناس وهو أن يكون له هوى فيه شبهة فتجتمع الشهوة ~~والشبهة ولهذا جاء في حديث مرسل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ان ~~الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول ~~الشهوات ( # فالمجتهد المحض مغفور له ومأجور وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب وأما ~~المجتهد الاجتهاد المركب من شبهة وهوى فهو مسيء وهم في ذلك على درجات بحسب ~~ما يغلب وبحسب الحسنات الماحية PageV29P044 # وأكثر المتأخرين من المنتسبين إلى فقه أو تصوف مبتلون بذلك # وهذا القول الذي دلت عليه أصول مالك وأصول أحمد وبعض أصول غيرهما هو أصح ~~الأقوال وعليه يدل غالب معاملات السلف ولا يستقيم أمر الناس في معاشهم إلا ~~به وكل من توسع في تحريم ما يعتقده غررا فانه لابد أن يضطر إلى إجازة ما ~~حرمه الله فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة وإما أن يحتال ~~وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم فما رأينا أحدا التزم مذهبه في تحريم هذه ~~المسائل ولا يمكنه ذلك ونحن نعلم قطعا أن مفسدة التحريم لا تزول بالحيلة ~~التى ms8362 يذكرونها فمن المحال أن يحرم الشارع علينا أمرا نحن محتاجون إليه ثم ~~لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها وإنما هي من جنس اللعب # ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين إما ذنوب جوزوا ~~عليها بتضييق في أمورهم فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل فلم تزدهم ~~الحيل إلا بلاء كما جرى لأصحاب السبت من اليهود كما قال تعالى @QB@ فبظلم ~~من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ وهذا الذنب ذنب عملي وإما ~~مبالغة في التشديد لما اعتقدوه من تحريم الشارع فاضطرهم هذا الإعتقاد إلى ~~الاستحلال بالحيل وهذا من خطأ الاجتهاد وإلا فمن اتقي الله وأخذ ما أحل ~~PageV29P045 له وأدى ما وجب عليه فإن الله لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة ~~أبدا فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج وإنما بعث نبينا صلى الله ~~عليه وسلم بالحنيفية السمحة فالسبب الأول هو الظلم والسبب الثانى هو عدم ~~العلم والظلم والجهل هما وصف للانسان المذكور في قوله @QB@ وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا @QE@ # وأصل هذا أن الله سبحانه إنما حرم علينا المحرمات من الأعيان كالدم ~~والميتة ولحم الخنزير أو من التصرفات كالميسر والربا وما يدخل فيهما من ~~بيوع الغرر وغيره لما في ذلك من المفاسد التى نبه الله عليها ورسوله بقوله ~~سبحانه @QB@ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون @QE@ فأخبر سبحانه ~~أن الميسر يوقع العداوة والبغضاء سواء كان ميسرا بالمال أو باللعب فإن ~~المغالبة بلا فائدة وأخذ المال بلا حق يوقع في النفوس ذلك # وكذلك روى فقيه المدينة من الصحابة زيد بن ثابت رضي الله عنه قال ( كان ~~الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار فإذا جد الناس ~~وحضر تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب الثمر دمان أصابه مراض أصابه قشام عاهات ~~يحتجون بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة في ~~ذلك فأما لا فلا تبايعوا ms8363 حتى يبدو PageV29P046 صلاح الثمر كالمشورة لهم ~~يشير بها لكثرة خصومتهم واختلافهم ( وذكر خارجة بن زيد ( ان زيدا لم يكن ~~يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأحمر من الأصفر ( رواه البخاري ~~تعليقا وابو داود إلى قوله ( خصومتهم ( وروي أحمد في المسند عنه قال ( قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو ~~صلاحها فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة فقال ما هذا فقيل له إن ~~هؤلاء ابتاعوا الثمار يقولون أصابها الدمان والقشام فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( فلا تبايعوها حتى يبدو صلاحها ( # فقد أخبر أن سبب نهي النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك ما أفضت إليه من ~~الخصام وهكذا بيوع الغرر وقد ثبت نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها في ~~الصحيحين من حديث بن عمر وبن عباس وجابر وأنس وفي مسلم من حديث أبى هريرة ~~وفى حديث أنس تعليله ففي الصحيحين عن أنس ( أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهى قيل وما تزهى قال حتى تحمر أو تصفر فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال ~~أخيه ( وفي رواية ( أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يزهو ~~فقلنا لأنس ما زهوها قال تحمر PageV29P047 أو تصفر أرأيت إن منع الله ~~الثمرة بم تستحل مال أخيك ( قال أبو مسعود الدمشقي جعل مالك والدراوردي قول ~~أنس ( أرأيت إن منع الله الثمرة ( من حديث النبى صلى الله عليه وسلم أدرجاه ~~فيه ويرون أنه غلط # فهذا التعليل سواء كان من كلام النبى صلى الله عليه وسلم أو كلام أنس فيه ~~بيان أن في ذلك أكلا للمال بالباطل حيث أخذه في عقد معاوضة بلا عوض مضمون # وإذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء وأكل الأموال ~~بالباطل فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها كما ~~أن السباق بالخيل والسهام والابل لما كان ms8364 فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض وإن ~~لم يجز غيره بعوض وكما أن اللهو الذي يلهو به الرجل اذا لم يكن فيه منفعة ~~فهو باطل وإن كان فيه منفعة وهو ما ذكره النبى صلى الله عليه وسلم بقوله ( ~~كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته ~~امرأته فانهن من الحق ( صار هذا اللهو حقا # ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف ~~فيها من تباغض وأكل مال بالباطل لأن الغرر فيها PageV29P048 يسير كما تقدم ~~والحاجة إليها ماسة والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر والشريعة جميعها ~~مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم اذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم ~~فكيف إذا كانت المفسدة منتفية ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر ~~بعد البيع على الشجر إلى كمال الصلاح أباح الشرع ذلك وقاله جمهور العلماء ~~كما سنقرر قاعدته إن شاء الله تعالى # ولهذا كان مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث انها إذا تلفت بعد البيع ~~بجائحة كانت من ضمان البائع كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة ~~فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال اخيك بغير حق ( وفى رواية لمسلم ~~عنه ( أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم بوضع الجوائح ( # والشافعي رضي الله عنه لما لم يبلغه هذا الحديث وإنما بلغه حديث لسفيان ~~بن عيينة فيه اضطراب أخذ في ذلك بقول الكوفيين إنها تكون من ضمان المشتري ~~لأنه مبيع قد تلف بعد القبض لأن التخلية بين المشتري وبينه قبض وهذا على ~~أصل الكوفيين أمشى لأن المشتري لا يملك إبقاءه على الشجر وإنما موجب العقد ~~عندهم القبض الناجز بكل حال وهو طرد لقياس سنذكر أصله وضعفه مع PageV29P049 ~~أن مصلحة بني آدم لا تقوم على ذلك مع انى لا أعلم عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم سنة صريحة بأن المبيع التالف قبل التمكن من القبض ms8365 يكون من مال البائع ~~وينفسخ العقد بتلفه إلا حديث الجوائح هذا ولو لم يكن فيه سنة لكان الاعتبار ~~الصحيح يوافقه وهو ما نبه عليه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله ( بم يأخذ ~~أحدكم مال أخيه بغير حق ( فإن المشتري للثمرة إنما يتمكن من جذاذها عند ~~كمالها ونضجها لاعند العقد كما أن المستأجر إنما يتمكن من استيفاء المنفعة ~~شيئا فشيئا فتلف الثمرة قبل التمكن من الجذاذ كتلف العين المؤجرة قبل ~~التمكن من استيفاء المنفعة وفى الاجارة يتلف من ضمان المؤجر بالاتفاق فكذلك ~~في البيع # وابو حنيفة يفرق بينهما بأن المستأجر لم يملك المنفعة وأن المشتري لم ~~يملك الابقاء وهذا الفرق لا يقول به الشافعي وسنذكر أصله # فلما كان النبى صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها وفي ~~لفظ لمسلم عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تبايعوا ~~الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة ( وفى لفظ لمسلم عنه ( نهي عن بيع ~~النخل حتى تزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري ( ~~وفي سنن أبى داود عن أبى هريرة رضي الله عنه قال ( نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض PageV29P050 # فمعلوم أن العلة ليست كونه كان معدوما فانه بعد بدو صلاحه وأمنه العاهة ~~يزيد أجزاء لم تكن موجودة وقت العقد وليس المقصود الأمن من العاهات النادرة ~~فإن هذا لا سبيل إليه اذ قد يصيبها ما ذكره الله عن أهل الجنة الذين ( ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون ( وما ذكره في ( سورة يونس ( في قوله ( ~~حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ~~ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ( وإنما المقصود ذهاب ~~العاهة التى يتكرر وجودها وهذه انما تصيب الزرع قبل اشتداد الحب وقبل ظهور ~~النضج في الثمر إذ العاهة بعد ذلك نادرة بالنسبة إلى ما قبله ولأنه لو منع ~~بيعه بعد هذه الغاية لم يكن له ms8366 وقت يجوز بيعه إلى حين كمال الصلاح وبيع ~~الثمر على الشجر بعد كمال صلاحه متعذر لأنه لا يكمل جملة واحدة وإيجاب قطعه ~~على مالكه فيه ضرر مرب على ضرر الغرر # فتبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مصلحة جواز البيع الذي يحتاج ~~إليه على مفسدة الغرر اليسير كما تقتضيه أصول الحكمة التى بعث بها صلى الله ~~عليه وسلم وعلمها أمته # ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه غير ناظر إلى ما يعارض علته من المانع ~~الراجح أفسد كثيرا من أمر الدين وضاق عليه عقله ودينه PageV29P051 # وأيضا ففي صحيح مسلم عن أبى رافع ( أن رسول الله صلي الله عليه وسلم ~~استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي ~~الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال لم أجد فيها الا خيارا رباعيا فقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم أعطه إياه فان خيار الناس أحسنهم قضاء ( ففي هذا ~~دليل على جواز الاستسلاف فيما سوى المكيل والموزون من الحيوان ونحوه كما ~~عليه فقهاء الحجاز والحديث خلافا لمن قال من الكوفيين لا يجوز ذلك لأن ~~القرض موجبه رد المثل والحيوان ليس بمثلي وبناء على أن ما سوى المكيل ~~والموزون لا يثبت في الذمة عوضا عن مال وفيه دليل على أنه يثبت مثل الحيوان ~~تقريبا في الذمة كما هو المشهور من مذاهبهم خلافا للكوفيين ووجه في مذهب ~~أحمد أنه يثبت بالقيمة # وهذا دليل على أن المعتبر في معرفة المعقود عليه هو التقريب وإلا فيعز ~~وجود حيوان مثل ذلك الحيوان لا سيما عند القائلين بأن الحيوان ليس بمثلي ~~وأنه مضمون في الغصب والاتلاف بالقيمة # وأيضا فقد اختلف الفقهاء في تأجيل الديون إلى الحصاد والجذاذ وفيه ~~روايتان عن أحمد إحداهما يجوز كقول مالك وحديث جابر الذي في الصحيح يدل ~~عليه PageV29P052 # وأيضا فقد دل الكتاب في قوله تعالى ( لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما ~~لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ( والسنة في حديث بروع بنت واشق وإجماع ~~العلماء على ms8367 جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق وتستحق مهر المثل إذا دخل بها ~~باجماعهم واذا مات عند فقهاء الحديث وأهل الكوفة المتبعين لحديث بروع بنت ~~واشق وهو أحد قولي الشافعي ومعلوم أن مهر المثل متقارب لا محدود فلو كان ~~التحديد معتبرا في المهر ما جاز النكاح بدونه وكما رواه أحمد في المسند عن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~استئجار الأجير حتى يبين له أجره وعن بيع اللمس والنجش والقاء الحجر ( فمضت ~~الشريعة بجواز النكاح قبل فرض المهر وأن الاجارة لا تجوز إلا مع تبيين ~~الأجر فدل على الفرق بينهما # وسببه أن المعقود عليه في النكاح وهو منافع البضع غير محدودة بل المرجع ~~فيها إلى العرف فكذلك عوضه الآخر لأن المهر ليس هو المقصود وانما هو نحلة ~~تابعة فاشبه الثمر التابع للشجر في البيع قبل بدو صلاحه وكذلك لما قدم وفد ~~هوازن على النبى صلى الله عليه وسلم وخيرهم بين السبي وبين المال فاختاروا ~~السبي وقال لهم ( إنى قائم فخاطب الناس فقولوا انا نستشفع برسول الله صلى ~~PageV29P053 الله عليه وسلم على المسلمين ونستشفع بالمسلمين على رسول الله ~~وقام فخطب الناس فقال إنى قد رددت على هؤلاء سبيهم فمن شاء طيب ذلك ومن شاء ~~فانا نعطيه عن كل رأس عشر قلائص من أول ما يفيء الله علينا ( فهذا معاوضة ~~عن الاعتاق كعوض الكتابة بابل مطلقة في الذمة إلى أجل متفاوت غير محدود # وقد روى البخاري عن بن عمر في حديث خيبر ( أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على ~~أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء ~~والبيضاء والحلقة وهي السلاح ويخرجون منها واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا ~~يغيبوا شيئا فان فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد ( فهذا مصالحة على مال متميز ~~غير معلوم # وعن بن عباس قال ( صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران ms8368 على ألفي ~~حلة النصف في صفر والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعا ~~وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها ~~والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غارة ( رواه ~~أبو داود فهذا مصالحة على ثياب مطلقة معلومة PageV29P054 الجنس غير موصوفة ~~بصفات السلم وكذلك كل عارية خيل وإبل وأنواع من السلاح مطلقة غير موصوفة ~~عند شرط قد يكون وقد لا يكون # فظهر بهذه النصوص أن العوض عما ليس بمال كالصداق والكتابة والفدية في ~~الخلع والصلح عن القصاص والجزية والصلح مع أهل الحرب ليس بواجب أن يعلم ~~الثمن والأجرة ولا يقاس على بيع الغرر كل عقد على غرر لأن الأموال إما أنها ~~لا تجب في هذه العقود أو ليست هي المقصود الأعظم منها وما ليس هو المقصود ~~إذا وقع فيه غرر لم يفض إلى المفسدة المذكورة في البيع بل يكون إيجاب ~~التحديد في ذلك فيه من العسر والحرج المنفى شرعا ما يزيد على ضرر ترك ~~تحديده ### ||| فصل # ومما تمس الحاجة إليه من فروع هذه القاعدة ومن مسائل بيع الثمر قبل بدو ~~صلاحه ما قد عمت به البلوى في كثير من بلاد الاسلام أو أكثرها لا سيما دمشق ~~وذلك أن الأرض تكون مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع وربما اشتملت مع ذلك ~~على مساكن PageV29P055 فيريد صاحبها أن يؤاجرها لمن يسقيها ويزرعها أو ~~يسكنها مع ذلك فهذا إذا كان فيها أرض وغراس مما اختلف الفقهاء فيه على ~~ثلاثة أقوال # أحدها أن ذلك لا يجوز بحال وهو قول الكوفيين والشافعي وهو المشهور من ~~مذهب أحمد عند أكثر أصحابه # والقول الثانى يجوز اذا كان الشجر قليلا وكان البياض الثلثين أو أكثر ~~وكذلك إذا استكرى دارا فيها نخلات قليلة أو شجرات عنب ونحو ذلك وهذا قول ~~مالك وعن أحمد كالقولين قال الكرمانى قيل لأحمد الرجل يستأجر الأرض فيها ~~نخلات قال أخاف أن يكون استأجر شجرا لم يثمر وكأنه لم يعجبه أظنه إذا أراد ~~الشجر فلم ms8369 أفهم عن أحمد أكثر من هذا # وقد تقدم عنه فيما إذا باع ربويا بجنسه معه من غير جنسه إذا كان المقصود ~~الأكبر هو غير الجنس كشاة ذات صوف أو لبن بصوف أو لبن روايتان وأكثر أصوله ~~على الجواز كقول مالك فإنه يقول إذا ابتاع عبدا وله مال وكان مقصوده العبد ~~جاز وإن كان المال مجهولا أو من جنس الثمن # ولأنه يقول اذا إبتاع أرضا أو شجرا فيها ثمر أو زرع لم يدرك يجوز اذا كان ~~مقصوده PageV29P056 الأرض والشجر # وهذا في البيع نظير مسألتنا في الاجارة فإن ابتياع الأرض بمنزلة اشترائها ~~واشتراء النخل ودخول الثمرة التى لم تأمن العاهة في البيع تبعا للأصل ~~بمنزلة دخول ثمر النخلات والعنب في الاجارة تبعا # وحجه الفريقين في المنع ما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم من نهيه عن ~~بيع السنين وبيع الثمر حتى يبدو صلاحه كما أخرجاه في الصحيحين عن بن عمر ( ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهي ~~البائع والمبتاع ( وفيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال ( نهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع الثمرة حتى تشقح قيل وما تشقح قال تحمار ~~أو تصفار ويؤكل منها ( وفى رواية لمسلم أن هذا التفسير من كلام سعيد بن ~~المثنى المحدث عن جابر # وفى الصحيحين عن جابر قال ( نهي النبى صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة ~~والمزابنة والمعاومة والمخابرة ( وفى رواية لهما ( وعن بيع السنين ( بدل ( ~~المعاومة ( وفيهما أيضا عن زيد بن أبى أنيسة عن عطاء عن جابر ( أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وأن يشتري ~~النخل حتى يشقه والاشقاه PageV29P057 أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء ~~والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم والمزابنة أن يباع النخل ~~بأوساق من التمر والمخابرة الثلث أو الربع وأشباه ذلك قال زيد قلت لعطاء ~~اسمعت جابرا يذكر هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم قال نعم ( وفيهما عن ms8370 أبي ~~البختري قال سألت بن عباس عن بيع النخل فقال ( نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل وحتى يوزن فقلت ما يوزن فقال رجل ~~عنده حتى يحرز ( وفى صحيح مسلم عن ابى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( ولا تتبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها ولا ~~تتابعوا التمر بالتمر ( # وقال بن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع ثمر النخل سنين لا يجوز قالوا ~~فإذا أكراه الأرض والشجر فقد باعه الثمر قبل أن يخلق وباعه سنة أو سنتين ~~وهذا هو الذي نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم ثم من منع منه مطلقا طرد ~~العموم والقياس ومن جوزه إذا كان قليلا قال الغرر اليسير يحتمل في العقود ~~كما لو ابتاع النخل وعليها ثمر لم يؤبر أو أبر ولم يبد صلاحه فإنه يجوز وإن ~~لم يجز إفراده بالعقد # وهذا متوجه جدا على أصل الشافعي واحمد وغيرهما من فقهاء PageV29P058 ~~الحديث ولكن لا يتوجه على أصل أبى حنيفة لأنه لا يجوز ابتياع الثمر بشرط ~~البقاء ويجوز ابتياعه قبل بدو صلاحه وموجب العقد القطع في الحال فاذا ~~ابتاعه مع الأصل فانما استحق إبقاءه لأن الأصل ملكه وسنتكلم إن شاء الله ~~على هذا الأصل # وذكر أبو عبيد أن المنع من إجارة الأرض التى فيها شجر كثير إجماع # والقول الثالث أنه يجوز استئجار الأرض التى فيها شجر ودخول الشجر في ~~الاجارة مطلقا وهذا قول بن عقيل وإليه مال حرب الكرمانى وهذا القول ~~كالاجماع من السلف وإن كان المشهور عن الأئمة المتبوعين خلافه فقد روي سعيد ~~بن منصور ورواه عنه حرب الكرمانى في مسائله قال حدثنا عباد بن عباد عن هشام ~~بن عروة عن أبيه ( أن أسيد بن حضير توفي وعليه ستة الاف درهم فدعا عمر ~~غرماءه فقبلهم ارضه سنين وفيها النخل والشجر ( # وأيضا فإن عمر بن الخطاب ضرب الخراج على أرض السواد وغيرها فأقر الأرض ~~التى فيها النخل والعنب في أيدي أهل الأرض ms8371 وجعل على كل جريب من أجربة الأرض ~~السوداء والبيضاء خراجا PageV29P059 مقدرا والمشهور أنه جعل على جريب العنب ~~عشرة دراهم وعلى جريب النخل ثمانية دراهم وعلى جريب الرطبة ستة دراهم وعلى ~~جريب الزرع درهما وقفيزا من طعام # والمشهور عند مالك والشافعي وأحمد أن هذه المخارجة تجرى مجرى المؤاجرة ~~وإنما لم يؤقته لعموم المصلحة وأن الخراج أجرة الأرض فهذا بعينه إجارة ~~الأرض السوداء التى فيها شجر وهو مما أجمع عليه عمر والمسلمون في زمانه ~~وبعده ولهذا تعجب أبو عبيد في ( كتاب الأموال ( من هذا فرأى أن هذه ~~المعاملة تخالف ما علمه من مذاهب الفقهاء # وحجة بن عقيل أن إجارة الأرض جائزة والحاجة إليها داعية ولا يمكن إجارتها ~~إذا كان فيها شجر إلا # بإجارة الشجر وما لا يتم الجائز إلا به فهو جائز لأن المستأجر لا يتبرع ~~بسقى الشجر وقد لا يساقى عليها # وهذا كما أن مالكا والشافعي كان القياس عندهما أنه لا تجوز المزارعة فإذا ~~ساقى العامل على شجر فيها بياض جوزا المزارعة في ذلك البياض تبعا للمساقاة ~~فيجوزه مالك إذا كان دون الثلث كما قال في بيع الشجر تبعا للأرض وكذلك ~~الشافعي يجوزه إذا كان البياض قليلا PageV29P060 لا يمكن سقي النخل إلا ~~بسقيه وإن كان كثيرا والنخل قليلا ففيه لأصحابه وجهان # هذا إذا جمع بينهما في عقد واحد وسوى بينهما في الجزء المشروط كالثلث أو ~~الربع فأما إن فاضل بين الجزأين ففيه وجهان لأصحابه وكذلك إن فرق بينهما في ~~عقدين وقدم المساقاة ففيه وجهان فأما إن قدم المزارعة لم تصح المزارعة وجها ~~واحدا # فقد جوز المزارعة التى لا تجوز عندهما تبعا للمساقاة فكذلك يجوز إجارة ~~الشجر تبعا لاجارة الأرض # وقول بن عقيل هو قياس أحد وجهي أصحاب الشافعي بلا شك ولأن المانعين من ~~هذا هم بين محتال على جوازه أو مرتكب لما يظن أنه حرام أو ضار ومتضرر فإن ~~الكوفيين احتالوا على الجواز تارة بأن يؤجر الأرض فقط ويبيحه ثمر الشجر كما ~~يقولون في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها يبيعه إياها ms8372 مطلقا أو بشرط القطع ~~بجميع الأجرة ويبيحه إبقاءها وهذه الحيلة منقولة عن أبى حنيفة والثوري ~~وغيرهما وتارة بأن يكريه الأرض بجميع الأجرة ويساقيه على الشجر بالمحاباة ~~مثل أن يساقيه على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك # وهذه الحيلة إنما يجوزها من يجوز المساقاة كأبى يوسف ومحمد PageV29P061 و ~~الشافعي في القديم فأما أبو حنيفة فلا يجوزها بحال وكذلك الشافعي إنما ~~يجوزها في الجديد في النخل والعنب فقد اضطروا في هذه المعاملة إلى أن تسمي ~~الأجرة في مقابلة منفعة الأرض ويتبرع له إما باعراء الشجر وإما بالمحاباة ~~في مساقاتها # ولفرط الحاجة إلى هذه المعاملة ذكر بعض من صنف في إبطال الحيل من أصحاب ~~الامام أحمد هذه الحيلة فيما يجوز من الحيل أعنى حيلة المحاباة في المساقاة ~~والمنصوص عن أحمد وأكثر أصحابه إبطال هذه الحيلة بعينها كمذهب مالك وغيره # والمنع من هذه الحيل هو الصحيح قطعا لما روى عبد الله بن عمر أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال ( لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم ~~يضمن ولا بيع ما ليس عندك ( رواه الأئمة الخمسة أحمد وأبو داود والنسائي ~~والترمذي وبن ماجه وقال الترمذي حديث حسن صحيح فنهى صلى الله عليه وسلم عن ~~أن يجمع بين سلف وبيع فإذا جمع بين سلف وإجارة فهو جمع بين سلف وبيع أو ~~مثله وكل تبرع يجمعه إلى البيع والاجارة مثل الهبة والعارية والعرية ~~والمحاباة في المساقاة والمزارعة وغير ذلك هي مثل القرض # فجماع معنى الحديث أن لا يجمع بين معاوضة وتبرع لأن ذلك PageV29P062 ~~التبرع إنما كان لأجل المعاوضة لا تبرعا مطلقا فيصير جزءا من العوض فاذا ~~اتفقا على أنه ليس بعوض جمعا بين أمرين متنافيين فإن من أقرض رجلا ألف درهم ~~وباعه سلعة تساوى خمسمائة بألف لم يرض بالاقراض إلا بالثمن الزائد للسلعة ~~والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التى اقترضها فلا ~~هذا باع بيعا بألف ولا هذا أقرض قرضا محضا بل الحقيقة أنه أعطاه الألف ms8373 ~~والسلعة بألفين فهي مسألة ( مد عجوة ( فإذا كان المقصود أخذ ألف بأكثر من ~~ألف حرم بلا تردد وإلا خرج على الخلاف المعروف وهكذا من اكترى الأرض التى ~~تساوى مائة بألف وأعراه الشجر أو رضى من ثمرها بجزء من ألف جزء فمعلوم ~~بالاضطرار أنه إنما تبرع بالثمرة لأجل الألف التى أخذها وأن المستأجر إنما ~~بذل الألف لأجل الثمرة فالثمرة هي جل المقصود المعقود عليه أو بعضه فليست ~~الحيلة إلا ضربا من اللعب والافساد وإلا فالمقصود المعقود عليه ظاهر # والذين لا يحتالون أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه الحيلة هم بين أمرين ~~إما أن يفعلوا ذلك للحاجة ويعتقدوا أنهم فاعلون للمحرم كما رأينا عليه أكثر ~~الناس وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول الثمار الداخلة في هذه المعاملة ~~فيدخل عليهم من الضرر PageV29P063 و الاضطرار ما لا يعلمه إلا الله وإن ~~أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد ~~الأموال التى لا تأتى به شريعة قط فضلا عن شريعة قال الله فيها @QB@ وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ وقال تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر @QE@ وقال تعالى @QB@ يريد الله أن يخفف عنكم @QE@ وفى ~~الصحيحين ( إنما بعثتم ميسرين ( يسروا ولا تعسروا ( ( ليعلم اليهود أن في ~~ديننا سعة ( فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعا # والغرض من هذا أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن الأمة التزامه قط لما فيه من ~~الفساد الذي لا يطاق فعلم أنه ليس بحرام بل هو أشد من الأغلال والآصار التى ~~كانت على بنى إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى @QB@ ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه @QE@ وقوله @QB@ فمن اضطر في مخمصة ~~غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم @QE@ فكل ما احتاج الناس إليه في ~~معاشهم ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب أو فعل محرم لم ms8374 يحرم عليهم لأنهم في ~~معنى المضطر الذى ليس بباغ ولا عاد وإن كان سببه معصية كالمسافر سفر معصية ~~اضطر فيه إلى الميتة والمنفق للمال PageV29P064 في المعاصي حتى لزمته ~~الديون فانه يؤمر بالتوبة ويباح له ما يزيل ضرورته فتباح له الميتة ويقضى ~~عنه دينه من الزكاة وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال وحاله كحال الذين ~~قال الله فيهم @QB@ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا ~~تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون @QE@ وقوله @QB@ فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم @QE@ الآية وهذه قاعدة عظيمة ربما ننبه ~~إن شاء الله عليها وهذا القول المأثور عن السلف الذي اختاره بن عقيل هو ~~قياس أصول أحمد وبعض أصول الشافعي وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لوجوه ~~متعددة بعد الأدلة الدالة على نفي التحريم شرعا وعقلا فإن دلالة هذه إنما ~~تتم بعد الجواب عما استدل به أصحاب القول الأول # الوجه الأول ما ذكرناه من فعل عمر في قصة أسيد بن الحضير فانه قبل الأرض ~~والشجر الذي فيها بالمال الذي كان للغرماء وهذا عين مسألتنا ولا يحمل ذلك ~~على أن النخل والشجر كان قليلا فانه من المعلوم أن حيطان أهل المدينة كان ~~الغالب عليها الشجر وأسيد بن الحضير كان من سادات الأنصار ومياسيرهم فبعيد ~~أن يكون الغالب على حائطه الأرض البيضاء ثم هذه القصة لابد أن تشتهر ولم ~~يبلغنا أن أحدا أنكرها فيكون إجماعا وكذلك ما ضر به من الخراج على ~~PageV29P065 السواد فإن تسميته خراجا يدل على أنه عوض عما ينتفعون به من ~~منفعة الأرض والشجر كما يسمى الناس اليوم كراء الأرض لمن يغرسها خراجا اذا ~~كان على كل شجرة شيء معلوم ومنه قوله @QB@ أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير ~~@QE@ ومنه خراج العبد فانه عبارة عن ضريبة يخرجها لسيده من ماله فمن اعتقد ~~أنه أجرة وجب عليه أن يعتقد جواز مثل هذا لأنه ثابت باجماع الصحابة ومن ~~اعتقد أنه ثمن أو عوض مستقل بنفسه فمعلوم أنه لا يشبه غيره وإنما ms8375 جوزه ~~الصحابة ولا نظير له لأجل الحاجة الداعية إليه والحاجة إلى ذلك موجودة في ~~كل أرض فيها شجر كالأرض المفتتحة سواء # فإنه إن قيل يمكن المساقاة أو المزارعة قيل وقد كان يمكن عمر المساقاة أو ~~المزارعة كما فعل في أثناء الدولة العباسية إما في خلافة المنصور وإما بعده ~~فانهم نقلوا أرض السواد من الخراج إلى المقاسمة التى هي المساقاة والمزارعة # وإن قيل إنه يمكن جعل الكراء بازاء الأرض والتبرع بمنفعة الشجر أو ~~المحاباة فيها قيل وقد كان يمكن عمر ذلك فالقدر المشترك بينهما ظاهر # وأيضا فانا نعلم قطعا أن المسلمين ما زالت لهم أرضون فيها شجر ~~PageV29P066 تكرى بل هذا غالب على أموال أهل الأمصار ونعلم أن السلف لم ~~يكونوا كلهم يعمرون أرضهم بأنفسهم ولا غالبهم ونعلم أن المساقاة والمزارعة ~~قد لا تتيسر في كل وقت لأنها تفتقر إلى عامل أمين وما كل أحد يرضى ~~بالمساقاة ولا كل من أخذ الأرض يرضى بالمشاركة فلابد أن يكونوا قد كانوا ~~يكرون الأرض السوداء ذات الشجر ومعلوم أن الاحتيال بالتبرع أمر نادر لم يكن ~~السلف من الصحابة والتابعين يفعلونه فلم يبق إلا أنهم كانوا يفعلون كما فعل ~~عمر رضي الله عنه بمال أسيد بن الحضير وكما يفعله غالب المسلمين من تلك ~~الأزمنة وإلى اليوم # فإذا لم ينقل عن السلف أنهم حرموا هذه الاجارة ولا أنهم أمروا بحيلة ~~التبرع مع قيام المقتضى لفعل هذه المعاملة علم قطعا أن المسلمين كانوا ~~يفعلونها من غير نكير من الصحابة والتابعين فيكون فعلها كان إجماعا منهم # ولعل الذين اختلفوا في كراء الأرض البيضاء والمزارعة عليها لم يختلفوا في ~~كراء الأرض السوداء ولا في المساقاة لأن منفعة الأرض ليس فيها طائل بالنسبة ~~إلى منفعة الشجر # فإن قيل فقد قال حرب الكرمانى سئل أحمد عن تفسير PageV29P067 حديث بن عمر ~~( القبالات ربا ( قال هو أن يتقبل القرية فيها النخل والعلوج قيل له فإن لم ~~يكن فيها نخل وهي أرض بيضاء قال لا بأس إنما هو الآن مستأجر قيل فإن فيها ~~علوجا قال ms8376 فهذا هو القبالة المكروهة قال حرب حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا ~~أبى حدثنا سعيد عن جبلة سمع بن عمر يقول ( القبالات ربا ( # قيل الربا فيما يجوز تأجيله إنما يكون في الجنس الواحد لأجل الفضل فإذا ~~قيل في الاجرة أو الثمن أو نحوهما أنه ربا مع جواز تأجيله فلانه معاوضة ~~بجنسه متفاضلا لأن الربا إما ربا النسأ وذلك لا يكون إلا فيما يجوز تأجيله ~~وإما ربا الفضل وذلك لايكون إلا في الجنس الواحد فإذا انتفى ربا النسأ الذى ~~هو التأخير لم يبق إلا ربا الفضل الذي هو الزيادة في الجنس الواحد وهذا ~~يكون اذا كان التقبل بجنس مغل الأرض مثل أن يقبل الأرض التي فيها نخل يتمر ~~فيكون مثل المزابنة وهذا مثل اكتراء الأرض بجنس الخارج منها اذا كان مضمونا ~~في الذمة مثل أن يكتريها ليزرع فيها حنطة بحنطة معلومة ففيه روايتان عن ~~أحمد إحداهما أنه ربا كقول مالك وهذا مثل القبالة التى كرهها بن عمر لأنه ~~ضمن الأرض للحنطة بحنطة معلومة فكأنه ابتاع حنطة بحنطة تكون أكثر أو أقل ~~فيظهر الربا PageV29P068 # فالقبالات التى ذكر بن عمر أنها ربا أن يضمن الأرض التى فيها النخل ~~والفلاحون بقدر معين من جنس مغلها مثل أن يكون لرجل قرية فيها شجر وأرض ~~وفيها فلاحون يعملون له تغل له ما تغل من الحنطة والتمر بعد أجرة الفلاحين ~~أو نصيبهم فيضمنها رجل منه بمقدار معلوم من الحنطة والتمر ونحو ذلك فهذا ~~مظهر تسميته بالربا فأما ضمان الأرض بالدراهم والدنانير فليس من باب الربا ~~بسبيل ومن حرمه فهو عنده من باب الغرر # ثم ان أحمد لم يكره ذلك إذا كانت أرضا بيضاء لأن الاجارة عنده جائزة وان ~~كانت الاجرة من جنس الخارج على إحدي الروايتين لأن المستأجر يعمل في الأرض ~~بمنفعته وماله فيكون المغل بكسبه بخلاف ما إذا كان فيها العلوج وهم الذين ~~يعالجون العمل فانه لا يعمل فيها شيئا لا بمنفعته ولا بماله بل العلوج ~~يعملونها وهو يؤدي القبالة ويأخذ بدلها فهو طلب الربح في ms8377 مبادلة المال من ~~غير صناعة ولا تجارة وهذا هو الربا ونظير هذا ما جاء عن إبن عمر أنه ربا ~~وهو اكتراء الحمام والطاحون والفنادق ونحو ذلك مما لا ينتفع المستأجر به ~~فلا يتجر فيه ولا يصطنع فيه وانما يكتريه ليكريه فقط فقد قيل هو ربا # والحاصل أنها لم تكن ربا لأجل النخل ولا لأجل الأرض إذا PageV29P069 كانت ~~بغير جنس المغل وانما كانت ربا لأجل العلوج وهذه الصورة لا حاجة إليها فان ~~العلوج يقومون بها فتقبيلها لآخر مراباة له ولهذا كرهها أحمد وإن كانت ~~بيضاء إذا كان فيها العلوج # وقد استدل حرب الكرماني على المسألة بمعاملة النبى صلى الله عليه وسلم ~~لأهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع على أن يعمروها من أموالهم وذلك ~~أن هذا في المعنى إكراء للأرض منهم ببعض ما يخرج منها مع اكراء الشجر بنصف ~~ثمره فيقاس عليه اكراء الأرض والشجر بشيء مضمون لأن إعطاء الثمر لو كان ~~بمنزلة بيعه لكان إعطاء بعضه بمنزلة بيعه وذلك لا يجوز وهذه المسألة لها ~~أصلان # الأصل الأول أنه متى كان بين الشجر أرض أو مساكن دعت الحاجة إلى كرائهما ~~جميعا فيجوز لأجل الحاجة وإن كان في ذلك غرر يسير لا سيما إن كان البستان ~~وقفا أو مال يتيم فان تعطيل منفعته لا يجوز وإكراء الأرض أو المسكن وحده لا ~~يقع في العادة ولا يدخل أحد في اجارته على ذلك وإن اكتراه اكتراه بنقص كثير ~~عن قيمته وما لا يتم المباح إلا به فهو مباح فكل ما ثبت إباحته بنص أو ~~إجماع وجب إباحة لوازمه اذا لم يكن في تحريمها نص ولا إجماع وإن قام دليل ~~يقتضي تحريم لوازمه وما لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه فهو حرام فهنا ~~يتعارض الدليلان وفي مسألتنا قد ثبت إباحة PageV29P070 كراء الأرض بالسنة ~~واتفاق الفقهاء المتبوعين بخلاف دخول كراء الشجر فان تحريمه مختلف فيه ولا ~~نص عليه # وأيضا فمتى أكريت الأرض وحدها وبقي الشجر لم يكن المكتري مأمونا على ~~الثمر فيفضى إلى ms8378 اختلاف الأيدي وسوء المشاركة كما إذا بدا الصلاح في نوع ~~واحد ويخرج على هذا القول مثل قول الليث بن سعد إذا بدا الصلاح في جنس وكان ~~في بيعه متفرقا ضرر جاز بيع جميع الأجناس لتعسر تفريق الصفقة ولأنه اذا ~~أراد أن يبيع الثمر بعد ذلك لم يجد من يشتري الثمرة اذا كانت الأرض ~~والمساكن لغيره إلا بنقص كثير ولأنه اذا أكرى الأرض فان شرط عليه سقي الشجر ~~والسقي من جملة المعقود عليه صار المعوض عوضا وإن لم يشرط عليه السقي فإذا ~~سقاها ان ساقاه عليها صارت الاجارة لا تصح إلا بمساقاة وإن لم يساقه لزم ~~تعطيل منفعة المستأجر فيدور الأمر بين أن تكون الأجرة بعض المنفعة أو لا ~~تصح الاجارة إلا بمساقاة أو بتفويت منفعة المستأجر ثم إن حصل للمكري جميع ~~الثمرة أو بعضها ففي بيعها مع أن الأرض والمساكن لغيره نقص للقيمة في مواضع ~~كثيرة # فيرجع الأمر إلى أن الصفقة إذا كان في تفريقها ضرر جاز الجمع بينهما في ~~المعاوضة وإن لم يجز إفراد كل منهما لأن حكم الجمع يخالف PageV29P071 حكم ~~التفريق # ولهذا وجب عند أحمد واكثر الفقهاء على أحد الشريكين اذا تعذرت القسمة أن ~~يبيع مع شريكه أو يؤاجر معه إن كان المشترك منفعة لأن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( من اعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه ~~قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد والا فقد عتق عليه ما عتق ( ~~أخرجاه في الصحيحين فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بتقويم العبد كله ~~وباعطاء الشريك حصته من القيمة ومعلوم أن قيمة حصته منفردة دون حصته من ~~قيمة الجميع فعلم أن حقه في نصف النصف واذا استحق ذلك بالاعتاق فبسائر ~~أنواع الاتلاف أولى وإنما يستحق بالاتلاف ما يستحق بالمعاوضة فعلم أنه ~~يستحق بالمعاوضة نصف القيمة وانما يمكن ذلك عند بيع الجميع فتجب قسمة العين ~~حيث لا ضرر فيها فان كان فيها ضرر قسمت القيمة # فإذا كنا قد أوجبنا على الشريك بيع ms8379 نصيبه لما في التفريق من نقص قيمة ~~شريكه فلأن يجوز بيع الأمرين جميعا اذا كان في تفريقهما ضرر أولى ولذلك جاز ~~بيع الشاة مع اللبن الذي في ضرعها وإن أمكن تفريقهما بالحلب وإن كان بيع ~~اللبن وحده لا يجوز # وعلى هذا الأصل فيجوز متى كان مع الشجر منفعة مقصودة PageV29P072 كمنفعة ~~أرض للزرع أو بناء للسكن وأما إن كان المقصود هو الثمر فقط ومنفعة الأرض أو ~~المسكن ليست جزءا من المقصود وإنما أدخلت لمجرد الحيلة كما قد يفعل في ~~مسائل ( مد عجوة ( لم يجيء هذا الأصل # الأصل الثانى أن يقال إكراء الشجر للاستثمار يجري مجري إكراء الأرض ~~للازدراع واستئجار الظئر للرضاع وذلك أن الفوائد التى تستخلف مع بقاء ~~أصولها تجري مجرى المنافع وإن كانت أعيانا وهي ثمر الشجر ولبن الآدميات ~~والبهائم والصوف والماء العذب فانه كلما خلق من هذه شيء فأخذ خلق الله بدله ~~مع بقاء الأصل كالمنافع سواء ولهذا جرت في الوقف والعارية والمعاملة بجزء ~~من النماء مجرى المنفعة فإن الوقف لا يكون إلا فيما ينتفع به مع بقاء أصله ~~فإذا جاز وقف الأرض البيضاء أو الرباع لمنفعتها فكذلك وقف الحيطان لثمرتها ~~ووقف الماشية لدرها وصوفها ووقف الآبار والعيون لمائها بخلاف ما يذهب ~~بالانتفاع كالطعام ونحوه فلا يوقف # وأما ( باب العارية ( فيسمون إباحة الظهر إفقارا يقال أفقره الظهر وما ~~أبيح ما لبنه منيحة وما أبيح ثمره عرية وغير ذلك عارية وشبهوا ذلك بالقرض ~~الذي ينتفع به المقترض ثم يرد مثله ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~منيحة لبن أو منيحة ورق PageV29P073 فاكتراء الشجر لأن يعمل عليها ويأخذ ~~ثمرها بمنزلة استئجار الظئر لأجل لبنها وليس في القرآن إجارة منصوصة إلا ~~إجارة الظئر في قوله سبحانه @QB@ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ # ولما اعتقد بعض الفقهاء أن الاجارة لا تكون إلا على منفعة ليست عينا ورأي ~~جواز إجارة الظئر قال المعقود عليه هو وضع الطفل في حجرها واللبن دخل ضمنا ~~وتبعا كنقع البئر وهذا مكابرة للعقل والحس فانا نعلم بالاضطرار أن المقصود ms8380 ~~بالعقد هو اللبن كما ذكره الله بقوله @QB@ فإن أرضعن لكم @QE@ وضم الطفل ~~إلى حجرها إن فعل فانما هو وسيلة إلى ذلك وانما العلة ما ذكرته من أن ~~الفائدة التى تستخلف مع بقاء أصلها تجري مجرى المنفعة وليس من البيع الخاص ~~فان الله لم يسم العوض الا أجرا لم يسمه ثمنا وهذا بخلاف ما لو حلب اللبن ~~فانه لا يسمي المعاوضة عليه حينئذ إلا بيعا لأنه لم يستوف الفائدة من أصلها ~~كما يستوفي المنفعة من أصلها # فلما كان للفوائد العينية التي يمكن فصلها عن أصلها حالان حال تشبه فيه ~~المنافع المحضة وهي حال اتصالها واستيفائها واستيفاؤه كاستيفاء المنفعة ~~وحال تشبه فيه الأعيان المحضة وهي حال انفصالها وقبضها كقبض الأعيان فاذا ~~كان صاحب الشجر هو الذي يسقيها ويعمل عليها حتى تصلح الثمرة فانما يبيع ~~ثمرة محضة كما لو كان هو الذي يشق الأرض PageV29P074 و يبذرها ويسقيها حتى ~~يصلح الزرع فانما يبيع زرعا محضا وإن كان المشتري هو الذي يجد ويحصد كما لو ~~باعها على الأرض وكان المشتري هو الذي ينقل ويحول ولهذا جمع النبى صلى الله ~~عليه وسلم بينهما في النهي عن بيع الحب حتى يشتد وعن بيع الثمر حتى يبدو ~~صلاحه فان هذا بيع محض للثمرة والزرع # وأما إذا كان المالك يدفع الشجرة إلى المكتري حتى يسقيها ويلقحها ويدفع ~~عنها الأذى فهو بمنزلة دفعه الأرض إلى من يشقها ويبذرها ويسقيها ولهذا سوي ~~بينهما في المساقاة والمزارعة فكما أن كراء الأرض ليس ببيع لزرعها فكذلك ~~كراء الشجرة ليس ببيع لثمرها بل نسبة كراء الشجر إلى كراء الأرض كنسبة ~~المساقاة إلى المزارعة هذا معاملة بجزء من النماء وهذا كراء بعوض معلوم ~~فاذا كانت هذه الفوائد قد ساوت المنافع في الوقف لأصلها وفى التبرعات بها ~~وفى المشاركة بجزء من نمائها وفى المعاوضة عليها بعد صلاحها فكذلك تساويها ~~في المعاوضة على استفادتها وتحصيلها ولو فرق بينهما بأن الزرع إنما يخرج ~~بالعمل بخلاف الثمر فانه يخرج بلا عمل كان هذا الفرق عديم التأثير بدليل ~~المساقاة والمزارعة ms8381 وليس بصحيح فان للعمل تأثيرا في الاثمار كما له تأثير ~~في الانبات ومع عدم العمل عليها قد تعدم الثمرة وقد تنقص فان PageV29P075 ~~من الشجر ما لو لم يسق لم يثمر ولو لم يكن للعمل عليه تأثير أصلا لم يجز ~~دفعه إلى عامل بجزء من ثمره ولم يجز في مثل هذه الصورة إجارته قبل بدو ~~صلاحه فانه بيع محض للثمرة لا إجارة للشجر ويكون كمن أكرى أرضه لمن يأخذ ~~منها ما ينبته الله بلا عمل أحد أصلا قبل وجوده # فإن قيل المقصود بالعقد هنا غرر لأنه قد يثمر قليلا وقد يثمر كثيرا # يقال ومثله في إكراء الأرض فان المقصود بالعقد غرر أيضا على هذا التقدير ~~فانها قد تنبت قليلا وقد تنبت كثيرا # وإن قيل المعقود عليه هناك التمكن من الازدراع لا نفس الزرع النابت # قيل والمعقود عليه هنا التمكن من الاستثمار لا نفس الثمر الخارج ومعلوم ~~أن المقصود فيهما إنما هو الزرع والثمر وإنما يجب العوض بالتمكن من تحصيل ~~ذلك كما أن المقصود باكتراء الدار إنما هو السكنى وإن وجب العوض بالتمكن من ~~تحصيل ذلك # فالمقصود في اكتراء الأرض للزرع إنما هو نفس الأعيان التى PageV29P076 ~~تحصد ليس كاكترائها للسكنى أو البناء فإن المقصود هناك نفس الانتفاع بجعل ~~الأعيان فيها وهذا بين عند التأمل لا يزيده البحث عنه إلا وضوحا # فظهر به أن الذي نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم من بيع الثمرة قبل ~~زهوها وبيع الحب قبل اشتداده ليس هو إن شاء الله إكراؤها لمن يحصل ثمرتها ~~وزرعها بعمله وسقيه ولا هذا داخل في نهيه لفظا ولا معنى # يوضح ذلك أن البائع لثمرتها عليه تمام سقيها والعمل عليها حتى يتمكن ~~المشتري من الجذاذ كما على بائع الزرع تمام سقيه حتى يتمكن المشتري من ~~الحصاد فإن هذا من تمام التوفية ومئونة التوفية على البائع كالكيل والوزن ~~وأما المكري لها لمن يخدمها حتى تثمر فهو كمكري الأرض لمن يخدمها حتى تنبت ~~ليس على المكري عمل أصلا وانما عليه التمكين من العمل الذي ms8382 يحصل به الثمر ~~والزرع # لكن يقال طرد هذا أن يجوز إكراء البهائم لمن يعلفها ويسقيها ويحتلب لبنها # قيل إذا جوزنا على إحدى الروايتين أن تدفع الماشية إلى من PageV29P077 ~~يعلفها ويسقيها بجزء من درها ونسلها جاز دفعها إلى من يعمل عليها لدرها ~~ونسلها بشيء مضمون # وإن قيل فهلا جاز إجارتها لاحتلاب لبنها كما جاز اجارة الظئر # قيل إجارة الظئر أن ترضع بعمل صاحبها للغنم لأن الظئر هي التى ترضع الطفل ~~فإذا كانت هي التى توفى المنفعة فنظيره أن يكون المؤجر هو الذي يوفي منفعة ~~الارضاع وحينئذ فالقياس جوازه ولو كان لرجل غنم فاستأجر غنم رجل ليرضعها لم ~~يكن هذا ممتنعا وأما إن كان المستأجر هو الذي يحلب اللبن أو هو الذي ~~يستوفيه فهذا مشتر للبن ليس مستوفيا لمنفعة ولا مستوفيا للعين بعمل وهو ~~شبيه باشتراء الثمرة واحتلابه كاقتطافها وهو الذي نهى عنه النبى صلى الله ~~عليه وسلم بقوله ( لا يباع لبن في ضرع ( بخلاف ما لو استأجرها لأن يقوم ~~عليها ويحتلب لبنها فهذا نظير اكتراء الأرض والشجر PageV29P078 ### ||| فصل # هذا اذا أكراه الأرض والشجر أو الشجرة وحدها لأن يخدمها ويأخذ الثمرة ~~بعوض معلوم فإن باعه الثمرة فقط وأكراه الأرض للسكنى فهنا لا يجيء إلا ~~الأصل الأول المذكور عن بن عقيل وبعضه عن مالك وأحمد في إحدى الروايتين اذا ~~كان الأغلب هو السكنى وهو أن الحاجة داعية إلى الجمع بينهما فيجوز في الجمع ~~ما لا يجوز في التفريق كما تقدم من النظائر وهذا اذا كان كل واحد من السكنى ~~والثمرة مقصودا له كما يجري في حوائط دمشق فان البستان يكترى في المدة ~~الصيفية للسكنى فيه وأخذ ثمره من غير عمل على الثمرة أصلا بل العمل على ~~المكري المضمن # وعلى ذلك الأصل فيجوز وإن كان الثمر لم يطلع بحال سواء كان جنسا واحدا أو ~~أجناسا متفرقة كما يجوز مثل ذلك في القسم الأول فانه إنما جاز لأجل الجمع ~~بينه وبين المنفعة وهو في الحقيقة جمع بين بيع وإجارة بخلاف القسم الأول ~~فإنه قد يقال ms8383 هو إجارة لأن مئونة توفية الثمر هنا على المضمن وبعمله يصير ~~ثمرا PageV29P079 بخلاف القسم الأول فإنه إنما يصير مثمرا بعمل المستأجر ~~ولهذا يسميه الناس ضمانا اذ ليس هو بيعا محضا ولا إجارة محضة فسمى باسم ~~الالتزام العام في المعاوضات وغيرها وهو الضمان كما يسمى الفقهاء مثل ذلك ~~في قوله ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه وكذلك يسمى القسم الأول ضمانا أيضا ~~لكن ذاك يسمى إجارة وهذا اذا سمى إجارة أو إكتراء فلأن بعضه إجارة أو ~~إكتراء وفيه بيع أيضا # فأما إن كانت المنفعة ليست مقصودة أصلا وانما جاءت لأجل جذاذ الثمرة مثل ~~أن يشتري عنبا أو بلحا ويريد أن يقيم في الحديقة لقطافه فهذا لا يجوز قبل ~~بدو صلاحه لأن المنفعة إنما قصدت هنا لأجل الثمر فلا يكون الثمر تابعا لها ~~ولا يحتاج إلى اجارتها إلا إذا جاز بيع الثمر بخلاف القسم الذي قبله فان ~~المنفعة اذا كانت مقصودة احتاج إلى استئجارها واحتاج مع ذلك إلى اشتراء ~~الثمرة فاحتاج إلى الجمع لأن المستأجر لا يمكنه اذا استأجر المكان للسكنى ~~أن يدع غيره يشتري الثمرة ولا يتم غرضه من الانتفاع إلا أن يكون له ثمرة ~~يأكلها فإن مقصوده الانتفاع بالسكنى في ذلك المكان والأكل من الثمر الذي ~~فيه ولهذا اذا كان المقصود الأعظم هو السكنى وانما الشجر قليل مثل أن يكون ~~في الدار نخلات أو عريش عنب ونحو ذلك فالجواز هنا مذهب مالك وقياس أكثر ~~نصوص أحمد وغيره PageV29P080 # وإن كان المقصود مع السكنى التجارة في الثمر وهو أكثر من منفعة السكنى ~~فالمنع هنا أوجه منه في التي قبلها كما فرق بينهما مالك وأحمد وإن كان ~~المقصود السكنى والأكل فهو شبيه بما لو قصد السكنى والشرب من البئر وإن كان ~~ثمن المأكول أكثر فهنا الجواز فيه أظهر من التى قبلها ودون الأولى على قول ~~من يفرق وأما على قول بن عقيل المأثور عن السلف فالجميع جائز كما قررناه ~~لأجل الجمع فان اشترط مع ذلك أن يحرث له المضمن مقثاة فهو كما لو ms8384 استأجر ~~أرضا من رجل للزرع على أن يحرثها المؤجر فقد استأجر أرضه واستأجر منه عملا ~~في الذمة وهذا جائز كما لو استكرى منه جملا أو حمارا على أن يحمل المؤجر ~~للمستأجر عليه متاعه وهذه إجارة عين وإجارة على عمل في الذمة إلا أن يشترط ~~عليه أن يكون هو الذي يعمل العمل فيكون قد استأجر عينين # ولو لم تكن السكنى مقصودة وانما المقصود ابتياع ثمرة في بستان ذي أجناس ~~والسقي على البائع فهذا عند الليث يجوز وهو قياس القول الثالث الذي ذكرناه ~~عن أصحابنا وغيرهم وقررناه لأن الحاجة إلى الجمع بين الجنسين كالحاجة إلى ~~الجمع بين بيع الثمرة والمنفعة وربما كان أشد فانه قد لا يمكن بيع كل جنس ~~عند بدو صلاحه فانه في كثير من الأوقات لا يحصل ذلك وفى بعضها إنما يحصل ~~بضرر كثير PageV29P081 # وقد رايت من يواطئ المشتري على ذلك ثم كلما صلحت ثمرة يقسط عليها بعض ~~الثمن وهذا من الحيل الباردة التى لا تخفى حالها كما تقدم وما يزال العلماء ~~والمؤمنون ذوو الفطر السليمة ينكرون تحريم مثل هذا مع أن أصول الشريعة ~~تنافى تحريمه لكن ما سمعوه من العمومات اللفظية والقياسية التى اعتقدوا ~~شمولها لمثل هذا مع ما سمعوه من قول العلماء الذين يدرجون هذا في العموم هو ~~الذي أوجب ما أوجب وهو قياس ما قررناه من جواز بيع المقثاة جميعها بعد بدو ~~صلاحها لأن تفريق بعضها متعسر أو متعذر كتعسر تفريق الأجناس في البستان ~~الواحد وإن كانت المشقة في المقثاة أوكد ولهذا جوزها من منع الأجناس كمالك # فإن قيل هذه الصورة داخلة في عموم نهي النبى صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~الثمر حتى يبدو صلاحه بخلاف ما إذا أكراه الأرض والشجر ليعمل عليه فانه كما ~~قررتم ليس بداخل في العموم لأنه إجارة لمن يعمل لا بيع لعين وأما هذا فبيع ~~للثمرة فيدخل في النهي فكيف تخالفون النهي # قلنا الجواب عن هذا كالجواب عما يجوز بالسنة والاجماع من ابتياع الشجر مع ~~ثمره الذي لم يبد صلاحه ms8385 وابتياع الأرض مع زرعها الذي لم يشتد حبه وما ~~نصرناه من ابتياع المقاثى مع أن بعض PageV29P082 خضرها لم يخلق وجواب ذلك ~~كله بطريقين # أحدهما أن يقال اإن النهي لم يشمل بلفظه هذه الصورة لأن نهيه صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع الثمر انصرف إلى البيع المعهود عند المخاطبين وما كان ~~مثله لأن لام التعريف تنصرف إلى ما يعرفه المخاطبون فإن كان هناك شخص معهود ~~أو نوع معهود انصرف الكلام إليه كما انصرف اللفظ إلى الرسول المعين في قوله ~~تعالى @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ وفي قوله ~~@QB@ فعصى فرعون الرسول @QE@ أو إلى النوع المخصوص نهيه عن بيع الثمر فانه ~~لا خلاف بين المسلمين أن المراد بالثمر هنا الرطب دون العنب وغيره وإن لم ~~يكن معهود شخصي ولا نوعي انصرف إلى العموم # فالبيع المذكور للثمر هو بيع الثمر الذي يعهدونه دخل كدخول القرن الثانى ~~والقرن الثالث فيما خاطب به الرسول أصحابه # ونظير هذا ما ذكره أحمد في نهي النبى صلى الله عليه وسلم عن بول الرجل في ~~الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه ( فحمله على ما كان معهودا على ~~عهده من المياه الدائمة كالآبار والحياض التى بين مكة والمدينة فأما ~~المصانع الكبار التى لا يمكن نزحها التى أحدثت بعده فلم يدخله في العموم ~~لوجود الفارق المعنوي وعدم PageV29P083 العموم اللفظي # ويدل على عدم العموم في مسألتنا أن في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهو قيل وما ~~تزهو قال تحمر وتصفر ( وفى لفظ مسلم ( نهي عن بيع الثمر حتى يزهو ( ولفظ ~~مسلم ( نهى عن بيع ثمر النخل حتى يزهو ( # ومعلوم أن ذلك هو ثمر النخل كما جاء مقيدا لأنه هو الذي يزهو فيحمر أو ~~يصفر وإلا فمن الثمار ما يكون نضجها بالبياض كالتوت والتفاح والعنب الأبيض ~~والاجاص الأبيض الذي يسميه أهل دمشق الخوخ والخوخ الأبيض الذي يسمى الفرسك ~~ويسميه الدمشقيون الدراق أو باللين بلا ms8386 تغير لون كالتين ونحوه ولذلك جاء في ~~الصحيحين عن جابر قال ( نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى ~~تشقح قيل وما تشقح قال تحمار أو تصفار ويؤكل منها ( وهذه الثمرة هي الرطب ~~وكذلك في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها ولا تبتاعوا التمر بالتمر ( ~~والتمر الثانى هو الرطب بلا ريب فكذلك الأول لأن اللفظ واحد وفى صحيح مسلم ~~أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تبتاعوا PageV29P084 الثمر ~~حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة ( وقال ( بدو صلاحه حمرته أو صفرته ( فهذه ~~الأحاديث التى فيها لفظ ( الثمر ( # وأما غيرها فصريح في النخل كحديث بن عباس المتفق عليه ( نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل منه ( وفى رواية ~~لمسلم عن بن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى ~~يزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهي البائع والمشتري ( والمراد ~~بالنخل ثمره بالاتفاق لأنه صلى الله عليه وسلم قد جوز اشتراء النخل المؤبر ~~مع اشتراط المشترى لثمرته # فهذه النصوص ليست عامة عموما لفظيا في كل ثمرة في الأرض وانما هي عامة ~~لفظا لكل ما عهده المخاطبون وعامة معنى لكل ما كان في معناه وما ذكرنا عدم ~~تحريمه ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معناه فلم يتناوله دليل الحرمة فيبقى ~~على الحل وهذا وحده دليل على عدم التحريم وبه يتم ما نبهنا عليه أولا من أن ~~الأدلة النافية للتحريم من الأدلة الشرعية والاستصحابية تدل على ذلك لكن ~~بشرط نفي الناقل المغير وقد بينا انتفاءه # الطريق الثانى أن نقول وإن سلمنا العموم اللفظي لكن ليست PageV29P085 هي ~~مرادة بل هي مخصوصة بما ذكرناه من الأدلة التى تخص مثل هذا العموم فإن هذا ~~العموم مخصوص بالسنة والاجماع في الثمر التابع لشجره حيث قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( من ابتاع نخلا لم ms8387 يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط ~~المبتاع ( أخرجاه من حديث بن عمر فجعلها للمبتاع اذا اشترطها بعد التأبير ~~ومعلوم أنها حينئذ لم يبد صلاحها ولا يجوز بيعها مفردة والعموم المخصوص ~~بالنص أو الاجماع يجوز أن يخص منه صور في معناه عند جمهور الفقهاء من سائر ~~الطوائف ويجوز أيضا تخصيصه بالاجماع وبالقياس القوى وقد ذكرنا من آثار ~~السلف ومن المعانى ما يخص مثل هذا لو كان عاما أو بالاشتداد بلا تغير لون ~~كالجوز واللوز فبدو الصلاح في الثمار متنوع تارة يكون بالرطوبة بعد اليبس ~~وتارة باليبس بعد الرطوبة وتارة بلينه وتارة بتغير لونه بحمرة أو صفرة أو ~~بياض وتارة لا يتغير واذا كان قد نهي عن بيع الثمر حتى يحمر أو يصفر علم أن ~~هذا اللفظ لم يشمل جميع أصناف الثمار وانما يشمل ما تأتي فيه الحمرة ~~والصفرة وقد جاء مقيدا أنه النخل # فتدبر ما ذكرناه في هذه المسألة فانه عظيم المنفعة في هذه القضية التى ~~عمت بها البلوى وفى نظائرها وانظر في عموم كلام الله عز وجل ورسوله لفظا ~~ومعنى حتى تعطيه حقه وأحسن ما تستدل به PageV29P086 على معناه آثار الصحابة ~~الذين كانوا أعلم بمقاصده فان ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة وجريها على ~~الأصول الثابتة المذكورة في قوله تعالى @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم @QE@ # وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن المعاومة الذي جاء مفسرا في رواية أخرى ~~بأنه بيع السنين فهو والله أعلم مثل نهيه عن بيع حبل الحبلة إنما نهى أن ~~يبتاع المشتري الثمرة التى يستثمرها رب الشجرة وأما اكتراء الأرض والشجرة ~~حتى يستثمرها فلا يدخل هذا في البيع المطلق وانما هو نوع من الاجارة # ونظير هذا ما تقدم من حديث جابر في الصحيح من أنه ( نهي عن كراء الأرض ( ~~وأنه ( نهى عن المخابرة ( وأنه ( نهى عن المزارعة ( وأنه قال ( لا تكروا ~~الأرض ( فإن المراد بذلك الكراء الذي كانوا يعتادونه كما جاء مفسرا وهي ms8388 ~~المخابرة والمزارعة التى كانوا يعتادونها فنهاهم عما كانوا يعتادونه من ~~الكراء والمعاومة الذي يرجع حاصله إلى بيع الثمرة قبل أن تصلح وإلى ~~المزارعة المشروط فيها جزء معين # وهذا نهي عما فيه مفسدة راجحة هذا نهي عن الغرر في جنس PageV29P087 البيع ~~وذاك نهي عن الغرر في جنس الكراء العام الذي يدخل فيه المساقاة والمزارعة ~~وقد بين في كل منهما أن هذه المبايعة وهذه المكاراة كانت تفضي إلى الخصومة ~~والشنآن وهو ما ذكره الله في حكمة تحريم الميسر بقوله تعالى @QB@ إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر @QE@ ### ||| فصل # ومن القواعد التى أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهى عنه أنواع من ~~الاجارات والمشاركات كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك # فذهب قوم من الفقهاء إلى أن المساقاة والمزارعة حرام باطل بناء على أنها ~~نوع من الاجارة لأنها عمل بعوض والاجارة لابد أن يكون الأجر فيها معلوما ~~لأنها كالثمن ولما روي أحمد عن أبي سعيد أن النبى صلى الله عليه وسلم ? < ~~نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره وعن النجش واللمس وإلقاء الحجر > ? ~~والعوض في المساقاة والمزارعة مجهول لأنه قد يخرج الزرع والثمر قليلا وقد ~~يخرج كثيرا وقد يخرج على صفات ناقصة وقد لا يخرج فان منع الله الثمرة كان ~~استيفاء عمل العامل باطلا وهذا قول ابى PageV29P088 حنيفة وهو أشد الناس ~~قولا بتحريم هذا # وأما مالك والشافعي فالقياس عندهما ما قاله أبو حنيفة ادخالا لذلك في ~~الغرر لكن جوزا منه ما تدعو إليه الحاجة # فجوز مالك والشافعي في القديم المساقاة مطلقا لأن كراء الشجر لا يجوز ~~لأنه بيع للثمر قبل بدو صلاحه والمالك قد يتعذر عليه سقي شجرة وخدمته فيضطر ~~إلى المساقاة بخلاف المزارعة فانه يمكنه كراء الأرض بالأجر المسمى فيغنيه ~~ذلك عن المزارعة عليه تبعا لكن جوزا من المزارعة ما يدخل في المساقاة تبعا ~~فإذا كان بين الشجر بياض قليل جازت المزارعة عليه تبعا للمساقاة # ومذهب مالك أن زرع ذلك البياض للعامل بمطلق العقد فان شرطاه بينهما جاز ~~وهذا اذا ms8389 لم يتجاوز الثلث # والشافعي لا يجعله للعامل لكن يقول اذا لم يمكن سقي الشجر إلا بسقيه جازت ~~المزارعة عليه ولأصحابه في البياض اذا كان كثيرا أكثر من الشجر وجهان # وهذا اذا جمعهما في صفقة واحدة فان فرق بينهما في صفقتين فوجهان ~~PageV29P089 # أحدهما لا يجوز بحال لأنه إنما جاز تبعا فلا يفرد بعقد والثانى يجوز اذا ~~ساقي ثم زارع لأنه يحتاج إليه حينئذ وأما اذا قدم المزارعة لم يجز وجها ~~واحدا وهذا اذا كان الجزء المشروط فيهما واحدا كالثلث أو الربع فان فاضل ~~بينهما ففيه وجهان # وروي عن قوم من السلف منهم طاوس والحسن وبعض الخلف المنع من اجارتها ~~بالأجرة المسماة وإن كانت دراهم أو دنانير # روي حرب عن الأوزاعي أنه سئل هل يصلح اكتراء الأرض فقال اختلف فيه فجماعة ~~من أهل العلم لا يرون باكترائها بالدينار والدرهم بأسا وكره ذلك آخرون منهم ~~وذلك لأنه في معنى بيع الغرر لأن المستأجر يلتزم الأجرة بناء على ما يحصل ~~له من الزرع وقد لا ينبت الزرع فيكون بمنزلة اكتراء الشجر للاستثمار وقد ~~كان طاوس يزارع ولأن المزارعة أبعد عن الغرر من المؤاجرة لأن المتعاملين في ~~المزارعة إما أن يغنما جميعا أو يغرما جميعا فتذهب منفعة بدن هذا وبقره ~~ومنفعة أرض هذا وذلك أقرب إلى العدل من أن يحصل أحدهما على شيء مضمون ويبقي ~~الآخر تحت الخطر اذ المقصود بالعقد هو الزرع لا القدرة على حرث الأرض ~~وبذرها وسقيها # PageV29P090 # وعذر الفريقين مع هذا القياس ما بلغهم من الآثار عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم من نهيه عن المخابرة وعن كراء الأرض كحديث رافع بن خديج وحديث جابر ~~فعن نافع ( أن بن عمر كان يكري مزارعة على عهد النبى صلى الله عليه وسلم ~~وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة معاوية ثم حدث عن رافع بن ~~خديج أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع فذهب بن عمر إلى ~~رافع فذهبت معه فسأله فقال نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ms8390 كراء المزارع ~~فقال بن عمر قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا بما على الأربعاء وشيء من التبن ~~( أخرجاه في الصحيحين وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم ( حتى بلغه في آخر خلافة ~~معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبى صلى الله عليه وسلم فدخل ~~عليه وأنا معه فسأله فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن كراء ~~المزارع فتركها بن عمر بعد فكان اذا سئل عنها بعد قال زعم رافع بن خديج أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها ( وعن سالم بن عبد الله بن عمر ( أن ~~عبد الله بن عمر كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهي ~~عن كراء الأرض فلقيه عبد الله فقال يا بن خديج ماذا تحدث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في كراء الأرض قال رافع بن خديج لعبدالله سمعت عمي ~~PageV29P091 و كانا قد شهدا بدرا يحدثان أهل الدار أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهي عن كراء الأرض قال عبد الله لقد كنت أعلم في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن الأرض تكرى ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحدث في ذلك شيئا لم يعلمه فترك كراء الأرض ( رواه مسلم ~~وروى البخاري قول عبد الله الذى في آخره عن رافع بن خديج عن عمه ظهير بن ~~رافع قال ظهير ( لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا ~~رافقا فقلت وما ذاك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق قال دعانى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما تصنعون بمحاقلكم فقلت نؤاجرها يا ~~رسول الله على الربع أو على الأوسق من التمر والشعير قال فلا تفعلوا ~~ازرعوها أو أزرعوها أو امسكوها قال رافع قلت سمعا وطاعة ( أخرجاه في ~~الصحيحين وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كانت له ~~أرض فليزرعها أو ليمنحها ms8391 أخاه فان أبى فليمسك أرضه ( أخرجاه وعن جابر بن ~~عبد الله قال ( كانوا يزرعونها بالثلث والربع فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فان لم يفعل فليمسك أرضه ( ~~أخرجاه وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم ( كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك فقال PageV29P092 من كانت له أرض فليزرعها فان لم يزرعها ~~فليمنحها أخاه فان لم يمنحها فليمسكها ( وفى رواية في الصحيح ( ولا يكريها ~~( وفى رواية في الصحيح ( نهى عن كراء الأرض ( # وقد ثبت أيضا في الصحيحين عن جابر قال ( نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ~~المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة ( وفى رواية في الصحيحين عن زيد بن ~~أبى أنيسة عن عطاء عن جابر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~المحاقلة والمزابنة والمخابرة وأن يشترى النخل حتى يشقه والاشقاه أن يحمر ~~أو يصفر أو يؤكل منه شيء والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم ~~والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر والمخابرة الثلث والربع وأشباه ~~ذلك قال زيد قلت لعطاء بن أبى رباح أسمعت جابرا يذكر هذا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال نعم ( # فهذه الأحاديث قد يستدل بها من ينهى عن المؤاجرة والمزارعة لأنه نهى عن ~~كرائها والكراء يعمها لأنه قال ( فليزرعها أو ليمنحها أخاه فان لم يفعل ~~فليمسكها ( فلم يرخص إلا في أن يزرعها أو يمنحها لغيره ولم يرخص في ~~المعاوضة عنها لا بمؤاجرة ولا بمزارعة # ومن يرخص في المزارعة دون المؤاجرة يقول الكراء هو PageV29P093 الاجارة ~~أو المزارعة الفاسدة التى كانوا يفعلونها بخلاف المزارعة الصحيحة التى ~~ستأتى أدلتها التى كان النبى صلى الله عليه وسلم يعامل بها أهل خيبر وعمل ~~بها الخلفاء الراشدون بعده وسائر الصحابة # يؤيد ذلك أن بن عمر الذي ترك كراء الأرض لما حدثه رافع كان يروي حديث أهل ~~خيبر رواية من يفتى به ولأن النبى ms8392 صلى الله عليه وسلم نهي عن المحاقلة ~~والمزابنة والمخابرة والمعاومة وجميع ذلك من أنواع الغرر والمؤاجر أظهر في ~~الغرر من المزارعة كما تقدم # ومن يجوز المؤاجرة دون المزارعة يستدل بما رواه مسلم في صحيحه عن ثابت بن ~~الضحاك ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة ~~وقال لا بأس بها ( فهذا صريح في النهي عن المزارعة والأمر بالمؤاجرة ولأنه ~~سيأتى عن رافع بن خديج الذي روى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه ~~لم ينههم النبى صلى الله عليه وسلم عن كرائها بشيء معلوم مضمون وانما نهاهم ~~عما كانوا يفعلونه من المزارعة ( # وذهب جميع فقهاء الحديث الجامعون لطرقه كلهم كأحمد بن PageV29P094 حنبل ~~وأصحابه كلهم من المتقدمين والمتأخرين وإسحاق بن راهويه وأبى بكر بن أبى ~~شيبة وسليمان بن داود الهاشمي وأبى خيثمة زهير بن حرب وأكثر فقهاء الكوفيين ~~كسفيان الثوري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد صاحبى أبى ~~حنيفة والبخاري صاحب الصحيح وأبى داود وجماهير فقهاء الحديث من المتأخرين ~~كابن المنذر وبن خزيمة والخطابى وغيرهم وأهل الظاهر وأكثر أصحاب أبى حنيفة ~~إلى جواز المزارعة والمؤاجرة ونحو ذلك اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسنة خلفائه وأصحابه وما عليه السلف وعمل جمهور المسلمين وبينوا معانى ~~الأحاديث التى يظن اختلافها في هذا الباب # فمن ذلك معاملة النبى صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر هو وخلفاؤه من بعده ~~إلى أن أجلاهم عمر فعن بن عمر قال ( عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ~~خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ( أخرجاه وأخرجا أيضا أيضا عن بن عمر ~~( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أهل خيبر على أن يعملوها ويزرعوها ~~ولهم شطر ما خرج منها ( هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم ( لما افتتحت خيبر سألت ~~اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم فيها على أن يعملوها على نصف ~~ما خرج منها من الثمر والزرع فقال رسول الله PageV29P095 صلى ms8393 الله عليه ~~وسلم أقركم فيها على ذلك ما شئنا وكان الثمر على السهمان من نصف خيبر فيأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ( وفى رواية مسلم عن عبد الله بن عمر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها ~~على أن يعتملوها من أموالهم وللرسول صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها ( وعن بن ~~عباس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر أهلها على النصف نخلها ~~وأرضها ( رواه الامام أحمد وبن ماجه وعن طاوس ( ان معاذ بن جبل أكرى الأرض ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلى على الثلث ~~والربع فهو يعمل به إلى يومك هذا ( رواه بن ماجه وطاوس كان باليمن وأخذ عن ~~أصحاب معاذ الذين باليمن من أعيان المخضرمين وقوله ( وعمر وعثمان ( أي كنا ~~نفعل كذلك على عهد عمر وعثمان فحذف الفعل لدلالة الحال عليه لأن المخاطبين ~~كانوا يعلمون أن معاذا خرج من اليمن في خلافة الصديق وقدم الشام في خلافة ~~عمر ومات بها في خلافته قال البخاري في صحيحه وقال قيس بن مسلم عن أبى جعفر ~~يعني الباقر ( ما بالمدينة دار هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع ( قال ( ~~وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم ~~وعروة وآل أبى بكر وآل عمر وآل على وبن سيرين وعامل عمر الناس على أنه ان ~~جاء عمر بالبذر من PageV29P096 عنده فله الشطر وان جاؤوا بالبذر فلهم كذا ( ~~وهذه الآثار التى ذكرها البخاري قد رواها غير واحد من المصنفين في الآثار # فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزارعون والخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة ~~والتابعين من غير أن ينكر ذلك منكر لم يكن إجماع أعظم من هذا بل ان كان في ~~الدنيا إجماع فهو هذا لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم زارعوا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده إلى ان أجلا عمر اليهود إلى تيماء # وقد تأول من أبطل المزارعة ms8394 والمساقاة ذلك بتأويلات مردودة مثل ان قال كان ~~اليهود عبيدا للنبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين فجعلوا ذلك مثل المخارجة ~~بين العبد وسيده # ومعلوم بالنقل المتواتر أن النبى صلى الله عليه وسلم صالحهم ولم يسترقهم ~~حتى أجلاهم عمر ولم يبعهم ولا مكن أحدا من المسلمين من استرقاق أحد منهم # ومثل أن قال هذه معاملة مع الكفار فلا يلزم أن تجوز مع المسلمين وهذا ~~مردود فان خيبر قد صارت دار اسلام وقد أجمع المسلمون على أنه يحرم في دار ~~الاسلام بين المسلمين وأهل العهد ما يحرم بين المسلمين من المعاملات ~~الفاسدة ثم إنا قد ذكرنا أن PageV29P097 النبى صلى الله عليه وسلم عامل بين ~~المهاجرين والأنصار وأن معاذ بن جبل عامل على عهده أهل اليمن بعد اسلامهم ~~على ذلك وأن الصحابة كانوا يعاملون بذلك # والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك مع عمومات الكتاب والسنة المبيحة أو ~~النافية للحرج ومع الاستصحاب وذلك من وجوه # أحدها أن هذه المعاملة مشاركة ليست مثل المؤاجرة المطلقة فان النماء ~~الحادث يحصل من منفعة أصلين منفعة العين التى لهذا كبدنه وبقره ومنفعة ~~العين التى لهذا كأرضه وشجره كما تحصل المغانم بمنفعة أبدان الغانمين ~~وخيلهم وكما يحصل مال الفيء بمنفعة أبدان المسلمين من قوتهم ونصرهم بخلاف ~~الاجارة فإن المقصود فيها هو العمل أو المنفعة فمن استؤجر لبناء أو خياطة ~~أو شق الأرض أو بذرها أو حصاد فاذا وفاه ذلك العمل فقد استوفى المستأجر ~~مقصوده بالعقد واستحق الأجير أجره ولذلك يشترط في الاجارة اللازمة أن يكون ~~العمل مضبوطا كما يشترط مثل ذلك في المبيع وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره ~~وحديده هو مثل منفعة أرض المالك وشجره ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة ~~الآخر وإنما مقصودهما جميعا ما يتولد من اجتماع المنفعتين فإن حصل نماء ~~اشتركا فيه وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته فيشتركان في المغنم ~~وفى المغرم كسائر PageV29P098 المشتركين فيما يحدث من نماء الأصول التى لهم ~~وهذا جنس من التصرفات يخالف في حقيقته ومقصوده وحكمه الاجارة المحضة ms8395 وما ~~فيه من شوب المعاوضة من جنس ما في الشركة من شوب المعاوضة # فان التصرفات العدلية في الأرض جنسان معاوضات ومشاركات فالمعاوضات كالبيع ~~والاجارة والمشاركات شركة الأملاك وشركة العقد ويدخل في ذلك اشتراك ~~المسلمين في مال بيت المال واشتراك الناس في المباحات كمنافع المساجد ~~والأسواق المباحة والطرقات وما يحيى من الموات أو يوجد من المباحات واشتراك ~~الورثة في الميراث واشتراك الموصى لهم والموقوف عليهم في الوصية والوقف ~~واشتراك التجار والصناع شركة عنان أو أبدان ونحو ذلك وهذان الجنسان هما ~~منشأ الظلم كما قال تعالى عن داودعليه السلام ( وان كثيرا من الخلطاء ليبغى ~~بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ( # والتصرفات الأخرى هي الفضيلة كالقرض والعارية والهبة والوصية واذا كانت ~~التصرفات المبنية على المعادلة هي معاوضة أو مشاركة فمعلوم قطعا أن ~~المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة ليسا من جنس المعاوضة المحضة ~~والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل وهنا لا يأكل ~~أحدهما مال الآخر لأنه إن لم PageV29P099 ينبت الزرع فان رب الأرض لم يأخذ ~~منفعة الآخر إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد ولا هي مقصودة بل ذهبت ~~منفعة بدنه كما ذهبت منفعة أرض هذا ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون قد ~~أخذه والآخر لم يأخذ شيئا بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر فان أحد ~~المتعاوضين يأخذ شيئا والآخر يبقى تحت الخطر فيفضي إلى ندم أحدهما ~~وخصومتهما وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التى مبناها على المعادلة ~~المحضة التى ليس فيها ظلم ألبتة لا في غرر ولا في غير غرر # ومن تأمل هذا تبين له مأخذه هذه الأصول وعلم أن جواز هذه أشبه بأصول ~~الشريعة وأعرف في العقول وأبعد عن كل محذور من جواز إجارة الأرض بل ومن ~~جواز كثير من البيوع والاجارات المجمع عليها حيث هي مصلحة محضة للخلق بلا ~~فساد وانما وقع اللبس فيها على من حرمها من إخواننا الفقهاء بعد ما فهموه ~~من الآثار من جهة أنهم اعتقدوا هذا ms8396 إجارة على عمل مجهول لما فيها من عمل ~~بعوض وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيرا كعمل الشريكين في المال ~~المشترك وعمل الشريكين في شركة الأبدان وكاشتراك الغانمين في المغانم ونحو ~~ذلك مما لايعد ولا يحصى نعم لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر لا ~~يتولد من عمله كان هذا اجارة # PageV29P100 # الوجه الثانى أن هذه من جنس المضاربة فانها عين تنمو بالعمل عليها فجاز ~~العمل عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير والمضاربة جوزها الفقهاء كلهم ~~اتباعا لما جاء فيها عن الصحابة رضي الله عنهم مع أنه لا يحفظ فيها بعينها ~~سنة عن النبى صلى الله عليه وسلم ولقد كان أحمد يرى أن يقيس المضاربة على ~~المساقاة والمزارعة لثبوتها بالنص فتجعل أصلا يقاس عليه وان خالف فيهما من ~~خالف وقياس كل منهما على الآخر صحيح فإن من ثبت عنده جواز أحدهما أمكنه أن ~~يستعمل فيه حكم الآخر لتساويهما # فان قيل الربح في المضاربة ليس من عين الأصل بل الأصل يذهب ويجيء بدله ~~فالمال المقسم حصل بنفس العمل بخلاف الثمر والزرع فانه من نفس الأصل # قيل هذا الفرق فرق في الصورة وليس له تأثير شرعي فانا نعلم بالاضطرار أن ~~المال المستفاد انما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال ولهذا ~~يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح كما أن العامل يبقى بنفسه ~~التى هي نظير الدراهم وليست اضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من اضافته ~~إلى منفعة مال هذا # ولهذا فالمضاربة التى تروونها عن عمر إنما حصلت بغير عقد لما PageV29P101 ~~أقرض أبو موسى الأشعري لابني عمر من مال بيت المال فحملاه إلى أبيهما فطلب ~~عمر جميع الربح لأنه رأى ذلك كالغصب حيث أقرضهما ولم يقرض غيرهما من ~~المسلمين والمال مشترك وأحد الشركاء اذا اتجر في المال المشترك بدون اذن ~~الأخر فهو كالغاصب في نصيب الشريك وقال له ابنه عبد الله ( الضمان كان ~~علينا فيكون الربح لنا ( فأشار عليه بعض الصحابة بأن يجعله مضاربة # وهذه الأقوال الثلاثة في ms8397 مثل هذه المسألة موجودة بين الفقهاء وهي ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد وغيره هل يكون ربح من اتجر بمال غيره بغير اذنه لرب ~~المال أو للعامل أو لهما على ثلاثة أقوال وأحسنها وأقيسها أن يكون مشتركا ~~بينهما كما قضى به عمر لأن النماء متولد عن الأصلين # وإذا كان أصل المضاربة الذي قد اعتمدوا عليه راعوا فيه ما ذكرناه من ~~الشركة فأخذ مثل الدراهم يجري مجري عينها ولهذا سمى النبى صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمون بعده القرض منيحة يقال منيحة ورق ويقول الناس أعرنى دراهمك ~~يجعلون رد مثل الدراهم مثل رد عين العارية والمقترض انتفع بها وردها وسموا ~~المضاربة قراضا لأنها في المقابلات نظير القرض في التبرعات # ويقال أيضا لو كان ما ذكروه من الفرق مؤثرا لكان اقتضاؤه PageV29P102 ~~لتجويز المزارعة دون المضاربة أولي من العكس لأن النماء إذا حصل مع بقاء ~~الأصلين كان أولى بالصحة من حصوله مع ذهاب أحدهما وإن قيل الزرع نماء الأرض ~~دون البدن فقد يقال والربح نماء العامل دون الدراهم أو بالعكس وكل هذا باطل ~~بل الزرع يحصل بمنفعة الأرض المشتملة على التراب والماء والهواء ومنفعة بدن ~~العامل والبقر والحديد # ثم لو سلم أن بينها وبين المضاربة فرقا فلا ريب أنها بالمضاربة أشبه منها ~~بالمؤاجرة لأن المؤاجرة المقصود فيها هو العمل ويشترط أن يكون معلوما ~~والأجرة مضمونة في الذمة أو عين معينة وهنا ليس المقصود إلا النماء ولا ~~يشترط معرفة العمل والأجرة ليست عينا ولا شيئا في الذمة وإنما هي بعض ما ~~يحصل من النماء ولهذا متى عين فيها شيء معين فسد العقد كما تفسد المضاربة ~~اذا شرطا لأحدهما ربحا معينا أو اجرة معلومة في الذمة وهذا بين في الغاية ~~فاذا كانت بالمضاربة أشبه منها بالمؤاجرة جدا والفرق الذي بينهما وبين ~~المضاربة ضعيف والذي بينهما وبين المؤاجرة فروق غير مؤثرة في الشرع والعقل ~~وكان لابد من الحاقها بأحد الأصلين فالحاقها بما هي به أشبه أولى وهذا أجلى ~~من أن يحتاج فيه إلى إطناب # الوجه الثالث أن نقول ms8398 لفظ الاجارة فيه عموم وخصوص PageV29P103 فانها على ~~ثلاث مراتب # أحدها أن يقال لكل من بذل نفعا بعوض فيدخل في ذلك المهر كما في قوله ~~تعالى ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ( وسواء كان العمل هنا معلوما ~~أو مجهولا وكان الآخر معلوما أو مجهولا لازما أو غير لازم # المرتبة الثانية الاجارة التى هي جعالة وهو أن يكون النفع غير معلوم لكن ~~العوض مضمونا فيكون عقدا جائزا غير لازم مثل أن يقول من رد علي عبدي فله ~~كذا فقد يرده من بعيد أو قريب # الثالثة الاجارة الخاصة وهي أن يستأجر عينا أو يستأجره على عمل في الذمة ~~بحيث تكون المنفعة معلومة فيكون الأجر معلوما والاجارة لازمة وهذه الاجارة ~~التى تشبه البيع في عامة أحكامه والفقهاء المتأخرون إذا أطلقوا الاجارة أو ~~قالوا ( باب الاجارة ( أرادوا هذا المعنى # فيقال المساقاة والمزارعة والمضاربة ونحوهن من المشاركات على نماء يحصل ~~من قال هي اجارة بالمعنى الأعم أو العام فقد صدق ومن قال هي اجارة بالمعني ~~الخاص فقد أخطا وان كانت اجارة PageV29P104 بالمعنى العام التى هي الجعالة ~~فهنالك إن كان العوض شيئا مضمونا من عين أو دين فلابد أن يكون معلوما وأما ~~إن كان العوض مما يحصل من العمل جاز أن يكون جزءا شائعا فيه كما لو قال ~~الأمير في الغزو من دلنا على حصن كذا فله منه كذا فحصول الجعل هناك مشروط ~~بحصول المال مع أنه جعالة محضة لا شركة فيه فالشركة أولى وأحرى # ويسلك في هذا طريقة أخرى فيقال الذي دل عليه قياس الأصول أن الاجارة ~~الخاصة يشترط فيها أن لا يكون العوض غررا قياسا على الثمن فأما الاجارة ~~العامة التى لا يشترط فيها العلم بالمنفعة فلا تشبه هذه الاجارة لما تقدم ~~فلا يجوز إلحاقها بها فتبقي على الأصل المبيح # فتحرير المسألة أن المعتقد لكونها إجارة يستفسر عن مراده بالاجارة فان ~~أراد الخاصة لم يصح وإن أراد العامة فأين الدليل على تحريمها الا بعوض ~~معلوم فان ذكر قياسا بين له الفرق الذي لا يخفى على ms8399 غير فقيه فضلا عن ~~الفقيه ولن يجد إلى أمر يشمل مثل هذه الاجارة سبيلا فاذا انتفت أدلة ~~التحريم ثبت الحل # ويسلك في هذا طريقة أخرى وهو قياس العكس وهو أن PageV29P105 يثبت في ~~الفرع نقيض حكم الأصل لانتفاء العلة المقتضية لحكم الأصل فيقال المعنى ~~الموجب لكون الاجرة يجب أن تكون معلومة منتف في باب المزارعة ونحوها لأن ~~المقتضى لذلك أن المجهول غرر فيكون في معنى بيع الغرر المقتضى أكل المال ~~بالباطل أو ما يذكر من هذا الجنس وهذه المعاني منتفية في الفرع فاذا لم يكن ~~للتحريم موجب إلا كذا وهو منتف فلا تحريم # وأما الأحاديث حديث رافع بن خديج وغيره فقد جاءت مفسرة مبينة لنهي النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن نهيا عما فعل هو والصحابة في عهده وبعده بل ~~الذي رخص فيه غير الذي نهى عنه فعن رافع بن خديج قال ( كنا اكثر أهل ~~المدينة مزدرعا كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمي لسيد الأرض قال مما يصاب ~~ذلك وتسلم الأرض ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك فنهينا فأما الذهب والورق فلم ~~يكن يومئذ ( رواه البخاري وفي رواية له قال ( كنا اكثر أهل المدينة حقلا ~~وكان أحدنا يكري أرضه فيقول هذه القطعة لي وهذه لك فربما أخرجت ذه ولم تخرج ~~ذه فنهاهم النبى صلى الله عليه وسلم ( وفى رواية له ( فربما أخرجت هذه كذا ~~ولم تخرج ذه فنهينا عن ذلك ولم ننه عن الورق ( وفى صحيح مسلم عن رافع قال ( ~~كنا اكثر أهل PageV29P106 الأنصار حقلا وكنا نكرى الأرض على أن لنا هذه ~~ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك وأما الورق فلم ينهنا ~~( وفى مسلم أيضا عن حنظلة بن قيس قال ( سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض ~~بالذهب والورق فقال لا بأس به انما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع ~~فيهلك هذا ويسلم هذا ويهلك هذا ويسلم هذا فلم يكن للناس كراء ms8400 الا هذا فلذلك ~~زجر الناس عنه فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به ( # فهذا رافع بن خديج الذي عليه مدار الحديث يذكر أنه لم يكن لهم على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كراء الا بزرع مكان معين من الحقل وهذا النوع ~~حرام بلا ريب عند الفقهاء قاطبة وحرموا نظيره في المضاربة فلو اشترط ربح ~~ثوب بعينه لم يجز وهذا الغرر في المشاركات نظير الغرر في المعاوضات # وذلك أن الأصل في هذه المعاوضات والمقابلات هو التعادل من الجانبين فان ~~اشتمل أحدهما على غرر أو ربا دخله الظلم فحرمها الله الذي حرم الظلم على ~~نفسه وجعله محرما على عباده فاذا كان أحد المتبايعين اذا ملك الثمن وبقي ~~الآخر تحت الخطر لم يجز ولذلك حرم النبى صلى الله عليه وسلم بيع الثمر قبل ~~بدو صلاحه PageV29P107 فكذلك هذا اذا اشترطا لأحد الشريكين مكانا معينا ~~خرجا عن موجب الشركة فان الشركة تقتضى الاشتراك في النماء فاذا انفرد ~~أحدهما بالمعين لم يبق للآخر فيه نصيب ودخله الخطر ومعنى القمار كما ذكره ~~رافع في قوله ( فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه ( فيفوز أحدهما ويخيب الآخر ~~وهذا معني القمار وأخبر رافع ( أنه لم يكن لهم كراء على عهد النبى صلى الله ~~عليه وسلم الا هذا ( وأنه إنما زجر عنه لأجل ما فيه من المخاطرة ومعنى ~~القمار وأن النهي إنما انصرف إلى ذلك الكراء المعهود لا إلى ما تكون فيه ~~الأجرة مضمونة في الذمة وسأشير إن شاء الله إلى مثل ذلك في نهيه عن بيع ~~الثمار حتى يبدو صلاحها ورافع أعلم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أى ~~شيء وقع وهذا والله أعلم هو الذي انتهى عنه عبد الله بن عمر فانه قال لما ~~حدثه رافع ( قد علمت انا كنا نكرى مزارعنا بما علي الأربعاء وبشيء من التبن ~~( فبين أنهم كانوا يكرون بزرع مكان معين وكان بن عمر يفعله لأنهم كانوا ~~يفعلونه على عهد النبى صلى الله عليه وسلم حتى بلغه النهي # يدل على ذلك أن ms8401 بن عمر كان يروى حديث معاملة خيبر دائما ويفتى به ويفتى ~~بالمزارعة على الأرض البيضاء وأهل بيته أيضا بعد حديث رافع فروي حرب ~~الكرمانى قال حدثنا إسحاق بن ابراهيم PageV29P108 بن راهويه حدثنا معتمر بن ~~سليمان سمعت كليب بن وائل قال أتيت بن عمر فقلت أتانى رجل له أرض وماء وليس ~~له بذر ولا بقر فأخذتها بالنصف فبذرت فيها بذرى وعملت فيها ببقرى فناصفته ~~قال حسن وقال حدثنا بن أخي حزم حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سعيد بن عبيد سمعت ~~سالم بن عبد الله وأتاه رجل فقال الرجل منا ينطلق إلى الرجل فيقول أجيء ~~ببذرى وبقرى وأعمل أرضك فما أخرج منه فلك منه كذا ولي منه كذا قال لا بأس ~~به ونحن نصنعه # وهكذا أخبر أقارب رافع ففي البخاري عن رافع قال حدثنى عمومتى أنهم كانوا ~~يكرون الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ينبت على الأربعاء ~~أو بشيء يستثنيه صاحب الأرض فنهانا النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقيل ~~لرافع فكيف بالدينار والدرهم فقال ليس به بأس بالدينار والدرهم وكان الذى ~~نهى عنه من ذلك ما لو نظر فيه ذو الفهم بالحلال والحرام لم يجزه لما فيه من ~~المخاطرة وعن أسيد بن ظهير قال ( كان أحدنا اذا استغنى عن أرضه أعطاها ~~بالثلث والربع والنصف ويشترط ثلاث جداول والقصارة وما سقى الربيع وكان ~~العيش اذ ذاك شديدا وكان يعمل فيها بالحديد وما شاء الله ويصيب منها منفعة ~~فأتانا رافع بن خديج فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV29P109 ~~ينهاكم عن الحقل ويقول من استغنى عن أرضه فليمنحها أخاه أو ليدع ( رواه ~~أحمد وبن ماجه وروى أبو داود قول النبى صلى الله عليه وسلم زاد أحمد ( ~~وينهاكم عن المزابنة والمزابنة أن يكون الرجل له المال العظيم من النخل ~~فيأتيه الرجل فيقول أخذته بكذا وكذا وسقا من تمر والقصارة ما سقط من السنبل ~~( # وهكذا أخبر سعد بن أبى وقاص وجابر فأخبر سعد ( أن أصحاب المزارع في زمان ~~رسول ms8402 الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على السواقي من ~~الزرع وما سعد بالماء مما حول البئر فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاختصموا في ذلك فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكروا بذلك وقال ~~اكروا بالذهب والفضة ( رواه أحمد وابو داود والنسائي فهذا صريح في الاذن ~~بالكراء بالذهب والفضة وأن النهي انما كان عن اشتراط زرع مكان معين وعن ~~جابر رضي الله عنه قال ( كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بنصيب من القصرى ومن كذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له أرض ~~فليزرعها أو ليمنحها أخاه أو فليدعها ( رواه مسلم # فهؤلاء أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم الذين رووا عنه النهي قد أخبروا ~~بالصورة التى نهى عنها والعلة التى نهي من أجلها واذا PageV29P110 كان قد ~~جاء في بعض طرق الحديث ( أنه نهى عن كراء المزارع ( مطلقا فالتعريف للكراء ~~المعهود بينهم وإذا قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم ( لا تكروا المزارع ( ~~فانما أراد الكراء الذي يعرفونه كما فهموه من كلامه وهم أعلم بمقصوده وكما ~~جاء مفسرا عنه ( أنه رخص في غير ذلك الكراء ( ومما يشبه ذلك ما قرن به ~~النهي من المزابنة ونحوها واللفظ وان كان في نفسه مطلقا فانه اذا كان خطابا ~~لمعين في مثل الجواب عن سؤال أو عقب حكاية حال ونحو ذلك فانه كثيرا ما يكون ~~مقيدا بمثل حال المخاطب كما لو قال المريض للطبيب أن به حرارة فقال له لا ~~تأكل الدسم فانه يعلم أن النهي مقيد بتلك الحال # وذلك أن اللفظ المطلق اذا كان له مسمى معهود أو حال يقتضيه انصرف إليه ~~وإن كان نكرة كالمتبايعين اذا قال أحدهما بعتك بعشرة دراهم فانها مطلقة في ~~اللفظ ثم لا ينصرف إلا إلى المعهود من الدراهم فاذا كان المخاطبون لا ~~يتعارفون بينهم لفظ ( الكراء ( إلا لذلك الذي كانوا يفعلونه ثم خوطبوا به ~~لم ينصرف إلا إلى ما يعرفونه وكان ذلك من باب ms8403 التخصيص العرفي كلفظ ( الدابة ~~( اذا كان معروفا بينهم أنه الفرس أو ذوات الحافر فقال لا تأتنى بدابة لم ~~ينصرف هذا المطلق إلا إلى ذلك ونهى النبى صلى الله عليه وسلم لهم كان مقيدا ~~PageV29P111 بالعرف والسؤال وقد تقدم ما في الصحيحين عن رافع بن خديج وعن ~~ظهير بن رافع قال ( دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما تصنعون ~~بمحاقلكم قلت نؤاجرها بما على الربيع وعلى الأوسق من التمر والشعير قال لا ~~تفعلوا ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها ( # فقد صرح بأن النهي وقع عما كانوا يفعلونه وأما المزارعة المحضة فلم ~~يتناولها النهي ولا ذكرها رافع وغيره فيما يجوز من الكراء لأنها والله أعلم ~~عندهم جنس آخر غير الكراء المعتاد فان الكراء اسم لما وجب فيه اجرة معلومة ~~إما عين وإما دين فان كان دينا في الذمة مضمونا فهو جائز وكذلك ان كان عينا ~~من غير الزرع وأما إن كان عينا من الزرع لم يجز # فأما المزارعة بجزء شائع من جميع الزرع فليس هو الكراء المطلق بل هو شركة ~~محضة إذ ليس جعل العامل مكتريا للأرض بجزء من الزرع بأولى من جعل المالك ~~مكتريا للعامل بالجزء الآخر وان كان من الناس من يسمى هذا كراء ايضا فانما ~~هو كراء بالمعني العام الذي تقدم بيانه فأما الكراء الخاص الذى تكلم به ~~رافع وغيره فلا ولهذا السبب بين رافع أحد نوعي الكراء الجائز وبين النوع ~~الآخر الذي نهوا عنه ولم يتعرض للشركة لأنها جنس آخر PageV29P112 # بقي أن يقال فقول النبى صلى الله عليه وسلم ( من كانت له أرض فليزرعها أو ~~ليمنحها أخاه وإلا فليمسكها ( أمر اذا لم يفعل واحدا من الزرع والمنيحة أن ~~يمسكها وذلك يقتضى المنع من المؤاجرة ومن المزارعة كما تقدم # فيقال الأمر بهذا أمر ندب واستحباب لا أمر ايجاب أو كان أمر ايجاب في ~~الابتداء لينزجروا عما اعتادوه من الكراء الفاسد وهذا كما أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما نهاهم عن لحوم الحمر الأهلية قال في الآنية التى كانوا ~~يطبخونها ms8404 فيها ( أهريقوا ما فيها واكسروها ( وقال صلى الله عليه وسلم في ~~آنية أهل الكتاب حين سأله عنها أبو ثعلبة الخشني ( ان وجدتم غيرها فلا ~~تأكلوا فيها وان لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء ( وذلك لأن النفوس اذا ~~اعتادت المعصية فقد لا تنفطم عنها انفطاما جيدا إلا بترك ما يقاربها من ~~المباح كما قيل ( لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يجعل بينه وبين الحرام ~~حاجزا من الحلال ( كما أنها أحيانا لا تترك المعصية إلا بتدريج لا تتركها ~~جملة # فهذا يقع تارة وهذا يقع تارة # ولهذا يوجد في سنة النبى صلى الله عليه وسلم لمن خشي منه النفرة عن ~~الطاعة الرخصة له في أشياء يستغنى بها عن المحرم ولمن وثق بايمانه وصبره ~~النهي عن بعض ما يستحب له تركه مبالغة في فعل الأفضل ولهذا يستحب لمن وثق ~~بايمانه PageV29P113 و صبره من فعل المستحبات البدنية والمالية كالخروج عن ~~جميع ماله مثل ابى بكر الصديق ما لا يستحب لمن لم يكن حاله كذلك كالرجل ~~الذي جاءه ببيضة من ذهب فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته ثم قال ( يذهب أحدكم ~~فيخرج ماله ثم يجلس كلا على الناس ( # يدل على ذلك ما قدمناه من رواية مسلم الصحيحة عن ثابت بن الضحاك ( أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة وقال لا بأس بها ~~( وما ذكرناه من رواية سعد بن ابى وقاص ( أنه نهاهم أن يكروا بزرع موضع ~~معين وقال اكروا بالذهب والفضة ( وكذلك فهمته الصحابة فان رافع بن خديج قد ~~روى ذلك وأخبر أنه لا بأس بكرائها بالذهب والفضة # وكذلك فقهاء الصحابة كزيد بن ثابت وبن عباس ففي الصحيحين عن عمرو بن ~~دينار قال قلت لطاوس ( لو تركت المخابرة فانهم يزعمون أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم نهى عنها قال أي عمرو إني أعطيهم وأعينهم وإن أعلمهم أخبرنى يعنى ~~بن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه ولكن قال إن يمنح احدكم ~~أخاه خير له من ان يأخذ عليه خرجا معلوما ( وعن ms8405 بن عباس أيضا ( أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم المزارعة PageV29P114 و لكن أمر ان يرفق ~~بعضهم ببعض ( رواه مسلم مجملا والترمذي وقال حديث حسن صحيح وقد أخبر طاوس ~~عن بن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم إنما دعاهم إلى الأفضل وهو التبرع ~~قال ( وأنا اعينهم وأعطيهم ( وأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالرفق الذي ~~منه واجب وهو ترك الربا والغرر ومنه مستحب كالعارية والقرض # ولهذا لما كان التبرع بالأرض بلا أجرة من باب الاحسان كان المسلم أحق به ~~فقال ( لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه خرجا معلوما ( ~~وقال ( من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه أو ليمسكها ( فكان الأخ هو ~~الممنوح ولما كان أهل الكتاب ليسوا من الاخوان عاملهم النبى صلى الله عليه ~~وسلم ولم يمنحهم لا سيما والتبرع انما يكون عن فضل غنى فمن كان محتاجا إلى ~~منفعة أرضه لم يستحب له المنيحة كما كان المسلمون محتاجين إلى منفعة أرض ~~خيبر وكما كان الأنصار محتاجين في أول الاسلام إلى أرضهم حيث عاملوا عليها ~~المهاجرين وقد توجب الشريعة التبرع عند الحاجة كما نهاهم النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحى لأجل الدافة التى دفت ليطعموا الجياع لأن ~~إطعامهم واجب فلما كان المسلمون محتاجين إلى منفعة الأرض وأصحابها أغنياء ~~عنها نهاهم عن المعاوضة PageV29P115 ليجودوا بالتبرع ولم يأمرهم بالتبرع ~~عينا كما نهاهم عن الادخار فان من نهى عن الانتفاع بماله جاد ببذله اذ لا ~~يترك بطالا وقد ينهى النبى صلى الله عليه وسلم بل الأئمة عن بعض أنواع ~~المباح في بعض الأحوال لما في ذلك من منفعة المنهي كما نهاهم في بعض ~~المغازي وأما ما رواه جابر من نهيه صلى الله عليه وسلم عن المخابرة فهذه هي ~~المخابرة التى نهى عنها واللام لتعريف العهد ولم تكن المخابرة عندهم الا ~~ذلك # يبين ذلك ما في الصحيح عن بن عمر قال ( كنا لا نري بالخبر بأسا حتى كان ~~عام أول فزعم رافع ms8406 أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عنه فتركناه من أجله ( ~~فأخبر بن عمر أن رافعا روى النهي عن الخبر وقد تقدم معنى حديث رافع قال أبو ~~عبيد الخبر بكسر الخاء بمعني المخابرة والمخابرة المزارعة بالنصف والثلث ~~والربع وأقل وأكثر وكان أبو عبيد يقول لهذا سمي الأكار خبيرا لأنه يخابر ~~على الأرض والمخابرة هي المؤاكرة # وقد قال بعضهم أصل هذا من خيبر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرها ~~في أيديهم على النصف فقيل خابرهم أي عاملهم في خيبر وليس هذا بشيء فان ~~معاملته بخيبر لم ينه عنها قط PageV29P116 بل فعلها الصحابة في حياته وبعد ~~موته وإنما روى حديث المخابرة رافع بن خديج وجابر وقد فسرا ما كانوا ~~يفعلونه والخبير هو الفلاح سمي بذلك لأنه يخبر الأرض # وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى الفرق بين المخابرة والمزارعة فقالوا ( ~~المخابرة ( هي المعاملة على أن يكون البذر من العامل و ( المزارعة ( على أن ~~يكون البذر من المالك قالوا والنبى صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة لا ~~المزارعة # وهذا ايضا ضعيف فانا قد ذكرنا عن النبى صلى الله عليه وسلم ما في الصحيح ~~من أنه ( نهى عن المزارعة ( كما ( نهى عن المخابرة ( وكما ( نهى عن كراء ~~الأرض ( وهذه الالفاظ في أصل اللغة عامة لموضع نهيه وغير موضع نهيه وانما ~~اختصت بما يفعلونه لأجل التخصيص العرفى لفظا وفعلا ولأجل القرينة اللفظية ~~وهي لام العهد وسؤال السائل وإلا فقد نقل أهل اللغة أن المخابرة هي ~~المزارعة والاشتقاق يدل على ذلك ### ||| فصل # والذين جوزوا المزارعة منهم من اشترط أن يكون البذر من المالك وقالوا هذه ~~هي المزارعة فأما ان كان البذر من العامل لم PageV29P117 يجز وهذا إحدى ~~الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه وأصحاب مالك والشافعي حيث ~~يجوزون المزارعة # وحجة هؤلاء قياسها على المضاربة وبذلك احتج أحمد ايضا قال الكرماني قيل ~~لابى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رجل دفع أرضه إلى الأكار على الثلث أو ~~الربع قال لا بأس بذلك إذا ms8407 كان البذر من رب الأرض والبقر والحديد والعمل من ~~الأكار يذهب فيه مذهب المضاربة # ووجه ذلك ان البذر هو أصل الزرع كما ان المال هو أصل الربح فلابد ان يكون ~~البذر ممن له الأصل ليكون من أحدهما العمل ومن الآخر الأصل # والرواية الثانية عنه لا يشترط ذلك بل يجوز أن يكون البذر من العامل وقد ~~نقل عنه جماهير أصحابه اكثر من عشرين نفسا أنه يجوز أن يكري أرضه بالثلث أو ~~الربع كما عامل النبى صلى الله عليه وسلم أهل خيبر # فقالت طائفة من أصحابه كالقاضي أبى يعلى إذا دفع أرضه لمن يعمل عليها ~~ببذره بجزء من الزرع للمالك فان كان على وجه الاجارة جاز وإن كان على وجه ~~المزارعة لم يجز وجعلوا هذا التفريق تقريرا PageV29P118 لنصوصه لأنهم رأوا ~~في عامة نصوصه صرائح كثيرة جدا في جواز كراء الأرض بجزء من الخارج منها ~~ورأوا أن هذا هو ظاهر مذهبه عندهم من أنه لا يجوز في المزارعة أن يكون ~~البذر من المالك كالمضاربة ففرقوا بين باب المزارعة والمضاربة وباب الاجارة # وقال آخرون منهم أبو الخطاب معنى قوله في رواية الجماعة يجوز كراء الأرض ~~ببعض الخارج منها أراد به المزارعة والعمل من الأكار قال أبو الخطاب ~~ومتبعوه فعلى هذه الرواية إذا كان البذر من العامل فهو مستأجر للأرض ببعض ~~الخارج منها وان كان من صاحب الأرض فهو مستأجر للعامل بما شرط له قال فعلى ~~هذا ما يأخذه صاحب البذر يستحقه ببذره وما يأخذه من الأجرة يأخذه بالشرط # وما قاله هؤلاء من أن نصه على المكارى ببعض الخارج هو المزارعة على أن ~~يبذر الأكار هو الصحيح ولا يحتمل الفقه إلا هذا أو ان يكون نصه على جواز ~~المؤاجرة المذكورة يقتضي جواز المزارعة بطريق الأولى وجواز هذه المعاملة ~~مطلقا هو الصواب الذي لا يتوجه غيره أثرا ونظرا وهو ظاهر نصوص أحمد ~~المتواترة عنه واختيار طائفة من أصحابه # والقول الأول قول من اشترط أن يبذر رب الأرض وقول PageV29P119 من فرق بين ~~أن يكون اجارة أو مزارعة ms8408 هو في الضعف نظير من سوى بين الاجارة الخاصة ~~والمزارعة أو أضعف # أما بيان نص أحمد فهو أنه إنما جوز المؤاجرة ببعض الزرع استدلالا بقصة ~~معاملة النبى صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر ومعاملته لهم انما كانت مزارعة ~~لم تكن بلفظ الاجارة فمن الممتنع أن أحمد لا يجوز ما فعله النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا بلفظ اجارة ويمنع فعله باللفظ المشهور # وايضا فقد ثبت في الصحيح ( أن النبى صلى الله عليه وسلم شارط أهل خيبر ~~على أن يعملوها من أموالهم ( كما تقدم ولم يدفع إليهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذرا فاذا كانت المعاملة التى فعلها النبى صلى الله عليه وسلم إنما ~~كانوا يبذرون فيها من أموالهم فكيف يحتج بها أحمد على المزارعة ثم يقيس ~~عليها إذا كانت بلفظ الاجارة ثم يمنع الأصل الذي احتج به من المزارعة التى ~~بذر فيها العامل والنبى صلى الله عليه وسلم قد قال لليهود ( نقركم فيها ما ~~أقركم الله ( لم يشترط مدة معلومة حتى يقال كانت إجارة لازمة لكن أحمد حيث ~~قال في إحدى الروايتين إنه يشترط كون البذر من المالك فانما قاله متابعة ~~لمن أوجبه قياسا على المضاربة وإذا إفتى العالم بقول لحجة ولها معارض راجح ~~لم يستحضر حينئذ ذلك المعارض PageV29P120 الراجح ثم لما أفتى بجواز ~~المؤاجرة بثلث الزرع استدلالا بمزارعة خيبر فلا بد أن يكون في خيبر كان ~~البذر عنده من العامل والا لم يصح الاستدلال فان فرضنا أن أحمد فرق بين ~~المؤاجرة بجزء من الخارج وبين المزارعة ببذر العامل كما فرق بينهما طائفة ~~من أصحابه فمستند هذا الفرق ليس مأخذا شرعيا فان أحمد لا يرى اختلاف أحكام ~~العقود باختلاف العبارات كما يراه طائفة من أصحابه الذين يجوزون هذه ~~المعاملة بلفظ الاجارة ويمنعونها بلفظ المزارعة وكذلك يجوزون بيع ما في ~~الذمة بيعا حالا بلفظ البيع ويمنعونه بلفظ السلم لأنه يصير سلما حالا ونصوص ~~أحمد وأصوله تأبى هذا كما قدمناه عنه في مسألة صيغ العقود فان الاعتبار في ~~جميع التصرفات القولية بالمعانى ms8409 لا بما يحمل على الألفاظ كما تشهد به ~~أجوبته في الأيمان والنذور والوصايا وغير ذلك من التصرفات وان كان هو قد ~~فرق بينهما كما فرق طائفة من اصحابه فيكون هذا التفريق رواية عنه مرجوحة ~~كالرواية المانعة من الأمرين # وأما الدليل على جواز ذلك فالسنة والاجماع والقياس # أما السنة فما تقدم من معاملة النبى صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر على أن ~~يعتملوها من أموالهم ولم يدفع اليهم بذرا وكما عامل الأنصار المهاجرين على ~~أن البذر من عندهم قال حرب الكرمانى PageV29P121 حدثنا محمد بن نصر حدثنا ~~حسان بن إبراهيم عن حماد بن سلمة عن يحيى بن إسماعيل بن حكيم أن عمر بن ~~الخطاب أجلى أهل نجران وأهل فدك وأهل خيبر واستعمل يعلي بن منية فأعطي ~~العنب والنخل على أن لعمر الثلثين ولهم الثلث وأعطى البياض يعني بياض الأرض ~~على ان كان البذر والبقر والحديد من عند عمر فلعمر الثلثان ولهم الثلث وان ~~كان منهم فلعمر الشطر ولهم الشطر فهذا عمر رضي الله عنه ويعلى بن منية ~~عامله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمل في خلافته بتجويز كلا ~~الأمرين ان يكون البذر من رب الأرض وأن يكون من العامل وقال حرب حدثنا أبو ~~معن حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن الحارث بن حصيرة الأزدى عن صخر بن الوليد عن ~~عمرو بن صليع بن محارب قال جاء رجل إلى علي بن أبى طالب فقال ان فلانا أخذ ~~ارضا فعمل فيها وفعل فدعاه فقال ما هذه الأرض التى أخذت فقال أرض أخذتها ~~أكرى أنهارها وأعمرها وازرعها فما أخرج الله من شيء فلي النصف وله النصف ~~فقال لا بأس بهذا فظاهره أن البذر من عنده ولم ينهه علي عن ذلك ويكفى إطلاق ~~سؤاله وإطلاق علي الجواب # وأما القياس فقد قدمنا أن هذه المعاملة نوع من الشركة ليست PageV29P122 ~~من الاجارة الخاصة وان جعلت إجارة فهي من الاجارة العامة التى تدخل فيها ~~الجعالة والسبق والرمي وعلى التقديرين فيجوز أن يكون البذر منهما وذلك أن ~~البذر ms8410 في المزارعة ليس من الأصول التى ترجع إلى ربها كالثمن في المضاربة بل ~~البذر يتلف كما تتلف المنافع وإنما ترجع الأرض أو بدن البقرة والعامل فلو ~~كان البذر مثل رأس المال لكان الواجب أن يرجع مثله إلى مخرجه ثم يقتسمان ~~الفضل وليس الأمر كذلك بل يشتركان في جميع الزرع # فظهر أن الأصول فيها من أحد الجانبين هي الأرض بمائها وهوائها وبدن ~~العامل والبقر واكثر الحرث والبذر يذهب كما تذهب المنافع وكما تذهب أجزاء ~~من الماء والهواء والتراب فيستحيل زرعا والله سبحانه يخلق الزرع من نفس ~~الحب والتراب والماء والهواء كما يخلق الحيوان من ماء الأبوين بل ما يستحيل ~~في الزرع من أجزاء الأرض أكثر مما يستحيل من الحب والحب يستحيل فلا يبقي بل ~~يفلقه الله ويحيله كما يحيل أجزاء الماء والهواء وكما يحيل المني وسائر ~~مخلوقاته من الحيوان والمعدن والنبات # ولما وقع ما وقع من رأى كثير من الفقهاء اعتقدوا أن الحب والنوى في الزرع ~~والشجر هو الأصل والباقى تبع حتى قضوا في مواضع بأن يكون الزرع والشجر لرب ~~النوي والحب مع قلة قيمته ولرب PageV29P123 الأرض أجرة أرضه والنبى صلى ~~الله عليه وسلم إنما قضى بضد هذا حيث قال ( من زرع في أرض قوم بغير إذنهم ~~فليس له من الزرع شيء وله نفقته ( فأخذ أحمد وغيره من فقهاء الحديث بهذا ~~الحديث وبعض من أخذ به يرى أنه خلاف القياس وأنه من صور الاستحسان وهذا لما ~~انعقد في نفسه من القياس المتقدم وهو أن الزرع تبع للبذر والشجر تبع للنوي ~~وما جاءت به السنة هو القياس الصحيح الذي تدل عليه الفطرة فان إلقاء الحب ~~في الأرض بمنزلة إلقاء المنى في الرحم سواء ولهذا سمى الله النساء حرثا في ~~قوله تعالى @QB@ نساؤكم حرث لكم @QE@ كما سمى الأرض المزروعة حرثا والمغلب ~~في ملك الحيوان إنما هو جانب الأم ولهذا تبع الولد الآدمى أمه في الحرية ~~والرق دون أبيه ويكون جنين البهيمة لمالك الأم دون مالك الفحل الذي نهي عن ~~عسبه وذلك لأن الأجزاء ms8411 التى استمدها من الأم أضعاف الأجزاء التى استمدها من ~~الأب وإنما للأب حق الابتداء فقط ولا ريب أنه مخلوق منهما جميعا وكذلك الحب ~~والنوى فان الأجزاء التى خلق منها الشجر والزرع أكثرها من التراب والماء ~~والهواء وقد يؤثر ذلك في الأرض فتضعف بالزرع فيها لكن لما كانت هذه الأجزاء ~~تستخلف دائما فان الله سبحانه لا يزال يمد الأرض بالماء والهواء وبالتراب ~~إما مستحيلا من غيره وإما بالموجود ولا يؤثر في الأرض نقص الأجزاء الترابية ~~شيئا إما للخلف بالاستحالة وإما للكثرة PageV29P124 و لهذا صار يظهر أن ~~أجزاء الأرض في معنى المنافع بخلاف الحب والنوي الملقي فيها فانه عين ذاهبة ~~غير مستخلفة ولا يعوض عنها لكن هذا القدر لا يوجب أن يكون البذر هو الاصل ~~فقط فان العامل هو وبقره لابد له مدة العمل من قوت وعلف يذهب أيضا ورب ~~الأرض لا يحتاج إلى مثل ذلك ولذلك اتفقوا على أن البذر لا يرجع إلى ربه كما ~~يرجع في القراض ولو جرى عندهم مجرى الأصول لرجع # فقد تبين أن هذه المعاملة اشتملت على ثلاثة أشياء أصول باقية وهي الأرض ~~وبدن العامل والبقر والحديد ومنافع فانية وأجزاء فانية أيضا وهي البذر وبعض ~~أجزاء الأرض وبعض أجزاء العامل وبقره فهذه الأجزاء الفانية كالمنافع ~~الفانية سواء فتكون الخيرة اليهما فيمن يبذل هذه الأجزاء ويشتركان على أي ~~وجه شاءا ما لم يفض إلى بعض ما نهي عنه النبى صلى الله عليه وسلم من أنواع ~~الغرر أو الربا وأكل المال بالباطل ولهذا جوز أحمد سائر أنواع المشاركات ~~التي تشبه المساقاة والمزارعة مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرهما إلى ~~من يعمل عليها والأجرة بينهما ### ||| فصل # وهذا الذي ذكرناه من الاشارة إلى حكمة بيع الغرر وما يشبه PageV29P125 ~~ذلك يجمع اليسر في هذه الأبواب فانك تجد كثيرا ممن تكلم في هذه الأمور إما ~~أن يتمسك بما بلغه من ألفاظ يحسبها عامة أو مطلقة أو بضرب من القياس ~~المعنوي أو الشبهى فرضي الله عن أحمد حيث يقول ينبغي للمكتلم في ms8412 الفقه أن ~~يجتنب هذين الأصلين المجمل والقياس وقال أيضا أكثر ما يخطئ الناس من جهة ~~التأويل والقياس ثم هذا التمسك يفضي إلى ما لا يمكن اتباعه ألبتة # ومن هذا الباب بيع الديون دين السلم وغيره وأنواع من الصلح والوكالة وغير ~~ذلك ولولا أن الغرض ذكر قواعد كلية تجمع أبوابا لذكرنا أنواعا من هذا ### ||| فصل # القاعدة الثالثة في العقود والشروط فيها فيما يحل منها ويحرم وما يصح ~~منها ويفسد ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدا # والذي يمكن ضبطه فيها قولان # أحدهما أن يقال الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك الحظر إلا ما ورد ~~الشرع باجازته فهذا قول أهل الظاهر وكثير من أصول أبى حنيفة تنبنى على هذا ~~وكثير من أصول الشافعي وأصول PageV29P126 طائفة من أصحاب مالك وأحمد فان ~~أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس كما قاله ~~في إحدى الروايتين في وقف الانسان على نفسه وكذلك طائفة من أصحابه قد ~~يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد ويقولون ما خالف مقتضى العقد ~~فهو باطل أما أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقدا ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص ~~أو إجماع وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله وطردوا ذلك ~~طردا جاريا لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم # وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه لا يصحح في العقود شروطا يخالف مقتضاها ~~في المطلق وإنما يصحح الشرط في المعقود عليه اذا كان العقد مما يمكن فسخه ~~ولهذا أبطل ان يشترط في البيع خيار ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال ~~ولهذا منع بيع العين المؤجرة وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته ~~بإزالته وانما جوز الاجارة المؤخرة لأن الاجارة عنده لا توجب الملك الا عند ~~وجود المنفعة أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به أو أن يشترط المشتري بقاء ~~الثمر على الشجر وسائر الشروط التى يبطلها غيره ولم يصحح في النكاح شرطا ~~أصلا لأن النكاح عنده لا يقبل الفسخ ولهذا ms8413 لا ينفسخ عنده بعيب أو اعسار أو ~~نحوهما ولا يبطل بالشروط PageV29P127 الفاسدة مطلقا وانما صحح أبو حنيفة ~~خيار الثلاثة الأيام للأثر وهو عنده موضع استحسان # والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل لكنه يستثنى ~~مواضع للدليل الخاص فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث ولا استثناء منفعة ~~المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع حتى منع الاجارة المؤخرة لأن ~~موجبها وهو القبض لا يلي العقد ولا يجوز ايضا ما فيه منع المشتري من التصرف ~~المطلق الا العتق لما فيه من السنة والمعنى لكنه يجوز استثناء المنفعة ~~بالشرع كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه وكبيع الشجر مع استيفاء ~~الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك ويجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض ولا ~~يجوز اشتراطها دارها أو بلدها ولا أن يتزوج عليها ولا يتسرى ويجوز اشتراط ~~حريتها وإسلامها وكذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه كالجمال ~~ونحوه وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والاعسار وانفساخه بالشروط التى ~~تنافيه كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار بخلاف فساد المهر ونحوه # وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول لكنهم ~~يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي كالخيار أكثر من ثلاث وكاستثناء البائع ~~منفعة المبيع واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها PageV29P128 و لا ~~يزاحمها بغيرها ونحو ذلك من المصالح فيقولون كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو ~~باطل الا اذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين # وذلك أن نصوص أحمد تقتضى أنه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه ~~الشافعي فقد يوافقونه في الأصل ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى كما قد ~~يوافق هو أبا حنيفة في الأصل ويستثنى أكثر مما يستثنى للمعارض # وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر ويتوسعون في الشروط أكثر منهم ~~لقولهم بالقياس والمعانى وآثار الصحابة ولما يفهمونه من معانى النصوص التى ~~ينفردون بها عن أهل الظاهر # وعمدة هؤلاء قصة بريرة المشهورة وهو ما خرجاه في الصحيحين عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت ( جاءتنى بريرة فقالت كاتبت أهلى على ms8414 تسع أواق في كل عام ~~أوقية فأعينيني فقلت أن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت فذهبت ~~بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جالس فقالت إنى قد عرضت ذلك عليهم فأبوا الا أن يكون لهم الولاء ~~فأخبرت عائشة النبى صلى الله عليه وسلم فقال خذيها واشترطي لهم الولاء ~~فانما الولاء لمن أعتق PageV29P129 ففعلت عائشة ثم قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد ما بال رجال ~~يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ~~وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق ( # وفى رواية للبخاري ( اشتريها فأعتقيها وليشترطوا ما شاؤوا فاشترتها ~~فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها فقال النبى صلى الله عليه وسلم الولاء لمن ~~أعتق وان اشترطوا مائة شرط ( وفى لفظ ( شرط الله أحق وأوثق ( وفي الصحيحين ~~عن عبد الله بن عمر ( أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية لتعتقها ~~فقال أهلها نبيعكها على أن ولاءها لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لا يمنعك ذلك فانما الولاء لمن أعتق ( وفي مسلم عن أبى هريرة رضي ~~الله عنه قال ( أرادت عائشة أن تشترى جارية فتعتقها فأبى أهلها إلا أن يكون ~~لهم الولاء فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يمنعك ذلك ~~فانما الولاء لمن اعتق ( # ولهم من هذا الحديث حجتان # إحداهما قوله ( ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ( فكل شرط ليس ~~في القرآن ولا في الحديث ولا في PageV29P130 الاجماع فليس في كتاب الله ~~بخلاف ما كان في السنة أو في الاجماع فانه في كتاب الله بواسطة دلالته على ~~اتباع السنة والاجماع # ومن قال بالقياس وهو الجمهور قالوا إذا دل على صحته القياس المدلول عليه ~~بالسنة أو بالاجماع المدلول عليه بكتاب الله فهو في كتاب الله ms8415 # والحجة الثانية أنهم يقيسون جميع الشروط التى تنافى موجب العقد على ~~اشتراط الولاء لأن العلة فيه كونه مخالفا لمقتضى العقد وذلك لأن العقود ~~توجب مقتضياتها بالشرع فيعتبر تغييرها تغييرا لما أوجبه الشرع بمنزلة تغيير ~~العبادات وهذا نكتة القاعدة وهي أن العقود مشروعة على وجه فاشتراط ما يخالف ~~مقتضاها تغيير للمشروع ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي في أحد القولين ~~لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطا يخالف مقتضاها فلا يجوزون للمحرم أن ~~يشترط الاحلال بالعذر متابعة لعبدالله بن عمر حيث كان ينكر الاشتراط في ~~الحج ويقول أليس حسبكم سنة نبيكم وقد استدلوا على هذا الأصل بقوله تعالى ~~@QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ وقوله @QB@ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون @QE@ # قالوا فالشروط والعقود التى لم تشرع تعد لحدود الله وزيادة PageV29P131 ~~في الدين # وما أبطله هؤلاء من الشروط التى دلت النصوص على جوازها بالعموم أو ~~بالخصوص قالوا ذلك منسوخ كما قاله بعضهم في شروط النبى صلى الله عليه وسلم ~~مع المشركين عام الحديبية أو قالوا هذا عام أو مطلق فيخص بالشرط الذي في ~~كتاب الله # واحتجوا أيضا بحديث يروى في حكاية عن أبى حنيفة وبن أبي ليلي وشريك ( أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط ( وقد ذكره جماعة من المصنفين في ~~الفقه ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث وقد انكره أحمد وغيره من العلماء ~~وذكروا أنه لا يعرف وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه وأجمع الفقهاء المعروفون ~~من غير خلاف أعلمه من غيرهم أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه كاشتراط كون ~~العبد كاتبا أو صانعا أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك شرط صحيح # القول الثانى أن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة ولا يحرم منها ~~ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وابطاله نصا أو قياسا عند من يقول به ~~وأصول أحمد المنصوصة عنه اكثرها يجرى على هذا القول ومالك قريب منه لكن ~~أحمد أكثر تصحيحا PageV29P132 للشروط فليس في الفقهاء الأربعة اكثر تصحيحا ~~للشروط منه # وعامة ما ms8416 يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يثبته بدليل خاص من أثر أو ~~قياس لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعا من الصحة ولا يعارض ذلك بكونه شرطا ~~يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص وكان قد بلغه في العقود والشروط من ~~الآثار عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة ما لا تجده عند غيره من ~~الأئمة فقال بذلك وبما في معناه قياسا عليه وما اعتمده غيره في ابطال ~~الشروط من نص فقد يضعفه أو يضعف دلالته وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس ~~وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التى سنذكرها في تصحيح ~~الشروط كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقا فمالك يجوزه بقدر الحاجة واحمد في ~~احدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضا ويجوزه بن حامد وغيره ~~في الضمان ونحوه ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع ~~العقود واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الاطلاق فاذا كان لها مقتضى عند ~~الاطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط والنقص منه بالشرط ما لم يتضمن مخالفة ~~الشرع كما سأذكره ان شاء الله # فيجوز للبائع أن يستثنى بعض منفعة المبيع كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ~~ذلك إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك PageV29P133 الغير ~~اتباعا لحديث جابر لما باع النبى صلى الله عليه وسلم جمله واستثنى ظهره إلى ~~المدينة ويجوز ايضا للمعتق أن يستثنى خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد ~~أو غيرهما اتباعا لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة واشترطت عليه خدمة النبى ~~صلى الله عليه وسلم ما عاش # ويجوز على عامة أقواله أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها كما في حديث صفية ~~وكما فعله أنس بن مالك وغيره وان لم ترض المرأة كأنه أعتقها واستثنى منفعة ~~البضع لكنه استثناها بالنكاح إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز بخلاف منفعة ~~الخدمة # ويجوز أيضا للواقف إذا وقف شيئا ان يستثنى منفعته وغلته جميعها لنفسه ~~لمدة حياته كما روى عن الصحابة انهم فعلوا ذلك وروى فيه حديث مرسل ms8417 عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم وهل يجوز وقف الانسان على نفسه فيه عنه روايتان # ويجوز أيضا على قياس قوله استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة والصداق ~~وفدية الخلع والصلح على القصاص ونحو ذلك من أنواع اخراج الملك سواء كان ~~باسقاط كالعتق أو بتمليك بعوض كالبيع أو بغير عوض كالهبة PageV29P134 # ويجوز أحمد ايضا في النكاح عامة الشروط التى للمشترط فيها غرض صحيح لما ~~في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ان أحق الشروط أن توفوا ~~به ما استحللتم به الفروج ( ومن قال بهذا الحديث قال إنه يقتضي أن الشروط ~~في النكاح أوكد منها في البيع والاجارة وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في ~~البيع دون النكاح فيجوز أحمد أن تستثنى المرأة ما يملكه الزوج بالاطلاق ~~فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها وتزيد على ما يملكه بالاطلاق ~~فتشترط أن تكون مخلية به فلا يتزوج عليها ولا يتسرى # ويجوز على الرواية المنصوصة عنه المصححة عند طائفة من أصحابه أن يشترط كل ~~واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة كاليسار والجمال ونحو ذلك ويملك الفسخ ~~بفواته وهو من اشد الناس قولا بفسخ النكاح وانفساخه فيجوز فسخه بالعيب كما ~~لو تزوج عليها وقد شرطت عليه أن لا يتزوج عليها وبالتدليس كما لو ظنها حرة ~~فظهرت أمة وبالخلف في الصفة على الصحيح كما لو شرط الزوج أن له مالا فظهر ~~بخلاف ما ذكر وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية لمقصوده كالتوقيت ~~واشتراط الطلاق وهل يبطل بفساد المهر كالخمر والميتة ونحو ذلك فيه عنه ~~روايتان إحداهما نعم كنكاح الشغار PageV29P135 وهو رواية عن مالك والثانية ~~لاينفسخ لأنه تابع وهو عقد مفرد كقول أبي حنيفة والشافعي # وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلا أو تركا في المبيع مما ~~هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه وان كان اكثر متأخرى أصحابه لايجوزون من ~~ذلك إلا العتق وقد يروى ذلك عنه لكن الأول اكثر في كلامه ففي جامع الخلال ~~عن أبى طالب سألت أحمد ms8418 عن رجل اشترى جارية فشرط ان يتسرى بها تكون جارية ~~نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة قال لا بأس به وقال مهنا ~~سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له إذا أردت بيعها فأنا ~~أحق بها بالثمن الذى تأخذها به مني قال لا بأس به ولكن لا يطؤها ولا يقربها ~~وله فيها شرط لأن بن مسعود قال لرجل لاتقربنها ولأحد فيها شرط وقال حنبل ~~حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن ~~عبد الله بن عتبة أن بن مسعود اشترى جارية من امرأته وشرط لها ان باعها فهي ~~لها بالثمن الذى اشتراها به فسأل بن مسعود عن ذلك عمر بن الخطاب فقال ~~لاتنكحها وفيها شرط وقال حنبل قال عمي كل شرط في فرج فهو على هذا والشرط ~~الواحد في البيع جائز إلا ان عمر كره لابن مسعود PageV29P136 أن يطأها لأنه ~~شرط لامرأته الذي شرط فكره عمر ان يطأها وفيها شرط وقال الكرمانى سألت أحمد ~~عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لايبيعها ولا يهبها فكأنه رخص فيه ~~ولكنهم ان اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن فلا يقربها يذهب إلى ~~حديث عمر بن الخطاب حين قال لعبد الله بن مسعود # فقد نص في غير موضع على أنه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلا ردها إلى ~~البائع بالثمن الأول كالمقايلة واكثر المتأخرين من أصحابه على القول المبطل ~~لهذا الشرط وربما تأولوا قوله ( جائز ( أي العقد جائز وبقية نصوصه تصرح بأن ~~مراده ( الشرط ( أيضا واتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر وبن مسعود وزينب ~~امرأة عبد الله ثلاثة من الصحابة وكذلك اشتراط المبيع فلا يبيعه ولايهبه أو ~~يتسراها ونحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد كما روى عمر بن شبة في أخبار ~~عثمان انه اشترى من صهيب دارا وشرط ان يقفها على صهيب وذريته من بعده # وجماع ذلك أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة فكما ms8419 جاز بالاجماع استثناء ~~بعض المبيع وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه جوز ايضا استثناء بعض ~~التصرفات # وعلى هذا فمن قال هذاالشرط ينافى مقتضى العقد قيل له PageV29P137 أينافى ~~مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقا فان أراد الأول فكل شرط كذلك وان ~~أراد الثانى لم يسلم له وإنما المحذور ان ينافي مقصود العقد كاشتراط الطلاق ~~في النكاح أو اشتراط الفسخ في العقد فأما اذا شرط ما يقصد بالعقد لم يناف ~~مقصوده هذا القول هو الصحيح بدلالة الكتاب والسنة والاجماع والاعتبار مع ~~الاستصحاب وعدم الدليل المنافي أما الكتاب فقال الله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا أوفوا بالعقود @QE@ والعقود هي العهود وقال تعالى @QB@ وإذا ~~قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد كانوا عاهدوا ~~الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا @QE@ فقد أمر سبحانه ~~بالوفاء بالعقود وهذا عام وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله وبالعهد وقد دخل في ~~ذلك ما عقده المرء على نفسه بدليل قوله @QB@ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ~~@QE@ فدل على ان عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه وان لم يكن الله ~~قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد كالنذر والبيع إنما أمر بالوفاء به ~~ولهذا قرنه بالصدق في قوله @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد ~~الله أوفوا @QE@ لأن العدل في القول خبر يتعلق بالماضى والحاضر والوفاء ~~بالعهد يكون في القول المتعلق بالمستقبل كما PageV29P138 قال تعالى @QB@ ~~ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما ~~آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون @QE@ وقال سبحانه @QB@ ~~واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام @QE@ قال المفسرون كالضحاك وغيره ~~تساءلون به تتعاهدون وتتعاقدون وذلك لأن كل واحد من المتعاقدين يطلب من ~~الآخر ما أوجبه العقد من فعل أو ترك أو مال أو نفع ونحو ذلك ms8420 وجمع سبحانه في ~~هذه الآية وسائر السورة أحكام الأسباب التى بين بنى آدم المخلوقة كالرحم ~~والمكسوبة كالعقود التى يدخل فيها الصهر وولاية مال اليتيم ونحو ذلك # وقال سبحانه @QB@ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم @QE@ ~~والأيمان جمع يمين وكل عقد فانه يمين قيل سمى بذلك لأنهم كانوا يعقدونه ~~بالمصافحة باليمين يدل على ذلك قوله @QB@ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم ~~لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن ~~الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون كيف يكون ~~للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين كيف وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة @QE@ PageV29P139 والال هو القرابة والذمة العهد ~~وهما المذكوران في قوله @QB@ تساءلون به والأرحام @QE@ إلى قوله @QB@ لا ~~يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة @QE@ فذمهم الله على قطيعة الرحم ونقض الذمة ~~إلى قوله @QB@ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم @QE@ وهذه نزلت في كفار مكة ~~لما صالحهم النبى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ثم نقضوا العهد باعانة ~~بني بكر على خزاعة # وأما قوله سبحانه @QB@ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين @QE@ فتلك عهود جائزة لا لازمة فانها كانت مطلقة وكان مخيرا بين ~~إمضائها ونقضها كالوكالة ونحوها # ومن قال من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الهدنة لا تصح الا مؤقتة فقوله ~~مع أنه مخالف لأصول أحمد يرده القرآن وترده سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أكثر المعاهدين فانه لم PageV29P140 يوقت معهم ms8421 وقتا # فأما من كان عهده موقتا فلم يبح له نقضه بدليل قوله @QB@ إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين @QE@ وقال @QB@ إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب ~~المتقين @QE@ وقال @QB@ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء @QE@ ~~فانما أباح النبذ عند ظهور أمارات الخيانة لأن المحذور من جهتهم وقال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون @QE@ الآية وجاء أيضا في ~~صحيح مسلم عن أبى موسى الأشعرى ان في القرآن الذي نسخت تلاوته سورة كانت ~~كبراءة يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم ~~فتسألون عنها يوم القيامة وقال تعالى @QB@ والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون @QE@ في سورتى المؤمنون والمعارج وهذا من صفة المستثنين من الهلع ~~المذموم بقوله @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه ~~الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق ~~معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم ~~مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ~~والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون @QE@ PageV29P141 وهذا يقتضى وجوب ذلك ~~لأنه لم يستثن من المذموم إلا من اتصف بجميع ذلك ولهذا لم يذكر فيها إلا ما ~~هو واجب وكذلك في سورة المؤمنين قال في أولها @QB@ أولئك هم الوارثون الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون @QE@ فمن لم يتصف بهذه الصفات لم يكن من ~~الوارثين لأن ظاهر الآية الحصر فان إدخال الفصل بين المبتدأ والخبر يشعر ~~بالحصر ومن لم يكن من وارثى الجنة كان معرضا للعقوبة الا ان يعفو الله عنه ~~وإذا كانت رعاية العهد واجبة فرعايته هي الوفاء به # ولما جمع الله بين العهد والأمانة جعل النبى صلى الله عليه وسلم ضد ذلك ms8422 ~~صفة المنافق في قوله ( إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم ~~فجر ( وعنه ( على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب ( وما زالوا يوصون ~~بصدق الحديث وأداء الامانة وهذا عام وقال تعالى @QB@ وما يضل به إلا ~~الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل @QE@ فذمهم على نقض عهد الله وقطع ما أمر الله بصلته لأن الواجب إما ~~بالشرع وإما بالشرط الذي عقده المرء باختياره وقال أيضا @QB@ الذين يوفون ~~بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ~~ربهم ويخافون سوء الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا من ما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى ~~الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار والذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار @QE@ PageV29P142 # وقال @QB@ أو كلما ~~عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون @QE@ وقال @QB@ ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ~~ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا أولئك هم المتقون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون بلى من أوفى بعهده واتقى ~~فإن الله يحب المتقين @QE@ وقال @QB@ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ~~يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم @QE@ وقال PageV29P143 تعالى @QB@ ~~ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ms8423 واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تشكرون @QE@ # والأحاديث في هذا كثيرة مثل ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت ~~فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد ~~أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ( وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة ( وفى ~~صحيح مسلم عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لكل غادر لواء ~~عند أسته يوم القيامة ( وفى رواية ( لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به ~~بقدر غدرته ألا ولا غادر أعظم غدرة من أمير عامة ( وفى صحيح مسلم عن بريدة ~~بن الحصيب قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش ~~أو سرية اوصاه في خاصته بتقوى الله وفيمن معه من المسلمين خيرا ( ثم قال ( ~~اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا ~~تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ~~ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم الحديث ~~PageV29P144 فنهاهم عن الغدر كما نهاهم عن الغلول # وفي الصحيحين عن بن عباس عن أبى سفيان بن حرب لما سأله هرقل عن صفة النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( هل يغدر فقال لا يغدر ونحن معه في مدة لا ندري ما هو ~~صانع فيها قال ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا إلا هذه الكلمة وقال هرقل في ~~جوابه سألتك هل يغدر فذكرت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر ( فجعل هذا صفة ~~لازمة للمرسلين # وفى الصحيحين عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن ~~أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ( فدل على استحقاق الشروط ~~بالوفاء وأن شروط النكاح أحق بالوفاء ms8424 من غيرها # وروى البخارى عن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ~~( قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بى ثم غدر ورجل باع ~~حرا ثم أكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره ( فذم الغادر ~~وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء ~~بالعهود والشروط والمواثيق PageV29P145 و العقود وبأداء الأمانة ورعاية ذلك ~~والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك # ولما كان الأصل فيها الحظر والفساد الا ما أباحه الشرع لم يجز ان يؤمر ~~بها مطلقا ويذم من نقضها وغدر مطلقا كما ان قتل النفس لما كان الأصل فيه ~~الحظر إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه لم يجز ان يؤمر بقتل النفوس ويحمل على ~~القدر المباح بخلاف ما كان جنسه واجبا كالصلاة والزكاة فانه يؤمر به مطلقا ~~وان كان لذلك شروط وموانع فينهى عن الصلاة بغير طهارة وعن الصدقة بما يضر ~~النفس ونحو ذلك وكذلك الصدق في الحديث مأمور به وان كان قد يحرم الصدق ~~أحيانا لعارض ويجب السكوت أو التعريض # واذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به علم ان الأصل صحة العقود ~~والشروط اذ لا معني للتصحيح الا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده ومقصود ~~العقد هو الوفاء به فاذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل ~~فيها الصحة والاباحة # وقد روي أبو داود والدارقطنى من حديث سليمان بن بلال حدثنا كثير بن زيد ~~عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة قال PageV29P146 قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ~~والمسلمون على شروطهم ( وكثير بن زيد قال يحيى بن معين في رواية هو ثقة ~~وضعفه في رواية أخرى # وقد روى الترمذي والبزار من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ~~عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms8425 قال ( الصلح جائز بين ~~المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم الا شرطا ~~حرم حلالا أو أحل حراما ( قال الترمذى حديث حسن صحيح وروى بن ماجه منه ~~اللفظ الأول لكن كثير بن عمرو ضعفه الجماعة وضرب أحمد على حديثه في المسند ~~فلم يحدث به فلعل تصحيح الترمذي له لروايته من وجوه وقد روى أبو بكر البزار ~~ايضا عن محمد بن عبد الرحمن بن السلمانى عن أبيه عن بن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( الناس على شروطهم ما وافقت الحق ( وهذه الأسانيد ~~وان كان الواحد منها ضعيفا فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضا # وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة وهو حقيقة المذهب فان المشترط ~~ليس له أن يبيح ما حرمه الله ولا يحرم ما PageV29P147 أباحه الله فان شرطه ~~حينئذ يكون مبطلا لحكم الله وكذلك ليس له ان يسقط ما أوجبه الله وانما ~~المشترط له ان يوجب بالشرط ما لم يكن واجبا بدونه فمقصود الشروط وجوب ما لم ~~يكن واجبا ولا حراما وعدم الايجاب ليس نفيا للايجاب حتى يكون المشترط ~~مناقضا للشرع وكل شرط صحيح فلابد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبا فان ~~المتبايعين يجب لكل منهما على الأخر من الاقباض ما لم يكن واجبا ويباح ايضا ~~لكل منهما ما لم يكن مباحا ويحرم على كل منهما ما لم يكن حراما وكذلك كل من ~~المتآجرين والمتناكحين وكذلك اذا اشترط صفة في المبيع أو رهنا أو اشترطت ~~المرأة زيادة على مهر مثلها فانه يجب ويحرم ويباح بهذا الشرط ما لم يكن ~~كذلك # وهذا المعني هو الذي أوهم من اعتقد ان الأصل فساد الشروط قال لأنها إما ~~ان تبيح حراما أو تحرم حلالا أو توجب ساقطا أو تسقط واجبا وذلك لا يجوز إلا ~~باذن الشارع وقد وردت شبهة عند بعض الناس حتى توهم أن هذا الحديث متناقض ~~وليس كذلك بل كل ما كان حراما بدون الشرط فالشرط لا يبيحه كالربا وكالوطء ~~في ملك ms8426 الغير وكثبوت الولاء لغير المعتق فان الله حرم الوطء إلا بملك نكاح ~~أو ملك يمين فلو اراد رجل أن يعير أمته لآخر للوطء لم يجز له ذلك بخلاف ~~إعارتها للخدمة فانه جائز وكذلك الولاء PageV29P148 فقد ( نهى النبى صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته ( وجعل الله الولاء كالنسب يثبت ~~للمعتق كما يثبت النسب للوالد وقال صلى الله عليه وسلم من ادعى إلى غير ~~أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل ~~الله منه صرفا ولا عدلا ( وأبطل الله ما كانوا عليه في الجاهلية من تبنى ~~الرجل بن غيره أو انتساب المعتق إلى غير مولاه فهذا امر لا يجوز فعله بغير ~~شرط فلا يبيح الشرط منه ما كان حراما # وأما ما كان مباحا بدون الشرط فالشرط يوجبه كالزيادة في المهر والثمن ~~والمثمن والرهن وتأخير الاستيفاء فان الرجل له أن يعطي المرأة وله أن يتبرع ~~بالرهن وبالانظار ونحو ذلك فاذا شرطه صار واجبا واذا وجب فقد حرمت المطالبة ~~التى كانت حلالا بدونه لأن المطالبة لم تكن حلالا مع عدم الشرط فان الشارع ~~لم يبح مطالبة المدين مطلقا فما كان حلالا وحراما مطلقا فالشرط لا يغيره # وأما ما أباحه الله في حال مخصوصة ولم يبحه مطلقا فاذا حوله الشرط عن تلك ~~الحال لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله وكذلك ما حرمه الله في حال مخصوصة ~~ولم يحرمه مطلقا لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله وان كان بدون الشرط ~~يستصحب حكم الاباحة PageV29P149 و التحريم لكن فرق بين ثبوت الاباحة ~~والتحريم بالخطاب وبين ثبوته بمجرد الاستصحاب # فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع ~~وآثار الصحابة توافق ذلك كما قال عمر رضي الله عنه مقاطع الحقوق عند الشروط # وأما الاعتبار فمن وجوه # أحدها ان العقود والشروط من باب الأفعال العادية والأصل فيها عدم التحريم ~~فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم كما ان الأعيان الأصل ~~فيها عدم التحريم ms8427 وقوله تعالى @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم @QE@ عام في ~~الأعيان والأفعال وإذا لم تكن حراما لم تكن فاسدة لأن الفساد إنما ينشأ من ~~التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة # وايضا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حله ~~بعينه وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة وان انتفاء دليل التحريم دليل ~~على عدم التحريم فثبت بالاستصحاب العقلى وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم ~~فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوا كالاعيان التى لم تحرم PageV29P150 و غالب ~~ما يستدل به على ان الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة ~~والأقيسة الصحيحة والاستصحاب العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله فانه ~~يستدل ايضا به على عدم تحريم العقود والشروط فيها سواء سمي ذلك حلالا أو ~~عفوا على الاختلاف المعروف بين أصحابنا وغيرهم فان ما ذكره الله تعالى في ~~القرآن من ذم الكفار على التحريم بغير شرع منه ما سببه تحريم الأعيان ومنه ~~ما سببه تحريم الأفعال كما كانوا يحرمون على المحرم لبس ثيابه والطواف فيها ~~إذا لم يكن أحمسيا ويأمرونه بالتعري إلا أن يعيره أحمسي ثوبه ويحرمون عليه ~~الدخول تحت سقف كما كان الانصار يحرمون إتيان الرجل امرأته في فرجها إذا ~~كانت مجبية ويحرمون الطواف بالصفا والمروة وكانوا مع ذلك قد ينقضون العهود ~~التى عقدوها بلا شرع فأمرهم الله سبحانه في سورة النحل وغيرها بالوفاء بها ~~إلا ما اشتمل على محرم # فعلم ان العهود يجب الوفاء بها إذا لم تكن محرمة وإن لم يثبت حلها بشرع ~~خاص كالعهود التى عقدوها في الجاهلية وأمروا بالوفاء بها وقد نبهنا على هذه ~~القاعدة فيما تقدم وذكرنا أنه لا يشرع إلا ما شرعه الله ولا يحرم إلا ما ~~حرمه الله لأن الله ذم المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ~~وحرموا ما لم يحرمه الله فاذا حرمنا العقود والشروط التى تجري بين الناس في ~~معاملاتهم العادية بغير دليل PageV29P151 شرعي كنا محرمين ما لم يحرمه الله ~~بخلاف العقود التى ms8428 تتضمن شرع دين لم يأذن به الله فان الله قد حرم ان يشرع ~~من الدين ما لم يأذن به فلا يشرع عبادة إلا بشرع الله ولا يحرم عادة إلا ~~بتحريم الله والعقود في المعاملات هي من العادات يفعلها المسلم والكافر وإن ~~كان فيها قربة من وجه آخر فليست من العبادات التى يفتقر فيها إلى شرع ~~كالعتق والصدقة # فان قيل العقود تغير ما كان مشروعا لأن ملك البضع أو المال إذا كان ثابتا ~~على حال فعقد عقدا أزاله عن تلك الحال فقد غير ما كان مشروعا بخلاف الأعيان ~~التى لم تحرم فانه لا تغير في إباحتها # فيقال لا فرق بينهما وذلك ان الأعيان إما ان تكون ملكا لشخص أو لا تكون ~~فان كانت ملكا فانتقالها بالبيع أو غيره لا يغيرها وهو من باب العقود وإن ~~لم تكن ملكا فملكها بالاستيلاء ونحوه هو فعل من الأفعال مغير لحكمها بمنزلة ~~العقود # وايضا فانها قبل الذكاة محرمة فالذكاة الواردة عليها بمنزلة العقد الوارد ~~على المال فكما أن أفعالنا في الأعيان من الأخذ والذكاة الأصل فيها الحل ~~وان غير حكم العين فكذلك أفعالنا في الأملاك بالعقود PageV29P152 و نحوها ~~الأصل فيها الحل وان غيرت حكم الملك له # وسبب ذلك ان الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع ~~الثابت بالنكاح نحن احدثنا أسباب تلك الأحكام والشارع أثبت الحكم لثبوت ~~سببه منا لم يثبته ابتداء كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات ~~المبتدأة فاذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم ولم يحرم الشارع علينا رفعه لم ~~يحرم علينا رفعه فمن اشتري عينا فالشارع أحلها له وحرمها على غيره لاثباته ~~سبب ذلك وهو الملك الثابت بالبيع وما لم يحرم الشارع عليه رفع ذلك فله أن ~~يرفع ما أثبته على أي وجه أحب ما لم يحرمه الشارع عليه كمن أعطى رجلا مالا ~~فالأصل ان لا يحرم عليه التصرف فيه وان كان مزيلا للملك الذي أثبته المعطي ~~ما لم يمنع منه مانع # وهذه نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها وهو أن الأحكام ms8429 الجزئية من حل ~~هذا المال لزيد وحرمته على عمرو لم يشرعها الشارع شرعا جزئيا وإنما شرعها ~~شرعا كليا مثل قوله @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ وقوله @QB@ وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم @QE@ وقوله @QB@ فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء مثنى وثلاث ورباع @QE@ وهذا الحكم الكلي ثابت سواء وجد هذا البيع ~~المعين أو لم يوجد فاذا وجد بيع معين أثبت ملكا معينا فهذا المعين سببه ~~PageV29P153 فعل العبد فاذا رفعه العبد فانما رفع ما أثبته هو بفعله لا ما ~~أثبته الله من الحكم الكلي إذ ما أثبته الله من الحكم الجزئى إنما هو تابع ~~لفعل العبد سببه فقط لا أن الشارع أثبته ابتداء # وانما توهم بعض الناس أن رفع الحقوق بالعقود والفسوخ مثل نسخ الأحكام ~~وليس كذلك فان الحكم المطلق لا يزيله إلا الذي أثبته وهو الشارع وأما هذا ~~المعين فانما ثبت لأن العبد أدخله في المطلق فادخاله في المطلق إليه فكذلك ~~إخراجه إذ الشارع لم يحكم عليه في المعين بحكم أبدا مثل أن يقول هذا الثوب ~~بعه أو لا تبعه أو هبه أو لا تهبه وإنما حكم على المطلق الذي إذا أدخل فيه ~~المعين حكم على المعين # فتدبر هذا وفرق بين تغيير الحكم المعين الخاص الذي أثبته العبد بادخاله ~~في المطلق وبين تغيير الحكم العام الذى أثبته الشارع عند وجود سببه من ~~العبد وإذا ظهر ان العقود لا يحرم منها الا ما حرمه الشارع فانما وجب ~~الوفاء بها لايجاب الشارع الوفاء بها مطلقا إلا ما خصه الدليل على أن ~~الوفاء بها من الواجبات التى اتفقت عليها الملل بل والعقلاء جميعهم وقد ~~أدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي ففعلها ابتداء لا يحرم ~~إلا بتحريم الشارع والوفاء بها وجب لايجاب الشارع إذا ولايجاب العقل ايضا ~~PageV29P154 # وايضا فان الأصل في العقود رضى المتعاقدين وموجبها هو ما أوجباه على ~~أنفسهما بالتعاقد لأن الله قال في كتابه العزيز @QB@ إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم @QE@ وقال @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه ms8430 نفسا فكلوه هنيئا مريئا ~~@QE@ فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه فدل على أنه سبب له ~~وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب فدل على ان ذلك الوصف سبب لذلك الحكم وإذا ~~كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق فكذلك سائر التبرعات قياسا عليه ~~بالعلة المنصوصة التى دل عليها القرآن وكذلك قوله @QB@ إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم @QE@ لم يشترط في التجارة إلا التراضي وذلك يقتضي أن التراضي ~~هو المبيح للتجارة واذا كان كذلك فاذا تراضى المتعاقدان بتجارة أو طابت نفس ~~المتبرع بتبرع ثبت حله بدلالة القرآن إلا ان يتضمن ما حرمه الله ورسوله ~~كالتجارة في الخمر ونحو ذلك # وايضا فان العقد له حالان حال اطلاق وحال تقييد ففرق بين العقد المطلق ~~وبين المعني المطلق من العقود فاذا قيل هذا شرط ينافى مقتضى العقد فان أريد ~~به ينافي العقد المطلق فكذلك كل شرط زائد وهذا لا يضره وإن أريد ينافي ~~مقتضى العقد المطلق والمقيد احتاج إلى دليل على ذلك وانما يصح هذا إذا نافى ~~مقصود العقد PageV29P155 # فان العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره وشرط فيه ما ينافى ذلك ~~المقصود فقد جمع بين المتناقضين بين إثبات المقصود ونفيه فلا يحصل شيء ومثل ~~هذا الشرط باطل بالاتفاق بل هو مبطل للعقد عندنا # والشروط الفاسدة قد تبطل لكونها قد تنافي مقصود الشارع مثل اشتراط الولاء ~~لغير المعتق فان هذا لا ينافي مقتضى العقد ولا مقصوده فان مقصوده الملك ~~والعتق قد يكون مقصودا للعقد فان اشتراء العبد لعتقه يقصد كثيرا فثبوت ~~الولاء لا ينافى مقصود العقد وانما ينافى كتاب الله وشرطه كما بينه النبى ~~صلى الله عليه وسلم بقوله ( كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ( فاذا كان الشرط ~~منافيا لمقصود العقد كان العقد لغوا وإذا كان منافيا لمقصود الشارع كان ~~مخالفا لله ورسوله فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما فلم يكن لغوا ولا ~~اشتمل على ما حرمه الله ورسوله فلا وجه لتحريمه بل الواجب حله لأنه عمل ~~مقصود ms8431 للناس يحتاجون إليه إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه فان الاقدام على ~~الفعل مظنة الحاجة إليه ولم يثبت تحريمه فيباح لما في الكتاب والسنة مما ~~يرفع الحرج # وايضا فان العقود والشروط لا تخلو إما ان يقال لا تحل ولا تصح إن لم يدل ~~على حلها دليل شرعي خاص من نص أو اجماع او PageV29P156 قياس عند الجمهور ~~كما ذكرناه من القول الأول أو يقال لا تحل وتصح حتى يدل على حلها دليل سمعي ~~وإن كان عاما أو يقال تصح ولا تحرم إلا ان يحرمها الشارع بدليل خاص أو عام # والقول الأول باطل لأن الكتاب والسنة دلا على صحة العقود والقبوض التى ~~وقعت في حال الكفر وأمر الله بالوفاء بها إذا لم يكن فيها بعد الاسلام شيء ~~محرم فقال سبحانه في آية الربا @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ~~ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين @QE@ فأمرهم بترك ما بقى لهم من الربا في ~~الذمم ولم يأمرهم برد ما قبضوه بعقد الربا بل مفهوم الآية الذي اتفق العمل ~~عليه يوجب أنه غير منهي عنه وكذلك النبى صلى الله عليه وسلم أسقط عام حجة ~~الوداع الربا الذي في الذمم ولم يأمرهم برد المقبوض وقال صلى الله عليه ~~وسلم أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وأيما قسم أدركه الاسلام فهو ~~على قسم الاسلام ( وأقر الناس على أنكحتهم التى عقدوها في الجاهلية ولم ~~يستفصل أحدا هل عقد به في عدة أو غير عدة بولي أو بغير ولي بشهود أو بغير ~~شهود ولم يأمر أحدا بتجديد نكاح ولا بفراق امرأته إلا ان يكون السبب المحرم ~~موجودا حين الاسلام كما أمر غيلان بن سلمة الثقفى الذي أسلم وتحته عشر نسوة ~~أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن وكما أمر فيروز الديلمى PageV29P157 الذي أسلم ~~وتحته أختان ( ان يختار إحداهما ويفارق الأخرى ( وكما أمر الصحابة من أسلم ~~من المجوس ( ان يفارقوا ذوات المحارم ( ولهذا اتفق المسلمون على ان العقود ~~التى عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الاسلام إذا ms8432 لم تكن محرمة على المسلمين ~~وإن كان الكفار لم يعقدوها باذن الشارع ولو كانت العقود عندهم كالعبادات لا ~~تصح إلا بشرع لحكموا بفسادها أو بفساد ما لم يكن أهله مستمسكين فيه بشرع # فإن قيل فقد اتفق فقهاء الحديث وأهل الحجاز على أنها إذا عقدت على وجه ~~محرم في الاسلام ثم أسلموا بعد زواله مضت ولم يؤمروا باستئنافها لأن ~~الاسلام يجب ما قبله فليس ما عقدوه بغير شرع بدون ما عقدوه مع تحريم الشرع ~~وكلاهما عندكم سواء # قلنا ليس كذلك بل ما عقدوه مع التحريم إنما يحكم بصحته إذا اتصل به القبض ~~وأما إذا أسلموا قبل التقابض فانه يفسخ بخلاف ما عقدوه بغير شرع فانه لا ~~يفسخ لا قبل القبض ولا بعده ولم أر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم اشترطوا في ~~النكاح القبض بل سووا بين الاسلام قبل الدخول وبعده لأن نفس عقد النكاح ~~يوجب أحكاما بنفسه وإن لم يحصل به القبض من المصاهرة ونحوها كما ان نفس ~~الوطء يوجب أحكاما وإن كان بغير نكاح فلما كان كل واحد من العقد والوطء ~~مقصودا في نفسه وان لم يقترن بالآخر أقرهم PageV29P158 الشارع على ذلك ~~بخلاف الأموال فان المقصود بعقودها هو التقابض فاذا لم يحصل التقابض لم ~~يحصل مقصودها فأبطلها الشارع لعدم حصول المقصود # فتبين بذلك أن مقصود العباد من المعاملات لا يبطله الشارع إلا مع التحريم ~~لأنه لا يصححه إلا بتحليل # وأيضا فان المسلمين إذا تعاقدوا بينهم عقودا ولم يكونوا يعلمون لا ~~تحريمها ولا تحليلها فان الفقهاء جميعهم فيما أعلمه يصححونها اذا لم ~~يعتقدوا تحريمها وان كان العاقد لم يكن حينئذ يعلم تحليلها لا باجتهاد ولا ~~بتقليد ولا يقول أحد لا يصح العقد الا الذي يعتقد ان الشارع أحله فلو كان ~~إذن الشارع الخاص شرطا في صحة العقود لم يصح عقد إلا بعد ثبوت إذنه كما لو ~~حكم الحاكم بغير اجتهاد فانه آثم وان كان قد صادف الحق # وأما إن قيل لابد من دليل شرعي يدل على حلها سواء كان عاما أو خاصا ms8433 فعنه ~~جوابان # أحدهما المنع كما تقدم والثانى ان نقول قد دلت الأدلة الشرعية العامة على ~~حل العقود والشروط جملة إلا ما استثناه الشارع وما عارضوا به سنتكلم عليه ~~إن شاء الله فلم يبق إلا PageV29P159 القول الثالث وهو المقصود # وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ~~وان كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ( فالشرط يراد به المصدر ~~تارة والمفعول أخرى وكذلك الوعد والخلف ومنه قولهم درهم ضرب الأمير والمراد ~~به هنا والله أعلم المشروط لا نفس المتكلم ولهذا قال ( وإن كان مائة شرط ( ~~أي وإن كان مائة مشروط وليس المراد تعديد التكلم بالشرط وانما المراد تعديد ~~المشروط والدليل على ذلك قوله ( كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ( أي كتاب ~~الله أحق من هذا الشرط وشرط الله أوثق منه وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك ~~الشرط كتاب الله وشرطه بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى # وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله فلم يخالف كتاب الله وشرطه حتى ~~يقال ( كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ( فيكون المعني من اشترط أمرا ليس في ~~حكم الله أو في كتابه بواسطة أو بغير واسطة فهو باطل لأنه لابد أن يكون ~~المشروط مما يباح فعله بدون الشرط حتى يصح اشتراطه ويجب بالشرط ولما لم يكن ~~في كتاب الله ان الولاء لغير المعتق أبدا كان هذا المشروط وهو ثبوت الولاء ~~لغير المعتق شرطا ليس في كتاب الله PageV29P160 # فانظر إلى المشروط ان كان فعلا أو حكما فان كان الله قد أباحه جاز ~~اشتراطه ووجب وان كان الله تعالى لم يبحه لم يجز اشتراطه فاذا شرط الرجل أن ~~لا يسافر بزوجته فهذا المشروط في كتاب الله لأن كتاب الله يبيح ان لا يسافر ~~بها فاذا شرط عدم السفر فقد شرط مشروطا مباحا في كتاب الله # فمضمون الحديث ان المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة أو يقال ليس في ~~كتاب الله أي ليس في كتاب الله ms8434 نفيه كما قال ( سيكون أقوام يحدثونكم بما لم ~~تعرفوا أنتم ولا آباؤكم ( أي بما تعرفون خلافه وإلا فما لا يعرف كثير # ثم نقول لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم العقود والشروط التى لم يبحها ~~الشارع تكون باطلة بمعنى أنه لا يلزم بها شيء لا إيجاب ولا تحريم فان هذا ~~خلاف الكتاب والسنة بل العقود والشروط المحرمة قد يلزم بها احكام فان الله ~~قد حرم عقد الظهار في نفس كتابه وسماه ( منكرا من القول وزورا ( ثم أنه ~~أوجب به على من عاد الكفارة ومن لم يعد جعل في حقه مقصود التحريم من ترك ~~الوطء وترك العقد وكذا النذر فان النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر ~~كما ثبت ذلك عنه من حديث ابى هريرة وبن عمر وقال ( انه لا يأتى بخير ( ثم ~~أوجب الوفاء به إذا كان طاعة في PageV29P161 قوله صلى الله عليه وسلم ( من ~~نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصي الله فلا يعصه ( # فالعقد المحرم قد يكون سببا لايجاب أو تحريم نعم لا يكون سببا لاباحة كما ~~أنه لما نهى عن بيع الغرر وعن عقد الربا وعن نكاح ذوات المحارم ونحو ذلك لم ~~يستفد المنهي بفعله لما نهى عنه الاستباحة لأن المنهى عنه معصية والأصل في ~~المعاصي أنها لا تكون سببا لنعمة الله ورحمته والاباحة من نعمة الله ورحمته ~~وان كانت قد تكون سببا للاملاء ولفتح أبواب الدنيا لكن ذلك قدر ليس بشرع بل ~~قد يكون سببا لعقوبة الله تعالى والايجاب والتحريم قد يكون عقوبة كما قال ~~تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ( وإن كان قد ~~يكون رحمة ايضا كما جاءت شريعتنا الحنيفية # والمخالفون في هذه القاعدة من أهل الظاهر ونحوهم قد يجعلون كل ما لم يؤذن ~~فيه إذن خاص فهو عقد حرام وكل عقد حرام فوجوده كعدمه وكلا المقدمتين ممنوعة ~~كما تقدم # وقد يجاب عن هذه الحجة بطريقة ثانية إن كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~أراد أن الشروط التى ms8435 لم يبحها الله وإن كان لا يحرمها PageV29P162 باطلة ~~فنقول # قد ذكرنا ما في الكتاب والسنة والآثار من الأدلة الدالة على وجوب الوفاء ~~بالعهود والشروط عموما وان المقصود هو وجوب الوفاء بها وعلى هذا التقدير ~~فوجوب الوفاء بها يقتضى ان تكون مباحة فانه إذا وجب الوفاء بها لم تكن ~~باطلة وإذا لم تكن باطلة كانت مباحة وذلك لأن قوله ( ليس في كتاب الله ( ~~إنما يشمل ما ليس في كتاب الله لا بعمومه ولا بخصوصه فان ما دل كتاب الله ~~على إباحته بعمومه فانه في كتاب الله لأن قولنا هذا في كتاب الله يعم ما هو ~~فيه بالخصوص وبالعموم وعلى هذا معنى قوله تعالى ( ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء ( وقوله ( ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ( وقوله ~~( ما فرطنا في الكتاب من شيء ( على قول من جعل الكتاب هو القرآن وأما على ~~قول من جعله اللوح المحفوظ فلا يجيء ها هنا يدل على ذلك أن الشرط الذي ثبت ~~جوازه بسنة أو إجماع صحيح بالاتفاق فيجب ان يكون في كتاب الله وقد لا يكون ~~في كتاب الله بخصوصه لكن في كتاب الله الأمر باتباع السنة واتباع سبيل ~~المؤمنين فيكون في كتاب الله بهذا الاعتبار لأن جامع الجامع جامع ودليل ~~الدليل دليل بهذا الاعتبار PageV29P163 # يبقى أن يقال على هذا الجواب فاذا كان كتاب الله أوجب الوفاء بالشروط ~~عموما فشرط الولاء داخل في العموم # فيقال العموم إنما يكون دالا إذا لم ينفه دليل خاص فان الخاص يفسر العام ~~وهذا المشروط قد نفاه النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه عن بيع الولاء وعن ~~هبته وقوله ( من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين ( # ودل الكتاب على ذلك بقوله تعالى @QB@ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ~~وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ~~ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو ~~أقسط عند الله فإن لم تعلموا ms8436 آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم @QE@ فأوجب ~~علينا دعاءه لأبيه الذي ولده دون من تبناه وحرم التبنى ثم أمر عند عدم ~~العلم بالأب بأن يدعى أخا في الدين ومولى كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ~~لزيد بن حارثة ( أنت أخونا ومولانا ( وقال صلى الله عليه وسلم ( إخوانكم ~~خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ~~وليلبسه مما يلبس ( # فجعل سبحانه الولاء نظير النسب وبين سبب الولاء في قوله PageV29P164 ( ~~وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ( فبين أن سبب الولاء هو الانعام ~~بالاعتاق كما ان سبب النسب هو الانعام بالايلاد فاذا كان قد حرم الانتقال ~~عن المنعم بالايلاد فكذلك يحرم الانتقال عن المنعم بالاعتاق لأنه في معناه ~~فمن اشترط على المشترى أن يعتق ويكون الولاء لغيره فهو كمن اشترط على ~~المستنكح أنه إذا أولد كان النسب لغيره # والى هذا المعنى أشار النبى صلى الله عليه وسلم في قوله ( إنما الولاء ~~لمن أعتق ( # وإذا كان كتاب الله قد دل على تحريم هذا المشروط بخصوصه وعمومه لم يدخل ~~في العهود التى أمر الله بالوفاء بها لأنه سبحانه لا يأمر بما حرمه فهذا ~~هذا مع أن الذي يغلب على القلب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا ~~المعنى الأول وهو إبطال الشروط التى تنافي كتاب الله والتحذير من اشتراط ~~شيء لم يبحه الله فيكون المشروط قد حرمه لأن كتاب الله قد أباح عموما لم ~~يحرمه أو من اشتراط ما ينافي كتاب الله بدليل قوله ( كتاب الله أحق وشرط ~~الله أوثق ( PageV29P165 المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك ~~النوع أو المسألة هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضى التحريم أم لا # أما إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي فقد أجمع المسلمون وعلم ~~بالاضطرار من دين الاسلام أنه لا يجوز لأحد ان يعتقد ويفتى بموجب هذا ~~الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك فان ~~جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه ms8437 الله ورسوله مغير لهذا الاستصحاب فلا يوثق ~~به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل لذلك وأما إذا كان المدرك هو ~~النصوص العامة فالعام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به ~~إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقى وهذا ايضا ~~لا خلاف فيه # وانما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور ~~معينة منه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له ~~فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي واحمد وغيرهما وذكروا عن أحمد فيه روايتين ~~وأكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل ~~البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم وهذا هو الصحيح ~~الذى اختاره أبو الخطاب وغيره فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن ~~PageV29P166 انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فاذا غلب على الظن ~~انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في اكثر ~~العمومات إلا بعد البحث عن المعارض سواء جعل عدم المعارض جزءا من الدليل ~~فيكون الدليل هو الظاهر المجرد عن القرينة كما يختاره من لا يقول بتخصيص ~~الدليل ولا العلة من أصحابنا وغيرهم أو جعل المعارض المانع من الدليل فيكون ~~الدليل هو الظاهر لكن القرينة مانعة لدلالته كما يقوله من يقول بتخصيص ~~الدليل والعلة من أصحابنا وغيرهم وان كان الخلاف في ذلك إنما يعود إلى ~~اعتبار عقلي أو اطلاق لفظي أو اصطلاح جدلي لا يرجع إلى أمر علمي أو فقهي # فاذا كان كذلك فالأدلة النافية لتحريم العقود والشروط والمثبتة لحلها ~~مخصوصة بجميع ما حرمه الله ورسوله من العقود والشروط فلا ينتفع بهذه ~~القاعدة في أنواع المسائل إلا مع العلم بالحجج الخاصة في ذلك النوع فهي ~~بأصول الفقه التى هي الأدلة العامة أشبه منها بقواعد الفقه التى هي الأحكام ~~العامة # نعم من غلب على ظنه من الفقهاء انتفاء المعارض في مسألة خلافية أو حادثة ~~انتفع بهذه ms8438 القاعدة فنذكر من أنواعها قواعد حكمية مطلقة PageV29P167 فمن ~~ذلك ما ذكرناه من أنه يجوز لكل من أخرج عينا من ملكه بمعاوضة كالبيع والخلع ~~أو تبرع كالوقف والعتق أن يستثنى بعض منافعها فان كان مما لا يصلح فيه ~~الغرر كالبيع فلابد ان يكون المستثنى معلوما لما روى البخارى وابو داود ~~والترمذي والنسائي عن جابر قال ( بعته يعني بعيره من النبى صلى الله عليه ~~وسلم واشترطت حملانه إلى أهلي ( فان لم يكن كذلك كالعتق والوقف فله أن ~~يستثنى خدمة العبد ما عاش سيده أو عاش فلان ويستثنى غلة الوقف ما عاش ~~الواقف # ومن ذلك ان البائع إذا شرط على المشتري ان يعتق العبد صح ذلك في ظاهر ~~مذهب الشافعي واحمد وغيرهما لحديث بريرة وان كان عنهما قول بخلافه # ثم هل يصير العتق واجبا على المشتري كما يجب العتق بالنذر بحيث يفعله ~~الحاكم إذا امتنع أم يملك البائع الفسخ عند امتناعه من العتق كما يملك ~~الفسخ بفوات الصفة المشروطة في المبيع على وجهين في مذهبهما ثم الشافعي ~~وطائفة من اصحاب أحمد يرون هذا خارجا عن القياس لما فيه من منع المشترى من ~~التصرف في ملكه بغير العتق وذلك مخالف لمقتضى العقد فان مقتضاه الملك الذي ~~يملك صاحبه التصرف مطلقا PageV29P168 قالوا وانما جوزته السنة لأن الشارع ~~له إلى العتق تشوف لا يوجد في غيره ولذلك أوجب فيه السراية مع ما فيه من ~~إخراج ملك الشريك بغير اختياره وإذا كان مبناه على التغليب والسراية ~~والنفوذ في ملك الغير لم يلحق به غيره فلا يجوز اشتراط غيره # وأصول أحمد ونصوصه تقتضي جواز شرط كل تصرف فيه مقصود صحيح وان كان فيه ~~منع من غيره قال بن القاسم قيل لأحمد الرجل يبيع الجارية على ان يعتقها ~~فأجازه فقيل له فان هؤلاء يعنى أصحاب أبى حنيفة يقولون لا يجوز البيع على ~~هذا الشرط قال لم لا يجوز قد اشترى النبى صلى الله عليه وسلم بعير جابر ~~واشترط ظهره إلى المدينة واشترت عائشة بريرة على أن تعتقها فلم لا ms8439 يجوز هذا ~~قال وإنما هذا شرط واحد والنهي انما هو عن شرطين قيل له فان شرط شرطين ~~أيجوز قال لا يجوز # فقد نازع من منع منه واستدل على جوازه باشتراط النبى صلى الله عليه وسلم ~~ظهر البعير لجابر وبحديث بريرة وبأن النبى صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن ~~شرطين في بيع مع ان حديث جابر فيه استثناء بعض منفعة المبيع وهو نقص لموجب ~~العقد المطلق واشتراط العتق فيه تصرف مقصود مستلزم لنقص موجب العقد المطلق # فعلم أنه لا يفرق بين ان يكون النقص في التصرف أو في المملوك PageV29P169 ~~و استدلاله بحديث الشرطين دليل على جواز هذا الجنس كله ولو كان العتق على ~~خلاف القياس لما قاسه على غيره ولا استدل عليه بماء يشمله وغيره # وكذلك قال أحمد بن الحسين بن حسان سألت أبا عبد الله عمن اشترى مملوكا ~~واشترط هو حر بعد موتى قال هذا مدبر فجوز اشتراط التدبير بالعتق ولأصحاب ~~الشافعي في شرط التدبير خلاف صحح الرافعي أنه لا يصح # وكذلك جوز اشتراط التسرى فقال أبو طالب سألت أحمد عن رجل اشترى جارية ~~بشرط ان يتسرى بها تكون نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة قال ~~لا بأس به فلما كان التسري لبائع الجارية فيه مقصود صحيح جوزه # وكذلك جوز أن يشترط بائع الجارية ونحوها على المشترى أنه لا يبيعها لغير ~~البائع وان البائع يأخذها إذا أراد المشتري بيعها بالثمن الأول كما رووه عن ~~عمر وبن مسعود وامرأته زينب # وجماع ذلك أن المبيع الذي يدخل في مطلق العقد بأجزائه ومنافعه يملكان ~~اشتراط الزيادة عليه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من باع نخلا قد ~~أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ( PageV29P170 فجوز للمشتري ~~اشتراط زيادة على موجب العقد المطلق وهو جائز بالاجماع ويملكان اشتراط ~~النقص منه بالاستثناء كما نهي النبي صلى الله عليه وسلم ( عن الثنيا إلا ان ~~تعلم ( فدل على جوازها إذا علمت وكما استثني جابر ظهر بعيره إلى المدينة # وقد أجمع المسلمون فيما ms8440 أعلمه على جواز استثناء الجزء الشائع مثل ان ~~يبيعه الدار إلا ربعها أو ثلثها واستثناء الجزء المعين إذا أمكن فصله بغير ~~ضرر مثل أن يبيعه ثمر البستان إلا نخلات بعينها أو الثياب أو العبيد أو ~~الماشية التى قد رأياها الا شيئا منها قد عيناه # واختلفوا في استثناء بعض المنفعة كسكنى الدار شهرا أو استخدام العبد شهرا ~~أو ركوب الدابة مدة معينة أو إلى بلد بعينه مع اتفاق الفقهاء المشهورين ~~وأتباعهم وجمهور الصحابة على أن ذلك قد ينفع كما إذا اشترى أمة مزوجة فان ~~منفعة بضعها التى يملكها الزوج لم تدخل في العقد كما اشترت عائشة بريرة ~~وكانت مزوجة لكن هي اشترتها بشرط العتق فلم تملك التصرف فيها إلا بالعتق ~~والعتق لا ينافى نكاحها فلذلك كان بن عباس رضي الله عنهما وهو ممن روى حديث ~~بريرة يرى أن بيع الأمة طلاقها مع طائفة من الصحابة تأويلا لقوله تعالى ~~@QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ قالوا PageV29P171 فاذا ~~ابتاعها أو اتهبها أو ورثها فقد ملكتها يمينه فتباح له ولا يكون ذلك إلا ~~بزوال ملك الزوج واحتج بعض الفقهاء على ذلك بحديث بريرة فلم يرض أحمد هذه ~~الحجة لأن بن عباس رواه وخالفه وذلك والله أعلم لما ذكرته من أن عائشة لم ~~تملك بريرة ملكا مطلقا # ثم الفقهاء قاطبة وجمهور الصحابة على أن الامة المزوجة إذا انتقل الملك ~~فيها ببيع أو هبة أو إرث أو نحو ذلك وكان مالكها معصوم الملك لم يزل عنها ~~ملك الزوج وملكها المشتري ونحوه إلا منفعة البضع # ومن حجتهم ان البائع نفسه لو اراد أن يزيل ملك الزوج لم يمكنه ذلك ~~فالمشتري الذي هو دون البائع لا يكون أقوى منه ولا يكون الملك الثابت ~~للمشتري أتم من ملك البائع والزوج معصوم لا يجوز الاستيلاء على حقه بخلاف ~~المسبية فان فيها خلافا ليس هذا موضعه لكون أهل الحرب تباح دماؤهم وأموالهم ~~وكذلك ما ملكوه من الأبضاع # وكذلك فقهاء الحديث وأهل الحجاز متفقون على أنه إذا باع شجرا قد بدا ms8441 ثمره ~~كالنخل المؤبر فثمره للبائع مستحق الابقاء إلى كمال صلاحه فيكون البائع قد ~~استثنى منفعة الشجر إلى كمال الصلاح PageV29P172 # وكذلك بيع العين المؤجرة كالدار والعبد عامتهم يجوزه ويملكه المشتري دون ~~المنفعة التى للمستأجر # وكذلك فقهاء الحديث كأحمد وغيره يجوزون استثناء بعض منفعة العقد كما في ~~صور الوفاق كاستثناء بعض أجزائه معينا ومشاعا وكذلك يجوز استثناء بعض ~~أجزائه معينا إذا كانت العادة جارية بفصله كبيع الشاة واستثناء بعضها ~~سواقطها من الرأس والجلد والأكارع وكذلك الاجارة فان العقد المطلق يقتضى ~~نوعا من الانتفاع في الاجارات المقدرة بالزمان كما لو استأجر أرضا للزرع أو ~~حانوتا للتجارة فيه أو صناعة أو أجير لخياطة أو بناء ونحو ذلك فانه لو زاد ~~على موجب العقد المطلق أو نقص منه فانه يجوز بغير خلاف # أعلمه في النكاح فان العقد المطلق يقتضى ملك الاستمتاع المطلق الذي ~~يقتضيه العرف حيث شاء ومتى شاء فينقلها إلى حيث شاء إذا لم يكن فيه ضرر الا ~~ما استثني من الاستمتاع المحرم أو كان فيه ضرر فان العرف لا يقتضيه ويقتضى ~~ملكا للمهر الذي هو مهر المثل وملكها للاستمتاع في الجملة فانه لو كان ~~مجبوبا أو عنينا ثبت لها الفسخ عند السلف والفقهاء المشاهير ولو آلى منها ~~ثبت لها فراقه إذا لم يفىء بالكتاب والاجماع وان كان من الفقهاء من لا يوجب ~~عليه الوطء وقسم الابتداء بل يكتفي بالباعث الطبيعي كمذهب أبي حنيفة ~~PageV29P173 و الشافعي ورواية أحمد فان الصحيح من وجوه كثيرة أنه يجب عليه ~~الوطء كما دل عليه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والاعتبار وقيل يتقدر الوطء ~~الواجب بمرة في كل أربعة أشهر اعتبارا بالايلاء # ويجب أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها بالمعروف فيه خلاف في مذهب أحمد ~~وغيره والصحيح الذي يدل عليه أكثر نصوص أحمد وعليه أكثر السلف ان ما يوجبه ~~العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة والاستمتاع والمبيت للمرأة ~~وكالاستمتاع للزوج ليس بمقدر بل المرجع في ذلك إلى العرف كما دل عليه ~~الكتاب في مثل قوله تعالى @QB@ ولهن مثل ms8442 الذي عليهن بالمعروف @QE@ والسنة ~~في مثل قوله صلى الله عليه وسلم لهند ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ( وإذا ~~تنازع الزوجان فيه فرض الحاكم ذلك باجتهاده كما فرضت الصحابة مقدار الوطء ~~للزوج بمرات معدودة ومن قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق فهو كتقدير ~~الشافعي النفقة إذ كلاهما تحتاجه المرأة ويوجبه العقد وتقدير ذلك ضعيف عند ~~عامة الفقهاء بعيد عن معانى الكتاب والسنة والاعتبار والشافعي إنما قدره ~~طردا للقاعدة التى ذكرناها عنه من نفيه للجهالة في جميع العقود قياسا على ~~المنع من بيع الغرر فجعل النفقة المستحقة بعقد النكاح مقدرة طردا لذلك ~~PageV29P174 و قد تقدم التنبيه على هذا الأصل # وكذلك يوجب العقد المطلق سلامة الزوج من الجب والعنة عند عامة الفقهاء ~~وكذلك يوجب عند الجمهور سلامتها من موانع الوطء كالرتق وسلامتها من الجنون ~~والجذام والبرص وكذلك سلامتهما من العيوب التى تمنع كماله كخروج النجاسات ~~منه أو منها ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره دون الجمال ونحو ~~ذلك وموجبه كفاءة الرجل أيضا دون ما زاد على ذلك # ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة كالمال والجمال والبكارة ونحو ~~ذلك صح ذلك وملك المشترط الفسخ عند فواته في أصح الروايتين عن أحمد وأصح ~~وجهى الشافعي وظاهر مذهب مالك والرواية الأخرى لا يملك الفسخ الا في شرط ~~الحرية والدين وفى شرط النسب على هذه الرواية وجهان سواء كان المشترط هو ~~المرأة في الرجل أو الرجل في المرأة بل اشتراط المرأة في الرجل اوكد باتفاق ~~الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم وما ذكره بعض أصحاب أحمد بخلاف ذلك لا أصل له # وكذلك لو اشترط نقص الصفة المستحقة بمطلق العقد مثل أن يشترط الزوج أنه ~~مجبوب أو عنين أو المرأة أنها رتقاء أو مجنونة PageV29P175 صح هذا الشرط ~~باتفاق الفقهاء فقد اتفقوا على صحة الشرط الناقص عن موجب العقد واختلفوا في ~~شرط الزيادة عليه في هذا الموضع كما ذكرته لك فان مذهب أبى حنيفة أنه لا ~~يثبت للرجل خيار عيب ولا شرط في النكاح ms8443 وأما المهر فانه لو زاد على مهر ~~المثل أو نقص عنه جاز بالاتفاق # وكذلك يجوز أكثر السلف أو كثير منهم وفقهاء الحديث ومالك في إحدى ~~الروايتين أن ينقص ملك الزوج فتشترط عليه أن لا ينقلها من بلدها أو من ~~دارها وان يزيدها على ما تملكه بالمطلق فيؤخذ عليه نفسه أن لا يتزوج عليها ~~ولا يتسرى وعند طائفة من السلف وأبى حنيفة والشافعي ومالك في الرواية ~~الأخري لا يصح هذا الشرط لكنه له عند أبى حنيفة والشافعي أثر في تسمية ~~المهر # والقياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء ~~الحديث ان اشتراط الزيادة على مطلق العقد واشتراط النقص جائز ما لم يمنع ~~منه الشرع فاذا كانت الزيادة في العين أو المنفعة المعقود عليها والنقص من ~~ذلك على ما ذكرت فالزيادة في الملك المستحق بالعقد والنقص منه كذلك فاذا ~~شرط على المشتري أن يعتق العبد أو يقف العين على البائع أو غيره أو ان يقضي ~~بالعين دينا عليه PageV29P176 لمعين أو غير معين أو ان يصل به رحمه أو نحو ~~ذلك فهو اشتراط تصرف مقصود ومثله التبرع المفروض والتطوع # وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق من الفضل الذي يتشوفه الشارع ~~فضعيف فان بعض أنواع التبرعات أفضل منه فان صلة ذي الرحم المحتاج أفضل من ~~العتق كما نص عليه أحمد فان ميمونة زوج النبى صلى الله عليه وسلم أعتقت ~~جارية لها فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( لو تركتيها لأخوالك لكان خيرا ~~لك ( ولهذا لو كان للميت أقارب لا يرثون كانت الوصية لهم أولى من الوصية ~~بالعتق وما أعلم في هذا خلافا وإنما أعلم الاختلاف في وجوب الوصية لهم فان ~~فيه عن أحمد روايتين إحداهما تجب كقول طائفة من السلف والخلف والثانية لا ~~تجب كقول الفقهاء الثلاثة وغيرهم ولو وصى لغيرهم دونهم فهل ترد تلك الوصية ~~على أقاربه دون الموصى له أو يعطى ثلثها للموصى له وثلثاها لأقاربه كما ~~تقسم التركة بين الورثة والموصى له على روايتين عن ms8444 أحمد وان كان المشهور ~~عند أكثر أصحابه هو القول بنفوذ الوصية فاذا كان بعض التبرعات أفضل من ~~العتق لم يصح تعليله باختصاصه بمزيد الفضيلة # وأيضا فقد يكون المشروط على المشتري أفضل كما لو كان عليه دين لله من ~~زكاة أو كفارة أو نذر أو دين لآدمي فاشترط عليه PageV29P177 و فاء دينه من ~~ذلك المبيع أو اشترط المشتري على البائع وفاء الدين الذي عليه من الثمن ~~ونحو ذلك فهذا أوكد من اشتراط العتق # وأما السراية فانما كانت لتكميل الحرية وقد شرع مثل ذلك في الأموال وهو ~~حق الشفعة فإنها شرعت لتكميل الملك للشفيع لما في الشركة من الضرر ونحن ~~نقول شرع ذلك في جميع المشاركات فيمكن الشريك من المقاسمة فان أمكن قسمة ~~العين وإلا قسمنا ثمنها إذا طلب أحدهما ذلك فتكميل العتق نوع من ذلك إذ ~~الشركة تزول بالقسمة تارة وبالتكميل أخرى # وأصل ذلك ان الملك هو القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة بمنزلة القدرة ~~الحسية فيمكن أن تثبت القدرة على تصرف دون تصرف شرعا كما يثبت ذلك حسا ~~ولهذا جاء الملك في الشرع أنواعا كما أن القدرة تتنوع أنواعا فالملك التام ~~يملك فيه التصرف في الرقبة بالبيع والهبة ويورث عنه ويملك التصرف في منافعه ~~بالاعارة والاجارة والانتفاع وغير ذلك ثم قد يملك الأمة المجوسية أو ~~المحرمات عليه بالرضاع فلا يملك منهن الاستمتاع ويملك المعاوضة عليه ~~بالتزويج بأن يزوج المجوسية المجوسي مثلا وقد يملك أم الولد ولا يملك بيعها ~~ولا هبتها ولا تورث عنه عند جماهير المسلمين ويملك وطأها واستخدامها ~~باتفاقهم وكذلك يملك المعاوضة على ذلك بالتزويج والاجارة PageV29P178 عند ~~اكثرهم كأبى حنيفة والشافعي واحمد # ويملك المرهون ويجب عليه مئونته ولا يملك فيه من التصرف ما يزيل حق ~~المرتهن لا ببيع ولا هبة وفى العتق خلاف مشهور # والعبد المنذور عتقه والهدى والمال الذي قد نذر الصدقة بعينه ونحو ذلك ~~مما استحق صرفه إلى القربة قد اختلف فيه الفقهاء من اصحابنا وغيرهم هل يزول ~~ملكه عنه بذلك أم لا وكلا القولين خارج عن ms8445 قياس الملك المطلق فمن قال لم ~~يزل ملكه عنه كما قد يقوله اكثر اصحابنا فهو ملك لا يملك صرفه إلا إلى ~~الجهة المعينة بالاعتاق أو النسك أو الصدقة وهو نظير العبد المشترى بشرط ~~العتق أو الصدقة أو الصلة أو الفدية المشتراة بشرط الاهداء إلى الحرم ومن ~~قال زال ملكه عنه فانه يقول هو الذي يملك عتقه وإهداءه والصدقة به وهو ايضا ~~خلاف قياس زوال الملك في غير هذا الموضع # وكذلك اختلاف الفقهاء في الوقف على معين هل يصير الموقوف ملكا لله أو ~~ينتقل إلى الموقوف عليه أو يكون باقيا على ملك الواقف على ثلاثة أقوال في ~~مذهب أحمد وغيره # وعلى كل تقدير فالملك الموصوف نوع مخالف لغيره من الملك في البيع والهبة ~~وكذلك ملك الموهوب له حيث يجوز للواهب الرجوع PageV29P179 كالاب إذا وهب ~~لابنه عند فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد نوع مخالف لغيره حيث سلط غير المالك ~~على انتزاعه منه وفسخ عقده # ونظيره سائر الأملاك في عقد يجوز لأحد المتعاقدين فسخه كالمبيع بشرط عند ~~من يقول انتقل إلى المشتري كالشافعي واحمد في أحد قوليهما وكالمبيع إذا ~~أفلس المشتري بالثمن عند فقهاء الحديث وأهل الحجاز وكالمبيع الذي ظهر فيه ~~عيب أو فوات صفة عند جميع المسلمين فها هنا في المعاوضة والتبرع يملك ~~العاقد انتزاعه وملك الأب لا يملك انتزاعه وجنس الملك يجمعهما وكذلك ملك ~~الابن في مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث الذين اتبعوا فيه معني الكتاب ~~وصريح السنة # وطوائف من السلف يقولون هو مباح للأب مملوك للابن بحيث يكون للأب ~~كالمباحات التى تملك بالاستيلاء وملك الابن ثابت عليه بحيث يتصرف فيه تصرفا ~~مطلقا # فاذا كان الملك يتنوع أنواعا وفيه من الاطلاق والتقييد ما وصفته وما لم ~~أصفه لم يمتنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضا إلى الانسان يثبت منه ما رأى فيه ~~مصلحة له ويمتنع من إثبات ما لا مصلحة له فيه والشارع لا يحظر على الانسان ~~إلا ما فيه فساد راجح أو محض فاذا لم يكن فيه فساد أو كان فساده ms8446 مغمورا ~~بالمصلحة لم يحظره أبدا # PageV29P180 ### || 1 ( التجارات والمعاملات ) 1 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < فصل # العقود التى فيها نوع معاوضة وهي غالب معاملات بنى آدم التى لا يقومون ~~إلا بها سواء كانت مالا بمال كالبيع أو كانت منفعة بمال كالاجارة والجعالة ~~وقد يدخل في المسألة الامارة والتجنيد ونحو ذلك من الولايات أو كانت منفعة ~~بمنفعة كالتعاون والتناصر ونحو ذلك تنقسم أربعة أقسام # فانها إما أن تكون مباحة من الجانبين كالبيع والاجارة والتعاون على البر ~~والتقوى وإما أن تكون حراما من الجهتين كبيع الخمر بالخنزير والاستئجار على ~~الزنى بالخمر وعلى شهادة الزور بشهادة الزور كما كان بعض الحكام يقول عن ~~طائفة من الرؤساء يتقارضون شهادة الزور وشبهه بمبادلة القروض وإما أن يكون ~~مباحا من إحدى الجهتين حراما من الأخرى وهذا القسم ينبغي لأهل الاسلام ان ~~يعلموه فان الدين والدنيا لا تقوم إلا به PageV29P181 و أما القسم الأول ~~وحده فلا يقوم به إلا دين ضعيف # وأما الثالث فتقوم به الدنيا الفاجرة والدين المبتدع وأما الدين المشروع ~~والدنيا السالمة فلا تقوم إلا بالثالث مثل اعطاء المؤلفة قلوبهم لجلب ~~منفعتهم أو دفع مضرتهم ورشوة الولاة لدفع الظلم أو تخليص الحق لا لمنع الحق ~~وإعطاء من يتقى شر لسانه أو يده من شاعر أو ظالم أو قاطع طريق أو غير ذلك ~~وإعطاء من يستعان به على البر والتقوى من أعوان وأنصار وولاة وغير ذلك # وأصله في الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين أن الله جعل للمؤلفة ~~قلوبهم حقا في الصدقات التى حصر مصارفها في كتابه وتولى قسمها بنفسه وكان ~~هذا تنبيها على أنهم يعطون من المصالح ومن الفيء على القول الصحيح التى هي ~~أوسع مصرفا من الزكاة فان كل من جاز أن يعطى من الصدقة أعطي من المصالح ولا ~~ينعكس لأن آخذ الصدقة إما أن يأخذ لحاجته أو لمنفعته وكلا الأمرين يؤخذ ~~منهما للمصالح بل ليست المصالح إلا ذلك والمؤلفة قلوبهم هم من أهل المنفعة ~~الذين هم أحق بمال المصالح والفيء # ولهذا أعطاهم النبى صلى ms8447 الله عليه وسلم من الفيء والمغانم كما ~~PageV29P182 فعله بالذهيبة التى بعث بها على من اليمن وكما فعل في مغانم ~~حنين حيث قسمها بين رؤساء قريش وأهل نجد وقال ( إنى لأعطي رجالا وأدع من هو ~~أحب إلى منهم أعطي رجالا لما في قلوبهم من الهلع والجزع وأكل رجالا إلى ما ~~جعل الله في قلوبهم من الغني والخير ( وقال ( انى لأعطي أحدهم العطية فيخرج ~~بها يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم قال يأبون إلا أن يسألونى ~~ويأبى الله لي البخل ( وقال ( والذي نفسي بيده ما من رجل يسألنى المسألة ~~فتخرج له المسألة ما لم نكن نريد أن نعطيه إياه فيبارك له فيه ( أو كلاما ~~هذا معناه # وهذا القسم يشتمل على الأقسام الثلاثة أما المال بالأعيان فمنه افتكاك ~~الأسرى والاحرار من أيدي الكفار والغاصبين فان المسلم الحر قد يستولي عليه ~~الكفار وقد يستولي عليه الفجار إما باستعباده ظلما أو بعتقه وجحود عتقه ~~وإما باستعماله بغير اختياره ولا إذن الشارع مثل من يسخر الصناع كالخياطين ~~والفلاحين بغير حق وإما بحبسه ظلما وعدوانا فكل آدمي قهر آدميا بغير حق ~~ومنعه عن التصرف فالقاهر يشبه الآسر والمقهور يشبه الأسير وكذلك القهر بحق ~~أسير قال النبى صلى الله عليه وسلم للغريم الذي لزم غريمه ( ما فعل أسيرك ~~PageV29P183 و إذا كان الاستيلاء على الأموال إذا لم يكن بحق فهو غصب وان ~~دخل في ذلك الخيانة والسرقة فكذلك الاستيلاء على النفوس بغير حق أسر وإن ~~دخل فيه استيلاء الظلمة من أهل القبلة # وكذلك افتكاك الأنفس الرقيقة من يد من يتعدي عليها ويظلمها فان الرق ~~المشروع له حد فالزيادة عليه عدوان # ويدخل في ذلك افتكاك الزوجة من يد الزوج الظالم فان النكاح رق كما دل ~~عليه الكتاب والسنة قال الله تعالى @QB@ وألفيا سيدها لدى الباب @QE@ وقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم في النساء ( إنهن عندكم عوان ( وقال عمر النكاح ~~رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته وكذلك افتكاك الغلام والجارية من يد ~~الظالم كالذي يمنعه الواجب ويفعل معه ms8448 المحرم # ومنه افتكاك الأموال من أيدي الغاصبين لها ظلما أو تأويلا كالمال المغصوب ~~والمسروق وغيرهما إذا دفع للظالم شيء حتى يرده على صاحبه وسواء كان الدفع ~~في كلا القسمين دفعا للقاهر حتى لا يقهر ولا يستولي كما يهادن أهل الحرب ~~عند الضرورة بمال يدفع اليهم أو استنقاذا من القاهر بعد القهر والاستيلاء ~~PageV29P184 ### || 1 ( قاعدة فيما يجب من المعاوضات ) 1 # وقال رحمه الله ( قاعدة فيما يجب من المعاوضات ونحو ذلك ( ! 8 < فصل # بذل المنافع والأموال سواء كان بطريق التعوض أو بطريق التبرع ينقسم إلى ~~واجب ومستحب # وواجبها ينقسم إلى فرض على العين وفرض على الكفاية فأما ما يجب من ~~التبرعات مالا ومنفعة فله موضع غير هذا وجماع الواجبات المالية بلا عوض ~~أربعة أقسام مذكورة في الحديث المأثور ( أربع من فعلهن فقد بريء من البخل ~~من آتى الزكاة وقرى الضيف ووصل الحرم وأعطى في النائبة ( # ولهذا كان حد البخيل من ترك أحد هذه الأربعة في أصح القولين لأصحابنا ~~اختاره أبو بكر وغيره # فالزكاة هي الواجب الراتب التى تجب بسبب المال بمنزلة PageV29P185 الصلاة ~~المفروضة وأما الثلاثة فوجوبها عارض فقرى الضيف واجب عندنا ونص عليه ~~الشافعي وصلة الأرحام واجبة بالاجماع كنفقة الأقارب وحمل العاقلة وعتق ذي ~~الرحم المحرم وانما الاختلاف فيمن تجب صلته وما مقدار الصلة الواجبة وكذلك ~~الاعطاء في النائبة مثل الجهاد في سبيل الله واشباع الجائع وكسوة العاري ~~وقد نص أحمد على أنه لو صدق السائل لما أفلح من رده # وأما الواجبات المنفعية بلا عوض فمثل تعليم العلم والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر ونصر المظلوم وهي كثيرة جدا وعامة الواجب في منافع البدن ويدخل ~~فيها الأحاديث الصحيحة من حديث ابى ذر وأبى موسى وغيرهما ( على كل سلامى من ~~بن آدم صدقة ( وتدخل ايضا في مطلق الزكاة والنفقة في مثل قوله @QB@ ومما ~~رزقناهم ينفقون @QE@ كما نقل مثل ذلك عن السلف الحسن البصري وغيره وقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( كل معروف صدقة ( ويروى ما تصدق عبد بصدقة أعظم ~~من موعظة يعظ بها أصحابا ms8449 له فيتفرقون وقد نفعهم الله بها ودلائل هذا كثيرة ~~ليس هذا موضعه # وأما المنافع المالية وهو كمن اضطر إلى منفعة مال الغير كحبل ودلو يستقي ~~به ماء يحتاج إليه وثوب يستدفئ به من البرد ونحو ذلك فيجب بذله لكن هل يجب ~~بذله مجانا أو بطريق التعوض PageV29P186 كالأعيان فيه وجهان # وحجة التبرع متعددة كقوله تعالى @QB@ ويمنعون الماعون @QE@ ففي سنن أبي ~~داود عن بن مسعود قال كنا نعده عارية القدر والدلو والفأس وكذلك إيجاب بذل ~~منفعة الحائط للجار إذا احتاج إليه على أصلنا المتبع لسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وغير ذلك من المواضع # ففى الجملة ما يجب إيتاؤه من المال أو منفعته أو منفعة البدن بلا عوض له ~~تفصيل في موضع آخر ولو كان كثير من المتفقهة مقصرين في علمه بحيث قد ينفون ~~وجوب ما صرحت الشريعة بوجوبه ويعتقد الغالط منهم ( أن لا حق في المال سوى ~~الزكاة ( أن هذا عام ولم يعلم أن الحديث المروي في الترمذي عن فاطمة ( إن ~~في المال حقا سوى الزكاة ( # ومن قال بالأول أراد الحق المالي الذي يجب بسبب المال فيكون راتبا وإلا ~~فنحن نعلم بالاضطرار من دين الاسلام أن الله قد أوجب إيتاء المال في غير ~~الزكاة المفروضة في مواضع مثل الجهاد بالمال عند الحاجة والحج بالمال ونفقة ~~الزوجة والأقارب والمماليك من الآدميين والبهائم ومثل ما يجب من الكفارات ~~من عتق وصدقة PageV29P187 و هدي كفارات الحج وكفارات الايمان والقتل وغيرها ~~وما يجب من وفاء النذور المالية إلى أمثال ذلك بل المال مستوعب بالحقوق ~~الشرعية الراتبة أو العارضة بسبب من العبد أو بغير سبب منه وليس هذا موضع ~~تفصيل هذه الجملة # وإنما الغرض هنا ما يجب من المعاوضات مثل المبايعة والمؤاجرة وما يشبه ~~ذلك ومثل المشاركات كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك فان هذا كثيرا ما يغلط ~~فيه الغالطون لما استقر في الشريعة ان الظلم حرام وأن الأصل ان هذه العقود ~~لا تجوز إلا بالتراضي إلا في مواضع استثناها الشارع وهو الاكراه عليها بحق ~~صار يغلط ms8450 فريقان # قوم يجعلون الاكراه على بعضها إكراها بحق وهو إكراه بباطل وقوم يجعلونه ~~إكراها بباطل وهو بحق وفيها ما يكون إكراها بتأويل حق فيدخل في قسم ~~المجتهدات إما الاجتهادات المحضة أو المشوبة بهوي وكذلك المعاوضات # ونحن نعلم قطعا أنه إذا كان إيتاء المال أو المنفعة بلا عوض واجبا ~~بالشريعة في مواضع كثيرة جدا لأسباب اقتضت الايجاب الشرعي وليس ذلك من ~~الظلم الذي هو أخذ حق الغير بغير حق PageV29P188 فلان يكون إيتاء المال ~~والمنفعة بعوض واجبا في مواضع أولى وأحرى بل إيجاب المعاوضات أكثر من إيجاب ~~التبرعات واكبر فهو أوسع منه قدرا وصفة # ولعل من استقرأ الشريعة تبين له أن المعاوضة إذا احتاج المسلمون إليها ~~بلا ضرر يزيد على حاجة المسلمين وجبت فأما عند عدم الحاجة ومع حاجة رب ~~المال المكافية لحاجة المعتاض فرب المال أولى فان الضرر لا يزال بالضرر ~~والرجل أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين ( وابدأ بنفسك ثم بمن تعول ~~( # وهذه قاعدة حسنة مناسبة ولها شواهد كثيرة في الشريعة وأنا أذكر منها ~~بتيسير الله تعالى وجماع المعاوضات أربعة أنواع # معاوضة مال بمال كالبيع وبذل مال بنفع كالجعالة وبذل منفعة بمال كالاجارة ~~وبذل نفع بنفع كالمشاركات من المضاربة ونحوها فان هذا بذل نفع بدنه وهذا ~~بذل نفع ماله وكالتعاون والتناصر ونحو ذلك # وبالجملة فوجوب المعاوضات من ضرورة الدنيا والدين إذ الانسان لا ينفرد ~~بمصلحة نفسه بل لابد له من الاستعانة ببنى جنسه فلو لم يجب على بنى آدم أن ~~يبذل هذا لهذا ما يحتاج إليه وهذا لهذا ما PageV29P189 يحتاج إليه لفسد ~~الناس وفسد أمر دنياهم ودينهم فلا تتم مصالحهم إلا بالمعاوضة وصلاحها ~~بالعدل الذي أنزل الله له الكتب وبعث به الرسل فقال تعالى @QB@ لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط @QE@ # ولا ريب أن النفوس مجبولة على بذل المعاوضة لحاجتها إليها فالشارع إذا ~~بذل ما يحتاج إليه بلا إكراه لم يشرع الاكراه ورد الأمر إلى التراضي في أصل ~~المعاوضة وفى مقدار العوض وأما إذا لم ms8451 يبذل فقد يوجب المعاوضة تارة وقد ~~يوجب عوضا مقدرا تارة وقد يوجبهما جميعا وقد يوجب التعويض لمعين أخرى # مثال الأول من عليه دين فطولب به وليس له إلا عرض فعليه ان يبيعه ليوفيه ~~الدين فان وفاء الدين واجب ولا يتم إلا بالبيع وما لا يتم الواجب إلا به ~~فهو واجب وللحاكم أن يكرهه على بيع العرض في وفاء دينه وله ان يبيع عليه ~~إذا امتنع لأنه حق وجب عليه فقبل النيابة فقام ذو السلطان فيهم مقامه كما ~~يقوم في توفية الدين وتزويج الأيم من كفؤها إذا طلبته وغير ذلك وكما يقبض ~~الزكاة من ماله وسواء كان الدين الذي عليه برضى الغريم كثمن مبيع وبدل قرض ~~أو بغير رضاه كقيم المتلفات وأروش الجنايات PageV29P190 # ومن ذلك ضمان المغصوب إذا تعذر رد عينه ومن المغصوب الأمانات إذا خان ~~فيها ومن الأمانات ما اؤتمن عليه من مال المسلمين كالعمال على الفيء ~~والزكاة والصدقات الموقوفة ومال اليتيم ومال الموكل كالشريك والمضارب ~~ونحوهما ومال الفيء إذا خانوا فيها وتعذر رد عين المال وكذلك بيع ماله ~~لأداء ما يجب عليه من النفقات الواجبة لزوجته أو ولده أو نفسه # وبالجملة فكل من وجب عليه أداء مال إذا لم يمكن أداؤه إلا بالبيع صار ~~البيع واجبا يجبر عليه ويفعل بغير اختياره # ومثال الثانى المضطر إلى طعام الغير إذا بذله له بما يزيد على القيمة فان ~~له أن يأخذه بقيمة المثل فانه يجب عليه أن يبيعه وأن يكون بيعه بقيمة المثل ~~فاذا امتنع منهما أجبر عليهما وان بذل أحدهما أجبر الآخر والمسألة مذكورة ~~في ( كتاب الأطعمة ( حتى إنه لو امتنع عن بذل الطعام فله أن يقاتله عليه ~~لأنه بمنزلة المقاتل عن نفسه # ولهذا نضمنهم ديته لو مات كما روي أن رجلا استسقى قوما فلم يسقوه حتى مات ~~فضمنهم عمر ديته وأخذ به أحمد فانه إذا وجب إطعام المضطر بلا عوض عند عجزه ~~عنه فلأن يجب بالمعاوضة أولى وأحرى وهكذا إذا اضطر الناس ضرورة عامة وعند ~~أقوام فضول أطعمة PageV29P191 مخزونة فانه ms8452 يجب عليهم بيعها وعلى السلطان ان ~~يجبرهم على ذلك أو يبيعها عليهم لأنه فعل واجب عليهم يقبل النيابة فيجب ~~إلزامهم بما وجب عليهم شرعا وهو حق للمسلمين عندهم فيجب استنقاذه منهم ~~وهكذا كل ما اضطر الناس إليه من لباس وسلاح وغير ذلك مما يستغني عنه صاحبه ~~فانه يجب بذله بثمن المثل # وقد كتبت قبل هذا حديث سمرة بن جندب في صاحب النخلة لما أمره النبى صلى ~~الله عليه وسلم ببيعها فلم يفعل وذكرت ما فيه من وجوب المعاوضة التى يحتاج ~~إليها المبتاع من غير ضرر البائع # ولهذا نهى الشارع عن الاحتكار الذي يضر الناس في قوله صلى الله عليه وسلم ~~( لا يحتكر إلا خاطئ ( رواه مسلم وغير ذلك والمحتكر مشتر متجر لكن لما كان ~~يشتري ما يضر الناس ولا يحتاج إليه حرم عليه والبيع والشراء في الأصل ~~جائزان غير واجبين لكن لحاجة الناس يجب البيع تارة ويحرم الشراء أخرى هذا ~~في نفس العقد # وأما في مقدار الثمن فنهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يبيع حاضر لباد لما ~~فيه من إضرار المشتري إذا توكل الحاضر للقادم بسلعته في البيع مع حاجة ~~الناس إليها وقد يستدل بذلك على PageV29P192 و جوب بيعها بثمن المثل ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم ( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ( # وهكذا بيع أحد الشريكين من الآخر في مالا ينقسم فان الشريك محتاج إلى ~~البيع ليأخذ نصيبه ولا ضرر على الآخر فيه وكذلك تقويمه ملك الشريك إذا أعتق ~~الشريك نصيبه فان العتق يحتاج إلى تكميل لما في تبعيض العتق من الضرر من ~~غير ضرر على البائع في بيع نصيبه أو فيه ضرر دون الحاجة إلى تكميل العتق # وهكذا فيمن تعلق حق الغير بماله كمن له في ملك الغير عرق محترم من غراس ~~أو بناء أو بئر كالمشتري إذا أخذ الشقص بالشفعة والبائع إذا رد عليه المبيع ~~بعيب وكان الثمن عقارا وكالمستعير والمستأجر إذا انقضت المدة فان لرب الأرض ~~أن يبتاع ذلك بقيمته إذا لم يقلعه صاحبه ms8453 أو يبقيه بأجرة المثل وكلاهما ~~معاوضة إما على العين أو على منفعة أرضه # وكذلك إجبارنا لأحد الشريكين على الكرى مع الآخر أو العمارة معه هو إجبار ~~على المعاوضة فان العمارة تتضمن ابتياع أعيان واستئجار عمال فهي إجبار على ~~شراء وإجارة لأن الشريك محتاج إلى ذلك ولا ضرر على الباذل في ذلك فتجب عليه ~~المعاوضة معه تارة لأجل القسمة وتارة لبقاء الشركة وعلى هذا فاذا احتاج ~~المسلمون إلى PageV29P193 الصناعات كالفلاحة والنساجة والبناية فعلي أهلها ~~بذلها لهم بقيمتها كما عليهم بذل الأموال التى يحتاج إليها بقيمتها إذ لا ~~فرق بين بذل الأموال وبذل المنافع بل بذل المنافع التى لا يضر بذلها أولى ~~بالوجوب معاوضة ويكون بذل هذه فرضا على الكفاية # وقد ذكر طائفة من العلماء من أصحابنا وغيرهم أن أصول الصناعات كالفلاحة ~~والحياكة والبناية فرض على الكفاية والتحقيق انها فرض عند الحاجة إليها ~~وأما مع إمكان الاستغناء عنها فلا تجب وهذه حكينا بيعها فان من يوجبها إنما ~~يوجبها بالمعاوضة لا تبرعا فهو إيجاب صناعة بعوض لأجل الحاجة إليها وقولي ~~عند الحاجة فان المسلمين قد يستغنون عن الصناعة بما يجلبونه أو يجلب إليهم ~~من طعام ولباس # والأصل أن إعانة الناس بعضهم لبعض على الطعام واللباس والسكنى أمر واجب ~~وللامام أن يلزم بذلك ويجبر عليه ولا يكون ذلك ظلما بل إيجاب الشارع للجهاد ~~الذي فيه المخاطرة بالنفس والمال لأجل هداية الناس في دينهم أبلغ من هذا ~~كله فاذا كانت الشجاعة التى يحتاج المسلمون إليها والكرم الذي يحتاج ~~المسلمون إليه واجبا فكيف بالمعاوضة التى يحتاج المسلمون إليها # ولكن أكثر الناس يفعلون هذا بحكم العادات والطباع وطاعة PageV29P194 ~~السلطان غير مستشعرين ما في ذلك من طاعة الله ورسوله وطاعة أولي الأمر فيما ~~أمر الله بطاعتهم فيه ولهذا يعدون ذلك ظلما وعناء ولو علموا أنه طاعة لله ~~احتسبوا أجره وزالت الكراهة ولو علموا الوجوب الشرعي لم يعدوه ظلما # وكذلك إذا احتاجوا إلى القتال والجهاد بالنفس وبذلوا أموالا من بيت المال ~~أو من غيره فان الجهاد وان كان فيه ms8454 مخاطرة بالنفس ويخاف فيه الضرر لكنه ~~واجب بالشرع إذا بذل للانسان المال فان مصلحة الدين لا تتم الا بوجوبه وعلى ~~الانسان ان يجاهد بمال نفسه فاذا بذل له المال كان أولى بالوجوب فمن كان من ~~أهل صناعات القتال رميا وضربا وطعنا وركوبا وجب عليه ذلك وأجبر عليه كما ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم ( وإذا استنفرتم فانفروا ( # ولهذا قال الفقهاء إنه يجب عينا إذا أمر به الامام وكذلك إذا احتاج ~~المجاهدون إلى أهل الصناعات والتجارات كصناع الطعام واللباس والسلاح ومصالح ~~الخيل وغير ذلك وطلبت منهم تلك الصناعة بعوضها وجب بذلها وأجبروا عليها # وكذلك التجار فيما يحتاج إليه في الجهاد عليهم بيع ذلك وإذا PageV29P195 ~~احتاج العسكر إلى خروج قوم تجار فيه لبيع ما لا يمكن العسكر حمله من طعام ~~ولباس وسلاح ونحو ذلك فالتجارة كالصناعة والعسكر بمنزلة قوم في بلد فكما ~~يجب على بعض إعانة بعض على حاجاتهم بالمعاوضة التى لا ضرر فيها فان ذلك ~~واجب في العسكر # وكما للامام ان يوجب الجهاد على طائفة ويأمرهم بالسفر إلى مكان لأجله فله ~~أن يأمر بما يعين على ذلك ويأمر قوما بتعلم العلم ويأمر قوما بالولايات # والامام العدل تجب طاعته فيما لم يعلم أنه معصية وغير العدل تجب طاعته ~~فيما علم أنه طاعة كالجهاد # وقال # قدس الله روحه ### ||| فصل # أقوال المكره بغير حق لغو عندنا مثل كفره وطلاقه وبيعه وشرائه فاذا أكره ~~البيعان على العقد فهو باطل وإذا اكرها على التقابض فهذا إكراه على الأفعال ~~لا على الأقوال فيكون كل منهما PageV29P196 قد قبض وأقبض مكرها فعلى كل ~~منهما أن يرد ما قبضه إلى الآخر إذا امكنه لأنه مقبوض بغير حق وان كان ~~القابض مكرها # فان تلف المال المقبوض بالاكراه تحت يد القابض فان كان قد أتلفه بفعله أو ~~بتفريطه أو بعدوانه فهو ضامن لأن غايته ان تكون يده يد أمانة ويد الأمانة ~~إذا أتلفت شيئا أو تلف بتفريطها أو عدوانها ضمنته كيد المستأجر والمودع ~~والمضارب والوكيل # وان تلف بغير تفريط منه فهل تكون ms8455 يده يد ضمان لأنه قبض مال الغير بغير ~~إذنه لدفع الضرر عنه أو يد أمانة لأنه قبضه قبضا غير محرم فنقول تلفه تحت ~~يد المكره بمنزلة إتلافه كرها وفيه خلاف وهو يشبه العارية من بعض الوجوه ~~فان المستعير قبض المال لنفعه كما أن المكره قبضه لدفع الضرر عن نفسه وهذا ~~قبضه باذن المالك وهذا قبضه باذن الشارع فان كان المكره القابض قد أخذ منه ~~وفاء عن دين فهنا يكون ضامنا له لأنه مصروف في منفعته كمن اضطر إلى طعام ~~الغير فأخذه ليأكله PageV29P197 ### |||| وسئل رحمه الله # عن جماعة صودروا وأخذت أموالهم ثم اكرهوا وأجبروا على بيع ~~أعيان من عقار ومواشي وبساتين فباعوها والأعيان المذكورة بعضها ملك أولاد ~~البائعين وبعضها وقف وبعضها ملك الغير ووضع المشتري يده عليها وحازها وخاف ~~البائعون على إتلاف صورة الأعيان وليس لهم قدرة على انتزاعها من يده ~~فاشتروها صورة ليعرفوا بقاءها ويحرزوها بثمن معين إلى أجل معلوم فلما آن ~~الأجل طالبهم بالثمن فهل يكون البيع منهم باطلا بحكم الاكراه وبيع مال ~~الغير أم لا وهل مشتراهم منه واقرارهم بالملك مثبت له بصحة الملك ### ||||| فأجاب # إذا بذل البائع والحال هذه للمشتري فما أداه من الثمن وامتنع ~~المشتري من الايفاء بذلك وطلب ما كتب على البائع من الثمن المؤجل فان ~~المشتري ظالم عاص يستحق العقوبة فان هذه المعاملة لو كانت بطيب نفس البائع ~~وقد اتفقا على أن لا تباع منه الأعيان بتقديم بيعه إياها إلى أجل بأكثر من ~~ذلك PageV29P198 الثمن كانت معاملة باطلة ربوية عند سلف الأمة من الصحابة ~~والتابعين واكثر أئمة المسلمين فكيف والبائع مكره وبيع المكره بغير حق بيع ~~غير لازم باتفاق المسلمين فلو قدر مع ذلك أن المشترى اكره على الشراء منه ~~وأداه الثمن عنه فأعطاه البائع الثمن الذي أداه عنه لوجب تسليم المبيع إليه ~~باتفاق المسلمين # فكيف والمشتري لم يكره على الشراء والبائع قد بذل له الثمن الذي أداه عنه ~~فليس للمشتري والحالة هذه مطالبته بزيادة على ذلك باتفاق الأئمة ولا ~~مطالبته برد الأعيان التى ms8456 كانت ملكه وهي الآن بيده على ما ذكر ### |||| وسئل # عن رجل ماتت أمه وورث منها دارا ولم يكن لها فيها شريك وان انسانا ظلم ~~والده وأجبره حتى كاتبه على الدار أو باعها فهل يجوز ذلك أم ترجع الدار إلى ~~مالكها ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا أكره بغير حق على بيع الدار لم يصح البيع وترد الدار ~~إلى مالكها ويرد على المشتري الثمن الذي أخذ منه والله أعلم PageV29P199 ### |||| وسئل # عن حبس على جماعة وهو مثبوت بالعدول وفى الدار ساكن له يد قوية على ~~الورثة وألزموه إلى ان باعوه غصبا باليد القوية فاذا شهدت الشهود بصحة ~~الوقف ينزع من الغاصب أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله بيع المكره بغير حق لا يصح وبيع الوقف الصحيح اللازم لا ~~يصح ومن علم شيئا شهد به والله أعلم # وقال رحمه الله ### ||| فصل # فإذا أكره السلطان أو اللصوص أو غيرهم رجلا على أداء مال بغير حق وأكره ~~رجلا آخر على إقراضه أو الابتياع منه وأدى الثمن عنه أو إليه ليأخذوهم من ~~المقترض والبائع سواء كان الاكراه على إقباض المكره ثم الأخذ منه أو على ~~الأداء عنه فقط PageV29P200 فهذه المسألة ونحوها تقع كثيرا وفيها وجهان # كما لو أخذ السلطان من أحد المختلطين في الماشية زيادة على الواجب عنهما ~~بلا تأويل # أحدهما أن تلك الزيادة تذهب من مالكها وليس على الآخر شيء منها وإن كان ~~السلطان أخذها عنها لأن الظالم ظلم هذا بأخذ ماله ونواه عن الآخر وهو ليس ~~وليا للآخر ولا وكيلا عنه حتى تصح نيته ومجرد النية المحرمة لا يوجب ثبوت ~~المال في ذمة المأخوذ عنه # ولازم هذا القول أن أحد الشريكين في العقار والمنقول إذا أخذ السلطان ~~ونوابه الوظائف الظلمية على المال أو أخذ قطاع الطريق من التجار عن المال ~~الذي معهم شيئا من أحد الشريكين لأن المقبوض إذا كان من عين المال فان أحد ~~الشريكين لم يرجع على الآخر بنصيبه وعلى هذا فلو كان المعطى وكيلا أو وليا ~~كناظر الوقف ووصى اليتيم فيلزم اذا لم يكن ms8457 ما أخذ منه من عين المال أن يكون ~~من ضمانه لكن هذا إنما يلزم اذا لم يكن الدفع لحفظ المال بل كان الدفع لأنه ~~اكره على الأداء فأما إذا لم يمكن حفظ المال إلا بما دفعه عنه فهذا التصرف ~~لحفظ المال وهو بمنزلة إعطاء الخفارة لحفظه وإعطاء النواطير لدفع اللصوص ~~والسباع # وايضا فالولي والوكيل مأذون لهما عرفا في مثل هذا الدفع فانه PageV29P201 ~~لم يتوكل على أنه يضرب ويحبس على مال يؤدي عن المال فيتضرر ولا يؤديه بخلاف ~~ما يوجد من الأجنبي لكن هذا الدليل بعينه وارد في أحد الشريكين فان كلاهما ~~وكيل الآخر في شركة العقود # وايضا فيفرق بين الكلف النوابية السلطانية وبين المظالم العارضة ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل سير على يد رجل قماشا ليسلمه لولده بالقاهرة فلم يسلمه وباعه ~~المسير على يده وتصرف فيه وباعه على غير بزاز بغير النقد وبغير إذن صاحب ~~القماش له في ذلك فهل يكون ذلك تفريطا وهل إذا فرط تلزمه قيمته وهل يكون ~~القول في تلفه قول صاحب القماش أو قول المسير على يده افتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # اذا تصرف فيه بغير إذن صاحبه كان ظالما وكان ضامنا له فان فات ~~فعليه قيمته وان قال المودع أمرتنى ببيعه وقال المودع لم آمرك ببيعه بل ~~بتسليمه إلى ولدي فهذا فيه نزاع لكن ان باعه بيعا خارجا عن البيع المعروف ~~مثل أن يبيعه إلى أجل أو بغير النقد نقد البلد أو يبيعه لمن هو جاهل أو ~~مفلس ونحو ذلك فهو ضامن لما يتلف من الثمن بكل حال PageV29P202 # وكذلك اذا باعه بدون قيمة المثل وسلم المبيع فهو ضامن للنقص والله أعلم ### |||| وسئل # عن امرأة ملكت لولدها ملكا وباعه ثم بعد البيع ملكت الثانى وكتب على ~~الأول حجة أن ماله في الملك شيء بعد أن باعه فهل يلزم الأول رد الملك ~~للثانى أو الأول صحيح ### ||||| فأجاب # اذا كان قد باعه بيعا صحيحا لازما فقد خرج عن ملكه ولم يصح بعد ذلك ~~تمليكها والملك باق على ملك المشتري والله ms8458 أعلم ### |||| وسئل # عن رجل له زوجة لها ملك فسرق الزوج كتب الملك وباعه ثم توفيت ### ||||| فأجاب # بيع الملك بغير إذن مالكه ولا ولاية عليه بيع PageV29P203 باطل ~~والواجب أن يرد إلى المشتري ما أعطاه من الثمن ويرد إلى المالك ملكه # وقال ### ||| فصل # الذي يكره من شراء الأرض الخراجية إنما كان لأن المشتري يشتريها فيرفع ~~الخراج عنها وذلك إسقاط لحق المسلمين كما كانوا أحيانا يقطعون بعضها لبعض ~~المحاربين إقطاع تمليك لا إقطاع استغلال كاقطاع الموات فهذا الانتفاع ~~والاقطاع يسقط حق المسلمين من الرقبة والمنفعة والخلفاء أخذوه من الغزاة ~~لتكون منفعته دائمة للمسلمين فاذا قطعت منفعته عن المسلمين صار ظلما لهم ~~بمنزلة من غصب طريق المسلمين أو بنى في منى ونحوها من المنافع المشتركة بين ~~المسلمين على التأبيد # فأما اذا اشتراها وعليه من الخراج ما على البائع فهو كما لو ولاه إياها ~~بلا حق وكما لو ورثها فان الارث مجمع عليه أن الوارث أحق بها بالخراج وذلك ~~لأن اعطاءها لمن أعطيته بالخراج قد قيل PageV29P204 أنه بيع بالثمن المقسط ~~الدائم كما يقوله بعض الكوفيين وقد قيل أنه اجارة بالاجرة المقسطة المؤبدة ~~المدة كما يقوله أصحابنا والمالكية والشافعية وكلا القائلين خرج في قوله عن ~~قياس البيوع والاجارات # والتحقيق أنها معاملة قائمة بنفسها ذات شبه من البيع ومن الاجارة تشبه في ~~خروجها عنهما المصالحة على منافع مكانه للاستطراق أو القاء الزبالة أو وضع ~~الجذع ونحو ذلك بعوض ناجز فانه لم يملك العين مطلقا ولم يستأجرها وانما ملك ~~هذه المنفعة مؤبدة # وكذلك وضع الخراج لو كان اجارة محضة وكان عمر وغيره قد تركوا الأرض ~~للمسلمين واكروها لكان ينبغي اكراء المساكن ايضا لأنها للمسلمين اذا فتحت ~~عنوة ولكان قد ظلم المسلمين فان كراء الأرض يساوي أضعاف الخراج ولكان على ~~المشهور عندهم لا يستحق الآخذ الا ما في الأرض من الشجر القائمة من النخيل ~~والأعناب وغير ذلك كمن استأجر ارضا فيها غراس ولكان دفعها مساقاة ومزارعة ~~كما فعل المنصور والمهدي في أرض السواد أنفع للمسلمين اقتداء بالنبي صلى ~~الله ms8459 عليه وسلم في أرض خيبر فانه لا فرق الا أن ملاك خيبر معينون وملاك أرض ~~العنوة العمرى مطلقون والا فيجوز كذلك ان يؤاجر ويجوز له في الأرض الموقوفة ~~أن يعامل مساقاة ومزارعة PageV29P205 # وأما بيعها فلو كان كذلك لباع المساكن ايضا ولا بيع يكون الثمن مؤبدا إلى ~~يوم القيامة فالمستخرج اصل دلت عليه السنة والاجماع فلا يقاس بغيره فان ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال ( منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام ~~مدها ودينارها ومنعت مصر اردبها ودينارها ( واتفق الصحابة مع عمر على فعله # يوضح ذلك أن اصل الخراج في قوله @QB@ ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى @QE@ فان هذا فرق بين العقار والمنقول ومع هذا فقد أضاف القري اليهم ~~فعلم اختصاصهم بها # واذا كان كذلك فلو أخذه ذمي من الذمي الأول بالخراج وعاوضه على ذلك عوضا ~~لم يكن في ذلك ضرر أصلا فلا وجه لمنعه لأنه ان قيل أنه وقف فهذا لا يخرجه ~~بهذه المعاوضة عن أن يكون وقفا بل مستحق أهل الوقف باق كما كان وبيع الوقف ~~انما منع منه لازالة حق أهل الوقف وهذا لا يزول بل هو بمنزلة إجارة ارض ~~الوقف بأكثر مما استأجرها فكأنه قال أكريتك هذه الأرض بما على من الخراج ~~وبالزيادة التى تعجلها إلي ولهذا ينتقل إلى ورثة من هي في يده والوقف لا ~~يباع ولا يوهب ولا يورث فاذا جاز انتقاله بالارث على صفة ما كان والهبة ~~مثله فكذلك المعاوضة سواء سميت بيعا أو اجارة ولهذا جوز أحمد إصداق الأرض ~~الخراجية وما جاز PageV29P206 ان يكون صداقا جاز أن يكون ثمنا وأجرة وما ~~كان ثمنا كان مثمنا فهذا باب ينبغي تأمله # يبقي اذا أخذه المسلم هل يكره لما فيه من الصغار أو لما فيه من الاشتغال ~~عن الجهاد بالحراثة فهذه مواضع أخر غير كونه وقفا تختلف باختلاف المصالح ~~والأوقات كما أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل اليهود على خيبر لقلة ~~المسلمين فلما كثر المسلمون أجلاهم عمر بأمر النبى صلى الله عليه وسلم وصار ms8460 ~~المسلمون يعمرونها فكذلك الأرض الخراجية اذا كثر المسلمون كان استيلاؤهم ~~عليها بالخراج أنفع لهم من أن يبقوا فقراء محاويج والكفار يستغلون الأرض ~~بالخراج اليسير فانهم كانوا زمن عمر قليلا وأهل الذمة كثيرا وقد يعكس الأمر ~~مع ان النبى صلى الله عليه وسلم عاملهم على خيبر ثم عمرها المسلمون لما كثر ~~المسلمون وتضرروا ببقاء أهل الذمة في أرض العرب فكان المعنى ضرر المسلمين ~~بأهل الذمة واكتفاء المسلمين بالمسلمين # فكيف اذا احتاج المسلمون إلى الأرض الخراجية وتضرروا ببقائها في أيدي أهل ~~الذمة فرأى من احتاج من المسلمين أن يعاوض الذمي عنها ويقوم مقامه فيها فان ~~كان المؤدى أجرة فهو أحق باستئجار أرض المسلمين وعمارتها وان كان ثمنا فهو ~~أحق باشترائها PageV29P207 و ان كان عوضا ثالثا فهو به أحق أيضا ومتى كثر ~~المسلمون لم يبق صغار ولا جزية وإنما كان فيه صغار وجزية في الزمن المتقدم ~~كما لو أسلم الذمي الذي هو مستول عليها فانها تبقي بيده مؤديا لخراجها وسقط ~~عنه جزية جمجمته فكيف يقاس هذا بهذا # واذا جاز أن تبقى بيده بعد إسلامه فما المانع من ان يدفعها إلى مسلم غيره ~~بعوض أو غيره والمسلم لا صغار عليه بحال فلو كان المانع كونها صغارا لم ~~يجامع الاسلام كجزية الرأس # ولا يقال هي كالرق تمنعه الاسلام ابتداء ولا تمنع دوامه لأن الرق قهرناهم ~~عليه بغير اختيارهم لم نعاوضهم عليه فكذلك جزية الرأس لا نمكنهم من المقام ~~بالأرض الاسلامية الا بها فهي نوع من الرق لثبوتها بغير اختيار المسترق ~~وأما الخراج فانما يثبت برضي المخارج واختياره ولو لم يقبل الأرض منا لم ~~ندفعها إليه بمنزلة المساقاة والمزارعة التى عامل النبى صلى الله عليه وسلم ~~بها أهل خيبر سواء هناك كان العوض جزءا من الزرع وهنا العوض مسمى معلوم ~~وهناك لا يستحق شيئا الا اذا زرعوا وهنا يستحق اذا أمكنهم الزرع فنظيره ان ~~العامل في المزارعة يعامل غيره بأقل من الجزء الذي استحقه اذ أن المضارب ~~يدفع المال مضاربة لكن هذا يتوقف على اذن المالك ms8461 لتعيين المستحق ~~PageV29P208 # وبالجملة فالموانع من كونها وقفا ينظر فيها أما جهة الوقف فلا يتوجه ~~كونها مانعا على أصول الشريعة أبدا وأما التعليل بالاشتغال بالحراثة عن ~~الجهاد فهذا عام في جميع الأراضين عشريها وخراجيها وذاك شيء آخر ### ||| فصل # ونظير ذلك مكة فانه لا ريب أنها فتحت عنوة ومن قال إنها فتحت صلحا فاستقر ~~ملك أصحابها عليها ليجوز لهم ما يجوز في سائر أراضى الصلح من البيع وغيره ~~كما يقوله الشافعي فقوله ضعيف لوجوه كثيرة من المنقولات # وأيضا فانه لا يجوز مثل ذلك فانه لو صالح الامام قوما من المشركين بغير ~~جزية ولا خراج لم يجز الا للحاجة كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم عام ~~الحديبية # أما اذا فتحنا الأرض فتح صلح وأهلها مشركون من غير أهل الجزية فانه لا ~~يجوز إقرارهم بغير جزية باجماع المسلمين # وأيضا فان النبى صلى الله عليه وسلم جعل في العام القابل PageV29P209 لما ~~حج أبو بكر لمن لم يسلم منهم أجل أربعة أشهر والا جعله محاربا يستبيح دمه ~~وماله ولو كان قد فتحها صلحا لم يجز نقض ذلك # وأيضا فانه استباح قتل جماعة سماهم ولكن فتحها عنوة وأمن من ترك القتال ~~منهم [ فقد أمنه ] على نفسه وماله الا نفرا استثناهم وكان قد أرسل بهذا ~~الأمان مع أبى سفيان فمنهم من قبله فانعقد له ومنهم من لم يقبل فحارب أو ~~هرب والأمان لا يثبت الا بقبول المؤمن كالهدنة وأما من لم يترك القتال فلم ~~يؤمنه بحال لكن خص وعم في ألفاظ الأمان والمقصود واحد فان قوله ( من دخل ~~المسجد فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن ومن القى السلاح فهو آمن ومن دخل دار ~~ابى سفيان فهو آمن ( كلها ألفاظ معناها من استسلم فلم يقاتل فهو آمن ولهذا ~~سماهم الطلقاء كأنه أسرهم ثم أطلقهم كلهم # وقالت الحنفية لما فتحها عنوة ولم يقسمها بل أقرها في يد أهلها صار هذا ~~أصلا في أرض العنوة أنه يجوز إقرارها في يد أهلها قالوا هم وأصحابنا وغيرهم ~~في أحد التعليلين ولهذا ms8462 لم يجز بيعها وإجارتها لكونها فتحت عنوة ولم تقسم ~~كسائر أرض العنوة وربما يقولون صار انزال أهل مكة للناس عندهم هو الخراج ~~المضروب PageV29P210 عليهم # وأما من قال من أصحابنا أن الخراج يضرب على مزارعها فقد علم بالنقل ~~المتواتر فساد قوله مع اجرائه لقياسه وهذا التعليل ضعيف لوجوه # أحدها أن أرض العنوة تجوز إجارتها بالاجماع وبيوت مكة أحسن ما فيها أنه ~~لا تجوز اجارتها بل يجب بذلها للمحتاج بغير عوض فهذا الذي يدل عليه الكتاب ~~والسنة والآثار والقياس # وأما المنع من بيعها ففيه نظر فلو كان المانع كون فتحها عنوة لما منع ~~اجارتها # الثانى أن أرض العنوة انما يمنع من بيع مزارعها فأما المساكن فلا يمنع ~~ذلك فيها بل هي لأصحابها ومكة انما منعوا من المعاوضة في رباعها التى لا ~~منع منها في أرض العنوة وهذا برهان ظاهر على الفرق # الثالث أن مزارع مكة ما علمت أحدا من أصحابنا ولا غيرهم منع بيعها أو ~~اجارتها وانما الكلام في الرباع وهي المساكن لا المزارع فأين هذا من هذا # الرابع أن تلك الديار كانت للمهاجرين وقد طلبوا من النبى صلى الله عليه ~~وسلم اعادتها اليهم فلم يفعل فلو كانت كسائر العنوة PageV29P211 لكان قد ~~أعادها إلى اصحابها لأن الأرض اذا كانت للمسلمين واستولى عليها الكفار ثم ~~استنقذناها وعرف صاحبها قبل القسمة أعيدت إليه # والخامس أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لشيء من أموالهم لا ~~منقولها ولا عقارها ولا إلى أحد من ذراريهم ولو أجرى عليها أحكام غيرها من ~~العنوة لغنم المنقولات والذرية بل الصواب أن المانع من اجارتها كونها أرض ~~المشاعر التى يشترك في استحقاق الانتفاع بها جميع المسلمين كما قال الله ~~تعالى @QB@ سواء العاكف فيه والباد @QE@ فالساكنون بها أحق بما احتاجوا ~~إليه لأنهم سبقوا إلى المباح كمن سبق إلى مباح من مسجد أو طريق أو سوق وأما ~~الفاضل فعليهم بذله لأنه إنما لهم أن يبنوا بهذا الشرط لكن العرصة مشتركة ~~في الأصل # وصار هذا بمنزلة من بني بيتا من رباط أو ms8463 مدرسة أو نحو ذلك له اختصاص ~~بسكنه وليس له المعاوضة عليه أو من بنى بيتا في جنابات السبيل أو في دار ~~الرباط التى تكون بالثغور ونحو ذلك مما تكون الأرض فيه مشتركة المنفعة للحج ~~أو للجهاد أو للمرور في الطرقات أو التعلم أو التعبد ونحو ذلك فاذا قال ~~البناء لي قيل له والعرصة ليست لك وأعيان الحجر ليس لك بل لك PageV29P212 ~~التأليف أو التأليف والأنقاض فما ليس لك لا يجوز أن تعاوض عنه وما هو لك قد ~~اعتضت عنه ببقائك في الانتفاع بالعرصة # أو لأن المكى لما صار الناس يهدون اليهم الهدايا وتجب عليهم قسمتها فيهم ~~صار يجب على المكيين إنزال الناس في منازلهم مقابلة للاحسان بالاحسان فصاحب ~~الهدي له أن يأكل منه مثلا حيث يجوز ويعطي من شاء ولا يعتاض عنه وكذلك صاحب ~~المنزل يسكنه ويسكنه ولا يعتاض عنه # وهذا المعنى الذي ذكرناه قد يكون هو السبب الموجب لابقائها بيد أربابها ~~من غير خراج مضروب عليهم أصلا لأن للمقيمين بمكة حقا وعليهم حق ليست كغيرها ~~من الأمصار ومن هنا يصير التعليل بفتحها عنوة مناسبا لمنع اجارتها كما ~~ذكرناه لا الحاقا لها بسائر أرض العنوة # فان قيل فالأرض إذا فتحت عنوة يجوز أمان أهلها على أنفسهم وأموالهم كذلك ~~قيل نعم يجوز قبل الاستيلاء أن يؤمن من ترك القتال على نفسه وماله لما فيه ~~من الانتفاع بترك قتاله وهو أمان بشرط بل إذا جوزنا السبي على الأسير بعد ~~الأسر للمصلحة كيف لا نجوز ذلك قبل الأسر PageV29P213 # وهنا زيادة الأمان على ماله لأن ذلك قبل الاستيلاء كما لو نزلوا على حكم ~~حاكم فانه من أسلم منهم قبل الحكم عصم دمه وماله لأنه لم يتم القهر فان ~~دخوله مكة كان قبل الظهر ودخلها قهرا وبهذا التحرير تظهر الشبهة التي أوجبت ~~كلا من القولين # وأما بعد القهر فيجوز أن يمن على المقهورين وتدفع اليهم الأرض مخارجة ~~فالذين حاربوا بمكة أو هربوا ثم أمنهم بعد قهرهم والقدرة عليهم هذا جائز في ~~أنفسهم كالمن ولهذا سماهم ms8464 الطلقاء وأما في أموالهم فالأرض قد ذكرت سبب ذلك ~~فيها # وأما المنقول والذرية ### |||| وسئل # عن مقطع له ماء داخل اقطاعه ويقصد بيعه لمقطع آخر واجراءه في بلده فهل ~~يجوز للمشتري أن يشتري الماء وهل يجوز للبائع أن يبيع الماء الداخل في ~~اقطاعه ويجريه في بلد المشتري ### ||||| فأجاب # اذا كان الماء محبوسا عليه في الاقطاع مثل أن تكون الأرض بمائها ~~محبوسة عليه بألف درهم وبدون تحبيس عليه بخمسمائة PageV29P214 درهم وهو ~~يريد تعطيل ما يستحقه من الزرع وبيعه لغيره [ يسقي ] به في أرضه فان هذا ~~يجوز بيعه بخلاف الماء الذي يجري في ملكه بلا عوض مثل أن يحيي أرضا وفيها ~~عين جارية فان في جواز بيع مثل هذا الماء قولان للعلماء هما روايتان عن ~~أحمد # إحداهما يجوز بيعه وهو مذهب الشافعي ومالك # والثانية لا يجوز وهو مذهب أبى حنيفة وهو المشهور عن أحمد # وأما الماء الذي يكون بالأرض المباحة والكلأ الذي يكون بها فهذا لا يجوز ~~بيعه باتفاق العلماء ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له عين ماء جارية اذا باع منها اصبع ماء أو نحوه هل يجوز مع أنه ~~غير مرئى بل ينبع شيئا فشيئا ### ||||| فأجاب # أما من يملك ماء نابعا مثل أن يملك بئرا محفورة في ملكه ويدخل في ~~لفظ البئر ما ينصب عليه الدولاب وما لا ينصب أو يملك عين ماء في أرض مملوكة ~~له فهذا يجوز له أن يبيع البئر PageV29P215 و العين جميعا ويجوز أن يبيع ~~بعضها مشاعا على اصبع وأصبعين من أربعة وعشرين كما يباع مع البستان والدار ~~ما له من الماء مثل أصبع وأصابع من قناة كذا وان كان أصل تلك القناة في ~~الأرض المياه فكيف إذا كان أصل الماء في ملكه فهذا مما لا أعلم فيه نزاعا # وان كانت العين تنبع شيئا فشيئا فانه ليس من شرط المبيع ان يرى جميع ~~المبيع بل يرى ما جرت العادة برؤيته وأما ما يتجدد مثل المنافع ونقع البئر ~~فهذا لا يشترط أحد رؤيته لا في بيع ولا إجاره # وإنما ms8465 تنازع العلماء لو باع الماء بدون القرار هل يصح بيعه لكونه يملك أو ~~لا يصح لكونه لا يملك على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد واكثر العلماء ~~على جواز بيعه وهو مذهب ابى حنيفة ومالك وهو منصوص للشافعي بل نص على أن ~~الماء مملوك # وتنازعوا فيما إذا باع الأرض ولم يذكر الماء هل يدخل أم لا # وأما بيع البئر والعين بكمالها أو بيع جزء منها فما علمت فيه تنازعا اذا ~~كانت الأرض مملوكة وقد ندب النبى صلى الله عليه وسلم إلى شراء بئر رومة من ~~مالكها اليهودي فاشترى عثمان بن عفان PageV29P216 نصفها وحبسه على المسلمين ~~وكان دلوه منها كدلو واحد من المسلمين ثم لما رأى اليهودي ذلك باعه النصف ~~الآخر فاشتراه عثمان وجعل البئر كلها حبسا على المسلمين # وهذا الحديث مما احتج به الفقهاء على عدة مسائل مثل وقف المشاع وتكلم ~~الفقهاء في مثل ذلك هل فيه شفعة فأكثر الفقهاء على ان فيه الشفعة كأبى ~~حنيفة واحمد في احدى الروايتين عنه وهو أحد القولين في مذهب مالك واختاره ~~بن سريج من أصحاب الشافعي ولكن المشهور عن الشافعي أنه لا شفعة فيه وهو ~~الرواية الأخرى عن أحمد إختارها كثير من أصحابه والأظهر وجوب الشفعة في ذلك # والمقصود هنا أنهم اتفقوا على جواز بيع ذلك وجواز هبة ذلك أظهر من جواز ~~بيعه ### |||| وسئل # عن رجلين لهما اقطاع في بلد فاختصما في بيع النبات الذي يطلع من عند الله ~~فزعم احدهما أنه مثل النبات البري لا يجوز بيعه لأنه ما هو ملكه فقال له ~~الآخر بل يجوز لأن السلطان أقطعه لي فهو ملكي ويجوز لي أن أبيع كل ما في ~~حصتى وفى قرعتى هل PageV29P217 هما مصيبان أم مخطئان وما مذاهب الأئمة في ~~ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما النبات الذي ينبت بغير فعل الآدمي كالكلا الذي ~~أنبته الله في ملك الانسان أو فيما استأجره ونحو ذلك فهذا لا يجوز بيعه في ~~مذهب ابى حنيفة واحمد في المشهور عنه وهو قول بعض أصحاب مالك والشافعي ms8466 لأن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال ( الناس شركاء في ثلاث في الماء والكلأ ~~والنار ( # ومعلوم أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يرد ما ينبت في الأرض المباحة فقط ~~لأن الناس يشتركون في كل ما ينبت في الأرض المباحة من جميع الأنواع من ~~المعادن الجارية كالقير والنفط والجامدة كالذهب والفضة والملح وغير ذلك ~~فعلم أنه أراد ما ينبت في ارض الانسان # وايضا فقد ثبت في صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ثلاثة ~~لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل ~~على فضل ماء يمنعه بن السبيل فيقول الله له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ~~ما لم تعمله يداك ورجل بايع إماما لا يبايعه الا للدنيا إن أعطاه رضي وان ~~منعه سخط ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا لقد أعطى بها اكثر مما ~~PageV29P218 أعطى ( فهذا توعده الله بالعذاب لكونه منع فضل ما لم تعمل يداه ~~والكلأ الذي ينبت بغير فعله لم تعمله يداه # والمشهور من مذهب الشافعي جواز بيع ذلك وهو المشهور من مذهب مالك في ~~الأرض التى جرت عادة صاحبها بالانتفاع بها فأما الأرض البور التى لا يحرثها ~~فلأصحابه فيها نزاع جوز ذلك بن القاسم ومنعه غيره # وأما إذا كان صاحبها قصد ترك زرعها لينبت فيها الكلأ فبيع هذا أسهل من ~~بيع غيره لأن هذا بمنزلة استنباته # وقال في جواب له أيضا # واما قوله ( الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار ( فهو حديث معروف ~~رواه أهل السنن وقد اتفق المسلمون على أن الكلأ النابت في الأرض المباحة ~~مشترك بين الناس فمن سبق إليه فهو أحق به وأما النابت في الأرض المملوكة ~~فانه ان كان صاحب الأرض محتاجا إليه فهو أحق به وان كان مستغنيا عنه ففيه ~~قولان مشهوران لأهل العلم واكثرهم يجوزون أخذه بغير عوض لهذا الحديث ~~ويجوزون رعيه بغير عوض PageV29P219 # وكذلك الماء ان كان نابعا في أرض مباحة فهو مشترك بين الناس وان كان ~~نابعا في ms8467 ملك رجل فعليه بذل فضله لمن يحتاج إليه للشرب للآدميين والدواب ~~بلا عوض لهذا الحديث ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( ثلاثة ~~لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل ~~على فضل ماء يمنعه بن السبيل يقول الله له اليوم امنعك فضلى كما منعت فضل ~~ما لم تعمل يداك ورجل بايع إماما لا يبايعه الا للدنيا فان أعطاه منها رضي ~~وان منعه منها سخط ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال والله الذي لا إله إلا ~~هو لقد أعطيت بها كذا وكذا ( الحديث والله أعلم ### |||| وسئل # عن قوم ينقلون النحل من بلد إلى بلد فهل يحل لأهل البلد أن يأخذوا منهم ~~أجرة ما جنته النحل عندهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا حق على أهل النحل لأهل الأرض التى يجني منها فان ذلك ~~لا ينقص من ملكهم شيئا ولكن العسل من الطلول التى هي من المباحات وعلى صاحب ~~النحل العشر يصرفه إلى PageV29P220 مستحقه عند كثير من العلماء كأبى حنيفة ~~وغيرهم لما روي في ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه # وهذه الطلول هي أحق بالبذل من الكلأ فان هذه الطلول لا يمكن أن يجمعها ~~الا النحل لكن اذا كانت لصاحب الأرض فنحله أحق بالجناء في أرضه فاذا كان ~~جني تلك النحل تضربه فله المنع من ذلك والله أعلم ### |||| وسئل # عن امرأة لها ملك غائب عنها ولم تره وعلمته بالصفة ثم باعته لمن رآه فهل ~~يصح هذا البيع ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا علمته بالصفة صح بيعها وكذلك لو رآه وكيلها في البيع ~~صح البيع ايضا وان لم تره ولا وصف لها ### |||| وسئل # عن رجل يحتاج لقرض وكان عند شخص فول فتبايعا عليه ولم يره المشترى وكتب ~~الحجة ثم وجده مسوسا PageV29P221 ### ||||| فأجاب # اذا لم ير المبيع ولم يوصف له فالبيع باطل وعليه رده بمثله أو ~~قيمته ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل يريد أن يبيع روحه وله عائلة هل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما البيع الشرعي ms8468 فالحر المسلم لا يمكن بيعه ولكن إذا ~~انضم إلى بعض الملوك أو الأمراء متسميا باسم مملوكه وذلك الملك أو الأمير ~~يجعله من مماليكه الذين يعتقهم لا يتملكه تملك الأرقاء فهذا شبه ملك السيد ~~الأول # وهذا الذي يفعله هؤلاء انما هو بيع عادي واطلاق عادي إذ أكثر المماليك ~~ملك لبيت المال وولاؤهم للمسلمين ولكن من غلب اضيفوا إليه كما تضاف إليه ~~الأموال ونحو ذلك ولا بأس على الانسان أن ينضاف إلى من يعطيه حقه من بيت ~~مال المسلمين كما أضيف إلى غيره وعليهم ان يطيعوا من ولاه الله أمرهم في ~~طاعة الله ولا يطيعوا احدا في معصية الله فالملك يشبه الملك والله أعلم ~~PageV29P222 ### |||| وسئل رحمه الله # عن مملوك لشخص مسلم مقيم في بلاد التتر ثم أن المملوك هرب من عند استاذه ~~من تلك البلاد وجاء إلى بلاد الشام وهو في الرق والآن المملوك يختار البيع ~~فهل يجوز لأحد أن يبيعه ليحفظ ثمنه لاستاذه ويوصل ذلك إليه أم لا ### ||||| فأجاب # نعم يجوز إذا كان في رجوعه إلى تلك البلاد ضرر عليه في دينه أو ~~دنياه فانه يباع في هذه البلاد بدون اذن استاذه والله أعلم ### |||| وسئل # عن شخص من الكفار في بلاد الكفار كان عليه دين باع نفسه لشخص مسلم وقبض ~~الثمن وأوفى به دينه وباع ابنته ايضا ورضوا بالرق وخسر عليهم التاجر المسلم ~~كلفة الطريق والنفقة والكسوة حتى وصلوا إلى بلاد الاسلام فهل يجوز بيعهم ~~وشراؤهم PageV29P223 ### ||||| فأجاب # إذا دخل المسلم إلى دار الحرب بغير أمان فاشترى منهم أولادهم وخرج ~~بهم إلى دار الاسلام كانوا ملكا له باتفاق الأئمة وله ان يبيعهم للمسلمين ~~ويجوزأن يشتروا منه ويستحق على المشترى جميع الثمن # وكذلك اذا باع الحربي نفسه للمسلم وخرج به فانه يكون ملكه بطريق الأولى ~~والأحرى بل لو أعطوه أولادهم بغير ثمن وخرج بهم ملكهم فكيف اذا باعوه ذلك # وكذلك لو سرق أنفسهم أو أولادهم أو قهرهم بوجه من الوجوه فان نفوس الكفار ~~المحاربين وأموالهم مباحة للمسلمين فاذا استولوا عليها بطريق مشروع ملكوها ms8469 # وانما تنازع العلماء فيما اذا كان مستأمنا فهل له ان يشترى منهم أولادهم ~~على قولين في مذهب ابى حنيفة ومالك وأحمد في رواية أنه يجوز الشراء منهم ~~حتى قال أبو حنيفة وأحمد في رواية منصوصة عنه أنه اذا هادن المسلمون أهل ~~بلد وسباهم من باعهم للمسلمين جاز الشراء منه وخالفه في ذلك مالك والشافعي ~~في الرواية الأخرى # وكذلك لو قهر أهل الحرب بعضهم بعضا أو وهب بعضهم بعضا PageV29P224 او ~~اشترى بعضهم بعضا أو سرقهم وباعهم أو وهبهم للمسلمين تملكوهم كما يملكهم ~~المسلمون إذا ملكوهم بالقهر ### |||| وسئل # عن رجل اشترى عبدا فأقام في خدمته مدة سنين ثم قصد المولى بيعه فادعى أنه ~~حر وكان حال البيع اعترف بالرق فهل يجب أخذ ثمنه من الذي باعه وهل يعتق على ~~مولاه ### ||||| فأجاب # إذا ثبت أنه كان حرا فانه يجب تغريمه للذي باعه وتغريره لكونه أقر ~~له بالرق وللمشتري أن يطالب بالثمن من الذي قبضه منه وله أن يطلبه من هذا ~~الآخذ الذي غره ### |||| وسئل رحمه الله # عن بيع الجوز واللوز والبندق والفستق والفول والحمص ذوات القشور هل يصح ~~بيعه على مذهب الشافعي وهل يصح على مذهبه البيع والشراء من غير تلفظ ~~بالمعاقدة واللفت والجوز والقلقاس هل يصح بيعه وهو في الأرض مغيب أم لا ~~PageV29P225 ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما مذهب الشافعي المنصوص عنه فانه لا يجوز هذه البيوع ~~لكن جمهور العلماء على خلاف ذلك وهو الصحيح # أما الأولى فمذهب الثلاثة انه يصح مذهب مالك وابى حنيفة واحمد وغيرهم وقد ~~حكي ذلك قولا للشافعي فانه في مرض موته اشترى الباقلا الاخضر وهو الذي عليه ~~العمل من عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين في جميع الأعصار ~~والأمصار وقد ( نهى النبى عن بيع الحب حتى يشتد وعن بيع العنب حتى يسود ( ~~فدل ذلك على جواز بيع الحب بعد اشتداده وان كان في سنبله وعلى قول من يمنع ~~بيع الباقلا في قشره لا يجوز ذلك ولهذا عد الطرسوسى وغيره المنع من بيع ~~الباقلا من البدع المحدثة ms8470 فانه لا يعرف عن أحد من السلف انه منع ذلك # وحجة المانع نهي النبى عن بيع الغرر فظنوا أن هذا مجهول وليس الأمر كذلك ~~فان هذه الأعيان تعرف كما يعرف غيرها من المبيعات التى يستدل برؤية بعضها ~~على جميعها # وكذلك المشهور من مذهب الشافعي أنه لابد في العقود من الصيغ فلا يصح بيع ~~المعاطاة لكن الجمهور يخالفون هذا فمذهب مالك ان كل ما عده الناس بيعا فهو ~~بيع فيجوز بيع المعاطاة في القليل PageV29P226 والكثير وكذلك ظاهر مذهب ~~أحمد ومذهب أبى حنيفة تجويز ذلك في المحقرات وهو قول آخر في مذهب أحمد وقول ~~طائفة من اصحاب الشافعي # وايضا ان العقود يرجع فيها إلى عرف الناس فما عده الناس بيعا أو إجارة أو ~~هبة كان بيعا وإجارة وهبة فان هذه الأسماء ليس لها حد في اللغة والشرع وكل ~~اسم ليس له حد في اللغة والشرع فانه يرجع في حده إلى العرف # وأما بيع المغيبات في الأرض كالجزر واللفت والقلقاس فمذهب مالك أنه يجوز ~~وهو قول في مذهب أحمد ومذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المعروف عنه أنه ~~لا يجوز والأول أصح وهو أنه يجوز بيعها فان اهل الخبرة اذا رأوا ما ظهر ~~منها من الورق وغيره دلهم ذلك على سائرها # وايضا فان الناس محتاجون إلى هذه البيوع والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس ~~إليه من البيع لأجل نوع من الغرر بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك كما اباح ~~بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وان كان بعض المبيع لم يخلق ~~وكما اباح أن يشترط المشتري ثمرة النخل المؤبر وذلك اشتراء قبل بدو صلاحها ~~لكنه تابع للشجرة وأباح بيع العرايا بخرصها فأقام التقدير بالخرص مقام ~~التقدير بالكيل PageV29P227 عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو ~~اعظم من بيع الغرر وهذه ( قاعدة الشريعة ( وهو تحصيل اعظم المصلحتين بتفويت ~~ادناهما ودفع اعظم الفسادين بالتزام ادناهما وبيع ما يكون قشره صونا له ~~كالعنب والرمان والموز والجوز واللوز في قشره الواحد جائز ms8471 باتفاق الأئمة ### |||| وسئل # عن رجل اشترى من رجل ستة وعشرين فدان قلقاس بتسعة آلاف درهم وأمضى له ~~البيع في ذلك فقلع المشتري من القلقاس المذكور ثم بعد ذلك جاء رجل آخر زاد ~~عليه ألف درهم فقبل الزيادة وطرد المشتري الأول ثم زاد المشترى الأول على ~~الثاني خمسمائة وتسلم القلقاس وقلع منه مركبا وباعها وأورد له ثمنها ثم بعد ~~ذلك زاد عليه فطرده وكتب القلقاس على الذي زاد عليه فهل يصح شراء الأول أو ~~الثانى ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا الذي فعله البائع غير جائز باجماع المسلمين بل يستحق ~~العقوبة البليغة فإن بيع القلقاس ونحوه من المغيبات في الأرض كالجزر واللفت ~~ونحو ذلك اما أن يكون جائزا على أحد PageV29P228 قولي العلماء كمالك وقول ~~في مذهب أحمد وغيرهما وإما أن لا يكون جائزا على قول أبي حنيفة والشافعي ~~والمشهور عن أحمد فان كان جائزا كان البيع الثاني حراما مع الأول وهذا ~~البائع لم يترك البيع الأول لكونه معتقدا تحريمه لكن لأجل بيعه للثانى ومثل ~~هذا حرام باجماع المسلمين # والصحيح أن بيع القلقاس جائز ولا يحل قبول الزيادة فيكون للمشتري الاول ~~ومن قال أنه باطل قال ليس للبائع الا ثمن المثل فيما أخذ منه أو الأقل من ~~قيمة المثل ### |||| وسئل # عمن هاجر من بلد التتر ولم يجد مركوبا فاشترى من التتر ما يركب به فهل ~~عليه الثمن بعد هجرته إلى دار الاسلام ### ||||| فأجاب # نعم اذا اشترى منهم فعليه أن يعطى الثمن لمن باعه وان كان تتريا ~~والله أعلم PageV29P229 ### |||| وسئل # عن تاجر رسم له بتوقيع سلطانى بالمسامحة بأن لا يؤخذ منه شيء على متجرة ~~فتاجر سفرة فباع التوقيع الذي بيده لتاجر آخر لأجل الاطلاق الذي فيه فهل ~~يصح بيع ما في التوقيع ثم ان المشتري للتوقيع بطل سفره ولم ينتفع فهل يلزمه ~~أداء الثمن ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذا البيع ليس مقصوده بيع الورقة فان قيمتها ~~يسيرة بل لا تقصد بالبيع أصلا وانما مقصوده أن الوظيفة التى كان يأخذها ~~نواب السلطان تسقط عنه الحقوق ms8472 ويأخذ هذا البائع بعضها أو عوضها منه لان ~~البائع كانت تسقط عنه # وهذا يشبه ما يطلق من بيت المال بشرط أن يكون اطلاقا لمن وفد على السلطان ~~أو خرج بريدا أو غير ذلك وهذا انما يعطاه اذا عمل ذلك العمل فاذا لم يخرج ~~ولا عوضه لم يعطه واذا كان كذلك فاذا كان هذا للعارض لا هو ولا صاحب ~~التوقيع لم يطلق له شيء وحينئذ فلا يستحق على المشتري شيئا وليس ما ~~PageV29P230 ذكر لازما حتى يجب بمجرد العقد بل غايته ان قيل بالجواز كان ~~جائزا والحالة هذه ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل باع سلعة مثل ما يبيع الناس ثم بعد طلب منه اكثر من ذلك والسلعة ~~تالفة وهي من ذوات الامثال فهل له الرجوع بمثلها مع وجود المثل ### ||||| فأجاب # ليس له مطالبته بزيادة على السعر الواقع وقت القبض وهو ثمن المثل ~~لكن يطلب سعر الوقت وهو قيمة المثل وذلك ان في صحة هذا العقد روايتان # احداهما يصح كما يصح مثل ذلك في الاجارة إذا دفع الطعام إلى من يطبخ ~~بالاجرة واذا دخل الحمام أو ركب السفينة فعلى هذا العقد صحيح والواجب ~~المسمى # والثانية أن العقد فاسد فيكون مقبوضا بعقد فاسد وقد يقال انه يضمن بالمثل ~~ان كان مثليا والا بالقيمة كما يضمن المغصوب وهذا قول طائفة من اصحابنا ~~وغيرهم كالشافعية لكن هنا قد تراضوا PageV29P231 بالبدل الذي هو القيمة كما ~~تراضوا في مهر المثل على أقل منه أو اكثر ونظيره أن يصطلحا حيث يجب المثل ~~أو القيمة على شيء مسمى فيجب ذلك المسمى لأن الحق لهما لا يعدوهما # ونظير هذا قول أصحاب أحمد في المشاركة الفاسدة يظهر اثره في الحل وعدمه ~~لا في تعيين ما تراضيا عليه كما لا يظهر اثره في الضمان بل ما ضمن بالصحيح ~~ضمن بالفاسد وما لا يضمن بالصحيح لا يضمن بالفاسد فاذا استويا في اصل ~~الضمان فكذلك في قدره وهذه نكتة حسنة لمن تدبرها والله اعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل أخذ سنة الغلاء غلة وقال له ms8473 قاطعنى فيها قال له حتى يستقر السعر ~~وصبر أشهرا وحضر فأخذ حظه بمائة وخمسين إردبا فهل له ثمن أو غلة ### ||||| فأجاب # الحمد لله الصحيح في هذه المسألة ان له ما تراضيا وهو المائة ~~والخمسون سواء قيل ان الواجب كان أولا هو السعر على أحد قولي العلماء وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد ان البيع بالسعر صحيح أو قيل إن البيع كان باطلا ~~وان الواجب رد البدل فانهما اذا اصطلحا PageV29P232 عن البدل بقيمته وقت ~~الاصطلاح جاز الصلح ولزم كما ان الزوجين اذا اصطلحا على قدر مهر المثل أو ~~أقل أو اكثر جاز ذلك سواء كان هناك مسمى صحيح أو لم يكن ولا يقال القابض ~~كان يظن أن الواجب عليه القيمة فالواجب إنما هو رد المثل لا يقال هذا فيه ~~نزاع # واكثر العلماء يقولون اذا قبضت العين وتصرف فيها لم يكن الواجب رد الثمن ~~اما بناء على صحة العقد واما بناء على أن المقبوض بالعقد الفاسد يملك بقول ~~أبى حنيفة ويملك اذا مات بقول مالك واذا كان فيه نزاع فاذا اصطلحا على ذلك ~~كان الصلح في موارد نزاع العلماء وهو صلح لازم ### |||| وسئل رحمه الله # هل يجوز بيع المشاع ### ||||| فأجاب # يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين كما مضت بذلك سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مثل قوله الذي في صحيح مسلم ( ايما رجل كان له شرك في أرض ~~أو ربعة أو حائط فلا يحل له ان يبيعه حتى يؤذن شريكه فان شاء اخذ وان شاء ~~ترك فان باع PageV29P233 قبل أن يؤذنه فهو أحق به بالثمن ( # وكذلك يضمن بالاتلاف وما هو في معنى الاتلاف كالسراية في العتق كما في ~~الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من اعتق شركا له في عبد ~~وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لاوكس ولا شطط فأعطى ~~شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ( # واذا باع الشقص المشاع وقبضه أو لم يقبضه فقد اتفق المسلمون على أن حق ~~الشريك باق في النصف الآخر ms8474 وان لم يتصرف بانواع التصرفات الجائزة في المال ~~المشترك فللمشتركين أن يتهايآ فيه بالمكان أو بالزمان فيسكن هذا بعضه وهذا ~~بعضه وبالزمان يبدأ هذا شهرا ويبدا هذا شهرا ولهما ان يؤجراه ولأحدهما أن ~~يؤجره من الآخر ومن امتنع منهما من المؤاجرة أجبر عليها عند جمهور العلماء ~~الا الشافعي وفى الاجبار على المهايأة أقوال ثلاثة معروفة PageV29P234 ### |||| وسئل # عن رجل له شريك في خيل وباع الشريك الخيل لمن لا يقدر رفيقه على تخليصها ~~بغير إذن الشريك فهل يلزمه القبض ### ||||| فأجاب # إذا باع نصيبه وسلم الجميع إلى المشتري وتعذر على الشريك الانتفاع ~~بنصيبه كان ضامنا لنصيب الشريك فاما أن يمكنه من نصيبه وإما أن يضمنه له ~~بقيمته ### |||| وسئل # عن شركة في ملك بشهادة شهود بينهم ثم ان بعض الشركة باع الملك جميعه ~~بشهادة أحد الشهود بالشركة فهل يصح البيع في ملكه ويبطل في الباقي أو يبطل ~~الجميع ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما بيع نصيب الغير فلا يصح الا بولاية أو وكالة وإذا لم ~~يجزه المستحق بطل باتفاق الأئمة لكن يصح البيع في نصيبه خاصة في أحد قولي ~~العلماء بقسطه من الثمن وللمشتري PageV29P235 الخيار في فسخ البيع أو ~~إجازته وان كان المكان مما يقسم بلا ضرر فله إلزام الشريك بالقسمة وإن كان ~~مما لا يقسم الا بضرر فله المطالبة ببيع الجميع ليقتسما الثمن # واذا كان الشاهد يعلم أن البائع ظالم وشهد على بيعه معونة على ذلك فقد ~~أعان على الاثم والعدوان والمعاونة بالشهادة على العقود المحرمة لا تجوز بل ~~قد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لعن الله آكل الربا وموكله ~~وشاهديه وكاتبه ( وقال ( انى لا أشهد على جور ( فمن فعل ذلك مصرا عليه قدح ~~في عدالته والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # هل يجوز بيع الكرم لمن يعصره خمرا اذا اضطر صاحبه إلى ذلك ### ||||| فأجاب # لا يجوز بيع العنب لمن يعصره خمرا بل قد لعن رسول الله ( ( من يعصر ~~العنب لمن يتخذه خمرا فكيف بالبائع له الذى هو أعظم معاونة ولا ضرورة ms8475 إلى ~~ذلك فانه اذا لم يمكن بيعه رطبا ولا تزبيبه فانه يتخذه خلا أو دبسا ونحو ~~ذلك PageV29P236 ### |||| وسئل رحمه الله # عن شراء الجفان لعصير الزيت أو للوقيد أو # لهما ### ||||| فأجاب # بيع الزيت جائز وان لم يعلم مقدار زيته كما يجوز بيع حب القطن ~~والزيتون ونحوهما من المنعصرات والمبيعات مجازفة وسواء اشتراه للعصير أو ~~للوقيد لكن لا يجوز للعاصر أن يغش صاحبه واذا كان قد اشترط أن تكون الجفنة ~~أجرة لرب المعصرة بحيث قد واطأ عليه العاصر على أن يبقى فيها زيتا له كان ~~هذا غشا حراما وحرم شراؤه للزيت ### |||| وسئل # عن رجل له دكان مستأجرة بخمسة وعشرين كل شهر وله فيها عدة وقماش فجاء ~~إنسان فقال أنا استأجر هذه الدكان بخمسة وأربعين وأقعد بالعدة والقماش أبيع ~~فيه واشترى فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # هذا قد جمع بين بيع وإجارة معا وذلك جائز في أظهر قولي العلماء ~~والله أعلم PageV29P237 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن ضمن من ولاة الأمور أن لا يباع صنف من الأصناف الا من عنده وذلك ~~الصنف لا يوجد الا عنده في تلك البقعة ويوجد في الأماكن القريبة من نواحي ~~تلك البقعة بحيث تكون المسافة ما بين مصر والقاهرة فهل يجوز الابتياع من ~~هذا المحتكر أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما هو نفسه فلا يحل له أن يفعل من وجهين # من جهة أنه يمنع غيره من البيع الحلال ومن جهة أنه يضطر الناس إلى الشراء ~~منه حتى يشتروا ما يريد فيظلمهم بزيادة الثمن # وأما ما يشترى منه فان كان قد اشتراه بمال له حلال لم يحرم شراؤه منه لأن ~~المشتري هو المظلوم ومن اشترى لم يأثم ولا يحرم ما أخذه لظلم البائع له فان ~~مثل هذا إنما يحرم على الظالم لا على المظلوم # وأما ان كان اشترى ما اشتراه بما ظلمه من الأموال كان ذلك مغصوبا محضا ~~كالشراء من الغاصب فحكم هذا ظاهر PageV29P238 # وأما ان كان أصل ماله حلالا ولكن ربح فيه بهذه المعيشة حتى زاد فهذا قد ~~صار ms8476 شبهة بقدر ما خالطه من أموال الناس فلا يقال هو حرام ولا يقال حلال محض ~~لكن ان كان الغالب عليه الحلال جاز الشراء منه وتركه ورع # وأما ان كان الغالب الحرام فهل الشراء منه حلال أو حرام على وجهين ولا ~~ريب أن الربح الذي يحصل له بعضه يستحقه وهو ما يستحقه مثله فان ماله الذي ~~قبض منه لو قبض بعقد فاسد لوجب له مثله أو قيمة مثله والمشترون يأخذون ~~سلعته فله عليهم مثلها أو قيمة مثلها # ثم ان أهل الضمان يأخذون منه بعض ما ظلمه فان الحانوت يكون شراؤه عشرين ~~فيلزمونه بخمسين لأجل الضمان فتلك الثلاثون حرام عليهم وهي قد أخذت منه ~~وأما ما يبقى له من الزيادة المحرمة فهاتيك التى ماله ومع الحاجة وتعدل ~~غيره بكون الرخصة أقوى والله أعلم PageV29P239 ### |||| وسئل # عن الأعيان المضمنة من الحوانيت كالشيرج وغيره من الأطعمة وغيرها وهي أن ~~انسانا يضمن بيع شيء من الأشياء وحده بشرط أن لا يبيع غيره شيئا من ذلك ~~فيقول عندي كذا وكذا كل شهر لمالك حانوت أو خان أو موضع آخر على أن اشترى ~~وأبيع فيه شيئا لا يبيعه غيري أو أعمل كذا وكذا يعنى شيئا يذكره على أن ~~غيري لا يعمل مثله فهل يجوز الشراء من هذا الانسان من هذه الأعيان التى ~~يبيعها مع التمكن من مشترى غيرها من جنسها أم لا وهل يجوز استعمال شيء منها ~~بالأعيان باعتبار مشقة عند تحصيل غير ذلك الشيء أم لا سواء كانت الضرورة ~~داعية إلى ذلك الاستعمال أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما مع الغني عن الاشتراء منه فينبغي أن لا يشترى منه ~~فانه ظالم بمنع غيره ولو لم يكن في ماله شبهة فمجانبته وهجره أولى بحسب ~~الامكان # وأما الشراء منه لا سيما مع الحاجة فلا يحكم بتحريمه ولا PageV29P240 ~~يحكم بتحريمه اذا اشترى مع امكان الشراء من غيره ولكن مع الحاجة لا يكره ~~الشراء منه فان هذا له مال يشترى به ويبيع لكن إذا منع غيره واحتاج الناس ~~إلى الشراء منه ms8477 باعهم بأغلى من السعر فظلمهم وغايته أن يكون بمنزلة ما يضعه ~~الظلمة على الناس من البضائع بأكثر من قيمته فيشترونه مكرهين فان هذا لا ~~يحرم على المشترى ما اشتراه ولكن يحرم على البائع ما أخذه بغير حق لكن قد ~~يقال أن هذا قد اختلط بماله من تلك الزيادات المحرمة فصار في ماله شبهة # فيقال أولا من غلب على ماله الحلال جازت معاملته كما ذكره اصحاب الشافعي ~~وأحمد وان غلب الحرام فهل معاملته محرمة أو مكروهة على وجهين # ثم يقال تلك الزيادات ليس لها مستحق معين يعرف والواجب عند جمهور العلماء ~~فيما لا يعرف مالكه أن يصرف في مصالح المسلمين وهذا انما منعناه من الزيادة ~~لئلا يظلم الناس فلو جعلنا ما يشتريه الناس منه حراما لكنا قد زدنا الضرر ~~على الناس اذا احتاجوا أن يشتروا منه بأكثر من القيمة والذي اشتروه حرام ~~وهم لا يطيقون الشراء من غيره وهذا لا يجوز أن يقال بل يجوز الشراء من مثل ~~هذا والمشترى منه لم يظلم أحدا فان ما اشتراه قد أعطاه عوضه وزيادة ~~والمستحق للعوض هو المستحق لما معه من المال فاذا كان المستحق PageV29P241 ~~لذلك جماعة من المسلمين أو معين منهم فهو نفسه قد ظلم أولئك جميعهم بما ~~أخذه منهم بغير حق وأما المشترى منه الذي أعطاه العوض وزيادة فلم يظلم أحدا # وهذا بين اذا كان ماله مختلطا بعضه ببعض لا يتميز منه ما أخذه حراما فان ~~حق المظلومين ثبت في ذمته وهذه الأعيان التى في يده لا يستحقها بعينها ~~المظلومون فمعاوضته عليها جائزة وعليه أن يعطى المظلوم ما اخذه بغير حق ~~وبهذا أفتى في مثل هذا من شاء الله من العلماء وهذا كسائر من عليه دين ~~للناس وهو ظالم بمطله للغرماء فان النبي صلي الله عليه وسلم قال ( مطل ~~الغنى ظلم ( # ثم مع هذا اذا عاوض على ما في يده بمعاوضة المثل وزيادة جاز باتفاق ~~العلماء ولم يكره الشراء منه ولكنه لو تبرع تبرعا يتعذر معه أداء الدين ~~الواجب ففي نفوذ تبرعه ms8478 قبل الحجر عليه قولان للعلماء لكن يقال هذا الظالم ~~لما أخذ الزيادة واشترى بها فقد تعلق حق المظلوم بما اشتراه بماله بخلاف ~~الدين الذي حصل برضا الغريم فان صاحبه لا حق له في غير مال المدين فيقال ~~هذا ينبني على أصول # أحدها أن الدراهم التى أخذها زيادة بغير حق هل يتعين حق صاحبها فيها أو ~~للغاصب أن يعطيه من حيث شاء PageV29P242 # وللعلماء قولان في الدراهم هل تتعين بالتعيين في العقود والقبوض حتى في ~~الغصب والوديعة فقيل تتعين مطلقا كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ~~وقيل لا تتعين مطلقا كقول بن قاسم وقيل تتعين في الغصب والوديعة دون العقد ~~كقول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى فاذا خلط المغصوب بمثله على وجه لا ~~يتميز كما تخلط الأدهان والألبان والحبوب وغيرها فهل يكون الخلط كالاتلاف ~~حيث يبقى حق المظلوم في الذمة فيعطيه الظالم من حيث شاء أو حقه باق في ~~العين فله أن يأخذ من عين الخلط بالقسمة فيه وجهان في مذهب الشافعى واحمد ~~ومعلوم ان تلك الدراهم الزائدة ليست متعينة سواء اشترى منه دراهم في الذمة ~~أو منفعة فان المظلوم أخذ منه القدر الزائد على عوض المثل وليس هو متعينا ~~ولو كان متعينا ثم خلطه بما لا يتميز منه سقط حقه من التعيين في أحد ~~القولين فكيف اذا لم يكن متعينا في الأصل فعلى قول كثير من العلماء ليس حقه ~~إلا في ذمة الظالم # وهذا نظير قول من يقول إن المضارب والمودع إذا مات ولم يعين الوديعة ~~والمضاربة صارت دينا في ذمته ولم يجعلوا لصاحب المال حقا في عين التركة فان ~~تفريط المودع حين لم يميز الوديعة من غيرها موجب لضمانه لكن هؤلاء أسقطوا ~~حق المالك من عين مال الميت فلم PageV29P243 يقدموه بعين ماله على الغرماء ~~بل جعلوه غريما من الغرماء وان كان عين ماله مختلطا والظلم يكون بترك ~~الواجب وفعل المحرم فترك المودع ما يجب عليه من التمييز ظلم منه # وهذا القول وهو سقوط حق المالك من العين وان كنا ms8479 لا ننصره لكن المقصود ~~بيان مأخذ هذه المسألة على أصول العلماء ولهذا لما فرع هذه المسألة من ~~فرعها من المالكية بنوا الأمر على أن حق المظلوم تعلق بالذمة دون العين # والأصل الثانى أن الظالم في العادة انما يشترى في الذمة ثم ينفذ عين ~~المال وفى صحة مثل هذا قولان معروفان للعلماء # الأصل الثالث أن نسلم أن حق المظلوم يتعلق بعين مال الظالم وان فاتت ~~العين لكون هذا بدل ماله وهذا القول الذي نزعه وهو أن يخير المظلوم بين ~~المطالبة بشطر حقه وبين أن يكون حقه متعلقا بعين المال ويكون ما يزيد من ~~المال من نماء وربح وغيره له المطالبة به لكن يقال على هذا المظلوم ليس له ~~إلا قدر حقه وأما الزيادة الثانية التى حصلت بتصرف الظالم فهي مبنية على ~~وقف العقود فمن قال أن العقود لا توقف يقول ما قبضه البائع الظالم من ~~المشترى لم يملكه لأنه قبضه بعقد فاسد والثمن الذي أداه وقد غصبه هو ~~PageV29P244 في ذمته فيكون عليه دون الناس الذين ظلمهم وما في يده لا يملكه ~~بل هو لأناس مجهولين لا يعرفهم ولا يتصرف في مالهم إلا باذنهم وعلى هذا ~~ففيه قولان # قيل أن ولي الأمر كالحاكم وغيره ممن له ولاية التصرف على الغائبين يقضي ~~الديون التى وجبت عليهم للبائع بالأموال التى في يده لهم # وقيل أن البائع له أن يستوفى دينه الذي عليهم مما لهم في يده من المال ~~ولا يحتاج إلى استئذان حاكم وهذا أصح فان المعلوم لصاحبه أن يستوفيه من مال ~~من هو عليه ولا يحتاج إلى إذن الحاكم كما أذن النبى صلى الله عليه وسلم ~~للضيف المظلوم أن يأخذ حقه من زرع المضيف بغير اذنه وكما أمر المرأة أن ~~تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف بلا اذن الزوج لكن اذا كان الحق مجحودا فقد ~~قال ( أد الأمانة إلى من إئتمنك ولا تخن من خانك ( فكيف اذا كان الانسان قد ~~باع غيره سلعة بيعا فاسدا وقبض منه الثمن فله أن يستوفى منه من هذه ms8480 السلعة ~~بطريق الأولى والأحرى # وأما على قول جمهور العلماء القائلين بوقف العقود حتى توفى التبرعات عند ~~الحاجة فيقولون من بيده مال غصب أو وديعة أو عارية وهو لا يعلم عين مالكه ~~يتصدق به عنه وهذا قول مالك وأبي PageV29P245 حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم ~~ولكن لصاحبه اذا ظهر أن لا ينفذ ذلك # وأما المعاوضة على ذلك فليس لصاحبه اذا عرف أن يردها بل تثبت الولاية على ~~المعاوضة شرعا للحاجة كما لو مات رجل في موضع ليس فيه وصي ولا وارث ولا ~~حاكم فان رفقته في السفر تثبت لهم الولاية على ماله فيحفظونه ويبيعون ما ~~يرون بيعه مصلحة وينفذ هذا البيع ولهم أن يقبضوا ما باعوه ولا يقف ذلك على ~~إجازة الورثة وليس هذا من التصرف الفضولي بل هو يعرف بولاية شرعية للحاجة ~~كما ثبت لهم ولاية غسله وتكفينه من ماله ودفنه وغير ذلك فان المؤمنين بعضهم ~~أولياء بعض # واذا عرف هذا فالبائع الذي باع ما اشتراه بتلك الزيادة وقبض الثمن من ~~المشتري اذا قيل البيع فاسد لا يقف على الإجازة ولا على المشتري رد ما قبض ~~منه وعليه رد ما قبض من الثمن فاذا تعذر رد المشتري ما قبض كان له أن يأخذ ~~نظير ذلك وقد يكون أكثر من الثمن وأقل والغالب أنه مثله # وكذلك ما اشتراه تلك الزيادة عليه ردها إلى صاحبه وعلى صاحبه رد الزيادة ~~إلى صاحبها فقابض الزيادة الظلمية اذا لم يردها كان للمظلوم PageV29P246 ~~الأول أن يأخذ من ماله الذي صار بيد البائع نظير ذلك وقابضها الذي باع بها ~~ماله اذا لم يرد ماله كان له أن يأخذ بقدره من تلك الزيادة وهذا احتمال كل ~~من تبايعا بيعا فاسدا وتقابضاه اذا قيل أن المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك ~~فكل منهما له عند الآخر ما قبضه الآخر منه وللاخر عنده ما قبضه منه فاذا ~~تعذر الرد كان له أن يأخذ قدر حقه سواء كان من جنس الحق أو من غير جنسه # وعلى هذا فما صار بيد هذا الضامن الظالم ms8481 من الزيادات الظلمية من أموال ~~المشترين المختلطة التى لا تتميز اذا اشترى بها شيئا وأقبض المشترين ملك ~~الزيادة وقبض ما اشتراه كان ما حصل بيده من أموالهم بازاء ما قبضوه من ~~الزيادة إلى مستحقها فلا يكون الشراء منه بثمن المثل حراما فكيف من اشترى ~~منه بزيادة بخلاف ما يؤخذ منه تبرعا فهذا فيه كلام آخر ليس هذا موضعه فان ~~بن مسعود سئل عن رجل يعامل بالربا اذا أضاف غيره فقال بن مسعود كل فان ~~مهناه لك وحسابه عليه وهذا للعلماء فيه كلام وليس هذا موضعه وينبنى على هذا ~~أصول متعددة # منها المقبوض بالعقد الفاسد هل يملك أو لا يملك # ومنها اذا تصرف في العين تصرفا يمنع ردها بعينها فهل ينتقل الحق إلى ذمته ~~أو هو باق في ماله الذي اختلط به العين والذي عاوض PageV29P247 به عن العين ~~وغير ذلك من المسائل # وأما إذا قلنا بوقف العقود لا سيما مع تعذر الاستئذان كما هو مذهب ~~الثلاثة فالأمر في ذلك أظهر فان العادة الغالبة أن الناس يرضون ببيع مثل ~~هذه الأموال التى أعدوها للبيع بالزيادة بخلاف ما أعدوه للقنية # وأيضا فالمظلوم وان كان له في هذا المال حق قليل بسبب الزيادة التى ظلمها ~~فبعضه لصاحب الحانوت الظالم ولا يتميز هذا عن هذا ومثل هذا اذا طلب أحد ~~الشريكين بيعه أجبر الممتنع على البيع لأجل شريكه فمن كان بينهما مال لا ~~يقبل القسمة كحيوان اذا طلب أحد الشريكين بيعها وقسمة الثمن أجبر الآخر على ~~ذلك عند جمهور العلماء وهو مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد وذكر بعض المالكية ~~أن هذا اجماع لأن حق الشريك في نصف قيمة الجميع لا في قيمة النصف بدليل قول ~~النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( من أعتق شركا له في عبد وكان ~~له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لاوكس ولا شطط فأعطى ~~شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد والا فقد عتق منه ما عتق ( فجعل حق الشريك في ~~نصف قيمة الجميع وأمر بتقويم ms8482 جميع العبد لا بتقويم حصة الشريك فقط ~~PageV29P248 # فاذا كان كذلك فمعلوم أن الزيادة الظلمية لا تتميز عن المزيد ولا يمكن ~~القسمة بينهما إلا بقسمة العين أو قسمة بدلها والعين قد تعذر ردها فتعين ~~قيمة بدلها فدل على أنه يجوز أن يعاوض صاحب الحانوت على ما في يده من ~~الأموال وعليه أن يعطى الشركاء المظلومين حقوقهم وأنه إما أن يقال أن حق ~~المظلومين في ذمته فقط أو أنها متعلقة بالأعيان مع جواز المعاوضة لتوفية ~~حقوقهم اذ لا سبيل إلى توفية حقوقهم بالعدل إلا مع ذلك وعلى هذا فالمشترون ~~تسلموا ما اشتروه شراء حلالا جائزا # وعلى هذا أدلة أخرى تبين أن الناس المشترين لم يظلموا أحدا اذا اشتروا ~~وان شراءهم جائز وأن منع الناس من الشراء من هؤلاء ظلم مضاعف لم يأمر الله ~~به ولا رسوله وعلى هذا فمع الحاجة إلى الشراء منه لا يكره الشراء منه فضلا ~~عن أن يحرم # وأما اذا قدر أن الذى باعه عين المعقود فهذا ينبنى على وقف العقود وعلى ~~التصرف في مال المالك المجهول بغير اذنه للمصلحة واكثر العلماء على القول ~~بوقفها لا سيما عند الحاجة وهو مذهب مالك وأبى حنيفة وكذلك أحمد عند الحاجة ~~مثل أن يتعذر استئذان المالك لعدم العلم به وفى ذلك بدون الحاجة روايتان ~~واختار الخرقى القول وقفها كمذهب مالك وأبي حنيفة وهو قول الشافعي فيكون ~~PageV29P249 تصرفه في مال الغير موقوفا على إجازته اذا أمكن استئذانه وأما ~~المجهول الذي لا يعرف فلا يفتقر ذلك إلى استئذانه بل ينفذ التصرف له ~~بالمصلحة ولو عرف بعد ذلك لم يكن له رد المعاوضات وإنما له رد التبرعات ~~كصاحب اللقطة # وقد عرف من حيث العادة ان أرباب مثل هذه الأموال المسئول عنها ليس لهم ~~غرض في شيء بعينه ولا يكره أحدهم أن تباع سلعته بزيادة فانهم يختارون بيع ~~المشتري ولكن البائع هو الذي ظلمهم وهو هنا لما لم يعرف المالك جاز التصرف ~~بالعقد والقبض بخلاف ما اذا عرف المالك فانه لابد من استئذانه في القبض ~~باتفاق ms8483 العلماء # وهذا كاللقطة التى لا يعرف مالكها قال النبى صلى الله عليه وسلم ( فهو ~~مال الله يؤتيه من يشاء ( فاذا تصدق بها الملتقط كان ذلك موقوفا على اجازة ~~المالك اذا عرف عند جمهور العلماء وقبل أن يعرف يكون التصدق نافذا غير ~~موقوف ولكن الملتقط البائع ليس بظالم وهنا البائع ظالم لكن المشتري ليس ~~بظالم والمال لا يمكن اتلافه وهو بيد البائع الظالم فأخذ الشراء له ~~بالزيادة حرام للمالك المجهول فالشارع ينفذ الملك لمصلحة المشتري والمالك ~~المجهول المظلوم ان كان البائع ظالما # كما لو قدر أن ناظر الوقف ووصى اليتيم والمضارب والشريك PageV29P250 ~~خانوا ثم تصرفوا مع ذلك فلابد من تصحيح تصرفهم في حق المشتري منهم وحق رب ~~المال والا فلو أبطل ذلك فسد عامة أموال الناس التى يتصرف فيها بحكم ~~الولاية والوكالة لغلبة الخيانة على الأولياء والوكلاء لا سيما ويدخل في ~~ذلك من تصرفات ولاة الأمور ما لا يمكن إبطاله والشريعة جاءت بتحصيل المصالح ~~وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فلا يجوز لأحد رعاية حق مجهول في عين حصل ~~عنها بدل خير له # منها أن يحرم عليه وعلى المشترين أموالهم فان هذا بمنزلة من يهدم مصرا ~~ويبنى قصرا وبسط هذه المسألة وتوابعها له مكان آخر قد ذكر في ذلك من ~~الشواهد وكلام العلماء والصحابة والتابعين ما لا يتسع له هذا الموضع ~~PageV29P251 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # هل هذه الأشياء المطعومات التى يؤخذ عليها المكس وهي مضمنة أو محتكرة هل ~~يحرم على من يشتري منها شيئا ويأكل منها وان عامل رجل لانسان كل ماله حرام ~~مثل ضامن المكس أو من ليس له مال سوى المكس فهل يفسق بذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما اذا كان الرجل يبيع سلعته من طعام أو غيره وعليهما ~~وظيفة تؤخذ من البائع أو المشتري فهذا لا يحرم السلعة ولا الشراء لا على ~~بائعها ولا على مشتريها ولا شبهة في ذلك أصلا # وكذلك اذا كان المأخوذ بعض السلعة مثل أن يأخذوا من الشاة المذبوحة ~~سواقطها أو من الحبوب والثمار بعضها ومن ظن ms8484 في ذلك شبهة فهو مخطئ فان هذا ~~المال المأخوذ ظلما سواء أخذ من البائع أو من المشتري لا يوجب وقوع الشبهة ~~فيما بقى من المال وكما لو ظلم الرجل وأخذ بعض ماله فان ذلك لا يوجب وقوع ~~الشبهة فيما بقى من ماله # وهذه الوظائف الموضوعة بغير أصل شرعي منها ما يكون موضوعا PageV29P252 ~~على البائع مثل سوق الدواب ونحوه فاذا باع سلعته بمال فأخذ منه بعض ذلك ~~الثمن كان ذلك ظلما له وباقى ماله حلال له والمشتري اشترى بماله وربما يزاد ~~عليه في الثمن لأجل الوظيفة فيكون منه زيادة فبأي وجه يكون فيما اشتراه ~~شبهة وان كانت الوظيفة تؤخذ من المشتري فيكون قد أدى الثمن للبائع والزيادة ~~لأجل تلك الكلفة السلطانية ولا شبهة في ذلك لا على البائع ولا على المشتري ~~لأن المنافع لم تؤخذ الا بما يستحقه والمشتري قد أدى الواجب وزيادة # واذا قيل هذا في الحقيقة ظلم للبائع لانه هو المستحق لجميع الثمن قيل هب ~~أن الأمر كذلك ولكن المشتري لم يظلمه وانما ظلمه من أخذ ماله كما لو قبض ~~البائع جميع الثمن ثم أخذت منه الكلفة السلطانية # وفى الحقيقة فالكلفة تقع عليهما لأن البائع اذا علم أن عليه كلفة زاد في ~~الثمن والمشتري اذا علم أنه عليه كلفة نقص من الثمن فكلاهما مظلوم بأخذ ~~الكلفة وكل منهما لم يظلم أحدا فلا يكون في مالهما شبهة من هذا الوجه فما ~~يبيعه المسلمون اذا كان ملكا لهم لم يكن في ذلك شبهة بما يؤخذ منهم في ~~الوظائف # وأما اذا ضمن الرجل نوعا من السلع على أن لا يبيعها الا هو PageV29P253 ~~فهذا ظالم من وجهين من جهة أنه منع غيره من بيعها وهذا لا يجوز ومن جهة أنه ~~يبيعها للناس بما يختار من الثمن فيغليها وهؤلاء نوعان # منهم من يستأجر حانوتا بأكثر من قيمتها إما لمقطع واما لغيره على أن لا ~~يبيع في المكان الا هو أو يجعل عليه مالا يعطيه لمقطع أو غيره بلا استئجار ~~حانوت ولا غير ذلك وكلاهما ms8485 ظالم فان الزيادة التى يزيدها في الحانوت لاجل ~~منع الثانى من البيع هو بمنزلة الضامن المنفرد # والنوع الثانى أن لا يكون عليهم ضمان لكن يلتزمون بالبيع للناس كالطحانين ~~والخبازين ونحوهم ممن ليس لهم وظيفة لكن عليه أن يبيع كل يوم شيئا مقدرا ~~ويمنعون من سواهم من البيع ولهذا جاز التسعير على هؤلاء وان لم يجز التسعير ~~في الاطلاق فان هؤلاء قد أوجبت عليهم المبايعة لهذا الصنف ومنع من ذلك ~~غيرهم فلو مكنوا أن يبيعوا بما أرادوا كان ظلما للمساكين بخلاف ما إذا كان ~~الناس كلهم متمكنين من ذلك فانه يكون كما في السنن عن أنس قال ( غلا السعر ~~على عهد النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال إن ~~الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وانى لأرجو أن ألقى الله وليس أحد ~~يطلبنى بمظلمة في مال PageV29P254 وأما في الصورة فاذا كانوا قد ألزموا ~~بالمبايعة لم يجز أن يلزموا بان يبيعوا بدون ثمن المثل لأن ذلك ظلم لهم ~~واذا كان غيرهم قد منع من المبايعة لم يجز أن يمكنوا أن يبيعوا بما اختاروا ~~فان ذلك ظلم للناس # يبقى أن يقال فهل يجوز التزامهم بمثل ذلك على هذا الوجه على أن يكونوا هم ~~البائعين لهذا الصنف دون غيرهم وان لا يبيعوه الا بقيمة المثل من غير مكس ~~يوضع عليهم فهل يجوز للامام أن يفعل بهم ذلك أم يجب عليه أن لا يترك احدا ~~يفعل ذلك # قيل اما إذا اختاروا أن يقوموا بما يحتاج الناس إليه من تلك المبيعات وان ~~لا يبيعوها الا بقيمة المثل على أن يمنع غيرهم من البيع ومن اختار أن يدخل ~~معهم في ذلك مكن فهذا لا يتبين تحريمه بل قد يكون في هذا مصلحة عامة للناس ~~وهذا يشبه ما نقل عن عمر في التسعير وأنه قال ان كنت تبيع بسعر أهل الأسواق ~~والا فلا تبع فان مصلحة الناس العامة في ذلك أن يباعوا بما يحتاجون إليه ~~وان لا يباعوا إلا بقيمة المثل وهذان مصلحتان ms8486 جليلتان # والباعة اذا اختاروا ذلك لم يكونوا قد اكرهوا عليه فلا ظلم عليهم وغيرهم ~~من الناس لم يمنع من البيع الا اذا دخل في هذه PageV29P255 المصلحة العامة ~~بأن يشاركهم فيما يقومون به بقيمة المثل فيكون الغير قد منع أن يبيع سلعة ~~بأكثر من ثمن المثل وان لا يبيعها الا اذا التزم أن يبيع لواحد منهم وقد ~~يكون عاجزا عن ذلك وقد يقال هذان نوعان من الظلم الزام الشخص أن يبيع وأن ~~يكون بيعه بثمن المثل وفى هذا فساد وحينئذ فان كان أمر الناس صالحا بدون ~~هذا لم يجز احتمال هذا الفساد بلا مصلحة راجحة وأما ان كان بدون هذا لا ~~يحصل للناس ما يكفيهم من الطعام ونحوه أو لا يلقون ذلك إلا بأثمان مرتفعة ~~وبذلك يحصل ما يكفيهم بثمن المثل فهذه المصلحة العامة يغتفر في جانبها ما ~~ذكر من المنع # واما اذا الزم الناس بذلك فهذا فيه تفصيل فان الناس إذا اضطروا إلى ما ~~عند الانسان من السلعة والمنفعة وجب عليه أن يبذل لهم بقيمة المثل ومنعه ان ~~لا يبيع سلعة حتى يبيع مقدارا معينا وتفصيل هذه المسائل ليس هذا موضعه # اذا تبين ذلك فالذي يضمن كلفة من المكلف على أن لا يبيع السلعة الا هو ~~ويبيعها بما يختار لا ريب أنه من جنس ظلم الكلف السلطانية من الوجهين ~~اللذين تقدما ولهذا كره من كره معاملة هذا لأجل الشبهة التى في ماله فانه ~~اذا كان لا يبيع الا هو بما يختار صار كأنه يكره الناس على الشراء منه بما ~~يختاره فيأخذ منهم اكثر مما يجب عليهم PageV29P256 و تلك الشبهة قد اختلطت ~~بماله فيصير في ماله شبهة من هذا الوجه فلهذا كره من كره معاملتهم # وهذا سبيل أهل الورع الذين لا يأكلون من الشواء المضمن ونحو ذلك فانهم ~~إنما تورعوا عما كان بهذه المثابة وهو أن يكون بحيث لا يشوى الا هو ولا ~~يبيع الشواء إلا هو بما يختاره ولا يبيع الملح الا هو بما يختاره والملح ~~ليست كغيرها فان الملح ms8487 في الأصل هو من المباحات التى يشترك فيها المسلمون ~~كالسمك وغيره من المباحات إذا لم يمكن من أخذها الا واحد بضمان عليه والذي ~~يشتريها منه بماله لا يحرم لأن هذا المشتري لم يظلم فيه أحدا بل لو أخذها ~~من الأصل كان له ذلك ولو استأجر هذا أو غيره ليأخذها له من موضعها المشترك ~~كان ذلك جائزا ولو كانت مشتركة بين المسلمين لكانت تكون أرخص وكان المشتري ~~يأخذها بدون ما أعطاه الضامن فهذا الضامن يظلم المشترى وغيره # وأما المشترون منه فهم لا يظلمون أحدا ولم يشتروا منه شيئا ملكه بماله ~~فانما حرم عليه من الظلم من ترك ملكه لا يفوته ولم يظلم فيه أحدا لأنها في ~~الأصل مباحة والمسلمون الذين يشترونها هم المظلومون فانه لولا الظلم ~~لتمكنوا من أخذها بدون الثمن فاذا ظلموا وأخذ منهم اكثر مما عليهم لم يكن ~~ذلك محرما عليهم لما كان PageV29P257 مباحا لهم إذ الظلم إنما يوجب التحريم ~~على الظالم لا على المظلوم # ألا ترى أن المدلس والغاش ونحوهما إذا باعوا غيرهم شيئا مدلسا لم يكن ما ~~يشتريه المشتري حراما عليه لأنه أخذ منه أكثر مما يجب عليه وان كانت ~~الزيادة التى أخذها الغاش حراما عليه وأمثال هذا كثير في الشريعة فان ~~التحريم في حق الآدميين إذا كان من أحد الجانبين لم يثبت في الجانب الآخر ~~كما لو اشترى الرجل ملكه المغصوب من الغاصب فان البائع يحرم عليه أخذ الثمن ~~والمشتري لا يحرم عليه أخذ ملكه ولا بذل ما بذله من الثمن ولهذا قال ~~العلماء يجوز رشوة العامل لدفع الظلم لا لمنع الحق وارشاؤه حرام فيهما ~~وكذلك الأسير والعبد المعتق إذا انكر سيده عتقه له أن يفتدي نفسه بمال ~~يبذله يجوز له بذله وان لم يجز للمستولى عليه بغير حق أخذه # وكذلك المرأة المطلقة ثلاثا إذا جحد الزوج طلاقها فافتدت منه بطريق الخلع ~~في الظاهر كان حراما عليه ما بذلته ويخلصها من رق استيلائه ولهذا قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( اني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها ms8488 يتلظاها نارا قالوا ~~يا رسول الله فلم تعطيهم قال يأبون الا ان يسألونى ويأبى الله لي البخل ( # ومن ذلك قوله ( ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة ( فلو PageV29P258 أعطى ~~الرجل شاعرا أو غير شاعر لئلا يكذب عليه بهجو أو غيره أو لئلا يقول في عرضه ~~ما يحرم عليه قوله كان بذله لذلك جائزا وكان ما أخذه ذلك لئلا يظلمه حراما ~~عليه لأنه يجب عليه ترك ظلمه والكذب عليه بالهجو من جنس تسمية العامة ( قطع ~~مصانعه ( وهو الذي يتعرض للناس وان لم يعطوه اعتدى عليهم بأن يكون عونا ~~عليهم في الاثم والعدوان أو بأن يكذب عليهم وأمثال ذلك فكل من أخذ المال ~~لئلا يكذب على الناس أو لئلا يظلمهم كان ذلك خبيثا سحتا لأن الظلم والكذب ~~حرام عليه فعليه أن يتركه بلا عوض يأخذه من المظلوم فاذا لم يتركه إلا ~~بالعوض كان سحتا # فالمباحات التى يشترك فيها المسلمون في الأصل كالصيود البرية والبحرية ~~المباحات النابتة في الأرض والمباحة من الجبال والبرارى ونحو ذلك كالمعادن ~~وكالملح وكالاطرون وغيرها اذا حجرها السلطان وامر أن لا يأخذها الا نوابه ~~وان تباع للناس لم يحرم عليهم شراؤها لأنهم لا يظلمون فيها أحدا ولأنهم هم ~~المظلومون بحجرها عليهم فكيف يحرم عليهم أن يشتروا ما لهم أن يأخذوه بلا ~~عوض فان نواب السلطان لا يستخرجونها الا باثمانها التى اخذوها ظلما أو نحو ~~ذلك من الظلم # قيل تلك الأموال اخذت من المسلمين ظلما والمسلمون هم PageV29P259 ~~المظلومون فقد منعوا حقوقهم من المباحات الا بما يؤخذ منهم يستخرج ببعضه ~~تلك المباحات والباقى يؤخذ وذلك لا يحرم عليهم ما كان حلالا لهم وهذا ظاهر ~~فيما كان الظلم فيه مناسبا مثل أن يباع كل مقدار بثمن معين ويؤخذ من تلك ~~الاثمان ما يستخرج به تلك المباحات وهنا لا شبهة على المشتري أصلا فان ما ~~استخرجت به المباحات هو حقهم أيضا فهو كما لو غصب رجل بيت رجل وأمر غلمان ~~المالك أن يطبخوا مما في بيته طعاما فان ذلك لا يحرم على المغصوب ms8489 لأنه يملك ~~الاعيان والمنافع وليس في ذلك الا أن يكون التصرف وقع بغير وكالة منه ولا ~~ولاية عليه وهذا لا يحرم ماله بل ولا بذل ماله باتفاق المسلمين وان كان ما ~~يستخرج به تلك المباحات بدون المعاملة بالأموال السلطانية المشتركة # وأما اذا استخرج نواب السلطان بغير حق من يستخرج تلك المباحات فهذا ~~بمنزلة أن يغصب من يطبخ له طعاما أو ينسج له ثوبا وبمنزلة أن يطبخ الطعام ~~بحطب مغصوب وأمثال ذلك مما تكون العين فيه مباحة لكن وقع الظلم في تحويلها ~~من حال إلى حال فهذا فيه شبهة وطريق التخلص منها أن ينظر النفع الحاصل في ~~تلك العين بعمل المظلوم فيعطى المظلوم أجره وان تعذر معرفة المظلوم تصدق به ~~عنه فان هذا غايته أن يكون قد اختلط حلال وحرام ولو اختلطت الأعيان التى ~~يملكها بالأثمان التى PageV29P260 غصبها واخذها حراما مثل أن تختلط دراهمه ~~ودنانيره بما غصبه من الدراهم والدنانير واختلط حبه أو ثمره أو دقيقه أو ~~خله أو ذهبه بما غصبه من هذه الأنواع فان هذا الاختلاط لا يوجب تحريم ماله ~~عليه لأن المحرمات نوعان # محرم لوصفه وعينه كالدم والميتة ولحم الخنزير فهذا اذا اختلط بالمائع ~~وظهر فيه طعم الخبث أو لونه أو ريحه حرم # ومحرم لكسبه كالنقدين والحبوب والثمار وامثال ذلك فهذه لا تحرم اعيانها ~~تحريما مطلقا بحال ولكن تحرم على من أخذها ظلما أو بوجه محرم فاذا اخذ ~~الرجل منها شيئا وخلطه بماله فالواجب أن يخرج من ذلك القدر المحرم وقدر ~~ماله حلال له ولو اخرج مثله من غيره ففيه وجهان في مذهب الشافعي وأحمد # أحدهما أن الاختلاط كالتلف فاذا اخرج مثله اجزأ # والثانى أن حق المظلوم يتعلق بالعين مع الخلط فلا بد أن يخرج قدر حق ~~المظلوم من ذلك المال المختلط # إذا تبين هذا فاذا كان أثر عمل المظلوم قائما بالعين مثل طبخه أو نسجه ~~ونحو ذلك فانما يستحق قيمة ذلك النفع فاذا اعطى المظلوم PageV29P261 قيمة ~~ذلك النفع أخذ حقه فلا يبقى لصاحب العين شريك فلا يحرم ms8490 عليه وأما اذا لم ~~يعرف المظلوم فانه يتصدق به عنه عند جمهور العلماء كما لو حصل بيده اثمان ~~من غصوب وعوار وودائع لا يعرف أصحابها فانه يتصدق بها عنهم لأن المجهول ~~كالمعدوم في الشريعة والمعجوز عنه كالمعدوم ولهذا قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم في اللقطة ( فان جاء صاحبها فادها إليه والا فهي مال الله يؤتية من ~~يشاء ( # فاذا كان في اللقطة التى تحرم بأنها سقطت من مالك لما تعذر معرفة صاحبها ~~جعلها النبى صلى الله عليه وسلم للملتقط ولا نزاع بين المسلمين في جواز ~~صدقته بها وانما تنازعوا في جواز تملكه لها مع الغنى والجمهور على جواز ذلك ~~فكيف ما يجهل فيه ذلك # وفي هذه المسألة آثار معروفة مثل حديث عبد الله بن مسعود لما اشتري جارية ~~ثم خرج ليوفي البائع الثمن فلم يجده فجعل يطوف على المساكين ويقول اللهم ~~هذه عن صاحب الجارية فان رضي فقد برئت ذمتي وان لم يرض فهو عنى وله علي ~~مثلها يوم القيامة وحديث الرجل الذي غل من الغنيمة في غزوة قبرص وجاء إلى ~~معاوية يرد إليه المغلول فلم يأخذه فاستفتى بعض التابعين فأفتاه بأن يتصدق ~~بذلك عن الجيش ورجع إلى معاوية فأخبره فاستحسن ذلك وذلك لأن الله سبحانه ~~وتعالى يقول @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ والمال PageV29P262 الذي لا ~~نعرف مالكه يسقط عنا وجوب رده إليه فيصرف في مصالح المسلمين والصدقة من ~~أعظم مصالح المسلمين وهذا أصل عام في كل مال جهل مالكه بحيث يتعذر رده إليه ~~كالمغصوب والعوارى والودائع تصرف في مصالح المسلمين على مذهب مالك وأحمد ~~وابى حنيفة وغيرهم # واذا صرفت على هذا الوجه جاز للفقير أخذها لأن المعطي هنا انما يعطيها ~~نيابة عن صاحبها بخلاف من تصدق من غلول كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ( # فهذا الذي يحوز المال ويتصدق به مع امكان رده إلى صاحبه أو يتصدق صدقة ~~متقرب كما يتصدق بماله فالله لا يقبل ذلك ms8491 منه وأما ذاك فانما يتصدق به صدقة ~~متحرج متأثم فكانت صدقته بمنزلة أداء الدين الذي عليه وأداء الأمانات إلى ~~أصحابها وبمنزلة اعطاء المال للوكيل المستحق ليس هو من الصدقة الداخلة في ~~قوله ( ولا صدقة من غلول PageV29P263 ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن مدينة لا يذبح فيها شاة الا ويأخذ المكاس سقطها ورأسها وكوارعها مكسا ~~ثم يضع ذلك ويبيعه في الأسواق وفى المدينة من لا يمتنع من شراء ذلك وأكله ~~من أهل المدينة وغيرهم وليس يباع في المدينة رؤوس وكوارع واسقاط الا على ~~هذا الحكم ولا يمكن غير ذلك فهل يحرم شراء ذلك وأكله والحالة هذه أم لا ### ||||| فأجاب # هذه حكمها حكم ما يأخذه الملوك من الكلف التى يضربونها على الناس ~~فان هذه في الحقيقة تؤخذ من أموال أصحاب الغنم الذين يبيعونها للقصابين ~~وغيرهم فان المشتري يحسب أنه يؤخذ من السواقط فيسقط من الثمن بحسب ذلك ~~وهكذا جميع ما يؤخذ من الكلف فانها وان كانت تؤخذ من المشتري فهي في ~~الحقيقة من مال البائع وهذه الكلف دخلها التأويل والشبهة ومنها ما هو ظلم ~~محض ولكن تعذر معرفة أصحابه ورده اليهم فوجب صرفه في مصالح المسلمين وولاية ~~بيعها وصرفها لهم # فالمشتري لذلك منهم اذا أعطاهم الثمن لم يكن بمنزلة اشتراء المغصوب ~~PageV29P264 المحض الذي لا تأويل فيه ولا شبهة وليس لصاحبه ولاية بيعه حتى ~~يقال أنه فعل محرما يفسق بالاصرار عليه وفى المنع من شرائها إضرار بالناس ~~وإفساد للاموال من غير منفعة تعود على المظلوم # والمظلوم له أن يطالب ظالمه بالثمن الذي قبضه ان شاء وبنظير ماله والتورع ~~عن هذا من التورع عن الشبهات ولا نحكم بأنها حرام محض ومن اشتراها وأكلها ~~لم يجب الانكار عليه ولا يقال أنه فعل محرما لا تأويل فيه # فان طائفة من الفقهاء أفتوا طائفة من الملوك بجواز وضع أصل هذه الوظائف ~~كما فعل ذلك أبو المعالى الجوينى في كتابه ( غياث الأمم ( وكما ذكر ذلك بعض ~~الحنفية وما قبض بتأويل فانه يسوغ للمسلم أن يشتريه ممن قبضه وان كان ms8492 ~~المشتري يعتقد أن ذلك العقد محرم كالذمي اذا باع خمرا وأخذ ثمنه جاز للمسلم ~~أن يعامله في ذلك الثمن وان كان المسلم لا يجوز له بيع الخمر كما قال عمر ~~بن الخطاب ولو هم بيعها وخذوا أثمانها وهذا كان سببه أن بعض عماله أخذ خمرا ~~في الجزية وباع الخمر لأهل الذمة فبلغ ذلك عمر فأنكر ذلك وقال ولوهم بيعها ~~وخذوا أثمانها وهذا ثابت عن عمر وهو مذهب الأئمة # وهكذا من عامل معاملة يعتقد جوازها في مذهبه وقبض المال PageV29P265 جاز ~~لغيره أن يشتري ذلك المال منه وان كان لا يرى جواز تلك المعاملة فاذا قدر ~~أن الوظائف قد فعلها من يعتقد جوازها لافتاء بعض الناس له بذلك أو اعتقد ان ~~اعتقاد أخذ هذا المال وصرفه في الجهاد وغيره من المصالح جائز جاز لغيره أن ~~يشتري ذلك المال منه وان كان لا يعتقد جواز أصل القبض # وعلى هذا فمن اعتقد أن لولاة الأمر فيما فعلوه تأويلا سائغا جاز أن يشتري ~~ما قبضوه وان كان هو لا يجوز ما فعلوه مثل أن يقبض ولي الأمر من الزكاة ~~قيمتها فيشتري منها ومثل أن يصادر بعض العمال مصادرة يعتقد جوازها أو مثل ~~ان يري الجهاد وجب على الناس بأموالهم وان ما أخذوه من الوظائف هو من المال ~~الذي يجوز أخذه وصرفه في الجهاد وغير ذلك من التأويلات التى قد تكون خطأ ~~ولكنها مما قد ساغ فيه الاجتهاد فاذا كان قبض ولي الأمر المال على هذا ~~الوجه جاز شراؤه منه وجاز شراؤه من نائبه الذي أمره أن يقبضه وان كان ~~المشتري لا يسوغ قبضه والمشتري لم يظلم صاحبه فانه اشتراه بماله ممن قبضه ~~قبضا يعتقد جوازه # وان كان على هذا الوجه فشراؤه حلال في أصح القولين وليس من الشبهات فانه ~~اذا جاز أن يشتري من الكفار ما قبضوا بعقود يعتقدون جوازها وان كانت محرمة ~~في دين المسلمين فلأن PageV29P266 يجوز أن يشتري من المسلم ما قبضه بعقد ~~يعتقد جوازه وان كنا نراه محرما بطريق الأولى والأحرى فان ms8493 الكافر تأويله ~~المخالف لدين الاسلام باطل قطعا بخلاف تأويل المسلم # ولهذا إذا أسلموا وتحاكموا الينا وقد قبضوا أموالا بعقود يعتقدون جوازها ~~كالربا وثمن الخمر والخنزير لم تحرم عليهم تلك الأموال كما لا تحرم ~~معاملتهم فيها قبل الاسلام لقوله تعالى @QB@ اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا @QE@ ولم يحرم ما قبضوه # وهكذا من كان قد عامل معاملات ربوية يعتقد جوازها ثم تبين له أنها لا ~~تجوز وكانت من المعاملات التى تنازع فيها المسلمون فانه لا يحرم عليه ما ~~قبضه بتلك المعاملة على الصحيح # الوجه الثانى أن ما قبضه الملوك ظلما محضا اذا اختلط بمال بيت المال ~~وتعذر رده إلى صاحبه فانه يصرف في مصالح المسلمين فان المجهول كالمعدوم فما ~~عرف أنه قبض ظلما ولم يعرف صاحبه صرف في المصالح وما قبض من بيت المال ~~المختلط حلاله بحرامه لم يحكم بأنه حرام فان الاختلاط اذا لم يتميز المال ~~يجري مجرى الاتلاف وصاحبه يستحق عوضه من بيت المال فمن قبض ثمن مبيع من مال ~~بيت المال المختلط جاز له ذلك في أصح الأقوال والله أعلم PageV29P267 ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن هذه الأغنام التى تباع فيؤخذ مكسها من القصابين فيحتجر عليهم في ~~الذبيحة في موضع واحد ويؤخذ منهم أجرة الذبح ثم بعد ذلك يؤخذ سواقطها مكسا ~~ثانيا مضمنا ثم تطبخ وتباع فهل هي حرام على من اشتراها للأكل أم لا وهل هذا ~~التكسب فيها حرام أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة فيها نزاع # فمن الناس من يقول هذا مال أخذ من صاحبه بغير حق وبيع بلا ولاية ولا ~~وكالة فلم يصح بيعه بل هو باق على ملك صاحبه وقد طبخ هذا وبيع بغير إذنه ~~فلا يجوز شراؤه # ومنهم من يقول هذا مال ولاة الأمور إما متأولين أو متعمدين للظلم وإذا لم ~~يردوه إلى أصحابه كانت المصلحة بيعه لأن حبسه حتى يفسد ضرر لا يأمر به ~~الشارع ولو بيع المال بغير اذن صاحبه كان بيعه موقوفا على إجازة المالك عند ~~اكثر العلماء وما ms8494 باعه PageV29P268 و لاة الأمر فلهم من الولاية على ~~الأموال المجهولة التى قبضها نوابهم ما ليس لغيرهم وقد تعذر بعد القبض ~~معرفة مالك كل رأس والمصلحة بيعها وقسمة الأثمان بين المستحقين فان باعوها ~~ولم يقسموا أثمانها لم يكن على المشتري اثم وانما الاثم على من يمنع ~~أصحابها أثمانها كما لو باع ولي اليتيم وناظر الوقف وولي بيت المال ولم ~~يصرف الثمن إلى المستحقين فالاثم عليه لا على الذي اشترى منه # ثم الذين اشتروها وان كان الشراء فاسدا أخذت منهم أثمانها فهم يستحقون ~~أثمانها التى أدوها وقد نص غير واحد من العلماء كأحمد وغيره على أن من ~~اشترى شيئا فظهر له أنه مغصوب ولم يعرف مالكه فان له أن يبيعه ويأخذ ثمنه ~~ولكن يتصدق بالربح # والطباخون الذين اشتروا الرؤوس وقد تعذر ردها لهم أن يبيعوها ويأخذوا ~~نظير أثمانها ان لم يكن البيع الأول صحيحا وحينئذ فيكون الشراء صحيحا وقد ~~أجازوا البيع فيجوز على قول اكثر العلماء كمالك وأبى حنيفة وأحمد في أظهر ~~الروايتين عنه # فهذه عدة مآخذ يحتج بها من يجوز الشراء فمن اشتراها واتبع هؤلاء لم ينكر ~~عليه ومن قامت عنده شبهة أو اعتقد التحريم فامتنع من شرائها لم ينكر عليه ~~ولا يمكن القطع بتحريم مثل هذا PageV29P269 فإن كثيرا لابد للمسلمين منه هو ~~من هذا الباب يحتجر عليه ولاة الأمور يبيعونه للناس ولا يمكن للناس أخذه ~~الا من أولئك ومن هذا ما يكون من المباحات كالملح والأطرون وغير ذلك ومنه ~~ما يكون من المملوكات كالصوف والجلود والشعر كما يبيعونه من أموال من ~~يصادرونه والناس يحتاجون إليه ومن ذلك ما يقبض بحق ومنه ما يقبض بتأويل ~~ومنه ما يقبض ظلما محضا لكن جميع ذلك لا يرد إلى أصحابه بل قد يتعذر رده ~~إلى أصحابه إما لجهلهم وإما لعجزه عن رده اليهم والمجهول والمعجوز عنه سقط ~~التكليف به وإما لاجبار المسلمين على الظلم وعلى كل التقديرين فبيعه خير ~~لصاحبه وللمسلمين من أن يترك فيفسد ولا ينتفع به أحد # وحينئذ فاذا كان الأصلح على ms8495 هذا التقدير بيعه كان للمشتري أن يشتريه ~~ويكون حلالا له والمشترى لم يظلم أحدا فانه أدى الثمن والمظلوم في نفس ~~الأمر يستحق الثمن اذا كانت المصلحة له بيعه كما يباع مال الغائب حتى لو أن ~~رجلا مات بمكان ليس فيه ولي أمر فقال جمهور العلماء لرفقته ولاية قبض ذلك ~~وبيعه وكذلك من عنده أموال مغصوبة وعوار وودائع لا يعرف أصحابها فمذهب ~~الجمهور مالك وأبى حنيفة وأحمد أنها يجوز بيعها إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك ~~ويجوز شراؤها PageV29P270 # وأصل هذا أن الله جل وعز بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها بحسب الامكان ~~وتقديم خير الأمرين بتفويت أدناهما والله سبحانه حرم الظلم على عباده وأوجب ~~العدل فاذا قدر ظلم وفساد ولم يمكن دفعه كان الواجب تخفيفه وتحرى العدل ~~والمصلحة بحسب الامكان والله حرم الظلم فيما يشترك فيه الناس من المباحات ~~وفى الأموال المملوكة لما في ذلك من الضرر على المستحقين # فلو قيل أن هذه الأموال لا تشترى وأنه لا يحل لأحد أن ينتفع بملح ولا ~~جلود ولا رؤوس ولا شعور ولا أصواف وغير ذلك مما يباع على هذا الوجه كان ~~المنع من ذلك من أعظم ضرر على المسلمين وفساد في الدين والدنيا من أن يقال ~~بل حق المظلوم عند الظالم الذي قبض ثمنها والمشترى اشتراها بحق فتحل له ~~فانه إذا قيل هذا كان فيه جبر حق المظلوم بإحالته على الظالم وجبر حق عموم ~~الخلق بتمكينهم من الانتفاع بها بالاثمان لا سيما وقد عرف أن أصحاب تلك ~~الرؤوس ونحوها في نفس الأمر لا يكرهون بيعها إذ لا مصلحة لهم في إفسادها ~~فاذا بيعت فقد فعل ما يختارون فعله وما يرضونه لكنهم لا يرضون أن تؤخذ ~~أثمانها منهم بل يرضون أن تدفع اليهم الأثمان وحينئذ فهم راضون بقبض ~~المشتري لها وانتفاعهم بها ولكن لا يرضون عمن باعها إلا بأن يعطيهم الثمن ~~فيكون هو وحده PageV29P271 ظلمهم لم يظلمهم المشتري فتكون له حلالا والكلام ~~في هذه المسألة مبسوط في غير هذا الموضع # ونكتة المنع أن المحرم لها يقول ms8496 بيعت بغير اذن ولا وكالة ولا ولاية وهذا ~~ممنوع بل يقال هم يرضون بيعها وقد أذنوا في ذلك ولكن لم يرضوا أن تؤخذ ~~الأثمان كما لو قدر أن شخصا أذن لشخص فباع وأخذ الثمن لنفسه فالمالك راض ~~بالبيع دون قبضه الثمن له ولو قدر أن المالك لم يأذن في البيع فمصلحته في ~~الشرع تقتضي أن يباع فهذا خير له من أن يفسد ولا يمكن أن يباع الا على هذا ~~الوجه وأن يباع ويقبض الثمن كائنا من كان خير من أن يفسد فانه حينئذ يمكن ~~مطالبة البائع بالثمن مع انتفاع الناس بها وهو خير من مطالبة الغاصب ~~بالقيمة مع فسادها والكلام في مثل هذا يطول والله أعلم بالصواب ### |||| وسئل رحمه الله # عن الذين غالب أموالهم حرام مثل المكاسين وأكلة الربا وأشباههم ومثل ~~أصحاب الحرف المحرمة كمصوري الصور والمنجمين ومثل أعوان الولاة فهل يحل أخذ ~~طعامهم بالمعاملة أم لا PageV29P272 ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان في أموالهم حلال وحرام ففي معاملتهم شبهة لا ~~يحكم بالتحريم إلا إذا عرف أنه يعطيه ما يحرم اعطاؤه ولا يحكم بالتحليل إلا ~~إذا عرف أنه أعطاه من الحلال فان كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم ~~المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب قيل بحل المعاملة وقيل بل هي محرمة فأما ~~المعامل بالربا فالغالب على ماله الحلال إلا أن يعرف الكره من وجه آخر وذلك ~~أنه إذا باع ألفا بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله ~~حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال بل له أن يأخذ قدر الحلال كما لو كان ~~المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر فانه يقسم بين الشريكين # وكذلك من اختلط بماله الحلال والحرام أخرج قدر الحرام والباقي حلال له ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عما يأكله رؤساء القرى وشيوخ الحارات هل هو حلال أم لا ### ||||| فأجاب # إذا كان الرئيس يظلم الناس فما يأخذه ظلما من الناس فهو حرام وما ~~كان ملكا له أو مكتسبا بطريق شرعي فهو مباح وشيخ الحارة إذا أخذ أجرته ms8497 على ~~الحراسة بالمعروف ولم يتعد على الناس فأجرته حلال PageV29P273 ### |||| وسئل # عن رجل فامي يأخذ منه رؤساء القرى شيئا يضيفون به المنقطعين وغيرهم ~~ويجبون من المساكين والأرامل فيعطوه هل يكون حلالا أم حراما ### ||||| فأجاب # إذا اشتروا منهم شيئا وأعطوهم ثمنه من مال يعلمون أنه مغصوب أخذ من ~~أصحابه ظلما لم يكن لهم أن ينتفعوا به لكن هذا المال إذا اشترى لهم به ما ~~يطلبونه منهم لم يكن عليهم شيء إذا كانوا المكرهين على ذلك فينبغي لمن يتقى ~~أن يظلم وأن يظلم أن يشترى للظلمة بأموالهم ما يطلبونه منه لا ليظلم غيره ~~ولا يكون هو مظلوما وهو مكره على هذا العمل # ومع هذا فالمال الذي جمعوه من الناس وقد تعذر رده على صاحبه إذا أعطوه ~~الفامي عوضا عما أخذوه منه بغير اختياره فهو أحق به ممن يعطاه بغير معاوضة ~~والظالم في الحقيقة هو الذي أخذ الأموال بغير حق لا من أخذ عوض ماله من مال ~~لا يعلم له مستحقا معينا والله تعالى أعلم PageV29P274 ### |||| وسئل # عن معاملة التتار هل هي مباحة لمن يعاملونه ### ||||| فأجاب # أما معاملة التتار فيجوز فيها ما يجوز في أمثالهم ويحرم فيها ما ~~يحرم من معاملة أمثالهم فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك ~~كما يبتاع من مواشي التركمان والأعراب والأكراد وخيلهم ويجوز أن يبيعهم من ~~الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم # فاما ان باعهم وباع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كالخيل والسلاح لمن ~~يقاتل به قتالا محرما فهذا لا يجوز قال الله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان @QE@ وفى السنن عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( أنه لعن في الخمر عشرة لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها ~~والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها ( فقد لعن ~~العاصر وهو انما يعصر عنبا يصير عصيرا والعصير حلال يمكن أن يتخذ خلا ودبسا ~~وغير ذلك PageV29P275 # وان كان الذي معهم أو مع غيرهم أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم فتلك لا ~~يجوز اشتراؤها لمن يتملكها ms8498 لكن إذا اشتريت على طريق الاستنقاذ لتصرف في ~~مصارفها الشرعية فتعاد إلى أصحابها إن أمكن وإلا صرفت في مصالح المسلمين ~~جاز هذا # وإذا علم أن في أموالهم شيئا محرما لا تعلم عينه فهذا لا يحرم معاملتهم ~~كما إذا علم أن في السوق ما هو مغصوب أو مسروق ولم يعلم عينه والحرام إذا ~~اختلط بالحلال فهذا نوعان # أحدهما أن يكون محرما لعينه كالميتة والأخت من الرضاعة فهذا إذا اشتبه ~~بما لا يحصر لم يحرم مثل أن يعلم أن في البلدة الفلانية أختا له من الرضاعة ~~ولا يعلم عينها أو فيها من يبيع ميتة لا يعلم عينها فهذا لا يحرم عليه ~~النساء ولا اللحم وأما إذا اشتبهت أخته بأجنبية أو المذكى بالميت حرما ~~جميعا # والثانى ما حرم لكونه أخذ غصبا والمقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر فهذا ~~إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع بل يميز قدر هذا من قدر هذا فيصرف ~~هذا إلى مستحقه وهذا إلى مستحقه مثل اللص الذي أخذ أموال الناس فخلطها أو ~~أخذ حنطة الناس أو دقيقهم فخلطه فانه يقسم بينهم على قدر الحقوق ~~PageV29P276 # واذا علم أن في البلد شيئا من هذا لا يعلم عينه لم يحرم على الناس الشراء ~~من ذلك البلد لكن إذا كان أكثر مال الرجل حراما هل تحرم معاملته أو تكره ~~على وجهين وان كان الغالب على ماله الحلال لم تحرم معاملته لكن قد قيل إنه ~~من المشتبه الذي يستحب تركه والله أعلم # وقال ### ||| فصل # قد ذكرت في غير موضع ان المحرمات في الشريعة ترجع إلى الظلم إما في حق ~~الله تعالى وإما في حق العبد وإما في حقوق العباد وكلما كان ظلما في حق ~~العباد فهو ظلم العبد لنفسه ولا ينعكس فجميع الذنوب تدخل في ظلم العبد نفسه # وأول من اعترف بهذا أبو البشر لما تلقى من ربه الكلمات فقال ( ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( فكان في هذه الكلمات ~~إعترافه بذنبه وطلبه ربه على وجه الافتقار والمغفرة والرحمة ms8499 فالمغفرة إزالة ~~السيئات والرحمة إنزال PageV29P277 الخيرات فهذا ظلم لنفسه ليس فيه ظلم ~~لغيره وقال موسى عليه السلام لما ذكر الذي هو من عدوه ( فقضى عليه قال هذا ~~من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب انى ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ( ~~فاعترف بظلمه نفسه فيما كان من جناية على غيره لم يؤمر بها وقال يونس عليه ~~السلام @QB@ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين @QE@ وفي الصحيح ~~الدعاء الذي علمه النبى صلى الله عليه وسلم أبا بكر ان يدعو به في صلاته ? ~~< اللهم إنى ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة ~~من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم > ? فهذا الدعاء مطابق لدعاء آدم في ~~الاعتراف بظلم النفس ومسألة المغفرة والرحمة وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا استوى على الدابة فحمد وسبح وكبر قال ( لا إله الا أنت سبحانك ظلمت ~~نفسي فاغفر لي ثم يضحك ( وهو محفوظ من حديث على بن أبى طالب # وإذا كان كذلك فالظلم نوعان تفريط في الحق وتعدي للحد كما قد قررت ذلك في ~~غير موضع فان ترك الواجب ظلم كما أن فعل المحرم ظلم قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( مطل الغني ظلم ( متفق عليه فأخبر أن المطل وهو تأخير الوفاء ~~ظلم فكيف بتركه PageV29P278 # وقد قررت في غير هذا الموضع أن أداء الواجب أعظم من ترك المحرم وأن ~~الطاعات الوجودية أعظم من الطاعات العدمية فيكون جنس الظلم بترك الحقوق ~~الواجبة أعظم من جنس الظلم بتعدي الحدود # وقررت ايضا أن الورع المشروع هو أداء الواجب وترك المحرم ليس هو ترك ~~المحرم فقط وكذلك التقوى إسم لأداء الواجبات وترك المحرمات كما بين الله ~~حدها في قوله @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب @QE@ إلى ~~قوله @QB@ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ # ومن هنا يغلط كثير من الناس فينظرون ما في الفعل أو المال من كراهة توجب ~~تركه ولا ينظرون ما فيه من جهة أمر يوجب فعله مثال ذلك ms8500 ما سئل عنه أحمد عن ~~رجل ترك مالا فيه شبهة وعليه دين فسأله الوارث هل يتورع عن ذلك المال ~~المشتبه فقال له أحمد أتترك ذمة أبيك مرتهنة ذكرها أبو طالب وبن حامد وهذا ~~عين الفقه فان قضاء الدين واجب والغريم حقه متعلق بالتركة فان لم يوف ~~الوارث الدين وإلا فله استيفاؤه من التركة فلا يجوز إضاعة التركة المشتبهة ~~التى تعلق بها حق الغريم ولا يجوز ايضا إضرار الميت بترك ذمته مرتهنة ففي ~~الاعراض عن التركة إضرار الميت وإضرار المستحق وهذان ظلمان محققان بترك ~~واجبين وأخذ المال المشتبه PageV29P279 يجوز أن يكون فيه ضرر المظلوم فقال ~~أحمد للوارث أبرئ ذمة أبيك فهذا المال المشتبه خير من تركها مرتهنة ~~بالاعراض وهذا الفعل واجب على الوارث وجوب عين إن لم يقم غيره فيه مقامه ~~أوجوب كفاية أو مستحب استحبابا مؤكدا أكثر من الاستحباب في ترك الشبهة لما ~~في ذلك من المصلحة الراجحة # وهكذا جميع الخلق عليهم واجبات من نفقات أنفسهم وأقاربهم وقضاء ديونهم ~~وغير ذلك فاذا تركوها كانوا ظالمين ظلما محققا وإذا فعلوها بشبهة لم يتحقق ~~ظلمهم فكيف يتورع المسلم عن ظلم محتمل بارتكاب ظلم محقق ولهذا قال سعيد بن ~~المسيب لا خير فيمن لا يحب المال يعبد به ربه ويؤدي به أمانته ويصون به ~~نفسه ويستغنى به عن الخلق وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( ~~ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء والغارم ~~يريد الوفاء ( فذكر في هذا الحديث ما يحتاج إليه المؤمن عفة فرجه وتخليص ~~رقبته وبراءة ذمته فأخبر أن هذه الواجبات من عبادة الله وقضاء الديون ~~وصيانة النفس والاستغناء عن الناس لا تتمم إلا بالمال وما لا يتم الواجب ~~إلا به فهو واجب ومن لا يحب أداء مثل هذا الواجب العظيم الذي لا يقوم الدين ~~إلا به فلا خير فيه فهذه جملة ولها تفاصيل كثيرة والله أعلم PageV29P280 # وقال رحمه الله بعد كلام سبق # وأصل المسألة أن النهي يدل على أن المنهى عنه فساده راجح ms8501 على صلاحه ولا ~~يشرع التزام الفساد ممن يشرع [ له ] دفعه وأصل هذا ان كل ما نهي الله عنه ~~وحرمه في بعض الأحوال وأباحه في حال أخرى فان الحرام لا يكون صحيحا نافذا ~~كالحلال يترتب عليه الحكم كما يترتب على الحلال ويحصل به المقصود كما يحصل ~~به وهذا معني قولهم النهي يقتضى الفساد وهذا مذهب الصحابة والتابعين لهم ~~باحسان وأئمة المسلمين وجمهورهم # وكثير من المتكلمين من المعتزلة والأشعرية يخالف في هذا لما ظن أن بعض ما ~~نهى عنه ليس بفاسد كالطلاق المحرم والصلاة في الدار المغصوبة ونحو ذلك قال ~~لو كان النهي موجبا للفساد لزم انتقاض هذه العلة فدل على أن الفساد حصل ~~بسبب آخر غير مطلق النهي وهؤلاء لم يكونوا من أئمة الفقه العارفين بتفصيل ~~أدلة الشرع فقيل لهم بأي شيء يعرف أن العبادة فاسدة والعقد فاسد قالوا بأن ~~يقول الشارع هذا صحيح وهذا فاسد وهؤلاء لم يعرفوا أدلة PageV29P281 الشرع ~~الواقعة بل قدروا أشياء قد لا تقع وأشياء ظنوا أنها من جنس كلام الشارع ~~وهذا ليس من هذا الباب فان الشارع لم يدل الناس قط بهذه الألفاظ التى ~~ذكروها ولا يوجد في كلامه شروط البيع والنكاح كذا وكذا ولا هذه العبادة ~~والعقد صحيح أو ليس بصحيح ونحو ذلك مما جعلوه دليلا على الصحة والفساد بل ~~هذه كلها عبارات أحدثها من أحدثها من أهل الرأي والكلام # وإنما الشارع دل الناس بالأمر والنهي والتحليل والتحريم وبقوله في عقود ( ~~هذا لا يصلح ( علم أنه فساد كما قال في بيع مدين بمد تمرا ( لا يصلح ( ~~والصحابة والتابعون وسائر أئمة المسلمين كانوا يحتجون على فساد العقود ~~بمجرد النهي كما احتجوا على فساد نكاح ذوات المحارم بالنهي المذكور في ~~القرآن وكذلك فساد عقد الجمع بين الأختين # ومنهم من توهم أن التحريم فيها تعارض فيه نصان فتوقف وقيل ان بعضهم أباح ~~الجمع # وكذلك نكاح المطلقة ثلاثا استدلوا على فساده بقوله تعالى ( فان طلقها فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ( # وكذلك الصحابة استدلوا على فساد ms8502 نكاح الشغار بالنهي عنه فهو من الفساد ~~ليس من الصلاح فان الله لا يحب الفساد ويحب الصلاح PageV29P282 و لا ينهى ~~عما يحبه وانما ينهى عما لا يحبه فعلموا أن المنهي عنه فاسد ليس بصالح وان ~~كانت فيه مصلحة فمصلحته مرجوحة بمفسدته وقد علموا أن مقصود الشرع رفع ~~الفساد ومنعه لا إيقاعه والا لزام به فلو ألزموا موجب العقود المحرمة ~~لكانوا مفسدين غير مصلحين والله لا يصلح عمل المفسدين # وقوله @QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض @QE@ أي لا تعملوا بمعصية ~~الله تعالى فكل من عمل بمعصية الله فهو مفسد والمحرمات معصية لله فالشارع ~~ينهى عنه ليمنع الفساد ويدفعه ولا يوجد قط في شيء من صور النهي صورة ثبتت ~~فيها الصحة بنص ولا اجماع فالطلاق المحرم والصلاة في الدار المغصوبة فيهما ~~نزاع وليس على الصحة نص يجب اتباعه فلم يبق مع المحتج بهما حجة # لكن من البيوع ما نهي عنه لما فيها من ظلم أحدهما للآخر كبيع المصراة ~~والمعيب وتلقى السلع والنجش ونحو ذلك ولكن هذه البيوع لم يجعلها الشارع ~~لازمة كالبيوع الحلال بل جعلها غير لازمة والخيرة فيها إلى المظلوم ان شاء ~~أبطلها وان شاء أجازها فان الحق في ذلك له والشارع لم ينه عنها لحق مختص ~~بالله كما نهى عن الفواحش بل هذه اذا علم المظلوم بالحال في ابتداء العقد ~~مثل أن يعلم بالعيب والتدليس والتصرية ويعلم السعر اذا كان قادما بالسلعة ~~ويرضى بأن PageV29P283 يغبنه المتلقى جاز ذلك فكذلك اذا علم بعد العقد إن ~~رضى جاز وان لم يرض كان له الفسخ # وهذا يدل على أن العقد يقع غير لازم بل موقوفا على الاجازة ان شاء أجازه ~~صاحب الحق وان شاء رده وهذا متفق عليه في مثل بيع المعيب مما فيه الرضا ~~بشرط السلامة من العيب فاذا فقد الشرط بقى موقوفا على الاجازة فهو لازم ان ~~كان على صفة وغير لازم ان كان على صفة # وأما اذا كان غير لازم مطلقا بل هو موقوف على رضى المجيز فهذا فيه ms8503 نزاع ~~وأكثر العلماء يقولون بوقف العقود وهو مذهب مالك وأبى حنيفة وغيرهما وعليه ~~أكثر نصوص أحمد وهو اختيار القدماء من أصحابه كالخرقى وغيره كما هو مبسوط ~~في موضعه # اذا المقصود هنا أن هذا النوع يحسب طائفة من الناس أنه من جملة ما نهي ~~عنه ثم تقول طائفة أخرى وليس بفاسد فالنهي يجب أن يقتضى الفساد ويقول طائفة ~~أخرى بل هذا فساد فمنهم من أفسد بيع النجش اذا نجش البائع أو واطأ ومنهم من ~~أفسد نكاح الخاطب اذا خطب على خطبة أخيه وبيعه على بيعه ومنهم من أفسد بيع ~~المعيب المدلس فلما عورض بالمصراة توقف ومنهم من صحح PageV29P284 نكاح ~~الخاطب على خطبة أخيه مطلقا وبيع النجش بلا خيار # والتحقيق ان هذا النوع لم يكن النهي فيه لحق الله كنكاح المحرمات ~~والمطلقة ثلاثا وبيع الربا بل لحق الانسان بحيث لو علم المشتري ان صاحب ~~السلعة ينجش ورضي بذلك جاز وكذلك اذا علم ان غيره ينجش وكذلك المخطوبة متى ~~اذن الخاطب الأول فيها جاز ولما كان النهي هنا لحق الآدمى لم يجعله الشارع ~~صحيحا لازما كالحلال بل أثبت حق المظلوم وسلطه على الخيار فان شاء أمضي وان ~~شاء فسخ # فالمشتري مع النجش ان شاء رد المبيع فحصل بهذا مقصوده وان شاء رضى به اذا ~~علم بالنجش فأما كونه فاسدا مردودا وان رضى به فهذا لا وجه له وكذلك في ~~الرد بالعيب والمدلس والمصراة وغير ذلك # وكذلك المخطوبة ان شاء هذا الخاطب ان يفسخ نكاح هذا المعتدى عليه ~~ويتزوجها برضاه فله ذلك وان شاء أن يمضى نكاحها فله ذلك وهو اذا اختار فسخ ~~نكاحها عاد الأمر إلى ما كان ان شاءت نكحته وان شاءت لم تنكحه اذ مقصوده ~~حصل بفسخ نكاح الخاطب واذا قيل هو غير قلب المرأة علي قيل ان شئت عاقبناه ~~على هذا بأن نمنعه من نكاح تلك المرأة فيكون هذا قصاصا لظلمه اياك وان شئت ~~عفوت PageV29P285 عنه فأنفذنا نكاحه # وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة والذبح بآلة مغصوبة وطبخ الطعام بحطب ~~مغصوب ms8504 وتسخين الماء بوقود مغصوب كل هذا انما حرم لما فيه من ظلم الانسان ~~وذلك يزول باعطاء المظلوم حقه فاذا أعطاه ما أخذه من منفعة ماله أو من ~~أعيان ماله فأعطاه كرى الدار وثمن الحطب وتاب هو إلى الله تعالى من فعل ما ~~نهاه عنه فقد بريء من حق الله وحق العبد وصارت صلاته كالصلاة في مكان مباح ~~والطعام كالطعام بوقود مباح والذبح بسكين مباحة وان لم يفعل ذلك كان لصاحب ~~السكين أجرة ذبحه ولا تحرم الشاة كلها لأجل هذه الشبهة # وهذا اذا كان أكل الطعام ولم يوفه ثمنه كان بمنزلة من أخذ طعاما لغيره ~~فيه شركة ليس فعله حراما ولا هو حلالا محضا فان نضج الطعام لصاحب الوقود ~~فيه شركة # وكذلك الصلاة يبقى عليه اثم الظلم ينقص من صلاته بقدره ولا تبرأ ذمته ~~كبراءة من صلى صلاة تامة ولا يعاقب كعقوبة من لم يصل بل يعاقب على قدر ذنبه ~~وكذلك آكل الطعام يعاقب على قدر ذنبه والله تعالى يقول @QB@ فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ PageV29P286 # وإنما قيل في الصلاة في الثوب النجس وبالمكان يعيد بخلاف هذا لأنه هناك ~~لا سبيل له إلى براءة ذمته الا بالاعادة وهنا يمكنه ذاك بأن يرد أرض ~~المظلوم لكن الصلاة في الثوب الحرير هي من ذلك القسم الحق فيها لله لكن نهي ~~عن ذلك في الصلاة وفى غير الصلاة لم ينه عنه في الصلاة فقط وقد تنازع ~~الفقهاء في مثل هذا # فمنهم من يقول النهي هنا لمعنى في غير المنهي عنه وكذلك يقولون في الصلاة ~~في الدار المغصوبة والثوب المغصوب والطلاق في الحيض والبيع وقت النداء ونحو ~~ذلك وهذا الذي قالوه لا حقيقة له فانه ان عنى بذلك ان نفس البيع اشتمل على ~~تعطيل الصلاة ونفس الصلاة اشتملت على الظلم والفخر والخيلاء ونحو ذلك مما ~~نهى عنه كما اشتملت الصلاة في الثوب النجس على ملابسة الرجس الخبيث فهذا ~~غير صحيح وان أرادوا بذلك ان ذلك المعنى لا يختص بالصلاة ms8505 بل هو مشترك بين ~~الصلاة وغيرها فهذا صحيح فان البيع وقت النداء لم ينه عنه الا لكونه شاغلا ~~عن الصلاة وهذا موجود في غير البيع لا يختص بالبيع # لكن هذا الفرق لا يجيء في طلاق الحائض فانه ليس هناك معنى مشترك وهم ~~يقولون انما نهي عنه لاطالة العدة وذلك خارج عن الطلاق فيقال وغير ذلك من ~~المحرمات كذلك انما نهى عنها لافضائها PageV29P287 إلى فساد خارج عنها ~~فالجمع بين الاختين نهي عنه لافضائه إلى قطيعة الرحم والقطيعة أمر خارج عن ~~النكاح والخمر والميسر حرما وجعلا رجسا من عمل الشيطان لأن ذلك يفضي إلى ~~الصد عن الصلاة وإيقاع العداوة والبغضاء وهو أمر خارج عن الخمر والميسر ~~والربا حرام لأن ذلك يفضي إلى أكل المال بالباطل وذلك أمر خارج عن عقد ~~الميسر والربا فكل ما نهى الله عنه لابد أن يشتمل على معنى فيه يوجب النهي ~~ولا يجوز أن ينهى عن شيء لا لمعنى فيه أصلا بل لمعنى أجنبى عنه فان هذا من ~~جنس عقوبة الانسان بذنب غيره والشرع منزه عنه لكن في الأشياء ما ينهى عنه ~~لسد الذريعة فهو مجرد عن الذريعة لم يكن فيه مفسدة كالنهي عن الصلاة في ~~أوقات النهي قبل طلوع الشمس وغروبها ونحو ذلك وذلك لأن هذا الفعل اشتمل على ~~مفسدة لافضائه إلى التشبه بالمشركين وهذا معنى فيه # ثم من هؤلاء الذين قالوا أن النهي قد يكون لمعنى في المنهى عنه وقد يكون ~~لمعنى في غيره من قال أنه قد يكون لوصف في الفعل لا في أصله فيدل على صحته ~~كالنهي عن صوم يومي العيدين قالوا هو منهى عنه لوصف العيدين لا لجنس الصوم ~~فاذا صام صح لأنه سماه صوما PageV29P288 # فيقال لهم وكذلك الصوم في أيام الحيض وكذلك الصلاة بلا طهارة وإلى غير ~~القبلة جنس مشروع وإنما النهي لوصف خاص وهو الحيض والحدث واستقبال غير ~~القبلة ولا يعرف بين هذا وهذا فرق معقول له تأثير في الشرع فانه إذا قيل ~~الحيض والحدث صفة في الحائض والمحدث وذلك صفة ms8506 في الزمان قيل والصفة في محل ~~الفعل زمانه ومكانه كالصفة في فاعله فانه لو وقف بعرفة في غير وقتها أو غير ~~عرفة لم يصح وهو صفة في الزمان والمكان وكذلك لو رمى الجمار في غير أيام ~~منى أو المرمى وهو صفة في الزمان والمكان واستقبال غير القبلة هو لصفة في ~~الجهة لا فيه ولا يجوز ولو صام بالليل لم يصح وان كان هذا زمانا # فاذا قيل الليل ليس بمحل للصوم شرعا قيل ويوم العيد ليس بمحل للصوم شرعا ~~كما ان زمان الحيض ليس بمحل للصوم شرعا فالفرق لابد أن يكون فرقا شرعيا ~~فيكون معقولا ويكون الشارع قد جعله مؤثرا في الحكم بحيث علق به الحل أو ~~الحرمة الذي يختص بأحد الفعلين # وكثير من الناس يتكلم بفروق لا حقيقة لها ولا تأثير له في الشرع أو يمنع ~~تأثيره في الأصل وذلك أنه قد يذكر وصفا يجمع به بين الأصل والفرع ولا يكون ~~ذلك الوصف مشتركا بينهما بل PageV29P289 قد يكون منفيا عنهما أو عن أحدهما # وكذلك المفرق قد يفرق بوصف يدعى انتقاضه باحدي الصورتين وليس هو مختصا ~~بها بل هو مشترك بينها وبين الأخرى كقولهم النهي لمعنى في المنهي عنه وذلك ~~لمعنى في غيره أو ذاك لمعنى في وصفه دون أصله ولكن قد يكون النهي لمعنى ~~يختص بالعبادة والعقد وقد يكون لمعنى مشترك بينها وبين غيرها كما ينهى ~~المحرم عما يختص بالاحرام مثل حلق الرأس ولبس العمامة وغير ذلك من الثياب ~~المنهي عنها وينهى عن نكاح امرأته وينهي عن صيد البر وينهى مع ذلك عن الزنى ~~والظلم للناس فيما ملكوه من الصيد # وحينئذ فالنهى لمعنى مشترك أعظم ولهذا لو قتل المحرم صيدا مملوكا وجب ~~عليه الجزاء لحق الله ووجب عليه البدل لحق المالك ولو زنا لأفسد احرامه كما ~~يفسد بنكاح امرأته ويستحق حد الزنى مع ذلك وعلى هذا فمن لبس في الصلاة ما ~~يحرم فيها وفى غيرها كالثياب التى فيها خيلاء وفخر كالمسبلة والحرير كان ~~أحق ببطلان الصلاة من الثوب النجس وفى ms8507 الحديث الذي في السنن ( ان الله لا ~~يقبل صلاة مسبل ( والثوب النجس فيه نزاع وفى قدر النجاسة نزاع والصلاة في ~~الحرير للرجال من غير حاجة حرام بالنص والاجماع # وكذلك البيع بعد النداء إذا كان قد نهى عنه وغيره يشغل عن PageV29P290 ~~الجمعة كان ذلك أوكد في النهي وكل ما شغل عنها فهو شر وفساد لا خير فيه # والملك الحاصل بذلك كالملك الذي لم يحصل الا بمعصية الله وغضبه ومخالفته ~~كالذي لا يحصل الا بغير ذلك من المعاصي مثل الكفر والسحر والكهانة والفاحشة ~~وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( حلوان الكاهن خبيث ومهر البغي خبيث ( ~~فاذا كانت السلعة لا تملك ان لم تترك الصلاة المفروضة كان حصول الملك بسبب ~~ترك الصلاة كما ان حصول الحلوان والمهر بالكهانة والبغاء وكما لو قيل له ان ~~تركت الصلاة اليوم أعطيناك عشرة دراهم فان ما يأخذه على ترك الصلاة خبيث ~~كذلك ما يملك بالمعاوضة على ترك الصلاة خبيث ولو استأجر أجيرا بشرط ان لا ~~يصلي كان هذا الشرط باطلا وكان ما يأخذه عن العمل الذي يعمله بمقدار الصلاة ~~خبيثا مع أن جنس العمل بالأجرة جائز كذلك جنس المعاوضة جائز لكن بشرط ان لا ~~يتعدى عن فرائض الله # وإذا حصل البيع في هذا الوقت وتعذر الرد فله نظير ثمنه الذي أداه ويتصدق ~~بالربح والبائع له نظير سلعته ويتصدق بالربح ان كان قد ربح ولو تراضيا بذلك ~~بعد الصلاة لم ينفع فان النهي هنا لحق الله تعالى فهو كما لو تراضيا بمهر ~~البغي وهناك يتصدق به على PageV29P291 أصح القولين لا يعطى للزاني وكذلك في ~~الخمر ونحو ذلك مما أخذ صاحبه منفعة محرمة فلا يجمع له العوض والمعوض فان ~~ذلك أعظم اثما من بيعه # وإذا كان لا يحل أن يباع الخمر بالثمن فكيف إذا أعطى الخمر وأعطى الثمن ~~وإذا كان لا يحل للزانى أن يزنى وان أعطى فكيف إذا أعطى المال والزنا جميعا ~~بل يجب إخراج هذا المال كسائر أموال المصالح المشتركة فكذلك هنا إذا كان قد ~~باع ms8508 السلعة وقت النداء بربح وأخذ سلعته فان فاتت تصدق بالربح ولم يعطه ~~للمشتري فيكون أعانه على الشراء والمشترى يأخذ ثمنه ويعيد السلعة فان باعها ~~بربح تصدق به ولم يعطه للبائع فيكون قد جمع له بين ربحين # وقد تنازع الفقهاء في المقبوض بالعقد الفاسد هل يملك أو لا يملك أو يفرق ~~بين أن يفوت أو لا يفوت كما هو مبسوط في غير هذا الموضع والله أعلم ~~PageV29P292 ### |||| وسئل # عن ( الرجل ) يشتري سلعة بمال حلال ولم يعلم أصل السلعة هل هو حرام أو ~~حلال ثم كانت حراما في الباطن هل يأثم أم لا ### ||||| فأجاب # متى اعتقد المشترى أن الذي مع البائع ملكه فاشتراه منه علي الظاهر ~~لم يكن عليه اثم في ذلك وان كان في الباطن قد سرقه البائع لم يكن على ~~المشترى اثم ولا عقوبة لا في الدنيا ولا في الآخرة والضمان والدرك على الذي ~~غره وباعه وإذا ظهر صاحب السلعة فيما بعد ردت إليه سلعته ورد على المشترى ~~ثمنه وعوقب البائع الظالم فمن فرق بين من يعلم ومن لا يعلم فقد أصاب ومن لا ~~أخطأ والله أعلم PageV29P293 # وقال رحمه الله ### ||| فصل # حديث النبى صلى الله عليه وسلم لما ( أمرهم بشق ظروف الخمر وكسر دنانها ( ~~دليل على احدى الروايتين في جواز إتلاف ذلك عند الانكار وان الظرف يتبع ~~المظروف ومثله ما ثبت عن عمر بن الخطاب وعلي بن ابى طالب أنهما أمرا بتحريق ~~المكان الذي يباع فيه الخمر وقد نص أحمد على ذلك ومثله اتلاف الآلة التى ~~يقوم بها صورة التأليف المحرم وهي آلات اللهو فان هذه العقوبات المالية ~~ثابتة بالسنة وسيرة الخلفاء ومن قال إنها منسوخة فما معه دليل على ذلك # وقد احتج بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنهم قد طبخوا لحوم ~~الحمر قال لهم ( أريقوها واكسروا القدور قالوا أفلا نريقها ونغسل القدور ~~قال افعلوا ( قالوا فلعلهم لو استأذنوه في أوعية الخمر لقال ذلك فأجيب ~~بجوابين PageV29P294 أحدهما أن دفع الشريعة بمثل هذه التقديرات لا تجوز ~~فانا إذا سوغنا ms8509 فيما أمر به أو نهى عنه أنه لو روجع لنسخ ذلك لجاز رفع كثير ~~من الشريعة بمثل هذه الخيالات مثل أن يقال لو روجع الرب في نقص الصلاة عن ~~خمس لنقصها ولو ولو ويقال هذا باطل من وجهين # أحدهما أنا لا نعلم أنه لو روجع لفعل وثبوت ذلك في صورة لا يوجب ثباته في ~~سائر الصور الا بتقدير المساواة من كل وجه وانتفاء الموانع وهذا غير معلوم # الثانى أنه لو فرض أنه لو كان لكان لكن لم يكن واذا كان النسخ معلقا ~~بسؤالهم ولم يسألوا لم يقع النسخ كما أن ابتداء الايجاب والتحريم قد يكون ~~معلقا بسؤالهم كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ~~إن تبد لكم تسؤكم @QE@ # وقال صلى الله عليه وسلم ( انما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم ~~على أنبيائهم ( وقال ( ان أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم ~~يحرم فحرم من أجل مسألته ( وقال في الحج لما سألوه أفي كل عام فقال ( لو ~~قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما قمتم به ( وقال في قيام رمضان ( انما منعنى أن ~~أخرج إليكم خشية أن يفترض عليكم فلا تقوموا ( فقد بين PageV29P295 النبى ~~صلى الله عليه وسلم أن السؤال والعمل قد يكون سببا لابتداء الحكم من وجوب ~~أو تحريم ثم اذا لم يكن السبب فلم يكن الوجوب والتحريم لم يثبت بعد موته ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك قد يكون سببا لرفع حكم من وجوب أو تحريم ثم إذا ~~لم يوجد السبب لم يرتفع الحكم بعد موته # وليس من هذا قول عائشة لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ~~النساء بعده لمنعهن المسجد كما منعت نساء بنى اسرائيل فان عائشة كانت أتقى ~~لله من أن تسوغ رفع الشريعة بعد موته وإنما أرادت أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم لو رأى ما في خروج بعض النساء من الفساد لمنعهن الخروج تريد بذلك أن ~~قوله ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ( وان كان ms8510 مخرجه علي العموم فهو ~~مخصوص بالخروج الذي فيه فساد كما قال أكثر الفقهاء أن الشواب التى في ~~خروجهن فساد يمنعهن فقصد بذلك تخصيص اللفظ الذي ظاهره أنها علمت من حال ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه لا يأذن في مثل هذا الخروج لا أنها قصدت منع ~~النساء مطلقا فانه ليس كل النساء أحدثن وإنما قصدت منع المحدثات # الجواب الثانى أن هذا الحديث الوارد في أوعية لحوم الحمر حجة ايضا في ~~المسألة فانه أمر أولا بتكسير الأوعية ثم لما استأذنوه PageV29P296 في ~~الغسل أذن فيه فعلم بذلك أن الكسر لا يجب وليس فيه أنه لا يجوز بل يقال ~~يجوز الأمران الكسر # والغسل وكذلك يقال في أوعية الخمر أنه يجوز اتلافها ويجوز تطهيرها فاذا ~~كان الأصلح الاتلاف أتلفت ولو ان صاحب أوعية الخمرة والملاهي طهر الأوعية ~~وغسل الآلات لجاز بالاتفاق لكن إذا أظهر المنكر حتى أنكر عليه فانه يستحق ~~العقوبة بالاتلاف # والصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا علموا التحريم فأسقط عنهم الاتلاف لذلك ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل يتجر في الاقباع هل يجوز له بيع القبع المرعزى وشراؤه والاكتساب ~~منه وما يجري مجراه من الحرير الصامت أو يحرم عليه لكون القبع لبس الرجال ~~دون النساء وهل يجوز للجند والصبيان إذا كانوا دون البلوغ أو اليهود ~~والنصارى ومن يجرى مجراهم أو يحرم جميع ذلك وهل يجوز لمن يتجر في هذا الصنف ~~وغيره أن يبيع لأهل البادية والنساء والصبيان ممن يجهل القيمة ما ثمنه درهم ~~بدرهمين أو قريب منها مع علمه أن الذي يشتريه لو PageV29P297 احتاج إلى ~~ثمنه في بقية يومه لم يصل إلى الدرهم الذي هو أصل ثمنه بل أقل منه أو يحرم ~~عليه ذلك وما القدر الذي يجوز من الكسب فيما يباع مساومة وهل هو الثلث أو ~~أقل منه أو اكثر ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما اقباع الحرير فيحرم لبسها على الرجال ~~والنساء أما على الرجال فلأنها حرير ولبس الحرير حرام على الرجال بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واجماع العلماء ms8511 وان كان مبطنا بقطن أو كتان # وأما على النساء فلأن الاقباع من لباس الرجال وقد ( لعن النبى صلى الله ~~عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء ( # وأما لباس الحرير للصبيان الذين لم يبلغوا ففيه قولان مشهوران للعلماء ~~لكن أظهرهما أنه لا يجوز فان ما حرم على الرجال فعله حرم عليه ان يمكن منه ~~الصغير بل عليه ان يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ويضربه عليها إذا بلغ ~~عشرا فكيف يحل له ان يلبسه المحرمات وقد رأى عمر بن الخطاب على صبي للزبير ~~ثوبا من حرير فمزقه وقال لا تلبسوهم الحرير وكذلك بن عمر مزق ثوب حرير كان ~~على ابنه وما حرم لبسه لم تحل صناعته ولا بيعه لمن يلبسه من PageV29P298 ~~أهل التحريم ولا فرق في ذلك بين الجند وغيرهم # فلا يحل للرجل أن يكتسب بأن يخيط الحرير لمن يحرم عليه لبسه فان ذلك ~~إعانة على الاثم والعدوان وهذه مثل الاعانة على الفواحش ونحوها وكذلك لا ~~يباع الحرير لرجل يلبسه من أهل التحريم # وأما إذا بيع الحرير للنساء فيجوز وكذلك إذا بيع لكافر فان عمر بن الخطاب ~~أرسل بحرير أعطاه إياه النبى صلى الله عليه وسلم إلى رجل مشرك # وأما البيع فلا يجوز أن يباع لمسترسل الا بالسعر الذي يباع به غيره لا ~~يجوز لأحد استرساله أن يغبن من الربح غبنا يخرج عن العادة وقدر ذلك بعض ~~العلماء بالثلث وآخرون بالسدس وبعضهم قالوا يرجع في ذلك إلى عادة الناس مما ~~جرت به عادتهم من الربح على المماكسين ما يربحونه على المسترسل والمسترسل ~~قد فسر بأنه الذى لا يماكس بل يقول خذ وأعطنى وبأنه الجاهل بقيمة المبيع ~~فلا يغبن غبنا فاحشا لا هذا ولا هذا وفى الحديث ( غبن المسترسل ربا ( ومن ~~علم أنه يغبنهم استحق العقوبة بل يمنع من الجلوس في سوق المسلمين حتى يلزم ~~طاعة الله ورسوله وللمغبون أن يفسخ البيع فيرد عليه السلعة ويأخذ منه الثمن ~~وإذا تاب هذا الغابن PageV29P299 الظالم ولم يمكنه أن يرد إلى المظلومين ms8512 ~~حقوقهم فليتصدق بمقدار ما ظلمهم عنهم لتبرأ ذمته من ذلك # وبيع المساومة إذا كان مع أهل الخبرة بالأسعار التى يشترون بها السلع في ~~غالب الأوقات فانهم يباع غيرهم كما يباعون فلا يربح على المسترسل اكثر من ~~غيره # وكذلك المضطر الذي لا يجد حاجته الا عند هذا الشخص ينبغى له أن يربح عليه ~~مثل ما يربح على غير المضطر فان في السنن ( ان النبى صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن بيع المضطر ( ولو كانت الضرورة إلى ما لابد منه مثل أن يضطر الناس ~~إلى ما عنده من الطعام واللباس فانه يجب عليه أن لا يبيعهم إلا بالقيمة ~~المعروفة بغير اختياره ولا يعطوه زيادة على ذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل باع قمحا بثمن مؤجل فلما حل الأجل لم يكن عند المدين الا قمحا فهل ~~له أن يأخذ منه قمحا ### ||||| فأجاب # نعم يجوز له أن يأخذ منه قمحا وليس ذلك ربا عند PageV29P300 جمهور ~~العلماء كأبى حنيفة والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد وإذا كان أخذ القمح أرفق ~~بالمدين من أن يكلفه بيعه واعطاء الدراهم فالأفضل للغريم أخذ القمح والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اشترى غلة بدرهم معين إلى أجل وعند نهاية الأجل قصد صاحب الدين ~~أخذ ماله فلم يجد شيئا إلا غلة قيمتها بالسعر في ذلك الوقت وتعينت بالدراهم ~~عن براءة الذمة فهل يجوز لصاحب الدين أن يأخذ الغلة بالسعر الواقع ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها قولان مثل أن يبيع حنطة إلى أجل ثم يأخذ عن الثمن ~~حنطة فعند مالك وأحمد لا يصح هذا وعند أبي حنيفة والشافعي لا بأس به وهو ~~قول بعض أصحاب أحمد ### |||| وسئل # عن رجل له في ذمة رجل دين وللمديون ولد فقال ولد المديون لرب الدين بعني ~~سلعة إلى أجل وأنا أبيعها بالدراهم الحاضرة PageV29P301 و يوفى ما على ~~والده ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان مقصود المشتري الدراهم وغرضه أن يشتري السلعة ~~إلى أجل ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذه تسمى ( مسألة التورق ( لأن غرضه الورق لا ~~السلعة ms8513 وقد اختلف العلماء في كراهته فكرهه عمر بن عبد العزيز وطائفة من أهل ~~المدينة من المالكية وغيرهم وهو احدى الروايتين عن أحمد ورخص فيه آخرون ~~والأقوى كراهته ### |||| وسئل رحمه الله # عن الرجل عليه دين ويحتاج إلى بضاعة أو حيوان لينتفع به أو يتجر فيه ~~فيطلبه من إنسان دينا فلم يكن عنده هل للمطلوب منه ان يشتريه ثم يدينه منه ~~إلى أجل وهل له أن يوكله في شرائه ثم يبيعه بعد ذلك بربح اتفقا عليه قبل ~~الشراء ### ||||| فأجاب # من كان عليه دين فان كان موسرا وجب عليه ان يوفيه وان كان معسرا ~~وجب إنظاره ولا يجوز قلبه عليه بمعاملة ولا غيرها # وأما البيع إلى أجل ابتداء فان كان قصد المشتري الانتفاع بالسلعة ~~PageV29P302 و التجارة فيها جاز اذا كان على الوجه المباح وأما أن كان ~~مقصوده الدراهم فيشتري بمائة مؤجلة ويبيعها في السوق بسبعين حالة فهذا ~~مذموم منهي عنه في أظهر قولي العلماء وهذا يسمى ( التورق ( قال عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله تعالي عنه التورق أخية الربا ### |||| وسئل # عمن طلب من إنسان سلعة تساوي خمسة عشر قال أنه ما يعطى الا بثمانية ~~وعشرين فهل يجوز للأخذ أن يأخذ مع علمه بالزيادة ### ||||| فأجاب # ان كان المشتري محتاجا إلى الدراهم فاشتراها ليبيعها ويأخذ ثمنها ~~فهذا يسمى ( التورق ( وان كان المشتري غرضه أخذ الورق فهذا مكروه في أظهر ~~قولي العلماء كما قال عمر بن عبد العزيز التورق أخية الربا وقال بن عباس ~~اذا قومت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم وهذا احدى الروايتين عن ~~احمد PageV29P303 ### |||| وسئل # عن تاجرين عرضت عليهما سلعة للبيع فرغب في شرائها كل واحد منهما فقال ~~أحدهما للآخر أشتريها شركة بيني وبينك وكانت نيته أن لا يزيد عليه في ثمنها ~~وينفرد فيها فرغب في الشركة لأجل ذلك فاشتراها أحدهما ودفع ثمنها من مالهما ~~على السوية فهل يصح هذا البيع والحالة هذه أو يكون في ذلك دلسة على بائعها ~~والحالة هذه ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما اذا كان في السوق من يزايدهما ms8514 ولكن أحدهما ترك ~~مزايدة صاحبه خاصة لأجل مشاركته له فهذا لا يحرم فان باب المزايدة مفتوح ~~وانما ترك أحدهما مزايدة الآخر بخلاف ما إذا اتفق أهل السوق على أن لا ~~يزايدوا في سلع هم محتاجون لها ليبيعها صاحبها بدون قيمتها ويتقاسمونها ~~بينهم فان هذا قد يضر صاحبها اكثر مما يضر تلقى السلع اذا باعها مساومة فان ~~ذلك فيه من بخس الناس ما لا يخفى والله اعلم PageV29P304 ### |||| وسئل رحمه الله # عن سماسرة في فندق من جملتهم ثلاثة يشترون من يد بعضهم لبعض ثم أنهم ~~يزيدون في الشراء ويقسمون الفائدة فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يجوز للدلال الذي هو وكيل البائع في المناداة أن يكون ~~شريكا لمن يزيد بغير علم البائع فان هذا يكون هو الذي يزيد ويشتري في ~~المعنى وهذا خيانة للبائع ومن عمل مثل هذا لم يحب أن يزيد أحد عليه ولم ~~ينصح البائع في طلب الزيادة وانهاء المناداة # واذا تواطأ جماعة على ذلك فانهم يستحقون التعزير البليغ الذي يردعهم ~~وامثالهم عن مثل هذه الخيانة ومن تعزيرهم أن يمنعوا من المناداة حتى تظهر ~~توبتهم والله أعلم PageV29P305 ### |||| وسئل رحمه الله # عن معسر تداين من رجل قمحا بأضعاف قيمته ولم يتغير سعره ~~من مدة ما استدانه وإلى أجل استحقاقه عليه ادانه إياه ووصفه له بصفة وذكر ~~له أنه يساوي ستة عشر كل إردب وكتب حجة ووقع الاتفاق بينهما على أن كل إردب ~~باثنين وثلاثين باعه المديون ببينة واشهاد باثنى عشر درهم الاردب بخلاف ما ~~وصفه المستدين وقد استحق الأجل وعسر المديون في طلب ما عليه فهل يطالب ~~المديون بقيمة المثل أو بما كتب عليه أو بقمح مثل قمحه ### ||||| فأجاب # أما المعسر فلا يجوز مطالبته بما أعسر عنه وان كان حقا واجبا وجب ~~انظاره به وان كان معاملة ربوية لم يجز أن يطالب إلا برأس ماله وبيع العين ~~الغائبة بغير صفة بيع باطل يجب فيه رد المبيع أو رد بدله ولا يستحق فيه ~~الثمن المسمى فكيف اذا قال هذا يساوي الساعة ms8515 كذا وكذا وانا أبيعكه بكذا ~~أكثر منه إلى أجل فهذا ربا كما قال بن عباس رضي الله عنه اذا قومت نقدا ~~وبعت نقدا فلا بأس واذا قومت نقدا وبعت إلى أجل PageV29P306 فتلك دراهم ~~بدراهم وهذا قوم نقدا وباع إلى أجل واذا كان المشتري قد فسخ البيع لفوات ~~الصفة ولم يمكنه رد المبيع إلى البائع بعينه ولا حفظه بعينه عند أحد فباعه ~~وحفظ له ثمنه لم يجب عليه غير ذلك الثمن اذا كان قد باعه بثمن مثله والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن رجل مراب خلف مالا وولدا وهو يعلم بحاله فهل يكون المال حلالا للولد ~~بالميراث أم لا ### ||||| فأجاب # أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه إما أن يرده إلى أصحابه ~~ان أمكن والا تصدق به والباقى لا يحرم عليه لكن القدر المشتبه يستحب له ~~تركه اذا لم يجب صرفه في قضاء دين أو نفقة عيال وان كان الأب قبضه ~~بالمعاملات الربوية التى يرخص فيها بعض الفقهاء جاز للوارث الانتفاع به وان ~~اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما جعل ذلك نصفين PageV29P307 ### |||| وسئل # عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام ### ||||| فأجاب # يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه وقدر الحلال له وان لم ~~يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه ### |||| وسئل رحمه الله # عن امراة كانت مغنية واكتسبت في جهلها مالا كثيرا وقد تابت وحجت إلى بيت ~~الله تعالى وهي محافظة على طاعة الله فهل المال الذي اكتسبته من حل وغيره ~~اذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه ### ||||| فأجاب # المال المكسوب ان كانت عين أو منفعة مباحة في نفسها وإنما حرمت ~~بالقصد مثل من يبيع عنبا لمن يتخذه خمرا أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها ~~فهذا يفعله بالعوض لكن لا يطيب له أكله PageV29P308 # واما ان كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر فهنا لا يقضي ~~له به قبل القبض ولو أعطاه إياه لم يحكم برده فان هذا معونة لهم على ~~المعاصي اذا جمع لهم بين العوض والمعوض ولا يحل هذا المال ms8516 للبغي والخمار ~~ونحوهما لكن يصرف في مصالح المسلمين # فان تابت هذه البغي وهذا الخمار وكانوا فقراء جاز أن يصرف اليهم من هذا ~~المال مقدار حاجتهم فان كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أعطى ما ~~يكون له رأس مال وان اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به ولم يردوا عوض القرض كان ~~أحسن # وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل عليه أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك ~~وأما إن تصدق به كما يتصدق المالك بملكه فهذا لا يقبله الله ان الله لا ~~يقبل إلا الطيب فهذا خبيث كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( مهر البغي ~~خبيث ( ### |||| وسئل # عن الجهات بالزكاة والضمان بالأسواق وغيرها إذا أجراهم PageV29P309 ~~السلطان في أقطاع الجند حلال أم حرام ### ||||| فأجاب # اما اذا كان الرجل محتاجا والجهة فيها حلالا وحرام أو فيها شبهة ~~فينبغى لصاحبها إذا أخذها ولا بد أن يصرفها في الأمور البرانية مثل علف ~~دابته والكلف السلطانية ونحو ذلك # وإذا تصدق بها على الفقراء أو نوي الصدقة بها عمن يستحقها كان ذلك حسنا ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل له إقطاع بالأطرون وكان عادة المسلمين أن يشترى الأطرون الصعاليك ~~ويبيعوه كل رطل بثلاثة فلوس ولما كان زمان بيبرس جاء شخص ضمن الأطرون أن لا ~~يبيع أحد ولا يشترى الا من تحت يد الضامن بثلاثة وعشرين درهما القنطار فهل ~~هو حلال أم حرام ### ||||| فأجاب # من كان الأطرون قد أخذه بحق لم يجز لأحد أن يكره أحدا على الشراء ~~منه ولا يمنعه أن يشتري من غيره بل إذا أخذه بحق وباعه كما تباع سلع ~~المسلمين بذلك جاز PageV29P310 ### || 1 ( رسالة في مقالة أكل الحلال متعذر ) 1 ### |||| وسئل الشيخ الامام العالم العامل شيخ الاسلام وقطب الأئمة الأعلام ومن عمت بركاته أهل العراقين والشام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحرانى ثم الدمشقي متع الله المسلمين ببركاته وكان بالديار المصرية # عن رجل نقل عن بعض السلف من الفقهاء أنه قال أكل الحلال متعذر لا يمكن ~~وجوده ms8517 في هذا الزمان فقيل له لم ذلك فذكر ان وقعة المنصورة لم تقسم الغنائم ~~فيها واختلطت الأموال بالمعاملات بها فقيل له ان الرجل يؤجر نفسه لعمل من ~~الأعمال المباحة ويأخذ أجرته حلال فذكر أن الدرهم في نفسه حرام فقيل له كيف ~~قبل الدرهم التغير أولا فصار حراما بالسبب الممنوع ولم يقبل التغير فيكون ~~حلالا بالسبب المشروع فما الحكم في ذلك ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله هذا القائل الذي قال أكل الحلال متعذر لا ~~يمكن وجوده في هذا الزمان غالط مخطئ في قوله باتفاق أئمة الاسلام فان مثل ~~هذه المقالة كان يقولها بعض أهل PageV29P311 البدع وبعض أهل الفقه الفاسد ~~وبعض أهل النسك الفاسد فأنكر الأئمة ذلك حتى الامام أحمد في ورعه المشهور ~~كان ينكر مثل هذه المقالة وجاء رجل من النساك فذكر له شيئا من هذا فقال ~~انظر إلى هذا الخبيث يحرم أموال المسلمين # وقال بلغني أن بعض هؤلاء يقول من سرق لم تقطع يده لأن المال ليس بمعصوم ~~ومثل هذا كان يقوله بعض المنتسبين إلى العلم من أهل العصر بناء على هذه ~~الشبهة الفاسدة وهو أن الحرام قد غلب على الأموال لكثرة الغصوب والعقود ~~الفاسدة ولم يتميز الحلال من الحرام # ووقعت هذه الشبهة عند طائفة من مصنفى الفقهاء فأفتوا بأن الانسان لا ~~يتناول الا مقدار الضرورة وطائفة لما رأت مثل هذا الحرج سدت باب الورع ~~فصاروا نوعين # المباحية لا يميزون بين الحلال والحرام بل الحلال ما حل بأيديهم والحرام ~~ما حرموه لأنهم ظنوا مثل هذا الظن الفاسد وهو أن الحرام قد طبق الأرض ورأوا ~~أنه لابد للانسان من الطعام والكسوة فصاروا يتناولون ذلك من حيث أمكن ~~فلينظر العاقل عاقبة ذلك الورع الفاسد كيف أورث الانحلال عن دين الاسلام ~~PageV29P312 # وهؤلاء يحكون في الورع الفاسد حكايات بعضها كذب ممن نقل عنه وبعضها غلط ~~كما يحكون عن الامام أحمد أن ابنه صالحا لما تولى القضاء لم يكن يخبز في ~~داره وأن أهله خبزوا في تنوره فلم يأكل الخبز فألقوه في دجلة فلم ms8518 يكن يأكل ~~من صيد دجلة وهذا من أعظم الكذب والفرية على مثل هذا الامام ولا يفعل مثل ~~هذا إلا من هو من أجهل الناس أو أعظمهم مكرا بالناس واحتيالا على أموالهم ~~وقد نزهه الله عن هذا وهذا وكل عالم يعلم أن ابنه لم يتول القضاء في حياته ~~وإنما تولاه بعد موته ولكن كان الخليفة المتوكل قد أجاز أولاده واهل بيته ~~جوائز من بيت المال فأمرهم أبو عبد الله ان لا يقبلوا جوائز السلطان ~~فاعتذروا إليه بالحاجة فقبلها من قبلها منهم فترك الأكل من أموالهم ~~والانتفاع بنيرانهم في خبز أو ماء لكونهم قبلوا جوائز السلطان وسألوه عن ~~هذا المال احرام هو فقال لا فقالوا أنحج منه فقال نعم وبين لهم أنه انما ~~امتنع منه لئلا يصير ذلك سببا إلى أن يداخل الخليفة فيما يريد كما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( خذ العطاء ما كان عطاء فاذا كان عوضا عن دين ~~أحدكم فلا يأخذه ( ولو ألقى في دجلة الدم والميتة ولحم الخنزير وكل حرام في ~~الوجود لم يحرم صيدها ولم تحرم # ومن الناس من آل به الافراط في الورع إلى أمر اجتهد فيه PageV29P313 ~~فيثاب على حسن قصده وان كان المشروع خلاف ما فعله مثل من امتنع من أكل ما ~~في الأسواق ولم يأكل الا ما ينبت في البراري ولم يأكل من أموال المسلمين ~~وانما يأكل من أموال أهل الحرث وأمثال ذلك مما يكون فاعله حسن القصد وله ~~فيما فعل تأويل لكن الصواب المشروع خلاف ذلك فان الله سبحانه خلق الخلق ~~لعبادته وأمرهم بذلك وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( ان الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال @QB@ ~~يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا @QE@ وقال @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم @QE@ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ~~يمد يده إلى السماء يارب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فانى ~~يستجاب لذلك ( فقد بين ms8519 صلى الله عليه وسلم ان الله أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين من أكل الطيبات كما أمرهم بالعمل الصالح والعمل الصالح لا يمكن ~~الا بأكل وشرب ولباس وما يحتاج إليه العبد من مسكن ومركب وسلاح يقاتل به ~~وكراع يقاتل عليه وكتب يتعلم منها وأمثال ذلك مما لا يقوم ما أمر الله به ~~الا به وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب # فاذا كان القيام بالواجبات فرضا على جميع العباد وهي لا تتم الا بهذه ~~الاموال فكيف يقال أنه قليل بل هو كثير غالب بل هو PageV29P314 الغالب على ~~أموال الناس ولو كان الحرام هو الأغلب والدين لا يقوم في الجمهور الا به ~~للزم أحد أمرين اما ترك الواجبات من أكثر الخلق واما اباحة الحرام لأكثر ~~الخلق وكلاهما باطل # و ( الورع ( من قواعد الدين ففى الصحيح عن عثمان بن بشير عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا ~~يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه الا وان لكل ~~ملك حمى ألا وان حمي الله محارمه الا وان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد ~~كله واذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب ( # وفى الحديث الآخر ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ( ورأى تمرة ساقطة فقال ~~( لولا أني أخاف ان تكون من الصدقة لاكلتها ( وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # وهذا يتبين بذكر أصول # أحدها أنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حراما انما الحرام ما ~~ثبت تحريمه بالكتاب أو السنة أو الاجماع أو قياس مرجح لذلك وما تنازع فيه ~~العلماء رد إلى هذه الاصول ومن الناس PageV29P315 من يكون نشأ على مذهب ~~امام معين أو استفتى فقيها معينا أو سمع حكاية عن بعض الشيوخ فيريد أن يحمل ~~المسلمين كلهم على ذلك وهذا غلط ولهذا نظائر # منها ( مسألة المغانم ( فان السنة ms8520 ان تجمع وتخمس وتقسم بين الغانمين ~~بالعدل وهل يجوز للامام أن ينفل من أربعة أخماسها فيه قولان فمذهب فقهاء ~~الثغور وأبى حنيفة وأحمد وأهل الحديث ان ذلك يجوز لما في السنن ( أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم نفل في بدأته الربع بعد الخمس ونفل في رجعته الثلث بعد ~~الخمس ( وقال سعيد بن المسيب ومالك والشافعي لا يجوز ذلك بل يجوز عند مالك ~~التنفيل من الخمس ولا يجوز عند الشافعي الا من خمس الخمس وكان أحمد يعجب من ~~سعيد بن المسيب ومالك كيف لم تبلغهما هذه السنة مع وفور علمهما # وقد ثبت في الصحيحين عن بن عمر أنه قال ( بعثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سرية قبل نجد فبلغت سهامنا إثنا عشر بعيرا ونفلنا بعيرا بعيرا ( ~~ومعلوم ان السهم اذا كان اثنى عشر بعيرا لم يحتمل خمس الخمس أن يخرج منه ~~لكل واحد بعير فان ذلك لا يكون الا اذا كان السهم أربعة وعشرين بعيرا وكذلك ~~اذا فضل الامام بعض الغانمين على بعض لمصلحة راجحة كما أعطى النبى صلى الله ~~عليه PageV29P316 و سلم سلمة بن الاكوع في غزوة ذى قرد سهم راجل وفارس فان ~~ذلك يجوز في أصح قولي العلماء ومنهم من لا يجيزه كما تقدم # وكذلك اذا قال الامام من أخذ شيئا فهو له ولم تقسم الغنائم فهذا جائز في ~~أحد قولي العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد ولا يجوز في القول الآخر وهو المشهور ~~من مذهب الشافعي وفى كل من المذهبين خلاف # وعلى مثل هذا الاصل تنبنى ( الغنائم في الأزمان المتأخرة ( مثل الغنائم ~~التى كان يغنمها السلاجقة الاتراك والغنائم التى غنمها المسلمون من النصارى ~~من ثغور الشام ومصر فان هذه أفتى بعض الفقهاء كأبى محمد الجوينى والنواوى ~~أنه لا يحل لمسلم أن يشتري منها شيئا ولا يطأ منها فرجا ولا يملك منها مالا ~~ولزم من هذا القول من الفساد ما الله به عليم فعارضهم أبو محمد بن سباع ~~الشافعي فأفتى أن الامام لا يجب عليه قسمة المغانم بحال ms8521 ولا تخميسها وان له ~~أن يفضل الراجل وان يحرم بعض الغانمين ويخص بعضهم وزعم أن سيرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم تقتضى ذلك وهذا القول خلاف الاجماع والذي قبله باطل ومنكر ~~أيضا فكلاهما انحراف # والصواب في مثل هذه ان الامام اذا قال من أخذ شيئا فهو له PageV29P317 # فان قيل بجواز ذلك فمن أخذ شيئا ملكه وعليه تخميسه وان كان الامام لم يقل ~~ذلك ولم يهبهم المغانم بل أراد منها ما لا يسوغ بالاتفاق أو قيل انه يجب ~~عليه أن يقسم بالعدل ولا يجوز له الاذن بالانتهاب فهنا المغانم مال مشترك ~~بين الغانمين ليس لغيرهم فيها حق فمن أخذ منها مقدار حقه جاز له ذلك واذا ~~شك في ذلك فاما ان يحتاط ويأخذ بالورع المستحب أو يبنى على غالب ظنه ولا ~~يكلف الله نفسا الا وسعها # وكذلك ( المزارعة ( على أن يكون البذر من العامل التى يسميها بعض الناس ~~المخابرة وقد تنازع فيها الفقهاء لكن ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الصحيحة جوازها فانه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على ~~أن يعمروها من أموالهم وأما نهيه عن المخابرة فقد جاء مفسرا في الصحيح فان ~~المراد به أن يشترط للمالك زرع بقعة بعينها وكذلك كراء الأرض بجزء من ~~الخارج منها فجوزه أبو حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه ونهي عنه مالك ~~وأحمد في رواية ونظائر ذلك كثيرة فهذا بين # ( الأصل الثاني ( أن المسلم اذا عامل معاملة يعتقد هو جوازها وقبض المال ~~جاز لغيره من المسلمين أن يعامله في مثل ذلك المال وان لم يعتقد جواز تلك ~~المعاملة فانه قد ثبت أن عمر بن الخطاب PageV29P318 رضي الله عنه رفع إليه ~~أن بعض عماله يأخذ خمرا من أهل الذمة عن الجزية فقال قاتل الله فلانا أما ~~علم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( قاتل الله اليهود حرمت عليهم ~~الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها ( ثم قال عمر ولوهم بيعها وخذوا ~~منهم أثمانها فامر عمر أن يأخذوا من ms8522 أهل الذمة الدراهم التى باعوا بها ~~الخمر لانهم يعتقدون جواز ذلك في دينهم # ولهذا قال العلماء ان الكفار اذا تعاملوا بينهم بمعاملات يعتقدون جوازها ~~وتقابضوا الأموال ثم أسلموا كانت تلك الأموال لهم حلالا وان تحاكموا الينا ~~أقررناها في أيديهم سواء تحاكموا قبل الاسلام أو بعده وقد قال تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين @QE@ ~~فامرهم بترك ما بقى في الذمم من الربا ولم يأمرهم برد ما قبضوه لانهم كانوا ~~يستحلون ذلك # والمسلم اذا عامل معاملات يعتقد جوازها كالحيل الربوية التى يفتى بها من ~~يفتى من أصحاب أبى حنيفة وأخذ ثمنه أو زارع على أن البذر من العامل أو أكرى ~~الأرض بجزء من الخارج منها ونحو ذلك وقبض المال جاز لغيره من المسلمين أن ~~يعامله في ذلك المال وان لم يعتقد جواز تلك المعاملة بطريق الأولى والأحرى ~~ولو أنه تبين له فيما بعد رجحان التحريم لم يكن عليه اخراج المال الذي كسبه ~~PageV29P319 بتأويل سائغ فان هذا أولى بالعفو والعذر من الكافر المتأول ~~ولما ضيق بعض الفقهاء هذا على بعض أهل الورع ألجأه إلى أن يعامل الكفار ~~ويترك معاملة المسلمين ومعلوم أن الله ورسوله لا يأمر المسلم أن يأكل من ~~أموال الكفار ويدع أموال المسلمين بل المسلمون أولى بكل خير والكفار أولى ~~بكل شر # ( الأصل الثالث ( أن الحرام نوعان # حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير فهذا اذا اختلط بالماء والمائع ~~وغيره من الأطعمة وغير طعمه أو لونه أو ريحه حرمه وان لم يغيره ففيه نزاع ~~ليس هذا موضعه # والثاني الحرام لكسبه كالمأخوذ غصبا أو بعقد فاسد فهذا إذا اختلط بالحلال ~~لم يحرمه فلو غصب الرجل دراهم أو دنانير أو دقيقا أو حنطة أو خبزا وخلط ذلك ~~بماله لم يحرم الجميع لا على هذا ولا على هذا بل ان كانا متماثلين أمكن أن ~~يقسموه ويأخذ هذا قدر حقه وهذا قدر حقه وان كان قد وصل إلى كل منهما عين ~~مال الآخر الذي أخذ الآخر نظيره ms8523 وهل يكون الخلط كالاتلاف فيه وجهان في مذهب ~~الشافعي واحمد وغيرهما # أحدهما انه كالاتلاف فيعطيه مثل حقه من أين أحب PageV29P320 # والثانى أن حقه باق فيه فللمالك أن يطلب حقه من المختلط فهذا أصل نافع ~~فان كثيرا من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة اذا اختلطت بالدراهم الحلال ~~حرم الجميع فهذا خطأ وانما تورع بعض العلماء فيما اذا كانت قليلة وأما مع ~~الكثرة فما أعلم فيه نزاعا # ( الأصل الرابع ( المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف في مصالح المسلمين عند ~~جماهير العلماء كمالك وأحمد وغيرهما فاذا كان بيد الانسان غصوب أو عواري أو ~~ودائع أو رهون قد يئس من معرفة اصحابها فانه يتصدق بها عنهم أو يصرفها في ~~مصالح المسلمين أو يسلمها إلى قاسم عادل يصرفها في مصالح المسلمين المصالح ~~الشرعية # ومن الفقهاء من يقول توقف أبدا حتى يتبين أصحابها والصواب الأول فان حبس ~~المال دائما لمن لا يرجى لا فائدة فيه بل هو تعرض لهلاك المال واستيلاء ~~الظلمة عليه وكان عبد الله بن مسعود قد اشترى جارية فدخل بيته ليأتى بالثمن ~~فخرج فلم يجد البائع فجعل يطوف على المساكين ويتصدق عليهم بالثمن ويقول ~~اللهم عن رب الجارية فان قبل فذاك وان لم يقبل فهو لي وعلي له مثله يوم ~~القيامة وكذلك أفتى بعض التابعين من غل من الغنيمة وتاب بعد تفرقهم أن ~~يتصدق بذلك عنهم ورضي بهذه الفتيا الصحابة والتابعون الذين بلغتهم كمعاوية ~~وغيره من أهل الشام وهذا يبين PageV29P321 # ( الأصل الخامس ( وهو الذي يكشف سر المسألة وهو أن المجهول في الشريعة ~~كالمعدوم والمعجوز عنه فان الله سبحانه وتعالى قال @QB@ لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها @QE@ وقال تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم ( فالله إذا ~~أمرنا بأمر كان ذلك مشروطا بالقدرة عليه والتمكن من العمل به فما عجزنا عن ~~معرفته أو عن العمل به سقط عنا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في اللقطة ( ~~فان جاء صاحبها فأدها إليه والا فهي ms8524 مال الله يؤتيه من يشاء ( فهذه اللقطة ~~كانت ملكا لمالك ووقعت منه فلما تعذر معرفة مالكها قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( هي مال الله يؤتيه من يشاء ( فدل ذلك على أن الله شاء أن يزيل عنها ~~ملك ذلك المالك ويعطيها لهذا الملتقط الذي عرفها سنة ولا نزاع بين الأئمة ~~أنه بعد تعريف السنة يجوز للملتقط أن يتصدق بها وكذلك له أن يتملكها ان كان ~~فقيرا وهل له التملك مع الغنى فيه قولان مشهوران ومذهب الشافعي وأحمد أنه ~~يجوز ذلك وأبو حنيفة لا يجوزه # ولو مات رجل ولم يعرف له وارث صرف ماله في مصالح المسلمين وان كان في نفس ~~الأمر له وارث غير معروف حتى لو تبين الوارث يسلم إليه ماله وان كان قبل ~~تبينه يكون صرفه إلى من يصرفه جائزا PageV29P322 و أخذه له غير حرام مع ~~كثرة من يموت وله عصبة بعد لم تعرف # وإذا تبين هذا فيقال ما في الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود ~~لا تباح بالقبض ان عرفه المسلم اجتنبه فمن علمت أنه سرق مالا أو خانه في ~~أمانته أو غصبه فأخذه من المغصوب قهرا بغير حق لم يجز لي أن آخذه منه لا ~~بطريق الهبة ولا بطريق المعاوضة ولا وفاء عن اجرة ولا ثمن مبيع ولا وفاء عن ~~قرض فان هذا عين مال ذلك المظلوم # وأما ان كان ذلك المال قبضه بتأويل سائغ في مذهب بعض الأئمة جاز لي أن ~~أستوفيه من ثمن المبيع والاجرة والقرض وغير ذلك من الديون وان كان مجهول ~~الحال فالمجهول كالمعدوم والأصل فيما بيد المسلم أن يكون ملكا له أن ادعى ~~أنه ملكه أو يكون وليا عليه كناظر الوقف وولي اليتيم وولي بيت المال أو ~~يكون وكيلا فيه وما تصرف فيه المسلم أو الذمي بطريق الملك أو الولاية جاز ~~تصرفه # فاذا لم أعلم حال ذلك المال الذي بيده بنيت الأمر على الأصل ثم ان كان ~~ذلك الدرهم في نفس الأمر قد غصبه هو ولم اعلم أنا كنت جاهلا بذلك ms8525 والمجهول ~~كالمعدوم فليس أخذى لثمن المبيع وأجرة العمل وبدل القرض بدون أخذى اللقطة ~~فان أخذتها بغير PageV29P323 عوض ثم لم أعلم مالكها وهذا المال لا أعلم له ~~مالكا غير هذا وقد أخذته عوضا عن حقي فكيف يحرم هذا علي لكن ان كان ذلك ~~الرجل معروفا بأن في ماله حراما ترك معاملته ورعا وان كان أكثر ماله حراما ~~ففيه نزاع بين العلماء # وأما المسلم المستور فلا شبهة في معاملته أصلا ومن ترك معاملته ورعا كان ~~قد ابتدع في الدين بدعة ما أنزل الله بها من سلطان # وبهذا يتبين الحكم في سائر الأموال فان هذا الغالط يقول ان هذه اللحوم ~~والألبان التى تؤكل قد تكون في الأصل قد نهبت أو غصبت فيقال المجهول ~~كالمعدوم فاذا لم نعلم كان ذلك في حقنا كأنه لم يكن وهذا لأن الله انما حرم ~~المعاملات الفاسدة لما فيها من الظلم فان الله تعالى يقول في كتابه العزيز ~~@QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز @QE@ والغصب وأنواعه والسرقة والخيانة داخل ~~في الظلم # واذا كان كذلك فهذا المظلوم الذي أخذ ماله بغير حق ببيع أو أجرة وأخذ منه ~~والمشتري لا يعلم بذلك ثم ينقل من المشتري PageV29P324 إلى غيره ثم إلى ~~غيره ويعلم أن أولئك لم يظلموه وانما ظالمه من اعتدى عليه ولكن لو علم بهم ~~فهل له مطالبتهم بما لم يلتزموا ضمانه على قولين للعلماء أصحهما أنه ليس له ~~ذلك # مثال ذلك أن الظالم إذا أودع ماله عند من لا يعلم أنه غاصب فتلفت الوديعة ~~فهل للمالك أن يطالب المودع على قولين أصحهما أنه ليس له ذلك # ولو أطعم المال لضيف لم يعلم بالظلم ثم علم المالك فهل له مطالبة الضيف ~~على قولين احدهما ليس له مطالبته ومن قال ان له مطالبته لا يقول إن أكله ~~حرام بل يقول لا إثم عليه في أكله وانما عليه أداء ثمنه بمنزلة ms8526 ما اشتراه ~~وصاحب القول الصحيح يقول لا إثم عليه في أكله ولا غرم عليه لصاحبه بحال ~~وانما الغرم على الغاصب الظالم الذي أخذه منه بغير حق فاذا نظرنا إلى مال ~~معين بيد انسان لا نعلم أنه مغصوب ولا مقبوض قبضا لا يفيد المالك ~~واستوفيناه منه أو اتهبناه منه أو استوفيناه عن اجرة أو بدل قرض لا إثم ~~علينا في ذلك بالاتفاق # وان كان في نفس الأمر قد سرقه أو غصبه ثم اذا علمنا فيما بعد أنه مسروق ~~فعلى أصح القولين لا يجب علينا الا ما التزمناه بالعقد أي لا يستقر علينا ~~إلا ضمان ما التزمناه بالعقد فلا يستقر علينا ضمان ما أهدي أو وهب ولا ضمان ~~اكثر من الثمن كذلك الأجرة PageV29P325 و بدل القرض إذا كنا قد تصرفنا فيها ~~لم يستقر علينا ضمان بدله # لكن تنازع الفقهاء هنا في ( مسألة ( وهي أنه هل للمالك تضمين هذا المغرور ~~الذي تلف المال تحت يده ثم يرجع إلى الغار بما غرمه بغروره أم ليس له ~~مطالبة المغرور إلا بما يستقر عليه ضمانه على قولين هما روايتان عن أحمد ~~ومثل هذا لو غصب رجل جارية فاشتراها منه انسان واستولدها أو وهبه اياها فقد ~~اتفق الصحابة والأئمة على أن أولادها من المغرور يكونون احرارا لأن الواطئ ~~لا يعلم أنها مملوكة لغيره بل اعتقد أنها مملوكته مع اتفاقهم أن الولد يتبع ~~أمه في الحرية والرق ويتبع أباه في النسب والولاء ومع هذا فجعلوا ابنه حرا ~~لكون الوالد لم يعلم والمجهول كالمعدوم وأوجبوا لسيد الجارية بدل الولد ~~لأنه كان يستحقه لولا الغرور فإذا خرجوا عن ملكه بغير حق كان له بدلهم ~~وأوجبوا له مهر أمة # وقالوا في أصح القولين أن هذا يلزم الغار الظالم الذي غصب الجارية وباعها ~~لا يلزم المغرور المشترى إلا ما التزمه بالعقد وهو الثمن فقط ثم هل لصاحبها ~~أن يطالب المغرور بفداء الولد والمهر ثم يرجع به المغرور على الغار الظالم ~~أم ليس له إلا مطالبة الغار الظالم على قولين هما روايتان عن ms8527 أحمد ولا نزاع ~~بين الأمة أن وطئه ليس بحرام وأن ولده ولد رشدة لا ولد عنه فهو ولد حلال لا ~~ولد PageV29P326 زنا وكذلك في سائر هذه الصور لم يتنازعوا أنه لا اثم على ~~الآكل ولا على اللابس ولا على الواطئ الذي لم يعلم # وانما تنازعوا في الضمان لأن الضمان من باب العدل الواجب في حقوق ~~الآدميين وهو يجب في العمد والخطأ @QB@ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن ~~يصدقوا @QE@ فقاتل النفس خطأ لا يأثم ولا يفسق بذلك ولكن عليه الدية وكذلك ~~من أتلف مالا مغصوبا خطأ فعليه بدله ولا اثم عليه فقد تبين أن الاثم منتف ~~مع عدم العلم # وحينئذ فجميع الأموال التى بأيدي المسلمين واليهود والنصارى التى لا يعلم ~~بدلالة ولا أمارة أنها مغصوبة أو مقبوضة قبضا لا يجوز معه معاملة القابض ~~فانه يجوز معاملتهم فيها بلا ريب ولا تنازع في ذلك بين الأئمة أعلمه # ومعلوم أن غالب أموال الناس كذلك والقبض الذي لا يفيد الملك هو الظلم ~~المحض فأما المقبوض بعقد فاسد كالربا والميسر ونحوهما فهل يفيد الملك على ~~ثلاثة أقوال للفقهاء # ( أحدها ( أنه يفيد الملك وهو مذهب ابى حنيفة # ( والثاني ( لا يفيده وهو مذهب الشافعي واحمد في المعروف PageV29P327 من ~~مذهبه # ( والثالث ( أنه إن فات أفاد الملك وان امكن رده إلى مالكه ولم يتغير في ~~وصف ولا سعر لم يفد الملك وهو المحكى عن مذهب مالك # وهذه الأمور والقواعد قد بسطناها في غير هذا الجواب ولكن نبهنا على قواعد ~~شريفة تفتح باب الاشتباه في هذا الأصل الذي هو أحد أصول الاسلام كما قال ~~الامام أحمد وغيره إن أصول الاسلام تدور على ثلاثة أحاديث قوله ( الحلال ~~بين والحرام بين ( وقوله ( انما الاعمال بالنيات ( وقوله ( من عمل عملا ليس ~~عليه أمرنا فهو رد ( فان الأعمال إما مأمورات وإما محظورات والأول فيه ذكر ~~المحظورات والمأمورات اما قصد القلب وهو النية واما العمل الظاهر وهو ~~المشروع الموافق للسنة ms8528 كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا @QE@ قال اخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه ~~قال ان العمل اذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وان كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون لله والصواب أن يكون ~~على السنة # فتبين أن ما ذكره هذا القائل الذي قال أكل الحلال متعذر ولا يمكن وجوده ~~في هذا الزمان قوله خطأ مخالف للاجماع بل PageV29P328 الحلال هو الغالب على ~~أموال الناس وهو اكثر من الحرام وهذا القول قد يقوله طائفة من المتفقهة ~~المتصوفة وأعرف من قاله من كبار المشايخ بالعراق ولعله من أولئك انتقل إلى ~~بعض شيوخ مصر ثم الذي قال ذلك لم يرد أن يسد باب الأكل بل قال الورع حينئذ ~~لا سبيل إليه ثم ذكر ما يأتى فيما يفعل ويترك لم يحضرنى الآن # فليتدبر العاقل وليعلم أنه من خرج عن القانون النبوي الشرعي المحمدي الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها احتاج إلى أن يضع ~~قانونا آخر متناقضا يرده العقل والدين لكن من كان مجتهدا امتحن بطاعة الله ~~ورسوله فان الله يثيبه على اجتهاده ويغفر له خطأه @QB@ ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤوف رحيم @QE@ # وما ذكره من أن وقعة المنصورة لما لم تقسم فيها المغانم واختلطت فيها ~~المغانم دخلت الشبهة # الجواب عنه من كلامين # احدهما أن يقال الذي اختلط بأموال الناس من الحرام المحض كالغصب الذي ~~يغصبه القادرون من الولاة والقطاع أو أهل الفتن وما يدخل في ذلك من الخيانة ~~في المعاملات اكثر من ذلك بكثير PageV29P329 لا سيما في هذه البلاد المصرية ~~فانها اكثر من الشام والمغرب ظلما كظلم بعضهم بعضا في المعاملات بالخيانة ~~والغش وجحد الحق ولكثرة ما فيها من ظلم قطاع الطريق والفلاحين والاعراب ~~ولكثرة ما فيها من الظلم الموضوع من المتولين بغير حق فاحالة التحريم على ~~هذا الأمر أولى من ms8529 احالته على المغانم # الثانى ان تلك المغانم قد ذكرنا مذهب الفقهاء فيها وبينا أن الصحيح أن ~~الامام اذا أذن في الأخذ من غير قسم جاز وأنه اذا لم يجز فمن أخذ مقدار حقه ~~جاز وان من أخذ أكثر من حقه وتعذر رده على أصحابه لعدم العلم بهم فانه ~~يتصدق به عنهم وأنه لو لم يتصدق به عنهم وتصرف فيه فمتى وصل إليه منه شيء ~~لم يعلم بحاله لم يكن محرما عليه ولا عليه فيه اثم وهذا الحكم جار في سائر ~~الغصوب المذكورة # وتبين بما ذكرناه أن من آجر نفسه أو دوابه أو عقاره أو ما يتعلقه وأخذ ~~الثمن والاجرة لم يحرم عليه سواء علم ذلك الثمن والاجرة حلالا للمالك أو لم ~~يعلم حاله بأن كان مستورا وان علم أنه غصب تلك الدراهم أو سرقها أو قبضها ~~بوجه لا يبيح أخذها به لم يجز أخذها عن ثمنه وأجرته مع أن هذا فيه نزاع بين ~~الفقهاء تضيق هذه الورقة عن بسطه PageV29P330 أما قوله القائل الدرهم كيف ~~قبل التغير وصار حراما بالسبب الممنوع ولم يقبل التغير فيصير حلالا بالسبب ~~المشروع فيقال له بل قبل التغير فيما حرم لوصفه لا بما حرم لكسبه فالأول ~~مثل الخمر فإنها لما كانت عصيرا لم تصر حلالا طاهرا فلما تخمرت كانت حراما ~~نجسا فإذا تخللت بفعل الله من غير قصد لتخليلها كانت خل خمر حلالا طاهرا ~~باتفاق العلماء وإنما تنازعوا فيما إذا قصد تخليلها وتنازعوا في سائر ~~النجاسات كالخنزير إذا صار ملحا والنجاسة إذا صارت رمادا فقيل لا يطهر كقول ~~الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد والثاني مثل المال المغصوب هو ~~حرام لأنه قبض بالظلم فإذا قبض بحق أبيح مثل أن يأذن فيه المالك للغاصب أو ~~يهبه اياه أو يبيعه منه أو يقبضه المالك أو وليه أو وكيله ثم الغاصب إذا ~~أعطاه لمن لا يعلم أنه مغصوب كان قبضه بحق لأن الله لم يكلفه ما لا يعلم ~~وكذلك بين قبضه من القابض بحق وقد تقدم الكلام في ms8530 الضمان والله أعلم ~~PageV29P331 ### ||| 2 باب الشروط في البيع 2 ### |||| سئل رحمه الله # عن رجل مسلم اشترى جارية كتابية وشرط له البائع أنها طباخة جيدة وأنها ~~تصنع الخمر والنبيذ فهل يصح ### ||||| فأجاب # اشتراط كونها تصنع الخمر والنبيذ شرط باطل باتفاق المسلمين والعقد ~~مع ذلك فاسد # أما على قول من يقول أن الشرط الفاسد يفسد العقد كما هو المشهور من مذهب ~~أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين فظاهر # وأما على القول الآخر فانه لو باعها بدون شرط لم يجز أن يشتري الجارية ~~لأجل كونها تصنع الخمر كما لا يجوز أن يشتري عينا ليعصى الله بها مثل أن ~~يشتري عصيرا ليعمله خمرا ويشتري سلاحا ليقاتل المسلمين في أصح قولي العلماء ~~كما هو مذهب مالك وأحمد PageV29P332 و غيرهما كما قال تعالى @QB@ وتعاونوا ~~على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان @QE@ ### |||| وسئل # عن رجل اشترى من رجل دارا بالف درهم وهي تساوي ألفي درهم ثم إن المشتري ~~أجر البائع الدار مدة من الشهور بدراهم معلومة في تاريخه على الفور وهو ~~بينهما بيع أمانة في الباطن هل يصح هذا العقد على هذا الحكم وهل يلزم ~~البائع الأصلي مبلغ مدة الاجارة أم لا وقد ورد في الحديث أنه روى عن ابى بن ~~كعب وبن مسعود وبن عباس رضي الله عنهم عن النبي صلي الله عليه وسلم ( أنه ~~نهي عن قرض جر منفعة ( وهل ذلك من نوع ذلك أم لا وهل جاء في الحديث عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه استسلف من رجل بكرا فجاءته ابل الصدقة فامرنى ~~أن أقضى الرجل بكرا فقلت لم اجد في الابل الا جملا خيارا رباعيا فقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( اعطه فان خياركم أحسنكم قضاء ( وهل ذلك من الاحاديث ~~الصحاح أم لا ### ||||| فأجاب # اذا كان المقصود أن ياخذ احدهما من الآخر دراهم PageV29P333 و ~~ينتفع المعطى بعقار الآخر مدة مقام الدراهم في ذمته فاذا أعاد الدراهم إليه ~~أعاد إليه العقار فهذا حرام بلا ريب وهذا دراهم بدراهم مثلها ومنفعة ms8531 الدار ~~وهو الربا البين وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه ~~كان ذلك حراما وكذلك اذا تواطآ على ذلك في أصح قولي العلماء وقد صح عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ~~ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك ( حرم النبى صلى الله عليه وسلم الجمع ~~بين السلف والبيع لأنه اذا أقرضه وباعه حاباه في البيع لاجل القرض وكذلك ~~اذا آجره وباعه وما يظهرونه من بيع الأمانة الذي يتفقون فيه على أنه اذا ~~جاءه بالثمن اعاد إليه المبيع هو باطل باتفاق الأئمة سواء شرطه في العقد أو ~~تواطآ عليه قبل العقد على أصح قولي العلماء والواجب في مثل هذا أن يعاد ~~العقار إلى ربه والمال إلى ربه ويعزر كل من الشخصين ان كانا علما بالتحريم ~~والقرض الذي يجر منفعة قد ثبت النهي عنه عن غير واحد من الصحابة الذين ~~ذكرهم السائل وغيرهم كعبدالله بن سلام وانس بن مالك وروى ذلك مرفوعا إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم رواه بن ماجه وغيره # وفى صحيح البخاري عن عبد الله بن سلام ( انك بأرض الربا فيها فاش فاذا ~~اقرضت رجلا قرضا فاهدى لك حمل تبن أو حمل PageV29P334 قت فاحسبه له من قرضه ~~( وقال رجل لابن عباس أنى أقرضت سماكا عشرين درهما فأهدى لي سمكة فقومتها ~~ثلاثة عشر درهما فقال لا تاخذ منه الا سبعة دراهم وحديث البكر حديث صحيح # فإذا وفاه المقرض خيرا من قرضه بلا مواطأة جاز ذلك وان وفاه أكثر من قرضه ~~ففيه قولان للعلماء وذلك لأن هذا زيادة بعد وفاء القرض بخلاف ما اذا أهدى ~~إليه قبل الوفاء فانه إذا لم يحسبه من القرض كان القرض باقيا في ذمته على ~~أن يأخذه مع الهدية والهدية انما كانت بسبب القرض وقد قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول هذا لكم ~~وهذا اهدي إلي أفلا قعد في ms8532 بيت أبيه أو أمه فينظر أيهدى إليه أم لا ( # فبين أن الهدية اذا كانت بسبب ألحقت به فلهذا كان المأثور عن الصحابة ~~وجمهور الأئمة أن الهدية قبل الوفاء تحسب لصاحبها بخلاف زيادة الصفة في ~~الوفاء # وأما صورة وهو أن يتواطآ على أن يبتاع منه العقار بثمن ثم يؤجره اياه إلى ~~مدة واذا جاءه بالثمن اعاد إليه العقار فهنا المقصود أن المعطى شيئا أدى ~~الاجرة مدة بقاء المال في ذمته ولا فرق بين أخذ المنفعة وبين عوض المنفعة ~~الجميع حرام PageV29P335 # وهذا وان كان قد رخص فيه طائفة من الفقهاء بناء على أن ذلك لم يشترط في ~~العقد وان المواطأة والنية لا تؤثر في العقود فالصواب الذي عليه الكتاب ~~والسنة واتفق عليه الصحابة وهو قول أكثر الأئمة تحريم مثل ذلك وان النيات ~~معتبرة في العقود كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( انما الاعمال بالنيات ~~وانما لكل امريء ما نوى ( والشرط المتقدم كالمقارن له # وقد عاتب الله من أسقط الواجبات واستحل المحرمات بالحيل والمخادعات كما ~~ذكر ذلك في سورة ( ن ( وفى قصة اهل السبت وفى الحديث عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله ~~بأدنى الحيل ( وقال أيوب السختيانى يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو ~~أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي ودلائل هذا مبسوطة في كتاب كبير ~~PageV29P336 ### || 1 ( رسالة في حديث الولاء لمن أعتق ) 1 # وقال شيخ الاسلام تقى الدين رحمه الله تعالى ! 8 < فصل # في قول النبى صلى الله عليه وسلم لعائشة ( ابتاعيها واشترطي لهم الولاء ~~فانما الولاء لمن أعتق ( # فان هذا أشكل على كثير من الناس حتى أن منهم من قال انفرد به هشام دون ~~الزهري وظن ذلك علة فيه والحديث في الصحيحين لا علة فيه # ومنهم من قال ( اشترطي لهم ( بمعنى عليهم قالوا ومثله قوله تعالى ( ولهم ~~اللعنة ( أي عليهم اللعنة ونقل هذا حرملة عن الشافعي ونقل عن المزني وهو ~~ضعيف # أما أولا فان قوله ( اشترطى لهم ( صريح في معناه ms8533 واللام للاختصاص وأما ~~قوله ( ولهم اللعنة ( فمثل قوله ( لهم العذاب ( و ( لهم خزي ( وهو معنى ~~صحيح ليس المراد أنهم يملكون اللعنة PageV29P337 بل هنا اذا قيل ( لهم ~~اللعنة ( فالمراد أنهم يجزون بها وإذا قيل عليهم فالمراد الدعاء عليهم ~~باللعنة فالمعنيان مفترقان وقد يراد بقوله ( عليهم ( الخبر أي وقعت عليهم ~~فحرف الاستعلاء غير ما أفاده حرف الاختصاص وان كانا يشتركان في أن أولئك ~~ملعونون وقوله ( اشترطي لهم ( مباين لمعنى اشترطي عليهم فكيف يفسر معني ~~اللفظ بمعنى ضده # وأيضا فعائشة قد كانت اشترطت ذلك عليهم وقالت ( ان شاؤوا عددتها لهم عدة ~~واحدة ويكون ولاؤك لي فامتنعوا ( # وأيضا فان ثبوت الولاء للمعتق لا يحتاج إلى اشتراطه بل هو اذا أعتق كان ~~الولاء له سواء شرط ذلك على البائع أو لم يشرط # يبقي حمل الحديث على أن هذا يشعر بأن الولاء انما يصير لهم اذا شرطته ~~وهذا باطل ومن تدبر الحديث تبين له قطعا أن الرسول لم يرد هذا # وأما ما دل عليه الحديث فأشكل عليهم من جهتين من جهة أن الرسول كيف يأمر ~~بالشرط الباطل والثانى من جهة أن الشرط الباطل كيف لا يفسد العقد # وقد أجاب طائفة بجواب ثالث ذكره أحمد وغيره وهو أن PageV29P338 القوم ~~كانوا قد علموا أن هذا الشرط منهي عنه فأقدموا على ذلك بعد نهي النبى صلى ~~الله عليه وسلم فكان وجود اشتراطهم كعدمه وبين لعائشة أن اشتراطك لهم ~~الولاء لا يضرك فليس هو أمرا بالشرط لكن إذنا للمشتري في اشتراطه إذا أبى ~~البائع ان يبيع إلا به وإخبارا للمشتري أن هذا لا يضره ويجوز للانسان أن ~~يدخل في مثل ذلك فهو اذن في الشراء مع اشتراط البائع ذلك وإذن في الدخول ~~معهم في اشتراطه لعدم الضرر في ذلك ونفس الحديث صريح في أن مثل هذا الشرط ~~الفاسد لا يفسد العقد وهذا هو الصواب وهو قول بن ابى ليلى وغيره وهو مذهب ~~أحمد في أظهر الروايتين عنه # وانما استشكل الحديث من ظن أن الشرط الفاسد يفسد العقد وليس كذلك لكن ms8534 ان ~~كان المشترط يعلم أنه شرط محرم لا يحل اشتراطه فوجود اشتراطه كعدمه مثل ~~هؤلاء القوم فيصح اشتراء المشتري ويملك المشتري ويلغو هذا الشرط الذي قد ~~علم البائع أنه محرم لا يجوز الوفاء به # وأما أولئك القوم فان كانوا قد علموا بالنهي قبل استفتاء عائشة فلا شبهة ~~لكن ليس في الحديث ما يدل عليه بل فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قام ~~عشية فقال ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ~~ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط ( وهذا كان عقب استفتاء عائشة ~~وقد علم أولئك PageV29P339 بهذا بلا ريب وكان عقد عائشة معهم بعد هذا ~~الاعلام من الرسول صلى الله عليه وسلم فاما ان يكونوا تابوا عن هذا الشرط ~~أو أقدموا عليه مع العلم بالتحريم وحينئذ فلا يضر اشتراطه هذا هو الذي يدل ~~عليه الحديث وسياقه ولا إشكال فيه ولله الحمد والمنة # وأما ان كان المشترط لمثل هذا الشرط الباطل جاهلا بالتحريم ظانا أنه شرط ~~لازم فهذا لا يكون البيع في حقه لازما ولا يكون ايضا باطلا وهذا ظاهر مذهب ~~أحمد بل له الفسخ إذا لم يعلم ان هذا الشرط لا يجب الوفاء به فانه إنما رضي ~~بزوال ملكه بهذا الشرط فاذا لم يحصل له فملكه له ان شاء وان شاء أن ينفذ ~~البيع أنفذه كما لو ظهر بالمبيع عيب وكالشروط الصحيحة إذا لم يوف له بها ~~إذا باع بشرط رهن أو ضمين فلم يأت به فله الفسخ وله الامضاء # والقول بأن البيع باطل في مثل هذا ضعيف مخالف للأصول بل هو غير لازم ~~يتسلط فيه المشترى على الفسخ كالمشترى للمعيب وللمصراة ونحوهما فان حقه ~~مخير بتمكينه من الفسخ وقد قيل في مذهب أحمد أن له أرش ما نقص من الثمن ~~بالغاء هذا الشرط كما قيل مثل ذلك في المعيب وهو أشهر الروايتين عنه ~~والرواية الأخرى لا يستحق إلا الفسخ وانما له الارش بالتراضي أو عند تعذر ~~الرد كقول جمهور الفقهاء ms8535 وهذا أصح فانه كما أن المشترط لم يرض إلا ~~PageV29P340 بالشرط فلا يلزم البيع بدونه بل له الخيار فكذلك الآخر لم يرض ~~إلا بالثمن المسمى وإن كان رضي به مع الشرط فاذا ألغى الشرط وصار الولاء له ~~فهو لم يرض بأكثر من الثمن في هذه الصورة بل ان شاء فسخ البيع فلا يلزم ~~بالزيادة بل إذا أعطى الثمن فان شاء الآخر قبل وأمضى وان شاء فسخ البيع وان ~~تراضيا بالارش جاز لكن لا يلزم به واحد منهما إلا برضاه فانه معاوضة عن ~~الجزء الفائت # وهكذا يقال في نظائر هذا مثل الصفقة إذا تفرقت وقيل يصح البيع في الحلال ~~بقسطه من الثمن كما هو ظاهر مذهب أحمد فان الذي تفرقت عليه له الفسخ إذا ~~كان لم يرض ببيع هذا بقسطه إلا مع ذلك # وأصل العقود أن العبد لا يلزمه شيء إلا بالتزامه أو بالزام الشارع له فما ~~التزمه فهو ما عاهد عليه فلا ينقض العهد ولا يغدر وما أمره الشارع به فهو ~~مما أوجب الله عليه ان يلتزمه وإن لم يلتزمه كما أوجب عليه ان يصل ما أمر ~~الله به أن يوصل من الايمان بالكتب والرسل ومن صلة الأرحام ولهذا يذكر الله ~~في كتابه هذا وهذا كقوله @QB@ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ~~والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل @QE@ PageV29P341 فما أمر الله به أن ~~يوصل فهو الزام من الله به وما عاهد عليه الانسان فقد التزمه فعليه أن يوفى ~~بعهد الله ولا ينقض الميثاق إذا لم يكن ذلك مخالفا لكتاب الله فمن اشترط ~~شرطا مخالفا لكتاب الله مثل أن يريد به أن يستحل ما حرم الله كالذي يبيع ~~الأمة أو يعتقها ويشرط وطأها بعد خروجها من ملكه أو يبيع غيره مملوكا ويشرط ~~أن يكون ولاؤه له لا للمعتق أو يزوج أمته أو قرابته ويشرط أن يكون النسب ~~لغير الأب أو يكون النسب له فالله قد أمر أن يدعى الولد لأبيه والولاء لحمة ~~كلحمة النسب فمن ادعى إلى غير أبيه ms8536 أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس اجمعين وثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه ~~نهى عن بيع الولاء وعن هبته ( ولهذا كان عند جمهور العلماء لا يورث ايضا ~~ولكن يورث به كالنسب ويكون الولاء للكبر فقد تبين أن الحديث حق كما جاء ~~والله أعلم # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن أحق ~~الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ( وهذا يبين أن الوفاء بالشروط ~~في النكاح أولى منها في البيع ولهذا قال كثير من السلف والخلف أنه اذا ~~اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله مثل أن يشترط ان يتزوجها بلا مهر أو بمهر ~~محرم فهذا نكاح باطل كنكاح الشغار وغيره وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى ~~الروايتين PageV29P342 # وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار وأبطله الصحابة فانهم ~~أشغروا النكاح عن مهر هذا هو العلة في نصوص أحمد المشهورة عنه وهو قول مالك ~~وغيره وعند طائفة من أصحابه العلة ما قاله الشافعي وهو التشريك في البضع ~~والأول أصح وهذا لا معنى له فان البضع لم يحصل فيه اشتراك بل كل من الزوجين ~~ملك بضع امرأة بلا شركة وان كان قد جعل صداقها بضع الاخري فالمرأة الحرة لم ~~تملك بضع المراة ولا يمكن هذا فان امرأة لا تتزوج امرأة ولكن جعلت لوليها ~~ما تستحقه من المهر فوليها هو الذي ملك البضع وجعل صداقها ملك وليها البضع ~~وهي لم تملك شيئا فلهذا كان شغارا والمكان الشاغر الخالي وشغرت هذه الجهة ~~اي خلت ومن أصدقت شيئا ولم يحصل لها ما أصدقته لم يكن النكاح لازما وأعطيت ~~بدله كما في البيع وأولى ( فان أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به ~~الفروج ( # ومن التزمت بالنكاح من غير أن تحصل ما رضيته فقد التزمت بالنكاح الذي لم ~~ترض به وهذا خلاف الكتاب والسنة وإذا كان مثل هذا لا يجوز في البيع فانه لا ~~يجوز في النكاح أولى والشارع لم يلزمها النكاح ms8537 على هذا الوجه ولا هي ~~التزمته وانما يجب علي الانسان ما يجب بالزام الشارع أو بالتزامه وكلاهما ~~منتف فلا معنى PageV29P343 لالتزامها بنكاح لم ترض به # وقول من قال المهر ليس بمقصود كلام لا حقيقة له فانه ركن في النكاح وإذا ~~شرط فيه كان أوكد من شرط الثمن لقوله ( ان أحق الشروط ان توفوا به ما ~~استحللتم به الفروج ( والأموال تباح بالبدل والفروج لا تستباح الا بالمهور ~~وانما ينعقد النكاح بدون فرضه وتقريره لا مع نفيه والنكاح المطلق ينصرف إلى ~~مهر المثل وكذلك البيع على الصحيح وهو احدى الروايتين عن أحمد ينعقد بالسعر ~~فلا فرق كما قد بسط في مواضع # والذي يثبت بالكتاب والسنة والاجماع أن النكاح ينعقد بدون فرض المهر أي ~~بدون تقديره لا أنه ينعقد مع نفيه بل قد قال تعالى @QB@ قد علمنا ما فرضنا ~~عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم @QE@ لما جوز للنبى صلى الله عليه وسلم ~~أن يتزوج بلا مهر فرض عليهم أن لا يتزوجوا بلا مهر وكذلك دل عليه القرآن في ~~غير موضع فلابد من مهر مسمى مفروض أو مسكوت عن فرضه ثم أن فرض ما تراضيا به ~~والا فلها مهر نسائها كما قضى به النبى صلى الله عليه وسلم في بروع بنت ~~واشق وأين هذا من هذا والناس دائما يتناكحون مطلقا وقد تراضوا بالمهر ~~المعتاد في مثل ذلك وهو مهر المثل كما يتبايعون دائما وقد تراضوا بالسعر ~~الذي يبيع به البائع في PageV29P344 مثل تلك الأوقات كما يشترون الخبز ~~والأدم والفاكهة واللحم وغير ذلك من الخباز واللحام والفومي وغير ذلك وقد ~~رضوا أن يعطيهم ثمن المثل وهو السعر الذي يبيع به للناس وهو ما ساغ به مثل ~~تلك السلعة في ذلك المكان والزمان وهذا البيع صحيح نص عليه أحمد وان كان في ~~مذهبه نزاع فيه ### ||| فصل # وأصل الدين أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا حرام إلا ما حرمه ~~الله ورسوله ولا مكروه إلا ما كرهه الله ورسوله ولا حلال إلا ما أحله الله ms8538 ~~ورسوله ولا مستحب إلا ما أحبه الله ورسوله فالحلال ما حلله الله ورسوله ~~والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ولهذا انكر الله ~~على المشركين وغيرهم ما حللوه أو حرموه أو شرعوه من الدين بغير اذن من الله # والذي يوجبه الله على العبد قد يوجبه ابتداء كايجابه الايمان والتوحيد ~~على كل أحد وقد يوجبه لأن العبد التزمه وأوجبه على نفسه ولولا ذلك لم يوجبه ~~كالوفاء بالنذر للمستحبات وبما التزمه في العقود المباحة كالبيع والنكاح ~~والطلاق ونحو ذلك إذا لم يكن PageV29P345 واجبا وقد يوجبه للأمرين كمبايعة ~~الرسول على السمع والطاعة له وكذلك مبايعة أئمة المسلمين وكتعاقد الناس على ~~العمل بما أمر الله به ورسوله # ونفس التزام شرائع الاسلام من هذا الباب فان المؤمن التزمها بالايمان ~~وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فان هذه الشهادة توجب عليه ~~الوفاء بموجبها وهو تصديق الرسول فيما أتى به عن الله وطاعته فيما أوجبه ~~وأمر به لأنه قد بلغ عن الله أن طاعته طاعته ومعصيته معصيته وهذه الأصول ~~مبسوطة في مواضع # والمقصود هنا أنه إذا كان أصل الشرع أنه لا يلزمه إلا بالزام الشارع له ~~أو بالتزامه إياه فاذا تنازع الفقهاء في فرع من فروع هذا الأصل رد إليه ومن ~~الفقهاء من يوفي به ومنهم من لا يوفى به بل ينقضه في كثير من المسائل وان ~~كان الغالب عليه الوفاء به في اكثر المسائل ومن ذلك ( مسائل النكاح والشروط ~~فيه ( # فان القاعدة ايضا أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على ~~خلافه وقد قيل بل الأصل فيها عدم الصحة إلا ما دل الدليل على صحته لحديث ~~عائشة والأول هو الصحيح فان الكتاب والسنة قد دلا على الوفاء بالعقود ~~والعهود وذم الغدر PageV29P346 و النكث ولكن إذا لم يكن المشروط مخالفا ~~لكتاب الله وشرطه فاذا كان المشروط مخالفا لكتاب الله وشرطه كان الشرط ~~باطلا وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( من اشترط شرطا ليس في كتاب الله ms8539 ~~فهو باطل وان كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله اوثق ( # فان قوله ( من اشترط شرطا ( اي مشروطا وقوله ( ليس في كتاب الله ( اي ليس ~~المشروط في كتاب الله فليس هو مما أباحه الله كاشتراط الولاء لغير المعتق ~~والنسب لغير الوالد وكالوطء بغير ملك يمين ولا نكاح ونحو ذلك مما لم يبحه ~~الله بحال ومن ذلك تزوج المرأة بلا مهر ولهذا قال ( كتاب الله أحق وشرط ~~الله أوثق ( وهذا إنما يقال إذا كان المشروط يناقض كتاب الله وشرطه فيجب ~~تقديم كتاب الله وشرطه ويقال ( كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ( وأما إذا ~~كان نفس الشرط والمشروط لم ينص الله على حله بل سكت عنه فليس هو مناقضا ~~لكتاب الله وشرطه حتى يقال ( كتاب الله أحق وشرطه أوثق ( فقوله ( من اشترط ~~شرطا ليس في كتاب الله ( اي مخالفا لكتاب الله وسواء قيل المراد من الشرط ~~المصدر أو المفعول فانه متى خالف أحدهما كتاب الله خالفه الآخر بخلاف ما ~~سكت عنه فهذا اصل PageV29P347 # ( والأصل الثانى ( أن الشرط المخالف لكتاب الله إذا لم يرضيا إلا به فقد ~~التزما ما حرمه الله فلا يلزم كما لو نذر المعصية وسواء كانا عالمين أو ~~جاهلين وان اشترطه احدهما على الآخر يعتقد جوازه فلم يرض إلا به فلا يلزمه ~~العقد إلا أن يكون التزمه لله فيلزمه ما كان لله دون ما لم يكن كالنذر ~~والوقف والوصية وغير ذلك مما تتفرق فيه الصفقة وان عرف أنه حرام وشرطه فهو ~~كشرط اهل بريرة شرطه باطل ولا يبطل العقد # ولا فرق في ذلك بين النكاح والبيع وغير ذلك من العقود فمن الفقهاء من ~~ابطل شروطا كثيرة في النكاح بلا حجة ثم الشرط الباطل في النكاح قالوا يبطل ~~ويصح النكاح بدونه والمشترط للنكاح لم يرض إلا به والشروط في النكاح أوكد ~~منها في البيع لقوله صلى الله عليه وسلم ( ان أحق الشروط ان توفوا به ما ~~استحللتم به الفروج ( فلزمهم من مخالفة النصوص في مواضع كثيرة وإلزام الخلق ~~بشيء لم ms8540 يلتزموه ولا ألزمهم الله به فأوجبوا على الناس ما لم يوجبه الله ~~ورسوله ثم قد يتوسعون في الطلاق الذي يبغضه الله فيحرمون على الناس ما لم ~~يحرمه الله ورسوله ثم يبيحون ذلك بالعقود المشروطة فيها الشروط الفاسدة ~~فيحللون ما لم يحلله الله ورسوله # مثال ذلك أن شرط التحليل في العقد شرط حرام باطل بالاتفاق PageV29P348 ~~اذا شرط أنه يطلقها إذا أحلها وكذلك شرط الطلاق بعد أجل مسمى فشرط الطلاق ~~في النكاح إذا مضى الأجل أو بعد التحليل شرط باطل بالاتفاق مع القول بتحريم ~~المتعة فان الله لم يبح النكاح إلى أجل ولم يبح نكاح المحلل فقال طائفة من ~~الفقهاء يصح العقد ويبطل الشرط كما يقوله أبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين ويكون العقد لازما ثم كثير من هؤلاء فرق بين التوقيت وبين ~~الاشتراط فقالوا اذا قال تزوجتها إلى شهر فهو نكاح متعة وهو باطل وطرد ~~بعضهم القياس وهو قول زفر وخرج وجها في مذهب أحمد أنه يصح العقد ويلغو ~~التوقيت كما قالوا يلغو الشرط # ولو قال في نكاح التحليل على انك اذا أحللتها طلقها فهو شرط كما لو قال ~~في المتعة على أنه اذا انقضى الأجل طلقها وإن قال فلا نكاح بينكما فقيل فيه ~~قولان للشافعي وغيره قيل يلحق بالشرط الفاسد فيصح النكاح وقيل بالتوقيت ~~فيبطل النكاح # ولو شرط الخيار في النكاح ففيه ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد قيل ~~يصح العقد والشرط وقيل يبطلان وقيل يصح العقد دون الشرط فالاظهر في هذا ~~الشرط أنه يصح واذا قيل ببطلانه لم يكن العقد لازما بدونه فان الاصل في ~~الشرط الوفاء وشرط الخيار مقصود صحيح لا سيما في النكاح وهذا يبنى ~~PageV29P349 على أصل وهو أن شرط الخيار في البيع هل الأصل صحته أو الاصل ~~بطلانه لكن جوز ثلاثا على خلاف الأصل فالاول قول أئمة الفقهاء مالك وأحمد ~~وبن أبى ليلى وابى يوسف ومحمد والثانى قول أبى حنيفة والشافعي ولهذا أبطلا ~~الخيار في أكثر العقود النكاح وغيره # وكذلك تعليق النكاح على شرط ms8541 فيه ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد ~~وأصحاب الشافعي وأحمد يفرقون في النكاح بين شرط يرفع العقد كالطلاق وبين ~~غيره مثل اشتراط عدم المهر أو عدم الوطء أو عدم القسم وفى مذهب أحمد خلاف ~~في شرط عدم المهر ونحوه # والصواب أن كل شرط فاما أن يكون مباحا فيكون لازما يجب الوفاء به واذا لم ~~يوف به ثبت الفسخ كاشتراط نوع أو نقد في المهر ولا يجوز أن يجعل النكاح ~~لازما مع عدم الوفاء بل يخير المشترط بين امضائه وبين الفسخ كالشروط في ~~البيع وكالمعيب فانه يرد بالعيب في البيع بالاتفاق وكذلك في النكاح عند ~~الجمهور قال طائفة من المدنيين وغيرهم لا ترد الحرة بعيب وقالوا النكاح لا ~~يقبل الفسخ فلم يجوزوا فسخه بعيب ولا شرط ثم هم وسائر المسلمين يوجبون في ~~الايلاء على المولي إما الفيأة وإما الطلاق وهم يقولون PageV29P350 يقع ~~الطلاق عقب انقضاء المدة اذا لم يفئ واذا كان الزوج عنينا أو مجبوبا ~~فعامتهم على أن لها الفسخ لكن قالوا المرأة لا يمكنها الطلاق والجمهور على ~~ثبوت الخيار بالجنون والجذام والبرص كما قاله عمر بن الخطاب ثم خص الفسخ ~~كثير منهم بما يمنع النكاح كما أبطلوا النكاح بالشرط الذي يرفع العقد ~~وتفصيل هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن مقتضى الأصول والنصوص أن الشرط يلزم إلا إذا خالف كتاب ~~الله واذا كان لازما لم يلزم العقد بدونه فالمسلمون كلهم يجوزون أن يشترط ~~في المهر شيئا معينا مثل هذا العبد وهذه الفرس وهذه الدار لكن يقولون اذا ~~تعذر تسليم المهر لزم بدله فلم يملك الفسخ وان كان المنع من جهته وهذا ضعيف ~~مخالف للاصول فان لم يقل بامتناع العقد فقد يتعذر تسليم العقد فلا أقل من ~~أن تمكن المرأة من الفسخ فانها لم ترض وتبح فرجها إلا بهذا فاذا تعذر فلها ~~الفسخ وهم يقولون المهر ليس هو المقصود الأصلي فيقال كل شرط فهو مقصود ~~والمهر أوكد من الثمن لكن هنا الزوجان معقود عليهما وهما عاقدان بخلاف ~~البيع فانهما عاقدان ms8542 غير معقود عليهما وهذا يقتضى أنه اذا فات فالمرأة ~~مخيرة بين الفسخ وبين المطالبة بالبدل كالعيوب في البيع لكون المعقود عليه ~~وهما الزوجان باقيين فالفائت جزء من المعقود عليه فهو كالعيب الحادث ~~PageV29P351 في السلعة قبل التمكن من القبض يوجب الفسخ ولا يبطل العقد هذا ~~مقتضى الأصول والنصوص والقياس # وان كان الشرط باطلا ولم يعلم المشترط ببطلانه لم يكن العقد لازما بل إن ~~رضي بدون الشرط وإلا فله الفسخ هذا هو الاصل وأما إلزامه بعقد لم يرض به ~~ولا ألزمه الشارع أن يعقده فهذا مخالف لاصول الشرع ومخالف للعدل الذى أنزل ~~الله به الكتاب وأرسل به الرسل وهم جعلوا الاصل أن الحرة لا ترد بعيب قالوا ~~فلا يفسخ النكاح بفوات الشرط لأنهما من جنس واحد وقالوا يصح النكاح بلا ~~تقدير مهر فيصح مع نفي المهر فيصح مع كل الشروط الفاسدة # وأما صحته بدون فرض المهر فهذا ثابت بالكتاب والسنة والاجماع لكن اذا ~~اعتقد عدم وجوب المهر فان المهر المطلق مهر المثل وأما مع نفيه ففيه قولان ~~في مذهب أحمد وغيره والقول بالبطلان قول أكثر السلف كما في مذهب مالك وغيره ~~وهو الصواب لدلالة الكتاب والسنة عليه وحديث الشغار # قالوا فثبت الفرق بين النكاح والبيع من هاتين الجهتين عدم الفسخ بفوات ~~الشرط الصحيح والصحة مع الشرط الفاسد فيقال PageV29P352 أما عدم الفسخ ~~بفوات الشرط الصحيح وقول من قال لا ترد الحرة بعيب فهذا ليس له أصل في كلام ~~الشارع ألبتة بل متى كان الشرط صحيحا وفات فلمشترطه الفسخ # ثم الشرط المتقدم على العقد هل هو كالمقارن له فيه قولان والصحيح أنه ~~كالمقارن وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك ووجه في مذهب الشافعي يخرج من السر ~~والعلانية وأحمد يوجب ما سمي في العلانية وان كان دون ما اتفق عليه في السر ~~لكن يوجب ذلك ظاهرا ويأمرهم أن يوفوا بما شرطوا له فعلى هذا لم يحكم بالسر ~~لعدم ثبوته وان ثبت حكم به # وإن قيل لا يحكم به مطلقا فلانهم أظهروا خلاف ما أبطنوه والنكاح مبناه ms8543 ~~على الاعلان لا على الاسرار وهذا بخلاف شرط لم يظهروا ما يناقضه في النكاح ~~والبيع وغيرهما فهذا يجب الوفاء به عنده وهو يؤثر في العقد والشافعي اذا ~~قال في النكاح أنه يؤخذ بالسر ففى غيره أولى # وأما صحته مع الشرط الفاسد فالاصل فيه عدم تقدير المهر وليس هذا شرطا ~~فاسدا بدليل أن الشرط الفاسد لا يحل اشتراطه وهذا النكاح حلال فلو تزوجها ~~ولم يفرض مهرا لكن على عادة الناس أنه لابد لها من مهر إما ان يتراضيا وإما ~~أن يكون لها مهر نسائها فهذا النكاح حلال ليس فيه شرط فاسد فمن ذينك ~~القياسين PageV29P353 الفاسدين فرقوا بين النكاح والبيع والزموا الناس ~~بنكاح لم يرضوا به وان شرطوا فيه شرطا صحيحا كما الزموا الرجل بنكاح المرأة ~~المعيبة وهو لم يرض بنكاح معيبة # فان قيل فلم فرق بين عيوب الفرج وغيرها قيل قد علم أن عيوب الفرج المانعة ~~من الوطء لا يرضى بها في العادة فان المقصود بالنكاح الوطء بخلاف اللون ~~والطول والقصر ونحو ذلك مما ترد به الامة فان الحرة لا تقلب كما تقلب الأمة ~~والزوج قد رضى رضا مطلقا وهو لم يشرط صفة فبانت بدونها فان شرط ففيه قولان ~~في مذهب الشافعي وأحمد والصواب أنه له الفسخ وكذا بالعكس وهو مذهب مالك ~~والشرط انما يثبت لفظا أو عرفا وفي البيع دل العرف على أنه لم يرض الا ~~بسليم من العيوب وكذلك في النكاح لم يرض بمن لا يمكن وطؤها والعيب الذي ~~يمنع كمال الوطء لا أصله فيه قولان في مذهب أحمد وغيره وأما ما يمكن معه ~~الوطء وكمال الوطء فلا تنضبط فيه أغراض الناس # والشارع قد أباح بل أحب له النظر إلى المخطوبة وقال ( اذا القى الله في ~~قلب أحدكم خطبة امرأة فلينظر اليها فانه أحرى أن يؤدم بينهما ( وقال لمن ~~خطب امرأة من الأنصار انظر اليها فان في أعين الانصار شيئا ( وقوله ( أحرى ~~أن يؤدم بينهما ( يدل على أنه اذا PageV29P354 عرفها قبل النكاح دام الود ~~وان النكاح يصح وإن لم ms8544 يرها فانه لم يعلل الرؤية بأنه يصح معه النكاح فدل ~~على أن الرؤية لا تجب وان النكاح يصح بدونها وليس من عادة المسلمين ولا ~~غيرهم ان يصفوا المرأة المنكوحة بذلك بخلاف البيع فانه اما أن لا يصح وإما ~~أن يملك خيار الرؤية وان كان قد ذكر في مذهب أحمد رواية ضعيفة انه يصح بلا ~~رؤية ولا صفة ولا يثبت خيار # وهذا الفرق انما هو للفرق بين النساء والأموال أن النساء يرضى بهن في ~~العادة على الصفات المختلفة والأموال لا يرضى بها على الصفات المختلفة اذا ~~المقصود بها التمول وهو يختلف باختلاف الصفات والمقصود بالنكاح المصاهرة ~~والاستمتاع وذلك يحصل مع اختلاف الصفات فهذا فرق شرعي معقول في عرف الناس ~~أما اذا عرف أنه لم يرض لاشتراطه صفة فبانت بخلافها وبالعكس فالزامه بما لم ~~يرض به مخالف للاصول ولو قال ظننتها أحسن مما هي أو ما ظننت فيها هذا ونحو ~~ذلك كان هو المفرط حيث لم يسأل عن ذلك ولم يرها ولا أرسل من رآها وليس من ~~الشرع ولا العادة أن توصف له في العقد كما توصف الاماء في السلم فان الله ~~صان الحرائر عن ذلك وأحب سترهن ولهذا نهيت المرأة أن تعقد نكاحا فاذا كن لا ~~يباشرن العقد فكيف يوصفن وأما الرجل فأمره ظاهر PageV29P355 يراه من يشاء ~~فليس فيه عيب يوجب الرد والمرأة اذا فرط الزوج فالطلاق بيده ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ابتاع عبدا بشرط الابراء من سائر العيوب خلا الاباق فلما ابتاعه ~~هرب عنه فما يلزم البائع ### ||||| فأجاب # ان كان مقرى بالاباق قبل البيع فهذا عيب يستحق الرد واذا كان ~~البائع قد كتم هذا العيب حتى أبق عند المشتري فان المشتري في أحد القولين ~~يطالبه بجميع الثمن كما هو مذهب مالك وأحمد في أحدى الروايتين عنه بل هو ~~المنصوص # PageV29P356 ### ||| 2 باب الخيار 2 ### |||| سئل رحمه الله # عن رجلين تبايعا عينا وشرطا لكل واحد منهما فسخ البيع وامضاءه في مدة ~~معتبرة شرعا فهل يعتبر الخيار في الامضاء والفسخ أو في ms8545 الفسخ دون الامضاء ~~ويكون ذكر الامضاء لغوا أولا يعتبران معا فان قيل ان ذكر الامضاء لغو فلا ~~كلام وان قيل انهما يعتبران ولكل من اللفظين أثر في الحكم فاذا اختار ~~أحدهما الامضاء والآخر الفسخ فهل القول قول من اختار الفسخ أو السابق منهما ~~أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اذا كان الأمر كما ذكر واختار أحدهما فسخ ~~البيع فله فسخه بدون رضى الآخر ولو سبق الآخر بالامضاء والامضاء المقرون ~~بالفسخ يقصد به ترك الفسخ اي لكل منهما أن يفسخه وان لا يفسخه فانه اذا لم ~~يفسخاه إلى انقضاء المدة لا يقصد به التزام الآخر بالعقد لان تفسيره بذلك ~~ينافي أن PageV29P357 يكون للآخر الفسخ وهو قد جعل لكل منهما الفسخ # وان اراد بامضائه امضاءه هو العقد بمعنى اسقاط حقه من الخيار كان ذلك ~~صحيحا ولكن اذا سقط خياره لم يسقط خيار الآخر ولكن المعنى المعروف في مثل ~~هذه العبارة ان لكل منهما أن يفسخه وأن لا يفسخه واذا لم يفسخه فقد أمضاه ~~ونظير هذا قوله تعالى @QB@ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ~~أو سرحوهن بمعروف @QE@ فان التسريح هو ترك الامساك بحيث لا يحبسها ولا ~~يحتاج التسريح إلى احداث طلاق كذلك امضاء العقد لا يحتاج إلى إحداث امضاء ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل أعطى نطعا لدلال يبيعه فنادى عليه الدلال فزاد نصف درهم فراح ~~الدلال إلى نائب الحسبة فقال له هذا صاحب النطع زاد فيه نصف درهم فطلبه ~~وقيل له ذلك فأنكر وحلف بالطلاق خوفا على نفسه وإزالة ما في صدور من سمعه ~~وانه حلف أنه ما فعله فهل يقع به الطلاق ### ||||| فأجاب # المالك اذا زاد في السلعة كان ظالما ناجشا وهو شر PageV29P358 من ~~التاجر الذي ليس بمالك وهو الذي يزيد في السلعة ولا يقصد شراءها # ولهذا لو نجش أجنبى لم يبطل البيع وأما البائع اذا ناجش أو واطأ من ينجش ~~ففي بطلان البيع قولان في مذهب أحمد وغيره ومثل هذا ينبغى تعزيره على أمرين ~~على نجشه وعلى حلفه بالطلاق ms8546 يمينا فاجرة وليس فعله المحرم عذرا له في ~~اليمين الفاجرة ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عمن يسوم السلعة بثمن كثير ويبيعها بأزيد من القيمة المعتادة وقد يكون ~~المشترى جاهلا بالقيمة هل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # أما اذا كان المشترى مسترسلا وهو الجاهل بقيمة المبيع لم يجز ~~للبائع أن يغبنه غبنا يخرج عن العادة بل عليه أن يبيعه بالقيمة المعتادة أو ~~قريب منها فان غبنه غبنا فاحشا فللمشترى الخيار في فسخ البيع وامضائه فقد ~~روي في الحديث ( غبن المسترسل ربا ( وثبت في الصحاح ( أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن تلقى الجلب حتى يهبط به السوق وأثبت الخيار للبائع اذا ~~هبط ( وذلك لأن البائع قبل أن يهبط السوق يكون جاهلا بقيمة السلع فنهى ~~النبى صلى الله عليه وسلم عن أن يخرج المشتري إليه ويبتاع منه لما في ذلك ~~من تغريره والتدليس وأثبت له الخيار اذا علم بحقيقة الحال PageV29P359 # فهكذا كل من كان جاهلا بالقيمة لا يجوز تغريره والتدليس عليه مثل أن يسام ~~سوما كثيرا خارجا عن العادة ليبذل ما يقارب ذلك بل يباع البيع المعروف غير ~~المنكر والله أعلم ### |||| وسئل # عن بيع المسترسل ### ||||| فأجاب # أما البيع فلا يجوز أن يباع المسترسل إلا بالسعر الذي يباع به غيره ~~لا يجوز لأحد استرسل إليه أن يغبن في الربح غبنا يخرج عن العادة وقد قدر ~~ذلك بعض العلماء بالثلث وبعضهم بالسدس وآخرون قالوا يرجع في ذلك إلى عادة ~~الناس فما جرت به عادتهم من الربح على المماكسين يربحونه على المسترسل # والمسترسل قد فسر بأنه الذي لا يماكس بل يقول خذ أعطنى وبأنه الجاهل ~~بقيمة المبيع فلا يغبن غبنا فاحشا لا هذا ولا هذا وفى الحديث ( غبن ~~المسترسل ربا ( # ومن علم منه أنه يغبنهم فانه يستحق العقوبة بل يمنع من الجلوس في سوق ~~المسلمين حتى يلتزم طاعة الله ورسوله وللمغبون أن يفسخ البيع فيرد السلعة ~~ويأخذ الثمن وإذا تاب هذا الغابن الظالم ولم يمكنه أن يرد إلى المظلومين ~~حقوقهم فليتصدق بمقدار ما ظلمهم به ms8547 وغبنهم PageV29P360 لتبرأ ذمته بذلك من ~~ذلك # و ( بيع المساومة ( اذا كان مع أهل الخبرة بالأسعار التى يشترون بها ~~السلع في غالب الأوقات فانه يباع غيرهم كما يباعون فلا يربح على المسترسل ~~أكثر من غيره وكذلك المضطر الذي لا يجد حاجته إلا عند هذا الشخص ينبغي أن ~~يربح عليه مثل ما يربح على غير المضطر فان في السنن ( أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن بيع المضطر ( ولو كانت الضرورة إلى ما لابد منه مثل لو ~~يضطر الناس إلى ما عنده من الطعام واللباس فانه يجب عليه أن لا يبيعهم إلا ~~بالقيمة المعروفة ولهم أن يأخذوا ذلك منه بالقيمة المعروفة بغير اختياره ~~ولا يعطوه زيادة على ذلك والله أعلم # وقال ### ||| فصل # وبيع المغشوش الذي يعرف قدر غشه إذا عرف المشتري بذلك ولم يدلسه على غيره ~~جائز كالمعاملة بدراهمنا المغشوشة وأما إذا كان قدره مجهولا كاللبن الذي ~~يخلط بالماء ولا يقدر قدر الماء فهذا منهي عنه وإن علم المشترى أنه مغشوش ~~PageV29P361 # ومن باع مغشوشا لم يحرم عليه من الثمن إلا مقدار ثمن الغش فعليه أن يعطيه ~~لصاحبه أو يتصدق به عنه ان تعذر رده مثل من يبيع معيبا مغشوشا بعشرة وقيمته ~~لو كان سالما عشرة وبالعيب قيمته ثمانية فعليه إن عرف المشتري أن يدفع إليه ~~الدرهمين ان اختار والا رد إليه المبيع وان لم يعرفه تصدق عنه بالدرهمين ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوم يعملون عبيا يدخلون فيه صوفا لا ينتفع به يسمونه ( السلاقة ( ~~فيخلطونه بمشاق الكتان تدليسا منهم ويبيعونه على أنه صوف جيد وربما عرفه ~~التاجر لكن التاجر يكتم ذلك على المشترى فما يجب على صانعه وهل يتجر فيه ~~ويكتمه عن مشتريه وما حكمه في نفس عمله وما يجب على من عمل ذلك من المسلمين ~~وما يجب على ولاة الأمور في ذلك اذا كانوا يخلطون المشاق في الصوف الأبيض ~~وقد نهوا عن ذلك غير مرة ويعودوا إليه ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس للصانع أن يصنع ذلك ولا للبائع أن يبيعه ms8548 ولو علم ~~المشتري أن فيه عيبا فان مقدار الغش غير معلوم وقد روي عن النبي صلي الله ~~عليه وسلم ( أنه نهى أن يشاب PageV29P362 اللبن بالماء للبيع ( بخلاف الشرب ~~فاذا خلط اللبن بالماء للشرب جاز وأما للبيع فلا ولو علم المشترى أنه مخلوط ~~بالماء لأن المشترى لا يعلم مقدار الخلط فيبقى البيع مجهولا وهو غرر وهكذا ~~كلما كان من المغشوش الذي لا يعلم قدر غشه فانه ينهي عن بيعه وعن عمله لمن ~~يبيعه وكذلك خلط المشاق بالصوف الأبيض وكل ما كان من الغش في المطاعم ~~والملابس وغير ذلك إذا لم يعلم مقدار الغش فانه ينهى عن ذلك # وقد أفتى طائفة من العلماء من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما أن من صنع مثل ~~هذا فانه يجوز أن يعاقب بتمزيق الثوب الذي غشه والتصدق بالطعام الذي غشه ~~كما شق النبي ظروف الخمر وكسر دنانها وكما أمر عمر وعلي رضي الله عنهما ~~بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر وقد نص عليه أحمد وغيره وكما أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر أن يحرق الثوبين المعصفرين رواه مسلم ~~في صحيحه وكما حرق موسى عليه السلام العجل ولم يعده إلى أهله وكما تكسر ~~آلات الملاهي ونظائر هذه متعددة وهي مبنية على أن العقوبات في الأموال تتبع ~~حيث جاءت بها الشريعة كالعقوبات بالأبدان # وادعى طائفة من العلماء أن ذلك منسوخ ولا حجة معهم بذلك أصلا فكما أن ~~البدن اذا قام به الفجور قد يتلف فالمال الذي قام PageV29P363 به صنعة ~~الفجور مثل الأصنام المنحوتة يجوز تكسيرها وتحريقها كما حرق النبى صلى الله ~~عليه وسلم الأصنام وكذلك من صنع صنعة محرمة من طعام أو لباس ونحو ذلك والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن دار لرجل باع ثلثها لزيد ثم باع الباقي لعمرو من ملكه الثلث والثلثين ~~بالوكالة عن زيد وتوفى زيد ومن حقوقها قناة ظهرت مستحقة النقل والازالة ~~بحكم تعدي ضررها للغير وتعذر الرد لاحداث زيادة كثيرة من البناء فهل يجب ~~أرش القناة على البائع لعمرو واذا وجب فهل ms8549 يطلب بأرش الحصة التى باعها ~~بالوكالة عن المشتري منه أم يختص الطلب بما باعه عن نفسه ### ||||| فأجاب # الأرش الواجب بسبب العيب في الثمن ان كان الثمن لم يقبضه المشتري ~~سقط من الثمن قدر الأرش وان كان قبضه للبائع أو وكيله فله أن يطالب البائع ~~بالأرش # ثم الوكيل أن ضمن عهدة المبيع أو لم يسم موكله في العقد فهو ضامن للارش ~~فيجوز مطالبته به وان سماه في العقد ولم يضمن العهدة فهل يكون ضامنا لذلك ~~على قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره والله أعلم PageV29P364 ### |||| وسئل قدس الله روحه ونور ضريحه # عن دار بين شخصين باعها احدهما عن نفسه وعن شريكه بالوكالة لشخص آخر ثم ~~إن المشترى بني فوق ما اشتراه بناء كبيرا ومن حقوقه قناة ملاصقة جدار تربة ~~فندت الجدار وسرت النداوة إلى القبر فرفع ملاك التربة المشترى للحسبة فشهدت ~~البينة أرباب الخبرة بتندية الجدار ووصول ذلك إلى القبر وان القناة محدثة ~~على الجدار وأنه ضرر يجب إزالتها من مكانها فالزم المشترى بنقلها فهل ما ~~أحدثه المشتري من البناء والهدم يمنع الرد أم لا واذا منع فهل يثبت الأرش ~~واذا ثبت فهل هو على الفور يسقط بتأخيره أم على التراخي فلا يسقط بالتأخير ~~وما الزم بهدمه وهدمه هل يسقط أرشه أم لا وان قيل أنه على الفور فأشهد على ~~نفسه بطلب الأرش ثم تصرف بعد ذلك الاشهاد فهل يسقط أم لا واذا كان له ذلك ~~فتكون المطالبة للوكيل بما باعه من ملكه وملك موكله أم ملكه فقط ### ||||| فأجاب # أما القناة اذا كانت محدثة حيث لا يجوز إحداثها فانه يلزم محدثها ~~بازالة ما لا يجوز احداثه والمشتري أن لم يعلم بذلك بل PageV29P365 اعتقد ~~أن هذا حق للملك لا يجوز إزالته فتبين الأمر بخلاف ذلك كان هذا عيبا # فاذا بنى في العقار قبل علمه بالعيب ثم علم أنه عيب فليس إلا الأرش دون ~~الرد في أحد قولي العلماء كأبي حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه وفى ~~الأخرى وهو قول مالك له الرد ايضا ms8550 ويكون شريكا للبائع بما احدثه من الزيادة ~~فيه ولا يلزم بالهدم مجانا لأنه بنى بحق # وخيار الرد بالعيب على التراخي عند جمهور العلماء كمالك وأبى حنيفة وأحمد ~~في ظاهر مذهبهما ولهما قول كمذهب الشافعي أنه على الفور فاذا ظهر ما يدل ~~على الرضا من قول أو فعل سقط خياره بالاتفاق فاذا بنى بعد علمه بالعيب سقط ~~خياره # وأما إذا اشهد بطلب الأرش استحقه كان له أن يطالب به بعد ذلك ولا يسقط ~~الأرش بتصرفه والبائع يطالب بالدرك من أرش أو رد فيما باعه من ملكه وأما ~~اذا باعه من ملك موكله فان كان لم يسمه في البيع طولب ايضا بدرك المبيع وان ~~كان سماه فهل يجوز مطالبته ويكون ضامنا لعهدة المبيع على قولين للعلماء هما ~~روايتان عن أحمد PageV29P366 # وأما ان كان المشتري الزم بالارش لأجل القناة المحدثة التى لا يجوز ~~احداثها فله أن يطالب البائع الغار له بأرش ما لزمه بغرره ### |||| وسئل رحمه الله # عن أناس يتعانون خروج المياه مثل ماء الورد وغيره ثم أنهم يأخذون حرقان ~~الورد وينقعونه ويستخرجوه عن العادة وكذلك الينوفر ينقعونه يابسا فهل يجوز ~~لهم أن يفعلوا ذلك ويبيعوه ### ||||| فأجاب # لا يجوز خلط الماء الأول بالماء الثانى لمن يريد بيعه ولو علم بذلك ~~المشترون كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى أن يشاب اللبن ~~بالماء للبيع ولا بأس به للشرب ( فان هذه المائعات اذا شيبت لم يعرف مقدار ~~ما يدخلها من الغش وعلى ولي الأمر عقوبة من يفعل ذلك وسلوك طريق يمتنعون ~~بها عن الغش PageV29P367 ### || 1 ( سؤال عن الكيمياء ) 1 ### |||| وسئل شيخ الاسلام # عن عمل ( الكيمياء ( هل تصح بالعقل أو تجوز بالشرع ### ||||| فأجاب # الحمد لله ما يصنعه بنو آدم من الذهب والفضة وغيرهما من أنواع ~~الجواهر والطيب وغير ذلك مما يشبهون به ما خلقه الله من ذلك مثل ما يصنعونه ~~من اللؤلؤ والياقوت والمسك والعنبر وماء الورد وغير ذلك فهذا كله ليس مثل ~~ما يخلقه الله من ذلك بل هو مشابه له من ms8551 بعض الوجوه ليس هو مساويا له في ~~الحد والحقيقة وذلك كله محرم في الشرع بلا نزاع بين علماء المسلمين الذين ~~يعلمون حقيقة ذلك # ومن زعم أن الذهب المصنوع مثل المخلوق فقوله باطل في العقل والدين # وحقيقة ( الكيمياء ( انما هي تشبيه المخلوق وهو باطل في العقل والله ~~تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله # فهو سبحانه لم يخلق شيئا يقدر العباد أن يصنعوا مثل ما خلق وما ~~PageV29P368 يصنعونه فهو لم يخلق لهم مثله فانه سبحانه اقدرهم على أن ~~يصنعوا طعاما مطبوخا ولباسا منسوجا وبيوتا مبنية وهو لم يخلق لهم مثل ما ~~يصنعونه من المطبوخات والمنسوجات والبيوت المبنية وما خلقه الله سبحانه من ~~أنواع الحيوان والنبات والمعدن كالانسان والفرس والحمار والأنعام والطير ~~والحيتان فان بنى آدم لا يقدرون أن يصنعوا مثل هذه الدواب وكذلك الحنطة ~~والشعير والباقلا واللوبيا والعدس والعنب والرطب وأنواع الحبوب والثمار لا ~~يستطيع الآدميون أن يصنعوا مثل ما يخلقه الله سبحانه وتعالى وانما يشبهونه ~~ببعض هذه الثمار كما قد يصنعون ما يشبه الحيوان حتى يصوروا الصورة كأنها ~~صورة حيوان # وكذلك المعادن كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص لا يستطيع بنو آدم ~~أن يصنعوا مثل ما يخلقه الله وانما غايتهم أن يشبهوا من بعض الوجوه فيصفرون ~~وينقلون مع اختلاف الحقائق ولهذا يقولون تعمل تصفيرة ويقولون نحن صباغون # وهذه ( القاعدة ( التى يدل عليها استقراء الوجود من أن المخلوق لا يكون ~~مصنوعا والمصنوع لا يكون مخلوقا هي ثابتة عند المسلمين وعند أوائل ~~المتفلسفة الذين تكلموا في الطبائع وتكلموا في الكيمياء وغيرها فان الله ~~قال في كتابه @QB@ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل ~~الله خالق كل شيء @QE@ PageV29P369 وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروى عن الله أنه قال ? < ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة ~~فليخلقوا بعوضة > ? # وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه لعن المصورين ( وقال ( من صور ~~صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ ( وقال ms8552 ? < ان أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة الذين يضاهون بخلق الله > ? وهذا التصوير ليس فيه تلبيس وغش فان كل ~~أحد يعلم أن صورة الحيوان المصورة ليست حيوانا # ولهذا يفرق في هذا التصوير بين الحيوان وغير الحيوان فيجوز تصوير صورة ~~الشجر والمعادن في الثياب والحيطان ونحو ذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال ( من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ ( ولهذا قال بن عباس ~~للمستفتى الذي استفتاه صور الشجر وما لا روح فيه وفى السنن عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أن جبريل قال له في الصورة ( مر بالرأس فليقطع ( ولهذا نص ~~الأئمة على ذلك وقالوا الصورة هي الرأس لا يبقى فيها روح فيبقى مثل ~~الجمادات وهذا التصوير ليس فيه غش ولا تلبيس فان كل أحد يفرق بين المصور ~~وبين المخلوق # وأما الكيمياء فانه يشبه فيها المصنوع بالمخلوق وقصد أهلها إما ~~PageV29P370 أن تجعل هذا كهذا فينفقونه ويعاملون به الناس وهذا من أعظم ~~الغش وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه مر برجل يبيع ~~طعاما فأدخل يده فيه فوجده مبلولا فقال ما هذا يا صاحب الطعام فقال يا رسول ~~الله أصابته السماء يعنى المطر فقال هلا وضعت هذا على وجهه من غشنا فليس ~~منا ( وقوله ( من غشنا فليس منا ( كلمة جامعة في كل غاش # وأهل الكيمياء من أعظم الناس غشا ولهذا لا يظهرون للناس اذا عاملوهم أن ~~هذا من الكيمياء ولو أظهروا للناس ذلك لم يشتروه منهم إلا من يريد غشهم وقد ~~قال الأئمة أنه لا يجوز بيع المغشوش الذي لا يعلم مقدار غشه وان بين ~~للمشتري أنه مغشوش وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن أن ~~يشاب اللبن بالماء للبيع وأرخص في ذلك للشرب ( وبيع المغشوش لمن لا يتبين ~~له أنه مغشوش حرام بالاجماع والكيمياء لا يعلم مقدار الغش فيها فلا يجوز ~~عملها ولا بيعها بحال # مع أن الناس اذا علموا أن الذهب والفضة من الكيمياء لم يشتروه ولو قيل ms8553 ~~لهم أنه يثبت على الروباص أو غير ذلك بل القلوب مفطورة على إنكار ذلك ~~والولاة ينكرون على من يجدونه يعمل ذلك ولو كان أحدهم ممن يعمل ذلك في ~~الباطن فيحتاج أن ينكره في الظاهر PageV29P371 لأنه منكر في فطر الآدميين ~~ولا تجد من يعاني ذلك إلا مستخفيا بذلك أو مستعينا بذي جاه وعلى أصحابه من ~~الذلة والصغار وسواد الوجوه ما علي أهل الفرية والكذب والتدليس كما قال ~~تعالى @QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ قال أبو قلابة هي لكل مفتر من هذه الأمة ~~إلى يوم القيامة وهؤلاء أهل فرية وغش وتدليس في الدين وكلاهما من المفترين # وأما القدماء فقد قالوا إن الصناعة لا تعمل عمل الطبيعة وأخبروا أن ~~المصنوع لا يكون كالمطبوع ولهذا كان المصنفون منهم في الكيمياء اذا حققوا ~~قالوا لما كان المقصود بها انما هو التشبيه فالطريق في التشبيه كذا وكذا ~~فيسلكون الطرق التى يحصل بها التشبيه وهي مع تنوعها وكثرتها ووصول جماعات ~~اليها واتفاقهم فيها عسرة على اكثر الخلق كثيرة الآفات والمنقطع عن الوصول ~~أضعاف الواصلين مع كثرتهم فجماهير من يطلب الكيمياء لا يصل إلى المصنوع ~~الذي هو مغشوش باطل طبعا محرم شرعا بل هم يطلبون الباطل الحرام ويتمنوه ~~ويتحاكون فيه الحكايات ويطالعون فيه المصنفات وينشدون فيه الأشعار ولا ~~يصلون إلى حقيقة الكيمياء وهو المغشوش بمنزلة أتباع المنتظر الذي في ~~السرداب واتباع رجال الغيب الذين لا يراهم PageV29P372 أحد من الناس وامثال ~~هؤلاء الذين يطلبون ما لا حقيقة له معتقدين وجوده ويموتون وهم لم يصلوا ~~إليه وان وصلوا إلى من يدعى لقاءه من الكذابين # وكذلك طلاب الكيمياء الذين يقال لهم ( الحدبان ( لكثرة انحنائهم على ~~النفخ في الكير اكثرهم لا يصلون إلى الحرام ولا ينالون المغشوش واما خواصهم ~~فيصلون إلى الكيمياء وهي محرمة باطلة لكنها على مراتب # منها ما يستحيل بعد بضع سنين ومنها ما يستحيل بعد ذلك لكن المصنوع يستحيل ~~ويفسد ولو بعد حين بخلاف الذهب المعدنى المخلوق فانه لا ms8554 يفسد ولا يستحيل # ولهذا ذكروا أن محمد بن زكريا الرازي المتطبب وكان من المصححين للكيمياء ~~عمل ذهبا وباعه للنصارى فلما وصلوا إلى بلادهم استحال فردوه عليه ولا أعلم ~~في الأطباء من كان أبلغ في صناعة الكيمياء منه وأما الفلاسفة الذين هم أحذق ~~في الفلسفة منه مثل يعقوب بن إسحاق الكندي وغيره فانهم أبطلوا الكيمياء ~~وبينوا فسادها وبينوا الحيل الكيماوية # ولم يكن في أهل الكيمياء أحد من الأنبياء ولا من علماء الدين ولا من ~~مشايخ المسلمين ولا من الصحابة ولا من التابعين لهم PageV29P373 باحسان ~~واقدم من رأينا ويحكى عنه شيء في الكيمياء خالد بن يزيد بن معاوية وليس هو ~~ممن يقتدي به المسلمون في دينهم ولا يرجعون إلى رأية فان ثبت النقل عنه فقد ~~دلس عليه كما دلس على غيره # وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية فمجهول لا يعرف ~~وليس له ذكر بين أهل العلم ولا بين أهل الدين وهؤلاء لا يعدون أحد أمرين ~~اما أن يعتقد أن الذهب المصنوع كالمعدنى جهلا وضلالا كما ظنه غيرهم وأما ان ~~يكون علم أنه ليس مثله ولكنه لبس ودلس فما اكثر من يتحلى بصناعة الكيمياء ~~لما في النفوس من محبة الذهب والفضة حتى يقول قائلهم لو غنى بها مغن لرقص ~~الكون وعامتهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ويظهرون ~~للطماع انهم يعملون الكيمياء حتى يأكلوا ماله ويفسدوا حاله وحكاياتهم في ~~هذا الباب عند الناس اشهر من أن تحتاج إلى نقل مستقر تدل على أن أهل ~~الكيمياء يعاقبون بنقيض قصدهم فتذهب أموالهم حيث طلبوا زيادة المال بما ~~حرمه الله بنقص الاموال كما قال الله تعالى @QB@ يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات @QE@ # والكيمياء أشد تحريما من الربا قال القاضي أبو يوسف من طلب المال ~~بالكيمياء أفلس ومن طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب غرائب الحديث كذب ~~ويروي هذا الكلام عن مالك والشافعي PageV29P374 رضى الله عنهم أجمعين # وقد قال لي رأس من رؤوسهم لما نهيته عنها وبينت له فسادها وتحريمها ولما ~~ظهرت عليه ms8555 الحجة أخذ يستعفى عن المناظرة ويذكر أنه منقطع بالجدال وقال فيما ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم كان يعرف الكيمياء فقلت له كذب بل هو مستلزم ~~للكفر فان الله قال في كتابه @QB@ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت ~~لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون @QE@ وهذه الآية نزلت بالاجماع في غزوة تبوك وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد حض فيها الناس على الصدقة حتى جاء رجل بناقة مخطومة مزمومة ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( لك بها سبعمائة ناقة مخطومة مزمومة ( ~~وجاء أبو عقيل بصاع فطعن فيه بعض المنافقين وقال فيها كان الله غنيا عن صاع ~~هذا وجاء آخر بصرة كادت يده تعجز عن حملها فقالوا هذا مرائى فأنزل الله ~~تعالى @QB@ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون ~~إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم @QE@ وجاء عثمان بن ~~عفان بالف ناقة فاعوزت خمسين فكملها بخمسين فرس فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ( وصارت هذه من مناقبه المشهورة فيقال ~~مجهز جيش العسرة PageV29P375 # وقد قال الله @QB@ ليس على الضعفاء ولا على المرضى @QE@ إلى قوله @QB@ ~~ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون @QE@ وقد قيل أنهم طلبوا ~~أن يحملهم على النعال وسواء أريد بالنعال النعال التى تلبس أو الدواب التى ~~تركب فقد أخبر الله عن نبيه أنه قال لهم ( لا أجد ما أحملكم عليه ( وقد كان ~~هو يحض الناس على الانفاق غاية الحض فلو كانت الكيمياء حقا مباحا وهو ~~يعلمها لكان من الواجب أن يعمل منها ما يجهز به الجيش فان ما لا يتم الواجب ~~الا به فهو واجب ومن نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقد نسبه إلى ما ~~نزهه الله عنه # وايضا فان علماء الامة لم يوجب أحد منهم ms8556 في الكيمياء حقا لا خمسا ولا ~~زكاة ولا غير ذلك وقد اتفقوا على أن في الركاز الخمس كما ثبت ذلك في الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم والركاز الذي لا ريب فيه هو دفن ~~الجاهلية وهي الكنوز المدفونة في الأرض كالمعادن فاهل الحجاز لا يجعلونها ~~من الركاز وهو مذهب أحمد وغيره وأهل العراق يجعلونها من الركاز ومن العلماء ~~من يفرق بين أن يوجد المال جملة وبين أن لا يوجد وللشافعي فيها أقوال ~~معروفة وجمهور العلماء يوجبون في المعدن حقا اما الزكاة وأما الخمس ~~PageV29P376 و لو كانت الكيمياء حقا حلالا لكان الواجب فيها أعظم من الخمس ~~واعظم من الزكاة فانها ذهب عظيم بسعي يسير أيسر من استخراج المعادن والركاز ~~لكن هي عند علماء الدين من الغش الباطل المحرم الذي لا يحل عمله ولا اتخاذه ~~مالا فضلا عن أن يوجبوا فيها ما يجب في المال الحلال # وقال لي المخاطب فيها فان موسى صلى الله عليه وسلم كان يعمل الكيمياء قلت ~~له هذا كذب لم ينقل هذا عن موسى أحد من علماء المسلمين ولا علماء اهل ~~الكتاب بل قد ذكروا عنهم أن موسى كان له عليهم حق يأكل منه ولو كان يعمل ~~الكيمياء لكان يأكل منها # قال فان قارون كان يعمل الكيمياء قلت وهذا أيضا باطل فانه لم يقله عالم ~~معروف وانما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمن لا يسمى وفى تفسير الثعلبى ~~الغث والسمين فانه حاطب ليل ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك ~~اختصاص فان الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون والله سبحانه قال @QB@ ~~وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة @QE@ فأخبر أنه ~~آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولى القوة والكنوز اما أن يكون ~~هو كنزها كما قال @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة @QE@ الآية PageV29P377 ~~و اما أن يكون اطلع على كنائز مدفونة وهو الركاز وهذا لا ريب أنه موجود # ثم أنه مات هذا الرجل وكان خطيبا بجامع فلم يشهد جنازته ms8557 من جيرانه وغيرهم ~~من المسلمين الا أقل من عشرة وكان يعانى السحر والسيميا وكان يشتري كتبا ~~كثيرة من كتب العلم فشهدت بيع كتبه لذلك فقام المنادى ينادى على ( كتب ~~الصنعة ( وكانت كثيرة يعنى كتب الكيمياء فانهم يقولون هي علم الحجر المكرم ~~وهي علم الحكمة ويعرفونها بأنواع من العبارات وكان المتولى لذلك من أهل ~~السيف والديوان شهودا فقلت لولي الأمر لا يحل بيع هذه الكتب فان الناس ~~يشترونها فيعملون بما فيها فيقولون هؤلاء ( زغلية ( فيقطعون أيديهم واذا ~~بعتم هذه الكتب تكونون قد مكنتموهم من ذلك وأمرت المنادي فألقاها ببركة ~~كانت هناك فألقيت حتى أفسدها الماء ولم يبق يعرف ما فيها # ومما يوضح ذلك أن الكيمياء لم يعملها رجل له في الأمة لسان صدق لا عالم ~~متبع ولا شيخ يقتدى به ولا ملك عادل ولا وزير ناصح وانما يفعلها شيخ ضال ~~مبطل مثل بن سبعين وأمثاله أو مثل بنى عبيد أو ملك ظالم أو رجل فاجر وان ~~التبس أمرها على بعض أهل العقل والدين فغالبهم ينكشف لهم أمرها في الآخر ~~ولا PageV29P378 يستطيعون عملها صيانة من الله لهم لحسن قصدهم وما أعلم أن ~~رجلا من خيار المسلمين انفق منها أو أكل منها # وما يذكره بعض الناس أن أولياء الله يعملون بها فهذا لا يعدو ما يقوله ~~أحد أمرين إما أن يكون كاذبا واما أن يكون قد ظن من يعملها أنه من أولياء ~~الله المخصوصين بمثل هذه الكرامة فهذا جهل فان الكيمياء يعملها المشرك ~~واليهودي والنصرانى والفاجر والمبتدع لا يختص بها أولياء الله بل لا يعرف ~~ولي ثابت الولاية يعملها ومن ذكرها ممن يدعي أنه من الأولياء مثل صاحب ( ~~الفصوص ( وأمثال هؤلاء فهؤلاء في كلامهم في الدين من الخطأ والضلال أعظم ~~مما في كلامهم في الكيمياء فاذا كان كلامهم في التوحيد والنبوة واليوم ~~الآخر فيه من الضلال ما هو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله واجماع المسلمين بل ~~ما لم يقله اليهود والنصارى فكيف يكون كلامهم في الكيمياء # ثم من اغتر بما ذكره صاحب ( كتاب ms8558 السعادة ( فيه وفي ( كتاب جواهر القرآن ~~( وأمثالهما من الكتب ففي هذه الكتب من الكلام المردود والمخالف للكتاب ~~والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها ما لا يخفى على عالم بذلك وقد رد علماء ~~المسلمين ما في هذه الكتب من أقوال المتفلسفة واشباهها من الضلال المخالف ~~للكتاب والسنة ومن الناس من يطعن في نقل هذه الكتب عمن أضيفت إليه ويقول ~~أنه كذب PageV29P379 عليه في نسبة هذه الكتب إليه ومنهم من يقول بل قد رجع ~~عن ذلك فانه قد ثبت عنه في غير موضع نقيض ما يقوله في هذه الكتب ومات على ~~مطالعة البخاري ومسلم # نعم خرق العادات للأولياء جائز مثل أن يصير النبات ذهبا وذلك مما لا يكون ~~طريقه طريق الكيمياء المعمولة بالمعالجات الطبيعية وبين هذين من الفرق ما ~~بين عصا موسى وعصي السحرة فان تلك كانت حية تسعى وتلك يخيل إليه من سحرهم ~~انها تسعى # وبالجملة فاذا كان طائفة من المنتسبين إلى العلم والعبادة اعتقدوا أن علم ~~الكيمياء حق وحلال فهذا لا يفيد شيئا فان قول طائفة من العلماء والعباد ~~خالفهم من هو اكبر منهم واجل عند الأمة لا يحتج به إلا أحمق فانه ان كان ~~التقليد حجة فتقليد الأكبر الأعلم الأعبد أولى وان لم يكن حجة لم ينفعه ~~ذكره لهؤلاء وعلي التقديرين فلا يفيد هذا شيئا ويكفيه ان خيار هذه الأمة من ~~القرون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم لم ~~يدخلوا في شيء من هذا اذ لو كانت حلالا لدخلوا فيها كما دخلوا في سائر ~~المباحات فانهم كانوا يكتسبون الأموال بالوجوه واكتساب المال مع انفاقه في ~~طاعة الله عمل صالح وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( على كل مسلم صدقة قالوا فمن لم يجد قال PageV29P380 يعمل بيده فينفع نفسه ~~ويتصدق قالوا فان لم يستطع قال يعين صانعا أو يصنع لأخرق قالوا فان لم ~~يستطع قال يكف نفسه عن الشر فانها صدقة يتصدق بها على نفسه ( # ومما يوضح الأمر في ms8559 ذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الأشياء أجناسا ~~وأصنافا وأنواعا تشترك في شيء ويمتاز بعضها عن بعض بشيء كما أن الدواب ~~تشترك في أنها تحس وتتحرك بالارادة فهذا لازم لها كلها ولهذا قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( أصدق الأسماء حارث وهمام ( إذ كل انسان لابد له من حرث ~~وهو كسبه وعمله ولا بد له من هم هو مبدأ إرادته ويمتاز بعض الدواب عن بعض ~~بما يفصل بينه وبين غيره فهذه الخواص الفاصلة مختصة كما أن الصفات المشتركة ~~عامة وهذا كالنطق للانسان والصهيل للفرس والرغاء للبعير والنهيق للحمار ~~وأمثال ذلك # وكذلك النباتات تشترك مع الدواب في أنها تنمي وتغذي ولكن ليس للنبات حس ~~ولا إرادة تتحرك بها والمعدن مشارك في بعض ذلك وقد علم أن هذه الأصناف التى ~~تسمى الأنواع التى يفضل بعضها عن بعض بهذه الخواص الفاضلة اذا تقومت بهذه ~~الفضول الخواص لم يكن لبشر أن يجعلها من انواع اخر ولا أن يجعل ذلك الفضل ~~ويلبسها فضلا آخر فلا يمكنه أن يجعل الحنطة شعيرا ولا PageV29P381 الفرس ~~حمارا ولا الحمار ثورا وكذلك لا يمكنه أن يجعل الفضة ذهبا ولا النحاس فضة ~~وأمثال ذلك وانما غايته يشبه وجوده ويدلس # ومن زعم من الكيماوية أن الفضة ذهب لم يستكمل نضجه فقد كذب بل لهذا معدن ~~ولهذا معدن كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه قيل له اي ~~الناس اكرم فقال أتقاهم فقالوا لسنا نسألك عن هذا فقال يوسف نبى الله بن ~~يعقوب نبي الله بن إسحاق نبي الله بن إبراهيم خليل الله فقالوا لسنا نسألك ~~عن هذا فقال أفعن معادن العرب تسألوني الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ( ~~فكما أن قريشا ليس أصلها أصل تميم وعدنان ليس أصلها أصل قحطان والعرب ليس ~~أصلها أصل العجم فكذلك ليس أصل الذهب أصل الفضة ولا أصل الفضة أصل الذهب ~~وان قدر أن معدن الذهب يكون فيه فضة كما يكون في معدن الفضة نحاس فكذلك خبث ~~المعادن # ومعلوم أن المستخرج من المعدن لابد ms8560 من تصفيته من خبثه والناس يعلمون ما ~~شاء الله من معادن الفضة لا يخرج منها ذهب ولو كانت الفضة إذا اكمل طبخها ~~صارت ذهبا لكان يخرج من معادن الفضة ذهب # إلا أن يقال ليس من طبيعة ذلك المعدن حرارة طبخها فيقال هذا أيضا مما ~~يبطل قول الكيماوية وذلك ان الله سبحانه يخلق PageV29P382 الذهب في معادن ~~بحرارة ورطوبة ويخلقها في المعدن كما يخلق الأجنة في بطون الأرحام وكما ~~يخلق في الحرث من الأشجار والزرع بحرارة يخلقها وما يخلق به من الحرارة ~~التى أودعها في تلك الأجسام لا تقوم مقامه حرارة النار التى نصنعها نحن # وبالجملة فاستقراء هذين الأصلين أن المخلوق لا يكون مصنوعا والمصنوع لا ~~يكون مخلوقا وان الأنواع المفضلة بخواصها لا يمكن أن ينقل منها نوع إلى نوع ~~آخر يظهر ذلك بالعقل والدلالة الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة والاجماع ~~أيضا في ذلك ثم ما فطر الله عليه عباده وسوي بين بلاده من انكار ذلك وعقوبة ~~فاعليه في الجملة ظاهر وان فعله بعضهم باطنا # ثم أن الذين يصنعون الكيمياء ويدعون أنها حق حلال لو بيع لأحدهم ذهب وقيل ~~له هو من عمل الكيمياء لم يشتره كما يشترى المعدني وان صنع به كما يصنع ~~بذهبه الذي يعلمه من الاعتبار بل قد جبلت قلوب الناس على أن من فعل هذا ~~نسبوه إلى الغش والزغل والتمويه والناس شهداء الله في الأرض # وايضا فان فضلاء أهل ( الكيمياء ( يضمون اليها الذي يسمونه السيميا كما ~~كان يصنع بن سبعين والسهروردي المقتول والحلاج PageV29P383 و أمثالهم وقد ~~علم أنه محرم بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة بل أكثر العلماء على أن ~~الساحر كافر يجب قتله وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ~~وحفصة بنت عمر وعبد الله بن عمر وجندب بن عبد الله وروي ذلك مرفوعا عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى @QB@ ولا يفلح الساحر حيث أتى ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان ولكن ms8561 الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل ~~هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون ~~منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون @QE@ # فبين سبحانه أن طلاب السحر يعلمون أن صاحبه ما له في الآخرة من خلاق أي ~~من نصيب ولكن يطلبون به الدنيا من الرئاسة والمال @QB@ ولو أنهم آمنوا ~~واتقوا @QE@ لحصل لهم من ثواب الله في الدنيا والآخرة ما هو خير لهم مما ~~يطلبونه # ولهذا تجد الذين يدخلون في السحر ودعوة الكواكب PageV29P384 و تسبيحاتها ~~فيخاطبونها ويسجدون لها انما مطلوب أحدهم المال والرئاسة فيكفر ويشرك بالله ~~لأجل ما يتوهمه من حصول رئاسة ومال ولا يحصل له إلا ما يضره ولا ينفعه كما ~~يدل عليه استقراء أحوال العالم # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه عد من الكبائر ~~الاشراك بالله والسحر وقتل النفس والربا والفرار من الزحف وقذف المحصنات ~~الغافلات المؤمنات وغير ذلك من أنواع السحر وأصنافه متنوعة # وانما المقصود هنا انك تجد ( السيميا ( التى هي من السحر كثيرا ما تقترن ~~بالكيمياء ومعلوم بالاضطرار من دين الاسلام أن السحر من أعظم المحرمات فاذا ~~كانت الكيمياء تقرن به كثيرا ولا تقترن بأهل العلم والايمان علم أنها ليست ~~من أعمال أهل العلم والايمان بل من أعمال أهل الكفر والفسوق والعصيان وهذا ~~كله فيمن وصل إلى الكيمياء وعملها وقدر على أن ينفق منها ولا ينكر عليه ~~واكثر الطالبين لها لم يوصلوا إلى ذلك ولم يقدروا عليه ومن وصل منهم إلى ~~ذلك مرة تعذر عليه في غالب الأوقات مع حصول المفسدات # ومن استقرأ أحوال طالبيها وجد تحقيق ما قاله الأئمة حيث قالوا ~~PageV29P385 من طلب المال بالكيمياء افلس ومن طلب العلم بالكلام تزندق ومن ~~طلب غرائب الحديث كذب وكم انفقوا فيها من ms8562 الأموال وكم صحبوا بها من الرجال ~~وكم أكثروا فيها من القيل والقال وكم علقوا بها الأطماع والآمال وكم سهروا ~~فيها من الليالي ولم يظفروا الا بخسارة الدنيا والدين ونقص العقل والعلم ~~ونصب العرض والذل والصغار والحاجة والاقتار وكثرة الهموم والأحزان وصحبة ~~شرار الأقران والاشتغال عما ينفعهم في المعاش والمعاد والاعراض عما ينفع في ~~الآخرة من الزاد # لا سيما وهي كثيرا ما تقود أصحابها إلى أنواع المعاصي والفسوق اذ طالبها ~~يبغيها بغية العاشق للمعشوق بل قد تؤول إلى الكفر بالرحمن والاعراض عن ~~الايمان والقرآن والدخول في أضاليل المشركين وعباد الأوثان وهو خسارة ~~الدنيا والدين لم يحصل الا على طمع كاذب كالبرق الخالب والسراب الذي @QB@ ~~يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ~~والله سريع الحساب @QE@ فهم في ذلك بمنزلة من يظن في أهل الكفر من القسيسين ~~والرهبان أنهم من عباد الله أهل الايمان أو من يظن في أهل البدع والكذب ~~والتلبيس أنهم من أولياء الله الذين @QB@ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل ~~لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم @QE@ PageV29P386 بل كثير منهم يظن في ~~المتنبئ الكذاب كمسيلمة والعنسي ونحوهما أنهم بمنزلة الأنبياء الصادقين ~~كابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين واشتباه الحق بالباطل ~~واشتباه النبي بالمتنبئ والمتكلم بعلم بالمتكلم بجهل والولى الصادق ~~بالمرائى الكاذب هو كاشتباه الذهب المعدني بالذهب المصنوع وقد فرق الله بين ~~الحق والباطل وانما اهتدى للفرق التام اهل العلم والايمان من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذين قال الله فيهم @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # وهي الأمة الوسط الذين هم شهداء الله في الأرض ms8563 على خلقه في الحق وهم ~~الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر جعلنا الله وسائر اخواننا من ~~اتباعهم والمقتدين بهم وحشرنا في زمرتهم بمنه وفضله # ومن أعظم حجج ( الكيماوية ( استدلالهم بالزجاج قالوا PageV29P387 فان ~~الزجاج معمول من الرمل والحصى ونحو ذلك فقاسوا على ذلك ما يعملونه من ~~الكيمياء وهذه حجة فاسدة فان الله سبحانه وتعالى يخلق للناس زجاجا لا في ~~معدن ولا في غيره وانما الزجاج من قسم المصنوعات كالآجر والفخار ونحوهما ~~مما يطبخ في النار وقد تقدم أن الله سبحانه وتعالى جعل لبنى آدم قدرة على ~~أن يعملوا أنواعا من المطاعم والملابس والمساكن وكذلك جعل لهم قدرة على ما ~~يصنعونه من الآنية من الفخار والزجاج ونحو ذلك ولم يخلق لهم سبيلا على أن ~~يصنعوا مثل ما خلق الله # واذا تبين أن الزجاج من قسم المصنوعات دون المخلوقات ليس فيه ما يشتبه ~~المصنوع بالمخلوق بطلت حجة الكيمياء # فان اصل المخلوقات التى خلقها الله لا يمكن البشر أن يصنعوا مثلها ولا ~~يمكنهم نقل نوع مخلوق من الحيوان والنبات والمعدن إلى نوع آخر مخلوق وهذا ~~مطرد لا ينقض والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل باع ملكا وعقارا ثم خرج مستحقا فهل يحاسب المشتري بالثمن من اجرة ~~المبيع اذا كان له اجرة وهل يتوقف استحقاق PageV29P388 الاجرة على انتفاع ~~المشتري بالبيع أم لا وهل يرجع المشتري على البائع بما يجب عليه في الشرع ~~من الأجرة للمبيع مدة مقامه في يده أو بالثمن الذي دفعه ### ||||| فأجاب # اذا كان المشتري عالما بالغصب فهو ظالم ضامن للمنفعة سواء انتفع ~~بها أو لم ينتفع وان لم يعلم فقرار الضمان على البائع الظالم واذا انتزع ~~المبيع من يد المشتري فله أن يطالب بالثمن الذي قبضه وان أخذ منه الاجرة ~~وهو مغرور رجع بها على البائع الغار والله أعلم ### |||| وسئل # عمن يقول ان ( السيميا ( و ( الكيمياء ( علمان من علوم الأنبياء ~~والأولياء ويروى بعضهم في الكيمياء وهو الفضة الخدماء أو المخدمة من أسفاها ~~أكل الحلال ( ونحو ذلك ### ||||| فأجاب # أما من قال أن ms8564 ( السيميا والكيمياء ( من علوم الأنبياء والأولياء ~~فكاذب مفتر لم يعرف عن نبى من الأنبياء أنه تكلم لا في هذا ولا في هذا ولا ~~عن ولي مقبول عند الامة # أما ( السيميا ( فانها من السحر @QB@ ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ ~~PageV29P389 # ولا ريب ان السحرة قد يشتبهون بالأنبياء والأولياء ويأتون ما يظن أن ~~يضاهي ما تأتى به الأنبياء كما أتى سحرة فرعون بما يضاهون به معجزة موسى ~~@QB@ فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون @QE@ إلى قوله @QB@ ساجدين ~~@QE@ # وأما ( الكيمياء ( فهو المشبه بالذهب والفضة المخلوقين والكيمياء لا تختص ~~بهذين بل تصنع كيمياء الجواهر كاللؤلؤ والزبرجد وكيمياء المشمومات كالمسك ~~والعنبر والورد وكيمياء المطعومات وهي باطلة طبعا محرمة شرعا فانه قد ثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من غشنا فليس منا ( # ( والكيمياء ( من الغش فان الله لم يخلق شيئا الا بقدر والخلق لا يصنعون ~~مثل ما خلق الله تعالى قال الله تعالى @QB@ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ~~@QE@ وفى الحديث الصحيح يقول الله تعالى ? < ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى ~~فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة > ? # والفلاسفة يقولون إن الصناعة لا تعمل عمل الطبيعة يعني أن المصنوع من ~~الذهب والفضة وغيرهما لا يكون مثل المطبوع الذي خلق بالقوة الطبيعية ~~السارية في الأجسام ولهذا لا يوجد من المخلوقات ما صنع الخلق مثله وما ~~يصنعه الخلق لم يخلق لهم مثله فهم يطحنون PageV29P390 الطعام وينسجون ~~الثياب ويبنون البيوت ولم يخلق لهم مثل ذلك # وكذلك الزجاج يصنعونه من الرمل والحصى ولم يخلق مثله وهذا مما احتج به ~~الكيماوية على صحة الكيمياء وهي حجة باطلة لما ذكر فانه لو خلق زجاج وصنع ~~زجاج مثله لكان في هذا حجة وليس الأمر كذلك # وجماهير العقلاء من الأولين والآخرين الذين تكلموا بعلم في هذا الباب ~~يعلمون أن الكيمياء مشبه وان الذهب المخلوق من المعادن ما يمكن أن يصنع ~~مثله بل ولا يصنع وكل ينكشف قريبا أو بعيدا ولكن منه ما هو شديد الشبه ومنه ~~ما هو أبعد شبها منه ms8565 وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع ### |||| وسئل # عن رجل اشترى عبدا سليما من العيب ثم باعه كذلك فسرق العبد من المشتري ~~الثاني مبلغا وأبق فهل يرجع بالثمن على البائع الأول أو الثاني أو بالأرش ~~أم لا ### ||||| فأجاب # للمشتري أن يطالب بالأرش بلا نزاع بين العلماء ومعنى PageV29P391 ~~ذلك أن يقوم العبد ولا عيب فيه ويقوم وبه هذان العيبان فما نقص من القيمة ~~نقص من الثمن بحسابه فاذا كانت قيمته سليما أربعمائة وقيمته معيبا مائتان ~~حط عنه نصف الثمن # وهل يرجع بالثمن كله على السيد الذي دلس العيب فهذا فيه نزاع مشهور بين ~~العلماء فمذهب مالك وأحمد في أنص الروايتين عنه أنه يرجع عليه بالثمن كله ~~وقد ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد في القول الآخر يرجع عليه بذلك ### |||| وسئل # عن رجل اشترى جارية فبانت عاشقة في سيدها الذي باعها وباعها الثاني لثالث ~~فهل للثالث أن يردها على الثانى وهل يردها الثاني على الأول أم لا ### ||||| فأجاب # نعم هذا عيب ينقص القيمة في العادة نقصا بينا فاذا ثبت ولم يعلم به ~~المشتري كان له أن يردها على بائعه المشتري الثاني واذا كان المشتري الثانى ~~لم يعلم العيب فله أن يردها على البائع الأول والله أعلم PageV29P392 ### |||| وسئل # عن رجل اشترى جارية صحيحة سالمة فهربت من يوم ابتاعها من غير ضرب ولا ~~إجحاف فهل للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن قبل حضور الجارية وو جودها أم ~~لا ### ||||| فاجاب # الحمد لله ان كانت الجارية معروفة بالاباق قبل ذلك وكتم البائع هذا ~~العيب وأبقت عند المشتري فللمشتري أن يطالب البائع بالثمن في أصح قولي ~~العلماء كما هو مذهب مالك وأحمد في المنصوص عنه من القولين وفى القول الآخر ~~يطالب بالأرش # وان لم تكن أبقت قبل ذلك ولكن أبقت بسبب ما فعل بها المشتري فلا شيء على ~~البائع واذا حدث به عيب إباق أو غيره بعد القبض فلا رد له عند ابى حنيفة ~~والشافعي وأحمد وأما مالك فيقول له الرد بذلك إلى تمام ثلاثة أيام ms8566 وما بعد ~~ذلك إلى سنة وله الرد بالجنون والجذام والبرص والله أعلم PageV29P393 ### |||| وسئل # عن دابة لم يعلم أحد المتبايعين بها عيبا فمكثت عنده مقدار شهر ثم وجد ~~بها عيبا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا ظهر بها عيب قديم قبل البيع ولم يكن علم به فله أن ~~يردها بذلك العيب ما لم يظهر منه ما يدل على الرضا به ### |||| وسئل # عن رجل باع قمحا فبذره فتلف فطلب المشتري من البائع خراج الأرض فهل يجب ~~على البائع ذلك وهل للمشتري أن يطالبه بذلك وإذا ادعى المشتري أن العيب كان ~~من البائع ### ||||| فأجاب # اذا باعه وسلم إليه المبيع ثم تلف بعد ذلك عند المشترى أو بذره ~~المشترى فتلف فلا ضمان على البائع بل يستحق جميع الثمن إلا أن يكون به عيب ~~أو تدليس ونحو ذلك PageV29P394 # وان ادعي المشتري أن تلفه بسبب عيب كان فيه وكان ذلك القمح قد اشترى منه ~~غير هذا المشتري وشهدوا أنه سليم من العيب لم يقبل قول المشتري وان لم يكن ~~للبائع بينة فالقول قوله مع يمينه إذا لم يقم المشتري بينة # وأيضا فاذا قال أهل الخبرة أن المعيب لا ينبت النبات المعتاد وهذا قد نبت ~~النبات المعتاد ثم هاف كان حجة للبائع ### |||| وسئل # عن رجل باع زوجته دارا بيع أمانة بأربعمائة درهم وقد استوفت الدراهم من ~~الاجرة فهل يجوز لها أخذ شيء آخر وقد أخذت الأربعمائة فهل يحرم عليها ### ||||| فأجاب # الحمد لله وحده المقصود بهذا وأمثاله ان يعطيه المال ويستغل العقار ~~عن منفعة المال فما دام المال في ذمة الآخذ فانه يستغل العقار واذا رد عليه ~~المال أخذ العقار وهذا على هذا الوجه لا يجوز باتفاق المسلمين وان قصدا ذلك ~~وأظهرا صورة بيع لم يجز على أصح قولي العلماء أيضا # ومن صحح ذلك فلا بد أن يكون بيعه شرعيا فاذا شرط أنه PageV29P395 اذا جاء ~~بالثمن أعاد إليه العقار كان هذا بيعا باطلا والشرط المتقدم على العقد ~~كالمقارن له في أصح قولي العلماء # وحينئذ فما حصل للمرأة من الأجرة بعد ms8567 أن علمت التحريم تحسبه من رأس المال ~~وما قبضته قبل ذلك فهو على الخلاف المذكور وان اصطلحا على ذلك فهو أحسن وما ~~قبضته بعقد مختلف تعتقد صحته لم يجب عليها رده في أصح القولين ### |||| وسئل # عن رجل طلب من انسان أن يقرضه دراهم وللرجل كرم فامتنع الا أن يبيعه ~~الكرم بمائة درهم وأنه اذا جاء بالدراهم أعاد إليه الكرم فباعه الكرم بهذا ~~الشرط ولم يذكر الشرط في العقد ثم بعد العقد قال المشترى لجماعة شهود ~~اشهدوا على أنه متى جاء هذا بدراهمي أعدت إليه كرمه فهل يكون هذا البيع ~~صحيحا أم لا وهل يجب على المشترى القيام بما شرطه على نفسه في إعادة الكرم ~~واذا مكر المشترى بالبائع هل يجوز له ذلك ### ||||| فأجاب # ليس هذا بيعا لازما بل عليه أن يرد عليه كرمه اذا أعطاه دراهمه ولا ~~يحل له أن يمكر به PageV29P396 ### |||| وسئل # عن امرأة اشترت خرقة تخيطها ثم بعد ذلك وجدتها خامية وفيها فزور فهل تلزم ~~التاجر ان ردتها إليه ### ||||| فأجاب # لها أن تطالبه بأرش العيب القديم واذا كان قد نقص بما أحدثته فيه ~~من العيب كان لها الرد مع ارش العيب الحادث في اصح قولي العلماء والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل باع ملكا لابنة تحت حجره بألف وثمانين بيع أمانة وهو يساوي أربعة ~~آلاف درهم وشهدت الشهود وذكروا في المكتوب ان ابنة البائع أذنت في البيع ~~ولم يكن الشهود حضروها ولا لها جلية عندهم فهل يصح هذا البيع ### ||||| فأجاب # الحمد لله بيع الأمانة بيع باطل والواجب رد العوض وبيع الأب مثل ~~هذا الغبن العظيم لا يجوز والمحجور عليها لا يصح PageV29P397 إذنها ~~والاشهاد عليها بالاذن في مثل ذلك بل اذا عرف ذلك فسخ البيع بكل حال ### |||| وسئل رحمه الله # هل ذكر أحد من العلماء أن المشترى الأول اذا لم يجز له التصرف فيها قبل ~~القبض فتلفت يكون ضامنا لها أو أن جواز التصرف والضمان متلازمان طردا وعكسا ~~فالنزاع في ذلك مشهور ### ||||| فأجاب # القولان في مذهب أحمد وهو طريقة القاضي ms8568 وأصحابه # والمتأخرون من أصحاب أحمد مع أبى حنيفة والشافعية يقولون بتلازم التصرف ~~والضمان فعندهم أن ما دخل في ضمان المشتري جاز تصرفه فيه وما لم يدخل في ~~ضمانه لم يجز تصرفه فيه ولهذا طرد الشافعي ذلك في بيع الثمار على الشجر فلم ~~يقل بوضع الجوائح بناء على أن المشتري اذا قبضها وجاز تصرفه فيها صار ~~ضمانها عليه # والقول الثانى في مذهب أحمد الذي ذكره الخرقي وغيره من المتقدمين وعليه ~~تدل أصول أحمد أن الضمان والتصرف لا يتلازمان ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد أن ~~الثمار اذا تلفت قبل تمكن المشترى PageV29P398 من جذاذها كانت من ضمان ~~البائع مع أن ظاهر مذهبه أنه يجوز للمشترى التصرف فيها بالبيع وغيره فجوز ~~تصرفه فيها مع كون ضمانها على البائع وقد ثبت بالسنة أن الثمار من ضمان ~~البائع كما في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا ~~بعت من أخيك ثمرة فاصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنها شيئا بم يأخذ ~~احدكم مال أخيه بغير حق ( # ولكن الرواية الأخرى عنه في منع التصرف في هذه الثمار يوافق الطريقة ~~الأولى # ومن الحجة لهذه الطريقة أن منافع الاجارة مضمونة على المؤجر قبل ~~الاستيفاء بمعني أنها ان تلفت بآفة سماوية كموت الدابة وتعطلت المنافع كانت ~~من ضمان المؤجر لأنها تلفت قبل التمكن من استيفائها مع أنه يجوز للمستأجر ~~التصرف فيها حتى بالبيع في ظاهر المذهب وان كان عنه رواية أخرى لا يؤجرها ~~بأكثر من الاجرة اذا لم يحدث فيها زيادة لئلا يربح فيما لم يضمن وهي مذهب ~~أبى حنيفة وأبو حنيفة عنده أن المنافع لا تملك بالعقد وانما تملك ~~بالاستيفاء شيئا فشيئا # وأحمد في المشهور عنه هو وغيره يجوزون اجارتها بأكثر من الأجرة ويقولون ~~هذا ليس ربحا لم يضمن لأن هذه المنافع مضمونة على PageV29P399 المشتري ~~بمعني أنه لو تركها مع القدرة على استيفائها فلم يستوفها كانت من ضمانه ~~وانما تكون مضمونة على البائع اذا تلفت قبل التمكن من استيفائها ولهذا كان ~~ظاهر ms8569 مذهب أحمد في ( باب الضمان ( ضمان العقد الفرق بين ما يتمكن من قبضه ~~وما لم يتمكن ليس هو الفرق بين المقبوض وغيره ومن ذلك أن الخرقى وغيره ~~يقولون أن الصبرة المتعينة المبيعة جزافا تدخل في ضمان المشتري بالعقد ولا ~~يجوزون للمشترى بيعها حتى ينقلها لحديث بن عمر وبن عمر روي الحكمين جميعا ~~قال من السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ملك المبتاع وقال ما ~~رواه البخاري عنه ( كنا نبتاع الطعام جزافا فنهينا أن نبيعه في مكانه حتى ~~ننقله إلى رحالنا ( فقد جاز التصرف حيث يكون الضمان على البائع كما في ~~الثمار ومنع التصرف حيث يكون الضمان على المشتري كالصبرة من الطعام فثبت ~~عدم التلازم بينهما # ومن حجة هذا القول أنه ليس كل ما دخل في ضمان المشتري يجوز تصرفه فيه ~~بدليل المقبوض قبضا فاسدا والمقبوض في قبض فاسد # أما الأول فلو اشتري قفيزا من صبرة أو رطلا من زبرة ونحو ذلك مما يشترط ~~في إقباضه الكيل أو الوزن فقبض الصبرة كلها أو الزبرة كلها فان هذا قبض ~~فاسد لا يبيح له التصرف الا بتميز ملكه PageV29P400 عن ملك البائع ومع هذا ~~فلو تلفت تحت يده كانت مضمونة # وأيضا فليس المشتري ممنوعا من جميع التصرفات بل السنة انما جاءت في البيع ~~خاصة ولو أعتق العبد المبيع قبل القبض فقد صح اجماعا وقد تنازع الناس في ~~الهبة وغيرها وقد تنازع الناس في غلة الطعام المبيع قبل النهي عن قبضه فانه ~~هو الذي ثبت في النصوص واتفق عليه العلماء وكذلك اختلفوا في تفريع هذا ~~الأصل # وأصول الشريعة توافق هذه الطريقة فليس كل ما كان مضمونا على شخص كان له ~~التصرف فيه كالمغصوب والعارية وليس كل ما جاز التصرف فيه كان مضمونا على ~~المتصرف كالمالك له أن يتصرف في المغصوب والمعار فيبيع المغصوب من غاصبه ~~وممن يقدر على تخليصه منه وان كان مضمونا على الغاصب كما أن الضمان بالخراج ~~فانما هو فيما اتفق ملكا ويدا وأما اذا كان الملك لشخص واليد لآخر ms8570 فقد يكون ~~الخراج للمالك والضمان على القابض # وأيضا فبيع الدين ممن هو عليه جائز في ظاهر مذهب أحمد والشافعي وكذلك أبو ~~حنيفة وعند مالك يجوز بيعه ممن ليس هو عليه وهو رواية عن أحمد مع أن الدين ~~ليس مضمونا على المالك # وايضا فالبائع اذا مكن المشترى من القبض فقد قضى ما عليه PageV29P401 و ~~انما المشتري هو المفرط بترك القبض فيكون الضمان عليه بخلاف ما اذا لم ~~يمكنه من القبض بأن لا يوفيه التوفية المستحقة فلا يكيله ولا يزنه ولا يعده ~~فانه هنا بمنزلة ما لم يوفه إياه من الدين واذا لم يفعل البائع ما يجب عليه ~~من التوفية كان هو المفرط فكان الضمان عليه إذ التفريط يناسب الضمان # وأما حل التصرف وحرمته فله أسباب أخر # فقد يكون السبب التمكن من التسليم حتى لا يشابه بيع الغرر واذا لم ينقله ~~من مكانه فقد ينكر البائع البيع ويفضي إلى النزاع وقد لا يمكنه البائع من ~~التسليم كما اشترط في الرهن القبض لأن مقصوده استيفاء الحق من المرهون عند ~~تعذر استيفاء الحق من الراهن وهذا انما يتم بأن يكون قابضا للرهن بخلاف ما ~~اذا كان بيد الراهن فانه يحول بينهما # وقد يكون سبب ذلك أن المقصود بالعقود هو التقابض وبالقبض يتم العقد ويحصل ~~مقصوده ولهذا إذا أسلم الكفار وتحاكموا الينا وقد تعاقدوا عقودا يجوزونها ~~وتقابضوها لم نفسخها وإن كانت محرمة في دين المسلمين وان كان قبل التقابض ~~نقضناها لئلا يفضى إلى الاذن بعد الاسلام في قبض محرم فالبيع قبل قبضه لم ~~يتم ملك المشتري عليه PageV29P402 بل هو يتعرض للآفات شرعا وكونا فكان ~~بيعها قبل القبض من جنس بيع الغرر ولهذا نهى عن بيع المغانم قبل القبض ~~ولهذا نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده لعدم تمكنه من ~~القبض الواجب عليه بالعقد وان كان من الناس من يجعل الحديث متناولا للدين ~~والعين ويجعل التسليم مستثنى منه ومنهم من يخصه بالعين ويفسره ببيع عين لم ~~يملكها ويجعل معني ( ما ليس عندك ms8571 ( ما ليس في ملكك ومنهم من يحمله على ~~الملك واليد جميعا أو يشترط في المبيع أن يكون مملوكا مقبوضا فلا يجوز بيع ~~المملوك الذي لا يتمكن من تسليمه وهو من بيع الغرر كالعبد الآبق والفرس ~~الشارد # وهذا حجة من منع بيع الدين ممن ليس عليه قال لأنه غرر ليس بمقبوض ومن ~~جوزه قال بيعه كالحوالة عليه وكبيع المودع والمعار فانه مقبوض حكما ولهذا ~~جوزنا بيع الثمار وظاهر مذهب أحمد أنه اذا اشترى ثمرة بادية الصلاح وقبض ~~ثمنها فانها تكون من ضمان البائع لأن عليه القبض إلى كمال الجذاذ والمشتري ~~لم يتمكن من جذاذها ولكن جاز تمكنه منها اذا خلى بينه وبينها بجعل التصرف ~~وقبضها التخلية وجعل في الضمان قبضها التمكن من الانتفاع الذي هو المقصود ~~بالعقد ولغموض مأخذ هذه المسائل كثر تنازع الفقهاء فيها ولم يطرد إلى ~~التوهم فيها قياس كما تراه PageV29P403 # وكثير منهم لا يلحظ فيها معنى بل يتمسك فيها بظاهر النصوص وكل منهما قد ~~يتناقض فيها لكن قد جعل على حمل المذاهب فيها والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اشترى صبرة مجازفة ثم تلفت على ملك المشترى قبل قبضها ثم باعها ~~قبل قبضها من غير أن يعلم تلفها فاذا قلنا أن المشترى الأول لم يجز له ~~بيعها قبل قبضها فتلفت فهل هي من ماله أو من مال البائع الأول وهل ذكر أحد ~~من العلماء ان المشترى الأول اذا لم يجز له التصرف فيها قبل القبض فتلفت ~~يكون ضامنا لها أو ان جواز التصرف والضمان متلازمان طردا وعكسا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما في هذه الصورة فالبيع باطل بالاتفاق اذا تلف المبيع ~~وقت العقد سواء باعها بالصفة أو بغير الصفة أو باعها برؤية سابقة على العقد ~~بل في مثل هذه الصورة لو تلفت بعد العقد وقبل وجودها على الصفة أو الرؤية ~~الأولى لا يفسخ البيع فأما اذا تبين أنها كانت تالفة حين العقد فالبيع باطل ~~بلا ريب # واما ضمانها فظاهر مذهب مالك وأحمد أن التلف من ضمان PageV29P404 المشترى ~~لما ms8572 احتج به من حديث الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن بن عمر قال ( مضت السنة ~~انما ادركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان المشترى ( اذ ظاهر مذهب أحمد أن ~~ما كان متعينا بالعقد لا يحتاج إلى توفية بكيل أو وزن ونحوهما بحيث يكون ~~المشتري قد تمكن من قبضه فهو من ضمانه قبضه أو لم يقبضه # وأما مذهب ابى حنيفة والشافعي فانها من ضمان البائع وهي الرواية الأخرى ~~عن أحمد واختارها أبو محمد لكن الصواب في ذلك متنوع فمذهب أبى حنيفة لا ~~يدخل المبيع كله في ضمان المشترى إلا بالقبض إلا العقار وعند الشافعي ~~العقار وغيره سواء وهو رواية عن أحمد # وعن أحمد رواية بالفرق بين المكيل والموزون وغيرهما ورواية بالفرق بين ~~الطعام وغيره ورواية بالفرق بين المطعوم المكيل الموزون وغيره وهذا في ~~القبض عنه كالروايات في الربا PageV29P405 # وقال رحمه الله ### ||| فصل # في ( المقبوض بعقد فاسد ( أصله أن العقد الصحيح يوجب علي كل من ~~المتعاقدين ما اقتضاه العقد مثل ما يوجب التقابض في البيع والاجارة والنكاح ~~ونحو ذلك من المعاوضات اللازمة فان لزومها يقتضى وجوب الوفاء بها وتحريم ~~نقضها # وأما ( العقود الجائزة ( من الوكالات بأنواعها والمشاركات بأصنافها فانها ~~لا توجب الوفاء مطلقا اذ العقد ليس بلازم يجب الوفاء به بل هو جائز مباح ~~وصاحبه مخير بين إمضائه وفسخه واذا فسخه كان نقضا له لكن ما دام العقد ~~موجودا فعليه الوفاء بموجبه من حفظ المال فانه عقد أمانة # وأما تحريم العدوان كالخيانة فذاك واجب بالشرع لا بالعقل اذ يحرم عليه ~~العدوان في مال من ائتمنه وغيره لكن العقد أوجب ذلك أيضا وزاده توكيدا ~~PageV29P406 # وأما وجوب التصرف عليه بحيث يكون العامل في المضاربة والمزارعة والمساقاة ~~اذا ترك التصرف الذي اقتضاه العقد مفرطا فهذا هو الظاهر فان العقد وإن كان ~~جائزا فما دام موجودا فله موجبان الحفظ بمنزلة الوديعة والتصرف الذي اقتضاه ~~العقد وهذا قياس مذهبنا لأنا نوجب على أحد الشريكين من المعاوضة بالبيع ~~والعمارة ما يحتاج إليه الآخر في العرف مثل عمارة ما ms8573 استهدم هذا في شركة ~~الأملاك فكذلك في شركة العقود فان مقصودها هو التصرف فترك التصرف في ~~المضاربة والمساقاة والمزارعة قد يكون أعظم ضررا من ترك عمارة المكان ~~المستهدم في شركة الأملاك # ومن ترك بيع العين والمنفعة المشتركة لأنه هناك يمكن الشريك أن يبيع ~~نصيبه وهنا غره وضيع عليه منفعة ماله فاذا كان العقد فاسدا لم يثبت جميع ~~مقتضاه من وجوب التقابض والتصرف وحل التصرف والانتفاع ونحو ذلك فاذا اتصل ~~به القبض فهو قبض مأذون فيه بعقد فليس مثل قبض الغاصب الذي هو بغير إذن # ولهذا قال الفقهاء ما ضمن بالقبض في العقد الصحيح ضمن بالقبض في العقد ~~الفاسد كالمبيع والمؤجر وما لم يضمن بالقبض في العقد الصحيح لا يضمن بالقبض ~~في العقد الفاسد كالأمانات من المضاربة والشركة ونحوها لوجود الاذن ولهذا ~~تنازع العلماء في حصول الملك بالقبض فيه وفيما يستحقه PageV29P407 من العوض ~~هل هو المسمى أو عوض المثل أو نحو ذلك وذلك أن الفرق بينهما من وجهين # ( أحدهما ( أن ذلك قبض بغير إذن المالك وهذا قبض باذن المالك # ( الثانى ( أن هذا قبض اقتضاه عقد وان كان فيه فساد وذاك قبض لم يقتضه ~~عقد بحال ولهذا نوجب في ظاهر المذهب المسمى في النكاح الفاسد وفى المضاربة ~~الفاسدة ونحوها على أحد القولين # فان كان المقبوض به موجودا وأراد الرد رده وإن كان فائتا رد مثله اذا ~~أمكن فاذا تعذر رد العين أو المثل فلابد من رد عوض مثل أن يكون المبيع ليس ~~من ذوات الأمثال بل من ذوات القيم ومثل المنافع المستوفاة بالاجارة الفاسدة ~~ومثل عمل العامل في المشاركة الفاسدة من المساقاة والمضاربة ونحوها فمن ~~أصحابنا من يوجب رد القيمة في هذه الصورة كقول الشافعي بناء على أن المستحق ~~رد العين أو المنفعة وقد تعذر عينه ومثله فينقل إلى القيمة كما لو ضمنت ~~بالاتلاف أو الغصب # وطرد الشافعي هذا في المسمي الفاسد في النكاح والمغصوب فأوجب مهر المثل ~~بناء على أنه كان يجب رد البضع لفساد التسمية فلما لم يمكن رده رد ms8574 بدله وهو ~~مهر المثل وخالفه بعض أصحابه PageV29P408 # والجمهور من أصحابنا وغيرهم وسائر العلماء أوجبوا بدل المهر المسمى مثله ~~أو قيمته لا بدل البضع وهو الصواب قطعا لأن النكاح هنا لم يفسد فلم يجب رد ~~المستحق به وهو البضع واذا لم يجب رد البضع لم يجب رد بدله بل الواجب هو ~~إعطاء المسمى إن أمكن وإلا فبدله فكان بدل المسمى هو الواجب وهو أقرب إلى ~~ما تراضوا به من بدل البضع وفى سائر العقود اذا فسدت نوجب رد العين أو ~~بدلها وظاهر كلام أحمد أن الواجب في المشاركة مثل المضاربة ونحوها المسمي ~~أيضا كالنكاح الفاسد على ظاهر المذهب وهذا القول أقوى # بل الصواب أنه لا يجب في الفاسد قيمة العين أو المنفعة مطلقا وذلك لأن ~~العين لو أمكن ردها أو رد مثلها لكان ذلك هو الواجب لأن العقد لما انتفى ~~وجب إعادة كل حق إلى مستحقه والمثل يقوم مقام العين أما اذا كان الحق قد ~~فات مثل الوطء في النكاح الفاسد والعمل في المؤاجرات والمضاربات والغبن في ~~المبيع فالقيمة ليست مثلا له # وإنما تجب في بعض المواضع كالمتلف والمغصوب الذي تعذر مثله للضرورة اذ ~~ليس هناك شيء يوجد أقرب إلى الحق من القيمة فكان ذلك هو العدل الممكن كما ~~قلنا مثل ذلك في القصاص PageV29P409 و دية الخطأ وأرش الجراح واعتبرنا ~~القيمة بتقويم الناس اذ ليس هناك متعاقدان تراضيا بشيء وأما هنا فقد تراضيا ~~بأن يكون المسمى بدلا عن العين أو المنفعة والناس يرضون لها ببدل آخر فكان ~~اعتبار تراضيهما أولى من اعتبار رضا الناس # فان قيل هما إنما تراضيا بهذا البدل في ضمن صحة العقد ووجوب موجباته وذلك ~~منتف هنا [ قيل ] والناس إنما يجعلون هذا قيمة في ضمن عقد صحيح له موجباته ~~فلما تعذر العقد هنا قدرنا وجود عقد يعرف به البدل الواجب فيه فتقدير ~~عقدهما الذي عقداه أولي من تقدير ما لم يوجد بحال ولا رضيا به ولم يعقده ~~غيرهما فاذا كان لابد من التقدير والتقريب فما كان أشبه بالواقع ms8575 كان أولى ~~بالتقدير وأقرب إلى الصواب # فتبين بهذا أن إيجاب مهر المثل في النكاح الفاسد إنما هو شبيه لها بمن ~~يتزوج من أمثالها نكاحا صحيحا لازما فتحتاج فيه إلى شيئين إلى تقدير مثلها ~~وتقدير نكاح صحيح فيه مسمى فقسناها على أمثالها وقسنا فاسدها على صحيح ~~أولئك وهذا في غاية البعد واذا أوجبنا المسمى في الفاسد قسنا فاسدها ~~بصحيحها وهي إلى نفسها أقرب من غيرها إليها ثم عقدهما الفاسد وعقدهما ~~الصحيح أقرب من عقدهما الفاسد إلى عقد غيرهما الصحيح وأما اذا كان وطىء ~~بشبهة بلا نكاح فهنا يوجب مهر مثلها PageV29P410 # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # ( قاعدة في المقبوض بعقد فاسد ( وذلك أنه لا يخلو إما أن يكون العاقد ~~يعتقد الفساد ويعلمه أو لا يعتقد الفساد # فالأول يكون بمنزلة الغاصب حيث قبض ما يعلم أنه لا يملكه لكنه لشبهة ~~العقد وكون القبض عن التراضي هل يملكه بالقبض أو لا يملكه أو يفرق بين أن ~~يتصرف فيه أو لا يتصرف هذا فيه خلاف مشهور في الملك هل يحصل بالقبض في ~~العقد الفاسد # وأما ان كان العاقد يعتقد صحة العقد مثل أهل الذمة فيما يتعاقدون بينهم ~~من العقود المحرمة في دين الاسلام مثل بيع الخمر والربا والخنزير فان هذه ~~العقود اذا اتصل بها القبض قبل الاسلام والتحاكم إلينا أمضيت لهم ويملكون ~~ما قبضوه بها بلا نزاع لقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين @QE@ PageV29P411 فأمر بترك ما بقى # وإن أسلموا أو تحاكموا قبل القبض فسخ العقد ووجب رد المال إن كان باقيا ~~أو بدله إن كان فائتا والأصل فيه قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا ~~بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم @QE@ أمر الله تعالى برد ~~ما بقى من الربا في الذمم ولم يأمر برد ما قبضوه قبل الاسلام وجعل لهم مع ~~ما قبضوه قبل الاسلام رؤوس الأموال ms8576 فعلم أن المقبوض بهذا العقد قبل الاسلام ~~يملكه صاحبه أما اذا طرأ الاسلام وبينهما عقد ربا فينفسخ واذا انفسخ من حين ~~الاسلام استحق صاحبه ما أعطاه من رأس المال ولم يستحق الزيادة الربوية التي ~~لم تقبض ولم يجب عليه من رأس المال ما قبضه قبل الاسلام لأنه ملكه بالقبض ~~في العقد الذى اعتقد صحته وذلك العقد أوجب ذلك القبض فلو أوجبناه عليه لكنا ~~قد أوجبنا عليه رده وحاسبناه به من رأس المال الذي استحق المطالبة به وذلك ~~خلاف ما تقدم # وهكذا كل عقد اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقرير مثل المعاملات ~~الربوية التى يبيحها مجوزوا الحيل ومثل بيع النبيذ المتنازع فيه عند من ~~يعتقد صحته ومثل بيوع الغرر المنهي عنها عند من يجوز بعضها فان هذه العقود ~~اذا حصل فيها التقابض مع اعتقاد الصحة PageV29P412 لم تنقض بعد ذلك لا بحكم ~~ولا برجوع عن ذلك الاجتهاد # وأما اذا تحاكم المتعاقدان إلى من يعلم بطلانها قبل التقابض أو استفتياه ~~اذا تبين لهما الخطأ فرجع عن الرأى الأول فما كان قد قبض بالاعتقاد الأول ~~أمضي واذا كان قد بقي في الذمة رأس المال وزيادة ربوية أسقطت الزيادة ورجع ~~إلى رأس المال ولم يجب على القابض رد ما قبضه قبل ذلك بالاعتقاد الأول كأهل ~~الذمة وأولى لأن ذلك الأعتقاد باطل قطعا # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # إذا كان إيجاب المسمى أو مثله أقرب إلى التسوية في الفاسد الذي يتعذر رده ~~رد المقبوض أو مثله من إيجاب مثل العوض المسمى في العقد على مثال هذا ~~المضمون # فنقول المثل من فاسد فسد مثله فليس المؤجل مثل الحال ولا أحد النوعين مثل ~~الآخر فلو أسلم إليه دراهم في شيء سلما ولم PageV29P413 يتغير سعره وقلنا ~~هو سلم فان رد إليه رأس ماله في الحال أو مثله فهذا هو الواجب # وأما إذا أخره إلى حين حلول السلم ثم أراد رد مثل رأس ماله فليس هذا مثلا ~~له فاذا أوجبنا المسلم فيه بقيمته وقت الاسلاف كان ms8577 أقرب إلى العدل فانهما ~~تراضيا أن يأخذ بهذه الدراهم من المسلم فيه لا من غيره لكن لم يتفقا على ~~القدر فردهما إلى القيمة العادلة هو الواجب بالقياس فان قبض الثمن قبل قبض ~~المثمن ولو اشترى سلعة لم يقطع فيها وقلنا هو بيع فاسد فاذا تعذر رد العين ~~ومثلها ردت القيمة بالسعر وقت القبض فكما أوجبنا هنا قيمة المقبوض من العوض ~~نوجب هناك قيمة المقبوض من الدراهم # ونظيرها من كل وجه أن يكون المبيع مكيلا أو موزونا لم يقطع ثمنه لكنه ~~مؤجل إلى حول فحين يحل الأجل إن رد حنطة مثلا لم يكن مثلا لتلك المقبوضة ~~لاختلاف القيمة فاعطاء قيمة المقبوض وقت قبض السلعة مؤجلا إلى حين قبض ~~الثمن أشبه بالعدل فهذا في الثمن والمثمن سواء # والأصل فيه أن كل ما كان أقرب إلى ما تعاقدا عليه وتراضيا به كان أولى ~~بالاستحقاق مما لم يتعاقدا عليه ولم يتراضيا به وأن PageV29P414 المضمون ~~بالغصب والاتلاف اذا لم يكن مثليا فانه يقدر بالقيمة لا بالعقود فتقدير ~~المضمون بذلك العقد أولى من تقديره بالمضمون بعقد آخر لكن هذه المسألة ( ~~مسألة الحلول والتأجيل ( مبنية على أصل آخر وهو أن اختلاف الأسعار يؤثر في ~~التماثل وهذا مذكور في موضعه والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل عاقد رجلا بثغر الاسكندرية على غلة ذكر أنها مودعة في ناحية ~~ببيروت وأعطاه الثمن وأرسل وكيله ليسلم ذلك للمشترى فلم يجد الغلة بل وجدها ~~تحت الحوطة كل ذلك بعد أن أشهد المشترى على نفسه أنه تسلم الغلة المذكورة ~~فهل يجوز لهذا البائع تأخير ما قبضه من الثمن وهل له في ذلك شبهة ويعطى ~~البائع بتأخير الثمن عمن سلمه بعد المطالبة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إذا لم يجد المبيع الغائب أو وجده ولم يتمكن ~~من قبضه فله فسخ البيع ان كانت العين مغصوبة وان تلفت انفسخ البيع ووجب على ~~البائع أن يرد عليه الثمن اذا طلبه المشترى ولا ينفعه اشهاد المشترى عليه ~~بالقبض إذا كان قد أشهد PageV29P415 قبل القبض ms8578 وان قامت عليه بينة بالاقرار ~~وكان الاقرار صحيحا فله تحليف البائع أن باطن الاقرار كظاهره في أصح قولي ~~العلماء # وأما إذا علم كذب الاقرار بأن يكون قد أقر بالقبض قبل التمكن منه لم يصح ~~هذا الاقرار كله ا ذا صح بيع الغائب بأن يبيعه بالصفة على مذهب مالك وأحمد ~~في المشهور # وأما من أبطل بيعه مطلقا كالشافعي وأحمد في رواية فالبيع باطل من أصله ~~وأبو حنيفة يصححه مطلقا وأحمد في رواية لكن له الخيار عند الرؤية بكل حال ~~وبكل حال فالأئمة متفقون على أن [ على ] البائع دفع الثمن إذا طلبه المشتري ~~والحالة هذه والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن باع بيعا وجحد البيع وأشهد المشترى على نفسه بالفسخ فما الحكم في ذلك ### ||||| فأجاب # إذا جحد البيع وفسخه المشترى كذلك لم يكن للبائع الزام المشترى ~~ثانيا بالقبض والله أعلم PageV29P416 ### |||| وسئل # عن رجل اشترى ملكا بثمن معين ودفع الثمن بمحضر شهود كتاب التبايع وثبت ~~الكتاب وحكم به حكام المسلمين الأربعة ثم استحق الملك المشترى مستحق غير ~~البائع وأثبت استحقاقه بذلك الشرع ورفع يد المشترى عما اشتراه منه والرجل ~~يومئذ غائب فوق مسافة القصر وله أملاك حاضرة وأموال فهل اذا طلب الرجل ~~المذكور من الحاكم الذي ببلد المشترى الذي حكم له على الغائب بنظير ما قبض ~~الغائب من الرجل المشترى من ثمن المبيع يجيبه إلى ذلك والحالة هذه ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم إذا ظهر المبيع مستحقا فللمشترى أن يرجع بالثمن على ~~من قبضه منه أو ببدله فاذا كان القابض منه غائبا حكم عليه اذا قامت الحجة ~~وسلم إلى المحكوم له حقه من مال الغائب مع بقائه على حجته والله أعلم # PageV29P417 ### ||| 2 باب الربا 2 ### |||| سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه # عن تحريم الربا وما يفعل من المعاملات بين الناس اليوم ليتوصلوا بها إلى ~~الربا واذا حل الدين يكون المديون معسرا فيقلب الدين في معاملة أخرى بزيادة ~~مال وما يلزم ولاة الأمور في هذا وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما ~~زاد ms8579 في معاملة الربا ### ||||| فأجاب # المراباة حرام بالكتاب والسنة والاجماع وقد ( لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ولعن المحلل والمحلل له ( ~~قال الترمذي حديث صحيح فالاثنان ملعونان # وان كان أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل ~~فاذا حل الأجل قال له أتقضى أم تربى فان وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد ~~هذا في المال فيتضاعف المال PageV29P418 و الأصل واحد وهذا الربا حرام ~~باجماع المسلمين # وأما اذا كان هذا هو المقصود ولكن توسلوا بمعاملة أخرى فهذا تنازع فيه ~~المتأخرون من المسلمين وأما الصحابة فلم يكن بينهم نزاع أن هذا محرم فانما ~~الأعمال بالنيات والآثار عنهم بذلك كثيرة مشهورة # والله تعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاجين وأكل المال بالباطل وهو ~~موجود في المعاملات الربوية وأما اذا حل الدين وكان الغريم معسرا لم يجز ~~باجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا بمعاملة ولا غيرها بل يجب إنظاره وإن ~~كان موسرا كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره # والواجب على ولاة الأمور بعد تعزير المتعاملين بالمعاملة الربوية بأن ~~يأمروا المدين أن يؤدي رأس المال ويسقطوا الزيادة الربوية فان كان معسرا ~~وله مغلات يوفي منها وفي دينه منها بحسب الامكان والله أعلم PageV29P419 ~~وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### ||| فصل فيمن أوقع العقود المحرمة ثم تاب # قال الله تعالى في الربا @QB@ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون @QE@ وقد بسط الكلام على هذا في موضعه # وقد قال تعالى لما ذكر الخلع والطلاق فقال في الخلع @QB@ ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون @QE@ إلى قوله @QB@ وإذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ms8580 @QE@ وقال تعالى @QB@ إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ~~ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم ~~يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا @QE@ PageV29P420 # فالطلاق المحرم كالطلاق في الحيض وفى طهر قد أصابها فيه حرام بالنص ~~والاجماع وكالطلاق الثلاث عند الجمهور وهو تعد لحدود الله وفاعله ظالم ~~لنفسه كما ذكر الله تعالى @QB@ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه @QE@ ~~والظالم لنفسه اذا تاب تاب الله عليه لقوله @QB@ ومن يعمل سوءا أو يظلم ~~نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما @QE@ فهو اذا استغفره غفر له ~~ورحمه وحينئذ يكون من المتقين فيدخل في قوله @QB@ ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ # والذين ألزمهم عمر ومن وافقه بالطلاق المحرم كانوا عالمين بالتحريم وقد ~~نهوا عنه فلم ينتهوا فلم يكونوا من المتقين فهم ظالمون لتعديهم الحدود ~~مستحقون للعقوبة ولذلك قال بن عباس لبعض المستفتين أن عمك لم يتق الله فلم ~~يجعل له فرجا ولا مخرجا ولو اتقى الله PageV29P421 لجعل له فرجا ومخرجا # وهذا انما يقال لمن علم أن ذلك محرم وفعله فأما من يعلم بالتحريم فانه لا ~~يستحق العقوبة ولا يكون متعديا فانه اذا عرف أن ذلك محرم تاب من عوده إليه ~~والتزم أن لا يفعله # والذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل ثلاثتهم واحدة في حياته كانوا ~~يتوبون وكذلك من طلق في الحيض كما طلق بن عمر فكانوا يتوبون فيصيرون متقين ~~ومن لم يتب فهو الظالم لنفسه كما قال @QB@ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ~~ومن لم يتب فأولئك هم ms8581 الظالمون @QE@ # فحصر الظلم فيمن لم يتب فمن تاب فليس بظالم فلا يجعل متعديا لحدود الله ~~بل وجود قوله كعدمه ومن لم يتب فهو محل اجتهاد # فعمر عاقبهم بالالزام ولم يكن هناك تحليل فكانوا لاعتقادهم أن النساء ~~يحرمن عليهم لا يقعون في الطلاق المحرم فانكفوا بذلك عن تعدي حدود الله ~~فاذا صاروا يوقعون الطلاق المحرم ثم يردون النساء بالتحليل المحرم صاروا ~~يفعلون المحرم مرتين ويتعدون حدود الله مرتين بل ثلاثا بل أربعا لأن طلاق ~~الأول كان تعديا لحدود الله وذلك نكاح المحلل لها ووطؤه لها قد صار بذلك ~~ملعونا هو PageV29P422 و الزوج الأول فقد تعديا حد الله هذا مرة أخري وذاك ~~مرة والمرأة ووليها لما علموا بذلك وفعلوه كانوا متعدين لحدود الله فلم ~~يحصل بالالتزام في هذه الحال انكفاف عن تعدي حدود الله بل زاد التعدي لحدود ~~الله فترك التزامهم بذلك وإن كانوا ظالمين غير تائبين خير من إلزامهم به ~~فذلك الزنى يعود إلى تعدي حدود الله مرة بعد مرة # وإذا قيل فالذي استفتي بن عباس ونحوه لو قيل له تب لتاب ولهذا كان بن ~~عباس يفتى احيانا بترك اللزوم كما نقل عنه عكرمة وغيره وعمر ما كان يجعل ~~الخلية والبرية إلا واحدة رجعية ولما قال # قال عمر ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ( واذا ~~كان الالزام عاما ظاهرا كان تخصيص البعض بالاعانة نقضا لذلك ولم يوثق ~~بتوبته فالمراتب أربعة # أما اذا كانوا يتقون الله ويتوبون فلا ريب أن ترك الالزام كما كان في عهد ~~النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر خير # وان كانوا لا ينتهون إلا بالزام فينتهون حينئذ ولا يوقعون المحرم ~~PageV29P423 و لا يحتاجون إلى تحليل فهذا هو الدرجة الثانية التى فعلها ~~فيهم عمر # والثالثة أن يحتاجوا إلى التحليل المحرم فهنا ترك الالزام خير # والرابعة أنهم لا ينتهون بل يوقعون المحرم ويلزمون به بلا تحليل فهنا ليس ~~في إلزامهم به فائدة إلا آصار وأغلال لم توجب لهم تقوي الله وحفظ حدوده بل ~~حرمت ms8582 عليه نساؤهم وخربت ديارهم فقط والشارع لم يشرع ما يوجب حرمة النساء ~~وتخريب الديار بل ترك إلزامهم بذلك أقل فسادا وإن كانوا أذنبوا فهم مذنبون ~~على التقديرين لكن تخريب الديار اكثر فسادا والله لا يحب الفساد وأما ترك ~~الالزام فليس فيه إلا أنه أذنب ذنبا بقوله ولم يتب منه وهذا أقل فسادا من ~~الفساد الذي قصد الشارع دفعه ومنعه بكل طريق ### |||| وسئل # عما إذا أبدل قمحا بقمح ### ||||| فأجاب # إذا أبدل قمحا بقمح كيلا بكيل مثلا بمثل جاز وإن كان بزيادة لم يجز ~~PageV29P424 ### |||| وسئل # عن امرأة باعت اسورة ذهب بثمن معين إلى أجل معين هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # اذا بيعت بذهب أو فضة إلى إجل لم يجز ذلك باتفاق الأئمة بل يجب رد ~~الأسورة ان كانت باقية أو رد بدلها ان كانت فائتة والله أعلم ### |||| وسئل # هل يجوز بيع الحياصة بنسيئة بزائد عن ثمنها ### ||||| فأجاب # اما الحياصة التى فيها ذهب أو فضة فلا تباع إلى أجل بفضة أو ذهب ~~لكن تباع بعرض إلى أجل والله اعلم PageV29P425 ### |||| وسئل # عن حديث ( رخص في العرايا أن تباع بخرصها ( فما خرصها و ( نهى عن بيع ~~المصراة والمحفلة ( ### ||||| فأجاب # الحمد لله اما ( المصراة والمحفلة ( فهي البهيمة من الابل والغنم ~~وغيرهما تترك حتى يجتمع اللبن في ضرعها أياما ثم تباع يظن المشتري أنها ~~تحلب كل يوم مثل ذلك فهذا من التدليس والغش وقد حرمه النبى صلى الله عليه ~~وسلم عموما وخصوصا وجعل للمشتري الخيار ثلاثا اذا حلبها إن رضيها أمسكها ~~وان سخطها ردها ورد عوض اللبن الذي كان موجودا وقت العقد وجعل صلى الله ~~عليه وسلم عوضه صاعا من تمر # وأما بيع الغرر الذي لا يمكن البائع تسليمه مثل أن يبيع عبده الآبق ~~وبعيره أو فرسه الشارد أو طيره الذي خرج من قفصه أو من حبله ونحو ذلك فان ~~بيع مثل هذه الأمور من ( باب المخاطرة والقمار ( فان المبيع ان قدر عليه ~~كان المشتري قد قمر البائع حيث أخذ ماله بدون قيمته وان لم يقدر عليه ms8583 كان ~~البائع قد قمر المشترى PageV29P426 # وفى كل منهما أكل مال الآخر بالباطل وشر من ذلك أن يبيعه ما في بطن ~~الدابة وكذلك اذا باعه الثمرة قبل بدو صلاحها فهذه من أنواع الغرر وقد نهى ~~النبى صلى الله عليه وسلم عنها عموما وخصوصا وكل ذلك من الميسر الذي حرمه ~~الله في القرآن # وكذلك بيع الحصاة مثل أن يقول بعتك من هذه الأرض إلى حيث تبلغ هذه الحصاة ~~أو بعتك من هذه الثياب أو الشياه أو الغلمان أو غيره ما تقع عليه هذه ~~الحصاة فيكون المبيع مجهول القدر أو العين أو الوصف # وأما ( العرايا ( فان النبى صلى الله عليه وسلم استثناها مما نهى عنه من ~~المزابنة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمحاقلة ( ~~والمزابنة ( ان يشتري الرطب في الشجر بخرصه من التمر و ( المحاقلة ( أن ~~يشتري الحنطة في سنبلها بخرصها من الحنطة والخرص هو الحزر والتقدير فيقال ~~كم في هذه النخلة فيقال خمسة أوسق فيقال اشتريته بخمسة أوسق أو كم في هذا ~~الحقل من البر فيقال خمسة اوسق فيقال اشتريته بخمسة اوسق # وهذا الحكم عام في كل ما يباع الا بقدره كما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( لا تبيعوا الذهب بالذهب الا مثلا بمثل ولا تبيعوا PageV29P427 الفضة ~~بالفضة الا مثلا بمثل ولا تبيعوا الحنطة بالحنطة الا مثلا بمثل ولا تبيعوا ~~الشعير بالشعير الا مثلا بمثل ولا تبيعوا التمر بالتمر الا مثلا بمثل ولا ~~تبيعوا الملح بالملح الا مثلا بمثل ( ونهى صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى فاذا بيعت هذه الأموال ~~بمثلها جزافا لم يجز ذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعها الا ~~متماثلة فاذا لم يعلم التماثل لم يجز البيع ولهذا يقول الفقهاء الجهل ~~بالتساوي كالعلم بالتفاضل والتماثل يعلم بالكيل والوزن # واما الخرص فهو ظن وحسبان يقدر به عند الحاجة والضرورة فأما مع امكان ~~الكيل والوزن فلا فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة ~~لأنهم ms8584 يحزرون من غير حاجة واباح ذلك في العرايا لأجل الحاجة لأن المشتري ~~يحتاج إلى أكل الرطب بالتمر خرصا لأجل حاجته إلى ذلك ورخص في ذلك في القليل ~~الذي تدعو إليه الحاجة وهو ما دون النصاب وهو ما دون خمسة اوسق وكذلك يجوز ~~لحاجة البائع إلى البيع كما قد بسط ذلك في موضعه # ولفظ ( العرايا ( معناه في اللغة هي النخلات التى يعيرها الرجل لغيره أي ~~يعطيه إياها ليأكل ثمرها ثم يعيدها إليه كما قال الشاعر يمدح فيه بالكرم ~~PageV29P428 % فليست بسنهاء ولا رجبية % ولكن عرايا في السنين الجوائح % # وهذا كما يقال للماشية ( المنيحة ( مثل أن يعطيه الناقة أو الشاة ليشرب ~~لبنها ثم يعيدها إليه وهو من جنس العارية وهو أن يعيره داره ليسكنها ثم ~~يعيدها إليه # ومنه افقار الظهر وهو أن يعطيه دابته ليركب فقارها ثم يعيدها إليه فهذا ~~أصل هذه اللفظة لكن حكم العرايا هل هو مخصوص بما كان موهوبا للمشتري أو عام ~~في ذلك وفي غيره فيه قولان للعلماء والأول قول مالك والثاني قول الشافعي ~~وفي مذهب أحمد القولان والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل اشتري قمحا بثمن معلوم إلى وقت معلوم ثم إنه ما حصل لصاحب ~~القمح شيء ثم داره عقدا وارتهن عليه ملكا وأنه أخذ ذلك بيعا وشراء بذلك ~~العقد فهل البيع جائز ### ||||| فأجاب # اذا اشترى قمحا بثمن إلى أجل ثم عوض البائع عن ذلك الثمن سلعة إلى ~~أجل لم يجز فان هذا بيع دين بدين وكذلك PageV29P429 ان احتال على أن يزيده ~~في الثمن ويزيده ذلك في الأجل بصورة يظهر رباها لم يجز ذلك ولم يكن له عنده ~~الا الدين الأول فان هذا هو الربا الذي أنزل الله فيه القرآن فان الرجل ~~يقول لغريمه عند محل الأجل تقضى أو تربى فان قضاه والا زاده هذا في الدين ~~وزاده هذا في الأجل فحرم الله ورسوله ذلك وأمر بقتال من لم ينته والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اضطر إلى قرضة دراهم فلم يجد من يقرضه الا رجل يأخذ الفائدة ms8585 فيأتى ~~السوق يشتري له بضاعة بخمسين ويبيعها له بربح معين إلى مدة معينة فهل هي ~~قنطرة الربا ### ||||| فأجاب # اذا اشتري له بضاعة وباعها له فاشتراها منه أو باعها للثالث صاحبها ~~الذي اشتراها المقرض منه فهذا ربا # والأحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين في تحريم ذلك ~~كثيرة مثل حديث عائشة لأم ولد زيد بن أرقم قالت لها يا أم المؤمنين انى ~~ابتعت من زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة درهم نسيئة ثم ابتعته منه ~~بستمائة نقدا فقالت عائشة بئس PageV29P430 ما شريت وبئس ما اشتريت أخبرى ~~زيدا أنه قد ابطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يتوب فقالت ~~يا أم المؤمنين أرأيت أن لم أجد الا رأس مالي فقالت عائشة ( فمن جاءه موعظة ~~من ربه فانتهي فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون ( وعن أنس بن مالك أنه سئل عن مثل ذلك فقال هذا ما حرم الله # وأما الذي لم يعد إلى البائع بحال بل باعها المشتري من مكان أخر لجاره ~~فهذا يسمى ( التورق ( وقد تنوزع في كراهته فكرهه عمر بن عبد العزيز والامام ~~أحمد بن حنبل رضي الله عنه في احدى الروايتين وقال عمر بن عبد العزيز ~~التورق أخية الربا أي أصل الربا وهذا القول أقوى ### |||| وسئل # عن رجل طلب من انسان ألف درهم إلى سنة بألف ومائتى درهم فباعه فرسا أو ~~قماشا بألف درهم واشتراه منه بألف ومائتى درهم إلى أجل معلوم فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # لا يحل له ذلك بل هو ربا باتفاق الصحابة وجمهور PageV29P431 ~~العلماء كما دلت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل بن عباس رضي ~~الله عنه عن رجل باع حريرة ثم ابتاعها لأجل زيادة درهم فقال دراهم بدراهم ~~دخلت بينهما حريرة وسئل عن ذلك أنس بن مالك فقال هذا مما حرم الله ورسوله ~~وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم في نحو ذلك بئس ما شريت وبئس ms8586 ما اشتريت ~~أخبرى زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يتوب # فمتى كان مقصود المتعامل دراهم بدراهم إلى أجل فانما الأعمال بالنيات ~~وانما لكل امرئ ما نوي فسواء باع المعطى الأجل أو باع الأجل المعطي ثم ~~استعاد السلعة وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من باع ~~بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا ( وفيه ايضا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( اذا تبايعتم بالعينة واتبعتم اذناب البقر وتركتم الجهاد في ~~سبيل الله أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ( وهذا ~~كله في بيع العينة وهو بيعتان في بيعة # وقال صلى الله عليه وسلم ( لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما ~~لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك ( قال الترمذي حديث صحيح فحرم النبى صلى الله ~~عليه وسلم أن يبيع الرجل PageV29P432 شيئا ويقرضه مع ذلك فانه يحابيه في ~~البيع لأجل القرض حتى ينفعه فهو ربا # وهذه الأحاديث وغيرها تبين أن ما تواطأ عليه الرجلان بما يقصدان به دراهم ~~بدراهم أكثر منها إلى أجل فانه ربا سواء كان يبيع ثم يبتاع أو يبيع ويقرض ~~وما أشبه ذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تداين دينا فدخل به السوق فاشتري شيئا بحضرة الرجل ثم باعه عليه ~~بفائدة هل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا على ثلاثة أوجه # ( الأول ( أن يكون بينهم مواطأة لفظية أو عرفية على أن يشتري السلعة من ~~رب الحانوت فهذا لا يجوز # ( والثاني ( أن يشتريها منه على أن يعيدها إليه فهذا أيضا لا يجوز فقد ~~دخلت أم ولد زيد بن أرقم على عائشة فقالت يا أم المؤمنين انى ابتعت من زيد ~~بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة درهم نسيئة ثم ابتعته منه بستمائة نقدا ~~فقالت لها عائشة بئس ما شريت وبئس PageV29P433 ما اشتريت أخبري زيدا أنه قد ~~أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه ms8587 وسلم الا أن يتوب وقال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا ( وسئل بن ~~عباس عن ذلك فقال دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة وقال أنس بن مالك هذا مما ~~حرم الله ورسوله # والوجه الثالث أن يشتري السلعة سرا ثم يبيعها للمستدين بيانا فيبيعها ~~أحدهما فهذه تسمى ( التورق ( لأن المشتري ليس غرضه في التجارة ولا في البيع ~~ولكن يحتاج إلى دراهم فيأخذ مائة ويبقى عليه مائة وعشرون مثلا فهذا قد ~~تنازع فيه السلف والعلماء والأقوى ايضا أنه منهي عنه كما قال عمر بن عبد ~~العزيز ما معناه أن التورق أصل الربا فان الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر ~~منها إلى أجل لما في ذلك من ضرر المحتاج وأكل ماله بالباطل وهذا المعنى ~~موجود في هذه الصورة وانما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى # وانما الذي أباحه الله البيع والتجارة وهو أن يكون المشتري غرضه أن يتجر ~~فيها فأما اذا كان قصده مجرد الدراهم بدراهم اكثر منها فهذا لا خير فيه ~~والله أعلم PageV29P434 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل يداين الناس كل مائة بمائة وأربعين ويجعل سلفا على حرير فاذا جاء ~~الأجل وأعسر المديون عن وفائه قال له عاملنى فيأخذ رب الحرير من عنده ويقول ~~للمديون اشتريت مني هذا الحرير بمائة وتسعين إلا أنه يأتيه على حساب كل ~~مائة بمائة وأربعين واذا قبضه المديون منه قال أوفنى هذا الحرير عن السلف ~~الذي لي عندك واذا جاءت السنة الثانية طالبه بالدراهم المذكورة فأعسرت عليه ~~أو بعضها قال عاملنى فيحسب المتبقى والأصل ويجعل ذلك سلفا على حرير فما يجب ~~على هذا الرجل ### ||||| فأجاب # هذا هو عين الربا الذي أنزل فيه القرآن فانه كان يكون للرجل على ~~الرجل الدين فيأتى إليه عند محل الأجل فيقول اما أن تقضى وأما ان تربي فان ~~وفاه والا زاده المدين في الدين وزاده الغريم في الأجل حتى يتضاعف المال ~~فأنزل الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ms8588 من ~~الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم ~~فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ~~@QE@ PageV29P435 # وهذه المعاملة التى يفعلها مثل هذا المربى مقصودها مقصود أولئك المشركين ~~المربين لكن هذا أظهر صورة المعاملة وهذا لا ينفعه باتفاق أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم فان هذا المربى يبيعه ذلك الحرير إلى أجل ليوفيه اياه عن ~~دينه فهو بمنزله أن يبيعه إياه إلى أجل ليشتريه بأقل من ذلك وقد سئل بن ~~عباس عن مثل هذا فقال هذا حرام حرمه الله ورسوله وسألت أم ولد زيد بن ارقم ~~عائشة أم المؤمنين عن مثل هذا فقالت اني بعت من زيد غلاما إلى العطاء ~~بثمانمائة درهم ثم ابتعته بستمائة فقالت لها عائشة بئس ما اشتريت وبئس ما ~~بعت أخبري زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن ~~يتوب قالت يا أم المؤمنين أرأيت ان لم أجد الا رأس مالي فقالت عائشة ( فمن ~~جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ( وفي السنن عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا ( # وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لا يحل سلف وبيع ( فنهى أن يبيع ~~ويقرض ليحابيه في البيع لأجل القرض وثبت عنه في الصحيح أنه قال ( انما ~~الأعمال بالنيات ( فهذان المتعاملان ان كان قصدهما أخذ PageV29P436 دراهم ~~بدراهم إلى أجل فبأي طريق توصل إلى ذلك كان حراما لأن المقصود حرام لا يحل ~~قصده بل قد نهي السلف عن كثير من ذلك سدا للذرائع لئلا يفضي إلى هذا ~~المقصود # وهذا المربى لا يستحق في ذمم الناس إلا ما أعطاهم أو نظيره فأما الزيادات ~~فلا يستحق شيئا منها لكن ما قبضه قبل ذلك بتأويل فانه يعفى عنه وأما ما بقى ~~له في الذمم فهو ساقط لقوله @QB@ وذروا ما بقي من الربا @QE@ والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل أراد الاستدانة من رجل فقال ms8589 أعطيك كل مائة بكسب كذا وتبايعا ~~بينهما شيئا من عروض التجارة فلما استحق الدين طلبه بالدين فعجز عنه فقال ~~اقلب على الدين بكسب كذا وكذا في المائة وتبايعا بينهما عقارا وفى آخر كل ~~سنة يفعل معه مثل ذلك وفى جميع المبايعات غرضهم الحلال فصار المال عشرة ~~آلاف درهم فهل يحل لصاحب الدين مطالبة الرجل بما زاد في هذه المدة الطويلة ~~وهل لولي الأمر إنكار ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # قول القائل لغيره أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا PageV29P437 حرام # وكذا اذا حل الدين عليه وكان معسرا فانه يجب انظاره ولا يجوز إلزامه ~~بالقلب عليه باتفاق المسلمين وبكل حال فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات ~~التى يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هي معاملة فاسدة ربوية # والواجب رد المال المقبوض فيها إن كان باقيا وإن كان فانيا رد مثله ولا ~~يستحق الدافع أكثر من ذلك وعلى ولي الأمر المنع من هذه المعاملات الربوية ~~وعقوبة من يفعلها ورد الناس فيها إلى رؤوس أموالهم دون الزيادات فان هذا من ~~الربا الذي حرمه الله ورسوله وقد قال تعالى @QB@ اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن ~~تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون @QE@ ### |||| وسئل # عن رجل له مع رجل معاملة فتأخر له معه دراهم فطالبه وهو معسر فاشتري له ~~بضاعة من صاحب دكان وباعها له بزيادة مائة درهم حتى صبر عليه فهل تصح هذه ~~المعاملة PageV29P438 ### ||||| فأجاب # لا تجوز هذه المعاملة بل ان كان الغريم معسرا فله أن ينتظره # وأما المعاملة التى يزاد فيها الدين والأجل فهي معاملة ربوية وإن أدخلا ~~بينهما صاحب الحانوت والواجب ان صاحب الدين لا يطالب إلا برأس ماله لا ~~يطالب بالزيادة التى لم يقبضها ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن ( العينة ( هل هي جائزة في دين الاسلام أم لا وهل يجوز لأحد أن يقلد ~~فيها ms8590 بعض من رأى جوازها من الفقهاء أم يجب عليه أن يحتاط لدينه ويتبع ~~النصوص الواردة في ذلك ومن تاب من ( مسألة العينة ( المذكورة هل يحل له ما ~~ربحه بطريقها أم يجب عليه اخراج الربح ورده إلى أربابه ان قدر أو التصدق ~~بذلك فان عاد اليها مقلدا بعد العلم ببطلانها هل يجوز له ذلك أم لا وكذلك ~~ما تقولون في ( مسألة الثلاثية ( و ( مسألة التورق ( ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما اذا كان قصد الطالب أخذ دراهم بأكثر منها إلى أجل ~~والمعطى يقصد إعطاءه ذلك فهذا ربا لا ريب في تحريمه وان تحيلا على ذلك بأي ~~طريق كان فانما الأعمال بالنيات PageV29P439 و انما لكل امرئ ما نوى فان ~~هذين قد قصدا الربا الذى أنزل الله في تحريمه القرآن وهو الربا الذي أنزل ~~الله فيه قوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ~~إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم ~~رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة @QE@ # وكان الرجل في الجاهلية يكون له على الرجل دين فيأتيه عند محل الأجل ~~فيقول له اما أن تقضى واما أن تربى فان قضاه والا زاده المدين في المال ~~وزاده الغريم في الأجل فيكون قد باع المال بأكثر منه إلى أجل فأمرهم الله ~~اذا تابوا أن لا يطالبوا إلا برأس المال وأهل الحيل يقصدون ما تقصده أهل ~~الجاهلية لكنهم يخادعون الله ولهم طرق # أحدها أن يبيعه السلعة إلى أجل ثم يبتاعها بأقل من ذلك نقدا كما قالت أم ~~ولد زيد بن أرقم لعائشة انى بعت من زيد غلاما إلى العطاء بثمانمائة وابتعته ~~بستمائة نقدا فقالت لها عائشة بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أخبري زيدا أنه ~~قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يتوب قالت يا أم ~~المؤمنين أرأيت ان لم آخذ الا رأس مالي فقرأت عائشة @QB@ فمن جاءه موعظة من ~~ربه فانتهى فله ما سلف ms8591 وأمره إلى الله @QE@ PageV29P440 # وقيل لابن عباس رجل باع حريرة إلى أجل ثم ابتاعها بأقل من ذلك فقال دراهم ~~بدراهم دخلت بينهما حريرة وسئل أنس بن مالك عن نحو ذلك فقال هذا مما حرمه ~~الله ورسوله وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من باع ~~بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا ( وهؤلاء قد باعوا بيعتين في بيعة # وكذلك اذا اتفقا على المعاملة الربوية ثم أتيا إلى صاحب حانوت يطلبان منه ~~متاعا بقدر المال فاشتراه المعطي ثم باعه الآخذ إلى أجل ثم أعاده إلى صاحب ~~الحانوت بأقل من ذلك فيكون صاحب الحانوت واسطة بينهما بجعل فهذا ايضا من ~~الربا الذي لا ريب فيه # وكذلك اذا ضما إلى القرض محاباة في بيع أو اجارة أو غير ذلك مثل أن يقرضه ~~مائة ويبيعه سلعة تساوي خمسمائة أو يؤجره حانوتا يساوي كراه مائة بخمسين ~~فهذا أيضا من الربا ومن رواية الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما ~~لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك ( قال الترمذي حديث صحيح فقد حرم النبي صلى ~~الله عليه وسلم السلف وهو القرض مع البيع # والأصل في هذا الباب ان الشراء على ثلاثة أنواع PageV29P441 # أحدها أن يشتري السلعة من يقصد الانتفاع بها كالأكل والشرب واللباس ~~والركوب والسكنى ونحو ذلك فهذا هو البيع الذي أحله الله # والثانى أن يشتريها من يقصد أن يتجر فيها اما في ذلك البلد وإما في غيره ~~فهذه هي التجارة التى أباحها الله # والثالث أن لا يكون مقصوده لا هذا ولا هذا بل مقصوده دراهم لحاجته اليها ~~وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضا أو سلما فيشتري سلعة ليبيعها ويأخذ ثمنها ~~فهذا هو ( التورق ( وهو مكروه في أظهر قولي العلماء وهذا إحدى الروايتين عن ~~أحمد كما قال عمر بن عبد العزيز التورق أخية الربا وقال بن عباس اذا استقمت ~~بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس ms8592 به واذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم ~~بدراهم # ومعني كلامه اذا استقمت اذا قومت يعنى اذا قومت السلعة بنقد وابتعتها إلى ~~أجل فانما مقصودك دراهم بدراهم هكذا ( التورق ( يقوم السلعة في الحال ثم ~~يشتريها إلى أجل بأكثر من ذلك وقد يقول لصاحبه أريد أن تعطينى الف درهم فكم ~~تربح فيقول مائتين أو نحو ذلك أو يقول عندي هذا المال يساوي ألف ~~PageV29P442 درهم أو يحضران من يقومه بألف درهم ثم يبيعه بأكثر منه إلى أجل ~~فهذا مما نهي عنه في الصحيح # وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التى اختلفت فيها الأمة كهذه ~~المعاملات المسئول عنها وغيرها وكان متأولا في ذلك ومعتقدا جوازه لاجتهاد ~~أو تقليد أو تشبه ببعض أهل العلم أو لأنه أفتاه بذلك بعضهم ونحو ذلك فهذه ~~الأموال التى كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها وان تبين لهم بعد ذلك أنهم ~~كانوا مخطئين في ذلك وان الذي أفتاهم أخطأ فانهم قبضوها بتأويل فليسوا اسوأ ~~حالا مما اكتسبه الكفار بتأويل باطل # فان الكفار اذا تبايعوا بينهم خمرا أو خنزيرا وهم يعتقدون جواز ذلك ~~وتقابضوا من الطرفين أو تعاملوا بربا صريح يعتقدون جوازه وتقابضوا من ~~الطرفين ثم أسلموا ثم تحاكموا الينا أقررناهم على ما بأيديهم وجاز لهم بعد ~~الاسلام ان ينتفعوا بذلك كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين @QE@ فأمرهم بترك ما بقي لهم في ~~الذمم ولم يأمرهم باعادة ما قبضوه # وكان بعض نواب عمر بالعراق يأخذ من أهل الذمة الجزية خمرا ثم يبيعها لهم ~~فكتب إليه عمر ينهاه عن ذلك وقال ان رسول PageV29P443 الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ( ~~ولكن ولو هم بيعها وخذوا أثمانها فنهاهم عمر عن بيع الخمر وقال ولو أبيعها ~~الكفار فاذا باعوها هم لأهل دينهم وقبضوا أثمانها جاز للمسلمين أن يأخذوا ~~ذلك الثمن منهم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أيما قسم قسم في ~~الجاهلية فهو ms8593 على ما قسم وأيما قسم أدركه الاسلام فهو على قسم الاسلام ( # بل اكثر العلماء كمالك وأحمد وأبى حنيفة يقولون بما دلت عليه سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وهو أن الكفار المحاربين اذا ~~استولوا على أموال المسلمين بالمحاربة ثم اسلموا بعد ذلك أو عاهدوا فانها ~~تقر بأيديهم كما أقر النبي صلى الله عليه وسلم بيد المشركين ما كانوا أخذوه ~~من أموال المسلمين حال الكفر لأنهم لم يعتقدوا تحريم ذلك وقد أسلموا ~~والاسلام يجب ما قبله فانما غفر لهم بالاسلام ما تقدم من الكفر والأعمال ~~صاروا مكتسبين لها بما لا يأثمون به # واذا كان الأمر كذلك فالمسلم المتأول الذي يعتقد جواز ما فعله من ~~المبايعات والمؤاجرات والمعاملات التى يفتى فيها بعض العلماء اذا أقبض بها ~~أموال وتبين لأصحابها فيما بعد أن القول الصحيح تحريم ذلك لم يحرم عليهم ما ~~قبضوه بالتأويل كما لم يحرم على الكفار بعد الاسلام PageV29P444 ما اكتسبوه ~~في حال الكفر بالتأويل ويجوز لغيرهم من المسلمين الذين يعتقدون تحريم ذلك ~~ان يعاملوهم فيه كما يجوز للمسلم أن يعامل الذمي فيما في يده من ثمن الخمر ~~وغيره لكن عليهم اذا سمعوا العلم أن يتوبوا من هذه المعاملات الربوية ولا ~~يصلح أن يقلد فيها أحدا ممن يفتى بالجواز تقليدا لبعض العلماء فان تحريم ~~هذه المعاملات ثابت بالنصوص والآثار ولم يختلف الصحابة في تحريمها وأصول ~~الشريعة شاهدة بتحريمها # والمفاسد التى لأجلها حرم الله الربى موجودة في هذه المعاملات مع زيادة ~~مكر وخداع وتعب وعذاب فانهم يكلفون من الرؤية والصفة والقبض وغير ذلك من ~~أمور يحتاج اليها في البيع المقصود وهذا البيع ليس مقصودا لهم وإنما ~~المقصود أخذ دراهم بدراهم فيطول عليهم الطريق التى يؤمرون بها فيحصل لهم ~~الربا فهم من أهل الربا المعذبين في الدنيا قبل الآخرة وقلوبهم تشهد بأن ~~هذا الذي يفعلونه مكر وخداع وتلبيس ولهذا قال أيوب السختيانى يخادعون الله ~~كما يخادعون الصبيان فلو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي # والكلام على هذا مبسوط في ms8594 غير هذا الموضع وقد صنفت كتابا كبيرا في هذا ~~والله أعلم PageV29P445 ### |||| وسئل # عن الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقل من ذلك الثمن ~~حالا هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # أما اذا باع السلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالا ~~فهذه تسمى ( مسألة العينة ( وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبى حنيفة ~~ومالك وأحمد وغيرهم وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وبن عباس وأنس بن مالك ~~فان بن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ثم اشتريت بأقل فقال دراهم بدراهم ~~دخلت بينهما حريرة # وأبلغ من ذلك أن بن عباس قال اذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم ~~بدراهم فبين أنه اذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى أجل فيكون مقصوده ~~دراهم بدراهم والأعمال بالنيات وهذه تسمى ( التورق ( # فإن المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها وتارة يشتريها PageV29P446 ~~ليتجر بها فهذان جائزان باتفاق المسلمين وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ ~~دراهم فينظر كم تساوي نقدا فيشتري بها إلى أجل ثم يبيعها في السوق بنقد ~~فمقصوده الورق فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء كما نقل ذلك عن عمر بن عبد ~~العزيز وهو إحدى الروايتين عن أحمد # وأما عائشة فانها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها إنى ابتعت من ~~زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة وبعته منه بستمائة فقالت عائشة بئس ~~ما بعت وبئس ما اشتريت أخبري زيدا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بطل الا أن يتوب قالت يا أم المؤمنين أرأيت ان لم آخذ إلا رأس مالي ~~فقالت لها عائشة ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ~~( # وفى السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن باع بيعتين في بيعة ( ~~فله أوكسهما أو الربا ( وهذا ان تواطآ على أن يبيع ثم يبتاع فما له إلا ~~الأوكس وهو الثمن الأقل أو الربا # وأصل هذا الباب ان الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما ms8595 نوى فان كان قد نوى ~~ما أحله الله فلا بأس وإن نوي ما حرم الله وتوصل إليه بحيلة فان له ما نوى ~~والشرط بين الناس PageV29P447 ما عدوه شرطا كما ان البيع بينهم ما عدوه ~~بيعا والاجارة بينهم ما عدوه إجارة وكذلك النكاح بينهم ما عدوه نكاحا فان ~~الله ذكر البيع والنكاح وغيرهما في كتابه ولم يرد لذلك حد في الشرع ولا له ~~حد في الفقه # والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج وتارة ~~باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر وتارة بالعرف كالقبض والتفريق # وكذلك العقود كالبيع والاجارة والنكاح والهبة وغير ذلك فما تواطأ الناس ~~على شرط وتعاقدوا فهذا شرط عند أهل العرف ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل دين رجلا شعيرا بستين درهم الغرارة إلى وقت معلوم فلما جاء وقت ~~الأجل طالبه فقال المديون ما أعطيك غير شعير وكان الشعير يساوي ثلاثين ~~درهما الغرارة فهل له أن يأخذ شعيرا أم لا ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء فمذهب الفقهاء السبعة ~~PageV29P448 و مالك وأحمد في المنصوص عنه أن ذلك لا يجوز فمن باع مالا ~~ربويا كالحنطة والشعير وغيرهما إلى أجل لم يجز أن يعتاض عن ثمنه بحنطة أو ~~شعير أو غير ذلك مما لا يباع به نسيئة لأن الثمن لم يقبض فكأنه قد باع حنطة ~~أو شعيرا بحنطة أو شعير إلى أجل متفاضلا وهذا لا يجوز باتفاق المسلمين # وقال أبو حنيفة والشافعي هذا يجوز وهو اختيار أبى محمد المقدسي من أصحاب ~~أحمد لأن البائع إنما يستحق الثمن في ذمة المشتري وبه اشتري فاشبه ما لو ~~قبضه ثم اشتري من غيره وأما ان باع ما عند المشتري من حنطة أو شعير واستوفى ~~حقه من الثمن فذلك جائز بلا ريب واذا كان البائع قد أخذ الحنطة أو الشعير ~~بدون قيمته فذلك اخف والله اعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اشترى أربع أرادب قمح بمائة درهم إلى اجل معلوم فعند استحقاق ~~المائة وجده يبيع القمح بعشرة دراهم كل اردب فهل يجوز ان يأخذ ms8596 بالمائة عشرة ~~ارادب قمح أو فول أو شعير من الحبوب PageV29P449 ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها ~~نزاع مشهور اذا باعه حنطة أو شعيرا أو نحوهما من الربويات إلى أجل واعتاض ~~عن ثمن ذلك حنطة أو شعيرا أو نحوهما مما لا يباع بالأول نسأ فعند مالك ~~واحمد وغيرهما أن ذلك لا يجوز وعند أبى حنيفة والشافعي أنه يجوز وهو قول ~~بعض اصحاب أحمد ### |||| وسئل # عمن يبيع فضة خالصة بفضة مغشوشة الدرهم بدرهم ونصف ### ||||| فأجاب # لا يجوز بيع الفضة بالفضة الا مثلا بمثل واذا كان الغش الذي في ~~الفضة لا يقصد بالفضة جاز # وأما ان كانت الفضة أكثر من الفضة لم يجز لا سيما ان كانت الفضة التى في ~~المغشوش أكثر من الخالصة فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين والجهل بالتساوي ~~كالعلم بالتفاضل PageV29P450 ### |||| وسئل # عن بيع الفضة بالفضة المغشوشة متفاضلا ### ||||| فأجاب # اذا كانت الفضة الخالصة في أحدهما بقدر الفضة الخالصة في الأخرى ~~وهي المقصودة والنحاس يذهب وقد علم قدر ذلك بالتحري والاجتهاد فهذا يجوز في ~~أحد قولي العلماء وكذلك اذا كانت الفضة المفردة أكثر من الفضة المغشوشة ~~بشيء يسير بقدر النحاس فهذا يجوز في أظهر قولي العلماء # وأما اذا كانت الفضة المغشوشة أكثر من المفردة فانه لا يجوز والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن بيع الأكاديس الأفرنجية بالدراهم الإسلامية مع ~~العلم بأن التفاوت بينهما يسير لا يقوم بمؤنة الضرب بل فضة هذه الدراهم ~~أكثر هل تجوز المقابضة بينهما أم لا PageV29P451 ### ||||| فأجاب # هذه المقابضة تجوز في أظهر قولي العلماء والجواز فيه له مأخذان بل ~~ثلاثة # أحدها أن هذه الفضة معها نحاس وتلك فضة خالصة والفضة المقرونة بالنحاس ~~أقل فإذا بيع مائة درهم من هذه بسبعين مثلا من الدراهم الخالصة فالفضة التي ~~في المائة أقل من سبعين فإذا جعل زيادة الفضة بازاء النحاس جاز على أحد ~~قولي العلماء الذين يجوزون مسألة مد عجوة كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في ~~أحدى الروايتين # وهو أيضا مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه إذا كان الربوى تبعا لغيره كما ms8597 ~~إذا باع شاة ذات لبن بلبن ودارا مموهة بالذهب بذهب والسيف المحلي بفضة بفضة ~~أو ذهب ونحو ذلك # والذين منعوا من مسألة ( مد عجوة ( وهو بيع الربوي بجنسه اذا كان معهما ~~أو مع أحدهما من غير جنسه قد علله طائفة منهم من أصحاب الشافعي وأحمد بأن ~~الصفقة اذا اشتملت على عوضين مختلفين انقسم الثمن عليهما بالقيمة وهذه علة ~~ضعيفة فان الانقسام اذا باع شقصا مشفوعا وما ليس بمشفوع كالعبد والسيف ~~والثوب اذا كان لا يحل عاد الشريك إلى الآخذ بالشفعة فأما انقسام الثمن ~~بالقيمة لغير حاجة فلا دليل عليه PageV29P452 # والصحيح عند أكثرهم كون ذلك ذريعة إلى الربا بأن يبيع ألف درهم في كيس ~~بألفي درهم ويجعل الألف الزائدة في مقابلة الكيس كما يجوز ذلك من يجوزه من ~~أصحاب أبى حنيفة # والصواب في مثل هذا أنه لا يجوز لان المقصود بيع دراهم بدراهم متفاضلة ~~فمتي كان المقصود ذلك حرم التوسل إليه بكل طريق فانما الأعمال بالنيات # وكذلك اذا لم يعلم مقدار الربوي بل يخرص خرصا مثل القلادة التى بيعت يوم ~~حنين وفيها خرز معلق بذهب فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تباع حتى ~~تفصل ( فان تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد ~~فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع هذا بهذا حتى تفصل لأن الذهب المفرد ~~يجوز ان يكون أنقص من الذهب المقرون فيكون قد باع ذهبا بذهب مثله وزيادة ~~خرز وهذا لا يجوز # واذا علم المأخذ فاذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها وكان المفرد ~~أكثر من المخلوط كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة بحيث تكون الزيادة في ~~مقابلة الخلط لم يكن في هذا من مفسدة الربا شيء اذ ليس المقصود بيع دراهم ~~بدراهم اكثر منها ولا هو بما يحتمل أن PageV29P453 يكون فيه ذلك فيجوز ~~التفاوت المأخذ الثاني مأخذ من يقول يجوز بيع الربوي بالربوي على سبيل ~~التحري والخرص عند الحاجة إلى ذلك إذا تعذر الكيل أو الوزن كما يقول ذلك ~~مالك والشافعي وأحمد ms8598 في بيع العرايا بخرصها كما مضت به السنة في جواز بيع ~~الرطب بالتمر خرصا لأجل الحاجة ويجوز ذلك في كل الثمار في أحد الأقوال في ~~مذهب أحمد وغيره وفي الثاني لا يجوز وفي الثالث يجوز في العنب والرطب خاصة ~~كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وكما يقول نظير ذلك مالك وأصحابه في ~~بيع الموزون على سبيل التحري عند الحاجة كما يجوز بيع الخبز بالخبز على وجه ~~التحري وجوزوا بيع اللحم باللحم على وجه التحري في السفر قالوا لأن الحاجة ~~تدعو إلى ذلك ولا ميزان عندهم فيجوز كما جازت العرايا وفرقوا بين ذلك وبين ~~الكيل فإن الكيل ممكن ولو بالكف وإذا كانت السنة قد مضت بإقامة التحري ~~والاجتهاد مقام العلم بالكيل أو الوزن عند الحاجة فمعلوم أن الناس يحتاجون ~~إلى بيع هذه الدراهم المغشوشة بهذه الخالصة وقد عرفوا مقدار ما فيها من ~~الفضة PageV29P454 بأخبار أهل الضرب واخبار الصيارفة وغيرهم ممن سبك هذه ~~الدراهم وعرف قدر ما فيها من الفضة فلم يبق في ذلك جهل مؤثر بل العلم بذلك ~~أظهر من العلم بالخرص أو نحو ذلك وهم انما مقصودهم دراهم بدراهم بقدر ~~نصيبهم ليس مقصودهم أخذ فضة زائدة ولو وجدوا من يضرب لهم هذه الدراهم فضة ~~خالصة من غير اختيارهم بحيث تبقى في بلادهم لفعلوا ذلك وأعطوه أجرته فهم ~~ينتفعون بما يأخذونه من الدراهم الخالصة ولا يتضررون بذلك وكذلك أرباب ~~الخالصة اذا أخذوا هذه الدراهم فهم ينتفعون بذلك لا يتضررون # وهذا ( مأخذ ثالث ( يبين الجواز وهو ان الربا إنما حرم لما فيه من أخذ ~~الفضل وذلك ظلم يضر المعطي فحرم لما فيه من الضرر واذا كان كل من ~~المتقابضين مقابضة أنفع له من كسر دراهمه وهو إلى ما يأخذه محتاج كان ذلك ~~مصلحة لهما هما يحتاجان إليها والمنع من ذلك مضرة عليهما والشارع لا ينهي ~~عن المصالح الراجحة ويوجب المضرة المرجوحة كما قد عرف ذلك من أصول الشرع # وهذا كما أن من أخذ ( السفتجة ( من المقرض وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها ms8599 ~~منه في بلد آخر مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر والمقترض له ~~دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض فيقترض منه في بلد ~~دراهم المقرض ويكتب PageV29P455 له سفتجة أي ورقة إلى بلد دراهم المقترض ~~فهذا يجوز في أصح قولي العلماء # وقيل ينهى عنه لأنه قرض جر منفعة والقرض اذا جر منفعة كان ربا والصحيح ~~الجواز لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى بلد ~~دراهم المقترض فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض والشارع لا ينهي عما ينفع الناس ~~ويصلحهم ويحتاجون إليه وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم وقد أغناهم الله عنه ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عمن اشتري الفلوس أربعة عشر قرطاسا بدرهم ويصرفها ثلاثة عشر بدرهم هل ~~يجوز ### ||||| فأجاب # اذا كان يصرفها للناس بالسعر العام جاز ذلك وان اشتراها رخيصة # وأما من باع سلعة بدراهم فانه لا يجب عليه أن يقتضى عن شيء منها فلوسا ~~إلا باختياره وكذلك من اشتراها بدراهم فعليه أن يوفيها دراهم فان تراضيا ~~على التعويض عن الثمن أو بعضه بفلوس بالسعر الواقع جاز والله أعلم ~~PageV29P456 ### |||| وسئل # عن الفلوس وبيع بعضها ببعض متفاضلا وصرفها بالدراهم من غير تقابض في ~~الحال ودافع الدرهم يأخذ ببعضه فلوسا وببعضه قطعة من فضة ### ||||| فأجاب # اذا دفع الدرهم فقال أعطني بنصفه فضة وبنصفه فلوسا وكذلك لو قال ~~أعطنى بوزن هذه الدراهم الثقيلة أنصافا أو دراهم خفافا فانه يجوز سواء كانت ~~مغشوشة أو خالصة ومن الفقهاء من يكره ذلك ويجعله من باب ( مد عجوة ( لكونه ~~باع فضة ونحاسا بفضة ونحاس # وأصل مسألة ( مد عجوة ( أن يبيع مالا ربويا بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من ~~غير جنسهما فان للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال # أحدها المنع مطلقا كما هو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد # والثاني الجواز مطلقا كقول أبى حنيفة ويذكر رواية عن أحمد PageV29P457 # والثالث الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا أولا يكون ~~وهذا مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه فاذا باع تمرا في نواه ms8600 بنوي أو تمرا ~~منزوع النوي أو شاة فيها لبن بشاة ليس فيها لبن أو بلبن ونحو ذلك فانه يجوز ~~عندهما بخلاف ما اذا باع ألف درهم بخمسمائة درهم في منديل فان هذا لا يجوز # فمن كان قصده بيع الربوي بجنسه متفاضلا لم يجز وان كان تبعا غير مقصود ~~جاز ومالك رحمه الله يقدر ذلك بالثلث # وهكذا اذا باع حنطة فيها شعير يسير بحنطة فيها شعير يسير فان ذلك يجوز ~~عند الجمهور وكذلك اذا باع الدراهم التى فيها غش بجنسها فان الغش غير مقصود ~~والمقصود بيع الفضة بالفضة وهما متماثلان # وكذلك صرف الفلوس بالدراهم المغشوشة يقول من يكرهه أنه بيع فضة ونحاس ~~بنحاس والصحيح الذي عليه الجمهور أن هذا كله جائز PageV29P458 ### |PARATEXT| # وقال شيخ ~~الإسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # وأما بيع الفضة بالفلوس النافقة هل يشترط فيها الحلول والتقابض كصرف ~~الدراهم بالدنانير فيه قولان هما روايتان عن أحمد # إحداهما لابد من الحلول والتقابض فإن هذا من جنس الصرف فإن الفلوس ~~النافقة تشبه الأثمان فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفا # والثانية لا يشترط الحلول والتقابض فإن ذلك معتبر في جنس الذهب والفضة ~~سواء كان ثمنا أو كان صرفا أو كان مكسورا بخلاف الفلوس ولأن الفلوس هي في ~~الأصل من باب العروض والثمنية عارضة لها # وأيضا هذا مبني على الأصل الآخر وهو أن بيع النحاس متفاضلا هل يجوز على ~~قولين معروفين فيه وفي سائر الموزونات كالحديد بالحديد والرصاص بالرصاص ~~والقطن بالقطن والكتان بالكتان PageV29P459 والحرير بالحرير # احدهما لا يجوز بيع الجنس بجنسه متفاضلا وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه ~~وأحمد في أشهر الروايتين عنه ( # والثاني ( أن ذلك جائز وهو مذهب مالك والشافعي واحمد في الرواية الأخري ~~اختارها طائفة من أصحابه # ومن قال بالتحريم اختلفوا في المعمول من ذلك كثياب القطن والكتان ~~والأسطال وقدور النحاس وغير ذلك هل يجري فيه الربا على ثلاثة أقوال # أصحها الفرق بين ما يقصد وزنه بعد الصنعة كثياب الحرير والأسطال ونحوهما ~~وبين ما لا يقصد وزنه كثياب القطن والكتان والابر وغيرها # وعلى ms8601 هذا فالفلوس يجري فيها الربا عند من يقول أن معمول النحاس يجري فيه ~~ومن اعتبر قصد الوزن لم يجر الربا فيها عنده لأنه لا يقصد وزنها في العادة ~~وانما تنفق عددا # لكن من قال هي أثمان فهل يجري فيها الربا من هذه الجهة على وجهين لهم ~~وكذلك فيها وجهان في وجوب الزكاة فيها وفي إخراجها عن الزكاة وغير ذلك ~~والوجهان في مذهب أحمد وغيره PageV29P460 ### |||| وسئل # عن رجل قال لانسان أعطنى بهذه الدراهم أنصافا قال له ما يجوز فهل يجوز ~~ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه فيها نزاع بين العلماء لكن الأكثرون على جواز ذلك ~~كأبى حنيفة ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه # فان المسألة التى نقلتها الفقهاء مسألة ( مد عجوة ( على ثلاثة اقسام ~~يجمعها أنه بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما # القسم الأول ( أن يكون المقصود بيع ربوي بجنسه متفاضلا ويضم إلى الأقل ~~غير الجنس حيلة مثل أن يبيع ألفي دينار بألف دينار في منديل أو قفيز حنطة ~~بقفيز وغرارة ونحو ذلك فان الصواب في مثل هذا القول بالتحريم كما هو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد والا فلا يعجز أحد في ربا الفضل ان يضم إلى القليل ~~شيئا من هذا # ( القسم الثانى ( أن يكون المقصود بيع غير ربوي مع ربوي وانما دخل الربوي ~~ضمنا وتبعا كبيع شاة ذات صوف ولبن بشاة ذات PageV29P461 صوف ولبن أو سيف ~~فيه فضة يسيرة بسيف أو غيره أو دار مموهة بذهب بدار ونحو ذلك فهنا الصحيح ~~في مذهب مالك واحمد جواز ذلك # وكذلك لو كان المقصود بيع الربوي بغير الربوي مثل بيع الدار والسيف ~~ونحوهما بذهب أو بيعه بجنسه وهما متساويان # ومسألة الدراهم المغشوشة في زماننا من هذا الباب فان الفضة التى في أحد ~~الدرهمين كالفضة التى في الدرهم الآخر وأما النحاس فهو تابع غير مقصود ~~ولهذا كان الصحيح جواز ذلك بخلاف القسم الثالث وهو ما اذا كان كلاهما ~~مقصودا مثل بيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم أو مدين أو درهمين أو بيع ms8602 ~~دينار بنصف دينار وعشرة دراهم أو بيع عشرة دراهم ورطل نحاس بعشرة دراهم ~~ورطل نحاس فمثل هذه فيها نزاع مشهور فأبو حنيفة يجوز ذلك والشافعي يحرمه ~~وعن أحمد روايتان ولمالك تفصيل بين الثلث وغيره PageV29P462 ### |||| وسئل رحمه الله # عن الذهب المخيش اذا علم مقدار ما فيه من الفضة والذهب فهل يجوز بيعه ~~باحدهما اذا كان المفرد اكثر من الذي معه غيره ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا على ثلاثة أنواع # أحدها ان يكون المقصود بيع فضة بفضة متفاضلا أو بيع ذهب بذهب متفاضلا ~~ويضم إلى الأنقص من غير جنسه حيلة فهذا لا يجوز أصلا # والثانى أن يكون المقصود بيع أحدهما وبيع عرض بأحدهما وفي العرض ما ليس ~~مقصودا مثل بيع السلاح باحدهما وفيه حيلة يسيرة أو بيع عقار بأحدهما وفى ~~سقفه وحيطانه كذلك مثل بيع غنم ذات صوف بصوف وذات لبن بلبن فهذا يجوز عند ~~اكثر العلماء وهو الصواب # وبيع الفضة المخيشة بذهب يذهب عند السبك بفضة مثله هو من هذا الباب فاذا ~~بيعت الفضة المصنوعة المخيشة بذهب أو بيعت PageV29P463 بذهب مقبوض جاز ذلك ~~واذا بيعت الفضة المصنوعة بفضة اكثر منها لأجل الصناعة لم يجز # والثالث أن يكون كلا الأمرين مقصودا مثل أن يكون على السلاح ذهب أو فضة ~~كثير فهذا اذا كان معلوم المقدار وبيع بأكثر من ذلك ففيه نزاع مشهور ~~والأظهر أنه جائز واذا بيعت الفضة المصنوعة المخيشة بذهب أو بيعت بذهب ~~مغشوش جاز ذلك واذا بيعت الفضة المصنوعة بفضة أكثر منها لم يجز والله أعلم # وقال رحمه الله ### ||| فصل # وأما بيع الدراهم النقرة التى تكون فضتها نحو الثلثين بالدراهم السود ~~التى تكون فضتها نحو الربع أو أقل أو أكثر فهذه مما تتعلق بمسألة مد عجوة # وجماعها أن يبيع ربويا معه غيره بجنس ذلك الربوي والناس فيها بين طرفى ~~التحريم والتحليل وبين متوسط PageV29P464 فاذا كان المقصود بيع الربوي ~~بجنسه متفاضلا وقد أدخل الغير حيلة كمن يبيع الفي درهم بألف درهم في منديل ~~أو قفيزي حنطة بقفيز في زنبيل فهذا لا ريب ms8603 في تحريمه كما هو مذهب مالك ~~والشافعي وأحمد # وان كان المقصود هو البيع الجائز وما فيه من مقابلة ربوي بربوي هو داخل ~~على وجه التبع كبيع الغنم بالغنم وفى كل منهما لبن وصوف أو بيع غنم ذات لبن ~~بلبن وبيع دار مموهة بذهب وبيع الحلية الفضية بذهب وعليهما ذهب يسير موهت ~~به ونحو ذلك # فهذا الصواب فيه أنه جائز كما هو المشهور من مذهب أحمد وغيره كما جاز ~~دخول الثمرة قبل بدو صلاحها في البيع تبعا وقد جاء مع ذلك الحديث الذي رواه ~~مسلم مرفوعا كما رواه سالم عن أبيه ورواه نافع عن بن عمر مرفوعا ( من باع ~~عبدا له وله مال فماله للبائع الا أن يشترط المبتاع ( # واما ان كان كلا الصنفين مقصودا ففيهما النزاع المشهور ومنهم من منعه اما ~~لكونه ذريعة إلى الربا وإما لكون الصفقة المشتملة على عوضين مختلفين ينقسم ~~الثمن عليهما بالقيمة وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في احدي روايتيه ~~PageV29P465 و منهم من جوزه كمذهب أبى حنيفة وغيره والرواية الأخرى عن أحمد ~~اذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره # اذا عرف ذلك فبيع النقرة المغشوشة بالنقرة المغشوشة جائز على الصحيح كبيع ~~الشاة اللبون باللبون اذا تماثلا في الصفة أو النحاس وأما بيع النقرة ~~بالسوداء اذا لم يقصد به فضة بفضة متفاضلا فان النحاس الذي في السوداء ~~مقصود وهي قرينة بين النقرة والفلوس فهذه تخرج على النزاع المشهور في مسألة ~~( مد عجوة ( اذ قد باع فضة ونحاسا بفضة ونحاس مقصودين والأشبه الجواز في ~~ذلك وفى سائر هذا الباب اذا لم يشتمل على الربا المحرم # والأصل حمل العقود على الصحة والحاجة داعية إلى ذلك وحديث الخرز المعلقة ~~بالذهب لم يعلم كون الذهب المفرد أكثر من الذي مع الخرز والتقويم في ~~العوضين المختلفين كان للحاجة هذا ان كان النحاس ينتفع به إذا تخلص من ~~الفضة فان كان لا ينتفع به فذلك كبيع الفضة بالفضة يعتبر فيه التماثل ويلغي ~~فيه ما لا خبرة للناس بمقدار الفضة والله أعلم PageV29P466 ### |||| وسئل ms8604 # عن جماعة تبيع بدراهم وتوفي عن بعضها فلوسا محاباة ثم تخبر عن الثمن ~~بالثمن المسمى ### ||||| فأجاب # ليس لهم أن يوفوا فلوسا إلا برضا البائع واذا أوفوا فلوسا فليس لهم ~~أن يوفوها الا بالسعر الواقع كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن ~~عمر لما قال له أنا نبيع بالذهب ونقتضي الورق ونبيع بالورق ونقتضي الذهب ~~فقال ( لا بأس به بسعر يومه اذا افترقتما وليس بينكما شيء ( # وحينئذ فتخيير الثمن على التقدير سواء وذلك لأن هذا ربح فيما لم يضمن ~~وعلى هذا التقدير فجميع الديون والاعتياض عنها سواء لأن التقديرين يجريان ~~مجري واحدا فاستيفاء أحدهما عن الآخر كاستيفاء أحدهما عن نفسه فلا يكون ذلك ~~من باب المعاوضة فلا تجوز فيه الزيادة بالشرط كما لا يجوز في القرض ونحوه ~~مما يوجب المماثلة # فاذا اتفقا على أن يوفي أحدهما اكثر من قيمته كان كالاتفاق PageV29P467 ~~على أن يوفي عنه اكثر منه من جنسه بخلاف الزيادة من غير شرط وعلى هذا ~~فالفلوس النافقة قد يكون فيها شوب اقوى من الأثمان فتوفيتها عن أحد النقدين ~~كتوفية أحدهما عن صاحبه فيه العلتان لحديث بن عمر يحسبها بنقدين في الحكم ~~ويقتصر به عن الاثمان والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الفلوس تشتري نقدا بشيء معلوم وتباع إلى أجل بزيادة فهل يجوز ذلك أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين العلماء وهو صرف الفلوس ~~النافقة بالدراهم هل يشترط فيها الحلول أم يجوز فيها النسأ على قولين ~~مشهورين هما قولان في مذهب أبى حنيفة وأحمد بن حنبل # ( أحدهما ( وهو منصوص أحمد وقول مالك وإحدي الروايتين عن أبي حنيفة أنه ~~لا يجوز وقال مالك وليس بالحرام البين # ( والثاني ( وهو قول الشافعي وأبى حنيفة في الرواية الأخرى PageV29P468 ~~وبن عقيل من أصحاب أحمد أنه يجوز ومنهم من يجعل نهي أحمد للكراهة فانه قال ~~هو يشبه الصرف والأظهر المنع من ذلك فان الفلوس النافقة يغلب عليها حكم ~~الأثمان وتجعل معيار أموال الناس # ولهذا ينبغى للسلطان أن يضرب لهم ms8605 فلوسا تكون بقيمة العدل في معاملاتهم من ~~غير ظلم لهم ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس أصلا بان يشتري نحاسا فيضربه ~~فيتجر فيه ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التى بايديهم ويضرب لهم غيرها بل يضرب ~~ما يضرب بقيمته من غير ربح فيه للمصلحة العامة ويعطي أجرة الصناع من بيت ~~المال فان التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل ~~فانه اذا حرم المعاملة بها حتى صارت عرضا وضرب لهم فلوسا أخرى أفسد ما ~~عندهم من الأموال بنقص أسعارها فيظلمهم فيها وظلمهم فيها بصرفها باغلى ~~سعرها # وأيضا فاذا اختلفت مقادير الفلوس صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغارا ~~فيصرفونها وينقلونها إلى بلد آخر ويخرجون صغارها فتفسد أموال الناس # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن كسر سكة المسلمين ~~الجائزة بينهم إلا من بأس ( فاذا كانت مستوية المقدار بسعر النحاس ولم يشتر ~~ولي الأمر النحاس والفلوس الكاسدة ليضربها فلوسا ويتجر بذلك حصل بها ~~المقصود PageV29P469 من الثمنية # وكذلك الدراهم فان النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع الدرهم ~~بالدرهمين والدينار بالدينارين ( و ( نهى عن صرف الدراهم بالدنانير إلا يدا ~~بيد ( وتحريم النسأ متفق عليه بين الأمة وتحريم التفاضل يدا بيد قد ثبت فيه ~~أحاديث صحيحة وقال به جمهور الأمة ولكن لله ولرسوله في الشريعة من الحكمة ~~البالغة والنعمة التامة والرحمة العامة ما قد يخفى على كثير من العلماء # وقد اختلفوا في كثير من ( مسائل الربا ( قديما وحديثا واختلفوا في تحريم ~~التفاضل في الأصناف الستة الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح هل ~~هو التماثل وهو الكيل والوزن أو هو الثمنية والطعم أو هو الثمنية والتماثل ~~مع الطعم والقوت وما يصلحه أو النهي غير معلل والحكم مقصور على مورد النص ~~على أقوال مشهورة # و ( الأول ( مذهب أبى حنيفة وأحمد في أشهر الروايات عنه و ( الثاني ( قول ~~الشافعي وأحمد في رواية و ( الثالث ( قول أحمد في رواية ثالثة اختارها أبو ~~محمد وقول مالك قريب من هذا وهذا القول ms8606 أرجح من غيره و ( الرابع ( قول داود ~~وأصحابه ويروي عن قتادة ورجح بن عقيل هذا القول في مفرداته وضعف ~~PageV29P470 الأقوال المتقدمة وفيها قول شاذ أن العلة المالية وهو مخالف ~~للنصوص ولاجماع السلف والاتحاد في الجنس شرط على كل قول من ربا الفضل # والمقصود هنا الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير والدراهم والأظهر أن ~~العلة في ذلك هو الثمنية لا الوزن كما قاله جمهور العلماء ولا يحرم التفاضل ~~في سائر الموزونات كالرصاص والحديد والحرير والقطن والكتان # ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات ~~وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا والمنازع ~~يقول جواز هذا استحسان وهو نقيض للعلة ويقول إنه جوز هذا للحاجة مع أن ~~القياس تحريمه فيلزمه أن يجعل العلة الربا بما ذكره وذلك خلاف قوله وتخصيص ~~العلة الذي قد سمي استحسانا إن لم يبين دليل شرعي يوجب تعليق الحكم للعلة ~~المذكورة واختصاص صورة التخصيص بمعنى يمنع ثبوت الحكم من جهة الشرع ~~والأحاديث والا كانت العلة فاسدة # والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب فان المقصود من الأثمان أن تكون ~~معيارا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال ولا PageV29P471 يقصد ~~الانتفاع بعينها فمتي بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التى تناقض ~~مقصود الثمنية واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوسل ~~بها إلى تحصيل المطالب فان ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها في الذمة مع ~~أنها ثمن من طرفين فنهي الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى أجل فاذا صارت الفلوس ~~أثمانا صار فيها المعنى فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل # كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع الكالئ بالكالئ ( وهو ~~المؤخر بالمؤخر ولم ينه عن بيع دين ثابت في الذمة يسقط اذا بيع بدين ثابت ~~في الذمة يسقط فان هذا الثاني يقتضي تفريغ كل واحدة من الذمتين ولهذا كان ~~هذا جائزا في أظهر قولي العلماء كمذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما بخلاف ما ~~اذا باع ms8607 دينا يجب في الذمة ويشغلها بدين يجب في الذمة كالمسلم اذا أسلم في ~~سلعة ولم يقبضه رأس المال فانه يثبت في ذمة المستسلف دين السلم وفى ذمة ~~المسلف رأس المال ولم ينتفع واحد منهما بشيء ففيه شغل ذمة كل واحد منهما ~~بالعقود التى هي وسائل إلى القبض وهو المقصود بالعقد كما أن السلع هي ~~المقصودة بالأثمان فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل كما لا يباع كالئ بكالئ لما ~~في ذلك من الفساد والظلم المنافي لمقصود الثمنية ومقصود العقود بخلاف كون ~~المال موزونا ومكيلا فان هذا صفة لما PageV29P472 به يقدر ويعلم قدره ولأن ~~في ذلك معني يناسب تحريم التفاضل فيه # فاذا قيل المكيلات والموزونات متماثلة وعلة التحريم نفي التماثل قيل ~~العاقل لا يبيع شيئا بمثله إلى أجل ولكن قد يقرض الشيء ليأخذ مثله بعد حين ~~والقرض هو تبرع من جنس العارية كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم ( منيحة ~~ورق أو منيحة ذهب ( فالمال اذا دفع إلى من يستوفي منفعته مدة ثم يعيده إلى ~~صاحبه كان هذا تبرعا من صاحبه بنفعه تلك المدة وان كان لكل نوع اسم خاص ~~فيقال في النخلة عارية ويقال فيما يشرب لبنه منيحة ثم قد يعيد إليه عين ~~المال ان كان مقصودا والا أعاد مثله والدراهم لا تقصد عينها فاعادة المقترض ~~نظيرها كما يعيد المضارب نظيرها وهو رأس المال ولهذا سمي قرضا ولهذا لم ~~يستحق المقرض الا نظير ماله وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال ~~باتفاق العلماء والمقرض يستحق مثل قرضه في صفته كما يستحق مثله في الغصب ~~والاتلاف ومثل هذا لا يبيعه عاقل وانما يباع الشيء بمثله فيما اذا اختلفت ~~الصفة # والشارع طلب الغاء الصفة في الأثمان فأراد أن تباع الدراهم بمثل وزنها ~~ولا ينظر إلى اختلاف الصفات مع خفة وزن كل درهم كما يفعله من يطلب دراهم ~~خفافا أما ليعطيها للظلمة واما ليقضي بها PageV29P473 و اما لغير ذلك فيبدل ~~أقل منها عددا وهو مثلها وزنا فيريد المربى أن لا يعطيه ذلك ms8608 الا بزيادة في ~~الوزن فهذا اخراج الأثمان عن مقصودها وهذا مما حرمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم بلا ريب بخلاف مواضع تنازع العلماء فيها ليس هذا موضع تفصيلها والله ~~أعلم ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عمن يبخس المكيال والميزان ### ||||| فأجاب # أما بخس المكيال والميزان فهو من الأعمال التى أهلك الله بها قوم ~~شعيب وقص علينا قصتهم في غير موضع من القرآن لنعتبر بذلك والاصرار على ذلك ~~من أعظم الكبائر وصاحبه مستوجب تغليظ العقوبة وينبغي أن يؤخذ منه ما بخسه ~~من أموال المسلمين على طول الزمان ويصرف في مصالح المسلمين اذا لم يمكن ~~إعادته إلى أصحابه # والكيال والوزان الذي يبخس الغير هو ضامن محروم مأثوم وهو من أخسر الناس ~~صفقة اذ باع آخرته بدنيا غيره ولا يحل أن يجعل بين الناس كيالا أو وزانا ~~يبخس أو يحابي كما لا يحل أن يكون بينهم مقوم يحابى بحيث يكيل أو يزن أو ~~يقوم لمن يرجوه أو يخاف من شره أو يكون له جاه ونحوه بخلاف ما يكيل أو يزن ~~PageV29P474 أو يقوم لغيرهم أو يظلم من يبغضه ويزيد من يحبه # قال الله تعالى @QB@ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا @QE@ والله أعلم PageV29P475 ### ||| 2 باب بيع الاصول والثمار 2 ### |||| سئل شيخ الاسلام رحمه الله ورضي عنه # عن رجل اشتري دارا ولم يكن لها بروز ثم أنه هدمها وعمرها وأحدث بروزا ~~وسلما وبابا في زقاق غير نافذ فخاف من الدعوى عليه والأيمان بالله تعالى ~~أنه ما أحدث في هذه الدار شيئا فملكها للغير وذكر أنه باعها بالمهلة وعمل ~~هذا البيع أحبولة ومواطأة حتى يضيع الحق فهل تلزم اليمين لمن أحدث وباع أم ~~تلزم الذي اشتري وهو لم يحدث شيئا ### ||||| فأجاب # الحمد لله بيعها لا ms8609 يسقط الدعوى ~~ولا اليمين الواجبة بالدعوى وصاحب الحق له أن يدعى على المشتري المستولي ~~على ما أحدث ليزال الاحداث وله أن يدعى على البائع المحدث له الممكن له ~~المشتري من الاستيلاء فعلى أيهما ادعى صحت دعواه PageV29P476 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل بنى دارا عالية وسافلة وأجري العالية على السافلة ثم باعها في ~~صفقتين لاثنين ولم يذكر لمشتري السفلى أن عليه حق ماء وقد تضرر ### ||||| فأجاب # أما البيع فيقع على الصورة الواقعة لكن اذا لم يعلم المشتري أن على ~~سطحه حقا لغيره فله الفسخ أو الأرش ### |||| وسئل # عن رجل باع زرعا أخضر قبل أن يدرك هل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # بيع الزرع بشرط التبقية لا يجوز باتفاق العلماء وان اشتراه بشرط ~~القطع جاز بالاتفاق وان باعه مطلقا لم يجز عند جماهير العلماء فان النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع الحب حتى يشتد والعنب حتى يسود ~~PageV29P477 ### |||| وسئل رحمه الله # عن ملك بستان شجره مختلف منه ما يبدو صلاحه كالمشمش ومنه ما يتأخر بدو ~~صلاحه كالرمان ومنه ما يبدو صلاحه بينهما كالعنب والتين والرطب وأنتم لا ~~تصححون البيع الا بعد بدو الصلاح فكيف يمكن الاحتياط الشرعي مع هذا ~~الاختلاف في بدو الصلاح بتقدمه وتأخره وتوسطه فان باع مثلا المشمش عند ~~صلاحه ولم تجوزوا بيع العنب حيث هو في ذلك الوقت حصرم على ما لم يكن لهم ~~أفتونا ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله رب العالمين هذه المسألة لها صورتان # ( احداهما ( أن يضمن البستان ضمانا بحيث يكون الضامن هو الذي يزرع أرضه ~~ويسقي شجره كالذي يستأجر الأرض والأخرى إنما يكون اشترى مجرد الثمرة بحيث ~~يكون مؤنة السقي والاصلاح على البائع دون المشتري والمشتري ليس له الا ~~الثمرة ولا مؤنة عليه PageV29P478 فأما ( الصورة الأولى ( فللعلماء فيها ~~ثلاثة أقوال # ( أحدها ( أنها داخلة في النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وعلى هذا ~~فمنهم من يحتال على ذلك باجارة الأرض والمساقاة على الشجر كما يذهب إلى ذلك ~~طائفة من اصحاب أبي حنيفة والشافعي وبعض أصحاب أحمد ms8610 منهم القاضي أبو يعلي ~~في ( كتاب ابطال الحيل ( والمنصوص عن أحمد بطلان هذه الحيل وهو مذهب مالك ~~وغيره وكثير من الصور تكون باطلة بالاجماع # ( والقول الثاني ( يفرق بين أن تكون الأرض كثيرة أو قليلة فان كانت الأرض ~~البيضاء اكثر من الثلثين والشجر أقل من الثلث جاز إجارة الأرض ودخل فيها ~~بيع الثمر ضمنا وتبعا وهذا قول مالك وفي وقف الثلث قولان # ( الثالث ( جواز ذلك مطلقا سواء كانت الأرض أقل أو أكثر وهذا قول طائفة ~~من السلف والخلف منهم بن عقيل من أصحاب الامام أحمد وغيره وهذا هو المأثور ~~عن الصحابة فانه قد روي حرب الكرماني وأبو زرعة الدمشقي وغيرهما باسناد ~~ثابت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل حديقة أسيد بن حضير لما مات ثلاث ~~سنين وتسلف القبالة ووفي بها دينا كان علي أسيد ومثل PageV29P479 هذه القصة ~~لابد أن تنتشر ولم ينكرها أحد # وايضا فانه وضع الخراج على أرض الخراج والأعيان والخراج أجرة في مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد في المشهور والأرض ذات شجر فأجر الجميع وهذا القول أصح ~~الأقوال وبه ترك الخراج عن المسلمين في مثل ذلك وله مأخذان # ( أحدهما ( أنه لابد من اجارة الأرض وذلك لا يمكن الا مع الشجر فجاز ~~للحاجة لعدم إمكان التبعيض كما انه اذا بدى بعض ثمر الشجر جاز بيع جميعها ~~اتفاقا بل اذا بدى الصلاح في شجرة كان صلاحا لذلك النوع في تلك الحديقة عند ~~جماهير العلماء وفى سائر البساتين نزاع وذلك أنه يدخل في الفرد والعقود ~~تبعا ما لا يدخل استقلالا كما يدخل أساس الحيطان ودواخلها وعمل الحيوانات ~~وما يدخل من الزيادة بعد بدو الصلاح وكما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال ( من ~~باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع الا أن يشترط المبتاع ( # واذا اشترط المبتاع الثمر المؤبر جاز بالنص والاجماع وهو ثمر لم يبد ~~صلاحه جاز بيعه تبعا لغيره وغير ذلك ويجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها كما ~~جاز بيع العرايا بالتمر وكما جوز من جوز المضاربة والمساقاة والمزارعة تبعا ~~ومن ms8611 القياس عنده أن ذلك لا يجوز لأن ذلك عنده اجارة كما PageV29P480 هو ~~مذهب ابى حنيفة ومالك والشافعي # ومن جعل ذلك مشاركة وجعلها أصلا آخر يجوز ذلك نصا لا قياسا وليس هو ~~مخالفا للقياس كما هو مذهب جمهور السلف وطوائف من الخلف من أصحاب ابى حنيفة ~~كصاحبيه ومن أصحاب الشافعي كالخطابي وغيره وهو مذهب أحمد وغيره فهنا اتم ~~نظرا # ( والمأخذ الثاني ( أن النبي صلى الله عليه وسلم انما نهى عن بيع الثمرة ~~قبل بدو صلاحها كما نهى عن بيع الحب قبل اشتداده وعن بيع العنب حتى يسود ثم ~~أنه يجوز مع ذلك عند الأئمة الأربعة اجارة الأرض لمن يعمل عليها حتى ينبت ~~الزرع وليس ذلك تبعا للحب وكذلك تقبيل الشجر لمن يعمل عليها حتى تثمر ليس ~~هو تبعا للثمرة ألا ترى أن المزارعة على الأرض بجزء من الأرض كالمساقاة على ~~الشجر بجزء من الثمر وأن إعارة الأرض كاعارة الشجر وان انتفاع أهل الوقف ~~بزرع الأرض كانتفاعهم بثمر الشجر فالثمرة وان كانت أعيانا فانها تجرى مجرى ~~الفوائد والنفع في الوقف والمضاربة والمساقاة لأنه يستخلف بدلها كما أن ~~استرضاع الظئر لما كان مستخلفا بدله جرى مجرى النفع ولهذا في باب بيع الثمر ~~بعد بدو صلاحه انما تكون مؤنة كمال الصلاح على البائع وأما القبالة التى ~~فعلها عمر فانما يقوم فيها بسقي الشجر ومؤنة حصول الثمر المتقبل فلا ~~PageV29P481 يقاس هذا بهذا ويعلم أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~الثمر حتى يبدو صلاحه لم يتناول هذه القبالة بلا ريب ثم ان قدر أن الشجر لم ~~يطلع أو تلف بعد إطلاعه بدون تفريط المتقبل كان بمنزلة تعطل المنفعة في ~~الاجارة وهو لا يستحق أجرة الا اذا تمكن المستأجر من الانتفاع # ( الصورة الثانية ( أن يكون المشتري مجرد الثمرة فقط ومؤنة السقي على ~~البائع فهذه المسألة اذا كان البستان مشتملا على أنواع ففيها ايضا قولان # ( أحدهما ( وهو قول الليث بن سعد أنه يجوز بيع جميع البستان اذا صلح نوع ~~منه كما يجوز بيع النوع جميعه ms8612 اذا بدا صلاح بعضه وذلك لأن التفريق فيه ضرر ~~عظيم وذلك لأن المشتري للنوع قد يتفق في النوع الآخر وقد لا يتفق من يشتري ~~نوعا دون نوع وهذا القول أقوى من القول الثاني وهو المنع مطلقا كما هو ~~المشهور والجواز هنا بمجرد الحاجة وذلك أن بيع المزابنة أعظم من بيع الثمر ~~قبل بدو صلاحه فانه بيع ربو ى بجنسه خرصا والربا أعظم من الغرر لا سيما ~~ونهيه عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها قد خص منه مواضع كما خص بيعه مع الشجر # فعلم أن النهي لم يتناول بيعه مع غيره مطلقا بل قد يقال انما PageV29P482 ~~نهي عنه مفردا كما نهي عن الذهب والحرير مفردا ويباح مع غيره ما لا يباح ~~مفردا ولأنه بيع رطب بجنسه الربوي يابسا وهذا محرم بالنص ايضا كما هو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد وقد جاز من دخول المعدوم في بيع الثمرة ما لم يثبت ~~نظيره في المزابنة # فاذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرخص في العرايا استثناء من ~~المزابنة للحاجة فلأن يجوز بيع النوع تبعا للنوع مع أن الحاجة إلى ذلك أشد ~~وأولى ولا يلزم من منعه مفردا منعه مضموما ألا ترى أن الحمل لا يجوز افراده ~~بالبيع وبيع الحيوان الحامل جائز بالاجماع وان اشترط كونه حاملا ونظائره ~~كثيرة في الشريعة # وسر الشريعة في ذلك كله أن الفعل اذا اشتمل على مفسدة منع منه الا اذا ~~عارضها مصلحة راجحة كما في إباحة الميتة للمضطر وبيع الغرر نهى عنه لأنه من ~~نوع الميسر الذي يفضي إلى أكل المال بالباطل فاذا عارض ذلك ضرر أعظم من ذلك ~~إباحه دفعا لأعظم الفسادين باحتمال ادناهما والله أعلم PageV29P483 # وقال الشيخ رحمه الله ### ||| فصل # وأما بيع المقاثى كالبطيخ والخيار والقثاء ونحو ذلك فانه وان كان من ~~العلماء في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد من قال لا يباع الا لقطة لقطة ~~جعلا لذلك من باب بيع الثمر قبل بدو صلاحه والصحيح أنه يجوز بيعها بعروقها ~~جملة كما يقول ذلك من يقوله ms8613 من أصحاب الشافعي وأحمد وهو مذهب مالك وغيره ~~لكن هذا القول له مأخذان # ( أحدهما ( أن العروق كأصول الشجر فبيع الخضروات بعروقها قبل بدو صلاحها ~~كبيع الشجر بثمره قبل بدو صلاحه يجوز تبعا وهذا مأخذ طائفة من أصحاب ~~الشافعي وأحمد وان كان هذا على خلاف أصوله # ( والمأخذ الثاني ( وهو الصحيح ان هذه لم تدخل في نهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم بل تصح مع العقود الذي هو اللقطة PageV29P484 الموجودة واللقطة ~~المعدومة إلى أن تيبس المقثاة وان كانت تلك معدومة لم توجد لأن الحاجة ~~داعية إلى ذلك ولا يمكن بيعها الا كذلك وبيعها لقطة لقطة متعذر أو متعسر ~~لعدم التمييز وكلاهما منتف شرعا والشريعة استقرت على أن ما يحتاج إلى بيعه ~~يجوز بيعه وان كان معدوما كالمنافع وأجر الثمر الذي لم يبد صلاحه مع الأصل ~~والذي بدا صلاحه مطلقا # وايضا فانهم يقولون هذه معلومة في العرف والعادة كالعلم بالثمار وتلفها ~~بعد ذلك كتلف الثمار بالجائحة وتلف منافع الاجارة من جنسه وثبت بالنص أن ~~الجوائح توضع بلا محذور في ذلك أصلا بل المنع من بيع ذلك من الفساد والله ~~لا يحب الفساد وان كان بيع ذلك قد يفضي إلى نوع من الفساد فالفساد في تحريم ~~ذلك أعظم فيجب دفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما اذ ذلك قاعدة مستقرة في ~~الشريعة ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له سواقي يزرع فيها اللفت والجزر والفجل والقصب والقلقاس فهل يجوز ~~بيعه في الأرض ### ||||| فأجاب # أما بيع القصب ونحوه سواء بيع على أن يقلع أو يقطع من مكان معروف ~~في العادة وان كان مغطى بورقه فان هذا الغطاء PageV29P485 لا يمنع صحة ~~البيع كبيع الحب في سنبله وكبيع الجوز واللوز في قشريه فان بيع جميع هذا ~~جائز عند جماهير المسلمين الأولين والآخرين كأبى حنيفة ومالك وأحمد وقول في ~~مذهب الشافعي وهو عمل المسلمين من زمن نبيهم إلى هذا الزمان في جميع ~~الأعصار والأمصار # وقد دل على هذا ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد ~~وعن ms8614 بيع العنب حتى يسود ( فان هذا يدل علي جواز بيعه بعد اشتداده كما دل ~~نهيه عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها على جواز البيع بعد بدو الصلاح # وايضا فان هذا ليس من بيع الغرر فانه معلوم في العادة وأما بيع الجزر ~~واللفت والفجل والقلقاس ونحو ذلك ففيه قولان مشهوران # ( أحدهما ( لا يجوز حتى يقلع بناء على أنه مغيب لم ير ولم يوصف كسائر ~~الأعيان الغائبة التى لم تر ولم توصف وهذا مذهب ابى حنيفة والشافعي ~~والمشهور من مذهب أحمد # ( والثاني ( انه يجوز بيعه اذا رأى ما ظهر منه على الوجه المعروف وهذا ~~قول مالك وقول في مذهب أحمد وهذا أصح القولين وعليه عمل المسلمين قديما ~~وحديثا ولا تتم مصلحة الناس الا بهذا فان تأخير بيعه إلى حين قلعه يتعذر ~~تارة ويتعسر أخرى ويفضى إلى PageV29P486 فساد الأموال # واما كون ذلك مغيبا فيكون غررا فليس كذلك بل اذا رؤي من المبيع ما يدل ~~على ما لم ير جاز البيع باتفاق المسلمين في مثل بيع العقار والحيوان وكذلك ~~ما يحصل الحرج بمعرفة جميعه يكتفى برؤية ما يمكن منه كما في بيع الحيطان ~~وما مأكوله في جوفه والحيوان الحامل وغير ذلك فالصواب جواز بيع مثل هذا ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن بيع ما في بطن الأرض من اللفت والجزر والقلقاس ونحوه هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # أما بيع المغروس في الأرض الذي يظهر ورقه كاللفت والجوز والقلقاس ~~والفجل والثوم والبصل وشبه ذلك ففيه قولان للعلماء # ( احدهما ( أنه لا يجوز كما هو المشهور عن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما ~~قالوا لأن هذه أعيان غائبة لم تر ولم توصف فلا يجوز بيعها كغيرها من ~~الأعيان الغائبة وذلك داخل في نهي النبي صلى الله PageV29P487 عليه وسلم عن ~~بيع الغرر # ( والثاني ( أن بيع ذلك جائز كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيره وهو ~~قول في مذهب أحمد وغيره وهذا القول هو الصواب لوجوه # منها أن هذا ليس من الغرر بل أهل الخبرة يستدلون بما يظهر من الورق على ~~المغيب ms8615 في الأرض كما يستدلون بما يظهر من العقار من ظواهره على بواطنه وكما ~~يستدلون بما يظهر من الحيوان على بواطنه ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك ~~والمرجع في ذلك إليهم # ( والثاني ( أن العلم في جميع المبيع يشترط في كل شيء بحسبه فما ظهر بعضه ~~وخفي بعضه وكان في إظهار باطنه مشقة وحرج اكتفى بظاهره كالعقار فانه لا ~~يشترط رؤية أساسه ودواخل الحيطان وكذلك الحيوان وكذلك أمثال ذلك # ( الثالث ( أنه ما احتيج إلى بيعه فانه يوسع فيه ما لا يوسع في غيره ~~فيبيحه الشارع للحاجة مع قيام السبب الخاص كما أرخص في بيع العرايا بخرصها ~~وأقام الخرص مقام الكيل عند الحاجة ولم يجعل ذلك من المزابنة التى نهي عنها ~~فان المزابنة بيع المال بجنسه مجازفة اذا كان PageV29P488 ربويا بالاتفاق ~~وان كان غير ربوي فعلي قولين وكذلك رخص النبي صلى الله عليه وسلم في ابتياع ~~الثمر بعد بدو صلاحه بشرط التبقية مع أن إتمام الثمر لم يخلق بعد ولم ير ~~فجعل ما لم يوجد ولم يخلق ولم يعلم تابعا لذلك والناس محتاجون إلى بيع هذه ~~النباتات في الأرض # ومما يشبه ذلك بيع المقاثى كمقاثى البطيخ والخيار والقثاء وغير ذلك فمن ~~أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما من يقول لا يجوز بيعها إلا لقطة لقطة وكثير من ~~العلماء من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما قالوا أنه يجوز بيعها مطلقا على الوجه ~~المعتاد وهذا هو الصواب فان بيعها لا يمكن في العادة إلا على هذا الوجه ~~وبيعها لقطة لقطة إما متعذر وإما متعسر فانه لا يتميز لقطة عن لقطة اذ كثير ~~من ذلك لا يمكن التقاطه ويمكن تأخيره فبيع المقثاة بعد ظهور صلاحها كبيع ~~ثمرة البستان بعد بدو صلاحها وإن كان بعض المبيع لم يخلق بعد ولم ير ولهذا ~~اذا بدا صلاح بعض الشجرة كان صلاحا لباقيها باتفاق العلماء ويكون صلاحها ~~صلاحا لسائر ما في البستان من ذلك النوع في أظهر قولي العلماء وقول جمهورهم ~~بل يكون صلاحا لجميع ثمرة البستان التى جرت العادة بأن يباع جملة ms8616 في أحد ~~قولي العلماء وهذه المسائل وغيرها مما ذكرنا في هذا الجواب مبسوطة في غير ~~هذا الموضع PageV29P489 ### |||| وسئل رحمه الله # عن بيع قصب السكر والقلقاس واللفت والجزر ونحو ذلك وهو قائم في الأرض وفي ~~بيع البطيخ ونحوه من المقاثى ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما بيع قصب السكر فلا شبهة فيه الا ما يذكر ~~من كونه في قشره الذي يكون صونا له فبيعه كبيع الجوز واللوز والباقلا في ~~قشريه وبيع ذلك جائز عند جماهير علماء المسلمين وهو قول سلف الأمة وعملها ~~المتصل من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الزمان ولا تتم ~~مصلحة الناس الا بذلك وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وقول في مذهب ~~الشافعي فانه لما مرض أمر أن يشتري له باقلا أخضر وذلك في مرض موته فهو ~~متأخر عن نهيه الذي في كتبه # وقد دل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن ~~بيع الحب حتى يشتد ( وذلك يدل على جواز بيع ذلك بعد اسوداده واشتداده فيدل ~~على جواز بيع الحب في سنبله PageV29P490 و هو من صور النزاع كالباقلا في ~~قشريه والذي كره بيع ذلك يظنه من الغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وليس الأمر كذلك لوجهين # ( أحدهما ( ان المشترين يعلمون ذلك كما يعلمون كثيرا من المبيعات المتفق ~~على جواز بيعها بل علمهم بذلك أقوى من علمهم بكثير منها # ( والثاني ( انه لو فرض أن في ذلك جهلا فالشريعة استقرت على ما يحتاج إلى ~~بيعه مع الغرر ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم في بيع الثمار بعد بدو ~~صلاحها مبقاة إلى كمال الصلاح ثم أنه بعد ذلك أمر بوضع الجوائح اذا أصابتها # وايضا فانه اذن في بيع العقار بقوله صلى الله عليه وسلم ( من كان له شرك ~~في أرض أو ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فان شاء أخذ وان ~~شاء ترك ( وقد أجمع المسلمون على ms8617 جواز بيع العقار مع أن أساس الحيطان ~~وداخلها مغيب # وكذلك أذن في بيع الثمار قبل بدو صلاحها تبعا للأصل بقوله صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث المتفق عليه ( من باع نخلا مؤبرا فثمرتها للبائع إلا أن ~~يشترط المبتاع ( وذلك أن بيع الغرر نهى عنه لما فيه من الميسر والقمار ~~المتضمن لأكل المال بالباطل فاذا PageV29P491 كان في بعض الصور من فوات ~~الأموال وفسادها ونقصها على اصحابها بتحريم البيع أعظم مما فيها مع حله لم ~~يجز دفع الفساد القليل بالتزام الفساد الكثير بل الواجب ما جاءت به الشريعة ~~وهو تحصيل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما ودفع أعظم الفسادين بالتزام ~~أدناهما والفتيا لا تحتمل البسط اكثر من هذا # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # وأما بيع القلقاس والجزر واللفت ونحو ذلك فهو جائز عند طوائف من أهل ~~العلم وهو مذهب مالك وقول في مذهب الامام أحمد وان كان المشهور عنه كمذهب ~~ابى حنيفة والشافعي أنه لا يجوز والقول الأول هو الصواب فان الأصل المتفق ~~عليه بين العلماء في ذلك كون المبيع معلوما العلم المعتبر في المبيع فنهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة بذلك ~~وأهل الخبرة يقولون أنهم يعلمون ذلك في حال كونه في الأرض بحيث يخرج عن ~~كونه غررا ويستدلون على ذلك بما يقلعونه منه كما يعلم PageV29P492 المبيع ~~المنفصل عن الأرض برؤية بعضه اذا كان متشابه الأجزاء ثم أن ظهر الخفي دون ~~الظاهر بما لم تجربه العادة كان ذلك اما غبنا واما تدليسا بل أهل الخبرة ~~يقولون أنهم يعلمون ذلك اكثر مما يعلمون كثيرا من المنفصل # وكون المبيع معلوما أو غير معلوم لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم بل يؤخذ عن ~~أهل الخبرة بذلك الشيء وانما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام ~~بأدلتها وقد قال الله تعالى @QB@ الذين يؤمنون بالغيب @QE@ والايمان بالشيء ~~مشروط بقيام دليل يدل عليه فعلم أن الأمور الغائبة عن المشاهدة قد تعلم بما ~~يدل عليها فاذا قال أهل الخبرة انهم ms8618 يعلمون ذلك كان المرجع اليهم في ذلك ~~دون من لم يشاركهم في ذلك وان كان أعلم بالدين منهم كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهم في تأبير النخل ( أنتم اعلم بدنياكم فما كان من أمر دينكم ~~فالي ( ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة كما يترتب على ~~التقويم والقيامة والخرص وغير ذلك PageV29P493 ### |||| وسئل # عن انسان عاقد انسانا على قصب وقلقاس وهو تحت الأرض قبل ادراكه فعند ~~ادراكه غرق وقد طلب منه ثمنه بلا مكاتبه ولا تسليم فما يجب في ذلك ### ||||| فأجاب # ما تلف من ذلك فهو من ضمان البائع سواء كان البيع صحيحا أو فاسدا ~~كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ان بعت من ~~أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك من ثمنها شيء بم يأخذ احدكم مال أخيه ~~PageV29P494 ### ||| 2 باب السلم 2 ### |||| سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه # عن السلم في الزيتون هل يجوز ### ||||| فأجاب # أما السلم في الزيتون وأمثاله من المكيلات والموزونات فيجوز وما ~~علمت بين الأئمة في ذلك نزاعا ولكن النزاع فيما اذا أسلم في غير المكيل ~~والموزون كالحيوان ونحوه وفيه عن أحمد روايتان أشهرهما جواز ذلك وهو قول ~~مالك والشافعي والثانية لا يجوز كقول أبى حنيفة ### |||| وسئل # عن رجل عنده قمح قيمته وزن ثمانية عشر درهما باعه إلى أجل بخمسة وعشرين ~~هل يجوز والسلم في الغلة حلال أم حرام ### ||||| فأجاب # أما السلف فانه جائز بالاجماع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم PageV29P495 إلى أجل معلوم ( وأما ~~اذا قوم السلعة بقيمة حالة وباعها إلى أجل بأكثر من ذلك فهذا منهي عنه في ~~أصح قولي العلماء كما قال بن عباس اذا استقمت بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس ~~واذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم ومعنى قوله استقمت أي ~~قومت والله أعلم ### |||| وسئل # عن امرأة تشتري قماشا بثمن حال وتبيعه بزائد الثلث إلى أجل معلوم فهل هذا ~~ربا ms8619 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اذا كان المشتري يشتريها لينتفع بها أو يتجر ~~بها لا يشتريها ليبيعها ويأخذ ثمنها لحاجته إليه فلا بأس بذلك لكن ينبغي ~~اذا كان المشتري محتاجا أن يربح عليه الربح الذي جرت به العادة والله أعلم ### |||| وسئل # هل يجوز بيع شاة بشاة إلى أجل ### ||||| فأجاب # يجوز بيع شاة بشاة إلى أجل PageV29P496 ### |||| وسئل # عن رجل يشتري عش الحمامات ويقدم الفضة على عش السنة كلها ونص عند الشهود ~~على أرادب معلومة وليس ثم كيل أصلا بل يفعل ذلك ليصح السلم وكان العادة اذا ~~تحصل منه شيء جعل في وعائه وختم عليه كله وبيع فهل هذا صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # هذه المسألة مبنية على أصلين # أحدهما أن هذا المنعقد من الدخان هل هو طاهر أو نجس في ذلك تفصيل ونزاع ~~وان كان الوقود طاهرا كوقود الأفران وكالوقود الطاهر للحمام فذلك المنعقد ~~طاهر وان كان الوقود بنجاسة فهل يكون هذا المنعقد طاهرا على قولين للعلماء ~~وكذلك في كل نجاسة استحالت كالرماد والقصرمل والجرسيف ونحو ذلك وان كان ~~مستحيلا عن نجاسة فهذا نجس في مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك ~~وأحمد وهو ظاهر في مذهب ابى حنيفة # والقول الآخر في مذهب مالك واحمد أنه طاهر وهذا القول PageV29P497 أقوى ~~في دلالة الكتاب والسنة والقياس فانهم اتفقوا على أن الخمر اذا انقلبت خلا ~~بفعل الله تعالى كانت طاهرة وهذا لم يتناوله لفظ التحريم ولا معناه فلا ~~يكون محرما نجسا فمن قال أنه طاهر جوز بيعه ومنهم من يجوز بيعه مع نجاسته ~~والخلاف فيه مشهور في ( مسألة السرجين النجس ( # و ( الأصل الثاني ( أنه اذا جاز بيعه فلا يقال يباع على الوجه المشروع ~~ولا ريب أنه يجوز السلف فيه وليس السؤال عن بيعه معينا حتى يشترط الرؤية ~~ونحوها لكن اذا اسلف فيه فلا بد أن يسلف في قدر معلوم إلى أجل معلوم وان ~~يقبض رأس المال في المجلس وغير ذلك من شروط السلم # فاذا كانوا قد أظهروا صورة السلم وكان المسلم يقبض ما تحصل ms8620 وهو المقصود ~~في الباطن سواء كان اكثر من المقدار أو أقل فهذا عقد باطل يجب النهي عنه ~~ومنع فاعله ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل محتاج إلى تاجر عنده قماش فقال اعطنى هذه القطعة PageV29P498 فقال ~~التاجر مشتراها بثلاثين وما أبيعها الا بخمسين إلى أجل فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # المشتري على ثلاثة أنواع # أحدها ( ان يكون مقصوده السلعة ينتفع بها للأكل والشرب واللبس والركوب ~~وغير ذلك # والثاني ( أن يكون مقصوده التجارة فيها فهذان نوعان جائزان بالكتاب ~~والسنة والاجماع كما قال تعالى ( وأحل الله البيع ( وقال تعالى ( إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم ( لكن لابد من مراعاة الشروط الشرعية فاذا كان ~~المشتري مضطرا لم يجز أن يباع الا بقيمة المثل مثل أن يضطر الانسان إلى ~~مشتري طعام لا يجده الا عند شخص فعليه أن يبيعه اياه بالقيمة قيمة المثل ~~وان لم يبعه الا بأكثر فللمشتري أن يأخذه بغير اختياره بقيمة المثل وإذا ~~أعطاه إياه لم يجب عليه الا قيمة المثل واذا باعه إياه بالقيمة إلى ذلك ~~الأجل فان الأجل يأخذ قسطا من الثمن # النوع الثالث ( أن يكون المشتري انما يريد به دراهم مثلا ليوفي بها دينا ~~واشتري بها شيئا فيتفقان على أن يعطيه مثلا المائة بمائة وعشرين إلى أجل ~~فهذا كله منهي عنه فان اتفقا على أن يعيد PageV29P499 السلعة إليه فهو ( ~~بيعتان في بيعة ( وان أدخلا ثالثا يشتري منه السلعة ثم تعاد إليه فكذلك وان ~~باعه وأقرضه فكذلك وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم # وان كان المشتري يأخذ السلعة فيبيعها في موضع آخر يشتريها بمائة ويبيعها ~~بسبعين لأجل الحاجة إلى دراهم فهذه تسمى ( مسألة التورق ( وفيها نزاع بين ~~العلماء والأقوى أيضا انه منهى عنها وأنها أصل الربا كما قال ذلك عمر بن ~~عبد العزيز وغيره والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل يخرج على القمح والشعير والفول والحمص ونحو ذلك واذا جاء أوان ~~أخذه باعه للذي هو عنده بسعر ما يسوى من قبل أن يقبضه منه فهل هذا حلال أم ms8621 ~~حرام وما عليه فيما مضى من السنين وما كان يفعله ### ||||| فأجاب # هذا يسمى ( السلم ( و ( السلف ( ولا يجوز بيع هذا الدين الذي هو ~~دين السلم قبل قبضه لا من المستلف ولا من غيره في مذهب الأئمة الأربعة بل ~~هذا يدخل فيما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيع ما لم يقبض وقد ~~يدخل في ربح ما لم يضمن PageV29P500 أيضا واذا وقع هذا البيع فهو فاسد ولا ~~يستحق هذا البائع السلف الا دين السلم دون ما جعله عوضا عنه وعليه أن يرد ~~هذا العوض ان كان قبضه ويطالب بدين السلم فان تعذر ذلك مثل أن يطول الزمان ~~أو لا يعرف ذلك ونحو ذلك فليأخذ بقدر دين السلم من تلك الأعواض وليتصدق ~~بالربح فانه اذا أخذ مثل دين السلم فقد أخذ قدر حقه من ذلك المال والزيادة ~~ربح ما لم يضمن وهي لا تحل له فليتصدق بها عن اصحابها وان كان لم يربح شيئا ~~وانما باعه المستلف بسعره لم يكن عليه اخراج ماله ### |||| وسئل # عن رجل عنده فرس شراه بمائة وثمانين درهما فطلبه منه انسان بثلاثمائة ~~درهم إلى مدة ثلاثة شهور فهل يحل ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله ان كان الذي يشتريه لينتفع به أو يتجر به فلا بأس ببيعه ~~إلى أجل لكن المحتاج لا يربح عليه الا الربح المعتاد لا يزيد عليه لأجل ~~ضرورته # وأما ان كان محتاجا إلى دراهم فاشتراه ليبيعه في الحال ويأخذ ثمنه فهذا ~~مكروه في أظهر قولي العلماء PageV29P501 ### |||| وسئل # عن شخص عنده صنف دفع له فيه رجل الفين ومائة بالوزن ودفع له آخر الفين ~~وسبعمائة إلى أجل معلوم أثناء الحول ### ||||| فأجاب # ان كان الذي يشتريها إلى أجل يشتريها ليتجر فيها أو ينتفع بها جاز ~~للبائع أن يبيعها ان شاء بالنقد وان شاء إلى أجل وان كان المشتري مقصوده ~~الدراهم وهو يريد أن يبيعها اذا اشتراها ويأخذ الدراهم فهذا يسمى ( التورق ~~( وهو مكروه في أظهر قولي العلماء PageV29P502 ### || 1 ( مسألة الاعتياض عن دين السلم بغيره ) 1 ### |||| وسئل ms8622 # عن رجل أسلف خمسين درهما في رطل حرير إلى أجل معلوم ثم جاء الأجل ~~فتعذر الحرير فهل يجوز ان يأخذ قيمة الحرير أو يأخذ عوضه أي شيء كان ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة فيها روايتان عن الامام أحمد # إحداهما لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره كقول الشافعي وأبي حنيفة ~~لما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى ~~غيره ( وهذه الرواية هي المعروفة عند متأخري أصحاب الامام أحمد وهي التى ~~ذكرها الخرقي وغيره # والقول الثاني يجوز ذلك كما يجوز في غير دين السلم وفي المبيع من الأعيان ~~وهو مذهب مالك وقد نص أحمد على هذا في غير موضع وجعل دين السلم كغيره من ~~المبيعات فاذا أخذ عوضا غير مكيل ولا موزون بقدر دين السلم حين الاعتياض لا ~~بزيادة على ذلك أو أخذ من نوعه بقدره مثل أن يسلم في حنطة فيأخذ ~~PageV29P503 شعيرا بقدر الحنطة أو يسلم في حرير فيأخذ عنه عوضا من خيل أو ~~بقر أو غنم فانه يجوز وقد ذكر ذلك طائفة من الأصحاب كابن أبى موسى والسامري ~~صاحب المستوعب لكن [ في ] بعض الصور كما قال في ( المستوعب ( ومن أسلم في ~~شيء لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين وفى الأخرى يجوز ~~وان يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب كالشعير ونحوه بمقدار كيل الحنطة لا أكثر ~~منها ولا بقيمتها نص عليه قال في رواية أبي طالب اذا أسلفت في كر حنطة ~~فأخذت شعيرا فلا بأس وهو دون حقك ولا تأخذ مكان الشعير حنطة # وأما المطلعون على نصوص أحمد فذكروا ما هو أعم من ذلك وأنه يجوز الاعتياض ~~عن دين السلم بغير المكيل والموزون مطلقا كما ذكر ذلك أبو حفص العكبري في ~~مجموعه ونقله عنه القاضي أبو يعلي بخطه فان كان ما أسلم فيه مما يكال أو ~~يوزن فأخذ من غير نوعه مثل كيله مما هو دونه في الجودة جاز وكذلك إن أخذ ~~قيمته مما لا يكال ولا ms8623 يوزن كيف شاء نقل بن القاسم عن أحمد قلت لأبى عبد ~~الله اذا لم يجد ما أسلم فيه ووجد غيره من جنسه يأخذه قال نعم اذا كان دون ~~الشيء الذي له [ قلت ] فانما أسلم في قفيز حنطة موصلي فقال فيأخذ مكانه ~~سلتى أو قفيز شعير بكيلة واحدة PageV29P504 لا يزداد وان كان فوقه فلا يأخذ ~~وذكر حديث بن عباس رواه طاوس عن بن عباس اذا اسلمت في شيء فجاء الأجل فلم ~~تجد الذي أسلمت فخذ عوضا بأنقص منه ولا تربح مرتين # ونقل أيضا أحمد بن أصرم سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى أجل فاذا جاء ~~الأجل يشتري منه عقارا أو دارا فقال نعم يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن ~~وقال حرب الكرمانى سألت أحمد قلت رجل أسلف رجلا دراهم في بر فلما حل الأجل ~~لم يكن عنده فقال قوم الشعير بالدراهم فخذ من الشعير قال لا يأخذ منه ~~الشعير إلا مثل كيل البر أو أنقص قلت اذا كان البر عشرة أجربة أيأخذ الشعير ~~عشرة أجربة قال نعم # وكذلك نقل غير هؤلاء عن أحمد وهذه الرواية أكثر في نصوص أحمد وهي أشبه ~~بأصوله فان علته في منع بيع دين السلم كونه مبيعا فلا يباع قبل القبض وأحمد ~~في ظاهر مذهبه لا يمنع من البيع قبل القبض مطلقا بل له فيه تفصيل وأقوال ~~معروفة ولذلك فرق بين البيع من البائع وغيره وكذلك مذهب مالك يجوز بيع ~~المسلم فيه اذا كان عوضا من بائعه بمثل ثمنه وأقل ولا يجوز بأكثر ولا يجوز ~~ذلك في الطعام # وقال بن المنذر ثبت ان بن عباس قال اذا أسلفت في شيء PageV29P505 فحل ~~الأجل فان وجدت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضا بأنقص منه وهذا بن عباس لما روى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه ( قال ولا ~~أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام # وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في ( مغنيه ( لما ذكر قول الخرقي وبيع ~~المسلم فيه من ms8624 بائعه أو غيره قبل قبضه فاسد قال أبو محمد بيع المسلم قبل ~~قبضه لا يعلم في تحريمه خلاف فقال رحمه الله بحسب ما علمه وإلا فمذهب مالك ~~أنه يجوز بيعه من غير المستسلف كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو ~~عليه وهذا أيضا إحدى الروايتين عن أحمد نص عليه في مواضع بيع الدين من غير ~~من هو عليه كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه وكلاهما منصوص عن أحمد في ~~أجوبة كثيرة من أجوبته وان كان ذلك ليس في كتب كثير من متأخري أصحابه # وهذا القول أصح وهو قياس أصول أحمد وذلك لأن دين السلم مبيع وقد تنازع ~~العلماء في جواز بيع المبيع قبل قبضه وبعد التمكن من قبضه وفى ضمان ذلك ~~فالشافعي يمنعه مطلقا ويقول هو من ضمان البائع وهو رواية ضعيفة عن أحمد ~~وأبو حنيفة يمنعه إلا في العقار ويقول هو من ضمان البائع وهؤلاء يعللون ~~المنع PageV29P506 بتوالي الضمانين # وأما مالك وأحمد في المشهور عنه وغيرهما فيقولون ما تمكن المشتري من قبضه ~~وهو المتعين بالعقد كالعبد والفرس ونحو ذلك فهو من ضمان المشتري على تفصيل ~~لهم ونزاع في بعض المتعينات لما رواه أحمد وغيره عن الزهري عن سالم عن بن ~~عمر أنه قال ( مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان ~~المشتري ( فظاهر مذهب أحمد أن الناقل للضمان إلى المشتري هو التمكن من ~~القبض لا نفس القبض فظاهر مذهبه أن جواز التصرف فيه ليس ملازما للضمان ولا ~~مبنيا عليه بل قد يجوز التصرف فيه حيث يكون من ضمان البائع كما ذكر في ~~الثمرة ومنافع الاجارة وبالعكس كما في الصبرة المعينة # وقد ذكر الخرقي في ( مختصره ( هذا وهذا فقال اذا اشتري الثمرة دون الأصل ~~فتلفت بجائحة من السماء رجع بها على البائع وقال الأصحاب لا يلزم من إباحة ~~التصرف تمام القبض بدليل المنافع في الاجارة ثم قال الخرقي واذا وقع البيع ~~على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه فهو ms8625 من مال البائع وهذا عند ~~جمهور الأصحاب ما بيع بالكيل والوزن والعدد سواء كان متعينا أو غير متعين ~~ثم قال الخرقي ومن اشتري ما يحتاج إلى قبضه لم يجز بيعه PageV29P507 حتى ~~يقبضه ففرق بين ما يحتاج إلى القبض وما لا يحتاج فما لا يحتاج يكفى فيه ~~التمكن كالمودع ثم قال ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها فالصبرة ~~مضمونة على المشتري بالتمكن والتخلية فلا يبيعها حتى ينقلها وهذا كله منصوص ~~أحمد لكن في ذلك نزاع بين الأصحاب وروايات ليس هذا موضعها # والمقصود هنا أن في ظاهر مذهب أحمد قد يكون المبيع مضمونا على البائع ~~ويجوز للمشتري بيعه في ظاهر المذهب كالثمر اذا بيع بعد بدو صلاحه فانه في ~~مذهب مالك وأحمد من ضمان البائع وهو قول معلق للشافعي لما رواه مسلم في ~~صحيحه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا بعت من أخيك ثمرة ~~فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير ~~حق ( # ومع هذا فيجوز في أصح الروايتين عن أحمد للمشتري أن يبيع هذا الثمر مع ~~أنه من ضمان البائع وهذا كما يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره بمثل الأجرة ~~بلا نزاع وان كانت المنافع مضمونة على البائع ولكن اذا أجرها بزيادة من غير ~~إحداث زيادة ففيه روايتان # ( إحداهما ( يجوز كقول الشافعي ( والثانية ( لا يجوز كقول PageV29P508 ~~أبي حنيفة لأنه ربح ما لم يضمن والنبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن ربح ما ~~لم يضمن ( قال الترمذي حديث صحيح # والقول الأول أصح لأن المشتري لو عطل المكان الذي اكتراه وقبضه لتلفت ~~منافعه من ضمانه ولكن لو انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجر وهذه المسائل ~~مبسوطة في موضعها # والمقصود هنا أن أصل أحمد ومالك جواز التصرف وأنه يوسع في البيع قبل ~~انتقال الضمان إلى المشتري بخلاف أبي حنيفة والشافعي والرواية الأخرى عن ~~أحمد فان البيع لا يجوز على أصلهما إلا اذا انتقل الضمان إلى المشتري وصار ~~المبيع مضمونا عليه قالوا ms8626 لئلا يتوالى الضمانان فان المبيع يكون مضمونا قبل ~~القبض على البائع الأول فاذا بيع قبل أن يضمنه المشتري صار مضمونا عليه ~~فيتوالى عليه الضمانان وعلى قول مالك وأحمد المشهور عنه هذا مأخذ ضعيف لا ~~محذور فيه فان المبيع اذا تلف قبل التمكن من قبضه كان علي البائع أداء ~~الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان هذا # واذا عرف هذا فعلى قول هؤلاء يمنع من بيع دين السلم لأنه لم يضمنه المسلف ~~فانه لا يضمنه الا بالقبض فلا يبيع ما لم يضمن وعلي PageV29P509 قول مالك ~~وأحمد في المشهور عنه يجوز ذلك كما ثبت ذلك عن بن عباس ولكن لا يجوز بربح ~~بل لا يباع إلا بالقيمة لئلا يربح المسلف فيما لا يضمن وقد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( أنه نهى عن ربح ما لم يضمن ( # والدليل على ذلك أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال بن عمر كنا نبيع الابل بالنقيع والنقيع ~~بالنون هو سوق المدينة والبقيع بالباء هو مقبرتها قال كنا نبيع بالذهب ~~ونقضي الورق ونبيع بالورق ونقضي الذهب فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك فقال ( لا بأس اذا كان بسعر يومه اذا تفرقتما وليس بينكما شيء ( فقد ~~جوز النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره مع ~~أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع فكذلك المبيع الذي هو ~~دين السلم يجوز بيعه وإن كان مضمونا علي البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري ~~والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جوز الاعتياض عنه اذا كان بسعر يومه لئلا ~~يربح فيما لم يضمن # وهكذا قد نص أحمد على ذلك في بدل القرض وغيره من الديون إنما يعتاض عنه ~~بسعر يومه لئلا يكون ربحا فيما لا يضمن وهكذا ذكر الامام أحمد عن بن عباس ~~لما أجاب في السلم ان قال إذا أسلمت PageV29P510 في شيء فجاء الأجل ولم ms8627 تجد ~~الذي أسلمت فيه فخذ عوضا بأنقص منه ولا تربح مرتين # وكذلك مذهب مالك يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه كما أجاب به أحمد ونقله عن ~~بن عباس ومالك استثنى الطعام لأن من أصله أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز ~~وهي رواية عن أحمد وأحمد فرق بين أن يبيع المكيل والموزون بمكيل وموزون أو ~~غير ذلك فان باعه بغير ذلك مثل أن يعتاض عن المكيل والموزون كالحنطة ~~والشعير الذي أسلم فيه بخيل أو بقر فانه جوز هذا كما جوزه مالك وقبلهما بن ~~عباس اذا كان بسعر يومه # وأما اذا اعتاض عنه بمكيل أو موزون مثل أن يعتاض عن الحنطة بشعير كرهه ~~إلا اذا كان بقدره فان بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون يشترط فيه ~~الحلول والتقابض ولهذا لا يجوز بيع الحنطة بالشعير إلا يدا بيد ولا بيع ~~الذهب بالفضة إلا يدا بيد والمسلم لم يقبض دين المسلم فكره هذا كما يكره هو ~~في إحدى الروايتين والشافعي في أحد القولين بيع الدين ممن هو عليه مطلقا ~~على أنه باع ما لم يضمنه ولم يقبضه # والصواب الذي عليه جمهور العلماء وهو ظاهر مذهب الشافعي PageV29P511 و ~~أحمد أنه يجوز بيع الدين ممن هو عليه لأن ما في الذمة مقبوض للمدين لكن ان ~~باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض لئلا يكون ربا وكذلك ~~اذا باعه بموصوف في الذمة وإن باعه بغيرهما ففيه وجهان # أحدهما ( لا يشترط كما لا يشترط في غيرهما # والثاني ( يشترط لأن تأخير القبض نسيئة كبيع الدين بالدين ومالك لم يجوز ~~بيع دين السلم اذا كان طعاما لأنه بيع وأحمد جوز بيعه وان كان طعاما أو ~~مكيلا أو موزونا من بائعه اذا باعه بغير مكيل أو موزون لأن النهي عن بيع ~~الطعام قبل قبضه هو في الطعام المعين وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من ~~جنس الاستيفاء # وفائدته سقوط ما في ذمته عنه لا حدوث ملك له فلا يقاس هذا بهذا فان البيع ~~المعروف هو أن يملك المشتري ما ms8628 اشتراه وهنا لم يملك شيئا بل سقط الدين من ~~ذمته وهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل أنه باعه دراهم بدراهم بل يقال وفاه ~~حقه بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بدراهم معينة فانه بيع فلما كان في ~~الأعيان اذا باعها بجنسها لم يكن بيعا فكذلك اذا أوفاها من غير جنسها لم ~~يكن بيعا بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة PageV29P512 و لهذا لو حلف ليقضينه ~~حقه في غد فأعطاه عوضا بر في يمينه في أصح الوجهين فنهيه عن بيع الطعام قبل ~~قبضه يريد به بيعه من غير البائع فيه نزاع وذلك أن من علله بتوالي الضمان ~~يطرد النهي وأما من علل النهي بتمام الاستيفاء وانقطاع علق البائع حتى لا ~~يطمع في الفسخ والامتناع من الاقباض اذا رأى المشتري قد ربح فيه فهو يعلل ~~بذلك في الصبرة قبل نقلها وإن كانت مقبوضة وهذه العلة منتفية في بيعه من ~~البائع # وأيضا فبيعه من البائع يشبه الاقالة وفى أحد قولي العلماء تجوز الاقالة ~~فيه قبل القبض والاقالة هل هي فسخ أو بيع على قولين هما روايتان عن أحمد ~~فاذا قلنا هي فسخ لم يجز الا بمثل الثمن واذا قلنا هي بيع ففيه وجهان ودين ~~السلم تجوز الاقالة فيه بلا نزاع # فعلم أن الأمر في دين السلم أخف منه في بيع الأعيان حيث كان الأكثرون لا ~~يجوزون بيع المبيع لبائعه قبل التمكن من قبضه ويجوزون الاقالة في دين السلم ~~والاعتياض عنه يجوز كما تجوز الاقالة لكن انما يكون إقالة اذا أخذ رأس ماله ~~أو مثله وإن كان مع زيادة أما اذا باعه بغير ذلك فليس إقالة بل هو استيفاء ~~في معني البيع لما لم يقبض # وأحمد جوز بيع دين السلم من المستسلف اتباعا لابن عباس وبن PageV29P513 ~~عباس يقول ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه ( ~~ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام فابن عباس لا يجوز البيع قبل القبض وجوز ~~بيع دين السلم ممن هو عليه اذا لم ms8629 يربح ولم يفرق بن عباس بين الطعام وغيره ~~ولا بين المكيل والموزون وغيرهما لأن البيع هنا من البائع الذي هو عليه وهو ~~الذي يقبضه من نفسه لنفسه بل ليس هنا قبض لكن يسقط عنه ما في ذمته فلا ~~فائدة في أخذه منه ثم إعادته إليه وهذا من فقه بن عباس # ومالك جعل هذا بمنزلة بيع المعين من الأجنبى فمنع بيع الطعام المسلف فيه ~~من المستلف وأحمد لم يجعله كبيع الطعام قبل القبض من الأجنبى كما قال مالك ~~بل جوزه بغير المكيل والموزون كما أجازه بن عباس # وأما بالمكيل والموزون فكرهه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض ~~اذا كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين # وأما اذا أخذ عنه من جنسه بقدر مكيله ما هو دونه فجوزه لأن هذا من ~~الاستيفاء من الجنس لا من باب البيع كما يستوفي عن الجيد بالرديء والحنطة ~~والشعير قد يجريان مجري الجنس الواحد ولهذا في جواز بيع احدهما بالآخر ~~متفاضلا روايتان # إحداهما ( المنع كقول مالك PageV29P514 # والثانية ( الجواز كقول أبى حنيفة والشافعى وهذه الكراهة من أحمد في ~~المكيل والموزون بمكيل أو موزون قد يقال هي على سبيل التنزيه أو يكون إذا ~~أخر القبض وهذا الثانى أشبه بأصول أحمد ونصوصه وهو موجب الدليل الشرعى وذلك ~~أنه اذا باع المكيل بمكيل أو الموزون بموزون اشترط فيه الحلول والتقابض فان ~~باع أحدهما بالآخر فعنه في ذلك روايتان وهذا بناء على ان العلة في الأصناف ~~الستة هي التماثل وهو مكيل جنس أو موزون جنس # فان العلماء متفقون على أن بيع الذهب بالفضة نسيئة لايجوز وكذلك بيع البر ~~والتمر والشعير والملح بعضه ببعض نساء لايجوز فمن جعل العلة التماثل وهو ~~الكيل والوزن أو الطعم أو مجموعهما حرم النسأ فيما جمعهما علة واحدة وهذه ~~الأقوال هي روايات عن أحمد فالتماثل وهو مكيل جنس أو موزون جنس هو المشهور ~~عنه وهو مذهب ابى حنيفة والطعم وهو مذهب الشافعى ومجموعهما قول بن المسيب ~~وغيره وأحد قولي الشافعي وهو اختيار الشيخ أبى محمد ms8630 المقدسي ومذهب مالك ~~قريب من هذا وهو القوت وما يصلحه # واذا كان كذلك فدين السلم وغيره من الديون اذا عوض عنه بمكيل وجب قبضه في ~~مجلس التعويض وكذلك الموزون اذا عوض PageV29P515 عنه بموزون مثل ان يعوض عن ~~الحرير بقطن أو كتان فاذا بيع المكيل بالمكيل بيعا مطلقا بحيث لا يقبض ~~العوض في المجلس لم يجز بخلاف ما اذا بيع بحيوان أو عقار فان هذا لا يشترط ~~قبضه في المجلس في أصح الوجهين وهو المنصوص عنه فكلام أحمد يخرج على هذا ~~ونهيه عن البيع يحمل على هذا ولهذا قال اذا حل الأجل يشترى منه مالا يكال ~~ولا يوزن فأطلق الاذن في ذلك بخلاف المكيل والموزون فانه لا يشتري مطلقا بل ~~يقبض في المجلس كما اذا بيع بعين # يدل على ذلك أن أحمد اتبع قول بن عباس في ذلك وبن عباس قال اذا أسلمت في ~~شيء فجاء الأجل ولم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضا بأنقص ولا تربح مرتين ~~فانما نهاه عن الربح فيه بأن يبيعه دين السلم بأكثر مما يساوي وقت ~~الاستيفاء ولهذا أحمد منع اذا استوفى عنه مكيلا كالشعير أن يكون بزيادة ولم ~~يفرق بن عباس بين أن يبيعه بمكيل أو موزون وبين أن يبيعه بغيرهما # وليس هذا من ربا الفضل فيقال إن بن عباس يجيز ربا الفضل بل بيع الذهب ~~بالفضة إلى أجل حرام باجماع المسلمين وكذلك بيع الحنطة بالشعير إلى أجل ~~وهذا قياس مذهب أحمد وغيره فان ما في الذمة مقبوض فاذا كان مكيلا أو موزونا ~~وباعه بمكيل أو موزون ولم يقبضه فقد باع مكيلا بمكيل ولم يقبضه وأما اذا ~~قبضه فهذا جائز PageV29P516 # وقد ثبت في مذهب أحمد أنه اذا باع بذهب جاز أن يأخذ عنه ورقا واذا باع ~~بورق جاز أن يأخذ عنه ذهبا في المجلس كما في حديث بن عمر وهذا أخذ عن ~~الموزون بالموزون فاذا جاز ذلك في الثمن جاز في المثمن ليس بينهما فرق الا ~~على قول من يقول هذا مبيع لم يقبض فلا ms8631 يجوز بيعه وقد ظهر فساد هذا المأخذ ~~في السلم وبن عباس الذي منع هذا جوز هذا وأن بيع دين السلم من بائعه ليس ~~فيه محذور أصلا كما في بيعه من غير بائعه لا بتوالي الضمان ولا غير ذلك # وأما احتجاج من منع بيع دين السلم بقوله صلى الله عليه وسلم ( من أسلف في ~~شيء فلا يصرفه إلى غيره ( فعنه جوابان # أحدهما أن الحديث ضعيف # والثاني ( المراد به أن لا يجعل السلف سلما في شيء آخر فيكون معناه النهي ~~عن بيعه بشيء معين إلى أجل وهو من جنس بيع الدين بالدين ولهذا قال ( لا ~~يصرفه إلى غيره ( أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر ومن اعتاض عنه ~~بغيره قابضا للعوض لم يكن قد جعله سلما في غيره وبسط هذه المسائل لا يحتمله ~~هذا الجواب # لكن الرخصة في هذا الباب ثابتة عن بن عباس وهي مذهب PageV29P517 مالك ~~وأحمد رخص فيه اكثر من مالك وما ذكره الخرقي وغيره قد قيل أنه رواية أخرى ~~كما ذكره بن أبى موسى وغيره رواية عن أحمد والصواب أن هذا جائز لا دليل على ~~تحريمه والله أعلم ### |||| وسئل # عن الرجل يسلم في شيء فهل له أن يأخذ من المسلم إليه غيره كمن أسلم في ~~حنطة فهل له أن يأخذ بدلها شعيرا سواء تعذر المسلم فيه أم لا ### ||||| فأجاب # اذا اسلم في حنطة فاعتاض عنها شعيرا ونحو ذلك فهذه فيها قولان ~~للعلماء # أحدهما ( أنه لا يجوز الاعتياض عن السلم بغيره كما هو مذهب ابى حنيفة ~~والشافعي واحمد في احدى الروايتين عنه # والثاني ( يجوز الاعتياض عنه في الجملة اذا كان بسعر الوقت أو أقل وهذا ~~هو المروي عن بن عباس حيث جوز اذا اسلم في شيء أن يأخذ عوضا بقيمته ولا ~~يربح مرتين وهو الرواية الأخرى عن أحمد حيث يجوز أخذ الشعير عن الحنطة اذا ~~لم يكن أغلى من PageV29P518 قيمة الحنطة وقال بقول بن عباس في ذلك ومذهب ~~مالك يجوز الاعتياض عن الطعام والعرض بعرض والأولون احتجوا بما ms8632 في السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره ( ~~قالوا وهذا يقتضى أن لا يبيع دين السلم لا من صاحبه ولا من غيره # والقول الثاني ( اصح وهو قول بن عباس ولا يعرف له في الصحابة مخالف وذلك ~~لأن دين السلم دين ثابت فجاز الاعتياض عنه كبدل القرض وكالثمن في المبيع ~~ولأنه أحد العوضين في البيع فجاز الاعتياض عنه كالعوض الآخر وأما الحديث ~~ففي اسناده نظر وان صح فالمراد به أنه لا يجعل دين السلم سلفا في شيء آخر ~~ولهذا قال ( فلا يصرفه إلى غيره ( أي لا يصرفه إلى سلف آخر وهذا لا يجوز ~~لأنه يتضمن الربح فيما لم يضمن وكذلك اذا اعتاض عن ثمن المبيع والقرض فانما ~~يعتاض عنه بسعره كما في السنن عن بن عمر أنهم سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا انا نبيع الابل بالنقيع بالذهب ونقبض الورق ونبيع بالورق ونقبض ~~الذهب فقال ( لا بأس اذا كان بسعر يومه اذا افترقتما وليس بينكما شيء ( ~~فيجوز الاعتياض بالسعر لئلا يربح فيما لم يضمن فان قيل فدين السلم يتبع ذلك ~~فنهي عن بيع ما لم يقبض قيل النهي انما كان في الأعيان لا في الديون ~~PageV29P519 # وقال رحمه الله ### ||| فصل # عوض المثل ( كثير الدوران في كلام العلماء وهو أمر لابد منه في العدل ~~الذي به تتم مصلحة الدنيا والآخرة فهو ركن من أركان الشريعة مثل قولهم قيمة ~~المثل واجرة المثل ومهر المثل ونحو ذلك كما في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم ~~عليه قيمة عدل لاوكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ( وفى ~~حديث أنه قضي في بروع بنت واشق بمهر مثلها لاوكس ولا شطط يحتاج إليه فيما ~~يضمن بالاتلاف من النفوس والأموال والأبضاع والمنافع وما يضمن بالمثل من ~~الأموال والمنافع وبعض النفوس وما يضمن بالعقود الفاسدة والصحيحة أيضا لأجل ~~الأرش في النفوس والأموال ms8633 PageV29P520 # ويحتاج إليه في المعاوضة للغير مثل معاوضة الولي للمسلمين ولليتيم وللوقف ~~وغيرهم ومعاوضة الوكيل كالوكيل في المعاوضة والشريك والمضارب ومعاوضة من ~~تعلق بماله حق الغير كالمريض ويحتاج إليه فيما يجب شراؤه لله تعالى كماء ~~الطهارة وسترة الصلاة وآلات الحج أو للآدميين كالمعاوضة الواجبة مثل # ومداره على القياس والاعتبار للشيء بمثله وهو نفس العدل ونفس العرف ~~الداخل في قوله ( يأمرهم بالمعروف ( وقوله ( وامر بالعرف ( وهذا متفق عليه ~~بين المسلمين بل بين أهل الأرض فانه اعتبار في أعيان الأحكام لا في أنواعها # وهو من معنى القسط الذي أرسل الله له الرسل وأنزل له الكتب وهو مقابلة ~~الحسنة بمثلها والسيئة بمثلها كما قال تعالى @QB@ هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان @QE@ وقال ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ( وقال ~~@QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ وقال @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى ~~@QE@ وقال @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ ~~وقال @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به @QE@ # لكن مقابلة الحسنة بمثلها عدل واجب والزيادة إحسان مستحب PageV29P521 و ~~النقص ظلم محرم ومقابلة السيئة بمثلها عدل جائز والزيادة محرم والنقص إحسان ~~مستحب فالظلم للظالم والعدل للمقتصد والاحسان المستحب للسابق بالخيرات # والأمة ثلاثة ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات # وكثيرا ما يشتبه على الفقهاء ويتنازعون في حقيقة عوض المثل في جنسه ~~ومقداره في كثير من الصور لأن ذلك يختلف لاختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال ~~والأعواض والمعوضات والمتعاوضين فنقول # عوض المثل ( هو مثل المسمي في العرف وهو الذي يقال له السعر والعادة فان ~~المسمى في العقود نوعان نوع اعتاده الناس وعرفوه فهو العوض المعروف المعتاد ~~ونوع نادر لفرط رغبة أو مضارة أو غيرهما ويقال فيه ثمن المثل ويقال فيه ~~المثل لأنه بقدر مثل العين ثم يقوم بثمن مثلها فالأصل فيه اختيار الآدميين ~~وإرادتهم ورغبتهم # ولهذا قال كثير من العلماء قيمة المثل ما يساوي الشيء في نفوس ذوي ~~الرغبات ولابد أن يقال في الأمر المعتاد فالأصل فيه إرادة الناس ورغبتهم ~~وقد علم بالعقول أن حكم الشيء حكم مثله وهذا من ms8634 العدل والقياس والاعتبار ~~وضرب المثل الذي فطر الله عباده عليه PageV29P522 فاذا عرف أن إرادتهم ~~المعروفة للشيء بمقدار علم أن ذلك ثمن مثله وهو قيمته وقيمة مثله لكن إن ~~كانت تلك الرغبة والارادة لغرض محرم كصنعة الأصنام والصلبان ونحو ذلك كان ~~ذلك العوض محرما في الشرع # فعوض المثل في الشريعة يعتبر بالمسمى الشرعي وهو أن تكون التسمية شرعية ~~وهي المباحة فأما التسمية المحظورة إما لجنسها كالخمر والخنزير وإما لمنفعة ~~محرمة في العين كالعنب لمن يعصره خمرا أو الغلام لمن يفجر به وإما لكونه ~~تسمية مباهاة ورياء لا يقصد أداؤها أو فيها ضرر بأحد المتعاقدين كالمهور ~~التى لا يقصد أداؤها وهي تضر الزوج إلى أجل كما يفعله جفاة الأعراب ~~والحاضرة ونحو ذلك فان هذا ليس بتسمية شرعية فليس هو ميزانا شرعيا يعتبر به ~~المثل حيث لا مسمى # فتدبر هذا فانه نافع خصوصا في هذه الصدقات الثقيلة المؤخرة التى قد نهى ~~الله عنها ورسوله فان من الفقهاء من يعتبرها في مثل كون الأيم لا تزوج إلا ~~بمهر مثلها فيرى ترك ما نهى الله عنه خلافا للشريعة بناء على أنه مهر المثل ~~حتى في مثل تزويج الأب ونحوه فهذا أصل # اذا عرف ذلك فرغبة الناس كثيرة الاختلاف والتنوع فانها PageV29P523 تختلف ~~بكثرة المطلوب وقلته فعند قلته يرغب فيه ما لا يرغب فيه عند الكثرة وبكثرة ~~الطلاب وقلتهم فانما كثر طالبوه يرتفع ثمنه بخلاف ما قل طالبوه وبحسب قلة ~~الحاجة وكثرتها وقوتها وضعفها فعند كثرة الحاجة وقوتها ترتفع القيمة ما لا ~~ترتفع عند قلتها وضعفها وبحسب المعاوض فان كان مليا دينا يرغب في معاوضته ~~بالثمن القليل الذي لا يبذل بمثله لمن يظن عجزه أو مطله أو جحده والملي ~~المطلق عندنا هو الملي بماله وقوله وبدنه هكذا نص أحمد # وهذا المعنى وإن كان الفقهاء قد اعتبروه في مهر المثل فهو يعتبر ايضا في ~~ثمن المثل واجرة المثل # وبحسب العوض فقد يرخص فيه اذا كان بنقد رائج ما لا يرخص فيه اذا كان بنقد ~~آخر دونه في الرواج ms8635 كالدراهم والدنانير بدمشق في هذه الأوقات فان المعاوضة ~~بالدراهم هو المعتاد # وذلك أن المطلوب من العقود هو التقابض من الطرفين فاذا كان الباذل قادرا ~~على التسليم موفيا بالعهد كان حصول المقصود بالعقد معه بخلا ما اذا لم يكن ~~تام القدرة أو تام الوفاء ومراتب القدرة والوفاء تختلف وهو الخير المذكور ~~في قوله @QB@ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا @QE@ قالوا قوة على الكسب ووفاء ~~للعهد PageV29P524 و هذا يكون في البائع وفي المشتري وفى المؤجر والمستأجر ~~والناكح والمنكوحة فان المبيع قد يكون حاضرا وقد يكون غائبا فسعر الحاضر ~~أقل من سعر الغائب وكذلك المشتري قد يكون قادرا في الحال على الأداء لأن ~~معه مالا وقد لا يكون معه لكنه يريد أن يقترض أو يبيع السلعة فالثمن مع ~~الأول أخف # وكذلك المؤجر قد يكون قادرا على تسليم المنفعة المستحقة بالعقد بحيث ~~يستوفيها المستأجر بلا كلفة وقد لا يتمكن المستأجر من استيفاء المنفعة إلا ~~بكلفة كالقرى التى ينتابها الظلمة من ذي سلطان أو لصوص أو تنتابها السباع ~~فليست قيمتها كقيمة الأرض التى لا تحتاج إلى ذلك بل من العقار ما لا يمكن ~~أن يستوفي منفعته الا ذو قدرة يدفع الضرر من منفعته لأعوانه وأنصاره أو ~~يستوفى غيره منه منفعة يسيرة وذو القدرة يستوفي كمال منفعته لدفع الضرر عنه # وعلى هذا يختلف الانتفاع بالمستأجر بل والمشتري والمنكوح وغير ذلك فينتفع ~~به ذو القدرة أضعاف ما ينتفع به غيره لقدرته على جلب الأسباب التى بها يكثر ~~الانتفاع وعلى دفع الموانع المانعة من الانتفاع فاذا كان كذلك لم يكن كثرة ~~الانتفاع بما أقامه من الأسباب ودفعه من الموانع موجبا لأن يدخل ذلك ~~التقويم إلا اذا فرض مثله فقد تكون الأرض تساوي اجرة قليلة لوجود الموانع ~~من المعتدين أو السباع أو لاحتياج استيفاء المنفعة إلى قوة ومال ~~PageV29P525 ### |||| وسئل # عن رجل له عند رجل مائة وثمانون فقال له رجل تبيعها بمائة وخمسين ~~فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله ان كانت مؤجلة فباعها بأقل منها حالة فهذا ربا وان كانت ~~حالة ms8636 فأخذ البعض وأبرأه من البعض فأجره على الله وقد أحسن ### |||| وسئل # عن دين سلم حل فلم يكن عند المستسلف وفاء فقال بعنيه بزيادة على الثمن ~~الأول ### ||||| فأجاب # لا يجوز بيع دين السلم قبل قبضه ولا بيع الدين بالدين فهذا حرام من ~~وجهين ومن وجه ثالث أنه إن كان باعه الدراهم بالدراهم مثل من باع ربا نسيئة ~~لم يجز أن يعتاض عن ثمنه PageV29P526 بما لا يباع به نسيئة كذلك من اشتري ~~دينا بنسيئة لم يجز أن يعتاض عنه بما لا يباع بثمنه نسيئة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الرجل يتدين ثم يعسر ويموت هل يطالب به ### ||||| فأجاب # نعم يستوفيه صاحبه فان الدين لابد من وفائه ولهذا ثبت في الصحيح ( ~~ان الشهيد يغفر له كل شيء الا الدين PageV29P527 ### ||| 2 باب القرض 2 ### |||| سئل شيخ الاسلام # عن رجل أقرض لرجل ألف درهم فطالبه فقال أنا معسر أنا ~~اشتري منك صنفا بزائد إلى أن تصبر ستة شهور فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا يحل سلف وبيع ( ~~فاذا باعه وأقرضه كان ذلك مما حرمه الله ورسوله وكلاهما يستحق التعزير اذا ~~كان قد بلغه النهي ويجب رد القرض والسلعة إلى صاحبها فاذا تعذر ذلك لم يكن ~~له إلا بدل القرض والا بدل السلعة قيمة المثل ولا يستحق الزيادة على ذلك ~~والله أعلم PageV29P528 ### |||| وسئل # عن انسان يريد أن يأخذ من انسان دراهم قرضا يعمر بها ملكه يشتري بها ارضا ~~إلى مدة سنة وبلا كسب ما يعطي أحد ماله فكيف العمل في مكسبه حتى يكون بطريق ~~الحل ### ||||| فأجاب # الحمد لله له طريق بأن يكرى الملك أو بعضه يتسلفها ويعمر بالاجرة ~~واذا كان بعض الملك خرابا واشترط على المستأجر عمارة موصوفة جاز ذلك فهذا ~~طريق شرعي يحصل به مقصود هذا وهذا # واما اذا تواطآ على أن يعطيه دراهم بدراهم إلى أجل وتحيلا على ذلك ببعض ~~الطرق لم يبارك الله لا لهذا ولا لهذا مثل أن يبيعه بعض الملك بيع ms8637 أمانة ~~على أنه يشترى منه الملك فيما بعد بأكثر من الثمن فهذا من الربا الذي حرمه ~~الله # ورسوله وان كان عند المعطي سلعة يحتاج اليها الآخذ كرضاض يعمر به الحمام ~~جاز أن يشتري السلعة إلى أجل بما يتفقان عليه من الربح لكن لا ينبغي للبائع ~~أن يربح على المشتري الا ما جرت به العادة في مثل ذلك PageV29P529 ### |||| وسئل # عمن أقرض رجلا قرضا وامتنع أن يوفيه إياه الا في بلد آخر يحتاج فيه ~~المقرض إلى سفر وحمل فهل عليه كلفة سفره ### ||||| فأجاب # يجب على المقترض أن يوفى المقرض في البلد الذي اقترض فيه ولا يكلفه ~~شيئا من مؤنة السفر والحمل فان قال ما أوفيك الا في بلد آخر غير هذا كان ~~عليه ضمان ما ينفقه بالمعروف ### |||| وسئل # عما اذا أقرض رجل رجلا دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر فهل يجوز ذلك أم ~~لا ### ||||| فأجاب # اذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر مثل أن يكون المقرض غرضه ~~حمل الدراهم إلى بلد آخر والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى ~~دراهم في بلد المقرض فيقترض منه ويكتب له ( سفتجة ( أي ورقة إلى بلد ~~المقترض فهذا يصح في PageV29P530 أحد قولي العلماء # وقيل نهى عنه لأنه قرض جر منفعة والقرض اذا جر منفعة كان ربا والصحيح ~~الجواز لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد ~~وقد انتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد وأمن خطر الطريق فكلاهما ~~منتفع بهذا الاقتراض والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم وإنما ينهى عما ~~يضرهم ### |||| وسئل رحمه الله # هل يجوز قرض الدراهم المغشوشة ويأخذها عددا ### ||||| فأجاب # يجوز قرض الدراهم المغشوشة اذا كانت متساوية الغش مثل دراهم الناس ~~التى يتعاملون بها وكذلك اذا كان الغش متفاوتا يسيرا فالصحيح أنه يجوز ~~قرضها بالدراهم التى يقال عيارها سبعون وعيار غيرها تسعة وستون # والصحيح أنه يجوز قرض الحنطة وغيرها من الحبوب وان كانت مغشوشة بالتراب ~~والشعير فان ( باب القرض ( أسهل من ( باب البيع ( ولهذا يجوز على ms8638 الصحيح ~~قرض الخبز عددا وقرض الخمير PageV29P531 و ان كان لا يجوز عددا ويجوز في ~~القرض أن يرد خيرا مما اقترض بغير شرط كما استلف النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعيرا ورد خيرا منه وقال ( خير الناس أحسنهم قضاء ( # وكذلك يجوز قرض البيض ونحوه من المعدودات في أصح قولي العلماء فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم اقترض حيوانا والحيوان أكثر اختلافا من البيض # ( ### |||| وسئل # عن جندي له أقطاع ويجيء إلى عند فلاحيه فيطعموه هل يأكل ### ||||| فأجاب # اذا أكل وأعطاهم عوض ما أكل فلا بأس والله أعلم ### |||| وسئل # عن معلم له دين عند صانع يستعمله لأجله يأكل من أجرته ### ||||| فأجاب # لا يجوز للاستاذ أن ينقص الصانع من أجرة مثله لأجل ماله عنده من ~~القرض فان فعل ذلك برضاه كان مرابيا ظالما عاصيا مستحقا للتعزير وليس له أن ~~يعسفه في اقتضاء دينه PageV29P532 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له اقطاع أرض يعمل له أربعمائة أردب فأعطى الفلاحين قوة تقارب ~~مائتي اردب فيسجلوه بسبعمائة درهم فهل ذلك ربا ### ||||| فأجاب # الحمد لله كل قرض جر منفعة فهو ربا مثل أن يبايعه أو يؤاجره ~~ويحابيه في المبايعة والمؤاجرة لأجل قرضه قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~لا يحل سلف وبيع ( # فانه اذا أقرضه مائة درهم وباعه سلعة تساوي مائة بمائة وخمسين كانت تلك ~~الزيادة ربا وكذلك اذا أقرضه مائة درهم واستأجره بدرهمين كل يوم اجرته ~~تساوي ثلاثة بل ما يصنع كثير من المعلمين بصنائعهم يقرضونهم ليحابوهم في ~~الأجرة فهو ربا # وكذلك اذا كانت الأرض أو الدار أو الحانوت تساوي أجرتها مائة درهم ~~فأكراها بمائة وخمسين لأجل المائة التى أقرضها إياه فهو ربا # وأما ( القوة ( فليست قرضا محضا فانه يشترط عليه فيها ان PageV29P533 ~~يبذرها في الأرض وان كان عاملا وان كان مستأجرا فكأنه أجره أرضا يقويها ~~بالاجرة المسماة فاذا انقضت الاجارة استرجع الأرض ونظيره القوة وهذا فيه ~~نزاع بين العلماء # منهم من يقول المنفعة هنا مشتركة بين المقرض والمقرض فان المقرض له غرض ~~في عمارة أرضه مثل ( السفتجة ms8639 ( وهو أن يقرضه ببلد ليستوفي في بلد آخر فيربح ~~المقرض خطر الطريق ومؤونة الحمل ويربح المقترض منفعة الاقتراض # وكذلك ( القوة ( ليس مقصود المقوى يأخذ زيادة على قوته بل محتاج إلى ~~إجارة أرضه وذلك محتاج إلى استئجارها فلا تتم مصلحتها الا بقوة من المؤجر ~~لحاجة المستأجر وفى التحقيق ليس المقصود بالقوة القرض بل تقويته بالبذر كما ~~لو قواه بالبقر # ومنهم من يجعله من باب القرض الذي يجر منفعة انما القوة من تمام منفعة ~~الأرض كما لو كان مع الأرض بقر ليحرث عليها فيكون قد أجر أرضا وبقرا فهذا ~~جائز بلا ريب ولكن القوة نفسها لا تبقى ولكن يرجع في نظيرها كما يرجع في ~~المضاربة في نظير رأس المال فلهذا منع من منع من العلماء من ذلك لأن ~~الاجارة ترجع نفس العين فيها إلى المؤجر والمستأجر قد استوفى المنفعة ومثل ~~هذا لا يجوز في PageV29P534 القرض فانه لا يجب فيه الا رد المثل بلا زيادة # ولو أجره حنطة أو نحوها لينتفع بها ثم يرد إليه مثلها مع الاجرة فهذا هو ~~القرض المشروط فيه زيادة على المثل وهذا النزاع اذا اكراه بقيمة المثل ~~وأقرضه القوة ونحوها مما يستعين به المكتري كما لو أكراه حانوتا ليعمل فيه ~~صناعة أو تجارة وأقرضه ما يقيم به صناعته أو تجارته # فأما ان أكراه بأكثر من قيمة المثل لأجل القرض فهذا لا خير فيه بل هو ~~القرض الذي يجر الربا PageV29P535 ### ||| 2 باب الرهن 2 ### |||| سئل رحمه الله # عن رجل أرهن داره عند رجل على مال إلى أجل فحل الأجل وهو عاجز فقال ~~المرتهن بعنى الدار بشرط أن وفيتنى أخذتها بالثمن وان سكنتها لم آخذ منك ~~أجرة فهل البيع صحيح وقد عمر المشتري فوقها بناء فما حكمه ### ||||| فأجاب # ليس هذا بيعا صحيحا بل تعاد الدار إلى صاحبها ويوفى الدين المستحق ~~والعمارة التى عمرها المشترى تحسب له والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له نصف بستان والباقي لرجل آخر واستعار من شريكه نصفه ليرهنه بدين ~~إلى أجل وعرفه مقدار الدين ms8640 والأجل فأعاره ورهن البستان عند صاحب الدين ثم ~~أنه فك نصيبه وباعه لصاحب الدين بثمن معلوم وتقاصا فهل له ذلك وهل يبقى ~~نصيب PageV29P536 المعير مرهونا على باقى الدين أم له الرجوع في كل وقت ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم يجوز للمدين أن يبيع نصيبه لوفاء دينه كما ذكروا ~~واذا باعه وكان مما تجب فيه الشفعة فللشريك أخذه بالشفعة # وأما نصيب المعير فيبقى مرهونا على باقى الدين كما كان قبل ذلك وليس ~~للمعير الرجوع في مثل هذه العارية لتعلق حق المرتهن بها والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل عنده رهن على مبلغ إلى مدة معلومة فلما انقضى الأجل دفع إلى رب ~~الدين حقه الا مائة ثم قطعت القبالة الأولى وكتب بالمائة درهم حجة ولم يعاد ~~فيه ذكر الرهن فهل لهذه المائة الباقية بالرهن المذكور تعلق ### ||||| فأجاب # اذا أوفى الغريم بعض الدين وبقي بعضه فالرهن باق بما بقي من الحق ~~الا أن يحصل ما يوجب فكاكه مثل فك المرتهن له ونحو ذلك PageV29P537 ### |||| وسئل # عن رجل أرهن داره ثم أشهد على نفسه أنه عوض امرأته بالدار عن حقها من مدة ~~عشر سنين فهل يبطل الرهن وهل يجوز للمرتهن أن يؤجر الدار ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لا يقبل إقرار الراهن بما يبطل الرهن وان ~~قيل أنه إذا أقر بالرهن فللمقر له أن يبطله بموجب إقراره بلا ريب لأنه اذا ~~أقر أن الرهن كان ملكا لغيره وأنه رهنه بدون اذنه لم يبطل الرهن بمجرد ذلك ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عمن له علي شخص دين وأرهن عليه رهنا والدين حال ورب الدين محتاج إلى ~~دراهمه فهل يجوز له بيع الرهن أم لا ### ||||| فأجاب # اذا كان أذن له في بيعه جاز والا باع الحاكم ان أمكن ووفاه حقه منه ~~ومن العلماء من يقول اذا تعذر ذلك دفعه إلى ثقة يبيعه ويحتاط بالاشهاد على ~~ذلك ويستوفي حقه منه والله أعلم PageV29P538 ### |||| وسئل # عن رجل أمر أجيره أن يرهن شيئا عند شخص فرهنه عند غيره فعدم الرهن فحلف ~~صاحب الرهن ms8641 أن لم يأته به لم يستعمله معتقدا أنه لم يعدم ثم تبين له عدمه ~~فهل يحنث اذا استعمله ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا كان حين حلف معتقدا أن الرهن باق بعينه لم يعدم فحلف ~~ليحضره لم يحنث والحالة هذه والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رهن عند رجل على مبلغ إلى مدة وقد انقضت المدة ثم أنه أرهنه باذن ~~مالكه على المبلغ عند انسان آخر وقد طلب الراهن الثانى ما علي الرهن وحبس ~~لأجله ولم يكن له ما يستفكه فهل يجوز بيعه أم لا ### ||||| فأجاب # نعم يجوز بيع الرهن لاستيفاء الحق منه والحالة هذه لا سيما وقد أذن ~~الراهن الأول في الرهن على الدين فيجوز بيعه PageV29P539 حينئذ لاستيفاء ~~هذا الحق منه فاذا أمكن بيعه واستيفاء الحق منه لم يجز حبس الغريم والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن امرأة أسرت ولها ملك وزوج وأخ فأرهنوا ملكها على دراهم لأجل فكاكها ~~وراح أخوها بالدراهم في طلبها فوجدها حصلت بلا ثمن فرجعت إلى بلدها وتخلف ~~أخوها في حوائجه فلما وصلت ووجدت ملكها مرهونا على الدراهم فقالت يرهن مالي ~~بغير أمري وانكرت أن أخاها سلم اليها شيئا من الدراهم فهل يلزمها الرهن أم ~~لا ### ||||| فأجاب # لا شيء عليهم والحالة هذه بل يعاد اليها ما قبضه أخوها ويفك الرهن ~~على ملكها والله أعلم PageV29P540 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل أقرض عمه خمسة آلاف درهم ثم ان بن عمه تدين دراهم من ناس آخرين ~~واشتري خمسة غلمان وجارية وكتب مكتوبا ان الخمسة الغلمان دون الجارية رهن ~~عند أصحاب الدين ثم انه باع الغلمان وأوصلهما لمن كانوا رهنا عنده ثم إن ~~صاحب الخمسة آلاف اشتري الجارية بالدين الذي له عليه فمسكوه أصحاب الدين ~~الذين أخذوا ثمن الغلمان ليأخذوها من دينهم ايضا فهل لهم ذلك أم لا وهو لم ~~يكن ضامنا ولا كفيلا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا لم تكن الجارية مرهونة عند أهل الدين الثانى لم يكن ~~لأهل هذا الدين اختصاص بها دون بقية الغرماء باتفاق المسلمين فكيف يكون اذا ~~كان قد ms8642 وفاها من الدين الذي لغيرهم فان العدل في الوفاء بين الغرماء بعد ~~الحجر على المفلس واجب باتفاق الأئمة واما قبل الحجر ففيه نزاع PageV29P541 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له دين على انسان فوجد ولده راكبا على فرس فأخذ الفرس منه فحضر ~~المديون إلى صاحب الفرس فطالبه صاحب الدين بدينه فقال له خذ هذه الفرس عندك ~~حتى أوفيك دينك فقال له صاحب الدين لي عندك فضة مالي عندك فرس وهذا حيوان ~~والموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى فقال له المديون أبرأك الله من هذه ~~الفضة فمهما حدث كان في دركي فقعدت عند صاحب الدين أياما يعلفها ويسقيها ~~ولا يركبها فاسقطت الفرس ميتة لم تستهل بقضاء الله وقدره فجاء رجل آخر غير ~~المديون ادعى أن الفرس له وطالب بسقط الفرس فقال صاحب الدين أنا لا أعرفك ~~ولا لك معي كلام وأحلف لك أنى ما ركبت الفرس ولا ركبها أحد عندي ولا ضربتها ~~فهل يجب على صاحب الدين أو على الذي ارهن الفرس قيمة السقط أم لا وكم يكون ~~قيمة السقط ### ||||| فأجاب # اذا قبضت الفرس من مالكها بغير حق فله ضمان ما نقصت وهو تفاوت ما ~~بين القيمات فان كان المستولي عليها غاصبا متعديا PageV29P542 فقرار الضمان ~~عليه وان كان مغرورا ولم يتلف بسبب منه فقرار الضمان على الأول الذي غره ~~وضمن له الدرك والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل تحت يده رهن على دين ثم باعه مالكه فأراد المرتهن أن يثبت عقد ~~الرهن ويفسخ البيع فعلى من يدعى ### ||||| فأجاب # بيع الرهن اللازم بدون اذن المرتهن لا يجوز وللمرتهن أن يطلب دينه ~~من الراهن المدين أن كان قد حل وله أن يطلب عود الرهن أو استيفاء حقه منه ~~وان شاء طالب البائع له وان شاء طالب المشتري له لكن المشترى ان كان مغرورا ~~فقرار الضمان على البائع يجب عليه ضمان اجرة المبيع وان كان عالما بصورة ~~الحال فهو ظالم عليه ضمان المنفعة PageV29P543 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل أرهن حياصة فاستعملها المرتهن فقطع سيرها وعدم ms8643 طليها ### ||||| فأجاب # ان كانت نقصت باستعمال المرتهن فعليه ضمان ما نقص بالاستعمال والله ~~سبحانه أعلم PageV29P544 ### ||| 2 باب الضمان 2 ### |||| سئل رحمه الله # عن رجل ضامن معينا وقد طلبه غريمه بالمال ولم يكن للضامن مقدرة وقد ادعى ~~غريمه عليه وادعى الاعسار فهل يحتاج إلى بينة أو القول قوله مع يمينه ### ||||| فأجاب # اذا كان الضامن لم يعرف له مال قبل ذلك وادعى الاعسار فالقول قوله ~~مع يمينه في ذلك ولا يحتاج إلى إقامة بينة وهذا هو المعروف من مذهب الشافعي ~~وأحمد وغيرهما وهو قول طائفة من الحنفية فيما ذكروه عن مذهب أبى حنيفة وحكى ~~منع ذلك أيضا بل هو حقيقة مذهبه فانه لا يحوجه إلى بينة اذا تبين أن الحال ~~على ما ذكروا والله أعلم PageV29P545 ### |||| وسئل # عن رجل ضمن آخر بدين في الذمة بغير إذنه فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # نعم يصح ضمان ما في الذمة بغير إذن المضمون عنه ويطالب المستحق ~~للضامن لكن اذا قضاه بغير إذن الغريم فهل له أن يرجع بذلك على المدين فيه ~~قولان للعلماء قيل يرجع وهو قول مالك وأحمد في المشهور عنه وقيل لا يرجع ~~وهو قول أبي حنيفة والشافعي والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تحت حجر والده وضمن بغير رضا والده ضمن أقواما مستأجرين بستانا ~~أربع سنين وتفاصلوا من الاجارة التى ضمنهم وقد فضل عليهم شيء كتب عليهم به ~~حجة بغير الاجارة وقد طلب الضامن لهم فهل يجوز طلبه بعد فسخ الاجارة ### ||||| فأجاب # الحمد لله ان كان ضمنهم ضمانا شرعيا بما عليهم من PageV29P546 ~~الدين فلصاحب الحق أن يطالب الضامن بذلك الحق أو بما بقى منه وليس له أن ~~يطالب بغير ما ضمنه وان كان تحت حجر أبيه لم يصح ضمانه وللضامن أن يطلب ~~الغرماء اذا طلب ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ضمن أملاكا في ذمته وقد استحقت ولم يكن معه دراهم وله موجود ملك ~~يحرز القيمة وزيادة فهل لصاحب الدين أن يعتقل الضامن قبل بيع الموجود أم لا ~~واذا اعتقل الضامن وسأل خروجه مع ms8644 ترسيم أو تسليم الملك لمن يبيعه حتى ~~يستوفي الغريم ### ||||| فأجاب # اذا بذل بيع ماله على الوجه المعروف لم يجز عقوبته بحبس ولا غيره ~~فان العقوبة إما أن تكون على ترك واجب أو فعل محرم وهو اذا بذل ما عليه من ~~الوفاء لم يكن قد ترك واجبا لكن ان خاف الغريم أن يغيب أو لا يفى بما عليه ~~فله أن يحتاط عليه إما بملازمته وإما بعائن في وجهه والترسيم عليه ملازمة # ومتى اعتقله الحاكم ثم بذل بيع ماله وسأل التمكين من ذلك يمكنه من ذلك ~~اما أن يخرج مع ترسيم واما ان يوكل من يبيع PageV29P547 الملك ويسلمه اذا ~~لم يمكن ذلك إلا بخروجه ففي الجملة لا تجوز عقوبته بحبس مع عدم تركه الواجب ~~لكن يحتاط بالملازمة ### |||| وسئل # عن ضامن على أن دواب قوم تنزل في خان البراة وله على الناس وظيفة ~~على نزولهم وعلفهم فزاد في الوظيفة ### ||||| فأجاب # ليس للضامن لا في الشريعة النبوية ولا في السياسة السلطانية تغيير ~~القاعدة المتقدمة ولا أن يحدث على الناس ما لم يكن عليهم موضوعا بأمر ولاة ~~الأمور بل الواجب منعه من ذلك وعقوبته عليه واسترجاع ما قبضه من أموال ~~الناس بغير إذن # وأما حكم الشريعة فانه ينزل صاحب الدابة حيث أحب ما لم تكن مفسدة شرعية ~~ويعلفها هو ولا يجبر على أن يكترى لها أو يشترى من أحد ولو أكره على ذلك ~~فلا يجوز أن يؤخذ منه زيادة على ثمن المثل بل أخذ الزيادة بمنزلة لحم ~~الخنزير الميت حرام من وجهين والله أعلم PageV29P548 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن يكتب ضمان الأسواق وغيرها من الكتابة التى لا تجوز في الشرع هل علي ~~الكاتب إثم فانه يكتب ويشهد على من حضر بما يرضى فان كان لا يجوز فان ~~الكتاب لا يخلون من ذلك فهل يأثمون بذلك أم # لا ### ||||| فأجاب # ضمان السوق وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر من الديون وما ~~يقبضه من الأعيان المضمونة ضمان صحيح وهو ضمان ما لم يجب وضمان المجهول ~~وذلك جائز ms8645 عند جمهور العلماء كمالك وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل وقد دل عليه ~~الكتاب كقوله @QB@ ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم @QE@ والشافعي يبطله ~~فيجوز للكاتب والشاهد أن يكتبه ويشهد عليه ولو لم ير جوازه لأنه من مسائل ~~الاجتهاد وولي الأمر يحكم بما يراه من القولين PageV29P549 ### |||| وسئل # عمن ضمن رجلا ضمان السوق باذنه فطلب منه فهرب حتى عجز عن إحضاره وغرم ~~بسبب ذلك أموالا فهل له أن يرجع عليه بما خسره في ذلك ### ||||| فأجاب # له الرجوع فيما أنفقه بسبب ضمانه اذا كان ذلك بالمعروف ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ضمن رجلا في الذمة على مبلغ وعند استحقاق المبلغ مسك الغريم ~~الضامن واعتقله في السجن فطلب الغريم صاحب الدين فأخذه واعتقله وبقي الضامن ~~والمضمون في الحبس فهل يجوز اعتقال الضامن ### ||||| فأجاب # مذهب أبى حنيفة ومحمد والشافعي والامام أحمد أن للغريم أن يطلب من ~~شاء منهما فاذا استوفى لم يكن له مطالبة وله أن يطالبهما جميعا PageV29P550 ### |||| وسئل # عمن طلب بمال على ولده فتغيب الولد فطلب من جهة والده ### ||||| فأجاب # اذا لم يكن ضامنا ولده ولا له عنده مال لم تجز مطالبته بما عليه ~~لكن إن أمكن الوالد معاونة صاحب الحق على إحضار ولده بالتعريف بمكانه ونحوه ~~لزمه ذلك والا فلا شيء عليه ولا تحل مطالبته بشيء من جهته وعلى ولي الأمر ~~كف العدوان عنه # ( ### |||| وسئل # عن كاتب عند أمير واقترض الأمير من انسان فالزمه الأمير بالغصب ان يضمن ~~في ذمته وضمنه والكاتب تحت الحجر من والده فهل يلزمه ما ضمنه أم لا ### ||||| فأجاب # اذا ثبت أنه ضامن باقرار وبينة أو خطه لزمه ما ضمنه فان النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( قضى أن الزعيم غارم ( فان ثبت أنه كان محجورا عليه غير ~~مستقل بالتصرف لنفسه لم يصح ضمانه PageV29P551 و لكن لا يفسد العقد بمجرد ~~دعواه الحجر وإن قال أن المضمون له يعلم أنى كنت محجورا علي فله تحليفه ~~وكذلك اذا ادعى الاكراه فله تحليف المضمون له ### |||| وسئل رحمه الله # عن ضامن يطلب منه ms8646 السلطان على الأفراح التى يحصل فيها بعض المنكرات من ~~غناء النساء الحرائر للرجال الأجانب ونحوه فان أمر السلطان بابطال ذلك ~~الفعل أبطله وطالب الضامن بالمال الذي لم يلتزمه إلا على ذلك الفعل لأن عقد ~~الضمان وجب لذلك الفعل والمضمون عنه يعتقد أن ذلك لم يدخل في الضمان ~~والضامن يعتقد دخوله لجريان عادة من تقدمه من الضمان به وان الضمان وقع على ~~الحالة والعادة المتقدمة ### ||||| فأجاب # ظلم الضامن بمطالبته بما لا يجب عليه بالعقد الذي دخل فيه وان كان ~~محرما أبلغ تحريما من غناء الأجنبية للرجال لأن الظلم من المحرمات العقلية ~~الشرعية وأما هذا الغناء فانما نهي عنه لأنه قد يدعو إلى الزنى كما حرم ~~النظر إلى الأجنبية ولأن فيه خلافا شاذا ولان غناء الاماء الذي يسمعه الرجل ~~قد كان الصحابة يسمعونه في PageV29P552 العرسات كما كانوا ينظرون إلى ~~الاماء لعدم الفتنة في رؤيتهن وسماع أصواتهن فتحريم هذا أخف من تحريم الظلم ~~فلا يدفع أخف المحرمين بالتزام أشدهما # وأما غناء الرجال للرجال فلم يبلغنا أنه كان في عهد الصحابة يبقى غناء ~~النساء للنساء في العرس وأما غناء الحرائر للرجال بالدف فمشروع في الافراح ~~كحديث الناذرة وغناها مع ذلك # ولكن نصب مغنية للنساء والرجال هذا منكر بكل حال بخلاف من ليست صنعتها ~~وكذلك أخذ العوض عليه والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل ضمن في الذمة وهو من المضمون والضامن متزوج ابنة المضمون فأقام ~~الضامن في السجن خمسة أشهر وأنفق ثلاثمائة درهم فهل يلزم المضمون النفقة ~~التى أنفقها في مدة الاعتقال ### ||||| فأجاب # نعم ما ألزم الضامن بسبب عدوان المضمون مثل أن يكون قادرا على ~~الوفاء فيغيب حتى أمسك الغريم للضامن وغرمه ما غرمه كان له أن يرجع بذلك ~~على المضمون الذي ظلمه PageV29P553 ( ### |||| وسئل رحمه الله # عن جماعة ضمنوا شخصا لرجل وكان الضامن ضامنا وجه المضمون في حبس الشرع ~~فهل يلزمهم باحضاره إلى بيته ### ||||| فأجاب # اذا سلمه إليه في حبس الشرع بريء بذلك ولم يلزمه إخراجه من الحبس ~~له لكن المضمون له يطلب حقه منه ويستوفيه ms8647 بحكم الشرع حينئذ وان كان في ~~الحبس وللحاكم أن يخرجه من الحبس حتى يحاكم غريمه ثم يعيده إليه ولا يلزمه ~~إحضاره إليه وهو في حبس الشرع عند أحد من أئمة المسلمين ### ||||| وأجاب أيضا # اذا سلمه ضامن الوجه الذي ضمنوه ضمان احضار في حبس الشرع فقد ~~برئوا من الضمان وكان لأهل الحق الذي عليه أن يستوفوا حقهم منه حينئذ وان ~~احتاجوا إلى الدعوى عليه مكنوا من اخراجه إلى مجلس الحكم والدعوى عليه هذا ~~مذهب أئمة المسلمين كمالك وأحمد وغيرهما PageV29P554 ### |||| وسئل # عن جمال ربط جماله في الربيع ولكل مكان خفراء ثم سرق من الجمال جمل ولم ~~يكن أحد من الخفراء حاضرا بائتا فهل يلزمه شيء أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا كانوا مستأجرين على حفظهم فعليهم الضمان بما تلف ~~بتفريطهم والله أعلم ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن صبى مميز استدان دينا وكفله أبوه وثلاثة أخر باذنه ~~ثم غاب أبوه فطلب صاحب الدين من أحد الكفلاء المال وألزمه بوزنه فهل لهذا ~~الذي وزن المال أن يرجع بما وزنه على الصبي أو علي مال أبيه الغائب وعلى ~~رفاقه في الكفالة أم يروح ما وزنه مجانا ### ||||| فأجاب # له أن يرجع على من كفله فان كفالة أبيه له تقتضى PageV29P555 انه ~~تصرف باذن أبيه فيلزمه الدين وتصح كفالته وان كان في الباطن قد استدان ~~لأبيه ولكن ابوه أمره فالاستدانة للاب وإلا فله تحليف الأب ان الاستدانة لم ~~تكن له ### |||| وسئل # أبو العباس عمن سلم غريمه إلى السجان ففرط فيه حتى هرب ### ||||| فأجاب # إن السجان ونحوه ممن هو وكيل على بدن الغريم بمنزلة الكفيل للوجه ~~عليه إحضار الخصم فان تعذر إحضاره كما لو لم يحضر المكفول يضمن ما عليه ~~عندنا وعند مالك ### ||| 2 باب الحوالة 2 ### |||| سئل رحمه الله # عمن أحال بدين على صداق حال ثم أن المحيل قبض الدين من المحال عليه فهل ~~تصح الحوالة بذلك وهل يكون هذا القبض صحيحا مبريا لذمة المحال عليه وهل ~~للمحال مطالبة المحيل القابض لما قبضه ويرجع ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم ms8648 تصح الحوالة بشروطها وليس للمحيل له قبض المحال به ~~بعد الحوالة ولا تبرأ ذمة المحال عليه بالاقباض لها إلا أن يكون بأمر ~~المحال # وللمحتال أن يطلب كل واحد من المحال عليه ليعاد منه في ذمته ومن القابض ~~دينه بغير إذنه وان كان قبض الغاصب بغير حق بمنزلة غصب المشاع فان التعيين ~~بالغصب كالقسمة فما له أن يطالب الغاصب بالقسمة # وللمحتال عليه أن يرجع على المحيل بما قبضه منه بغير حق لكن للخصم تحليف ~~المقر له أن باطن هذا الاقرار كظاهره والله أعلم PageV29P556 ### | 1 ( كتاب الصلح ) # بسم الله الرحمن الرحيم ### |||| سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله # عن رجل اشترى دارا ولها بابان كل باب في زقاق غير نافذ وأحدهما مسدود ~~والكتب تشهد بالبابين والمسدود هو الباب الأصلي في صدر الزقاق فأراد أن ~~يفتح الباب فهل له أن يفتحه ### ||||| فأجاب # إذا اشترى دارا بحقوقها وكان ذلك الباب الذي سد من حقوقها فله أن ~~يفتحه كما كان أولا إلا أن يكون هذا الحق مستثنى من المبيع لفظا أو عرفا ### |||| وسئل رحمه الله # عن دارين بينهما شارع فأراد صاحب أحد الدارين أن يعمر على داره غرفة تفضي ~~إلى سد الفضاء عن الدار الأخرى فهل يجوز ذلك أم لا PageV30P005 ### ||||| فأجاب # إن كان في ذلك إضرار بالجار مثل أن يشرف عليه فإنه يلزم ما يمنع مشارفته ~~الأسفل فإذا لم يكن فيه ضرر على الجار بأن يبنى ما يمنع الإشراف عليه أو لا ~~يكون فيه إشراف عليه لم يمنع من البناء ### |||| وسئل # عن رجل إشترى دارا وهي تشرف إلى طريق المارة ثم إنه أراد أن يزيد فيها ~~فاشترى من وكيل بيت المال من جانب الطريق أذرعا معلومة وأقام حائطا فيما ~~اشتراه وأراد أن يعمل على طريق المسلمين ساباطا ليبني عليه دارا فهل يجوز ~~ذلك أم لا وهل يصح بيع الأرض المبتاعة من وكيل بيت المال التى في طريق ~~المسلمين أم لا وهل يفسق الشاهد الذى يشهد بها لبيت المال أم لا وإذا ادعى ~~الثاني أن ms8649 بناءه لم يضر بالمسلمين هل يسمع ذلك منه وما الضرر الذى لأجله ~~يمنع البناء على الطريق وهل يجوز لحاكم المسلمين تمكينه من ذلك على هذه ~~الصفة المشروحة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يجوز بيع شيء من طريق المسلمين النافذ وليس لوكيل بيت ~~المال بيع ذلك سواء كانت الطريق واسعة أو PageV30P006 ضيقة وليس مع الشاهد ~~علم ليس مع سائر الناس اللهم إلا أن يشهد أن هذه لبيت المال مثل أن تكون ~~ملكا لرجل فانتقلت عنه إلى بيت المال وأدخلت في الطريق بطريق الغصب وأما ~~شهادته أنها لبيت المال بمجرد كونها طريقا فهذا إن أراد أن الطريق المشتركة ~~حق للمسلمين لم يسوغ ذلك بيعها وإن أراد أنها ملك لبيت المال يجوز بيعها ~~كما يباع بيت المال فهذه شهادة زور يستحق صاحبها العقوبة التى تردعه ~~وأمثاله وليس للحاكم أن يحكم بصحة هذا البيع ### |||| وسئل رحمه الله # عن بيتين أحدهما شرقى الآخر والدخول إلى أحدهما من تحت ميزاب الآخر من ~~سلم وذلك من قديم فهل لصاحب البيت الذى سلمه ومجراه تحت الميزاب الآخر أن ~~يمنع هذا الميزاب أن يجري على هذا السلم لأجل الضرر الذى يلحقه أم لا ### ||||| فأجاب # ليس له أن يمنع صاحب الحق القديم من حقه والله أعلم PageV30P007 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل أحدث بنيانا ورواشنا على باب الطبقات عليه من حيث يكشف حريم جاره ~~وطبق عليه باب مطلعه من حيث لا يقدر ينزل طبق العجين ولا يطلع قربة سقاء ### ||||| فأجاب # ليس للجار أن يحدث في الطريق المشترك الذى لا ينفذ شيئا بغير إذن ~~رفيقه ولا شركائه ولا أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره وإذا فعل ذلك فللشريك ~~إزالة ضرره قبل البيع وبعده لكن إذا أزيل قبل البيع لم يعد وبعد البيع ~~فللمشتري فسخ البيع لأجل هذا النقص ### |||| وسئل # عن رجل اشترى حوانيت أرضا وبنى من مدة عشرين سنة وفوقهم علو فحضر من ادعى ~~أن العلو ملكه ولم يصدقه مالك الحوانيت على صحة ملكه وأنشأ على العلو عمارة ~~جديدة فهل ms8650 يلزمه PageV30P008 هدم ما أنشأ مستجدا ### ||||| فأجاب # إذا كانت يده على العلو وصاحب السفل لا يدعي أنه له فهو لصاحب اليد ~~حتى يقيم غيره حجة أنه له وأما ما أنشأه من العمارة الجديدة فليس له ذلك ~~إلا أن يكون ذلك من حقوق ملكه والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل اشترى طبقة ولم يكن يروز ثم عمرها وأحدث روشنا على جيرانه في زقاق ~~ليس نافذا وادعى أن فيه بابا شرقى الظاهرية فهل له أن يحدث الروشن ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ليس له أن يحدث في الدرب الذى لا ينفذ روشنا ~~باتفاق الأئمة فإنهم لم يتنازعوا في ذلك لكن تنازعوا في جواز إحداثه في ~~الدرب النافذ وفى ذلك نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه # وأما الدرب الذى لا ينفذ فلا نزاع فيه سواء كان له باب إلى مدرسة أو لم ~~يكن فإنه ليس بنافذ وإذا ادعى أن له فيه حق روشن لم يقبل قوله بغير حجة لكن ~~له تحليف الجيران الذين تنازعوا فيه على نفي استحقاقه لذلك والله أعلم ~~PageV30P009 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن له دار وبينهم طريق ونزل على أحدهم بأن كان ساباطا ولم يتضرر الجار ~~والمار وقصد أحد الجيران أن يساويه بالبروز ويخرج عن جيرانه في الطريق ويضر ~~بالجار ### ||||| فأجاب # أما الساباط ونحوه إذا كان مضرا فلا يجوز باتفاق العلماء وكذلك لا ~~يجوز لأحد أن يخرج في طريق المسلمين شيئا من أجزاء البناء حتى أنه ينهى عن ~~تجصيص الحائط من خارج إلا أن يدخل حده بمقدار غلظ الجص # وأما إذا كان الساباط ونحوه لا يضر بالطريق ففيه نزاع مشهور بين العلماء ~~قيل يجوز كقول الشافعى وقيل لا يجوز كأحد القولين في مذهب أحمد ومالك وقيل ~~يجوز بإذن الإمام كالقول الأخير وقيل إن منعه بعض العامة امتنع كما هو مذهب ~~أبى حنيفة والله أعلم PageV30P010 ### |||| وسئل # عن زقاق غير نافذ وفيه جماعة سكان وفيهم شخص له دار فهل له أن يفتح بابا ~~غير بابه الأصلي ### ||||| فأجاب # ليس له أن يفتح في الدرب الذى لا ينفذ ms8651 بابا يكون أقرب إلى آخر ~~الدرب من بابه الأصلي إلا بإذن المشاركين له في الإستطراق في ذلك والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن رجل عمر حوانيت وبجنبها خربة لإنسان فهل لصاحب الدار أن يفتح مشرعا من ~~الخربة أم لا ### ||||| فأجاب # ليس له أن يفتح مشرعا يعني بابا في درب غير نافذ إلا بإذن أهله إلا ~~أن يكون له فيه حق الإستطراق والله أعلم PageV30P011 ### |||| وسئل # عن ملك مشترك بين مسلم وذمي فهدماه إلى آخره فهل يجوز تعليته على ملك ~~جارهما المسلم أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس لهما تعليته على ملك المسلم فإن تعلية الذمي على ~~المسلم محظورة ومالا يتم اجتناب المحظور إلا باجتنابه فهو محظور كما في ~~مسائل اختلاط الحرام بالحلال كما لو اختلط بالماء والمائعات نجاسة ظاهرة ~~وكالمتولد بين مأكول وغير مأكول كالسمع والعسار والبغل وكما في ( مسائل ~~الأشتباه ( أيضا مثل أن تشتبه أخته بأجنبية والمذكى بالميت فإنه لما لم ~~يمكن اجتناب المحظورات إلا باجتناب المباح في الأصل وجب اجتنابهما جميعا ~~كما أن ما لا يتم الواجب إلا بفعله ففعله واجب وإنما ذاك إذا كان ليس شرطا ~~في الوجوب وهو مقدور للمكلف وهنا لا يمكن منع الذمي من تعلية بنائه على ~~المسلم لا أن يمنع شريكه فيجب منعهما وليس في منع المسلم من تعلية بنائه ~~على مسلم تعلية كافر على مسلم بخلاف ما إذا أمكن الشريك من التعلية فإنه ~~يكون PageV30P012 في ذلك علو للكافر على المسلم وذلك لا يجوز وإذا عليا ~~البناء وجب هدمه # ولا يجوز لمسلم أن يجعل جاه المسلم ذريعة لرفع كافر على مسلم ومن شارك ~~الكافر أو استخدمه وأراد بجاه الإسلام أن يرفعوا على المسلمين فقد بخس ~~الإسلام وإستحق أن يهان الإهانة الإسلامية والله أعلم ### |||| وسئل # عن بستان مشترك حصلت فيه القسمة فأراد أحد الشريكين أن يبني بينه وبين ~~شريكه جدارا فامتنع أن يدعه يبنى أو يقوم معه على البناء ### ||||| فأجاب # أنه يجبر على ذلك ويؤخذ الجدار من أرض كل منهما بقدر حقه ~~PageV30P013 ### |||| وسئل # عن بستان بين شريكين ms8652 ثم قسماه فأراد أحدهما أن يبني حائطه بينه وبين ~~شريكه فامتنع الشريك أن يخليه يبنى في أرضه وعلي غرامة البناء ### ||||| فأجاب # يجبر الممتنع أن يبني الجدار في الحقين من الشريكين جميعا إذا كانا ~~محتاجين إلى السترة ### |||| وسئل أيضا # فلو كانت المسألة بحالها فإن امتنع أحدهما أن يبنى مع شريكه وبناه أحدهما ~~بماله لكنه وضع بعض أساسه من سهم هذا وبعضه من سهم هذا فهل له أن يمنع الذى ~~لم يبن معه أن ينتفع بالجدار مثل أن يضع جاره عليه شيئا أو يبنى عليه أم لا ### ||||| فأجاب # لو كان الجدار مختصا بأحدهما لم يكن له أن يمنع جاره من الإنتفاع ~~بما يحتاج إليه الجار ولا يضر بصاحب الجدار والله أعلم PageV30P014 ### |||| وسئل # عن رجل اشترى من بيت المال بمصر شراء صحيحا شرعيا وبنى فتعرض له إنسان ~~ومنعه من البناء فهل له ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا بنى في ملكه بناء لم يتعد به على الجار لكن يخاف أن ~~يسكن في البناء الجديد ناس آخرون فينقص كراء الأول لم يكن له منعه لأجل ذلك ~~بلا نزاع بين العلماء ### |||| وسئل # عن رجل له ملك وهو واقع فأعلموه بوقوعه فأبى أن ينقضه ثم وقع على صغير ~~فهشمه هل يضمن أو لا ### ||||| فأجاب # هذا يجب الضمان عليه في أحد قولى العلماء لأنه مفرط في عدم إزالة ~~هذا الضرر والضمان على المالك الرشيد الحاضر أو وكيله إن كان غائبا أو وليه ~~إن كان محجورا عليه PageV30P015 # ووجوب الضمان في مثل هذا هو مذهب أبى حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن ~~أحمد وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي # والواجب نصف الدية والأرش في ما لا تقدير فيه ويجب ذلك على عاقلة هؤلاء ~~إن أمكن وإلا فعليهم في أصح قولي العلماء # وقال رحمه الله # إذا احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره ولا ضرر فله ذلك وعنه لربها منعه ~~كما لو استغنى عنه أو عن إجرائه فيها # قال ولو كان لرجل نهر يجري في أرض مباحة فأراد جار النهر أن يعرضه ms8653 إلى ~~أرضه أو بعضه ولا ضرر فيه إلا انتفاعه بالماء كما لو كان ينتفع به في مجراه ~~ولكنه يسهل عليه الإنتفاع به فأفتيت بجواز ذلك وأنه لا يحل منعه فإن المرور ~~في الأرض كما أنه ينتفع به صاحب الماء فيكون حقا له فإنه ينتفع به صاحب ~~الأرض أيضا كما في حديث عمر فهو هنا انتفع بإجراء مائة كما أنه هناك انتفع ~~بأرضه # ونظيرها لو كان لرب الجدار مصلحة في وضع الجذوع عليه من PageV30P016 غير ~~ضرر الجذوع وعكس مسألة إمرار الماء لو أراد أن يجرى في أرضه من بقعه إلى ~~بقعة ويخرجه إلى أرض مباحة أو إلى أرض جار راض من غير أن يكون على رب الماء ~~ضرر لكن ينبغي أن يملك ذلك لأنه يستحق شغل المكان الفارغ فكذلك تفريغ ~~المشغول # والضابط أن الجار إما أن يريد إحداث الإنتفاع بمكان جاره أو إزالة انتفاع ~~الجار الذى ينفعه زواله ولا يضر الآخر # ومن أصلنا أن المجاورة توجب لكل من الحق ما لا يجب للأجنبي ويحرم عليه ما ~~لا يحرم للأجنبى فيبيح الإنتفاع بملك الجار الخالي عن ضرر الجار ويحرم ~~الإنتفاع بملك المنتفع إذا كان فيه إضرار ### ||| فصل # وإذا قلنا بإجراء مائة على إحدى الروايتين فاحتاج أن يجري ماءه في طريق ~~مياه مثل أن يجرى مياه سطوحه وغيرها في قناة لجاره أو يسوق في قناة غدير ~~ماء ثم يقاسمه جاز PageV30P017 ### ||| 2 باب الحجر ### |||| 2 وسئل رحمه الله # عن رجل عسفه إنسان على دين يريد حبسه وهو معسر فهل القول قوله في أنه ~~معسر أو يلزم بإقامة البينة في ذلك ### ||||| فأجاب # إذا كان الدين لزمه بغير معاوضة كالضمان ولم يعرف له مال قبل ذلك ~~فالقول قوله مع يمينه في الإعسار والله أعلم ### |||| وسئل الشيخ رحمه الله # عن رجل مسلم اشترى من ذمي عقارا ثم رمى نفسه عليه واشترى منه قسطين ~~والتزم يمينا شرعية الوفاء إلى شهر فهل على أحد أن يعلمه حيلة وهو قادر ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان الغريم قادرا على الوفاء لم ms8654 يكن لأحد أن يلزم رب ~~الدين بترك مطالبته ولا يطلب منه حيلة لا حقيقة لها PageV30P018 لأجل ذلك ~~مثل أن يقبض منه ثم يعيد إليه غير حقيقة استيفاء وإن كان معسرا وجب إنظاره ~~واليمين المطلقة محمولة على حال القدرة لا على حال العجز والله أعلم ### |||| وسئل # عمن ترك بعد موته كرما ودارا وعليه دين يستوعب ذلك كله وله من الورثة ~~زوجة وبنت والسلطان ( 1 ) فطلب أرباب الدين من الورثة بيع الملك فهل يلزم ~~الورثة البيع أو الحاكم ### ||||| فأجاب # إن باع الورثة ووفوا من الثمن جاز وإن سلموه للغرماء فباعه الغرماء ~~واستوفوا ديونهم جاز وإن طلبوا من الحاكم أن يقيم لهم أمينا يتولى ذلك جاز ~~وإن أقاموا هم أمينا يتولى ذلك جاز وإذا سلم الورثة ذلك إلى الغرماء لم يجب ~~على الورثة أن يتولوا البيع والله أعلم PageV30P019 ### |||| وسئل # عن رجل باع قماشا لإنسان تاجر وكسب فيه شيئا معينا وقسط عليه الثمن ~~والمديون يطلب السفر ولم يقم له كافلا فهل لصاحب المال أن يمنعه من السفر ~~أم لا ### ||||| فأجاب # إن كان الدين حالا وهو قادر على وفائه فله أن يمنعه من السفر قبل ~~استيفائه وكذلك إن كان مؤجلا ومحله قبل قدوم المدين فله أن يمنعه من السفر ~~حتى يوثق برهن يحفظ المال أو كفيل # وإن كان الدين لا يحل إلا بعد قدوم المدين ففيه نزاع بين العلماء والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن PageV30P020 ~~أعتق عبدا وهو محتاج وعليه ديون وما له جدة فهل يجوز له أن يبيعه ويوفي ~~به دينه ### ||||| فأجاب # إن كان حين أعتقه موسرا ليس عليه دين أو عليه دين له وفاء غير ~~العبد فقد عتق ولا رجوع فيه وإن كان حين أعتقه عليه دين يحيط بما له ففي ~~صحته نزاع بين العلماء والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل ادعى على غريم له عند الحاكم فاعترف له بدينه وبالقدرة والملاءة ~~فاعتقله الحاكم وحجر عليه عقيب ذلك ثم أن المعتقل أراد إثبات إعساره عند ~~حاكم آخر فهل له ذلك ### ||||| فأجاب # لا تقبل دعوى ms8655 إعساره بعد الإعتراف بالقدرة وبعد الحجر عليه إذا لم ~~يبين السبب الذى أزال الملاءة ويكون ذلك ممكنا في العادة كحرق الدار التى ~~فيها متاعه ونحوه وليس له طلب إتمام الحكم في ذلك PageV30P021 وأن يدعي ذلك ~~ويثبته عند غير الحاكم الذي حبسه وحجر عليه بدون إذنه والله أعلم ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن رجل استدان من التجار أموالا وطولب بها وامتنع من الوفاء مع القدرة ~~على ذلك واعتقلوه بحكم الشرع فهل يجوز للحاكم عقوبته حتى يوفي ما عليه ~~وماذا حكم الشرع فيه ### ||||| فأجاب # إذا امتنع مما يجب عليه من إظهار ماله والتمكين من توفية الناس ~~جميع حقوقهم وكان ماله ظاهرا واحتيج إلى التوفية إلى فعل منه وامتنع منه ~~وأصر على الحبس فإنه يعاقب بالضرب حتى يقوم بالواجب عليه في ذلك في مذهب ~~عامة الفقهاء وقد صرح بذلك أصحاب مالك والشافعي من العراقيين والخراسانيين ~~وأصحاب الإمام أحمد وغيرهم # ولا نعلم في ذلك نزاعا بل كرروا هذه المسألة في غير موضع من كتبهم فإنهم ~~مع ذكرهم لها في موضعها المشهور ذكروها في غيره كما ذكروها في ( باب نكاح ~~الكفار ) وجعلوها أصلا قاسوا عليه إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة ~~وامتنع من الإختيار PageV30P022 قالوا يضرب حتى يختار لأنه امتنع من فعل ~~وجب عليه ويضرب حتى يقوم به كما لو امتنع من أداء الدين الواجب عليه فإنه ~~يضرب حتى يؤديه # وقد قال النبى في الحديث المتفق عليه في الصحيحين مطل الغني ظلم والظالم ~~مستوجب للعقوبة وفى السنن عن النبى لي الواجد يحل عرضه وعقوبته اللى المطل ~~والواجد القادر فقد أباح النبى من القادر الماطل عرضه وقد اتفق العلماء على ~~أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة # والمعاصي تنقسم إلى ترك مأمور وفعل محظور فإذا كانت العقوبة على ترك ~~الواجب كعقوبة هذا وأمثاله من تاركى الواجب عوقب حتى يفعله ولهذا قال ~~العلماء الذين ذكروا هذه المسألة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم أنه ~~يضرب مرة بعد أخرى حتى يؤدي ثم ms8656 منهم من قدر ضربه في كل مرة بتسعة وثلاثين ~~سوطا ومنهم من لم يقدره بناء على أن التعزير هل هو مقدر أم ليس بمقدر ~~للحاكم أن يعزره على امتناعه عقوبة لما مضى وله أيضا أن يعاقبه حتى يتولى ~~الوفاء الواجب عليه وليس على الحاكم أن يتولى هو بيع ماله ووفاء الدين ~~PageV30P023 # وإن كان ذلك جائزا للحاكم لكن متى رأى أن يلزمه هو بالبيع والوفاء زجرا ~~له ولأمثاله عن المطل أو لكون الحاكم مشغولا عن ذلك بغيره أو لمفسدة تخاف ~~من ذلك كانت عقوبته بالضرب حتى يتولى ذلك # فإن قال إن في بيعه بالنقد في هذا الوقت علي خسارة ولكن أبيعه إلى أجل ~~وأحيلكم به وقال الغرماء لا نحتال لكن نحن نرضى أن يباع إلى هذا الأجل وأن ~~يستوفي ويوفي وما ذهب على المشترى كان من ماله فإنه يجاب الغرماء إلى ذلك ~~وللحاكم أن يبيعه ويقيم من يستوفي ويوفي مع عقوبته على ترك الواجب وللغرماء ~~أن يطلبوا تعجيل بيع ما يمكن بيعه نقدا إذا بيع بثمن المثل ويجب عليه ~~الإجابة إلى ذلك وللحاكم أن يفعله كما تقدم وأن يعاقبه على ترك الواجب ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عمن عليه دين فلم يوفه حتى طولب به عند الحاكم وغيره وغرم أجرة الرحلة هل ~~الغرم على المدين أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان الذى عليه الحق قادرا على الوفاء PageV30P024 ~~ومطله حتى أحوجه إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المماطل إذا ~~غرمه على الوجه المعتاد ### |||| وسئل # عمن حبس بدين وليس له وفاء إلا رهن عند الغريم فهل يمهل ويخرج إلى أن ~~يبيعه ### ||||| فأجاب # إذا لم يكن له وفاء غير الرهن وجب على المدين إمهاله حتى يبيعه ~~فمتى لم يمكن بيعه إلا بخروجه أو كان في بيعه في الحبس ضرر عليه وجب إخراجه ~~ليبيعه ويضمن عليه أو يمشى الغريم أو وكيله إليه ### |||| وسئل # عن رجل عليه دين حال وله ملك لا تفضل فضلة عن نفقته ونفقة عياله وإذا ~~أراد بيعه لم يتهيأ إلا ms8657 بدون ثمن مثله فهل يلزمه بيعه بدون ثمن مثله وإذا ~~لم يلزمه بيعه فهل يقسط الدين عليه على قدر حاله أم لا ### ||||| فأجاب # لا يباع إلا بثمن المثل المعتاد غالبا في ذلك البلد إلا أن ~~PageV30P025 تكون العادة تغيرت تغيرا مستقرا فيكون حينئذ ثمن المثل قد نقص ~~فيباع بثمن المثل المستقر وإذا لم يجب بيعه فعلى الغريم الإنظار إلى وقت ~~السعة أو الميسرة وله أن يطلب منه كل وقت ما يقدر عليه وهو التقسيط ### |||| وسئل رحمه الله # عن قزاز أسلمت له امرأة شقتي غزل فهرب وختم على دكانه فاشتكت صاحبة ~~الشقتين على غزلها فرسم الوالي أن يفتح الدكان وكل من لقي شيئا من رحله ~~يأخذه وبقيت الشقة الواحدة على النول فجاء إنسان موقع فذكر أن له عند ~~القزاز قليل غزل فاشتكى إلى القاضي فرسم له أن يأخذ شقة المرأة ويقسم على ~~أصحاب الأمانات وأنظر حال المرأة ### ||||| فأجاب # ما كان في حانوت المفلس من الأمانات مثل الثياب الذى ينسجها للناس ~~والغزل وغير ذلك فإنها لأصحابها باتفاق المسلمين لا تعطى لغير صاحبها # وإذا كان قد أخذ للناس غزلا ولم يوجد عين الغزل لم يجز لصاحب الغزل أن ~~يأخذ مال غيره بدلا عن ماله بل إذا أقرض فيها كانت في ذمته وكذلك ما أعطاه ~~من الأجرة ولم يوف العمل فإنها دين في ذمته والديون التي PageV30P026 في ~~ذمته لا توفى من أعيان أموال الناس باتفاق العلماء # ومن أقام من الناس بينة بأن هذا عين ماله أخذه وإن لم يقم أحد بينة وكان ~~الرجل خائفا قد علم أن الذي ينسجه ليس هو له وإنما هو للناس لم يوف ديونه ~~من تلك الأموال # ولا يجوز أن يعطى بعض الغزل بدعواه دون بعض بل يجب أن يعدل في ذلك بين ~~الغرماء وأن أقام واحد شاهدا وحلف مع شاهده حكم له بذلك وإن تعذر ما يعرف ~~به مال هذا ومال هذا إلا علامات مميزة مثل اسم كل واحد على متاعه عمل بذلك ~~وإن تعذر ذلك كله أقرع بين المدعين ms8658 فمن خرجت قرعته على عين أخذها مع يمينه ~~فقد ثبت في الصحيح عن النبى القرعة في مثل هذا والله أعلم ### |||| وسئل # عمن عليه دين ولم يكن قادرا على وفاء دينه وثبت أنه ما حصل معه شيء أوفاه ~~وله والد له مال [ ولم ] يوف عنه شيئا ويريد والده أن يأخذه معه إلى الحج ~~فهل يسقط عنه الفرض الذى عليه بحكم PageV30P027 الدين الذي عليه وأن ما معه ~~شيء يحج به إلا والده ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم متى حج به أبوه من ماله جاز ذلك ويسقط عنه الفرض ~~باتفاق العلماء وتنازعوا هل يجب عليه الحج إذا بذل له أبوه المال والخلاف ~~في ذلك مشهور والفرض يسقط عنه سواء ملكه أبوه مالا أو أنفق عليه وأركبه من ~~غير تمليك # فإن كان عليه دين فمتى أذن له الغرماء في السفر للحج فلا ريب في جواز ~~السفر وإن منعوه من السفر ليقيم ويعمل ويوفيهم كان لهم ذلك وكان مقامه ~~ليكتسب ويوفى الغرماء أولى به وأوجب عليه من الحج وكان لهم منعه من الحج ~~ولا يحل لهم أن يطالبوه إذا علموا إعساره ولا يمنعوه الحج # لكن إن قال الغرماء نخاف أن يحج فلا يرجع فنريد أن يقيم كفيلا ببدنه توجه ~~مطالبتهم بهذا فإن حقوقهم باقية ولكنه عاجز عنها ولو كان قادرا على الوفاء ~~والدين حال كان لهم منعه بلا ريب وكذلك لو كان مؤجلا يحل قبل رجوعه فلهم ~~منعه حتى يوثق برهن أو كفيل وهناك حتى يوفي أو يوثق # وأما إن كان لا يحل إلا بعد رجوعه والسفر آمن ففى منعهم PageV30P028 له ~~قولان معروفان هما روايتان عن أحمد # وإن كان السفر مخوفا كالجهاد فلهم منعه إذا تعين عليه وإذا تمكن الغرماء ~~من استيفاء حقوقهم فلهم تخليته عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وعن ~~أبى حنيفة لهم ملازمته وهذا في المقام فإذا أراد المعسر أن كان فيه نزاع ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل عليه دين وتلف ماله وله بينة عادلة تشهد له بتلف ماله لكنها لا ~~تدرى هل ms8659 تجدد له مال بعد ذلك أم لا فهل القول قوله مع يمينه في الإعسار أم ~~يحتاج إلى بينة ### ||||| فأجاب # إذا قال لم يحدث لي بعد تلف مالى شيء فالقول قوله مع يمينه في ذلك ~~في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما والله أعلم PageV30P029 ### |||| وسئل رضى الله عنه # عن رجل طحان له على رجل مسطور من مدة تزيد على عشر سنين واستوفى أكثره ~~ولم يذكر أن تأخر له منه إلا دون المائة ثم إن صاحب المسطور أتى بمماليك من ~~جهة أمير وأخذوا له رأسي خيل من غير رهن شرعي ولا دعوي عند حاكم ولا أذن ~~لهم في ذلك واستعملهما من مدة ثمانية أشهر ثم ادعى عدمهم فهل له أن يطالب ~~بأجرة استعمالهم عن هذه المدة المذكورة وقيمة أثمانها وهل القول قوله في ~~القيمة أو قول مالكهما في الأجرة والثمن ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إذا لم يكن بقي له من الدين إلا مائة وكانت ~~قيمة الرأسين أكثر من مائة درهم كان هذا المتولي ضامنا لما زاد على قدر حقه ~~وعليه أجرة ذلك لإستيلائه # والقول في قيمتهما قول الضامن وهو الغاصب إلا أن يعرف صفتهما وأن قيمتهما ~~أكثر من ذلك أو تقوم بينة ولو شاهد ويمين المدعي بالقيمة # وأما مقدار حقه فيقاص به ماله على المدين PageV30P030 ### |||| وسئل # عن رجل مديون ولرجل معه معاملة في بضاعة سبع سنين وصار له عنده خمسمائة ~~درهم أوفى منها ثلاثمائة وتحت يده دار رهنا وقد رفعه إلى الحاكم فقال ~~المدين يصبر على ثمانية أيام أوفيه فما فعل يمهله فهل يجوز أن يحبسه ### ||||| فأجاب # إذا كان للرجل سلعة فطلب أن يمهل حتى يبيعها ويوفيه من ثمنها أمهل ~~بقدر ذلك وكذلك إن أمكنه أن يحتال لوفاء دينه باقتراض أو نحوه وطلب أن لا ~~يرسم عليه حتى يفعل ذلك وجبت إجابته إلى ذلك ولم يجز منعه من ذلك بحبسه ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل عليه دين لجماعة وأعسر عن المبلغ واتفقوا جميعهم على أنهم يمهلوه ~~ويخرجوه وكان قد بقي له بقية مال ms8660 على أنه يعمل فيه ويوفيهم ففعلوا ذلك إلا ~~رجل واحد منهم أبى أن يفعل PageV30P031 ذلك بعد اتفاق الجماعة معه فهل له ~~أن يأخذ دون الجماعة الذي له أم لا ### ||||| فأجاب # ليس له بعد رضاه معهم بأنظارهم أن يختص بإستيفاء ماله حالا دونهم ~~على مذهب من يقول إن الحال يتأجل كمالك وأحمد في قول وعلى مذهب من يقول لا ~~يتأجل كالشافعي وأحمد في قول أو من يقول يتأجل في المعاوضات دون التبرعات ~~كأبي حنيفة وأحمد في رواية ولا فرق في مذهب أحمد ومالك وغيرهما بين أن يكون ~~قد اتفق معهم على التأجيل إلى أجل معين أو يقسطه أقساطا أو اتفق معهم على ~~أن يفعلوا ذلك فيما بعد ليس له أن يغدر بهم ويمكر بهم بل لو قدر أن التأجيل ~~لم يلزم فإنهم مشتركون جميعهم في الإستيفاء من ذلك المتبقى مع الغريم ### |||| وسئل # عن رجل عليه دين وله مدة في الإعتقال ولا موجود له غير عمل يده فهل يحل ~~لأصحاب الدين ضربه أو اعتقاله أو الصبر عليه ويأخذوا قليلا قليلا على قدر ~~عمله ### ||||| فأجاب # لا يحل اعتقاله ولا ضربه والحالة هذه بل الواجب تمكينه حتى يعمل ما ~~يوفى دينه بحسب الإمكان والله أعلم PageV30P032 ### |||| وسئل # عن رجل عليه دين من ضمان وليس له وفاء إلا من شغله ويريد يذهب معلما ~~فيحصل شيئا ويقيم له ضامن وجه بحضوره فهل يجوز حبسه أم يمكن من ذلك # وإن ادعى الغريم أنه قادر على وفاء الضمان وادعى هو العجز فهل القول قول ~~الغريم وهل يحتاج إلى أن يقيم بينة ### ||||| فأجاب # بل يجب تمكينه من إيفاء الدين على الوجه الذى يمكنه ولا يجوز حبسه ~~إن قام بذلك وإذا ادعى الإعسار وعرف له مال لم تقبل دعوى الإعسار إلا ببينة ~~وإن لم يعرف له مال فالقول قوله مع يمينه دون قول غريمه وهذا مذهب الشافعي ~~وأحمد وكذلك مذهب مالك نحو من ذلك وقد حكاه طائفة عن أبى حنيفة PageV30P033 ### |||| وسئل # عن رجل عليه دين وادعى عليه عند الحاكم ورسم عليه ms8661 فقال اقعد في الترسيم ~~حتى أبيع مالى وأوفى الدين فقال الغريم لابد من حبسك فهل يجوز حبسه أم ~~يلزمه حتى يبيع ويوفى دينه ### ||||| فأجاب # بل إذا طلب أن يمكن من بيع ما يوفى دينه وجب تمكينه من ذلك ولم يجب ~~حبسه العائق له عن ذلك وهذا باتفاق المسلمين والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل معسر وله عائلة وخشي من صاحب الدين أن يعتقله ويضيع هو وعائلته ~~ونوى أنه إذا وسع الله عليه أعطاه دينه إذا أنكره في ساعة وحلف هل عليه إثم ~~أم لا ### ||||| فأجاب # لا يحل له أن يجحد حقه ولا يحلف أنه لا شيء عليه بل عليه أن يقر ~~بحقه ويذكر عسرته ويستغفر الله تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ والله أعلم PageV30P034 ### |||| وسئل # عن رجل له مملوك وطلب بعض الظلمة شراءه فخاف أنه لا يعطيه ثمنه فقال هذا ~~متى بعته ثمنه على حرام وعليه دين فهل يبيعه ويوفى ثمنه ### ||||| فأجاب # نعم يجوز له بيعه ويوفى الناس حقوقهم فإن قصد بقوله ثمنه على حرام ~~أن ثمنه لا يبقى عنده بل أوفيه للغرماء فلا شيء عليه وإن قصد تحريم الثمن ~~فقيل عليه كفارة يمين كمذهب أحمد وأبى حنيفة وقيل لا شيء عليه كمذهب مالك ~~والشافعى والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل مديون وله بالقرافة ملك وباع منه نصفه بيع أمانة وله بهذا بينة ~~وأشهره المشتري كل شهر بسعيه ونصف من تاريخ المبيع وأن مداينا آخر اشتكاه ~~وضيق عليه باليد القوية حتى أخذ بقية الذى باع بها في الأول وبقى الملك في ~~قبضة الثانى PageV30P035 ### ||||| فأجاب # أما بيع الأمانة الذى مضمونه اتفاقهما على أن البائع إذا جاءه ~~بالثمن أعاد عليه ملكه ذلك ينتفع به المشترى بالإجارة والسكن ونحو ذلك هو ~~بيع باطل بإتفاق العلماء إذا كان الشرط مقترنا بالعقد # وإذا تنازعوا في الشرط المقدم على العقد فالصحيح أنه باطل بكل حال ~~ومقصودهما إنما هو الربا بإعطاء دراهم إلى أجل ومنفعة الدراهم هي الربح ~~والواجب هو رد المبيع إلى ms8662 صاحبه البائع وأن يرد البائع على المشتري ما قبضه ~~منه لكن يحسب له منه ما قبضه المشتري من المال الذي سموه أجرة والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل في الرق يبيع ويشترى لأستاذه وأستاذه يبيع ويشتري باسم المملوك ~~وقد وجب على أستاذه دين فهل يطلب به المملوك أو المالك ### ||||| فأجاب # الحمد لله الدين على السيد يوفى من ماله وما كان بيد العبد هو من ~~ماله يوفى به دينه ويباع أيضا في وفاء دينه وإن كتم العبد شيئا من المال ~~الذى للسيد بيده عوقب حتى يظهره فيوفى منه دينه والله أعلم PageV30P036 ### |||| وسئل # عن رجل عليه دين ثم إن صاحب الدين اعتقله وإن المديون فقير لا مال له ~~وانتقلت إليه منافع بستان من جهة وقف شرعي لا يتحصل من ريعه مقدار وفاء ~~الدين المدة المذكورة إلى حين وفاء الدين ### ||||| فأجاب # إن كان معسرا لم يجز حبسه ولا مطالبته بل يجب إنظاره إلى الميسرة ~~وإذا لم يكن له ما يوفى الدين إلا منافع الوقف عليه استوفى الدين من أجرة ~~منافع الوقف بحسب الإمكان فإن ظهر له مال سوى ذلك استوفى منه ما أمكن والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن عليه حق وامتنع هل يجب إقراره بالعقوبة ### ||||| فأجاب # حكم الشريعة أن من وجب عليه حق وهو قادر على أدائه وامتنع من أدائه ~~فإنه يعاقب بالضرب والحبس مرة بعد مرة حتى PageV30P037 يؤدى سواء كان الحق ~~دينا عليه أو وديعة عنده أو مال غصب أو عارية أو مالا للمسلمين أو كان الحق ~~عملا كتمكين المرأة زوجها من الإستمتاع بها وعمل الأجير ما وجب عليه من ~~المنفعة وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى @QB@ واللاتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن @QE@ فأباح الله سبحانه ~~للرجل أن يضرب المرأة إذا امتنعت من الحق الواجب عليها من المباشرة وفراش ~~زوجها # وقال النبى مطل الغنى ظلم أخرجاه في الصحيحين وقال لي الواجد يحل عرضه ~~وعقوبته رواه أهل السنن واللي هو المطل والواجد هو القادر فأخبر صلى الله ~~عليه وسلم ms8663 أن مطل الغنى ظلم وإن ذلك يحل عرضه وعقوبته فثبت أن عقوبة ~~المماطل مباحة # وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل خيبر على ~~الصفراء والبيضاء والسلاح وسأل عم حيي بن أخطب عن كنزه فقال يا محمد أذهبته ~~النفقات فقال للزبير دونك هذا فأخذه الزبير فمسه بشيء من العذاب فقال رأيته ~~يأتي إلى هذه الخربة وكان في جلد ثور لما علم النبى أن هذا الرجل الذى يعلم ~~مكان المال الذى يستحقه النبي PageV30P038 وقد أخفاه أمر الزبير بعقوبته ~~حتى دلهم على المال ومن كتم ماله أولى بالعقوبة وقد ذكر هذه المسألة ~~الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ولا أعلم فيه خلافا وقد ذكروا ~~بأن الممتنع من أداء الواجب من الدين وغيره إذا أصر على الإمتناع فإنه ~~يعاقب ويضرب مرة بعد مرة حتى يؤديه ولا يقتصر على ضربه مرة بل يفرق عليه ~~الضرب في أيام متعددة حتى يؤدى # وقد أجمع العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة ~~والمعاصي نوعان ترك واجب وفعل محرم فمن ترك أداء الواجب مع القدرة عليه فهو ~~عاص مستحق للعقوبة والتعزير والله سبحانه أعلم ### |||| وسئل # عن رجل أحضر إلى منزله شهودا فقال اشهدوا على أن ابنتي فلانة رشيدة جائزة ~~التصرف لا حجر عليها وهى ذات زوج وأولاد بحضور زوجها وأحد إخوتها ووالدتها ~~وكرر ذلك مرات # فلما انصرف شهوده قال أخوها للشهود الرشد لا تشهدوا به ثم بعد أيام حضر ~~والدها وأخوها وقال والدها أنا قد رجعت عن PageV30P039 ترشيدها فهل يصح ذلك ~~أم لا وهل له الرجوع بغير مستند شرعى ### ||||| فأجاب # ليس للشهود أن يلتفتوا إلى كلام أخيها ولا غيره والإمتناع من ~~الشهادة بل عليهم أن يقيموا الشهادة لله كما أمر الله ورسوله وليس لأبيها ~~أن يرجع عما أمر به من رشدها بل إن ثبت أنه حدث عليها سفه يوجب الحجر عليها ~~لم يكن الحجر عليها لأبيها بل لولى الأمر ولو لم يقر الأب برشدها فمتى صارت ~~رشيدة ms8664 زال الحجر عنها سواء رشدها أو لم يرشدها وسواء حكم بذلك حاكم أو لم ~~يحكم وإن نوزعت في الرشد فشهد شاهدان أنها رشيدة قبلت شهادتهما ولم يلتفت ~~إلى الأب ولا غيره وإذا تصرفت مدة وشهد الشاهد أنها كانت رشيدة في مدة ~~التصرف كان تصرفها صحيحا وإن كان الأب يدعى أنها كانت تحت حجره والله أعلم ### |||| وسئل # عن امرأة تحت الحجر وقد شهد لها بالرشد بينة عادلة ليسوا محارمها هل يقبل ~~ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # نعم اذا شهدت بينة عادلة برشدها حكم لها بذلك وإن لم يكونوا أقارب ~~فإن العدالة والرشد ونحو ذلك قد تعلم بالإستفاضة كما يعلم المسلمون رشد ~~أمهات المؤمنين والنسوة المشهورات والله أعلم PageV30P040 ### |||| وسئل # عن رجل له بنت أرملة وعقد عقدها وتلفظ للشهود برشدها فلما تيقنت البنت ~~بذلك اختارت أن تكون تحت حجر أبيها وما اختارت الرشد فهل لأبيها أن يفسخ ~~الرشد أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله بعد ان تصير رشيدة لا يمكن أن تكون تحت الحجر لكن لها أن ~~لا تتصرف في مالها إلا بإذن أبيها فإن قالت أنا لا أتصرف إلا بإذن أبى كان ~~لها ذلك إذا لم يكن التصرف واجبا عليها ### |||| وسئل # عن رجل خلف ولدا ذكرا وإبنتين غير مرشدتين وإن البنت الواحدة تزوجت بزوج ~~ووكلت زوجها في قبض ما تستحقه من إرث والدها والتصرف فيه فهل للأخ المذكور ~~الولاية عليها وهل يطلب الزوج بما قبضه وما صرفه لمصلحة اليتيمة ~~PageV30P041 ### ||||| فأجاب # للأخ الولاية من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا فعلت ما ~~لايحل لها نهاها عن ذلك # وأما الحجر عليها إن كانت سفيهة فلوصيها إن كان لها وصي الحجر عليها وإلا ~~فالحاكم يحجر عليها ولأخيها أن يرفع أمرها إلى الحاكم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له ولد عمره سبع سنين وإن رجلا أركبه دابة بغير إذن الوالد ولا ~~أعلمه فرفست الدابة الصغير ورمته وهربت منه فاشتكى الرجل أبا الصغير وكتب ~~عليه حجة غصب نحو الدابة فهل يضمن الوالد شيئا ### ||||| فأجاب # إذا لم يكن الوالد ms8665 له سبب في هذه القضية لم يكن عليه شيء ولا يلزمه ~~شيء من الحجة التى كتبت عليه كرها فإن صاحب الدابة هو الذى أمر الصغير ~~بركوبها من غير سعى الوالد PageV30P042 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن اشترى لليتيم من بيت المال بغبطة لبيت المال ولم يظهر غبطة لليتيم ~~فهل يصح الشراء وهل يضمن الوصي الزيادة ### ||||| فأجاب # إن اشترى لليتيم بثمن المثل أو بزيادة للمصلحة جاز وإن اشترى ~~بزيادة لا يتغابن الناس لمثلها كان عليه ضمان ما أداه من الزيادة الفاحشة ~~وغبطة بيت المال لا تؤثر فإن هذا في صورة لا حقيقة له والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل معتقل في سجن السلطان وهو خائف على نفسه وطولب بدين شرعى عليه ثم ~~أشهد عليه في حال اعتقاله أن جميع ما يملكه من العقار ملكا لزوجته وصدقته ~~على ذلك فهل يجوز إقراره بذلك وينفذ في جميع ماله أو يختص هذا الإقرار ~~بالثلث ويبقى الثلثان موقوفا على إجازة الورثة أم لا وإذا كانت له إبنة ~~صغيرة PageV30P043 فقيرة هل ينفق عليها من ريع هذا العقار والحالة هذه ### ||||| فأجاب # إذا كان عليه حقوق شرعية فتبرع بملكه بحيث لا يبقى لأهل الحقوق ما ~~يستوفونه بهذا التمليك فهو باطل في أحد قولي العلماء كما هو مذهب مالك ~~والإمام أحمد في إحدى الروايتين من جهة أن قضاء الدين واجب ونفقة الولد ~~واجبة فيحرم عليه أن يدع الواجب ويصرفه فيما لا يجب فيرد هذا التمليك ~~ويصرفه فيما يجب عليه من قضاء دينه ونفقة ولده # وأما إن كان الملك مستحقا لغيره أو فيه ما يستحقه غيره لم يصح صرفه في حق ~~الغير إلا بولاية أو وكالة وإذا كان الإشهاد فيما يملكه ملكه لزوجته لم ~~يدخل في ذلك ما لا يملكه ### |||| وسئل رحمه الله # عمن ولي على مال يتامى وهو قاصر فما الحكم في ولايته وأجرته ### ||||| فأجاب # لا يجوز أن يولى على مال اليتامى إلا من كان قويا خبيرا بما ولي ~~عليه أمينا عليه PageV30P044 # والواجب إذا لم يكن الولى بهذه الصفة أن يستبدل به ms8666 من يصلح ولا يستحق ~~الأجرة المسماة لكن إذا عمل لليتامى عملا يستحق أجرة مثله كان كالعمل في ~~سائر العقود الفاسدة ### |||| وسئل # عمن زوج ابنته لرجل ولها في صحبته سنين فجاء والدها يطلب شيئا لمصالحها ~~فقال الزوج أنا محجور علي وما ذكر في الكتاب تحت الحجر ### ||||| فأجاب # لا يقبل بمجرد ~~قوله في أنه محجور عليه بل الأصل صحة التصرف وعدم الحجر حتى يثبت والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج إمرأة ورزق منها ولدا وأراد والد الزوجة ~~المذكورة أن يضع يده على مال ابنته يتصرف فيه لنفسه فمنعته من ذلك فادعى ~~أنها تحت الحجر فهل تقبل منه هذه الدعوى وهي لم يصدر منها سفه يحجر عليها ~~وهل لها منعه من التصرف في مالها PageV30P045 ### ||||| فأجاب # ليس لأبيها أن يتصرف ~~لنفسه بل إذا كان متصرفا في مالها لنفسه كان ذلك قادحا في أهليته ومنع من ~~الولاية عليها كالحجر # وأما إن كان أهلا للولاية وإنما يتصرف لها بما فيه الحظ لها لا له وليس ~~له الولاية عليها إلا بشرط دوام السفه فإنها إذا رشدت زال حجرها بغير ~~اختياره وإذا أقامت بينة برشدها حكم برفع ولايته عنها ولها عليه اليمين أنه ~~لا يعلم رشدها إذا طلب ذلك ولم يقم بينة والله أعلم ### |||| وسئل # عن زوجة لرجل ادعت أنها تحت الحجر ولم يكن الزوج يعلم بذلك ثم طلقها ~~وأبرأته ثم تزوجت برجل آخر ثم ادعى على الأول بالصداق لكونها تحت الحجر فهل ~~يقبل ذلك ### ||||| فأجاب رحمه الله # لا يقبل بمجرد دعواها أنها تحت الحجر بل إذا كانت تتصرف ~~تصرف الرشيد فهي رشيدة نافذة البيوع ولو كانت تحت الحجر فإذا أقامت بينة ~~أنها رشيدة فقد تم تبرعها والله أعلم PageV30P046 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن اعترف بمال لأيتام وأعطى خطه ثم إن اليتيم الواحد طالبه فأنكر عند ~~الحاكم وحلف أنه لا يستحق عليه شيئا ثم إنه بعد ذلك طلب من اليتيم الإبراء ~~وهو مريض فهل يصح إبراؤه وهو مريض ### ||||| فأجاب # لا يصح هذا الإبراء في نفس الأمر ما ms8667 دام المدعى عليه جاحدا للحق ### |||| وسئل # عمن دفع مال يتيم إلى عامل يشترى به ثمرة مضاربة ومعه آخر أمينا عليه وله ~~النصف ولكل منهما الربع فخسر المال وإنفرد العامل بالعمل لتعذر الآخر وكانت ~~للشركة بعد تأبير الثمرة وأفتى بعضهم بفسادها وأن على العامل وولي اليتيم ~~ضمان ما صرف من ماله ### ||||| فأجاب # هذه الشركة في صحتها خلاف والأظهر صحتها # وسواء كانت صحيحة أو فاسدة فإن كان ولي اليتيم فرط فيما PageV30P047 فعله ~~ضمن وأما إذا فعل ما ظاهره المصلحة فلا ضمان عليه لجناية من عامله # وأما العامل فإن خان أو فرط فعليه الضمان وإلا فلا ضمان عليه ولو كان ~~العقد فاسدا كان ما يضمن بالعقد الصحيح يضمن بالفاسد وما لا يضمن بالعقد ~~الصحيح لا يضمن بالعقد الفاسد وعلى كل منهما اليمين في نفى الجناية ~~والتفريط ### |||| وسئل رحمه الله # عن أيتام تحت الحجر الشريف ثم إن التتار أسروهم سنة شقحب وهم صغار فوشى ~~بعض الناس إلى ولاة الأمر في أخذ مالهم ولهم وارث ذو رحم وعصبات فلما بلغ ~~الورثة ذلك أثبتوا محضرا على تقدير عدمهم وأنهم وراثهم فهل يحل لأحد أن ~~يتعرض لأخذه مع علمه ذلك وأن ينتظر لغيبتهم وهل يأثم المتخذ ذلك مع علمه ~~بذلك ### ||||| فأجاب # ليس لأحد غير الورثة أن يأخذ هذا الملك لكن ينفق منه النفقة ~~الواجبة على ربه مثل نفقة ولده ويقضي منه ديونه وإذا حكم بموته فهو للوارث ~~وفى المدة التي ينتظرون إليها نزاع بين العلماء من العلماء من يقدرها ومنهم ~~من يقول يرجعون في ذلك إلى الحاكم PageV30P048 ومنهم من يحدث في ذلك ليصرف ~~المال إلى غير مستحقه فإنه آثم في ذلك باتفاق الأئمة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن عنده يتيم وله مال تحت يده وقد رفع كلفة اليتيم عن ماله وينفق عليه ~~من عنده فهل له أن يتصرف في ماله بتجارة أو شراء عقار مما يزيد المال ~~وينميه بغير إذن الحاكم ### ||||| فأجاب # نعم يجوز له ذلك بل ينبغى له ولا يفتقر إلى إذن الحاكم إن كان ms8668 وصيا ~~وإن كان غير وصي وكان الناظر في أموال اليتامى الحاكم العالم العادل يحفظه ~~ويأمر فيه بالمصلحة وجب استئذانه في ذلك وإن كان في إستئذانه إضاعة المال ~~مثل أن يكون الحاكم أو نائبه فاسقا أو جاهلا أو عاجزا أو لا يحفظ أموال ~~اليتامى حفظه المستولي عليه وعمل فيه المصلحة من غير استئذان الحاكم ~~PageV30P049 ### |||| وسئل # عن رجل توفي إلى رحمة الله تعالى وخلف ثلاثة أولاد وملكا وكان فيهم ولد ~~كبير وقد هدم بعض الملك وأنشأ وتزوج فيه ورزق فيه أولادا والورثة بطالون ~~فلما طلبوا القسمة قصد هدم البناء ### ||||| فأجاب # أما العرصة فحقهم فيها باق # وأما البناء فإن كان بناه كله من ماله دون الأول فله أخذه ولكن عليه ضمان ~~البناء الأول الذى كان لهم وإن كان أعاده بالإرث الأول فهو لهم ### |||| وسئل رحمه الله # عن كسوة الصبيان في الأعياد وغيرها الحرير هل يجوز لولي اليتيم أن يلبسه ~~الحرير أم لا وإذا فعل ذلك هل يأثم أم لا وكذلك تمويه أقباعهم بالذهب هل ~~يجوز أم لا PageV30P050 ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس لولي اليتيم إلباسه الحرير في أظهر قولي العلماء كما ~~ليس له إسقاؤه الخمر وإطعامه الميتة فما حرم على الرجال البالغين فعلى ~~الولي أن يجنبه الصبيان # وقد مزق عمر بن الخطاب حريرا رآه على بن الزبير وقال لا تلبسوهم الحرير ~~وكذلك ما يحرم على الرجال من الذهب # وأما نسبة الولي إلى البخل فيدفع ذلك بأن يكسوه من المباح ما يحصل به ~~التجمل في الأعياد وغيرها كالمقاطع الإسكندرانية وغيرها مما يحصل به التجمل ~~والزينة ودفع البخل من غير تحريم ومن وضح له الحق ليس له أن يعدل عنه إلى ~~سواه ولا يجب على أحد أن يتبع غير الرسول في كل ما يأمر به وينهى عنه ~~ويحلله ويحرمه والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن وصي له أملاك ووليه في بلاد التتار وقد باع أملاكه برأي منه إلى الذي ~~إشترى منه بغير نداء ولا إشهاد ولا حكم أحد فهل يصح البيع ### ||||| فأجاب # إذا باع قبل أن ms8669 يرشد فبيعه باطل لاسيما إن كان PageV30P051 قد باع ~~بالغبن الفاحش # فإن ادعى المشتري أنه كان رشيدا وقامت البينة بسفهه حكم ببطلان البيع ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن أمير يعامل الناس ويتكل على حسابه فهل إذا أهمل ولم يكتبه يكون في ~~ذمته وإن الأمير لم يتحقق أن عليه في ذمته شيئا لكن يتكل على دفتر العامل ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كان قد اجتهد في استعمال ذلك وله كاتب وهو ثقة خبير ~~يجتهد في حفظ أموال الناس لم يكن في ذمته شيء فإن الله لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها وإن كان قد فرط في استعمال الكاتب بأن يكون خائنا أو عاجزا كان عليه ~~درك بما ذهب من حقوق الناس بتفريطه والله أعلم PageV30P052 ### |||| وسئل رحمه الله # عن الوكلاء على قرى الزرع قد قدر لهم على كل فدان شيء من القمح وغيره ~~ومؤونتهم على الفلاحين وله على الجند دراهم معلومة ### ||||| فأجاب # إن كان الوكيل لا يأخذ لنفسه إلا أجرة عمله بالمعروف والزيادة ~~يأخذها المقطع فالمقطع هو الذى ظلم الفلاحين وأما الذى أخذ أجرة عمله فقد ~~أخذ ما يستحق فلا يحرم عليه ذلك فإن كان الوكيل قد أعطى المقطع من الضريبة ~~ما يزيد على أجرة مثله ولم يأخذ لنفسه إلا أجرة عمله جاز ذلك والله أعلم ~~PageV30P053 ### ||| 2 باب الوكالة 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل وكل رجلا في قبض ديون له ثم صرفه وطالبه بما بقى عليه ثم إن ~~الوكيل المتصرف كتب مبارأة بينه وبين من عليه الدين بغير أمر الموكل فهل ~~يصح الإبراء ### ||||| فأجاب # إن لم يكن في وكالته إثبات ما يقتضي أنه مأذون له في الإبراء لم ~~يصح إبراؤه من دين هو ثابت للموكل وإن كان أقر بالإبراء قبل إقراره فيما هو ~~وكيل فيه كالتوكيل بالقبض إذا أقر بذلك والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل يوكل الدلال في أن يشتري له سلعة فيشتريها له ويأخذ من البائع ~~جعلا على أن باعها له بذلك الثمن PageV30P054 ### ||||| فأجاب # لا يجوز ذلك لأنه يشتريها لموكله بأكثر من ms8670 قيمتها فيزيد البائع على ~~الربح المعتاد إذا اشتراها بتخبير الثمن فيكون ذلك غشا لموكله هذا إذا حصل ~~مواطأة من البائع أو عرف بذلك وأما لو وهبه البائع ذلك من غير أن يكون قد ~~تقدم شعوره فهذه مذكورة في غير هذا الموضع ### |||| وسئل # عن وكيل آجر أرض موكله بناقص عن شركته ### ||||| فأجاب # إذا أجرها بنصف أجرة المثل ~~كان الوكيل ضامنا للنقص وهل للمالك إبطال الإجارة فيه نزاع بين العلماء ### |||| وسئل # عن جماعة من الجند استأجروا وكيلا على إقطاعهم وأمروه أن يخرج إلى ~~ذلك الإقطاع ويسجل بالقيمة فواطأ الوكيل أصحابه ووافق المزارعين على رأيهم ~~وسجل بدون القيمة الجارى بها العادة فهل يجوز تصرفه فيما لم يؤذن له فيه ~~لأجل ما بيده من الوكالة الشرعية PageV30P055 ### ||||| فأجاب # إذا أجر بدون أجرة ~~المثل وسلم الأرض إليهم فهو ظالم معتد ولأرباب الأرض أن يضمنوه تمام أجرة ~~المثل لأنه سلم أرضهم إلى من يتمتع بها # وأما المستأجرون إن كانوا علموا أنه ظالم وأنه حاباهم فلأصحاب الأرض ~~تضمينهم أيضا وإن كانوا استوفوا المنفعة فلهم منعهم من الزرع إن كانوا لم ~~يزرعوا فإن الإجارة حينئذ باطلة وإن كانوا لم يعلموا بل المؤجر عرفهم فهل ~~لأصحاب الأرض تضمينهم على قولين للعلماء وإذا ضمنوهم فهل لهم الرجوع على ~~هذا الغار بما لم يلزموا ضمانه بالعقد على قولين أيضا والثالثة في مذهب ~~أحمد وغيره من العلماء ### |||| وسئل رضى الله عنه # عن امرأة وكلت أخاها في المطالبة بحقوقها كلها والدعوى لها وفى فسخ ~~نكاحها من زوجها وثبت ذلك عند الحاكم ثم ادعى الوكيل عند الحاكم المذكور ~~بنفقة موكلته وكسوتها على زوجها المذكور واعترف أنه عاجز عن ذلك ومضى على ~~ذلك مدة وأحضره مرارا إلى الحاكم وهو مصر على الإعتراف بالعجز فطلب الوكيل ~~من الحاكم المذكور أن يمكنه من فسخ نكاح موكلته من زوجها فمكنه من ذلك ففسخ ~~الوكيل PageV30P056 نكاح موكلته من زوجها المذكور بحضور الزوج بعد أن أمهل ~~المهلة الشرعية قبل الفسخ فهل يصح الفسخ وتقع الفرقة بين الزوجين بتمكين ~~الحاكم الوكيل المذكور ms8671 من فسخ نكاح موكلته والحالة هذه أم لا أو يشترط حكم ~~الحاكم بصحة الفسخ ### ||||| فأجاب # إذا فسخ الوكيل المأذون له في فسخ النكاح بعد تمكين الحاكم له من ~~الفسخ صح فسخه ولم يحتج بعد ذلك إلى حكمه بصحة الفسخ في مذهب مالك والشافعى ~~وأحمد وغيرهم # ولكن الحاكم نفسه إذا فعل فعلا مختلفا فيه من عقد وفسخ كتزويج بلا ولي ~~وشراء عين غائبة ليتيم ثم رفع إلى حاكم لا يراه فهل له نقضه قبل أن يحكم به ~~أو يكون فعل الحاكم حكما على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد # والفسخ للإعسار جائز في مذهب الثلاثة والحاكم ليس هو فاسخا وإنما هو ~~الآذن في الفسخ والحاكم بجوازه كما لو حكم لرجل بميراث وأذن له في التصرف ~~أو حكم لرجل بأنه ولى في النكاح وأذن له في عقده أو حكم لمشتر بأن له فسخ ~~البيع لعيب ونحوه ففى كل موضع حكم لشخص باستحقاق العقد أو الفسخ صح بلا ~~نزاع في مثل هذا # وإنما النزاع فيما إذا كان هو العاقد أو الفاسخ ومع هذا PageV30P057 ~~فالصحيح أنه لا يحتاج عقده وفسخه إلى حكم حاكم فيه وهذا كله لو رفع مثل هذا ~~إلى حاكم حنفي لا يرى الفسخ بالإعسار فأما أن كان الحاكم الثاني ممن يرى ~~ذلك كمن يعتقد مذهب مالك والشافعي والإمام أحمد لم يكن له نقض هذا الفسخ ~~باتفاق الأئمة # والعلماء الذين اشترطوا في فسخ النكاح بعيب أو إعسار ونحو ذلك من صور ~~النزاع أن يكون بحكم حاكم وفرقوا بين ذلك وبين فسخ المعتقة تحت عبد قالوا ~~لأن هذا فسخ مجمع عليه فلا يفتقر إلى حاكم وذلك فسخ مختلف فيه وسببه أيضا ~~يدخله الإجتهاد بخلاف العتق فإنه سبب ظاهر معلوم فإشترطوا أن يكون الفسخ ~~بحكم حاكم لم يشترطوا أن يكون الحاكم قد حكم بصحة الفسخ بعد وقوعه إذ هذا ~~ليس من خصائص هذه المسائل بل كل تصرف متنازع فيه إذا حكم الحاكم بصحته لم ~~يكن لغيره نقضه إذا لم يخالف نصا ولا إجماعا # فلو كان ms8672 المعتبر هنا الحكم بعده لم يحتج إلى حكم الحاكم ابتداء بل كل ~~مستحق له أن يفسخه ثم حكم الحاكم يمنع غيره من إبطال الفسخ كما لو عقد عقدا ~~مختلفا فيه وحكم الحاكم بصحته وهذا بين لمن عرف ما قاله الفقهاء في هذا ~~والله أعلم PageV30P058 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل وكل رجلا في عمارة إقطاعه ببيت فسجل طينه بالقيمة العادلة على ~~الوجه المعتاد بالناحية ويراعي الغبطة والمصلحة لموكله فاتفق المزارعون ~~وخدعوا الوكيل لكونه غريبا من الناحية عادم الخبرة والمعرفة بمواريها ~~وخواصها فسجلوا منه الطين بأقل من القيمة العادلة المعتادة من نسبة الشركة ~~المقطعين بالناحية التي بينهم الطين بالسوية دون الفرط الكثير والغبن ~~الفاحش فهل يجوز للمقطع أن يطالب المزارعين بالخراج على القيمة العادلة ~~أسوة شركائه المقطعين بالناحية ### ||||| فأجاب # إذا وكله في أن يسجله وكالة مطلقة أو قال مسجلة أسوة أمثاله فسواء ~~أطلق الوكالة أو قيدها بأسوة أمثاله ليس له أن يسجله إلا بقيمة المثل ~~كنظرائه فإن فرط الوكيل بحيث سجله بدون الأجرة المعروفة وسلم الأرض إلى ~~المستأجر كان له مطالبة الوكيل بما نقص # وإذا كان المسجل قد قال للوكيل هذه الأجرة هي أسوة الناس ثم تبين ~~PageV30P059 كذبه فهنا يطالب المسجل بتمام الأجرة إن كان قد زرع الأرض ولكل ~~واحد من الوكيل والموكل أن يطالب والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن وكل وكيلا في بيع دار وفى قبض الثمن والتسليم والمكاتبة والإشهاد على ~~الترسيم المعتاد فباع الوكيل الدار لشخص وقبض الثمن وثبت التبايع وحكم حاكم ~~بصحته واستمرت الدار في يد المشتري مدة ثم وقفها وشهد وحكم حاكم بصحة الوقف ~~في يد المشترى أولا وأخرا ثلاث سنين وموكل البائع عالم بذلك كله ولم يبد ~~فيه مطعنا ثم بعد هذه المدة ادعى الموكل أنه عزل الوكيل قبل صدور البيع ولم ~~يعلم وأقام بذلك بينة في بلد آخر وحكم بها حاكم من غير دعوى على المشتري ~~ولا وكيله ولا من بيده شيء من ريع العين المنتفعة فهل يصح هذا الحكم ويبطل ~~البيع وهل يجب على ms8673 المشتري أجرة المثل أو يكون انتفاعه شبهة وهل يجب على ~~الوكيل البائع إعادة الثمن وإذا أقام الوكيل البائع بينة بوصول الثمن إلى ~~موكله هل يكون ذلك رضى منه وهل يفسق الموكل في ادعاء عزل الوكيل بعد ثلاث ~~سنين وسكوته عن ذلك وغروره للمشتري ووصول الثمن إليه PageV30P060 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه المسأله أولا مبنية على عزل الوكيل هل ~~ينعزل قبل بلوغ العزل له على قولين مشهورين للعلماء # أحدهما لا ينعزل حتى يعلم وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ~~وقول الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك بل أرجحهما فعلى هذا تصرف الوكيل ~~قبل العلم صحيح نافذ وثبوت عزله قبل التصرف لا يقدح في تصرفه قبل العلم ~~فيصح البيع والوقف الواقع على الوجه المشروع ولا يبطل ذلك ولا حكم الحاكم ~~به # والقول الثاني أنه ينعزل قبل العلم وهو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد في ~~إحدى الروايتين وهو مذهب مالك في إحدى الروايتين فعلى هذا لا تقبل مجرد ~~دعواه العزل بعد التصرف وإذا أقام بذلك بينة ببلد آخر وحكم به حاكم كان ذلك ~~حكما على الغائب والحكم على الغائب إذا قيل بصحته فهو يصح مع بقاء كل ذى ~~حجة على حجته وللمحكوم عليه أن يقدح في الحكم والشهادة بما يسوغ قبوله إما ~~الطعن في الشهود أو الحكم أو غير ذلك مثل أن يكون الحاكم الذى حكم بالعزل ~~لا يرى العزل قبل العلم ولكن ليس عليه أن يقبل البينة الشاهدة بالعزل فاسقة ~~أو متهمة بشيء يمنع قبول الشهادة # ثم الحاكم الذى حكم بصحة البيع والوقف إن كان ممن لا يرى عزل الوكيل قبل ~~العلم وقد بلغه ذلك كان حكمه نافذا لا يجوز PageV30P061 نقضه بحال بل الحكم ~~الناقض له مردود وإن كان لم يعلم ذلك أو مذهبه عدم الحكم بالصحة إذا ثبت ~~كان وجود حكمه كعدمه # والحاكم الثانى إذا لم يعلم بأن العزل قبل العلم أو علم بذلك وهو لا يراه ~~أو رآه وهو لا يرى نقض الحكم المتقدم وما ذكر من ms8674 علم موكل الوكيل البائع ~~بما جرى وسكوته كان وجود حكمه كعدمه واستيثاق الحكم في القصة وقبض الثمن من ~~الوكيل دليل في العادة على الإذن في البيع والشراء وبقاء الوكالة إذا لم ~~يعارض ذلك معارض راجح # وأكثر العلماء يقبلون مثل هذه الحجة ويدفعون بها دعوى الموكل للعزل ليبطل ~~البيع لا سيما مع كثرة شهود الزور ولو حكم ببطلان الوقف لم يجب على الوكيل ~~ولا على المشترى ضمان ما استوفاه من المنفعة فإن كان الوكيل والمشتري ~~مغرورين غرهما الموكل لعدم إعلامه بالعزل فالتفريط جاء من جهته فلا يضمن له ~~المنفعة # وإذا أنكر الموكل قبض الثمن ولم يقم عليه بينة به فإن كان الوكيل بلا جعل ~~قبل قوله على الموكل لأنه أمينة كما يقبل قول المودع في رد الوديعة إلى ~~مالكها وإن كان بجعل ففيه قولان مشهوران للعلماء ولكن لا يقبل قول الوكيل ~~على المشترى فإن كان البيع باقيا PageV30P062 فلا كلام وإن كان البيع ~~مفسوخا فلهم أن يطالبوا الوكيل بالثمن والوكيل يرجع على الموكل ### |||| وسئل الشيخ رحمه الله # عن رجل وكيل باع لموكله حصته من حانوت ثم إن المشتري وقف تلك الحصة وثبت ~~البيع والوقف وحكم بصحة الوقف وبعد ذلك ثبت أن الوكيل كان معزولا بتاريخ ~~متقدم على بيعه محكوم بصحة عزله فهل يتبين بطلان البيع والوقف أم هما ~~صحيحان وإذا بان البطلان فهل للموكل الرجوع بأجرة تلك الحصة مدة مقامها في ~~يد المشتري الواقف لها أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه المسأله فيها نزاع مشهور وهو أن الوكيل ~~إذا مات موكله أو عزله ولم يعلم بذلك حتى تصرف فهل ينعزل قبل العلم على ~~ثلاثة أقوال لأهل العلم في مذهب الشافعي والإمام أحمد وغيرهما # أحدها أنه ينعزل قبل العلم وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما وقول في مذهب مالك فعلى هذا يتبين بطلان البيع لكن على هذا لا ضمان ~~على الوكيل لأنه لم يفرط وأما المشتري فهو PageV30P063 مغرور أيضا إذا لم ~~يعلم وفى تضمينه نزاع في مذهب أحمد وغيره ms8675 وأحد قولي الشافعي وهذا الغار لا ~~ضمان عليه ولا يضمن واحد منهما ولم يرجع على الغار في أشهر قولي الشافعي ~~والإمام أحمد في رواية فعلى هذا يضمن المشتري ولا يرجع على أحد # والقول الثاني أنه ينعزل بالموت ولا ينعزل بالعزل حتى يعلم وهذا مذهب أبى ~~حنيفة والمشهور في مذهب مالك وأحد الأقوال في مذهب الشافعي والإمام أحمد ~~فعلى هذا تصرفه قبل العلم صحيح فيصح البيع إذا لم يكن الرجل عالما بالعزل ~~فأما إن تصرف بعد علمه بالعزل لم يكن تصرفه لازما باتفاق المسلمين بل يكون ~~بمنزلة تصرف الفضولي وهو مردود في مذهب الشافعي والإمام أحمد في المشهور ~~عنه وموقوف على الإجازة في مذهب أبى حنيفة والرواية الأخرى عن الإمام أحمد ~~وحكي عن مالك فمتى لم يجزه المستحق بطل بالإجماع # والقول الثالث أنه لا ينعزل في الموضعين قبل العلم كقول الشافعي والإمام ~~أحمد رضى الله عنهما والحكم فيه كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV30P064 ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عمن وكل رجلا في بيع سلعة فباعها إلى أجل وتوى بعض الثمن فهل يطالب ~~المالك بقيمتها حالة أو بمثل الثمن المؤجل وهو أكثر ### ||||| فأجاب # إذا لم يكن قد أذن له في البيع إلى أجل فالمالك مخير بين أن يطالب ~~البائع بقيمتها بنقد وبين أن يطالب بالثمن المؤجل جميعه ويحسب المنكسر على ~~صاحب السلعة لأن تصرفه بدون إذن كتصرف غاصب والغاصب إذا تلفت العين عنده ~~إلى بدل كان للمالك الخيرة بين المطالبة وبين البدل المطلق وهو المثل أو ~~القيمة وبين البدل المعين وهذا يكون حيث لم يعرف المشترى بالغصب فلا يثبت ~~عليه إلا الثمن المسمى # وإذا قلنا بوقف العقود على الإجازة إذا لم يثبت الإجازة واصطلحا على ~~الثمن وتراضيا به صح الصلح عن بدل المتلف بأكثر من قيمته من ضمانه كما لو ~~اتفقا على فرض المهر في مسألة التفويض PageV30P065 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن الأمراء الذين يطلبون ما يحتاجون إليه من القماش وغيره من الأسواق ~~فيأخذون ما أعجبهم من ذلك ويكتب الأمير لصاحبه خطا بذلك ms8676 أو ينزله ونوابه في ~~دفتره ويقترضون من أصحابهم دراهم وكل ذلك بغير حجج تكتب ولا إشهاد وهذه # عادتهم وإذا توفي الأمير وعلم ديوانه وأستاداره بحقوق الناس فهل يحل لهم ~~منعهم أو مطلهم أم يلزمهم دفع حقوقهم التي علموها من التركة والحالة هذه ### ||||| فأجاب # بل كل ما وجد بخط الأمير أو أخبر به كاتبه أو لفظ وكيله في ذلك مثل ~~كاتبه وإستاداره فإنه يجب العمل بذلك فإن إقرار الوكيل على موكله فيما وكله ~~فيه مقبول لأنه أمينه وخط الميت كلفظه في الوصية والإقرار ونحوهما # ومع ذلك لا يحتاج أصحاب الحقوق إلى بينة وتكليفهم البينة إضاعة للحقوق ~~وتعذيب للأموات ببقائهم مرتهنين بالذنوب ففيه ظلم للأموات PageV30P066 ~~والأحياء لا سيما في المعاملات التى لم تجرالعادة فيها بالإشهاد فتكليف ~~البينة في ذلك خروج عن العدل المعروف والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل متحدث لأمير في تحصيل أمواله فهل يكون له العشر فيما حصله المقرر ~~عن الوكالة عن كل ألف درهم مائة درهم وهل له أن يتناول ذلك في حال حياته ~~ومماته وبإذنه أو غير إذنه ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إن كان الأمير قد وكله بالعشر أو وكله ~~توكيلا مطلقا على الوجه المعتاد الذى يقتضي في العرف أن له العشر فله ذلك ~~فإنه يستحق العشر بشرط لفظي أو عرفي # والاستئجار كاستئجار الأرض للزراعة بجزء من زرعها وهى مسألة ( قفيز ~~الطحان ) ومن نقل عن النبى ( أنه نهى عن قفيز الطحان ) فقد غلط # واستيفاء المال بجزء مشاع منه جائز في أظهر قولي العلماء وان كان قد عمل ~~له على أن يعطيه عوضا ولم يبين له ذلك فله أيضا أجرة المثل الذى جرت به ~~العادة فان استحق عليه شيئا فله أن PageV30P067 يستوفيه مطلقا له من تركته ~~وبدون إذنه وإن لم يستحقه عليه لم يجز أن يأخذ شيئا إلا باذنه والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل وكل رجلا وكالة مطلقة بناء على أنه لا يتصرف إلا بالمصلحة والغبطة ~~فأجر له أرضا تساوى إجارتها عشرة آلاف بخمسة آلاف فهل تصح هذه الاجارة ms8677 أم ~~لا وإذا صحت هل يلزم الوكيل التفاوت ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس له أن يؤجرها بمثل هذا الغبن وله أن يضمن الوكيل ~~المفرط ما فوته عليه # وأما صحة الإجارة فأكثر الفقهاء يقولون إجارة باطلة كما هو مذهب الشافعي ~~وأحمد في أحد القولين لكن إذا كان المستأجر مغرورا لم يعلم بحال الوكيل مثل ~~ان يظن أنه مالك عالم بالقيمة فله أن يرجع على من غره بما يلزمه في أصح ~~قولى العلماء وزرعه زرع محترم لا يجوز قطعه مجانا بل ينزل بأجرة المثل بما ~~لا يتغابن الناس به فهنا هو ظالم وزرعه زرع غاصب # وهل للمالك قلعه مجانا على قولين مشهورين للعلماء وهل يملكه PageV30P068 ~~بنفقته على قولين أيضا # وظاهر مذهب أحمد أن له تملكه بنفقته وأما إبقاؤه بأجرة المثل فيملكه ~~بالاتفاق وإذا ادعى على المستأجر أنه عالم بالحال فأنكر فالقول قوله مع ~~يمينه ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل وكل غلامه في إيجار حانوت لشخص ثم إن المستأجر أجره لشخص فهل ~~للوكيل أن يقبل الزيادة في أجرة الحانوت أم لا وهل له مطالبة المستأجر ~~الثاني أم لا وإذا غصب المستأجر الثاني وأخذ منه الأجرة فهل للمستأجر أن ~~يستعيد منه أم لا وإذا كان هذا الغلام يتصرف لهذا الموكل بإيجار حوانيته ~~وقبض الأجرة ويدعي بذلك عند القضاة لموكله وسيده يعلم بذلك كله ويقره عليه ~~فهل يقبل قوله انه لم يوكله واذا أكره الموكل المستأجر الثانى على غير ~~الإجارة الأولى فهل تصح هذه الإجارة الثانية أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ليس للموكل والحالة هذه أن يؤجر الحانوت ~~لأحد لا بزيادة ولا غير زيادة ولا للمستأجر الأول ذلك وليس للموكل مطالبة ~~المستأجر الثاني واذا أخذ منه الأجرة PageV30P069 غصبا فله استرجاع ذلك منه ~~ولا يقبل قوله في انكار الوكالة مع كونه يتصرف له تصرف الوكلاء مع علمه ~~بذلك وكونه معروفا بأنه وكيله بين الناس حتى لو قدر أنه لم يوكله والحالة ~~هذه فتفريطه وتسليطه عدوان منه يوجب الضمان والإجارة الثانية التى أكره ~~الموكل عليها للمستأجر ms8678 الثانى باطلة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوم أرسلوا قوما في مصالح لهم ويعطونهم نفقة فهل يحل لهم أكل ذلك ~~واستدانة تمام نفقتهم ومخالطتهم ### ||||| فأجاب # إذا أعطاهم الذين بعثوهم ما ينفقونه جاز ذلك وعليهم تمام نفقتهم ما ~~داموا في حوائجهم ويجوز مخالطتهم PageV30P070 ### |||| وسئل رحمه الله # عن نوبة الوكلاء لحفظ الغلال على الفلاحين هل هي حلال ### ||||| فأجاب # إذا كان يحفظ الزرع لصاحب الأرض والفلاح فله أجرته عليها فإذا كانت ~~المؤنة التى يأخذها من الفلاح بقدر حقه عليه فلا بأس بذلك والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل وكل رجلا في شراء ولم يوكله في الإقالة فأقال هل تصح ### ||||| فأجاب # إذا ~~وكل الإنسان وكيلا في شراء شيء ولم يوكله في الإقالة لم يكن للوكيل الإقالة ~~ولا تنفذ إقالته بدون إذن الموكل باتفاق العلماء والله أعلم PageV30P071 ### |||| وسئل رحمه الله # عن وكيل في مبلغ لوالده يجبي الديون التي له على الناس فإذا جاء إلى أحد ~~قال إني وقعته لأبيك ثم قال إن أبريتني وصالحتني على شيء وقع الإتفاق بيني ~~وبينك ثم صالحه من جملة ألف بثلاثمائة درهم ثم أقر بالدين بعد الصلح وأخذ ~~بيده الإبراء فهل تجوز دعواه عليه بعد إقراره والشهود على رب الدين ~~بالابراء أم لا ### ||||| فأجاب # الوكيل في الإستيفاء لا يصح إبراؤه ولا مصالحته على بعض الحق ولو ~~كان وكيلا في ذلك ثم إن الغريم إذا جحد الحق حتى صولح كان الصلح في حقه ~~باطلا ولم تبرأ ذمته وإذا كان المدعي إنما صالحه خوفا من ذهاب جميع الحق ~~فهو مكره على ذلك فلا يصح صلحه وله ان يطالبه بالحق بعد ذلك إذا أقر به أو ~~قامت به بينة PageV30P072 ### ||| 2 باب الشركة 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام بن تيمية # عن جماعة اشتركوا شركة الأبدان بغير رضا بعضهم وعملوا عملا مجتمعين فيه ~~وعملا متفرقين فيه فهل تصح هذه الشركة وما يستحق كل منهم من أجرة ما عمل ~~وهل يجوز لمن لاعمل له أن يأخذ أجرة عن عمل غيره بغير رضا من عمل ### ||||| فأجاب رضي الله ms8679 عنه # شركة الأبدان التى تنازع الفقهاء فيها نوعان # أحدهما أن يشتركا فيما يتقبلان من العمل في ذمتهما كأهل الصناعات من ~~الخياطة والنجارة والحياكة ونحو ذلك الذين تقدر أجرتهم بالعمل لا بالزمان ~~ويسمى الأجير المشترك ويكون العمل في ذمة أحدهم بحيث يسوغ له أن يقيم غيره ~~أن يعمل ذلك العمل والعمل دين في ذمته كديون الأعيان ليس واجبا على عينه ~~PageV30P073 كالأجير الخاص فهؤلاء جوز أكثر الفقهاء اشتراكهم كأبي حنيفة ~~ومالك وأحمد وذلك عندهم بمنزلة ( شركة الوجوه ) وهو ان يشترى أحد الشريكين ~~بجاهه شيئا له ولشريكه كما يتقبل الشريك العمل له ولشريكه قالوا وهذه ~~الشركة مبناها على الوكالة فكل من الشريكين يتصرف لنفسه بالملك ولشريكه ~~بالوكالة # ولم يجوزها الشافعي بناء على أصله وهو أن مذهبه أن الشركة لا تثبت بالعقد ~~وإنما تكون الشركة شركة الأملاك خاصة فإذا كانا شريكين في مال كان لهما ~~نماؤه وعليهما غرمه ولهذا لا يجوز شركة العنان مع اختلاف جنس المالين ولا ~~يجوزها إلا مع خلط المالين ولا يجعل الربح إلا على قدر المالين # والجمهور يخالفونه في هذا ويقولون الشركة نوعان ( شركة أملاك ) و ( شركة ~~عقود ) وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة الأملاك كما أن شركة الاملاك ~~لا تفتقر إلى شركة العقود وإن كانا قد يجتمعان والمضاربة شركة عقود ~~بالإجماع ليست شركة أملاك إذ المال لأحدهما والعمل للآخر وكذلك المساقاة ~~والمزارعة وإن كان من الفقهاء من يزعم أنها من باب الإجارة وأنها خلاف ~~القياس PageV30P074 فالصواب أنها أصل مستقل وهى من باب المشاركة لا من باب ~~الإجارة الخاصة وهي على وفق قياس المشاركات ولما كان مبنى الشركة على هذا ~~الأصل تنازعوا في الشركة في اكتساب المباحات بناء على جواز التوكل فيها ~~فجوز ذلك أحمد ومنعه أبو حنيفة واحتج أحمد بحديث سعد وعمار وبن مسعود # وقد يقال هذه من النوع الثاني إذا تشاركا فيما يؤجران فيه أبدانهما ~~ودابتيهما إجارة خاصة ففي هذه الإجارة قولان مرويان والبطلان مذهب ابى ~~حنيفة وطائفة من اصحاب أحمد كأبى الخطاب والقاضي في أحد قوليه ms8680 وقال هو قياس ~~المذهب بناء على أن شركة الأبدان لا يشترط فيها الضمان بذلك الإشتراك على ~~كسب المباح كالإصطياد والإحتطاب لأنه لم يجب على أحدهما من العمل الذى وجب ~~على الآخر شيء وإنما كان ذلك بمنزلة اشتراكهما في نتاج ماشيتهما وتراث ~~بساتينهما ونحو ذلك # ومن جوزه قال هو مثل الإشتراك في اكتساب المباحات لأنه لم يثبت هناك في ~~ذمة أحدهما عمل ولكن بالشركة صار ما يعمله أحدهما عن نفسه وعن شريكه كذلك ~~هنا ما يشترطه أحدهما من الأجرة أو شرط له من الجعل هو له ولشريكه والعمل ~~الذى يعمل عن PageV30P075 نفسه وعن شريكه وهذا القول أصح لا سيما على قول ~~من يجوز شركة العنان مع عدم اختلاط المالين ومع اختلاف الجنسين وقد قال ~~تعالى ( أوفوا بالعقود ) وقال النبى ( المسلمون عند شروطهم الا شرطا أحل ~~حراما أو حرم حلالا ) وأظن هذا قول مالك # وأما اشتراك الشهود فقد يقال من مسألة ( شركة الأبدان ) التى تنازع ~~الفقهاء فيها فان الشهادة لا تثبت في الذمة ولا يصح التوكل فيها حتى يكون ~~أحد الشريكين متصرفا لنفسه بحكم الملك ولشريكه بحكم الوكالة والعوض في ~~الشهادة من باب الجعالة لا من باب الإجارة اللازمة فإنما هي اشتراك في ~~العقد لا عقد الشركة بمنزلة من يقول لجماعة ابنوا لى هذا الحائط ولكم عشرة ~~أو إن بنيتموه فلكم عشرة أو إن خطتم هذا الثوب فلكم عشرة أو أن رددتم عبدى ~~الآبق فلكم عشرة # وإن لم يقدر الجعل وقد علم أنهم يعملون بالجعل مثل حمالين يحملون مال ~~تاجر متعاونين على ذلك فهم يستحقون جعل مثلهم عند جمهور العلماء ابى حنيفة ~~ومالك وأحمد وغيرهم كما يستحقه الطباخ الذى يطبخ بالأجرة والخباز الذى يخبز ~~بالأجرة والنساج الذى ينسج بالأجرة والقصار الذى يقصر بالأجرة وصاحب الحمام ~~PageV30P076 والسفينة والعرف الذى جرت عادته بأن يستوفى منفعته بالأجر ~~فهؤلاء يستحقون عوض المثل عند الإطلاق فكذلك اذا استعمل جماعة في أن يشهدوا ~~عليه ويكتبوا خطوطهم بالشهادة يستحقون الجعل فهو بمنزلة استعماله إياهم في ~~نحو ذلك من الأعمال ms8681 اذا قيل إنهم يستحقون الجعل فيستحقون جعل مثلهم على قدر ~~أعمالهم فإن كانت أعمالهم ومنافعهم متساوية استحقوا الجعل بالسواء والصواب ~~أن هذا الذى قاله هذا القائل صحيح اذا لم يتقدم منهم شركة فأما اذا اشتركوا ~~فيما يكتسبونه بالشهادة فهو كاشتراكهم فيما يكتسبونه بسائر الجعالات ~~والإجارات # ثم الجعل في الشهادة قد يكون على عمل في الذمة وللشاهد أن يقيم مقامه من ~~يشهد للجاعل # فهنا تكون شركة صحيحة عند كل من يقول بشركة الأبدان وهم الجمهور أبو ~~حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم وهو الصحيح الذى يدل عليه الكتاب والسنة ~~والاعتبار # إلا أن يكون الجعل على أن يشهد الشاهد بعينه فيكون فيها القولان ~~المتقدمان والصحيح ايضا جواز الاشتراك في ذلك كما هو قول مالك في أصح ~~القولين لكن ليس لأحد الشريكين أن يدع PageV30P077 العمل ويطلب مقاسمة ~~الاخر بل عليه أن يعمل ما أوجبه العقد لفظا أو عرفا وأما إذا أكرههم القضاة ~~على هذه الشركة بغير اختيارهم فهذا ليس من باب الإكراه على العقود بغير حق ~~لأن القضاة هم الذين يأذنون لهم في الارتزاق بالشهادة وذلك موقوف على ~~تعديلهم ليس بمنزلة الصناع الذين يكتسبون بدون إذن ولى الأمر واذا كان ~~للقضاة أمر في ذلك جاز أن يكون لهم في التشريك بينهم فإنه لابد من قعود ~~اثنين فصاعدا ولابد من اشتراكهما في الشهادة إذ شهادة واحد لا تحصل مقصود ~~الشهادة # وإذا كان كذلك فالواجب ان يراعى في ذلك موجب العدل بينهم فلا يمتنع أحدهم ~~عن عمل هو عليه ولا يختص أحدهم بشيء من الرزق الذى وقعت الشركة عليه سواء ~~كانوا مجتمعين أو متفرقين والله سبحانه أعلم PageV30P078 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن ولي أمرا من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوز ( شركة الأبدان ) فهل يجوز ~~له منع الناس ### ||||| فأجاب # ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد ~~وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ما هو في معنى ذلك لا ~~سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك وهو مما ms8682 يعمل به عامة المسلمين في ~~عامة الأمصار # وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل ولا ~~للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل # ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على ( موطئه ) في مثل هذه ~~المسائل منعه من ذلك وقال إن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار وقد أخذ كل ~~قوم من العلم ما بلغهم وصنف رجل كتابا في الاختلاف فقال أحمد لا تسمه ( ~~كتاب الإختلاف ) ولكن سمه ( كتاب السنة PageV30P079 # ولهذا كان بعض العلماء يقول إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة وكان ~~عمر بن عبد العزيز يقول ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يختلفوا لأنهم اذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا وإذا اختلفوا فأخذ ~~رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة وكذلك قال غير مالك من الأئمة ~~ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه # ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب ~~الشافعي وغيره إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن ~~يلزم الناس باتباعه فيها ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية فمن تبين له صحة ~~أحد القولين تبعه ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه ونظائر هذه ~~المسائل كثيرة مثل تنازع الناس في بيع الباقلا الأخضر في قشريه وفى بيع ~~المقاثي جملة واحدة وبيع المعاطاة والسلم الحال واستعمال الماء الكثير بعد ~~وقوع النجاسة فيه اذا لم تغيره والتوضؤ من مس الذكر والنساء وخروج النجاسات ~~من غير السبيلين والقهقهة وترك الوضوء من ذلك والقراءة بالبسملة سرا أو ~~جهرا وترك ذلك وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه أو القول بطهارة ذلك وبيع ~~الأعيان الغائبة بالصفة وترك ذلك والتيمم بضربة أو ضربتين إلى الكوعين أو ~~المرفقين والتيمم لكل صلاة أو PageV30P080 لوقت كل صلاة أو الإكتفاء بتيمم ~~واحد وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض أو المنع من قبول شهادتهم # ومن هذا الباب الشركة بالعروض وشركة ms8683 الوجوه والمساقاة على جميع انواع ~~الشجر والمزارعة على الأرض البيضاء فان هذه المسائل من جنس شركة الأبدان بل ~~المانعون من هذه المشاركات أكثر من المانعين من مشاركة الأبدان ومع هذا فما ~~زال المسلمون من عهد نبيهم والى اليوم في جميع الأعصار والأمصار يتعاملون ~~بالمزارعة والمساقاة ولم ينكره عليهم أحد ولو منع الناس مثل هذه المعاملات ~~لتعطل كثير من مصالحهم التى لا يتم دينهم ولا دنياهم إلا بها # ولهذا كان أبو حنيفة يفتي بأن المزارعة لا تجوز ثم يفرع على القول ~~بجوازها ويقول إن الناس لا يأخذون بقولي في المنع ولهذا صار صاحباه إلى ~~القول بجوازها كما اختار ذلك من اختاره من أصحاب الشافعى وغيره PageV30P081 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل شارك قوما في متجر بغير رأس مال وقد ذكر بعض الشركاء أن المال غرم ~~فهل يلزم المذكور غرامة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اذا اشتركوا على أن بعضهم يعمل ببدنه ~~كالمضارب وبعضهم بماله أو بماله وبدنه وتلف المال أو بعضه من غير عدوان ولا ~~تفريط من العامل ببدنه لم يكن عليه ضمان شيء من المال سواء كانت المضاربة ~~صحيحة أو فاسدة باتفاق العلماء والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل عنده قماش كثير فطلب رجل تاجر سفار أن يأخذ ذلك القماش على أن ~~يشتري النصف مشاعا ويبقي النصف الآخر لصاحبه يشتركان فيه شركة عنان ويكون ~~لهذا نصف الربح ولهذا نصف الربح وأخبره برأس المال وزاد عليه من الجانبين ~~زيادة اتفقا PageV30P082 عليها واتفقا على ان يسافر إلى الديار المصرية ثم ~~يعود إلى دمشق وإذا لم يصلح له البيع بدمشق يسافر إلى العراق والعجم وكتب ~~وثيقة بالشركة إن المال جميعه بيد هذا المشتري يبيع ويشتري ويأخذ ويعطي ~~وكتبا أن الشركة كانت بدراهم ولا يمكن الا بما ذكر ثم لما قدما إلى ~~الإسكندرية فتشاجرا فطلب صاحب القماش منه الثمن وألزمه بأن يقسم القماش ~~ويبيعه هنا بخسارة ويوفيه الثمن فهل هذا البيع الذى اتفقا عليه بشرط الشركة ~~صحيح أم هو بيع فاسد وهل له اذا ms8684 كان شريكا أن يجعله هو الذى يقبض المال ~~ويبيع ويشترى ويأخذ ويعطي فإذا كان البيع فاسدا فليس له إلا عين ماله وقد ~~عمل هذا العامل فيه على ان له نصف الربح فهل له المطالبة بنصف الربح أم لا ~~وهل له بعد عمل هذا العامل وانتقال القماش من الشام إلى الإسكندرية أن يأخذ ~~القماش ويذهب عمله وسعيه فيه أم له المطالبة بأجرة عمله أم بربح مثله ~~أفتونا ### ||||| فأجاب رحمه الله # الحمد لله هذه المعاملة فاسدة من وجوه # منها الجمع بين البيع والشركة فإن ذلك لا يجوز وقد اتفق الفقهاء على أنه ~~لا يجوز ان يشرط مع البيع عقدا مثل هذا فلا يجوز ان يبيعه على أن يقرضه ~~وكذلك لا يجوز ان يؤجره على ان يساقيه أو يشاركه على أن يقترض منه ولا أن ~~يبيعه على أن يبتاع منه ونحو PageV30P083 ذلك فقد صح عن النبى أنه قال ( لا ~~يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك ( ~~كذلك ( نهى عن بيعتين في بيعة ( وذلك انه اذا باعه أو اجره مع القرض فانه ~~يحابيه في ذلك لأجل القرض والقرض موجبه رد المثل فقط فمتى اشترط زيادة لم ~~تجز بالاتفاق # وكذلك المبايعة والمشاركة مبناها على العدالة من الجانبين # ولهذا لا يجوز أن يشترط اختصاص احدهما بربح سلعة معين ولا بمقدار من ~~الربح ولا تخصيص أحدهما بالضمان ومتى بايعه على ان يشاركه فإنه يحابيه إما ~~في الشركة بأن يختص بالعمل وإما في البيع بزيادة الثمن ونحو ذلك فتخرج ~~العقود عن العدل الذى مبناها عليه # وأيضا ففى اشتراط المشاركة إلزام المشترى بتصرف خاص ومنعه بما يوجبه ~~العقد المطلق ومثل هذا ممنوع على الإطلاق عند بعض الفقهاء وعند بعضهم إنما ~~يسوغه في مثل اشتراط عتق المبيع أو وقفه عند من يقول به أو غير ذلك مما فيه ~~مصلحة خالية عن مفسدة راجحة بخلاف ما اذا تضمن ترك العدل فانه لا يجوز ~~وفاقا # ومن وجه آخر إن مثل هذه المعاملة ms8685 PageV30P084 إنما مقصودهما في العادة ~~المضاربة بالمال على ان يكون الربح بينهما لكن قد يريد رب المال ان يجعل ~~نصف المال في ضمان العامل وهذا لا يجوز وفاقا لأن الخراج بالضمان واذا ~~اجتمع ( البيع والشركة ) بطلت الشركة وفاقا فيحتال على ذلك بأن يبيع العامل ~~نصف المال ولهذا يجعل المال كله في يده ولو كان المقصود محض الشركة لصنعا ~~كمايصنع شريكا العنان مع كون المال في أيديهما وهذا ( وجه ثالث ) فتبطل ~~الشركة وهو اتفاقهما على ان يكون المال بيد أحد الشريكين فقط # وأما كون هذه شركة عرض فهذا فيه نزاع لكن الإقرار المكذب المخالف للواقع ~~حرام قادح في الدين وإذا كان كذلك فالمال باق على ملك صاحبه ولو كان شريكا ~~لم يكن له ان يجعل الشريك الآخر هو الذى يتولى العقود والقبوض دونه فإن هذا ~~إنما يكون في المضاربة لا في شركة العنان وإذا كان البيع فاسدا لم يكن له ~~المطالبة بالثمن المسمى لكن إن تعذر رد العين رد القيمة وإن كان قد عمل ~~فيها المشترى الشريك فله ربح مثله في نصيب الشريك فإن الفقهاء متنازعون ~~فيما فسد من المشاركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة إذا عمل فيها العامل ~~هل يستحق اجرة المثل أو يستحق قسط مثله من الربح على قولين أظهرهما الثاني ~~وهو قول بن القاسم والعوض في العقود الفاسدة هو نظير ما يجب في الصحيح عرفا ~~وعادة كما يجب في PageV30P085 البيع والإجارة الفاسدة ثمن المثل وأجرة ~~المثل وفى الجعالة الفاسدة جعل المثل # ومعلوم أن الصحيح من هذه المشاركات إنما يجب فيه قسطه من الربح إن كان لا ~~أجرة مقدرة وكذلك النصيب الذى اشتراه إن قيل يجب رد عينه مع ارتفاع قيمته ~~كما يقوله من يقوله من اصحاب الشافعى والإمام أحمد وللعامل المشترى أن يطلب ~~إما أجرة عمله وإما قسط مثله من الربح على اختلاف القولين # وأما إن قيل إنه بعد قبضه والتصرف فيه ليس عليه إلا رد القيمة كما يقوله ~~من يقوله من أصحاب أبى حنيفة ومالك فالحكم فيه ظاهر وبكل حال ms8686 لا يجب عليه ~~رد الزيادة التى زيدت على قيمة المثل والحالة هذه بالاتفاق والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل دفع مالا مضاربة ومات فعمل فيه العامل بعد موته بغير إذن الورثة ~~فهل تنفسخ المضاربة وما حكم الربح بعد موت المالك PageV30P086 ### ||||| فأجاب # نعم تنفسخ المضاربة بموت المالك ثم اذا علم العامل بموته وتصرف بلا ~~إذن المالك لفظا أو عرفا ولا ولاية شرعية فهو غاصب وقد اختلف العلماء في ~~الربح الحاصل في هذا هل هو للمالك فقط كنماء الأعيان أو للعامل فقط لأن ~~عليه الضمان أو يتصدقان به لأنه ربح خبيث أو يكون بينهما على أربعة أقوال ~~87 # أصحها الرابع وهو ان الربح بينهما كما يجري به العرف في مثل ذلك وبهذا ~~حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيما أخذه بنوه من مال بيت ~~المال فاتجروا فيه بغير استحقاق فجعله مضاربة وعليه اعتمد الفقهاء في ( باب ~~المضاربة ( لأن الربح نماء حاصل من منفعة بدن هذا ومال هذا فكان بينهما ~~كسائر النماء الحادث من أصلين والحق لهما لا يعدوهما ولا وجه لتحريمه ~~عليهما ولا لتخصيص أحدهما به وايجاب قسط مثله من الربح أصح من قول من يوجب ~~أجرة المثل فإن المال قد لا يكون له ربح وقد تكون أجرته أضعاف ربحه وبالعكس ~~وليس المقصود من هذه المشاركات العمل حتى يستحق عليه أجرة ولا هي عقد إجارة ~~وإنما هي أصل مستقل وهى نوع من المشاركات لا من المؤاجرات حتى يبطل فيها ما ~~يبطل فيها فمن أوجب فيها مالا يجب فيها فقد غلط # وإن كان جرى بين العامل والورثة من الكلام ما يقتضي في PageV30P087 العرف ~~أن يكون إبقاء لعقد المضاربة استحق المسمى له من الربح وكان ذلك مضاربة ~~مستحقه واذا أقر بالربح لزمه ما أقر به فإن ادعى بعد ذلك غلطا لا يعذر في ~~مثله لم يقبل قوله وإن كان يعذر في مثله ففى قبوله خلاف مشهور وليس له أن ~~يدفع المال إلى غيره الا بإذن المالك أو الشارع ومتى فعل ms8687 كان ضامنا للمال ~~سواء كان دفعه بعقد صحيح أو فاسد فما ضمن بالعقد الصحيح ضمن بالفاسد وما لم ~~يضمن بالصحيح لم يضمن بالفاسد # واما ان كان المال غصبا فهو ضامن بكل حال ومتى فرط العامل في المال أو ~~اعتدى فعليه ضمانه وكذلك العامل الثانى اذا جحد الحق أو كتم المال الواجب ~~عليه أو طلب التزامهم إجارة لغير مسوغ شرعى أثم بذلك وعلى ولي الأمر إيصال ~~الحقوق إلى مستحقيها والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل دفع لرجل مالا على سبيل القراض ثم ظهر بعد ذلك على المدفوع له ~~المال دين بتاريخ متقدم على القراض فهل يجوز له أن يعطى لأرباب الدين شيئا ~~من هذا المال أم لا واذا ادعى أنه لم يقبض من مال القراض شيئا أو عدم أو ~~وقع فيه تفريط بغير سبب PageV30P088 ظاهر يقبل هذا القول أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجوز أن يوفى من مال هذا القراض شيئا من الدين الذى يكون على ~~العامل إلا أن يختار رب المال فإن ادعى ما يخالف العادة لم يقبل بمجرد قوله ### |||| وسئل # عن مضارب رفعه صاحب المال إلى الحاكم وطلب منه جميع المال وحكم عليه ~~الحاكم بذلك فدفع إليه البعض وطلب منه الإنظار بالباقي فأنظره وضمن على ~~وجهه فسافر المضارب عن البلد مدة فهل تبطل الشركة برفعه إلى الحاكم وحكم ~~الحاكم عليه بدفع المبلغ وإنظاره وهل يضمن في ذمته ### ||||| فأجاب # تنفسخ الشركة بمطالبته المذكورة ويضمن المال في ذمته بالسفر ~~المذكور بتأخير التسليم مع الإمكان عن وقت وجوبه PageV30P089 ### |||| وسئل رحمه الله # هل يجوز للعامل في القراض ان ينفق على نفسه من مال القارض حضرا أو سفرا ~~واذا جاز هل يجوز ان يبسط لذيذ الأكل والتنعمات منه أم يقتصر على كفايته ~~المعتادة ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إن كان بينهما شرط في النفقة جاز ذلك وكذلك ~~إن كان هناك عرف وعادة معروفة بينهم وأطلق العقد فإنه يحمل على تلك العادة ~~وأما بدون ذلك فإنه # لايجوز ومن العلماء من يقول له النفقة مطلقا وان ms8688 لم يشترط كما يقوله أبو ~~حنيفة ومالك والشافعى في قول والمشهور أن لا نفقة بحال ولو شرطها وحيث كانت ~~له النفقة فليس له النفقة إلا بالمعروف وأما البسط الخارج عن المعروف فيكون ~~محسوبا عليه PageV30P090 ### |||| وسئل رحمه الله # عن اثنين اشتركا من احدهما دابة ومن الآخر دراهم جعلا ذلك بينهما على ما ~~قسم الله تعالى من ربح كان بينهما ثم ربحا فما الحكم ### ||||| فأجاب # ينظر قيمة البهيمة فتكون هي والدراهم رأس المال وذلك مشترك بينهما ~~لأن عندنا أن الشركة والقسمة تصح بالأقوال لاتفتقر إلى خلط المالين ولا إلى ~~تمييزهما ويثبت الملك مشتركا بعقد الشركة كما يتميز بعقد القسمة والمحاسبة ~~فما ربحا كان بينهما وإذا تقاسما بيعت الدابة واقتسما ثمنها مع جملة المال # وهذا اذا صححنا الشركة بالعروض ظاهر وأما اذا أبطلناها فحكم الفاسد حكم ~~الصحيح في الضمان وعدمه وصحة التصرف وفساده وإنما يفترقان في الحل وفي ~~مقدار الربح على أحد القولين # فظاهر مذهب أحمد على ما اشترطا وعلى القول الآخر يكون الربح تبعا للمال ~~ويكون للآخر اجرة المثل والأصح في هذا أن له ربح المثل والاقوال ثلاثة ~~PageV30P091 ### |||| وسئل # عن شريكين في فرس لا يتبايعان ولا يشتريان ولا يكون عند احدهما مشاهرة ~~والفرس تضيع بينهما وان أحدهما أعارها بغير إذن شريكه فهلكت هل تلزم الشريك ~~الذي اعار نصيب شريكه أم لا ### ||||| فأجاب # اذا لم يتفقا ان يكون عند احدهما ولا عند ثالث يختاراه لها ولا طلب ~~احدهما مفاضلة الآخر فيها تباع جميع الفرس ويقسم ثمنها بينهما والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجلين بينهما شركة في فرس فأذن احدهما للآخر في سيره لئلا يضربه ~~الوقوف ولم يأذن له في سوقه وأركب غيره فحصل له بذلك مرض فهل يلزمه إن مات ~~أو يلزمه ارشه بالنقص وهل يلزمه ما يحتاج إليه من دواء والشريك محجور عليه ~~من جهة الحاكم PageV30P092 وهو رشيد في تصرفه غير ان المانع من ذلك بينة ~~تشهد له واذا كان الأمر كذلك فهل لشريكه ان يأخذ من ماله قيمته ### ||||| فأجاب # اذا كان الشريك ms8689 قد اعتدى ففعل مالم تأذن به الشريعة ولا المالك لا ~~لفظا ولا عرفا فهو ضامن لما تلف بجنايته وإن كان محجورا عليه فإن كانت ~~الجناية نقصت الفرس ضمن النقص وإن وجب بتلف الفرس ضمنه جميعه 93 ### |||| وسئل # عن زيد وعمرو مشتركان في فرس وأخذ زيد الفرس وساقها غير العادة بغير ~~إذن عمرو ثم بعد ذلك حصل للفرس ضعف فماتت تحت يد زيد ### ||||| فأجاب # نعم اذا اعتدى الشريك عليها فتلفت بسبب عدوانه ضمن نصيب شريكه ~~والله أعلم PageV30P093 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل شارك شخصا في بقرة وكانت عند أحدهما يستعملها ويعلفها وطلبها ~~شريكه يفاضله فيها فأبى فادعى ثلثي البقرة ومنع المفاضلة ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين عليه ان يفاضله فيها واذا طلب أحد الشريكين ~~بيعها بيعت عليهما واقتسما الثمن وهذا مذهب ابى حنيفة ومالك والإمام أحمد ~~وغيرهم # واذا كان الشريك يأخذ اللبن وكان اللبن بقدر العلف سواء فلا شيء عليه وإن ~~كان انتفاعه بها اكثر من العلف أعطى شريكه نصيبه من الفضل والله أعلم ~~PageV30P094 ### |||| وسئل # عن راع كان معه غنم خلطا واحتاجت إلى نفقة فباع بعضها وأنفقه على ~~الباقى وكان المبيع مال بعضهم فمنهم من لم يبق من غنمه شيء ومنهم من بقي له ~~قليل ومنهم كثير فهل يقتسمون على قدر رؤوس الأموال أم كل من بقي له شيء ~~يأخذه ### ||||| فأجاب رحمه الله # بل يقتسمون الباقي على قدر رؤوس الأموال أو يغرم أرباب ~~الباقي ما أنفق عنهم وهو قيم فأجابة ما باعه ### |||| وسئل رحمه الله # عن شريكين بينهم خيل وكان عند احدهم فرس فماتت بقضاء الله وقدره وعمل ~~بموتها محضرا ### ||||| فأجاب # إذا كان أحد الشريكين قد سلمها إلى الآخر وتلفت تحت يده من غير ~~تفريط منه ولا عدوان فلا ضمان عليه PageV30P095 ### |||| وسئل # عن رجل له شريك في فرس وهى تحت يد الشريك برضاه فوقع على البلد أمر من ~~السلطنة وأخذت الفرس مع خيل أخر وقماش وقد قصد الشريك ان يضمن شريكه فهل له ~~ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا لم يحصل منه ms8690 تفريط ولا عدوان فلا ضمان عليه بما ذكر ~~والقول قوله مع يمينه في نفى التفريط والعدوان والحالة هذه 96 ### |||| وسئل # عن رجل بينه وبين رجل شركة في بستان وانه استأجر منه نصيبه بإجارة شرعية ~~وأن الشريك الذى استأجر تعدى وقطع من اخشاب البستان شيئا له ثمر يغل بغير ~~اذن المالك وهو حاضر واستعمل منها بواقى وأحطاب لغرضه فهل عليه الرجوع بما ~~تعدى عليه وهل للمالك ان يمسك اعوانه الذين تولوا قطع الخشب أم لا ### ||||| فأجاب # ليس له ان يأخذ نصيب شريكه مالم يستحقه بعقد PageV30P096 الإجارة ~~وما أخذه بذلك فعليه ضمانه لشريكه يضمن له نصيبه وللمالك ان يطالب بالضمان ~~من باشر الأخذ وله ان يطالب الشريك الآمر لهم فيأخذ حقه من أيهم شاء والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن جماعة شهود اشتركوا فعمل بعضهم اكثر من بعض فهل يستحق الجماعة الجعالة ~~بالسوية أو يستحقونها على قدر أعمالهم ### ||||| فأجاب # موجب عقد الشركة المطلقة التساوى في العمل والأجر فإن عمل بعضهم ~~اكثر تبرعا بالزيادة ساووه في الأجر وإن لم يكن متبرعا طالبهم إما بما زاد ~~في العمل وإما باعطائه زيادة في الأجرة بقدر عمله وإن اتفقوا على ان ~~يشترطوا له زيادة جاز والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن جماعة دلالين مشتركين في بيع السلع هل يقدح ذلك في دينهم وهل لولي ~~الأمر أعزه الله منعهم من غير ان يظهر عليهم غش أو تدليس PageV30P097 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما اذا كان التاجر الذى يسلم ماله إلى ~~الدلال قد علم أنه يسلمه إلى غيره من الدلالين ورضى بذلك لم يكن بذلك بأس ~~بلا ريب فإن الدلال وكيل التاجر والوكيل له ان يوكل غيره كالموكل باتفاق ~~العلماء # وإنما تنازعوا في جواز توكيله بلا إذن الموكل على قولين مشهورين للعلماء ~~وعلى هذا تنازعوا في شركة الدلالين لكونهم وكلاء فبنوا ذلك على جواز توكيل ~~الوكيل # وإذا كان هناك عرف معروف أن الدلال يسلم السلعة إلى من يأتمنه كان العرف ~~المعروف كالشرط المشروط ولهذا ذهب جمهور ائمة المسلمين كمالك وأبى ms8691 حنيفة ~~واحمد وغيرهم إلى جواز ( شركة الأبدان ( كما قال بن مسعود اشتركت أنا وسعد ~~بن أبى وقاص وعمار يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء # و ( شركة الأبدان ( في مصالح المسلمين في عامة الأمصار وكثير من مصالح ~~المسلمين لاينتظم بدونها كالصناع المشتركين في الحوانيت من الدلالين وغيرهم ~~فإن احدهم لايستقل بأعمال الناس فيحتاج إلى معاون والمعاون لايمكن ان تقدر ~~أجرته وعمله كما لا يمكن مثله ذلك في المضاربة ونحوها فيحتاجون إلى ~~الإشتراك PageV30P098 وجمهور العلماء يجعلون الشركة عقدا قائما بنفسه في ~~الشريعة يوجب لكل من الشريكين بالعقد مالا يستحقه بدون العقد كما في ~~المضاربة ومنهم من لايجعل شركة الا شركة الأملاك فقط وما يتبعها من العقود ~~فيمنع عامة المشاركات التى يحتاج الناس اليها كالتفاضل في الربح مع التساوى ~~في المال وشركة الوجوه والأبدان وغير ذلك ولكن قول الجمهور أصح # وإذا اشترك اثنان كان كل منهما يتصرف لنفسه بحكم الملك ولشريكه بحكم ~~الوكالة فما عقده من العقود عقده لنفسه ولشريكه وما قبضه قبضه لنفسه ~~ولشريكه وإذا علم الناس أنهم شركاء ويسلمون اليهم أموالهم جعلوا ذلك إذنا ~~لأحدهم ان يأذن لشريكه وليس لولي الأمر المنع في مثل العقود والقبوض التى ~~يجوزها جمهور العلماء ومصالح الناس وقف عليها مع ان المنع من جميعها لايمكن ~~في الشرع وتخصيص بعضها بالمنع تحكم والله أعلم ### |||| وسئل # عن تخبير الشراء مرابحة ولم يبين للمشتري أنه بالنسيئة فهل يحل ذلك أم ~~يحرم PageV30P099 ### ||||| فأجاب # أما البيع بتخبير الثمن فهو جائز سواء كان مرابحة ~~أو مواضعة أو تولية أو شركة لكن لابد أن يستوي علم البائع والمشترى في ~~الثمن فإذا كان البائع قد اشتراه إلى أجل فلابد أن يعلم المشتري ذلك فإن ~~أخبره بثمن مطلق ولم يبين له انه اشتراه إلى أجل فهذا جائر ظالم وفى ~~الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبى انه قال ( البيعان بالخيار مالم يتفرقا ~~فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ( ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تاجر ms8692 في حانوت اشترى قطعة قماش بأحد عشر وربع وبعد ما اشتراها ~~جاءه رجل واخبره انه اشتراها باحد عشر وربع وكسب نصف فأخذها المشترى ~~وتفارقا بالأبدان وبعد ساعة جاء المشترى وأغصبه بردها وامتنع التاجر ولم ~~يبين الفائدة فابى المشترى فتنازعا على الفائدة فقال المشترى خذ منى ربع ~~وثمن فقال التاجر للمشترى ابتعنى بأحد عشر ونصف فقال عبارة نعم فهل يجوز ان ~~يخبر بهذا الربع الزائد على المشترى الاول ويحل له ذلك في وجه من الوجوه ### ||||| فأجاب # ليس لصاحب السلعة ان يخبر بأنه اشتراها بذلك من غير PageV30P100 ~~بيان الحال بل ان اراد ان يخبر بذلك فليبين ان المشتري لها أعادها إليه ~~بنصف الربح فان هذا سواء كان بيعا أو اقالة ليس هو عند الناس بمنزلة الذي ~~يشترى سرا مطلقا لا سيما ان كان اكرهه على اخذها منه # فإن من اشترى سلعة على وجه الإكراه لم يكن له ان يخبر بالثمن من غير بيان ~~الحال باتفاق العلماء اذ هذا من نوع الخيانة # 101 وقد تنازع العلماء فيما اذا باعها بربح ثم وجدها تباع في السوق ~~فاشتراها هل عليه ان يسقط الأول من الثمن الثاني أو يخبر بالحال أو ليس ~~عليه ذلك على قولين والأول قول ابى حنيفة وأحمد وغيرهما فاذا كان في مثل ~~هذه الصورة فكيف اذا قال فيها بدون الثمن وكيف اذا كان كذلك على وجه ~~الاكراه له والبيع بتخبير الثمن اصله الصدق والبيان كما قال النبى ( ~~البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وان كذبا ~~وكتما محقت بركة بيعهما ( # فما كان من الأمور التى اذا اطلع المشترى عليها لم يشتر بذلك الثمن كان ~~كتمانه خيانة والله أعلم PageV30P101 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اشترى عشرة ازواج متاع جملة واحدة واخبر بزوج على حكم ما اشتراه ~~وقسم الثمن على الأزواج لا زائد ولا ناقص هل ذلك حلال أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ان اخبر بالاشتراء على وجهه فيذكر انه اشتراها مع غيرها ~~وانه قسط الثمن على الجميع فجاء ms8693 قسط هذا كذا وهذا كذا فإن هذا حقيقة الصدق ~~والبيان وقد قال ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما ~~في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ( والله تعالى أعلم PageV30P102 ### ||| 2 باب المساقاة 2 # قال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < ### ||| فصل # قد ذكرت فيما تقدم من القواعد التى فيها قواعد فقهية ما جاء به الكتاب ~~والسنة من قيام الناس بالقسط وتناول ذلك للمعاملات التى هي المعاوضات ~~والمشاركات وذكرت ان المساقاة والمزارعة والمضاربة ونحوذلك نوع من ~~المشاركات وبينت بعض ما دخل من الغلط على من اعتقد ان ذلك من المعاوضات ~~كالبيع والإجارة حتى حكم فيها أحكام المعاوضات # وبينت جواز المزارعة ببذر من المالك أو من العامل كما جاءت به سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والقياس الجلي وبينت ان حديث رافع بن خديج وغيره ~~في النهي عن المخابرة وعن كراء الأرض إن ما معناه ما كانوا يفعلونه من ~~اشتراط زرع بقعة معينة لرب الأرض PageV30P103 كما بينه رافع بن خديج في ~~الصحيحين أيضا ومن سمى المعاملة ببذر من المالك مزارعة ومن العامل مخابرة ~~فهو قول لا دليل عليه بمنزلة الأسماء التى سماها هؤلاء وآباؤهم لم ينزل ~~الله بها سلطانا # فإن في صحيح البخارى عن بن عمر ( ان رسول الله عامل أهل خيبر بشطر ما ~~يخرج منها من ثمر وزرع على ان يعمروها من أموالهم ( والمخابرة المنهى عنها ~~لم يكن فيها بذر من العامل # والمقصود هنا أن النبى نهى عن المشاركة التى هي كراء الأرض بالمعنى العام ~~اذا اشترط لرب الأرض فيها زرع مكان بعينه والأمر في ذلك كما قال الليث بن ~~سعد وهو في البخاري ان الذي نهى عنه النبى شيء اذا نظر فيه ذو البصر ~~بالحلال والحرام علم أنه حرام أو كما قال # وذلك لأن المشاركة والمعاملة تقتضي العدل من الجانبين فيشتركان في المغنم ~~والمغرم بعد أن يسترجع كل منهما أصل ماله فإذا اشترط لأحدهما زرع معين كان ~~فيه تخصيصه بذلك وقد لا يسلم غيره فيكون ظلما ms8694 لأحد الشريكين وهو من الغرر ~~والقمار ايضا ففى معنى ذلك ما قاله العلماء وما أعلم فيه مخالفا أنه لا ~~يجوز ان يشترط لأحدهما ثمرة شجرة بعينها ولا مقدارا محدودا من الثمر وكذلك ~~لا PageV30P104 يشترط لأحدهما زرع مكان معين ولا مقدارا محدودا من نماء ~~الزرع وكذلك لا يشترط لاحدهما ربح سلعة بعينها ولا مقدار محدود من الربح # فأما اشتراط عود مثل رأس المال فهو مثل اشتراط عود الشجر والأرض وفى ~~اشتراط عود مثل البذر كلام ذكرته في غير هذا الموضع فاذا كان هذا في تخصيص ~~احدهما بمعين أو مقدار من النماء حتى يكون مشاعا بينهما فتخصيص احدهما بما ~~ليس من النماء اولى مثل ان يشترط أحدهما على الآخر ان يزرع له ارضا أخرى أو ~~يبضعه بضاعة يختص ربها بربحها أو يسقي له شجرة أخرى ونحو ذلك مما قد يفعله ~~كثير من الناس # فإن العامل لحاجته قد يشترط عليه المالك نفعه في قالب آخر فيضاربه ويبضعه ~~بضاعة أو يعامله على شجر وأرض ويستعمله في أرض أخرى أو في إعانة ماشية له ~~أو يشترط استعارة دوابه أو غير ذلك فإن هذا لا يجوز شرطه بلا نزاع أعلمه ~~بين العلماء فإنه في معنى اشتراط بمعين أو بقدر من الربح لأنه اذا اشترط ~~منفعته أو منفعة ماله اختص احدهما باستيفاء هذه المنفعة وقد لا يحصل نماء ~~أو يحصل دون ما ظنه فيكون الآخر قد أخذ منفعته بالباطل وقامره وراباه فإن ~~فيه ربا وميسرا PageV30P105 فإن تواطآ على ذلك قبل العقد فهو كالشرط في ~~العقد على ما قررناه في ( كتاب بطلان التحليل ( أن الشرط المتقدم على العقد ~~كالمقارن له # فإن تبرع احدهما بهدية إلى الآخر مثل ان يهدى العامل في المضاربة إلى ~~المالك شيئا أو يهدي الفلاح غنما أو دجاجا أو غير ذلك فهذا بمنزلة إهداء ~~المقترض من المقرض يخير المالك فيها بين الرد وبين القبول والمكافأة عليها ~~بالمثل وبين ان يحسبها له من نصيبه من الربح اذا تقاسما كما يحسبه من أصل ~~القرض # وهذا ينازعنا فيه ms8695 بعض الناس ويقول متبرع بالإهداء وليس كذلك بل انما ~~اهداه لأجل المعاملة التى بينهما من القرض والمعاوضة ونحو ذلك كما قال ~~النبى في حديث العامل الأزدي بن اللتبية لما قال هذا لكم وهذا أهدي الي ~~فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى ~~إليه أم لا ( وثبت عن عدد من الصحابة كعبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام ~~وعبد الله بن عباس وأنس وغيرهم أنهم أمروا المقرض الذي قبل الهدية ان ~~يحسبها من قرضه # وهذا ظاهر في الإعتبار فإنه اذا قبل الهدية قبل الاستيفاء فقد ~~PageV30P106 دخل معه على ان يأخذ الهدية وبدل القرض عوضا عن القرض وهذا عين ~~الربا فإن القرض لا يستحق به الا مثله ولو قال له وقت القرض انا اعطيك مثله ~~وهذه الهدية لم يجز بالإجماع فإذا اعطاه قبل الوفاء الهدية التى هي من أجل ~~القرض على ان يوفيه معها مثل القرض كان ذلك معاقدة على أخذ أكثر من الأصل ~~ولهذا لو أهدى إليه على العادة الجارية بينهما قبل القرض لم يكن كذلك # يبين ذلك أنه بقبول الهدية يريد ان ينظره لأجلها فيصير بمائة والهدية ~~بمائة إلى أجل وهذا عين الربا بخلاف المائة بمائة مثلها في الصفة ولو شرط ~~فيها الأجل فإن هذا تبرع محض ليس بمعاوضة اذ العاقل لا يبيع الشيء بما ~~يساويه من كل وجه إلى أجل وانما يفعل ذلك عند اختلاف الصفة كبيع الصحاح ~~بالمكسرة ونقد بنقد آخر إلى أجل وذلك لا يجوز باتفاق # المسلمين وهكذا الأمر في المشاركة فإنه اذا قبل هدية العامل ونفعه الذي ~~انما بذله لأجل المضاربة والمزارعة بلا عوض مع اشتراطه النصيب من الربح كان ~~هذا القبول على هذا القول معاقدة على ان يأخذ مع النصيب الشائع شيئا غيره ~~بمنزلة زرع مكان معين وقد لا يحصل ربح فيكون العامل مقمورا مظلوما ولهذا ~~يطلب العامل بدل هديته ويحتسب بها على المالك فإن لم يعوضه عنها والا خانه ~~في المال أصله PageV30P107 وربحه كما يجري مثل ms8696 ذلك بين المزارع والفلاح فإن ~~الفلاح يخونه ويظلمه لما يزعم ان المزارع يختص به من ماله ونحوه كأخذ ~~الهدايا وأكله هو ودوابه من ماله مدة بغير حق فيقرض السنبل قبل الحصاد ~~ويترك الحب في القصب والتبن وفى عفارة البيدر ويسرق منه ويحتال على السرقة ~~بكل وجه والمزارع يظلمه في بدنه بالضرب والإستخدام وفى ماله بالإستنفاق ~~الذي لا يستحقه ويرى ان هذا بإزاء ما اختانه من ماله # وكذلك يجري بين مالك المال والعامل العامل يرى انه يأخذ نفعه وماله فإنه ~~لابد له من هدايا ومن بضائع معه يتجر له فيها فيخصه بالربح لأجل المضاربة ~~فيريد ان يعتاض عن نفعه وماله فيخون في المال والربح ويكذب ويكتم والمالك ~~يرى ان العامل يخون في المال والربح ويخرج من ماله بالإنفاق على مال له آخر ~~أو بالإهداء إلى اصدقائه ونحو ذلك مما ليس نفعه لأجل المضاربة فيطالبه ~~بالهدايا ونحو ذلك حتى ان من العمال من لا يهدي الا لعلمه بأن المالك يطلب ~~ذلك ويؤثره فيتقي بذلك شره وظلمه # وتفضى هذه المعاملات إلى المخاصمة والعداوة والظلم في النفوس والأعراض ~~والأموال وسبب ذلك اختصاص أحدهما بشيء خارج عن النصيب المشاع من النماء فان ~~هذا خروج عن العدل الواجب PageV30P108 # في المشاركات وقول النبى صلى الله عليه وسلم ( أفلا قعد في بيت أبيه وأمه ~~فينظر ايهدى إليه أم لا ( يتناول هذه المعانى جميعها فان الهدية اذا كانت ~~لاجل سبب من الأسباب كانت مقبوضة بحكم ذلك السبب كسائر المقبوض به فان ~~العقد العرفي كالعقد اللفظي ومن أهدي له لأجل قرض أو إقراض كانت الهدية ~~كالمال المقبوض بعقد القرض والقراض اذا لم يحصل عنها مكافأة وهذا اصل عظيم ~~يدخل بسبب اهماله من الظلم والفساد شيء عظيم ### ||| فصل # وكما قلنا في المقبوض انه قبل الوفاء ليس له أن يأخذ منه مالا ولا نفعا ~~قبل الوفاء بغير عوض مثله لما فيه من الربا فالإهداء والإعارة من نوع فكذلك ~~في المضاربة والمزارعة متى أخذ رب المال مالا أو نفعا قبل الاقتسام التام ~~لم ms8697 يجز الا بعوض مثله مثل استخدام العامل والفلاح في غير موجب عقد المشاركة ~~أو الانتفاع بماله أو غير ذلك الا ان يحتسب له ذلك كله والله سبحانه أعلم # ولهذا تنازع الفقهاء لو أعطاه عرضا فقال بعه وضارب بثمنه PageV30P109 ~~فقيل لا يجوز لأن المالك يختص بمنفعته قبل المضاربة فهو كما لو شرط عليه ~~بيع سلعة أخرى # وقيل يجوز لأن هذا البيع مقصوده مقصود المضاربة فأشبه البيع الحاصل بعد ~~العقد والمال أمانة بيده في الموضعين وليس للمالك منفعة يختص بها زائدة على ~~مقصود المضاربة وفى المسألة نظر # وقال قدس الله روحه ! 8 < ### || 1 ( رسالة في المزارعة ) 1 ### ||| فصل # وأما ( المزارعة ( فإذا كان البذر من العامل أو من رب الأرض أو كان من ~~شخص ارض ومن آخر بذر ومن ثالث العمل ففي ذلك روايتان عن أحمد والصواب انها ~~تصح في ذلك كله # وأما اذا كان البذر من العامل فهو اولى بالصحة مما اذا كان البذر من ~~المالك ( فإن النبى عامل أهل خيبر على ان يعمروها من أموالهم بشطر ما يخرج ~~منها من ثمر وزرع ( رواه البخارى وغيره وقصة أهل خيبر هي الأصل في جواز ( ~~المساقاة والمزارعة ( وانما كانوا يبذرون من أموالهم لم يكن النبى صلى الله ~~عليه PageV30P110 وسلم يعطيهم بذرا من عنده وهكذا خلفاؤه من بعده مثل عمر ~~وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وغير واحد من الصحابة كانوا يزارعون ~~ببذر من العامل # وقد نص الإمام أحمد في رواية عامة أصحابه في أجوبة كثيرة جدا على أنه ~~يجوز ان يؤجر الأرض ببعض ما يخرج منها واحتج على ذلك بقصة أهل خيبر وأن ~~النبى عاملهم عليها ببعض الخارج منها وهذا هو معنى إجارتها ببعض الخارج ~~منها اذا كان البذر من العامل فان المستأجر هو الذي يبذر الأرض وفى ~~الصورتين للمالك بعض الزرع # ولهذا قال من حقق هذا الموضع من أصحابه كأبى الخطاب وغيره ان هذا مزارعة ~~على ان البذر من العامل وقالت طائفة من أصحابه كالقاضي وغيره بل يجوز هذا ~~العقد بلفظ ms8698 الإجارة ولا يجوز بلفظ المزارعة لأنه نص في موضع آخر أن ~~المزارعة يجب ان يكون فيها البذر من المالك وقالت طائفة ثالثة بل يجوز هذا ~~مزارعة ولا يجوز مؤاجرة لأن الإجارة عقد لازم بخلاف المزارعة في أحد ~~الوجهين ولان هذا يشبه قفيز الطحان # وروي عن النبى انه نهى عن قفيز PageV30P111 الطحان وهو أن يستأجر ليطحن ~~الحب بجزء من الدقيق # والصواب هو الطريقة الأولى فإن الاعتبار في العقود بالمعانى والمقاصد لا ~~بمجرد اللفظ هذا أصل أحمد وجمهور العلماء وأحد الوجهين في مذهب الشافعي ~~ولكن بعض اصحاب أحمد قد يجعلون الحكم يختلف بتغاير اللفظ كما قد يذكر ~~الشافعي ذلك في بعض المواضع وهذا كالسلم الحال في لفظ البيع والخلع بلفظ ~~الطلاق والإجارة بلفظ البيع ونحو ذلك مما هو مبسوط في موضعه # وأما من قال إن المزارعة يشترط فيها ان يكون البذر من المالك فليس معهم ~~بذلك حجة شرعية ولا أثر عن الصحابة ولكنهم قاسوا ذلك على المضاربة قالوا ~~كما انه في المضاربة يكون العمل من شخص والمال من شخص فكذلك المساقاة ~~والمزارعة يكون العمل من واحد والمال من واحد والبذر من رب المال وهذا قياس ~~فاسد لأن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه ويقتسمان الربح فنظيره الأرض أو ~~الشجر يعود إلى صاحبه ويقتسمان الثمر والزرع واما البذر فإنهم لا يعيدونه ~~إلى صاحبه بل يذهب بلا بدل كما يذهب عمل العامل وعمل بقره بلا بدل فكان من ~~جنس النفع لا من جنس المال وكان اشتراط كونه من العامل اقرب في القياس مع ~~موافقة هذا المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم فإن منهم من كان يزارع والبذر ~~من PageV30P112 العامل وكان عمر يزارع على انه ان كان البذر من المالك فله ~~كذا وان كان من العامل فله كذا ذكره البخاري فجوز عمر هذا وهذا هو الصواب # وأما الذين قالوا لا يجوز ذلك إجارة لنهيه عن قفيز الطحان فيقال هذا ~~الحديث باطل لا اصل له وليس هو في شيء من كتب الحديث المعتمدة ولا رواه ~~إمام ms8699 من الأئمة والمدينة النبوية لم يكن بها طحان يطحن بالأجرة ولا خباز ~~يخبز بالأجرة # وأيضا فأهل المدينة لم يكن لهم على عهد النبى مكيال يسمى القفيز وانما ~~حدث هذا المكيال لما فتحت العراق وضرب عليهم الخراج فالعراق لم يفتح على ~~عهد النبى صلى الله عليه وسلم وهذا وغيره مما يبين ان هذا ليس من كلام ~~النبى وانما هو من كلام بعض العراقيين الذين لا يسوغون مثل هذا قولا ~~باجتهادهم والحديث ليس فيه نهيه عن اشتراط جزء مشاع من الدقيق بل عن شيء ~~مسمى وهو القفيز وهو من المزارعة لو شرط لأحدهما زرعه بقعة بعينها أو شيئا ~~مقدرا كانت المزارعة فاسدة # وهذا هو المزارعة التى نهى عنها النبى في PageV30P113 حديث رافع بن خديج ~~في حديثه المتفق عليه ( انهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها فنهى ~~النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك ( وقد بسط الكلام على هذه المسائل في غير ~~هذا الموضع وبين ان المزارعة احل من المؤاجرة بأجرة مسماة وقد تنازع ~~المسلمون في الجميع فإن المزارعة مبناها على العدل إن حصل شيء فهو لهما وان ~~لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان واما الإجارة فالمؤجر يقبض الأجرة والمستأجر ~~على خطر قد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل فكانت المزارعة ابعد عن المخاطرة من ~~الإجارة وليست المزارعة مؤاجرة على عمل معين حتى يشترط فيها العمل بالأجرة ~~بل هي من جنس المشاركة كالمضاربة ونحوها واحمد عنده هذا الباب هو القياس # ويجوز عنده ان يدفع الخيل والبغال والحمير والجمال إلى من يكارى عليها ~~والكراء بين المالك والعامل وقد جاء في ذلك احاديث في سنن ابى داود وغيره ~~ويجوز عنده ان يدفع ما يصطاد به الصقر والشباك والبهائم وغيرها إلى من ~~يصطاد بها وما حصل بينهما ويجوز عنده ان يدفع الحنطة إلى من يطحنها وله ~~الثلث أو الربع وكذلك الدقيق إلى من يعجنه والغزل إلى من ينسجه والثياب إلى ~~من يخيطها بجزء في الجميع من النماء وكذلك الجلود إلى من يحذوها نعالا وان ~~حكى ms8700 عنه في ذلك خلاف وكذلك يجوز عنده في أظهر PageV30P114 الروايتين أن ~~يدفع الماشية إلى من يعمل عليها بجزء من درها ونسلها ويدفع دود القز والورق ~~إلى من يطعمه ويخدمه وله جزء من القز # وأما قول من فرق بين المزارعة والإجارة بأن الإجارة عقد لازم بخلاف ~~المزارعة فيقال له هذا ممنوع بل إذا زارعه حولا بعينه فالمزارعة عقد لازم ~~كما تلزم اذا كانت بلفظ الإجارة والإجارة قد لا تكون لازمة كما اذا قال ~~آجرتك هذه الدار كل شهر بدرهمين فإنها صحيحة في ظاهر مذهب أحمد وغيره وكلما ~~دخل شهر فله فسخ الإجارة # والجعالة في معنى الإجارة وليست عقدا لازما فالعقد المطلق الذي لا وقت له ~~لا يكون لازما واما المؤقت فقد يكون لازما ### ||| فصل # وأما إجارة الأرض بجنس الطعام الخارج منها كإجارة الأرض لمن يزرعها حنطة ~~أو شعيرا بمقدار معين من الحنطة والشعير فهو ايضا جائز في اظهر الروايتين ~~عن أحمد وهو مذهب ابى حنيفة والشافعي وفى الأخرى ينهى عنه كقول مالك ~~PageV30P115 قالوا لأن المقصود بالإجارة هو الطعام فهو في معنى بيعه بجنسه ~~وقالوا هو من المخابرة التى نهى عنها النبى وهو في معنى المزابنة لأن ~~المقصود بيع الشيء بجنسه جزافا # والصحيح قول الجمهور لأن المستحق بعقد الإجارة هو الانتفاع بالأرض ولهذا ~~اذا تمكن من الزرع ولم يزرع وجبت عليه الأجرة والطعام إنما يحصل بعمله ~~وبذره وبذره لم يعطه إياه المؤجر فليس هذا من الربا في شيء # ونظير هذا ان يستأجر قوما ليستخرجوا له معدن ذهب أو فضة أو ركازا من ~~الأرض بدراهم أو دنانير فليس هذا كبيع الدراهم بدراهم وكذلك من استأجر من ~~يشق الأرض ويبذر فيها ويسقيها بطعام من عنده وقد استأجره على ان يبذر له ~~طعاما فهذا مثل ذلك 116 # والمخابرة التى نهى عنها النبى قد فسرها رافع راوى الحديث بأنها المزارعة ~~التى يشترط فيها لرب الأرض زرع بقعة بعينها ولكن من العلماء من جعل ~~المزارعة كلها من المخابرة كأبى حنيفة ومنهم من قال المزارعة على الأرض ~~البيضاء ms8701 من المخابرة كالشافعي ومنهم من قال المزارعة على ان يكون البذر من ~~العامل من المخابرة ومنهم من قال كراء الأرض بجنس الخارج منها من ~~PageV30P116 المخابرة كمالك # والصحيح ان المخابرة المنهى عنها كما فسرها به رافع بن خديج وكذلك قال ~~الليث بن سعد الذى نهى عنه رسول الله شيء اذا نظر فيه ذو البصيرة بالحلال ~~والحرام علم انه محرم وهذا مذهب عامة فقهاء الحديث كأحمد وإسحاق وبن المنذر ~~وبن خزيمة وغيرهم # والنبى حرم أشياء داخلة فيما حرمه الله في كتابه فإن الله حرم في كتابه ~~الربا والميسر وحرم النبى بيع الغرر فإنه من نوع الميسر وكذلك بيع الثمار ~~قبل بدو صلاحها وبيع حبل الحبلة وحرم صلى الله عليه وسلم بيع الذهب بالذهب ~~والفضة بالفضة إلامثلا بمثل وغير ذلك مما يدخل في الربا فصار بعض أهل العلم ~~يظنون أنه دخل في العام أو علته العامة أشياء وهى غير داخلة في ذلك كما ~~أدخل بعضهم ضمان البساتين حولا كاملا أو أحوالا لمن يسقيها ويخدمها حتى ~~تثمر فظنوا ان هذا من باب بيع الثمار قبل بدو صلاحها فحرموه وإنما هذا من ~~باب الإجارة كإجارة الأرض فلما نهى عن بيع الحب حتى يشتد وجوز اجارة الأرض ~~لمن يعمل عليها حتى تنبت وكذلك نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ولم ينه ~~ان تضمن لمن يخدمها حتى تثمر ويحصل الثمر بخدمته على ملكه وبائع الثمر ~~PageV30P117 والزرع عليه سقيه إلى كمال صلاحه خلاف المؤجر فانه ليس يسقي ما ~~للمستأجر من ثمر وزرع بل سقي ذلك على الضامن المستأجر وعمر بن الخطاب ضمن ~~حديقة أسيد بن الحضير ثلاث سنين وتسلف كراءها فوفى به دينا كان عليه ونظائر ~~هذا الباب كثيرة ### |||| وسئل # هل تصح المزارعة أم لا وإذا فرط المزارع في نصف فدان فحلف رب الأرض ~~بالطلاق الثلاث ليأخذن عوضه من الزرع الطيب ### ||||| فأجاب # الحمد لله المزارع بثلث الزرع أو ربعه أو غير ذلك من الأجزاء ~~الشائعة جائز بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الخلفاء الراشدين ~~وغيرهم ms8702 من الصحابة والتابعين وهو قول محققى الفقهاء # وإذا كان العامل قد فرط حتى فات بعض المقصود فأخذ المالك مثل ذلك من أرض ~~أخرى وجعل ذلك له بحيث لا يكون فيه عدوان لم يحنث في يمينه ولا حنث عليه ~~والله أعلم 119 PageV30P118 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل سلم أرضه إلى رجل ليزرعها ويكون الزرع بينهما بالسوية والبذر من ~~الزارع لامن رب الأرض فهل يجوز ذلك ويكون بينهما شركة أو لايجوز ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا جائز في أصح قولي العلماء وبه مضت سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وغيرهم من أصحابه فإنه قد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر على ان يعمروها من ~~أموالهم فهذه مشاطرة فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم والبذر من العامل ~~لا من رب الأرض وكذلك كان أصحابه بعده يفعلون مثل آل أبى بكر وآل على بن ~~أبى طالب ومثل سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود والذين خالفوا ذلك لهم ~~مأخذان ضعيفان # أحدهما أنهم ظنوا ان المزارعة مثل المؤاجرة PageV30P119 وليست من باب ~~المؤاجرة فإن المؤاجرة يقصد منها عمل العامل ويكون العمل معلوما بل يشتركان ~~هذا بمنفعة أرضه وهذا بمنفعة بدنه وبقره كسائر الشركاء وأما ما نهى عنه ~~النبى من المخابرة فقد جاء مفسرا في الصحيح أنهم كانوا يشترطون لرب الأرض ~~زرع بقعة معينة فلهذا نهى عنها ومن اشترط ان يكون البذر من المالك فإنه ~~شبهها بالمضاربة التي يشترط ان يكون المال من أحدهما والعمل من الآخر وظن ~~ان البذر يكون من رب الأرض وكلاهما مال وهذا غلط فإن رأس المال يعود في هذه ~~العقود إلى صاحبه كما يعود رأس المال في المضاربة والأرض في المزارعة ~~والأرض والشجر في المساقاة # والعامل إذا بذر البذر وأماته فلم يأخذ مثله صار البذر يجري مجرى المنافع ~~التي لايرجع بمثلها ومن اشترط أن يكون البذر من المالك ولا يعود فيه فقوله ~~في غاية الفساد فإنه لو كان ms8703 كرأس المال لوجب ان يرجع في نظيره كما يقول مثل ~~ذلك في المضاربة ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له أرض مزروعة وغيرها وجاء من يزرعها له مشاطرة والبذر وسائر ما ~~يلحق الزرع من الأجر حتى إذا أخذ الحصادون PageV30P120 شيئا أخذ صاحب الأرض ~~مثله ونصف التبن أيضا فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله المزارعة على الأرض بشطر ما يخرج منها جائز سواء كان ~~البذر من رب الأرض أو من العامل وهذا هو الصواب الذى دلت عليه سنة رسول ~~الله وسنة خلفائه الراشدين فإن النبى عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ~~ثمر وزرع على ان يعمروها من أموالهم وهذا مذهب أكثر الصحابة والتابعين # وجواز المزارعة على الأرض البيضاء هو مذهب الثوري وبن أبى ليلى وأحمد بن ~~حنبل وأبى يوسف ومحمد والمحققون من أصحاب الشافعى العلماء بالحديث وبعض ~~أصحاب مالك وغيرهم # وكذلك يجوز على أصح القولين في مذهب أحمد وغيره أن يكون البذر من العامل ~~كما فعل النبى مع أهل خيبر وتشبيه ذلك بمال المضاربة فاسد فان البذر لايعود ~~إلى باذره كما يعود مال المالك # والذي نهى عنه النبى من المخابرة هو أنهم كانوا يعاملون ويشترطون للمالك ~~منفعة معينة من الأرض وهذا PageV30P121 باطل بالاتفاق كما لو اشترط دراهم ~~مقدرة في المضاربة أو ربح صنف بعينه من السلع والمساقاة والمزارعة ~~والمضاربة ليست من أنواع الإجارة التى يشترط فيها تقدير العمل والأجرة فإن ~~تلك يكون المقصود فيها العمل وإنما هي من جنس المشاركة فإنهما يشتركان ~~بمنفعة بدن هذا ومنفعة مال هذا وهما مشتركان في المغنم والمغرم # وكان آل أبى بكر يزارعون وآل عمر يزارعون وآل بن مسعود يزارعون وهذا عمل ~~المسلمين من زمن نبيهم إلى اليوم # وهي كانت فيهم أظهر من كراء الأرض بالدراهم والدنانير فإنها أبعد عن ~~الظلم والغرور وأقرب إلى العدل الذي ثبتت عليه المعاملات وأما مؤنة ~~الحصادين فعلى من اشترطاه إن اشترطا المؤنة عليهما فهي عليهما وان شرطاها ~~على أحدهما فهي عليه وفى الإطلاق نزاع ولهما اقتسام الحب ms8704 والتبن والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل استأجر أرضا بجزء من زرعها وتسلمها ولم يزرعها فهل للمالك عليه ~~أجرة المثل PageV30P122 ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه مختلف في صحتها وظاهر المذهب عندنا صحتها ثم سواء ~~سميت إجارة أو مزارعة فأحمد يصححها في غالب نصوصه وسماها إجاره وقال أبو ~~الخطاب وغيره هي المزارعة ببذر العامل وأما القاضي وغيره فصححوها وأبطلوا ~~المزارعة ببذر من العامل وإذا كانت صحيحة ضمنت بالمسمى الصحيح وهنا ليس هو ~~في الذمة فينظر إلى معدل المغل فيجب القسط المسمى فيه # وإذا جعلناها مزارعة وصححناها فينبغى ان تضمن بمثل ذلك لأن المعنى واحد ~~وإن أفسدناها وسميناها إجارة ففي الواجب قولان # أحدهما أجرة المثل وهو ظاهر قول أصحابنا وغيرهم والثانى قسط المثل وهذا ~~هو التحقيق # وأجاب بعض الناس أن هذه إجارة فاسدة فيجب بالقبض فيها أجرة المثل ~~PageV30P123 ### |||| وسئل رضى الله عنه # عما اذا كان من أحدهما ارض ومن آخر حب الخ ### ||||| فأجاب # وكذلك إذا تعاملا بأن يكون من رجل ارض ومن آخر حب أو بقر أو من رجل ~~ماء ومن رجل حب وعنب ففيه قولان هما روايتان عن أحمد والاظهر جواز ذلك # وكذلك اذا استأجره ليطحن له طحينا بثلثه أو ربعه أو يخبز له رغيفا بثلثه ~~أو ربعه أو يخيط له ثيابا بثلثها أو ربعها أو يسقى له زرعا بثلثه أو ربعه ~~أو يقطف له ثمرا بثلثه أو ربعه فهذا ومثله جائز في ظاهر مذهب أحمد وغيره # وكذلك اذا اعطاه ماءه ليسقى به قطنه أو زرعه ويكون له ربعه أو ثلثه فإن ~~هذا جائز ايضا سواء كان الماء من هذا وهذا من جنس المشاركة لا من جنس ~~الاجارة وهو بمنزلة المساقاة والمزارعة # والصحيح الذي عليه فقهاء الحديث ان المزارعة جائزة سواء كان البذر من ~~المالك أو من العامل أو منهما وسواء كانت PageV30P124 أرض بيضاء أو ذات شجر ~~وكذلك المساقاة على جميع الاشجار ومن منع ذلك ظن انه اجارة بعوض مجهول وليس ~~كذلك بل هو مشاركة كالمضاربة والمضاربة على وفق القياس لا ms8705 على خلافه فإنها ~~ليست من جنس الإجارة بل من جنس المشاركات كما بسط الكلام على هذا في موضعه ### |||| وسئل رحمه الله # عمن رابع رجلا صورتها أن الأرض لواحد ومن آخر البقر والبذر ومن المرابع ~~العمل على ان لرب الأرض النصف ولهذين النصف للمرابع ربعه فبقى في الأرض فما ~~نبت ونبت في العام الثانى من غير عمل ### ||||| فأجاب # ان كان هذا من الأرض ومن الحب المشترك ففيه قولان ( احدهما ( انه ~~لصاحب الأرض فقط و ( الثاني ( يقسم بينهم على قدر منفعة الأرض والحب وهذا ~~أصح القولين PageV30P125 ### |||| وسئل # عن رجل له أرض أعطاها لشخص مغارسة بجزء معلوم وشرط عليه عمارتها فغرس بعض ~~الأرض وتعطل ما في الأرض من الغرس فهل يجوز قلع المغروس أم لا وهل للحاكم ~~أن يلزمهم بقلعه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اذا لم يقوموا بما شرط عليهم كان لرب الأرض ~~الفسخ وإذا فسخ العامل أو كانت فاسدة فلرب الأرض ان يتملك نصيب الغارس ~~بقيمته إذا لم يتفقا على قلعه والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل غرس غراسا في ارض بإذن مالكها ثم توفى مالكها عنها وخلف ورثة ~~فوقفوا الأرض على معينين فتشاجر # الموقوف عليهم وصاحب الغراس على الأجرة فماذا يلزم صاحب الأرض ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا كان الغراس قد غرس باذن المالك PageV30P126 أو بإجارة وانقضت ~~مدته أو كانت مطلقة فعلى صاحب الغراس اجرة المثل تقوم الأرض بيضاء لا غراس ~~فيها ثم تقوم وفيها ذلك الغراس فما بلغ فهو أجرة المثل والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن جندي أقطع له السلطان إقطاعا وهو خراج أرض وتلك الأرض كانت مقطعة ~~لجندي توفى إلى رحمة الله تعالى بعد ان زرعها ببذره وبقره فحكم له الديواني ~~السلطاني ان يأخذ شطر الزر ع وورثة المتوفى شطره بعد ان يأخذ من جملة الزرع ~~نصف العشر ثم يدفع لورثة المتوفى المزارع ربع الشطر الذي له لأن السلطان ~~يأخذ لورثة المتوفى ربع الخراج وله ثلاثة أرباعه فهل تجوز هذه القسمة ويجوز ~~اخذ الخراج على هذه الصورة ms8706 واذا لم يكن ذلك جائزا فكيف يكون الحكم فيه على ~~مقتضى الشرع الشريف ثم ان أهل الديوان امروه ان يأخذ من ورثته بذر هذه ~~الأرض في السنة الآتية تكون عنده قرضا بحجة برسم عمارة الإقطاع ويعيده لهم ~~على سنتين فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # هذا الإقطاع ليس إقطاعا بمجرد خراج الأرض كما ظنه السائل بل هو ~~إقطاع استغلال فإن الإقطاع نوعان إقطاع تمليك PageV30P127 كما يقطع الموات ~~لمن يحييه بتملكه واقطاع استغلال وهو اقطاع منفعة الأرض لمن يستغلها إن شاء ~~أن يزرعها وإن شاء أن يؤجرها وإن شاء أن يزارع عليها # وهذا الإقطاع هو من هذا الباب فإن المقطعين لم يقطعوا مجرد خراج واجب على ~~شيء من الأرض بيده كالخراج الشرعي الذي ضربه امير المؤمنين عمر على بلاد ~~العنوة وكالأحكار التى تكون في ذمة من استأجر عقارا لبيت المال فمن اقطع ~~ذلك فقد اقطع خراجا واما هؤلاء فأقطعوا المنفعة # وإذا عرف هذا فإذا انفسخ الإقطاع في اثناء الأمر إما لموت المقطع وإما ~~لغيره واقطع لغيره كانت المنفعة الحادثة للمقطع الثاني دون الأول بحيث لو ~~كان المقطع الأول قد أجر الأرض المقطعة ثم انفسخ إقطاعه انفسخت تلك الإجارة ~~كما تنفسخ إجارة البطن الأول اذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني في اصح ~~الوجهين # وإذا كان كذلك فإن كان الإقطاع انتقل في نصف المدة كان للثاني نصف ~~المنفعة وإن كان في ريعها الماضي كان له ريع المنفعة فإن كان اهل الديوان ~~أعطوا الثاني ثلاثة ارباع المنفعة المستحقة بالإقطاع والأول الربع لكون ~~الثاني قام بثلاثة الأرباع بمائة استحق الإقطاع PageV30P128 مثل أن يخدم ~~ثلاثة ارباع المدة المستوفية للمنفعة فقد عدلوا في ذلك # ثم إن المقطع الأول لما ازدرعه بعمله وبذره وبقره وصار بعض المنفعة ~~مستحقا لغيره صار مزدرعا في أرض الغير لكن ليس هو غاصبا يجوز إتلاف زرعه بل ~~زرعه زرع محترم كالمستأجر وأولى فهنا للفقهاء ثلاثة اقوال # أحدها ان يكون الزرع للمزدرع وعليه اجرة المثل لمنفعة الثانى # والثانى ان يكون الزرع لرب الأرض وعليه ms8707 ما انفقه الأول على زرعه وهذان ~~القولان معروفان فمن زرع في ارض غيره بغير إذنه هل الزرع للمزدرع أو لرب ~~الأرض يأخذه ويعطيه نفقته كما في السنن عن رافع بن خديج ان النبى قال ( من ~~زرع في ارض قوم بغير اذنهم فليس له من الزرع شيء وعليه نفقته ( على القولين ~~والمسألة معروفة # وهذا الثانى مذهب أحمد وغيره والاول مذهب الشافعي وغيره والمزدرع في صورة ~~السؤال ليس غاصبا لكن بمنزلة أنه مما يعد زرع في ارض الغير بغير إذنه فهو ~~كما لو اتجر في مال يظنه لنفسه فبان انه لغيره # وفي هذه المسألة ( قول ثالث ( هو الذي حكم به أهل الديوان PageV30P129 ~~وهو الذي قضى به عمر بن الخطاب في نظير ذلك وهو اصح الأقوال فإنه كان قد ~~اجتمع عند ابى موسى الأشعري مال للمسلمين يريد أن يرسله إلى عمر فمر به ~~ابنا عمر فقال إني لا أستطيع أن أعطيكما شيئا ولكن عندي مال أريد حمله إليه ~~فخذاه اتجرا به واعطوه مثل المال فتكونان قد انتفعتما والمال حصل عنده مع ~~ضمانكما له فاشتريا به بضاعة فلما قدما إلى عمر قال أكل العشر اقرهم مثل ما ~~اقركما فقالا لا فقال ضعا الربح كله في بيت المال فسكت عبد الله وقال له ~~عبيد الله أرأيت لو ذهب هذا المال اما كان علينا ضمانه فقال بلى قال فكيف ~~يكون الربح للمسلمين والضمان علينا فوقف عمر فقال له الصحابة اجعله مضاربة ~~بينهما وبين المسلمين لهما نصف الربح وللمسلمين النصف فعمل عمر بذلك وهذا ~~احسن الأقوال التى تنازعها الفقهاء في مسألة التجارة بالوديعة وغيرها من ~~مال الغير فإن فيها اربعة اقوال في مذهب أحمد وغيره هل الربح لبيت المال ~~بناء على أنه المال # أو الربح للعامل لأن الملك حصل له باشتراء الأعيان في الذمة ويتصدقان ~~بالربح لأنه خبيث أو يقتسما بينهما كالمضاربة # وهذا الرابع الذي فعله عمر وعليه اعتمد من اعتمد من الفقهاء في ~~PageV30P130 جواز المضاربة # ومسألة المزارعة كذلك ايضا فان هذا ازدراع في الأرض يظنها لنفسه ms8708 فتبين ~~انها أو بعضها لغيره فجعل الزرع بينهما مزارعة والمزارعة المطلقة تكون ~~مشاطرة لهذا نصف الزرع ولهذا نصفه فلهذا جعل للأول نصف الزرع كالعامل في ~~المزارعة ويجعل النصف الثاني للمنفعة المقطعة والأول قد استحق ربعها فيجعل ~~له النصف وربع النصف بناء على ما ذكر والثاني ثلاثة ارباع النصف وهذا اعدل ~~الأقوال في مثل هذه المسألة بل حقيقة الأمر ان المقطع الثاني مخير إن شاء ~~ان يطالب من ازدرع في ارضه بأجرة المثل وان شاء ان يجعلها مزارعة كما يخير ~~ابتداء واما اذا قيل بأن له اخذ الزرع وعليه نفقة الاول فهذا أبلغ # وقد تضمن هذا الجواب ان المزارعة يجوز ان يكون البذر فيها من العامل وهذا ~~هو الصواب المقطوع به وان سماه بعض الفقهاء مخابرة فانه قد ثبت في الصحيح ( ~~أن النبي عامل اهل خيبر بشطر ما يخرج من الأرض من ثمر وزرع على أن يعمروها ~~من أموالهم ( وكذلك أصحاب رسول الله جوزوا ذلك كما كانوا يزارعون كآل أبي ~~بكر وآل عمر وآل علي بن أبي طالب وغيرهم PageV30P131 والذي نهى عنه النبى ~~من المخابرة انما كانوا يعملونه وهو أن يشترطوا لرب الأرض زرع بقعة بعينها ~~فهذا هو المنهي عنه كما جاء مفسرا في الحديث الصحيح # واما القوة التي تجعل في الأرض فإنها ليست قرضا محضا كما يظنه بعض الناس ~~فإن القرض المطلق هو بما يملكه المقترض فيتصرف فيه كما شاء وهذه القوة ~~مشروطة على من يقبضها ان يبذرها في الأرض ليس له التصرف فيها بغير ذلك فقد ~~جعلت قوة في الأرض ينتفع بها كل من يستعمل الأرض من مقطع وعامل إذ مصلحة ~~الأرض لا تقوم الا بها كما لو كان في الأرض صهريج ماء ينتفع به ولهذا يقال ~~من دخل على قوة خرج على نظيرها واذا كان الصهريج ملآن ماء عند دخولك فاملأه ~~عند خروجك # وحقيقة الأمر ان للسلطان ان يشترط على المقاطعة ان يتركوا في الأرض قوة ~~وهذا من المصلحة واذا كان الأول قد ترك فيها قوة والثانى محتاج ms8709 اليها فرأى ~~من ولى من ولاة الأمر ان يجعل عطاءها للأول بقسطه بحسب المصلحة كان ذلك ~~جائزا واذا جرت العادة بان من دخل على قوة خرج على نظيرها ومن اعطى قوة من ~~عنده استوفاها مؤجلة كان اقطاع ولي الامر لهذا PageV30P132 الشرط وذلك جائز ~~فإن الزر ع انما ملكه بالإقطاع وأورث الاول ما استحقه قبل الموت 133 # وأما نصف العشر المذكور فلم يذكر وجهه حتى يفتى به وإقطاع ولى الأمر هو ~~بمنزلة قسمته بيت مال المسلمين ليست قسمة الإمام للأموال السلطانية كالفيء ~~بمنزلة قسمة المال بين الشركاء المعينين فإن المال المشترك بين الشركاء ~~المعينين كالميراث يقسم بينهم على صنف منه إن كان قبل القسمة وإلا بيع وقسم ~~ثمنه عند أكثر الفقهاء كمالك وأحمد وأبى حنيفة وتعدل السهام بالأجزاء إن ~~كانت الأموال متماثلة كالمكيل والموزون وتعدل بالتقويم إن كانت مختلفة ~~كأجزاء الأرض وإن كانت من المعدودات كالأبل والبقر والغنم قسمت أيضا على ~~الصحيح وعدلت بالقسمة # وأما الدور المختلفة ففيها نزاع وليس لأحد الشريكين أن يختص بصنف وأما ~~أموال الفيء فللإمام ان يخص طائفة بصنف وطائفة بصنف بل وكذلك في المغانم ~~على الصحيح ولو أعطى الإمام طائفة إبلا وطائفة غنما جاز وهل يجوز للإمام ~~تفضيل بعض الغانمين لزيادة منفعة على قولين للعلماء أصحهما الجواز كما ثبت ~~عن النبى ( أنه نفل في بدايته الربع بعد الخمس وفي رجعته الثلث بعد الخمس ( ~~وثبت عنه أنه نفل سلمة بن الأكوع وغيره PageV30P133 # وأما مال الفيء فيستحق بحسب منفعة الإنسان للمسلمين وبحسب الحاجة أيضا ~~والمقاتلة أحق به وهل هو مختص به على قولين # وإذا قسم بين المقاتلة فيجب ان يقسم بالعدل كما يجب العدل على كل حاكم ~~وكل قاسم لكن اذا قدر ان القاسم والحاكم ليس عدلا لم تبطل جميع أحكامه ~~وقسمه على الصحيح الذى كان عليه السلف فان هذا من الفساد الذى تفسد به أمور ~~الناس فإنه قد ثبت عن النبى من الأحاديث الصحيحة التى يأمر فيها بطاعة ولاة ~~الأمور مع جورهم ما يبين أنهم إذا أمروا ms8710 بالمعروف وجبت طاعتهم وإن كانوا ~~ظالمين فإذا حكم حكما عادلا وقسم قسما عادلا كان هذا من العدل الذى تجب ~~طاعتهم فيه # فالظالم لو قسم ميراثا بين مستحقيه بكتاب الله كان هذا عدلا بإجماع ~~المسلمين ولو قسم مغنما بين غانميه بالحق كان هذا عدلا باجماع المسلمين ولو ~~حكم لمدع بينة عادلة لاتعارض كان هذا عدلا والحكم أمر ونهى وإباحة فيجب ~~طاعته فيه هذا إذا كانت القسمة عادلة # فأما إذا كان في القسمة ظلم مثل ان يعطى بعض الناس فوق ما يستحق وبعضهم ~~دون ما يستحق فهذا هو الاستيثار الذى ذكره PageV30P134 النبي حيث قال ( على ~~المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه واثرة عليه مالم يؤمر ~~بمعصية ( وفى الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله على السمع ~~والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وان لا ننازع الأمر ~~أهله وان نقول أو نقوم بالحق حيث ما كنا لانخاف في الله لومة لائم ومعلوم ~~ان هذا ما زال في الإسلام من ولاة الأمور ومن دخل في هذه الأمور وإنما ~~يستثنى في الخلفاء الراشدين ومن اتبعهم # فإذا كان ذلك كذلك فالمعطى إذا أعطي قدر حقه أو دون حقه كان له ذلك بحكم ~~قسمة هذا القاسم كما لو قسم الميراث وأعطى بعض الورثة حقه كان ذلك بحكم هذا ~~القاسم وكما لو حكم لمستحق بما استحقه كان له ان يأخذ ذلك بموجب هذا الحكم # وليس لقائل ان يقول أخذه بمجرد الاستيلاء كما لو لم يكن حاكم ولا قاسم ~~فإنه على نفوذ هذه المقالة تبطل الأحكام والأعطية التى فعلها ولاة الأمور ~~جميعهم غير الخلفاء وحينئذ فتسقط طاعة ولاة الأمور إذ لافرق بين حكم وقسم ~~وبين عدمه وفى هذا القول من الفساد في العقل والدين مالا يخفى على ذى لب ~~فإنه لو فتح هذا الباب أفضى من الفساد إلى ما هو أعظم من ظلم الظالم ثم كان ~~كل واحد يظن PageV30P135 أن ما يأخذه قدر حقه وكل واحد انما يشهد استحقاق ~~نفسه دون استحقاق بقية ms8711 الناس وهو لايعلم مقدار الأموال المشتركة وهل يجعل ~~له منها بالقيمة هذا أو أقل والإنسان ليس له ان يكون حاكما لنفسه ولا شاهدا ~~لنفسه فكيف يكون قاسما لنفسه # ومعلوم عند كل أحد ان دخول الشركاء تحت قاسم غيرهم ودخول الخصماء تحت ~~حاكم غيرهم ولو كان ظالما أو جاهلا ( أولى ) من ان يكون كل خصم حاكما لنفسه ~~وكل شريك قاسما لنفسه فان الفساد في هذا أعظم من الفساد في الأول # والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ورجحت ~~خير الخيرين بتفويت أدناهما وهذا من فوائد نصب ولاة الأمور ولو كان على ما ~~يظنه الجاهل لكان وجود السلطان كعدمه وهذا لايقوله عاقل فضلا عن ان يقوله ~~مسلم بل قد قال العقلاء ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا ~~سلطان وما أحسن قول عبد الله بن المبارك % لولا الأئمة لم يأمن لنا سبل % ~~وكان أضعفنا نهبا لأقوانا % وأصل هذه المسألة مبسوط بسطا تاما في غير هذا ~~الموضع وإنما نبهنا على قدر ما يعرف به مقصود الجواب والله أعلم ~~PageV30P136 ### |||| وسئل # عن قرية كانت جارية في إقطاع رجل وأخذت ثم أقطعت لاثنين بعد ان زرع ~~فلاحوها أراضيها من غلة المقطع الأول ثم طلب أحد المقطعين المستجدين ان ~~يقسم حصته من زرعه فهل يجوز ذلك وهل تصح القسمة وهل يجب استمرار الناحية ~~مشاعا إلى حيث يقسم المغل ويتناول كل ذي حق حقه من جميع المغل أو يقسم قبل ~~إدراك المغل ### ||||| فأجاب # إن لم تنقص حصة الشركاء لا في الأرض ولا في الزرع فعليهم إجابة ~~طالب القسمة التى ليس فيها ضرر عليهم وإن كان في ذلك ضرر بنقص قسمة ~~انصبائهم لم يرفع الضرر بالضرر بل إن أمكن انقسام عوض المقسوم من غير ضرر ~~فعل PageV30P137 ### |||| وسئل # عن صاحب إقطاع هل له ان يأخذ من الزرع جزءا معينا وهل له إذا شاطره بجزء ~~مشاع وعلم أنهم قد حابوه ان يأخذ زائدا على ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله تجوز المزارعة بجزء شائع سواء كان أقل ms8712 من النصف أو أكثر ~~من النصف ولا فرق عند الأئمة الأربعة ونحوهم ان يزارع بالنصف أو الثلث أو ~~الثلثين ونحو ذلك من الأجزاء الشائعة كثلاثة أخماس وخمسين وقد ثبت جواز ~~المزارعة بسنة رسول الله الصحيحة باتفاق الصحابة وهى أعدل من التسجيل وإذا ~~شرط عليه نصف الزرع فأخذوا زائدا على ذلك فله ان يأخذ منهم بقدر الزائد ~~PageV30P138 139 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل معه دراهم حرام فدفعها إلى والده وأخذ منه عوضها من دراهمه الحلال ~~واشترى منها شيئا يعود منه منفعة إما نتاج الإبل والغنم وإما زرع ارض ~~واستعملها هل هي حرام أم لا ### ||||| فأجاب # متى اعتاض عن الحرام عوضا بقدره فحكم البدل حكم المبدل منه فإن كان ~~قد نمى بفعله نماء من ربح أو كسب أو غير ذلك ففيه خلاف بين العلماء وأعدل ~~الأقوال ان يقسم النماء بين منفعة المال وبين منفعة العامل بمنزلة المضاربة ~~كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه في المال الذى اتجر منه أولاده من بيت ~~المال وهكذا كل نماء بين أصلين إذا بيع الأصل ### ||||| وأجاب ايضا # أعدل الأقوال في هذه المسألة وشبهها ان يقسط الزرع الحادث من ~~منفعة الأرض والبذر والعامل والبقر على هذه الأصول فيكون قسط الحرام لمن ~~يجب صرفه إليه وقسط الحلال لمن يستحقه كسائر الحادث عن الأصول المشتركة ~~PageV30P139 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له إقطاع من السلطان فزرعها لفلاح مشاطرة هل يجوز الإشهاد بينهما ~~أو ان بعض العدول امتنع من الإشهاد بينهما وهل اذا اشترط على الفلاح مثل ~~دجاج أو خراق أو نحو ذلك من سائر الأصناف مع رضا الفلاح بذلك هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله دفع الأرض الملك والإقطاع أو غيرها إلى من يعمل فيها ~~بشطر الزرع فيه قولان للعلماء لكن الصواب المقطوع به ان ذلك جائز فإن ذلك ~~إجماع من الصحابة آل أبي بكر وآل عمر وآل علي وعبد الله بن مسعود وسعد بن ~~ابى وقاص وغيرهم وهو عمل المسلمين من عهد نبيهم والرسول صلى الله عليه ms8713 وسلم ~~لم ينه عن ذلك وإنما نهى عن ما إذا اشترط لرب المال زرع بقعة بعينها بل قد ~~عامل اهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع وقد ثبت عنه في الصحيح انه ~~شرط عليهم ان يعمروها من أموالهم # ولهذا كان الصواب انها تجوز وان كان البذر من العامل بل PageV30P140 هذه ~~المعاملة أحل من دفع الأرض بالمؤاجرة فإن كلاهما مختلف فيه والإجارة أقرب ~~إلى الغرر لان المؤجر يأخذ الأجرة والمستأجر لا يدري هل يحصل له مقصوده أم ~~لا بخلاف المشاطرة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم إن أنبت الله زرعا كان ~~لهما وإن لم ينبت كان عليهما ومنفعة ارض هذا كمنفعة بذر هذا كما في ~~المضاربة ولا يجوز في المشاطرة ان يشترط على العامل شيء معين لا دجاج ولا ~~غيره # وأما الشهادة على ذلك فإنها جائزة ولو كان الشاهد ممن لا يجيزها لأنه ~~عنده مختلف فيه والشاهد يشهد بما جرى لا سيما والمحققون من أصحاب أبي حنيفة ~~والشافعي على تجويزها كما هو مذهب فقهاء اهل الحديث ### |||| وسئل # عن مقطع يجمع غلته من الفلاحين وفيها غلة نظيفة وغلة علثة في ايام القسم ~~وخلطها إلى ايام البذر ثم فرقها عليهم خلال ذلك ### ||||| فأجاب # إذا كانت حنطة بعضهم خيرا من حنطة بعض فليس له أن يخلط ذلك وإن ~~كانت الحنطة سواء وقد احتاج إلى الخلط فلا بأس PageV30P141 ### |||| وسئل رحمه الله # عن جندي له أرض خالية فقال له فلاح أنا أزرع لك هذه الأرض والثلثان لي ~~والثلث لك على ان يقوم للجندي بالثلث المذكور بخراج معين وشرط له ذلك ثم إن ~~الجندي أعطى الفلاح المذكور وسق بزر كتان يزرعه في تلك الأرض المذكورة ~~وتوفي الجندي قبل إدراك المغل فاستولى الفلاح على جميع الزرع ومنع الورثة ~~المبلغ المعين فهل له ذلك والشرط بغير مكتوب ### ||||| فأجاب # ما يستحقه الجندي من خراج أو مقاسمة أو غير ذلك فإنه ينتقل إلى ~~ورثته وسواء كان الشرط بمكتوب أو غير مكتوب ومتى شهد شاهد عدل أو مزكى وحلف ~~المدعي مع ms8714 الشاهد حكم له بذلك PageV30P142 ### |||| وسئل # عن رجل لم يكن فلاحا ولا له عادة بزرع فهل يجوز لأحد ان يزارعه من غير ~~اختياره أم لا ### ||||| فأجاب # ليس لأحد أن يكرهه على فلاحة لم تجب عليه فإن ذلك ظلم والله تعالى ~~يقول فيما رواه عنه رسوله ( يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم ~~محرما فلا تظالموا ( بل مثل هذا لا يجوز إكراهه لا في الشريعة المطهرة ولا ~~في العادة السلطانية ### |||| وسئل # عمن يزرع في أرض مشتركة بغير اذن الشركاء ولا أعلمهم ### ||||| فأجاب # إذا كانت العادة جارية بأن من يزرع فيها يكون له نصيب معلوم ولرب ~~الأرض نصيب فإنه يجعل ما زرعه في مقدار انصباء شركائه مقاسمة بينهم على ~~الوجه المعتاد والله أعلم PageV30P143 والله أعلم ### |||| وسئل # عمن زارع بعض الشركاء في الأرض المشاعة في قدر حقه اذا امتنع الآخرون من ~~الزرع ### ||||| فأجاب # اذا امتنع بعض الشركاء عن الإنفاق الذي يحتاج إليه الزرع جاز ~~لبعضهم أن يزرع في مقدار نصيبه ويختص بما زرعه في قدر نصيبه والله أعلم ### |||| وسئل # عن أرض مشتركة بين اثنين طلب أحدهما من الآخر أن يزرع معه فإذن ثم تغيب ~~فزرع الأول في أقل من حقه فطلب الأول أجرته ### ||||| فأجاب # اذا طلب أحد الشريكين من الآخر ان يزرع معه أو يهايئه وامتنع الآخر ~~من ذلك فللأول ان يزرع في مقدار حقه ولا اجرة عليه في ذلك للشريك لانه تارك ~~لما وجب عليه والأول PageV30P144 مستوفي لما هو حقه وهو نظير ان يكون ~~بينهما دار فيها بنيان فيسكن فيها أحدهما عند امتناع الأول مما وجب عليه ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة دفعت إلى إنسان مبلغ دراهم ليزرع شركة وقد ذكر أنه زرع ثم بعد ~~ذلك دفع إليها اربعين وذكر انه من الكسب ورأس المال باق ثم دفع لها خمسين ~~درهما وقال هذا من جملة مالك وبقى من الدراهم مائة خارجا عن الكسب فطلبتها ~~منه فقال الأربعون من جملة المائة ولم يبق لك سوى ستين فهل لها ان تأخذ ~~المبلغ وما ms8715 تكسب شيئا ### ||||| فأجاب # اذا دفعت إليه المال مضاربة واعطاها شيئا وقال هذا من الربح كان ~~لها المطالبة بعد هذا برأس المال ولم يقبل قوله ان تلك الزيادة كانت من رأس ~~المال والله أعلم PageV30P145 ### |||| وسئل رحمه الله # عن قرية وقف على جهتين مشاعة بينهما فصرف العامل على أحد الجهتين إلى ~~فلاحيها قدرا معلوما من القمح وغيره برسم الزراعة فزرعه الفلاحون في الأرض ~~المشتركة ولم يصرفوا بجهة أخرى شيئا وقد طلب أرباب الجهة الأخرى مشاركتهم ~~فيما حصل من البذر الذي صرفه العامل إلى الفلاحين فهل لهم ذلك أم لا وهل ~~القول قول العامل فيما صرفه وادعى أنه مختص بإحدى الجهتين أم لا واذا اختص ~~الريع بأحد الجهتين هل يجو ز لاحد منازعتهم أم لا ### ||||| فأجاب # ليس لأرباب الجهة الأخرى مشار كة أرباب البذر كما يشاركونهم لو ~~بذروا لكن اذا لم يمكن الفلاحين البذر وحده لشيوع الأرض وامتناع الشركاء من ~~المقاسمة والمعاونة فالزرع كله لرب البذر إذا زرع في قدر ملكه المشاع وإن ~~جعل ما زرع في نصيب التارك مزارعة من أرباب البذر بالمبذور من الآخر من ~~الأرض والعمل للعامل ويقسم الزرع بينهم كما لو اشتركا في هذا على ما جرى به ~~العرف في مثل ذلك اذ العامل ليس بغاصب بل مأذون له عرفا في الازدراع ~~PageV30P146 ### |||| وسئل # عن رجل شارك في قطعة ارض ليزرعها فاخر تحضيرها عن وقت استحقاقه تفريط منه ~~فنقصت بسبب ذلك مقدار النصف فهل للشريك النقص بسبب ما فرط ### ||||| فأجاب # اذا كان الشريك قد فرط في مال شريكه مثل ان يبذره في غير الوقت ~~الذي يبذر مثله أو في ارض ليست على الوصف الذي اتفقا عليه ونحو ذلك كان من ~~ضمان شريكه وأقل ما عليه مثل رأس المال والله أعلم ### |||| وسئل # عن عامل لرب الأرض فيها حب من العام الماضي يسمى الزريع عامله على سقيه ~~على ان يكون الثلث بينهما ### ||||| فأجاب # إن هذه معاملة صحيحة ويستحق العامل ما شرط له إذا كان المقصود حصول ~~الزرع بعمله سواء كان العمل قليلا ms8716 أو كثيرا والله أعلم PageV30P147 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن له في الأرض فلاحة لم ينتفع بها ### ||||| فأجاب # له قيمتها بعد الفسخ حتى يحكم بلزومها أو عدمه وليس كعامل المساقاة ~~لعدم الجامع بينهما والفرق ان المعقود عليه في المساقاة الثمرة وهى معدومة ~~لا العمل فإذا اعرض عن المعقود قبل وجوده لم يستحق منه شيئا وبهذا صرح ~~الأصحاب بأنه بعد وجود الثمرة على استحقاق نصيبه فيها ويلزمه تمام العمل ~~وفى الشركة المعقود عليه المال والعمل فالمال لا بد من وجوده والعمل ان وجد ~~بعضه استحق مع الفساد ولفسخ مؤجر أجرة عمله PageV30P148 ### |||| وسئل # عن رجل يزرع من كسبه على بقرة بأرض السلطان أو بأرض مقطع ويدفع العشر على ~~الذي له والذي للمقطع فهل يحل له ان يسرق من وراء المقطع شيئا أم لا ### ||||| فأجاب # اذا كان الفلاح مزارعا مثل ان يعمل بالثلث أو الربع أو النصف فليس ~~عليه ان يعشر الا نصيبه واما نصيب المقطع فعشره عليه # ومن قال إن العشر جميعه على الفلاح والمقطع يستحق نصيبه من الزرع فقد ~~خالف إجماع المسلمين ولكن للعلماء في المزارعة قولان # أحدهما انها باطلة وان الزرع جميعه لصاحب البذر وعليه العشر جميعه ولرب ~~الأرض قيمة الأرض فمن كان من المقطعين يرى العشر كله على الفلاح فتمام قوله ~~ان يعطيه الزرع كله ويطالبه بقيمة الأرض # والقول الثاني وهو الصحيح الذى مضت به سنة رسول الله PageV30P149 وسنة ~~خلفائه الراشدين وعليه العمل ان المزارعة صحيحه فعلى هذا يكون للمقطع نصيبه ~~وعليه زكاة نصيبه وللفلاح نصيبه وعليه زكاته فإذا كانوا يلزمون الفلاح ~~بالعشر الواجب على الجندي فيؤدي العشر على الجندي من مال الجندي كما يظهر ~~ذلك فإن هذا حق بين لانزاع فيه بين العلماء ليس حقا خفيا ولايمكن الجندي ~~جحده كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لهند ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ~~( فإن وجوب النفقة للزوجة وللولد حق ظاهر لايمكن أبا سفيان جحده # وهذا مثل قوله ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ( وفى رواية ( ~~إن لنا جيرانا ms8717 لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها فإذا قدرنا لهم على ~~شيء أفنأخذه فقال أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ( لأن الحق هنا ~~خفى لايفوته الظلم فإذا أخذ شيئا من غير استحقاق ظاهر كان خيانة والله ~~سبحانه أعلم PageV30P150 ### ||| 2 باب الإجارة 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله # عن رجل أجر رجلا أرضا فيها شجر مثمر بأجرة معلومة مدة معلومة وبياضا لا ~~تساوى الأجرة وانما الأجرة بعضها يوازى البياض وبعضها في مقابلة الثمرة ~~وكتبا كتاب الإجارة بعقد الإجارة على الأرض مساقاة على الشجر المثمر فهل ~~يصح ذلك أم لا واذا صح فهل يدخل اشجار الجوز المثمر مع كونه مثمرا جميع ما ~~له ثمرة فهل للمؤجر ان يخصص البعض دون البعض مع كونه مثمرا أم لا وهل اذا ~~كان عقد المساقاة بجزء من الثمرة مما تعم به البلوى ورأى بعض الحكام جوازه ~~فهل لغيره من الحكام إبطاله أم لا ### ||||| فأجاب # ضمان البساتين التى فيها ارض وشجر عدة سنين هو الصحيح الذي اختاره ~~بن عقيل وغيره وثبت عن امير المؤمنين عمر بن الخطاب انه ضمن حديقة لأسيد بن ~~الحضير بعد موته ثلاث سنين ووفى بالضمان دينه وهذه كثيرة لا تحتمل الفتيا ~~تقريرها PageV30P151 فهذه الضمانات التى لبساتين دمشق الشتوية التى فيها ~~أرض وشجر ضمانات صحيحة وإن كان قد كتب في المكتوب إجارة الأرض والمساقاة ~~على الشجر فالمقصود الذي اتفقا عليه هو الضمان المذكور والعبرة في العقود ~~بالشروط التى اتفق عليها المتعاقدان والمقاصد معتبرة # فإذا العقد الذي نهى عنه النبي من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها هو بيع ~~الثمر المجرد كما تباع الكروم في دمشق بحيث يكون السعي والعمل على البائع ~~والضمانات شبيهة بالمؤاجرات ### |||| وسئل # عمن اجر بياضا مبلغها اربعة اسهم من مزرعة البستان والمقصبة المستديرة ~~فهل يجوز إيجاره المقصبة في إيجار بياض الأرض لحصته المذكورة ### ||||| فأجاب # يجوز إجارة منبت القصب ليزرع فيها المستأجر قصبا وكذلك اجارة ~~المقصبة ليقوم عليها المستأجر ويسقيها فمنبت العروق التى فيها بمنزلة من ~~يسقى ms8718 الأرض لينبت له فيها الكلأ بلا بذر PageV30P152 ### |||| وسئل # عن رجل سجل ارضا ليزرعها اول سنة كتانا وثاني سنة فولا فقصد المؤجر ان ~~يأخذ زائدا كونه زرعها كتانا فما يجب عليه ### ||||| فأجاب # ان استأجرها على ان يزرع فيها نوعا من الحبوب لم يكن له ان يزرع ما ~~هو اشد ضررا واذا زرع ما هو اشد ضررا كان للمؤجر مطالبته بالقيمة وإن ~~استأجرها ليزرع فيها ما شاء فله ذلك ولا شيء على المستأجر اذا زرع فيها ما ~~شاء والله أعلم 153 ### |||| وسئل # عن رجل استأجر أرض بستان وساقاه على الشجر ثم إن الآخر قطع بعض الشجر ~~الذى يثمر فهل يجوز له ان يقطعها قبل فراغ الإجارة وهل يلزم قيمة ثمرتها ~~للمستأجر ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا قطعها نقص من العوض المستحق بقدر ما نقص من المنفعة ~~التى يستحقها المستأجر وهذا وان كان في اللفظ إجارة PageV30P153 الأرض ~~ومساقاة الشجر فهو في المعنى المقصود عوض عن الجميع فان المستأجر لم يبذل ~~العوض إلا ليحصل له مع زرع الأرض ثمر الشجر وقد تنازع العلماء في صحة هذا ~~العقد وسواء قيل بصحته أو فساده فما ذهب من الشجر ذهب مايقابله من العوض ~~سواء كان بقطع المالك أو بغير قطعه والله أعلم 154 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن استأجر أرض بستان من مشارف الأجناس مدة ثم توفي المستأجر وخلف اولادا ~~والأجرة مقسطة في كل سنة عشرون درهما وقد طلب من أولاد المستأجر المتوفى ~~تعجيل الأجرة بكمالها فهل يلزم الأولاد جميع الأجارة أو يأخذ منهم على ~~أقساطها في كل سنة ### ||||| فأجاب # لايجب على أولاده تعجيل جميع الأجرة والحال هذه لكن اذا لم يثق أهل ~~الأرض بذمتهم فلهم ان يطالبوهم بمن يضمن لهم الأجرة في أقساطها # وهذا على قول من يقول ان الدين المؤجل لايحل بموت من هو عليه ظاهر وأما ~~على قول من يقول إنه يحل عليه وكذلك هنا على PageV30P154 الصحيح من قولي ~~العلماء لأن الوارث الذى ورث المنفعة عليه أجرة تلك المنفعة التى استوفاها ~~بحيث لو كان على الميت ms8719 ديون لم يكن للوارث ان يختص بمنفعة ويزاحم أهل ~~الديون بالأجرة بناء على أنها من الديون التى على الميت كما لو كان الدين ~~ثمن مبيع نافذ بمنزلة ان تنتقل المنفعة إلى مشتر أو متهب مثل ان يبيع الأرض ~~أو يهبها أو يورث فإن الأرض من حين الإنتقال تلزم المشتري والمتهب والولد ~~في أصح قولي العلماء كما عليه عمل المسلمين فإنهم يطالبون المشترى والوارث ~~بالحكر قسطا لايطالبون الحكر جميعه من البائع أو تركة الميت وذلك لأن ~~المنافع لاتستقر الأجرة الا باستيفائها فلو تلفت المنافع قبل الاستيفاء ~~سقطت الأجرة بالإتفاق # ولهذا كان مذهب أبى حنيفة وغيره ان الأجرة لايملك بالعقد بل بالإستيفاء ~~ولا يملك المطالبة إلا شيئا فشيئا ولهذا قال إن الإجارة تنفسخ بالموت ~~والشافعى وأحمد وان قالا تملك بالعقد وتملك المطالبة إذا سلم العين فلا ~~نزاع انها لاتجب الا باستيفاء المنفعة ولا نزاع في سقوطها بتلف المنافع قبل ~~الإستيفاء # ولا نزاع انها إذا كانت مؤجلة لم تطلب إلا عند محل الأجل فإذا خلف الوارث ~~ضامنا وتعجل الأجل الذى لم يجب الا مؤخرا مع تأخير استيفاء حقه من المنفعة ~~كان هذا ظلما له مخالفا للعدل الذي هو PageV30P155 مبنى المعاوضة وإذا لم ~~يرض الوارث بأن تجب عليه الأجرة وقال المؤجر أنا ما اسلم إليك المنفعة ~~لتستوفى حقك منها فأوجبنا عليه أداء الأجرة حالة من التركة مع تأخر المنفعة ~~تبين ما في ذلك من الحيف عليه # وأما إذا كان المؤجر وقفا ونحوه فهنا ليس للناظر تعجيل الأجرة كلها بل لو ~~شرط ذلك لم تجز لأن المنافع المستقبلة إذا لم يملكها وانما يملك أجرتها ما ~~يحدث في المستقبل فإذا تعجلت من غير حاجة إلى عمارة كان ذلك أخذا لما لم ~~يستحقه الموقوف عليه الآن ### ||||| وأجاب # لا يلزم تعجيل الأجرة في أصح قولي العلماء لاسيما إذا كان المستأجر ~~حبسا فإن تعجيل الأجرة في الحبس لايجوز إلا لعمارة ونحوها لأن منافع الحبس ~~يستحقها الموقوف عليه طبقة بعد طبقة وكل قوم يستحقون أجرة المنافع الحادثة ~~في زمانهم فإن ms8720 تسلفوا منفعة المستقبل كانوا قد أخذوا عوض مالم يستحقوه من ~~الوقف وهذا لايجوز لكن إذا طلب أهل المال من ورثة المستأجر ضمينا بالأجرة ~~فلهم ذلك ويبقى المال في ذمة الورثة مع ضامن خبير لأهل الوقف من يسكنه مع ~~أنه لو لم يكن وقفا لم يحل بموت المدين # وكذلك على قول من يقول بحلوله في أظهر قوليهم إذ يفرقون بين الإجارة ~~وغيرها كما يفرقون في الأرض المحتكرة إذا بيعت أو PageV30P156 ورثت فإن ~~الحكر يكون على المشتري والوارث وليس لهم أخذه من البائع وتركة الميت في ~~أظهر قوليهم ### |||| وسئل # عن رجل استأجر بستانا مدة عشر سنين وقام بقبض مبلغ الأجرة ثم توفي ~~لانقضاء خمس سنين من المدة وبقي في الإجارة خمس سنين وله ورثة واقاموا ورثة ~~المتوفى بعد مدة سنة من وفاته فهل يجوز للمالك فسخ الإجارة على الأيتام أم ~~لا ### ||||| فأجاب # ليس للمؤجر فسخ الإجارة بمجرد موت المستأجر عند جماهير العلماء لكن ~~منهم من قال ان الأجرة على المستأجر تحل بموته وتستوفى من تركته فإن لم يكن ~~له تركه فله فسخ الإجارة ومنهم من يقول لا تحل الأجرة اذا وثق الورثة برهن ~~أو ضمين يحفظ الأجرة بل يوفونه كما كان يوفيها الميت وهذا اظهر القولين ~~والله أعلم PageV30P157 ### |||| وسئل رحمه الله # عن أقوام ساكنين بقرية من قرى الفيوم والقرية قريبة من الجبل يرى فيها ~~بعض السنين النصف فلما كان في هذه السنة كتب على المشايخ إجارة البلدى مدة ~~ثلاث سنين قبل خلو الأرض من الإجارة الماضية وقبل فراغ الأرض من الزرع فهل ~~تصح هذه الإجارة ### ||||| فأجاب # أما إذا كانوا مكرهين على الإجارة بغير حق لم تصح الإجارة ولم تلزم ~~بلا نزاع بين الأئمة # وأما لو كانوا استأجروها مختارين أو مكرهين بحق وكانت حين الإجارة في ~~إجارة آخرين فهذه تسمى الإجارة المضافة كما عليه المسلمون في غالب الأعصار ~~والأمصار إذ لا محذور فيها يبطل الإجارة كعقد البيع فلا فرق بين ان تكون ~~المنفعة على العقد أولا تكون # وكون المستأجر لايقبض عقيب العقد لايضر ms8721 فإن القبض يتبع موجب العقد ~~ومقتضاه فإن اقتضى القبض عقيبه وجب قبضه عقيبه وإن اقتضى تأخر القبض وجب ~~القبض حين أوجبه العقد إذ المقبوض PageV30P158 في العقد ليس مما أوجبه ~~الشارع على صفة معينة بل المرجع في ذلك إلى ما أوجبا في العقد ولهذا لو باع ~~نخلا لم تؤبر كان الثمر للبائع عند مالك والشافعي والإمام أحمد كما دلت ~~عليه السنة وكان للبائع أن يدخل لأجل ثمره وإن كان ذلك ينافى القبض التام ~~فلو باع أمة مزوجة كانت منفعة البضع على ملك الزوج لم تدخل فيما يقبضه ~~المشتري لنفسه باتفاق الأئمة الأربعة وكذلك العين المؤجرة عند أكثر العلماء ~~فلهذا صح عند طوائف منهم استيفاء منفعة العين في البيع والهبة والوقف ~~والعتق وغير ذلك كما اقتضى حديث كما هو مذهب مالك وأحمد # ولهذا لو اقبض العين المؤجرة كانت في المنفعة مع خراج تصرف المستأجر فيها ~~باقية على ضمان المؤجر فلو تلفت بآفة سماوية كانت من ضمانه باتفاق المسلمين # وكذلك يقول مالك واحمد وغيرهما في بيع الثمار اذا اصابتها جائحة وبالجملة ~~فلا يحرم من العقود الا ما حرمه نص أو اجماع أو قياس في معنى ما دل على ~~النص أو الإجماع فكل ذلك منتف في الإجارة المضافة واذا استأجر الأرض وفيها ~~زرع للغير فانه يبقى لصاحبه بأجرة المثل كما تبقى لو لم يؤجر الأرض والله ~~أعلم PageV30P159 ### |||| وسئل # عن رجل استأجر حانوتا وقد جاء إنسان زاد عليه في الحوانيت فقدمه فهل تفسخ ~~إجارة المستأجر الحانوت الواحد أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا استأجرها من المالك أو وكيله أو وليه لم يكن لأحد أن ~~يقبل عليه زيادة ولا يخرجه قبل انقضاء مدته وان لم يكن بينهما كتاب ولا ~~شهود بل من قال اذهب اكتب عليك اجارة فاشهد عليه المستأجر بالأجارة ومكنه ~~المؤجر من السكنى فهذه إجارة لازمة والله أعلم 160 ### |||| وسئل # عن رجل زاد على قوم في بيت ليسكن فيه فهل يأثم بذلك وهل يجب تعزيره على ~~ذلك ### ||||| فأجاب # قد ثبت في الصحيحين عن النبى ms8722 أنه قال ( لايحل لمسلم ان يسوم على ~~سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه ( فإذا PageV30P160 كان المؤجر قد ركن إلى ~~شخص ليؤجره لم يجز لغيره الزيادة عليه فكيف إذا كان ساكنا في المكان مستمرا ~~فمن فعل ذلك استحق التعزير والله أعلم 161 ### |||| وسئل # عن رجل استأجر دارا بجواره رجل سوء فراح المستأجر إلى المؤجر وقال له ما ~~أرتضى به ان يكون جوارى اما ان تنقله أو تعطينى أجرتى فقال له انا انقله في ~~هذا النهار فحلف المستأجر بالطلاق الثلاث متى لم ينتقل الجار في هذا النهار ~~والا ما أسكن الدار فلم ينقل المستأجر من الدار فطلب الاجارة فلم يعطه ~~الإجارة ### ||||| فأجاب # إذا كان الأمر على ما ذكر فمثل هذا عيب في العقار وإذا لم يعلم به ~~المستأجر حال العقد فله ان يفسخ الإجارة ولا أجرة عليه من حين الفسخ والله ~~أعلم PageV30P161 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له ملك يستحق كراه خمسة دراهم يعطى المكترين دراهم تقوية ويزيدون ~~في الكرى هل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # اذا اقرضه عشرة على ان يكترى منه حانوته بأجرة اكثر من المثل لم ~~يجز هذا باتفاق المسلمين بل لو قرر بينهما من غير شرط كان ذلك باطلا منهيا ~~عنه عند أكثر العلماء كماثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم انه ~~قال ( لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس ~~عندك ( قال الترمذى حديث صحيح # فنهى صلى الله عليه وسلم ان يبيعه ويقرضه لأنه يحابيه في البيع لأجل ~~القرض فكيف اذا شارطه مع القرض ان يستأجر ويحابيه وليس عنده وإن كان الغريم ~~معسرا انظر إلى ميسرة قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون واتقوا ms8723 يوما ترجعون فيه ~~إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون @QE@ PageV30P162 ### |||| وسئل # عن جندي له إقطاع فألزمه إنسان ان يؤجره فآجره على سبيل الغصب بمائتى ~~درهم ثم اظهر أنه يساوي أربعة آلاف درهم فهل يصح هذا الإيجار أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كان قد أكرهه بغير حق على الإجارة لم يصح وان كان قد ~~دلس عليه فله فسخ الإجارة والله أعلم ### |||| وسئل # عمن جبى لإنسان دراهم كل الف بستة دراهم وعرف الناس وعادتهم اثنا عشر ~~درهما وقد غرم فيها بجبايتها وهومغرور بالشرط ### ||||| فأجاب # اذا كان المستأجر قد دلس على المؤجر وغره حتى استأجر بدون قيمة ~~المثل مما لا يتغابن الناس بمثله فله ان يطالبه بأجرة المثل PageV30P163 ### |||| وسئل # عن رجل اجر رجلا عقارا مدة وفى اواخر المدة زاد رجل في اجرتها فأجره ~~فعارضه المستأجر الأول وقال هذه في إجارتى هل له ذلك ### ||||| فأجاب # اذا كان قد اجر المدة التى تكون بعد إجارة الأول لم يكن للأول ~~اعتراض عليه في ذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له حوانيت وبها أقوام ساكنون من غير إجارة من المالك وفى هذا ~~الوقت زاد اقوام على الساكنين بالحوانيت زيادة متضاعفة فهل يجوز للمالك ~~إجارتهم وقبول الزيادة ### ||||| فأجاب # ان كانوا غاصبين ظالمين قد سكنوا المكان بغير اذن المالك فإخراج ~~مثل هؤلاء لايحتاج إلى زيادة بل يجب عليهم ان يخرجوا قبل حصول الزيادة ~~وللمالك ان يخرجهم قبل الزيادة ولا PageV30P164 يحل للمالك ان يطالبهم ~~بأجرة مسماة بل انما عليهم اجرة المثل # وإن كان المؤجر ناظر وقف أو يتيم كان بإقراره لهم مع إمكان إخراجهم ظالما ~~معتديا وذلك يقدح في عدالته وولايته 165 # وأما ان سكنوا على الوجه الذى جرت به العادة في سكنى المستأجرين مثل أن ~~يجيء إلى المالك فيقول أجرني المكان الفلاني بكذا فيقول اذهب فأشهد عليك ~~ويشهد على نفسه المستأجر دون المؤجر ويسلم إليه المكان وإذا أراد الساكن ان ~~يخرج لم يمكنه صاحب المكان فهذه إجارة شرعية ومن قال إن هذه ms8724 ليست إجارة ~~شرعيه وليس للساكن ان يخرج إلا بإذن المالك والمالك يخرجه متى شاء فقد خالف ~~إجماع المسلمين فإن الإجارة إن كانت شرعية فهي لازمة من الطرفين وإن كانت ~~باطلة فهي باطلة من الطرفين ومن جعلها لازمة من جانب المستأجر جائزة من ~~جانب المؤجر فقد خالف إجماع المسلمين # ومتى كان المؤجر ناظر وقف أو مال يتيم يسلمه إلى الساكن وأمره أن يكتب ~~عليه إجارة وطالبه بمكتوب الإجارة والأجرة المسماة وقال مع هذا 165 إنى لم ~~أوجره إجارة شرعية كان ذلك قادحا في عدالته وولايته فإن الفقهاء لهم في ~~الإجارة الشرعية قولان أحدهما 166 PageV30P165 # أنها تنعقد بما يعده الناس إجارة حتى لو دفع طعامه إلى طباخ يطبخ بالأجرة ~~أو ثيابه إلى غسال يغسل بالأجرة أو نساج أو خياط أو نحوهم من الصناع الذين ~~جرت عادتهم انهم يصنعون بالأجرة يستحقون أجرة المثل وكذلك لو دخل حماما أو ~~ركب سفينة أو دابة كما جرت العادة بالركوب على الدواب والمراكب المعدة ~~للكرى فإنه يستحق أجرة المثل فكيف إذا قال أجرنى بكذا فقال اذهب فاكتب ~~إجارة فكتبها وسلم إليه المكان فهذه إجارة شرعية عند هؤلاء وهذا قول أكثر ~~الفقهاء كمالك وأبى حنيفة والإمام أحمد وغيرهم # والقول الثاني أنه لابد من الصفة في ذلك كما قيل مثل ذلك في البيع كما ~~يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعى فمن كان يعتقد هذا فعليه ان لايوجب ~~أجرا إلا على هذا الوجه فمن اعتقد ان الأجرة لاتصح إلا على هذا الوجه وأجره ~~على الوجه المعتاد وسلم المكان وطالب بالأجرة المسماة ثم عند الزيادة يدعى ~~عدم الاجارة لم يقبل منه فإن هذا ظلم فإنه اذا التزم مذهبا كان عليه ان ~~يلتزمه له وعليه واما ان يكون عند الذى له يعتقد صحة الإجارة وعند الذى ~~عليه يعتقد فسادها فهذا غير مقبول ولا سائغ بإجماع المسلمين ومن أصر على ~~مثل ذلك فهو ظالم باتفاق المسلمين بل هو فاسق مردود الشهادة والولاية ~~PageV30P166 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل مستأجر ارضا بجواره فلما سافر ms8725 اشترى إنسان الدار التى بجوار الأرض ~~الذى هو مستأجرها فبناها وأدخلها في داره فما يجب ### ||||| فأجاب # ليس له أن يستولي على الأرض المستأجرة مع غيرها ولا يدخلها في داره ~~بل هو بذلك غاصب ظالم والمستأجر بالخيار بين ان يفسخ الإجارة بهذا السبب ~~وتسقط عنه الأجرة وبين أن يمضى في الاجارة ويطالب الغاصب بأجرة ما انتفع به ~~من الأرض وهو مخير بين أن يبقى بناؤه فيها وبين ان ينزله إن كان مما دخل في ~~عقد إجارته فإن لم يدخل في عقد إجارته لم يتصرف فيها إلا بإذن المالك والله ~~أعلم PageV30P167 ### |||| وسئل # عن رجل وكل رجلا على أنه يستأجر له ويؤجر عنه ويبيع عنه ويبتاع له ~~فاستأجر لموكله حصة بقرية مدة معلومة إجارة صحيحة لازمة فقايله مدة الإيجار ~~من غير ان يكون الموكل وكله في المقايلة فهل هذه المقايلة صحيحه وهل ~~الإيجار باق على أصله الصحيح يستحقه للموكل ويستحق المؤجر الإجارة والحال ~~هذه ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا تعذر استيفاء المستأجر الأجرة التى يستحقها فله فسخ ~~الإجارة كما إذا تعذر استيفاء المشترى الثمن إذا طلب الفسخ والحال هذه ~~وإجارة المستأجر للوكيل قد كان فعل ما وجب عليه وليس هذا من المقايلة ~~الجائزة التى تفتقر إلى إذن الموكل والله أعلم PageV30P168 ### |||| وسئل # عن جماعة بيدهم إقطاع وفى الإقطاع أرض عاطلة وأذنوا لشخص أن يؤجرها ~~فأجرها مدة ثلاثين سنة ولم يشاور الوكيل المقطعين على الثلاثين سنة فهل ~~تجوز هذه الإجارة أم لا ### ||||| فأجاب # لا تصح هذه الإجارة الا إذا كانت باذن المقطعين أو ما يقتضي الإذن ~~فيها فأما مجرد الإذن في الإجارة مطلقا الذي يقتضي في العرف سنة أو سنتين ~~أو نحو ذلك فلايفهم منه الإذن في هذه المدة الطويلة فلا تصح الإجارة بمجرده ~~169 ### |||| وسئل # عن رجل بيده إقطاع يشهد به منشوره وانه ضمن بعض نواحي الإقطاع لمن يزرعها ~~وينتفع بها مدة معينة ثم انتقل الإقطاع الذى بيده إلى غيره فهل يصح الإيجار ~~الأول وهل اذا صح يصح الإيجار على المقطع الثانى أو يفسخ وهل ms8726 للمقطع ان ~~يمنع المؤجرين الإنتفاع PageV30P169 ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم يصح الإيجار الأول لكن ( إن شاء ) المقطع الثانى ~~أمضاه بل من حين اقطعها صارت له فإن شاء اجرها لذلك المستأجر وإن شاء لم ~~يؤجره فإن كان للمستأجر فيها زرع ابقاه بأجرة المثل إلى حين كماله وان لم ~~يكن فيها لا عين ولا منفعة فلا شيء له ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له إقطاع فحضر إليه شخص وطلب إيجار الطين منه فأجره طينة للشخص ~~المذكور من غير ان يكشف طينة وسأل عنه وكان المستأجر ذكر للآخر ان لم تؤجر ~~طينك وإلا يبور فخشي الجندي من بوران الطين فأجره من غير ان يكشف ثم حضر ~~شخص آخر من اهل الناحية وعرف الجندي ان المستأجر استأجر طينك بدون القيمة ~~فإن الشركة طينهم مسجل بأكثر من هذه القيمة فهل يجوز للجندى ان يفسخ ~~الإجارة المكتبية ويؤجر لغيره بقيمته سنة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا كان المستأجر قد دلس على المؤجر مثل أن يكون قد ~~اخبره عنه بما ينقص قيمته ولم يكن الأمر كذلك فللمؤجر فسخ الإجارة ~~PageV30P170 وكذلك ان اخبره بأنه ليس هناك من يستأجره وكان له هناك طلاب ~~وامثال ذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن جندى استأجر طينا من امير وانتقل عن الإقطاع واختار المستأجر الفسخ عن ~~الإجارة وجاء الأمير المستجد وطلب منه التحضير فهل يلزمه ذلك ### ||||| فأجاب # اذا انتقل الاقطاع إلى آخر انفسخت الإجارة من حين انتقاله فإن ~~المنفعة الحادثة بعد ذلك لم تكن ملكا للأول ولا للثاني # والمقطع ان شاء يؤجر وان شاء لا يؤجر والمستأجر إن شاء استأجر منه وإن ~~شاء ان لا يستأجر منه ليس لواحد منهما إلزام الآخر لا بإجارة ولا له إلزامه ~~بتحضير PageV30P171 ### |||| وسئل # عن رجل استأجر ارضا ثم حدثت مظلمة على البلد وطلبوا منه ان يغرم في ~~المظلمة فهل يلزم المستأجر شيء أم لا ### ||||| فأجاب # المظالم لا تلزم هذا ولا هذا لكن اذا وضعت على الزرع اخذت من رب ~~الزرع وان وضعت على العقار اخذت من ms8727 العقار اذا لم يشترط على المستأجر فإذا ~~كان ما اشترط لم يدخل فيما اشترط على المستأجر وقد وضع على العقار دون ~~الزرع اخذت من رب الأرض وإن وضع على الزرع أخذ من المستأجر وإن وضع مطلقا ~~رجع في ذلك إلى العادة في مثله ### |||| وسئل رضى الله عنه # عن امير دخل على بلد وهى مستأجرة لشيخها وبعض الأرض مشغولة بزراعة اقصاب ~~والأقصاب مستمرة في عقد إيجار المستأجر من قبل دخول الأمير على الإقطاع ~~والى حين انفصاله فهل إذا PageV30P172 كانت أرض الأقصاب مستمرة في عقد ~~ايجار المستأجر قبل الدخول والى حين الخروج يبطل حكم الإيجار أو يستمر حكمه ### ||||| فأجاب # ايجار المقطع للأرض يصح وله أن يؤجرها لمن يزدرعها قصبا وغير قصب ~~وكذلك للمستأجر منه ان يؤجرها لغيره بحكم ما استأجرها # وإذا مات ذلك المقطع أو اقطع اقطاعه فالمقطع الثانى لا يلزمه إجارة الأول ~~وليس له ان يقلع ما للمستأجر فيها من الزرع والقصب مجانا بل هو مخير ان شاء ~~ان يبقي زرعه وقصبه بأجرة مستأنفة بمثل الأجرة الأولى أو اقل أو اكثر كما ~~يتراضيان به لكن ليس له ان يلزم المستأجر بأكثر من اجرة المثل # وإذا استأجرها صاحب القصب والزرع صحت الإجارة فإنه يتمكن من الإنتفاع بها ~~ولو استأجرها غيره جاز على الصحيح وقام غيره فيها مقام المؤجر إن شاء أن ~~يبقى زرعه وقصبه بأجرة المثل وإن شاء ان يؤجره إياها برضاه والله أعلم ~~PageV30P173 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن له قيراط في بلد فأجره لشخص بمائة إردب وستين إردبا بناقص عن الغير ~~بثمانين إردبا وذلك قبل ان يشمله الري فهل تصح الإجارة قبل شمول الري وهل ~~له ان يطلب القيمة ### ||||| فأجاب # إذا كانت هذه البلاد مما تروى غالبا صحت إجارتها عند عامة الفقهاء ~~قبل أن يروى وإنما النزاع في مذهب الشافعي فظاهر مذهبه جواز إجارة ذلك ~~كمذهب سائر الأئمة وما يوجد في بعض كتبه من إطلاق العقد قد فسره أئمة مذهبه ~~رضى الله عنهم وما زالت أرض مصر تؤجر قبل شمول الري في ms8728 أعصار السلف والأئمة ~~وليس فيهم من انكر بسبب تأخره واذا طلب الزيادة فليس له الا الأجرة المسماة ~~وإن كان غره فذاك شيء آخر ليبينه السائل حتى يجاب عنه PageV30P174 ### |||| وسئل # عن شخص اجر ارضا جارية في اقطاعه مدة ثم إن المستأجر تسلم الأرض وتسلم ~~المؤجر بعض الأجرة واخذ ما دفعه من الأجرة إلى المؤجر وقطع الأجارة ثم إنه ~~ذكر بأنه حرث بعض الأرض فألزم المؤجر بأجرة الحراثة فهل يستحق المؤجر مثل ~~اجرة الحرث بمجرد قول المستأجر أم لا وهل يفسخ المؤجر بغير مستند شرعى ### ||||| فأجاب # اما اذا كان المستأجر فسخ الإجارة بعد استيلائه على الأرض فإن كانا ~~قد تقايلا الإجارة أو فسخها بحق فعليه من الأجرة بقدر ما استولى على الأرض ~~وله قيمة حرثه بالمعروف ### |||| وسئل رحمه الله # عن ناظر وقف أو مال يتيم هل يجوز له أن يسلم المكان من الوقف أو مال ~~اليتيم لمن يسكنه بغير إجارة شرعية واذا اشهد احدا على نفسه أنه استأجر من ~~مباشر الوقف مكانا معينا مدة معينة PageV30P175 بأجرة مسماه وسلم الإجارة ~~للمباشر وتسلم منهم المكان وسكنه مدة وطالبوه بالأجرة المسلمة فهل للناظر ~~ان يجعل هذه الإجارة لازمة من جهة المستأجر غير لازمة من جهة نفسه ونوابه ~~يمنع بها المستأجر من الخروج اذا اراد الخروج ويطالبه بالأجرة المسماة فيها ~~وتقبل عليه الزيادة متى حصلت ممن زاد عليه واذا لم يكن ذلك جائزا واصر ~~الناظر على ذلك هل يكون ذلك قادحا في عدالته وولايته وهل يجب عليه ان يؤجر ~~الوقف أو مال اليتيم اجارة صحيحة أم لا ### ||||| فأجاب # ليس له تسليم الوقف ولا مال اليتيم ولا غيرهما مما يتصرف ( فيه ) ~~بحكم الولاية إلا بإجارة شرعية لا يجوز تسليمه إليه بإجارة فاسدة بل وكذلك ~~الوكيل مع موكله ليس له ان يسلم ما وكل في اجارته الا بإجارة شرعية وليس ~~للناظر ان يجعل الإجارة لازمة من جهة المستأجر جائزة من جهة المؤجر فإن هذا ~~خلاف اجماع المسلمين بل ان كان ممن يعتقد صحة الإجارة والبيع ونحوهما بما ~~جرت ms8729 به العادة كما هو قول الجمهور جاز له ان يسلمه بما هو اجارة في العرف ~~وان كان لا يرى صحة البيع والإجارة ونحوهما الا باللفظ كان عليه ان لا ~~يسلمها الا اذا اجرها كذلك كان عليه ان لا يسلم ما باعه من مال اليتيم ~~وغيره الا اذا باعه بيعا شرعيا # فمن اعتقد جواز بيع المعاطاة سلمه بهذا البيع وهذا هو القول PageV30P176 ~~الذي عليه جمهور الأئمة وعليه عمل المسلمين من عهد نبيهم والى اليوم ومن ~~كان يعتقد انه لا يصح بيع وانه لا بد من الصيغة من الجانبين لم يكن له مع ~~وجود هذا الإعتقاد ان يسلم مال اليتيم الا بعقد صحيح كالإجارة والبيع ~~ونحوهما من العقود التى يجوزها الجمهور بدون اللفظ وبعض العلماء لا يجوزها ~~الا باللفظ يجب فيها على كل من اعتقد ان يعمل بموجب اعتقاده له وعليه ليس ~~لأحد ان يعتقد أحد القولين فيها له والقول الآخر فيها عليه كمن يعتقد انه ~~اذا كان جارا استحق شفعة الجوار واذا كان مشتريا لم يجب عليه شفعة الجار أو ~~اذا كان من الإخوة للأم في المسألة المشركة الحمارية يسقط ولد الأبوين واذا ~~كان هو من الإخوة للأبوين استحق مشاركة ولد الأم واذا كان هو المدعى قضى له ~~برد اليمين واذا كان هو الطالب حكم له بشاهد ويمين وامثال ذلك كثير فليس ~~لأحد ان يعتقد في مسألة نزاع مثل هذا باتفاق المسلمين # فإن مضمون هذا ان يحلل لنفسه ما يحرمه على مثله ويحرم على مثله ما يحلله ~~لنفسه ويوجب على غيره الذى هو مثله ما لا يوجبه على نفسه ويوجب لنفسه على ~~غيره ما لا يوجبه لمثله # ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام بل ومن كل دين ان هذا لا يجوز ومن اعتقد ~~جواز هذا فهو كافر بل من اعتقد صحة PageV30P177 بيع المعاطاة ونحوه من ~~الإجارات التى يعدها اهل العرف بيعا وإجارة اعتقد أن هذا العقد صحيح منه ~~ومن غيره ومن اعتقده باطلا اعتقده منه ومن غيره # فالمؤجر الناظر ان اعتقد أحد ms8730 القولين التزمه له وعليه فإن اعتقد بطلان ~~هذا العقد لم يجز له ان يسلم المؤجر ولا يطالب بالأجرة المسماة ولا ~~المستأجرين من الخروج وكان بمنزلة من سلم العين إلى الغاصب فما تلف تحت يد ~~المستولي كان عليه ضمانه كما لو سلم ماله بعقد فاسد يعتقد هو فساده وان ~~اعتقد صحة هذا العقد كان له تسليم العين والمطالبة بالأجرة المسماة ولم يكن ~~له ان يقبل زيادة على المستأجر ولا يخرجه قبل انقضاء الأجرة من غيرسبب شرعى ~~يوجب الفسخ # ومتى اصر الناظرعلى ان يجعله فاسدا بالنسبة إلى المستأجر صحيحا بالنسبة ~~إليه غير لازم بالنسبة إلى المستأجر فإنه ظالم جائر وذلك قادح في ولايته ~~وعدالته وعليه ان يؤجر ما يؤجره اجارة صحيحة وليس له باتفاق المسلمين ان ~~يؤجر اجارة يعلم انها غير صحيحة والله اعلم PageV30P178 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل عليه حصة وقف وعليه دين لشخص فأجره الضيعة وقاصصه بدينه المذكور ~~عليه ثلاث سنين وهو شرط مذهب الواقف وعليه دين آخر لرجل آخر فاعتقله في حبس ~~السياسة مدة إلى ان هلك من السجن وحلف انه ما يخرجه حتى يضمنه الحصة فما ~~وجد من الحبس والتهديد ضمنه الحصة المذكورة وهو ضامن حصة اخرى فاستولي ~~عليها من اول المدة ومدة الإيجار خمس سنين ومبلغ الدين واحد فهل يعمل ~~بالإيجار الاول التى هي شرط الواقف واغلى قيمة أم بالثانية التى هي كره ~~وإجبار ودون القيمة وغير شرط الواقف واذا كان قد اخذ منها مغلات يرجع على ~~المستأجر الأول أم لا واذا كان قد فرغ مدة الأول لمن يكون ولاية الإيجار ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا كان قد اجره اجارة صحيحة كانت اجارته تلك المدة أو ~~بعضها قبل انقضاء مدة هذه الإجارة إجارة باطلة سواء كانت باختيار المؤجر أو ~~كان قد اكره عليها وكان هذا المستأجر ظالما بوضع يده عليها واستغلالها وكان ~~للمستأجر الاول الخيار بين ان يفسخ PageV30P179 الإجارة وتسقط عنه الأجرة ~~من حين الفسخ وبين ان يضمنها فيؤدى الاجرة ويطالب هذا الظالم بعوض المنفعة ### |||| وسئل # عن دار ms8731 وقف على صغير ورجل بالغ وقد اجرها أبو الواقف بالإكراه والإجبار ~~من رجل له جاه منذ اربعين سنة فهل تصح اجارة الأب على ابنه البالغ وقد رآه ~~مكرها وعليه الترسيم فأراد الابن خلاصه من يد الظالم الذى اكره على الإيجار ~~فأشهد على نفسه بإمضاء الإجارة فهل يصح هذا الإشهاد وهل تصح اجارة اربعين ~~سنة ### ||||| فأجاب # اذا اكره على الإيجار بغير حق أو اكره بغير حق على تنفيذها لم يصح ~~فان المكره بغير حق لا يلزم بيعه ولا اجارته ولا انفاذه باتفاق المسلمين # وأما إجارة الوقف هذه المدة ففيها نزاع بين العلماء كما في مذهب ابى ~~حنيفة والشافعى 181 PageV30P180 ### |||| وسئل رحمه الله # عن ايتام لهم نصيب في ملك فأجره الوصي للشركة مدة ثلاث سنين بدون قيمة ~~المثل فما الحكم ### ||||| فأجاب # الحمد لله متى أجره الوصي بدون أجرة المثل كان ضامنا ~~لما فوته على اليتيم ولم تكن الإجارة لازمة لليتيم بعد رشده بل هي باطلة ~~منفسخة في أحد قولي العلماء وفى الآخر له ان يفسخها # ثم ان كان المستأجر لم يعلم تحريم ما فعله الوصي كان له ان يضمنه ما لم ~~يلتزم ضمانه وإن علم استقر الضمان عليه بل لو أجره بأجرة المثل مثل هذه ~~المدة التى يعلم الوصي أنه يبلغ في أثنائها فأكثر العلماء يجوزون لليتيم ~~الفسخ والله أعلم PageV30P181 ### |||| وسئل # عن رجل استأجر ثم احدث بعد حماما بجانب الدار يحصل من الماء الناموس ~~وزوجته أسقطت من رائحة الدخان فهل يفسخ الإجارة ### ||||| فأجاب # إذا لم يكن المستأجر يعلم بأن هذه الحمام إذا أديرت يحصل من ~~إدارتها الضرر الذى ينقص قيمة المنفعة في العادة فله فسخ الإجارة والقول ~~قوله في عدم العلم مع يمينه والله أعلم ### |||| وسئل # عن اقطاع مسجل تقاوى على المقطع كل فدان بثلاثة أرادب وثلاثة دراهم ~~والبقر من المستأجرين هل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # اذا كانت الضريبة ومؤجرها يؤجرها بها سواء كان الفلاح يقترض أو لم ~~يكن ولم يرد الضريبة لأجل القوة فهذا جائز فإن القرض لم يجر به ms8732 منفعة وإن ~~كان بعض العلماء كره ذلك وجعله من القرض الذى يجر منفعة إذ بالقوة يستأجرها ~~الفلاح لكن هذه منفعة PageV30P182 للاثنين وإذا لم يزد الأجرة لأجل القوة ~~فقد أحسن ولا فرق بين ان يسمى اجارة أو مسجلا فالجميع سواء 183 ### |||| وسئل # عمن استأجر أجيرا يعمل في بستان فترك العمل حتى فسد بعض البستان فهل ~~يستحق الأجرة أو يضمن أم لا ### ||||| فأجاب # لا ريب أنه إذا ترك العمل المشروط عليه لم يستحق الأجرة وإن عمل ~~بعضه أعطى من الأجرة بقدر ما عمل وإذا تلف شيء من المال بسبب تفريطه كان ~~عليه ضمان ما تلف بتفريطه والتفريط هو ترك ما يجب عليه من غير عذر ### |||| وسئل # عن دابة أيما أفضل ينقل الناس بلا أجرة أو يأخذ الأجرة ويتصدق بها ### ||||| فأجاب # إن كانوا فقراء فتركه لهم أفضل وإن كانوا أغنياء وهنالك محتاج ~~فأخذه لأجل المحتاج أفضل PageV30P183 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن أجر أراضى بيت المال لأقوام معينين في إيجار كل واحد في إجارة قدر ~~معلوم بدرهم معلوم وزرعت الأراضى أنشابا وان الأراضى المستأجرة فيها زائد ~~مع المستأجر بخارج عما يشهد به الإيجار فهل يجوز اعتبار الأراضي وإخراج ~~الزائد لبيت المال ### ||||| فأجاب # ما زرعوه زائدا عما يستحقونه بالإجارة فزرعهم بأجرة ~~المثل فمتى استعملوا الزائد كان عليهم اجرة المثل باتفاق المسلمين وإن لم ~~يستعملوه فهل لرب الأرض قلعه بما انفقوه على قولين مشهورين للعلماء # وإن اختار ابقاءه والمطالبة بأجرة المثل فله ذلك بالإتفاق PageV30P184 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن استأجر مكانا من مباشريه مدة معينة بأجرة معينة ولو أراد الإقالة ما ~~أقالوه الا بانقضاء المدة فهل لهم ان يقبلوا عليه زيادة قبل ان تنقضى مدة ~~الإجارة ### ||||| فأجاب # إن كانت صحيحة فهي لازمة من الطرفين باتفاق المسلمين وليس للمؤجر ~~ان يخرج المستأجر لأجل زيادة حصلت عليه والحال هذه ولا يقبل عليه زيادة ~~والحال هذه باتفاق الأئمة # وإن كانت الإجارة فاسدة لم يجز لناظر الوقف ان يمكن المستأجر من تسلم ~~المكان بمثل هذه الإجارة ولا له أن يمنعه من الخروج ms8733 اذا أراد ولا يملك ان ~~يطالبه بالأجرة المسماة في العقد وكان دخول الناظر في مثل ذلك قادحا في ~~عدالته وولايته فإنه يجب عليه باتفاق الأئمة ان لايؤجر المكان الا اجارة ~~صحيحة في الشرع ويجب عليه باتفاق الأئمة إذا اجره كذلك ان لايقبل عليه ~~الزيادة على المستأجر ولا يخرجه لأجلها # وأما الذى زاد على المستأجر فلو زاد عليه بعد ركون المؤجر PageV30P185 ~~إلى إجارته لكان قد سام على سوم أخيه ولو زاد عليه بعد العقد وامكان الفسخ ~~فهو مثل الذى يبيع على بيع أخيه وكلاهما حرام بنص رسول الله وهو مذهب ~~الأئمة الأربعة فكيف إذا زاد عليه مع وجود الإجارة الشرعية فإن هذا الزائد ~~عاص آثم ظالم مستحق للتعزير والعقوبة ومن أعانه على ذلك فقد أعانه على ~~الإثم والعدوان واشهاد المستأجر على نفسه دون إشهاد المؤجر لا أثر له في ~~ذلك فإن العقد لايفتقر إلى إشهاد بل يصح بدون الشهادة # وقول الناظر له أشهد على نفسك مع اشهاد المستأجر هو إجارة شرعيه بل بعد ~~قول الناظر له اشهد على نفسك ليس لأحد ان يزيد عليه وعلى الناظر ان ~~لايؤجرها حتى يغلب على ظنه أنه ليس هناك من يزيد عليه وعليه ان يشهر المكان ~~عند أهل الرغبات الذين جرت العادة باستئجارهم مثل ذلك المكان فإذا فعل ذلك ~~فقد آجره المثل وهى الإجارة الشرعية # فإن حاباه بعض أصدقائه أو بعض من له عنده يد أو غيرهم فأجره بدون أجرة ~~المثل كان ظالما ضامنا لما نقص أهل الوقف من أجرة المثل ولو تغيرت أسعار ~~العقار بعد الإجارة الشرعية لم يملك الفسخ بذلك فان هذا لاينضبط ولا يدخل ~~في التكليف والمنفعة بالنسبة إلى الزمان قد تكون مختلفة لامماثلة فتكون ~~قيمتها في الشتاء PageV30P186 أكثر من قيمتها في الصيف وبالعكس ومن استأجره ~~حولا فإنه يحتمل الزيادة في زمان بعض الكرى لأجل مايحصل من ارتفاعه في ~~الزمان الآخر فليس لأحد ان يزيد عليه من ارتفاع سعر ذلك المكان ولو قدر ان ~~الإجارة انفسخت في بعض الأزمنة لبسطت القيمة في ms8734 مثل ذلك بالقيمة لا بأجزاء ~~الزمان فيقال كم قيمته في وقت الصيف ويقسم الأجرة على وقت القيمة ويحسب لكل ~~زمان من الأجرة بقدر قيمته # والواجب على الناظر ان يفعل مصلحة الوقف في اجارة المكان مسانهة أو ~~مشاهرة أو موايمة فان كانت المصلحة ان يؤجره يوما فيوما وكلما مضى يوم تمكن ~~المستأجر من الإخلاء والمؤجر من أمره به فعل ذلك وإن كانت المصلحة ان يؤجره ~~مشاهرة وعند رأس الشهر يتمكن المستأجر من الاخلاء والمؤجر من امره به فعل ~~ذلك وأما إن كانت المصلحة مسانهة فقد فعل ماعليه وليس له ان يخرجه قبل ~~انقضاء مدة الإجارة لأجل الزيادة وما ذكره بعض متأخري الفقهاء من أصحاب ~~الشافعى والإمام ( أحمد ) من التفريق بين ان تكون الزيادة بقدر الثلث أو ~~أقل فهو قول مبتدع لا أصل له عن أحد من الأئمة لا الشافعى ولا أحمد ولا ~~غيرهما لا في الوقف ولا في غيره PageV30P187 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن استأجر حانوتا من مباشري الأوقاف مدة معينة بأجرة معينة وتسلم ~~الحانوت وانتفع به وقبضوا منه ما استحق لهم من الأجرة ولو أراد الإقالة ما ~~أقالوه إلا بانقضاء المدة فهل لهم ان يقبلوا عليه زيادة ممن زاد عليه قبل ~~ان تنقضى مدة إجارته أم لا ### ||||| فأجاب # ليس لهم ان يقبلوا الزيادة عليه والحال هذه سواء كان هذا وقفا أو ~~ملك يتيم أو غير ذلك # ومن استجاز أن يقبل الزيادة ولا يمكن المستأجر الخروج إذا اراد فقد خالف ~~إجماع المسلمين فإن الإجارة إن كانت فاسدة أو غير جائزة كان لكل من المؤجر ~~والمستأجر تركها وإن كانت صحيحة لازمة لم يكن لواحد منهما فسخها بغير سبب ~~يوجب ذلك لأجل الزيادة ونحوها فأما أن تجعل جائزة من جانب المؤجر لازمة من ~~جانب المستأجر فهذا خلاف إجماع المسلمين # وأيضا فإن زعم الناظر انه لم يؤجر هذا المكان أو أجره إجارة فاسدة كان ~~ذلك قادحا في نظره وعدالته لأنه اقرار منه بأنه يسلم PageV30P188 العين ~~الموقوفة إلى من لايجوز تسليمها إليه وتمكينه بغير اجرة مسماة ms8735 ولا نزاع ان ~~الناظر ليس له ذلك # وأيضا فإن هذا إقرار منه بأن المستأجر لاتجب عليه الأجرة المسماة وانما ~~يجب عليه أجرة المثل وأجرة المثل كثيرا ما تكون دون المسماة فيكون ذلك ~~إقرارا على نفسه بأنه ضامن لما فوته على أهل الوقف ولو ادعى الناظر ان ~~الإجارة كانت فاسدة وادعى المستأجر انها صحيحة لكان القول قول من يدعي ~~الصحة إذ الأصل في عقود المسلمين الصحة والله أعلم ### |||| وسئل رضى الله عنه # عن رجل وزان بالقبان ويأخذ أجرته ممن يزن له فهل يجوز له ذلك وهل الأجرة ~~حلال أم حرام ### ||||| فأجاب # الحمد لله الوزن بالقبان الصحيح كالوزن بسائر الموازين إذا وزن ~~الوازن بهذه الآلات الصحيحة بالقسط جاز وزنه وإن كانت الآلة فاسدة والوازن ~~باخسا كان من الظالمين المعتدين وإذا وزن بالعدل وأخذ أجرته ممن عليه الوزن ~~جاز ذلك PageV30P189 ### |||| وسئل # عن رجل يختم القماش وهو ساكن عنده رجل فإذا ادعى الرجل أن الأجرة من غير ~~كسبه هل يجوز ان يأخذها ### ||||| فأجاب # أما إذا كان له جهة أخرى حلال وذكر أنه يعطى الأجرة منها وغلب على ~~الظن صدقه أن يأخذ وإن لم يغلب على الظن كذبه جاز تصديقه في ذلك إذا لم ~~يعرف كذبه ### |||| وسئل رحمه الله # عن أجرة الحجام هل هي حرام وهل ينجس ما يصنعه بيده للمأكل وهل النبى أعطى ~~الحجام أجره وماجاء فيه من التحريم وهل ورد في الحديث عن النبى أنه قال ( ~~شفاء أمتى في ثلاث آية من كتاب الله أو لعقة من عسل أو كأس من حجام ( فكيف ~~حرم هذا ووصف بالتداوى هنا وجعله شفاء PageV30P190 ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما يده إذا لم يكن فيها نجاسة فهي كسائر أيدى المسلمين ~~ولا يضرها تلويثها بالدم اذا غسلها كما لايضرها تلوثها بالخبث حال ~~الإستنجاء إذا غسلها بعد ذلك # وقد ثبت في الصحيحين عن بن عباس قال ( احتجم رسول الله وأعطى الحجام اجره ~~( ولو كان سحتا لم يعطه إياه وفى الصحيحين عن أنس وسئل عن كسب الحجام قال ( ~~احتجم رسول الله حجمه ms8736 أبو طيبة فأمر له بصاعين من طعام وكلم أهله فخففوا ~~عنه ( ولا ريب ان الحجام اذا حجم يستحق أجرة حجمه عند جماهير العلماء وان ~~كان فيه قول ضعيف بخلاف ذلك # وقد ارخص النبى له ان يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه كما في حديث محصن ان اباه ~~استأذن رسول الله في خراج الحجام فأبى ان يأذن له فلم يزل به حتى قال ( ~~اطعمه رقيقك واعلفه ناضحك ( رواه أبو حاتم وبن حبان في صحيحه وغيره # واحتج بهذا اكثر العلماء انه لايحرم وإنما يكره للحر تنزيها قالوا لو كان ~~حراما لما أمره ان يطعمه رقيقه لأنهم متعبدون PageV30P191 ومن المحال ان ~~يأذن النبى ان يطعم رقيقه حراما # ومنهم من قال بل يحرم لما روى مسلم في صحيحه عن رافع بن خديج رضى الله ~~عنهما أن رسول الله قال ( كسب الحجام خبيث وثمن الكلب خبيث ومهر البغى خبيث ~~( وفى الصحيحين عن بن أبي جحيفة قال ( رأيت ابى اشترى حجاما فأمر بمحاجمه ~~فكسرت فسألته عن ذلك فقال ان رسول الله نهى عن ثمن الدم ( قال هؤلاء ~~فتسميته خبيثا يقتضي تحريمه كتحريم مهر البغي وحلوان الكاهن # قال الأولون قد ثبت عنه أنه قال ( من أكل من هذين الشجرتين الخبيثتين فلا ~~يقربن مسجدنا ( فسماهما خبيثتين بخبث ريحهما وليستا حراما وقال ( لايصلين ~~احدكم وهو يدافع الأخبثين ( أى البول والغائط فيكون تسميته خبيثا لملاقاة ~~صاحبه النجاسة لالتحريمه بدليل أنه اعطى الحجام أجره وأذن له ان يطعمه ~~الرقيق والبهائم ومهر البغي وحلوان الكاهن لايستحقه ولا يطعم منه رقيق ولا ~~بهيمه وبكل حال فحال المحتاج إليه ليست كحال المستغني عنه كما قال السلف ~~كسب فيه بعض الدناءة خير من مسألة الناس # ولهذا لما تنازع العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه ~~PageV30P192 كان فيه ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد وغيره اعدلها انه ~~يباح للمحتاج قال أحمد أجرة التعليم خير من جوائز السلطان وجوائز السلطان ~~خير من صلة الإخوان # وأصول الشريعة كلها مبنية على هذا الأصل انه يفرق في المنهيات بين ~~المحتاج وغيره ms8737 كما في المأمورات ولهذا أبيحت المحرمات عند الضرورة لاسيما ~~إذا قدر انه يعدل عن ذلك إلى سؤال الناس فالمسألة أشد تحريما ولهذا قال ~~العلماء يجب أداء الواجبات وإن لم تحصل إلا بالشبهات كما ذكر أبو طالب وابو ~~حامد ان الإمام أحمد سأله رجل قال إن ابنا لي مات وعليه دين وله ديون اكره ~~تقاضيها فقال له الإمام أحمد أتدع ذمة ابنك مرتهنة يقول قضاء الدين واجب ~~وترك الشبهة لأداء الواجب هو المأمور # ولهذا اتفق العلماء على انه يرزق الحاكم وأمثاله عند الحاجة وتنازعوا في ~~الرزق عند عدم الحاجة وأصل ذلك في كتاب الله في قوله في ولي اليتيم @QB@ ~~ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف @QE@ فهكذا يقال في ~~نظائر هذا إذ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد ~~وتقليلها والورع ترجيح خير الخيرين بتفويت أدناهما ودفع شر الشرين وإن حصل ~~أدناهما وقد جاء في الحجامة أحاديث كثيرة وفى الصحيحين عن النبى ~~PageV30P193 أنه قال ( شفاء أمتى في ثلاث شربة عسل أو شرطة محجم أو كية نار ~~وما احب ان اكتوى ( والتداوى بالحجامة جائز بالسنة المتواترة وباتفاق ~~العلماء ### |||| وسئل # عن امراة منقطعة أرملة ولها مصاغ قليل تكريه وتأكل كراه فهل هو حلال أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذا جائز عند ابى حنيفة والشافعى وغيرهما من ~~اهل العلم وقد كرهه مالك واحمد واصحاب مالك وكثير من اصحاب أحمد وهذه كراهة ~~تنزيه لا كراهة تحريم # وهذا اذا كانت بجنسه واما بغير جنسه فلا بأس فهذه المرأة اذا اكرته وأكلت ~~كراه لحاجتها لم تنه عن ذلك لكن عليها الزكاة عند اكثر العلماء كأبى حنيفة ~~ومالك والإمام أحمد # وهذا ان اكرته لمن تزين لزوجها أو سيدها أو لمن يحضر به حضورا مباحا مثل ~~ان يحضر عرسا يجوز حضوره # فأما ان أكرته لمن تزين به للرجال الاجانب فهذا لا يجوز PageV30P194 # وأما إن اكرته لمن تزين به لفعل الفاحشة فهذا أعظم من ان تسأل عنه قال ~~الله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ولا ms8738 تعاونوا على الإثم والعدوان ~~@QE@ # ولا يجوز ان يعان أحد على الفاحشة ولا غيرها من المعاصى لابحلية ولا لباس ~~ولا مسكن ولا دابة ولا غير ذلك لا بكرى ولا بغيره والله اعلم ### |||| وسئل # رحمه الله # عن الشماعين الذين يكرون الشمع ثم انهم يزنونه أولا فإذا رجع وزنوه ثانيا ~~واخذوا نقصه فهل يكره ذلك واذا كسر الشمع فهل يلزم الذى اكتراه أم لا ### ||||| فأجاب # اما الشمع اذا أعطاه لمن يوقده وقال كلما نقص منه اوقية بكذا فإن ~~هذا جائز وليس هذا من باب الإجارات ولا باب البيع اللازم فإن البيع اللازم ~~لا بد ان يكون المبيع فيه معلوما بل هذا معاوضة جائزة لا لازمة كما لو قال ~~اسكن في هذه الدار كل يوم بدرهم ولم يوقت أجلا فإن هذا جائز في أظهر قولي ~~العلماء # فمسألة الأعيان نظير هذه المسألة في المنافع وهو إذن في الإتلاف ~~PageV30P195 على وجه الإنتفاع بعوض كما لو قال الق متاعك في البحر وعلي ~~ثمنه فإن هذا جائز بلا ريب لأن ذلك مما ينتفع به ملتزم الثمن للتخفيف كما ~~ينتفع بلزوم الثمن هنا فإيقاد الشمع ( بالكراء جائز اذا علم ) توقيده لكن ~~لابد ان يكون الايقاد في أمر مباح لا محظور ### |||| وسئل رحمه الله # عن زركشي استعمل عنده منديل فلما فرغ أذنوا له في غسله فعدت عليه أمة ~~الصانع في صقل الذهب فتقرض المنديل فهل يجب عليه غرامة المنديل ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا كانت الأمة قد جنت على المنديل فالجناية تتعلق ~~برقبتها فعلى مالكها إما أرش الجناية وإما تسليمها لتستوفى الجناية من ~~رقبتها وسواء كانت الجناية منها أو من سيدها أو غيرهما فليس على الجاني ما ~~أنفقوا على المنديل وليس به هذا القرض ويقوم به بعد حصوله فيضمنون ما نقصت ~~القيمة وإن تراضوا بأن يأخذ الصانع المنديل ويعطيهم قيمته التى تساوى في ~~السوق قبل القرض جاز ذلك وليس عليه أن يعطيهم جديدا خيرا منه PageV30P196 ### |||| وسئل رحمه الله # عن إجارة الجواميس يستأجرها عاما واحدا مطلقا وغرضه لبنها ويستعملها لذلك ~~وإنما جعلوه ms8739 مطلقا أنه يستعملها والقصد اللبن والغنم ايضا هل تجوز إجارتها ~~للبن وهل يجوز ان تعطى لمن يرعاها بصوفها ولبنها أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسالة فيها نزاع معروف بين السلف والعلماء وكذلك ~~في اشتراء اللبن مدة مقدارا معينا من ذلك اللبن يأخذه أقساطا من هذه ~~الماشية والمنع من ذلك هو المعروف في مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد # قال هؤلاء هذا بيع ما لم ير ولم يوصف بل بيع معدوم لم يوجد والاجارة انما ~~تكون على المنافع دون الاعيان وهذه اعيان # وقال هؤلاء إجارة الظئر للرضاع على خلاف القياس جازت للحاجة وتنازع هؤلاء ~~في هذه الإجارة فقيل إن المعقود عليه هو الخدمة والرضاع تابع وهذا قول بن ~~عقيل وغيره وقيل بل PageV30P197 المعقود عليه هو المقصود بالعقد وهو اللبن ~~وهو قول القاضي أبى يعلى وغيره # وأما الرخصة في ذلك في الجملة فهو مذهب مالك وغيره وهؤلاء قد يسمون إجارة ~~الظئر للرضاع تبعا للبن لأن الظئر تبع اللبن الذى لم يخلق بعد بناء على أنه ~~عقد على الأعيان والعقد على العين هو من باب البيوع ( والنزاع ) في ذلك ~~لفظي فإنها داخلة في مسمى البيع العام المتناول للأعيان والمنافع والموجود ~~والمعدوم وليست داخلة في مسمى البيع الخاص الذى يختص بالموجود من الأعيان # وكذلك السلف تنازعوا هل هو من البيع على القولين وهل يكون بلفظ البيع ~~سلفا على وجهين في مذهب أحمد وغيره حتى قال من لم يجعله بيعا ان السلف ~~الحال يجوز بلفظ البيع دون لفظ السلم والصحيح ان العقود انما يعتبر فيها ~~معانيها لا بمجرد اللفظ # والصواب ان الإجارة المسؤول عنها جائزة فإن الأدلة الشرعية الدالة على ~~الجواز بعوضها ومقايستها تتناول هذه الإجارة وليس من الأدلة ما ينفى ذلك ~~فإن قول القائل ان اجارة الظئر على خلاف القياس كلام فاسد فانه ليس في كتاب ~~الله اجارة منصوص عليها في شريعتنا الا هذه الإجارة كما قال تعالى @QB@ فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ PageV30P198 # وقال @QB@ وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف @QE@ والسنة وإجماع الامة دلا ms8740 على جوازها وانما تكون ~~مخالفة للقياس لو عارضها قياس نص آخر وليس في سائر النصوص واقيستها ما ~~يناقض هذه # وقول القائل الإجارة انما تكون على المنافع دون الأعيان ليس هو قول لله ~~ولا لرسوله ولا الصحابة ولا الأئمة وانما هوقول قالته طائفة من الناس # فيقال لهؤلاء لا نسلم ان الإجارة لا تكون الا على المنافع فقط بل الإجارة ~~تكون على ما يتجدد ويحدث ويستخلف بدله مع بقاء العين كمياه البئر وغير ذلك ~~سواء كان عينا أو منفعة كما ان الموقوف يكون ما يتجدد وما تحدث فائدته شيئا ~~بعد شيء سواء كانت الفائدة منفعة أو عينا كالتمر واللبن والماء النابع # وكذلك العارية وهو عما يكون الإنتفاع بما يحدث ويستخلف بدله يقال افقر ~~الظهر واعرى النخلة ومنح الناقة فإذا منحه الناقة يشرب لبنها ثم يردها أو ~~اعراه نخلة يأكل ثمرها ثم يردها وهو مثل ان يفقرة ظهرا يركبه ثم يرده # وكذلك إكراء المرأة أو طير أو ناقة أو بقرة أو شاة يشرب PageV30P199 ~~لبنها مدة معلومة فهو مثل ان يكون دابة يركب ظهرها مدة معلومة # وإذا تغيرت العادة في ذلك كان تغير العادة في المنفعة يملك المستأجر اما ~~الفسخ واما الأرش وكذلك اذا اكراه حديقة يستعملها حولا أو حولين كما فعل ~~عمر بن الخطاب لما قبل حديقة اسيد بن الحضير ثلاث سنين وأخذ المال وقضى به ~~دينا كان عليه # وإذا كان المستأجر هو الذي يقوم على هذه الدواب فهو إجارة وهو اولى ~~بالجواز من إجارة الظئر # وأما اذا كان صاحب الماشية هو الذى يعلفها ويسقيها ويؤويها وطالب اللبن ~~لا يعرف الا لبنها وقداستأجرها ترضع سخا لا له فهو مثل إجارة الظئر واذا ~~كان ليأخذ اللبن هو فهو يشبه اجارة الظئر للرضاع المطلق لا لإرضاع طفل معين ~~وهذا قد يسمى بيعا ويسمى اجارة وهو نزاع لفظى # وإذا قيل هو بيع معدوم قيل نعم وليس في اصول الشرع ما ينهى عن بيع كل ~~معدوم بل المعدوم الذي يحتاج إلى بيعه وهو معروف في العادة يجوز ms8741 بيعه كما ~~يجوز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها فإن ذلك يصح عند جمهور العلماء كما دلت ~~عليه السنة مع ان الاجزاء التى تخلق بعد معدومة وقد دخلت في العقد وكذلك ~~PageV30P200 يجوز بيع المقاثى وغيرها على هذا القول والله أعلم والحمد لله ### |||| وسئل # عن مريض طلب من رجل أن يطببه وينفق عليه ففعل فهل للمنفق أن يطالب المريض ~~بالنفقة ### ||||| فأجاب # إن كان ينفق طالبا للعوض لفظا أو عرفا فله المطالبة بالعوض والله ~~أعلم ### |||| وسئل # عن رجل ضرير كتبت عليه إجارة فهل تصح إجارته ### ||||| فأجاب # يصح استئجار الأعمى واشتراؤه عند جمهور العلماء كمالك وأبى حنيفة ~~والإمام أحمد في المشهور عنه ولابد أن يوصف له المبيع والمستأجر فإن وجده ~~بخلاف الصفة فله الفسخ PageV30P201 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ليس له ما يكفيه وهو يصلى بالأجرة فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الإستئجار على الإمامه لا يجوز في المشهور من مذهب أبى حنيفة ومالك ~~والإمام أحمد # وقيل يجوز وهو مذهب الشافعى ورواية عن الإمام أحمد وقول في مذهب مالك ~~والخلاف في الأذان أيضا لكن المشهور من مذهب مالك أن الإستئجار يجوز على ~~الأذان وعلى الإمامة معه لا منفردة وفى الإستئجار على هذا ونحوه كالتعليم ~~قول ثالث في مذهب أحمد وغيره أنه يجوز مع الحاجة ولا يجوز بدون الحاجة ~~والله أعلم PageV30P202 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل توفى وأوصى أن يصلى عنه بدراهم ### ||||| فأجاب # صلاة الفرض لا يفعلها أحد عن أحد لا بأجرة ولا بغير أجرة بإتفاق ~~الأئمة بل لا يجوز أن يستأجر أحدا ليصلى عنه نافلة بإتفاق الأئمة لا في ~~حياته ولا في مماته فكيف من يستأجر ليصلى عنه فريضة # وإنما تنازع العلماء فيما إذا صلى نافلة بلا أجرة وأهدى ثوابها إلى الميت ~~هل ينفعه ذلك فيه قولان للعلماء # ولو نذر الميت أن يصلي فمات فهل تفعل عنه الصلاة المنذورة على قولين هما ~~روايتان عن الإمام أحمد # لكن هذه الدراهم التى أوصى بها يتصدق بها عنه ويخص بالصدقة أهل الصلاة ~~فيكون للميت أجر وكل صلاة ms8742 يصلونها ويستعينون عليها بصدقته يكون له منها ~~نصيب من غير أن ينقص من أجر المصلى شيء كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~من فطر صائما فله مثل أجره وقال ( من جهز غازيا فقد غزا PageV30P203 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل من أهل العلم قصد لأن يقرأ عليه شيء من أحاديث رسول الله وغيرها ~~من العلوم الشرعية فامتنع من إقرائها إلا بأجرة فقيل له قد روي من هدى ~~السلف وأئمة الهدى تعليم العلم إبتغاء لوجه الله الكريم ما لا خفاء به على ~~عاقل وهذا مما لا ينبغى فقال أقرئ العلم بغير أجرة يحرم على ذلك فكلامه ~~صحيح أم باطل وهل هو جاهل بقوله أنه معذور وهل يجوز له أخذ الأجرة على ~~تعليم العلم النافع أم يكره له ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال ~~وأحبها إلى الله وهذا مما يعلم بالإضطرار من دين الإسلام ليس هذا مما يخفى ~~على أحد ممن نشأ بديار الإسلام والصحابة والتابعون وتابعو التابعين وغيرهم ~~من العلماء المشهورين عند الأمة بالقرآن والحديث والفقه إنما كانوا يعلمون ~~بغير أجرة ولم يكن فيهم من يعلم بأجرة أصلا # فإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ~~PageV30P204 وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر والأنبياء صلوات ~~الله تعالى عليهم أجمعين إنما كانوا يعلمون العلم بغير أجرة كما قال نوح ~~عليه السلام @QB@ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين @QE@ ~~وكذلك قال هود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم وكذلك قال خاتم الرسل @QB@ قل ما ~~أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين @QE@ وقال @QB@ قل ما أسألكم عليه ~~من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا @QE@ # وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة لم يتنازع العلماء في ~~أنه عمل صالح فضلا عن أن يكون جائزا بل هو من فروض الكفاية فإن تعليم العلم ~~الذى بينه فرض على الكفاية كما قال النبى في الحديث الصحيح ( بلغوا عنى ولو ms8743 ~~آية وقال ( ليبلغ الشاهد الغائب ( # وإنما تنازع العلماء في جواز الإستئجار على تعليم القرآن والحديث والفقه ~~على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد # إحداهما وهو مذهب أبى حنيفة وغيره أنه لايجوز الإستئجار على ذلك # والثانية وهو قول الشافعى أنه يجوز الإستئجار # وفيها قول ثالث في مذهب أحمد أنه يجوز مع الحاجة دون الغنى كما قال تعالى ~~في ولى اليتيم @QB@ ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ~~@QE@ PageV30P205 # ويجوز أن يعطى هؤلاء من مال المسلمين على التعليم كما يعطى الأئمة ~~والمؤذنون والقضاة وذلك جائز مع الحاجة # وهل يجوز الإرتزاق مع الغنى على قولين للعلماء فلم يقل أحد من المسلمين ~~أن عمل هذه الأعمال بغير أجر لا يجوز # ومن قال أن ذلك لا يجوز فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل لكن إن أراد أنه ~~فقير متى علم بغير أجر عجز عن الكسب لعياله والكسب لعياله واجب عليه متعين ~~فلا يجوز له ترك الواجب المتعين لغير متعين وإعتقد مع ذلك جواز التعليم ~~بالأجرة مع الحاجة أو مطلقا فهذا متأول في قوله لا يكفر بذلك ولا يفسق ~~باتفاق الأئمة بل أما أن يكون مصيبا أو مخطئا # ومأخذ العلماء في عدم جواز الإستئجار على هذا النفع أن هذه الأعمال يختص ~~أن يكون فاعلها من أهل القرب بتعليم القرآن والحديث والفقه والإمامة ~~والأذان لا يجوز أن يفعله كافر ولا يفعله إلا مسلم بخلاف النفع الذى يفعله ~~المسلم والكافر كالبناء والخياطة والنسج ونحو ذلك وإذا فعل العمل بالأجرة ~~لم يبق عبادة لله فإنه يبقى مستحقا بالعوض معمولا لأجله والعمل إذا عمل ~~للعوض لم يبق PageV30P206 عبادة كالصناعات التى تعمل بالأجرة فمن قال لا ~~يجوز الإستئجار على هذه الأعمال قال إنه لا يجوز إيقاعها على غير وجه ~~العبادة لله كما لا يجوز إيقاع الصلاة والصوم والقراءة على غير وجه العبادة ~~لله والإستئجار يخرجها عن ذلك # ومن جوز ذلك قال إنه نفع يصل إلى المستأجر فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر ~~المنافع قال وإذا كانت لا عبادة في هذه الحال ms8744 لا تقع على وجه العبادة فيجوز ~~إيقاعها على وجه العبادة وغير وجه العبادة لما فيها من النفع # ومن فرق بين المحتاج وغيره وهو أقرب قال المحتاج إذا اكتسب بها أمكنه أن ~~ينوي عملها لله ويأخذ الأجرة ليستعين بها على العبادة فإن الكسب على العيال ~~واجب أيضا فيؤدي الواجبات بهذا بخلاف الغني لأنه لا يحتاج إلى الكسب فلا ~~حاجة تدعوه أن يعملها لغير الله بل إذا كان الله قد أغناه وهذا فرض على ~~الكفاية كان هو مخاطبا به وإذا لم يقم إلا به كان ذلك واجبا عليه عينا ~~والله أعلم PageV30P207 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن اكترى دارا لمرضاة نفسه هل يجوز له أن يكرى ### ||||| فأجاب # إن اكترى منفعة لفعل محرم مثل الغناء والزنا وشهادة الزور وقتل ~~المعصوم كان كراه محرما وكذلك إن أكراها لفعل ما وجب عليه مثل أن يتعين ~~عليه شهادة بحق أو فتيا في مسألة أو قضاء في حكومة أو جهاد متعين فإن هذا ~~الكرى لا يجوز وإن كان لفعل يختص بأهل القربات كالكرى لإقراء القرأن والعلم ~~والإمامة والأذان والحج عن غيره والجهاد الذى لم يتعين فهذا فيه خلاف بين ~~العلماء وإن كان الكرى لعمل كالخياطة والنجارة والبناء جاز بالإتفاق ~~PageV30P208 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله ### ||| فصل # الإستئجار على منفعة محرمة كالزنا واللواط والغناء وحمل الخمر وغير ذلك ~~باطل لكن إذا إستوفى تلك المنفعة ومنع العامل أجرته كان غدرا وظلما أيضا # وقد استوفيت مسألة الإستئجار لحمل الخمر في كتاب @QB@ الصراط المستقيم ~~@QE@ بينت أن الصواب منصوص أحمد أنه يقضى له بالأجرة وأنها لا تطيب له إما ~~كراهة تنزيه أو تحريم لكن هذه المسألة فيما كان جنسة مباحا كالحمل بخلاف ~~الزنى ولا ريب أن مهر البغي خبيث وحلوان الكاهن خبيث والحاكم يقضي بعقوبة ~~المستأجر المستوفى للمنفعة المحرمة فتكون عقوبته له عوضا عن الأجر # فأما فيما بينه وبين الله فهل ينبغى له أن يعطيه ذلك وإن كان لا يحل ~~الأخذ لحق الله فهذا متقوم وإن لم يجب عليه ذلك كان في ذلك درك لحاجته أنه ms8745 ~~يفعل المحرم ويعذر ولا يعاقبه في الآخرة إلا PageV30P209 على فعل المحرم لا ~~على الغدر والظلم # وهذا البحث يتصل بالبحث في أحكام سائر العقود الفاسدة وقبوضها ### |||| وسئل رحمه الله # عمن استعمل كتابا مذهبا مكتوبا وأعطى أجرته وتسلمه الذي ~~استعمله وجلده وغاب به أربعين يوما ثم أتى به إلى الصانع الذي تولى كتابته ~~وتذهيبه وقال له أعطنى ما تسلمته منى من الأجرة فإني واسطة فهل يجوز له أن ~~يكرهه على رده وإعادة ما أعطاه من الأجرة ### ||||| فأجاب # إذا إستأجره لعمل من الأعمال التى تجوز الإجارة عليها وأعطاه أجرته ~~مع توفية المستأجر عمله لم يجب عليه أن يرد عليه الأجرة بل إن لم يسم موكله ~~في عقد الإجارة كان ضامنا للأجرة بلا ريب وإن سماه فهل يكون ضامنا للأجرة ~~على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد # فلو لم يعطه الأجرة كان للأجير أن يطالبه بها فكيف إذا أعطاه إياها بل إن ~~كان أعطى الأجرة من مال موكله وإلا فللوكيل مطالبة الموكل بالأجرة التى ~~أداها عنه والله أعلم PageV30P210 ### |||| وسئل رحمه الله # عن إنسان جاءه سائل في صورة مشبب فشبب فأعطاه شيئا فكان إنسان حاضرا فقال ~~للمعطى تحرم عليه هذه العطية على هذه الصورة لكون الشبابة وسيلة فقال ما ~~أعطيته إلا لكونه فقيرا وبعد هذا لو أعطيته لأجل تشبيبه لكان جائزا فإنه قد ~~أباح بعضهم سماع الشبابة واستدل على ذلك بأن النبى عبر على راع ومعه بن ~~عباس أو غيره وكان الراعى يشبب فسد النبى أذنيه بأصبعيه وصار يسأل الذى كان ~~معه ( هل تسمع صوت الشبابة فما زال كذلك حتى أخبره أنه لم يسمعها ففتح ~~أذنيه ( وقال لو كان سماع الشبابة حراما لأمر النبى لمن كان معه بسد أذنيه ~~كما فعل أو نهى الراعي عن التشبيب وهذا دليل الإباحة في حق غير الأنبياء ~~فهل هذا الخبر صحيح وهل هذا الدليل موافق للسنة أم لا ### ||||| فأجاب # أما نقل هذا الخبر عن بن عباس فباطل لكن قد رواه أبو داود في السنن ~~أنه كان مع بن عمر ms8746 فمر براع معه زمارة PageV30P211 فجعل يقول ( أتسمع يا ~~نافع فلما أخبره أنه لا يسمع رفع أصبعيه من أذنيه ( وأخبره أنه كان مع ~~النبى ففعل مثل ذلك وقال أبو داود لما روى هذا الحديث هذا حديث منكر وقد ~~رواه أبو بكر الخلال من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا # فإن كان ثابتا فلا حجة فيه لمن أباح الشبابة لا سيما ومذهب الأئمة ~~الأربعة أن الشبابة حرام ولم يتنازع فيها من أهل المذاهب الأربعة الا ~~متأخري الخراسانيين من أصحاب الشافعى فإنهم ذكروا فيها وجهين وأما ~~العراقيون وهم أعلم بمذهبه فقطعوا بالتحريم كما قطع به سائر المذاهب وبكل ~~حال فهذا وجه ضعيف في مذهبه وقد قال الشافعى الغناء مكروه يشبه الباطل ومن ~~إستكثر منه فهو سفيه ترد شهادته وقال أيضا خلفت في بغداد شيئا أحدثه ~~الزنادقة يسمونه ( التغبير ( يصدون به الناس عن القرآن وآلات الملاهى لا ~~يجوز اتخاذها ولا الإستئجار عليها عند الأئمة الأربعة # فهذا الحديث إن كان ثابتا فلا حجة فيه على إباحة الشبابة بل هو على النهى ~~عنها أولى من وجوه # أحدها أن المحرم هو الإستماع لا السماع فالرجل لو يسمع الكفر والكذب ~~والغيبة والغناء والشبابة من غير قصد منه بل كان مجتازا PageV30P212 بطريق ~~فسمع ذلك لم يأثم بذلك باتفاق المسلمين ولو جلس وإستمع إلى ذلك ولم ينكره ~~لا بقلبه ولا بلسانه ولا يده كان آثما باتفاق المسلمين كما قال تعالى @QB@ ~~وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ~~ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون ~~من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقد نزل ~~عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم @QE@ فجعل القاعد المستمع من ~~غير إنكار بمنزلة الفاعل # ولهذا يقال المستمع شريك المغتاب وفى الأثر من شهد المعصية وكرهها كان ~~كمن غاب عنها ومن غاب عنها ورضيها كان كمن ms8747 شهدها فإذا شهدها لحاجة أو ~~لإكراه أنكرها بقلبه لقول النبى صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ~~( # فلو كان الرجل مارا فسمع القرآن من غير أن يستمع إليه لم يؤجر على ذلك ~~وإنما يؤجر على الإستماع الذى يقصد كما قال تعالى @QB@ وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون @QE@ وقال لموسى @QB@ فاستمع لما يوحى ~~@QE@ PageV30P213 فإذا عرف أن الأمر والنهى والوعد والوعيد يتعلق بالإستماع ~~لا بالسماع فالنبى صلى الله عليه وسلم كان مارا مجتازا لم يكن مستمعا وكذلك ~~كان بن عمر سامعا لا مستمعا فلم يكن عليه سد أذنه # الوجه الثاني أنه إنما سد النبى صلى الله عليه وسلم أذنيه مبالغة في ~~التحفظ حتى لا يسمع أصلا فتبين بذلك أن الإمتناع من أن يسمع ذلك خير من ~~السماع وإن لم يكن في السماع إثم ولو كان الصوت مباحا لما كان يسد أذنيه عن ~~سماع المباح بل سد أذنيه لئلا يسمعه وإن لم يكن السماع محرما دل على أن ~~الإمتناع من الإستماع أولى فيكون على المنع من الاستماع أدل منه على الإذن ~~فيه # الوجه الثالث أنه لو قدر أن الإستماع لا يجوز فلو سد هو ورفيقه آذانهما ~~لم يعرفا متى ينقطع الصوت فيترك المتبوع سد أذنيه # الرابع أنه لم يعلم أن الرفيق كان بالغا أو كان صغيرا دون البلوغ ~~والصبيان يرخص لهم في اللعب مالا يرخص فيه للبالغ # الخامس أن زمارة الراعي ليست مطربة كالشبابة التى يصنع غير الراعي فلو ~~قدر الإذن فيها لم يلزم الأذن في الموصوف وما يتبعه من الأصوات التى تفعل ~~في النفوس فعل حميا الكؤوس PageV30P214 # السادس انه قد ذكر بن المنذر اتفاق العلماء على المنع من إجازة الغناء ~~والنوح فقال أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال النائحة والمغنية ~~كره ذلك الشعبى والنخعي ومالك وقال أبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد لا تجوز ~~الإجارة على شيء من الغناء والنوح وبه نقول # فإذا ms8748 كان قد ذكر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم على ابطال اجارة النائحة ~~والمغنية والغناء للنساء في العرس والفرح جائز وهو للرجل إما محرم وإما ~~مكروه وقد رخص فيه بعضهم فكيف بالشبابة التى لم يبحها أحد من العلماء لا ~~للرجال ولا للنساء لا في العرس ولا في غيره وإنما يبيحها من ليس من الأئمة ~~المتبوعين المشهورين بالإمامة في الدين # فقول القائل لو أعطيته لأجل تشبيبه لكان جائزا قول باطل مخالف لمذاهب ~~أئمة المسلمين لو كان التشبيب من الباطل المباح فكيف وهو من الباطل المنهى ~~عنه وهذا يظهر بالوجه السابع # وهو أنه ليس كل ما جاز فعله جاز إعطاء العوض عليه ألا ترى أن في الحديث ~~المشهور عن النبى أنه قال ( لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل فقد نهى عن ~~السبق في غير هذه PageV30P215 الثلاثة ومع هذا فالمصارعة قد تجوز كما صارع ~~النبى ركانة بن عبد يزيد وتجوز المسابقة بالأقدام كما سابق النبى صلى الله ~~عليه وسلم عائشة وكما أذن لسلمة بن الأكوع في المسابقة في غزوة الغابة وذى ~~قرد وقد قال النبى ( كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه ~~فرسه وملاعبة إمرأته فإنهن من الحق وهذا اللهو الباطل من أكل المال به كان ~~أكلا بالباطل ومع هذا فيرخص فيه كما يرخص للصغار في اللعب وكما كان صغيرتان ~~من الأنصار تغنيان أيام العيد في بيت عائشة والنبى لا يستمع إليهن ولا ~~ينهاهن ولما قال أبو بكر أمزمار الشيطان في بيت رسول الله قال النبى ( ~~دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا فدل بذلك على أنه يرخص ~~لمن يصلح له اللعب أن يلعب في الأعياد وإن كان الرجال لا يفعلون ذلك ولا ~~يبذل المال في الباطل # فقد تبين أن المستدل بهذا الحديث على جواز ذلك وجواز إعطاء الأجرة عليه ~~مخطئ من هذه الوجوه لو كان الحديث صحيحا فكيف وفيه ما فيه PageV30P216 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # وإذا آجر ms8749 الأرض أو الرباع كالدور والحوانيت والفنادق وغيرها إجارة كانت ~~لازمة من الطرفين لا تكون لازمة من أحد الطرفين جائزة من الطرف الآخر بل ~~إما أن تكون لازمة منهما أو تكون جائزة غير لازمة منهما عند كثير من ~~العلماء # كما لو استكراه كل يوم بدرهم ولم يوقت أجلا فهذه الإجارة جائزة غير لازمة ~~في أحد قولي العلماء فكلما سكن يوما لزمته أجرته وله أن يسكن اليوم الثاني ~~وللمؤجر أن يمنعه سكنى اليوم الثاني # وكذلك إذا كان أجل الشهر بكذا أو كل سنة بكذا ولم يؤجلا أجلا # وأما إذا كانت لازمة من الطرفين فإذا كان المستأجر لا يمكنه PageV30P217 ~~الخروج قبل انقضاء المدة لم يكن للمؤجر أن يخرجه قبل انقضاء المدة لا لأجل ~~زيادة حصلت عليه في أثناء المدة ولا لغير زيادة سواء كانت العين وقفا أو ~~طلقا وسواء كانت ليتيم أو لغير يتيم وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من ~~أئمة المسلمين لم يقل أحد من الأئمة إن الإجارة المطلقة تكون لازمة من جانب ~~المستأجر غير لازمة من جانب المؤجر في وقف أو مال يتيم ولا غيرهما وأن شذ ~~بعض المتأخرين فحكى نزاعا في بعض ذلك فذلك مسبوق باتفاق الأئمة قبله والله ~~تعالى قد أمر بالوفاء بالعقود وأمر بالوفاء بالعهد وقال النبى ( ينصب لكل ~~غادر لواء يوم القيامة عند أستة بقدر غدرته ( وقال ( أربع من كن فيه كان ~~منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث ~~كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ( # وإذا قال الناظر للطالب اكتب عليك إجارة واسكن فقد أجره فإن لم يكن أجره ~~لم يحل له أن يسلم إليه العين فإنه يكون قد سلم الوقف ومال اليتيم إلى مالا ~~يجوز تسليمه فيكون ظالما ضامنا ولو لم يستأجر لكان له أن يخرج إذا شاء ~~ولكان غاصبا لا تجب عليه الأجرة المسماه بل أجرة المثل لما انتفع به في أحد ~~قولي العلماء وعلى قول من لا يضمن منافع الغصب لا يجب ms8750 PageV30P218 عليه شيء ~~وغاية ما يقال إنه قبضها بإجارة فاسدة ولو كان كذلك لكان له أن يخرج إذا ~~شاء بل كان يجب عليه أن يرد العين على المؤجر كالمقبوض بالعقد الفاسد بل ~~يجب عليه المسمى أو أجرة المثل في أحد قولي العلماء وفى الآخر يجب أقل ~~الأمرين من المسمى أو أجرة المثل فلا يجوز قبول الزيادة لا في وقف أو مال ~~يتيم وغيرهما إلا حيث لا تكون الإجارة لازمة وذلك حيث يكون المستأجر متمكنا ~~من الخروج ورد العقار إليهم إذا شاء وهو الذى يسميه العامة الإخلاء ~~والإغلاق # فإذا كان متمكنا من الإخلاء والإغلاق كان المؤجر أيضا متمكنا من أن يخرجه ~~ويؤجره لغيره وإن لم يقع عليه زيادة ويجب أن يعمل ما يراه من المصلحة ~~PageV30P219 ### || 1 ( سؤال عن إجارة البساتين والأرض ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله # عن ضمان البساتين والأرض التى فيها النخل أو الشجر غير النخل قبل أن يبدو ~~صلاحه هل يجوز ضمان السنة أو السنتين أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال # أحدها أن ذلك لا يجوز بحال بناء على أن هذا داخل فيما نهى عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها فلا يجوز كما لا يجوز ~~في غير الضمان مثل أن يشتري ثمرة مجردة بعد ظهورها وقبل بدو صلاحها بحيث ~~يكون على البائع مؤنة سقيها وخدمتها إلى كمال الصلاح وهذا القول هو المعروف ~~في مذهب الشافعى وأحمد وهو منقول عن نصه ومذهب أبى حنيفة في ذلك أشد منعا # وتنازع أصحاب هذا القول هل يجوز الإحتيال على ذلك بأن يؤجر الأرض ويساقي ~~على الشجر بجزء يسير على قولين فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجوز وذكر القاضي ~~أبو يعلى في كتاب ( إبطال الحيل PageV30P220 أنه يجوز وهو المعروف عند ~~أصحاب الشافعى وهذه الحيلة قد تعذرت على أصل مصححي الحيل وهى باطلة من وجوه # منها أن الأمكنة كثيرة منها ما يكون وقفا أو يكون ليتيم ونحوه ممن يتصرف ~~في ماله بحكم الولاية والمساقاة على ms8751 ذلك بجزء يسير لا يجوز واشتراط أحد ~~العقدين من الآخر لا يصح # ومنها أن الفساد الذى من أجله نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها مثل كون ~~ذلك غررا من جنس القمار وأنه يفضي إلى الخصومات والعداوات التى هي من ~~المفاسد التى حرم القمار لأجلها ونحو ذلك يوجد في مثل هذه المعاملات أكثر ~~مما يوجد عند مجرد بيع الثمر قبل بدو صلاحه فإنه قد علم أن المتقبل لذلك لم ~~يبذل ماله إلا بإزاء ما يحصل له من منفعة الأرض والشجر لا سيما إذا كانت ~~منفعة الشجر هي الأغلب كالحدائق والبساتين التى يكون غالبها شجرا أو بياضها ~~قليلا فهنا إذا منع الله الثمرة وطولب الضامن بجميع الأجرة كان في ذلك من ~~أكل المال بالباطل ومن الخصومات والشر مالا خفاء به # ومنها أن استئجار الأرض التى تساوي مائة درهم بألف درهم هو من أفعال ~~السفهاء المستحقين للحجر وكذلك المساقاة على الشجر بجزء PageV30P221 من ألف ~~جزء لربها هو من أفعال السفهاء التى يستحق عليها الحجر فمن فعل ذلك وجب على ~~ولاة الأمر الحجر عليه فضلا عن إمضاء العقد والحكم بصحته # ولو قيل إن له محاباة في هذا العقد لما يحصل من محاباة الآخر له في العقد ~~قيل له إن كان هذا مستحقا لزم أن يكون أحد العقدين شرطا في الآخر وإن لم ~~يكن مستحقا كان محابيا في هذا العقد وليس محاباة للآخر في ذلك العقد وهذا ~~إنما ينفع إذا حصل التقابض فلو حابا رجلا في سلعة وحاباه آخر في أخرى ~~وتقابضا فقد يقال إن الغرض يحصل بذلك إما في مثل هذا وإما في مثل هذا ~~والثمر قد يحصل وقد لا يحصل وذاك له أن يطالبه بجميع الأجرة وإن لم يحصل ~~الثمر فليس هذا من أفعال الرشد بل من أفعال السفهاء المستحقين للحجر لا ~~سيما إن كان المتصرف من لا يملك التبرع كناظر الوقف واليتيم فإنه يقول له ~~إنه يجب علي مطالبتك بجميع الأجرة حصلت الثمرة أو لم تحصل فهل يدخل رشيد في ~~مثل ms8752 هذا فيبذل ألف درهم في قيمة أرض تساوي مائة درهم طمعا في أن يسلم ~~الثمرة وتحصل له والأجرة عليه حصلت الثمرة أو لم تحصل ولو فعل هذا فهل هذا ~~إلا دخول في نفس ما نهى عنه النبى PageV30P222 فإن في الصحيحين عن إبن عمر ~~عن النبى ( أنه نهى عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها نهى البائع والمشترى ~~وهذا المستأجر إذا بذل ماله لتحصل له الثمرة هو في معنى المشترى الذى نهاه ~~رسول الله على قولهم فكيف يبذل ماله في مثل ذلك والأدلة على فساد مثل هذه ~~المعاملة كثيرة قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع # وليس الفقيه من عمد إلى ما نهى عنه النبى دفعا لفساد يحصل لهم فعدل عنه ~~إلى فساد أشد منه فإن هذا بمنزلة المستجير من الرمضاء بالنار # وهذا يعلم من قاعدة إبطال الحيل فإن كثيرا منها يتضمن من الفساد والضرر ~~أكثر مما في إتيان المنهي عنه ظاهرا كما قال أيوب السختيانى يخادعون الله ~~كأنما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي # ولهذا يوجد في نكاح التحليل من الفساد أعظم مما يوجد في نكاح المتعة إذ ~~المتمتع قاصد للنكاح إلى وقت والمحلل لا غرض له في ذلك فكل فساد نهي عنه ~~المتمتع فهو في التحليل وزيادة ولهذا تنكر قلوب الناس التحليل أعظم مما ~~تنكر المتعة والمتعة أبيحت أول الإسلام PageV30P223 وتنازع السلف في بقاء ~~الحل ونكاح التحليل لم يبح قط ولا تنازع السلف في تحريمه # ومن شنع على الشيعة بإباحة المتعة مع إباحته للتحليل فقد سلطهم على القدح ~~في السنة كما تسلطت النصارى على القدح في الإسلام بمثل إباحة التحليل حتى ~~قالوا إن هؤلاء قال لهم نبيهم إذا طلق أحدكم إمرأته لم تحل له حتى تزني ~~وذلك أن نكاح التحليل سفاح كما سماه الصحابة بذلك # والقول الثاني في أصل المسألة انه ان كان منفعة الأرض هوالمقصود والشجر ~~تبع جاز أن تؤجر الأرض ويدخل في ذلك الشجر تبعا وهذا مذهب مالك وهو يقدر ~~التابع بقدر الثلث ms8753 وصاحب هذا القول يجوز بيع الثمر قبل بدو الصلاح ما يدخل ~~ضمنا وتبعا كما جاز اذا ابتاع ثمره بعد ان تؤبر ان يشترط المبتاع ثمرتها ~~كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم والمبتاع هنا قد اشترى ~~الثمر قبل بدو صلاحه لكن تبعا للأصل وهذا جائز باتفاق العلماء فيقيس ما كان ~~تبعا في الإجارة على ما كان تبعا في البيع # والقول الثالث انه يجوز ضمان الأرض والشجر جميعا وان كان الشجر اكثر وهذا ~~قول بن عقيل وهوالمأثور عن أمير PageV30P224 المؤمنين عمر بن الخطاب فإنه ~~قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وأخذ القبالة فوفى بها دينه روى ذلك حرب ~~الكرمانى صاحب الإمام أحمد في مسائله المشهورة عن أحمد ورواه أبو زرعة ~~الدمشقى وغيرهما وهو معروف عن عمر والحدائق التى بالمدينة يغلب عليها الشجر # وقد ذكر هذا الأثر عن عمر بعض المصنفين من فقهاء ظاهرية المغرب وزعم انه ~~خلاف الإجماع وليس بشيء بل ادعاء الإجماع على جواز ذلك أقرب فإن عمر فعل ~~ذلك بالمدينة النبوية بمشهد من المهاجرين والأنصار وهذه القضية في مظنه ~~الاشتهار ولم ينقل عن أحد انه أنكرها وقد كانوا ينكرون ما هو دونها وان ~~فعله عمر كما انكر عليه عمران بن حصين وغيره ما فعله من متعة الحج وإنما ~~هذه القضية بمنزلة توريث عثمان بن عفان لامرأة عبد الرحمن بن عوف التى بتها ~~في مرض موته وأمثال هذه القضية والذى فعله عمر بن الخطاب هوالصواب ( و ) ~~اذا تدبر الفقيه أصول الشريعة تبين له ان مثل هذا المال ليس داخلا فيما نهى ~~عنه النبي وهذا يظهر بأمور # أحدها أن يقال معلوم أن الأرض يمكن فيها الإجارة ويمكن فيها بيع حبها قبل ~~أن يشتد ثم النبى لما نهى عن بيع الحب حتى يشتد لم يكن ذلك نهيا عن إجارة ~~الأرض PageV30P225 وإن كان مقصود المستأجر هو الحب فان المستأجر هو الذى ~~يعمل في الأرض حتى يحصل له الحب بخلاف المشتري فإنه يشترى حبا مجردا وعلى ~~البائع تمام خدمته حتى ms8754 يتحصل فكذلك نهيه عن بيع العنب حتى يسود ليس نهيا ~~عمن يأخذ الشجر فيقوم عليها ويسقيها حتى تثمر وإنما النهى لمن إشترى عنبا ~~مجردا وعلى البائع خدمته حتى يكمل صلاحه كما يفعله المشترون للأعناب التى ~~تسمى الكروم ولهذا كان هؤلاء لا يبيعونها حتى يبدو صلاحها بخلاف التضمين # الوجه الثاني أن المزارعة على الأرض كالمساقاة على الشجر وكلاهما جائز ~~عند فقهاء الحديث كالإمام أحمد وغيره مثل بن خزيمة وبن المنذر وعند بن أبى ~~ليلى وأبى يوسف ومحمد وعند الليث بن سعد وغيرهم من الأئمة جائزة كما دل على ~~جواز المزارعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع أصحابه من بعده ~~والذين نهوا عنها ظنوا أنها من باب الإجارة فتكون إجارة بعوض مجهول وذلك لا ~~يجوز وأبو حنيفة طرد قياسه فلم يجوزها بحال وأما الشافعى فاستثنى ما تدعو ~~إليه الحاجة كالبياض إذا دخل تبعا للشجر في المساقاة وكذلك مالك لكن يراعى ~~القلة والكثرة على أصله # وهؤلاء جعلوا المضاربة أيضا خارجة عن القياس ظنا أنها من PageV30P226 باب ~~الإجارة بعوض مجهول وأنها جوزت للحاجة لأن صاحب النقد لا يمكنه إجارتها # والتحقيق أن هذه المعاملات هي من باب المشاركات والمزارعة مشاركة هذا ~~يشارك بنفع بدنه وهذا بنفع ماله وما قسم الله من ربح كان بينهما كشريكي ~~العنان ولهذا ليس العمل فيها مقصودا ولا معلوما كما يقصد ويعلم في الإجارة ~~ولو كانت إجارة لوجب أن يكون العمل فيها معلوما لكن إذا قيل هي جعالة كان ~~أشبه فإن الجعالة لا يكون العمل فيها معلوما وكذلك هي عقد جائز غير لازم ~~ولكن ليست جعالة أيضا فإن الجعالة يكون المقصود لأحدهما من غير جنس مقصود ~~الآخر هذا يقصد رد آبقه أو بناء حائطة وهذا يقصدالجعل المشروط والمساقاه ~~والمزارعة والمضاربة هما يشتركان في جنس المقصود وهو الربح مستويان في ~~المغنم والمغرم إن أخذ هذا أخذ هذا وإن حرم هذا حرم هذا # ولهذا وجب أن يكون المشروط لأحدهما جزءا مشاعا من الربح من جنس المشروط ~~للآخر وأنه لايجوز أن يكون ms8755 مقدرا معلوما فعلم أنها من باب المشاركة كما في ~~شركة العنان فإنهما يشتركان في الربح ولو شرط مال مقدر من الربح أو غيره لم ~~يجز وهذا هو الذى نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المخابرة كما ~~جاء ذلك PageV30P227 مفسرا في صحيح مسلم وغيره عن رافع بن خديج أنهم كانوا ~~يكرون الأرض ويشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها كما تنبت الماذيانات ~~والجداول فربما سلم هذا ولم يسلم هذا # ولهذا قال الليث بن سعد إن الذى نهى عنه النبى من المخابرة أمر إذا نظر ~~فيه ذو البصر بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز وهذا من فقه الليث الذى قال ~~فيه الشافعى كان الليث أفقه من مالك فإنه بين أن الذى نهى عنه النبى صلى ~~الله عليه وسلم موافق لقياس الأصول لما فيه من أن يشترط لأحد الشريكين شيء ~~معين من الربح والشركة حقها العدل بين الشريكين فيمالهما من المغنم وعليهما ~~من المغرم فإذا خرجت كان ظلما محرما وأين من يجعل ما جاءت به السنة موافقا ~~للأصول إلى من يجعل ما جاءت به السنة مخالفا للأصول # ومن أعطى النظر حقه علم أن ما جاءت به السنة من النهى عن هذه المخابرة ~~ومن معاملة أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع بدون هذا الشرط وما عمل ~~به الصحابة من المضاربة كل ذلك على وفق القياس وأن هذا من جنس المشاركات لا ~~من جنس المؤجرات وإذا كان كذلك فنقول # معلوم أنه إذا ساقاه على الشجر بجزء من الثمرة كان كما اذا زارعه ~~PageV30P228 على الأرض بجزء من الزرع وضاربه على النقد بجزء من الربح فقد ~~جعلت الثمرة من باب النماء والفائدة الحاصلة ببدن هذا ومال هذا والذى نهى ~~عنه النبى من بيع الثمرة ليس للمشترى عمل في حصوله أصلا بل العمل كله على ~~البائع فإذا إستأجر الأرض والشجر حتى حصل له ثمر وزرع كان كما إذا إستأجر ~~الأرض حتى يحصل له الزرع # الوجه الثالث أن الثمرة تجرى مجرى المنافع والفوائد في ms8756 الوقف والعارية ~~ونحوهما فيجوز أن يقف الشجر لينتفع أهل الوقف بثمرها كما يقف الأرض ~~لينتفعوا بمغلها ويجوز إعراء الشجر كما يجوز إفقار الظهر وعارية الدار ~~ومنيحة اللبن وهذا كله تبرع بنماء المال وفائدته فإن من دفع عقاره إلى من ~~يسكنه كان بمنزلة من دفع دابته إلى من يركبها وبمنزلة من دفع شجره إلى من ~~يستثمرها وبمنزلة من دفع أرضه إلى من يزرعها وبمنزلة من دفع الناقة والشاة ~~إلى من يشرب لبنها فهذه الفوائد تدخل في عقود التبرع سواء كان الأصل محبسا ~~كالوقف أو غير محبس وتدخل أيضا في عقود المشاركات فكذلك تدخل في عقود ~~المعاوضات # فإن قيل إن هذا يقتضي أن الأعيان معقود عليها في الإجارة والإجارة إنما ~~هي عقد على المنافع لا على الأعيان وإنما جازت إجارة الظئر على خلاف القياس ~~قيل الجواب من وجهين PageV30P229 أحدهما أن تقبيل الأرض والشجر ليس هو عقدا ~~على عين وإنما هو بمنزلة إجارة الأرض للإزدراع فالعين هي مقصود المستأجر ~~فإنه إنما إستأجر الأرض ليحصل له الزرع لكن العقد ورد على المنافع التى هي ~~شبه هذه الأعيان # الوجه الثاني أن يقال لا نسلم إن إجارة الظئر على خلاف القياس وكيف يقال ~~وليس في القرآن إجارة منصوصة في شريعتنا إلا إجارة الظئر بقوله تعالى @QB@ ~~فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ # وإنما ظن من ظن أنها خلاف القياس حيث توهم أن الإجارة لا تكون إلا على ~~منفعة وليس الأمر كذلك بل الإجارة تكون على كل ما يستوفى مع بقاء أصله سواء ~~كانت عينا أو منفعة فلما كان لبن الظئر يستوفى مع بقاء الأصل ونقع البئر ~~يستوفى مع بقاء الأصل جازت الإجارة عليه كما جازت على المنفعة فإن هذه ~~الأعيان يحدثها الله شيئا بعد شيء وأصلها باق كما يحدث الله المنافع شيئا ~~بعد شيء وأصلها باق ولهذا جاز وقف هذه الأصول لإستثناء هذه الفوائد أعيانها ~~ومنافعها # فإن قيل فهذا 1 يقتضي جواز إجارة الحيوان لشرب لبنه قيل وفى هذه المسألة ~~نزاع بين الفقهاء أيضا والمزارعة إنما تكون بدليل ms8757 PageV30P230 شرعى نص أو ~~إجماع أو قياس ونحوه وأما مسائل النزاع إذا عورض فنجيب عنها بجواب عام وهو ~~إن كان ما ذكرناه من الدليل موجبا لصحة هذه الإجارة لزم طرد الدليل والعمل ~~بذلك وإن لم يكن موجبا لم يكن نقصا والدليل الذى يقال إنه مفسد لهذه ~~الإجارة إن أمكن الجمع بينه وبين ما ذكر من الدليل فلا منافاة وإلا فما ~~ذكرناه راجح إذ المنافع إنما يستند منعها إلى جنس ما يذكره في مورد النزاع ~~هنا # فإن قيل إن بن عقيل جوز إجارة الأرض والشجر جميعا لأجل الحاجة وأنه سلك ~~مسلك مالك لكن مالك اعتبر القلة في الشجر وبن عقيل عمم فإن الحاجة داعية ~~إلى إجارة الأرض البيضاء التى فيها شجر وإفرادها عنها بالإجارة متعذر ~~أومتعسر لما فيه من الضرر فجوز دخولها في الإجارة كما جوز الشافعى دخول ~~الأرض مع الشجر تبعا في باب المساقاة # ومن حجة بن عقيل إن غاية ما في ذلك جواز بيع الثمر قبل بدو صلاحه تبعا ~~لغيره لأجل الحاجة وهذا يجوز بالنص والإجماع فيما إذا باع شجرا وعليها ثمر ~~باد بما يشترطه المبتاع فإنه اشترى شجرا وثمرا قبل بدو صلاحه وماذكرتموه ~~يقتضي أن جواز هذا هو القياس وأنه جائز بدون الحاجة حتى مع الإنفراد ~~PageV30P231 # قيل هذا زيادة توكيد فإن هذه المسألة لها مأخذان أحدهما أن يسلم أن الأصل ~~يقتضي المنع لكن يجوز ذلك لأجل الحاجة كما في نظائره # والثاني ان يمنع هذا ويقال لا نسلم ان الأصل يقتضي المنع بل الدليل لا ~~يتناول مثل هذه الصورة لا لفظا ولا معنى اما لفظا فإن هذا لم يبع ثمرة قبل ~~بدو صلاحها ولوكان قد باع لكان عليه مؤنة التوفية كما لو باعها بعد بدو ~~صلاحها فإن مؤنة التوفية عليه ايضا فإن المسلمين اتفقوا على ما فعله امير ~~المؤمنين عمربن الخطاب رضى الله عنه من ضرب الخراج على السواد وغيره من ~~الأرض التى فتحت عنوة سواء قيل إنه يجب في الأرض التى فتحت عنوة أو تجعل ~~فيئا كما قاله مالك ms8758 وهو رواية عن أحمد أو قيل انه يجب قسمتها بين الغانمين ~~كما قاله الشافعى وهو رواية عن الإمام أو قيل يخيرالامام فيها بين هذا وهذا ~~كما هو مذهب ابى حنيفة والثورى وابى عبيد ونحوهم وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد # فإن الشافعى يقول ان عمر استطاب انفس الغانمين حتى جعلها فيئا وضرب ~~الخراج عليها فاتفق المسلمون في الجملة على ان وضع الخراج على ارض العنوة ~~جائز اذا لم يكن فيه ظلم للغانمين PageV30P232 ثم الخراج عند اكثرهم اجرة ~~الأرض وانه لم يقدر مدة الإجارة لعموم مصلحتها والخراج ضريبة على الأرض ~~التى فيها شجر والأرض البيضاء وضرب على جريب النخل مقدارا وعلى جريب الكرم ~~مقدارا وهذا بعينه اجارة للأرض مع الشجر فإن كان جواز هذا على وفق القياس ~~فهو المطلوب وان كان جواز ذلك لحاجة داعية إلى ذلك فإن الناس لهم بساتين ~~فيها مساكن ولها اجور وافرة فإن دفعوها إلى من يعملها مساقاة ومزارعة تعطلت ~~منفعة المساكن عليها كما في ارض دمشق ونحوها ثم قد يكون وقفا أو ليتيم ~~ونحوذلك فكيف يجوز تعطيل منفعة المسكن المبنية في تلك الحدائق # وقد تكون منفعة المسكن هي اكثر المنفعة ومنفعة الشجر والأرض تابعة ~~فيحتاجون إلى إجارة تلك المساكن ولا يمكن ان تؤجر دون منفعة الأرض والشجر ~~فإن العامل اذا كان غير الساكن تضرر هذا وهذا تضرر ببناء المساكن ويبقى ~~ممنوعا من الإنتفاع بالثمر والزرع هو وعياله مع كونه عندهم ويتضررون بدخول ~~العامل عليهم في دارهم والعامل ايضا لا يبقى مطمئنا إلى سلامة ثمره وزرعه ~~بل يخاف عليها في مغيبه وما كل ساكن امينا ولو كان امينا لم تؤمن الضيفان ~~والصبيان والنسوان وكل هذا معلوم # فإذا كان النبى نهى عن المزابنة وهى بيع PageV30P233 الرطب بالتمر لما في ~~ذلك من بيع الربوى بجنسه مجازفة وباب الربا أشد من باب الميسر ثم إنه أرخص ~~في العرايا أن تباع بخرصها لأجل الحاجة وأمر رجلا أن يبيع شجرة له في ملك ~~الغير لتضرره بذلك لدخوله عليه أو يهبها له فلما لم ms8759 يفعل أمر بقلعها فأوجب ~~عليه المعاوضة لرفع الضرر عن مالك العقار كما أوجب للشريك أن يأخذ الشقص ~~بثمنه رفعا لضرر المشاركة والمقاسمة فكيف إذا كان الضرر ما ذكر # ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ~~وأمرنا بتقديم خير الخيرين بتفويت أدناهما وبدفع شر الشرين باحتمال أدناهما ~~والفساد في ذلك أعظم مما ذكرنا من حصول ضرر ما لأحد المتعوضين فإن هذا ضرر ~~كثير محقق وذاك إن حصل فيه ضرر فهو قليل مشكوك فيه # وأيضا فالمساقاة والمزارعة تعتمد أمانة العامل وقد يتعذر ذلك كثيرا ~~فيحتاج الناس إلى المؤاجرة التى فيها مال مضمون في الذمة ولهذا يعدل كثير ~~من الناس في كثير من الأمكنة والأزمنة عن المزارعة إلى المؤاجرة لأجل ذلك ~~ومعلوم أن الشريعة توجب ما توجبه بحسب الإمكان وتشترط في العبادات والعقود ~~ما تشترطه بحسب الإمكان ولهذا جاز أن ينفذ من ولى الأمر مع فجوره من ولايته ~~وقسمته PageV30P234 وحكمه ما يسوغ وإن كان ولى الأمر يجب فيه أن يكون عدلا ~~إذا أمكن ذلك بلا مفسدة راجحة # وكذلك أئمة الصلاة إذا لم تمكن الصلاة إلا خلف الفاجر فإذا لم يمكن دفع ~~الأرض إلا إلى فاجر وإئتمانه عليها يوجب الفساد احتيج إلى أن تدفع إليه ~~مؤاجرة فهذا وجه من وجوه جواز المؤاجرة # وأيضا فقد لا يتفق من يأخذها مشاركة كالمساقاة أو المزارعة فإن لم تدفع ~~مؤاجرة وإلا تعطلت وتضرر أهلها وإن كانوا فقراء وليس في هذا من الفساد إلا ~~إمكان نقص الثمر عن الوجه المعتاد فيبقى ذلك مخاطرة وهذا القدر ينجبر بما ~~يجعل للمستأجر من جبران ذلك كما أن الإجارة الجائزة إذا تلفت فيها المنفعة ~~سقطت الأجرة التى تقابلها وكذلك لو نقصت على الصحيح فإنه ينقص من الأجرة ~~بقدر ما نقص من المنفعة # فقد ثبت في الصحيح أن النبى أمر بوضع الجوائح وقال ( إذا بعت من أخيك ~~بيعا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا بم يأخذ أحدكم مال ~~أخيه بغير حق وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما ms8760 وذلك لأن الثمرة قبضت ولم تقبض ~~قبضا تاما بحيث يتمكن القابض من جذاذها كما أن المستأجر إذا قبض العين لم ~~يحصل القبض التام الذى يتمكن به من استيفاء جميع المنفعة فإذا تلفت المنفعة ~~قبل PageV30P235 تمكنه من استيفائها سقطت الأجرة فكذلك إذا تلفت الثمرة قبل ~~التمكن من الجذاذ سقط الثمن # فهنا المستأجر للبستان إذا قدر أنه حصلت آفة منعت الأرض عن المنفعة ~~المعتادة كما لو نقص ماء المطر والأنهار حتى نقصت المنفعة عن الوجه المعتاد ~~لأن المعقود عليه لابد أن يبقى على الذى يمكن استيفاء المنفعة المقصوده منه ~~فإذا خرج عن هذه الحال كان للمستأجر إما الفسخ وإما الأرش وليس من باب وضع ~~الجائحة في الممتنع كما في الثمر المشترى بل هو من باب تلف المنفعة ~~المقصوده بالعقد أو فواتها # وهنا المستأجر للبستان كالمستأجر للأرض سواء بسواء إنما يتسلم الأصول وهو ~~الذى يقوم عليها حتى يشتد الزرع ويبدو صلاح الثمر كما يقوم على ذلك العامل ~~في المساقاة والمزارعة فإن جاز أن يقال أن هذا مشتر للثمرة فليقل إن ~~المستأجر مشتر للزرع وإن العامل في المساقاة والمزارعة والمضاربة مشتر لما ~~يحصل من النماء فإذا كان هذا لا يدخل في مسمى البيع امتنع شمول العموم له ~~لفظا ويمتنع إلحاقه من جهة القياس أو شمول العموم المعنوى له لأن الفرق ~~بينهما في غاية الظهور فإن إلحاق هذه الإجارة للأرض لاشتراكهما في المساقاة ~~والمزارعة وفى المضاربة والوقف وغيرذلك مما يجعل حكم أحدهما حكم الآخر أولى ~~من إلحاقها بالبيع كما تقدم PageV30P236 # وكل من نظر في هذا نظرا صحيحا سليما تبين له أن هذا من باب الإجارات ~~والقبالات التى تسمى الضمانات كما تسميه العامة ضمانا وكما سماه السلف ~~قبالة ليس هو من باب المبايعات وأحكام البيع منتفية في هذا من كون مؤنة ~~التوفية على البائع وكل ما نهى عنه النبى من بيع المعدومات مثل نهيه عن بيع ~~الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة وهو بيع ما في أصلاب الفحول وأرحام الإناث ~~ونتاج النتاج ونهيه عن بيع السنين وهو المعاومة ms8761 وأمثال ذلك إنما هو أن ~~يشترى المشترى تلك الأعيان التى لم تخلق بعد وأصولها يقوم عليها البائع فهو ~~الذى يستنتجها ويستثمرها ويسلم إلى المشترى ما يحصل من النتاج والثمرة وهذا ~~هو الذى كان اهل الجاهلية يفعلونه # وهذا على تفسير الجمهور في ( حبل الحبلة ( انه بيع نتاج النتاج فإنه يكون ~~إبطاله لجهالة الأجل وهذه البيوع التى نهى عنها النبى هي من باب القمار ~~الذى هوميسر وذلك اكل مال بالباطل واصحاب هذه الأصول يمكنهم تأخير البيع ~~إلى أن يخلق الله مايخلقه من هذه الثمار والأولاد وإنما يفعلون هذا مخاطرة ~~ومباختة # والتجارات بضمان البستان لمن يقوم عليه كضمان الأرض لمن يقوم عليها ~~فيزدرعها واحتكار الأرض لمن يبنى فيها ويغرس فيها ونحو ذلك PageV30P237 # وقد اتفق العلماء على أن المنفعة في الإجارة إذا تلفت قبل التمكن من ~~إستيفائها فإنه لا تجب أجرة ذلك مثل أن يستأجر حيوانا فيموت قبل التمكن من ~~الإنتفاع وكذلك المبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه مثل أن يشترى قفيزا من ~~صبرة فتتلف الصبرة قبل القبض والتمييز كان ذلك من ضمان البائع بلا نزاع لكن ~~تنازعوا في تلفه بعد التمكن من القبض وقبل القبض كمن اشترى معيبا ومكن من ~~قبضه وفيه قولان مشهوران # أحدهما أنه لا يضمنه كقول مالك وأحمد في المشهورعنه لقول بن عمر مضت ~~السنة ان ما ادركته الصفقة حبا مجموعا فهو من مال المشترى # والثاني يضمنه كقول ابى حنيفة والشافعى لكن أبو حنيفة يستثني العقار ومع ~~هذا فمذهبه ان التخلية قبض كقول أحمد في إحدى الروايتين فيتقارب مذهبه ~~ومذهب مالك واحمد انما يتلف من ضمان البائع لما ثبت في الصحيح عن النبى انه ~~قال ( اذا بعت من اخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك ان تأخذ من مال اخيك ~~شيئا بم يأخذ احدكم مال اخيه بغير حق ( ومذهب الشافعى المشهور عنه يكون من ~~ضمان المشترى اذا تلف PageV30P238 بعد القبض واما ابوحنيفة فمذهبه ان ~~التبقية ليست من مقتضى العقد ولا يجوز اشتراطها والأولون يقولون قبض هذا ~~بمنزلة قبض المنفعة ms8762 في الإجارات وذلك ليس بقبض تام ينقل الضمان لأن القابض ~~لم يتمكن من استيفاء المقصود وهذا طرد اصلهم في ان المعتبرهو القدرة على ~~الاستيفاء المقصود بالعقد ولهذا يقولون لو ان المشتري فرط في قبض الثمرة ~~بعد كمال صلاحها حتى تلفت كانت من ضمانه كما لو فرط في قبض المعين حتى تلف # وهذا ظاهر في المناسبة والتأثير فإن البائع اذا لم يكن منه تفريط فيما ~~يجب عليه وانما التفريط من المشتري كان إحالة الضمان على المفرط اولى من ~~احالته على من قام بما يجب عليه ولم يفرط ولهذا اتفقوا على مثل ذلك في ~~الإجارة فإن المستأجر لو فرط في استيفاء المنافع حتى تلفت كانت من ضمانه ~~ولوتلفت بغير تفريط كانت من ضمان المؤجر وفى الإجارة اذا لم يتمكن المستأجر ~~من ازدراع الأرض لآفة حصلت لم تكن عليه الأجرة وإن نبت الزرع ثم حصلت آفة ~~سماوية قبل التمكن من حصاده ففيه نزاع # ومن فرق بينه وبين الثمر والمنفعة قال الثمرة هي المعقود عليها وكذلك ~~المنفعة وهنا الزرع ليس بمعقود عليه بل المعقود عليه المنفعة وقد استوفاها ~~ومن سوى بينهما قال المقصود بالإجارة هو الزرع فإذا PageV30P239 حالت الآفة ~~السماوية بينه وبين المقصود بالإجارة كان قد تلف المقصود بالعقد قبل التمكن ~~من قبضه والمؤجر وإن لم يعاوض على زرع فقد عاوض على المنفعة التى يتمكن بها ~~من حصول الزرع فإذا حصلت الآفة السماوية المفسدة للزرع قبل التمكن من حصاده ~~لم تسلم المنفعة المعقود عليها بل تلفت قبل التمكن من الإنتفاع ولا فرق بين ~~تعطل منفعة الأرض في اول المدة أو في آخرها اذا لم يتمكن من استيفائها بشيء ~~من المنفعة ومعلوم ان الآفة السماوية اذا فقد الزرع مطلقا بحيث لا يمكن ~~الإنتفاع بالأرض مع تلك الآفة فلا فرق بين تقدمها وتأخرها وعلى هذا تنبنى ~~مسألة ( ضمان الحدائق ( والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن تضمين البساتين قبل إدراك الثمرة هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # اما تضمين حديقته أو بستانه الذى فيه النخيل والاعناب وغير ذلك ms8763 من ~~الأشجار لمن يقوم عليها ويزرع ارضها بعوض معلوم فمن العلماء من نهى عن ذلك ~~واعتقد انه داخل في نهى النبى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها PageV30P240 ثم ~~من هؤلاء من جوز ذلك اذا كان البياض هو المقصود والشجر تابع كما يذكر عن ~~مالك ومن هؤلاء من يجوز الاحتيال على ذلك بأن يؤجر الأرض ويساقي على الشجر ~~بجزء من الخارج منه ولكن هذا ان شرط فيه أحد العقدين في الآخر لم يصح وان ~~لم يشترطا كان لرب البستان ان يلزمه بالأجرة عن الأرض بدون المساقاه واكثر ~~مقصود الضامن هوالثمر وهى جزء كبير من مقصوده وقد يكون المكان وقفا ومال ~~يتيم فلا تجوز المحاباة في مساقاته # وهذه الحيلة وان كان القاضي أبو يعلى ذكرها في كتاب ( إبطال الحيل ( ~~موافقة لغيره فالمنصوص عن أحمد انها باطلة وقد بينا بطلان الحيل التى يكون ~~ظاهرها مخالفا لباطنها ويكون المقصود بها فعل ما حرم الله ورسوله كالحيل ~~على الربا وعلى إسقاط الشفعة وغير ذلك بالأدلة الكثيرة في غير هذا الموضع # ومن العلماء من جوز الضمان للأرض والشجر مطلقا وإن كان الشجر مقصودا كما ~~ذكر ذلك بن عقيل وهذا القول أصح وله مأخذان # أحدهما أنه إذا اجتمع الأرض والشجر فتجوز الإجارة لهما جميعا لتعذر ~~التفريق بينهما في العادة PageV30P241 والمأخذ الثاني ان هذه الصورة لم ~~تدخل في نهى النبى صلى الله عليه وسلم فإن رب الأرض لم يبع ثمره بلا أجر ~~أصلا والفرق بينهما من وجوه أحدهما أنه لو استأجر الأرض جاز ولو اشترى ~~الزرع قبل اشتداد الحب بشرط البقاء لم يجز فكذلك يفرق في الشجر # الثاني ان البائع عليه السقي وغيره مما فيه صلاح الثمرة حتى يكمل صلاحها ~~وليس على المشترى شيء من ذلك واما الضامن والمستأجر فإنه هو الذى يقوم ~~بالسقي والعمل حتى تحصل الثمرة والزرع فاشتراء الثمرة اشتراء للعنب والرطب ~~فإن البائع عليه تمام العمل حتى يصلح بخلاف من دفع إليه الحديقة وكان هو ~~القائم عليها # الثالث انه لو دفع البستان إلى من يعمل ms8764 عليه بنصف ثمرة وزرعه كان هذا ~~مساقاة ومزارعة فاستحق نصف الثمر والزرع بعمله وليس هذا اشتراء للحب ~~والثمرة # الرابع انه لو أعار ارضه لمن يزرعها أو اعطى شجرته لمن يستغلها ثم يدفعها ~~إليه كان هذا من جنس العارية لا من جنس هبة الأعيان # الخامس ان ثمرة الشجر من مغل الوقف كمنفعة الأرض ولبن PageV30P242 الظئر ~~واستئجار الظئر جائز بالكتاب والسنة والإجماع واللبن لما كان يحدث شيئا بعد ~~شيء صح عقد الإجارة عليه كما يصح على المنافع وان كانت أعيانا ولهذا يجوز ~~للمالك إجارة الماشية للبنها فإجارة البستان لمن يستغله بعمله هو من هذا ~~الباب ليس هو من باب الشراء # وإذا قيل إن في ذلك غررا قيل هو كالغرر في الإجارة فانه اذا استأجر أرضا ~~ليزرعها فإنما مقصوده الزرع وقد يحصل وقد لا يحصل وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ~~انه ضمن حديقة اسيد بن حضير بعد موته ثلاث سنين واخذ الضمان فصرفه في دينه ~~ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة # وايضا فان ارض العنوة لما فتحها المسلمون دفعها عمراليهم وفيها النخيل ~~والاعناب لمن يعمل عليها بالخراج وهذه إجارة عند اكثر العلماء ### |||| وسئل # عن ضمان بساتين وانهم لما سمعوا بقدوم العدو المخذول دخلوا إلى المدينة ~~وغلقت ابواب المدينة ولم يبق لهم سبيل إلى البساتين ونهب زرعهم وغلتهم فهل ~~لهم الإجاحة في ذلك PageV30P243 ### ||||| فأجاب # الخوف العام الذي يمنع من الإنتفاع هو من الآفات السماوية وإذا ~~تلفت الزروع بآفة سماوية فهل توضع الجائحة فيه كما توضع في الثمرة كما نص ~~النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذى رواه مسلم حيث قال النبى ( ~~اذا بعت اخاك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك ان تأخذ من مال أخيك شيئا بم ~~يأخذ احدكم مال اخيه بغير حق ( اختلفوا في الزرع اذا تلف قبل تمكن المستأجر ~~من حصاده هل توضع فيه الجائحة على قولين اشبههما بالمنصوص والأصول انها ~~توضع والله اعلم ### |||| وسئل # عن ضمان الإقطاع هل هو صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # ضمان الإقطاع صحيح لا ms8765 نعلم أحدا من علماء المسلمين الذين يفتى ~~بقولهم قال إنه باطل ولا نعلم أحدا من العلماء المنصفين قال إنه باطل إلا ~~ما بلغنا عن بعض الناس حكى فيه خلافا قول بالجواز وقول بالمنع وقول أنه ~~يجوز سنة فقط # وما زال المسلمون يضمنونه ولم يفت أحد بتحريمه إلا بعض أهل هذا الزمان ~~لشبهة عرضت لهم لكونهم إعتقدوا أن المقطع بمنزلة PageV30P244 المستعير ~~وغفلواعن كون المنافع مستحقة لأهل الإقطاع لا مبذولة بمنزلة استحقاق أهل ~~البطون للوقف وإن جاز انفساخ الإجارة بموت الموقوف عليه عند من يقول به ~~والسلطان قاسم لا [ معين ] وقسمته للمنافع كقسمة الأموال وغفلوا عن كون ~~السلطان المقطع أذن في الإنتفاع بالمقطع استغلالا وإيجارا ولو أذن المعير ~~في الإجارة جازت وفاقا فكيف الإقطاع والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل مستأجر نصف بستان مشاعا غير مقسوم وقد تهدمت الحيطان فاتفق ~~المستأجر للنصف وصاحب النصف الآخر على العمارة وتقاسما الحيطان ليبني كل ~~منهما ما اقتسماه فعمر المستأجر نصيبه وإمتنع الآخر حتى سرق أكثر الثمرة ~~وامتنع من السقي أيضا حتى تلف أكثر الثمرة ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم إذا لم يفعل ما اتفقا عليه حتى تلف شيء من الثمرة ~~بسبب اهمال ذلك فعليه ضمان ما تلف من نصيب شريكه وأما إذا امتنع ابتداء من ~~العمارة والسقي معه فإنه يجبر على ذلك في أصح قولى العلماء وفى الآخر لا ~~يجبر لكن للآخر أن يعمر ويسقي PageV30P245 ويمنع من لم يعمر ويسقي أن ينتفع ~~بما يحصل من ماله ومن أصر على ترك الواجب قدح ذلك في عدالته ### |||| وسئل # عن إجارة الوقف هل تجوز سنين وكل سنة بذاتها وإذا قطع المستأجر من الوقف ~~أشجارا هل تلزمه القيمة أم لا وإذا شرى الوقف بدون القيمة ما يجب عليه ### ||||| فأجاب # إن كان الوقف على جهة عامة جازت إجارته بحسب المصلحة ولا يتوقت ذلك ~~بعدد عند أكثر العلماء وما قطعه المستأجر فعليه ضمانه ولا يجوز للموقوف ~~عليه بيع الوقف بل عليه رد الثمن على المشترى والوقف على حاله PageV30P246 ### |||| وسئل رحمه الله ms8766 # عن أمير دخل على إقطاع وجد فيه فلاحا مستأجرا إقطاعه بأجرة واستقر الفلاح ~~المذكور مستأجرا إقطاعه إلى حين انقضائه ثم انتقل الإقطاع إلى غيره فوجد ~~المقطع المستجد للفلاح بور بعض الأرض المستأجرة عليه فطالب المقطع المنفصل ~~بخراج البور وادعى أن الإيجار المكتتب على الفلاح أجير إبطال بحكم أن بعض ~~الأرض كانت مشغولة هل يبطل حكم الإيجار أو يصح وهل يلزم البور للمستأجر أم ~~لا ### ||||| فأجاب # ليس للمقطع الثاني أن يطالب # المقطع المنفصل بما بور كما ليس له أن يطالبه بما زرع فإن حقه على ~~المستأجر الذى أوجر الأرض وسلمت إليه سواء زرع الأرض أو لم يزرعها ولكن ~~المقطع مخير أن شاء طالبه بالأجرة التى رضى بها الأول وإن شاء طالبه بأجرة ~~المثل لما تسلمه من المنفعة وإجارة الأرض لمن يزرع فيها زرعا وقصبا جائزة ~~لكن المقطع الثاني له أن يمضيها وله أن لا يمضيها ولو قدر أن الأول أجره ~~إياها إجارة فاسدة وسلم إليه الأرض قبل إقطاع الثانى لكان على المستأجر ~~ضمان الأرض كلها للمقطع PageV30P247 الثاني الذي يستحق منفعة الأرض سواء ~~زرعها أو لم يزرعها لأن ما ضمن بالقبض في العقد الصحيح ضمن بالقبض في العقد ~~الفاسد كما لو قبض المبيع قبضا فاسدا فإن عليه ضمانه والله أعلم ### |||| وسئل # عن أجناد لهم ارض فآجروها لقوم فلاحين بغلة معينة ودراهم معينة وصيافة ~~ليزرعوها أو ينتفعوا بها مدة سنة كاملة وان الأجناد قبل انقضاء السنة عدوا ~~على اغنام الفلاحين واخذوا عن المراعى جملة دراهم قبل انقضاء مدة الإجارة ~~غصبا باليد القوية فهل ما يناله الأجناد حلال أم حرام ### ||||| فأجاب # ان كان بينهما إجارة شرط فيها شروط سائغة مثل ان يشترط المستأجر ان ~~ينتفع بجميع ما في الأرض حتى في الكلأ المباح واعقاب الزرع وغير ذلك فهذا ~~شرط لازم يجب العمل به وكذلك ان لم يذكر هذا في الإجارة لكن كانت الإجارة ~~مطلقة وهذه هي العادة فان الإجارة المطلقة تحمل على المنفعة المعتادة فاذا ~~كانت المنفعة تتناول بذلك تناولته الإجارة المطلقة فما تناوله ms8767 لفظ الإجارة ~~أو العرف المعتاد كان للمستأجر PageV30P248 # وأما ان كانت العادة ان الإجارة المطلقة لا تتناول الكلأ المباح لم تدخل ~~في الإجارة المطلقة والله اعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل استأجر لرجل ارضا بطريق شرعية مدة معينة ثم إن المستأجر له توفى ~~وان الوكيل لما استأجر هذه المدة قدم للمؤجر حق سنة على يد وكيله وان صاحب ~~الأرض ادعى على وارث المستأجر له فطلبوا منه تثبيت وكالة المستأجر الوكيل ~~فهل يجب على المدعي اثبات الوكالة بعد القبض منه حق سنة وانه هو الذى استغل ~~هذه الأرض المستأجرة دون الوكيل ### ||||| فأجاب # اذا كان الذى ادعى عليه ان الأرض استؤجرت له وقد استغل الأرض فقد ~~وجب ضمان المنفعة التى استوفاها سواء استؤجرت أو لم تستأجر وإذا لم يعترف ~~أنه استوفاها بطريق الإجارة ولا بإذن المالك والحالة هذه فهو غاصب يستحق ~~تعزيره وعقوبته تعزيرا يمنعه وامثاله من المعتدين عن ظلم الخلق وجحد الحق # وهذا كله اذا لم يكن مما ذكر وما لم يذكر على ما يدل على الإجارة حتى لو ~~ادعى المزدرع أنه إنما زرع بطريق العارية وقال PageV30P249 رب الأرض بل ~~بطريق الإجارة فالقول قول رب الأرض كما نص عليه الأئمة مالك وأحمد والشافعى ~~وغيرهم # وللشافعى قول في مسألة الدابة إذا تنازعا فقال أعرتنى وقال المالك بل ~~أكريتك فقال في هذه المسألة القول قول الراكب فمن أصحابه من سوى بين ~~الصورتين والمذهب فيهما أن القول قول المالك ومنهم من فرق وقال الدابة يسمح ~~في العادة بأن تعار بخلاف الأرض ولهذا قال مالك في رواية أن القول قول ~~المالك إلا أن يكون مثله لا يكري الدواب وكذلك قال أبو حنيفة في الدابة ~~القول قول الراكب وهو قول في مذهب الإمام أحمد # وبالجملة فالصواب الذى عليه الجمهور في مسألة الأرض أن القول قول المالك ~~فيستحق المطالبة بالأجرة في هذه الصورة لكن هل يطالب بالأجرة التى ادعاها ~~أو بأجرة المثل أو بالأقل منهما على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره ~~PageV30P250 ### |||| وسئل # عن فلاح حرث أرضا ولم ms8768 يزرعها ثم زرعها غيره فهل يستحق الإجارة والمقاسمة ~~أم لا ### ||||| فأجاب # إذا كانت الأرض مقاسمة لرب الأرض سهم وللفلاح سهم فإنه يقسم نصيب ~~الفلاح بين الحارث والزارع على مقدار ما بذلاه من نفع ومال والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل استأجر من ثلاثة نفر قطعة أرض وبئر ماء معين بأجرة معلومة وزرعها ~~إنسان ثم إنه باع النصف من الإنسان المذكور لأحد المؤجرين وبقي على ملكه ~~النصف من الإنسان المذكور ودفع الأجرة للآخرين المذكورين عن حصتهما خاصة ~~ولم يدفع للمشترى من الأجرة المذكورة وعند وفاته أشهد أن جميع ما يخص ~~المشترى من الأجرة المذكورة باق في ذمته على حكمه ولم يخلف سوى PageV30P251 ~~نصف الإنسان وعليه الأجرة المذكورة وعليه صداق زوجته فهل له أن يأخذ أسوة ~~الشركاء أو يحاصصهم ينظر ماله بحكم غيره أفتونا ### ||||| فأجاب # الأجرة التى كان يستحقها أحد المؤجرين على المستأجر باقية في ذمته ~~ولو لم يقر ببقائها فإذا أقر ببقائها كان هذا مؤكدا لكن لغرمائه عليه ~~اليمين أنه لم يبر المستأجر من هذه الأجرة لا بوفاء ولا إبراء ولا غير ذلك ~~لكن من حين انتقلت لإنسان فلشركته مطالبته بحقهم من الأجرة من حين انتقلت ~~إليه وهذه الأجرة دين من الديون يحاص بها سائر الغرماء ### |||| وسئل # عن رجل أقطع فدان طين وتركه بديوان الأحباس فزرعه ثم مات الجندي فترك ~~عليه غيره فمنع من ذلك فأخذ توقيع السلطان المطلق له بأن يجري على عادته ~~فمنعه وقد زرعه فهل له أجرة الأرض أم الزرع ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان المقطع أعطاه إياه من إقطاعه وخرج من ديوان ~~الإقطاع إلى ديوان الأحباس الذى لا يقطع وأمضى ذلك PageV30P252 فليس للمقطع ~~الثانى انتزاعه # وأما إن كان المقطع الأول تبرع له به من إقطاعه وللمقطع الثاني أن يتبرع ~~وأن لا يتبرع فالأمر موكول للثانى والزرع لمن زرعه ولصاحب الأرض أجرة المثل ~~من حين أقطع إلى حين كمال الإنتفاع وأما قبل إقطاعه فالمنفعة كانت للأول ~~المتبرع لا للثانى والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن راعى أبقار سرح بالأبقار ms8769 ليسقيها من مورد جرت العادة بسقي الأبقار ~~منها فعند فراغ سقي الأبقار لحق إحدى الأبقار مرض من جهة الله تعالى فسقطت ~~في الماء فتسبب الناس في إقامتها فلم تقم فجروها إلى البر لتقوم فلم تقم ~~ولم يكن بها ضرب ولا غيره فحضر وكيل مالكها وجماعة من الناس وشاهدوا ما ~~أصابها ورأوا ذبحها مصلحة فذبحوها فهل يلزم الراعى قيمتها ### ||||| فأجاب # لا يلزم الراعي شيء إذا لم يكن منه تفريط ولا عدوان بل أن كان ~~الأمر كما ذكروا لا يلزم أيضا من ذبحها شيء فإنهم قد أحسنوا فيما فعلوا فإن ~~ذبحها خير من تركها حتى تموت وقد فعل مثل هذا راع على عهد النبي ولم ينكر ~~PageV30P253 النبى ذلك ولا بين أنه ضامن # وهو نظير خرق صاحب موسى السفينة لينتفع بها أهلها مرقوعة فإن ذلك خير لهم ~~من ذهابها بالكلية ومثل هذا لو رأى الرجل مال أخيه المسلم يتلف بمثل هذا ~~فأصلحه بحسب الإمكان كان ماجورا عليه وإن نقصت قيمته فناقص خير من تالف ~~فكيف إذا كان مؤتمنا كالراعي ونحوه ### |||| وسئل # عن رجل يكون راعي إبل أو غنم ثم إن بعض الماشية تمرض أو يتسبب لها أمر ~~فيدركه الموت أو غير راعى ثم أنه يذكي تلك الدابة خشية الهلاك على صاحبها ~~فهل يضمن ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # إذا أدركها الموت فينبغي للراعي أن يذكيها ويحسن في ذلك فإن ذلك ~~خير من أن تموت حتف أنفها ولا ضمان عليه في ذلك والله أعلم PageV30P254 ### |||| وسئل # عن راعي غنم تسلم غنما وسلمها لصبيه وهو عمره اثنا عشر سنة فسرح الغنم ~~فذهب منها رأسان فهل تلزم الصبى الأجير أم الراعى الأصلى ### ||||| فأجاب # يجب ذلك على الذى يسلمها إلى الصبى بغير إذن أصحابها ### |||| وسئل # عن ضمان بساتين بدمشق وأن الجيش المنصور لما كسر العدو وقدم إلى دمشق ~~ونزل في البساتين رعى زرعهم وغلالهم فاستهلكت الغلال بسبب ذلك فهل لهم ~~الإجاحة في ذلك ### ||||| فأجاب # إتلاف الجيش الذى لا يمكن تضمينه هو من الآفات السماوية كالجراد ~~وإذا تلف الزرع بآفة ms8770 سماوية قبل تمكن الآخر من حصاده فهل توضع فيه الجائحة ~~كما توضع في الثمر المشترى على قولين للعلماء أصحهما وأشبههما بالكتاب ~~والسنة والعدل وضع الجائحة PageV30P255 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن قال أضمنه بكذا وإن أكله الجراد مثلا ### ||||| فأجاب # أن هذا الشرط فاسد فإنه شرط غرر وقمار وإذا كان مع الشرط قد ضمنه ~~بعوض كان ذلك دون عوض المثل إذا خلا من الشرط # وحينئذ يفرق بين صحة العقد وفساده على المشهور فإذا كان العقد فاسدا كان ~~الواجب رد المقبوض به أو قيمته وإن كان صحيحا زيد على نصيب الباقي من ~~المسمى بقدر قيمته مابين القيمة مع الشرط والقيمة مع عدمه # فإذا كان المسمى مثلا ألفا والباقي ثلث الثمرة كان نصيبه ثلث ما بقي من ~~الألف فينظر قيمة الجميع بالشرط فيأخذ تسعمائة ألف ومائتان فيزاد على ~~المسمى ونصيبه ثلثه والله أعلم PageV30P256 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن إستأجر أرضا فلم يأتها المطر المعتاد فتلف الزرع هل توضع الجائحة ### ||||| فأجاب # أما إذا إستأجر أرضا للزرع فلم يأت المطر المعتاد فله الفسخ باتفاق ~~العلماء بل إن تعطلت بطلت الإجارة بلا فسخ في الأظهر # وأما اذا نقصت المنفعة فانه ينقص من الأجرة بقدر ما نقصت المنفعة نص على ~~هذا أحمد بن حنبل وغيره فيقال كم اجرة الأرض مع حصول الماء المعتاد فيقال ~~ألف درهم ويقال كم اجرتها مع نقص المطر هذا النقص فيقال خمسمائة درهم فيحط ~~عن المستأجر نصف الأجرة المسماة فإنه تلف بعض المنفعة المستحقة بالعقد قبل ~~التمكن من استيفائها فهو كما لو تلف بعض المبيع قبل التمكن من قبضه # وكذلك لو اصاب الأرض جراد أو نار أو جائحة اتلف بعض الزرع فإنه ينقص من ~~الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة # وأما ما تلف من الزرع فهو من ضمان مالكه لا يضمنه له رب PageV30P257 ~~الأرض باتفاق العلماء ولما رأى بعض العلماء اتفاق العلماء على هذا ظن انهم ~~متفقون على انه لا ينقص من الأجرة المسماة بقدر ما نقص من المنفعة ولم يميز ~~بين كون المنفعة مضمونة على ms8771 المؤجر حتى تنقضى المدة بخلاف الزرع نفسه فإنه ~~ليس مضمونا عليه # وقد اتفق العلماء على انه لو نقصت المنفعة المستحقة بالعقد كان للمستأجر ~~الفسخ كما لو استأجر طاحونا أو حماما أو بستانا له ماء معلوم فنقص ذلك ~~الماء نقصا فاحشا عما جرت به العادة بخلاف الجائحة في بيع الثمار فان فيها ~~نزاعا مشهورا فلو اشترى ثمرا قبل بدو صلاحه فأصابته جائحة كان من ضمان ~~البائع في مذهب مالك واحمد وهو قول الشافعى الذى علقه على صحة الخبر وقد صح ~~الخبر في صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( ان بعت من اخيك ~~ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك ان تأخذ من مال اخيك شيئا بم يأخذ احدكم ~~مال اخيه بغير حق ( # واشترط مالك ان يكون كثيره فوق الثلث وهو رواية عن أحمد وظاهر مذهبه وضع ~~القليل والكثير والمسألة لا تجيء على قول ابى حنيفة فانه لا يفرق بين ما ~~قبل بدو الصلاح وما بعده بل يوجب العقد عند القطع في الحال مطلقا ولو شرط ~~التبقية ولو بعد بدو الصلاح لم يجز والثلاثة يفرقون ( بين ) ما قبل بدو ~~الصلاح وما PageV30P258 بعده كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة # وأما ضمان البساتين عاما أو اعواما ليستغلها الضامن بسقيه وعمله كالإجارة ~~ففيها نزاع # وكذلك اذا بدا الصلاح في جنس من الثمر كالتوت فهل يباع جميع البستان فيه ~~نزاع والأظهر جواز هذا وهذا كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع ### |||| وسئل رحمه الله # عن الرجل يكتري ارضا للزرع فتصيبه آفة فيهلك فهل فيه جائحة أم لا ### ||||| فأجاب # أما إذا اكترى أرضا للزرع فأصابته آفة فهذه ( مسألة وضع الجوائح في ~~الثمر ( فإن اشترى ثمرا قد بدا صلاحه فأصابته جائحة أتلفته قبل كمال صلاحه ~~فإنه يتلف من ضمان البائع عند فقهاء المدينة كمالك وغيره وفقهاء الحديث ~~كأحمد وغيره وهو قول معلق للشافعى فإن الشافعى علق القول بصحة الحديث ~~والحديث قد ثبت في صحيح مسلم عن النبى قال PageV30P259 إذا بعت من أخيك ~~ثمرة فأصابتها ms8772 جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا بم يأخذ أحدكم ~~مال أخيه بغير حق ( والإعتبار يؤيد هذا القول فإن المبيع تلف قبل تمكن ~~المشترى من قبضه فأشبه ما لو تلفت منافع العين المؤجرة قبل التمكن من ~~استيفائها فإذا قيل هذه الثمرة تلفت بعد القبض قبل قبض الثمرة التى لم يكمل ~~صلاحها من جنس قبض المنافع فإن المقصود إنما هو جذاذها بعد كمال الصلاح ~~ولهذا إذا شرط المشترى في قبضها بعد كمال الصلاح كانت من ضمانه # وقد تنازع الفقهاء هل يجوز له أن يبيعها قبل الجذاذ على قولين هما ~~روايتان عن أحمد # أحدهما لا يجوز لأنه بيع للمبيع قبل قبضه إذ لو كانت مقبوضة لكانت من ~~ضمانه # والثاني يجوز بيعها وهو الصحيح لأنه قبضها القبض المبيح للتصرف وإن لم ~~يقبضها القبض الناقل للضمان كقبض العين المؤجرة فإنه إذا قبضها جاز له ~~التصرف في المنافع وإن كانت إذا تلفت تكون من ضمان المؤجر لكن تنازع ~~الفقهاء هل له أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها به على ثلاثة أقوال هي ثلاث ~~روايات عن أحمد PageV30P260 قيل يجوز كقول الشافعى وقيل لا يجوز كقول أبى ~~حنيفة وصاحبيه لأنه ربح فيما لم يضمن لأن المنافع لم يضمنها وقيل إن أحدث ~~فيها عمارة جاز وإلا فلا والأول أصح لأنها مضمونة عليه بالقبض بمعنى أنه ~~إذا لم يستوفها تلفت من ضمانه لا من ضمان المؤجر كما لو تلف الثمر بعد بدو ~~صلاحه والتمكن من جذاذه ولكن إذا تلفت العين المؤجرة كانت المنافع تالفة من ~~ضمان المؤجر لأن المستأجر لم يتمكن من استيفائها فيفرق بين ما قبل التمكن ~~وبعده ### ||| فصل # وأما إذا استأجر أرضا للإزدراع فأصابتها آفة فإذا تلف الزرع بعد تمكن ~~المستأجر من أخذه مثل أن يكون في البيدر فيسرقه اللص أو يؤخر حصاده عن ~~الوقت حتى يتلف فهنا يجب على المستأجر الأجرة # وأما إذا كانت الآفة مانعة من الزرع فهنا لا أجرة عليه بلا نزاع # وأما إذا نبت الزرع ولكن الآفة منعته من تمام صلاحه ms8773 مثل PageV30P261 نار ~~أو ريح أو برد أو غير ذلك مما يفسده بحيث لو كان هناك زرع غيره لأتلفته ~~فهنا فيه قولان # أظهرهما أن يكون من ضمان المؤجر لأن هذه الآفة أتلفت المنفعة المقصودة ~~بالعقد لأن المقصود بالعقد المنفعة التى يثبت بها الزرع حتى يتمكن من حصاده ~~فإذا حصل للأرض ما يمنع هذه المنفعة مطلقا بطل المقصود بالعقد قبل التمكن ~~من استيفائه # ومثل هذا لوكانت الأرض سبخة فتلف الزرع أوكانت إلى جانب بحر أو نهر فأتلف ~~الماء تلك الأرض قبل كمال الزرع ونحو ذلك ففى هذه الصور كلها تتلف من ضمان ~~المؤجر وليس على المستأجر أجرة ما تعطل الإنتفاع به كما لو ماتت الدابة ~~المستأجرة أو انقطع الماء ولم يمكن الإنتفاع بها في شيء من المنفعة ~~المقصودة بالعقد وأمثال هذه الصور وليس هذا مثل أن يسرق ماله أو يحترق من ~~الدار فإن المنفعة المقصودة بالعقد لم تتغير فإنه يمكن أن ينتفع بها هو ~~وغيره بأن يحفظها من اللص أو الحريق # ونظير ذلك أن يتلف المال الذى اكترى الدابة لحمله فإن الأجرة عليه بخلاف ~~ما إذا كانت الآفة مانعة من الإنتفاع مطلقا له ولغيره فإن هذا بمنزلة موت ~~الدابة واحتراق الدار المؤجرة ونظير سرقة PageV30P262 متاعه من الدار أن ~~يسرق سارق زرعه وأما إذا جاء جيش عام فأفسد الزرع فهذه آفة سماوية فإن هذا ~~لا يمكن تضمينه ولا الإحتراز منه ونظيره أن يجيء جيش عام فيخرج الناس من ~~مساكنهم التى يسكنونها ### || 1 ( قاعدة فى وضع الجوائح ) 1 # وقال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله تسليما ! 8 < ### ||| فصل # في ( وضع الجوائح ( في المبايعات والضمانات والمؤاجرات مما تمس الحاجة ~~إليه وذلك داخل في ( قاعدة تلف المقصود المعقود عليه قبل التمكن من قبضه ~~PageV30P263 قال الله تعالى في كتابه @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ms8774 منكم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا ~~فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون @QE@ ) وقال تعالى فيما ذم به ~~بنى إسرائيل @QB@ فبما نقضهم ميثاقهم @QE@ إلى قوله @QB@ وأخذهم الربا وقد ~~نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل @QE@ # ومن أكل أموال الناس بالباطل أخذ أحد العوضين بدون تسليم العوض الآخر لأن ~~المقصود بالعهود والعقود المالية هوالتقابض فكل من العاقدين يطلب من الآخر ~~تسليم ما عقد عليه ولهذا قال تعالى ( وإتقوا الله الذى تساءلون به ) أي ~~تتعاهدون وتتعاقدون وهذا هو موجب العقود ومقتضاها لأن كلا من المتعاقدين ~~أوجب على نفسه بالعقد ما طلبه الآخر وسأله منه # فالعقود موجبة للقبوض والقبوض هي المسؤولة المقصودة المطلوبة ولهذا تتم ~~العقود بالتقابض من الطرفين حتى لو أسلم الكافران بعد التقابض في العقود ~~التى يعتقدون صحتها أو تحاكما إلينا لم نتعرض لذلك لانقضاء العقود ~~بموجباتها ولهذا نهى عن بيع الكالئ بالكالئ لأنه عقد وإيجاب على النفوس بلا ~~حصول مقصود لأحد الطرفين ولا لهما ولهذا حرم الله الميسر الذى منه بيع ~~الغرر ومن الغرر ما يمكنه قبضه PageV30P264 وعدم قبضه كالدواب الشاردة لأن ~~مقصود العقد وهو القبض غير مقدور عليه # ولهذا تنازع العلماء في ( بيع الدين على الغير ( وفيه عن أحمد روايتان ~~وإن كان المشهور عند أصحابه منعه # وبهذا وقع التعليل في بيع الثمار قبل بدو صلاحها كما في الصحيحين عن أنس ~~بن مالك ( أن رسول الله نهى عن بيع الثمار حتى تزهى ( قيل وما تزهى قال ( ~~حتى تحمر ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ارأيت اذا منع الله الثمرة ~~بم يأخذ احدكم مال اخيه ( وفى لفظ انه ( نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ~~وعن النخل حتى يزهو قيل وما يزهو قال يحمار ويصفار ( وفى لفظ ان النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( نهى عن بيع الثمر حتى تزهو فقلت لأنس ما زهوها قال تحمر ~~وتصفر أرأيت ان منع الله الثمر بم تستحل مال اخيك ( وهذه الفاظ البخارى ~~وعند مسلم ( نهى عن بيع ثمر ms8775 النخل حتى يزهو ( وعنده أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( إن لم يثمرها الله فبم يستحل احدكم مال اخيه ( قال أبو مسعود ~~الدمشقي جعل مالك والدراوردي قول انس أرأيت ان منع الله الثمرة من حديث ~~النبى أدرجاه فيه ويرون أنه غلط PageV30P265 وفيما قاله أبو مسعود نظر # وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين ليس فيه نزاع وهو من الأحكام التى يجب ~~اتفاق الأمم والملل فيها في الجملة فإن مبنى ذلك على العدل والقسط الذى ~~تقوم به السماء والأرض وبه أنزل الله الكتب وارسل الرسل كما قال تعالى ( ~~لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط ( # وذلك ان المعاوضة كالمبايعة والمؤاجرة مبناها على المعادلة والمساواة من ~~الجانبين لم يبذل احدهما ما بذله الا ليحصل له ما طلبه فكل منهما آخذ معط ~~طالب مطلوب فإذا تلف المقصود بالعقد المعقود عليه قبل التمكن من قبضه مثل ~~تلف العين المؤجرة قبل التمكن من قبضها وتلف ما بيع بكيل أو وزن قبل تمييزه ~~بذلك واقباضه ونحو ذلك لم يجب على المؤجر أو المشترى اداء الأجرة أو الثمن # ثم ان كان التلف على وجه لا يمكن ضمانه وهو التلف بأمر سماوي بطل العقد ~~ووجب رد الثمن إلى المشترى ان كان قبض منه وبريء منه ان لم يكن قبض وان كان ~~على وجه يمكن فيه الضمان وهو ان يتلفه آدمى يمكن تضمينه فللمشتري الفسخ ~~لأجل تلفه قبل التمكن من قبضه وله الإمضاء لإمكان مطالبة المتلف فإن ~~PageV30P266 فسخ كانت مطالبة المتلف للبائع وكان للمشترى مطالبة البائع ~~بالثمن ان كان قبضه وان لم يفسخ كان عليه الثمن وله مطالبة المتلف لكن ~~المتلف لايطالب الا بالبدل الواجب بالإتلاف والمشتري لا يطالب الا بالمسمى ~~الواجب بالعقد # ولهذا قال الفقهاء من اصحابنا وغيرهم ان المتلف اما ان يكون هوالبائع ~~اوالمشترى أو ثالثا أو يكون بأمرسماوي فان كان هو المشترى فإتلافه كقبضه ~~يستقر به العوض وان كان بأمر سماوي انفسخ العقد وان كان ثالثا فالمشترى ~~بالخيار وان كان المتلف هو ms8776 البائع فأشهر الوجهين انه كإتلاف الأجنبى ~~والثانى انه كالتلف السماوي # وهذا الأصل مستقر في جميع المعاوضات إذا تلف المعقودعليه قبل التمكن من ~~القبض تلفا لا ضمان فيه انفسخ العقد وان كان فيه الضمان كان في العقد ~~الخيار وكذلك سائر الوجوه التى يتعذر فيها حصول المقصود بالعقد من غير اياس ~~مثل ان يغصب المبيع أو المستأجر غاصب أو يفلس البائع بالثمن أو يتعذر فيها ~~ماتستحقه الزوجة من النفقة والمتعة والقسم أو مايستحقه الزوج من المتعة ~~ونحوها ولاينتقض هذا بموت أحد الزوجين لأن ذلك تمام العقد ونهايته ولا ~~بالطلاق قبل الدخول لأن نفس حصول الصلة بين الزوجين أحد مقصودي العقد ولهذا ~~ثبتت به حرمة المصاهرة في غير الربيبة PageV30P267 ### ||| فصل # والأصل في ان تلف المبيع والمستأجر قبل التمكن من قبضه ينفسخ به العقد من ~~السنة ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ( لو ~~بعت من اخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك ان تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال ~~اخيك بغير حق ( وفى رواية اخرى ( ان رسول الله امر بوضع الجوائح ( # فقد بين النبى في هذا الحديث الصحيح انه اذا باع ثمرا فأصابته جائحة فلا ~~يحل له ان يأخذ منه شيئا ثم بين سبب ذلك وعلته فقال ( بم تأخذ مال اخيك ~~بغير حق ( وهذا دلالة على ما ذكره الله في كتابه من تحريم اكل المال ~~بالباطل وانه اذا تلف المبيع قبل التمكن من قبضه كان اخذ شيء من الثمن اخذ ~~ماله بغير حق بل بالباطل وقد حرم الله اكل المال بالباطل لأنه من الظلم ~~المخالف للقسط الذى تقوم به السماء والأرض وهذا الحديث اصل في هذا الباب ~~PageV30P268 # والعلماء وان تنازعوا في حكم هذا الحديث كما سنذكره واتفقوا على ان تلف ~~المبيع قبل التمكن من القبض يبطل العقد ويحرم اخذ الثمن فلست اعلم عن النبى ~~حديثا صحيحا صريحا في هذه القاعدة وهي ( إن تلف المبيع قبل التمكن من القبض ~~يبطل العقد ) غير هذاالحديث # وهذا له نظائر متعددة ms8777 قد ينص النبى صلى الله عليه وسلم نصا يوجب قاعدة ~~ويخفى النص على بعض العلماء حتى يوافقوا غيرهم على بعض أحكام تلك القاعدة ~~ويتنازعوا فيما لم يبلغهم فيه النص مثل اتفاقهم على المضاربة ومنازعتهم في ~~المساقاة والمزارعة وهما ثابتان بالنص والمضاربة ليس فيها نص وإنما فيها ~~عمل الصحابة رضي الله عنهم # ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون اصلا بالنص ويفرعون عليه لا ينازعون في ~~الأصل المنصوص ويوافقون فيما لا نص فيه ويتولد من ذلك ظهور الحكم المجمع ~~عليه لهيبة الإتفاق في القلوب وانه ليس لأحد خلافة # وتوقف بعض الناس في الحكم المنصوص وقد يكون حكمه اقوى من المتفق عليه وان ~~خفي مدركه على بعض العلماء فليس ذلك بمانع PageV30P269 من قوته في نفس ~~الامر حتى يقطع به من ظهر له مدركه # ووضع الجوائح من هذا الباب فإنها ثابتة بالنص وبالعمل القديم الذى لم ~~يعلم فيه مخالف من الصحابة والتابعين وبالقياس الجلي والقواعد المقررة بل ~~عند التأمل الصحيح ليس في العلماء من يخالف هذا الحديث على التحقيق # وذلك ان القول به هو مذهب اهل المدينة قديما وحديثا وعليه العمل عندهم من ~~لدن رسول الله إلى زمن مالك وغيره وهو مشهور عن علمائهم كالقاسم بن محمد ~~ويحيى بن سعيد القاضي ومالك وأصحابه وهو مذهب فقهاء الحديث كالإمام أحمد ~~واصحابه وابى عبيد والشافعى في قوله القديم واما في القول الجديد فإنه علق ~~القول به على ثبوته لأنه لم يعلم صحته فقال رضى الله عنه لم يثبت عندي ان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم امر بوضع الجوائح ولو ثبت لم اعده ولو كنت ~~قائلا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير # فقد اخبر انه انما لم يجزم به لأنه لم يعلم صحته وعلق القول به على ثبوته ~~فقال لو ثبت لم اعده والحديث ثابت عند اهل الحديث لم يقدح فيه أحد من علماء ~~الحديث بل صححوه ورووه في الصحاح والسنن رواه مسلم وابو داود وبن ماجه ~~والإمام أحمد فظهر وجوب القول به PageV30P270 على أصل الشافعى أصلا # وأما ms8778 أبو حنيفة فإنه لا يتصور الخلاف معه في هذا الأصل على الحقيقة لأن ~~من اصله انه لا يفرق بين ما قبل بدو الصلاح وبعده ومطلق العقد عنده وجوب ~~القطع في الحال ولو شرط التبقية بعد بدو الصلاح لم يصح عنده بناء على ما ~~رآه من أن العقد موجب التقابض في الحال فلا يجوز تأخيره لأنه شرط يخالف ~~مقتضى العقد فإذا تلف الثمر عنده بعد البيع والتخلية فقد تلف بعد وجوب قطعه ~~كما لو تلف عند غيره بعد كمال صلاحه وطرد أصله في الإجارة فعنده لا يملك ~~المنافع فيها إلا بالقبض شيئا فشيئا لا تملك بمجرد العقد وقبض العين ولهذا ~~يفسخها بالموت وغيره # ومعلوم أن الأحاديث عن النبى متواترة في التفريق بين ما بعد بدو الصلاح ~~وقبل بدوه كما عليه جماهير العلماء حيث نهى النبى عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها وذلك ثابت في الصحاح من حديث بن عمر وبن عباس وجابر وأنس وأبى هريرة ~~فلو كان أبو حنيفة ممن يقول ببيع الثمار بعد بدو صلاحها مبقاة إلى كمال ~~الصلاح ظهر النزاع معه # والذين ينازعون في وضع الجوائح لا ينازعون في أن المبيع إذا PageV30P271 ~~تلف قبل التمكن من القبض يكون من ضمان البائع بل الشافعى أشد الناس في ذلك ~~قولا فإنه يقول إذا تلف قبل القبض كان من ضمان البائع في كل مبيع ويطرد ذلك ~~في غير البيع وأبو حنيفة يقول به في كل منقول ومالك وأحمد القائلان بوضع ~~الجوائح يفرقان بين ما أمكن قبضه كالعين الحاضرة ومالم يمكن قبضه لما روى ~~البخارى من رواية الزهري عن سالم عن بن عمر قال ( مضت السنة أن ما أدركته ~~الصفقة حبا مجموعا فهو من مال المشترى ( # وأما النزاع في أن تلف الثمر قبل كمال صلاحه تلف قبل التمكن من القبض أم ~~لا فإنهم يقولون هذا تلف بعد قبضه لأن قبضه حصل بالتخلية بين المشترى وبينه ~~فإن هذا قبض العقار وما يتصل به بالإتفاق ولأن المشترى يجوز تصرفه فيه ~~بالبيع وغيره وجواز التصرف يدل ms8779 على حصول القبض لأن التصرف في المبيع قبل ~~القبض لا يجوز فهذا سر قولهم # وقد احتجوا بظاهر من أحاديث معتضدين بها مثل ما رواه مسلم في صحيحه عن ~~أبى سعيد قال أصيب رجل في عهد رسول الله في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال ~~رسول الله ( تصدقوا عليه ( فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال ~~رسول الله لغرمائه ( خذوا ما PageV30P272 وجدتم وليس لكم إلا ذلك ومثل ما ~~روى في الصحيحين أن امرأة أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت أن ابنى ~~اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة فسأله أن يضع عنه فتألى أن لا يفعل ~~فقال النبى ( تألى أن لايفعل خيرا ( # ولا دلالة في واحد من الحديثين أما الأول فكلام مجمل فإنه حكى أن رجلا ~~اشترى ثمارا فكثرت ديونه فيمكن أن السعر كان رخيصا فكثر دينه لذلك ويحتمل ~~أنها تلفت أو بعضها بعد كمال الصلاح أو حوزها إلى الجرين أو إلى البيت أو ~~السوق ويحتمل أن يكون هذا قبل نهيه أن تباع الثمار قبل بدو صلاحها ولو فرض ~~أن هذا كان مخالفا لكان منسوخا لأنه باق على حكم الأصل وذاك ناقل عنه وفيه ~~سنة جديدة فلو خولفت لوقع التغيير مرتين # وأما الحديث الثانى فليس فيه إلا قول النبى ( تألى أن لايفعل خيرا ( ~~والخير قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا ولم يحكم عليه لعدم مطالبة الخصم ~~وحضور البينة أو الإقرار ولعل التلف كان بعد كمال الصلاح # وقد اعترض بعضهم على حديث الجوائح بأنه محمول على بيع الثمر قبل بدو ~~صلاحه كما في حديث أنس وهذا باطل لعدة أوجه PageV30P273 أحدها أن النبى قال ~~( إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة والبيع المطلق لا ينصرف إلا إلى ~~البيع الصحيح # ( والثانى ) أنه أطلق بيع الثمرة ولم يقل قبل بدو صلاحها فأما تقييده ~~ببيعها قبل بدو صلاحها فلا وجه له # ( الثالث ) أنه قيد ذلك بحال الجائحة وبيع الثمر قبل بدو صلاحه لا يجب ~~فيه ثمن بحال # ( الرابع ) أن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون فلو كان ms8780 الثمر على الشجر ~~مقبوضا لوجب أن يكون مضمونا على المشترى في العقد الفاسد وهذا الوجه يوجب ~~أن يحتج بحديث أنس على وضع الجوائح في البيع الصحيح كما توضع في البيع ~~الفاسد لأن ما ضمن في الصحيح ضمن في الفاسد وما لا يضمن في الصحيح لا يضمن ~~في الفاسد # وأما قولهم أنه تلف بعد القبض فممنوع بل نقول ذلك تلف قبل تمام القبض ~~وكماله بل وقبل التمكن من القبض لأن البائع عليه تمام التربية من سقي الثمر ~~حتى لو ترك ذلك لكان مفرطا ولو فرض أن البائع فعل ما يقدر عليه من التخلية ~~فالمشتري إنما عليه أن يقبضه على الوجه المعروف المعتاد فقد وجد التسليم ~~دون تمام التسلم وذلك PageV30P274 أحد طرفى القبض ولم يقدر المشترى إلا على ~~ذلك وإنما على المشترى أن يقبض المبيع على الوجه المعروف المعتاد الذى ~~إقتضاه العقد سواء كان القبض مستعقبا للعقد أو مستأخرا وسواء كان جملة أو ~~شيئا فشيئا # ونحن نطرد هذا الأصل في جميع العقود فليس من شرط القبض أن يستعقب العقد ~~بل القبض يجب وقوعه على حسب ما اقتضاه العقد لفظا وعرفا ولهذا يجوز استثناء ~~بعض منفعة المبيع مدة معينة وإن تأخر بها القبض على الصحيح كما يجوز بيع ~~العين المؤجرة ويجوز بيع الشجر واستثناء ثمره للبائع وإن تأخر معه كمال ~~القبض ويجوز عقد الإجارة لمدة لا تلي العقد # وسر ذلك أن القبض هو موجب العقد فيجب في ذلك ما أوجبه العاقدان بحسب ~~قصدهما الذى يظهر بلفظهما وعرفهما ولهذا قلنا أن شرطا تعجيل القطع جاز إذا ~~لم يكن فيه فساد يحظره الشرع فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما ~~أو حرم حلالا وإن أطلقا فالعرف تأخير الجذاذ والحصاد إلى كمال الصلاح # وأما استدلالهم بأن القبض هو التخلية فالقبض مرجعه إلى عرف الناس حيث لم ~~يكن له حد في اللغة ولا في الشرع وقبض ثمر الشجر PageV30P275 لابد فيه من ~~الخدمة والتخلية المستمرة إلى كمال الصلاح بخلاف قبض مجرد الأصول وتخلية كل ~~شيء بحسبه ودليل ms8781 ذلك المنافع في العين المؤجرة # وأما استدلالهم بجواز التصرف فيه بالبيع فعن أحمد في هذه المسألة روايتان ~~( احداهما ) لا يجوز بيعه ما دام مضمونا على البائع لآنه بيع مالم يقبض فلا ~~يجوز وعلى هذا يمنع الحكم في الأصل # ( والرواية الثانية ) يجوز التصرف وعلى هذه الرواية فذلك بمنزلة منافع ~~الإجارة بأنها لو تلفت قبل الإستيفاء كانت من ضمان المؤجر بالإتفاق ومع هذا ~~فيجوز التصرف فيها قبل القبض وذلك لأنه في الموضعين حصل الإقباض الممكن ~~فجاز التصرف فيه باعتبار التمكن ولم يدخل في الضمان لانتفاء كماله وتمامه ~~الذى به يقدر المشترى والمستأجر على الإستيفاء وعلى هذا فعندنا لا ملازمة ~~بين جواز التصرف والضمان بل يجوز التصرف بلا ضمان كما هنا وقد يحصل الضمان ~~بلا جواز تصرف كما في المقبوض قبضا فاسدا كما لو اشترى قفيزا من صبرة فقبض ~~الصبرة كلها وكما في الصبرة قبل نقلها على إحدى الروايتين اختارها الخرقى ~~وقد يحصلان جميعا وقد لا يحصلان جميعا PageV30P276 # ولنا في جواز إيجار العين المؤجرة بأكثر من أجرتها روايتان لما في ذلك من ~~ربح مالم يضمن ورواية ثالثة إن زاد فيها عمارة جازت زيادة الأجرة فتكون ~~الزيادة في مقابلة الزيادة فالروايتان في بيع الثمار المشتراة نظير ~~الروايتين في إيجار العين المؤجرة ولو قيل في الثمار إنما يمنع من الزيادة ~~على الثمن كرواية المنع في الإجارة لتوجه ذلك # وبهذا الكلام يظهر المعنى في المسألة وإن ذلك تلف قبل التمكن من القبض ~~المقصود بالعقد فيكون مضمونا على البائع كتلف المنافع قبل التمكن من قبضها ~~وذلك لأن التخلية ليست مقصودة لذاتها وإنما مقصودها تمكن المشتري من قبض ~~المبيع والثمر على الشجر ليس بمحرز ولا مقبوض ولهذا لا قطع فيه ولا المقصود ~~بالعقد كونه على الشجر وإنما المقصود حصاده وجذاذه ولهذا وجب على البائع ما ~~به يتمكن من جذاذه وسقيه والأجزاء الحادثة بعد البيع داخلة فيه وإن كانت ~~معدومة كما تدخل المنافع في الإجارة وإن كانت معدومة فكيف يكون المعدوم ~~مقبوضا قبضا مستقرا موجبا لانتقال الضمان PageV30P277 ### ||| فصل # وعلى ms8782 هذا الأصل تتفرع المسائل فالجائحة هي الآفات السماوية التى لا يمكن ~~معها تضمين أحد مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك ~~كما لو تلف بها غير هذا المبيع فإن اتلفها آدمى يمكن تضمينه أو غصبها غاصب ~~فقال اصحابنا كالقاضي وغيره هي بمنزلة اتلاف المبيع قبل التمكن من قبضه ~~يخير المشترى بين الإمضاء والفسخ كما تقدم وان اتلفها من الآدميين من لا ~~يمكن ضمانه كالجيوش التى تنهبها واللصوص الذين يخربونها فخرجوا فيه وجهين # ( أحدهما ) ليست جائحة لأنها من فعل آدمي ( والثاني ) وهو قياس أصول ~~المذهب انها جائحة وهو مذهب مالك كما قلنا مثل ذلك في منافع الإجارة لأن ~~المأخذ انما هو امكان الضمان ولهذا لو كان المتلف جيوش الكفار أو اهل الحرب ~~كان ذلك كالآفة السماوية والجيوش واللصوص وان فعلوا ذلك ظلما ولم يمكن ~~تضمينهم فهم بمنزلة البرد في المعنى ولو كانت الجائحة قد عيبته ولم تتلفه ~~فهو كالعيب PageV30P278 الحادث قبل التمكن من القبض وهو كالعيب القديم يملك ~~به أو الأرش حيث يقول به # وإذا كان ذلك بمنزلة تلف المبيع قبل التمكن من قبضه فلا فرق بين قليل ~~الجائحة وكثيرها في اشهر الروايتين وهى قول الشافعى وابى عبيدة وغيرهما من ~~فقهاء الحديث لعموم الحديث والمعنى # و ( الثانية ) ان الجائحة الثلث فما زاد كقول مالك لأنه لابد من تلف بعض ~~الثمر في العادة فيحتاج إلى تقدير الجائحة فتقدر بالثلث كما قدرت به الوصية ~~والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك لأن النبى قال ( الثلث والثلث كثير ( # وعلى الرواية الأولى يقال الفرق مرجعه إلى العادة فما جرت العادة بسقوطه ~~أو أكل الطير أو غيره له فهو مشروط في العقد والجائحة ما زاد على ذلك واذا ~~زادت على العادة وضعت جميعها وكذلك اذا زادت على الثلث وقلنا بتقديره فانها ~~توضع جميعها وهل الثلث مقدر بثلث القيمة أو ثلث المقدار على وجهين وهما ~~قولان في مذهب مالك PageV30P279 ### ||| فصل # والجوائح موضوعة في جميع الشجر عند اصحابنا وهو مذهب مالك وقد نقل عن ~~أحمد أنه قال ms8783 إنما الجوائح في النخل وقد تأوله القاضي على انه اراد إخراج ~~الزرع والخضر من ذلك ويمكن انه اراد ان لفظ الجوائح الذى جاء به الحديث هو ~~في النخل وباقى الشجر ثابتة بالقياس لا بالنص فإن شجر المدينة كان النخل ~~واما الجوائح فيما يبتاع من الزرع ففيه وجهان ذكرهما القاضي وغيره # ( أحدهما ) لا جائحة فيها قال القاضي وهذا أشبه لأنها لا تباع إلا بعد ~~تكامل صلاحها واوان جذاذها بخلاف الثمرة فإن بيعها جائز بمجرد بدو الصلاح ~~ومدته تطول وعلى هذا الوجه حمل القاضي كلام أحمد إنما الجوائح في النخل ~~يعنى لما كان ببغداد وقد سئل عن جوائح الزرع فقال إنما الجوائح في النخل ~~وكذلك مذهب مالك أنه لا جائحة في الثمرة إذا يبست والزرع لا جائحة فيه كذلك ~~لأنه إنما يباع يابسا وهذا قول من لا يضع الجوائح في الثمر كأبى حنيفة ~~والشافعى في القول الجديد المعلق # ( والوجه الثانى ) فيها الجائحة كالثمرة وهذا هو الذى قطع به PageV30P280 ~~غير واحد من أصحابنا كأبى محمد لم يذكروا فيه خلافا ولم يفرقوا بين ذلك ~~وبين الثمرة لأن النبى ( نهى عن بيع العنب حتى يسود وبيع الحب حتى يشتد ( ~~فبيع هذا بعد إسوداده كبيع هذا بعد اشتداده ومن حين يشتد إلى حين يستحصد ~~مدة قد تصيبه فيها جائحة # ومن أصحابنا من قال ما تكرر حملة كالقثاء والخيار ونحوهما من الخضر ~~والبقول وغيرهما فهو كالشجر وثمره كثمره في ذلك لصحة بيع أصوله صغارا كانت ~~أو كبارا مثمرة أو غير مثمرة ### ||| فصل # هذا إذا تلفت قبل كمال صلاحها ووقت جذاذها فإن تركها إلى حين الجذاذ ~~فتلفت حينئذ فكذلك عند أصحابنا ونقل عن مالك أنها تكون من ضمان المشترى ~~وللشافعى قولان وذلك لأنه لم يبق على البائع شيء من التسليم والمشترى لم ~~يحصل منه تفريط لا خاص ولا عام فإن تأخيرها إلى هذا الحين من موجب العقد ~~فأصحابنا راعوا عدم تمكن المشترى وعدم تفريطه والمنازع راعى تسليم البائع ~~وتمكينه # وأما إن تركها حتى تجاوز وقت نقلها وتكامل بلوغها ms8784 ثم تلفت PageV30P281 ~~ففيها لأصحابنا ثلاثة أوجه # ( أحدها ) أن تكون من ضمان البائع أيضا لعدم كمال قبض المشترى وهو الذى ~~قطع به القاضي في المجرد وبن عقيل وأكثر الأصحاب وهو مذهب مالك والشافعى ~~لكن القاضي في المجرد علله بما إذا لم يكن له عذر دون ما إذا عاقه مرض أو ~~مانع وأما غيره فذهبوا إلى الوجه الثالث وهو عدم اعتبار إمكان الرفع والجد ~~قال إبن عقيل هذا هو الذى يقتضيه مذهبنا وهو كما قال فإن هذه الثمرة بمنزلة ~~المنفعة في الإجارة ولو حال بين المستأجر وبينها حائل يخصه مثل مرضه ونحوه ~~لم تسقط عنه الأجرة بخلاف العام فإنه يسقط أجرة ما ذهب به من المنفعة ### ||| فصل # هذا اذا اشترى الثمرة والزرع فإن اشترى الأصل بعد ظهور الثمر أو قبل ~~التأبير واشترط الثمر فلا جائحة في ذلك عند اصحابنا ومالك وغيرهما ولذلك ~~احترز الخرقى من هذه الصورة فقال واذا اشترى الثمرة دون الأصل فتلفت بجائحة ~~من السماء رجع بها على البائع وذلك لانه هنا حصل القبض الكامل بقبض الاصل ~~ولهذا لا يجب PageV30P282 على البائع سقى ولا مؤونة اصلا فإن المبيع عقار ~~والعقار قبض بالتخلية والثمر دخل ضمنا وتبعا فإذا جاز بيعه قبل صلاحه جاز ~~هنا تبعا ولو بيع مقصودا لم يجز بيعه قبل صلاحه ### ||| فصل # هذا الكلام في البيع المحض للثمر والزرع وأما الضمان والقبالة وهو ان ~~يضمن الأرض والشجر جميعا بعوض واحد لمن يقوم على الشجر والأرض ويكون الثمر ~~والزرع له فهذا العقد فيه ثلاثة أقوال # ( أحدها ) أنه باطل وهذا القول منصوص عن أحمد وهو قول ابى حنيفة والشافعى ~~بناء على انه في ذلك تبعا للثمر قبل بدو صلاحه # ( والثانى ) يجوز اذا كانت الأرض هي المقصودة والشجر تابع لها بأن يكون ~~شجرا قليلا وهذا قول مالك # ( والثالث ) جواز ذلك مطلقا قاله طائفة من اصحابنا وغيرهم منهم بن عقيل ~~وهذا هو الصواب لأن إجارة الأرض جائزة ولا يمكن ذلك إلا بإدخال الشجر في ~~العقد فجاز للحاجة تبعا وان كان في ذلك بيع ms8785 ثمر قبل بدو صلاحه اذا بيع مع ~~الاصل ولان ذلك ليس ببيع PageV30P283 للثمر لأن الضامن هنا هو الذى يسقى ~~الشجر ويزرع الأرض فهو في الشجر بمنزلة المستأجر في الأرض والمبتاع للثمر ~~بمنزلة المشترى للزرع فلا يصح الحاق احدهما بالآخر ولأن عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه قبل حديقة اسيد بن الحضير ثلاث سنين بعد موته واخذ القبالة فوفى ~~بها دينه رواه حرب الكرماني في مسائله وابو زرعة الدمشقي في تاريخه بإسناد ~~صحيح ولأن عمر بن الخطاب ضرب الخراج باتفاق الصحابة على الأرض التى فيها ~~شجر نخل وعنب وجعل للأرض قسطا وللشجر قسطا وذلك إجارة عند اكثر من ينازعنا ~~في هذه المسألة وهو ضمان لأرض وشجر وقد بسطت الكلام في هذه المسألة في ( ~~القواعد الفقهية ( # والغرض هنا ( مسألة وضع الجوائح ( فإذا قلنا لا يصح هذا العقد فكيف ~~الطريق في المعاملة قيل إنه يؤجر الأرض ويساقي على الشجر فيها وهذا قول ~~طائفة من أصحاب الشافعى وغيرهم وهو قول القاضي أبى يعلى في كتاب ( إبطال ~~الحيل ( والمنصوص عن أحمد إبطال هذه الحيلة وهو الصواب كما قررنا في ( كتاب ~~إبطال الحيل ( فساد ذلك من وجوه كثيرة # ( منها ) أنه إن جعل أحد العقدين شرطا في الآخر لم يصح وإن عقدهما عقدين ~~مفردين لم تجز له هذه المحاباة في مال موليه كالوقف PageV30P284 ومال ~~اليتيم ونحوهما ولا مال موكله الغائب ونحوه # ( ومنها ) أنه قد علم إن أعطاه العوض العظيم من الضامن لم يكن لأجل منفعة ~~الأرض التى قد لا تساوى عشر العوض وإنما هو لأجل الثمرة وكذلك المالك قد ~~علم أنه لم يشترط لنفسه من الثمرة شيئا وهو لا يطالب بذلك القدر النزر الذي ~~لا قيمة له وإنما جعل الثمرة جميعها للضامن # وفي الجملة فهذا العقد إما أن يصح على الوجه المعروف بين الناس وإما أن ~~لايصح بحال لكن الثانى فيه فساد عظيم لا تحتمله الشريعة فتعين الأول وأما ~~هذه الحيلة فيعرف بطلانها بأدنى نظر # فعلى هذا إذا حصلت جائحة في هذا الضمان فإن قلنا العقد فاسد ms8786 فيكون قد ~~اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها وقد خلى بينه وبينها وتلفت قبل كمال الصلاح أو ~~لم تطلع وقد تقدم أن النبى إنما نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه لقوله ( ~~أرأيت إن منع الله الثمرة ( أو قال ( أرأيت إن لم يثمرها الله فبم يأخذ ~~أحدكم مال أخيه بغير حق وإذا أصابتها جائحة منعت كمال صلاحها وأفسدتها فقد ~~منع الله الثمرة فيجب أن لا يأخذ مال أخيه بغير حق # ومن قال أن الثمرة تضمن بالقبض في العقد الصحيح فيلزمه أن PageV30P285 ~~يقول أنها تضمن بالقبض في العقد الفاسد فإذا تلفت هنا تكون من ضمانه لأن ~~المقبوض بالعقد الفاسد مضمون على المشترى لكن يجب أن يضمنوا قيمتها حين ~~تلفت وقد يكون تلفها في أوائل ظهورها وقيمتها قليلة وقد يكون بعد بدو ~~صلاحها وهذا مما يلزمهم فيه إلزاما قويا وهو أنه إذا اشتراها بعد بدو ~~صلاحها مستحقة التبقية فكثير من أجزائها وصفاتها لم يخلق بعد فإذا تلفت ~~بجائحة ولم نضع عنه الجائحة فيجب أن لا يضمن إلا ما قبضه دون ما لم يخلق ~~بعد ولم يقبضه فيجب أن ينظر قيمتها حين أصابتها الجائحة فينسب ذلك إلى ~~قيمتها وقت بدو الصلاح فيضمن من الثمن بقدر ذلك بمنزلة من قبض بعض المبيع ~~وبعض منفعة الإجارة دون بعض فإنه يضمن ما قبضه دون مالم يقبضه بعد # فأما ان يجعل الأجزاء والصفات المعدومة التى لم تخلق بعد من ضمانه وهى لم ~~توجد فهذا خلاف أصول الإسلام وهو ظلم بين لا وجه له ومن قاله فعليه أن يقول ~~أنه إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها وقبض أصلها ولم يخلق منها شيء لآفة ~~منعت الطلع أن يضمن الثمن جميعه للبائع وهذا خلاف النص والإجماع ويلزمه أن ~~يقول أنه لو بدا صلاحها في العقد الفاسد وتلفت بآفة سماوية أن يضمن جميع ~~الثمرة كما يضمنها عنده بالعقد الصحيح فإن ما ضمن بالقبض في أحدهما ~~PageV30P286 ضمن بالقبض في الآخر إلا أنه يضمن هنا بالمسمى وهناك بالبدل ~~وهذه حجة قوية لا محيص عنها ms8787 فإنه أن جعل ما لم يخلق من الأجزاء مقبوضا لزمه ~~أن يضمن في العقد الفاسد وإن جعله غير مقبوض لزمه أن لا يضمن في العقد ~~الصحيح والأول باطل قطعا مخالف للنص والإجماع # ومن قال من الكوفيين أن المعقود عليه هو ما وجد فقط وهو المقبوض فقد سلم ~~من هذا التناقض لكن لزمه مخالفة النصوص المستفيضة ومخالفة عمل المسلمين ~~قديما وحديثا ومخالفة الأصول المستقرة ومخالفة العدل الذى به تقوم السماء ~~والأرض كما هو مقرر في موضعه # وهذا كالحجج القاطعة على وجوب وضع الجوائح في العقود الصحيحة والفاسدة ~~ووضعها في العقد الفاسد أقوى وأما إذا جعلنا الضمان صحيحا فإنا نقول بوضع ~~الجوائح فيه كما نقوله في الشراء وأولى أيضا وأما من يصحح هذه الحيلة ويرى ~~العقد صحيحا فقد يقول أنت مساق والمساقاة ليس فيها جائحة فيبنى هذا على وضع ~~الجوائح في المساقاة PageV30P287 ### ||| فصل # وأما الجوائح في الإجارة فنقول لا نزاع بين الأئمة أن منافع الإجارة إذا ~~تعطلت قبل التمكن من استيفائها سقطت الأجرة لم يتنازعوا في ذلك كما تنازعوا ~~في تلف الثمرة المبيعة لأن الثمرة هناك قد يقولون قبضت بالتخلية وأما ~~المنفعة التى لم توجد فلم تقبض بحال ولهذا نقل الإجماع على أن العين ~~المؤجرة إذا تلفت قبل قبضها بطلت الإجارة وكذلك إذا تلفت عقب قبضها وقبل ~~التمكن من الإنتفاع إلا خلافا شاذا حكوه عن أبى ثور لأن المعقود عليه تلف ~~قبل قبضه فأشبه تلف المبيع بعد القبض جعلا لقبض العين قبضا للمنفعة # وقد يقال هو قياس قول من يقول بعدم وضع الجوائح لكن يقولون المعقود عليه ~~هنا المنافع وهى معدومة لم تقبض وإنما قبضها باستيفائها أو التمكن من ~~إستيفائها وإنما جعل قبض العين قبضا لها في انتقال الملك والإستحقاق وجواز ~~التصرف فإذا تلفت العين فقد تلفت قبل التمكن من استيفاء المنفعة فتبطل ~~الإجارة # وهذا يلزمهم مثله في الثمرة باعتبار ما لم يوجد من أجزائها PageV30P288 ~~والأصول في الثمرة كالعين في المنفعة وعدم التمكن من استيفاء المقصود ~~بالعقد موجود في الموضعين فأبو ثور ms8788 طرد القياس الفاسد كما طرد الجمهور ~~القياس الصحيح في وضع الجوائح وإبطال الإجارة # وإن تلفت العين في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقى من المدة دون ما ~~مضى وفى إنفساخها في الماضى خلاف شاذ وتعطل بعض الأعيان المستأجرة يسقط ~~نصيبه من الأجرة كتلف بعض الأعيان المبيعة مثل موت بعض الدواب المستأجرة ~~وانهدام بعض الدور # وتعطل المنفعة يكون بوجهين # ( أحدهما ) تلف العين كموت العبد والدابة المستأجرة ( والثاني ) زوال ~~نفعها بأن يحدث عليها ما يمنع نفعها كدار انهدمت وأرض للزرع غرقت أو إنقطع ~~ماؤها فهذه إذا لم يبق فيها نفع فهي كالتالفة سواء لا فرق بينهما عند أحد ~~من العلماء وإن زال بعض نفعها المقصود وبقي بعضه مثل أن يمكنه زرع الأرض ~~بغير ماء ويكون زرعا ناقصا وكان الماء ينحسر عن الأرض التى غرقت على وجه ~~يمنع بعض الزراعة أو نشوء الزرع ملك فسخ الإجارة فإن ذلك كالعيب في البيع ~~ولم تبطل به الإجارة وفي إمساكه بالأرش قولان في المذهب وأن تعطل نفعها بعض ~~المدة لزمه من الأجرة بقدر ما انتفع PageV30P289 به كما قال الخرقى # فإن جاء أمر غالب يحجر المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من ~~الأجرة بمقدار مدة انتفاعه واذا بقي من المنفعة ما ليس هو المقصود بالعقد ~~مثل أن ينقطع الماء عن الأرض المستأجرة للزرع ويمكن الانتفاع بها بوضع حطب ~~ونصب خيمة وكذلك الدار المتهدمة يمكن نصب خيمة فيها والأرض التى غرقت يمكن ~~صيد السمك منها فهل تبطل الإجارة هنا أو يكون هذا كالنقص الذى يملك به ~~الفسخ على وجهين # ( أحدهما ) تبطل وهو قول أكثر العلماء كأبى حنيفة ومالك والشافعى في صورة ~~الهدم لأن هذه المنفعة لما لم تكن هي المقصودة بالعقد كان وجودها وعدمها ~~سواء # ( والثانى ) يملك الفسخ وهو نص الشافعى في صورة انقطاع الماء وقد اختاره ~~القاضي وبن عقيل في بعض المواضع والأول اختاره غيرهما من الأصحاب ~~PageV30P290 ### ||| فصل # إذا تبين هذا فإذا استأجر أرضا للزرع فقد ينقطع الماء عنها أو تغرق قبل ~~الزرع وقد ينقطع ms8789 الماء عنها أو تغرق أو يصيب الزرع آفة بعد زرعها وقبل وقت ~~الحصاد فما الحكم في هذه المسائل # المنصوص عن أحمد والأصحاب وغيرهم في انقطاع الماء أن إنقطاعه بعد الزرع ~~كإنقطاعه قبله أن حصل معه بعض المنفعة وجب من الأجرة بقسط ذلك وإن تعطلت ~~المنفعة كلها فلا أجرة قال أحمد بن القاسم سألت أبا عبد الله عن رجل اكترى ~~أرضا يزرعها وإنقطع الماء عنها قبل تمام الوقت قال يحط عنه من الأجرة بقدر ~~ما لم ينتفع بها أو بقدر إنقطاع الماء عنها فصرح بأن انقطاع الماء بعد ~~الزرع يوجب أن يحط عنه من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة وعلى هذا أصحابنا ~~من غير خلاف أعلمه # وذكر القاضي وغيره أنه إذا اكترى أرضا للزرع فزرعها ثم أصابها غرق آفة من ~~غير الشرب فلم ينبت لزمه الكراء وذكر أن أحمد نص على ذلك وأنها لو غرقت في ~~وقت زرعها فلم يمكنه الزراعة PageV30P291 لم تلزمه الأجرة لتعذر التسليم ~~وكذلك ذكر صاحب التفريع مذهب مالك في الصورتين فالقاضى يفرق بين الصورتين ~~كالنصين المفترقين يفرق بين انقطاع الماء وبين حدوث الغرق وغيره من الآفات ~~بأن انقطاع الماء فوات نفس المنفعة المعقود عليها لأن المعقود عليه أرض لها ~~ماء فانقطاع الماء المعتاد بمنزلة عدم التسليم المستحق كموت الدابة والأجرة ~~إنما تستحق بدوام التسليم المستحق وأما الغرق وغيره من الآفات التى تفسد ~~الزرع فهو إتلاف لعين ملك المستأجر فهو كما لو استأجر دارا فتلف له فيها ~~ثوب # وحقيقة الفرق أنه مع انقطاع الماء لم تسلم المنفعة ومع تلف الزرع تسلم ~~المنفعة لكن حصل ما أتلف ملك المستأجر فهو كما لو تلف بعد الحصاد # وسوى طائفة من أصحابنا كالشيخ أبى محمد في الإجارة بين انقطاع الماء ~~وحدوث الغرق الذى يمنع الزرع أو يضر الزرع بأن ذلك إن عطل المنفعة أسقط ~~الأجرة وإن أمكن الإنتفاع معه على تعب من القصور مثل أن يكون الغرق يمنع ~~بعض الزراعة أو يسوء الزرع ثبت به الفسخ وإن كان ذلك لا يضر ms8790 كغرق بماء ~~ينحسر في قرب من الزمان لا يمنع الزرع ولا يضره وانقطاع الماء عنها إذا ساق ~~المؤجر إليها الماء من مكان آخر أو كان انقطاعه في زمن لا يحتاج إليه فيه ~~لم PageV30P292 يكن له الفسخ # وعلى هذه الطريقة ينقل جواب أحمد من مسألة إنقطاع الماء إلى مسألة غرق ~~الزرع ومن مسألة غرق الزرع إلى مسألة انقطاع الماء لأن المعنى في الجميع ~~واحد وذلك أن غرق الزرع الحادث قبل الزرع إذا منع من الزرع فالحادث بعده ~~يمنع من نبات الزرع كما أن انقطاع الماء يمنع من نبات الزرع والمعقود عليه ~~المقصود بالعقد هو التمكن من الإنتفاع إلى حين الحصاد ليس إلقاء البذر هو ~~جميع المعقود عليه ولو كان ذلك وحده هو المعقود عليه لوجب إذا انقطع الماء ~~بعد ذلك أن لا يملك الفسخ ولا يسقط شيء من الأجرة ولم يقولوا به ولا يجوز ~~أن يقال به لأنا نعلم يقينا أن مقصود المستأجر الذى عقد عليه العقد هو ~~تمكنه من الإنتفاع بتربة الأرض وهوائها ومائها وشمسها إلى أن يكمل صلاح ~~زرعه فمتى زالت منفعة التراب أو الماء أو الهواء أو الشمس لم ينبت الزرع ~~ولم يستوف المنفعة المقصودة بالعقد كما لو إستأجر دارا للسكنى فتعذرت ~~السكنى بها لبعض الأسباب مثل خراب حائط أو انقطاع ماء أو انهدام سقف ونحو ~~ذلك # ولا خلاف بين الأمة أن تعطل المنفعة بأمر سماوي يوجب سقوط الأجرة أو ~~نقصها أو الفسخ وإن لم يكن للمستأجر فيه صنع كموت الدابة وانهدام الدار ~~وانقطاع ماء السماء فكذلك حدوث الغرق PageV30P293 وغيره من الآفات المانعة ~~من كمال الإنتفاع # بالزرع يوضح ذلك أن المقصود المعقود عليه ليس هو مجرد فعل المستأجر الذى ~~هو شق الأرض والقاء البذر حتى يقال إذا تمكن من ذلك فقد تمكن من المنفعة ~~جميعها وإن حصل بعده ما يفسد الزرع ويمنع الإنتفاع به لأن ذلك منتقض ~~بانقطاع الماء بعد ذلك ولأن المعقود عليه نفس منفعة الأرض وانتفاعه بها ليس ~~هو فعله فإن فعله ليس هو منفعة له ms8791 ولا فيه انتفاع له بل هو كلفة عليه وتعب ~~ونصب يذهب فيه نفعه وماله وهذا بخلاف سكنى الدار وركوب الدابة فإن نفس ~~السكنى والركوب إنتفاع وبذلك قد نفعته العين المؤجرة # وأما شق الأرض فتعب ونصب وإلقاء البذر إخراج مال وإنما يفعل ذلك لما ~~يرجوه من انتفاعه بالنفع الذى يخلقه الله في الأرض من الإنبات كما قال ~~تعالى @QB@ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ~~يعلمون @QE@ وقال @QB@ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب @QE@ ~~وقال @QB@ فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا @QE@ # وليس لقائل أن يقول أن إنبات الأرض ليس مقدورا للمستأجر ولا للمؤجر ~~والمعقود عليه يجب إن يكون مقدورا عليه لأن هذا PageV30P294 خلاف إجماع ~~المسلمين بل وسائر العقلاء فإن المعقود عليه المقصود بالإجارة لا يجب أن ~~يكون من فعل أحد المتآجرين بل يجوز أن يجعل غيرهما من حيوان أو جماد وإن ~~كانا عاجزين عن تلك المنفعة مثل أن يؤجره عبدا أو دابة ونفعها هو باختيارها ~~ومثل أن يؤجره دارا للسكنى ونفس الإنتفاع بها هو بما خلق الله فيها من ~~البقاء على تلك الصورة ليس ذلك من فعل المؤجر وكذلك جريان الماء من السماء ~~ونبعه من الأرض هو داخل في المعقود عليه وليس هو من مقدور أحدهما # وكذلك إذا آجره منقولا من سلاح أو كتب أو ثياب أو آلة صناعة أو غير ذلك ~~فإن المنفعة التى فيه ليست من فعل المؤجر ونظائر ذلك كثيرة فكذلك نفع الأرض ~~الذى يخلقه الله فيها حتى ينبت الزرع بترابها ومائها وهوائها وشمسها وإن ~~كان أكثره لا يدخل في مقدور البشر هو المعقود عليه المقصود بالعقد فإذا تلف ~~هذا المعقود عليه بطل العقد وإن بطل بعضه كان كما لو تعطل منفعة غيره من ~~الأعيان المؤجرة بل بطلان الإجارة أو نقص الأجرة هنا أولى منه في جوائح ~~الثمر # فإن الذين تنازعوا هناك من أصحاب أبى حنيفة والشافعى حجتهم أن الثمرة ~~تلفت بعد القبض فهو كما لو تلفت بعد الجذاذ أو بعد PageV30P295 وقته ms8792 وأما ~~هنا فقد اتفق الأئمة على أن المنفعة إنما تقبض القبض المضمون على المستأجر ~~شيئا فشيئا ولهذا إتفقوا على أنه إذا تلفت العين أو تعطلت المنفعة أو بعضها ~~في أثناء المدة سقطت الأجرة أو بعضها أو ملك الفسخ # وإنما دخلت الشبهة على من دخلت عليه حيث ظن ان المنفعة المقصودة بالعقد ~~اثارة الأرض والبذر فيها وظن ان تلف الزرع بعد ذلك بغرق أو غيره بمنزلة تلف ~~زرع الزارع بعد الحصاد وبمنزلة تلف ثوب له في الدار المستأجرة وهذه غفلة ~~بينة لمن تدبر ولهذا ينكر كل ذى فطرة سليمة ذلك حتى من لم يمارس علم الفقه ~~من الفلاحين وشذاذ المتفقهة ونحوهم فإنهم يعلمون ان المعقود عليه هو انتفاع ~~المستأجر منفعة العين المؤجرة لا مجرد تعبه ونفقته الذى هو طريق إلى ~~الانتفاع فإن ذلك بمنزلة اسراجه وإلجامه واقتياده للفرس المستأجرة وذلك ~~طريق إلى الانتفاع بالركوب لا انه المعقود عليه وان كان داخلا فيه وكذلك شد ~~الاحمال وعقد الحبال ونحو ذلك هو طريق إلى الانتفاع بالحمل على الدابة وهو ~~داخل في المعقود عليه بطريق التبع والا فالمعقود عليه المقصود هو نفس حمل ~~الدابة للحمل والركوب وان كان الحمل نفع الدابة والإسراج والشد فعل ~~المستأجر فكذلك هنا الشق والبذر وإن كان فعله فهو داخل في الإجارة بطريق ~~التبع لأنه طريق إلى النفع المعقود عليه المقصود بالعقد وهو PageV30P296 ~~نفع الأرض بما يخلقه فيها من ماء وهواء وشمس فمن ظن ان مجرد فعله هو ~~المعقود عليه فقد غلط غلطا بينا باليقين الذى لا شبهة فيه وسبب غلطه كون ~~فعله امرا محسوسا لحركته وكون نفع الأرض امرا معقولا لعدم حركتها فالذهن ~~لما ادرك الحركة المحسوسة توهم أنها هي المعقود عليه وهذا غلط منقوض بسائر ~~صور الإجارة فان المعقود عليه هو نفع الأعيان المؤجرة سواء كانت جامدة ~~كالأرض والدار والثياب أو متحركة كالأناسي والدواب لا عمل الشخص المستأجر ~~وانما عمل الشخص المستأجر طريق إلى استيفاء المنفعة فتارة يقترن به ~~الاستيفاء كالركوب واللبس وتارة يتأخر عنه الاستيفاء كالبناء والغراس ms8793 ~~والزرع فإن المعقود عليه حصول منفعة الأرض للبناء والغراس والزرع لا مجرد ~~عمل الباني الغارس الزارع الذى هو حق نفسه كيف يكون حق نفسه هو الذى بذل ~~الأجرة في مقابلته وإنما يبذل الأجرة فيما يصل إليه من منفعة العين المؤجرة ~~لا فيما هو له من عمل نفسه فإن شراء حقه بحقه محال ومن تصور هذه قطع بما ~~ذكرناه ولم يبق عنده فيه شبهة إن شاء الله # وإذا كان المعقود عليه نفس منفعة العين من أول المدة إلى آخرها ~~PageV30P297 فأي وقت نقصت فيه هذه المنفعة بنقص ماء وإنقطاعه أو بزيادته ~~وتغريقه أو حدوث جراد أو برد أو حر أو ثلج ونحو ذلك مما يكون خارجا عن ~~العادة ومانعا من المنفعة المعتادة فإن ذلك يمنع المنفعة المستحقة المعقود ~~عليها فيجب أن يملك الفسخ أو يسقط من الأجرة بقدر ما فات من المنفعة ~~كانقطاع الماء وليس بين انقطاع الماء وزيادته وسائر الموانع فرق يصلح ~~لإفتراق الحكم ### ||| فصل # إذا تبين ذلك فقد تقدم نص أحمد والخرقى وغيرهما على أنه عليه من الأجرة ~~بقدر ما حصل له من المنفعة وهذا نوعان # ( أحدهما ) حصول المنفعة في بعض زمن الإجارة أو بعض أجزاء العين ~~المستأجرة فهذا تسقط فيه الأجرة على قدر ذلك ويجب بقسط ما حصل من المنفعة ~~وتكون الأجرة مقسومة على قدر قيمة الأمكنة والأزمنة فإن كلا منهما قد يكون ~~متماثلا وقد يكون مختلفا بأن يكون بعض الأرض خيرا من بعض وكرى بعض فصول ~~السنة أغلى من بعض وقد صرح بذلك أصحابنا وغيرهم # ( والثانى ) نقص المنفعة في نفس المكان الواحد والزمان الواحد ~~PageV30P298 مثل أن يقل ماء السماء عن الوجه المعتاد أو يحصل غرق ينقص ~~الزرع ونحو ذلك فهنا لأصحابنا وجهان # ( أحدهما ) أنه لا يملك إلا الفسخ # ( والثانى ) وهو مقتضى المنصوص وقياس المذهب أنه يخير بين الفسخ وبين ~~الأرش كالبيع بل هو في الإجارة أوكد لأنه في البيع يمكنه الرد والمطالبة ~~بالثمن وهنا لا يمكنه رد جميع المنفعة فإنه لا يردها إلا متغيرة # فلو قيل هنا إنه ms8794 ليس له إلا المطالبة بالأرش كما نقول على إحدى الروايتين ~~أن تعيب المبيع عند المشترى يمنع الرد بالعيب القديم ويوجب الأرش لكان ذلك ~~أوجه وأقيس من قول من يقول ليس له إذا تعقب المنفعة إلا الرد دون المطالبة ~~بالأرش فهذا قول ضعيف جدا بعيد عن أصول الشريعة وقواعد المذهب وخلاف ما نص ~~عليه أحمد وأئمة أصحابه وإن كان القاضي قد يقوله في ( المجرد ( ويتبعه عليه ~~بن عقيل أو غيره فالقاضى رضى الله عنه صنف ( المجرد ( قديما بعد أن صنف ( ~~شرح المذهب ( وقبل أن يحكم ( التعليق ( و ( الجامع الكبير ( وهو يأخذ ~~المسائل التى وضعها الناس وأجابوا فيها على أصولهم فيجيب فيها بما نص عليه ~~أحمد PageV30P299 وأصحابه وبما تقتضيه أصوله عنده فربما حصل في بعض المسائل ~~التى تتفرع وتتشعب ذهول للمفرع في بعض فروعها عن رعاية الأصول والنصوص في ~~نحو ذلك # وعلى هذا فإذا حصل من الضرر كالبرد الشديد والغرق والهواء المؤذي والجراد ~~والجليد والفأر ونحو ذلك ما نقص المنفعة المقصودة المعتادة المستحقة بالعقد ~~فيصنع في ذلك كما يصنع في أرش المبيع المعيب تنظر قيمة الأرض بدون تلك ~~الآفة وقيمتها مع تلك الآفة وينسب النقص إلى القيمة الكاملة ويحط من الأجرة ~~المسماة بقدر النقص كأن تكون أجرتها مع السلامة تساوى ألفا ومع الآفة تساوى ~~ثمانمائة فالآفة قد نقصت خمس القيمة فيحط خمس الأجرة المسماة وكذلك في ~~جائحة الثمر ينظركم نقصته الجائحة هل نقصته ثلث قيمته أو ربعها أو خمسها ~~يحط عنه من الثمن بقدره وكذلك لو تغير الثمر وعاب نظركم نقصه ذلك العيب من ~~قيمته وحط من الثمن بنسبته # وأما ما قد يتوهمه بعض الناس أن جائحة الزرع في الأرض المستأجرة توضع من ~~رب الأرض أو يوضع من رب الأرض بعض الزرع قياسا على جائحة المبيع في الثمر ~~والزرع فهذا غلط فإن المشترى للثمر والزرع ملك بالعقد نفس الثمر والزرع ~~فإذا تلفت قبل التمكن من PageV30P300 القبض تلفت من ملك البائع وأما ~~المستأجر فإنما إستحق بالعقد الإنتفاع بالأرض وأما الزرع نفسه فهو ملكه ms8795 ~~الحادث على ملكه لم يملكه بعقد الإجارة وإنما ملك بعقد الإجارة المنفعة ~~التى تنبته إلى حين كمال صلاحه # فيجب الفرق بين جائحة الزرع والثمر المشترى وبين الجائحة في منفعة الأرض ~~المستاجرة المزروعة فإن هذا مزلة اقدام ومضلة افهام غلط فيها خلائق من ~~الحكام والمقومين والمجيحين والملاك والمستأجرين حتى أن بعضهم يظنون أن ~~جائحة الإجارة للأرض المزروعة بمنزلة جائحة الزرع المشترى وبعض المتفقهة ~~يظن أن الأرض المزروعة إذا حصل بها آفة منعت من كمال الزرع لم تنقص المنفعة ~~ولم يتلف شيء منها وكلا الأمرين غلط لمن تدبر # ونظير الأرض المستأجرة للإزدراع الأرض المستأجرة للغراس والبناء فإن ~~المؤجر لا يضمن قيمة الغراس والبناء إذا تلف ولكن لو حصلت آفة منعت كمال ~~المنفعة المستحقة بالعقد مثل أن يستولى عدو يمنع الإنتفاع بالغراس والبناء ~~أو تحصل آفة من جراد أو آفة تفسد الشجر المغروس أو حصل ريح يهدم الأبنية ~~ونحو ذلك فهنا نقصت المنفعة المستحقة بالعقد نظير نقص المنفعة في الأرض ~~المزروعة ولما كان كثير من الناس يتوهم أن المستأجر توضع عنه الجائحة في ~~PageV30P301 نفس الزرع والبناء والغراس كالمشترى نفى ذلك العلماء ويشبه أن ~~يكون هذا معنى ما نص عليه أحمد ونقله أصحابنا كالقاضى وأبى محمد حيث قالوا ~~واللفظ لأبى محمد إذا إستأجر أرضا فزرعها فتلف الزرع فلا شيء على المؤجر نص ~~عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا لأن المعقود عليه منافع الأرض ولم تتلف إنما ~~تلف مال المستأجر فيها فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا فتلفت الثياب ~~فيها # فهذا الكلام يقتضي أن المؤجر لا يضمن شيئا من زرع المستأجر كما يضمن ~~البائع بزرع المشترى ولذلك ذكر ذلك في باب جوائح الأعيان وعلل ذلك بأن ~~التالف إنما هو عين ملك المستأجر لا المنفعة وهذا حسن في نفى ضمان نفس ~~الزرع ويظهر ذلك فيما إذا تلف الزرع بعد كماله وقد بينا فيما تقدم أن نفس ~~المنفعة المعقود عليها تنقص وتتعطل بما يصيب الزرع من الآفة فيحط من الأجرة ~~بقدر ما نقص من المنفعة # فما نفى ms8796 فيه الشيخ الخلاف ضمان نقص العين ولم يذكر ضمان نقص المنفعة هنا ~~لكن ذكره في كتاب الإجارة والموضع موضع إشتباه وفى كلام أكثر العلماء فيها ~~إجمال وبما حققناه يتضح الصواب والله سبحانه وتعالى أعلم PageV30P302 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل استأجر أرضا مقيلا ومراحا وللزراعة إن أمكن أيضا لينتفع بذلك ~~انتفاع مثله بمثلها ثم إن الأرض المذكورة شمل الماء بعضها وترك بعضها فهل ~~تصح الإجارة بذلك وهل يلزم المستأجر خراج الأرض كاملا ولم ينتفع ببعضها وهل ~~القول قول المستأجر في الإنتفاع أم لا والرجل يستأجر أرضا أو دارا أو ~~حانوتا أو غير ذلك من ناظر وقف أو ولى يتيم ثم كان غبطة وزيادة لليتيم ~~والوقف فهل يفسخ حكم الإجارة ويقبل زيادة ما جرى ### ||||| فأجاب # أما إجارة أرض تصلح للزراعة فجائز سواء كان قد شملها الرى أو لم ~~يكن يشملها إذا كانت الأرض مما جرت العادة بأن الرى يشملها كما تكرى الأرض ~~التى جرت عادتها أن تشرب من الماء قبل أن ينزل المطر عليها وهذا مذهب أئمة ~~المسلمين كمالك وأبى حنيفة والإمام أحمد وهو أيضا مذهب الشافعى الصحيح في ~~مذهبه PageV30P303 ولكن بعض أصحابه غلط في معرفة مذهبه فلم يفرق بين الأرض ~~التى ينالها الماء في أغلب الأوقات والأرض التي لا ينالها الماء إلا نادرا ~~كالأراضى التى تشرب في غير الأوقات ثم هذه الأرض التى صحت إجارتها إن شملها ~~الرى وأمكن الزرع المعتاد وجبت الأجرة وإن لم يرو منها لم يجب على المستأجر ~~شيء من الأجرة وإن روى بعضها دون بعض وجب من الأجرة بقدر ما روى ومن ألزم ~~المستأجر بالإجارة وطالبه بالأجرة إذا لم ترو الأرض فقد خالف إجماع ~~المسلمين # فإذا كان كذلك فقول القائل أجرتكها مقيلا ومراحا لا حاجة إليه ولا فائدة ~~فيه وإنما فعل ذلك من ظن أنه لا تجوز الإجارة قبل رى الأرض والذى فعلوه من ~~إجارتها مقيلا ومراحا باطل بإجماع المسلمين لوجهين # أحدهما أن هذه الأرض لا تصلح مقيلا ومراحا فإن الماشية لا تروح وتقيل إلا ~~بأرض تقيم ms8797 بها في العادة مثل أن تكون بقرب ما ترعاه وتشرب منه فأما التى ~~ليس فيها ماء ولا زرع ولا عمارة فلا تصلح مقيلا ومراحا وإجارة العين بمنفعة ~~ليست فيها إجارة باطلة # الثانى أن هذه المنفعة إن كانت حاصلة فهي منفعة غير متقومة في ~~PageV30P304 مثل هذه الأرض بل البرية كلها تشارك هذه الأرض في كونها مقيلا ~~ومراحا والمنفعة التى لا قيمة لها في العادة بمنزلة الأعيان التى لا قيمة ~~لها لا يصح أن يرد على هذه عقد إجارة ولا على هذه عقد بيع بالإتفاق ~~كالإستظلال والإستضاءة من بعد # وأما إجارة الأرض لينتفع بذلك إنتفاع مثله بمثلها فجائز # وأما قوله استأجر مقيلا ومراحا وللزراعة أن أمكن أيضا لينتفع بذلك انتفاع ~~مثله بمثله فالإجارة صحيحة لكن قوله مقيلا ومراحا كلام لغو لا فائدة فيه ~~وإذا لم يمكن الإنتفاع بها سقطت الأجرة وإن أمكن الإنتفاع ببعضها وجبت ~~الأجرة بقدر ذلك وأما إذا تنازعا في إمكان الإنتفاع رجع في ذلك إلى غيرهما ~~فإن الناس يعلمون هل رويت أم لم ترو ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل استأجر أرضا وصرح في الإجارة أنه كان عاينها ولم يعاينها قبل ~~إيجارها ووصفها المؤجر بأنها تروى كل عام ولم يسلم المؤجر للمستأجرين وصرح ~~أن فيها مقيلا ومراحا وظهر فيها بقدر ربعها شرافي فهل تصح هذه الإجارة إذا ~~لم يعاينها المستأجرون وهل PageV30P305 يلزمهم القيام بما روى من الأرض ~~المذكورة خاصة أو يلزمهم القيام بما شرق فلم ينتفعوا به ولم يعاينوه ### ||||| فأجاب # إذا لم يرها ولم توصف له لم تصح الإجارة عند جمهور العلماء ومن ~~صححها أثبت لهم الخيار خيار الرؤية وإن وصفت بوصف بأنها تروى كل عام فلم ~~ترو فلهم فسخ الإجارة إذا وجدت بخلاف الصفة والشرط الذى شرط لهم ولو أجرهم ~~إجارة مطلقة فروى بعضها ولم يرو بعض لم تجب عليهم الأجرة مالم يرو ولو ذكر ~~في الإجارة أنها مقيل ومراح فإن إجارة هذه الأرض التى لا تروى للمقيل ~~والمراح باطلة بين العلماء لأن مالا يروى لا ينتفع به مقيلا ms8798 ومراحا فإنها ~~كسائر البرية التي لا زرع فيها ولا ماء ومثل هذه المنفعة لا تتقوم ولا قدر ~~لها لو كانت موجودة فكيف وهى منتفية # والإجارة انما تصح على منفعة مقصودة واذا كان ما لا نفع فيه أو لا قيمة ~~لنفعه لم يصح فكذلك اجارة ما لا نفع فيه لما استؤجر له ولا قيمة لتلك ~~المنفعة وهذا على قول من صحح الحيل وليس يبطلها فان الأمر عنده ظاهر فانه ~~علم أن المقصود بالعقد انما هو الانتفاع بالزرع واظهار ما سوى ذلك كذب ~~وخداع # وإجارة الأرض التى تروى غالبا قبل الرى جائزة عند الأئمة وأما ما تروى ~~أحيانا ففيه نزاع PageV30P306 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل استأجر أرضا قبالة بلا معرفة مساحتها مقيلا ومراحا ومرعى ومزرعا ~~لينتفع بها مدة سبع سنين وأن الأرض المذكورة غرقت وتبحرت وعدم الإنتفاع بها ~~وعندما غرقت قصد الإقالة منها وقد بقى في الإجارة لما غرقت وعدم الآخر من ~~الإنتفاع فهل يجب عليه في سنة غرقها وتبحرها خراج أم لا وهل يجوز أن يقال ### ||||| فأجاب # إجارة الأرض المعينة جائزة وإن لم يعلم ذرعاتها كما يجوز بيعها ~~وبيع سائر المعينات وإن لم يعلم مقدارها فإن بيع العين جزافا جائز بالسنة ~~والإجماع كما ثبت عن النبى أنه أجاز بيع الشرك في الأرض الربعة والحائط ~~وبيع الثمر على الشجر بعد بدو صلاحه وأقرهم على بيع الطعام جزافا # ثم إذا تعطلت منفعتها بغرق أو غيره لم يجب عليه أجرة ما تعطل من المنفعة ~~باتفاق المسلمين PageV30P307 ### |||| وسئل # عن رجل استأجر قرية وغلب على أرضها الماء بسبب أنه انكسر عليه نهر وعجزوا ~~عن رده فهل يسقط عنهم من الأجرة بقدر ما غرق أم لا وإذا حكم عليه حاكم ~~بلزوم جميع الأجرة فهل ينفذ حكمه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله له أن يفسخ الإجارة ~~وله أن يحط من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة ومن حكم بلزوم العقد وجميع ~~الأجرة فقد حكم بخلاف الإجماع ولا ينفذ حكمه ### |||| وسئل رحمه الله # إذا تعطل بعض منافع الدار فهل ms8799 يسقط من الأجرة بقدر ذلك ### ||||| فأجاب # نعم يسقط عنه من الأجرة بقدر ما تعطل من المنفعة المستحقة بالعقد PageV30P308 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن استأجر بستانا فيه أرض بياض وشجره أكثر إستأجره سنتين وصورة الأرض ~~بياض وساقاه على الشجر بجزء من ألف جزء وجعلوا المساقاة حيلة لبيع الثمر ~~قبل حله فأتلف الجراد أكثر الثمر فهل يسقط عن المستأجر ما أتلفه الجراد ### ||||| فأجاب # هذه المعاملات الواقعة على البساتين المسماة بالضمان سواء كانت قبل ~~ظهور الثمرة وقبل بدو صلاحها أو بعدهما أو بينهما وسواء سميت ضمانا أو سميت ~~للتحيل مساقاة وإجارة فإنه اذا تلف الثمر بجراد أو نحوه من الآفات السماوية ~~كنهب الجيوش وغير ذلك فإنه يجب وضع الجائحة عن المستأجر المشترى فيحط عنه ~~من العوض بقدر ما تلف من العوض سواء كان العقد فاسدا أو صحيحا وعلى كلا ~~الصورتين نص رسول الله في الصحيح من حديث أنس وجابر وهو قول جماهير العلماء ~~في العقد الصحيح فكيف في العقد الفاسد أو المختلف فيه أو المتحيل على صحته ~~والله أعلم PageV30P309 ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوم عليهم لأصحاب القرية دراهم وتقاوي وأن التقاوي جميعها بذروها في ~~القرية المذكورة وقد جاء برد أهلك الزرع بعد إقباله فهل يلزم الفلاحين ~~المذكورين القيام بجميع التقاوى التى قبضوها أم لا ### ||||| فأجاب # إن كانت التقاوى من الملاك بذرا في الأرض في زراعة صحيحة أو فاسدة ~~فلا ضمان على الفلاحين إذا فعلوا بها ما أمروا به وإن سميت مع ذلك بإسم ~~القرض الفاسد فإن المقصود بها مزارعة وإذا بذر المالك فيها بذرا يرجع به # وأما إن كانت قرضا مطلقا في الذمة يتصرف فيه المقترض بأشياء فهي في ذمة ~~المقترض وإن تلف زرعه والدراهم PageV30P310 ### |||| وسئل # عن رجل إستأجر أملاكا موقوفة وقلت الرغبات في سكانها وعمل بذلك محضرا ~~بأرباب الخبرة فهل يضع عنه شيئا إذا رأى في ذلك مصلحة للوقف وإذا حط عنه هل ~~يرجع عليه إذا انقضت مدة الإجارة وهل لمستحقى ريع الوقف التعرض على الناظر ~~بسبب ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا استأجر ms8800 ما تكون منفعة إيجاره للناس مثل الحمام ~~والفندق والقيسارية ونحو ذلك فنقصت المنفعة المعروفة مثل أن ينتقل جيران ~~المكان ويقل الزبون لخوف أو خراب أو تحويل ذي سلطان لهم ونحو ذلك فإنه يحط ~~عن المستأجر من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة المعروفة سواء رضى الناظر ~~وأهل الوقف أو سخطوا ولا يرجع على المستأجر بما وضع عنه إذا لم توضع إلا ~~قدر ما نقص من المنفعة المعروفة والله أعلم PageV30P311 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل استأجر من رجل اقطاعه وهو قيراط واحد ونصف قيراط من الناحية إجارة ~~شرعية لينتفع المستأجر بذلك بالزراعة كيف شاء على الوجه المشروع ولم يكن في ~~الإجارة المذكورة مراحا ولا مقيلا وقد سرق بعض ما في الناحية المذكورة ولم ~~ينتفع به فهل يلزم المستأجر المذكور أجرة ما تعطل أم لا ### ||||| فأجاب # ما لم يشمله الرى من الأرض فإنه يسقط بقدره من الأجرة باتفاق ~~العلماء وإن قال في الإجارة مقيلا ومراحا أو أطلق ولو لم يرو شيء من الأرض ~~لم يجب عليه شيء من الأجرة باتفاق العلماء وإن قال في الإجارة مقيلا ومراحا ~~والله أعلم PageV30P312 ### ||| 2 باب العارية 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عمن استعار من رجل فرسا ليركبها إلى باب النصر واشترط المستعير على أن لا ~~يسير بالفرس سوى إلى باب النصر ويجيء من ساعته فسار بها إلى بركة الحجاج ~~ولم يجيء إلا بعد العصر فانتكب الفرس وباعها صاحبها بنصف قيمتها فهل يجب ~~على المستعير نصف نقص القيمة ### ||||| فأجاب # نعم إذا كان قد زاد في الإستعمال على ما أذن له صاحبها فهو ظالم ~~ضامن ما يتلف بعدوانه فما نقص من قيمة الفرس بهذا الظلم كان ضامنا له ~~باتفاق الأئمة PageV30P313 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل أعار فرسا وهى شركة بغير إذن شريكه فماتت الفرس عند الذى أعارها ~~شريكه فمن يضمن حصة الشريك ### ||||| فأجاب # إذا أعار نصيب الشريك بغير إذنه وتلفت الفرس كان له مطالبة المعير ~~المعتدى بقيمة نصيبه وله مطالبة المستعير أيضا والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله ms8801 # عن امرأة استعارت زوجى حلق وقد عدموا منها فهل يلزمها قيمة الحلق ### ||||| فأجاب # إن كانت فرطت في حفظها لزمها غرامتها بإتفاق العلماء # وإن لم تفرط ففي ذلك نزاع مشهور بينهم ففى مذهب أبى حنيفة لا ضمان عليها ~~وفى مذهب الشافعى وأحمد عليها الضمان وعند مالك إذا تلفت بسبب معلوم فلا ~~ضمان عليها وإذا أدعت التلف بسبب خفى لم يقبل منها والله أعلم PageV30P314 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل سافر وانتهى به الطريق إلى قرية فعزم عليه رجل فبات عنده وطلب منه ~~دابة فلما وصل إلى الفندق ماتت ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها قولان للعلماء # أحدهما لا ضمان عليه إذا تلفت بغير تفريطه ولا عدوانه وهذا مذهب أبى ~~حنيفة ومالك وبعض أصحاب الإمام أحمد # والقول الثانى عليه الضمان وهو مذهب الشافعى وأحمد والله أعلم ### |||| وسئل # عمن استعار من رجل شيئا فأعاره وهو لا يشك في أنه عمر وقطع بأنه ذلك ~~الشخص وطلب ما أعاره فأنكر فحلف بالطلاق الثلاث أنه هو المستعير فطلع خلاف ~~ما ظنه وجاء بالعارية فهل يقع عليه الطلاق والحالة هذه أم لا PageV30P315 ### ||||| فأجاب # إذا كان الأمر على ما ذكر من أنه يعتقد صدق نفسه فما حلف عليه لم ~~يقع به الطلاق وإن تبين له فيما بعد أنه أخطأ والله أعلم والحمد لله رب ~~العالمين ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجلين عند أمير فقال الأمير لأحدهما أطلب سيف رفيقك على سبيل العارية فأجاب # وأخذه الأمير فعدم عنده هل تلزم المطالبة للأمير أو للرسول الذى ~~استعاره ### ||||| فأجاب # إذا كان الرسول لم يكذب ولم يتعد فلا ضمان عليه بل الضمان على ~~المستعير إن كان فرط أو اعتدى باتفاق العلماء وإلا ففى ضمانه نزاع والله ~~أعلم PageV30P316 ### ||| 2 باب الغصب 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عمن غصب زرع رجل وحصده هل يباح للفقراء اللقاط المتساقط ### ||||| فأجاب # نعم يباح اللقاط كما كان يباح لو حصدها المالك كما يباح رعى الكلأ ~~في الأرض المغصوبة نص الإمام أحمد على هذه المسألة الثانية وذلك لأن ما ~~يباح من الكلأ ms8802 واللقاط لا يختلف بالغصب وعدمه ولا يمنعه حق المالك ### |||| وسئل # عن رجل له أرض ملك وهى بيده ثلاثون سنة فجاء رجل جذ زرعه منها ثم زرعها ~~في ثانى سنة فما يجب عليه ### ||||| فأجاب # ليس لأحد أن يستولى عليه بغير حق بل له أن يطالب PageV30P317 من ~~زرع في ملكه بأجرة المثل وله أن يأخذ الزرع إذا كان قائما ويعطيه نفقته ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عمن سرق كيل غلة وبذره ولم يعرف مالكه فهل يحل له الزرع كله ### ||||| فأجاب # أما مقدار البذر فيتصدق به بلا ريب وأما الزيادة ففيها نزاع وأعدل ~~الأقوال أن يجعل ذلك مزارعة فيأخذ نصيبه ونصيب صاحب البذر يتصدق به عنه ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل غصب عينا فباعها من رجل عالم بالغصب فجاء صاحب العين فأخذها من يد ~~المشترى فهل للمشترى أن يرجع على الغاصب الذى اشتراها منه مع علمه بالغصب ~~بالثمن الذى بذله له أم المشترى لا يرجع على الغاصب بشيء والذى نقده للغاصب ~~يروح مجانا فكيف الحكم في ذلك PageV30P318 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين بل للمشترى أن يرجع على الغاصب بالثمن الذى ~~قبضه منه سواء كان عالما بالغصب أو لم يكن عالما فإن الثمن قبضه بغير حق ~~ولو كان برضاه # فإنهما لو تبايعا ما لا يحل بيعه من خمر أو خنزير برضاهما لوجب أن يرد ~~المبيع فيتلف الخمر والخنزير ويرد على المشترى الثمن فكيف إذا باعه مال ~~الغير وبأى وجه بقى الثمن في يد الغاصب فلا حق له فيه وإنما هو ملك المشترى ~~والله أعلم ### |||| وسئل رضى الله عنه # عن رجل غرس نوى في أرض الغير ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا غرس نخلة تملكها في أرض الغير ابنه لم يكن لورثة ~~ابنه فيها حق بل الحق فيها له ولأهل الأرض فالنخلة له وعليه أجرة الأرض ~~لأهلها إذا أبقوها في أرضهم والله أعلم PageV30P319 ### |||| وسئل # عن رجل كسب بعيرا وجاب البعير بعيرا فهل في نتاجها رخصة في الأربع مذاهب ### ||||| فأجاب # نتاج الدابة لمالكها ولا يحل للغاصب لكن إذا كان النتاج ms8803 مستولدا من ~~عمل المستولى فمن الناس من يجعل النماء بين المالك والعامل كالمضاربة ~~ونحوها والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل له بهائم حلال وأنزى عليها فحل حرام فهل في نتاجهم شبهة ### ||||| فأجاب # إذا أنزى على بهائمه فحل غيره فالنتاج له ولكن إذا كان ظالما في ~~الإنزاء بحيث يضر بالفحل المنزى فعليه ضمان ما نقص لصاحبه فإن لم يعرف ~~صاحبه تصدق بقيمة نقصه وأما إن كان لا يضره فلا قيمة له فإن النبى نهى عن ~~عسب الفحل والله أعلم PageV30P320 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اشترى بهيمة بثمن بعضه حلال وبعضه حرام فأى شيء يحكم به الشرع ### ||||| فأجاب # إذا كان اشتراها بثمن بعضه له وبعضه مغصوب فنصفها ملكه والنصف ~~الآخر لا يستحقه بل يدفعه إلى صاحبه إن أمكن وإلا تصدق به عنه فإن حصل من ~~ذلك نماء كان حكمه حكم الأصل نصفه له ونصفه للجهة الأخرى والله أعلم ### |||| وسئل # عن جارية لسيدة تطلب لنفسها زركشا على لسان سيدتها ثم إن الجارية طلبت ~~على لسان سيدتها خاتما وأنكرت السيدة والجارية معترفة ### ||||| فأجاب # إذا كانت طلبت على لسان سيدتها ولم تكن أذنت لها كانت الجارية ~~غاصبة قابضة لذلك بغير حق فإذا تلفت في يدها فضمانه في رقبة الجارية ~~وسيدتها بالخيار بين أن تفتديها فتؤدي قيمة ما أخذته وبين أن تسلمها لتباع ~~ويؤخذ من ثمنها ذلك والله أعلم PageV30P321 ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن الأموال التى تقبض بطريق المناهب التى تجرى بين الأعراب إذا كان فيها ~~حيوان تناسل وعين حصل فيها ربح أو شجر أثمر هل النسل والربح للغاصب لكونه ~~هو الذى يرعى الحيوان ويتجر في العين ويسقي الشجر أم للمالك المغصوب منه ~~والأموال التى بأيدى هؤلاء الأعراب هل تزكى أم لا وإذا تاب الغاصب وقد جهل ~~المالك ما حكمه هل يتصدق بالجميع أو البعض وهل تصح التوبة من الزنى والسرقة ~~ونحو ذلك وفى أقوام من الأحمدية وغيرهم ممن يحضر سماع الغناء والملاهى ~~ويمسكون الحيات ويدخلون النار ولا يحترقون وإذا لم يعطوا من الزكاة غضبوا ~~وتوجهوا على ms8804 المانع لهم ويقولون هذه في إبلك هذه في غنمك في كذا ويموت بعض ~~الإبل والغنم فيقولون هذه بخواطرنا فهل يجوز إعطاء هؤلاء من الزكاة خوفا ~~منهم أو لغير ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما المال المغصوب إذا عمل فيه الغاصب حتى ~~حصل منه نماء ففيه أقوال للعلماء هل النماء للمالك PageV30P322 وحده أو ~~يتصدقان به أو يكون بينهما كما يكون بينهما إذا عمل فيه بطريق المضاربة ~~والمساقاة والمزارعة وكما يدفع الحيوان إلى من يعمل عليه بجزء من دره ونسله ~~أو يكون للعامل أجرة مثله إن كانت عادتهم جارية بمثل ذلك كما فعل عمر بن ~~الخطاب لما أقرض أبو موسى الأشعرى ابنيه من مال الفيء مائتي ألف درهم ~~وخصهما بها دون سائر المسلمين ورأى عمر بن الخطاب أن ذلك محاباة لهما لا ~~تجوز وكان المال قد ربح ربحا كثيرا بلغ به المال ثمانمائة ألف درهم فأمرهما ~~أن يدفعا المال وربحه إلى بيت المال وأنه لا شيء لهما من الربح لكونهما ~~قبضا المال بغير حق فقال له ابنه عبد الله إن هذا لا يحل لك فإن المال لو ~~خسر وتلف كان ذلك من ضماننا فلماذا تجعل علينا الضمان ولا تجعل لنا الربح ~~فتوقف عمر فقال له بعض الصحابة نجعله مضاربة بينهم وبين المسلمين لهما نصف ~~الربح وللمسلمين نصف الربح فعمل عمر بذلك # وهذا مما اعتمد عليه الفقهاء في المضاربة وهو الذى استقر عليه قضاء عمر ~~بن الخطاب ووافقه عليه أصحاب رسول الله وهو العدل فإن النماء حصل بمال هذا ~~وعمل هذا فلا يختص أحدهما بالربح ولا تجب عليهم الصدقة بالنماء فإن الحق ~~لهما لا يعدوهما بل يجعل الربح بينهما كما لو كانا مشتركين شركة مضاربة ~~PageV30P323 وهكذا الذى يعمل على ماشية غيره أو بستانه أو أرضه حتى يحصل ~~بمزروع أو در أو نسل لكن من العلماء من لا يجوز العمل هنا بجزء من النماء ~~وإنما تجوز عنده الإجارة وأصح قولى العلماء أنها تجوز المساقاة وتجوز ~~المزارعة سواء كان البذر من المالك أو من ms8805 العامل أو منهما كما عامل النبى ~~أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم رواه ~~البخارى في صحيحه # وكذلك أصحاب رسول الله كسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود وغيرهما ~~كانوا يدفعون إلى من يزرعها ليبذر من عنده والزرع بينهما وكان عامة بيوت ~~المهاجرين والأنصار مزارعون # والنبى نهى عن المخابرة التى كانوا يفعلونها وهو أنهم كانوا يشترطون لرب ~~الأرض زرع بقعة بعينها كما ثبت ذلك في الصحيحين وهذا الذي نهى عنه النبى ~~محرم باتفاق العلماء كما لو شرط في المضاربة أن يكون لأحدهما دراهم مقدرة ~~وإنما العدل ان يشتركا فيما يرزقه الله من النماء لهذا جزء شائع ولهذا جزء ~~شائع فيشتركان في المغنم ويشتركان في المغرم فإن لم يحصل شيء ذهب نفع مال ~~هذا ونفع بدن هذا PageV30P324 ### ||| فصل # والأموال التى بأيدى هؤلاء الأعراب المتناهبين إذا لم يعرف لها مالك معين ~~فإنه يخرج زكاتها فإنها إن كانت ملكا لمن هي في يده كانت زكاتها عليه وإن ~~لم تكن ملكا له ومالكها مجهول لا يعرف فإنه يتصدق بها كلها فإذا تصدق بقدر ~~زكاتها كان خيرا من أن لا يتصدق بشيء منها فإخراج قدر الزكاة منها أحسن من ~~ترك ذلك على كل تقدير # وإذا كان ينهب بعضهم بعضا فإن كان النهب بين طائفتين معروفتين فإنه ينظر ~~قدر ما أخذته كل طائفة من الأخرى فإن كانوا سواء تقاضيا وأقر كل قوم على ما ~~بأيديهم وإن لم يعرف عين المنهوب منه كما لو تقاتلوا قتال جاهلية وقتل ~~هؤلاء بعض هؤلاء وهؤلاء بعض هؤلاء وأتلف هؤلاء بعض أموال هؤلاء فإن الواجب ~~القصاص بين الطائفتين فتقابل النفوس بالنفوس والأموال بالأموال فإن فضل ~~لإحدى الطائفتين على الأخرى شيء طالبتها بذلك PageV30P325 وعلى ذلك يدل ~~قوله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى @QE@ قال غير واحد من السلف نزلت هذه الآية في قبيلتين من ~~العرب كان بينهما قتال فأمر الله تعالى أن يقاص من القتلى الحر من هؤلاء ms8806 ~~بالحر من هؤلاء والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ثم قال @QB@ فمن عفي له من ~~أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان @QE@ يقول إن فضل لأحدهما على ~~الآخر شيء فليؤده إليهم بمعروف والتتبعة الأخرى أن يطالبهم به بإحسان ~~والإتباع هوالمطالبة كما قال النبى ( مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ~~مليء فليتبع ( # وهذا لأن الطوائف الممتنعة التى يعين بعضها بعضا في القتال ثم يكون ~~الضمان فيها على الذى يباشر القتال والأخذ والإتلاف وعلى الردء الذى يعينه ~~عند جمهور العلماء # ولهذا كان في مذهب الجمهور إن قطاع الطريق يقتل منهم الردء والمباشر وعمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه قتل ربيئة المحاربين وهو الناظر الذى ينظر لهم ~~الطريق فالمتعاونون على الظلم والعدوان تجب عليهم العقوبة بالضمان وغيره ~~ولهذا قال عامة الفقهاء إن الطائفتين المقتتلتين على عصبية ورياسة تضمن كل ~~طائفة ما أتلفت للأخرى من PageV30P326 نفس ومال فأوجبوا الضمان على مجموع ~~الطائفة وإن لم يعرف عين المتلف # وإن كان قدر المنهوب مجهولا لا يعرف ما نهب هؤلاء من هؤلاء ولا قدر ما ~~نهب هؤلاء من هؤلاء فإنه يحمل الأمر على التساوي كمن اختلط في ماله حلال ~~وحرام ولم يعرف أيهما أكثر فإنه يخرج نصف ماله والنصف الباقي له حلال كما ~~فعل عمر بن الخطاب بالعمال على الأموال فإنه شاطرهم فأخذ نصف أموال عماله ~~على الشام ومصر والعراق فإنه رأى أنه اختلط بأموالهم شيء من أموال المسلمين ~~ولم يعرف لا أعيان المملوك ولا مقدار ما أخذه هؤلاء من هؤلاء ولا هؤلاء من ~~هؤلاء بل يجوز أن يكون مع الواحد أقل من حقه وأكثر ففي مثل هذا يقر كل واحد ~~على ما في يده إذا تاب من التعاون على الإثم والعدوان فإن المجهول كالمعدوم ~~يسقط التكليف به ويزكى ذلك المال كما يزكيه المالك # وإن عرف أن في ماله حلالا مملوكا وحراما لا يعرف مالكه وعرف قدره فإنه ~~يقسم المال على قدرالحلال والحرام فيأخذ قدر الحلال وأما الحرام فيتصدق به ~~عن أصحابه كما يفعل من عنده أموال مجهولة ms8807 الملاك من غصوب وعواري وودائع فإن ~~جمهور العلماء كمالك PageV30P327 وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون ~~إنه يتصدق بها وهذا هو المأثور في مثل ذلك عن أصحاب رسول الله # وإن لم يعرف مقدار الحلال والحرام فإنه يجعل المال نصفين يأخذ لنفسه نصفه ~~والنصف الثانى يوصله إلى أصحابه إن عرفهم وإلا تصدق به # وما تصدق به فإنه يصرف في مصالح المسلمين فيعطى منه من يستحق الزكاة ~~ويقري منه الضيف ويعان فيه الحاج وينفق في الجهاد وفى أبواب البر التى ~~يحبها الله ورسوله كما يفعل بسائر الأموال المجهولة وهكذا يفعل من تاب من ~~الحرام وبيده الحرام لا يعرف مالكه ### |||| وسئل رحمه الله # عن وال وضع يده على عشرين ألف درهم لإنسان وثبت عليه عند حاكم وهم يعلمون ~~أن جميع موجوده حراما نهب أموال الناس فهل يجوز لهم أن يأخذوا من هذا المال ~~عوض ما أخذه لهم لأنهم يعلمون أن جميع ماله حرام ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إن كان جميع ما بيده أخذه من PageV30P328 ~~الناس بغير حق مثل أن يأخذ من اللصوص وقطاع الطريق بعض ما يأخذونه من أموال ~~الناس ومثل أن يطلب ظلم أقوام فيعطوه ما ينكف به عن ظلمهم ومثل أن يحمى بعض ~~الناس عن مساواة نظرائهم فيما يطلب منهم ليعطوه رشوة ومثل أن يظلم في حكمه ~~أو يعدل برشوة يأخذها ومثل أن يغصب مال قوم بافتراء يفتريه عليهم ومثل أن ~~يهدر دماء المقتولين برشوة من القاتلين فهذه الأموال ونحوها هي مستحقة ~~لأصحابها كاللص الذى يسرق أموالا ويخلط بعضها ببعض فإن ذلك لا يحرمها على ~~أصحابها بل يقتسمون الأموال بينهم على قدر حقوقهم وأن جهل عين مال الرجل ~~لكونه باعه ونحو ذلك فعوضه يقوم مقامه ومن اكتسب بهذه الأموال بتجارة ~~ونحوها فقيل الربح لأرباب الأموال وقيل له إذا اشترى في ذمته وقيل بل ~~يتصدقان به لأنه ربح خبيث وقيل بل يقسم الربح بينه وبين أرباب الأموال ~~كالمضاربة كما فعل عمر بن الخطاب في المال الذى أقرضه أبو موسى الأشعري ~~لابنيه ms8808 دون العسكر وهذا أعدل الأقوال # وإذا كان كذلك فأهل الأموال يقتسمون ما وجدوه على قدر حقوقهم فإن ذلك إما ~~عين أموالهم وإما وفاء ديونهم الثابتة في ذمته بل الحق أن حقوقهم متعلقة ~~بالأمرين جميعا بذمته وبالأموال فأما إذا لم يعرف مقدار ما غصبه ولا أعيان ~~الغرماء كلهم فمن أخذ منهم من هذه PageV30P329 الأموال قدر حقه لم يحكم بأن ~~ذلك حرام لا سيما إذا كان قد اتجر في الأموال التى بيده فإنه يستحق حينئذ ~~أكثر من قدر حقه لكن يخاف أ ن تكون الأموال التى بيده تضيق عن حقوق جميع ~~المستحقين لكن المجهول منهم الذى لا يعلم صار كالمعدوم فإن كان الذى يأخذ ~~قدر حقه له ولم يظلم سائر الغرماء المعروفين لم نحكم بتحريم ما أخذه لكن إن ~~ظهر فيما بعد غرماء ولهم قسط من ماله كان لهم المطالبة بقدر حقوقهم فمن ~~استولى على المال يؤخذ من كل واحد بقدر ما إستولى والله أعلم # وقال رحمه الله # سئلت عن قوم أخذت لهم غنم أو غيرها من المال ثم ردت عليهم أو بعضها وقد ~~اشتبه ملك بعضهم ببعض # فأجبتهم أنه إن عرف قدر المال تحقيقا قسم الموجود بينهم على قدره وإن لم ~~يعرف إلا عدده قسم على العدد لأن المالين إذا اختلطا قسما بينهما وإن كان ~~يدفع لكل منهم عن ماله ما كان للآخر لأن الإختلاط جعلهم شركاء لا سيما على ~~أصلنا أن الشركة تصح بالعقد مع إمتياز المالين لكن الإشتباه في الغنم ~~ونحوها يقوم مقام الإختلاط في المائعات PageV30P330 وعلى هذا فينبغى أنه ~~إذا اشتركا فيما يتشابه من الحيوان والثياب أنه يصح كما لو كان رأس المال ~~دراهم إذا صححناها بالعروض وإذا كانوا شركاء بالإختلاط والإشتباه فعند ~~القسمة يقسم على قدر المالين فإن كان المردود جميع مالهم فظاهر وإن كان ~~بعضه فذلك البعض هو بعض المشترك كما لو رد بعض الدراهم المختلطة # يبقى إن كان حيوانا فهل يجب قسمته أعيانا عند طلب بعضهم قولا واحدا أو ~~يخرج على القولين في الحيوان المشترك ms8809 فالأشبه خروجه على الخلاف لأنه إذا ~~كان لأحدهما عشرة رؤوس وللآخر عشرون فما وجد فلأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه ~~كذلك لكن المحذور في هذه المسألة أن مال كل منهما إن عرف قيمته فظاهر وإن ~~لم يعرف إلا عدده مع أن غنم أحدهما قد تكون خيرا من غنم الآخر فالواجب عند ~~تعذر معرفة رجحان أحدهما على الآخر التسوية لأن الضرورة تلجىء إلى التسوية ~~وعلى هذا فسواء اختلط غنم أحدهما بالآخر عمدا أو خطأ يقسم المالان على ~~العدد إن لم يعرف الرجحان وإن عرف وجهل قدره أثبت منه القدر المتيقن وأسقط ~~الزائد المشكوك فيه لأن الأصل عدمه PageV30P331 ### |||| وسئل رحمه الله # هل يجوز له أن يخرق ثوبه كما يخرق ثوبه ### ||||| فأجاب # أما القصاص في إتلاف الأموال مثل أن يخرق ثوبه فيخرق ثوبه المماثل ~~له أو يهدم داره فيهدم داره ونحو ذلك فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان ~~عن أحمد # أحدهما أن ذلك غير مشروع لأنه إفساد ولأن العقار والثياب غير مماثلة # والثاني أن ذلك مشروع لأن الأنفس والأطراف أعظم قدرا من الأموال وإذا جاز ~~إتلافها على سبيل القصاص لأجل إستيفاء المظلوم فالأموال أولى ولهذا يجوز ~~لنا أن نفسد أموال أهل الحرب إذا أفسدوا أموالنا كقطع الشجر المثمر # وإن قيل بالمنع من ذلك لغير حاجة فهذا فيه نزاع فإنه إذا أتلف له ثيابا ~~أو حيوانا أو عقارا ونحو ذلك فهل يضمنه بالقيمة أو يضمنه بجنسه مع القيمة ~~على قولين معروفين للعلماء وهما قولان في PageV30P332 مذهب الشافعى وأحمد ~~فإن الشافعى قد نص على أنه إذا هدم داره بناها كما كانت فضمنه بالمثل وقد ~~روى عنه في الحيوان نحو ذلك وكذلك أحمد يضمن أولاد المغرور بجنسهم في ~~المشهور عنه وإذا إقترض حيوانا رد مثله في المنصوص عنه # وقصة داود وسليمان هي من هذا الباب فإن داود عليه السلام قد ضمن أهل ~~الحرث الذى نفشت فيه غنم القوم بالقيمة وأعطاهم الماشية مكان القيمة ~~وسليمان عليه السلام أمرهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان وينتفعوا ~~بالماشية بدل ما ms8810 فاتهم من منفعة الحرث وبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد ~~العزيز لما كان قد إعتدى بعض بنى أمية على بستان له فقلعوه وسألوه ما يجب ~~في ذلك فقال يغرسه كما كان فقيل له إن ربيعة وأبا الزناد قالا تجب القيمة ~~فتكلم الزهري فيهما بكلام مضمونه أنهما خالفا السنة # ولا ريب أن ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إلى العدل من ضمانه ~~بغير جنسه وهو الدراهم والدنانير مع اعتبار القيمة فإن القيمة معتبرة في ~~الموضعين والجنس مختص بأحدهما ولا ريب أن الأغراض متعلقة بالجنس وإلا فمن ~~له غرض في كتاب أو فرس أو بستان ما يصنع بالدراهم فإن قيل يشترى بها مثله ~~قيل الظالم الذى فوته ماله هو أحق بأن يضمن له مثل ما فوته إياه أو نظير ما ~~أفسده من ماله PageV30P333 ### |||| وسئل # عن تجار أخذهم حرامية ثم ردوا عليهم من المال شيئا فهل من عرف شيئا من ~~ماله يأخذه أو يقسم على رؤوس الأموال المأخوذة بالسوية الخ ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما من وجد ماله بعينه فهو أحق به وأما الذين عدمت ~~أموالهم فيتقاسمون ما غرمه الحرامية لهم على قدر أموالهم لا على عدد الرؤوس ~~والله أعلم ### |||| وسئل # عن عسكر نزلوا مكانا باتوا فيه فجاء أناس سرقوا لهم قماشا فلحقوا السارق ~~فضربه أحدهم بالسيف ثم حمل إلى مقدم العسكر ثم مات بعد ذلك ### ||||| فأجاب # إذا كان هذا هو الطريق في استرجاع ما مع السارق لم يلزم الضارب شيء ~~وقد روى بن عمر أن لصا دخل داره فقام PageV30P334 إليه بالسيف فلولا أنهم ~~ردوه عنه لضربه بالسيف وفى الصحيحين ( من قتل دون ماله فهو شهيد ( ### |||| وسئل # عما قدمه للسلطان من المغصوب الخ ### ||||| فأجاب # أما ما قدمه للسلطان من المغصوب وأعطاه ما أعطاه فليتصدق بقدر ذلك ~~المغصوب عن صاحبه إن لم يعرفه وكذلك ما أهداه للأمير أو عوضه عنه ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل يطحن في طواحين السلطان يستأجرها وهو يعلم أن بعضها ما هو غصب وفى ~~رجل يعمل في زرع السلطان هل ms8811 نصيبه منه حلال وما يكسبه الأول من الطاحون ### ||||| فأجاب # أما الأراضي السلطانية والطواحين السلطانية التى لم يعلم أنها ~~مغصوبة فيجوز للإنسان أن يعمل فيها مزارعه بنصيب من الزرع ويجوز أن ~~يستأجرها ويجوز ان يعمل فيها بأجرته PageV30P335 مع الضمان # وأما إذا علم أنها مغصوبة ولم يعرف لها مالك معين فهذه فيها نزاع والأظهر ~~أنه يجوز العمل فيها إذا كان العامل لا يأخذ إلا أجرة عمله فإنه حينئذ ~~لايكون قد ظلم أحدا شيئا فالعمل فيها خير من تعطيلها على كل تقدير وهذا إن ~~أمكن أن ترد إلى أصحابها وإلا صرفت في مصالح المسلمين والمجهول كالمعدوم # وأما إذا عرف أن للأرض مالكا معينا وقد أخذت منه بغير حق فلا يعمل فيها ~~بغير إذنه أو إذن وليه أو وكيله والله أعلم ### |||| وسئل # عمن يطلب منهم كلف يجمعونها من أهل البلد # فإذا كانوا سووا بين الناس فيما طلب منهم وهم مغصوبون في ذلك فهل عليهم ~~إثم ### ||||| فأجاب # بل هذه الكلف التى تطلب من الناس بحق أو بغير حق يجب العدل فيها ~~ويحرم أن يوفر فيها بعض الناس ويجعل قسطه على غيره ومن قام فيها بنية العدل ~~وتخفيف الظلم مهما أمكن وإعانة الضعيف لئلا يتكرر الظلم عليه بلا نية إعانة ~~الظالم كان كالمجاهد في سبيل الله إذا تحرى العدل وابتغى وجه الله ~~PageV30P336 # وقال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ~~الحرانى قدس الله روحه ونور ضريحه بمنه وكرمه الحمد لله نحمده ونستعينه ~~ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا ~~مضل له ومن يضلل فلا هادى له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما ### ||| فصل في المظالم المشتركة # في ( المظالم المشتركة ) التى تطلب من الشركاء مثل المشتركين في قرية أو ~~مدينة إذا طلب منهم شيء يؤخذ على أموالهم أو رؤوسهم مثل الكلف السلطانية ~~التى توضع عليهم كلهم إما على عدد رؤوسهم أو عدد ms8812 دوابهم أو عدد أشجارهم أو ~~على قدر أموالهم كما يؤخذ منهم أكثر من الزكوات الواجبة بالشرع أو أكثر من ~~الخراج الواجب بالشرع أو تؤخذ منهم الكلف التى أحدثت في غير الأجناس ~~الشرعية PageV30P337 كما يوضع على المتبايعين للطعام والثياب والدواب ~~والفاكهة وغير ذلك يؤخذ منهم إذا باعوا ويؤخذ ذلك تارة من البائعين وتارة ~~من المشترين وإن كان قد قيل أن بعض ذلك وضع بتأويل وجوب الجهاد عليهم ~~بأموالهم وإحتياج الجهاد إلى تلك الأموال كما ذكره صاحب ( غياث الأمم ) ~~وغيره مع ما دخل في ذلك من الظلم الذى لا مساغ له عند العلماء # ومثل الجبايات التى يجبيها بعض الملوك من أهل بلده كل مدة ويقول أنها ~~مساعدة له على ما يريد ومثل ما يطلبه الولاة أحيانا من غير أن يكون راتبا ~~إما لكونهم جيشا قادمين يجمعون ما يجمعونه لجيشهم وإما لكونهم يجمعون لبعض ~~العوارض كقدوم السلطان أو حدوث ولد له ونحو ذلك وإما أن ترمى عليهم سلع ~~تباع منهم بأكثر من أثمانها وتسمى ( الحطائط ومثل القافلة الذين يسيرون ~~حجاجا أو تجارا أو غير ذلك فيطلب منهم على عدد رؤوسهم أو دوابهم أو قدر ~~أموالهم أو يطلب مطلقا منهم كلهم سواء كان الطالب ذا السلطان في بعض ~~المدائن والقرى كالذين يقعدون على الجسور وأبواب المدائن فيأخذون ما ~~يأخذونه أو كان الآخذون قطاع طريق كالأعراب والأكراد والترك الذين يأخذون ~~مكوسا من أبناء السبيل ولا يمكنونهم من العبور حتى يعطوهم ما يطلبون # فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال عليهم لزوم العدل فيما PageV30P338 ~~يطلب منهم وليس لبعضهم أن يظلم بعضا فيما يطلب منهم بل عليهم إلتزام العدل ~~فيما يؤخذ منهم بغير حق كما عليهم إلتزام العدل فيما يؤخذ منهم بحق فإن هذه ~~الكلف التى أخذت منهم بسبب نفوسهم وأموالهم هي بمنزلة غيرها بالنسبة إليهم ~~وإنما يختلف حالها بالنسبة إلى الأخذ فقد يكون أخذا بحق وقد يكون أخذا ~~بباطل # وأما المطالبون بها فهذه كلف تؤخذ منهم بسبب نفوسهم وأموالهم فليس لبعضهم ~~أن يظلم بعضا في ذلك بل ms8813 العدل واجب لكل أحد على كل أحد في جميع الأحوال ~~والظلم لا يباح شيء منه بحال حتى أن الله تعالى قد أو جب على المؤمنين أن ~~يعدلوا على الكفار في قوله تعالى @QB@ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ والمؤمنون ~~كانوا يعادون الكفار بأمر الله فقال تعالى لا يحملكم بغضكم للكفار على أن ~~لا تعدلوا عليهم بل أعدلوا عليهم فإنه أقرب للتقوى # وحينئذ فهؤلاء المشتركون ليس لبعضهم أن يفعل ما به ظلم غيره بل أما أن ~~يؤدى قسطه فيكون عادلا وأما أن يؤدى زائدا على قسطه فيعين شركاءه بما أخذ ~~منهم فيكون محسنا وليس له أن يمتنع عن أداء قسطه من ذلك المال إمتناعا يؤخذ ~~به قسطه من سائر الشركاء فيتضاعف الظلم عليهم فإن المال إذا كان يؤخذ لا ~~محالة وامتنع بجاه PageV30P339 أو رشوة أو غيرهما كان قد ظلم من يؤخذ منه ~~القسط الذى يخصه وليس هذا بمنزلة أن يدفع عن نفسه الظلم من غير ظلم لغيره ~~فإن هذا جائز مثل أن يمتنع عن أداء ما يخصه فلا يؤخذ ذلك منه ولا من غيره # وهذا كالوظائف السلطانية التى توضع على القرى مثل أن يوضع عليهم عشرة ~~آلاف درهم فيطلب من له جاه بأمرة أو مشيخة أو رشوة أو غير ذلك أن لا يؤخذ ~~منه شيء وهم لابد لهم من أخذ جميع المال وإذا فعل ذلك أخذ ما يخصه من سائر ~~الشركاء فيمتنع من أداء ماينوبه ويؤخذ من سائر الشركاء فإن هذا ظلم منه ~~لشركائه لأن هذا لم يدفع الظلم عن نفسه إلا بظلم شركائه وهذا لا يجوز وليس ~~له أن يقول أنا لم أظلمهم بل ظلمهم من أخذ منهم الحصتين لأنه يقال ( أولا ) ~~هذا الطالب قد يكون مأمورا ممن فوقه أن يأخذ ذلك المال فلا يسقط عن بعضهم ~~نصيبه إلا أخذه من نصيب ذلك الآخر فيكون أمره بأن لا يأخذ أمرا بالظلم # ( الثانى ) أنه لو فرض أنه الآمر الأعلى فعليه أن ms8814 يعدل بينهم فيما يطلبه ~~منهم وإن كان أصل الطلب ظلما فعليه أن يعدل في هذا الظلم ولا يظلم فيه ظلما ~~ثانيا فيبقى ظلما مكررا فإن الواحد منهم إذا كان قسطه مائة فطولب بمائتين ~~كان قد ظلم ظلما مكررا بخلاف ما إذا PageV30P340 أخذ من كل قسطه ولأن ~~النفوس ترضى بالعدل بينها في الحرمان وفيما يؤخذ منها ظلما ولا ترضى بأن ~~يخص بعضها بالعطاء أو الإعفاء # ولهذا جاءت الشريعة بأن المريض له أن يوصى بثلث ماله لغير وارث ولا يخص ~~الوارث بزيادة على حقه من ذلك الثلث وإن كان له أن يعطيه كله للأجنبى وكذلك ~~في عطية الأولاد هو مأمور ان يسوى بينهم في العطاء أو الحرمان ولا يخص ~~بعضهم بالإعطاء من غير سبب يوجب ذلك لحديث النعمان بن بشير وغيره # ( الثالث ) انه اذا طلب من القاهر ان لا ياخذ منه وهو يعلم انه يضع قسطه ~~على غيره فقد امره بما يعلم انه يظلم فيه غيره وليس للإنسان ان يطلب من ~~غيره ما يظلم فيه غيره وان كان هو لم يأمره بالظلم كمن يولى شخصا ويأمره ان ~~لا يظلم وهو يعلم انه يظلم فليس له ان يوليه وكذلك من وكل وكيلا وامره ان ~~لا يظلم وهو يعلم أنه يظلم وكذلك من طلب من غيره ان يوفيه دينه من ماله ~~الحلال وهو يعلم انه لا يوفيه الا مما ظلمه من الناس وكذلك هذا طلب منه أن ~~يعفيه من الظلم وهو يعلم أنه لا يعفيه إلا بظلم غيره فليس له أن يطلب منه ~~ذلك # ( الرابع ) أن هذا يفضي إلى أن الضعفاء الذين لا ناصر لهم يؤخذ منهم جميع ~~ذلك المال والأقوياء لا يؤخذ منهم شيء من وظائف الأملاك مع أن أملاكهم أكثر ~~وهذا يستلزم من الفساد والشر PageV30P341 مالا يعلمه إلا الله تعالى كما هو ~~الواقع ( الخامس ) أن المسلمين إذا احتاجوا إلى مال يجمعونه لدفع عدوهم وجب ~~على القادرين الإشتراك في ذلك وإن كان الكفار يأخذونه بغير حق فلأن يشتركوا ~~فيما يأخذه الظلمة من المسلمين ms8815 أولى وأحرى ### ||| فصل # وعلى هذا فإذا تغيب بعض الشركاء أو إمتنع من الأداء فلم يؤخذ منه وأخذ من ~~غيره حصته كان عليه أن يؤدى قدر نصيبه إلى من أدى عنه في أظهر قولى العلماء ~~كما يؤدى ما عليه من الحقوق الواجبة ويلزم بذلك ويعاقب على أدائه كما يعاقب ~~على أداء سائر الحقوق الواجبة عليه كالعامل في الزكاة إذا طلب من أحد ~~الشريكين أكثر من الواجب وأخذه بتأويل فللمأخوذ منه أن يرجع على الآخر ~~بقسطه وإن كان بغير تأويل فعلى قولين # أظهرهما أن له أن يرجع أيضا كناظر الوقف وولى اليتيم والمضارب والشريك ~~والوكيل وسائر من تصرف لغيره بولاية أو وكالة إذا طلب منه ما ينوب ذلك ~~المال من الكلف مثل ما إذا أخذت منه الكلف السلطانية عن الأملاك أو أخذ من ~~التجار في الطرق والقرى ما ينوب الأموال التى معهم فإن لهم أن يؤدوا ذلك من ~~نفس المال بل يجب عليهم إذا خافوا أن لم يؤدوه أن يؤخذ أكثر منه وإذا قدر ~~PageV30P342 أن المال صار غائبا فاقترضوا عليه وأدوا عنه أو أدوا من مال ~~لهم عن مال الموكل والمولى عليه كان لهم الرجوع بقدر ذلك من ماله وعلى هذا ~~عمل المسلمين في جميع الأعصار والأمصار # ومن لم يقل بذلك فإنه يلزم قوله من الفساد مالا يعلمه إلا رب العباد فإن ~~الكلف التى تؤخذ من الأموال على وجه الظلم كثيرة جدا فلو كان ما يؤديه ~~المؤتمن على مال غيره عنه من تلك الكلف التى تؤخذ منه قهرا بغير حق تحسب ~~عليه إذا لم يؤدها من غير مال المؤتمن لزم من ذلك ذهاب كثير من أموال ~~الأمناء ولزم ان لا يدخل الامناء في مثل ذلك لئلا تذهب اموالهم # وحينئذ يدخل في ذلك الخونة الفجار الذين لا يتقون الله بل يأخذون من ~~الأموال ما قدروا عليه ويدعون نقص المقبوض المستخرج أو زيادة المصروف ~~المؤدى كما هو المعروف من حال كثير من المؤتمنين على الأموال السلطانية لكن ~~هؤلاء قد يدخل في بعض ما يفعلونه ms8816 تأويل بخلاف الوكيل والشريك والمضارب وولى ~~اليتيم وناظر الوقف ونحوهم # وإذا كان كذلك فالمؤتمن على المال المشترك بينه وبين شريكه اذا كان يعتد ~~له بما اخذ منه من هذه الكلف فما قبضه عمال الزكاة بإسم الزكاة أولى ان ~~يعتد له به وان قبضوا فوق الواجب بلا تأويل لا سيما وهذا PageV30P343 هو ~~الواقع كثيرا أو غالبا في هذه الأزمان فإن عمال الزكاة يأخذون من زكوات ~~الماشية اكثر من الواجب بكثير وكذلك من زكوات التجارات ويأخذون من كل من ~~كان المال بيده سواء كان مالكا أو وكيلا أو شريكا أومضاربا أو غيرهم فلو لم ~~يعتد للامناء بما أخذ منهم ظلما لزم من الفساد ما لا يحصيه الا رب العباد # وأيضا فذلك الاعطاء قد يكون واجبا للمصلحة فإنه لو لم يؤده لأخذ الظلمة ~~اكثر منه ومعلوم ان المؤتمن على مال غيره اذا لم يمكنه دفع الظلم الكثير ~~الا باداء بعض المطلوب وجب ذلك عليه فإن حفظ المال واجب فاذا لم يمكن الا ~~بذلك وجب فما لا يتم الواجب الا به فهو واجب # وايضا فالمنازع يسلم انهم لو اكرهوا المؤتمن على أخذ غير المال لم يكن ~~ضامنا وان العامل الظالم اذا اخذ من المال المشترك اكثر من الواجب لم يكن ~~ضامنا وانما وقعت لهم الشبهة اذا اكره المؤدي على الأداء عنه كيف كان فأدى ~~عنه مما اقترض عليه أو من مال انسان ليرجع عليه فيقال لهم أي فرق بين ان ~~يكرهه على الأداء عنه من مال نفسه أو من مال الغائب ومعلوم ان إلزامه ~~بالأداء عن الغائب والممتنع اعظم ضررا عليه من الأداء من عين مال الغائب ~~والممتنع فإن أداء ما يطلب من الغائب اهون عليه من اداء ذلك من مال نفسه ~~فإذا عذر فيما PageV30P344 يؤديه من مال الغائب لكونه مكرها على الاداء ~~فلأن يعذر اذا اكره على الأداء عنه اولى واحرى # فإن قال المنازع لأن المؤدى هناك عين مال المكره المؤدي فهو المظلوم ~~فيقال لهم بل كلاهما مظلوم هذا مظلوم بالأداء عن ذاك ms8817 وذاك مظلوم بطلب ماله ~~فكيف يحمل كله على المؤدى والمقصود بالقصد الأول هو طلب المال من المؤدى ~~عنه وانما الأعمال بالنيات والطالب الظالم انما قصده اخذ مال ذلك لا مال ~~هذا وانما طلب من هذا الأداء عن ذاك # وأيضا فهذا المكره على الأداء عن الغائب مظلوم محض بسبب نفسه وماله وذاك ~~مظلوم بسبب ماله فكيف يجعل مال هذا وقاية لمال ذاك لظلم هذا الظالم الذى ~~اكرهه أو يكون صاحب المال القليل قد اخذ منه أضعاف ما يخصه وصاحب المال ~~الكثير لم يؤخذ منه شيء # وغاية هذا أن يشبه بغصب المشاع فإن الغاصب اذا قبض من العين المشتركة ~~نصيب أحد الشريكين كان ذلك من مال ذلك الشريك في أظهر قولى العلماء وهو ~~ظاهر مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما لأنه انما قصد أخذ مال أحد الشريكين ~~PageV30P345 ولو أقر أحد الابنين بأخ ثالث وكذبه أخوه لزم المقر أن يدفع ~~إلى المقر به ما فضل عن حقه وهو السدس في مذهب مالك وأحمد بن حنبل وكذلك ~~ظاهر مذهب الشافعى وهو قول جمهور السلف جعلوا ما غصبه الأخ المنكر من مال ~~المقر به خاصة لأنه لم يقصد أن يأخذ شيئا من حق المقر # ولكن أبو حنيفة قال في غصب المشاع أن ما قبضه الغاصب يكون من الشريكين ~~جميعا باعتبار صورة القبض من غير إعتبار نية وكذلك قال في الأخ المنكر إن ~~ما غصبه يكون منهما جميعا فيدفع المقر إلى المقر به نصف ما في يده وهو ~~الربع ويكون النصف الذى غصبه المنكر منهما جميعا وهذا قول في مذهب أحمد ~~والشافعى وقول الجمهور هو الصواب لأجل النية وكذلك هنا إنما قبض الظالم عن ~~ذلك المطلوب لم يقصد أخذ مال الدافع # فإن قيل فلو غلط الظالم مثل أن يقصد القطاع أخذ مال شخص فيأخذون غيره ظنا ~~أنه الأول فهل يضمن الأول مال هذا الذى ظنوه الأول قيل باب الغلط فيه تفصيل ~~ليس هذا موضعه ولكن الفرق بينهما معلوم وليس هذا مثل هذا فإن الظالم الغالط ~~الذى أخذ مال ms8818 هذا لم يأخذه عن غيره ولكنه ظنه مال زيد فظهر أنه مال عمرو ~~فقد قصد أن يأخذ مال زيد فأخذ مال عمرو كمن طلب قتل معصوم PageV30P346 فقتل ~~معصوما آخر ظنا منه أنه الأول # وهذا بخلاف من قصد مال زيد بعينه وأن يأخذ من الشركاء ما يقسم بينهم ~~بالعدل وأخذ من بعضهم عن بعض فإن هذا لم يغلط بل فعل ما أراده قصد أخذ مال ~~شخص وطلب المال من المستولى على ماله من شريك أو وكيل ونحو ذلك ليؤديه عنه ~~أو طلبوا من أحد الشركاء مالا عن الأمور المشتركة تؤخذ من الشركاء كلهم لم ~~يغلطوا في ظنهم فإذا كانوا إنما قصدوا الأخذ من واحد بل قصدوا العدل بينه ~~وبين شركائه ولكن إنما قدروا على الأخذ من شريكه فكيف يظلم هذا الشريك ~~مرتين # ونظير هذا أن يحتاج ولى بيت المال إلى اعطاء ظالم لدفع شره عن المسلمين ~~كإعطاء المؤلفة قلوبهم لدفع شرهم أو اعطاء الكفار إذا احتاج والعياذ بالله ~~إلى ذلك ولم يكن في بيت المال شيء واستسلف من الناس أموالا أداها فهل يقول ~~عاقل إن تلك الأموال تذهب من ضمان من أخذت منه ولا يرجع على بيت المال بشيء ~~لأن المقبوض كان عين أموالهم لا عين أموال بيت المال وقد كان النبي وأصحابه ~~يعطون ما يعطونه تارة من عين المال وتارة مما يستسلفونه فكان النبى صلى ~~الله عليه وسلم يستسلف على الصدقة وعلى الفيء فيصرفه في المصارف الشرعية من ~~إعطاء المؤلفة PageV30P347 قلوبهم وغيرهم وكان في الآخذين من لا يحل له ~~الأخذ بل كان النبى يقول ( أنى لأعطى أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا ~~( قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم قال ( يأبون إلا أن يسألونى ويأبى الله لى ~~البخل ( # ولا يقول عاقل ان ذلك المال يذهب من عين من اقترض منه بل هو بمنزلة ما ~~إذا كان عين مال الصدقة والفىء لأن المعطى جاز له الإعطاء وإن لم يجز للآخذ ~~الأخذ هذا وهو يعطيه باختياره فكيف بمن أكره على الإعطاء وجاز له ms8819 الإعطاء ~~أو وجب عليه ولا يقال ولي الأمر هنا اقترض أموال الناس منهم لأنه يقال إنما ~~إقترضها ليدفعها إلى ذلك الظالم الذى طلب أخذ أموال المسلمين فأدى عنهم ما ~~إقترضه ليدفع به عنهم الضرر وعليه أن يوفى ذلك من أموالهم المشتركة مال ~~الصدقات والفىء ولا يقال لا يحل له صرف أموالهم فإن الذى أخذه ذلك الظالم ~~كان مال بعضهم بل أعطاء هذا القليل لحفظ نفوسهم وأموالهم واجب # وإذا كان الإعطاء واجبا لدفع ضرر هو أعظم منه فمذهب مالك وأحمد بن حنبل ~~المشهور عنه وغيرهما إن كل من أدى عن غيره واجبا فله أن يرجع به عليه إذا ~~لم يكن متبرعا بذلك وإن أداه بغير أذنه مثل من قضى دين غيره بغير اذنه سواء ~~كان قد ضمنه بغير أذنه وأداه بغير إذنه أو أداه عنه بلا ضمان PageV30P348 ~~وكذلك من افتك أسيرا من الأسر بغير اذنه يرجع عليه بما أفتكه به وكذلك من ~~أدى عن غيره نفقة واجبة عليه مثل أن ينفق على إبنه أو زوجته أو بهائمه لا ~~سيما إذا كان للمنفق فيها حق مثل أن يكون مرتهنا أو مستأجرا أو كان مؤتمنا ~~عليها مثل المودع ومثل راد العبد الآبق ومثل إنفاق أحد الشريكين على ~~البهائم المشتركة وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى @QB@ فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن @QE@ فأمر بإيتاء الأجر بمجرد إرضاعهن ولم يشترط عقد إستئجار ~~ولا أذن الأب لها في أن ترضع بالأجر بل لما كان إرضاع الطفل واجبا على أبيه ~~فإن أرضعته المرأة إستحقت الأجر بمجرد إرضاعها وهذا في الأم المطلقة قول ~~أكثر الفقهاء يقولون أنها تستحق الأجر بمجرد الإرضاع وأبو حنيفة يقول بذلك ~~في الأم وإن كان لا يقول برجوع المؤدى للدين وخالفه صاحباه # والمفرق يقول الأم أحق برضاع ابنها من غيرها حتى لو طلبت الإرضاع بالأجر ~~لقدمت على المتبرعة قيل فكذلك من له حق في بهائم الغير كالمستأجر والمرتهن ~~يستحق مطالبة المالك بالنفقة على بهائمه فذلك أحق من الأم بالإرضاع # وأيضا فلا يلزم من كونه ms8820 يستحق ذلك بعقد المعاوضة أن يستحقه بدون عقد إلا ~~أن يكون الإرضاع واجبا على الأب وإذا كان إنما PageV30P349 أداه لكونه ~~واجبا عليه فهكذا جميع الواجبات عليه أن يؤديها إلى من أدى عنه وأحسن إليه ~~بالأداء عنه وهذا إذا كان المعطى مختارا فكيف إذا أكره على أداء ما يجب ~~عليه فإن الظالم القادر إذا لم يعطه المطلوب الذى طلبه منه ضره ضررا عظيما ~~أما بعقوبة بدنية واما بأخذ أكثر منه وحينئذ يجب عليه دفع ما يندفع به أعظم ~~الضررين بالتزام أدناهما فلو أدى الغير عنه بغير إكراه لكان له أن يرجع ~~عليه بما أداه عنه فكيف إذا أكره على الأداء عنه # وأيضا فإذا كان الطلب من الشركاء كلهم فقد تقدم أنه ليس لبعضهم أن يمتنع ~~مما عليه امتناعا يستلزم تكثير الظلم على غيره وحينئذ فيكون الأداء واجبا ~~على جميع الشركاء كل يؤدى قسطه الذى ينوبه إذا قسم المطلوب بينهم بالعدل ~~ومن أدى عن غيره قسطه بغير إكراه كان له أن يرجع به عليه وكان محسنا إليه ~~في الأداء عنه ومباشرة الظالمين دونه فإن المباشر يحصل له ضرر في نفسه ~~وماله والغالب إنما يحصل له الضرر في ماله فقط فإذا أدى عنه لئلا يحضر كان ~~محسنا إليه في ذلك فيلزمه أن يعطيه ما أداه عنه كما يوفى المقرض المحسن فإن ~~جزاء القرض الوفاء والحمد ومن غاب ولم يؤد حتى أدى عنه الحاضرون لزمه أن ~~يعطيهم قدر ما أدوه عنه ويلزم بذلك ويعاقب أن امتنع عن أدائه ويطيب لمن أدى ~~عنه أن يأخذ نظير ذلك من ماله كما يأخذ PageV30P350 المقرض من المقترض نظير ~~ما أقرضه ومن قبض ذلك من ذلك المؤدى عنه وأداه إلى هذا المؤدى جاز له أخذه ~~سواء كان الملزم له بالأداء هو الظالم الأول أو غيره # ولهذا له أن يدعي بما أداه عنه عند حكام العدل وعليهم أن يحكموا على هذا ~~بأن يعطيه ما أداه عنه كما يحكم عليه بأداء بدل القرض ولا شبهة على الآخذ ~~في أخذ بدل ماله ms8821 ولا يقال إنه أخذ أموال الناس فإنه إنما أخذ منهم ما أداه ~~عنهم وبدل ما أقرضهم إياه من مال وبدل ما وجب عليهم أداؤه فإنه ليس لأحد ~~الشركاء أن يمتنع عن أداء ما ينوبه إذا علم أن ذلك يؤخذ من سائر الشركاء ~~كما تقدم وإذا لم يكن له هذا الإمتناع كان الأداء واجبا عليه فمن أدى عنه ~~ناويا للرجوع فله الرجوع إذا أداه طوعا لإحسانه إليه بالأداء عنه فكيف إذا ~~أكره على الأداء عنه ولو لم يكن الأداء واجبا عليه بل قد أكره ذلك الرجل ~~على الأداء عنه رجع عليه فإنه بسببه أكره ذاك وأخذ ماله وهذا كمن صودر على ~~مال فأكره أقاربه أو جيرانه أو أصدقاؤه أو شركاؤه على أن يؤدوا عنه ويرجعوا ~~عليه فلهم الرجوع فإن أموالهم إنما أخذت بسببه وبسبب الدفع عنه # فإن الآخذ منه إما أن يأخذ لإعتقاده أنه ظالم كما يصادر ولاة الأمور بعض ~~نوابهم ويقولون أنهم أخذوا من الأموال أكثر مما PageV30P351 صودروا عليه ~~وأما أن يكون صاحب مال كثير فيطلب منه الطالب ما يقول أنه ينوب ماله ~~فأقاربه وجيرانه وأصدقاؤه وغيرهم ممن أخذ ماله بسبب مال هذا أو بسبب أعماله ~~إنما ظلموا لأجله وأخذت أموالهم لأجل ماله وصيانة لماله والطالب إنما ~~مقصوده ماله لا أموال أولئك وشبهته وإرادته إنما هي متعلقة بماله دون ~~أموالهم فكيف تذهب أموالهم هدرا من غير سبب منهم ويبقى مال هذا محفوظا وهو ~~الذى طولبوا لأجله ولو لم يستحق هؤلاء المؤدون عن غيرهم الرجوع لحصل فساد ~~كثير في النفوس والأموال فإن النفوس والأموال قد يعتريها من الضرر والفساد ~~مالا يندفع إلا بأداء مال عنهم فلو علم المؤدون أنهم لا يستحقون الرجوع بما ~~أدوه إلا إذا أذن ذلك الشخص لم يؤدوا وهو قد لا يأذن إما لتغيبه أو لحبسه ~~أو غير ذلك وإما لظلمه نفسه وتماديه على ما يضر نفسه وماله سفها منه وظلما ~~حرمه الشارع عليه # ومعلوم أن الناس تحت أمر الله ورسوله فليس لأحد أن يضر نفسه وماله ضررا ms8822 ~~نهاه الله عنه ومن دفع ذلك الضرر العظيم عنه بما هو أخف منه فقد أحسن إليه ~~وفى فطر الناس جميعهم أن من لم يقابل الإحسان بالإحسان فهو ظالم معتد وما ~~عده المسلمون ظلما فهو ظلم كما قال بن مسعود رضى الله عنه ما رآه المسلمون ~~حسنا فهو عند PageV30P352 الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح # وأصل هذا اعتبار المقاصد والنيات في التصرفات وهذا الأصل قد قرر وبسط في ~~كتاب ( بيان الدليل على بطلان التحليل ( وقد قال النبى في بن اللتبية ~~العامل الذي قبل الهدايا لما إستعمله على الصدقات فأهدى إليه هدايا فلما ~~رجع حاسبه النبى على ما أخذ وأعطى وهو الذى يسميه أهل الديوان الإستيفاء ~~كما يحاسب الإنسان وكيله وشريكه على مقبوضه ومصروفه وهو الذى يسميه أهل ~~الديوان المستخرج والمصروف فقال إبن اللتبية هذا لكم وهذا أهدى لى فقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله ~~فيقول هذا لكم وهذا أهدى لى أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم ~~لا والذى نفسى بيده ما من رجل نستعمله على العمل فيغل منه شيئا إلا جاء به ~~يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة ~~تيعر ثم رفع يديه إلى السماء ثم قال ألا هل بلغت ( أو كما قال والحديث متفق ~~على صحته # فلما كان المعطون المهدون إنما أعطوه وأهدوا إليه لأجل ولايته جعل ذلك من ~~جملة المال المستحق لأهل الصدقات لأنه بسبب أموالهم قبض ولم يخص به العامل ~~الذى قبضه فكذلك ما قبض بسبب PageV30P353 اموال بعض الناس فعنها يحسب وهو ~~من توابعها فكما أنه أعطى لأجلها فهو مغنم ونماء لها لا لمن أخذه فما أخذ ~~لأجلها فهو مغرم ونقص منها لا على من أعطاه # وكذلك من خلص مال غيره من التلف بما أداه عنه يرجع به عليه مثل من خلص ~~مالا من قطاع أو عسكر ظالم أو متول ظالم ولم يخلصه ms8823 إلا بما أدى عنه فإنه ~~يرجع بذلك وهو محسن إليه بذلك وإن لم يكن مؤتمنا على ذلك المال ولا مكرها ~~على الأداء عنه فإنه محسن إليه بذلك وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان فإذا خلص ~~عشرة آلاف درهم بألف أداها عنه كان من المحسنين فإذا أعطاه الألف كان قد ~~أعطاه بدل قرضه وبقى عمله وسعيه في تخليص المال إحسانا إليه لم يجزه به هذا ~~أصوب قولى العلماء # ومن جعله في مثل هذا متبرعا ولم يعطه شيئا فقد قال منكرا من القول وزورا ~~وقد قابل الإحسان بالإساءة # ومن قال هذا هو الشرع الذى بعث الله به رسوله فقد قال على الله غير الحق ~~لكنه قول بعض العلماء وقد خالفهم آخرون ونسبة مثل هذه الأقوال إلى الشرع ~~توجب سوء ظن كثير من الناس في الشرع وفرارهم منه والقدح في أصحابه فإن من ~~العلماء من قال قولا برأيه PageV30P354 وخالفه فيه آخرون وليس معه شرع منزل ~~من عند الله بل الأدلة الشرعية قد تدل على نقيض قوله وقد يتفق أن من يحكم ~~بذلك يزيد ذلك ظلما بجهله وظلمه ويتفق أن كل أهل ظلم وشر يزيدون الشر شرا ~~وينسبون هذا الظلم كله إلى شرع من نزهه الله عن الظلم وبعثه بالعدل والحكمة ~~والرحمة وجعل العدل المحض الذى لا ظلم فيه هو شرعه # ولهذا كان العدل وشرعه متلازمين قال الله تعالى @QB@ إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك ~~شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق @QE@ # فما أنزل عليه والقسط متلازمان فليس فيما أنزل الله عليه ظلم قط بل قد ~~قال تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله ~~من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي ms8824 عزيز @QE@ والله أعلم والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل PageV30P355 ### |||| وسئل الشيخ قدس الله روحه # عن رجل متول ولايات ومقطع إقطاعات وعليها من الكلف السلطانية ما جرت به ~~العادة وهو يختار أن يسقط الظلم كله ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه وهو ~~يعلم أنه إن ترك ذلك واقطعها غيره وولى غيره فإن الظلم لا يترك منه شيء بل ~~ربما يزداد وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التى في إقطاعه فيسقط النصف ~~والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها ~~وهو عاجز عن ذلك لا يمكنه ردها فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعه ~~وقد عرفت نيته وإجتهاده وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه أم عليه أن يرفع يده ~~عن هذه الولاية والإقطاع وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم بل يبقى ويزداد فهل ~~يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر وهل عليه إثم في هذا الفعل أم ~~لا وإذا لم يكن عليه إثم فهل يطالب على ذلك أم لا وأى الأمرين خير له أن ~~يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله أم رفع يده مع بقاء الظلم وزيادة ~~وإذا كانت الرعية تختار بقاء يده لما لها في ذلك من المنفعة به ورفع ما ~~رفعه من الظلم فهل الأولى PageV30P356 له أن يوافق الرعية أم يرفع يده ~~والرعية تكره ذلك لعلمها أن الظلم يبقى ويزداد برفع يده ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم إذا كان مجتهدا في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه ~~وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره وإستيلاؤه على الإقطاع خير من ~~إستيلاء غيره كما قد ذكر فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع ولا إثم ~~عليه في ذلك بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو ~~أفضل منه # وقد يكون ذلك عليه واجبا إذا لم يقم به غيره قادرا عليه فنشر العدل بحسب ~~الإمكان ورفع الظلم بحسب ms8825 الإمكان فرض على الكفاية يقوم كل إنسان بما يقدر ~~عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه ولا يطالب والحالة هذه بما يعجز ~~عنه من رفع الظلم # وما يقرره الملوك من الوظائف التى لا يمكنه رفعها لا يطلب بها وإذا كانوا ~~هم ونوابهم يطلبون أموالا لا يمكن دفعها إلا بإقرار بعض تلك الوظائف وإذا ~~لم يدفع إليهم أعطوا تلك الإقطاعات والولاية لمن يقرر الظلم أو يزيده ولا ~~يخففه كان أخذ تلك الوظائف ودفعها إليهم خيرا للمسلمين من إقرارها كلها ومن ~~صرف من هذه إلى العدل والإحسان فهو أقرب من غيره ومن تناوله من هذا شيء ~~أبعد عن العدل والإحسان PageV30P357 من غيره والمقطع الذى يفعل هذا الخير ~~يرفع عن المسلمين ما أمكنه من الظلم ويدفع شر الشرير بأخذ بعض ما يطلب منهم ~~فما لا يمكنه رفعه هو محسن إلى المسلمين غير ظالم لهم يثاب ولا إثم عليه ~~فيما يأخذه على ما ذكره ولا ضمان عليه فيما أخذه ولا إثم عليه في الدنيا ~~والآخرة إذا كان مجتهدا في العدل والإحسان بحسب الإمكان # وهذا كوصي اليتيم وناظر الوقف والعامل في المضاربة والشريك وغير هؤلاء ~~ممن يتصرف لغيره بحكم الولاية أو الوكالة إذا كان لا يمكنه فعل مصلحتهم إلا ~~بأداء بعضه من أموالهم للقادر الظالم فإنه محسن في ذلك غير مسيء وذلك مثل ~~ما يعطى هؤلاء المكاسين وغيرهم في الطرقات والأشوال والأموال التى ائتمنوا ~~كما يعطونه من الوظائف المرتبة على العقار والوظائف المرتبة على ما يباع ~~ويشترى فإن كل من تصرف لغيره أو لنفسه في هذه الأوقات من هذه البلاد ونحوها ~~فلابد أن يؤدى هذه الوظائف فلو كان ذلك لا يجوز لأحد أن يتصرف لغيره لزم من ~~ذلك فساد العباد وفوات مصالحهم # والذى ينهى عن ذلك لئلا يقع ظلم قليل لو قبل الناس منه تضاعف الظلم ~~والفساد عليهم فهو بمنزلة من كانوا في طريق وخرج عليهم قطاع الطريق فإن لم ~~يرضوهم ببعض المال أخذوا أموالهم وقتلوهم فمن قال لتلك القافلة لا يحل ms8826 لكم ~~أن تعطوا لهؤلاء شيئا من الأموال PageV30P358 التى معكم للناس فإنه يقصد ~~بهذا حفظ ذلك القليل الذى ينهى عن دفعه ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب ~~القليل والكثير وسلبوا مع ذلك فهذا مما لا يشير به عاقل فضلا أن تأتى به ~~الشرائع فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد ~~وتقليلها بحسب الإمكان # فهذا المتولى المقطع الذى يدفع بما يوجد من الوظائف ويصرف إلى من نسبه ~~مستقرا على ولايته وإقطاعه ظلما وشرا كثيرا عن المسلمين أعظم من ذلك ولا ~~يمكنه دفعه إلا بذلك إذا رفع يده تولى من يقره ولا ينقص منه شيئا هو مثاب ~~على ذلك ولا إثم عليه في ذلك ولا ضمان في الدنيا والآخرة # وهذا بمنزلة وصى اليتيم وناظر الوقف الذى لا يمكنه إقامة مصلحتهم إلا ~~بدفع ما يوصل من المظالم السلطانية إذا رفع يده تولى من يجور ويريد الظلم ~~فولايته جائزة ولا إثم عليه فيما يدفعه بل قد تجب عليه هذه الولاية # وكذلك الجندى المقطع الذى يخفف الوظائف عن بلاده ولا يمكنه دفعها كلها ~~لأنه يطلب منه خيل وسلاح ونفقة لا يمكنه إقامتها إلا بأن يأخذ بعض تلك ~~الوظائف وهذا مع هذا ينفع المسلمين في PageV30P359 الجهاد فإذا قيل له لا ~~يحل لك أن تأخذ شيئا من هذا بل إرفع يدك عن هذا الإقطاع فتركه وأخذه من ~~يريد الظلم ولا ينفع المسلمين كان هذا القائل مخطئا جاهلا بحقائق الدين بل ~~بقاء الخيل من الترك والعرب الذين هم خير من غيرهم وأنفع للمسلمين وأقرب ~~للعدل على إقطاعهم مع تخفيف الظلم بحسب الإمكان خير للمسلمين من أن يأخذ ~~تلك الإقطاعات من هو أقل نفعا وأكثر ظلما # والمجتهد من هؤلاء المقطعين كلهم في العدل والإحسان بحسب الإمكان يجزيه ~~الله على ما فعل من الخير ولا يعاقبه على ما عجز عنه ولا يؤاخذه بما يأخذ ~~ويصرف إذا لم يكن إلا ذلك كان ترك ذلك يوجب شرا أعظم منه والله أعلم ~~PageV30P360 ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عن رجل أخذ ماله ظلما ms8827 بغير حق وإنتهك عرضه أو نيل منه في بدنه فلم يقتص ~~في الدنيا وعلم أن ما عند الله خير وأبقى فهل يكون عفوه عن ظالمه مسقطا عند ~~الله أم نقصا له أم لا يكون أو يكون أجره باقيا كاملا موفرا وأيما أولى ~~مطالبة هذا الظالم والإنتقام منه يوم القيامة وتعذيب الله له أو العفو عنه ~~وقبول الحوالة على الله تعالى ### ||||| فأجاب # لا يكون العفو عن الظالم ولا قليله مسقطا لأجر المظلوم عند الله ~~ولا منقصا له بل العفو عن الظالم يصير أجره على الله تعالى فإنه إذا لم يعف ~~كان حقه على الظالم فله أن يقتص منه بقدر مظلمته وإذا عفا وأصلح فأجره على ~~الله وأجره الذى هو على الله خير وأبقى قال تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين @QE@ فقد أخبر أن ~~جزاء السيئة سيئة مثلها بلا عدوان وهذا هو القصاص في الدماء والأموال ~~والأعراض ونحو ذلك ثم قال PageV30P361 @QB@ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ~~@QE@ وقد ذكر [ عن ] الإمام أحمد لما ظلم في محنته المشهورة أنه لم يخرج ~~حتى حلل من ظلمه وقال ذكرت حديثا ذكر عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال ( إذا ~~كان يوم القيامة نادى مناد ألا ليقم من وجب أجره على الله فلا يقوم إلا من ~~عفا وأصلح # وقد قال تعالى @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين @QE@ وأباح لهم سبحانه وتعالى إذا عاقبوا الظالم أن يعاقبوه ~~بمثل ما عاقب به ثم قال @QB@ ولئن صبرتم لهو خير للصابرين @QE@ فعلم أن ~~الصبر عن عقوبته بالمثل خير من عقوبته فكيف يكون مسقطا للأجر أو منقصا له # وقد قال تعالى @QB@ والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له @QE@ فجعل ~~الصدقة بالقصاص الواجب على الظالم وهو العفو عن القصاص كفارة للعافى ~~والإقتصاص ليس بكفارة له فعلم أن العفو خير له من الإقتصاص وهذا لأن ما ~~أصابه من المصائب مكفر للذنوب ويؤجر العبد على صبره عليها ويرفع ms8828 درجته ~~برضاه بما يقضيه الله عليه منها قال الله تعالى @QB@ ما أصاب من مصيبة إلا ~~بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه @QE@ قال بعض السلف هو الرجل تصيبه ~~المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم وفى الصحيحين عن النبى ~~PageV30P362 أنه قال ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ~~ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه # وفى المسند أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ قال ~~أبو بكر يا رسول الله نزلت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا فقال يا أبا بكر ~~ألست تنصب ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء فذلك ما تجزون به وفيه أيضا ( ~~المصائب حطة تحط الخطايا عن صاحبها كما تحط الشجرة القائمة ورقها ( # والدلائل على أن المصائب كفارات كثيرة إذا صبر عليها أثيب على صبره ~~فالثواب والجزاء إنما يكون على العمل وهو الصبر وأما نفس المصيبة فهي من ~~فعل الله لا من فعل العبد وهى من جزاء الله للعبد على ذنبه وتكفيره ذنبه ~~بها وفى المسند ( أنهم دخلوا على أبى عبيدة بن الجراح وهو مريض فذكروا أنه ~~يؤجر على مرضه فقال مالى من الأجر ولا مثل هذه ولكن المصائب حطة ( فبين لهم ~~أبو عبيدة رضى الله عنه أن نفس المرض لا يؤجر عليه بل يكفر به عن خطاياه # وكثيرا ما يفهم من الأجر غفران الذنوب فيكون فيه أجر بهذا PageV30P363 ~~الإعتبار ومن الناس من يقول لابد فيه من التعويض والأجر والإمتنان وقد يحصل ~~له ثواب بغير عمل كما يفعل عنه من أعمال البر # وأما الصبر على المصائب ففيها أجر عظيم قال تعالى @QB@ وبشر الصابرين ~~الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات ~~من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون @QE@ فالرجل إذا ظلم بجرح ونحوه فتصدق به ~~كان الجرح مصيبة يكفر بها عنه ويؤجر على صبره وعلى إحسانه إلى الظالم ~~بالعفو عنه فإن الإحسان يكون بجلب منفعة وبدفع مضرة ولهذا سماه الله ms8829 صدقة # وقد قال تعالى @QB@ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات ~~والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين @QE@ فذكر أنه يحب المحسنين والعافين ~~عن الناس وتبين بهذا أن هذا من الإحسان والإحسان ضد الإساءة وهو فعل الحسن ~~سواء كان لازما لصاحبه أو متعديا إلى الغير ومنه قوله @QB@ من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها @QE@ فالكاظم للغيظ ~~والعافى عن الناس قد أحسن إلى نفسه والى الناس فإن ذلك عمل حسنة مع نفسه ~~ومع الناس ومن أحسن إلى الناس فإلى نفسه كما يروى عن بعض السلف أنه قال ما ~~أحسنت إلى أحد وما أسأت إلى أحد PageV30P364 وإنما أحسنت إلى نفسى وأسأت ~~إلى نفسى قال تعالى @QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها @QE@ # ولو لم يكن الإحسان إلى الخلق إحسانا إلى المحسن يعود نفعه عليه لكان ~~فاعلا إثما أو ضررا فإن العمل الذى لا يعود نفعه على فاعله إما حيث لم يكن ~~فيه فائدة وإما شر من العبث إذا ضر فاعله والعفو عن الظالم أحد نوعى الصدقة ~~المعروف والإحسان إلى الناس وجماع ذلك الزكاة # والله سبحانه دائما يأمر بالصلاة والزكاة وهى الصدقة وقد ثبت في الصحيح ~~عن النبى من غير وجه أنه قال ( كل معروف صدقة ) وذلك نوعان # أحدهما اتصال نفع إليه # الثانى دفع ضرر عنه فإذا كان المظلوم يستحق عقوبة الظلم ونفسه تدعوه إليه ~~فكف نفسه عن ذلك ودفع عنه ما يدعوه إليه من إضراره فهذا إحسان منه إليه ~~وصدقة عليه والله تعالى يجزى المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين فكيف يسقط ~~أجر العافى # وهذا عام في سائر ما للعبد من الحقوق على الناس ولهذا إذا PageV30P365 ~~ذكر الله في كتابه حقوق العباد وذكر فيها العدل ندب فيها إلى الإحسان فإنه ~~سبحانه يأمر بالعدل والإحسان كما قال تعالى @QB@ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة وأن تصدقوا خير لكم ms8830 إن كنتم تعلمون @QE@ فجعل الصدقة على المدين ~~المعسر بإسقاط الدين عنه خيرا للمتصدق من مجرد إنظاره # وقال تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله إلا أن يصدقوا @QE@ فسمى إسقاط الدية صدقة وقال تعالى @QB@ وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون ~~أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى @QE@ فجعل العفو عن ~~نصف الصداق الواجب على الزوج بالطلاق قبل الدخول أقرب للتقوى من إستيفائه ~~وعفو المرأة إسقاط نصف الصداق باتفاق الأمة # وأما عفو الذى بيده عقدة النكاح فقيل هو عفو الزوج وأنه تكميل للصداق ~~للمرأة وعلى هذا يكون هذا العفو من جنس ذلك العفو فهذا العفو إعطاء الجميع ~~وذلك العفو إسقاط الجميع والذى حمل من قال هذا القول عليه انهم رأوا أن غير ~~المرأة لا تملك إسقاط حقها الواجب كما لا تملك إسقاط سائر ديونها وقيل الذى ~~بيده عقدة النكاح هو ولى المرأة المستقل بالعقد بدون استئذانها PageV30P366 ~~كالأب للبكر الصغيرة وكالسيد للأمة وعلى هذا يكون العفوان من جنس واحد ~~ولهذا لم يقل إلا أن يعفون أو يعفوهم والخطاب في الآية للأزواج # وقال تعالى حكاية عن لقمان أنه قال لابنه @QB@ وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور @QE@ وقال تعالى @QB@ ولمن ~~انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون ~~الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك ~~لمن عزم الأمور @QE@ # فهناك في قول لقمان ذكر الصبر على المصيبة فقال @QB@ إن ذلك من عزم ~~الأمور @QE@ وهنا ذكر الصبر والعفو فقال @QB@ إن ذلك لمن عزم الأمور @QE@ ~~وذكر ذلك بعد قوله @QB@ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق @QE@ فذكر سبحانه ~~الأصناف الثلاثة في باب الظلم الذى يكون بغير اختيار المظلوم وهم العادل ~~والظالم والمحسن # فالعادل من انتصر بعد ms8831 ظلمه وهذا جزاؤه انه ما عليه من سبيل فلم يكن بذلك ~~ممدوحا ولكن لم يكن بذلك مذموما وذكر الظالم بقوله @QB@ إنما السبيل على ~~الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق @QE@ فهؤلاء عليهم السبيل ~~للعقوبة والإقتصاص وذكر المحسنين PageV30P367 فقال @QB@ ولمن صبر وغفر إن ~~ذلك لمن عزم الأمور @QE@ والقرآن فيه جوامع الكلم # وهذا كما ذكر في آخر البقرة أصناف الناس في المعاملات التى تكون باختيار ~~المتعاملين وهم ثلاثة محسن وظالم وعادل فالمحسن هو المتصدق والظالم هو ~~المربى والعادل هو البائع فذكر هنا حكم الصدقات وحكم الربا وحكم المبايعات ~~والمداينات # وكما أن من توهم أنه بالعفو يسقط حقه أو ينقص غالط جاهل ضال بل بالعفو ~~يكون أجره أعظم فكذلك من توهم أنه بالعفو يحصل له ذل ويحصل للظالم عز ~~واستطالة عليه فهو غالط في ذلك كما ثبت في الصحيح وغيره عن النبى أنه قال ( ~~ثلاث إن كنت لحالفا عليهن ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما نقصت صدقة من ~~مال وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ( فبين الصادق المصدوق إن الله لا ~~يزيد العبد بالعفو إلا عزا وأنه لا تنقص صدقة من مال وأنه ما تواضع أحد لله ~~إلا رفعه الله وهذا رد لما يظنه من يتبع الظن وما تهوى الأنفس من أن العفو ~~يذله والصدقة تنقص ماله والتواضع يخفضه # وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت ( ما ضرب PageV30P368 رسول ~~الله خادما له ولا إمرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ~~ولا نيل منه قط شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا إنتهكت ~~محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ( وخلق رسول الله القرآن أكمل ~~الأخلاق وقد كان من خلقه أنه لا ينتقم لنفسه وإذا انتهكت محارم الله لم يقم ~~لغضبه شيء حتى ينتقم لله فيعفو عن حقه ويستوفى حق ربه # والناس في الباب أربعة أقسام # منهم من ينتصر لنفسه ولربه وهو الذى يكون فيه دين وغضب # ومنهم من لا ms8832 ينتصرلا لنفسه ولا لربه وهو الذى فيه جهل وضعف دين # ومنهم من ينتقم لنفسه لا لربه وهم شر الأقسام وأما الكامل فهو الذى ينتصر ~~لحق الله ويعفو عن حقه كما قال أنس بن مالك ( خدمت رسول الله عشر سنين فما ~~قال لى أف قط وما قال لى لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لا ~~فعلته وكان بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول دعوه لو قضي شيء لكان ( فهذا ~~في العفو عما يتعلق بحقوقه PageV30P369 وأما في حدود الله فلما شفع عنده ~~أسامة بن زيد وهو الحب بن الحب وكان هو أحب إليه من أنس وأعز عنده في امرأة ~~سرقت شريفة أن يعفو عن قطع يدها غضب وقال يا أسامة أتشفع في حد من حدود ~~الله إنما أهلك من كان قبلكم انهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا ~~سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذى نفس محمد بيده لو سرقت فاطمة بنت ~~محمد لقطعت يدها ( فغضب على أسامة لما شفع في حد لله وعفا عن أنس في حقه ~~وكذلك لما أخبره أسامة أنه قتل رجلا بعد أن قال لا إله إلا الله قال ( ~~أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله فما زال يكررها حتى قلت ليته سكت ( # والأحاديث والآثار في إستحباب العفو عن الظالم وأن أجره بذلك أعظم كثيرة ~~جدا وهذا من العلم المستقر في فطر الآدميين وقد قال تعالى لنبيه @QB@ خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ فأمره أن يأخذ بالعفو في أخلاق ~~الناس وهو ما يقر من ذلك قال بن الزبير أمر الله نبيه أن يأخذ بالعفو من ~~أخلاق الناس وهذا كقوله @QB@ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو @QE@ من ~~أموالهم هذا من العفو ويأمر بالمعروف ويعرض عن الجاهلين وهذه الآية فيها ~~جماع الأخلاق الكريمة فإن الإنسان مع الناس إما أن يفعلوا معه غير ~~PageV30P370 ما يحب أو ما يكره فأمر أن يأخذ منهم ما يحب ما سمحوا به ولا ~~يطالبهم بزيادة وإذا فعلوا معه ما يكره ms8833 أعرض عنهم وأما هو فيأمرهم بالمعروف ~~وهذا باب واسع ### |||| وسئل رحمه الله # عن الرجل يكون له على الرجل دين فيجحده أو يغصبه شيئا ثم يصيب له مالا من ~~جنس ماله فهل له أن يأخذ منه مقدار حقه ### ||||| فأجاب # أما إذا كان لرجل عند غيره حق من عين أو دين فهل يأخذه أو نظيره ~~بغير اذنه فهذا نوعان # أحدهما أن يكون سبب الإستحقاق ظاهرا لا يحتاج إلى إثبات مثل استحقاق ~~المرأة النفقة على زوجها واستحقاق الولد أن ينفق عليه والده واستحقاق الضيف ~~الضيافة على من نزل به فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ريب كما ~~ثبت في الصحيحين أن هند بنت عتبة بن ربيعة قالت يا رسول الله إن أبا سفيان ~~رجل شحيح وأنه لا يعطينى من النفقة ما يكفينى وبنى فقال ( خذى مايكفيك ~~وولدك بالمعروف ( فأذن لها أن تأخذ نفقتها بالمعروف بدون إذن وليه ~~PageV30P371 وهكذا من علم أنه غصب منه ماله غصبا ظاهرا يعرفه الناس فأخذ ~~المغصوب أو نظيره من مال الغاصب وكذلك لو كان له دين عند الحاكم وهو يمطله ~~فأخذ من ماله بقدره ونحو ذلك # والثانى أن لايكون سبب الإستحقاق ظاهرا مثل أن يكون قد جحد دينه أو جحد ~~الغصب ولا بينة للمدعى فهذا فيه قولان # أحدهما ليس له أن يأخذ وهو مذهب مالك وأحمد # والثانى له أن يأخذ وهو مذهب الشافعى وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى ~~فيسوغ الأخذ من جنس الحق لأنه استيفاء ولا يسوغ الأخذ من غير الجنس لأنه ~~معاوضة فلا يجوز إلا برضا الغريم # والمجوزون يقولون إذا امتنع من أداء الواجب عليه ثبتت المعاوضة بدون إذنه ~~للحاجة لكن من منع الأخذ مع عدم ظهورالحق إستدل بما في السنن عن أبى هريرة ~~عن النبى أنه PageV30P372 قال ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ~~( وفى المسند عن بشير بن الخصاصية أنه قال يا رسول الله إن لنا جيرانا لا ~~يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها فإذا قدرنا لهم على ms8834 شيء أنأخذه قال ( ~~لا أد الأمانة إلى من إئتمنك ولا تخن من خانك ( وفى السنن عن النبى أنه قيل ~~له ( أن أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا ~~قال لا ( رواه أبو داود وغيره # فهذة الأحاديث تبين أن ( حق ) المظلوم في نفس الامر اذا كان ( سببه ليس ) ~~ظاهرا أخذه خيانة لم يكن له ذلك وان كان هو يقصد اخذ نظير حقه لكنه خان ~~الذى ائتمنه فإنه لما سلم إليه ماله فأخذ بعضه بغير اذنه والاستحقاق ( ليس ~~) ظاهرا كان خائنا واذا قال أنا مستحق لما اخذته في نفس الامر لم يكن ما ~~ادعاه ظاهرا معلوما وصار كما لو تزوج امرأة فأنكرت نكاحه ولا بينة له فإذا ~~قهرها على الوطء من غير حجة ظاهرة فإنه ليس له ذلك ولو قدر ان الحاكم حكم ~~على رجل بطلاق امرأته ببينة اعتقد صدقها وكانت كاذبة في الباطن لم يكن له ~~ان يطأها لما هو الامر عليه في الباطن # فإن قيل لاريب ان هذا يمنع منه ظاهرا وليس له ان يظهر ذلك قدام الناس ~~لانهم مأمورون بإنكار ذلك لأنه حرام في الظاهر لكن الشأن إذا كان يعلم سرا ~~فيما بينه وبين الله # قيل فعل ذلك سرا يقتضى مفاسد كثيرة منهى عنها فإن فعل PageV30P373 ذلك في ~~مظنة الظهور والشهرة وفيه أن لا يتشبه به من ليس حاله كحاله في الباطن فقد ~~يظن الإنسان خفاء ذلك فيظهر مفاسد كثيرة ويفتح أيضا باب التأويل وصار هذا ~~كالمظلوم الذى لايمكنه الإنتصار إلا بالظلم كالمقتص الذى لايمكنه الإقتصاص ~~إلا بعدوان فإنه لا يجوز له الإقتصاص وذلك أن نفس الخيانة محرمة الجنس ~~فلايجوز إستيفاء الحق بها كما لو جرعه خمرا أو تلوط به أو شهد عليه بالزور ~~لم يكن له أن يفعل ذلك فإن هذا محرم الجنس والخيانة من جنس الكذب # فإن قيل هذا ليس بخيانة بل هو إستيفاء حق والنبى نهى عن خيانة من خان وهو ~~أن يأخذ من ماله ما لا يستحق نظيره قيل هذا ضعيف ms8835 لوجوه # أحدها أن الحديث فيه أن قوما لايدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها ~~أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون فقال ( لا أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا ~~تخن من خانك ( وكذلك قوله في حديث الزكاة أفنكتم من أموالنا بقدر ما يأخذون ~~منا فقال ( لا ( # الثانى أنه قال ( ولا تخن من خانك ( ولو أراد بالخيانة الأخذ على طريق ~~المقابلة لم يكن فرق بين من خانه ومن لم يخنه وتحريم مثل PageV30P374 هذا ~~ظاهر لا يحتاج إلى بيان وسؤال وقد قال ( ولا تخن من خانك ( فعلم أنه أراد ~~إنك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك فإذا أودع الرجل مالا ~~فخانه في بعضه ثم أودع الأول نظيره ففعل به مثل ما فعل فهذا هو المراد ~~بقوله ( ولا تخن من خانك ( # الثالث أن كون هذا خيانة لا ريب فيه وإنما الشأن في جوازه على وجه القصاص ~~فإن الأمور منها ما يباح فيه القصاص كالقتل وقطع الطريق وأخذ المال ومنها ~~مالا يباح فيه القصاص كالفواحش والكذب ونحو ذلك قال تعالى في الأول @QB@ ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ وقال @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به @QE@ وقال @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ ~~فأباح العقوبة والاعتداء بالمثل فلما قال ها هنا ( ولا تخن من خانك ( علم ~~ان هذا مما لا يباح فيه العقوبة بالمثل ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل مديون وله عند صاحب الدين بضاعة والثمن سبعون درهما ومقدار ~~البضاعة تسعون درهما وقد توفى المديون واحتاط على موجوده فأراد صاحب الدين ~~ان يطلع الورثة على البضاعة PageV30P375 فاختشى أن يأخذوها ولم يوصلوه إلى ~~حقه وان اخفاها فيبقى اثم فرطها عليه ويخاف ان يطالبه بغير البضاعة ### ||||| فأجاب # يبيعها ويستوفى من الثمن ماله في ذمة الميت من الاجرة والثمن ومابقى يوصله ~~إلى مستحق تركته واذا حلفوه فله ان يحلف انه ليس له عندى غير هذا وان احب ~~ان يشترى بضاعة مثل تلك البضاعة ويحلف انه لا يستحق عنده الا هذا بشرط ان ~~تكون ms8836 البضاعة مثل تلك أو خيرا منها ### |||| وسئل # عن رجل له مال غصب أو مطل في دين ثم مات فهل تكون المطالبة له في الآخرة ~~أم للورثة افتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # اما من غصب له مال أو مطل به فالمطالبة في الآخرة له كما ثبت في ~~الصحيح عن النبى انه قال ( من كانت لأخيه عنده مظلمة في دم أو مال أو عرض ~~فليستحلل من قبل ان يأتى يوم لا دينار فيه ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ ~~من حسناته وان لم يكن له حسنات اخذ من سيئات صاحبه فألقيت عليه PageV30P376 ~~فبين النبى ان الظلامة اذا كانت في المال طالب المظلوم بها ظالمه ولم يجعل ~~المطالبة لورثته وذلك ان الورثة يخالفونه في الدنيا فما امكن استيفاؤه في ~~الدنيا كان للورثة وما لم يمكن استيفاؤه في الدنيا فالطالب به في الآخرة ~~المظلوم نفسه والله اعلم ### |||| وسئل # عن قوم دخل في زرعهم جاموسان فعرقبوهما فماتا وقد يمكن دفعهما بدون ذلك ~~فما يجب عليهم وما يجب على ارباب المواشى من حفظها وعلى ارباب الزرع من ~~حفظه ### ||||| فأجاب # ليس لهم دفع البهائم الداخلة إلى زرعهم الا بالأسهل فالأسهل فإذا ~~امكن اخراجهما بدون العرقبة فعرقبوهما عزروا على تعذيب الحيوان بغير حق # وعلى العدوان على اموال الناس بما يردعهم عن ذلك وضمنوا للمالك بدلهما ~~وعلى أهل الزرع حفظ زرعهم بالنهار وعلى اهل المواشى حفظ مواشيهم بالليل كما ~~قال بذلك النبى PageV30P377 ### |||| وسئل # عن المال المغصوب من الإبل وغيرها اذا نمت عند الغاصب ثم تاب كيف يتخلص ~~من المال وهل هو حرام أم لا ### ||||| فأجاب # اعدل الاقوال في ذلك ان يجعل نماء المال بين المالك والعامل كما لو ~~دفعه إلى من يقوم عليه بجزء من نمائه ثم ان الأصل ونصيب المالك اذا تعذر ~~دفعه إلى مالكه صرفه في مصالح المسلمين ### |||| وسئل # عمن غصب شاة ثم تراضى هو ومالكها هل يجوز اكلها ### ||||| فأجاب # نعم اذا تراضى هو ومالكها جاز اكلها PageV30P378 ### |||| وسئل رحمه الله # عن غلام في يده فرس فطلعت نعامة من ms8837 إصطبل وهجمت على الخيل والغلام ماسك ~~الفرس واثنان قعود فرفس أحدهما وتوفى فما يجب على الغلام وما يجب على صاحب ~~الفرس ### ||||| فأجاب # اذا رفسته برجلها فلا ضمان على الغلام ولا على صاحب الفرس بل الفرس ~~باق على ملك صاحبه وهذا مذهب جمهور الأئمة كمالك وابى حنيفة واحمد وغيرهم # وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( الرجل جبار ( وقال ~~الشافعى يضمن ما ضربه برجله إذا كان على الفرس راكب أو قائد أو سائق كما ~~وافقه أحمد وغيره على ذلك في اليد واما اذا لم يفرط الغلام الذى هو ممسك ~~للفرس فلا ضمان عليه باتفاق العلماء مثل ان تجفل الفرس ويحذر القريب منها ~~فيقول حاذروا فاذا قال ذلك فمن رفست منهما كان هو المفرط ولم يكن على أحد ~~ضمان باتفاق الأئمة والله أعلم PageV30P379 ### |||| وسئل رحمه الله # عن جمل كبير مربوط على الربيع والى جانبه قعود صغير لآخر غيرصاحب الجمل ~~الكبير ثم غاب اصحاب الجملين فانقلب الكبير على الصغير فقتله فما حكمه ### ||||| فأجاب # إذا كان صاحب الجمل الكبير لم يفرط في منعه فلا ضمان عليه مثل أن ~~يكون قيده القيد الذى يمنعه واما إذا كان قد فرط بأن قيده قيدا خفيفا لا ~~يمنعه فعليه ضمان ما اتلفه والله أعلم PageV30P380 ### ||| 2 باب الشفعة 2 # قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ### ||| فصل # اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذى يقبل القسمة قسمة الإجبار ~~كالقرية والبستان ونحو ذلك وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار وإنما يقسم ~~بضرر أو رد عوض فيحتاج إلى التراضى هل تثبت فيه الشفعة على قولين # أحدهما تثبت وهو مذهب ابى حنيفة واختاره بعض اصحاب الشافعى كابن سريج ~~وطائفة من اصحاب أحمد كأبى الوفاء بن عقيل وهى رواية المهذب عن مالك وهذا ~~القول هو الصواب كما سنبينه إن شاء الله # والثانى لا تثبت فيه الشفعة وهو قول الشافعى نفسه واختيار PageV30P381 ~~كثير من أصحاب أحمد وهذا القول له حجتان # أحدهما قولهم أن الشفعة إنما شرعت لرفع ضرر مؤنة القسمة ms8838 وما لا تجب قسمته ~~ليس فيه هذا الضرر # والثانى أنه لو وجبت فيه الشفعة لتضرر الشريك فإنه إن باعه لم يرغب الناس ~~في الشراء لخوفهم من انتزاعه بالشفعة وإن طلب القسمة لم تجب إجابته فلا ~~يمكنه البيع ولا القسمة فلا يقدر أن يتخلص من ضرر شريكه فلو أثبتنا فيه ~~الشفعة لرفع ضرر الشريك الذى لم يبع لزم إضرار الشريك البائع والضرر لا ~~يزال بالضرر # والقول الأول أصح فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من كان له ~~شريك في أرض أو ربعة أو حائط فلا يحل له ان يبيع حتى يؤذن شريكه فان شاء ~~اخذ وان شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به ( ولم يشترط النبى في الأرض ~~والربعة والحائط ان يكون مما يقبل القسمة فلا يجوز تقييد كلام الرسول بغير ~~دلالة من كلامه لا سيما وقد ذكر هذا في باب تأسيس اثبات الشفعة # وليس عنه لفظ صحيح صريح في الشفعة اثبت من هذا ففى الصحيحين عن النبى ( ~~انه قضى بالشفعة في كل مالم يقسم PageV30P382 فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ~~فلا شفعة ( فلم يمنع الشفعة الا مع اقامة الحدود وصرف الطرق وهذا الحديث في ~~الصحيح عن جابر وفى السنن عنه عن النبى أنه قال ( الجار أحق بشفعة جاره ~~ينتظره بها وان كان غائبا اذا كان طريقهما واحدا ( فاذا قضى بها للاشتراك ~~في الطريق فلأن يقضى بها للاشتراك في رقبة الملك أولى وأحرى # وقد تنازع الناس في شفعة الجار على ثلاثة اقوال اعدلها هذا القول انه ان ~~كان شريكا في حقوق الملك ثبتت له الشفعة والا فلا وايضا فمن المعلوم انه ~~اذا أثبت النبى الشفعة فيما يقبل القسمة فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت ~~الشفعة فيه فان الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة وما لا يمكن ~~فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد # وظن من ظن انها تثبت لرفع المقاسمة لا لضرر المشاركة كلام ظاهر البطلان ~~فانه قد ثبت بالنص والإجماع أنه اذا طلب أحد الشريكين ms8839 القسمة فيما يقبلها ~~وجبت اجابته إلى المقاسمة ولو كان ضرر المشاركة اقوى لم يرفع أدنى الضررين ~~بالتزام اعلاهما ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء ~~القليل فإن شريعة PageV30P383 الله منزهة عن مثل هذا # وأما قولهم هذا يستلزم ضرر الشريك البائع فجوابه انه اذا طلب المقاسمة ~~ولم يمكن قسمة العين فإن العين تباع ويجبر الممتنع على البيع ويقسم الثمن ~~بينهما وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك وابى حنيفة واحمد بن حنبل # وذكر بعض المالكية ان هذا اجماع وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ~~النبى أنه قال ( من اعتق شركا له في غلام وكان له من المال ما يبلغ ثمن ~~الغلام قوم عليه قيمة عدل لاوكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه ~~العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق ( فدل هذا الحديث على أن حق الشريك في نصف ~~قيمة الجميع لا في قيمة نصف الجميع فإنه إذا بيع العبد كله ساوى ألف درهم ~~مثلا وإذا بيع نصفه ساوى أقل من خمسمائة درهم وحق الشريك نصف الألف # فهكذا في العقار الذى لا يقسم يستحق نصف قيمته جميعه فيباع جميع العقار ~~ويعطى حصته من الثمن إذا طلب ذلك وبهذا يرتفع عنه الضرر وبهذا يتبين كمال ~~محاسن الشريعة وما فيها من مصالح العباد في المعاش والمعاد والحمد لله وحده ~~PageV30P384 ### |||| وسئل # عن رجل له ملك وله شركة فيه فاحتاج إلى بيعه فأعطاه إنسان فيه شيئا ~~معلوما فباعه فقال زن لى ما قلت فنقصه عن المثل فهل يجب عليه أداؤه أم لا ~~وهل يصح للشريك شفعة أم لا ### ||||| فأجاب # إذا باعه بثمن معلوم كان على المشترى أداء ذلك الثمن وإن كان البيع ~~فاسدا وقد فات كان عليه قيمة مثله وإذا كان الشقص مشفوعا فللشريك فيه ~~الشفعة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اشترى شقصا مشفوعا وكلما طلبه الشفيع أ ظهر صورة أن البيع كان ~~بدون الرؤية المعتبرة ففسخه الحاكم وأقر المشترى ببراءة البائع مما كان ~~قبضه ووقف الشقص على المشترى ms8840 كل ذلك دفعا للشفعة فهل يكون ذلك مسقطا للشفعة ~~وهل تكون هذه PageV30P385 التصرفات صحيحة ### ||||| فأجاب # الإحتيال على إسقاط الشفعة بعد وجوبها لا يجوز بالاتفاق وإنما ~~اختلف الناس في الإحتيال عليها قبل وجوبها وبعد انعقاد السبب وهو ما إذا ~~أراد المالك بيع الشقص المشفوع مع أن الصواب أنه لا يجوز الاحتيال على ~~اسقاط حق مسلم وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال المحرم فهو باطل وما ذكر ~~من اظهار صورة انفساخ المبيع وعود الشقص إلى البائع ثم اظهار براءة البائع ~~ووقفه فكل ذلك باطل والشقص باق على ملك المشترى وحق الشفيع ثابت فيه الا ان ~~يترك تركا يسقط الشفعة والله اعلم ### |||| وسئل # عن شقص مشفوع ثبت وقفه وثبت ان حاكما حكم بالشفعة فيه للشريك ولم يثبت ~~الشريك اخذها ### ||||| فأجاب # لا يبطل الوقف الا اذا اثبت ان الشريك يملك الشقص المشفوع الموقوف ~~على ما في تملكه من إختلاف العلماء # وأما مجرد حكم الحاكم باستحقاق الشفعة فلا ينقض الوقف المتقدم ~~PageV30P386 قبل ذلك كما لا يزيل ملك المشترى بل يبقى الأمر موقوفا فإن اخذ ~~الشريك الشقص بالشفعة بطل التصرف الموجود فيه قبل ذلك عند من يقول به والا ~~فلا ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل اشترى نصف حوش والنصف الآخر اشتراه رجل آخر واوقف حصته قبل طلب ~~الشريك الأول وان الشريك الأول قال انا آخذه بالشفعة فهل له ذلك ### ||||| فأجاب # اذا كان الأمر كذلك فلا شفعة له فإن المشترى الثانى وقفه فلا شفعة ~~فيه وشفعة الأول بطلت لكونه اخر الطلب بعد علمه حتى خرجت عن ملك المشترى ~~بوقف أو غيره فلا شفعة # وإن كان قد أخرجه من ملكه بالبيع قبل علمه بالبيع فله الشفعة واما الوقف ~~والهبة ففيه نزاع والله أعلم PageV30P387 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له حصة مع شاهد ثم باع الشريك حصته لشاهد آخر بزيادة كثيرة على ~~ثمن المثل في الظاهر وتواطآ بينهما في الباطن على ثمن المثل دفعا للشفعة ~~فهل تسقط الشفعة أم لا ### ||||| فأجاب # لا يحل الكذب والاحتيال على اسقاط حق المسلم ms8841 ويجب على المشترى ان ~~يسلم الشقص المشفوع بالثمن الذى تراضيا عليه في الباطن اذا طلب الشريك ذلك ~~وان منعه ذلك قدح في دينه وعلى الحاكم ان يحكم بالشفعة اذا تبين حقيقة ~~الأمر PageV30P388 ### ||| 2 باب الوديعة 2 ### |||| سئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن دلال اعطاه انسان قماشا ليختمه ويبيعه فما وجد الختام فأودعه عند رجل ~~خياط امين عادتهم يودعون عنده فحضر صاحب القماش هو ودلال آخر واخذوا القماش ~~من عنده ولم يكن الذى اودعه حاضرا فادعى صاحب القماش انه عدم له منهم ثوب ~~وانكر ذلك الدلال فهل يلزم الدلال الذى كانت عنده الوديعة شيء أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا ادعوا عدم قبض الوديعة وانكر ذلك الدلال فالقول قوله ~~مع يمينه ما لم تقم حجة شرعية على تصديق دعواهم واما اذا عدم منها شيء فإن ~~كان الدلال فرط بحيث فعل ما لم يؤذن فيه لفظا ولا عرفا ضمن فاذا كان من ~~عادتهم الايداع عند هذا الأمين واصحاب القماش يعلمون ذلك ويقرونه عليه فلا ~~ضمان على الدلالين والله أعلم PageV30P389 ### |||| وسئل رضى الله عنه # عن رجل مات وترك بنتين وزوجة واحدى البنتين غائبة فهل يجوز لمن له النظر ~~على هذه التركة ان يودع مال الغائبة بحيث لا يعلم هل يحفظه المودع عنده أم ~~يتصرف فيه لنفسه واذا حدث مظلمة على جملة التركة هل يختص باستدفاعها عن ~~التركة مال الغائبة أو يعم جميع المال المتروك واذا استودع عنده قد يحفظه ~~وقد يتصرف لمصلحة نفسه فهل للمستحق له مطالبة من وضع يده عليه أو من اودعه ~~حيث لا يؤمن عليه وقد مات الناظر والمودع وطلب من تركه المودع فلم يوجد ولم ~~يعلم هل غصب أم لا وهل الإبراء لذمة المستودع عنده ان يترك مع احتمال ان ~~يكون قد وضع عين يده عليه أو يدفع عنه وليه من ورثته ذلك القدر عنه من ~~صدقاته التى هي غير معينة بجهة مخصوصة ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا المال صار تحت يده امانة فعليه ان يحفظه حفظ ~~الامانات ولا يودعه ms8842 الا لحاجة فان أودعه عند من يغلب على الظن حفظه له ~~كالحاكم العادل ان وجد أو غيره بحيث لا يكون في ايداعه تفريطا فلا ضمان ~~عليه وان فرط في ايداعه فاودعه لخائن PageV30P390 أو عاجز مع امكان ان لا ~~يفعل ذلك فهو مفرط ضامن # وأما المودع اذا لم يعلم انه وديعة عنده ففى تضمينه قولان لأهل العلم في ~~مذهب أحمد وغيره # أظهرهما انه لا ضمان عليه وما حصل بسبب المال المشترك من المغارم التى ~~تؤخذ ظلما أو غير ظلم فهي على المال جميعه لا يختص بها بعضه واذا غصب ~~الوديعة غاصب فلناظر المودع ان يطالبه وللمودع ايضا أن يطالبه في غيبة ~~المودع # وأما المستحق المالك فله ان يطالب الغاصب وله ان يطالب الناظر أو المودع ~~ان حصل منه تفريط فأما بدون التفريط والعدوان فليس له المطالبة # وإذا مات هذا المودع ولم يعلم حال الوديعة هل اخذت منه أو اخذها أو تلفت ~~فانها تكون دينا على تركته عند جماهير العلماء كأبى حنيفة ومالك واحمد وهو ~~ظاهر نص الشافعى وأحد القولين في مذهبه # وإذا كانت دينا عليه وجب وفاؤها من ماله فإن كان له مال غير الوقف وفيت ~~منه وإن لم يكن له مال غير الوقف ففى الوقف على المدين الذى أحاط الدين ~~بماله نزاع مشهور بين أهل العلم PageV30P391 # وكذلك الوقف الذى لم يخرج عن يده حتى مات فإنه يبطل في أحد قولي العلماء ~~كمالك وهو أحد القولين في مذهب أبى حنيفة وأحمد واما ان كان الوقف قد صح ~~ولزم وله مستحقون ولم يكن صاحب الدين ممن تناوله الوقف لم يكن وفاء الدين ~~من ذلك لكن ان كان ممن تناوله الوقف مثل ان يكون على الفقراء وصاحب الدين ~~فقير فلا ريب ان الصرف إلى هذا الفقير الذى له دين على الواقف اولى من ~~الصرف إلى غيره والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل استودع مالا على انه يوصله ان مات المودع لأولاده فمات وترك ورثة ~~غير اولاده وهم زوجتان ومن احداهما ابنان وبنتان ms8843 من غيرها وادعى ذو السلطان ~~ان أم الابنين جارية له تحت رقه واخذها واولادها ثم مات أحد الولدين ثم ~~ماتت أمه فهل يكون الأولاد مختصين بجميع المال أو هو لجميع الورثة وإذا لم ~~تصح دعوى من إدعى أن أم الولدين مملوكة هل له أن يوصل إليه جميع ما يخص ~~الولدين وأمهم أو له أن يبقى نصيبهم للولد رجاء في رفع الملك عنه أو يفديه ~~من الرق وهل له أن يتجر في المال إن أبقاه لئلا تفنيه الزكاة PageV30P392 ### ||||| فأجاب # إذا كان هذا المال للمودع وجب أن يوصل إلى كل وارث حقه منه سواء خص ~~به المالك أولاده أو لم يخصهم وليس لهذا المستودع أن يخص بعض الورثة إلا ~~بإجازة الباقين فإن النبى قال ( إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية ~~لوارث ( ولو صرح الوصى بتخصيص بعض الورثة بالمال لم يجز ذلك بدون إجازة ~~الباقين باتفاق الأئمة # وأما المدعى المستولدة فلا يحكم له بمجرد دعواه باتفاق المسلمين لا سيما ~~إن اعترف انه أعطاه الجارية فإن هذا إقرار منه بالتمليك بل الأمة أم الولد ~~وأولاده منها أحرار ولو فرض أنها أمة المدعى في نفس الأمر وكان الواطىء ~~يعتقد أنها أمته فأولاده أحرار باتفاق الأئمة وهذا المودع يحفظ نصيب هؤلاء ~~الصغار فإن كان في البلد حاكم عالم عادل قادر يحفظ هذا المال لهم سلمه إليه ~~وإن لم يجد من يحفظ المال لهم أبقاه بيده وليتجر فيه بالمعروف والربح ~~لليتيم وأجره على الله وأم الولد لا ترث من سيدها شيئا لكن إذا مات أحد ~~بنيها ورثت منه والله أعلم PageV30P393 ### |||| وسئل # عن رجل تحت يده بعير وديعة فسرق من جملة إبله ثم لحق السارق وأخذ منه ~~الأبل وإمتنع من دفع ذلك البعير المودع حتى يحلف أنه كان البعير على ملكه ~~فحلف بالله العظيم أنه على ملكه وقصد بذلك ملك الحفظ ### ||||| فأجاب # اما إذا ملك قبضه والإستيلاء عليه فلا حنث عليه في ذلك ولا إثم وإن ~~قصد انه ملكه الملك المعروف فهذا كذب لكنه ms8844 إذا إعتقد جواز هذا لدفع الظلم ~~وفى المعاريض مندوحة عن الكذب وليستغفر الله من ذلك ويتوب إليه ولا كفارة ~~عليه والله أعلم ### |||| وسئل # عن الإقتراض من الوديعة بلا إذنه ### ||||| فأجاب # أما الإقتراض من مال المودع فإن علم المودع علما اطمأن إليه قلبه ~~أن صاحب المال راض بذلك فلا بأس بذلك وهذا PageV30P394 إنما يعرف من رجل ~~اختبرته خبرة تامة وعلمت منزلتك عنده كما نقل مثل ذلك عن غير واحد وكما كان ~~النبى يفعل في بيوت بعض أصحابه وكما بايع عن عثمان رضى الله عنه وهو غائب ~~ومتى وقع في ذلك شك لم يجز الإقتراض # وقال # إذا اشترى إنسان سلعة جملا أو غيره وهو مودع فأودعه المشترى عند المودع ~~ثم باعه الآخر كان البيع الثانى باطلا وإذا سلمه المودع إلى المشترى الثانى ~~كان لمالكه وهو المشترى الأول أن يطالب به المودع الذى سلمه ويطالب به ~~المشترى الذى تسلمه ### |||| وسئل رحمه الله # عن قوم لهم عند راهب في دير وديعة وإدعى عدمها مع ما كان في الدير ثم ظهر ~~الذى إدعى أن ما عدم من الدير قد باعه فهل يلزم بالمال أم لا وهل القول ~~قوله ودير هذا الراهب على ساحل البحر المالح وله أخ حرامى في البحر يأوي ~~إليه والحرامية أيضا PageV30P395 فما يجب على ولاة الأمور فيه وهل يجوز ~~قتله وخراب ديره وكان أهل المال طلبوا مالهم منه فلم يسلمه لهم ولهم شهود ~~نصارى يشهدون بذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا ظهر أن المال الذى للمودع لم يذهب فادعى أن الوديعة ~~ذهبت دون ماله فهنا يكون ضامنا للوديعة في أحد قولى العلماء كقول مالك ~~وأحمد في إحدى الروايتين فإن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضمن أنس بن مالك ~~وديعة إدعى أنها ذهبت دون ماله # وأما إذا ادعى أنه ذهب جميع المال ثم ظهر كذبه فهنا وجوب الضمان عليه ~~أوكد فإذا ادعى المودع صاحب الوديعة أنه طلب الوديعة منه فلم يسلمها إليه ~~أو أنه خان في الوديعة ولم تتلف كان قبول قوله مع ms8845 يمينه أقوى وأوكد بل ~~يستحق في مثل هذه الصورة التعزير البليغ الذى يردعه وأمثاله عن الكذب وهذا ~~مع كونه من أهل الذمة # وإذا شهد عليه من أهل دينه المقبولين عندهم قبلت شهادتهم في أحد قولى ~~العلماء وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وقبول شهادتهم عليه ~~هنا أوكد ومن لم يقبل شهادتهم فإنه يحكم بيمين المدعى عليه في مثل هذه ~~الصورة لظهور رجحان قول المدعى PageV30P396 في أحد قوليه أيضا وأما من كان ~~من أهل الذمة يؤوى أهل الحرب أو يعاونهم على المسلمين فإنه قد إنتقض عهده ~~وحل دمه وماله والواجب على ولاة الأمور أن لا يتركوا مثل هؤلاء الذين لا ~~يؤمنون على المسلمين في موضع يخاف ضررهم على المسلمين أو ينقل إليهم أولاد ~~المسلمين فإنه قد إنتقض عهده وحل دمه وماله ### |||| وسئل # عن وديعة في كيس مختوم ولم يعلم ما فيه ولا عاينه وذكر المودع أنها ألف ~~وخمسمائة وثلاث تفاصيل وعدمت الوديعة في جملة قماش ولما عدمت قال صاحب ~~الوديعة إن ما فيها شيء يساوى سبعة آلاف فهل يلزم المودع غرامة ما ذكره في ~~الأول أم يلزمه ما ذكر في الآخر ### ||||| فأجاب # إن تلفت بغير تفريط منه ولا عدوان لم يلزمه ضمان وإذا ذهبت مع ماله ~~كان أبلغ وإذا ادعى ذلك بسبب ظاهر معلوم [ كلف البينة وقبل قوله ~~PageV30P397 # ما تقول السادة الفقهاء # في إنسان يضع في بيت إنسان وديعة بيده من مدة تزيد على عشر سنين تزيد ~~وتنقص في صندوق غير مقفول بقفل وهو يعلم ذلك فمرض المودع مرضا بلغ فيه ~~الموت وصاحبها حاضر عنده يبيت ويصبح فسأله مرارا كثيرة أن يأخذ وديعته أو ~~يقفل عليها بقفل فلم يفعل فعدمت الوديعة من حرزه بغير تفريط وحدها ولم يعلم ~~هل عدمت في المرض أو في الصحة فهل يجب على المودع والحالة هذه ضمانها أم لا ~~وهل يجوز لصاحبها إلزام المودع بها وعسفه بالولاية أم محرم عليه طلب ذلك ~~بالولاية وهل إذا أصر على ذلك يجب على ولى الأمر وفقه الله ms8846 ردعه وزجره عن ~~ذلك أم لا أفتونا مأجورين إن شاء الله تعالى ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان الأمر على ما وصف وعدمت بغير تفريط ولا عدوان من ~~المودع وعدمت مع ماله لم يضمنها بإتفاق الأئمة وكذلك إذا عدمت بتفريط ~~صاحبها كما ذكر فإنه لا ضمان على المودع سواء ضاعت وحدها أو ضاعت مع ماله ~~PageV30P398 ### ||| 2 باب إحياء الموات 2 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن حكم البناء في طريق المسلمين الواسع إذا ~~كان البناء لا يضر بالمارة ### ||||| فأجاب # إن ذلك نوعان # أحدهما أن يبني لنفسه فهذا لا يجوز في المشهور من مذهب أحمد وجوزه بعضهم ~~بإذن الإمام وقد ذكره القاضي أبو يعلى ومن خطه نقلته أن هذه المسألة حدثت ~~في أيامه واختلف فيها جواب المفتين فذكر في مسألة حادثة في الطريق الواسع ~~هل يجوز للإمام أن يأذن في حيازة بعضه بينا أن بعضهم أفتى بالجواز وبعضهم ~~أفتى بالمنع واختاره القاضي وذكر أنه كلام أحمد فإنه قال في رواية إبن ~~القاسم إذا كان الطريق قد سلكه الناس فصار طريقا فليس لأحد أن يأخذ منه ~~شيئا قليلا ولا كثيرا قيل له وإن كان واسعا مثل الشوارع قال وإن كان واسعا ~~قال وهو أشد ممن أخذ حدا PageV30P399 بينه وبين شريكه لأن هذا يأخذ من واحد ~~وهذا يأخذ من جماعة المسلمين # قلت وقد صنف أبو عبد الله بن بطة مصنفا فيمن أخذ شيئا من طريق المسلمين ~~وذكر في ذلك آثارا عن أحمد وغيره من السلف وقد ذكر هذه المسألة غير واحد من ~~المتقدمين والمتأخرين من أصحاب أحمد منهم الشيخ أبو محمد المقدسي قال في ~~المغني وما كان من الشوارع والطرقات والرحبات بين العمران فليس لأحد إحياؤه ~~سواء كان واسعا أو ضيقا وسواء ضيق على الناس بذلك أو لم يضيق لأن ذلك يشترك ~~فيه المسلمون وتتعلق به مصلحتهم فأشبه مساجدهم ويجوز الإرتفاق بالقعود في ~~الواسع مع ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على أحد ولا يضر بالمارة ~~لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على ms8847 إقرار الناس على ذلك من غير إنكار ~~ولأنه إرتفاق بمباح من غير إضرار فلم يمنع كالإجتياز # قال أحمد في السابق إلى دكاكين السوق دعوه فهو له إلى الليل وكان هذا في ~~سوق المدينة فيما مضى وقد قال النبى ( منى مناخ من سبق ( وله أن يظلل على ~~نفسه بمالا ضرر فيه من بارية وتابوت وكساء ونحوه لأن الحاجة تدعو إليه من ~~غير مضرة فيه وليس له البناء لا دكة ولا غيرها لأنه يضيق PageV30P400 على ~~الناس وتعثر به المارة بالليل والضرير بالليل والنهار ويبقى على الدوام ~~فربما ادعى ملكه بسبب ذلك والسابق أحق به ما دام فيه # ( قلت ) هذا كله فيما إذا بنى الدكة لنفسه كما يدل عليه أول الكلام وآخره ~~ولهذا علل بأنه قد يدعى ( أنها ) ملكه بسبب ذلك مع ان تعليله هذه المسألة ~~يقتضى ان المنع انما يكون في مظنة الضرر فإذا قدر ان البناء يحاذى ما على ~~يمينه وشماله ولا يضر بالمارة اصلا فهذه العلة منتفية فيه وموجب هذا ~~التعليل الجواز اذا إنتفت العلة كأحد القولين اللذين ذكرهما القاضي # وفى الجملة في جواز البناء المختص بالباني الذى لا ضرر فيه أصلا بإذن ~~الإمام قولان # ونظير هذا إذا أخرج روشنا أو ميزابا إلى الطريق النافذ ولا مضرة فيه فهل ~~يجوز بإذن الإمام على قولين في مذهب أحمد # ( أحدهما ) يجوز كما اختاره بن عقيل وابو البركات # ( والثانى ) لايجوز كما اختاره غير واحد والمشهور عن أحمد تحريما أو ~~تنزيها وذكر أبو بكر المروزي في ( كتاب الورع ( آثارا في ذلك منها ما نقله ~~المروزي عن أحمد انه سقف له دارا وجعل ميزابها إلى الطريق فلما أصبح قال ~~ادع لي النجار حتى يحول الماء PageV30P401 إلى الدار فدعوته له فحوله وقال ~~ان يحيى القطان كانت مياهه في الطريق فعزم عليها وصيرها إلى الدار وذكر عن ~~أحمد انه ذكر ورع شعيب بن حرب وأنه قال ليس لك ان تطين الحائط لئلا يخرج ~~إلى الطريق وسأله المروزى عن الرجل يحتفر في فنائه البئر أو المحرم للعلو ~~قال ms8848 لا هذا طريق المسلمين قال المروزى قلت إنما هو بئر يحفر ويسد رأسها قال ~~أليس هي في طريق المسلمين وسأله بن الحكم عن الرجل يخرج إلى طريق المسلمين ~~الكنيف أو الاصطوانة هل يكون عدلا قال لا يكون عدلا ولا تجوز شهادته وروى ~~أحمد باسناده عن علي أنه كان يأمر بالمثاعب والكنف تقطع عن طريق المسلمين ~~وعن عائذ بن عمرو المزنى قال لان يصب طينى في حجلتى احب الي من ان يصب في ~~طريق المسلمين قال وبلغنا أنه لم يكن يخرج من داره إلى الطريق ماء السماء ~~قال فرؤى له أنه من أهل الجنة قيل له بم ذلك قال بكف أذاه عن المسلمين # ومن جوز ذلك إحتج بحديث ميزاب العباس # ( النوع الثانى ) أن يبنى في الطريق الواسع ما لا يضر المارة لمصلحة ~~المسلمين مثل بناء مسجد يحتاج إليه الناس أو توسيع مسجد ضيق بإدخال بعض ~~الطريق الواسع فيه أو أخذ بعض الطريق لمصلحة المسجد مثل حانوت ينتفع به ~~المسجد فهذا النوع يجوز في مذهب PageV30P402 أحمد المعروف وكذلك ذكره أصحاب ~~أبى حنيفة ولكن هل يفتقر إلى إذن ولى الأمر على روايتين عن أحمد ومن أصحاب ~~أحمد من لم يحك نزاعا في جواز هذا النوع ومنهم من ذكر رواية ثالثة بالمنع ~~مطلقا # والمسألة في كتب أصحاب أحمد القديمة والحديثة من زمن أصحابه وأصحاب ~~أصحابه إلى زمن متأخرى المصنفين منهم كأبى البركات وإبن تميم وإبن حمدان ~~وغيرهم وألفاظ أحمد في ( جامع الخلال ( و ( الشافى ( لأبى بكر عبد العزيز ( ~~وزاد المسافر ( و ( المترجم ( لأبى إسحاق الجوزجانى وغير ذلك قال إسماعيل ~~بن سعيد الشالنجى سألت أحمد عن طريق واسع وللمسلمين عنه غنى وبهم إلى أن ~~يكون مسجدا حاجة هل يجوز أن يبنى هناك مسجد قال لا بأس إذا لم يضر بالطريق # ( ومسائل إسماعيل بن سعيد ( هذا من أجل مسائل أحمد وقد شرحها أبو إسحاق ~~إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى في ( كتابه المترجم ( وكان خطيبا بجامع دمشق ~~هنا وله عن أحمد مسائل وكان يقرأ كتب أحمد إليه على ms8849 منبر جامع دمشق فأحمد ~~اجاز البناء هنا مطلقا ولم يشترط إذن الامام وقال له محمد بن الحكم تكره ~~الصلاة في المسجد PageV30P403 الذى يؤخذ من الطريق فقال أكره الصلاة فيه ~~الا ان يكون بإذن الإمام فهنا إشترط في الجواز إذن الإمام # ومسائل إسماعيل عن أحمد بعد مسائل بن الحكم فإن بن الحكم صحب أحمد قديما ~~ومات قبل موته بنحو عشرين سنة وأما إسماعيل فإنه كان على مذهب أهل الرأى ثم ~~انتقل إلى مذهب أهل الحديث وسأل أحمد متأخرا وسأل معه سليمان بن داود ~~الهاشمى وغيره من علماء أهل الحديث وسليمان كان يقرن بأحمد حتى قال الشافعى ~~ما رأيت ببغداد أعقل من رجلين أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمى # وأما الذين جعلوا في المسألة رواية ثالثة فأخذوها من قوله في رواية ~~المروزى حكم هذه المساجد التى قد بنيت في الطريق أن تهدم وقال محمد بن يحيى ~~الكحال قلت لأحمد الرجل يزيد في المسجد من الطريق قال لا يصلى فيه ومن لم ~~يثبت رواية ثالثة فإنه يقول هذا إشارة من أحمد إلى مساجد ضيقت الطريق وأضرت ~~بالمسلمين وهذه لا يجوز بناؤها بلا ريب فإن في هذا جمعا بين نصوصه فهو أولى ~~من التناقض بينها # وأبلغ من ذلك أن أحمد يجوز إبدال المسجد بغيره للمصلحه كما فعل ذلك ~~الصحابة قال صالح بن أحمد قلت لأبى المسجد يخرب PageV30P404 ويذهب أهله ترى ~~أن يحول إلى مكان آخر قال إذا كان يريد منفعة الناس فنعم وإلا فلا قال وبن ~~مسعود قد حول المسجد الجامع من التمارين فإذا كان على المنفعة فلا بأس وإلا ~~فلا وقد سألت أبى عن رجل بنى مسجدا ثم أراد تحويله إلى موضع آخر قال أن كان ~~الذى بنى المسجد يريد أن يحوله خوفا من لصوص أو يكون موضعه موضعا قذرا فلا ~~بأس قال أحمد حدثنا يزيد بن هارون ثنا المسعودى عن القاسم قال لما قدم عبد ~~الله بن مسعود إلى بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر واتخذ مسجدا عند ms8850 ~~أصحاب التمر قال فنقب بيت المال فأخذ الرجل الذى نقبه فكتب فيه إلى عمر بن ~~الخطاب فكتب عمر إن أقطع الرجل وأنقل المسجد وأجعل بيت المال في قبلة ~~المسجد فإنه لن يزال في المسجد مصل فنقله عبد الله فخط له هذه الخطة قال ~~صالح قال أبى يقال أن بيت المال نقب في مسجد الكوفة فحول عبد الله بن مسعود ~~المسجد موضع التمارين اليوم في موضع المسجد العتيق يعني أحمد أن المسجد ~~الذى بناه بن مسعود كان موضع التمارين في زمان أحمد وهذا المسجد هو المسجد ~~العتيق ثم غير مسجد الكوفة مرة ثالثة # وقال أبو الخطاب سئل أبو عبد الله يحول المسجد قال إذا كان ضيقا لا يسع ~~أهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه PageV30P405 وجوز أحمد أن يرفع ~~المسجد الذى على الأرض ويبنى تحته سقاية للمصلحة وإن تنازع الجيران فقال ~~بعضهم نحن شيوخ لا نصعد في الدرج واختار بعضهم بناءه فقال أحمد ينظر إلى ما ~~يختار الأكثر وقد تأول بعض أصحابه هذا على أنه ابتدأ البناء ومحققوا أصحابه ~~يعلمون أن هذا التأويل خطأ لأن نصوصه في غير موضع صريحة بتحويل المسجد # فإذا كان أحمد قد أفتى بما فعله الصحابة حيث جعلوا المسجد غير المسجد ~~لأجل المصلحة مع أن حرمة المسجد أعظم من حرمة سائر البقاع فإنه قد ثبت في ~~صحيح مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله قال ( أحب البقاع إلى الله مساجدها ~~وأبغض البقاع إلى الله أسواقها فإذا جاز جعل البقعة المحترمة المشتركة بين ~~المسلمين بقعة غير محترمة للمصلحة فلأن يجوز جعل المشتركة التى ليست محترمة ~~كالطريق الواسع بقعة محترمة وتابعة للبقعة المحترمة بطريق الأولى والأحرى ~~فإنه لا ريب أن حرمة المساجد أعظم من حرمة الطرقات وكلاهما منفعة مشتركة ~~PageV30P406 ### ||| فصل # والأمور المتعلقة بالإمام متعلقة بنوابه فما كان إلى الحكام فأمر الحاكم ~~الذى هو نائب الإمام فيه كأمر الإمام مثل تزويج الأيامى والنظر في الوقوف ~~وإجرائها على شروط واقفيها وعمارة المساجد ووقوفها حيث يجوز للإمام فعل ذلك ~~فما ms8851 جاز له التصرف فيه جاز لنائبه فيه # وإذا كانت المسألة من مسائل الإجتهاد التى شاع فيها النزاع لم يكن لأحد ~~أن ينكر على الإمام ولا على نائبه من حاكم وغيره ولا ينقض ما فعله الإمام ~~ونوابه من ذلك وهذا إذا كان البناء في الطريق وإن كان متصلا بالطريق عند ~~أكثر العلماء مالك والشافعى وأحمد # وكذلك فناء الدار ولكن هل الفناء ملك لصاحب الدار أو حق من حقوقها فيه ~~وجهان في مذهب أحمد # ( أحدهما ) أنه مملوك لصاحبها وهو مذهب مالك والشافعى حتى قال مالك في ~~الأفنية التى في الطريق يكريها أهلها فقال إن PageV30P407 كانت ضيقة تضر ~~بالمسلمين وصنع شيء فيها منعوا ولم يمكنوا وأما كل فناء إذا انتفع به أهله ~~لم يضيق على المسلمين في ممرهم فلا أرى به بأسا قال الطحاوى وهذا يدل على ~~أنه كان يرى الأفنية مملوكة لأهلها إذ أجاز اجارتها فينبغى أن لا يفسد ~~البيع بشرطها قال والذى يدل عليه قول الشافعى أنه إن كان فيه صلاح للدار ~~فهو ملك لصاحبها إلا أنه لا يجوز بيعه عنده وذكر الطحاوى أن مذهب أبى حنيفة ~~أن الأفنية لجماعة المسلمين غير مملوكة كسائر الطريق # والذى ذكره القاضي وإبن عقيل وغيرهما من أصحاب أحمد هو الوجه الثانى وهو ~~أن الأرض تملك دون الطريق إلا أن صاحب الأرض أحق بالمرافق من غيره ولذلك هو ~~أحق بفناء الدار من غيره وهذا مذهب أحمد في الكلأ النابت في ملكه أنه أحق ~~به من غيره وإن كان لا يملكه على قول الجمهور مالك والشافعى وأحمد # فإذا كان البناء في فناء المسجد والدار فإنه أحق بالجواز منه في جادة ~~الطريق وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أن أبا بكر الصديق رضى الله تعالى عنه ~~اتخذ مسجدا بفناء داره وهذا كالبطحاء التى كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~جعلها خارج مسجد رسول الله لمن يتحدث ويفعل ما يصان عنه المسجد فلم يكن ~~مسجدا ولم يكن كالطريق بل اختصاص بالمسجد فمثل هذه PageV30P408 يجوز البناء ~~فيها بطريق الأولى ms8852 والبناء كالدخلات التى تكون منحرفة عن جادة الطريق متصلة ~~بالدار والمسجد ومتصلة بالطريق وأهل الطريق لا يحتاجون إليها إلا إذا قدر ~~رحبة خارجة عن العادة وهى تشبه الطريق الذى ينفذ المتصل بالطريق النافذ فإن ~~هذا كله أحق من غيرهم # ولو أرادوا أن يبنوا فيه ويجعلوا عليه بابا جاز عند الأكثرين لما تقدم ~~وعند أبى حنيفة ليس لهم ذلك لما فيه من إبطال حق غيرهم من الدخول إليه عند ~~الحاجة والأكثرون يقولون حقهم فيه إنما هو جواز الإنتفاع إذا لم يحجر عليه ~~أصحابه كما يجوز الإنتفاع بالصحراء المملوكة على وجه لا يضر بأصحابها ~~كالصلاة فيها والمقيل فيها ونزول المسافر فيها فإن هذا جائز فيها وفى أفنية ~~الدور بدون إذن المالك عند جماهير العلماء # وذكر أصحاب الشافعى في الإنتفاع بالفناء بدون إذن المالك قولين وذكر ~~أصحاب أحمد في الصحراء وجها بالمنع من الصلاة فيها وهو بعيد على نصوص أحمد ~~وأصوله فإنه يجوز أكل الثمرة في مثل ذلك فكيف بالمنافع التى لا تضره ويجوز ~~على المنصوص عنه رعي الكلأ في الأرض المغصوبة فيدخلها بغير إذن صاحبها لأجل ~~الكلأ وإن كان من أصحابه من منع ذلك PageV30P409 وأما الإنتفاع الذى لا يضر ~~بوجه فهو كالإستظلال بظله والإستضاءة بناره ومثل هذا لا يحتاج إلى إذن فإذا ~~حجر عليها صاحبها صارت ممنوعة ولهذا يفرق بين الثمار التى ليس عليها حائط ~~ولا ناطور فيجوز فيها من الأكل بلا عوض مالا يجوز في الممنوعة على مذهب ~~أحمد إما مطلقا واما للمحتاج وإن لم يجز الحمل # وإذا جاز البناء في فناء الملك لصاحبه ففى فناء المسجد للمسجد بطريق ~~الأولى وفناء الدار والمسجد لا يختص بناحية الباب بل قد يكون من جميع ~~الجوانب قال القاضي وإبن عقيل وغيرهما إذا كان المحيى أرضا كان أحق بفنائها ~~فلو أراد غيره أن يحفر في أصل حائطه بئرا لم يكن له ذلك وكذلك ذكر أبو حامد ~~والماوردى وغيرهما من أصحاب الشافعى والله أعلم PageV30P410 ### ||| 2 باب اللقطة 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل وجد ms8853 فرسا لرجل من المسلمين مع أناس من العرب فأخذ الفرس منهم ثم ~~أن الفرس مرض بحيث أنه لم يقدر على المشى فهل للآخذ بيع الفرس لصاحبها أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم يجوز بل يجب في هذه الحال أن يبيعه الذى استنقذه ~~لصاحبه وإن لم يكن وكله في البيع وقد نص الأئمة على هذه المسألة ونظائرها ~~ويحفظ الثمن والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل لقى لقية في وسط فلاة وقد أنشد عليها إلى حيث دخل إلى بلده فهل هي ~~حلال أم لا PageV30P411 ### ||||| فأجاب # يعرفها سنة قريبا من المكان الذى وجدها فيه فإن لم يجد بعد سنة ~~صاحبها فله أن يتصرف فيها وله أن يتصدق بها والله أعلم ### |||| وسئل # عن الدراهم المنثورة يجدها الرجل ### ||||| فأجاب # يعرفها حولا فإن وجد صاحبها وإلا فله أن ينفقها وله أن يتصدق بها ### |||| وسئل # عن رجل وجد لقطة وعرف بها بعض الناس بينه وبينه سرا أياما ولها عنده مدة ~~سنين فما الحكم فيها ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يحل له مثل هذا التعريف بل عليه أن يعرفها تعريفا ~~ظاهرا لكن على وجه مجمل بأن يقول من ضاع له نفقة أو نحو ذلك والله أعلم ~~PageV30P412 ### |||| وسئل رحمه الله # عن حجاج التقوا مع عرب قد قطعوا الطريق على الناس وأخذوا قماشهم فهربوا ~~وتركوا جمالهم والقماش فهل يحل أخذ الجمال التى للحرامية والقماش الذى ~~سرقوه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ما أخذوه من مال الحجاج فإنه يجب رده إليهم إن ~~أمكن فإن هذا كاللقطة تعرف سنة فإن جاء صاحبها فذاك وإلا فلآخذها أن ينفقها ~~بشرط ضمانها ولو أيس من وجود صاحبها فإنه يتصدق به ويصرف في مصالح المسلمين # وكذلك كل مال لا يعرف مالكه من الغصوب والعوارى والودائع وما أخذ من ~~الحرامية من أموال الناس أو ما هو منبوذ من أموال الناس فإن هذا كله يتصدق ~~به ويصرف في مصالح المسلمين ### |||| وسئل رحمه الله # لما جاء التتار وجفل الناس من بين أيديهم وخلفوا دوابا وأثاثا من النحاس ~~وغيره وضمه مسلم وطالت ms8854 مدته ولم يظهر له صاحب PageV30P413 ولا منشد وهو ~~يستعمل الدواب والمتاع فما يصنع ### ||||| فأجاب # يجوز له أن يستعمله ويجوز له أن يتصدق به على من ينتفع به والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن سفينة غرقت في البحر ثم أنها انحدرت وهى معلومة إلى بعض البلاد وقد ~~كان فيها جرار زيت حار ثم إن أهل القرية تعاونوا على المركب حتى أخرجوها ~~إلى البر وقلبوها فطفى الزيت على وجه الماء وبقي رائحا مع الماء ثم أن أهل ~~القرية جاؤا إلى البحر فوجدوا الزيت على الماء فجمع كل واحد ما قدر عليه ~~والمركب قريبة منهم فهذا الزيت المجموع حلال أم حرام ومركب رمان غرقت وجميع ~~ما فيها انحدر في البحر فبقي كل أحد يجمع من ذلك ولم يعرف له صاحب فهل مالا ~~يعرف صاحبه حلال أم حرام ### ||||| فأجاب # الذين جمعوا الزيت على وجه الماء قد خلصوا مال المعصوم من التلف ~~ولهم أجرة المثل والزيت لصاحبه وأما كون الزيت لصاحبه فلا أعلم فيه نزاعا ~~إلا نزاعا قليلا فإنه يروى عن الحسن بأنه قال هو لمن خلصه PageV30P414 وأما ~~وجوب أجرة المثل لمن خلصه فهذا فيه قولان للعلماء أصحهما وجوب الأجرة وهو ~~منصوص أحمد وغيره لأن هذا المخلص متبرع وأصحاب القول يقولون ان خلصوه لله ~~تعالى فأجرهم على الله تعالى وأن خلصوه لأجل العوض فلهم العوض لأن ذلك لو ~~لم يفعل لأفضى إلى هلاك الأموال لأن الناس لا يخلصونها من المهالك إذا ~~عرفوا أنهم لا فائدة لهم في ذلك والصحابة قد قالوا فيمن اشترى أموال ~~المسلمين من الكفار إنه يأخذه ممن اشتراه بالثمن لأنه هو الذى خلصه بذلك ~~الثمن ولأن هذا المال كان مستهلكا لولا أخذ هذا وتخليصه عمل مباح ليس هو ~~عاصيا فيه فيكون المال إذا حصل بعمل هذا والأصل لهذا فيكون مشتركا بينهما ~~لكن لا تجب الشركة على المعين فيجب أجرة المثل ولأن مثل هذا مأذون فيه من ~~جهة العرف فإن عادة الناس أنهم يطلبون من يخلص لهم هذا بالأجرة والإجارة ~~تثبت بالعرف والعادة ms8855 كمن دخل إلى حمام أو ركب في سفينة بغير مشارطة وكمن ~~دفع طعاما إلى طباخ وغسال بغير مشارطة ونظائر ذلك متعددة # ولو كان المال حيوانا فخلصه من مهلكة ملكه كما ورد به الأثر لأن الحيوان ~~له حرمة في نفسه بخلاف المتاع فإن حرمته لحرمة صاحبه فهناك تخليصه لحق ~~الحيوان وهو بالمهلكة قد ييأس صاحبه PageV30P415 بخلاف المتاع فإن صاحبه ~~يقول للمخلص كان يجوز لك من حين أن أدعه والحق فيه لى فإذا لم تعطني حقى لم ~~آذن لك في تخليصه # وأما الرمان إذا لم يعرف صاحبه فهو كاللقطة واللقطة أن رجى وجود صاحبها ~~عرفت حولا وإن كانوا لا يرجون وجود صاحبه ففى تعريفه قولان لكن على القولين ~~لهم أن يأكلوا الرمان أو يبيعوه ويحفظوا ثمنه ثم يعرفوه بعد ذلك والله أعلم ### |||| وسئل قدس الله روحه # عمن وجد طفلا ومعه شيء من المال ثم رباه حتى بلغ من العمر شهرين فجاء رجل ~~آخر لترضعه إمرأته لله فلما كبر الطفل ادعت المرأة أنه ابنها وأنها ربته في ~~حضن أبيه فهل يقبل قولها وهل يجب عليها أن تعطى الرجل الثانى ما أنفقه عليه ~~ويلزم الرجل الأول ما وجد مع ابنه ### ||||| فأجاب # إذا كان الطفل مجهول النسب وادعت أنه ابنها قبل قولها في ذلك ويصرف ~~من المال الذى وجد معه في نفقته مدة مقامه عند الملتقط والله أعلم ~~PageV30P416 ### || 1 ( الوقف والوصايا والفرائض ) 1 # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده ### |||| ! 8 < سئل شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى ! 8 < # عن رجل احتكر من رجل قطعة أرض ~~بستان ثم ان المحتكر عمر في أرض البستان صورة مسجد وبنى فيها محرابا وقال ~~لمالك الأرض هذا عمرته مسجدا فلا تأخذ منى حكره فأجابه إلى ذلك ثم أن مالك ~~الأرض باع البستان ولم يستثن منه شيئا فهل يصير هذا المكان مسجدا بذلك أم ~~لا وإذا لم يصر مسجدا بذلك فهل يكون عدم أخذ مالك الأرض الحكر يصير مسجدا ~~وإذا لم يصر بيع البستان جميعه ms8856 هل يجوز لبانى صورة المسجد أن يضع ما بناه ### ||||| فأجاب # إذا لم يسبل للناس كما تسبل المساجد بحيث تصلى فيه الصلوات الخمس ~~التى تصلى في المساجد لم يصر مسجدا بمجرد الإذن في العمارة المذكورة وإذا ~~لم يكن قربة يقتضى خروجه من المبيع دخل في المبيع فان الشروع في تصييره ~~مسجدا لا يجعله مسجدا PageV31P005 وكذلك القول في العمارة لكن ينبغى لمن ~~أخرج ثمن ذلك أن لا يعود إلى ملكه # كمن أخرج من ماله مالا ليتصدق به فلم يجد السائل ينبغى له أن يمضى ذلك ~~ويتصدق به على سائل آخر ولا يعيده إلى ملكه وإن لم يجب # وإذا صرف مثل هذا المكان في مصالح مسجد آخر جاز ذلك بل إذا صار مسجدا ~~وكان بحيث لا يصلى فيه أحد جاز أن ينقل إلى مسجد ينتفع به بل إذا جاز أن ~~يباع ويصرف ثمنه في مسجد آخر بل يجوز أن يعمر عمارة ينتفع بها لمسجد آخر ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن بنى مسجدا وأوقف حانوتا على مؤذن وقيم معين ولم ~~يتسلم من ريع الحانوت شيئا في حياته فهل يجوز تناوله بعد وفاته ### ||||| فأجاب # الحمد ~~لله رب العالمين إذا وقف وقفا ولم يخرج من يده ففيه # قولان مشهوران لأهل العلم # أحدهما يبطل وهو مذهب مالك والامام أحمد في احدى الروايتين وقول أبى ~~حنيفة وصاحبه محمد PageV31P006 # والثانى يلزم وهو مذهب الشافعى والامام أحمد في احدى الروايتين عن أحمد ~~والقول الثانى في مذهب أبى حنيفة وقول أبى يوسف والله أعلم # ) ### |||| وسئل # عن حقوق زاوية وهو بظاهرها وقد أقيم فيه محراب منذ سنين فرأى من له النظر ~~على المكان المذكور المصلحة في بناء طبقة على ذلك المحراب أما لسكن الامام ~~أو لمن يخدم المكان من غير ضرورة تعود على المكان المذكور ولا على أهله فهل ~~يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # إذا لم يكن ذلك مسجدا معدا للصلوات الخمس بل هو من حقوق المكان جاز ~~أن يبنى فيه ما يكون من مصلحة المكان ومجرد تصوير محراب لا يجعله مسجدا لا ~~سيما إذا ms8857 كان المسجد المعد للصلوات ففى البناء عليه نزاع بين العلماء ~~PageV31P007 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن استأجر أرضا وبنى فيها دارا ودكانا أو شيئا يستحق له كرى عشرين درهما ~~كل شهر إذا يعمر وعليه حكر في كل شهر درهم ونصف توقف قديما فهل يجوز ~~للمستأجر أن يعمر مع ما قد عمره من الملك مسجدا لله ويوقف الملك على المسجد ### ||||| فأجاب # يجوز أن يقف البناء الذى بناه في الأرض المستأجرة سواء وقفه مسجدا ~~أو غير مسجد ولا يسقط ذلك حق أهل أهل الأرض فإنه متى انقضت مدة الاجارة ~~وانهدم البناء زال حكم الوقف سواء كان مسجدا أو غير مسجد وأخذوا أرضهم ~~فانتفعوا بها ومادام البناء قائما فيها فعليه أجرة المثل ولو وقف على ربع ~~أودار مسجدا ثم انهدمت الدار أو الربع فان وقف العلو لا يسقط حق ملاك السفل ~~كذلك وقف البناء لا يسقط على ملاك الأرض PageV31P008 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن وصى أو وقف على جيرانه فما الحكم ### ||||| فأجاب # إذا لم يعرف مقصود الواقف ~~والوصي لا بقرينة لفظية # ولا عرفية ولا كان له عرف في مسمى الجيران رجع في ذلك إلى المسمى الشرعى ~~وهو أربعون دارا من كل جانب لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~الجيران أربعون من ها هنا وها هنا والذى نفسى بيده لا يدخل الجنة من لا ~~يأمن جاره بوائقه ( والله أعلم ### |||| وسئل ( # عن رجل معرف على المراكب وبنى مسجدا وجعل للامام في كل المراكب ~~شهر أجرة من عنده فهل هو حلال أم حرام وهل تجوز الصلاة في المسجد أم لا ### ||||| فأجاب # ان كان يعطى هذه الدراهم من أجرة المراكب التى له جاز اخذها وان ~~كان يعطيها مما يأخذ من الناس بغير حق فلا والله أعلم PageV31P009 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن قوم بيدهم وقف من جدهم من أكثر من مائة وخمسين سنة على شهد مضاف إلى ~~شيث وعلى ذرية الواقف والفقراء ونظره لهم والوقف معروف بذلك من الزمان ~~القديم وقد ثبت ذلك في مجلس الحكم الشريف وبيدهم ms8858 مراسيم الملوك من زمان نور ~~الدين وصلاح الدين تشهد بذلك وتأمر باعفاء هذا الوقف ورعاية حرمته وقد قام ~~نظار هذا الوقف في هذا الوقت طلبوا أن يفرقوا نصف المغل في عمارة المشهد ~~والنصف الذى يبقى لذريته يأخذونه لا يعطونهم إياه ولا يصرفونه في مصارف ~~الوقف ### ||||| فأجاب # لا يجوز هذا للناظر ولا يجوز تمكينهم من أن يصرفوا الوقف في غير ~~مصارفه الشرعية ولا حرمان ورثة الواقف والفقراء الداخلين في شرط الواقف بل ~~ذريته والفقراء أحق بأن يصرف إليهم ما شرط لهم من المشهد المذكور فكيف ~~يحرمون والحال هذه بل لو كان الوقف على المشهد وحده لكان صرف ما يفضل إليهم ~~مع حاجتهم أولى من صرفه إلى غيرهم PageV31P010 # فمن صرف بعض الوقف على المشهد وأخذ بعضه يصرفه فيما لم يقتضه الشرط وحرم ~~الذرية الداخلين في الشرط فقد عصى الله ورسوله وتعدى حدوده من وجوب أداء ~~الوقف على ذرية الواقف جائر باتفاق أئمة المسلمين المجوزين للوقف وهو أمر ~~قديم من زمن الصحابة والتابعين # ) # وأما بناء المشاهد على القبور والوقف عليها فبدعة لم يكن على عهد الصحابة ~~ولا التابعين ولا تابعيهم بل ولا على عهد الأربعة # وقد اتفق الأئمة على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور ولا ~~الاعانة على ذلك بوقف ولا غيره ولا النذر لها ولا العكوف عليها ولا فضيلة ~~للصلاة والدعاء ( فيها على ( المساجد الخالية عن القبور فانه يعرف ان هذا ~~خلاف دين الاسلام المعلوم بالاضطرار المتفق عليه بين الأئمة فانه إن لم ~~يرجع فانه يستتاب بل قد نص الأئمة المعتبرون على أن بناء المساجد على ~~القبور مثل هذا المشهد ونحوه حرام لما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ~~يحذر ما فعلوا ( قالت عائشة رضى الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره ~~ان يتخذ مسجدا وفى صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ( # أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد الا فلا PageV31P011 تتخذوا ms8859 ~~القبور مساجد فانى انهاكم عن ذلك ( وفى السنن عنه أنه قال ( لعن الله ~~زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( فقد لعن من يبنى مسجدا على ~~قبر ويوقد فيه سراجا مثل قنديل وشمعة ونحو ذلك فكيف يصرف مال أحدهم إلى ما ~~نهى عنه رسول الله ويترك صرف ما شرط لهم مع استحقاقهم ذلك في دين الله نعم ~~لو كان هذا مسجدا لله خاليا عن قبر لكانوا هم وهو في تناول شرط الواقف لهما ~~سواء # أما ما يصرف لبناء المشهد فمعصية لله والصرف إليهم واجب وان كان المسجد ~~منفصلا عن القبر فحكمه حكم سائر مساجد المسلمين ولكن لا فضيلة له على غيره ~~والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل وقف وقفا على مدرسة وشرط في كتاب الوقف أنه لا ~~ينزل بالمدرسة المذكورة الا من لم يكن له وظيفة بجامكية ولا مرتب وأنه لا ~~يصرف ريعها لمن له مرتب في جهة أخرى وشرط لكل طالب جامكية معلومة فهل يصح ~~هذا الشرط والحالة هذه وإذا صح فنقص ريع الوقف ولم يصل كل طالب إلى ~~الجامكية المقررة له فهل يجوز PageV31P012 للطالب أن يتناول جامكية في مكان ~~آخر وإذا نقص ريع الوقف ولم يصل كل طالب إلى تمام حقه فهل يجوز للناظر أن ~~يبطل الشرط المذكور أم لا وإذا حكم بصحة الوقف المذكور حاكم هل يبطل الشرط ~~والحالة هذه ### ||||| فأجاب # أصل هذه المسائل أن شرط الواقف إن كان قربة وطاعة لله ورسوله كان ~~صحيحا وإن لم يكن شرطا لازما وان كان مباحا كما لم يسوغ النبى السبق إلا في ~~خف أو حافر أو نصل وإن كانت المسابقة بلا عوض قد جوزها بالأقدام وغيرها ~~ولأن الله تعالى قال في مال الفيء ( كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم ( ~~فعلم أن الله يكره أن يكون المال دولة بين الأغنياء # ) # وإن كان الغنى وصفا مباحا فلا يجوز الوقف على الأغنياء وعلى قياسه سائر ~~الصفات المباحة ولأن العمل إذا لم يكن قربة لم يكن الواقف مثابا على بذل ~~المال فيه فيكون ms8860 قد صرف المال فيما لا ينفعه لا في حياته ولا في مماته ثم ~~إذا لم يكن للعامل فيه منفعة في الدنيا كان تعذيبا له بلا فائدة تصل إليه ~~ولا إلى الواقف ويشبه ما كانت الجاهلية تفعله من الاحباس المنبه عليها في ~~سورة الأنعام والمائدة # وإذا خلا العمل المشروط في العقود كلها عن منفعة في الدين أو في الدنيا ~~PageV31P013 كان باطلا بالاتفاق في أصول كثيرة لأنه شرط ليس في كتاب الله ~~تعالى فيكون باطلا ولو كان مائة شرط # مثال ذلك أن يشرط عليه التزام نوع من المطعم أو الملبس أو المسكن الذى لم ~~تستحبه الشريعة أو ترك بعض الأعمال التى تستحب الشريعة عملها ونحو ذلك # يبقى الكلام في تحقيق هذا المناط في اعتبار المسائل فانه قد يكون متفقا ~~عليه وقد يكون مختلفا فيه لاختلاف الاجتهاد في بعض الاعمال فينظر في شرط ~~ترك من جهة أخرى فما لم يكن فيه مقصود شرعى خالص أو راجح كان باطلا وإن كان ~~صحيحا ثم ( إذا ) نقص الريع عما شرطه الواقف جاز للمطالب أن يرتزق تمام ~~كفايته من جهة أخرى لأن رزق الكفاية لطلبة العلم من الواجبات الشرعية بل هو ~~من المصالح الكلية التى لا قيام للخلق بدونها فليس لأحد أن يشرط ما ينافيها ~~فكيف إذا لم يعلم أنه قصد ذلك # ويجوز للناظر مع هذه الحالة أن يوصل إلى المرتزقة بالعلم ما جعل لهم أن ~~لا يمنعهم من تناول تمام كفايتهم من جهة أخرى يرتبون فيها وليس هذا ابطالا ~~للشرط لكنه ترك العمل به عند تعذره وشروط الله حكمها كذلك وحكم الحاكم لا ~~يمنع ما ذكر PageV31P014 # وهذه الارزاق المأخوذة على الأعمال الدينية إنما هي أرزاق ومعاون على ~~الدين بمنزلة ما يرتزقه المقاتلة والعلماء من الفيء والواجبات الشرعية تسقط ~~بالعذر وليست كالجعالات على عمل دنيوى ولا بمنزلة الاجارة عليها فهذه حقيقة ~~حال هذه الأموال والله أعلم # ) ### |||| ( وسئل ( # عن رجل وقف مدرسة وشرط من يكون له بها وظيفة أن لا يشتغل بوظيفة أخرى ~~بغير مدرسته وشرط له فيها ms8861 مرتبا معلوما وقال في كتاب الوقف وإذا حصل في ريع ~~هذه المدرسة نقص بسبب محل أو غيره كان ما بقى من ريع هذا الوقف مصروفا في ~~أرباب الوظائف بها لكل منهم بالنسبة إلى معلومة بالمحاصصة وقال في كتاب ~~الوقف وإذا حصل في السعر غلاء فللناظر أن يرتب لهم زيادة على ما قرر لهم ~~بحسب كفايتهم في ذلك الوقت ثم إذا حصل في ريع الوقف نقص من جهة نقص وقفها ~~بحيث أنه إذا ألغى هذا الشرط من عدم الجمع بينها وبين غيرها يؤدى إلى تعطيل ~~المدرسة فهل يجوز لمن يكون بها أن يجمع بينها وبين غيرها ليحصل له قدر ~~كفايته والحالة هذه حيث راعى الواقف الكفاية لمن يكون بها أو كما تقدم في ~~فصل غلاء السعر أم لا PageV31P015 ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه الشروط المشروطة على من فيها كعدم الجمع إنما يلزم ~~الوفاء بها إذا لم يفض ذلك إلى الاخلال بالمقصود الشرعى الذى هو يكون اسمك ~~إما واجب وإما مستحب فاما المحافظة على بعض الشروط مع فوات المقصود بالشروط ~~فلا يجوز فاشتراط عدم الجمع باطل مع ذهاب بعض أصل الوقف وعدم حصول الكفاية ~~للمرتب بها لا يجب التزامه ولا يجوز الالزام به لوجهين # ( أحدهما ( أن ذلك إنما شرط عليهم مع وجود ريع الموقوف عليهم سواء كان ~~كاملا أو ناقصا فاذا ذهب بعض أصل الوقف لم تكن الشروط مشروطة في هذه الحال ~~وفرق بين نقص ريع الوقف مع وجود أصله وبين ذهاب بعض أصله # ( الوجه الثانى ( أن حصول الكفاية المرتب بها أمر لا بد منه حتى لو قدر ~~أن الواقف صرح بخلاف ذلك كان شرطا باطلا مثل أن يقول إن المرتب بها لا ~~يرتزق من غيرها ولو لم تحصل له كفايته فلو صرح بهذا لم يصح لأن هذا شرط ~~يخالف كتاب الله فإن حصول الكفاية لابد منها وتحصيلها للمسلم واجب أما عليه ~~وإما على المسلمين فلا يصح شرط يخالف ذلك # وقد ظهر أن الواقف لم يقصد ذلك لأنه شرط لهم الكفاية ولكن ذهاب ms8862 بعض أموال ~~الوقف بمنزلة تلف العين الموقوفة ونحو ذلك PageV31P016 والوقف سواء شبه ~~بالجعل أو بالأجرة أو بالرزق فان ما على العامل أن يعمل إذا وفى له بما شرط ~~له والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل وقف وقفا على مسجد واكفان الموتى وشرط فيه الأرشد فالأرشد من ~~ورثته ثم للحاكم وشرط لامام المسجد ستة دراهم والمؤذن والقيم بالتربة ستة ~~دراهم وشرط لهما دارين لسكناهما ثم أن ريع الوقف زاد خمسة أمثاله بحيث لا ~~يحتاج الأكفان إلى زيادة فجعل لهما الحاكم كل شهر ثلاثين درهما ثم اطلع بعد ~~ذلك على شرط الواقف فتوقف في أن يصرف عليهم ما زاد على شرط الواقف فهل يجوز ~~له ذلك وهل يجوز لهما تناوله # وأيضا الدار المذكورة انهدمت فأحكرها ناظرالوقف كل سنة بدرهمين فعمرها ~~المستأجر وأجرها في السنة بخمسين درهما فهل يصح هذا الاحكار ### ||||| فأجاب # نعم يجوز أن يعطى الامام والمؤذن من مثل هذا الوقف الفائض رزق ~~مثلهما وإن كان زائدا على ثلثين بل إذا كانا فقيرين وليس لما زاد مصرف ~~معروف جاز أن يصرف إليهما منه تمام كفايتهما وذلك لوجهين PageV31P017 ~~أحدهما أن تقدير الواقف دراهم مقدرة في وقف مقدار ريع قد يراد به النسبة ~~مثل أن يشرط له عشرة والمغل مائة ويراد به العشر فان كان هناك قرينة تدل ~~على إرادة هذا عمل به ومن المعلوم في العرف أن الوقف إذا كان مغله مائة ~~درهم وشرط له ستة ثم صار خمسمائة فان العادة في مثل هذا أن يشرط له أضعاف ~~ذلك مثل خمسة أمثاله ولم تجر عادة من شرط ستة من مائة أن يشترط ستة من ~~خمسمائة فيحمل كلام الناس على ما جرت به عادتهم في خطابهم # الثانى أن الواقف لو لم يشترط هذا فزائد الوقف يصرف في المصالح التى هي ~~نظير مصالحه وما يشبهها مثل صرفه في مساجد أخر وفى فقراء الجيران ونحو ذلك ~~لأن الأمر دائر بين أن يصرف في مثل ذلك أو يرصد لما يحدث من عمارة ونحوه ~~ورصده دائما مع ms8863 زيادة الريع لافائدة فيه بل فيه مضرة وهو حبسه لمن يتولى ~~عليهم من الظالمين المباشرين والمتولين الذين يأخذونه بغير حق وقد روى عن ~~على بن أبى طالب أنه حض الناس على مكاتب يجمعون له ففضلت فضلة فأمر بصرفها ~~في المكاتبين والسبب فيه أنه إذا تعذر المعين صار الصرف إلى نوعه # ولهذا كان الصحيح في الوقف هو هذا القول وإن يتصدق بما فضل من كسوته كما ~~كان عمر بن الخطاب يتصدق كل عام بكسوة الكعبة يقسمها بين الحجاج ~~PageV31P018 وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن صرف الفاضل إلى إمامه ومؤذنه مع ~~الاستحقاق أولى من الصرف إلى غيرهما وتقدير الواقف لا يمنع استحقاق الزيادة ~~بسبب آخر كما لا يمنع استحقاق غير مسجده # وإذا كان كذلك وقدر الاكفان التى هي المصروفة ببعض الريع صرف ما يفضل إلى ~~الامام والمؤذن ما ذكر والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل أوقف وقفا وشرط التنزيل فيه للشيخ وشرط أن لا ينزل فيه شرير ولا ~~متجوه وأنه نزل فيه شخص بالجاه ثم بدا منه أمر يدل على أنه شرير فرأى الشيخ ~~المصلحة في صرفه اعتمادا على شرط الواقف ونزل الشيخ شخصا آخر بطريق شرط ~~الواقف ومرسوم ألفاظه فهل يجوز صرف من نزل بشرط الواقف بغير مستند شرعى ~~وإعادة المتجوه الشرير المخالف لشرط الواقف وهل يحرم على الناظر والشيخ ذلك ~~ويقدح ذلك في ولايتهما وهل يحرم على الساعى في ذلك المساعد له ### ||||| فأجاب # إذا علم شرط الواقف عدل عنه إلى شرط الله قبل شرط الواقف إذا كان ~~مخالفا لشرط الله PageV31P019 فإن الجهات الدينية مثل الخوانك والمدارس ~~وغيرها لا يجوز ان ينزل فيها فاسق سواء كان فسقه بظلمه للخلق وتعديه عليهم ~~بقوله وفعله أو فسقه بتعديه حقوق الله التى بينه وبين الله فان كلا من هذين ~~الضربين يجب الانكار عليه وعقوبته فكيف يجوز أن يقرر في الجهات الدينية ~~ونحوها فكيف إذا شرط الواقف ذلك فانه يصير وجوبه مؤكدا # ومن نزل من أهل الاستحقاق تنزيلا شرعيا لم يجز صرفه لأجل هذا ms8864 الظلم ولا ~~لغيره فكيف يجوز أن يستبدل الظالم بالعادل والفاجر بالبر ومن أعان على ذلك ~~فقد أعان على الاثم والعدوان سواء علم شرط الواقف أو لم يعلم PageV31P020 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل أوقف وقفا على مدرسة وشرط فيها أن ريع الوقف للعمارة والثلثين ~~يكون للفقهاء وللمدرسة وأرباب الوظائف وشرط أن الناظر يرى بالمصلحة والحال ~~جاريا كذلك مدة ثلاثين سنة وإن حصر المدرسة وملء الصهريج يكون من جامكية ~~الفقهاء لأن لهم غيبة وأماكن غيرها وان معلوم الامام في كل شهر من الدراهم ~~عشرون درهما وكذلك المؤذن فطلب الفقهاء بعد هذه المسألة أرباب الوظائف أن ~~يشاركوهم فيما يؤخذ من جوامكهم لأجل الحصر وملء الصهريج وأن أرباب الوظائف ~~قائمون بهذه الوظيفة ولو لم يكن لهم غيرها هل يجب للناظر موافقة الفقهاء ~~على ما طلبوه ونقص هؤلاء المساكين عن معلومهم اليسير أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا رأى الناظر تقديم أرباب الوظائف الذين يأخذون على ~~عمل معلوم كالامام والمؤذن فقد أصاب في ذلك إذا كان الذى يأخذونه لا يزيد ~~على جعل مثلهم في العادة كما أنه يجب ( أن يقدم ( الجابى والعامل والصانع ~~والبناء ونحوهم ممن يأخذ على عمل يعمله في تحصيل المال أو عمارة المكان ~~يقدمون بأخذ الأجرة PageV31P021 # والامامة والأذان شعائر لا يمكن إبطالها ولا تنقيصها بحال فالجاعل جعل ~~مثل ذلك لأصحابها يقدم على ما يأخذه الفقهاء وهذا بخلاف المدرس والمفيد ~~والفقهاء فإنهم من جنس واحد # وإن امكن صرف ثمن الحصر وملء الصهريج من ثلث العمارة أو غيره يجعل ذلك ~~ويوفر الثلثان على مستحقيه فإنه إذا شرط أن الثلث للعمارة والثلثين لأرباب ~~الوظائف لم يكن أخذ ثمن الحصر ونحوها من هذا أولى من صرفها من هذا الا أن ~~يكون للوقف شرط شرعى بخلاف هذا ### |||| ( وسئل ( # عمن وقف تربة وشرط المقرئ عزبا فهل يحل التنزل مع التزوج ### ||||| فأجاب # هذا شرط باطل والمتأهل أحق بمثل هذا من المتعزب إذا استويا في سائر ~~الصفات إذ ليس في التعزب هنا مقصود شرعى PageV31P022 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل وقف ms8865 وقفا على عدد معلوم من النساء والأرامل والأيتام وشرط النظر ~~لنفسه في حياته ثم الصالح من ولده بعد وفاته ذكرا كان أو انثى وللواقف ~~أقارب من أولاد أولاده ممن هو محتاج وقصد الناظر أن يميزهم على غيرهم في ~~الصرف هل يجوز أن يميزهم ### ||||| فأجاب # إذا استووا هم وغيرهم في الحاجة فأقارب ~~الواقف يقدمون على نظرائهم الأجانب كما يقدمون لصلته في حياته كما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( صدقتك على المسلمين صدقة وعلى ذوى الرحم صدقة ~~وصلة ( # ولهذا يؤمر أن يوصي لأقاربه الذين لا يرثون أما أمر ايجاب على قول بعض ~~العلماء وأما أمر استحباب كقول الأكثرين وهما روايتان عن أحمد والله أعلم ~~PageV31P023 ### |||| ( وسئل قدس الله روحه ( # عن رجل وقف وقفا على جهة معينة وشرط شروطا ومات الواقف ولم يثبت الوقف ~~على حاكم وعدم الكتاب قبل ذلك ثم عمل محضرا مجردا يخالف الشروط والأحكام ~~المذكورة في كتاب الوقف واثبت على حاكم بعد تاريخ الوقف المتقدم ذكره سنتين ~~ثم ظهر كتاب الوقف وفيه شروط لم يتضمن المحضر شيئا منها وتوجه الكتاب ~~للثبوت فهل يجوز منع ثبوته والعمل المذكور أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يجوز منع ثبوته بحال من الأحوال بل إذا أمكن ثبوته ~~وجب ثبوته والعمل به وأن خالفه المحضر المثبت بعده وان حكم بذلك المحضر ~~حاكم فالحاكم به معذور بكونه لم يثبت عنده ما يخالفه ولكن إذا ظهر ما يقال ~~انه كتاب الوقف وجب التمكن من اثباته بالطريق الشرعى فان ثبت وجب العمل به ~~والله أعلم PageV31P024 ### |||| ( وسئل ( # عن رجل أوقف وقفا وشرط في بعض شروطه أنهم يقرؤون ما تيسر ويسبحون ويهللون ~~ويكبرون ويصلون على النبى صلى الله عليه وسلم بعد الفجر إلى طلوع الشمس فهل ~~الأفضل السر أو الجهر وان شرط الواقف فما يكون ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل الاسرار بالذكر والدعاء كالصلاة على النبى وغيرها ~~أفضل ولا هو الأفضل مطلقا الا لعارض راجح وهو في هذا الوقت أفضل خصوصا فان ~~الله يقول ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ( وفى ms8866 الصحيح عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه لما رأى الصحابة رضي الله عنهم يرفعون أصواتهم بالذكر قال ( ~~أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون ~~سميعا قريبا ان الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ( وفى الحديث ( ~~خير الذكر الخفي وخير الرزق ما كفى ( والله أعلم PageV31P025 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل وقف وقفا وشرط فيه شروطا على جماعة قراء وانهم يحضرون كل يوم ~~بعد صلاة الصبح يقرؤون ما تيسر من القرآن إلى طلوع الشمس ثم يتداولون ~~النهار بينهم يوما مثنى مثنى ويجتمعون أيضا بعد صلاة العصر يقرأ كل منهم ~~حزبين ويجتمعون أيضا في كل ليلة جمعة جملة اجتماعهم في الشهر سبعة وسبعون ~~مرة على هذا النحو عند قبره بالتربة وشرط عليهم أيضا أن يبيتوا كل ليلة ~~بالتربة المذكورة وجعل لكل منهم سكنا يليق به وشرط لهم جاريا من ريع الوقف ~~يتناولون في كل يوم وفى كل شهر فهل يلزمهم الحضور على شرطه عليهم أم يلزمهم ~~أن يتصفوا بتلك الصفات في أى مكان أمكن اقامتهم بوظيفة القراءة أو لا يتعين ~~المكان ولا الزمان # وهل يلزمهم أيضا أن يبيتوا بالمكان المذكور أم لا وان قيل باللزوم ~~فاستخلف أحدهم من يقرأ عنه وظيفته في الوقف والمكان والواقف شرط في كتاب ~~الوقف أن يستنيبوا في أوقات الضرورات فما هي الضرورة التى تبيح النيابة ~~PageV31P026 # وأيضا أن نقصهم الناظر من معلومهم الشاهد به كتاب الوقف فهل يجوز أن ~~ينقصوا مما شرط عليهم وسواء كان النقص بسبب ضرورة أو من اجتهاد الناظر أو ~~من غير اجتهاده وليشف سيدنا بالجواب مستوعبا بالأدلة ويجلى به عن القلوب كل ~~عسر مثابا في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين # أصل هذه المسألة وهو على أهل الأعمال التى يتقرب بها إلى الله تعالى ~~والوصية لأهلها والنذر لهم ان تلك الأعمال لابد أن تكون من الطاعات التى ~~يحبها الله ورسوله فإذا كانت منهيا عنها لم يجز الوقف عليها ولا اشتراطها ~~في الوقف باتفاق المسلمين وكذلك في ms8867 النذر ونحوه وهذا متفق عليه بين ~~المسلمين في الوقف والنذر ونحو ذلك ليس فيه نزاع بين العلماء أصلا ومن أصول ~~ذلك ما أخرجه البخارى في صحيحه عن عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله ~~( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ) # ومن أصوله ما أخرجه البخارى ومسلم في الصحيحين عن عائشة أيضا أن رسول ~~الله خطب على المنبر لما أراد أهل بريرة أن PageV31P027 يشترطوا الولاء ~~لغير المعتق فقال ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط ~~شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله ~~أوثق ( # وهذا الحديث الشريف المستفيض الذى اتفق العلماء على تلقيه بالقبول اتفقوا ~~على أنه عام في الشروط في جميع العقود ليس ذلك مخصوصا عند أحد منهم بالشروط ~~في البيع بل من اشترط في الوقف أو العتق أو الهبة أو البيع أو النكاح أو ~~الإجارة أو النذر أو غير ذلك شروطا تخالف ما كتبه الله على عباده بحيث ~~تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه أو النهى عما أمر به أو تحليل ما ~~حرمه أو تحريم ما حلله فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود ~~الوقف وغيره # وقد روى أهل السنن أبو داود وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~الصلح جائز بين المسلمين الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا والمسلمون على ~~شروطهم الا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا ( # وحديث عائشة هو من العام الوارد على سبب وهذا وإن كان أكثر العلماء ~~يقولون أنه يؤخذ فيه بعموم اللفظ ولا يقتصر على سببه فلا نزاع بينهم أن ~~أكثر العمومات الواردة على أسباب لا تختص بأسبابها كالآيات النازلة بسبب ~~معين مثل آيات المواريث والجهاد والظهار PageV31P028 واللعان والقذف ~~والمحاربة والقضاء والفيء والربا والصدقات وغير ذلك فعامتها نزلت على أسباب ~~معينة مشهورة في كتب الحديث والتفسير والفقه والمغازى مع اتفاق الأمة على ~~أن حكمها عام في حق ms8868 غير أولئك المعينين وغير ذلك مما يماثل قضاياهم من كل ~~وجه # وكذلك الأحاديث وحديث عائشة مما اتفقوا على عمومه وأنه من جوامع الكلم ~~التى أوتيها وبعث بها حيث قال ( من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ~~وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ( # ولكن تنازعوا في العقود المباحات كالبيع والاجارة والنكاح هل معنى الحديث ~~من اشترط شرطا لم يثبت أنه خالف فيه شرعا أو من اشترط شرطا يعلم أنه مخالف ~~لما شرعه الله هذا فيه تنازع لأن قوله في آخر الحديث ( كتاب الله أحق وشرط ~~الله أوثق ( يدل على أن الشرط الباطل ما خالف ذلك وقوله ( من اشترط شرطا ~~ليس في كتاب الله فهو باطل ( قد يفهم منه ما ليس بمشروع # وصاحب القول الأول يقول ما لم ينه عنه من المباحات فهو مما أذن فيه فيكون ~~مشروعا بكتاب الله وأما ما كان في العقود التى يقصد بها PageV31P029 ~~الطاعات كالنذر فلابد أن يكون المنذور طاعة فمتى كان مباحا لم يجب الوفاء ~~به لكن في وجوب الكفارة به نزاع مشهور بين العلماء كالنزاع في الكفارة بنذر ~~المعصية لكن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ونذر المباح مخير بين الأمرين ~~وكذلك الوقف أيضا # وحكم الشروط فيه يعرف بذكر أصلين ان الواقف إنما وقف الوقوف بعد موته ~~لينتفع بثوابه وأجره عند الله لا ينتفع به في الدنيا فانه بعد الموت لا ~~ينتفع الميت إلا بالأجر والثواب # ولهذا فرق بين ما قد يقصد به منفعة الدنيا وبين ما لا يقصد به إلا الأجر ~~والثواب فالأول كالبيع والاجارة والنكاح فهذا يجوز للانسان أن يبذل ماله ~~فيها ليحصل اغراضا مباحة دنيوية ومستحبة ودينية بخلاف الاغراض المحرمة وأما ~~الوقف فليس له أن يبذل ملكه الا فيما ينفعه في دينه فإنه إذا بذله فيما لا ~~ينفعه في الدين والوقف لا ينتفع به بعد موته في الدنيا صار بذل المال لغير ~~فائدة تعود إليه لا في دينه ولا في دنياه وهذا لا يجوز # ولهذا فرق ms8869 العلماء بين الوقف على معين وعلى جهة فلو وقف أو وصى لمعين جاز ~~وإن كان كافرا ذميا لأن صلته مشروعة كما دل على ذلك الكتاب والسنة في مثل ~~قوله تعالى @QB@ وصاحبهما في الدنيا معروفا @QE@ ومثل حديث PageV31P030 ~~أسماء بنت أبى بكر لما قدمت أمها وكانت مشركة فقالت يا رسول الله إن أمى ~~قدمت وهى راغبة أفأصلها قال ? < صلي أمك > ? والحديث في الصحيحين وفى ذلك ~~نزل قوله تعالى @QB@ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون @QE@ # فبين أن عطية مثل هؤلاء إنما يعطونها لوجه الله وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( في كل ذات كبد رطبة أجر ( فإذا أوصى أو وقف على معين وكان ~~كافرا أو فاسقا لم يكن الكفر والفسق هو سبب الاستحقاق ولا شرطا فيه بل هو ~~يستحق ما أعطاه وإن كان مسلما عدلا فكانت المعصية عديمة التأثير بخلاف ما ~~لو جعلها شرطا في ذلك على جهة الكفار والفساق أو على الطائفة الفلانية بشرط ~~أن يكونوا كفارا أو فساقا فهذا الذى لا ريب في بطلانه عند العلماء # ولكن تنازعوا في الوقف على جهة مباحة كالوقف على الأغنياء على قولين ~~مشهورين والصحيح الذى دل عليه الكتاب والسنة والاصول أنه باطل أيضا لأن ~~الله سبحانه قال في مال الفيء @QB@ كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم @QE@ ~~PageV31P031 فأخبر سبحانه أنه شرع ما ذكره لئلا يكون الفيء متداولا بين ~~الأغنياء دون الفقراء فعلم أنه سبحانه يكره هذا وينهى عنه ويذمه فمن جعل ~~الوقف للأغنياء فقط فقد جعل المال دولة بين الأغنياء فيتداولونه بطنا بعد ~~بطن دون الفقراء وهذا مضاد لله في أمره ودينه فلا يجوز ذلك # وفى السنن عن النبى أنه قال ( لا سبق إلا في خف أو حافر ms8870 أو نصل ( فإذا ~~كان قد نهى عن بذل السبق الا فيما يعين على الطاعة والجهاد مع أنه بذل لذلك ~~في الحياة وهو منقطع غير مؤبد فكيف يكون الامر في الوقف وهذا بين في أصول ~~الشريعة من وجهين # أحدهما أن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين أو الدنيا وهذا أصل ~~متفق عليه بين العلماء ومن خرج عن ذلك كان سفيها وحجر عليه عند جمهور ~~العلماء الذين يحجرون على السفيه وكان مبذرا لماله وقد نهى الله في كتابه ~~عن تبذير المال ( ولا تبذر تبذيرا ( وهو انفاقه في غير مصلحة وكان مضيعا ~~لماله وقد نهى النبى عن اضاعة المال في الحديث المتفق عليه عن المغيرة ~~PageV31P032 بن شعبة عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه كان ينهى عن قيل ~~وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ( # وقد قال الله تعالى في كتابه ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله ~~لكم قياما ( # وقد قال كثير من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم هذا مثل توكيل السفيه ~~وهو أن يدفع الرجل ماله إلى ولده السفيه أو امرأته السفيهة فينفقان عليه ~~ويكون تحت أمرهما وقال آخرون ذلك أن يسلم إلى السفيه مال نفسه فإن الله نهى ~~عن تسليم مال نفسه إليه إلا إذا أونس منه الرشد # والآية تدل على النوعين كليهما فقد نهى الله أن يجعل السفيه متصرفا لنفسه ~~أو لغيره بالوكالة أو الولاية وصرف المال فيما لا ينفع في الدين ولا الدنيا ~~من أعظم السفه فيكون ذلك منهيا عنه في الشرع # إذا عرف هذا فمن المعلوم أن الواقف لا ينتفع بوقفه في الدنيا كما ينتفع ~~بما يبذله في البيع والاجارة والنكاح وهذا أيضا لا ينتفع به في الدين إن لم ~~ينفقه في سبيل الله وسبيل الله طاعته وطاعة رسوله فإن الله إنما يثيب ~~العباد على ما أنفقوه فيما يحبه وأما مالا يحبه فلا ثواب في النفقة عليه ~~ونفقة PageV31P033 الإنسان على نفسه وولده وزوجته واجبة فلهذا كان الثواب ~~عليها أعظم من الثواب على التطوعات على الاجانب # وإذا كان ms8871 كذلك فالمباحات التي لا يثيب الشارع عليها لا يثيب على الانفاق ~~فيها والوقف عليها ولا يكون في الوقف عليها منفعة وثواب في الدين ولا منفعة ~~في الوقف عليها في الدنيا فالوقف عليها خال من انتفاع الواقف في الدين ~~والدنيا فيكون باطلا وهذا ظاهر في الاغنياء وإن كان قد يكون مستحبا بل ~~واجبا فإنما ذاك إذا أعطوا بسبب غير الغني من القرابة والجهاد والدين ونحو ~~ذلك # فأما إن جعل سبب الاستحقاق هوالغني وتخصيص الغني بالاعطاء مع مشاركة ~~الفقير له في أسباب الاستحقاق سوى الغني مع زيادة استحقاق الفقير عليه فهذا ~~مما يعلم بالاضطرار في كل ملة إن الله لا يحبه ولا يرضاه فلا يجوز اشتراط ~~ذلك في الوقف # الوجه الثاني إن الوقف يكون فيما يؤبد على الكفار ونحوهم وفيما يمنع منه ~~التوارث وهذا لو أن فيه منفعة راجحة وإلا كان يمنع منه الواقف لأنه فيه حبس ~~المال عن أهل المواريث ومن ينتقل إليهم وهذا مأخذ من قال لا حبس عن فرائض ~~الله لكن هذا القول ترك لقول عمر وغيره وما في ذلك من المصلحة الراجحة فأما ~~إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة بل قد حبس المال PageV31P034 فمنعه الوارث ~~وسائر الناس أن ينتفع به وهو لم ينتفع به فهذا لا يجوز تنفيذه بلا ريب # ثم هذه المسألة المتنازع فيها هي في الوقف على الصفات المباحة الدنيوية ~~كالغنى بالمال وأما الوقف على الأعمال الدينية كالقرآن والحديث والفقه ~~والصلاة والأذان والامامة والجهاد ونحو ذلك والكلام في ذلك هو الأصل الثانى ~~وذلك لايمكن أن يكون في ذلك نزاع بين العلماء في أنه لا يجوز أن يوقف الا ~~على ما شرعه الله واحبه من هذه الأعمال # فأما من أبتدع عملا لم يشرعه الله وجعله دينا فهذا ينهى عن عمل هذا العمل ~~فكيف يشرع له أن يقف عليه الأموال بل هذا من جنس الوقف على ما يعتقده ~~اليهود والنصارى عبادات وذلك من الدين المبدل أو المنسوخ ولهذا جعلنا هذا ~~أحد الأصلين في الوقف # وذلك أن باب العبادات ms8872 والديانات والتقربات متلقاة عن الله ورسوله فليس ~~لأحد أن يجعل شيئا عبادة أو قربة الا بدليل شرعى قال تعالى @QB@ أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ وقال تعالى @QB@ وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما ~~تذكرون @QE@ PageV31P035 ونظائر ذلك في الكتاب كثير يأمر الله فيه بطاعة ~~رسوله واتباع كتابه وينهى عن اتباع ما ليس من ذلك # والبدع جميعها كذلك فان البدعة الشرعية أى المذمومة في الشرع هي ما لم ~~يشرعه الله في الدين أى ما لم يدخل في أمر الله ورسوله وطاعة الله ورسوله ~~فاما إن دخل في ذلك فإنه من الشرعة لا من البدعة الشرعية وإن كان قد فعل ~~بعد موت النبى بما عرف من أمره كاخراج اليهود والنصارى بعد موته وجمع ~~المصحف وجمع الناس على قارئ واحد في قيام رمضان ونحو ذلك # وعمر بن الخطاب الذى أمر بذلك وإن سماه بدعة فإنما ذلك لأنه بدعة في ~~اللغة إذ كل أمر فعل على غير مثال متقدم يسمى في اللغة بدعة وليس مما تسميه ~~الشريعة بدعة وينهى عنه فلا يدخل فيما رواه مسلم من صحيحه عن جابر قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ( إن أصدق الكلام كلام الله ~~وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ( فإن قوله صلى ~~الله عليه وسلم ( كل بدعة ضلالة ( حق وليس فيما دلت عليه الادلة الشرعية ~~على الاستحباب بدعة كما قال في الحديث الذى رواه أهل السنن وصححه الترمذى ~~عن العرباض بن سارية عن PageV31P036 النبى صلى الله عليه وسلم قال ( وعظنا ~~رسول الله موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول ~~الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال أوصيكم بتقوى الله وعليكم ~~بالسمع والطاعة ms8873 وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا ~~كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة ( وفى رواية ( فإن كل ~~محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ( وفى رواية ( وكل ضلالة في النار ( # ففى هذا الحديث أمر المسلمين باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين وبين أن ~~المحدثات التى هي البدع التى نهى عنها ما خالف ذلك فالتراويح ونحو ذلك لو ~~لم تعلم دلالة نصوصه وأفعاله عليها لكان أدنى أمرها أن تكون من سنة الخلفاء ~~الراشدين فلا تكون من البدع الشرعية التى سماها النبى بدعة ونهى عنها # وبالجملة لا خلاف بين العلماء أن من وقف على صلاة أو صيام أو قراءة أو ~~جهاد غير شرعى ونحو ذلك لم يصح وقفه بل هو ينهى عن ذلك العمل وعن البذل فيه ~~والخلاف الذى بينهم في المباحات لا يخرج مثله هنا لأن اتخاذ الشيء عبادة ~~واعتقاد كونه عبادة وعمله لأنه عبادة لا يخلو من أن يكون مأمورا به أو ~~منهيا عنه فان كان مأمورا به واجبا PageV31P037 أو مستحبا في الشريعة كان ~~اعتقاد كونه عبادة والرغبة فيه لأجل العبادة ومحبته وعمله مشروعا وإن لم ~~يكن الله يحبه ولا يرضاه فليس بواجب ولا مستحب لم يجز لأحد أن يعتقد أنه ~~مستحب ولا أنه قربة وطاعة ولا يتخذه دينا ولا يرغب فيه لأجل كونه عبادة # وهذا أصل عظيم من أصول الديانات وهو التفريق بين المباح الذى يفعل لأنه ~~مباح وبين ما يتخذ دينا وعبادة وطاعة وقربة واعتقادا ورغبة وعملا فمن جعل ~~ما ليس مشروعا ولا هو دينا ولا طاعة ولا قربة جعله دينا وطاعة وقربة كان ~~ذلك حراما باتفاق المسلمين # لكن قد يتنازع العلماء في بعض الأمور هل هو من باب القرب والعبادات أم لا ~~سواء كان من باب الاعتقادات القولية أو من باب الارادات العملية حتى قد يرى ~~أحدهم واجبا ما يراه الآخر حراما كما يرى بعضهم وجوب قتل المرتد ويرى آخر ~~تحريم ذلك ms8874 ويرى أحدهم وجوب التفريق بين السكران وامرأته إذا طلقها في سكره ~~ويرى الآخر تحريم التفريق بينهما وكما يرى أحدهم وجوب قراءة فاتحة الكتاب ~~على المأموم ويرى الآخر كراهة قراءته أما مطلقا واما اذا سمع جهر الامام ~~ونحو ذلك من موارد النزاع كما أن اعتقادها وعملها من موارد النزاع فبذل ~~المال عليها هو من موارد النزاع أيضا وهو الاجتهادية PageV31P038 # وأما كل عمل يعلم المسلم أنه بدعة منهى عنها فإن العالم بذلك لا يجوز ~~الوقف باتفاق المسلمين وان كان قد يشرط بعضهم بعض هذه الأعمال من لم يعلم ~~الشريعة أو من هو يقلد في ذلك لمن لا يجوز تقليده في ذلك فإن هذا باطل كما ~~قال عمر بن الخطاب ردوا الجهالات إلى السنة ولما في الصحيح عن عائشة عن ~~النبى أنه قال ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ( # ولهذا اتفق العلماء أن حكم الحاكم العادل إذا خالف نصا أو اجماعا لم ~~يعلمه فهو منقوض فكيف بتصرف من ليس يعلم هذا الباب من واقف لا يعلم حكم ~~الشريعة ومن يتولى ذلك له من وكلائه وإن قدر ان حاكما حكم بصورة ذلك ولزومه ~~فغايته أن يكون عالما عادلا فلا ينفذ ما خالف فيه نصا أو اجماعا باتفاق ~~المسلمين # والشروط المتضمنة للأمر بما نهى الله عنه والنهى عن ما أمر الله به ~~مخالفة للنص والاجماع وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فان طاعته فيه بحسب ~~الامكان كما قال تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وكما قال النبى في ~~الحديث المتفق عليه ? < إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما أستطعتم > ? ~~PageV31P039 # فهذه القواعد هي الكلمات الجامعة والاصول الكلية التى تنبنى عليها هذه ~~المسائل ونحوها وقد ذكرنا منها نكتا جامعة بحسب ما تحتمله الورقة يعرفها ~~المتدرب في فقه الدين # وبعد هذا ينظر في تحقيق مناط الحكم في صورة السؤال وغيرها بنظره فما تبين ~~أنه من الشروط الفاسدة الغي وما تبين أنه شرط موافق لكتاب الله عمل به وما # أشتبه أمره أو كان فيه نزاع فله حكم ms8875 نظائره ومن هذه الشروط الباطلة ما ~~يحتاج تغييره إلى همة قوية وقدرة نافذة ويؤيدها الله بالعلم والدين والا ~~فمجرد قيام الشخص في هوى نفسه لجلب دنيا أو دفع مضرة دنيوية إذا أخرج ذلك ~~مخرج الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يكاد ينجح سعيه وإن كان متظلما ~~طالبا من يعينه فإن أعانه الله بمن هو متصف بذلك أو بما يقدره له من جهة ~~تعينه حصل مقصوده ولا حول ولا قوة إلا بالله # وما ذكره السائلون فرض تمام الوجود والله يسهل لهم ولسائر المسلمين من ~~يعينهم على خير الدين والدنيا إنه على كل شيء قدير # ) # فمن ما لا نزاع فيه بين العلماء أن مبيت الشخص في مكان معين دائما ليس ~~قربة ولا طاعة باتفاق العلماء ولا يكون ذلك الا في بعض الاوقات إذا كان في ~~التعيين مصلحة شرعية مثل المبيت في ليالى منى ومثل PageV31P040 مبيت ~~الانسان في الثغر للرباط أو مبيته في الحرس في سبيل الله أو عند عالم أو ~~رجل صالح ينتفع به ونحو ذلك # فأما أن المسلم يجب عليه أن يرابط دائما ببقعة بالليل لغير مصلحة دينية ~~فهذا ليس من الدين بل لو كان المبيت عارضا وكان يشرع فيها ذلك لم يكن أيضا ~~من الدين ومن شرط عليه ذلك ووقف عليه المال لأجل ذلك فلا ريب في بطلان مثل ~~هذا الشرط وسقوطه # بل تعيين مكان معين للصلوات الخمس أو قراءة القرآن أو إهدائه غير ما عينه ~~الشارع ليس أيضا مشروعا باتفاق العلماء حتى لو نذر أن يصلى أو يقرأ أو ~~يعتكف في مسجد بعينه غير الثلاثة لم يتعين وله أن يفعل ذلك في غيره لكن في ~~وجوب الكفارة لفوات التعيين قولان للعلماء # والعلماء لهم في وصول العبادات البدنية كالقراءة والصلاة والصيام إلى ~~الميت قولان أصحهما أنه يصل لكن لم يقل أحد من العلماء بالتفاضل في مكان ~~دون مكان ولا قال أحد قط من علماء الأمة المتبوعين أن الصلاة أو القراءة ~~عند القبر أفضل منها عند غيره بل القراءة عند القبر ms8876 قد اختلفوا في كراهتها ~~فكرهها أبو حنيفة ومالك والامام أحمد في احدى الروايتين وطوائف من السلف ~~ورخص فيها طائفة أخرى PageV31P041 من أصحاب أبى حنيفة والامام أحمد وغيرهم ~~وهو احدى الروايتين عن أحمد وليس عن الشافعى في ذلك كله نص نعرفه # ولم يقل أحد من العلماء أن القراءة عند القبر أفضل ومن قال أنه عند القبر ~~ينتفع الميت بسماعها دون ما إذا بعد القارئ فقوله هذا بدعة باطلة مخالفة ~~لاجماع العلماء والميت بعد موته لا ينتفع باعمال يعملها هو بعد الموت لا من ~~استماع ولا قراءة ولا غير ذلك باتفاق المسلمين وإنما ينتفع بآثار ما عمله ~~في حياته كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( إذا مات بن آدم انقطع عمله ~~إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ( وينتفع أيضا ~~بما يهدى إليه من ثواب العبادات المالية كالصدقة والهبة باتفاق الفقهاء ~~وكذلك العبادات البدنية في أصح قوليهم وإلزام المسلمين أن لا يعملوا ولا ~~يتصدقوا إلا في بقعة معينة مثل كنائس النصارى باطل # وبكل حال فالاستخلاف في مثل هذه الأعمال المشروطة جائز وكونها عن الواقف ~~إذا كان النائب مثل المستنيب فقد يكون في ذلك مفسدة راجحة على المصلحة ~~الشرعية كالأعمال المشروطة في الاجارة على عمل في الذمة لأن PageV31P042 ~~التعيين فيه مصلحة شرعية فشرط باطل ومتى نقصوا من المشروط لهم كان لهم أن ~~ينقصوا من المشروط عليهم بحسب ذلك والله أعلم # ) # ( وقال رحمه الله ( # ( قاعدة ) فيما يشترط الناس في الوقف فان فيها ما فيه عوض دنيوى وأخروى ~~وما ليس كذلك وفى بعضها تشديد على الموقوف عليه # ) # فنقول الأعمال المشروطة في الوقف على الأمور الدينية مثل الوقف على ~~الأئمة والمؤذنين والمشتغلين بالعلم من القرآن والحديث والفقه ونحو ذلك أو ~~بالعبادات أو بالجهاد في سبيل الله تنقسم ثلاثة أقسام # أحدها عمل يقترب به إلى الله تعالى وهو الواجبات والمستحبات التى رغب ~~رسول الله فيها وحض على تحصيلها فمثل هذا الشرط يجب الوفاء به ويقف استحقاق ~~الوقف على حصوله ms8877 في الجملة # والثانى عمل نهى النبى صلى الله عليه وسلم عنه نهى تحريم أو نهى تنزيه ~~فاشتراط مثل هذا العمل باطل باتفاق العلماء لما قد استفاض عن النبى أنه خطب ~~على منبره فقال PageV31P043 # ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في ~~كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ( وهذا ~~الحديث وإن خرج بسبب شرط الولاء لغير المعتق فان العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب عند عامة العلماء وهو مجمع عليه في هذا الحديث # وكذا ما كان من الشروط مستلزما وجود ما نهى عنه الشارع فهو بمنزلة ما نهى ~~عنه وما علم أنه نهى عنه ببعض الأدلة الشرعية فهو بمنزلة ما علم أنه صرح ~~بالنهى عنه لكن قد يختلف اجتهاد العلماء في بعض الأعمال هل هو من باب ~~المنهى عنه فيختلف اجتهادهم في ذلك الشرط بناء على هذا وهذا أمر لابد منه ~~في الأمة ومن هذا الباب أن يكون العمل المشترط ليس محرما في نفسه لكنه مناف ~~لحصول المقصود المأمور به ومثال هذه الشروط أن يشترط على أهل الرباط ~~ملازمته وهذا مكروه في الشريعة مما أحدثه الناس أو يشترط على الفقهاء ~~اعتقاد بعض البدع المخالفة للكتاب والسنة أو بعض الاقوال المحرمة أو يشترط ~~على الامام أو المؤذن ترك بعض سنن الصلاة والاذان أو فعل بعض بدعهما مثل أن ~~يشترط على الامام أن يقرأ في الفجر بقصار المفصل أو أن يصل الأذان بذكر غير ~~مشروع أو أن يقيم صلاة العيد في المدرسة أو المسجد مع إقامة المسلمين لها ~~على سنة نبيهم PageV31P044 # ومن هذا الباب أن يشترط عليهم ان يصلوا وحدانا ومما يلحق بهذا القسم أن ~~يكون الشرط مستلزما ترك ما ندب إليه الشارع مثل أن يشترط على أهل رباط أو ~~مدرسة إلى جانب المسجد الأعظم أن يصلوا فيها فرضهم فإن هذا دعاء إلى ترك ~~الفرض على الوجه الذى هو أحب إلى الله ورسوله فلا يلتفت إلى مثل هذا بل ms8878 ~~الصلاة في المسجد الاعظم هو الأفضل بل الواجب هدم مساجد الضرار مما ليس هذا ~~موضع تفصيله # ومن هذا الباب اشتراط الايقاد على القبور ايقاد الشمع أو الدهن ونحو ذلك ~~فان النبى قال ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( ~~وبناء المسجد واسراج المصابيح على القبور مما لم أعلم فيه خلافا أنه معصية ~~لله ورسوله وتفاصيل هذه الشروط يطول جدا وإنما نذكرها هنا جماع الشروط # ( القسم الثالث ( عمل ليس بمكروه في الشرع ولا مستحب بل هو مباح مستوى ~~الطرفين فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به والجمهور من العلماء من أهل ~~المذاهب المشهورة وغيرهم على أن شرطه باطل فلا يصح عندهم أن يشرط الا ما ~~كان قربة إلى الله تعالى وذلك لأن الانسان ليس له أن يبذل ماله الا لما له ~~فيه منفعة في الدين أو الدنيا فما دام PageV31P045 الانسان حيا فله أن يبذل ~~ماله في تحصيل الأغراض المباحة لأنه ينتفع بذلك فأما الميت فما بقى بعد ~~الموت ينتفع من أعمال الأحياء إلا بعمل صالح قد أمر به أو اعان عليه أو ~~أهدى إليه ونحو ذلك فأما الأعمال التى ليست طاعة لله ورسوله فلا ينتفع بها ~~الميت بحال فإذا اشترط الموصى أو الواقف عملا أو صفة لاثواب فيها كان السعى ~~في تحصيلها سعيا فيما لا ينتفع به في دنياه ولا في آخرته ومثل هذا لا يجوز ~~وهذا إنما مقصوده بالوقف التقرب والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن اوقف رباطا وجعل فيه جماعة من أهل القرآن وجعل لهم كل يوم ما يكفيهم ~~وشرط عليهم شروطا غير مشروعة منها ان يجتمعوا في وقتين معينين من النهار ~~فيقرؤون شيئا معينا من القرآن في المكان الذى اوقفه لا في غيره مجتمعين في ~~ذلك غير متفرقين وشرط ان يهدوا له ثواب التلاوة ومن لم يفعل ما شرط في ~~المكان الذى أوقفه لم يأخذ ما جعل له فهل جميع الشروط لازمة لمن أخذ ~~المعلوم أم بعضها أم لا أثر لجميعها وهل إذا لزمت القراءة فهل يلزم ms8879 جميع ما ~~شرطه منها أم يقرؤون ما تيسر عليهم قراءته من غير ان يهدوا شيئا ~~PageV31P046 ### ||||| فأجاب # الحمد لله الأصل في هذا ان كل ما شرط من العمل من الوقوف ~~التى توقف على الأعمال فلا بد ان تكون قربة إما واجبا وإما مستحبا واما ~~اشتراط عمل محرم فلا يصح باتفاق علماء المسلمين بل وكذلك المكروه وكذلك ~~المباح على الصحيح # وقد اتفق المسلمون على ان شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وفاسد كالشروط في ~~سائر العقود ومن قال من الفقهاء ان شروط الواقف نصوص كالفاظ الشارع فمراده ~~أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف لا في وجوب العمل بها أى ان مراد ~~الواقف يستفاد من الفاظه المشروطة كما يستفاد مراد الشارع من الفاظه فكما ~~يعرف العموم والخصوص والاطلاق والتقييد والتشريك والترتيب في الشرع من ~~الفاظ الشارع فكذلك تعرف في الوقف من الفاظ الواقف # مع أن التحقيق في هذا ان لفظ الواقف ولفظ الحالف والشافع والموصى وكل ~~عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التى يتكلم بها سواء وافقت العربية ~~العرباء أو العربية المولدة أو العربية الملحونة أو كانت غير عربية وسواء ~~وافقت لغة الشارع أو لم توافقها فان المقصود من الالفاظ دلالتها على مراد ~~الناطقين بها فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الشارع لان معرفة لغته وعرفه ~~وعادته تدل على معرفة مراده وكذلك في PageV31P047 خطاب كل أمة وكل قوم فاذا ~~تخاطبوا بينهم في البيع والاجارة أو الوقف أو الوصية أو النذر أو غير ذلك ~~بكلام رجع إلى معرفة مرادهم والى ما يدل على مرادهم من عادتهم في الخطاب ~~وما يقترن بذلك من الأسباب # وأما أن تجعل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب ~~العمل بها فهذا كفر باتفاق المسلمين إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من ~~البشر بعد رسول الله والشروط إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة وان خالفت كتاب ~~الله كانت باطلة كما ثبت في الصحيحين عن النبى أنه خطب على منبره وقال ( ما ~~بال اقوام ms8880 يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله ~~فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ( # وهذا الكلام حكمه ثابت في البيع والاجارة والوقف وغير ذلك باتفاق الأئمة ~~سواء تناوله لفظ الشارع أولا إذ الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أو كان ~~متناولا لغير الشروط في البيع بطريق الاعتبار عموما معنويا PageV31P048 # وإذا كانت شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وباطل بالإتفاق فإن شرط فعلا محرما ~~ظهر أنه باطل فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإن شرط مباحا لا قربة ~~فيه كان أيضا باطلا لأنه شرط شرطا لا منفعة فيه لا له ولا للموقوف عليه ~~فانه في نفسه لا ينتفع الا بالاعانة على البر والتقوى # وأما بذل المال في مباح فهذا إذا بذله في حياته مثل الابتياع والاستئجار ~~جاز لأنه ينتفع بتناول المباحات في حياته # وأما الواقف والموصي فانهما لا ينتفعان بما يفعل الموصى له والموقوف عليه ~~من المباحات في الدنيا ولا يثابان على بذل المال في ذلك في الآخرة فلو بذل ~~المال في ذلك عبثا وسفها لم يكن فيه حجة على تناول المال فكيف إذا الزم ~~بمباح لاغرض له فيه فلا هو ينتفع به في الدنيا ولا في الآخرة بل يبقى هذا ~~منفقا للمال في الباطل مسخر معذب آكل للمال بالباطل # وإذا كان الشارع قد قال ( لاسبق إلا في خف أو حافر أو نصل ( فلم يجوز ~~بالجعل شيئا لا يستعان به على الجهاد وإن كان مباحا وقد يكون فيه منفعة كما ~~في المصارعة والمسابقة على الاقدام فكيف يبذل العوض المؤبد في عمل لا منفعة ~~فيه لا سيما والوقف محبس مؤبد فكيف يحبس المال PageV31P049 دائما مؤبدا على ~~عمل لا ينتفع به هو ولا ينتفع به العامل فيكون في ذلك ضرر على حبس الورثة ~~وسائر الآدميين بحبس المال عليهم بلا منفعة حصلت لأحد وفى ذلك ضرر على ~~المتناولين باستعمالهم في عمل هم فيه مسخرون يعوقهم عن مصالحهم الدينية ~~والدنيوية فلا فائدة تحصل له ms8881 ولا لهم وقد بسطنا الكلام في هذه القاعدة في ~~غير هذا الموضع # فإذا عرف هذا فقراءة القرآن كل واحد على حدته أفضل من قراءة مجتمعين بصوت ~~واحد فان هذه تسمى ( قراءة الارادة ( وقد كرهها طوائف من أهل العلم كمالك ~~وطائفة من أصحاب الامام أحمد وغيرهم ومن رخص فيها كبعض أصحاب الامام أحمد ~~لم يقل انها أفضل من قراءة الانفراد يقرأ كل منهم جميع القرآن # وأما هذه القراءة فلا يحصل لواحد جميع القرآن بل هذا يتم ما قرأه هذا ~~وهذا يتم ما قرأه هذا ومن كان لا يحفظ القرآن يترك قراءة ما لم يحفظه # وليس في القراءة بعد المغرب فضيلة مستحبة يقدم بها على القراءة في جوف ~~الليل أو بعد الفجر ونحو ذلك من الأوقات فلا قربة في تخصيص مثل ذلك بالوقت # ولو نذر صلاة أو صياما أو قراءة أو اعتكافا في مكان بعينه PageV31P050 ~~فإن كان للتعيين مزية في الشرع كالصلاة والاعتكاف في المساجد الثلاثة لزم ~~الوفاء به وإن لم يكن له مزية كالصلاة والاعتكاف في مساجد الامصار لم يتعين ~~بالنذر الذى أمر الله بالوفاء به وقال النبى ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ~~ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( # فإذا كان النذر الذى يجب الوفاء به لا يجب أن يوفى به إلا ما كان طاعة ~~باتفاق الأئمة فلا يجب أن يوفى منه بمباح كما لا يحب أن يوفى منه بمحرم ~~باتفاق العلماء في الصورتين وإنما تنازعوا في لزوم الكفارة كمذهب مالك وأبى ~~حنيفة والشافعى فكيف بغير النذر من العقود التى ليس في لزومها من الأدلة ~~الشرعية ما في النذر # ) # وأما اشتراط إهداء ثواب التلاوة فهذا ينبنى على اهداء ثواب العبادات ~~البدنية كالصلاة والصيام والقراءة فان العبادات المالية يجوز إهداء ثوابها ~~بلا نزاع وأما البدنية ففيها قولان مشهوران # فمن كان من مذهبه أنه لا يجوز إهداء ثوابها كأكثر أصحاب مالك والشافعى ~~كان هذا الشرط عندهم باطلا كما لو شرط أن يحمل عن الواقف ديونه فانه لا تزر ~~وازرة وزر أخرى ms8882 # ومن كان من مذهبه أنه يجوز إهداء ثواب العبادات البدنية كأحمد ~~PageV31P051 وأصحاب أبى حنيفة وطائفة من أصحاب مالك فهذا يعتبر أمرا آخر ~~وهو أن هذا إنما يكون من العبادات ما قصد بها وجه الله فأما ما يقع مستحقا ~~بعقد إجارة أو جعالة فانه لا يكون قربة فان جاز أخذ الأجر والجعل عليه فانه ~~يجوز الاستئجار على الامامة والأذان وتعليم القرآن نقول ( 1 ) ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن وقف مدرسة بيت المقدس وشرط على أهلها الصلوات ~~الخمس فيها فهل يصح هذا الشرط وهل يجوز للمنزلين الصلوات الخمس في المسجد ~~الأقصى دونها ويتناولون ما قرر لهم أم لا يحل التناول الا بفعل هذا الشرط ### ||||| فأجاب # ليس هذا شرطا صحيحا يقف الاستحقاق عليه كما كان يفتى بذلك في هذه ~~الصورة بعينها الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيره من العلماء لأدلة متعددة ~~وقد بسطناها في غير هذا الموضع مع ما في ذلك من أقوال العلماء # ويجوز للمنزلين أن يصلوا في المسجد الاقصى الصلوات الخمس ولا يصلوها في ~~المدرسة ويستحقون مع ذلك ما قدر لهم وذلك أفضل لهم PageV31P052 من أن يصلوا ~~في المدرسة والامتناع من أداء الغرض في المسجد الاقصى لأجل حل الجارى ورع ~~فاسد يمنع صاحبه الثواب العظيم في الصلاة في المسجد والله أعلم ### |||| ما تقول السادة العلماء # في واقف وقف رباطا على الصوفية وكان هذا الرباط قديما جاريا على قاعدة ~~الصوفية في الربط من الطعام والاجتماع بعد العصر فقط فتولى نظره شخص فاجتهد ~~في تبطيل قاعدته وشرط على من به شروطا ليست في الرباط أصلا ثم إنهم يصلون ~~الصلوات الخمس في هذا الرباط ويقرؤون بعد الصبح قريبا من جزء ونصف وبعد ~~العصر قريبا من ثلاثة أجزاء حتى أن أحدهم إذا غاب عن صلاة أو قراءة كتب ~~عليه غيبة مع أن هذا الرباط لم يعرف له كتاب وقف ولا شرط فهل يجوز إحداث ~~هذه الشروط عليهم أم لا وهل يأثم من أحدثها أم لا وهل يحل للناظر الآن أن ~~يكتب عليهم غيبة أم لا ms8883 وهل يجب ابطال هذه الشروط أم لا وهل يثاب ولى الامر ~~إذا أبطلها أم لا وإذ كانت هذه الشروط قد شرطها الواقف هل يجب الوفاء بها ~~أم لا وما الصور في الذى يستحق ذلك وهل إذا كان في الجماعة من هو مشتغل ~~بالعلوم الشرعية يكون أولى ممن هو مترسم برسم ظاهر لا علم عنده ومن لم يكن ~~متأدبا PageV31P053 بالآداب الشرعية هل يجوز له تناول شيء من ذلك أم لا ~~وإذا كان فيهم من هو مشتغل بالعلم الشريف وله من الدنيا ما لا يقوم ببعض ~~كفايته هل يكون أولى ممن ليس متأدبا بالآداب الشرعية ولاعنده شيء من العلم ~~أفتونا مأجورين وبينوا لنا ذلك بيانا شافيا بالدليل من الكتاب والسنة رضى ~~الله عنكم ### ||||| فأجاب رحمه الله # لا يجوز للناظر إحداث هذه الشروط ولا غيرها فان ~~الناظر إنما هو منفذ لما شرطه الواقف ليس له أن يبتدئ شروطا لم يوجبها ~~الواقف ولا أوجبها الشارع ويأثم من أحدثها فإنه منع المستحقين حقهم حتى ~~يعملوا أعمالا لا تجب ولا يحل أن يكتب على من أخل بذلك غيبة بل يجب أبطال ~~هذه الشروط ويثاب الساعى في ابطالها مبتغيا بذلك وجه الله تعالى # وأما الصوفى الذى يدخل في الوقف على الصوفية فيعتبر له ثلاثة شروط # أحدها أن يكون عدلا في دينه يؤدى الفرائض ويجتنب المحارم # الثانى أن يكون ملازما لغالب الآداب الشرعية في غالب الاوقات وان لم تكن ~~واجبة مثل آداب الأكل والشرب واللباس والنوم PageV31P054 والسفر والركوب ~~والصحبة والعشرة والمعاملة مع الخلق إلى غير ذلك من الآداب الشريفة قولا ~~وفعلا ولا يلتفت إلى ما أحدثه بعض المتصوفة من الآداب التى لا أصل لها في ~~الدين من التزام شكل مخصوص في اللبسة ونحوها مما لا يستحب في الشريعة فان ~~مبنى الآداب على اتباع السنة ولا يلتفت ايضا إلى ما يهدره بعض المتفقهة من ~~الآداب المشروعة يعتقد لقلة علمه أن ذلك ليس من آداب الشريعة لكونه ليس ~~فيما بلغه من العلم أو طالعه من كتبه بل العبرة في الآداب ms8884 بما جاءت به ~~الشريعة قولا وفعلا وتركا كما أن العبرة في الفرائض والمحارم بذلك أيضا # والشرط الثالث في الصوفى قناعته بالكفاف من الرزق بحيث لا يمسك من الدنيا ~~ما يفضل عن حاجته فمن كان جامعا لفضول المال لم يكن من الصوفية الذين يقصد ~~اجراء الارزاق عليهم وان كان قد يفسح لهم في مجرد السكنى في الربط ونحوها ~~فمن حمل هذه الخصال الثلاث كان من الصوفية المقصودين بالربط والوقف عليها ~~وما فوق هؤلاء من أرباب المقامات العلية والأحوال الزكية وذوى الحقائق ~~الدينية والمنح الربانية فيدخلون في العموم لكن لا يختص الوقف بهم لقلة ~~هؤلاء ولعسر تمييز الأحوال الباطنة على غالب الخلق فلا يمكن ربط استحقاق ~~الدنيا بذلك ولأن مثل هؤلاء قد لا ينزل الربط إلا نادرا # وما دون هذه الصفات من المقتصرين على مجرد رسم في لبسة أو مشية ونحو ذلك ~~لا يستحقون الوقف ولا يدخلون في مسمى الصوفية لا سيما PageV31P055 ان كان ~~ذلك محدثا لا أصل له في السنة فان بذل المال على مثل هذه الرسوم فيه نوع من ~~التلاعب بالدين وأكل لأموال الناس بالباطل وصدود عن سبيل الله # ومن كان من الصوفية المذكورين المستحقين فيه قدر زائد مثل اجتهاد في ~~نوافل العبادات أو سعى في تصحيح أحوال القلب أو طلب شيء من الاعيان أو علم ~~الكفاية فهو أولى من غيره ومن لم يكن متأدبا بالآداب الشرعية فلا يستحق ~~شيئا البتة وطالب العلم الذى ليس له تمام الكفاية أولى ممن ليس فيه الآداب ~~الشرعية ولا علم عنده بل مثل هذا لا يستحق شيئا PageV31P056 ### || 1 ( رسالة في شروط الواقف ) 1 ### |||| ! 8 < ما تقول السادة العلماء ! 8 < # في الشروط التى قد جرت العوائد في اشتراط امثالها من الواقفين على ~~الموقوف عليهم مما بعضه له فائدة ظاهرة وفيه مصلحة مطلوبة وبعضها ليس فيها ~~كبير غرض للواقف وقد يكون فيه مشقة على الموقوف عليه فان وفى به شق عليه ~~وإن أهمله خشى الاثم وأن يكون متناولا للحرام وذلك كشرط واقف الرباط أو ~~المدرسة المبيت ms8885 والعزوبة وتأدية الصلوات المفروضات بالرباط وتخصيص القراءة ~~المعينة بالمكان بعينه وان يكونوا من مدينة معينة أو قبيلة معينة أو مذهب ~~معين وما أشبه ذلك من الشروط في الامامة بالمساجد والأذان وسماع الحديث ~~بحلق الحديث بالخوانك فهل هذه الشروط وما أشبهها مما هو مباح في الجملة ~~وللواقف فيه يسير غرض لازمة لا يحل لأحد الاخلال بها ولا بشيء منها أم يلزم ~~البعض منها دون البعض وأى ذلك هو اللازم وأى ذلك الذى لا يلزم وما الضابط ~~فيما يلزم وما لا يلزم ### ||||| فأجاب قدس الله روحه # الحمد لله رب العالمين الأعمال المشروطة في الوقف من ~~الأمور الدينية مثل الوقف على الأئمة والمؤذنين والمشتغلين بالعلم ~~PageV31P057 والقرآن والحديث والفقه ونحو ذلك أو بالعبادة أو بالجهاد في ~~سبيل الله تنقسم ثلاثة أقسام # أحدها عمل يتقرب به إلى الله تعالى وهو الواجبات والمستحبات التى رغب ~~رسول الله فيها وحض على تحصيلها فمثل هذا الشرط يجب الوفاء به ويقف استحقاق ~~الوقف على حصوله في الجملة # والثانى عمل قد نهى رسول الله عنه نهي تحريم أو نهى تنزيه فاشتراط مثل ~~هذا العمل باطل باتفاق العلماء لما قد استفاض عن رسول الله أنه خطب على ~~منبره فقال ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ~~ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ~~( وهذا الحديث وإن خرج بسبب شرط الولاء لغير المعتق فان العبرة بعموم اللفظ ~~لا بخصوص السبب عند عامة العلماء وهو مجمع عليه في هذا الحديث وما كان من ~~الشروط مستلزما وجود ما نهى عنه الشارع فهو بمنزلة ما نهى عنه وما علم ببعض ~~الادلة الشرعية أنه نهى عنه فهو بمنزلة ما علم أنه صرح بالنهى عنه لكن قد ~~يختلف اجتهاد العلماء في بعض الاعمال هل هو من باب المنهى عنه فيختلف ~~اجتهادهم في ذلك الشرط بناء على هذا وهذا أمر لابد منه في الأمة ~~PageV31P058 # ومن هذا الباب ان يكون المشترط ليس محرما في نفسه ms8886 لكنه مناف لحصول ~~المقصود المأمور به فمثال هذه الشروط ان يشترط على أهل الرباط ملازمته هذا ~~مكروه في الشريعة كما قد احدثه الناس أو ان يشترط على الفقهاء اعتقاد بعض ~~البدع المخالفة للكتاب والسنة أو بعض الأقوال المحرمة أو يشترط على الامام ~~والمؤذن ترك بعض سنن الصلاة والأذان أو فعل بعض بدعها مثل ان يشترط على ~~الامام ان يقرأ في الفجر بقصار المفصل وان يصل الأذان بذكر غير مشروع أو ان ~~يقيم صلاة العيد في المدرسة والمسجد مع إقامة المسلمين لها على سنة نبيهم # ومن هذا الباب لو اشترط عليهم ان يصلوا وحدانا ومما يلتحق بهذا القسم ان ~~يكون الشرط مستلزما للحض على ترك ما ندب إليه الشارع مثل ان يشترط على أهل ~~رباط أو مدرسة إلى جانب المسجد الاعظم ان يصلوا فيها فرضهم فان هذا دعاء ~~إلى ترك أداء الفرض على الوجه الذى هو احب إلى الله ورسوله فلا يلتفت إلى ~~مثل هذا بل الصلاة في المسجد الأعظم هو الأفضل بل الواجب هدم مساجد الضرار ~~مما ليس هذا موضع تفصيله # ومن هذا الباب اشتراط الايقاد على القبور وإيقاد شمع أو دهن ونحو ذلك فان ~~النبى قال ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين PageV31P059 عليها المساجد ~~والسرج ) وبناء المسجد وإسراج المصابيح على القبور مما لم أعلم خلافا أنه ~~معصية لله ورسوله وتفاصيل هذه الشروط تطول جدا وإنما نذكر هنا جماع الشروط # القسم الثالث عمل ليس بمكروه في الشرع ولا مستحب بل هو مباح مستوى ~~الطرفين فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به والجمهور من العلماء من أهل ~~المذاهب المشهورة وغيرهم على أنه شرط باطل ولا يصح عندهم ان يشترط إلا ما ~~كان قربة إلى الله تعالى وذلك ان الانسان ليس له ان يبذل ماله إلا لما فيه ~~منفعة في الدين أو الدنيا فما دام الرجل حيا فله ان يبذل ماله في تحصيل ~~الاعراض المباحة لانه ينتفع بذلك فأما الميت فما بقى بعد الموت ينتفع من ~~أعمال الأحياء إلا بعمل صالح قد أمر ms8887 به أو أعان عليه أو قد أهدى إليه ونحو ~~ذلك فأما الأعمال التى ليست طاعة لله ورسوله فلا ينتفع بها الميت بحال # فإذا اشترط الموصى أو الواقف عملا أو صفة لا ثواب فيها كان السعى فيها ~~بتحصيلها سعيا فيما لا ينتفع به في دنياه وآخرته ومثل هذا لا يجوز وهو إنما ~~مقصوده بالوقف التقرب إلى الله تعالى والشارع أعلم من الواقفين بما يتقرب ~~به إلى الله تعالى فالواجب أن يعمل في شروطهم بما شرطه الله ورضيه في ~~شروطهم PageV31P060 # وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال ( لا سبق إلا في نصل أو خف أو ~~حافر ( وعمل بهذا الحديث فقهاء الحديث ومتابعوهم فنهى عن بذل المال في ~~المسابقة إلا في مسابقة يستعان بها على الجهاد الذى هو طاعة لله تعالى فكيف ~~يجوز أن يبذل الجعل المؤبد لمن يعمل دائما عملا ليس طاعة لله تعالى # وهذه القاعدة معروفة عند العلماء لكن قد تختلف آراء الناس وأهواؤهم في ~~بعض ذلك ولا يمكن هنا تفصيل هذه الجملة ولكن من له هداية من الله تعالى لا ~~يكاد يخفى عليه المقصود في غالب الأمر وتسمى العلماء مثل هذه الأصول ( ~~تحقيق المناط ( وذلك كما أنهم جميعهم يشترطون العدالة في الشهادة ويوجبون ~~النفقة بالمعروف ونحو ذلك ثم قد يختلف اجتهادهم في بعض الشروط هل هو شرط في ~~العدالة ويختلفون في صفة الانفاق بالمعروف ونحن نذكر ما ينبه عن مثاله # ) # أما إذا اشترط على أهل الرباط أو المدرسة أن يصلوا فيها الخمس الصلوات ~~المفروضات فان كانت فيما فيه مقصود شرعى كما لو نذر أن يصلي في مكان بعينه ~~فان كان في تعيين ذلك المكان قربة وجب الوفاء به بأن يصلي فيه إذا لم يصل ~~صلاة تكون مثل تلك أو أفضل وإلا PageV31P061 وجب الوفاء بالصلاة دون ~~التعيين والمكان والغالب أنه ليس في التعيين مقصود شرعى # فإذا كان قد شرط عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس هناك في جماعة اعتبرت ~~الجماعة فانها مقصود شرعى بحيث من لم يصل في جماعة لم ms8888 يف بالشرط الصحيح ~~وأما التعيين فعلى ما تقدم # وأما اشتراط التعزب والرهبانية فالأشبه بالكتاب والسنة أنه لا يصح ~~اشتراطه بحال لا على أهل العلم ولا على أهل العبادة ولا على أهل الجهاد فان ~~غالب الخلق يكون لهم شهوات والنكاح في حقهم مع القدرة إما واجب أو مستحب ~~فاشتراط التعزب في حق هؤلاء إن كان فهو مناقضة للشرع # وإن قيل المقصود بالتعزب الذى لا يستحب له النكاح عند بعض أهل العلم خرج ~~عامة الشباب عن هذا الشرط وهم الذين ترجى المنفعة بتعليمهم في الغالب فيكون ~~كأنه قال وقفت على المتعلمين الذين لا ترجى منفعتهم في الغالب وقد كان ~~النبى إذا أتاه مال قسم للآهل قسمين وللعزب قسما فكيف يكون الآهل محروما ~~وقد قال لأصحابه المتعلمين المتعبدين ( يا معشر الشباب من استطاع منكم ~~الباءة فليتزوج فانه أغض للبصر وأحصن للفرج PageV31P062 # فكيف يقال للمتعلمين والمتعبدين لا تتزوجوا والشارع ندب إلى ذلك العمل ~~وحض عليه وقد قال ( لا رهبانية في الاسلام ( فكيف يصح اشتراط رهبانية # وما يتوهم من أن التعزب أعون على كيد الشيطان والتعلم والتعبد غلط مخالف ~~للشرع وللواقع بل عدم التعزب أعون على كيد الشيطان والاعانة للمتعبدين ~~والمتعلمين أحب إلى الله ورسوله من إعانة المترهبين منهم وليس هذا موضع ~~استقصاء ذلك # وكذلك اشتراط أهل بلد أو قبيلة من الأئمة والمؤذنين مما لا يصح فإن النبى ~~قال ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم ~~بالسنة فان كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء ~~فأقدمهم سنا ( رواه مسلم والمساجد لله تبنى لله على الوجه الذى شرعه الله ~~فاذا قيد إمام # المسجد ببلد فقد يوجد في غير أهل ذلك البلد من هو أولى منه بالامامة في ~~شرط الله ورسوله فان وفينا بشرط الواقف في هذه الحال لزم ترك ما أمر الله ~~به ورسوله وشرط الله أحق وأوثق PageV31P063 وأما بقية الشروط المسئول عنها ~~فيحتاج كل شرط منها إلى كلام خاص فيه لا تتسع له هذه الورقة وقد ذكرنا ms8889 ~~الأصل فعلى المؤمن بالله أن ينظر دائما في كل ما يحبه الله ورسوله من الخلق ~~فيسعى في تحصيله بالوقف وغيره وما يكرهه الله ورسوله يسعى في إعدامه وما لا ~~يكرهه الله ولايحبه يعرض عنه ولا يعلق به استحقاق وقف ولا عدمه ولا غيره ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن زاوية فيها عشرة فقراء مقيمون وبتلك الزاوية مطلع به امرأة عزباء وهى ~~من أوسط النساء ولم يكن شرط الواقف لها مسكنها في تلك الزاوية ولم تكن من ~~أقارب الواقف ولم يكن ساكن في المطلع سوى المرأة المذكورة وباب المطلع ~~المذكور يغلق عليه باب الزاوية فهل يجوز لها السكنى بين هؤلاء الفقراء ~~المقيمين أم لا أفتونا ### ||||| فأجاب # إن كان شرط الواقف لا يسكنه إلا الرجال سواء كانوا عزبا أو متأهلين ~~منعت لمقتضى الشرط وكذلك سكنى المرأة بين الرجال والرجال بين النساء يمنع ~~منه لحق الله والله أعلم PageV31P064 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن ناظر وقف له عليه ولاية شرعية وبالوقف ( شخص ) يتصرف بغير ولاية ~~الناظر يتصرف بولاية أحد الحكام لأن له النظر العام وأن الناظر عزل هذا ~~المباشر فباشر بعد عزله وسأل الناظر الحاكم أن يدفع هذا عن المباشرة فادعى ~~الحاكم على الناظر دعوى فأنكرها فهل له أن يولى بدون أمر الناظر الشرعى وهل ~~له أن يكون هو الحاكم بينه وبين هذا الناظر الذى هو خصمه دون سائر الحكام ~~وإذا اعتدى على الناظر فماذا يستحق على عدوانه عليه ### ||||| فأجاب # ليس للحاكم أن يولي ولا يتصرف في الوقف بدون أمر الناظر الشرعى ~~الخاص إلا أن يكون الناظر الشرعى قد تعدى فيما يفعله وللحاكم أن يعترض عليه ~~إذا خرج عما يجب عليه # وإذا كان بين الناظر والحاكم منازعة حكم بينهما غيرهما بحكم الله ورسوله ~~ومن اعتدى على غيره فانه يقابل على عدوانه أما أن يعاقب بمثل ذلك أن أمكنت ~~المماثلة وإلا عوقب بحسب ما يمكن شرعا ms8890 والله أعلم PageV31P065 # ) ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن ناظرين هل لهما أن يقتسما المنظور عليه بحيث ينظر ~~كل منهما في نصفه فقط ### ||||| فأجاب # لا يتصرفان إلا جميعا في جميع المنظور فيه فإن أحدهما لو انفرد ~~بالتصرف لم يجز فكيف إذا وزع المفرد فان الشرع شرع جمع المتفرق بالقسمة ~~والشفعة فكيف يفرق المجتمع # ) ### |||| ( وسئل ( # عمن وقف وقفا وشرط للناظر جراية وجامكية كما شرط للمعين والفقهاء فهل ~~يقدم الناظر بمعلومه أم لا ### ||||| فأجاب # ليس في اللفظ المذكور ما يقتضى تقدمه بشيء من معلومه بل هو مذكور ~~بالواو التى مقتضاها الاشتراك والجمع المطلق فان كان ثم دليل منفصل يقتضى ~~جواز الاختصاص والتقدم غير الشرط المذكور PageV31P066 مثل كونه حائزا أجرة ~~عمله مع فقره كوصى اليتيم عمل بذلك الدليل المنفصل الشرعى وإلا فشرط الواقف ~~لا يقتضى التقديم ولا فرق بين الجامكية والجراية فهو بمنزلة العمارة من مال ~~الوقف لا من عمالة الناظر والله أعلم ### |||| ( وسئل رضى الله عنه ( # عمن وقف وقفا على جماعة معينين وفيهم من قرر الواقف لوظيفته شيئا معلوما ~~وجعل للناظر على هذا الوقف صرف من شاء منهم يخرج بغير خراج وإخراج من شاء ~~منهم والتعوض عنه وزيادة من أراد زيادته ونقصانه على ما يراه ويختاره ويرى ~~المصلحة فيه فعزل أحد المعينين واستبدل به غيره من هو أهل للقيام بها ببعض ~~ذلك المعلوم المقدر للوظيفة ووفى باقى ذلك لمصلحة الوقف فهل للناظر فعل ذلك ~~أم لا واذا عزل أحد المعينين للمصلحة واستمر على تناول المعلوم بعد علمه ~~بالعزل يفسق بذلك ويجب عليه إعادة ما أخذه أم لا وهل يلزم الناظر بيان ~~المصلحة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين الناظر ليس له أن يفعل شيئا في أمر الوقف ~~إلا بمقتضى المصلحة الشرعية وعليه أن يفعل الأصلح فالأصلح وإذا جعل الواقف ~~للناظر صرف من شاء وزيادة من أراد زيادته ونقصانه PageV31P067 فليس للذى ~~يستحقه بهذا الشرط أن يفعل ما يشتهيه أو ما يكون فيه اتباع الظن وما تهوى ~~الانفس بل الذى يستحقه بهذا الشرط أن يفعل من ms8891 الأمور الذى هو خير ما يكون ~~إرضاء لله ورسوله وهذا في كل من تصرف لغيره بحكم الولاية كالامام والحاكم ~~والواقف وناظر الوقف وغيرهم إذا قيل هو مخير بين كذا وكذا أو يفعل ما شاء ~~وما رأى فانما ذاك تخيير مصلحة لا تخيير شهوة # والمقصود بذلك أنه لا يتعين عليه فعل معين بل له أن يعدل عنه إلى ما هو ~~أصلح وارضى لله ورسوله وقد قال الواقف على ما يراه ويختاره ويرى المصلحة ~~فيه وموجب هذا كله أن يتصرف برأيه واختياره الشرعى الذى يتبع فيه المصلحة ~~الشرعية وقد يرى هو مصلحة والله ورسوله يأمر بخلاف ذلك ولا يكون هذا مصلحة ~~كما يراه مصلحة وقد يختار ما يهواه لا ما فيه رضى الله فلا يلتفت إلى ~~اختياره حتى لو صرح الواقف بأن للناظر أن يفعل ما يهواه وما يراه مطلقا لم ~~يكن هذا الشرط صحيحا بل كان باطلا لأنه شرط مخالف لكتاب الله ( ومن اشترط ~~شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله ~~أوثق ( # وإذا كان كذلك وكان عزل الناظر واستبداله موافقا لأمر الله ورسوله لم يكن ~~للمعزول ولا غيره رد ذلك ولا يتناول شيئا من الوقف PageV31P068 والحال هذه ~~وإن لم يكن موافقا لأمر الله ورسوله كان مردودا بحسب الامكان فان النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ( وقال ( لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق ( # ) # وإن تنازعوا هل الذى فعله هو المأمور به أم لا رد ما تنازعوا فيه إلى ~~الله ورسوله فان كان الذى فعل الناظر أرضى لله ورسوله نفذ وإن كان الأول هو ~~الأرضى ألزم الناظر بإقراره وان كان هناك أمر ثالث هو الأرضى لزم اتباعه ~~وعلى الناظر بيان المصلحة فإن ظهرت وجب اتباعها وإن ظهر أنها مفسدة ردت وإن ~~اشتبه الأمر وكان الناظر عالما عادلا سوغ له اجتهاده والله أعلم # ) ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له مزرعة وبها شجر وقف للفقراء تباع كل سنة ms8892 وتصرف في مصارفها ثم ~~إن الناظر أجر الوقف لمن يضر بالوقف وكان هناك حوض للسبيل ومطهرة للمسلمين ~~فهدمها هذا المستأجر وهدم الحيطان فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجوز إكراء الوقف لمن يضر به باتفاق المسلمين بل ولا يجوز إكراء ~~الشجر بحال وإن سوقى عليها بجزء حيلة لم يجز بالوقف PageV31P069 باتفاق ~~العلماء ولا يجوز ازالة ما كان ينتفع به المسلمون للشرب والطهارة بل يعزر ~~هذا المستأجر الظالم الذى فعل ذلك ويلزم بضمان ما أتلفه من البناء وأما ~~القيمة والشجر فيستغل كما جرت عادتها وتصرف الغلة في مصارفها الشرعية ### |||| ( وسئل ( # عن مساجد وجوامع لهم أوقاف وفيها قوام وأئمة ومؤذنون فهل لقاضى المكان أن ~~يصرف منه إلى نفسه ### ||||| فأجاب # بل الواجب صرف هذه الأموال في مصارفها الشرعية فيصرف من الجوامع ~~والمساجد إلى الأئمة والمؤذنين والقوام ما يستحقه أمثالهم وكذلك يصرف في ~~فرش المساجد وتنويرها كفايتها بالمعروف وما فضل عن ذلك إما أن يصرف في ~~مصالح مساجد أخر ويصرف في المصالح كأرزاق القضاة في أحد قولي العلماء وأما ~~صرفها للقضاة ومنع مصالح المساجد فلا يجوز والله أعلم PageV31P070 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل بنى مدرسة وأوقف عليها وقفا على فقهاء وأرباب وظائف ثم أن السلطنة ~~أخذت أكثر الوقف وأن الواقف اشترط المحاصصة بينهم فهل يجوز للناظر أن يعطى ~~أصحاب الوظائف بالكامل وما بقى للفقهاء ### ||||| فأجاب # الحمد لله ان كان الذى يحصل بالمحاصصة لأرباب الأعمال التى يستأجر ~~عليها كالبواب والقيم والسواق ونحوهم أجرة مثلهم يعطوه زيادة على ذلك وان ~~كان ما يحصل دون أجرة المثل وامكن من يعمل بذلك لم يحتج إلى الزيادة وان ~~كان الحاصل لهم أقل من أجرة المثل ولا يحصل من يعمل بأقل من أجرة المثل فلا ~~بد من تكميل المثل لهم إذا لم تقم مصلحة المكان إلا بهم وان أمكن أن يجعل ~~شخص واحد قيما وبوابا أو قيما ومؤذنا أو يجمع له بين تلك الوظائف ويقوم بها ~~فانه يفعل ذلك ولا يكثر العدد الذى لا يحتاج إليه مع كون الوقف ms8893 قد عاد إلى ~~ريعه بل إذا أمكن سد أربع وظائف بواحد فعل ذلك والله أعلم PageV31P071 ( ### |||| وسئل ( # عن دار حديث شرط واقفها في كتاب وقفها ما صورته بحروفه قال والنظر ~~في أمر أهل الدار على اختلاف أصنافهم إثباتا وصرفا وإعطاء ومنعا وزيادة ~~ونقصا ونحو ذلك إلى شيخ المكان وكذلك النظر إليه في خزانة كتبها وسائر ما ~~يشبه ذلك أو يلحق به وله إذا كان عنده الوقف في أمر من الأمور أن يفوض ذلك ~~إلى من يتولاه ثم قال والنظر في أمر الأوقاف وأمورها المالية إلى الواقف ~~ضاعف الله ثوابه يفوض ذلك إلى من يشاء ومتى فوض ذلك إليه تلقاه بحكم الشرط ~~المقارن لانشاء الوقف وينتقل بعد ذلك إلى حاكم المسلمين بدمشق وله أن يصرف ~~إلى من سوى ذلك من عامل وغيره من مغل الوقف على حسب ما تقتضيه الحال فهل ~~إذا لم يكن في شرط النظر في كتاب الوقف شيء آخر يكون النظر المشروط للحاكم ~~مختصا بحاكم مذهب معين بمقتضى لفظ الشرط المذكور أم لا يختص بحاكم معين بل ~~يكون النظر المذكور لمن كان حاكما بدمشق على أى مذهب كان من المذاهب ~~الأربعة وإذا لم يكن PageV31P072 مختصا وفوض بعض الحكام قضاة القضاة أعزهم ~~الله بدمشق المحروسة لأهل كان النظر المذكور بمقتضى ما رآه من عدم الاختصاص ~~يجوز لحاكم آخر منعه من ذلك أو بعض ما فعله بغير قادح ### ||||| فأجاب # ليس في اللفظ المذكور في شرط الواقف ما يقتضى اختصاصه بمذهب معين ~~على الاطلاق فان ذلك يقتضى أنه لو لم يكن في البلد إلا حاكم على غير المذهب ~~الذى كان عليه حاكم البلد ومن الواقف أن لا يكون له النظر وهذا باطل باتفاق ~~المسلمين # ) # فما زال المسلمون يقفون الاوقاف ويشرطون أن يكون النظر للحاكم أو لا ~~يشترطون ذلك في كتاب الوقف فان ذلك يقتضى بطلان الشرع في الوقوف العامة ~~التى لم يعين ولى الأمر لها ناظرا خاصا وفى الوقوف الخاصة نزاع معروف # ثم قد يكون الحاكم وقت الوقف له مذهب وبعد ذلك ms8894 يكون للحاكم مذهب آخر كما ~~يكون في العراق وغيرها من بلاد الاسلام فانهم كانوا يولون قضاة القضاة تارة ~~لحنفى وتارة لمالكي وتارة لشافعى وتارة لحنبلى وهذا القاضي يولى في الاطراف ~~من يوافقه على مذهبه تارة ومن يخالفه أخرى ولو شرط الامام على الحاكم أو ~~شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين بطل الشرط وفى فساد العقد وجهان ~~PageV31P073 # ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاة أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا ~~الشرط ( فعلوا ) فأما إذا قدر أن في الخروج عن ذلك من الفساد جهلا وظلما ~~أعظم مما في التقدير كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ~~ولكن هذا لا يسوغ لواقف أن لا يجعل النظر في الوقف إلا لذى مذهب معين دائما ~~مع إمكان الا أن يتولى في ذلك المذهب فكيف إذا لم يشرط ذلك # ولهذا كان في بعض بلاد الاسلام يشرط على الحاكم أن لا يحكم الا بمذهب ~~معين كما صار أيضا في بعضها بولاية قضاة مستقلين ثم عموم النظر في عموم ~~العمل # ) # وإن كان في كل من هذا نزاع معروف وفيمن يعين إذا تنازع الخصمان هل يعين ~~الأقرب أو بالقرعة فيه نزاع معروف وهذه الأمور التى فيها اجتهاد إذا فعلها ~~ولى الأمر نفذت # وإذا كان كذلك فالحاكم على أى مذهب كان إذا كانت ولايته تتناول النظر في ~~هذا الوقف كان تفويضه سائبا ولم يجز لحاكم آخر نقض مثل هذا لا سيما إذا كان ~~في التفويض إليه من المصلحة في المال ومستحقه ما ليس في غيره # ولو قدر أن حاكمين ولى أحدهما شخصا وولى آخر شخصا كان الواجب على ولى ~~الأمر أن يقدم أحقهما بالولاية فان من عرفت قوته وأمانته يقدم على من ليس ~~كذلك باتفاق المسلمين PageV31P074 ### |||| ( وسئل ( # عن الناظر متى يستحق معلومه من حين فوض إليه أو من حين مكنه السلطان أو ~~من حين المباشرة ### ||||| فأجاب # الحمد لله المال المشروط للناظر مستحق على العمل المشروط عليه فمن ~~عمل ما عليه يستحق ماله والله أعلم ### |||| وسئل ms8895 ( # عمن استأجر أرض وقف من الناظر على الوقف النظر الشرعى ثلاثين سنة ~~بأجرة المثل وأثبت الاجارة عند حاكم من الحكام وأنشأ عمارة وغرس في المكان ~~مدة أربع سنين ثم سافر والمكان في إجارته وغاب احدى عشرة سنة فلما حضر وجد ~~بعض الناس قد وضع يده على الأرض وأدعى أنه استأجرها وذلك بطريق شرعى فهل له ~~نزع هذا الثانى وطلبه بتفاوت الأجرة PageV31P075 ### ||||| فأجاب # إن كان الثانى قد استأجر المكان من غير من له ولاية الايجار ~~واستأجره مع بقاء إجارة صحيحة عليه فالاجارة باطلة ويده يد عادية مستحقة ~~للرفع والازالة وإذا كان الثانى استأجرها وتسلمها وهى في إجارة الأول ~~فالأول مخير بين أن يفسخ الاجارة وتسقط عنه الاجارة من حين الفسخ ويطالب ~~أهل المكان بالاجارة لهذا الثانى المتولى عليه يطلبون منه أجرة المثل إن ~~كانت الاجارة فاسدة وإن كانت صحيحة طالبوه بالفسخ وبين إمضاء الاجارة ويعطى ~~أهل المكان أجرتهم ويطالب الغاصب بأجرة المثل من حين استيلائه على ما ~~استأجره # ) ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن قوم وقف عليهم حصة من حوانيت وبعضها وقف على جهة أخرى وتلك ملكا ~~لغيرهم وشرط الواقف المذكور النظر في ذلك للأسن فاذا استووا في ذلك فهم ~~شركاء في النظر فتداعى الوقف المذكور إلى الخراب فأجروه لمالكى باقى الحصة ~~مدة ثلاثين سنة بأجرة حالة وأجرة مؤجلة وعينوا شهود الاجارة جميع ما في ~~الحوانيت المذكورة من خشب وقصب وجريد وجدر وطولها وعرضها وغير ذلك وذكر ~~شهود الاجارة فيها اعترف فلان وفلان الآخران المذكوران بقبض الأجرة الحالة ~~بتمامها ومن في درجتها ومات المستأجر وانتقل PageV31P076 ما كان ملكا له من ~~ذلك لغيره وانقضت مدة الاجارة وانتقل الوقف المذكور إلى البطن الثانى فهل ~~للبطن الثانى أن يتسلموا الحوانيت المذكورة على ما هي عليه الآن وقد أعترف ~~الآخران بقبض ا لأجرة الحالة ليصرفاها في عمارة الوقف وإعادته إلى ما كان ~~عليه أو يلزمهم إقامة البينة على أن الآخران المذكوران لما قبضا الأجرة ~~صرفاها في العمارة أو المستأجرين أو من انتقل إليهم ما كان ملكا للمستأجر ms8896 ~~المنع من تسليم الحصة المذكورة من الحوانيت إلا على صورتها الأولى والحالة # هذه ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل ما كان في العرصة المشتركة من البناء بيد أهل ~~العرصة ثابتة عليه بحكم الاشتراك أيضا حتى يقيم أحدهم حجة شرعية باختصاصه ~~بالبناء ولا يقبل مجرد دعوى أحد الشركاء في العرصة الاختصاص بالبناء سواء ~~كانت العرصة المشتركة بين وقف وطلق أو بين طلقين أو وقفين ويد المستأجر ~~إنما هي على المنفعة وليس بمجرد الاجارة تثبت دعوى استحقاق البناء إلا أن ~~يقيم بذلك حجة والله أعلم PageV31P077 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل أقر قبل موته بعشرة أيام أن جميع الحانوت والأعيان التى بها وقف ~~على وجوه البر والقربات وتصرف الأجرة والثواب من مدة تتقدم على اقراره هذا ~~بعشرين سنة ففعل بمقتضى شرط اقراره وعين الناظر الامام بعد موته ثم عين ~~ناظرا آخر من غير عزل الامام الناظر الأول فصرف أحد الناظرين على ثبوت ~~الوقف ما جرت العادة بصرفه على ثبوت مثله من ريع الوقف من غير أن يصرف إلى ~~مستحقى الريع شيئا فهل تجب الأجرة من الريع أم من تركة الميت المقر بالوقف ~~المذكور وإذا تعذر إيجار العين الموقوفة بسبب اشتغالها بمال الورثة فهل تجب ~~الأجرة على الورثة تلك المدة وهل تفوت الأجرة السابقة في ذمة الميت بمقتضى ~~إقراره بالمدة الأولى ويرجع بها في تركته وهل إذا عين ناظرا ثم عين ناظرا ~~آخر يكون عزلا للأول من غير أن يتلفظ بعزله أم يشتركان في النظر وهل إذا ~~علم الشهود ثبوت المال في تركة الميت يحل كتمه أم لا ### ||||| فأجاب # ليست أجرة اثبات الوقف والسعى في مصالحه من تركة PageV31P078 الميت ~~فان ما زاد على المقر به كله مستحق للورثة وإنما عليهم رفع أيديهم عن ذلك ~~وتمكين الناظر منه وليس عليه السعى ولا أجرة ذلك وأما العين المقر بها إذا ~~انتفع بها الورثة أو وضعوا أيديهم عليها بحيث يمنع الانتفاع المستحق بها ~~فعليهم أجرة المنفعة في مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما ممن يقول بأن منافع ~~الغصب مضمونة والنزاع في ms8897 المسألة مشهور واقرار الميت بانها وقف من المدة ~~المتقدمة ليس بصريح في أنه كان مستوليا عليها بطريق الغصب والضمان لا يجب ~~بالاحتمال # وأما تعيين ناظر بعد آخر فيرجع في ذلك إلى عرف مثل هذا الوقف وعادة ~~أمثاله فان كان هذا في العادة رجوعا كان رجوعا وكذلك إن كان في لفظه ما ~~يقتضى انفراد الثانى بالتصرف وإلا فقد عرفت المسألة # وهى ما إذا وصى بالعين لشخص ثم وصى بها لآخر هل يكون رجوعا أم لا وما ~~علمه الشهود من حق مستحق يصل الحق إلى مستحقه بشهادتهم لم يكتموها وأن كان ~~يوجد من لا يستحقه ولا يصل إلى من يستحقه فليس عليهم أن يعينوا واحدا منهما ~~وان كان أخذه بتأويل واجتهاد لم يكن عليهم أيضا نزعه من يده بل يعان ~~المتأول المجتهد على من لا تأويل له ولا اجتهاد PageV31P079 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن صورة كتاب وقف نصه هذا ما وقفه عامر بن يوسف بن ~~عامر على أولاده علي وطريفة وزبيدة بينهم على الفريضة الشرعية ثم على ~~أولادهم من بعدهم ثم على أولاد أولادهم ثم على أولاد أولاد أولادهم ثم على ~~نسلهم وعقبهم من بعدهم وإن سفلوا كل ذلك على الفريضة الشرعية على أنه من ~~توفى من أولادهم المذكورين وأولاد أولادهم ونسلهم وعقبهم من بعدهم عن ولد ~~أو ولد ولد ونسل أو عقب وان سفل كان ما كان موقوفا عليه راجعا إلى ولده ~~وولد ولده ونسله وعقبه من بعده وان سفل كل ذلك على الفريضة الشرعية ومن ~~توفى منهم عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب وان بعد كان ما كان ~~موقوفا عليه راجعا إلى من هو في طبقته وأهل درجته من أهل الوقف على الفريضة ~~الشرعية ثم على جهات ذكرها في كتاب الوقف والمسئول من السادة العلماء أن ~~يتأملوا شرط الواقف المذكور ثم توفى عن بنتين فتناولتا ما انتقل اليهما عنه ~~ثم توفيت احداهما عن بن وابنة بن PageV31P080 فهل يشتركان في نصيبها أم ~~يختص به الابن دون ابنه الابن ms8898 ثم أن الابن المذكور توفى عن بن هل يختص بما ~~كان جاريا على أبيه دون ابنة الابن وهل يقتضى شرط الواقف المذكور ترتيب ~~الجملة على الجملة أو الأفراد على الأفراد ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها قولان عند الاطلاق معروفان للفقهاء في مذهب ~~الامام أحمد وغيره ولكن الاقوى انها لترتيب الأفراد على الأفراد وأن ولد ~~الولد يقوم مقام أبيه لو كان الابن موجودا مستحقا قد عاش بعد موت الجد ~~واستحق أو عاش ولم يستحق لمانع فيه أو لعدم قبوله للوقف أو لغير ذلك أولم ~~يعش بل مات في حياة الجد ويكون على هذا التقدير مقابله الجمع بالجمع وهى ~~تقتضى توزيع الأفراد على الأفراد كما في قوله @QB@ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ~~@QE@ أي لكل واحد نصف ما تركت زوجته وقوله @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ أي ~~حرم على كل واحد أمه ونحو ذلك كذلك قوله على أولادهم ثم على أولاد أولادهم ~~أى على كل واحد بعد موت أبيه وأما في هذة فقد صرح الواقف بانه من مات عن ~~ولد انتقل نصيبه إلى ولده وهذا صريح في أنه لترتيب الأفراد على الأفراد فلم ~~يبق في هذه المسألة نزاع # وإنما الشبهة في أن الولد إذا مات في حياة أبيه وله ولد ثم مات الاب عن ~~ولد آخر وعن ولد الولد الأول هل يشتركان أو ينفرد به الاول PageV31P081 ~~الأظهر في هذه المسألة أنهما يشتركان لانه اذا كان المراد ان كل ولد مستحق ~~بعد موت أبيه سواء كان عمه حيا أو ميتا فمثل هذا الكلام اذا يشترط فيه عدم ~~استحقاق الاب كما قال الفقهاء في ترتيب العصبه أنهم الابن ثم إبنه ثم الاب ~~ثم أبوه ثم العم ثم بنو العم ونحو ذلك فإنه لا يشترط في الطبقه الثانيه الا ~~عدم استحقاق الاولى فمتى كانت الثانيه موجودة والاولى لا استحقاق لها ~~استحقت الثانية سواء كانت الأولى استحقت أو لم تستحق ولا يشترط لا ستحقاق ~~الثانية استحقاق الأولى وذلك لأن الطبقه الثانية تتلقى الوقف من الواقف لا ~~من الثانية فليس هو ms8899 كالميراث الذى يرثه الابن ثم ينتقل إلى ابنه وانما هو ~~كالولاء الذى يورث به فاذا كان بن المعتق قد مات في حياة المعتق ورث الولاء ~~بن ابنه # وإنما يغلط من يغلط في مثل هذه المسألة حين يظن ان الطبقة الثانية تتلقى ~~من التى قبلها فان لم تستحق الأولى شيئا لم تستحق الثانية ثم يظنون ان ~~الوالد إذا مات قبل الاستحقاق لم يستحق ابنه وليس كذلك بل هم يتلقون من ~~الواقف حتى لو كانت الاولى محجوبة بمانع من الموانع مثل ان يشترط الواقف في ~~المستحقين ان يكونوا فقراء أو علماء أو عدولا أوغير ذلك ويكون الاب مخالفا ~~للشرط المذكور وابنه متصفا به فانه يستحق الابن وان لم يستحق أبوه كذلك إذا ~~مات PageV31P082 الاب قبل الاستحقاق فإنه يستحق ابنه وهكذا جميع الترتيب في ~~الحضانة وولاية النكاح والمال وترتيب عصبة النسب والولاء في الميراث وسائر ~~ما جعل المستحقون فيه طبقات ودرجات فان الأمر فيه على ما ذكر # وهذا المعنى هو الذى يقصده الواقفون إذا سئلوا عن مرادهم ومن صرح منهم ~~بمراده فإنه يصرح بأن ولد الولد ينتقل إليه ما ينتقل إلى ولده لو كان حيا ~~لا سيما والناس يرحمون من مات والده ولم يرث حتى أن الجد قد يوصى لولد ولده ~~ومعلوم أن نسبة هذا الولد ونسبة ولد ذلك الولد إلى الجد سواء فكيف يحرم ولد ~~ولده اليتيم ويعطى ولد ولده الذى ليس بيتيم فان هذا لا يقصده عاقل ومتى لم ~~نقل بالتشريك بقى الوقف في هذا الولد وولده دون ذرية الولد الذى مات في ~~حياة أبيه والله أعلم PageV31P083 ### |||| ( وسئل ( # عن امرأة أوقفت وقفا على تربتها ~~بعد موتها وأرصدت للمقرئين شيئا معلوما وما يفضل عن ذلك للفقراء أو وجوه ~~البر وان لها قرابه خالها قد افتقر واحتاج وانقطع عن الخدم وان الناظر لم ~~يصرف له ما يقوم بأوده فهل يجب الزام الناظر بما يقوم بأود القرابة ودفع ~~حاجته دون غيره ### ||||| فأجاب # إذا كان للموقفة قرابة محتاج كالخال ونحوه فهو أحق من الفقير ~~المساوى ms8900 له في الحاجة وينبغى تقديمه وإذا اتسع الوقف لسد حاجته سدت حاجته ~~منه ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن أوقاف ببلد على أماكن مختلفة من مدارس ومساجد ~~وخوانك وجوامع ومارستانات وربط وصدقات وفكاك أسرى من أيدى الكفار وبعضها له ~~ناظر خاص وبعضها له ناظر من جهة PageV31P084 ولي الأمر وقد أقام ولى الأمر ~~على كل صنف من هذه الأصناف ديوانا يحفظون أوقافه ويصرفون ريعه في مصارفه ~~ورأى الناظر أن يفرز لهذه المعاملات مستوفيا يستوفى حساب هذه المعاملات ~~يعنى الأوقاف كلها وينظر في تصرفات النظار والمباشرين ويحقق عليهم ما يجب ~~تحقيقه من الأموال المصروفة والباقى وضبط ذلك عنده ليحفظ أموال الأوقاف عند ~~اختلاف الأيدى وتغيير المباشرين ويظهر بمباشرته محافظة بعض العمال على ~~فائدة فهل لولى الأمر أن يفعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة أم لا وإذا صار الآن ~~يفعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة وقرر المذكور وقرر له معلوما يسير على كل من ~~هذه لا يصل إلى ريع معلوم أحد المباشرين لها ودون ذلك بكثير لما يظهر له من ~~المصلحة فيه فهل يكون ذلك سائغا وهل يستحق المستوفى المذكور تناول ما قرر ~~له أم لا إذا قام بوظيفته وإذا كانت وظيفته استرجاع الحساب عن كل سنة على ~~حكم أوضاع الكتاب ووجد ارتفاع حساب سنين أو أكثر فتصرف وعمل فيه وظيفته هل ~~يستحق معلوم المدة التى استرجع حسابهم فيها وقام بوظيفته بذلك الحساب ### ||||| فأجاب # نعم لولى الأمر أن ينصب ديوانا مستوفيا لحساب الأموال الموقوفة عند ~~المصلحة كما له أن ينصب الدواوين مستوفيا لحساب الأموال السلطانية كالفيء ~~وغيره وله أن يفرض له على عمله ما يستحقه مثله PageV31P085 من كل مال يعمل ~~فيه بقدر ذلك المال واستيفاء الحساب وضبط مقبوض المال ومصروفه من العمل ~~الذى له أصل لقوله تعالى @QB@ والعاملين عليها @QE@ # وفى الصحيح ( أن النبى استعمل رجلا على الصدقة فلما رجع حاسبه ( وهذا أصل ~~في محاسبه العمال المتفرقين والمستوفى الجامع نائب الامام في محاسبتهم ~~ولابد عند كثرة الأموال ومحاسبتهم من ديوان جامع # ولهذا لما كثرت الأموال على ms8901 عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه وضع ( الدواوين ( ديوان الخراج وهو ديوان المستخدمين على الارتزاق ~~واستعمل عليه عثمان بن حنيف وديوان النفقات وهو ديوان المصروف على المقاتلة ~~والذرية الذى يشبه في هذه الأوقات ديوان الحبس والثبوتات ونحو ذلك واستعمل ~~عليه زيد بن ثابت # وكذلك الأموال الموقوفة على ولاة الأمر من الامام والحاكم ونحوه اجراؤها ~~على الشروط الصحيحة الموافقة لكتاب الله وإقامة العمال على ما ليس عليه ~~عامل من جهة الناظر والعامل في عرف الشرع يدخل فيه الذى يسمى ناظرا ويدخل ~~فيه غير الناظر لقبض المال ممن هو عليه صرفه ودفعه إلى من هو له لقوله @QB@ ~~إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها @QE@ ونصب المستوفى الجامع ~~للعمال المتفرقين بحسب الحاجة والمصلحة وقد يكون واجبا إذا لم تتم مصلحة ~~قبض المال وصرفه إلا به فإن مالا PageV31P086 يتم الواجب الا به فهو واجب ~~وقد يستغنى عنه عند قلة العمل ومباشرة الامام للمحاسبة بنفسه كما في نصب ~~الامام للحاكم عليه أن ينصب حاكما عند الحاجة والمصلحة إذا لم تصل الحقوق ~~إلى مستحقها أو لم يتم فعل الواجب وترك المحرم إلا به وقد يستغنى عنه ~~الامام إذا أمكنه مباشرة الحكم بنفسه # ولهذا كان النبى يباشر الحكم واستيفاء الحساب بنفسه وفيما بعد عنه يولى ~~من يقوم بالامر ولما كثرت الرعية على عهد أبى بكر وعمر والخلفاء استعملوا ~~القضاة ودونوا الدواوين في أمصارهم وغيرها فكان عمر يستنيب زيد بن ثابت ~~بالمدينة على القضاء والديوان وكان بالكوفة قد استعمل عمار بن ياسر على ~~الصلاة والحرب مثل نائب السلطان والخطيب فإن السنة كانت أنه يصلى بالناس ~~أمير حربهم واستعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال واستعمل عثمان ~~بن حنيف على ديوان الخراج # وإذا قام المستوفى بما عليه من العمل استحق ما فرض له والجعل الذى ساغ له ~~فرضه وإذا عمل هذا ولم يعط جعله فله أن يطلب على العمل الخاص فإن ما وجب ~~بطريق المعاملة يجب PageV31P087 ### |||| ( وسئل ( # عن رجل استأجر قطع أرض وقف ms8902 وغرس فيها غراسا وأثمر ومضت مدة للايجار فأراد ~~نظار الوقف قلع الغراس فهل لهم ذلك أو أجرة المثل وهل يثاب ولى الأمر على ~~مساعدته ### ||||| فأجاب # ليس لأهل الأرض قلع الغراس بل لهم المطالبة بأجرة المثل أو تملك ~~الغراس بقيمته أو ضمان نقصه إذا قلع وما دام باقيا فعلى صاحبه أجرة مثله ~~وعلى ولى الأمر منع الظالم من ظلمه والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل متولى إمامة مسجد وخطابته ونظر وقفه من سنين معدودة بمرسوم ولى ~~الأمر وله مستحق بحكم ولايته الشرعية فهل لنظار وقف آخر أن يضعوا أيديهم ~~على هذا الوقف أو يتصرفوا فيه بدون هذا الناظر وأن يصرفوا مال المسجد ~~المذكور في غير جهته أو يمنعوا ما قدر له على ذلك ولو قدر أن هذا الوقف كان ~~في ديوان أولئك من مدة ثم PageV31P088 أخرجه ولى الأمر وجعله للامام الخطيب ~~فهل لهم ذلك والحالة هذه أن يتصرفوا فيه ويمنعوه التصرف مع بقاء ولايته وهل ~~إذا تصرف فيه متعد وصرف منه شيئا إلى غيره مع حاجة الامام وقيام المصالح ~~وأصر على ذلك والحالة هذه يقدح في دينه وعدالته أم لا ### ||||| فأجاب # ليس لناظر غير الناظر المتولى هذا الوقف أن يضع يده عليه ولا يتصرف ~~فيه بغير إذنه لا نظار وقف آخر ولا غيرهم سواء كانوا قبل ذلك متولين نظره ~~أو لم يكونوا متولين نظره ولا لهم أن يصرفوا مال المسجد في غير جهاته التى ~~وقف عليها والحال ما ذكر بل يجب أن يعطى الامام وغيره ما يستحقونه كاملا ~~ولا ينقصون من مستحقهم لأجل أن يصرفوا الفاضل إلى وقف آخر فإن هذا لا نزاع ~~في أنه لا يجوز وإنما تنازع العلماء في جواز صرف الفاضل ومن جوزه فلم يجوز ~~لغير الناظر المتولى أن يستقل بذلك ومن أصر على صرف مال لغير مستحقه ومنع ~~المستحق قدح في دينه وعدالته PageV31P089 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن واقف وقف على فقراء المسلمين فهل يجوز لناظر الوقف أن يصرف جميع ريعه ~~إلى ثلاثة والحالة هذه أم لا ms8903 وإن جاز له أن يصرف إلى ثلاثة وكان من أقارب ~~الواقف فقير ثبت فقره واستحقاقه للصرف إليه من ذلك فهل يجوز الصرف إليه ~~عوضا عن أحد الثلاثة الاجانب من الواقف وإذا جاز الصرف إليه فهل هو أولى من ~~الاجنبيين المصروف إليهما وإذا كان أولى فهل يجوز للناظر أن يصرف إلى قريب ~~الواقف المذكور قدر كفايته من الوقف والحالة هذه وإذا جاز له ذلك فهل يكون ~~فعله ذلك أولى وأفضل من أن ينقص من كفايته ويصرف ذلك القدر إلى الأجنبى ~~والحالة هذه ### ||||| فأجاب # الحمد لله يجب على ناظر الوقف أن يجتهد في مصرفه فيقدم الأحق ~~فالاحق وإذا قدر أن المصلحة الشرعية اقتضت صرفه إلى ثلاثة مثل أن لا يكفيهم ~~أقل من ذلك فلا يدخل غيرهم من الفقراء وإذا كفاهم وغيرهم من الفقراء يدخل ~~الفقراء معهم ويساويهم مما يحصل من ربعه وهم أحق منه عند التزاحم ونحو ذلك ~~وأقارب PageV31P090 الواقف الفقراء أولى من الفقراء الاجانب مع التساوى في ~~الحاجة ويجوز أن يصرف إليه كفايته إذا لم يوجد من هو أحق منه وإذا قدر وجود ~~فقير مضطر كان دفع ضرورته واجبا وإذا لم يندفع إلا بتنقيص كفاية أولئك من ~~هذا الوقف من غير ضرورة تحصل لهم تعين ذلك والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل ولى ذا شوكة على وقف من مساجد وربط وغير ذلك اعتمادا على دينه ~~وعلما بقصده للمصلحة فعند توليته وجد تلك الوقوف على غير سنن مستقيم ويتعرض ~~إليها كره مباشرتها لئلا يقع الطمع في مالها وغير ملتفتين إلى صرفها في ~~استحقاقها وهم مثل القاضي والخطيب وامام الجامع وغير ذلك فإنهم يأخذون من ~~عموم الوقف وهو مع هذا عاجز عن صد التعرض عنها ومع اجتهاده فيها ومبالغته ~~فهل يحل للسائل عزل نفسه عنها وعن القيام بما يقدر عليه من مصالحها مع ~~العلم بأنه بأجرة يكثر التعرض فيها والطمع في مالها # وهل يحل له تناول أجرة عمله منها مع كونه ذا عائلة وعاجز عن تحصيل قوتهم ~~من غيرها وهل يحل للناظر ms8904 إذا وجد مكانا خربا أن يصرف PageV31P091 ماله في ~~مصلحة غيره عند تحققه بأن مصلحته ما يتصور أن تقوم بعمارته وهل إذا فضل عن ~~جهته شيء من ملكها صرفه إلى مهم غيره وعمارة لازمة يمكن أن تحفظه لكثرة ~~التعرض إليه أم لا ### ||||| فأجاب # أصل هذه إنما أوجبه الله من طاعته وتقواه مشروط بالقدرة كما قال ~~تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وكما قال النبى ( إذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما أستطعتم ( ولهذا جاءت الشريعة عند تعارض المصالح والمفاسد ~~بتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وباحتمال أدنى المفسدتين لدفع ~~أعلاهما فمتى لم يندفع الفساد الكبير عن هذه الأموال الموقوفة ومصارفها ~~الشرعية إلا بما ذكر من احتمال المفسدة القليلة كان ذلك هو الواجب شرعا # وإذا تعين ذلك على هذا الرجل فليس له ترك ذلك إلا مع ضرر أوجب التزامه أو ~~مزاحمة ما هو أوجب من ذلك وله بإجماع المسلمين مع الحاجة تناول أجرة عمله ~~فيها بل قد جوزه من جوزه مع الغنى أيضا كما جوز الله تعالى للعاملين على ~~الصدقات الأخذ مع الغنى عنها # وإذا خرب مكان موقوف فتعطل نفعه بيع وصرف ثمنه في نظيره أو نقلت إلى ~~نظيره وكذلك إذا خرب بعض الاماكن الموقوف عليها PageV31P092 كمسجد ونحوه ~~على وجه يتعذر عمارته فإنه يصرف ريع الوقف عليه إلى غيره # وما فضل من ريع وقف عن مصلحته صرف في نظيره أو مصلحة المسلمين من أهل ~~ناحيته ولم يحبس المال دائما بلا فائدة وقد كان عمر بن الخطاب كل عام يقسم ~~كسوة الكعبة بين الحجيج ونظير كسوة الكعبة المسجد المستغنى عنه من الحصر ~~ونحوها وأمر بتحويل مسجد الكوفة من مكان إلى مكان حتى صار موضع الأول سوقا ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن الوقف الذى أوقف على الأشراف ويقول أنهم أقارب هل الأقارب شرفاء أم ~~غير شرفاء وهل يجوز أن يتناولوا شيئا من الوقف أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كان الوقف على أهل بيت النبى أو على بعض أهل البيت ~~كالعلويين والفاطميين أو الطالبيين الذين يدخل فيهم بنو ms8905 جعفر وبنو عقيل أو ~~على العباسيين ونحو ذلك فانه لا يستحق من ذلك إلا من كان نسبه صحيحا ثابتا ~~فأما من ادعى أنه منهم ولم يثبت أنه منهم أو علم أنه ليس منهم فلا يستحق من ~~هذا الوقف وإن ادعى أنه منهم كبنى عبد الله بن ميمون القداح فإن أهل ~~PageV31P093 العلم بالانساب وغيرهم يعلمون أنه ليس لهم نسب صحيح وقد شهد ~~بذلك طوائف أهل العلم من أهل الفقه والحديث والكلام والانساب وثبت في ذلك ~~محاضر شرعية وهذا مذكور في كتب عظيمة من كتب المسلمين بل ذلك مما تواتر عند ~~أهل العلم # وكذلك من وقف على ( الاشراف ( فان هذا اللفظ في العرف لا يدخل فيه إلا من ~~كان صحيح النسب من أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم # وأما أن وقف واقف على بنى فلان أو أقارب فلان ونحو ذلك ولم يكن في الوقف ~~ما يقتضى أنه لأهل البيت النبوى وكان الموقوف ملكا للواقف يصح وقفه على ~~ذرية المعين لم يدخل بنو هاشم في هذا الوقف ### |||| وسئل قدس الله روحه ( # عن رجل بيده مسجد بتواقيع أحياء سنة شرعية بحكم نزول من كان بيده توقيعا ~~بالنزول ثابتا بالحكام ثم أن ولد من كان بيده المسجد أولا تعرض لمن بيده ~~المسجد الآن وطلب مشاركته ولم يكن له مستند شرعى غير أنه كان بيد والده فهل ~~يجوز أن يلجأ إلى الشركة بغير رضاه PageV31P094 ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يجوز إلزام إمام مسجد على المشاركة والحالة هذه ولا ~~التشريك بينهما أو عزله بمجرد ما ذكر من كون أبيه كان هو الامام # فإن المساجد يجب أن يولى فيها الاحق شرعا وهو الأقرأ لكتاب الله والأعلم ~~بسنة رسول الله الاسبق إلى الأعمال الصالحة مثل أن يكون أسبق هجرة أو أقدم ~~سنا فكيف إذا كان الأحق هو المتولى فإنه لا يجوز عزله باتفاق العلماء والله ~~أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن مدرسة وقفت على الفقهاء والمتفقهة الفلانية برسم سكناهم واشتغالهم ~~فيها فهل تكون السكنى مختصة بالمرتزقين وهل يجوز إخراج أحد من الساكنين ms8906 مع ~~كونه من الصنف الموقوف عليه ### ||||| فأجاب # لا تختص السكنى والارتزاق بشخص واحد وتجوز السكنى من غير ارتزاق من ~~المال كما يجوز الارتزاق من غير سكنى ولا يجوز قطع أحد الصنفين إلا بسبب ~~شرعي إذا كان الساكن مشتغلا سواء كان يحضر الدرس أم لا PageV31P095 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل ملك إنسانا أنشابا قائمة على الأرض الموقوفة على الملك المذكور ~~وغيره أيام حياته ثم بعد وفاته على أولاده وعلى من يحدثه الله من الأولاد ~~من الذكور والاناث بينهم بالسوية على أن من توفى منهم وترك ولدا كان نصيبه ~~من الوقف إلى ولده أو ولد ولده وان سفل واحدا كان أو أكثر ذكرا كان أو أنثى ~~من ولد الظهر والبطن يستوى في ذلك الذكور والأناث وإن توفى ولم يكن له ولد ~~ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك كان نصيبه من ذلك مصروفا إلى من هو في درجته ~~مضافا إلى ما يستحقه من ريع هذا الوقف فإن لم يكن له أخ ولا أخت ولا من ~~يساويه في الدرجة كان نصيبه مصروفا إلى أقرب الناس إليه الأقرب فالأقرب من ~~ولد الظهر والبطن تحجب الطبقة العليا الطبقة السفلى من ولد الظهر والبطن ~~بالسوية إلى حين انقراضهم فان لم يبق أحد يرجع بنسبه إلى الموقوف عليه لا ~~من جهة الأب ولا من جهة البنت كان مغل الوقف مصروفا إلى الفقراء والمساكين ~~بثغر دمياط المحروسة والواردين إليه والمترددين عليه يفرقه الناظر على ما ~~يراه ثم على أسارى المسلمين PageV31P096 # فمن أهل الوقف الأول أحد البنات توفيت ولم يكن لها ولد أخذ إخوتها نصيبها ~~ثم ماتت البنت الثانية ولها ابنتان أخذتا نصيبها ثم بعد ذلك ماتت البنت ~~الثالثة ولم يكن لها ولد أخذت أختها نصيبها ثم بعد ذلك ماتت الأخت الرابعة ~~فأخذوا لها الثلثين فهل يصح لأولاد خالته نصيب معه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين البنت الأولى انتقل نصيبها إلى إخوتها ~~الثلاثة كما شرطه الواقف لا يشارك أولاد هذه لأولاد هذه في النصيب الأصلى ~~الذى كان ms8907 لأمها وأما النصيب العائد وهو الذى كان للثالثة وانتقل إلى ~~الرابعة فهذا يشترك فيه أولاد هذه وأولاد هذه كما يشترك فيه أمهما هذا أظهر ~~القولين في هذه المسألة # وقيل أن جميع ما حصل للرابعة وهو نصيبها ونصيب الثالثة ينتقل إلى أولادها ~~خاصة لأن الواقف قال وإن توفى ولم يكن له ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك ~~كان نصيبه مصروفا إلى من في درجته مضافا إلى ما يستحقه من ريع الوقف قالوا ~~فالمضاف كالمضاف إليه فإذا كان هذا ينتقل إلى أولاده فكذلك الآخر لأن قول ~~الواقف من مات منهم وترك ولدا كان نصيبه من الوقف إلى ولده يتناول الأصلى ~~والعائد # والأظهر هو القول الأول فإن قوله كان نصيبه يتناول النصيب PageV31P097 ~~الذى تقدم ذكره وأما تناوله لما بعد ذلك فمشكوك فيه فلا يدخل بالشك بل قد ~~يقال هذا هو في الأصل نصيب الميت عنه كما ذكر الواقف والظاهر من حال الواقف ~~لفظا وعرفا أنه سوى بين الطبقة في نصيب من ولد له ولد فأخذه المساوى بكونه ~~كان في الطبقة وأولاده في الطبقة كأولاد الميت الأول فكما أن الميتين لو ~~كانا حيين اشتركا في هذا النصيب العائد فكذلك يشترك فيه ولدهما من بعدهما ~~فإن نسبتهما إلى صاحب النصيب نسبة واحدة # وهذا هو الذى يقصده الناس بمثل هذه الشروط كما يشهد بذلك عرفهم وعادتهم ~~والمقصود إجراء الوقف على الشروط الذى يقصدها الواقف ولهذا قال الفقهاء إن ~~نصوصه كنصوص الشارع يعنى في الفهم والدلالة فيفهم مقصود ذلك من وجوه متعددة ~~كما يفهم مقصود الشارع # ومن كشف أحوال الواقفين علم أنهم يقصدون هذا المعنى فإنه أشبه بالعدل ~~ونسبة أولاد الأولاد إلى الواقف سواء فليس له غرض في أن يعطى بن هذا نصيبان ~~أو ثلاثة لتأخر موت أبيه وأولئك لا يعطون الا نصيبا واحدا لا سيما وهذا ~~المتأخر قد استغل الوقف فقد يكون خلف لأولاده بعض ما استغله والذى مات أولا ~~لم يستغله إلا قليلا فأولاده أقرب إلى PageV31P098 الحاجة ونسبتهما إلى ~~الواقف سواء فكيف يقدم ms8908 من هو أقرب إلى الحاجة إلى من هو أبعد عنها وهما في ~~القرب إليه وإلى الميت صاحب النصيب بعد انقراض الطبقة سواء # وهو كما لو مات صاحبه آخرا ولو مات آخرا اشترك جميع الأولاد فيه بل هذا ~~يتناوله قول الواقف أن توفى ولم يكن له ولد ولا ولد ولد كان نصيبه مصروفا ~~إلى من هو في درجته فإن لم يكن له أخ ولا أخت ولا من يساويه في الدرجة ~~فيكون نصيبه مصروفا إلى أقرب الناس وكلهم في القرب إليه سواء والله أعلم ~~PageV31P099 ### || 1 ( مسألة في الوقف الذري ) 1 ### |||| وسئل شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ( # عن واقف وقف وقفا على أولاده ثم على أولاد أولاده ثم على أولاد أولاد ~~أولاده ونسله وعقبه دائما ما تناسلوا على أنه من توفى منهم عن غير ولد ولا ~~ولد ولد ولا نسل ولا عقب كان ما كان جاريا عليه من ذلك على من في درجته ~~وذوى طبقته فإذا توفى بعض هؤلاء الموقوف عليهم عن ولد أو ولد ولد أو نسل أو ~~عقب لمن يكون نصيبه هل يكون لولده أو لمن في درجته من الأخوة وبنى العم ~~ونحوهم ### ||||| فأجاب # نصيبه ينتقل إلى ولده دون إخوته وبنى عمه لوجوه متعددة نذكر منها ~~ثلاثة # أحدها أن قوله على أولاده ثم على أولاد أولاده مقيد بالصفة المذكورة بعده ~~وهى قوله على أنه من توفى منهم عن غير ولد انتقل نصيبه إلى ذوى طبقته وكل ~~كلام اتصل بما يقيده فإنه يجب اعتبار ذلك المقيد دون إطلاقه أول الكلام # بيان المقدمة الأولى أن هذه الجملة وهى قوله على أنه من توفى منهم في ~~موضع نصب على الحال والحال صفة في المعنى والصفة مقيدة للموصوف PageV31P100 ~~وإن شئت قلت لأنه جار ومجرور متصل بالفعل والجار والمجرور مفعول في النفى ~~وذلك مقيد للفعل وان شئت قلت لأنه كلام لم يستقل بنفسه فيجب ضمه إلى ما ~~قبله وإن شئت قلت لأن الكلام الأول لم يسكت عليه المتكلم حتى وصله بغيره ~~وصلة الكلام مقيدة ms8909 له وكل هذه القضايا معلومة بالاضطرار في كل لغة # بيان الثانية أن الكلام متى أتصل به صفة أو شرط أو غير ذلك من الالفاظ ~~التى تغير موجبه عند الاطلاق وجب العمل بها ولم يجز قطع ذلك الكلام عن تلك ~~الصفات المتصلة به وهذا مما لا خلاف فيه أيضا بين الفقهاء بل ولا بين ~~العقلاء وعلى هذا تنبنى جميع الأحكام المتعلقة باقوال المكلفين من العبادات ~~والمعاملات مثل الوقف والوصية والاقرار والبيع والهبة والرهن والاجارة ~~والشركة وغير ذلك # ولهذا قال الفقهاء يرجع إلى لفظ الواقف في الاطلاق والتقييد ولهذا لو كان ~~أول الكلام مطلقا أو عاما ووصله المتكلم بما يخصه أو يقيده كان الاعتبار ~~بذلك التقييد والتخصيص فاذا قال وقفت على أولادى كان عاما فلو قال الفقراء ~~أو العدول أو الذكور إختص الوقف بهم وإن كان أول كلامه عاما # وليس لقائل أن يقول لفظ الأولاد عام وتخصيص أحد النوعين بالذكر لا ينفى ~~الحكم عن النوع الآخر بل العقلاء كلهم مجمعون على أنه PageV31P101 قصر ~~الحكم على أولئك المخصوصين في آخر الكلام مثبتوا المفهوم ونفاته ويسمون هذا ~~( التخصيص المتصل ( ويقولون لما وصل اللفظ العام بالصفة الخاصة صار الحكم ~~متعلقا بذلك الوصف فقط وصار الخارجون عن ذلك الوصف خارجين عن الحكم أما عند ~~نفاة المفهوم فلانهم لم يكونوا يستحقون شيئا الا إذا دخلوا في اللفظ فلما ~~وصل اللفظ العام بالصفة الخاصة أخرجهم من اللفظ فلم يصيروا داخلين فيه فلا ~~يستحقون فهم ينفون استحقاقهم لعدم موجب الاستحقاق وأما عند مثبتى المفهوم ~~فيخرجون لهذا المعنى ولمعنى آخر وهو أن تخصيص أحد النوعين بالذكر يدل على ~~قصد تخصيصه بالحكم وقصد تخصيصهم بالحكم ملتزم لنفيه عن غيرهم فهم يمنعون ~~استحقاقهم لانتفاء موجبه ولقيام مانعه # وكذلك لو قيد المطلق مثل أن يقول وقفت على أولادى على أنهم يعطون أن ~~كانوا فقراء أو على أنهم يستحقون إذا كانوا فقراء أو وقفت على أولادى على ~~أنه يصرف من الوقف إلى الموجودين منهم إذا كانوا فقراء ووقفت على أنه من ~~كان فقيرا كان ms8910 من أهل الوقف فان هذا مثل قوله وقفت على أولادى على الفقراء ~~منهم أو بشرط أن يكونوا فقراء أو إن كان فقيرا # ولو قال وقفت على بناتى على أنه من كانت أيما أعطيت ومن تزوجت ثم طلقها ~~زوجها أعطيت فان هذا مثل قوله وقفت على PageV31P102 بناتى على الأيامى منهم ~~فان صيغة ( على ( من صيغ الاشتراط كما قال ( إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى ~~هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج # واتفق الفقهاء أنه لو قال زوجتك بنتى على ألف أو على أن تعطيها ألفا أو ~~على أن يكون لها في ذمتك ألف كان ذلك شرطا ثابتا وتسميته صحيحة وليس في هذا ~~خلاف وقد أخطأ من اعتقد أن في مذهب الامام أحمد أو غيره خلافا في ذلك من ~~أجل اختلافهم فيما إذا قال لزوجته أنت طالق على ألف أو لعبده أنت حر على ~~ألف فلم تقبل الزوجة والعبد فانه في إحدى الروايتين عن أحمد يقع العتق ~~والطلاق فانه ليس مأخذه أن هذه الصيغة ليست للشرط فانه لا يختلف مذهبه أنه ~~لو قال خلعتك على ألف أو كاتبتك على ألف أو زوجتك على ألف أو قال بعتك هذا ~~العبد على أن ترهننى به كذا أو على أن يضمنه زيد أو زوجتك بنتى على أنك حر ~~إن هذه شروط صحيحة ولا خلاف في ذلك بين الفقهاء كلهم # وإنما المأخذ أن العتق والطلاق لا يفتقران إلى عوض ولم يعلق الطلاق بشرط ~~وإنما شرط فيه شرطا وفرق بين التعليق على الشرط وبين الشرط في الكلام ~~المنجز ولهذا لا يصح كثير من التصرفات المعلقة مع صحة الاشتراط فيها وهذه ~~الصفة قد تعذر وجودها والطلاق PageV31P103 الموصوف إذا فاتت صفته هل يفوت ~~جميعه أو يثبت هو دون الصفة فيه اختلاف # إذا تبين أن قوله على أنه من توفى منهم شرط حكمى ووصف معنوى للوقف ~~المذكور وأنه يجب اعتباره والعمل بموجبه فمعلوم أنه إذا اعتبر القيد ~~المذكور في الكلام كان انتقال نصيب المتوفى إلى ذوى طبقته مشروطا بعدم ولده ~~وان ms8911 الواقف لم يصرف إليهم نصيب المتوفى في هذه الحال ومعلوم حينئذ أنه لا ~~يجوز صرف نصيب المتوفى إليهم في ضد هذه الحال وهو ما إذا كان له ولد وهو ~~المطلوب # وعلم أن هذا ثابت باتفاق الفقهاء بل والعقلاء القائلين بالمفهوم والنافين ~~له فان صرف الوقف إلى غير من صرفه إليه الواقف حرام وهو لم يصرفه إليهم ~~فهذا المنع لانتفاء الموجب متفق عليه ولأنه قد منع صرفه إليهم وهذا المنع ~~لوجود المانع مختلف فيه وتقدير الكلام وقفت على أولادى ثم على أولادهم بشرط ~~أن ينتقل نصيب المتوفى منهم إلى أهل طبقته إذا كان قد توفى عن غير ولد # وليس يختلف أحد من الفقهاء في أن هذا الباب يقصر على القيود المذكورة ~~وإنما يغلط هنا من لم يحكم دلالات الألفاظ اللغوية ولم يميز بين أنواع أصول ~~الفقه السمعية ولم يتدرب فيما علق بأقوال المكلفين من الأحكام الشرعية ~~PageV31P104 ولا هو جرى في فهم هذا الخطاب على الطبيعة العربية والفطرة ~~السليمة النقية فأرتفع عن شأن العامة بحيث لم يدخل في زمرتهم فيما يفهمونه ~~في عرف خطابهم وانحط عن أوج الخاصة فلم يهتد للتمييز بين المشتبهات في ~~الكلام حتى تقر الفطر على ما فطرها عليه الذى أحسن كل شيء خلقه والحمق أدى ~~به إلى الخلاص من كناسة بترا ومن أحكم العلوم حتى احاط بغاياتها رده ذلك ~~إلى تقرير الفطر على بداياتها وإنما بعثت الرسل لتكميل الفطرة لا لتغييرها ~~( فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ( # ومعلوم أن كل من سمع هذا الكلام من أهل اللسان العربى خاصتهم وعامتهم لم ~~يفهموا منه إلا إعطاء أهل طبقة المتوفى بشرط أن لا يكون للمتوفى ولد ~~ويعقلون أن هذا الكلام واحد متصل بعضه ببعض وإنما نشأ غلط الغالط من حيث ~~توهم أن الكلام الأول فيه عموم والكلام الثانى قد خص أحد النوعين بالذكر ~~فيكون من ( باب تعارض العموم والمفهوم ( # ثم قد يكون ممن نظر في كتب بعض المتكلمين أو بعض الفقهاء الذين لا يقولون ~~بدلالة المفهوم ms8912 وإذا قالوا بها رأوا دلالة العموم راجحة عليها لكون ~~الخلافات فيها أضعف منه في دلالة المفهوم فانه لم يخالف في العموم الا ~~شرذمة لا يعتدبهم وقد خالف في المفهوم طائفة من الفقهاء PageV31P105 وطوائف ~~من أهل الكلام حتى قد يتوهم من وقع له هذا أنه لا ينبغى أن يترك صريح الشرط ~~أو عمومه لمفهوم الصفة مع ضعفه فنعوذ بالله من العمى في البصيرة أو حول يرى ~~الواحد اثنين فإن الأعمى أسلم حالا في إدراكه من الأحول إذا كان مقلدا ~~للبصير والبصير صحيح الإدراك ولو لاخشية أن يحسب حاسب أن لهذا القول مساغا ~~أو أنه قد يصح على أصول بعض الفقهاء لكان الاضراب عن بيانه أولى # فيقال هذا الذى تكلم الناس فيه من دلالة المفهوم هل هي حجة أم لا وإذا ~~كانت حجة فهل يخص بها العام أم لا إنما هو في كلامين منفصلين من متكلم واحد ~~أو في حكم الواحد ليس ذلك في كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا في كلام متكلمين ~~لا يجب اتحاد مقصودهما فهنا ثلاثة أقسام # أحدها كلامان من متكلم واحد أو في حكم الواحد وإنما ذكرنا ذلك ليدخل فيه ~~إذا كان أحدهما كلام الله والآخر كلام رسوله فان حكم ذلك حكم مالو كانا ~~جميعا من كلام الله أو كلام رسوله مثل قوله ( الماء طهور لا ينجسه شيء ( مع ~~قوله ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ( فان المتكلم بهما واحد وهما ~~كلامان فمن قال أن المفهوم حجة يخص به العموم خص عموم قوله ( الماء طهور لا ~~ينجسه شيء ( بمفهوم ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ( مع أن مفهوم ~~العدد PageV31P106 أضعف من مفهوم الصفة وهذا مذهب الشافعى وأحمد في المشهور ~~عنه وغيرهما ومن إمتنع من ذلك قال قوله ( الماء طهور ( عام وقوله ( إذا بلغ ~~الماء قلتين لم ينجس ( هو بعض ذلك العام وهو موافق له في حكمه فلا تترك ~~دلالة العموم لهذا # وكذلك قوله في كتاب الصدقة الذى أخرجه أبو بكر ( في الابل في خمس منها ~~شاة ms8913 ( إلى آخره مع قوله في حديث آخر ( في الإبل السائمة في كل أربعين بنت ~~لبون وفى كل خمسين حقة ( ونظائره كثيرة منها ما قد اتفق الناس على ترجيح ~~المفهوم فيه مثل قوله ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ( مع قوله ( جعلت لى كل ~~أرض طيبة مسجدا وطهورا ( فانه لاخلاف أن الأرض الخبيثة ليست بطهور ومنها ما ~~قد اختلفوا فيه كقوله في هذا الحديث ( وجعلت تربتها لى طهورا ) فان الشافعى ~~وأحمد وغيرهما جعلوا مفهوم هذا الحديث مخصصا لقوله ( جعلت لى كل أرض طيبة ~~طهورا ( ومنها ما قد اتفقوا على تقديم العموم فيه كقوله ( ولا تقربوا مال ~~اليتيم إلا بالتى هي أحسن ( مع قوله ( ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا ~~( فان أكلها حرام سواء قصد بدارا كبر اليتيم أولا # وقد اختلف الناس في هاتين الدلالتين إذا تعارضتا فذهب أهل الرأى وأهل ~~الظاهر وكثير من المتكلمين وطائفة من المالكية والشافعية PageV31P107 ~~والحنبلية إلى ترجيح العمموم وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنبلية ~~وطائفة من المتكلمين إلى تقديم المفهوم وهو المنقول صريحا عن الشافعى وأحمد ~~وغيرهما والمسئلة محتملة وليس هذا موضع تفصيلها فإنها ذات شعب كثيرة وهى ~~متصلة بمسئلة ( المطلق والمقيد ( وهى غمرة من غمرات ( أصول الفقه ( وقد ~~اشتبهت أنواعها على كثير من السابحين فيه # لكن المقصود أن مسئلتنا ليست من هذا الباب مع أنها لو كانت منه لكان ~~الواجب على من يفتى بمذهب الشافعى وأحمد أن يبنى هذه المسألة على أصولهما ~~وأصول أصحابهما دون ما أصله بعض المتكلمين الذين لم يمعنوا النظر في آيات ~~الله ودلائله التى بينها في كتابه وعلى لسان رسوله ولا احاطوا علما بوجوه ~~الأدلة ودقائقها التى أودعها الله في وحيه الذى أنزله ولا ضبطوا وجوه ~~دلالات اللسان الذى هو أبين الألسنة وقد أنزل الله به أشرف الكتب # وإنما هذه المسألة هي من القسم الثانى وهو أن يكون كلام واحد متصل بعضه ~~ببعض آخره مقيد لأوله مثل ما لو قال ( الماء طهور لا ينجسه شيء إذا بلغ ~~قلتين ( أو يقول ( الماء طهور إذا ms8914 بلغ قلتين PageV31P108 لا ينجسه شيء ( أو ~~يقول ( في كل خمس من الأبل شاة وفى عشر شاتان تجب هذه الزكاة في الابل ~~السائمة ( كما قال ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ( ~~فأطلق وعمم ثم قال في آخره ( ذلك لمن خشى العنت منكم ( فانه لا خلاف بين ~~الناس أن هذا الكلام لا يؤخذ بعموم أوله بل إنما تضمن طهارة القلتين فصاعدا ~~ووجوب الزكاة في السائمة # لكن نفاة المفهوم يقولون لم يتعرض لما سوى ذلك بنفى ولا إثبات فنحن ننفيه ~~بالأصل إلا أن يقوم دليل ناقل عن الأصل والجمهور يقولون بل ننفيه بدليل هذا ~~الخطاب الموافق للاصل # ومما يوضح الفرق بين الكلام المتصل والمنفصل أن رجلا لو قال وصيت بهذا ~~المال للعلماء يعطون منه إذا كانوا فقراء ولو قال مرة وصيت به للعلماء ثم ~~قال أعطوا من مالى للعلماء إذا كانوا فقراء فهنا يقال تعارض العموم ~~والمفهوم لكن مثل هذا لا يجى في الوقف فانه إذا وقف على صفة عامة أو خاصة ~~لم يمكن تغييرها بخلاف الوصية ولو فسر الموصى لفظه بما يخالف ظاهره قبل منه ~~بخلاف الواقف ولهذا قلنا إن تقييد هذا الكلام بالصفة المتأخرة واجب عند ~~جميع الناس القائلين بالمفهوم ونفته فان هذا ليس من هذا الباب وإنما هو من ~~باب الكلام المقيد بوصف في آخره PageV31P109 # القسم الثالث أن يكون في كلام متكلمين لا يجب اتحاد مقصودهما مثل شاهدين ~~شهدا أن جميع الدار لزيد وشهد آخران أن الموضع الفلانى منها لعمرو فان ~~هاتين البينتين يتعارضان في ذلك الموضع ولا يقول أحد أنه يبنى العام كل ~~الخاص هنا وقد غلط بعض الناس مرة في مثل هذه المسألة فرأى أنه يجمع بين ~~البينتين لأنه من باب العام والخاص كما غلط بعضهم في القسم الثانى فألحقوه ~~بالأول # ومن نور الله قلبه فرق بين هذه الأقسام الثلاثة وعلم أن الفرق بينها ثابت ~~في جميع الفطر وإنما خاصة العلماء إخراج مافى القوة إلى الفعل فلو سلم أن ~~الكلام الأول عام أو مطلق فقد ms8915 وصل بما يقيده ويخصصه وقد أطبق جميع العقلاء ~~على أن مثل هذا مخصوص مقيد وليس عاما ولا مطلقا ففرق أصلحك الله بين أن يتم ~~الكلام العام المطلق فيسكت عليه ثم يعارضه مفهوم خاص أو مقيد وبين أن يوصل ~~بما يقيده ويخصصه ألست تعلم أن جميع الاحكام مبنية على هذا فانه لو حلف ~~وسكت سكوتا طويلا ثم وصله باستثناء أو عطف أو وصف أو غير ذلك لم يؤثر فلو ~~قال والله لا أسافر ثم سكت سكوتا طويلا ثم قال إن شاء الله أو قال إلى ~~المكان الفلانى أو قال ولا أتزوج أو قال لا أسافر راجلا لم تتقيد اليمين ~~بذلك ولو حلف مرة لا أسافر ثم حلف مرة ثانية لا يسافر راجلا لم تقيد ~~PageV31P110 اليمين الأولى بقيد الثانية ولو قال لا أسافر راجلا لتقيدت ~~يمينه بذلك بالاتفاق # ) # فلما قال هنا وقفت على أولادى ثم على أولادهم ثم على أولاد أولادهم على ~~أنه من توفى منهم عن غير ولد كان نصيبه لذوى طبقته صار المعنى وقفت وقفا ~~مقيدا بهذا القيد المتضمن انتقال نصيب المتوفى إلى أهل طبقته بشرط عدم ولده ~~وصار مثل هذا أن يقول وقفت على ولدى وولد ولدى ونسلى وعقبى على أن الأولاد ~~يستحقون هذا الوقف بعد موت آبائهم أفليس كل فقيه يوجب أن استحقاق الأولاد ~~مشروط بموت الآباء وأنه لو أقتصر على قوله على ولدى وولد ولدى اقتضى ~~التشريك # ويوضح هذه المسألة التى قد يظن أنها مثل هذه أنه لو وقف على زيد وعمرو ~~وبكر ثم على المساكين لم ينتقل إلى المساكين شيء حتى يموت الثلاثة هذا هو ~~المشهور فلو قال في هذه الصورة وقفت على زيد وعمر وبكر ثم على المساكين على ~~أنه من مات من الثلاثة انتقل نصيبه إلى الآخرين إذا لم يكن في بلد الوقف ~~مسكين أو قال على أنه من مات من الثلاثة ولم يوجد من المساكين أحد انتقل ~~نصيبه إلى الآخرين أو يقول على أنه من مات من الثلاثة انتقل نصيبه إلى ~~الآخرين أن ms8916 كانا فقيرين أو أن كانا مقيمين ببلد الوقف ونحو PageV31P111 ذلك ~~أفليس كل فقيه بل كل عاقل يقضى بان استحقاق الباقين لنصيب المتوفى مشروط ~~بهذا الشرط وإن هذا الشرط الذى تضمنه الكلام يجب الرجوع إليه فان الكلام ~~إنما يتم بآخره ولا يجوز اعتبار الكلام المقيد دون مطلقه وهذا مما قد اضطر ~~الله العقلاء إلى معرفته إلا أن يحول بين البصيرة وبين الادراك مانع فيفعل ~~الله ما يشاء ومسألتنا أوضح من هذه الأمثلة # ومثال ذلك أن يقول وقف على أولادى ثم على أولادهم على أنه من مات منهم ~~وهو عدل انتقل نصيبه إلى ولده فهل يجوز أن ينتقل الوقف إلى الولد سواء كان ~~الميت مسلما أو كافرا وسواء كان عدلا أو فاسقا فمن توهم أنه ينتقل إليه لا ~~ندراجه في اللفظ العام قيل له اللفظ العام لم ينقطع ويسكت عليه حتى يعمل به ~~وإنما هو موصول بما قيده وخصصه ولا يجوز أن يعتبر بعض الكلام الواحد دون ~~بعض وهذا أبين من فلق الصبح ولكن من لم يجعل الله له نورا فماله من نور # ومن أراد أن يبهر المتكلم في هذا فاليكثر من النظائر التى يصل فيها ~~الكلام العام أو المطلق بما يخصه ويقيده مثل أن تقول وقفت على الفقهاء على ~~أنه من حضر الدرس صبيحة كل يوم استحق أو وقفت على الفقراء على أنه من جاور ~~بالحرمين منهم استحق أو تقول على أن PageV31P112 يجاور بأحد الحرمين أو على ~~أن الفقهاء يشهدون الدرس في كل غداة ونحو ذلك من النظائر التى تفوت العدد ~~والاحصاء # ومما يغلط فيه بعض الاذهان في مثل هذا أن يحسب أن بين أول الكلام وآخره ~~تناقضا أو تعارضا وهذا شبهة من شبهات بعض الطماطم من منكرى العموم فانهم ~~قالوا لو كانت هذه الصيغ عامة لكان الاستثناء رجوعا أو نقضا وهذا جهل فان ~~ألفاظ العدد نصوص مع جواز ورود الاستثناء عليها كما قال تعالى @QB@ فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ وكذلك النكرة في الموجب مطلقة مع جواز ~~تقييدها في ms8917 مثل قوله @QB@ فتحرير رقبة @QE@ # وإنما أتى هؤلاء من حيث توهموا أن الصيغ إذا قيل هي عامة قيل أنها عامة ~~مطلقا وإذا قيل إنها عامة مطلقا ثم رفع بالاستثناء بعض موجبها فقد اجتمع في ~~ذلك المرفوع العموم المثبت له والاستثناء النافى له وذلك تناقض أو رجوع 3 ~~فيقال لهم إذا قيل هي عامة فمن شرط عمومها أن تكون منفصلة عن صلة مخصصة فهي ~~عامة عند الاطلاق لا عامة على الاطلاق واللفظ الواحد تختلف دلالته بحسب ~~إطلاقه وتقييده ولهذا أجمع الفقهاء أن الرجل لو قال له ألف درهم من النقد ~~الفلانى أو مكسرة PageV31P113 وسود أو ناقصة أو طبرية أو ألف إلا خمسين ~~ونحو ذلك كان مقرى بتلك الصفة المقيدة ولو كان الاستثناء رجوعا لما قبل في ~~الاقرار إذ لا يقبل رجوع المقر في حقوق الآدميين # وكثيرا ما قد يغلط بعض المتطرفين من الفقهاء في مثل هذا المقام فانه يسأل ~~عن شرط واقف أو يمين حالف ونحو ذلك فيرى أول الكلام مطلقا أو عاما وقد قيد ~~في آخره فتارة يجعل هذا من باب تعارض الدليلين ويحكم عليهما بالأحكام ~~المعروفة للدلائل المتعارضة من التكافؤ والترجيح وتارة يرى أن هذا الكلام ~~متناقض لاختلاف آخره وأوله وتارة يتلدد تلدد المتحير وينسب الشاطر إلى فعل ~~المقصر وربما قال هذا غلط من الكاتب وكل هذا منشؤه من عدم التمييز بين ~~الكلام المتصل والكلام المنفصل ومن علم أن المتكلم لا يجوز اعتبار أول ~~كلامه حتى يسكت سكوتا قاطعا وأن الكاتب لا يجوز اعتبار كتابه حتى يفرغ ~~فراغا قاطعا زالت عنه كل شبهة في هذا الباب وعلم صحة ما تقوله العلماء في ~~دلالات الخطاب # ومن أعظم التقصير نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه وجريانه على ~~أحسن أساليب كلام الناس ثم يعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر ~~فلو جاز أن يقال قوله على أنه من مات منهم عن غير ولد غلط لم يكن ذلك بأولى ~~من أن PageV31P114 # يقال قوله ( ثم ( هو الغلط فان الغلط في تبديل حرف بحرف ms8918 بالنسبة إلى ~~الكاتب أولى من الغلط بذكر عدة كلمات فان قوله عن غير ولد ولا ولد ولد ولا ~~نسل ولا عقب مشتمل على أكثر من عشر كلمات # ثم من العجب أن يتوهم ان هذا توكيد والمؤكد انما يزيح الشبهة فكان قوله ~~من مات منهم عن ولد أولى من قوله من مات منهم عن غير ولد اذا كان الحكم في ~~البابين واحدا وقصد التوكيد فان نقل نصيب الميت إلى اخوته مع ولده تنبيه ~~على نقله اليهم مع عدمهم اما أن يكون التوكيد ببيان الحكم الجلى دون الخفى ~~فهذا خروج عن حدود العقل والكلام ثم التوكيد لا يكون بالاوصاف المقيدة ~~للموصوف فانه لو قال أكرم الرجال المسلمين وقال أردت إكرام جميع الرجال ~~وخصصت المسلمين بالذكر توكيدا وذكرهم لا ينفى غيرهم بعد دخولهم في الأسم ~~الأول لكان هذا القول ساقطا غير مقبول أصلا فان المسلمين صفة للرجال والصفة ~~تخصص الموصوف فلا يبقى فيه عموم لكن لو قال أكرم الرجال والمسلمين بحرف ~~العطف مع اتفاق الحكم في المعطوف والمعطوف عليه وكونه بعضه لكان توكيدا لأن ~~المعطوف لا يجب ان يقيد المعطوف عليه ويخصصه لما بينهما من المغايرة ~~الحاصلة بحرف العطف بخلاف الصفات PageV31P115 ونحوها فانها مقيدة وكذلك بعض ~~أنواع العطف لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك ولهذا فرق الفقهاء بين العطف ~~المغير وغير المغير في ( باب الاقرار والطلاق والعقود ( # 3 ومن رام أن يجعل الكلام معنى صحيحا قبل أن يتم لزمه أن يجعل أول كلمة ~~التوحيد كفرا وآخرها إيمانا وان المتكلم بها قد كفر ثم آمن فنعوذ بالله من ~~هذا الخبال وان كان قد نقل عن بعض الناس أنه قال ما كلمة أولها كفر وآخرها ~~إيمان فقيل له ما هي فقال كلمة الاخلاص قلت قصد بذلك ان أولها لو سكت عليه ~~كان كفرا ولم يرد أنها كفر مع اتصالها بالاستثناء فانه لو أراد هذا لكان قد ~~كفر # ولهذا قال المحققون الاستثناء تكلم بما عدى المستثنى وغلط بعضهم فظن أنه ~~إذا قال ألف إلا خمسين كانت ms8919 الألف مجازا لأنه مستعمل في غير ما وضع له لأنه ~~موضوع لجملة العدد ولم يرد المتكلم ذلك فيقال له هو موضوع له اذا كان ~~منفردا عن صلة وذلك الشرط قد زال ثم يقال له إنما فهم المعنى هنا بمجموع ~~قوله ألف إلا خمسين لا بنفس الألف فصارت هذه الألفاظ الثلاثة هي الدالة على ~~تسعمائة وخمسين # وهذه شبهة من رأى ان العام المخصوص تخصيصا متصلا مجاز كالعام المخصوص ~~تخصيصا منفصلا عند كثير من الناس PageV31P116 وسياق هذا القول يوجب ان كل ~~اسم أو فعل وصل بوصف أو عطف بيان أو بدل أو أحد المفعولات المقيدة أو الحال ~~أو التمييز أو نحو ذلك كان استعماله مجازا وفساد هذا معلوم بالاضطرار ~~والفرق بين القرينة اللفظية المتصلة باللفظ الدالة بالوضع وبينما ليس كذلك ~~من القرائن الحالية والقرائن اللفظية التى لا تدل على المقصود بالوضع كقوله ~~رأيت أسدا يكتب وبحرا راكبا في البحر وبين الالفاظ المنفصلة معلوم يقينا من ~~لغة العرب والعجم ومع هذا فلا ريب عند أحد من العقلاء ان الكلام إنما يتم ~~بآخره وان دلالته إنما تستفاد بعد تمامه وكماله وأنه لا يجوز ان يكون أوله ~~دالا دون آخره سواء سمى أوله ( حقيقة أو مجازا ( ولا أن يقال إن أوله يعارض ~~آخره فان التعارض إنما يكون بين دليلين مستقلين والكلام المتصل كله دليل ~~واحد فالمعارضة بين أبعاضه كالمعارضة بين أبعاض الاسماء المركبة # وهذا كلام بين خصوصا في ( باب الوقوف ( فان الواقف يريد أن يشرط شروطا ~~كثيرة في الموقوف والموقوف عليه من الجمع والترتيب والتسوية والتفضيل ~~والاطلاق والتقيد يحتمل سجلا كبيرا ثم أنه لم يخالف مسلم في أنه لا يجوز ~~اعتبار أول كلامه إطلاقا وعموما وإلغاء آخره أو يجعل ما قيده وفصله وخصصه ~~في آخر كلامه مناقضا أو معارضا لما صدر PageV31P117 به كلامه من الأسماء ~~المطلقة أو العامة فان مثل هذا مثل رجل نظر في وقف قد قال واقفه وقفت على ~~أولادى ثم على أولادهم ثم قال بعد ذلك ومن شرط الموقوف عليهم أن يكونوا ms8920 ~~فقراء أو عدولا ونحو ذلك فقال هذا الكلام متعارض لأنه في أول كلامه قد وقف ~~على الجميع وهذا مناقض لتخصيص البعض ثم يجعل هذا من ( باب الخاص والعام ومن ~~( باب تعارض الأدلة ( فمعلوم أن هذا كله خبط إذ التعارض فرع على استقلال كل ~~منهما بالدلالة والاستقلال بالدلالة فرع على انقضاء الكلام وانفصاله فأما ~~مع اتصاله بما يغير حكمه فلا يجوز جعل بعضه دليلا مخالفا لبعض والله سبحانه ~~يوفقنا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه # فإن قيل قوله على أنه من مات منهم يجوز أن يكون شرطه الواقف ليبين ان ~~الوقف ينتقل إلى من بقى وانه لا ينقطع في وسطه # فإن من الفقهاء من قد خرج في قوله على ولدى ثم على ولد ولدى إذا مات ~~أحدهم ثلاثة أقوال كألاقوال الثلاثة في قوله على أولادى الثلاثة ثم على ~~المساكين # أحدها وهو المشهور أنه يكون للباقين من الطبقة العليا # والثانى أنه ينتقل إلى الطبقة الثانية كما لو أنقرضت الطبقة العليا ~~PageV31P118 # والثالث أنه يكون مسكوتا فيكون منقطع الوسط كما لو قال وقفته على زيد ~~وبعد موته بعشر سنين على المساكين وإذا كان انقطاعه في وسط عند موت الواحد ~~محتملا فقد ذكر الواقف هذا الشرط لينفى هذا الاحتمال وان كان هذا الشرط ~~مقتضى الوقف على القول الأول ثم من الشروط ما يكون مطابقا لمقتضى المدلول ~~فيزيد موجبها توكيدا # قلنا سبحان الله العظيم هذا كلام من قد نأى عن موضع استدلالنا فانا لم ~~نستدل بصيغة الشرط المطلقة وانما استدللنا بما تضمنه الشرط من التقييد فان ~~هذا الكلام جيد لو كان الواقف قال على أنه من مات منهم انتقل نصيبه إلى ذوى ~~طبقته ولو قال هذا لم يكن في المسألة شبهة أن نصيب الميت ينتقل إلى ذوى ~~الطبقة مع الولد وعدمه من وجوه متعددة # منها أن هذا هو موجب الكلام الأول عند الاطلاق ولم يوصل بما يغيره # ومنها أنه وصل بما وكد موجب مطلقه # ومنها أنه قد شرط ذلك شرطا نفى به الصرف إلى الطبقة الثانية ونفى ms8921 به ~~الانقطاع سواء كان للميت ولد أو لم يكن # ) # وإنما صورة مسألتنا أنه قال على أنه من توفى منهم عن غير ولد PageV31P119 ~~ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب كان نصيبه لذوى طبقته فجعل الانتقال إليهم ~~مشروطا بموت الميت عن غير ولد وهذا الشرط كما أنه قد نفى به الانقطاع فقد ~~قيد به الانتقال إلى ذوى الطبقة واللفظ دال عليهما دلالة صريحة فإفادته ~~لاحداهما لا تنفى افادته للاخرى كما لو قال وقفت على أولادى الثلاثة ثم على ~~المساكين على أنه من مات منهم في حياة الواقف صرف نصيبه إلى من في درجته ~~فهل يجوز أن يصرف نصيبه إلى ذوى الطبقة إذا مات بعد موت الواقف هذا لم يقله ~~أحد في هذه الصورة لكن قد يقال إنه مسكوت عن موته بعد موت الواقف فيكون ~~منقطع الوسط # والصواب الذى عليه الناس قديما وحديثا إنه يكون للمساكين لأن اللفظ اقتضى ~~جعله للثلاثة ثم للمساكين فحيث لم يصرف إلى الثلاثة تعين صرفه إلى المساكين ~~لحصر الواقف الوقف فيها مع أن بحث مسألتنا أظهر من هذه كما تقدم بل لو فرض ~~أن قائلا قد قال إذا مات عن غير ولد يكون منقطعا وإذا مات عن ولد لم يكن ~~لجاز أن يقال هذا الشرط لنفى احتمال الانقطاع ومع هذا فهو دال على التقييد ~~كما ذكرناه فانه يدل على صرف نصيب الميت عن غير ولد إلى طبقته وعلى عدم ~~الصرف اليهم مع الولد فالدلالة الأولى تنفى الانقطاع والدلالة الثانية توجب ~~الاشتراك ولا منافاة بينهما PageV31P120 بل الأولى حصلت من وضع هذا اللفظ ~~والثانية حصلت من مجموع الشرط أو الكلام الأول فكيف والامر ليس كذلك # فإن قيل هذا نفى للاحتمال في هذه الصورة وإن كان لم ينفه في أخرى قلنا ~~هذا إنما يستقيم أن لو لم تكن الصورة المذكورة مقيدة للفظ المطلق فان قوله ~~من مات منهم مطلق وقد قيده عن غير ولد وفى مثل هذا لا يقال ذكر صورة وترك ~~أخرى إلا إذا كان الكلام مستقلا بنفسه غير ms8922 متصل بغيره فأما إذا كان الكلام ~~متصلا بغيره فانه يصير قيدا في ذلك الأول فإن قوله عن غير ولد نصب على ~~الحال أيضا والحال صفة والصفة مقيدة فكأنه قال بشرط أنه من كان موته على ~~هذه الصفة انتقل نصيبه إلى ذوى الطبقة أو أنه ينتقل نصيب الميت إلى ذوى ~~الطبقة بشرط أن لا يكون للميت ولد ومعلوم بالاضطرار أن الانتقال المشروط ~~بصفة لا يجوز اثباته بدون تلك الصفة # فقوله عن غير ولد صفة لموت الميت والانتقال إذا مات الميت على هذه الحال ~~صفة للوقف والوقف الموصوف بصفة وتلك الصفة موصوفة بأخرى لا يجوز إثباته الا ~~مع وجود الصفة وصفة الصفة فلا يجوز أن يكون وقفا على الأولاد ثم أولادهم ~~إلا بشرط انتقال نصيب المتوفى إلى ذوى الطبقة PageV31P121 ولا يجوز نقل ~~نصيب الميت إلى ذوى الطبقة إلا بشرط موته عن غير ولد أو ولد ولدا ونسل أو ~~عقب حتى لو كان له ولد وإن بعد كان وجوده مانعا من الانتقال إلى ذوى الطبقة ~~وموجبا للانتقال إليه بقوله على أولاده ثم أولاد أولاده ثم نسله وعقبه ~~دائما ما تناسلوا وأعلم أن هذا السؤال لا يكاد ينضبط وجوه فساده مع ما ~~ذكرناه لكثرتها منها أنه لو كان قصده مجرد نفى احتمال الانقطاع لكان ~~التعميم بقوله من مات منهم انتقل نصيبه أو التنبيه بقوله من مات منهم عن ~~ولد انتقل نصيبه إلى ذوى طبقته هو الواجب فانه إذا انتقل نصيبه إلى ذوى ~~الطبقة مع الولد فمع عدمه أولى أما أن ينص على إنتقاله إلى الطبقة مع عدم ~~الولد نافيا بذلك احتمال الانقطاع ثم يريد منا أن نفهم انتقاله إليهم أيضا ~~مع الولد لمجرد قوله على ولدى ثم ولد ولدى مع أن احتمال الانقطاع هنا قائم ~~مع احتمال آخر ينفرد به وهو الانتقال إلى الولد لأن احتمال انتقاله إلى ولد ~~الولد هنا أظهر من احتمال الانقطاع ومع أن فهم التخصيص مع التقييد أظهر من ~~فهم الانقطاع ومع أن دلالة قوله على ولد ولدى في الانتقال ms8923 إلى الطبقة مع ~~عدم الولد اظهر من دلالته في الانتقال اليهم مع وجود الولد فقد أراد منا أن ~~نفهم الكلام المقلوب ونخرج عن حدود العقل والبيان فإن PageV31P122 تركه ~~لرفع احتمال الانقطاع وغيره فيما هو فيه أظهر وعدوله عن العبارة المحققة ~~لنفى الانقطاع مطلقا بلا لبس إلى عبارة هي في التقييد أظهر منها في مجرد ~~نفى انقطاع بعض الصور دليل قاطع على أنه لم يقصد بذلك # ونظير هذا رجل قال لعبده أكرم زيدا إن كان رجلا صالحا فأكرمه وكان غير ~~صالح فلم يكرمه الغلام فقال له سيده عصيت أمرى ألم آمرك باكرامه قال قد قلت ~~لى إن كان صالحا فأكرمه قال إنما قلت هذا لئلا تتوهم أنى أبغض الصالحين فلا ~~تكرمه مع صلاحه فنفيت احتمال التخصيص في هذه الصورة فهل يقبل هذا الكلام من ~~عاقل أو ينسب الغلام إلى تفريط أو يقول للسيد هذه العبارة دالة على التخصيص ~~ولو كنت مثبتا للتعميم لكان الواجب أن تقول أكرمه وأن لم يكن صالحا لأن ~~اكرام الصالح يصير من باب التنبيه أو اكرمه وان كان صالحا أن كان حبا لك ~~صحيحا # وكذا هنا يقول المنازع هو نقله إلى الطبقة سواء كان له ولد أو لم يكن ~~فإذا قيل له فلم قيد النقل بقوله على أنه من مات منهم عن غير ولد انتقل ~~نصيبه إلى الطبقة قال لينفى احتمال الانقطاع في هذه الصورة دون الصورة التى ~~هي أولى بنفى الانقطاع فيها فيقال له كان الكلام PageV31P123 العربى في مثل ~~هذا على أنه من توفى منهم وإن كان له ولد انتقل نصيبه إلى من في درجته أو ~~يقول على أنه من توفى منهم وان لم يكن له ولد فيأتى بحرف العطف أما إذا قال ~~على أنه من توفى منهم عن غير ولد فهذا نص في التقييد لا يقبل غيره ومن توهم ~~غير هذا أو جوزه ولو على بعد أو جوز لعاقل أن يجوزه فلا ريب أنه خارج عن ~~نعمة الله التى أنعم بها على الانسان حيث علمه ms8924 البيان وما ظنى أنه لو ترك ~~وفطرته توهم هذا ولكن قد يعرض للفطر آفات تصدها عن سلامتها كما نطقت به ~~الأحاديث # ومنها أن العاقل لا ينفى احتمالا بعيدا باثبات احتمال أظهر منه ومعلوم ~~أنه لو سكت عن هذا الشرط لكان احتمال الانقطاع في غاية البعد فانه إما خلاف ~~الاجماع أو معدود من الوجوه السود وإذا ذكر الشرط صار احتمال التقييد ~~وترتيب التوزيع احتمالا قويا أما ظاهرا عند المنازع أو قاطعا عند غيره فكيف ~~يجوز أن يحمل كلام الواقف على المنهج الذميم دون الطريق الحميد مع إمكانه # ومنها أن هذا الاحتمال لا يتفطن له إلا بعض الفقهاء ولعله لم يخلق في ~~الاسلام إلا من زمن قريب واحتمال التقييد أمر لغوى موجود قبل الاسلام فكيف ~~يحمل كلام واقف متقدم على الاحتراز من احتمال لا PageV31P124 يخطر إلا بقلب ~~الفرد من الناس بعد الفرد ولعله لم يخطر ببال الواقف دون أن يحمل على ~~الاحتراز من احتمال قائم بقلب كل متكلم أو غالب المتكلمين منذ علم آدم ~~البيان # ومنها أن الواقف إذا كان قصده نفى احتمال الانقطاع في هذه الصورة بقوله ~~عن غير ولد أيضا صالح لأن يكون نفى به احتمال الانقطاع في الصورة الأخرى ~~ويكون نفى احتمال الانقطاع فيها بانتقال نصيب من مات عن ولد إلى ولده فان ~~هذا فيه صون هذا التقييد عن الألغاء ورفع للانقطاع في الصورتين ومعلوم أن ~~حمل كلام الواقف على هذا أحسن من جعله مهدرا مبتورا # ومنها أن هذا المقصود كان حاصلا على التمام لو قال على أنه من مات منهم ~~فزيادة اللفظ ونقص المعنى خطأ لا يجوز حمل كلام المتكلم عليه إذا أمكن أن ~~يكون له وجه صحيح وهو هنا كذلك # ومنها أن هذا الكلام مبني على أن قوله على أولادى ثم على أولادهم مقتض ~~لترتيب المجموع على المجموع وهذا الاقتضاء مشروط بعدم وصل اللفظ بما يقيده ~~فانه إذا وصل بما يقيده ويقتضى ترتيب الافراد على الافراد مثل قوله على أنه ~~من مات منهم عن ولد كان نصيبه ms8925 لولده ونحو ذلك من العبارات كان ذلك الاقتضاء ~~منتفيا PageV31P125 بالاتفاق وهذا اللفظ وهو قوله على أنه من توفى منهم عن ~~غير ولد ظاهر في تقييد الانتقال بعدم الولد وإنما يصرفه من يصرفه عن هذا ~~الظهور لمعارضة الأول له وشرط كون الأول دليلا عدم الصلة المغيرة فيدور ~~الأمر فتبطل الدلالة وذلك أنه لا يثبت كون الأول مقتضيا لترتيب المجموع إلا ~~مع الانقطاع عن المغير ولا يثبت هنا الانقطاع عن المغير حتى يثبت أن هذا لا ~~يدل على التغيير بل على معنى آخر ولا تثبت دلالته على ذلك المعنى حتى يثبت ~~أن المتقدم دليل على ترتيب المجموع وهذا هو الدور وهو مصادرة على المطلوب ~~فانه جعل المطلوب مقدمة في اثبات نفسه # ومنها أن يقال قوله عن غير ولد قيد في الانتقال أم لا فان قال ليس بقيد ~~فهو مكابرة ظاهرة في اللغة وأن قال هو قيد قيل له فيجوز إثبات الحكم المقيد ~~بدون قيده فان قال نعم بالدليل الأول قيل فيجوز الاستدال بأول الكلام مطلقا ~~عما قيد به في آخره فان قال نعم علم أنه مكابر وإن قال لا ثبت المطلوب وهذه ~~مقدمات يقينية لا يقدح فيها كون الكلام له فوائد أخر ومن وقف عليها مقدمة ~~لم يبق إلا معاندا أو مسلما للحق # ومنها أنه إذا قيل بأن الوقف يكون منقطع الوسط إذا مات الميت عن غير ولد ~~ولا يكون منقطعا إذا مات عن ولد كان لهذا السؤال PageV31P126 وجه لكن يكون ~~حجة على المنازع فانه إذا كان متصلا مع موته عن ولد فان كان ينتقل إلى ~~الولد فهو المطلوب وإن كان ينتقل إلى الطبقة فمحال أن يقول فقيه إنه ينتقل ~~إلى الطبقة مع الولد ويكون منقطعا مع عدم الولد فثبت أن جعل هذا الكلام ~~رفعا لا حتمال الانقطاع دليل ظاهر على انتقال نصيب المتوفى عن ولد إلى ولده ~~ودلائل هذا مثل المطر والله يهدى من يشاء إلى سواء الصراط # الوجه الثانى في أصل المسألة أن قوله على أولاده ثم على أولادهم مقتض ms8926 ~~للترتيب وهو أن استحقاق أولاد الأولاد بعد الأولاد وهنا جمعان أحدهما مرتب ~~على الآخر والاحكام المرتبة على الأسماء العامة نوعان # أحدهما ما يثبت لكل فرد من أفراد ذلك العام سواء قدر وجود الفرد الآخر أو ~~عدمه # والثانى ما يثبت لمجموع تلك الأفراد فيكون وجود كل منها شرطا في ثبوت ~~الحكم للآخر # مثال الأول قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين ~~من قبلكم @QE@ @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ ومثال ~~PageV31P127 الثانى قوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ @QB@ ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ فإن الخلق ثابت لكل واحد من الناس وكلا منهم ~~مخاطب بالعبادة والطهارة وليس كل واحد من الأمة أمة وسطا ولا خير أمة # ) # ثم العموم المقابل بعموم آخر قد يقابل كل فرد من هذا 1 بكل فرد من هذا ~~كما في قوله @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله @QE@ فإن كل واحد من المؤمنين آمن بكل واحد من ~~الملائكة والكتب والرسل وقد يقابل المجموع بالمجموع بشرط الاجتماع منهما ~~كما في قوله @QB@ قد كان لكم آية في فئتين التقتا @QE@ فإن الالتقاء ثبت ~~لكل منهما حال اجتماعهما وقد يقابل شرط الاجتماع من أحدهما كقوله @QB@ كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس @QE@ فإن مجموع الأمة خير للناس مجتمعين ومنفردين وقد ~~يقابل المجموع بالمجموع بتوزيع الأفراد على الأفراد فيكون لكل واحد من ~~العمومين واحد من العموم الآخر كما يقال لبس الناس ثيابهم وركب الناس ~~دوابهم فان كل واحد منهم ركب دابته ولبس ثوبه وكذلك إذا قيل الناس يحبون ~~أولادهم أى كل واحد يحب ولده ومن هذا قوله سبحانه @QB@ والوالدات يرضعن ~~أولادهن @QE@ أى كل والدة ترضع ولدها بخلاف مالو قلت الناس يعظمون الأنبياء ~~فان كل واحد منهم يعظم كل واحد من الأنبياء # فقول الواقف على أولاده ثم على أولادهم قد اقتضى ترتيب PageV31P128 أحد ~~العمومين على الآخر فيجوز أن يريد أن العموم الثانى بمجموعه مرتب على مجموع ~~العموم الأول وعلى كل فرد من أفراده فلا يدخل ms8927 شيء من هذا العموم الثانى في ~~الوقف حتى ينقضى جميع أفراد العموم الأول ويجوز أن يريد ترتيبا يوزع فيه ~~الافراد على الافراد فيكون كل فرد من أولاد الأولاد داخلا عند عدم والده لا ~~عند عدم والد غيره كما في قوله @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن @QE@ وقولهم ~~الناس يحبون أولادهم واللفظ صالح لكلا المعنيين صلاحا قويا # ) # لكن قد يترجح أحدهما على الآخر بأسباب أخرى كما رجح الجمهور ترتيب الكل ~~على الكل في قوله وقفت على زيد وعمرو وبكر ثم على المساكين فانه ليس بين ~~المساكين وبين أولئك الثلاثة مساواة في العدد حتى يجعل كل واحد مرتبا على ~~الآخر ولا مناسبة تقتضى أن يعين لزيد هذا المسكين ولعمرو هذا ولبكر هذا ~~بخلاف قولنا الناس يحبون أولادهم فان المراد هنا من له ولد فصار أحد ~~العمومين مقاوما للآخر وفى أولادهم من الاضافة ما اقتضى أن يعين لكل انسان ~~ولده دون ولد غيره # وكما يترجح المعنى الثانى في قوله سبحانه @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم وأخواتكم @QE@ إلى آخره فانه لم يحرم على كل واحد من المخاطبين ~~جميع أمهات المخاطبين وبناتهم وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته PageV31P129 ~~وكذلك قوله @QB@ ولكم نصف ما ترك أزواجكم @QE@ فانه ليس لجميع الأزواج نصف ~~ما ترك جميع النساء وإنما لكل واحد نصف ما تركت زوجته فقط وكذلك قوله ( ~~والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم ( إنما معناه اتبع ~~كل واحد ذريته ليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء # وهذا كثير في الكلام مثل أن يقول الناس في ديارهم ومع أزواجهم يتصرفون في ~~أموالهم وينفقون على أولادهم وما أشبه ذلك # ثم الذى يوضح أن هذا المعنى قوى في الوقف ثلاثة أشياء # أحدها أن أكثر الواقفين ينقلون نصيب كل والد إلى ولده لا يؤخرون الانتقال ~~إلى انقضاء الطبقة والكثرة دليل القوة بل والرجحان # الثانى أن الوقف على الأولاد يقصد به غالبا أن يكون بمنزلة الموروث الذى ~~لا يمكن بيعه فان المقصود الأكبر انتفاع الذرية به على وجه لا ms8928 يمكنهم إذهاب ~~عبنه # وأيضا فان بين الوقف والميراث هنا شبه من جهة ان الانتقال إلى ولد الولد ~~مشروط بعدم الولد فيهما ثم مثل هذه العبارة لو أطلقت في الميراث كما اطلقها ~~الله تعالى في قوله @QB@ ولكم نصف ما ترك أزواجكم @QE@ PageV31P130 @QB@ ~~ولهن الربع مما تركتم @QE@ لما فهم منها الا مقابلة التوزيع للافراد على ~~الأفراد لا مقابلة المجموع بالمجموع ولا مقابلة كل واحد بكل واحد ولا ~~مقابلة كل واحد بالمجموع كما لو قال الفقيه لرجل مالك ينتقل إلى ورثتك ثم ~~إلى ورثتهم فانه يفهم منه ان مال كل واحد ينتقل إلى وارثه فليكن قوله على ~~أولادهم ثم على أولاد أولادهم كذلك أما صلاحا وأما ظهورا الثالث # أن قوله على أولادهم محال أن يحصل في هذه الاضافة مقابلة كل فرد بكل فرد ~~فان كل واحد من الأولاد ليس مضافا إلى كل واحد من الوالدين وإنما المعنى ثم ~~على ما لكل واحد من الأولاد فاذا قال وقفت على زيد وعمرو وبكر ثم على ~~أولادهم فالضمير عائد إلى زيد وعمرو وبكر وهذه المقابلة مقابلة التوزيع # وفى الكلام معنيان اضافة وترتيب فاذا كانت مقابلة الاضافة مقابلة توزيع ~~امكن أن يكون مقابلة الترتيب أيضا مقابلة توزيع كما أن قوله @QB@ يرضعن ~~أولادهن @QE@ لما كان معنى ارضاع وأضافة والاضافة موزعة كان الارضاع موزعا ~~وقوله @QB@ ولكم نصف ما ترك أزواجكم @QE@ لما كان معنى اضافة موزعة كان ~~الاستحقاق موزعا وهذا يبين لك أن مقابلة التوزيع في هذا الضرب قوية سواء ~~كانت راجحة أو مرجوحة أو مكافية PageV31P131 # وللناس تردد في موجب هذه العبارة عند الاطلاق في الوقف وإن كان كثير منهم ~~أو أكثرهم يرجحون ترتيب الجمع على الجمع بلا توزيع كما في قولنا على هؤلاء ~~ثم على المساكين ولأصحابنا في موجب ذلك عند الاطلاق وجهان مع أنهم لم ~~يذكروا في قوله وقفت على هذين ثم على المساكين خلافا والفرق بينهما على أحد ~~الوجهين ما قدمناه والمشهور عند أصحاب الشافعى أنه لترتيب الجمع على الجمع ~~ولهم وجه أنه من مات عن ولد أو ms8929 غير ولد فنصيبه منقطع الوسط وخرج بعضهم وجها ~~أن نصيب الميت ينتقل إلى جميع الطبقة الثانية # وليس الغرض هنا الكلام في موجب هذا اللفظ لو أطلق فانا إنما نتكلم على ~~تقدير التسليم لكونه يقتضى ترتيب الجمع على الجمع إذ الكلام على التقدير ~~الآخر ظاهر فاما صلاح اللفظ للمعنيين فلا ينازع فيه من تصور ما قلناه وإذا ~~ثبت أنه صالح فمن المعلوم أن اللفظ إذا وصل بما يميز أحد المعنيين الصالحين ~~له وجب العمل به ولا يستريب عاقل في أن الكلام الثانى يبين أن الواقف قصد ~~أن ينقل نصيب كل والد إلى ولده وإلا لم يكن فرق بين أن يموت أحد منهم عن ~~ولد أو عن غير ولد بل لم يكن إلى ذكر الشرط حاجة أصلا أكثر ما يقال أنه ~~توكيد لو خلا عن دلالة المفهوم فيقال حمله على التأسيس أولى من حمله على ~~التوكيد PageV31P132 # وأعلم ان هذه الدلالة مستمدة من أشياء أحدها صلاح اللفظ الأول لترتيب ~~التوزيع # الثانى أن المفهوم يشعر بالاختصاص وهذا لا ينازع فيه عاقل وان نازع في ~~كونه دليلا # الثالث أن التأسيس أولى من التوكيد وليس هذا من باب تعارض الدليلين ولا ~~من باب تقييد الكلام المطلق وإنما هو من باب تفسير اللفظ الذى فيه احتمال ~~المعنيين فان قلتم اللفظ الأول إن كان ظاهرا في ترتيب الجمع فهذا صرف ~~للظاهر وان قلتم هو محتمل أو ظاهر في التوزيع منعناكم وان قلتم لا يوصف ~~اللفظ بظهور ولا إكمال إلا عند تمامه والأول لم يتم فهذا هو الدليل الأول ~~فما الفرق بينهما قلنا في الدليل الأول بيان أن اللفظ الأول لو كان نصا لا ~~يقبل التأويل عند الاطلاق فان وصله بما يقيده يبطل تلك الدلالة كما لو قال ~~وقفت على زيد ثم قال ان كان فقيرا فهذا لا يعد تفسيرا للفظ محتمل وإنما هو ~~تقييد وفى هذا الدليل بيان أن اللفظ الأول محتمل لمعنيين ولا يجوز وصفه ~~بظهور في أحدهما إلا أن ينفصل عما بعده فأما إذا اتصل بما ms8930 بعده بين ذلك ~~الوصل أحد المعنيين PageV31P133 # فقولكم اللفظ الأول لا يخلو أن يكون ظاهرا في أحدهما أو محتملا قلنا قبل ~~تمامه لا يوصف بواحد من الثلاثة وإنما قد يوصف بالصلاح للمعانى الثلاثة ولا ~~يقال فيه صرف للظاهر أصلا فانه لا ظاهر لكلام لم يتم بعد وإنما ظاهر الكلام ~~ما يظهر منه عند فراغ المتكلم # وبهذا يتبين منشأ الغلط في عموم اللفظ الأول فان قوله على أولادى ثم على ~~أولادهم عام في أولاد أولاده بلا تردد فلا يجوز إخراج أحد منهم وهو مقتض ~~للترتيب أيضا فان الأولاد مرتبون على أولاد الأولاد لكن ما صفة هذا العموم ~~أهو عموم التفسير والتوزيع المقتضى لمقابلة كل فرد بفرد أو عموم الشياع ~~المقتضى لمقابلة كل فرد بكل فرد ومن ادعى أن اللفظ صريح في هذا بمعنى أنه ~~نص فيه فهو جاهل بالأدلة السمعية والأحكام الشرعية خارج عن مناهج العقول ~~الطبيعية ومن سلم صلاح اللفظ لهما وادعى رجحان أحدهما عند انقطاع الكلام لم ~~ننازعه فانها ليست مسألتنا وان نازع في رجحان المعنى الأول بعد تلك الصلة ~~فهو أيضا مخطىء قطعا # وهذه حجة عند مثبتى المفهوم ونفاته كالوجه الأول فان نافى المفهوم يقول ~~المسكوت لم يدخل في الثانى لكن إن دخل في الأول عملت به ونسلم أنه إذا غلب ~~على الظن أو إذا علم أن لا موجب للتخصيص سوى الاختصاص بالحكم كان المفهوم ~~دليلا فاذا تأمل قوله PageV31P134 على أنه من مات منهم عن غير ولد كان ~~نصيبه لأهل طبقته قال أن كان مراد الواقف عموم الشياع كان هذا اللفظ مقيدا ~~لبيان مراده ومتى دار الأمر بين أن تجعل هذه الكلمة مفسرة للفظ الأول وبين ~~أن تكون لغوا كان حملها على الافادة والتفسير أولى لوجهين # أحدهما أنى اعتبرها واعتبار كلام الواقف أولى من اهداره # والثانى أجعلها بيانا للفظ المحتمل حينئذ فأدفع بها احتمالا كنت أعمل به ~~لولا هي وإذا كان الكلام محتملا لمعنيين كان المقتضى لتعيين احدهما قائما ~~سواء كان ذلك الاقتضاء مانعا من النقيض أو غير مانع ms8931 فاذا حملت هذا اللفظ ~~على البيان كنت قد وفيت المقتضى حقه من الاقتضاء وصنت الكلام الذى يميز بين ~~الحلال والحرام عن الاهدار والالغاء فأين هذا ممن يأخذ بما يحتمله أول ~~اللفظ ويهدر آخره وينسب المتكلم به إلى العى واللغو # والذى يوضح هذا أن قوله على أنه من صيغ الاشتراط والتقييد والشرط إنما ~~يكون لما يحتمله العقد مع أن اطلاقه لا يقتضيه بيان ذلك أن قوله بعت ~~واشتريت لا يقتضى اجلا ولا رهنا ولا ضمينا ولا نقدا غير نقد البلد ولا صفة ~~زائدة في المبيع لكن اللفظ يحتمله بمعنى أنه صالح لهذا ولهذا لكن عند ~~الاطلاق ينفى هذه الاشياء فإن اللفظ لا يوجبها والاصل عدمها فمتى قال على ~~أن ترهننى به PageV31P135 كذا كان هذا تفسيرا لقوله بعتك بألف بمنزلة قوله ~~بألف متعلقة برهن # الوجه الثالث أن قوله على أنه من مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لذوى ~~طبقته دليل على أن من مات منهم عن ولد لم يكن نصيبه لذوى طبقته وهذه دلالة ~~المفهوم وليس هذا موضع تقريرها لكن نذكر هنا نكتا تحصل المقصود # أحدها أن القول بهذه الدلالة مذهب جمهور الفقهاء قديما وحديثا من ~~المالكية والشافعية والحنبلية بل هو نص هؤلاء الأئمة وإنما خالف طوائف من ~~المتكلمين مع بعض الفقهاء فيجب أن يضاف إلى مذاهب الفقهاء ما يوافق أصولهم ~~فمن نسب خلاف هذا القول إلى مذهب هؤلاء كان مخطئا وان كان بما يتكلم به ~~مجتهدا فيجب أن يحتوى على أدوات الاجتهاد # ومما يقضى منه العجب ظن بعض الناس أن دلالة المفهوم حجة في كلام الشارع ~~دون كلام الناس بمنزلة القياس وهذا خلاف إجماع الناس فان الناس إما قائل ~~بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ أو قائل أنه ليس من جملتها أما هذا ~~التفصيل فمحدث # ثم القائلون بأنه حجة إنما قالوا هو حجة في الكلام مطلقا واستدلوا على ~~كونه حجة بكلام الناس وبما ذكره أهل اللغة وبأدلة عقلية PageV31P136 تبين ~~لكل ذى نظر أن دلالة المفهوم من جنس دلالة العموم والاطلاق ms8932 والتقييد وهو ~~دلالة من دلالات اللفظ وهذا ظاهر في كلام العلماء والقياس ليس من دلالات ~~الالفاظ المعلومة من جهة اللغة وإنما يصير دليلا بنص الشارع بخلاف المفهوم ~~فانه دليل في اللغة والشارع بين الأحكام بلغة العرب # الثانى أن هذا المفهوم من باب مفهوم الصفة الخاصة المذكورة بعد الاسم ~~العام وهذا قد وافق عليه كثير ممن خالف في الصفة المبتدأة حتى أن هذا ~~المفهوم يكون حجة في الاسم غير المشتق كما احتج به الشافعى وأحمد في قول ~~النبى ( جعلت لى الأرض مسجدا ( وجعلت تربتها طهورا ( وذلك أنه إذا قال ~~الناس رجلان مسلم وكافر فأما المسلم فيجب عليك ان تحسن إليه علم بالاضطرار ~~ان المتكلم قصد تخصيص المسلم بهذا الحكم بخلاف ما لو قال ابتداء يجب عليك ~~ان تحسن إلى المسلم فانه قد يظن انه انما ذكره على العادة لانه هو المحتاج ~~إلى بيان حكمه غالبا كما في قوله ( كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله ~~وعرضه ) وكذلك ( في الابل السائمة الزكاة ) أقوى من قوله ( في السائمة ~~الزكاة ) لانه اذا قال ( في الابل السائمة ) فلو كان حكمها مع السوم وعدمه ~~سواء لكان قد طول اللفظ ونقص المعنى اما PageV31P137 إذا قال ( في السائمة ~~) فقد يظن انه خصها بالذكر لكونها أغلب الأموال أو لكون الحاجة إلى بيانها ~~امس وهذا بين كذلك هنا إذا كان مقصوده انتقال نصيب الميت إلى طبقته مع ~~الولد وعدمه # فلو قال فمن مات منهم كان نصيبه لذوى طبقته كان قد عمم الحكم الذى أراده ~~واختصر اللفظ فاذا قال فمن مات منهم عن غير ولد ولا نسل ولا عقب كان ما كان ~~جاريا عليه من ذلك لمن في درجته وذوى طبقته كان قد طول الكلام ونقص المعنى ~~بخلاف ما إذا حمل في ذلك على الاختصاص بالحكم فانه يبقى الكلام صحيحا ~~معتبرا والواجب اعتبار كلام المصنف ما أمكن ولا يجوز الغاؤه بحال مع امكان ~~اعتباره # الوجه الثالث ان نفاة المفهوم لا مكان ان يكون للتخصيص بالذكر سبب غير ~~التخصيص بالحكم اما عدم ms8933 الشعور بالمسكوت أو عدم قصد بيان حكمه أو كون ~~المسكوت اولى بالحكم منه أو كونه مساويا له في بادىء الرأى أو كونه سئل عن ~~المنطوق أو كونه قد جرى بسبب أوجب بيان المنطوق أو كون الحاجة داعية إلى ~~بيان المنطوق أو كون الغالب على افراد ذلك النوع هو المنطوق فاذا علم أو ~~غلب على الظن ان لا موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ونحوها علم انه ~~انما خصه بالذكر لأنه مخصوص بالحكم PageV31P138 ولهذا كان نفاة المفهوم ~~يحتجون في مواضع كثيرة بمفهومات لأنهم لا يمنعون ان يظهر قصد التخصيص في ~~بعض المفهومات وهذا من هذا الباب فإن قوله من مات منهم عن غير ولد قد يشعر ~~بالقسمين وله مقصود في بيان الشرط وليس هذا من باب التنبيه فانه إذا جعل ~~نصيب الميت ينتقل إلى اخوته عند عدم ولده لم يلزم ان ينقله اليهم مع وجود ~~ولده والحاجة داعية إلى بيان النوعين بل لو كان النوعان عنده سواء وقد خص ~~بالذكر حال عدم الوالد لكان ملبسا معميا لانه يوهم خلاف ما قصد بخلاف ما ~~اذا حمل على التخصيص # الرابع ان الوصف اذا كان مناسبا اقتضى العلية وكون الميت لم يخلف ولدا ~~مناسب لنقل حقه إلى اهل طبقته فيدل على ان علة النقل إلى ذوى الطبقة الموت ~~عن غير ولد فيزول هذا بزوال علته وهو وجود الولد # الخامس ان كل من سمع هذا الخطاب فهم منه التخصيص وذلك يوجب ان هذا حقيقة ~~عرفية اما اصلية لغوية أو طارية منقولة وعلى التقديرين يجب حمل كلام ~~المتصرفين عليها باتفاق الفقهاء # واعلم ان اثبات هذا في هذه الصورة الخاصة لا يحتاج إلى بيان كون المفهوم ~~دليلا لأن المخالف في المفهوم انما يدعى سلب العموم عن المفهومات ~~PageV31P139 لا عموم السلب فيها فقد يكون بعض المفهومات دليلا لظهور ~~المقصود فيها وهذا المفهوم كذلك بدليل فهم الناس منه ذلك ومن نازع في فهم ~~ذلك فاما فاسد العقل أو معاند # وإذا ثبت ان هذا الكلام يقتضى عدم الانتقال إلى ذوى ms8934 الطبقة مع وجود ~~الأولاد فاما ان لا يصرف اليهم ولا إلى الأولاد وهو خلاف قوله على أولادهم ~~ثم على أولاد أولادهم ابدا ما تناسلوا أو يصرف إلى الأولاد فهو المطلوب # فإن قيل قد يسلم أن المفهوم دليل لكن قد عارضه اللفظ الصريح أولا أو ~~اللفظ العام فلا يترك ذلك الدليل لاجل المفهوم قيل عنه أجوبة # أحدها أن اللفظ الأول لا دلالة فيه بحال على شيء لأن اللفظ إنما يصير ~~دليلا إذا تم وقطع عما بعده أما إذا وصل بما بعده فانه يكون جزءا من الدليل ~~لا دليلا وجزء الدليل ليس هو الدليل ومن اعتقد أن الكلام المتصل بعضه ببعض ~~يعارض آخره المقيد أوله المطلق فما درى أى شيء هو تعارض الدليلين # الثانى أن اللفظ الأول لو فرض تمامه ليس بصريح كما تقدم بيانه بل هو ~~محتمل لمعنيين وأما كونه عاما فمسلم لكنا لا نخصه بل نبقيه على PageV31P140 ~~عمومه وإنما الكلام في صفة عمومه بل ما حملناه عليه أبلغ في عمومه لأن ~~أولاد الأولاد يأخذ كل منهم في حياة أعمامه وبعد موتهم وعلى ذلك التقدير ~~إنما يأخذ في حياتهم فقط واللفظ المتناول لهم في حالين أعم من المتناول لهم ~~في أحدهما # الثالث لو فرض أن هذا من ( باب تعارض العموم والمفهوم ( فالصواب أن مثل ~~هذا المفهوم يقدم على العموم كما هو قول أكثر المالكية والشافعية والحنبلية ~~وقد حكاه بعض الناس اجماعا من القائلين بالمفهوم لأن المفهوم دليل خاص ~~والدليل الخاص مقدم على العام ولا عبرة بالخلاف في المفهوم فان القياس ~~الجلى مقدم على المفهوم مع أن المخالفين في القياس قريبون من المخالفين في ~~المفهوم وخبر الواحد يخص به عموم الكتاب مع أن المخالفين في خبر الواحد ~~أكثر من المخالفين عموم الكتاب # ) # فإن قيل هذا الذى ذكرتموه مبني على أن الضمير في قوله على أنه من مات ~~عائد إلى جميع من تقدم وهذا ممنوع فان من الفقهاء المعتبرين من قال أن ~~الاستثناء في شروط الواقف إذا تعقب جملا معطوفة ( 1 ) وإذا كان ms8935 الضمير ~~عائدا إلى الجملة الاخيرة فتبقى الجمل الأولى على ترتيبها PageV31P141 قيل ~~هذا باطل من وجوه # أحدها أن لازم هذا القول أنه لو قال على أولادى ثم أولادهم ثم أولاد ~~أولادهم ثم أولاد أولاد أولادهم ونسلهم وعقبهم على أنه من مات منهم عن ولد ~~كان نصيبه لولده ومن مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لمن في درجته لكان هذا ~~الشرط في الطبقة الآخرة وأن الطبقة الأولى والثانية والثالثة إذا مات الميت ~~منهم لم ينتقل نصيبه إلى ولده بل إلى ذوى الطبقة عملا بمقتضى مطلق الترتيب ~~فان التزم المنازع هذا اللازم وقال كذلك أقول كان هذا قولا مخالفا لما عليه ~~عمل المسلمين قديما وحديثا في كل عصر وكل مصر فان الوقوف المشرطة بهذه ~~الشروط لا يحصى عددها إلا الله تعالى # وما زال المسلمون من قضاتهم ومفتيهم وخاصتهم وعامتهم يجعلون مثل هذا ~~الشرط ثابتا في جميع الطبقات من غير نكير لذلك ولا منازع فيه فمن قال خلاف ~~ذلك علم أنه قد ابتدع قولا يخالف ما أجمعت عليه القرون السالفة والعلم بهذا ~~ضرورى # ثم لو فرض أن في هذا خلافا لكان خلافا شاذا معدودا من الزلات وبحسب قول ~~من الضعف أن يبنى على مثل هذا ومن لوازم هذا القول أنه لو قال وقف على ~~أولادى ثم أولادهم ثم أولاد أولادهم على أنه من PageV31P142 كان منهم فقيرا ~~صرف إليه ومن كان منهم غنيا لم يصرف إليه فانه يصرف إلى الطبقة الأولى ~~والثانية سواء كانوا أغنياء أو فقراء أو يختص التفصيل بالطبقة الثالثة ~~وكذلك لو قال على أنه من تزوج منهم أعطى ومن لم يتزوج لم يعط وكذلك لو قال ~~ومن شرط الوقف على أنه يصرف إلى الفقراء منهم دون الأغنياء أو بشرط أن يصرف ~~إلى فقرائهم دون أغنيائهم # وهكذا صور كثيرة لايأتى عليها الاحصاء من التزم فيها قياس هذا القول كان ~~قد أتى بداهية دهيا وإن قال بل يعود الشرط إلى جميع الطبقات كما هو المعلوم ~~عند الناس فقد علم بالاضطرار أن مسألتنا واحدة ms8936 من هذا النوع ليس بينها وبين ~~هذه الصور من الفرق ما يجوز أن يذهب على مميز # الوجه الثانى أن الناس لا يفهمون من هذا الكلام الا الاشتراط في جميع ~~الطبقات والدليل عليه أن الوقوف المشروطة بمثل هذا أكثر من أن تحصى ثم لم ~~يفهم الناس منها الا هذا ولعله لم يخطر الاختصاص بالطبقة الأخيرة ببال واقف ~~ولا كاتب ولا شاهد ولا مستمع ولا حاكم ولا موقوف عليه وإذا كان هذا هو ~~المفهوم من هذا الكلام في عرف الناس وجب حمل كلام المتكلمين على عرفهم في ~~خطابهم سواء كان عرفهم موافقا للوضع اللغوى أو مخالفا له فان كان موجب ~~اللغة PageV31P143 عود الشرط إلى الطبقات كلها فالعرف مقرر له وان فرض أن ~~موجب اللغة قصره على الطبقة الأخيرة كان العرف مغيرا لذلك الوضع # وكلام الواقفين والحالفين والموصين ونحوهم محمول على الحقائق العرفية دون ~~اللغوية على أنا نقول هذا هو المفهوم من هذا الكلام في العرف والاصل تقرير ~~اللغة لا تغييرها فيستدل بذلك على أن هذا هو مفهوم اللفظ في اللغة إذ الاصل ~~عدم النقل ومن نازع في أن الناس خاصتهم وعامتهم يفهمون من هذا الكلام عند ~~الاطلاق عود الشرط إلى جميع الطبقات علم أنه مكابر وإذا سلمه ونازع في حمل ~~كلام المتصرف على المعنى الذى يفهمونه علم أنه خارج عن قوانين الشريعة ~~فهاتان مقدمتان يقينيتان والعلم بهما مستلزم لعود الشرط إلى جميع الطبقات # الوجه الثالث أنه إذا حمل الكلام على عود الشرط إلى الجملة الأخيرة فقط ~~كانت فائدته على رأى المنازع أنه لولا هذا الشرط لاشترك العقب في جميع ~~الوقف الذى انتقل إليهم من الطبقة التى فوقهم والذى انتقل إليهم ممن مات ~~منهم عن ولد أو عن غير ولد فاذا قال فمن مات منهم عن غير ولد فنصيبه لذوى ~~طبقته أفاد ذلك أن يختص ذووا الطبقة بنصيب المتوفى إذا لم يكن له ولد دون ~~من فوقهم ومن دونهم وهذا لم يكن مفهوما من اللفظ وإذا كان له ولد اشترك ~~جميع أهل الوقف ms8937 في نصيب المتوفى ولده وغير ولده وإذا حمل الكلام ~~PageV31P144 على عود الشرط إلى الطبقات كلها أفاد أن ينتقل نصيب المتوفى ~~إلى طبقته إذا لم يكن له ولد وإلى ولده إذا كان له ولد # ومعلوم قطعا من أحوال الخلق أن من شرك بين جميع الطبقات لا ينقل نصيب ~~الميت إلى ذوى طبقته فقط دون من هو فوقه وإذا كان له ولد لم ينقله إلى ولده ~~بل يجعله كأحدهم فانه على هذا التقدير يكون قد جعل ذوى الطبقة أولى من ولد ~~الميت مع أنه لم يراع ترتيب الطبقات ومعلوم أن هذا لا يقصده عاقل فان ~~العاقل إما أن يراعى ترتيب الطبقات فلا يشرك أو ينقل نصيب المتوفى إلى ولده ~~كالارث أما أنه مع التشريك يخص نصيب المتوفى اخوته دون ولده فهذا خلاف ~~المعلوم من أحوال الناس ولو فرض أن الضمير متردد بين عوده إلى الجميع وعوده ~~إلى الطبقة الأخيرة كانت هذه الدلالة الحالية العرفية معينة لأحد ~~الاحتمالين # فإن قيل هذا يلزمكم إذا أعدتم الضمير إلى الجميع فان اللفظ يقتضى الترتيب ~~في أربع طبقات والتشريك في الباقية فأنتم تقولون في بقية الطبقات مثلما ~~نقوله # قلنا هذا فيه خلاف فان الطبقات الباقية هل يشرك بينها عملا بما تقتضيه ~~الواو من مطلق التشريك أو يرتب بينها استدلالا بالترتيب فيما PageV31P145 ~~ذكره على الترتيب في الباقى كما هو مفهوم عامة الناس من مثل هذا الكلام فان ~~الواو كما أنها لا تقتضى الترتيب فهي لا تنفيه فإن كان في الكلام قرينة تدل ~~عليه وجب رعايتها وقد تنازع الناس في هذا فان قلنا بالثانى فلا كلام وإن ~~قلنا بالأول قلنا أيضا إنه يقتضى انتقال نصيب الميت إلى ولده في جميع ~~الطبقات فان نقل نصيب الميت إلى ذوى طبقته إذا لم يكن له ولد دون سائر أهل ~~الوقف تنبيه على أنه ينقله إلى ولده إن كان له ولد والتنبيه دليل أقوى من ~~النص حتى في شروط الواقفين # ولهذا لو قال وقفت على ولدى على أنه من كان فاسقا لا يعطى ms8938 درهما واحدا ~~فانه لا يجوز أن يعطى درهمان بلا ريب فانه نبه بحرمانه القليل على حرمانه ~~الكثير كذلك نبه بنقل نصيب الميت إذا لم يكن له ولد إلى أخوته على نقله إلى ~~الولد إذا كان موجودين فيكون منع الاخوة مع الولد مستفادا من التقييد ~~وإعطاء الولد مستفادا من تنبيه الخطاب وفحواه # وإيضاح ذلك أن اعطاء نصيب الميت لذوى طبقته دون سائر أهل الوقف ودون ~~تخصيص الأقرب إلى الميت دليل على أنه جعل سبب الاختصاص القرب إلى الميت لا ~~القرب إلى الواقف ولا مطلق الاستحقاق ومعلوم PageV31P146 أن الولد عند ~~وجودهم أقرب إلى الميت فيكون سبب استحقاقهم أوكد فيكون ذلك دليلا على أن ~~الواقف قصد اعطاءهم وسنذكر إن شاء الله ما يرد على هذا # الوجه الرابع إن الضمير يجب عوده إلى جميع ما تقدم ذكره فان تعذر عوده ~~إلى الجميع أعيد إلى أقرب المذكورين أو إلى ما يدل دليل على تعيينه فأما ~~اختصاصه ببعض المذكور من غير موجب فمن باب التخصيص المخالف للأصل الذى لا ~~يجوز حمل الكلام عليه إلا بدليل وذلك لأن الاسماء المضمرة إضمار الغيبة هي ~~في الأمر العام موضوعة لما تقدم ذكره من غير أن يكون لها في نفسها دلالة ~~على جنس أو قدر فلو قال أدخل على بنى هاشم ثم بنى المطلب ثم سائر قريش ~~وأكرمهم وأجلسهم ونحو هذا الكلام لكان الضمير عائدا إلى ما تقدم ذكره وليس ~~هذا من باب اختلاف الناس في الاستثناء المتعقب جملا هل يعود إلى جميعها أو ~~إلى أقربها لأن الخلاف هناك إنما نشأ لأن الاستثناء يرفع بعض ما دخل في ~~اللفظ فقال من قصره على الجملة الأخيرة إن المقتضى للدخول في الجمل السابقة ~~قائم والمخرج مشكوك فيه فلا يزال عن المقتضى بالشك وهذا المعنى غير موجود ~~في الضمير فان الضمير اسم موضوع لما تقدم ذكره وهو صالح للعموم على سبيل ~~الجمع فانه يجب حمله على العموم إذا لم يقم مخصص وعلى هذا فحمل الضمير على ~~العموم حقيقة فيه وحمله على الخصوص مثل ms8939 تخصيص اللفظ العام PageV31P147 # الوجه الخامس أنه إذا قال وقفت على أولادى ثم على أولادهم ثم على أولاد ~~أولادهم على أنه من توفى منهم عن ولد أو عن غير ولد فان إعادة الضمير إلى ~~الطبقة الثالثة ترجيح من غير مرجح والظاهر بل المقطوع به من حال العاقل أنه ~~لا يفعل ذلك فان العاقل لا يفرق بين المتماثلات من غير سبب فاما أن يكون ~~مقصوده اعطاء الأقرب إليه فالأقرب في جميع الطبقات إذا نقل نصيب الميت إلى ~~ابنه في جميع الطبقات إما كونه في بعض الطبقات يخص الاقربين إليه وفى بعضها ~~ينقل النصيب إلى ولد الميت أو إلى ذوى طبقته فما يكاد عاقل يقصد هذا وإذا ~~دار حمل اللفظ بين ما الظاهر إرادته وبين ما الظاهر عدم إرادته كان حمله ~~على ما ظهرت إرادته هو الواجب فان اللفظ إنما يعمل به لكونه دليلا على ~~المقصود فاذا كان في نفسه محتملا وقد ترجح أحد الاحتمالين تعين الصرف إليه ~~فاذا انضم إلى ذلك أنه تخصيص للعموم ببعض الافراد التى نسبتها ونسبة غيرها ~~إلى غرض الواقف سواء كان كالقاطع في العموم # ) # الوجه السادس أن هذه الصفة في معنى الشرط والشرط المتعقب جملا يعود إلى ~~جميعها باتفاق الفقهاء ولا عبرة في هذا المقام بمن خالف ذلك من بعض ~~المتأخرين فان الفقهاء قد نصوا أن رجلا لو قال والله لأفعلن كذا ولأفعلن ~~كذا إن شاء الله أن كلا الفعلين يكون معلقا PageV31P148 بالمشيئة وكذلك لو ~~قال لأضربن زيدا ثم عمرا ثم بكرا إن شاء الله وكذلك لو قال الطلاق يلزمه ~~ليفعلن كذا وعبده حر ليفعلن كذا أو امرأته كظهر أمه ليفعلن كذا إن شاء الله ~~وإنما اختلفوا في الاستثناء المخصص لا في الاستثناء المعلق وهذا من باب ~~الاستثناء المعلق مثل الشروط لأوجه # أحدها أن الاستثناء بالا ونحوها متعلق بالأسماء لا بالكلام والاستثناء ~~بحروف الجزاء متعلق بالكلام وقوله على أنه ونحوه متعلق بالكلام فهو بحروف ~~الجزاء أشبه منه بحروف الاستثناء إلا وأخواتها وذلك أن قوله وقفت على ~~أولادى إلا ms8940 زيدا الاستثناء فيه متعلق بأولادى وقوله وقفت على أولادى إن ~~كانوا فقراء الشرط فيه متعلق بقوله وقفت وهو الكلام وهو المعنى المركب ~~وكذلك قوله على أن يكونوا فقراء حرف الاستعلاء معلق لمعنى الكلام وهو وقفت ~~وهذا قاطع لمن تدبره # الثانى أن هذا بيان لشروط الوقف التى يقف الاستحقاق عليها ليس المقصود ~~بها إخراج بعض ما دخل في اللفظ فهي شروط معنوية # الثالث أن قوله من مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لمن في درجته جملة ~~شرطية جزائية مجعولة خبر أن المفتوحة وإسم أن ضمير PageV31P149 الشأن وان ~~وما في خبرها في تأويل المصدر فيصير التقدير وقفت على هذا # الرابع أن حرف ( على ( للاستعلاء فاذا قال الرجل وقفت على أنه يكون كذا ~~أو بعتك على أن ترهننى كان المعنى وقفت وقفا مستعليا على هذا الشرط فيكون ~~الشرط اساسا وأصلا لما على عليه وصار فوقه والأصل متقدم على الفرع وهذا ~~خاصية الشرط ولهذا فرق من فرق بين الشرط والاستثناء بأن الشرط منزلته ~~التقدم على المشروط فاذا أخر لفظا كان كالمتصدر في الكلام ولو تصدر في ~~الكلام تعلقت به جميع الجمل فكذلك إذا تأخر فلو قال وقفت على أولادى ثم على ~~أولادهم ثم على أولاد أولادهم إن كانوا فقراء كان بمنزلة قوله على أن ~~يكونوا فقراء وأحد اللفظين موجب لعود الضمير إلى جميع الطبقات فكذلك الآخر # وأعلم أن هذه الدلائل توجب أن الضمير يعود إلى جميع الطبقات في هذه ~~المسألة عند القائلين بأن الاستثناء المتعقب جملا يعود إلى جميعها ~~والقائلين بأنه يعود إلى الأخيرة منها كما اتفقوا على مثل ذلك في الشرط # الوجه السابع أن هذا السؤال فاسد على مذهب الشافعى خصوصا وعلى مذهب غيره ~~أيضا وذلك أن الرجل لو قال لامرأته PageV31P150 أنت طالق ثم طالق ثم طالق ~~إن دخلت الدار فانه لا يقع بها طلاق حتى تدخل الدار فطلق حينئذ ثلاثا إن ~~كانت مدخولا بها أو واحدة إن كانت غير مدخول بها هذا قول أبى يوسف ومحمد ~~وقيل عن أبى يوسف ومحمد ms8941 تطلق غير المدخول بها ثلاثا كالواو عندهما وهو مذهب ~~الشافعى وأقوى الوجهين في مذهب أحمد وقال أبو حنيفة والقاضى أبو يعلى من ~~أصحاب أحمد وطائفة معه بل تتعلق بالشرط الجملة الأخيرة فقط فان كانت مدخولا ~~بها تنجز طلقتان وتعلق بالشرط واحدة وان كانت غير مدخول بها تنجزت طلقة ~~بانت بها فلم يصح ايقاع الآخرتين لا تنجيزا ولا تعليقا 3 قالوا لأن ثم ~~للترتيب مع التراخى فيصير كانه قال أنت طالق ثم سكت ثم قال أنت طالق إن ~~دخلت الدار # 3 وأما الأولون فقالوا ( ثم ( حرف عطف يقتضى التشريك بين المعطوف ~~والمعطوف عليه كالواو لكن الواو تقتضى مطلق الجمع والتشريك من غير دلالة ~~على تقدم أو تأخر أو مقارنة وثم تقتضى التشريك مع التأخر وافتراقهما في ~~المعنى لا يوجب افتراقهما في نفس التشريك وأما كونها للتراخى فعنه جوابان # أحدهما أن مقتضاها مطلق الترتيب فيعطف بها المتعقب والمتراخى PageV31P151 ~~لكن لما كان للمتعقب حرف يخصه وهو الفاء صارت ( ثم ) علامة على المعنى الذى ~~أنفردت به وهو التراخى والا فلو قال لمدخول بها أنت طالق ثم طالق أو أنت ~~طالق فطالق لم يكن بين هذين الكلامين فرق هنا # الثانى أن ما فيها من التراخى إنما هو في المعنى لا في اللفظ فاذا قال ~~الرجل جاء زيد ثم عمرو فهذا كلام متصل بعضه ببعض لا يجوز أن يقال هو بمنزلة ~~من سكت ثم قال عمرو فمن قال أن قوله أنت طالق ثم طالق بمنزلة من سكت ثم قال ~~طالق فقد أخطأ وإنما غايته أن يكون بمنزلة من قال أنت طالق طلاقا يتراخى ~~عنه طلاق آخر وهذا لا يمنع من تعلق الجميع بالشرط تقدم أو تأخر # فإذا كان من مذهب الشافعي وهؤلاء أن قوله أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن ~~دخلت الدار بمنزلة قوله أنت طالق فطالق فطالق إن دخلت الدار وقوله أنت طالق ~~وطالق وطالق إن دخلت الدار في المدخول بها وكذلك قوله أنتن طوالق ثم أنتن ~~طوالق إن دخلتن الدار وإن الشرط تعلق ms8942 بالجميع فكيف يجوز أن ينسب إلى مذهبه ~~أن العطف بما يقتضى الترتيب يوجب الصرف إلى من يليه الشرط دون السابقين ~~وهلا قيل هنا إذا ثبت وقوع الطلاق نصا باللفظين الأولين ولم يثبت ما يغيره ~~وجب PageV31P152 تقرير الطلاق الواقع بل مسألة الطلاق أولى بقصر الشرط على ~~الجملة الأخيرة لأن إحدى الطلقتين ليس لها تعلق بالأخرى من حيث الوجود بل ~~يمكن ايقاعهما معا بخلاف ولد الولد فانهم لا يوجدون الامتعاقبين فالحاجة ~~هنا داعية إلى الترتيب مالا تدعو إليه في الطلاق # وأيضا فان جواز تعقيب البيع والوقف ونحوهما بالشروط متفق عليه بخلاف ~~الطلاق فان مذهب شريح وطائفة معه وهى رواية مرجوحة عن أحمد ان الطلاق لا ~~يصح تعليقه بشرط متأخر كما ذهب بعض الفقهاء من أصحاب وغيرهم إلى أنه لا يصح ~~الاستثناء من الطلاق فاذا كانوا قد أعادوا الشرط إلى جميع الجمل المرتبة ~~بثم فالقول بذلك في غيرها أولى # وهذا الكلام لمن تدبره يجتث قاعدة من نسب إلى مذهب الشافعي ما يخالف هذا ~~فان قيل فقد قال به بعض الفقهاء من الحنفية والحنبلية فهؤلاء يقولون به هنا ~~قلنا قد اسلفنا فيما مضى ان الضمير عائد إلى الجميع على أصول الجميع لدليل ~~دل على الرجوع من جهة كون الضمير حقيقة PageV31P153 في جميع ما تقدم وان ~~هذا هو المفهوم من الكلام ثم الذى يقول بهذا يفرق بين هذا وبين الطلاق من ~~وجوه # أحدها أن الشرط في الطلاق متعلق بالفعل الذى هو وتلك الأسماء المعطوفة ~~بعضها على بعض كلها داخلة في حيز هذا الفعل وهى من جهة المعنى مفاعيل له ~~بمنزلة الشرط في القسم فانه اذا قال والله لأفلعن كذا وكذا ثم كذا إن شاء ~~الله كان الشرط متعلقا بالفعل في جواب القسم والمفاعيل داخله في مستثناه ~~وتناول الفعل لمفاعيله على حد واحد فاذا كان قد قيد تناوله لها بقيد تقيد ~~تناوله للجميع بذلك القيد بخلاف قوله أنت طالق ثم طالق إن شاء زيد فان ~~المتعلق بالشرط هنا اسم الفاعل لا نفس المبتدأ والخبر الثانى ليس ms8943 بداخل في ~~خبر الخبر الآخر بل كلاهما داخل في خبر المبتدأ فلهذا خرج هنا خلاف وهذا ~~فرق بين لمن تأمله # الوجه الثانى ان الشرط في الطلاق وهو قوله إن دخلت الدار ليس فيه ما يوجب ~~تعلقه بجميع الجمل بخلاف قوله على انه من مات منهم فان الضمير يقتضى العود ~~إلى جميع المذكور # الثالث ان إحدى الجملتين في الطلاق لا تعلق لها بالأخرى فإن PageV31P154 # الطلقة تقع مع وجود الأولى وعدمها فاذا علقت بالشرط لم تستلزم تعليق ~~الأولى لا نفصالها عنها وقد اعتقدوا أن ( ثم ) بمنزلة التراخى في اللفظ ~~فيزول التعلق اللفظى والمعنوي فتبقى الجملة الاولى أجنبية عن الشرط على ~~قولهم وأما قوله ثم على أولادهم فانه متعلق بالجملة الأولى من جهة الضمير ~~ومن جهة الوجود ومن جهة الاستحقاق فلا يصح اللفظ بهذه الجملة إلا بعد ~~الأولى ولا وجود لمعناها إلا بعد الأولى ولا استحقاق لهم إلا بعد الأولى ~~سواء قدر التراخى في اللفظ أو لم يقدر فلا يمكن أن تجعل الاولى أجنبية عن ~~الثانية حتى تعلق الثانية وحدها بالشرط # والذى تحقق ان النزاع انما هو في الطلاق فقط انه لو قال والله لأضربن ~~زيدا ثم عمرا ثم بكرا ان شاء الله عاد استثناء إلى الجميع فقوله وقفت على ~~أولادى ثم على أولادهم ثم على أولاد أولادهم إن كانوا فقراء أبلغ من قوله ~~ان شاء الله من حيث أن هنا تعلق الضمير # الوجه الثامن ان هذا الفرق الذى ذكره بعض الفقهاء بين العطف بالحرف ~~المرتب والحرف الجامع انما ذكره في الاستثناء ثم قال وكذلك القول في الصفة ~~والصفة إذا أطلقت فكثيرا ما يراد بها الصفة الصناعية النحوية وهو الاسم ~~التابع لما قبله في إعرابه مثل أن تقول PageV31P155 وقفت على أولادى ثم على ~~الفقراء العدول فان اختصاص الجملة هنا بالصفة الآخرة قريب ومسئلتنا شروط ~~حكمية وهى إلى الشروط اللفظية أقرب منها إلى الاستثناء وإن سميت صفات من ~~جهة المعنى # والدليل على انه قصد هذا أنه قال وإن كان العطف بالواو ولا فاصل فمذهب ms8944 ~~الشافعى رجوع الاستثناء إلى الجميع وكذلك القول في الصفة فعلم انه قصد أن ~~هذا مذهب الشافعى مشيرا إلى خلاف أبى حنيفة فانه إنما يعيد ذلك إلى الجملة ~~الأخيرة وهذا إنما يقوله أبو حنيفة في الاستثناء والصفات التابعة لا يقوله ~~في الشروط والصفات التى تجرى مجرى الشروط فصار هنا أربعة أقسام # أحدها الاستثناء بحرف ( إلا ) المتعقب جملا والخلاف فيه مشهور # الثانى الاستثناء بحروف الشرط فالاستثناء هنا عائد إلى الجميع # الثالث الصفات التابعة للاسم الموصوف بها وما أشبهها وعطف البيان فهذه ~~توابع مخصصة للأسماء المتقدمة فهي بمنزلة الاستثناء # الرابع الشروط المعنوية بحرف الجر مثل قوله على أنه أو تشرط أن يفعل أو ~~بحروف العطف مثل قوله ومن شرطه كذا PageV31P156 ونحو ذلك فهذه مثل ~~الاستثناء بحروف الجزاء والضابط أن كل ما كان من تمام الاسم فهو من جنس ~~الاستثناء بالا وكلما كان متعلقا بنفس الكلام وهو النسبة الحكمية التى بين ~~المبتدأ والخبر وبين الفعل والفاعل فهو في معنى الاستثناء بحرف الشرط ~~ومعلوم أن حروف الجر وحروف الشرط المتأخرة إنما تتعلق بنفس الفعل المتقدم ~~وهو قوله وقفت وهو الكلام والجملة والاستثناء والبدل والصفة النحوية وعطف ~~البيان متعلق بنفس الأسماء التى هي مفاعيل هذا الفعل # ويجوز كلام من فرق على جمل أجنبيات مثل أن تقول وقفت على أولادى ثم على ~~ولد فلان ثم على المساكين على أنه لا يعطى منهم إلا صاحب عيال ففى مثل هذا ~~قد يقوى اختصاص الشرط بالجملة الأخيرة لكونها أجنبية من الجملة الأولى ليست ~~من جنسها بخلاف الأولاد وأولاد الأولاد فانهم من جنس واحد # وحمل الكلام على أحد هذين المعنيين أو نحوهما متعين مع ما ذكرنا من دليل ~~إرادة ذلك على أنه لو كان فيه تخصيص لكلامه فانه واجب لما ذكرناه فانه إذا ~~كان قد جاء إلى كلام الأئمة الذين قالوا الاستثناء أو الصفة إذا تعقب جملا ~~معطوفا بعضها على بعض عاد إلى جميع الجمل فخص ذلك ببعض حروف العطف لما رآه ~~من الدليل فلأن نخص نحن كلامه بما ذكرناه من ms8945 نصوص كلامهم PageV31P157 ~~الموجب للتسوية بين الواو وثم بطريق الأولى فان سلم ان كلامه محمول على ما ~~ذكرناه وإلا تكلمنا معه ب ( الوجه التاسع ) ) # وهو أن هذا الفرق المدعى بين الحرف الجامع جمعا مطلقا والحرف المرتب فرق ~~لا أصل له في اللغة ولا في العرف ولا في كلام الفقهاء ولا في كلام ~~الأصوليين ولا في الأحكام الشرعية والدليل المذكور على صحته فاسد فيجب أن ~~يكون فاسدا # أما الاول فان أهل اللغة قالوا حروف العطف هي التى تشرك بين ما قبلها وما ~~بعدها في الاعراب وهى نوعان نوع يشرك بينهما في المعنى أيضا وهى الواو ~~والفاء وثم فأما الواو فتدل على مطلق التشريك والجمع إلا عند من يقول إنها ~~للترتيب وأما ( ثم ) فانها تدل على مطلق الترتيب وقد يقال إنها للتراخى ~~وأما الفاء فانها تدل على نوع من الترتيب وهو التعقيب فهذه الحروف لا يخالف ~~بعضها بعضا في نفس اجتماع المعطوف والمعطوف عليه في المعنى واشتراكهما فيه ~~وإنما تفترق في زمان الاجتماع # فلو قيل إن العطف بالواو يقتضى اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فيما يلحق ~~الجمل من استثناء ونعت ونحو ذلك والعطف بثم لا يقتضى اشتراكهما في هذه ~~اللواحق للزم من ذلك أن لا تكون ثم PageV31P158 مشتركة حيث تكون الواو ~~مشتركة ومعلوم أن هذا مخالف لما عليه أهل اللغة بل هو خلاف المعلوم من لغة ~~العرب والاحكام اللغوية التى هي دلالات الالفاظ تستفاد من استعمال أهل ~~اللغة والنقل عنهم فاذا كان النقل والاستعمال قد اقتضيا أنهما للاشتراك في ~~المعنى كان دعوى انفراد احدهما بالتشريك دون الآخر خروجا عن لغة العرب وعن ~~المنقول عنهم # وأما العرف فقد أسلفنا ان الناس لا يفهمون من مثل هذا الكلام إلا عود ~~الشرط إلى الجميع والعلم بهذا من عرف الناس ضرورى وأما كلام العلماء من ~~الفقهاء والأصوليين فانهم تكلموا في الاستثناء المتعقب جملا فقال قوم أنه ~~يعود إلى جميعها وقال قوم يعود إلى الاخيرة منها وقال قوم ان كان بين ~~الجملتين تعلق عاد الاستثناء إلى جميعها وان كانتا ms8946 أجنبيتين عاد إلى ~~الأخيرة ثم فصلوا الجمل المتعلق بعضها ببعض من الأجنبية وذكروا عدة أنواع ~~من التفصيل وقال قوم العطف مشترك بين الجميع وقال قوم بالوقف في جميع هذه ~~المذاهب ثم ليس أحد من هؤلاء فرق بين العطف بالواو والفاء أو ثم بل قولهم ~~المعطوف بعضها على بعض يعم الجميع # وكذلك الفقهاء ذكروا هذا في ( باب الايمان ) و ( باب الوقف ) ثم بنوه على ~~أصلهم فقالوا الاستثناء أو الوصف إذا تعقب جملا عاد PageV31P159 إلى جميعها ~~أو إلى بعضها وقد اعترف من فصل بأن الأئمة أطلقوا هذا الكلام وأنه هو الذى ~~فصل فلا يجوز أن ينسب إلى الأئمة إلا ما قالوه # وأما الأحكام فانه لو قال والله لأضربن زيدا ثم عمرا ثم بكرا ان شاء الله ~~عاد الاستثناء إلى الجميع وكذلك لو قال الطلاق يلزمنى لأضربن هذا ثم هذا ثم ~~هذا أو قال لآخذن المدية لأذبحن الشاة لأطبخنها إلى غير ذلك من الصور # وأما ما أستدل به فانه قال إذا كان العطف بما يقتضى ترتيبها فالصرف إلى ~~جميع المتقدمين فيه بعض النظر والغموض فان انصراف الاستثناء إلى الذين ~~يليهم الاستثناء مقطوع به وانعطافه على جميع السابقين والعطف بالحرف المرتب ~~محتمل غير مقطوع به واذا ثبت الاستحقاق بلفظ الواقف نصا ولم يثبت ما يغيره ~~وجب تقرير الاستحقاق ولم يجز تغييره لمحتمل متردد فنقول الجواب من وجوه ) # أحدها أن هذا بعينه موجود في العطف بالواو فان انعطافه على جميع السابقين ~~محتمل غير مقطوع سواء كان العطف بحرف مرتب أو مشترك غير مرتب وهذا بعينه ~~دليل من أوجب قصر الاستثناء على الجملة الأخيرة PageV31P160 فإن قال قد ثبت ~~العموم في الجمل المتقدمة فلا يجوز تخصيصه بمحتمل متردد وليس غرضنا هنا ~~افساد هذا الدليل بل نقول موجب هذا الدليل اختصاص التوابع بالجملة الأخيرة ~~مطلقا أما التفريق بين عاطف وعاطف فليس في هذا الدليل ما يقتضيه أصلا وأى ~~فرق عند العقلاء بين أن يقول وقفت على أولادى وعلى المساكين إلا ان يكونوا ~~فساقا نعم صاحب هذا القول ربما ms8947 قوى عنده اختصاص الإستثناء بالجملة الآخرة ~~وهاب مخالفة الشافعى فغاظ ما عنده من الرجحان مع أنا قد بينا أن مسألتنا ~~ليست من موارد الخلاف وإنما الخلاف في الإستثناء أو الصفة الاعرابية فأما ~~الشرط والصفة الشرطية فلا خلاف فيهما بين الفقهاء # وبالجملة من سلم ان الجمل المعطوفة بالواو يعود الإستثناء إلى جميعها كان ~~ذكره لهذا الدليل مبطلا لما سلمه فلا يقبل منه فإن تسليم الحكم مستلزم ~~تسليم بطلان ما يدل على نقيضه فلا يقبل منه دليل يدل على عدم عود الإستثناء ~~إلى الجميع # الوجه الثانى أن قوله انصراف الإستثناء إلى الذين يليهم الإستثناء مقطوع ~~به فمنوع بل يجوز أن يعود الإستثناء إلى الجملة الأولى فقط إذا دل على ذلك ~~دليل ويجوز للمتكلم أن ينوى ذلك ويقصده وإن PageV31P161 كان حالفا مظلوما ~~فإنه لو قال قاتل أهل الكتاب وعادهم وأبغضهم إلا ان يعطوا الجزية كان ~~الإستثناء عائدا إلى الجملة الأولى فقط وقد قال سبحانه @QB@ لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في ~~شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة @QE@ وهذا الإستثناء في الظاهر عائد إلى الجملة ~~الأولى وقال سبحانه @QB@ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر @QE@ إلى قوله إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم وليس هذا مستثنى مما يليه بل من أول الكلام # وقد قال جماعة من أهل العلم في قوله ( لا تبعتم الشيطان إلا قليلا ( إن ( ~~قليلا ( عائد إلى قوله ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ( إلا ~~قليلا ( وهذا الإستثناء عائد إلى جملة بينها وبين الإستثناء جمل أخرى ( ~~والمقدم في القرآن والمؤخر ( باب من العلم وقد صنف فيه العلماء منهم الإمام ~~أحمد وغيره وهو متضمن هذا وشبهه أن يكون الإستثناء مؤخرا في اللفظ مقدما في ~~النية # ثم التقديم والتأخير في لغة العرب والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ~~بجملة معترضة وبين غيرهما لا ينكره إلا ms8948 من لم يعرف اللغة وقد قال سبحانه ~~@QB@ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن ~~الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم @QE@ PageV31P162 فقوله @QB@ أن ~~يؤتى @QE@ من تمام قول أهل الكتاب أى كراهة أن يؤتى فهو مفعول تؤمنوا وقد ~~فصل بينهما بقوله @QB@ قل إن الهدى هدى الله @QE@ وهى جملة أجنبية ليست من ~~كلام أهل الكتاب فأيما أبلغ الفصل بين الفعل والمفعول أو بين المستثنى ~~والمستثنى منه وإذا لم يكن عود الاستثناء إلى الأخيرة مقطوعا به لم يجب عود ~~الإستثناء إليها بل ربما كان في سياقه ما يقتضى أن عوده إلى الأولى أوكد ~~ومسألتنا من هذا الباب كما تقدم # الثالث قوله إذا ثبت الإستحقاق بلفظ الواقف نصا ولم يثبت ما يغيره وجب ~~تقرير الإستحقاق # قلنا أولا مسألتنا ليست من هذا الباب فان قوله على أولاده ثم على أولادهم ~~ليس نصا في ترتيب الطبقة على الطبقة فانه صالح لترتيب الأفراد على الأفراد ~~لكن هذا يجب في خصوص مسألتنا مع من يريد ان يدخلها تحت عموم هذا الكلام ثم ~~من يقول من راس لا نسلم ثبوت الاستحقاق بلفظ الواقف نصا في شيء من الصور ~~التى يعقبها استثناء أو شرط فان اللفظ انما يكون نصا إذا لم يتصل بما يغيره ~~والتغيير محتمل فشرط كونه نصا مشكوك فيه ومتى كان شرط PageV31P163 الحكم ~~مشكوكا فيه لم يثبت فانه لا نص مع احتمال التغيير لا سيما مثل هذا الاحتمال ~~القوى الذى هو عند اكثر العلماء راجح فان قال المقتضى لدخولهم قائم والمانع ~~من خروجهم مشكوك فيه قلت على قول من يمنع تخصيص العلة لا اسلم قيام المقتضى ~~لدخولهم # فإن المقتضى لدخولهم هو اللفظ الذى لم يوصل به ما يخرجهم فلا أعلم أن هذا ~~اللفظ لم يوصل به ما يخرجهم حتى أعلم ان هذا الاستثناء لا يخرجهم وهذا ~~الشرط مشكوك فيه وأما على قول من يقول بتخصيصها فأسلم قيام المقتضى ms8949 لكن شرط ~~اقتضائه عدم المانع المعارض وهنا ما يصلح أن يكون مانعا معارضا فما لم يقم ~~دليل يبقى صلاحه للمعارضة وإلا لم يعمل المقتضى عمله والصلاح للمعارضة لا ~~مزية فيه # وهذا البحث بعينه وهو بحث القائلين بعود الاستثناء إلى جميع الجمل مع ~~القاصرين على الجملة الأخيرة ثم يقول من راس اذا قال مثلا وقفت على أولادى ~~ثم على الفقراء الا الفساق المنازع يقول ولدى نص في أولاده والفساق يجوز ان ~~يختص بالفقراء # فنقول له هذا معارض بمثله فإن الفساق نص في جميع الفساق فانه اسم جمع ~~معرف باللام واذا كان عاما وجب شموله لكل فاسق فدعوى اختصاصه بفساق الفقراء ~~دون الأولاد يحتاج إلى مخصص PageV31P164 فليست المحافظة على عموم الأولاد ~~لعدم العلم بالتخصيص بأولى من المحافظة على عموم الفساق لعدم العلم بالمخصص ~~بل الراجح اخراجهم لأسباب # أحدها ان الأصل عدم دخولهم في الوقف وقد تعارض عمومان في دخولهم وخروجهم ~~فيسلم النافى لدخولهم عن معارض راجح # الثانى انا قد تيقنا خروجهم من احدى الجملتين فكان احدى العمومين ~~المعطوفين مخصوصا فإلحاق شريكه في التخصيص اولى من ادخال التخصيص على ما ~~ليس بشريكه # الثالث ان المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الجملة الواحدة فاذا ورد التخصيص ~~عليها ضعفت بخلاف عموم المستثنى فانه لم يرد عليه تخصيص # الرابع كون الفسق مانعا يقتضى رجحانه عند الواقف على المقتضى للاعطاء ~~فاذا تيقنا رجحانه في موضع كان ترجيحه في موضع آخر أولى من ترجيح ما لم ~~يعرف رجحانه بحال # الخامس ان قوله نص الواقف ان عنى به ظاهر لفظه فعود الاستثناء إلى جميع ~~الجمل ظاهر لفظه ايضا عند هذا القول فلا فرق بينهما وان عنى به النص الذى ~~لا يحتمل الا معنى واحدا فمعلوم ان PageV31P165 كل لفظ يقبل الاستثناء ~~فلابد أن يكون إما عددا أو عموما والعمومات ظواهر ليست نصوصا ) # السادس قوله لا يجوز تغييره بمحتمل متردد نقول بموجبه فان عود الاستثناء ~~عندنا إلى جميع الجمل ليس بمحتمل متردد بل هو نص ايضا بالتفسير الأول ~~والدليل على ذلك غلبته على ms8950 الاستعمال قال تعالى @QB@ والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر @QE@ إلى قوله @QB@ ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب ~~يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب @QE@ وهو عائد إلى قوله @QB@ يلق ~~@QE@ و @QB@ يضاعف @QE@ @QB@ ويخلد @QE@ وقال سبحانه @QB@ أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف ~~عنهم العذاب ولا هم ينظرون @QE@ @QB@ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ~~فإن الله غفور رحيم @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا @QE@ إلى قوله @QB@ ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم @QE@ فهذا استثناء قد تعقب عدة جمل # فإن معنى الجملة في هذا الباب هو اللفظ الذى يصح اخراج بعضه وهو الاسم ~~العام أو اسم العدد ليس معناه الجملة التى هي الكلام PageV31P166 المركب من ~~اسمين أو اسم وفعل أو اسم وحرف وقد ثبت بما روى عن الصحابة أن قوله @QB@ ~~إلا الذين تابوا @QE@ في آية القذف عائد إلى الجملتين وقال النبى ( لا يؤمن ~~الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته الا باذنه ) وقال النبى لا فضل ~~لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأسود على أبيض ( ولا لأبيض على ~~أسود الا بالتقوى ) وهذا كثير في الكتاب والسنة بل من تأمل غالب ~~الاستثناءات الموجودة في الكتاب والسنة التى تعقبت جملا وجدها عائدة إلى ~~الجميع هذا في الاستثناء فاما في الشروط والصفات فلا يكاد يحصيها الا الله # وإذا كان الغالب على الكتاب والسنة وكلام العرب عود الاستثناء إلى جميع ~~الجمل فالأصل الحاق الفرد بالأعم الأغلب لأن الاستثناء اما ان يكون موضوعا ~~لهما حقيقة فالاصل عدم الاشتراك أو يكون موضوعا للاقل فقط فيلزم ان يكون ~~استعماله في الباقى مجازا والمجاز على خلاف الاصل فكثرته على خلاف الأصل ~~فاذا جعل حقيقة فيما غلب على استعماله فيه مجازا فيما قل استعماله فيه كنا ms8951 ~~قد عملنا بالاصل النافى للاشتراك وبالأصل النافى للمجاز في صور التفاوت وهو ~~أولى من تركه مطلقا PageV31P167 ) # وإذا ثبت أن عود الاستثناء إلى جميع الجمل نص بمعنى انه ظاهر اللفظ فهو ~~المطلوب وليس الغرض هنا تقرير هذه المسألة وانما الغرض التنبيه على مواضع ~~المنع # وهذا البحث الذى ذكره وارد في كل تخصيص متصل فانه ليس المحافظة على عموم ~~المخصوص بأولى من المحافظة على عموم المخصص بل هذا أولى لأنه عام باق على ~~عمومه ولأن ذكر التخصيص عقب كل جملة مستقبح فلو قال وقفت على أولادى على ~~أنه من مات منهم عن ولد أو عن غير ولد كان نصيبه لولده أو لذوى طبقته ثم ~~على ولد ولدى على هذا الشرط ثم على ولد ولد ولدى على هذا الشرط لعد هذا من ~~الكلام الذى غيره أفصح منه وأحسن # ثم يقال لمن نازعنا ومعلوم قطعا ان عامة الواقفين يقصدون الاشتراط في ~~جميع الطبقات ولا يعبرون بهذه العبارة المستغربة بل يقتصرون على ما ذكره ~~أولا فلولا ان ذلك كاف في تبليغ ما في نفوسهم لما اقتصروا عليه والله يشهد ~~وكفى بالله شهيدا انا نتيقن ان الكلام في مسألتنا يقينى وانه ليس من مسالك ~~المظنون لكن في قدرة الله سبحانه ان يجعل اليقين عند قوم جهلا عند آخرين ~~ويعد الكلام على هذا تكلفا ولولا أن الحاجة مست إلى ذلك بظن من يظن ان لمن ~~ينازع في هذه المسألة متعلقا أو انها مسألة من مسائل الاجتهاد ( لما اطلنا ~~هذه الاطالة PageV31P168 # فإن قيل الذى يرجح عود الضمير إلى الجملة الأخيرة هنا ان الجملة الأخيرة ~~عطفت بالواو وعطف عليها بالواو فاقتضى ذلك مخالفتها لحكم الأولى في الترتيب ~~اذا الوقف ها هنا مشترك بين البطون فلم يبق بينها وبين الأولى من الاحكام ~~إلا مسمى الوقفية على الجميع والكيفية مختلفة فاقتضى ذلك استقلالها بنفسها ~~واختصاصها بما يعقبها فانه اذا تخلل الجمل الفصل بشرط كل جملة أوجب ذلك ~~اختصاص الشرط الأخير وماذاك الا لاختلاف الأحكام حينئذ والاختلاف موجود ها ~~هنا # قيل عنه ms8952 وجوه # أحدها أن قوله عطفت بالواو وعطف عليها بالواو يقتضى أنها هي لفظ النسل ~~فان كان لفظ النسل والعقب بمعنى واحد فلم يعطف عليها في المعنى شيء وإن ~~كانا بمعنيين فيجب ان يكون الضمير عائدا إلى الجملة المعطوفة لا المعطوف ~~عليها # الثانى قوله فاقتضى ذلك مخالفتها للأولى في حكم الترتيب قد تقدم منع ذلك ~~وذكرنا ان من الفقهاء من يجعل هذا الوقف مرتبا إلى يوم القيامة فإن قوله ثم ~~على أولاد أولاده ونسله وعقبه لم يتعرض فيه للترتيب بنفى ولا اثبات لكن لما ~~كان الأصل عدم الترتيب نفيناه عند الانطلاق PageV31P169 فلما رتب هنا في ~~كلامه الأول مع العلم بأن العاقل لا يفرق في مثل هذا بل يكتفى بما ذكره ~~أولا كان إعادة الشرط تسمح ولكن غرضنا هنا تقرير هذا # الثالث ( لو ) سلمنا أنه يوجب الاشتراك بين المعطوف فلا يوجب ذلك ~~اختلافهما في الحكم الذى اشتركا فيه بحرف العطف فإن غاية ما في هذا انه جعل ~~البطن الرابع وما بعده طبقة واحدة كما جعل في البطن الاول ولد الكبير ~~والصغير والولد الكبير والصغير طبقة واحدة ولم يرتب بعضهم على بعض باعتبار ~~الاسنان فقوله فاقتضى ذلك مخالفتها لحكم الاولى في الترتيب فيه إبهام فانه ~~إن عنى به أن هذه الجملة بالنسبة إلى افرادها مخالفة لتلك الجمل فليس كذلك ~~بل جملة فانها حاوية لأفرادها على سبيل الاشتراك لاعلى سبيل الترتيب وإن ~~عنى به أن هذه الجملة لم يرتب عليها غيرها فالجملة الاولى لم تترتب على ~~غيرها وهذا انما جاء من ضرورة كونها آ خر الجمل وليس ذلك بفرق مؤثر كما لم ~~يكن كون الأولى غير مرتبة فرقا مؤثرا # وإن عنى به أن هذه الجملة مشتملة على طبقات متفاوتة بخلاف الجمل الأولى ~~فذلك فرق لا يعود إلى دلالة اللفظ ولا إلى الحكم المدلول عليه باللفظ مع ان ~~الجمل الاولى قد يحصل فيها من التفاوت اكثر من ذلك فقد يكون أولاد الأولاد ~~عشرين بين الأول والآخر سبعون سنة ويكون للأول PageV31P170 أولاد قبل وجود ~~اخوته فيموت ms8953 أولاده وأولاد أولاده وأولاد أولاد أولاده قبل انقراض اخوته ~~وربما لم يكن قد بقى من النسل والعقب الا نفر يسير فينقرضون ثم هذه فروق ~~عادت إلى الموجود لا إلى دلالة اللفظ # الرابع قوله فلم يبق بينها وبين الأولى من الأحكام الا مسمى الوقفية قيل ~~ليس بينهما فرق أصلا بل تناول الجملة الأولى لأفرادها كتناول الثانية ~~لأفرادها لكن الجملة الثانية اكثر في الغالب وهذا غير مؤثر وقوله الكيفية ~~مختلفة ممنوع فان كيفية الوقف على الأولاد مثل كيفية الوقف على النسل ~~والعقب يشترك هؤلاء فيه وهؤلاء فيه # الخامس لو سلم أن بينهما فرقا خارجا عن دلالة اللفظ فذلك لا يقدح في ~~اشتراكهما في العطف فان هذا الاختلاف في الكيفية لو كان صحيحا كان بمنزلة ~~قوله ( كل نفس ذائقة الموت ) فان ذوق الميت يختلف اختلافا متباينا لكن هذا ~~الاختلاف لا دلالة للفظ عليه فلم يمنع من الاشتراك الذى دل عليه العموم # السادس ان الكيفية المختلفة مدلول عليها بالعطف وذلك لا يوجب الاستقلال ~~والاختصاص بما يعقبها كما لو قال وقفت على اولادى الذكور والاناث وأولاد ~~بنى وأولاد أولاد أولادى على انه من توفى منهم PageV31P171 وإنما الفصل ~~الذى يقطع الثانية عن الأولى أن يفصل بين الجملتين بشرط مثل ان يقول وقفت ~~على أولادى على ان يكونوا فقراء ثم على أولاد أولادى على أن يكونوا عدولا ~~فان الشرط الثانى مختص عما قبله لكون الأول قد عقب بشرطه والفصل بين ~~المعطوف والمعطوف عليه بشرط يفصله عن مشاركة الثانى في جميع أحكامه بخلاف ~~ما إذا كان الاختلاف من غير فصل لفظى # السابع قوله وماذاك الا لاختلاف الأحكام قلنا لا نسلم بل إنما ذاك لأجل ~~الفصول اللفظية المانعة من الاشتراك فيما ذكر من الاحكام للفظ اما إذا كان ~~الفرق بين المعطوف والمعطوف عليه لمعنى يرجع إلى لفظ المعطوف فهذا شأن كل ~~معطوف ومعطوف عليه من جنسين وفرق بين أن يفصل بين الجملتين بشرط مذكور وبين ~~ان يكون مفهوم لفظ احدى الجملتين غير مفهوم الأخرى وهذا بين لمن تدبره فإن ms8954 ~~قيل هنا مرجح ثان وهو ان جعله مختص بالجملة الأخيرة يفيد # ما لم يدل اللفظ عليه وهو منع اشتراك النسل في نصيب من مات عن غير ولد ~~فانه لولا هذا الشرط لاشتركوا في جميع حقهم المتلقى عمن فوقهم وعمن مات عن ~~ولد أو غير ولد بخلاف ما اذا عاد إلى جميع PageV31P172 الجمل فإنه يكون ~~مؤكدا فقط فانا كنا نجعل نصيب الميت عن غير ولد لطبقته # قيل عنه وجوه # أحدها أنا قدمنا ان هذه الفائدة باطلة فان العاقل لا يقول هؤلاء اعلاهم ~~واسفلهم مشتركون في الوقف فمن مات عن غير ولد اختص بنصيبه اخوته دون ابائه ~~وأعمامه ومن مات عن ولد لم يختص بنصيبه أحد لا ولده ولا غيره فان هذا لم ~~يفعله أحد ولا يفعله من يستحضره فانه بمنزلة ( من يقول ) أعطوا البعيد منى ~~ومن الميت واحرموا القريب منى ومن الميت وقول القائل يقصد مثل هذا في ~~العادات فما علمنا أحدا قصد هذا # الثانى انا قد منعنا كون هذا مقتضاه التشريك فتبطل الفائدة # الثالث ان في عوده إلى جميع الجمل فوائد # أحدها أنه يدل بنطقه على نقل نصيب الميت عن غير ولد إلى ذوى طبقته ~~وتنبيهه الذى هو اقوى من النطق على نقل نصيب المتوفى عن ولد إلى ولده كما ~~تقدم ذكره PageV31P173 # الفائدة الثانية ان قوله على أولاده ثم أولاد أولاده إلى قوله دائما ما ~~تناسلوا وأبدا ما تعاقبوا يقتضى استحقاق ذريته للوقف فاذا مات الميت وليس ~~له إلا ذوى طبقته وأولاد أولاده أفاد الشرط إخراج الطبقة فيبقى الأولاد ~~داخلين في اللفظ الاول مع الثانى فمجموع قوله على أولادى ثم أولاد أولادى ~~مع قوله على ان نصيب الميت عن غير ولد ينتقل إلى اخوته دلنا على ان نصيب ~~الميت عن ولد ينتقل إلى ولده لأنهم في عموم قوله أولاد أولادى ودخلت الطبقة ~~في العموم فلما خرجت الطبقة بالشرط بقى ولد الولد وهكذا كل لفظ عام لنوعين ~~أخرج أحدهما فإنه يتعين الآخر وهذه دلالة ثانية على انتقال نصيب الميت عن ~~ولد ms8955 إلى ولده من جهة اللفظ العام الذى لم يبق فيه إلا هم وهى غير دلالة ~~التنبيه # وإن شئت عبرت عن ذلك بأن تقول نصيب الميت اما للأولاد أو لأولاد الأولاد ~~كما دل على انحصار الوقف فيهما قوله على أولادى ثم على أولادهم فكما منع ~~الأولاد ان ينتقل اليهم نصيب الميت عن ولد تعين ان يكون للنوع الآخر يبقى ~~ان يقال فقد يكون هناك من ليس من الطبقة ولا من الولد قلنا # إذا ظهرت الفائدة في بعض الصور حصل المقصود وهى صورة مسألتنا فانا لم ~~نتكلم إلا في نصيب الميت هل يصرف إلى إخوته أو ولده PageV31P174 أما لو كان ~~للميت عم مثلا فنقول حرمان طبقة الميت تنبيه على حرمان من هم ابعد عنه فان ~~طبقته لم يحرمهم لبعدهم من الوقف فان الولد ابعد منهم وقد بينا ان ذلك ~~يقتضى اعطاء الولد في اكثر الصور فعلم انه حرمهم لبعدهم عن الميت وهذا ~~المعنى في أعمام الميت أقوى فيكونون بالمنع مع الولد احرى # الفائدة الثالثة انه دليل على انه قصد ترتيب الأفراد على الأفراد لا ~~ترتيب المجموع على المجموع كما لو قال على انه من مات منهم عن ولد كان ~~نصيبه لولده # فإن قيل هذا حمل اللفظ الواحد على مفهومين مختلفين فان فائدته في الاول ~~بيان ترتيب الأفراد على الأفراد وفى الثانى بيان اختصاص الطبقة بنصيب ~~المتوفى فمن منع من ان يراد باللفظ الواحد حقيقتان أو مجازان أو حقيقة ~~ومجاز يمنع منه ومن جوزه قلنا على هذا التقدير اذا ثبت أمر بلفظ الواقف نصا ~~لم يجز تغييره بمحتمل متردد قيل هذا السؤال ضعيف جدا لوجوه # أحدها ان مورده جعله مقررا لوجه ثان في بيان عود الضمير إلى الجملة ~~الأخيرة غير ما ذكر أولا من عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة ثم انه في ~~آخر الأمر على قول المجوزين لأن يراد باللفظ الواحد معنياه اعتمد على ذلك ~~الجواب فما صار وجها آخر PageV31P175 # الثانى أنا نقول هذا مبنى على أن الشرط افاد في الطبقة الأخيرة عدد ms8956 نصيب ~~المتوفى عن غير ولد إلى ذوى طبقته والمتوفى عن ولد يشترك فيه جميع الطبقة ~~وهذا ممنوع من وجهين تقدما # الثالث لو سلمنا ذلك فليس هذا من باب استعمال اللفظ في معنيين مختلفين ~~إنما هو من باب استعمال اللفظ الواحد في معنى واحد وذلك معدود من الألفاظ ~~المتواطئة وذلك ان فائدة اللفظ بمنطوقه نقل نصيب المتوفى عن غير ولد إلى ~~طبقته وهذه فائدة متجددة في جميع الجمل ثم إن تقيد الانتقال إلى الطبقة ~~بوجود الولد دليل على انه عنا ترتيب الأفراد وهذه دلالة لزومية واللفظ اذا ~~دل بالمطابقة على معنى وبالالتزام على معنى آخر لم يكن هذا من القسم ~~المختلف فيه كعامة الألفاظ فان كونه دليلا على ترتيب الأفراد إنما جاء من ~~جهة أنه شرط في استحقاق الطبقة نصيب المتوفى عدم ولده ثم علم بالعقل انه لو ~~قصد ترتيب المجموع لم يشرطه بهذا الشرط فان ترتيب المجموع واشتراط هذا ~~الشرط متنافيان وكون هذين المعنيين يتنافيان قضية عقلية فهمت بعد تصور كل ~~واحد من المعنيين لان أحد اللفظين دل عليهما بالوضع وهذا كما فهموا من قوله ~~( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) مع قوله تعالى ( يرضعن اولادهن حولين كاملين ~~) أن أقل الحمل ستة أشهر ونظائره كثيرة PageV31P176 # الرابع لو فرض أن هذا من ( باب استعمال اللفظ الواحد في معنييه ) فلا ~~نسلم أن منع ذلك هو الحق بل ليس ذلك مذهب أحد من الأئمة المعتبرين وإنما هو ~~قول طائفة من المتكلمين والذى يدل عليه كلام عامة الصحابة والتابعين وعامة ~~الفقهاء وعامة أهل اللغة وأكثر المتكلمين جواز ذلك فلم لا يجوز أن يحمل ~~كلامه على ما يعتقد هو صحته ويناظر عليه # الخامس أن ما ادعوه من أن النص لا يدفع بمحتمل تقدم جوابه وبينا أنه لا ~~نص هنا بل يدفع المحتمل بالنص وذكرنا أن هذا البحث هو المنصوص عن الأئمة ~~الكبار # الفائدة الرابعة أنه قصد بهذا الشرط نفى انقطاع الوقف ونفى اشتراك جميع ~~أهل الوقف في نصيب المتوفى عن غير ولد ونبه بذلك على أنه عنى ms8957 بقوله عن ولده ~~ترتيب الأفراد # فإن قيل عوده إلى جميع الجمل يوجب انقطاع الوقف في الوسط فحمل اللفظ على ~~ما ينفى الانقطاع أولى لأن من مات عن ولد لا يصرف نصيبه إلى الطبقة عملا ~~بموجب الشرط ولا إلى الولد عملا بموجب الترتيب المطلق فإن قلتم إذا جعلناه ~~مبنيا لترتيب الأفراد لم يكن موجبا للانقطاع PageV31P177 # فنجيب عنه بالبحث المتقدم وهو أن استحقاق الطبقة مستحق لظاهر اللفظ فلا ~~يترك بمتردد محتمل # قيل أولا هذا الوجه لا يتم الا بهذا البحث وهو انما ذكر ليكون مؤيدا له ~~والمؤيد للشيء يجب أن يكون غيره ولا يكون معتمدا عليه فاذا كان الوجه لا ~~يتم الا بذلك البحث كانت صحته موقوفة على صحته والفرع لا يكون أقوى من أصله ~~ولا يكسبه قوة بل يكون تقوية ذلك الوجه به تقوية الشيء بنفسه وهذا نوع من ~~المصادرة واذا كان هذا مبنيا على ذلك الوجه وقد أجبنا عنه فيما مضى فقد حصل ~~الجواب عن هذا # ثم نقول الانتفاع ينتفى من ثلاثة أوجه # أحدها أن الوقف محصور في الأولاد ثم أولادهم فاذا مات الميت عن ولد ~~فنصيبه إما لاخوته أو لبنيهم أو لبنيه أو لعمومته لأن الشرط يقتضى انحصار ~~الوقف في الأولاد ثم أولاد الأولاد وهم إما ذو طبقته أو من هو أعلى منه ~~عمومته ونحوهم فانه لا يستحق شيئا مع وجود أبيه ومن هو اسفل منه ولده وولد ~~إخوته وطبقتهم فأما طبقته فانتفوا بالقيد المذكور في استحقاقهم وأما بنوهم ~~فانتفوا لثلاثة PageV31P178 أسباب أحدها بطريق التنبيه فان أباهم أقرب إلى ~~الميت والى الواقف فاذا لم ينقل إلى الأقرب فالى الأبعد أولى # والثانى أنه سواء عنى بالترتيب ترتيب المجموع أو ترتيب الأفراد لا ~~يستحقون في هذه الحال فان الطبقة العليا لم تنقرض وآباؤهم لم يموتوا # الثالث أنهم في هذه الحال ليسوا من أهل الوقف ولم ينتقل إليهم ما هم أصل ~~فيه فلا ينتقل اليهم ما هم فروع فيه وأما العمومة فانه لا يتصور أن يستحق ~~الميت شيئا مع وجود عمومته إلا ms8958 على قولنا ففرض هذه الصورة على رأى المنازع ~~محال وإذا كان وجود العمومة مستلزما لصحة هذا القول فمحال أنه يستلزم ذلك ~~ما يفسده فان الشى الواحد لا يستلزم صحة الشيء وفساده لكن يقال قد كان ~~الميت أولا لم يخلف إلا إخوة وولدا ثم مات ولده عن ولد وأعمامه فنقول حرمان ~~الأخوة مع الولد تنبيه على حرمان العمومة وهذا حقيقة الجواب أن نفى إخوته ~~تنيبه على نفى عمومته كما تقدم # الوجه الثانى النافى للانقطاع أن إعطاء الاخوة نصيب الميت دون سائر أهل ~~الوقف تنبيه على اعطاء الولد كما تقدم PageV31P179 الثالث أن ذلك دليل على ~~أن الترتيب المتقدم ترتيب الافراد على الافراد وقد قدمنا تقرير هذا # والله سبحانه يوفقنا لما يحبه ويرضاه والحمد لله رب العالمين وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن وقف على أربعة أنفس عمرو وياقوتة وجهمة وعائشة يجرى عليهم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين فمن توفى منهم عن ولد أو ولد ولد أو عن نسل وعقب وان سفل عاد ~~ما كان جاريا عليه من ذلك على ولده ثم على ولد ولده ثم على نسله وعقبه ثم ~~من بعده وان سفل بينهم للذكر مثل حظ الانثيين ومن توفى منهم عن غير ولد ولا ~~ولد ولد ولا نسل ولا عقب عاد نصيبه وقفا على اخوته الباقين ثم على أنسالهم ~~وأعقابهم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين على الشرط والترتيب المقدم ذكرهما ~~فإذا لم يبق لهؤلاء الاخوة الموقوف عليهم نسل ولا عقب أو توفوا باجمعهم ولم ~~يعقبوا ولا واحد منهم عاد ذلك وقفا على الأسارى ثم على الفقراء ثم توفى عمر ~~عن فاطمة وتوفيت فاطمة عن عيناشى ابنة إسماعيل بن أبى يعلى ثم توفيت عيناشى ~~عن غير نسل ولا عقب ولم يبق من PageV31P180 ذرية هؤلاء الأربعة إلا بنت ~~إسماعيل بن أبى يعلى وكلاهما من ذرية جهمة فهاتان الجهتان اللتان تليهما ~~عيناشى بعد موت أبيها هل ينتقل إلى أختها رقية أو اليها أو إلى ابنة عمها ~~صفية ### ||||| فأجاب ms8959 # هذا النصيب الذى كان لعيناشى من أمها ينتقل إلى ابنتى العم ~~المذكورتين ولا يجوز أن تخص به أختها لأبيها لأن الواقف ذكر أن من توفى من ~~هؤلاء الأخوة الموقوف عليهم عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب عاد ~~نصيبه وقفا على اخوته ثم على انسالهم وأعقابهم على الشرط والترتيب المقدم ~~ذكرهما وهذه العبارة تعم من انقطع نسله أولا وآخرا فكل من انقطع نسله من ~~هؤلاء الاخوة كان نصيبه لأخوته ثم لأولادهم لأن الواقف لو لم يرد هذا لكان ~~قد سكت عن بيان حكم من أعقب اولا ثم انقطع عقبه ولم يبين مصرف نصيبه وذلك ~~غير جائز لأنه انما نقل الوقف إلى الأسرى والفقراء إذا لم يبق له ولا ~~لموقوف عليهم نسل ولا عقب فمتى أعقبوا ولو واحدا منهم لم ينتقل إلى الأسرى ~~شيء ولا إلى الفقراء وذلك يوجب أن ينتقل نصيب من انقطع نسله منهم إلى ~~الأخوة الباقين وهو المطلوب # وأيضا فإنه قسم حال المتوفى من الأربعة الموقوف عليهم إلى حالين أما أن ~~يكون له ولد أو نسل وعقب أولا يكون فان كان له PageV31P181 انتقل نصيبه إلى ~~الولد ثم إلى ولد الولد ثم إلى النسل والعقب وإن لم يكن انتقل إلى الأخوة ~~ثم إلى أولادهم فينبغى أن يعم هذا القسم ما لم يدخل في القسم الأول ليعم ~~البيان جميع الأحوال لأنه هو الظاهر من حال المتكلم ولأنه لو لم يكن كذلك ~~لزم الاهمال والالغاء وإبطال الوقف على قول ودلالة الحال تنفى هذا الاحتمال ~~وإذا عم ما لم يدخل في القسم الأول دخل فيه من لا ولد له ومن لا ولد لولده ~~ومن لا عقب له وإذا كان كذلك فأى هؤلاء الأربعة لم يكن له عقب كان نصيبه ~~لاخوته ثم لعقبه # وأيضا فإن الواقف قد صرح بأن من مات منهم عن غير عقب انتقل نصيبه إلى ~~اخوته ثم إلى أولادهم وهذا المقصود لا يختلف بين أن لا يخلف ولدا أو يخلف ~~ولدا ثم يخلف ولده ولدا فان العاقل ms8960 لا يقصد الفرق بين هاتين الحالتين لأن ~~التفريق بين المتماثلين قد علم بمطرد العادة أن العاقل لا يقصده فيجب أن لا ~~يحمل كلامه عليه بل يحمل كلامه على ما دل عليه دلالة الحال والعرف المطرد ~~إذا لم يكن في اللفظ ما هو أولى منه وإذا كان انقطاع النسل أولا وآخرا سواء ~~بالنسبة إلى الانتقال إلى الاخوة وجب حمل الكلام عليه واعلم أن من أمعن ~~النظر علم قطعا أن الواقف انما قصد هذا بدلالة الحال PageV31P182 واللفظ ~~سائغ له وليس في الكلام وجه ممكن هو أولى منه فيجب الحمل عليه قطعا # وأيضا فإن الوقف يراد للتأبيد فيجب بيان حال المتوفى في جميع الطبقات ~~فيكون قوله ومن توفى منهم عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب في قوة ~~قوله ومن كان منهم ميتا ولا عقب له لأن عدم نسله بعد موته بمنزلة كونهم ~~معدومين حال موته فلا فرق في قوله هذا وقوله ومن مات منهم ولا ولد له وقوله ~~ومن مات منهم ولم يكن له ولد وهذه العبارة وإن كان قد لا يفهم منها الا عدم ~~الذرية حين الموت في بعض الأوقات لكن اللفظ سائغ لعدم الذرية مطلقا بحيث لو ~~كان المتكلم قال قد أردت هذا لم يكن خارجا عن حد الافهام واذا كان اللفظ ~~سائغا له ولم يتناول صورة الحادثة إلا هذا اللفظ وجب إدراجها تحته لأن ~~الأمر اذا دار بين صورة يحكم فيها بما يصلح له لفظ الواقف ودلالة حاله وعرف ~~الناس كان الأول هو الواجب بلا تردد # إذا تقرر هذا فعم جد عيناشى هو الآن متوفى عن غير ولد ولا ولد ولد ولا ~~نسل ولا عقب فيكون نصيبه لأخوته الثلاثة على أنسالهم وأعقابهم والحال التى ~~انقطع فيها نسله لم يكن من ذريته إلا هاتان المرأتان فيجب أن تستويا في ~~نصيب عيناشى وهكذا القول في كل واحد انقطع نسله فان نصيبه ينتقل إلى ذرية ~~إخوته إلا أن PageV31P183 يبقى أحد من ذرية ابيهم الذى انتقل إليه الوقف ~~منه أو ms8961 من ذرية أمه التى انتقل إليه الوقف منها فيكون باقى الذرية هم ~~المستحقين لنصيب أمهم أو أبيهم لدخولهم في قوله فمن توفى منهم عن ولد أو ~~ولد ولد # وأعلم أن الكلام إن لم يحمل على هذا كان نصيب هذا وقفا منقطع الانتهاء ~~لأنه قال فمن توفى منهم عن ولد كان نصيبه لولده ثم لولد ولده ثم لنسله ~~وعقبه ولم يبين بعد انقراض النسل إلى من يصير لكن بين في آخر الشرط أنه لا ~~ينتقل إلى الأسرى والفقراء حتى تنقرض ذرية الأربعة فيكون مفهوم هذا الكلام ~~صرفه إلى الذرية وهاتان من الذرية وهما سواء في الدرجة ولم يبق غيرهما فيجب ~~أن يشتركا فيه وليس بعد هذين الاحتمالين الا أن يكون قوله ومن توفى منهم ~~عائدا إلى الأربعة وذريتهم # فيقال حينئذ عيناشى قد توفيت عن أخت من أبيها وابنة عم فيكون نصيبها ~~لاختها وهذا الحمل باطل قطعا لا ينفذ حكم حاكم أن حكم بموجبه لأن الضمير ~~أولا في قوله فمن توفى منهم عائد إلى الأربعة فالضمير في قوله ومن توفى ~~منهم عائد ثانيا إلى هؤلاء الأربعة لأن الرجل إذا قال هؤلاء الاربعة من فعل ~~منهم كذا فافعل به كذا وكذا ومن فعل منهم كذا فافعل لولده كذا علم ~~بالاضطرار أن الضمير الثانى هو الضمير الأول ولأنه قال ومن توفى منهم عن ~~غير ولد عاد نصيبه PageV31P184 إلى إخوته الباقين وهذا لا يقال الا فيمن له ~~اخوة تبقى بعد موته وانا نعلم هذا في هؤلاء الأربعة لأن الواحد من ذريتهم ~~قد لا يكون له أخوة باقون فلو أريد ذلك المعنى لقليل على إخوته ان كان له ~~إخوة أو قيل ومن مات منهم عن إخوة كما قيل في الولد ومن مات منهم عن ولد ~~وهذا ظاهر لا خفاء به # وأيضا فلو فرض أن من مات من أهل الوقف عن اخوة كان نصيبه لأخوته فإنما ~~ذلك في الاخوة الذين شركوه في نصيب أبيه وأمه لا في الأخوة الذين هم أجانب ~~عن النصيب الذى خلفه على ما ms8962 هو مقرر في موضعه من كتب الفقه على المذاهب ~~المشهورة وهذا النصيب انما تلقته عيناشى من أمها وأختها رقية اجنبية من ~~أمها لأنها أختها من أبيها فقط فنسبة أختها لابيها وابنة عمها إلى نصيب ~~الأم سواء وهذا بين لمن تأمله والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن واقف وقف وقفا على ولديه عمر وعبد الله بينهما بالسوية نصفين ~~أيام حياتهما ابدا ما عاشا دائما ما بقيا ثم على أولادهما من بعدهما وأولاد ~~أولادهما ونسلهما وعقبهما أبدا ما تناسلوا PageV31P185 بطنا بعد بطن فتوفى ~~عبد الله المذكور وخلف أولادا فرفع عمر ولد عبد الله إلى حاكم يرى الحكم ~~بالترتيب وسأله رفع يد ولد عبد الله عن الوقف وتسليمه إليه فرفع يد ولد عبد ~~الله وسلمه إلى عمر بحكم أنه من البطن الأول فهل يكون ذلك الحكم جاريا في ~~جميع البطون أم لا ثم إن عمر توفى وخلف أولادا فوضعوا أيديهم على الوقف ~~بغير حكم حاكم فطلب ولد عبد الله من حاكم يرى الحكم بالتشريك بينهم في ~~الوقف تشريكهم لأن الواقف جمع بين الأولاد والنسل والعقب في الاستحقاق بعد ~~عبد الله وعمر بالواو الذى يقتضى التشريك دون الترتيب وأن قوله بطنا بعد ~~بطن لا يقتضى الترتيب فهل الحكم لهم بالمشاركة صحيح أم لا وهل حكم الأول ~~لعمر متقدم على ولد عبد الله مناقضا للحكم بالتشريك بين أولاد عمر وأولاد ~~عبد الله وهل لحاكم ثالث أن يبطل هذا الحكم والتنفيذ ### ||||| فأجاب # مجرد الحكم لأحد الأخوين الأولين بجميع الوقف بعد موت أخيه المتوفى ~~لا يكون جاريا في جميع البطون ولا يكون حكما لأولاده بما حكم له به فان ~~قوله ثم على أولادهما هل هو لترتيب المجموع على المجموع أو لترتيب الأفراد ~~على الأفراد بحيث ينتقل نصيب كل ميت إلى ولده فيه قولان للفقهاء وكذلك قوله ~~وأولادهما من بعدهما بطنا بعد بطن هل هو للترتيب أو للتشريك فيه قولان فاذا ~~حكم الحاكم باستحقاق عمر الجميع بعد موت عبد الله كان هذا لاعتقاده ~~PageV31P186 لترتيب المجموع على المجموع فاذا مات عمر ms8963 فقد يرى ذلك الحاكم ~~الترتيب في الطبقة الأولى فقط كما قد يشعر به ظاهر اللفظ وقد يكون يرى أن ~~الترتيب في جميع البطون لكن ترتيب الجميع على الجميع ويشترك كل طبقة من ~~الطبقتين في الوقف دون من هو أسفل منها وقد يرى غيره وأنه بعد ذلك لترتيب ~~الأفراد على الأفراد فاذا حكم حاكم ثان فيما لم يحكم فيه الأول بما لا ~~يناقض حكمه لم يكن نقضا لحكمه فلا ينقض هذا الثانى إلا بمخالفة نص أو إجماع ~~والله أعلم ### |||| ( وسئل رضى الله عنه ( # عمن وقف وقفا على بن ابنه فلان ثم على أولاده ~~واحدا كان أم أكثر ثم على أولاد أولاده ثم نسله وعقبه فمن توفى منهم عن ولد ~~أو ولد ولد أو عن نسل وعقب عاد ما كان جاريا عليه من ذلك على من معه في ~~درجته فتوفى الأول عن أولاد توفى أحدهم في حياته عن أولاد ثم مات الأول ~~وخلف بنته وولدى ابنه فهل تأخذ البنت الجميع أو ينتقل إلى ولدى الابن ما ~~كان يستحقه أبوهما لو كان حيا ### ||||| فأجاب # بل النصيب الذى كان يستحقه محمد الميت في حياة أبيه لو عاش ينتقل ~~إلى ولديه دون أخته فان الواقف قد ذكر أن قوله على PageV31P187 أولاده ثم ~~على أولاد أولاده إنما أراد به ترتيب الأفراد على الأفراد لا ترتيب الجملة ~~على الجملة بما بينه وإن كان ذلك هو مدلول اللفظ عند الاطلاق على أحد ~~القولين # والحقوق المرتب أهلها شرعا أو شرطا إنما يشترط انتقالها إلى الطبقة ~~الثانية عند عدم الأولى أو عدم استحقاقها لاستحقاق الأولى أولا كما يقول ~~الفقهاء في العصب بالميراث أو النكاح الابن ثم ابنه ثم الأب ثم أبوه ~~فاستحقاق بن الابن مشروط بعدم أبيه لعدم استحقاقه لمانع يقوم به من كفر ~~وغيره لا يشترط أن أباه يستحق شيئا لم # ينتقل إليه كذلك في الأم النكاح والحضانة وولاية غسل الميت والصلاة عليه ~~وإنما يتوهم من يتوهم اشتراط استحقاق الطبقة الأولى لتوهمه أن الوقف ينتقل ~~من الأولى اليها وتتلقاه ms8964 الثانية عن الأولى كالميراث وليس كذلك بل هي تتلقى ~~الوقف عن الواقف كما تلقته الأولى وكما تتلقى الأقارب حقوقهم عن الشارع لكن ~~يرجع في الاستحقاق إلى ما شرطه الشارع والواقف من الترتيب PageV31P188 ( ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن وقف انسان شيئا على زيد ثم على أولاد زيد الثمانية فمات واحد من أولاد ~~زيد الثمانية المعينين في حال حياة زيد وترك ولدا ثم مات زيد فهل ينتقل إلى ~~ولد ولد زيد ما أستحقه ولد زيد لو كان حيا أم يختص الجميع بأولاد زيد ### ||||| فأجاب # نعم يستحق ولد الولد ما كان يستحقه والده ولا ينتقل ذلك إلى أهل ~~طبقة الميت ما بقى من ولده وولد ولده أحد وذلك لأن قول الواقف على زيد ثم ~~على أولاده ثم أولاد أولاده فيه للفقهاء من أصحاب الامام أحمد وغيرهم عند ~~الإطلاق قولان # ( أحدهما ( أنه لترتيب الجملة على الجملة كالمشهور في قوله على زيد وعمرو ~~ثم على المساكين # ( والثانى ( انه لترتيب الأفراد على الأفراد كما في قوله تعالى @QB@ ولكم ~~نصف ما ترك أزواجكم @QE@ أي لكل واحد نصف ما تركته زوجته وكذلك قوله ( حرمت ~~عليكم أمهاتكم ( أى حرمت على كل واحد أمه إذ PageV31P189 مقابلة الجمع ~~بالجمع تقتضى توزيع الأفراد على الأفراد كما في قوله لبس الناس ثيابهم وركب ~~الناس دوابهم وهذا المعنى هو المراد في صورة السؤال قطعا اذ قد صرح الواقف ~~بان من مات من هؤلاء عن ولد انتقل نصيبه إلى ولده فصار المراد ترتيب ~~الأفراد على الأفراد في هذه الصورة المقيدة بلا خلاف اذ الخلاف انما هو مع ~~الإطلاق # وإذا كان كذلك فاستحقاق المرتب في الشرع والشرط في الوصية والوقف وغير ~~ذلك انما يشترط في انتقاله إلى الثانى عدم استحقاق الأول سواء كان قد وجد ~~واستحق أو وجد ولم يستحق أو لم يوجد بحال كما في قول الفقهاء في ترتيب ~~العصبات وأولياء النكاح والحضانة وغيرهم فيستحق ذلك الابن ثم ابنه وان سفل ~~ثم الأب ثم أبوه وان علا فان الأقرب إذا عدم أو كان ممنوعا لكفر أو ms8965 رق ~~انتقل الحق إلى من يليه ولا يشترط في انتقال الحق إلى من يليه أن يكون ~~الأول قد استحق وكذلك لو قال النظر في هذا لفلان ثم لفلان أو لابنه فمتى ~~انتفى النظر عن الأول لعدمه أو جنونه أو كفره انتقل إلى الثانى سواء كان ~~ولدا أو غير ولد وكذلك ترتيب العصبة في الميراث وفى الأرث بالولاء وفى ~~الحضانة وغير ذلك PageV31P190 # وكذلك في الوقف لو وقف على أولاده طبقة بعد طبقة عصبتهم وشرط أن يكونوا ~~عدولا أو فقراء أو غير ذلك وانتفى شرط الاستحقاق في واحد من الطبقة الأولى ~~أو كلهم انتقل الحق عند عدم استحقاق الأول إلى الطبقة الثانية اذا كانوا ~~متصفين بالاستحقاق # وسر ذلك أن الطبقة الثانية تتلقى الوقف من الواقف لا من الطبقة الأولى ~~لكن تلقيهم ذلك مشروط بعدم الأولى كما أن العصبة البعيدة تتلقى الأرث من ~~الميت لا من العاصب القريب لكن شرط استحقاقه عدم العاصب القريب وكذلك ~~الولاء في القول المشهور عند الأئمة يرث به اقرب عصبة الميت يوم موت المعتق ~~لأنه يورث كما يورث المال # وإنما يغلط ذهن بعض الناس في مثل هذا حيث يظن أن الولد يأخذ هذا الحق ~~ارثا عن أبيه أو كالأرث فيظن أن الانتقال إلى الثانية مشروط باستحقاق ~~الأولى كما ظن ذلك بعض الفقهاء فيقول اذا لم يكن الأب قد ترك شيئا لم يرثه ~~الابن وهذا غلط فان الابن لا يأخذ ما يأخذ الأب بحال ولا يأخذ عن الأب شيئا ~~اذ لو كان الأب موجودا لكان يأخذ الريع مدة حياته ثم ينتقل إلى ابنه الريع ~~الحادث بعد موت الأب لا الريع الذى يستحقه وأما رقبة الوقف فهي باقية على ~~حالها حق الثانى فيها في وقته نظير حق الأول في وقته لم ينتقل اليهم ارثا ~~PageV31P191 # ولهذا اتفق المسلمون في طبقات الوقف انه لو انتفت الشروط في الطبقة ~~الاولى أو بعضهم لم يلزم حرمان الطبقة الثانية إذا كانت الشروط موجودة فيهم ~~وانما نازع بعضهم فيما اذا عدموا قبل زمن الاستحقاق ولا فرق ms8966 بين الصورتين # ويبين هذا أنه لو قيل بانتقال نصيب الميت إلى أخوته لكونه من الطبقة كان ~~ذلك مستلزما لترتيب جملة الطبقة على الطبقة أو ان بعض الطبقة الثانية أو ~~كلهم لا يستحق الا مع عدم جميع الطبقة الأولى ونص الواقف يبين انه أراد ~~ترتيب الأفراد على الأفراد مع انا نذكر في الاطلاق قولين الأقوى ترتيب ~~الأفراد مطلقا اذ هذا هو المقصود من هذه العبارة وهم يختارون تقديم ولد ~~الميت على أخيه فيما يرثه أبوه فانه يقدم الولد على الأخ وان قيل بأن الوقف ~~في هذا منقطع فقد صرح هذا الواقف بالألفاظ الدالة على الاتصال فتعين ان ~~ينتقل نصيبه إلى ولده # وفى الجملة فهذا مقطوع به لا يقبل نزاعا فقهيا وانما يقبل نزاعا غلطا ~~وقول الواقف فمن مات من أولاد زيد أو أولاد أولاده وترك ولدا أو ولد ولد ~~وان سفل كان نصيبه إلى ولد ولده أو ولد ولد ولده يقال فيه اما أن يكون قوله ~~نصيبه يعم النصيب الذى يستحقه اذا كان متصفا بصفة الاستحقاق سواء استحقه أو ~~لم يستحقه ولا يتناول الا ما استحقه فان كان الاول فلا كلام وهو الأرجح ~~لأنه بعد موته ليس هو في هذه الحال مستحقا له ولأنه لو كان الاب ممنوعا ~~لانتفاء PageV31P192 صفة مشروطة فيه مثلا مثل أن يشترط فيهم الاسلام أو ~~العدالة أو الفقر كان ينتقل مع وجود المانع إلى ولده كما ينتقل مع عدمه ~~ولأن الشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة فيصدق ان يقال نصيبه بهذا الاعتبار ~~ولأن حمل اللفظ على ذلك يقتضى أن يكون كلام الواقف متناولا لجميع الصور ~~الواقعة فهو أولى من حمله على الاخلال بذكر البعض ولأنه يكون مطابقا ~~للترتيب الكلامى وليس ذلك هو المفهوم من ذلك عند العامة الشارطين مثل هذا # وهذا أيضا موجب الاعتبار والقياس النظرى عند الناس في شروطهم إلى استحقاق ~~ولد الولد الذى يكون يتيما لم يرث هو وأبوه من الجد شيئا فيرى الواقف أن ~~يجبره بالاستحقاق حينئذ فانه يكون لاحقا فيما ورث أبوه من ms8967 التركة وانتقل ~~إليه الارث وهذا الذى يقصده الناس موافق لمقصود الشارع أيضا ولهذا يوصون ~~كثيرا بمثل هذا الولد # وإن قيل إن هذا اللفظ لا يتناول إلا ما استحقه كان هذا مفهوم منطوق خرج ~~مخرج الغالب فلا مفهوم له واذا لم يكن له مفهوم كان مسكوتا عنه في هذا ~~الموضع ولكن قد يتناوله في قوله على زيد ثم على أولاده ثم على أولاد ~~أولادهم فانا ذكرنا أن موجب هذا اللفظ مع ما ذكر بعده من أن الميت ينتقل ~~نصيبه إلى ولده صريح في أن المراد ترتيب الأفراد على الأفراد والتقدير على ~~زيد ثم على أولاده ثم على ولد كل واحد PageV31P193 بعد والده وهذا اللفظ ~~يوجب أن يستحق كل واحد ما كان أبوه مستحقه لو كان متصفا بصفة الاستحقاق كما ~~يستحق ذلك أهل طبقاته وهذا متفق عليه بين علماء المسلمين في أمثال ذلك شرعا ~~وشرطا وإذا كان هذا موجب استحقاق الولد وذلك التفصيل اما أن يوجب استحقاق ~~الولد أيضا وهو الأظهر أو لا يوجب حرمانه فيقر العمل بالدليل السالم عن ~~المعارض المقاوم والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن وقف وقفا على أولاده فلان وفلان وفلان وعلى بن ابنه فلان على أنه من ~~توفى منهم عن ولد ذكر انتقل نصيبه إلى ولده ومن مات عن بنت انتقل نصيبه ~~إليها ثم إلى أعمامها ثم بنى أعمامها الأقرب فالأقرب منهم فمات بن بن عن ~~غير ولد وترك أخته من أبويه وأعمامه فأيهم أحق ### ||||| فأجاب # ينتقل نصيبه إلى أخته لأبويه فانه قد ظهر من قصد الواقف تخصيص ما ~~كان ينبغى أن يستحقه أصله وتخصيص نصيب الميت عن غير ولد بالأقرب إليه وأنه ~~أقام موسى بن الابن مقام ابنه لأن أباه كان ميتا وقت الوقف والله أعلم ~~PageV31P194 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن قرية وقفها السلطان صلاح الدين فجعل ~~ريعها وقفا على شخص معين ثم على أولاده من بعده والنصف والربع على الفقراء ~~واستمر الامر على هذه الصورة والقرية عامرة فلما كان سنة دخول قازان خربت ~~هذه القرية وأستمرت ms8968 داثرة مدة ثمان سنين فجاء رجل من المشائخ وأخذ توقيعا ~~سلطانيا بتمكينه من أن يعمر هذه القرية فعمرها وتوفى إلى رحمة الله وخلف ~~أيتاما صغارا فقراء لا مال لهم فجائت امرأة من ذرية الموقوف عليه صاحب ~~الريع فأثبتت نسبها وتسلمت ريع هذه القرية وأستمر النصف والربع على الفقراء ~~بحكم شرط الواقف وبقى أولاد الذى عمر القرية فقراء فهل يجوز لهم أن يقبضوا ~~كفايتهم في جملة الفقراء أم لهم ما غرمه والدهم على تعميرها ما لم يستوف ~~عوضه قبل وفاته ### ||||| فأجاب # ان كانوا داخلين في شروط الواقف فانهم يستحقون ما يقتضيه الشرط وان ~~قدر تعذر الصرف إلى الموصوفين لتعذر بعض الأوصاف فكان هؤلاء الأطفال ~~مشاركين في الاستحقاق لمن يصرف إليه المال فينبغى PageV31P195 أن يصرف ~~إليهم أيضا ما غرمه والدهم من القرية بالمعروف من ماله ليستوفى عوضه فانهم ~~يستوفونه من مغل الوقف ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن قسمة الوقف ومنافعه ### ||||| فأجاب # ما كان وقفا على جهة واحدة لم يجز قسمة عينه وانما يجوز قسمة ~~منافعه بالمهايئة واذا تهايؤا ثم أرادوا نقضها فلهم ذلك واذا لم يقع من ~~المستحق أو وكيله فهي باطلة والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن وقف على جهة واحدة فقسمه قاسم حنبلى معتقدا جواز ذلك حيث وجد في ~~المختصرات انا اذا قلنا القسمة اقرار جاز قسمة الوقف ثم تناقل الشريكان بعض ~~الأعيان ثم طلب بعضهم نصيبه الاول من المقاسمة ### ||||| فأجاب # اذا كان الوقف على جهة واحدة فان عينه لا تقسم قسمة PageV31P196 ~~لازمة لا في مذهب أحمد ولا غيره وانما في المختصرات لما أرادوا بيان فروع ~~قولنا القسمة إقرار أو بيع فاذا قلنا هي بيع لم يجز لأن الوقف لا يباع واذا ~~قلنا هي اقرار جاز قسمته في الجملة ولم يذكروا شروط القسمة كما جرت به ~~العادة في امثال ذلك وقد ذكر طائفة منهم في قسمة الوقف وجهين وصرح الأصحاب ~~بأن الوقف إنما يجوز قسمته إذا كان على جهتين فأما الوقف على جهة واحدة فلا ~~تقسم عينه اتفاقا فالتعليق حق الطبقة الثانية والثالثة ms8969 لكن تجوز المهايأة ~~على منافعه و ( المهايأة ( قسمة المنافع ولا فرق في ذلك بين مناقلة المنافع ~~وبين تركها على المهايأة بلا مناقلة فان تراضوا بذلك أعيد المكان شائعا كما ~~كان في العين والمنفعة والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن وقف على جماعة وان بعض الشركة قد دفع في الفاكهة مبلغا وان بعض الشركة ~~أمتنع من التضمين والضمان وطلب ان يأخذ ممن يشتريه قدر حصته من الثمرة فهل ~~يحكم عليه الحاكم بالبيع مع الشركة أم لا ### ||||| فأجاب # اذا لم تمكن قسمة ذلك قبل البيع بلا ضرر فعليه ان يبيع مع شركائه ~~ويقاسمهم الثمن PageV31P197 ### |||| ( وسئل ( # عن وقف لمصالح الحرم وعمارته ثم بعد ~~ذلك يصرف في وجوه البر والصدقات وعلى الفقراء والمساكين المقيمين بالحرم ~~فهل يجوز ان يصرف من ذلك على القوام والفراشين القائمين بالوظائف ### ||||| فأجاب # نعم القائمون بالوظائف مما يحتاج إليه المسجد من تنظيف وحفظ وفرش ~~وتنويره وفتح الأبواب وإغلاقها ونحو ذلك هم من مصالحه يستحقون من الوقف على ~~مصالحه ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل اشترى دارا ولم يكن في كتبه غير ثلاث حدود والحد الرابع لدار وقف ~~ثم إن الذى اشترى هدم الدار وعمرها ثم أنه فتح الطاقة في دار الوقف يخرج ~~النور منها إلى مخزن وجعل إلى جنب الجدار سقاية مجاورة للوقف محدثة تضر ~~حائط الوقف وبرز بروزا على دور قاعة الوقف فاذا بنى على دور القاعة وجعل ~~أخشاب سقف على الجدار الذى PageV31P198 للوقف وفعل هذا هذا بغير إذن ولى ~~الأمر وذكر أنه استأجره كل سنة بثلاثة دراهم وولى الأمر لم يؤجره إلى الآن ~~ولا المباشرين ثم ان رجلا حلف بالله أنه يستأجر هذا الجدار وهو بين الدور ~~وأزيل ما فعله من البروز والسقاية ولم أحدث فيه عمارة الا احتسابا لله ~~تعالى وأستأجره كل سنة بعشرين درهما مدة عشرين سنة حتى بقى دور قاعة الوقف ~~نيرة ولم تتضرر الجيرة بالعلو فهل يجوز الايجار للذى تعدى أم للذى قصد ~~المثوبة وزيادة للوقف بالاجرة إن أجره ولى الأمر المنفعة بالزيادة ولازالة ~~الضرر عن الوقف ms8970 ### ||||| فأجاب # ليس له أن يبنى على جدار الوقف ما يضر به باتفاق الناس بل وكذلك ~~إذا لم يضربه عند جمهور العلماء ودعواه الاستئجار غير مقبولة بغير حجة ولو ~~آجر اجارة فيها ضرر على الوقف لم تكن إجارة شرعية ومن طلب استئجاره بعد هذا ~~وكان ذلك مصلحة للوقف فانه يجوز بل يجب أن يؤجر واذا كان له نية حسنة حصل ~~له من الأجر والثواب بحسب ذلك والله أعلم PageV31P199 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل ساكن في خان وقف وله مباشر لرسم عمارته واصلاحه وإن الساكن أخبر ~~المباشر أن مسكنه يخشى سقوطه وهو يدافعه ثم أن المباشر صعد إلى المسكن ~~المذكور ورآه بعينه وركضه برجله وقال ليس بهذا سقوط ولا عليك منه ضرر وتركه ~~ونزل فبعد نزوله سقط المسكن المذكور على زوجة الساكن وأولاده فمات ثلاثة ~~وعدم جميع ماله فهل يلزم المباشر من مات ويغرم المال الذى عدم أم لا ### ||||| فأجاب # على هذا المباشر المذكور الذى تقدم إليه وأخر الاستهدام ضمان ما ~~تلف بسقوطه بل يضمن ولو كان مالك المكان اذا خيف السقوط وأعلم بذلك وان لم ~~يكن المعلم له مستأجرا منه عند جماهير العلماء كأبى حنيفة ومالك وأحمد في ~~المشهور وطائفة من أصحاب الشافعى وغيرهم لكن بعضهم يشترط الاشهاد عليه ~~واكثرهم لا يشترط ذلك فانه مفرط بترك نقضه واصلاحه ولو ظن أنه لا يسقط فانه ~~كان عليه أن يرى ذلك لأرباب الخبرة بالبناء فاذا ترك ذلك كان مفرطا ضامنا ~~لما تلف بتفريطه لا سيما مع قوله للمستأجر ان شئت فاسكن وان شئت فلا تسكن ~~فان هذا عدوان منه PageV31P200 # فإن المستأجر له مطالبة المؤجر بالعمارة التى يحتاج اليها المكان والتى ~~هي من موجب العقد وهذه العمارة واجبة من وجهين من جهة حق أهل الوقف ومن جهة ~~حق المستأجر والعلماء متفقون على أنه ليس لناظر الوقف ان يفرط في العمارة ~~التى استحقها المستأجر فهذان التفريطان يجب عليه بتركهما ضمان ما يكف ~~بتفريطه فيضمن مال الوقف للوقف ويدخل في ذلك المنافع التى استحقها المستأجر ~~بخلاف ms8971 ما لو كانت العين باقية فان له أن يضمنه إياها وله أن يفسخ الاجارة ~~واما ما تلف بالتفريط من النفوس والأموال التى للمستأجر فيضمن من هذه ~~الوجوه الثلاثة ويضمن ما تلف للجيران من الوجه الأول كما ذهب إليه جماهير ~~العلماء ### |||| وسئل ( # عن مال موقوف على فكاك الأسرى واذا استدين بمال في ذمم الأسرى بخلاصهم لا ~~يجدون وفاءه هل يجوز صرفه من الوقف وكذلك لو استدانه ولى فكاكهم بأمر ناظر ~~الوقف أو غيره ### ||||| فأجاب # نعم يجوز ذلك بل هو الطريق في خلاص الأسرى أجود من اعطاء المال ~~ابتداء لمن يفتكهم بعينهم فان ذلك يخاف عليه وقد يصرف PageV31P201 في غير ~~الفكاك وأما هذا فهو مصروف في الفكاك قطعا ولا فرق بين أن يصرف عين المال ~~في جهة الاستحقاق أو يصرف ما استدين كما كان النبى تارة يصرف مال الزكاة ~~إلى أهل السهمان وتارة يستدين لأهل السهمان ثم يصرف الزكاة إلى أهل الدين ~~فعلم أن الصرف وفاء كالصرف أداء والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل تحته حصة في حمام وهى موقوفة على الفقراء والمساكين فخرب شيء من ~~الحمام في زمان العدو فأجر تلك الحصة لشخص مدة ثمان سنين بثمانمائة درهم ~~واذن له ان يصرف تلك الأجرة في العمارة الضرورية في الحمام فعمر المستأجر ~~وصرف في العمارة حتى صارت اجرة الحصة المذكورة وذكر أنه فضل له على الوقف ~~مال زائد عن الأجرة من غير اذن المؤجر فهل يجوز له ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا عمر عمارة زائدة عن العمارة الواجبة على الوجه ~~المأذون فيها لم يكن على أهل الحمام ان يقوموا ببقية تلك العمارة الزائدة ~~ولا قيمتها بل له أن يأخذها إذا لم يضر أخذها بالوقف واذا كانت العمارة ~~تزيد كراء الحمام فأتفقوا على أن تبقى العمارة له لا يعطونه بقيمتها بل ~~PageV31P202 يكون ما يحصل من زيادة الأجرة بإزاء ذلك جاز ذلك وان أراد أهل ~~الوقف أن يقلعوا العمارة الزائدة فلهم ذلك اذا لم تنقص المنفعة المستحقة ~~بالعقد وإن اتفقوا على أن يعطوه ms8972 بقية العمارة ويزيدهم في الاجرة بقدر ما ~~زاد من المنفعة جاز والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن وقف على تكفين الموتى يفيض ريعه كل سنة على الشرط هل يتصدق به وهل ~~يعطى منه أقارب الواقف الفقراء ### ||||| فأجاب # اذا فاض الوقف عن الأكفان صرف الفاضل في مصالح المسلمين واذا كان ~~أقاربه محاويج فهم أحق من غيرهم والله أعلم # ) ### |||| ( وسئل ( # عن فقيه منزل في مدرسة ثم غاب مدة البطالة فهل يحل منعه من الجامكية أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا لم يغب إلا شهر البطالة فانه يستحق ما يستحقه الشاهد ~~لا فرق في أشهر البطالة بين أن يكون البطال شاهدا أو غائبا والله أعلم ~~PageV31P203 ### |||| وسئل ( # عن مقرىء على وظيفة ثم أنه سافر واستناب شخصا ولم يشترط عليه فلما عاد ~~قبض الجميع ولم يخرج من المكان فهل يستحق النائب المشروط أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم النائب يستحق المشروط كله لكن إذا عاد المستنيب فهو ~~أحق بمكانه والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عمن وقف وقفا مستغلا ثم مات فظهر عليه دين فهل يباع الوقف في دينه ### ||||| فأجاب # إذا أمكن وفاء الدين من ريع الوقف لم يجز بيعه وان لم يمكن وفاء ~~الدين الا ببيع شيء من الوقف وهو في مرض الموت بيع باتفاق العلماء وإن كان ~~الوقف في الصحة فهل يباع لوفاء الدين فيه خلاف بين العلماء في مذهب أحمد ~~وغيره ومنعه قول قوى PageV31P204 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل قال في مرضه اذا مت فدارى وقف على المسجد الفلانى فتعافى ثم حدث ~~عليه ديون فهل يصح هذا الوقف ويلزم أم لا ### ||||| فأجاب # يجوز أن يبيعها في الدين الذى عليه وإن كان التعليق صحيحا كما هو ~~أحد قولى العلماء وليس هذا بأبلغ من التدبير وقد ثبت عن النبى أنه باع ~~المدبر في الدين والله أعلم # ) ### |||| ( وسئل ( # عمن وقف وقفا على ضريح رسول الله برسم شمع أو زيت وذلك بعد موته ثم إنه ~~قصد أن يغير الوقف ويجعله على الفقراء والمساكين بالقاهرة وإن لم يجز ذلك ~~فهل يجوز على ms8973 الفقراء المجاورين بالمدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أم لا PageV31P205 ### ||||| فأجاب # أما الوصية بما يفعل بعد موته فله أن يرجع ~~فيها ويغيرها باتفاق المسلمين ولو كان قد أشهد بها وأثبتها سواء كانت وصية ~~بوقف أو عتق أو غير ذلك وفى الوقف المعلق بموته والعتق نزاعان مشهوران ~~والوقف على زيت وشمع يوقد على قبر ليس برا باتفاق العلماء بل ثبت عن النبى ~~أنه قال ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( # وأما تنوير المسجد النبوى على المصلين وغيره فتنوير بيوت الله حسن لكن ~~إذا كان للمسجد ما يكفى تنويره لم يكن للزيادة التى لافائدة فيها فائدة ~~مشروعة ولم يكن ذلك مصروفا في تنويره بل تصرف في غيره والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن الوقف إذا فضل من ريعه واستغنى عنه ### ||||| فأجاب # يصرف في نظير تلك الجهة كالمسجد إذا فضل عن مصالحه صرف في مسجد آخر ~~لأن الواقف غرضه في الجنس والجنس واحد فلو قدر ان المسجد الأول خرب ولم ~~ينتفع به أحد صرف ريعه في مسجد آخر فكذلك إذا فضل عن مصلحته شيء فإن هذا ~~PageV31P206 الفاضل لا سبيل إلى صرفه إليه ولا إلى تعطيله فصرفه في جنس ~~المقصود أولى وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف وقد روى أحمد عن على رضى ~~الله عنه أنه حض الناس على اعطاء مكاتب ففضل شيء عن حاجته فصرفه في ~~المكاتبين ### |||| ( وسئل ( # عن رجل صالح فرض له القاضي بشيء من الصدقات لأجله وأجل الفقراء ~~الواردين عليه فهل يجوز لأحد أن يزاحمه في ذلك أو يتغلب عليه باليد القوية ### ||||| فأجاب # قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( المسلم أخو المسلم لا يحل ~~للمسلم أن يبيع على بيع أخيه ولا يستام على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق ~~أختها لتكفأ ما في صفحتها فان لها ما قدر لها ( فاذا كان النبى في عقود ~~المعاوضات قد نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه وان يخطب على خطبته قبل أن ~~يدخل المطلوب في ملك الانسان فكيف يحل للرجل ms8974 أن يجيء إلى من فرض له ولى ~~الأمر على الصدقات أو غيرها ما يستحقه ويحتاج إليه فيزاحمه على ذلك ويريد ~~أن ينزعه منه فان هذا أشد تحريما من ذلك والله أعلم PageV31P207 ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن وقف أرض على مسجد فيها أشجار معطلة من الثمر وتعطلت الأرض من الزراعة ~~بسببها فهل يجوز قلع الأشجار وصرف ثمنها في مصالح المسجد وتزرع الأرض ~~وينتفع بها ### ||||| فأجاب # نعم إذا كان قلع الأشجار مصلحة للأرض بحيث يزيد الانتفاع بالأرض ~~إذا قلعت فانها تقلع وينبغى للناظر أن يقلعها ويفعل ما هو الأصلح للوقف ~~ويصرف ثمنها فيما هو أصلح للوقف من عمارة الوقف أو مسجد أن إحتاج إلى ذلك ~~والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن مصيف مسجد بنى فيه قبر فسقية وهدم بحكم الشرع وللمسجد بيت خلاء ولم ~~يكن فيه موضع يسع الوضوء فهل يجوز أن يعمل في المصيف مكان للوضوء ويترك ما ~~هو في الفسقية التى كانت بنيت قبرا PageV31P208 ### ||||| فأجاب رحمه الله # الحمد الله نعم إذا كان هذا مصلحة للمسجد وأهله وليس فيه ~~محذور الا مجرد الوضوء في المسجد جاز أن يفعل ذلك فان الوضوء في المسجد ~~جائز بل لا يكره عند جمهور العلماء والله أعلم ### |||| وسئل ( # عن مسجد مغلق عتيق فسقط وهدم وأعيد مثل ما كان في طوله وعرضه ورفعه ~~البانى له عن ما كان عليه وقدمه إلى قدام وكان تحته خلوة فعمل تحته بيتا ~~لمصلحة المسجد فهل يجوز تجديد البيت وسكنه ### ||||| فأجاب # الحمد الله نعم يجوز أن يعمل في ذلك ما كان مصلحة للمسجد وأهله من ~~تجديد عمارة وتغيير العمارة من صورة إلى صورة ونحو ذلك والله سبحانه أعلم ~~PageV31P209 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن مساجد وجامع يحتاج إلى عمارة وعليها رواتب مقررة على القابض والريع لا ~~يقوم بذلك فهل يحل أن يصرف لأحد قبل العمارة الضرورية وإلى من يحل وما يصنع ~~بما يفضل عن الريع أيدخر أم يشترى به عقارا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا أمكن الجمع بين المصلحتين بأن يصرف ما لابد من صرفه ~~لضرورة أهله وقيام ms8975 العمل الواجب بهم وأن يعمر بالباقى كان هذا هو المشروع ~~وأن تأخر بعض العمارة قدرا لا يضر تأخره فإن العمارة واجبة والأعمال التى ~~لا تقوم إلا بالرزق واجبة وسد الفاقات واجبة فإذا أقيمت الواجبات كان أولى ~~من ترك بعضها # وأما من لا تقوم العمارة إلا بهم من العمال والحساب فهم من العمارة وأما ~~ما فضل من الريع عن المصارف المشروطة ومصارف المساجد فيصرف في جنس ذلك مثل ~~عمارة مسجد آخر ومصالحها وإلى جنس المصالح ولا يحبس المال أبدا لغير علة ~~محدودة لا سيما في مساجد قد علم أن ريعها يفضل عن كفايتها دائما فان حبس ~~مثل هذا المال من الفساد ( والله لا يحب الفساد PageV31P210 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن حاكم خطيب رتب له على فائض مسجد رزقه فيبقى سنتين لايتناول شيئا لعدم ~~الفائض ثم زاد الريع في السنة الثالثة فهل له أن يتناول رزق ثلاث سنين من ~~ذلك المغل ### ||||| فأجاب # إن كان لمغل السنة الثالثة مصارف شرعية بالشرط الصحيح وجب صرفها ~~فيه ولم يجز للحاكم أخذه وأما إذا لم يكن له مصرف أصلا واقتضى نظر الامام ~~أن يصرفه إلى الحاكم عوضا عما فاته في الماضى جاز ذلك والله أعلم ~~PageV31P211 ### || 1 ( رسالة في إبدال الوقف ) 1 # وقال الشيخ الامام العالم العلامة أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن ~~تيمية قدس الله روحه ( ### ||| فصل # ( # في ( إبدال الوقف ) حتى المساجد بمثلها أو خير منها للحاجة أو المصلحة ~~وكذلك إبدال الهدى والأضحية والمنذور وكذلك إبدال المستحق بنظيره إذا تعذر ~~صرفه إلى المستحق والابدال يكون تارة بأن يعوض فيها بالبدل وتارة بأن يباع ~~ويشترى بثمنها المبدل # فمذهب أحمد في غير المسجد يجوز بيعه للحاجة وأما المسجد فيجوز بيعه أيضا ~~للحاجة في أشهر الروايتين عنه وفى الأخرى لاتباع عرصته بل تنقل آلتها إلى ~~موضع آخر # ونظير هذا ( المصحف ( فانه يكره بيعه كراهة تحريم أو تنزيه وأما ابداله ~~فيجوز عنده في إحدى الروايتين عنه من غير كراهة ولكن ظاهر مذهبه أنه إذا ~~بيع واشترى بثمنه فان هذا من ms8976 جنس PageV31P212 الإبدال إذ فيه مقصوده فان ~~هذا فيه صرف نفعه إلى نظير المستحق إذا تعذر صرفه إلى عينه # فان المسجد إذا كان موقوفا ببلدة أو محلة فاذا تعذر انتفاع أهل تلك ~~الناحية به صرفت المنفعة في نظير ذلك فيبنى بها مسجد في موضع آخر كما يقول ~~مثل ذلك في زيت المسجد وحصره إذا استغنى عنها المسجد تصرف إلى مسجد آخر ~~ويجوز صرفها عنده في فقراء الجيران واحتج على ذلك بأن عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه كان يقسم كسوة الكعبة بين المسلمين فكذلك كسوة سائر المساجد لأن ~~المسلمين هم المستحقون لمنفعة المساجد واحتج على صرفها في نظير ذلك بأن على ~~بن أبى طالب رضى الله عنه جمع مالا لمكاتب ففضلت فضلة عن قدر كتابته فصرفها ~~في مكاتب آخر فإن المعطين أعطوا المال للكتابة فلما استغنى المعين صرفها في ~~النظير # والمقصود ان أحمد بن حنبل رحمه الله اختلف قوله في بيع المسجد عند عدم ~~الانتفاع به ولم يختلف قوله في بيع غيره عند الحاجة قال في رواية ابنه عبد ~~الله إذا خرب المسجد يباع وينفق ثمنه على مسجد آخر # ) # وقال القاضي أبو يعلى في ( المجرد ( وبن عقيل في ( الفصول ( وغيرهما ~~واللفظ للقاضى ونفقة الوقف من غلته لأن القصد الانتفاع به مع بقاء عينه ~~وهذا لا يمكن الا بالانفاق عليه فكان إبقاؤه يتضمن الانفاق PageV31P213 ~~عليه وما يبقى للموقوف عليه فان لم تكن له غلة مثل أن كان عبدا تعطل أو ~~بهيمة هزلت فالموقوف عليه بالخيار بين الانفاق عليه لأنه هو المالك وبين أن ~~يبيعه ويصرف ثمنه في مثله وان كان الموقوف على المساكين فالنفقة في بيت ~~المال لأنه لا مالك له بعينه فهو كالمسجد صلى الله عليه وسلم ( 1 ) وان رأى ~~الامام بيعه وصرف ثمنه في مثله جاز وإذا كان الوقف دارا فخربت وبطل ~~الانتفاع بها بيعت وصرف ثمنها إلى شراء دار ويجعل وقفا مكانها وكذلك الفرس ~~الحبيس إذا هرم وتعطل يباع ويشترى بثمنه فرس يصلح لما وقف له قال في رواية ms8977 ~~بكر بن محمد إن أمكن أن يشترى بثمنه فرسا اشترى وجعل حبيسا وإلا جعله في ~~ثمن دابة حبيس وكذلك المسجد إذا خرب وحصل بموضع لا يصلى فيه جاز نقله إلى ~~موضع عامر وجاز بيع عرصته نص عليه في رواية عبد الله قال أبو بكر وتكون ~~الشهادة في ذلك على الامام # قال وقال أبو بكر في ( كتاب القولين ) وقد روى على بن سعيد أن المساجد لا ~~تباع ولكن تنقل قال أبو بكر وبالأول أقول يعنى رواية عبد الله لاجماعهم على ~~جواز بيع الفرس الحبيس وقال أحمد في رواية الحسن بن ثواب في عبد لرجل بمكة ~~يعنى وقفا فأبى العبد أن يعمل PageV31P214 يباع فيبدل عبدا مكانه ذكرها ~~القاضي أبو يعلى في مسألة عتق الرهن في ( التعليق ( قال أبو البركات فجعل ~~امتناعه كتعطل نفعه يعنى ويلزم باجباره على العمل كما يجبر المستأجر وإن ~~كان امتناعه محرما وجعل تعذر الانتفاع بهذا الوجه كتعطله نظرا إلى مصلحة ~~الوقف # ) # ( ### ||| فصل # ( # وإما إبدال المسجد بغيره للمصلحة مع إمكان الانتفاع بالأول ففيه قولان في ~~مذهب أحمد واختلف أصحابه في ذلك لكن الجواز أظهر في نصوصه وأدلته والقول ~~الآخر ليس عنه به نص صريح وإنما تمسك أصحابه بمفهوم خطه فإنه كثيرا ما يفتى ~~بالجواز للحاجة وهذا قد يكون تخصيصا للجواز بالحاجة وقد يكون التخصيص لكون ~~ذلك هو الذى سئل عنه واحتاج إلى بيانه # وقد بسط أبو بكر عبد العزيز ذلك في ( الشافى ( الذى اختصر منه ( زاد ~~المسافر ( فقال حدثنا الخلال ثنا صالح بن أحمد ثنا أبى ثنا يزيد بن هارون ~~ثنا المسعودى عن القاسم قال لما قدم عبد الله بن مسعود رضى الله عنه على ~~بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى PageV31P215 القصر واتخذ مسجدا عند أصحاب ~~التمر قال فنقب بيت المال فأخذ الرجل الذى نقبه فكتب إلى عمر بن الخطاب ~~فكتب عمر أن لا تقطع الرجل وانقل المسجد واجعل بيت المال في قبلته فانه لن ~~يزال في المسجد مصل فنقله عبد الله فخط له هذه الخطة قال ms8978 صالح قال أبى يقال ~~إن بيت المال نقب من مسجد الكوفة فحول عبد الله بن مسعود المسجد فموضع ~~التمارين اليوم في موضع المسجد العتيق # قال وسألت أبى عن رجل بنى مسجدا ثم أراد تحويله إلى موضع آخر قال إن كان ~~الذى بنى المسجد يريد أن يحوله خوفا من لصوص أو يكون موضعه موضع قذر فلا ~~بأس أن يحوله يقال إن بيت المال نقب وكان في المسجد فحول بن مسعود المسجد ~~ثنا محمد بن على ثنا أبو يحيى ثنا أبو طالب سئل أبو عبد الله هل يحول ~~المسجد قال إذا كان ضيقا لا يسع أهله فلا بأس أن يجعل إلى موضع أوسع منه ~~ثنا محمد بن على ثنا عبد الله بن أحمد قال سألت أبى عن مسجد خرب ترى أن ~~تباع أرضه وتنفق على مسجد آخر أحدثوه قال إذا لم يكن له جيران ولم يكن أحد ~~يعمره فلا أرى به بأسا أن يباع وينفق على الآخر ثنا محمد بن عبد الله ثنا ~~أبو داود قال سمعت أحمد سئل عن مسجد فيه خشبتان لهما قيمة PageV31P216 وقد ~~تشعثت وخافوا سقوطه أتباع هاتان الخشبتان وينفق على المسجد ويبدل مكانهما ~~جذعين قال ما أرى به بأسا واحتج بدواب الحبيس التى لا ينتفع بها تباع ويجعل ~~ثمنها في الحبيس # ولا ريب أن في كلامه ما يبين جواز ابدال المسجد للمصلحة وان أمكن ~~الانتفاع به لكون النفع بالثانى أكمل ويعود الأول طلقا وقال أبو بكر في ( ~~زاد المسافر ( قال أحمد في رواية صالح نقب بيت المال بالكوفة وعلى بيت ~~المال بن مسعود فكتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكتب إليه عمر أن انقل ~~المسجد وصير بيت المال في قبلته فانه لن يخلو من مصل فيه فنقله سعد إلى ~~موضع التمارين اليوم وصار سوق التمارين في موضعه وعمل بيت المال في قبلته ~~فلا بأس أن تنقل المساجد إذا خربت وقال في رواية أبى طالب إذا كان المسجد ~~يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع ms8979 منه جوز تحويله لنقص الانتفاع ~~بالأول لا لتعذره # وقال القاضي أبو يعلى وقال في رواية صالح يحول المسجد خوفا من لصوص وإذا ~~كان موضعه قذرا وبالثانى قال القاضي أبو يعلى وقال في رواية أبى داود في ~~مسجد أراد أهله أن يرفعوه من الأرض ويجعل تحته سقاية وحوانيت وامتنع بعضهم ~~من ذلك ينظر إلى قول أكثرهم PageV31P217 ولا بأس به # قال فظاهر هذا أنه أجاز أن يجعل سفل المسجد حوانيت وسقاية قال ويجب أن ~~يحمل هذا على أن الحاجة دعت إلى ذلك لمصلحة تعود بالمسجد قال وكان شيخنا ~~أبو عبد الله هو بن حامد يمنع من ذلك ويتأول المسألة على أنهم اختلفوا في ~~ذلك عند ابتداء بناء المسجد قبل وقفه قال وليس يمتنع على أصلنا جواز ذلك ~~إذا كان فيه مصلحة لأنا نجيز بيعه ونقله إلى موضع آخر قال وقد قال أحمد في ~~رواية بكر بن محمد في مسجد ليس بحصين من الكلاب وغيرها وله منارة فرخص في ~~نقضها ويبنى بها حائط المسجد للمصلحة # ومال بن عقيل في ( الفصول ( إلى قول بن حامد فقال هذا يجب أن يحمل على أن ~~الحاجة دعت إلى ذلك كما أن تغيير المسجد ونقله ما جاز عنده الا للحاجة ~~فيحمل هذا الاطلاق على ذلك لا على المستقر قال والاشبه أن يحمل على مسجد ~~يبتدأ انشاؤه وعلى هذا فاختلفوا كيف يبنى فأما بعد كونه مسجدا فلا يجوز أن ~~يباع ولا أن يجعل سقاية تحته # وكذلك رجح أبو محمد قول إبن حامد وقال هو أصح وأولى وان خالف الظاهر قال ~~فان المسجد لا يجوز نقله وإبداله وبيع ساحته وجعلها سقاية وحوانيت إلا عند ~~تعذر الانتفاع والحاجة إلى سقاية وحوانيت لا يعطل نفع المسجد فلا يجوز صرفه ~~في ذلك قال ولو جاز جعل PageV31P218 أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة ~~لجاز تخريب المسجد وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجد في موضع آخر # وهذا تكلف ظاهر لمخالفة نصه فان نصه صريح في أن المسجد إذا أرادوا رفعه ~~من الأرض وأن يجعل تحته ms8980 سقاية وحوانيت وأن بعضهم امتنع من ذلك وقد أجاب ~~بأنه ينظر إلى قول أكثرهم ولو كان هذا عند ابتدائه لم يكن لأحد أن ينازع في ~~بنيه إذا كان جائزا ولم ينظر في ذلك إلى قول أكثرهم فإنهم إن كانوا مشتركين ~~في البناء لم يجبر أحد الشركاء على ما يريده الآخرون إذا لم يكن واجبا ولم ~~يبن إلا باتفاقهم ولأن قوله أرادوا رفعه من الأرض وأن يجعل تحته سقاية بين ~~في أنه ملصق بالأرض فأرادوا رفعه وجعل سقاية تحته وأحمد اعتبر اختيار ~~الاكثر من المصلين في المسجد لأن الواجب ترجيح أصلح الأمرين وما أختاره ~~أكثرهم كان أنفع للأكثرين فيكون أرجح # وأيضا فلفظ المسألة على ما ذكره أبو بكر عبد العزيز قال قال في رواية ~~سليمان بن الأشعث إذا بنى رجل مسجدا فأراد غيره أن يهدمه ويبنيه بناء أجود ~~من الأول فأبى عليه البانى الأول فإنه يصير إلى قول الجيران ورضاهم اذا ~~أحبوا هدمه وبناءه وإذا أراوا أن يرفعوا المسجد من الأرض ويعمل في أسفله ~~سقاية فمنعهم من ذلك مشايخ ضعفاء وقالوا لا نقدر أن نصعد فانه يرفع ويجعل ~~سقاية ولا أعلم PageV31P219 بذلك بأسا وينظر إلى قول أكثرهم فقد نص على هذا ~~وتبديل بنائه بأجود وان كره الواقف الأول وعلى جواز رفعه وعمل سقاية تحته ~~وان منعهم مشايخ ضعفاء إذا اختار ذلك الجيران واعتبر أكثرهم قال وقال في ~~رواية إبن الحكم إذا كان للمسجد منارة والمسجد ليس بحصين فلا بأس أن تنقض ~~المنارة فتجعل في حائط المسجد لتحصينه # قال أبو العباس وما ذكروه من الأدلة لو صح لكان يقتضى ترجيح غير هذا ~~القول فيكون في المسألة قولان وقد رجحوا أحدهما فكيف وهى حجج ضعيفة أما قول ~~القائل لا يجوز النقل والابدال الا عند تعذر الانتفاع فممنوع ولم يذكروا ~~على ذلك حجة لا شرعية ولا مذهبية فليس عن الشارع ولا عن صاحب المذهب هذا ~~النفى الذى احتجوا به بل قد دلت الأدلة الشرعية وأقوال صاحب المذهب على ~~خلاف ذلك وقد قال أحمد إذا ms8981 كان المسجد يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع ~~أوسع منه وضيقه بأهله لم يعطل نفعه بل نفعه باق كما كان ولكن الناس زادوا ~~وقد أمكن أن يبنى لهم مسجد آخر وليس من شرط المسجد أن يسع جميع الناس ومع ~~هذا جوز تحويله إلى موضع آخر لأن اجتماع الناس في مسجد واحد أفضل من ~~تفريقهم في مسجدين لأن الجمع كلما كثر كان أفضل لقول النبى ( صلاة الرجل مع ~~الرجل أزكى من صلاته وحده PageV31P220 وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع ~~الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى ( رواه أبو داود وغيره # وهذا مع أنه يجوز بناء مسجد آخر إذا كثر الناس وإن كان قريبا مع منعه ~~لبناء مسجد ضرارا قال أحمد في رواية صالح لا يبنى مسجد يراد به الضرار ~~لمسجد إلى جانبه فان كثر الناس فلا بأس أن يبنى وإن قرب فمع تجويزه بناء ~~مسجد آخر عند كثرة الناس وإن قرب أجاز تحويل المسجد إذا ضاق بأهله إلى أوسع ~~منه لأن ذلك أصلح وأنفع لا لأجل الضرورة ولأن الخلفاء الراشدين عمر وعثمان ~~رضى الله عنهما غيرا مسجد النبى وأمر عمر بن الخطاب بنقل مسجد الكوفة إلى ~~مكان آخر وصار الأول سوق التمارين للمصلحة الراجحة لا لأجل تعطل منفعة تلك ~~المساجد فانه لم يتعطل نفعها بل ما زال باقيا وكذلك خلفاء المسلمين بعدهم ~~كالوليد والمنصور والمهدى فعلوا مثل ذلك بمسجدى الحرمين وفعل ذلك الوليد ~~بمسجد دمشق وغيرها مع مشورة العلماء في ذلك وإقرارهم # حتى أفتى مالك وغيره بأن يشترى الوقف المجاور للمسجد ويعوض أهله عنه ~~فجوزوا بيع الوقف والتعويض عنه لمصلحة المسجد لا لمصلحة أهله فإذا بيع وعوض ~~عنه لمصلحة أهله كان أولى بالجواز # وقول القائل لو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه PageV31P221 ~~الحاجة لجاز تخريب المسجد وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجد في موضع آخر ~~قيل نقول بموجب ذلك وهذا هو الذى ذكره أحمد ورواه عن عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه وعليه بنى مذهبه ms8982 فان عمر بن الخطاب خرب المسجد الأول مسجد الجامع ~~الذى كان لأهل الكوفة وجعل بدله مسجدا في موضع آخر من المدينة وصار موضع ~~المسجد الأول سوق التمارين # فهذه الصورة التى جعلوها نقضا في المعارضة وأصلا في قياسهم هي الصورة ~~التى نقلها أحمد وغيره عن الصحابة وبها احتج هو وأصحابه على من خالفهم وقال ~~أصحاب أحمد هذا يقتضى إجماع الصحابة رضى الله عنهم عليها فقالوا وهذا لفظ ~~بن عقيل في المفردات في مسألة إبدال المسجد وأيضا روى يزيد بن هارون قال ~~ثنا المسعودى عن القاسم قال لما قدم عبد الله بن مسعود على بيت المال كان ~~سعد بن مالك قد بنى القصر واتخذ مسجدا عند أصحاب التمر فنقب بيت المال وأخذ ~~الرجل الذى نقبه فكتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكتب عمر لا تقطع ~~الرجل وانقل المسجد واجعل بيت المال في قبلة المسجد فانه لن يزال في المسجد ~~مصل فنقله عبد الله فخط له هذه الخطة قال أحمد يقال إن بيت المال نقب في ~~مسجد الكوفة فحول عبد الله المسجد وموضع التمارين اليوم في موضع المسجد ~~العتيق قال بن عقيل وهذا كان مع توفر الصحابة فهو PageV31P222 كالاجماع اذ ~~لم ينكر أحد ذلك مع كونهم لا يسكتون عن إنكار ما يعدونه خطأ لأنهم أنكروا ~~على عمر النهى عن المغالات في الصدقات حتى ردت عليه امرأة وردوه عن أن يحد ~~الحامل فقالوا إن جعل الله لك على ظهرها سبيلا فما جعل لك على ما في بطنها ~~سبيلا وأنكروا على عثمان في إتمام الصلاة في الحج حتى قال إنى دخلت بلدا ~~فيه أهلى وعارضوا عليا حين رأى بيع أمهات الأولاد فلو كان نقل المسجد منكرا ~~لكان أحق بالانكار لأنه أمر ظاهر فيه شناعة # واحتج أيضا بما روى أبو حفص في المناسك عن عائشة رضى الله عنها أنه قيل ~~لها يا أم المؤمنين إن كسوة الكعبة قد يداول عليها فقالت تباع ويجعل ثمنها ~~في سبيل الخير فأمرت عائشة ببيع كسوة الكعبة مع أنها ms8983 وقف وصرف ثمنها في ~~سبيل الخير لأن ذلك أصلح للمسلمين وهكذا قال من رجح قول بن حامد في وقف ~~الاستغلال كأبى محمد قال وإن لم تتعطل منفعة الوقف بالكلية لكن قلت أو كان ~~غيره أنفع منه وأكثر ردا على أهل الوقف لم يجز بيعه لأن الأصل تحريم البيع ~~وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله ومع ~~الانتفاع به وإن قلنا يضيع المقصود اللهم إلا أن يبلغ من قلة النفع إلى حد ~~لا يعد نفعا فيكون وجود ذلك كالعدم # فيقال ما ذكروه ممنوع ولم يذكروا عليه دليلا شرعيا ولا مذهبيا ~~PageV31P223 # وإن ذكروا شيئا من مفهوم كلام أحمد أو منطوقه فغايته أن يكون رواية عنه ~~قد عارضها رواية أخرى عنه هي أشبه بنصوصه وأصوله وإذا ثبت في نصوصه وأصوله ~~جواز ابدال المسجد للمصلحة الراجحة فغيره أولى وقد نص على جواز بيع غيره ~~أيضا للمصلحة لا للضرورة كما سنذكره إن شاء الله تعالى # وأيضا فيقال لهم لا ضرورة إلى بيع الوقف وإنما يباع للمصلحة الراجحة ~~ولحاجة الموقوف عليهم إلى كمال المنفعة لا لضرورة تبيح المحظورات فانه يجوز ~~بيعه لكمال المنفعة وان لم يكونوا مضطرين ولو كان بيعه لا يجوز لأنه حرام ~~لم يجز بيعه لضرورة ولا غيرها كما لم يجز بيع الحر المعتق ولو أضطر سيده ~~المعتق إلى ثمنه وغايته أن يتعطل نفعه فيكون كما لو كان حيوانا فمات # ثم يقال لهم بيعه في عامة المواضع لم يكن الا مع قلة نفعه لا مع تعطل ~~نفعه بالكلية فانه لو تعطل نفعه بالكلية لم ينتفع به أحد لا المشترى ولا ~~غيره وبيع مالا منفعة فيه لا يجوز أيضا فغايته أن يخرب ويصير عرصة وهذه ~~يمكن الانتفاع بها بالاجارة بأن تكرى لمن يعمرها وهو الذى يسميه الناس ( ~~الحكر ) ويمكن أيضا أن يستسلف ما يعمر به ويوفى من كرى الوقف وهذا على ~~وجهين # أحدهما أن يتبرع متبرع بالقرض ولكن هذا لا يعتمد عليه PageV31P224 # والثانى أن يؤجر اجارة غير موصوفة في الذمة وتؤخذ ms8984 الأجرة فيعمر بها ~~ليستوفى المستأجر المقابلة للأجرة وهذان طريقان يكونان للناس إذا خرب الوقف ~~تارة يؤجرون الأرض وتبقى حكرا وتارة يستسلفون من الأجرة ما يعمرون به وتكون ~~تلك الأجرة أقل منها لو لم تكن سلفا وعامة ما يخرب من الوقف يمكن فيه هذا # ومع هذا فقد جوزوا بيعه والتعويض بثمنه لأن ذلك أصلح لأهل الوقف لا ~~للضرورة ولا لتعطل الانتفاع بالكلية فان هذا لا يكاد ينفع ومالا ينتفع به ~~لا يشتريه أحد لكن قد يتعذر أن لا يحصل مستأجر ويحصل مشتر ولكن جواز بيع ~~الوقف إذا خرب ليس مشروطا بأن لا يوجد مستأجر بل يباع ويعوض عنه إذا كان ~~ذلك أصلح من الايجار فانه إذا أكريت الأرض مجردة كان كراها قليلا وكذلك إذا ~~أستسلفت الأجرة للعمارة قلت المنفعة فانهم لا ينتفعون بها مدة استيفاء ~~المنفعة المقابلة لما عمر به وإنما ينتفعون بها بعد ذلك ولكن الأجرة ~~المسلفة تكون قليلة ففى هذا قلت منفعة الوقف # فتبين أن المسوغ للبيع والتعويض نقص المنفعة لكون العوض أصلح وأنفع ليس ~~المسوغ تعطيل النفع بالكلية ولو قدر التعطيل لم يكن ذلك من الضرورات التى ~~تبيح المحرمات وكلما جوز للحاجة لا للضرورة كتحلى النساء بالذهب والحرير ~~والتداوى بالذهب والحرير فانما أبيح لكمال PageV31P225 الانتفاع لا لأجل ~~الضرورة التى تبيح الميتة ونحوها وإنما الحاجة في هذا تكميل الانتفاع فان ~~المنفعة الناقصة يحصل معها عوز يدعوها إلى كمالها فهذه هي الحاجة في مثل ~~هذا وأما الضرورة التى يحصل بعدمها حصول موت أو مرض أو العجز عن الواجبات ~~كالضرورة المعتبرة في أكل الميتة فتلك الضرورة المعتبرة في أكل الميتة لا ~~تعتبر في مثل هذا والله أعلم # ولهذا جوز طائفة من الأصحاب هذا الموضع بينوا أنه عند التعطيل بالكلية ~~ينتهى الوقف وإنما الكلام إذا بقى منه ما ينتفع به ومن هؤلاء أبو عبد الله ~~بن تيمية قال في ( ترغيب القاصد ( الحكم الخامس إذا تعطل الوقف فله أحوال # أحدها أن ينعدم بالكلية كالفرس إذا مات فقد أنتهت الوقفية # الثانية أن يبقى منه ms8985 بقية متمولة كالشجرة إذا عطبت والفرس إذا أعجف ~~والمسجد إذا خرب فان ذلك يباع ويصرف في تحصيل مثله أو في شقيص من مثله # الثالثة حصر المسجد إذا بليت وجذوعه إذا تكسرت وتحطمت فإنه يباع # ويصرف في مصالح المسجد وكذلك إذا أشرفت جذوعه على التكسير أو داره على ~~الانهدام وعلم أنه لو أخر لخرج عن أن ينتفع به فانه يباع PageV31P226 قال ~~أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبى داود اذا كان في المسجد خشبات لها قيمة ~~وقد تشعثت جاز بيعها وصرف ثمنها عليه # الرابعة إذا خرب المسجد وآلته تصلح لمسجد آخر يحتاج إلى مثلها فإنها تحول ~~إليه وأما الأرض فتباع هذا اذا لم يمكن عمارته بثمن بعض آلته والا بيع ذلك ~~وعمر به نص عليه # الخامسة إذا ضاق المسجد بأهله أو تفرق الناس عنه لخراب المحلة فإنه يباع ~~ويصرف ثمنه في انشاء مسجد آخر أو في شقص في مسجد # فقد بين من قال هذا أنه لا يمكن بيعه مع تعطل المنفعة بالكلية بل إذا ~~أبقى منه ما ينتفع به وحينئذ فالمقصود التعويض عنه بما هو أنفع لأهل الوقف ~~منه ولم يشترط أحد من الأصحاب تعذر إجارة العرصة مع العلم بأنه في غالب ~~الأحوال يمكن إجارة العرصة لكن يحصل لأهل الوقف منها أقل مما كان يحصل لو ~~كان معمورا وإذا بيعت فقد يشترى بثمنها ما تكون اجرته أنفع لهم لأن العرصة ~~يشتريها من يعمرها لنفسه فينتفع بها ملكا ويرغب فيها لذلك ويشترى بثمنها ما ~~تكون غلته أنفع من غلة العرصة فهذا محل الجواز الذى أتفق الأصحاب عليه ~~وحقيقته تعود إلى أنهم عوضوا أهل الوقف عنه بما هو أنفع لهم منه ~~PageV31P227 فإن قيل فلفظ الخرقى وإذا خرب الوقف ولم يرد شيئا بيع واشترى ~~بثمنه ما يرد على أهل الوقف قيل هذا اللفظ إما أن يراد به أنه لم يرد شيئا ~~مما كان يرده لما كان معمورا مثل دور وحوانيت خربت فانها لو تشعثت ردت بعض ~~ما كانت ترده مع كمال العمارة بخلاف ما ms8986 إذا خربت بالكلية فانها لا ترد شيئا ~~من ذلك وأما أن يراد به لا ترد شيئا لتعطيل نفعه من جميع الوجوه فان كان ~~مراده هو الأول وهو الظاهر الذى يليق أن يحمل عليه كلامه فهو مطابق لما ~~قلناه ولهذا قال بيع ولو تعطل نفعه من كل الجهات لم يجز بيعه وان كان مراده ~~أنه تعطل على أهل الوقف انتفاعهم به من كل وجه لتعذر اجارة العرصة مع إمكان ~~انتفاع غيرهم بها كما قال أحمد في العبد فان أراد هذه الصورة كان منطوق ~~كلامه موافقا لما تقدم ولكن مفهومه يقتضى أنه إذا أمكن أهل الوقف أن يؤجروه ~~بأقل أجرة لم يجز بيعه وهذا غايته أن يكون قولا في المذهب لكن نصوص أحمد ~~تخالف ذلك في بيع المسجد والفرس الجيس وغيرهما كما قد ذكر المسجد وأما ~~الفرس الجيس إذا عطب فان الذى يشتريه قد يشتريه ليركبه أو يديره في الرحى ~~ويمكن أهل الجهاد أن ينتفعوا به في مثل ذلك مثل الحمل عليه واستعماله في ~~الرحى واجارته وانتفاعهم بأجرته ولكن المنفعة المقصودة لحبسه وهى الجهاد ~~عليه تعطلت ولم يتعطل انتفاعهم به بكل وجه PageV31P228 ( ### ||| فصل # ( # وإذا كان يجوز في ظاهر مذهبه في المسجد الموقوف الذى يوقف للانتفاع بعينه ~~وعينه محترمة شرعا يجوز أن يبدل به غيره للمصلحة لكون البدل أنفع وأصلح وإن ~~لم تتعطل منفعته بالكلية ويعود الأول طلقا مع أنه مع تعطل نفعه بالكلية هل ~~يجوز بيعه عنه فيه روايتان فلأن يجوز الابدال بالأصلح والأنفع فيما يوقف ~~للاستغلال أولى وأحرى فانه عنده يجوز بيع ما يوقف للاستغلال للحاجة قولا ~~واحدا وفى بيع المسجد للحاجة روايتان # فإذا جوز على ظاهر مذهبه ان يجعل المسجد الأول طلقا ويوقف مسجد بدله ~~للمصلحة وإن لم تتعطل منفعة الأول فلأن يجوز أن يجعل الموقوف للاستغلال ~~طلقا ويوقف بدله أصلح منه وإن لم تتعطل منفعة الأول أحرى فإن بيع الوقف ~~المستغل أولى من بيع المسجد وإبداله أولى من إبدال المسجد لأن المسجد تحترم ~~عينه شرعا ويقصد الانتفاع بعينه فلا ms8987 يجوز اجارته ولا المعاوضة عن منفعته ~~بخلاف وقف الاستغلال فانه يجوز اجارته والمعاوضة عن نفعه وليس المقصود أن ~~يستوفى الموقوف عليه منفعته بنفسه كما يقصد مثل ذلك في المسجد ولا له حرمة ~~شرعية لحق الله تعالى كما للمسجد PageV31P229 # وأيضا فالوقف لله فيه شبه من التحرير وشبه من التمليك وهو أشبه بأم الولد ~~عند من يمنع نقل الملك فيها فإن الوقف من جهة كونه لا يبيعه أحد يملك ثمنه ~~ولا يهبه ولا يورث عنه يشبه التحرير والاعتاق ومن جهة أنه يقبل المعاوضة ~~بأن يأخذ عوضه فيشترى به ما يقوم مقامه يشبه التمليك فإنه إذا أتلف ضمن ~~بالبدل واشترى بثمنه ما يقوم مقامه عند عامة العلماء بخلاف المعتق فإنه صار ~~حرا لا يقبل المعاوضة فالبيع الثابت في الطلق لا يثبت في الوقف بحال وهو أن ~~يبيعه المالك أو وليه أو وكيله ويملك عوضه من غير بدل يقوم مقامه وهذا هو ~~البيع الذى تقرن به الهبة والارث كما قال عمر بن الخطاب في وقفه لا يباع ~~ولا يوهب ولا يورث # ويشبه هذا أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضى الله عنهما جعلا الأرض ~~المفتوحة عنوة فيئا للمسلمين كأرض السواد وغيرها ولم يقسما شيئا مما فتح ~~عنوة و ( لما ) كانوا يمنعون من شرائها لئلا يقر المسلم بالصغار فإن الخراج ~~كالجزية أو يبطل حق المسلمين ظن بعض العلماء أنهم منعوا بيعها لكونها وقفا ~~والوقف لا يباع وزعموا أن ذلك يوجب أن مكة لاتباع لكونها فتحت عنوة وهذا ~~غلط فإن أرض الخراج المفتوحة عنوة المجعولة فيئا توهب وتورث فإنها تنتقل ~~عمن هي بيده إلى وارثه ويهبها وهذا ممتنع في الوقف وإذا بيعت لمن يقوم فيها ~~مقام البائع ولم يغير شيئا فهذه المسألة تعلقت بالأحكام الشرعية بأعيانها ~~وما سواها تعلقت بجنسه لا بعينه فيؤدى خراجها فلم يكن في ذلك ضرر على ~~مستحقها ولا زال حقهم عنها PageV31P230 والوقف إنما منع بيعه لئلا يبطل حق ~~مستحقيه وهذه يجوز فيها ابدال شخص بشخص بالاتفاق فسواء كان بطريق المعاوضة ~~أو ms8988 غيرها ) # والمقصود هنا أن الوقف فيه شوب التحرير والتمليك ولهذا اختلف الفقهاء في ~~الوقف على المعين هل يفتقر إلى قبوله كالهبة أو لا يفتقر إلى قبوله كالعتق ~~على قولين مشهورين بخلاف الوقف على جهة عامة كالمساجد والوقف على المعين ~~أقرب إلى التمليك من وقف المساجد ونحوها مما يوقف على جهه عامة ووقف ~~المساجد أشبه بالتحرير من غيرها فانها خالصة لله عز وجل كما قال تعالى @QB@ ~~وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ ما كان ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت ~~أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين @QE@ والمساجد بيوت الله كما أن العتيق صار حرا أى خالصا لله ~~والتحرير التخليص من الرق ومنه الطين الحر وهو الخالص فالعتق تخليص العبد ~~لله # ولهذا منع الشارع أن يجعل بعض مملوكة حرا وبعضه رقيقا وقال ( ليس لله ~~شريك ) فاذا اعتق بعضه عتق جميعه وفى الصحيحين عن بن عمر عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال ( من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم ~~عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ) وكذلك PageV31P231 في ~~الصحيحين مثله من حديث ابى هريرة فأوجب تكميل عتقه وإن كان ملكا لغيره ~~والزم المعتق بأن يعطى شركاءه حصصهم من الثمن لتكميل عتق العبد لئلا يكون ~~لله شريك # ومذهب الأئمة الأربعة وسائر الأمة وجوب تكميل العتق لكن الجمهور يقولون ~~إذا كان موسرا ألزم بالعوض كما في حديث بن عمر وأبى هريرة وإن كان معسرا ~~فمنهم من قال بالسعاية بأن يستسعى العبد وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد في أحدى ~~الروايتين اختارها أبو الخطاب ومنهم من لا يقول بها وهو مذهب مالك والشافعى ~~وأحمد في الرواية الأخرى واختارها أكثر أصحابه # والمقصود أن المساجد أبلغ الموقوفات تحريرا وشبها بالعتق وليس لأحد أن ~~يعتاض عن منفعتها كما يجوز ذلك ms8989 في غيرها كما أنه لا يملك أحد اعتق عبدا ~~منافعه ومع هذا فأحمد اتبع الصحابة في جواز إبدال المسجد بمسجد آخر وجعل ~~المسجد الأول سوقا وجوز إبدال الهدى والأضحية بخير منها مع أنها أيضا لله ~~تعالى يجب ذبحها لله فلأن يجوز الابدال في غيرها وهو أقرب إلى التمليك أولى ~~فان حقوق الآدميين تقبل من المعاوضة والبدل ما لا يقبلها حقوق الله تعالى ~~ولا تمنع المعاوضة في حق الآدمى إلا أن يكون في ذلك ظلم لغيره أو يكون في ~~ذلك حق لله أو يكون من حقوق الله فإنه لايجوز إبدال الصلوات والحج بعمل آخر ~~ولاالقبلة PageV31P232 بقبلة أخرى ولا شهر رمضان بشهر آخر ولا وقت الحج ~~ومكانه بوقت آخر ومكان آخر بل أهل الجاهلية لما ابتدعوا النسىء الذى يتضمن ~~إبدال وقت الحج بوقت آخر قال الله تعالى إنما النسىء زيادة في الكفر يضل به ~~الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما ~~حرم الله ) # والمساجد الثلاثة التى بنتها الأنبياء عليهم السلام وشرع للناس السفر ~~إليها ووجب السفر إليها بالنذر لا يجوز إبدال عرصتها بغيرها بل يجوز ~~الزيادة فيها وإبدال التأليف والبناء بغيره كما دلت عليه السنة وإجماع ~~الصحابة بخلاف غيرها فانه لا يتعين للنذر ولا يسافر إليه فيجوز إبداله ~~للمصلحة كما تقدم والله أعلم # ومما يبين ذلك أن الوقف على معين قد تنازع العلماء فيه هل هو ملك للموقوف ~~عليه أو هو باق على ملك الواقف أو هو ملك لله تعالى على ثلاثة أقوال معروفة ~~في مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما وأكثر أصحاب أحمد يختارون أنه ملك للموقوف ~~عليه كالقاضى وبن عقيل وأما المسجد ونحوه فليس ملكا لمعين باتفاق المسلمين ~~وإنما يقال هو ملك لله وقد يقال هو ملك لجماعة المسلمين لأنهم المستحقون ~~للانتفاع به فإذا جاز إبدال هذا بخير منه للمصلحة فالأول أولى أما بان يعوض ~~عنها بالبدل وأما أن تباع ويشترى بثمنها البدل والابدال كما تقدم يبدل ~~بجنسه بما هو انفع للموقوف عليه PageV31P233 ( ### ||| فصل # ( # قد نص ms8990 أحمد على أبلغ من ذلك وهو وقف ما لا ينتفع به الا مع إبدال عينه ~~فقال أبو بكر عبد العزيز في ( الشافى ( نقل الميمونى عن أحمد أن الدراهم ~~إذا كانت موقوفة على أهل بيته ففيها الصدقة وإذا كانت على المساكين فليس ~~فيها صدقة قلت رجل وقف ألف درهم في السبيل قال إن كانت للمساكين فليس فيها ~~شيء قلت فان وقفها في الكراع والسلاح قال هذه مسألة لبس واشتباه قال أبو ~~البركات وظاهر هذا جواز وقف الأثمان لغرض القرض أو التنمية والتصدق بالربح ~~كما قد حكينا عن مالك والأنصارى قال ومذهب مالك صحة وقف الأثمان للقرض ذكره ~~صاحب ( التهذيب ) وغيره في الزكاة وأوجبوا فيها الزكاة كقولهم في الماشية ~~الموقوفة على الفقراء وقال محمد بن عبد الله الأنصارى يجوز وقف الدنانير ~~لأنه لا ينتفع بها الاباستهلاك عينها وتدفع مضاربة ويصرف ربحها في مصرف ~~الوقف ومعلوم أن القرض والقراض يذهب عينه ويقوم بدله مقامه وجعل المبدل به ~~قائما مقامه لمصلحة الوقف وان لم تكن الحاجة ضرورة الوقف لذلك وهذه المسألة ~~فيها نزاع في مذهبه فكثير من أصحابه منعوا وقف الدراهم والدنانير لما ذكره ~~الخرقى ومن اتبعه ولم يذكروا عن أحمد نصا بذلك ولم ينقله القاضي وغيره الا ~~عن الخرقى وغيره PageV31P234 # وقد تأول القاضي رواية الميمونى فقال ولا يصح وقف الدراهم والدنانير على ~~ما نقل الخرقى قال قال أحمد في رواية الميمونى إذا وقف ألف درهم في سبيل ~~الله وللمساكين فلا زكاة فيها وإن وقفها في الكراع والسلاح فهي مسألة لبس ~~قال ولم يرد بهذا وقف الدراهم وإنما أراد إذا أوصى بألف تنفق على أفراس في ~~سبيل الله فتوقف في صحة هذه الوصية قال أبو بكر لأن نفقة الكراع والسلاح ~~على من وقفه فكانه اشتبه عليه إلى أين تصرف هذه الدراهم إذا كان نفقة ~~الكراع والسلاح على أصحابه # والأول أصح لأن المسألة صريحة في أنه وقف الألف لم يوص بها بعد موته # لأنه لو وصى أن تنفق على خيل وقفها غيره جاز ذلك بلا ms8991 نزاع كما لو وصى بما ~~ينفق على مسجد بناه غيره وقول القائل أن نفقة الكراع والسلاح على من وقفه ~~ليس بمسلم في ظاهر المذهب بل إن شرط له الواقف نفقة وإلا كان من بيت المال ~~كسائر ما يوقف للجهات العامة كالمساجد وإذا تعذر من ينفق عليه بيع ولم يكن ~~على الواقف الانفاق عليه وأحمد توقف في وجوب الزكاة لا في وقفها فانه إنما ~~سئل عن ذلك لأن مذهبه أن الوقف إذا كان على جهة خاصة كبنى فلان وجبت فيه ~~الزكاة عنده في عينه فلو وقف أربعين شاة على بنى فلان وجبت الزكاة في عينها ~~في المنصوص عنه وهو مذهب مالك قال في رواية مهنا فيمن وقف أرضا أو غنما في ~~سبيل الله لا زكاة عليه ولا عشر هذا في السبيل إنما يكون ذلك إذا جعله في ~~قرابته PageV31P235 ولهذا قال أصحابه هذا يدل على ملك الموقوف عليه لرقبة ~~الوقف وجعلوا ذلك إحدى الروايتين عنه وفى مذهبه قول آخر أنه لا زكاة في عين ~~الوقف لقصور ذلك واختاره القاضي في ( المجرد ( وبن عقيل وهو قول أكثر أصحاب ~~الشافعى # وأما ما وقفه على جهة عامة كالجهاد والفقراء والمساكين فلا زكاة فيه في ~~مذهبه ومذهب الشافعى وأما مالك فيوجب فيه الزكاة فتوقف أحمد فيما وقف في ~~الكراع والسلاح لأن فيها اشتباها لأن الكراع والسلاح قد يعينه لقوم بعينهم ~~إما لأولاده أو غيرهم بخلاف ما هو عام لا يعتقبه التخصيص # ( ### ||| فصل # ( # وقال في رواية بكر بن محمد فيمن وصى بفرس وسرج ولجام مفضض يوقف في سبيل ~~الله حبيس فهو على ما وقف وأوصى وان بيع الفضة من السرج واللجام وجعل في ~~وقف مثله فهو أحب إلى لأن الفضة لا ينتفع بها ولعله يشترى بتلك الفضة سرج ~~ولجام فيكون أنفع للمسلمين فقيل له تباع الفضة وتصرف في نفقة الفرس قال لا ~~وهذا مما ذكره الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز والقاضى وأبو محمد المقدسى ~~وغيرهم فقد صرح أحمد بأن الفرس واللجام المفضض هو على ما وقف ms8992 وأوصى وأنه أن ~~بيعت الفضة من السرج واللجام وجعل في وقف مثله فهو أحب إليه قال لأن الفضة ~~لا ينتفع بها ولعله يشترى بتلك الفضة سرج ولجام فيكون أنفع للمسلمين فخير ~~بين إبقاء الحلية الموقوفة وقفا وبين PageV31P236 أن تباع ويشترى بثمنها ما ~~هو أنفع للمسلمين من سرج ولجام وهذا يبين أفضل الأمرين # وقوله لأن الفضة لا ينتفع بها لم يرد به أنه لا منفعة بها بحال فإن ~~التحلى منفعة مباحة ويجوز استئجار من يصوغ الحلية المباحة ولو أتلف متلف ~~الصياغة المباحة ضمن ذلك وقد نص أحمد على ذلك ولو لم يكن منفعة لم يصح ~~الاستئجار عليها ولا ضمنت بالاتلاف بل أراد نفى كمال المنفعة كما يقال هذا ~~لا ينفع يراد أنه لا ينفع منفعة تامة ويدل على ذلك قوله ويشترى بثمنها ما ~~هو أنفع للمسلمين فدل على أن كلاهما سائغ والثانى أنفع ولأنه لو لم تكن فيه ~~منفعة بحال لم يصح وقفه فان وقف مالا ينتفع به لا يجوز وهذا يبين أن أفضل ~~الأمرين أن يباع الوقف ويبدل بما هو أنفع منه للموقوف عليه وان ذلك أفضل من ~~ابقائه وقفا لأنه أصلح للموقوف عليه ولم يوجب الابدال ) # وقوله فهو على ما وقف وأوصى يقتضى أن هذا حكم ما وقفه وما وصى بوقفه وان ~~كانت المسألة التى سئل عنها هي فيمن وصى بوقفه ومعلوم أنه يجب اتباع شرطه ~~فيما وصى بوقفه كما يجب فيما وقفه كما يجب اتباع كلامه فيما وصى بعتقه كما ~~يجب ذلك فيما أعتقه وأنه لا يجوز أن يوقف ويعتق غير ما أوصى بوقفه وعتقه ~~كما لا يجوز أن يجعل الموقوف والمعتق غير ما وقفه وأعتقه فجواز الابدال في ~~أحدهما كجوازه في الآخر وقد علل استحبابه للابدال بمجرد كون البدل أنفع ~~للمسلمين من الزينة PageV31P237 ونظير هذا إذا وقف ما هو مزين بنقوش ورخام ~~وخشب وغير ذلك مما يكون ثمنه مرتفعا لزينته فإنه يباع ويشترى بثمنه ما هو ~~أنفع لأهل الوقف فالاعتبار بما هو أنفع لأهل الوقف وقد تكون ms8993 تلك الفضة أنفع ~~لمشتريها وهذا لأن انتفاع المالك غير إنتفاع أهل الوقف ولهذا يباع الوقف ~~الخرب لتعطل نفعه ومعلوم أن مالا نفع فيه لا يجوز بيعه لكن تعطل نفعه على ~~أهل الوقف ولم يتعطل على المالك لأن أهل الوقف مقصودهم الاستغلال أو السكنى ~~وهذا يتعذر في الخراب والمالك يشتريه فيعمره بماله # وقد اختلف مذهب أحمد في مثل هذه الحلية على قولين كحلية الخوذة والجوشن ~~وحمائل السيف ونحو ذلك من لباس الجهاد فان لباس خيل الجهاد كلباس المجاهدين ~~وهذه الرواية تدل على جواز تحلية لباس الخيل بالفضة كالسرج واللجام فانه ~~جوز وقف ذلك وجعل بيعه وصرف ثمنه في وقف مثله أحب إليه ولو لم يبح ذلك لم ~~يخير بين هذا وهذا وقال القاضي في ( المجرد ) ظاهر هذا أنه أبطل الوقف في ~~الفضة التى على اللجام والسرج لأن الانتفاع بذلك محرم وليس كذلك الحلى الذى ~~استعماله مباح وأجاز صرف ذلك في جنس ما وقفه من السروج واللجم ومنع من صرفه ~~في نفقة الفرس لأنه ليس من جنس الوقف # والقاضى بنى هذا على أن هذه الحلية محرمة وأنه إذا وقف ما يحرم الانتفاع ~~به فانه يباع ويشترى به ما يباح الانتفاع به فيوقف على تلك الجهة ومعلوم ~~أنه لولا أن مقتضى عقد الوقف جواز الابدال للمصلحة لم يجز هذا كما أنه في ~~البيع PageV31P238 والنكاح لما لم يكن مقتضى العقد جواز الابدال لم يصح بيع ~~مالا يحل الانتفاع به ولا نكاح من يحرم وطؤها وهذا يشبه ما لو أهدى مالا ~~يجوز أن يكون هديا فانه يشترى بثمنه ما يكون هديا وكذلك في الأضحية # وكلام أحمد يدل على الطريقة الأولى لا على الثانية وهى طريقة أبى محمد ~~وغيره من أصحاب أحمد قال أبو محمد أباح أحمد أن يشترى بفضة السرج واللجام ~~سرجا ولجاما لأنه صرف لهما في جنس ما كانت عليه حيث لم ينتفع بهما فيه ~~فأشبه الفرس الحبيس إذا عطب فلم ينتفع به في الجهاد جاز بيعه وصرف ثمنه في ~~مثله قال ولم يجز ms8994 انفاقها على الفرس لأنه صرف لها إلى غير جهتها # وأبو محمد جعل ذلك من باب تعطل النفع بالكلية كعطب الفرس وخراب الوقف ~~بناء على أصله فانه لا يجوز بيعه إلا إذا تعطل نفعه بالكلية كما تقدم ويدل ~~على أن وقف الحلية صحيح وهو قول الخرقى والقاضى وغيرهما والقاضى يجعل ~~المذهب قولا واحدا في صحة وقفه # وأما أبو الخطاب وغيره فيجعلون في المسألة خلافا بل ويذكرون النصوص أنه ~~لا يصح بحسب ما بلغهم من نصه قال القاضي فان وقف الحلى على الاعارة واللبس ~~فقال في رواية الأثرم وحنبل لا يصح وأنكر الحديث الذى يروى عن أم سلمة في ~~وقفه قال القاضي وظاهر ما نقله الخرقى جواز وقفه لأنه يمكن الانتفاع به مع ~~بقاء عينه وقوله لا يصح يعنى لا يصح الحديث PageV31P239 فيه ولم يقصد لا ~~يصح الوقف فيه وقال أبو الخطاب وأما وقف الحلى على الاعارة واللبس فجائز ~~على ظاهر ما نقله الخرقي ونقل عنه الأثرم وحنبل أنه لا يصح # وتجويزه لوقف السرج واللجام المفضض يوافق ما ذكره الخرقى لكن ابداله بما ~~هو أنفع لأهل الوقف أفضل عنده أن يشترى بالحلية سرج ولجام ### ||| فصل # ( # ونصوص أحمد في غير موضع واختيار جمهور أصحابه جواز إبدال ( الهدى ~~والأضحية ) بخير منها قال أحمد في رواية أبى طالب في الرجل يشترى الأضحية ~~يسمنها للأضحى يبدلها بما هو خير منها لا يبدلها بما هو دونها فقيل له فان ~~أبدلها بما هو خير منها يبيعها قال نعم قال القاضي وقد أطلق القول في رواية ~~صالح وبن منصور وعبد الله بجواز أن تبدل الأضحية بما هو خير منها قال ورأيت ~~في مسائل الفضل بن زياد إذا سماها لا يبيعها إلا لمن يريد أن يضحى بها # وهاتان الروايتان عنه كالروايتين عنه في المسجد هل يباع أو تنقل آلته ~~لخير منه كذلك هنا منع في احدى الروايتين أن يأخذ عنها بدلا PageV31P240 ~~إلا إذا كانت يضحى بها لتعلق حرمة التضحية بعينها وقال الخرقى ويجوز أن ~~تبدل الأضحية إذا أوجبها بخير منها ms8995 وقال القاضي أبو يعلى في ( التعليق ( ~~إذا أوجب بدنة جاز بيعها وعليه بدنة مكانها فان لم يوجب مكانها حتى زادت في ~~بدن أو شعر أو ولدت كان عليه مثلها زائدة ومثل ولدها ولو أوجب مكانها قبل ~~الزيادة والولد لم يكن عليه شيء من الزيادة # ولم أعلم في أصحاب أحمد من خالف في هذا إلا أبا الخطاب فإنه اختار أنه لا ~~يجوز ابدالها # وقال إذا نذر أضحية وعينها زال ملكه عنها ولم يجز أن يتصرف فيها ببيع ولا ~~إبدال وكذلك إذا نذر عتق عبد معين أو دراهم معينة وقال هذا قياس المذهب ~~عندى لأن التعيين يجرى مجرى النص في النذر الذى لا يلحقه الفسخ لأن أحمد قد ~~نص في رواية صالح وإبراهيم بن الحارث فيمن نذر أضحية بعينها فأعورت أو ~~أصابها عيب تجزيه ولو كانت في ملكه لم تجزه ووجبت عليه صحيحة كما لو نذر ~~أضحية مطلقة قال وكذلك نص في رواية حنبل في الهدى إذا عطب في الحرم فقد ~~أجزأ عنه ولو كان في ملكه لم يجزه ووجب بدله وغير ذلك من المسائل فدل على ~~ما قلت # وأبو الخطاب بنى ذلك على أن ملكه زال عنها فلا يجوز الابدال بعد زوال ~~الملك وهو قول أصحاب مالك والشافعى وأبو حنيفة يجوزون ابدالها بخير منها ~~وبنى أصحابه ذلك هم والقاضى أبو يعلى وموافقوه على أن ملكه لم يزل عنها ~~والنزاع بين الطائفتين في هذا الأصل وأحمد وفقهاء أصحابه PageV31P241 لا ~~يحتاجون أن يبنوا على هذا الأصل وقال أبو الخطاب هذا هو القياس في النذر ~~أنه إذا نذر الصلاة في مسجد بعينه لزمه وإنما تركناه للشرع وهو قوله ( لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ( فقيل له فلو نذر الصلاة في المسجد الأقصى ~~جاز له الصلاة في المسجد الحرام فقال إن لم يصح الخبر بذلك لم نسلم على هذه ~~الرواية # وهذا الذى قاله أبو الخطاب كما أنه خلاف نصوص أحمد وجمهور أصحابه فهو ~~خلاف سائر أصوله فإن جواز الابدال عند أحمد لا يفتقر إلى ms8996 كون ذلك في ملكه ~~بل ولا تأثير لذلك في جواز الابدال فانه لو نذر عتق عبد فعينه لم يجز ~~إبداله بلا ريب وإن لم يخرج عن ملكه بل ويقول خرجت الأضحية عن ملكه ويجوز ~~إبدالها بخير منها كما نقول مثل ذلك في المساجد وكما نقول بجواز الابدال في ~~المنذورات لأن الذبح عبادة لله وذبح الأفضل أحب إلى الله تعالى فكان هذا ~~كابدال المنذور بخير منه وذلك خير لأهل الحرم بخلاف العتق فان مستحقه هو ~~العبد فبطل حقه بالابدال # والنزاع في كون الأضحية المعينة بالنذر ثابتة على ملكه أو خارجة عن ملكه ~~إلى الله يشبه النزاع في الوقف على الجهة العامة والمشهور في مذهب أحمد ~~والجمهور في ذلك أنها ملك لله وقد يقال لجماعة المسلمين والمتصرف فيه ~~بالتحويل هم المسلمون المستحقون للانتفاع به فيتصرفون فيه بحكم الولاية لا ~~بحكم الملك PageV31P242 وكذلك الهدى والأضحية المعين بالنذر إذا قيل إنه ~~يخرج عن ملك صاحبه فان له ولاية التصرف فيه بالذبح والتفريق فكذلك له ولاية ~~التصرف فيه بالابدال كما لو أتلفه متلف فانه كان يأخذ ثمنه يشترى به بدله ~~وإن لم يكن مالكا له فكونه خارجا عن ملكه لا يناقض جواز تصرفه فيه بولاية ~~شرعية # وقول القائل يملكه صاحبه أو لا يملكه في ذلك وفى نظائره كقوله العبد يملك ~~أو لا يملك وأهل الحرب هل يملكون أموال المسلمين أو لا يملكونها والموقوف ~~عليه هل يملك الوقف أو لا يملكه إنما نشأ فيها النزاع بسبب ظن كون الملك ~~جنسا واحدا تتماثل أنواعه وليس الأمر كذلك بل الملك هو القدرة الشرعية ~~والشارع قد يأذن للانسان في تصرف دون تصرف ويملكه ذلك التصرف دون هذا فيكون ~~مالكا ملكا خاصا ليس هو مثل ملك الوارث ولا ملك الوارث كملك المشترى من كل ~~وجه بل قد يفترقان وكذلك ملك النهب والغنائم ونحوهما قد خالف ملك المبتاع ~~والوارث # فقول القائل أنه يملك الأضحية المعينة إن أراد أنه يملكها كما يملك ~~المبتاع بحيث يبيعها ويأخذ ثمنها لنفسه ويهبها لمن يشاء وتورث ms8997 عنه ملكا ~~فليس الأمر كذلك وكذلك إن أراد بخروجها عن ملكه أنه انقطع تصرفه فيها كما ~~ينقطع التصرف بالرق أو البيع فليس الأمر كذلك بل له فيها ملك خاص وهو ملكه ~~ان يحفظها ويذبحها ويقسم لحمها ويهدى ويتصدق ويأكل وهذا الذى يملكه من ~~أضحيته لا يملكه من أضحيته غيره PageV31P243 ( ### ||| فصل # ( # والدليل على ذلك وجوه # أحدها ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها عن النبى أنه قال ( ~~لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها ~~بابين بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه ( ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف ~~على وجه الأرض ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه واجبا لم يتركه فعلم أنه ~~كان جائزا وأنه كان أصلح لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالاسلام وهذا فيه ~~تبديل بنائها ببناء آخر فعلم أن هذا جائز في الجملة وتبديل التأليف بتأليف ~~آخر هو أحد أنواع الابدال # وأيضا فقد ثبت أن عمر وعثمان غيرا بناء مسجد النبى صلى الله عليه وسلم ~~أما عمر فبناه بنظير بنائه الأول باللبن والجذوع وأما عثمان فبناه بمادة ~~أعلى من تلك كالساج وبكل حال فاللبن والجذوع التى كانت وقفا أبدلها الخلفاء ~~الراشدون بغيرها وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره منكر ولا فرق ~~بين إبدال البناء ببناء وإبدال العرصة بعرصة إذا اقتضت المصلحة ذلك ولهذا ~~أبدل عمر بن الخطاب مسجد الكوفة بمسجد آخر أبدل نفس العرصة PageV31P244 ~~وصارت العرصة الأولى سوقا للتمارين فصارت العرصة سوقا بعد أن كانت مسجدا ~~وهذا أبلغ ما يكون في ابدال الوقف للمصلحة وأيضا فقد ثبت عن النبى أنه جوز ~~إبدال المنذور بخير منه ففى المسند مسند أحمد وسنن أبى داود قال أبو داود ~~ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد يعنى بن سلمة أنا حبيب المعلم عن عطاء بن أبى ~~رباح عن جابر بن عبد الله أن رجلا قام يوم الفتح فقال يا رسول الله إنى ~~نذرت أن فتح الله عز وجل عليك مكة أن أصلى في ms8998 بيت المقدس قال أبو سلمة مرة ~~ركعتين قال ( صل ها هنا ( ثم أعاد عليه فقال ( صل ها هنا ( ثم أعاد عليه ~~قال ( فشأنك إذا ( قال أبو داود وروى نحوه عن عبد الرحمن بن عوف عن النبى # ولهذا في السنن طريق ثالث رواه أحمد وأبو داود عن طائفة من أصحاب النبى ~~قال أبو داود ثنا ( 1 ) بن خالد ثنا أبو عاصم وثنا عباس العمبرى ثنا روح عن ~~بن جريج أنا يوسف بن الحكم بن أبي سفيان أنه سمع حفص بن عمر بن عبد الرحمن ~~بن عوف عن رجال من أصحاب النبى بهذا الخبر زاد فقال النبى ( والذى بعث ~~محمدا بالحق لو صليت ها هنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس ( قال أبو داود ~~رواه الأنصار عن بن جريح قال حفص بن عمر بن حنة وقال عمر أخبراه عن عبد ~~الرحمن بن عوف عن رجال من أصحاب النبى PageV31P245 وفى المسند وصحيح مسلم ~~عن إبن عباس رضى الله عنهما أن امرأة شكت شكوى فقالت إن شفانى الله فلأخرجن ~~فلأصلين في بيت المقدس فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة تسلم عليها ~~وأخبرتها بذلك فقالت إجلسى وكلى ما صنعت وصلى في مسجد رسول الله فإنى سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه ~~من المساجد الا مسجد الكعبة ( # وهذا مذهب عامة العلماء كالشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهما وأبى يوسف صاحب ~~أبى حنيفة وبن المنذر وغيرهم قالوا إذا نذر أن يصلى في بيت المقدس أجزأه ~~الصلاة في مسجد النبى صلى الله عليه وسلم أجزاه الصلاة في المسجد الحرام ~~وان نذر الصلاة في المسجد الحرام لم تجزه الصلاة في غيره عند الأكثرين وهو ~~مذهب بن المسيب ومالك والشافعى في أصح قوليه ومذهب أبى يوسف صاحب أبى حنيفة ~~وحكى عن أبى حنيفة لا يتعين شيء للصلاة بخلاف ما لو نذر أن يأتى المسجد ~~الحرام لحج أو عمرة فان هذا يلزمه بلا نزاع وأبو حنيفة بنى هذا على أصله ~~وهو ms8999 أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع # وأما مالك وأحمد والشافعى في ظاهر مذهبه فيوجبون بالنذر ما كان طاعة وأن ~~لم يكن جنسه واجبا بالشرع كما ثبت في صحيح البخارى عن عائشة PageV31P246 ~~رضى الله عنها عن النبى أنه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر ان ~~يعصى الله فلا يعصه ) والنبى قال ( صل ها هنا ) وقال ( لو صليت هنا لأجزأ ~~عنك صلاة أو كل صلاة في بيت المقدس ) فخص الأمر بالصلاة في المسجد الحرام ~~ولم يقل صل حيث شئت وقال ( لو صليت ها هنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس ) ~~فجعل المجزى عنه الصلاة في المسجد الأفضل لا في كل مكان فدل هذا على أنه لم ~~ينقله إلى البدل إلا لفضله لا لكون الصلاة لم تتعين # وقد ثبت عنه في الصحاح تفضيل مسجده والمسجد الحرام على المسجد الأقصى وفى ~~السنن والمسند تفضيل المسجد الحرام على مسجده وثبت عنه في الصحيحين من حديث ~~أبى هريرة وأبى سعيد أنه قال ( لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا ( وفى لفظ لمسلم ( إنما يسافر إلى ثلاثة ~~مساجد ( فدل ذلك على أن السفر إلى هذه الثلاثة بر وقربة وعمل صالح ولهذا ~~أذن له النبى أن يذهب إلى الأقصى مع أمره له أن يصلى في المسجد الحرام ~~وأخباره أن ذلك يجزيه فدل ذلك على أنه أمر ندب وأنه مخير بين أن يفعل عين ~~المنذور وأن يفعل ما هو أفضل منه # ومعلوم أن النذر يوجب عليه ما نذره لله تعالى من الطاعة لقوله ? < من نذر ~~أن يطيع الله فليطعه > ? وهو أمر أوجبه هو على نفسه لم يجب بالشرع ابتداء ~~PageV31P247 ثم أن الشارع بين أن البدل الأفضل يقوم مقام هذا والأضحية ~~والهدى المعين وجوبه من جنس وجوب النذر المعين فدل ذلك على أن إبداله بخير ~~منه أفضل من ذبحه بعينه كالواجب بالشرع في الذمة كما لو وجب عليه بنت مخاض ~~فأدى بنت لبون أو وجب عليه ms9000 بنت لبون فأدى حقة وفى ذلك حديث في السنن عن ~~النبى يبين أنه إذا أدى أفضل مما وجب عليه أجزأه رواه أبو داود في السنن ~~وغيره # قال أبو داود ثنا محمد بن منصور ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبى عن إبن ~~إسحاق حدثنى عبد الله بن أبى بكر عن يحى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد ~~بن زرارة عن عمارة بن عمرو بن حزم عن أبى بن كعب قال بعثنى النبى مصدقا ~~فمررت برجل فلما جمع لى ماله لم أجد عليه فيه إلا بنت مخاض فقلت له أد بنت ~~مخاض فانها صدقتك فقال ذاك مالا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة فتية عظيمة ~~سمينة فخذها فقلت له ما أنا بآخذ ما لم أومر به وهذا رسول الله منك قريب ~~فان أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت على فأفعل فإن قبله منك قبلته وإن ~~رده عليك رددته قال فإنى فاعل فخرج معى وخرج بالناقة التى عرض علي حتى ~~قدمنا على رسول الله فقال يا نبى الله أتانى رسولك ليأخذ من صدقة مالى وأيم ~~الله ما قام في مالى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رسوله قط قبله فجمعت ~~له مالى فزعم أن ما على الا بنت مخاض وذلك PageV31P248 ما لا لبن فيه ولا ~~ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى على وها هي هذه قد جئتك ~~بها يا رسول الله خذها فقال له رسول الله ( ذلك الذى عليك فإن تطوعت بخير ~~آجرك الله فيه وقبلناه منك ( قال فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها ~~قال ( فأمر رسول الله بقبضها ودعا له في ماله بالبركة ( # وما في هذا الحديث من أجزاء سن أعلا من الواجب مذهب عامة أهل العلم ~~الفقهاء المشهورين وغيرهم فقد ثبت أن إبدال الواجب بخير منه جائز بل يستحب ~~فيما وجب بايجاب الشرع وبايجاب العبد ولا فرق بين الواجب في الذمة وما ~~أوجبه معينا فإنما وجب في الذمة وإن ms9001 كان مطلقا من وجه فانه مخصوص متميز عن ~~غيره ولهذا لم يكن له إبداله بدونه بلا ريب ) # وعلى هذا فلو نذر أن يقف شيئا فوقف خيرا منه كان أفضل فلو نذر أن يبنى ~~لله مسجدا وصفه أو يقف وقفا وصفه فبنى مسجدا خيرا منه ووقف وقفا خيرا منه ~~كان أفضل ولو عينه فقال لله على أن أبنى هذه الدار مسجدا أو وقفها على ~~الفقراء والمساكين فبنى خيرا منها ووقف خيرا منها كان أفضل كالذى نذر ~~الصلاة بالمسجد الأقصى وصلى في المسجد الحرام أو كانت عليه بنت مخاض فأدى ~~خيرا منها # وقد تنازع الفقهاء في الواجب المقدر إذا زاده كصدقة الفطر إذا أخرج أكثر ~~من صاع فجوزه أكثرهم وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة وأحمد PageV31P249 وغيرهم ~~وروى عن مالك كراهة ذلك وأما الزيادة في الصفة فاتفقوا عليها والصحيح جواز ~~الأمرين لقوله تعالى @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع ~~خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون @QE@ وقد ثبت باتفاق ~~أهل العلم وهو في كتب الحديث الصحاح وغيرها وكتب التفسير والفقه إن الله ~~لما أوجب رمضان كان المقيم مخيرا بين الصوم وبين أن يطعم كل يوم مسكينا ~~فكان الواجب هو إطعام المسكين وندب سبحانه إلى إطعام أكثر من ذلك فقال ~~تعالى @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له ~~@QE@ ثم قال @QB@ وأن تصوموا خير لكم @QE@ فلما كانوا مخيرين كانوا على ~~ثلاث درجات أعلاها الصوم ويليه أن يطعم في كل يوم أكثر من مسكين وأدناها أن ~~يقتصر على إطعام مسكين ثم إن الله حتم الصوم بعد ذلك وأسقط التخيير في ~~الثلاثة ) # فإن قيل ففى سنن أبى داود ثنا عبد الله بن محمد العقيلى ثنا محمد بن سلمة ~~عن أبى عبد الرحيم عن جهم بن الجارود عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال أهدى ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه نجيبة فأعطى بها ثلاثمائة دينار فأتى النبى ~~فقال يا رسول الله إنى أهديت نجيبة فأعطيت ms9002 بها ثلاثمائة دينار أفأبيعها ~~وأشترى بثمنها بدنا قال ( لا انحرها إياها ( فقد نهاه عن بيعها وإن يشترى ~~بثمنها بدنا PageV31P250 # قيل هذه القضية بتقدير صحتها قضية معينة ليس فيها لفظ عام يقتضى النهى عن ~~الابدال مطلقا ونحن لم نجوز الابدال مطلقا ولا يجوزه أحد من أهل العلم بدون ~~الأصل وليس في هذا الحديث أن البدل كان خيرا من الأصل بل ظاهره أنها كانت ~~أفضل فقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه سئل أى الرقاب ~~أفضل فقال ( أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ) وقد قال تعالى @QB@ ومن يعظم ~~شعائر الله فإنها من تقوى القلوب @QE@ وقد قيل من تعظيمها استحسانها ~~واستسمانها والمغالات في أثمانها # وهذه النجيبة كانت نفيسة ولهذا بذل فيها ثمن كثير فكان اهدؤها إلى الله ~~أفضل من أن يهدى بثمنها عدد دونها والملك العظيم قد يهدى له فرس نفيسة ~~فتكون أحب إليه من عدة أفراس بثمنها فالفضل ليس بكثرة العدد فقط بل قد قال ~~الله تعالى @QB@ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون @QE@ فما كان أحب إلى ~~المرء إذا تقرب به إلى الله تعالى كان أفضل له من غيره وإن استويا في ~~القيمة فإن الهدية والأضحية عبادة بدنية ومالية ليست كالصدقة المحضة بل إذا ~~ذبح النفيس من ماله لله تعالى كان أحب إلى الله تعالى قال بعض السلف لا ~~يهدى أحدكم لله تعالى ما يستحى أن يهديه لكريمه وقد قال تعالى @QB@ ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه @QE@ وقد قرب ~~ابنى آدم قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر وقد ذكر أن سبب ذلك أن ~~أحدهما قرب نفيس ماله والآخر قرب الدون من ماله والله أعلم PageV31P251 ### |||| وسئل شيخ الاسلام ( # عن الواقف والناذر يوقف شيئا ثم يرى غيره أحظ للموقوف عليه منه هل يجوز ~~إبداله كما في الأضحية ### ||||| فأجاب # أما إبدال المنذور والموقوف بخير منه كما في إبدال الهدى فهذا ~~نوعان # أحدهما أن الابدال للحاجة مثل أن يتعطل فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه ms9003 ~~كالفرس الحبيس للغزو إذا لم يمكن الانتفاع به للغزو فإنه يباع ويشترى بثمنه ~~ما يقوم مقامه والمسجد إذا خرب ما حوله فتنقل آلته إلى مكان آخر أو يباع ~~ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه أو لا يمكن الانتفاع بالموقوف عليه من مقصود ~~الواقف فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه وإذا خرب ولم تمكن عمارته فتباع ~~العرصة ويشترى بثمنها ما يقوم مقامها فهذا كله جائز فإن الأصل إذا لم يحصل ~~به المقصود قام بدلة مقامه # والثانى الإبدال لمصلحة راجحة مثل أن يبدل الهدى بخير منه ومثل المسجد ~~إذا بنى بدله مسجد آخر أصلح لأهل البلد منه وبيع الأول فهذا ونحوه جائز عند ~~أحمد وغيره من العلماء واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب رضى الله عنه نقل مسجد ~~الكوفة القديم إلى مكان آخر وصار الأول سوقا للتمارين فهذا إبدال لعرصة ~~المسجد PageV31P252 وأما إبدال بنائه ببناء آخر فإن عمر وعثمان بنيا مسجد ~~النبى بناء غير بنائه الأول وزادا فيه وكذلك المسجد الحرام فقد ثبت في ~~الصحيحين أن النبى قال لعائشة ( لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لنقضت ~~الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه وبابا يخرج ~~الناس منه فلولا المعارض الراجح لكان النبى صلى الله عليه وسلم يغير بناء ~~الكعبة فيجوز تغيير بناء الوقف من صورة إلى صورة لأجل المصلحة الراجحة # وأما إبدال العرصة بعرصة أخرى فهذا قد نص أحمد وغيره على جوازه اتباعا ~~لأصحاب رسول الله حيث فعل ذلك عمر واشتهرت القضية ولم تنكر # وأما ما وقف للغلة إذا أبدل بخير منه مثل أن يقف دارا أو حانوتا أو ~~بستانا أو قرية يكون مغلها قليلا فيبدلها بما هو أنفع للوقف فقد أجاز ذلك ~~أبو ثور وغيره من العلماء مثل أبى عبيد بن حرمويه قاضى مصر وحكم بذلك وهو ~~قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة للمصلحة بل إذا جاز أن ~~يبدل المسجد بما ليس بمسجد للمصلحة بحيث يصير المسجد سوقا فلأن يجوز إبدال ~~المستغل بمستغل آخر أولى ms9004 وأحرى وهو قياس قوله في إبدال الهدى بخير منه وقد ~~نص على أن المسجد اللاصق بأرض إذا رفعوه وبنوا تحته سقاية واختار ذلك ~~الجيران فعل ذلك لكن من أصحابه من منع إبدال المسجد والهدى والأرض الموقوفة ~~وهو قول الشافعى وغيره لكن النصوص والآثار والقياس تقتضى جواز الإبدال ~~للمصلحة والله سبحانه وتعالى أعلم PageV31P253 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى ( # عمن أوقف وقفا على الفقراء وهو من كروم يحصل لأصحابها ضرر به فهل يجوز أن ~~يرجع فيه ويقف غيره وهل إذا فعل يكون الاثنان وقفا ### ||||| فأجاب # إذا كان في ذلك ضرر على الجيران جاز أن يناقل عنه ما يقوم مقامه ~~ويعود الأول ملكا والثانى وقفا كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه في مسجد ~~الكوفة لما جعل مكانه مسجدا صار الأول سوقا للتمارين ### |||| ( وسئل ( # عن حوض سبيل وعليه وقف اسطبل وقد باعه الناظر ولم يشتر بثمنه شيئا من مدة ~~ست سنين فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما بيعه بغير استبدال لما يقوم مقامه فلا ريب أنه لا ~~يجوز وأما إذا باعه لتعطل نفعه واشترى بالثمن ما يقوم مقامه فهذا يجوز على ~~الصحيح في قولى العلماء وان استبدال به خيرا منه مع وجود نفعه ففيه نزاع ~~والله أعلم PageV31P254 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن قرية بها عدة مساجد بعضها قد خرب لاتقام الصلاة إلا في واحد منها ولها ~~وقف عليها كلها فهل تجب عمارة الخرب وإقامة الجماعة في مسجد ثان وهل يحل ~~إغلاقها ### ||||| فأجاب # نعم تجب عمارة المسجد إلى إقامة الصلاة فيه وكذلك ترتيب إمام في ~~مسجد آخر يجب أن يفعل عند المصلحة والحاجة ولا يحل إغلاق المساجد عما شرعت ~~له وأما عند قلة أهل البقعة واكتفائهم بمسجد واحد مثل أن يكونوا حوله فلا ~~يجب تفريق شملهم في غير مسجدهم ) ### |||| ( وسئل أيضا ( # عن وقف على جماعة توفى بعضهم وله شقيق وولد وللعلماء في ذلك خلاف مستفيض ~~في مثله هل يخص الولد أم الأخ فشهد قوم أنه يخص الولد دون الأخ بمقتضى شرط ~~الواقف مع عدم ms9005 تحقيقهم الحد الموقوف بحيث أنهم غيروا بعض الحدود عما هي ~~عليه فهل يجوز لهم ذلك وهل للحاكم أن يحكم PageV31P255 بشهادتهم هذه من غير ~~استفصال وما الحكم في مجموع السؤال أفتونا مفصلا مأجورين إن شاء الله تعالى ### ||||| فأجاب # الحمد لله الشهادة في الوقف بالاستحقاق غير مقبولة وكذلك في الارث ~~من الأمور الاجتهادية كطهارة الماء ونجاسته ولكن الشاهد يشهد بما يعلمه من ~~الشروط ثم الحاكم يحكم في الشرط بموجب اجتهاده والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن وقف على رجل ثم على أولاده فاقتسمه الفلاحون ثم تناقل بعضهم حصته إلى ~~جانب حصة شريكه فهل تنفسخ القسمة والمناقلة ### ||||| فأجاب # لا تصح قسمة رقبة الوقف الموقوف على جهة واحدة لكن تصح قسمة ~~المنافع وهى ( المهايأه ( وإذا كانت مطلقة لم تكن لازمة لا سيما إذا تغير ~~الموقوف فتجوز بغير هذه المهايأة ) ### |||| ( وسئل ( # عن بيعة بقرية ولها وقف وانقرض النصارى بتلك القرية وأسلم من بقى منهم ~~فهل يجوز أن يتخذ مسجدا ### ||||| فأجاب # نعم إذا لم يبق من أهل الذمة الذين استحقوا ~~تلك أحد جاز أن يتخذ مسجدا لاسيما إن كانت ببر الشام فإنه فتح عنوة ~~PageV31P256 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن مسجد مجاور كنيسة مغلقة خراب سقط بعض جدرانها على باب المسجد وعلى ~~رحابه التى يتوصل منها وزال بعض الجدار الذى انهدم وسقط على جدار المسجد ~~ويخاف على المسلمين من وقعها ومن يصلي بالمسجد وإذا آلت كلها للخراب هل ~~تهدم ### ||||| فأجاب # نعم إذا خيف تضرر المسجد وإيذاء المصلين فيه وجب إزالة ما يخاف من ~~الضرر على المسجد وأهله وإذا لم يزل إلا بالهدم هدمت بل قد ثبت عن النبى ~~أنه قال ( لا قبلتان بأرض ولا جزية على مسلم ( وإذا كانت هذه في أرض فتحت ~~عنوة وجب أن تزال ولا تترك مجاورة والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ) # عن مسجد ليس له وقف وبجواره ساحة هل يجوز أن تعمل سكنا للامام أفتونا ### ||||| فأجاب # يجوز ذلك والحالة هذه فإن الساحة ليست من المسجد كما ذكر والله ~~أعلم PageV31P257 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن هو في مسجد ms9006 يأكل وقفه ولا يقوم بمصالحه وللواقف أولاد محتاجين فهل ~~لهم تغييره وإقامة غيره وأخذ الفائض عن مصلحة المسجد ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا لم يقم بالواجب فإنه يغيره من له ولاية ذلك لمن يقوم ~~بالواجب إذا لم يتب الأول ويلتزم بالواجب وأما الفاضل عن مصلحة المسجد ~~فيجوز صرفه في مساجد أخر وفى المستحقين للصدقة من أقارب الواقف وجيران ~~المسجد ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # هل يجوز أن يبنى خارج المسجد من ريع الوقف مسكنا ليأوى فيه أهل المسجد ~~الذين يقومون بمصالحه ### ||||| فأجاب # نعم يجوز لهم أن يبنوا خارج المسجد من المساكن ما كان مصلحة لأهل ~~الاستحقاق لريع الوقف القائمين بمصلحته PageV31P258 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن مسجد أعلاه طبقة وهو عتيق البناء وإن الطبقة لم يسكنها أحد ولم ينتفع بها ~~لكونها ساقطة وأنها ضرر على المسجد لثقلها عليه تخربه ولا له شيء يعمر منه ~~فهل يجوز نقض الطبقة التى أعلاه أو يغلق ذلك المسجد ### ||||| فأجاب # إذا كان نقض الطبقة مصلحة للمسجد فتنقض وتصرف الأنقاض في مصالح ~~المسجد وإن أمكن أن يشترى بها ما يوقف عليه أو يصرف في عمارته أو عمارة ~~وقفه فعل ذلك ### |||| ( وسئل ( # عن رجل استأجر أرضا موقوفة وبنى عليها ما أراد ثم أوقف ذلك البناء وشرط ~~ان يعطى الأجرة الموقوفة من ريع وقفه عليها وحكم الحاكم بصحة الوقف على ~~الشروط المذكورة في الوقف فهل يجوز نقض ذلك أم لا وإذا أراد الواقف نقض ~~الوقف بعد ثبوته ليدخل فيه عددا آخر بوقف ثان هل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # إذا حكم الحاكم بصحة الوقف لم يجز فيه تغييره ولا تبديل شروطه ~~PageV31P259 ### |||| وسئل ( # عن وقف على الفقراء والمساكين وفيه أشجار زيتون وغيره يحمل بعض السنين ~~بثمر قليل فإذا قطعت وأبيعت يشترى بثمنها ملك يغل بأكثر منها فهل للناظر ~~ذلك وهل إذا طالبه بعض المستحقين للوقف يقطع الشجر ويبيعه ويقسم منه عليهم ~~فهل لهم ذلك أم شراء الملك وإذا تولى شخص فوجد من تقدمه غير شرط الواقف ~~فجهد في عمل شرط الواقف فهل له أن يأخذ ما ms9007 جرت به العادة من الجامكية بكونه ~~لم يقدر أن يعمل بما شرطه الواقف وهذا الناظر فقير لا مال له فهل له أن ~~يأخذ من نسبة الفقراء ويكون نظره تبرعا بينوا لنا ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم يجوز بيع تلك الاشجار وأن يشترى بها ما يكون مغله ~~أكثر فان الشجر كالبناء وللناظر أن يغير صورة الوقف من صورة إلى صورة أصلح ~~منها كما غير الخلفاء الراشدون صورة المسجدين اللذين بالحرمين الشريفين ~~وكما نقل عمر بن الخطاب مسجد الكوفة من موضع إلى موضع وأمثال ذلك ولا يقسم ~~ثمن الشجر بين الموجودين لأن الشجر كالبناء لا يختص بثمنه الموجودون وليس ~~هو بمنزلة الشجر والزرع والمنافع التى يختص كل أهل طبقة بما يؤخذ في زمنها ~~منها PageV31P260 # وأما الناظر فعليه أن يعمل ما يقدر عليه من العمل الواجب ويأخذ لذلك ~~العمل ما يقابله فان كان الواجب عشرة أجزاء من العوض المستحق أخذه وان كان ~~يستحق الجميع على ما يعمله أخذ الجميع وله أن يأخذ على فقره ما يأخذه ~~الفقير على فقره والله أعلم # ( ### || وسئل عن تغيير صورة الوقف # ( ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما ما خرج من ذلك عن حدود الوقف إلى طريق المسلمين وإلى ~~حقوق الجيران فيجب إزالته بلا ريب وأما ما خرج إلى الطريق النافذ فلا بد من ~~إزالته وأما إن كان خرج إلى ملك الغير فإن أذن فيه والا أزيل # وأما تغيير صورة البناء من غير عدوان فينظر في ذلك إلى المصلحة فان كانت ~~هذه الصورة أصلح للوقف وأهله أقرت وإن كان أعادتها إلى ما كانت عليه أصلح ~~أعيدت وإن كان بناء ذلك على صورة ثالثة أصلح للوقف بنيت فيتبع في صورة ~~البناء مصلحة الوقف ويدار مع المصلحة حيث كانت وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين ~~كعمر وعثمان أنهما قد غيرا صورة الوقف للمصلحة بل فعل عمر بن الخطاب ما هو ~~أبلغ من ذلك حيث حول مسجد الكوفة القديم فصار سوق التمارين وبنى لهم مسجدا ~~في مكان آخر والله أعلم PageV31P261 ### |||| ( وسئل ( # عمن ناصب على أرض ms9008 وقف على أن للوقف ثلثى الشجر المنصوب وللعامل الثلث فهل ~~لمن بعده من النظار بيع نصيب الوقف من الشجر ### ||||| فأجاب # لا يجوز له بيع ذلك إلا لحاجة تقتضى ذلك والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة وقفت على ولديها دكاكين ودارا ثم بعد بنيها وبنى أولادها يرجع ~~على وقف مدرسة نور الدين الشهيد وغيره من المصارف الشرعية ثم إن بعض قرائب ~~المرأة تعدى وتحيل وباع الوقف ثم إن الورثة حاكموا المشترى ورقم القاضي على ~~شهود الكتاب وهو صحيح ثابت فقام المشترى وأوقفها صدقة على خبز يصرف ~~للمساكين وجعل الرئيس ناظرا على الصدقة فهل يصح ذلك وإذا علم الرئيس العالم ~~المتعبد أن هذا مغتصب فهل يحل له أن يكون ناظرا عليه وما يكون ### ||||| فأجاب # بيع الوقف الصحيح اللازم الذى يحصل به مقصود الوقف من الانتفاع لا ~~يجوز ولا يصح وقف المشترى له ولا يجوز للناظر على الوقف الثانى أن يصرفه ~~إلى غير المستحقين قبل ولا يتصرف فيه بغير مسوغ شرعى سواء تصرف بحكم النظر ~~الباطل أو بغير ذلك والله أعلم PageV31P262 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل بنى ~~حائطا في مقبرة المسلمين يقصد أن يحوز نفعه لدفن موتاه فادعى رجل أن له ~~موتى تحت الحائط وما هو داخل الحائط فهل يجوز له ذلك ### ||||| فأجاب # ليس له أن يبنى على مقبرة المسلمين حائطا ولا أن يحتجر من مقبرة ~~المسلمين ما يختص به دون سائر المستحقين والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن حمام أكثرها وقف على الفقراء والمساكين والفقهاء ~~وأن انسانا له حمامات بالقرب منها وأنه احتال واشترى منها نصيبا وأخذ ~~الرصاص الذى يخصه من الحاصل وعطل الحمام وضار فهل يلزمه العمارة أسوة الوقف ~~أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس له أن يتصرف في الحمام المشتركة بغير إذن الشركاء ~~ولا باذن الشارع ولا يستولى على شيء منها بغير إذن الشركاء ولا يقسم ~~PageV31P263 بنفسه شيئا ويأخذ نصيبه منه سواء كان رصاصا أو غيره ولا يغير ~~بناء شيء منها ولا يغير القدر ولا غيرها وهذا كله ms9009 باتفاق المسلمين وليس له ~~أن يغلقها بل يكرى على جميع الشركاء إذا طلب بعضهم ذلك وتقسم بينهم الأجرة ~~وهذا مذهب جماهير العلماء كأبى حنيفة ومالك وأحمد وإذا احتاجت الحمام إلى ~~عمارة لابد منها فعلى الشريك أن يعمر معهم في أصح قولى العلماء والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن قناة سبيل لها فايض ينزل على قناة الوسخ وقريب منها قناة طاهرة قليلة ~~الماء فهل يجوز أن يساق ذلك الفائض إلى المطهرة وهل يثاب فاعل ذلك وهل يجوز ~~منعه ### ||||| فأجاب # نعم يجوز ذلك بإذن ولي الأمر ولا يجوز منع ذلك إذا لم يكن فيه ~~مصلحة شرعية ويثاب الساعى في ذلك والله أعلم PageV31P264 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن الوقف الذى يشترى بعوضه ما يقوم مقامه وذلك مثل الوقف الذى أتلفه متلف ~~فإنه يؤخذ منه عوضه يشترى به ما يقوم مقامه فإن الوقف مضمون بالاتلاف ~~باتفاق العلماء ومضمون باليد فلو غصبه غاصب تلف تحت يده العادية فان عليه ~~ضمانه باتفاق العلماء لكن قد تنازع بعضهم في بعض الأشياء هل تضمن بالغصب ~~كالعقار وفى بعضها هل يصح وقفه كالمنقول ) # ولكن لم يتنازعوا أنه مضمون بالاتلاف باليد كالأموال بخلاف أم الولد ~~فإنهم وإن اتفقوا على أنها مضمونة بالاتلاف فقد تنازعوا هل تضمن باليد أو ~~لا ### |||| # فأكثرهم يقول هي مضمونة باليد كمالك والشافعى وأحمد وأما أبو حنيفة ~~فيقول لا تضمن باليد وضمان اليد هو ضمان العقد كضمان البايع تسليم المبيع ~~وسلامته من العيب وأنه بيع بحق وضمان دركه عليه بموجب العقد وإن لم يشترطه ~~بلفظه # ومن أصول الاشتراء ببدل الوقف إذا تعطل نفع الوقف فانه يباع ويشترى بثمنه ~~ما يقوم مقامه في مذهب أحمد وغيره وهل يجوز مع كونه مغلا أن يبدل بخير منه ~~فيه قولان في مذهبه والجواز مذهب أبى ثور وغيره PageV31P265 والمقصود أنه ~~حيث جاز البدل ) # هل يشترط أن يكون في الدرب أو البلد الذى فيه الوقف الأول أم يجوز أن ~~يكون بغيره إذا كان ذلك أصلح لأهل الوقف مثل أن يكونوا مقيمين ببلد غير بلد ms9010 ~~الوقف وإذا اشترى فيه البدل كان أنفع لهم لكثرة الريع ويسر التناول فنقول ~~ما علمت أحدا اشترط أن يكون البدل في بلد الوقف الأول بل النصوص عند أحمد ~~وأصوله وعموم كلامه وكلام أصحابه وإطلاقه يقتضى أن يفعل في ذلك ما هو مصلحة ~~أهل الوقف فإن أصله في هذا الباب مراعاة مصلحة الوقف بل أصله في عامة ~~العقود اعتبار مصلحة الناس فإن الله أمر بالصلاح ونهى عن الفساد وبعث رسله ~~بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ( وقال موسى لأخيه هارون ~~اخلفنى في قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ( وقال شعيب ( أن أريد الا ~~الاصلاح ما استطعت ( وقال تعالى @QB@ فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون @QE@ # وقد جوز أحمد بن حنبل إبدال مسجد بمسجد آخر للمصلحة كما جوز تغييره ~~للمصلحة واحتج بان عمر بن الخطاب رضى الله عنه أبدل مسجد الكوفة القديم ~~بمسجد آخر وصار المسجد الأول سوقا للتمارين وجوز أحمد إذا خرب المكان أن ~~ينقل المسجد إلى قرية أخرى بل ويجوز في أظهر الروايتين عنه أن يباع ذلك ~~المسجد ويعمر بثمنه مسجد آخر في قرية أخرى إذا لم يحتج إليه في القرية ~~الأولى فاعتبر المصلحة بجنس المسجد وإن كان في PageV31P266 قرية غير القرية ~~الأولى إذ كان جنس المساجد مشتركة بين المسلمين والوقف على قوم بعينهم أحق ~~بجواز نقله إلى مدينتهم من المسجد فان الوقف على معينين حق لهم لا يشركهم ~~فيه غيرهم وغاية ما فيه أن يكون بعد انقضائهم لجهة عامة كالفقراء والمساكين ~~فيكون كالمسجد فإذا كان الوقف ببلدهم أصلح لهم كان اشتراء البدل ببلدهم هو ~~الذى ينبغى فعله لمتولى ذلك ) # وصار هذا كالفرس الحبيس الذى يباع ويشترى بقيمته ما يقوم مقامه إذا كان ~~محبوسا على ناس ببعض الثغور ثم انتقلوا إلى ثغر آخر فشراء البدل بالثغر ~~الذى هو فيه مضمون أولى من شرائه بثغر آخر وإن كان الفرس حبيسا على جميع ms9011 ~~المسلمين فهو بمنزلة الوقف على جهة عامة كالمساجد والوقف على المساكين # ومما يبين هذا أن الوقف لو كان منقولا كالنور والسلاح وكتب العلم وهو وقف ~~على ذرية رجل بعينهم جاز أن يكون مقر الوقف حيث كانوا بل كان هذا هو ~~المتعين بخلاف ما لو أوقف على أهل بلد بعينه # لكن إذا صار له عوض هل يشترى به ما يقوم مقامه إذا كان العوض منقولا فأن ~~يشترى بهذا العوض في بلد مقامهم أولى من أن يشترى به في مكان العقار الأول ~~إذا كان ذلك أصلح لهم إذ ليس في تخصيص مكان العقار PageV31P267 الأول مقصود ~~شرعى ولا مصلحة لأهل الوقف وما لم يأمر به الشارع ولا مصلحة فيه للانسان ~~فليس بواجب ولا مستحب فعلم أن تعيين المكان الأول ليس بواجب ولا مستحب لمن ~~يشترى بالعوض ما يقوم مقامه بل العدول عن ذلك جائز وقد يكون مستحبا وقد ~~يكون واجبا إذا تعينت المصلحة فيه والله أعلم PageV31P268 ### ||| ( 2 باب الهبة والعطية 2 ( ### |||| ( وسئل شيخ الاسلام رحمه الله ( # عن الصدقة والهدية أيهما أفضل ### ||||| فأجاب # الحمد لله ( الصدقة ( ما يعطى لوجه الله عبادة محضة من غير قصد في ~~شخص معين ولا طلب غرض من جهته لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات وأما ~~( الهدية ( فيقصد بها اكرام شخص معين إما لمحبة وإما لصداقة وإما لطلب حاجة ~~ولهذا كان النبى يقبل الهدية ويثيب عليها فلا يكون لأحد عليه منة ولا يأكل ~~أوساخ الناس التى يتطهرون بها من ذنوبهم وهى الصدقات ولم يكن يأكل الصدقة ~~لذلك وغيره ) # وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل إلا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من ~~الصدقة مثل الاهداء لرسول الله في حياته محبة له ومثل الاهداء لقريب يصل به ~~رحمه وأخ له في الله فهذا قد يكون أفضل من الصدقة PageV31P269 ### |||| ( وسئل ( # عمن وهب أو أباح لرجل شيئا مجهولا هل يصح كما لو أباحه ثمر شجرة في قابل ~~ولو أراد الرجوع هل يصح ### ||||| فأجاب # تنازع العلماء في هبة المجهول فجوزه مالك حتى ms9012 جوز أن يهب غيره ما ~~ورثه من فلان وإن لم يعلم قدره وإن لم يعلم أثلث هو أم ربع وكذلك إذا وهبه ~~حصة من دار ولا يعلم ما هو وكذلك يجوز هبة المعدوم كأن يهبه ثمر شجره هذا ~~العام أو عشرة أعوام ولم يجوز ذلك الشافعى وكذلك المعروف في مذهب أبى حنيفة ~~وأحمد المنع من ذلك لكن أحمد وغيره يجوز في الصلح على المجهول والإبراء منه ~~ما لا يجوزه الشافعى وكذلك أبو حنيفة يجوز من ذلك ما لا يجوزه الشافعى # فإن الشافعى يشترط العلم بمقدار المعقود عليه في عامة العقود حتى عوض ~~الخلع والصداق وفيما شرط على أهل الذمة وأكثر العلماء يوسعون في ذلك وهو ~~مذكور في موضعه ومذهب مالك في هذا أرجح # وهذه المسألة متعلقة بأصل آخر وهو أن عقود المعاوضة كالبيع والنكاح ~~والخلع تلزم قبل القبض فالقبض موجب العقد ومقتضاه PageV31P270 ليس شرطا في ~~لزومه والتبرعات كالهبة والعارية فمذهب أبى حنيفة والشافعى أنها لا تلزم ~~الا بالقبض وعند مالك تلزم بالعقد وفى مذهب أحمد نزاع كالنزاع في المعين هل ~~يلزم بالعقد أم لابد من القبض وفيه عنه روايتان وكذلك في بعض صور العارية ~~وما زال السلف يعيرون الشجرة ويمنحون المنايح وكذلك هبة الثمر واللبن الذى ~~لم يوجد ويرون ذلك لازما ولكن هذا يشبه العارية لأن المقصود بالعقد يحدث ~~شيئا بعد شيء كالمنفعة ولهذا كان هذا مما يستحقه الموقوف عليه كالمنافع ~~ولهذا تصح المعاملة بجزء من هذا كالمساقاة وأما إباحة ذلك فلا نزاع بين ~~العلماء فيه وسواء كان ما أباحه معدوما أو موجودا معلوما أو مجهولا لكن لا ~~تكون الإباحة عقدا لازما كالعارية عند من لا يجعل العارية عقدا لازما كأبى ~~حنيفة والشافعى وأما مالك فيجعل ذلك لازما إذا كان محدودا بشرط أو عرف وفى ~~مذهب أحمد نزاع وتفصيل ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن امرأة وهبت لزوجها كتابها ولم يكن لها أب سوى اخوة فهل لهم أن يمنعوها ~~ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ليس لاخوتها عليها ولاية ولا حجر فإن ms9013 كانت ~~ممن يجوز تبرعها في مالها صحت هبتها سواء رضوا أو لم يرضوا والله أعلم ~~PageV31P271 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن امرأة لها أولاد غير أشقاء فخصصت أحد الأولاد وتصدقت عليه بحصة من ~~ملكها دون بقية إخوته ثم توفيت المذكورة وهى مقيمة بالمكان المتصدق به فهل ~~تصح الصدقة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا لم يقبضها حتى ماتت بطلت الهبة في المشهور من مذهب ~~الأئمة الأربعة وإن أقبضته إياه لم يجز على الصحيح أن يختص به الموهوب له ~~بل يكون مشتركا بينه وبين إخوته والله أعلم # وقال ( ### ||| فصل # ( وأما العقود التى يشترط القبض في لزومها واستقرارها كالصدقة والهبة ~~والرهن والوقف عند من يقول إن القبض شرط في لزومه فهذا أيضا يصح في المشاع ~~عند جمهور العلماء كمالك والشافعى وأحمد ولم يجوزها أبو حنيفة قال لأن ~~القبض شرط فيها وقبضها غير ممكن قبل القسمة وأما الجمهور فقالوا تقبض في ~~هذه العقود كما تقبض في البيع وإن كان القبض من موجب البيع ليس شرطا في ~~صحته ولا لزومه ويقبض مالا ينقسم فإنهم اتفقوا على جواز هبته مشاعا لتعذر ~~القسمة فيه PageV31P272 # ثم إذا وهب المشاع الذى تصح هبته بالاتفاق كالذى لا ينقسم والمتنازع فيه ~~عند من يجوز هبته كمالك والشافعى وأحمد وقبض ذلك قبض مثله وحازه الموهوب له ~~والمتصدق عليه لزم بذلك باتفاق المسلمين يتصرف فيه بأنواع التصرفات الجائزة ~~في المشاع فان شاء أن يبيعه أو يهبه وإن شاء تهايئآ هو والمتهب فيه بالمكان ~~أو بالزمان وان شاءا أكرياه جميعا كما يفعل ذلك كل شريكين للشقص مع مالك ~~الشقص الذى لم يوهب وان تصرف فيه بالمساكنة للمتهب مهايأة أو غير مهايأة لا ~~ينقص الهبة ولا يبطلها ومن قال ( غير ) ذلك فقد خرق إجماع المسلمين # وما فعله الفقهاء من أصحاب مالك في كتبهم من اشتراط الخيار وان بقاءه في ~~يد الواهب باكراء أو استعارة أو غيرها يبطل الحيازة وأن حيازة المتهب له ثم ~~عوده إلى الواهب في الزمن القريب يبطل حيازته وفى الزمن الطويل كالسنة نزاع ms9014 ~~وأنه إذا مرض أو أفلس قبل الحيازة بطلت ونحو ذلك ومثل تنازعهم هل يجبر على ~~الاقباض أم لا وعند أبى حنيفة والشافعى لا يجبر وعند مالك يجبر وعند أحمد ~~في الغبن روايتان وأمثال هذه المسائل فهذا كله في نفس الموهوب المفرد ~~والمشاع ) # فأما النصف الباقى على ملك الواهب فهم متفقون اتفاقا معلوما عند علماء ~~الشريعة بالاضطرار من دين الاسلام أن تصرف المالك فيه لا يبطل ما وقع من ~~الهبة والحيازة السابقة في النصيب ومتفقون على أن هذين الشريكين يتصرفان ~~كتصرف الشركاء ومن توهم من المتفقهة أنه PageV31P273 بعد اقباض النصيب ~~المشاع إذا تساكنا في الدار فسكن هذا في النصف الباقى له وهذا في النصف ~~الآخر مهايأة أو غير مهايأة أن ذلك ينقض الهبة كما لو كان السكنى في نفس ~~الموهوب كما يقوله مالك في ذلك فقد خرق إجماع المسلمين وهو من أبعد الناس ~~عن مذاق الفقه ومعرفة الشريعة # فإن هذا لو كان صحيحا لكان الواهب للمشاع يتعطل انتفاعه بما بقى له وكان ~~بمنزلة واهب الجميع ولأن الفقهاء إنما ذكروا ذلك في الموهوب لأن بقاء يد ~~الواهب عليه وعوده إليه في المدة اليسيرة يمتنع معها الحوز في العادة وربما ~~كان ذلك ذريعة إلى الهبة من غير حوز فيظهر سكناها بطريق العارية حيلة ولهذا ~~روى عن عثمان رضى الله عنه أنه قال ما بال أقوام يعطى أحدهم ولده العطية ~~فان مات ولده قال مالى وفى يدى وإن مات هو قال كنت وهبته لا يثبت من الهبة ~~الا ما حازه الولد من مال والده ثم سألوه عن الصغير فقال حوز والده حوز له ~~وبهذا أخذ مالك وغيره وهذا ظاهر في نفس الأمر مفردا كان أو مشاعا # فأما النصيب الآخر الذى لم يوهب فهو بمنزلة عين أخرى لم توهب يتصرف تصرف ~~الشريك بحيث لو احتاج إلى عمارة أجبر على ذلك عند أحمد ومالك في ظاهر مذهبه ~~وبحيث تجب فيه الشفعة وإذا كان قسمة عينه تمكن قسم إن كان قابلا للقسمة وإن ~~لم يقبلها فهل يجبر ms9015 على البيع إذا طلبه الآخر ليقتسما الثمن فيه قولان ~~للعلماء والاجبار قول مالك وأبى حنيفة وأحمد وعدمه قول PageV31P274 الشافعى ~~وهذا واضح على من له في الفقه بالشريعة أدنى المام إذا كان يفهم مأخذ ~~الفقهاء ولكن من لم يميز إذا رأى ما ذكروه من الفروع في الموهوب وخيل إليه ~~أن هذا فيه وفى النصيب الآخر كان هذا بعيدا من التميز في الاحكام الشرعية ~~والمسائل الفقهية وليست هذه المسألة مما تقبل النزاع والخلاف أصلا # ومن العجب أنهم يطلبون النقل في هذه المسألة من ( كتاب الهبة والصدقة ( # ونحو ذلك وليس هذا موضعها وإنما موضعها ( كتاب الشركة والقسمة ( ونحو ذلك ~~فان السؤال إنما وقع عن التصرف في الشقص الباقى لم يقع في النصيب الموهوب ~~وإن تخيل متخيل أن التساكت يقتضى ثبوت يد كل منهما على الجميع قيل له ~~فحينئذ تكون يد كل من الشريكين على جميع المشترك وان صح هذا لم يصح يد ~~المشترك بحال فان أبا حنيفة إنما قاله فيما يقبل القسمة ثم إذا قدر أن يد ~~الشريك على الجميع فهذه لا تمنع الحيازة المعتبرة في المشاع فانه إذا وهب ~~شقصا من عين فانما عليه أن يقبض الموهوب فقط مع بقاء يده على ما لم يهبه ~~سواء قيل ان بقاء يده على نصيبه يعم الجميع أو لا يعم فعلم أن استيلاء ~~الشريك الواهب على نصيبه وتصرفه فيه لا يمنع الحوز ابتداء ولا يمنعه دواما ~~باتفاق المسلمين ### |||| ( وسئل ( # عمن وهب ربع مكان فتبين أقل من ذلك هل تبطل الهبة ### ||||| فأجاب # لا تبطل PageV31P275 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له بنتان ومطلقة ~~حامل وكتب لابنتيه الفى دينار وأربع أملاك ثم بعد ذلك ولد للمطلقة ولد ذكر ~~ولم يكتب له شيئا ثم بعد ذلك توفى الوالد وخلف موجودا خارجا عما كتبه ~~لبنتيه وقسم الموجود بينهم على حكم الفريضة الشرعية فهل يفسخ ما كتب للبنات ~~أم لا ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها نزاع بين أهل العلم إن كان قد ملك البنات تمليكا ~~تاما مقبوضا فأما أن يكون كتب لهن ms9016 في ذمته الفى دينار من غير اقباض أو ~~اعطاهن شيئا ولم يقبضه لهن فهذا العقد مفسوخ ويقسم الجميع بين الذكر ~~والانثيين وأما مع حصول القبض ففيه نزاع وقد روى أن سعد بن عبادة قسم ماله ~~بين أولاده فلما مات ولد له حمل فأمر أبو بكر وعمر أن يعطى الحمل نصيبه من ~~الميراث فلهذا ينبغى أن يفعل بهذا كذلك فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( ~~اتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم ( وقال ( إني لا أشهد على جور ( لمن أراد ~~تخصيص بعض أولاده بالعطية وعلى البنات أن يتقين الله ويعطين الابن حقه ~~PageV31P276 # وقول النبى للذى خصص بعض أولاده ( أشهد على هذا غيرى ( تهديدا له فانه ~~قال ( أردده ( وقد رده ذلك الرجل وأما إذا وصى لهن بعد موته فهي غير لازمة ~~باتفاق العلماء والصحيح من قولى العلماء أن هذا الذى خص بناته بالعطية دون ~~حمله يجب عليه أن يرد ذلك في حياته كما أمر النبى صلى الله عليه وسلم وأن ~~مات ولم يرده رد بعد موته على أصح القولين أيضا طاعة لله ولرسوله واتباعا ~~للعدل الذى أمر به واقتداء بأبي بكر وعمر رضى الله عنهما ولا يحل للذى فضل ~~أن يأخذ الفضل بل عليه أن يقاسم اخوته في جميع المال بالعدل الذى أمر الله ~~به والله سبحانه وتعالى أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل له جارية فأذن لولده أن يستمتع بالجارية المذكورة ويطأها ولم يصدر ~~منه تمليك له بالجارية ولا هبة ولا غير ذلك وان الجارية حصل لها ولد من ولد ~~مالك الجارية المذكورة فهل يكون الاذن في الاستمتاع والوطىء تمليكا للولد ~~وهل يكون الولد حرا وتكون الجارية أم ولد لولد مالك الجارية فيحرم بيعها ~~للمالك والد الصبى الآذن لولده في استمتاعها ووطئها ### ||||| الجواب # الحمد لله هذه المسألة تبنى على أصلين أحدهما صفة العقود ومذهب ~~مالك وأحمد في المشهور من مذهبه وغيرهما أن البيع والهبة والاجارة لا تفتقر ~~إلى صيغة بل يثبت ذلك PageV31P277 بالمعاطاة فما عدة الناس بيعا أو هبة أو ~~اجارة فهو كذلك ومذهب ms9017 الشافعى المشهور اعتبار الصيغة الا في مواضع مستثناة ~~وحيث كان ذلك بالصيغة فليس لذلك عند الجمهور صيغة محدودة في الشرع بل ~~المرجع في الصيغة المفيدة لذلك إلى عرف الخطاب وهذا مذهب الجمهور ولذلك ~~صححوا الهبة بمثل قوله أعمرتك هذه الدار وأطعمتك هذا الطعام وحملتك على هذه ~~الدابة ونحو ذلك مما يفهم منه أهل الخطاب به الهبة وتجهيز المرأة بجهازها ~~إلى بيت زوجها تمليك كما أفتى به أصحاب أبى حنيفة وأحمد وغيرهما # وذلك أن الله ذكر البيع والاجارة والعطية مطلقا في كتابه ليس لها حد في ~~اللغة ولا الشرع فيرجع فيها إلى العرف والمقصود بالخطاب إفهام المعانى فأى ~~لفظ دل عليه مقصود العقد انعقد به وعلى هذا قاعدة الناس إذا اشترى أحد ~~لابنه أمة وقال خذها لك استمتع بها ونحو ذلك كان هذا تمليكا عندهم # وأيضا فمن كان يعلم أن الأمة لا توطأ إلا بملك إذا أذن لابنه في ~~الاستمتاع بها لا يكون مقصوده الا تمليكها فان كان قد حصل ما يدل على ~~التمليك على قول جمهور العلماء وهو أصح قوليهم كان الابن واطئا في ملكه ~~وولده حر لاحق النسب والامة أم ولد له لاتباع ولا توهب ولا تورث # وأما ان قدر أن الأب لم يصدر منه تمليك بحال واعتقد الابن أنه قد ملكها ~~كان ولده أيضا حرا ونسبه لاحق ولاحد عليه # وإن PageV31P278 اعتقد الابن أيضا أنه لم يملكها ولكن وطئها بالاذن فهذا ~~ينبنى على ( الأصل الثانى ( # فإن العلماء اختلفوا فيمن وطىء أمة غيره بإذنه قال مالك يملكها بالقيمة ~~حبلت أو لم تحبل وقال الثلاثة لا يملكها بذلك فعلى قول مالك هي أيضا ملك ~~للولد وأم ولد له وولده حر وعلى قول الثلاثة الأمة لا تصير أم ولد لكن ~~الولد هل يصير حرا مثل أن يطأ جارية امرأته بإذنها فيه عن أحمد روايتان ( ~~أحداهما ( لا يكون حرا وهذا مذهب أبى حنيفة وإن ظن أنها حلال له ( الثانى ( ~~أن الولد يكون حرا وهذا هو الصحيح إذا ظن الواطىء أنها حلال فهو المنصوص ms9018 عن ~~الشافعى وأحمد في المرتهن # فإذا وطىء الأمة المرهونة بأذن الراهن وظن أن ذلك جائز فان ولده ينعقد ~~حرا لأجل الشبهة فإن شبه الإعتقاد أو الملك يسقط الحد باتفاق الأئمة فكذلك ~~يؤثر في حرية الولد ونسبه كما لو وطئها في نكاح فاسد أو ملك فاسد فان الولد ~~يكون حرا باتفاق الأئمة وأبو حنيفة يخالفهما في هذا ويقول الولد مملوك وأما ~~مالك فعنده أن الواطىء قد ملك الجارية بالوطء المأذون فيه وهل على هذا ~~الواطىء بالاذن قيمة الولد فيه قولان للشافعى # ( أحدهما ( وهو المنصوص عن أحمد أنه لا تلزمه قيمته لانه وطىء باذن ~~المالك فهو كما لو أتلف ماله بإذنه ( والثانى ( تلزمه قيمته وهو قول بعض ~~PageV31P279 أصحاب أحمد ومن أصحاب الشافعى من زعم أن هذا مذهبه قولا واحدا ~~وأما المهر فلا يلزمه في مذهب أحمد ومالك وغيرهما وللشافعى فيه قولان ( ~~أحدهما ( يلزمه كما هو مذهب أبى حنيفة وكل موضع لا تصير الأمة أم ولد فانه ~~يجوز بيعها ### |||| ( وسئل ( # عن امرأة تصدقت على ولدها في حال صحتها وسلامتها بحصة من كل ما يحتمل ~~القسمة من مدة تزيد على عشر سنين وماتت المتصدقة ثم تصدق المتصدق عليه ~~بجميع ما تصدقت به والدته عليه على ولده في حياته وثبت ذلك جميعه بعد وفاة ~~المتصدقة الأولى عند بعض القضاة وحكم به فهل لبقية الورثة أن تبطل ذلك بحكم ~~استمراره بالسكنى بعد تسليمه لولدها المتصدق عليه أم لا ### ||||| فأجاب رحمه الله # إذا كانت هذه الصدقة لم تخرج عن يد المتصدق حتى مات بطلت ~~باتفاق الأئمة في أقوالهم المشهورة وإذا أثبت الحاكم ذلك لم يكن اثباته ~~لذلك العقد موجبا لصحته وأما الحكم بصحته وله ورثة والحالة هذه فلا يفعل ~~ذلك حاكم عالم الا أن تكون القضية ليست على هذه الصفة فلا يكون حينئذ حاكما ~~وإما أن تكون الصدقة قد أخرجها المتصدق PageV31P280 عن يده إلى من تصدق ~~عليه وسلمها التسليم الشرعى فهذه مسألة معروفة عند العلماء فان لم يكن ~~المعطى أعطى بقية الأولاد مثل ذلك والا وجب عليه ms9019 أن يرد ذلك أو يعطى ~~الباقين مثل ذلك لما ثبت في الصحيح عن النعمان بن بشير قال نحلنى أبى غلاما ~~فقالت أمى عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله فأتيت النبى صلى الله ~~عليه وسلم وقلت إنى نحلت إبنى غلاما وأن أمه قالت لا أرضى حتى تشهد رسول ~~الله قال ( لك ولد غيره ( قلت نعم قال ( فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته ( قلت ~~لا قال ( أشهد على هذا غيرى ( وفى رواية ( لا تشهدنى فانى لا أشهد على جور ~~واتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم أردده ( فرده والله أعلم ) ### |||| ( وسئل ( # عن دار لرجل وأنه تصدق منها بالنصف والربع على ولده لصلبه والباقى وهو ~~الربع تصدق به على أخته شقيقته ثم بعد ذلك توفى ولده الذى كان تصدق عليه ~~بالنصف والربع ثم إن المتصدق تصدق بجميع الدار على ابنته فهل تصح الصدقة ~~الأخيرة ويبطل ما تصدق به أم لا ### ||||| فأجاب # إذا كان قد ملك أخته الربع تمليكا مقبوضا وملك ابنه الثلاثة أرباع ~~فملك الأخت ينتقل إلى ورثتها لا إلى البنت وليس للمالك أن ينقله إلى ابنته ~~والله أعلم PageV31P281 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة ماتت ولها أب وأم وزوج وهى رشيدة وقد أخذ أبوها القماش ولم يعط ~~الورثة شيئا ### ||||| فأجاب # لا يقبل منه ذلك بل ما كان في يدها من المال فهو لها ينتقل إلى ~~ورثتها وان كان هو اشتراه وجهزها به على الوجه المعتاد في الجهاز فهو تمليك ~~لها فليس له الرجوع بعد موتها ### |||| ( وسئل ( # هل لمن أهدى كلب صيد فأهدى للمهدى عوضا هل له أكل هذه الهدية ### ||||| فأجاب # إذا أعطى الكلب المعلم ولم يكن من نيته أن يأخذ عوضا ولا قصد ~~بالهدية الثواب بل إكراما للمهدى إليه ثم أن المهدى إليه أعطاه شيئا فلا ~~بأس PageV31P282 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عما إذا وهب لانسان شيئا ثم رجع فيه هل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله في السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ليس ~~لواهب أن يرجع في ms9020 هبته الا الوالد فيما وهبه لولده ( وهذا مذهب الشافعى ~~ومالك وأحمد وغيرهم إلا أن يكون المقصود بالهبة المعاوضة مثل من يعطى رجلا ~~عطية ليعاوضه عليها أو يقضى له حاجة فهذا إذا لم يوف بالشرط المعروف لفظا ~~أو عرفا فله أن يرجع في هبته أو قدرها والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن الرجل يهب الرجل شيئا إما ابتداء أو يكون دينا عليه ثم يحصل ~~بينهما شنئان فيرجع في هبته فهل له ذلك وإذا أنكر الهبة وحلف الموهوب له ~~أنه لا يستحق الواهب في ذمته شيئا هل يحنث أم لا PageV31P283 ### ||||| فأجاب # الحمد ~~لله ليس لواهب أن يرجع في هبته غير الوالد إلا أن تكون الهبة على جهة ~~المعاوضة لفظا أو عرفا فإذا كانت لأجل عوض ولم يحصل فللواهب الرجوع فيها ~~والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عمن وهب لابنه هبة ثم تصرف فيها وادعى أنها ملكه فهل يتضمن هذا الرجوع في ~~الهبة أم لا ### ||||| فأجاب # نعم يتضمن ذلك الرجوع والله أعلم ### |||| وسئل ( # عن رجل وهب لانسان فرسا ثم بعد ذلك بمدة طلب الواهب منه أجرتها فقال له ~~ما أقدر على شيء والافرسك خذها قال الواهب ما آخذها إلا أن تعطينى أجرتها ~~فهل يجوز ذلك وتجوز له اجرة أم لا ### ||||| فأجاب # إذا أعاد إليه العين الموهوبة فلاشىء له غير ذلك وليس له المطالبة ~~بأجرتها ولا مطالبته بالضمان فانه كان ضامنا لها وكان يطعمها بانتفاعه بها ~~مقابلة لذلك PageV31P284 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل قدم لأمير مملوكا على سبيل التعويض المعروف بين الناس من غير ~~مبايعة فمكث الغلام عند الأمير مدة سنة يخدمه ثم مات الأمير فهل لصاحب ~~المملوك التعلق على ورثة الأمير بوجه بثمن أو أجرة خدمة أو بحال من الأحوال ### ||||| فأجاب # نعم إذا وهبه بشرط الثواب لفظا أو عرفا فله أن يرجع في الموهوب ما ~~لم يحصل له الثواب الذى استحقه إذا كان الموهوب باقيا وإن كان تالفا فله ~~قيمته أو الثواب والثواب هنا هو العوض المشروط على الموهوب ### |||| ( وسئل ( # عن رجل أهدى الأمير هدية لطلب حاجة أو ms9021 التقرب أو للاشتغال بالخدمة عنده ~~أو ما أشبه ذلك فهل يجوز أخذ هذه الهدية على هذه الصورة أم لا وإن أخذ ~~الهدية أنبعثت النفس إلى قضاء الشغل وإن لم يأخذ لم تنبعث النفس في قضاء ~~الشعل فهل يجوز أخذها وقضاء شغله أولا يأخذ ولا يقضى PageV31P285 ورجل ~~مسموع القول عند مخدومه إذا أعطوه شيئا للأكل أو هدية لغير قضاء حاجة فهل ~~يجوز أخذها وأن ردها على المهدى إنكسر خاطره فهل يحل أخذ هذا أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله في سنن أبى داود وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( من شفع لأخيه شفاعة فاهدى له هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من ~~أبواب الربا ( وسئل بن مسعود عن السحت فقال هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدى ~~لك هدية فتقبلها فقال له أرأيت إن كانت هدية في باطل فقال ذلك كفر ( ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون ( # ولهذا قال العلماء إن من أهدى هدية لولى أمر ليفعل معه ما لا يجوز كان ~~حراما على المهدى والمهدى إليه وهذه من الرشوة التى قال فيها النبى ( لعن ~~الله الراشى والمرتشى ( والرشوة تسمى ( البرطيل ( والبرطيل ( في اللغة هو ~~الحجر المستطيل فاه فاما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه ~~الواجب كانت هذه الهدية حراما على الآخذ وجاز للدافع أن يدفعها إليه كما ~~كان النبى يقول ( انى لأعطى أحدهم العطية فيخرج بها يتابطها نارا ( قيل يا ~~رسول الله فلم تعطيهم قال ( يأبون إلا أن يسألونى ويأبى الله لى البخل ( # ومثل ذلك اعطاء من أعتق وكتم عتقه أو أسر خبرا أو كان ظالما للناس فاعطاء ~~هؤلاء جائز للمعطى حرام عليهم أخذه # وأما الهدية في الشفاعة PageV31P286 مثل أن يشفع لرجل عند ولي أمر ليرفع ~~عنه مظلمة أو يوصل إليه حقه أو يوليه ولاية يستحقها أو يستخدمه في الجند ~~المقاتلة وهو مستحق لذلك أو يعطيه من المال الموقوف على الفقراء أو الفقهاء ~~أو القراء أو النساك أو غيرهم وهو من أهل ms9022 الاستحقاق ونحو هذه الشفاعة التى ~~فيها إعانة على فعل واجب أو ترك محرم فهذه أيضا لا يجوز فيها قبول الهدية ~~ويجوز للمهدى أن يبذل في ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقه أو دفع الظلم عنه هذا ~~هو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر # وقد رخص بعض المتأخرين من الفقهاء في ذلك وجعل هذا من ( باب الجعالة ( ~~وهذا مخالف للسنة وأقوال الصحابة والأئمة فهو غلط لأن مثل هذا العمل هو من ~~المصالح العامة التى يكون القيام بها فرضا أما على الأعيان وأما على ~~الكفاية ومتى شرع أخذ الجعل على مثل هذا لزم أن تكون الولاية وإعطاء أموال ~~الفيء والصدقات وغيرها لمن يبذل في ذلك ولزم أن يكون كف الظلم عمن يبذل في ~~ذلك والذى لا يبذل لا يولى ولا يعطى ولا يكف عنه الظلم وأن كان أحق وأنفع ~~للمسلمين من هذا والمنفعة في هذا ليست لهذا الباذل حتى يؤخذ منه الجعل على ~~الآبق والشارد وإنما المنفعة لعموم الناس أعنى المسلمين فإنه يجب أن يولى ~~في كل مرتبة أصلح من يقدر عليها وإن يرزق من رزق المقاتلة والأئمة ~~والمؤذنين وأهل العلم الذين هم أحق الناس وأنفعهم للمسلمين وهذا واجب على ~~الامام وعلى الامة أن يعاونوه على ذلك فأخذ جعل من شخص معين على ذلك يفضى ~~إلى أن تطلب هذه PageV31P287 لأمور بالعوض ونفس طلب الولايات منهى عنه فكيف ~~بالعوض ولزم أن من كان ممكنا فيها يولى ويعطى وأن كان غيره أحق وأولى بل ~~يلزم تولية الجاهل والفاسق والفاجر وترك العالم العادل القادر وإن يرزق في ~~ديوان المقاتلة الفاسق والجبان العاجز عن القتال وترك العدل الشجاع النافع ~~للمسلمين وفساد مثل هذا كثير # وإذا أخذ وشفع لمن لا يستحق وغيره أولى فليس له أن يأخذ ولا يشفع وتركهما ~~خير وإذا أخذ وشفع لمن هو الأحق الأولى وترك من لا يستحق فحينئذ ترك ~~الشفاعة والأخذ أضر من الشفاعة لمن لا يستحق ويقال لهذا الشافع الذى له ~~الحاجة التى تقبل بها الشفاعة يجب عليك أن تكون ناصحالله ms9023 ورسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم ولو لم يكن لك هذا الجاه والمال فكيف إذا كان لك هذا ~~الجاه والمال فأنت عليك أن تنصح المشفوع إليه فتبين له من يستحق الولاية ~~والاستخدام والعطاء ومن لا يستحق ذلك وتنصح للمسلمين بفعل مثل ذلك وتنصح ~~لله ولرسوله بطاعته فإن هذا من أعظم طاعته وتنفع هذا المستحق بمعاونته على ~~ذلك كما عليك أن تصلى وتصوم وتجاهد في سبيل الله # وأما الرجل المسموع الكلام فإذا أكل قدرا زائدا عن الضيافة الشرعية فلابد ~~له أن يكافئ المطعم بمثل ذلك أو لا يأكل القدر الزائد والا فقبوله الضيافة ~~الزائدة مثل قبوله للهدية وهو من جنس الشاهد والشافع إذا أدى الشهادة وقام ~~بالشفاعة لضيافة أو جعل فإن هذا من أسباب الفساد والله أعلم PageV31P288 ( ### |||| وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل قدم لبعض الأكابر غلاما والعادة جارية أنه إذا قدم يعطى ثمنه أو ~~نظير الثمن فلم يعط شيئا وتزوج وجاءه أولاد وتوفى فهل أولاده أحرار أم لا ~~وهل يرث أولاد مالك الأصل صاحب العهدة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كانت العادة الجارية بالتعويض وأعطاه على هذا الشرط ~~فإنه يستحق أحد الأمرين إما التعويض وإما الرجوع في الموهوب وأما المملوك ~~فإنه إذا لم يعتقه الموهوب له فانه يكون باقيا على ملكه # وأما أولاده فيتبعون أمهم فإن كانت حرة فهم أحرار وإن كانت مملوكة فهم ~~ملك لمالكها لا لمالك الأب إذ الأولاد في المذاهب الأربعة وغيرها يتبعون ~~أمهم في الحرية والرق ويتبعون أباهم في النسب والولاء وإذا لم يرجع الواهب ~~حتى فات الرجوع فله أن يطالب الموهوب له بالتعويض إن كان حيا وفى تركته إن ~~كان ميتا كسائر الديون وإن كان قد عتق وله أولاد من حرة فهم أحرار ~~PageV31P289 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل اشترى عبدا ووهبه شيئا حتى أثرى العبد ثم ظهر أن العبد كان حرا ~~فهل يأخذ منه ما وهبه ظنا منه أنه عبد ### ||||| فأجاب # نعم له أخذه ### |||| ( وسئل ( # عن رجل طلق زوجته وسألها الصلح فصالحها وكتب لها دينارين ms9024 فقال لها هبينى ~~الدينار الواحد فوهبته ثم طلقها فهل لها الرجوع في الهبة والحال هذه ### ||||| فأجاب # نعم لها أن ترجع فيما وهبته والحال هذه فإنه سألها الهبة وطلقها مع ~~ذلك وهى لم تطلب نفسها أن يأخذ مالها بسؤالها ويطلقها والله أعلم ~~PageV31P290 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل وهب لزوجته ألف درهم وكتب عليه بها حجة ولم يقبضها شيئا وماتت وقد ~~طالبه ورثتها بالمبلغ فهل له أن يرجع في الهبة ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا لم يكن لها في ذمته شيء قبل ذلك لا هذا المبلغ ولا ~~ما يصلح أن يكون هذا المبلغ عوضا عنه مثل أن يكون قد أخذ بعض جهازها ~~وصالحها عن قيمته بهذا المبلغ ونحو ذلك فانه لا يستحق ورثتها شيئا من هذا ~~الدين في نفس الأمر فإن كان إقرارا فله أن يحلفهم أنهم لا يعلمون أن باطن ~~هذا الاقرار يخالف ظاهره وإذا قامت بينة على المقر والمقر له بأن هذا ~~الاقرار تلجئة فلا حقيقة له ولو كان قيمة ما أقر به من مالها أقل من هذا ~~المبلغ فصالحها على أكثر من قيمته ففى لزوم هذه الزيادة نزاع بين العلماء ~~تبطله طوائف من أصحاب الشافعى وأحمد ويصححه أبو حنيفة وهو قياس قول أحمد ~~وغيره وهو الصحيح والله أعلم PageV31P291 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل عليه دين وله مال يستغرقه الدين ويفضل عليه من الدين وأوهب في مرض ~~موته لمملوك معتوق من ذلك المال فهل لأهل الدين استرجاعه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد الله نعم إذا كان عليه دين مستغرق لماله فليس له في مرض ~~الموت أن يتبرع لأحد بهبة لا محاباة ولاإبراء من دين إلا بإجازة الغرماء بل ~~ليس للورثة حق إلا بعد وفاء الدين وهذا باتفاق المسلمين كما أن النبى قضى ~~بالدين قبل الوصية والتبرع في مرض الموت كالوصية باتفاق الأئمة الأربعة ### |||| ( وسئل ( # عن رجل مات وخلف ولدين ذكرين وبنتا وزوجة وقسم عليهم الميراث ثم ~~إن لهم أختا بالمشرق فلما قدمت تطلب ميراثها فوجدت الولدين ماتا والزوجة ~~أيضا ووجدت ms9025 الموجود عند أختها فلما ادعت عليها وألزمت بذلك فخافت من ~~القطيعة بينهما فأشهدت على نفسها بأنها أبرأتها PageV31P292 فلما حصل ~~الابراء منها حلف زوجها بالطلاق أن أختها لا تجيء إليها ولا هي تروح لها ~~والمذكورة لم تهبها المال إلا لتحصيل الصلة والمودة بينهما ولم يحصل غرضها ~~فهل لها الرجوع في الهبة وهل يمنع الابراء أن تدعى بذلك وتطلب أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إذا كانت قد قالت عند الهبة أنا أهب أختى ~~لتعيننى على أمورى ونتعاون أنا وهى في بلاد الغربة أو قالت لها أختها هبينى ~~هذا الميراث قالت ما أوهبك إلا لتخدمينى في بلاد الغربة ثم أوهبتها أو جرى ~~بينهما من الاتفاق ما يشبه ذلك بحيث وهبتها لأجل منفعة تحصل لها منها فإذا ~~لم يحصل لها الغرض فلها أن تفسخ الهبة وترجع فيها فالعوض في مثل هذه الهبة ~~فيه قولان في مذهب أحمد وغيره قيل إن منفعته تكون بقدر قيمة ذلك والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن إمرأة لها زوج ولها عليه صداق فلما حضرتها الوفاة أحضرت شاهد عدل ~~وجماعة نسوة وأشهدت على نفسها أنها أبرأته من الصداق فهل يصح هذا الإبراء ~~أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كان الصداق ثابتا عليه إلى أن مرضت مرض الموت لم يصح ~~ذلك الا باجازة الورثة الباقين وأما إن كانت أبرأته في الصحة PageV31P293 ~~جاز ذلك وثبت بشاهد ويمين عند مالك والشافعى وأحمد وثبت أيضا بشهادة ~~امرأتين ويمين عند مالك وقول في مذهب أحمد وإن أقرت في مرضها أنها أبرأته ~~في الصحة لم يقبل هذا الاقرار عند أبى حنيفة وأحمد وغيرهما ويقبل عند ~~الشافعى وقد قال النبى ( إن الله قد أعطى كل ذى حظ حظه فلا وصية لوارث ) ~~وليس للمريض أن يخص الوارث بأكثر مما أعطاه الله ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل خص بعض الأولاد على بعض ### ||||| فأجاب # ليس له في حال مرضه أن يخص أحدا منهم بأكثر من قدر ميراثه باتفاق ~~المسلمين وإذا فعل ذلك فلباقى الورثة رده وأخذ حقوقهم بل لو فعل ms9026 ذلك في ~~صحته لم يجز ذلك في أصح قولى العلماء بل عليه أن يرده كما أمر النبى صلى ~~الله عليه وسلم أن يرده حيا وميتا ويرده المخصص بعد موته PageV31P294 ( ### |||| وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل أعطى بعض أولاده شيئا ولم يعط الآخر لكون الأول طائعا له فهل له ~~بر من أطاعه وحرمان من عصاه وحلف الذى لم يعطه بالطلاق أنه لا يكلم أباه إن ~~لم يواسيه فهل له مخرج وهل اليمين بالطلاق تجرى مجرى الايمان أم لا ### ||||| فأجاب # على الرجل أن يعدل بين أولاده كما أمر الله ورسوله فقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبى أنه قال لبشير بن سعد لما نحل ابنه النعمان نحلا وأتى ~~النبى صلى الله عليه وسلم ليشهده على ذلك فقال له ( اتقوا الله واعدلوا بين ~~أولادكم ( وقال ( لا تشهدنى على هذا فإني لا أشهد على جور ( وقال له ( ~~أردده ( فرده بشير وقال له على سبيل التهديد ( أشهد على هذا غيرى ( # لكن إذا خص أحدهما بسبب شرعى مثل أن يكون محتاجا مطيعا لله والآخر غنى ~~عاص يستعين بالمال على المعصية فإذا أعطى من أمر الله بإعطائه ومنع من أمر ~~الله بمنعه فقد أحسن PageV31P295 وأما الذى حلف أنه لا يكلم أباه فأيما ~~يمين من أيمان المسلمين حلف بها الرجل فعليه إذا حنث كفارة يمين وأى يمين ~~حلف عليها ورأى الحنث خيرا من الاصرار عليها فإنه يكفر عن يمينه ويحنث كما ~~دل عليه الكتاب والسنة وسواء حلف باسم الله أو بالنذر أو بالطلاق أو العتاق ~~أو الظهار أو الحرام كقوله أن فعلت كذا فمالى صدقة وعلى عشر حجج وعلى صوم ~~سنة ونسائى طوالق وعبيدى أحرار ونحو ذلك فكل ما كان من أيمان المسلمين ~~أجزأت فيه كفارة # وما لم يكن من أيمان المسلمين كالحلف بالكعبة والمشايخ والملوك والآباء ~~فإنها أيمان محرمة غير منعقدة ولا حرمة لها وليس في شرع الله ورسوله إلا ~~يمينان يمين منعقدة ففيها الكفارة ويمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث ~~ومن أثبت من العلماء يمينا ms9027 منعقدة غير مكفرة فقوله ضعيف مخالف للكتاب ~~والسنة وأقوال الصحابة والقياس الجلى والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل له أولاد ذكور وأناث فنحل البنات دون الذكور قبل وفاته فهل يبقى ~~في ذمته شيء أم لا PageV31P296 ### ||||| فأجاب # لا يحل له أن ينحل بعض أولاده دون بعض بل عليه أن يعدل بينهم كما ~~أمر النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ( ~~وكان رجل قد نحل بعض أولاده وطلب أن يشهد فقال ( إني لا أشهد على جور وامره ~~برد ذلك ( فإن كان ذلك بالكلام ولم يسلم إلى البنات ما أعطاهم حتى مات أو ~~مرض مرض الموت فهذا مردود باتفاق الأئمة وإن كان فيه خلاف شاذ وإن كان قد ~~أقبضهم في الصحة ففى رده قولان للعلماء والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل ترك أولادا ذكورا وإناثا وتزوج الاناث قبل موت أبيهم ~~فأخذوا الجهاز جملة كثيرة ثم لما مات الرجل لم يرث الذكور الا شيئا يسيرا ~~فهل على البنات أن يتحاصوا هم والذكور في الميراث والذى معهم أو لا ### ||||| فأجاب # يجب على الرجل أن يسوى بين أولاده في العطية ولا يجوز أن يفضل بعضا ~~على بعض كما أمر النبى بذلك حيث نهى عن الجور في التفضيل وأمر برده فإن فعل ~~ومات قبل العدل كان الواجب على من فضل أن يتبع العدل بين إخوته فيقتسمون ~~جميع المال الاول والآخر على كتاب الله تعالى ( للذكر مثل حظ الأنثيين ( ~~والله أعلم PageV31P297 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل وهب لأولاده مماليك ثم قصد عتقهم فهل الأفضل استرجاعهم منهم ~~وعتقهم أو ابقاؤهم في يد الأولاد ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كان أولاده محتاجين إلى المماليك فتركهم لأولاده أفضل ~~من استرجاعهم وعتقهم بل صلة ذى الرحم المحتاج أفضل من العتق كما ثبت في ~~الصحيح أن ميمونة زوج النبى اعتقت جارية لها فذ كرت ذلك للنبى فقال ( لو ~~أعطيتها أخوالك كان خيرا لك ( فإذا كان النبى قد فضل اعطاء الخال على العتق ~~فكيف الأولاد المحتاجون وأما إن كان الأولاد مستعنين ms9028 عن بعضهم فعتقه حسن ~~وله أن يرجع في هذه الهبة عند الشافعى وأحمد وغيرهما ولا يرجع فيها عند أبى ~~حنيفة والله أعلم PageV31P298 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل توفيت زوجته وخلفت أولادا وموجودا تحت يده وليس له قدرة أن يتزوج ~~فهل له أن يشترى من موجود الأولاد جارية تخدمهم ويطؤها ويتزوج من ما لهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا لم يكن ذلك مضرا بأولاده فله أن يتملك من ما لهم ما ~~يشترى به أمة يطؤها وتخدمهم والله أعلم ### |||| وسئل ( # عن امرأة أعطاها زوجها حقوقها في حال حياته ولها منه أولاد وأعطاها مبلغا ~~عن صداقها لتنفع به نفسها وأولادها فإن أدعى عليها أحد وأراد أن يحلفها فهل ~~يجوز لها أن تحلف لنفى الظلم عنها ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا وهب لأولاده منها ما وهبه وقبض ذلك ولم يكن فيه ظلم ~~لأحد كان ذلك هبة صحيحة ولم يكن لأحد أن ينتزعه PageV31P299 منها وإذا كان ~~قد جعل نصيب الأولاد اليها حيا وميتا وهى أهل لم يكن لأحد نزعه منها وإذا ~~حلفت تحلف أن عندها للميت شيء والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل تصدق على ولده بصدقة ونزلها في كتاب زوجته وقد ضعف حال الوالد ~~وجفاه ولده فهل له الرجوع في هبته أم لا ### ||||| فأجاب # إذا كان قد أعطاه للمرأة في صداق زوجته لم يكن للإنسان أن يرجع فيه ~~باتفاق العلماء ### |||| ( وسئل ( # عن رجل أعطى أولاده الكبار شيئا ثم أعطى لأولاده الصغار نظيره ثم أنه قال ~~اشتروا بالريع ملكا أو قفوه على الجميع بعد أن قبضوا ما أعطاهم فهل يكون ~~ذلك رجوعا أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يزول ملك الولدين المملكين بما ذكر إذ ليس ذلك رجوعا ~~في الهبة ولو كان رجوعا في الهبة لم يجز له الرجوع في مثل هذه الهبة فإنه ~~إذا أعطى الولدين الآخرين ما عدل به بينهما وبين PageV31P300 الباقين فليس ~~له أن يرجع عن العدل الذى أمره الله به ورسوله كيف وقد قال النبى ( اتقوا ~~الله وأعدلوا في أولادكم ( وقال ( إنى لا ms9029 أشهد على جور ( وقال في التفضيل ( ~~أردده ( وقال على سبيل التهديد للمفضل ( أشهد على هذا غيرى ( والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل ملك بنته ملكا ثم ماتت وخلفت والدها وولدها فهل يجوز للرجل أن ~~يرجع فيما كتبه لبنته أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ما ملكته البنت ملكا تاما مقبوضا وماتت ~~انتقل إلى ورثتها فلأبيها السدس والباقى لابنها إذا لم يكن لها وارث وليس ~~له الرجوع بعد موت البنت فيما ملكها بالاتفاق ) ### |||| ( وسئل ( # عن رجل وهب لابنته مصاغا لم يتعلق به حق لأحد وحلف بالطلاق أن لا يأخذ ~~منها شيئا منه واحتاج أن يأخذ منها شيئا فهل له أن يرجع في هبته أم لا وإن ~~أعطته شيئا من طيب نفسها هل يحنث أم لا PageV31P301 ### ||||| فأجاب # الحمد لله له أن يرجع فيما وهبه لها لكنه أن فعل المحلوف عليه حنث ~~فان كان قصده أن لا يأخذ شيئا بغير طيب قلبها أو بغير إذنها فإن طابت نفسها ~~أو أذنت لم يحنث ### |||| ( وسئل ( # عن رجل له أولاد وهب لهم ماله ووهب أحدهم نصيبه لولده وقد رجع ~~الوالد الأول فيما وهبه لأولاده فردوا عليه إلا الذى وهبه لولده امتنع فهل ~~يلزمه أن ينتزعه من ولده ويسلمه لوالده ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان قد وهب لولده شيئا ولم يتعلق به حق الغير مثل أن ~~يكون قد صار عليه دين أو زوجوه لأجل ذلك فله أن يرجع في ذلك والله أعلم ### |||| وسئل ( # عن رجل ماتت والدته وخلفته ووالده وكريمته ثم ماتت كريمته فأراد والده أن ~~يزوجه فقال ما أزوجك حتى تملكنى ما ورثته عن والدتك فملكه ذلك وتصدق عليه ~~بالربع بشهود ثم بعد ذلك مرض PageV31P302 والده مرضا غيب عقله فرجع فيما ~~تصدق به على ولده وأوقفها على زوجته وولده وابنته ولم يذكر ولده وانتسخ ~~كتاب الوقف مرتين فهل له أن يخصص أولاده ويخرج ولده من جميع إرث والدته ### ||||| فأجاب # إن كان الأب قد أعطى ابنه شيئا عوضا عما أخذه له فليس له أن يرجع ~~بذلك بلا ms9030 نزاع بين العلماء وأما إن كان تصدق به عليه صدقة لله ففى رجوعه ~~عليه قولان للعلماء ( أحدهما ( لا يرجع و ( الثانى ( يرجع عند مالك ~~والشافعى وأحمد ومتى رجع وعقله غائب أو أوقف وعقله غائب أو عقد عقدا لم يصح ~~رجوعه ولا وقفه إذا كان مغيبا عقله بمرض بلا نزاع بين العلماء ### |||| ( وسئل ( # عن رجل سرق له مبلغ فظن في أحد أولاده أنه هو أخذه ثم صار يدعو ~~عليه وهجره وهو بريء ولم يكن أخذ شيئا فهل يؤجر الولد بدعاء والده عليه ### ||||| فأجاب # نعم إذا كان الولد مظلوما فإن الله يكفر عنه بما يظلمه ويؤجره على ~~صبره ويأثم من يدعو على غيره عدوانا PageV31P303 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل خلف شيئا من الدنيا وتقاسمه أولاده وأعطوا أمهم كتابها وثمنها ~~وبعد قليل وجد الأولاد مع أمهم شيئا يجيء ثلث الوراثة فقالوا من أين لك هذا ~~المال فقالت لما كان أبوكم مريضا طلبت منه شيئا فأعطانى ثلث ماله فأخذوا ~~المال من أمهم وقالوا ما أعطاك أبونا شيئا فهل يجب رد المال إليها ### ||||| فأجاب # ما أعطى المريض في مرض الموت لوراثه فانه لا ينفذ إلا بإجازة ~~الورثة فما أعطاه المريض لامرأته فهو كسائر ماله إلا أن يجيز ذلك باقى ~~الورثة وينبغى للأولاد أن يقروا أمهم ويجيزوا ذلك لها لكن لا يجبرون على ~~ذلك بل تقسم جميع التركة قال ( النبى ( لا وصية لوارث PageV31P304 ### | 1 ( كتاب الوصايا ) ### |||| ( سئل رحمه الله تعالى ( # عمن قال يدفع هذا المال إلى يتامى فلان في مرض موته ولم يعرف أهذا إقرار ~~أو وصية ### ||||| فأجاب # إن كان هناك قرينة تبين مراده هل هو إقرار أو وصية عمل بها وإن لم ~~يعرف فما كان محكوما له به لم يزل عن ملكه بلفظ مجمل بل يجعل وصية ### |||| ( وسئل ( # عن مودع مرض مودعه فقال له أما يعرف ابنك بهذه الوديعة فقال فلان الاسير ~~يجى ما يقدر على شيء يعود عليه وقصد بذلك أن يكون موصدا له ولم يزد على ذلك ~~فإذا خرج من الثلث هل يجوز ms9031 أن يصرفه في مصالح ذلك الأسير PageV31P305 ### ||||| فأجاب # تنعقد الوصية بكل لفظ يدل على ذلك كما إذا فهمت المخاطبة من الموصى ~~ويبقى قبول الوصية في التصرف فيها موقوفا على قبول الموصى له لفظا أو عرفا ~~وعلى إذنه في التصرف فيها على قبول الموصى له لفظا أو عرفا وعلى إذنه في ~~التصرف أو اذن الشارع ويجوز صرف مال الأسير في فكاكه بلا اذنه والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل كتب وصيته وذكر في وصيته أن في ذمته لزوجته مائة درهم ولم تكن ~~زوجته تعلم أن لها في ذمته شيئا فهل يجوز لوصيه بعد موته دفع الدراهم ~~لزوجته بغير يمين إذا كان قد أقر لها من غير استحقاق ### ||||| فأجاب # لا يحل لها أن تأخذ من ذلك شيئا فان هذا يكون وصية لوارث لا يجوز ~~له وصيته بإجماع المسلمين إلا بإجازة بقية الورثة وأما في الحكم فلا تعطى ~~شيئا حتى تصدقه على الاقرار في مرض الموت وإلا كان باطلا عند أكثر العلماء ~~وإذا صدقته على الاقرار فادعى الوصي أو بعض الورثة أن هذا الاقرار من غير ~~استحقاق كما جرت عادة بعض الناس أنه يجعل الانشاء إقرارا فإن ذلك بمنزلة أن ~~يدعى في الاقرار أنه أقر قبل القبض ومثل ذلك قد تنازع العلماء في التحليف ~~عليه والصحيح أنه يحلف والصحيح أنها لا تعطى شيئا حتى تحلف PageV31P306 ( ### |||| وسئل ( # عن امرأة أعتقت جارية دون البلوغ وكتبت لها أموالها ولم تزل تحت يدها إلى ~~حال وفاتها أى السيدة المعتقة وخلفت ورثة فهل يصح تمليكها للجارية أم ~~للورثة انتزاعها أو بعضها ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما مجرد التمليك بدون القبض الشرعى فلا يلزم به عقد ~~الهبة بل للوارث أن ينتزع ذلك وكذلك إن كانت هبة تلجئة بحيث توهب في الظاهر ~~وتقبض مع اتفاق الواهب والموهوب له على أنه ينتزعه منه إذا شاء ونحو ذلك من ~~الحيل التى تجعل طريقا إلى منع الوارث أو الغريم حقوقهم فإذا كان الأمر ~~كذلك كانت أيضا هبة باطلة والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عمن أشهد على أبيه أن ms9032 عنده ثلاثمائة ( في ) حجة عن فلانة فقال ورثتها لا ~~يخرج إلا بثلثها فقال المشهود عليه أمى تبرع بها فما الحكم ### ||||| فأجاب # مجرد هذا الاشهاد لا يوجب أن يكون هذا المال تركة مخلفة يستحق ~~الورثة ثلثيها لاحتمال أن لا يكون من مال المرأة ولاحتمال أن يكون حجة ~~الاسلام الخارجة من صلب التركة والله أعلم PageV31P307 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل تصدق على إبنته لصلبه وأسند وصيته لرجل ( 1 ) فآجره مدة ثلاثين ~~سنة وقد توفى الوصى المذكور ورشد من كان وصية عليها ولم ترض الموصى عليها ~~بعد رشدها بإجارة الوصى وأن الوصى أجر ذلك بغير قيمة المثل فهل تنفسخ ~~الاجارة وتتصرف في ملكها عادة الملاك ### ||||| فأجاب # لها أن تفسخ هذه الاجارة بلا نزاع بين العلماء وإنما النزاع هل تقع ~~باطلة من أصلها أو مضمونة على المؤجر والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل أوصى لأولاده بسهام مختلفة وأشهد عليه عند وفاته بذلك فهل تنفذ ~~هذه الوصية أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لا يجوز للمريض تخصيص بعض أولاده بعطية ~~منجزة ولا وصية بعد الموت ولا أن يقر له بشيء في ذمته وإذا فعل ذلك لم يجز ~~تنفيذه بدون إجازة بقية الورثة وهذا كله باتفاق PageV31P308 المسلمين ولا ~~يجوز لأحد من الشهود أن يشهد على ذلك شهادة يعين بها على الظلم وهذا ~~التخصيص من الكبائر الموجبة للنار حتى قد روى أهل السنن ما يدل على الوعيد ~~الشديد لمن فعل ذلك لأنه كالمتسبب في الشحناء وعدم الاتحاد بين ذريته لا ~~سيما في حقه فإنه يتسبب في عقوقه وعدم بره ) ### |||| ( وسئل ( # عن رجل له زرع ونخل فقال عند موته لأهله أنفقوا من ثلثى على الفقراء ~~والمساكين إلى أن يولد لولدى ولد فيكون لهم فهل تصح هذه الوصية أم لا ### ||||| فأجاب # نعم تصح هذه الوصية فإن الوصية لولد الولد الذين لا يرثون جائزة ~~كما وصى الزبير بن العوام لولد عبد الله بن الزبير والوصية تصح للمعدوم ~~بالمعدوم فيكون الريع للفقراء إلى أن يحدث ولد الولد فيكون لهم والله أعلم ms9033 ### |||| وسئل ( # عن رجل أوصى لأولاده الذكور بتخصيص ملك دون الاناث وأثبته على يد الحاكم ~~قبل وفاته فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # لا يجوز أن يخص بعض أولاده دون بعض في وصيته ولا مرض موته باتفاق ~~العلماء ولا يجوز له على أصح قولى العلماء أن يخص بعضهم بالعطية ~~PageV31P309 في صحته أيضا بل عليه أن يعدل بينهم ويرد الفضل كما أمر النبى ~~بشير بن سعيد حيث قال له ( أردده ( فرده وقال ( إنى لا أشهد على جور ( وقال ~~له على سبيل التهديد ( أشهد على هذا غيرى ( ولا يجوز للولد الذى فضل أن ~~يأخذ الفضل بل عليه أن يرد ذلك في حياة الظالم الجائر وبعد موته كما يرد في ~~حياته في أصح قولى العلماء ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن إمرأة وصت لطفلة تحت نظر أبيها بمبلغ من ثلث مالها ~~وتوفيت الموصية وقبل للطفلة والدها الوصية المذكورة بعد وفاتها وادعى لها ~~عند الحاكم بما وصت الموصية وقامت البينة بوفاتها وعليها بما نسب إليها من ~~الايصاء وعلى والدها بقبول الوصية لابنته وتوقف الحاكم عن الحكم للطفلة بما ~~ثبت لها عنده بالبينة لتعذر حلفها لصغر سنها فهل يحلف والدها أو يوقف الحكم ~~إلى البلوغ ويحلفها أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يحلف والدها لأنه غير مستحق ولا يوقف الحكم إلى ~~بلوغها وحلفها بل يحكم لها بذلك بلا نزاع بين العلماء مالم يثبت معارض بل ~~أبلغ من هذا لو ثبت لصبى أو لمجنون حق على غائب عنه من دين عن مبيع أو بدل ~~قرض أو أرش جناية أو غير ذلك مما لو كان مستحقا بالغا عاقلا يحلف على عدم ~~الابراء أو الاستيفاء في أحد قولى PageV31P310 العلماء ويحكم به للصبى ~~والمجنون ولا يحلف وليه كما قد نص عليه العلماء ولهذا لو ادعى مدع على صبي ~~أو مجنون جناية أو حقا لم يحكم له ولا يحلف الصبى والمجنون وإن كان البالغ ~~العاقل لا يقول إلا بيمين ولها نظائر هذا فيما يشرع فيه اليمين بالاتفاق أو ~~على أحد قولى العلماء فكيف بالوصية التى ms9034 لم يذكر العلماء تحليف الموصى له ~~فيها وإنما أخذ به بعض الناس والوصية تكون للحمل باتفاق العلماء ويستحقها ~~إذا ولد حيا ولم يقل مسلم إنها تؤخر إلى حين بلوغه ولا يحلف والله أعلم ### |||| وسئل ( # عن إمرأة وصت وصايا في حال مرضها ولزوجها ولأخيها بشيء ثم بعد مدة طويلة ~~وضعت ولدا ذكرا وبعد ذلك توفيت فهل يبطل حكم الوصية ### ||||| فأجاب # أما ما زاد على ثلث التركة فهو للوارث والولد اليتيم لا يتبرع بشيء ~~من ماله فأما الزوج الوارث فالوصية له باطلة لأنه وارث وأما الأخ فالوصية ~~له صحيحة لأنه مع الولد ليس بوارث وإن كان عند الوصية وارثا فينظر ما وصت ~~به للأخ والناس فان وسعه الثلث وإلا قسم بينهم على قدر وصاياها PageV31P311 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن إمرأة ماتت ولم يكن لها وارث سوى بن أخت لأم وقد أوصت بصدقة أكثر من ~~الثلث فهل للوصى أن ينفذ ذلك ويعطى ما بقى لابن أختها ### ||||| فأجاب # يعطى الموصى له الثلث وما زاد عن ذلك أن أجازه الوارث جاز وإلا بطل ~~وبن الأخت يرث المال كله عند من يقول بتوريث ذوى الأرحام وهو الوارث في هذه ~~المسألة عندهم وهو مذهب جمهور السلف وأبى حنيفة وأحمد وطوائف من أصحاب ~~الشافعى وهو قول في مذهب مالك إذا فسد بيت المال والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل مات وخلف ستة أولاد ذكور وبن بن وبنت بن ووصى لابن ابنه بمثل نصيب ~~أولاده ولبنت ابنه بثلث ما بقى من الثلث بعد أن كان يعطى بن ابنه نصيبه فكم ~~يكون نصيب كل واحد من أولاده ### ||||| فأجاب # الحمد لله ظاهر مذهب الشافعى وأحمد وأبى حنيفة أن هذه المسألة تصح ~~من ستين لكل بن ثمانية ولصاحب الوصية ثلث ما بقى بعد الثلث اثنى عشر ثلث ~~ذلك أربعة ولها طرق يعمل بها # وجواب هذه المسألة معروف في كتب العلم PageV31P312 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل توفى وله مال كثير وله ولد صغير وأوصى في حال مرضه أن يباع فرسه ~~الفلانى ويعطى ثمنه كله ms9035 لمن يحج عنه حجة الاسلام وبيعت بتسعمائة درهم فأراد ~~الحاكم أن يستأجر انسانا أجنبيا ليحج بهذا المقدار فجاء رجل غيره فقال أنا ~~أحج بأربعمائة فهل يجوز ذلك أو يتعين ما أوصى به ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل يجب إخراج جميع ما أوصى به إن كان يخرج من ثلثه وإن ~~كان لا يخرج من ثلثه لم يجب على الورثة اخراج ما زاد على الثلث إلا أن يكون ~~واجبا عليه بحيث لا يحصل حجة الاسلام والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل خلف أولادا وأوصى لأخته كل يوم بدرهم فأعطيت ذلك حتى نفد المال ~~ولم يبق من التركة إلا عقار مغله كل سنة ستمائة درهم فهل تعطى ذلك أو درهما ~~كما أوصى لها PageV31P313 ### ||||| فاجاب # الحمد لله إذا لم يكن ما بقى متسعا لأن تعطى منه كل يوم درهما ~~ويبقى للورثة درهم فلا تعطى إلا ما يبقى معه للورثة الثلثان لا يزاد على ~~مقدار الثلث شيء إلا بإجازة الورثة المستحقين إذا كان المجيز بالغا رشيدا ~~أهلا للتبرع وإن لم يكن المجيز كذلك أو لم يجز لم تعط شيئا ولو لم يخلف ~~الميت إلا العقار فإنها تعطى من مغله أقل الأمرين من الدرهم الموصى به أو ~~ثلث المغل فإن كان المغل أقل من ثلاثة دراهم كل يوم لم تعط إلا ثلث ذلك فلو ~~كان درهما أعطيت ثلث درهم فقط وان أخذت زيادة على مقدار ثلث المغل استرجع ~~منها ذلك وليس في ذلك نزاع بين العلماء والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن امرأة توفيت وخلفت أباها وعمها أخا أبيها شقيقه وجدتها وكان أبوها قد ~~رشدها قبل أن يزوجها ثم أنها أوصت في مرض موتها لزوجها بالنصف ولعمها ~~بالنصف الآخر ولم توص لأبيها وجدتها بشيء فهل تصح هذه الوصية ### ||||| فأجاب # أما الوصية للعم صحيحة لكن لا ينفذ فيما زاد على الثلث إلا بإجازة ~~والوصية للزوج لا ينفذ شيء منها إلا بإجازة الورثة وإذا لم تجز الورثة بما ~~زاد على الثلث كان للزوج نصف الباقى بعد هذه الوصية التى هي الثلث وللجدة ms9036 ~~السدس وللاب الباقى وهو الثلث PageV31P314 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن إمرأة أوصت قبل موتها بخمسة أيام بأشياء من حج وقرأة وصدقة فهل تنفذ ~~الوصية ### ||||| فأجاب # إذا أوصت بأن يخرج من ثلث مالها ما يصرف في قربة لله وطاعته وجب ~~تنفيذ وصيتها وإن كان في مرض الموت وأما إن كان الموصى به أكثر من الثلث ~~كان الزائد موقوفا فإن أجازه الورثة جاز وإلا بطل وإن وصت بشيء في غير طاعة ~~لم تنفذ وصيتها ### |||| ( وسئل ( # عن رجل أوصى زوجته عند موته أنها لا توهب شيئا من متاع الدنيا لمن يقرأ ~~القرآن ويهدى له وقد ادعى أن في صدره قرآنا يكفيه ولم تكن زوجته تعلم بأنه ~~كان يحفظ القرآن فهل أصاب فيما أوصى وقد قصدت الزوجة الموصى إليها أنها ~~تعطى شيئا لمن يستحقه يستعين به على سبيل الهدية ويقرأ جزءا من القرآن ~~ويهديه لميتها فهل يفسح لها في ذلك PageV31P315 ### ||||| فأجاب # الحمد لله تنفذ وصيته فان أعطاء أجرة لمن يقرأ القرآن ويهديه للميت ~~بدعة لم ينقل عن أحد من السلف وإنما تكلم العلماء فيمن يقرأ لله ويهدى ~~للميت وفيمن يعطى أجرة على تعليم القرآن وجوه فأما الاستئجار على القراءة ~~واهدائها فهذا لم ينقل عن أحد من الأئمة ولا اذن في ذلك فإن القراءة إذا ~~كانت باجرة كانت معاوضة فلا يكون فيها أجر ولا يصل إلى الميت شيء وإنما يصل ~~إليه العمل الصالح والاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة ~~وإنما تكلموا في الاستئجار على التعليم لكن هذه المرأة إذا أرادت نفع زوجها ~~فلتتصدق عنه بما تريد الاستئجار به فان الصدقة تصل إلى الميت باتفاق الأئمة ~~وينفعه الله بها وإن تصدقت بذلك على قوم من قراء القرآن الفقراء ليستغنوا ~~بذلك عن قراءتهم حصل من الأجر بقدر ما أعينوا على القراءة وينفع الله الميت ~~بذلك والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن مسجد لرجل وعليه وقف والوقف عليه حكر وأوصى قبل وفاته أن يخرج من ~~الثلث ويشترى الحكر الذى للوقف فتعذر مشتراه لأن الحكر وقف وله ورثة ms9037 وهم ~~ضعفاء الحال وقد وافقهم الوصى على شيء من الثلث لعمارة المسجد فهل إذا تأخر ~~من الثلث شيء للايتام يتعلق في ذمة الوصى ### ||||| فأجاب # بل على الوصى أن يخرج جميع الثلث كما أوصاه الميت ولا يدع للورثة ~~شيئا ثم إن أمكن شراء الأرض التى عينها الموصى اشتراها ووقفها PageV31P316 ~~وإلا اشترى مكانا آخر ووقف على الجهة التى وصى بها الموصى كما ذكره العلماء ~~فيما إذا قال بيعوا غلامى من زيد وتصدقوا بثمنه فامتنع فلان من شرائه فإنه ~~يباع من غيره ويتصدق بثمنه فالوصية بشراء معين والتصدق به لوقف كالوصية ~~ببيع معين والتصدق بثمنه لأن الموصى له هنا جهة الصدقة والوقف وهى باقية ~~والتعيين إذا فات قام بدله مقامه كما لو أتلف الوقف متلف أو اتلف الموصى به ~~متلف فإن بدلهما يقوم مقامهما في ذلك فيفرق بين الموصى به والموقوف وبين ~~بدل الموصى له والموقوف عليه فإنه لو وصى لزيد لم يكن لغيره ولو وصى أن ~~يعتق عبده المعين أو نذر عتق عبد معين فمات المعين لم يقم غيره مقامه # وتنازع الفقهاء إذا وصى أن يحج عنه فلان بكذا فامتنع ذلك المعين من الحج ~~وكان الحج تطوعا فهل يحج عنه أم لا على قولين هما وجهان في مذهب أحمد وغيره ~~لأن الحج مقصود في نفسه ويقع المعين مقصودا فمن الفقهاء من غلب جانب ~~التعيين ومنهم من قال بل الحج مقصود أيضا كما أن الصدقة والوقف مقصود ~~وتعيين الحج كتعيين الموقوف والمتصدق به فإذا فات التعيين أقيم بدله كما ~~يقام في الصدقة والوقف PageV31P317 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل أوصى في مرضه المتصل بموته بان يباع شراب في حانوت العطر قيمته ~~مائة وخمسون درهما يضاف ذلك إلى ثلاثمائة درهم من ماله وإن يشترى بذلك عقار ~~ويجعل وقفا على مصالح مسجد لإمامه ومؤذنه وزيته وكتب ذلك قبل مرضه ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إذا أوصى أن يباع شيء معين من ماله من عقار ~~أو منقول يضم إلى ثمنه شيء اخر قدره من ماله ويصرف ms9038 ذلك في وقف شرعى جاز ~~واذا كان ذلك يخرج من الثلث اخرج وان لم ترض الورثة وما اعطاه للورثة في ~~مرض موته إن أعطى احدا منهم زيادة على قدر ميراثه لم يجوز الا باجازة ~~الورثة وان أعطى كل انسان شيئا معينا بقدر حقه أو بعض حقه ففيه قولان ~~للعلماء في مذهب أحمد وغيره ( احدهما ) له ذلك وهو مذهب الشافعى ( والثانى ~~) ليس له ذلك وهو مذهب أبى حنيفة وإذا قيل ان له ذلك بحسب ميراث احدهم فان ~~عطية المريض في مرض الموت المخوف بمنزلة وصيته بعد موته في مثل ذلك باتفاق ~~الأئمة والله أعلم PageV31P318 ### ||| ( 2 باب الموصى إليه 2 ( ### |||| ( سئل رحمه الله تعالى ( # عن وصى على أيتام بوكالة شرعية وللأيتام دار فباعها وكيل الوصى من قبل أن ~~ينظرها وقبض الثمن ثم زيد فيها فهل له أن يقبل الزيادة أم لا ### ||||| فأجاب # إن كان الوكيل باعها بثمن المثل وقد رؤيت له صح البيع وإن لم تر له ~~فيه نزاع وإن باعها بدون ثمن المثل فقد فرط في الوصية ويرجع عليه بما فرط ~~فيه أو يفسخ البيع إذا لم يبذل له تمام المثل والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل جليل القدر له تعلقات كثيرة مع الناس وأوصى بأمور فجاء رجل إلى ~~وصيه في حياة الموصى وقال يا فلان جئتك في حياة فلان PageV31P319 الموصى ~~بمال فلى عنده كذا وكذا فذكر الوصى ذلك للموصى فقال الموصى من أدعى بعد ~~موتى على شيئا فحلفه واعطه بلا بينة فهل يجوز أو يجب على الوصى فعل ذلك مع ~~يمين المدعى ### ||||| فأجاب # نعم يجب على الوصى تسليم ما ادعاه هذا المدعى إذا حلف عليه وسواء ~~كان يخرج من الثلث أولا أما إذا كان يخرج من الثلث كان أسوأ الأحوال كما ~~يكون هذا الموصى متبرعا بهذا الاعطاء ولو وصى لمعين إذا فعل فعلا أو وصى ~~لمطلق موصوف فكل من الوصيتين جائز باتفاق الأئمة فانهم لا ينازعون في جواز ~~الوصية بالمجهول ولم يتنازعوا في جواز الاقرار بالمجهول ولهذا لا يقع شبهة ~~لأحد ms9039 في أنه إذا خرج من الثلث وجب تسليمه وإنما قد تقع الشبهة فيما إذا لم ~~يخرج من الثلث والصواب المقطوع به أنه يجب تسليم ذلك من رأس المال لأن ~~الدين مقدم على الوصايا فإن هذا الكلام مفهومه رد اليمين على المدعى والأمر ~~بتسليم ما حلف عليه # لكن رد اليمين هل هو كالاقرار أو كالبينة فيه للعلماء قولان فاذا قيل هو ~~كالاقرار صار هذا اقرار لهذا المدعى غايته أنه أقر بموصوف أو بمجهول وكل من ~~هذين اقرار يصح باتفاق العلماء مع أن هذا الشخص المعين ليس الاقرار له ~~اقرارا بمجهول فانه هو سبب اللفظ العام وسبب اللفظ العام مراد فيه قطعا ~~كانه قال هذا الشخص المعين أن حلف على ما ادعاه فاعطوه إياه ومثل هذه الصفة ~~جائزة باتفاق العلماء واجب تنفيذها وإن PageV31P320 قيل أن الرد كالبينة ~~صار حلف المدعى مع نكول المدعى عليه بينة ويصير المدعى قد أقام بينة على ما ~~ادعاه ومثل هذا يجب تسليم ما ادعاه إليه بلا ريب هذا على أصل من لا يقضى ~~برد اليمين على المدعى كمالك والشافعى واحد القولين في مذهب الامام أحمد # وأما عند من يقضى بالنكول كأبى حنيفة وأحمد في أشهر الروايتين عنه فالأمر ~~عنده أوكد فانه إذا رضى الخصمان فحلف المدعى كان جائزا عندهم وكان من ~~النكول أيضا فالرجل الذى قد علم أن بينه وبين الناس معاملات متعددة منها ما ~~هو بغير بينة وعليه حقوق قد لا يعلم أربابها ولا مقدارها لا تكون مثل هذه ~~الصفة منه تبرعا بل تكون وصية بواجب والوصية بواجب لآدمى تكون من رأس المال ~~باتفاق المسلمين وذلك أنه إذا علم أن عليه حقا وشك في أدائه لم يكن له أن ~~يحلف بل إذا حلف المدعى عليه وأعطاه فقد فعل الواجب فإذا كان عليه حق لا ~~يعلم عين صاحبه كان عليه أن يفعل ما تبرأ به ذمته فإن ما لا يتم الواجب الا ~~به فهو واجب كمن نسى صلاة من يوم لا يعلم عينها وكمن عليه دين لأحد ms9040 رجلين ~~لا يعلم عين المستحق فإذا قال من حلف منكما فهو له ونحو ذلك فقد أدى الواجب # وأيضا فإنه إذا ادعى عليه بأمر لا يعلم ثبوته ولا انتفاءه لم يكن له أن ~~يحلف على نفيه يمين بت لأن ذلك حلف على ما لا يعلم بل عليه أن يفعل ما يغلب ~~على ظنه وإذا أخبره من يصدقه بأمر بنى عليه وإذا رد اليمين على المدعى ~~PageV31P321 عند اشتباه الحال عليه فقد فعل ما يجب عليه فانه لو نهاهم عن ~~اعطائه قد يكون ظالما مانعا المستحق وإن أمر بإعطاء كل مدع أفضى إلى أن ~~يدعى الانسان بما لا يستحقه وذلك تبرع فإذا أمر بتحليفه واعطائه فقد فعل ما ~~يجب عليه حيث بنى الأمر على ما يغلب على ظنه أن تبرأ ذمته منه فإن كان قد ~~فعل الواجب أخرج ذلك من رأس المال ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن وصى على أولاد أخيه وتوفى وخلف أولادا وضعوا أيديهم على موجود والدهم ~~فهل يلزم أولاد الوصى المتوفى الخروج عن ذلك والدعوى عليهم ### ||||| فأجاب # إذا عرف أن مال اليتامى كان مختلطا بمال الرجل فأنه ينظر كم خرج من ~~مال اليتامى نفقة وغيرها ويطلب الباقى وما أشبه ذلك ويرجع فيه إلى العرف ~~المطرد ### |||| ( وسئل ( # عن رجل وصى على مال يتيم وقد قارض فيه مدة ثلاث سنين وقد ربح فيه فائدة ~~من وجه حل فهل يحل للوصى أن يأخذ من الفائدة شيئا أو هي لليتيم خاصة ~~PageV31P322 ### ||||| فأجاب # الربح كله لليتيم لكن إن كان الوصى فقيرا وقد عمل في المال فله أن ~~يأخذ أقل الأمرين من أجرة مثله أو كفايته فلا يأخذ فوق أجرة عمله وإن كانت ~~الأجرة أكثر من كفايته لم يأخذ أكثر منها ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن وصى تحت يده أيتام أطفال ووالدتهم حامل فهل يعطى الأطفال نفقة والذى ~~يخدم الأطفال والوالدة إذا أخذت صداقها فهل يجوز أن تأكل الأطفال ووالدتهم ~~ومن يخدمهم جميع المال ### ||||| فأجاب # أما الزوجة فتعطى قبل وضع الحمل وأما سائر الورثة فإن أخرت قسمة ms9041 ~~التركة إلى حين الوضع فينفق على اليتامى بالمعروف ولا بأس أن يختلط مالهم ~~بمال الأم ويكون خبزهم جميعا وطبخهم جميعا إذا كان ذلك مصلحة لليتامى فإن ~~الصحابة سألوا رسول الله عن ذلك فأنزل الله تعالى ( ويسألونك عن اليتامى قل ~~إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ( وأما ~~الحمل فإن أخرت فلا كلام وإن عجلت أخر له نصيب ذكر احتياطا # وهل تستحق الزوجة نفقة لأجل الحمل الذى في بطنها وسكنى على ثلاثة أقوال ~~للعلماء PageV31P323 أحدها لا نفقة لها ولا سكنى وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد ~~في إحدى الروايتين والشافعى في قول # والثانى لها النفقة والسكنى وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقول طائفة # والثالث لها السكنى دون النفقة كما نقل عن مالك والشافعى في قول ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن يتيمة حضر من يرغب في تزويجها ولها أملاك فهل يجوز للوصى أن يبيع من ~~عقارها شيئا ويصرف ثمنه في جهاز وقماش لها وحلى يصلح لمثلها أم لا ### ||||| فأجاب # نعم للولى أن يبيع من عقارها ما يجهزها به ويجهزها الجهاز المعروف ~~والحلى المعروف ### |||| ( وسئل ( # عن وصى على أختيه وقد كبرتا وولديهما وآنس منهما الرشد فهل يحتاج إلى ~~إثبات عند الحاكم أو إلى شهود PageV31P324 ### ||||| فأجاب # إذا آنس الوصى منهم الرشد دفع إليهم المال ولايحتاج إلى شهود بل ~~يقر برشدهم ويسلم إليهم المال وذلك جائز بغير إذن الحاكم لكن له إثبات ذلك ~~عند الحاكم والله أعلم ### |||| وسئل ( # عن وصى قضى دينا عن الموصى بغير ثبوت عند الحاكم وعوض عن الغائب بدون ~~قيمة المثل فهل للورثة فسخ ذلك ### ||||| فأجاب # ليس للوصى أن يقضى ما يدعى من الدين إلا بمستند شرعى بل ولا بمجرد ~~دعوى من المدعى فإنه ضامن له ولا يجوز له التعويض إلا بقيمة المثل وما عوضه ~~بدون القيمة بما لا يتغابن الناس به فإما أن يضمن ما نقص من حق الورثة وإما ~~أن يفسخ التعويض ويوفى الغريم حقه والمستند الشرعى متعدد مثل إقرار الميت ~~أو إقرار من يقبل إقراره عليه مثل ms9042 وكيله إذا أقر بما وكله فيه ويدخل في ذلك ~~ديوان الأمير واستاذ داره مثل شاهد يحلف معه المدعى ومثل خط الميت الذى ~~يعلم أنه خطه وغير ذلك ### |||| ( وسئل ( # عن نصرانى توفى وخلف تركة وأوصى وصيته وظهرت عليه ديون بمساطر وغير مساطر ~~فهل للوصى أن يعطى أرباب الديون بغير ثبوت على يد حاكم PageV31P325 ### ||||| فأجاب # إذا كان الميت ممن يكتب ما عليه للناس في دفتر ونحوه وله كاتب يكتب ~~بإذنه ما عليه ونحوه فإنه يرجع في ذلك إلى الكتاب الذى بخطه أو خط وكيله ~~فما كان مكتوبا وليس عليه علامة الوفاء كان بمنزلة إقرار الميت به فالخط في ~~مثل ذلك كاللفظ وإقرار الوكيل فيما وكل فيه بلفظه أو خطه المعتبر مقبول ~~ولكن على صاحب الدين اليمين بالاستحقاق أو نفى البراءة كما لو ثبت الدين ~~بإقرار لفظى وأما إعطاء المدعى ما يدعيه بمجرد قوله الذى لا فرق فيه بين ~~دعواه ودعوى غيره فلا يجوز والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن الوصى ونحوه إذا كان بعض مال الوصى مشتركا بينه وبين وصى عليه وللموصى ~~فيه نصيب وباع الشركاء أنصباءهم أو أكتروه للوصى واحتاج الولى أن يبيع نصيب ~~اليتيم أو يكريه معهم فهل يجوز له الشراء ### ||||| فأجاب # يجوز له الشراء لأن الشركاء غير متهمين في بيع نصيبهم ولأن الشركاء ~~إذا عينوا الوصى تعين عن غيره في نصيب اليتيم دخل ضرورة ويشهد له المعنى ~~قال الله تعالى ( وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ~~PageV31P326 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن وصى يتيم وهو يتجر له ولنفسه بماله فاشترى لليتيم صنفا ثم باعه واشترى ~~له بثمنه ثم بعد ذلك اشترى المذكور ومات ولم يعين هل هو لأحدهم أو لهما فهل ~~يكون الصنف لورثة الوصى أم لليتيم ### ||||| فأجاب # إذا علم أنه لم يشتره إلا بماله وحده وبمال اليتيم وحده فانه ~~لأحدهما ينظر في ذلك هل يمكن علمه بأن يعرف مقدار مال اليتيم ومقدار مال ~~نفسه وينظر دفاتر الحساب وما كتبه بخطه ونحو ذلك وإن كان مال اليتيم ms9043 متميزا ~~بأن يكون ما اشتراه بكتبه ونحو ذلك كان مما لم يكتبه لنفسه فإن تعذر معرفة ~~المستحق من كل وجه كان فيه للفقهاء ثلاثة أقوال # أحدها أن يقسم بينهما كقول أبى حنيفة كما لو تداعيا عينا يدهما عليها # والثانى يوقف الأمر حتى يصطلحا كقول الشافعى لأن المستحق أحدهما لا بعينه # والثالث وهو مذهب أحمد أنه يقرع بينهما فمن أصابته القرعة حلف وأخذ لما ~~في السنن عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رجلين اختصما في متاع إلى النبى ليس ~~لواحد منهما بينة فقال النبى ( استهما عليه ( رواه أبو داود والنسائى وفى ~~لفظ لأبى داود ( إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها فليستهما عليه ( رواه ~~البخارى ولفظه ( أن النبى صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين فأسرعوا ~~فأمر أن يسهم بينهم أيهم يحلف ( والله أعلم PageV31P327 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن آيتام تحت الحجر ولهم وصى وكفيل ولأمهم زوج أجنبى فهل له عليهم حكم ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ليس لزوج الأم عليهم حكم في أبدانهم ولا ~~أموالهم بل الأم المزوجة بالإجنبى لا حضانة لها لئلا يحضنهم الأجنبى فإن ~~الزوجة تحت أمر الزوج فأسقط الشارع حضانتها لئلا يكونوا في حضانة أجنبى ~~وإنما الحضانة لأم الأم أو لغيرها من الأقارب وأما المال فأمره إلى الوصى ~~والنكاح للعصبة ### |||| ( وسئل ( # عن رجل حضرته الوفاة فأوصى وصية بحضرته أن هذه الدار نصفها للحرم الشريف ~~ونصفها لمملوكى ( سنقر ( المعتوق الحر ولم يكن له وارث سوى إبن استاذه وان ~~الوصى قال لإبن استاذه هذا ما يجوز للمسلمين منعه فخلى كلام الوصى وباعه ~~وتصرف فيها تصرف المالك فهل يصح بيعه ### ||||| فأجاب # إذ كانت الوصية تخرج من الثلث وجب تنفيذها ولم يكن للورثة إبطالها ~~فإن جحدوها فله تحليفهم ومتى شهد له شاهد بقبول الوصى أو غيره فله أن يحلف ~~مع شاهده ويأخذ حصته PageV31P328 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل تحت حجر بطريق شرعى وأن الوصى توفى إلى رحمة الله تعالى وترك ولده ~~وإن ولده قد وضع يده على ما ترك والده ms9044 وعلى ما كان والده وضع يده عليه من ~~مال المحجور عليه وإن اليتيم طلب الحساب من ولد الوصى فهل له ذلك وأن ولده ~~أدعى أن والده أقبض بعض مال محجوره لزيد وهو لا يستحق إقباض ذلك شرعا وأنه ~~باشهاد عليهما ثم إن ذلك القابض الذى أقبضه الوصى أدعى أنه أقبض ذلك المال ~~لليتيم فهل تجوز هذه الشهادة على اليتيم المحجور عليه ما ذكر أم لا وهل له ~~أن يرجع على مال الوصى بما أقبضه من ماله لمن لا يستحق إقباضه شرعا وهل ~~لولد الوصى الرجوع عن ما أقبضه والده بغير مستند شرعى وما الحكم في ذلك ### ||||| فأجاب رحمه الله # إذا مات الوصى ولم يعرف أن مال اليتيم قد ذهب بغير تفريط ~~فهو باق بحكم يوجب إبقائه في تركة الميت لكن هل يكون دينا يحاص الغرماء أو ~~يكون أمانة يؤخذ من أصل المال فيه نزاع وإذا أدعى الوارث رده إليه لم يقبل ~~بمجرد قوله وأما إذا كان الوصى قد أقبضه لغيره وذلك الغير أقبضه لليتيم فإن ~~ثبت ذلك وكان الاقباض مما يسوغ فقد برئت ذمة الوصى في ذلك مثل أن ~~PageV31P329 يكون اليتيم قد رشد فسلم إليه ماله بعد أنه آنس الرشد وإن لم ~~يثبت ذلك عند الحاكم فإن ذلك الحجر عنه لا يحتاج إلى ثبوت الحاكم ولا حكمه ~~بل متى آنس الوصى منه الرشد فعليه أن يدفع إليه ماله كما قال الله تعالى ~~@QB@ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا ~~أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم ~~إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا @QE@ # وأما إن كان الوصى قد سلم المال من لا يجوز تسليمه إليه فهو ضامن له ثم ~~إن كان المال وصل إلى اليتيم الباين رشده فقد برئت ذمة الوصى كما تبرأ ذمة ~~كل غاصب يوصل المال إلى مستحقه ولو كان بغير فعل الغاصب ولا تعد مثل أن ~~يأخذه المالك قهرا أو يخلصه له بعض الناس أو تطيره إليه ms9045 الريح فان أنكر ~~اليتيم بعد إيناس الرشد وصوله إليه من جهة ذلك القابض الذى ليس بوكيل للوصى ~~فالقول قوله مع يمينه وأما إن أنكر إقباض الوصى أو وكيله لأحد فهل يقبل ~~قوله أو قول الوصى فيه نزاع مشهور بين العلماء # ( وسئل رحمه الله ( # عن وصي تحت يده مال لأيتام فهل يجوز أن يخرج من ماله حصته ومن مالهم حصته ~~وينفقه عليهم وعليه PageV31P330 ### ||||| فأجاب # ينفق على اليتيم بالمعروف وإذا كان خلط طعامه بطعام الرجل أصلح ~~لليتيم فعل ذلك كما قال تعالى @QB@ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح @QE@ فإن الصحابة كانوا ~~لما توعد الله على من يأكل مال اليتيم بالعذاب العظيم يميزون طعام اليتيم ~~عن طعامهم فيفسد فسألوا عن ذلك النبى فأنزل الله هذه الآية ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن أيتام تحت يد وصى ولهم أخ من أم وقد باع الوصى حصته على إخوته وذكر ~~الملك كان واقعا ولم تعلم الأيتام ببيعه لما باعه الوصى منه إليهم فهل يجوز ~~البيع أم لا ### ||||| فأجاب # بيع العقار ليس للوصى أن يفعله إلا لحاجة أو مصلحة راجحة بينة وإذا ~~ذكر أنه باعه للاستهدام لم يكن له أن يشتريه لليتيم الآخر لأن في ذلك ضررا ~~لليتيم الآخر إن كان صادقا وضررا للأول إن كان كاذبا PageV31P331 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له جارية وله منها أولاد خمسة وأودع عند إنسان دراهم وقال له إن ~~أنا مت تعطيها الدراهم ثم إنه مات فأخذت من الوصى بعض الدراهم ثم أن ~~أولادها طلبوها إلى الحاكم وطلبوا منها الدراهم فأعطتهم إياها واعترفت أنها ~~أخذتها من الموصى ثم أنهم طلبوا الوصى بجملة المال وادعوا أن الذى أقرت به ~~أنه منها لم يكن منه إلا كان بعد أن أكرهوها على ذلك فالقول قول المرأة أنه ~~من المبلغ أم لا ### ||||| فأجاب # القول قول المستودع الموصى إليه في قدر المال مع يمينه والقول قوله ~~أنه دفع إلى المرأة ما دفع إذا صدقته على ذلك والقول قول كل ms9046 منهما مع يمينه ~~أنه ليس عنده أكثر من ذلك والوصية لأم الولد وصية صحيحة إذا كانت تخرج من ~~الثلث ولهذه المرأة أن تأخذ ما وصى لها به إذا كان دون الثلث فإن أنكر ~~الوارث الوصية فلها عليه اليمين وأن شهد لها شاهد عدل وحلفت مع شاهدها حكم ~~لها بذلك وإذا خرج المال عن يد الوصى وشهد لها قبلت شهادته لها PageV31P332 # وإذا كانت كتمت أولا ما عند الوصى لتأخذ منه ما وصى لها به كان ذلك عذرا ~~لها في الباطن وإن لم يقم لها بذلك بينة فان من علم أنه يستحق مالا في باطن ~~ذلك وأخذه كان متأولا في ذلك مع اختلاف العلماء في مسائل هذا الباب والله ~~أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن وصى نزل عن وصيته عند الحاكم وسلم المال إلى الحاكم وطلب منه أن يأذن ~~له في محضر ليسلمه فهل يجب ذلك على الحاكم ### ||||| فأجاب # إذا كان محتاجا إلى ذلك لدفع ضرر عن نفسه فعلى الحاكم إجابته إلى ~~ذلك فإن المقصود بالحكم إيصال الحقوق إلى مستحقيها ودفع العدوان وهو يعود ~~إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والالزام بذلك والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل وصى لرجلين على ولده ثم إنهما اجتهدا في ثبوت الوصية فهل لهم أن ~~يأخذوا من مال اليتيم ما غرموا على ثبوتها ### ||||| فأجاب # إذا كانا متبرعين بالوصية فما أنفقاه على إثباتها بالمعروف فهو من ~~مال اليتيم والله أعلم PageV31P333 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل توفى صاحب له في الجهاد فجمع تركته في مدة ثلاث سنين بعد تعب فهل ~~يجب له على ذلك أجرة ### ||||| فأجاب # إن كان وصيا فله أقل الأمرين من أجرة مثله أو كفايته وإن كان مكرها ~~على هذا العمل فله أجرة مثله وإن عمل متبرعا فلا شيء له من الأجرة بل أجره ~~على الله وإن عمل ما يجب غير متبرع ففى وجوب أجره نزاع والأظهر الوجوب ~~PageV31P334 ### | 1 ( كتاب الفرائض ) ### |||| ( سئل شيخ الاسلام رحمه الله ( # عن إمرأة توفى زوجها وخلف أولادا ### ||||| فأجاب # للزوجة الصداق ms9047 والباقى في ذمته حكمها فيه حكم سائر الغرماء وما بقى ~~بعد الدين والوصية النافذة إن كان هناك وصية فلها ثمنه مع الأولاد ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن امرأة ماتت وخلفت زوجا وأبوين وقد احتاط الاب على التركة وذكر أنها ~~غير رشيدة فهل للزوج ميراث منها ### ||||| فأجاب # ما خلفته هذه المرأة فلزوجها نصفه ولأبيها الثلث والباقى للأم وهو ~~السدس في مذهب الأئمة الأربعة سواء كانت رشيدة أو غير رشيدة PageV31P335 ( ### |||| وسئل رحمه الله تعالى ( # عن إمرأة ماتت عن أبوين وزوج وأربعة أولاد ذكور وأنثى فقال الزوج لجماعة ~~شهود اشهدوا على أن نصيبى هو ستة لأبوى زوجتى وأولادها المذكورين بالفريضة ~~الشرعية فما خص كل واحد منهم ### ||||| فأجاب # إذا كان قد ملكه نصيبه الذى هو ستة أسهم لسائر الورثة على الفريضة ~~الشرعية والباقى ثمانية عشر سهما للأبوين ثمانية أسهم وأولاده عشرة أسهم ~~فترد تلك الستة على هذه الثمانية عشر سهما ويقسم الجميع بينهم على ثمانية ~~عشر سهما كما يرد الفاضل عن ذوى السهام بينهم عند من يقول بالرد فان نصيب ~~الوارث جعله لهم بمنزلة النصيب المردود بينهم ### |||| ( وسئل ( # عن إمرأة ماتت ولها زوج وجدة وإخوة أشقاء وإبن فما يستحق كل واحد من ~~الميراث ### ||||| فأجاب # للزوج الربع وللجدة السدس وللإبن الباقى ولا شيء للأخوة باتفاق ~~الأئمة PageV31P336 ### |||| ( وسئل ( # عن امرأة توفيت وخلفت زوجا وابنتين ووالدتها واختين أشقاء فهل ترث ~~الأخوات ### ||||| فأجاب # يفرض للزوج الربع وللأم السدس وللبنتين الثلثان أصلها من اثنى عشر ~~وتعول إلى ثلاثة عشر وأما الأخوات فلا شيء لهن مع البنات لأن الأخوات مع ~~البنات عصبة ولم يفضل للعصبة شيء هذا مذهب الأئمة الأربعة ### |||| ( وسئل ( # عن امرأة ماتت وخلفت زوجا وأما وأختا شقيقة وأختا لأب وأخا وأختا لأم ### ||||| فأجاب # المسألة على عشرة أسهم أصلها من ستة وتعول إلى عشرة وتسمى ( ذات ~~الفروخ ( لكثرة عولها للزوج النصف وللأم السدس سهم وللشقيقة ثلاثة وللأخت ~~من الأب السدس تكملة الثلثين ولولدى الأم الثلث سهمان فالمجموع عشرة أسهم ~~وهذا باتفاق الأئمة الأربعة PageV31P337 ### || 1 ( قاعدة شمول النصوص لجميع الأحكام ) 1 ms9048 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن إمرأة ماتت وخلفت زوجا وبنتا وأما وأختا من أم فما يستحق كل واحد منهم ### ||||| فأجاب # هذه الفريضة تقسم على أحد عشر للبنت ستة أسهم وللزوج ثلاثة أسهم ~~وللأم سهمان ولا شيء للأخت من الأم فإنها تسقط بالبنت باتفاق الأئمة كلهم ~~وهذا على قول من يقول بالرد كأبى حنيفة وأحمد # ومن لا يقول بالرد كمالك والشافعى فيقسم عندهم على اثنى عشر سهما للبنت ~~ستة وللزوج ثلاثة وللأم سهمان والسهم الثانى عشر لبيت المال ### ||| ( فصل ( # والمقصود هنا أن النصوص شاملة لجميع الأحكام ونحن نبين ذلك فيما ~~هو من أشكل الأشياء لننبه به على ما سواه والفرائض من أشكلها فنقول ~~PageV31P338 النص والقياس وهما الكتاب والميزان دلا على أن الثلث يختص به ~~ولد الأم كما هو قول على ومن وافقه وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد في المشهور ~~عنه وروى حرب التشريك وهو قول زيد ومن وافقه وقول مالك والشافعى واختلف في ~~ذلك عن عمر وعثمان وغيرهما من الصحابة # حتى قيل إنه اختلف فيها عن جميع الصحابة إلا عليا وزيدا فإن عليا لم ~~يختلف عنه أنه لم يشرك وزيد لم يختلف عنه أنه يشرك # قال العنبرى القياس ما قال على والاستحسان ما قال زيد قال قال العنبرى ~~هذه وساطة مليحة وعبارة صحيحة # فيقال النص والقياس دلا على ما قال على أما النص فقوله تعالى @QB@ فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث @QE@ والمراد به ولد الأم وإذا ~~أدخلنا فيهم ولد الأبوين لم يشتركوا في الثلث بل زاحمهم غيرهم وإن قيل إن ~~ولد الأبوين منهم وأنهم من ولد الأم فهو غلط والله تعالى قال @QB@ وإن كان ~~رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس @QE@ الآية ~~وفى قراءة سعد وإبن مسعود ( من الأم ) والمراد به ولد الأم بالاجماع ودل ~~على ذلك قوله @QB@ فلكل واحد منهما السدس @QE@ وولد الأبوين والأب في آية ~~في قوله @QB@ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وله أخت ms9049 فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد @QE@ PageV31P339 ~~فجعل لها النصف وله جميع المال وهكذا حكم ولد الأبوين # ثم قال ( وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ( وهذا حكم ~~ولد الأبوين لا الأم باتفاق المسلمين # فدل ذكره تعالى لهذا الحكم في هذه الآية وكذلك الحكم في تلك الآية على أن ~~أحد الصنفين غير الآخر وإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث فمن نقصهم منه ~~فقد ظلمهم وولد الأبوين جنس آخر # وقد قال النبى ( الحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر ( # وهذا يقتضى أنه إذا لم تبق الفرائض شيئا لم يكن للعصبة شيء وهنا لم تبق ~~الفرائض شيئا # وأما قول القائل إن أباهم كان حمارا فقد اشتركوا في الأم فقول فاسد حسا ~~وشرعا # أما الحس فلأن الأب لو كان حمارا لكانت الأم أتانا ولم يكونوا من بنى آدم ~~وإذا قيل مراده أن وجوده كعدمه فيقال هذا باطل فإن الوجود لا يكون معدوما # وأما الشرع فلأن الله حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم ~~PageV31P340 # وإذا قيل فالأب إذا لم ينفعهم لم يضرهم # قيل بلى قد يضرهم كما ينفعهم بدليل ما لو كان ولد الأم واحدا وولد ~~الأبوين كثيرين فإن ولد الأم وحده يأخذالسدس والباقى يكون لهم كله ولولا ~~الأب لتشاركواهم وذاك الواحد في الثلث وإذا جاز أن يكون وجود الأب ينفعهم ~~جاز أن يحرمهم فعلم أنه يضرهم وأيضا فأصول الفرائض مبنية على أن القرابة ~~المتصلة ذكر وأنثى لا تفرق أحكامها فالاخ من الأبوين لا يكون كأخ من أب ولا ~~كأخ من أم ولا يعطى بقرابة الأم وحدها كما لا يعطى بقرابة الأب وحده بل ~~القرابة المشتركة من الأبوين وإنما يفرد إذا كان قرابة لأم منفردا # مثل ابنى عم أحدهما أخ لأم فهنا ذهب الجمهور إلى أن للأخ لأم السدس ~~ويشتركان في الباقى وهو مأثور عن على وروى عن شريح أنه جعل الجميع للأخ من ~~الأم كما لو كان إبن عم لأبوين والجمهور يقولون ms9050 كلاهما في بنوة العم سواء ~~هما إبن عم من أبوين أو من أب والأخوة من الأم مستقلة ليست مقترنة حتى يجعل ~~كأبن عم لأبوين # ومما يبين الحكم في ( مسألة المشركة ) أن لو كان فيهن أخوات من أب لفرض ~~لهن الثلثان وعالت الفريضة فلو كان معهن أخوهن سقطن ويسمى ( الأخ المشئوم ) ~~فلما صرن بوجوده يصرن عصبة صار تارة ينفعهن وتارة يضرهن ولم يجعل وجوده ~~كعدمه في حالة الضر كذلك قرابة الأب لما PageV31P341 الأخوة بها عصبة صار ~~ينفعهم تارة ويضرهم أخرى فهذا مجرى ( العصوبة ( فان العصبة تارة يحوز المال ~~كله وتارة يحوز أكثره وتارة أقله وتارة لا يبقى له شيء وهو إذا أستغرقت ~~الفرائض المال فمن جعل العصبة تأخذ مع استغراق الفرائض المال فقد خرج عن ~~الأصول المنصوصة في الفرائض # وقول القائل هو استحسان يقال هذا استحسان يخالف الكتاب والميزان فإنه ظلم ~~للأخوة من الأم حيث يؤخذ حقهم فيعطاه # غيرهم والمنازعون في هذه المسألة ليس معهم حجة إلا أنه قول زيد فقد روى ~~عن عمر أنه حكم بها فعمل بذلك من عمل من أهل المدينة وغيرها كما عملوا بمثل ~~ذلك في ميراث الجد والأخوة وعملوا بقول زيد في غير ذلك من الفرائض تقليدا ~~له وإن كان النص والقياس مع من خالفه وبعضهم يحتج لذلك بقوله ( أفرضكم زيد ~~( وهو حديث ضعيف لا أصل له ولم يكن زيد على عهد النبى معروفا بالفرائض ( ~~حتى أبو عبيدة لم يصح فيه ) إلا قوله ( لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو ~~عبيدة بن الجراح ( # وكذلك إتباعهم لزيد في ( الجد ( مع أن جمهور الصحابة على خلافه فجمهور ~~الصحابة موافقون للصديق في أن الجد كالأب يحجب الأخوة وهو مروى عن بضعة عشر ~~من الصحابة ومذهب أبى حنيفة واحد الوجهين في مذهب الشافعى وأحمد اختاره أبو ~~حفص البرمكى من أصحابه وحكاه PageV31P342 بعضهم رواية عن أحمد وأما ~~المورثون للأخوة مع الجد فهم على وإبن مسعود وزيد ولكل واحد قول انفرد به ~~وعمر بن الخطاب كان متوفقا في أمره والصواب بلا ريب ms9051 قول الصديق لأدلة ~~متعددة ذكرناها في غير هذا الموضع # وأما ( العمريتان ) فليس في القرآن ما يدل على أن للأم الثلث مع الأب ~~والزوج بل إنما أعطاها الله الثلث إذ ورثت المال هي والأب فكان القرآن قد ~~دل على أن ما ورثته هي والأب تأخذ ثلثه والأب ثلثيه واستدل بهذا أكابر ~~الصحابة كعمر وعثمان وعلى وإبن مسعود وزيد وجمهور العلماء على أن ما يبقى ~~بعد فرض الزوجين يكونان فيه أثلاثا قياسا على جميع المال إذا اشتركا فيه ~~وكما يشتركان فيما يبقى بعد الدين والوصية # ومفهوم القرآن ينفى أن تأخذ الأم الثلث مطلقا فمن أعطاها الثلث مطلقا حتى ~~مع الزوجة فقد خالف مفهوم القرآن # وأما الجمهور فقد عملوا بالمفهوم فلم يجعلوا ميراثها إذا ورثه أبوه ~~كميراثها إذا لم يرث بل إن ورثه أبوه فلأمه الثلث مطلقا وأما إذا لم يرثه ~~أبوه بل ورثه من دون الأب كالجد والعم والأخ فهي بالثلث أولى فإنها إذا ~~أخذت الثلث مع الأب فمع غيره من العصبة أولى PageV31P343 # فدل القرآن على أنه إذا لم يرثه إلا الأم والأب أو عصبة غير الأب سوى ~~الابن فلأمه الثلث وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى وأما الابن فإنه ~~أقوى من الأب فلها معه السدس وإذا كان مع العصبة ذو فرض فالبنات والأخوات ~~قد أعطوا الأم معهن السدس والأخت الواحدة إذا كانت هي والأم فالأم تأخذ ~~الثلث مع الذكر من الأخوة فمع الأنثى أولى # وإنما الحجب عن الثلث إلى السدس بالأخوة والواحد ليس إخوة فإذا كانت مع ~~الأخ الواحد تأخذ الثلث فمع العم وغيره بطريق الأولى # وفى الجد نزاع يروى عن إبن مسعود والجمهور على أنها مع الجد تأخذ ثلث ~~المال وهو الصواب لأن الجد أبعد منها وهو محجوب بالأب فلا يحجبها عن شيء من ~~حقها ومحض القياس أن الأب مع الأم كالبنت مع الأبن والأخت مع الأخ لأنهما ~~ذكر وأنثى من جنس واحد هما عصبة وقد أعطيت الزوجة نصف ما يعطاه الزوج ~~لأنهما ذكر وأنثى من جنس # وأما دلالة ms9052 الكتاب على ميراث الأم فإن الله يقول @QB@ لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ~~@QE@ فالله تعالى فرض لها بشرطين أن لا يكون له ولد وأن يرثه أبوه فكان في ~~هذا دلالة على أنها لا تعطى الثلث مطلقا مع عدم الولد PageV31P344 وهذا مما ~~يدل على صحة قول أكابر الصحابة والجمهور الذين يقولون لا تعطى في ( ~~العمريتين ( زوج وأبوان وزوجة وأبوان ثلث جميع المال # قال إبن عباس وموافقوه فانها لو أعطيت الثلث هنا لكانت تعطاه مع عدم ~~الولد مطلقا وهو خلاف ما دل عليه القرآن وقد روى عنه أنه قال لزيد أفى كتاب ~~الله ثلث ما بقى أى ليس في كتاب الله إلا سدس وثلث فيقال وليس في كتاب الله ~~إعطاؤها الثلث مطلقا فكيف يعطيها مع الزوجين الثلث بل في كتاب الله ما يمنع ~~إعطاؤها الثلث مع الأب وأحد الزوجين فإنه لو كان كذلك كان يقول فإن لم يكن ~~له ولد فلأمه الثلث فإنها على هذا التقدير تستحق الثلث مطلقا فلما خص الثلث ~~ببعض الحال علم أنها لا تستحق مطلقا فهذا مفهوم المخالفة الذى يسمى دليل ~~الخطاب يدل على بطلان قول من أعطاها الثلث إلا العمريتين ولا وجه لاعطائها ~~الثلث مع مخالفته للاجماع # إلى أن قال فإن قوله @QB@ وورثه أبواه فلأمه الثلث @QE@ دل على أن لها ~~الثلث والباقى للأب بقوله ورثه أبواه فإنه لما جعل الميراث ميراثا بينهما ~~ثم أخرج نصيبها دل على أن الباقى نصيبه وإذا أعطى الأب الباقى معها لم يلزم ~~أن يعطى غيره مثل ما أعطى # وإنما أعطينا سائر العصبة بقوله @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله @QE@ وبقوله @QB@ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ~~@QE@ PageV31P345 وبقول النبى ( الحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ~~ذكر ( # ( ### ||| فصل # ( # وأما ميراث الأخوات مع البنات وانهن عصبة كما قال ( وله أخت ( الذى هو ~~قول جمهور الصحابة والعلماء فقد دل عليه القرآن والسنة أيضا فان قوله تعالى ~~@QB@ يستفتونك قل الله ms9053 يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد @QE@ فدل على أن الأخت ترث ~~النصف مع عدم الولد وأنه هو يرث المال كله مع عدم ولدها # وذلك يقتضى أن الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك إذ لو كان كذلك ~~لكان لها النصف سواء كان له ولد أو لم يكن له فكان ذكر الولد تدليسا وعبثا ~~مضرا وكلام الله منزه عن ذلك # ومن هذا قوله تعالى @QB@ ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك @QE@ وقوله ~~@QB@ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث @QE@ وإذا علم أنها مع ~~الولد لا ترث النصف فالولد إما ذكر وإما أنثى PageV31P346 # أما الذكر فانه يسقطها كما يسقط الأخ بطريق الأولى بدليل قوله @QB@ وهو ~~يرثها إن لم يكن لها ولد @QE@ فلم يثبت له الإرث المطلق إلا إذا لم يكن لها ~~ولد والأرث المطلق هو حوز جميع المال فدل ذلك على أنه إذا كان لها ولد لم ~~يحز المال بل إما أن يسقط وإما أن يأخذ بعضه فيبقى إذا كان لها ولد فأما بن ~~وإما بنت والقرآن قد بين أن البنت إنما تأخذ النصف فدل على أن البنت لا ~~تمنعه النصف الآخر إذا لم يكن الا بنت وأخ ولما كان فتيا الله إنما هو في ~~الكلالة والكلالة من لا والد له ولا ولد علم أن من ليس له ولد ووالد ليس ~~هذا حكمه # ولما كان قد بين تعالى أن الأخ يحوز المال مال الأخت فيكون لها عصبة كان ~~الأب أن يكون له عصبة بطريق الأولى وإذا كان الأب والأخ عصبة فالابن بطريق ~~الأولى وقد قال تعالى @QB@ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ~~@QE@ ودل أيضا قول النبى ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر ( ~~أن ما بقى بعد الفرائض لا يرثه إلا العصبة وقد علم أن الابن أقرب ثم الأب ~~ثم الجد ثم الأخوة وقضى النبى صلى الله عليه ms9054 وسلم أن أولاد بنى الأم ~~يتوارثون دون بنى العلاقات فالأخ للأبوين أولى من الأخ للأب وإبن الابن ~~يقوم مقام الابن وكذلك كل بنى أب أدنى هم أقرب من بنى الأب الذى هو أعلى ~~منه وأقربهم إلى الأب الأعلى PageV31P347 فهو أقرب إلى الميت وإذا استوى في ~~الدرجة فمن كان لأبوين أولى ممن كان للأب # فما دل القرآن على أن للأخت النصف مع عدم الولد وأنه مع ذكور ولد يكون ~~الابن عاصبا يحجب الأخت كما يحجب أخاها بقى الأخت مع إناث الولد ليس في ~~القرآن ما ينفى ميراث الأخت في هذه الحال بقى مع البنت إما أن تسقط وإما أن ~~يكون لها النصف وإما أن تكون عصبة ولا وجه لسقوطها فإنها لا تزاحم البنت ~~وأخوها لا يسقط فلا تسقط هي ولو سقطت بمن هو أبعد منها من الأقارب والبعيد ~~لا يسقط القريب ولأنها كانت تساوى البنت مع اجتماعهما والبنت أولى منها فلا ~~تساوى بها فإنه لو فرض لها النصف لنقصت البنت عن النصف كزوج وبنت فلو فرض ~~لها النصف لعالت فنقصت البنت عن النصف والأخوة لا يزاحمون الأولاد بفرض ولا ~~تعصيب فإن الأولاد أولى منهم # والله إنما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة فلما بطل سقوطها وفرضها لم ~~يبق إلا أن تكون عصبة أولى من البعيد كالعم وبن العم وهذا قول الجمهور # وقد دل عليه حديث البخارى عن بن مسعود لما ذكر له أن أبا موسى وسلمان بن ~~ربيعة قالا في بنت وبنت بن وأخت للبنت النصف PageV31P348 وللأخت النصف وائت ~~بن مسعود فانه سيتابعنا فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين لأقضين فيها ~~بقضاء رسول الله ( للبنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقى ~~للأخت ( فدل ذلك أن الأخوات مع البنات عصبة والأخت تكون عصبة بغيرها وهو ~~أخوها فلا يمتنع أن تكون عصبة مع البنت ) # وقوله ( الحقوا الفرائض بأهلها الخ ( فهذا عام خص منه المعتقة والملاعنة ~~والملتقطة لقوله ( تحوز المرأة ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذى ~~لاعنت عليه ( وإذا كان ms9055 عاما مخصوصا خصت منه هذه الصورة بما ذكر من الأدلة # ( ### ||| فصل # ( # وأما ( ميراث البنتين ( فقد قال تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف @QE@ # فدل القرآن على أن البنت لها مع أخيها الذكر الثلث ولها وحدها النصف ولما ~~فوق اثنتين الثلثان بقيت البنت إذا كان لها مع الذكر الثلث لا الربع فأن ~~يكون لها مع الأنثى الثلث لا الربع أولى وأحرى ولأنه قال @QB@ وإن كانت ~~واحدة فلها النصف @QE@ PageV31P349 فقيد النصف بكونها واحدة فدل بمفهومه ~~على أنه لا يكون لها إلا مع هذا الوصف بخلاف قوله @QB@ فإن كن نساء @QE@ ~~ذكر ضمير ( كن ) و ( ونساء ) وذلك جمع لم يمكن أن يقال اثنتين لأن ضمير ~~الجمع لا يختص باثنتين ولأن الحكم لا يختص باثنتين فلزم أن يقال ( فوق ~~اثنتين ) لأنه قد عرف حكم الثنتين وعرف حكم الواحدة وإذا كانت واحدة فلها ~~النصف ولما فوق الثنتين الثلثان امتنع أن يكون للبنتين أكثر من الثلثين فلا ~~يكون لهما جميع المال لكل واحدة النصف فإن الثلاث ليس لهن إلا الثلثان فكيف ~~الثلاثة ولا يكفيها النصف لأنه لها بشرط أن تكون واحدة فلا يكون لها إذا لم ~~تكن واحدة # وهذه الدلالة تظهر من قراءة النصب ( وإن كانت واحدة ) فإن هذا خبر كان ~~تقديره فإن كانت بنتا واحدة أى مفردة ليس معها غيرها ( فلها النصف ) فلا ~~يكون لها ذلك إذا كان معها غيرها فانتفى النصف وانتفى الجميع فلم ( يبق ) ~~إلا الثلثان وهذه دلالة من الآية # وأيضا فإن الله لما قال في الأخوات @QB@ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك @QE@ كان دليلا على أن البنتين أولى بالثلثين من الأختين وأيضا ~~فسنة رسول الله ( لما أعطى ابنتى سعد بن الربيع الثلثين وأمهما الثمن والعم ~~ما بقى ( وهذا إجماع لا يصح فيه خلاف عن إبن عباس PageV31P350 ودلت آية ~~الولد على أن حكم ما فوق الاثنين حكم الاثنتين فكذلك قال في الأخوات @QB@ ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ms9056 مما ترك @QE@ ولم يذكر ما فوقهما فإنه إذا ~~كانت الثنتان يستحقان الثلثين فما فوقهما بطريق الأولى والأحرى بخلاف آية ~~البنات فإنه لم يدل قوله @QB@ للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ إلا على أن لها ~~الثلث مع أخيها وإذا كن اثنتين لم يستحقوا الثلث فصار بيانه في كل من ~~الآيتين من أحسن البيان لما دل الكلام الأول على ميراث البنتين دون ما زاد ~~على ذلك بين بعد ذلك ميراث ما زاد على البنتين في آية الصيف لما دل الكلام ~~على ميراث الأختين وكان ذلك دال بطريق الأولى على ميراث الثلاثة أو الأربعة ~~وما زاد لم يحتج أن يذكر ما زاد على الأختين فهناك ذكر ما فوق البنتين دون ~~البنتين وفى الآية الأخرى ذكر البنتين دون ما فوقهما لما يقتضيه حسن البيان ~~في كل موضوع # ولما بين حكم الأخت الواحدة والأخ الواحد وحكم الأختين فصاعدا بقى بيان ~~الابنتين فصاعدا من الصنفين ليكون البيان مستوعبا للاقسام ولفظ ( الأخوة ( ~~وسائر جميع ألفاظ الجمع قد يعنى به الجنس من غير قصد القدر منه فيتناول ~~الاثنين فصاعدا وقد يعنى به الثلاثة فصاعدا وفى هذه الآية إنما عنى به ~~العدد مطلقا لأنه بين الواحدة قبل ذلك ولأن ما ذكره من الأحكام في الفرائض ~~فرق فيه بين الواحد والعدد وسوى فيه بين مراتب العدد الاثنين والثلاثة وقد ~~صرح بذلك في قوله @QB@ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فهم شركاء في الثلث @QE@ فقوله كانوا PageV31P351 ضمير جمع وقوله @QB@ أكثر ~~من ذلك @QE@ أي من أخ وأخت ثم قال @QB@ فهم شركاء في الثلث @QE@ فذكرهم ~~بصيغة الجمع المضمر وهو قوله ( فهم ) والمظهر وهو قوله @QB@ شركاء @QE@ # فدل على أن صيغة الجمع في آيات الفرائض تناولت العدد مطلقا الأثنين ~~فصاعدا لقوله @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ وقوله @QB@ فإن كان له إخوة ~~فلأمه السدس @QE@ وقوله @QB@ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء @QE@ # ( ### ||| فصل # ( # وأما ( الجدة ) فكما قال الصديق ليس لها في كتاب الله شيء فان الأم ~~المذكورة في كتاب الله مقيدة بقيود توجب اختصاص الحكم بالأم الدنيا فالجدة ms9057 ~~وإن سميت أما لم تدخل في لفظ الأم المذكورة في الفرائض فأدخلت في لفظ ~~الأمهات في قوله @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ ولكن رسول الله ( أعطاها ~~السدس ( فثبت ميراثها بسنة رسول الله ولم ينقل عنه لفظ عام في الجدات بل ~~ورث الجدة التى ( سألته ) فلما جاءت الثانية أبا بكر جعلها شريكة الأولى في ~~السدس # وقد تنازع الناس في ( الجدات ( فقيل لا يرث الاثنتان أم الأم وأم الأب ~~كقول مالك وأبى ثور وقيل لا يرث إلا ثلاث هاتان وأم الجد لما روى إبراهيم ~~النخعى ( أن النبى PageV31P352 ورث ثلاث جدات جدتيك من قبل أبيك وجدتك من ~~قبل أمك ( وهذا مرسل حسن # فإن مراسيل إبراهيم من أحسن المراسيل فأخذ به أحمد ولم يرد في النص إلا ~~توريث هؤلاء # وقيل بل يرث جنس الجدات المدليات بوارث وهو قول الأكثرين كأبى حنيفة ~~والشافعى وغيرهما وهو وجه في مذهب أحمد وهذا القول أرجح لأن لفظ النص وإن ~~لم يرد في كل جدة فالصديق لما جاءته الثانية قال لها لم يكن السدس التى ~~أعطى إلا لغيرك ولكن هي لو خلت به فهو لها فورث الثانية والنص إنما كان في ~~غيرها # ولأنه لا نزاع أن من علت بالأمومة ورثت فترث أم أم الأب وأم أم الأم ~~بالاتفاق فيبقى أم أبى الجد أى فرق بينها وبين أم الجد وإن فرق بين أم الأب ~~وأم الجد ومعلوم أن أبا الجد يقوم مقام الجد بل هو جد أعلا وكذلك الجد ~~كالأب كأي وصف يفرق بين أم أم الأب وأم أبى الجد # يبين ذلك أن أم أم الميت وأم أبيه بالنسبة إليه سواء فكذلك أم أم أبيه ~~وأم أبى أبيه بالنسبة إلى أبيه سواء فوجب اشتراكهما في الميراث # وأيضا فهؤلاء جعلوا أم أم الأم وإن زادت أمومتها ترث وأم أبى الأب لا ترث ~~ورجحوا الجدة من جهة الأم على الجدة من جهة الأب وهذا ضعيف فلم تكن أم الأم ~~أولى به من أم الأب وأقارب الأم لم PageV31P353 يقدموا في شيء من الأحكام ~~بل أقارب ms9058 الأب أولى في جميع الاحكام فكذلك في الحضانة # والصحيح أنها لا تسقط بابنها أى الأب كما هو أظهر الروايتين عن أحمد ~~لحديث بن مسعود ولأنها ولو أدلت به فهي لا ترث ميراثه بل هي معه كولد الأم ~~مع الأم لم يسقطوا بها # وقول من قال من أدلى بشخص سقط به باطل طردا وعكسا باطل طردا بولد الأم مع ~~الأم وعكسا بولد الابن مع عمهم وولد الأخ مع عمهم وأمثال ذلك مما فيه سقوط ~~شخص بمن لم يدل به وإنما العلة أنه يرث ميراثه فكل من ورث ميراث شخص سقط به ~~إذا كان أقرب منه والجدات يقمن مقام الأم فيسقطن بها وإن لم يدلين بها ) # وأما كون ( بنات الابن مع البنت ( لهن السدس تكملة الثلثين وكذلك الأخوات ~~من الأب مع أخت الأبوين فلأن الله قال @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك @QE@ وقد علم أن ~~الخطاب تناول ولد البنين دون ولد البنات وأن قوله ( أولادكم ) يتناول من ~~ينسب إلى الميت وهم ولده وولد ابنته وأنه متناولهم على الترتيب يدخل فيه ~~ولد البنين عند عدم ولد الصلب لما قد عرف من إنما أبقت الفروض فلأولى رجل ~~ذكر والابن PageV31P354 أقرب من بن الابن فإذا لم تكن إلا بنت فلها النصف ~~وبقى من نصيب البنات السدس فإذا كان هنا بنات إبن فانهن يستحققن الجميع ~~لولا البنت فإذا أخذت النصف فالباقى لهن # وكذلك في الأخت من الابوين مع الأخت من الاب أخبر إبن مسعود أن النبى ( ~~قضى للبنت بالنصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين ( # وأما إذا استكملت البنات الثلثين لم يبق فرض فإن كان هناك عصبة من ولد ~~البنين فالمال له لأنه أولى ذكر وإن كان معه أو فوقه عصبها عند جمهور ~~الصحابة والعلماء كالأربعة وغيرهم وأما بن مسعود فإنه يسقطها لأنها لا ترث ~~مفردة ) # والنزاع في الأخت للاب مع أخيها إذا أستكمل البنات الثلثين فالجمهور ~~يجعلون البنات عصبة مع اخوانهن يقتسمون الباقى للذكر مثل ms9059 حظ الأنثين سواء ~~زاد ميراثهن بالتعصيب أو نقص وتوريثهن هنا أقوى وقول بن مسعود معروف في ~~نقصانهن PageV31P355 ( ### ||| فصل # ( # وفى من ( عمى موتهم ( فلم يعرف أيهم مات أولا فالنزاع مشهور فيهم والأشبه ~~بأصول الشريعة أنه لا يرث بعضهم من بعض بل يرث كل واحد ورثته الأحياء وهو ~~قول الجمهور وهو قول في مذهب أحمد لكن خلاف المشهور في مذهبه وذلك لأن ~~المجهول كالمعدوم في الأصول كالملتقط لما جهل حال المالك كان المجهول ~~كالمعدوم فصار مالكا لما التقطه لعدم العلم بالملك # وكذلك ( المفقود ( قد أخذ أحمد بأقوال الصحابة الذين جعلوا المجهول ~~كالمعدوم فجعلوها زوجة الثانى ما دام الأول مجهولا باطنا وظاهرا كما في ~~اللقط فإذا علم صار النكاح موقوفا على إجازته ورده فخير بين إمرأته والمهر ~~فإن اختار إمرأته كانت زوجته وبطل نكاح الثانى ولم يحتج إلى طلاقه # والمقصود هنا أن أحمد تبع الصحابة الذين جعلوا المجهول كالمعدوم وهنا إذا ~~كان أحدهما قد مات قبل الآخر فذاك مجهول والمجهول كالمعدوم فيكون تقدم ~~أحدهما على الآخر معدوما فلا يرث أحدهما صاحبه # وأيضا فالميراث جعل للحى ليكون خليفة للميت ينتفع بماله PageV31P356 ( ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن رجل توفى وله عم شقيق وله أخت من أبيه فما الميراث ### ||||| فأجاب # للأخت النصف والباقى للعم وذلك باتفاق المسلمين ) ### |||| ( وسئل ( # عن إمرأة ماتت وخلفت من الورثة بنتا وأخا من أمها وبن عم فما يخص كل واحد ### ||||| فأجاب # للبنت النصف ولإبن العم الباقى ولا شيء للأخ من الأم لكن إذا حضر ~~القسمة فينبغى أن يرضخ له والبنت تسقط الأخ من الأم في مذهب الأئمة الأربعة ~~والله أعلم ) ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن إمرأة ماتت عن زوج وأب وأم وولدين أنثى وذكر ثم بعد وفاتها توفى ~~والدها وترك أباه وأخته وجده وجدته PageV31P357 ### ||||| فأجاب # للزوج الربع وللأبوين السدسان وهو الثلث والباقى للولدين أثلاثا ثم ~~ما تركه الأب فلجدته سدسه ولأبيه الباقى ولا شيء لأخته ولا جده بل كلاهما ~~يسقط بالأب ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له أولاد وكسب جارية وأولدها فولدت ذكرا فعتقها ms9060 وتزوجت ورزقت ~~أولادا فتوفى الشخص فخص ابنه الذى من الجارية دارا وقد توفى فهل يخص أخوته ~~من أمه شيء مع إخوته الذين من أبيه ### ||||| فأجاب # للأم السدس ولأخوته من الأم الثلث والباقى لأخوته من أبيه للذكر ~~مثل حظ الأنثيين والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن امرأة ماتت وخلفت زوجا وإبن أخت ### ||||| فأجاب # للزوج النصف وأما بن الأخت ففى أحد الأقوال له الباقى وهو قول أبى ~~حنيفة وأصحابه وأحمد في المشهور عنه وطائفة من أصحاب الشافعى PageV31P358 ~~وفى القول الثانى الباقى لبيت المال وهو قول كثير من أصحاب الشافعى وأحمد ~~في إحدى الروايات # وأصل هذه المسألة تنازع العلماء في ( ذوى الأرحام ( الذين لا فرض لهم ولا ~~تعصيب فمذهب مالك والشافعى وأحمد في رواية أن من لا وارث له بفرض ولا تعصيب ~~يكون ماله لبيت مال المسلمين ومذهب أكثر السلف وأبى حنيفة والثورى واسحق ~~وأحمد في المشهور عنه يكون الباقى لذوى الأرحام ( بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله ( ولقول النبى ( الخال وارث من لا وارث له يرث ماله ويفك عانه ( ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل مات وترك زوجة وأختا لأبويه وثلاث بنات أخ لأبويه فهل لبنات الأخ ~~معهن شيء وما يخص كل واحدة منهن ### ||||| فأجاب # للزوجة الربع وللأخت لأبوين النصف ولا شيء لبنات الأخ والربع ~~الثانى إن كان هناك عصبة فهو للعصبة وإلا فهو مردود على الأخت على أحد قولي ~~العلماء وعلى الآخر هو لبيت المال PageV31P359 ### |||| ( وسئل شيخ الاسلام رحمه الله ( # عن رجل مات وخلف بنتا وله أولاد أخ من أبيه وهم صغار وله بن عم راجل وله ~~بنت عم وله أخ من أمه وليس هو من أولاد أعمامه فمن يأخذ المال ومن يكون ولى ~~البنت ### ||||| فأجاب # أما الميراث فنصفه للبنت ونصفه لأبناء الأخ وأما حضانة الجارية فهي ~~لبنت العم دون العم من الأم ودون إبن العم الذى ليس بمحرم وله الولاية على ~~المال الذى لليتيمة لوصى أو نوابه ### |||| ( وسئل ( # عمن ترك ابنتين وعمه أخا أبيه من أمه فما الحكم ### ||||| فأجاب # إذا ms9061 مات الميت وترك بنتيه وأخاه من أمه فلا شيء لأخيه لأمه باتفاق ~~الأئمة بل للبنتين الثلثان والباقى للعصبة إن كان له عصبة وإلا فهو مردود ~~على البنتين أو بيت المال PageV31P360 ### |||| ( وسئل الشيخ رحمه الله ( # عن رجل توفى وخلف أخا له وأختين شقيقين وبنتين وزوجة وخلف موجودا وكان ~~الأخ المذكور غائبا فما تكون القسمة ### ||||| فأجاب # للزوجة الثمن وللبنتين الثلثان وللأخوة خمسة قراريط بين الأخ ~~والأخت أثلاثا فتحصل للزوجة ثلاثة قراريط ولكل بنت ثمانية قراريط وللأخ ~~ثلاثة قراريط وثلث وللأخت قيراط وثلثا قيراط ### |||| ( وسئل ( # عن رجل له خالة ماتت وخلفت موجودا ولم يكن لها وارث فهل يرثها بن أختها ### ||||| فأجاب # هذا في أحد قولى العلماء هو الوارث وفى الآخر بيت المال الشرعى ### |||| ( وسئل ( # عن رجل كانت له بنت عم وبن عم فتوفيت بنت العم وتركت بنتا ثم ~~توفى بن العم المذكور وترك ولدين فبقى الولدان وبنت بنت PageV31P361 العم ~~المتوفية ثم توفيت البنت وتركت أولاد عم فمن يستحق الميراث أولاد بن العم ~~من الأم أم أولاد عمها ### ||||| الجواب # مذهب الامام أحمد وغيره ممن يقول بالتنزيل كما نقل نحو ذلك عن ~~الصحابة والتابعين وهو قول الجمهور فتنزيل كل واحد من ذوى الأرحام منزلة من ~~أدلى به قريبا كان أو بعيدا ولا يعتبر القرب إلى الوارث ثم اتحدت الجهة فإن ~~أولاد العم لهم ثلثا المال وأولاد بن عم الأم ثلث المال فإن أولئك ينتهى ~~أمرهم إلى الأم وإذا وجد أم مع أب أو مع جد كان للأم الثلث والباقى له ~~والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل خلف زوجة وثلاثة أولاد ذكور منها ثم مات أحدهم وخلف أمه وأخويه ثم ~~مات الآخر وخلف أمه وآخاه ثم مات الثالث وخلف أمه وابنا له فما يحصل للأم ~~من تركته ### ||||| فأجاب # للزوجة من تركة الميت الأول الثمن والباقى للأخوة الذين هم أولاد ~~الميت ثم الأخ الأول لأمه سدس تركته والباقى لأخويه والأخ الثانى لأمه ثلث ~~تركته والباقى لأخيه والأخ الثالث لأمه سدس التركة والباقى لابنه ~~PageV31P362 ### |||| ( وسئل رحمه الله ms9062 ( # عن رجلين أخوة لأب وكانت أم أحدهما أم ولد تزوجت بانسان ورزقت منه اثنين ~~وكان إبن الأم المذكورة تزوج ورزق ولدا ومات وخلف ولده فورث أباه ثم مات ~~الولد وكان قد مات أخوه من أبيه في حياته وخلف ابنا فلما مات الولد خلف ~~أخوه اثنين وهم أخوة أبيه من أمه وخلف بن عم من أبيه فما الذى يخص أخوة ~~أبيه وما الذى يخص بن عمه ### ||||| فأجاب # الحمد لله الميراث جميعه لابن عمه من الأب واما اخوة أبيه من الأم ~~فلا ميراث لهما وهذا باتفاق المسلمين لكن ينبغى للميت أن يوصى لقرابته ~~الذين لا يرثونه فاذا لم يوص فينبغى إذا حضروا القسمة أن يعطوا منه كما قال ~~تعالى @QB@ وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ~~وقولوا لهم قولا معروفا @QE@ ### |||| ( وسئل ( # عن رجل توفى وخلف ابنين وبنتين وزوجة وبن أخ فتوفى الابنان وأخذت الزوجة ~~ما خصها وتزوجت بأجنبى وبقى نصيب الذكرين ما قسم وأن الزوجة حبلت من الزوج ~~الجديد فأراد بقية الورثة PageV31P363 قسمة الموجود فمنع البقية إلى حيث ~~تلد الزوجة فهل يكون لها إذا ولدت مشاركة في الموجود ### ||||| فأجاب # الحمد لله الميت الأول لزوجته الثمن والباقى لبنيه وبناته للذكر ~~مثل حظ الأنثيين ولا شيء لابن الأخ فيكون للزوجة ثلاثة قراريط ولكل بن سبعة ~~قراريط وللبنتين سبعة قراريط # ثم الابن الأول لما مات خلف أخاه وأختين وأمه والأخ الثانى خلف أختيه ~~وأمه وبن عمه والحمل إن كان موجودا عند موت أحدهما ورثا منه لأنه أخوة من ~~أمه وينبغى لزوج المرأة أن يكف عن وطئها من حين موت هذا وهذا كما أمر بذلك ~~على بن أبى طالب رضى الله عنه فإنه إذا لم يطأها وولدته علم أنه كان موجودا ~~وقت الموت وإذا وطئها وتأخر الحمل اشتبه لكن من أراد من الورثة أن يعطى حقه ~~أعطى الثلثين ووقف للحمل نصيب وهو الثلث والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن يتيم له موجود تحت أمين الحكم وأن عمه تعمد قتله حسدا فقتله وثبت عليه ~~ذلك ms9063 فما الذى يجب عليه شرعا وما حكم الله في قسم ميراثه من وقف وغيره وله ~~من الورثة والدة وأخ من أمه وجد لأمه وأولاد القاتل PageV31P364 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما الميراث من المال فإنه لورثته والقاتل ~~لا يرث شيئا باتفاق الأئمة بل للأم الثلث والأخ من الأم السدس والباقى لابن ~~العم ولا شيء للجد أبى الأم # وأما ( الوقف ( فيرجع فيه إلى شرط الواقف الموافق للشرع # وأما ( دم المقتول ( فإنه لورثته وهم الأم والأخ وبن العم القاتل في مذهب ~~الشافعى وأحمد وغيرهما ومذهب مالك أنهم إن اختلفوا فأرادت الأم أمرا وبن ~~العم أمرا فإنه يقدم ما أراده بن العم وهو ذو العصبية في إحدى الروايات ~~التى اختارها كثير من أصحابه وفى ( الثانية ( وهى رواية بن القاسم التى ~~عليها العمل عند المغاربة أن الأمر أمر من طلب الدم سواء كان هو العاصب أو ~~ذات الفرض و ( الرواية الثالثة ( كمذهب الشافعى أن من عفا من الورثة صح ~~عفوه وصار حق الباقين في الذمة لكن بن العم هل يقتل أباه هذا فيه قولان ~~أيضا ( أحدهما ( لا يقتله كمذهب الشافعى وأحمد في المشهور عنه وفى ( الثانى ~~( يقتله كقول مالك وهو قول في مذهب أحمد لكن القود ثبت للمقتول ثم انتقل ~~إلى الوارث لكن كره مالك له قتله ومن وجب له القود فله أن يعفو وله أن يأخذ ~~الدية وإذا عفا بعض المستحق للقود سقط وكان حق الباقين في الدية وله أن ~~يأخذ الدية بغير رضى القاتل في مذهب الشافعى PageV31P365 وأحمد في المشهور ~~وفى رواية أخرى لا يأخذ الدية إلا برضى القاتل وهو مذهب أبى حنيفة ومالك # وإذا سقط القود عن قاتل العمد فإنه يضرب مائة جلدة ويحبس سنة عند مالك ~~وطائفة من أهل العلم دون الباقين ### |||| ( وسئل # عن قوله ( % جدتى أمه وأبى جده % وأنا عمة له وهو خالى % افتنا يا ~~إمام حماك الله % ويكفيك حادثات الليالى % ### ||||| فأجاب رحمه الله # % رجل زوج إبنه أم بنته % وأتى البنت بالنكاح الحلال % ~~فأتت منه ببنت قالت الشعراء % وقالت ms9064 لابن هاتيك خالى % # رجل تزوج امرأة وتزوج ابنه بأمها ولد له بنت ولابنه بن فبنته هي المخاطبة ~~بالشعر فجدتها أم أمها هي أم بن الابن زوجة الابن وأبوها جد بن ابنه وهى ~~عمته أخت أبيه من الأب وهو خالها أخو أمها من الأم والله أعلم PageV31P366 ### |||| ( وسئل رحمه الله # عن قوله ( % ما بال قوم غدوا قد مات ميتهم % فأصبحوا ~~يقسمون المال والحللا % فقالت امرأة من غير عترتهم % ألا أخبركم أعجوبة ~~مثلا % في البطن منى جنين دام يشكركم % فأخروا القسم حتى تعرفوا الحملا % ~~فإن يكن ذكرا لم يعط خردلة % وإن يكن غيره أنثى فقد فضلا % بالنصف حقا ~~يقينا ليس ينكره % من كان يعرف فرض الله لازللا % % إنى ذكرت لكم أمرى بلا ~~كذب % فلا أقول لكم جهلا ولا مثلا % ### ||||| فأجاب # زوج وأم واثنان من ولد الأم وحمل من الأب والمرأة الحامل ليست أم ~~الميت بل هي زوجة أبيها فللزوج النصف وللأم السدس ولولد الأم الثلث فان كان ~~الحمل ذكرا فهو أخ من أب فلا شيء له باتفاق العلماء وإن كان الحمل انثى فهو ~~أخت من أب فيفرض لها النصف وهو فاضل عن السهام فاصلها من ستة وتعول إلى ~~تسعة وأما إن كان الحمل من أم الميت فهكذا الجواب في أحد قولى العلماء من ~~الصحابة ومن بعدهم وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد في المشهور عنه وعلى القول ~~الآخر إن كان الحمل ذكرا يشارك ولد الأم كواحد منهم ولا يسقط وهو مذهب مالك ~~والشافعى وأحمد في رواية عنه PageV31P367 ### |||| ( وسئل الشيخ رحمه الله ( # عن امرأة مزوجة ولزوجها ثلاث شهور وهو في مرض مزمن فطلب منها شرابا ~~فأبطأت عليه فنفر منها وقال لها أنت طالق ثلاثة وهى مقيمة عنده تخدمه وبعد ~~عشرين يوما توفى الزوج فهل يقع الطلاق وهل إذا حلف على حكم هذه الصورة يحنث ~~وهل للوارث أن يمنعها الأرث ### ||||| فأجاب # أما الطلاق فإنه يقع إن كان عاقلا مختارا لكن ترثه عند جمهور أئمة ~~الاسلام وهو مذهب مالك وأحمد وأبى حنيفة والشافعى في القول القديم كما ms9065 قضى ~~به عثمان بن عفان في امرأة عبد الرحمن بن عوف فإنه طلقها في مرض موته ~~فورثها منه عثمان وعليها أن تعتد أبعد الأجلين من عدة الطلاق أو عدة الوفاة ~~وأما إن كان عقله قد زال فلا طلاق عليه ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل طلق زوجته طلقة واحدة قبل الدخول بها في مرضه الذى مات فيه فهل ~~يكون ذلك طلاق الفار ويعامل بنقيض قصده وترثه الزوجة وتستكمل جميع صداقها ~~عليه أم لا ترث وتأخذ نصف الصداق والحالة هذه PageV31P368 ### ||||| فأجاب # الحمد لله ~~رب العالمين هذه المسألة مبنية على ( مسألة المطلق بعد الدخول في مرض الموت ~~( والذى عليه جمهور السلف والخلف توريثها كما قضى بذلك عثمان بن عفان رضى ~~الله عنه لأمرأة عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ وقد كان طلقها في مرضه ~~وهذا مذهب مالك وأحمد وأبى حنيفة والشافعى في القديم # ثم على هذا هل ترث بعد انقضاء العدة والمطلقة قبل الدخول على قولين ~~للعلماء أصحهما انها ترث أيضا وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه وقول ~~للشافعي لانه قد روى ان عثمان ورثها بعد انقضاء العدة ولأن هذه انما ورثت ~~لتعلق حقها بالتركة لما مرض مرض الموت وصار محجورا عليه في حقها وحق سائر ~~الورثة بحيث لا يملك التبرع لوارث ولا يملكه لغير وارث بزيادة على الثلث ~~كما لا يملك ذلك بعد الموت فلما كان تصرفه في مرض موته بالنسبة إلى الورثة ~~كتصرفه بعد الموت لا يملك قطع إرثها فكذلك لا يملك بعد مرضه وهذا هو ( طلاق ~~الفار ( المشهور بهذا الاسم عند العلماء وهو القول الصحيح الذى أفتى به ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل زوج ابنته وكتب الصداق عليه ثم إن الزوج مرض بعد ذلك فحين قوى ~~عليه المرض فقبل موته بثلاثة أيام طلق الزوجة ليمنعها من الميراث فهل يقع ~~هذا الطلاق وما الذى يجب لها في تركته PageV31P369 ### ||||| فأجاب # هذه المطلقة إن كانت مطلقة طلاقا رجعيا ومات زوجها وهى في العدة ~~ورثته باتفاق المسلمين وإن كان الطلاق بائنا كالمطلقة ms9066 ثلاثا ورثته أيضا عند ~~جماهير أئمة الاسلام وبه قضى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه لما ~~طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته بنت الأصبغ الكلبية طلقها ثلاثا في مرض موته ~~فشاور عثمان الصحابة فاشاروا على أنها ترث منه ولم يعرف عن أحد من الصحابة ~~في ذلك خلاف # وإنما ظهر الخلاف في خلافة إبن الزبير فإنه قال لو كنت أنا لم أورثها ~~وإبن الزبير قد انعقد الاجماع قبل أن يصير من أهل الاجتهاد وإلى ذلك ذهب ~~أئمة التابعين ومن بعدهم وهو مذهب أهل العراق كالثورى وأبى حنيفة وأصحابه ~~ومذهب اهل المدينة كمالك وأصحابه ومذهب فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وأمثاله ~~وهو القول القديم للشافعى وفى الجديد وافق إبن الزبير لأن الطلاق واقع بحيث ~~لو ماتت هي لم يرثها هو بالاتفاق فكذلك لا ترثه هي ولأنها حرمت عليه ~~بالطلاق فلا يحل له وطؤها ولا الاستمتاع بها فتكون أجنبية فلا ترث # والجمهور قالوا إن المريض مرض الموت قد تعلق الورثة بماله من حين المرض ~~وصار محجورا عليه بالنسبة إليهم فلا يتصرف في مرض موته من التبرعات إلا ما ~~يتصرفه بعد موته فليس له في مرض الموت أن يحرم بعض الورثة ميراثه ويخص ~~بعضهم بالارث كما ليس له ذلك بعد الموت وليس له أن يتبرع لاجنبى بما زاد ~~على الثلث في مرض موته كما لا يملك ذلك بعد الموت PageV31P370 وفى الحديث ( ~~من قطع ميراثا قطع الله ميراثه من الجنة ( وإذا كان كذلك فليس له بعد المرض ~~أن يقطع حقها من الأرث لا بطلاق ولا غيره وإن وقع الطلاق بالنسبة له إذ له ~~أن يقطع نفسه منها ولا يقطع حقها منه وعلى هذا القول ففى وجوب العدة نزاع ~~هل تعتد عدة الطلاق أو عدة الوفاة أوأطولهما على ثلاثة أقوال أظهرها أنها ~~تعتد أبعد الأجلين وكذلك هل يكمل لها المهر قولان أظهرهما أنه يكمل لها ~~المهر أيضا فإنه من حقوقها التى تستقر كما تستحق الأرث ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل تزوج بامرأتين أحداهما مسلمة ms9067 والأخرى كتابية ~~ثم قال احداكما كما طالق ومات قبل البيان فلمن تكون التركة من بعده وأيهما ~~تعتد عدة الطلاق ### ||||| فأجاب # هذه المسألة فيها تفصيل ونزاع بين العلماء فمنهم من فرق بين أن ~~يطلق معينة وينساها أو يجهل عينها وبين أن يطلق مبهمة ويموت قبل تمييزها ~~بتعيينة أو تعريفه # ثم منهم من يقول يقع الطلاق بالجميع كقول مالك ومنهم من يقول لا يقع إلا ~~بواحدة كقوله الثلاثة وإذا قدر تعيينها ولم تعين فهل تقسم PageV31P371 ~~التركة بين المطلقة وغيرها كما يقوله أبو حنيفة أو يوقف الامر حتى يصطلحا ~~كما يقول الشافعى أو يقرع بين المطلقة وغيرها كما يقول أحمد وغيره من فقهاء ~~الحديث على ثلاثة أقوال # والقرعة بعد الموت هي قرعة على المال فلهذا قال بها من لم ير القرعة في ~~المطلقات والصحيح في هذه المسألة سواء كانت المطلقة مبهمة أو مجهولة أن ~~يقرع بين الزوجتين فإذا خرجت القرعة على المسلمة لم ترث هي ولا الذمية شيئا ~~اما هي فلأنها مطلقة وأما الذمية فإن الكافر لا يرث المسلم وإن خرجت القرعة ~~على الذمية ورثت المسلمة ميراث زوجة كاملة هذا إذا كان الطلاق طلاقا محرما ~~للميراث مثل أن يبينها في حال صحته # فأما إن كان الطلاق رجعيا في الصحة والمرض ومات قبل انقضاء العدة فهذه ~~زوجته ترث وعليها عدة الوفاة باتفاق الأئمة وتنقضى بذلك عدتها عند جمهورهم ~~كمالك والشافعى وأبى حنيفة وهو قول أحمد في أحدى الروايتين والمشهور عنه ~~أنها تعتد أطول الأجلين من مدة الوفاة والطلاق وإن كان الطلاق بائنا في مرض ~~الموت فإن جمهور العلماء على أن البائنة في مرض الموت ترث إذا كان طلقها ~~طلاقا فيه قصد حرمانها الميراث هذا قول مالك وهو يرثها وإن انقضت عدتها ~~وتزوجت وهو مذهب أبى حنيفة وهو يرثها ما دامت في العدة وهو المشهور عنه ~~مالم تتزوج وللشافعى ثلاثة أقوال كذلك لكن قوله الجديد أنها لا ترث ~~PageV31P372 # وأما إذا لم يتهم بقصد حرمانها فالأكثرون على أنها لا ترث فعلى هذا لا ~~ترث هذه المرأة ms9068 لأن مثل هذا الطلاق الذى لم يعين فيه لا يظهر فيه قصد ~~الحرمان ومن ورثها مطلقا كأحمد في إحدى الروايتين فالحكم عنده كذلك # وإذا ورثت المبتوتة فقيل تعتد أبعد الأجلين وهو ظاهر مذهب أحمد وقول أبى ~~حنيفة ومحمد وقيل تعتد عدة الطلاق فقط وهو قول مالك والشافعى المشهور عنه ~~ورواية عن أحمد وقول للشافعى # وأما صورة أنها لم تتبين المطلقة فإحداهما وجبت عليها عدة الوفاة والأخرى ~~عدة الطلاق وكل منهما وجبت عليه إحدى العدتين فاشتبه الواجب بغيره فلهذا ~~كان الأظهر هنا وجوب العدتين على كل منهما لأن الذمة لا تبرأ من أداء ~~الواجب إلا بذلك ) ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل توفى وخلف مستولدة له ثم بعد ذلك توفيت المستولدة وخلفت ولدا ذكرا ~~وبنتين فهل للبنات ولاء مع الذكر وهل يرثن معه شيئا PageV31P373 ### ||||| فأجاب # هذا فيه روايتان عن أحمد ( إحداهما ( وهو قول أبى حنيفة ومالك ~~والشافعى أن الولاء يختص بالذكور ( والثانية ( أن الولاء مشترك بين البنين ~~والبنات للذكر مثل حظ الأنثيين والله أعلم ) ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له جارية وله ولد فزنى بالجارية وهى تزنى مع غيره فجاءت بولد ~~ونسبته إلى ولده فاستلحقه ورضى السيد فهل يرث إذا مات مستلحقه أم لا ### ||||| فأجاب # إن كان الولد استلحقه في حياته وقال هذا ابنى لحقه النسب وكان من أولاده ~~إذا لم يكن له أب يعرف غيره وكذلك إن علم أن الجارية كانت ملكا للإبن فان ( ~~الولد للفراش وللعاهر الحجر ( ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن له والدة ولها جارية فواقعها بغير إذن والدته فحملت منه فولدت غلاما ~~وملكهما ويريد أن يبيع ولده من الزنى ### ||||| فأجاب # هذا ينبغى له أن يعتقه باتفاق العلماء بل قد تنازع العلماء هل يعتق ~~عليه من غير إعتاق على قولين PageV31P374 ( أحدهما ( أنه يعتق عليه وهو ~~مذهب أبى حنيفة وقول القاضي أبى يعلى من أصحاب أحمد ولكن مع هذا لا يرث هذا ~~لهذا ولا هذا لهذا # و ( الثانى ( لا يعتق عليه وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد في المنصوص عنه ~~والله أعلم ms9069 ) ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل أعطى لزوجته من صداقها جارية فأعتقتها ثم بعد مدة وطىء الجارية ~~فولدت ابنا وولدت زوجته بنتا وتوفى فهل يرث الابن الذى من الجارية مع بنت ~~زوجته ### ||||| فأجاب # إذا كان قد وطىء الجارية المعتقة بغير نكاح وهو يعلم أن الوطىء ~~حرام فولده ولد زنا لا يرث هذا الواطىء ولا يرثه الواطىء في مذهب الأئمة ~~الأربعة والله أعلم PageV31P375 ### ||| 2 باب العتق 2 # ( ### |||| سئل # عن عتق ولد الزنى # ( ### ||||| فأجاب # يجوز عتق ولد الزنى ويثاب بعتقه والله أعلم ### |||| ( وسئل الشيخ رحمه الله ( # عن رجل قرشى تزوج بجارية مملوكة فأولدها ولدا هل يكون الولد حرا أم يكون ~~عبدا مملوكا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إذا تزوج الرجل المرأة وعلم أنها مملوكة فإن ~~ولدها منه مملوك لسيدها باتفاق الأئمة فإن الولد يتبع أباه في النسب ~~والولاء ويتبع أمه في الحرية والرق # فإن كان الولد ممن يسترق جنسه بالاتفاق فهو رقيق بالاتفاق وإن كان ممن ~~تنازع الفقهاء في رقه وقع النزاع في رقه كالعرب # والصحيح أنه يجوز ( استرقاق العرب والعجم ( لما ثبت في الصحيحين عن أبى ~~هريرة رضى الله عنه قال لا أزال أحب بنى تميم بعد ثلاث PageV31P376 سمعنهن ~~من رسول الله يقولها فيهم سمعت رسول الله يقول ( هم أشد أمتى على الرجال ) ~~وجاءت صدقاتهم فقال النبى ( هذه صدقات قومنا ( قال وكانت سبية منهم عند ~~عائشة فقال النبى ( اعتقيها فإنها من ولد إسماعيل ( # وفى لفظ لمسلم ثلاث خلال سمعتهن من رسول الله في بنى تميم لاأزال أحبهم ~~بعدها كان على عائشة محرر فقال رسول الله ( أعتقى من هؤلاء ( وجاءت صدقاتهم ~~فقال ( هذه صدقات قومى ( وقال ( هم أشد الناس قتلا في الملاحم ( # وفى الصحيحين واللفظ لمسلم عن أبى أيوب الأنصارى عن النبى قال ( من قال ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ( ففى هذا الحديث أن بنى ~~إسماعيل يعتقون فدل على ثبوت الرق ms9070 عليهم كما أمر عائشة أن تعتق عن المحرر ~~الذى كان عليها ( من بنى إسماعيل ( وفيه ( من بنى تميم ( لأنهم من ولد ~~إسماعيل وفى صحيح البخارى عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة ( أن رسول ~~الله قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ~~فقال لهم النبى معي من ترون PageV31P377 وأحب الحديث إلى أصدقه فأختاروا ~~إحدى الطائفتين إما المال وإما السبي وقد كنت استأنيت بكم وكان انتظرهم ~~رسول الله بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله غير ~~راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا فانا نختار سبينا فقام رسول الله في ~~المسلمين واثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإن إخوانكم قد جاؤنا ~~تائبين وإنى رأيت إن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ومن ~~أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه من أول ما يفىء الله علينا فليفعل فقال ~~الناس طيبنا ذلك يا رسول الله فقال رسول الله أنا لا ندرى من أذن في ذلك ~~ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم فرجع الناس فكلمهم ~~عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد طيبوا ~~واذنوا ( ففى هذا الحديث الصحيح أنه سبى نساء هوازن وهم عرب وقسمهم بين ~~الغانمين فصاروا رقيقا لهم ثم بعد ذلك طلب أخذهم منهم إما تبرعا وإما ~~معاوضة وقد جاء في الحديث أنه اعتقهم كما في حديث عمر لما اعتكف وبلغه أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أعتق السبى فاعتق جارية كانت عنده والمسلمون كانو ~~يطؤن ذلك السبى بملك اليمين كما في سبى أوطاس وهو من سبي هوازن فإن النبى ~~قال فيه ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة ~~PageV31P378 وفى المسند للامام أحمد عن عائشة رضى الله عنها قالت ( قسم ~~رسول الله سبايا بنى المصطلق فوقعت جويرية بنت الحارث لثابت بن قيس بن شماس ~~أو لابن عم له كاتبته ms9071 على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة فاتت رسول الله ~~وقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيد قومه وقد أصابنى ~~من البلاء مالم يخف عليك وجئتك أستعينك على كتابتى فقال رسول الله هل لك في ~~خير من ذلك قالت وما هو يا رسول الله قال اقضى كتابتك واتزوجك قالت نعم يا ~~رسول الله قال قد فعلت قالت وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله تزوج جويرية ~~بنت الحارث فارسلوا ما بأيديهم قالت فقد عتق بتزوجه إياها مائة أهل بيت من ~~بنى المصطلق وما أعلم إمرأة كانت أعظم بركة على قومها منها ( وهذه الأحاديث ~~ونحوها مشهور بل متواترة أن النبى كان يسبى العرب وكذلك خلفاؤه بعده كما ~~قال الأئمة وغيرهم سبى النبى العرب وسبى أبو بكر بنى ناحية وكان يطارد ~~العرب بذلك الاسترقاق وقد قال الله لهم @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ~~ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم @QE@ وفى حديث أبى سعيد وغيره أنها نزلت في ~~المسبيات أباح الله لهم وطأها بملك اليمين PageV31P379 # وإذا سبيب واسترقت بدون زوجها جاز وطؤها بلا ريب وإنما فيه خلاف شاذ في ~~مذهب أحمد وحكى الخلاف في مذهب مالك قال إبن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من ~~أهل العلم على أن المرأة إذا وقعت في ملك ولها زوج مقيم بدار الحرب أن نكاح ~~زوجها قد انفسخ وحل لمالكها وطؤها بعد الاستبراء وأما إذا سبيت مع زوجها ~~ففيه نزاع بين أهل العلم # ومعلوم أن عامة السبى الذى كان يسبيه النبى كان في ( الحرب ( وقد قاتل ~~أهل الكتاب فإنه خرج لقتال النصارى عام تبوك ولم يجر بينهم قتال وقد بعث ~~إليهم السرية التى أمر عليها زيد ثم جعفر ثم عبد الله بن رواحة ومع هذا ~~فكان في النصارى العرب والروم وكذلك قاتل اليهود بخيبر والنظير وقينقاع ~~وكان في يهود العرب وبنوا اسرائيل وكذلك يهود اليمن كان فيهم العرب وبنو ~~اسرائيل # وأيضا فسبب الاسترقاق هو ( الكفر ( بشرط ( الحرب ( فالحر المسلم لا يسترق ~~بحال والمعاهد لا ms9072 يسترق والكفر مع المحاربة موجود في كل كافر فجاز استرقاقه ~~كما يجوز قتاله فكل ما أباح قتل المقاتلة أباح سبي الذرية وهذا حكم عام في ~~العرب والعجم وهذا مذهب مالك والشافعى في الجديد من قوليه وأحمد # وأما أبو حنيفة فلا يجوز استرقاق العرب كما لا يجوز ضرب الجزية عليهم لأن ~~العرب اختصوا بشرف النسب لكون النبى صلى الله عليه وسلم منهم PageV31P380 ~~واختص كفارهم بفرط عدوانه فصار ذلك مانعا من قبول الجزية كما أن المرتد لا ~~تؤخذ منه الجزية للتغليظ ولما حصل له من الشرف بالاسلام السابق واحتج بما ~~روى عن عمر أنه قال ليس على عربى ملك # والذين نازعوه لهم قولان في جواز استرقاق من لا تقبل منه الجزية هما ~~روايتان عن أحمد # ( أحداهما ( أن الاسترقاق كاخذ الجزية فمن لم تؤخذ منه الجزية لا يسترق ~~وهذا مذهب أبى حنيفة وغيره وهو اختيار الخرقى والقاضى وغيرهما من أصحاب ~~أحمد وهو قول الاصطخرى من أصحاب الشافعى وعند أبى حنيفة تقبل الجزية من كل ~~كافر الا من مشركى العرب وهو رواية عن أحمد فعلى هذا لا يجوز استرقاق مشركى ~~العرب لكون الجزية لا تؤخذ منهم ويجوز استرقاق مشركى العجم وهو قول الشافعى ~~بناء على قوله إن العرب لا يسترقون # والرواية الأخرى عن أحمد أن الجزية لا تقبل الا من أهل الكتاب والمجوس ~~كمذهب الشافعى فعلى هذا القول في مذهب أحمد لا يجوز استرقاق أحد من ~~المشركين لا من العرب ولا من غيرهم كاختيار الخرقى والقاضى وغيرهما وهذان ~~القولان في مذهب أحمد لا يمنع فيه الرق لأجل النسب لكن لأجل الدين فإذا سبى ~~عربية فاسلمت PageV31P381 استرقها وإن لم تسلم أجبرها على الاسلام وعلى هذا ~~يحملون ما كان النبى والصحابة يفعلونه من استرقاق العرب # وأما الرقيق الوثنى فلا يجوز اقراره عندهم برق كما يجوز بجزية وهذا كما ~~أن الصحابة سبوا العربيات والوثنيات ووطؤهم وقد قال النبى ( لا توطأ حامل ~~حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة ( ثم الأئمة الأربعة متفقون على ~~أن الوطأ ms9073 إنما كان بعد الاسلام وأن وطأ الوثنية لا يجوز كما لا يجوز ~~تزويجها # ( والقول الثانى ( أنه يجوز استرقاق من لا تؤخذ منهم الجزية من أهل ~~الاوثان وهو مذهب الشافعى وأحمد في الرواية الأخرى بناء على أن الصحابة ~~استرقوهم ولم نعلم أنهم أجبروهم على الاسلام ولأنه لا يجوز قتلهم فلا بد من ~~استرقاقهم والرق فيه من الغل ما ليس في أخذ الجزية وقد تبين مما ذكرناه أن ~~الصحيح جواز استرقاق العرب # وأما ( الأثر ( المذكور عن عمر إذا كان صحيحا صريحا في محل النزاع فقد ~~خالفه أبو بكر وعلى فإنهم سبوا العرب ويحتمل أن يكون قول عمر محمولا على أن ~~العرب أسلموا قبل أن يسترق رجالهم فلا يضرب عليهم رق كما أن قريشا اسلموا ~~كلهم فلم يضرب عليهم رق لأجل إسلامهم لا لأجل النسب ولم تتمكن الصحابة من ~~سبي نساء قريش كما تمكنوا PageV31P382 من سبي نساء طوائف من العرب ولهذا لم ~~يسترق منهم أحد ولم يحفظ عن النبى في النهى عن سبيهم شيء # وأما إذا تزوج العربى مملوكة فنكاح الحر للمملوكة لا يجوز إلا بشرطين خوف ~~العنت وعدم الطول إلى نكاح حرة في مذهب مالك والشافعى وأحمد وعللوا ذلك بأن ~~تزوجه يفضى إلى استرقاق ولده فلا يجوز للحر العربى ولا العجمى أن يتزوج ~~مملوكة إلا لضرورة وإذا تزوجها للضرورة كان ولده مملوكا وأما أبو حنيفة ~~فالمانع عنده أن تكون تحته حرة وهو يفرق في الاسترقاق بين العربى وغيره ) # وأما إذا وطىء الأمة بزنا فان ولدها مملوك لسيدها بالاتفاق وإن كان أبوه ~~عربيا لأن النسب غير لاحق وأما إذا وطئها بنكاح وهو يعتقدها حرة أو ~~استبرأها فوطئها يظنها مملوكته فهنا ولده حر سواء كان عربيا أو عجميا وهذا ~~يسمى ( المغرور ( فولد المغرور من النكاح أو البيع حر لاعتقاده أنه وطىء ~~زوجة حرة أو مملوكته وعليه الفداء لسيد الأمة كما قضت بذلك الصحابة لأنه ~~فوت سيد الأمة ملكهم فكان عليه الضمان وفى ذلك تفريع ونزاع ليس هذا موضعه ~~والله أعلم PageV31P383 ### |||| ( وسئل شيخ الاسلام رحمه ms9074 الله ( # عن رجل له مملوك هرب ثم رجع فلما رجع أخفى سكينته وقتل نفسه فهل يأثم ~~سيده وهل تجوز عليه صلاة ### ||||| فأجاب # الحمد لله لم يكن له أن يقتل نفسه وإن كان سيده قد ظلمه واعتدى ~~عليه بل كان عليه إذا لم يمكنه دفع الظلم عن نفسه أن يصبر إلى أن يفرج الله ~~فإن كان سيده ظلمه حتى فعل ذلك مثل أن يقتر عليه في النفقة أو يعتدى عليه ~~في الاستعمال أو يضربه بغير حق أو يريد به فاحشة ونحو ذلك فإن على سيده من ~~الوزر بقدر ما نسب إليه من المعصية # ولم يصل النبى على من قتل نفسه فقال لأصحابه ( صلوا عليه ( فيجوز لعموم ~~الناس أن يصلوا عليه وأما أئمة الدين الذين يقتدى بهم فإذا تركوا الصلاة ~~عليه زجرا لغيره اقتداء بالنبى فهذا حق والله أعلم PageV31P384 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن مماليك ضمنوا رجلا وكانوا مماليك انسان وهو مسلم نجس ببلاد التتر وهم ~~متفقون على طاعة الله ورسوله يطلبون الحج ويصلون ويزكون ويتصدقون وهو غلب ~~عليه العصيان يمنعهم عن طاعة الله ورسوله فلم تطب لهم مخالفة الله ورسوله ~~وهو قاطع طريق وشارب خمر وزان وتارك للصلاة وقاتل النفس التى حرم الله ~~ويطلبون منه البيع فلم يبعهم ويطلبون العتق فلم يعتقهم وكلما تلفظوا له ~~بشيء من ذلك ضربهم ويسجنهم فيموتوا جوعا فاتفقوا وهربوا إلى مصر طالبين ~~طاعة الله ورسوله فمنهم اليوم حجاج فهل في طاعة الله ورسوله نص لأجل ابقهم ### ||||| فأجاب # إذا كانوا كما ذكروا يمنعهم ذلك الرجل من فعل ما أمر الله ورسوله ~~ويكرههم على فعل ما نهى الله عنه ورسوله كان خروجهم من تحت يده جائزا بل ~~واجبا وقد أحسنوا فيما فعلوا فإنه لا حرمة لمن يكون كذلك إذ لو كان في طاعة ~~المسلمين فكيف إذا كان في طاعة التتر فإنه يجب قتاله وإن كان مسلما # وهؤلاء المهاجرون الذين فروا بأنفسهم قد أحسنوا في ذلك والعبد إذا هاجر ~~من أرض الحرب فإنه حر ولا حكم عليه لأحد PageV31P385 ### |||| ( وسئل ms9075 ( # عن نائب أخذ من مال مخدومه مبلغا وأشترى به مماليك فقيل له لأى شيء تأخذ ~~مال أستاذك وتشترى به مماليك فقال أشتريها له وهى باقية على ملكه ثم أعتقها ~~جميعها وأدعى في العتق أنها مماليكه وهو اليوم معسر عن قيمة ثمنهم فهل يصح ~~العتق ### ||||| فأجاب # إذا اشترى مماليك للرجل بإذنه فهم كذلك للرجل وإذا أعتقهم بغير إذن ~~المالك لم يصح عتقه وإن اشتراهم بمال الرجل بغير إذنه فلصاحب المال أن ~~يأخذهم وله أن يغرم هذا الغاصب ماله وإذا أعتقهم هذا المشترى فلصاحب المال ~~أن يأخذهم ويكون العتق باطلا والله أعلم # PageV31P386 ### | 1 ( كتاب النكاح ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده ### |||| ! 8 < سئل الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه # عمن أصابه سهم من سهام إبليس المسمومة ### ||||| فأجاب # من أصابه جرح مسموم فعليه بما يخرج السم ويبرئ الجرح بالترياق ~~والمرهم وذلك بأمور منها أن يتزوج أو يتسرى فإن النبي قال ( اذا نظر أحدكم ~~إلى محاسن امرأة فليأت أهله فإنما معها مثل ما معها ) وهذا مما ينقص الشهوة ~~ويضعف العشق الثاني أن يداوم على الصلوات الخمس والدعاء والتضرع وقت السحر ~~وتكون صلاته بحضور قلب وخشوع وليكثر من الدعاء بقوله ( يا مقلب القلوب ثبت ~~قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك وطاعة رسولك ) فإنه متى ~~أدمن الدعاء والتضرع لله صرف قلبه عن ذلك كما قال تعالى كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين PageV32P005 الثالث أن يبعد عن مسكن ~~هذا الشخص والاجتماع بمن يجتمع به بحيث لا يسمع له خبر ولا يقع له على عين ~~ولا أثر فإن البعد جفا ومتى قل الذكر ضعف الأثر في القلب فليفعل هذه الأمور ~~وليطالع بما تجدد له من الأحوال والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل ~~عازب ونفسه تتوق إلى الزواج غير أنه يخاف أن يتكلف من المرأة ما لايقدر ~~عليه وقد عاهد الله أن لا يسأل أحدا ms9076 شيئا فيه منة لنفسة وهو كثير التطلع ~~إلى الزواج فهل يأثم بترك الزواج أم لا ### ||||| فأجاب # قد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال ( يا معشر الشباب من استطاع ~~منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم ~~فإنه له وجاء ) واستطاعة النكاح ) هو القدرة على المؤنة ليس هو القدرة على ~~الوطء فإن الحديث إنما هو خطاب للقادر على فعل الوطء ولهذا أمر من لم يستطع ~~أن يصوم فإنه له وجاء ومن لا مال له هل يستحب أن يقترض ويتزوج فيه نزاع في ~~مذهب الإمام أحمد وغيره وقد قال تعالى @QB@ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ~~حتى يغنيهم الله من فضله @QE@ وأما ( الرجل الصالح ) فهو القائم بما يجب ~~عليه من حقوق الله وحقوق عباده PageV32P006 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل ~~خطب على خطبته رجل آخر فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال ( لا يحل للرجل أن يخطب ~~على خطبة أخيه ولا يستام على سوم أخيه ) ولهذا اتفق الأئمة الأربعة في ~~المنصوص عنهم وغيرهم من الأئمة على تحريم ذلك وإنما تنازعوا في صحة نكاح ~~الثاني على قولين أحدهما أنه باطل كقول مالك وأحمد في إحدى الروايتين ~~والآخر أنه صحيح كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى بناء على ~~أن المحرم هو ما تقدم على العقد وهو الخطبة ومن ابطله قال إن ذلك تحريم ~~للعقد بطريق الأولى ولا نزاع بينهم في أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله وإن نازع ~~في ذلك بعض أصحابهم والأصرار على المعصية مع العلم بها يقدح في دين الرجل ~~وعدالته وولايته على المسلمين PageV32P007 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن امرأة فارقت زوجها وخطبها رجل في عدتها وهو ينفق عليها فهل يجوز ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة ولو كانت في عدة وفاة ~~باتفاق المسلمين فكيف إذا كانت في عدة الطلاق ومن فعل ذلك يستحق العقوبة ~~التي تردعه وأمثاله عن ذلك فيعاقب الخاطب والمخطوبة ms9077 جميعا ويزجر عن التزويج ~~بها معاقبة له بنقيض قصده والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل طلق زوجته ثلاثا وأوفت ~~العدة عنده وخرجت وبعد وفاء العدة تزوجت وطلقت في يومها ولم يعلم مطلقها ~~إلا ثاني يوم فهل يجوز له أن يتفق معها إذا أوفت عدتها أن يراجعها ### ||||| فأجاب # ليس له في زمن العدة من غيره أن يخطبها ولا ينفق عليها ليتزوجها ~~وإذا كان الطلاق رجعيا لم يجز له التعريض أيضا وإن كان بائنا ففي جواز ~~التعريض نزاع هذا إذا كانت قد تزوجت بنكاح رغبة وأما إن كانت قد تزوجت ~~بنكاح محلل فقد ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ~~PageV32P008 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل خطب إبنة رجل من العدول ~~واتفق معه على المهر منه عاجل ومنه آجل وأوصل إلى والدها المعجل من مدة ~~أربع سنين وهو يواصلهم بالنفقة ولم يكن بينهم مكاتبة ثم بعد هذا جاء رجل ~~فخطبها وزاد عليه في المهر ومنع الزوج الأول ### ||||| فأجاب # لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه إذا أجيب إلى النكاح وركنوا ~~إليه باتفاق الأئمة كما ثبت عن النبي أنه قال ( لا يحل للرجل أن يخطب على ~~خطبة أخيه ) وتجب عقوبة من فعل ذلك وأعان عليه عقوبة تمنعهم وأمثالهم عن ~~ذلك وهل يكون نكاح الثاني صحيحا أو فاسدا فيه قولان للعلماء في مذهب مالك ~~وأحمد وغيرهما ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل يدخل على امرأة أخيه وبنات عمه وبنات ~~خاله هل يحل له ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجوز له أن يخلو بها ولكن إذا دخل مع غيره من غير خلوة ولا ريبة ~~جاز له ذلك والله أعلم PageV32P009 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل أملك على ~~بنت وله مدة سنين ينفق عليها ودفع لها وعزم على الدخول فوجد والدها قد ~~زوجها غيره ### ||||| فأجاب # قد ثبت عن النبي أنه قال ( المسلم أخو المسلم لا يحل للمسلم أن ~~يخطب على خطبة أخيه ولا يستام على سوم أخيه ولا يبيع على بيع أخيه ) فالرجل ms9078 ~~إذا خطب امرأة وركن إليه من إليه نكاحها كالأب المجبر فإنه لا يحل لغيره أن ~~يخطبها فكيف إذا كانوا قد ركنوا إليه وأشهدوا بالاملاك المتقدم للعقد ~~وقبضوا منه الهدايا وطالت المدة فإن هؤلاء فعلوا محرما يستحقون العقوبة ~~عليه بلا ريب ولكن العقد الثاني هل يقع صحيحا أو باطلا فيه قولان للعلماء ~~أحدهما وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد أن عقد الثاني باطل فتنزع منه ~~وترد إلى الأول والثاني أن النكاح صحيح وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي فيعاقب ~~من فعل المحرم ويرد إلى الأول جميع ما أخذ منه والقول الأول أشبه بما في ~~الكتاب والسنة PageV32P010 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل طلق زوجته ثلاثا ~~ولهما ولدان وهي مقيمة عند الزوج في بيته مدة سنين ويبصرها وتبصره فهل يحل ~~لها الأكل الذي تأكل من عنده أم لا وهل له عليها حكم أم لا ### ||||| فأجاب # المطلقة ثلاثا هي أجنبية من الرجل بمنزلة سائر الأجنبيات فليس ~~للرجل أن يخلو بها كما ليس له أن يخلو بالأجنبية وليس له أن ينظر إليها إلى ~~ما لا ينظر إليه من الأجنبية وليس له عليها حكم أصلا ولا يجوز له أن ~~يواطئها على أن تزوج غيره ثم تطلقه وترجع إليه ولا يجوز أن يعطيها ما تنفقه ~~في ذلك فإنها لو تزوجت رجلا غيره بالنكاح المعروف الذي جرت به عادة ~~المسلمين ثم مات زوجها أو طلقها ثلاثا لم يجز لهذا الأول أن يخطبها في ~~العدة صريحا باتفاق المسلمين كما قال تعالى @QB@ ولا جناح عليكم فيما عرضتم ~~به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا ~~تواعدوهن سرا @QE@ ونهاه أن يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله أي حتى ~~تنقضي العدة فإذا كان قد نهاه عن هذه المواعدة والعزم في العدة فكيف إذا ~~كانت في عصمة زوجها فكيف إذا كان الرجل لم يتزوجها بعد تواعد PageV32P011 ~~على أن تتزوجه ثم تطلقه وتزوج بها المواعد فهذا حرام باتفاق المسلمين سواء ~~قيل إنه يصح نكاح المحلل أو ms9079 قيل لا فلم يتنازعوا في أن التصريح بخطبة معتدة ~~من غيره أو متزوجة بغيره أو بخطبة مطلقة ثلاثا أنه لا يجوز ومن فعل ذلك ~~يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة باتفاق الأئمة ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل يتكلم شبه كلام النساء وهو ( طنجير ) هل يحل دخوله على النساء وما ~~الحكم فيه ### ||||| فأجاب # بل مثل هذا يجب نفيه وإخراجه فلا يسكن بين الرجال ولا بين النساء ~~فإن النبي نفى المخنث وأمر بنفي المخنثين وقال ( أخرجوهم من بيوتكم ) ومع ~~هذا فلم يكن طنجيرا فكيف الطنجير وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما ~~وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # في الأسباب التي بين الله وعباده وبين العباد الخلقية والكسبية الشرعية ~~والشرطية قال الله تعالى @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي ~~تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا @QE@ افتتح السورة بذكر خلق ~~الجنس الإنساني من نفس واحدة وأن زوجها مخلوق منها وأنه بث منهما الرجال ~~والنساء أكمل الأسباب وأجلها ثم PageV32P012 ذكر ما بين الآدميين من ~~الأسباب المخلوقة الشرعية كالولادة ومن الكسبية الشرطية كالنكاح ثم قال ~~@QB@ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام @QE@ قال طائفة من المفسرين من ~~السلف @QB@ تساءلون به @QE@ تتعاهدون به وتتعاقدون وهو كما قالوا لأن كل ~~واحد من المتعاقدين عقد البيع أو النكاح أو الهدنة أو غير ذلك يسأل الآخر ~~مطلوبه هذا يطلب تسليم المبيع وهذا تسليم الثمن وكل منهما قد أوجب على نفسه ~~مطلوب الآخر فكل منهما طالب من الآخر موجب لمطلوب الآخر ثم قال @QB@ ~~والأرحام @QE@ والعهود والأرحام هما جماع الأسباب التي بين بني آدم فإن ~~الأسباب التي بينهم أما أن تكون بفعل الله أو بفعلهم فالأول الأرحام ~~والثاني العهود ولهذا جمع الله بينهما في مواضع في مثل قوله @QB@ لا يرقبون ~~في مؤمن إلا ولا ذمة @QE@ فالإل القرابة والرحم والذمة العهد والميثاق وقال ~~تعالى في أول البقرة @QB@ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما ms9080 ~~أمر الله به أن يوصل @QE@ وقال @QB@ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ~~الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل @QE@ إلى قوله @QB@ والذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل @QE@ وأعلم ~~أن حق الله داخل في الحقين ومقدم عليهما ولهذا قدمه في قوله @QB@ اتقوا ~~ربكم الذي خلقكم @QE@ فإن الله خلق العبد وخلق أبويه وخلقه من أبويه فالسبب ~~الذي بينه وبين الله هو الخلقي التام بخلاف سبب الأبوين فإن أصل مادته ~~منهما وله مادة من غيرهما ثم إنهما لم يصوراه في الأرحام والعبد ليس له ~~مادة إلا PageV32P013 من أبويه والله هو خالقه وبارؤه ومصوره ورازقه وناصره ~~وهاديه وإنما حق الأبوين فيه بعض المناسبة لذلك فلذلك قرن حق الأبوين بحقه ~~في قوله @QB@ أن اشكر لي ولوالديك @QE@ وفي قوله @QB@ واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا @QE@ وفي قوله @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه وبالوالدين إحسانا @QE@ وجعل النبي صلى الله عليه وسلم التبرؤ من ~~الأبوين كفرا لمناسبته للتبريء من الرب وفي الحديث الصحيح ? < من أدعى إلى ~~غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر > ? أخرجاه في الصحيحين وقوله ( كفر بالله من ~~تبرء من نسب وإن دق ) وقوله ( لا ترغبوا عن آبائكم فان كفرا بكم أن ترغبوا ~~عن آبائكم ) فحق النسب والقرابة والرحم تقدمه حق الربوبية وحق القريب ~~المجيب الرحمن فإن غاية تلك أن تتصل بهذا كما قال الله ( أنا الرحمن خلقت ~~الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته ) وقال ( الرحم ~~شجنة من الرحمن ) وقال ( لما خلق لله الرحم تعلقت بحقو الرحمن فقالت هذا ~~مقام العائذ بك من القطيعة ) وقد قيل في قوله @QB@ لا يرقبون في مؤمن إلا ~~@QE@ إن الإل الرب كقول الصديق لما سمع قرآن مسيلمة إن هذا كلام لم يخرج من ~~إل وأما دخول حق الرب في العهود والعقود فكدخول العبد في الإسلام وشهادة أن ~~لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله فإن هذا عهد الإسلام وهو أشرف ~~العهود وأوكدها ms9081 وأعمها وأكملها PageV32P014 ### ||| 2 باب أركان النكاح وشروطه #2 قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى ### ||| فصل # عمدة من قال لا يصح النكاح إلا بلفظ الإنكاح والتزويج وهم أصحاب الشافعي ~~وبن حامد ومن وافقهم من أصحابنا كأبي الخطاب والقاضي وأصحابه ومن بعده إلا ~~في لفظ أعتقتك وجعل عتقك صداقك ) أنهم قالوا ما سوى هذين اللفظين ( كناية ) ~~والكناية لا تقتضي الحكم إلا بالنية والنية في القلب لا تعلم فلا يصح عقد ~~النكاح بالكناية لأن صحته مفتقرة إلى الشهادة عليه والنية لا يشهد عليها ~~بخلاف ما يصح بالكناية من طلاق وعتق وبيع فإن الشهادة لا تشترط في صحة ذلك ~~ومنهم من يجعل ذلك تعبدا لما فيه من ثبوت العبادات وهذا قول من لا يصححه ~~إلا بالعربية من أصحابنا وغيرهم وهذا ضعيف لوجوه أحدها لا نسلم أن ما سوى ~~هذين كناية بل ثم ألفاظ هي حقائق عرفية في العقد أبلغ من لفظ ( أنكحت ) فإن ~~هذا اللفظ مشترك بين الوطء والعقد ولفظ ( الإملاك ) خاص بالعقد لا يفهم إذا ~~قال القائل أملك فلان على فلانة إلا العقد كما في الصحيحين ( أملكتكها على ~~ما معك من القرآن ) سواء كانت الرواية باللفظ أو بالمعنى PageV32P015 ~~الثاني إنا لا نسلم أن الكناية تفتقر إلى النية مطلقا بل إذا قرن بها لفظ ~~من ألفاظ الصريح أو حكم من أحكام العقد كانت صريحة كما قالوا في ( الوقف ) ~~إنه ينعقد بالكناية كتصدقت وحرمت وأبدت إذا قرن بها لفظ أو حكم فإذا قال ~~أملكتكها فقال قبلت هذا التزويج أو أعطيتكها زوجة فقال قبلت أو أملكتكها ~~على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ونحو ذلك فقد قرن بها ~~من الألفاظ والأحكام ما يجعله صريحا الثالث أن إضافة ذلك إلى الحرة يبين ~~المعنى فإنه إذا قال في ابنته ملكتكها أو أعطيتكها أو زوجتكها ونحو ذلك ~~فالمحل ينفي الاجمال والاشتراك الرابع أن هذا منقوض عليهم بالشهادة في ~~الرجعة فإنها مشروعة اما واجبة وإما مستحبة وهي شرط في صحة الرجعة على قول ~~وبالشهادة ms9082 على البيع وسائر العقود فإن ذلك مشروع مطلقا سواء كان العقد ~~بصريح أو كناية مفسرة الخامس أن الشهادة تصح على العقد ويثبت بها عند ~~الحاكم على أي صورة انعقدت فعلم أن اعتبار الشهادة فيه لا يمنع ذلك السادس ~~أن العاقدين يمكنهما تفسير مرادهما ويشهد الشهود على ما فسروه PageV32P016 ~~( السابع ) أن الكناية عندنا إذا أقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في ~~الظاهر بلا نزاع ومعلوم أن اجتماع الناس وتقديم الخطبة وذكر المهر ~~والمفاوضة فيه والتحدث بأمر النكاح قاطع في إرادة النكاح وأما التعبد ~~فيحتاج إلى دليل شرعي ثم العقد جنس لا يشرع فيه التعبد بالألفاظ لأنها لا ~~يشترط فيها الإيمان بل تصح من الكافر وما يصح من الكافر لا تعبد فيه والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل وكل ذميا في قبول نكاح إمرأة مسلمة هل ~~يصح النكاح ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه المسألة فيها نزاع فإن الوكيل في قبول ~~النكاح لابد أن يكون ممن يصح منه قبوله النكاح لنفسه في الجملة فلو وكل ~~امرأة أو مجنونا أو صبيا غير مميز لم يجز ولكن إذا كان الوكيل ممن يصح منه ~~قبول النكاح بإذن وليه ولا يصح منه القبول بدون إذن وليه فوكل في ذلك مثل ~~أن يوكل عبدا في قبول النكاح بلا إذن سيده أو يوكل سفيها محجورا عليه بدون ~~[ إذن ] وليه أو يوكل صبيا مميزا بدون إذن وليه فهذا فيه قولان للعلماء في ~~مذهب أحمد وغيره وإن كان يصح منه قبول النكاح بغير إذن لكن في الصورة ~~المعينة لا يجوز لمانع فيه مثل أن يوكل في نكاح الأمة من لا يجوز له تزوجها ~~صحت الوكالة PageV32P017 وأما ( توكل الذمي ) في قبول النكاح له فهو يشبه ~~تزويج الذمي إبنته الذمية من مسلم ولوزوجها من ذمي جاز ولكن إذا زوجها من ~~مسلم ففيها قولان في مذهب أحمد وغيره قيل يجوز وقيل لا يجوز بل يوكل مسلما ~~وقيل لا يزوجها إلا الحاكم بإذنه وكونه وليا في تزويج المسلم مثل كونه ~~وكيلا في ms9083 تزويج المسلمة ومن قال إن ذلك كله جائز قال إن الملك في النكاح ~~يحصل للزوج لاللوكيل باتفاق العلماء بخلاف الملك في غيره فإن الفقهاء ~~تنازعوا في ذلك فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أن حقوق العقد تتعلق بالموكل ~~والملك يحصل له فلو وكل مسلم ذميا في شراء خمر لم يجز وأبو حنيفة يخالف في ~~ذلك وإذا كان الملك يحصل للزوج وهو الموكل للمسلم فتوكيل الذمي بمنزلة ~~توكله في تزويج المرأة بعض محارمها كخالها فإنه يجوز توكله في قبول نكاحها ~~للموكل وان كان لا يجوز له تزوجها كذلك الذمي إذا توكل في نكاح مسلم وان ~~كان لا يجوز له تزوج المسلمة لكن الأحوط ان لايفعل ذلك لما فيه من النزاع ~~ولأن النكاح فيه شوب العبادات ويستحب ( عقده في المساجد ) وقد جاء في ~~الآثار ( من شهد إملاك مسلم فكأنما شهد فتحا في سبيل الله ولهذا وجب في أحد ~~القولين مذهب أحمد وغيره ان يعقد بالعربية كالاذكار المشروعة وأذا كان كذلك ~~لم ينبغ ان يكون الكافر متوليا لنكاح مسلم ولكن لايظهر مع ذلك أن العقد ~~باطل فإنه ليس على بطلانه دليل شرعي والكافر يصح منه النكاح وليس هو من أهل ~~العبادات والله أعلم PageV32P018 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن مريض تزوج ~~في مرضه فهل يصح العقد ### ||||| فأجاب # نكاح المريض صحيح ترث المرأة في قول جماهير علماء المسلمين من ~~الصحابة والتابعين ولا تستحق إلا مهر المثل لا تستحق الزيادة على ذلك ~~بالاتفاق ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له بنت وهي دون البلوغ فزوجوها في غيبة ~~أبيها ولم يكن لها ولي وجعلوا أن أباها توفي وهو حي وشهدوا أن خالها أخوها ~~فهل يصح العقد أم لا ### ||||| فأجاب # إذا شهدوا أن خالها أخوها فهذه شهادة زور ولا يصير الخال وليا بذلك ~~بل هذه قد تزوجت بغير ولي فيكون نكاحها باطلا عند أكثر العلماء والفقهاء كا ~~الشافعي وأحمد وغيرهما وللأب أن يجدده ومن شهد أن خالها أخوها وان أباها ~~مات فهو شاهد زور يجب تعزيره ويعزر الخال وان كان ms9084 دخل بها فلها المهر ويجوز ~~ان يزوجها الأب في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد في المشهور عنه والله اعلم PageV32P019 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن امرأة لها اب وأخ ووكيل أبيها في النكاح وغيره حاضر فذهبت إلى الشهود وغيرت ~~اسمها واسم أبيها وادعت ان لها مطلقا يريد تجديد النكاح وأحضرت رجلا اجنبيا ~~وذكرت انه اخوها فكتبت الشهود كتابها على ذلك ثم ظهر ما فعلته وثبت ذلك ~~بمجلس الحكم فهل تعزر على ذلك وهل يجب تعزير المعرفين والذي ادعى أنه أخوها ~~والذي عرف الشهود بما ذكر وهل يختص التعزير بالحاكم أو يعزرهم ولي الأمر من ~~محتسب وغيره ### ||||| فأجاب # الحمد لله تعزر تعزيرا بلينا ولو عزرها ولي الأمر مرات كان ذلك ~~حسنا كما كان عمر بن الخطاب يكرر التعزير في الفعل إذا اشتمل على أنواع من ~~المحرمات فكان يعزر في اليوم الأول مائة وفي الثاني مائة وفي الثالث مائة ~~يفرق التعزير لئلا يفضي إلى فساد بعض الأعضاء وذلك ان هذه قد ادعت إلى غير ~~أبيها واستخلفت اخاها وهذا من الكبائر فقد ثبت في الصحيح عن النبي انه قال ~~( من ادعى إلى غير أبيه أوتولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس اجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ) بل قد ثبت في الصحيح عن ~~سعد وأبي بكرة انهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( من ادعى إلى غير ~~أبيه PageV32P020 فالجنة عليه حرام ) وثبت ماهو ابلغ من ذلك في الصحيح عن ~~أبي ذر عن النبي انه يقول ( ليس منا من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم الاكفر ~~ومن ادعى ماليس له فليس منا وليتبؤ مقعده من النار ومن رمى رجلا بالكفر أو ~~قال عدو الله وليس كذلك الاحار عليه ) وهذا تغليظ عظيم يقتضي ان يعاقب على ~~ذلك عقوبة عظيمة يستحق فيها مائة سوط ونحو ذلك وايضا فإنها لبست على الشهود ~~وأوقعتهم في العقود الباطلة ونكحت نكاحا باطلا فإن جمهور العلماء يقولون ~~النكاح بغير ولي باطل يعزرون من ms9085 يفعل ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه وهذا مذهب الشافعي وغيره بل طائفة منهم يقيمون الحد في ذلك بالرجم ~~وغيره ومن جوز النكاح بلا ولي مطلقا أو في المدينة فلم يجوز على هذا الوجه ~~من دعوى النسب الكاذب وأقامة الولي الباطل فكان عقوبة هذه متفقا عليها بين ~~المسلمين وتعاقب أيضا على كذبها وكذلك الدعوى انه كان زوجها وطلقها ويعاقب ~~الزوج ايضا وكذلك الذي ادعى انه أخوها يعاقب على هذين الريبتين واما ~~المعرفون بهم يعاقبون على شهادة الزور بالنسب لها والتزويج والتطليق وعدم ~~ولي حاضر وينبغي ان يبالغ في عقوبة هؤلاء فإن الفقهاء قد نصوا على ان شاهد ~~الزور يسود وجهه بما نقل عن عمر بن الخطاب رضي PageV32P021 الله عنه أنه ~~كان يسود وجهه اشارة إلى سواد وجهه بالكذب وانه كان يركبه دابة مقلوبا إلى ~~خلف اشارة إلى انه قلب الحديث ويطاف به حتى يشهره بين الناس انه شاهد زور ~~وتعزير هؤلاء ليس يختص بالحاكم بل يعزره الحاكم والمحتسب وغيرهما من ولاة ~~الأمور القادرين على ذلك ويتعين ذلك في مثل هذه الحال التي ظهر فيها فساد ~~كثير في النساء وشهادة الزور كثيرة فإن النبي قال ( ان الناس إذا رأوا ~~المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن إجبار الأب لابنته البكر البالغ على النكاح هل يجوز أم لا ### ||||| فأجاب # أما إجبار الأب لابنته البكر البالغه على النكاح ففيه قولان ~~مشهوران هما روايتان عن أحمد ( احدهما ) انه يجبر البكر البالغ كما هو مذهب ~~مالك والشافعي وهو اختيار الخرقي والقاضي وأصحابه و ( الثاني ) لا يجبرها ~~كمذهب أبي حنيفه وغيره وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز بن جعفر وهذا القول ~~هو الصواب والناس متنازعون في ( مناط الاءجبار ) هل PageV32P022 هو البكارة ~~أو الصغر أو مجموعها أو كل منهما على أربعة اقوال في مذهب أحمد وغيره ~~والصحيح ان مناط الاجبار هو الصغر وان البكر البالغ لايجبرها أحد على ~~النكاح فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ms9086 صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا ~~تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر ) فقيل له ان البكر تستحى فقال ~~( إذنها صماتها ) وفي لفظ في الصحيح ( البكر يستأذنها أبوها ) فهذا نهي ~~النبي لا تنكح حتى تستأذن وهذا يتناول الأب وغيره وقد صرح بذلك في الرواية ~~الأخرى الصحيحة وأن الأب نفسه يستأذنها وأيضا فإن الأب ليس له أن يتصرف في ~~مالها إذا كانت رشيدة الآ بإذنها وبضعها أعظم من مالها فكيف يجوز ان يتصرف ~~في بضعها مع كراهتها ورشدها وأيضا فإن الصغر سبب الحجر بالنص والاجماع وأما ~~جعل البكارة موجبة للحجر فهذا مخالف لأصول الإسلام فإن الشارع لم يجعل ~~البكارة سببا للحجر في موضع من المواضع المجمع عليها فتعليل الحجر بذلك ~~تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع وايضا فإن الذين قالوا بالاجبار اضطربوا ~~فيما إذا عينت كفوا وعين الأب كفوا آخر هل يؤخذ بتعيينها أو بتعيين الأب ~~على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد فمن جعل العبرة بتعيينها نقض أصله ومن جعل ~~PageV32P023 العبرة بتعيين الأب كان في قوله من الفساد والضرر والشر ما ~~لايخفى فإنه قد قال النبي في الحديث الصحيح ( الأيم أحق بنفسها من وليها ~~والبكر تستأذن واذنها صماتها ) وفي رواية ( الثيب احق بنفسها من وليها ) ~~فلما جعل الثيب احق بنفسها دل على ان البكر ليست احق بنفسها بل الولي احق ~~وليس ذلك إلا للأب والجد هذه عمدة المجبرين وهم تركوا العمل بنص الحديث ~~وظاهره وتمسكوا بدليل خطابه ولم يعلموا مراد الرسول وذلك ان قوله ( الأيم ~~احق بنفسها من وليها ) يعم كل ولي وهم يخصونه بالأب والجد ( والثاني ) قوله ~~( والبكر تستأذن ) وهم لا يوجبون استئذانها بل قالوا هو مستحب حتى طرد ~~بعضهم قياسه وقالوا لما كان مستحبا أكتفى فيه بالسكوت وادعى انه حيث يجب ~~استئذان البكر فلا بد من النطق وهذا قاله بعض أصحاب الشافعي واحمد وهذا ~~مخالف لا جماع المسلمين قبلهم ولنصوص رسول الله فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة ~~المستفيضة واتفاق الأئمة قبل هؤلاء انه إذا زوج البكر ms9087 اخوها أو عمها فإنه ~~يستأذنها وإذنها صماتها وأما المفهوم فالنبي فرق بين البكر والثيب كما قال ~~في الحديث الآخر ( لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر ) فذكر ~~في هذه لفظ 0 ( الاذن وفي هذه لفظ ( الأمر ) وجعل إذن هذه الصمات كما أن ~~إذن تلك النطق فهذان هما الفرقان اللذان فرق بهما النبي بين البكر ~~PageV32P024 والثيب لم يفرق بينهما في الاجبار وعدم الاجبار وذلك لأن ( ~~البكر ) لما كانت تستحي ان تتكلم في أمر نكاحها لم تخطب إلى نفسها بل تخطب ~~إلى وليها ووليها يستأذنها فتأذن له لا تأمره ابتداء بل تأذن له إذا ~~أستأذنها واذنها صماتها وأما الثيب فقد زال عنها حياء البكر فتتكلم بالنكاح ~~فتخطب إلى نفسها وتأمر الولي ان يزوجها فهي آمرة له وعليه ان يعطيها ~~فيزوجها من الكفؤ إذا أمرته بذلك فالولي مأمور من جهة الثيب ومستأذن للبكر ~~فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي صلى الله عليه وسلم واما تزويجها مع ~~كراهتها للنكاح فهذا مخالف للأصول والعقول والله لم يسوغ لو ليها ان يكرهها ~~على بيع أو إجارة إلا باذنها ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده فكيف ~~يكرهها على مباضعة ومعاشرة من تكره مباضعته ومعاشرة من تكره معاشرته والله ~~قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له ونفورها ~~عنه فأي مودة ورحمة في ذلك ثم إنه إذا وقع الشقاق بين الزوجين فقد أمر الله ~~ببعث حكم من أهله وحكم من أهلها و ( والحكمان ) كما سماها الله عز وجل هما ~~حكمان عند أهل المدينة وهو أحد القولين للشافعي وأحمد وعند أبي حنيفة ~~والقول الآخر هما ( وكيلان ) والأول اصح لأن الوكيل PageV32P025 ليس بحكم ~~ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة ولا يشترط ان يكون من الأهل ولا يختص بحال ~~الشقاق ولا يحتاج في ذلك إلى نص خاص ولكن إذا وقع الشقاق فلا بد من ولي ~~لهما يتولى امرهما لتعذر أختصاص أحدهما بالحكم على الآخر فأمر الله ان يجعل ~~امرهما ms9088 إلى اثنين من اهلهما فيفعلان ما هو الأصلح من جمع بينهما وتفريق ~~بعوض أو بغيره وهنا يملك الحكم الواحد مع الآخر الطلاق بدون إذن الرجل ~~ويملك الحكم الآخر مع الأول بذل العوض من مالها بدون إذنها لكونهما صارا ~~وليين لهما وطرد هذا القول ان الأب يطلق على ابنه الصغير والمجنون إذا رأى ~~المصلحة كما هو أحدى الروايتين عن أحمد وكذلك يخالع عن ابنته إذا رأى ~~المصلحة لها وأبلغ من ذلك انه إذا طلقهاقبل الدخول فللأب أن يعفو عن نصف ~~الصداق إذا قيل هو الذي بيده عقده النكاح كما هو قول مالك وأحمد في أحدى لا ~~الروايتين عنه والقرآن يدل على صحة هذا القول وليس الصداق كسائر مالها فإنه ~~وجب في الأصل نحلة وبضعها عاد إليها من غير نقص وكان إلحاق الطلاق بالفسوخ ~~فوجب ان لا يتنصف لكن الشارع جبرها بتنصيف الصداق لما حصل لها من الانكسار ~~به ولهذا جعل ذلك عوضا عن المتعة عند بن عمر والشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايات عنه فأوجبوا المتعة لكل مطلقة إلا لمن طلقت بعد الفرض وقبل ~~PageV32P026 الدخول والمسيس فحسبها ما فرض لها وأحمد في الروية الأخرى مع ~~أبي حنيفة وغيره لا يوجبون المتعة إلا لمن طلقت قبل الفرض والدخول ويجعلون ~~المتعة عوضا عن نصف الصداق ويقولون كل مطلقة فإنها تأخذ صداقا الا هذه ~~وأولئك يقولون الصداق استقر قبل الطلاق بالعقد والدخول والمتعة سببها ~~الطلاق فتجب لكل مطلقة لكن المطلقة بعد الفرض وقبل المسيس متعت بنصف الصداق ~~فلا تستحق الزيادة وهذا القول أقوى من ذلك القول فإن الله جعل الطلاق سبب ~~المتعة فلا يجعل عوضا عما سببه العقد والدخول لكن يقال على هذا فالقول ~~الثالث اصح وهو الرواية الأخرى عن أحمد ان كل مطلقة لها متعة كما دل عليه ~~ظاهر القرآن وعمومه حيث قال وللمطلقات متاع بالمعروف ) وايضا فإنه قد قال ( ~~إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) فأمر بتمتيع المطلقات قبل المسيس ~~ولم ms9089 يخص ذلك بمن لم يفرض لها مع ان غالب النساء يطلقهن بعد الفرض وأيضا ~~فإذا كان سبب المتعة هو الطلاق فسبب المهر هو العقد فالمفوضة التي لم يسم ~~لها مهرا يجب لها مهر المثل بالعقد ويستقر بالموت على القول الصحيح الذي دل ~~عليه حديث بروع بنت واشق التي تزوجت ومات عنها زوجها قبل ان يفرض لها مهر ~~وقضى لها النبي بإن ( لها مهر امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط ) لكن هذه لو ~~طلقت قبل PageV32P027 المسيس لم يجب لها نصف المهر بنص القرآن لكونها لم ~~تشترط مهرا مسمى والكسر الذي حصل لها بالطلاق انجبر بالمتعة وليس هذا موضع ~~بسط هذه المسائل ولكن ( المقصود ) أن الشارع لا يكره المرأة على النكاح إذا ~~لم ترده بل إذا كرهت الزوج وحصل بينهما شقاق فإنه يجعل أمرها إلى غير الزوج ~~لمن ينظر في المصلحة من أهلها مع من ينظر في المصلحة من أهله فيخلصها من ~~الزوج بدون أمره فكيف تؤسر معه أبدا بدون أمرها والمرأة أسيرة مع الزوج كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ~~أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن بنت بالغ وقد خطبت لقرابة لها فأبت وقال أهلها للعاقد اعقد وابوها حاضر ~~فهل يجوز تزويجها ### ||||| فأجاب # أما إن كان الزوج ليس كفؤا لها فلا تجبر على نكاحه بلا ريب وأما إن ~~كان كفؤا فللعلماء فيه قولان مشهوران لكن الأظهر في الكتاب والسنة ~~والاعتبار انها لا تجبر كما قال النبي ( صلى الله عليه وسلم لا تنكح البكر ~~حتى يستأذنها أبوها وإذنها صماتها ) والله أعلم PageV32P028 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل تزوج بكرا بولاية أبيها ولم يستأذن حين العقد وكان قدم العقد ~~عليها لزوج قبله وطلقت قبل الدخول بغير إصابة ثم دخل بها الزوج الثاني ~~فوجدها بنتا فكتم ذلك وحملت الزوجة منه واستقر الحال بينهما فلما علم الزوج ~~انها لم تستأذن [ حين ] العقد عليها سأل عن ذلك قيل له إن العقد ms9090 مفسوخ ~~لكونها بنتا ولم تستأذن فهل يكون العقد مفسوخا والوطوء شبهة ويلزم تجديد ~~العقد أم لا ### ||||| فأجاب # أما إذا كانت ثيبا من زوج وهي بالغ فهذه لا تنكح إلا بإذنها باتفاق ~~الأئمة ولكن إذا زوجت بغير إذنها ثم أجازت العقد جاز ذلك في مذهب أبي حنيفة ~~ومالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين ولم يجز في مذهب الشافعي وأحمد في ~~رواية أخرى وان كانت ثيبا من زنا فهي كالثيب من النكاح في مذهب الشافعي ~~وأحمد وصاحبي أبي حنيفة وفيه قول آخر أنها كالبكر وهو مذهب أبي حنيفة نفسه ~~ومالك وان كانت البكارة زالت بوثبة أو بأصبع أو نحو ذلك فهي كالبكر عند ~~الأئمة الأربعة وإذا كانت بكرا فالبكر يجبرها أبوها على النكاح وإن كانت ~~بالية في مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وفي الأخرى وهي ~~PageV32P029 مذهب أبي حنيفة وغيره ان الأب لا يجبرها إذا كانت بالغا وهذا ~~اصح مادل عليه سنة رسول الله وشواهد الأصول فقد تبين في هذه المسألة ان ~~أكثر العلماء يقولون إذا اختارت هي العقد جاز وإلا يحتاج إلى استئناف وقد ~~يقال هو الأقوى هنا لا سيما وإلاب إنما عقد معتقدا أنها بكر وانه لا يحتاج ~~إلى إستئذانها فإذا كانت في الباطن بخلاف ذلك كان معذورا فإذا اختارت هي ~~النكاح لم يكن هذا بمنزلة تصرف الفضولي ووقف العقد على الاجازة فيه نزاع ~~مشهور بين العلماء والأظهر فيه التفصيل بين بعضها وبعض كما هو مبسوط في غير ~~هذا الموضع وقال الشيخ رحمه الله ليس لأحد الأبوين ان يلزم الولد بنكاح من ~~لا يريد وانه إذا امتنع لا يكون عاقا وإذا لم يكن لأحد ان يلزمه بأكل ما ~~ينفر عنه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه كان النكاح كذلك وأولى فإن أكل ~~المكروه مرارة ساعة وعشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذي صاحبه كذلك ~~ولايمكن فراقه ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تحت حجر والده وقد تزوج بغير إذن ~~والده وشهد المعروفون ان والده مات وهو حي فهل يصح ms9091 العقد أم لا وهل يجب على ~~الولد إذا تزوج بغير إذن والده حق أم لا PageV32P030 ### ||||| فأجاب # إن كان سفيها محجورا عليه لا يصح نكاحه بدون إذن أبيه ويفرق بينهما ~~وإذا فرق بينهما قبل الدخول فلا شيء عليه وإن كان رشيدا صح نكاحه وإن لم ~~يأذن له أبوه وإذا تنازع الزوجان هل نكح وهو رشيد أو وهو سفيه فالقول قول ~~مدعي صحة النكاح ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل خطب امرأة ولها ولد والعاقد مالكي ~~فطلب العاقد الولد فتعذر حضوره وجيء بغيره وأجاب العاقد في تزويجها فهل يصح ~~العقد ### ||||| فأجاب # لا يصح هذا العقد وذلك لأن الولد وليها وإذا كان حاضرا غير ممتنع ~~لم تزوج إلا بإذنه فأما إن غاب غيبة بعيدة انتقلت الولاية إلى الأبعد أو ~~الحاكم ولو زوجها شافعي معقدا أن الولد لا ولاية له كان من مسائل الاجتهاد ~~لكن الذي زوجها مالكي يعتقد أن لا يزوجها إلا ولدها فإذا لبس عليه وزوجها ~~من يعتقده ولدها ولم يكن هذا الحاكم قد زوجها بولايته ولا زوجت بولاية ولي ~~من نسب أو ولاء فتكون منكوحة بدون إذن ولي أصلا وهذا النكاح باطل عند ~~الجمهور كما وردت به النصوص ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة خلاها أخوها في مكان ~~لتوفي عدة زوجها فلما انقضت العدة هربت إلى بلد مسيرة يوم وتزوجت بغير إذن ~~أخيها ولم يكن لها ولي غيره فهل يصح العقد أم لا PageV32P031 ### ||||| فأجاب # إذا لم يكن أخوها عاضلا لها وكان أهلا للولاية لم يصح نكاحها بدون ~~إذنه والحال هذه والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل تزوج بالغة من ~~جدها أبي أبيها وما رشدها ولا معه وصية من أبيها فلما دنت وفاة جدها أوصى ~~على البنت رجلا أجنبيا فهل للجد المذكور على الزوجة ولاية بعد أن أصابها ~~الزوج وهل له أن يوصي عليها ### ||||| فأجاب # أما إذا كانت رشيدة فلا ولاية عليها لا للجد ولا غيره باتفاق ~~الأئمة وإن كانت ممن يستحق الحجر عليها ففيه للعلماء قولان أحدهما أن الجد ~~له ولاية ms9092 وهذا مذهب أبي حنيفة والثاني لا ولاية له وهو مذهب مالك وأحمد في ~~المشهور عنه وإذا تزوجت الجارية ومضت عليها سنة وأولدها أمكن أن تكون رشيدة ~~باتفاق العلماء ### |||| وسئل # عمن برطل ولي امرأة ليزوجها إياه فزوجها ثم صالح صاحب ~~المال عنه فهل على المرأة من ذلك درك ### ||||| فأجاب # آثم فيما فعل وأما النكاح فصحيح ولا شيء على المرأة من ذلك ~~PageV32P032 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل له جارية وقد أعتقها وتزوج ~~بها ومات ثم خطبها من يصلح فهل لأولاد سيدها أن يزوجوها ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا خطبها من يصلح لها فعلى أولاد سيدها أن يزوجوها فإن ~~امتنعوا من ذلك زوجها الحاكم أو عصبة المعتق إن كان له عصبة غير أولاده لكن ~~من العلماء من يقدم الحاكم إذا عضل الولي الأقرب وهو مذهب الشافعي وأحمد في ~~رواية ومنهم من يقدم العصبة كأبي حنيفة في المشهور عنه فإذا لم يكن له عصبة ~~زوج الحاكم باتفاق العلماء ولو امتنع العصبة كلهم زوج الحاكم بالاتفاق وإذا ~~أذن العصبة للحاكم جاز باتفاق العلماء ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج معتقة ~~رجل وطلقها وتزوجت بآخر وطلقها ثم حضرت إلى البلد الذي فيه الزوج الأول ~~فأراد ردها ولم يكن معها براءة فخاف أن يطلب منه براءة فحضرا عند قاضي ~~البلد وادعى أنها جاريته وأولدها وأنه يريد عتقها ويكتب لها كتابا فهل يصح ~~هذا العقد أم لا PageV32P033 ### ||||| فأجاب # إذا زوجها القاضي بحكم أنه وليها وكانت خلية من الموانع الشرعية ~~ولم يكن لها ولي أولى من الحاكم صح النكاح وإن ظن القاضي أنها عتيقة وكانت ~~حرة الأصل فهذا الظن لا يقدح في صحة النكاح وهذا ظاهر على أصل الشافعي فإن ~~الزوج عنده لا يكون وليا وأما من يقول إن المعتقة يكون زوجها المعتق وليها ~~والقاضي نائبه فهنا إذا زوج الحاكم بهذه النيابة ولم يكن قبولها من جهتها ~~ولكن من كونها حرة الأصل فهذا فيه نظر والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن أعراب ~~نازلين على البحر وأهل بادية وليس ms9093 عندهم ولا قريبا منهم حاكم ولا لهم عادة ~~أن يعقدوا نكاحا إلا في القرى التي حولهم عند أئمتها فهل يصح عقد أئمة ~~القرى لهم مطلقا لمن لها ولي ولمن ليس لها ولي وربما كان أئمة ليس لهم إذن ~~من متول فهل يصح عقدهم في الشرع مع إشهاد من اتفق من المسلمين على العقود ~~أم لا وهل على الأئمة إثم إذا لم يكن في العقد مانع غير هذا الحال الذي هو ~~عدم إذن الحاكم للإمام بذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما من كان لها ولي من النسب وهو العصبة من النسب ~~اوالولاء مثل أبيها وجدها وأخيها وعمها وبن أخيها وبن عمها وعم أبيها وبن ~~عم أبيها وإن كانت معتقة فمعتقها أو عصبة معتقها فهذه يزوجها الولي بإذنها ~~والابن ولي عند الجمهور ولا يفتقر ذلك إلى حاكم باتفاق العلماء PageV32P034 ~~وإذا كان النكاح بحضرة شاهدين من المسلمين صح النكاح وإن لم يكن هناك أحد ~~من الأئمة ولو لم يكن الشاهدان معدلين عند القاضي بأن كانا مستورين صح ~~النكاح إذا أعلنوه ولم يكتموه في ظاهر مذهب الأئمة الأربعة ولو كان بحضرة ~~فاسقين صح النكاح أيضا عند أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ولو لم يكن ~~بحضرة شهود بل زوجها وليها وشاع ذلك بين الناس صح النكاح في مذهب مالك ~~وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وهذا أظهر قولي العلماء فإن المسلمين ~~ما زالوا يزوجون النساء على عهد النبي ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يأمرهم بالإشهاد وليس في اشتراط الشهادة في النكاح حديث ثابت لا في الصحاح ~~ولا في السنن ولا في المساند وأما من لا ولي لها فإن كان في القرية أو ~~الحلة نائب حاكم زوجها هو وأمير الأعراب ورئيس القرية وإذا كان فيهم إمام ~~مطاع زوجها أيضا بإذنها والله أعلم ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن رجل أسلم هل يبقى ~~له ولاية على أولاده الكتابيين ### ||||| فأجاب # لا ولاية له عليهم في النكاح كما لا ولاية له عليهم في الميراث فلا ms9094 ~~يزوج المسلم الكافرة سواء كانت بنته أو غيرها ولا يرث كافر مسلما ولا مسلم ~~كافرا وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف PageV32P035 لكن ~~المسلم إذا كان مالكا للأمة زوجها بحكم الملك وكذلك إذا كان ولي أمر زواجها ~~بحكم الولاية وأما بالقرابة والعتاقة فلا يزوجها إذ ليس في ذلك إلا خلاف ~~شاذ عن بعض أصحاب مالك في النصراني يزوج ابنته كما نقل عن بعض السلف أنه ~~يرثها وهما قولان شاذان وقد اتفق المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم ولا ~~يتزوج الكافر المسلمة والله سبحانه قد قطع الولاية في كتابه بين المؤمنين ~~والكافرين وأوجب البراءة بينهم من الطرفين وأثبت الولاية بين المؤمنين فقد ~~قال تعالى @QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ إلى قوله @QB@ إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا @QE@ إلى قوله @QB@ فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ والله ~~تعالى إنما أثبت الولاية بين أولى الأرحام بشرط الإيمان كما قال تعالى @QB@ ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض @QE@ PageV32P036 إلى قوله ~~@QB@ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض @QE@ إلى قوله @QB@ والذين آمنوا من ~~بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض @QE@ ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل له جارية معتوقة وقد طلبها منه رجل ليتزوجها ~~فحلف بالطلاق ما أعطيك إياها فهل يلزمه الطلاق إذا وكل رجلا في ms9095 زواجها لذلك ~~الرجل ### ||||| فأجاب # متى فعل المحلوف عليه بنفسه أو وكيله حنث لكن إذا كان الخاطب كفوا ~~فله أن يزوجها الولي الأبعد مثل ابنه أو أبيه أو أخيه أو يزوجها الحاكم ~~بإذنها ودون إذن المعتق فإنه عاضل ولا يحتاج إلى إذنه ولا حنث عليه إذا ~~زوجت على هذا الوجه ### |||| وسئل رحمه الله # عمن يعقد عقود الأنكحة بولي وشاهدي عدل ~~هل للحاكم منعه ### ||||| فأجاب # ليس للحاكم أن يمنع المذكور أن يتوكل للولي فيعقد العقد على الوجه ~~الشرعي لكن من لا ولي لها لا تزوج إلا بإذن السلطان وهو الحاكم والله أعلم ~~PageV32P037 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل خطب امرأة حرة لها ولي غير الحاكم ~~فجاء بشهود وهو يعلم فسق الشهود لكن لو شهدوا عند الحاكم قبلهم فهل يصح ~~نكاح المرأة بشهادتهم وإذا صح هل يكره ### ||||| فأجاب # نعم يصح النكاح والحال هذه و ( العدالة ) المشترطة في شاهدي النكاح ~~إنما هي أن يكونا مستورين غير ظاهري الفسق وإذا كانا في الباطن فاسقين وذلك ~~غير ظاهر بل ظاهرهما الستر انعقد النكاح بهما في أصح قولي العلماء في مذهب ~~أحمد والشافعي وغيرهما إذ لو اعتبر في شاهدي النكاح أن يكونا معدلين عند ~~الحاكم لما صح نكاح أكثر الناس إلا بذلك وقد علم أن الناس على عهد رسول ~~الله وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي كانوا يعقدون الأنكحة بمحضر من بعضهم وإن ~~لم يكن الحاضرون معدلين عند اولي الأمر ومن الفقهاء من قال يشترط أن يكونا ~~مبرزي العدالة فهؤلاء شهود الحكام معدلون عندهم وإن كان فيهم من هو فاسق في ~~نفس الأمر فعلى التقديرين ينعقد النكاح بشهادتهم وإن كانوا في الباطن فساقا ~~والله أعلم PageV32P038 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن حديث أبي هريرة رضي عنه ~~قال قال رسول الله ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن ~~قالوا يا رسول الله كيف إذنها قال أن تسكت ) متفق عليه وعن بن عباس رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( الأيم أحق بنفسها من ms9096 وليها ~~والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها ) وفي رواية ( البكر يستأذنها أبوها ~~في نفسها وصمتها إقرارها ) رواه مسلم في صحيحه وعن عائشة رضي الله عنها ~~قالت سألت رسول الله عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا فقال لها رسول ~~الله ( نعم تستأمر ) قالت عائشة فقلت له فإنها تستحي فقال رسول الله ( فذلك ~~إذنها إذا هي سكتت ) وعن خنساء ابنة خدام ( أن أباها زوجها وهي بنت فكرهت ~~ذلك فأتت رسول الله فرد نكاحه ) رواه البخاري ### ||||| فأجاب # المرأة لا ينبغي لأحد أن يزوجها إلا بإذنها كما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإن كرهت ذلك لم تجبر على النكاح إلا الصغيرة البكر فإن أباها ~~يزوجها ولا إذن لها وأما البالغ الثيب فلا يجوز تزويجها بغير إذنها ~~PageV32P039 لا للأب ولا لغيره بإجماع المسلمين وكذلك البكر البالغ ليس ~~لغير الأب والجد تزويجها بدون إذنها بإجماع المسلمين فأما الأب والجد ~~فينبغي لهما إستئذانها وأختلف العلماء في أستئذانها هل هو واجب أو مستحب ~~والصحيح أنه واجب ويجب على ولى المرأة أن يتقي الله فيمن يزوجها به وينظر ~~في الزوج هل هو كفؤ أو غير كفؤ فإنه إنما يزوجها لمصلحتها لا لمصلحته وليس ~~له أن يزوجها بزوج ناقص لغرض له مثل أن يتزوج مولية ذلك الزوج بدلها فيكون ~~من جنس الشغار الذي نهى عنه النبي أو يزوجها بأقوام يحالفهم على أغراض له ~~فاسدة أو يزوجها لرجل لمال يبذله له وقد خطبها من هو أصلح لها من ذلك الزوج ~~فيقدم الخاطب الذي برطله على الخاطب الكفؤ الذي لم يبرطله وأصل ذلك أن تصرف ~~الولي في بضع وليته كتصرفه في مالها فكما لا يتصرف في مالها إلا بما هو ~~أصلح كذلك لا يتصرف في بضعها إلا بما هو أصلح لها إلا أن الأب له من التبسط ~~في مال ولده ما ليس لغيره كما قال النبي ( أنت ومالك لأبيك ) بخلاف غير ~~الأب ### |||| وسئل رحمه الله # عن المرأة التي يعتبر إذنها في الزواج شرعا هل يشترط ~~الأشهاد عليها بإذنها لوليها أم ms9097 لا وإذا قال الولي إنها أذنت لي في تزويجها ~~من هذا PageV32P040 الشخص فهل للعاقد أن يعقد بمجرد قول الولي أم قولها ~~وكيفية الحكم في هذه المسالة بين العلماء ### ||||| فأجاب # الحمد لله الإشهاد على إذنها ليس شرطا في صحة العقد عند جماهير ~~العلماء وإنما فيه خلاف شاذ في مذهب الشافعي وأحمد فإن ذلك شرط والمشهور في ~~المذهبين كقول الجمهور إن ذلك لا يشترط فلو قال الولي أذنت لي في العقد ~~فعقد العقد وشهد الشهود على العقد ثم صدقته الزوجة على الإذن كان النكاح ~~ثابتا صحيحا باطنا وظاهرا وإن أنكرت الإذن كان القول قولها مع يمينها ولم ~~يثبت النكاح وداعوه الإذن عليها كما لو ادعى النكاح بعد موت الشهود ونحو ~~ذلك والذي ينبغي لشهود النكاح أن يشهدوا على إذن الزوجة قبل العقد لوجوه ~~ثلاثة أحدها إن ذلك عقد متفق على صحته ومهما أمكن أن يكون العقد متفقا على ~~صحته فلا ينبغي أن يعدل عنه إلى ما فيه خلاف وإن كان مرجوحا إلا لمعارض ~~راجح الوجه الثاني إن ذلك معونة على تحصيل مقصود العقد وأمان من جحوده لا ~~سيما في مثل المكان والزمان الذي يكثر فيه جحد النساء وكذبهن فإن ترك ~~الإشهاد عليها كثيرا ما يفضي إلى خلاف ذلك ثم إنه يفضي إلى أن تكون زوجة في ~~الباطن دون الظاهر وفي ذلك مفاسد متعددة PageV32P041 والوجه الثالث أن ~~الولي قد يكون كاذبا في دعوى الاستئذان وأن يحتال بذلك على أن يشهد أنه قد ~~زوجها وأن يظن الجهال أن النكاح يصح بدون ذلك إذا كان عند العامة أنها إذا ~~زوجت عند الحاكم صارت زوجة فيفضي إلى قهرها وجعلها زوجة بدون رضاها وأما ~~العاقد الذي هو نائب الحاكم إذا كان هو المزوج لها بطريق الولاية عليها لا ~~بطريق الوكالة للولي فلا يزوجها حتى يعلم أنها قد أذنت وذلك بخلاف ما إذا ~~كان شاهدا على العقد وأن زوجها الولي بدون إذنها فهو نكاح الفضولي وهو ~~موقوف على إذنها عند أبي حنيفة ومالك وهو باطل مردود عند الشافعي ms9098 وأحمد في ~~المشهور عنه ### |||| وسئل رحمه الله # عن بنت زالت بكارتها بمكروه ولم يعقد عليها عقد ~~قط وطلبها من يتزوجها فذكر له ذلك فرضي فهل يصح العقد بما ذكر إذا شهد ~~المعروفون أنها بنت لتسهيل الأمر في ذلك ### ||||| فأجاب # إذا شهدوا أنها ما زوجت كانوا صادقين ولم يكن في ذلك تلبيس على ~~الزوج لعلمه بالحال وينبغي استنطاقها بالأدب فإن العلماء متنازعون هل إذنها ~~إذا زالت بكارتها بالزنى الصمت أو النطق والأول مذهب الشافعي وأحمد كصاحبي ~~أبي حنيفة وعند أبي حنيفة ومالك إذنها الصمات كالتي لم تزل عذرتها ~~PageV32P042 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن بنت يتيمة ولها من العمر عشر سنين ولم ~~يكن لها أحد وهي مضطرة إلى من يكفلها فهل يجوز لأحد أن يتزوجها بإذنها أم ~~لا ### ||||| فأجاب # هذه يجوز تزويجها بكفؤ لها عند أكثر السلف والفقهاء وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه وغيرهما وقد دل على ذلك الكتاب والسنة كقوله ~~تعالى @QB@ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء @QE@ الآية وقد أخرجا تفسير هذه الآية في الصحيحين ~~عن عائشة وهو دليل في اليتيمة وزوجها من يعدل عليها في المهر لكن تنازع ~~هؤلاء هل تزوج بإذنها أم لا فذهب أبو حنيفة أنها تزوج بغير إذنها ولها ~~الخيار إذا بلغت وهي رواية عن أحمد وظاهر مذهب أحمد أنها تزوج بغير إذنها ~~إذا بلغت تسع سنين ولا خيار لها إذا بلغت لما في السنن عن النبي أنه قال ( ~~اليتيمة تستأذن في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وأن أبت فلا جواز عليها ) وفي ~~لفظ ( لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت فلا جواز ~~عليها PageV32P043 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن صغيرة دون البلوغ مات ~~أبوها هل يجوز للحاكم أو نائبه أن يزوجها أم لا وهل يثبت لها الخيار إذا ~~بلغت أم لا ### ||||| فأجاب # إذا بلغت تسع سنين فإنه يزوجها الأولياء من العصبات والحاكم ونائبه ~~في ظاهر مذهب أحمد وهو مذهب أبي ms9099 حنيفة وغيرهما كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة في مثل قوله تعالى @QB@ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~وترغبون أن تنكحوهن @QE@ وأخرجا في الصحيحين عن عروة بن الزبير أنه سأل ~~عائشة عن قول الله عز وجل @QB@ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع @QE@ قالت يا بن أختي هذه اليتيمة في ~~حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من ~~غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلا أن ~~يقسطوا لهن ويبلغوا بهن على سنتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم ~~من النساء سواهن قال عروة قالت عائشة ثم إن الناس استفتوا رسول الله بعد ~~هذه الآية فيهن فأنزل الله PageV32P044 عز وجل @QB@ ويستفتونك في النساء قل ~~الله يفتيكم فيهن @QE@ الآية قالت عائشة والذي ذكر الله أنه @QB@ يتلى ~~عليكم في الكتاب @QE@ الآية الأولى التي قالها الله عز وجل @QB@ وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ قالت عائشة وقول ~~الله عز وجل في الآية الأخرى @QB@ وترغبون أن تنكحوهن @QE@ رغبة أحدكم عن ~~يتيمته التي تكون في حجرة حيث تكون قليلة المال والحال وفي لفظ آخر إذا ~~كانت ذات مال وجمال رغبوا في نكاحها في إكمال الصداق وإذا كانت مرغوبا عنها ~~في قلة المال والجمال رغبوا عنها وأخذوا غيرها من النساء قال فكما يتركونها ~~حتى يرغبوا عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ~~ويعطوها حقها من الصداق فهذا يبين إن الله أذن لهم أن يزوجوا اليتامى من ~~النساء إذا فرضوا لهن صداق مثلهن ولم يأذن لهم في تزويجهن بدون صداق المثل ~~لأنها ليست من أهل التبرع ودلائل ذلك متعددة ثم الجمهور الذين جوزوا ~~انكاحها لهم قولان أحدهما وهو قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين إنها ~~تزوج بدون اذنها ولها ms9100 الخيار إذا بلغت والثاني وهو المشهور في مذهب أحمد ~~وغيره إنها لا تزوج إلا بإذنها ولا خيار لها إذا بائت وهذا هو الصحيح الذي ~~دلت عليه السنة كما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ( تستأذن PageV32P045 ~~اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها ) رواه أحمد ~~وأبو داود والترمذي والنسائي وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال ( ~~تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت فلا جواز عليها ) فهذه ~~السنة نص في القول الثالث الذي هو أعدل الأقوال أنها تزوج خلافا لمن قال ~~إنها لا تزوج حتى تبلغ فلا تصير يتيمة والكتاب والسنة صريح في دخول اليتيمة ~~قبل البلوغ في ذلك إذ البالغة التي لها أمر في مالها يجوز لها أن ترضى بدون ~~صداق المثل ولأن ذلك مدلول اللفظ وحقيقته ولأن ما بعد البلوغ وإن سمي صاحبه ~~يتيما مجازا فغايته أن يكون داخلا في العموم وإما أن يكون المراد باليتيمة ~~البالغة دون التي لم تبلغ فهذا لا يسوغ حمل اللفظ عليه بحال والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن بنت يتيمة ليس لها أب ولا لها ولي إلا أخوها وسنها ~~اثنا عشر سنة ولم تبلغ الحلم وقد عقد عليها أخوها بإذنها فهل يجوز ذلك أم ~~لا ### ||||| فأجاب # هذا العقد صحيح في مذهب أحمد المنصوص عنه في أكثر أجوبته الذي عليه ~~عامة أصحابه ومذهب أبي حنيفة أيضا لكن أحمد في المشهور عنه يقول إذا زوجت ~~بإذنها وإذن أخيها لم يكن لها الخيار إذا PageV32P046 بلغت وأبو حنيفة ~~وأحمد في رواية يقول تزوج بلا إذنها ولها الخيار إذا بلغت وهذا أحد القولين ~~في مذهب مالك أيضا ثم عنه رواية إن دعت حاجة إلى نكاحها ومثلها يوطأ جاز ~~وقيل تزوج ولها الخيار إذا بلغت وقال بن بشير اتفق المتأخرون إنه يجوز ~~نكاحها إذا خيف عليها الفساد والقول الثالث وهو قول الشافعي وأحمد في ~~الرواية الأخرى إنها لا تزوج حتى تبلغ إذا لم يكن لها أب وجد قالوا ms9101 لأنه ~~ليس لها ولي يجبر وهي في نفسها لا إذن لها قبل البلوغ فتعذر تزويجها بإذنها ~~وإذن وليها والقول الأول أصح بدلالة الكتاب والسنة والإعتبار فإن الله ~~تعالى يقول @QB@ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ~~في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من ~~خير فإن الله كان به عليما @QE@ وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها إن هذه ~~الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها فإن كان لها مال وجمال تزوجها ولم ~~يقسط في صداقها فإن لم يكن لها مال لم يتزوجها فنهى أن يتزوجها حتى يقسط في ~~صداقها من أجل رغبته عن نكاحها إذا لم يكن لها مال وقوله @QB@ قل الله ~~يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب @QE@ يفتيكم ونفتيكم في المستضعفين ~~فقد أخبرت PageV32P047 عائشة في هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ~~ومسلم إن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها وإن الله أذن له في ~~تزويجها إذا أقسط في صداقها وقد اخبر أنها في حجرة فدل على أنها محجور ~~عليها وايضا فقد ثبت في السنن من حديث أبي موسى وأبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن فإن سكتت فقد أذنت ~~وإن ابت فلا جواز عليها ) فيجوز تزويجها بإذنها ومنعه بدون إذنها وقد قال ( ~~لا يتم بعد احتلام ) ولو أريد ( باليتيم ) ما بعد البلوغ فبطريق المجاز فلا ~~بد أن يعم ما قبل البلوغ وما بعده أما تخصيص لفظ ( اليتيم ) بما بعد البلوغ ~~فلا يحتمله اللفظ بحال ولأن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه كما يصح ~~إحرامه بالحج بإذن الولي وكما يصح تصرفه في البيع وغيره بإذن وليه عند أكثر ~~العلماء كما دل على ذلك القرآن بقوله @QB@ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ~~النكاح @QE@ الآية فأمر بالابتلاء قبل البلوغ وذلك قد لا يأتي إلا بالبيع ~~ولا تصح وصيته وتدبيره ms9102 عند الجمهور وكذلك إسلامه كما يصح صومه وصلاته وغير ~~ذلك لما له في ذلك من المنفعة فإذا زوجها الولي بإذنها من كفؤ جاز وكان هذا ~~تصرفا بإذنها وهو مصلحة لها وكل واحد من هذين مصحح لتصرف المميز والله أعلم ~~PageV32P048 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن بنت دون البلوغ وحضر من يرغب في ~~تزويجها فهل يجوز للحاكم أن يزوجها أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان الخاطب لها كفؤا جاز تزويجها في اصح قولي ~~العلماء وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه ثم منهم من يقول تزوج بلا ~~أمرها ولها الخيار كمذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد ومنهم من يقول إذا بلغت ~~تسع سنين زوجت بإذنها ولا خيار لها إذا بلغت وهو ظاهر مذهب أحمد لقول النبي ~~( لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت فلا جواز عليها ) ~~رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وتزويج اليتيمة ثابت بالكتاب والسنة قال ~~تعالى @QB@ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان @QE@ وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها نزلت في اليتيمة التي يرغب وليها أن ينكحها إذا كان لها مال ولا ~~ينكحها إذا لم يكن لها مال فنهوا عن نكاحهن حتى يقسطوا لهن في الصداق فقد ~~أذن الله للولي أن ينكح اليتيمة إذا أصدقها صداق المثل والله أعلم ~~PageV32P049 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل تزوج يتيمة صغيرة وعقد عقدها ~~الشافعي المذهب ولم تدرك إلا بعد العقد بشهرين فهل هذا العقد جائز أم لا ### ||||| فأجاب # أما اليتيمة التي لم تبلغ قبل لا يجبرها على تزويجها غير الأب ~~والجد والأخ والعم والسلطان الذي هو الحاكم أو نواب الحاكم في العقود ~~للفقهاء في ذلك ثلاثة أقوال أحدها لا يجوز وهو قول الشافعي ومالك والإمام ~~أحمد في رواية والثاني يجوز النكاح بلا إذنها ولها الخيار إذا بلغت وهو ~~مذهب أبي حنيفة ورواية ms9103 عن أحمد والثالث أنها تزوج بإذنها ولا خيار لها إذا ~~بلغت وهذا هو المشهور من مذهب أحمد فهذه التي لم تبلغ يجوز نكاحها في مذهب ~~أبي حنيفة وأحمد وغيرهما ولو زوجها حاكم يرى ذلك فهل يكون تزويجه ~~PageV32P050 حكما لا يمكن نقضه أو يفتقر إلى حاكم غيره يحكم بصحة ذلك على ~~وجهين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أصحهما الأول لكن الحاكم المزوج هنا ~~شافعي فإن كان قد قلد قول من يصحح هذا النكاح وراعي سائر شروطه وكان ممن له ~~ذلك جاز وإن كان قد أقدم على ما يعتقد تحريمه كان فعله غير جائز وإن كان قد ~~ظنها بالغا فزوجها فكانت غير بالغ لم يكن في الحقيقة قد زوجها ولا يكون ~~النكاح صحيحا والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل وجد صغيرة فرباها فلما بلغت ~~زوجها الحاكم له ورزق منها أولادا ثم وجد لها أخ بعد ذلك فهل هذا النكاح ~~صحيح ### ||||| فأجاب # إذا كان لها أخ غائب غيبة منقطعة ولم يكن يعرف حينئذ لها أخ لكونها ~~ضاعت من أهلها حين صغرها إلى ما بعد النكاح لم يبطل النكاح المذكور والله ~~أعلم PageV32P051 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن بنت يتيمة وقد طلبها رجل ~~وكيل على جهات المدينة وزوج أمها كاره في الوكيل فهل يجوز أن يزوجها عمها ~~وأخوها بلا إذن منها أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله المرأة البالغ لا يزوجها غير الأب والجد بغير إذنها ~~باتفاق الأئمة بل وكذلك لا يزوجها الأب إلا بإذنها في أحد قولي العلماء بل ~~في أصحهما وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين كما قال النبي ( لا ~~تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر ) قالوا يا رسول الله فإن ~~البكر تستحي قال ( إذنها صماتها ) وفي لفظ ( يستأذنها أبوها وإذنها صماتها ~~) وأما العم والأخ فلا يزوجانها بغير إذنها باتفاق العلماء وإذا رضيت رجلا ~~وكان كفؤا لها وجب على وليها كالأخ ثم العم أن يزوجها به فإن عضلها وامتنع ~~من تزويجها زوجها الولي الأبعد منه أو الحاكم بغير ms9104 إذنه باتفاق العلماء ~~فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه ~~إذا كان كفؤا باتفاق الأئمة وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة ~~الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض لا لمصلحة المرأة ويكرهونها على ذلك ~~أو يخجلونها حتى تفعل ويعضلونها عن نكاح من يكون كفؤا لها لعداوة ~~PageV32P052 أو غرض وهذا كله من عمل الجاهلية والظلم والعدوان وهو مما حرمه ~~الله ورسوله واتفق المسلمون على تحريمه وأوجب الله على أولياء النساء أن ~~ينظروا في مصلحة المرأة لا في أهواءهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف ~~لغيره فإنه يقصد مصلحة من تصرف له لا يقصد هواه فإن هذا من الأمانة التي ~~أمر الله أن تؤدي إلى أهلها فقال @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل @QE@ وهذا من النصيحة ~~الواجبة وقد قال النبي ( الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا ~~لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج امرأة وقعدت معه أياما وجاء أناس ادعوا ~~أنها في المملكة وأخذوها من بيته ونهبوه ولم يكن حاضرا فهل يجوز أخذها وهي ~~حامل ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا لم يبين للزوج أنها أمة بل تزوجها نكاحا مطلقا كما ~~جرت به العادة وظن أنها حرة وقيل له إنها حرة فهو مغرور وولده منها حر لا ~~رقيق وأما النكاح فباطل إذا لم يجزه السيد باتفاق المسلمين وإن أجازه السيد ~~صح في مذهب أبي حنيفة ومالك في إحدى الروايتين ولم يصح في مذهب الشافعي ~~وأحمد في الرواية الأخرى بل يحتاج PageV32P053 إلى نكاح جديد وأما إن ظهرت ~~حاملا من غير الزوج فالنكاح باطل بلا ريب ولا صداق عليه إذا لم يدخل بها ~~وليس لهم أن يأخذوا شيئا من ماله بل كل ما أخذ من ماله رد إليه ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن تزويج المماليك بالجوار من غير عتق إذا كانوا لمالك ~~واحد ومن يعقد طرفي النكاح ms9105 في الطرفين لهما ولأولادهم وهل للسيد أن يتسرى ~~بهن ### ||||| فأجاب # تزويج المماليك بالإماء جائز سواء كانوا لمالك واحد أو لمالكين مع ~~بقائهم على الرق وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين والذي يزوج الأمة سيدها ~~أو وكيله وأما المملوك فهو يقبل النكاح لنفسه إذا كان كبيرا أو يقبل له ~~وكيله وإن كان صغيرا فسيده يقبل له فإذا كان الزوجان له قال بحضرة شاهدين ~~زوجت مملوكي فلان بأمتي فلانة وينعقد النكاح بذلك وأما العبد البالغ فهل ~~لسيده أن يزوجه بغير إذنه ويكرهه على ذلك فيه قولان للعلماء أحدهما لا يجوز ~~وهو مذهب الشافعي وأحمد والثاني يجبره وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والأمة ~~والمملوك الصغير يزوجهما بغير إذنهما بالاتفاق PageV32P054 وأما الأولاد ~~فهم تبع لامهم في الحرية والرق وهم تبع لأبيهم في النسب والولاء باتفاق ~~المسلمين فمن كان سيد الأم كان أولادها له سواء ولدوا من زوج أو من زنا كما ~~أن البهائم من الخيل والإبل والحمير إذا نرى ذكرها على أنثاها كان الأولاد ~~لمالك الأم ولو كانت الأم معتقة أو حرة الأصل والأب مملوكا كان الأولاد ~~أحرارا وأما النسب فإنهم ينتسبون إلى أبيهم وإذا كان الأب عتيقا والأم ~~عتيقة كانوا منتسبين إلى موالي الأب وإن كان الأب مملوكا انتسبوا إلى موالي ~~الأم فإن عتق الأب بعد ذلك أنجر الولاء من موالي الأم إلى موالي الأب وهذا ~~مذهب الأئمة الأربعة ومن كان مالكا للأم ملك أولادها وكان له أن يتسرى ~~بالبنات من أولاد إمائه إذا لم يكن يستمتع بالأم فإنه يستمع ببناتها فإن ~~استمتع بالأم فلا يجوز أن يستمتع ببناتها والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل شريف زوج ابنته وهي بكر بالغ لرجل غير شريف مغربي معروف بين الناس ~~بالصلاح برضى ابنته وإذنها ولم يشهد عليها الأب بالرضي فهل يكون ذلك قادحا ~~في العقد أم لا مع استمرار الزوجة بالرضي وذلك قبل الدخول وبعده وقدح قادح ~~فأشهدت الزوجة أن الرضا والإذن صدرا منها فهل يحتاج في ذلك تجديد العقد ~~PageV32P055 ### ||||| فأجاب # لا يفتقر ms9106 صحة النكاح إلى الاشهاد على إذن المرأة قبل النكاح في ~~المذاهب الأربعة إلا وجها ضعيفا في مذهب الشافعي وأحمد بل قال إذا قال ~~الولي أذنت لي جاز عقد النكاح والشهادة على الولي والزوج ثم المرأة بعد ذلك ~~إن أنكرت فالنكاح ثابت هذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وأما مذهب ~~أبي حنيفة ومالك وأحمد في راية عنه إذا لم تأذن حتى عقد النكاح جاز وتسمى ~~مسألة وقف العقود كذلك العبد إذا تزوج بدون إذن مواليه فهو على هذا النزاع ~~أما الكفاءه في النسب فالنسب معتبر عند مالك أما عند أبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه فهي حق للزوجة والأبوين فإذا رضوا بدون كفء ~~جاز وعند أحمد هي حق لله فلا يصح النكاح مع فراقها والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل زوج ابنة أخيه من ابنه والزوج فاسق لا يصلي وخوفوها حتى أذنت ~~في النكاح وقالوا إن لم تأذني وإلا زوجك الشرع بغير اختيارك وهو الآن يأخذ ~~مالها ويمنع من يدخل عليها لكشف حالها كأمها وغيرها PageV32P056 ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس للعم ولا غيره من الأولياء أن يزوج موليته بغير كفئ ~~إذا لم تكن راضية بذلك باتفاق الأئمة وإذا فعل ذلك استحق العقوبة الشرعية ~~التي تردعه وأمثاله عن مثل ذلك بل لو رضيت هي بغير كفئ كان لولي آخر غير ~~المزوج أن يفسخ النكاح وليس للعم أن يكره المرأة البالغة على النكاح بكفئ ~~فكيف إذا أكرهها على التزويج بغير كفئ بل لا يزوجها إلا بمن ترضاه باتفاق ~~المسلمين وإذا قال لها إن لم تأذني وإلا زوجك الشرع بغير اختيارك فأذنت ~~بذلك لم يصح هذا الإذن ولا النكاح المترتب عليه فإن الشرع لا يمكن غير الأب ~~والجد من إجبار الصغيرة باتفاق الأئمة وإنما تنازع العلماء في الأب والجد ~~في الكبيرة وفي الصغيرة مطلقا وإذا تزوجها بنكاح صحيح كان عليه أن يقوم بما ~~يجب لها ولا يتعدى عليها في نفسها ولا مالها وما أخذه من ذلك ضمنه وليس له ~~أن يمنع ms9107 من يكشف حالها إذا اشتكت بل إما أن يمكن من يدخل عليها ويكشف حالها ~~كالأم وغيرها وإما أن تسكن بجنب جيران من أهل الصدق والدين يكشفون حالها ~~والله أعلم PageV32P057 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له عبد وقد حبس نفسه وقصد ~~الزواج فهل له أن يتزوج أم لا ### ||||| فأجاب # نعم له التزوج على أصل من يجبر السيد على تزويجه كمذهب أحمد ~~والشافعي على أحد قوليه فإن تزويجه كالإنفاق عليه إذا كان محتاجا إلى ذلك ~~وقد قال تعالى @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم @QE@ ~~فأمر بتزويج العبيد والإماء كما أمر بتزويج الأيامي وتزويج الأمة إذا طلبت ~~النكاح من كفؤ واجب باتفاق العلماء والذي يأذن له في النكاح مالك نصفه أو ~~وكيله وناظر النصيب المحبس ### |||| وسئل # عن رجل تزوج عتيقة بعض بنات الملوك الذين ~~يشترون الرقيق من مالهم ومال المسلمين بغير إذن معتقها فهل يكون العقد ~~صحيحا أم لا ### ||||| فأجاب # أما إذا أعتقها من مالها عتقا شرعيا فالولاية لها باتفاق ~~العلماء وهي التي ترثها ثم أقرب عصباتها من بعدها PageV32P058 وأما تزويج ~~هذه العتيقة بدون إذن المعتقة فهذا فيه قولان مشهوران للعلماء فإن من لا ~~يشترط إذن الولي كأبي حنيفة ومالك في إحدى الروايتين يقول بأن هذا النكاح ~~يصح عنده لكن من يشترط إذن الولي كالشافعي وأحمد لهم قولان في هذه المسألة ~~وهما روايتان عن أحمد إحداهما أنها لا تزوج إلا بإذن المعتقة فإنها عصبتها ~~وعلى هذا فهل للمرأة نفسها أن تزوجها على قولين هما روايتان عن أحمد ~~والثاني أن تزويجها لا يفتقر إلى إذن المعتقة لأنها لا تكون ولية لنفسها ~~فلا تكون ولية لغيرها ولأنه لا يجوز تزوجها عندهم فلا يفتقر إلى إذنها فعلى ~~هذا يزوج هذه المعتقة من يزوج معتقها بإذن العتيقة مثل أخ المعتقة ونحوه إن ~~كان من أهل ولاية النكاح وإن لم يكن أهلا وزوجها الحاكم جاز وإلا فلا وإن ~~كانوا أهلا عند أبي حنيفة فالولاء لهم والحاكم يزوجها ### |||| وسئل # عن رجل خطب ~~امرأة فسئل عن نفقته فقيل له ms9108 من الجهات السلطانية شيء فأبي الولي تزويجها ~~فذكر الخاطب أن فقهاء الحنفية جوزوا تناول ذلك فهل ذكر ذلك أحد في جواز ~~تناوله من الجهات وهل للولي المذكور دفع الخاطب بهذا السبب مع رضاء ~~المخطوبة PageV32P059 ### ||||| فأجاب # أما الفقهاء الأئمة الذين يفتي بقولهم فلم يذكر أحد منهم جواز ذلك ~~ولكن في أوائل الدولة السلجوقية أفتى طائفة من الحنفية والشافعية بجواز ذلك ~~وحكى أبو محمد بن حزم في كتابه إجماع العلماء على تحريم ذلك وقد كان نور ~~الدين محمود الشهيد التركي قد أبطل جميع الوظائف المحدثة بالشام والجزيرة ~~ومصر والحجاز وكان أعرف الناس بالجهاد وهو الذي أقام الإسلام بعد استيلاء ~~الإفرنج والقرامطة على أكثر من ذلك ومن فعل ما يعتقد حكمه متأولا تأويلا ~~سائغا لا سيما مع حاجته لم يجعل فاسقا بمجرد ذلك لكن بكل حال فالولي له أن ~~يمنع موليته ممن يتناول مثل هذا الرزق الذي يعتقده حراما لا سيما وإن رزقها ~~منه فإذا كان الزوج يطعمها من غيره أو تأكل هي من غيره فله أن يزوجها إذا ~~كان الزوج متأولا فيما يأكله ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل زوج ابنته لشخص ولم ~~يعلم ما هو عليه فأقام في صحبة الزوجة سنين فعلم الولي والزوجة ما الزوج ~~عليه من النجس والفساد وشرب الخمر والكذب والأيمان الخائنة فبانت الزوجة ~~منه بالثلاث فهل يجوز للولي الإقدام على تزويجه أم لا ثم إن الولي استتوب ~~الزوج مرارا عديدة ونكث ولم يرجع فهل يحل تزويجها PageV32P060 ### ||||| فأجاب # إذا كان مصرا على الفسق فإنه لا ينبغي للولي تزويجها له كما قال ~~بعض السلف من زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها لكن إن علم أنه تاب فتزوج ~~به إذا كان كفؤا لها وهي راضية به وأما نكاح التحليل فقد ثبت عن النبي أنه ~~قال ( لعن الله المحلل والمحلل له ) ولا تجبر المرأة على نكاح التحليل ~~باتفاق العلماء ### |||| وسئل # عن الرافضة هل تزوج ### ||||| فأجاب # الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال ولا ينبغي للمسلم أن يزوج ~~موليته من رافضي وإن ms9109 تزوج هو رافضية صح النكاح إن كان يرجو أن تتوب وإلا ~~فترك نكاحها أفضل لئلا تفسد عليه ولده والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الرافضي ومن يقول لا تلزمه الصلوات الخمس هل يصح نكاحه من الرجال والنساء ~~فإن تاب من الرفض ولزم الصلاة حينا ثم عاد لما كان عليه هل يقر على ما كان ~~عليه من النكاح ### ||||| فأجاب # لا يجوز لأحد أن ينكح موليته رافضيا ولا من يترك الصلاة ومتى زوجوه ~~على أنه سني فصلى الخمس ثم ظهر أنه رافضي لا يصلي أو عاد إلى الرفض وترك ~~الصلاة فإنهم يفسخون النكاح PageV32P061 ### ||| 2 باب المحرمات في النكاح 2 ### |||| قاعدة في المحرمات في النكاح نسبا وصهرا ### |||| سئل الشيخ رحمه الله # عن بيانها مختصرا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما المحرمات بالنسب فالضابط فيه أن جميع ~~أقارب الرجل من النسب حرام عليه إلا بنات أعمامه وأخواله وعماته وخالاته ~~وهذه الأصناف الأربعة هن اللاتي أحلهن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~بقوله @QB@ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ~~ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ الآية فأحل سبحانه لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم من النساء أجناسا أربعة ولم يجعل خالصا له من دون المؤمنين ~~إلا الموهوبة التي تهب نفسها للنبي فجعل هذه من خصائصه له أن يتزوج ~~الموهوبة بلا مهر وليس هذا لغيره باتفاق المسلمين بل ليس لغيره أن يستحل ~~بضع امرأة إلا مع وجوب مهر كما قال تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين @QE@ واتفق العلماء على أن من تزوج ~~امرأة ولم يقدر لها مهرا صح النكاح ووجب لها المهر إذا دخل بها وإن طلقها ~~قبل الدخول فليس لها مهر بل PageV32P062 لها المتعة بنص القرآن وإن مات ~~عنها ففيها قولان وهي مسألة بروع بنت واشق التي استفتى ms9110 عنها بن مسعود شهرا ~~ثم قال أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطئا فمني ومن ~~الشيطان والله ورسوله بريئان منه لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط وعليها ~~العدة ولها الميراث فقام رجال من أشجع فقالوا نشهد ( إن رسول الله قضي في ~~بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به في هذه ) قال علقمة فما رأيت عبد الله فرح ~~بشيء كفرحة بذلك وهذا الذي أجاب به بن مسعود هو قول فقهاء الكوفة كأبي ~~حنيفة وغيره وفقهاء الحديث كأحمد وغيره وهو أحد قولي الشافعي والقول الآخر ~~له وهو مذهب مالك أنه لا مهر لها وهو مروي عن علي وزيد وغيرهما من الصحابة ~~وتنازعوا في النكاح إذا شرط فيه نفي المهر هل يصح النكاح على قولين في مذهب ~~أحمد وغيره أحدهما يبطل النكاح كقول مالك والثاني يصح ويجب مهر المثل كقول ~~أبي حنيفة والشافعي والأولون يقولون هو نكاح الشغار الذي أبطله النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه نفى فيه المهر وجعل البضع مهرا للبضع وهذا تعليل أحمد ~~بن حنبل في غير موضع من كلامه وهذا تعليل أكثر قدماء أصحابه والآخرون منهم ~~من يصحح نكاح الشغار كأبي حنيفة وقوله أقيس على هذا الأصل لكنه مخالف للنص ~~وآثار الصحابة فإنهم أبطلوا نكاح الشغار ومنهم من يبطله PageV32P063 ويعلل ~~البطلان إما بدعوى التشريك في البضع وإما بغير ذلك من العلل كما يفعله ~~أصحاب الشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وأتباعه والقول ~~الأول أشبه بالنص والقياس الصحيح كما قد بسط في موضعه وتنازعوا أيضا في ~~انعقاد النكاح مع المهر بلفظ التمليك والهبة وغيرهما فجوز ذلك الجمهور ~~كمالك وأبي حنيفة وعليه تدل نصوص أحمد وكلام قدماء أصحابه ومنعه الشافعي ~~وأكثر متأخري أصحاب أحمد كابن حامد والقاضي ومن تبعهما ولم أعلم أحدا قال ~~هذا قبل بن حامد من أصحاب أحمد والمقصود هنا إن الله تعالى لم يخص رسوله ~~صلى الله عليه وسلم إلا بنكاح الموهوبة بقوله @QB@ وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي إن ms9111 أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ فدل ~~ذلك على أن سائر ما أحله لنبيه حلال لأمته وقد دل على ذلك قوله @QB@ فلما ~~قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا @QE@ فلما احل امرأة المتبني لا سيما للنبي ~~ليكون ذلك إحلالا للمؤمنين دل ذلك على أن الإحلال له إحلال لأمته وقد أباح ~~له من أقاربه بنات العم والعمات وبنات الخال والخالات وتخصيصهن بالذكر يدل ~~على تحريم ما سواهن لا سيما وقد قال بعد ذلك @QB@ لا يحل لك النساء من بعد ~~ولا أن تبدل بهن من أزواج @QE@ أي من بعد هؤلاء PageV32P064 اللاتي ~~أحللناهن لك وهن المذكورات في قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت @QE@ فدخل في الأمهات أم ~~أبيه وأم أمه وإن علت بلا نزاع اعلمه بين العلماء وكذلك دخل في البنات بنت ~~ابنه وبنت بن ابنته وإن سفلت بلا نزاع أعلمه وكذلك دخل في الأخوات الأخت من ~~الأبوين والأب والأم ودخل في العمات والخالات عمات الأبوين وخالات الأبوين ~~وفي بنات الأخ والأخت ولد الأخوة وإن سفلن فإذا حرم عليه أصوله وفروعه ~~وفروع أصوله البعيدة دون بنات العم والعمات وبنات الخال والخالات وأما ~~المحرمات بالصهر فيقول كل نساء الصهر حلال له إلا أربعة أصناف بخلاف ~~الأقارب فأقارب الإنسان كلهن حرام إلا أربعة أصناف وأقارب الزوجين كلهن ~~حلال إلا أربعة أصناف وهن حلائل الاباء والأبناء وأمهات النساء وبناتهن ~~فيحرم على كل من الزوجين أصول الآخر وفروعه يحرم على الرجل أم امرأته وام ~~أمها وابيها وإن علت وتحرم عليه بنت إمرأته وهي الربيبة وبنت بنتها وإن ~~سفلت وبنت الربيب أيضا حرام كما نص عليه الأئمة المشهورون الشافعي وأحمد ~~وغيرهما ولا أعلم فيه نزاعا ويحرم عليه أن يتزوج بإمراة أبيه وإن علا ~~وإمرأة ابنه وإن سفل فهؤلاء الأربعة هن المحرمات بالمصاهرة في كتاب الله ~~وكل من الزوجين PageV32P065 يكون أقارب الآخر أصهارا له وأقارب الرجل أحماء ~~المرأة ms9112 وأقارب المرأة أختان الرجل وهؤلاء الأصناف الأربعة يحرمن بالعقد إلا ~~الربيبة فإنها لا تحرم حتى يدخل بأمها فإن الله لم يجعل هذا الشرط إلا في ~~الربيبة والبواقي أطلق فيهن التحريم فلهذا قال الصحابة أبهموا ما أبهم الله ~~وعلى هذا الأئمة الأربعة وجماهير العلماء وأما بنات هاتين وأمهاتهما فلا ~~يحرمن فيجوز له أن يتزوج بنت امرأة أبيه وابنه باتفاق العلماء فان هذه ليست ~~من حلائل الآباء والأبناء فإن الحليلة هي الزوجة وبنت الزوجة وأمها ليست ~~زوجة بخلاف الربيبة فإن ولد الربيب ربيب كما أن ولد الولد ولد وكذلك أم أم ~~الزوجة أم للزوجة وبنت أم الزوجة لم تحرم فإنها ليست أما فلهذا قال من قال ~~من الفقهاء بنات المحرمات محرمات إلا بنات العمات والخالات وأمهات النساء ~~وحلائل الآباء والأبناء فجعل بنت الربيبة محرمة دون بنات الثلاثة وهذا مما ~~لا أعلم فيه نزاعا ومن وطىء امرأة بما يعتقده نكاحا فإنه يلحق به النسب ~~ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء فيما أعلم وإن كان ذلك النكاح ~~باطلا عند الله ورسوله مثل الكافر إذا تزوج نكاحا محرما في دين الإسلام فإن ~~هذا يلحقه فيه النسب وتثبت به المصاهرة فيحرم على كل واحد منهما أصول الآخر ~~وفروعه باتفاق العلماء وكذلك كل وطىء اعتقد أنه ليس حراما وهو حرام مثل ~~PageV32P066 من تزوج امرأة نكاحا فاسدا وطلقها وظن أنه لم يقع به الطلاق ~~لخطئه أو لخطأ من أفتاه فوطئها بعد ذلك فجاءه ولد فهنا يلحقه النسب وتكون ~~هذه مدخولا بها فتحرم وإن كانت ربيبة لم يدخل بأمها باتفاق العلماء فالكفار ~~إذا تزوج أحدهم امرأة نكاحا يراه في دينه وأسلم بعد ذلك ابنه كما جرى للعرب ~~الذين أسلم اولادهم وكما يجري في هذا الزمان كثيرا فهذا ليس له أن يتزوج ~~بامراة ابنه وإن كان نكاحها فاسدا باتفاق العلماء فالنسب يتبع باعتقاد ~~الوطئ للحل وإن كان مخطئا في اعتقاده والمصاهرة تتبع النسب فاذا ثبت النسب ~~فالمصاهرة بطريق الأولى وكذلك حرية الولد يتبع إعتقاد أبيه فإن الولد يتبع ~~أباه في ms9113 النسب والحرية ويتبع أمه في هذا باتفاق العلماء ويتبع في الدين ~~خيرهما دينا عند جماهير أهل العلم وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد واحد ~~القولين في مذهب مالك فمن وطأ أمة غيره بنكاح أو زنا كان ولده مملوكا ~~لسيدها وإن اشتراها ممن ظن أنه مالك لها أو تزوجها يظنها حرة فهذا يسمى ~~المغرور وولدها حر باتفاق الأئمة لاعتقاده أنه يطأ من يصير الولد بوطئها ~~حرا فالنسب والحرية يتبع إعتقاد الواطئ وإن كان مخطئا فكذلك تحريم المصاهرة ~~وإنما تنازع العلماء في الزنى المحض هل ينشر حرمة المصاهرة فيه نزاع مشهور ~~بين السلف والخلف التحريم قول أبي حنيفة وأحمد والجواز مذهب الشافعي وعن ~~مالك روايتان PageV32P067 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل كان له سرية ~~بكتاب ثم توفي إلى رحمة الله وله بن بن وقد تزوج سرية جده المذكور فهل يحل ~~ذلك ### ||||| فأجاب # لا يجوز له تزويج سرية جده التي كان يطؤها باتفاق المسلمين وإذا ~~تزوجها فرق بينهما ولا يحل ابقاؤه معها وإن استحل ذلك استتيب ثلاثا فإن تاب ~~وإلا قتل وقال الشيخ رحمه الله تعالى ### ||| فصل # وأما تحريم الجمع فلا يجمع بين الأختين بنص القرآن ولا بين المرأة وعمتها ~~ولا بين المرأة وخالتها لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى ~~فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي نهى عن ذلك فروى أنه قال ( إنكم إذا ~~فعلتم ذلك قطعتم بين أرحامكم ) ولو رضيت إحداهما بنكاح الأخرى عليها لم يجز ~~فإن الطبع يتغير ولهذا لما عرضت أم حبيبة على النبي أن يتزوج أختها فقال ~~لها النبي ( أو تحبين ذلك ) فقالت PageV32P068 لست لك بمخلية وأحق من شركني ~~في الخير أختي فقال ( إنها لا تحل لي ) فقيل له أنا نتحدث أنك ناكح درة بنت ~~أبي سلمة فقال ( لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي فإنها بنت أخي من ~~الرضاع أرضعتني وأباها أبا سلمة ثويبة أمة أبي لهب فلا تعرضن علي بناتكن ~~ولا أخواتكن ) وهذا متفق عليه بين العلماء والضابط في ms9114 هذا إن كل امرأتين ~~بينهما رحم محرم فإنه يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز ~~له التزوج بالأخرى لأجل النسب فإن الرحم المحرم لها أربعة أحكام حكمان متفق ~~عليهما وحكمان متنازع فيهما فلا يجوز ملكهما بالنكاح ولا وطئها فلا يتزوج ~~الرجل ذات رحمه المحرم ولا يتسرى بها وهذا متفق عليه بل هنا يحرم من الرضاع ~~ما يحرم من النسب فلا تحل له بنكاح ولا ملك يمين ولا يجوز له أن يجمع ~~بينهما في ملك النكاح فلا يجمع بين الاختين ولا بين المرأة وعمتها وبين ~~المرأة وخالتها وهذا أيضا متفق عليه ويجوز له أن يملكهما لكن ليس له أن ~~يتسراهما فمن حرم جمعهما في النكاح حرم جمعهما في التسري فليس له أن يتسرى ~~الأختين ولا الأمة زعمتها والامة وخالتها وهذا هو الذي استقر عليه قول أكثر ~~الصحابة وهو قول أكثر العلماء وهم متفقون على أنه لا يتسرى من تحرم عليه ~~بنسب أو رضاع وإنما تنازعوا في الجمع فتوقف بعض الصحابة فيها وقال أحلتهما ~~آية وحرمتهما PageV32P069 آية وظن أن تحريم الجمع قد يكون كتحريم العدد فإن ~~له يتسرى ما شاء من العدد ولا يتزوج الأباريع فهذا تحريم عارض وهذا عارض ~~بخلاف تحريم النسب والصهر فإنه لازم ولهذا تصير المرأة من ذوات المحارم ~~بهذا ولا تصير من ذوات المحارم بذلك بل أخت امرأته أجنبية منه لا يخلو بها ~~ولا يسافر بها كما لا يخلو بما زاد على أربع من النساء لتحريم ما زاد على ~~العدد وأما الجمهور فقطعوا بالتحريم وهو المعروف من مذاهب الأئمة الأربعة ~~وغيرهم قالوا لأن كل ما حرم الله في الآية بملك النكاح حرم بملك اليمين ~~وآية التحليل وهي قوله @QB@ أو ما ملكت أيمانكم @QE@ إنما أبيح فيها جنس ~~المملوكات ولم يذكر فيها ما يباح ويحرم من التسري كما لم يذكر ما يباح ~~ويحرم من الممهورات والمرأة يحرم وطئها إذا كانت معتدة ومحرمة وإن كانت ~~زوجة أو سرية وتحريم العدد كان لأجل وجوب العدل بينهن في القسم كما ms9115 قال ~~تعالى @QB@ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ~~ألا تعولوا @QE@ أي لا تجوروا في القسم هكذا قال السلف وجمهور العلماء وظن ~~طائفة من العلماء أن المراد أن لا تكثر عيالكم وقالوا هذا يدل على وجوب ~~نفقة الزوجة وغلط أكثر العلماء من قال ذلك لفظا ومعنى أما اللفظ فلأنه يقال ~~عال يعول إذا جار وعال يعيل إذا افتقر وأعال يعيل إذا كثر عياله وهو سبحانه ~~قال @QB@ تعولوا @QE@ لم يقل تعيلوا وأما المعنى فإن كثرة النفقة والعيال ~~يحصل بالتسري كما يحصل بالزوجات ومع هذا فقد أباح PageV32P070 مما ملكت ~~اليمين ما شاء الإنسان بغير عدد لأن المملوكات لا يجب لهن قسم ولا يستحققن ~~على الرجل وطئا ولهذا يملك من لا يحل له وطؤها كام امرأته وبنتها وأخته ~~وابنته من الرضاع ولو كان عنينا أو موليا لم يجب أن يزال ملكه عنها ~~والزوجات عليه أن يعدل بينهن في القسم وخير الصحابة أربعة فالعدل الذي ~~يطيقه عامة الناس ينتهي إلى الأربعة وأما رسول الله فإن الله قواه على ~~العدل فيما هو أكثر من ذلك على القول المشهور وهو وجوب القسم عليه وسقوط ~~القسم عنه على القول الآخر كما أنه لما كان أحق بالمؤمنين من أنفسهم احل له ~~التزوج بلا مهر قالوا وإذا كان تحريم جمع العدد إنما حرم لوجوب العدل في ~~القسم وهذا المعنى منتف في المملوكة فلهذا لم يحرم عليه أن يتسرى بأكثر من ~~أربع بخلاف الجمع بين الأختين فإنه إنما كان دفعا لقطيعة الرحم بينهما وهذا ~~المعنى موجود بين المملوكتين كما يوجد في الزوجتين فاذا جمع بينهما بالتسري ~~حصل بينهما من التغاير ما يحصل إذا جمع بينهما في النكاح فيفضي إلى قطيعة ~~الرحم ولما كان هذا المعنى هو المؤثر في الشرع جاز له أن يجمع بين المرأتين ~~إذا كان بينهما حرمة بلا نسب أو نسب بلا حرمة فالأول مثل ان يجمع بين ~~المرأة ms9116 وابنة زوجها كما جمع عبد الله بن جعفر لما مات علي بن أبي طالب بين ~~امرأة علي وابنته PageV32P071 وهذا يباح عند أكثر العلماء الأئمة الأربعة ~~وغيرهم فإن هاتين المرأتين وإن كانت احداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم ~~بالمصاهرة لا بالرحم والمعنى إنما كان بتحريم قطيعة الرحم فلم يدخل في آية ~~التحريم لا لفظا ولا معنى وأما إذا كان بينهما رحم غير محرم مثل بنت العم ~~والخال فيجوز الجمع بينهما لكن هل يكره فيه قولان هما روايتان عن أحمد لأن ~~بينهما رحما غير محرم وأما الحكمان المتنازع فيهما فهل له أن يملك ذا الرحم ~~المحرم وهل له أن يفرق بينهما في ملك فيبيع أحدهما دون الآخر هاتان فيهما ~~نزاع وأقوال ليس هذا موضعها وتحريم الجمع يزول بزوال النكاح فإذا ماتت إحدى ~~الاربع أو الأختين أو طلقها أو انفسخ نكاحها وانقضت عدتها كان له أن يتزوج ~~رابعة ويتزوج الأخت الأخرى باتفاق العلماء وإن طلقها طلاقا رجعيا لم يكن له ~~تزوج الأخرى عند عامة العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم وقد روى عبيدة ~~السلماني قال لم يتفق أصحاب محمد على شيء كاتفاقهم على أن الخامسة لا تنكح ~~في عدة الرابعة ولا تنكح الأخت في عدة أختها وذلك لأن الرجعية بمنزلة ~~الزوجة فإن كلا منهما يرث الآخر لكنها صائرة إلى البينونة وذلك لا يمنع ~~كونها زوجة كما لو أحالها إلى أجل مثل أن يقول إن أعطيتني ألفا في رأس ~~الحول فأنت طالق فإن هذه صائرة إلى بينونة PageV32P072 صغرى ومع هذا فهي ~~زوجة باتفاق العلماء وإذا قيل لا يمكن أن تعطيه العوض المعلق به فيدوم ~~النكاح قيل والرجعية يمكن أن يراجعها فيدوم النكاح وكذلك لو قال إن لم تلدي ~~في هذا الشهر فأنت طالق وكانت قد بقيت على واحدة فها هنا هي زوجة لا يزول ~~نكاحها إلا إذا انقضى الشهر ولم تلد وإن كانت صائرة إلى بينونة وإنما تنازع ~~العلماء هل يجوز له وطؤها كما تنازعوا في وطىء الرجعية وأما إذا كان الطلاق ~~بائنا فهل يتزوج الخامسة ms9117 في عدة الرابعة والأخت في عدة أختها هذا فيه نزاع ~~مشهور بين السلف والخلف والجواز مذهب مالك والشافعي والتحريم مذهب أبي ~~حنيفة وأحمد والله أعلم PageV32P073 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن قوم يتزوج هذا ~~أخت هذا وهذا أخت هذا أو ابنته وكلما أنفق هذا أنفق هذا وإذا كسا هذا كسا ~~هذا وكذلك في جميع الأشياء وفي الإرضاء والغضب إذا رضي هذا رضي هذا وإذا ~~أغضبها الآخر فهل يحل ذلك ### ||||| فأجاب # يجب على كل من الزوجين أن يمسك زوجته بمعروف أو يسرحها بإحسان ولا ~~له أن يعلق ذلك على فعل الزوج الآخر فإن المرأة لها حق على زوجها وحقها لا ~~يسقط بظلم أبيها وأخيها قال الله تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ ~~فإذا كان أحدهما يظلم زوجته وجب إقامة الحق عليه ولم يحل للآخر أن يظلم ~~زوجته لكونها بنتا للأول وإذا كان كل منهما يظلم زوجته لأجل ظلم الآخر ~~فيسحق كل منهما العقوبة وكان لزوجة كل منهما أن تطلب حقها من زوجها ولو شرط ~~هذا في النكاح لكان هذا شرطا باطلا من جنس نكاح الشغار وهو أن يزوج الرجل ~~أخته أو ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته أو أخته فكيف إذا زوجه على أنه إن ~~أنصفها أنصف الآخر وإن ظلمها ظلم الآخر زوجته فإن هذا محرم بإجماع المسلمين ~~ومن فعل ذلك استحق العقوبة التى تزجره عن مثل ذلك PageV32P074 ### |||| وسئل الشيخ رحمه الله # عن رجل متزوج بخالة إنسان وله بنت فتزوج بها فجمع بين خالته ~~وابنته فهل يصح ### ||||| فأجاب # لا يجوز أن يتزوج خالة رجل وابنته بأن يجمع بينهما ~~فإن النبي ( نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ) وهذا ~~متفق عليه بين الأئمة الأربعة وهم متفقون على أن هذا الحديث يتناول خالة ~~الأب وخالة الأم والجدة ويتناول عمة كل من الأبوين أيضا فليس له أن يجمع ~~بين المرأة وخالة أبيها ولا خالة أمها عند الأئمة الأربعة ### |||| وسئل # عن رجل جمع ~~في نكاح واحد بين خالة رجل وابنة أخ له من الأبوين ms9118 فهل يجوز الجمع بينهما ~~أم لا ### ||||| فأجاب # الجمع بين هذه المرأة وبين الأخرى هو الجمع بين المرأة وبين خالة ~~أبيها فإن أباها إذا كان أخا لهذا الآخر من أمه أو أمه وأبيه كانت ~~PageV32P075 خالة هذا خالة هذا بخلاف ما إذا كان أخاه من أبيه فقط فإنه لا ~~تكون خالة أحدهما خالة الآخر بل تكون عمته والجمع بين المرأة وخالة أبيها ~~وخالة أمها أو عمة أبيها أو عمة أمها كالجمع بين المرأة وعمتها وخالتها عند ~~أئمة المسلمين وذلك حرام باتفاقهم وإذا تزوج إحداهما بعد الأخرى كان نكاح ~~الثانية باطلا لا يحتاج إلى طلاق ولا يجب بعقد مهر ولا ميراث ولا يحل له ~~الدخول بها وإن دخل بها فارقها كما تفارق الأجنبية فإن أراد نكاح الثانية ~~فارق الأولى فإذا انقضت عدتها تزوج الثانية فإن تزوجها في عدة طلاق رجعي لم ~~يصح العقد الثاني باتفاق الأئمة وإن كان الطلاق بائنا لم يجز في مذهب أبي ~~حنيفة وأحمد وجاز في مذهب مالك والشافعي فإذا طلقها طلقة أو طلقتين بلا عوض ~~كان الطلاق رجعيا ولم يصح نكاح الثانية حتى تنقضي عدة الأولى باتفاق الأئمة ~~فإن تزوجها لم يجز أن يدخل بها فإن دخل بها في النكاح الفاسد وجب عليه أن ~~يعتزلها فإنها أجنبية ولا يعقد عليها حتى تنقضي عدة الأولى المطلقة باتفاق ~~الأئمة وهل له أن يتزوج هذه الموطوءة بالنكاح الفاسد في عدتها منه فيه ~~قولان للعلماء أحدهما يجوز وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والثاني لا يجوز ~~وهو مذهب مالك وفي مذهب أحمد القولان PageV32P076 # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل اشترى جارية ووطأها ثم ملكها لولده فهل يجوز لولده وطؤها ### ||||| فأجاب # الحمد الله لا يجوز للابن أن يطأها بعد وطء أبيه والحال هذه باتفاق ~~المسلمين ومن استحل ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وفي السنن عن البراء ~~بن عازب قال رأيت خالي أبا بردة ومعه رايته فقلت إلى أين فقال ( بعثني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني ms9119 أن أضرب عنقه ~~وأخمس ماله ) ولا نزاع بين الأئمة أنه لا فرق بين وطئها بالنكاح وبين وطئها ~~بملك اليمين ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج بإمرأة من مدة سنة ولم يدخل بها ~~وطلقها قبل الإصابة فهل يجوز له أن يدخل بالأم بعد طلاق البنت ### ||||| فأجاب # لا يجوز تزويج أم امرأته وإن لم يدخل بها والله أعلم PageV32P077 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل طلق امرأته وهي مرضعة لولده فلبثت مطلقة ~~ثمانية أشهر ثم تزوجت برجل آخر فلبثت معه دورة شهر ثم طلقها فلبثت مطلقة ~~ثلاثة أشهر ولم تحض لا في الثمانية الأولى ولا في مدة عصمتها مع الرجل ~~الثاني ولا في الثلاثة الأشهر الأخيرة ثم تزوج بها المطلق الأول أبو الولد ~~فهل يصح هذان العقدان أو أحدهما ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يصح العقد الأول والثاني بل عليها أن تكمل عدة الأول ~~ثم تقضي عدة الثاني ثم بعد انقضاء العدتين تتزوج من شاءت منهما والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل تزوج امرأة من مدة ثلاث سنين رزق منها ولدا له ~~من العمر سنتان وذكرت أنها لما تزوجت لم تحض إلا حيضتين وصدقها الزوج وكان ~~قد طلقها ثانيا على هذا العقد المذكور فهل يجوز الطلاق على هذا العقد ~~المفسوخ PageV32P078 ### ||||| فأجاب # إن صدقها الزوج في كونها تزوجت قبل الحيضة الثالثة فالنكاح باطل ~~وعليه أن يفارقها وعليها أن تكمل عدة الأول ثم تعتد من وطىء الثاني فإن ~~كانت حاضت الثالثة قبل أن يطأها الثاني فقد انقضت عدة الأول ثم إذا فارقها ~~الثاني اعتدت له ثلاث حيض ثم تزوج من شاءت بنكاح جديد وولده ولد حلال يلحقه ~~نسبه وإن كان قد ولد بوطئ في عقد فاسد لا يعلم فساوه ### |||| وسئل رحمه الله # عن مطلقة ادعت وحلفت أنها قضت عدتها فتزوجها زوج ثان ثم حضرت امرأة أخرى وزعمت ~~أنها حاضت حيضتين وصدقها الزوج على ذلك ### ||||| فأجاب # إذا لم تحض إلا حيضتين فالنكاح الثاني باطل باتفاق الأئمة وإذا كان ~~الزوج مصدقا لها وجب أن يفرق ms9120 بينهما فتكمل عدة الأول بحيضة ثم تعتد من وطء ~~الثاني عدة كاملة ثم بعد ذلك إن شاء الثاني أن يتزوجها تزوجها ### |||| وسئل # عن امرأة بانت فتزوجت بعد شهر ونصف بحيضة واحدة ### ||||| فأجاب # تفارق هذا الثاني وتتم عدة الأول بحيضتين ثم بعد ذلك تعتد من وطء ~~الثاني بثلاث حيضات ثم بعد ذلك يتزوجها بعقد جديد PageV32P079 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل عقد العقد على أنها تكون بالغا ولم يدخل بها ولم ~~يصبها ثم طلقها ثلاثا ثم عقد عليها شخص آخر ولم يدخل بها ولم يصبها ثم ~~طلقها ثلاثا فهل يجوز للذي طلقها أولا أن يتزوج بها ### ||||| فأجاب # إذا طلقها قبل الدخول فهو كما لو طلقها بعد الدخول عند الأئمة ~~الأربعة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويدخل بها فإذا طلقها قبل الدخول لم ~~تحل للأول ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج بنتا بكرا ثم طلقها ثلاثا ولم يصبها ~~فهل يجوز أن يعقد عليها عقدا ثانيا أم لا ### ||||| فأجاب # طلاق البكر ثلاثا كطلاق المدخول بها ثلاثا عند أكثر الأئمة ~~PageV32P080 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عمن يقول إن المرأة إذا وقع بها الطلاق ~~الثلاث تباح بدون نكاح ثان للذي طلقها ثلاثا فهل قال هذا القول أحد من ~~المسلمين ومن قال هذا القول ماذا يجب عليه ومن استحلها بعد وقوع الثلاث ~~بدون نكاح ثان ماذا يجب عليه وما صفة النكاح الثاني الذي يبيحها للأول ~~أفتونا مأجورين مثابين يرحمكم الله ### ||||| فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله رب العالمين إذا وقع بالمرأة الطلاق الثلاث ~~فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ولم يقل ~~أحد من علماء المسلمين إنها تباح بعد وقوع الطلاق الثلاث بدون زوج ثان ومن ~~نقل هذا عن أحد منهم فقد كذب ومن قال ذلك أو استحل وطأها بعد وقوع الطلاق ~~الثلاث بدون نكاح زوج ثان فإن كان جاهلا يعذر بجهله مثل أن يكون نشأ بمكان ~~قوم لا يعرفون فيه شرائع الإسلام أو يكون حديث عهد بالإسلام أو نحو ms9121 ذلك ~~فإنه يعرف دين الإسلام فإن أصر على القول بأنها تباح بعد وقوع الثلاث بدون ~~نكاح ثان أو على استحلال هذا الفعل فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كأمثاله ~~من PageV32P081 المرتدين الذين يجحدون وجوب الواجبات وتحريم المحرمات وحل ~~المباحات التي علم أنها من دين الإسلام وثبت ذلك بنقل الأمة المتواتر عن ~~نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام وظهر ذلك بين الخاص والعام كمن يجحد وجوب ~~مباني الإسلام من الشهادتين والصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت ~~الحرام أو جحد تحريم الظلم وأنواعه كالربا والميسر أو تحريم الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن وما يدخل في ذلك من تحريم نكاح الأقارب سوى بنات العمومة ~~والخؤولة وتحريم المحرمات بالمصاهرة وهن أمهات النساء وبناتهن وحلائل ~~الآباء والأبناء ونحو ذلك من المحرمات أو حل الخبز واللحم والنكاح واللباس ~~وغير ذلك مما علمت اباحته بالإضطرار من دين الإسلام فهذه المسائل مما لم ~~يتنازع فيها المسلمون لا سنيهم ولا بدعيهم ولكن تنازعوا في مسائل كثيرة من ~~مسائل الطلاق والنكاح وغير ذلك من الأحكام كتنازع الصحابة والفقهاء بعدهم ~~في الحرام هل هو طلاق أو يمين أو غير ذلك وكتنازعهم في الكنايات الظاهرة ~~كالخلية والبرية والبتة هل يقع بها واحدة رجعية أو بائن أو ثلاث أو يفرق ~~بين حال وحال وكتنازعهم في المولي هل يقع به الطلاق عند انقضاء المدة إذا ~~لم يف فيها أم يوقف بعد انقضائها حتى يفيء أو يطلق وكتنازع العلماء في طلاق ~~السكران والمكره وفي الطلاق بالخط وطلاق PageV32P082 الصبي المميز وطلاق ~~الأب على ابنه وطلاق الحكم الذي هو من أهل الزوج بدون توكيله كما تنازعوا ~~في بذل أجر العوض بدون توكيلها وغير ذلك من المسائل التي يعرفها العلماء ~~وتنازعوا أيضا في مسائل تعليق الطلاق بالشرط ومسائل الحلف بالطلاق والعتاق ~~والظهار والحرام والنذر كقوله إن فعلت كذا فعلي الحج أو صوم شهر أو الصدقة ~~بألف وتنازعوا أيضا في كثير من مسائل الأيمان مطلقا في موجب اليمين وهذا ~~كتنازعهم في تعليق الطلاق بالنكاح هل يقع أو لا ms9122 يقع أو يفرق بين العموم ~~والخصوص أو بين ما يكون فيه مقصود شرعي وبين أن يقع في نوع ملك أو غير ملك ~~وتنازعوا في الطلاق المعلق بالشرط بعد النكاح على ثلاثة أقوال فقيل يقع ~~مطلقا وقيل لا يقع وقيل يفرق بين الشرط الذي يقصد وقوع الطلاق عند كونه ~~وبين الشرط الذي يقصد عدمه وعدم الطلاق عنده فالأول كقوله إن أعطيتني ألفا ~~فأنت طالق والثاني كقوله إن فعلت كذا فعبيدي أحرار ونسائي طوالق وعلي الحج ~~وأما النذر المعلق بالشرط فاتفقوا على أنه إذا كان مقصوده وجود الشرط كقوله ~~إن شفي الله مريضي أو سلم مالي الغائب فعلي صوم شهر أو الصدقة بمائة أنه ~~يلزمه وتنازعوا فيما إذا لم يكن مقصوده وجود الشرط بل مقصوده عدم الشرط وهو ~~حالف بالنذر كما إذا قال لا أسافر وإن سافرت PageV32P083 فعلي الصوم أو ~~الحج أو الصدقة أو علي عتق رقبة ونحو ذلك على ثلاثة أقوال فالصحابة وجمهور ~~السلف على أنه يجزيه كفارة يمين وهو مذهب الشافعي وأحمد وهو آخر الروايتين ~~عن أبي حنيفة وقول طائفة من المالكية كابن وهب وبن أبي العمر وغيرهما وهل ~~يتعين ذلك أم يجزيه الوفاء على قولين في مذهب الشافعي وأحمد وقيل عليه ~~الوفاء كقول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة وحكاه بعض المتأخرين قولا ~~للشافعي ولا أصل له في كلامه وقيل لا شيء عليه بحال كقول طائفة من التابعين ~~وهو قول داود وبن حزم وهكذا تنازعوا على هذه الأقوال الثلاثة فيمن حلف ~~بالعناق أو الطلاق أن لا يفعل شيئا كقوله إن فعلت كذا فعبدي حر أو امرأتي ~~طالق هل يقع ذلك إذا حنث أو يجزيه كفارة يمين أو لا شيء عليه على ثلاثة ~~أقوال ومنهم من فرق بين الطلاق والعتاق واتفقوا على أنه إذا قال إن فعلت ~~كذا فعلي إن أطلق امرأتي لا يقع به الطلاق بل ولا يجب عليه إذ لم يكن قربة ~~ولكن هل عليه كفارة يمين على قولين أحدهما يجب عليه كفارة يمين وهو مذهب ~~أحمد في ms9123 المشهور عنه ومذهب أبي حنيفة فيما حكاه بن المنذر والخطابي وبن ~~عبدالبر وغيرهم وهو الذي وصل إلينا في كتب أصحابه وحكى القاضي أبو يعلى ~~وغيره وعنه أنه لا كفارة فيه والثاني لا شيء عليه وهو مذهب الشافعي ~~PageV32P084 ### ||| فصل # وأما إذا قال إن فعلته فعلي إذا عتق عبدي فاتفقوا على أنه لا يقع العتق ~~بمجرد الفعل لكن يجب عليه العتق وهو مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أبي ~~حنيفة وقيل لا يجب عليه شيء وهو قول طائفة من التابعين وقول داود وبن حزم ~~وقيل عليه كفارة يمين وهو قول الصحابة وجمهور التابعين ومذهب الشافعي وأحمد ~~وهو مخير بين التكفير والأعتاق على المشهور عنهما وقيل يجب التكفير عينا ~~ولم ينقل عن الصحابة شيء في الحلف بالطلاق فيما بلغنا بعد كثرة البحث وتتبع ~~كتب المتقدمين والمتأخرين بل المنقول عنهم أما ضعيف بل كذب من جهة النقل ~~وإما أن لا يكون دليلا على الحلف بالطلاق فإن الناس لم يكونوا يحلفون ~~بالطلاق على عهدهم ولكن نقل عن طائفة منهم في الحلف بالعتق أن يجزيه كفارة ~~يمين كما إذا قال إن فعلت كذا فعبدي حر وقد نقل عن بعض هؤلاء نقيض هذا ~~القول وإنه يعتق وقد تكلمنا على أسانيد ذلك في غير هذا الموضع ومن قال من ~~الصحابة والتابعين إنه لا يقع العتق فإنه لا يقع الطلاق بطريق الأولى كما ~~صرح بذلك من صرح به من التابعين وبعض العلماء ظن أن الطلاق لا نزاع فيه ~~فاضطره ذلك إلى أن عكس موجب الدليل فقال يقع الطلاق دون العتاق وقد بسط ~~الكلام على هذه المسائل وبين ما فيها من مذاهب الصحابة والتابعين لهم ~~PageV32P085 بإحسان والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء المسلمين وحجة كل قوم ~~في غير هذا الموضع وتنازع العلماء فيما إذا حلف بالله أو الطلاق أو الظهار ~~أو الحرام أو النذر أنه لا يفعل شيئا ففعله ناسيا ليمينه أو جاهلا بأنه ~~المحلوف عليه فهل يحنث كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد واحد القولين للشافعي ~~وإحدى الروايات عن أحمد أو لا ms9124 يحنث بحال كقول المكيين والقول الآخر للشافعي ~~والرواية الثانية عن أحمد أو يفرق بين اليمين بالطلاق والعتاق وغيرهما ~~كالرواية الثالثة عن أحمد وهو اختيار القاضي والخرقي وغيرهما من أصحاب أحمد ~~والقفال من أصحاب الشافعي وكذلك لو اعتقد أن إمرأته بانت بفعل المحلوف عليه ~~ثم تبين له أنها لم تبن فقيه قولان وكذلك إذا حلف بالطلاق أو غيره على شيء ~~يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافة ففيه ثلاثة أقوال كما ذكر ولو حلف على ~~شيء يشك فيه ثم تبين صدقه ففيه قولان عند مالك يقع وعند الأكثرين لا يقع ~~وهو المشهور من مذهب أحمد والمنصوص عنه في رواية حرب التوقف في المسألة ~~فيخرج على وجهين كما إذا حلف ليفعلن اليوم كذا ومضى اليوم أو شك في فعله هل ~~يحنث على وجهين واتفقوا على أنه يرجع في اليمين إلى نية الحالف إذا احتملها ~~لفظه ولم يخالف الظاهر أو خالفه وكان مظلوما وتنازعوا هل يرجع إلى سبب ~~PageV32P086 اليمين وسياقها وما هيجها على قولين فمذهب المدنيين كمالك ~~وأحمد وغيره إنه يرجع إلى ذلك والمعروف في مذهب أبي حنيفة والشافعي أنه لا ~~يرجع لكن في مسائلهما ما يقتضي خلاف ذلك وأن كان السبب أعم من اليمين عمل ~~به عند من يرى السبب وإن كان خاصا فهل يقصر اليمين عليه فيه قولان في مذهب ~~أحمد وغيره وإن حلف على معين يعتقده على صفة فتبين بخلافها ففيه أيضا قولان ~~وكذلك لو طلق إمرأته بصفة ثم تبين بخلافها مثل أن يقول أنت طالق إن دخلت ~~الدار بالفتح أي لأجل دخولك الدار ولم تكن دخلت فهل يقع به الطلاق على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره وكذلك إذا قال أنت طالق لأنك فعلت كذا ونحو ذلك ~~ولم تكن فعلته ولو قيل له امرأتك فعلت كذا فقال هي طالق ثم تبين إنهم كذبوا ~~عليها ففيه قولان وتنازعوا في الطلاق المحرم كالطلاق في الحيض وكجمع الثلاث ~~عند الجمهور الذين يقولون إنه حرام ولكن الأربعة وجمهور العلماء يقولون ~~كونه حراما لا يمنع وقوعه ms9125 كما أن الظهار محرم وإذا ظاهر ثبت حكم الظهار ~~وكذلك النذر قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه نهى عنه ومع ~~هذا يجب عليه الوفاء به بالنص والإجماع والذين قالوا لا يقع اعتقدوا أن كل ~~ما نهى الله عنه فإنه يقع فاسدا لا يترتب عليه حكم والجمهور فرقوا بين أن ~~يكون الحكم يعمه لا يناسب فعل PageV32P087 المحرم كحل الأموال والإبضاع ~~وإجزاء العبادات وبين أن يكون عبادة تناسب فعل المحرم كالإيجاب والتحريم ~~فإن المنهي عن شيء إذا فعله قد تلزمه بفعله كفارة أو حد أو غير ذلك من ~~العقوبات فكذلك قد ينهى عن فعل شيء فإذا فعله لزمه به واجبات ومحرمات ولكن ~~لا ينهى عن شيء إذا فعله أحلت له بسبب فعل المحرم الطيبات فبرئت ذمته من ~~الواجبات فإن هذا من باب الإكرام والإحسان والمحرمات لا تكون سببا محضا ~~للإكرام والإحسان بل هي سبب للعقوبات إذا لم يتقوا الله تبارك وتعالى كما ~~قال تعالى @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر @QE@ إلى قوله تبارك وتعالى ~~@QB@ ذلك جزيناهم ببغيهم @QE@ وكذلك ما ذكره تعالى في قصة البقرة من كثرة ~~سؤالهم وتوقفهم عن امتثال أمره كان سببا لزيادة الايجاب ومنه قوله تعالى ~~@QB@ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم @QE@ وحديث النبي إن أعظم ~~المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ولما ~~سألوه عن الحج أفي كل عام قال ( لا ولو قلت نعم لوجب ولو وجب لم تطيقوه ~~ذروني ما تركتم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم فإذا نهيتم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم ) ومن هنا قال طائفة من العلماء إن الطلاق الثلاث حرمت به المرأة ~~عقوبة للرجل حتى لا يطلق فإن الله يبغض الطلاق وإنما يأمر به الشياطين ~~والسحرة كما قال تعالى في السحر @QB@ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين ~~المرء وزوجه ms9126 @QE@ وفي PageV32P088 الصحيح عن النبي إنه قال ( إن الشيطان ~~ينصب عرشه على البحر ويبعث جنوده فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتي ~~أحدهم فيقول ما زلت به حتى شرب الخمر فيقول الساعة يتوب ويأتي الآخر فيقول ~~ما زلت به حتى فرقت بينه وبين إمرأته فيقبله بين عينيه ويقول أنت أنت ) وقد ~~روى أهل التفسير والحديث والفقه أنهم كانوا في أول الإسلام يطلقون بغير عدد ~~يطلق الرجل المرأة ثم يدعها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ~~ضرارا فقصرهم الله على الطلقات الثلاث لأن الثلاث أول حد الكثرة وآخر حد ~~القلة ولولا ان الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضي تحريمه كما دلت ~~عليه الآثار والأصول ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعبادة لحاجتهم إليه ~~أحيانا وحرمه في مواضع باتفاق العلماء كما إذا طلقها في الحيض ولم تكن ~~سألته الطلاق فإن هذا الطلاق حرام باتفاق العلماء والله تعالى بعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بأفضل الشرائع وهي الحنيفية السمحة كما قال ( أحب الدين ~~إلى الله الحنيفية السمحة ) فأباح لعباده المؤمنين الوطء بالنكاح والوطء ~~بملك اليمين واليهود والنصارى لا يطئون إلا بالنكاح لا يطئون بملك اليمين ~~وأصل ابتداء الرق إنما يقع من السبي والغنائم لم تحل إلا لأمة محمد كما ثبت ~~في الحديث الصحيح إنه قال ( فضلنا على الأنبياء بخمس جعلت صفوفنا كصفوف ~~الملائكة PageV32P089 وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم ~~تحل لأحد كان قبلنا وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ~~وأعطيت الشفاعة فأباح سبحانه للمؤمنين أن ينكحوا وأن يطلقوا وإن يتزوجوا ~~المرأة المطلقة بعد أن تتزوج بغير زوجها والنصارى يحرمون النكاح على بعضهم ~~ومن أباحوا له النكاح لم يبيحوا له الطلاق واليهود يبيحون الطلاق لكن إذا ~~تزوجت المطلقة بغير زوجها حرمت عليه عندهم والنصارى لإطلاق عندهم واليهود ~~لا مراجعة بعد أن تتزوج غيره عندهم والله تعالى أباح للمؤمنين هذا وهذا ولو ~~أبيح الطلاق بغير عدد كما كان في أول الأمر لكان الناس يطلقون دائما إذا لم ms9127 ~~يكن أمر يزجرهم عن الطلاق وفي ذلك من الضرر والفساد ما أوجب حرمة ذلك ولم ~~يكن فساد الطلاق لمجرد حق المرأة فقط كالطلاق في الحيض حتى يباح دائما ~~بسؤالها بل نفس الطلاق إذا لم تدع إليه حاجة منهي عنه باتفاق العلماء إما ~~نهي تحريم أو نهي تنزيه وما كان مباحا للحاجة قدر بقدر الحاجة والثلاث هي ~~مقدار ما أبيح للحاجة كما قال النبي ( لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ~~ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) وكما قال ( ~~لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على ~~زوج PageV32P090 فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ) وكما رخص للمهاجر أن ~~يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا وهذه الأحاديث في الصحيح وهذا مما احتج به ~~من لا يرى وقوع الطلاق إلا من القصد ولا يرى وقوع طلاق المكره كما لا يكفر ~~من تكلم بالكفر مكرها بالنص والإجماع ولو تكلم بالكفر مستهزئا بآيات الله ~~وبالله ورسوله كفر كذلك من تكلم بالطلاق هازلا وقع به ولو حلف بالكفر فقال ~~إن فعل كذا فهو بريء من الله ورسوله أو فهو يهودي أو نصراني لم يكفر بفعل ~~المحلوف عليه وإن كان هذا حكما معلقا بشرط في اللفظ لأن مقصوده الحلف به ~~بغضاله ونفورا عنه لا إرادة له بخلاف من قال إن أعطيتموني ألفا كفرت فإن ~~هذا يكفر وهكذا يقول من يفرق بين الحلف بالطلاق وتعليقه بشرط لا يقصد كونه ~~وبين الطلاق المقصود عند وقوع الشرط ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إلى أن ~~الخلع فسخ للنكاح وليس هو من الطلقات الثلاث كقول بن عباس والشافعي وأحمد ~~في أحد قوليهما لأن المرأة افتدت نفسها من الزوج كافتدآء الأسير وليس هو من ~~الطلاق المكروه في الأصل ولهذا يباح في الحيض بخلاف الطلاق وأما إذا عدل هو ~~عن الخلع وطلقها إحدى الثلات بعوض فالتفريط منه وذهب طائفة من السلف كعثمان ~~بن عفان وغيره ورووا في ذلك حديثا مرفوعا وبعض ms9128 المتأخرين من أصحاب الشافعي ~~وأحمد جعلوه مع الأجنبي فسخا كالا قاله والصواب أنه مع الأجنبي كما هو مع ~~المرأة فإنه إذا كان افتداء المرأة كما يفدي PageV32P091 الأسير فقد يفتدي ~~الأسير بمال منه ومال من غيره وكذلك العبد يعتق بمال يبذله هو وما يبذله ~~الأجنبي وكذلك الصلح يصح مع المدعي عليه ومع أجنبي فإن هذا جميعه من باب ~~الإسقاط والإزالة وإذ كان الخلع رفعا للنكاح وليس هو من الطلاق الثلاث فلا ~~فرق بين أن يكون المال المبذول من المرأة أو من اجنبي وتشبيه فسخ النكاح ~~بفسخ البيع فيه نظر فإن البيع لا يزول إلا برضى المتابعين لا يستقل أحدهما ~~بإزالته بخلاف النكاح فإن المرأة ليس إليها إزالته بل الزوج يستقل بذلك لكن ~~افتدؤها نفسها منه كافتداء الأجنبي لها ومسائل الطلاق وما فيها من الاجماع ~~والنزاع مبسوط في غير هذا الموضوع والمقصود هنا إذا وقع به الثلاث حرمت ~~عليه المرأة بإجماع المسلمين كما دل عليه الكتاب والسنة ولا يباح إلا بنكاح ~~ثان وبوطئه لها عند عامة السلف والخلف فإن النكاح المأمور به يؤمر فيه ~~بالعقد وبالوطء بخلاف المنهي عنه فإنه ينهى فيه عن كل من العقد والوطء ~~ولهذا كان النكاح الواجب والمستحب يؤمر فيه بالوطء من العقد والنكاح المحرم ~~يحرم فيه مجرد العقد وقد ثبت في الصحيح أن النبي قال لإمرأة رفاعة القرظي ~~لما أرادت أن ترجع إلى رفاعة بدون الوطء ( لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق ~~عسيلتك ) وليس في هذا خلاف إلا عن سعيد بن المسيب فإنه مع أنه أعلم ~~التابعين لم تبلغه السنة في هذه المسألة والنكاح المبيح هو النكاح المعروف ~~عند المسلمين وهو النكاح الذي جعل الله فيه بين PageV32P092 الزوجين مودة ~~ورحمة ولهذا قال النبي فيه ( حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ) فأما نكاح ~~المحلل فإنه لا يحلها للأول عند جماهير السلف وقد صح عن النبي أنه قال ( ~~لعن الله المحلل والمحلل له ) وقال عمر بن الخطاب لا أوتي بمحلل ومحلل له ~~إلا رجمتهما وكذلك قال عثمان وعلي وبن عباس وبن ms9129 عمر وغيرهم إنه لا يبيحها ~~إلا بنكاح رغبة لا نكاح محلل ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه رخص في نكاح ~~التحليل ولكن تنازعوا في نكاح المتعة فإن نكاح المتعة خير من نكاح التحليل ~~من ثلاثة أوجه أحدها أنه كان مباحا في أول الإسلام بخلاف التحليل الثاني ~~أنه رخص فيه بن عباس وطائفة من السلف بخلاف التحليل فإنه لم يرخص فيه أحد ~~من الصحابة الثالث أن المتمتع له رغبة في المرأة وللمراة رغبة فيه إلى أجل ~~بخلاف المحلل فإن المرأة ليس لها رغبة فيه بحال وهو ليس له رغبة فيها بل في ~~أخذ ما يعطاه وإن كان له رغبة فهي من رغبته في الوطئ لا في اتخاذها زوجة من ~~جنس رغبة الزاني ولهذا قال بن عمر لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذ ~~الله علم من قلبه أنه يريد أن يحلها له ولهذا تعدم فيه خصائص النكاح فإن ~~النكاح المعروف كما قال تعالى @QB@ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة @QE@ PageV32P093 والتحليل فيه البغضة ~~والنفرة ولهذا لا يظهره أصحابه بل يكتمونه كما يكتم السفاح ومن شعائر ~~النكاح إعلانه كما قال النبي ( أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف ولهذا ~~يكفي في إعلانه الشهادة عليه عند طائفة من العلماء وطائفة أخرى توجب ~~الإشهاد والإعلان فإذا تواصوا بكتمانه بطل ومن ذلك الوليمة عليه والنثار ~~والطيب والشراب ونحو ذلك مما جرت به عادات الناس في النكاح وأما التحليل ~~فإنه لا يفعل فيه شيء من هذا لأن أهله لم يريدوا أن يكون المحلل زوج المرأة ~~ولا أن تكون المرأة امرأته وإنما المقصود استعارته لينزو عليها كما جاء في ~~الحديث المرفوع تسميته بالتيس المستعار ولهذا شبه بحمار العشريين الذي ~~يكترى للتقفيز على الإناث ولهذا لا تبقى المرأة مع زوجها بعد التحليل كما ~~كانت قبله بل يحصل بينهما نوع من النفرة ولهذا لما لم يكن في التحليل مقصود ~~صحيح يأمر به الشارع صار الشيطان يشبه به أشياء مخالفة للإجماع فصار طائفة ms9130 ~~من عامة الناس يظنون ان ولادتها لذكر يحلها أو أن وطئها بالرجل على قدمها ~~أو رأسها أو فوق سقف أو سلم هي تحته يحلها ومنهم من يظن إنهما إذا إلتقيا ~~بعرفات كما إلتقي آدم وامرأته أحلها ذلك ومنهن من إذا تزوجت بالمحلل به لم ~~تمكنه من نفسها بل تمكنه من أمة لها ومنهن من تعطيه شيئا وتوصيه بأن يقر ~~بوطئها ومنهم من يحلل الأم وبنتها إلى أمور أخر قد بسطت في غير هذا الموضع ~~بيناها PageV32P094 في كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل ولا ريب أن ~~المنسوخ من الشريعة وما تنازع فيه السلف خير من مثل هذا فإنه لو قدر أن ~~الشريعة تأتي بأن الطلاق لا عدد له لكان هذا ممكنا وإن كان هذا منسوخا وأما ~~أن يقال إن من طلق امرأته لا تحل له حتى يستكرى من يطأها فهذا لا تأتي به ~~شريعة وكثير من أهل التحليل يفعلون أشياء محرمة باتفاق المسلمين فإن المرأة ~~المعتدة لا يحل لغير زوجها أن يصرح بخطبتها سواء كانت معتدة من عدة طلاق أو ~~عدة وفاة قال تعالى @QB@ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو ~~أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله @QE@ فنهى ~~الله تعالى عن المواعدة سرا وعن عزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله وإذا ~~كان هذا في عدة الموت فهو في عدة الطلاق أشد باتفاق المسلمين فإن المطلقة ~~قد ترجع إلى زوجها بخلاف من مات عنها وأما التعريض فإنه يجوز في عدة ~~المتوفى عنها ولا يجوز في عدة الرجعية وفيما سواهما فهذه المطلقة ثلاثا لا ~~يحل لأحد أن يواعدها سرا ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق ~~المسلمين وإذا تزوجت بزوج ثان وطلقها ثلاثا لم يحل للأول أن يواعدها سرا ~~ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين وذلك أشد وأشد ~~PageV32P095 وإذا كانت مع زوجها لم يحل لأحد ms9131 أن يخطبها لا تصريحا ولا ~~تعريضا باتفاق المسلمين فإذا كانت لم تتزوج بعد لم يحل للمطلق ثلاثا أن ~~يخطبها لاتصريحا ولا تعريضا باتفاق المسلمين وخطبتها في هذه الحال أعظم من ~~خطبتها بعد أن تتزوج بالثاني وهؤلاء أهل التحليل قد يواعد أحدهم المطلقة ~~ثلاثا ويعزمان قبل أن تنقضي عدتها وقبل نكاح الثاني على عقدة النكاح بعد ~~النكاح الثاني نكاح المحلل ويعطيها ما تنفقه على شهود عقد التحليل وللمحلل ~~وما ينفقه عليها في عدة التحليل والزوج المحلل لا يعطها مهرا ولا نفقة عدة ~~ولا نفقة طلاق فإذا كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز في هذه وقت نكاحها ~~بالثاني أن يخطبها الأول لا تصريحا ولا تعريضا فكيف إذا خطبها قبل أن تتزوج ~~بالثاني أو إذا كان بعد أن يطلقها الثاني لا يحل للأول أن يواعدها سرا ولا ~~يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله فكيف إذا فعل ذلك من قبل أن يطلق بل ~~قبل أن يتزوج بل قبل أن تنقضي عدتها منه فهذا كله يحرم باتفاق المسلمين ~~وكثير من أهل التحليل يفعله وليس في التحليل صورة اتفق المسلمون على حلها ~~ولا صورة أباحها النص بل من صور التحليل ما أجمع المسلمون على تحريمه ومنها ~~ما تنازع فيه العلماء وأما الصحابة فلم يثبت عن النبي أنه لعن المحلل ~~والمحلل له منهم وهذا وغيره يبين أن من التحليل ما هو شر من نكاح المتعة ~~وغيره PageV32P096 من الأنكحة التي تنازع فيها السلف وبكل حال فالصحابة ~~أفضل هذه الأمة وبعدهم التابعون كما ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال ( خير ~~القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) فنكاح ~~تنازع السلف في جوازه أقرب من نكاح أجمع السلف على تحريمه وإذا تنازع فيه ~~الخلف فإن أولئك أعظم علما ودينا وما أجمعوا على تعظيم تحريمه كان أمره أحق ~~مما اتفقوا على تحريمه وإن اشتبه تحريمه على من بعدهم والله تعالى أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج بيتيمة وشهدت أمها ببلوغها فمكثت في صحبته ms9132 أربع ~~سنين ثم بانت منه بالثلاث ثم شهدت أخواتها ونساء أخر انها ما بلغت إلا بعد ~~دخول الزوج بها بتسعة أيام وشهدت أمها بهذه الصورة والأم ماتت والزوج يريد ~~المراجعة ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يحل للزوج أن يتزوجها إذا طلقها ثلاثا عند جمهور ~~العلماء فإن مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه أن نكاح هذه صحيح وإن كان ~~قبل البلوغ ومذهب مالك وأحمد في المشهور أن الطلاق يقع في النكاح الفاسد ~~المختلف فيه ومثل هذه المسائل يقبح فإنها PageV32P097 من أهل البغي فإنهم ~~لا يتكلمون في صحة النكاح حين كان يطأها ويستمتع بها حتى إذا طلقت ثلاثا ~~أخذوا يسعون فيما يبطل النكاح حتى لا يقال إن الطلاق وقع وهذا من المضادة ~~لله في أمره فإنه حين كان الوطئ حراما لم يتحر ولم يسأل فلما حرمه الله أخذ ~~يسأل عما يباح به الوطء ومثل هذا يقع في المحرم بإجماع المسلمين وهو فاسق ~~لأن مثل هذه المرأة إما أن يكون نكاحها الأول صحيحا وإما أن لا يكون فإن ~~كان صحيحا فالطلاق الثلاث واقع والوطؤ قبل نكاح زوج غيره حرام وإن كان ~~النكاح الأول باطلا كان الوطوء فيه حراما وهذا الزوج لم يتب من ذلك الوطئ ~~وإنما سأل حين طلق لئلا يقع به الطلاق فكان سؤالهم عما به يحرم الوطؤ الأول ~~لأجل استحلال الوطئ الثاني وهذه المضادة لله ورسوله والسعي في الأرض ~~بالفساد فإن كان هذا الرجل طلقها ثلاثا فليتق الله وليجتنبها وليحفظ حدود ~~الله فإن @QB@ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه @QE@ والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل تزوج امرأة بولاية أجنبي ووليها في مسافة دون القصر معتقدا أن الأجنبي ~~حاكم ودخل بها واستولدها ثم طلقها ثلاثا ثم أراد PageV32P098 ردها قبل أن ~~تنكح زوجا غيره فهل له ذلك لبطلان النكاح الأول بغير إسقاط الحد ووجوب ~~المهر ويلحق النسب ويحصل به الإحصان ### ||||| فأجاب # لا يجب في هذا النكاح حد إذا اعتقد صحته بل يلحق به النسب ويجب فيه ~~المهر ولا يحصل الإحصان بالنكاح الفاسد ويقع ms9133 الطلاق في النكاح المختلف فيه ~~إذا اعتقد صحته وإذا تبين أن المزوج ليس له ولاية بحال ففارقها الزوج حين ~~علم فطلقها ثلاثا لم يقع طلاق والحال هذه وله أن يتزوجها من غير أن تنكح ~~زوجا غيره ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عمن تزوج امرأة من سنتين ثم طلقها ~~ثلاثا وكان والي نكاحها فاسقا فهل يصح عقد الفاسق بحيث إذا طلقت ثلاثا ~~لاتحل له إلا بعد نكاح غيره أو لا يصح عقده فله أن يتزوجها بعقد جديد وولي ~~مرشد من غير أن ينكحها غيره ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كان قد طلقها ثلاثا فقد وقع به الطلاق وليس لأحد بعد ~~الطلاق الثلاث أن ينظر في الولي هل كان عدلا أو فاسقا ليجعل فسق الولي ~~ذريعة إلى عدم وقوع الطلاق فإن أكثر PageV32P099 الفقهاء يصححون ولاية ~~الفاسق وأكثرهم يوقعون الطلاق في مثل هذا النكاح بل وفي غيره من الأنكحة ~~الفاسدة فإذا فرع على أن النكاح فاسد وأن الطلاق لا يقع فيه فإنما يجوز أن ~~يستحل الحلال من يحرم الحرام وليس لأحد أن يعتقد الشيء حلالا حراما وهذا ~~الزوج كان وطأها قبل الطلاق ولو ماتت لورثها فهو عامل على صحة النكاح فكيف ~~يعمل بعد الطلاق على فساده فيكون النكاح صحيحا إذا كان له غرض في صحته ~~فاسدا إذ كان له غرض في فساده وهذا القول يخالف إجماع المسلمين فإنهم ~~متفقون على أن من اعتقد حل الشيء كان عليه أن يعتقد ذلك سواء وافق غرضه أو ~~خالفه ومن اعتقد تحريمه كان عليه أن يعتقد ذلك في الحالين وهؤلاء المطلقون ~~لا يفكرون في فساد النكاح بفسق الولى إلا عند الطلاق الثلاث لا عند ~~الإستمتاع والتوارث فيكونون في وقت يقلدون من يفسده وفي وقت يقلدون من ~~يصححه بحسب الغرض والهوى ومثل هذا لا يجوز باتفاق الأمة ونظير هذا أن يعتقد ~~الرجل ثبوت شفعة الجوار إذا كان طالبا لها ويعتقد عدم الثبوت إذا كان ~~مشتريا فإن هذا لا يجوز بالإجماع وهذا أمر مبني على صحة ولاية الفاسق في ~~حال ms9134 نكاحه وبني على فساد ولايته PageV32P100 في حال طلاقه فلم يجز ذلك ~~بإجماع المسلمين ولو قال المستفتي المعين أنالم أكن أعرف ذلك وأنا من اليوم ~~ألتزم ذلك لم يكن من ذلك لأن ذلك يفتح باب التلاعب بالدين وفتح للذريعة إلى ~~أن يكون التحليل والتحريم بحسب الأهواء والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ~~تزوج بامرأة وليها فاسق يأكل الحرام ويشرب الخمر والشهود أيضا كذلك وقد وقع ~~به الطلاق الثلاث فهل له بذلك الرخصة في رجعتها ### ||||| فأجاب # إذا طلقها ثلاثا وقع به الطلاق ومن أخذ ينظر بعد الطلاق في صفة ~~العقد ولم ينظر في صفته قبل ذلك فهو من المتعدين لحدود الله فإنه يريد أن ~~يستحل محارم الله قبل الطلاق وبعده والطلاق في النكاح الفاسد المختلف فيه ~~عند مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة والنكاح بولاية الفاسق يصح عند جماهير ~~الأئمة والله أعلم PageV32P101 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل تزوج امرأة ~~مصافحة على صداق خمسة دنانير كل سنة نصف دينار وقد دخل عليها وأصابها فهل ~~يصح النكاح أم لا وهل إذا رزق بينهما ولد يرث أم لا وهل عليهما الحد أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا تزوجها بلا ولي ولا شهود وكتما النكاح فهذا نكاح ~~باطل باتفاق الأئمة بل الذي عليه العلماء أنه ( لانكاح إلا بولي ) ( وأيما ~~امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل ) وكلا ~~هذين اللفظين مأثور في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال غير واحد من ~~السلف لا نكاح إلا بشاهدين وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك يوجب ~~إعلان النكاح ونكاح السر هو من جنس نكاح البغايا وقد قال الله تعالى @QB@ ~~محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان @QE@ فنكاح السر من جنس ذوات الأخدان ~~وقال تعالى @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تنكحوا ~~المشركين حتى يؤمنوا @QE@ PageV32P102 فخاطب الرجال بتزويج النساء ولهذا ~~قال من قال من السلف إن المرأة لا تنكح نفسها وإن البغي هي التي تنكح نفسها ~~لكن إن اعتقد هذا نكاحا جائزا كان الوطؤ ms9135 فيه وطأ شبهة يلحق الولد فيه ويرث ~~أباه وأما العقوبة فإنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج مصافحة وقعدت معه أياما فطلع لها زوج آخر فحمل الزوج ~~والزوجة وزوجها الأول فقال لها تريدين الأول أو الثاني فقالت ما أريد إلا ~~الزوج الثاني فطلقها الأول ورسم للزوجة أن توفي عدته وتم معها الزوج فهل ~~يصح ذلك لها أم لا ### ||||| فاجاب # إذا تزوجت بالثاني قبل أن توفي عدة الأول وقد فارقها الأول إما ~~لفساد نكاحه وإما لتطليقه لها وإما لتفريق الحاكم بينهما فنكاحها فاسد ~~تستحق العقوبة هي وهو ومن زوجها بل عليها أن تتم عدة الأول ثم إن كان ~~الثاني قد وطأها اعتدت له عدة أخرى فإذا انقضت العدتان تزوجت حينئذ بمن ~~شاءت بالأول أو بالثاني أو غيرهما PageV32P103 ### |||| وسئل رحمه الله # عن أمة ~~متزوجة وسافر زوجها وباعها سيدها وشرط أن لها زوجا فقعدت عند الذي اشتراها ~~أياما فأدركه الموت فاعتقها فتزوجت ولم يعلم أن لها زوجا فلما جاء زوجها ~~الأول من السفر أعطى سيدها الذي باعها الكتاب لزوجها الذي جاء من السفر ~~والكتاب بعقد صحيح شرعي فهل يصح العقد بكتاب الأول أو الثاني ### ||||| فاجاب # إن كان تزوجها نكاحا شرعيا إما على قول أبي حنيفة بصحة نكاح الحر ~~بالأمة وإما على قول مالك والشافعي وأحمد بان يكون عادما للطول خائفا من ~~العنت فنكاحه لا يبطل بعتقها بل هي زوجته بعد العتق لكن عند أبي حنيفة في ~~رواية لها الفسخ فلها أن تفسخ النكاح فإذا قضت عدته تزوجت بغيره ان شاءت ~~وعند مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه لاخيار لها بل هي زوجته ومتى ~~تزوجت قبل أن يفسخ النكاح فنكاحها باطل باتفاق الأئمة وأما إن كان نكاحها ~~الأول فاسدا فإنه يفرق بينهما وتتزوج من شاءت بعد انقضاء العدة PageV32P104 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل أقر عند عدول أنه طلق إمرأته من مدة تزيد على العدة ~~الشرعية فهل يجوز لهم تزويجها له الآن ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما إن كان المقر ms9136 فاسقا أو مجهولا لم يقبل قوله في إسقاط ~~العدة التي فيها حق الله وليس هذا اقرارا محضا على نفسه حتى يقبل من الفاسق ~~بل فيه حق لله إذ في العدة حق الله وحق للزوج وأما إذا كان عدلا غير متهم ~~مثل أن يكون غائبا فلما حضر أخبرها أنه طلق من مدة كذا وكذا فهل تعتد من ~~حين بلغها الخبر إذا لم تقم بذلك بينة أو من حين الطلاق كما لو قامت به ~~بينة فيه خلاف مشهور عن أحمد وغيره والمشهور عنه هو الثاني والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل تزوج بإمرأة ولم يدخل بها ولا أصابها فولدت بعد شهرين فهل يصح ~~النكاح وهل يلزمه الصداق أم لا PageV32P105 ### ||||| فاجاب # الحمد لله لا يلحق به الولد باتفاق المسلمين وكذلك لا يستقر عليه ~~المهر باتفاق المسلمين لكن للعلماء في العقد قولان أصحهما ان العقد باطل ~~كمذهب مالك وأحمد وغيرهما وحينئذ فيجب التفريق بينهما ولامهر عليه ولا نصف ~~مهر ولا متعة كسائر العقود الفاسدة إذا حصلت الفرقة فيها قبل الدخول لكن ~~ينبغي ان يفرق بينهما حاكم يرى فساد العقد لقطع النزاع ( والقول الثاني ) ~~ان العقد صحيح ثم لا يحل له الوطؤ حى تضع كقول أبي حنيفة وقيل يجوز له ~~الوطؤ قبل الوضع كقول الشافعي فعلى هذين القولين إذا طلقها قبل الدخول ~~فعليه نصف المهر لكن هذا النزاع إذا كانت حاملا من وطىء شبهة أو سيد أو زوج ~~فإن النكاح باطل باتفاق المسلمين ولا مهر عليه إذا فارق قبل الدخول وأما ~~الحامل من الزنى فلا كلام في صحة نكاحها والنزاع فيما إذا كان نكحها طائعا ~~وأما إذا نكحها مكرها فالنكاح باطل في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ركاض يسير في البلاد في كل مدينة شهرا أو شهرين ويعزل ~~عنها ويخاف ان يقع في المعصية فهل له ان يتزوج في مدة إقامته PageV32P106 ~~في تلك البلدة وإذا سافر طلقها وأعطاها حقها أو لا وهل يصح النكاح أم لا ### ||||| فأجاب له # أن يتزوج لكن ينكح ms9137 نكاحا مطلقا لا يشترط فيه توقيتا بحيث يكون ~~إن شاء مسكها وإن شاء طلقها وإن نوى طلاقها حتما عند انقضاء سفره كره في ~~مثل ذلك وفي صحة النكاح نزاع ولو نوى أنه إذا سافر واعجبته أمسكها وإلا ~~طلقها جاز ذلك فأما أن يشترط التوقيت فهذا نكاح المتعة الذي اتفق الأئمة ~~الأربعة وغيرهم على تحريمه وإن كان طائفة يرخصون فيه إما مطلقا وإما للمضطر ~~كما قد كان ذلك في صدر الإسلام فالصواب إن ذلك منسوخ كما ثبت في الصحيح أن ~~النبي بعد أن رخص لهم في المتعة عام الفتح قال ( إن الله قد حرم المتعة إلى ~~يوم القيامة ) والقرآن قد حرم أن يطأ الرجل إلا زوجة أو مملوكة بقوله @QB@ ~~والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون @QE@ وهذه المستمتع بها ليست ~~من الأزواج ولا ما ملكت اليمين فإن الله قد جعل للأزواج أحكاما من الميراث ~~والإعتداد بعد الوفاة بأربعة أشهر وعشر وعدة الطلاق ثلاثة قروء ونحو ذلك من ~~الأحكام التي لا تثبت في حق المستمتع بها فلو كانت PageV32P107 زوجة لثبت ~~في حقها هذه الأحكام ولهذا قال من قال من السلف إن هذه الأحكام نسخت المتعة ~~وبسط هذا طويل وليس هذا موضعه وإذا اشترط الأجل قبل العقد فهو كالشرط ~~المقارن في أصح قولي العلماء وكذلك في نكاح المحلل وأما إذا نوى الزوج ~~الأجل ولم يظهره للمرأة فهذا فيه نزاع يرخص فيه أبو حنيفة والشافعي ويكرهه ~~مالك وأحمد وغيرهما كما أنه لو نوى التحليل كان ذلك مما اتفق الصحابة على ~~النهي عنه وجعلوه من نكاح المحلل لكن نكاح المحلل شر من نكاح المتعة فإن ~~نكاح المحلل لم يبح قط إذ ليس مقصود المحلل أن ينكح وإنما مقصوده أن يعيدها ~~إلى المطلق قبله فهو يثبت العقد ليزيله وهذا لا يكون مشروعا بحال بخلاف ~~المستمتع فإن له غرضا في الاستمتاع لكن التأجيل يخل بمقصود النكاح من ~~المودة والرحمة والسكن ويجعل الزوجة بمنزلة ms9138 المستأجرة فلهذا كانت النية في ~~نكاح المتعة أخف من النية في نكاح المحلل وهو يتردد بين كراهة التحريم ~~وكراهة التنزيه وأما العزل فقد حرمه طائفة من العلماء لكن مذهب الأئمة ~~الأربعة أنه يجوز بإذن المرأة والله أعلم PageV32P108 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه الله تعالى ! 8 < # عمن قال إن المرأة المطلقة إذا وطئها الرجل في الدبر تحل ~~لزوجها هل هو صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # هذا قول باطل مخالف لأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أئمة ~~المسلمين فإن النبي قال للمطلقة ثلاثا ( لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ~~) وهذا نص في أنه لابد من العسيلة وهذا لا يكون بالدبر ولايعرف في هذا خلاف ~~وأما ما يذكر عن بعض المالكية وهم يطعنون في أن يكون هذا قولا وما يذكر عن ~~سعيد بن المسيب من عدم اشتراط الوطء فذاك لم يذكر فيه وطؤ الدبر وهو قول ~~شاذ صحت السنة بخلافه وانعقد الإجماع قبله وبعده ! 8 < وقال الشيخ رحمه ~~الله ! 8 < ### || 1 ( رسالة في نكاح الزانية ) 1 # نكاح الزانية حرام حتى تتوب سواء كان زنى بها هو أو غيره هذا هو الصواب ~~بلا ريب وهو مذهب طائفة من السلف والخلف منهم PageV32P109 أحمد بن حنبل ~~وغيره وذهب كثير من السلف والخلف إلى جوازه وهو قول الثلاثة لكن مالك يشترط ~~الاستبراء وأبو حنيفة يجوز العقد قبل الاستبراء إذا كانت حاملا لكن إذا ~~كانت حاملا لا يجوز وطأها حتى تضع والشافعي يبيح العقد والوطء مطلقا لأن ~~ماء الزاني غير محترم وحكمه لا يلحقه نسبه هذا مأخذه وأبو حنيفة يفرق بين ~~الحامل وغير الحامل فإن الحامل إذا وطئها استلحق ولدا ليس منه قطعا بخلاف ~~غير الحامل ومالك وأحمد يشترطان الاستبراء وهو الصواب لكن مالك وأحمد في ~~رواية يشترطان الاستبراء بحيضة والرواية الأخرى عن أحمد هي التي عليها كثير ~~من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه أنه لابد من ثلاث حيض والصحيح أنه لا ~~يجب إلا الاستبراء فقط فإن هذه ليست زوجة يجب عليها عدة وليست أعظم من ~~المستبرأة التي يلحق ولدها سيدها وتلك ms9139 لا يجب عليها إلا الاستبراء فهذه ~~أولى وإن قدر أنها حرة كالتي أعتقت بعد وطء سيدها وأريد تزويجها إما من ~~المعتق وإما من غيره فإن هذه عليها استبراء عند الجمهور ولا عدة عليها وهذه ~~الزانية ليست كالموطوءة بشبهة التي يلحق ولدها بالواطئ مع أن في إيجاب ~~العدة على تلك نزاعا وقد ثبت بدلالة الكتاب وصريح السنة وأقوال الصحابة إن ~~المختلعة ليس عليها إلا الاستبراء بحيضة لا عدة كعدة المطلقة وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد وقول عثمان بن عفان وبن عباس وبن عمر في آخر قوليه وذكر ~~مكي أنه إجماع الصحابة وهو قول قبيصة بن ذؤيب PageV32P110 وإسحاق بن راهويه ~~وبن المنذر وغيرهم من فقهاء الحديث وهذا هو الصحيح كما قد بسطنا الكلام على ~~هذا في موضع آخر فإذا كانت المختلعة لكونها ليست مطلقة ليس عليها عدة ~~المطلقة بل الإستبراء ويسمى الإستبراء عدة فالموطوءة بشبهة أولى والزانية ~~أولى وأيضا فالمهاجرة من دار الكفر كالممتحنة التي أنزل الله فيها @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن @QE@ الآية قد ~~ذكرنا في غير هذا الموضع الحديث المأثور فيها وأن ذلك كان يكون بعد ~~إستبرائها بحيضة مع أنها كانت مزوجة لكن حصلت الفرقة بإسلامها واختيارها ~~فراقه لا بطلاق منه وكذلك قوله @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ فكانوا إذا سبوا المرأة أبيحت بعد الإستبراء والمسبية ليس ~~عليها إلا الإستبراء بالسنة واتفاق الناس وقد يسمى ذلك عدة وفي السنن في ~~حديث بريرة لما أعتقت ( أن النبي أمر أن تعتد ) فلهذا قال من قال من أهل ~~الظاهر كابن حزم إن من ليست بمطلقة تستبرأ بحيضة إلا هذه وهذا ضعيف فإن لفظ ~~( تعتد ) في كلامهم يراد به الإستبراء كما ذكرنا سو هذه وقد روى بن ماجه عن ~~عائشة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد بثلاث حيض ) فقال كذا ~~لكن هذا حديث معلول PageV32P111 أما أولا فإن عائشة قد ثبت عنها من غير وجه ~~أن العدة عندها ثلاثة أطهار وأنها إذا طعنت في الحيضة الثالثة ms9140 حلت فكيف ~~تروي عن النبي أنه أمرها أن تعتد بثلاث حيض والنزاع بين المسلمين من عهد ~~الصحابة إلى اليوم في العدة هل هي ثلاث حيض أو ثلاث أطهار وما سمعنا أحدا ~~من أهل العلم احتج بهذا الحديث على أنها ثلاث حيض ولو كان لهذا أصل عن ~~عائشة لم يخف ذلك على أهل العلم قاطبة ثم هذه سنة عظيمة تتوافر الهمم ~~والدواعي على معرفتها لأن فيها أمرين عظيمين أحدهما أن المعتقة تحت عبد ~~تعتد بثلاث حيض والثاني أن العدة ثلاث حيض وأيضا فلو ثبت ذلك كان يحتج به ~~من يرى أن المعتقة إذا اختارت نفسها كان ذلك طلقة بائنة كقول مالك وغيره ~~وعلى هذا فالعدة لا تكون إلا من طلاق لكن هذا أيضا قول ضعيف والقرآن والسنة ~~والإعتبار يدل على أن الطلاق لا يكون إلا رجعيا وأن كل فرقة مباينة فليست ~~من الطلقات الثلاث حتى الخلع كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع ~~والمقصود هنا الكلام في نكاح الزانية وفيه مسئلتان إحداهما في إستبرائها ~~وهو عدتها وقد تقدم قول من قال لا حرمة لماء الزاني يقال له الإستبراء لم ~~يكن لحرمة ماء الأول بل لحرمة ماء الثاني فإن الإنسان ليس له أن يستلحق ~~ولدا ليس منه وكذلك إذا لم يستبرئها وكانت قد علقت من الزاني وأيضا ففي ~~استلحاق الزاني ولده إذا لم تكن المرأة PageV32P112 فراشا قولان لأهل العلم ~~والنبي صلى الله عليه وسلم قال ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) فجعل الولد ~~للفراش دون العاهر فإذا لم تكن المرأة فراشا لم يتناوله الحديث وعمر الحق ~~أولادا ولدوا في الجاهلية بآبائهم وليس هذا موضع بسط هذه المسألة والثانية ~~أنها لا تحل حتى تتوب وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والإعتبار ~~والمشهور في ذلك آية النور قوله تعالى @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ وفي ~~السنن حديث أبي مرثد الغنوى في عناق والذين لم يعملوا بهذه الآية ذكروا لها ~~تأويلا ms9141 ونسخا أما التأويل فقالوا المراد بالنكاح الوطء وهذا مما يظهر فساده ~~بأدنى تأمل أما أولا فليس في القرآن لفظ نكاح إلا ولابد أن يراد به العقد ~~وإن دخل فيه الوطء أيضا فأما أن يراد به مجرد الوطئ فهذا لا يوجد في كتاب ~~الله قط وثانيها إن سبب نزول الآية إنما هو استفتاء النبي في التزوج بزانية ~~فكيف يكون سبب النزول خارجا من اللفظ الثالث إن قول القائل الزاني لا يطأ ~~إلا زانية أو الزانية لا يطؤها إلا زان كقوله الآكل لا يأكل إلا مأكولا ~~والمأكول لا يأكله إلا PageV32P113 آكل والزوج لا يتزوج إلا بزوجة والزوجة ~~لا يتزوجها إلا زوج وهذا كلام ينزه عنه كلام الله الرابع إن الزاني قد ~~يستكره إمرأة فيطؤها فكون زانيا ولا تكون زانية وكذلك المرأة قد تزني بنائم ~~ومكره على أحد القولين ولا يكون زانيا الخامس إن تحريم الزنى قد علمه ~~المسلمون بآيات نزلت بمكة وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه ~~السادس قال @QB@ لا ينكحها إلا زان أو مشرك @QE@ فلو أريد الوطء لم يكن ~~حاجة إلى ذكر المشرك فإنه زان وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية فلا ~~حاجة إلى التقسيم السابع أنه قد قال قبل ذلك @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنى بعد ذلك ~~وأما النسخ فقال سعيد بن المسيب وطائفة نسخها قوله @QB@ وأنكحوا الأيامى ~~منكم @QE@ ولما علم أهل هذا القول أن دعوى النسخ بهذه الآية ضعيف جدا ولم ~~يجدوا ما ينسخها فاعتقدوا أنه لم يقل بها أحد قالوا هي منسوخة بالإجماع كما ~~زعم ذلك أبو علي الجبائي وغيره أما PageV32P114 على قول من يرى من هؤلاء أن ~~الإجماع ينسخ النصوص كما يذكر ذلك عن عيسى بن أبان وغيره وهو قول في غاية ~~الفساد مضمونة أن الأمة يجوز لها تبديل دينها بعد نبيها وأن ذلك جائز لهم ~~كما تقول النصارى أبيح لعلمائهم أن ينسخوا من شريعة المسيح ما يرونه وليس ~~هذا من أقوال المسلمين ms9142 وممن يظن الإجماع من يقول الإجماع دل على نص ناسخ لم ~~يبلغنا ولا حديث إجماع في خلاف هذه الآية وكل من عارض نصا بإجماع وأدعى ~~نسخه من غير نص يعارض ذلك النص فإنه مخطئ في ذلك كما قد بسط الكلام على هذا ~~في موضع آخر وبين أن النصوص لم ينسخ منها شيء إلا بنص باق محفوظ عند الأمة ~~وعلمها بالناسخ الذي العمل به اهم عندها من علمها بالمنسوخ الذي لا يجوز ~~العمل به وحفظ الله النصوص الناسخة أولى من حفظه المنسوخة وقول من قال هي ~~منسوخة بقوله @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@ في غاية الضعف فإن كونها ~~زانية وصف عارض لها يوجب تحريما عارضا مثل كونها محرمة ومعتدة ومنكوحة ~~للغير ونحو ذلك مما يوجب التحريم إلى غاية ولو قدر أنها محرمة على التأييد ~~لكانت كالوثنية ومعلوم أن هذه الآية لم تتعرض للصفات التي بها تحرم المرأة ~~مطلقا أو مؤقتا وإنما أمر بإنكاح الأيامى من حيث الجملة وهو أمر بإنكاحهن ~~بالشروط التي بينها وكما أنها لا تنكح في العدة وإلا حرام لا تنكح حتى تتوب ~~PageV32P115 وقد أحتجوا بالحديث الذي فيه ( إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال ~~طلقها فقال إني أحبها قال فاستمتع بها ) الحديث رواه النسائي وقد ضعفه أحمد ~~وغيره فلا تقوم به حجة في معارضة الكتاب والسنة ولو صح لم يكن صريحا فإن من ~~الناس من يؤول اللامس بطالب المال لكنه ضعيف لكن لفظ اللامس قد يراد به من ~~مسها بيده وإن لم يطأها فإن من النساء من يكون فيها تبرج وإذا نظر إليها ~~رجل أو وضع يده عليها لم تنفر عنه ولا تمكنه من وطئها ومثل هذا نكاحها ~~مكروه ولهذا أمره بفراقها ولم يوجب ذلك عليه لما ذكر أنه يحبها فإن هذه لم ~~تزن ولكنها مذنبة ببعض المقدمات ولهذا قال لا ترد يد لامس فجعل اللمس باليد ~~فقط ولفظ اللمس والملامسة إذا عني بهما الجماع لا يخص باليد بل إذا قرن ~~باليد فهو كقوله تعالى @QB@ ولو نزلنا عليك كتابا في ms9143 قرطاس فلمسوه بأيديهم ~~@QE@ وأيضا فالتي تزني بعد النكاح ليست كالتي تتزوج وهي زانية فإن دوام ~~النكاح أقوى من ابتدائه والإحرام والعدة تمنع الابتداء دون الدوام فلو قدر ~~أنه قام دليل شرعي على أن الزانية بعد العقد لا يجب فراقها لكان الزنى ~~كالعدة تمنع الابتداء دون الدوام جمعا بين الدليلين فإن قيل ما معنى قوله ~~@QB@ لا ينكحها إلا زان أو مشرك @QE@ قيل المتزوج بها إن كان مسلما فهو زان ~~وإن لم يكن مسلما فهو كافر فإن كان مؤمنا بما جاء به الرسول من تحريم هذا ~~وفعله فهو زان وإن لم يكن مؤمنا بما جاء به الرسول فهو مشرك كما كانوا عليه ~~في الجاهلية كانوا يتزوجون PageV32P116 البغايا يقول فإن تزوجتم بهن كما ~~كنتم تفعلون من غير إعتقاد تحريم ذلك فأنتم مشركون وإن اعتقدتم التحريم ~~فأنتم زناة لأن هذه تمكن من نفسها غير الزوج من وطئها فيبقى الزوج يطؤها ~~كما يطؤها أولئك وكل إمرأة اشترك في وطئها رجلان فهي زانية فإن الفروج لا ~~تحتمل الاشتراك بل لا تكون الزوجة إلا محصنة ولهذا لما كان المتزوج ~~بالزانية زانيا كان مذموما عند الناس وهو مذموم أعظم مما يذم الذي يزني ~~بنساء الناس ولهذا يقول في الشتمة سبه بالزاي والقاف أي قال يا زوج القحبة ~~فهذا أعظم ما يتشاتم به الناس لما قد استقر عند المسلمين من قبح ذلك فكيف ~~يكون مباحا ولهذا كان قذف المرأة طعنا في زوجها فلو كان يجوز له التزوج ~~ببغي لم يكن ذلك طعنا في الزوج ولهذا قال من قال من السلف ما بغت إمرأة نبي ~~قط فالله تعالى أباح للأنبياء أن يتزوجوا كافرة ولم يبح تزوج البغي لأن هذه ~~تفسد مقصود النكاح بخلاف الكافرة ولهذا أباح الله للرجل أن يلاعن مكان ~~أربعة شهداء إذا زنت إمرأته واسقط عنه الحد بلعانه لما في ذلك من الضرر ~~عليه وفي الحديث ( لا يدخل الجنة ديوث ) والذي يتزوج ببغي هو ديوث وهذا مما ~~فطر الله على ذمه وعيبه بذلك جميع عباده المؤمنين بل وغير ms9144 المسلمين من أهل ~~الكتاب وغيرهم كلهم يذم من تكون PageV32P117 إمرأته بغيا ويشتم بذلك ويعير ~~به فكيف ينسب إلى شرع الإسلام إباحة ذلك وهذا لا يجوز أن يأتي به نبي من ~~الأنبياء فضلا عن أفضل الشرائع بل يجب أن تنزه الشريعة عن مثل هذا القول ~~الذي إذا تصوره المؤمن ولوازمه استعظم أن يضاف مثل هذا إلى الشريعة ورأى أن ~~تنزيهها عنه أعظم من تنزيه عائشة عما قاله أهل الإفك وقد أمر الله المؤمنين ~~أن يقولوا @QB@ سبحانك هذا بهتان عظيم @QE@ والنبي إنما لم يفارق عائشة ~~لأنه لم يصدق ما قيل أولا ولما حصل له الشك استشار عليا وزيد بن حارثة وسأل ~~الجارية لينظر إن كان حقا فارقها حتى أنزل الله براءتها من السماء فذلك ~~الذي ثبت نكاحها ولم يقل مسلم أنه يجوز إمساك بغي وكان المنافقون يقصدون ~~بالكلام فيها الطعن في الرسول ولو جاز التزوج ببغي لقال هذا لا حرج علي فيه ~~كما كان النساء أحيانا يؤذينه حتى يهجرهن فليس ذنوب المرأة طعنا بخلاف ~~بغائها فإنه طعن فيه عند الناس قاطبة ليس أحد يدفع الذم عمن تزوج بمن يعلم ~~أنها بغية مقيمة على البغاء ولهذا توسل المنافقون إلى الطعن حتى أنزل الله ~~براءتها من السماء وقد كان سعد بن معاذ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ~~ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ) فقام سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش ~~الرحمن فقال أنا اعذرك منه إن كان من إخواننا من الأوس ضربت عنقه وإن كان ~~من PageV32P118 إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فأخذت سعد بن عبادة ~~غيرة قالت عائشة وكان قبل ذلك امرأ صالحا ولكن أخذته حمية لان بن أبي كان ~~كبير قومه فقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن ~~حضير فقال كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين وثار ~~الحيان حتى نزل رسول الله فجعل ms9145 يسكنهم فلولا أن ما قيل في عائشة طعن في ~~النبي لم يطلب المؤمنون قتل من تكلم بذلك من الأوس والخزرج لقذفه لامرأته ~~ولهذا كان من قذف أم النبي يقتل لأنه قدح في نسبه وكذلك من قذف نساءه يقتل ~~لأنه قدح في دينه وإنما لم يقتلهم النبي لأنهم تكلموا بذلك قبل أن يعلم ~~براءتها وأنها من أمهات المؤمنين اللاتي لم يفارقهن عليه إذا كان يمكن أن ~~يطلقها فتخرج بذلك من هذه الأمومة في أظهر قولي العلماء فإن فيمن طلقها ~~النبي ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها أنها ليست من أمهات المؤمنين ~~والثاني أنها من أمهات المؤمنين والثالث يفرق بين المدخول بها وغير المدخول ~~بها والأول أصح لأن النبي لما خير نساءه بين الإمساك والفراق وكان المقصود ~~لمن فارقها أن يتزوجها غيره فلو كان هذا مباحا لم يكن ذلك قدحا في دينه ~~PageV32P119 وبالجملة فهذه المسألة في قلوب المؤمنين أعظم من أن تحتاح إلى ~~كثرة الأدلة فإن الإيمان والقرآن يحرم مثل ذلك لكن لما كان قد أباح مثل ذلك ~~كثير من علماء المسلمين الذين لا ريب في علمهم ودينهم من التابعين ومن ~~بعدهم وعلو قدرهم بنوع تأويل تأولوه احتيج إلى البسط في ذلك ولهذا نظائر ~~كثيرة يكون القول ضعيفا جدا وقد اشتبه أمره على كثير من أهل العلم والإيمان ~~وسادات الناس لأن الله لم يجعل العصمة عند تنازع المسلمين إلا في الرد إلى ~~الكتاب والسنة وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله الذي لا ينطق على ~~الهوى فإن قيل فقد قال @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة @QE@ قيل ~~هذا يدل على أن الزاني الذي لم يتب لا يجوز أن يتزوج عفيفة كما هو إحدى ~~الروايتين عن أحمد فإنه إذا كان يطأ هذه وهذه وهذه كما كان كان وطؤه لهذه ~~من جنس وطئه لغيرها من الزواني وقد قال الشعبي من زوج كريمته من فاجر فقد ~~قطع رحمها وأيضا فإنه إذا كان يزني بنساء الناس كان هذا مما يدعو المرأة ~~إلى ms9146 أن تمكن منها غيره كما هو الواقع كثيرا فلم أر من يزني بنساء الناس أو ~~ذكران إلا فيحمل إمرأته على أن تزني بغيره مقابلة على ذلك ومغايظة وأيضا ~~فإذا كان عادته الزنى استغنى بالبغايا فلم يكف إمرأته في الإعفاف فتحتاج ~~إلى الزنى PageV32P120 وأيضا فإذا زنى بنساء الناس طلب الناس أن يزنوا ~~بنساءه كما هو الواقع فإمرأة الزاني تصير زانية من وجوه كثيرة وإن استحلت ~~ما حرمه الله كانت مشركة وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك فلا يكاد ~~يعرف في نساء الرجال الزناة المصرين على الزنى الذين لم يتوبوا منه إمرأة ~~سليمة سلامة تامة وطبع المرأة يدعو إلى الرجال الاجانب إذا رأت زوجها يذهب ~~إلى النساء الأجانب وقد جاء في الحديث ( بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا ~~تعف نساؤكم ) فقوله @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية @QE@ إما أن يراد أن نفس ~~نكاحه ووطئه لها زنا أو أن ذلك يفضي إلى زناها وإما الزانية فنفس وطئها مع ~~إصرارها على الزنى زنا وكذلك @QB@ والمحصنات من المؤمنات @QE@ الحرائر وعن ~~بن عباس هن العفائف فقد نقل عن بن عباس تفسير @QB@ المحصنات @QE@ بالحرائر ~~وبالعفائف وهذا حق فنقول مما يدل على ذلك قوله تعالى @QB@ يسألونك ماذا أحل ~~لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم ~~الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله ~~سريع الحساب اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين @QE@ المحصنات قد قال أهل ~~التفسير هن العفائف هكذا قال الشعبي والحسن والنخعي والضحاك والسدي وعن بن ~~عباس هن الحرائر ولفظ المحصنات إن أريد به الحرائر فالعفة داخلة في الإحصان ~~بطريق الأولى فإن أصل PageV32P121 المحصنة هي العفيفة التي أحصن فرجها قال ~~الله تعالى @QB@ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات @QE@ وهن العفائف قال حسان بن ~~ثابت % حصان ms9147 رزان ما تزن بريبة % وتصبح غرثى من لحوم الغوافل % ثم عادة ~~العرب أن الحرة عندهم لا تعرف الزنى وإنما تعرف بالزنى الإماء ولهذا لما ~~بايع النبي هند امرأة أبي سفيان على ألا تزني قالت أو تزني الحرة فهذا لم ~~يكن معروفا عندهم والحرة خلاف الأمة صارت في عرف العامة أن الحرة هي ~~العفيفة لأن الحرة التي ليست أمة كانت معروفة عندهم بالعفة وصار لفظ ~~الإحصان يتناول الحرية مع العفة لأن الاماء لم تكن عفائف وكذلك الإسلام هو ~~ينهى عن الفحشاء والمنكر وكذلك المرأة المتزوجة زوجها يحصنها لأنها تستكفي ~~به ولأنه يغار عليها فصار لفظ الإحصان يتناول الإسلام والحرية والنكاح ~~وأصله إنما هو العفة فإن العفيفة هي التي أحصن فرجها من غير صاحبها كالمحصن ~~الذي يمتنع من غير أهله وإذا كان الله إنما أباح من المسلمين وأهل الكتاب ~~نكاح المحصنات والبغايا لسن محصنات فلم يبح الله نكاحهن ومما يدل على ذلك ~~قوله @QB@ إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان @QE@ ~~والمسافح الزاني الذي يسفح ماءه مع هذه وهذه PageV32P122 وكذلك المسافحة ~~والمتخذة الخدن الذي تكون له صديقة يزني بها دون غيره فشرط في الحل أن يكون ~~الرجل غير مسافح ولا متخذ خدن فإذا كانت المرأة بغيا وتسافح هذا وهذا لم ~~يكن زوجها محصنالها عن غيره إذ لو كان محصنا لها كانت محصنة وإذا كانت ~~مسافحة لم تكن محصنة والله إنما أباح النكاح إذا كان الرجال محصنين غير ~~مسافحين وإذا شرط فيه أن لا يزني بغيرها فلا يسفح ماءه مع غيرها كان أبلغ ~~وابلغ وقال أهل اللغة السفاح الزنى قال بن قتيبة محصنين أي متزوجين غير ~~مسافحين قال وأصله من سفحت القربة إذا صببتها فسمى الزنى سفاحا لأنه يصب ~~النطفة وتصب المرأة النطفة وقال بن فارس السفاح صب الماء بلا عقد ولا نكاح ~~فهي التي تسفح ماءها وقال الزجاج محصنين أي عاقدين التزوج وقال غيرهما ~~متعففين غير زانين وكذلك قال في النساء @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين غير ms9148 مسافحين @QE@ ففي هاتين الآيتين اشترط أن يكون ~~الرجال محصنين غير مسافحين بكسر الصاد والمحصن هو الذي يحصن غيره ليس هو ~~المحصن بالفتح الذي يشترط في الحد فلم يبح إلا تزوج من يكون محصنا للمرأة ~~غير مسافح ومن تزوج ببغي مع بقائها على البغاء ولم يحصنها من غيره بل هي ~~كما كانت قبل النكاح تبغي مع غيره فهو مسافح بها لا محصن لها وهذا حرام ~~بدلالة القرآن PageV32P123 فإن قيل إنما أراد بذلك أنك تبتغي بمالك النكاح ~~لا تبتغي به السفاح فتعطيها المهر على أن تكون زوجتك ليس لغيرك فيها حق ~~بخلاف ما إذا أعطيتها على أنها مسافحة لمن تريد وإنها صديقة لك تزني بك دون ~~غيرك فهذا حرام قيل فإذا كان النكاح مقصوده أنها تكون له لا لغيره وهي لم ~~تتب من الزنى لم تكن موفية بمقتضى العقد فإن قيل فإنه يحصنها بغير اختيارها ~~فيسكنها حيث لا يمكنها الزنى قيل أما إذا أحصنها بالقهر فليس هو بمثل الذي ~~يمكنها من الخروج إلى الرجال ودخول الرجال إليها لكن قد عرف بالعادات ~~والتجارب أن المرأة إذا كانت لها إرادة في غير الزوج احتالت إلى ذلك بطرق ~~كثيرة وتخفي على الزوج وربما افسدت عقل الزوج بما تطعمه وربما سحرته أيضا ~~وهذا كثير موجود رجال أطعمهم نساؤهم وسحرتهم نساؤهم حتى يمكن المرأة أن ~~تفعل ما شاءت وقد يكون قصدها مع ذلك أن لا يذهب هو إلى غيرها فهي تقصد منعه ~~من الحلال أو من الحرام والحلال وقد تقصد أن يمكنها أن تفعل ما شاءت فلا ~~يبقى محصنا لها قواما عليها بل تبقى هي الحاكمة عليه فإذا كان هذا موجودا ~~فيمن تزوجت ولم تكن بغيا فكيف بمن كانت بغيا والحكايات في هذا الباب كثيرة ~~ويا ليتها مع التوبة يلزم PageV32P124 معه دوام التوبة فهذا إذا أبيح له ~~نكاحها وقيل له أحصنها وأحتفظ أمكن ذلك أما بدون التوبة فهذا متعذر أو ~~متعسر ولهذا تكلموا في توبتها فقال بن عمر وأحمد بن حنبل يراودها على نفسها ~~فإن أجابته كما ms9149 كانت تجيبه لم تتب وقالت طائفة منهم أبو محمد لا يراودها ~~لأنها قد تكون تابت فاذا راودها نقضت التوبة ولأنه يخاف عليه إذا راودها أن ~~يقع في ذنب معها والذين اشترطوا امتحانها قالوا لا يعرف صدق توبتها بمجرد ~~القول فصار كقوله @QB@ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن @QE@ ) ~~والمهاجر قد يتناول التائب قال النبي ( المهاجر من هجر ما نهى إلله عنه ~~والمهاجر من هجر السوء ) فهذه إذا ادعت أنها هجرت السوء امتحنت على ذلك ~~وبالجملة لا بد أن يغلب على قلبه صدق توبتها وقوله تعالى @QB@ ولا متخذي ~~أخدان @QE@ حرم به أن يتخذ صديقة في السر تزني معه لا مع غيره وقد قال ~~سبحانه في آية الإماء @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم ~~بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير ~~مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب @QE@ فذكر في الإماء محصنات غير مسافحات ولا متخذات ~~أخدان وأما الحرائر فاشترط فيهن أن يكون الرجال محصنين غير مسافحين وذكر في ~~المائدة @QB@ ولا متخذي أخدان @QE@ PageV32P125 لما ذكر نساء أهل الكتاب ~~وفي النساء لم يذكر إلا غير مسافحين وذلك أن الإماء كن معروفات بالزنى دون ~~الحرائر فاشترط في نكاحهن أن يكن محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فدل ~~ذلك أيضا على أن الأمة التي تبغي لا يجوز تزوجها إلا إذا تزوجها على أنها ~~محصنة يحصنها زوجها فلا تسافح الرجال ولا تتخذ صديقا وهذا من ابين الأمور ~~في تحريم نكاح الأمة الفاجرة مع ما تقدم وقد روى عن بن عباس محصنات عفائف ~~غير زوان @QB@ ولا متخذات أخدان @QE@ يعني أخلاء كان أهل الجاهلية يحرمون ~~ما ظهر من الزنى ويستحلون ما خفي وعنه رواية أخرى المسافحات المعلنات ~~بالزنى والمتخذات أخدان ذوات الخليل الواحد قال بعض المفسرين كانت المرأة ~~تتخذ صديقا تزني معه ولا تزني مع غيره فقد فسر بن عباس هو وغيره من السلف ms9150 ~~المحصنات بالعفائف وهو كما قالوا وذكروا أن الزنى في الجاهلية كان نوعين ~~نوعا مشتركا ونوعا مختصا والمشترك ما يظهر في العادة بخلاف المختص فإنه ~~مستتر في العادة ولما حرم الله المختص وهو شبيه بالنكاح فإن النكاح تختص ~~فيه المرأة بالرجل وجب الفرق بين النكاح الحلال والحرام من اتخاذ الأخدان ~~فإن هذه اذا كان يزني بها وحدها لم يعرف أنها لم يطأها غيره ولم يعرف أن ~~الولد الذي تلده منه ولا يثبت لها خصائص النكاح فلهذا كان عمر بن الخطاب ~~يضرب على نكاح السر فإن نكاح السر من جنس إتخاذ الأخدان شبيه به لا سيما ~~إذا زوجت نفسها بلا ولي ولا شهود PageV32P126 وكتما ذلك فهذا مثل الذي يتخذ ~~صديقة ليس بينهما فرق ظاهر معروف عند الناس يتميز به عن هذا فلا يشاء من ~~يزني بأمره صديقة له إلا قال تزوجتها ولا يشاء أحد أن يقول لمن تزوج في ~~السر إنه يزني بها إلا قال ذلك فلا بد أن يكون بين الحلال والحرام فرق مبين ~~قال الله تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم @QE@ فإذا ظهر للناس ~~أن هذه المرأة قد أحصنها تميزت عن المسافحات والمتخذات أخدانا وإذا كان ~~يمكنها أن تذهب إلى الأجانب لم تتميز المحصنات كما أنه إذا كتم نكاحها فلم ~~يعلم به أحد لم تتميز من المتخذات أخدانا وقد اختلف العلماء فيما يتميز به ~~هذا عن هذا فقيل الواجب الإعلان فقط سواء أشهد أو لم يشهد كقول مالك وكثير ~~من فقهاء الحديث وأهل الظاهر وأحمد في رواية وقيل الواجب الإشهاد سواء أعلن ~~أو لم يعلن كقول أبي حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد وقيل يجب الأمران وهو ~~الرواية الثالثة عن أحمد وقيل يجب أحدهما وهو الرواية الرابعة عن أحمد ~~واشتراط الإشهاد وحده ضعيف ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة فإنه لم يثبت ~~عن النبي فيه حديث ومن الممتنع أن يكون الذي يفعله المسلمون ms9151 دائما له شروط ~~لم يبنها رسول الله وهذا مما تعم به البلوى فجميع المسلمين يحتاجون إلى ~~معرفة هذا وإذا كان هذا شرطا كان ذكره أولى من ذكر المهر وغيره مما لم يكن ~~له ذكر في كتاب الله ولا حديث ثابت عن رسول الله فتبين أنه ليس مما ~~PageV32P127 أوجبه الله على المسلمين في مناكحهم قال أحمد بن حنبل وغيره من ~~أئمة الحديث لم يثبت عن النبي في الإشهاد على النكاح شيء ولو أوجبه لكان ~~الإيجاب إنما يعرف من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وكان هذا من الأحكام ~~التي يجب إظهارها وإعلانها فاشتراط المهر أولى فإن المهر لا يجب تقديره في ~~العقد بالكتاب والسنة والاجماع ولو كان قد أظهر ذلك لنقل ذلك عن الصحابة ~~ولم يضيعوا حفظ ما لا بد للمسلمين عامة من معرفته فإن الهمم والدواعي ~~تتوافر على نقل ذلك والذي يأمر بحفظ ذلك وهم قد حفظوا نهيه عن نكاح الشغار ~~ونكاح المحرم ونحو ذلك من الأمور التي تقع قليلا فكيف النكاح بلا إشهاد إذا ~~كان الله ورسوله قد حرمه وأبطله كيف لا يحفظ في ذلك نص عن رسول الله بل لو ~~نقل في ذلك شيء من أخبار الآحاد لكان مردودا عند من يرى مثل ذلك فإن هذا من ~~أعظم ما تعم به البلوى أعظم من البلوى بكثير من الأحكام فيمتنع أن يكون كل ~~نكاح للمسلمين لا يصح إلا بإشهاد وقد عقد المسلمون من عقود الأنكحة ما لا ~~يحصيه إلا رب السماوات فعلم ان إشتراط الإشهاد دون غيره باطل قطعا ولهذا ~~كان المشترطون للإشهاد مضطر بين اضطرابا يدل على فساد الأصل فليس لهم قول ~~يثبت على معيار الشرع إذا كان فيهم من يجوزه بشهادة فاسقين والشهادة التي ~~لا تجب عندهم قد أمر الله فيها بإشهاد ذوي العدل فكيف بالإشهاد الواجب ~~PageV32P128 ثم من العجب أن الله أمر بالإشهاد في الرجعة ولم يأمر به في ~~النكاح ثم يأمرون به في النكاح ولا يوجبه أكثرهم في الرجعة والله أمر ~~بالإشهاد في الرجعة لئلا ms9152 ينكر الزوج ويدوم مع امرأته فيفضي إلى إقامته معها ~~حراما ولم يأمر بالإشهاد على طلاق لا رجعة معه لأنه حينئذ يسرحها بإحسان ~~عقيب العدة فيظهر الطلاق ولهذا قال يزيد بن هارون مما يعيب به أهل الرأي ~~أمر الله بالإشهاد في البيع دون النكاح وهم أمروا به في النكاح دون البيع ~~وهو كما قال والإشهاد في البيع إما واجب وإما مستحب وقد دل القرآن والسنة ~~على أنه مستحب وأما النكاح فلم يرد الشرع فيه بإشهاد واجب ولا مستحب وذلك ~~أن النكاح أمر فيه بالإعلان فأغنى إعلانه مع دوامه عن الإشهاد فإن المرأة ~~تكون عند الرجل والناس يعلمون أنها امرأته فكان هذا الإظهار الدائم مغنيا ~~عن الإشهاد كالنسب فإن النسب لا يحتاج إلى ان يشهد فيه أحدا على ولادة ~~امرأته بل هذا يظهر ويعرف أن امرأته ولدت هذا فأغنى هذا عن الإشهاد بخلاف ~~البيع فإنه قد يجحد ويتعذر إقامة البينة عليه ولهذا إذا كان النكاح في موضع ~~لا يظهر فيه كان إعلانه بالإشهاد فالاشهاد قد يجب في النكاح لأنه به يعلن ~~ويظهر لا لأن كل نكاح لا ينعقد إلا بشاهدين بل إذا زوجه وليته ثم خرجا ~~فتحدثا بذلك وسمع الناس أو جاء الشهود والناس بعد العقد فأخبروهم بأنه ~~تزوجها كان هذا كافيا وهكذا كانت عادة السلف لم يكونوا يكلفون احظار شاهدين ~~ولا كتابة صداق PageV32P129 ومن القائلين بالإيجاب من إشتراط شاهدين ~~مستورين وهو لايقبل عند الأداء إلا من تعرف عدالته فهذا أيضا لا يحصل به ~~المقصود وقد شذ بعضهم فأوجب من يكون معلوم العدالة وهذا مما يعلم فساده ~~قطعا فإن أنكحة المسلمين لم يكونوا يلتزمون فيها هذا وهذه الأقوال الثلاثة ~~في مذهب أحمد على قوله باشتراط الشهادة فقيل يجزئ فاسقان كقول أبي حنيفة ~~وقيل يجزئ مستوران وهذا المشهور عن مذهبه ومذهب الشافعي وقيل في المذهب ~~لابد من معروف العدالة وقيل بل أن عقد حاكم فلا يعقده إلا بمعروف العدالة ~~بخلاف غيره فإن الحكام هم الذين يميزون بين المبرور والمستور ثم المعروف ~~العدالة عند ms9153 حاكم البلد فهو خلاف ما أجمع المسلمون عليه قديما وحديثا حيث ~~يعقدون الأنكحة فيما بينهم والحاكم بينهم والحاكم لا يعرفهم وإن اشترطوا من ~~يكون مشهورا عندهم بالخير فليس من شرط العدل المقبول الشهادة أن يكون كذلك ~~ثم الشهود يموتون وتتغير أحوالهم وهم يقولون مقصود الشهادة اثبات الفراش ~~عند التجاحد حفظا لنسب الولد فيقال هذا حاصل بإعلان النكاح ولا يحصل ~~بالإشهاد مع الكتمان مطلقا فالذي لا ريب فيه أن النكاح مع الإعلان يصح وأن ~~لم يشهد شاهدان وأما مع الكتمان والإشهاد فهذا مما ينظر فيه وإذا اجتمع ~~الإشهاد والإعلان فهذا الذي لا نزاع في صحته وإن خلا عن الإشهاد والإعلان ~~فهو باطل عند العامة فإن قدر فيه خلاف PageV32P130 فهو قليل وقد يظن أن في ~~ذلك خلافا في مذهب أحمد ثم يقال بما يميز هذا عن المتخدات أخذانا وفي ~~المشترطين للشهادة من أصحاب أبي حنيفة من لا يعلل ذلك بإثبات الفراش لكن ~~كان المقصود حضور اثنين تعظيما للنكاح وهذا يعود إلى مقصود الإعلان وإذا ~~كان الناس ممن يجهل بعضهم حال بعض ولا يعرف من عنده هل هي امرأته أو خدينه ~~مثل الأماكن التي يكثر فيها الناس المجاهيل فهذا قد يقال يجب الإشهاد هنا ~~ولم يكن الصحابة يكتبون صداقات لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر بل يعجلون ~~المهر وإن أخروه فهو معروف فلما صار الناس يتزوجون على المؤخر والمدة تطول ~~وينسى صاروا يكتبون المؤخر وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له ~~لكن هذا الإشهاد يحصل به المقصود سواء حضر الشهود العقد أو جاؤا بعد العقد ~~فشهدوا على إقرار الزوج والزوجة والولي وقد علموا أن ذلك نكاح قد أعلن ~~وإشهادهم عليه من غير تواص بكتمانه إعلان وهذا بخلاف الولي فإنه قد دل عليه ~~القرآن في غير موضع والسنة في غير موضع وهو عادة الصحابة إنما كان يزوج ~~النساء الرجال لا يعرف أن امرأة تزوج نفسها وهذا مما يفرق فيه بين النكاح ~~ومتخذات اخدان ولهذا قالت عائشة لا تزوج المرأة نفسها فإن ms9154 البغي هي التى ~~تزوج نفسها لكن لا يكتفي بالولي حتى يعلن فإن من الأولياء من يكون مستحسنا ~~على قرابته PageV32P131 قال الله تعالى @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا @QE@ فخاطب الرجال بإنكاح الأيامى كما خاطبهم بتزويج الرقيق وفرق ~~بين قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا المشركين @QE@ وقوله @QB@ ولا تنكحوا ~~المشركات @QE@ وهذا الفرق مما احتج به بعض السلف من أهل البيت وأيضا فإن ~~الله أوجب الصداق في غير هذا الموضع ولم يوجب الإشهاد فمن قال إن النكاح ~~يصح مع نفي المهر ولا يصح إلا مع الإشهاد فقد أسقط ما أوجبه الله وأوجب ما ~~لم يوجبه الله وهذا مما يبين أن قول المدنيين وأهل الحديث أصح من قول ~~الكوفيين في تحريمهم نكاح الشغار وان علة ذلك أنما هو نفي المهر فحيث يكون ~~المهر فالنكاح صحيح كما هو قول المدنيين وهو أنص الروايتين وأصرحهما عن ~~أحمد بن حنبل واختيار قدماء أصحابه وهذا وأمثاله مما يبين رجحان أقوال أهل ~~الحديث والأثر وأهل الحجاز كأهل المدينة على ما خالفها من الأقوال التي ~~قيلت برأي يخالف النصوص لكن الفقهاء الذين قالوا برأي يخالف النصوص بعد ~~اجتهادهم واستفراغ وسعهم رضي الله عنهم قد فعلوا ما قدروا عليه من طلب ~~العلم واجتهدوا والله يثيبهم وهم مطيعون لله سبحانه في ذلك والله يثيبهم ~~على اجتهادهم فآجرهم الله على ذلك وإن كان الذين علموا ما جاءت به النصوص ~~PageV32P132 أفضل ممن خفيت عليه النصوص وهؤلاء لهم أجران وأولئك لهم أجر ~~كما قال تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ ومن ~~تدبر نصوص الكتاب والسنة وجدها مفسرة لأمر النكاح لا تشترط فيه ما يشترطه ~~طائفة من الفقهاء كما اشترط بعضهم ألا يكون إلا بلفظ الإنكاح والتزويج ~~واشترط بعضهم أن يكون بالعربية واشترط هؤلاء وطائفة ألا يكون إلا بحضرة ~~شاهدين ثم إنهم مع هذا صححوا النكاح مع نفي المهر ثم صاروا طائفتين طائفة ~~تصحح ms9155 نكاح الشغار لأنه لا مفسد له إلا نفي المهر وذلك ليس بمفسد عندهم ~~وطائفة تبطله وتعلل ذلك بعلل فاسدة كما قد بسطناه في مواضع وصححوا نكاح ~~المحلل الذي يقصد التحليل فكان قول أهل الحديث وأهل المدينة الذين لم ~~يشترطوا لفظا معينا في النكاح ولا إشهاد شاهدين مع إعلانه وإظهاره وأبطلوا ~~نكاح الشغار وكل نكاح نفي فيه المهر وابطلوا نكاح المحلل أشبه بالكتاب ~~والسنة وآثار الصحابة ثم إن كثيرا من أهل الرأي الحجازي والعراقي وسعوا باب ~~الطلاق فأوقعوا طلاق السكران والطلاق المحلوف به وأوقع هؤلاء طلاق ~~PageV32P133 المكره وهؤلاء الطلاق المشكوك فيه فيما حلف به وجعلوا الفرقة ~~البائنة طلاقا محسوبا من الثلاث فجعلوا الخلع طلاقا بائنا محسوبا من الثلاث ~~إلى أمور أخرى وسعوا بها الطلاق الذي يحرم الحلال وضيقوا النكاح الحلال ثم ~~لما وسعوا الطلاق صار هؤلاء يوسعون في الاحتيال في عود المرأة إلى زوجها ~~وهؤلاء لا سبيل عندهم إلى ردها فكان هؤلاء في آصار وأغلال وهؤلاء في خداع ~~واحتيال ومن تأمل الكتاب والسنة وآثار الصحابة تبين له أن الله أغنى عن هذا ~~وأن الله بعث محمدا بالحنيفة السمحة التي أمر فيها بالمعروف ونهي عن المنكر ~~وأحل الطيبات وحرم الخبائث والله سبحانه أعلم وصلى الله على محمد وآله ~~وصحبه وسلم ### |||| وسئل شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله # عن بنت الزنى هل تزوج ~~بأبيها ### ||||| فأجاب # الحمد لله مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها وهو ~~الصواب المقطوع به حتى تنازع الجمهور هل يقتل من فعل ذلك على قولين ~~والمنقول عن أحمد أنه يقتل من فعل ذلك فقد يقال هذا إذا لم يكن متأولا وأما ~~المتأول فلا يقتل وإن كان مخطئا وقد يقال هذا مطلقا كما قاله الجمهور إنه ~~يجلد من شرب النبيذ المختلف فيه متأولا وإن كان مع ذلك لا يفسق عند الشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين وفسقه PageV32P134 مالك وأحمد في الرواية الأخرى ~~والصحيح أن المتأول المعذور لا يفسق بل ولا يأثم وأحمد لم يبلغه أن في هذه ~~المسألة خلافا فإن ms9156 الخلاف فيها إنما ظهر في زمنه لم يظهر في زمن السلف ~~فلهذا لم يعرفه والذين سوغوا نكاح البنت من الزنى حجتهم في ذلك أن قالوا ~~ليست هذه بنتا في الشرع بدليل أنهما لا يتوارثان ولا يجب نفقتها ولا يلي ~~نكاحها ولا تعتق عليه بالملك ونحو ذلك من أحكام النسب وإذا لم تكن بنتا في ~~الشرع لم تدخل في آية التحريم فتبقى داخلة في قوله @QB@ وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم @QE@ وأما حجة الجمهور فهو أن يقال قول الله تعالى @QB@ حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم @QE@ الآية هو متناول لكل من شمله هذا اللفظ سواء كان ~~حقيقة أو مجازا وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من الأحكام أم لم يثبت إلا ~~التحريم خاصة ليس العموم في آية التحريم كالعموم في آية الفرائض ونحوها ~~كقوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ وبيان ~~ذلك من ثلاثة أوجه أحدها أن آية التحريم تتناول البنت وبنت الابن وبنت ~~البنت كما يتناول لفظ العمة عمة الأب والأم والجد وكذلك بنت الأخت وبنت بن ~~الأخت وبنت بنت الأخت ومثل هذا العموم لا يثبت لا في آية الفرائض ولا نحوها ~~من الآيات والنصوص التي علق فيها الأحكام بالأنساب PageV32P135 الثاني إن ~~تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( يحرم ~~من الرضاعة ما يحرم من الولادة ) وفي لفظ ( ما يحرم من النسب ) وهذا حديث ~~متفق على صحته وعمل الأئمة به فقد حرم الله على المرأة أن تتزوج بطفل غذته ~~من لبنها أو أن تنكح أولاده وحرم على أمهاتها وعماتها وخالتها بل حرم على ~~الطفلة المرتضعة من إمرأة أن تتزوج بالفحل صاحب اللبن وهو الذي وطىء المرأة ~~حتى در اللبن بوطئه فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح بنته من الرضاع ولا ~~يثبت في حقها شيء من أحكام النسب سوى التحريم وما يتبعها من الحرمة فكيف ~~يباح له نكاح بنت خلقت من مائة وأين المخلوقة من مائة من المتغذية بلبن در ~~بوطئه فهذا يبين التحريم من ms9157 جهة عموم الخطاب ومن جهة التنبيه والفحوى وقياس ~~الأولى الثالث أن الله تعالى قال @QB@ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ~~@QE@ قال العلماء احتراز عن ابنه الذي تبناه كما قال @QB@ لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا @QE@ ومعلوم أنهم في ~~الجاهلية كانوا يستلحقون ولد الزنى أعظم مما يستلحقون ولد المتبني فإذا كان ~~الله تعالى قيد ذلك بقوله @QB@ من أصلابكم @QE@ علم أن لفظ البنات ونحوها ~~يشمل كل من كان في لغتهم داخلا في الإسم وأما قول القائل إنه لا يثبت في ~~حقها الميراث ونحوه فجوابه أن النسب تتبعض أحكامه فقد ثبت بعض أحكام النسب ~~دون بعض كما PageV32P136 وافق أكثر المنازعين في ولد الملاعنة على أنه يحرم ~~على الملاعن ولا يرثه واختلف العلماء في استلحاق ولد الزنى إذا لم يكن ~~فراشا على قولين كما ثبت عن النبي أنه الحق بن وليدة زمعة بن الأسود بن ~~زمعة بن الأسود وكان قد أحبلها عتبة بن أبي وقاص فاختصم فيه سعد وعبد بن ~~زمعة فقال سعد بن أخي عهد إلي أن بن وليدة زمعة هذا ابني فقال عبد أخي وبن ~~وليدة أبي ولد على فراش أبي فقال النبي ( هو لك يا عبد بن زمعة الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر احتجبي منه يا سودة ) لما رأى من شبهه البين بعتبة ~~فجعله أخاها في الميراث دون الحرمة وقد تنازع العلماء في ولد الزنى هل يعتق ~~بالملك على قولين في مذهب أبي حنيفة وأحمد وهذه المسألة لها بسط لا تسعه ~~هذه الورقة ومثل هذه المسألة الضعيفة ليس لأحد أن يحكيها عن امام من أئمة ~~المسلمين لا على وجه القدح فيه ولا على وجه المتابعة له فيها فإن في ذلك ~~ضربا من الطعن في الأئمة وأتباع الأقوال الضعيفة وبمثل ذلك صار وزير التتر ~~يلقى الفتنة بين مذاهب اهل السنة حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة ~~ويوقعهم في مذاهب الرافضة وأهل الإلحاد والله أعلم PageV32P137 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل زنا بإمرأة في حال شبوبيته وقد ms9158 رأى معها في هذه الأيام ~~بنتا وهو يطلب التزويج بها ولم يعلم هل هي منه أو من غيره وهو متوقف في ~~تزويجها ### ||||| فأجاب # الحمد لله لايحل له التزويج بها عند أكثر العلماء فإن بنت التي زنا ~~بها من غيره لايحل التزوج بها عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين ~~وأما بنته من الزنى فأغلظ من ذلك وإذا اشتبهت عليه بغيرها حرمتا عليه ### |||| وسئل # رحمه الله عمن زنا بامرأة وحملت منه فاتت بأنثى فهل له ان يتزوج البنت ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يحل ذلك عند جماهير العلماء ولم يحل ذلك أحد من ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولهذا لم يعرف أحمد بن حنبل وغيره من العلماء ~~مع كثرة اطلاعهم في ذلك نزاعا بين السلف فافتى أحمد PageV32P138 بن حنبل ان ~~فعل ذلك قتل فقيل له انه حكى فلان في ذلك خلافا عن مالك فقال يكذب فلان ~~وذكر ان ولد الزنى يلحق بأبيه الزاني إذا استلحقه عند طائفة من العلماء وان ~~عمر بن الخطاب ( ألاط ) أي ألحق أولاد الجاهلية بآبائهم والنبي قال ( الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر ) هذا إذا كان للمرأة زوج وأما ( البغي ) التي لا زوج ~~لها ففي استلحاق الزاني ولده منها نزاع ( وبنت الملاعنة ) لاتباح للملاعن ~~عند عامة العلماء وليس فيه إلا نزاع شاذ مع أن نسبها ينقطع من أبيها ولكن ~~لو استلحقها للحقته وهما لا يتوارثان باتفاق الأئمة وهذا لأن ( النسب ) ~~تتبعض احكامه فقد يكون الرجل أبنا في بعض الأحكام دون بعض فابن الملاعنة ~~ليس بابن لايرث ولا يورث وهو بن في ( باب النكاح ) تحرم بنت الملاعنة على ~~الأب والله سبحانه وتعالى حرم من الرضاعة ما يحرم من النسب فلا يحل للرجل ~~ان يتزوج بنته من الرضاعة ولا أخته مع انه لا يثبت في حقها من ( أحكام ~~النسب ) لا ارث ولا عقل ولا ولاية ولا نفقة ولا غير ذلك إنما تثبت في حقها ~~حرمة النكاح والمحرمية وامهات المؤمنين أمهات في الحرمة فقط لا في المحرمية ~~فإذا كانت البنت التي أرضعتها امرأته ms9159 بلبن در بوطئه تحرم عليه وإن لم تكن ~~منسوبة إليه في الميراث وغيره فكيف بما خلقت من نطفته فإن هذه أشد اتصالا ~~به من تلك وقوله تعالى في القرآن PageV32P139 @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم @QE@ الآية يتناول كل ما يسمى بنتا حتى يحرم عليه بنت بنته وبنت ~~ابنه بخلاف قوله في الفرائض @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ فإن هذا إنما ~~يتناول ولده وولد ابنه لا يتناول ولد بنته ولهذا لما كان لفظ الابن والبنت ~~يتناول ما يسمى بذلك مطلقا قال الله تعالى ( وحلائل ابنائكم الذين من ~~أصلابكم ) ليحرز عن الابن المتبني كزيد الذي كان يدعى زيد بن محمد فإن هذا ~~كانوا يسمونه ( ابنا ) فلو أطلق اللفظ لظن انه داخل فيه فقال تعالى ( الذين ~~من أصلابكم ) ليخرج ذلك واباح للمسلمين ان يتزوج الرجل امرأة من تبناه ~~بقوله تعالى ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجنا كها لكيلا يكون على المؤمنين ~~حرج في ازواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ) فإذا كان لفظ الابن والبنت ~~يتناول كل من ينتسب إلى الشخص حتى قد حرم الله بنته من الرضاعة فبنته من ~~الزنى تسمى بنته فهي أولى بالتحريم شرعا واولى ان يدخلوها في آية التحريم ~~وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه وجماهير ~~أئمة المسلمين ولكن النزاع المشهور بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم في ~~الزنى ( هل ينشر حرمة المصاهرة فإذا أراد أن يتزوج بأمها وبنتها من غيره ~~فهذه فيها نزاع قديم بين السلف وقد ذهب إلى كل قول كثير من أهل العلم ~~كالشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه يبيحون ذلك وأبو حنيفة وأحمد ومالك ~~في الرواية الأخرى يحرمون ذلك فهذه إذا قلد الإنسان فيها أحد القولين جاز ~~ذلك والله أعلم PageV32P140 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عمن طلع إلى بيته ووجد ~~عند إمرأته رجلا أجنبيا فوفاها حقها وطلقها ثم رجع وصالحها وسمع أنها وجدت ~~بجنب أجنبي ### ||||| فأجاب # في الحديث عنه ( أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الجنة قال وعزتي ~~وجلالي لا يدخلك بخيل ولا كذاب ولا ديوث ms9160 ) والديوث الذي لا غيرة له وفي ~~الصحيح عن النبي انه قال ( إن المؤمن يغار وان الله يغار وغيرة الله ان ~~يأتي العبد ماحرم عليه ) وقد قال تعالى ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) ولهذا ~~كان الصحيح من قولي العلماء ان الزانية لا يجوز تزوجها إلا بعد التوبة ~~وكذلك إذا كانت المرأة تزني لم يكن له ان يمسكها على تلك الحال بل يفارقها ~~وإلا كان ديوثا PageV32P141 ### |||| وسئل # عن رجل تزوج ابنته من الزنى ### ||||| فأجاب # لا يجوز ان يتزوج بها عند جمهور أئمة المسلمين حتى ان الإمام أحمد ~~انكر ان يكون في ذلك نزاع بين السلف وقال من فعل ذلك فإنه يقتل وقيل له عن ~~مالك انه اباحه فكذب النقل عن مالك وتحريم هذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~وأحمد وأصحابه ومالك وجمهور أصحابه وهو قول كثير من أصحاب الشافعي وانكر ان ~~يكون الشافعي نص على خلاف ذلك وقالوا إنما نص على بنته من الرضاع دون ~~الزانية التي زنى بها والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل زنى بأمرأة ومات ~~الزاني فهل يجوز للولد المذكور ان يتزوج بها أم لا ### ||||| فأجاب # هذه حرام في مذهب أبي حنيفة وأحمد واحد القولين في مذهب مالك وفي ~~القول الآخر يجوز وهو مذهب الشافعي PageV32P142 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عمن كان له أمة يطؤها وهو يعلم ان غيره يطؤها ولا يحصنها ### ||||| فأجاب # هو ديوث ( ولا يدخل الجنة ديوث ) والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل له جارية تزني فهل يحل له وطؤها ### ||||| فأجاب # إذا كانت تزني فليس له ان يطأها حتى تحيض ويستبرئها من الزنى فإن ( ~~الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ) عقدا ووطأ ومتى وطاها مع كونها زانية ~~كان ديوثا والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن حديث عن النبي انه ( قال له رجل يا ~~رسول الله إن إمرأتي لا ترد كف لامس ) فهل هو ما ترد نفسها عن أحد أو ما ms9161 ~~ترد يدها في العطاء عن أحد وهل هو الصحيح أم لا PageV32P143 ### ||||| فأجاب # الحمد ~~لله رب العالمين هذا الحديث قد ضعفه أحمد وغير وقد تأوله بعض الناس على ~~أنها لا ترد طالب مال لكن ظاهر الحديث وسياقه يدل على خلاف ذلك ومن الناس ~~من اعتقد ثبوته وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يمسكها مع كونها لا ~~تمنع الرجال وهذا مما أنكره غير واحد من الأئمة فإن الله قال في كتابه ~~العزيز @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان ~~أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ وفي سنن أبي داود وغيره أن رجلا كان له ~~في الجاهلية قرينة من البغايا يقال لها عناق وأنه سأل النبي عن تزوجها ~~فأنزل الله هذه الآية وقد قال سبحانه وتعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا ~~أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله ~~أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف ~~محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان @QE@ فإنما أباح الله نكاح الإماء في ~~حال كونهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان والمسافحة التي تسافح مع كل أحد ~~والمتخذات الخدن التى يكون لها صديق واحد فاذا كانمن هذه حالها لا تنكح ~~فكيف بمن لا ترد يد لامس بل تسافح من اتفق وإذا كان من هذه حالها في الإماء ~~فكيف بالحرائر وقد قال تعالى @QB@ والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا ~~متخذي أخدان @QE@ فاشترط هذه الشروط في الرجال هنا PageV32P144 كما اشترطة ~~في النساء هناك وهذا يوافق ما ذكره في سورة النور من قوله تعالى @QB@ ~~الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ لأنه من تزوج زانية تزانى مع غيره لم يكن ماؤه ~~مصونا محفوظا فكان ماؤه مختلطا بماء غيره والفرج الذي يطأه مشتركا وهذا هو ~~الزنى والمرأة إذا كان زوجها يزني بغيرها لا يميز بين الحلال ms9162 والحرام كان ~~وطؤه لها من جنس وطىء الزاني للمرأة التي يزني بها وإن لم يطأها غيره وإن ~~من صور الزنى اتخاذ الأخدان والعلماء قد تنازعوا في جواز نكاح الزانية قبل ~~توبتها على قولين مشهورين لكن الكتاب والسنة والإعتبار يدل على أن ذلك لا ~~يجوز ومن تأول آية النور بالعقد وجعل ذلك منسوخا فبطلان قوله ظاهر من وجوه ~~ثم المسلمون متفقون على ذم الدياثة ومن تزوج بغيا كان ديوثا بالاتفاق وفي ~~الحديث ( لا يدخل الجنة بخيل ولا كذاب ولا ديوث ) قال تعالى @QB@ الخبيثات ~~للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات @QE@ أي ~~الرجال الطيبون للنساء الطيبات والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات وكذلك في ~~النساء فإذا كانت المرأة خبيثة كان قرينها خبيثا وإذا كان قرينها خبيثا ~~كانت خبيثة وبهذا عظم القول فيمن قذف عائشة ونحوها من أمهات المؤمنين ولولا ~~ما على الزوج في ذلك من العيب ما حصل هذا التغليظ ولهذا قال السلف ما بغت ~~إمرأة قط قط ولو كان تزوج البغي جائزا لوجب تنزيه PageV32P145 الأنبياء عما ~~يباح كيف وفي نساء الأنبياء من هي كافرة كما في أزواج المؤمنات من هو كافر ~~كما قال تعالى @QB@ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا ~~تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ~~ادخلا النار مع الداخلين وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت ~~رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم ~~الظالمين @QE@ وأما البغايا فليس في الأنبياء ولا الصالحين من تزوج بغيا ~~لأن البغاء يفسد فراشه ولهذا أبيح للمسلم أن يتزوج الكتابية اليهودية ~~والنصرانية إذا كان محصنا غير مسافح ولا متخذ خدن فعلم إن تزوج الكافرة قد ~~يجوز وتجوز البغي لا يجوز لأن ضرر دينها لا يتعدى إليه وأما ضرر البغايا ~~فيتعدي إليه والله أعلم ### ||| فصل # في اعتبار النية في النكاح قد بسط الكلام في غير هذا الموضع وبين أن ~~المقصود في العقود معتبر وعلى هذا ينبغي إبطال الحيل وإبطال ms9163 نكاح المحلل ~~إذا قصد التحليل والمخالع بخلع اليمين فإن هذا لم يقصد PageV32P146 النكاح ~~وهذا لم يقصد فراق المرأة بل هذا مقصوده أن تكون إمرأته وقصد الخلع مع هذا ~~ممتنع وذاك مقصوده أن تكون زوجة المطلق ثلاثا وقصده مع هذا أن تكون زوجة له ~~ممتنع ولهذا لا يعطي مهرا بل قد يعطونه من عندهم ولا يطلب استلحاق ولد ولا ~~مصاهرة في تزويجها بل قد يحلل الأم وبنتها إلى غير ذلك مما يبين أنه لم ~~يقصد النكاح وأما نكاح المتعة إذا قصد أن يستمتع بها إلى مدة ثم يفارقها ~~مثل المسافر الذي يسافر إلى بلد يقيم به مدة فيتزوج وفي نيته إذا عاد إلى ~~وطنه أن يطلقها ولكن النكاح عقده عقدا مطلقا فهذا فيه ثلاثة أقوال في مذهب ~~أحمد قيل هو نكاح جائز وهو اختيار أبي محمد المقدسي وهو قول الجمهور وقيل ~~إنه نكاح تحليل لا يجوز وروي عن الأوزاعي وهو الذي نصره القاضي وأصحابه في ~~الخلاف وقيل هو مكروه وليس بمحرم والصحيح أن هذا ليس بنكاح متعة ولا يحرم ~~وذلك أنه قاصد للنكاح وراغب فيه بخلاف المحلل لكن لا يريد دوام المرأة معه ~~وهذا ليس بشرط فإن دوام المراة معه ليس بواجب بل له أن يطلقها فإذا قصد أن ~~يطلقها بعد مدة فقد قصد أمرا جائزا بخلاف نكاح المتعة فإنه مثل الإجارة ~~تنقضي فيه بانقضاء المدة ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل وأما هذا فملكه ~~ثابت مطلق وقد تتغير نيته فيمسكها دائما وذلك جائز له كما أنه لو تزوج بنية ~~إمساكها دائما ثم بدا له طلاقها جاز ذلك ولو تزوجها PageV32P147 بنية أنها ~~إذا أعجبته أمسكها وإلا فارقها جاز ولكن هذا لا يشترط في العقد لكن لو شرط ~~أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان فهذا موجب العقد شرعا وهو شرط صحيح عند ~~جمهور العلماء ولزمه موجب الشرع كاشتراط النبي في عقد البيع ( بيع المسلم ~~للمسلم لا داء ولا غائلة ولا خبيثة ) وهذا موجب العقد وقد كان الحسن بن علي ~~كثير الطلاق ms9164 فلعل غالب من تزوجها كان في نيته أن يطلقها بعد مدة ولم يقل ~~أحد إن ذلك متعة وهذا أيضا لا ينوي طلاقها عند أجل مسمى بل عند انقضاء غرضه ~~منها ومن البلد الذي أقام به ولو قدر أنه نواه في وقت بعينه فقد تتغير نيته ~~فليس في هذا ما يوجب تأجيل النكاح وجعله كالإجارة المسماة وعزم الطلاق لو ~~قدر بعد عقد النكاح لم يبطله ولم يكره مقامه مع المرأة وإن نوى طلاقها من ~~غير نزاع نعلمه في ذلك مع اختلافهم فيما حدث من تأجيل النكاح مثل أن يؤجل ~~الطلاق الذي بينهما فهذا فيه قولان هما روايتان عن أحمد أحدهما تنجز الفرقة ~~وهو قول مالك لئلا يصير النكاح مؤجلا والثاني لا تنجز لأن هذا التأجيل طرأ ~~على النكاح والدوام أقوى من الابتداء فالعدة والردة والاحرام تمنع ابتداءه ~~دون دوامه فلا يلزم إذا منع التأجيل في الابتداء أن يمنع في الدوام لكن ~~يقال ومن الموانع ما يمنع الدوام والابتداء أيضا فهذا محل اجتهاد كما اختلف ~~في PageV32P148 العيوب الحادثة وزوال الكفاءة هل تثبت الفسخ فأما حدوث نية ~~الطلاق إذا أراد أن يطلقها بعد شهر فلم نعلم أن أحدا قال إن ذلك يبطل ~~النكاح فإنه قد يطلق وقد لا يطلق عند الأجل كذلك الناوي عند العقد في ~~النكاح وكل منهما يتزوج الآخر إلى أن يموت فلا بد من الفرقة والرجل يتزوج ~~الأمة التي يريد سيدها عتقها ولو أعتقت كان الأمر بيدها وهو يعلم أنها لا ~~تختاره وهو نكاح صحيح ولو كان عتقها مؤجلا أو كانت مدبرة وتزوجها وإن كانت ~~لها عند مدة الأجل اختيار فراقه والنكاح مبناه على أن الزوج يملك الطلاق من ~~حين العقد فهو بالنسبة إليه ليس بلازم وهو بالنسبة إلى المرأة لازم ثم إذا ~~عرف أنه بعد مدة يزول اللزوم من جهتها ويبقى جائزا لم يقدح في النكاح ولهذا ~~يصح نكاح المجبوب والعنين وبشروط يشترطها الزوج مع أن المرأة لها الخيار ~~إذا لم يوف بتلك الشروط فعلم أن مصيره جائزا من ms9165 جهة المرأة لا يقدح وإن كان ~~هذا يوجب انتفاء كمال الطمأنينة من الزوجين فعزمه على الملك ببعض الطمأنينة ~~مثل هذا إذا كانت المرأة مقدمة على أنه إن شاء طلق وهذا من لوازم النكاح ~~فلم يعزم إلا على ما يملكه بموجب العقد وهو كما لو عزم أن يطلقها إن فعلت ~~ذنبا أو إذا نقص ماله ونحو ذلك فعزمه على الطلاق إذا سافر إلى أهله أو قدمت ~~إمرأته الغائبة أو قضى وطره منها من هذا الباب PageV32P149 وزيد كان قد عزم ~~على طلاق إمرأته ولم تخرج بذلك عن زوجيته بل ما زالت زوجته حتى طلقها وقال ~~له النبي ( اتق الله وأمسك عليك زوجك ) وقيل إن الله قد كان اعلمه أنه ~~سيتزوجها وكتم هذا الإعلام عن الناس فعاتبه الله على كتمانه فقال @QB@ ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه @QE@ من إعلام الله لك بذلك وقيل بل الذي ~~أخفاه أنه إن طلقها تزوجها وبكل حال لم يكن عزم زيد على الطلاق قادحا في ~~النكاح في الاستدامة وهذا مما لا نعرف فيه نزاعا وإذا ثبت بالنص والإجماع ~~أنه لا يؤثر العزم على طلاقها في الحال وهذا يرد على من قال إنه إذا نوى ~~الطلاق بقلبه وقع فإن قلب زيد كان قد خرج عنها ولم تزل زوجته إلى حين تكلم ~~بطلاقها وقال النبي ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم ~~أو تعمل به ) وهذا مذهب الجمهور كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وهو إحدى ~~الروايتين عن مالك ولا يلزم إذا أبطله شرط التوقيت أن تبطله نية التطليق ~~فيما بعد فإن النية المبطلة ما كانت مناقضة لمقصود العقد والطلاق بعد مدة ~~أمر جائز لا يناقض مقصود العقد إلى حين الطلاق بخلاف المحلل فإنه لا رغبة ~~له في نكاحها البتة بل في كونها زوجة الأول ولو أمكنه ذلك بغير تحليل لم ~~يحلها هذا وإن كان مقصوده العوض فلو حصل له بدون نكاحها لم يتزوج وإن كان ~~مقصوده هنا وطأها ذلك اليوم فهذا من PageV32P150 جنس البغي التي يقصد وطأها ms9166 ~~يوما أو يومين بخلاف المتزوج الذي يقصد المقام والأمر بيده ولم يشرط عليه ~~أحد أن يطلقها كما شرط على المحلل فإن قدر من تزوجها نكاحا مطلقا ليس فيه ~~شرط ولا عدة ولكن كانت نيته أن يستمتع بها أياما ثم يطلقها ليس مقصوده أن ~~تعود إلى الأول فهذا هو محل الكلام وأن حصل بذلك تحليلها للأول فهو لا يكون ~~محللا إلا إذا قصده أو شرط عليه شرطا لفظيا أو عرفيا سواء كان الشرط قبل ~~العقد أو بعده وأما إذا لم يكن فيه قصد تحليل ولا شرط أصلا فهذا نكاح من ~~الأنكحة ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن هذا التحليل الذي يفعله الناس اليوم إذا ~~وقع على الوجه الذي يفعلونه من الاستحقاق والإشهاد وغير ذلك من سائر الحيل ~~المعروفة هل هو صحيح أم لا وإذا قلد من قال به هل يفرق بين إعتقاد واعتقاد ~~وهل الأولى إمساك المرأة أم لا ### ||||| فأجاب # التحليل الذي يتواطئون فيه مع الزوج لفظا أو عرفا على أن يطلق ~~المرأة أو ينوي الزوج ذلك محرم لعن النبي صلى الله عليه PageV32P151 وسلم ~~فاعله في أحاديث متعددة وسماه التيس المستعار وقال ( لعن الله المحلل ~~والمحلل له ) وكذلك مثل عمر وعثمان وعلي وبن عمر وغيرهم لهم بذلك آثار ~~مشهورة يصرحون فيها بان من قصد التحليل بقلبه فهو محلل وإن لم يشترطه في ~~العقد وسموه سفاحا ولا تحل لمطلقها الأول بمثل هذا العقد ولا يحل للزوج ~~المحلل إمساكها بهذا التحليل بل يجب عليه فراقها لكن إذا كان قد تبين ~~بإجتهاد أو تقليد جواز ذلك فتحللت وتزوجها بعد ذلك ثم تبين له تحريم ذلك ~~فالأقوى أنه لا يجب عليه فراقها بل يمنع من ذلك في المستقبل وقد عفا الله ~~في الماضي عما سلف ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن إمام عدل طلق إمرأته وبقيت عنده ~~في بيته حتى استحلت تحليل أهل مصر وتزوجها ### ||||| فأجاب # إذا تزوجها الرجل بنية أنه إذا وطئها طلقها لتحلها لزوجها الأول أو ~~تواطآ على ذلك قبل العقد أو شرطاه في صلب ms9167 العقد لفظا أو عرفا فهذا وأنواعه ~~نكاح التحليل الذي اتفقت الأمة على بطلانه وقد ثبت عن النبي أنه قال ( لعن ~~الله المحلل والمحلل له PageV32P152 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل طلق زوجته ~~ثلاثا ثم أوفت العدة ثم تزوجت بزوج ثان وهو المستحل فهل الاستحلال يجوز ~~بحكم ما جرى لرفاعة مع زوجته في أيام النبي أم لا ثم إنها اتت لبيت الزوج ~~الأول طالبة لبعض حقها فغلبها على نفسها ثم إنها قعدت أياما وخافت وادعت ~~أنها حاضت لكي يردها الزوج الأول فراجعها إلى عصمته بعقد شرعي وأقام معها ~~أياما فظهر عليها الحمل وعلم أنها كانت كاذبة في الحيض فاعتزلها إلى أن ~~يهتدي بحكم الشرع الشريف ### ||||| فأجاب # أما إذا تزوجها زوج ليحلها لزوجها المطلق فهذا المحلل وقد صح عن ~~النبي أنه قال ( لعن الله المحلل والمحلل له ) وأما حديث رفاعة فذاك كان قد ~~تزوجها نكاحا ثابتا لم يكن قد تزوجها ليحلها للمطلق وإذا تزوجت بالمحلل ثم ~~طلقها فعليها العدة باتفاق العلماء إذ غايتها أن تكون موطؤة في نكاح فاسد ~~فعليها العدة منه وما كان يحل للأول وطؤها وإذا وطئها فهو زان عاهر ونكاحها ~~الأول قبل أن تحيض ثلاثا باطل باتفاق الأئمة وعليه أن يعتزلها فإذا جاءت ~~PageV32P153 بولد الحق بالمحلل فإنه هو الذي وطأها في نكاح فاسد ولا يلحق ~~الولد في النكاح الأول لأن عدته انقضت وتزوجت بعد ذلك لمن وطئها وهذا يقطع ~~حكم الفراش بلا نزاع بين الأئمة ولا يلحق بوطئه زنا لأن النبي قال ( الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر ) لكن إن علم المحلل أن الولد ليس منه بل من هذا ~~العاهر فعليه أن ينفيه باللعان فيلاعنها لعانا ينقطع فيه نسب الولد ويلحق ~~نسب الولد بأمه ولا يلحق بالعاهر ### |||| وسئل رحمه الله # هل تصح مسألة العبد أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله تزوج المرأة المطلقة بعبد يطؤها ثم تباح الزوجة هي من ~~صور التحليل وقد صح عن النبي أنه قال ( لعن الله المحلل والمحلل له ) ### |||| وسئل # عن رجل حنث من زوجته فنكحت غيره ليحلها ms9168 للأول فهل هذا النكاح صحيح أم لا ~~PageV32P154 ### ||||| فأجاب # قد صح عن النبي أنه قال ( لعن الله المحلل والمحلل له ) وعنه أنه ~~قال ( ألا أنبئكم بالتيس المستعار ) قالوا بلى يا رسول الله قال ( هو ~~المحلل لعن الله المحلل والمحلل له ) واتفق على تحريم ذلك أصحاب رسول الله ~~والتابعون لهم بإحسان مثل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ~~وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم حتى قال ~~بعضهم لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم الله من قلبه أنه يريد ~~أن يحلها له وقال بعضهم لا نكاح إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة وقال بعضهم من ~~يخادع الله يخدعه وقال بعضهم كنا نعدها على عهد رسول الله سفاحا وقد اتفق ~~أئمة الفتوى كلهم أنه إذا شرط التحليل في العقد كان باطلا وبعضهم لم يجعل ~~للشرط المتقدم ولا العرف المطرد تأثيرا وجعل العقد مع ذلك كالنكاح المعروف ~~نكاح الرغبة وأما الصحابة والتابعون وأكثر أئمة الفتيا فلا فرق عندهم بين ~~هذا العرف واللفظ وهذا مذهب أهل المدينة وأهل الحديث وغيرهما والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن العبد الصغير إذا استحلت به النساء وهو دون البلوغ هل ~~يكون ذلك زوجا وهو لا يدري الجماع PageV32P155 ### ||||| فأجاب # ثبت في سنة رسول الله أنه ( لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ~~ولعن الله المحلل والمحلل له ) قال الترمذي حديث صحيح وثبت إجماع الصحابة ~~على ذلك كعمر وعثمان وعلي وبن مسعود وبن عباس وغيرهم حتى قال عمر لا أوتي ~~بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وقال عثمان لا نكاح إلا نكاح رغبة لا نكاح ~~دلسة وسئل بن عباس عن من طلق إمرأته مائة طلقة فقال بانت منه بثلاث وسائرها ~~اتخذ بها آيات الله هزوا فقال له السائل أرأيت إن تزوجتها وهو لا يعلم ~~لأحلها ثم أطلقها فقال له بن عباس من يخادع الله يخدعه وسئل عن ذلك فقال لا ~~يزالان زانين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم الله ms9169 من قلبه أنه يريد أن يحلها ~~له وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل ~~وهذا لعمري إذا كان المحلل كبيرا يطأها ويذوق عسيلتها وتذوق عسيلته فأما ~~العبد الذي لا وطىء فيه أو فيه ولا يعد وطؤه وطأ كمن لا ينتشر ذكره فهذا لا ~~نزاع بين الأئمة في أن هذا لا يحلها ونكاح المحلل مما يعير به النصارى ~~المسلمين حتى يقولون إن المسلمين قال لهم نبيهم إذا طلق أحدكم إمرأته لم ~~تحل له حتى تزني ونبينا بريء من ذلك هو وأصحابه والتابعون لهم بإحسان ~~وجمهور أئمة المسلمين والله أعلم PageV32P156 ### ||| 2 باب الشروط في النكاح #2 ! 8 < قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ! 8 < الحمد لله نستعينه ~~ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا ~~مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ### ||| فصل # الشروط الفاسدة في النكاح كثيرة كنكاح الشغار والمحلل والمتعة ومثل أن ~~يتزوجها على أن لا مهر لها أو على مهر محرم ونحو ذلك من الشروط الفاسدة ~~وللعلماء فيها أقوال أحدها أنه لا يصح النكاح ثم هل يصح إذا إمضاء الشرط ~~الفاسد بعد ذلك فيه نزاع وهذا أحد القولين في مذهب مالك وأحمد وهو اختيار ~~طائفة من أئمة أصحابه كأبي بكر الخلال وأبي بكر عبد العزيز PageV32P157 ~~والثاني يصح النكاح ويبطل الشرط وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه في الجميع وخرج ~~ذلك طائفة من أصحاب أحمد كأبي الخطاب وبن عقيل وغيرهما قولا في مذهبه حتى ~~في النكاح الباطل فإن أبا حنيفة وصاحبيه يقولون ببطلانه وزفر يصحح العقد ~~ويلغي الأصل وقد خرج كلاهما قولا في مذهب أحمد وهذا التخريج من نصه في قوله ~~إن جئتني بالمهر إلى وقت كذا وإلا فلا نكاح بيننا فإنه حكي عنه فيه ثلاث ~~روايات رواية بصحتهما ورواية بفسادهما ورواية بصحة العقد دون الشرط ms9170 وكذلك ~~فيما إذا تزوجها على أن ترد إليه المهر فقد نص على صحة العقد وبطلان الشرط ~~والقول الثالث في الشروط الفاسدة أنه يبطل نكاح الشغار والمتعة ونكاح ~~التحليل المشروط في العقد ويصح النكاح مع المهر المحرم ومع نفي المهر وهذا ~~مذهب الشافعي وهو الرواية الثانية عن أحمد اختارها كثير من أصحابه كالحربي ~~والقاضي أبي يعلى وأتباعه وهؤلاء يفرقون بين ما صححوه من عقود النكاح مع ~~الشرط الفاسد وما أبطلوه بأن الشرط إذا انتفى وقع النكاح وإلا كان باطلا ~~كنكاح المتعة وكذلك نكاح التحليل إذا قدره بالفعل مثل أن يقول زوجتكها إلى ~~أن تحلها وأما إذا قال على أنك إذا أحللتها فلا نكاح بينكما أو على أنك ~~تطلقها إذا أحللتها فهذا فيه نزاع في مذهب الشافعي وأبو يوسف يوافق الشافعي ~~على قوله ببطلانه PageV32P158 وأما نكاح الشغار فلهم في علة إبطاله أقوال ~~هل العلة التشريك في البضع أو تعليق أحد النكاحين على الآخر أو كون أحد ~~العقدين سلفا من الآخر إلى غير ذلك مما ذكر بأقلامهم في غير هذا الموضع ~~وأما النكاح بالمهر الفاسد وشرط نفي المهر فصححوه موافقة لأبي حنيفة بناء ~~على أن النكاح يصح بدون تسمية المهر فيصح مع نفي المهر وهؤلاء جعلوا نكاح ~~المتعة أصلا لما يبطلونه من الأنكحة ونكاح المفوضة أصلا لما يصححونه ونكاح ~~الشغار جعلوه نوعا آخر وهذا أصل قول أبي حنيفة في الشروط الفاسدة في النكاح ~~والفرق بينها وبين الشروط الفاسدة في البيع والإجارة فإنه قال إنه لا يصح ~~مع عدم تسمية العوض فلا يصح مع الجهل به ولا مع الشروط الفاسدة لأن ذلك ~~يتضمن الجهل بالعوض لأنه يجب إسقاط الشرط الفاسد وإسقاط ما يقابله من الثمن ~~فيكون باقي الثمن مجهولا وقد احتج الأكثرون على هؤلاء بالنصوص الثابتة عن ~~النبي بنهيه عن نكاح الشغار وعن نكاح التحليل كنهيه عن نكاح المتعة والنهي ~~عن النكاح يقتضي فساده كنهيه عن النكاح في العدة والنكاح بلا ولي ولا شهود ~~وبأن الصحابة أبطلوا هذه العقود ففرقوا بين الزوجين في نكاح ms9171 الشغار وجعلوا ~~نكاح التحليل سفاحا وتوعدوا المحلل بالرجم ومنعوا من غير نكاح الرغبة كما ~~ذكرنا الآثار الكثيرة عنهم بذلك في كتاب إبطال التحليل فتبين بالنصوص ~~وإجماع الصحابة فساد هذه الأنكحة PageV32P159 ولأن النكاح إذا قيل بصحته ~~ولزومه فأما أن يقال بذلك مع الشرط المحرم الفاسد وهذا خلاف النص والإجماع ~~وإما أن يقال به مع إبطال الشرط فيكون ذلك إلزاما للعاقد بعقد لم يرض به ~~ولا ألزمه الله به ومعلوم أن موجب العقد إما أن يلزم بإلزام الشارع أو ~~إلزام العاقد فالأول كالعقود التي ألزمه الشارع بها كما ألزم الشارع الكافر ~~الحربي بالإسلام وكما ألزم من عليه يمين واجبة حنث فيها بواحدة بالإعتاق ~~والصوم وكما ألزم من احتاج إلى سوى ذلك بالبيع والشراء في صور متعددة ~~والثاني المقابلة وكما يلزم الضامن دين المدين مع بقائه في ذمته وكما يلتزم ~~كل من المتبايعين والمتصالحين والمتآجرين بما يلتزمه للآخر وإذا كان كذلك ~~فالنكاح المشروط فيه شرطا فاسدا لم يلزم الشارع صاحبه أن يعقده بدون ذلك ~~الشرط ولا هو التزم أن يعقده مجردا عن الشرط فإلزامه بما لم يلتزمه هو ولا ~~ألزمه به الشارع إلزام للناس بما لم يلزمهم الله به ولا رسوله وذلك لا يجوز ~~ولأن الشروط في النكاح أوكد منها في البيع بدليل قوله في الحديث الصحيح ( ~~إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ) ثم البيع لا يجوز إلا ~~بالتراضي لقوله تعالى @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ فالنكاح لا ~~يجوز إلا بالتراضي بطريق الأولى والأحرى والعقد الفاسد لم يرض به العاقد ~~إلا على تلك الصفة PageV32P160 فإلزامه بدون تلك الصفة إلزام بعقد لم يرض ~~به وهو خلاف النصوص والأصول ولهذا لم يجوز أن يلزم في البيع بما لم يرض به ~~ولهذا قال أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وغيره إذا صححنا البيع دون الشرط ~~الفاسد على إحدى الروايتين عنه فلمشترط الشرط إذا لم يعلم تحريمه الفسخ أو ~~المطالبة بأرش فواته كما قالوا مثل ذلك في الشرط الصحيح اذا لم يوف ms9172 به لكن ~~الشرط الصحيح يلزم الوفاء به كالعقد الصحيح وإذا لم يوف به فله الفسخ مطلقا ~~لأنه لم يرض بدونه وأما الشرط الفاسد فلا يلزم الوفاء به كما لا يلزم ~~الوفاء بالعقد الفاسد لكن له أيضا العقد بدونه وله فسخ العقد كما لو اشترط ~~صفة في البيع فلم يكن على تلك الصفة وكما لو ظهر بالبيع عيب فأحمد رضي الله ~~عنه يقول في البيع مع الشرط الفاسد إنه يصح البيع في إحدى الروايتين بل في ~~انصهما عنه لأن فوات الشرط والصفة لا يبطل البيع والمشترط ينجبر ضرره ~~بتخليته من الفسخ كما في فوات الصفات المشروطة ومن العيوب وأما النكاح ~~فالشروط فيه ألزم وإذا شرط صفة في أحد الزوجين كالشرط الأوفى في إحدى ~~الروايتين وهو أحد الوجهين لمالك والشافعي ملك الفسخ لفواتها وكذلك له ~~الفسخ عنده بالعيوب المانعة من مقصود النكاح ويملك الفسخ وأما التحليل فهو ~~غير مقصود والمقصود في العقود عنده معتبر والمتعة نكاح إلى أجل والنكاح لا ~~يتأجل PageV32P161 والشغار علله هو وكثير من أصحابه كالخلال وأبي بكر عبد ~~العزيز بنفي المهر وكونه جعل أحد البضعين مهرا للآخر وهذا تعليل أصحاب مالك ~~وعلله كثير من أصحابه بتعليل أصحابه الشافعي يبقى أن يقال فكان ينبغي مع ~~الشرط الفاسد أن يخير العاقد بين التزام العقد بدونه وبين فسخه كما في ~~الشروط الفاسدة في البيع قيل إن قلنا إن النكاح لا ينعقد إلا بصيغة الإنكاح ~~والتزويج لأن ذلك هو الصريح فيه وهو لا ينعقد بالكناية كما يقوله أبو حامد ~~والقاضي أبو يعلى وأتباعهما من أصحاب أحمد موافقة لأصحاب الشافعي وقلنا إن ~~البيع يصح فيه شرط الخيار دون النكاح ظهر الفرق لأن البيع يمكن عقده جائزا ~~بخلاف النكاح والمصححون لنكاح التحليل والشغار ونحوهما قد يقولون مانهى عنه ~~النبي لم نصححه فإنا لا نصححه مع كونه شغارا وتحليلا ومتعة ولكن نبطل شرط ~~أصل العقد في المهر ونبطل شرط التحليل كذلك شرط التأجيل عند من يقول بذلك ~~ويبقى العقد لازما ليس فيه شغار ولاتحليل ولهذا قال ms9173 أصحاب أبي حنيفة في أحد ~~القولين إنه يصح نكاح التحليل ولاتحل به للمطلق ثلاثا عملا بقوله ( لعن ~~الله المحلل والمحلل له ( فإنهم إنما يصححونه مع إبطال شرط التحليل فيكون ~~نكاحا لازما ولايحلونها PageV32P162 للأول لأنه إذا أحلت للأول قصد بذلك ~~تحليلها للأول فإذا لم تحل به للأول لم يقصد به التحليل للأول فلا يكون ~~نكاح تحليل وعلى هذا القول لا ينكح أحد المرأة الإنكاح رغبة لانكاح تحليل ~~ولو نكحها بنية التحليل أو شرطه ثم قصد الرغبة هي وهو وأسقطها شرط التحليل ~~فهل يحتاج إلى إستئناف عقد أم يكفى استصحاب العقد الأول فيه نزاع وهو يشبه ~~إسقاط الشرط الفاسد في البيع هل يصح معه أم لا وهو قصد ومثله إذا عقد العقد ~~بدون إذن من اشترط إذنه هل يقع باطلا وموقوفا على الاجازه فيه قولان ~~مشهوران وهما قولان في مذهب أحمد ( أحدهما ( أنه يقع باطلا ولايوقف كقول ~~الشافعي ( الثاني ( أنه يقف على الاجازة كقول أبي حنيفة ومالك فإذا عقد ~~العقد بنية فاسدة أو شرط فاسد فقد يقول إنه على القولين في الوقف فمن قال ~~بالوقف وقفه على إزاله المفسد ومن لافلا فزوال المانع كوجود المقتضى وإذا ~~كان موقوفا على حصول بعض شروطه فهو كالوقف على زوال بعض موانعه إذ جعلتموه ~~زوجا مطلقا يلزمها نكاحه فقد ألزمتموها بنكاح لم ترض به وهذا خلاف الاصول ~~والنصوص [ وأصح ] الأقوال في هذا الباب أن الأمر إليها فإن رضيت بدون ذلك ~~الشرط كان زوجا ولايحتاج إلى استئناف عقد وان لم ترض به لم يكن زوجا ~~كالنكاح الموقوف على اجازتها وكذلك في النكاح PageV32P163 على مهر لم يسلم ~~لها لتحريمه أو استحقاقه فان شاءت أن ترضى به زوجا بمهر آخر كان ذلك وإن ~~شاءت أن تفارقه فلها ذلك وليس قبل رضاها نكاح لازم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ~~تزوج بامرأة فشرط عليه عند النكاح أنه لايتزوج عليها ولا ينقلها من منزلها ~~وكانت لها ابنه فشرط عليه أن تكون عند أمها وعنده ماتزال فدخل على ذلك كله ~~فهل يلزمه الوفاء ms9174 وإذا أخلف هذا الشرط فهل للزوجة الفسح أم لا ( ### ||||| فأجاب ( # الحمد لله نعم تصح هذه الشروط ومافي معناها في مذهب الإمام أحمد ~~وغيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم كعمر بن الخطاب وعمرو بن العاص رضى ~~الله عنهما وشريح القاضي والأوزاعي وإسحاق ولهذا يوجد في هذا الوقت صداقات ~~أهل المغرب القديمة لما كانوا على مذهب الأوزاعي فيها هذه الشروط ومذهب ~~مالك إذا شرط أنه إذا تزوج عليها أو تسرى أن يكون أمرها بيدها ونحوذلك صح ~~هذا الشرط أيضا وملكت الفرقة به وهو في المعنى نحو مذهب أحمد في ذلك لما ~~آخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ( ان أحق الشروط ~~أن توفوا به مااستحللتم به الفروج ( وقال عمر بن الخطاب مقاطع الحقوق عند ~~الشروط PageV32P164 فجعل النبي ما يستحل به الفروج من الشروط أحق بالوفاء ~~من غيره وهذا نص في مثل هذه الشروط إذ ليس هناك شرط يوفي به بالأجماع غير ~~الصداق والكلام فتعين أن تكون هي هذه الشروط وأما شرط مقام ولدها عندها ~~ونفقته عليه فهذا مثل الزيادة في الصداق والصداق يحتمل من الجهالة فيه في ~~المنصوص عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة ومالك مالايحتمل في الثمن والأجرة وكل ~~جهالة تنقص على جهالة مهر المثل تكون أحق بالجواز لاسيما مثل هذا يجوز في ~~الإجارة ونحوها في مذهب أحمد وغيرة ان استأجر الأجير بطعامه وكسوته ويرجع ~~في ذلك إلى العرف فكذلك إشتراط النفقة على ولدها يرجع فيه إلى العرف بطريق ~~الأولى ومتى لم يوف لها بهذه الشروط فتزوج وتسرى فلها فسخ النكاح لكن في ~~توقف ذلك على الحاكم نزاع لكونه خيارا مجتهدا فيه كخيار العنة والعيوب إذ ~~فيه خلاف أو يقال لايحتاج إلى اجتهاد في ثبوته وان وقع نزاع في الفسخ به ~~كخيار المعتقة يثبت في مواضع الخلاف عند القائلين به بلاحكم حاكم مثل أن ~~يفسخ على التراخي وأصل ذلك أن توقف الفسخ على الحكم هل هو الاجتهاد في ثبوت ~~الحكم ايضا اوان الفرقة يحتاط لها والأقوى أن الفسخ ms9175 المختلف فيه كالعنة ~~لايفتقر إلى حكم حاكم لكن إذا رفع إلى حاكم يرى فيه امضاءه أمضاه وان رأى ~~ابطاله أبطله والله أعلم PageV32P165 ### |||| وسئل رحمه الله # عمن شرط انه لايتزوج ~~على الزوجة ولا يتسرى ولايخرجها من دارها أو من بلدها فإذا شرطت على الزوج ~~قبل العقد واتفقا عليها وخلا العقد عن ذكرها هل تكون صحيحة لازمة يجب العمل ~~بها كالمقارنة أو لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم تكون صحيحة لازمة إذا لم يبطلاها حتى لو قارنت عقد ~~العقد هذا ظاهر مذهب الإمام أبي حنيفة والامام مالك وغيرهما في جميع العقود ~~وهو وجه في مذهب الشافعي يخرج من مسألة ( صداق السر والعلانية ( وهكذا ~~يطرده مالك وأحمد في العبادات فإن النية المتقدمة عندهما كالمقارنة وفي ~~مذهب أحمد قول ثان أن الشروط المتقدمة لاتؤثر وفيه قول ثالث وهو الفرق بين ~~الشرط الذي يجعل غير مقصود كالتوطئ على ان البيع تلجئة لا حقيقة له وبين ~~الشرط الذي لايخرجه عن أن يكون مقصودا كا شتراط الخيار ونحوه وأما عامة ~~نصوص أحمد وقدماء أصحابه ومحققى المتأخرين على أن الشروط والمواطأة التي ~~تجرى بين المتعاقدين قبل العقد إذا لم يفسخاها حتى عقدا العقد فإن العقد ~~يقع PageV32P166 مقيدا بها وعلى هذا جواب أحمد في مسائل الحيل في البيع ~~والإجارة والرهن والقرض وغير ذلك وهذا كثير موجود في كلامه وكلام أصحابه ~~تضيق الفتوى عن تعديد أعيان المسائل وكثير منها مشهور عند من له أدنى خبرة ~~بأصول أحمد ونصوصه لايخفي عليه ذلك وقد قررنا دلائل ذلك من الكتاب والسنة ~~واجماع السلف وأصول الشريعة في ( مسألة التحليل ( ومن تأمل العقود التي ~~كانت تجرى بين النبي وغيره مثل عقد البيعة التى كانت بينه وبين الأنصار ~~ليلة العقبة وعقد الهدنة الذي كان بينه وبين قريش عام الحديبية وغير ذلك ~~علم أنهم اتفقوا على الشروط ثم عقدوا العقد بلفظ مطلق وكذلك عامة نصوص ~~الكتاب والسنة في الأمر بالوفاء بالعقود والعهود والشروط والنهي عن الغدر ~~والثلاث تتناول ذلك تناولا واحدا فإن أهل اللغة والعرف متفقون على التسمية ms9176 ~~والمعاني الشرعية توافق ذلك ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل تزوج بنتا ~~عمرها عشرسنين واشترط عليه أهلها أنه يسكن عندهم ولاينقلها عنهم ولايدخل ~~عليها الأبعد سنة فأخذها إليه واختلف ذلك ودخل عليها وذكر الدايات أنه ~~نقلها ثم PageV32P167 سكن بها في مكان يضربها فيه الضرب المبرح ثم بعد ذلك ~~سافر بها ثم حضر بها ومنع أن يدخل أهلها عليها مع مداومته على ضربها فهل ~~يحل أن تدوم معه على هذا الحال ### ||||| فأجاب # إذا كان الأمر على ماذكر فلا يحل إقرارها معه على هذه الحالة بل ~~إذا تعذر أن يعاشرها بالمعروف فرق بينهما وليس له أن يطأها وطأ يضربها بل ~~إذا لم يمتنع من العدوان عليها فرق بينهما والله أعلم ### |||| وسئل رحمة الله # عن رجل شرط على امرأته با لشهود أن لايسكنها في منزل أبيه فكانت مدة السكنى ~~منفردة وهو عاجز عن ذلك فهل يجب عليه ذلك وهل لها أن تفسخ النكاح إذا أراد ~~إبطال الشرط وهل يجب عليه أن يمكن أمها أو أختها من الدخول عليها والمبيت ~~عندها أم لا ### ||||| فأجاب # لا يجب عليه ما هو عاجز عنه لاسيما إذا شرطت الرضى بذلك بل إذا كان ~~قادرا على مسكن آخر لم يكن لها عند كثير من أهل العلم كمالك وأحد القولين ~~في مذهب أحمد وغيرهما غير ماشرط لها فكيف إذا كان عاجزا وليس لها أن تفسخ ~~النكاح عند هؤلاء وإن كان قادرا فأما إذا كان ذلك للسكن ويصلح لسكنى الفقير ~~وهو عاجز عن غيره فليس لها أن تفسخ بلانزاع بين الفقهاء وليس عليه أن يمكن ~~من الدخول إلى منزله لاأمها ولاأختها إذا كان معاشرا لها با لمعروف والله ~~أعلم PageV32P168 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل تزوج وشرطوا عليه في ~~العقد أن كل إمرأة يتزوج بها تكون طالقا وكل جارية يتسرى بها تعتق عليه ثم ~~إنه تزوج وتسرى فما الحكم في المذاهب الأربعة ### ||||| فأجاب # هذا الشرط غير لازم في مذهب الإمام الشافعي ولازم له في مذهب أبي ~~حنيفة متى تزوج ms9177 وقع به الطلاق ومتى تسرى عتقت عليه الأمة وكذلك مذهب مالك ~~وأما مذهب أحمد فلا يقع به الطلاق ولا العتاق لكن إذا تزوج وتسرى كان الأمر ~~بيدها إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته لقوله صلى الله عليه وسلم ( إن ~~أحق الشروط أن يوفي به ما استحللتم به الفروج ) ولأن رجلا تزوج إمرأة بشرط ~~أن لا يتزوج عليها فرفع ذلك إلى عمر فقال مقاطع الحقوق عند الشروط فالأقوال ~~في هذه المسألة ثلاثة أحدها يقع به الطلاق والعتاق والثاني لا يقع به ولا ~~تملك إمرأته فراقه والثالث وهو أعدل الأقوال أنه لا يقع به طلاق ولا عتاق ~~لكن لإمرأته ما شرط لها فإن شاءت أن أن تقيم معه وإن شاءت أن تفارقه وهذا ~~أوسط الأقوال PageV32P169 ### |||| وسئل الشيخ رحمه الله # عن رجل حلف بالطلاق أنه ما ~~يتزوج فلانة ثم بداله أن ينكحها فهل له ذلك وفي رجل تزوج إمرأة وشرط في ~~العقد أنه لا يتزوج عليها ثم تزوج فهل يثبت لها الخيار أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين له أن يتزوجها ولا يقع بها الطلاق إذا ~~تزوجها عند جمهور السلف وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما وإذا شرط في العقد ~~أنه لا يتزوج عليها وإن تزوج عليها كان أمرها بيدها كان هذا الشرط صحيحا ~~لازما في مذهب مالك وأحمد وغيرهما ومتى تزوج عليها فأمرها بيدها إن شاءت ~~أقامت وإن شاءت فارقت والله أعلم PageV32P170 ### ||| 2 باب العيوب في النكاح ### |||| 2 وسئل رحمه الله # عن إمرأة تزوجت برجل فلما دخل رأت بجسمه برصا فهل لها أن ~~تفسخ عليه النكاح ### ||||| فأجاب # إذا ظهر بأحد الزوجين جنون أو جذام أو برص فللآخر فسخ النكاح لكن ~~إذا رضي بعد ظهور العيب فلا فسخ له وإذا فسخت فليس لها أن تأخذ شيئا من ~~جهازها وإن فسخت قبل الدخول سقط مهرها وإن فسخت بعده لم يسقط ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل متزوج بإمرأة فظهر مجذوما فهل لها فسخ النكاح ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا ظهر أن الزوج مجذوم فللمرأة فسخ ms9178 النكاح بغير اختيار ~~الزوج والله أعلم PageV32P171 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج بكرا فوجدها ~~مستحاضة لا ينقطع دمها من بيت أمها وأنهم غروة فهل له فسخ النكاح ويرجع على ~~من غرة بالصداق وهل يجب على أمها وابيها يمين إذا أنكروا أم لا وهل يكون له ~~وطؤها أم لا ### ||||| فأجاب # هذا عيب يثبت به فسخ النكاح في أظهر الوجهين في مذهب أحمد وغيره ~~لوجهين أحدهما أن هذا مما لا يمكن الوطء معه إلا بضرر يخافه وأذى يحصل له ~~والثاني أن وطء المستحاضة عند أحمد في المشهور عنه لا يجوز إلا لضرورة وما ~~يمنع الوطء حسا كاستداد الفرج أو طبعا كالجنون والجذام يثبت الفسخ عند مالك ~~والشافعي وأحمد كما جاء عن عمر وأما ما يمنع كمال الوطأ كالنجاسة في الفرج ~~ففيه نزاع مشهور والمستحاضة أشد من غيرها وإذا فسخ قبل الدخول فلا مهر عليه ~~وإن فسخ بعده قيل إن الصداق يستقر بمثل هذه الخلوة وإن كان قد وطأها فإنه ~~يرجع بالمهر على من غره وقيل لا يستقر فلا شيء عليه وله أن يحلف من ادعى ~~الغرور عليه أنه لم يغره ووطؤ المستحاضة فيه نزاع مشهور وقيل يجوز وطؤها ~~كقول PageV32P172 الشافعي وغيره وقيل لا يجوز إلا الضرورة وهو مذهب أحمد في ~~المشهور عنه وله الخيار ما لم يصدر عنه ما يدل على الرضا بقول أو فعل فإن ~~وطأها بعد ذلك فلا خيار له إلا أن يدعى الجهل فهل له الخيار فيه نزاع مشهور ~~والأظهر ثبوت الفسخ والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج إمرأة على أنها ~~بكر فبانت ثيبا فهل له فسخ النكاح ويرجع على من غره أم لا ### ||||| فأجاب # له فسخ النكاح وله أن يطالب بأرش الصداق وهو تفاوت ما بين مهر ~~البكر والثيب فينقص بنسبته من المسمى وإذا فسخ قبل الدخول سقط المهر والله ~~أعلم PageV32P173 ### ||| 2 باب نكاح الكفار 2 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن قوله صلى الله عليه وسلم ( ولدت من نكاح ~~لا من سفاح ) ما معناه ### ||||| فأجاب ms9179 # الحمد لله الحديث معروف من مراسيل علي بن الحسين رضي الله عنهما ~~وغيره ولفظه ( ولدت من نكاح لا من سفاح لم يصبني من نكاح الجاهلية شيء ) ~~فكانت مناكحهم في الجاهلية على أنحاء متعددة ### |||| وسئل رحمه الله # عن النكاح قبل ~~بعثة الرسل أهو صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # كانت مناكحهم في الجاهلية على أنحاء متعددة منها نكاح الناس اليوم ~~وذلك النكاح في الجاهلية صحيح عند جمهور العلماء وكذلك سائر مناكح أهل ~~الشرك التي لا تحرم في الإسلام ويلحقها أحكام النكاح الصحيح من الإرث ~~والايلاء واللعان والظهار وغير ذلك وحكي عن مالك أنه قال نكاح أهل الشرك ~~ليس بصحيح ومعنى هذا عنده أنه لو طلق PageV32P174 الكافر ثلاثا لم يقع به ~~طلاق ولو طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثا فتزوجها ذمي ووطئها لم يحلها عنده ~~ولو وطىء ذمي ذمية بنكاح لم يصر بذلك محصنا وأكثر العلماء يخالفونه في هذا ~~وأما كونه صحيحا في لحوق النسب وثبوت الفراش فلا خلاف فيه بين المسلمين ~~فليس هو بمنزلة وطء الشبهة بل لو أسلم الزوجان الكافران أقرا على نكاحهما ~~بالإجماع وإن كانا لا يقران على وطء شبهة وقد أحتج الناس بهذا الحديث على ~~أن نكاح الجاهلية نكاح صحيح واحتجوا بقوله @QB@ وامرأته حمالة الحطب @QE@ ~~وقوله @QB@ امرأة فرعون @QE@ وقالوا قد سماها الله إمرأة والأصل في الأطلاق ~~الحقيقة والله أعلم وقال رحمه الله تعالى في صحيح البخاري قال قال عطاء عن ~~بن عباس كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~كانوا مشركين أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه ومشركين أهل عهد لا يقاتلهم ولا ~~يقاتلونه وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا ~~طهرت حل لها النكاح فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه فإن هاجر عبد منهم ~~أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين ثم ذكر في أهل العهد مثل حديث مجاهد ~~وإن هاجر عبد أو أمة للمشركين أهل العهد لم ترد وردت أثمانهم وقال عطاء عن ~~بن عباس كانت قريبه بنت أبي ms9180 أمية عند عمر بن الخطاب وطلقها فتزوجها معاوية ~~بن أبي سفيان وكانت أم الحكم ابنة أبي سفيان تحت عياض بن غنيم الفهري ~~فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان PageV32P175 ثم ذكر في باب بعده وقال بن ~~جريج قلت لعطاء إمرأة من المشركين جاءت إلى المسلمين أيعاض زوجها منها ~~لقوله تعالى @QB@ وآتوهم ما أنفقوا @QE@ قال لا إنما كان ذلك بين النبي ~~وبين أهل العهد قال مجاهد هذا كله في صلح بين النبي وبين قريش قلت حديث بن ~~عباس فيه فصول أحدها أن المهاجرة من أهل الحرب ليس عليها عدة إنما عليها ~~استبراء بحيضة وهذا أحد قولي العلماء في هذه المسألة لأن العدة فيها حق ~~للزوج كما قال الله تعالى @QB@ فما لكم عليهن من عدة تعتدونها @QE@ ولهذا ~~قلنا لا تتداخل وهذه ملكت نفسها بالإسلام والهجرة كما يملك العبد نفسه ~~بالإسلام والهجرة فلم يكن للزوج عليها حق لكن الإستبراء فيها كالأمة ~~المعتقة وقد يقوى هذا قول من يقول المختلعة يكفيها حيضة لأن كلاهما متخلصة ~~الثاني أن زوجها إذا هاجر قبل النكاح ردت إليه وإن كانت قد حاضت ومع هذا ~~فقد روى البخاري بعد هذا عن خالد عن عكرمة عن بن عباس إذا أسلمت النصرانية ~~قبل زوجها بساعة حرمت عليه وما ذكره بن عباس في المهاجرة يوافق المشهور من ~~أن زينب بنت رسول الله ردت على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول وقد كتبت ~~في الفقه في هذا آثارا ونصوصا عن الإمام أحمد وغيره PageV32P176 الثالث ~~قوله إن المهاجر من عبيدهم يكون حرا له ما للمهاجرين كما في قصة أبي بكرة ~~ومن هاجر معه من عبيد أهل الطائف وهذا لا ريب فيه فإنه بالإسلام والهجرة ~~ملك نفسه لأن مال أهل الحرب مال إباحة فمن غلب على شيء ملكه فإذا غلب على ~~نفسه فهو أولى أن يملكها والإسلام يعصم ذلك الرابع أن المهاجر من رقيق ~~المعاهدين يرد عليهم ثمنه دون عينه لأن مالهم معصوم فهو كما لو أسلم عبد ~~الذمي يؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو هبة ms9181 أو عتق فإن فعل وإلا بيع عليه ولا ~~يرد عينه عليهم لأنهم يسترقون المسلم وذلك لا يجوز بخلاف رد الحر إليهم ~~فإنهم لا يسترقونه ولهذا لما شرط النبي رد النساء مع الرجال فسخ الله ذلك ~~وأمره أن لا يرد النساء المسلمات فقال @QB@ لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ~~@QE@ لأنه يستباح في دار الكفر من المرأة المسلمة ما لا يستباح من الرجل ~~لأن المرأة الأسيرة كالرجل الأسير وأمره بردالمهر عوضا PageV32P177 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا المشركات @QE@ وقد أباح ~~العلماء التزويج بالنصرانية واليهودية فهل هما من المشركين أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نكاح الكتابية جائز بالآية التي في المائدة قال تعالى ~~@QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من ~~المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ وهذا مذهب جماهير ~~السلف والخلف من الأئمة الأربعة وغيرهم وقد روي عن بن عمر أنه كره نكاح ~~النصرانية وقال لا أعلم شركا أعظم ممن تقول إن ربها عيسى بن مريم وهو اليوم ~~مذهب طائفة من أهل البدع وقد احتجوا بالآية التي في سورة البقرة وبقوله ~~@QB@ ولا تمسكوا بعصم الكوافر @QE@ والجواب عن آية البقرة من ثلاثة أوجه ~~أحدها أن أهل الكتاب لم يدخلوا في المشركين فجعل أهل الكتاب غير مشركين ~~بدليل قوله @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا @QE@ PageV32P178 فإن قيل فقد وصفهم بالشرك بقوله @QB@ ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ قيل إن أهل ~~الكتاب ليس في أصل دينهم شرك فإن الله إنما بعث الرسل بالتوحيد فكل من آمن ~~بالرسل والكتب لم يكن في أصل دينهم شرك ولكن النصارى ابتدعوا الشرك كما قال ~~@QB@ سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ فحيث وصفهم بأنهم أشركوا فلأجل ما ~~ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به وجب تميزهم عن المشركين لأن أصل ~~دينهم اتباع الكتب المنزلة التي جاءت بالتوحيد لا بالشرك فإذا ms9182 قيل أهل ~~الكتاب لم يكونوا من هذه الجهة مشركين فإن الكتاب الذي أضيفوا إليه لا شرك ~~فيه كما إذا قيل المسلمون وأمة محمد لم يكن فيهم من هذه الجهة لا اتحاد ولا ~~رفض ولا تكذيب بالقدر ولا غير ذلك من البدع وإن كان بعض الداخلين في الأمة ~~قد ابتدع هذه البدع لكن أمة محمد لا تجتمع على ضلالة فلا يزال فيها من هو ~~متبع لشريعة التوحيد بخلاف أهل الكتاب ولم يخبر الله عز وجل عن أهل الكتاب ~~أنهم مشركون بالاسم بل قال @QB@ عما يشركون @QE@ بالفعل وآية البقرة قال ~~فيها @QB@ المشركين @QE@ و @QB@ المشركات @QE@ بالاسم والاسم أوكد من الفعل ~~PageV32P179 الوجه الثاني أن يقال إن شملهم لفظ المشركين من سورة البقرة ~~كما وصفهم بالشرك فهذا متوجه بأن يفرق بين دلالة اللفظ مفردا ومقرونا فإذا ~~أفردوا دخل فيهم أهل الكتاب وإذا أقرنوا مع أهل الكتاب لم يدخلوا فيهم كما ~~قيل مثل هذا في اسم الفقير والمسكين ونحو ذلك فعلى هذا يقال آية البقرة ~~عامة وتلك خاصة والخاص يقدم على العام الوجه الثالث أن يقال آية المائدة ~~ناسخة لآية البقرة لأن المائدة نزلت بعد البقرة باتفاق العلماء وقد جاء في ~~الحديث ( المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ) ~~والآية المتأخره تنسخ الآية المتقدمة إذا تعارضتا وأما قوله @QB@ ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر @QE@ فإنها نزلت بعد صلح الحديبية لما هاجر من مكة إلى ~~المدينة وأنزل الله سورة الممتحنة وأمر بامتحان المهاجرين وهو خطاب لمن كان ~~في عصمته كافرة واللام لتعريق العهد والكوافر المعهودات هن المشركات مع أن ~~الكفار قد يميزوا من أهل الكتاب أيضا في بعض المواضع كقوله @QB@ ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا @QE@ فإن أصل دينهم هو الإيمان ولكن هم ~~PageV32P180 كفروا مبتدعين الكفر كما قال تعالى @QB@ إن الذين يكفرون بالله ~~ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم ms9183 الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا @QE@ ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن الإماء الكتابيات ما الدليل على ~~وطئهن بملك اليمين من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار وعلى تحريم الإماء ~~المجوسيات أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين وطء الإماء الكتابيات بملك اليمين أقوى من ~~وطئهن بملك النكاح عند عوام أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم ولم يذكر ~~عن أحد من السلف تحريم ذلك كما نقل عن بعضهم المنع من نكاح الكتابيات وإن ~~كان بن المنذر قد قال لم يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم نكاحهن ولكن ~~النحريم هو قول الشيعة ولكن في كراهة نكاحهن مع عدم الحاجة نزاع والكراهة ~~معروفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد وكذلك كراهة وطىء الإماء فيه نزاع روي ~~عن الحسن أنه كرهه والكراهة في ذلك مبنية PageV32P181 على كراهة التزوج ~~وأما التحريم فلا يعرف عن أحد بل قد تنازع العلماء في جواز تزويج الأمة ~~الكتابية جوزه أبو حنيفة وأصحابه وحرمه مالك والشافعي والليث والأوزاعي وعن ~~أحمد روايتان أشهرهما كالثاني فإن الله سبحانه إنما أباح نكاح المحصنات ~~بقوله تعالى @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ الآية ~~فأباح المحصنات منهم وقال في آية الإماء @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله ~~أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض @QE@ فإنما أباح النساء المؤمنات وليس هذا موضع ~~بسط هذه المسألة وأما الأمة المجوسية فالكلام فيها ينبني على أصلين أحدهما ~~أن نكاح المجوسيات لا يجوز كما لا يجوز نكاح الوثنيات وهذا مذهب الأئمة ~~الأربعة وذكره الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم وجعل ~~الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل البدع والأصل الثاني أن من لا يجوز نكاحهن ~~لا يجوز وطئهن بملك اليمين كالوثنيات وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~وحكي عن أبي ثور أنه قال يباح وطؤ الإماء بملك اليمين على أي دين كن ~~PageV32P182 وأظن هذا يذكر عن بعض المتقدمين فقد تبين أن في وطىء الأمة ~~الوثنية نزاعا وأما الأمة الكتابية ms9184 فليس في وطئها مع إباحة التزوج بهن نزاع ~~بل في التزوج بها خلاف مشهور وهذا كله مما يبين أن القول بجواز التزوج بهن ~~مع المنع من التسري بهن لم يقله أحد ولا يقوله فقيه وحينئذ فنقول الدليل ~~على أنه لا يحرم التسري بهن وجوه أحدها أن الأصل الحل ولم يقم على تحريمهن ~~دليل من نص ولا إجماع ولا قياس فبقي حل وطئهن على الأصل وذلك أن ما يستدل ~~به من ينازع في حل نكاحهن كقوله @QB@ ولا تنكحوا المشركات @QE@ وقوله @QB@ ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر @QE@ إنما يتناول النكاح لا يتناول الوطء بملك ~~اليمين ومعلوم أنه ليس في السنة ولا في القياس ما يوجب تحريمهن فيبقى الحل ~~على الأصل الثاني أن قوله تعالى @QB@ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين @QE@ يقتضي عموم جواز الوطئ ~~بملك اليمين مطلقا إلا ما استثناه الدليل حتى إن عثمان وغيره من الصحابة ~~جعلوا مثل هذا النص متناولا للجمع بين الأختين حين قالوا أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية فإذا كانوا قد جعلوه عاما في صورة حرم فيها النكاح فلأن يكون ~~عاما في صورة لا يحرم فيها النكاح أولى وأحرى PageV32P183 الثالث أن يقال ~~قد أجمع العلماء على حل ذلك كما ذكرناه ولم يقل أحد من المسلمين إنه يجوز ~~نكاحهن ويحرم التسري بهن بل قد قيل يحرم الوطئ في ملك اليمين حيث يحرم ~~الوطؤ في النكاح وقيل يجوز التزوج بهن فعلم أن الأمة مجمع على التسري بها ~~ولم يكن أرجح من حل النكاح ولم يكن دونه فلو حرم التسري دون النكاح كان ~~خلاف الإجماع الرابع أن يقال إن حل نكاحهن يقتضي حل التسري بهن من طريق ~~الأولى والأحرى وذلك أن كل من جاز وطؤها بالنكاح جاز وطؤها بملك اليمين بلا ~~نزاع وأما العكس فقد تنازع فيه وذلك لأن ملك اليمين أوسع لا يقتصر فيه على ~~عدد والنكاح يقتصر فيه على عدد وما حرم فيه الجمع بالنكاح قد نوزع في تحريم ~~الجمع فيه بملك اليمين وله ms9185 أن يستمع بملك اليمين مطلقا من غير اعتبار قسم ~~ولا استئذان في عزل ونحو ذلك مما حجر عليه فيه لحق الزوجة وملك النكاح نوع ~~رق وملك اليمين رق تام وأباح الله للمسلمين أن يتزوجوا أهل الكتاب ولا ~~يتزوج أهل الكتاب نساءهم لأن النكاح نوع رق كما قال عمر النكاح رق فلينظر ~~أحدكم عند من يرق كريمته وقال زيد بن ثابت الزوج سيد في كتاب الله وقرأ ~~قوله تعالى @QB@ وألفيا سيدها لدى الباب @QE@ وقد قال النبي ( اتقوا الله ~~في النساء فإنهن عوان عندكم ) فجوز PageV32P184 للمسلم أن يسترق هذه ~~الكافرة ولم يجوز للكافر أن يسترق هذه المسلمة لأن الإسلام يعلو ولا يعلى ~~عليه كما جوز للمسلم أن يملك الكافر ولم يجوز للكافر أن يملك المسلم فإذا ~~جواز وطئهن من ملك تام أولى وأحرى يوضح ذلك أن المانع إما الكفر وإما الرق ~~وهذا الكفر ليس بمانع والرق ليس مانعا من الوطئ بالملك وإنما يصلح أن يكون ~~مانعا من التزوج فإذا كان المقتضي للوطئ قائما والمانع منتفيا جاز الوطؤ ~~فهذا الوجه مشتمل على قياس التمثيل وعلى قياس الأولى ويخرج منه وجه رابع ~~يجعل قياس التعليل فيقال الرق مقتض لجواز وطىء المملوكة كما نبه النص على ~~هذه العلة كقوله @QB@ أو ما ملكت أيمانكم @QE@ وإنما يمتنع الوطؤ بسبب يوجب ~~التحريم بأن تكون محرمة بالرضاع أو بالصهر أو بالشرك ونحو ذلك وهذه ليس ~~فيها ما يصلح للمنع إلا كونها كتابية وهذا ليس بمانع فإذا كان المقتضي للحل ~~قائما والمانع المذكور لا يصلح أن يكون معارضا وجب العمل بالمقتضي السالم ~~عن المعارض المقاوم وهذه الوجوه بعد تمام تصورها توجب القطع بالحل الوجه ~~الخامس أن من تدبر سير الصحابة والسلف على عهد النبي والصحابة وجد آثارا ~~كثيرة تبين أنهم لم يكونوا يجعلون ذلك مانعا بل هذه كانت سنة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وسنة خلفائه مثل الذي كانت له أم ولد وكانت تسب النبي فقام ~~يقتلها PageV32P185 وقد روى حديثها أبو داود وغيره وهذه لم تكن مسلمة لكن ~~هذه القصة ms9186 قد يقال إنه لا حجة فيها لأنها كانت في أوائل مقدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة ولم يكن حينئذ يحرم نكاح المشركات وإنما ثبت ~~التحريم بعد الحديبية لما أنزل الله تعالى @QB@ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ~~@QE@ وطلق عمر إمرأته كانت بمكة وأما الآية التي في البقرة فلا يعلم تاريخ ~~نزولها وفي البقرة ما نزل متأخرا كآيات الزنى وفيها ما نزل متقدما كآيات ~~الصيام ومثل ما روي أن النبي لما أراد غزة تبوك قال للحر بن قيس ( هل لك في ~~نساء بني الأصفر ) فقال ( ائذن لي ولا تفتني ) ومثل فتحه لخيبر وقسمه ~~للرقيق ولم ينه المسلمين عن وطئهن حتى يسلمن كما أمرهم بالإستبراء بل من ~~يبيح وطأ الوثنيات بملك اليمين قد يستدل بما جرى يوم أو طاس من قوله ( لا ~~توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة ) على جواز وطىء ~~الوثنيات بملك اليمين وفي هذا كلام ليس هذا موضعه والصحابة لما فتحوا ~~البلاد لم يكونوا يمتنعون عن وطء النصرانيات PageV32P186 ### ||| فصل # وأما المجوسية فقد ذكرنا أن الكلام فيها مبني على أصلين أحدهما أن المجوس ~~لا تحل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم والدليل على هذا وجوه أحدها أن يقال ليسوا ~~من أهل الكتاب ومن لم يكن من أهل الكتاب لم يحل طعامه ولا نساؤه أما ~~المقدمة الأولى ففيها نزاع شاذ فالدليل عليها أنه سبحانه قال @QB@ وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل ~~الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين @QE@ فتبين أنه ~~أنزل القرآن كراهة أن يقولوا ذلك ومنعا لأن يقولوا ذلك ودفعا لأن يقولوا ~~ذلك فلو كان قد أنزل على أكثر من طائفتين لكان هذا القول كذبا فلا يحتاج ~~إلى مانع من قوله وأيضا فإنه قال @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ~~@QE@ فذكر الملل الست وذكر أنه يفصل بينهم يوم القيامة ولما ذكر الملل التي ~~فيها سعيد في الآخرة قال @QB@ إن الذين ms9187 آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا @QE@ PageV32P187 في ~~موضعين فلم يذكر المجوس ولا المشركين فلو كان في هاتين الملتين سعيد في ~~الآخرة كما في الصابئين واليهود والنصارى لذكرهم فلو كان لهم كتاب لكانوا ~~قبل النسخ والتبديل على هدى وكانوا يدخلون الجنة إذا عملوا بشريعتهم كما ~~كان اليهود والنصارى قبل النسخ والتبديل فلما لم يذكر المجوس في هؤلاء علم ~~أنه ليس لهم كتاب بل ذكر الصابئين دونهم مع أن الصابئين ليس لهم كتاب إلا ~~أن يدخلوا في دين أحد من أهل الكتابين وهو دليل على أن المجوس أبعد عن ~~الكتاب منهم وأيضا ففي المسند والترمذي وغيرهما من كتب الحديث والتفسير ~~والمغازي الحديث المشهور لما اقتتلت فارس والروم وانتصرت الفرس ففرح بذلك ~~المشركون لأنهم من جنسهم ليس لهم كتاب واستبشر بذلك أصحاب النبي لكون ~~النصارى أقرب إليهم لأن لهم كتابا وأنزل الله تعالى @QB@ الم غلبت الروم في ~~أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين @QE@ الآية وهذا يبين أن ~~المجوس لم يكونوا عند النبي وأصحابه لهم كتاب وأيضا ففي حديث الحسن بن محمد ~~بن الحنيفة وغيره من التابعين ( أن النبي أخذ الجزية من المجوس ) وقال ( ~~سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ) وهذا مرسل ~~PageV32P188 وعن خمسة من الصحابة توافقة ولم يعرف عنهم خلاف وأما حذيفة ~~فذكر أحمد أنه تزوج بيهودية وقد عمل بهذا المرسل عوام أهل العلم والمرسل في ~~أحد قولي العلماء حجة كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه ~~وفي الآخر هو حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من ~~وجه آخر وهذا قول الشافعي فمثل هذا المرسل حجة باتفاق العلماء وهذا المرسل ~~نص في خصوص المسألة غير محتاج إلى أن يبني على المتقدمين فإن قيل روي عن ~~علي أنه كان لهم كتاب فرفع قيل هذا الحديث قد ضعفه أحمد وغيره وإن صح فإنه ~~إنما يدل على أنه كان لهم كتاب فرفع لا أنه ms9188 الآن بأيديهم كتاب وحينئذ فلا ~~يصح أن يدخلوا في لفظ @QB@ أهل الكتاب @QE@ إذ ليس بأيديهم كتاب لا مبدل ~~ولا غير مبدل ولا منسوخ ولا غير منسوخ ولكن إذا كان لهم كتاب ثم رفع بقي ~~لهم شبهة كتاب وهذا القدر يؤثر في حقن دمائهم بالجزية إذا قيدت بأهل الكتاب ~~وأما الفروج والذبائح فحلها مخصوص بأهل الكتاب وقول النبي ( سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب ) دليل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب وإنما أمر أن يسن بهم ~~سنتهم في أخذ الجزية خاصة كما فعل ذلك الصحابة فإنهم لم يفهموا من هذا ~~اللفظ إلا هذا الحكم وقد روى مقيدا ( غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ) ~~فمن جوز أخذ الجزية من أهل الأوثان قاس PageV32P189 عليهم غيرهم في الجزية ~~ومن خصهم بذلك قال إن لهم شبهة كتاب بخلاف غيرهم والدماء تعصم بالشبهات ولا ~~تحل الفروج والذبائح بالشبهات ولهذا لما تنازع علي وبن عباس في ذبائح بني ~~تغلب قال علي إنهم لم يتمسكوا من النصرانية إلا بشرب الخمر وقرأ بن عباس ~~قوله تعالى @QB@ ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ فعلي رضي الله عنه منع من ~~ذبائحهم مع عصمة دمائهم وهو الذي روى حديث كتاب المجوس فعلم أن التشبه بأهل ~~الكتاب في بعض الأمور يقتضي حقن الدماء دون الذبائح والنساء ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل تكلم بكلمة الكفر وحكم بكفره ثم بعد ذلك حلف ~~بالطلاق من إمرأته ثلاثا فإذا رجع إلى الإسلام هل يجوز له أن يجدد النكاح ~~من غير تحليل أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا ارتد ولم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدة إمرأته ~~فإنها تبين منه عند الأئمة الأربعة وإذا طلقها بعد ذلك فقد طلق أجنبية فلا ~~يقع بها الطلاق فإذا عاد إلى الإسلام فله أن يتزوجها وإن طلقها في زمن ~~العدة قبل أن يعود إلى الإسلام فهذا فيه قولان PageV32P190 للعلماء أحدهما ~~أن البينونة تحصيل بنفس الردة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك في المشهور عنه ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه فعلى هذا يكون الطلاق ms9189 بعد هذا طلاق الأجنبية ~~فلا يقع والثاني أن النكاح لا يزول حتى تنقضي العدة فإن أسلم قبل انقضاء ~~العدة فهما على نكاحهما وهذا مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى عنه ~~فعلى هذا إذا كان الطلاق في العدة وعاد إلى الإسلام قبل انقضاء العدة تبين ~~أنه طلق زوجته فيقع الطلاق وإن كان لم يعد إلى الإسلام حتى انقضت العدة ~~تبين أنه طلق أجنبية فلا يقع به الطلاق والله أعلم PageV32P191 ### ||| 2 باب الصداق #2 وقال شيخ الإسلام رحمه الله السنة تخفيف الصداق وأن لا يزيد على نساء ~~النبي وبناته فقد روت عائشة رضي الله عنها عن النبي أنه قال ( أن أعظم ~~النساء بركة أيسرهن مؤونة ) وعن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ~~خيرهن أيسرهن صداقا ) وعن الحسن البصرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~ألزموا النساء الرجال ولا تغالوا في المهور ) وخطب عمر بن الخطاب الناس ~~فقال ألا لا تغالوا في مهور النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى ~~عند الله كان أولاكم النبي صلى الله عليه وسلم ما أصدق إمرأة من نسائه ولا ~~أصدقت إمرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة اوقية قال الترمذي حديث صحيح ~~ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقا يضر به أن نقده ويعجز عن وفائه إن كان ~~دينا قال أبو هريرة جاء رجل إلى النبي فقال PageV32P192 إني تزوجت إمرأة من ~~الأنصار فقال ( على كم تزوجتها ) قال على أربع أوراق فقال النبي ( على أربع ~~أوراق فكأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن ~~نبعثك في بعث تصيب منه ) قال فبعث بعثا إلى بني عبس فبعث ذلك الرجل فيهم ~~رواه مسلم في صحيحه والأوقية عندهم أربعون درهما وهي مجموع الصداق ليس فيه ~~مقدم ومؤخر وعن أبي عمرو الأسلمي أنه ذكر أنه تزوج إمرأة فأتى النبي ~~يستعينه في صداقها فقال كم أصدقت قال فقلت مائتي درهم فقال ( لو كنتم ~~تغرفون الدراهم من أوديتكم ما زدتم ) رواه الإمام أحمد ms9190 في مسنده وإذا ~~أصدقها دينا كثيرا في ذمته وهو ينوي أن لا يعطيها إياه كان ذلك حراما عليه ~~فإنه قد روى أبو هريرة قال قال رسول الله ( من تزوج إمرأة بصداق ينوي أن لا ~~يؤديه إليها فهو زان ومن ادان دينا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق ) وما يفعله ~~بعض أهل الجفاء والخيلاء والرياء من تكثير المهر للرياء والفخر وهم لا ~~يقصدون أخذه من الزوج وهو ينوي أن لا يعطيهم إياه فهذا منكر قبيح مخالف ~~للسنة خارج عن الشريعة PageV32P193 وإن قصد الزوج أن يؤديه وهو في الغالب ~~لا يطيقه فقد حمل نفسه وشغل ذمته وتعرض لنقص حسناته وارتهانه بالدين وأهل ~~المرأة قد آذوا صهرهم وضروه والمستحب في الصداق مع القدرة واليسار أن يكون ~~جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي ولا بناته وكان ما بين ~~أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة نحوا من تسعة عشر دينارا فهذه سنة ~~رسول الله من فعل ذلك فقد استن بسنة رسول الله في الصداق قال أبو هريرة رضي ~~الله عنه كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر أواق ~~وطبق بيديه وذلك أربعمائة درهم رواه الإمام أحمد في مسنده وهذا لفظ أبي ~~داود في سننه وقال أبو سلمة قلت لعائشة كم كان صداق رسول الله قالت كان ~~صداقه لا زواجه ثنتي عشرة اوقية ونشا قالت أتدري ما النش قلت لا قالت نصف ~~أوقية فذلك خمسمائة درهم رواه مسلم في صحيحه وقد تقدم عن عمر أن صداق بنات ~~رسول الله كان نحوا من ذلك فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق ~~بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة ~~وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة فهو جاهل أحمق وكذلك صداق أمهات المؤمنين ~~وهذا مع القدرة واليسار فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ~~ما يقدر على وفائه من غير مشقة PageV32P194 والأولى تعجيل الصداق كله ~~للمرأة قبل ms9191 الدخول إذا أمكن فإن قدم البعض وأخر البعض فهو جائز وقد كان ~~السلف الصالح الطيب يرخصون الصداق فتزوج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول ~~الله على وزن نواة من ذهب قالوا وزنها ثلاثة دراهم وثلث وزوج سعيد بن ~~المسيب بنته على درهمين وهي من أفضل أيم من قريش بعد أن خطبها الخليفة ~~لابنه فأبى أن يزوجها به والذي نقل عن بعض السلف من تكثير صداق النساء ~~فإنما كان ذلك لأن المال اتسع عليهم وكانوا يعجلون الصداق كله قبل الدخول ~~لم يكونوا يؤخرون منه شيأ ومن كان له يسار ووجد فأحب أن يعطي إمرأته صداقا ~~كثيرا فلا بأس بذلك كما قال تعالى @QB@ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا @QE@ أما من يشغل ذمته بصداق لا يريد أن يؤديه أو يعجز عن وفائه ~~فهذا مكروه كما تقدم وكذلك من جعل في ذمته صداقا كثيرا من غير وفاء له فهذا ~~ليس بمسنون والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الرجل يتزوج على صداق معين مكتوب ~~ويتفقا على مقدم فيعطيه ثم يموت هل يحسب المقدم من جملة الصداق المكتوب ### ||||| فأجاب # أما ما يقدمه الزوج للمرأة من النقد الذي اتفقوا عليه غير الصداق ~~الذي يكتب في الكتاب إذا أعطاها الزوج ذلك أو بعضه أو PageV32P195 بدله ~~فإنه لا يحسب عليها من الصداق المكتوب بل لو لم يعطها ذلك لكان لها أن ~~تطلبه في أظهر قولي العلماء وكان من الصداق الذي يستقر بالموت تأخذه كله ~~بعد موته فإنها إذا رضيت بأن يكون لها مقدم ومؤخر يسميه السلف عاجلا وآجلا ~~وشارطته على أن يقدم لها كذا ويؤخر كذا وإن لم تذكر حين العقد فالشرط ~~المتقدم على العقد إذا لم يفسخ حين عقد العقد كالمشروط في أظهر قولي ~~العلماء كما قد بسط الكلام على ذلك في الكتاب الكبير الذي صنفته في مسائل ~~الذرايع والحيل وبيان الدليل على بطلان التحليل إلا أن يكون المراد أنه إذا ~~دخل بها يعطيها قبل الدخول ذلك فإذا لم يدخل بها لم تستحق ما شرط ms9192 لها ~~تعجيله قبل الدخول ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن إمرأة عجل لها زوجها نقدا ولم ~~يسمه في كتاب الصداق ثم توفي عنها فطلب الحاكم أن يحسب المعجل من الصداق ~~المسمى في العقد لكون المعجل لم يذكر في الصداق ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كانا قد اتفقا على العاجل المقدم والآجل المؤخر كما ~~جرت به العادة فللزوجة أن تطلب المؤخر كله إن لم يذكر المعجل في العقد ~~وكذلك إن كان قد أهدى لها كما جرت به العادة وأما إن كان أقبضها من الصداق ~~المسمى حسب على الزوجة والله أعلم PageV32P196 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل ~~اعتقلته زوجته عند الحاكم على الصداق مدة شهرين ولم يوجد له موجود فهل يجوز ~~للحاكم أن يبقيه أو يطلقه ### ||||| فأجاب # إذا لم يعرف له مال حلفه الحاكم على إعساره وأطلقه ولم يجز حبسه ~~وتكليفه البينة والحالة هذه في المذاهب الأربعة ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمرأة ~~بكر تزوجها رجل ودخل بها ثم ادعى أنها كانت ثيبا وتحاكما إلى حاكم فأرسل ~~معها امرأتين فوجدوها كانت بكرا فأنكر ونكل عن المهر ما يجب عليه ### ||||| فأجاب # ليس له ذلك بل عليه كمال المهر كما قال زرارة وقضى الخلفاء ~~الراشدون والأئمة المهديون أن من أغلق الباب وأرخى الستر فقد وجبت عليه ~~العدة والمهر والله أعلم PageV32P197 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل خطب ~~إمرأة فاتفقوا على النكاح من غير عقد وأعطى أباها لأجل ذلك شيئا فماتت قبل ~~العقد هل له أن يرجع بما أعطى ### ||||| فأجاب # إذا كانوا قد وفوا بما اتفقوا عليه ولم يمنعوه من نكاحها حتى ماتت ~~فلا شيء عليهم وليس له أن يسترجع ما أعطاهم كما أنه لو كان قد تزوجها ~~استحقت جميع الصداق وذلك لأنه إنما بذل لهم ذلك ليمكنوه من نكاحها وقد ~~فعلوا ذلك وهذا غاية الممكن ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمرأة تزوجت ثم بان أنه كان ~~لها زوج ففرق الحاكم بينهما فهل لها مهر وهل هو المسمى أو مهر المثل ### ||||| فأجاب # إذا علمت أنها مزوجة ولم تستشعر لا ms9193 موته ولا طلاقه فهذه زانية ~~مطاوعة لا مهر لها وإذا اعتقدت موته وطلاقه فهو وطء شبهة بنكاح فاسد فلها ~~المهر وظاهر مذهب أحمد ومالك أن لها المسمى وعن أحمد رواية آخرى كقول ~~الشافعي أن لها مهر المثل والله أعلم PageV32P198 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن معسر هل يقسط عليه الصداق ### ||||| فأجاب # إذا كان معسرا قسط عليه الصداق على قدر حاله ولم يجز حبسه لكن أكثر ~~العلماء يقبلون قوله في الإعسار مع يمينه وهو مذهب الشافعي وأحمد ومنهم من ~~لا يقبل البينة إلا بعد الحبس كما يقوله من يقوله من أصحاب أبي حنيفة فإذا ~~كانت الحكومة عند من يحكم بمذهب الشافعي وأحمد لم يحبس ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج إمرأة وأعطاها المهر وكتب عليه صداقا ألف دينار وشرطوا عليه أننا ~~ما نأخذ منك شيئا الاعندنا هذه عادة وسمعة والآن توفي الزوج وطلبت المرأة ~~كتابها من الورثة على التمام والكمال ### ||||| فأجاب # إذا كانت الصورة على ما ذكر لم يجز لها أن تطالب إلا ما اتفقا عليه ~~وأما ما ذكر على الوجه المذكور فلا يحل لها المطالبة به بل يجب لها ما ~~اتفقا عليه PageV32P199 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن إمرأة تزوجت برجل فهرب ~~وتركها من مدة ست سنين ولم يترك عندها نفقة ثم بعد ذلك تزوجت رجلا ودخل بها ~~فلما اطلع الحاكم عليها فسخ العقد بينهما فهل يلزم الزوج الصداق أم لا ### ||||| فأجاب # إن كان النكاح الأول فسخ لتعذر النفقة من جهة الزوج وانقضت عدتها ~~ثم تزوجت الثاني فنكاحه صحيح وإن كانت تزوجت الثاني قبل فسخ نكاح الأول ~~فنكاحه باطل وإن كان الزوج والزوجة علما أن نكاح الأول باق وأنه يحرم ~~عليهما النكاح فيجب إقامة الحد عليهما وإن جهل الزوج نكاح الأول أو نفاه أو ~~جهل تحريم نكاحه قبل الفسخ فنكاحه نكاح شبهة يجب عليه فيه الصداق ويلحق فيه ~~النسب ولا حد فيه وإن كانت غرته المرأة أو وليها فأخبره أنها خلية عن ~~الأزواج فله أن يرجع بالصداق الذي أداه على من غره ms9194 في أصح قولي العلماء ~~PageV32P200 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # إذا خلا الرجل بالمرأة فمنعته نفسها من الوطء ولم يطأها لم يستقر مهرها ~~في مذهب الإمام أحمد الذي ذكره أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأبي البركات ~~وغيرهما وغيره من الأئمة الاربعة مالك والشافعي وأبي حنيفة وإذا اعترفت ~~بأنها لم تمكنه من وطئها لم يستقر مهرها باتفاقهم ولا يجب لها عليه نفقة ما ~~دامت كذلك باتفاقهم وإذا كانت مبغضة له مختارة سواه فإنها تفتدي نفسها منه ### |||| وسئل رحمه الله # عن مملوك في الرق والعبودية تزوج بإمرأة من المسلمين ثم بعد ~~ذلك ظهرت عبوديته وكان قد اعترف أنه حر وإن له خيرا في مصر وقد ادعوا عليه ~~بالكتاب وحقوق الزوجية واقترض من زوجته شيئا فهل يلزمه شيء أولا ### ||||| فأجاب # الحمد لله تزوج العبد بغير إذن سيده إذا لم يجزه السيد باطل باتفاق ~~المسلمين وفي السنن عن النبي أنه قال ( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو ~~عاهر ) لكن إذا أجازه السيد بعد العقد صح في PageV32P201 مذهب أبي حنيفة ~~ومالك وأحمد في إحدى الروايتين ولم يصح في مذهب الشافعي وأحمد في الرواية ~~الأخرى وإذا طلب النكاح فعلى السيد أن يزوجه لقوله تعالى @QB@ وأنكحوا ~~الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله @QE@ وإذا غر المرأة وذكر أنه حر وتزوجها ودخل بها وجب المهر لها بلا ~~نزاع لكن هل يجب المسمى كقول مالك في رواية أو مهر المثل كقول أبي حنيفة ~~والشافعي واحمد في رواية أو يجب الخمسان كأحمد في رواية ثالثة هذا فيه نزاع ~~بين العلماء وقد يتعلق هذا الواجب برقبته كقول أحمد في المشهور عنه ~~والشافعي في قول وأظنه قول أبي حنيفة أو يتعلق ذلك بذمة العبد فيتبع به إذا ~~أعتق كقول الشافعي في الجديد وقول أبي يوسف ومحمد وغيرهما والأول أظهر فإن ~~قوله لهم إنه حر تلبيس عليهم وكذب عليهم ثم دخوله عليها بهذا الكذب عدوان ~~منه عليهم والأئمة متفقون على أن المملوك لو تعدى على أحد ms9195 فاتلف ماله أو ~~جرحه أو قتله كانت جنايته متعلقة برقبته لا تجب في ذمة السيد بل يقال للسيد ~~إن شئت إن تفك مملوكك من هذه الجناية وإن شئت أن تسلمه حتى تستوفي هذه ~~الجناية من رقبته وإذا أراد أن يقتله فعليه أقل الأمرين من قدر الجناية أو ~~قيمة العبد في مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما PageV32P202 وعند ~~مالك وأحمد في رواية يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ فهذا العبد ظالم معتد ~~جار على هؤلاء فتتعلق جنايته برقبته وكذلك ما اقترضه من مال الزوجة مع قوله ~~إنه حر فهو عدوان عليهم فيتعلق برقبته في أصح قولي العلماء والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن إمرأة اعتاضت عن صداقها بعد موت الزوج فباعت العوض ~~وقبضت الثمن ثم أقرت أنها قبضت الصداق من غير ثمن الملك فهل يبطل حق ~~المشتري أو يرجع عليها بالذي اعترفت أنها قبضته من غير الملك ### ||||| فأجاب # لا يبطل حق بمجرد ذلك وللورثة أن يطلبوا منها ثمن الملك الذي ~~اعتاضت به إذا أقرت بأن قبض صداقها قبل ذلك وكان قد أفتى طائفة بأنه يرجع ~~عليها بالذي اعترفت بقبضه من التركة وليس بشيء لأن هذا الإقرار تضمن أنها ~~استوفت صداقها وأنها بعد هذا الاستيفاء له أحدثت ملكا آخر فإنما فوتت عليهم ~~العقار لا على المشتري ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج إمرأة وكتب كتابها ودفع ~~لها الحال بكماله وبقي المقسط من ذلك ولم تستحق عليه شيئا وطلبها للدخول ~~فامتنعت ولها خالة تمنعها فهل تجبر على الدخول ويلزم خالتها المذكورة ~~تسليمها إليه PageV32P203 ### ||||| فأجاب # ليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها والحال هذه بإتفاق الأئمة ولا ~~لخالتها ولا غير خالتها أن يمنعها بل تعزر الخالة على منعها من فعل ما أوجب ~~الله عليها وتجبر المرأة على تسليم نفسها للزوج ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج ~~بإمرأة فطلقها ثلاثا ولها كتاب إلى مدة وهو معسر ### ||||| فأجاب # إذا كان معسرا لم يجز مطالبتها له حتى يوسر وإذا شهدت بينة بذلك ~~سمعت بل القول ms9196 قوله مع يمينه إذا لم يعرف له مال في مذهب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج بإمرأة وفي ظاهر الحال أنه حر فأقامت ~~في صحبته إحدى عشرة سنة ثم طلقها ولم يردها وطالبته بحقوقها فقال أنا مملوك ~~يجب الحجر علي فهل يلزمه القيام بحق الزوجة على حكم الشرع الشريف في ~~المذاهب الأربعة PageV32P204 ### ||||| فأجاب # حق الزوجة ثابت لها المطالبة به لوجهين أحدهما أن مجرد دعواه الرق ~~لا يسقط حقها والحال ما ذكر فإن الاصل في الناس الحرية وإذا ادعى أنه مملوك ~~بلا بينة ولم يعرف خلاف ذلك ففي قبول قوله ثلاثة أقوال للعلماء في مذهب ~~أحمد وغيره أحدها يقبل فيما عليه دون ماله على غيره كمذهب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد في قول لهم والثاني لا يقبل بحال كقول من قال ذلك من ~~المالكية وهو إحدى الروايتين عن أحمد والثالث يقبل قوله مطلقا وهو قول ~~الشافعي ورواية عن أحمد فإذا كان مع دعوى المدعي لرقه لا يقبل إقراره بما ~~يسقط حقها عند جمهور أئمة الإسلام فكيف بمجرد دعواه الرق وكيف وله خير ~~وإقطاع وهو منتسب وقد ادعى الحرية حتى زوج بها الوجه الثاني أنه لو قدر أنه ~~كذب ولبس عليها وادعى الحرية حتى تزوج بها ودخل فهذا قد جنى بكذبه وتلبيسه ~~والرقيق إذا جنى تعلقت جنايته برقبته فلها أن تطلب حقها من رقبته إلا أن ~~يختار سيده أن يفديه بأداء حقها فله ذلك PageV32P205 ### ||| 2 باب وليمة العرس ### |||| 2 وسئل رحمه الله تعالى # عن طعام الزواج وطعام العزاء وطعام الختان وطعام ~~الولادة ### ||||| فأجاب # أما وليمة العرس فهي سنة والإجابة إليها مأمور بها وأما وليمة ~~الموت فبدعة مكروه فعلها والإجابه إليها وأما وليمة الختان فهي جائزة من ~~شاء فعلها ومن شاء تركها وكذلك وليمة الولادة إلا أن يكون قد عق عن الولد ~~فإن العقيقة عنه سنة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # هل يكره طعام الطهور أم لا ~~وهل فرق بينه وبين وليمة العرس أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما وليمة العرس ms9197 فسنة مأمور بها باتفاق العلماء حتى إن ~~منهم من أوجبها فإنها تتضمن إعلان النكاح وإظهاره وذلك يتضمن الفرق بينه ~~وبين السفاح واتخاذ الأخدان ولهذا كانت الاجابة إليها واجبة عند العلماء ~~عند شروط ذلك وانتفاء موانعه وأما دعوة الختان فلم PageV32P206 تكن الصحابة ~~تفعلها وهي مباحة ثم من العلماء أصحاب أحمد وغيره من كرهها ومنهم من رخص ~~فيها بل يستحبها وأما الاجابة إليها فإن كل من فعلها أثم ومنهم من استحبها ~~ومنهم من لم يستحبها ومنهم من كره الاجابة إليها أيضا والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن قول النبي ( من أكل مع مغفور غفر له ) هل صح ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله # لم ينقل هذا أحد عن النبي في اليقظة وإنما ذكروا أنه رؤي ~~في المنام يقول ذلك وليس هذا على الاطلاق صحيح والله أعلم ### |||| وسئل # عن معنى قوله ( من أتى إلى طعام لم يدع إليه فقد دخل سارقا وخرج مغيرا ) ### ||||| فأجاب # الحمد لله معناه الذي يدخل إلى دعوة بغير إذن أهلها فإنه يدخل ~~مختفيا كالسارق ويأكل بغير اختيارهم فيستحون من نهيه فيخرج كالمغير الذي ~~يأخذ أموال الناس بالقهر والله أعلم PageV32P207 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن شرب النبي ثلاثا يعني تنفس ثلاثا فلو شرب أحد مرة هل يكون حراما ~~وهل ورد أنه لم يشرب مرة فقط وقد جاء في بعض الكتب العشرة ( أنه شرب مرة ~~واحدة ) وقد كتب في هذا فتيا وقالوا إذا شرب مرة حرام ولم يسمع أحد من أهل ~~العلم هذا القول وقد ورد الحديث أيضا ( أنه شرب قائما ) فهل هذا للتنزيه أو ~~للتحريم وهل إذا شرب من غير عذر قائما عليه اثم وهل إذا شرب مرة واحدة هل ~~يكون حراما ### ||||| فأجاب # الحمد لله الأفضل أن يتنفس في الشرب ثلاثا ويكون نفسه في غير ~~الاناء فإن التنفس في الإناء منهي عنه وإن لم يتنفس وشرب بنفس واحد جاز فإن ~~في الصحيح عن أنس ( أن النبي كان يتنفس في الإناء ثلاثا ) وفي رواية لمسلم ~~( كان يتنفس في الشراب ms9198 ثلاثا يقول إنه أروى وأمرى ) فهذا دليل على استحباب ~~التنفس ثلاثا وفي الصحيحين عن أبي قتادة قال قال رسول الله ( إذا شرب أحدكم ~~PageV32P208 فلا يتنفس في الإناء ) فهذا فيه النهي عن التنفس في الإناء وعن ~~أبي سعيد الخدري ( أن النبي نهى عن التنفس في الشراب ) فقال الرجل القذاة ~~أراها في الاناء فقال ( أهرقها ) قال فإني لا أروى عن نفس واحد قال فأبن ~~القدح عن فيك ) رواه الترمذي وصححه فلم ينه النبي عن الشرب بنفس واحد ولكن ~~لما قال له الرجل إني لا أروى من نفس واحد قال ( أبن القدح عن فيك ) أي ~~لتتنفس إذا احتجت إلى النفس خارج الأناء وفيه دليل على أنه لوروى في نفس ~~واحد ولم يحتج إلى النفس جاز وما علمت أحدا من الأئمة أوجب التنفس وحرم ~~الشرب بنفس واحد وفعله يدل على الاستحباب كما كان ( يعجبه التيمن في تنعله ~~وترجله وطهوره وفي شأنه كله ) ولو بدأ في الطهارة بمياسره قبل ميامنه كان ~~تاركا للاختيار وكان وضوءه صحيحا من غير نزاع اعلمه بين الأئمة وأما الشرب ~~قائما فقد جاءت أحاديث صحيحة بالنهي وأحاديث صحيحة بالرخصة ولهذا تنازع ~~العلماء فيه وذكر فيه روايتان عن أحمد ولكن الجمع بين الاحاديث أن تحمل ~~الرخصة على حال العذر فأحاديث النهي مثلها في الصحيح ( أن النبي نهى عن ~~الشرب قائما ) وفيه PageV32P209 عن قتادة عن أنس ( أن النبي زجر عن الشرب ~~قائما ) قال قتادة فقلنا الأكل فقال ذاك شر وأخبث وأحاديث الرخصة مثل حديث ~~ما في الصحيحين عن علي وبن عباس قال ( شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائما ~~من زمزم ) وفي البخاري عن علي أن عليا في رحبة الكوفة شرب وهو قائم ثم قال ~~إن ناسا يكرهون الشرب قائما وإن رسول الله صنع كما صنعت وحديث علي هذا قد ~~روي فيه أثر أنه كان ذلك من زمزم كما جاء في حديث بن عباس هذا كان في الحج ~~والناس هناك يطوفون ويشربون من زمزم ويستقون ويسألونه ولم يكن موضع قعود مع ~~أن هذا ms9199 كان قبل موته بقليل فيكون هذا ونحوه مستثنى من ذلك النهي وهذا جار ~~عن أحوال الشريعة أن المنهي عنه يباح عند الحاجة بل ما هو أشد من هذا يباح ~~عند الحاجة بل المحرمات التي حرم اكلها وشربها كالميتة والدم تباح للضرورة ~~وأما ما حرم مباشرته طاهرا كالذهب والحرير فيباح للحاجة وهذا النهي عن صفة ~~في الأكل والشرب فهذا دون النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة وعن لباس ~~الذهب والحرير إذ ذاك قد جاء فيه وعيد ومع هذا فهو مباح للحاجة فهذا أولى ~~والله أعلم PageV32P210 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن الأكل والشرب قائما هل هو ~~حلال أم حرام أم مكروه كراهية تنزيه وهل يجوز الأكل والشرب إذا كان له عذر ~~كالمسافر أو الأكل والشرب في الطريق ماشيا ### ||||| فأجاب # أما مع العذر فلا بأس فقد ثبت أن النبي ( شرب من ماء زمزم وهو قائم ~~) فإن الموضع لم يكن موضع قعود وأما مع عدم الحاجة فيكره لأنه ثبت أن النبي ~~نهى عنه وبهذا التفصيل يحصل الجمع بين النصوص والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله 4 # عن رجل قال ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أكل بطيخا أصفر عمره ) وقال ~~الآخر ( أن النبي أكل العنب دو دو ) ### ||||| فأجاب # الحمد لله قوله ( أكل العنب دو دو ) كذب لا أصل له وأما البطيخ فقد ~~كانوا يأكلون البطيخ لكن المشهور عندهم كان البطيخ PageV32P211 الأخضر وما ~~ينقل عن الإمام أحمد أنه امتنع عن أكل البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النبي ~~كذب على الأمام أحمد كان يأكل فاكهة بلده ما قدمت له فاكهة فترك أكلها لا ~~على سبيل الزهد الفاسد ولا على سبيل الورع الفاسد بل كان لا يرد موجودا ولا ~~يتكلف مفقودا ويتبع قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون @QE@ فأمر بالأكل والشكر فمن حرم ~~الطيبات عليه وامتنع من أكلها بدون سبب شرعي فهو مذموم مبتدع داخل في قوله ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ms9200 أحل الله لكم @QE@ ومن أكلها ~~بدون الشكر الواجب فيها فهو مذموم قال الله تعالى @QB@ ثم لتسألن يومئذ عن ~~النعيم @QE@ أي شكر النعيم وقد روى عن النبي أنه قال ( الطاعم الشاكر ~~بمنزلة الصائم الصابر ) وفي الصحيح عن النبي أنه قال ( إن الله ليرضى عن ~~العبد بأن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ) وكذلك ( ~~الإسراف في الأكل ) مذموم وهو مجاوزة الحد ومن أكل بنية الاستعانة على ~~عبادة كان مأجورا على ذلك وكذلك ما ينفقه على أهل بيته كما قال النبي في ~~الحديث الصحيح ( نفقة المسلم على أهله يحتسبها صدقة ) وقال لسعد ( إنك لن ~~تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها ~~في في امرأتك PageV32P212 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن قول النبي ( أنه مكتوب ~~على قشر البطيخ لا إله إلا الله موسى كليم الله لا إله إلا الله عيسى روح ~~الله لا إله إلا الله محمد رسول الله ) وأيضا ( من أكله بقشره كان له بكل ~~نهشة عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات وأن أكله ببزره فبكل ألف درجة في الجنة ) ~~وأنه قال لأبي هريرة ( ألك قميصان بع الواحد وكل به بطيخا أصفر ) وهل صح ~~عنه صلى الله عليه وسلم ( أكل البطيخ بالرطب ) وما معنى البطيخ بالرطب إن ~~صح الحديث ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين الأحاديث المتقدمة في البطيخ كلها مختلقة لم ~~يرغب النبي في أكل البطيخ وجميع ما يروى من هذا الجنس فهو كذب وأما أكل ~~البطيخ بالرطب فهو كأكل القثا بالرطب والحديث بذلك أصح والمراد به حلاوة ~~هذا ورطوبة هذا وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد فهذا بيان أكل البطيخ ~~الأخضر بالرطب أو التمر فأما أكله بالرطب الأصفر فلا أصل له لا من نص ولا ~~قياس والله أعلم PageV32P213 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل حضر عنده جماعة ~~ليطعمهم شيئا فلما أحضر المائدة والخبز عليها وغاب ليأتي بالأدم فقال رجل ( ~~إذا حضر الخبز قال النبي ( لا تنتظروا شيئا ) فأكلوا الخبز وحضر الادام بقي ~~بلا ms9201 خبز فقالوا له كذبت على النبي صلى الله عليه وسلم وغرمت الرجل الخبز ~~فهل هذا الحديث الذي ذكره صحيح أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لم يجئ في هذا شيء عن النبي ولكن هذا يقوله بعض الناس ~~ومعناه الأمر بالقناعة وأنه يكتفي بالخبز إذا حضر ولا ينتظر غيره ولا يطلب ~~من المضيف غيره فإن ذلك من كرامته فأما إن كانوا منتظرين أدما يحضر وأذا ~~أكلوا الخبز بقي الأدم وحده فانتظارهم حتى يأكلوا الأدم مع الخبز هو الذي ~~يصلح والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الرجل إذا كان أكثر ماله حلالا وفيه ~~شبهة قليلة فإذا أضاف الرجل أو دعاه هل يجيبه أم لا PageV32P214 ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان في الترك مفسدة من قطيعة رحم أو فساد ذات البين ~~ونحو ذلك فإنه يجيبه لأن الصلة وصلاح ذات البين واجب فإذا لم يتم إلا بذلك ~~كان واجبا وليست الاجابة محرمة أو يقال إن مصلحة ذلك الفعل راجحة على ما ~~يخاف من الشبهة وإن لم يكن فيه مفسدة بل الترك مصلحة توقيه الشبهة ونهي ~~الداعي عن قليل الإثم وكان في الإجابة مصلحة الإجابة فقط وفيهامفسدة الشبهة ~~فأيهما أرجح هذا فيه خلاف فيما أظنه وفروع هذه المسألة كثيرة قد نقل ~~أصحابنا وغيرهم فيها مسائل قد يرجح بعض العلماء جانب الترك والورع ويرجع ~~بعضهم جانب الطاعة والمصلحة ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل معه مال من حلال ~~وحرام فهل يجوز لأحد أن يأكل من عيشه أم لا ### ||||| فأجاب # إن عرف الحرام بعينه لم يأكل حتما وإن لم يعرف عينه لم يحرم الأكل ~~منه لكن إذا كثر الحرام كان متروكا ورعا والله أعلم PageV32P215 ### || 1 ( قاعدة في لعب الشطرنج ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه الله تعالى ! 8 < # عن اللعب بالشطرنج أحرام هو أم مكروه ~~أم مباح فإن قلتم حرام فما الدليل على تحريمه وإن قلتم مكروه فما الدليل ~~على كراهته أو مباح فما الدليل على إباحته ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اللعب بها منه ما هو محرم متفق على تحريمه ms9202 ~~ومنه ما هو محرم عند الجمهور ومكروه عند بعضهم وليس من اللعب بها ماهو مباح ~~مستوي الطرفين عند أحد من أئمة المسلمين فإن اشتمل اللعب بها على العوض كان ~~حراما بالإتفاق قال أبو عمر بن عبدالبر إمام المغرب أجمع العلماء على أن ~~اللعب بها على العوض قمار لا يجوز وكذلك لو اشتمل اللعب بهاعلى ترك واجب أو ~~فعل محرم مثل أن يتضمن تأخير الصلاة عن وقتها أو ترك ما يجب فيها من ~~أعمالها الواجبة باطنا أو ظاهرا فإنها حينئذ تكون حراما باتفاق العلماء وقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال ( تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا ~~صارت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ) فجعل ~~النبي هذه الصلاة صلاة المنافقين وقد ذم الله صلاتهم بقوله PageV32P216 ~~@QB@ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا @QE@ وقال تعالى @QB@ فويل ~~للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ وقد فسر السلف السهو عنها بتأخيرها ~~عن وقتها وبترك ما يؤمر به فيها كما بين النبي أن صلاة المنافق تشتمل على ~~التأخير والتطفيف قال سلمان الفارسي إن الصلاة مكيال فمن وفي وفي له ومن ~~طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين وكذلك فسروا قوله @QB@ فخلف من ~~بعدهم خلف أضاعوا الصلاة @QE@ قال إضاعتها تأخيرها عن وقتها وإضاعة حقوقها ~~كما جاء في الحديث ( إن العبد إذا اكمل الصلاة بطهورها وقراءتها ~~وخشوعهاصعدت ولها برهان كبرهان الشمس وتقول حفظك الله كما حفظتني وإذا لم ~~يكمل طهورها وقراءتها وخشوعها فإنها تلف كما يلف الثوب ويضرب بها وجه ~~صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني ) والعبد وإن أقام صورة الصلاة الظاهرة ~~فلا ثواب إلا على قدر ما حضر قلبه فيه منها كما جاء في السنن لأبي داود ~~وغيره عن النبي أنه قال ( إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا ~~نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها إلا سبعها إلا ثمنها إلا ms9203 ~~تسعها إلا عشرها ) وقال بن عباس رضي الله عنهما ليس لك من صلاتك إلا ما ~~عقلت منها وإذا غلب عليها الوسواس ففي براءة الذمة منها ووجوب الإعادة ~~قولان PageV32P217 معروفان للعلماء أحدهما لا تبرأ الذمة وهو قول أبي عبد ~~الله بن حامد وأبي حامد الغزالي وغيرهما والمقصودان الشطرنج متى شغل عما ~~يجب باطنا أو ظاهرا حرام باتفاق العلماء وشغله عن اكمال الواجبات أوضح من ~~أن يحتاج إلى بسط وكذلك لو شغل عن واجب من غير الصلاة من مصلحة النفس أو ~~الأهل أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو صلة الرحم أو بر الوالدين ~~أو ما يجب فعله من نظر في ولاية أو إمامة أو غير ذلك من الأمور وقل عبد ~~اشتغل بها إلا شغلته عن واجب فينبغي أن يعرف أن التحريم في مثل هذه الصورة ~~متفق عليه وكذلك إذا اشتملت على محرم أو استلزمت محرما فإنها تحرم بالاتفاق ~~مثل اشتمالها على الكذب واليمين الفاجرة أو الخيانة التي يسمونها المغاضاة ~~أو على الظلم أو الاعانة عليه فإن ذلك حرام باتفاق المسلمين ولو كان ذلك في ~~المسابقة والمناضلة فكيف إذا كان بالشطرنج والنرد ونحو ذلك وكذلك إذا قدر ~~أنها مستلزمة فسادا غير ذلك مثل اجتماع على مقدمات الفواحش أو التعاون على ~~العدوان أو غير ذلك أو مثل أن يفضي اللعب بها إلى الكثرة والظهور الذي ~~يشتمل معه على ترك واجب أو فعل محرم فهذه الصورة وأمثالها مما يتفق ~~المسلمون على تحريمها فيها وإذا قدر خلوها عن ذلك كله فالمنقول عن الصحابة ~~المنع من ذلك وصح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون ~~بالشطرنج PageV32P218 فقال ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) شبههم ~~بالعاكفين على الأصنام كما في المسند عن النبي أنه قال ( شارب الخمر كعابد ~~وثن ) والخمر والميسر قرينان في كتاب الله تعالى وكذلك النهي عنها معروف عن ~~بن عمر وغيره من الصحابة والمنقول عن أبي حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه ~~تحريمها وأما الشافعي فإنه قال أكره اللعب ms9204 بها للخبر واللعب بالشطرنج ~~والحمام بغير قمار وإن كرهناه أخف حالا من النرد وهكذا نقل عنه غير هذا ~~اللفظ مما مضمونه أنه يكرهها ويراها دون النرد ولا ريب أن كراهته كراهة ~~تحريم فإنه قال للخبر ولفظ الخبر الذي رواه هو عن مالك ( من لعب بالنرد فقد ~~عصى الله ورسوله ) فإذا كره الشطرنج وإن كانت أخف من النرد وقد نقل عنه أنه ~~توقف في التحريم وقال لا يتبين لي أنها حرام وما بلغنا أن أحدا نقل عنه ~~لفظا يقتضي نفي التحريم والأئمة الذين لم تختلف أصحابهم في تحريهما أكثر ~~الفاظهم ( الكراهة ) قال بن عبدالبر أجمع مالك وأصحابه على أنه لا يجوز ~~اللعب بالنرد ولا بالشطرنج وقالوا لا يجوز شهادة المدمن المواظب على لعب ~~الشطرنج وقال يحيى سمعت مالكا يقول لا خير في الشطرنج وغيرها وسمعته يكره ~~اللعب بها وبغيرها من الباطل ويتلو هذه الآية @QB@ فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال @QE@ PageV32P219 # وقال أبو حنيفة أكره اللعب بالشطرنج والنرد ~~فالأربعة تحرم كل اللهو وقد تنازع الجمهور في مسئلتين إحداهما هل يسلم على ~~اللاعب بالشطرنج فمنصوص أبي حنيفة وأحمد والمعافى بن عمران وغيرهم أنه لا ~~يسلم عليه ومذهب مالك وأبي يوسف ومحمد أنه يسلم عليه ومع هذا فإن مذهب مالك ~~إن الشطرنج شر من النرد ومذهب أحمد أن النرد شر من الشطرنج كما ذكره ~~الشافعي والتحقيق في ذلك أنهما إذا اشتملا على عوض أو خلوا عن عوض فالشطرنج ~~شر من النرد لأن مفسدة النرد فيها وزيادة مثل صد القلب عن ذكر الله وعن ~~الصلاة وغير ذلك ولهذا يقال إن الشطرنج على مذهب القدر والنردعلى مذهب ~~الجبر واشتغال القلب بالتفكير في الشطرنج أكثر وأما إذا اشتمل النرد على ~~عوض فالنرد شر وهذا هو سبب في كون أحمد والشافعي وغيرهما جعلوا النرد شرا ~~لاستشعارهم أن العوض يكون في النرد دون الشطرنج ومن هنا تبين الشبهة التي ~~وقعت في هذا الباب فإن الله تعالى حرم الميسر في كتابه واتفق المسلمون على ~~تحريم الميسر واتفقوا على أن المغالبات المشتملة ms9205 على القمار من الميسر سواء ~~كان بالشطرنج أو بالنرد أو بالجوز أو بالكعاب أو البيض قال غير واحد من ~~التابعين كعطاء وطاووس ومجاهد وإبراهيم النخعي كل شيء من القمار فهو من ~~الميسر حتى لعب PageV32P220 الصبيان بالجوز فالذين لم يحرموا الشطرنج ~~كطائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم اعتقدوا أن لفظ الميسر لا يدخل فيه إلا ما ~~كان قمارا فيحرم لما فيه من أكل المال بالباطل كما يحرم مثل ذلك في ~~المسابقة والمناضلة لو أخرج كل منهما السبق ولم يكن بينهما محلل حرموا ذلك ~~لأنه قمار وفي السنن عن النبي أنه قال ( من أدخل فرسا بين فرسين وهو آمن أن ~~يسبق فهو قمار ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار ) ~~والنبي ( حرم بيوع الغرر ) لأنها من نوع القمار مثل أن يشترب العبد الآبق ~~والبعير الشارد فإن وجده كان قد قمر البائع وإن لم يجده كان البائع قد قمره ~~فلما اعتقدوا أن هذه المغالبات إنما حرمت لما فيها من أكل المال بالباطل لم ~~يحرموها إذا خلت عن العوض ولهذا طرد هذا طائفة من أصحاب الشافعي المتقدمين ~~في النرد فلم يحرموها إلا مع العوض لكن المنصوص عن الشافعي وظاهر مذهبه ~~تحريم النرد مطلقا وإن لم يكن فيها عوض ولهذا قال أكرهها للخبر فبين أن ~~مستنده في ذلك الخبر لا القياس عنده وهذا مما احتج به الجمهور عليه فإنه ~~إذا حرم النرد ولا عوض فيها فالشطرنج إن لم يكن مثلها فليس دونها وهذا ~~يعرفه من خبر حقيقة اللعب بها فإن ما في النرد من الصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة ومن إيقاع العداوة والبغضاء هو في الشطرنج أكثر بلا ريب وهي تفعل في ~~النفوس فعل حميا الكؤس فتصد عقولهم PageV32P221 وقلوبهم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة أكثر مما يفعله بهم كثير من أنواع الخمور والحشيشة وقليلها يدعو إلى ~~كثيرها فتحريم النرد الخالية عن عوض مع إباحة الشطرنج مثل تحريم القطرة من ~~خمر العنب وإباحة الغرفة من نبيذ الحنطة وكما أن ذلك القول ms9206 في غاية التناقض ~~من جهة الإعتبار والقياس والعدل فهكذا القول في الشطرنج وتحريم النرد ثابت ~~بالنص كما في السنن عن أبي موسى عن النبي أنه قال ( من لعب بالنرد فقد عصى ~~الله ورسوله ) وقد رواه مالك في الموطإ وروايته عن عائشة رضي الله عنها أنه ~~بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا لها عندهم نرد فأرسلت إليهم إن لم ~~تخرجوها لأخرجكم من داري وأنكرت ذلك عليهم ومالك عن نافع عن عبد الله بن ~~عمر أنه كان إذا وجد من أهله من يلعب بالنرد ضربه وكسرها وفي بعض ألفاظ ~~الحديث عن أبي موسى قال سمعت رسول الله وذكرت عنده فقال ( عصى الله ورسوله ~~من ضرب بكعابها يلعب بها ) فعلق المعصية بمجرد اللعب بها ولم يشترط عوضا بل ~~فسر ذلك بأنه الضرب بكعابها وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي بريدة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من لعب بالنردشير فكأنما غنس ~~يده في لحم خنزير ودمه ) وفي لفظ آخر ( فليشقص الخنازير ) فجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذا PageV32P222 الحديث الصحيح اللاعب بها كالغامس يده ~~في لحم الخنزير ودمه وكالذي يشقص الخنازير يقصبها ويقطع لحمها كما يصنع ~~القصاب وهذا التشبيه متناول اللعب بها باليد سواء وجد أكل أو لم يوجد كما ~~أن غمس اليد في لحم الخنزير ودمه وتشقيص لحمه متناول لمن فعل ذلك سواء كان ~~معه أكل بالفم أو لم يكن فكما إن ذلك ينهى عنه وإن لم يكن معه أكل مال ~~بالباطل فكذلك النرد ينهى عنه وإن لم يكن معه أكل مال بالباطل وهذا يتقرر ~~بوجوه يتبين بها تحريم النرد والشطرنج ونحوهما احدها أن يقال النهي عن هذه ~~الأمور ليس مختصا بصورة المقامرة فقط فإنه لو بذل العوض أحد المتلاعبين أو ~~اجنبي لكان من صور الجعالة ومه هذا فقد نهي عن ذلك إلا فيما ينفع كالمسابقة ~~والمناضلة كما في الحديث ( لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل ) لأن بذل ~~المال فيما ms9207 لا ينفع في الدين ولا في الدنيا منهي عنه وإن لم يكن قمارا وأكل ~~المال بالباطل حرام بنص القرآن وهذه الملاعب من الباطل لقول النبي ( كل لهو ~~يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته ~~فإنهن من الحق ) قوله ( من الباطل ) أي مما لا ينفع فإن الباطل ضد الحق ~~والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده والخبر عنه ويراد به الحق المقصود الذي ~~ينبغي أن يقصد وهو الأمر النافع فما ليس من هذا فهو باطل ليس بنافع ~~PageV32P223 وقد يرخص في بعض ذلك إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لكن لا يوكل به ~~المال ولهذا جاز السباق بالأقدام والمصارعة وغير ذلك وأن نهي عن أكل المال ~~به وكذلك رخص في الضرب بالدف في الأفراح وإن نهي عن أكل المال به فتبين أن ~~ما نهي عنه من ذلك ليس مخصوصا بالمقامرة فلا يجوز قصر النهي على ذلك ولو ~~كان النهي عن النرد ونحوه لمجرد المقامرة لكان النرد مثل سباق الخيل ومثل ~~الرمي بالنشاب ونحو ذلك فإن المقامرة إذا دخلت في هذا حرموه مع أنه عمل ~~صالح واجب أو مستحب كما في الصحيح عن النبي أنه قال ( ارموا واركبوا وأن ~~ترموا أحب إلي من أن تركبوا ) ( ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا ) وكان هو ~~وخلفاؤه يسابقون بين الخيل وقرا على المنبر @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ومن رباط الخيل @QE@ الآية ثم قال ( ألا إن القوة الرمي ألا أن القوة ~~الرمي ) فكيف يشبه ما أمر الله به ورسوله واتفق المسلمون على الأمر به ما ~~نهى الله ورسوله وأصحابه من بعده وإذا لم يجعل الموجب للتحريم إلا مجرد ~~المقامرة كان النرد والشطرنج كالمناضلة الوجه الثاني أن يقال هب أن علة ~~التحريم في الأصل هي المقامرة لكن الشارع قرن بين الخمر والميسر في التحريم ~~فقال تعالى @QB@ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ~~في الخمر والميسر ms9208 ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون @QE@ ~~PageV32P224 فوصف الأربعة بأنها رجس من عمل الشيطان وأمر باجتنابها ثم خص ~~الخمر والميسر بأنه يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ويهدد من لم ينته عن ذلك بقوله ~~تعالى @QB@ فهل أنتم منتهون @QE@ كما علق الفلاح بالاجتناب في قوله @QB@ ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون @QE@ ولهذا يقال إن هذه الآية دلت على تحريم الخمر ~~والميسر من عدة أوجه ومعلوم أن الخمر لما أمر باجتنابها حرم مقاربتها بوجه ~~فلا يجوز اقتناؤها ولا شرب قليلها بل كان النبي قد أمر بإرقتها وشق ظروفها ~~وكسر دنابها ونهى عن تخليلها وإن كانت ليتامى ومع أنها اشتريت لهم قبل ~~التحريم ولهذا كان الصواب الذي هو المنصوص عن أحمد وبن المبارك وغيرهما أنه ~~ليس في الخمر شيؤ محترم لا خمرة الخلال ولا غيرها وأنه من اتخذ خلا فعليه ~~أن يفسده قبل أن يتخمر بأن يصب في العصير خلا وغير ذلك مما يمتنع تخميره بل ~~كان النبي ( نهى عن الخليطين ) لئلا يقوى أحدهما على صاحبه فيفضي إلى أن ~~يشرب الخمر المسكر من لا يدري ونهى عن الانتباذ في الأوعية التي يدب السكر ~~فيها ولا يدري ما به كالدباء والحنتم والظرف المزفت والمنقور من الخشب وأمر ~~بالانتباذ في السقاء الموكاء لأن السكر ينظر إذا كان في الشارب انشق الظرف ~~وإن كان في نسخ ذلك أو بعضه نزاع ليس هذا موضع ذكره فالمقصود سد الذرائع ~~المفضية إلى ذلك بوجه من الوجوه PageV32P225 وكذلك كان يشرب النبيذ ثلاثا ~~وبعد الثلاث يسقيه أو يريقه لأن الثلاث مظنة سكره بل كان أمر بقتل الشارب ~~في الثالثة أو الرابعة فهذا كله سد للذريعة لأن النفوس لما كانت تشتهي ذلك ~~وفي اقتنائها ولو للتخليل ما قد يفضي إلى شربها كما أن شرب قليلها يدعو إلى ~~كثيرها فنهي عن ذلك فهذا الميسر المقرون بالخمر إذا قدر أن علة تحريم أكل ~~المال بالباطل وما في ذلك من حصول المفسدة وترك المنفعة ومن المعلوم ms9209 أن هذه ~~الملاعب تشتهيها النفوس وإذا قويت الرغبة فيها أدخل فيها العوض كما جرت به ~~العادة وكان من حكم الشارع أن ينهى عما يدعو إلى ذلك لو لم يكن فيه مصلحة ~~راجحة وهذا بخلاف المعالبات التي قد تنفع مثل المسابقة والمصارعة ونحو ذلك ~~فإن تلك فيها منفعة راجحة لتقوية الأبدان فلم ينه عنها لأجل ذلك ولم تجر ~~عادة النفوس بالاكتساب بها وهذا المعنى نبه عليه النبي بقوله ( من لعب ~~بالنرد شبر فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه ) فإن الغامس يده في ذلك ~~يدعوه إلى أكل لحم الخنزير وذلك مقدمة أكله وسببه وداعيته فإذا حرم ذلك ~~فكذلك اللعب الذي هو مقدمة أكل المال بالباطل وسببه وداعيته PageV32P226 ~~وبهذا يتبين ما ذكر العلماء من أن المغالبات ثلاثة أنواع فما كان معينا على ~~ما أمر الله به في قوله @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ~~@QE@ جاز بجعل وبغير جعل وما كان مفضيا إلى ما نهى الله عنه كالنرد ~~والشطرنج فمنهي عنه بجعل وبغير جعل وما قد يكون فه منفعة بلا مضرة راجحة ~~كالمسابقة والمصارعة جاز بلا جعل الوجه الثالث أن يقال قول القائل إن ~~الميسر إنما حرم لمجرد المقامرة دعوى مجردة وظاهر القرآن والسنة والإعتبار ~~يدل على فسادها وذلك أن الله تعالى قال @QB@ إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~@QE@ فنبه على علة التحريم وهي ما في ذلك من حصول المفسدة وزوال المصلحة ~~الواجبة والمستحبة فإن وقوع العداوة والبغضاء من أعظم الفساد وصدود القلب ~~عن ذكر الله وعن الصلاة اللذين كل منهما إما واجب وإما مستحب من أعظم ~~الفساد ومن المعلوم أن هذا يحصل في اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما وإن لم ~~يكن فيه عوض وهو في الشطرنج أقوى فإن أحدهم يستغرق قلبه وعقله وفكره فيما ~~فعل خصمه وفيما يريد أن يفعل هو وفي لوازم ذلك ولوازم لوازمه حتى لا يحس ~~بجوعه ولا عطشه ولا بمن يسلم عليه ولا بحال أهله ms9210 ولا بغير ذلك من ضرورات ~~نفسه وماله فضلا أن يذكر ربه أو الصلاة PageV32P227 وهذا كما يحصل لشارب ~~الخمر بل كثير من الشراب يكون عقله أصحى من كثير من أهل الشطرنج والنرد ~~واللاعب بها لا تنقضي نهمته منها إلا بدست بعد دست كما لا تنقضي نهمة شارب ~~الخمر إلا بقدح بقدح وتبقى آثارها في النفس بعد انقضائها أكثر من آثار شارب ~~الخمر حتى تعرض له في الصلاة والمرض وعند ركوب الدابة بل وعند الموت وأمثال ~~ذلك من الأوقات التي يطلب فيها ذكره لربه وتوجهه إليه تعرض له تماثيلها ~~وذكر الشاه والرخ والفرزان ونحو ذلك فصدها للقلب عن ذكر الله قد يكون أعظم ~~من صد الخمر وهي إلى الشرب أقرب كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه للاعبيها ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) وقلب الرقعة ~~وكذلك العداوة والبغضاء بسبب غلبة أحد الشخصين للآخر وما يدخل في ذلك ~~التظالم والتكاذب والخيانة التي هي من أقوى أسباب العداوة والبغضاء وما ~~يكاد لاعبها يسلم عن شيء من ذلك والفعل إذا اشتمل كثيرا على ذلك وكانت ~~الطباع تقتضيه ولم يكن فيه مصلحة راجحة حرمه الشارع قطعا فكيف إذا اشتمل ~~على ذلك غالبا وهذا أصل مستمر في أصول الشريعة كما قد بسطناه في قادة سد ~~الذرائع وغيرها وبينا أن كل فعل أفضى إلى المحرم كثيرا كان سببا للشر ~~والفساد فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية وكانت مفسدته راجحة نهي عنه بل ~~كل سبب يفضي إلى الفساد نهي عنه إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة PageV32P228 ~~فكيف بما كثر افضاؤه إلى الفساد ولهذا نهي عن الخلوة بالأجنبية وأما النظر ~~فلما كانت الحاجة تدعو إلى بعضه رخص منه فيهما تدعو له الحاجة لأن الحاجة ~~سبب الإباحة كما أن الفساد والضرر سبب التحريم فإذا اجتمعا رجح أعلاهما كما ~~رجح عند الضرر أكل الميتة لأن مفسدة الموت شر من مفسدة الاغتذاء بالخبيث ( ~~والنرد والشطرنج ) ونحوهما من المغالبات فيها من المفاسد ما لا يحصى وليس ~~فيها ms9211 مصلحة معتبرة فضلا عن مصلحة مقاومة غايته أن يلهى النفس ويريحها كما ~~يقصد شارب الخمر ذلك وفي راحة النفس بالمباح الذي لا يصد عن المصالح ولا ~~يجتلب المفاسد غنية والمؤمن قد أغناه الله بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه ~~@QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ وفي سنن بن ~~ماجة وغيره عن أبي ذر أن هذه الآية لما نزلت قال النبي ( يا أبا ذر لو أن ~~الناس كلهم عملوا بهذه الآية لوسعتهم ) وقد بين سبحانه في هذه الآية أن ~~المنقي يدفع عنه المضرة وهو أن يجعل له مخرجا مما ضاق على الناس ويجلب له ~~المنفعة ويرزقه من حيث لا يحتسب وكل ما يتغذى به الحي مما تستريح به النفوس ~~وتحتاج إليه في طيبها وانشراحها فهو من الرزق والله تعالى يرزق ذلك لمن ~~اتقاه بفعل المأمور وترك المحظور ومن طلب ذلك بالنرد والشطرنج ونحوهما من ~~الميسر فهو بمنزلة من طلب ذلك بالخمر وصاحب الخمر يطلب الراحة ولا يزيده ~~إلا تعبا وغما وإن كانت تفيده PageV32P229 مقدارا من السرور فما يعقبه من ~~المضار ويفوته من المسار أضعاف ذلك كما جرب ذلك من جربه وهكذا سائر ~~المحرمات ومما يبين أن الميسر لم يحرم لمجرد أكل المال بالباطل وإن كل أكل ~~المال بالباطل محرما ولو تجرد عن الميسر فكيف إذا كان في الميسر بل في ~~الميسر علة آخرى غير أكل المال بالباطل كما في الخمر أن الله قرن بيت الخمر ~~والميسر وجعل العلة في تحريم هذا هي العلة في تحريم هذا ومعلوم أن الخمر لم ~~تحرم لمجرد أكل المال بالباطل وإن كان أكل ثمنها من أكل المال بالباطل ~~فكذلك الميسر يبين ذلك أن الناس أول ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الخمر والميسر أنزل الله تعالى @QB@ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ والمنافع التي كانت قيل ~~هي المال وقيل هي اللذة ومعلوم أن الخمر كان فيها كلا هذين فإنهم كانوا ms9212 ~~ينتفعون بثمنها والتجارة فيها كما كانوا ينتفعون باللذة التي في شربها ثم ~~إنه لما حرم الخمر ( لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وحاملها ~~والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها ) وكذلك الميسر كانت النفوس ~~تنتفع بما تحصله به من المال وما يحصل به من لذة اللعب ثم قال تعالى @QB@ ~~وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ لأن الخسارة في PageV32P230 المقامرة أكثر ~~والألم والمضرة في الملاعبة أكثر ولعل المقصود الأول لأكثر الناس بالميسر ~~إنما هو الانشراح بالملاعبة والمغالبة وأن المقصود الأول لأكثر الناس ~~بالخمر إنما هو ما فيها من لذة الشرب وإنما حرم العوض فيها لأنه أخذ مال ~~بلا منفعة فيه فهو أكل مال بالباطل كما حرم ثمن الخمر والميتة والخنزير ~~والأصنام فكيف تجعل المفسدة المالية هي حكمة النهي فقط وهي تابعة وتترك ~~المفسدة الاصلية التي هي فساد العقل والقلب والمال مادة البدن والبدن تابع ~~القلب وقال النبي ( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا ~~فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب ) والقلب هو محل ذكر الله تعالى ~~وحقيقة الصلاة فأعظم الفساد في تحريم الخمر والميسر إفساد القلب الذي هو ~~ملك البدن أن يصد عما خلق له من ذكر الله والصلاة ويدخل فيما يفسد من ~~التعادي والتباغض والصلاة حق الحق والتحاب والموالاة حق الخلق وأين هذا من ~~أكل مال بالباطل ومعلوم أن مصلحة البدن مقدمة على مصلحة المال ومصلحة القلب ~~مقدمة على مصلحة البدن وإنما حرمة المال لأنه مادة البدن ولهذا قدم الفقهاء ~~في كتبهم ربع العبادات على ربع المعاملات وبهما تتم مصلحة القلب والبدن ثم ~~ذكروا ربع المناكحات لأن ذلك مصلحة الشخص وهذا مصلحة النوع الذي يبقى ~~بالنكاح ثم لما ذكروا المصالح ذكروا ما يدفع المفاسد في ربع الجنايات ~~PageV32P231 وقد قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ ~~وعبادة الله تتضمن معرفته ومحبته والخضوع له بل تتضمن كل ما يحبه ويرضاه ~~واصل ذلك وأجله ما في القلوب الإيمان والمعرفة والمحبة لله والخشية له ~~والإنابة إليه والتوكل عليه والرضي ms9213 بحكمه مما تضمنه الصلاة والذكر والدعاء ~~وقراءة القرآن وكل ذلك داخل في معنى ذكر الله والصلاة وإنما الصلاة وذكر ~~الله من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى @QB@ وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال @QE@ وقوله تعالى @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~@QE@ كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع @QE@ فجعل السعي إلى الصلاة سعيا ~~إلى ذكر الله ولما كانت الصلاة متضمنة لذكر الله تعالى الذي هو مطلوب لذاته ~~والنهي عن الشر الذي هو مطلوب لغيره قال تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر @QE@ أي ذكر الله الذي في الصلاة أكبر من ~~كونها تنهي عن الفحشاء والمنكر وليس المراد أن ذكر الله خارج الصلاة أفضل ~~من الصلاة وما فيها من ذكر الله فإن هذا خلاف الإجماع ولما كان ذكر الله هو ~~مقصود الصلاة قال أبو الدرداء ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة ولو كنت في ~~السوق ولما كان ذكر الله PageV32P232 يعم هذا كله قالوا إن مجالس الحلال ~~والحرام ونحو ذلك مما فيه ذكر أمر الله ونهيه ووعده ووعيده ونحو ذلك هي من ~~مجالس الذكر والمقصود هنا أن يعرف مراتب المصالح والمفاسد وما يحبه الله ~~ورسوله وما لا يبغضه مما أمر الله به ورسوله كان لما يتضمنه من تحصيل ~~المصالح التي يحبها ويرضاها ودفع المفاسد التي يبغضها ويسخطها وما نهي عنه ~~كان لتضمنه ما يبغضه ويسخطه ومنعه مما يحبه ويرضاه وكثير من الناس يقصر ~~نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها وما ~~ينفعها من حقائق الإيمان وما يضرها من الغفلة والشهوة كما قال تعالى @QB@ ~~ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا @QE@ وقال ~~تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من ~~العلم فتجد كثيرا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد ~~إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن ms9214 وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى ~~سياسة النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من العلم كما يذكر مثل ذلك المتفلسفة ~~والقرامطة مثل أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم فإنهم يتكلمون في سياسة ~~النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من علم الفلسفة وما ضموا إليه مما ظنوه من ~~الشريعة وهم في غاية ما ينتهون إليه دون اليهود والنصارى بكثير كما بسط في ~~غير هذا الموضع PageV32P233 وقوم من الخائضين في أصول الفقه وتعليل الأحكام ~~الشرعية بالأوصاف المناسبة إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع ~~للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم ورأوا ~~أن المصلحة نوعان أخروية ودنيوية جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب ~~الأخلاق من الحكم وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج ~~والعقول والدين الظاهر وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع ~~المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها كمحبة ~~الله وخشيته وإخلاص الدين له والتوكل عليه والرجا لرحمته ودعائه وغير ذلك ~~من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء ~~بالعهود وصلة الأرحام وحقوق المماليك والجيران وحقوق المسلمين بعضهم على ~~بعض وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه حفظا للأحوال السنية وتهذيب ~~الأخلاق ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح فهكذا ~~من جعل تحريم الخمر والميسر لمجرد أكل المال بالباطل والنفع الذي كان فيهما ~~بمجرد أخذ المال يشبه هذا إن هذه المغالبات تصد عن ذكر الله وعن الصلاة من ~~جهة كونها عملا لا من جهة أخذ المال فإنها لا تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ~~الاكما يصد سائر أنواع أخذ المال ومعلوم أن الأموال التي يكتسب بها المال ~~لا ينهى عنها مطلقا لكونها تصد عن ذكر الله وعن PageV32P234 الصلاة بل بنهي ~~منها عما يصد عن الواجب كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ms9215 من فضل الله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة @QE@ فما كان ملهيا وشاغلا عما أمر الله تعالى به من ذكره ~~والصلاة له فهو منهي عنه وإن لم يكن جنسه محرما كالبيع والعمل في التجارة ~~وغير ذلك فلو كان اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما في جنسه مباحا وإنما حرم ~~إذا اشتمل على أكل المال بالباطل كان تحريمه من جنس تحريم ما نهي عنه من ~~المبيعات والمؤجرات المشتملة على أكل المال بالباطل كبيوع الغرر فإن هذه لا ~~يعلل النهي عنها بأنها تصد عما يجب من ذكر الله وعن الصلاة فإن البيع ~~الصحيح منه ما كان يصد وأن المعاملات الفاسدة لا يعلل تحريمها بأنها تصد عن ~~ذكر الله وعن الصلاة فيمكن أن يقال تلك المعاملات الصحيحة ينهى منها عما ~~يصد عن الواجب فتبين أن تحريم الميسر ليس لكونه من المعاملات الفاسدة وأن ~~نفس العمل به منهي عنه لأجل هذه المفسدة كما حرم شرب الخمر وهذا بين لمن ~~تدبره ألا ترى أنه لما حرم الربا لما فيه من الظلم وأكل المال بالباطل قرن ~~بذلك ذكر البيع الذي هو عدل وقدم عليه ذكر الصدقة التي هي إحسان فذكر في ~~آخر سورة البقرة حكم الأموال المحسن والعادل والظالم PageV32P235 ذكر الصدق ~~والبيع والربا والظلم في الربا واكل المال بالباطل به ابين منه في الميسر ~~فإن المرابي يأخذ فضلا محققا من المحتاج ولهذا عاقبه الله بنقيض قصده فقال ~~@QB@ يمحق الله الربا ويربي الصدقات @QE@ وأما المقامر فإنه قد يغلب فيظلم ~~فقد يكون المظلوم هو الغني وقد يكون هو الفقير وظلم الفقير المحتاج أشد من ~~ظلم الغني وظلم يتعين فيه الظالم القادر أعظم من ظلم لا يتعين فيه الظالم ~~فإن ظلم القادر الغني للعاجز الضعيف أقبح من تظالم قادرين غنيين لا يدري ~~أيهما هو الذي يظلم فالربا في ظلم الأموال أعظم من القمار ومع هذا فتأخر ~~تحريمه وكان آخر ms9216 ما حرم الله تعالى في القرآن فلو لم يكن في الميسر إلا ~~مجرد القمار لكان أخف من الربا لتأخر تحريمه وقد أباح الشارع أنواعا من ~~الغرر للحاجة كما أباح إشتراط ثمر النخل بعد التأبير تبعا للأصل وجوز بيع ~~المجازفة وغير ذلك وأما الربا فلم يبح منه ولكن أباح العدول عن التقدير ~~بالكيل إلى التقدير بالخرص عند الحاجة كما أباح التيمم عند عدم الماء ~~للحاجة إذا الخرص تقدير بظن والكيل تقدير بعلم والعدول عن العلم إلى الظن ~~عند الحاجة جائز فتبين أن الربا أعظم من القمار الذي ليس فيه إلا مجرد أكل ~~المال بالباطل لكن الميسر تطلب به الملاعبة والمغالبة نهي عنه الإنسان ~~لفساد عقله مع فساد ماله مثل ما فيه من الصدود عن ذكر الله وعن الصلاة وكل ~~من الخمر والميسر فيه إيقاع العداوة والبغضاء وفيه الصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة أعظم من الربا وغيره من المعاملات الفاسدة PageV32P236 فتبين أن ~~الميسر اشتمل على مفسدتين مفسدة في المال وهي أكله بالباطل ومفسدة في العمل ~~وهي ما فيه من مفسدة المال وفساد القلب والعقل وفساد ذات البين وكل من ~~المفسدتين مستقلة بالنهي فينهي عن أكل المال بالباطل مطلقا ولو كان بغير ~~ميسر كالربا وينهى عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء ~~ولو كان بغير أكل مال فإذا اجتمعا عظم التحريم فيكون الميسر المشتمل عليهما ~~أعظم من الربا ولهذا حرم ذلك قبل تحريم الربا ومعلوم أن الله تعالى لما حرم ~~الخمر حرمها ولو كان الشارب يتداوى بها كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وحرم ~~بيعها لأهل الكتاب وغيرهم وإن كان أكل ثمنها لا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ~~ولا يوقع العداوة والبغضاء لأن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ~~عليهم ثمنه كل ذلك مبالغة في الاجتناب فهكذا الميسر منهي عن هذا وعن هذا ~~والمعين على الميسر كالمعين على الخمر فإن ذلك من التعاون على الإثم ~~والعدوان وكما أن الخمر تحرم الإعانة عليها ببيع أو عصر ms9217 أو سقي أو غير ذلك ~~فكذك الإعانة على الميسر كبائع الاته والمؤجر لها والمذبذب الذي يعين ~~أحدهما بل مجرد الحضور عند أهل الميسر كالحضور عند أهل شرب الخمر وقد قال ~~النبي ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها ~~الخمر ) وقد رفع إلى عمر بن PageV32P237 عبد العزيز رضي الله عنه قوم ~~يشربون الخمر فأمر بضربهم فقيل له أن فيهم صائما فقال ابدؤا به ثم قال أما ~~سمعت قوله تعالى @QB@ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ~~@QE@ فاستدل عمر بالآية لأن الله تعالى جعل حاضر المنكر مثل فاعله بل إذا ~~كان من دعا إلى دعوة العرس لا تجاب دعوته إذا اشتملت على منكر حتى يدعه مع ~~أن إجابة الدعوة حق فكيف بشهود المنكر من غير حق يقتضي ذلك فإن قيل إذا كان ~~هذا من الميسر فكيف استجازه طائفة من السلف قيل له المستجيز للشطرنج من ~~السلف بلا عوض كالمستجيز للنرد بلا عوض من السلف وكلاهما مأثور عن بعض ~~السلف بل في الشطرنج قد تبين عذر بعضهم كما كان الشعبي يلعب به لما طلبه ~~الحجاج لتولية القضاء رأى أن يلعب به ليفسق نفسه ولا يتولى القضاء للحجاج ~~ورأى أن يحتمل مثل هذا ليدفع عن نفسه إعانة مثل الحجاج على مظالم المسلمين ~~وكان هذا أعظم محذوروا عنده ولم يمكنه الاعتذار إلا بمثل ذلك ثم يقال من ~~المعلوم أن الذين استحلوا النبيذ المتنازع فيه من السلف والذين استحلوا ~~الدرهم بالدرهمين من السلف أكثر وأجل قدرا من هؤلاء فإن بن عباس ومعاوية ~~وغيرهما رخصوا في الدرهم بالدرهمين وكانوا متأولين أن الربا لا يحرم إلا في ~~النساء لا في اليد باليد وكذلك من ظن أن الخمر PageV32P238 ليست إلا المسكر ~~من عصير العنب فهؤلاء فهموا من الخمر نوعا منه دون نوع وظنوا أن التحريم ~~مخصوص به وشمول الميسر لأنواعه كشمول الخمر والربا لأنواعهما وليس لأحد ms9218 أن ~~يتبع زلات العلماء كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم ~~له أهل فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطؤا كما قال تعالى @QB@ ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ قال الله قد فعلت وأمرنا أن نبتع ما أنزل ~~إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه أولياء وأمرنا أن لا نطيع مخلوقا في معصية ~~الخالق ونستغفر لإخواننا الذي سبقونا بالإيمان فنقول @QB@ ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان @QE@ الآية وهذا أمر واجب على المسلمين في ~~كل ما كان يشبه هذا من الأمور ونعظم أمر تعالى بالطاعة لله ورسوله ونرعى ~~حقوق المسلمين لا سيما أهل العلم منهم كما أمر الله ورسوله ومن عدل عن هذه ~~الطريق فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد وآذى المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما أكتسبوا فهو من الظالمين ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى ~~عباد الله كان من أولياء الله المتقين والله سبحانه أعلم PageV32P239 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجلين اختلفا في الشطرنج فقال أحدهما هي حرام وقال ~~الآخر هي ترد عن الغيبة وعن النظر إلى الناس مع إنها حلال فايهما المصيب ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما إذا كان بعوض أو يتضمن ترك واجب مثل ~~تأخير الصلاة عن وقتها أو تضييع واجباتها أو ترك ما يجب من مصالح العيال ~~وغير ذلك مما أوجب على المسلمين فإنه حرام بإجماع المسلمين وكذلك إذا تضمن ~~كذبا أو ظلما وغير ذلك من المحرمات فإنه حرام بالإجماع وإذا خلا عن ذلك ~~فجمهور العلماء كمالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه ~~وكثير من أصحاب الشافعي أنه حرام وقال هؤلاء إن الشافعي لم يقطع بأنه حلال ~~بل كرهه وقيل إنه قال لم يتبين إلي تحريمه والبيهقي أعلم أصحاب الشافعي ~~بالحديث وأنصرهم للشافعي ذكر إجماع الصحابة على المنع منه عن علي بن أبي ~~طالب وأبي سعيد وبن عمر وبن عباس وأبي موسى وعائشة رضي الله عنهم ولم يحك ~~عن الصحابة في ذلك نزاعا ومن ms9219 نقل عن أحد من الصحابة أنه رخص فيه فهو غالط ~~والبيهقي وغيره من أهل الحديث أعلم بأقوال الصحابة ممن ينقل أقوالا بلا ~~إسناد قال البيهقي جعل الشافعي اللعب بالشطرنج من المسائل المختلف فيها ~~PageV32P240 في أنه لا يوجب رد الشهادة فأما كراهيته اللعب بها فقد صرح بها ~~فيما قدمنا ذكره وهو الأشبه والأولى بمذهبه فالذين كرهوا أكثر ومعهم من ~~يحتج بقوله وروى بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أنه كان يقول الشطرنج ميسر العجم وروى بإسناده عن علي أنه مر بقوم ~~يلعبون بالشطرنج وقال ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) لأن يمس ~~أحدكم جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها وعن علي رضي الله عنه أنه مر بمجلس ~~من مجالس تيم الله وهم يلعبون بالشطرنج فقال أما والله لغير هذا خلقتم أما ~~والله لولا أن يكون سنة لضربت بها وجوهكم وعن مالك قال بلغنا أن بن عباس ~~ولي مال يتيم فأحرقها وعن بن عمر أنه سئل عن الشطرنج فقال هو شر من النرد ~~وعن أبي موسى الأشعري قال لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ وعن عائشة أنها كانت ~~تكره الكيل وإن لم يقامر عليها وأبو سعيد الخدري كان يكره اللعب بها فهذه ~~أقوال الصحابة رضي الله عنهم ولم يثبت عن صحابي خلاف ذلك ثم روى البيهقي ~~أيضا عن أبي جعفر محمد بن علي المعروف بالباقر أنه سئل عن الشطرنج فقال ~~دعونا من هذه المجوسية قال البيهقي روينا في كراهية اللعب بها عن يزيد بن ~~أبي حبيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم ومالك بن أنس قلت والكراهية في كلام ~~السلف كثيرا وغالبا يراد بها التحريم وقد صرح هؤلاء بأنها كراهة تحريم بل ~~صرحوا بأنها شر من النرد والنرد حرام وإن لم يكن فيها عوض PageV32P241 وروى ~~بإسناده عن جامع بن وهب عن أبي سلمة قال قلت للقاسم بن محمد ما الميسر قال ~~كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر قال يحيى ms9220 بن أيوب حدثني عبد ~~الله بن عمر أنه سمع عمر بن عبد الله يقول قلت للقاسم بن محمد هذا النرد ~~ميسر أرأيت الشطرنج ميسر هي قال القاسم كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهو ميسر وقال بن وهب حدثني يحيى بن أيوب حدثنا أبو قيس عن عقبة بن عامر ~~قال لأن أعبد صنما يعبد في الجاهلية أحب إلي من أن ألعب بهذا الميسر قال ~~القيسي وهي عيدان كان يلعب بها في الأرض وبإسناده عن فضالة بن عبيد قال ما ~~أبالي ألعبت بالكيل أو توضأت بدم خنزير ثم قمت إلى الصلاة وما ذكر عن علي ~~بن أبي طالب أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال ( ما هذه التماثيل التي أنتم ~~لها عاكفون ) ثابت عنه يشبههم بعباد الأصنام وذلك كقوله @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون @QE@ والميسر يدخل ~~فيه النردشير ونحوه وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال ( من لعب بالنردشير ~~فقد صبغ يده في لحم خنزير ودمه ) وفي السنن أنه قال ( من لعب بالنرد شير ~~فقد عصى الله ورسوله ) ومذهب الأئمة الأربعة أن اللعب بالنرد حرام وإن لم ~~يكن بعوض وقد قال بن عمر ومالك بن أنس وغيرهما إن الشطرنج شر من النرد وقال ~~أبو حنيفة PageV32P242 وأحمد بن حنبل والشافعي وغيرهم النردشير من الشطرنج ~~وكلا القولين صحيح باعتبار فإن النرد إذا كان بعوض والشطرنج بغير عوض ~~فالنرد شر منه وهو حرام حينئذ بالإجماع وأما إن كان كلاهما بعوض أو كلاهما ~~بلا عوض فالشطرنج شر من النرد لأن الشطرنج يشغل القلب ويصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة اكثر من النرد ولهذا قيل الشطرنج مبني على مذهب القدر والنرد مبني ~~على مذهب الجبر فإن صاحب النرد يومي ويحسب بعد ذلك وأما صاحب الشطرنج فإنه ~~يقدر ويفكر ويحسب حساب النقلات قبل النقل ms9221 فإفساد الشطرنج للقلب أعظم من ~~إفساد النرد ولكن كان معروفا عند العرب والشطرنج لم يعرف إلا بعد أن فتحت ~~البلاد فإن أصله من الهند وانتقل منهم إلى الفرس فلهذا جاء ذكر النرد في ~~الحديث وإلا فالشطرنج شر منه إذا استويا في العوض أو عدمه وقد بسط جواب ~~السؤال في موضع آخر والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل لعب ~~بالشطرنج وقال هو خير من النرد فهل هذا صحيح وهل اللعب بالشطرنج بعوض أو ~~غير عوض حرام وما قول العلماء فيه ### ||||| فأجاب # الحمد لله اللعب بالشطرنج حرام عند جماهير علماء الأمة وأئمتها ~~كالنرد وقد صح عن النبي أنه قال ( من لعب بالنرد PageV32P243 فكأنما صبغ يد ~~في لحم خنزير ودمه ) وقال ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ) وثبت عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال ( ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) وروى أنه قلب الرقعة عليهم وقالت طائفة من ~~السلف الشطرنج من الميسر وهو كما قالوا فإن الله حرم الميسر وقد أجمع ~~العلماء على أن اللعب بالنرد والشطرنج حرام إذا كان بعوض وهو من القمار ~~والميسر الذي حرمه الله والنرد حرام عند الأئمة الأربعة سواء كان بعوض أو ~~غير عوض ولكن بعض أصحاب الشافعي جوزه بغير عوض لاعتقاده أنه لا يكون حينئذ ~~من الميسر وأما الشافعي وجمهور أصحابه وأحمد وأبو حنيفة وسائر الأئمة ~~فيحرمون ذلك بعوض وبغير عوض وكذلك الشطرنج صرح هؤلاء الأئمة بتحريمها مالك ~~وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم وتنازعوا أيهما أشد فقال مالك وغيره الشطرنج شر من ~~النرد وقال أحمد وغيره الشطرنج أخف من النرد ولهذا توقف الشافعي في النرد ~~إذا خلا من المحرمات إذ سبب الشبهة في ذلك أن أكثر من يلعب فيها بعوض بخلاف ~~الشطرنج فإنها تلعب بغير عوض غالبا وأيضا فظن بعضهم أن اللعب بالشطرنج يعين ~~على القتال لما فيها من صف الطائفتين والتحقيق أن النرد والشطرنج إذا لعب ~~بهما بعوض فالشطرنج شر منها لأن الشطرنج حينئذ ms9222 حرام بإجماع المسلمين وكذلك ~~يحرم PageV32P244 بالإجماع إذا اشتملت على محرم من كذب ويمين فاجرة أو ظلم ~~أو جناية أو حديث غير واجب ونحوها وهي حرام عند الجمهور وإن خلت عن هذه ~~المحرمات فإنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء أعظم من ~~النرد إذا كان بعوض وإذا كانا بعوض فالشطرنج شر في الحالين وأما إذا كان ~~العوض من أحدهما ففيه من أكل المال بالباطل ما ليس في الآخر والله تعالى ~~قرن الميسر بالخمر والأنصاب والأزلام لما فيها من الصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة وفيها ايقاع العداوة والبغضاء فإن الشطرنج إذا استكثر منها تستر ~~القلب وتصده عن ذلك أعظم من تستر الخمر وقد شبه أمير المؤمنين علي رضي الله ~~عنه لاعبيها بعباد الأصنام حيث قال ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ~~) كما شبه النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر بعابد الوثن في الحديث الذي ~~في المسند عن النبي أنه قال ( شارب الخمر كعابد وثن ) وأما ما يروى عن سعيد ~~بن جبير من اللعب بها فقد بين سبب ذلك أن الحجاج طلبه للقضاء فلعب بها ~~ليكون ذلك قادحا فيه فلا يولي القضاء وذلك أنه رأى ولاية الحجاج أشد ضررا ~~عليه في دينه من ذلك والأعمال بالنيات وقد يباح ما هو أعظم تحريما من ذلك ~~لأجل الحاجة وهذا يبين أن اللعب بالشطرنج كان عندهم من المنكرات كما نقل عن ~~علي وبن عمر وغيرهما ولهذا قال أبو حنيفة وأحمد وغيرهما إنه لا يسلم على ~~لاعب الشطرنج لأنه مظهر للمعصية وقال صاحبا أبي حنيفة يسلم عليه ~~PageV32P245 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن معنى قوله ( من لعب بالنردشير فهو كمن ~~غمس يده في لحم خنزير ودمه ) ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما قوله ( من لعب بالنردشير فهو كمن غمس يده في لحم ~~خنزير ودمه ) فهو حديث صحيح رواه مسلم وغيره واللعب بالنرد حرام وإن لم يكن ~~بعوض عند جماهير العلماء وبالعوض حرام بالإجماع ### |||| وسئل رحمه الله # عن اللعب ~~بالحمام ### ||||| فأجاب # اللعب بالحمام منهي عنه ms9223 وفي السنن عن النبي أنه رأى رجلا يتبع ~~حمامة فقال ( شيطان يتبع شيطانة ) ومن لعب بالحمام فأشرف على حريم الناس أو ~~رماهم بالحجارة فوقعت على الجيران فإنه يعزر على ذلك تعزيرا يردعه عن ذلك ~~ويمنع من ذلك فإن هذا فيه ظلم وعدوان على الجيران مع ما فيه من اللعب ~~المنهي عنه والله أعلم PageV32P246 ### ||| 2 باب العشرة 2 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن أقوام يعاشرون المردان وقد يقع من أحدهم ~~قبلة ومضاجعة للصبي ويدعون أنهم يصحبون لله ولا يعدون ذلك ذنبا ولا عارا ~~ويقولون نحن نصحبهم بغير خنا ويعلم أبو الصبي بذلك وعمه وأخوه فلا ينكرون ~~فما حكم الله تعالى في هؤلاء وماذا ينبغي للمرء المسلم أن يعاملهم به ~~والحالة هذه ### ||||| فأجاب # الحمد لله الصبي الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية في كثير من ~~الأمور ولا يجوز تقبيله على وجه اللذة بل لا يقبله إلا من يؤمن عليه كالأب ~~والأخوة ولا يجوز النظر إليه على هذا الوجه باتفاق الناس بل يحرم عند ~~جمهورهم النظر إليه عند خوف ذلك وإنما ينظر إليه لحاجة بلا ريبة مثل ~~معاملته والشهاد عليه ونحو ذلك كما ينظر إلى المرأة للحاجة وأما مضاجعته ~~فهذا أفحش من أن يسأل عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( مروهم ~~بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا PageV32P247 بينهم في المضاجع ) ~~إذا بلغوا عشر سنين ولم يحتلموا بعد فكيف بما هو فوق ذلك وإذا كان النبي قد ~~قال ( لا يخلوا رجل بإمرأة إلا كان ثالثهما الشيطان ) وقال ( إياكم والدخول ~~على النساء قالوا يا رسول الله أفرأيت الحم قال الحم الموت ) فإذا كانت ~~الخلوة محرمة لما يخاف منها فكيف بالمضاجعة وأما قول القائل إنه يفعل ذلك ~~لله فهذا أكثره كذب وقد يكون لله مع هوى النفس كما يدعي من يدعي مثل ذلك في ~~صحبة النساء الأجانب فيبقى كما قال تعالى في الخمر @QB@ فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ وقد روى الشعبي عن النبي ( أن ~~وفد عبد القيس لما قدموا على ms9224 النبي وكان فيهم غلام ظاهر الوضاءة أجلسه خلف ~~ظهره وقال إنما كانت خطيئة داود عليه السلام النظر ) هذا وهو رسول الله وهو ~~مزوج بتسع نسوة والوفد قوم صالحون ولم تكن الفاحشة معروفة في العرب وقد روى ~~عن المشائخ من التحذير عن صحبة الأحداث ما يطول وصفه وليس لأحد من الناس أن ~~يفعل ما يفضي إلى هذه المفاسد المحرمة وإن ضم إلى ذلك مصلحة من تعليم أو ~~تأديب فإن المردان يمكن تعليمهم وتأديبهم بدون هذه المفاسد التي فيها مضرة ~~عليهم وعلي من يصحبهم وعلى المسلمين بسوء الظن تارة وبالشبهة أخرى بل روى ~~أن رجلا كان يجلس PageV32P248 إليه المردان فنهى عمر رضي الله عنه عن ~~مجالسته ولقي عمر بن الخطاب شابا فقطع شعره لميل بعض النساء إليه مع ما في ~~ذلك من إخراجه من وطنه والتفريق بينه وبين أهله ومن أقر صبيا يتولاه مثل ~~أبنه وأخيه أو مملوكه أو يتيم عند من يعاشره على هذا الوجه فهو ديوث ملعون ~~( ولا يدخل الجنة ديوث ) فإن الفاحشة الباطنة ما يقوم عليها بينة في العادة ~~وإنما تقوم على الظاهرة وهذه العشرة القبيحة من الظاهرة وقد قال الله تعالى ~~@QB@ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ فلو ذكرنا ما حصل في مثل هذا من ~~الضرر والمفاسد وما ذكروه العلماء لطال سواء كان الرجل تقيا أو فاجرا فإن ~~التقي يعالج مرارة في مجاهدة هواه وخلاف نفسه وكثيرا إما يغلبه شيطانه ~~ونفسه بمنزلة من يحمل حملا لا يطيقه فيعذبه أو يقتله والفاجر يكمل فجوره ~~بذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجلين تراهنا في عمل زجلين وكل منهما له ~~عصبية وعلى من تعصب لهما وفي ذكرهما التغزل في المردان وغير ذلك وما ~~أشبههما أفتونا مأجورين PageV32P249 ### ||||| فأجاب # الحمد لله هؤلاء المتغالبون بهذه الأزجال وما كان من جنسها هم ~~والمتعصبون من الطرفين والمراهنة في ذلك وغير المراهنة ظالمون معتدون آثمون ~~مستحقون العقوبة البليغة الشرعية التي تردعهم وأمثالهم ms9225 من سفهاء الغواة ~~العصاة الفاسقين عن مثل هذه الأقوال والأعمال التي لا تنفع في دين ولا دنيا ~~بل تضر أصحابها في دينهم ودنياهم وعلى ولاة الأمور وجميع المسلمين الانكار ~~على هؤلاء وأعوانهم حتى ينتهوا عن هذه المنكرات ويراجعوا طاعة الله ورسوله ~~وملازمة الصراط المستقيم الذي يجب على المسلمين ملازمته فإن هذه المغالبات ~~مشتملات على منكرات محرمات وغير محرمات بل مكروهات ومن المحرمات التي فيها ~~تحريمه ثابت بالإجماع وبالنصوص الشرعية وذلك من وجوه أحدها المراهنة على ~~ذلك بإجماع المسلمين وكذلك لو كان المال مبذولا من أحدهما أو من غيرها لم ~~يجز لا على قول من يقول السبق في غير هذه الثلاثة أما على القول الأول ~~فظاهر وفي ذلك الحديث المعروف في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل ولا على قول من يقول السبق في غير هذه ~~الثلاثة أما على القول الأول فظاهر وفي ذلك الحديث المعروف في السنن عن ~~النبي أنه قال ( لا سبق إلا خف أو حافر أو نصل ) وهذه الثلاثة من أعمال ~~الجهاد في سبيل الله فإخراج السبق فيها من أنواع إنفاق المال في سبيل الله ~~بخلاف غيرها من المباحات كالمصارعة والمسابقة بالإقدام فإن هذه الأعمال ~~ليست من الجهاد فلهذا رخص فيها من غير سبق فإن النبي صلى الله PageV32P250 ~~عليه وسلم صارع بن عبد يزيد وسابق عائشة رضي الله عنها وأذن في السباق ~~لسلمة بن الأكوع وأما على القول الثاني فلا بد أن تكون المغالبة في عمل ~~مباح وهذه ليست كذلك وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أن هذه الأقوال فيها من ~~وصف المردان وعشقهم ومقدمات الفجور بهم ما يقتضي ترغيب النفوس في ذلك ~~وتهييج ذلك في القلوب وكل ما فيه إعانة على الفاحشة والترغيب فيها فهو حرام ~~وتحريم هذا أعظم من تحريم الندب والنياحة وذلك يثير الحزن وهذا يثير الفسق ~~والحزن قد يرخص فيه وأما الفسق فلا يرخص في شيء منه وهذا من جنس القيادة ~~وقد ثبت ms9226 في الصحيح عن النبي أنه قال ( لاتنعت المرأة المرأة لزوجها حتى ~~كأنه ينظر إليها ) فنهى النبي عن وصف المرأة لئلا تتمثل في نفسه صورتها ~~فكيف بمن يصف المردان بهذه الصفات ويرغب في الفواحش بمثل هذه الأقوال ~~المنكرات التي تخرج القلب السليم وتعمى القلب السقيم وتسوق الإنسان إلى ~~العذاب الأليم وقد أمر عمر رضي الله عنه بضرب نائحة فضربت حتى بدا شعرها ~~فقيل له يا أمير المؤمنين إنه قد بدا شعرها فقال لا حرمة لها إنما تأمر ~~بالجزع وقد نهى الله عنه وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتفتن الحي وتؤذي ~~الميت وتبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها إنها لا تبكي علي ميتكم وإنما تبكي على ~~أخذ دراهمكم وبلغ عمر أن شابا يقال له نصر PageV32P251 بن حجاج تغنت به ~~إمرأة فأخذ شعره ثم رآه جميلا فنفاه إلى البصرة وقال لا يكون عندي من تغنى ~~به النساء فكيف لو رأى عمر من يغني بمثل هذه الأقوال الموزونة في المردان ~~مع كثرة الفجور وظهور الفواحش وقلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ~~هؤلاء من المضادين لله ولرسوله ولدينه ويدعون إلى ما نهى الله عنه ويصدون ~~عما أمر الله به ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا الوجه الثالث أن هذا ~~الكلام الموزون كلام فاسد مفردا أو مركبا لأنهم غير وافيه كلام العرب ~~وبدلوه بقولهم ماعو وبدوا وعدوا وأمثال ذلك مما تمجه القلوب والأسماع وتنفر ~~عنه العقول والطباع وأما مركباته فإنه ليس من أوزان العرب ولا هو من جنس ~~الشعر ولا من أبحره الستة عشر ولا من جنس الأسجاع والرسائل والخطب ومعلوم ~~أن تعلم العربية وتعليم العربية فرض على الكفاية وكان السلف يؤدبون أولادهم ~~عل اللحن فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي ~~ونصلح الألسن المائلة عنه فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة والاقتداء ~~بالعرب في خطابها فلو ترك الناس على لحنهم كان نقصا وعيبا فكيف إذا جاء قوم ~~إلى الألسنة العربية المستقيمة والأوزان القويمة فأفسدوها بمثل هذه ~~المفردات والأوزان المفسدة ms9227 للسان الناقلة عن العربية العرباء إلى أنواع ~~الهذيان الذي لا يهذي به الأقوم من الأعاجم الطماطم الصميان PageV32P252 ~~الوجه الرابع إن المغالبة بمثل هذا توقع العداوة والبغضاء وتصدهم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة وهذا من جنس النقار بين الديوك والنطاح بين الكباش ومن جنس ~~مغالبات العامة التي تضرهم ولا تنفهم والله سبحانه حرم الخمر والميسر ~~والميسر هو القمار لأنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء ~~والميسر المحرم ليس من شرطه أن يكون فيه عوض بل اللعب بالنرد حرام باتفاق ~~العلماء وأن لم يكن فيه عوض وإن كان فيه خلاف شاذ لا يلتفت إليه وقد قال ( ~~من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ) لأن النرد يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ~~ويوقع العداوة والبغضاء وهذه المغالبات تصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع ~~بينهم العداوة والبغضاء أعظم من النرد فإذا كان أكثر الأئمة قد حرم الشطرنج ~~وجعله مالك أعظم من النرد مع أن اللاعبين بالنرد والشطرنج وإن كانوا فساقا ~~فهم أمثل من هؤلاء وهذا بين الوجه الخامس وهو أن غالب هؤلاء إما زنديق ~~منافق وإما فاجر فاسق ولا يكاد يوجد فيهم مؤمن بر بل وجد حاذقهم منسلخا من ~~دين الإسلام مضيعا للصلوات متبعا للشهوات لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرم ما حرم الله ورسوله ولا يدين دين المسلمين وإن كان مسلما كان ~~فاسقا مرتكبا للمحرمات تاركا للواجبات وإن كان الغالب عليهم إما النفاق ~~وإما الفسق كان حكم الله في الزنديق قتله من غير استتابة وحكمه في الفاسق ~~إقامة الحد عليه إما بالقتل أو بغيره والمخالط PageV32P253 لهم والمعاشر ~~إذا ادعى سلامته من ذلك لم يقبل فإنه إما أن يفعل معهم المحرمات ويترك ~~الواجبات وإما أن يقرهم على المنكرات فلا يأمرهم بمعروف ولا ينهاهم عن منكر ~~وعلى كل حال فهو مستحق للعقوبة وقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز أقوام يشربون ~~الخمر فأمر بجلدهم الحد فقيل إن فيهم صائما فقال إبدوا بالصائم فأجلدوه ألم ~~يسمع إلى قوله تعالى @QB@ وقد ms9228 نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله ~~يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما ~~على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون @QE@ فنهى سبحانه ~~عن القعود مع الظالمين فكيف بمعاشرتهم أم كيف بمخادنتهم وهؤلاء قوم تركوا ~~المقامرة بالأيدي وعجزوا عنها ففتحوا القمار بالألسنة والقمار بالألسنة ~~أفسد للعقل والدين من القمار بالأيدي والواجب على المسلمين المبالغة في ~~عقوبة هؤلاء وهجرهم واستتابتهم بل لو فرض أن الرجل نظم هذه الأزجال العربية ~~من غير مبالغة لنهي عن ذلك بل لو نظمها في غير الغزل فإنهم تارة ينظمونها ~~بالكفر بالله وبكتابه ورسوله كما نظمها أبو الحسن التستري في وحدة الوجود ~~وأن الخالق هو المخلوق وتارة ينظمونها في الفسق كنظم هؤلاء الغواة والسفهاء ~~الفساق ولو قدر أن ناظما نظم هذه الأزجال في مكان حانوت نهي فإنها تفسد ~~اللسان العربي وتنقله إلى العجمة المنكرة PageV32P254 وما زال السلف يكرهون ~~تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات وهو التكلم بغير العربية إلا لحاجة كما ~~نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد بل قال مالك من تكلم في مسجدنا بغير ~~العربية أخرج منه مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها ولكن سوغوها ~~للحاجة وكرهوها لغير الحاجة ولحفظ شعائر الإسلام فإن الله انزل كتابه ~~باللسان العربي وبعث به نبيه العربي وجعل الأمة العربية خير الأمم فصار حفظ ~~شعارهم من تمام حفظ الإسلام فكيف بمن تقدم على الكلام العربي مفرده ومنظومه ~~فيغيره ويبدله ويخرجه عن قانونه ويكلف الانتقال عنه إنما هذا نظير ما يفعله ~~بعض أهل الضلال من الشيوخ الجهال حيث يصمدون إلى الرجل العاقل فيولهونه ~~ويخنثونه فإنهم ضادوا الرسول إذ بعث بإصلاح العقول والأديان وتكميل نوع ~~الإنسان وحرم ما يغير العقل من جميع الألوان فإذا جاء هؤلاء إلى صحيح العقل ~~فأفسدوا عقله وفهمه وقد ضادوا الله وراغموا حكمه والذين يبدلون اللسان ~~العربي ويفسدونه لهم من هذا الذم والعقاب ms9229 بقدر ما يفتحونه فإن صلاح العقل ~~واللسان مما يؤمرو به الإنسان ويعين ذلك على تمام الإيمان وضد ذلك يوجب ~~الشقاق والضلال والخسران والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن يتحدث بين الناس ~~بكلام وحكايات مفتعلة كلها كذب هل يجوز ذلك PageV32P255 ### ||||| فأجاب # أما المتحدث بأحاديث مفتعلة ليضحك الناس أو لغرض آخر فإنه عاص لله ~~ورسوله وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ( إن الذي يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له ويل له ثم ويل له ) وقد قال ~~بن مسعود إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ولا يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ~~ينجزه وأما إن كان في ذلك ما فيه عدوان على مسلم وضرر في الدين فهو أشد ~~تحريما من ذلك وبكل حال ففاعل ذلك مستحق للعقوبة الشرعية التي تردعه عن ذلك ~~والله أعلم وقال شيخ الإسلام رحمه الله 4 ### ||| فصل # التشبه بالبهائم في الأمور المذمومة في الشرع مذموم منهي عنه في أصواتها ~~وأفعالها ونحو ذلك مثل أن ينبح نبيح الكلاب أو ينهق نهيق الحمير ونحو ذلك ~~وذلك لوجوه أحدها أنا قررنا في اقتضاء الصراط المستقيم نهي الشارع عن ~~التشبه بالآدميين الذين جنسهم ناقص كالتشبه بالاعراب وبالأعاجم وبأهل ~~الكتاب ونحو ذلك في أمور من خصائصهم وبيننا أن من أسباب ذلك PageV32P256 أن ~~المشابهة تورث مشابهة الأخلاق وذكرنا أن من أكثر عشرة بعض الدواب اكتسب من ~~أخلاقها كالكلابين والجمالين وذكرنا ما في النصوص من ذم أهل الجفاء وقسوة ~~القلوب أهل الإبل ومن مدح أهل الغنم فكيف يكون التشبه بنفس البهائم فيما هي ~~مذمومة بل هذه القاعدة تقتضي بطريق التنبيه النهي عن التشبه بالبهائم مطلقا ~~فيما هو من خصائصها وإن لم يكن مذموما بعينه لأن ذلك يدعو إلى فعل ما هو ~~مذموم بعينه إذ من المعلوم أن كون الشخص أعرابيا أو عجميا خير من كونه كلبا ~~أو حمارا أو خنزيرا فإذا وقع النهي عن التشبه بهذا الصنف من الآدميين في ~~خصائصه لكون ذلك تشبها ms9230 فيما يستلزم النقص ويدعو إليه فالتشبه بالبهائم فيما ~~هو من خصائصها أولى أن يكون مذموما ومنهيا عنه الوجه الثاني أن كون الإنسان ~~مثل البهائم مذموم قال تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ~~أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون @QE@ الوجه الثالث إن الله ~~سبحانه إنما شبه الإنسان بالكلب والحمار ونحوهما في معرض الذم له كقوله ~~@QB@ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون @QE@ PageV32P257 # وقال تعالى @QB@ مثل الذين ~~حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا @QE@ الآية وإذا كان ~~التشبه بها إنما كان على وجه الذم من غير أن يقصد المذموم التشبه بها ~~فالقاصد أن يتشبه بها أولى أن يكون مذموما لكن إن كان تشبه بها في عين ما ~~ذمه الشارع صار مذموما من وجهين وإن كان فيما لم يذمه بعينه صار مذموما من ~~جهة التشبه المستلزم للوقوع في المذموم بعينه يؤيد هذا الوجه الرابع وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح ( العائد في هبته كالعائد في قيئه ليس ~~لنا مثل السوء ) ولهذا يذكر أن الشافعي وأحمد تناظرا في هذه المسألة فقال ~~له الشافعي الكلب ليس بمكلف فقال له أحمد ليس لنا مثل السوء وهذه الحجة في ~~نفس الحديث فإن النبي لم يذكر هذا المثل إلا ليبن أن الإنسان إذا شابه ~~الكلب كان مذموما وإن لم يكن الكلب مذموما في ذلك من جهة التكليف ولهذا ليس ~~لنا مثل السوء والله سبحانه قد بين بقوله @QB@ ساء مثلا @QE@ إن التمثيل ~~بالكلب مثل سوء والمؤمن منزه عن مثل السوء فإذا كان له مثل سوء من الكلب ~~كان مذموما بقدر ذلك المثل السوء الوجه الخامس أن النبي قال ( إن الملائكة ~~لا تدخل بيتا فيه كلب ) وقال ( اذا سمعتم صياح الديكة فسألوا الله من فضله ms9231 ~~وإذا PageV32P258 سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت ~~شيطانا ) فدل ذلك على أن أصواتها مقارنة للشياطين وإنها منفرة للملائكة ~~ومعلوم أن المشابه للشيء لابد أن يتناوله من أحكامه بقدر المشابهة فإذا نبح ~~نباحها كان في ذلك من مقارنة الشياطين وتنفير الملائكة بحسبه وما يستدعي ~~الشياطين وينفر الملائكة لا يباح إلا لضرورة ولهذا لم يبح اقتناء الكلب إلا ~~لضرورة لجلب منفعة كالصيد أو دفع مضرة عن الماشية والحرث حتى قال ( من ~~اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراط ) ~~وبالجملة فالتشبه بالشيء يقتضي من الحمد والذم بحسب الشبه لكن كون المشبه ~~به غير مكلف لا ينفي التكليف عن المتشبه كما لو تشبه بالأطفال والمجانين ~~والله سبحانه أعلم الوجه السادس أن النبي ( لعن المتشبهين من الرجال ~~بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ) وذلك لأن الله خلق كل نوع من ~~الحيوان وجعل صلاحه وكماله في أمر مشترك بينه وبين غيره وبين أمر مختص به ~~فأما الأمور المشتركة فليست من خصائص أحد النوعين ولهذا لم يكن من مواقع ~~النهي وإنما مواقع النهي الأمور المختصة فإذا كانت الأمور التي هي من خصائص ~~النساء ليس للرجال التشبه بهن فيها والأمور التي هي من خصائص الرجال ليس ~~PageV32P259 للنساء التشبه بهم فيها فالأمور التي هي من خصائص البهائم لا ~~يجوز للآدمي التشبه بالبهائم فيها بطريق الأولى والأحرى وذلك لأن الإنسان ~~بينه وبين الحيوان قدر جامع مشترك وقدر فارق مختص ثم الأمر المشترك كالأكل ~~والشرب والنكاح والأصوات والحركات لما اقترنت بالوصف المختص كان للإنسان ~~فيها أحكام تخصه ليس له أن يتشبه بما يفعله الحيوان فيها فالأمور المختصة ~~به أولى مع أنه في الحقيقة لا مشترك بينه وبينها ولكن فيه أوصاف تشبه ~~أوصافها من بعض الوجوه والقدر المشترك إنما وجوده في الذهن لا في الخارج ~~وإذا كان كذلك فالله تعالى قد جعل الإنسان مخالفا بالحقيقة للحيوان وجعل ~~كماله وصلاحه في الأمور التي تناسبه وهي جميعها لا يماثل فيها الحيوان فإذا ~~تعمد مماثلة ms9232 الحيوان وتغيير خلق الله فقد دخل في فساد الفطرة والشرعة وذلك ~~محرم والله أعلم وقال رحمه الله ### ||| فصل # قوله @QB@ فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله @QE@ يقتضي وجوب ~~طاعتها لزوجها مطلقا من خدمة وسفر معه وتمكين له وغير ذلك كما PageV32P260 ~~دلت عليه سنة رسول الله في حديث الجبل الأحمر وفي السجود وغير ذلك كما تجب ~~طاعة الأبوين فإن كل طاعة كانت للوالدين انتقلت إلى الزوج ولم يبق للأبوين ~~عليها طاعة تلك وجبت بالأرحام وهذه وجبت بالعهود كما سنقرر إن شاء الله ~~هذين الأصلين العظيمين ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمرأة تزوجت وخرجت عن حكم والديها ~~فأيهما أفضل برها لوالديها أو مطاوعة زوجها ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من ~~أبويها وطاعة زوجها عليها أوجب قال الله تعالى @QB@ فالصالحات قانتات ~~حافظات للغيب بما حفظ الله @QE@ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة إذا نظرت إليها سرتك ~~وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك ) وفي صحيح بن أبي ~~حاتم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا صلت المرأة ~~خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت ) ~~وفي الترمذي عن أم سلمة قالت قال رسول الله ( أيما إمرأة ماتت وزوجها راض ~~عنها دخلت PageV32P261 الجنة ) وقال الترمذي حديث حسن وعن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لو كنت آمرا لأحد أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها ) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وأخرجه أبو داود ~~ولفظه ( لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحقوق ~~) وفي المسند عن أنس أن النبي قال ( لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح ~~لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي ~~نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحه تجري بالقيح والصديد ثم ~~استقبلته فلحسته ms9233 ما أدت حقه ) وفي المسند وسنن بن ماجة عن عائشة عن النبي ~~قال ( لو أمرت أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو أن رجلا ~~أمر إمرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أحمر ~~لكان لها أن تفعل ) أي لكان حقها أن تفعل وكذلك في المسند وسنن بن ماجة ~~وصحيح بن حبان عن عبد الله بن أبي أوفى قال لما قدم معاذ من الشام سجد ~~للنبي فقال ( ما هذا يا معاذ ) قال أتيت الشام فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم ~~وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك يا رسول الله فقال رسول الله ( لا ~~تفعلوا ذلك فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت PageV32P262 ~~المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى ~~تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ) وعن طلق بن علي قال ~~قال رسول الله ( ايما رجل دعا زوجته لحاجته فلتأته ولو كانت على التنور ) ~~رواه أبو حاتم في صحيحه والترمذي وقال حديث حسن وفي الصحيح عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله ( إذا دعا الرجل إمرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات ~~غضبانا عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح ) والأحاديث في ذلك كثيرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال زيد بن ثابت الزوج سيد في كتاب الله وقرأ قوله ~~تعالى @QB@ وألفيا سيدها لدى الباب @QE@ وقال عمر بن الخطاب النكاح رق ~~فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عندكم عوان ) فالمرأة عند ~~زوجها تشبه الرقيق والأسير فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه سواء أمرها ~~أبوها أو أمها أو غير ابويها باتفاق الأئمة وإذا أراد الرجل أن ينتقل إلى ~~مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها ونهاها أبوها عن طاعته ~~في ذلك فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها فإن ms9234 الأبوين هما ظالمان ليس لهما ~~أن ينهاياها عن طاعة مثل هذا الزوج وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به ~~من الإختلاع منه أو مضاجرته حتى يطلقها مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة ~~والصداق بما PageV32P263 تطلبه ليطلقها فلا يحل لها أن تطيع واحدا من ~~أبويها في طلاقه إذا كان متقيا لله فيها ففي السنن الأربعة وصحيح بن أبي ~~حاتم عن ثوبان قال قال رسول الله ( أيما إمرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما ~~بأس فحرام عليها رائحة الجنة ) وفي حديث آخر ( المختلعات والمنتزعات هن ~~المنافقات ) وأما إذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه طاعة الله مثل ~~المحافظة على الصلوات وصدق الحديث وأداء الأمانة ونهوها عن تبذير مالها ~~وإضاعته ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه فعليها أن ~~تطيعهما في ذلك ولو كان الأمر من غير أبويها فكيف إذا كان من أبويها وإذا ~~نهاها الزوج عما أمر الله أو أمرها بما نهى الله عنه لم يكن لها أن تطيعه ~~في ذلك فإن النبي قال ( إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) بل المالك لو ~~أمر مملوكه بما فيه معصية لله لم يجز له أن يطيعه في معصية فكيف يجوز أن ~~تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية فإن الخير كله في طاعة الله ~~ورسوله والشر كله في معصية الله ورسوله ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل له ~~زوجة أسكنها بين ناس مناجيس وهو يخرج بها إلى الفرج وإلى أماكن الفساد ~~ويعاشر مفسدين فإذا قيل له انتقل من هذا المسكن السوء فيقول أنا زوجها ولي ~~الحكم في امرأتي ولي السكنى فهل له ذلك PageV32P264 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ليس له أن يسكنها حيث شاء ولا يخرجها إلى ~~حيث شاء بل يسكن بها في مسكن يصلح لمثلها ولا يخرج بها عند أهل الفجور بل ~~ليس له أن يعاشر الفجار على فجورهم ومتى فعل ذلك وجب أن يعاقب عقوبتين ~~عقوبة على فجوره بحسب ما فعل وعقوبة على ترك صيانة ms9235 زوجته وإخراجها إلى ~~أماكن الفجور فيعاقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل ذلك والله أعلم ~~وقال رحمه الله تعالى ### ||| فصل # وأما إتيان النساء في أدبارهن فهذا محرم عند جمهور السلف والخلف كما ثبت ~~ذلك في الكتاب والسنة وهو المشهور في مذهب مالك وأما القول الآخر بالرخصة ~~فيه فمن الناس من يحكيه رواية عن مالك ومنهم من ينكر ذلك ونافع نقل عن بن ~~عمر أنه لما قرأ عليه @QB@ نساؤكم حرث لكم @QE@ قال له بن عمر إنها نزلت في ~~إتيان النساء في أدبارهن فمن الناس من يقول غلط نافع على بن عمر أو لم يفهم ~~مراده وكان مراده أنها نزلت في إتيان النساء من جهة الدبر في القبل فإن ~~الآية نزلت في ذلك باتفاق العلماء وكانت PageV32P265 اليهود تنهى عن ذلك ~~وتقول إذا أتى الرجل المرأة في قبلها من دبرها جاء الولد أحول فأنزل الله ~~هذه الآية والحرث موضع الولد وهو القبل فرخص الله للرجل أن يطأ المرأة في ~~قبلها من أي الجهات شاء وكان سالم بن عبد الله بن عمر يقول كذب العبد على ~~أبي وهذا مما يقوي غلط نافع على بن عمر فإن الكذب كانوا يطلقونه بإزاء ~~الخطأ كقول عبادة كذب أبو محمد لما قال الوتر واجب وكقول بن عباس كذب نوف ~~قال لما صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل ومن الناس من يقول بن عمر هو الذي ~~غلط في فهم الآية والله أعلم أي ذلك كان لكن نقل عن بن عمر أنه قال أو يفعل ~~هذا مسلم لكن بكل حال معنى الآية هو ما فسرها به الصحابة والتابعون وسبب ~~النزول يدل على ذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ينكح زوجته في دبرها ~~أحلال هو أم حرام ### ||||| فأجاب # وطء المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة وهو قول جماهير السلف ~~والخلف بل هو اللوطية الصغرى وقد ثبت عن النبي أنه قال ( إن الله لا يستحيي ~~من الحق لا تأتوا النساء في PageV32P266 أدبارهن ) وقد قال تعالى @QB@ ~~نساؤكم حرث لكم فأتوا ms9236 حرثكم أنى شئتم @QE@ والحرث هو موضع الولد فإن الحرث ~~هو محل الغرس والزرع وكانت اليهود تقول إذا أتى الرجل إمرأته من دبرها جاء ~~الولد أحول فأنزل الله هذه الآية وأباح للرجل أن يأتي إمرأته من جميع ~~جهاتها لكن في الفرج خاصة ومتى وطئها في الدبر وطاوعته عزرا جمعيا فإن لم ~~ينتهيا وإلا فرق بينهما كما يفرق بين الرجل الفاجر ومن يفجر به والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عما يجب على من وطىء زوجته في دبرها وهل أباحه أحد من ~~العلماء ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين الوطء في الدبر حرام في كتاب الله وسنة ~~رسوله وعلى ذلك عامة أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وغيرهم فإن الله ~~قال في كتابه @QB@ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم @QE@ وقد ثبت في ~~الصحيح إن اليهود كانوا يقولون إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من دبرها جاء ~~الولد أحول فسأل المسلمون عن ذلك النبي فأنزل الله هذه الآية @QB@ نساؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم @QE@ والحرث موضع الزرع والولد إنما يزرع في ~~الفرج لا في الدبر @QB@ فأتوا حرثكم @QE@ وهو موضع الولد @QB@ أنى شئتم ~~@QE@ أي من أين شئتم من قبلها ومن دبرها وعن يمينها وعن شمالها فالله تعالى ~~سمى النساء حرثا وإنما رخص في إتيان الحروث والحرث إنما يكون PageV32P267 ~~في الفرج وقد جاء في غير أثر أن الوطء في الدبر هو اللوطية الصغرى وقد ثبت ~~عن النبي أنه قال ( إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في حشوشهن ) ~~والحش هو الدبر وهو موضع القذر والله سبحانه حرم إتيان الحائض مع أن ~~النجاسة عارضة في فرجها فكيف بالموضع الذي تكون فيه النجاسة المغلظة وأيضا ~~فهذا من جنس اللواط ومذهب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي وأحمد وأصحابه أن ذلك ~~حرام لا نزاع بينهم وهذا هو الظاهر من مذهب مالك وأصحابه لكن حكى بعض الناس ~~عنهم رواية أخرى بخلاف ذلك ومنهم من أنكر هذه الرواية وطعن فيها وأصل ذلك ~~ما نقل عن نافع أنه نقله عن بن ms9237 عمر وقد كان سالم بن عبد الله يكذب نافعا في ~~ذلك فإما أن يكون نافع غلط أو غلط من هو فوقه فإذا غلط بعض الناس غلطه لم ~~يكن هذا مما يسوغ خلاف الكتاب والسنة كما أن طائفة غلطوا في إباحة الدرهم ~~بالدرهمين واتفق الأئمة على تحريم ذلك لما جاء في ذلك من الأحاديث الصحيحة ~~وكذلك طائفة غلطوا في أنواع من الأشربة ولما ثبت عن النبي أنه قال ( كل ~~مسكر خمر وكل خمر حرام ) وأنه سئل عن أنواع من الأنبذة فقال ( كل مسكر حرام ~~) ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) وجب اتباع هذه السنن الثابتة ولهذا نظائر ~~في الشريعة ومن وطىء إمرأته في دبرها وجب أن يعاقبا على ذلك عقوبة تزجرهما ~~فإن علم أنهما لا ينزجران فإنه يجب التفريق بينهما والله أعلم PageV32P268 ### ||| 2 باب القسم بين الزوجات ### |||| 2 وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل متزوج بامرأتين وإحداهما يحبها ويكسوها ~~ويعطيها ويجتمع بها أكثر من صاحبتها ### ||||| فأجاب # الحمد لله يجب عليه العدل بين الزوجتين باتفاق المسلمين وفي السنن ~~الأربعة عن أبي هريرة عن النبي قال ( من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما ~~دون الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل ) فعليه أن يعدل في القسم فإذا ~~بات عندها ليلة أو ليلتين أو ثلاثا بات عند الأخرى بقدر ذلك ولا يفضل ~~إحداهما في القسم لكن إن كان يحبها أكثر ويطأها أكثر فهذا لا حرج عليه فيه ~~وفيه أنزل الله تعالى @QB@ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~@QE@ أي في الحب والجماع وفي السنن الأربعة عن عائشة قالت كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقسم ويعدل فيقول ( هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما ~~تملك ولا أملك ) يعني القلب PageV32P269 وأما العدل في النفقة والكسوة فهو ~~السنة أيضا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يعدل بين أزواجه في ~~النفقة كما كان يعدل في القسمة مع تنازع الناس في القسم هل كان واجبا عليه ~~أو مستحبا له وتنازعوا في العدل في النفقة هل ms9238 هو واجب أو مستحب ووجوبه أقوى ~~وأشبه بالكتاب والسنة وهذا العدل مأمور به مادامت زوجة فإن أراد أن يطلق ~~إحداهما فله ذلك فإن اصطلح هو والتي يريد طلاقها على أن تقيم عنده بلا قسم ~~وهي راضية بذلك جاز كما قال تعالى @QB@ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو ~~إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير @QE@ وفي الصحيح ~~عن عائشة قالت أنزلت هذه الآية في المرأة تكون عند الرجل فتطول صحبتها ~~فيريد طلاقها فتقول لا تطلقني وامسكني وأنت في حل من يومي فنزلت هذه الآية ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يطلق سودة فوهبت يومها لعائشة ~~فأمسكها بلا قسمة وكذلك رافع بن خديج جرى له نحو ذلك ويقال إن الآية أنزلت ~~فيه ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له امرأتان ويفضل إحداهما على الأخرى في النفقة ~~وسائر الحقوق حتى إنه هجرها فما يجب عليه PageV32P270 ### ||||| فأجاب # يجب عليه أن يعدل بين المرأتين وليس له أن يفضل إحداهما في القسم ~~فإن النبي قال ( من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما أكثر من الأخرى جاء ~~يوم القيامة وشقه مائل ) وإن لم يعدل بينهما فإن ما أن يمسك بمعروف وإما أن ~~يسرح بإحسان والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الرجل إذا صبر على زوجته الشهر ~~والشهرين لا يطؤها فهل عليه إثم أم لا وهل يطالب الزوج بذلك ### ||||| فأجاب # يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف وهو من أوكد حقها عليه أعظم ~~من إطعامها والوطء الواجب قيل إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة وقيل بقدر ~~حاجتها وقدرته كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته وهذا أصح القولين والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمرأة تضع معها دواء عند المجامعة تمنع بذلك نفوذ المني ~~في مجاري الحبل فهل ذلك جائز حلال أم لا وهل إذا بقي ذلك الدواء معها بعد ~~الجماع ولم يخرج يجوز لها الصلاة والصوم بعد الغسل أم لا PageV32P271 ### ||||| فأجاب # أما صومها وصلاتها فصحيحة وإن كان ذلك الدواء في جوفها وأما ms9239 جواز ~~ذلك ففيه نزاع بين العلماء وألأحوط أنه لا يفعل والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عما إذا نظر الرجل إلى جميع بدن إمرأته ولمسه حتى الفرج عليه شيء أم لا ### ||||| فأجاب # لا يحرم على الرجل النظر إلى شيء من بدن إمرأته ولا لمسه لكن يكره ~~النظر إلى الفرج وقيل لا يكره وقيل لا يكره إلا عند الوطء ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمرأة مطلقة وهي ترضع وقد آجرت لبنها ثم انقضت عدتها وتزوجت فهل ~~للمستأجر أن يمنعها أن تدخل على زوجها خشية أن تحمل منه فيقل اللبن على ~~الولد ### ||||| فأجاب # أما مجرد الشك فلا يمنع الزوج ما يستحقه من الوطء لا سيما وقد ثبت ~~عن النبي أنه قال ( لقد هممت أن أنهى عن PageV32P272 ذلك ثم ذكرت إن فارس ~~والروم يفعلون ذلك فلا يضر أولادهم ) فقد أخبر أنهم يفعلون ذلك فلا يضر ~~الأولاد ولم ينه عنه وإذا كان كذلك لم يجز منع الزوج حقه إذا لم يكن فيه ~~منع الحق السابق المستحق بعقد الإجارة ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن الأب إذا ~~كان عاجزا عن أجرة الرضاع فهل له إذا امتنعت الأم عن الإرضاع إلا بأجرة أن ~~يسترضع غيرها ### ||||| فأجاب # نعم لأنه لا يجب عليه ما لا يقدر عليه ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عمن تسلط عليه ثلاثة الزوجة والقط والنمل الزوجة ترضع من ليس ولدها وتنكد ~~عليه حاله وفراشه بذلك والقط يأكل الفراريج والنمل يدب في الطعام فهل لهم ~~حرق بيوتهم بالنار أم لا وهل يجوز لهم قتل القط وهل لهم منع الزوجة من ~~إرضاعها ### ||||| فأجاب # ليس للزوجة أن ترضع غير ولدها إلا بإذن الزوج والقط إذا صال على ~~ماله فله دفعه عن الصول ولو بالقتل وله أن يرميه بمكان بعيد فإن لم يمكن ~~دفع ضرره إلا بالقتل قتل وأما النمل فيدفع ضرره بغير التحريق والله أعلم ~~PageV32P273 ### ||| 2 باب النشوز ### |||| 2 سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل له زوجة تصوم النهار وتقوم الليل ~~وكلما دعاها الرجل إلى فراشه تأبى عليه وتقدم ms9240 صلاة الليل وصيام النهار على ~~طاعة الزوج فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # لا يحل لها ذلك باتفاق المسلمين بل يجب عليها أن تطيعه إذا طلبها ~~إلى الفراش وذلك فرض واجب عليها وأما قيام الليل وصيام النهار فتطوع فكيف ~~تقدم مؤمنة للنافلة على الفريضة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة إن النبي قال ( لا يحل للمرأة ~~أن تصم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه ) ورواه أبو داود ~~وبن ماجة وغيرهما ولفظهم ( لا تصوم إمرأة وزوجها شاهد يوما من غير رمضان ~~إلا باذنه ) فإذا كان النبي قد حرم على المرأة أن تصوم تطوعا إذا كان زوجها ~~شاهدا إلا بإذنه فتمنع بالصوم بعض ما يجب له عليها PageV32P274 فكيف يكون ~~حالها إذ طلبها فامتنعت وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ( اذا ~~دعا الرجل المرأة إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح ) وفي لفظ ( إلا ~~كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى تصبح ) وقد قال الله تعالى @QB@ ~~فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله @QE@ فالمرأة الصالحة هي التي ~~تكون قانتة أي مداومة على طاعة زوجها فمتى امتنعت عن إجابته إلى الفراش ~~كانت عاصية ناشزة وكان ذلك يبيح له ضربها كما قال تعالى @QB@ واللاتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا @QE@ وليس على المرأة بعد حق الله ورسوله أوجب من حق الزوج حتى ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لو كنت آمرا لأحد أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة تسجد لزوجها لعظم حقه عليها ) وعنه أن النساء قلن له إن الرجال ~~يجاهدون ويتصدقون ويفعلون ونحن لا نفعل ذلك فقال ( حسن فعل أحدكن بعد ذلك ) ~~أي أن المرأة إذا أحسنت معاشرة بعلها كان ذلك موجبا لرضاء الله وإكرامه لها ~~من غير أن تعمل ما يختص بالرجال والله أعلم PageV32P275 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل حلف على زوجته وقال لأهجرنك إن كنت ما تصلين فامتنعت من ~~الصلاة ولم ms9241 تصل وهجر الرجل فراشها فهل لها على الزوج نفقة أم لا وماذا يجب ~~عليها إذا تركت الصلاة ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا امتنعت من الصلاة فإنها تستتاب فإن تابت وإلا قتلت ~~وهجر الرجل على ترك الصلاة من أعمال البر التي يجبها الله ورسوله ولا نفقة ~~لها إذا امتنعت من تمكينه إلا مع ترك الصلاة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن ~~له زوجة لا تصلي هل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة وإذا لم تفعل هل يجب عليه ~~أن يفارقها أم لا ### ||||| فأجاب # نعم عليه أن يأمرها بالصلاة ويجب عليه ذلك بل يجب عليه أن يأمر ~~بذلك كل من يقدر على أمره به إذا لم يقم غيره بذلك وقد قال PageV32P276 ~~تعالى @QB@ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة @QE@ ~~الآية وقال عليه الصلاة والسلام ( علموهم وأدبوهم ) وينبغي مع ذلك الأمر أن ~~يحضها على ذلك بالرغبة كما يحضها على ما يحتاج إليها فإن أصرت على ترك ~~الصلاة فعليه أن يطلقها وذلك واجب في الصحيح وتارك الصلاة مستحق للعقوبة ~~حتى يصلي باتفاق المسلمين بل إذا لم يصل قتل وهو يقتل كافرا مرتدا على ~~قولين مشهورين والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن قوله تعالى @QB@ واللاتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن @QE@ وفي قوله تعالى ~~@QB@ وإذا قيل انشزوا فانشزوا @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ والله بما تعملون ~~خبير @QE@ يبين لنا شيخنا هذا النشوز من ذاك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين النشوز في قوله تعالى @QB@ تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع @QE@ هو أن تنشز عن زوجها فتنفر عنه بحيث لا ~~تطيعه إذا دعاها للفراش أو تخرج من منزله بغير إذنه ونحو ذلك مما فيه ~~امتناع عما يجب عليها من طاعته PageV32P277 وأما النشوز في قوله تعالى @QB@ ~~وإذا قيل انشزوا فانشزوا @QE@ فهو النهوض والقيام والارتفاع وأصل هذه ~~المادة هو الإرتفاع والغلظ ومنه النشر من الأرض وهو المكان المرتفع الغليظ ~~ومنه قوله تعالى @QB@ وانظر إلى العظام كيف ننشزها @QE@ أي نرفع ms9242 بعضها إلى ~~بعض ومن قرأ ننشزها أراد نحييها فسمى المرأة العاصية ناشزا لما فيها من ~~الغلظ والارتفاع عن طاعة زوجها وسمي النهوض نشوزا لأن القاعد يرتفع من ~~الأرض والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له زوجة وهي ناشز تمنعه نفسها فهل ~~تسقط نفقتها وكسوتها وما يجب عليها ### ||||| فأجاب # الحمد لله تسقط نفقتها وكسوتها إذا لم تمكنه من نفسها وله أن ~~يضربها إذا أصرت على النشوز ولا يحل لها أن تمنع من ذلك إذا طالبها به بل ~~هي عاصية لله ورسوله وفي الصحيح ( إذا طلب الرجل المرأة إلى فراشه فابت ~~عليه كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى تصبح PageV32P278 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل له امرأة وقد نشزت عنه في بيت أبيها من مدة ~~ثمانية شهور ولم ينتفع بها ### ||||| فأجاب # إذا نشزت عنه فلا نفقة لها وله أن يضربها ~~إذا نشزت أو آذته أو أعتدت عليه ### |||| وسئل رحمه الله # عما يجب على الزوج إذا ~~منعته من نفسها إذا طلبها ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يحل لها النشوز عنه ولا تمنع ~~نفسها منه بل إذا امتنعت منه وأصرت على ذلك فله أن يضربها ضربا غير مبرح ~~ولا تستحق نفقة ولا قسما ### |||| وسئل # عمن تزوج بامرأة ودخل بها وهو مستمر في ~~النفقة وهي ناشز ثم إن والدها أخذها وسافر من غير إذن الزوج فماذا يجب ~~عليهما PageV32P279 ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا سافر بها بغير إذن الزوج فإنه يعزر ~~على ذلك وتعزر الزوجة إذا كان التخلف يمكنها ولانفقة لها من حين سافرت ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن الرجل تزوج امرأة من مدة إحدى عشرة سنة ~~واحسنت العشرة معه وفي هذا الزمان تأبى العشرة معه وتناشزه فما يجب عليها ### ||||| فأجاب # لا يحل لها أن تنشز عليه ولا تمنع نفسها فقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في ~~السماء ساخطا عليها حتى تصبح ) فإذا اصرت على النشوز فله ان يضربها وإذا ms9243 ~~كانت المرأة لا تقوم بما يجب للرجل عليها فليس عليه ان يطلقها ويعطيها ~~الصداق بل هي التي تفتدي نفسها منه فتبذل صداقها ليفارقها كما أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس بن شماس ( ان يعطي صداقها فيفارقها ~~) وإذا كان معسرا بالصداق لم تجز مطالبته بإجماع المسلمين ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج بامرأة ما ينتفع بها ولا تطاوعه في أمر وتطلب منه نفقة وكسوة ~~وقد ضيقت عليه أموره فهل تستحق عليه نفقة وكسوة PageV32P280 ### ||||| فأجاب # إذا لم تمكنه من نفسها أو خرجت من داره بغير إذنه فلا نفقة لها ولا ~~كسوة وكذلك إذا طلب منها أن تسافر معه فلم تفعل فلا نفقة لها ولا كسوة فحيث ~~كانت ناشزا عاصية له فيما يجب له عليها من طاعته لم يجب لها نفقة ولا كسوة ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن امرأة متزوجة برجل ولها أقارب كلما أرادت أن ~~تزورهم أخذت الفراش وتقعد عندهم عشرة أيام وأكثر وقد قربت ولادتها ومتى ~~ولدت عندهم لم يمكن أن تجيء إلى بيتها إلا بعد أيام ويبقى الزوج بردان فهل ~~يجوز لهم أن يخلوها تلد عندهم ### ||||| فأجاب # لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه ولا يحل لأحد أن يأخذها ~~إليه ويحبسها عن زوجها سواء كان ذلك لكونها مرضعا أو لكونها قابلة أو غير ~~ذلك من الصناعات وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ~~ورسوله ومستحقة للعقوبة PageV32P281 ### ||| 2 باب الخلع 2 ### |||| وسئل الشيخ رحمه الله تعالى # ماهو الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة ### ||||| فاجاب # الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد ~~فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها كما يفتدي الأسير وأما إذا كان كل ~~منهما مريدا لصاحبه فهذا الخلع محدث في الإسلام وقال رحمه الله إذا كانت ~~مبغضة له مختارة لفراقه فإنها تفتدي نفسها منه فترد إليه ما أخذته من ~~الصداق وتبريه مما في ذمته ويخلعها كما في الكتاب والسنة واتفق عليه الأئمة ~~والله أعلم ms9244 ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة مبغضة لزوجها طلبت الانخلاع منه وقالت ~~له إن لم تفارقني وإلا قتلت نفسي فأكرهه الولي على الفرقة وتزوجت غيره وقد ~~طلبها الأول وقال إنه فارقها مكرها وهي لا تريد إلا الثاني PageV32P282 ### ||||| فأجاب # إن كان الزوج الأول أكره على الفرقة بحق مثل أن يكون مقصرا في ~~واجباتها أو مضرا لها بغير حق من قول أو فعل كانت الفرقة صحيحة والنكاح ~~الثاني صحيحا وهي زوجة الثاني وإن كان أكره بالضرب أو الحبس وهو محسن ~~لعشرتها حتى فارقها لم تقع الفرقة بل إذا أبغضته وهو محسن إليها فإنه يطلب ~~منه الفرقة من غير أن يلزم بذلك فإن فعل وإلا أمرت المرأة بالصبر عليه إذا ~~لم يكن ما يبيح الفسخ ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل اتهم زوجته بفاحشة بحيث ~~إنه لم ير عندها ما ينكره الشرع إلا ادعى أنه أرسلها إلى عرس ثم تجسس عليها ~~فلم يجدها في العرس فانكرت ذلك ثم إنه أتى إلى أوليائها وذكر لهم الواقعة ~~فاستدعوا بها لتقابل زوجها على ما ذكر فامتنعت خوفا من الضرب فخرجت إلى بيت ~~خالها ثم إن الزوج بعد ذلك جعل ذلك مستندا في إبطال حقها وادعى أنها خرجت ~~بغير إذنه فهل يكون ذلك مبطلا لحقها والإنكار الذي أنكرته عليه يستوجب ~~إنكارا في الشرع ### ||||| فأجاب # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة @QE@ فلا يحل للرجل أن يعضل المرأة بأن يمنعها ويضيق عليها ~~PageV32P283 حتى تعطيه بعض الصداق ولا أن يضربها لأجل ذلك لكن إذا أتت ~~بفاحشة مبينة كان له أن يعضلها لتفتدي منه وله أن يضربها هذا فيما بين ~~الرجل وبين الله وأما أهل المرأة فيكشفون الحق مع من هو فيعينونه عليه فإن ~~تبين لهم أنها هي التي تعدت حدود الله وآذت الزوج في فراشه فهي ظالمة ~~متعدية فلتفتد منه وإذا قال إنه أرسلها إلى عرس ولم تذهب إلى العرس فليسأل ~~إلى ms9245 أين ذهبت فإن ذكر أنها ذهبت إلى قوم لا ريبة عندهم وصدقها أولئك القوم ~~أو قالوا لم تأت إلينا وإلى العرس لم تذهب كان هذا ريبة وبهذا يقوى قول ~~الزوج وأما الجهاز الذي جاءت به من بيت أبيها فعليه أن يرده عليها بكل حال ~~وإن اصطلحوا فالصلح خير ومتى تابت المرأة جاز لزوجها أن يمسكها ولا حرج في ~~ذلك فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا لم يتفقا على رجوعها إليه ~~فلتبرئه من الصداق وليخلعها الزوج فإن الخلع جائز بكتاب الله وسنة رسوله ~~كما قال الله تعالى @QB@ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به @QE@ والله أعلم PageV32P284 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن ثيب بالغ لم يكن وليها إلا الحاكم فزوجها الحاكم لعدم الأولياء ثم خالعها ~~الزوج وبرأته من الصداق بغير إذن الحاكم فهل تصح المخالعة والابراء ### ||||| فأجاب # إذا كانت أهلا للتبرع جاز خلعها وإبراؤها بدون إذن الحاكم ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمرأة قال لها زوجها إن ابرأتيني فأنت طالق فأبرأته ولم تكن ~~تحت الحجر ولا لها أب ولا أخ ثم إنها ادعت أنها سفيهة لتسقط بذلك الابراء ### ||||| فأجاب # لا يبطل الابراء بمجرد دعواها ولو قامت بينة بأنها سفيهة ولم تكن ~~تحت الحجر لم يبطل الابراء بذلك وإن كانت هي المتصرفة لنفسها والله أعلم ~~PageV32P285 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن إمرأة أبرأت زوجها من جميع صداقها ثم ~~بعد ذلك أشهد الزوج على نفسه أنه طلق زوجته المذكورة على البراءة وكانت ~~البراءة تقدمت على ذلك فهل يصح الطلاق وإذا وقع يقع رجعيا أم لا ### ||||| فأجاب # إن كانا قد تواطئا على أن توهبه الصداق وتبريه على أن يطلقها ~~فأبرأته ثم طلقها كان ذلك طلاقا بائنا وكذلك لو قال لها ابرئيني وأنا أطلقك ~~أو إن أبرئتني طلقتك ونحو ذلك من عبارات الخاصة والعامة التي يفهم منها أنه ~~سأل الإبراء على أن يطلقها وأما أن كانت ابرأته براءة لا تتعلق بالطلاق ثم ~~طلقها بعد ذلك فالطلاق رجعي ولكن هل ms9246 لها أن ترجع في الإبراء إذا كان يمكن ~~لكون مثل هذا الإبراء لا يصدر في العادة إلا لأن يمسكها أو خوفا من أن ~~يطلقها أو يتزوج عليها أو نحو ذلك فيه قولان هما روايتان عن أحمد وأما إذا ~~كانت قد طابت نفسها بالإبراء مطلقا وهو أن يكون ابتداء منها لا بسبب منه ~~ولا عوض فهنا لا ترجع فيه بلا ريب والله أعلم PageV32P286 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل قال لامرأته هذا بن زوجك لا يدخل لي بيتا فإنه ابني ربيته ~~فلما اشتكاه لأبيه قال للزوج إن أبرأتك امرأتك تطلقها قال نعم فأتى بها ~~فقال لها الزوج إن أبرئتيني من كتابك ومن الحجة التي لك علي فأنت طالق قالت ~~نعم وانفصلا وطلع الزوج إلى بيت جيرانه فقال هي طالق ثلاثا ونزل إلى الشهود ~~فسألوه كم طلقت قال ثلاثا على ما صدر منه فهل يقع عليه الطلاق الثلاث ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان ابراؤها على ما دل عليه سياق الكلام ليس مطلقا ~~بل بشرط أن يطلقها بانت منه ولم يقع بها بعد هذا طلاق والشرط المتقدم على ~~العقد كالشرط المقارن والشرط العرفي كاللفظي وقول هذا الذي من جهتها له إن ~~جاءت زوجتك وأبرأتك تطلقها وقوله إشتراط عليه أنه يطلقها إذا ابرأئته ~~ومجيئه بها بعد ذلك وقوله أنت إن أبرئتيني قالت نعم متنزل على ذلك وهو أنه ~~إذا أبرأته يطلقها بحيث لو قالت أبرأته وامتنع لم يصح الإبراء فإن هذا ~~إيجاب وقبول في العرف لما تقدم من الشروط ودلالة الحال والتقدير أبرأتك ~~بشرط أن تطلقني PageV32P287 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل طلق زوجته ~~طلقة رجعية فلما حضر عند الشهود قال له بعضهم قل طلقتها على درهم فقال له ~~ذلك فلما فعل قالوا له قد ملكت نفسها فلا ترجع إليك إلا برضاها فإذا وقع ~~المنع هل يسقط حقها مع غرره بذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان قد طلقها طلقة رجعية ثم إن الشاهد قد لقنه أن ~~يقول طلقها على درهم فقال ms9247 ذلك معتقدا أنه يقر بذلك الطلاق الأول لا ينشئ ~~طلاقا آخر لم يقع به غير الطلاق الأول ويكون رجعيا لا بائنا وإذا ادعى عليه ~~أنه قال ذلك القول الثاني إنشاءا لطلاق آخر ثان وقال إنما قلته إقرارا ~~بالطلاق الأول وليس ممن يعلم أن الطلاق بالعوض يبينها فالقول قوله مع يمينه ~~لا سيما وقرينة الحال تصدقه فإن العادة جارية بأنه إذا طلقها ثم حضر عند ~~الشهود فإنما حضر ليشهدوا عليه بما وقع من الطلاق PageV32P288 ### || 1 ( قاعدة في الخلع ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه الله تعالى ! 8 < # عن الخلع هل هو طلاق محسوب من الثلاث ~~وهل يشترط كونه بغير لفظ الطلاق ونيته ### ||||| فأجاب رحمه الله تعالى # هذه المسألة ~~فيها نزاع مشهور بين السلف والخلف فظاهر مذهب الإمام أحمد وأصحابه أنه فرقة ~~بائنة وفسخ للنكاح وليس من الطلاق الثلاث فلو خلعها عشر مرات كان له أن ~~يتزوجها بعقد جديد قبل أن تنكح زوجا غيره وهو أحد قولي الشافعي واختاره ~~طائفة من أصحابه ونصروه وطائفة نصروه ولم يختاروه وهذا قول جمهور فقهاء ~~الحديث كإسحاق بن راهويه وأبي ثور وداود وبن المنذر وبن خزيمة وهو ثابت عن ~~بن عباس وأصحابه كطاووس وعكرمة والقول الثاني أنه طلاق بائن محسوب من ~~الثلاث وهو قول كثير من السلف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي في قوله ~~الآخر ويقال إنه الجديد وهو الرواية الأخرى عن أحمد وينقل ذلك عن عمر ~~وعثمان وعلي وبن مسعود لكن ضعف أحمد وغيره من أئمة العلم بالحديث كابن ~~المنذر وبن خزيمة والبيهقي وغيرهم النقل عن هؤلاء ولم يصححوا إلا قول بن ~~عباس إنه فسخ وليس بطلاق وأما الشافعي وغيره فقال لا نعرف حال من روى هذا ~~عن عثمان هل هو ثقة أم ليس بثقة فما صححوا مانقل عن الصحابة بل اعترفوا ~~أنهم لا يعلمون صحته PageV32P289 وما علمت أحدا من أهل العلم بالنقل صحح ما ~~نقل عن الصحابة من أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث بل أثبت ما في هذا عندهم ~~ما نقل عن عثمان وقد ms9248 نقل عن عثمان بالإسناد الصحيح أنه أمر المختلعة أن ~~تستبرأ بحيضة وقال لا عليك عدة وهذا يوجب أنه عنده فرقة بائنة وليس بطلاق ~~إذ الطلاق بعد الدخول يوجب الإعتداد بثلاث قروء بنص القرآن واتفاق المسلمين ~~بخلاف الخلع فإنه قد ثبت بالسنة وآثار الصحابة أن العدة فيها إستبراء بحيضة ~~وهو مذهب إسحاق وبن المنذر وغيرهما وإحدى الروايتين عن أحمد وقد رد بن عباس ~~امرأة على زوجها بعد طلقتين وخلع مرة قبل أن تنكح زوجا غيره وسأله إبراهيم ~~بن سعد بن أبي وقاص لما ولاه الزبير على اليمن عن هذه المسألة وقال له إن ~~عامة طلاق أهل اليمن هو الفداء فأجابه بن عباس بأن الفداء ليس بطلاق ولكن ~~الناس غلطوا في اسمه واستدل بن عباس بأن الله تعالى قال @QB@ الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ~~إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك ~~هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ قال بن ~~عباس فقد ذكر الله تعالى الفدية بعد الطلاق مرتين ثم قال @QB@ فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ وهذا يدخل في الفدية خصوصا ~~وغيرها عموما فلو كانت الفدية طلاقا لكان الطلاق أربعا وأحمد في المشهور ~~عنه هو ومن تقدم اتبعوا بن عباس PageV32P290 واختلف هؤلاء في المختلعة هل ~~عليها عدة ثلاثة قروء أو تستبرأ بحيضة على قولين هما روايتان عن أحمد ~~أحدهما تستبرئ بحيضة وهذا قول عثمان وبن عباس وبن عمر في آخر روايتيه وهو ~~قول غير واحد من السلف ومذهب إسحاق وبن المنذر وغيرهما وروى ذلك عن النبي ~~في السنن من وجوه حسنة كما قد بينت طرقها في غير هذا الموضع وهذا مما احتج ~~به من قال إنه ليس من الطلاق الثلاث وقالوا لو كان منه لوجب فيه تربص ثلاث ms9249 ~~قروء بنص القرآن واحتجوا به على ضعف من نقل عن عثمان أنه جعلها طلقة بائنة ~~فإنه قد ثبت عنه بالإسناد المرضي أنه جعلها تستبرئ بحيضة ولو كانت مطلقة ~~لوجب عليها تربص ثلاثة قروء وإن قيل بل عثمان جعلها مطلقة تستبرئ بحيضة ~~فهذا لم يقل به أحد من العلماء فاتباع عثمان في الرواية الثابتة عنه التي ~~يوافقه عليها بن عباس ويدل عليها الكتاب والسنة أولى من رواية راويها مجهول ~~وهي رواية جمهان الأسلمي عنه أنه جعلها طلقة بائنة وأجود ما عند من جعلها ~~طلقة بائنة من النقل عن الصحابة هو هذا النقل عن عثمان وهو مع ضعفه قد ثبت ~~عنه بالإسناد الصحيح ما يناقضه فلا يمكن الجمع بينهما لما في ذلك من خلاف ~~النص والإجماع PageV32P291 وأما النقل عن علي وبن مسعود فضعيف جدا والنقل ~~عن عمر مجمل لا دلالة فيه وأما النقل عن بن عباس أنه فرقة وليس بطلاق فمن ~~أصح النقل الثابت باتفاق أهل العلم بالآثار وهذا مما اعتضد به القائلون ~~بأنه فسخ كأحمد وغيره والذين اتبعوا ما نقل عن الصحابة من أنه طلقة بائنة ~~من الفقهاء ظنوا تلك نقولا صحيحة ولم يكن عندهم من نقد الآثار والتميز بين ~~صحيحها وضعيفها ما عند أحمد وأمثاله من أهل المعرفة بذلك فصار هؤلاء يرون ~~أن الذين خالفوا بن عباس وأمثاله من الصحابة أجل منه وأكثر عددا ولم يعلموا ~~أنه لم يثبت خلافه عن أحد من الصحابة مع أن النبي قال ( اللهم فقه في الدين ~~وعلمه التأويل ) وكان ما استنبطه في هذه المسألة من القرآن واستدل به من ~~السنة عن كمال فقهه في الدين وعلمه بالتأويل وهو أكثر الصحابة فتيا قيل ~~للإمام أحمد أي الصحابة أكثر فتيا قال بن عباس وهو أعلم وأفقه طبقة في ~~الصحابة وكان عمر بن الخطاب يدخله مع أكابر الصحابة كعثمان وعلي وبن مسعود ~~ونحوهم في الشورى ولم يكن عمر يفعل هذه بغيره من طبقته وقال بن مسعود لو ~~أدرك بن عباس إسناننا لما عشره منا أحد أي ما ms9250 بلغ عشرة والناقلون لهذه ~~المسألة عنه أجل أصحابه وأعلمهم بأقواله مثل طاووس وعكرمة فإن هذين كانا ~~يدخلان عليه مع الخاصة بخلاف عطاء وعمرو بن دينار ونحوهما فقد كانوا يدخلون ~~عليه مع العامة ومعلوم أن خواص العالم PageV32P292 عندهم من علمه ماليس عند ~~غيرهم كما عند خواص الصحابة مثل الخلفاء الراشدين الأربعة وبن مسعود وعائشة ~~وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم من العلم ما ليس عند من ليس له مثلهم من ~~الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود بهذا أن كثيرا من الناس يظن ~~أن بن عباس خالفه في هذه المسألة كثير من الصحابة أو أكثرهم ولا يعلمون أنه ~~لم يثبت عن الصحابة إلا ما يوافق قوله لا ما يناقضه وإن قدر أن بعضهم خالفه ~~فالمرجع فيما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة قال هؤلاء والطلاق الذي جعله ~~الله ثلاثا هو الطلاق الرجعي وكل طلاق في القرآن في المدخول بها هو الطلاق ~~الرجعي غير الطلقة الثالثة ولذلك قال أحمد في أحد قوليه تدبرت القرآن فإذا ~~كل طلاق فيه فهو الرجعي قال هؤلاء فمن قسم الطلاق المحسوب من الثلاث إلى ~~رجعي وبائن فقد خالف الكتاب والسنة بل كل ما فيه بينونة فليس من الطلاق ~~الثلاث فإذا سمي طلاقا بائنا ولم يجعل من الثلاث فهذا معنى صحيح لا تنازع ~~فيه قالوا ولو كان الخلع طلاقا لما جاز في الحيض فإن الله حرم طلاق الحائض ~~وقد سلم لنا المنازعون أو أكثرهم أنه يجوز في الحيض ولأن الحاجة داعية إليه ~~في الحيض قالوا والله تعالى إنما حرم المرأة بعد الطلقة الثالثة عقوبة ~~للرجل لئلا يطلق لغير حاجة فإن الأصل في الطلاق الحظر وإنما أبيح منه قدر ~~الحاجة والحاجة تندفع بثلاث مرات ولهذا أبيحت الهجرة ثلاثا والإحداد لغير ~~موت الزوج ثلاثا ومقام المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا والأصل في الهجرة ~~ومقام المهاجر بمكة التحريم PageV32P293 ثم اختلف هؤلاء هل من شرط كونه ~~فسخا أن يكون بغير لفظ الطلاق ونيته على ثلاثة أقوال أحدها أنه لابد أن ~~يكون ms9251 بغير لفظ الطلاق ونيته فمن خالع بلفظ الطلاق أو نواه فهو من الطلاق ~~الثلاث وهذا قول أكثر المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ثم قد يقول هؤلاء ~~إذا عري عن صريح الطلاق ونيته فهو فسخ وقد يقولون إنه لا يكون فسخا إلا إذا ~~كان بلفظ الخلع والفسخ والمفاداة دون سائر الألفاظ كلفظ الفراق والسراح ~~والإبانة وغير ذلك من الألفاظ التي لا يفارق الرجل امرأته إلا بها مع أن بن ~~عباس لم يسمه إلا فدية وفراقا وخلعا وقال الخلع فراق وليس بطلاق ولم يسمه ~~بن عباس فسخا ولا جاء في الكتاب والسنة تسميته فسخا فكيف يكون لفظ الفسخ ~~صريحا فيه دون لفظ الفراق وكذلك أحمد بن حنبل أكثر ما يسميه فرقة ليست ~~بطلاق وقد يسميه فسخا أحيانا لظهور هذا الإسم في عرف المتأخرين والثاني أنه ~~إذا كان بغير لفظ الطلاق كلفظ الخلع والمفاداة والفسخ فهو فسخ سواء نوى به ~~الطلاق أو لم ينو وهذا الوجه ذكره غير واحد من أصحاب الشافعي وأحمد وعلى ~~هذا القول فهل هو فسخ إذا عري عن صريح الطلاق بأي لفظ وقع من الألفاظ ~~والكنايات أو هو مختص بلفظ الخلع والفسخ والمفاداة على وجهين كالوجهين على ~~القول الأول PageV32P294 وهذا القول أشبه بأصولهما من الذي قبله فإن اللفظ ~~إذا كان صريحا في باب ووجد معادا فيه لم يكن كناية في غيره ولهذا لو نوى ~~بلفظ الظهار الطلاق لم يقع عند عامة العلماء وعلى هذا دل الكتاب والسنة ~~وكذلك عند أحمد لو نوى بلفظ الحرام الطلاق لم يقع لأنه صريح في الظهار ~~لاسيما على أصل أحمد وألفاظ الخلع والفسخ والفدية مع العوض صريحة في الخلع ~~فلا تكون كناية في الطلاق فلا يقع بها الطلاق بحال ولأن لفظ الخلع ~~والمفاداة والفسخ والعوض إما أن تكون صريحة في الخلع وصريحة في الطلاق أو ~~كناية فيهما فإن قيل بالأول وهو الصحيح لم يقع بها الطلاق وان نواه وان قيل ~~بالثاني لزم أن يكون لفظ الخلع والفسخ والمفاداة من صريح الطلاق فيقع بها ~~الطلاق ms9252 كما يقع بلفظ الطلاق عند التجرد وهذا لم يقله أحد ولم يعدها أحد من ~~الصرائح فإن قيل هي مع العوض صريحة في الطلاق قيل هذا باطل على أصل الشافعي ~~فإن ماليس بصريح عنده لايصير صريحا بدخول العوض ولهذا قال الشافعي ومن ~~وافقه من أصحاب أحمد إن النكاح لاينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج لأن ~~ماسوى ذلك كناية والكناية تفتقر إلى النية والنية لايمكن الاباشهاد عليها ~~والنكاح لابد فيه من الشهادة فإذا قال ملكتكها بألف وأعطيتكها بألف ونحو ~~ذلك أو وهبتكها لم يجعل دخول العوض قرينة في كونه نكاحا لاحتمال تمليك ~~الرقبة كذلك لفظ المفاداة يحتمل المفاداة من الأسر ولفظ الفسخ ان كان طلاقا ~~مع PageV32P295 العوض فهو طلاق بدون العوض ولم يقل أحد من أصحاب الشافعي ~~إنه صريح في الطلاق بدون العوض بل غايته أن يكون كناية وهذا القول مع كونه ~~أقرب من الأول فهو أيضا ضعيف القول الثالث أنه فسخ بأي لفظ وقع وليس من ~~الطلاق الثلاث وأصحاب هذا القول لم يشترطوا لفظا معينا ولا عدم نية الطلاق ~~وهذا هو المنقول عن بن عباس وأصحابه وهو المنقول عن أحمد بن حنبل وقدماء ~~أصحابه في الخلوع بين لفظ ولفظ لا لفظ الطلاق ولاغيره بل الفاظهم صريحة في ~~أنه فسخ بأي لفظ كان أصرح من لفظ الطلاق في معناه الخالص وأما الشافعي فلم ~~يقل عن أحد من السلف أنه فرق بين لفظ الطلاق وغيره بل لما ذكر قول بن عباس ~~وغيره وأصحابه ذكر عن عكرمة أنه قال كلما آجاز المال فليس بطلاق قال واحسب ~~من لم يجعله طلاقا إنما يقول ذلك إذا لم يكن بلفظ الطلاق ومن هنا ذكر محمد ~~بن نصر والطحاوي ونحوهما أنهم لايعلمون نزاعا في الخلع بلفظ الطلاق ومعلوم ~~أن مثل هذا الظن لاينقل به مذاهب السلف ويعدل به عن الفاظهم وعلمهم وأدلتهم ~~البينة في التسوية بين جميع الألفاظ وأما أحمد فكلامه بين في أنه لايعتبر ~~لفظا ولايفرق بين لفظ ولفظ وهو متبع لابن عباس في هذا PageV32P296 القول ~~وبه اقتدى ms9253 وكان أحمد يقول إياك أن تكلم في مسألة ليس لك فيها إمام وإمامه ~~في هذه المسألة هو بن عباس ونقله أحمد وغيره عن بن عباس وأصحابه فتبين أن ~~الإعتبار عندهم ببذل المرأة العوض وطلبها الفرقه وقد كتبت ألفا ظهم في هذا ~~الباب في الكلام المبسوط وأيضا فقد روي البخاري في صحيحه عن بن عباس ان ~~النبي قال لثابت بن قيس بن شماس وهو أول من خالع في عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما جاءت امرأته إلى النبي وقالت له لاأنقم عليه خلقا ولادينا ~~ولكن أكره الكفر بعد في الإسلام فذكرت أنها تبغضه فقال لها النبي أتردين ~~عليه الحديقة فقالت نعم قال أقبل الحديقة وطلقها تطليقة وبن عباس الذي يروى ~~هذا اللفظ عن النبي وروى أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرها بحيضة ~~استبراء وقال لاعدة عليك وأفتى بان طلاق أهل اليمن الذي يسمونه الفداء ليس ~~من الطلاق الثلاث مع أن إبراهيم بن سعد قال له عامة طلاق أهل اليمن الفداء ~~فقال له ليس الفداء بطلاق وإنما هو فراق ولكن الناس غلطوا في اسمه فأخبره ~~السائل أن طلاقهم هو الفداء وهذا ظاهر في أن ذلك يكون بلفظ الطلاق وأدنى ~~أحواله أن يعم لفظ الطلاق وغيره وبن عباس أطلق الجواب PageV32P297 وعمم ولم ~~يستثن الفداء بلفظ الطلاق ولاعين له لفظا مع علمه بأن وقوع ذلك بلفظ الطلاق ~~أكثر منه بغيره بل العامة لاتعرف لفظ الفسخ والخلع ونحو ذلك إن لم يعلمها ~~ذلك معلم ولا يفرقون بين لفظ ولفظ بل كثير منهم إذا قيل له خالع امرأتك ~~طلقها بلا عوض وقال قد خلعتها فلا يعرفون الفرق بين لفظ ولفظ ان لم يذكر ~~لهم الغرض في أحد اللفظين وأهل اليمن إلى اليوم تقول المرأة لزوجها طلقني ~~فيقول لها ابذلي لي فتبذل له الصداق أو غيره فيطلقها فهذا عامة طلاقهم وقد ~~أفتاهم بن عباس بأن هذا فدية وفراق وليس بطلاق ورد امرأة على زوجها بعد ~~طلقتين وفداء مرة فهذا نقل بن عباس وفتياه ms9254 واستدلاله بالقرآن بما يوافق هذا ~~القول وهذا كما أنه مقتضى نصوص أحمد وأصوله فهو مقتضى أصول الشرع ونصوص ~~الشارع فإن الإعتبار في العقود بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها فإذا كان ~~المقصود باللفظين واحدا لم يجز اختلاف حكمهما ولو كان المعنى الواحد إن شاء ~~العبد جعله طلاقا وإن شاء لم يجعله طلاقا كان تلاعبا وهذا باطل وقد أوردوا ~~على هذا ان المعتقة تحته إذا خيرها زوجها فإن لها أن تطلق نفسها ولها أن ~~تفسخ النكاح لأجل عتقها قالوا فهي مخيرة بين الأمرين وكذلك الزوج مع العوض ~~يملك ايقاع فسخ ويملك إيقاع طلاق وهذا القياس ضعيف فإن هذه إذا طلقت نفسها ~~إنما يقع الطلاق رجعيا فتكون مخيرة بين PageV32P298 إيقاع فرقة بائنة وبين ~~إيقاع طلاق رجعي وهذا مستقيم كما يخير الزوج بين أن يخلعها مفارقة فرقة ~~بائنة وبين أن يطلقها بلا عوض طلاقا رجعيا وإنما المخالف للأصول أن يملك ~~فرقة بائنة إن شاء جعلها فسخا وإن شاء جعلها طلاقا والمقصود في الموضعين ~~واحد وهو الفرقة البائنة والأمر إليه في جعلها طلاقا أو غير طلاق فهذا هو ~~المنكر الذي يقتضي أن يكون العبد أن شاء جعل العقد الواحد طلاقا وإن شاء ~~جعله غير طلاق مع أن المقصود في الموضعين واحد وأيضا فالذي يرجع إلى العبد ~~هو قصد الأفعال وغايتها وأما الأحكام فإلى الشارع فالشارع يفرق بين حكم هذا ~~الفعل وحكم هذا الفعل لإختلاف المقصود بالفعلين فإذا كان مقصود الرجل بها ~~واحدا لم يكن مخيرا في إثبات الحكم ونفيه ومعلوم أن مقصود الفرقة واحد لا ~~يختلف وأيضا فمعنى الافتداء ثابت فيما إذا سألته أن يفارقها بعوض والله علق ~~حكم الخلع بمسمى الفدية فحيث وجد هذا المعنى فهو الخلع المذكور في كتاب ~~الله تعالى وأيضا فإن الله جعل الرجعة من لوازم الطلاق في القرآن فلم يذكر ~~الله تعالى طلاق المدخول بها إلا وأثبت فيه الرجعة فلو كان الافتداء طلاقا ~~PageV32P299 لثبت فيه الرجعة وهذا يزيل معنى الافتداء اذ هو خلاف الإجماع ~~فإنا نعلم من قال إن الخلع المطلق ms9255 يملك فيه العوض ويستحق فيه الرجعة لكن ~~قال طائفة هو غير لازم فإن شاء رد العوض وراجعها وتنازع العلماء فيما إذا ~~شرط الرجعة في العوض هل يصح على قولين هما روايتان عن مالك وبطلان الجمع ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي وهو قول متأخري أصحاب أحمد ثم من هؤلاء من يوجب ~~العوض ويرد الرجعة ومنهم من يثبت الرجعة ويبطل العوض وهما وجهان في مذهب ~~أحمد والشافعي وليس عن أحمد في ذلك نص وقياس مذهب أحمد صحته بهذا الشرط كما ~~لو بذلت ما لا على أن تملك أمرها فإنه نص على جواز ذلك ولأن الأصل عنده ~~جواز الشرط في العقود إلا أن يقوم على فسادها دليل شرعي وليس الشرط الفاسد ~~عنده ما يخالف مقتضى العقد عند الإطلاق بل ما خالف مقصود الشارع وناقض حكمه ~~كاشتراط الولاء لغير المعتق واشتراط البائع للوطء مع أن الملك للمشتري ونحو ~~ذلك وأيضا فالفرق بين لفظ ولفظ في الخلع قول محدث لم يعرف عن أحد من السلف ~~لا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم والشافعي رضي الله عنه لم ينقله عن ~~أحد بل ذكر أنه يحسب أن الصحابة يفرقون ومعلوم أن هذا ليس نقلا لقول أحد من ~~السلف والشافعي ذكر هذا في أحكام القرآن ورجح فيه أن الخلع طلاق وليس بفسخ ~~فلم يجز هذا القول لما ظنه من تناقض أصحابه وهو أنهم يجعلونه بلفظ طلاقا ~~بائنا من الثلاث PageV32P300 وبلفظ ليس من الثلاث فلما ظنه من تناقضه عدل ~~عن ترجيحه ولكن هذا التناقض لم ينقله لا هو ولا أحد غيره عن أحد من السلف ~~القائلين به ولا من اتبعه كأحمد بن حنبل وقدماء أصحابه وإنما قاله بعض ~~المتأخرين من أصحاب أحمد لما وجدوا غيرهم قد ذكروا الفرق فيه بين لفظ ~~الطلاق وغيره وذكر بعضهم كمحمد بن نصر والطحاوي أنهم لا يعلمون في ذلك ~~نزاعا وإنما قاله بعض المتأخرين من أصحاب أحمد والمنقول عن السلف قاطبة إما ~~جعل الخلع فرقة بائنة وليس بطلاق وإما جعله طلاقا وما رأيت في كلام أحد ms9256 ~~منهم أنه فرق بين لفظ ولفظ ولا اعتبر فيه عدم نية الطلاق بل قد يقولون كما ~~يقول عكرمة كلما أجازه المال فليس بطلاق ونحو ذلك من العبارات مما يبين ~~أنهم اعتبروا مقصود العقد لا لفظا معينا والتفريق بين لفظ ولفظ مخالف ~~للأصول والنصوص وببطلان هذا الفرق يستدل من يجعل الجميع طلاقا فيبطل القول ~~الذي دل عليه الكتاب والسنة وهذا الفرق إذا قيل به كان من أعظم الحجج على ~~فساد قول من جعله فسخا ولهذا عدل الشافعي رضي الله عنه عن ترجيح هذا القول ~~لما ظهر له أن أهله يفرقون وأيضا ففي السنن أن فيروز الديلمي أسلم وتحته ~~أختان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( طلق أيتهما شئت ) قال فعمدت إلى ~~أسبقهما صحبة ففارقتها وهو حديث حسن فقد أمره النبي أن يطلق إحداهما وهذه ~~الفرقة عند الشافعي وأحمد فرقة بائنة وليست PageV32P301 من الطلاق الثلاث ~~فدل ذلك على أن لفظ الطلاق قد تناول ما هو فسخ ليس من الثلاث ويدل على أن ~~الذي أسلم وتحته أكثر من أربع إذا قال قد طلقت هذه كان ذلك فرقة لها ~~واختيارا للأخرى خلاف ما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد أنه إذا ~~قال لإحداهما طلقها كان ذلك اختيارا لها قالوا لأن الطلاق لا يكون إلا ~~لزوجة فإن هذا القول مخالف للسنة والعقول فإن المطلق للمرأة زاهد فيها راغب ~~عنها فكيف يكون مختارا لها مريدا لبقائها وإنما أوقعهم في مثل هذا ظنهم إن ~~لفظ الطلاق لا يستعمل إلا فيما هو من الطلاق الثلاث وهذا ظن فاسد مخالف ~~للشرع واللغة وإجماع العلماء وأيضا فإن الطلاق لم يجعل الشارع له لفظا ~~معينا بل إذا وقع الطلاق بأي لفظ يحتمله وقع عند الصحابة والسلف وعامة ~~العلماء لم ينازع في ذلك إلا بعض متأخري الشيعة والظاهرية ولا يعرف في ذلك ~~خلاف عن السلف فإذا قال فارقتك أو سرحتك أو سيبتك ونوى به الطلاق وقع وكذلك ~~سائر الكنايات فإذا أتى بهذه الكنايات مع العوض مثل أن تقول له سرحني ms9257 أو ~~سيبني بألف أو فارقني بألف أو خلني بألف فأي فرق بين هذا وبين أن تقول ~~فأدنى بألف أو اخلعني بألف أو افسخ نكاحي بألف وكذلك سائر الفاظ الكنايات ~~مع أن لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق ~~رجعيا فهما من الفاظ الكناية في الطلاق فأي فرق في ألفاظ الكنايات بين لفظ ~~ولفظ PageV32P302 وقد اختلف العلماء في صحة الخلع بغير عوض على قولين هما ~~روايتان عن أحمد أحدهما كقول أبي حنيفة والشافعي وهي إختيار أكثر أصحابه ~~والثانية يصح كالمشهور في مذهب مالك وهي اختيار الخرقي وعلى هذا القول فلا ~~بد أن ينوي بلفظ الخلع الطلاق ويقع به طلاق بائن لا يكون فسخا على ~~الروايتين نص على ذلك أحمد رحمه الله فإنه لو أجاز أن يكون فسخا بلا عوض ~~لكان الرجل يملك فسخ النكاح ابتداءا ولا يحسب ذلك عليه من الثلاث وهذا لا ~~يقوله أحد فإنه لو جاز ذلك لكان هذا يستلزم جعل الطلاق بغير عدد كما كانوا ~~في الجاهلية وفي أول الإسلام لم يكن للطلاق عدد فلو كان لفظ الفسخ أو غيره ~~يقع ولا يحسب من الثلاث لكان ذلك يستعمل بدل لفظ الطلاق ومعناه معنى الطلاق ~~بلا عدد وهذا باطل وإن قيل هو طلاق بائن قيل هذا أشد بطلانا فإنه إن قيل ~~إنه لا يملك إلا الطلاق الرجعي ولا يملك طلاقا بائنا بطل هذا وإن قيل إنه ~~يملك إيقاع طلاق بائن فلو جوز له أن يوقعه بلفظ الفسخ ولا يكون من الثلاث ~~لزم المحذور وهو أن يطلق المرأة كلما شاء ولا يحسب عليه من الثلاث ولهذا لم ~~يتنازع العلماء أن لفظ الخلع بلا عوض ولا سوال لا يكون فسخا وإنما النزاع ~~فيما إذا طلبت المرأة أن يطلقها طلقة بائنة بلا عوض هل تملك ذلك على قولين ~~PageV32P303 فإن العلماء تنازعوا على ثلاثة أقوال في الطلاق البائن فقيل إن ~~شاء الزوج طلق طلاقا بائنا وإن شاء طلق طلاقا رجعيا بناء على أن الرجعة حق ~~له وإن شاء ms9258 أثبتها وإن شاء نفاها وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد وأظنه ~~رواية عن مالك وقيل لايملك الطلاق البائن ابتداء بل إذا طلبت منه الإبانة ~~ملك ذلك وهذا معروف عن مالك ورواية عن أحمد اختارها الخرقي وقيل لا يملك ~~إبانتها بلا عوض بل سواء طلبت ذلك أو لم تطلبه ولا يملك إبانتها إلا بعوض ~~وهذا مذهب أكثر فقهاء الحديث وهو مذهب الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وعليه ~~جمهور أصحابه وهو قول إسحاق وأبي ثور وبن المنذر وبن خزيمة وداود وغيرهم ~~وعليه أكثر النقول الثابتة عن اكثر الصحابة وعلى هذا القول يدل الكتاب ~~والسنة فإن الله لم يجعل الطلاق إلا رجعيا وليس في كتاب الله طلاق بائن من ~~الثلاث إلا بعوض لا بغير عوض بل كل فرقة تكون بائنة فليست من الثلاث وأيضا ~~فإن الخلع والطلاق يصح بغير اللفظ العربي باتفاق الأئمة ومعلوم أنه ليس في ~~لغة العجم لفظ يفرق مع العوض بين ما هو خلع وما هو طلاق ليس بخلع وإنما ~~يفرق بينهما ما يختص بالخلع من دخول العوض فيه وطلب المرأة الفرقة فلفظ ~~الطلاق يضاف إلى غير المرأة كقولهم طلقت الدنيا وطلقت ودك وإذا أضيف إلى ~~المرأة فقد يراد به الطلاق من غير الزوج كما تقول أنت طالق من وثاق أو طالق ~~من الهموم والأحزان PageV32P304 ولو وصل لفظ الطلاق بذلك لم يقع به بلا ريب ~~وإن نواه ولم يصله بلفظ دين وفي قبوله في الحكم نزاع فإذا وصل لفظ الطلاق ~~بقوله أنت طالق بألف فقالت قبلت أو قالت طلقني بألف فقال طلقتك كان هذا ~~طلاقا مقيدا بالعوض ولم يكن هو الطلاق المطلق في كتاب الله فإن ذلك جعله ~~الله رجعيا وجعل فيه تربص ثلاثة قروء وجعله ثلاثا فأثبت له ثلاثة أحكام ~~وهذا ليس برجعي بدلالة النص والإجماع ولا تتربص فيه المرأة ثلاثة قروء ~~بالسنة فلذلك يجب أن لا يجعل من الثلاث وذلك لأن هذا لا يدخل في مسمى ~~الطلاق عند الاطلاق وإنما يعبر عنه بلفظ الطلاق مع قيد كما ms9259 يسمى الحلف ~~بالنذر نذر اللجاج والغضب فيسمى نذرا مقيدا لأن لفظه لفظ النذر وهو في ~~الحقيقة من الإيمان لا من النذور عند الصحابة وجمهور السلف والشافعي وأحمد ~~وغيرهما وكذلك لفظ الماء عند الاطلاق لا يتناول المني وإن كان يسمى ماء مع ~~التقييد كقوله تعالى @QB@ خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب @QE@ ~~وكذلك لفظ الخف لا يتناول عند الاطلاق المقطوع وإن كان يقال خف مقطوع فلا ~~يدخل المقطوع في لفظ المسح على الخفين PageV32P305 ولا فيما نهى عنه المحرم ~~من لبس الخف على الاصح من أقوال العلماء فلهذا أمر النبي المحرم أولا بقطع ~~الخفين لأن المقطوع ليس بخف ثم رخص في عرفات في لبس السراويل ولبس الخفاف ~~ولم يشترط فتق السراويل ولا قطع الخفاف والسراويل المفتوق والخف المقطوع لا ~~يدخل في مسمى الخف والسراويل عند الإطلاق وكذلك لفظ البيع المطلق لا يتناول ~~بيع الخمر والميتة والخنزير وإن كان يسمى بيعا مع التقييد وكذلك الإيمان ~~عند الإطلاق إنما يتناول الإيمان بالله ورسوله وأما مع التقييد فقد قال ~~الله تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت @QE@ لا يدخل في مطلق الايمان وكذلك لفظ البشارة عند الإطلاق إنما ~~تناول الإخبار بما يسر وأما مع التقييد فقد قال تعالى @QB@ فبشرهم بعذاب ~~أليم @QE@ وأمثال ذلك كثيرة فالطلاق المطلق في كتاب الله يتناول الطلاق ~~الذي يوقعه الزوج بغير عوض فتثبت له فيه الرجعة وما كان بعوض فلا رجعة له ~~فيه وليس من الطلاق المطلق وإنما هو فداء تفتدي به المرأة نفسها من زوجها ~~PageV32P306 كما تفتدي الأسيرة نفسها من أسرها وهذا الفداء ليس من الطلاق ~~الثلاث سواء وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء والسراح أو الفراق أو ~~الطلاق أو الإبانة أو غير ذلك من الألفاظ ولهذا جاز عند الأئمة الأربعة ~~والجمهور من الأجنبي فيجوز للأجنبي أن يختلعها كما يجوز أن يفتدي الأسيرة ~~كما يجوز أن يبذل الأجنبي لسيد العبد عوضا ليعتقه ولهذا ينبغي أن يكون ذلك ~~مشروطا بما إذا كان قصده ms9260 تخليصها من رق الزوج لمصلحتها في ذلك كما يفتدي ~~الأسير وفي مذهب الشافعي وأحمد وجه أنه إذا قيل إنه فسخ لم يصح من الأجنبي ~~قالوا لأنه حينئذ يكون إقالة والإقالة لا تصح مع الأجنبي وهذا الذي ذكره ~~أبو المعالي وغيره من أهل الطريقة الخراسانية والصحيح في المذهبين أنه على ~~القول بأنه فسخ هو فسح وإن كان من الأجنبي كما صرح بذلك من صرح به من فقهاء ~~المذهبين وإن كان صاحب شرح الوجيز لم يذكر ذلك فقد ذكره أئمة العراقيين ~~كأبي إسحاق الشيرازي في خلافه وغيره وهذا لأنهم جعلوه كافتداء الأسير ~~وكالبذل لاعتاق العبد لا كالإقالة فإن المقصود به رفع ملك الزوج عن رق ~~المرأة لتعود خالصة من رقه ليس المقصود منه نقل ملك إليها فهو شبيه بإعتاق ~~العبد وفك الأسير لا بالإقالة في البيع فلهذا يجوز بإتفاق الأئمة بدون ~~الصداق المسمى وجوزه الأكثرون بأكثر من الصدقات ويجوز أيضا بغير جنس الصداق ~~وليست الإقالة كذلك بل PageV32P307 الإقالة المقصود بها تراد العوض وإذا ~~كرهنا أو حرمنا أخذ زيادة على صداقها فهذا لأن العوض المطلق في خروجها من ~~ملك الزوج هو المسمى في النكاح فإن البضع لا يباع ولا يوهب ولا يورث كما ~~يباع المال ويوهب ويورث وكما تؤجر المنافع وتعار وتورث والتجارة والإجارة ~~جائزة في الأموال بالنص والإجماع وأما التجارة المجردة في المنافع مثل أن ~~يستأجر دارا ويؤجرها بأكثر من الأجرة من غير عمل يحدثه ففيه قولان للعلماء ~~هما روايتان عن أحمد أشهرهما عنه يجوز وهو قول أكثر العلماء كمالك والشافعي ~~والثاني لا يجوز كقول أبي حنيفة قالوا لأنه يدخل في ربح ما لم يضمن والأول ~~أصح لأن هذه المنافع مضمونة على المستأجر بمعنى أنه إذا سلم إليه العين ~~المؤجرة ولم ينتفع بالعين تلفت على ملكه بخلاف ما إذا تلفت العين المؤجرة ~~فإن هذا بمنزلة تلف الثمر قبل صلاحه والمقصود هنا أن المنافع التي تورث قد ~~تنوزع في جواز التجارة فيها فكيف بالابضاع التي لا توهب ولا تورث بالنص ~~والإجماع وإنما كان ms9261 أهل الجاهلية يرثون الابضاع فأبطل الله ذلك فلو أراد ~~الزوج أن يفارق المرأة ويزوجها بغيره ليأخذ صداقها لم يملك ذلك ولو وطئت ~~بشبهة لكان المهر لها دونه فلهذا نهي عن الزيادة وإذا شبه الخلع بالإقالة ~~فالإقالة في كل عقد بحسبه وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ~~PageV32P308 وهذا القول الذي ذكرناه من أن الخلع فسخ تبين به المرأة بأي ~~لفظ كان هو الصحيح الذي عليه تدل النصوص والأصول وعلى هذا فأذا فارق المرأة ~~بالعوض عدة مرات كان له أن يتزوجها سواء كان بلفظ الطلاق أو غيره وإذا قيل ~~الطلاق صريح في إحدى الثلاث فلا يكون كناية في الخلع قيل إنما الصريح اللفظ ~~المطلق فأما المقيد بقيد يخرجه عن ذلك فهو صريح في حكم المقيد كما إذا قال ~~أنت طالق من وثاق أو من الهموم والأحزان فإن هذا صريح في ذلك لا في الطلاق ~~من النكاح وإذا قال أنت طالق بألف فقالت قبلت فهو مقيد بالعوض وهو صريح في ~~الخلع لا يحتمل أن يكون من الثلاث البتة فإذا نوى أن يكون من الثلاث فقد ~~نوى باللفظ ما لا يحتمله كما لو نوى بالخلع أن تحرم عليه حتى تنكح زوجا ~~غيره فنيته هذا الحكم باطل كذلك نيته أن يكون من الثلاث باطل وكذلك لو نوى ~~بالظهار الطلاق أو نوى بالإيلاء الطلاق مؤجلا مع أن أهل الجاهلية كانوا ~~يعدون الظهار طلاقا والأيلاء طلاقا فأبطل الله ورسوله ذلك وحكم في الإيلاء ~~بأن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان مع تربص أربعة أشهر وحكم في الظهار بأنه ~~إذا عاد كما قال كفر قبل المماسة ولايقع به طلاق ولهذا كان من جعل الإيلاء ~~طلاقا مؤجلا أو جعل التحريم الذي في معنى الظهار طلاقا قوله مرجوح فيه شبه ~~لما كانوا عليه أولا بخلاف من PageV32P309 فرق بين حقيقة الظهار وحقيقة ~~الإيلاء وحقيقة الطلاق فإن هذا علم حدود ما أنزل الله على رسوله فلم يدخل ~~في الحدود ما ليس منه ولم يخرج منه ما هو فيه وكذلك الافتداء له حقيقة ms9262 ~~يباين بها معنى الطلاق الثلاث فلا يجوز أن يدخل حقيقة الطلاق في حقيقة ~~الافتداء ولا حقيقة الافتداء في حقيقة الطلاق وإن عبر عن أحدهما بلفظ الآخر ~~أو نوى بأحدهما حكم الآخر فهو كما إذا نوى بالطلقة الواحده أو الخلع أن ~~تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره فنية هذا الحكم باطل وكذلك نيته أن تكون من ~~الثلاث باطل فإن الله لم يحرمها حتى تنكح زوجا غيره إلا بعد الطلقة الثالثة ~~فمن نوى هذا الحكم بغير هذا الطلاق فقد قصد ما يناقض حكم الله ورسوله كذلك ~~من نوى بالفرقة البائنة أن الفرقة نقص بعض من الثلاث فقد قصد ما يناقض حكم ~~الله ورسوله وليس له ذلك وإذا كان قصد هذا أو هذا الجهلة بحكم الله ورسوله ~~كان كما لو قصد بسائر العقود ما يخالف حكم الله ورسوله فيكون جاهلا بالسنة ~~فيرد إلى السنة كما قال عمر بن الخطاب ردوا الجهالات إلى السنة وكما قال ~~طائفة من السلف فيمن طلق ثلاثا بكلمة هو جاهل بالسنة فيرد إلى السنة وقول ~~النبي للمخالع وطلقها تطليقة إذن له في الطلقة الواحدة بعوض ونهي له عن ~~الزيادة كما قد بين دلالة الكتاب والسنة على أن الطلاق السنة أن يطلق طلقة ~~واحدة ثم يراجعها أو يدعها حتى تنقضي عدتها وأنه متى طلقها PageV32P310 ~~ثنتين أو ثلاثا قبل رجعة أو عقد جديد فهو طلاق بدعة محرم عند جمهور السلف ~~والخلف كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد في آخر قوليه واختيار ~~أكثر أصحابه وهل يقع الطلاق المحرم فيه نزاع بين السلف والخلف كما قد بسط ~~في موضعه وذكر ما ثبت في الصحيح عن بن عباس أنه قال كان الطلاق الثلاث على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة وزمان أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ~~فلما تتابع الناس على ذلك قال عمر إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم ~~فيه أناة فلو نفذناه عليهم فأنفذه عليهم وقد تكلمنا على هذا الحديث وعلى ~~كلام الناس فيه بما هو ms9263 مبسوط في موضعه وذكرنا الحديث الآخر الذي يوافقه ~~الذي رواه الإمام أحمد وغيره من حديث محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن ~~عكرمة عن بن عباس أن ركانة طلق إمرأته ثلاثا فلما أتى النبي قال له النبي ( ~~في مجلس أم مجالس ) قال بل في مجلس واحد ( فردها عليه ) وقد أثبت هذا ~~الحديث أحمد بن حنبل وبين أنه أصح من رواية من روى في حديث ركانة أنه طلقها ~~البتة وأن النبي استحلفه ( ما أردت إلا واحدة ) قال ما أردت إلا واحدة ( ~~فردها عليه ) فإن رواه هذا مجاهيل الصفات لا يعرف عدلهم وحفظهم ولهذا ضعف ~~أحمد وأبو عبيد وبن حزم وغيرهم PageV32P311 من أئمة الحديث حديثهم بخلاف ~~حديث الثلاث فإن إسناده جيد وهو من رواية بن عباس موافق لحديثه الذي في ~~الصحيح والذين رواه علماء فقهاء وقد عملوا بموجبه كما أفتى طاووس وعكرمة ~~وبن إسحاق أن الثلاث واحدة وقد قال من قال منهم هذا أخطأ السنة فيرد إلى ~~السنة وما ذكره أبو داود في سننه من تقديم رواية البتة فإنما ذاك لأنه لم ~~يذكر حديث داود بن الحصين هذا عن عكرمة عن بن عباس وإنما ذكر طريقا آخر عن ~~عكرمة من رواية مجهول فقدم رواية مجهول على مجهول وأما رواية داود بن ~~الحصين هذه فهي مقدمة على تلك باتفاق أهل المعرفة ولكن هذه الطريق لم تبلغ ~~أكثر العلماء كما أن حديث طاووس لا يعرفه كثير من الفقهاء بل أكثرهم وقد ~~بسط الكلام على هذا في مواضع وبين الكلام على ما نقل عن عمر وبن عباس ~~وغيرهما من الصحابة في الافتاء بلزوم الثلاث أن ذلك كان لما أكثر الناس من ~~فعل المحرم وأظهروه فجعل عقوبة لهم وذكر كلام الناس على الالزام بالثلاث هل ~~فعله من فعله من الصحابة لأنه شرع لازم من النبي أو فعله عقوبة ظهور المنكر ~~وكثرته وإذا قيل هو عقوبة فهل موجبها دائم لا يرتفع أو يختلف باختلاف ~~الأحوال وبين أن هذا لا يجوز أن يكون شرعا لازما ولا عقوبة ms9264 إجتهادية لازمة ~~بل غايته أنه إجتهاد سايغ مرجوح أو عقوبة عارضة PageV32P312 شرعية والعقوبة ~~إنما تكون لمن أقدم عليها عالما بالتحريم فأما من لم يعلم بالتحريم ولما ~~علمه تاب منه فلا يستحق العقوبة فلا يجوز إلزام هذا بالثلاث المجموعة بل ~~إنما يلزم واحدة هذا إذا كان الطلاق بغير عوض فأما إذا كان بعوض فهو فدية ~~كما تقدم فلا يحل له أن يوقع الثلاث أيضا بالعوض كما أمر النبي أن لا يطلق ~~بالعوض إلا واحدة لا أكثر كما لا يطلق بغيره إلا واحدة لا أكثر لكن الطلاق ~~بالعوض طلاق مقيد هو فدية وفرقة بائنة ليس هو الطلاق المطلق في كتاب الله ~~فإن هذا هو الرجعي فإذا طلقها ثلاثا مجموعة بعوض وقيل إن الثلاث بلا عوض ~~واحدة وبالعوض فدية لا تحسب من الثلاث كانت هذه الفرقة بفدية لا تحسب من ~~الثلاث وكان لهذا المفارق أن يتزوجها عقدا جديدا ولا يحسب عليه ذلك الفراق ~~بالعوض من الثلاث فلا يلزمه الطلاق لكونه محرما والثنتان محرمة والواحدة ~~مباحة ولكن تستحب الواحدة بالعوض من الثلاث لأنها فدية وليست من الطلاق ~~الذي جعله الله ثلاثا بل يجوز أن يتزوج المرأة وتكون معه على ثلاث وجماع ~~الأمر أن البينونة نوعان البينونة الكبرى وهي إيقاع البينونة الحاصلة ~~بإيقاع الطلاق الثلاث الذي تحرم به المرأة حتى تنكح زوجا غيره والبينونة ~~الصغرى وهي التي تبين بها المرأة وله أن يتزوجها بعقد PageV32P313 جديد في ~~العدة وبعدها فالخلع تحصل به البينونة الصغرى دون الكبرى والبينونة الكبرى ~~الحاصلة بالثلاث تحصل إذا اوقع الثلاث على الوجه المباح المشروع وهو أن ~~يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يصبها فيه أو يطلقها واحدة وقد تبين حملها ~~ويدعها حتى تنقضي العدة ثم يتزوجها بعقد جديد وله أن يراجعها في العدة وإذا ~~تزوجها أو ارتجعها فله أن يطلقها الثانية على الوجه المشروع فإذا طلقها ~~ثلاثا بكلمة واحدة أو كلمات قبل رجعة أو عقد فهو محرم عند الجمهور وهو مذهب ~~مالك وأبي حنيفة في المشهور عنه بل وكذلك إذا طلقها الثلاث ms9265 في أطهار قبل ~~رجعة أو عقد في مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه ولو أوقع الثلاث إيقاعا ~~محرما فهل يقع الثلاث أو واحدة على قولين معروفين للسلف والخلف كما قد بسط ~~في موضعه فإذا قيل إنه لا يقع لم يملك البينونة الكبرى بكلمة واحدة وإذا لم ~~يملكها لم يجز أن تبذل له العوض فيما لا يملكه فإذا بذلت له العوض على ~~الطلاق الثلاث المحرمة بذلت له العوض فيما يحرم عليه فعله ولا يملكه فإذا ~~أوقعه لم يقع منه إلا المباح والمباح بالعوض إنما هو بالبينونة الصغرى دون ~~الكبرى بل لو طلقها ثنتين وبذلت له العوض على الفرقة بلفظ الطلاق أو غير ~~الطلاق لم تقع الطلقة الثالثة على قولنا إن الفرقة بعوض فسخ تحصل به ~~البينونة الصغرى فإذا فارقها بلفظ الطلاق أو غيره في هذه الصورة وقعت به ( ~~البينونة الصغرى وهو الفسخ PageV32P314 دون الكبرى وجاز له أن يتزوج المرأة ~~بعقد جديد لكن إن صرحت ببذل العوض في الطلقة الثالثة المحرمة وكان مقصودها ~~أن تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره فقد بذلت العوض في غير البينونة الصغرى ~~وهو يشبه ما إذا بذلت العوض في الخلع بشرط الرجعة فإن اشتراطه الرجعة في ~~الخلع يشبه اشتراطها الطلاق المحرم لها فيه وهو في هذه الحال يملك الطلقة ~~الثالثة المحرمة لها كما كان يملك قبل ذلك الطلاق الرجعي والله سبحانه أعلم ~~! 8 < ### || 1 ( رسالة في الفرقة من الطلاق ) 1 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ~~نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده ~~الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ### ||| فصل # في الفرقة التي تكون من الطلاق الثلاث والتي لا تكون من الثلاث فإن ~~انقسام الفرقة إلى هذين النوعين متفق عليه بين المسلمين فيما أظن فإنه لو ~~حدث بينهما ما أوجب التحريم ms9266 المؤبد بدون اختيارهما PageV32P315 كالمصاهرة ~~كانت فرقة تعتبر طلاقا لكن تنازع العلماء في أنواع كثيرة من المفارقات مثل ~~الخلع ومثل الفرقة باختلاف الدين والفرقة لعيب في الرجل مثل جب أو عنة ونحو ~~ذلك هل هو طلاق من الثلاث أم ليس من ذلك وسبب ذلك تنقيح مناط الفرق بين ~~الطلاق وغيره ومذهب الشافعي وأحمد في هذا الباب أوسع من مذهب أبي حنيفة ~~ومالك ولهذا اختلف قولهما في الخلع هل هو طلاق أم ليس بطلاق والمشهور عن ~~أحمد أنه ليس بطلاق كقول بن عباس وطاووس وغيرهما وهو أحد قولي الشافعي لكن ~~فرق من فرق من أصحاب الشافعي وأحمد بين أن يكون بلفظ الطلاق أو بغيره فإن ~~كان بلفظه فهو طلاق منقص وإن كان بلفظ آخر ونوى به الطلاق فهو طلاق أيضا ~~وإن خلا عن لفظ الطلاق ونيته فهو محل النزاع وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق كما ~~يحتاج مناط الفرق إلى تحرير فإن هذا يبنى على أصلين أحدهما أن لفظ الطلاق ~~لا يمكن أن ينوي به غير الطلاق المعدود الثاني تحرير معنى الخلع المخالف ~~لمعنى الطلاق المعدود وإلا فإذا قدر أن لفظ الطلاق يحتمل الطلاق المعدود ~~ويحتمل معنى آخر ونوى PageV32P316 ذلك المعنى لم يقع به الطلاق المعدود وقد ~~قال الفقهاء أنه إذا قال أنت طالق ونوى من وثاق أو من زوج قبلي لم يقع به ~~الطلاق فيما بينه وبين الله وهل يقبل منه في الحكم على قولين معروفين هما ~~روايتان عن أحمد فعلم أن الطلاق المضاف إلى المرأة يعني به الطلاق المعدود ~~ويعني به غير ذلك وقد يضاف الطلاق إلى غير المرأة كما يروى عن علي رضي الله ~~عنه أنه قال يا دنيا قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك ومثل الشعر المأثور عن ~~الشافعي اذهب فودك من ودادي طالق والمنع من ذلك لما جاءت به السنة من أن ~~لفظ الطلاق المضاف إلى المرأة يراد به الفرقة ولا يكون من الطلاق المعدود ~~كما روى الإمام أحمد وأهل السنن الثلاثة أبو داود والنسائي وبن ماجة ms9267 من ~~حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال ~~قلت يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان قال ( طلق أيتهما شئت ) هذا لفظ ~~أبي داود قال حدثنا يحيى بن معين حدثنا وهب بن جرير عن أبيه قال سمعت يحيى ~~بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب وروى أبو داود من حديث هشيم وعيسى بن ~~المختار عن بن أبي ليلى عن خميصة بن الشمردل عن قيس بن الحارث أنه قال ~~أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ذلك للنبي فقال ( اختر منهن أربعا PageV32P317 ~~ورواه بن ماجة أيضا وقد روى أحمد والترمذي وبن ماجة واللفظ له أن بن عمر ~~قال أسلم غيلان وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( خذ منهن ~~أربعا ) قال الترمذي سمعت محمدا يقول هذا غير محفوظ والصحيح ما روى شعيب ~~وغيره عن الزهري قال حدثت عن محمد بن سويد أن غيلان فذكره وفي لفظ الإمام ~~أحمد فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه فبلغ ذلك عمر فقال ~~إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك ولعلك لا ~~تملك إلا قليلا وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن مالك أو لأورثهن منك ~~ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال وقد روى هذا الحديث مالك في ~~الموطأ عن الزهري مرسلا وقد رواه الشافعي وأحمد في مسنديهما في حديث محمد ~~بن جعفر وغيره عند معمر عند الزهري مرسلا لكن بين الإمام أحمد وغيره أن هذا ~~مما غلط فيه معمر لما عدم البصر فإنه حدثهم به من حفظه وكان معمر يغلط إذا ~~حدث من حفظه فرواه البصريون عنه كمحمد بن جعفر غندر وغيره على الغلط وأما ~~أصحابه الذين سمعوا من كتبه كعبد الرزاق وغيره فرووه على الصواب ففي حديث ~~فيروز ( أن النبي قال له طلق أيتهما شئت ) ليس المراد بذلك الطلاق المعدود ~~على قول الشافعي وأحمد وغيرهما بل المراد PageV32P318 منه فراقا ليس من ~~الطلاق المعدود ms9268 فإنه لا يجب عليه أن يطلقها بنص الطلاق المعدود بل يفارقها ~~عندهم بغير لفظ الطلاق وأما لفظ الطلاق فلهم فيه كلام سنذكره إن شاء الله ~~وهكذا ما جاء في حديث غيلان ( أمسك أربعا وفارق سائرهن ) وليس عليه أن ~~يفارقها فرقة تحسب من الطلاق المعدود وقد تنازع الفقهاء من اصحاب الشافعي ~~وأحمد والدليل على أن النبي لم يرد بذلك أنه يطلقها بنص الطلاق المعدود بل ~~أراد المفارقة وجوه أحدها أنه قال في الحديث الآخر ( خذ منهن أربعا ) فدل ~~على أنه إذا اختار منهن أربعا كفى ذلك ولا يحتاج إلى إنشاء طلاق في البواقي ~~فلو كان فراقهن من الطلاق المعدود لاحتاج إلى إنشاء سببه كما لو قال والله ~~لأطلقن إحدى امرأتي فإنه لابد أن يحدث لها طلاقا فلو قال أخذت هذه لم يكن ~~هذا وحده طلاقا للأخرى اللهم إلا أن يقال هذا مما قد يقع به الطلاق بالأخرى ~~مع النية الثاني أن يقال ما زاد على الاربع حرام عليه بالشرع وما كانت ~~محرمة بالشرع لم تحتج إلى طلاق لكن المحرمة لما لم تكن معينة كانت له ولاية ~~التعيين PageV32P319 الثالث أن يقال إن الله قد ذكر في كتابه خصائص الطلاق ~~وهي منتفية من هذه الفرقة فقال تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء @QE@ إلى قوله @QB@ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك @QE@ فجعل المطلقة ~~زوجها أحق برجعتها في العدة وما زاد على الاربع لا يمكنه أن يختار واحدة ~~منهن في العدة إلا أن يقول قائل له في العدة أن يرتجع واحدة من المفارقات ~~ويطلق غيرها وهذا لا أعلمه قولا الرابع أن الله قال @QB@ الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان @QE@ فجعل له بعد الطلقتين أن يمسك بمعروف ~~أو يسرح بإحسان وهذا ليس له في ما زاد على الأربع إذا فارقهن إلا أن يقال ~~له الرجعة بشرط البدل الخامس أن الله قال @QB@ إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن @QE@ وهذا الفراق لا يقضي على العدة بل عليه إذا أسلم أن يفارق ما ~~زاد على الأربع وهذا دليل ظاهر السادس ms9269 أنه قال @QB@ لا تخرجوهن من بيوتهن ~~ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة @QE@ وهذه المفارقة ليست كذلك السابع ~~أنه قال @QB@ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ~~إذا تراضوا بينهم بالمعروف @QE@ وهذه ليست كذلك PageV32P320 الثامن أن فراق ~~إحدى الأختين وما زاد على الأربع واجب بالشرع عينا والله لم يوجب الطلاق ~~عينا قط بل أوجب إما الإمساك بالمعروف وإما التسريح بإحسان التاسع أن ~~الطلاق مكروه في الأصل ولهذا لم يرخص الله فيه إلا في ثلاث وحرم الزوجة بعد ~~الطلقة الثالثة عقوبة للرجل لئلا يطلق وهنا الفرقة مما أمر الله بها ورسوله ~~فكيف يجعل ما يحبه الله ورسوله داخلا في الجنس الذي يكرهه الله ورسوله وصار ~~هذا كما أن هجرة المسلمين كانت محظورة في الأصل رخص الشارع منها في الثلاث ~~فأما الهجرة المأمور بها كهجرة النبي وأصحابه للثلاثة الذين خلفوا خمسين ~~ليلة فإنها كانت هجرة يحبها الله ورسوله فلا تكون من جنس ما هو مكروه أبيح ~~منه الثلاث للحاجة وكذلك إحداد غير الزوجة لما كان محرما في الأصل أبيح منه ~~الثلاث للحاجة فأما إحداد الزوجة أربعة أشهر وعشرا فلما كان مما أمر الله ~~به ورسوله لم يكن من جنس ما كرهه الله ورخص منه في ثلاث للحاجة فكذلك ~~الفرقة التي يأمر الله بها ورسوله لا تكون من جنس الطلاق الذي يكرهه الله ~~ورسوله ورخص منه في ثلاث للحاجة والخلع من هذا الباب فقد روى البخاري في ~~صحيحه من حديث خالد الحذاء عن عكرمة عن بن عباس أن إمرأة ثابت بن قيس أتت ~~النبي فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه من خلق ولا دين ~~PageV32P321 ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله ( أتردين عليه ~~حديقته ) قالت نعم قال رسول الله ( إقبل الحديقة وطلقها تطليقه ) فهذا فيه ~~من رواية عكرمة عن بن عباس أن رسول الله قال ( اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ~~) وقد ثبت عن بن عباس وعكرمة وغير بما إنهم لم يكونوا يجعلون الخلع من ~~الطلاقات الثلاث ms9270 قال أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن ~~عمرو بن دينار عن طاووس عن بن عباس قال الخلع تفريق وليس بطلاق وقال عبد ~~الله بن أحمد رأيت أبي يذهب إلى قول بن عباس وهو قول إسحاق وأبي ثور وداود ~~وأصحابه غير بن حزم وروى عبد الرزاق عن بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس ~~أنه سأله إبراهيم بن سعد عن رجل طلق إمرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أينكحها ~~قال بن عباس نعم ذكر الله الطلاق في الآية وفي آخرها والخلع بين ذلك وروى ~~عبد الرزاق عن بن جريج عن بن طاووس قال كان أبي لا يرى الفداء طلاقا ويخير ~~له بينهما وقال بن جريج أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة سمع بن عباس ~~يقول ما أجازه المال فليس بطلاق فهذا عكرمة يقول إن كل فرقة وقعت بمال ~~فليست من الطلاق الثلاث وذلك أن هذا هو معنى الفدية المذكورة في كتاب الله ~~PageV32P322 والفدية ليست من الطلاق الثلاث كما بينه بن عباس مع أن بن عباس ~~وعكرمة هما اللذان روى البخاري من طريقهما حديث إمرأة ثابت بن قيس كما تقدم ~~قال وحديثهم يرويه عكرمة مرسلا قال أبو بكر عبد العزيز هو ضعيف مرسل فيقال ~~هذا في بعض طرقه وسائر طرقه ليس فيها إرسال ثم هذه الطريق قد رواها مسندة ~~من هو مثل من أرسلها إن لم يكن أجل منه وفي مثل هذا يقضي المسند على المرسل ~~وقد روى هذا الحديث الحاكم في صحيحه المسمى بالمستدرك وقال هذا حديث صحيح ~~الإسناد غير أن عبد الرزاق أرسله عن معمر وخرجه القشيري في أحكامه التي شرط ~~فيها أن لا يروي إلا حديث من وثقه إمام من مزكى رواة الأخبار وكان صحيحا ~~على طريقة بعض أهل الحديث الحفاظ وائمة الفقة النظار قال وقول عثمان وبن ~~عباس قد خالفه قول عمر وعلي فإنهما قالا عدتها ثلاث حيض وأما بن عمر فقد ~~روى مالك عن نافع عنه قال عدة المختلعة عدة المطلقة ms9271 وهو أصح عنه فيقال أما ~~المنقول عن عمر وعلي وبتقدير ثبوت النزاع بين الصحابة قالواجب رد ما ~~تنازعوا فيه إلى الله والرسول والسنة قد بينت أن الواجب حيضة ومما بين ذلك ~~أن النبي أمر إمرأة ثابت بن قيس أن تحيض PageV32P323 وتتربص حيضة واحدة ~~وتلحق بأهلها فلو كان قد طلقها إحدى الطلقات الثلاث للزمتها عدة مطلقة بنص ~~القرآن واتفاق المسلمين بخلاف الخلع فإنه قد ثبت عن غير واحد من السلف ~~والخلف أنه ليس له عدة وإنما فيه استبراء بحيض والنزاع في هذه المسألة ~~معروف أما الحديث المسند فرواه أهل السنن فقال النسائي حدثنا محمد بن يحيى ~~المروزي حدثني شاذان بن عثمان أخو عبدان حدثنا أبي حدثنا علي بن عن يحيى بن ~~أبي كثير أخبرني محمد بن عبد الرحمن أن الربيع بنت معوذ بن عفراء اخبرته ~~ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثني عمي حدثنا أبي عن بن إسحاق ~~ورواه بن أبي عاصم عن محمد بن سعد وعن يعقوب بن مهران عن الربيع بنت معوذ ~~ورواه بن ماجة عن علي بن سلمة النيسابوري حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ~~حدثني أبي عن بن إسحاق حدثنا عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت وكلاهما ~~يزعم أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها فأتت النبي بعد الصبح ~~وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فاتى أخوها يشتكيه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأرسل إليه فقال له ( خذ الذي لها عليك وخل سبيلها ) قال نعم فأمرها ~~رسول الله ( أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها ) أي بعد حيضة ورواه ~~PageV32P324 أبو داوود في سننه والترمذي في جامعه وأبو بكر بن أبي عاصم في ~~كتاب الطلاق له ثلاثتهم عن محمد بن عبد الرحمن البغدادي حدثنا علي بن يحيى ~~القطان أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن بن عباس ~~أن إمرأة ثابت بن قيس اختلعت منه ( فجعل النبي عدتها حيضة ) وقال الترمذي ~~حديث حسن غريب ورواه الحاكم ms9272 في صحيحه وقال أبو داود هذا الحديث رواه عبد ~~الرزاق عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبي وروى الترمذي أيضا عن الربيع بنت ~~معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد رسول الله ( فأمرها النبي أو أمرت أن ~~تعتد بحيضة ) وقال الترمذي حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة ~~وروى النسائب وبن أبي عاصم وبن ماجة عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت ~~أختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألت ماذا علي من العدة فقال لا عدة عليك إلا ~~أن يكون حديث عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة ولفظ بن ماجة تمكثين عنده حتى ~~تحيضي حيضة وأما النسائي وبن أبي عاصم فلم يقولا ( عنده ) قالت وإنما تبع ~~في ذلك قضاء رسول الله في المعالية كانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه فهذه ~~ثلاث طرق لحديث إمرأة ثابت بن قيس بن شماس التي خالعها ( أن النبي أمرها أن ~~تعتد بحيضة واحدة ) ورواه أبو بكر PageV32P325 بن أبي عاصم في كتاب الطلاق ~~من الحديث المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع طرق فيكون للحديث ~~خمسة طرق أو ستة ذكر حديث الربيع الذي فيه ذكر مريم المعالية ولم يذكر حديث ~~الربيع المتقدم الذي فيه ضرب ثابت لامرأته جميلة وقد صححه بن حزم وغيره ذكر ~~قال حدثنا أحمد بن محمد بن عمر حدثنا عمر بن يونس عن سليمان بن أبي سليمان ~~عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن الربيع ( أن النبي ~~أمر المختلعة أن تعتد بحيضة ) وقال أيضا حدثنا محمد بن سليمان حدثنا عبد ~~الله بن يوسف حدثنا بن لهيعة حدثنا أبو الأسود عن يحيى بن النظر ويزيد بن ~~عبد الله بن قسيط عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ~~عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها سمعت رسول الله يحدث عن إمرأة ثابت بن ~~قيس أنه كان بينها وبين زوجها بعض الشيء وكان رجلا فيه حدة فأتت رسول الله ~~فكلمته ms9273 فأرسل إلى ثابت ثم إنه قبل منها الفدية فافتدت منه ( فأمرها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد حيضة ) قال أبو بكر بن أبي عاصم مما دل ~~على أن الخلع فسخ لاطلاق ما ثبت به الإسناد حدثنا محمد بن مصفى حدثنا سويد ~~بن عبد العزيز PageV32P326 هو يحيى بن سعيد عن عمرة عن حبيبة بنت سهيل قالت ~~إمرأة كان هم أن يتزوجها رسول الله فخطبها ثابت بن قيس فتزوجها وكان في خلق ~~ثابت شدة فضربها فأصبحت بالغلس على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج ~~رسول الله فقال ( من هذه ) فقالت حبيبة أنا يا رسول الله لا أنا ولا ثابت ~~قال فلم يكن إن جاء ثابت فقال له رسول الله ( ضربتها ) قال نعم ضربتها فقال ~~له رسول الله خذ منها فقالت يا رسول الله إن عندي كل شيء أعطانيه فقال فأخذ ~~منها وجلست في بيتها قال بن أبي عاصم ولم يذكر طلاقا قال وفي ( حيضة واحدة ~~) دليل على أنها ليست بمطلقة وكذلك في عدتها في بيتها ولو كانت مطلقة لكان ~~لها السكنى والنفقة قلت هذا على قول من يجعل الخلع طلقة رجعية إذا كان ~~طلاقا كما هو قول أبي محمد عن جمهور أهل الحديث وداود وبن أبي عاصم يوافقهم ~~على ذلك مذهبه أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى على حديث فاطمة بنت قيس ~~قال بن أبي عاصم وممن قال تعتد بحيضة عثمان بن عفان وبن عمر وممن قال فسخ ~~وليس بطلاق بن عباس وبن الزبير قلت وقد ذكر بن المنذر عن أحمد بن حنبل أنه ~~ضعف كل ما يروى عن الصحابة مخالفا لقول بن عباس PageV32P327 وقد ذكر الشيخ ~~أبو محمد في مغينه هذه الرواية التي ذكرها أبو بكر عبد العزيز في الشافي عن ~~أحمد منه نقلها أبو محمد وهي موجوده في غير ذلك من الكتب فقال وأكثر أهل ~~العلم يقولون عدة المختلعة عدة المطلقة منهم سعيد بن المسيب ومنها طائفة من ~~العلماء منهم مالك والشافعي قال وروى عن ms9274 عثمان بن عفان وبن عمر وبن عباس ~~وإبان بن عثمان وإسحاق وبن المنذر أن عدة المختلعة حيضة وروى بن القاسم عن ~~أحمد كما روى بن عباس أن إمرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عدتها حيضة رواه النسائي وعن الربيع بنت معوذ مثل ذلك رواه ~~النسائي وبن ماجة قال ولنا قوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء @QE@ ولأنها فرقة بعد الدخول في الحياة فكانت ثلاثة قروء كالخلع فيقال ~~أما الآية فلا يجوز الاحتجاج بها حتى يبين أن المختلعة مطلقة وهذامحل ~~النزاع ولو قدر شمول نص لها فالخاص يقضي على العام والآية قد استثنى منها ~~غير واحدة من المطلقات كغير المدخول بها والحامل والامة والتي لم تحض وإنما ~~تشمل المطلقة التي لزوجها عليها الرجعة وأما القياس المذكور فيقال لا نسلم ~~أن العلة في الأصل مجرد الوصف المذكور ولا نسلم الحكم في جميع صور الناس ثم ~~هو منقوض بالمفارقة لزوجها وقد دلت السنة على أن الواجب فيهما الإستبراء ~~PageV32P328 وأما الرواية هل هي جميلة بنت أبي أو سهلة بنت سهيل أو أخرى ~~فهذا مما اختلفت فيه الرواية فأما أن يكونا قصتين أو ثلاثا وإما أن أحد ~~الراويين غلط في اسمها وهذا لا يضر مع ثبوت القصة فإن الحكم لا يتعلق باسم ~~إمرأته وقصة خلعة لامرأته مما تواترت به النقول واتفق عليه أهل العلم وقد ~~روى مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي عن حبيبة بنت سهل الأنصارية ~~أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وان رسول الله خرج إلى الصبح فوجد حبيبة ~~بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله ( من هذه ) قالت أنا حبيبة بنت ~~سهل يا رسول الله قال ما شأنك قالت لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها فلما جاء ~~ثابت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء ~~الله أن تذكر ) فقالت حبيبة يا رسول الله كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله ~~لثابت ( خذ منها ms9275 ) فأخذ منها وجلست في أهلها وقد ذكر بن حزم هذا الحديث ~~وحديث الاعتداد بحيضة في حجة من يقول إن الخلع فسخ وقال قالوا فهذا يبين أن ~~الخلع ليس طلاقا لكنه فسخ ولم يذكر حديث بن عباس إلا من طريق عبد الرزاق ~~المرسل وقال أما حديث عبد الرزاق فساقط لأنه مرسل PageV32P329 وفيه عمرو بن ~~مسلم وليس بشيء وأما خبر الربيع وحبيبة فلو لم يأت غيرهما لكانا حجة قاطعة ~~لكن رويا من طريق البخاري وذكر ما تقدم من قول النبي ( أقبل الحديقة وطلقها ~~تطليقة ) قال فكان هذا الخبر فيه زيادة على الخبرين المذكورين لا يجوز ~~تركها وإذ هو طلاق فقد ذكر الله عدة الطلاق فهو زائد على ما في حديث الربيع ~~والزيادة لا يجوز تركها فيقال له أما قولك عن حديث عبد الرزاق إنه مرسل فقد ~~رواه أبو داود والترمذي من حديث همام بن يوسف مسندا كما تقدم ومن أصلك أن ~~هذه زيادة من الثقة فتكون مقبولة والحديث قد حسنه الترمذي وأما قولك عن ~~عمرو بن مسلم فيقال قد روى له مسلم في صحيحه والبخاري في كتاب أفعال العباد ~~وأبو داود والترمذي والنسائي وذكره بن حبان في الثقات وقال يحيى بن معين في ~~رواية إبراهيم بن المسند لا بأس به وقال أبو أحمد بن عدي وليس له حديث منكر ~~جدا وأما الحديث الآخر الذي اعترفت بصحته وجعلته حجة قاطعة لولا المعارض ~~فهو نص في المسألة حيث أمرها النبي ( أن تعتد بحيضة واحدة وتلحق بأهلها ~~PageV32P330 وأما ما ذكرت أن الطريق الأخرى فيه زيادة وهو أنه أمره أن ~~يطلقها تطليقة واحدة والمطلقة تجب عليها العدة فليس هذا زيادة بل إن لم يكن ~~المراد بالطلقة هنا الفسخ كانت هذه الرواية معارضة لتلك فإن تلك الرواية ~~فيهانص بأنها تلحق بأهلها مع الحيضة الواحدة ولو لم يكن إلا قوله ( أمرها ~~أن تعتد بحيضة واحدة ) لكان هذا بينا في أنه أمرها بحيضة واحدة لا بأكثر ~~منها إذ لو أمرها بثلاث لما جاز أن يقتصر على قوله ( أمرها بحيضة ms9276 واحدة ) ~~فكيف وقد قال ( وتلحق بأهلها ) وأيضا فسائر الروايات من الطرق يعاضد هذا أو ~~يوافق وقد عضدها عمل عثمان بن عفان وهو أحد الخلفاء الراشدين بذلك وقد تقدم ~~بعض طرق حديثه وأنه اتبع في ذلك السنة في إمرأة ثابت بن قيس وأيضا فلو قدر ~~أنه قال في الرواية الأخرى ( أمرها أن تعتد بثلاث حيض ) لكان هذا تعارضا في ~~الرواية ينظر فيه إلى أصح الطريقين فكيف وليس فيه إلا قوله ( وطلقها تطليقة ~~) والراوي لذلك هو بن عباس وصاحبه وهما يرويان أيضا ( أنه أمرها أن تعتد ~~بحيضة ) وهما أيضا يقولان الخلع فدية لا تحسب من الطلقات الثلاث وقوله ( ~~وطلقها تطليقة ) إن كان هذا محفوظا من كلام النبي مع ما قبله فلا بد من أحد ~~أمرين إما أن يقال الطلاق PageV32P331 بعوض لا تحسب فيه العدة بثلاثة أشهر ~~ويكون هذا مخصوصا من لفظ القرآن وإذا قيل هذا في الطلاق بعوض فهو في الخلع ~~بطريق الأولى وإما أن يقال مراده بقوله ( طلقها تطليقة ) هو الخلع وإنه لا ~~فرق عند الشارع بين لفظ الخلع والطلاق إذا كان ذلك بعوض فإن هذا فدية وليس ~~هو الطلاق المطلق في كتاب الله كما قال ذلك من قاله من السلف وهذا يعود إلى ~~المعنى الأول وبكل حال فإنه إذا لم يجعل الشارع في ذلك عدة علم أنه ليس من ~~الطلاق الثلاث فإن القرآن صريح بأن ما كان من الطلاق الثلاث ففيه العدة ~~وأيضا فهذا إجماع فيما نعلمه لا نعلم أحدا نازع في هذا وقال إن الخلع طلقة ~~محسوبة من الثلاث ومع ذلك لا عدة فيه وهذا مما يؤيد أن الخلع فسخ وقد تقدم ~~بعض المنقول عن عثمان وغيره وروى يحيى بن بكير حدثنا الليث بن سعد عن نافع ~~مولى بن عمر أنه سمع الربيع بنت معوذ بن عفراء وهي تخبر عبد الله بن عمر ~~أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان فجاء عمها إلى عثمان فقال إن إبنة معيذ ~~اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل فقال عثمان لتنتقل ولا ميراث بينهما ms9277 ولا عدة ~~عليها إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حبل فقال عبد الله ~~بن عمر ولعثمان خيرنا وأعلمنا قال بن حزم فهذا عثمان والربيع ولها صحبة ~~وعمها وهو من كبار الصحابة وبن عمر كلهم لا يرى في الفسخ عدة PageV32P332 ~~فإن قيل فقد نقل عن عثمان وبن عمر أنه طلاق كما روى حماد بن سلمة عن هشام ~~بن عروة عن أبيه عن جمهان أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أسيد ~~فاختلعت منه فندما فارتفعا إلى عثمان بن عفان فأجاز ذلك وقال هي واحدة إلا ~~أن تكون سميت شيئا فهو على ما سميت وقد روى مالك عن نافع عن بن عمر قال عدة ~~المختلعة عدة المطلقة وقد روى أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ~~عفان حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس أن زوج بريرة كان عبدا أسود ~~( فخيرها رسول الله وأمرها أن تعتد ) وهكذا رواه بن أبي عاصم حدثنا هدبة بن ~~خالد حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس قال ( قضى رسول الله في ~~بريرة بأربع قضايا أمرها أن تختار وأمرها أن تعتد ) وقال حدثنا الحلواني ~~حدثنا عمرو بن حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال أحسبه قال فيه ( تعتدي عدة الخلع ) فهذا فسخ أوجب فيه العدة ~~ولهذا قال بن حزم إنه لاعدة في شيء من الفسوخ إلا في هذا لأنه لا يقول ~~بالقياس وليس في النص إيجاب العدة في فسخ PageV32P333 لكن لفظ الاعتداد ~~يستعمل عندهم في الاعتداد بحيضة كما في حديث المختلعة من غير وجه أمرها أن ~~تعتد بحيضة وقالت عائشة في قوله @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن والمراد بها الإستبراء فإن ~~المسبية لا يجب في حقها إلا الإستبراء بحيضة كما قال في سبايا أوطاس ( لا ~~توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة ms9278 ) وقال فيه فأنزل الله ~~@QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ وهكذا في الحديث ~~المعروف عن أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس من رواية أبي الخليل ( حلال إذا ~~انقضت عدتهن ) وفي هذا قال النبي ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل ~~حتى تستبرأ ) وأبو سعيد روى هذا وهذا وعلى الحديثين أم الولد تعتد بحيضة ~~وقال عمرو بن عاصم وأحسبه قال تعتد عدة الحرة شك لا تقوم به حجة وعن أحمد ~~في عدة المختلعة روايتان ذكرهما أبو بكر في كتاب الشافي قال أبو بكر في ~~الشافي ( باب عدة المختلعة والملاعنة وامرأة عصبي ) وروى بإسناده عن الأثرم ~~وإبراهيم بن الحارث أنه قيل لأبي عبد الله عدة كل مطلقة ثلاث حيض قال نعم ~~إلا الأمة قيل له المختلعة والملاعنة وامرأة المرتد قال نعم كل فرقة عدتها ~~ثلاث حيض وعن أبي طالب أن PageV32P334 أبا عبد الله قال في المختلعة تعتد ~~مثل المطلقة ثلاث حيض وروى عن أحمد بن القاسم قال أبو عبد الله عدة ~~المختلعة حيضة قال عبد العزيز والعمل على رواية الأثرم والعبادي أن كل فرقة ~~من الحرائر عدتها ثلاث حيض وحديث المختلعة أمرت أن تعتد بحيضة ضعيف لأنه ~~مرسل عن رسول الله وبما قلت أذهب وهو قول عثمان بن عفان قلت بن القاسم ~~كثيرا ما يروي عن أحمد الأقوال المتأخرة التي رجع إليها كما روى عنه أن جمع ~~الثلاث محرم وذكر أنه رجع عن قوله إنه مباح وأنه تدبر القرآن فلم يجد فيه ~~الطلاق إلا رجعيا وهكذا قد يكون أحمد ثبتت عنده في المختلعة فرجع إليها ~~فقوله عدتها حيضة لا يكون إلا إذا ثبت عنده الحديث وإذا ثبت عنده لم يرجع ~~عنه ولأصحاب أحمد في وطء الشبهة وجهان وكذلك بن عمر كان يقول أولا إن عدتها ~~ثلاث حيض فلما بلغه قول عثمان بن عفان أنها تستبرأ بحيضة رجع إليه بن عمر ~~وما ذكره أبو بكر عن عثمان رواية مرجوحة والمشهور عن عثمان أنها تعتد بحيضة ~~وهو قول بن عباس وآخر ms9279 القولين عن بن عمر ولم يثبت عن صحابي خلافه فإنه روى ~~خلافه عن عمر وعلي بإسناد ضعيف وهو قول أبان بن عثمان وعكرمة وإسحاق بن ~~راهويه وغيره من فقها الحديث PageV32P335 وقد روى البخاري في صحيحه عن بن ~~عباس قال كان المشركون على منزلتين من النبي والمؤمنين كانوا مشركين أهل ~~حرب يقاتلهم ويقاتلونه ومشركين أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه فكان إذا ~~هاجرت إمرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح ~~فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ~~ولهما للمهاجرين ثم ذكر في أهل العهد مثل حديث مجاهد وإن هاجر عبد أو أمة ~~للمشركين أهل العهد لم يردوا وردت أثمانهم ففي هذا الحديث إن المهاجرة من ~~دار الحرب إذا حاضت ثم طهرت حل لها النكاح فلم يكن يجب عليها إلا الإستبراء ~~بحيضة لا بثلاثة قروء وهي معتدة من وطء زوج لكن زال نكاحه عنها بإسلامها ~~ففي هذا أن الفرقة الحاصلة بإختلاف الدين كإسلام إمرأة الكافر إنما يوجب ~~استبراء بحيضة وهي فسخ من الفسوخ ليست طلاقا وفي هذا نقض لعموم من يقول كل ~~فرقة في الحياة بعد الدخول توجب ثلاثة قروء وهذه حرة مسلمة لكنها معتدة من ~~وطء كافر PageV32P336 وقد تنازع العلماء في إمرأة الكافر هل عليها عدة أم ~~إستبراء على قولين مشهورين ومذهب أبي حنيفة ومالك لا عدة عليها وما في هذا ~~الحديث من رد إناث عبيد المعاهدين فهو نظير رد مهور النساء المهاجرات من ~~أهل الهدنة وهن الممتحنات اللاتي قال الله فيهن @QB@ إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن @QE@ الآية ومن أنه كان إذا هاجر زوجها قبل أن تنكح فهو ~~أحق بها فهذا أحد الأقوال في المسألة وهو أن الكافر إذا أسلمت إمرأته هل ~~تتعجل الفرقة مطلقا أو يفرق بين المدخول بها وغيرها أو الأمر موقوف ما لم ~~تتزوج فإذا أسلم فهي إمرأته والأحاديث إنما تدل على هذا القول ومنها هذا ~~الحديث ومنها حديث زينب بنت رسول ms9280 الله فإن الثابت في الحديث أنه ردها ~~بالنكاح الأول بعد ست سنين كما رواه أحمد في مسنده ورواه أهل السنن أبو ~~داود وغيره والحاكم في صحيحه عن بن عباس قال ( رد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زينب على أبي العاص بالنكاح الأول لم يحدث شيئا ) وفي رواية ( بعد ست ~~سنين ) وفي إسناده بن إسحاق ورواه الترمذي وقال ليس بإسناده بأس وروى أبو ~~داود والحاكم في صحيحه عن بن عباس قال ( أسلمت إمرأة على عهد رسول الله ~~فتزوجت فجاء زوجها إلى النبي فقال يا رسول الله إني كنت أسلمت وعلمت ~~بإسلامي فانتزعها رسول الله من زوجها الآخر وردها إلى زوجها الأول ) وفي ~~إسناده سماك PageV32P337 فقد ردها لما ذكر أنه أسلم وعلمت بإسلامه ولم ~~يستفصله هل أسلما معا أو هل أسلمت قبل أن تنقضي العدة وترك الإستفصال يدل ~~على أن الجواب عام مطلق في كل ما تتناوله صور السوال وهذا لأنه متى أسلم ~~على شيء فهو له وإذا أسلم على مواريث لم تقسم قسمت على حكم الإسلام وكذلك ~~على عقود لم تقبض فإنه يحكم فيها بحكم الإسلام ولو أسلم رقيق الكافر الذمي ~~لم يزل ملكه عنه بل يؤمر بإزالة ملكه عنه ويحال بينه وبين ثبوت يده عليه ~~واستمتاعه بإمائه أم ولده وغيرها والإستخدام فكذلك إذا أسلمت المرأة حيل ~~بينها وبين زوجها فإن أسلم قبل أن يتعلق بها حق غيره فهو كما لو أسلم قبل ~~أن يباع رقيقه فهو أحق بهم والدوام أقوى من الإبتداء ولأن القول بتعجيل ~~الفرقة خلاف المعلوم بالتواتر من سنة رسول الله والقول بالتوقف على انقضاء ~~العدة أيضا كذلك فإن النبي لم يوقت ذلك فيمن أسلم على عهده من النساء ~~والرجال مع كثرة ذلك ولأنه لا مناسبة بين العدة وبين إستحقاقها بإسلام ~~أحدهما وقياس ذلك على الرجعة من أبطل القياس من وجوه كثيرة وأيضا فالنبي ~~قال في السبايا ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض ) وهذا ~~الحديث يقتضي أنه لا يجب في الإستبراء إلا ms9281 الحيض أو الحمل في الصغيرة التي ~~لا تحيض والأمة لا يتصور هذا في حقها فليس في الحديث إيجاب إستبراء على من ~~لا تحيض PageV32P338 وإيجاب ذلك بعيد عن القياس ولهذا اضطرب القائلون به ~~على أقوال كل منها منقوض وأيضا فلم ينقل أحد عن النبي أنه أمر بالإستبراء ~~في غير هذا لأنهن كن موطؤات لهن أزواج وأما الإماء اللاتي كن يبعن على عهده ~~فلم يكن يوطئن في العادة بل كن للإستخدام في الغالب وهذا يقتضي أن الأمة ~~التي لم يطأها سيدها لا يجب على المستبرئ استبراؤها كما لا يجب استبراؤها ~~إذا تزوجت فإذا لم يجب في التزويج ففي التسري أولى وأحرى وقد قال بن عمر لا ~~استبراء على المسلمة وذلك لأنها توطأ فمن لا يجب عليها عدة ولا إستبراء إذا ~~زوجت لم يجب عليها إستبراء إذا وطأت بملك اليمين وكذلك قال الليث بن سعد ~~قال إن كانت ممن لا يحمل مثلها لم يجب استبراءها لا بحيض ومن لا تحمل فهذا ~~موافق للنص وقال أبو حنيفة إذا إستبرؤها إستبراء عليه وقال مالك إذا كانت ~~في يده كالوديعة ونحوها وعلم أنها لم توطأ لم يحتج إلى استبراء إذا ~~إستبرأها وكذلك الذي قال لا يجب الإستبراء إلا على حامل أو موطوئة وإليه ~~مال الروياني PageV32P339 والذي يدل عليه النص أن الإستبراء مشروع حيث أمكن ~~أن تكون حاملا فإنه أمر بالإستبراء الحامل والحائض من المسبيات اللاتي لا ~~تعلم حالهن فأما مع العلم ببراءة الرحم فلا معنى للإستبراء وحديث بن شهاب ~~الذي في الموطأ مرسل والقرآن ليس فيه إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على ~~المطلقات لا على من فارقها زوجها بغير طلاق ولا على من وطئت بشبهة ولا على ~~المزني بها فإذا مضت السنة بأن المختلعة إنما عليها الاعتداد بحيضة الذي هو ~~استبراء فالموطوئة بشبهة والمزني بها أولى بذلك كما هو أحد الروايتين عن ~~أحمد في المختلعة وفي المزني بها والموطوئة بشبهة دون المزني بها ودون ~~المختلعة فبأيهما ألحقت لم يكن عليها إلا الاعتداد بحيضة كما هو أحد ms9282 ~~الوجهين والإعتبار يؤيد هذا القول فإن المطلقة لزوجها عليها رجعة ولها متعة ~~بالطلاق ونفقة وسكنى في زمن العدة فإذا أمرت أن تتربص ثلاثة قروء لحق الزوج ~~ليتمكن من ارتجاعها في تلك المدة كان هذا مناسبا وكان له في طول العدة حق ~~كما قال تعالى @QB@ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها @QE@ PageV32P340 فبين سبحانه أن العدة للرجل ~~على المطلقة إذا وجبت فإذا مسها كان له عليها العدة لأجل مسه لها وكان له ~~الرجعة عليها ولها بإزاء ذلك النفقة والسكنى كما لها متاع لأجل الطلاق أما ~~غير المطلقة إذا لم يكن لها نفقة ولا سكنى ولا متاع ولا للزوج الحق برجعتها ~~فالتأكد من براءة الرحم تحصل بحيضة واحدة كما يحصل في المملوكات وكونها حرة ~~لا أثر له بدليل أن أم الولد تعتد بعد وفاة زوجها بحيضة عند أكثر الفقهاء ~~كما هو قول بن عمر وغيره وهي حرة فالموطوئة بشبهة ليست خيرا منها والتي ~~فورقت بغير طلاق وليس لها نفقة ولا سكنى ولا رجعة عليها ولا متاع هي ~~بمنزلتها فإن قيل هذا ينتقض بالمطلقة آخر ثلاث تطليقات فإنه لا نفقة لها ~~ولا سكنى ولا رجعة ومع هذا تعتد بحيضة قيل هذه المطلقة لها المتعة عند ~~الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وكثير من السلف أو أكثرهم ولها النفقة عند ~~مالك والشافعي وكثير من فقهاء الحجاز وهو إحدى الروايتين عن أحمد ولها ~~السكنى مع ذلك عند كثير من فقهاء العراق كأبي حنيفة وغيره فلا بد لها من ~~متاع أو سكنى عند عامة العلماء فإذا وجبت العدة بإزاء ذلك كان فيه من ~~المناسبة ما ليس في إيجابها على من لا متاع لها ولا ونفقة ولا سكنى وقد ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه أمر فاطمة بنت قيس PageV32P341 لما ~~طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات أن تعتد وأمرها أن تعتد في بيت بن أم مكتوم ~~ثم أمرها بالإنتقال إلى بيت أم شريك والحديث وإن لم يكن في لفظه ms9283 أن تعتد ~~ثلاث حيض فهذا هو المعروف عند من بلغنا قوله من العلماء فإن كان هذا إجماعا ~~فهو الحق والأمة لا تجتمع على ضلالة وإن كان من العلماء من قال إن المطلقة ~~ثلاثا إنما عليها إلا الإستبراء لا الاعتداد بثلاث حيض فهذا له وجه قوي بأن ~~يكون طول العدة في مقابلة إستحقاق الرجعة وهذا هو السبب في كونها جعلت ~~ثلاثة قروء فمن لا رجعة عليها لا تتربص ثلاثة قروء وليس في ظاهر القرآن إلا ~~ما يوافق هذا القول لا يخالفه وكذلك ليس في ظاهره إلا ما يوافق القول ~~المعروف لا يخالفه فأي القولين قضت السنة كان حقا موافقا لظاهر القرآن ~~والمعروف عند العلماء هو الأول بخلاف المختلعة فإن السنة مضت فيها بما ذكر ~~وثبت ذلك عن أكابر الصحابة وغير واحد من السلف وهو مذهب غير واحد من أئمة ~~العلم وليس في القرآن إلا ما يوافقه لا يخالفه فلا يقاس هذا بهذا والمعاني ~~المفرقة بين الاعتداد بثلاثة قروء والإستبراء إن علمناها وإلا فيكفينا ~~إتباع ما دلت عليه الأدلة الشرعية الظاهرة المعروفة ومما يوضح هذا أن ~~المسبيات اللاتي يبتدأ الرق عليهن قد تقدم الإشارة إلى حديث أبي سعيد الذي ~~فيه أن الله أباح وطئهن للمسلمين لما تحرجوا من PageV32P342 وطئهن وأنزل في ~~ذلك @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ وقال فيه إن أجل ~~وطئهن إذا انقضت عدتهن وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس ~~( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ ) وروى ( حتى تحيض حيضة ~~) والعلماء عامة إنما يوجبون في ذلك إستبراء بحيضة وهو اعتداد من وطء زوج ~~يلحقه النسب ووطئه محترم وإن كان كافرا حربيا فإن محاربته أباحت قتله وأخذ ~~ماله واستراق إمرأته على نزاع وتفصيل بين العلماء لكن لا خلاف أن نسب ولده ~~ثابت منه وإن مائه ماء محترم لا يحل لأحد أن يطأ زوجته قبل الإستبراء ~~باتفاق المسلمين بل قد لعن النبي من فعل ذلك كما في الحديث الصحيح في مسلم ms9284 ~~( إنه أتى على إمرأة مجح على باب فسطاط فقال ( لعل سيدها يلم بها ) قالوا ~~نعم قال ( لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له ~~كيف يستعبده وهو لا يحل له ) ( ونهى أن يسقي الرجل مائه زرع غيره ) لكن هذه ~~الزوجة لم يفارقها زوجها بإختياره لا بطلاق ولا غيره لكن طريان الرق عليها ~~إزال ملكه إلى المستسرق أو اشتباه زوجها بغيره أزال ذلك فعلم أنه ليس بنكاح ~~زال عن إمرأة فإنه يوجب العدة بثلاثة قروء ولو أن الكافر تحاكم إلينا هو ~~وإمراته في العدة ثم طلق إمرأته PageV32P343 لألزمناها بثلاثة قروء فعلم أن ~~المطلقة عليها ثلاثة قروء مطلقا وأن هذه لما زال نكاحها بغير طلاق لم يكن ~~عليها ثلاثة قروء فلا يقال إن كل معتدة من مفارقة زوج في الحياة عليها ~~ثلاثة قروء بل هذا منقوض بهذه بالنص والإجماع ### ||| فصل # وهذا الذي دل عليه القرآن والسنة وآثار أكابر الصحابة كعثمان وغيره من أن ~~عدة المختلعة حيضة واحدة يزول به الإشكال في مسألة تداخل العدتين كما إذا ~~تزوجت المرأة في عدتها بمن أصابها فإن المأثور عن الصحابة كعمر وعلي أنها ~~تكمل عدة الأول ثم تعتد من وطء الثاني فعليها تمام عدة الأول وعدة للثاني ~~وبه أخذ جمهور الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد واختلف عمر وعلي هل تباح للأول ~~بعد قضاء العدتين فقال عمر لا ينكحها أبدا وبه أخذ مالك وقال علي هو خاطب ~~من الخطاب وبه أخذ الشافعي وعن أحمد روايتان وأما أبو حنيفة فعنده لا يجب ~~عليها إلا عدة واحدة من الثاني وتدخل فيها بقية عدة الأول وذكر بعض أصحابه ~~أن هذا القول منقول عن بن مسعود لكن لم نعرف لذلك إسنادا فنقول بتداخل ~~العدتين فإن العدة حق له إذ لو أراد الزوج إسقاطها لم يمكنه ذلك فدخل بعضها ~~في بعض كالحدود والكفارات فإنه PageV32P344 لو سرق ثم سرق لم يقطع إلا يد ~~واحدة وكذلك لو شرب ثم شرب لم يكن عليه إلا حد واحد فالحدود وجبت في ms9285 جنس ~~الذنب لا في قدره ولهذا تجب بسرقة المال الكثير والقليل وتجب بشرب القليل ~~والكثير لأن الموجب له جنس الذنب لا قدره فإذا لم يفترق الحكم بين قليله ~~وكثيره في القدر لم يفترق بين واحدة وعدة فإن الجميع من جنس القدر وكذلك ~~كفارة الجماع في رمضان إذا وطأ ثم وطأ قبل أن يكفر فمن قال بتداخل العدتين ~~قال عدة المطلقة من هذا الباب فإن سببها الوطء ليست مثل عدة الوفاة التي ~~سببها العقد وهي تجب مع قليل الوطء وكثيره فإن الموجب لها جنس الوطء ولا ~~فرق بين أن يكون الواطئ واحدا أو اثنين وطرده لو اشترى أمة قد اشترك في ~~وطأها جماعة لم يكن عليها إلا استبراء واحد وإن كان الواطئ جماعة وقد ~~نوزعوا في هذه الصورة فقيل بل تستبرأ لكل من الشريكين استبراء واحدا إذا ~~كانت في ملكهما فأما إذا باعاها لغيرهما فهنا لا يجب على المشتري إلا ~~إستبراء واحد ولم يقل أحد علمناه إن الأمة المملوكة بسبي أو شراء أو إرث ~~ونحو ذلك عليها استبراءات متعددة بعدد الواطئين وكذلك لو اشترى رجل جارية ~~وباعها قبل أن يستبرأها لم يكن على المشتري الثاني إلا إستبراء واحد قال ~~الفقها ولا نقول عليه أن يستبرأها مرتين واعتذر بعضهم بأن الإستبراء سببه ~~تعدد الملك ولم يتعدد ولهذا لا يوجبون الإستبراء إذا أعتقها وتزوجها إذا لم ~~يكن البائع قد وطأها ويوجبونه إذا لم يعتقها بخلاف العدة فإن سببها الرق ~~والكلام في عدة الإستبراء له موضع آخر PageV32P345 والمقصود هنا أنه لا ~~يتعدد وما علمنا أحدا قال يتعدد وإن كان أحد قال هذا فإن السنة تخصمه فإن ~~النبي لم يأمر إلا بمجرد الإستبراء حيث قال ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ~~ذات حمل حتى تستبرأ ) فعلق الحل بمجرد الإستبراء ولم يفرق وإذا كان ~~الإستبراء من جنس العدة ولا يتعدد بتعدد الواطئ فالعدة كذلك هذا ما يحتج به ~~لأبي حنيفة رحمه الله وأما الجمهور فقالوا العدة فيها حق لآدمي واستدلوا ~~بقوله تعالى @QB@ إذا نكحتم المؤمنات ms9286 ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن @QE@ الآية قالوا فقد نفا الله أن يكون ~~للرجال على النساء عدة في هذا الموضع وليس هنا عدة لغير الرجال فعلم أن ~~العدة فيها حق للرجال حيث وجبت إذ لو لم يكن كذلك لم يكن في نفي أن يكون ~~للرجال عليهن عدة ما ينفي أن يكون لله عدة فلو كانت العدة حقا محضا لله لم ~~يقل @QB@ فما لكم عليهن من عدة @QE@ إذ لا عدة لهم لا في هذا الموضع ولا ~~غيره ولو كانت العدة نوعين نوعا لله ونوعا فيه حق للأزواج لم يكن في نفي ~~عدة الأزواج ما ينفي العدة الأخرى فدل القرآن على أن العدة حيث وجبت ففيها ~~حق للأزواج وحينئذ فإذا كانت العدة فيها حق لرجلين لم يدخل حق أحدهما في ~~الآخر فإن حقوق الآدميين لا تتداخل كما لو كان لرجلين دينان على واحد أو ~~كان لهما عنده أمانة أو غصب فإن عليه أن يعطي كل ذي حق حقه فهذا الذي قاله ~~الجمهور من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم PageV32P346 واحتجوا على أبي حنيفة ~~بأنه يقول لو تزوج المسلم ذمية وجبت عليها العدة حقا محضا للزوج لأن الذمية ~~لا توآخذ بحق الله ولهذا لا يوجبها إذا كان زوجها ذميا وهم لا يعتقدون وجوب ~~العدة وهذا الذي قاله له الأكثرون حسن موافق لدلالة القرآن ولما قضى به ~~الخلفاء الراشدون لا سيما ولم يثبت عن غيرهم خلافه وإن ثبت فإن الخلفاء ~~الراشدون إذا خالفهم غيرهم كان قولهم هو الراجح لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها ~~وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثاة الأمور فإن كل بدعة ضلالة ) لكن من ~~تمام كون العدة حقا للرجل أن يكون له فيها حق على المرأة وهو ثبوت الرجعة ~~كما قال تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن @QE@ @QB@ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك @QE@ ~~فأمرهن بالتربص وجعل الرجل ms9287 أحق بردها في مدة التربص وليس في القرآن طلاقا ~~إلا طلاق رجعي إلا الثالثة المذكورة في قوله @QB@ فإن طلقها فلا تحل له من ~~بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ وذلك طلاق أوجب تحريمها فلا تحل له بعقد يكون ~~برضاها ورضا وليها فكيف تباح بالرجعة أما المرأة التي تباح لزوجها في العدة ~~فان زوجها أحق برجعتها في العدة بدون عقد وليس في القرآن طلاق بائن تباح ~~فيه بعقد ولا يكون الزوج أحق بها بل متى كانت حلالا له كان أحق بها ~~PageV32P347 وعلى هذا فيظهر كون العدة حقا للرجل فإنه يستحق بها الرجعة ~~بخلاف ما إذا أوجبت في الطلاق البائن التي تباح فيه بعقد فإنه هنا لا حق له ~~إذ النكاح إنما يباح برضاهما جميعا ولهذا طرد أبو حنيفة أصله لما كان ~~الطلاق عنده ينقسم إلى بائن ورجعي وله أن يوقع البائن بلا رضاها جعل الرجعة ~~حقا محضا للزوج له أن يسقطها وله أن لا يسقطها بخلاف العدة فإنه ليس له ~~إسقاطها فلا تكون حقا له وهذا يؤيد أن الخلع ليس بطلاق فإنه موجب للتسوية ~~ويؤيد أنه ليس للرجل فيه عدة على المرأة كما يكون في الطلاق بل عليها ~~إستبراء بحيضة فإن الإستبراء بحيضة حق لله لأجل براءة الرحم فلا بد منه في ~~كل موطوئة سواء وطئت بنكاح صحيح أو فاسد أو بملك يمين فإنه يجب لبراءة ~~رحمها من ماء الواطئ الأول لئلا يختلط مائه بماء غيره وكذلك يجب على أصح ~~قولي العلماء على الموطوئة بالزنى لأجل ماء الواطئ الثاني لئلا يختلط مائه ~~بماء الزاني وهذا مذهب مالك وأحمد وإذا لم يجب على المختلعة إلا عدة بحيضة ~~فعلى المنكوحة نكاحا فاسدا أولى فإنه لا رجعة عليها ولا نفقة لها فإن قيل ~~ففي حديث طليحة أن عمر بن الخطاب قال أيما إمرأة نكحت في عدتها فإن لم يدخل ~~بها الثاني أتمت عدة زوجها وإن دخل بها أتمت بقية عدتها للأول ثم اعتدت ~~للثاني وكذلك عن علي أنه قضى أنها تأتي ببقية عدتها للأول ثم ms9288 تأتي للثاني ~~بعدة مستقبلة فإذا انقضت عدتها فإن شاءت نكحت وإن شاءت لم تنكح PageV32P348 ~~قيل نعم لكن لفظ العدة في كلام السلف يقال على القروء الثلاثة وعلى ~~الإستبراء بحيضة كما تقدم نظائره وحينئذ فعمر وعلي إن كان قولهما في ~~المختلعة ونحوها أنها تعتد بحيضة فيكونان أرادا أنها تعتد بحيضة وإن كان ~~قولهما أنها تعتد بثلاثة قروء فيكون هذا فيه قولان للصحابة فإن عثمان قد ~~ثبت عنه أن المختلعة تعتد بحيضة وإن قيل بل قد نقول تعتد المختلعة بحيضة ~~والمنكوحة نكاحا فاسدا بثلاثة قروء فهذا القول إذا قيل به يحتاج إلى بيان ~~الفرق بين المسألتين فإن قيل فقد اختلف عمر وعلي هل تباح للثاني فقال عمر ~~لا ينكحها ابدا وقال علي إذا انقضت عدتها يعني من الثاني فإن شاءت نكحت وإن ~~شاءت لم تنكح ولو كان وطء الثاني كوطء الشبهة لم يمنع الأول أن يتزوجها فإن ~~الرجل لو وطئت إمرأته بشبهة لم يزل نكاحه بالإجماع بل يعتزلها حتى تعتد ولو ~~وطئت الرجعية بشبهة لم يسقط حق الزوج شيء قيل أولا هذا السؤال لا تعلق له ~~بقدر العدة فسواء كانت العدة استبراء بحيضة أو كانت بتربص ثلاثة قروء هذا ~~وارد في الصورتين ولا ريب أن الزوج المطلق الذي اعتدت من وطئه إن كان طلقها ~~الطلقة الثالثة فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره فلا يمكنه أن يراجعها في ~~عدتها منه وأما إن فارقها فرقة بائنة كالخلع ونكحت في مدة اعتدادها منه مثل ~~أن تنكح قبل أن تستبرأ بحيضة فهنا إذا أراد أن يتزوجها في عدتها فإنما ~~يتزوجها بعقد PageV32P349 جديد وليس له أن يتزوج بعدة من غيره بعقد جديد ~~فإن العدة من الغير تمنع ابتداء النكاح ولا تمنع دوامه فليس لأحد أن يتزوج ~~بعدة لا من وطء شبهة ولا نكاح فاسد بل ولا زنى وإن كانت إمرأته إذا وطئت ~~بشبهة أو زنى لم يبطل نكاحه بل يجتنبها حتى يستبرأها ثم يطأها وإذا قيل ~~فهذه معتدة من الوطء فكيف يمنع من نكاحها في العدة ms9289 قيل أولا هذا لا يتعلق ~~بقدر العدة وقيل ثانيا لا نص ولا إجماع يبيح لكل معتدة أن تنكح في عدتها ~~لكن الإجماع انعقد على ذلك في مثل المختلعة إذ لا عدة عليها لغير الناكح ~~فأما إذا وجبت عليها عدة من غيره فهنا المانع كونها معتدة من غيره كما يمنع ~~بعد انقضاء عدتها منه فإن الخلية من عدتها له أن ينكحها وإذا كان بعدة من ~~الغير لم يكن له ذلك فالعدة ليست مانعة من النكاح ولا موجبة لحله وانتفاء ~~مانع واحد لا يبيح الغير إذا وجد مانع آخر ولكن يظن الظان أن العدة منه ~~وجبت لإباحة عقده وهذا غلط وأما إن كان الطلاق الأول رجعية فارتجاعه إياها ~~في بقية عدتها منه كارتجاعه لو وطئت بشبهة في عدتها من الطلاق الرجعي لا ~~فرق بينهما PageV32P350 وكذلك الذي قضى به علي أن الثاني لا ينكحها حتى ~~تنقضي عدتها منه وهو ظاهر مذهب أحمد وأما مذهب الشافعي فيجوز عنده للثاني ~~أن ينكحها في عدتها منه كما يجوز للواطء بشبهة أن يتزوج الموطوئة في عدتها ~~منه وكذلك كل من نكح إمرأة نكاحا فاسدا له أن يتزوجها في عدتها منه وأحمد ~~له في هذا الأصل روايتان إحداهما لا يجوز وهو مذهب مالك ليميز بين ماء وطء ~~الشبهة وماء المباح المحض والثاني يجوز كمذهب الشافعي لأن النسب لاحق في ~~كلاهما وعلى هذه الرواية فمن أصحاب أحمد من جوز للثاني أن ينكحها في عدتها ~~منه كما هو قول الشافعي كما يجوز ذلك لكل معتدة من نكاح فاسد على هذه ~~الرواية ومنهم من أنكر نصه وقال هنا كان يذكر فيها عدة من الوطئ الأول وهذا ~~الواطئ الثاني لم تعتد منه عقب مفارقته لها بل تخلل بين مفارقته وعدته عدة ~~الأول وهي قد وجب عليها عدتان لهما وتقديم عدة الأول كان لقدم حقه وإلا فلو ~~وضعت ولدا ألحق بالثاني لكانت عدة الثاني متقدمة على عدة الأول فهي في أيام ~~عدة الأول عليها حق للثاني وفي الاعتداد PageV32P351 من الثاني عليها حق ~~للأول ms9290 بدليل أنها لو وضعت ولدا بعد اعتدادها من الأول وأمكن كونه من الأول ~~والثاني عرض على القافة فإذا كان للأول حق في مدة عدتها من الثاني لم يكن ~~للثاني أن يتزوجها في مدة العدة فهذا أشهر الأقوال في هذه المسألة وهو ~~المأثور عن الصحابة وهو نص أحمد وعليه جمهور أصحابه وقد تبعه الجد رحمه ~~الله في محرره وأما مقدار العدة فقد ذكرنا عن أحمد روايتين في المختلعة فإن ~~لم يكن بينها وبين المنكوحة نكاحا فاسدا فرق شرعي وإلا وجب أن يقال في ~~المنكوحة نكاحا فاسدا إنما تعتد بحيضة كما مضت به السنة والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل تخاصم مع زوجته وهي معه بطلقة واحدة فقالت له ~~طلقني فقال إن أبرأتيني فأنت طالق فقالت أبرأك الله مما يدعي النساء على ~~الرجال فقال لها أنت طالق وظن أنه يبرأ من الحقوق وهو شافعي المذهب ### ||||| فأجاب # نعم هو بريء مما تدعي النساء على الرجال إذا كانت رشيدة ~~PageV32P352 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل قالت له زوجته طلقني وأنا ابراتك ~~من جميع حقوقي عليك وآخذ البنت بكفايتها يكون لها عليك مائة درهم كل يوم ~~سدس درهم وشهد العدول بذلك فطلقها على ذلك بحكم الإبراء أو الكفالة فهل لها ~~أن تطالبه بفرض البنت بعد ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # إذا خالعها على أن تبرئه من حقوقها وتأخذ الولد بكفالته ولا تطالبه ~~بنفقة صح ذلك عند جماهير العلماء كمالك وأحمد في المشهور من مذهبه وغيرهما ~~فإنه عند الجمهور يصح الخلع بالمعدوم الذي ينتظر وجوده كما تحمل أمتها ~~وشجرها وأما نفقة حملها ورضاع ولدها ونفقته فقد انعقد سبب وجوده وجوازه ~~وكذلك إذا قالت له طلقني وأنا أبرأتك من حقوقي وأنا آخذ الولد بكفالته وأنا ~~أبرأتك من نفقته ونحو ذلك مما يدل على المقصود وإذا خالع بينهما على ذلك من ~~يرى صحة مثل هذا الخلع كالحاكم المالكي لم يجز لغيره أن ينقضه وإن رآه ~~فاسدا ولا يجوز له أن يفرض له PageV32P353 عليه بعد هذا نفقة ms9291 للولد فإن فعل ~~الحاكم الأول كذلك حكم في أصح قولي العلماء والحاكم من متى عقد عقدا ساغ ~~فيه الاجتهاد أو فسخ فسخا جاز فيه الاجتهاد لم يكن لغيره نقضه ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قال لصهره إن جئت لي بكتابي وأبرأتني منه فبنتك طالق ثلاثا ~~فجاء له بكتاب غيركتابه فقطعه الزوج ولم يعلم هل هو كتابه أم لا فقال أبو ~~الزوجة إشهدوا عليه أن بنتي تحت حجري واشهدوا علي أني أبرأته من كتابها ولم ~~يعين ما في الكتاب ثم إنه مكث ساعة وجاء أبو الزوجة بحضور الشهود وقال له ~~أي شيء قلت يا زوج فقال الزوج اشهدوا علي أن بنت هذا طالق ثلاثا ثم إن ~~الزوج ادعى أن هذا الطلاق الصريح بناء على أن الإبراء الأول صحيح فهل يقع ~~أم لا ### ||||| فأجاب # قوله الأول معلق على الإبراء فإن لم يبره لم يقع الطلاق وأما قوله ~~الثاني فهو إقرار منه بناء على أن الأول قد وقع فإن كان الأول لم يقع فإنه ~~لم يقع بالثاني شيء PageV32P354 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل له زوجة فحلف ~~أبوها أنه ما يخليها معه وضربها وقال لها أبوها أبريه فأبرأته وطلقها طلقة ~~ثم ادعت أنها لم تبره إلا خوفا من أبيها فهل تقع على الزوجة الطلقة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن كانت أبرأته مكرهة بغير حق لم يصح الإبراء ولم يقع ~~الطلاق المعلق به وإن كانت تحت حجر الأب وقد رأى الأب إن ذلك مصلحة لها فإن ~~ذلك جائز في أحد قولي العلماء كما في مذهب مالك وقول في مذهب أحمد ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن بنت يتيمة تحت الحجر مزوجة قال لها الزوج إن أبرئتيني ~~من صداقك فأنت طالق ثلاثا فمن شدة الضرب والفزع أوهبته ثم رجعت فندمت هل ~~لها أن ترجع ولا يحنث أم لا ### ||||| فأجاب # إذا أكرهها على الهبة أو كانت تحت الحجر لم تصح الهبة ولم يقع ~~الطلاق والله أعلم PageV32P355 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل له إمرأة كساها ~~كسوة ms9292 مثمنة مثل مصاغ وحلي وقلائد وما أشبه ذلك خارجا عن كسوة القيمة وطلبت ~~منه المخالعة وعليه مال كثير مستحق لها عليه وطلب حلية منها ليستعين به على ~~حقها أو على غير حقها فأنكرته ويعلم أنها تحلف وتأخذ الذي ذكره عندها ~~والثمن يلزمه ولم يكن له بينة عليها ### ||||| فأجاب # إن كان قد أعطاها ذلك الزائد عن الواجب على وجه التمليك لها فقد ~~ملكته وليس له إذا طلقها هو ابتداء أن يطالبها بذلك لكن إن كانت الكارهة ~~لصحبته وأرادت الاختلاع منه فلتعطه ما أعطاها من ذلك ومن الصداق الذي ساقه ~~إليها والباقي في ذمته ليخلعها كما مضت سنة رسول الله في إمرأة ثابت بن قيس ~~بن شماس حيث ( أمرها برد ما أعطاها ) وإن كان قد أعطاها لتتجمل به كما ~~يركبها دابته ويحذيها غلامه ونحو ذلك لا على وجه التمليك للعين فهو باق على ~~ملكه فله أن يرجع PageV32P356 فيه متى شاء سواء طلقها أو لم يطلقها وإن ~~تنازعا هل أعطاها على وجه التمليك أو على وجه الإباحة ولم يكن هناك عرف ~~يقضي به فالقول قوله مع يمينه أنه لم يملكها ذلك وإن تنازعا هل أعطاها شيئا ~~أو لم يعطها ولم يكن حجة يقضي له بها لا شاهد واحد ولا إقرار ولا غير ذلك ~~فالقول قولها مع يمينها أنه لم يعطها ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل باع شيئا من ~~قماشه فخاصمته زوجته لأجل أنه باع قماشه وحصل بينهما شنآن عليه وهم في ~~الخصام وجاء ناس من قرابتها فقال الرجل للناس الذين حضروا هذه المرأة إن لم ~~تقعد مثل الناس وإلا تخلى وتزوج ثم قال إن أعطيتني كتابك لهذا الرجل كنت ~~طالقا ثلاثا وكان نيته أنها تبرئه فخنقت وأعطت الكتاب للرجل فهل يقع الطلاق ~~أم لا ### ||||| فأجاب # إذا كان مقصوده إعطاء الكتاب على وجه الإبراء فأعطته عطاء مجردا ~~ولم تبرئه منه لم يقع به الطلاق وإذا قال كان مقصودي الإعطاء في ذلك إذ لا ~~غرض له إلا في الإبراء وتسليم الصداق يمنع من الإدعاء به ms9293 ومجردا إيداعه فلا ~~غرض له والله أعلم PageV32P357 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل مالكي ~~المذهب حصل له نكد بينه وبين والد زوجته فحضر قدام القاضي فقال الزوج لوالد ~~الزوجة إن أبرأتني ابنتك أوقعت عليها الطلاق فقال والدها أنا أبرأتك فحضر ~~الزوج ووالد الزوجة قدام بعض الفقهاء فأبرأه والدها بغير حضورها وبغير ~~إذنها فهل يقع الطلاق أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله أصل هذه المسألة فيه نزاع بين العلماء فمذهب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد في المنصوص المعروف عنهم أنه ليس للأب أن يخالع على شيء من ~~مال ابنته سواء كانت محجورا عليها أو لم تكن لأن ذلك تبرع بمالها فلا يملكه ~~كما لا يملك إسقاط سائر ديونها ومذهب مالك يجوز له أن يخالع عن ابنته ~~الصغيرة بكرا كانت أو ثيبا لكونه يلي مالها وروي عنه أن له يخالع عن ابنته ~~البكر مطلقا لكونه يجبرها على النكاح وروي عنه يخالع عن ابنته مطلقا كما ~~يجوز له أن يزوجها بدون PageV32P358 مهر المثل للمصلحة وقد صرح بعص أصحاب ~~الشافعي وجها في مذهبه أنه يجوز في حق البكر الصغيرة أن يخالعها بالإبراء ~~من نصف مهرها إذا قلنا إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي وخطاه بعضهم لأنه ~~إنما يملك الإبراء بعد الطلاق لأنه إذا ملك إسقاط حقها بعد الطلاق لغير ~~فائدة فجواز ذلك لمنفعتها وهو يخلعها من الزوج أولى ولهذا يجوز عندهم كلهم ~~أن يختلعها الزوج بشيء من ماله وكذلك لها أن تخالعه بمالها إذا ضمن ذلك ~~الزوج فإذا جاز له أن يختلعها ولم يبق عليها ضرر إلااسقاط نصف صداقها ومذهب ~~مالك يخرج على أصول أحمد من وجوه منها أن الأب له أن يطلق ويخلع إمرأة ابنه ~~الطفل في إحدى الروايتين كما ذهب إليه طوائف من السلف ومالك يجوز الخلع دون ~~الطلاق لأن في الخلع معاوضة وأحمد يقول له التطليق عليه لأنه قد يكون ذلك ~~مصلحة له لتخليصه من حقوق المرأة وضررها وكذلك لا فرق في إسقاط حقوقه بين ~~المال وغير المال وأيضا فإنه يجوز ms9294 في إحدى الروايتين للحكم في الشقاف أن ~~يخلع المرأة بشيء من مالها بدون إذنها ويطلق على الزوج بدون إذنه كمذهب ~~PageV32P359 مالك وغيره وكذلك يجوز للأب أن يزوج المرأة بدون مهر المثل ~~وعنده في إحدى الروايتين أن الأب بيده عقدة النكاح وله أن يسقط نصف الصداق ~~ومذهبه أن للأب أن يتملك لنفسه من مال ولده ما لا يضر بالولد حتى لو زوجها ~~واشترط لنفسه بعض الصداق جاز له ذلك وإذا كان له من التصرف في المال ~~والتملك هذا التصرف لم يبق إلا طلبه لفرقتها وذلك يملكه بإجماع المسلمين ~~ويجوز عنده للأب أن يعتق بعض رقبة المولى عليه للمصلحة فقد يقال الأظهر أن ~~المرأة إن كانت تحت حجر الأب له أن يخالع معاوضة وافتداء لنفسها من الزوج ~~فيملكه الأب كما يملك غيره من المعاوضات وكما يملك افتداءها من الأسر وليس ~~له أن يفعل ذلك إلا إذا كان مصلحة لها وقد يقال قد لا يكون مصلحتها في ~~الطلاق ولكن الزوج يملك أن يطلقها وهو لا يقدر على منعه فإذا بذل له العوض ~~من غيرها لم يمكنها منعه من البذل فأما إسقاط مهرها وحقها الذي تستحقه ~~بالنكاح فقد يكون عليها في ذلك ضرر والأب قد يكون غرضه بإختلاعها حظه لا ~~لمصلحتها وهو لا يملك إسقاط حقها بمجرد حظه بالإتفاق فعلى قول من يصحح ~~الإبراء يقع الإبراء والطلاق وعلى قول من لا يجوز إبراءه إن ضمنه وقع ~~الطلاق بلا نزاع وكان على الأب للزوج PageV32P360 مثل الصداق عند أبي حنيفة ~~ومالك وأحمد والشافعي في القديم وعنده في الجديد إنما عليه مهر المثل وأما ~~إن لم يضمنه إن علق الطلاق بالإبراء فقال له إن أبرأتني فهي طالق فالمنصوص ~~عن أحمد أنه يقع الطلاق إذا اعتقد الزوج أنه تبرأ ويرجع على الأب بقدر ~~الصداق لأنه غره وهو إحدى الروايتين في مذهب أبي حنيفة وفي الأخرى لا يقع ~~شيء وهو قول الشافعي وهو قول في مذهب أحمد لأنه لم يبرأ في نفس الأمر ~~والأولون قالوا وجد الابراء وأمكن أن ms9295 يجعل الأب ضامنا بهذا الإبراء وأما إن ~~طلقها طلاقا لم يعلقه على الإبراء فإنه يقع لكن عند أحمد يضمن للزوج الصداق ~~لأنه غره وعند الشافعي لا يضمن له شيئا لأنه لم يلزم شيئا والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمرأة طلقها زوجها ثلاثا وأبرأت الزوج من حقوق الزوجية قبل ~~علمها بالحمل فلما بان الحمل طالبت الزوج بفرض الحمل فهل يجوز لها ذلك أم ~~لا ### ||||| فأجاب # إذا كان الأمر كما ذكر لم تدخل نفقة الحمل في الابراء وكان لها أن ~~تطلب نفقة الحمل ولو علمت بالحمل وأبرأته من حقوق الزوجية فقط لم ~~PageV32P361 يدخل في ذلك نفقة الحمل لأنها تجب بعد زوال النكاح وهي واجبة ~~للحمل في أظهر قولي العلماء كأجرة الرضاع وفي الآخر هي للزوجة من أجل الحمل ~~فتكون من جنس نفقة الزوجات والصحيح أنها من جنس نفقة الأقارب كأجرة الرضاع ~~اللهم إلا أن يكون الإبراء بمقتضى أنه لا تبقى بينهما مطالبة بعد النكاح ~~أبدا فإذا كان الأمر كذلك ومقصودهما المبارأة بحيث لا يبقى للآخرة مطالبة ~~بوجه فهذا يدخل فيه الإبراء من نفقة الحمل PageV32P362 ### | 1 ( كتاب الطلاق ) # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى ~~بعده قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا من يهدى الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله تسليما كثيرا ### ||| 2 باب طلاق السنة وطلاق البدعة #2 ) ### ||| فصل # مختصر فيما ( يحل من الطلاق ويحرم ( وهل يلزم المحرم أو لا يلزم فنقول ~~الطلاق منه ما هو محرم بالكتاب والسنة والإجماع ومنه ما ليس بمحرم ( ~~فالطلاق المباح ( بإتفاق العلماء هو أن يطلق الرجل PageV33P005 إمرأته طلقة ~~واحدة إذا طهرت من حيضتها بعد أن تغتسل وقبل أن يطأها ثم يدعها فلا يطلقها ~~حتى تنقضى عدتها وهذا الطلاق يسمى ( طلاق السنة ( فإن ms9296 أراد أن يرتجعها في ~~العدة فله ذلك بدون رضاها ولا رضا وليها ولامهر جديد وإن تركها حتى تقضى ~~العدة فعليه أن يسرحها بإحسان فقد بانت منه # فإن أراد أن يتزوجها بعد إنقضاء العدة جاز له ذلك لكن يكون بعقد كما لو ~~تزوجها إبتداء أو تزوجها غيره ثم إرتجعها في العدة أوتزوجها بعد العدة ~~وأراد أن يطلقها فانه يطلقها كما تقدم ثم إذا إرتجعها أو تزوجها مرة ثانية ~~وأراد أن يطلقها فانه يطلقها كما تقدم فإذا طلقها الطلقة الثالثة حرمت عليه ~~حتى تنكح زوجا غيره كما حرم الله ذلك ورسوله وحينئذ فلا تباح له إلا بعد أن ~~يتزوجها غيره النكاح المعروف الذى يفعله الناس إذا كان الرجل راغبا في نكاح ~~المرأة ثم يفارقها # فأما إن تزوجها بقصد أن يحلها لغيره فانه محرم عند أكثر العلماء كما نقل ~~عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وغيرهم وكما دلت على ذلك النصوص النبوية ~~والآدلة الشرعية ومن العلماء من رخص في ذلك كما قد بين ذلك في غير هذا ~~الموضع PageV33P006 # وإن كانت المرأة مما لا تحيض لصغرها أو كبرها فانه يطلقها متى شاء سواء ~~كان وطئها أو لم يكن يطؤها فان هذه عدتها ثلاثة أشهر ففى أى وقت طلقها ~~لعدتها فإنها لا تعتد بقروء ولا بحمل لكن من العلماء من يسمى هذا ( طلاق ~~سنة ومنهم من لا يسميه طلاق سنة ولا ( بدعة ( # وإن طلقها في الحيض أو طلقها بعد أن وطئها وقبل أن يتبين حملها فهذا ~~الطلاق محرم ويسمى ( طلاق البدعة ( وهو حرام بالكتاب والسنة والاجماع وإن ~~كان قد تبين حملها وأراد أن يطلقها فله أن يطلقها وهل يسمى هذا طلاق سنة أو ~~لا يسمى طلاق سنة ولا بدعة فيه نزاع لفظى وهذا ( الطلاق المحرم ( في الحيض ~~وبعد الوطىء وقبل تبين الحمل هل يقع أو لا يقع سواء كانت واحدة أو ثلاثا ~~فيه قولان معروفان للسلف والخلف # وإن طلقها ثلاثا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات مثل أن يقول أنت طالق ~~ثلاثا أو أنت طالق ms9297 وطالق وطالق أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق أو يقول أنت ~~طالق ثم يقول انت طالق ثم يقول أنت طالق أو يقول أنت طالق ثلاثا أو عشر ~~طلقات أو مائه طلقة أو PageV33P007 ألف طلقة ونحو ذلك من العبارات فهذا ~~للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال سواء كانت مدخولا بها أو غير ~~مدخول بها ومن السلف من فرق بين المدخول بها وغير المدخول بها وفيه قول ~~رابع محدث مبتدع # ( أحدها ) أنه طلاق مباح لازم وهو قول الشافعى وأحمد في الرواية القديمة ~~عنه إختارها الخرقى # ( الثانى ( أنه طلاق محرم لازم وهو قول مالك وأبى حنيفة وأحمد في الرواية ~~المتأخرة عنه إختارها أكثر أصحابه وهذا القول منقول عن كثير من السلف من ~~الصحابه والتابعين والذى قبله منقول عن بعضهم # ( الثالث ) أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة وهذا القول منقول عن ~~طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الزبير ~~بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ويروى عن على وبن مسعود وبن عباس القولان وهو ~~قول كثير من التابعين ومن بعدهم مثل طاووس وخلاس بن عمرو ومحمد بن إسحاق ~~وهو قول داود وأكثر أصحابه ويروى ذلك عن ابى جعفر محمد بن على بن الحسين ~~وابنه جعفر بن محمد ولهذا ذهب إلى ذلك من ذهب من الشيعة وهو قول بعض أصحاب ~~أبى حنيفة ومالك واحمد بن حنبل PageV33P008 # وأما ( القول الرابع ( الذى قاله بعض المعتزلة والشيعة فلا يعرف عن أحد ~~من السلف وهو أنه لا يلزمه شيء # والقول ( الثالث ( هو الذى يدل عليه الكتاب والسنة فان كل طلاق شرعه الله ~~في القرآن في المدخول بها إنما هو الطلاق الرجعى لم يشرع الله لأحد أن يطلق ~~الثلاث جميعا ولم يشرع له أن يطلق المدخول بها طلاقا باينا ولكن إذا طلقها ~~قبل الدخول بها بانت منه فإذا إنقضت عدتها بانت منه # فالطلاق ( ثلاثة أنواع ( باتفاق المسلمين ( الطلاق الرجعى ( وهو الذى ~~يمكنه ان يرتجعها فيه بغير إختيارها وإذا مات أحدهما ms9298 في العدة ورثه الآخر و ~~( الطلاق البائن ) وهو ما يبقى به خاطبا من الخطاب لا تباح له إلا بعقد ~~جديد ( والطلاق المحرم لها ( لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وهو فيما إذا ~~طلقها ثلاث تطليقات كما أذن الله ورسوله وهو أن يطلقها ثم يرتجعها في العدة ~~أو يتزوجها ثم يطلقها ثم يرتجعها أو يتزوجها ثم يطلقها الطلقة الثالثة فهذا ~~الطلاق المحرم لها حتى تنكح زوجا غيره بإتفاق العلماء وليس في كتاب الله ~~ولا سنة رسوله في المدخول بها طلاق بائن يحسب من الثلاث # ولهذا كان مذهب فقهاء الحديث كالإمام أحمد في ظاهر مذهبه والشافعى في أحد ~~قوليه وإسحاق بن راهويه وابى ثور وبن المنذر PageV33P009 وداود وبن خزيمة ~~وغيرهم أن ( الخلع ( فسخ للنكاح وفرقه بائنه بين الزوجين لا يحسب من الثلاث ~~وهذا هو الثابت عن الصحابه كابن عباس وكذلك ثبت عن عثمان بن عفان وبن عباس ~~وغيرهما أن المختلعة ليس عليها أن تعتد بثلاثة قروء وإنما عليها أن تعتد ~~بحيضه وهو قول إسحاق بن راهويه وبن المنذر وغيرهما وهو إحدى الروايتين عن ~~أحمد وروى في ذلك أحاديث معروفة في السنن عن النبى يصدق بعضها بعضا وبين أن ~~ذلك ثابت عن النبى وقال روى عن طائفة من الصحابه أنهم جعلوا الخلع طلاقا ~~لكن ضعفه ائمة الحديث كالإمام أحمد بن حنبل وبن خزيمة وبن المنذر والبيهقى ~~وغيرهم كما روى في ذلك عنهم # و ( الخلع ( أن تبذل المراة عوضا لزوجها ليفارقها قال الله تعالى @QB@ ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ms9299 ومن ~~يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ~~وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم ~~نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم @QE@ ~~PageV33P010 فبين سبحانه أن المطلقات بعد الدخول يتربصن أي ينتظرن ثلاث ~~قروء ( والقرؤ ) عند أكثر الصحابه كعثمان وعلى وبن مسعود وأبى موسى وغيرهم ~~الحيض فلا تزال في العدة حتى تنقضى الحيضه الثالثه وهذا مذهب أبى حنيفة ~~وأحمد في اشهر الروايتين عنه وذهب بن عمر وعائشة وغيرهما أن العدة تنقضى ~~بطعنها في الحيضة الثالثة وهى مذهب مالك والشافعى # وأما المطلقة قبل الدخول فقد قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا @QE@ ثم قال @QB@ وبعولتهن أحق بردهن ~~في ذلك @QE@ أى في ذلك التربص ثم قال @QB@ الطلاق مرتان @QE@ فبين أن ~~الطلاق الذى ذكره هو الطلاق الرجعى الذى يكون فيه أحق بردها هو @QB@ مرتان ~~@QE@ مرة بعد مرة كما إذا قيل للرجل سبح مرتين أو سبح ثلاث مرات أومائة مرة ~~فلابد أن يقول سبحان الله سبحان الله حتى يستوفى العدد فلو أراد أن يجمل ~~PageV33P011 ذلك فيقول سبحان الله مرتين أو مائة مرة لم يكن قد سبح إلا مرة ~~واحدة والله تعالى لم يقل الطلاق طلقتان بل قال مرتان فإذا قال لامرأته أنت ~~طالق اثنتين أو ثلاثا أو عشرا أو ألفا لم يكن قد طلقها إلا مرة واحدة وقول ~~النبى صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين جويرية ( لقد قلت بعدك أربع كلمات ~~لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنه ~~عرشه ms9300 سبحان الله رضى نفسه سبحان الله مداد كلماته ( أخرجه مسلم في صحيحه ~~فمعناه أنه سبحانه يستحق التسبيح بعدد ذلك كقوله ( ربنا ولك الحمد ملأ ~~السماوات وملأ الأرض وملأ ما بينهما وملأ ما شئت من شيء بعد ( ليس المراد ~~أنه سبح تسبيحا بقدر ذلك فالمقدار تارة يكون وصفا لفعل العبد وفعله محصور ~~وتارة يكون لما يستحقه الرب فذاك الذى يعظم قدره وإلا فلو قال المصلى في ~~صلاته سبحان الله عدد خلقه لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة ولما شرع النبى صلى ~~الله عليه وسلم ان يسبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلاثين ~~ويكبر ثلاثا وثلاثين فلو قال سبحان الله والحمد لله والله أكبر عدد خلقه لم ~~يكن قد سبح إلا مرة واحدة # ولا نعرف أن أحدا طلق على عهد النبى صلى الله عليه وسلم إمرأته ثلاثا ~~بكلمة واحدة فألزمه النبى صلى الله عليه وسلم بالثلاث ولا روى في ذلك حديث ~~صحيح ولا حسن ولا نقل أهل الكتب المعتد عليها في ذلك شيئا PageV33P012 بل ~~رويت في ذلك أحاديث كلها ضعيفة بإتفاق علماء الحديث بل موضوعه بل الذى في ~~صحيح مسلم وغيره من السنن والمسانيد عن طاووس عن بن عباس أنه قال كان ~~الطلاق على عهد رسول الله وأبى بكر وسنتين من خلافه عمر طلاق الثلاث واحدة ~~فقال عمر إن الناس قد إستعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم ~~فأمضاه عليهم وفى رواية لمسلم وغيره عن طاووس ان اباالصهباء قال لإبن عباس ~~أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله وأبى بكر وثلاثا من ~~إمارة عمر فقال بن عباس نعم وفى رواية أن أبا الصهباء قال لإبن عباس هات من ~~هناتك الم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبى بكر واحدة قال قد كان ~~ذلك فلما كان في زمن عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم وروى الإمام ~~أحمد في مسنده حدثنا سعيد بن إبراهيم حدثنا ابى عن محمد بن إسحاق حدثنى ~~داود بن ms9301 الحصين عن عكرمة مولى بن عباس عن بن عباس أنه قال طلق ركانه بن عبد ~~يزيد أخو بنى المطلب إمرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا قال ~~فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كيف طلقتها ) قال طلقتها ثلاثا قال ~~فقال ( في مجلس وحد ) قال نعم قال ( فإنما تلك وحدة فأرجعها إن شئت ( قال ~~فرجعها فكان بن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر وقد أخرجه أبو عبد الله ~~المقدسى في كتابه ( المختاره ( الذى هو اصح من ( صحيح الحاكم ( وهكذا روى ~~أبو داود وغيره من حديث PageV33P013 وقول النبى ( في مجلس واحد ( مفهومه ~~أنه لو لم يكن في مجلس واحد لم يكن الأمركذلك وذلك لأنها لو كانت في مجالس ~~لأمكن في العادة أن يكون قد إرتجعها فانها عنده والطلاق بعد الرجعة يقع ~~والمفهوم لا عموم له في جانب المسكوت عنه بل قد يكون فيه تفصيل كقوله ( إذا ~~بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ( أو ( لم ينجسه شيء ( وهو إذا بلغ قلتين ~~فقد يحمل الخبث وقد لا يحمله وقوله ( في الإبل السائمة الزكاة ( وهى إذا لم ~~تكن سائمه قد يكون فيها الزكاة زكاة التجارة وقد لا يكون فيها وكذلك قوله ( ~~من قام ليله القدر إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ( ومن لم يقمها ~~فقد يغفر له بسبب آخر وكقوله ( من صام رمضان إيمانا وإحتسابا غفر له ما ~~تقدم من ذنبه ) وقوله تعالى تعالى 0 @QB@ إن الذين آمنوا والذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله @QE@ ومن لم يكن كذلك فقد يعمل ~~عملا آخر يرجو به رحمة الله مع الإيمان وقد لا يكون كذلك فلو كان في مجالس ~~فقد يكون له فيها رجعة وقد لا يكون بخلاف المجلس الواحد الذى جرت عادة ~~صاحبه بانه لا يراجعها فيه فان له فيه الرجعة كما قال النبى حيث قال ( ~~ارجعها إن شئت ( ولم يقل كما قال في حديث بن عمر ( مره فليراجعها ( فأمره ~~بالرجعة والرجعة يستقل بها الزوج بخلاف المراجعة ms9302 # وقد روى أبو داود وغيره أن ركانة طلق إمرأته البتة فقال له النبى ( الله ~~ما أردت إلا واحدة ) فقال ما أردت بها إلا واحدة PageV33P014 ( فردها إليه ~~رسول الله ( وأبو داود لما لم يرو في سننه الحديث الذى أخرجه أحمد في مسنده ~~فقال حديث البتة أصح من حديث بن جريج ( أن ركانة طلق إمرأته ثلاثا ) لأن ~~أهل بيته أعلم لكن الأئمة الأكابر العارفون بعلل الحديث والفقه فيه كالإمام ~~أحمد بن حنبل والبخارى وغيرهما وأبى عبيد وأبى محمد بن حزم وغيره ضعفوا ~~حديث البتة وبينوا أن رواته قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم وضبطهم وأحمد أثبت ~~حديث الثلاث وبين انه الصواب مثل قوله حديث ركانة لا يثبت انه طلق امرأته ~~البتة وقال أيضا حديث ركانة في البتة ليس بشيء لأن بن إسحاق يرويه عن داود ~~بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثا ) وأهل المدينة ~~يسمون من طلق ثلاثا طلق البتة وأحمد إنما عدل عن حديث بن عباس لأنه كان يرى ~~ان الثلاث جائزة موافقة للشافعى فأمكن أن يقال حديث ركانة منسوخ ثم لما رجع ~~عن ذلك وتبين أنه ليس في القرآن والسنة طلاق مباح إلا الرجعى عدل عن حديث ~~بن عباس لأنه أفتى بخلافه وهذا علة عنده في إحدى الروايتين عنه لكن الرواية ~~الأخرى التى عليها أصحابه أنه ليس بعلة فيلزم أن يكون مذهبه العمل بحديث بن ~~عباس # وقد بين في غير هذا الموضع أعذار الأئمة المجتهدين رضى الله عنهم الذين ~~ألزموا من أوقع جملة الثلاث بها مثل عمر رضى الله عنه فانه لما رأى الناس ~~قد أكثروا مما حرمه الله عليهم من جمع الثلاث ولا ينتهون عن ذلك إلا بعقوبة ~~PageV33P015 رأى عقوبتهم بالزامها لئلا يفعلوها إما من نوع التعزير العارض ~~الذى يفعل عند الحاجة كما كان يضرب في الخمر ثمانين ويحلق الرأس وينفى وكما ~~منع النبى الثلاثة الذين تخلفوا عن الإجتماع بنسائهم وإما ظنا أن جعلها ~~واحدة كان مشروطا بشرط وقد زال كما ذهب إلى مثل ذلك ms9303 في متعة الحج إما مطلقا ~~وإما متعة الفسخ # وإلا لزام بالفرقة لمن لم يقم بالواجب مما يسوغ فيه الإجتهاد لكن تارة ~~يكون حقا للمرأة كما في العنين والمولى عند جمهور العلماء والعاجز عن ~~النفقة عند من يقول به وتارة يقال إنه حق لله كما في تفريق الحكمين بين ~~الزوجين عند الأكثرين إذا لم يجعلا وكيلين وكما في وقوع الطلاق بالمولى عند ~~من يقول بذلك من السلف والخلف إذا لم يف في مدة التربص وكما قال من الفقهاء ~~من أصحاب أحمد وغيره إنهما إذا تطاوعا في الإتيان في الدبر فرق بينهما ~~والأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما رآه من مصلحة الولد فعليه أن يطيعه ~~كما قال أحمد وغيره كما أمر النبى عبد الله بن عمر أن يطيع أباه لما أمره ~~أبوه بطلاق إمرأته فالإلزام إما من الشارع وإما من الإمام بالفرقه إذا لم ~~يقم الزوج بالواجب هو من موارد الإجتهاد # فلما كان الناس إذا لم يلزموا بالثلاث يفعلون المحرم رأى عمر الزامهم ~~بذلك لأنهم لم يلزموا طاعة الله ورسوله مع بقاء النكاح ولكن كثير من ~~الصحابه PageV33P016 والتابعين نازعوا من قال ذلك إما لأنهم لم يروا ~~التعزيز بمثل ذلك وإما لأن الشارع لم يعاقب بمثل ذلك وهذا فيمن يستحق ~~العقوبة وأما من لا يستحقها بجهل أو تأويل فلا وجه لالزامه بالثلاث وهذا ~~شرع شرعه النبى صلى الله عليه وسلم كما شرع نظائره لم يخصه ولهذا قال من ~~قال من السلف والخلف إن ما شرعه النبى في فسخ الحج إلى العمرة التمتع كما ~~أمر به أصحابه في حجة الوداع هو شرع مطلق كما أخبر به لما سئل أعمرتنا هذه ~~لعامنا هذا أم للأبد فقال ( لا بل لأبد الأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة ) وان قول من قال إنما شرع للشيوخ لمعنى يختص بهم مثل بيان جواز ~~العمرة في أشهر الحج قول فاسد لوجوه مبسوطة في غير هذا الموضع # وقد قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي ms9304 الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ فأمر المؤمنين عند ~~تنازعهم برد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول فما تنازع فيه السلف والخلف ~~وجب رده إلى الكتاب والسنة وليس في الكتاب والسنة ما يوجب الإلزام بالثلاث ~~بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقدة بل إنما في الكتاب ~~والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذى أباحه الله ورسوله وعلى هذا ~~PageV33P017 يدل القياس والإعتبار بسائر أصول الشرع فان كل عقد يباح تارة ~~ويحرم تارة كالبيع والنكاح إذا فعل على الوجه المحرم لم يكن لازما نافذا ~~كما يلزم الحلال الذى أباحه الله ورسوله # ولهذا اتفق المسلمون على ان ما حرمه الله من نكاح المحارم ومن النكاح في ~~العدة ونحو ذلك يقع باطلا غير لازم وكذلك ما حرمه الله من بيع المحرمات ~~كالخمر والخنزير والميتة وهذا بخلاف ما كان محرم الجنس كالظهار والقذف ~~والكذب وشهادة الزور ونحو ذلك فان هذا يستحق من فعله العقوبة بما شرعه الله ~~من الأحكام فانه لا يكون تارة حلالا وتارة حراما حتى يكون تارة صحيحا وتارة ~~فاسدا وما كان محرما من أحد الجانبين مباحا من الجانب الآخر كافتداء الأسير ~~واشتراء المجحود عتقه ورشوه الظالم لدفع ظلمة أو لبذل الحق الواجب وكاشتراء ~~الإنسان المصراة وما دلس عيبه واعطاء المؤلفة قلوبهم ليفعل الواجب أو ليترك ~~المحرم وكبيع الجالب لمن تلقى منه ونحو ذلك فان المظلوم يباح له فعله وله ~~أن يفسخ العقد وله أن يمضيه بخلاف الظالم فان ما فعله ليس بلازم # والطلاق هو مما أباحه الله تارة وحرمه أخرى فاذا فعل على الوجه الذى حرمه ~~الله ورسوله لم يكن لازما نافذا كما يلزم ما أحله الله ورسوله كما في ~~الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~PageV33P018 ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) وقد قال تعالى @QB@ ~~الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان @QE@ فبين أن الطلاق ms9305 الذى شرعه ~~الله للمدخول بها وهو الطلاق الرجعى @QB@ مرتان @QE@ وبعد المرتين إما @QB@ ~~فإمساك بمعروف @QE@ بان يراجعها فتبقى زوجته وتبقى معه على طلقة واحدة وإما ~~@QB@ تسريح بإحسان @QE@ بأن يرسلها إذا إنقضت العدة كما قال تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا @QE@ ثم قال بعد ذلك ~~@QB@ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به @QE@ ~~وهذا هو الخلع سماه ( افتداء ) لأن المرأة تفتدى نفسها من أسر زوجها كما ~~يفتدى الأسير والعبد نفسه من سيده بما يبذله قال تعالى @QB@ فإن طلقها @QE@ ~~يعنى الطلقة الثالثة @QB@ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ فإن ~~طلقها يعني هذا الزوج الثانى @QB@ فلا جناح عليهما @QE@ يعنى عليها وعلى ~~الزوج الأول @QB@ أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله @QE@ وكذلك قال ~~الله تعالى @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله ~~واليوم @QE@ PageV33P019 # وفى الصحيح والسنن والمسانيد عن عبد الله بن عمر انه طلق امرأته وهى حائض ~~فذكر عمر للنبى فتغيض عليه النبى صلى الله عليه وسلم وقال ( مره فليراجعها ~~حتى تحيض ثم تطهر ثم ان شاء بعد أمسكها وان شاء طلقها قبل ان يجامعها فتلك ~~العدة التى أمر الله ان يطلق لها النساء ) وفى رواية في الصحيح ( أنه أمره ~~ان يطلقها طاهرا أو حاملا ) وفى رواية في الصحيح ( قرأ النبى صلى الله عليه ~~وسلم @QB@ إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن @QE@ وعن بن عباس وغيره من ~~الصحابه الطلاق ms9306 على ( اربعة أوجه ) وجهان حلال ووجهان حرام فاما اللذان هما ~~حلال فان يطلق امرأته طاهرا في غير جماع أو يطلقها حاملا قد استبان حملها ~~وأما اللذان هما حرام فأن يطلقها حائضا أو يطلقها بعد الجماع لا يدرى اشتمل ~~الرحم على ولد أم لا ورواه الدارقطنى وغيره # وقد بين النبى أنه لا يحل له أن يطلقها إلا إذا طهرت من الحيض قبل أن ~~يجامعها وهذا هو الطلاق للعدة أى لإستقبال العدة فان ذلك الطهر أو العدة ~~فان طلقها قبل العدة يكون قد طلقها قبل الوقت الذى أذن الله فيه ويكون قد ~~طول عليها التربص وطلقها من غير حاجة به إلى PageV33P020 طلاقها والطلاق في ~~الأصل مما يبغضه الله وهو أبغض الحلال إلى الله وإنما أباح منه ما يحتاج ~~إليه الناس كما تباح المحرمات للحاجة فلهذا حرمها بعد الطلقة الثالثة حتى ~~تنكح زوجا غيره عقوبة له لينتهى الإنسان عن إكثار الطلاق فإذا طلقها لم تزل ~~في العدة متربصة ثلاثة قروء وهو مالك لها يرثها وترثه وليس له فائدة في ~~تعجيل الطلاق قبل وقته كما لا فائدة في مسابقة الإمام ولهذا لا يعتد له بما ~~فعله قبل الإمام بل تبطل صلاته إذا تعمد ذلك في أحد قولى العلماء وهو لا ~~يزال معه في الصلاة حتى يسلم # ولهذا جوز أكثر العلماء الخلع في الحيض لأنه على قول فقهاء الحديث ليس ~~بطلاق بل فرقه بائنة وهو في أحد قوليهم تستبرأ بحيضه لا عدة عليها وهذه ~~إحدى الروايتين عند أحمد ولأنها تملك نفسها بالإختلاع فلهما فائدة في تعجيل ~~الإبانة لرفع الشر الذى بينهما بخلاف الطلاق الرجعى فانه لا فائدة في ~~تعجيله قبل وقته بل ذلك شر بلا خير وقد قيل إنه طلاق في وقت لا يرغب فيها ~~وقد لا يكون محتاجا إليه بخلاف الطلاق وقت الرغبة فانه لا يكون إلا عن حاجة # وقول النبى صلى الله عليه وسلم لإبن عمر ( مره فليراجعها ( مما تنازع ~~العلماء فيه في مراد النبى ففهم منه طائفة من العلماء أن الطلاق قد ms9307 لزمه ~~فأمره أن يرتجعها ثم يطلقها في الطهر إن شاء وتنازع PageV33P021 هؤلاء هل ~~الإرتجاع واجب أو مستحب وهل له أن يرتجعها في الطهر الأول أو الثانى وفى ~~حكمه هذا النهى أقوال ذكرناها وذكرنا مأخذها في غير هذا الموضع # وفهم طائفة أخرى أن الطلاق لم يقع ولكنه لما فارقها ببدنه كما جرت العادة ~~من الرجل إذا طلق إمرأته إعتزلها ببدنه وإعتزلته ببدنها فقال لعمر ( مره ~~فليراجعها ( ولم يقل فليرتجعها ( والمراجعة ( مفاعلة من الجانبين أى ترجع ~~إليه ببدنها فيجتمعان كما كانا لأن الطلاق لم يلزمه فإذا جاء الوقت الذى ~~أباح الله فيه الطلاق طلقها حينئذ إن شاء # قال هؤلاء ولو كان الطلاق قد لزم لم يكن في الأمر بالرجعة ليطلقها طلقة ~~ثانية فائدة بل فيه مضرة عليهما فان له أن يطلقها بعد الرجعة بالنص ~~والإجماع وحينئذ يكون في الطلاق مع الأول تكثير الطلاق وتطويل العدة وتعذيب ~~الزوجين جميعا فان النبى صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليه أن يطأها قبل ~~الطلاق بل إذا وطئها لم يحل له أن يطلقها حتى يتبين حملها أو تطهر الطهر ~~الثانى وقد يكون زاهدا فيها يكره أن يطأها فتعلق منه فكيف يجب عليه وطؤها ~~ولهذا لم يوجب الوطء أحد من الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين ولكن ~~أخر الطلاق إلى الطهر الثانى ولولا أنه طلقها أولا لكان له أن يطلقها في ~~الطهر الأول لأنه لو أبيح له الطلاق في PageV33P022 الطهر الأول لم يكن في ~~إمساكها فائدة مقصودة بالنكاح إذا كان لا يمسكها إلا لأجل الطلاق فانه لو ~~أراد أن يطلقها في الطهر الأول لم يحصل إلا زيادة ضرر عليهما والشارع لا ~~يأمر بذلك فإذا كان ممتنعا من طلاقها في الطهر الأول ليكون متمكنا من ~~الوطىء الذى لا يعقبه طلاق فان لم يطأها أو وطئها أو حاضت بعد ذلك فله أن ~~يطلقها ولأنه إذا إمتنع من وطئها في ذلك الطهر ثم طلقها في الطهر الثانى دل ~~على أنه محتاج إلى طلاقها لأنه لا رغبة له فيها إذ لو ms9308 كانت له فيها رغبة ~~لجامعها في الطهر الأول # قالوا لأنه لم يأمر بن عمر بالإشهاد على الرجعة كما أمر الله ورسوله ولو ~~كان الطلاق قد وقع وهو يرتجعها لأمر بالإشهاد ولأن الله تعالى لما ذكر ~~الطلاق في غير آية لم يأمر أحدا بالرجعة عقيب الطلاق بل قال @QB@ فإذا بلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف @QE@ فخير الزوج إذا قارب إنقضاء ~~العدة بين أن يمسكها بمعروف وهو الرجعة وبين أن يسيبها فيخلى سبيلها إذا ~~إنقضت العدة ولا يحبسها بعد إنقضاء العدة كما كانت محبوسة عليه في العدة ~~قال الله تعالى @QB@ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة @QE@ # وأيضا فلو كان الطلاق المحرم قد لزم لكان حصل الفساد الذى كرهه الله ~~ورسوله وذلك الفساد لا يرتفع برجعة يباح له الطلاق PageV33P023 بعدها ~~والأمر برجعة لا فائدة فيها مما تنزه عنه الله ورسوله فانه إن كان راغبا في ~~المرأة فله أن يرتجعها وإن كان راغبا عنها فليس له أن يرتجعها فليس في أمره ~~برجعتها مع لزوم الطلاق له مصلحة شرعية بل زيادة مفسدة ويجب تنزيه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن الأمر بما يستلزم زيادة الفساد والله ورسوله إنما ~~نهى عن الطلاق البدعى لمنع الفساد فكيف يأمر بما يستلزم زيادة الفساد # وقول الطائفة الثانية أشبه بالأصول والنصوص فان هذا القول متناقض إذ ~~الأصل الذى عليه السلف والفقهاء أن العبادات والعقود المحرمة إذا فعلت على ~~الوجه المحرم لم تكن لازمة صحيحة وهذا وإن كان نازع فيه طائفة من أهل ~~الكلام فالصواب مع السلف وأئمة الفقهاء لأن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~كانوا يستدلون على فساد العبادات والعقوبة بتحريم الشارع لها وهذا متواتر ~~عنهم # وأيضا فان لم يكن ذلك دليلا على فسادها لم يكن عن الشارع ما يبين الصحيح ~~من الفاسد فان الذين قالوا النهى لا يقتضى الفساد قالوا نعلم صحة العبادات ~~والعقود وفسادها بجعل الشارع هذا شرطا أو مانعا ونحو ذلك وقوله PageV33P024 ~~هذا صحيح وليس بصحيح من خطاب الوضع والإخبار ومعلوم أنه ms9309 ليس في كلام الله ~~ورسوله وهذه العبارات مثل قوله الطهارة شرط في الصلاة والكفر مانع من صحة ~~الصلاة وهذا العقد وهذه العبادة لا تصح ونحو ذلك بل إنما في كلامه الأمر ~~والنهى والتحليل والتحريم وفى نفى القبول والصلاح كقوله ( لا يقبل الله ~~صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ( وقوله ( هذا لا يصلح ( وفى كلامه ( إن ~~الله يكره كذا ( وفى كلامه الوعد ونحو ذلك من العبارات فلم نستفد الصحة ~~والفساد إلا بما ذكره وهو لا يلزم أن يكون الشارع بين ذلك وهذا مما يعلم ~~فساده قطعا # وأيضا فالشارع يحرم الشيء لما فيه من المفسدة الخالصة أو الراجحة ومقصوده ~~بالتحريم المنع من ذلك الفساد وجعله معدوما فلو كان مع التحريم يترتب عليه ~~من الأحكام ما يترتب على الحلال فيجعله لازما نافذا كالحلال لكان ذلك ~~إلزاما منه بالفساد الذى قصد عدمه فيلزم أن يكون ذلك الفساد قد أراد عدمه ~~مع أنه الزم الناس به وهذا تناقض ينزه عنه الشارع صلى الله عليه وسلم # وقد قال بعض هؤلاء إنه إنما حرم الطلاق الثلاث لئلا يندم المطلق دل على ~~لزوم الندم له إذا فعله وهذا يقتضى صحته PageV33P025 # فيقال له هذا يتضمن أن كلما نهى الله عنه يكون صحيحا كالجمع بين المرأة ~~وعمتها لئلا يفضى إلى قطيعة الرحم فيقال إن كان ما قاله هذا صحيحا هنا دليل ~~على صحة العقد إذ لو كان فاسدا لم تحصل القطيعة وهذا جهل وذلك أن الشارع ~~بين حكمته في منعه مما نهى عنه وأنه لو أباحه للزم الفساد فقوله تعالى @QB@ ~~لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا @QE@ وقوله عليه السلام ( لا تنكح ~~المرأة على عمتها ولا خالتها فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ( ونحو ذلك ~~يبين أن الفعل لو أبيح لحصل به الفساد فحرم منعا من هذا الفساد ثم الفساد ~~ينشأ من إباحته ومن فعله إذا اعتقد الفاعل أنه مباح أو أنه صحيح فأما مع ~~إعتقاد أنه محرم باطل وإلتزام أمر الله ورسوله فلا تحصل المفسدة وإنما تحصل ms9310 ~~المفسدة من مخالفة أمر الله ورسوله والمفاسد فيها فتنة وعذاب قال الله ~~تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم @QE@ # وقول القائل لو كان الطلاق غير لازم لم يحصل الفساد فيقال هذا هو مقصود ~~الشارع فنهى عنه وحكم ببطلانه ليزول الفساد ولولا ذلك لفعله الناس وإعتقدوا ~~صحته فيلزم الفساد # وهذا نظير قول من يقول النهى عن الشيء يدل على أنه مقصود وأنه شرعى وأنه ~~يسمى بيعا ونكاحا وصوما كما يقولون في نهيه عن نكاح الشغار ولعنه المحلل ~~والمحلل له ونهيه عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها PageV33P026 ونهيه عن ~~صوم يوم العيدين ونحو ذلك فيقال أما تصوره حسا فلا ريب فيه وهذا كنهيه عن ~~نكاح الأمهات والبنات وعن بيع الخمر والميتة ولحم الخنزير والأصنام كما في ~~الصحيحين عن جابر أن النبي قال إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير ~~والأصنام ( فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن ~~بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال ( لا هو حرام ( ثم قال ( لا هو حرام ( ~~ثم قال ( قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ~~أثمانها فتسميته لهذا نكاحا وبيعا لم يمنع أن يكون فاسدا باطلا بل دل على ~~إمكانه حسا # وقول القائل إنه شرعى أن أراد أنه يسمى بما أسماه به الشارع فهذا صحيح ~~وإن أراد أن الله أذن فيه فهذا خلاف النص والإجماع وإن أراد أنه رتب عليه ~~حكمه وجعله يحصل المقصود ويلزم الناس حكمه كما في المباح فهذا باطل ~~بالإجماع في أكثر الصور التى هي من موارد النزاع ولا يمكنه أن يدعى ذلك في ~~صورة مجمع عليها فان أكثر ما يحتج به هؤلاء بنهيه عن الطلاق في الحيض ونحو ~~ذلك مما هو من موارد النزاع فليس معهم صورة قد ثبت فيها مقصودهم لا بنص ولا ~~إجماع وكذلك ( المحلل ( الملعون لعنة لأنه قصد التحليل للأول بعقدة لا لأنه ~~أحلها في نفس الأمر فانه لو تزوجها بنكاح رغبة لكان قد أحلها بالإجماع ms9311 وهذا ~~غير ملعون بالإجماع PageV33P027 فعلم أن اللعنة لمن قصد التحليل وعلم أن ~~الملعون لم يحللها في نفس الأمر ودلت اللعنة على تحريم فعله والمنازع يقول ~~فعله مباح # فتبين أنه لا حجة معهم بل الصواب مع السلف وأئمة الفقهاء ومن خرج عن هذا ~~الأصل من العلماء المشهورين في بعض المواضع فان لم يكن له جواب صحيح والا ~~فقد تناقض كما تناقض في مواضع غير هذه والأصول التى لا تناقض فيها ما أثبت ~~بنص أو اجماع وما سوى ذلك فالتناقض موجود فيه وليس هو حجة على أحد والقياس ~~الصحيح الذى لا يتناقض هو موافق للنص والإجماع بل ولابد أن يكون النص قد دل ~~على الحكم كما قد بسط في موضع آخر وهذا معنى العصمة فان كلام المعصوم لا ~~يتناقض ولا نزاع بين المسلمين أن الرسول معصوم فيما بلغه عن الله تعالى فهو ~~معصوم فيما شرعه للأمه باجماع المسلمين وكذلك الأمة أيضا معصومة أن تجتمع ~~على ضلالة بخلاف ما سوى ذلك ولهذا كان مذهب أئمة الدين ان كل أحد من الناس ~~يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله فانه الذى فرض الله على جميع الخلائق ~~الإيمان به وطاعته وتحليل ما حلله وتحريم ما حرمه وهو الذى فرق الله به بين ~~المؤمن والكافر وأهل الجنة وأهل النار والهدى والضلال والغى والرشاد ~~فالمؤمنون أهل الجنة وأهل الهدى والرشاد هم متبعون والكفار أهل النار وأهل ~~الغى والضلال هم الذين لم يتبعوه PageV33P028 ( ) # ومن آمن به باطنا وظاهرا وإجتهد في متابعته فهو من المؤمنين السعداء وان ~~كان قد أخطأ وغلط في بعض ما جاء به فلم يبلغه أو لم يفهمه قال الله تعالى ~~عن المؤمنين @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله قال ( قد فعلت ) وفى السنن عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( العلماء ورثة الانبياء إن الأنبياء لم يورثوا ~~دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ( وقد قال ~~تعالى ms9312 @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ فقد خص أحد ~~النبيين الكريمين بالتفهيم مع ثنائه على كل منهما بأنه أوتى علما وحكما ~~فهكذا إذا خص الله أحد العالمين بعلم أمر وفهمه لم يوجب ذلك ذم من لم يحصل ~~له ذلك من العلماء بل كل من إتقى الله ما إستطاع فهو من أولياء الله ~~المتقين وإن كان قد خفى عليه من الدين ما فهمه غيره وقد قال واثلة بن ~~الأسقع وبعضهم يرفعه إلى النبى من طلب علما فأدركه فله أجران ومن طلب علما ~~فلم يدركه فله أجر وهذا يوافق ما في الصحيح عن عمر وبن العاص وعن أبى هريرة ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم ( اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران واذا ~~إجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ) وهذه الأصول لبسطها موضع أخر # وانما المقصود هنا التنبيه على هذا لان الطلاق المحرم مما يقول فيه كثير ~~من الناس إنه لازم والسلف أئمة الفقهاء والجمهور يسلمون أن النهى يقتضى ~~PageV33P029 الفساد ولا يذكرون في الاعتذار عن هذه الصورة فرقا صحيحا وهذا ~~مما تسلط به عليهم من نازعوهم في أن النهى يقتضى الفساد وإحتج بما سلموه له ~~من الصور وهذه حجة جدلية لاتفيد العلم بصحة قوله وإنما تفيد أن منازعيه ~~أخطؤا إما في صور النقض وإما في محل النزاع وخطؤهم في احداهما لا يوجب أن ~~يكون الخطأ في محل النزاع بل هذا الأصل أصل عظيم عليه مدار كثير من الأحكام ~~الشرعية فلا يمكن نقضه بقول بعض العلماء الذين ليس معهم نص ولا إجماع بل ~~الأصول والنصوص لا توافق بل تناقض قولهم ومن تدبر الكتاب والسنة تبين له أن ~~الله لم يشرع الطلاق المحرم جملة قط وأما الطلاق البائن فإنه شرعه قبل ~~الدخول وبعد إنقضاء العدة # وطائفة من العلماء يقول لمن لم يجعل الثلاث المجموعة الا واحدة أنتم ~~خالفتم عمر وقد إستقر الأمر على التزام ذلك في زمن عمر وبعضهم يجعل ذلك ~~إجماعا ms9313 فيقول لهم أنتم خالفتم عمر في الأمر المشهور عنه الذى إتفق عليه ~~الصحابة بل وفى الأمر الذى معه فيه الكتاب والسنة فان منكم من يجوز التحليل ~~وقد ثبت عن عمر أنه قال لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وقد إتفق ~~الصحابة على النهى عنه مثل عثمان وعلى وبن مسعود وبن عباس وإبن عمر وغيره ~~ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه أعاد المرأة إلى زوجها بنكاح تحليل وعمر ~~وسائر الصحابة معهم الكتاب PageV33P030 والسنة ( كلعن النبى المحلل والمحلل ~~له ( وقد خالفهم من خالفهم في ذلك إجتهادا والله يرضى عن جميع علماء ~~المسلمين # وأيضا فقد ثبت عن عمر أنه كان يقول في الخلية والبرية ونحو ذلك إنها طلقة ~~رجعية وأكثرهم يخالفون عمر في ذلك وقد ثبت عن عمر أنه خير المفقود إذا رجع ~~فوجد إمرأته قد تزوجت خيره بين إمرأته وبين المهر وهذا أيضا معروف عن غيره ~~من الصحابه كعثمان وعلى وذكره أحمد عن ثمانية من الصحابة وقال إلى أى شيء ~~يذهب الذى يخالف هؤلاء ومع هذا فأكثرهم يخالفون عمر وسائر الصحابة في ذلك ~~ومنهم من ينقض حكم من حكم به وعمر والصحابة جعلوا الأرض المفتوحة عنوة كأرض ~~الشام ومصر والعراق وخراسان والمغرب فيئا للمسلمين ولم يقسم عمر ولا عثمان ~~أرضا فتحها عنوة ولم يستطب عمر أنفس جميع الغانمين في هذه الأرضين وإن ظن ~~بعض العلماء أنهم إستطابوا أنفسهم في السواد بل طلب منهم بلال والزبير ~~وغيرهما قسمة أرض العنوة فلم يجبهم ومع هذا فطائفة منهم يخالف عمر والصحابة ~~في مثل هذا الأمر العظيم الذى إستقر الأمر عليه من زمنهم بل ينقض حكم من ~~حكم بحكمهم أيضا فأبو بكر وعمر وعثمان وعلى لم يخمسوا قط مال فيء ولا خمسه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جعلوا خمس الغنيمة خمسة أقسام متساوية ~~ومع هذا فكثير منهم يخالف ذلك ونظائر هذا متعددة PageV33P031 والأصل الذى ~~إتفق عليه علماء المسلمين أنما تنازعوا فيه وجب رده إلى الله والرسول كما ~~قال تعالى @QB@ يا أيها ms9314 الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ ولا يجوز لأحد أن يظن ~~بالصحابة أنهم بعد رسول الله أجمعوا على خلاف شريعته بل هذا من أقوا ل أهل ~~الإلحاد ولا يجوز دعوى نسخ ما شرعه الرسول بإجماع أحد بعده كما يظن طائفة ~~من الغالطين بل كلما أجمع المسلمون عليه فلا يكون إلا موافقا لما جاء به ~~الرسول لا مخالفا له بل كل نص منسوخ بإجماع الأمة فمع الأمة النص الناسخ له ~~تحفظ الأمة النص الناسخ كما تحفظ النص المنسوخ وحفظ الناسخ أهم عندها وأوجب ~~عليها من حفظ المنسوخ ويمنع أن يكون عمر والصحابة معه أجمعوا على خلاف نص ~~الرسول ولكن قد يجتهد الواحد وينازعه غيره وهذا موجود في مسائل كثيرة هذا ~~منها كما بسط في موضع غير هذا # ولهذا لما رأى عمر رضى الله عنه أن المبتوتة لها السكنى والنفقة فظن أن ~~القرآن يدل عليه نازعه أكثر الصحابة فمنهم من قال لها السكنى فقط ومنهم من ~~قال لانفقة لها ولا سكنى وكان من هؤلاء بن عباس وجابر وفاطمة بنت قيس وهى ~~التى روت عن النبى أنه قال ( ليس لك نفقة ولا سكنى ) فلما احتجوا عليها ~~بحجة عمر وهى قوله تعالى @QB@ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة @QE@ PageV33P032 قالت هي وغيرها من الصحابة كابن عباس وجابر ~~وغيرهما هذا في الرجعية لقوله تعالى @QB@ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا @QE@ فأى أمر يحدث بعد الثلاث وفقهاء الحديث كأحمد بن حنبل في ظاهر ~~مذهبه وغيره من فقهاء الحديث مع فاطمة بنت قيس # وكذلك أيضا في ( الطلاق ) لما قال تعالى @QB@ لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~@QE@ قال غير واحد من الصحابة والتابعين والعلماء هذا يدل على أن الطلاق ~~الذى ذكره الله هو الطلاق الرجعى فانه لو شرع ايقاع الثلاث عليه لكان ~~المطلق يندم اذا فعل ذلك ولا سبيل إلى رجعتها ms9315 فيحصل له ضرر بذلك والله أمر ~~العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم ولهذا قال تعالى أيضا بعد ذلك @QB@ ~~فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف @QE@ وهذا انما يكون في ~~الطلاق الرجعى لا يكون في الثلاث ولا في البائن وقال تعالى @QB@ وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله @QE@ فأمر بالاشهاد على الرجعة والاشهاد ~~عليها مأمور به باتفاق الامة قيل أمر ايجاب وقيل أمر استحباب # وقد ظن بعض الناس أن الإشهاد هو الطلاق وظن أن الطلاق الذى لا يشهد عليه ~~لا يقع وهذا خلاف الإجماع وخلاف الكتاب والسنة ولم يقل أحد من العلماء ~~المشهورين به فإن الطلاق أذن فيه أولا ولم يأمر فيه PageV33P033 بالإشهاد ~~وإنما أمر بالإشهاد حين قال @QB@ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف @QE@ والمراد هنا بالمفارقة تخلية سبيلها إذا قضت العدة ~~وهذا ليس بطلاق ولا برجعة ولا نكاح والإشهاد في هذا بإتفاق المسلمين فعلم ~~أن الإشهاد إنما هو على الرجعة ومن حكمة ذلك أنه قد يطلقها ويرتجعها فيزين ~~له الشيطان كتمان ذلك حتى يطلقها بعد ذلك طلاقا محرما ولا يدرى أحد فتكون ~~معه حراما فأمر الله أن يشهد على الرجعة ليظهر أنه قد وقعت به طلقة كما أمر ~~النبى صلى الله عليه وسلم من وجد اللقطة أن يشهد عليها لئلا يزين الشيطان ~~كتمان اللقطة وهذا بخلاف الطلاق فانه إذا طلقها ولم يراجعها بل خلى سبيلها ~~فانه يظهر للناس أنها ليست إمرأته بل هي مطلقة بخلاف ما إذا بقيت زوجة عنده ~~فانه لا يدرى الناس أطلقها أم لم يطلقها # وأما النكاح فلابد من التمييز بينه وبين السفاح وإتخاذ الأخدان كما أمر ~~الله تعالى ولهذا مضت السنة بإعلانه فلا يجوز أن يكون كالسفاح مكتوما لكن ~~هل الواجب مجرد الإشهاد أو مجرد الإعلان وإن لم يكن إشهاد أو يكفى أيهما ~~كان هذا فيه نزاع بين العلماء كما قد ذكر في موضعه وقال الله تعالى @QB@ ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو ms9316 ~~حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا @QE@ وهذه الآية عامة في ~~كل من يتق الله وسياق الآية يدل على أن التقوى مرادة من هذا النص العام فمن ~~إتقى الله في الطلاق فطلق كما PageV33P034 أمر الله تعالى جعل الله له ~~مخرجا مما ضاق على غيره ومن يتعد حدود الله فيفعل ما حرم الله عليه فقد ظلم ~~نفسه ومن كان جاهلا بتحريم طلاق البدعة فلم يعلم أن الطلاق في الحيض محرم ~~أو أن جمع الثلاث محرم فهذا اذا عرف التحريم وتاب صار ممن إتقى الله فإستحق ~~أن يجعل الله له مخرجا ومن كان يعلم أن ذلك حرام وفعل المحرم وهو يعتقد ~~أنها تحرم عليه ولم يكن عنده إلا من يفتيه بانها تحرم عليه فانه يعاقب ~~عقوبة بقدر ظلمه كمعاقبة أهل السبت بمنع الحيتان أن تأتيهم فإنه ممن لم يتق ~~الله فعوقب بالضيق وأن هداه الله فعرفة الحق والهمه التوبة وتاب فالتائب من ~~الذنب كمن لا ذنب له وحينئذ فقد دخل فيمن يتقى الله فيستحق أن يجعل الله له ~~فرجا ومخرجا فان نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم نبى الرحمة ونبى الملحمة ~~فكل من تاب فله فرج في شرعة بخلاف شرع من قبلنا فان التائب منهم كان يعاقب ~~بعقوبات كقتل أنفسهم وغير ذلك ولهذا كان بن عباس إذا سئل عمن طلق إمرأتة ~~ثلاثا يقول له لو إتقيت الله لجعل لك مخرجا وكان تارة يوافق عمر في الإلزام ~~بذلك للمكثرين من فعل البدعة المحرمة عليهم مع علمهم بأنها محرمة وروي عنه ~~أنه كان تارة لا يلزم إلا واحدة وكان إبن مسعود يغضب على أهل هذه البدعة ~~ويقول أيها الناس من أتى الأمر على على وجهه فقد تبين له وإلا فوالله ما ~~لنا طاقة بكل ما تحدثون PageV33P035 # ولم يكن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم ولا أبى بكر ولا عمر ولا عثمان ~~ولا على ( نكاح تحليل ) ظاهر تعرفه الشهود والمرأة والاولياء ولم ينقل أحد ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم ms9317 ولا خلفائه الراشدين انهم أعادوا المرأة على ~~زوجها بنكاح تحليل فانهم انما كانوا يطلقون في الغالب طلاق السنة # ولم يكونوا يحلفون بالطلاق ولهذا لم ينقل عن الصحابة نقل خاص في الحلف ~~وانما نقل عنهم الكلام في ايقاع الطلاق لا في الحلف به والفرق ظاهر بين ~~الطلاق وبين الحلف به كما يعرف الفرق بين النذر وبين الحلف بالنذر فاذا كان ~~الرجل يطلب من الله حاجة فقال ان شفى الله مرضى أو قضى دينى أو خلصنى من ~~هذه الشدة فلله على ان اتصدق بالف درهم أو اصوم شهرا أو أعتق رقبة فهذا ~~تعليق نذر يجب عليه الوفاء به بالكتاب والسنة والاجماع واذا علق النذر على ~~وجه اليمين فقال ان سافرت معكم ان زوجت فلانا أن أضرب فلانا ان لم اسا فر ~~من عندكم فعلى الحج أو فمالى صدقة أو فعلى عتق فهذا عند الصحابة وجمهور ~~العلماء هو حالف بالنذر ليس بناذر فاذا لم يف بما التزمه أجزأه كفارة يمين ~~وكذلك أفتى الصحابة فيمن قال ان فعلت كذا فكل مملوك لى حر أنه يمين يجزيه ~~فيها كفارة اليمين وكذلك قال كثير من التابعين في هذا كله لما أحدث الحجاج ~~بن يوسف تحليف الناس بأيمان البيعة وهو التحليف بالطلاق والعتاق والتحليف ~~باسم الله وصدقة المال وقيل كان فيها التحليف بالحج PageV33P036 نكلم حينئذ ~~التابعون ومن بعدهم في هذه الايمان وتكلموا في بعضها على ذلك فمنهم من قال ~~اذا حنث بها لزمه ما التزمه ومنهم من قال لا يلزمه الا الطلاق والعتاق ~~ومنهم من قال بل هذا جنس ايمان اهل الشرك لا يلزم بها شيء ومنهم من قال بل ~~هي من أيمان المسلمين يلزم فيها ما يلزم في سائر أيمان المسلمين واتبع ~~هؤلاء ما نقل في هذا الجنس عن الصحابة وما دل عليه الكتاب والسنة كما بسط ~~في موضع آخر # و ( المقصود هنا ) انه على عهد رسول الله وخلفائه الراشدين لم تكن امرأة ~~ترد إلى زوجها بنكاح تحليل وكان انما يفعل سرا ولهذا قال النبى صلى ms9318 الله ~~عليه وسلم ( لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ولعن المحلل والمحلل ~~له ) قال الترمذى حديث صحيح ولعن في الربا الآخذ والمعطي والشاهدين والكاتب ~~لأنه دين يكتب ويشهد عليه ولعن في التحليل المحلل والمحلل له ولم يلعن ~~الشاهدين والكاتب لأنه لم يكن على عهده تكتب الصداقات في كتاب فانهم كانوا ~~يجعلون الصداق في العادة العامة قبل الدخول ولا يبقى دينار في ذمة الزوج ~~ولا يحتاج إلى كتاب وشهود وكان المحلل يكتم ذلك هو والزوج المحلل له ~~والمرأة والأولياء والشهود لا يدرون بذلك ( ولعن رسول الله المحلل والمحلل ~~له ) اذ كانوا هم الذين فعلوا المحرم دون هؤلاء والتحليل لم يكونوا يحتاجون ~~إليه في الامر الغالب اذ كان الرجل انما يقع منه الطلاق الثلاث إذا طلق بعد ~~رجعة أو عقد فلا يندم بعد الثلاث إلا نادر من الناس وكان PageV33P037 يكون ~~ذلك بعد عصيانه وتعديه لحدود الله فيستحق العقوبة فيلعن من يقصد تحليل ~~المرأة له ويلعن هؤلاء أيضا لأنهما تعاونا على الاثم والعدوان # فلما حدث ( الحلف بالطلاق ) واعتقد كثير من الفقهاء ان الحانث يلزمه ما ~~الزمه نفسه ولا تجزيه كفارة يمين واعتقد كثير منهم أن الطلاق المحرم يلزم ~~وأعتقد كثير منهم ان جمع الثلاث ليس بمحرم واعتقد كثير منهم أن طلاق ~~السكران يقع واعتقد كثير منهم أن طلاق المكره يقع وكان بعض هذه الاقوال مما ~~تنازع فيه الصحابة وبعضها مما قيل بعدهم كثر اعتقاد الناس لوقوع الطلاق مع ~~ما يقع من الضرر العظيم والفساد في الدين والدنيا بمفارقة الرجل امراته ~~فصار الملزمون بالطلاق في هذه المواضع المتنازع فيها ( حزبين ) ( حزبا ) ~~اتبعوا ما جاء عن النبى والصحابة في تحريم التحليل فحرموا هذا مع تحريمهم ~~لما لم يحرمه الرسول من تلك الصور فصار في قولهم من الأغلال والآصار والحرج ~~العظيم المفضى إلى مفاسد عظيمة في الدين والدنيا أمور منها ردة بعض الناس ~~عن الاسلام لما أفتى بلزوم ما التزمه ومنها سفك الدم المعصوم ومنها زوال ~~العقل ومنها العداوة بين الناس ومنها تنقيص شريعة الاسلام ms9319 إلى كثير من ~~الآثام إلى غير ذلك من الامور العظام ( وحزبا ) رأوا أن يزيلوا ذلك الحرج ~~العظيم بانواع من الحيل التى بها تعود المرأة إلى زوجها PageV33P038 # وكان مما أحدث أولا ( نكاح التحليل ( ورأى طائفة من العلماء أن فاعلة ~~يثاب لما رأى في ذلك من إزالة تلك المفاسد بإعادة المرأة إلى زوجها وكان ~~هذا حيلة في جميع الصور لرفع وقوع الطلاق ثم أحدث في ( الأيمان ( حيل أخرى ~~فأحدث أولا الإحتيال في لفظ اليمين ثم أحدث الإحتيال بخلع اليمين ثم أحدث ~~الإحتيال بدور الطلاق ثم أحدث الإحتيال بطلب إفساد النكاح وقد أنكر جمهور ~~السلف والعلماء وأئمتهم هذه الحيل وأمثالها ورأوا أن في ذلك إبطال حكمة ~~الشريعة وإبطال حقائق الإيمان المودعه في آيات الله وجعل ذلك من جنس ~~المخادعة والإستهزاء بآيات الله حتى قال أيوب السختيانى في مثل هؤلاء ~~يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون على ~~ثم تسلط الكفار والمنافقون بهذه الأمور على القدح في الرسول وجعلوا ذلك من ~~أعظم ما يحتجون به على من آمن به ونصره وعزره ومن أعظم ما يصدون به عن سبيل ~~الله ويمنعون من أراد الإيمان به ومن أعظم ما يمتنع الواحد منهم به عن ~~الإيمان كما أخبر من آمن منهم بذلك عن نفسه وذكر أنه كان يتبين له محاسن ~~الإسلام الاما كان من جنس ( التحليل ( فإنه الذى لا يجد فيه ما يشفى الغليل ~~وقد قال تعالى ( ورحمتى وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث PageV33P039 ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه وإتبعوا النور الذى أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون فوصف رسوله بأنه يأمر بكل معروف وينهى عن كل منكر ~~ويحل كل طيب ويحرم كل خبيث ويضع الآصار والأغلال التى كانت على من قبله # وكل من خالف ما جاء ms9320 به من الكتاب والحكمة من الأقوال المرجوحه فهي من ~~الأقوال المبتدعة التى أحسن أحوالها أن تكون من الشرع المنسوخ الذى رفعه ~~الله بشرع محمد صلى الله عليه وسلم أن كان قائله من أفضل الأمة وأجلها وهو ~~في ذلك القول مجتهد قد إتقى الله ما إستطاع وهو مثاب على إجتهاده وتقواه ~~مغفور له خطؤه فلا يلزم الرسول قول قاله غيره بإجتهاده وقد ثبت عنه في ~~الصحيحين أنه قال ( إذا إجتهد الحاكم فاصاب فله أجران وإذا إجتهد الحاكم ~~فأخطأ فله أجر ( وثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول لمن بعثه أميرا على سرية ~~وجيش ( وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على ~~حكم الله فإنك لا تدرى ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ~~( وهذا يوافق ما ثبت في الصحيح أن سعد بن معاذ لما حكمه النبى في بنى قريظة ~~وكان النبى قد حاصرهم فنزلوا على حكمه فأنزلهم على حكم سعد بن معاذ لما طلب ~~منهم حلفا وهم من الأنصار أن يحسن اليهم وكان سعد بن معاذ خلاف ما يظن به ~~بعض قومه كان مقدما لرضى الله ورسوله على رضى PageV33P040 قومه ولهذا لما ~~مات إهتز له عرش الرحمن فرحا بقدوم روحه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ~~حريمهم وتقسم أموالهم فقال النبى ( لقد حكمت فيهم بحكم الملك ( وفى رواية ( ~~لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ( والعلماء ورثة الأنبياء وقد ~~قال تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ فهذان ~~نبيان كريمان حكما في حكومة واحدة فخص الله أحدهما بفهمها مع ثنائه على كل ~~منهما بأنه آتاه حكما وعلما فكذلك العلماء المجتهدون رضى الله عنهم للمصيب ~~منهم أجران وللأخر أجر وكل منهم مطيع لله بحسب إستطاعته ولا يكلفه الله ما ~~عجز عن علمه ومع هذا فلا يلزم الرسول قول غيره ولا يلزم ما جاء به من ~~الشريعة شيء من ms9321 الأقوال المحدثه لاسيما إن كانت شنيعة # ولهذا كان الصحابة إذا تكلموا بإجتهادهم ينزهون شرع الرسول من خطئهم وخطأ ~~غيرهم كما قال عبد الله بن مسعود في المفوضة أقول فيها برأيى فان يكن صوابا ~~فمن الله وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه وكذلك روى ~~عن الصديق في الكلالة وكذلك عن عمر في بعض الأمور مع أنهم كانوا يصيبون ~~فيما يقولونه على هذا الوجه حتى يوجد النص موافقا لإجتهادهم كما وافق النص ~~إجتهاد بن مسعود وغيره PageV33P041 وإنما كانوا أعلم بالله ورسوله وبما يجب ~~من تعظيم شرع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يضيفوا إليه الا ما علموه منه ~~وما أخطؤا فيه وإن كانوا مجتهدين قالوا إن الله ورسوله بريئان منه وقد قال ~~الله تعالى @QB@ وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ وقال @QB@ فإنما ~~عليه ما حمل وعليكم ما حملتم @QE@ وقال @QB@ فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~ولنسألن المرسلين @QE@ # ولهذا تجد المسائل التى تنازعت فيها الأمة على أقوال وإنما القول الذى ~~بعث به الرسول واحد منها وسائرها إذا كان أهلها من أهل الإجتهاد أهل العلم ~~والدين فهم مطيعون لله ورسوله مأجورون غير مأزورين كما إذا خفيت جهة القبلة ~~في السفر إجتهد كل قوم فصلوا إلى جهة من الجهات الأربع فان الكعبة ليست إلا ~~في جهة واحدة منها وسائر المصلين مأجورين على صلاتهم حيث إتقوا ما إستطاعوا # ومن آيات ما بعث به الرسول أنه إذا ذكر مع غيره على الوجه المبين ظهر ~~النور والهدى على ما بعث به وعلم أن القول الآخر دونه فان خير الكلام كلام ~~الله وخير الهدى هدى محمد وقد قال سبحانه وتعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا @QE@ وهذا التحدى PageV33P042 والتعجيز ثابت في لفظه ونظمه ومعناه ~~كما هو مذكور في غير هذا الموضع # ومن أمثال ذلك ما تنازع المسلمون فيه من مسائل الطلاق فإنك تجد الأقوال ~~فيه ( ثلاثة ( قول فيه آصار وأغلال وقول فيه خداع وإحتيال ms9322 وقول فيه علم ~~وإعتدال وقول يتضمن نوعا من الظلم والإضطراب وقول يتضمن نوعا من الظلم ~~والفاحشة والعار وقول يتضمن سبيل المهاجرين والأنصار وتجدهم في مسائل ~~الإيمان بالنذر والطلاق والعتاق على ثلاثة أقوال قول يسقط أيمان المسلمين ~~ويجعلها بمنزلة أيمان المشركين وقول يجعل الإيمان اللازمة ليس فيها كفارة ~~ولا تحلة كما كان شرع غير أهل القبلة وقول يقيم حرمة أيمان أهل التوحيد ~~والإيمان ويفرق بينهما وبين أيمان أهل الشرك والأوثان ويجعل فيها من ~~الكفارة والتحليل ما جاء به النص والتنزيل وإختص به أهل القرآن دون أهل ~~التوراة والإنجيل وهذا هو الشرع الذى جاء به خاتم المرسلين وإمام المتقين ~~وأفضل الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وعلى ~~التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين PageV33P043 ### || 1 ( رسالة في مسائل الأيمان والطلاق ) 1 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ! 8 < ( ### ||| فصل # ( ! 8 < مختصر جامع في مسائل ( الأيمان والطلاق ( وما بينهما من إتفاق ~~وإفتراق فان المسألة قد تكون من مسائل الأيمان دون الطلاق وقد تكون من ~~مسائل الطلاق دون الأيمان وقد تكون من مسائل النوعين # فإن الكلام المتعلق بالطلاق ثلاثة أنواع والأيمان ثلاثة أنواع أما الكلام ~~المتعلق بالطلاق فهو إما صيغة تنجيز وإما صيغة تعليق وإما صيغة قسم # أما ( صيغة التنجيز ) فهو ايقاع الطلاق مطلقا مرسلا من غير تقييد بصفة ~~ولا يمين كقوله أنت طالق أو مطلقة أو فلانة طالق أو أنت الطلاق أو طلقتك ~~ونحو ذلك مما يكون بصيغة الفعل أو المصدر أو اسم الفاعل أو اسم المفعول ~~فهذا يقال له طلاق منجز ويقال طلاق مرسل ويقال طلاق مطلق أى غير معلق بصفة ~~فهذا ايقاع للطلاق وليس هذا PageV33P044 بيمين يخير فيه بين الحنث وعدمه ~~ولا كفارة في هذا باتفاق المسلمين والفقهاء في عرفهم المعروف بينهم لا ~~يسمون هذا يمينا ولا حلفا ولكن من الناس من يقول حلفت بالطلاق ومراده أنه ~~أوقع الطلاق # وأما ( صيغة القسم ) فهو أن يقول الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا أولا أفعل كذا ~~فيحلف به على حض لنفسه أو لغيره ms9323 أو منع لنفسه أو لغيره أو على تصديق خبر أو ~~تكذيبه فهذا يدخل في مسائل الطلاق والايمان فان هذا يمين باتفاق اهل اللغة ~~فانها صيغة قسم وهو يمين أيضا في عرف الفقهاء لم يتنازعوا في أنها تسمى ~~يمينا ولكن تنازعوا في حكمها فمن الفقهاء من غلب عليها جانب الطلاق فاوقع ~~به الطلاق اذا حنث ومنهم من غلب عليه جانب اليمين فلم يوقع به الطلاق بل ~~قال عليه كفارة يمين أو قال لا شيء عليه بحال # وكذلك تنازعوا فيما إذا حلف بالنذر فقال إذا فعلت كذا فعلى الحج أوصوم ~~شهر أو مالى صدقة لكن هذا النوع إشتهر الكلام فيه عن السلف من الصحابة ~~وغيرهم وقالوا أنه إيمان تجزى فيه كفارة يمين لكثرة وقوع هذا في زمن ~~الصحابة بخلاف الحلف بالطلاق فان الكلام فيه إنما عرف عن التابعين ومن ~~بعدهم وتنازعوا فيه على القولين PageV33P045 # والثالث ( صيغة تعليق ) كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق ويسمى هذا طلاقا ~~بصفة فهذا إما أن يكون قصد صاحبه الحلف وهو يكره وقوع الطلاق إذا وجدت ~~الصفة وأما أن يكون قصده إيقاع الطلاق عند تحقق الصفة # ( فالأول ( حكمه حكم الحلف بالطلاق بإتفاق الفقهاء ولو قال إن حلفت يمينا ~~فعلى عتق رقبة وحلف بالطلاق حنث بلا نزاع نعلمه بين العلماء المشهورين ~~وكذلك سائر ما يتعلق بالشرط لقصد اليمين كقوله إن فعلت كذا فعلى عتق رقبة ~~أو فعبيدى أحرار أو فعلى الحج أو على صوم شهر أو فمالى صدقة أو هدى ونحو ~~ذلك فان هذا بمنزلة أن يقول العتق يلزمنى لا أفعل كذا وعلى الحج لا أفعل ~~كذا ونحو ذلك لكن المؤخر في صيغة الشرط مقدم في صيغة القسم والمنفى في هذه ~~الصيغة مثبت في هذه الصيغة # ( والثانى ( وهو أن يكون قصد إيقاع الطلاق عند الصفة فهذا يقع به الطلاق ~~إذا وجدت الصفة كما يقع المنجز عند عامة السلف والخلف وكذلك إذا وقت الطلاق ~~بوقت كقوله أنت طالق عند رأس الشهر وقد ذكر غير واحد الإجماع على وقوع هذا ~~الطلاق ms9324 المعلق ولم يعلم فيه خلافا قديما لكن إبن حزم زعم أنه لا يقع به ~~الطلاق وهو قول الإمامية مع أن بن حزم ذكر في ( كتاب الإجماع إجماع العلماء ~~على أنه يقع به الطلاق PageV33P046 وذكر أن الخلاف إنما هو فيما إذا أخرجه ~~مخرج اليمين هل يقع الطلاق أولا يقع ولا شيء عليه أو يكون يمينا مكفرة على ~~ثلاثة أقوال كما أن نظائر ذلك من الأيمان فيها هذه الأقوال الثلاثة # وهذا الضرب وهو الطلاق المعلق بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها وليس فيها ~~معنى الحض والمنع كقوله إن طلعت الشمس فأنت طالق هل هو يمين فيه قولان ( ~~أحدهما ) هو يمين كقول أبى حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد ( الثانى ( أنه ~~ليس بيمين كقول الشافعى والقول الآخر في مذهب أحمد وهذا القول أصح شرعا ~~ولغة وأما العرف فيختلف ### ||| فصل # وأما أنواع الأيمان الثلاثة ( فالأول ) أن يعقد اليمين بالله و ( الثانى ~~( أن يعقدها لله ( والثالث ) أن يعقدها بغير الله أو لغير الله فأما ( ~~الأول ( فهو الحلف بالله فهذه يمين منعقدة مكفرة بالكتاب والسنة والإجماع ~~وأما ( الثالث ( وهو أن يعقدها بمخلوق أو لمخلوق مثل أن يحلف بالطواغيت أو ~~بأبيه أو الكعبة أو غير ذلك من المخلوقات فهذه يمين غير PageV33P047 محترمة ~~لا تنعقد ولا كفارة بالحنث فيها بإتفاق العلماء لكن نفس الحلف بها منهى عنه ~~فقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من حلف فقال في ~~حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ) وسواء في ذلك الحلف بالملائكة ~~والأنبياء وغيرهم بإتفاق العلماء إلا أن في الحلف بالنبى ( قولين ( في مذهب ~~أحمد وقول الجمهور أنها يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها # وأما عقدها لغير الله فمثل أن ينذر للأوثان والكنائس أو يحلف بذلك فيقول ~~إن فعلت كذا فعلى للكنيسة كذا أو لقبر فلان كذا ونحو ذلك فهذا إن كان نذرا ~~فهو شرك وإن كان يمينا فهو شرك إذا كان يقول ذلك على وجه التعظيم كما يقول ~~المسلم إن فعلت كذا فعلى هدى ms9325 وإما إذا قاله على وجه البغض لذلك كما يقول ~~المسلم إن فعلت كذا فأنا يهودى أو نصرانى فهذا ليس مشركا وفى لزوم الكفارة ~~له قولان معروفان للعلماء وما كان من نذر شرك أو يمين شرك فعليه أن يتوب ~~إلى الله من عقدها ليس فيها وفاء ولا كفارة إنما ذلك فيما كان لله أو بالله # وأما المعقود لله فعلى وجهين ( أحدهما ( أن يكون قصده التقرب إلى الله لا ~~مجرد أن يحض أو يمنع وهذا هو النذر فانه قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ~~PageV33P048 ( كفارة النذر كفارة يمين ( وثبت عنه أن قال ( من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( فإذا كان قصد الإنسان أن ينذر ~~لله طاعة فعليه الوفاء به وأن نذر ماليس بطاعة لم يكن عليه الوفاء به وما ~~كان محرما لا يجوز الوفاء به لكن إذا لم يوف بالنذر لله فعليه كفارة يمين ~~عند أكثر السلف وهو قول أحمد وهو قول أبى حنيفة قيل مطلقا وقيل إذا كان في ~~معنى اليمين # و ( الثانى ) أن يكون مقصوده الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب فهذا ~~هو الحلف بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام كقوله أن فعلت كذا فعلى ~~الحج وصوم سنة ومالى صدقة وعبيدى أحرار ونسائى طوالق فهذا الصنف يدخل في ~~مسائل ( الأيمان ) ويدخل في مسائل ( الطلاق والعتاق والنذر والظهار ) ~~وللعلماء فيه ثلاثة أقوال # ( أحدها ) أنه يلزمه ما حلف به إذا حنث لأنه التزم الجزاء عند وجود الشرط ~~وقد وجد الشرط فيلزمه كنذر التبرر المعلق بالشرط # ( والقول الثانى ) هذه يمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث لا كفارة ~~ولا وقوع لأن هذا حلف بغير الله وقد قال النبى ( من كان حالفا فليحلف بالله ~~أو ليسكت ( وفى رواية في الصحيح ( لا تحلفوا إلا بالله PageV33P049 # ( والقول الثالث ( أن هذه أيمان مكفرة إذا حنث فيها كغيرها من الأيمان ~~ومن العلماء من فرق بين ما عقده لله من الوجوب وهو الحلف بالنذر وما عقده ~~لله من تحريم ms9326 وهو الحلف بالطلاق والعتاق فقالوا في الأول عليه كفارة يمين ~~إذاحنث وقالوا في الثانى يلزمه ما علقه وهو الذى حلف به إذا حنث لأن ~~الملتزم في الأول فعل واجب فلايبرأ إلا بفعله فيمكنه التكفير قبل ذلك ~~والملتزم في الثانى وقوع حرمة وهذا يحصل بالشرط فلا يرتفع بالكفارة # و ( القول الثالث ) هو الذى يدل عليه الكتاب والسنة والإعتبار وعليه تدل ~~أقوال أصحاب رسول الله في الجملة كما قد بسط في موضعه وذلك أن الله قال في ~~كتابه @QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين @QE@ ~~إلى قوله @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ وقال تعالى @QB@ قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ وثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه ( وهذا ~~يتناول جميع أيمان المسلمين لفظا ومعنى أما اللفظ فلقوله @QB@ قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم @QE@ وقوله @QB@ ذلك كفارة أيمانكم @QE@ وهذا خطاب ~~للمؤمنين فكل ما كان من أيمانهم فهو داخل في هذا والحلف بالمخلوقات شرك ليس ~~من أيمانهم لقول النبى ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( رواه أهل السنن أبو ~~داود PageV33P050 وغيره فلا تدخل هذه في أيمان المسلمين وأما ما عقده بالله ~~أو لله فهو من أيمان المسلمين فيدخل في ذلك ولهذا لو قال أيمان المسلمين أو ~~أيمان البيعة تلزمنى ونوى دخول الطلاق والعتاق دخل في ذلك كما ذكر ذلك ~~الفقهاء ولا أعلم فيه نزاعا ولا يدخل في ذلك الحلف بالكعبة وغيرها من ~~المخلوقات وإذا كانت من أيمان المسلمين تناولها الخطاب # وأما من جهة المعنى فهو أن الله فرض الكفارة في أيمان المسلمين لئلا تكون ~~اليمين موجبة عليهم أو محرمة عليهم لا مخرج لهم كما كانوا عليه في أول ~~الإسلام قبل أن تشرع الكفارة لم يكن للحالف مخرج إلا الوفاء باليمين فلو ~~كان من الأيمان مالاكفارة فيه كانت هذه المفسدة موجودة وأيضا فقد قال الله ~~تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس @QE@ نهاهم ms9327 الله أن يجعلوا الحلف بالله ما نعا لهم من فعل ما أمر به ~~لئلا يمتنعوا عن طاعته باليمين التى حلفوها فلو كان في الأيمان ما ينعقد ~~ولا كفارة فيه لكان ذلك ما نعالهم من طاعة الله إذا حلفوا به # وأيضا فقد قال تعالى @QB@ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن ~~فاؤوا فإن الله غفور رحيم @QE@ والايلاء ( هو الحلف والقسم والمراد ~~بالايلاء هنا أن يحلف الرجل أن لا يطأ إمرأته وهو إذا حلف بما عقده بالله ~~كان موليا وإن حلف بما عقده الله PageV33P051 كالحلف بالنذر والظهار ~~والطلاق والعتاق كان موليا عند جماهير العلماء كأبى حنيفة ومالك والشافعى ~~في قوله الجديد وأحمد ومن العلماء من لم يذكر في هذه المسألة نزاعا كإبن ~~المنذر وغيره وذكر عن بن عباس أنه قال كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء والله ~~سبحانه وتعالى قد جعل المولى بين خيرتين إما أن يفيء وإما أن يطلق والفيئة ~~هي الوطء خير بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان فان فاء فوطئها حصل ~~مقصودها وقد أمسك بمعروف وقد قال تعالى @QB@ فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم ~~@QE@ ومغفرته ورحمته للمولى توجب رفع الإثم عنه وبقاء إمرأته ولا تسقط ~~الكفارة كما في قوله @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ~~مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ فبين أنه ~~غفور رحيم بما فرضه من تحلة الأيمان حيث رحم عباده بما فرضه لهم من الكفارة ~~وغفر لهم بذلك نقضهم لليمين التى عقدوها فإن موجب العقد الوفاء لولا ما ~~فرضه من التحلة التى جعلها تحل عقده اليمين وإن كان المولى لا يفىء بل قد ~~عزم على الطلاق فان الله سميع عليم فحكم المولى في كتاب الله أنه إما أن ~~يفىء وإما أن يعزم الطلاق فان فاء فإن الله غفوررحيم لا يقع به طلاق وهذا ~~متفق عليه في اليمين بالله تعالى وأما ( اليمين بالطلاق ( فمن قال إنه يقع ~~به الطلاق فلا يكفر فانه يقول إن فاء المولى بالطلاق وقع ms9328 به الطلاق وإن عزم ~~الطلاق فأوقعه وقع به PageV33P052 الطلاق فالطلاق على قوله لازم سواء أمسك ~~بمعروف أو سرح بإحسان والقرآن يدل على أن المولى مخير إما أن يفىء وإما أن ~~يطلق فإذا فاء لم يلزمه الطلاق بل عليه كفارة الحنث إذا قيل بأن الحلف ~~بالطلاق فيه الكفارة فان المولى بالحلف بالله إذا فاء لزمته كفارة الحنث ~~عند جمهور العلماء وفيه قول شاذ أنه لا شيء عليه بحال وقول الجمهور أصح فان ~~الله بين في كتابه كفارة اليمين في سورة المائدة وقال النبى ( من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه ( # فإن قيل المولى بالطلاق إذا فاء غفر الله له ما تقدم من تأخير الوطء ~~للزوجة وإن وقع به الطلاق ورحمه بذلك # ( قيل ( هذا لا يصح فان أحد قولى العلماء القائلين بهذا الأصل أن الحالف ~~بالطلاق ثلاثا أن لا يطأ إمرأته لا يجوز له وطؤها بحال فانه إذا أولج حنث ~~وكان النزع في أجنبية وهذه احدى الروايتين عن أحمد وأحد القولين في مذهب ~~مالك ( والثانى ( يجوز له وطأة واحدة ينزع عقبها وتحرم بها عليه إمرأته ~~ومعلوم أن الإيلاء إنما كان لحق المرأة في الوطء والمرأة لا تختار وطأة يقع ~~بها الطلاق الثلاث عقبها إلا إذا كانت كارهة له فلا يحصل مقصودها بهذه ~~الفيئة وأيضا فانه على هذا التقدير لا فائدة في PageV33P053 التأجيل بل ~~تعجيل الطلاق أحب اليها لتقضى العدة لتباح لغيره فإذا كان لابد لها من ~~الطلاق على التقديرين كان التأجيل ضررا محضا لها وهذا خلاف مقصود الإيلاء ~~الذى شرع لنفع المرأة لا لضرها # وما ذكرته من النصوص قد إستدل به الصحابة وغيرهم من العلماء في هذا الجنس ~~فأفتوا من حلف فقال إن فعلت كذا فمالى هدى وعبيد ى أحرار ونحو ذاك بأن يكفر ~~يمينه فجعلوا هذا يمينا مكفرة وكذلك غير واحد من علماء السلف والخلف جعلوا ~~هذا متناولا للحلف بالطلاق والعتاق وغير ذلك من الأيمان وجعلوا كل يمين ~~يحلف بها الحالف ففيها كفارة ms9329 يمين وان عظمت # وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا الضرب فيه شبه من النذر والطلاق والعتاق ~~وشبه من الأيمان وليس كذلك بل هذه أيمان محضه ليست نذرا ولا طلاقا ولا ~~عتاقا وإنما يسميها بعض الفقهاء ( نذر اللجاج والغضب ( تسمية مقيدة ولا ~~يقتضى ذلك أنها تدخل في إسم النذر عند الإطلاق وأئمة الفقهاء الذين اتبعوا ~~الصحابة بينوا أن هذه أيمان محضه كما قرر ذلك الشافعى وأحمد وغيرهما في ~~الحلف بالنذر لكن هي إيمان علق الحنث فيها على شيئين أحدهما ( فعل المحلوف ~~عليه و ( الثانى ( عدم إيقاع المحلوف به PageV33P054 # فقول القائل إن فعلت كذا فعلى الحج هذا العام بمنزلة قوله والله إن فعلت ~~كذا لأحجن هذا العام وهو لو قال ذلك لم يلزمه كفارة إلا إذا فعل ولم يحج ~~ذلك العام كذلك إذا قال إن فعلت كذا فعلى أن أحج هذا العام إنما تلزمه ~~الكفارة إذا فعله ولم يحج ذلك العام وكذلك إذا قال إن فعلت كذا فعلى أن ~~أعتق عبدى أو أطلق إمرأتى فانه لا تلزمه الكفارة إلا إذا فعله ولم يطلق ولم ~~يعتق ولو قال والله إن فعلت كذا فوالله لأطلقن إمرأتى ولأعتقن عبدى وكذلك ~~إذا قال إن فعلت كذا فإمرأتى طالق وعبدى حر هو بمنزلة قوله والله إن فعلت ~~كذا ليقعن بى الطلاق والعتاق ولأوقعن الطلاق والعتاق وهو إذا فعله لم تلزمه ~~الكفارة إلا إذا لم يقع به الطلاق والعتاق وإذا لم يوقعه لم يقع لأنه لم ~~يوجد شرط الحنث لأن الحنث معلق بشرطين والمعلق بالشرط قد يكون وجوبا وقد ~~يكون وقوعا فإذا قال إن فعلت كذا فعلى صوم شهر فالمعلق وجوب الصوم وإذا قال ~~فعبدى حر وإمرأتى طالق فالمعلق وقوع العتاق والطلاق وقد تقدم أن الرجل ~~المعلق إن كان قصده وقوع الجزاء عند الشرط وقع كما إذا كان قصده أن يطلقها ~~إذا أبرأته من الصداق فقال إن أبرأتينى من صداقك فأنت طالق فهنا إذا وجدت ~~الصفة وقع الطلاق # وأما إذا كان قصده الحلف وهو يكره وقوع الجزاء ms9330 عند الجزاء عند الشرط فهذا ~~حالف كما لو قال الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا PageV33P055 وأما قول القائل إنه ~~التزم الطلاق عند الشرط فيلزمه فهذا باطل من أوجه # ( أحدها ) # أن الحالف بالكفر والإسلام كقوله إن فعلت كذا فانا يهودى أو نصرانى وقول ~~الذمى إن فعلت كذا فأنا مسلم هو التزام للكفر والإسلام عند الشرط ولا يلزمه ~~ذلك بالإتفاق لأنه لم يقصد وقوعه عند الشرط بل قصد الحلف به وهذا المعنى ~~موجود في سائر أنواع الحلف بصيغة التعليق # ( الثانى ( أنه إذا قال إن فعلت كذا فعلى أن أطلق إمرأتى لم يلزمه أن ~~يطلقها بالإتفاق إذا فعله # ( الثالث ) أن الملتزم لأمر عند الشرط إنما يلزمه بشرطين ( أحدهما ( أن ~~يكون الملتزم قربة ( والثانى ( أن يكون قصده التقرب إلى الله به لا الحلف ~~به فلو التزم ما ليس بقربة كالتطليق والبيع والإجارة والأكل والشرب لم ~~يلزمه ولو إلتزم قربة كالصلاة والصيام والحج على وجه الحلف بها لم يلزمه بل ~~تجزية كفارة يمين عند الصحابة وجمهور السلف وهو مذهب الشافعى وأحمد وآخر ~~الروايتين عن أبى حنيفة وقول # المحققين من أصحاب مالك PageV33P056 وهنا الحالف بالطلاق هو التزم وقوعه ~~على وجه اليمين وهو يكره وقوعه إذا وجد الشرط كما يكره وقوع الكفر إذا حلف ~~به وكما يكره وجوب تلك العبادات إذا حلف بها # وأما قول القائل إن هذا حالف بغير الله فلا يلزمه كفارة # ( فيقال ( النص ورد فيمن حلف بالمخلوقات ولهذا جعله شركا لأنه عقد اليمين ~~بغير الله فمن عقد اليمين لله فهو أبلغ ممن عقدها بالله ولهذا كان النذر ~~أبلغ من اليمين فوجوب الكفارة فيما عقد لله أولى من وجوبها فيما عقد بالله ~~والله أعلم ### || 1 ( رسالة في الفرق بين الطلاق والحلف ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن الفرق بين الطلاق والحلف وإيضاح الحكم في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصيغ التى يتكلم بها الناس في ~~الطلاق والعتاق والنذر والظهار ms9331 والحرام ( ثلاثة أنواع PageV33P057 # ( النوع الأول ( صيغة التنجيز مثل أن يقول إمرأتى طالق أو أنت طالق أو ~~فلانه طالق أو هي مطلقة ونحو ذلك فهذا يقع به الطلاق ولا تنفع فيه الكفارة ~~بإجماع المسلمين ومن قال إن هذا فيه كفارة فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل ~~وكذلك إذا قال عبدى حر أو على صيام شهر أو عتق رقبة أوالحل على حرام أو أنت ~~على كظهر أمي فهذه كلها إيقاعات لهذه العقود بصيغ التنجيز والإطلاق والنوع ~~الثاني # أن يحلف بذلك فيقول الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا أو يحلف على ~~غيره كعبده وصديقه الذى يرى أنه يبر قسمه ليفعلن كذا أولا يفعل كذا أو يقول ~~الحل على حرام لأفعلن كذا أولا أفعله أو يقول على الحج لأفعلن كذا أولا ~~أفعله ونحو ذلك فهذه صيغ قسم وهو حالف بهذه الأمور لا موقع لها وللعلماء في ~~هذه الأيمان ثلاثة أقوال # ( أحدها ( أنه إذا حنث لزمه ما حلف به ( والثانى ( لا يلزمه شيء ( ~~والثالث ( يلزمه كفارة يمين ومن العلماء من فرق بين الحلف والطلاق والعتاق ~~وغيرها والقول الثالث أظهر الأقوال لأن الله تعالى قال @QB@ قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم @QE@ وقال @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ وثبت عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من حديث أبى هريرة وعدى بن ~~حاتم وأبى PageV33P058 موسى أنه قال ( ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه وجاء هذا المعنى في الصحيحين من ~~حديث أبى هريرة وأبى موسى وعبد الرحمن بن سمرة وهذا يعم جميع إيمان ~~المسلمين فمن حلف بيمين من أيمان المسلمين وحنث أجزأته كفارة يمين ومن حلف ~~بايمان الشرك مثل أن يحلف بتربة أبيه أو الكعبة أو نعمة السلطان أو حياة ~~الشيخ أو غير ذلك من المخلوقات فهذه اليمين غير منعقدة ولا كفارة فيها إذا ~~حنث بإتفاق أهل العلم # والنوع الثالث من الصيغ أن يعلق الطلاق أوالعتاق أو النذر بشرط فيقول إن ~~كان كذا فعلى ms9332 الطلاق أو الحج أو فعبيدى أحرار ونحو ذلك فهذا ينظر إلى ~~مقصوده فان كان مقصوده أ ن يحلف بذلك ليس غرضه وقوع هذه الأمور كمن ليس ~~غرضه وقوع الطلاق إذا وقع الشرط فحكمه حكم الحالف وهو من ( باب اليمين ( ~~وأما إن كان مقصوده وقوع هذه الأمور كمن غرضه وقوع الطلاق عند وقوع الشرط ~~مثل أن يقول لإمرأته إن ابرأتينى من طلاقك فأنت طالق فتبرئه أو يكون عرضه ~~أنها إذا فعلت فاحشة أن يطلقها فيقول إذا فعلت كذا فأنت طالق بخلاف من كان ~~غرضه أن يحلف عليها ليمنعها ولو فعلته لم يكن له غرض في طلاقها فإنها تارة ~~يكون طلاقها أكره إليه من الشرط فيكون حالفا وتارة يكون الشرط المكروه أكره ~~إليه من طلاقها فيكون موقعا للطلاق إذا وجد PageV33P059 ذلك الشرط فهذا يقع ~~به الطلاق وكذلك إن قال إن شفى الله مريضى فعلى صوم شهر فشفى فإنه يلزمه ~~الصوم # فالأصل في هذا أن ينظر إلى مراد المتكلم ومقصوده فإن كان غرضه أن تقع هذه ~~الأمور وقعت منجزة أو معلقة إذا قصد وقوعها عند وقوع الشرط وإن كان مقصوده ~~أن يحلف بها وهو يكره وقوعها إذا حنث وإن وقع الشرط فهذا حالف بها لا موقع ~~لها فيكون قوله من ( باب اليمين ( لا من ( باب التطليق والنذر ( فالحالف هو ~~الذى يلتزم ما يكره وقوعه عند المخالفة كقوله إن فعلت كذا فانا يهودى أو ~~نصرانى ونسائى طوالق وعبيدى أحرار وعلى المشى إلى بيت الله فهذا ونحوه يمين ~~بخلاف من يقصد وقوع الجزاء من ناذرومطلق ومعلق فإن ذلك يقصد ويختار لزوم ما ~~إلتزمه وكلاهما ملتزم لكن هذا الحالف يكره وقوع اللازم وإن وجد الشرط ~~الملزوم كما إذا قال إن فعلت كذا فأنا يهودى أو نصرانى فان هذا يكره الكفر ~~ولو وقع الشرط فهذا حالف والموقع يقصد وقوع الجزاء اللازم عند وقوع الشرط ~~الملزوم سواء كان الشرط مرادا له أو مكروها أو غير مراد له فهذا موقع ليس ~~بحالف وكلاهما ملتزم معلق لكن هذا الحالف يكره ms9333 وقوع اللازم # والفرق بين هذا وهذا ثابت عن أصحاب رسول الله وأكابر التابعين وعليه دل ~~الكتاب والسنة وهو مذهب جمهور العلماء PageV33P060 كالشافعى وأحمد وغيرهما ~~في تعليق النذر قالوا إذا كان مقصوده النذر فقال لئن شفى الله مريضى فعلى ~~الحج فهو ناذر إذا شفى الله مريضه لزمه الحج فهذا حالف تجزئه كفارة يمين ~~ولا حج عليه وكذلك قال أصحاب رسول الله مثل بن عمر وبن عباس وعائشة وأم ~~سلمة وزينب ربيبة النبى وغير واحد من الصحابة في من قال إن فعلت كذا فكل ~~مملوك لى حر قالوا يكفر عن يمينه ولا يلزمه العتق هذا مع أن العتق طاعة ~~وقربة فالطلاق لا يلزمه بطريق الأولى كما قال إبن عباس رضى الله عنه الطلاق ~~عن وطر والعتق ما إبتغى به وجه الله ذكره البخارى في صحيحه بين بن عباس أن ~~الطلاق إنما يقع بمن غرضه أن يوقعه لا لمن يكره وقوعه كالحالف به والمكره ~~عليه وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت كل يمين وإن عظمت فكفارتها ~~كفارة اليمين بالله وهذا يتناول جميع الأيمان من الحلف بالطلاق والعتاق ~~والنذر وغير ذلك والقول بأن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق مذهب خلق كثير ~~من السلف والخلف لكن فيهم من لا يلزمه الكفارة كداود وأصحابه ومنهم من ~~يلزمه كفارة يمين كطاووس وغيره من السلف والخلف # والأيمان التى يحلف بها الخلق ثلاثة أنواع # ( أحدها ( يمين محترمة منعقدة كالحلف بإسم الله تعالى فهذه فيها الكفارة ~~بالكتاب والسنة والإجماع PageV33P061 # ( الثانى ( الحلف بالمخلوقات كالحالف بالكعبة فهذه لا كفارة فيها بإتفاق ~~المسلمين # ( والثالث ( أن يعقد اليمين لله فيقول إن فعلت كذا فعلى الحج أو مالى ~~صدقة أو فنسائى طوالق أو فعبيدى أحرار ونحو ذلك فهذه فيها الأقوال الثلاثة ~~المتقدمة إما لزوم المحلوف به وإما الكفارة وإما لا هذا ولا هذا وليس في ~~حكم الله ورسوله الايمينان يمين من أيمان المسلمين ففيها الكفارة أو يمين ~~ليست من أيمان المسلمين فهذه لا شيء فيها إذا حنث فهذه الأيمان أن كانت من ~~أيمان ms9334 المسلمين ففيها كفارة وإن لم تكن من أيمان المسلمين لم يلزم بها شيء # فأما إثبات يمين يلزم الحالف بها ما التزمه ولا تجزئه فيها كفارة فهذا ~~ليس في دين المسلمين بل هو مخالف للكتاب والسنة والله تعالى ذكر في سورة ~~التحريم حكم إيمان المسلمين وذكر في السورة التى قبلها حكم طلاق المسلمين ~~فقال في سورة التحريم @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ~~مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم ~~وهو العليم الحكيم @QE@ وقال في سورة الطلاق @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ~~ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم ~~يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا @QE@ PageV33P062 فهو سبحانه بين في هذه السورة حكم ~~الطلاق وبين في تلك حكم ايمان المسلمين وعلى المسلمين أن يعرفوا حدود ما ~~أنزل الله على رسوله فيعرفوا ما يدخل في الطلاق وما يدخل في أيمان المسلمين ~~ويحكموا في هذا بما حكم الله ورسوله ولا يتعدوا حدود الله فيجعلوا حكم ~~أيمان المسلمين وحكم طلاقهم حكم أيمانهم فان هذا مخالف لكتاب الله وسنة ~~رسوله وإن كان قد إشتبه بعض ذلك على كثير من علماء المسلمين فقد عرف ذلك ~~غيرهم من علماء المسلمين والذين ميزوا بين هذا وهذا من الصحابة والتابعين ~~هم أجل قدرا عند المسلمين ممن إشتبه عليه هذا وهذا وقد قال الله تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ms9335 تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ فما تنازع فيه المسلمين وجب رده إلى الكتاب ~~والسنة # والإعتبار الذى هو أصح القياس وأجلاه إنمايدل على قول من فرق بين هذا ~~وهذا مع ما في ذلك من صلاح المسلمين في دينهم ودنياهم إذا PageV33P063 ~~فرقوا بين ما فرق الله ورسوله بينه فإن الذين لم يفرقوا بين هذا وهذا أو ~~قعهم هذا الإشتباه إما في آصار وأغلال وأما في مكر وإحتيال كالإحتيال في ~~ألفاظ الأيمان والإحتيال بطلب إفساد النكاح والإحتيال بدور الطلاق ~~والإحتيال بخلع اليمين والإحتيال بالتحليل والله أغنى المسلمين بنبيهم الذى ~~قال الله فيه @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم @QE@ أى ~~يخلصهم من الآصار والأغلال ومن الدخول في منكرات أهل الحيل والله تعالى ~~أعلم ### ||| فصل # ( في التفريق بين التعليق الذى يقصد به الإيقاع والذى يقصد به اليمين ( # ( فالأول ( أن يكون مريدا للجزاء عند الشرط وإن كان الشرط مكروها له لكنه ~~إذا وجد الشرط فإنه يريد الطلاق لكون الشرط أكره إليه من الطلاق فإنه وإن ~~كان يكره طلاقها ويكره الشرط لكن إذا وجد الشرط فإنه يختار طلاقها مثل أن ~~يكون كارها للتزوج بإمرأة بغى أو فاجرة أو خائنة أو هو لا يختار طلاقها لكن ~~إذا فعلت هذه الأمور إختار طلاقها فيقول إن زنيت أو سرقت أو خنت فانت طالق ~~ومراده إذا فعلت ذلك أن يطلقها إماعقوبة لها وإما كراهة لمقامة معها ~~PageV33P064 على هذا الحال فهذا موقع للطلاق عند الصفة لا حالف ووقوع ~~الطلاق في مثل هذا هو المأثور عن الصحابة كإبن مسعود وإبن عمر وعن التابعين ~~وسائر العلماء وما علمت أحدا من السلف قال في مثل هذا إنه لا يقع به الطلاق ~~ولكن نازع في ذلك طائفة من الشيعة وطائفة من الظاهرية وهذا ليس بحالف ولا ~~يدخل في لفظ اليمين المكفرة الواردة في الكتاب والسنة ولكن من الناس من سمى ~~هذا حالفا كما أن منهم من يسمى كل معلق حالفا ومن ms9336 الناس من يسمى كل منجز ~~للطلاق حالفا وهذه الإصطلاحات الثلاثة ليس لها أصل في اللغة ولا في كلام ~~الشارع ولا كلام الصحابة وإنما سمى ذلك يمينا لما بينه وبين اليمين من ~~القدر المشترك عند المسمى وهو ظنه وقوع الطلاق عند الصفة # وأما التعليق الذى يقصد به اليمين فيمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم ~~بخلاف النوع الأول فإنه لا يمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم وهذا القسم ~~إذا ذكره بصيغة الجزاء فإنما يكون إذا كان كارها للجزاء وهو أكره إليه من ~~الشرط فيكون كارها للشرط وهو للجزاء أكره ويلتزم أعظم المكروهين عنده ~~ليمتنع به من أدنى المكروهين فيقول إن فعلت كذا فأمرأتى طالق أوعبيدى أحرار ~~أو على الحج ونحو ذلك أو يقول لإمرأته إن زنيت أو سرقت أو خنت فأنت طالق ~~يقصد زجرها أو تخويفها باليمين لا إيقاع الطلاق إذا فعلت لأنه يكون مريدا ~~لها وإن PageV33P065 فعلت ذلك لكون طلاقها أكره إليه من مقامها على تلك ~~الحال فهو علق بذلك لقصد الحظر والمنع لا لقصد الإيقاع فهذا حالف ليس بموقع ~~وهذا هوالحالف في الكتاب والسنة وهو الذى تجزئه الكفارة والناس يحلفون ~~بصيغة القسم وقد يحلفون بصيغة الشرط التى في معناها فإن علم هذا وهذا سواء ~~بإتفاق العلماء والله أعلم وقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر مبنى أحكام ~~أصول الدين على ثلاثة أقسام الكتاب والسنة والاجماع وتقدم ! 8 < ### ||| فصل # ( والطلاق نوعان ) نوع أباحه الله ونوع حرمه فالذى أباحة أن يطلقها إذا ~~كانت ممن تحيض بعد أن تطهر من الحيض قبل أن يطأها ويسمى ( طلاق السنة ( فإن ~~كانت ممن لا تحيض طلقها أي وقت شاء أو يطلقها حاملا قد تبين حملها فإن ~~طلقها بالحيض أو في طهر بعد أن وطأها كان هذا طلاقا محرما بإجماع المسلمين ~~وفى وقوعه ( قولان ( للعلماء والأظهر أنه لا يقع PageV33P066 وطلاق السنة ~~المباح إما أن يطلقها طلقة واحدة ويدعها حتى تنقضي العدة فتبين أو يراجعها ~~في العدة فإن طلقها ثلاثا أو طلقها الثانية أو الثالثة في ذلك الطهر ms9337 فهذا ~~حرام وفاعله مبتدع عند أكثر العلماء كمالك وأبى حنيفة وأحمد في المشهور عنه ~~وكذلك إذا طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة أو العقد عند مالك وأحمد في ~~ظاهر مذهبه وغيرهما ولكن هل يلزمه واحدة أو ثلاث فيه قولان قيل يلزمه ~~الثلاث وهو مذهب الشافعى والمعروف من مذهب الثلاثة وقيل لا يلزمه إلا طلقة ~~واحدة وهو قول كثير من السلف والخلف وقول طائفة من أصحاب مالك وأبى حنيفة ~~وهذا القول أظهر وقد ثبت في صحيح مسلم عن إبن عباس قال كان الطلاق الثلاث ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق ~~الثلاث واحدة وفى مسند الإمام أحمد بإسناد جيد عن بن عباس أن ركانة بن عبد ~~يزيد طلق إمرأته ثلاثا في مجلس واحد فقال النبى ( هي واحدة ( ولم ينقل أحد ~~عن النبى بإسناد ثابت أنه الزم بالثلاث لمن طلقها جملة واحدة وحديث ركانة ~~الذى يروى فيه أنه طلقها البتة وأن النبى ( سأله وقال ( ما أردت إلا واحده ~~( ضعيف عند أئمة الحديث ضعفه أحمد والبخارى وأبو عبيد وبن حزم بأن رواته ~~ليسوا موصوفين بالعدل والضبط وبين أحمد أن الصحيح في حديث ركانة أنه طلقها ~~ثلاثا وجعلها واحدة وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع والله أعلم ~~PageV33P067 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام رحمه الله إذا حلف الرجل يمينا من الأيمان ~~فالأيمان ( ثلاثة أقسام ( أحدها ( ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف ~~بالمخلوقات كالكعبة والملائكة والمشايخ والملوك والآباء وتربتهم ونحو ذلك ~~فهذه يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها بإتفاق العلماء بل هي منهى عنها ~~بإتفاق أهل العلم والنهى نهى تحريم في أصح قوليهم ففى الصحيح عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وقال ( إن ~~الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ( وفى السنن عنه أنه قال ( من حلف بغير الله ~~فقد أشرك ( والثانى ( اليمين بالله تعالى كقوله والله لأفعلن فهذه يمين ~~منعقدة فيها الكفارة إذا حنث فيها بإتفاق المسلمين وأيمان المسلمين التى ms9338 هي ~~في معنى الحلف بالله مقصود الحالف بها تعظيم الخالق لا الحلف بالمخلوقات ~~كالحلف بالنذر والحرام والطلاق والعتاق كقوله إن فعلت كذا فعلى صيام شهر أو ~~الحج إلى بيت الله أو الحل على حرام لا أفعل كذا أو إن فعلت كذا فكل ما ~~أملكه حرام أو الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا أولا أفعله أو أن PageV33P068 ~~فعلته فنسائى طوالق وعبيدى أحرار وكل ما أملكه صدقة ونحو ذلك فهذه الأيمان ~~للعلماء فيها ثلاثة اقوال قيل إذا حنث لزمه ما علقه وحلف به وقيل لا يلزمه ~~شيء وقيل يلزمه كفار يمين ومنهم من قال الحلف بالنذر يجزيه فيه الكفارة ~~والحلف بالطلاق والعتاق يلزمه ما حلف به # وأظهر الأقوال وهو القول الموافق للأقوال الثابتة عن الصحابة وعليه يدل ~~الكتاب والسنة والإعتبار أنه يجزئه كفارة يمين في جميع أيمان المسلمين كما ~~قال الله تعالى @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ وقال تعالى @QB@ قد ~~فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ وثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( من حلف ~~على يمين فرأى غيرها خيرا فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه ( فإذا قال ~~الحل على حرام لا أفعل كذا أو الطلاق يلزمنى لا أفعل كذا أو أن فعلت كذا ~~فعلى الحج أو مالى صدقة أجزأه في ذلك كفارة يمين فان كفر كفارة الظهار فهو ~~أحسن وكفارة اليمين يخير فيها بين العتق أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ~~وإذا أطعمهم أطعم كل واحد جراية من الجرايات المعروفة في بلده مثل أن يطعم ~~ثمان أواق أو تسع أواق بالشامى ويطعم مع ذلك ادامها كما جرت عادة أهل الشام ~~في اعطاء الجرايات خبزا وإداما وإذا كفر يمينه لم يقع به الطلاق ~~PageV33P069 وأما إذا قصد إيقاع الطلاق على الوجه الشرعى مثل أن ينجز ~~الطلاق فيطلقها واحدة في طهر لم يصبها فيه فهذا يقع به الطلاق بإتفاق ~~العلماء وكذلك إ ذا علق الطلاق بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها مثل أن يكون ~~مريدا للطلاق إذا فعلت أمرا من الأمور فيقول لها إن فعلته فانت طالق ms9339 قصده ~~أن يطلقها إذا فعلته فهذا مطلق يقع به الطلاق عند السلف وجماهير الخلف ~~بخلاف من قصده أن ينهاها ويزجرها باليمين ولو فعلت ذلك الذى يكرهه لم يجز ~~أن يطلقها بل هو مريد لها وإن فعلته لكنه قصد اليمين لمنعها عن الفعل لا ~~مريدا أن يقع الطلاق وان فعلته فهذا حالف لايقع به الطلاق في أظهر قولي ~~العلماء من السلف والخلف بل يجزئه أكفارة يمين كما تقدم ### ||| فصل # والطلاق الذى يقع بلا ريب هو الطلاق الذى أذن الله فيه وأباحه وهو أن ~~يطلقها في الطهر قبل أن يطأها أو بعد ما يبين حملها طلقة واحدة PageV33P070 ~~فأما ( الطلاق المحرم ) مثل أن يطلقها في الحيض أو يطلقها بعد أن يطأها ~~وقبل أن يبين حملها فهذا الطلاق محرم باتفاق العلماء وكذلك اذا طلقها ثلاثا ~~بكلمة أو كلمات في طهر واحد فهو محرم عند جمهور العلماء # وتنازعوا فيما يقع بها فقيل يقع بها الثلاث وقيل لا يقع بها الا طلقة ~~واحدة وهذا هو الاظهر الذى يدل عليه الكتاب والسنة كما قد بسط في موضعه ~~وكذلك الطلاق المحرم في الحيض وبعد الوطء هل يلزم فيه قولان للعلماء والا ~~ظهر أنه لا يلزم كما لا يلزم النكاح المحرم والبيع المحرم وقد ثبت في ~~الصحيح عن بن عباس قال كان الطلاق على عهد رسول الله وأبى بكر وصدرا من ~~خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة وثبت أيضا في مسند أحمد أن ركانة بن عبد يزيد ~~طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( هي واحد ة ~~) ولم يثبت عن النبى خلاف هذه السنة بل ما يخالفها إما أنه ضعيف بل مرجوح ~~واما أنه صحيح لا يدل على خلاف ذلك كما قد بسط ذلك في موضعه والله أعلم ~~PageV33P071 ### ||| فصل # الطلاق منه طلاق سنة أباحه الله تعالى وطلاق بدعة حرمه الله فطلاق السنة ~~أن يطلقها طلقه واحدة إذا طهرت من الحيض قبل أن يجامعها أو يطلقها حاملا قد ~~تبين حملها # فان طلقها وهى حائض أو وطئها ms9340 وطلقها بعد الوطء قبل أن يتبين حملها فهذا ( ~~طلاق محرم ( بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين وتنازع العلماء هل يلزم أولا ~~يلزم على ( قولين ( والأظهر أنه لا يلزم وان طلقها ثلاثا بكلمة أو بكلمات ~~في طهر واحد قبل أن يراجعها مثل أن يقول أنت طالق ثلاثا أو أنت طالق ألف ~~طلقة أو أنت طالق أنت طالق أنت طالق ونحو ذلك من الكلام فهذا حرام عند ~~جمهور العلماء من السلف والخلف وهو مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد وظاهر مذهبه ~~وكذلك لو طلقها ثلاثا قبل أن تنقضي عدتها فهو أيضا حرام عند الأكثرين وهو ~~مذهب مالك وأحمد في ظاهر مذهبه # وأما ( السنة ( إذا طلقها طلقة واحدة لم يطلقها الثانية حتى يراجعها في ~~العدة أو يتزوجها بعقد جديد بعد العدة فحينئذ له أن يطلقها الثانية ~~PageV33P072 وكذلك الثالثة فاذا طلقها الثالثة كما أمر الله ورسوله حرمت ~~عليه حتى تنكح زوجا غيره # وأما لو طلقها ( الثلاث ( طلاقا محرما مثل أن يقول لها أنت طالق ثلاثة ~~جملة واحدة فهذا فيه قولان للعلماء ( أحدهما ( يلزمه الثلاث و ( الثانى ( ~~لا يلزمه إلا طلقة واحدة وله أن يرتجعها في العدة وينكحها بعقد جديد بعد ~~العدة وهذا قول كثير من السلف والخلف وهو قول طائفة من أصحاب مالك وأبى ~~حنيفة وأحمد بن حنبل وهذا أظهر القولين لدلائل كثيرة منها ما ثبت في الصحيح ~~عن بن عباس قال كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبى بكر وصدرا من ~~خلافة عمر واحدة ومنها ما رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد جيد عن بن عباس أن ~~ركانة بن عبد يزيد طلق إمرأته ثلاثا في مجلس واحد وجاء إلى النبى فقال ( ~~إنما هي واحدة وردها عليه ( وهذا الحديث قد ثبته أحمد بن حنبل وغيره وضعف ~~أحمد وأبو عبيد وبن حزم وغيرهم ما روي ( أنه طلقها البتة ( وقد أستحلفه ( ~~ما أردت إلا واحدة ) فان رواة هذا مجاهيل لا يعرف حفظهم وعد لهم ورواة ~~الأول معروفون بذلك ولم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم بإسناد مقبول ms9341 ~~أن أحدا طلق إمراته ثلاثا بكلمة واحدة فألزمه الثلاث بل روي في ذلك أحاديث ~~كلها كذب باتفاق أهل العلم ولكن جاء في أحاديث صحيحة ( إن فلانا طلق إمرأته ~~ثلاثا ( أى ثلاثا متفرقة وجاء ( أن الملاعن طلق ثلاثا ( وتلك إمرأة لا سبيل ~~له إلى رجعتها بل هي PageV33P073 محرمة عليه سواء طلقها أو لم يطلقها كما ~~لو طلق المسلم إمرأته إذا أرتدت ثلاثا وكما لو أسلمت أمرأة اليهودى فطلقها ~~ثلاثا أو أسلم زوج المشركة فطلقها ثلاثا وإنما الطلاق الشرعى أن يطلق من ~~يملك أن يرتجعها أو يتزوجها بعقد جديد والله أعلم ### ||| فصل # إذا حلف الرجل بالحرام فقال الحرام يلزمنى لا أفعل كذا أو الحل علي حرام ~~لا أفعل كذا أو ما أحل الله علي حرام أن فعلت كذا أو ما يحل للمسلمين يحرم ~~علي إن فعلت كذا أو نحو ذلك وله زوجة ففى هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف ~~والخلف ولكن القول الراجح أن هذه يمين من الأيمان لا يلزمه بها طلاق ولو ~~قصد بذلك الحلف بالطلاق وهذا مذهب الامام أحمد المشهور عنه حتى لو قال أنت ~~على حرام ونوى به الطلاق لم يقع به الطلاق عنده ولو قال أنت علي كظهر أمى ~~وقصد به الطلاق فان هذا لا يقع به الطلاق عند عامة ا لعلماء وفى ذلك أنزل ~~الله القرآن فانهم كانوا يعدون الظهار طلاقا والايلاء طلاقا فرفع الله ذلك ~~كله وجعل في الظهار الكفارة الكبرى وجعل الايلاء يمينا يتربص فيها الرجل ~~أربعة أشهر فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان كذلك قال كثير من السلف ~~والخلف إنه إذا كان مزوجا فحرم إمرأته أو حرم الحلال مطلقا كان مظاهرا وهذا ~~مذهب أحمد وإذا حلف بالظهار والحرام لا يفعل شيئا وحنث PageV33P074 في ~~يمينه أجزأته الكفارة في مذهبه لكن قيل ان الواجب كفارة ظهار وسواء حلف أو ~~أوقع وهو المنقول عن أحمد وقيل بل إن حلف به أجزأه كفارة يمين وأن أوقعه ~~لزمه كفارة ظهار وهذا أقوى وأقيس على أصول أحمد وغيره فالحالف ms9342 بالحرام ~~يجزيه كفارة يمين كما يجزئ الحالف بالنذر إذا قال إن فعلت كذا فعلي الحج أو ~~مالي صدقة كذلك إذا حلف بالعتق يجزئه كفارة عند أكثر السلف من الصحابة ~~والتابعين وكذلك الحلف بالطلاق يجزئ فيه أيضا كفارة يمين كما أفتى به ( ~~جماعة ( من السلف والخلف والثابت عن الصحابة لا يخالف ذلك بل معناه يوافقه ~~فكل يمين يحلف بها المسلمون في أيمانهم ففيها كفارة يمين كما دل عليه ~~الكتاب والسنة وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو أن يعتق أو أن يظاهر ~~فهذا يلزمه ما أو قعه سواء كان منجزا أو معلقا ولا يجزئه كفارة يمين والله ~~سبحانه أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عمن طلق في الحيض والنفاس هل يقع عليه ~~الطلاق أم لا ### ||||| فأجاب # أما قوله لها أنت طالق ثلاثا وهى حائض فهي مبنية على ~~أصلين ( أحدهما ) ان الطلاق في الحيض محرم بالكتاب والسنة والإجماع فإنه ~~PageV33P075 لا يعلم في تحريمه نزاع وهو طلاق بدعة وأما ( طلاق السنة ) أن ~~يطلقها في طهر لا يمسها فيه أو يطلقها حاملا قد استبان حملها فان طلقها في ~~الحيض أو بعد ما وطئها وقبل أن يستبين حملها له فهو طلاق بدعة كما قال ~~تعالى @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ~~@QE@ وفى الصحاح والسنن والمسانيد ان بن عمر طلق امرأته وهى حائض فذكر عمر ~~ذلك لرسول الله فقال ( مره فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم ~~ان شاء أمسكها وان شاء طلقها قبل أن يمسها فتلك العدة التى أمر الله أن ~~يطلق فيها النساء ( # وأما جمع الطلقات الثلاث ) ففيه قولان ( أحدهما ) محرم أيضا عند أكثر ~~العلماء من الصحابه والتابعين ومن بعدهم وهذا مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد ~~في إحدى الروايتين عنه وإختاره أكثر أصحابه وقال أحمد تدبرت القرآن فإذا كل ~~طلاق فيه فهو الطلاق الرجعى يعنى طلاق المدخول بها غير قوله @QB@ فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ وعلى هذا القول فهل له أن ms9343 ~~يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بان يفرق الطلاق على ثلاثة أطهار ~~فيطلقها في كل طهر طلقة فيه ( قولان ) هما روايتان عن أحمد ( إحداهما ) له ~~ذلك وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبى حنيفة ( والثانية ) ليس له ذلك وهو ~~قول أكثر السلف PageV33P076 وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد التى ~~أختارها أكثر أصحابه كابى بكر عبد العزيز والقاضى أبى يعلى وأصحابه # ( والقول الثانى ) ان جمع الثلاث ليس بمحرم بل هو ترك الأفضل وهو مذهب ~~الشافعى والرواية الأخرى عن أحمد أختارها الخرقى واحتجوا بان فاطمة بنت قيس ~~طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثا وبأن امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثا ~~وبان الملاعن طلق امرأته ثلاثا ولم ينكر النبى ذلك # وأجاب الأكثرون بان حديث فاطمة وإمرأة رفاعة إنما طلقها ثلاثا متفرقات ~~هكذا ثبت في الصحيح أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات لم يطلق ثلاثا لا هذا ولا ~~هذا مجتمعات وقول الصحابى طلق ثلاثا يتناول ما اذا طلقها ثلاثا متفرقات بان ~~يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ~~وهذا طلاق سنى واقع باتفاق الأئمة وهو المشهور على عهد رسول الله في معنى ~~الطلاق ثلاثا واما جمع الثلاث بكلمة فهذا كان منكرا عندهم إنما يقع قليلا ~~فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق ولا يجوز ان ~~يقال يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا بل هذا قول بلا دليل بل هو بخلاف الدليل # وأما الملاعن فان طلاقه وقع بعد البينونة أو بعد وجوب الإبانة التى تحرم ~~بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة فكان مؤكدا لموجب اللعان ~~PageV33P077 والنزاع انما هو في طلاق من يمكنه أمساكها لا سيما والنبى قد ~~فرق بينهما فان كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها وإن كان ~~بعدها دل على بقاء النكاح والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا فدل ~~ذلك على أن الثلاث لم يقع بها إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا ~~غيره وامتنع ms9344 حينئذ أن يفرق النبى صلى الله عليه وسلم بينهما لأنهما صارا ~~أجنبيين ولكن غاية ما يمكن أن يقال حرمها عليه تحريما مؤبدا فيقال فكان ~~ينبغى أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح ~~وان الثلاث لم تقع جميعا بخلاف ما اذا قيل أنه يقع بها واحدة رجعية فانه ~~يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما وقول سهل بن سعد طلقها ثلاثا فانفذه عليه ~~رسول الله دليل على انه احتاج إلى إنفاذ النبى واختصاص الملاعن بذلك ولو ~~كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث لم يكن للملاعن إختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ ~~فدل على انه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبى صلى ~~الله عليه وسلم مقصوده بل زاده فان تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق إذ ~~تحريم اللعان لا يزول وان نكحت زوجا غيره وهو مؤبد في أحد قولى العلماء لا ~~يزول بالتوبة # واستدل الأكثرون بأن القرآن العظيم يدل على ان الله لم يبح الا الطلاق ~~الرجعى وإلا الطلاق للعدة كما في قوله تعالى @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة @QE@ PageV33P078 إلى قوله @QB@ لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف @QE@ وهذا انما يكون في الرجعى وقوله @QB@ فطلقوهن لعدتهن ~~@QE@ يدل على أنه لا يجوز ارداف الطلاق للطلاق حتى تنقضى العدة أو يراجعها ~~لأنه إنما اباح الطلاق للعدة أى لإستقبال العدة فمتى طلقها الثانية ~~والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين ~~فان كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وبن حزم فقد بينا فساده في موضع آخر فان هذا ~~قول ضعيف لأنهم كانوا في أول الإسلام إذا أراد الرجل اضرار امرأته طلقها ~~حتى اذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ليطيل حبسها فلو كان إذا لم ~~يراجعها تستأنف العدة لم يكن حاجة إلى أن يراجعها والله تعالى قصرهم على ~~الطلاق الثلاث دفعا لهذا الضرر كما جاءت بذلك الآثار ودل على أنه ms9345 كان ~~مستقرا عند الله أن العدة لا تستأنف بدون رجعة سواء كان ذلك لأن الطلاق لا ~~يقع قبل الرجعة أو يقع ولا يستأنف له العدة وبن حزم انما أوجب إستئناف ~~العدة بان يكون الطلاق لإستقبال العدة فلا يكون طلاق الا يتعقبه عدة اذ كان ~~بعد الدخول كما دل عليه القرآن فلزمه على ذلك هذا القول الفاسد وأما من أخذ ~~بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فانه يقول إن الطلاق الذى شرعه الله هو ~~ما يتعقبه العدة وما كان صاحبه مخيرافيها بين الإمساك بمعروف والتسريح ~~باحسان وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا PageV33P079 ~~يكون جائزا فلم يكن ذلك طلاقا للعدة ولأنه قال @QB@ فإذا بلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف @QE@ فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها ~~تقضى العدة فيسرحها باحسان فاذا طلقها ثانية قبل إنقضاء العدة لم يمسك ~~بمعروف ولم يسرح باحسان # وقد قال تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق ~~بردهن في ذلك @QE@ فهذا يقتضى أن هذا حال كل مطلقة فلم يشرع إلا هذا الطلاق ~~ثم قال @QB@ الطلاق مرتان @QE@ أي هذا الطلاق المذكور ( مرتان ) واذا قيل ~~سبح مرتين أو ثلاث مرات لم يجزه أن يقول سبحان الله مرتين بل لابد أن ينطق ~~بالتسبيح مرة بعد مرة فكذلك لا يقال طلق مرتين إلا اذا طلق مرة بعد مرة ~~فاذا قال أنت طالق ثلاثا أو مرتين لم يجز أن يقال طلق ثلاث مرات ولا مرتين ~~وان جاز أن يقال طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين ثم قال بعد ذلك ( فان طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها ~~الله الا بعد الطلاق الرجعى مرتين # وقد قال الله تعالى @QB@ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن @QE@ الآية وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث وهو يعم كل طلاق ~~فعلم أن جمع الثلاث ليس بمشروع ودلائل ms9346 تحريم الثلاث PageV33P080 كثيرة قوية ~~من الكتاب والسنة والآثار والإعتبار كما هو مبسوط في موضعه # وسبب ذلك أن ( الأصل في الطلاق الحظر ) وانما أبيح منه قدر الحاجة كما ~~ثبت في الصحيح عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم ( أن ابليس ينصب عرشه ~~على البحر ويبعث سراياه فاقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتيه الشيطان ~~فيقول ما زلت به حتى فعل كذا حتى يأتيه الشيطان فيقول ما زلت به حتى فرقت ~~بينه وبين إمرأته فيدنيه منه ويقول أنت أنت ويلتزمه ) وقد قال تعالى في ذم ~~السحر ( ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) وفى السنن عن النبى ~~قال ( إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات ( وفى السنن أيضا عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس ~~فحرام عليها رائحة الجنة ) ولهذا لم يبح إلا ثلاث مرات وحرمت عليه المرأة ~~بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره واذا كان انما أبيح للحاجة فالحاجة تندفع ~~بواحدة فما زاد فهو باق على الحظر # الأصل الثانى أن الطلاق المحرم الذى يسمى ( طلاق البدعة ) اذا أوقعه ~~الإنسان هل يقع أم لا فيه نزاع بين السلف والخلف والأكثرون يقولون بوقوعه ~~مع القول بتحريمه وقال آخرون لا يقع مثل طاوو س وعكرمة وخلاس وعمر ومحمد بن ~~إسحاق وحجاج بن أرطاة وأهل الظاهر PageV33P081 كداود وأصحابه وطائفة من ~~أصحاب أبى حنيفة ومالك وأحمد ويروى عن أبى جعفر الباقر وجعفر بن محمد ~~الصادق وغيرهما من أهل البيت وهو قول أهل الظاهر داود وأصحابه لكن منهم من ~~لا يقول بتحريم الثلاث ومن أصحاب أبى حنيفة ومالك وأحمد من عرف أنه لا يقع ~~مجموع الثلاث إذا أوقعها جميعا بل يقع منها واحدة ولم يعرف قوله في طلاق ~~الحائض ولكن وقوع الطلاق جميعا قول طوائف من أهل الكلام والشيعة ومن هؤلاء ~~وهؤلاء من يقول إذا أوقع الثلاث جملة لم يقع به شيء أصلا لكن هذا قول مبتدع ~~لا يعرف لقائله سلف من الصحابه والتابعين لهم باحسان وطوائف من ms9347 أهل الكلام ~~والشيعة لكن بن حزم من الظاهرية لا يقول بتحريم جمع الثلاث فلذا يوقعها ~~وجمهورهم على تحريمها وأنه لا يقع إلا واحدة ومنهم من عرف قوله في الثلاث ~~ولم يعرف قوله في الطلاق في الحيض كمن ينقل عنه من أصحاب أبى حنيفة ومالك ~~وبن عمر روى عنه من وجهين أنه لا يقع وروى عنه من وجوه أخرى أشهر وأثبت أنه ~~يقع وروى ذلك عن زيد وأما جمع الثلاث # فأقوال الصحابة فيها كثيرة مشهورة روى الوقوع فيها عن عمر وعثمان وعلى ~~وبن مسعود وبن عباس وبن عمر وأبى هريرة وعمران بن حصين وغيرهم وروى عدم ~~الوقوع الوقوع فيها عن ابى بكر وعن عمر صدرا من خلافته وعن على بن أبى طالب ~~وبن مسعود وبن عباس ايضا وعن الزبير وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهم ~~أجمعين PageV33P082 قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث في كتابه الذى سماه ~~( المقنع في أصول الوثائق وبيان مافى ذلك من الدقائق ) وطلاق البدعة أن ~~يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة فان فعل لزمه الطلاق ثم اختلف أهل العلم بعد ~~إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق فقال على بن أبى طالب وبن مسعود ~~رضى الله عنهما يلزمه طلقة واحدة وكذا قال بن عباس رضى الله عنهما وذلك لأن ~~قوله ( ثلاثا ) لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات لأنه إذا كان مخبرا عما ~~مضى فيقول طلقت ثلاث مرات يخبر عن ثلاث طلقات أتت منه في ثلاثة أفعال كانت ~~منه فذلك يصح ولو طلقها مرة واحدة فقال طلقتها ثلاث مرات لكان كاذبا وكذلك ~~لو حلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان وأما لو حلف بالله فقال ~~أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق مثله قال ومثل ذلك ~~قال الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف روينا ذلك كله عن بن وضاح يعنى ~~الامام محمد بن وضاح الذى يأخذ عن طبقة أحمد بن حنبل وبن أبي شيبة ويحيى بن ~~معين وسحنون بن ms9348 سعيد وطبقتهم قال وبه قال من شيوخ قرطبة بن زنباع شيخ هدى ~~ومحمد بن عبد السلام الحسينى فقيه عصره وبن بقى بن مخلد وأصبغ بن الحباب ~~وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة وذكر هذا عن بضعه عشر فقيها من فقهاء طليطلة ~~المتعبدين على مذهب مالك بن # أنس قلت وقد ذكره التلمسانى رواية عن مالك وهو قول محمد بن مقاتل الرازى ~~من أئمة الحنفية حكاه عن المازنى وغيره وقد ذكر هذا رواية عن PageV33P083 ~~مالك وكان يفتى بذلك أحيانا الشيخ أبو البركات بن تيمية وهو وغيره يحتجون ~~بالحديث الذى رواه مسلم في صحيحه وأبو داود وغيرهما عن طاووس عن بن عباس ~~أنه قال كان الطلاق على عهد رسول الله وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق ~~الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد إستعجلوا أمرا كان لهم فيه ~~أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم وفى رواية أن أبا الصهباء قال لإبن ~~عباس هات من هناتك ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبى بكر واحدة ~~قال قد كان ذلك فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم ~~وأجازه # والذين ردوا هذا الحديث تأولوه بتأويلات ضعيفه وكذلك كل حديث فيه أن ~~النبى ألزم الثلاث بيمين أوقعها جملة أو أن احدا في زمنه أوقعها جملة ~~فألزمه بذلك مثل حديث يروى عن على وآخر عن عبادة بن الصامت وآخر عن الحسن ~~عن بن عمر وغير ذلك فكلها احاديث ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي ~~موضوعه ويعرف اهل العلم بنقد الحديث انها موضوعه كما هو مبسوط في موضعه # وأقوى ما ردوه به أنهم قالوا ثبت عن بن عباس من غير وجه أنه أفتى بلزوم ~~الثلاث PageV33P084 وجواب المستدلين ان بن عباس روى عنه من طريق عكرمة ايضا ~~انه كان يجعلها واحدة ) وثبت عن عكرمة عن بن عباس ما يوافق حديث طاووس ~~مرفوعا إلى النبى وموقوفا على بن عباس ولم يثبت خلاف ذلك عن النبى فالمرفوع ~~( ان ركانه طلق امراته ثلاثا فردها ms9349 عليه النبى ( قال الإمام أحمد بن حنبل ~~في مسنده حدثنا سعيد بن إبراهيم حدثنا ابى عن بن إسحاق حدثنى داود بن ~~الحصين عن عكرمة مولى بن عباس قال طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بنى المطلب ~~امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا قال فسأله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( كيف طلقتها ) قال فقال طلقتها ثلاثا قال ( في مجلس واحد ) ~~قال نعم قال ( فانها تلك واحدة فارجعها إن شئت ) قال فراجعها وكان بن عباس ~~يقول إنما الطلاق عند كل طهر # قلت وهذا الحديث قال فيه بن إسحاق حدثنى داود وداود من شيوخ مالك ورجال ~~البخارى وبن إسحاق إذا قال حدثنى فهو ثقة عند أهل الحديث وهذا إسناد جيد ~~وله شاهد من وجه آخر رواه أبو داود في السنن ولم يذكر أبو داود هذا الطريق ~~الجيد فلذلك ظن أن تطليقة واحدة بائنا اصح وليس الأمر كما قاله بل الإمام ~~أحمد رجح هذه الرواية على تلك وهو كما قال أحمد وقد بسطنا الكلام على ذلك ~~في موضع آخر PageV33P085 وهذا المروى عن بن عباس في حديث ركانة من وجهين ~~وهو رواية عكرمة عن بن عباس من وجهين عن عكرمة وهو أثبت من رواية عبد الله ~~بن على بن يزيد بن ركانة ونافع بن عجين أنه طلقها البتة و ( ان النبى ~~أستحلفه فقال ما أردت إلا واحدة ) فان هؤلاء مجاهيل لا تعرف أحوالهم وليسوا ~~فقهاء وقد ضعف حديثهم أحمد بن حنبل وأبو عبيد وبن حزم وغيرهم وقال أحمد بن ~~حنبل حديث ركانة في البتة ليس بشيء وقال أيضا حديث ركانة لا يثبت انه طلق ~~إمرأته البتة لأن بن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس ( ~~أن ركانة طلق امرأته ثلاثا ) وأهل المدينة يسمون ( ثلاثا ) البتة فقد إستدل ~~أحمد على بطلان حديث البتة بهذا الحديث الآخر الذى فيه أنه طلقها ثلاثا ~~وبين أن أهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق البتة وهذا يدل على ثبوت ~~الحديث عنده وقد ms9350 بينه غيره من الحفاظ وهذا الإسناد وهو قول بن إسحاق حدثنى ~~داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس هو اسناد ثابت عن أحمد وغيره من ~~العلماء وبهذا الإسناد روى ( أن النبى صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب ~~على زوجها بالنكاح الأول ) وصحح ذلك أحمد وغيره من العلماء وبن إسحاق اذا ~~قال حدثنى فحديثه صحيح عند أهل الحديث إنما يخاف عليه التدليس إذا عنعن وقد ~~روى أبو داود في سننه هذا عن بن عباس من وجه آخر وكلاهما يوافق حديث طاووس ~~عنه وأحمد كان يعارض حديث طاووس بحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا ~~ونحوه PageV33P086 # وكان أحمد يرى جمع الثلاث جائزا ثم رجع أحمد عن ذلك وقال تدبرت القرآن ~~فوجدت الطلاق الذى فيه هو الرجعى أو كما قال واستقر مذهبه على ذلك وعليه ~~جمهور اصحابه وتبين من حديث فاطمة أنها كانت مطلقة ثلاثا متفرقات لا مجموعة ~~وقد ثبت عنده حديثان عن النبى صلى الله عليه وسلم أن من جمع ثلاثا لم يلزمه ~~الا واحدة وليس عن النبى ما يخالف ذلك بل القرآن يوافق ذلك والنهى عنده ~~يقتضى الفساد فهذه النصوص والأصول الثابتة عنه تقتضى من مذهبه أنه لا يلزمه ~~الا واحدة وعدوله عن القول بحديث ركانة وغيره كان أولا لما عارض ذلك عنده ~~من جواز جمع الثلاث فكان ذلك يدل على النسخ ثم انه رجع عن المعارضة وتبين ~~له فساد هذا المعارض وان جمع الثلاث لا يجوز فوجب على أصله العمل بالنصوص ~~السالمة عن المعارض وليس يعل حديث طاووس بفتيا بن عباس بخلافه وهذا علمه في ~~احدى الروايتين عنه ولكن ظاهر مذهبه الذي عليه أصحابه إن ذلك لا يقدح في ~~العمل بالحديث لا سيما وقد بين بن عباس عذر عمر بن الخطاب رضى الله عنه في ~~الإلزام بالثلاث وبن عباس عذره هو العذر الذى ذكره عن عمر رضى الله عنه وهو ~~ان الناس لما تتابعوا فيما حرم الله عليهم استحقوا العقوبة على ذلك فعوقبوا ~~بلزومه بخلاف ما كانوا ms9351 عليه قبل ذلك فانهم لم يكونوا مكثرين من فعل المحرم ~~PageV33P087 # وهذا كما أنهم لما أكثروا شرب الخمر واستخفوا بحدها كان عمر يضرب فيها ~~ثمانين وينفى فيها ويحلق الرأس ولم يكن ذلك على عهد النبى صلى الله عليه ~~وسلم وكما قاتل على بعض أهل القبلة ولم يكن ذلك على عهد النبى والتفريق بين ~~الزوجين هو مما كانوا يعاقبون به أحيانا إما مع بقاء النكاح وإما بدونه ~~فالنبى صلى الله عليه وسلم فرق بين الثلاثة الذين خلفوا وبين نسائهم حتى ~~تاب الله عليهم من غير طلاق والمطلق ثلاثا حرمت عليه امرأته حتى تنكح زوجا ~~غيره عقوبة له ليمتنع عن الطلاق وعمر بن الخطاب ومن وافقه كمالك وأحمد في ~~احدى الروايتين حرموا المنكوحة في العدة على الناكح أبدا لأنه استعجل ما ~~أحله الله فعوقب بنقيض قصده والحكمان لهما عند أكثر السلف ان يفرقا بينهما ~~بلا عوض إذا رأيا الزوج ظالما معتديا لما في ذلك من منعه من الظلم ودفع ~~الضرر عن الزوجه ودل على ذلك الكتاب والسنة والآثار وهو قول مالك وأحد ~~القولين في مذهب الشافعى وأحمد والزام عمر بالثلاث لما أكثروا منه إما أن ~~يكون رآه عقوبة تستعمل وقت الحاجة وإما أن يكون رآه شرعا لازما لإعتقاده أن ~~الرخصة كانت لما كان المسلمون لا يوقعونه إلا قليلا # وهكذا كما اختلف كلام الناس في نهيه عن المتعه هل كان نهى اختيار لأن ~~إفراد الحج بسفرة والعمرة بسفره كان أفضل من التمتع أو كان قد نهى عن الفسح ~~لإعتقاده انه كان مخصوصا بالصحابه وعلى التقديرين فالصحابه قد PageV33P088 ~~نازعوه في ذلك وخالفه كثير من أئمتهم من أهل الشورى وغيرهم في المتعة وفى ~~الإلزام بالثلاث واذا تنازعوا في شيء وجب ردما تنازعوا فيه إلى الله ~~والرسول كما أن عمر كان يرى أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى ونازعه في ~~ذلك كثير من الصحابة وأكثر العلماء على قولهم وكان هو وبن مسعود يريان أن ~~الجنب لا يتيمم وخالفهما عمار وأبو موسى وبن عباس وغيرهم من الصحابه ms9352 وأطبق ~~العلماء على قول هؤلاء لما كان معهم الكتاب والسنة والكلام على هذا كثير ~~مبسوط في موضع آخر والمقصود هنا التنبيه على ما أخذ الناس به # والذين لا يرون الطلاق المحرم لازما يقولون هذا هو الأصل الذى عليه أئمة ~~الفقهاء كمالك والشافعى وأحمد وغيرهم وهو أن ايقاعات العقود المحرمة لا تقع ~~لازمة كالبيع المحرم والنكاح المحرم والكتابة المحرمة ولهذا أبطلوا نكاح ~~الشغار ونكاح المحلل وأبطل م الك وأحمد البيع يوم الجمعة عند النداء وهذا ~~بخلاف الظهار المحرم فان ذلك نفسه محرم كما يحرم القذف وشهادة الزور ~~واليمين الغموس وسائر الأقوال التى هي في نفسها محرمة فهذا لا يمكن أن ~~ينقسم إلى صحيح وغير صحيح بل صاحبها يستحق العقوبة بكل حال فعوقب المظاهر ~~بالكفارة ولم يحصل ما قصده به من الطلاق فانهم كانوا يقصدون به الطلاق وهو ~~موجب لفظه فابطل الشارع ذلك لأنه قول محرم وأوجب فيه الكفارة أما الطلاق ~~فجنسه مشروع كالنكاح والبيع فهو يحل تارة ويحرم تارة PageV33P089 فينقسم ~~إلى صحيح وفاسد كما ينقسم البيع والنكاح والنهى في هذا الجنس يقتضى فساد ~~المنهى عنه ولما كان أهل الجاهلية يطلقون بالظهار فابطل الشارع ذلك لأنه ~~قول محرم كان مقتضى ذلك أن كل قول محرم لا يقع به الطلاق وإلا فهم كانوا ~~يقصدون الطلاق بلفظ الظهار كلفظ الحرام وهذا قياس أصل الأئمة مالك والشافعى ~~وأحمد # ولكن الذين خالفوا قياس أصولهم في الطلاق خالفوه لما بلغهم من الآثار ~~فلما ثبت عندهم عن بن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة التى طلق امرأته وهى حائض ~~قالوا هم أعلم بقصته فاتبعوه في ذلك ومن نازعهم يقول ما زال بن عمر وغيره ~~يروون أحاديث ولا تأخذ العلماء بما فهموه منها فان الإعتبار بما رووه لا ~~بما رأوه وفهموه وقد ترك جمهور العلماء قول بن عمر الذى فسر به قوله ( ~~فاقدروا له ) وترك مالك وأبو حنيفة وغيرهما تفسيره لحديث ( البيعين بالخيار ~~) مع أن قوله هو ظاهر الحديث وترك جمهور العلماء تفسيره لقوله ( فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم ) وقوله نزلت ms9353 هذه الآية في كذا وكذلك إذا خالف الراوى ما ~~رواه كما ترك الأئمة الأربعة وغيرهم قول بن عباس أن بيع الأمة طلاقها مع ~~أنه روى حديث بريرة وأن النبى خيرها بعد أن بيعت وعتقت فان الإعتبار بما ~~رووه لا ما رأوه وفهموه PageV33P090 ولما ثبت عندهم عن أئمة الصحابه أنهم ~~الزموا بالثلاث المجموعة قالوا لا يلزمون بذلك إلا وذلك مقتضى الشرع واعتقد ~~طائفة لزوم هذا الطلاق وان ذلك إجماع لكونهم لم يعلموا خلافا ثابتا لا سيما ~~وصار القول بذلك معروفا عن الشيعة الذين لم ينفردوا عن أهل السنة بحق # قال المستدلون هؤلاء الذين هم بعض الشيعة وطائفة من أهل الكلام يقولون ~~جامع الثلاث لا يقع به شيء هذا القول لا يعرف عن أحد من السلف بل قد تقدم ~~الإجماع على بعضه وإنما الكلام هل يلزمه واحدة أو يقع ثلاث والنزاع بين ~~السلف في ذلك ثابت لا يمكن رفعه وليس مع من جعل ذلك شرعا لازما للأمة حجة ~~يجب أتباعها من كتاب ولا سنة ولا إجماع وان كان بعضهم قد احتج على هذا ~~بالكتاب وبعضهم بالسنة وبعضهم بالإجماع وقد احتج بعضهم بحجتين أو أكثر من ~~ذلك لكن المنازع يبين أن هذه كلها حجج ضعيفة وان الكتاب والسنة والإعتبار ~~انما تدل على نفى اللزوم وتبين أنه لا اجماع في المسألة بل الآثار الثابتة ~~عمن ألزم بالثلاث مجموعة عن الصحابة تدل على انهم لم يكونوا يجعلون ذلك مما ~~شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته شرعا لازما كما شرع تحريم المرأة بعد ~~الطلقة الثالثة بل كانوا مجتهدين في العقوبة بالزام ذلك إذا كثر ولم ينته ~~الناس عنه PageV33P091 # وقد ذكرت الألفاظ المنقولة عن الصحابة تدل على أنهم ألزموا بالثلاث لمن ~~عصى الله بايقاعها جملة فاما من كان يتقى الله فان الله يقول ( ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) فمن لا يعلم التحريم حتى ~~أوقعها ثم لما علم التحريم تاب والتزم أن لا يعود إلى المحرم فهذا لا يستحق ~~أن يعاقب ms9354 وليس في الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس ما يوجب ~~لزوم الثلاث له ونكاحة ثابت بيقين وامرأته محرمة على الغير بيقين وفى ~~الزامه بالثلاث اباحتها للغير مع تحريمها عليه وذريعه إلى نكاح التحليل ~~الذى حرمه الله ورسوله # ونكاح التحليل لم يكن ظاهرا على عهد النبى وخلفائه ولم ينقل قط أن امرأة ~~أعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إلى زوجها بنكاح تحليل بل ( لعن النبى ~~المحلل والمحلل له ) و ( لعن آكل الربا وموكله وشاهدية وكاتبه ولم يذكر في ~~التحليل الشهود ولا الزوجة ولا الولى لأن التحليل الذى كان يفعل كان مكتوما ~~بقصد المحلل أو يتواطأ عليه هو والمطلق المحلل له والمرأة ووليها لا يعلمون ~~قصده ولو علموا لم يرضوا أن يزوجوه فانه من أعظم المستقبحات والمنكرات عند ~~الناس ولأن عاداتهم لم تكن بكتابة الصداق في كتاب ولا إشهاد عليه بل كانوا ~~يتزوجون ويعلنون النكاح ولا يلتزمون أن يشهدوا عليه شاهدين وقت العقد كما ~~هو PageV33P092 مذهب مالك وأحمد في احدى الروايتين عنه وليس عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم في الإشهاد على النكاح حديث صحيح هكذا قال أحمد بن حنبل ~~وغيره فلما لم يكن على عهد عمر رضى الله عنه تحليل ظاهر ورأى في إنفاذ ~~الثلاث زجرا لهم عن المحرم فعل ذلك بإجتهاده أما اذا كان الفاعل لا يستحق ~~العقوبة وانفاذ الثلاث يفضى إلى وقوع التحليل المحرم بالنص وإجماع الصحابة ~~والإعتقاد وغير ذلك من المفاسد لم يجز أن يزال مفسدة حقيقية بمفاسد أغلظ ~~منها بل جعل الثلاث واحدة في مثل هذا الحال كما كان على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبى بكر أولى ولهذا كان طائفة من العلماء مثل أبى البركات ~~يفتون بلزوم الثلاث في حال دون حال كما نقل عن الصحابة وهذا إما لكونهم ~~رأوه من ( باب التعزير ) الذى يجوز فعله بحسب الحاجة كالزيادة على أربعين ~~في الخمر والنفى فيه وحلق الرأس واما لاختلاف اجتهادهم فرأوه تا رة لازما ~~وتارة غير لازم # وبالجملة فما شرعه النبى لأمته ( شرعا لازما ms9355 ) إنما لا يمكن تغييره لأنه ~~لا يمكن نسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يظن بأحد من ~~علماء المسلمين أن يقصد هذا لاسيما الصحابة لا سيما الخلفاء الراشدون وإنما ~~يظن ذلك في الصحابة أهل الجهل والضلال كالرافضة والخوارج الذين يكفرون بعض ~~الخلفاء أو يفسقونه ولو قدر أن أحدا فعل ذلك PageV33P093 لم يقره المسلمون ~~على ذلك فان هذا اقرار على أعظم المنكرات والأمة معصومة أن تجتمع على مثل ~~ذلك وقد نقل عن طائفة كعيسى بن ابان وغيره من أهل الكلام والرأى من ~~المعتزلة وأصحاب أبى حنيفة ومالك ان الإجماع ينسخ به نصوص الكتاب والسنة ~~وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن الإجماع يدل على نص ناسخ فوجدنا من ~~ذكر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخا فان كانوا أرادوا ذلك فهذا قول ~~يجوز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم كما تقول النصارى من أن المسيح سوغ ~~لعلمائهم أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة وليس ~~هذا دين المسلمين ولا كان الصحابة يسوغون ذلك لأنفسهم ومن اعتقد في الصحابة ~~أنهم كانوا يستحلون ذلك فانه يستتاب كما يستتاب أمثاله ولكن يجوز أن يجتهد ~~الحاكم والمفتى فيصيب فيكون له أجران ويخطىء فيكون له أجر واحد # وما شرعه النبى صلى الله عليه وسلم ( شرعا معلقا بسبب ) انما يكون مشروعا ~~عند وجود السبب كاعطاء المؤلفة قلوبهم فانه ثابت بالكتاب والسنة وبعض الناس ~~ظن أن هذا نسخ لما روى عن عمر أنه ذكر أن الله أغنى عن التألف فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر وهذا الظن غلط ولكن عمر إستغنى في زمنه عن اعطاء ~~المؤلفة قلوبهم فترك ذلك لعدم الحاجة إليه لا لنسخه كما لو فرض أنه عدم في ~~بعض الأوقات بن السبيل والغارم ونحو ذلك PageV33P094 # ( ومتعه الحج ) قد روى عن عمر أنه نهى عنها وكان ابنه عبد الله بن عمر ~~وغيره يقولون لم يحرمها وإنما قصد أن يأمر الناس بالأفضل وهو أن يعتمر ~~أحدهم من دويره أهله في غير ms9356 اشهر الحج فان هذه العمرة أفضل من عمرة المتمتع ~~والقارن باتفاق الأئمة حتى إن مذهب أبى حنيفة وأحمد منصوص عنه أنه إذا ~~اعتمر في غير أشهر الحج وأفرد الحج في أشهره فهذا أفضل من مجرد التمتع ~~والقران مع قولهما بأنه أفضل من الإفراد المجرد ومن الناس من قال إن عمر ~~أراد فسخ الحج إلى العمرة قالوا إن هذا محرم به لا يجوز وأن ما أمر به ~~النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه من الفسخ كان خاصا بهم وهذا قول كثير من ~~الفقهاء كأبى حنيفة ومالك والشافعى وآخرون من السلف والخلف قابلوا هذا ~~وقالوا بل الفسخ واجب ولا يجوز أن يحج أحد إلا متمتعا مبتدأ أو فاسخا كما ~~أمر النبى أصحابه في حجة الوداع وهذا قول بن عباس وأصحابه ومن اتبعه من أهل ~~الظاهر والشيعة والقول الثالث ) أن الفسخ جائز وهو أفضل ويجوز أن لا يفسخ ~~وهو قول كثير من السلف والخلف كاحمد بن حنبل وغيره من فقهاء الحديث ولا ~~يمكن الإنسان أن يحج حجة مجمعا عليها إلا أن يحج متمتعا ابتداء من غير فسخ ~~فأما حج المفرد والقارن ففيه نزاع معروف بين السلف والخلف كما تنازعوا في ~~جواز الصوم في السفر وجواز الإتمام في السفر ولم يتنازعوا في جواز الصوم ~~والقصر في الجملة PageV33P095 وعمر لما نهى عن المتعة خالفة غيره من ~~الصحابة كعمران بن حصين وعلى بن ابى طالب وعبد الله بن عباس وغيرهم بخلاف ~~نهيه عن متعة النساء فان عليا وسائر الصحابة وافقوه على ذلك وانكر على على ~~بن عباس إباحة المتعة قال إنك امرؤ تائه إن رسول الله حرم متعة النساء وحرم ~~لحوم الحمر الأهلية عام خيبر فانكر على بن ابى طالب على بن عباس إباحة ~~الحمر وإباحة متعة النساء لأن بن عباس كان يبيح هذا وهذا فأنكر عليه علي ~~ذلك وذكر له ) ( أن رسول الله حرم المتعة وحرم الحمر الأهلية ) ويوم خيبر ~~كان تحريم الحمر الأهلية وأما تحريم المتعة فانه عام فتح مكة كما ثبت ذلك ~~في ms9357 الصحيح وظن بعض الناس أنها حرمت ثم أبيحت ثم حرمت فظن بعضهم أن ذلك ~~ثلاثا وليس الأمر كذلك # فقول عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو ~~أنفذناه عليهم فانفذه عليهم هو بيان أن الناس أحدثوا ما استحقوا عنده أن ~~ينفذ عليهم الثلاث فهذا إما أن يكون كالنهى عن متعة الفسخ لكون ذلك كان ذلك ~~مخصوصا بالصحابة وهو باطل فان هذا كان على عهد أبى بكر ولأنه لم يذكر ما ~~يوجب إختصاص الصحابه بذلك وبهذا أيضا تبطل دعوى من ظن ذلك منسوخا كنسخ متعة ~~النساء وإن قدر أن عمر رأى ذلك لازما فهو إجتهاد منه إجتهده في المنع من ~~فسخ الحج لظنه أن ذلك كان خاصا PageV33P096 وهذا قول مرجوح قد أنكره غير ~~واحد من الصحابه والحجة الثانية هي مع من أنكره وهكذا الإلزام بالثلاث من ~~جعل قول عمر فيه شرعا لازما قيل له فهذا إجتهاده قد نازعه فيه غيره من ~~الصحابة واذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ~~والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح # وإما أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة وهذا أشبه الأمرين بعمر ~~ثم العقوبة بذلك يدخلها الإجتهاد من ( وجهين ) من جهة أن العقوبة بذلك هل ~~تشرع أم لا فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا يرى العقوبة به غيره كتحريق ~~على الزنادقة بالنار وقد أنكره عليه بن عباس وجمهور الفقهاء مع بن عباس ومن ~~جهة أن العقوبة إنما تكون لمن يستحقها فمن كان من ( المتقين ) استحق أن ~~يجعل الله له فرجا ومخرجا لم يستحق العقوبة ومن لم يعلم أن جمع الثلاث محرم ~~فلما علم أن ذلك محرم تاب من ذلك اليوم أن لا يطلق الا طلاقا سنيا فانه من ~~( المتقين ) في باب الطلاق فمثل هذا لا يتوجه الزامه بالثلاث مجموعة بل ~~يلزم بواحدة منها وهذه المسائل عظيمة وقد بسطنا الكلام عليها في موضع آخر ~~من مجلدين وانما نبهنا عليها ها هنا تنبيها ms9358 لطيفا # والذى يحمل عليه اقوال الصحابة أحد أمرين إما انهم رأوا ذلك من باب ~~التعزير الذى يجوز فعله بحسب الحاجة كالزيادة على أربعين في الخمر ~~PageV33P097 وإما لا ختلاف اجتهادهم فرأوه لازما وتارة غير لازم وأما القول ~~بكون لزوم الثلاث شرعا لا زما كسائر الشرائع فهذا لا يقوم عليه دليل شرعى ~~وعلى هذا القول الراجح لهذا الموقع أن يلتزم طلقة واحدة ويراجع امرأته ولا ~~يلزمه شيء لكونها كانت حائضا اذا كان ممن اتقى الله وتاب من البدعة ### ||| فصل # وأما الطلاق في الحيض فمنشأ النزاع في وقوعه أن النبى قال لعمر بن الخطاب ~~لما أخبره ان عبد الله بن عمر طلق إمرأته وهى حائض ( مره فليراجعها ) حتى ~~تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر ( فمن العلماء من فهم من قوله ( فليراجعها ( ~~انها رجعة المطلقة وبنوا على هذا أن المطلقة في الحيض يؤمر برجعتها مع وقوع ~~الطلاق وهل هو أمر إستحباب أو أمر ايجاب على ( قولين ( هما روايتان عن أحمد ~~والإستحباب مذهب أبى حنيفة والشافعى والوجوب مذهب مالك وهل يطلقها في الطهر ~~الأول الذي يلي حيضة الطلاق أو لا يطلقها إلا في طهر من حيضة ثانية على ( ~~قولين ) أيضا هما روايتان عن أحمد ووجهان في قول أبى حنيفة وهل عليه أن ~~يطأها قبل الطلاق الثانى جمهورهم لا يوجبه ومنهم من يوجبه وهو وجه في مذهب ~~أحمد وهو قوى على قياس قول من يوقع الطلاق لكنه ضعيف في الدليل PageV33P098 # وتنازعوا في عله منع طلاق الحائض هل هو تطويل العدة كما يقوله أصحاب مالك ~~والشافعى وأكثر أصحاب أحمد أو لكونه حال الزهد في وطئها فلا تطلق إلا في ~~حال رغبة في الوطء لكون الطلاق ممنوعا لا يباح إلا لحاجة كما يقول أصحاب ~~أبى حنيفة وأبو الخطاب من أصحاب أحمد أو هو تعبد لا يعقل معناه كما يقوله ~~بعض المالكية على ثلاثة أقوال # ومن العلماء من قال قوله ( مره فليراجعها ) لا يستلزم وقوع الطلاق بل لما ~~طلقها طلاقا محرما حصل منه اعراض عنها ومجانبة لها لظنه ms9359 وقوع الطلاق فأمره ~~أن يردها إلى ما كانت كما قال في الحديث الصحيح لمن باع صاعا بصاعين ( هذا ~~هو الربا فرده ) وفى الصحيح عن عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين ~~فجزأهم النبي ثلاثة أجزاء فاعتق اثنين ورد أربعة للرق ( وفى السنن عن بن ~~عباس ( أن النبى رد زينب على زوجها أبى العاص بالنكاح الأول ( فهذا رد لها ~~وأمر على بن أبى طالب أن يرد الغلام الذى باعه دون أخيه وأمر بشيرا أن يرد ~~الغلام الذى وهبه لإبنه ونظائر هذا كثيرة # ولفظ ( المراجعة ( تدل على العود إلى الحال الأول ثم قد يكون ذلك بعقد ~~جديد كما في قوله تعالى ( فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا وقد يكون ~~برجوع بدن كل منهما إلى صاحبة وإن لم يحصل هناك طلاق كما PageV33P099 إذا ~~أخرج الزوجه أو الأمة من داره فقيل له راجعها فأرجعها كما في حديث على حين ~~راجع الأمر بالمعروف وفى كتاب عمر لأبى موسى وأن تراجع الحق فان الحق قديم # وإستعمال لفظ ( المراجعة ( يقتضى المفاعلة والرجعة من الطلاق يستقل بها ~~الزوج بمجرد كلامه فلا يكاد يستعمل فيها لفظ المراجعة بخلاف ما إذا رد بدن ~~المرأة إليه فرجعت بإختيارها فانهما قد تراجعا كما يتراجعان بالعقد ~~باختيارهما بعد أن تنكح زوجا غيره والفاظ الرجعة من الطلاق هي الرد ~~والإمساك وتستعمل في إستدامة النكاح كقولة تعالى @QB@ وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك @QE@ ولم يكن هناك طلاق وقال تعالى ( ~~الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ) والمراد به الرجعة بعد ~~الطلاق والرجعة يستقل بها الزوج ويؤمر فيها بالإشهاد والنبى لم يأمر بن عمر ~~بالإشهاد وقال ( مره فليراجعها ( ولم يقل ليرتجعها # ( وأيضا ) فلو كان الطلاق قد وقع كان ارتجاعها ليطلقها في الطهر الأول أو ~~الثانى زيادة وضررا عليها وزيادة في الطلاق المكروه فليس في ذلك مصلحة لا ~~له ولا لها بل فيه إن كان الطلاق قد وقع بارتجاعه ليطلق مرة ثانية زيادة ~~ضرر وهو لم يمنعه عن الطلاق بل ms9360 إباحة له في إستقبال PageV33P100 الطهر مع ~~كونه مريدا له فعلم انه إنما أمره أن يمسكها وأن يؤخر الطلاق إلى الوقت ~~الذى يباح فيه كما يؤمر من فعل شيء قبل وقته أن يرد ما فعل ويفعله ان شاء ~~في وقته لقوله صلى الله عليه وسلم ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ~~والطلاق المحرم ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود وأمره بتأخير الطلاق ~~إلى الطهر الثانى ليتمكن من الوطء في الطهر الأول فانه لو طلقها فيه لم يجز ~~أن يطلقها إلا قبل الوطء فلم يكن في أمره بإمساكها إليه إلا بزيادة ضرر ~~عليها إذا طلقها في الطهر الأول # ( وأيضا ) فإن ذلك معاقبه له على أن يعمل ما أحله الله فعوقب بنقيض قصده ~~وبسط الكلام في هذه المسألة وإستيفاء كلام الطائفتين له موضع آخر وإنما ~~المقصود هنا التنبيه على الأقوال ومأخذها لا ريب أن الأصل بقاء النكاح ولا ~~يقوم دليل شرعى على زواله بالطلاق المحرم بل النصوص والأصول تقتضى خلاف ذلك ~~والله أعلم PageV33P101 ### ||| 2 باب طلاق السكران ونحوه 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن ( السكران غائب العقل ) هل يحنث إذا حلف ~~بالطلاق أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه المسألة فيها ( قولان ) ~~للعلماء أصحهما أنه لا يقع طلاقه فلا تنعقد يمين السكران ولا يقع به طلاق ~~إذا طلق وهذا ثابت عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ولم يثبت عن الصحابة ~~خلافه فيما أعلم وهو قول كثير من السلف والخلف كعمر بن عبد العزيز وغيره ~~وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابة وهو القول القديم ~~للشافعى واختاره طائفة من أصحابه وهو قول طائفة من أصحاب أبى حنيفة ~~كالطحاوى وهو مذهب غير هؤلاء # وهذا القول هو الصواب فإنه قد ثبت في الصحيح عن ماعز بن مالك لما جاء إلى ~~النبى وأقر أنه زنى ( أمر النبى أن يستنكهوه ) ليعلموا هل هو سكران أم لا ~~فإن كان سكران لم يصح إقراره وإذا لم يصح إقراره علم أن أقواله باطلة ~~كأقوال ms9361 المجنون ولأن PageV33P102 السكران وإن كان عاصيا في الشرب فهو لا ~~يعلم ما يقول وإذا لم يعلم ما يقول لم يكن له قصد صحيح ( وإنما الأعمال ~~بالنيات ) وصار هذا كما لو تناول شيئا محرما جعله مجنونا فإن جنونه وإن حصل ~~بمعصية فلا يصح طلاقه ولا غير ذلك من أقواله # ومن تأمل أصول الشريعة ومقاصدها تبين له أن هذا القول هو الصواب وأن ~~إيقاع الطلاق بالسكران قول ليس له حجة صحيحة يعتمد عليها ولهذا كان كثير من ~~محققى مذهب مالك والشافعى كأبى الوليد الباجى وأبى المعالى الجوينى يجعلون ~~الشرائع في النشوان فأما الذى علم أنه لا يدرى ما يقول فلا يقع به طلاق بلا ~~ريب والصحيح أنه لا يقع الطلاق إلا ممن يعلم ما يقول كما أنه لا تصح صلاته ~~في هذه الحالة ومن لا تصح صلاته لا يقع طلاقه وقد قال ( ولا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن ( تصرفات السكران ) ### |||| # قد تنازع الناس فيه قديما ~~وحديثا وفيه النزاع في مذهب أحمد وغيره وكثير من أجوبة أحمد فيه كان التوقف ~~والأقوال الواقعة في مذهب أحمد وغيره القول بصحة تصرفاته مطلقا أقواله ~~وأفعاله والقول بفسادها مطلقا والفرق بين أقواله وأفعاله والفرق بين الحدود ~~وغيرها والفرق PageV33P103 بين ماله وما عليه وما ينفرد به وما لا ينفرد به ~~وهذا التنازع موجود في مذهب أحمد وغيره # ثم تنازعوا فيمن زال عقله بغير سكر ( كالبنج ) هل يلحق بالسكران أو ~~المجنون على قولين في مذهب أحمد وغيره وكل من أصحاب أحمد يتمسك في ذلك بشيء ~~من كلامه وليس عنه رواية ووجها بل روايتان متأولتان # وتنازعوا فيمن أكره على شرب الخمر ( هل يأثم بذلك على وجهين # ومن أصحاب أحمد كالخلال من ينصر أنه لا يقع عليه طلاقه ومنهم كالقاضى من ~~ينصر وقوع طلاقه والذين أوقعوا طلاقه لهم ( ثلاثة مآخذ ( # ( أحدها ( أن ذلك عقوبة له وصاحب هذا قد يفرق بين الحدود وغيرها وهذا ~~ضعيف فان الشريعة لم تعاقب أحدا بهذا الجنس ms9362 من ايقاع الطلاق أو عدم إيقاعه ~~ولأن في هذا من الضرر على زوجته البريئة وغيرها ما لا يجوز فانه لا يجوز أن ~~يعاقب الشخص بذنب غيره ولأن السكران عقوبته ما جاءت به الشريعة من الجلد ~~ونحوه فعقوبته بغير ذلك تغيير لحدود الشريعة ولأن الصحابة إنما عاقبته بما ~~لسكر مظنته وهو الهذيان والإفتراء PageV33P104 في القول على أنه إذا سكر ~~هذى وإذا هذى إفترى وحد المفترى ثمانون فبين أن اقدامه على السكر الذى هو ~~مظنه الإفتراء يلحقه بالمقدم على الإفتراء إقامة لمظنه الحكمة مقام الحقيقة ~~لأن الحكمة هنا خفية مستترة لأنه قد لا يعلم إفتراؤه ولا متى يفترى ولا على ~~من يفترى كما أن المضطجع يحدث ولا يدرى هل هو أحدث أم لا فقام النوم مقام ~~الحدث فهذا فقه معروف فلو كانت تصرفاته من هذا الجنس لكان ينبغى ان تطلق ~~امرأته سواء طلق أو لم يطلق كما يحد حد المفترى سواء افترى أو لم يفتر وهذا ~~لا يقوله أحد # ( المأخذ الثانى ) أنه لا يعلم زوال عقلة إلا بقوله وهو فاسق بشربه فلا ~~يقبل قوله في عدم العقل والسكر وحقيقة هذا القول أنه لا يقع الطلاق في ~~الباطن ولكن في الظاهر لا يقبل دعوى المسقط ومن قال بهذا قد يفرق بين ما ~~ينفرد به # ( المأخذ الثالث ) وهو مأخذ الأئمة منصوصا عنهم الشافعى وأحمد أن حكم ~~التكليف جار عليه ليس كالمجنون المرفوع عنه القلم ولا النائم وذلك أن القلم ~~مرفوع عن المجنون والسكران معاقب كما ذكره الصحابه وليس مأخذ أجود من هذا ~~وكذلك قال أحمد ما قيل فيه أحسن من هذا وهذا ضعيف أيضا فانه ان أريد أنه ~~وقت السكر يؤمر وينهى فهذا باطل فان من PageV33P105 لا عقل له ولا يفهم ~~الخطاب لم يدر بشرع ولا غيره على أنه يؤمر وينهى بل أدلة الشرع والعقل تنفى ~~أن يخاطب مثل هذا وان أريد أنه قد يؤاخذ بما يفعله في سكره فهذا صحيح في ~~الجملة لكن هذا لأنه خوطب في صحوه بان لا يشرب الخمر الذى ms9363 يقتضى تلك ~~الجنايات فاذا فعل المنهى عنه لم يكن معذورا فيما فعله من المحرم كما قلت ~~في سكر الأحوال الباطنه اذا كان سبب السكر محذورا لم يكن السكران معذورا ~~هذا الذى قلته قد يقتضى أنه في الحدود كالصاحى وهذا قريب وأنا إنما تكلمت ~~على تصرفاته صحتها وفسادها وأما قوله تعلى ( ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~) فهو نهى لهم أن يسكروا سكرا يفوتون به الصلاة أو نهى لهم عن الشرب قريب ~~الصلاة أو نهى لمن يدب فيه أوائل النشوة وأما في حال السكر فلا يخاطب بحال # والدليل على أنه لا تصح تصرفاته وجوه # ( أحدها ( حديث جابر بن سمرة الذى في صحيح مسلم لما ( أمر النبى بإستكناه ~~ماعز بن مالك ( # ( الثانى ( أن عبادته كالصلاة لا تصح بالنص والإجماع فان الله نهى عن قرب ~~الصلاة مع السكر حتى يعلم ما يقوله واتفق الناس على هذا بخلاف الشارب غير ~~السكران فان عبادته تصح بشروطها ومعلوم أن صلاته إنما لم تصح لأنه لم يعلم ~~ما يقول كما دل عليه القرآن فنقول كل من بطلت PageV33P106 عبادته لعدم عقله ~~فبطلان عقودة أولى وأحرى كالنائم والمجنون ونحوهما فانه قد تصح عبادات من ~~لا يصح تصرفه لنقص عقله كالصبى والمحجور عليه لسفه ( الثالث ( أن جميع ~~الأقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل فمن لا تمييز له ولا عقل ليس ~~لكلامه في الشرع إعتبار اصلا كما قال النبى ( إن في الجسد مضغة اذا صلحت ~~صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد الا وهى القلب ( فاذا كان ~~القلب قد زال عقله الذى به يتكلم ويتصرف فكيف يجوز أن يجعل له أمر ونهى أو ~~إثبات ملك أو إزالته وهذا معلوم بالعقل مع تقرير الشارع له # ( والرابع ( أن العقود وغيرها من التصرفات مشروطة بالقصود كما قال النبى ~~( إنما الأعمال بالنيات ( وقد قررت هذه القاعدة في ( كتاب بيان الدليل على ~~بطلان التحليل ( وقررت أن كل لفظ بغير قصد من المتكلم لسهو وسبق لسان وعدم ~~عقل فانه لا يترتب عليه حكم وأما اذا ms9364 قصد اللفظ ولم يقصد معناه كالهازل ~~فهذا فيه تفصيل والمراد هنا ( بالقصد ( القصد العقلى الذى يختص بالعقل فأما ~~القصد الحيوانى الذى يكون لكل حيوان فهذا لابد منه في وجود الأمور ~~الإختيارية من الألفاظ والأفعال وهذا وحده غير كاف في صحة العقود والأقوال ~~فان المجنون والصبى وغيرهما لهما PageV33P107 هذا القصد كما هو للبهائم ومع ~~هذا فأصواتهم وألفاظهم باطلة مع عدم التمييز لكن الصبى المميز والمجنون ~~الذى يميز أحيانا يعتبر قوله حين التمييز # ( الخامس ( أن هذا من باب خطاب الوضع والإخبار لا من باب خطاب التكليف ~~وذلك أن كون السكران معاقبا أو غير معاقب ليس له تعلق بصحة عقوده وفسادها ~~فان العقود ليست من باب العبادات التى يثاب عليها ولا الجنايات التى يعاقب ~~عليها بل هي من التصرفات التى يشترك فيها البر والفاجر والمؤمن والكافر وهي ~~من لوازم وجود الخلق فإن العهود والوفاء بها أمر لاتتم مصلحة الآدميين الا ~~بها لا حتياج بعض الناس إلى بعض في جلب المنافع ودفع المضار وانما تصدر عن ~~العقل فمن لم يكن له عقل ولا تمييز لم يكن قد عاهد ولا حلف ولا باع ولا نكح ~~ولا طلق ولا اعتق # يوضع ذلك أنه معلوم أن قبل تحريم الخمر كان كلام السكران باطلا بالإتفاق ~~ولهذا لما تكلم حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه في سكره قبل التحريم بقوله ~~هل أنتم إلا عبيد لأبى لم يكن مؤاخذا عليه وكذالك لما خلط المخلط من ~~المهاجرين الأولين في سورة @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ قبل النهى لم ~~يعتب عليه وكذلك الكفار لو شربوا الخمر وعاهدوا وشرطوا لم يلتفت إلى ذلك ~~منهم بالاتفاق ومن سكر سكرا لا يعاقب عليه مثل أن يشرب مالا يعلم أنه يسكره ~~ونحو ذلك فأما من سكر بشرب محرم فلا ريب أنه يأثم PageV33P108 بذلك ويستحق ~~من عقوبة الدنيا والآخرة ما جاء به أمر الله تعالى فهذا الفرق ثابت بينه ~~وبين من سكر سكرا يعذر فيه فاما كون عهده الذى يعاهد به الآدميين منعقدا ~~يترتب عليه أثره ويحصل ms9365 به مقصوده فهذا لا فرق فيه بين سكر المعذور وغير ~~المعذور لان هذا إنما كان الموجب لصحته أن صاحبه فعله وهو عاقل مميز لا أنه ~~بروفاجر والشرع لم يجعل السكران بمنزله الصاحى أصلا ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل اختصم مع زوجته خصومة شديدة بحيث تغير عقله ~~فقال لزوجته أنت طالق ثلاثا فهل يجب بذلك أم لا ### ||||| فأجاب أذا # بلغ الأمر إلى أن لا يعقل ما يقول كالمجنون لم يقع به شيء ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل غضب فقال طالق ولم يذكر زوجته واسمها ### ||||| فأجاب # إن لم يقصد بذلك تطليقها لم يقع بهذا اللفظ طلاق PageV33P109 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل أكره على الطلاق ### ||||| فأجاب # إذا أكره بغير حق على الطلاق لم يقع به عند جماهير العلماء كمالك ~~والشافعى وأحمد وغيرهم وهو المأثور عن أصحاب رسول الله كعمر بن الخطاب ~~وغيره وإذا كان حين الطلاق قد أحاط به أقوام يعرفون بأنهم يعادونه أو ~~يضربونه ولا يمكنه إذ ذاك أن يدفعهم عن نفسه وادعى أنهم أكرهوه على الطلاق ~~قبل قوله فإن كان الشهود بالطلاق يشهدون بذلك وادعى الإكراه قبل قوله وفى ~~تحليفه نزاع ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل مسك وضرب وسحبنوه وغصبوه على طلاق زوجته ~~فطلقها طلقة واحدة وراحت وهى حاملة منه PageV33P110 ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا الطلاق لا يقع وأما نكاحها وهى حامل من الزوج الأول ~~فهو نكاح باطل بإجماع المسلمين ولو كان الطلاق قد وقع فكيف إذا لم يكن قد ~~وقع ويعزر من أكرهه على الطلاق ومن تولى هذا النكاح المحرم الباطل ويجب ~~التفريق بينهما حتى تقضى العدة من الأول بالوضع والعدة من الثانى فيها خلاف ~~ان كان يعلم أن النكاح محرم فالصحيح أنه لا بد من ذلك وأما إن كان يعتقد ~~صحة النكاح فلابد أن تعتد من وطء الثانى ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قال أنا ما أريدك قومى روحى إلى أهلك أنا أبا ~~اطلقك ونوى بهذا اللفظ الطلاق فهل يشرع أن يراجعها ويتزوجها بصداق ثان ms9366 ~~أفتونا ### ||||| فأجاب # الوعد بالطلاق لا يقع ولو كثرت ألفاظه ولا يجب الوفاء بهذا الوعد ~~ولا يستحب وأما إذا أوقع بها الطلاق قبل أن يقول اذهبى إلى بيت أمك وأراد ~~يذكر أنه يطلقها لا أنه سيطلقها فهذا يقع به طلقة واحدة إذا لم ينو أكثر ~~وله أن يراجعها في العدة بلا رضاها وبلا ولى ولا مهر والله أعلم ~~PageV33P111 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل متزوج وله أولاد ووالدته تكره الزوجه وتشير ~~عليه بطلاقها هل يجوز له طلاقها ### ||||| فأجاب # لا يحل له أن يطلقها لقول أمه بل عليه أن يبر أمه وليس تطليق ~~امرأته من برها والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمرأة وزوجها متفقين وأمها تريد الفرقة فلم تطاوعها ~~البنت فهل عليها إثم في دعاء أمها عليها ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا تزوجت لم يجب عليها أن تطيع أباها ولا أمها في فراق ~~زوجها ولا في زيارتهم ولا يجوز في نحو ذلك بل طاعة زوجها عليها إذا لم ~~يأمرها بمعصية الله أحق من طاعة أبويها ( وأيما امرأة ماتت وزوجها عليها ~~راض دخلت الجنة ( واذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها فهي ~~PageV33P112 من جنس هاروت وماروت لا طاعة لها في ذلك ولو دعت عليها اللهم ~~إلا أن يكونا مجتمعين على معصية أو يكون أمره للبنت ( بمعصية الله والأم ~~تأمرها ) بطاعة الله ورسوله الواجبة على كل مسلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل نوى أن يطلق زوجته إذا حاضت ولم يتلفظ بطلاق ~~فلما أن حاضت علم أنها طلقت بمجرد النية فقال للشهود آن طلقة زوجتى قالوا ~~متى طلقتها قال أول أمس بناء على ظنه فلما مضى حيضتان غير الحيضة التى ظن ~~أنها طلقت فيها زوجها الشهود برجل آخر ثم مكثت عنده وطلقها ثم وفت عدتها ثم ~~أراد الزوج الأول ردها فهل هي حلال له بالنكاح الأول أم يجب عقد جديد ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما إذا نوى أنه سيطلقها إذا حاضت فهذا لا يقع به طلاق ~~بإتفاق العلماء بل لابد أن يطلقها بعد ذلك ms9367 فاذا لم يطلقها بعد ذلك لم يقع ~~طلاق وإذا اعتقد أن تلك النية طلاق فأقر أنه طلقها بتلك النية لم يقع بهذا ~~الإقرار في الباطن ولكن يؤخذ به في الحكم واذا لم يقع به شيء فهي باقيه على ~~زوجيته في الباطن والله أعلم PageV33P113 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل له زوجه وأمه ما تريد الزوجة فطلق الزوجة ثم ~~قال كل إمرأة أتزوجها من هذه المدينة التى داخل السور لا امرأته ولا غيرها ~~فان راجع امرأته أو تزوج غيرها من المدينة يكون العقد صحيحا ### ||||| فأجاب # بل يتزوج إن شاء من المدينة وإن شاء من غيرها ويكون العقد صحيحا ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تخاصم مع زوجته فاراد أن يقول هي طالق طلقة واحدة ~~فسبق لسانه فقال ثلاثة ولم يكن ذلك نيتة فما الحكم ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا سبق لسانه بالثلاث من غير قصد وإنما قصد واحدة لم ~~يقع به إلا واحدة بل لو أراد أن يقول طاهر فسبق لسانه بطالق لم يقع به ~~الطلاق فيما بينه وبين الله والله أعلم PageV33P114 ### |||| وسئل # عن إمرأة داينت زوجها ثم قالت له إنى أخاف انك لا توفينى فقال لها ~~إن لم أوفيك إلى آخر شهر رمضان هذا وإلا فأنت طالق ثلاثا والزوج غائب في ~~قوص وما وكل أحدا فهل إذا أبرأت المرأة زوجها من الدين ومضى الشهر يقع ~~الطلاق أم لا وإذا تبرع أحد بقضاء الدين فهل يسقط الدين ولا يقع الطلاق ~~بمضى الشهر أو يقع ### ||||| فأجاب # أما إذا أبرأته فانه لا يحنث عند كثير من الفقهاء كأبى حنيفة ومحمد ~~وقول في مذهب أحمد وغيره لوجهين ( أحدهما ) أنه بالإبراء تعذر الوفاء فصار ~~الإيفاء ممتنعا ( الثانى ) أن المحلوف على فعله بمنزلة المأمور بفعله وقد ~~علم أن العبد إنما هو مأمور بوفاء الدين ما كان ثابتا فكذلك اليمين وعرف ~~الناس فهذا كهذا فان الحالف إنما يقصد بهذا في العادة تبرئة ذمته وقطع ~~مطالبة الغريم له ووفاءه إذا كان الدين باقيا وكذلك إذا وفى الدين عنه موف ~~فقد ms9368 برئت ذمته من الدين بغير فعله كما يبرء بالإبراء وتعذر الإيفاء من جهته ~~وحصل مقصود الغريم فقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم قضاء الدين على الغر ~~يم كقضائه حيث قال ( أرأيت لو كان على أبيك ( وفى حديث آخر ( على أمك دين ~~فقضيتيه عنها أكان يجزء عنه ( قالت نعم قال ( الله أحق بالوفاء ( والله ~~أعلم PageV33P115 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل طلق زوجته الطلاق الثلاث قبل أن يدخل بها ~~وهى بكر فهل له سبيل في مراجعتها ### ||||| فأجاب # الحمد لله الطلاق ثلاثا قبل الدخول وبعد الدخول سواء في ثبوت ~~التحريم بذلك عند الأئمة الأربعة ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل عقد العقد على أنها تكون بالغا ولم يدخل بها ولم ~~يصبها ثم طلقها ثلاثا ثم عقد عليها شخص آخر ولم يدخل بها ولم يصبها ثم ~~طلقها ثلاثا فهل يجوز للذى طلقها أولا أن يتزوج بها ### ||||| فأجاب # إذا طلقها قبل الدخول فهو كما لو طلقها بعد الدخول عند الأئمة ~~الأربعة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويدخل بها فإذا طلقها قبل الدخول لم ~~تحل للأول PageV33P116 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل قال كل شيء أملكه على حرام فهل تحرم امرأته ~~وأمته عليه أم لا ### ||||| فأجاب # أما غير الزوجه فعليه كفارة يمين وأما الزوجه فللعلماء فيها نزاع ~~هل تطلق أو تجب عليه كفارة ظهار فمذهب مالك هو طلاق ومذهب أبى حنيفة ~~والشافعى في أظهر قوليه عليه كفارة يمين ومذهب أحمد عليه كفارة ظهار ألا أن ~~ينوى غير ذلك ففيه نزاع والصحيح أنه لا يقع به طلاق ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل خاصم زوجته وضربها فقالت له طلقنى فقال أنت على ~~حرام فهل تحرم عليه أم لا ### ||||| فأجاب # أما قوله أنت على حرام ففيه قولان للعلماء قيل عليه كفارة الظهار ~~إذا أمكنته من نفسها وقيل لا شيء عليه ولا خلاف بين العلماء أنه يجب عليها ~~أن تمكنه والله أعلم PageV33P117 ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل له زوجه ولها أولاد وبنات منه وتزوج ~~غيرها ms9369 ثم إنه كتب وكالة لزوجته الجديدة وقال متى رضيت أم أولادى كان طلاقها ~~بيدك ووكلها في طلاقها مدة عشرة سنين وقد طلق التى بيدها الوكالة فهل تصح ~~هذه الوكالة أم لا وإذا صحت فهل تبطل الوكالة بطلاق الموكلة أم لا ### ||||| فأجاب رحمه الله # الحمد لله هذه المسأله قد يظن من يظن أن الوكالة بحالها ~~بناء على أن الزوج إذا وكل إمرأته في بيع ونحوه ثم طلقها ثلاثا لم تبطل ~~الوكالة بالتطليق كما ذكر الفقهاء لكن هذه ليست تلك والصواب في هذه الصورة ~~المسئول عنها أنها تبطل بالتطليق لأنه هنا لم يرد أن يطلقها وقد إستناب ~~غيره في ذلك كما يريد أن يبيع متاعة فيوكل شخصا وأنما المراد تمكينها هي من ~~الطلاق ليكون أمرها بيد هذه الزوجة فإن شاءت طلقت وإن شاءت لم تطلقها وهو ~~قد اشترط لها أن يكون امر هذه بيدها لئلا تبقى زوجته إلا برضاها فالمقصود ~~إنى لا أتزوجها إلا برضاك ومعنى ذلك إنى لا أجمع بينك وبينها لما تكره ~~المرأة من الضره فيكون هذا من موانع ما يستحقه بالعقد من القسم ونحوه فإذا ~~طلقها ثلاثا لم يبق لها عليه حق قسم PageV33P118 ولا نحوه فلا تزاحمها تلك ~~في الحقوق ولا تكون ضره لها ولا يعتبر رضاها في تزوجه بتلك # فإن الرجل في العادة إنما يقصد إرضاء المرأة بترك زوجته عليها إذا كانت ~~زوجته فأما بعد البينونة فلا يقصد إرضاءها فكيف وهو قد طلقها ثلاثا وهذا ~~غاية إسخاطها فمن أسخطها بذلك كيف يقصد إرضاءها بما هو دونه وبهذا ونحوه ~~يعلم من عادة الناس أن هذا إنما جعل أمرها بيدها مادامت هذه الممكنه زوجه ~~فإذا صارت أجنبية لم يكن بيدها شيء من أمر تلك وهذا كله إذا جعل هذا الشرط ~~لا زما فإذا لم يجعل شرطالازما فيكون كما لو قال لها إبتداء أمرك بيدك أو ~~أمر فلانة بيدك وهذا له الرجوع فيه # وأما صورة السؤال فيه أنه مشروط في العقد وقد قال النبى ( إن أحق الشروط ~~أن توفوا به ما ms9370 إستحللتم به الفروج ( أخرجاه في الصحيحين ولهذا كان مذهب ~~طوائف من السلف والخلف وعمرو بن العاص وحماد بن زيد وطاووس والأوزاعى وأحمد ~~بن حنبل وغيرهم إذا إشترط لها أن لا يتزوج عليها كان الشرط صحيحا وإذا تزوج ~~كان لها الخيار وهذا أبلغ من كونه يشترط لها أنه إذا تزوج فأمر الزوجه ~~بيدها ومقصودها واحد وفى كلا الموضعين إنما يكون لها الخيار مادامت زوجه ~~PageV33P119 وأما مذهب أبى حنيفة والشافعى فعندهما هذا الشرط باطل لا يلزم ~~وإذا كان كذلك كان هذا كما لو فعله بغير شرط والوكالة عقد جائز بإتفاق ~~العلماء فله أن يفسخ عقد الوكالة وإذا تنازع العلماء فيما إذا قال لزوجته ~~أمرك بيدك فقال الشافعى وأحمد وغيرهما هو كالتوكيل وله أن يرجع فيه قبل أن ~~تختار وقال أبو حنيفة ومالك إنه كالتمليك فليس له ان يخرجه عن يدها ولكن ~~هذه الصورة وقعت على مذهب مالك واحمد وغيرهما لمن يرى ان له ان يشترط في ~~العقد لها ما تملك به الطلاق إذا تزوج عليها ولا ريب انها لا تملك ذلك إلا ~~إذا كان نكاحها باقيا فاذا أبانها لم يكن لها في الشرط حق والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل جرى بينه وبين زوجته كلام وكان على عزم ~~السفر فقال لوكيله ان كانت ترضى بهذه النفقة العادة فسلم اليها النفقة وان ~~لم ترض بالنفقة فسلم اليها كتابها وان الوكيل بعد ما سافر الموكل سلم اليها ~~كتابها وطلق عليها طلقة رجعية وسير علم الموكل أنه قد طلقها طلقة رجعية ~~فلما علم الموكل ما هان عليه فأشهد على نفسه أنه راجعها وسير طلبها فلما ~~سمع الوكيل أنه راجع زوجته ذكر أنه طلق عليه ثلاثا فهل يجوز للرجل المراجعة ~~لزوجته بعد قول الوكيل ذلك PageV33P120 ### ||||| فأجاب # الحمد لله قوله يسلم اليها كتابها كناية عن الطلاق فاذا قال الموكل ~~أنه أراد به الطلاق أو علم بذلك بدلالة الحال ملك أن يطلق واحدة ولم يملك ~~الوكيل أن يطلق ثلاثا الا باذن الموكل واذا قال للوكيل لم ms9371 أرد بذلك أنه ~~يطلقها ثلاثا قبل قوله ولم يمكن الوكيل أن يطلقها ثلاثا واذا طلقها الوكيل ~~واحدة ثم راجعها الزوج صحت الرجعة PageV33P121 ### ||| 2 باب الحلف بالطلاق وغير ذلك 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن يمين الغموس في الحلف بالطلاق وعن رجل قال ~~لزوجته لا يدخل أهلك بيتى فصعب عليه فحلف بالطلاق الثلاث أنه ما قاله ويعلم ~~أنه قاله ### ||||| فأجاب # الأيمان التى يحلف بها الناس نوعان ( أحدهما ) أيمان المسلمين و ( ~~الثانى ) أيمان المشركين فالقسم الثانى الحلف بالمخلوقات كالحلف بالكعبة ~~والملائكة والمشائخ والملوك والآباء والسيف وغير ذلك مما يحلف بها كثير من ~~الناس فهذه الأيمان لا حرمة لها بل هي غير منعقدة ولا كفارة على من حنث ~~فيها بإتفاق المسلمين بل من حلف بها فينبغى أن يوحد الله تعالى كما قال ~~النبى ( من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ( وثبت ~~عنه في الصحيح أنه قال ( من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ( وفى السنن عنه ( ~~من حلف بغير الله فقد أشرك ( رواه الترمذى وصححه فهذه الأيمان باتفاق ~~الأئمة PageV33P122 وأكثرهم على أن النبى نهى عنها بل قد روى عن بن مسعود ~~وبن عباس وغيرهما أنه قال لأن احلف بالله كاذبا أحب إلى أن أحلف بغيره ~~صادقا قال وهذا لأن الحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب # والنذر للمخلوقات أعظم من الحلف بها فمن نذر لمخلوق لم ينعقد نذره ولا ~~وفاء عليه باتفاق العلماء مثل من ينذر لميت من الأنبياء والمشائخ وغيرهم ~~كمن ينذر للشيخ جاكير وأبى الوفاء أو المنتظر أو الست نفيسة أو للشيخ رسلان ~~أو غير هؤلاء وكذلك من نذر لغير هؤلاء زيتا أو شمعا أو ستورا أو نقدا ذهبا ~~أو دراهم أو غير ذلك فكل هذه النذور محرمة باتفاق المسلمين ولا يجب بل ولا ~~يجوز الوفاء بها باتفاق المسلمين وانما يوفى بالنذر إذا كان لله عز وجل ~~وكان طاعة فان النذر لا يجوز إلا إذا كان عبادة ولا يجوز أن يعبد الله الا ~~بما شرع ms9372 فمن نذر لغير الله فهو مشرك أعظم من شرك الحلف بغير الله وهو ~~كالسجود لغير الله # ولو نذر ما ليس عبادة كما لو نذرت المرأة صوم أيام الحيض لم يلزم ذلك ولا ~~يجوز صيام أيام الحيض باتفاق المسلمين كما في الصحيح عن عائشة رضى الله ~~عنها عن النبى أنه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله ~~فلا يعصيه ( ولو نذر أن يسافر إلى قبر نبى من الأنبياء أو شيخ من المشائخ ~~أو مشهده أو مقامه أو مسجد غير المساجد الثلاثة لم يكن عليه أن يوفى بنذرة ~~باتفاق الأئمة PageV33P123 # وكذلك من نذر صلاة أو صوما أو صدقة أو إعتكافا أو أضحية أو هديا أو نذر ~~أن يسافر إلى مسجد النبى أو المقدس ففيه ( قولان ( للعلماء وهما قولان ~~للشافعى # ( أحدهما ( ليس عليه أن يوفى به وهو مذهب أبى حنيفة ومن أصله أنه لا يجب ~~بالنذر الا ما كان من جنسه واجب بالشرع كالصلاة والصيام والإعتكاف فيجب ~~بالنذر لأن الصوم واجب عنده وعند أحمد في إحدى الروايتين وعند مالك فلهذا ~~وجب عنده وإتيان المسجد ليس واجبا بالشرع فلا يجب عنده بالنذر # و ( القول الثانى ) يجب الوفاء اذا نذر إتيان المسجدين وهو مذهب مالك ~~واحمد لأن ذلك طاعة لله فقد قال النبى ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ( هذا ~~ان كان قصد أن يسافر للمسجد للصلاة فيه وللإعتكاف ونحو ذلك # وأما إذا كان قصده نفس زيارة قبر النبى لا للعبادة في مسجده لم يف بهذا ~~النذر نص عليه مالك وغيره من العلماء وليس بين الأئمة في ذلك نزاع لأن ~~النبى قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى ومسجدى هذا ( أخرجاه في الصحيحين PageV33P124 # فمن نذر سفرا إلى بقعة ليعظمها غير هذه الثلاثة كالسفر إلى الطور الذى ~~كلم الله عليه موسى بن عمران أو غار حراء الذى كان النبى يتحنث فيه أو غار ~~ثور الذى قال الله تعالى فيه ( ثانى اثنين إذ هما في الغار ) لم ms9373 يف بهذا ~~النذر بإتفاق الأئمة فكيف بما سوى ذلك من الغير ان والكهوف وكذلك لو نذر ~~السفر إلى قبر الخليل عليه السلام أو قبر أبى بريد أو قبر أحمد بن حنبل أو ~~قبور أهل البقيع فإن زيارة القبور مشروعة لمن كان قريبا منها وكان مقصوده ~~الدعاء للميت فاما السفر اليها فمنهى عنه # وأما الحلف بالنبى فجمهور العلماء على أنه أيضا منهى عنه ولا تنعقد به ~~اليمين ولا كفارة فيه ( هذا ) قول مالك وأبى حنيفة والشافعى وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه وعنه تنعقد به اليمين ### ||| فصل # ( النوع الثانى ) أيمان المسلمين فإن حلف باسم الله فهي ايمان منعقدة ~~بالنص والإجماع وفيها الكفارة اذا حنث واذا حلف بما يلتزمه لله كالحلف ~~بالنذر والظهار والحرام والطلاق والعتاق مثل أن يقول إن فعلت كذا فعلى عشر ~~حجج أو فمالى صدقة أو على صيام شهر أو فنسائى طوالق أو عبيدى أحرار أو يقول ~~الحل على حرام لا أفعل كذا أو PageV33P125 الطلاق يلزمنى لا أفعل كذا وكذا ~~أو إلا فعلت كذا وان فعلت كذا فنسائى طوالق أو عبيدى أحرار ونحو ذلك فهذه ~~الأيمان ايمان المسلمين عند الصحابة وجمهور العلماء وهى ايمان منعقدة وقال ~~طائفة بل هو من جنس الحلف بالمخلوقات فلا تنعقد والأول أصح وهو قول الصحابة ~~فإن عمر وبن عمر وبن عباس وغيرهم كانوا ينهون عن النوع الأول وكانوا يأمرون ~~من حلف بالنوع الثاني أن يكفر عن يمينه ولا ينهونه عن ذلك فإن هذا من جنس ~~الحلف بالله والنذر لله وفى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( كفارة النذر كفارة يمين ) # فقول القائل لله على أن أفعل كذا إن قصد به اليمين فهو يمين كما لو قال ~~لله على كذا أو إن أقتل فلانا فعلى كفارة في مذهب أحمد وأبى حنيفة وهو الذى ~~ذكره الخراسانيون في مذهب الشافعى فالذين قالوا هذا يمين منعقدة منهم من ~~ألزم الحالف بما التزمه فالزمه إذا حنث بالنذر والطلاق والعتاق والظهار ~~والحرام وهو قول مالك وإحدى الروايتين ms9374 عن أبى حنيفة ومنهم من فرق بين ~~الطلاق والعتاق وبين غيرهما وهو المعروف عن الشافعى ومنهم من فرق بين النذر ~~وغيره وهو المشهور عن أحمد ومنهم من فرق بين الطلاق وغيره وهو أبو ثور ~~والصحيح أن هذه الأيمان كلها فيها كفارة إذا حنث ولا يلزمه إذا حنث لا نذر ~~ولا طلاق ولا عتاق ولا حرام وهذا معنى أقوال الصحابة فقد ثبت النقل عنهم ~~صريح بذلك في الحلف بالعتق والنذر وتعليلهم وعموم كلامهم PageV33P126 ~~يتناول الحلف بالطلاق وقد ثبت عن غير واحد من السلف انه لا يلزم الحلف ~~بالطلاق طلاقا كما ثبت عن طاووس وعكرمة وعن ابى جعفر وجعفر بن محمد ومن ~~هؤلاء من الزم الكفارة وهو الصحيح ومنهم من لم يلزمه الكفارة # فللعلماء في الحلف بالطلاق أكثر من ( أربعة أقوال ) قيل يلزمه مطلقا كقول ~~الأربعة وقيل لا يلزمه مطلقا كقول أبى عبد الرحمن الشافعى وبن حزم وغيرهما ~~وقيل إن قصد به اليمين لم يلزمه وهو أصح الأقوال وهو معنى قول الصحابه ( ~~اليمين ( # ففى لزوم الكفارة ( قولان ( أصحهما أنه يلزمه إذا كانت اليمين على مستقبل ~~فان كانت اليمين على ماض أو حاضر قصده به الخبر لا الحض والمنع كقوله والله ~~لقد فعلت كذا أو لم أفعله وقوله الطلاق يلزمنى لقد فعلت كذا أو لم أفعله أو ~~الحل على حرام لقد فعلت كذا فهذا إما أن يكون معتقدا صدق نفسه أو يعلم أنه ~~كاذب فان كان يعتقد صدق نفسه ( ففيه ثلاثة أقوال ( # ( أحدها ( لا يلزمه شيء في جميع هذه الايمان وهذا أظهر قولى الشافعى ~~والرواية الثانية عن أحمد فمن حلف بالطلاق والعتاق أو غيرهما PageV33P127 ~~على شيء يعتقده كما لو حلف عليه فتبين بخلافه فلا شيء عليه على هذا القول ~~وهذا أصح الأقوال # ( والثانى ( يكون كالحلف على المستقبل في الجميع وهذا هو القول الثانى ~~للشافعى والرواية الثانية عن أحمد فعلى هذا تلزمه الكفارة فيما يكفره ( ~~والقول الثالث ( أن يمينه إذا كانت مكفرة كالحلف بسم الله فلا شيء عليه بل ~~هذا من لغو اليمين وإن ms9375 كانت غير مكفرة كالحلف بالطلاق والعتاق لزمه ذلك ~~وهذا مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد في المشهور # فاذا كانت اليمين غموسا وهو أن يحلف كاذبا عالما بكذب نفسه فهذه اليمين ~~يأثم بها بإتفاق المسلمين وعليه أن يستغفر الله منها وهى كبيرة من الكبائر ~~لا سيما ان كان مقصوده أن يظلم غيره كما قال النبى صلى الله عليه وسلم 0 ( ~~من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرء مسلم لقى الله وهو عليه غضبان ( ~~ثم إن كانت مما يكفر ففيها كفارة عند الشافعى وأحمد في رواية وأما الأكثرون ~~فقالوا هذه أعظم من أن تكفر وهذا قول مالك وأبى حنيفة وأحمد في المشهور عنه ~~قالوا والكبائر لا كفارة فيها كما لا كفارة في السرقة والزنا وشرب الخمر ~~وكذلك قتل العمد لا كفارة فيه عند الجمهور PageV33P128 وإذا حلف بالتزام ~~يمين غموس كالصورة التى سأل عنها السائل مثل أن يقول الحل عليه حرام ما ~~فعلت كذا أو الطلاق يلزمنى ما فعلت كذا أو إن فعلت كذا فمالى صدقة أو فعلى ~~الحج أو فنسائى طوالق أو عبيدى أحرار فقيل تلزمه هذه اللوازم إذا قلنا لا ~~كفارة في الغموس وإن قلنا هذه ايمان مكفرة في المستقبل لأنه لو لم يلزمه ~~ذلك لخلت هذه الأيمان عن الكفارة ولزوم ما التزمه وهو اختيار ( جدى أبى ~~البركات ( وكذلك قال محمد بن مقاتل الرازى من حلف بالكفر يمينا غموسا كفر ( ~~والقول الثانى ) أن هذا كاليمين الغموس بالله هي من الكبائر ولا يلزمه ما ~~التزمه من النذر والطلاق والحرام وهو أصح القولين وعلى هذا القول فكل من لم ~~يقصده لم يلزمه نذر ولا طلاق ولا عتاق ولا حرام سواء كانت اليمين منعقدة أو ~~كانت غموسا أو كانت لغوا وانما يلزم الطلاق والعتاق والنذر لمن قصد ذلك فان ~~التعليق ( نوعان ( نوع يقصد به وقوع الجزاء إذا وقع الشرط فهذا تعليق لازم ~~فاذا علق النذر أو الطلاق أو العتاق على هذا الوجه لزمه # فاذا قال لامرأته إذا تطهرت من الحيض فأنت طالق أو ms9376 إذا تبين حملك فأنت ~~طالق وقع بها الطلاق عند الصفة وكذلك إذا علقه بالهلال وكذلك لو نهاها عن ~~أمر وقال إن فعلته فانت طالق وهو إذا فعلته يريد ان يطلقها فانه يقع به ~~الطلاق ونحو هذا PageV33P129 # بخلاف مثل ان ينهاها عن فاحشة أو خيانه أو ظلم فيقول إن فعلتيه انت طالق ~~فهو وان كان يكره طلاقها لكن إذا فعلت ذلك المنكر كان طلاقها احب إليه من ~~أن يقيم معها على هذا الوجه فهذا يقع به الطلاق فقد ثبت عن الصحابة انهم ~~أوقعوا الطلاق المعلق بالشرط إذا كان قصده وقوعه عند الشرط كما الزموه ~~بالنذر بخلاف من كان قصده اليمين # والذى قصده اليمين هو مثل الذى يكره الشرط ويكره الجزاء وإن وقع الشرط ~~مثل أن يقول إن سافرت معكم فنسائى طوالق وعبيدى أحرار ومالى صدقة وعلى عشر ~~حجج وأنا بريء من دين الإسلام ونحو ذلك فهذا مما يعرف قطعا أنه لا يريد أن ~~تلزمه هذه الأمور وإن وجد الشرط فهذا هو الحالف فيجب الفرق في جميع ~~التعليقات ومن قصده وقوع الجزاء ومن قصده اليمين فاذا طلق امرأته طلاقا ~~منجزا أو معلقا بصفة يقصد ايقاع الطلاق عندها وقع به الطلاق إذا كان حلالا ~~وهو أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يصبها فيه أو حامل قد تبين حملها # ( وأما الطلاق الحرام ( كما لو طلق في الحيض أو الطهر بعد أن وطأها وقبل ~~أن يتبين حملها ففيه نزاع والأظهر أنه لا يلزم كما لا يلزم النكاح المحرم ~~ونحوه وجمع الثلاث حرام عند الجمهور فاذا طلق ثلاثا فهل يلزمه الثلاث أو ~~واحدة ففيه قولان أظهرهما أنه لا يلزمه إلا واحدة وقد بسطنا الكلام على هذه ~~المسائل في غير هذا الموضع والله أعلم PageV33P130 ### || 1 ( رسالة في الحلف بالطلاق ) 1 # وقال رحمه الله تعالى اذا ( حلف الرجل بالطلاق ( فقال الطلاق يلزمنى ~~لأفعلن كذا أولا أفعله أو الطلاق لازم لى لأفعلنه أو إن لم أفعله فالطلاق ~~يلزمنى أولازم ونحو هذه العبارات التى تتضمن التزام الطلاق في يمينه ms9377 ثم حنث ~~في يمينه فهل يقع به الطلاق فيه ( قولان ( لعلماء المسلمين في المذاهب ~~الأربعة وغيرها من مذاهب علماء المسلمين # ( أحدهما ( أنه لا يقع الطلاق وهذا منصوص عن أبى حنيفة نفسه وهو قول ~~طائفة من أصحاب الشافعى كالقفال وأبى سعيد المتولى صاحب ( التتمه ( وبه ~~يفتى ويقضى في هذه الأزمنه المتأخرة طائفة من أصحاب أبى حنيفة والشافعى ~~وغيرهم من أهل السنة والشيعة في بلاد الشرق والجزيرة والعراق وخراسان ~~والحجاز واليمن وغيرها وهو قول داود وأصحابه كابن حزم وغيره كانوا يفتون ~~ويقضون في بلاد فارس والعراق والشام ومصر وبلاد المغرب إلى اليوم فانهم خلق ~~عظيم وفيهم قضاة ومفتون عدد كثير وهو قول طائفة من السلف كطاووس وغير طاووس ~~وبه يفتى كثير من PageV33P131 علماء المغرب في هذه الأزمة المتأخرة من ~~المالكية وغيرهم وكان بعض شيوخ مصر يفتى بذلك وقد دل على ذلك كلام الإمام ~~أحمد بن حنبل المنصوص عنه وأصول مذهبه في غير موضع # ولو ( حلف بالثلاث ( فقال الطلاق يلزمنى ثلاثا لأفعلن كذا ثم لم يفعل ~~فكان طائفة من السلف والخلف من أصحاب مالك وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم ~~يفتون بانه لا يقع به الثلاث لكن منهم من يوقع به واحدة وهذا منقول عن ~~طائفة من الصحابة والتابعين وغيرهم في التنجيز فضلا عن التعليق واليمين ~~وهذا قول من اتبعهم على ذلك من أصحاب مالك وأحمد وداود في التنجيز والتعليق ~~والحلف # ومن السلف طائفة من أعيانهم فرقوا في ذلك بين المدخول بها وغير المدخول ~~بها # والذين لم يوقعوا طلاقا بمن قال الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا منهم من لا ~~يوقع به طلاقا ولا يأمره بكفارة ومنهم من يأمره بكفارة وبكل من القولين ~~أفتى كثير من العلماء وقد بسطت أقوال العلماء في هذه المسائل والفاظهم ومن ~~نقل ذلك عنهم والكتب الموجود ذلك فيها والأدلة على هذه الأقوال في مواضع ~~أخر تبلغ عدة مجلدات PageV33P132 وهذا بخلاف الذى ذكرته في مذهب أبى حنيفة ~~والشافعى وهو فيما اذا حلف بصيغة اللزوم مثل قوله الطلاق يلزمنى ونحو ذلك ~~وهذا النزاع ms9378 في المذهبين سواء كان منجزا أو معلقا بشرط أو محلوفا به ففى ~~المذهبين هل ذلك صريح أو كناية أولا صريح ولا كناية فلا يقع به الطلاق وان ~~نواة ثلاثة أقوال وفى مذهب أحمد قولان هل ذلك صريح أو كناية وأما الحلف ~~بالطلاق أو التعليق الذى يقصد به الحلف فالنزاع فيه من غيرهم بغير هذه ~~الصيغة فمن قال ان من أفتى بان الطلاق لا يقع في مثل هذه الصورة خالف ~~الإجماع وخالف كل قول في المذاهب الأربعة فقد أخطأ واقتفى مالا علم به وقد ~~قال الله تعالى ( ولا تقف ماليس لك به علم ) بل أجمع الأئمة الأربعة ~~واتباعهم وسائر الأئمة مثلهم على أنه من قضى بأنه لا يقع الطلاق في مثل هذه ~~الصورة لم يجز نقض حكمه ومن أفتى به ممن هو من أهل الفتيا ساغ له ذلك ولم ~~يجز الإنكار عليه باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين ولا على ~~من قلده ولو قضى أو أفتى بقول سائغ يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة في مسائل ~~الايمان والطلاق وغيرهما مما ثبت فيه النزاع بين علماء المسلمين ولم يخالف ~~كتابا ولا سنة ولا معنى ذلك بل كان القاضي به والمفتى به يستدل عليه ~~بالادلة الشرعية كالاستدلال بالكتاب والسنة فان هذا يسوغ له أن يحكم به ~~ويفتى به PageV33P133 ولا يجوز باتفاق الأئمة الأربعة نقض حكمه إذا حكم ولا ~~منعه من الحكم به ولا من الفتيا به ولا منع أحد من تقليده ومن قال إنه يسوغ ~~المنع من ذلك فقد خالف إجماع الأئمة الأربعة بل خالف اجماع المسلمين مع ~~مخالفته لله ورسوله فان الله تعالى يقول في كتابه ( ياأيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ~~فأمر الله المؤمنين بالرد فيما تنازعوا فيه إلى الله والرسول وهو الرد إلى ~~الكتاب والسنة فمن قال إنه ليس لأحد أن يرد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب ~~والسنة ms9379 بل على المسلمين إتباع قولنا دون القول الآخر من غير أن يقيم دليلا ~~شرعيا كالإستدلال بالكتاب والسنة على صحة قوله فقد خالف الكتاب والسنة ~~واجماع المسلمين وتجب إستتابة مثل هذا وعقوبته كما يعاقب أمثاله فاذا كانت ~~المسألة مما تنازع فيه علماء المسلمين وتمسك باحد القولين لم يحتج على قوله ~~بالأدلة الشرعية كالكتاب والسنة وليس مع صاحب القول الآخر من الأدلة ~~الشرعية ما يبطل به قوله لم يكن لهذا الذى ليس معه حجة تدل على صحة قوله أن ~~يمنع ذلك الذى يحتج بالأدلة الشرعية باجماع المسلمين بل جوز أن يمنع ~~المسلمون من القول الموافق للكتاب والسنة واوجب على الناس اتباع القول الذى ~~يناقضه بلا حجة شرعية توجب عليهم اتباع هذا القول وتحرم عليهم أتباع ذلك ~~القول فانه قد انسلخ من الدين تجب استتابته وعقوبته PageV33P134 كأمثاله ~~وغايته أن يكون جاهلا فيعذر بالجهل أولا حتى يتبين له أقوال أهل العلم ~~ودلائل الكتاب والسنة فان أصر بعد ذلك على مشاقة الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فانه يستتاب فان تاب والا قتل # وكل يمين من ايمان المسلمين غير اليمين بالله عز وجل مثل الحلف بالطلاق ~~والعتاق والظهار والحرام والحلف بالحج والمشى والصدقة والصيام وغير ذلك ~~فللعلماء فيها نزاع معروف عند العلماء سوآ حلف بصيغة القسم فقال الحرام ~~يلزمنى أو العتق يلزمنى لأفعلن كذا أو حلف بصيغة العتق فقال ان فعلت كذا ~~فعلى الحرام ونسائى طوالق أو فعبيدى أحرار أو مالى صدقة وعلى المشى إلى بيت ~~الله تعالى # وإتفقت الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين على أنه يسوغ للقاضي أن يقضى ~~في هذه المسائل جميعها بانه اذا حنث لا يلزمه ما حلف به بل إما أن لا يجب ~~عليه شيء وإما ان تجزيه الكفارة ويسوغ للمفتى أن يقضى بذلك وما زال في ~~المسلمين من يفتى بذلك من حين حدث الحلف بها والى هذه الأزمنة منهم من يفتى ~~بالكفارة فيها ومنهم يفتى بأنه لا كفارة فيها ولا لزوم المحلوف به كما أن ms9380 ~~منهم من يفتى بلزوم المحلوف به وهذه الأقوال الثلاثة في الأمة من يفتى بها ~~بالحلف بالطلاق والعتاق والحرام والنذر وإما إذا حلف بالمخلوقات كالكعبة ~~والملائكة فانه لا كفارة في هذا باتفاق المسلمين PageV33P135 فالأيمان ( ~~ثلاثة أقسام ( اما الحلف بالله ففيه الكفارة بالإتفاق واما الحلف ~~بالمخلوقات فلا كفارة فيه بالا تفاق إلا الحلف بالنبى ( قولان ( في مذهب ~~أحمد والجمهور أنه لا كفارة فيه وقد عدى بعض أصحاب ذلك إلى جميع النبيين ~~وجماهير العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم على خلاف ذلك وأما ما عقد من الأيمان ~~بالله تعالى وهو هذه الايمان فللمسلمين فيها ( ثلاثة أقوال ( وان كان من ~~الناس من ادعى الإجماع في بعضها فهذا كما ان كثيرا من مسائل النزاع يدعى ~~فيها الإجماع من لم يعلم النزاع ومقصوده انى لا أعلم نزاعا فمن علم النزاع ~~واثبته كان مثبتا عالما وهو مقدم على النافى الذى لا يعلمه باتفاق المسلمين # واذا كانت المسألة مسألة نزاع في السلف والخلف ولم يكن مع من الزم الحالف ~~بالطلاق أو غيره نص كتاب ولا سنة ولا إجماع كان القول بنفى لزومه سائغا ~~باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين بل هم متفقون على أنه ليس لأحد ~~ان يمنع قاضيا يصلح للقضاء ان يقضى بذلك ولا يمنع مفتيا يصلح للفتيا ان ~~يفتى بذلك بل هم يسوغون الفتيا والقضاء في أقوال ضعيفة لوجود الخلاف فيها ~~فكيف يمنعون مثل هذا القول الذى دل عليه الكتاب والسنة والقياس الصحيح ~~الشرعى والقول به ثابت عن السلف والخلف بل الصحابة الذين هم خير هذه الأمة ~~ثبت عنهم أنهم أفتوافى الحلف بالعتق الذى هو أحب إلى الله تعالى من الطلاق ~~أنه لا يلزم الحالف به بل يجزيه PageV33P136 كفارة يمين فكيف يكون قولهم في ~~الطلاق الذى هو أبغض الحلال إلى الله وهل يظن بالصحابة رضوان الله عليهم ~~انهم يقولون فيمن حلف بما يحبه الله من الطاعات كالصلاة والصيام والصدقة ~~والحج انه لا يلزمه أن يفعل هذه الطاعات بل يجزيه كفارة يمين ويقولون فيما ~~لا يحبه الله بل ms9381 يبغضه إنه يلزم من حلف به # وقد إتفق المسلمون على أنه من حلف بالكفر والإسلام انه لا يلزمه كفر ولا ~~اسلام فلو قال إن فعلت كذا فانا يهودى وفعله لم يصر يهوديا بالإتفاق وهل ~~يلزمه كفارة يمين على ( قولين ( # ( أحدهما ( يلزمه وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد في المشهور عنه # ( والثانى ( لا يلزمه وهو قول مالك والشافعى ورواية عن أحمد وذهب بعض ~~أصحاب أبى حنيفة إلى أنه إذا إعتقد انه يصير كافرا اذا حنث وحلف به فانه ~~يكفر قالوا لأنه مختار للكفر والجمهور قالوا لا يكفر لأن قصده أن لا يلزمه ~~الكفر فلبغضه له حلف به وهكذا كل من حلف بطلاق أو غيره انما يقصد بيمينه ~~انه لا يلزمه لفرط بغضه له # وبهذا فرق الجمهور بين ( نذر التبرر ( و ( نذر اللجاج والغضب ( قالوا لأن ~~الأول قصده وجود الشرط والجزاء بخلاف الثانى فإذا قال إن شفى الله ~~PageV33P137 مريضى فعلى عتق رقبة أو فعبدى حر لزمه ذلك بالإتفاق واما اذا ~~قال إن فعلت كذا فعلى عتق رقبه أو فعبدى حر وقصده أن لا يفعله فهذا موضع ~~النزاع هل يلزمه العتق في الصورتين أو لا يلزمه في الصورتين أو يجزيه كفارة ~~يمين أو يجزية الكفارة في تعليق الوجوب دون تعليق الوقوع وهذه الأقوال ~~الثلاثة في الطلاق # ولو قال اليهودى إن فعلت كذا فانا مسلم وفعله لم يصر مسلما بالإتفاق لأن ~~الحالف حلف بما يلزمه وقوعه وهكذا إذا قال المسلم إن فعلت كذا فنسائى طوالق ~~وعبيدى أحرار وأنا يهودى هو يكره ان يطلق نساءه ويعتق عبيده ويفارق دينه مع ~~أن المنصوص عن الأئمة الأربعة وقوع العتق # ومعلوم أن سبعة من الصحابة مثل بن عمر وبن عباس وأبى هريرة وعائشة وأم ~~سلمة وحفصة وزينب ربيبة النبى أجل من اربعه من علماء المسلمين فاذا قالوا ~~هم وأئمة التابعين أنه لا يلزمه العتق المحلوف به بل يجزيه كفارة يمين كان ~~هذا القول مع دلالة الكتاب والسنة إنما يدل على هذا القول فكيف يسوغ لمن هو ~~من أهل العلم ms9382 والايمان أن يلزم أمة محمد بالقول المرجوح في الكتاب والسنة ~~والأقيسة الصحيحة الشرعية مع مالهم @QB@ من @QE@ مصلحة دينهم ودنياهم فان ~~PageV33P138 في ذلك من صيانه انفسهم وحريمهم وأموالهم وأعراضهم وصلاح ذات ~~بينهم وصلة ارحامهم واجتماعهم على طاعة الله ورسوله وإستغنائهم عن معصية ~~الله ورسوله ما يوجب ترجيحه لمن لا يكون عارفا بدلالة الكتاب والسنة فكيف ~~بمن كان عارفا بدلالة الكتاب والسنة فان القائل بوقوع الطلاق ليس معه من ~~الحجة ما يقاوم قول من نفى وقوع الطلاق # و [ لو ] اجتهد من اجتهد في اقامة دليل شرعى سالم عن المعارض المقاوم على ~~وقوع الطلاق على الحالف لعجز عن ذلك كما عجز عن تحديد ذلك فهل يسوغ لأحد أن ~~يأمر بما يخالف اجماع المسلمين ويخرج عن سبيل المؤمنين فان القول الذى ذهب ~~إليه بعض العلماء وهو لم يعارض نصا ولا اجماعا ولا ما في معنى ذلك ويقدم ~~عليه الدليل الشرعى من الكتاب والسنة والقياس الصحيح ليس لأحد المنع من ~~الفتيا به والقضاء به وان لم يظهر رجحانه فكيف إذا ظهر رجحانه بالكتاب ~~والسنة وبين ما لله فيه من المنة # فان الله تعالى يقول @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ وقال في ~~كتابة @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ وقد ثبت في الصحيح عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر ~~عن يمينه وليأت الذى هو خير ( وهذا مروى عن النبى صلى الله PageV33P139 ~~عليه وسلم من وجوه كثيرة وفى مسلم من حديث أبى هريرة وعدى بن حاتم وأبى ~~موسى الأشعرى وفى الصحيحين أن النبى قال لعبد الرحمن بن سمرة ( إذا حلفت ~~على يمين فرأيت غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها ( وفى ~~الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( لأن يلج احدكم بيمينه في أهله ~~آثم له من يعطى الكفارة التى فرض الله ( وقال البخارى من استلج في أهله فهو ~~أعظم إثما فقوله يلج من اللجاج ولهذا سميت هذه الأيمان ( نذر اللجاج والغضب ~~( # والألفاظ ms9383 التى يتكلم بها الناس في الطلاق ( ثلاثة أنواع ( صيغة التنجيز ~~والإرسال ( كقوله أنت طالق أو مطلقة فهذا يقع به الطلاق باتفاق المسلمين # ( الثانى ( صيغة قسم كقوله الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا فهذا ~~يمين باتفاق أهل اللغة واتفاق طوائف الفقهاء واتفاق العامة وإتفاق أهل ~~الأرض # ( الثالث ( صيغة تعليق كقولة إن فعلت كذا فإمرأتى طالق فهذه إن كان قصده ~~به اليمين وهو الذى يكره وقوع الطلاق مطلقا كما يكره PageV33P140 الإنتقال ~~عن دينه اذا قال إن فعلت كذا فانا يهودى أو يقول اليهودى ان فعلت كذا فانا ~~مسلم فهو يمين حكمة حكم الأول الذى هو بصيغة القسم باتفاق الفقهاء # فان اليمين هي ما تضمنت حضا أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا بالتزام ما يكره ~~الحالف وقوعه عند المخالفة فالحالف لا يكون حالفا الا إذا كره وقوع الجزاء ~~عند الشرط فان كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط لم يكن حالفا سواء كان يريد ~~الشرط وحده ولا يكره الجزاء عند وقوعه أو كان يريد الجزاء عند وقوعه غير ~~مريد له أو كان مريدا لهما فاما إذا كان كارها للشرط وكارها للجزاء مطلقا ~~يكره وقوعه وانما التزمه عند وقوع الشرط ليمنع نفسه أو غيره ما لتزمه من ~~الشرط أو ليحض بذلك فهذا يمين # وإن قصد إيقاع الطلاق عند وجود الجزاء كقوله إن أعطيتنى الفا فأنت طالق ~~وإذا طهرت فانت طالق واذا زنيت فانت طالق وقصده ايقاع الطلاق عند الفاحشة ~~لا مجرد الحلف عليها فهذا ليس بيمين ولا كفارة في هذا عند أحد من الفقهاء ~~فيما علمناه بل يقع به الطلاق اذا وجد الشرط عند السلف وجمهور الفقهاء ~~PageV33P141 فاليمين التى يقصد بها الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب ~~بالتزامه عند المخالفة ما يكره وقوعه سواء كانت بصيغة القسم أو بصيغة ~~الجزاء يمين عند جميع الخلق من العرب وغيرهم فان كون الكلام يمينا مثل كونه ~~امرأ أو نهيا وخبرا وهذا المعنى ثابت عند جميع الناس العرب وغيرهم وإنما ~~تتنوع اللغات في الألفاظ لا في ms9384 المعانى بل ما كان معناه يمينا أو امرا أو ~~نهيا عند العجم فكذلك معناه يمين أو أمر أو نهى عند العرب وهذا ايضا يمين ~~الصحابة رضوان الله عليهم وهو يمين في العرف العام ويمين عند الفقهاء كلهم # واذا كان ( يمينا ( فليس في الكتاب والسنة لليمين الا حكمان إما أن تكون ~~اليمين منعقدة محترمة ففيها الكفارة واما ان لا تكون منعقدة محترمة كالحلف ~~بالمخلوقات مثل الكعبة والملائكة وغير ذلك فهذا لا كفارة فيه بالإتفاق فاما ~~يمين منعقدة محترمة غير مكفرة فهذا حكم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ~~ولا يقوم دليل شرعى سالم عن المعارض المقام فان كانت هذه اليمين من أيمان ~~المسلمين فقد دخلت في قوله تعالى للمسلمين @QB@ قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم @QE@ وان لم تكن من ايمانهم بل كانت من الحلف بالمخلوقات فلا يجب ~~بالحنث لا كفارة ولا غيرها فتكون مهدرة PageV33P142 فهذا ونحوه من دلالة ~~الكتاب والسنة والإعتبار يبين أن الالزام بوقوع الطلاق للحالف في يمينه حكم ~~يخالف الكتاب والسنة وحسب القول الآخران يكون مما يسوغ الإجتهاد فاما أن ~~يقال إنه لم يجب على المسلمين كلهم العمل بهذا القول ويحرم عليهم العمل ~~بذلك القول فهذا لا يقوله أحد من علماء المسلمين بعد ان يعرف ما بين ~~المسلمين من النزاع والأدلة ومن قال بالقول المرجوح وخفى عليه القول الراجح ~~كان حسبه ان يكون قوله سائغا لا يمنع من الحكم به والفتيا به # أما الزام المسلمين بهذا القول ومنعهم من القول الذى دل عليه الكتاب ~~والسنة فهذا خلاف امر الله ورسوله وعبادة المؤمنين من الأئمة الأربعة ~~وغيرهم فمن منع الحكم والفتيا بعدم وقوع الطلاق وتقليد من نفى بذلك فقد ~~خالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين ولا يفعل ذلك الا من لم يكن ~~عنده علم فهذا حسبه ان يعذر لا يجب اتباعه ومعاند متبع لهواه لا يقبل الحق ~~اذا ظهر له ولا يصغى لمن يقوله ليعرف ما قال بل يتبع هواه بغير هدى من الله ~~@QB@ ومن أضل ممن ms9385 اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ فانه إما مقلد وإما ~~مجتهد فالمقلد لا ينكر القول الذى يخالف متبوعة انكار من يقول هو باطل فانه ~~لا يعلم انه باطل فضلا عن أن يحرم القول به ويوجب القول بقول سلفه والمجتهد ~~ينظر ويناظر وهو مع ظهور قوله لا يسوغ قول منازعيه الذى ساغ فيه الإجتهاد ~~وهو ما لم يظهر أنه خالف نصا ولا اجماعا فمن خرج عن حد PageV33P143 التقليد ~~السائغ والإجتهاد كان فيه شبه من الذين @QB@ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل ~~الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا @QE@ وكان ممن أتبع هواه بغير ~~هدى من الله # ( 1 ) ومن قال إنه اتبع هذه الفتيا فولد له ولد بعد ذلك فهو ولد زنا كان ~~هذا القائل في غاية الجهل والضلال والمشاقة لله ولرسوله # وعلى الجملة اذا كان الملتزم به قربة لله تعالى يقصد به القرب إلى الله ~~تعالى لزمه فعله أو الكفارة ولو التزم ما ليس بقربة كالتطليق والبيع ~~والإجارة ومثل ذلك لم يلزمه بل يجزيه كفارة يمين عند الصحابة وجمهور ~~المسلمين وهو قول الشافعى وأحمد واحدى الروايتين عن أبى حنيفة وقول ~~المحققين من أصحاب مالك لأن الحلف بالطلاق على وجه اليمين يكره وقوعه اذا ~~وجد الشرط كما يكره وقوع الكفر فلا يقع وعليه الكفارة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عمن قال الطلاق يلزمنى على المذاهب الأربعة أو نحو ~~ذلك هل يلزمه الطلاق كما قال أم كيف الحكم ### ||||| فأجاب # أما قول الحالف الطلاق يلزمنى على مذاهب الأئمة الأربعة أو على ~~مذهب من يلزمه بالطلاق لا من يجوز في الحلف به كفارة أو فعلى PageV33P144 ~~الحج على مذهب مالك بن أنس أو فعلى كذا على مذهب من يلزمه من فقهاء ~~المسلمين أو فعلى كذا على أغلظ قول قيل في الإسلام أو فعلى كذا أنى لا ~~أستفتى من يفتينى بالكفارة في الحلف بالطلاق أو الطلاق يلزمنى لا أفعل كذا ~~ولا أستفتى من يفتيني بحل يمينى أو رجعة في يميني ونحو هذه الألفاظ التى ~~يغلظ ms9386 فيها اللزوم تغليظا يؤكد به لزوم المعلق عند الحنث لئلا يحنث في يمينه ~~فان الحالف عند اليمين يريد تأكيد يمينه بكلما يخطر بباله من أسباب التأكيد ~~ويريد منع نفسه من الحنث فيها بكل طريق يمكنه وذلك كله لا يخرج هذه العقود ~~عن أن تكون أيمانا مكفره ولو غلظ الأيمان التى شرع الله فيها الكفارة بما ~~غلظ ولو قصد أن لا يحنث فيها بحال فذلك لا يغير شرع الله وايمان الحالفين ~~لا تغير شرائع الدين بل ما كان الله قد أمر به قبل يمينه فقد أمر به بعد ~~اليمين واليمين ما زادته إلا توكيدا # وليس لأحد أن يفتى أحدا بترك ما أوجبه الله ولا بفعل ما حرمه الله ولو لم ~~يحلف عليه فكيف أذا حلف عليه # وهذا مثل الذى يحلف على فعل ما يجب عليه من الصلاة والزكاة والصيام والحج ~~وبر الوالدين وصلة الأرحام وطاعة السلطان ومناصحته وترك الخروج ومحاربته ~~وقضاء الدين الذى عليه واداء الحقوق إلى مستحقيها والإمتناع من الظلم ~~والفواحش وغير ذلك فهذه الأمور كانت قبل اليمين واجبة وهى بعد اليمين أوجب ~~PageV33P145 وما كان محرما قبل اليمين فهو بعد اليمين أشد تحريما ولهذا ~~كانت الصحابة يبايعون النبى صلى الله عليه وسلم على طاعته والجهاد معه وذلك ~~واجب عليهم ولو لم يبايعوه فالبيعة أكدته وليس لأحد أن ينقض مثل هذا العقد ~~وكذلك مبايعة السلطان التى أمر الله بالوفاء بها ليس لأحد أن ينقضها ولو لم ~~يحلف فكيف اذا حلف بل لو عاقد الرجل غيره على بيع أو إجارة أو نكاح لم يجز ~~له أن يغدر به ولوجب عليه الوفاء بهذا العقد فكيف بمعاقدة ولاة الأمور على ~~ما أمر الله به ورسوله من طاعتهم ومناصحتهم والإمتناع من الخروج عليهم فكل ~~عقد وجب الوفاء به بدون اليمين اذا حلف عليه كانت اليمين موكدة له ولو لم ~~يجز فسخ مثل هذا العقد بل قد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال ( أربع من كن ~~فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن ms9387 كانت فيه خصلة من النفاق حتى ~~يدعها اذا حدث كذب واذا اؤتمن خان واذا عاهد غدر واذا خاصم فجر ( # وما كان مباحا قبل اليمين اذا حلف الرجل عليه لم يصر حراما بل له أن ~~يفعله ويكفر عن يمينه وما لم يكن واجبا فعله اذا حلف عليه لم يصر واجبا ~~عليه بل له أن يكفر يمينه ولا يفعله ولو غلط في اليمين بأى شيء غلظها ~~فايمان الحالفين لا تغير شرائع الدين وليس لأحد أن يحرم بيمينه ما أحله ~~الله ولا يوجب بيمينه ما لم يوجبه الله هذا هو شرع محمد صلى الله عليه وسلم ~~PageV33P146 # وأما شرع من قبله فكان في شرع بنى اسرائيل اذا حرم الرجل شيئا حرم عليه ~~واذا حلف ليفعلن شيئا وجب عليه ولم يكن في شرعهم كفارة فقال تعالى @QB@ كل ~~الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة @QE@ فاسرائيل حرم على نفسه شيئا فحرم عليه وقال الله تعالى لنبينا ~~@QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ وهذا الفرض هو المذكور في قوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا ~~الله الذي أنتم به مؤمنون لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون @QE@ # ولهذا لما لم يكن في شرع من قبلنا كفارة بل كانت اليمين توجب عليهم فعل ~~المحلوف عليه أمر الله أيوب أن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به ولا يحنث لأنه لم ~~يكن في شرعه كفارة يمين ولو كان في شرعه كفارة يمين كان ذلك أيسر عليه من ~~ضرب امرأته ms9388 ولو بضغث فان أيوب كان قد رد الله عليه أهله ومثلهم معهم لكن ~~لما كان ما يوجبونه باليمين بمنزلة ما PageV33P147 يجب بالشرع كانت اليمين ~~عندهم كالنذر والواجب بالشرع قد يرخص فيه عند الحاجة كما يرخص في الجلد ~~الواجب في الحد إذا كان المضروب لا يحتمل التفريق بخلاف ما التزمه الإنسان ~~بيمينه في شرعنا فانه لا يلزم بالشرع فيلزمه ما التزمه وله مخرج من ذلك في ~~شرعنا بالكفارة # ولكن بعض علمائنا لما ظنوا أن الايمان من مالا مخرج لصاحبه منه بل يلزمه ~~ما التزمه فظنوا أن شرعنا في هذا الموضع كشرع بنى اسرائيل احتاجوا إلى ~~الاحتيال في الايمان إما في لفظ اليمين وإما بخلع اليمين وإما بدور الطلاق ~~وإما بجعل النكاح فاسدا فلا يقع فيه الطلاق وإن غلبوا عن هذا كله دخلوا في ~~التحليل وذلك لعدم العلم بما بعث الله به محمدا في هذا الموضع من الحنيفية ~~السمحة وما وضع الله به من الآصار والأغلال كما قال تعالى @QB@ ورحمتي وسعت ~~كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ وصار ما شرعه النبى ~~لأمته هو الحق في نفس الأمر وما أحدث غيره غايته أن يكون بمنزله شرع من ~~قبله مع شرعه وإن كان PageV33P148 الذين قالوه باجتهادهم لهم سعى مشكور ~~وعمل مبرور وهم مأجورون على ذلك مثابون عليه فإنه كلما كان من مسائل النزاع ~~التى تنازعت فيه الأمة فأصوب القولين فيه ما وافق كتاب الله وسنة رسوله من ~~أصاب هذا القول فله أجران ومن لم يؤده اجتهاده الا إلى القول الآخر كان له ~~اجر واحد والقول الموافق لسنته مع القول الآخر بمنزلة طريق سهل مخصب يوصل ~~إلى المقصود وتلك الأقوال فيها بعد وفيها وعورة وفيها حدوثه فصاحبها ms9389 يحصل ~~له من التعب والجهد أكثر مما في الطريقة الشرعية # ولهذا أذاعوا ما دل عليه الكتاب والسنة على تلك الطريقة التى تتضمن من ~~لزوم ما يبغضه الله ورسوله من القطيعة والفرقة وتشتيت الشمل وتخريب الديار ~~وما يحبه الشيطان والسحرة من التفريق بين الزوجين وما يظهر ما فيها من ~~الفساد لكل عاقل ثم إما أن يلزموا هذا الشر العظيم ويدخلوا في الآصار ~~وأغلال وإما أن يدخلوا في منكرات أهل الاحتيال وقد نزه الله النبى وأصحابه ~~من كلا الفريقين بما أغناهم به من الحلال # ( فالطرق ثلاثة ( إما الطريقة الشرعية المحضة الموافقة للكتاب والسنة وهى ~~طريق أفاضل السابقين الأولين وتابعيهم باحسان وإما طريقة الآصار والآغلال ~~والمكر والاحتيال وان كان من سلكها من سادات أهل العلم والايمان وهم مطيعون ~~لله ورسوله فيما أتوا به من الإجتهاد PageV33P149 المأمور به @QB@ لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها @QE@ وهذا كالمجتهد في القبلة إذا أدى اجتهاد كل فرقة ~~إلى جهة من الجهات الأربع فكلهم مطيعون لله ورسوله مقيمون للصلاة لكن الذى ~~أصاب القبلة في نفس الأمر له أجران والعلماء ورثة الأنبياء وقال تعالى @QB@ ~~وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ وكل مجتهد مصيب بمعنى ~~أنه مطيع لله ولكن الحق في نفس الأمر واحد # والمقصود هنا ان ما شرع الله تكفيره من الايمان هو مكفر ولو غلظه بأى وجه ~~غلظ ولو التزم أن لا يكفره كان له أن يكفرة فان التزامه أن لا يكفره التزام ~~لتحريم ما أحله الله ورسوله وليس لأحد أن يحرم ما أحله الله ورسوله بل عليه ~~في يمينه الكفارة # فهذا الملتزم لهذا الإلتزام الغليظ هو يكره لزومه اياه وكلما غلظ كان ~~لزومه له أكره إليه وإنما التزمه لقصده الحظر والمنع ليكون لزومه له مانعا ~~من الحنث لم يلتزمه لقصد لزومه اياه عند وقوع الشرط فان هذا القصد يناقض ~~عقد اليمين فان الحالف لا يحلف الا بالتزام ما يكره وقوعه عند المخالفة ولا ~~يحلف ms9390 قط الا بالتزامه ما يريد وقوعه عند المخالفة فلا يقول حالف ان فعلت ~~كذا غفر الله لى ولا أماتنى على الإسلام بل يقول إن فعلت PageV33P150 كذا ~~فأنا يهودى أو نصرانى أو نسائى طوالق أو عبيدى أحرار أو كلما أملكه صدقة أو ~~على عشر حجج حافيا مكشوف الرأس على مذهب مالك بن أنس أو فعلى الطلاق على ~~المذاهب الأربعة أو فعلى كذا على أغلظ قول # وقد يقول مع ذلك على أن لا أستفتى من يفتينى بالكفارة ويلتزم عند غضبة من ~~اللوازم ما يرى أنه لا مخرج له منه اذا حنث ليكون لزوم ذلك مانعا من الحنث ~~وهو في ذلك لا يقصد قط أن يقع به شيء من تلك اللوازم وان وقع الشرط أو لم ~~يقع واذا اعتقد أنها تلزمه التزمها لإعتقاده لزومها اياه مع كراهته لأن ~~يلتزمه لا مع إرادته ان يلتزمه وهذا هو الحالف واعتقاد لزوم الجزاء غير ~~قصده للزوم الجزاء # فإن قصد لزوم الجزاء عند الشرط لزمه مطلقا ولو كان بصيغة القسم فلو كان ~~قصده أن يطلق امرأته اذا فعلت ذلك الأمر أو اذا فعل هو ذلك الأمر فقال ~~الطلاق يلزمنى لا تفعلين كذا وقصده أنها تفعله فتطلق ليس مقصوده أن ينهاها ~~عن الفعل ولا هو كاره لطلاقها بل هو مريد لطلاقها طلقت في هذه الصورة ولم ~~يكن هذا في الحقيقة حالفا بل هو معلق للطلاق على ذلك الفعل بصيغة القسم ~~ومعنى كلامه معنى التعليق الذى يقصد به الإيقاع فيقع به الطلاق هنا عند ~~الحنث في اللفظ الذى هو بصيغة القسم ومقصوده مقصود التعليق والطلاق هنا ~~إنما PageV33P151 وقع عند الشرط الذى قصد ايقاعه عنده لا عند ما هو حنث في ~~الحقيقة اذا لإعتبار بقصده ومراده لا بظنه واعتقاده فهو الذى تبنى عليه ~~الأحكام كما قال النبى ( انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى # والسلف من الصحابة والتابعين لهم باحسان وجماهير الخلف من اتباع الأئمة ~~الأربعة وغيرهم متفقون على أن اللفظ الذى يحتمل الطلاق وغيره اذا قصد به ~~الطلاق ms9391 فهو طلاق وان قصد به غير الطلاق لم يكن طلاقا وليس للطلاق عندهم لفظ ~~معين فلهذا يقولون إنه يقع بالصريح والكناية ولفظ الصريح عندهم كلفظ الطلاق ~~لو وصلة بما يخرجه عن طلاق المرأة لم يقع به الطلاق كما لو قال لها أنت ~~طالق من وثاق الحبس أو من الزوج الذى كان قبلى ونحو ذلك # والمرأة اذا أبغضت الرجل كان لها أن تفتدى نفسها منه كما قال تعالى @QB@ ~~ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ~~فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله ~~فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون @QE@ وهذا الخلع تبين ~~به المرأة فلا يحل له أن يتزوجها بعده الا برضاها وليس هو كالطلاق المجرد ~~فان ذلك يقع رجعيا له أن يرتجعها في العدة بدون رضاها لكن تنازع العلماء في ~~هذا الخلع هل يقع به طلقة بائنة محسوبة من الثلاث أو PageV33P152 تقع به ~~فرقة بائنة وليس من الطلاق الثلاث بل هو فسخ على قولين مشهورين # و ( الاول ) مذهب أبى حنيفة ومالك وكثير من السلف ونقل عن طائفة من ~~الصحابة لكن لم يثبت عن واحد منهم بل ضعف أحمد بن حنبل وبن خزيمة وبن ~~المنذر وغير هم جميع ما روى في ذلك عن الصحابة # و ( الثانى ) أنه فرقة بائنة وليس من الثلاث وهذا ثابت عن بن عباس باتفاق ~~اهل المعرفة بالحديث وهو قول اصحابه كطاووس وعكرمة وهو أحد قولى الشافعى ~~وهو ظاهر مذهب أحمد بن حنبل وغيره من فقهاء الحديث واسحق بن راهوية وأبى ~~ثور ودواد وبن المنذر وبن خزيمة وغيرهم واستدل بن عباس على ذلك بأن الله ~~تعالى ذكر الخلع بعد طلقتين ثم قال @QB@ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره @QE@ فلو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا # ثم أصحاب هذا القول تنازعوا هل يشترط أن يكون الخلع بغير لفظ الطلاق أو ~~لا يكون الا بلفظ الخلع والفسخ ms9392 والمفاداة ويشترط مع ذلك أن لا ينوى الطلاق ~~أو لا فرق بين أن ينويه أولا ينويه وهو خلع بأى لفظ وقع بلفظ الطلاق أو ~~غيره على أوجه في مذهب أحمد وغيره أصحها الذى دل عليه كلام بن عباس وأصحابه ~~واحمد بن حنبل وقدماء أصحابه وهو الوجه الأخير وهو أن الخلع هو الفرقة بعوض ~~فمتى فارقها بعوض فهي PageV33P153 مفتدية لنفسها به وهو خالع لها بأى لفظ ~~كان ولم ينقل أحد قط لا عن بن عباس وأصحابه ولا عن أحمد بن حنبل انهم فرقوا ~~بين الخلع بلفظ الطلاق وبين غيره بلا كلامهم لفظه ومعناه يتناول الجميع # والشافعى رضى الله عنه لما ذكر القولين في الخلع هل هو طلاق أم لا قال ~~وأحسب الذين قالوا هو طلاق هو فيما اذا كان بغير لفظ الطلاق ولهذا ذكر محمد ~~بن نصر والطحاوى أن هذا لا نزاع فيه والشافعى لم يحك عن أحد هذا بل ظن أنهم ~~يفرقون وهذا بناه الشافعى على أن العقود وان كان معناها واحدا فان حكمها ~~يختلف باختلاف الألفاظ وفى مذهبه نزاع في الأصل # وأما أحمد بن حنبل فان أصوله ونصوصه وقول جمهور أصحابه أن الإعتبار في ~~العقود بمعانيها لا بالألفاظ وفى مذهبه قول آخر أنه تختلف الأحكام باختلاف ~~الألفاظ وهذا يذكر في التكلم بلفظ البيع وفى المزارعة بلفظ الإجارة وغير ~~ذلك وقد ذكرنا الفاظ بن عباس وأصحابه والفاظ أحمد وغيره وبينا أنها بينة في ~~عدم التفريق وأن أصول الشرع لا تحتمل التفريق وكذلك أصول أحمد وسببه ظن ~~الشافعى أنهم يفرقون وقد ذكرنا في غير هذا الموضع وبينا أن الآثار الثابتة ~~في هذا الباب عن النبى وبن عباس وغيره تدل دلالة بينة أنه خلع وان كان بلفظ ~~الطلاق وهذه الفرقة توجب البينونة والطلاق الذي ذكره الله تعالى في كتابه ~~هو الطلاق الرجعي PageV33P154 # قال هؤلاء وليس في كتاب الله طلاق بائن محسوب من الثلاث أصلا بل كل طلاق ~~ذكره الله تعالى في القرآن فهو الطلاق الرجعى وقال هؤلاء ولو قال لإمرأته ~~أنت طالق ms9393 طلقة بائنة لم يقع بها إلا طلقة رجعية كما هو مذهب اكثر العلماء ~~وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد في ظاهر مذهبه قالوا وتقسيم الطلاق إلى رجعى ~~وبائن تقسيم مخالف لكتاب الله وهذا قول فقهاء الحديث وهو مذهب الشافعى ~~وظاهر مذهب أحمد فان كل طلاق بغير عوض لا يقع إلا رجعيا وإن قال أنت طالق ~~طلقة بائنة أو طلاقا بائنا لم يقع به عندهما إلا طلقة رجعية وأما الخلع ~~ففيه نزاع في مذهبهما فمن قال بالقول الصحيح طرد هذا الأصل واستقام قوله ~~ولم يتناقض كما يتناقض غيره إلا من قال من أصحاب الشافعى وأحمد إن الخلع ~~بلفظ الطلاق يقع طلاقا بائنا فهؤلاء أثبتوا في الجملة طلاقا بائنا محسوبا ~~من الثلاث فنقضوا أصلهم الصحيح الذى دل عليه الكتاب والسنة وقال بعض ~~الظاهرية إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقا رجعيا لا بائنا لأنه لم يمكنه أن ~~يجعله طلاقا بائنا لمخالفة القرآن وظن أنه بلفظ الطلاق يكون طلاقا فجعله ~~رجعيا وهذا خطأ فان مقصود الإفتداء لا يحصل إلا مع البينونة ولهذا كان حصول ~~البينونة بالخلع مما لم يعرف فيه خلاف بين المسلمين لكن بعضهم جعله جائزا ~~فقال للزوج أن يرد العوض ويراجعها والذى عليه الأئمة الأربعة والجمهور أنه ~~لا يملك الزوج وحده أن يفسخه ولكن لو اتفقا على فسخه كالتقايل فهذا فيه ~~نزاع آخر كما بسط في موضعه PageV33P155 والمقصود هنا أن كتاب الله يبين أن ~~الطلاق بعد الدخول لا يكون إلا رجعيا وليس في كتاب الله طلاق بائن إلا قبل ~~الدخول واذا إنقضت العدة فاذا طلقها ثلاثا فقد حرمت عليه وهذه البينونة ~~الكبرى وهى إنما تحصل بالثلاث لا بطلقة واحدة مطلقة لا يحصل بها لا بينونة ~~كبرى ولا صغرى وقد ثبت عن بن عباس أنه قيل له إن أهل اليمن عامة طلاقهم ~~الفداء فقال بن عباس ليس الفداء بطلاق ورد المرأة على زوجها بعد طلقتين ~~وخلع مرة وبهذا أخذ أحمد بن حنبل في ظاهر مذهبه والشافعى في أحد قوليه لكن ~~تنازع أهل هذا القول ms9394 هل يختلف الحكم باختلاف الألفاظ والصحيح أن المعنى إذا ~~كان واحدا فالإعتبار بأى لفظ وقع وذلك أن الإعتبار بمقاصد العقود وحقائقها ~~لا باللفظ وحده فما كان خلعا فهو خلع باى لفظ كان وما كان طلاقا فهو طلاق ~~بأى لفظ كان وما كان يمينا فهو يمين بأى لفظ كان وما كان إيلاء فهو إيلاء ~~بأى لفظ كان وما كان ظهارا فهو ظهار بأى لفظ كان # والله تعالى ذكر في كتابه ( الطلاق ( و ( اليمين ( و ( الظهار ( و ( ~~الإيلاء ( و ( الإفتداء ( وهو الخلع وجعل لكل واحد حكما فيجب أن نعرف حدود ~~ما أنزل الله على رسوله وندخل في الطلاق ما كان طلاقا وفى اليمين ما كان ~~يمينا وفى الخلع ما كان خلعا وفى الظهار ما كان ظهارا وفى الإيلاء ما كان ~~إيلاء وهذا هو الثابت عن أئمة الصحابة وفقهائهم والتابعين لهم بإحسان ومن ~~العلماء من اشتبه عليه بعض ذلك ببعض PageV33P156 فيجعل ما هو ظهار طلاقا ~~فيكثر بذلك وقوع الطلاق الذى يبغضه الله ورسوله ويحتاجون إما إلى دوام ~~المكروه وإما إلى زواله بما هو أكره إلى الله ورسوله منه وهو ( نكاح ~~التحليل ( # وأما الطلاق الذى شرعه الله ورسوله فهو أن يطلق امرأته إذا أراد طلاقها ~~طلقة واحدة في طهر لم يصبها فيه أو كانت حاملا قد استبان حملها ثم يدعها ~~تتربص ثلاثة قروء فان كان له غرض راجعها في العدة وان لم يكن له فيها غرض ~~سرحها باحسان ثم ان بدا له بعد هذا ارجاعها يتزوجها بعقد جديد ثم اذا أراد ~~ارتجاعها أو تزوجها وان أراد أن يطلقها طلقها فهذا طلاق السنة المشروع # ومن لم يطلق إلا طلاق السنة لم يحتج إلى ما حرم الله ورسوله من نكاح ~~التحليل وغيره بل اذا طلقها ثلاث تطليقات له في كل طلقة رجعة أو عقد جديد ~~فهنا قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ولا يجوز عودها إليه بنكاح تحليل ~~أصلا بل قد ( لعن رسول الله المحلل والمحلل له ( واتفق على ذلك أصحابه ~~وخلفاؤه الراشدون وغيرهم فلا ms9395 يعرف في الإسلام أن النبى أو أحدا من خلفائه ~~أو أصحابه أعاد المطلقة ثلاثا إلى زوجها بعد نكاح تحليل أبدا ولا كان نكاح ~~التحليل ظاهرا على عهد النبى بل كان من يفعله سرا وقد لا تعرف المرأة ولا ~~وليها وقد ( لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ) وفى الربا ~~قال ( لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ( فلعن الكاتب والشهود ~~لأنهم كانوا يشهدون على دين الربا ولم يكونوا يشهدون على نكاح التحليل ~~PageV33P157 # ( وأيضا ) فان النكاح لم يكن على عهد النبى يكتب فيه صداق كما تكتب ~~الديون ولا كانوا يشهدون فيه لأجل الصداق بل كانوا يعقدونه بينهم وقد عرفوا ~~به ويسوق الرجل المهر للمرأة فلا يبقى لها عليه دين فلهذا لم يذكر رسول ~~الله في نكاح التحليل الكاتب والشهود كما ذكرهم في الربا # ولهذا لم يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم في الإشهاد على النكاح حديث ~~ونزاع العلماء في ذلك على أقوال في مذهب أحمد وغيره فقيل يجب الإعلان ~~أشهدوا أو لم يشهدوا فاذا أعلنوه ولم يشهدوا تم العقد وهو مذهب مالك وأحمد ~~في إحدى الروايات وقيل يجب الإشهاد أعلنوه أو لم يعلنوه فمتى أشهدوا ~~وتواصوا بكتمانه لم يبطل وهذا مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد في إحدى ~~الروايات وقيل يجب الأمران الإشهاد والإعلان وقيل يجب أحدهما وكلاهما يذكر ~~في مذهب أحمد # وأما ( نكاح السر ) الذى يتواصون بكتمانه ولا يشهدون عليه أحدا فهو باطل ~~عند عامة العلماء وهو من جنس السفاح قال الله تعالى ( وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان ) وهذه ~~المسائل مبسوطة في موضعها PageV33P158 وإنما المقصود هنا التنبيه على الفرق ~~بين الأقوال الثابتة بالكتاب والسنة وما فيها من العدل والحكمة والرحمه ~~وبين الأقوال المرجوحة وإن ما بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ~~من الكتاب والحكمة يجمع مصالح العباد في المعاش والمعاد على أكمل وجه فانه ~~خاتم النبيين ولا نبى بعده وقد جمع الله في شريعته ما فرقه ms9396 في شرائع من ~~قبله من الكمال إذ ليس بعده نبى فكمل به الأمر كما كمل به الدين فكتابه ~~أفضل الكتب وشرعه أفضل الشرائع ومنهاجه أفضل المناهج وأمته خير الأمم وقد ~~عصمها الله على لسانه فلا تجتمع على ضلالة ولكن يكون عند بعضها من العلم ~~والفهم ما ليس عند بعض والعلماء ورثة الأنبياء وقد قال تعالى @QB@ وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ فهذان نبيان كريمان حكما في ~~قصة فخص الله أحدهما بالفهم ولم يعب الآخر بل أثنى عليهما جميعا بالحكم ~~والعلم وهكذا حكم العلماء المجتهدين ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل العاملين ~~بالكتاب # وهذه القضية التى قضى فيها داود وسليمان لعلماء المسلمين فيها وما يشبهها ~~أيضا قولان منهم من يقضى بقضاء داود ومنهم من يقضى بقضاء سليمان وهذا هو ~~الصواب وكثير من العلماء أو أكثرهم لا يقول به بل قد لا يعرفه وقد بسطنا ~~هذا في غير هذا الجواب والله أعلم بالصواب PageV33P159 # وأما إذا ( حلف بالحرام ) فقال الحرام يلزمنى لا أفعل كذا أو الحل على ~~حرام لا أفعل كذا أو ما أحل الله على حرام إن فعلت كذا أو ما يحل على ~~المسلمين يحرم على إن فعلت كذا أو نحو ذلك وله زوجه ففى هذه المسألة نزاع ~~مشهور بين السلف والخلف لكن القول الراجح أن هذه يمين لا يلزمه بها طلاق ~~ولو قصد بذلك الحلف بالطلاق وهو مذهب أحمد المشهور عنه حتى لو قال أنت على ~~حرام ونوى به الطلاق لم يقع به الطلاق عنده # ولو قال أنت على كظهر أمى وقصد به الطلاق فان هذا لا يقع به الطلاق عند ~~عامة العلماء وفى ذلك أنزل الله القرآن فانهم كانوا يعدون الظهار طلاقا ~~والإيلاء طلاقا فرفع الله ذلك كله وجعل في الظهار الكفارة الكبرى وجعل ~~الإيلاء يمينا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح ~~بإحسان وكذلك قال كثير من السلف والخلف إنه إذا كان مزوجا ms9397 فحرم امرأته أو ~~حرم الحلال مطلقا كان مظاهرا وهو مذهب أحمد # وإذا حلف بالظهار أو الحرام لا يفعل شيئا وحنث في يمينه أجزأته الكفارة ~~في مذهبه لكن قيل إن الواجب كفارة ظهار سواء حلف PageV33P160 أو أوقع وهو ~~المنقول عن أحمد وقيل بل إن حلف به أجزأه كفارة يمين وإن أو قعه لزمه كفارة ~~ظهار وهذا أقوى وأقيس على أصل أحمد وغيره فالحالف بالحرام تجزؤه كفارة يمين ~~كما تجزئ الحالف بالنذر إذا قال إن فعلت كذا فعلى الحج أو فمالى صدقة # وكذلك إذا حلف بالعتق لزمته كفارة يمين عند أكثر السلف من الصحابة ~~والتابعين وكذلك الحلف بالطلاق تجزئ أيضا فيه كفارة يمين كما أفتى من أفتى ~~به من السلف والخلف والثابت عن الصحابة لا يخالف ذاك بل معناه يوافقه وكل ~~يمين يحلف بها المسلمون من أيمانهم ففيها كفارة يمين كما دل عليه الكتاب ~~والسنة وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو يعتق أو أن يظاهر فهذا يلزمه ~~ما أوقعه سواء كان منجزا أو معلقا فلا تجزؤه كفارة يمين والله أعلم بالصواب ~~PageV33P161 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل قال الطلاق يلزمنى ما بقيت أحلف بالطلاق إلا ~~إن كنت ساهيا أو غالطا لأنه تخاصم مع شخص وحصل له حرج فقال ايمان المسلمين ~~تلزمنى أو الايمان تلزمنى على مذهب مالك لابد أن أشكوك إلى المحتسب ولم يكن ~~ذكر اليمين الأول وهو شافعى المذهب فما يجب على اليمين ### ||||| فأجاب # إذا كان ناسيا لليمين الأول وحلف الثانية ثم ذكرها بعد ذلك فلا حنث ~~عليه في ذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قال لزوجته الطلاق يلزمنى متى رأيت فلانة عندك ~~طلقتك فهل يحنث اذا طلعت ولم يرها أو اجتمعوا ثلاثتهم في مكان غير المحلوف ~~عليه ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # اذا طلعت ولم يرها أو اجتمع بها في بيت غيره لم ~~يحنث الا أن يكون في بيته أو سبب اليمين ما يقتضى ذلك والله أعلم ~~PageV33P162 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل خرجت زوجته بغير إذنه ms9398 ثم قال لها الطلاق ~~يلزمنى ثلاثا ما بقيت أرفع العصا عنك ونيته في ذلك اذا خرجت بغير إذنه فهل ~~يجب الطلاق بالحال أو إذا خرجت بغير إذنه وهل اذا أذن لها بعد ذلك ### ||||| فأجاب # لا طلاق عليه بالحال بل اذا خرجت بغير اذنه حنث فان أذن لها أذنا ~~عاما جاز إذا لم يكن له نية أو سبب يخالف ذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل اتهم زوجته بسرقة دراهم فقالت والله ما أخذت ~~شيئا فقال الطلاق يلزمنى منك ثلاثا إن لم تحضرى الدراهم ما تكون له زوجته ### ||||| فأجاب # إن تبين أنها لم تأخذ الدراهم فلا حنث عليه في أصح قولى العلماء ~~لأن المحلوف عليه ممتنع ولأنه لم يقصد بردها الا إذا كانت أخذتها والله ~~أعلم PageV33P163 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل جرى منه كلام في زوجته وهى حامل فقال ان ~~جاءت زوجتى ببنت فهي طالق ثم أنه قبل الولادة جرى بينهم كلام فنزل عن طلقة ~~ثم إنها بعد ذلك وضعت بنتا فهل يقع على الزوج الطلاق أم لا ### ||||| فأجاب # ان كان قد أبانها بالطلقة بان تكون الطلقة بعوض أو ودعها حتى تنقضى ~~عدتها فهذا فيه قولان مشهوران للعلماء وفيها قولان للشافعى ( أحدهما ) يقع ~~وهو رواية مخرجة في مذهب أحمد وان كان لم يبنها بل راجع في العدة فإن ~~النكاح باق فان وجدت الصفة المعلق بها وقع الطلاق ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل تخاصما هو وإمرأته وأنجرح منها فقال الطلاق ~~يلزمنى منك ثلاثا إن قلت طلقنى طلقتك فسكتت ثم قالت لأمها أى شيء يقول قالت ~~أمها يقول كذا قولى له طلقنى ثم قالت المرأة طلقنى فهل يقع طلاق بواحدة أو ~~بثلاث أو لا يقع PageV33P164 ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا لم ينو بقوله إذا قلت طلقنى طلقتك أنه طلقها في ~~المجلس بل يطلقها عند الشهود وأما اذا لم ينو شيئا لم يحنث اذا افترقا من ~~غير طلاق لكن يطلقها بعد ذلك الطلاق الذى قصد بيمينه وأما إذا لم يقصد أن ms9399 ~~يطلقها ثلاثا ولا اثنتين أجزأ أن يطلقها طلقة واحدة هذا إن كان مقصودة ~~اجابة سؤالها مطلقا وأما اذا قصد اجابة سؤالها اذا كانت طالبة للطلاق فإذا ~~رجعت وقالت لا أريد الطلاق لم يكن عليه شيء اذا لم يطلقها والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل قال لزوجته وهو ساكن بها في غير منزل سكنها ~~إن قعدت عندكم فانت طالق وإن سكنت عندكم فانت طالق ثم قال أيضا أنت على ~~حرام ثم إنتقل بنفسه ومتاعه دون زوجته إلى مكان آخر وعادت زوجته إلى مكانها ~~الأول فاذا عاد وقعد عند زوجته يقع عليه طلقة واحدة أم طلقتان وهل السكن هو ~~القعود أو بينهما عموم وخصوص واذا لم ينو بالحرام الطلاق هل يقع عليه كما ~~لو نوى وهل اذا كان مذهب تزول به هذه الصورة مخالفا لمذهبه هل يجوز له ~~التقليد أم لا PageV33P165 ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما قوله إن قعدت عندكم وان سكنت عندكم فان كان نية ~~الحالف بالقعود إذا انتقض سبب تلك الحال بمنزلة من دعى إلى غداء فحلف أنه ~~لا يتغدى فان سبب اليمين أنه أراد بذلك الغداء المعين ولهذا كان الصحيح أنه ~~لا يحنث بغداء غير ذلك وهكذا إذا كان قد زار هو وامرأته قوما فرأى من ~~الأحوال ما كره أن تقيم تلك المرأة عندهم فحلف أنه لا يقيم ولا يسكن وقصد ~~على تلك الحال أو كان سبب اليمين يدل على ذلك # وأما إن كان قد نوى العموم بحيث قصد أنه لا يقعد عندهم ولا يساكنهم بحال ~~فإنه لا يحنث بالقعود وان أطلق اليمين ففيه نزاع مشهور بين العلماء وحيث ~~يحنث بالقعود فإنه اذا كان القعود الذى قصده هو السكنى لم يحنث باكثر من ~~طلقة إلا أن يقصد أكثر من ذلك كما لو كرر اليمين بالله على فعل واحد لم ~~يلزمه الا كفارة واحدة على الصحيح وإن كان القعود داخلا في ضمن السكنى كما ~~هو ظاهر اللفظ المطلق فهذه المسألة تداخل الصفات كما لو قال إن أكلت تفاحة ~~واحدة ms9400 فقد قيل تقع طلقتان لوجود الصفتين وقيل لا يقع الا طلقة واحدة أيضا ~~وهو أقوى فإن المفهوم من هذا الكلام أنك طالق سواء أكلت تفاحة كاملة أو ~~نصفها وكذلك إذا قال إن قعدت فالعقود ( لفظ مشترك ( يراد به السكنى مشتملا ~~على العقود ويكون PageV33P166 أولا حلف أنه لا يقعد ثم حلف على ما هو أعم ~~من ذلك وهو السكنى فإذا سكن كان الأول بعض الثانى فلا يقع أكثر من طلقة إذا ~~قيل بوقوع الطلاق عليه على أقوى القولين # واما قوله ( أنت على حرام ) فان حلف أن لا يفعل شيئا ففعله فعليه كفارة ~~يمين وان لم يحلف بل حرمها تحريما فهذا عليه كفارة ظهار ولا يقع به طلاق في ~~الصورتين وهذا قول جمهور أهل العلم من اصحاب رسول الله وأئمة المسلمين ~~يقولون إن الحرام لا يقع به طلاق اذا لم ينوه كما روى ذلك عن أبى بكر وعمر ~~وعثمان وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهم وان كان من ~~متأخرى أتباع بعض الأئمة من زعم ان هذا اللفظ قد صار بحكم العرف صريحا في ~~الطلاق فهذا ليس من قول هؤلاء الأئمة المتبوعين # وقد كانوا في أول الإسلام يرون لفظ ( الظهار ) صريحا في الطلاق وهو قوله ~~أنت على كظهر امى حتى تظاهر أوس بن الصامت من امرأته المجادلة التى ثبت ~~حكمها فيما أنزل الله ( قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها وتشتكى إلى ~~الله ) وافتاها النبى اولا بالطلاق حتى نسخ الله ذلك وجعل الظهار موجبا ~~للكفارة ولو نوى به الطلاق PageV33P167 ( والحرام ) نظير الظهار لأن ذلك ~~تشبيه لها بالمحرمة وهذا نطق بالتحريم وكلاهما منكر من القول وزور فقد دل ~~كتاب الله على أن تحريم الحلال يمين بقوله @QB@ لم تحرم ما أحل الله لك ~~@QE@ إلى قوله @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ مع ان هذا ليس موضع ~~بسط ذلك # وأما تقليد المستفتى للمفتى فالذى عليه الأئمة الأربعة وسائر أئمة العلم ~~انه ليس على أحد ولا شرع له التزام قول شخص معين في ms9401 كل ما يوجبه ويحرمه ~~ويبيحه الا رسول الله لكن منهم من يقول على المستفتى ان يقلد الأعلم الأروع ~~ممن يمكنه استفتاؤه ومن هم من يقول بل يخير بين المفتين [ و ] اذا كان له ~~نوع تمييز فقد قيل يتبع أى القولين أرجح عنده بحسب تمييزه فان هذا أولى من ~~التخيير المطلق وقيل لا يجتهد الا اذا صار من أهل الإجتهاد والأول اشبه ~~فاذا ترجح عند المستفتى أحد القولين إما لرجحان دليله بحسب تمييزه وأما ~~لكون قائله أعلم وأروع فله ذلك وان خالف قوله المذهب ### |||| وسئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل قال لحماته إن لم تبيعينى جاريتك والا ~~ابنتك طالق ثلاثا فقالوا ما نبيعك الجارية فقال ابنتكم طالق ثلاثا ونيته إن ~~لم تعطينى الجارية PageV33P168 ### ||||| فأجاب # إن كان قد نوى الشرط بقلبه ولم يقصد الطلاق فلا حنث عليه وهذا مذهب ~~الشافعى واحمد وغيرهما أنه لا يلزمه الطلاق فيما بينه وبين الله والله أعلم ### |||| وسئل # عن من قال لزوجته ان دخلت الدار فانت طالق فدخلت ناسية ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذ قال إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت ناسية لم يقع ~~الطلاق في أظهر قولى العلماء وهو مذهب أهل مكة كعمروبن دينار وبن جريح ~~وغيرهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الإسلام الشجاع المقدام ليث الحروب وأسد السنة الصابر في ذات الله على المحنة العلم الحجة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله رب البرية # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أن القرآن صوت وحرف وان ~~الرحمن عن العرش استوى على ما يفيده الظاهر ويفهمه الناس من ظاهره هل يحنث ~~في هذا أم لا PageV33P169 ### ||||| فأجاب رحمه الله تعالى # الحمد لله رب العالمين إن كان مقصود هذا الحالف أن ~~أصوات العباد بالقرآن والمداد الذى يكتب به حروف القرآن قديمة أزلية فقد ~~حنث في يمينه وما علمت أحدا من الناس يقول ذلك وإن كان قد يكره تجريد ~~الكلام في المداد الذى في المصحف وفى صوت العبد لئلا يتذرع بذلك إلى ms9402 القول ~~بخلق القرآن ومن الناس من تكلم في صوت العبد وإن كنا نعلم أن الذى نقرؤه هو ~~كلام الله حقيقة لا كلام غيره وإن الذى بين اللوحين هو كلام الله حقيقة لكن ~~ما علمت أحدا حكم على مجموع المداد المكتوب به وصوت العبد بالقرآن بأنه ~~قديم # ولكن الذين في قلوبهم زيغ من أهل الأهواء لا يفهمون من كلام الله وكلام ~~رسوله وكلام السابقين الأولين والتابعين لهم باحسان في ( باب صفات الله ) ~~الا المعانى التى تليق بالخلق لا بالخالق ثم يريدون تحريف الكلم عن مواضعه ~~في كلام الله وكلام رسوله إذا وجدو ذلك فيها وإن وجدوه في كلام التابعين ~~للسلف افتروا الكذب عليهم ونقلوا عنهم بحسب الفهم الباطل الذى فهموه أو ~~زادوا عليهم في الألفاظ وغيروها قدرا ووصفا كما نسمع من ألسنتهم ونرى في ~~كتبهم # ثم بعض من يحسن الظن بهؤلاء النقلة قد يحكى هذا المذهب عمن حكوه عنهم ~~ويذم ويبحث مع من لا وجود له وذمه واقع على موصوف غير PageV33P170 موجود ~~نظير ما صرف الله عن رسوله حيث قال ( ألا تعجبون من قريش يشتمون مذمما وأنا ~~محمد ) # وهذا نظير ما تحكى الرافضة عن أهل السنة من أهل الحديث والفقه والعبادة ~~والمعرفة أنهم ناصبة وتحكى القدرية عنهم أنهم مجبرة وتحكى الجهمية عنهم ~~أنهم مشبهه ويحكى من خالف الحديث ونابذ أهله عنهم أنهم نابته وحشوية وغثاء ~~وغثرا إلى غير ذلك من الأسماء المكذوبة ومن تأمل كتب المتكلمين الذين ~~يخالفون هذا القول وجدهم لا يبحثون في الغالب أو في الجميع الا مع هذا ~~القول الذى ما علمنا لقائله وجودا # وإن كان مقصود الحالف أن القرآن الذى أنزله الله على محمد هو هذه المائة ~~والأربع عشرة سورة حروفها ومعانيها وان القرآن ليس هو الحروف دون المعانى ~~ولا المعانى دون الحروف بل هو مجموع الحروف والمعانى وإن تلاوتنا للحروف ~~وتصورنا للمعانى لا يخرج المعانى والحروف عن أن تكون موجودة قبل وجودنا ~~فهذا مذهب المسلمين ولا حنث عليه # وكذلك إن كان مقصوده أن هذا القرآن الذى ms9403 يقرأه المسلمون ويكتبونه في ~~مصاحفهم هو كلام الله سبحانه حقيقة لا مجازا وأنه PageV33P171 لا يجوز نفى ~~كونه كلام الله إذ الكلام يضاف حقيقة لمن قاله متصفا به مبتديا وان كان قد ~~قاله غيره مبلغا مؤديا وهو كلام لمن اتصف به مبتديا لا من بلغه مؤديا # فإنا بالإضطرار نعلم من دين رسول الله ودين سلف الأمة أن قائلا لو قال إن ~~هذه الحروف حروف القرآن ما هي من القرآن وإنما القرآن اسم لمجرد المعانى ~~لأنكروا ذلك عليه غاية الإنكار وكان عندهم بمنزلة من يقول إن جسد رسول الله ~~ما هو داخل في اسم رسول الله وإنما هذا اسم للروح دون الجسد أو يقول إن ~~الصلاة ليست اسما لحركات القلب والبدن وانما هي اسم لأعمال القلب فقط # وكذلك ذكر الشهرستانى وهو من أخبر الناس بالملل والنحل والمقالات في ~~نهاية الاقدام أن القول بحدوث حروف القرآن قول محدث وأن مذهب سلف الأمة نفى ~~الخلق عنها وهو من أعيان الطائفة القائلة بحدوثها # ولا يحسب اللبيب أن في العقل أو في السمع ما يخالف ذلك بل من تبحر في ~~المعقولات ووقف على أسرارها علم قطعا أن ليس في العقل الصريح الذى لا يكذب ~~قط ما يخالف مذهب السلف وأهل الحديث بل يخالف PageV33P172 ما قد يتوهمه ~~المنازعون لهم بظلمة قلوبهم وأهواء نفوسهم أو ما قد يفترونه عليهم لعدم ~~التقوى وقلة الدين # ولو فرض على سبيل التقدير أن العقل الصريح الذى لا يكذب يناقض بعض ~~الأخبار للزوم أحد الأمرين إما تكذيب الناقل أو تأويل المنقول لكن ولله ~~الحمد هذا لم يقع ولا ينبغى أن يقع قط فإن حفظ الله لما أنزله من الكتاب ~~والحكمة يأبى ذلك نعم يوجد مثل هذا في أحاديث وضعتها الزنادقة ليشينوا بها ~~أهل الحديث كحديث ( عرق الخيل ) و ( الجمل الأورق ) وغير ذلك مما يعلم ~~العلماء بالحديث أنه كذب # ومما يوضح هذا ما قد استفاض عن علماء الإسلام مثل الشافعى والحميدى وأحمد ~~بن حنبل واسحاق بن راهوية وغيرهم من انكارهم على من زعم أن ms9404 لفظ القرآن ~~مخلوق والآثار بذلك مشهورة في كتاب بن أبى حاتم وكتاب اللالكائى تلميذ أبى ~~حامد الإسفرائينى وكتاب الطبرانى وكتاب شيخ الإسلام وغيرهم ممن يطول ذكره ~~وليس هذا موضع التقرير بالأدلة والأسولة والأجوبة PageV33P173 # وكذلك إن كان مراد الحالف بذكر الصوت التصديق بالآثار عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم وصحابته وتابعيهم التى وافقت القرآن وتلقاها السلف بالقبول مثل ~~ما خرجا في الصحيحين عن النبى من ( ان الله ينادى آدم بصوت ) وما استشهد به ~~البخارى في هذا الباب من ( ان الله ينادى عبادة يوم القيامة بصوت يسمعه من ~~بعد كما يسمعه من قرب ( ومثل ( ان الله إذا تكلم بالوحى القرآن أو غيره سمع ~~أهل السماوات صوته ( وفى قول بن عباس سمعوا صوت الجبار وأن الله كلم موسى ~~بصوت إلى غير ذلك من الآثار التى قالها إما ذاكرا وإما آثرا مثل عبد الله ~~بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبى هريرة وعبد الله بن أنيس وجابر بن عبد ~~الله ومسروق أحد أعيان كبار التابعين وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام أحد الفقهاء السبعة وعكرمة مولى بن عباس والزهرى وبن المبارك وأحمد بن ~~حنبل ومن لا يحصى كثرة ولا ينقل عن أحد من علماء الإسلام قبل المائة ~~الثانية أنه أنكر ذلك ولا قال خلافه بل كانت الآثار مشهورة بينهم متداولة ~~في كل عصر ومصر بل أنكر ذلك شخص في وقت الإمام أحمد وهو أول الأزمنة التى ~~نبغت فيها البدع بانكار ذلك على النصوص وإلا فقبله قد نبغ من أنكر ذلك ~~وغيره فهجر أهل الإسلام من أنكر ذلك وصار بين المسلمين كالجمل الأجرب فان ~~أراد الحالف ما هو منقول عن السلف نقلا صحيحا فلا حنث عليه PageV33P174 # وأما حلفه ان ( الرحمن على العرش استوى ) على ما يفيده الظاهر ويفهمه ~~الناس من ظاهره فلفظه ( الظاهر ) قد صارت مشتركه فان الظاهر في الفطر ~~السليمة واللسان العربى والدين القيم ولسان السلف غير الظاهر في عرف كثير ~~من المتأخرين فان أراد الحالف بالظاهر شيئا من المعانى التى ms9405 هي من خصائص ~~المحدثين أو ما يقتضى نوع نقص بأن يتوهم أن الإستواء مثل استواء الأجسام ~~على الأجسام أو كاإستواء الأرواح إن كانت لا تدخل عنده في اسم الأجسام فقد ~~حنث في ذلك وكذب وما أعلم أحدا يقول ذلك إلا ما يروى عن مثل داود الجواربى ~~البصرى ومقاتل بن سليمان الخراسانى وهشام بن الحكم الرافضى ونحوهم ان صح ~~النقل عنهم # فانه يجب القطع بأن الله ليس كمثله شيء لا في نفسه ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله وإن مباينته للمخلوقين وتنزهه عن مشاركتهم أكبر وأعظم مما يعرفه ~~العارفون من خليقته ويصفه الواصفون وان كل صفة تستلزم حدوثا أو نقصا غير ~~الحدوث فيجب نفيها عنه ومن حكى عن أحد من أهل السنة أنه قاس صفاته بصفات ~~خلقه فهو إما كاذب أو مخطىء # وإن أراد الحالف بالظاهر ما هو الظاهر في فطر المسلمين قبل ظهور الأهواء ~~وتشتت الآراء وهو الظاهر الذى يليق بجلالة سبحانه وتعالى PageV33P175 كما ~~أن هذا هو الظاهر في سائر ما يطلق عليه سبحانه من أسمائه وصفاته كالحياة ~~والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والمحبة والغضب والرضا ~~كقوله @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ و ? < ينزل ربنا إلى سماء ~~الدنيا كل ليلة > ? إلى غير ذلك فان ظاهر هذه الألفاظ إذا طلقت علينا أن ~~تكون أعراضا أو أجساما لأن ذواتنا كذلك وليس ظاهرها إذا اطلقت على الله ~~سبحانه وتعالى إلا ما يليق بجلالة ويناسب نفسه الكريمة فكما ان لفظ ( ذات ) ~~و ( وجود ) و ( حقيقة ) تطلق على الله وعلى عباده وهو على ظاهره في ~~الاطلاقين مع القطع بانه ليس ظاهره في حق الله مساويا لظاهره في حقنا ولا ~~مشاركا له فيما يوجب نقصا أو حدوثا سواء جعلت هذه الألفاظ متواطئة أو ~~مشتركة أو مشككة كذلك قوله @QB@ أنزله بعلمه @QE@ و @QB@ إن الله هو الرزاق ~~ذو القوة المتين @QE@ @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ الباب في الجميع واحد # وكان قدماء ( الجهمية ) ينكرون جميع الصفات لله التى هي فينا أعراض ~~كالعلم والقدرة أو ms9406 أجسام كاليد والوجه وحدثائهم أقروا بكثير من الصفات التى ~~هي فينا أعراض كالعلم والقدرة وأنكروا بعضها والصفات التى هي فينا أجسام ~~وفيهم من أقر ببعض الصفات التى هي فينا أجسام كاليد PageV33P176 ( وأما ~~السلفية ) فعلى ما حكاه الخطابى وأبو بكر الخطيب وغيرهما قالوا مذهب السلف ~~إجراء أحاديث الصفات وآيات الصفات على ظاهرها مع نفى الكيفية والتشبيه عنها ~~فلا نقول إن معنى اليد القدرة ولا أن معنى السمع العلم وذلك أن الكلام في ~~الصفات فرع على الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله فإذا كان ~~إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات اثبات وجود لا ~~اثبات كيفية # فقد أخبرك الخطابى والخطيب وهما إمامان من أصحاب الشافعى متفق على علمهما ~~بالنقل وعلم الخطابى بالمعانى أن مذهب السلف إجراؤها على ظاهرها مع نفى ~~الكيفية والتشبيه عنها والله يعلم أنى قد بالغت في البحث عن مذاهب السلف ~~فما علمت أحدا منهم خالف ذلك # ومن قال من المتأخرين ان مذهب السلف أن الظاهر غير مراد فيجب لمن أحسن به ~~الظن أن يعرف أن معنى قوله ( الظاهر ) الذى يليق بالمخلوق لا بالخالق ولا ~~شك أن هذا غير مراد ومن قال أنه مراد فهو بعد قيام الحجة عليه كافر # فهنا ( بحثان ) لفظى ومعنوي أما المعنوى فالأقسام ( ثلاثة في قوله @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ ونحوه أن يقال إستواء كاستواء PageV33P177 ~~مخلوق أو يفسر باستواء مستلزم حدوثا أو نقصا فهذا الذى يحكى عن الضلال ~~المشبهة والمجسمة وهو باطل قطعا بالقرآن وبالعقل # وإما أن يقال ما ثم استواء حقيقى أصلا ولا على العرش إله ولا فوق ~~السماوات رب فهذا مذهب الضالة الجهمية المعطلة وهو باطل قطعا بما علم ~~بالإضطرار من دين الإسلام لمن أمعن النظر في العلوم النبوية وبما فطر الله ~~عليه خليقته من الإقرار بانه فوق خلقه كاقرارهم بأنه ربهم قال بن قتيبة ما ~~زالت الأمم عربها وعجمها في جاهليتها واسلامها معترفة بان الله في السماء ~~أى على السماء # أو يقال بل استوى سبحانه على العرش ms9407 على الوجه الذى يليق بجلاله ويناسب ~~كبريائه وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه مع أنه سبحانه هو حامل ~~للعرش ولحملة العرش وان الإستواء معلوم والكيف مجهول والأيمان به واجب ~~والسؤال عنه بدعة كما قالته أم سلمة وربيعة بن أبى عبد الرحمن ومالك بن أنس ~~فهذا مذهب المسلمين # وهو الظاهر من لفظ ( استوى ) عند عامة المسلمين الباقين على الفطر ~~السليمة التى لم تنحرف إلى تعطيل ولا إلى تمثيل هذا هو الذى أراده يزيد بن ~~هارون الواسطى المتفق على إمامته وجلالته وفضله وهو من أتباع التابعين حيث ~~قال PageV33P178 من زعم أن @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ خلاف ما يقر ~~في نفوس العامة فهو جهمى فإن الذى أقره الله في فطر عبادة وجبلهم عليه أن ~~ربهم فوق سمواته كما أنشد عبد الله بن رواحه للنبى فأقره النبى % شهدت بأن ~~وعد الله حق % وان النار مثوى الكافرينا % % وأن العرش فوق الماء طاف % ~~وفوق العرش رب العالمينا % وقال عبد الله بن المبارك الذى أجمعت فرق الأمة ~~على امامته وجلالته حتى قيل إنه أمير المؤمنين في كل شيء وقيل ما أخرجت ~~خراسان مثل بن المبارك وقد أخذ عن عامة علماء وقته مثل الثورى ومالك وأبى ~~حنيفة والأوزاعى وطبقتهم قيل له بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على ~~عرشه بائن من خلقه وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب إمام الأئمة وهو ممن ~~يعرج أصحاب الشافعى بما ينصره من مذهبه ويكاد يقال ليس فيهم أعلم بذلك منه # من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه باين من خلقه وجب أن يستتاب فان ~~تاب والا ضربت عنقه والقى على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الملة ولا ~~أهل الذمة وكان ماله فيئا وقال مالك بن أنس الإمام فيما رواه عنه عبد الله ~~بن نافع وهو مشهور PageV33P179 عنه إن الله في السماء وعلمه في كل مكان لا ~~يخلو من علمه مكان وقال الامام أحمد بن حنبل مثل قال مالك وما قاله بن ~~المبارك # والآثار عن النبى ms9408 وأصحابه وسائر علماء الأمة بذلك متواترة عند من تتبعها ~~وقد جمع العلماء فيها مصنفات صغارا وكبارا ومن تتبع الآثار علم أيضا قطعا ~~أنه لا يمكن أن ينقل عن أحد منهم حرف واحد يناقض ذلك بل كلهم مجمعون على ~~كلمة واحدة وعقيدة واحدة يصدق بعضهم بعضا وان كان بعضهم أعلم من بعض كما ~~أنهم متفقون على الإقرار بنبوة محمد وان كان فيهم من هو أعلم بخصائص النبوة ~~ومزاياها وحقوقها وموجباتها وحقيقتها وصفاتها # ثم ليس أحد منهم قالوا يوما من الدهر ظاهر هذا غير مراد ولا قال هذه ~~الآية أو هذا الحديث مصروف عن ظاهره مع أنهم قد قالوا مثل ذلك في آيات ~~الأحكام المصروفه عن عمومها ظهورها وتكلموا فيما يستشكل مما قد يتوهم أنه ~~تناقض وهذا مشهور لمن تأمله وهذه الصفات أطلقوها بسلامه وطهارة وصفاء لم ~~يشوبوه بكدر ولا غش # ولو لم يكن هذا هو الظاهر عند المسلمين لكان رسول الله ثم سلف الأمة ~~قالوا للأمة الظاهر الذى تفهمونه غير مراد ولكان أحد من المسلمين إستشكل ~~هذه الآية وغيرها PageV33P180 # فان كان بعض المتأخرين قد زاغ قلبه حتى صار يظهر له من الآية معنى فاسد ~~مما يقتضى حدوثا أو نقصا فلا شك أن الظاهر لهذا الزايغ غير مراد وإذا رأينا ~~رجلا يفهم من ألآية هذا الظاهر الفاسد قررنا عنده ( اولا ) أن هذا المعنى ~~ليس مفهوما من ظاهر الآية ثم قررنا عنده ( ثانيا ) أنه في نفسه معنى فاسد ~~حتى لو فرض أنه ظاهر الآية وإن كان هذا فرض مالا حقيقة له لوجب صرف الآية ~~عن ظاهرها كسائر الظواهر التى عارضها ما أوجب أن المراد بها غير الظاهر # واعلم أن من لم يحكم دلالات اللفظ ويعلم أن ظهور المعنى من اللفظ تارة ~~يكون بالوضع اللغوى أو العرفى أو الشرعى إما في الألفاظ المفردة وإما في ~~المركبة وتارة بما اقترن باللفظ المفرد من التركيب الذى تتغير به دلالته في ~~نفسه وتارة بما اقترن به من القرائن اللفظية التى تجعله مجازا وتارة بما ~~يدل عليه حال ms9409 المتكلم والمخاطب والمتكلم فيه وسيأتى الكلام الذى يعين أحد ~~محتملات اللفظ أو يبين أن المراد به هو مجازه إلى غير ذلك من الأسباب التى ~~تعطى اللفظ صفة الظهور وإلا فقد يتخبط في هذه المواضع نعم إذا لم يقترن ~~باللفظ قط شيء من القرائن المتصلة التى تبين مراد المتكلم بل علم مراده ~~بدليل آخر لفظى منفصل فهنا أريد به خلاف الظاهر كالعموم المخصوص بدليل ~~منفصل وإن كان الصارف عقليا ظاهرا ففى تسمية المراد خلاف الظاهر خلاف مشهور ~~في ( أصول الفقه PageV33P181 وبالجملة فإذا عرف المقصود فقولنا هذا هو ~~الظاهر أو ليس هو الظاهر خلاف لفظى فان كان الحالف ممن في عرف خطابه أن ~~ظاهر هذه الآية ما هو مماثل لصفات المخلوقين فقد حنث وإن كان في عرف خطابه ~~أن ظاهرها هو ما يليق بالله تعالى لم يحنث وإن لم يعلم عرف أهل ناحيته في ~~هذه اللفظة ولم يكن سبب يستدل به على مراده وتعذر العلم بنيته فقد جاز أن ~~يكون أراد معنى صحيحا وجاز أن يكون أراد معنى باطلا فلا يحنث بالشك # وهذا كله تفريع على قول من يقول إن من حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه ~~فتبين بخلافه حنث وأما على قول من لم يحنثه فالحكم في يمينه ظاهر # واعلم أن عامة من ينكر هذه الصفة وأمثالها إذ بحثت عن الوجه الذى أنكروه ~~وجدتهم قد اعتقدوا أن ظاهر هذه الآية كاستواء المخلوقين أو استواء يستلزم ~~حدوثا أو نقصا ثم حكوا عن مخالفهم هذا القول ثم تبعوا في إقامة الأدلة على ~~بطلانه ثم يقولون فيتعين تأويله إما بالإستيلاء أو بالظهور والتجلى أو ~~بالفضل والرجحان الذى هو علو القدر والمكانة ويبقى ( المعنى الثالث ) وهو ~~استواء يليق بجلاله يكون دلالة هذا اللفظ عليه كدلالة لفظ العلم والإرادة ~~والسمع والبصر على معانيها قد دل السمع عليه PageV33P182 بل من أكثر النظر ~~في آثار الرسول علم بالإضطرار أنه ألقى إلى الأمة إن ربكم الذى تعبدونه فوق ~~كل شيء وعلى كل شيء فوق العرش وفوق السماوات # وعلم ms9410 أن عامة السلف كان هذا عندهم مثل ما عندهم أن الله بكل شيء عليم ~~وعلى كل شيء قدير # وأنه لا ينقل عن واحد لفظ يدل لا نصا ولا ظاهرا على خلاف ذلك ولا قال أحد ~~منهم يوما من الدهر إن ربنا ليس فوق العرش أو أنه ليس على العرش أو أن ~~استوائه على العرش كاستوائه على البحر إلى غير ذلك من ترهات الجهمية ولا ~~مثل استوائه باستواء المخلوق ولا أثبت له صفة تستلزم حدوثا أو نقصا # والذى يبين لك خطا من أطلق ( الظاهر ) على المعنى الذى يليق بالخلق أن ~~الألفاظ ( نوعان ) # ( أحدهما ) ما معناه مفرد كلفظ الأسد والحمار والبحر والكلب فهذه إذا قيل ~~( أسد الله وأسد رسوله ) أو قيل للبليد حمار أو للعالم أو السخى أو الجواد ~~من الخيل بحر أو قيل للأسد كلب فهذا مجاز PageV33P183 ثم إن قرنت به قرينة ~~تبين المراد كقول النبى صلى الله عليه وسلم لفرس أبى طلحة ( إن وجدناه ~~لبحرا ) وقوله ( إن خالدا سيف من سيوف الله سلة الله على المشركين ) وقوله ~~لعثمان ( إن الله يقمصك قميصا ) وقول بن عباس الحجر الأسود يمين الله في ~~الأرض فمن استلمه وصافحه فكأنما بايع ربه أو كما قال ونحو ذلك فهذا اللفظ ~~فيه تجوز وإن كان قد ظهر من اللفظ مراد صاحبه وهو محمول على هذا الظاهر في ~~إستعمال هذا المتكلم لا على الظاهر في الوضع الأول وكل من سمع هذا القول ~~علم المراد به وسبق ذلك إلى ذهنه بلا حال إرادة المعنى الأول وهذا يوجب أن ~~يكون نصا لا محتملا # وليس حمل اللفظ على هذا المعنى من التأويل الذى هو صرف اللفظ عن الإحتمال ~~الراجح إلى الإحتمال المرجوح في شيء وهذا أحد مثارات غلط الغالطين في هذا ~~الباب حيث يتوهم أن المعنى المفهوم من هذا اللفظ مخالف للظاهر وأن اللفظ ~~متنول ( النوع الثانى ) من الألفاظ ما في معناه إضافة إما بأن يكون المعنى ~~إضافة محضة كالعلو والسفول وفوق وتحت ونحو ذلك أو أن يكون معنا ثبوتيا فيه ms9411 ~~إضافة كالعلم والحب والقدرة والعجز PageV33P184 والسمع والبصر فهذا النوع ~~من الألفاظ لا يمكن أن يوجد له معنى مفرد بحسب بعض موارده لوجهين # ( أحدهما ) أنه لم يستعمل مفردا قط # ( الثانى ) أن ذلك يلزم منه الإشتراك أو المجاز بل يجعل حقيقة في القدر ~~المشترك بين موارده # وما نحن فيه من هذا الباب فان لفظ استوى لم تستعمله العرب في خصوص جلوس ~~الآدمى مثلا على سريره حقيقة حتى يصير في غيره مجازا كما أن لفظ ( العلم ) ~~لم تستعمله العرب في خصوص العرف القائم بقلب البشر المنقسم إلى ( ضرورى ) و ~~( نظرى ) حقيقة واستعملته في غيره مجازا بل المعنى تارة يستعمل بلا تعدية ~~كما في قوله @QB@ ولما بلغ أشده واستوى @QE@ وتارة يعدى بحرف الغاية كما في ~~قوله @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان @QE@ وتاره يعدى بحرف الإستعلاء ثم ~~هذا تارة يكون صفة لله وتارة يكون صفة لخلقه فلا يجب أن يجعل في أحد ~~الموضعين حقيقة وفى الآخر مجازا # ولا يجوز أن يفهم من استواء الله الخاصية التى تثبت للمخلوق دون الخالق ~~كما في قوله تعالى @QB@ والسماء بنيناها بأيد @QE@ وقوله تعالى @QB@ مما ~~عملت أيدينا @QE@ وقوله PageV33P185 تعالى @QB@ صنع الله الذي أتقن كل شيء ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ ولقد كتبنا في الزبور @QE@ @QB@ وكتبنا له في ~~الألواح من كل شيء @QE@ فهل يستحل مسلم أن يثبت لربه خاصيه الآدمى البانى ~~الصانع الكاتب العامل أم يستحل أن ينفى عنه حقيقة العمل والبناء كما يختص ~~به ويليق بجلاله أم يستحل أن يقول هذه الألفاظ مصروفة عن ظاهرها أم الذى ~~يجب أن يقول عمل كل أحد بحسبه فكما أن ذاته ليست مثل ذوات خلقه فعمله وصنعه ~~وبناؤه ليس مثل عملهم وصنعهم وبنائهم # ونحن لم نفهم من قولنا بنى فلان وكتب فلان ما في عمله من المعالجة ~~والتأثر إلا من جهة علمنا بحال البانى لا من جهة مجرد اللفظ الذى هو لفظ ~~الفعل وما يدل عليه بخصوص إضافته إلى الفاعل المعين وبهذا ينكشف لك كثير ~~مما يشكل على كثير من الناس وترى مواقع اللبس في كثير ms9412 من هذا الباب والله ~~يوفقنا وسائر إخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل ويجمع ~~قلوبنا على دينه الذى ارتضاه لنفسه وبعث به رسوله والحمد لله رب العالمين ~~الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وصلى الله على محمد صاحب الحوض المورود وعلى ~~أله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV33P186 ### || 1 ( رسالة في الحلف بالطلاق الثلاث ) 1 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أن لا يدخل دار جاره ثم ~~أضطر إلى الدخول فدخل فهل يقع عليه طلاق بذلك أم لا وإذا لزمه الكفارة فما ~~الدليل على لزومها ### ||||| فأجاب رضى الله عنه فقال # الحمد لله إذا حلف بالطلاق أو العتاق يمينا ~~تقتضى حضا أو منعا كقوله الطلاق أو العتق يلزمه ليفعلن كذا أولا يفعل كذا ~~أو قوله إن فعلت كذا فامرأتى طالق أو فعبدى حر ونحو ذلك فللعلماء فيها ~~ثلاثة أقوال # ( أحدها ) أنه إذا حنث وقع به الطلاق والعتاق وهذا قول بعض التابعين وهو ~~المشهور عند أكثر الفقهاء # ( والثانى ) لا يقع به شيء ولا كفارة عليه وهذا مأثور عن بعض السلف وهو ~~مذهب داود وبن حزم وغيرهما من المتأخرين ولهذا كان سفيان بن عينيه شيخ ~~الشافعى وأحمد لا يفتى بالوقوع فإنه روى PageV33P187 عن طاووس عن أبيه أنه ~~كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا فقيل له أكان يراه يمينا قال لا أدري فجزم ~~بأنه لم يكن يوقع الطلاق وشك هل كان يجعله يمينا فيها كفارة # ( والقول الثالث ) أنه يجزئه كفارة يمين وهذا مأثور عن طائفة من الصحابة ~~وغيرهم في العتق كما نقل ذلك عن عمر وحفصه بنت عمر وزينب ربيبة رسول الله ~~أنهم أفتوا من قال لفلان إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فمالى صدقة وأرقائى ~~أحرار فقالوا كفر عن يمينك ودع الرجل مع امرأته يا هاروت وماروت وهذا قول ~~أبى ثور وغيره من الفقهاء في العتق وكذلك رواه حماد بن سلمه في ( جامعه ( ~~عن حبيب بن الشهيد أنه سأل الحسن البصرى عن رجل قال كل مملوك له حر إن دخل ~~على أخيه ms9413 فقال يكفر عن يمينه # وروى ذلك عن أبى هريرة وأم سلمة قال أبو بكر الأثرم في مسنده ثنا عارم بن ~~الفضل ثنا معتمر بن سليمان قال قال أبى ثنا بكر بن عبد الله أخبرنى أبو ~~رافع قال قالت مولاتى ليلى بنت العجماء كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدى ~~وهى يهودية وهى نصرانية إن لم تطلق امرأتك أو تفرق بينك وبين إمرأتك قال ~~فأتيت زينب بنت أم سلمة وكانت إذا ذكرت إمرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب قال ~~فأتيتها فجاءت يعنى اليها PageV33P188 فقالت في البيت هاروت وماروت قالت يا ~~زينب جعلنى الله فداك إنها قالت كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدى وهى ~~يهودية وهى نصرانية فقالت يهودية ونصرانية خلى بين الرجل وبين امرأته يعنى ~~وكفرى يمينك فأتيت حفصة أم المؤمنين فأرسلت اليها فأتتها فقالت يا أم ~~المؤمنين جعلنى الله فداك إنها قالت كل مملوك لها محرر وكل مال هدى وهى ~~يهودية وهى نصرانية فقالت يهودية ونصرانية خلى بين الرجل وبين امرأته يعنى ~~وكفرى عن يمينك فأتت عبد الله بن عمر فجاء يعنى اليها فقام على الباب فسلم ~~فقالت ساانت وسا أبوك فقال أمن حجارة أنت أم من حديد أنت من أى شيء أنت ~~أفتتك زينب وأفتتك حفصة أم المؤمنين فلم تقبلى فتياهما فقالت يا أبا عبد ~~الرحمن جعلنى الله فداك إنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى ~~يهوديه وهى نصرانية فقال يهودية ونصرانية كفرى عن يمينك وخلى بين الرجل ~~وبين أمرأته # وهذا الأثر معروف قد رواه حميد أيضا وغيره عن بكر بن عبد الله المزنى ~~ورواه أحمد وغيره وذكروا أن الثلاثة أفتوها بكفارة يمين لكن سليمان التيمي ~~ذكر في روايته كل مملوك لها حر ولم يذكر هذه الزيادة حميد وغيره وبهذا أجاب ~~أحمد لما فرق بين الحلف بالعتق والحلف بغيره PageV33P189 وعارض ذلك أثر آخر ~~ذكره عن بن عمر وبن عباس فقال المروذى قال أبو عبد الله اذا قال كل مملوك ~~له حر فيعتق عليه ms9414 اذا حنث لأن الطلاق والعتق ليس فيهما كفارة وقال ليس قول ~~كل مملوك لها حر في حديث ليلى بنت العجماء وحديث أبى رافع أنها سألت بن عمر ~~وحفصه وزينب وذكرت العتق فأفتوها بكفارة اليمين وأما حميد وغيره فلم يذكروا ~~العتق قال وسألت أبا عبد الله عن حديث أبى رافع قصة امرأته وأنها سألت بن ~~عمر وحفصة فأمروها بكفارة يمين قلت فيها المشي قال نعم أذهب إلى أن فيها ~~كفارة يمين قال أبو عبد الله ليست تقول فيه كل مملوك الا ( 1 ) قلت فاذا ~~حلف بعتق مملوكه يحنث قال يعتق كذا يروى عن عمرو وبن عباس أنهما قالا ~~للجارية تعتق ثم قال ما سمعنا الا من عبد الرزاق عن معمر وقلت فإيش إسناده ~~قال معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن حاضر عن بن عمر وبن عباس وقال ~~إسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى مكيان وقال أبو طالب قال أبو عبد الله من ~~حلف بالمشي إلى بيت الله وهو يحرم بحجة وهو يهدى وماله في المساكين صدقة ~~وكل يمين يكفر عندها عقد يمين يحلف على شيء فانما هي كفارة يمين على حديث ~~بكر عن أبى رافع في قصة حفصة حلفت لتفرقن بينها وبين زوجها فقالت ياهاروت ~~وماروت كفرى عن يمينك واعتقى جاريتك فجعل ذلك كله كفارة يمين عن العتق فهذا ~~أفضل وذلك أن العتق ليس فيه كفارة ولا استثناء والإستثناء PageV33P190 ~~دائما يكون في اليمين التى تكفر فأوجب العتق وجعل في غيره كفارة # قلت فهذا الذى ذكره الامام أحمد رضى الله عنه في أجوبته ولكن المنصوص عنه ~~في غير موضع يقتضى أنه يجزئه كفارة يمين فانه قد نص في غير موضع ان ~~الإستثناء لا يكون في اليمين المكفرة ونص على أنه إذا حلف بالطلاق والعتاق ~~فان مذهبه أنه لا ينفعه الإستثناء فان له أن يستثنى بخلاف ما إذا أوقع ~~الطلاق والعتاق قولا واحدا كما نقل ذلك عن بن عباس وهو مذهب مالك وغيره # وقد نقل عن أحمد ( الشيخ أبو حامد الإسفرائينى ms9415 ) ومن اتبعه الفرق في ~~الإستثناء بين الطلاق والعتاق وذلك غلط على أحمد إنما هذا قول القدرية ~~فانهم يقولون إن المشيئة بمعنى الأمر والعتق طاعة بخلاف الطلاق فاذا قال ~~عبده حر إن شاء الله وقع العتق واذا قال إمرأته طالق ان شاء الله لم يقع ~~الطلاق ورووا في ذلك حديثا مسندا من رواية أهل الشام عن معاذ وهو مما وضعته ~~القدرية الذين كانوا بالشام # وسبب الغلط في ذلك ان أحمد قال فيمن قال إن ملكت فلانا فهو حر ان شاء ~~الله فملكه عتق وقال فيمن قال ان تزوجت فلانه فهي طالق ان شاء الله ~~PageV33P191 فتزوجها لم تطلق ففرق بين التعليقين لأن من أصله أن العتق معلق ~~بالملك لأنه من باب القرب كالنذر فيصح تعليقه على الملك كما في قوله تعالى ~~@QB@ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ~~@QE@ والعتق يصح أن يكون مقصودا بالملك ولهذا يصح بيع العبد بشرط عتقه ~~بخلاف الطلاق فانه ليس هو المقصود بالنكاح فلو قيل أنه يقع عليه لم يكن ~~للنكاح فائدة والعقود التى لا يحصل بها مقصودها باطلة # فلما فرق أحمد في هذه المسألة بين الطلاق والعتق اعتقد من نقل عنه ان ~~الفرق لأجل الإستثناء بالمشيئة وذلك غلط عليه # والمقصود هنا أنه يتنوع الإستثناء في الحلف بالطلاق والعتاق فإذا قال إن ~~فعلت كذا فعبدى حر أو فامرأتى طالق إن شاء الله نفعه الإستثناء في أصح ~~الروايتين عنه وإذا قال الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا إن شاء الله فقال طائفة ~~من أصحابه كأبى محمد وأبى البركات هنا ينفعه الإستثناء قولا واحدا وقيل بل ~~الروايتان في صيغة القسم وفى صيغة التعليق وهذا أشبه بكلام أحمد وهو مذهب ~~مالك وأصحابه فإن لهم في النوعين قولين فإذا كان أحمد في اصح الروايتين عنه ~~يجوز الإستثناء في الحلف بالعتق سواء كان بصيغة الجزاء أو بصيغة القسم مع ~~قوله إن الإستثناء لا يكون إلا في اليمين المكفرة لزم من ذلك أن تكون هذه ~~من الايمان المكفرة قال في رواية ms9416 PageV33P192 أبى طالب # وقد سئل عن الإستثناء فقال الإستثناء فيما يكفر قال الله تعالى @QB@ لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم @QE@ فكل يمين فيها كفارة غير الطلاق ~~والعتاق # وأما كون سليمان التيمي هو الذى ذكر كل مملوك له حر فسليمان التيمي ثقة ~~ثبت وهو أجل من الذين لم يذكروا الزيادة وسببه والله أعلم أن يكون الذين لم ~~يذكروا العتق هابوه لما فيه من النزاع # يبين ذلك أن من الناس من لم يذكر العتق في ذلك عن التيمي أيضا مع أن ~~التيمي كان يذكر العتق بلا نزاع قال الميمونى قال أحمد وبن أبى عدى لم ~~يذكروا في حديث أبى رافع عتق قلت ومحمد بن أبى عدى هو أجل من روى عن التيمي ~~فعلم أن من الرواة من كان يترك هذه الزيادة مع أنها ثابتة في الحديث ولهذا ~~لما ثبتت عند أبى ثور أخذ بها # وأما الرواية الأخرى عن بن عباس وبن عمر فقد قال أحمد ما سمعناه إلا من ~~عبد الرزاق وعن معمر وعثمان بن حاضر قد قيل إنه سمع من بن عباس وقال أبو ~~زرعة هو يمانى حميرى ثقة وقد روى له أبو داود وبن ماجه والأثر الأول اثبت ~~ورجاله ورواته من أهل العلم والفقهاء الذين يعلمون ما يروون وهذا الأثر فيه ~~تمويه ولم يضبط لنا لفظه وقد بسط PageV33P193 الكلام على تضعيفه في موضع ~~آخر فان صح كان في ذلك نزاع عن الصحابه وقد ذكر البخارى عن بن عمر أثرا في ~~الطلاق يحتمل أن يكون من هذا الباب ويحتمل أن لا يكون منه # ( وبالجملة ) فالنزاع في هذه المسألة ثابت بين السلف كعطاء والحسن البصرى ~~وغيرهما وقد ذكر أبو محمد المقدسى في شرح قول الخرقى ( ومن حلف بعتق ما ~~يملك فحنث عتق عليه كل ما يملك من عبيده وإمائه ومكاتبيه ومدبريه وأمهات ~~أولاده وشقص يملكه من مملوك ) فقال معناه إذا قال ان فعلت كذا فكل مملوك لى ~~حر وعتيق أو فكل ما أملك حر فان هذا إذا حنث عتق مماليكه ولم يغن عنه ms9417 كفارة ~~وروى ذلك عن بن عمر وبن عباس وبه قال بن أبى ليلى والثورى ومالك والأوزاعى ~~والليث والشافعى واسحق قال وروى عن بن عمر وأبى هريرة وعائشة وأم سلمة ~~وحفصه وزينب بنت أبى سلمة والحسن وأبى ثور يجزئه كفارة يمين لأنها يمين ~~فتدخل في عموم قوله تعالى @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين @QE@ وذكر حديث ~~أبى رافع المتقدم قال ولنا أنه علق العتق على شرط وهو قابل للتعليق فينتفع ~~بوجود شرطه كالطلاق والآية مخصوصه بالطلاق والعتق في معناه ولأن العتق ليس ~~بيمين في الحقيقة إنما هو تعليق بشرط فأشبه الطلاق قال فأما حديث ابى رافع ~~فان أحمد PageV33P194 قال فيه كفر عن يمينك واعتق جاريتك وهذه زيادة يجب ~~قبولها ويحتمل أنها لم يكن لها مملوك سواها # قلت القياس المذكور عندهم منتقض بكل ما يعلقه بالشرط من صدقة المال ~~والمشى إلى مكة والهدى وقوله إن فعلت كذا فعلى أن أعتق أو أطلق وقوله إن ~~فعل كذا فهو يهودى أو نصرانى وأمثال ذلك مما صيغته صيغة الشرط وهو عندهم ~~يمين اعتبارا بمعناه والأصل الذى ماش عليه ممنوع فإن الطلاق فيه نزاع بل ~~إذا لم يوقعوا العتاق مع كونه قربة فأولى أن لا يوقعوا الطلاق وأبو ثور لم ~~يسلم الطلاق لكن قال إن كان فيه إجماع فالإجماع أولى ما اتبع وإلا فالقياس ~~أنه كالعتاق وقد علم أنه ليس فيه إجماع # وأما ما ذكره من الزيادة في حديث ابى رافع وأنهم قالوا اعتقى جاريتك فهذا ~~غلط فان هذا الحديث لم يذكر فيه أحد أنهم قالوا اعتقى جاريتك وقد رواه أحمد ~~والجوزجانى والأثرم وبن أبى شيبة وحرب الكرمانى وغير واحد من المصنفين فلم ~~يذكروا ذلك وكلام أحمد في عامة أجوبته يبين أنه لم يذكر أحمد عنهم ذلك ~~وانما أجاب بكون الحلف بعتق المملوك إنما ذكره التيمي وأبو محمد نقل ذلك من ~~( جامع الخلال ) والخلال ذكر ذلك في ضمن مسألة أبى طالب PageV33P195 كما قد ~~بيناه وذلك غلط على أحمد وأبو طالب له أحيانا غلطات في فهم ما يرويه هذا ms9418 ~~منها # وأما ما نقله عن أحمد من أن الإستثناء لا يكون إلا في اليمين المكفرة ~~فهذا نقله عن أحمد غير واحد مع أن أبا طالب ثقة والغالب على روايته الصحة ~~ولكن ربما غلط في اللفظ فأما نقله أن الإستثناء فيما يكفر فلم يغلط فيه بل ~~نقله كما نقله غيره قال هارون بن عبد الله قيل لأبى عبد الله أليس قد كان ~~بن عباس يرى الإستثناء بعد حين قال انما هذا في القول ليس في اليمين كان ~~يذهب إلى قول الله عز وجل @QB@ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشاء الله @QE@ قال أبو عبد الله إنما هذا في القول ليس في اليمين وإنما ~~يكون الإستثناء جائزا فيما تكون فيه الكفارة إذا حلف بالطلاق والعتاق لا ~~يكفر فقد نص على ان الإستثناء لا يكون إلا في اليمين المكفرة فإذا كان قد ~~نص مع ذلك على جواز الإستثناء فيما اذا حلف بالطلاق والعتاق لزمه اجراء ~~الكفارة في ذلك وهذا الذى قاله هو مقتضى الكتاب والسنة فان الله تعالى قال ~~@QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم @QE@ إلى قوله @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ فجعل ~~هذه الكفارة في عقد اليمين مطلقا وجعل ذلك كفارة اليمين اذا حلفنا ~~PageV33P196 وقد قال ( من حلف فقال ان شاء الله فان شاء فعل وان شاء ترك ) ~~فما دخل في قول النبى صلى الله عليه وسلم دخل في قول الله تعالى # والطلاق والعتاق المنجزان لا يدخلان في مسمى اليمين والحلف باتفاق ~~العلماء بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب فانه يمين باتفاق ~~الأئمة # واما التعليق المحض كقوله أن طلعت الشمس فأنت طالق ففيه قولان مشهوران ~~لهم ومذهب الشافعى وأصحاب أحمد في أحد الوجهين ليس بيمين كاختيار القاضي ~~أبى يعلى ومذهب أبى حنيفة واصحاب أحمد في الوجه الآخر هو يمين كاختيار أبى ~~الخطاب وقد قال النبى ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى ~~هو خير وليكفر عن يمينه ms9419 ) وهذا عام يقتضى أن كل يمين فيها هذا فما لا يمكن ~~فيه هذا فليس بيمين # ( والمقصود ) هنا ذكر تحرير المنقول عن السلف والأئمة في هذه المسألة ~~وسيأتى ذكر الدلائل ان شاء الله تعالى وذكر البخارى في صحيحه عن بن عباس ~~أنه قال لا طلاق إلا عن وطر ولا عتق إلا ما إبتغى به وجه PageV33P197 الله ~~ومعلوم أن الحالف بالطلاق والعتاق ليس له غرض بالطلاق ولا هو متقرب بالعتق ~~بل هو حالف بهما واما الطلاق فقد قيل إن فيه كفارة وقيل لا كفارة فيه وهذا ~~الثانى قول داود وأصحابه والشيعة يقولون لا يقع به الطلاق ولا يلزمه كفارة ~~وهو قول ضعيف وإن كان القول بلزوم الطلاق وعدم التكفير ضعيفا أيضا وهو أضعف ~~منه والقول بلزوم الكفارة هو المأثور عن طاووس وغيره وهو مقتضى أقوال ~~الصحابة وبه أفتى جماعة من المفتين المالكية وغيرهم ولا ريب أن الطلاق أولى ~~أن لا يقع من العتق فإذا أفتى الصحابة بأنه لا يقع العتق فالطلاق أولى ولكن ~~أبا ثور لم يبلغه في الطلاق شيء فقال القياس يقتضى أن الطلاق لا يقع أيضا ~~الا أن يكون فيه اجماع فهو أولى أن يتبع # وأما إذا قال اذا فعلت كذا فعلى أن أعتق عبدى أو أطلق امرأتى ومالى صدقة ~~وعلى الحج أو فعلى صوم كذا ونحو ذلك فهنا يجزئه كفارة يمين في مذهب أحمد ~~والشافعى وهو إحدى الروايتين عن أبى حنيفة وهى رواية محمد ويقال إن أبا ~~حنيفة رجع اليها وقول طائفة من اصحاب مالك وهو المأثور عن عامة الصحابة ~~والتابعين ويسميه الفقهاء ( نذر اللجاج والغضب ( هذا اذا كان المنذور قربة ~~كان العتق ونحوه فان لم يكن قربه كالطلاق فلا شيء فيه عند أبى حنيفة ومالك ~~والشافعى وأحمد في رواية لكن المشهور عنه أن عليه كفارة يمين PageV33P198 # ( فنذر التبرر ( مثل أن يكون مقصود الناذر حصول الشرط ويلتزم فعل الجزاء ~~شكرا لله تعالى كقوله إن شفى الله مريضى فعلى أن أصوم كذا أو أتصدق بكذا أو ~~نحو ذلك فهذا النذر ms9420 عليه أن يوفى به كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( رواه البخارى # وأما ( نذر اللجاج والغضب ( فقصد الناذر أن لا يكون الشرط ولا الجزاء مثل ~~أن يقال له سافر مع فلان فيقول إن سافرت فعلى صوم كذا وكذا أو على الحج ~~فمقصوده أن لا يفعل الشرط ولا الجزاء وكما لو قال هو يهودى أو نصرانى إن ~~فعل كذا أو إن فعل كذا فهو كافر ونحو ذلك فإن الأئمة متفقون على أنه اذا ~~وجد الشرط فلا يكفر بل عليه كفارة يمين عند أبى حنيفة وأحمد في المشهور عنه ~~وعند مالك والشافعى لا شيء عليه بخلاف ما اذا قال إن أعطيتمونى الدراهم ~~كفرت فانه يكفر بذلك بل ينجز كفره لأنه قصد حصول الكفر عند وجود الشرط # فطائفة من الفقهاء نظروا إلى لفظ الناذر فقالوا قد علق الحكم بشرط فيجب ~~وجوده عند وجود الشرط ولم يفرقوا بين ( نذر اللجاج ( و ( نذر التبرر ( وأما ~~الصحابة وجمهور السلف والمحققون فقالوا الإعتبار بمعنى اللفظ والمشترط هنا ~~قصده وجود الشرط والجزاء وهناك قصده أن لايكون PageV33P199 هذا ولا هذا ~~ولهذا يحلف بصيغة الشرط تارة وبصيغة القسم أخرى مثل أن يقول على الحج ~~لأفعلن كذا أولا فعلت كذا أو على العتق إن فعلت كذا أو لا فعلت كذا # وهذا حجة من أمره بكفارة في العتق وكذا في الطلاق فانه اذا قيل له سافر ~~فقال عليه العتق أو الطلاق لا يفعل كذا أو إن فعل كذا فعبده حر أو إمرأته ~~طالق فقصده أن لا يكون الشرط ولا الجزاء فهو حالف بذلك لا موقع له # قالوا وهذا الحالف التزم وقوع الطلاق فهو كما لو التزم إيقاعه بأن يقول ~~إن فعلت كذا فعلى أن أعتق أو أطلق ولو قال هذا لم يلزمه أن يطلق بإتفاق ~~الأئمة لكن في وجوب الإعتاق قولان فمذهب الشافعى وأحمد وغيرهما لا يقع به ~~طلاق ولا عتاق لكن الشافعى يلزمه الكفارة إذا لم يعتق ms9421 ولا يلزمه الكفارة ~~إذا لم يطلق في المشهور من مذهبه وهو احدى الروايتين عن أحمد وأحمد يلزمه ~~الكفارة فيهما على ظاهر مذهبه وهو وجه لأصحاب الشافعى لأن المنذور إذا لم ~~يكن قربة لم يكن عليه فعله بالإتفاق ومذهب الشافعى وغيره المشهور لا كفارة ~~عليه إذا لم يفعله ومذهب أحمد المشهور عليه كفارة يمين قال هؤلاء التزامه ~~الوقوع كالتزامه الكفر ولو التزمه لم يكفر بالإتفاق بل عليه كفارة يمين في ~~إحدى القولين كما تقدم PageV33P200 قال الموقعون للطلاق والعتاق الفرق ~~بينهما أنه هنا التزم حكما شرعيا وهو الوقوع وهناك التزم فعلا من أفعاله ~~وهو الإيقاع كقوله فعلى الحج أو على الصوم أو على الصدقة وهو في الفعل مخير ~~بين أن يفعله وبين أن يتركه ويكفر بخلاف الحكم فانه إلى الله تعالى قالوا ~~وقد ثبت أن الخلع جائز بنص القرآن والسنة فاذا قال لإمرأته إن أعطيتنى كذا ~~فأنت طالق فأعطته إياه وقع الطلاق فيقاس عليه سائر الشروط إذا علق بها ~~الطلاق وقع وكذلك ثبت جواز الكتابة بالكتاب والسنة وفى معناها ما اذا قال ~~لعبده إن أعطيتنى ألفا فأنت حر وكذلك تعليق العتق بسائر الشروط فهذا منتهى ~~ما يحتج به هؤلاء # وأما أولئك فيقولون قولكم إن اللازم بها حكم شرعى وهناك فعل غلط بل ~~اللازم المعلق بالشرط في كلا الموضعين حكم شرعى لكن في احداهما وقوع وفى ~~الآخرة وجوب فقوله ان فعلت كذا فعلى الحج إنما يكون فيه وجوب الحج لا نفس ~~فعله ثم يقال لا فرق بين أن يكون الجزاء حكما شرعيا أو أن يكون ملازما له ~~كالسبب والمسبب اللازم له فانه لو قال هو يهودى أو نصرانى أن فعلت كذا فقد ~~التزم حكما وذلك لا يلزمه عند وقوع الشرط بلا نزاع # وأيضا فلو قال إن فعلت كذا فعلى الصوم أو فعلى الحج فالجزاء وجوب الصوم ~~والحج ثم اذا وجب عليه فعله بحكم الوجوب فالوجوب PageV33P201 هو التعليق ~~بالشرط ليس المعلق بالشرط نفس فعله إذ لو كان المعلق نفس فعله لوجد عند ~~وجود الشرط ms9422 اللغوى ولكن المعلق وجوب الإعتاق والحج ونحو ذلك ثم هو مخير بين ~~التزام هذا الوجوب وبين التكفير وفيما إذا قال إن فعلت كذا فعبدى حر ~~فالجزاء نفس الحرية ومقتضاها تحريم استعباده وكذلك وقوع الطلاق موجبه تحريم ~~استمتاعه فالتحريم هنا موجب الجزاء لا نفس الجزاء وهذا من باب خطاب الوضع ~~والاخبار وذلك من خطاب التكليف وكذا قوله إن فعلت كذا فمالى صدقة فانه ~~التزم أن يصير المال صدقة فهذا حكم شرعى لا فعل لكن إذا صار صدقة لزمه أن ~~يخرجه ولو قال فعبدى حر التزم أن يصير حرا فلو قال فعلى أن أعتق هذا ~~فالملتزم وجوب العتق ثم اذا وجب كان عليه فعله ومع هذا فله رفع الوجوب وإذا ~~قال فهو حر فانه التزم نفس الحرية وهو اذا صار حرا كان عليه إرساله كما أن ~~المرأة اذا صارت طالقة ثلاثا كان عليه إرسالها وأن لا يخلو بها ولا يطأها ~~فالناذر في هذه الصورة التزم الحكم والفعل يتبعه ثم اذا فعل ما أوجبه فهو ~~الإيقاع للطلاق والعتق حصل الوقوع فموجب التعليق وجوب يتبعه ايقاع ووقوع ثم ~~اذا قصد بهذا التعليق اليمين صار يمينا ولم يلزمه الوجوب ولا الايقاع ولا ~~الوقوع فاذا كان قصد اليمين منع الثلاثة فلأن يمنع واحد منها وهو الوقوع ~~بطريق الأولى PageV33P202 قالوا ولأن المظاهر والمحرم اذا قال أنت على كظهر ~~أمى وأنت على حرام انما التزم حكما شرعيا لم يلتزم فعلا ومع هذا فدخلت في ~~ذلك الكفارة قالوا فكما أنه يخير فيما إذا كان الملتزم وجوب العتق بين أن ~~يلتزمه أو يكفر فكذلك إذا التزم وقوعه يخير بين أن يلتزم وقوعه فيعتقه ~~ويرسل العبد فيكون إعتاقه إرساله إمضاء للمنذور وبين أن لا يعتقه ولا يرسله ~~فلا يكفر امضاء له بل يكون عليه كفارة كما اذا قال إن فعلت كذا فهذا المال ~~صدقة أو هذا البعير هدى وحنث فهو مخير بين أن يتصدق بالمال ويرسل البعير ~~هديا فيكون قد التزم موجب كونه صدقة وهديا وبين أن يكفر ويمسك المال والهدى ms9423 ~~فلا يرسله وأما اذا التزم محرما مثل أن يقول ان فعلت كذا فعلى اهانة المصحف ~~ونحو ذلك فهنا ليس له ذلك باتفاق العلماء وفى وجوب الكفارة النزاع المتقدم ~~وكذلك اذا التزم حكما لا يجوز التزامه مثل قوله إن فعلت كذا فهو يهودى أو ~~نصرانى فهذا لا يجوز له التزام الكفر بوجه من الوجوه ولو قصد ذلك لكان ~~كافرا بالقصد # والمقصود أنه لا فرق لا في الشرع ولا في العرف بين أن يلتزم الحكم الموجب ~~عليه فعلا يقتضى ذلك الفعل حكما آخر يقتضى وجوب فعل أو تحريمه وبين أن ~~يلتزم الحكم المقتضى لوجوب ذلك الفعل أو تحريمه فالتزام وجوب الفعل الذى ~~يقتضى ذلك الحكم كما إذا قال فعلى أن أطلق أو أعتق فانه PageV33P203 التزم ~~وجوب الطلاق والاعتاق والتطليق وذلك فعل منه يوجب حكما وهو وقوع الطلاق ~~والعتاق ومعلوم أن التزامه لوجوب الفعل المقتضى للحكم الثانى الذى هو ~~الوقوع أقوى من التزامه الوقوع فانه هناك التزم حكمين وفعلين وهو هنا التزم ~~أحد الحكمين وأحد الفعلين فالذى إلتزمه في موارد النزاع في بعض ما التزمه ~~في مواقع الإجماع فاذا كان له أن لا يلتزم هذا فذاك بطريق الأولى فهو في ~~مواقع الإجماع إذا قصد بالتعليق اليمين فهو مخير بين أن يحنث ويكفر يمينه ~~وبين أن يوفى بما التزمه فيوقع العتق والطلاق والصدقة فكذلك الذى التزمه في ~~مواقع النزاع بطريق الأولى # والحنث في هذه اليمين يكون بأن يوجد الشرط ولا يوجد الجزاء فلا يحنث إلا ~~بهذين الشرطين فإذا قال إذا فعلت كذا فعلى الحج أو العتق أو الطلاق لم يحنث ~~إلا اذا فعله ولم يوجد الجزاء المعلق به فان أوقع الجزاء المعلق به لم يحنث ~~كما أنه لو لم يوجد الشرط لم يحنث ولو قدر أنه التزم فعلا كقوله إن فعلت ~~كذا عتق عبدى أو طلقت امرأتى فإنه لا فرق بين ذلك وبين أن يقول فعلي عتق ~~عبدي أو طلاق امرأتي فالتزام أحد الأمرين متضمن لإلتزام الآخر فان الوجوب ~~يقتضى أن عليه فعل الواجب ms9424 والتحريم يقتضى أن له فعل المحرم والإيجاب مستلزم ~~للوجوب والتحريم مستلزم للحرمة والوجوب يقتضى الفعل والإيقاع مستلزم الوقوع ~~مقتض للحرمة والحرمة مقتضية للترك فلا فرق بين أن يلتزم الإيجاب ~~PageV33P204 والوجوب والفعل أو التحريم أو الحرمة أو الإيقاع أو الوقوع أو ~~الحرمة التى هي موجب ذلك # قال هؤلاء وأما حجة من احتج بالخلع والكتابة وتعليق ذلك بعوض فجوابه عند ~~أهل الظاهر بن حزم ونحوه أنهم يقولون لا يقع شيء من العتاق والطلاق والمعلق ~~بالشرط بناء على أن هذا لم يرد به نص وما لم يرد نص باباحته في العقود ~~والشروط فهو عندهم باطل ولا يكتفون في ذلك بالأدلة العامة الدالة على وجوب ~~الوفاء بالشروط والعهد وتحريم الغدر ونحو ذلك لا اعتقادهم ان هذه النصوص ~~منسوخة وهذا القول ضعيف كما هو مبسوط في غير هذا الموضع واسم الطلاق ~~والعتاق في القرآن يتناول المنجز والمعلق بالشرط إذا كان المقصود وقوعه عند ~~الشرط فان كلاهما داخل في مسمى التطليق بخلاف ما يكره وقوعه عند الشرط فإنه ~~يمين داخل في مسمى التطليق # وعلى هذا فالجواب على قول الأئمة والجمهور مبنى على الفرق بين الشرط ~~المقصود وجوده والشرط المقصود عدمه وعدم الجزاء الذى علق به وهو الذى يراد ~~به الحلف ولا يراد به وقوع الجزاء عند الشرط والفرق بين هذين هو مذهب ~~الصحابة لا يعرف عنهم فيه خلاف وهو مذهب جماهير السلف PageV33P205 والفقهاء ~~وهو مذهب الشافعى وأحمد وأحد القولين في مذهب أبى حنيفة وهو قول في مذهب ~~مالك فيقال انه هنا قصد الشرط والجزاء كما قصد ذاك نذر التبرر فكما أنه فرق ~~في النذور المعلقة بالشروط بين ما يقصد فيه ثبوتها وبين ما يقصد فيه نفيها ~~كذلك هذا فان هذا جميعه من باب واحد وهى أحكام معلقة بشروط واذا كان الشرع ~~أو العقل والعرف تفرق في الأحكام المعلقة بالشروط اللغوية بين ما يقصد ~~ثبوته وبين ما يقصد انتفاءه كما إتفق على ذلك الصحابة وجمهور الفقهاء لم ~~يجز تسوية أحدهما بالآخر # وانما يحسن الإحتجاج بالخلع والكتابة على ms9425 من يمنع تعليق الطلاق بالشروط ~~جملة كما هو مذهب بن حزم والإمامية أو بعضهم فإن هؤلاء يقولون ان الطلاق ~~المعلق بشرط لا يقع بحال بناء على أنه لا يقع عندهم من الطلاق إلا ما ثبت ~~أن الشارع أذن فيه قالوا ولم يثبت أنه أذن في هذا فهم لا يقولون بالقياس ~~وجعلوا ما نقل عن الصحابة والتابعين في الحلف بالطلاق والعتاق حجة لهم وليس ~~بحجة لهم فان المنقول عن طاووس أنه لا يرى الحلف بالطلاق شيئا وهذا لا يقضي ~~أنه لا يرى تعليقه بالشروط بحال بل قد يفرق بين الشرط المقصود ثبوته ~~والمقصود عدمه كما أن هذا هو قول طاووس وعطاء وغيرهما في مسألة ( نذر ~~اللجاج والغضب PageV33P206 ولهذا لما دخل الشافعى مصر سأله سائل عن هذه ~~المسألة إذا قال إن فعلت كذا فعلى الحج أو فعلى الصوم فأفتاه الشافعى ~~بكفارة يمين وكان الغالب على أهل مصر قول مالك إن عليه الحج والصوم ومع هذا ~~فلما حنث بن عبد الرحمن القاسم في هذه اليمين أفتاه عبد الرحمن القاسم الذى ~~هو العمدة في مذهب مالك بكفارة يمين وقال أفتيتك بقول الليث بن سعد وإن عدت ~~أفتيتك بقول مالك والمحققون من متأخرى أصحاب مالك يرجحون الإفتاء بكفارة ~~يمين وهو الذى رجع إليه أبو حنيفة آخرا وأما جمهور السلف من الصحابة ~~والتابعين فانهم يقولون يجزئه كفارة يمين كما هو مذهب الشافعى وأحمد ~~والمشهور عندهما أنه يخير بين التكفير وبين فعل الملتزم وعن أحمد رواية أن ~~عليه الكفارة عينا ويذكر قولا في مذهب الشافعى وكذلك جماعة من المفتين ~~أصحاب مالك يفتون في الحلف بالطلاق بكفارة يمين ويحتجون بما رووه عن عائشة ~~أنها قالت كل يمين وإن عظمت فكفارتها كفارة اليمين بالله وهذا قول طاووس ~~ومن وافقة من السلف وهو معنى قول الصحابة وهذه المسائل مسائل جليلة تحتاج ~~إلى بسط طويل ليس هذا موضعه والله أعلم PageV33P207 ### ||| فصل # والإفتاء بهذا الأصل لا يحتاج إليه في الغالب بل غالب مسائل الايمان ~~بالطلاق والعتاق واليمين بالله تعالى والنذر والحرام ونحو ms9426 ذلك يحتاج فيه ~~إلى قواعد # ( القاعدة الأولى ) إذا حلف لا يفعل شيئا ففعله ناسيا ليمينه أو جاهلا ~~بأنه المحلوف عليه فللعلماء فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) لا يحنث بحال في ~~جميع الأيمان وهذا مذهب المكيين كعطاء وبن أبى نجيح وعمرو بن دينار وغيرهم ~~ومذهب إسحاق بن راهويه وهو أحد قولى الشافعى بل أظهرهما وهو إحدى الروايتين ~~عن أحمد ونظرت جوابه في هذه الرواية فوجدت الناقلين له بقدر الناقلين ~~لجوابه في الروايه الثانية التى اختارها الخلال صاحبه والخرقى والقاضى ~~وغيرهم من أصحابه وهو الفرق بين اليمين المكفرة كاليمين بالله تعالى ~~والظهار والحرام واليمين التى لا تكفر على منصوصه وهى اليمين بالطلاق ~~والعتاق و ( # القول الثالث ) أنه يحنث في جميع الأيمان وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد ~~في الرواية الثالثة عنه PageV33P208 والقول الأول أصح لأن الحض والمنع في ~~اليمين بمنزلة الطاعة والمعصية في الأمر والنهى فان الحالف على نفسه أو ~~عبده أو قرابته أو صديقه الذى يعتقد أنه يطيعه هو طالب لما حلف على فعله ~~مانع لما حلف على تركه وقد وكد طلبه ومنعه باليمين فهو بمنزلة الأمر والنهى ~~المؤكد وقد استقر بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل المنهى عنه ناسيا أو ~~مخطئا فلا إثم عليه ولا يكون عاصيا مخالفا فكذلك من فعل المحلوف ناسيا أو ~~مخطئا فانه لا يكون حانثا مخالفا ليمينه ويدخل في ذلك من فعله متأولا أو ~~مقلدا لمن أفتاه أو مقلدا لعالم ميت أو مجتهدا مصيبا أو مخطئا فحيث لم ~~يتعمد المخالفة ولكن أعتقد أن هذا الذى فعله ليس فيه مخالفة لليمين فانه لا ~~يكون حانثا # ويدخل في هذا إذا خالع وفعل المحلوف عليه معتقدا أن الفعل بعد الخلع لم ~~تتناوله يمينه فهذه الصورة تدخل في يمين الجاهل المتأول عند من يقول ان هذا ~~الخلع خلع الايمان باطل وهو أصح أقوال العلماء وأما من جعله صحيحا فذلك ~~يقول إنه فعل المحلوف عليه في زمن البينونة والمرأة لو فعلت المحلوف عليه ~~بعد البينونة وانقضاء العدة لم يحنث الرجل بالإتفاق وكذلك ms9427 إذا فعلته في عدة ~~الطلاق البائن عند الجمهور كمالك والشافعى وأحمد الذين يقولون إن المختلعة ~~لا يلحقها طلاق وأما أبو حنيفة فانه يقول يلحقها الطلاق فيحنث عنده إذا ~~وجدت الصفة في زمن البينونة ولو كان الرجل عاميا فقيل له خالع امرأتك وافعل ~~المحلوف عليه ولم يعرف معنى الخلع فظن أنه طلاق مجرد PageV33P209 فطلقها ثم ~~فعل المحلوف عليه يظن أنه لا يحنث بذلك لم يقع به الطلاق عند من لا يحنث ~~الجاهل المتأول وكذلك لو قيل له زلها بطلقة فزلها بطلقة ثم فعل المحلوف ~~عليه لم يقع عليه بالفعل طلقة ثانية وإن كانت الطلقة الأولى رجعية لكن في ~~صورة النسيان والخطأ والجهل لا يحنث وتبقى اليمين معقودة عند جماهير ~~العلماء وليس فيه نزاع إلا وجه ضعيف لبعض المتأخرين # ( القاعدة الثانية ) إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه ~~فهذا أولى بعدم التحنيث من مسألة فعل المحلوف عليه ناسيا أو جاهلا ولهذا ~~فرق أبو حنيفة ومالك وغيرهما بين هذه الصورة وصورة الناسى والجاهل فقالوا ~~هنا لا يحنث في اليمين بالله تعالى وهناك يحنث قالوا لأنه هنا كانت اليمين ~~على الماضى فلم تنعقد لأن الحالف على ماض إن كان عالما فهو إما صادق بار ~~وإما أن يكون متعمدا للكذب فتكون يمينه اليمين الغموس وإما أن يكون مخطئا ~~معتقدا أن الأمر كما حلف عليه فهذا لا إثم عليه في ذلك ولا يكون على فاعله ~~اثم الكذاب وهذا هو لغو اليمين عند هؤلاء ومثل هذا يجوز على الانبياء ~~وغيرهم كما يجوز عليهم النسيان كما قال النبى في حديث ذى اليدين لم انس ولم ~~تقصر وكان قد نسى فقال له ذو اليدين بلى قد نسيت فقال ( أكما يقول ذو ~~اليدين ) قالوا نعم وفى الحديث الصحيح أنه ما صلى بهم خمسا فقالوا له بعد ~~الصلاة أزيد في الصلاة فقال ( وما ذاك ) قالوا صليت خمسا قال ( إنما أنا ~~بشر انسى كما تنسون فاذا نسيت فذكرونى PageV33P210 # قالوا وأما اليمين على المستقبل فانها منعقدة والخطأ والنسيان واقع في ms9428 ~~الفعل لا في العقد فلهذا فرق بين الماضى والمستقبل في اليمين بالله # وأما في الطلاق فقالوا أيضا في الماضى والمستقبل كاحدى الروايات عن أحمد ~~في المستقبل وأما مذهب الشافعى وأحمد فعلى قولهما لا يحنث الجاهل والناسى ~~في المستقبل فكذلك لا يحنث المخطيء حين عقد اليمين الذي حلف على شيء يعتقد ~~أنه كما حلف عليه فتبين بخلافه وأما على قولهما إنه يحنث في المستقبل فيحنث ~~في الماضي تسوية بين الماضي والمستقبل فكذلك لا يحنث وهذه طريقة من سلكها ~~من أصحاب الشافعى وأحمد كأبى البركات في محرره ( # وأصحاب هذه الطريقة يقولون ان من قال إنه لا يحنث اذا حلف على شيء يعتقده ~~كما حلف عليه فتبين بخلافه فيلزمه أن لا يحنث من فعل المحلوف عليه ناسيا أو ~~جاهلا ويضعفون قول مالك وأبى حنيفة في الفرق وقيل بل لا يحنث في الماضى ~~قولا واحدا وفى المستقبل قولان وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد سلكوا مسلك ~~أصحاب ابى حنيفة ومالك ففرقوا بين الماضى والمستقبل فقالوا إذا حلف بالله ~~على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه فانه لا يحنث ولو حلف لا يفعل ~~المحلوف عليه ففعله ناسيا أو جاهلا ففيه PageV33P211 روايتان وهذه طريقة ~~القاضي أبى يعلى وبن عقيل في ( الفصول ( وأبى محمد المقدسى وغيرهم فجعلوا ~~النزاع في المستقبل دون الماضى # وهؤلاء منهم من قال ( لغو اليمين ) هو أن يحلف على شيء يعتقده كما حلف ~~عليه فتبين بخلافه بلا نزاع وأما اذا سبق لسانه في المستقبل ففيه روايتان ~~وهذه طريقة القاضي وبن عقيل في ( الفصول ) وأختار القاضي في ( خلافه ) أن ~~قوله في المستقبل لا والله بلى والله ليس بلغو وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك ~~وغيرهما ومنهم من قال ما يسبق على اللسان هو لغو بلا نزاع بين العلماء ~~وفيما اذا حلف على شيء فتبين بخلافة روايتان وهذه طريقة أبى محمد # والصواب ) أن النزاع في الصورتين فان الشافعى في رواية الربيع عنه يوجب ~~الكفارة فيمن حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه ولكن القول ms9429 ~~الآخر للشافعى ان هذا لغو كقول الجمهور وهذا هو قول محمد بن الحسن وكذا هو ~~ظاهر مذهب أحمد أن كلا النوعين لغو لا كفارة فيه وهذا قول جمهور أهل العلم ~~ولهذا جزم اكثر أصحاب أحمد بأنه لا كفارة لا في هذا ولا في هذا ولم يذكروا ~~نزاعا لانه نص على أن كلاهما لغو في جوابه كما ذكر ذلك الخرقي وبن أبي موسى ~~وغيرهما من المتقدمين وذكر طائفة عنه في اللغو ( روايتين ) رواية كقول أبى ~~حنيفة ومالك ورواية كقول PageV33P212 الشافعي كما ذكر ذلك طائفة منهم بن ~~عقيل وابو الخطاب وغيرهما وصرح بعض هؤلاء كابن عقيل وغيره بأنه اذا قيل إن ~~اللغو هو أن يسبق على لسانه اليمين من غير قصد فانه إذا حلف على شيء يعتقده ~~كما حلف عليه فتبين بخلافه حنث # فلهذا صار في مذهبه عدة طرق # ( طريقة القدماء ) أن كلاهما لغو قولا واحدا # وطريقة القاضي أن الماضي لغو قولا واحدا وفى سبق اللسان في المستقبل ~~روايتان وهذه الطريقة توافق مذهب أبى حنيفة ومالك # ( وطريقة أبى محمد ) أن سبق اللسان لغو قولا واحدا وفى الماضى روايتان ~~وهذه الطريقة توافق مذهب الشافعى ( والطريقة الرابعة ) وهى أضعف الطرق أن ~~اللغو في احدى الروايتين هذا دون هذا وفى الاخرى هذا دون هذا # ( والطريقة الخامسة ) وهى الجامعة بين الطرق أن في مذهبه ثلاث روايات كما ~~ذكر ذلك صاحب المحرر فاذا سبق على لسانه لا والله بلى والله وهو يعتقد أن ~~الأمر كما حلف عليه فهذا لغو باتفاق الأئمة PageV33P213 الاربعة واذا سبق ~~على لسانه اليمين في المستقبل أو تعمد اليمين على أمر يعتقده كما حلف عليه ~~فتبين بخلافة ففى الصورتين أقوال ثلاثة هي الروايات الثلاث عن أحمد # ( أحدها ) ان الجميع لغو كقول الجمهور وهو ظاهر مذهب أحمد وهى مذهبه في ~~احدى الطريقتين بلا نزاع عنه وعلى هذه الطريقة فقد فسر اللغو بهذا وهذا أحد ~~قولى الشافعى # ( والثانى ) أنه يحنث في الماضى دون ما سبق على لسانه وهو أحد قولى ~~الشافعى ايضا # ( والثالث ) بالعكس كمذهب ابى ms9430 حنيفة ومالك فقد تبين أن أن المخطئ في عقد ~~اليمين الذى حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه هو في إحدى ~~الطريقتين كالناسى والجاهل وفى الأخرى لا يحنث قولا واحدا وهى المعروفة عند ~~أئمة اصحاب أحمد # وعلى هذا فالحالف بالطلاق على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه لا ~~يحنث اذا لم يحنث الناسى والجاهل في المستقبل إما تسوية بينهما واما بطريق ~~الاولى على اختلاف الطريقتين وهكذا ذكر المحققون من الفقهاء PageV33P214 ~~وقد ظن بعض متأخرى الفقهاء كالسامرى صاحب ( المستوعب ) أنه اذا حلف بالطلاق ~~والعتاق على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافة أنه يحنث قولا واحدا لأن ~~الطلاق لا لغو فيه وهذا خطا فان الذى يقول ان الطلاق لا لغو فيه هو الذى ~~يحنث الناسى والجاهل اذا حلف بالطلاق واما من لم يحنث الناسى والجاهل فانه ~~لا يقول لالغو في الطلاق اذا فسر اللغو بأن يحلف على شيء يعتقده كما حلف ~~عليه فتبين بخلافة فان عدم الحنث في هذه الصورة اما أن يكون اولى بعدم ~~الحنث في تلك الصورة أو يكون مساويا لها كما قد بيناه ولا يمكن أحد أن يقول ~~إنه إذا حلف بالطلاق والعتاق على أمرأته لا يفعله ففعله ناسيا أو جاهلا ~~بأنه المحلوف عليه لم يحنث ويقول إذا حلف على أمر يعتقده كما حلف عليه ~~فتبين بخلافه أنه يحنث لأن الجهل المقارن لعقد اليمين أخف من الجهل المقارن ~~لفعل المحلوف عليه وغايته أن يكون مثله ولأن اليمين الاولى منعقدة اتفاقا ~~واما الثانية ففى انعقادها نزاع بينهم والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عمن حلف بالطلاق على أمر من الأمور ثم حنث في ~~يمينه هل يقع به الطلاق أم لا ### ||||| فأجاب # المسألة فيها نزاع بين السلف والخلف على ثلاثة أقوال PageV33P215 # ( أحدها ) أنه يقع الطلاق اذا حنث في يمينه وهذا هو المشهور عند أكثر ~~الفقهاء المتأخرين حتى اعتقد طائفة منهم أن ذلك اجماع ولهذا لم يذكر عامتهم ~~عليه حجة وحجتهم عليه ضعيفة جدا وهى أنه التزم ms9431 امرا عند وجود شرط فلزمه ما ~~التزمه وهذا منقوض بصور كثيرة وبعضها مجمع عليه كنذر الطلاق والمعصية ~~والمباح وكالتزام الكفر على وجه اليمين مع أنه ليس له أصل يقاس به الا ~~وبينهما فرق مؤثر في الشرع ولا دل عليه عموم نص ولا اجماع لكن لما كان موجب ~~العقد لزوم ما التزمه صار يظن في بادئ الرأى أن هذا عقد لازم وهذا يوافق ما ~~كانوا عليه في أول الاسلام قبل أن ينزل الله كفارة اليمين موجبة ومحرمة كما ~~يقال إنه كان ( شرع ) من قبلنا لكن نسخ هذا شرع محمد صلى الله عليه وسلم ~~وفرض للمسلمين تحلة ايمانهم وجعل لهم أن يحلوا عقد اليمين بما فرضه من ~~الكفارة # وأما اذا لم يحنث في يمينه فلا يقع به الطلاق بلا ريب الا على قول ضعيف ~~يروى عن شريح ويذكر رواية عن أحمد فيما اذا قدم الطلاق واذا قيل يقع به ~~الطلاق فان نوى باليمين الثانية توكيد الاولى لا انشاء يمين أخرى لم يقع به ~~الاطلقة واحدة وان أطلق وقع به ثلاث وقيل لا يقع به إلا واحدة PageV33P216 # و ( القول الثانى ) أنه لا يقع به طلاق ولا يلزمه كفارة وهذا مذهب داود ~~وأصحابه وطوائف من الشيعة ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف بل هو مأثور ~~عن طائفة صريحا كأبى جعفر الباقر رواية جعفر بن محمد # وأصل هؤلاء أن الحلف بالطلاق والعتاق والظهار والحرام والنذر لغو كالحلف ~~بالمخلوقات ويفتى به في اليمين التى يحلف بها بالتزام الطلاق طائفة من ~~اصحاب أبى حنيفة والشافعى كالقفال وصاحب ( التتمه ) وينقل عن ابى حنيفة نصا ~~بناء على أن قول القائل الطلاق يلزمنى أو لازم لى ونحو ذلك صيغة نذر لا ~~صيغة ايقاع كقوله لله على أن اطلق # ومن نذر ان يطلق لم يلزمه طلاق بلا نزاع ولكن في لزومه الكفارة له قولان # ( أحدهما ) يلزمه وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل وهو المحكى عن أبى حنيفة ~~اما مطلقا واما اذا قصد به اليمين # ( والثانى ) لا وهو قول طائفة ms9432 من الخراسانيين من اصحاب الشافعى كالقفال ~~والبغوى وغيرهما فمن جعل هذا نذرا ولم يوجب الكفارة PageV33P217 في نذر ~~الطلاق يفتى بأنه لا شيء عليه كما أفتى بذلك طائفة من أصحاب الشافعى وغيرهم ~~ومن قال عليه كفارة لزمه على قوله كفارة يمين كما يفتى بذلك طائفة من ~~الحنفية والشافعية # وأما ( الحنفية ) فبنوه على أصله في ان من حلف بنذر المعاصى والمباحات ~~فعليه كفارة يمين وكذلك يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعى لتفريقه بين أن ~~يقول على نذر فلا يلزمه شيء وبين أن يقول إن فعلته فعلى نذر فعليه كفارة ~~يمين ففرق هؤلاء بين نذر الطلاق وبين الحلف بنذر الطلاق # وأحمد عنده على ظاهر مذهبه المنصوص عنه أن نذر الطلاق فيه كفارة يمين ~~والحلف بنذره عليه فيه كفارة يمين وقد وافقه على ذلك من وافقه من ~~الخراسانيين من اصحاب الشافعى وجعله الرافعى والنووى وغيرهما هو المرجح في ~~مذهب الشافعى وذكروا ذلك في نذر جميع المباحات لكن قوله الطلاق لي لازم فيه ~~صيغة إيقاع في مذهب أحمد فان نوى بذلك النذر ففيه كفارة يمين عنده # و ( القول الثالث ) وهو أصح الاقوال وهو الذى يدل عليه الكتاب والسنة ~~والاعتبار ان هذه يمين من ايمان المسلمين فيجرى فيها ما يجرى في ايمان ~~المسلمين وهو الكفارة عند الحنث PageV33P218 الا ان يختار الحالف ايقاع ~~الطلاق فله ان يوقعه ولا كفارة وهذا قول طائفة من السلف والخلف كطاووس ~~وغيره وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول الله في هذا الباب وبه يفتى كثير من ~~المالكية وغيرهم حتى يقال ان في كثير من بلاد المغرب من يفتى بذلك من أئمة ~~المالكية وهو مقتضى نصوص أحمد بن حنبل وأصوله في غير موضع # وعلى هذا القول فاذا كرر اليمين المكفرة مرتين أو ثلاثا على فعل واحد فهل ~~عليه كفارة واحدة أو كفارات فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن أحمد ~~أشهرهما عنه تجزيه كفارة واحدة # وهذه الاقوال الثلاثة حكاها بن حزم وغيره في الحلف بالطلاق كما حكوها في ~~الحلف بالعتق والنذر وغيرهما فاذا ms9433 قال ان فعلت كذا فعبيدى أحرار ففيها ~~الاقوال الثلاثة لكن هنا لم يقل أحد من أصحاب أبى حنيفة والشافعى إنه لا ~~يلزمه العتق كما قالوا ذلك في الطلاق فيصح نذره بخلاف الطلاق # والمنقول عن اصحاب رسول الله أنه يجزئه كفارة يمين كما ثبت ذلك عن بن عمر ~~وحفصة وزينب ورووه أيضا عن عائشة PageV33P219 وأم سلمة وبن عباس وأبى هريرة ~~وهو قول أكابر التابعين كطاووس وعطاء وغيرهما ولم يثبت عن صحابى ما يخالف ~~ذلك لا في الحلف بالطلاق ولا في الحلف بالعتاق بل اذا قال الصحابة ان ~~الحالف بالعتق لا يلزمه العتق فالحالف بالطلاق اولى عندهم # وهذا كالحلف بالنذر مثل ان يقول ان فعلت كذا فعلى الحج أو صوم سنة أو ثلث ~~مالى صدقة فان هذا يمين تجزئ فيه الكفارة عند أصحاب رسول الله مثل عمر وبن ~~عباس وعائشة وبن عمر وهو قول جماهير التابعين كطاووس وعطاء وأبى الشعثاء ~~وعكرمة والحسن وغيرهم وهو مذهب الشافعى المنصوص عنه ومذهب أحمد بلا نزاع ~~عنه وهو احدى الروايتين عن أبى حنيفة اختارها محمد بن الحسن وهو قول طائفة ~~من أصحاب مالك كابن وهب وبن أبى الغمر وأفتى بن القاسم ابنه بذلك والمعروف ~~عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه لا فرق بين ان يحلف ~~بالطلاق أو العتاق أو النذر إما ان تجزئه الكفارة في كل يمين واما أن لا ~~شيء عليه واما ان يلزمه كما حلف به بل اذا كان قوله ان فعلت كذا فعلى ان ~~اعتق رقبة وقصد به اليمين لا يلزمه العتق بل يجزئه كفارة يمين ولو قاله على ~~وجه النذر لزمه PageV33P220 بالاتفاق فقوله فعبدى حر أولى أن لا يلزمه لأن ~~قصد اليمين اذا منع ان يلزمه الوجوب في الاعتاق والعتق فلان يمنع لزوم ~~العتق وحده اولى # ( وأيضا ) فان ثبوت الحقوق في الذمم أوسع نفوذا فان الصبى والمجنون ~~والعبد قد تثبت الحقوق في ذممهم مع أنه لا يصح تصرفهم فاذا كان قصد اليمين ~~مع ثبوت العتق المعلق في الذمة ( ممنوع ms9434 ) فلان يمنع وقوعه اولى وأحرى واذا ~~كان العتق الذى يلزمه بالنذر لا يلزمه اذا قصد به اليمين فالطلاق الذى لا ~~يلزم بالنذر اولى أن لا يلزم اذا قصد به اليمين فان التعليق انما يلزم فيه ~~الجزاء اذا قصد وجوب الجزاء عند وجوب الشرط كقوله إن ابرأتينى من صداقك ~~فأنت طالق وان شفا الله مريضي فثلث مالى صدقة واما اذا كان يكره وقوع ~~الجزاء وان وجد الشرط وانما التزمه ليحض نفسه أو يمنعها أو يحض غيره أو ~~يمنعه فهذا مخالف لقوله ان فعلت كذا فانا يهودى أو نصرانى ومالى صدقة ~~وعبيدى احرار ونسائى طوا لق وعلى عشر حجج وصوم فهذا حالف باتفاق الصحابة ~~والفقهاء وسائر الطوائف وقد قال الله تعالى @QB@ قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم ~~@QE@ وثبت عن النبى من غير وجه في الصحيح انه قال ( من حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا منها فليات الذى هو خير وليكفر عن يمينه ) وهذا يتناول ~~PageV33P221 ( أيمان ) جميع المسلمين لفظا ومعنى ولم يخصه نص ولا اجماع ولا ~~قياس بل الأدلة الشرعية تحقق عمومه # واليمين في كتاب الله وسنة رسوله ( نوعان ) نوع محترم منعقد مكفر كالحلف ~~بالله ونوع غير محترم ولا منعقد ولا مكفر وهو الحلف بالمخلوقات فان كانت ~~هذه اليمين من أيمان المسلمين ففيها الكفارة وهى من النوع الأول وان لم تكن ~~من ايمان المسلمين فهو من الثانى واما اثبات يمين منعقدة غير مكفرة فهذا لا ~~أصل له في الكتاب والسنة # وتقسيم أيمان المسلمين إلى يمين مكفرة وغير مكفرة كتقسيم الشراب المسكر ~~إلى خمر وغير خمر وتقسيم السفر إلى طويل وقصير وتقسيم الميسر إلى محرم وغير ~~محرم بل الاصول تقتضى خلاف ذلك وبسط الكلام له موضوع آخر لكن هذا # ( القول الثالث ) وهو القول بثبوت الكفارة في جميع أيمان المسلمين هو ~~القول الذى تقوم عليه الآدلة الشرعية التى لا تتناقض وهو المأثور عن أصحاب ~~رسول الله وأكابر التابعين PageV33P222 اما في جميع الأيمان واما في بعضها ~~وتعليل ms9435 ذلك بانه يمين والتعليل بذلك يقتضى ثبوت الحكم في جميع ايمان ~~المسلمين # والصيغ ثلاثة صيغة تنجيز ( كقوله أنت طالق فهذه ليست يمينا ولا كفارة في ~~هذا باتفاق المسلمين # ( والثانى ) صيعة قسم كما اذا قال الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا فهذه يمين ~~باتفاق اهل اللغة والفقهاء # و ( الثالث ) صيغة تعليق فهذه إن قصد بها اليمين فحكمها حكم الثانى ~~باتفاق العلماء وأما ان قصد وقوع الطلاق عند الشرط مثل ان يختار طلاقها اذا ~~اعطته العوض فيقول إن أعطيتنى كذا فانت طالق ويختار طلاقها اذا أتت كبيرة ~~فيقول أنت طالق ان زنيت أو سرقت وقصده الايقاع عند الصفة لا الحلف فهذا يقع ~~به الطلاق باتفاق السلف فان الطلاق المعلق بالصفة روى وقوع الطلاق فيه عن ~~غير واحد من الصحابة كعلى وبن مسعود وأبى ذر وبن عمر ومعاوية وكثير من ~~التابعين ومن بعدهم وحكى الاجماع على ذلك غير واحد PageV33P223 وما علمت ~~أحدا نقل عن أحد من السلف ان الطلاق بالصفة لا يقع وانما علم النزاع فيه عن ~~بعض الشيعة وعن بن حزم من الظاهرية # وهؤلاء الشيعة بلغتهم فتاوى عن بعض فقهاء أهل البيت فيمن قصده الحلف ~~فظنواأن كل تعليق كذلك كما أن طائفة من الجمهور بلغتهم فتاوى عن بعض ~~الصحابة والتابعين فيمن علق الطلاق بصفة انه يقع عندها فظنوا ان ذلك يمين ~~وجعلوا كل تعليق يمينا كمن قصده اليمين ولم يفرقوا بين التعليق الذى يقصد ~~به اليمين والذى يقصد به الايقاع كما لم يفرق أولئك بينهما في نفس الطلاق ~~وما علمت أحدا من الصحابة أفتى في اليمين بلزوم الطلاق كما لم أعلم أحدا ~~منهم أفتى في ا لتعليق الذى يقصد به اليمين وهو المعروف عن جمهور السلف حتى ~~قال به داود واصحابه ففرقوا بين تعليق الطلاق الذى يقصد به اليمين والذى ~~يقصد به الايقاع كما فرقوا بينهما في تعليق النذر وغيره والفرق بينهما ظاهر ~~فان الحالف يكره وقوع الجزاء وان وجدت الصفة كقول المسلم ان فعلت كذا فأنا ~~يهودى أو نصرانى فهو يكره الكفر وان ms9436 وجدت الصفة انما التزامه لئلا يلزم ~~وليمتنع به من الشرط لا لقصد وجوده عند الصفة وهكذا الحلف بالاسلام لو قال ~~الذمى ان فعلت كذا فأنا مسلم # والحالف بالنذر والحرام والظهار والطلاق والعتاق اذا قال ان فعلت كذا ~~فعلى الحج وعبيدى أحرار ونسائى طوالق ومالى صدقة PageV33P224 فهو يكره هذه ~~اللوازم وإن وجد الشرط وانما علقها ليمنع نفسه من الشرط لا لقصد وقوعها ~~واذا وجد الشرط فالتعليق الذى يقصد به الايقاع من باب الايقاع والذى يقصد ~~به اليمين من باب اليمين وقد بين الله في كتابه أحكام الطلاق وأحكام ~~الايمان واذا قال ان سرقت ان زينت فأنت طالق فهذا قد يقصد به اليمين وهو أن ~~يكون مقامها مع هذا الفعل أحب إليه من طلاقها وانما قصده زجرها وتخويفها ~~لئلا تفعل فهذا حالف لا يقع به الطلاق وقد يكون قصده ايقاع الطلاق وهو أن ~~يكون فراقها أحب إليه من المقام معها مع ذلك فيختار اذا فعلته أن تطلق منه ~~فهذا يقع به الطلاق والله أعلم ### |||| وسئل # عمن حلف لا يكلم صهر أخيه وحلف بالثلاث ما يد خل منزله ثم دخل بغير ~~رضاه ### ||||| فأجاب # اذا كان الحالف قد اعتقد ان المحلوف عليه يطيعه ويبر يمينه ولا ~~يدخل اذا حلف عليه فتبين له الأمر بخلاف ذلك ولو علم أنه كذلك لم يحلف ففى ~~حنثه نزاع بين العلماء والاقوى أنه لا يحنث والله أعلم PageV33P225 ### |||| وسئل # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أنه لا يسكن في المكان الذى هو فيه وقد ~~انتقل وأخلاه فهل يجوز له أن يعود أم لا ### ||||| فأجاب # إن كان السبب الذى حلف لأجله قد زال فله أن يعود والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن رجل حلف على زوجته بالطلاق الثلاث أنها ~~تحط يدها في خريطته ولا تأخذ منها شيئا وقال ذلك مدة أربع شهور ثم بعد ذلك ~~حلف يمينا ثانيا أنها لا تنقل ما سمعت إلى أحد ثم بعد ذلك نقلته للناس فقال ~~لها زوجها ما حلفت عليك بالطلاق أنك لا تنقليه ms9437 إلى أحد وقد نقلتيه قالت ~~نقلته وما علمت على يمينا فقال الآن قد وقع الطلاق قومى أعطينى خريطتى ~~وأعطينى منها الخيط فما بقى على يمين وقد وقع على الطلاق PageV33P226 قالت ~~أنا ما علمت أن علينا يمينا بالدائم انما اعتقدت اليمين مدة خمسة أو ستة ~~أيام فقال لها أنا ما أعر ف أنت الساعة طالق منى بالطلاق الثلاث فهل يلزمها ~~الطلاق من أول يمين أو من الثانى ### ||||| فأجاب # إن كانت قد اعتقدت أن حكم يمينه قد أنقضى وفعلت المحلوف عليه بعد ~~ذلك لم يحنث الحالف وان كان قد قال أنت الساعة طالق منى ثلاثا لا عتقاده ~~أنه وقع به الطلاق لم يقع بذلك شيء والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل كاتب عبده وحصل منه حرج أوجب أنه حلف ~~بالطلاق الثلاث أنه لا يفارقه من الضرب والترسيم إلى حيث يحضر إليه حسابه ~~أو يعيد إليه مالتمسه من الجامكية فهل يجوز خلاصه بوجه من الوجوه الشرعية ~~أفتونا ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # ان كان احضار الحساب المطلوب قد عجز عنه المحلوف عليه ~~وعن اعادة المطلوب من الجامكية لم يجز أن يطالب بو أحد منهما بل يلزم ولى ~~الامرالحالف بفراقه واذا ألزمه بذلك لم يحنث على الصحيح من قولى العلماء ~~ولم يكن عليه طلاق سواء ألزمه بذلك والى حرب السلطان ونحوه أو والى حكم أو ~~كاتب فوقه ينفذ حكمه فيه بالعدل وهكذا ان PageV33P227 لم يجب عليه احضار ~~أحدهما فانه اذا لم يكن واجبا في الشرع الذى بعث الله به رسوله وجب الزامه ~~بفراقه واذا فارقه والحال هذه لم يحنث # وكذلك ان اعتقد الحالف أن الأمر على صفة فتبين الأمر بخلافة مثل أن يعتقد ~~أن في الحساب كشف أمو ر يجب كشفها فتبين الأمر بخلافة فانه لا يحنث عند ~~كثير من العلماء اذا فارقه وكذلك ان اعتقد أن اعادة الجامكية واجب عليه ~~فحلف على ذلك ثم تبين أنه ليس بواجب فانه لا يحنث عند كثير من أهل العلم ~~وكذلك لو اعتقد أن المحلوف عليه ms9438 قادر على الفعل المطلوب فتبين أنه عاجز ~~فانه لا يحنث عند كثير من أهل العلم وهو أحسن القولين وأقواهما في الشرع ~~وكذلك لو اعتقد أنه خان أو سرق مالا فحلف على اعادته ثم تبين أنه لم يخن ~~ولم يسرق فإنه لا يحنث في أصح قولى العلماء والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث وهو غضبان أنها ما تدخل بيت ~~عمتها ورزقت زوجته ولدا ثم بعد ذلك دخلت المرأة المحلوف عليها بيت عمتها ~~وكان قد قال للحالف ناس إنه إذا ولدت المرأة ودخلت فلا حنث عليه ~~PageV33P228 أفتونا ### ||||| فأجاب # إذا كان الحالف قد اعتقد أن المرأة إذا ولد لها ~~ولد لا حنث عليه ودخلت بهذا الإعتقاد فلا حنث عليه لكن يمينه باقية فاذا ~~فعل المحلوف عليه عالما عامدا حنث والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل حلف على زوجته فقال لها إن خرجت وأنا غائب فأنت طالق ثلاثا ~~فلما قدم من السفر قالت له والله أحتجت إلى الحمام ولم أقدر للغسل بالبيت ### ||||| فأجاب # إن كانت اعتقدت أن هذه الصورة ليست داخلة في يمينه وأنها لا تكون ~~مخالفة ليمينه اذا فعلت ذلك لم يحنث الحالف في يمينه ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل له زوجتان فعدم من بيته مبلغ فحلف بالطلاق ~~الثلاث من الجديدة أنه إذا لم يطلع لهذا المبلغ الذى عدم من بيته ما يخلى ~~العتيقة في بيته وكان في عقيدته أن العتيقة هي التى خانت في المبلغ المحلوف ~~عليه PageV33P229 ### ||||| فأجاب أيده الله # اذا كان قد أعتقد ان العتيقة قد خانته فحلف إن لم تأت ~~بذلك لأخرجها لأجل ذلك ثم تبين أنها لم تخنه لم يكن عليه أن يخرجها ولا حنث ~~عليه والله أعلم ### |||| وسئل # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أنه ما يزوج ابنته لرجل معين ثم إنه ~~زوجها بغيره ثم بانت من الثانى بالثلاث فهل له أن يزوجها للرجل الذى كان قد ~~حلف عليه أم لا ### ||||| فأجاب # إن كان نية الحالف أو سبب اليمين يقتضى الحلف على ذلك التزويج خاصة ms9439 ~~جاز ان يزوجها المرة الثانية مثل أن يكون قد امتنع لتزويجه لكونه طلب منه ~~جهازا كثيرا ثم في المرة الثانية قنع بها بلا جهاز واما إن كان السبب باقيا ~~حنث والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل حج له زوجتان وحلف بالطلاق الثلاث أنه لا ~~يطعمهم PageV33P230 شيئا ### ||||| فأجاب # إن كان نيته ان سبب اليمين يقتضى أنه امتنع ~~لسبب وقد زال ذلك السبب انحلت يمينه في أظهر قولى العلماء والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن حلف بالطلاق الثلاث على زوجته أنها لا تنزل من بيته ~~الا باذنه ثم إنها قالت أنا اليوم اتغدى أنا وأمك فاعتقد أن أمه تجيء إلى ~~عندها واعتقدت الزوجة أنه أذن لها فذهبت إلى عند أمه ### ||||| فأجاب # الطلاق والحالة هذه لا يقع به في أصح قولى العلماء كما هو احدى ~~قولى الشافعى واحدى الروايتين عن أحمد فان هذه هي مسألة الجاهل والناسى ~~والنزاع فيها مشهور هل يحنث أم لا يحنث أم يفرق بين اليمين المكفرة وغيرها ~~والصواب # انه لا يحنث مطلقا لأن البر والحنث في اليمين بمنزلة الطاعة والمعصية في ~~الأمر إذ كان المحلوف عليه جملة طلبية # فان المحلوف عليه إما ( جملة خبرية ) فيكون مقصود الحالف التصديق ~~والتكذيب واما ( جملة طلبية ) فيكون مقصود الحالف PageV33P231 الحض والمنع ~~فهو يحض نفسه أو من يحلف عليه ويمنع نفسه أو من يحلف عليه فهو أمر ونهى ~~مؤكد بالقسم فالحنث في ذلك كالمعصية في الأمر المجرد ومعلوم أنه قد استقر ~~في الشريعة أن من فعل المنهى عنه ناسيا أو مخطئا معتقدا أنه ليس هو المنهي ~~كأهل التأويل السائغ فانه لا يكون هذا الفاعل آثما ولا عاصيا كما قد استجاب ~~الله قول المؤمنين @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ فكذلك من ~~نسى اليمين أو اعتقد أن الذى فعله ليس هو المحلوف عليه لتأويل أو غلط كسمع ~~ونحوه لم يكن مخالفا اليمين فلا يكون حالفا فلا فرق في ذلك بين أن يكون ~~الحلف بالله تعالى أو بسائر الأيمان اذا الأيمان يفترق حكمها ms9440 في المحلوف به ~~أما في المحلوف عليه فلا فرق والكلام هنا في المحلوف عليه لا في المحلوف به ~~ومعلوم أن الحالف بالطلاق والعتاق لم يجعل ذلك تعليقا محضا كالتعليق بطلوع ~~الشمس ولا مقصوده وقوع الشرط والجزاء كنذر التبرر وكالتعليق على العوض في ~~مثل الخلع وانما مقصوده حض نفسه أو منع من حلف عليه ومنع نفسه أو من حلف ~~عليه كما يقصد ذلك الناذر نذر الحجاج والغضب ولهذا اتفق الفقهاء على تسمية ~~ذلك يمينا وكان الصحيح في مذهب أحمد وغيره جواز الاستثناء في ذلك بخلاف ~~المحض فإنه ايقاع موقت فليس هو يمين على الصحيح ولا ينفع فيه الاستثناء منه ~~عند من لا يجوز الا ستثناء في الايقاع كما لك واحمد وغيرهما والله أعلم ~~PageV33P232 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل وجد بن خالته عند زوجته فحلف بالطلاق ان بن ~~خالته كان عند زوجته وكذلك كان عندها ### ||||| فأجاب # إذا كان الحالف صادقا في يمينه فلا حنث عليه وكذلك اذا اعتقد صدق ~~نفسه فلا حنث عليه ولو كان الأمر في الباطن بخلاف ذلك في أصح قولى العلماء ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل حلف بالطلاق أنه ما يتزوج فلانة ثم بدى له أن ~~ينكحها فهل له ذلك ### ||||| فأجاب نور الله مر قده وضريحه # الحمد لله رب العالمين له أن يتزوجهاولا ~~يقع بها طلاق إذا تزوجها عند جمهور السلف وهو مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما ~~PageV33P233 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل امتنعت عليه زوجته من مجامعتها فانجرح من ~~امتناعها عليه فحلف بالطلاق وكانت حاملا أن لا يجامعها بعد الولادة فهل يقع ~~عليه الطلاق إن جامعها بعد الولادة أم لا وهل ينظر إلى السبب المهيج لليمين ~~أم لا ### ||||| فأجاب # إذا جامعها بعد الولادة ينظر في ذلك إلى نية الحالف وسبب اليمين ~~فإن كان حلف لسبب وزال السبب فلا حنث عليه في أظهر قولى العلماء في مذهب ~~أحمد وغيره فإن من حلف على معين لسبب كأن يحلف أن لا يدخل البلد لظلم رآه ~~فيه ثم يزول الظلم ms9441 أو لا يكلم فلا نا ثم يزول الفسق ونحو ذلك ففى حنثه ~~حينئذ ( قولان ) في مذهب أحمد وغيره أظهرهما أنه لا حنث عليه لأن الحض ~~والمنع في اليمين كالأمر والنهى فالحلف على نفسه أو غيره بمنزلة الناهى عن ~~الفعل ومن نهى عن دخول بلد أو كلام شخص لمعنى ثم زال ذلك المعنى زال المنهى ~~عنه كما اذا امتنع أن يبدأ رجلا بالسلام لكونه كافرا فأسلم وأن لا يدخل ~~بلدا لكونه دار حرب فصار دار اسلام ونحو ذلك فان الحكم اذا ثبت بعلة زال ~~بزوالها PageV33P234 فالرجل إذا حلف لا يواقع امرأته إذا كان قصده عقوبتها ~~لكونها تماطله وتنشز عليه إذا طلب ذلك فاذا تابت من ذلك وصارت مطيعة موافقة ~~زال سبب الهجر الذى علقها به كما لو هجرها لنشوز ثم زال واما إن كان قصده ~~الامتناع من وطئها أبدا لأجل الذنب المتقدم تابت أو لم تتب بحيث لو علم ~~أنها تتوب توبة صحيحة كان مقصوده عقوبتها على ما مضى كما يعاقب الرجل غيره ~~لذنب ماض تاب منه أو لم يتب لا لغرض الزجر عن المستقبل بل لمجرد شفاء غيظه ~~ونحو ذلك فهذا نوع آخر والله اعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل حلف على زوجته بالطلاق أنه ما يطؤها لست ~~شهور ولم يكن بقى لها غير طلقة ونيته ان لا يطأها حتى تنقضى المدة فاذا ~~انقضت المدة ما ذا يفعل ### ||||| فأجاب # إذا انقضت المدة فله وطؤها ولا شيء عليه إذا لم تطالبه بالوطء عند ~~انقضاء أربعة أشهر هذا مذهب مالك وأحمد والشافعى والجمهور وهو يسمى ( موليا ~~PageV33P235 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له زوجه وجارية فتسرى بالجارية فغارت المرأة فحلف ~~الا يعود يطأ الجارية ثم اعتقها وتزوجت الجارية فأقامت مع الزوج مدة وتوفى ~~عنها فهل للمعتق أن يتزوجها ### ||||| فأجاب # اذا كانت نيته أو سبب اليمين يقتضى أنه لا يطؤها بملك كان له أن ~~يتزوجها ويطاها وان كان ذلك يقتضى أنه لا يطؤها بحال لا ملك ولا عقد حنث ~~اذا فعل المحلوف عليه ms9442 والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل عليه مبلغ لشخصين قال الطلاق الثلاث أن الشهر ما ~~ينفصل حتى يعطيهما المبلغ وإن لم يحلف حبسه والآن ما حصل والشهر بقى فيه ~~اليوم وهو خائف أن يقع عليه الحنث فاذا خالع الزوجة بطلقة واحدة يفيده هذا ~~ولا يقع عليه الطلاق الثلاث أم لا ### ||||| فأجاب # اذا أكره على اليمين بغير حق بأن يكون عاجزا عن وفاء الدين ~~PageV33P236 واكره على اليمين والاحبس وضرب لم ينعقد يمينه ولا حنث فيها ~~والله اعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن ر جل يشترى البقل بشيء يزن عليه الحق والبعض يشتريه ~~بلا حق وحضر له من يخاف منه فحلف بالطلاق أنه أى شيء اشتر يته تزن حقه فهل ~~يجوز له يشترى الفلت ### ||||| فأجاب # اذا اكره على اليمين بغير حق لم تنعقد يمينه ولا حنث عليه واذا لم ~~يمكن من أعوان الضمان فليس له عنده حق لا في الشرع ولا في العادة واذا لم ~~يكن له عنده حق لم يحنث بترك اعطائه والله اعلم ### |||| وسئل # عن رجل وضع حجة في بيت أخيه فعدمت ثم بعد أيام طلبها ولم يجدها فحلف ~~بالطلاق أنه ما يدخل بيت أخيه حتى يعطى الحجة معتقدا وجودها ### ||||| فأجاب # إن كانت الحجة قد عدمت قبل اليمين ولكن اعتقد بقاءها فانه لا يحنث ~~عند جمهور العلماء لوجهين ( أحدهما ) أنه حلف على ممتنع لذاته كما لو حلف ~~ليشربن الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه وهذا لا يحنث عند الأكثرين و ( ~~الثانى ) اعتقد بقاءها وامكان اعطائها فحلف على شيء يعتقده موصوفا بصفة ~~فتبين بخلاف تلك الصفة PageV33P237 ### ||| 2 باب تعليق الطلاق بالشروط 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن رجل حلف بالطلاق ثم استثنى هنيهة بقدر ما ~~يمكن فيه الكلام ### ||||| فأجاب # لا يقع فيه الطلاق ولا كفارة عليه والحال هذه ولو قيل له قل إنشاء ~~الله ينفعه ذلك أيضا ولو لم يخطر له الإستثناء إلا لما قيل له والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل حنق من زوجته فقال أنت طالق ms9443 ثلاثا قالت له زوجته ~~قل الساعة قال الساعة ونوى الإستثناء PageV33P238 ### ||||| فأجاب # ان كان اعتقاده أنه اذا قال الطلاق يلزمنى ان شاء الله أنه لا يقع ~~به الطلاق ومقصوده تخويفها بهذا الكلام لا ايقاع الطلاق لم يقع الطلاق فان ~~كان قد قال في هذه الساعة ان شاء الله فان مذهب أبى حنيفة والشافعى أن ~~الطلاق المعلق بالمشيئة لا يقع ومذهب مالك وأحمد يقع كما روى عن بن عباس ~~لكن هذا لما كان مقصوده واعتقاده أنه لا يقع صار الكلام عنده كلاما لا يقع ~~به طلاق فلم يقصد التكلم بالطلاق وإذا قصد المتكلم بكلام لا يعتقد أنه يقع ~~به الطلاق مثل ما لو تكلم العجمي بلفظ وهو لا يفهم معناه لم يقع وطلاق ~~الهازل وقع لأن قصد المتكلم الطلاق وان لم يقصد ايقاعه وهذا لم يقصد لا هذا ~~ولا هذا وهو يشبه ما لو رأى إمرأة فقال انت طالق يظنها أجنبية فبانت امرأته ~~فانه لا يقع به طلاق على الصحيح والله أعلم PageV33P239 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل اعتقد مسئله ( الدور ( المسندة لإبن سريج ثم ~~حلف بالطلاق على شيء لا يفعله ثم فعله ثم رجع عن المسألة وراجع زوجته ثم ~~بعد ذلك حلف على شيء بالطلاق الثلاث أن لا يفعله ثم بعد ذلك قال لزوجته أنت ~~طالق فهل يقع عليه الطلاق الثلاث أم يستعمل المسألة الأولى المشار اليها ### ||||| فأجاب # ( المسألة السريجية ) باطلة في الإسلام محدثه لم يفت بها أحد من ~~الصحابة والتابعين ولا تابعيهم وإنما ذكرها طائفة من الفقهاء بعد المائة ~~الثالثة وأنكر ذلك عليهم جمهور فقهاء المسلمين وهو الصواب فان ما قاله ~~أولئك يظهر فساده من وجوه منها أنه قد علم بالإضطرار من دين الإسلام أن ~~الله أباح الطلاق كما اباح النكاح وان دين المسلمين مخالف لدين النصارى ~~الذين لا يبيحون الطلاق فلو كان في دين المسلمين ما يمتنع معه الطلاق لصار ~~دين المسلمين مثل دين النصارى PageV33P240 وشبهة هؤلاء ) أنهم قالوا اذا ~~قال لامرأته اذا وقع عليك طلاقى فانت طالق قبله ms9444 ثلاثا ثم طلقها بعد ذلك ~~طلاقا منجزا لزم أن يقع المعلق ولو وقع المعلق يقع المنجز فكان وقوعه ~~يستلزم عدم وقوعه فلا يقع وهذا خطأ فإن قولهم لو وقع المنجز لوقع المعلق ~~إنما يصح لو كان التعليق صحيحا فاما اذا كان التعليق باطلا لا يلزم وقوع ~~التعليق والتعليق باطل لأن مضمونه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ووقوع طلقة ~~مسبوقة بثلاث باطل في دين المسلمين # ومضمونه أيضا إذا وقع عليك طلاقى لم يقع عليك طلاقى وهذا جميع بين ~~النقيضين فانه اذا لم يقع الشرط لم يقع الجزاء واذا وقع الشرط لزم الوقوع ~~فلو قيل لا يقع مع ذلك لزم أن يقع ولا يقع وهذا جمع بين النقيضين # وأيضا فالطلاق إذا وقع لم يرتفع بعد وقوعه فلما كان كلام المطلق يتضمن ~~محالا في الشريعة وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ومحالا في العقل وهو الجمع ~~بين وقوع الطلاق وعدم وقوعه كان القائل بالتسريج مخالفا للعقل والدين لكن ~~اذا اعتقد الحالف صحة هذا اليمين باجتهاد أو تقليد وطلق بعد ذلك معتقدا أنه ~~لا يقع به الطلاق لم يقع به الطلاق لأنه لم يقصد التكلم بما يعتقده طلاقا ~~فصار كما لو تكلم العجمى بلفظ الطلاق وهو لا يفهمه بل وكذلك لو خاطب من ~~يظنها أجنبية بالطلاق فتبين أنها امرأته فانه لا لا يقع به على الصحيح ولو ~~تبين له فساد التسريج بعد ذلك وانه يقع المنجز PageV33P241 لم يكن ظهور ~~الحق له فيما بعد موجبا لوقوع الطلاق عليه وكذلك ان احتاط فراجع امرأته ~~خوفا أن يكون الطلاق وقع به أو معتقدا وقوع الطلاق به لم يقع ولو أقر بعد ~~ما تبين له فساد التسريج أن الطلاق وقع لم يقع بهذا الإقرار شيء ولو أعتقد ~~وقوع الطلاق فراجع امرأته ثم فعل المحلوف عليه معتقدا أنه قد حنث فيه مرة ~~فلا يحنث فيه مرة ثانية لم يقع به فهذا الفعل شيء واليمين التى حلف بها أنه ~~لا يفعل ذلك الشيء باقية فان كان سبب اليمين باقيا فهي باقية وإن ms9445 زال سبب ~~اليمين فله فعل المحلوف عليه بناء على ذلك ولم يحنث وكذلك لو تزوجها ثم فعل ~~المحلوف عليه معتقدا أن البينونة حصلت وانقطع حكم اليمين الأولى لم يحنث ~~لاعتقاده زوال اليمين كمالا يحنث الجاهل بان ما فعله هو المحلوف عليه في ~~أصح قولى العلماء # وأما قوله لزوجته بعد ذلك أنت طالق فانه تقع هذه الطلقة واذا اعتقد أنه ~~بهذه الطلقة قد كملت ثلاثا وأقر أنه طلقها ثلاثا لم يقع بهذا الإعتقاد شيء ~~ولا بهذا الإقرار ### |||| وسئل رحمه الله # ما قولكم في العمل ( بالسريجية ) وهو أن يقول الرجل ~~لإمرأته اذا طلقتك فانت طالق قبله ثلاثا وهذه المسألة تسمى ( مسالة بن سريج ~~PageV33P242 ### ||||| الجواب # هذه المسألة لم يفت بها أحد من سلف الأمة ولا أئمتها لا من ~~الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المذاهب المتبوعين كأبى حنيفة ومالك ~~والشافعى وأحمد ولا أصحابهم الذين أدركوهم كأبى يوسف ومحمد والمزنى ~~والبويطى وبن القاسم وبن وهب وابراهيم الحربى وأبى بكر الأثرم وأبى داود ~~وغيرهم لم يفت أحد منهم بهذه المسألة وإنما افتى بها طائفة من الفقهاء بعد ~~هولاء وأنكر ذلك عليهم جمهور الأمة كاصحاب ابى حنيفة ومالك وأحمد وكثير من ~~اصحاب الشافعى وكان الغزالى يقول بها ثم رجع عنها وبين فسادها # وقد علم من دين المسلمين أن نكاح المسلمين لا يكون كنكاح النصارى والدور ~~الذى توهموه فيها باطل فانهم ظنوا انه اذا وقع المنجز وقع المعلق وهو انما ~~يقع لو كان التعليق صحيحا والتعليق باطل لأنه اشتمل على محال في الشريعة ~~وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فان ذلك محال في الشريعة والتسريج يتضمن لهذا ~~المحال في الشريعة فيكون باطلا واذا كان قد حلف بالطلاق معتقدا أنه لا يحنث ~~ثم تبين له فيما بعد أنه لا يجوز فليمسك امرأته ولا طلاق عليه فيما مضى ~~ويتوب في المستقبل # والحاصل أنه لو قال الرجل لإمرأته إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا فطلقها ~~وقع المنجز على الراجح ولا يقع معه المعلق لأنه لو وقع المعلق وهو الطلاق ~~الثلاث لم يقع ms9446 المنجز لأنه زائد على عدد الطلاق وإذا لم يقع المنجز ~~PageV33P243 لم يقع المعلق وقيل لا يقع شيء لأن وقوع المنجز يقتضى وقوع ~~المعلق ووقوع المعلق يقتضى عدم وقوع المنجز وهذا القيل لا يجوز تقليده وبن ~~سريج بريء مما نسب إليه فيها قاله الشيخ عز الدين ### |||| وسئل رحمه الله # هل تصح 0 مسألة بن سريج ) أم لا فإن قلنا لا تصح فمن قلده ~~فيها وعمل فيها فلما علم بطلانها استغفر الله من ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه المسألة محدثة في الاسلام ولم يفت بها ~~أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من الأئمة الأربعة وانما افتى بها ~~طائفة من المتأخرين وانكر ذلك عليهم جماعة علماء المسلمين ومن قلد فيها ~~شخصا ثم تاب فقد عفا الله عما سلف ولا يفارق امرأته وإن كان قد تزوج بها ~~إذا كان متأولا والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل تزوج بامرة وجاءه منها ولد وأوصاه الشهود أو ~~غيرهم أنه إذا ادخل على زوجته أن يقول لها إذا طلقتك فأنت طالق قبل طلاقك ~~ثلاثا فهل يجوز ذلك العقد أم لا PageV33P244 ### ||||| فأجاب # الحمد لله النكاح صحيح لا يحتاج إلى إستئناف والتسريج ( الذى لا ~~يتكلم به لا يفسد النكاح باتفاق العلماء لكنه إن طلقها بعد ذلك وقع به ~~الطلاق عند جماهير أهل العلم من أصحاب مالك وأحمد وأبى حنيفة وكثير من ~~أصحاب الشافعى أو أكثرهم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل له زوجه طلبت منه الطلاق وطلقها وقال ما ~~بقيت أعود اليها ابدا فوجده صاحبه فقال ما أصدقك على هذا إلا إن قلت كلما ~~تزوجت هذه كانت طالقاعلى مذهب مالك ولم يرى الأحكام الشرعية فهل له أن ~~يردها ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما ان قصد كلما تزوجتها برجعة أو عقد جديد وهو ظاهر ~~كلامه فمتى ارتجعها قبل انقضاء العدة طلقت ثانية ثم ان ارتجعها طلقت ثالثة ~~وان تركها حتى تنقضى عدتها بانت منه فاذا تزوجها بعد ذلك فمن قال إن تعليق ~~الطلاق بالنكاح يقع في مثل ms9447 هذا كابى حنيفة ومالك وأحمد في رواية قال ان هذه ~~اذا تزوجها يقع بها الطلاق وأما من لم يقل بذلك كالشافعى وأحمد في المشهور ~~عنه فهذه لما علق طلاقها كانت رجعية والرجعية كالزوجه في مثل هذا لكن تخلل ~~البينونة هل يقطع PageV33P245 حكم الصفة ظاهر مذهب أحمد أنه لايقطع وقد نص ~~على الفرق في تعليق الطلاق على النكاح بين أن يكون في عدة أولا يكون فعلى ~~مذهبه يقع الطلاق بها اذا تزوجها وهو أحد قولى الشافعى وعلى قوله الآخر ~~الذى يقول فيه إن البينونة تقطع حكم الصفة وهو رواية عن أحمد فان قوله إذا ~~تزوجها كقوله اذا دخلت الدار واذا بانت انحلت هذه اليمين فيجوز له أن ~~يتزوجها ولا يقع به طلاق وهو الذى يرجحه كثير من اصحاب الشافعى # وأما قوله على مذهب مالك فانه التزام منه لمذهب بعينه وذلك لا يلزم بل له ~~أن يقلد مذهب الشافعى وان كان الطلاق بائنا بعوض والتعليق بعد هذا في العدة ~~وغيره تعليق باجنبية فلا يقع به شيء اذا تزوجها في مذهب الشافعى ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل شافعى المذهب بانت منه زوجته بالطلاق الثلاث ~~ثم تزوجت بعده وبانت من الزوج الثانى ثم أرادت صلح زوجها الأول لأن لها منه ~~اولادا فقال لها اننى لست قادراعلى النفقة وعاجز عن الكسوة فأبت ذلك فقال ~~لها كلما حللت لى حرمت على فهل تحرم عليه وهل يجوز ذلك PageV33P246 ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا تحرم عليه بذلك لكن فيها قولان ( أحدهما ) أن له أن ~~يتزوجها ولا شيء عليه و ( الثانى ) عليه كفارة إما كفارة ظهار في قول وإما ~~كفارة يمين في قول آخر وكذلك مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما ان له أن يتزوجها ~~ولا يقع به طلاق لكن في التفكير نزاع وإنما يقول بوقوع الطلاق بمثل هذه من ~~يجوز تعليق الطلاق على النكاح كابى حنيفة ومالك بشر ط أن يرى الحرام طلاقا ~~كقول مالك وإذا نواه كقول أبى حنيفة واما الشافعى واحمد فعندهما لو قال ~~كلما تزوجتك فانت طالق ms9448 لم يقع به طلاق فكيف في الحرام لكن أحمد يجوز عليه ~~في المشهور عنه تصحيح الظهار قبل الملك بخلاف الشافعي والله أعلم ~~PageV33P247 ### || 1 ( مسائل في الظهار والعدة والنفقات ) 1 ### ||| 2 باب الظهار 2 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ( # عن رجل قال لامرأته أنت ~~على مثل أمى وأختى ### ||||| فأجاب # إن كان مقصوده أنت على مثل أمى واختى في الكرامة فلا شيء عليه وإن ~~كان مقصوده يشبهها بأمه وأخته في ( باب النكاح ( فهذا ظهار عليه ما على ~~المظاهر فاذا امسكها فلا يقربها حتى يكفر كفارة ظهار ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل تزوج وأراد الدخول الليلة الفلانية والا كانت ~~عندى مثل امى وأختى ولم تتهيأ له ذلك الوقت الذى طلبها فيه فهل يقع طلاق ~~PageV34P005 ### ||||| فأجاب # لا يقع عليه طلاق في المذاهب الاربعة لكن يكون مظاهرا فاذا أراد ~~الدخول فإنه يكفر قبل ذلك الكفارة التى ذكرها الله في ( سورة المجادلة ) ~~فيعتق رقبة مؤمنة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين فان لم يستطع فاطعام ~~ستين مسكينا ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل حنق من زوجته فقال ان بقيت انكحك أنكح ~~أمى تحت ستور الكعبة هل يجوز أن يصالحها ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا نكحها فعليه كفارة الظهار عتق رقبة مؤمنة فان لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ولا يمسها حتى يكفر ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجلين قال أحدهما لصاحبه يا أخى لا تفعل هذه ~~الأمور بين يدى امرتك قبيح عليك فقال ما هي إلا مثل أمى فقال لأى شيء قلت ~~سمعت أنها تحرم بهذا اللفظ ثم كرر على نفسه وقال أى والله هي عندى مثل أمى ~~هل تحرم على الزوج بهذا اللفظ PageV34P006 ### ||||| فأجاب # الحمد رب العالمين إن أراد بقوله إنها مثل أمى أنها تستر على ولا ~~تهتكنى ولا تلومنى كما تفعل الأم مع ولدها فانه يؤدب على هذا القول ولا ~~تحرم عليه امرأته فان عمر بن الخطاب رضى الله عنه سمع رجلا يقول لامرأته يا ~~أختى فأدبه ms9449 وإن كان جاهلا لم يؤدب على ذلك وان استحق العقوبة على ما فعله ~~من المنكر وقال أختك هي فلا ينبغى أن يجعل الانسان امرأته كأمه # وان أراد بها عندى مثل أمى أى في الامتناع عن وطئها والاستمتاع بها ونحو ~~ذلك مما يحرم من الأم فهي مثل أمى التى ليست محلا للاستمتاع بها فهذا ( ~~مظاهر ) يجب عليه ما يجب على المظاهر فلا يحل له أن يطأها حتى يكفر ( كفارة ~~الظهار ) فيعتق رقبة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين فان لم يستطع فاطعام ~~ستين مسكينا واذا فعل ذلك حل له ذلك باتفاق المسلمين إلا ينوى أنها محرمة ~~على كأمى فهذا يكون مظاهرا في مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد وحكى في مذهب ~~مالك نزاع في ذلك هل يقع به الثلاث أم لا # والصواب المقطوع به أنه لا يقع به طلاق ولا يحل له الوطء حتى يكفر ~~باتفاقهم ولا يقع به الطلاق بذلك والله أعلم PageV34P007 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قال لامرأته بائن عنه ان رددتك تكونى مثل أمى ~~وأختى هل يجوز أن يردها وما الذى يجب عليه ### ||||| فأجاب # في أحد قولى العلماء عليه كفارة ظهار وإذا ردها في الآخر لا شيء ~~والأول أحوط ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قال في غيظه لزوجته أنت على حرام مثل أمى ### ||||| فأجاب # هذا مظاهر من امرأته داخل في قوله @QB@ الذين يظاهرون منكم من ~~نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا وإن الله لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا @QE@ فهذا اذا أراد امساك زوجته ووطأها فانه لا يقربها حتى ~~يكفر هذه الكفارة التى ذكرها الله PageV34P008 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قالت له زوجته أنت على حرام مثل أبى وأمى وقال لها ~~أنت على حرام مثل أمى وأختى ms9450 فهل يجب عليه طلاق ### ||||| فأجاب # لا طلاق بذلك ولكن ان استمر على النكاح فعلى كل منهما كفارة ظهار ~~قبل أن يجتمعا وهى عتق رقبة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين فان لم يستطع ~~فاطعام ستين مسكينا PageV34P009 ### ||| 2 باب ما يلحق من النسب 2 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل تزوج بنتا بكرا بالغا ودخل بها فوجدها ~~بكرا ثم إنها ولدت ولدا بعد مضى ستة أشهر بعد دخوله بها فهل يلحق به الولد ~~أم لا وأن الزوج حلف في الطلاق منها ان الولد ولده من صلبه فهل يقع به ~~الطلاق أم لا والولد بن سوى كامل الخلقة وعمر سنين أفتونا ماجورين ### ||||| فأجاب رضى الله عنه # الحمد لله إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر من حين دخل بها ~~ولو بلحظة لحقه الولد باتفاق الأئمة ومثل هذه القصة وقعت في زمن عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه واستدل الصحابة على امكان كون الولد لستة أشهر بقوله ~~تعالى @QB@ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا @QE@ مع قوله @QB@ والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين @QE@ فاذا كان مدة الرضاع من الثلاثين حولين يكون ~~الحمل ستة أشهر فجمع في الآية أقل الحمل وتمام الرضاع ولولم يستلحقه فكيف ~~إذا استلحقه وأقر به بل لو استلحق مجهول النسب وقال انه ابنى لحقه باتفاق ~~المسلمين إذا كان ذلك ممكنا ولم يدع أحد انه ابنه كان بارا في يمينه ولا ~~حنث عليه والله أعلم PageV34P010 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل اشترى جارية بكرا وباشرها وهى لا تخرج ولا ~~تدخل وهى حامل منه فأخرجها إلى السوق وينكر ويحلف أنه ما هو ولده ### ||||| فأجاب # إذا اعترف انه وطئها مثل أن يكون قد أقر بذلك فإن الولد يلحقه ~~ويجعل هذا الحمل منه اذا وضعت لمدة الامكان وليس له ان يبيع الحمل ولا أمه ~~لكن اذا ادعى الاستبراء ففى قبول قوله وتحليفه نزاع بين العلماء والله اعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل تزوج امرأة واقامت في صحبته خمسة عشر يوما ثم ~~طلقها الطلاق البائن وتزوجت بعده بزوج آخر بعد ms9451 اخبارها بانقضاء العدة من ~~الأول ثم طلقها الزوج الثانى بعد مدة ست سنين وجاءت بابنة وادعت انها من ~~الزوج الأول فهل يصح دعواها ويلزم الزوج الأول ولم يثبت انها ولدت البنت ~~وهذا الزوج والمرأة مقيمان ببلد واحد وليس لها مانع من دعوى النساء ولا ~~مطالبته بنفقة ولا فرض PageV34P011 ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يلحق هذا الولد الذى هو البنت بمجرد دعواها والحالة ~~هذه باتفاق الأئمة بل لو ادعت انها ولدته في حال يلحق به نسبه اذا ولدته ~~وكانت مطلقة وانكر هو ان تكون ولدته لم تقبل في دعوى الولادة بلا نزاع حتى ~~تقيم بذلك بينة ويكفى امرأة واحدة عند أبى حنيفة وأحمد في المشهور عنه وعند ~~مالك وأحمد في الرواية الأخرى لا بد من امرأتين واما الشافعى فيحتاج عنده ~~إلى اربع نسوة ويكفى يمينه أنه لا يعلم أنها ولدته # واما ان كانت الزوجية قائمة ففيها قولان في مذهب أحمد ( احدهما ) لا يقبل ~~قولها كمذهب الشافعى ( والثانى ( يقبل كمذهب مالك واما اذا انقضت عدتها ~~ومضى لها اكثر الحمل ثم ادعت وجود حمل من الزوج الأول المطلق فهذه لا يقبل ~~قولها بلا نزاع بل لو اخبرت بانقضاء عدتها ثم أتت بولد لستة أشهر فصاعدا ~~ولدون مدة الحمل فهل يلحقه على قولين مشهورين لأهل العلم ومذهب ابى حنيفة ~~وأحمد أنه يلحق وهذا اختيار بن سريج من اصحاب الشافعى لكن المشهور من مذهب ~~الشافعى ومالك أنه لا يلحقه # وهذا النزاع اذا لم تتزوج فاما اذا تزوجت بعد اخبارها بانقضاء عدتها ثم ~~أتت بولد لأكثر من ستة اشهر فان هذا لا يلحق نسبه بالأول قولا واحدا فاذا ~~عرفت مذهب الأئمة في هذين الأصلين فكيف يلحقه نسبه PageV34P012 بدعواها بعد ~~ست سنين ولو قالت ولدته ذلك الزمن قبل ان يطلقنى لم يقبل قولها ايضا بل ~~القول قوله مع يمينه انها لم تلدها على فراشه # ولو قالت هي وضعت هذا الحمل قبل ان أتزوج بالثانى وأنكر الزوج الأول ذلك ~~فالقول قوله ايضا أنها لم تضعها قبل تزوجها بالثانى لا ms9452 سيمامع تأخر دعواها ~~إلى ان تزوجت الثانى فان هذا مما يدل على كذبها في دعواها لا سيما على أصل ~~مالك في تأخر الدعوى الممكنة بغير عذر في هذه المسائل ونحوها ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عمن طلق امرأته ثلاثا وأفتاه مفت بأنه لم يقع ~~الطلاق فقلده الزوج ووطىء زوجته بعد ذلك وأتت منه بولد فقيل إنه ولد زنا ### ||||| فأجاب # من قال ذلك فهو في غاية الجهل والضلالة والمشاقة لله ورسوله فان ~~المسلمين متفقون على أن كل نكاح اعتقد الزوج انه نكاح سائغ اذا وطىء فيه ~~فانه يلحقه فيه ولده ويتوارثان باتفاق المسلمين وان كان ذلك النكاح باطلا ~~في نفس الأمر باتفاق المسلمين سواء كان الناكح كافرا أو مسلما واليهودى اذا ~~تزوج بنت أخيه كان ولده منه يلحقه نسبه ويرثه باتفاق المسلمين PageV34P013 ~~وان كان ذلك النكاح باطلا باتفاق المسلمين ومن استحله كان كافرا تجب ~~استتابته وكذلك المسلم الجاهل لو تزوج امرأة في عدتها كما يفعل جهال ~~الاعراب ووطأها يعتقدها زوجة كان ولده منها يلحقه نسبه ويرثه باتفاق ~~المسلمين ومثل هذا كثير # فان ( ثبوت النسب ) لا يفتقر إلى صحة النكاح في نفس الأمر بل الولد ~~للفراش كما قال النبى ( الولد للفراش وللعاهر الحجر فمن طلق امرأته ثلاثا ~~ووطأها يعتقد أنه لم يقع به الطلاق اما لجهله وإما لفتوى مفت مخطىء قلده ~~الزوج وإما لغير ذلك فإنه يلحقه النسب ويتوارثان بالاتفاق بل ولا تحسب ~~العدة الا من حين ترك وطأها فإنه كان يطؤها يعتقد أنها زوجته فهي فراش له ~~فلا تعتد منه حتى تترك الفراش # ومن نكح امرأة ( نكاحا فاسدا ( متفقا على فساده أو مختلفا في فساده أو ~~ملكها ملكا فاسدا متفقا على فساده أو مختلفا في فساده أووطأها يعتقدها ~~زوجته الحرة أو أمته المملوكة فإن ولده منها يلحقه نسبه ويتوارثان باتفاق ~~المسلمين والولد أيضا يكون حرا وان كانت الموطؤة مملوكة للغير في نفس الأمر ~~ووطئت بدون اذن سيدها لكن لما كان الواطىء مغرورا بها زوج بها وقيل هي حرة ~~أو بيعت فاشتراها يعتقدها ms9453 ملكا للبائع فانما وطىء من PageV34P014 يعتقدها ~~زوجته الحرة أو أمته المملوكة فولده منها حرلاعتقاده وان كان اعتقاده مخطئا ~~وبهذا قضى الخلفاء الراشدون واتفق عليه أئمة المسلمين # فهؤلاء الذين وطئوا وجاءهم أولاد لو كانوا قد وطئوا في نكاح فاسد متفق ~~على فساده وكان الطلاق وقع بهم باتفاق المسلمين وهم وطئوا يعتقدون ان ~~النكاح باق لافتاء من افتاهم أو لغير ذلك كان نسب الأولاد بهم لاحقا ولم ~~يكونوا أولاد زنا بل يتوارثون باتفاق المسلمين هذا في المجمع على فسادة ~~فكيف في المختلف في فساده وان كان القول الذى وطىء به قولا ضعيفا كمن وطىء ~~في نكاح المتعة أو نكاح المرأة نفسها بلاولى ولا شهود فان هذا اذا وطىء فيه ~~يعتقده نكاحا لحقه فيه النسب فكيف بنكاح مختلف فيه وقد ظهرت حجة القول ~~بصحته بالكتاب والسنة والقياس وظهر ضعف القول الذى يناقضه وعجز أهله عن ~~نصرته بعد البحث التام لا نتفاء الحجة الشرعية # فمن قال ان هذا النكاح أو مثله يكون فيه الولد ولد زنا ( لا ) يتوارثان ~~هو وأبوه الوطىء مخالف لاجماع المسلمين منسلخ من رتبة الدين فان كان جاهلا ~~عرف وبين له ان رسول الله وخلفاءه الراشدين وسائر أئمة الدين الحقوا أولاد ~~أهل الجاهلية بآبائهم وإن كانت محرمة بالاجماع ولم يشترطوا في لحوق النسب ~~أن يكون النكاح جائزا في شرع المسلمين فان أصر على مشاقة الرسول من PageV34P015 ~~بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين؛ فإنه يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل. فقد ظهر أن من أنكر الفتيا بأنه لا يقع الطلاق وادعى الإجماع ~~على وقوعه، وقال إن الولد ولد زنا. هو المخالف لإجماع المسلمين، مخالف لكتاب ~~الله وسنة رسول الله رب العالمين، وإن المفتي بذلك أو القاضي بذلك فعل ما لا يسوغ ~~له بإجماع المسلمين. وليس لأحد المنع من الفتيا بقوله، ولا القضاء بذلك، ولا ~~الحكم بالمنع من ذلك باتفاق المسلمين، والأحكام باطلة بإجماع المسلمين. ~~والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ~~ولا حول ms9454 ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل ابعت عليه مطلقته بعد ست سنين ببنت، وبعد أن تزوجت بزوج ~~آخر، فألزمه بعض الحكام باليمين، فقال الرجل: أحلف أن هذه ما هي بنتي. ~~فقال الحاكم: ما تحلف إلا أنها ما هي بنتها، فامتنع أن يحلف إلا أنها ~~ما هي بنتي، وكان معه إنسان فقال للحاكم: هذا ما يحل له أن يحلف أنها ~~ما هي بنت هذه المرأة، فضره الحاكم بالدرة، وأحرق به، فحلف الرجل، فكتب ~~فرض البنت. فهل يصح هذا الفرض؟ PageV34P016 # فأجاب الحمد لله عليه اليمين أنها لم تلدها في العدة أو أنها لم تلدها ~~على فراشه أو أنها لم تلدها في بيته بحيث أمكن لحوق النسب به فأما إذا ~~تزوجت بغيره وأمكن أنها ولدتها من الثانى فليس عليه اليمين أنها لم تلدها ~~واذا حلفت انها لم تلدها قبل نكاح الثانى آخرا وإذا إكره على الاقرار لم ~~يصح إقراره ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج بامرأة ولم يدخل بها ولا أصابها فولدت بعد ~~شهرين فهل يصح النكاح وهل يلزمه الصداق أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يلحق به الولد باتفاق المسلمين وكذلك لا يستقر عليه ~~المهر باتفاق المسلمين لكن للعلماء في العقد ( قولان ) أصحهما أن العقد ~~باطل كمذهب مالك وأحمد وغيرهما وحينئذ فيجب التفريق بينهما ولا مهر عليه ~~ولا نصف مهر ولا متعة كسائر العقود الفاسدة إذا حصلت الفرقة فيها قبل ~~الدخول لكن ينبغى أن يفرق بينهما حاكم يرى فساد العقد لقطع النزاع و ( ~~القول الثانى ( ان العقد صحيح ثم لا يحل له الوطؤ حتى تضع كقول أبى حنيفة ~~وقيل يجوز له الوطؤ قبل الوضع كقول الشافعى PageV34P017 فعلى هذين القولين ~~إذا طلقها قبل الدخول فعليه نصف المهر لكن هذا النزاع إذا كانت حاملا من ~~وطىء شبهة أو سيد أو زوج فان النكاح باطل باتفاق المسلمين ولا مهر عليه إذا ~~فارق قبل الدخول وأما الحامل من الزنى فلا كلام في صحة نكاحها والنزاع فيما ~~إذا كان نكحها طائعاوأما إذا ms9455 نكحها مكرها فالنكاح باطل في مذهب الشافعى ~~وأحمد وغيرهما PageV34P018 ### ||| 2 باب العدد 2 ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة طلقها زوجها في الثامن والعشرين من ربيع الأول ~~وان دم الحيض جاءها مرة ثم تزوجت بعد ذلك في الثالث والعشرين من جمادى ~~الآخر من السنة وادعت أنها حاضت ثلاث حيض ولم تكن حاضت إلا مرة فلما علم ~~الزوج الثانى طلقها طلقة واحدة ثانيا في العشر من شعبان من السنة ثم أرادت ~~أن تزوج بالمطلق الثانى وادعت أنها آيسة فهل يقبل قولها وهل يجوز تزويجها ### ||||| فأجاب # الاياس لا يثبت بقول المرأة لكن هذه إذا قالت إنه ارتفع لا تدرى ما ~~رفعه فانها تؤجل سنة فان لم تحض فيها زوجت واذا طعنت في سن الاياس فلا ~~تحتاج إلى تأجيل وان علم ان حيضها ارتفع بمرض أو رضاع كانت في عدة حتى يزول ~~العارض # فهذه المرأة كان عليها ( عدتان ( عدة للأول وعدة من وطىء الثانى ونكاحه ~~فاسد لا يحتاج إلى طلاق فاذا لم تحض إلا مرة واستمر انقطاع الدم ~~PageV34P019 فانها تعتد العدتين بالشهور ستة أشهر بعد فراق الثانى إذا كانت ~~آيسة واذا كانت مستريبة كان سنة وثلاثة اشهر وهذا على قول من يقول ان ~~العدتين لا تتداخلان كمالك والشافعى وأحمد وعند أبى حنيفة تتداخل العدتان ~~من رجلين لكن عنده الاياس حد بالسن وهذا الذى ذكرناه هو أحسن قولى الفقهاء ~~وأسهلهما وبه قضى عمر وغيره وأما على القول الآخر فهذه المستريبة تبقى في ~~عدة حتى تطعن في سن الاياس فتبقى على قولهم تمام خمسين أو ستين سنة لا ~~تتزوج ولكن في هذا عسر وحرج في الدين وتضييع مصالح المسلمين ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج امرأة ولها عنده أربع سنين لم تحض وذكرت ان ~~لها أربع سنين قبل زواجها لم تحض فحصل من زوجها الطلاق الثلاث فكيف يكون ~~تزويجها بالزوج الآخر وكيف تكون العدة وعمرها خمسون سنة ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه تعتد عدة الآيسات ( ثلاثة أشهر ( في أظهر قولى ~~العلماء فانها قد عرفت أن حيضها قد ms9456 انقطع وقد عرفت أنه قد انقطع انقطاعا ~~مستمرا بخلاف المستريبة التى لا تدرى ما رفع حيضها هل هو ارتفاع ~~PageV34P020 أياس أو ارتفاع لعارض ثم يعود كالمرض والرضاع فهذه ( ثلاثة ~~أنواع ( فما ارتفع لعارض كالمرض والرضاع فانها تنتظر زوال العارض بلاريب ~~ومتى ارتفع لا تدرى ما رفعه فمذهب مالك واحمد في المنصوص عنه وقول للشافعى ~~أنها تعتد عدة الآيسات بعد أن تمكث مدة الحمل كما قضى بذلك عمر ومذهب أبى ~~حنيفة والشافعى في الجديد أنها تمكث حتى تطعن في سن الاياس فتعتد عدة ~~الآيسات وفى هذا ضرر عظيم عليها فانها تمكث عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة ~~لا تتزوج ومثل هذا الحرج مرفوع عن الأمة وإنما ( اللائى يئسن من المحيض ) ~~فانهن يعتددن ثلاثة أشهر بنص القرآن واجماع الأمة # لكن العلماء مختلفون هل للاياس سن لا يكون الدم بعده الا دم إياس وهل ذلك ~~السن خمسون أو ستون أو فيه تفصيل ومتنازعون هل يعلم الاياس بدون السن # وهذه المرأة قد طعنت في سن الاياس على أحد القولين وهو الخمسون ولها مدة ~~طويلة لم تحض وقد ذكرت أنها شربت ما يقطع الدم والدم يأتى بدواء فهذه لا ~~ترجو عود الدم اليها فهي من الايسات تعتد عدة الايسات والله أعلم ~~PageV34P021 ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة فسخ الحاكم نكاحها عقب الولادة لما ثبت عنده من ~~تضررها بانقطاع نفقة زوجها وعدم تصرفه الشرعى عليها المدة التى يسوغ فيها ~~فسخ النكاح لمثلها وبعد ثلاثة شهور من فسخ النكاح رغب فيها من يتزوجها فهل ~~يجوز أن تعتد بالشهور إذ أكثر النساء لا يحضن مع الرضاعة أو يستمر بها ~~الضرر إلى حيث ينقضى الرضاع ويعود اليها حيضها أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل ~~تبقى في العدة حتى تحيض ثلاث حيض وان تأخر ذلك إلى انقضاء مدة الرضاع وهذا ~~باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم وبذلك قضى عثمان بن عفان وعلى بن ابى طالب ~~بين المهاجرين والانصار ولم يخالفهما أحد فان احبت المرأة أن تسترضع لابنها ~~من يرضعه لتحيض أو تشرب ما ms9457 تحيض به فلها ذلك والله اعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن امرأة كانت تحيض وهى بكر فلما تزوجت ولدت ستة ~~أولاد ولم تحض بعد ذلك ووقعت الفرقة من زوجها وهى مرضع وأقامت عند اهلها ~~PageV34P022 نصف سنة ولم تحض وجاء رجل يتزوجها غير الزوج الأول فحضروا عند ~~قاض من القضاة فسألها عن الحيض فقالت لى مدة سنين ما حضت فقال القاضي ما ~~يحل لك عندى زواج فزوجها حاكم آخر ولم يسألها عن الحيض فبلغ خبرها إلى قاض ~~آخر فاستحضر الزوج والزوجة فضرب الرجل مائة جلدة وقال زنيت وطلق عليه ولم ~~يذكر الزوج الطلاق فهل يقع به طلاق ### ||||| فأجاب # إن كان قد ارتفع حيضها بمرض أو رضاع فإنها تتربص حتى يزول العارض ~~وتحيض باتفاق العلماء وان كان ارتفع حيضها لاتدرى مارفعه فهذه في أصح قولى ~~العلماء على ما قال عمر تمكث سنة ثم تزوج وهو مذهب أحمد المعروف في مذهبه ~~وقول للشافعى وان كانت ( في القسم الأول ( فنكاحها باطل والذى فرق بينهما ~~أصاب في ذلك وأصاب في تأديب من فعل ذلك وان كانت من ( القسم الثانى ( قد ~~زوجها حاكم لم يكن لغيره من الحكام ان يفرق بينهما ولم يقع بها طلاق فان ~~فعل الحاكم لمثل ذلك يجوز في أصح الوجهين ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن مرضع استبطأت الحيض فتداوت لمجىء الحيض فحاضت ~~ثلاث حيض وكانت مطلقة فهل تنقضى عدتها أم لا PageV34P023 ### ||||| فأجاب # نعم اذا أتى الحيض المعروف لذلك اعتدت به كما انها لو شربت دواء ~~قطع الحيض أو باعد بينه كان ذلك طهرا وكما لو جاعت أو تعبت أو أتت غير ذلك ~~من الاسباب التى تسخن طبعها وتثير الدم فحاضت بذلك والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن امرأة شابت لم تبلغ سن الاياس وكانت عادتها ان تحيض ~~فشربت دواء فانقطع عنها الدم واستمر انقطاعه ثم طلقها زوجها وهى على هذه ~~الحالة فهل تكون عدتها من حين الطلاق بالشهور أو تتربص حتى تبلغ سن الآيسات ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين ان كانت تعلم ms9458 أن الدم يأتى فيما بعد فعدتها ~~ثلاثة اشهر وان كان يمكن أن يعود الدم ويمكن ان لا يعود فانها تتربص بعد ~~سنة ثم تتزوج كما قضى به عمر بن الخطاب في المرأة يرتفع حيضها لا تدرى ما ~~رفعه فانها تتربص سنة وهذا مذهب الجمهور كمالك والشافعى ومن قال انها تدخل ~~في سن الآيسات فهذا قول ضعيف جدا مع ما فيه من الضرر الذى لا تأتى الشريعة ~~بمثله أو تمنع من النكاح وقت حاجتها إليه ويؤذن لها فيه حين لا تحتاج إليه ~~PageV34P024 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل مرض مرضا متصلا بموته وله زوجة فأمرها أن ~~تخرج من داخل الدار إلى خارجها فتوقفت عن الخروج فقال لها أنت طالق فخرجت ~~وحجبت وجهها عنه فطلبها فدخلت عليه محتجبة فسألها عن احتجابها لما هو ~~فأخبرته بما أوقع من الطلاق فانكر وقال ما حلفت ولا طلقت ومات بعد أيام فهل ~~يلزمها الطلاق أم عدة الوفاة ### ||||| فأجاب # عليها عدة الوفاة مع عدة الطلاق ولها الميراث هذا إن كان عقله ~~حاضرا حين تكلم بالطلاق وإن كان عقله غائبا لم يلزمها عدة الوفاة والله ~~أعلم PageV34P025 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل تزوج امرأة من مدة ثلاث سنين ورزق منها ولدا ~~له من العمر سنتان وذكرت انها لما تزوجت لم تحض إلا حيضتين وصدقها الزوج ~~وكان قد طلقها ثانيا على هذا العقد المذكور فهل يجوز الطلاق على هذا العقد ~~المفسوخ ### ||||| فأجاب # إن صدقها الزوج في كونها تزوجت قبل الحيضة الثالثة فالنكاح باطل ~~وعليه ان يفارقها وعليها ان تكمل عدة الأول ثم تعتد من وطء الثانى فان كانت ~~حاضت الثالثة قبل ان يطأها الثانى فقد انقضت عدة الأول ثم اذا فارقها ~~الثانى اعتدت له ثلاث حيض ثم تزوج من شاءت بنكاح جديد وولده ولد حلال يلحقه ~~نسبه وان كان قد ولد بوطء في عقد فاسد لا يعلم فساده PageV34P026 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله ( ### ||| فصل # ( المعتدة عدة الوفاة ) تتربص أربعة اشهر وعشرا وتجتنب الزينة والطيب في ~~بدنها وثيابها ولا تتزين ولا ms9459 تتطيب ولا تلبس ثياب الزينة وتلزم منزلها فلا ~~تخرج بالنهار إلا لحاجة ولا بالليل الا لضرورة ويجوز لها ان تأكل كلما ~~أباحه الله كالفاكهة واللحم لحم الذكر والأنثى ولها أكل ذلك باتفاق علماء ~~المسلمين وكذلك شرب ما يباح من الاشربة ويجوز لها أن تلبس ثياب القطن ~~والكتان وغير ذلك مما أباحه الله وليس عليها أن تصنع ثيابا بيضاء أو غير ~~بيض للعدة بل يجوز لها لبس المقفص لكن لا تلبس ما تتزين به المرأة مثل ~~الأحمر والأصفر والأخضر الصافى والأزرق الصافى ونحو ذلك ولا تلبس الحلى مثل ~~الاسورة والخلاخل والقلايد ولا تختضب بحناء ولا غيره ولا يحرم عليها عمل ~~شغل من الاشغال المباحة مثل التطريز والخياطة والغزل وغير ذلك مما تفعله ~~النساء PageV34P027 ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدة مثل كلام من ~~تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مستترة وغير ذلك وهذا الذى ذكرته هو ~~سنة رسول الله الذى كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن ( ونساؤه ) ولا ~~يحل لهن ان يتزوجن بغيره ابدا لا في العدة ولا بعدها بخلاف غيرهن وعلى ~~المسلمين احترامهن كما يحترم الرجل أمه لكن لا يجوز لغير محرم يخلو بواحدة ~~منهن ولا يسافر بها والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة معتدة عدة وفاة ولم تعتد في بيتها بل ~~تخرج في ضرورتها الشرعية فهل يجب عليها اعادة العدة وهل تأثم بذلك ### ||||| فأجاب # العدة انقضت بمضى أربعة أشهر وعشرا من حين الموت ولا تقضى العدة فان كانت ~~خرجت لأمر يحتاج إليه ولم تبت الا في منزلها فلا شيء عليها وان كانت قد ~~خرجت لغير حاجة وباتت في غير منزلها لغير حاجة أو باتت في غير ضرورة أو ~~تركت الاحداد فلتستغفر الله وتتوب إليه من ذلك ولا اعادة عليها PageV34P028 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل توفى وقعدت زوجته في عدته أربعين يوما ~~فما قدرت تخالف مرسوم السلطان ثم سافرت وحضرت إلى القاهرة ولم تتزين لا ~~بطيب ولا غيره فهل تجوز خطبتها أم لا ms9460 ### ||||| فأجاب # العدة تنقضى بعد أربعة اشهر وعشرة أيام فإن كان قد بقى من هذه شيء ~~فلتتمه في بيتها ولا تخرج ليلا ولا نهارا إلا لأمر ضروري وتجتنب الزينة ~~والطيب في بدنها وثيابها ولتأكل ما شاءت من حلال وتشم الفاكهة وتجتمع بمن ~~يجوز لها الاجتماع به في غير العدة لكن إن خطبها إنسان لا تجيبه صريحا ~~والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها فمات زوجها ~~في شعبان فهل يجوز لها أن تحج ### ||||| فأجاب # ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة ~~إلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة PageV34P029 ### ||| 2 باب الاستبراء 2 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام رحمه الله ( # عن رجل اشترى جارية ثم بعد يومين أو ثلاثة ~~وطئها قبل أن تحيض ثم باعها بعد عشرة أيام فهل يجوز للسيد الثانى أن يطأها ~~قبل أن تحيض ### ||||| فأجاب # لم يكن يحل له وطؤها قبل أن يستبرئها باتفاق الأئمة كما ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى ~~تستبرأ بحيضة ( وكذالك المشترى الثانى لا يجوز له وطؤها قبل أن تحيض عنده ~~باتفاق الأئمة بل لا يجوز في أحد قولى العلماء ان يبيعها الواطىء حتى ~~يستبرئها وهل عليه استبراء وعلى المشترى استبراء أو استبر آن أو يكفيهما ~~استبراء واحد على قولين والله أعلم PageV34P030 ### ||| 2 باب الرضاع 2 # قال شيخ الاسلام رحمه الله $ ( فصل ( # وأما ( المحرمات بالرضاع ( فقد قال النبى ( يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب ( وفى لفظ ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ( وهذا مما اتفق ~~عليه علماء المسلمين لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء المعروفين # فاذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات في الحولين قبل الفطام صار ولدها ~~باتفاق الأئمة وصار الرجل الذى در اللبن بوطئه أبا لهذا المرتضع باتفاق ~~الأئمة المشهورين وهذا يسمى ( لبن الفحل ( وقد ثبت ذلك بسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فان عائشة كانت قد أرضعتها امرأة وكان لها زوج يقال له أبو ~~القعيس فجاء ms9461 أخوه يستأذن عليها فأبت ان تأذن له حتى سألت PageV34P031 النبي ~~فقال لها ( أيذنى له فانه عمك ) فقالت عائشة انما ارضعتنى المرأة ولم ~~يرضعنى الرجل فقال ( إنه عمك فليلج عليك وقال يحرم من الرضاعة ما يحرم من ~~النسب ) # واذا صار الرجل والمرأة والدى المرتضع صار كل من أولادهما أخوة المرضع ~~سواء كانوا من الأب فقط أو من المرأة أو منهما أو كانوا أولادا لهما من ~~الرضاعة فإنهم يصيرون إخوة لهذا المرتضع من الرضاعة حتى لو كان لرجل ~~امرأتان فارضعت هذه طفلا وهذه طفلة كانا أخوين ولم يجز لأحدهما التزوج ~~بالآخر باتفاق الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين وهذه ( المسألة ( سئل ~~عنها بن عباس فقال اللقاح واحد يعنى الرجل الذى وطىء المرأتين حتى در اللبن ~~واحد # ولا فرق باتفاق المسلمين بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل وبين من ~~ولد لها قبل الرضاعة وبعد الرضاعة باتفاق المسلمين وما يظنه كثير من الجهال ~~أنه إنما يحرم من رضع معه هو ضلال على صاحبه إن لم يرجع عنه فان أصر على ~~استحلال ذلك استتيب كما يستتاب سائر من اباح الاخوة من الرضاعة فان تاب ~~والا قتل # واذا كان كذلك فجميع ( أقارب المرأة أقارب للمرتضع من الرضاعة ( أولادها ~~اخوته وأولاد أولادها أولاد أخوته وآبائها وأمهاتها PageV34P032 اجداده ~~واخوتها وأخواتها اخواله وخالاته وكل هولاء حرام عليه # واما ( بنات أخواله وخالاته من الرضاع ( فحلال كما يحل ذلك من النسب ~~وأقارب الرجل أقاربه من الرضاع أولاد أخوته وأولادهم أولاد أخوته واخوته ~~اعمامه وعماته وهن حرام عليه وحل له بنات عمه وبنات عماته واولاد المرتضع ~~بمنزلته كما أن أولاد المولود بمنزلته فليس لأولاده من النسب ولارضاع ان ~~يتزوجوا اخوته ولا اخوة أبيه لا من نسب ولارضاع لانهم أعمامهم وعماتهم ~~واخوالهم وخالاتهم # وأما اخوة المرتضع من نسب أو رضاع غير رضاع هذه المرضعة فهم اجانب منها ~~ومن أقاربها فيجوز لأخوة هؤلاء ان يتزوجوا اولاد المرضعة كما اذا كان أخ ~~للرجل من أبيه وأخت من امه وبالعكس جاز أن يتزوج أحدهما الاخر وهو ms9462 نفسه لا ~~يتزوج واحدا منهما فكذلك المرتضع هو نفسه لا يتزوج واحدا من أولاد مرضعه ~~ولا احدا من أولاد والديه فان هؤلاء اخوته من الرضاع وهؤلاء أخوته من النسب ~~ويجوز لأخوته من الرضاع ان يتزوجوا أخوته من النسب كما يجوز لاخوته من أبيه ~~أن يتزوجوا أخوته من أمه وهذا كله متفق عليه بين العلماء PageV34P033 ولكن ~~بعض المنتصبين للفتيا قد يغلط في هذه المسائل للالتباس أمرها على المستفتين ~~ولا يذكرون ما يسألون عنه بالأسماء والصفات المعتبرة في الشرع مثل أن يقول ~~اثنان تراضعا هل يتزوج هذا بأخت هذا وهذا سؤال مجمل فالمرتضع نفسه ليس له ~~أن يتزوج من أخوات الآخر اللآتى هن من أمه التى أرضعت وإن كان له أخوات من ~~غير تلك الأم فهن أجانب من المرتضع فللمرتضع أن يتزوج منهن وكذلك إذا قيل ~~طفل وطفلة تراضعا أو طفلان تراضعا هل يحل أن يتزوج أحدهما بأخوة الآخر ~~ويتزوج الأخوات من الجانبين بعضهم لبعض فجواب ذلك أن اخوة كل من المتراضعين ~~لهم أن يتزوجوا أخوات الآخر إذا لم يرتضع الخاطب من أم المخطوبة ولا ~~المخطوبة من أم الخاطب وهذا متفق عليه بين العلماء وأما المتراضعين فليس ~~لأحدهما أن يتزوج شيئا من أولاد المرضعة فلا يتزوج هذا بأحد من أخوة الأخر ~~من الأم التى أرضعته أو من الأب صاحب اللبن ويجوز أن يتزوج كل منهما من ~~اخوة الآخر الذين ليسوا من أولاد أبويه من الرضاعة فهذا جواب هذه الأقسام # فان الرضيع إما أن يتزوج من إخوة المرتضع الآخر من تلك المرأة أو الرجل ~~وإما أن يتزوج من إخوة المرتضع الآخر من النسب أو من رضاعة أخرى وإخوة ~~الرضيع إما أن يتزوجوا من هؤلاء وإما من هؤلاء وإما من هؤلاء فأخوة الرضيع ~~لهم أن يتزوجوا الجميع أولاد المرضعة PageV34P034 وزوجها من نسب أو رضاع ~~ولأخوة هذا أن يتزوجوا باخوة هذا بل لأب هذا من النسب أن يتزوج أخته من ~~الرضاع وأما اولاد المرضعة فلا يتزوج أحد منهن المرتضع ولا أولاده ولا ~~يتزوج أحدا من ms9463 أولاد اخوتها وأخواتها لا من نسب ولا من رضاع فانه يكون إما ~~عما وإما خالا وهذا كله متفق عليه بين العلماء # ( ثم الرضاع المحرم ( فيه ثلاثة أقوال مشهورة هي ثلاث روايات عن أحمد # ( أحدها ( انه يحرم كثيره وقليله وهى مذهب مالك وأبى حنيفة لا طلاق ~~القرآن # ( والثانى ( لا تحرم الرضعة والرضعتان ويحرم ما فوق ذلك وهو مذهب طائفة ~~لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( لا تحرم الرضعة والرضعتان ) ~~وروى ( المصة والمصتان ) وروى ( الاملاجة والاملاجتان ( فنفى التحريم عنهما ~~وبقى الباقى على العموم والمفهوم # ( والثالث ) انه لا يحرم إلا خمس رضعات وهو مذهب الشافعى وظاهر مذهب أحمد ~~لحديثين صحيحين حديث عائشة ( إن مما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم ~~نسخن بخمس معلومات فتوفى رسول الله والأمر على ذلك ) ولأمره لأمرأة أبى ~~حذيفة بن عتبة بن ربيعة أن ترضع سالما مولى أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة خمس ~~رضعات ليصير محرما لها بذلك PageV34P035 وعلى هذا فالرضعة في مذهب الشافعى ~~وأحمد ليست هي الشبعة وهو أن يلتقم الثدى ثم يسيبه ثم يلتقمه ثم يسيبه حتى ~~يشبع بل إذا أخذ الثدى ثم تركه باختياره فهي رضعة سواء شبع بها أو لم يشبع ~~إلا برضعات فاذا التقمه بعد ذلك فرضع ثم تركه فرضعة أخرى وإن تركه بغير ~~اختياره ثم عاد قريبا ففيه نزاع ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # ما لذى يحرم من الرضاع ومالذى لا يحرم وما دليل ~~حديث عائشة رضى الله عنها ( أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) ~~ولتبينوا جميع التحريم منه وهل للعلماء فيه اختلاف وان كان لهم اختلاف فما ~~هو الصواب والراجح فيه وهل حكم رضاع الصبى الكبير الذى دون البلوغ أو الذى ~~يبلغ حكمه حكم الصغير الرضيع فان بعض النسوة يرضعن أولادهن خمس سنين وأكثر ~~وأقل وهل يقع تحريم بين المرأة والرجل المتزوجين برضاع بعض قراباتهم لبعض ~~وبينوه بيانا شافيا ### ||||| الجواب # الحمد لله حديث عائشة حديث صحيح متفق على صحته وهو متلقى بالقبول ~~فان الأئمة اتفقوا على العمل ms9464 به ولفظه ( يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~PageV34P036 النسب ) والثانى ( يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ) وقد ~~استثنى بعض الفقهاء المستاخرين من هذا العموم صورتين وبعضهم أكثر من ذلك ~~وهذا خطأ فانه لا يحتاج ان يستثنى من الحديث شيء ونحن نبين ذلك فنقول # اذا ارتضع الرضيع من المرأة خمس رضعات في الحولين صارت المرأة أمه وصار ~~زوجها الذى جاء اللبن بوطئه أباه فصار ابنا لكل منهما من الرضاعة وحينئذ ~~فيكون جميع أولاد المرأة من هذا الرجل ومن غيره وجميع أولاد الرجل منها ومن ~~غيرها أخوة له سواء ولدوا قبل الرضاع أو بعده باتفاق الأئمة # واذا كان أولادهما اخوته كان أولاد أولادهما أولاد اخوته فلا يجوز ~~للمرتضع أن يتزوج أحدا من أولادهما ولا أولاد أولادهما فانهم إما إخوته ~~واما أولاد اخوته وذلك يحرم من الولادة واخوة المرأة وأخواتها أخواله ~~وخالاته من الرضاع وأبوها وأمها أجداده وجداته من الرضاع فلا يجوز له أن ~~يتزوج أحدا من اخوتها ولا من أخواتها واخوة الرجل أعمامه وعماته وأبو الرجل ~~وأمهاته أجداده وجداته فلا يتزوج باعمامه وعماته ولا باجداده وجداته لكن ~~يتزوج بأولاد الاعمام والعمات فان جميع أقارب الرجل حرام عليه أولاد ~~الأعمام والعمات وأولاد الخال والخالات كما ذكر الله في قوله PageV34P037 ~~@QB@ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت ~~يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ~~اللاتي هاجرن معك @QE@ فهؤلاء الأصناف الأربعة هي المباحات من الأقارب ~~فيبحن من الرضاعة وإذا كان المرتضع أبنا للمرأة وزوجها فأولاده أولاد ~~أولادهما ويحرم على أولاده ما يحرم على الأولاد من النسب فهذه الجهات ~~الثلاث منها تنتشر حرمة الرضاع # وأما أخوة المرتضع من النسب وأبوه من النسب وأمه من النسب فهم أجانب أبيه ~~وأمه وأخوته من الرضاع ليس بين هؤلاء وهؤلاء صلة ولا نسب ولا رضاع لأن ~~الرجل يمكن أن يكون له أخ من أبيه وأخ من أمه ولا نسب بينهما بل يجوز لأخيه ~~من أبيه أن يتجوز أخاه ms9465 من أمه فكيف إذا كان أخ من النسب وأخت من الرضاع ~~فإنه يجوز لهذا أن يتزوج هذا ولهذا أن يتزوج بهذا # وبها تزول الشبهة التي تعرض لبعض الناس فإنه يجوز للمرتضع أن يتزوج أخوه ~~من الرضاعة بأمه من النسب كما يتزوج بأخته من النسب ويجوز لأخيه من النسب ~~أن يتزوج أخته من الرضاعة وهذا لا نظير له في النسب فإن أخ الرجل من النسب ~~لا يتزوج بأمه من النسب وأخته من الرضاع ليست بنت أبيه من النسب ولا ربيبته ~~فلهذا جاز أن تتزوج به PageV34P038 فيقول من لا يحقق يحرم في النسب على أخي ~~أن يتزوج أمي ولا يحرم مثل هذا في الرضاع وهذا غلط منه فان نظير المحرم من ~~النسب ان تتزوج أخته أو أخوه من الرضاعة بابن هذا الأخ أو بأمه من الرضاعة ~~كما لو ارتضع هو وآخر من امرأة واللبن لفحل فانه يحرم على اخته من الرضاعة ~~ان تتزوج اخاه واخته من الرضاعة لكونهما اخوين للمرتضع ويحرم عليهما ان ~~يتزوجا اباه وأمه من الرضاعة لكونهما ولديهما من الرضاعة لا لكونهما أخوى ~~ولديهما فمن تدبر هذا ونحوه زالت عنه الشبهة # وأما ( رضاع الكبير ( فانه لا يحرم في مذهب الأئمة الأربعة بل لا يحرم ~~إلا رضاع الصغير كالذى رضع في الحولين وفيمن رضع قريبا من الحولين نزاع بين ~~الأئمة لكن مذهب الشافعى وأحمد أنه لا يحرم فاما الرجل الكبير والمرأة ~~الكبيرة فلا يحرم احدهما على الآخر برضاع القرايب مثل أن ترضع زوجته لأخيه ~~من النسب فهنا لا تحرم عليه زوجته لما تقدم من أنه يجوز له أن يتزوج بالتى ~~هي أخته من الرضاعة لأخيه من النسب اذ ليس بينه وبينها صلة نسب ولارضاع ~~وانما حرمت على أخيه لأنها أمه من الرضاع وليست أم نفسه من الرضاع وأم ~~المرتضع من الرضاع لا تكون اما لاخوته من النسب لأنها إنما أرضعت الرضيع ~~ولم ترضع غيره نعم PageV34P039 لو كان للرجل نسوة يطأهن وارضعت كل واحدة ~~طفلا لم يجز أن يتزوج أحدهما الآخر ولهذا ms9466 لما سئل بن عباس عن ذلك قال ~~اللقاح واحد وهذا مذهب الأئمة الأربعة لحديث أبى القعيس الذى في الصحيحين ~~عن عائشة وهو معروف # وتحرم عليه أم أخيه من النسب لأنها أمه أو امرأة أبيه وكلاهما حرام عليه ~~وأما أم أخيه من الرضاعة فليست أمه ولا امرأة أبيه لأن زوجها صاحب اللبن ~~ليس أبا لهذا لا من النسب ولا من الرضاعة # فاذا قال القائل إن النبى قال ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ) وأم ~~أخيه من النسب حرام فكذلك من الرضاع قلنا هذا تلبيس وتدليس فان الله لم يقل ~~حرمت عليكم أمهات اخواتكم وانما قال @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ فحرم على الرجل أمه ~~ومنكوحة أبيه وإن لم تكن أمه وهذه تحرم من الرضاعة فلا يتزوج أمه من ~~الرضاعة وأما منكوحة أبيه من الرضاع فالمشهور عند الأئمة أنها تحرم لكن ~~فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر لا بالنسب والولادة وليس الكلام هنا ~~في تحريمها فانه اذا قيل تحرم منكوحة أبيه من الرضاعة وفينا بعموم الحديث ~~وأما أم أخيه التى ليست أما ولا منكوحة أب فهذه لا توجد في PageV34P040 ~~النسب فلا يجوز أن يقال تحرم من النسب فلا يحرم نظيرها من الرضاعة فتبقى أم ~~الام من النسب لأخيه من الرضاعة أو الام من الرضاعة لاخيه من النسب لا نظير ~~لها من الولادة فلا تحرم وهذا متفق عليه بين المسلمين والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن طفل ارتضع من أمرأة مع ولدها رضعه أو بعض رضعه ~~ثم تزوجت برجل آخر فرزقت منه ابنه فهل يحل للطفل المرتضع تزويج الابنه على ~~هذه الصوره أم لا وما دليل مالك رحمة الله وأبى حنيفه في أن ( المصه ~~الواحده ( أو ( الرضعه الواحدة ( تحرم مع ما ورد من الاحاديث التى خرجها ~~مسلم في صحيحة منها أن النبى قال ( لا تحرم المصه ولا المصتان ( ومنها أن ~~النبي قال ( لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان ( ومنها ( ان رجلا من بنى ~~عامر بن ms9467 صعصعة قال يا رسول الله هل تحرم الرضعه الواحده قال لا ومنها عن ~~عائشه رضى الله عنها أنها قالت ( كان فيما انزل من القرآن عشر رضعات ~~معلومات يحر من نسخت بخمس معلومات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن ~~فيما يقرأ من القرآن ( وما حجتهما مع هذه الاحاديث الصحيحة ### ||||| فأجاب PageV34P041 # هذه المسألة فيها نزاع مشهور في مذهب الشافعى واحمد في المشهور عنه لا ~~يحرم الا خمس رضعات لحديث عائشة المذكور وحديث سالم مولى أبى حذيفة لما ( ~~أمر النبى أمرأة أبى حذيفة بن عتبة بن أبى ربيعة أن ترضعه خمس رضعات ) وهو ~~في الصحيح أيضا فيكون ما دون ذلك لم يحرم فيحتاج إلى خمس رضعات # وقيل يحرم الثلاث فصاعدا وهو قول ( طائفة ) منهم أبو ثور وغيره وهو رواية ~~عن أحمد واحتجوا بما في الصحيح ( لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الاملاجة ~~ولا الاملاجتان ) قالوا مفهومه ان الثلاث تحرم ولم يحتج هؤلاء بحديث عائشة ~~قالوا لأنه لم يثبت أنه قرآن إلا بالتواتر وليس هذا بمتواتر # فقال لهم الأولون معنا حديثان صحيحان مثبتان أحدهما يتضمن شيئين حكما ~~وكونه قرانا فما ثبت من الحكم يثبت بالأخبار الصحيحة وأما ما فيه من كونه ~~قرآنا فهذا لم نثبته ولم نتصور ان ذلك قرآن إنما نسخ رسمه وبقى حكمه # فقال أولئك هذا تناقض وقراءة شاذة عند الشافعى فان عنده أن القراءة ~~الشاذة لا يجوز الاستدلال بها لأنها لم تثبت بالتواتر كقراءة PageV34P042 ~~بن مسعود / < فصيام ثلاثة أيام متتابعات > / وأجابوا عن ذلك بجوابين ( ~~أحدهما ( أن هذا فيه حديث آخرصحيح وأيضا فلم يثبت انه بقى قرآن لكن بقى ~~حكمه و ( الثانى ( أن هذا الأصل لايقول به أكثرالعلماء بل مذهب أبى حنيفة ~~بل ذكر بن عبدالبر إجماع العلماء على أن القراءة الشاذة اذا صح النقل بها ~~عن الصحابة فانه يجوز الاستدلال بها في الأحكام # و ( القول الثانى ( في المسألة انه يحرم قليله وكثيره كما هو مذهب ابى ~~حنيفة ومالك وهى رواية ضعيفة عن أحمد وهؤلاء احتجوا بظاهر قوله @QB@ ~~وأمهاتكم اللاتي ms9468 أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة @QE@ وقال اسم ( الرضاعة ) في ~~القرآن مطلق واما الأحاديث فمنهم من لم تبلغه ومنهم من اعتقد انها ضعيفة ~~ومنهم من ظن انها تخالف ظاهر القرآن واعتقد انه لا يجوز تخصيص عموم القران ~~وتقييد مطلقه بأخبار الآحاد # فقال ( الأولون ( هذه اخبار صحيحة ثابتة عند اهل العلم بالحديث وكونها لم ~~تبلغ بعض السلف لا يوجب ذلك ترك العمل بها عند من يعلم صحتها وأما القرآن ~~فانه يحتمل ان يقال فكما انه قد علم بدليل اخر ان الرضاعة مقيدة بسن مخصوص ~~فكذلك يعلم انها مقيدة بقدر مخصوص وهذا كما انه علم بالسنة مقدار الفدية في ~~قوله ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) وان كان الخبر المروى خبرا واحدا بل ~~كما ثبت بالسنة ( انه لا تنكح المرأة على عمتها PageV34P043 ولا تنكح ~~المرأة على خالتها ) وهو خبر واحد بظاهر القرآن واتفق الأمة على العمل به ~~وكذلك فسر بالسنة المتواترة وغير المتواترة بحمل قوله @QB@ خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها @QE@ وفسر بالسنة المتواترة أمور من العبادات ~~والكفارات والحدود ما هو مطلق من القران فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل ~~عليه وتعبرعنه # والتقييد ( بالخمس ) له اصول كثيرة في الشريعة فان الاسلام بنى على خمس ~~والصلوات المفروضات خمس وليس فيما دون خمس صدقة والأوقاص بين النصب خمس أو ~~عشر أو خمس عشرة وأنواع البر خمس كما قال تعالى @QB@ ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين @QE@ وقال في الكفر @QB@ ~~ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر @QE@ واولو العزم وأمثال ~~ذلك بقدر الرضاع المحرم ليس بغريب في أصول الشريعة # والرضاع اذا حرم لكونه ينبت اللحم وينشز العظم فيصير نباته به كنباته من ~~الأبوين وإنما يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ولهذا لم يحرم رضاع ~~الكبير لأنه بمنزلة الطعام والشراب والرضعة والرضعتان ليس لها تأثير كما ~~أنه قد يسقط اعتبارها كما يسقط اعتبار ما دون نصاب السرقة حتى لا تقطع ~~الأيدى بشيء من التافه واعتباره في نصاب الزكاة فلا يجب فيها شيء ms9469 اذا كان ~~أقل ولابد من حد فاصل فهذا هو PageV34P044 التنبيه على مأخذ الأئمة في هذه ~~المسألة وبسط الكلام فيها يحتاج إلى ورقة أكبر من هذه وهى من أشهر مسائل ~~النزاع والنزاع فيها من زمان الصحابة والصحابة رضى الله عنهم تنازعوا في ~~هذه المسألة والتابعون بعدهم # وأما اذا شك هل دخل اللبن في جوف الصبى أو لم يحصل فهنا لا نحكم بالتحريم ~~بلا ريب وان علم أنه حصل في فمه فان حصول اللبن في الفم لا ينشر الحرمة ~~باتفاق المسلمين ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن أختين ولهما بنات وبنين فاذا ارضع الأختان ~~هذه بنات هذه وهذه بنات هذه فهل يحرمن على البنين أم لا ### ||||| فأجاب # إذا أرضعت المرأة الطفلة خمس رضعات في الحولين صارت بنتا لها فصار ~~جميع أولاد المرضعة أخوة لهذه المرتضعة ذكورهم واناثهم من ولد قبل الرضاع ~~ومن ولد بعده فلا يجوز لأحد من أولاد المرضعة ان يتزوج المرتضعة بل يجوز ~~لأخوة المرتضعة أن يتزوجوا بأولاد المرضعة الذين لم يرتضعوا من أمهن ~~فالتحريم انما هو على المرتضعة لا على PageV34P045 اخوتها الذين لم يرتضعوا ~~فيجوز أن يتزوج أخت أخته إذا كان هو لم يرتضع من أمها وهى لم ترضع من أمه ~~وأما هذه المرتضعة فلا تتزوج واحدا من أولاد من أرضعتها وهذا باتفاق الأئمة # وأصل هذا أن المرتضعة تصير المرضعة أمها فيحرم عليها أولادها وتصير ~~اخوتها واخواتها وأخوالها وخالاتها ويصير الرجل الذى له اللبن اباها ~~وأولاده من تلك المرأة وغيرها أخوتها واخوة الرجل أعمامها وعماتها ويصير ~~المرتضع وأولاده وأولاد أولاده أولاد المرضعة والرجل الذى در اللبن بوطئه ~~واما اخوة المرتضع واخواته وأبوه وأمه من النسب فهم أجانب لا يحرم عليهم ~~بهذا الرضاع شيء وهذا كله باتفاق الأئمة الأربعة وان كان لهم نزاع في غير ~~ذلك ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل ارتضع مع رجل وجاء لأحدهما بنت فهل ~~للمرتضع أن يتزوج بالبنت ### ||||| فأجاب # إذا ارتضع الطفل من المرأة خمس رضعات في ~~الحولين صار ابنا لها وصار جميع أولادها اخوته الذين ms9470 ولدتهم قبل الرضاعة ~~والذين ولدتهم بعد الرضاعة والرضاعة يحرم فيها ما يحرم من الولادة بسنة ~~رسول الله PageV34P046 واتفاق الأئمة فلا يجوز لأحد أن يتزوج بنت الآخر كما ~~لا يجوز أن يتزوج بنت أخيه من النسب باتفاق الأئمة ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له بنات خالة أختان واحدة رضعت معه والأخرى لم ~~ترضع معه فهل يجوز له أن يتزوج التى لم ترضع معه ### ||||| فأجاب # إذا ارتضع معها خمس رضعات في الحولين صار ابنا لها حرم عليه جميع ~~بناتها من ولد قبل الرضاع ومن ولد بعده لأنهن اخواته باتفاق العلماء ومتى ~~ارتضعت المخطوبة من أم لم يجز لها أن تتزوج واحدا من بنى المرضعة وأما إذا ~~كان الخاطب لم يرتضع من أم المخطوبة ولا هي رضعت من أمه فانه يجوز أن يتزوج ~~أحدهما بالآخر باتفاق العلماء وان كان اخوتها تراضعا والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة استأجرت لبنتها مرضعة يوما أو شهرا ~~ومضت السنون وللمرضعة ولد قبلها فهل يحل لهما الزواج PageV34P047 ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا ارضعتها الداية خمس رضعات في الحولين صارت بنتا لها ~~فجميع أولاد المرضعة حرام على هذه المرضعة وإن ولد قبل الرضاع أو بعده وهذا ~~باتفاق المسلمين ومن استحل ذلك فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل ولكن إذا كان ~~للمرتضعة أخوات من النسب جاز لهن أن يتزوجن باخواتها من الرضاع باتفاق ~~المسلمين والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل تزوج امرأة بعد امرأة وقد ارتضع طفل من الأولى ~~وللأب من الثانية بنت فهل للمرتضع أن يتزوج هذه البنت وإذا تزوجها ودخل بها ~~فهل يفرق بينهما وهل في ذلك خلاف بين الأئمة ### ||||| فأجاب # إذا ارتضع الرضاع المحرم لم يجز له أن يتزوج هذه البنت في مذاهب ~~الأئمة الأربعة بلا خلاف بينهم لأن اللبن للفحل وقد سئل بن عباس عن رجل له ~~امرأتان أرضعت احداهما طفلا والأخرى طفلة فهل يتزوج أحدهما الآخر فقال لا ~~اللقاح واحد والأصل في ذلك حديث عائشة المتفق عليه قالت قالت استاذن على ~~افلح أخو ms9471 أبى القعيس وكانت قد أرضعتنى امرأة أبى القعيس فقالت لا آذن لك ~~حتى استأذن رسول الله فسألته فقال ( أنه عملك فليلج عليك يحرم PageV34P048 ~~من الرضاع ما يحرم من الولادة ( وإذا تزوجها ودخل بها فانه يفرق بينهما بلا ~~خلاف بين الأئمة والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل له قرينة لم يتراضع هو وأبوها لكن لهما ~~اخوة صغار تراضعوا فهل يحل له أن يتزوج بها وإن دخل بها ورزق منها ولدا فما ~~حكمهم وما قول العلماء فيهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا لم يرتضع هو من أمها ولم ترضع هي من أمه بل اخوته ~~رضعوا من أمها واخوتها رضعوا من أمه كانت حلالا له باتفاق المسلمين بمنزلة ~~اخت اخيه من أبيه فان الرضاع ينشر الحرمة إلى المرتضع وذريته وإلى المرضعة ~~وإلى زوجها الذى وطئها حتى صار لها لبن فتصير المرضعة امرأته وولدها قبل ~~الرضاع وبعده اخو الرضيع ويصير الرجل اباه وولده قبل الرضاع وبعده اخو ~~الرضيع فأما اخوة المرتضع من النسب وابوه من النسب فهم اجانب من ابويه من ~~الرضاعة واخوته من الرضاع وهذا كله متفق عليه بين المسلمين ان انتشار ~~الحرمة إلى الرجل فان هذه تسمى ( مسألة الفحل ( والذى ذكرناه هو مذهب ~~الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين وكان بعض السلف يقول لبن الفحل لا ~~يحرم والنصوص الصحيحة هي تقرر مذهب الجماعة PageV34P049 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن اختين اشقاء لأحداهما بنتان وللأخرى ذكر وقد ~~ارتضعت واحدة من البنتين وهى الكبيرة مع الولد فهل يجوز له ان يتزوج بالتى ~~لم ترضع ### ||||| فأجاب # إذا ارتضعت الواحدة من أم الصبى ولم يرتضع هو من امها جاز له ان ~~يتزوج اختها باتفاق المسلمين ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن امرأة أودعت بنتها عند امرأة أخيها وغابت وجاءت ~~فقالت أرضعتها فقالت لا وحلفت على ذلك ثم إن ولد أخيها كبر وكبرت بنتها ~~الصغيرة وأختها ارتضعت مع أخيه الذى يريد أن يتزوج بها فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # إذا كانت البنت لم ترضع من أم الخاطب ولا الخاطب ارتضع من أمها ms9472 جاز ~~أن يتزوج أحدهما بالآخر وإن كان أخوها واخواتها من أم الخاطب فان هذا لا ~~يؤثر باجماع المسلمين بل الطفل إذا ارتضع من PageV34P050 امرأة صارت أمه ~~وزوجها صاحب اللبن أباه وصار أولادهما اخوته واخواته وأما اخوة المرتضع من ~~النسب وأبوه من النسب وأمه من النسب فهم أجانب يجوز لهم أن يتزوجوا اخواته ~~كما يجوز من النسب أن تتزوج أخت الرجل من أمه باخيه من أبيه وكل هذا متفق ~~عليه بين المسلمين بلا نزاع فيه والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن امرأة ذات بعل ولها لبن على غير ولد ولا حمل ~~فارضعت طفلة لها دون الحولين خمس رضعات متفرقات وهذه المرضعة عمة الرضيعة ~~من النسب ثم أراد بن بنت هذه المرضعة أن يتزوج بهذه الرضيعة فهل يحرم ذلك ### ||||| فأجاب # أما إذا وطئها زوج ثم بعد ذلك ثاب لها لبن فهذا اللبن ينشر الحرمة ~~فاذا ارتضعت طفلة خمس رضعات صارت بنتها وبن بنتها بن أختها وهى خالته سواء ~~كان الارتضاع مع طفل أو لم يكن وأما أختها من النسب التى لم ترضع فيحل له ~~أن يتزوج بها ولو قدر أن هذا اللبن ثاب لامرأة لم تتزوج قط فهذا ينشر ~~الحرمة في مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وهى رواية عن أحمد وظاهر مذهبه ~~انه لا ينشر الحرمة والله أعلم PageV34P051 ### |||| ( وسئل شيخ الإسلام رحمه الله ( # عن رجل خطب قريبته فقال والدها هي رضعت ~~معك ونهاه عن التزويج بها فلما توفى أبوه تزوج بها وكان العدول شهدوا على ~~والدتها أنها أرضعته ثم بعد ذلك أنكرت وقالت ما قلت هذا القول إلا لغرض فهل ~~يحل تزويجها ### ||||| فأجاب # إن كانت الأم معروفة بالصدق وذكرت أنها أرضعته خمس رضعات فإنه يقبل ~~قولها في ذلك فيفرق بينهما إذا تزوجها في أصح قولي العلماء كما ثبت في صحيح ~~البخارى ( أن النبى أمر عقبة بن الحارث أن يفارق امراته لما ذكرت الأمة ~~السوداء أنها أرضعتهما ( وأما إذا شك في صدقها أو في عدد الرضعات فإنها ~~تكون من الشبهات فاجتنابها أولى ولا ms9473 يحكم بالتفريق بينهما إلا بحجة توجب ~~ذلك وإذا رجعت عن الشهادة قبل التزويج لم تحرم الزوجة لكن إن عرف أنها ~~كاذبة في رجوعها وأنها رجعت لأنه دخل عليها حتى كتمت الشهادة لم يحل ~~التزويج والله أعلم PageV34P052 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تزوج بإمرأة وولد له منها أولاد عديدة فلما كان في ~~في هذه المدة حضر من نازع الزوجة وذكر لزوجها أن هذه الزوجة في عصمتك شربت ~~من لبن أمك ### ||||| فأجاب # ان كان هذا الرجل معروفا بالصدق وهو خبير بما ذكر وأخبر أنها رضعت ~~من أم الزوج خمس رضعات في الحولين رجع إلى قوله في ذلك والا لم يجب الرجوع ~~وان كان قد عاين الرضاع والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل ارتضع من إمرأة وهو طفل صغير على بنت لها ولها ~~أخوات أصغر منها فهل يحرم منهن أحد أم لا ### ||||| فأجاب # إذا ارتضع من امرأة خمس رضعات في الحولين صار ابنا لتلك المرأة ~~فجميع الأولاد الذين ولدوا قبل الرضاع والذين ولدوا بعده هم اخوة لهذا ~~المرتضع باتفاق المسلمين أيضا PageV34P053 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن اختين إحداهما لها ذكر والأخرى انثى فارضعت أم ~~الذكر الأنثى ولم ترضع أم انثى الذكر ثم جاءت هذه بنات وهذه ذكور فهل يجوز ~~أن يتزوج اخو المرتضع بالبنت التى ارتضعت بلبن أخيه أم لا وكذلك هل يتزوج ~~أولاد هذه بأولاد هذه بسوى المرضعين ### ||||| فأجاب # الحمد لله الأنثى المرتضعة لا تتزوج أحدا من أولاد المرضعة لا من ~~ولدلها قبل الرضاعة ولا بعدها وأما إخوة المرتضعة فيتزوجون من شاؤوا من ~~أولاد المرضعة فيتزوج كل واحد لم يرتضع بأولاد المرأة التى لم ترضعه ولم ~~يتزوج بأحد من أولاد من أرضعته وإذا رضع طفل من أم هذا أو طفلة من أولاد ~~هذا لم يجز لأحدهما أن يتزوج أولاد الأخرى ويجوز لأخوة كل من المتراضعين ان ~~يتزوج باخوة الآخر اذا لم يرضع واحد منها من أم الآخر والتحريم انما يثبت ~~في حق المرتضع خاصة دون من لم يرضع من أخوته لكن يحرم ms9474 عليه جميع أولاد ~~المرضعة والله أعلم PageV34P054 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل رمد فغسل عينيه بلبن زوجته فهل تحرم ~~عليه إذا حصل لبنها في بطنه ورجل يحب زوجته فلعب معها فرضع من لبنها فهل ~~تحرم عليه ### ||||| فأجاب # الحمد لله ما غسل عينيه بلبن امرأته يجوز ولا تحرم بذلك عليه ~~امرأته لوجهين # ( أحدهما ( انه كبير والكبير إذا ارتضع من امرأته أو من غير امرأته لم ~~تنشر بذلك حرمة الرضاع عند الأئمة الأربعة وجماهير العلماء كما دل على ذلك ~~الكتاب والسنة وحديث عائشة في قصة سالم مولى ابى حذيفة مختص عندهم بذلك ~~لأجل أنهم تبنوه قبل تحريم التبنى # ( الثانى ( ان حصول اللبن في العين لا ينشر الحرمة ولا أعلم في هذا نزاعا ~~ولكن تنازع العلماء في السعوط وهوما إذا دخل في انفه بعد تنازعهم في الوجور ~~وهو ما يطرح فيه من غير رضاع واكثر العلماء على أن الوجور يحرم وهو أشهر ~~الروايتين عن أحمد وكذلك يحرم السعوط في احدى الروايتين عنه وهو مذهب ابى ~~حنيفة ومالك وللشافعى قولان # والجواب عن المسألة الثانية ان ارتضاعه لا يحرم امرأته في مذهب الأئمة ~~الأربعة PageV34P055 # ( وقال شيخ الاسلام رحمه الله ( ### ||| فصل # ( إذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات قبل أن يتم له حولين فإنه يصير ~~ولدها فيحرم عليه كل من ولدها قبل الرضاع وبعده ويصير زوجها الذى أحبلها در ~~لبنها أباه فيحرم عليه جميع أولاد ذلك الرجل فاذا ارضعت امرأته طفلا وطفلة ~~كل واحد خمس رضعات لم يجز ان يتزوج أحدهما بالآخر بل هما أخوان والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن صبى أرضعته كرتين ثم حملت بعد ذلك بعشر سنين وجاءت ~~ببنت وصار الصبى شابا فهل له أن يتزوج بتلك البنت أم لا ### ||||| فأجاب # اذا ارتضع منها خمس رضعات في حولين فقد صار ابنها ويحرم عليه كل ما ~~ولدته المرأة سواء ولدته قبل الرضاع أو بعده باتفاق العلماء PageV34P056 و ~~( الرضعة ( ان يلتقم الثدى فيشرب منه ثم يدعه فهذه رضعة فاذا كان في كرة ~~واحدة قد جرى ms9475 له خمس مرات فهذه خمس رضعات وان جرى ذلك خمس مرات في كرتين ~~فهو ايضا خمس رضعات وليس المراد بالرضعة ما يشربه في نوبة واحدة في شربه ~~فانها قد ترضعه بالغداة ثم بالعشى ويكون في كل نوبة قد ارضعته رضعات كثيرة ~~والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن الصبى اذا رضع من غير أمه وكذلك الصبية اذا ~~رضعت ماذا يحرم عليه نكاحه بعد ذلك وماحد الرضعة المحرمة وهل للرضاعة بعد ~~الفطام تأثيرا في التحريم وهل تبقى المرأة حرام على من تعدى سنين الرضاعة ~~أم لا ### ||||| فأجاب # إذا ارتضع الطفل أو الطفلة من امرأة خمس رضعات في الحولين فقد صار ~~ولدها من الرضاعة وصار الرجل الذى در اللبن بوطئه أباه من الرضاعة وأخوة ~~المرأة أخواله وخالاته وأخوة الرجل أعمامه وعماته وآباؤها اجداده وجداته ~~وأولاده كل منهما أخوته وأخواته وكل هؤلاء حرام عليه فانه يحرم من الرضاعة ~~ما يحرم من النسب وكذلك أولاد هذا المرتضع يحرمون على اجداده وجداته وإخوته ~~وأخواته وأعمامه وعماته PageV34P057 وأخواله وخالاته من الرضاعة وهذا كله ~~باتفاق المسلمين فيثبت حرمة الرضاع من جهة الأبوين ومن جهة الولد # واما أبو المرتضع من النسب وأمهاته وأخوته وأخواته من النسب فكل هؤلاء ~~أجانب من المرتضعة واقاربها باتفاق العلماء فيجوز لأخيه من النسب أن يتزوج ~~أخته من الرضاعة ويجوز لجميع أخوة المرتضع أن يتزوجوا بمن شاؤوا من بنات ~~المرضعة سواء في ذلك التى ارضعت مع الطفل وغيرها ولا يجوز للمرتضع ان يتزوج ~~أحدا من أولاد المرضعة لا بمن ولد قبل الرضاع ولا من ولد بعده باتفاق ~~العلماء # وكثير من الناس يغلط في هذا الموضوع فلا يميز بين اخوة المرتضع من النسب ~~الذين هم أجانب من المرأة وبين أولاد المرتضعة الذين هم أخوته من الرضاع ~~ويجعل الجميع نوعا واحد وليس كذلك بل يجوز لهؤلاء أن يتزوجوا من هؤلاء واما ~~المرتضع فلا يتزوج أحدا من أولاد المرضعة # ولو تراضع طفلان فرضع هذا أم هذا ورضعت هذه أم هذا ولم يرضع أحد من ~~أخوتها من أم ms9476 الآخر حرم على كل منهم أن يتزوج أولاد مرضعته سواء ولد قبل ~~الرضاعة أو بعدها ولم يحرم على أخ واحد منهما من النسب أن يتزوج أخت الآخر ~~من الرضاعة PageV34P058 و ( الرضاعة المحرمة بلاريب ( أن يرضع خمس رضعات ~~فيأخذ الثدى فيشرب منه ثم يدعه ثم يأخذه فيشرب مرة ثم يدعه ولو كان ذلك في ~~زمن واحد مثل غدائه وعشائه وأما دون الخمس فلا يحرم في مذهب الشافعى وقيل ~~يحرم القليل والكثير كقول ابى حنيفة ومالك وقيل لا يحرم الا ثلاث رضعات ~~والأقوال الثلاثة مروية عن أحمد لكن الأول اشهر عنه لحديث عائشة الذى في ~~الصحيحين ( كان مما نزل في القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخ ذلك بخمس رضعات ~~فتوفى رسول الله والأمر على ذلك ( وفى المسند وغيره ايضا انه أمر امرأة ان ~~ترضع شخصا خمس رضعات لتحرم عليه ( # ( والرضاع المحرم ( ما كان في الحولين فان تمام الرضاع حولان كاملان كما ~~قال تعالى @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة @QE@ وما كان بعد تمام الرضاعة فليس من الرضاعة ولهذا كان جمهور ~~العلماء والأئمة الأربعة وغيرهم على أن رضاع الكبير لا تأثيرله واحتجوا بما ~~في الصحيحين عن عائشة قالت دخل على رسول الله وعندى رجل فقال ( من هذا يا ~~عائشة ) قلت أخى من الرضاعة قال ( يا عائشة انظرن من اخوانكن إنما الرضاعة ~~من المجاعة ( وروى الترمذى عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( لا يحرم من الرضاعة الا ما فتق الأمعاء في الثدى وكان قبل الفطام ) ~~ومعنى قوله في ( الثدى ( أي وقته وهو الحولان كما جاء PageV34P059 في ~~الحديث ( ان ابنى إبراهيم مات في الثدى ) أي وهو في زمن الرضاع وهذا لا ~~يقتضى أنه لارضاع بعد الحولين ولا بعد الفطام وإن كان الفطام قبل تمام ~~الحولين # وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى ان ارضاع الكبير يحرم واحتجوا بما في ~~صحيح مسلم وغيره عن زينب بنت أم سلمة أن أم سلمة قالت لعائشة إنه يدخل عليك ~~الغلام ms9477 الأيفع الذى ما أحب ان يدخل على فقالت عائشة مالك في رسول الله اسوة ~~حسنة قالت ان امرأة ابى حذيفة قالت يارسول الله إن سالما يدخل على وهو رجل ~~في نفس أبى حذيفة منه شيء فقال رسول الله ( ارضعيه حتى يدخل عليك ) وفى ~~رواية لمالك في الموطأ قال ( ارضعيه خمس رضعات ) فكان بمنزلة ولده من ~~الرضاعة وهذا الحديث أخذت به عائشة وأبى غيرها من أزواج النبى صلى الله ~~عليه وسلم ان يأخذن به مع أن عائشة روت عنه قال ( الرضاعة من المجاعة ) ~~لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية فمتى كان المقصود الثانى لم ~~يحرم إلا ما كان قبل الفطام وهذا هو إرضاع عامة الناس وأما الأول فيجوز ان ~~احتيج إلى جعله ذا محرم وقد يجوز للحاجة مالا يجوز لغيرها وهذا قول متوجه # ولبن الآدميات طاهر عند جمهور العلماء ولكن شك بعض المتأخرين فقال هو نجس ~~PageV34P060 وتنازع العلماء في جواز بيعه منفردا على ثلاثة أقوال في مذهب ~~أحمد وغيره قيل يجوز بيعه كمذهب الشافعى وقيل لا يجوز كمذهب أبى حنيفة وقيل ~~يجوز بيع لبن الأمة دون لبن الحرة والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن امراتين إحداهما لها بن وللأخرى بنت فأرضعت أم ~~البنت الابن مرارا ثم مات الابن ثم جاء بعده بن آخر ولم يرضع مما رضع فهل ~~يجوز له أن يتزوج بالبنت المذكورة أم تحرم عليه لأجل رضاعة أخيه ### ||||| الجواب # اذا اراد أخو المرتضع من النسب ان يتزوج اولاد المرضعة جاز ذلك ~~باتفاق الأئمة سوا كان المرتضع حيا أو ميتا والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له بنت عم ووالد البنت المذكورة قد رضع بأم ~~الرجل المذكور مع أحد اخواته وذكرت أم الرجل المذكورة انه لما رضعها كان ~~عمره أكثر من حولين فهل للرجل المذكور انه يتزوج بنت عمه ### ||||| فأجاب # ان كان الرضاع بعد تمام الحولين لم يحرم شيئا PageV34P061 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة أعطت لامرأة أخرى ولدا وهما في الحمام ~~فلم تشعر المرأة التى ms9478 أخذت الولد إلا وثديها في فم الصبى فانتزعته منه في ~~ساعته وما علمت هل ارتضع أم لا فهل يحرم على الصبى المذكور أن يتزوج من ~~بنات المرأة المذكورة أم لا ### ||||| فأجاب # لا يحرم على الصبى المذكور بذلك أن يتزوج واحدة من أولاد هذه ~~المرأة فانها ليست أمه ولا تحرم عليه بالشك عند أحد من الأئمة الأربعة ~~والله أعلم PageV34P062 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى والوالدات يرضعن ) 1 ### ||| 2 باب النفقات والحضانة 2 # ( قال شيخ الاسلام رحمه الله ( في قوله تعالى @QB@ والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها @QE@ إلى قوله @QB@ واعلموا أن ~~الله بما تعملون بصير @QE@ مع قوله @QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ~~حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ إلى قوله @QB@ سيجعل الله ~~بعد عسر يسرا @QE@ وفى ذلك أنواع من الأحكام بعضها مجمع عليه وبعضها متنازع ~~فيه واذا تدبرت كتاب الله تبين انه يفصل النزاع بين من يحسن الرد إليه وأن ~~من لم يهتد إلى ذلك فهو إما لعدم استطاعته فيعذر أو لتفريطه فيلام # وقوله تعالى @QB@ حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة @QE@ يدل على ان ~~هذا تمام الرضاعة وما بعد ذلك فهو غذاء من الأغذية وبهذا يستدل من يقول ~~الرضاع بعد الحولين بمنزلة رضاع الكبير وقوله ( حولين كاملين ) يدل على أن ~~لفظ ( الحولين ( يقع على حول وبعض آخر وهذا معروف في كلامهم يقال لفلان ~~عشرون عاما اذا اكمل ذلك قال الفراء والزجاج وغيرهما لما جاز ان يقول ( ~~حولين ) ويريد اقل منهما كما قال تعالى @QB@ فمن تعجل في يومين @QE@ ومعلوم ~~انه يتعجل PageV34P063 في يوم وبعض آخر وتقول لم أر فلانا يومين وانما تريد ~~يوما وبعض آخر قال ( كاملين ) ليبين انه لا يجوز ان ينقص منهما وهذا بمنزلة ~~قوله تعالى ( تلك عشرة كاملة ) فان لفظ ( العشرة ) يقع على تسعة وبعض ~~العاشر فيقال أقمت عشرة أيام وان لم يكملها فقوله هناك ( كاملة ) بمنزلة ~~قوله هنا ( كاملين ) وفى الصحيحين ms9479 عن النبى أنه قال ( الخازن الأمين الذى ~~يعطى ما أمر به كاملا موفورا طيبة به نفسه أحد المتصدقين ( فالكامل الذى لم ~~ينقص منه شيء اذ الكمال ضد النقصان وأما ( الموفر ) فقد قال أجرهم موفرا ~~يقال الموفر للزائد ويقال لم يكلم أى يجرح كما جاء في الحديث الذى رواه ~~الامام أحمد في ( كتاب الزهد ) عن وهب بن منبه أن الله تعالى قال لموسى ( ~~وماذاك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتى سالما موفرا لم تكلمه ~~الدنيا ولم تكلمه نطعة الهوى ) وكان هذا تغيير الصفة وذاك نقصان القدر # وذكر ( أبو الفرج ) هل هو عام في جميع الوالدات أو يختص بالمطلقات على ~~قولين والخصوص قول سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والسدى ومقاتل في آخرين ~~والعموم قول ابى سليمان الدمشقى والقاضى أبى يعلى في اخرين # قال القاضي ولهذا نقول لها ان تؤجر نفسها لرضاع ولدها سواء كانت مع الزوج ~~أو مطلقة # ( قلت ( الآية حجة عليهم فانها أوجبت للمرضعات رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا ~~زيادة على ذلك وهو يقول تؤجر نفسها PageV34P064 باجرة غير النفقة والآية لا ~~تدل على هذا بل اذا كانت الآية عامة دلت على انها ترضع ولدها مع انفاق ~~الزوج عليها كما لو كانت حاملا فانه ينفق عليها وتدخل نفقة الولد في نفقة ~~الزوجية لأن الولد يتغذى بغذاء أمه وكذلك في حال الرضاع فان نفقة الحمل هي ~~نفقة المرتضع وعلى هذا فلا منافاة بين القولين فالذين خصوه بالمطلقات ~~أوجبوا نفقة جديدة بسبب الرضاع كما ذكر في ( سورة الطلاق ) وهذا مختص ~~بالمطلقة # وقوله تعالى ( حولين كاملين ) قد علم أن مبدأ الحول من حين الولادة ~~والكمال إلى نظير ذلك فاذا كان من عاشر المحرم كان الكمال في عاشر المحرم ~~في مثل تلك الساعة فان الحول المطلق هو اثنا عشر شهرا من الشهر الهلالى كما ~~قال تعالى @QB@ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله @QE@ ~~وهكذا ما ذكره من العدة أربعة أشهر وعشرا أولها من حين الموت وآخرها اذا ~~مضت عشر بعد نظيره فاذا ms9480 كان في منتصف المحرم فآخرها خامس عشر المحرم وكذلك ~~الأجل المسمى في البيوع وسائر ما يؤجل بالشرع وبالشرط وللفقهاء هنا قولان ~~آخران ضعيفان ( أحدهما ( قول من يقول إذا كان في اثناء الشهر كان جميع ~~الشهور بالعدد فيكون الحولان ثلاثمائة وستين وعلى هذا القول تزيد المدة ~~اثنى عشر يوما وهو غلط بين PageV34P065 و ( القول الثانى ( قول من يقول ~~منها واحد بالعدد وسائرها بالأهلة وهذا أقرب لكن فيه غلط فانه على هذا اذا ~~كان المبدأ عاشر المحرم وقد نقص المحرم كان تمامه تاسعه فيكون التكميل أحد ~~عشر فيكون المنتهى حادى عشر المحرم وهو غلط أيضا # وظاهر القرآن يدل على أن على الأم ارضاعه لأن قوله ( يرضعن ) خبر في معنى ~~الأمر وهى مسألة نزاع ولهذا تأولها من ذهب إلى القول الآخر قال القاضي أبو ~~يعلى وهذا الأمر انصرف إلى الآباء لأن عليهم الاسترضاع لا على الوالدات ~~بدليل قوله @QB@ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن @QE@ وقوله @QB@ فآتوهن ~~أجورهن @QE@ فلو كان متحتما على الوالدة لم يكن عليه الأجرة # فيقال بل القرآن دل على ان للابن على الأم الفعل وعلى الأب النفقة ولو لم ~~يوجد غيرها تعين عليها وهى تستحق الأجرة والأجنبية تستحق الأجرة ولو لم ~~يوجد غيرها # وقوله تعالى @QB@ لمن أراد أن يتم الرضاعة @QE@ دليل على أنه لا يجوز أن ~~يريد اتمام الرضاع ويجوز الفطام قبل ذلك اذا كان مصلحة وقد بين ذلك بقوله ~~تعالى @QB@ فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما @QE@ ~~وذلك يدل على أنه لا يفصل الا برضى الأبوين فلو أراد أحدهما الاتمام والآخر ~~الفصال قبل ذلك كان الأمر لمن أراد الاتمام لأنه قال تعالى @QB@ والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن @QE@ PageV34P066 وقوله تعالى ( يرضعن ) صيغة خبر ومعناه الأمر ~~والتقدير والوالدة مأمورة بارضاعه حولين كاملين اذا أريد اتمام الرضاعة ~~فاذا أرادت الاتمام كانت مأمورة بذلك وكان على الأب رزقها وكسوتها وان اراد ~~الأب الاتمام كان له ذلك فانه لم يبح الفصال الا بتراضيهما ms9481 جميعا يدل على ~~ذلك قوله تعالى @QB@ لمن أراد أن يتم الرضاعة @QE@ ولفظة ( من ) إما ان ~~يقال هو عام يتناول هذا وهذا ويدخل فيه الذكر والأنثى فمن أراد الاتمام ~~أرضعن له وإما أن يقال قوله تعالى @QB@ لمن أراد أن يتم الرضاعة @QE@ انما ~~هو المولود له وهو المرضع له فالأم تلد له وترضع له كما قال تعالى @QB@ فإن ~~أرضعن لكم @QE@ والأم كالأجير مع المستأجر فان أراد الأب الاتمام أرضعن له ~~وان اراد أن لا يتم ( فله ذلك ) وعلى هذا التقدير فمنطوق الآية أمرهن ~~بارضاعه عند ارادة الأب ومفهومها أيضا جواز الفصل بتراضيعها يبقى اذا أرادت ~~الأم دون الأب مسكوتا عنه لكن مفهوم قوله تعالى ( عن تراض ) أنه لا يجوز ~~كما ذكر ذلك مجاهد وغيره ولكن تناوله قوله تعالى @QB@ فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن @QE@ فانها اذا ارضعت تمام الحول فله أرضعت وكفته بذلك مؤنة الطفل ~~فلولا رضاعها لا حتاج إلى ان يطعمه شيئا آخر PageV34P067 ففى هذه الآية بين ~~أن على الأم الاتمام إذا أراد الأب وفى تلك بين أن أن على الأب الأجر اذا ~~أبت المرأة قال مجاهد ( التشاور ) فيما دون الحولين إن أرادت ان تفطم وأبى ~~فليس لها وان اراد هو ولم ترد فليس له ذلك حتى يقع ذلك على تراض منهما ~~وتشاور يقول غير مسيئين إلى أنفسهما ولا رضيعهما # وقوله تعالى @QB@ إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف @QE@ قال اذا أسلمتم أيها ~~الآباء إلى أمهات الاولاد أجر ما ارضعن قبل امتناعهن روى عن مجاهد والسدى ~~وقيل اذا اسلمتم إلى الظئر اجرها بالمعروف روى عن سعيد بن جبير ومقاتل وقرأ ~~بن كثير ( أتيتم ) بالقصر وقوله تعالى @QB@ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف @QE@ ولم يقل وعلى الوالد كما قال @QB@ والوالدات @QE@ لأن المرأة ~~هي التى تلده وأما الأب فلم يلده بل هو مولودله لكن اذا قرن بينهما قيل ~~@QB@ وبالوالدين إحسانا @QE@ فأما مع الافراد فليس في القرآن تسميته والدا ~~بل أبا وفيه بيان أن الولد ولد للأب لا للأم ولهذا كان عليه نفقته حملا ~~وأجرة رضاعه وهذا ms9482 يوافق قوله تعالى @QB@ يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور @QE@ فجعله موهوبا للأب وجعل بيته بيته في قوله @QB@ لا جناح عليكم ~~@QE@ @QB@ أن تأكلوا من بيوتكم @QE@ وإذا كان الأب هو المنفق عليه جنينا ~~ورضيعا والمرأة وعاء فالولد زرع للأب قال تعالى @QB@ نساؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم @QE@ فالمرأة هي الأرض المزروعة والزرع فيها للأب وقد ( نهى ~~النبى صلى الله عليه وسلم ) أن يسقى الرجل ماءه زرع غيره ) يريد به النهى ~~عن وطء الحبالى PageV34P068 فان ماء الواطىء يزيد في الحمل كما يزيد الماء ~~في الزرع وفى الحديث الآخر الصحيح ( لقد هممت أن العنه لعنة تدخل معه في ~~قبره كيف يورثه وهو لا يحل له وكيف يستعبده وهو لا يحل له واذا كان الولد ~~للأب وهو زرعه كان هذا مطابقا لقوله ( أنت ومالك لأبيك ) وقوله ( ان أطيب ~~ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه ) فقد حصل الولد من كسبه كما دلت ~~عليه هذه الآية فان الزرع الذى في الأرض كسب المزدرع له الذى بذره وسقاه ~~وأعطى أجرة الأرض فان الرجل أعطى المرأة مهرها وهو أجر الوطء كما قال تعالى ~~@QB@ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن @QE@ وهو مطابق لقوله ~~تعالى @QB@ ما أغنى عنه ماله وما كسب @QE@ وقد فسر ( ما كسب ) بالولد فالأم ~~هي الحرث وهى الأرض التى فيها زرع والأب استأجرها بالمهر كما يستأجر الأرض ~~وأنفق على الزرع بانفاقه لما كانت حاملا ثم أنفق على الرضيع كما ينفق ~~المستأجر على الزرع والثمر اذا كان مستورا واذا برز فالزرع هو الولد وهو من ~~كسبه # وهذا يدل على أن للأب أن يأخذ من ماله مالا يضر به كما جاءت به السنة وان ~~ماله للأب مباح وان كان مكا للإبن فهو مباح للأب أن يملكه والا بقى للابن ~~فاذا مات ولم يتملكه ورث عن الابن وللأب أيضا أن يستخدم الولد مالم يضر به ~~وفى هذا وجوب طاعة الأب على الابن اذا كان العمل مباحا لا يضر بالابن فانه ~~لو استخدم عبده ms9483 في معصية أو اعتدى عليه لم يجز فالابن أولى PageV34P069 ~~ونفع الابن له اذا لم يأخذه الأب بخلاف نفع المملوك فانه لمالكه كما أن ~~ماله لو مات لمالكه لا لوارثه # ودل ما ذكره على أنه لا يجوز للرجل أن يطأ حاملا من غيره وانه اذا وطئها ~~كان كسقى الزرع يزيد فيه وينميه ويبقى له شركة في الولد فيحرم عليه استعباد ~~هذا الولد فلو ملك أمة حاملا من غيره ووطئها حرم استعباد هذا الولد لأنه ~~سقاه ولقوله صلى الله عليه وسلم ( كيف يستعبده وهو لا يحل له ) ( وكيف ~~يورثه ) أى يجعله موروثا منه ( وهو لا يحل له ) ومن ظن أن المراد كيف يجعله ~~وارثا فقد غلط لأن تلك المرأة كانت أمة للواطىء والعبد لا يجعل وارثا انما ~~يجعل موروثا فأما اذا استبرئت المرأة علم أنه لا زرع هناك ولو كانت بكرا أو ~~عند من لا يطؤها ففيه نزاع والأظهر جواز الوطء لأنه لا زرع هناك وظهور ~~براءة الرحم هنا أقوى من براءتها من الاستبراء بحيضة فان الحامل قد يخرج ~~منها من الدم مثل دم الحيض وإن كان نادرا وقد تنازع العلماء هل هو حيض أولا ~~فالاستبراء ليس دليلا قاطعا على براءة الرحم بل دليل ظاهر والبكارة وكونها ~~كانت مملوكة لصبى أو امرأة أدل على البراءة وأن كان البائع صادقا وأخبره ~~أنه استبرأها حصل المقصود واستبراء الصغيرة التى لم تحض والعجوز والآيسة في ~~غاية البعد PageV34P070 ولهذا اضطرب القائلون هل تستبرأ بشهر أو شهر ونصف ~~أو شهرين أو ثلاثة أشهر وكلها أقوال ضعيفة وبن عمر رضى الله عنهما لم يكن ~~يستبرئ البكر ولا يعرف له مخالف من الصحابة والنبى لم يأمر بالاستبراء الا ~~في المسبيات كما قال في سبايا أوطاس ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات ~~حمل حتى تستبرأ بحيضة ) لم يأمر كل من ورث أمة أو اشتراها أن يستبرئها مع ~~وجود ذلك في زمنه فعلم أنه أمر بالاستبراء عند الجهل بالحال لامكان ان تكون ~~حاملا وكذلك من ملكت وكان سيدها يطؤها ms9484 ولم يستبرئها لكن النبى لم يذكر مثل ~~هذا اذ لم يكن المسلمون يفعلون مثل هذا لا يرضى لنفسه أحد ان يبيع أمته ~~الحامل منه بل لا يبيعها اذا وطئها حتى يستبرئها فلا يحتاج المشترى إلى ~~استبراء ثان # ولهذا لم ينه عن وطء الحبالى من ( السادات ) اذا ملكت ببيع أو هبة لأن ~~هذا لم يكن يقع بل هذه دخلت في نهيه ( أن يسقى الرجل ماءه زرع غيره ) # وقوله تعالى @QB@ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف @QE@ وقال ~~تعالى في تلك الآية @QB@ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ يدل على أن هذا ~~الأجر هو رزقهن وكسوتهن بالمعروف اذا لم يكن بينهما مسمى PageV34P071 ~~ترجعان إليه ( وأجرة المثل ) إنما تقدر بالمسمى اذا كان هناك مسمى يرجعان ~~إليه كما في البيع والاجارة لما كان السلعة هي أو مثلها بثمن مسمى وجب ثمن ~~المثل اذا أخذت بغير اختياره وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من أعتق ~~شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل ~~فأعطى شركاءه حصصهم وعتق العبد ) فهناك أقيم العبد لأنه ومثله يباع في ~~السوق فتعرف القيمة التى هي السعر في ذلك الوقت وكذلك الأجير والصانع كما ~~نهى النبى في الحديث الصحيح لعلى ( أن يعطى الجازر من البدن شيئا ) وقال ( ~~نحن نعطيه من عندنا ) فان الذبح وقسمة اللحم على المهدى فعليه أجرة الجازر ~~الذى فعل ذلك وهو يستحق نظير ما يستحقه مثله اذا عمل ذلك لأن الجزارة ~~معروفة ولها عادة معروفة وكذلك سائر الصناعات كالحياكة والخياطة والبناء ~~وقد كان من الناس من يخيط بالأجرة على عهده فيستحق هذا الخياط ما يستحقه ~~نظراؤه وكذلك أجير الخدمة يستحق ما يستحقه نظيره لان ذلك عادة معروفة عند ~~الناس # وأما ( الأم المرضعة ) فهي نظير سائر الأمهات المرضعات بعد الطلاق وليس ~~لهن عادة مقدرة إلا اعتبار حال الرضاع بما ذكر وهى اذا كانت حاملا منه وهى ~~مطلقة استحقت نفقتها وكسوتها بالمعروف وهى في الحقيقة نفقة على الحمل وهذا ~~أظهر قولى العلماء كما ms9485 قال تعالى @QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن @QE@ PageV34P072 وللعلماء هنا ثلاثة أقوال # ( أحدها ) ان هذه النفقة نفقة زوجة معتدة ولا فرق بين أن تكون حاملا أو ~~حائلا وهذا قول من يوجب النفقة للبائن كما يوجبها للرجعية كقول طائفة من ~~السلف والخلف وهو مذهب أبى حنيفة وغيره ويروى عن عمر وبن مسعود ولكن على ~~هذا القول ليس لكونها حاملا تأثير فانهم ينفقون عليها حتى تنقضى العدة سواء ~~كانت حاملا أو حائلا # ( القول الثانى ( انه ينفق عليها نفقة زوجة لأجل الحمل كأحد قولى الشافعى ~~وإحدى الروايتين عن أحمد وهذا قول متناقض فانه ان كان نفقة زوجة فقد وجب ~~لكونها زوجة لا لأجل الولد وان كان لأجل الولد فنفقة الولد تجب مع غير ~~الزوجة كما يجب عليه أن ينفق على سريته الحامل إذا أعتقها وهؤلاء يقولون هل ~~وجبت النفقة للحمل أولها من أجل الحمل على قولين فان أرادوا لها من أجل ~~الحمل أى لهذه الحامل من أجل حملها فلا فرق وإن أرادوا وهو مرادهم انه يجب ~~لها نفقة زوجة من أجل الحمل فهذا تناقض فان نفقة الزوجة تجب وإن لم يكن حمل ~~ونفقة الحمل تجب وان لم تكن زوجة # و ( القول الثالث ( وهو الصحيح أن النفقة تجب للحمل ولها من أجل الحمل ~~لكونها حاملا بولده فهي نفقة عليه لكونه أباه PageV34P073 لا عليها لكونها ~~زوجة وهذا قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعى وأحمد والقرآن يدل على ~~هذا فانه قال تعالى @QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ~~@QE@ ثم قال تعالى @QB@ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ وقال هنا @QB@ ~~وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف @QE@ فجعل أجر الارضاع على من وجبت ~~عليه نفقة الحامل ومعلوم أن أجر الارضاع يجب على الأب لكونه أبا فكذلك نفقة ~~الحامل ولأن نفقة الحامل ورزقها وكسوتها بالمعروف وقد جعل أجر المرضعة كذلك ~~ولأنه قال @QB@ وعلى الوارث مثل ذلك @QE@ أى وارث الطفل فأوجب عليه ما يجب ~~على الأب وهذا كله يبين أن نفقة الحمل والرضاع من ms9486 ( باب نفقة الأب على ابنه ~~( لا من باب نفقة الزوج على زوجته # وعلى هذا فلو لم تكن زوجة بل كانت حاملا بوطء شبهة يلحقه نسبه أو كانت ~~حاملا منه وقد أعتقها وجب عليه نفقة الحمل كما يجب عليه نفقة الارضاع ولو ~~كان الحمل لغيره كمن وطىء أمة غيره بنكاح أو شبهة أو إرث فالولد هنا لسيد ~~الأمة فليس على الواطىء شيء وان كان زوجا ولو تزوج عبد حرة فحملت منه ~~فالنسب ها هنا لا حق لكن الولد حر والولد الحر لا تجب نفقته على أبيه العبد ~~ولا أجرة رضاعه فان العبد ليس له مال ينفق منه على ولده وسيده لا حق له في ~~ولده فان ولده إما حر وإما مملوك لسيد الأمة نعم لو كانت الحامل أمة والولد ~~حر مثل المغرور الذى اشترى أمة فظهر انها PageV34P074 مستحقة لغير البائع ~~أو تزوج حرة فظهر أنها أمة فهنا الولد حر وإن كانت أمة مملوكة لغير الواطىء ~~لأنه انما وطىء من يعتقدها مملوكة له أوزوجة حرة وبهذا قضت الصحابة لسيد ~~الأمة بشراء الولد وهو ( نظيره ) فهنا الآن ينفق على الحامل كما ينفق على ~~المرضعة له والله سبحانه وتعالى أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل كان له زوجة وطلقها ثلاثا وله منها بنت ~~ترضع وقد الزموه بنفقة العدة فكم تكون مدة العدة التى لا تحيض فيها لأجل ~~الرضاعة ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما جمهور العلماء كمالك والشافعى وأحمد فعندهم لا نفقة ~~للمعتدة البائن المطلقة ثلاثا وأما أبو حنيفة فيوجب لها النفقة ما دامت في ~~العدة وإذا كانت ممن تحيض فلا تزال في العدة حتى تحيض ثلاث حيض والمرضع ~~يتأخر حيضها في الغالب وأما أجر الرضاع فلها ذلك باتفاق العلماء كما قال ~~تعالى @QB@ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ ولا تجب النفقة إلا على ~~الموسر فاما المعسر فلا نفقة عليه PageV34P075 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة مزوجة محتاجة فهل تكون نفقتها واجبة ~~على زوجها أو من صداقها ### ||||| فأجاب # المزوجة المحتاجة نفقتها على زوجها واجبة من غير ms9487 صداقها وأما ~~صداقها المؤخر فيجوز أن تطالبه وإن أعطاها فحسن وإن امتنع لم لم يجبر حتى ~~يقع بينهما فرقة بموت أو طلاق أو نحوه والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل تزوج بامرأة ما ينتفع بها ولا تطاوعه في ~~أمر وتطلب منه نفقة وكسوة وقد ضيقت عليه أموره فهل تستحق عليه نفقة وكسوة ### ||||| فأجاب # إذا لم تمكنه من نفسها أو خرجت من داره بغير اذنه فلا نفقة لها ولا ~~كسوة وكذلك إذا طلب منها أن تسافر معه فلم تفعل فلا نفقة لها ولا كسوة فحيث ~~كانت ناشزا عاصية له فيما يجب له عليها طاعته لم يجب لها نفقة ولا كسوة ~~PageV34P076 ### |||| ( وسئل شيخ الاسلام رحمه الله ( # عن المرأة والرجل اذا تحا كما في النفقة ~~والكسوة هل القول قولها أم قول الرجل وهل للحاكم تقدير النفقة والكسوة بشيء ~~معين والمسؤل بيان حكم هاتين المسألتين بدلائلهما ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا كانت المرأة مقيمة في بيت زوجها مدة تأكل وتشرب ~~وتكتسى كما جرت به العادة ثم تنازع الزوجان في ذلك فقالت هي أنت ما أنفقت ~~على ولا كسوتنى بل حصل ذلك من غيرك وقال هو بل النفقة والكسوة كانت منى ~~ففيها قولان للعلماء # ( أحدهما ( القول قوله وهذا هو الصحيح الذى عليه الأكثرون ونظير هذا ان ~~يصدقها تعلم صناعة وتتعلمها ثم يتنازعا فيمن علمها فيقول هو أنا علمتها ~~وتقول هي أنا تعلمتها من غيره ففيها وجهان في مذهب الشافعى وأحمد والصحيح ~~من هذا كله أن القول قول من يشهد له العرف والعادة وهو مذهب مالك وأبو ~~حنيفة يوافق على أنها لا تستحق عليه شيئا لأن النفقة تسقط بمضى الزمان عنده ~~كنفقة الأقارب وهو قول في مذهب أحمد وأصحاب هذا القول يقولون PageV34P077 ~~وجبت على طريقة الصلة فتسقط بمضى الزمان والجمهور ومالك والشافعى واحمد في ~~المشهور عنه يقولون وجبت بطريق المعاوضة فلا تسقط بمضى الزمان ولكن اذا ~~تنازعا في قبضها فقال بعض أصحاب الشافعى وأحمد القول قول المرأة لأن الأصل ~~عدم المقبوض كما لو تنازعا في ms9488 قبض الصداق والصواب أنه يرجع في ذلك إلى ~~العرف والعادة فاذا كانت العادة أن الرجل ينفق على المرأة في بيته ويكسوها ~~وادعت انه لم يفعل ذلك فالقول قوله مع يمينه وهذا القول هو الصواب الذى لا ~~يسوغ غيره لأوجه # ( أحدها ( أن الصحابة والتابعين على عهد رسول الله وخلفائه الراشدين لم ~~يعلم منهم امرأة قبل قولها في ذلك ولو كان قول المرأة مقبولا في ذلك لكانت ~~الهمم متوفرة على دعوى النساء وذلك كما هو الواقع فعلم انه كان مستقرا ~~بينهم أنه لا يقبل قولها # ( الثانى ( أنه لو كان القول قولها لم يقبل قول الرجل الا ببينة فكان ~~يحتاج إلى الاشهاد عليها كلما أطعمها وكساها وكان تركه ذلك تفريطا منه اذا ~~ترك الاشهاد على الدين المؤجل ومعلوم ان هذا لم يفعله مسلم على عهد السلف ~~PageV34P078 # ( الثالث ( ان الاشهاد في هذا متعذر أو متعسر فلا يحتاج إليه كالاشهاد ~~على الوطء فانهما لو تنازعا في الوطء وهى ثيب لم يقبل مجرد قولها في عدم ~~الوطء عند الجمهور مع أن الأصل عدمه بل إما أن يكون القول ( قول ) الرجل أو ~~يؤمر باخراج المنى أو يجامعها في مكان وقريب منهما من يعلم ذلك بعد انقضاء ~~الوطء على ما للعلماء في ذلك من النزاع فهنا دعواها وافقت الأصل ولم تقبل ~~لتعذر اقامة البينة على ذلك والانفاق في البيوت بهذه المثابة ولا يكلف ~~الناس الاشهاد على إعطاء النفقة فان هذا بدعة في الدين وحرج على المسلمين ~~واتباع لغير سبيل المؤمنين # ( الرابع ( ان العلماء متنازعون هل يجب تمليك النفقة على قولين والأظهر ~~أنه لا يجب ولا يجب أن يفرض لها شيئا بل يطعمها ويكسوها بالمعروف وهذا ~~القول هو الذى دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في ~~النساء @QB@ له رزقهن وكسوتهن بالمعروف @QE@ كما في المملوك ( وكسوته ~~بالمعروف ( وقال ( حقها أن تطعمها إذ طعمت وتكسوها اذا اكتسيت ) كما قال في ~~المماليك ( اخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده ~~فليطعمه مما يأكل وليلبسه ms9489 مما يلبس ( هذه عادة المسلمين على عهد رسول الله ~~وخلفائه لا يعلم قط أن رجلا فرض لزوجته نفقة بل يطعمها ويكسوها PageV34P079 # وإذا كان كذلك كان له ولاية الانفاق عليها كما له ولاية الانفاق على ~~رقيقه وبهائمه وقد قال الله تعالى ( الرجال قوامون على النساء ) وقال زيد ~~بن ثابت الزوج سيد في كتاب الله وقرأ قوله ( وألفيا سيدها لدى الباب ) وقال ~~عمر بن الخطاب النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته ويدل على ذلك قول ~~النبى ( اتقوا الله في النساء فانهن عوان عندكم وإنكم أخذتموهن بامانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) فقد أخبر أن المرأة عانية عند الرجل والعانى ~~الأسير وأن الرجل أخذها بأمانة الله فهو مؤتمن عليها ولهذا أباح الله للرجل ~~بنص القرآن أن يضربها وإنما يؤدب غيره من له عليه ولاية فاذا كان الزوج ~~مؤتمنا عليها وله عليها ولاية كان القول قوله فيما اؤتمن عليه وولى عليه ~~كما يقبل قول الولى في الانفاق على اليتيم وكما يقبل قول الوكيل والشريك ~~والمضارب والمساقي والمزارع فيما أنفقه على مال الشركة وإن كان في ذلك معنى ~~المعاوضة وعقد النكاح من جنس المشاركة والمعاوضة والرجل مؤتمن فيه فقبول ~~قوله في ذلك أولى من قبول قول أحد الشريكين # وكذلك لو أخذت المرأة نفقتها من ماله بالمعروف وادعت أنه لم يعطها نفقة ~~قبل قولها مع يمينها في هذه الصورة # لأن الشارع سلطها على ذلك كما قال النبى لهند ( خذى ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف ) لما قالت إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطينى من النفقة ما ~~يكفينى وولدى فقال ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف PageV34P080 # وكذلك لو كان الزوج مسافرا عنها مدة وهى مقيمة في بيت ابيها وادعت انه لم ~~يترك لها نفقة ولا أرسل اليها بنفقة فالقول قولها مع يمينها وأمثال ذلك ~~فلابد من التفصيل في الماضى مطلقا في هذا الباب # وهذه المعانى من تدبرها تبين له سر هذه المسألة فان قبول قول النساء في ~~عدم النفقة في الماضى فيه من الضرر والفساد مالا ms9490 يحصيه إلا رب العباد وهو ~~يؤل إلى أن المرأة تقيم مع الزوج خمسين سنة ثم تدعى نفقة خمسين سنة وكسوتها ~~وتدعى أن زوجها مع يساره وفقرها لم يطعمها في هذه المدة شيئا وهذا مما ~~يتبين الناس كذبها فيه قطعا وشريعة الاسلام منزهة عن أن يحكم فيها بالكذب ~~والبهتان والظلم والعدوان # ( الوجه الخامس ( أن الأصل المستقر في الشريعة أن اليمين مشروعة في جنبة ~~أقوى المتداعيين سواء ترجح ذلك بالبراءة الأصلية أو اليد الحسية أو العادة ~~العملية ولهذا إذا ترجح جانب المدعى كانت اليمين مشروعة في حقه عند الجمهور ~~كمالك والشافعى واحمد كالأيمان في القسامة وكما لو أقام شاهدا عدلا في ~~الأموال فانه يحكم له بشاهد ويمين والنبى جعل البينة على المدعى عليه اذا ~~لم يكن مع المدعى حجة ترجح جانبه ولهذا قال جمهور العلماء في الزوجين اذا ~~تنازعا في متاع البيت فانه يحكم لكل منهما بما جرت العادة باستعماله إياه ~~فيحكم للمرأة بمتاع النساء PageV34P081 وللرجل بمتاع الرجال وان كانت اليد ~~الحسية منهما ثابتة على هذا وهذا لأنه يعلم بالعادة أن كلا منهما يتصرف في ~~متاع جنسه وهنا العادة جارية بأن الرجل ينفق على امرأته ويكسرها فان لم ~~يعلم لها جهة تنفق منها على نفسها أجرى الأمر على العادة # ( الوجه السادس ( أن هذه المرأة لابد أن تكون أكلت واكتست في الزمان ~~الماضى وذلك إما ان يكون من الزوج وإما أن يكون من غيره والأصل عدم غيره ~~فيكون منه كما قلنا في أصح الوجهين إن القول قوله في أنه علمها الصناعة ~~والقراءة التى أصدقها تعليمها لأن الحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم كما ~~لو سقط في الماء نجاسة فرئى متغيرا بعد ذلك وشك هل تغير بالنجاسة أو غيرها ~~فأصح الوجهين أنه يضاف التغير إلى النجاسة ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين ~~ان النبى أفتى عدى بن حاتم فيما اذا رمى الصيد وغاب عنه ولم يجد فيه أثرا ~~غير سهمه أنه يأكله لأن الأصل عدم سبب آخر زهقت به نفسه بخلاف ما إذا ms9491 تردى ~~في ماء أو خالط كلبه كلاب أخرى فان تلك لأسباب شاركت في الزهوق وبسط هذه ~~المسائل له موضع آخر غير هذا PageV34P082 ### ||| فصل # وأما تقدير الحاكم النفقة والكسوة فهذا يكون عند التنازع فيها كما يقدر ~~مهر المثل إذا تنازعا فيه وكما يقدر مقدار الوطء إذا ادعت المرأة انه ~~يضربها فان الحقوق التى لايعلم مقدارها إلا بالمعروف متى تنازع فيها ~~الخصمان قدرها ولى الأمر وأما الرجل إذا كان ينفق على امرأته بالمعروف كما ~~جرت عادة مثله لمثلها فهذا يكفى ولايحتاج إلى تقدير الحاكم ولو طلبت المرأة ~~أن يفرض لها نفقة يسلمها اليها مع العلم بأنه ينفق عليها بالمعروف فالصحيح ~~من قولى العلماء في هذه الصورة انه لا يفرض لها نفقة ولا يجب تمليكها ذلك ~~كما تقدم فان هذا هو الذى يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار المبنى على ~~العدل والصواب المقطوع به عند جمهور العلماء أن نفقة الزوجة مرجعها إلى ~~العرف وليست مقدرة بالشرع بل تختلف باختلاف أحوال البلاد والأزمنة وحال ~~الزوجين وعادتهما فان الله تعالى قال @QB@ وعاشروهن بالمعروف @QE@ وقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ) وقال @QB@ له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف @QE@ PageV34P083 ### || 1 ( تفسير قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ) 1 # ( وقال شيخ الاسلام رحمه الله ( في قول الله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ إلى قوله @QB@ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة @QE@ إلى ~~قوله تعالى @QB@ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان @QE@ فجعل ~~المباح أحد أمرين إمساك بمعروف أو تسريح باحسان وأخبر ان الرجال ليسوا أحق ~~بالرد إلا اذا ارادوا اصلاحا وجعل لهن مثل الذى عليهن بالمعروف وقال تعالى ~~@QB@ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف @QE@ ~~وقال تعالى في الآية الأخرى @QB@ فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ~~@QE@ وقوله هنا ( بالمعروف ) يدل على ان المرأة لو رضيت بغير المعروف لكان ~~للأولياء العضل والمعروف تزويج الكفء وقد يستدل ms9492 به من يقول مهر مثلها من ~~المعروف فان المعروف هو الذى يعرفه أولئك وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن @QE@ إلى قوله @QB@ وعاشروهن بالمعروف @QE@ فقد ذكر أن التراضى ~~بالمعروف والامساك PageV34P084 بالمعروف التسريح بالمعروف والمعاشرة ~~بالمعروف وأن لهن وعليهن بالمعروف كما قال @QB@ له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ~~@QE@ فهذا المذكور في القرآن هو الواجب العدل في جميع ما يتعلق بالنكاح من ~~امور النكاح وحقوق الزوجين فكما أن ما يجب للمرأة عليه من الرزق والكسوة هو ~~بالمعروف وهو العرف الذى يعرفه الناس في حالهما نوعا وقدرا وصفة وإن كان ~~ذلك يتنوع بتنوع حالهما من اليسار والاعسار والزمان كالشتاء والصيف والليل ~~والنهار والمكان فيطعمها في كل بلد مما هو عادة أهل البلد وهو العرف بينهم ~~وكذلك ما يجب لها عليه من المتعة والعشرة فعليه أن يبيت عندها ويطأها ~~بالمعروف ويختلف ذلك باختلاف حالها وحاله وهذا أصح القولين في الوطء الواجب ~~أنه مقدر بالمعروف لا بتقدير من الشرع قررته في غير هذا الموضع # والمثال المشهور هو ( النفقة ) فانها مقدرة بالمعروف تتنوع بتنوع حال ~~الزوجين عند جمهور المسلمين ومنهم من قال هي مقدرة بالشرع نوعا وقدرا مدا ~~من حنطة أو مدا ونصفا أو مدين قياسا على الاطعام الواجب في الكفارة على أصل ~~القياس # والصواب المقطوع به ما عليه الامة علما وعملا قديما وحديثا فان القران قد ~~دل على ذلك وفى الصحيحين عن النبى PageV34P085 أنه قال لهند امرأة أبى ~~سفيان لما قالت له يا رسول الله ان أبا سفيان رجل شحيح وانه لا يعطينى ما ~~يكفينى وولدى فقال النبى ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ) فأمرها أن تأخذ ~~الكفاية بالمعروف ولم يقدر لها نوعا ولا قدرا ولو تقدر ذلك بشرع أو غيره ~~لبين لها القدر والنوع كما بين فرائض الزكاة والديات وفى صحيح مسلم عن جابر ~~أن النبى قال في خطبته العظيمة بعرفات ( لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ~~) # واذا كان الواجب هو الكفاية بالمعروف فمعلوم أن الكفاية ms9493 بالمعروف تتنوع ~~بحالة الزوجة في حاجتها ويتنوع الزمان والمكان ويتنوع حال الزوج في يساره ~~واعساره وليست كسوة القصيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة ولاكسوة الشتاء ~~ككسوة الصيف ولا كفاية طعامه كطعامه ولا طعام البلاد الحارة كالباردة ولا ~~المعروف في بلاد التمر والشعير كالمعروف في بلاد الفاكهة والخمير وفى مسند ~~الامام أحمد وسنن ابى داود وبن ماجه عن حكيم بن معاوية النميرى عن أبيه أنه ~~قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة احدنا عليه قال ( تطعمها اذا أكلت وتكسوها ~~اذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر الا في البيت ) # فهذه ثلاثة أحاديث عن النبى أن للزوجة مرة أن تأخذ كفاية ولدها بالمعروف ~~وقال في الخطبة التى خطبها يوم أكمل الله PageV34P086 الدين في اكبر مجمع ~~كان له في الاسلام ( لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) وقال للسائل ~~المستفتى له عن حق الزوجة ( تطعمها اذا اكلت وتكسوها اذا اكتسيت ) لم يأمر ~~في شيء من ذلك بقدر معين لكن قيد ذلك بالمعروف تارة وبالمواساة بالزوج أخرى ~~وهكذا قال في نفقة المماليك ففى الصحيحين عن أبى ذر عن النبى قال ( هم ~~اخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان اخوه تحت يده فليطعمه مما ~~يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فان كلفتموهم فأعينوهم ) وفى ~~صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى قال ( للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من ~~العمل إلى ما يطلق ) # ففى الزوجة والمملوك أمره واحد تارة يذكر انه يجب الرزق والكسوة بالمعروف ~~وتارة يأمر بمواساتهم بالنفس فمن العلماء من جعل المعروف هو الواجب ~~والمواساة مستحبة وقد يقال احدهما تفسير للآخر وعلى هذا فالواجب هو الرزق ~~والكسوة بالمعروف في النوع والقدر وصفة الانفاق وان كان العلماء قد تنازعوا ~~في ذلك أما ( النوع ) فلا يتعين أن يعطيها مكيلا كالبر ولاموزنا كالخبر ولا ~~ثمن ذلك كالدراهم بل يرجع في ذلك إلى العرف فاذا اعطاها كفايتها بالمعروف ~~مثل أن يكون عادتهم أكل التمر والشعير فيعطيها ذلك PageV34P087 أو يكون أكل ~~الخبز والادام فيعطيها ذلك وإن ms9494 كان عادتهم أن يعطيها حبا فتطحنه في البيت ~~فعل ذلك وان كان يطحن في الطاحون ويخبز في البيت فعل ذلك وان كان يخبز في ~~البيت فعل ذلك وان كان يشترى خبزا من السوق فعل ذلك وكذلك الطبيخ ونحوه ~~فعلى ما هو المعروف فلا يتعين عليه دراهم ولا حبات أصلا لا بشرع ولا بفرض ~~فان تعين ذلك دائما من المنكر ليس من المعروف وهو مضر به تارة وبها أخرى # وكذلك ( القدر ) لا يتعين مقدار مطرد بل تتنوع المقادير بتنوع الاوقات # واما ( الانفاق ) فقد قيل إن الواجب تمليكها النفقة والكسوة وقيل لا يجب ~~التمليك وهو الصواب فان ذلك ليس هو المعروف بل عرف النبى صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين إلى يومنا هذا ان الرجل يأتى بالطعام إلى منزله فيأكل هو ~~وامرأته ومملوكه تارة جميعا وتارة أفرادا ويفضل منه فضل تارة فيدخرونه ولا ~~يعرف المسلمون أنه يملكها كل يوم دراهم تتصرف فيها تصرف المالك بل من عاشر ~~امرأة بمثل هذا الفرض كانا عند المسلمين قد تعاشرا بغير المعروف وتضارا في ~~العشرة وإنما يفعل أحدهما ذلك بصاحبه عند الضرر لا عند العشرة بالمعروف ~~PageV34P088 # وأيضا فان النبى صلى الله عليه وسلم أوجب في الزوجة مثل ما أوجب في ~~المملوك تارة قال ( لهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) كما قال في المملوك وتارة ~~قال ( تطعمها اذا أكلت وتكسوها اذا اكتسيت ( كما قال في المملوك وقد اتفق ~~المسلمون على أنه لا يجب تمليك المملوك نفقته فعلم أن هذا الكلام لا يقتضى ~~ايجاب التمليك واذا تنازع الزوجان فمتى اعترفت الزوجة انه يطعمها اذا أكل ~~ويكسوها اذا اكتسى وذلك هو المعروف لمثلها في بلدها فلا حق لها سوى ذلك وأن ~~أنكرت ذلك أمره الحاكم ان ينفق بالمعروف بل ولا له ان يأمر بدراهم مقدرة ~~مطلقا أو حب مقدار مطلقا لكن يذكر المعروف الذى يليق بهما ### ||| فصل # وكذلك ( قسم الابتداء والوطء والعشرة والمتعة ( واجبان كما قد قررناه ~~باكثر من عشرة أدلة ومن شك في وجوب ذلك فقد أبعد تأمل الأدلة الشرعية ~~والسياسة ms9495 الانسانية ثم الواجب قيل مبيت ليلة من أربع ليال والوطء في كل ~~أربعة أشهر مرة كما ثبت ذلك في المولى والمتزوج أربعا وقيل إن الواجب وطؤها ~~بالمعروف فيقل ويكثر بحسب حاجتها وقدرته كالقوت سواء ### ||| فصل # ( وكذلك ما عليها من موافقته في المسكن وعشرته ومطاوعته في المتعة فان ~~ذلك واجب عليها بالاتفاق عليها أن تسكن معه في أى بلد أو دار إذا ~~PageV34P089 كان ذلك بالمعروف ولم تشترط خلافه وعليها أن لا تفارق ذلك بغير ~~أمره إلا لموجب شرعى فلا تنتقل ولا تسافر ولا تخرج من منزله لغير حاجة إلا ~~باذنه كما قال النبى ( فانهن عوان عندكم ( بمنزلة العبد والأسير وعليها ~~تمكينه من الاستمتاع بها إذا طلب ذلك وذلك كله بالمعروف غير المنكر فليس له ~~أن يستمتع استمتاعا يضربها ولا يسكنها مسكنا يضربها ولا يحبسها حبسا يضر ~~بها ### ||| فصل # ( وتنازع العلماء هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل ومناولة الطعام ~~والشراب والخبز والطحن والطعام لمماليكه وبهائمه مثل علف دابته ونحو ذلك ~~فمنهم من قال لا تجب الخدمة وهذا القول ضعيف كضعف قول من قال لا تجب عليه ~~العشرة والوطء فان هذا ليس معاشرة له بالمعروف بل الصاحب في السفر الذى هو ~~نظير الانسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحة لم يكن قد عاشره ~~بالمعروف وقيل وهو الصواب وجوب الخدمة فان الزوج سيدها في كتاب الله وهى ~~عانية عنده بسنة رسول الله وعلى العانى والعبد الخدمة ولأن ذلك هو المعروف ~~ثم من هؤلاء من قال تجب الخدمة اليسيرة ومنهم من قال تجب الخدمة بالمعروف ~~وهذا هو الصواب فعليها أن تخدمه PageV34P090 الخدمة المعروفة من مثلها ~~لمثله ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية وخدمة ~~القويه ليست كخدمة الضعيفة ### ||| فصل # ( والمعروف فيما له ولها هو موجب العقد المطلق فان العقد المطلق يرجع في ~~موجبه إلى العرف كما يوجب العقد المطلق في البيع النقد المعروف فان شرط ~~أحدهما على صاحبه شرطا لا يحرم حلالا ولا يحلل حراما فالمسلمون عند شروطهم ~~فان ms9496 موجبات العقود تتلقى من اللفظ تارة ومن العرف تارة أخرى لكن كلاهما ~~مقيد بما لم يحرمه الله ورسوله فان لكل من العاقدين أن يوجب للآخر على نفسه ~~مالم يمنعه الله من ايجابه ولا يمنعه أن يوجب في المعاوضة ما يباح بذله بلا ~~عوض كعارية البضع والولاء لغير المعتق فلا سبيل إلى أن يجب بالشرط فانه إذا ~~حرم بذله كيف يجب بالشرط فهذه أصول جامعة مع اختصار والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل متزوج بامرأة وسافر عنها سنة كاملة ولم يترك عندها شيئا ~~ولا لها شيء تنفقه عليها وهلكت من الجوع فحظر من يخطبها PageV34P091 ودخل ~~بها وحملت منه فعلم الحاكم أن الزوج الأول موجود ففرق بينهما ووضعت الحمل ~~من الزوج الثانى والزوج الثانى ينفق عليها إلى أن صار عمر المولود أربع ~~سنين ولم يحضر الزوج الأول ولا عرف له مكان فهل لها أن تراجع الزوج الثانى ~~أو تنتظر الأول ### ||||| فأجاب # إذا تعذرت النفقة من جهته فلها فسخ النكاح فاذا انقضت عدتها تزوجت ~~بغيره والفسخ للحاكم فاذا فسخت هي نفسها لتعذر فسخ الحاكم أو غيره ففيه ~~نزاع وأما إذا لم يفسخ الحاكم بل شهد لها أنه قد مات وتزوجت لأجل ذلك ولم ~~يمت الزوج فالنكاح باطل لكن إذا اعتقد الزوج الثانى أنه صحيح لظنه موت ~~الزوج الأول وانفساخ النكاح أو نحو ذلك فانه يلحق به النسب وعليه المهر ولا ~~حد عليه لكن تعتد له حتى تنقضى عدتها منه ثم بعد ذلك ينفسخ نكاح الأول إن ~~أمكن وتتزوج بمن شاءت ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل زوج ابنته لرجل وأراد الزوج السفر إلى ~~بلاده فقال له وكيل الأب في قبول النكاح لا تسافر إما أن تعطى الحال من ~~الصداق وتنتقل بالزوجة أو ترضى الأب فسافر ولم يجب إلى ذلك وهو غائب ~~PageV34P092 عن الزوجة المذكورة مدة سنة ولم يصل منه نفقة فهل لوالد الزوجة ~~أن يطلب فسخ النكاح ### ||||| فأجاب # نعم اذا عرضت المرأة عليه فبذل له تسليمها وهى ممن يوطأ مثلها وجب ~~عليه النفقة بذلك ms9497 فاذا تعذرت النفقة من جهته كان للزوجة المطالبة بالفسخ ~~إذا كان محجورا عليها على وجهين ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل تبرع وفرض لأمه على نفسه وهى صحيحة ~~عاقلة في كل يوم درهمين واذن لها أن تستدين وتنفق عليها وترجع عليه وبقيت ~~مقيمة عنده مدة ولم تستدن لها نفقة ثم توفيت ولم تترك عليها دينا وخلفت من ~~الورثة ابنها هذا وبنتين ثم توفى ابنها بعدها فهل يصير ما فرض على نفسه ~~دينا في ذمته يؤخذ من تركه ويقسم على ورثتها أم لا وهل اذا حكم حاكم مع ~~قولكم النفقة تسقط بمضى المدة هل ينفذ حكمه أم لا وهل يجب استرجاع ما أخذ ~~ورثتها من تركة ولدها بهذا الوجه أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد الله رب العالمين ليس ذاك دينا لها في ذمته ولا يقضى من ~~تركته والمستحقة ورثتها وما علمت أن احدا من العلماء قال ان نفقة ~~PageV34P093 القريب تثبت في الذمة لما مضى من الزمان إلا اذا كان قد استدان ~~عليه النفقة باذن حاكم أو انفق بغير اذن حاكم غير متبرع وطلب الرجوع بما ~~انفق فهذا في رجوعه خلاف فاما استقرارها في الذمة بمجرد الفرض إما بانفاق ~~متبرع أو بكسبه كما يقال مثله في نفقة الزوجة فما علمت له قائلا فاذا كان ~~الحكم مخالفا للاجماع لم يلزم بحكم حاكم ولمن أخذ منه المال بغير حق ان ~~يرجع بما أخذه ومذهب أبى حنيفة تسقط بمضى الزمان وان قضى بها القاضي إلا أن ~~يأذن القاضي في الاستدانة لأن للقاضى ولاية عامة فصار كاذن الغائب وذكر ~~بعضهم في قضاء القاضي هل يصير به دينا روايتين لكن حملوا رواية الوجوب على ~~ما اذا أمر بالاستدانة والانفاق عليهم ويرجع بذلك وكذا اذا كان الزوج موسرا ~~وتمرد وامتنع عن الانفاق فطلبت المرأة ان يأمرها بالاستدانة فأمرها القاضي ~~بذلك وترجع عليه لأن أمر القاضي كأمره ولو قضى القاضي لها بالنفقة فامرها ~~بالاستدانة على الزوج لئلا يبطل حقها في النفقة بموت أحدهما لأن النفقة ~~تسقط بموت أحدهما فكانت فائدة ms9498 الأمر بالاستدانة لتأكيد حقها في النفقة لأن ~~القاضي مأمور بايصال الحق إلى المستحق وهذه طريقة لكن لو أمر القريب ~~بالاستدانة ولم يستدن بل استغنى بنفقة متبرع أو بكسب له فقد فهم القاضي شمس ~~الدين ان النفقة تستقر في الذمة بهذه الصورة لاطلاقهم الأمر بالاستدانة من ~~غير اشتراط وجود الاستدانة وغيره إنما فهم ان الاستدانة لأجل وجود ~~الاستدانة واما الاذن في الاستدانة من غير وجودها لايصير المأذون فيه دينا ~~حتى يستدان PageV34P094 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة توفيت وخلفت من الورثة ولدا ذكرا وقد ~~ادعى على أبيه بالصداق والكسوة فهل يلزم الزوج الكسوة الماضية قبل موتها ~~والابن محتاج ### ||||| فأجاب # اذا كان الأمر على ما ذكر فعلى الأب أن يوفيه ما يستحقه بل لو لم ~~يكن للإبن ميراث وكان محتاجا عاجزا عن الكسوة فعلى الأب اذا كان موسرا أن ~~ينفق عليه وعلى زوجته وأولاده الصغار المحتاجين والعاجزين عن الكسب ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل تزوج بامرأة ودخل بها وهو مستمر النفقة وهى ~~ناشز ثم إن والدها أخذها وسافر من غير إذن الزوج فماذا يجب عليهما ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا سافر بها بغير إذن الزوج فانه يعزر على ذلك وتعزر ~~الزوجة اذا كان التخلف يمكنها ولا نفقة لها من حين سافرت والله أعلم ~~PageV34P095 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل تزوج عند قوم مدة سنة ثم جرى بينهم كلام ~~فادعوا عليه بكسوة سنة فأخذوها منه ثم ادعوا عليه بالنفقة وقالوا هي تحت ~~الحجر ومااذنا لك ان تنفق عليها فهل يجوز ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اذا كان الزوج تسلمها التسليم الشرعى وهو أو ~~أبوه أو نحوهما يطعمها كما جرت به العادة لم يكن للأب ولالها ان تدعى ~~بالنفقة فان هذا هو الانفاق بالمعروف الذى كان على عهد رسول الله وأصحابه ~~وسائر المسلمين في كل عصر ومصر وكذلك نص على ذلك أئمة العلماء بل من كلف ~~الزوج أن يسلم إلى أبيها دراهم ليشترى لها بهاما يطعمها في كل يوم فقد خرج ~~عن سنة رسول ms9499 الله والمسلمين وان ( كان ) هذا قد قاله بعض الناس فكيف اذا ~~كان قد انفق عليها باقرار الأب لها بذلك وتسليمها اليهم مع أنه لا بد لها ~~من الأكل ثم اراد ان يطلب النفقة ولا يعتد بما انفقوا عليها فان هذا باطل ~~في الشريعة لا تحتمله أصلا ومن توهم ذلك معتقدا ان النفقة حق لها كالدين ~~فلا بد ان يقبضه الولى وهو لم يأذن فيه كان مخطئا من وجوه PageV34P096 ( ~~منها ( أن المقصود بالنفقة اطعامها لا حفظ المال لها ( الثانى ( ان قبض ~~الولى لها ليس فيه فائدة ( الثالث ( أن ذلك لا يحتاج إلى اذنه فانه واجب ~~لها بالشرع والشارع أوجب الانفاق عليها فلو نهى الولى عن ذلك لم يلتفت إليه ~~( الرابع ( اقراره لها مع حاجته إلى النفقة اذن عرفى ولا يقال إنه لم يأمن ~~الزوج على النفقة لوجهين ( احداهما ) ان الائتمان بها حصل بالشرع كما أو ~~تمن الزوج على بدنها والقسم لها وغير ذلك من حقوقها فان الرجال قوامون على ~~النساء والنساء عوان عند الرجال كما دل على ذلك الكتاب والسنة ( الثانى ) ~~أن الائتمان العرفى كاللفظى والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل حبسته زوجته على كسوتها وصداقها وبقى مدة فهل ~~لها ان تطالبه بنفقتها مدة إقامته في حبسها أم لا ### ||||| فأجاب # ان كان معسرا فحبسته كانت ظالمة له مانعة له من التمكن منها فلا ~~تستحق عليه في تلك المدة نفقة وان كان لها حق واجب حال وهو قادر على ادائه ~~فمنعه بعد الطلب الشرعى كان ظالما فاذا كانت مع هذا باذلة ما ( يجب عليها ( ~~وجبت لها النفقة PageV34P097 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل له زوجة وله مدة سبع سنين لم ينتفع بها ~~لأجل مرضها فهل تستحق عليه نفقة أم لا فان لم تكن تستحق وحكم عليه حاكم فهل ~~يجب عليه أعطاؤه أم لا ### ||||| فأجاب # نعم تستحق النفقة في مذهب الأئمة الأربعة ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل طلق زوجته طلقة واحدة وكانت حاملا فاسقطت فهل ~~تسقط عنه النفقة أم لا ### ||||| فأجاب # نعم ms9500 اذا القت سقطا انقضت به العدة وسقطت به النفقة وسواء كان قد ~~نفخ فيه الروح أم لا اذا كان قد تبين فيه خلق الانسان فان لم يتبين ففيه ~~نزاع PageV34P098 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل طلق زوجته ثلاثا والزمها بوفاء العدة في ~~مكانها فخرجت منه قبل ان توفى العدة وطلبها الزوج ماوجدها فهل لها نفقة ~~العدة ### ||||| فأجاب # لا نفقة لها وليس لها ان تطالب بنفقة الماضى في مثل هذه العدة في ~~المذاهب الأربعة والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل ماتت زوجته وخلفت له ثلاث بنات فاعطاهم لحميه ~~وحماته وقال روحوا بهم إلى بلدكم حتى أجىء اليهم فغاب عنهم ثلاث سنين فهل ~~على والدهم نفقتهم وكسوتهم في هذه المدة أم لا ### ||||| فأجاب # ما انفقوه عليهم بالمعروف بنية الرجوع به على والدهم فلهم الرجوع ~~به عليه اذا كان ممن تلزمه نفقتهم والله أعلم PageV34P099 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل وطىء أجنبية حملت منه ثم بعد ذلك تزوج بها فهل ~~يجب عليه فرض الولد في تربيته أم لا ### ||||| فأجاب # الولد ولدزنا لا يلحقه نسبه عند الأئمة الأربعة ولكن لابد أن ينفق ~~عليه المسلمون فانه يتيم من اليتامى ونفقة اليتامى على المسلمين مؤكدة ~~والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل متزوج بامرأة ولها ولد من غيره وله فرض على ~~أبيه تتناوله أمه والزوج يقوم بالصبى بكلفته ومؤنته مدة سنين وحين تزوج ~~الرجل كان من الصداق خمسة دنانير حالة فشارطته على أنها لا تطالبه بها اذا ~~كان ينفق على الولد ما دام الصبى عنده ولم تعين له كلفة ولا نفقة فهل له ~~مطالبة أم الصبى بكلفة مدة مقامه عنده PageV34P100 ### ||||| فأجاب # إذا كان الأمر على ما ذكر ولم يوف امرأته بما شرطت له فليس له أن ~~يطالب بما أنفقه على الصبى إذا كان الانفاق بمعروف فانه ليس متبرعا بذلك ~~سواء أنفق بأذن أمه أم لا ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة تطعم من بيت زوجها بحكم أنها تتعب فيه ### ||||| فأجاب # الحمد لله تطعم بالمعروف مثل الخبر والطبيخ ms9501 والفاكهة ونحو ذلك مما ~~جرت العادة باطعامه والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل عجز عن الكسب ولا له شيء وله زوجة وأولاد فهل ~~بجوز لولده الموسر أن ينفق عليه وعلى زوجته واخوته الصغار ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين نعم على الولد الموسر أن ينفق على أبيه وزجة ~~أبيه وعلى اخوته الصغار وإن لم يفعل ذلك كان عاقا لأبيه قاطعا لرحمه مستحقا ~~لعقوبة الله تعالى في الدنيا والآخرة والله أعلم PageV34P101 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له ولد وطلب منه ما يمونه ### ||||| فأجاب # إذا كان موسرا وأبوه محتاجا فعليه أن يعطيه تمام كفايته وكذلك ~~إخوته إذا كانوا عاجزين عن الكسب فعليه أن ينفق عليهم إذا كان قادرا على ~~ذلك ولأبيه أن يأخذ من ماله ما يحتاجه بغير إذن الابن وليس للإبن منعه ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن رجل له ولد وله مال والوالد فقير وله عائلة وزوجه ~~غير والدة لولد الكبير فهل يجب على ولده نفقة والده ونفقة اخوته وزوجته أم ~~لا ### ||||| فأجاب # إذا كان الأب عاجزا عن النفقة والابن قادرا على الانفاق عليهم ~~فعليه الانفاق عليهم PageV34P102 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل عاجز عن نفقة بنته وكان غائبا وهى عند ~~أمها وجدتها تنفق عليها مع أنها موسرة وليس عليه فرض فهل لها أن ترجع ~~بالنفقة المدة التى كان عاجزا عن النفقة فيها وهل القول قوله في إعساره إذا ~~لم يعرف له مال أو قول المدعى وإذا كان مقيما في بلد فيها خيره ويريد أخذ ~~بنته معه وهو يسافر سفر نقلة فيستحق السفر بها وتكون الحضانة لأمها ### ||||| فأجاب # اما المدة التى كان عاجزا عن النفقة فيها فلا نفقة عليه ولا رجوع ~~لمن انفق فيها بغير إذنه بغيرنزاع بين العلماء وانما النزاع فيما إذا انفق ~~منفق بدون إذنه مع وجوب النفقة على الأب فقيل يرجع بما أنفق غير متبرع كما ~~هو مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد في قول ولا يجوز حبسه على هذه النفقة ولا ~~على الرجوع بها حتى يثبت الوجوب بيساره فإذا ms9502 اختلفا في اليسار ولم يعرف له ~~مال فالقول قوله مع يمينه # وإذا كان مقيما في غير بلد الأم فالحضانة له لا للأم وأن كانت الأم أحق ~~بالحضانة في البلد الواحد وهذا أيضا مذهب الأئمة الأربعة والله أعلم ~~PageV34P103 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل له مطلقة وله منها ولد وقد بلغ من العمر ~~سبع سنين وهم يريدون فرضه وقد تزوجت أمه وكفلته جدته ووجهت كفيله وسافروا ~~به إلى الاسنكدرية وغيبوه مدة سبع سنين وطلب منه فرض السنين الماضية ### ||||| فأجاب # اذا حكم له حاكم لم يكن لأمه أن تغيبه عنه واذا غيبته عنه والحالة ~~هذه لم يكن لها أن تطالبه بالنفقة المفروضة ولا بما أنفقوه عليه في هذه ~~الحالة والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل عليه وقف من جده ثم على ولده وهو يتناول أجرته ~~وله ملك زاد أجرة كثيرة وغيرها والكل معطل وله ولد معسر وله أهل وأولاد ~~فطلب ابنه بعض الأماكن ليدولبه فلم يجبه فهل PageV34P104 يجوز له ذلك وهل ~~يجب على الأب أن يؤجرهم وينفق على ولده أوتجب عليه النفقة مع غنى الوالد ~~وإعسار الولد ### ||||| فأجاب # نعم عليه نفقة ولده بالمعروف إذا كان الولد فقيرا عاجزا عن الكسب ~~والوالد موسرا وإذا لم يمكن الانفاق على الولد إلا باجارة ما هو متعطل في ~~عقاره وبعمارة ما يمكن عمارته منه أو يمكن الولد من أن يؤجر ويعمر ما ينفق ~~منه على نفسه فعلى الوالد ذلك بل من كان له عقار لايعمره ولا يؤجره فهو ~~سفيه مبذر لماله فينبغى أن يحجر عليه الحاكم لمصلحة نفسه لئلا يضيع ماله ~~فاما إذا كان له ولد يتعين ذلك لأجل مصلحته ومصلحة ولده والله أعلم ( وقال ~~رحمه الله تعالى ( ### ||| فصل # قال الله تعالى @QB@ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف @QE@ فلفظ ( ~~المولود له ) أجود من لفظ ( الوالد ( لوجوه أنه يعم الوالد وسيد العبد وانه ~~يبين ان الولد لأبيه لا لأمه فيفيد هذا أن الولد لأبيه كما نقوله نحن من أن ~~الأب يستبيح مال ولده ومنافعه وانه يبين ms9503 جهة الوجوب عليه وهو كون الولد له ~~لا للأم وان الأم هي التى ولدته حقيقة دون الأب فهذه أربعة أوجه ولهذا يقال ~~ولد لفلان مولود ولد لى ولد PageV34P105 وهذه الآية توجب رزق المرتضع على ~~أبيه لقوله ( وان كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فان أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن ) فأوجب نفقته حملا ورضيعا بواسطة الانفاق على الحامل ~~والمرضع فانه لا يمكن رزقه بدون رزق حامله ومرضعه فسئلت فأين نفقة الولد ~~على أبيه بعد فطامه فقلت دل عليه النص تنبيها فانه إذا كان في حال اختفائه ~~وارتضاعه أوجب نفقة من تحمله وترضعه اذ لا يمكن الانفاق عليه إلا بذلك ~~فالانفاق عليه بعد فصاله اذا كان يباشر الارتزاق بنفسه أولى وأحرى وهذا من ~~حسن الاستدلال # فقد تضمن الخطاب التنبيه بأن الحكم في المسكوت أولى منه في المنطوق وتضمن ~~تعليل الحكم بكون النفقة انما وجبت على الأب لأنه هو الذى له الولد دون ~~الأم ومن كان الشيء له كانت نفقته عليه ولهذا سمى الولد كسبا في قوله ( وما ~~كسب ) وفى قوله ( ان أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له جارية تائبة وتصلى وتصوم أى شيء يلزم سيدها ~~إذا لم يجامعها ### ||||| فأجاب # إذا كانت محتاجة إلى النكاح فليعفها إما بأن يطأها وإما بان يزوجها ~~لمن يطؤها ولا يجوز ان يطأها الا زوج أو سيدها PageV34P106 ### |||| وسئل رحمه الله # عن الصدقة على المحتاجين من الأهل وغيرهم ### ||||| فأجاب # ان كان مال الانسان لا يتسع للأقارب والأباعد فان نفقة القريب ~~واجبة عليه فلا يعطى البعيد ما يضر بالقريب واما الزكاة والكفارة فيجوز ان ~~يعطى منها القريب الذى لا ينفق عليه والقريب أولى إذا استوت الحالة ### ||| 2 باب الحضانة ### |||| 2 ( ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل له ولد وتوفى ولده وخلف ولدا عمره ~~ثمان سنين والزوجة تطالب الجد بالفرض وبعد ذلك تزوجت وطلقت ولم يعرف الجد ~~بها وقد اخذت الولد وسافرت ولا يعلم الجد بها فهل يلزم الجد فرض ms9504 أم لا ### ||||| فأجاب # إذا تزوجت الأم فلا حضانة لها واذا سافرت سفر نقلة فالحضانة للجد ~~دونها ومن حضنته ولم تكن الحضانة لها وطالبت بالنفقة لم يكن لها ذلك فانها ~~ظالمة بالحضانة فلا تستحق المطالبة بالنفقة وان كان الجد عاجزا عن نفقة بن ~~ابنه لم تجب عليه نفقته PageV34P107 # وقال قدس الله روحه ### ||| فصل # ( اليتيم ( في الآدميين من فقد أباه لأن أباه هو الذى يهذبه ويرزقه ~~وينصره بموجب الطبع المخلوق ولهذا كان تابعا في الدين لوالده وكان نفقته ~~عليه وحضانته عليه والانفاق هو الرزق و ( الحضانة ( هي النصر لأنها الايواء ~~ودفع الأذى فإذا عدم أبوه طمعت النفوس فيه لأن الانسان ظلوم جهول والمظلوم ~~عاجز ضعيف فتقوى جهة الفساد من جهة قوة المقتضى ومن جهة ضعف المانع ويتولد ~~عنه فسادان ضرر اليتيم الذى لا دافع عنه ولا يحسن إليه وفجور الآدمى الذى ~~لا وازع له فلهذا أعظم الله أمر اليتامى في كتابه في آيات كثيرة مثل قوله ~~@QB@ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ~~وذي القربى واليتامى والمساكين @QE@ وقوله @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~قبل المشرق والمغرب @QE@ إلى قوله @QB@ وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين @QE@ وقوله @QB@ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين واليتامى والمساكين @QE@ PageV34P108 وقوله @QB@ ويسألونك عن ~~اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من ~~المصلح @QE@ وقوله @QB@ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ~~ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى @QE@ إلى قوله @QB@ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم ~~إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا @QE@ وقوله @QB@ وإذا حضر ~~القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه @QE@ وقوله @QB@ ~~واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا @QE@ إلى قوله @QB@ وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين @QE@ وقوله @QB@ قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ~~في ms9505 يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن @QE@ إلى قوله @QB@ وأن ~~تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما @QE@ وقوله ~~@QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا @QE@ وقوله في الأنعام @QB@ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن حتى يبلغ أشده @QE@ وقوله @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين @QE@ وقوله @QB@ وآت ذا ~~القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا @QE@ وقوله @QB@ ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد ~~كان مسؤولا @QE@ وقوله @QB@ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ~~@QE@ وقوله @QB@ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين @QE@ PageV34P109 وقوله @QB@ فذلك الذي يدع ~~اليتيم @QE@ ولا يحض على طعام المسكين ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل له بنت لها سبع سنين ولها والدة متزوجة ~~وقد اخذها بحكم الشرع الشريف بحيث أنه ليس لها كافل غيره وقد اختارت أم ~~المذكورة أن تأخذها من الرجل بكفالتها إلى مدة معلومة وهو يخاف ان ترجع ~~عليه فيما بعد بالكسوة والنفقة عند بعض المذاهب وكيف نسخة ما يكتب بينهما ### ||||| الجواب # الحمد لله رب العالمين ما دام الولد عندها وهى تنفق عليه وقد ~~أخذته على أن تنفق عليه من عندها ولا ترجع على الأب لا نفقة لها باتفاق ~~الأئمة أي لا ترجع عليه بما أنفقت هذه المدة لكن لو أرادت ان تطالب بالنفقة ~~في المستقبل فللأب أن يأخذ الولد منها أيضا فانه لايجمع لها بين الحضانة في ~~هذه الحال ومطالبة الأب بالنفقة مع ما ذكرنا بلا نزاع لكن لو اتفقا على ذلك ~~فهل يكون العقد بينهما لازما هذا فيه خلاف والمشهور من مذهب مالك هو لازم ~~واذا كان كذلك فلا ضرر للأب في هذا الالتزام والله أعلم PageV34P110 # ( وقال الشيخ رحمه الله تعالى ( الحمد لله الذى نحمده ونستعينه ونستغفره ~~ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله ms9506 فلا مضل له ومن ~~يضلل فلا هادى له ونشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد ان محمدا ~~عبده ورسوله تسليما كثيرا ### ||| فصل # ( في مذهب الامام أحمد وغيره من العلماء في ( حضانة الصغير المميز ) هل ~~هي للأب أو للأم أو يخير بينهما فان كثيرا من كتب أصحاب أحمد انما فيها أن ~~الغلام إذ بلغ سبع سنين خير بين ابويه وأما الجارية فالأب أحق بها وهؤلاء ~~الذين ذكروا هذا كالخرقى وغيره بلغهم بعض نصوص أحمد في هذه المسألة ولم ~~يبلغهم سائر نصوصه فان كلام أحمد كثير منتشرجدا وقل من يضبط جميع نصوصه في ~~كثير من المسائل لكثرة كلامه وانتشاره وكثرة من كان يأخذ العلم عنه # ( وأبو بكر الخلال ) قد طاف البلاد وجمع من نصوصه في مسائل الفقه نحو ~~اربعين مجلدا وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه واما ما جمعه من PageV34P111 ~~نصوصه فمن أصول الدين مثل ( كتاب السنة ) نحو ثلاث مجلدات ومثل أصول الفقه ~~والحديث مثل ( كتاب العلم ) الذى جمعه من الكلام على علل الأحاديث مثل ( ~~كتاب العلل ) الذى جمعه ومن كلامه في ( أعمال القلوب والأخلاق والأدب ) ومن ~~كلامه في ( الرجال والتاريخ ) فهو مع كثرته لم يستوعب ما نقله الناس عنه # ( والمقصود هنا ) ان النزاع عنه موجود في المسألتين كلتاهما في ( مسألة ~~البنت ) وفى ( مسألة الابن ) وعنه في الابن ثلاث روايات معروفة وممن ذكرهن ~~أبو البركات في ( محرره ) وعنه في الجارية روايتين وممن ذكرهما أبو عبد ~~الله بن تيمية في كتابيه ( التلخيص ) ( وترغيب القاصد ) والروايات موجودة ~~بالفاظها ونقلتها وأسانيدها في عدة كتب وممن ذكر هذه الروايات القاضي أبو ~~يعلى في ( تعليقه ) نقل عن أحمد في الغلام أمه أحق به حتى يستغنى عنها ثم ~~الأب أحق به فقال في رواية الفضل بن زياد اذا عقل الغلام واستغنى عن الأم ~~فالأب أحق به وقال في رواية أبى طالب والأب أحق بالغلام اذا عقل وأستغنى عن ~~الأم وهذا الذى نقله القاضي أبو يعلى والثانى وغيرهما ( هو المنقول ) عن ~~أبى حنيفة قال اذا ms9507 أكل وحده ولبس وحده وتوضأ وحده فالأب أحق به ونقل بن ~~المنذر أنه يخير بين أبويه عن أبى حنيفة وأبى ثور والأول هو مذهب أبى حنيفة ~~الموجود في كتب أصحابه وهو أحدى الروايتين عن مالك فانه نقل عنه بن وهب ~~الأم أحق به حتى PageV34P112 يثغر ولكن المشهور عنه أن الأم أحق به مالم ~~يبلغ وهذه هي الرواية الثالثة عن أحمد وأما المشهور عن أحمد وهو تخيير ~~الغلام بين أبويه فهو مذهب الشافعى واسحق بن راهويه # وموافقته للشافعى واسحق أكثر من موافقته لغيرهما وأصوله باصولهما أشبه ~~منها باصول غيرهما وكان يثنى عليهما ويعظمهما ويرجح أصول مذاهبهما على من ~~ليست أصول مذاهبه كأصول مذاهبهما ومذهبه أن أصول فقهاء الحديث أصح من أصول ~~غيرهم والشافعى واسحق هما عنده من أجل فقهاء الحديث في عصرهما وجمع بينهما ~~بمسجد الخيف فتناظرا في ( مسألة إجارة بيوت مكة ) والقصة مشهورة وذكر أحمد ~~أن الشافعى علا إسحاق بالحجة في موضع وان إسحاق علاه بالحجة في موضع فان ~~الشافعى كان يبيح البيع والاجارة واسحق يمنع منهما وكانت الحجة مع الشافعى ~~في جواز بيعها ومع إسحاق في المنع من اجارتها # والرواية الثالثة عن أحمد أن الأم أحق بالغلام مطلقا كمذهب مالك أخذت من ~~قوله في رواية حنبل في الرجل يطلق امرأته وله منها أولاد صغار فالأم أعطف ~~عليهم مقدار ما يعقلون الأدب فتكون الأم بهم أحق مالم تتزوج فاذا تزوجت ~~فالأب أحق بولده غلاما كان أو جارية قال الشيخ أبو البركات فهذه الرواية ~~تدل على أنه إذا كبر وصار يعقل الأدب PageV34P113 فانه يكون مقره أيضا عند ~~الأم لكن في وقت الأدب وهو النهار يكون عند الأب وهذه المدونة مذهب مالك ~~بعينه الذى حكيناه فصار في المسألة ثلاث روايات ومذهب مالك في ( التهذيب ( ~~أن الأم أحق به مالم يبلغ والأب يتعاهده عندها وأدبه وبعثه إلى المكتب ولا ~~يبيت الا عند الأم # قلت وحنبل وأحمد بن الفرج كانا يسألان الامام أحمد عن مسائل مالك وأهل ~~المدينة كما كان يسأله إسحاق بن منصور ms9508 وغيره عن مسائل سفيان الثورى وغيره ~~وكما كان يسأله الميمونى عن مسائل الأوزاعى وكما كان يسأله إسماعيل بن سعيد ~~الشالنجى عن مسائل أبى حنيفة وأصحابه فإنه كان قد تفقه على مذهب أبى حنيفة ~~واجتهد في مسائل كثيرة رجح فيها مذهب أهل الحديث وسأل عن تلك المسائل أحمد ~~وغيره وشرحها إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى إمام مسجد دمشق # وأما ( حضانة البنت ) اذا صارت مميزة فوجدنا عنه روايتين منصوصتين وقد ~~نقلهما غير واحد من أصحابه كأبى عبد الله بن تيمية وغيره # ( أحداهما ) أن الأب أحق بها كما هو موجود في الكتب المعروفة في مذهبه # و ( الثانية ( ان الأم احق بها قال في رواية إسحاق بن منصور يقضى ~~بالجارية للأم والخالة حتى إذا احتاجت إلى التزويج فالأب أحق بها ~~PageV34P114 # وقال في رواية رضا بن يحيى إن الأم والجدة أحق بالجارية حتى ~~تتزوج قال أبو عبد الله في ( ترغيب القاصد ) وان كانت جارية فالأب أحق بها ~~بغير تخيير وعنه الأم أحق بها حتى تحيض # وهذه الرواية الثانية هي نحو مذهب مالك وأبى حنيفة ففى ( المدونة ( مذهب ~~مالك أن الأم أحق بالولد مالم يبلغ سواء كان ذكرا أو أنثى فاذا بلغ وهو ~~انثى نظرت فاذا كانت الأم في حوز ومنعة وتحصن فهي أحق بها أبدا مالم تنكح ~~وان بلغت أربعين سنة وإن لم تكن في منع وحرز وتحصن أو كانت غير مرضية في ~~نفسها فللأب أخذها منها والوصى وكذلك الأولياء والوصى كالأب في ذلك إذا أخذ ~~إلى امانة وتحصن ومذهب الليث بن سعد نحو ذلك قال الأم أحق بالجارية حتى ~~تبلغ إلا أن تكون الأم غير مرضية في نفسها وأدبها لولدها أخذت منها إذا ~~بلغت الا أن تكون صغيرة لا يخاف عليها وقال أبو حنيفة الأم والجدة أحق ~~بالجارية حتى تحيض ومن سوى الأم والجدة أحق بها حتى تبلغ حدا تشتهى ولفظ ~~الحجازى حتى تستغنى كما في الغلام مطلقا # وأما ( التخيير في الجارية ) فهو قول الشافعى ولم أجده منقولا لاعن أحمد ~~ولاعن إسحاق كما نقل عنهما ms9509 التخيير في الغلام ولكن نقل عن الحسن بن صالح بن ~~حيى أنها تخير اذا كانت كاعبا والتخيير في فى الغلام ومذهب الشافعى وأحمد ~~في المشهور عنه واسحق للحديث الوارد PageV34P115 في ذلك حيث ( خير النبى ~~غلاما بين أبويه ) وهى قضية معينة ولم يرد عنه نص عام في تخيير الولد مطلقا ~~والحديث الوارد في تخيير الجارية ضعيف مخالف لا جماعهم # والفرق بين تخيير الغلام والجارية أن هذا التخيير تخيير شهوة وتخيير رأى ~~مصلحة كتخيير من يتصرف لغيره كالامام والولى فان الامام اذا خير في الأسرى ~~بين القتل والاسترقاق والمن والفداء فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين فيكون ~~مصيبا في اجتهاده حاكما بحكم الله ويكون له اجران وقد لا يصيبه فيثاب على ~~استفراغ وسعه ولا يأثم بعجزه عن معرفة المصلحة كالذى ينزل أهل حصن على حكمه ~~كما نزل بنوا قريظة على حكم النبى فلما سأله فيهم بنو عبدالأشهل قال ( ~~الاترضون أن أجعل الأمر إلى سيدكم سعد بن معاذ ) فرضوا بذلك وطمع من كان ~~يحب استبقاءهم أن سعدا يحابيهم لما كان بينه وبينهم في الجاهلية من ~~الموالاة فلما أتى سعد حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم ~~أموالهم فقال النبى ( لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ) وهذا ~~يقتضى أنه لو حكم بغير ذلك لم يكن ذلك حكما لله في نفس الأمر وإن كان لابد ~~من إنفاذه # ومثل ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث بريدة المشهور قال فيه ( واذا ~~حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على PageV34P116 ~~حكم الله فانك لا تدرى ما حكم الله فيهم ولكن انزلهم على حكمك وحكم اصحابك ~~) ولهذا قال الفقهاء انه إذا حاصر الامام حصنا فنزلوا على حكم حاكم جاز إذا ~~كان رجلا حرا مسلما عدلا من أهل الاجتهاد في أمر الجهاد ولا يحكم إلا بما ~~فيه حظ الاسلام من قتل اورق أو فداء وتنازعوا فيما اذا حكم بالمن فأباه ~~الامام هل يلزم حكمه أو لا يلزم أو يفرق بين المقاتلة ms9510 والذرية على ثلاثة ~~أقوال وإنما تنازعوا في ذلك لظن المنازع أن المن لا حظ فيه للمسلمين # و ( المقصود ) أن تخيير الامام والحاكم الذى نزلوا على حكمه هو تخيير رأى ~~ومصلحة يطلب أى الأمرين كان أرضى لله ورسوله فعله كما ينظر المجتهد في أدلة ~~المسائل فأى الدليلين كان أرجح اتبعه ولكن معنى قولنا ( تخيير ) انه لا ~~يتعين فعل واحد من هذه الأمور في كل وقت بل قد يتعين فعل هذا تارة وهذا ~~تارة وقوله في القرآن ( فإما منا بعد وإما فداء ) يقتضى فعل أحد الأمرين ~~وذلك لا يمنع تغيير هذا في حال وهذا في حال كما في قوله ( هل تربصون بنا ~~إلا احدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ~~) فتربص أحد الأمرين لا يمتنع بعينه إذا كان الجهاد فرضا علينا بعض الأوقات ~~فحينئذ يصيبه الله بعذاب بايدينا كما في قوله ( قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ~~PageV34P117 # ولهذا كان عند جميع العلماء قوله تعالى في المحاربين @QB@ إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض @QE@ لا يقتضى ان الامام ~~يخير تخيير مشيئة ففعل هذه الأربع مسائل كلهم متفقون على أنه يتعين هذا في ~~حال وهذا في حال ثم اكثرهم يقولون تلك الأحوال مضبوطة بالنص فان قتلوا تعين ~~قتلهم وان أخذوا المال ولم يقتلوا تعين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف كما هو ~~مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد وروى في ذلك حديث مرفوع ومنهم من يقول ~~التعيين باجتهاد الامام كقول مالك فاذا رأى أن القتل هو المصلحة قتل وإن لم ~~يكن قد قتل # ومن هذا الباب ( تخيير الامام في الأرض المفتوحة عنوة ) بين جعلها فيئا ~~وبين جعلها غنيمة كما هو قول الأكثرين كأبى حنيفة والثورى وأبى عبيد وأحمد ~~في المشهور عنه فانهم قالوا ان رأى المصلحة جعلها غنيمة قسمها بين الغانمين ~~كما قسم النبى صلى ms9511 الله عليه وسلم خيبر وإن رأى أن لا يقسمها جاز كما لم ~~يقسم النبى مكة مع أنه فتحها عنوة شهدت بذلك الأحاديث الصحيحة والسيرة ~~المستفيضة وكما قاله جمهور العلماء ولأن خلفاءه بعده أبو بكر وعمر وعثمان ~~فتحوا ما فتحوا من أرض العرب والروم وفارس كالعراق والشام ومصر وخراسان ولم ~~يقسم أحد من الخلفاء شيئا من العقار المغنوم بين الغانمين لا السواد ولا ~~غير السواد بل جعل العقار فيئا للمسلمين داخلا في قوله @QB@ ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول @QE@ PageV34P118 الآية ولم يستأذنوا ~~في ذلك الغانمين بل طلب كثير من الغانمين قسم العقار فلم يجيبوهم إلى ذلك ~~كما طلب بلال من عمر أن يقسم أرض الشام وطلب منه الزبير أن يقسم أرض مصر ~~فلم يجيبوهم إلى ذلك ولم يستطب أحد من الخلفاء أحدا من الغانمين في ذلك # وهذا مما احتج به من جعل الأرض فيئا بنفس الفتح ومن ذلك نص مذهبه ~~كاسماعيل بن إسحاق وقالوا الأرض ليست داخلة في الغنيمة فان الله حرم على ~~بنى اسرائيل المغانم وملكهم العقار فعلم أنه ليس في المغانم وهذا القول هو ~~الذى يذكر رواية عن أحمد كما ذكر عنه رواية ثالثة كقول الشافعى إنه يجب قسم ~~العقار والمنقول لأن الجميع مغنوم وقال الشافعى إن مكة لم تفتح عنوة بل ~~صلحا فلا يكون على منها حجة ومن حكى عنه أنه قال انها فتحت عنوة كصاحب ( ~~الوسيط ) وغيره فقد غلط عليه وقال لأن السواد لا أدري ما أقول فيه إلا أن ~~أظن فيه ظنا مقرونا بعلم وظن أن عمر استطاب الغانمين كما روى قيس بن حارثة ~~وبسط هذا له موضع آخر # وقول الجمهور أعدل الأقاويل وأشبهها بالكتاب والسنة والأصول وهم الذين ~~قالوا نخير الامام بين الأمرين تخيير رأى ومصلحة لا تخيير شهوة ومشيئة ~~وهكذا سائر ما يخير فيه ولاة الأمر ومن تصرف لغيره بولاية كناظر الوقف ووصى ~~اليتيم والوكيل المطلق لا يخيرون تخيير مشيئة وشهوة بل تخيير اجتهاد ونظر ~~وطلب الجواز الأصلح كالرجل المبتلى ms9512 PageV34P119 بعدوين وهو مضطر إلى ~~الابتداء بأحدهما فيبتدئ بماله أنفع كالامام في تولية من يوليه من ولاة ~~الحرب والحكم والمال يختار الأصلح فالأصلح للمسلمين ( فمن ولى رجلا على ~~عصابة وهو يجد فيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان ~~المؤمنين وهذا بخلاف من خير بين شيئين فله أن يفعل أيهما شاء كالمكفر إذا ~~خير بين الاطعام والكسوة والعتق فانه وان كان أحد الخصال أفضل فيجوز له فعل ~~المفضول وكذلك لابس الخف إذا خير بين المسح وبين الغسل وإن كان أحدهما أفضل ~~وكذلك المصلى إذا خير بين الصلاة في أول الوقت وآخره وإن كان أحدهما أفضل ~~وكذلك تخيير الآكل والشارب بين أنواع الأطعمة والأشربة المباحة وإن كان نفس ~~الأكل والشرب واجبا عند الضرورة حتى إذا تعين المأكول وجب أكله وإن كان ~~ميتة فمن اضطر إلى أكل الميتة وجب عليه أكلها في المشهور عن الأئمة الأربعة ~~وغيرهم من أهل العلم # وفى ( كفارة المجامع في رمضان ) هل هي على التخيير أو على الترتيب فيها ~~قولان هما روايتان عن أحمد والأكثرون على أنها على الترتيب لكن الترتيب ~~فيها ثبت بحكاية المجامع لا بلفظ عام فلهذا أقدم بعض العلماء على أن ألزم ~~بعض الملوك بالصوم عينا وان الترتيب فيها ليس شرعا عاما بل هو من باب تنقيح ~~المناط وقدم العتق في حق من يكون عنده أصعب من الصيام كالأعراب وأما من كان ~~العتق أسهل عليه فلا يجب تقديمه PageV34P120 # وكذلك ( تخيير الحاج ) بين التمتع والافراد والقران عند الجمهور الذين ~~يخيرون بين الثلاثة وتخيير المسافرين بين الفطر والصوم عند الجمهور وأما من ~~يقول لا يجوز أن يحج إلا متمتعا أو أنه يتعين الفطر في السفر كما تقوله ~~طائفة من السلف والخلف من أهل السنة والشيعة فلا يجيء هذا على أصلهم وكذلك ~~( القصر ) عند الجمهور الذين يقولون ليس للمسافر أن يصلى الا ركعتين ليس له ~~أن يصلى أربعا فان النبى لم يصل في السفر قط الاركعتين ولا أحد من أصحابه ~~في حياته وحديث عائشة الذى ms9513 فيه أنها صلت في حياته السفر أربعا كذب عند حذاق ~~أهل العلم بالحديث كما قد بسط في موضعه # إذ المقصود هنا أن ( التخيير في الشرع نوعان ) فمن خير فيما يفعله لغيره ~~بولايته عليه وبوكالة مطلقة لم يبح له فيها فعل ما شاء بل عليه أن يختار ~~الأصلح وأما من تصرف لنفسه فتارة يأمره الشارع باختيار ما هو الأصلح بحسب ~~اجتهاده كما يأمر المجتهد بطلب أقوى الأقاويل وأصلح الاحكام في نفس الأمر ~~وتارة يبيح له ما شاء من الأنواع التى خير بينها كما تقدم هذا اذا كان ~~مكلفا وأما ( الصبى المميز ) يخير تخيير شهوة حيث ما كان كل من الأبوين ~~نظير الآخر ولم يضبط في حقه حكم عام للأب أو للأم فلا يمكن أن يقال ~~PageV34P121 كل أب فهو أصلح للمميز من الأم ولاكل أم هي أصلح له من الأب بل ~~قد يكون بعض الآباء أصلح وبعض الأمهات أصلح وقد يكون الأب أصلح في حال ~~والأم أصلح في حال فلم يمكن أن يعين أحدهما في هذا بخلاف الصغير فان الأم ~~أصلح له من الأب لأن النساء أرفق بالصغير وأخبر بتغذيته وحمله وأصبر على ~~ذلك وأرحم به فهي أقدر وأخبر وأرحم وأصبر في هذا الموضع فعينت الأم في حق ~~الطفل غير المميز بالشرع # ولكن يبقى ( تنقيح المناط ) هل عينهن الشارع لكون قرابة الأم مقدمة على ~~قرابة الأب في الحضانة أو لكون النساء أقوم بمقصود الحضانة من الرجال فقط ~~وهذا فيه قولان للعلماء يظهر أمرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم ~~مثل أم الأم وأم الأب والأخت من الأم والأخت من الأب ومثل العمة والخالة ~~ونحو ذلك هذا فيه قولان هما روايتان عن أحمد وأرجح القولين في الحجة تقديم ~~نساء العصبة وهو الذى ذكره الخرقى في ( مختصره ) في العمة والخالة # وعلى هذا أم الأب مقدمة على أم الأم والأخت من الأب مقدمة على الأخت من ~~الأم والعمة مقدمة على الخالة كما تقدم وأقارب الأب من الرجال على أقارب ~~الأم والأخ للأب أولى من ms9514 الأخ للأم والعم أولى من الخال بل قد قيل أنه لا ~~حضانة للرجال من أقارب الأم بحال والحضانة PageV34P122 لا تثبت إلا لرجل من ~~العصبة أو لامرأة وارثة أو مدلية بعصبة أو وراث فان عدموا فالحاكم وعلى ~~الوجه الثانى فلا حضانة للرجال من أقارب الأم وهذان الوجهان في مذهب ~~الشافعى وأحمد # فلو كانت جهات الأقربة راجحة لترجح رجالها ونساؤها فلما لم يترجح رجالها ~~بالاتفاق فكذلك نساؤها أيضا لأن مجمع أصول الشرع إنما يقدم أقارب الأب في ~~الميراث والعقد والنفقة وولاية الموت والمال وغير ذلك ولم يقدم الشارع ~~قرابة الأم في حكم من الأحكام فمن قدمهن في الحضانة فقد خالف أصول الشريعة ~~ولكن قدم الأم لأنها امرأة وجنس النساء في الحضانة مقدمات على الرجال وهذا ~~يقتضى تقديم الجدة أم الأب على الجد كما قدم الأم على الأب وتقديم اخواته ~~على اخوته وعماته على أعمامه وخالاته على أخواله هذا هو القياس والاعتبار ~~الصحيح # وأما تقديم جنس نساء الأم على نساء الأب فمخالف للأصول والعقول ولهذا كان ~~من قال هذا موضع يتناقض ولا يطرد أصله ولهذا تجد لمن لم يضبط أصل الشرع ~~ومقصوده في ذلك أقوالا متناقضة حتى توجد في الحضانة من الأقوال المتناقضة ~~اكثر مما يوجد في غيرها من هذا الجنس فمنهم من يقدم أم الأم على أم الأب ~~كأحد القولين من مذهب أحمد وهو عند مالك والشافعى وأبى حنيفة ثم من هؤلاء ~~من يقدم الأخت من الأب على الأخت PageV34P123 من الأم ويقدم الخالة على ~~العمة كقول الشافعى في الجديد وطائفة من أصحاب أحمد وبنوا قولهم على أن ~~الخالات مقدمة على العمات لكونهن من جهة الأم ثم قالوا في العمات والخالات ~~والأخوات من كانت لأبوين أولى ثم من كانت لأب ثم من كانت لأم # وهذا الذى قالوه هنا موافق لأصول الشرع لكن إذا ضم هذا إلى قولهم بتقديم ~~قرابة الأم ظهر التناقض وهم أيضا قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على ~~الخالات والأخوات للأم وهذا موافق لأصول الشرع لكنه يناقض هذا الأصل ولهذا ~~لايوافق ms9515 القول الآخر أن الخالة والأخت للأم أولى من أم الأب كقول الشافعى ~~في القديم وهذا أطرد لأصلهم لكنه في غاية المناقضة لأصول الشرع # ( وطائفة اخرى ) طردت أصلها فقدمت من الأخوات من كانت لأم على من كانت ~~لأب لقول أبى حنيفة والمزنى وبن سريج وبالغ بعض هؤلاء في طرد قياسه حتى قدم ~~الخالة على الأخت من الأب لقول زفر ورواية عن أبى حنيفة ووافقها بن سريج ~~ولكن أبو يوسف استشنع ذلك فقدم الأخت من الأب رواه عن أبى حنيفة وروى عن ~~زفر أنه امعن في طرد قياسه حتى قال ان الخالة أولى من الجدة أم الأب # ويرون عن أبى حنيفة أنه قال لا تأخذوا بمقاييس زفر فانكم اذا أخدتم ~~بمقاييس زفر حرمتم الحلال وحللتم الحرام وكان يقول من القياس PageV34P124 ~~قياس أقبح من البول في المسجد وزفر كان معروفا بالامعان في طرد قياسه إلى ~~الاصل الثابت في الذى قاس عليه ومن علة الحكم في الأصل ( وهو جواب سؤال ~~المطالبة ) فمن أحكم هذا الأصل أستقام قياسه # كما أن زفر اعتقدان النكاح إلى أجل يبطل فيه التوقيت ويصح النكاح لازما ~~وخرج بعضهم ذلك قولا في مذهب أحمد فكان مضمون هذا القول أن نكاح المتعة يصح ~~لازما غير موقت وهو خلاف المنصوص وخلاف إجماع السلف والأمة إذا اختلفت في ~~مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم أحداث قول يناقض القولين ويتضمن اجماع ~~السلف على الخطأ والعدول عن الصواب وليس في السلف من يقول في المتعة إلا ~~أنها باطلة أو تصح مؤجلة فالقول بلزومها مطلقا خلاف الاجماع # وسبب هذا القول اعتقادهم أن كل شرط فاسد في النكاح فإنه يبطل وينعقد ~~النكاح لازما مع إبطال شرط التحليل وامثال ذلك وقد ثبت في الصححيين عن عقبة ~~بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ان احق الشروط أن توفوا به ~~ما استحللتم به الفروج ) فدل النص على أن الوفاء بالشروط في النكاح أولى ~~منه بالوفاء بالشروط في البيع فاذا كانت الشروط الفاسدة في البيع لا يلزم ms9516 ~~العقد بدونها بل اما أن يبطل العقد واما ان يثبت الخيار لمن فات غرضه ~~بالاشتراط اذا بطل الشرط فكيف بالمشروط في النكاح # وأصل ( عمدتهم ) كون النكاح يصح بدون تقدير الصداق كما ثبت بالكتاب ~~والسنة والاجماع فقاسوا الذى يشرط فيه نفى المهر PageV34P125 على النكاح ~~الذى لم يزل تقدير الصداق فيه كما فعل أصحاب أبى حنيفة والشافعى وأكثر ~~متأخرى أصحاب أحمد ثم طرد أبو حنيفة قياسه فصحح ( نكاح الشغار ) بناء على ~~أنه لا يوجب إشغاره عن المهر وأما الشافعى ومن وافقه من أصحاب أحمد فتكلفوا ~~الفرق بين الشغار وغيره لأن فيه تشريكا في البضع أو تعليق العقد أو غير ذلك ~~مما قد بسط في غير هذا الموضع وبين فيه أن كل هذه فروق غير مؤثرة وان ~~الصواب مذهب اهل المدينة مالك وغيره وهو المنصوص عن أحمد في عامة اجوبته ~~وعامة اكثر قدماء اصحابه أن العلة في افساده بشرط اشغار النكاح عن المهر ~~وأن النكاح ليس بلازم إذا شرط فيه نفى المهرأو مهر فاسد فان الله فرض فيه ~~المهر فلم يحل لغير الرسول النكاح بلامهر فمن تزوج بشرط انه لا يجب مهر فلم ~~يعتبر الذى أذن الله فان الله انما اباح العقد لمن يبتغى بماله محصنا غير ~~مسافح كما قال تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين ~~غير مسافحين @QE@ فمن طلب النكاح بلامهر فلم يفعل ما أحل الله وهذا بخلاف ~~من اعتقد انه لابد من مهر لكن لم يقدره كما قال تعالى @QB@ لا جناح عليكم ~~إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة @QE@ فهذا نكاح المهر ~~المعروف وهو مهر المثل PageV34P126 # وهذا هو الفرق بين النكاح وبين البيع فان البيع بثمن المثل وهو السعر أو ~~الاجارة بثمن المثل لا يصح وقد سلم لهم هذا الاصل الذى قاسوا عليه الشافعى ~~وكثير من أصحاب أحمد في البيع # وأما الاجارة فاصحاب أبى حنيفة ومالك واحمد وغيرهم يقولون يجب اجرة المثل ~~في ما جرت العادة فيه ومثل ذلك كمن دخل حمام حمامى يدخلها ms9517 الناس بالكرا أو ~~يسكن في خان أو حجرة عادتها بذلك أو دفع طعامه أو خبزه إلى من يطبخ أو يخبز ~~بالأجرة أو بناية إلى من يعمل بالأجرة أوركب دابة مكارى يكارى بالاجرة أو ~~سفينة ملاح يركب بالأجرة فإن هذه إجارة عند جمهور العلماء ويجب فيها اجرة ~~المثل وان لم يشترط ذلك فهذه اجارة عن المثل وكذلك إذا ابتاع طعاما مثل ما ~~ينقطع به السعر أو بسعر ما يبيعون الناس أو بما اشتراه من بلده أو برقمه ~~فهذا يجوز في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره وقد نص أحمد على هذه المسائل ~~ومثلها في غير هذا الموضوع وان كثيرا من متأخرى أصحابه لا يوجد في كتبهم ~~الا القول بفساد هذه العقود لقول الشافعى وغيره وبسط هذه المسائل له مواضع ~~آخر # والمقصود هنا كان ( مسائل الحضانة ) وان الذين اعتقدوا ان الأم قدمت ~~لتقدم قرابة الأم لما كان اصلهم ضعيفا كانت الفروع اللازمة للأصل الضعيف ~~ضعيفة وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم بل الصواب بلاريب أنها PageV34P127 # قدمت لكونها امرأة فتكون المرأة أحق بحضانة الصغير من الرجل فتقدم الأم ~~على الأب والجدة على الجد والأخت على الأخ والخالة على الخال والعمة على ~~العم وأما اذا اجتمع امرأة بعيدة ورجل قريب فهذا بسطه في موضع آخر إذ ~~المقصود هنا ذكرمسألة الصغير المميز والفرق بين الصبى والصبية # فتخيير الصبى الذى وردت به السنة أولى من تعيين أحب الأبوبين له ولهذا ~~كان تعيين الأب كما قاله أبو حنيفة واحمد الام كما قاله مالك وأحمد في ~~رواية والتخيير تخيير شهوة ولهذا قالوا إذا اختار الأب مدة ثم اختار الأم ~~فله ذلك حتى قالوا متى اختار أحدهما ثم اختار الآخر نقل إليه وكذلك إن ~~اختار أبدا وهذا هو قول القائلين بالتخيير الحسن بن صالح والشافعى وأحمد بن ~~حنبل وقالوا إذا اختار الأم كان عندها ليلا وأما بالنهار فيكون عند الأب ~~ليعلمه ويؤدبه هذا هو مذهب الشافعى وأحمد وكذلك قال مالك وهو يقول يكون ~~عندها بلا تخيير والأب يتعاهده عندها وأدبه ms9518 وبعثه للمكتب ولا يبيت إلا عند ~~الأم قال أصحاب الشافعى وأحمد إن اختار الأب كان عنده ليلا ونهارا ولم يمنع ~~من زيارة أمه ولا تمنع الأم من تمريضه إذا اعتل # فأما ( البنت ) إذا خيرت فكانت عند الأم تارة وعند الأب تارة أفضى ذلك ~~إلى كثرة بروزها وتبرجها وانتقالها من مكان إلى مكان PageV34P128 ولا يبقى ~~الأب موكلا بحفظها ولا الأم موكلة بحفظها وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب ~~الناس على حفظه ضاع ومن الأمثال السائرة ( لا يصلح القدر بين طباخين ) ( ~~وأيضا ( فاختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر في الاحسان والصيانة فلا يبقى الأب ~~تام الرغبة ولا الأم تامة الرغبة في حفظها وليس الذكر كالأنثى كما قالت ~~امرأة عمران @QB@ رب إني نذرت لك ما في بطني @QE@ @QB@ إني وضعتها أنثى ~~@QE@ @QB@ وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ~~كلما دخل عليها زكريا المحراب @QE@ إلى قوله @QB@ وما كنت لديهم إذ يلقون ~~أقلامهم أيهم يكفل مريم @QE@ فهذه مريم احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها حتى ~~أسرعوا إلى كفالتها فكيف غيرها من النساء وهذا أمر معروف بالتجربة أن ~~المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة مالا يحتاج إليه الصبى وكل ما كان أستر لها ~~وأصون كان أصلح لها # ولهذا كان لباسها المشروع لباسا يسترها ولعن من يلبس لباس الرجال وقال ~~لأم سلمة في عصابتها ( لية لا ليتين ) رواه أبو داود وغيره وقال في الحديث ~~الصحيح ( صنفان من أهل النار من أمتى لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات ~~مائلات مميلات على رؤوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ~~ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله PageV34P129 و ( ~~أيضا ) يأمرون المرأة في الصلاة أن تجمع ولا تجافى بين أعضائها وتتربع ولا ~~تفترش وفى الاحرام لا ترفع صوتها الا بقدر ما تسمع رفيقتها وأن لا ترقى فوق ~~الصفا والمروة كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها ونهيت أن تسافرإلا مع زوج أو ~~ذى محرم لحاجتها في ms9519 حفظها إلى الرجال مع كبرها ومعرفتها فكيف إذا كانت ~~صغيرة مميزة وقد بلغت سن ثوران الشهوة فيها وهى قابلة للانخداع وفى الحديث ~~( النساء لحم على وظم إلا ماذب عنه ) فهذا قياس أن مثل هذه الصفة المميزة ~~من أحوج النساء إلى حفظها وصونها وترددها بين الأبوين مما يخل بذلك من جهة ~~أنها هي لا يجتمع قلبها على مكان معين ولا يجتمع قلب أحد الأبوين على حفظها ~~ومن جهة أن تمكينها من اختيار هذا تارة وهذا تارة يخل بكمال حفظها وهو ~~ذريعة إلى ظهورها وبروزها فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين مطلقا ~~لا تمكن من التخيير كما قال ذلك جمهور علماء المسلمين مالك وأبو حنيفة ~~وأحمد وغيرهم وليس في تخييرها نص ولا قياس صحيح والفرق ظاهر بين تخييرها ~~وتخيير الابن لاسيما والذكر محبوب مرغوب والبنت مزهود فيها فأحد الوالدين ~~قد يزهد فيها مع رغبتها فيه فكيف مع زهدها فيه فالأصلح لها لزوم أحدهما لا ~~التردد بينهما # ثم هناك يحصل الاجتهاد في تعيين أحدهما فمن عين الأم كمالك وأبى حنيفة ~~وأحمد في إحدى الروايتين لابد أن يراعوا مع ذلك صيانة الأم لها ولهذا قالوا ~~ما ذكره مالك والليث وغيرهما إذا لم تكن الأم في موضع حرز PageV34P130 ~~وتحصين أو كانت غير مرضية فللأب أخذها منها وهذا هو الذى راعاه أحمد في ~~الراوية المشهورة عن أصحابه فإنه اذا كان لابد من رعاية حفظها وصيانتها وأن ~~للأب أن ينتزعها من الأم إذا لم تكن حافظة لها بلا ريب فالأب أقدر على ~~حفظها وصيانتها وهى مميزة لا تحتاج في بدنها إلى أحد والأب له من الهيبة ~~والحرمة ما ليس للأم # وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب اذا لم يكن عليها في ذلك حرز فلو قدر أن ~~الأب عاجز عن حفظها وصيانتها أو مهمل لحفظها وصيانتها فانه يقدم الأم في ~~هذه الحالة # فكل من قدمناه من الأبوين انما نقدمه اذا حصل به مصلحتها أواندفعت به ~~مفسدتها فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما فالآخر أولى بها بلا ms9520 ريب حتى ~~الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته وزوال ~~مفسدته # فلو قدرنا أن الأب ديوث لا يصونه والأم تصونه لم نلتفت إلى اختيار الصبى ~~فإنه ضعيف العقل قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد ويكون الصبى قصده ~~الفجور ومعاشرة الفجار وترك ما ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة ~~فيختار من أبويه من يحصل له معه ما يهواه والآخر قد يرده ويصلحه ومتى كان ~~الأمر كذلك فلا ريب أنه لا يمكن من يفسد معه حاله # والنبى قال ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في ~~المضاجع ) فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر PageV34P131 لا يأمره ~~كان عند الذى يأمره بذلك دون الآخر لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله ~~في تربيته والآخر عاص لله ورسوله فلا نقدم من يعصى الله فيه على من يطع ~~الله فيه بل يجب اذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله ويترك ~~ما حرم الله ورسوله والآخر لا يفعل معه الواجب أو يفعل معه الحرام قدم من ~~يفعل الواجب ولو اختار الصبى غيره بل ذلك العاصى لاولاية له عليه بحال بل ~~كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له عليه بل إما ترفع يده عن ~~الولاية ويقام من يفعل الواجب وإما أن نضم إليه من يقوم معه بالواجب فإذا ~~كان مع حصوله عند أحد الأبوين لا تحصل طاعة الله ورسوله في حقه ومع حصوله ~~عند الآخر ( تحصل ) قدم الأول قطعا # وليس هذا الحق من جنس الميراث الذى يحصل بالرحم والنكاح والولاية ان كان ~~الوارث حاجزا أو عاجزا بل هو من جنس ( الولاية ) ولاية النكاح والمال التى ~~لابد فيها من القدرة على الواجب وفعله بحسب الامكان واذا قدر أن الأب تزوج ~~ضرة وهى تترك عند ضرة أمها لا تعمل مصلحتها بل تؤذيها أو تقصر في مصلحتها ~~وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها فالحضانة هنا للأم ولو قدر أن التخيير مشروع ~~وانها اختارت الأم فكيف اذا لم ms9521 يكن كذلك # ومما ينبغى أن يعلم أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقا ~~ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما ~~مطلقا بل مع العدوان والتفريط لا يقدم من يكون كذلك على البر العادل المحسن ~~القائم بالواجب والله أعلم PageV34P132 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل له ولد كبير فسافر مع كرائم أمواله في البحر ~~المالح وله آخر مراهق من أم أخرى مطلقة منه ولها أب وأم والولد عندهم مقيم ~~فأراد والده أخذه وتسفيره صحبة أخيه بغير رضا الوالدة وغير رضا الولد فهل ~~له ذلك ### ||||| فأجاب # يخير الولد بين أبويه فان أختار المقام عند أمه وهى غير مزوجة كان ~~عندها ولم يكن للأب تسفيره لكن يكون عند أبيه نهارا ليعلمه ويؤدبه وعند أمه ~~ليلا وان اختار أن يكون عند الأب كان عنده وإذا كان عند الأب ورأى من ~~المصلحة له تسفيره ولم يكن في ذلك ضرر على الولد فله ذلك والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل تزوج بامراة ومعها بنت وتوفيت الزوجة ~~وبقيت البنت عنده رباها وقد تعرض بعض الجند لأخذها فهل يجوز ذلك ### ||||| الجواب # ليس للجند عليها ولاية بمجرد ذلك فاذا لم يكن لها من يستحق ~~الحضانة بالنسب فمن كان أصلح لها حضنها وزوج أمها محرم لها وأما الجند فليس ~~محرما لها فاذا كان يحضنها حضانة تصلحها لم تنقل من عنده لأجنبى لا يحل له ~~النظر اليها والخلوة بها PageV34P133 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ### ||| فصل # ( إذا كان الابن في حضانة أمه فانفقت عليه تنوى بذلك الرجوع على الأب ~~فلها أن ترجع على الأب في أظهر قولى العلماء وهو مذهب مالك وأحمد في ظاهر ~~مذهبه الذى عليه قدماء أصحابه فان من أصلهما أن من أدى عن غيره واجبا رجع ~~عليه وإن فعله بغير اذن مثل أن يقضى دينه أو ينفق على عبده أو ( يخشى أن ) ~~يقتله العدو وقد قال تعالى ( فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) فأمر بايتاء ~~الأجر بمجرد الارضاع ولم يشترط ms9522 عقدا ولا إذنا فان تبرعت بذلك لم يكن لها ان ~~ترجع فاذا شرط عليها أنها إن سافرت بالبنت لم يكن لها نفقة ورضيت بذلك ~~فسافرت بها لم يكن لها نفقة ولو نوت الرجوع لأنها ظالمة متعدية بالسفر به ~~فانه ليس لها أن تسافر به بغير إذن أبيه وهو لم يأذن لها في السفر إلا إذا ~~كانت متبرعة بالنفقة فمتى سافرت وطلبت الرجوع بالنفقة لم يكن لها ذلك والله ~~أعلم PageV34P134 ### ||| 2 باب الجنايات 2 ### |||| سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن القصاص ### ||||| فأجاب # القصاص ثابت بين المسلمين باتفاق الأمة يقتص للهاشمي المسلم من ~~الحبشي المسلم وللحبشي المسلم من الهاشمي المسلم في الدماء والأموال ~~والأعراض وغير ذلك بحيث يجوز القصاص في الأعراض يجوز للرجل أن يقتص فإذا ~~قال له الهاشمي يا كلب قال له يا كلب وإذا قال لعنك الله قال له لعنك الله ~~ويجوز ذلك وهذا من معنى قوله تعالى @QB@ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور @QE@ # ولو كذب عليه لم يكن له أن يكذب عليه وكذلك من سب أبا رجل فليس له أن يسب ~~أباه سواء كان هاشميا أو غير هاشمي فإن أبا الساب PageV34P135 لم يظلمه ~~وإنما ظلمه الساب @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ ولكن إن سب مسلم أبا ~~مسلم فإنه يعزر على ذلك فالهاشمي إذا سب أبا مسلم عزر الهاشمي على ذلك # ومن سب أبا هاشمي عزر على ذلك ولا يجعل ذلك سبا للنبي ولو سب أباه وجده ~~لم يحمل على النبي فإن اللفظ ليس ظاهرا في ذلك إذ الجد المطلق هو أبو الأب ~~وإذا سمي العبد جدا فأجداده كثيرة فلا يتعين واحد وسب النبي كفر يوجب القتل ~~فلا يزول الإيمان المتعين بالشك ولا يباح الدم المعصوم بالشك لا سيما ~~والغالب من حال المسلم هو أن لا يقصد النبي فلا لفظه ولا حاله يقتضي ذلك ms9523 ~~ولا يقبل عليه قول من ادعى أنه قصد الرسول بلا حجة والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الإسلام # عن حكم قتل المتعمد وما هو هل إن قتله على مال أو حقد ~~أو على أي شي يكون قتل المتعمد وقال قائل إن كان قتل على مال فما هو هذا أو ~~على حقد أو على دين فما هو متعمد فقال القائل فالمتعمد قال إذا قتله على ~~دين الإسلام لا يكون مسلما PageV34P136 ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما إذا قتله على دين الإسلام مثل ما يقاتل النصراني ~~المسلمين على دينهم فهذا كافر شر من الكافر المعاهد فإن هذا كافر محارب ~~بمنزلة الكفار الذين يقاتلون النبي وأصحابه وهؤلاء مخلدون في جهنم كتخليد ~~غيرهم من الكفار # وأما إذا قتله قتلا محرما لعداوة أو مال أو خصومة ونحو ذلك فهذا من ~~الكبائر ولا يكفر بمجرد ذلك عند أهل السنة والجماعة وإنما يكفر بمثل هذا ~~الخوارج ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد عند أهل السنة والجماعة ~~خلافا للمعتزلة الذين يقولون بتخليد فساق الملة وهؤلاء قد يحتجون بقوله ~~تعالى @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما @QE@ وجوابهم على أنها محمولة على المتعمد لقتله ~~على إيمانه وأكثر الناس لم يحملوها على هذا بل قالوا هذا وعيد مطلق قد فسره ~~قوله تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~@QE@ وفي ذلك حكاية عن بعض أهل السنة أنه كان في مجلس فيه عمرو بن عبيد شيخ ~~المعتزلة فقال عمرو يؤتى بي يوم القيامة فيقال لي يا عمروا من أين قلت إني ~~لا أغفر لقاتل فأقول أنت يا رب قلت @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ~~خالدا فيها @QE@ قال فقلت له فإن قال لك فإني قلت @QB@ إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر ~~لهذا فسكت عمرو بن عبيد PageV34P137 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن القاتل عمدا ms9524 أو خطأهل تدفع الكفارة المذكورة في ~~القرآن @QB@ فصيام شهرين متتابعين @QE@ أو يطالب بدية القاتل ### ||||| فأجاب # قتل الخطأ لا يجب فيه إلا الدية والكفارة ولا إثم فيه وأما القاتل ~~عمدا فعليه الإثم فإذا عفى عنه أولياء المقتول أو أخذوا الدية لم يسقط بذلك ~~حق المقتول في الآخرة وإذا قتلوه ففيه نزاع في مذهب أحمد والأظهر أن لا ~~يسقط لكن القاتل إذا كثرت حسناته أخذ منه بعضها ما يرضي به المقتول أو ~~يعوضه الله من عنده إذا تاب القاتل توبة نصوحا # وقاتل الخطأ تجب عليه الدية بنص القرآن واتفاق الأمة والدية تجب للمسلم ~~والمعاهد كما قد دل عليه القرآن وهو قول السلف والأئمة ولا يعرف فيه خلاف ~~متقدم لكن بعض متأخري الظاهرية زعم أنه الذي لا دية له PageV34P138 وأما ~~القاتل عمدا ففيه القود فإن اصطلحوا على الدية جاز ذلك بالنص والإجماع ~~فكانت الدية من مال القاتل بخلاف الخطأ فإن ديته على عاقلته # وأما الكفارة فجمهور العلماء يقولون قتل العمد أعظم من أن يكفر كذلك ~~قالوا في اليمين الغموس هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه كما ~~اتفقوا كلهم على أن الزنى أعظم من أن يكفر فإنما وجبت الكفارة بوطء المظاهر ~~والوطء في رمضان وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى بل تجب الكفارة في ~~العمد واليمين الغموس واتفقوا على أن الإثم لا يسقط بمجرد الكفارة ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن جماعة اشتركوا في قتل رجل وله ورثة صغار وكبار ~~فهل لأولاده الكبار أن يقتلوهم أم لا وإذا وافق ولي الصغار الحاكم أو غيره ~~على القتل مع الكبار فهل يقتلون أم لا ### ||||| فأجاب # إذا اشتركوا في قتله وجب القود على جميعهم باتفاق الأئمة الأربعة ~~وللورثة أن يقتلوا ولهم أن يعفوا فإذا اتفق الكبار من الورثة على ~~PageV34P139 قتلهم فلهم ذلك عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد في ~~إحدى الروايتين وكذا إذا وافق ولي الصغار الحاكم أو غيره على القتل مع ~~الكبار فيقتلون ### |||| وسئل رحمه الله # عن الإنسان يقتل مؤمنا متعمدا أو خطأ ms9525 وأخذ منه القصاص في ~~الدنيا أولياء المقتول والسلطان فهل عليه القصاص في الآخرة أم لا وقد قال ~~تعالى @QB@ النفس بالنفس @QE@ ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما القاتل خطأ فلا يؤخذ منه قصاص لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة لكن الواجب في ذلك الكفارة ودية مسلمة إلى أهل القتيل ~~إلا أن يصدقوا وأما القاتل عمدا إذا اقتص منه في الدنيا فهل للمقتول أن ~~يستوفي حقه في الآخرة فيه قولان في مذهب أحمد وكذلك غيره فيما أظن من يقول ~~لا حق له عليه لأن الذي عليه استوفى منه في الدنيا ومنهم من يقول بل عليه ~~حق فإن حقه لم يسقط بقتل الورثة كما لم يسقط حق الله بذلك وكما لا يسقط حق ~~المظلوم الذي غصب ماله وأعيد إلى ورثته بل له أن يطالب الظالم بما حرمه من ~~الإنتفاع به في حياته والله أعلم PageV34P140 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قتل رجلا عمدا وللمقتول بنت عمرها خمس سنين وزوجته ~~حامل منه وأبناء عم فهل يجوز أن يقتص منه قبل بلوغ البنت ووضع الحمل أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس لسائر الورثة قبل وضع الحمل أن يقتصوا منه إلا عند ~~مالك فإن عنده للعصبة أن يقتصوا منه قبل ذلك أما إن وضعت بنتا أو بنتين ~~بحيث يكون لا بني العم نصيب من التركة كان للعصبة أن يقتصوا قبل بلوغ ~~البنات عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية ولم يجز لهن القصاص في المشهور ~~عنه وهو قول الشافعي # وهل لولي البنات كالحاكم أن يقوم مقامهن في الإستيفاء والصلح على مال ~~روايتان عن أحمد أحداهما وهو قول جمهور العلماء جواز ذلك والثانية لا يجوز ~~القصاص كقول الشافعي لكن إذا كانت البنات محاويج هل لوليهن المصالحة على ~~مال لهن فيه خلاف مشهور في مذهب الشافعي PageV34P141 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قتله جماعة وكان اثنان حاضران قتله واتفق الجماعة ~~على قتله وقاضي الناحية عاين الضرب فيه ونواب الولاية ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا قامت البينة على من ضربه حتى مات ms9526 واحدا كان أو أكثر ~~فإن لأولياء الدم أن يقتلوهم كلهم ولهم أن يقتلوا بعضهم وإن لم تعلم عين ~~القاتل فلأولياء المقتول أن يحلفوا على واحد بعينه أنه قتله ويحكم لهم ~~بالدم والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن جماعة اجتمعوا وتحالفوا على قتل رجل مسلم وقد أخذوا ~~معهم جماعة أخرى ما حضروا تحليفهم وتقدموا إلى الشخص وضربوه بالسيف ~~والدبابيس ورموه في البحر فهل القصاص عليهم جميعهم أم لا ### ||||| فأجاب # إذا اشتركوا في قتل معصوم بحيث أنهم جميعهم باشروا قتله وجب القود ~~عليهم جميعهم وإن كان بعضهم قد باشر وبعضهم قائم يحرس PageV34P142 المباشر ~~ويعاونه ففيها قولان أحدهما لا يجب القود إلا على المباشر وهو قول أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد بحيث أنه لا بد في فعل كل شخص من أن يكون صالحا ~~للزهوق والثاني يجب على الجميع وهو قول مالك وإن كان قتله لغرض خاص مثل أن ~~يكون بينهم عداوة أو خصومة أو يكرهونه على فعل لا يبيح قتله فهنا القود ~~لوارثه إن شاء قتل وإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية وإن كان الوارث صغيرا لم ~~يبلغ فلمن له الولاية عليه وإن لم يكن له ولي فالسلطان وليه والحاكم نائبه ~~في أحد القولين للعلماء كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين وفي ~~القول الثاني لا حتى يبلغ وهو مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى ### |||| وسئل رحمه الله # عمن اتفق على قتله أولاده وجواره ورجل أجنبي فما حكم الله ~~فيهم ### ||||| فأجاب # إذا اشتركوا في قتله جاز قتلهم جميعهم والأمر في ذلك ليس للمشاركين ~~في قتله بل لغيرهم من ورثته فإن كان له أخوة كانوا هم أولياءه وكانوا أيضا ~~الوارثين لماله فإن القاتل لا يرث المقتول وليس للسلطان حق لا في دمه ولا ~~في ماله بل الأخوة لهم الخيار إن شاء واقتلوا جميع المشتركين في قتله ~~البالغ منهم وإن شاؤوا قتلوا بعضهم وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وأما ~~المباشرون لقتله فيجوز قتلهم باتفاق الأئمة PageV34P143 وأما الذين أعانوا ~~بمثل إدخال الرجل إلى البيت وحفظ الأبواب ms9527 ونحو ذلك ففي قتلهم قولان للعلماء ~~ويجوز قتلهم في مذهب مالك وغيره والممسك يقتل في مذهب مالك وأحمد في إحدى ~~الروايتين وغيرهما ولا ميراث لهما وإن كان الصغار من أولاده أعانوا أيضا ~~على قتله لم يكن دمه إليهم ولا إلى وليهم بل إلى الأخوة وأما ميراثهم من ~~ماله ففيه نزاع والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد أنهم لا يرثون من ماله ~~والصغار يعاقبون بالتأديب ولا يقتلون ومذهب أبي حنيفة ومالك الصغار يرثون ~~من ماله والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجلين تضاربا وتخانقا فوقع أحدهما فمات فما يجب عليه ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إذا خنقه الخنق الذي يموت به المرء غالبا ~~وجب القود عليه عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة ~~ولو ادعى أن هذا لا يقتل غالبا لم يقبل منه بغير حجة فأما إن كان أحدهما قد ~~غشي عليه بعد الخنق ورفسه الآخر برجله حتى خرج من فمه شيء فمات فهذا يجب ~~عليه القود بلا ريب فإن هذا قاتل نفسا عمدا فيجب عليه القود إذا كان ~~المقتول يكافؤه بأن يكون حرا مسلما فيسلم إلى ورثة المقتول إن شاؤوا أن ~~يقتلوه وإن شاؤوا عفوا عنه وإن شاؤوا أخذوا الدية PageV34P144 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجلين تخاصما وتقابضا فقام واحد ونطح الآخر في أنفه ~~فجرى دمه فقام الذي جرى دمه خنقه ورفسه برجله في مخاصيه فوقع ميتا ### ||||| فأجاب # يجب القود على الخانق الذي رفس الآخر في أنثييه فإن مثل هذا الفعل ~~قد يقتل غالبا فإن موته بهذا الفعل دليل على أنه فعل به ما يقتل غالبا ~~والفعل الذي يقتل غالبا يجب به القود في مذهب مالك والشافعي وأحمد وصاحبي ~~أبي حنيفة مثل ما لو ضربه في أنثييه حتى مات فيجب القود ولو خنقه حتى مات ~~وجب القود فكيف إذا اجتمعا وولي المقتول مخير إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية ~~وإن شاء عفا عنه وليس لولي الأمر أن يأخذ من القاتل شيئا لنفسه ولا لبيت ~~المال وإنما الحق في ذلك ms9528 لأولياء المقتول ### |||| وسئل رحمه الله # عمن ضرب رجلا ضربة فمكث زمانا ثم مات والمدة التي مكث ~~فيها كان ضعيفا من الضربة ما الذي يجب عليه ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إذا ضربه عدوانا فهذا شبه عمد فيه دية مغلظة ~~ولا قود فيه وهذا إن لم يكن موته من الضربة والله أعلم PageV34P145 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل يهودي قتله مسلم فهل يقتل به أو ماذا يجب ~~عليه ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا قصاص عليه عند أئمة المسلمين ولا يجوز قتل الذمي بغير ~~حق فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال لا يقتل مسلم بكافر ولكن تجب ~~عليه الدية فقيل الدية الواجبة نصف دية المسلم وقيل ثلث ديته وقيل يفرق بين ~~العمد والخطأ فيجب في العمد مثل دية المسلم ويروي ذلك عن عثمان بن عفان أن ~~مسلما قتل ذميا فغلظ عليه وأوجب عليه كمال الدية وفي الخطأ نصف الدية ففي ~~السنن عن النبي أنه جعل دية الذمي نصف دية المسلم وعلى كل حال تجب كفارة ~~القتل أيضا وهي عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ### |||| وسئل رحمه الله # عن طائفة تسمى العشيرة قيس ويمن يكثر القتل بينهم ولا ~~يبالون به وإذا طلب منهم القاتل أحضروا شخصا غير القاتل يتفقون معه على أن ~~يعترف PageV34P146 بالقتل عند ولي الأمر فإذا اعترف جهزوا إلى المتولي من ~~يدعي أنه من قرابة المقتول ويقول أنا قد أبريت هذا القاتل مما استحقه عليه ~~ويجعلون ذلك ذريعة إلى سفك الدماء وإقامة الفتن فإذا رأى ولي الأمر وضع دية ~~المقتول الذي لا يعرف قاتله من الطوائف الذين أثبت أسمائهم في الديوان على ~~جميع الطوائف منهم له ذلك أم لا أو رأى وضع ذلك على أهل محلة القاتل كما ~~نقل عن بعض الأئمة رضي الله عنهم أو رأى تعزير هؤلاء العشير عند إظهارهم ~~الفتن وسفك الدماء والفساد بوضع مال عليهم يؤخذ منهم ليكف نفوسهم العادية ~~عن ذلك كله فهل له ذلك أم لا وهل يثاب على ذلك ms9529 أفتونا مأجورين ### ||||| فأجاب أيده الله # الحمد لله أما إذا عرف القاتل فلا توضع الدية على أهل ~~مكان المقتول باتفاق الأئمة وأما إذا لم يعرف قاتله لا ببينة ولا إقرار ففي ~~مثل هذا تشرع القسامة فإذا كان هناك لوث حلف المدعون خمسين يمينا عند ~~الجمهور مالك والشافعي وأحمد كما ثبت عن النبي في قصة القتيل الذي وجد ~~بخيبر فإن لم يحلفوا حلف المدعي عليه ومذهب أبي حنيفة يحلف المدعي عليهم ~~أولا فإن مذهبه أن اليمين لا تكون إلا في جانب المدعى عليه والجمهور يقولون ~~هي في جنب أقوى المتداعيين # فأما إذا عرف القاتل فإن كان قتله لأخذ مال فهو محارب يقتله الإمام حدا ~~وليس لأحد أن يعفو عنه لا أولياء المقتول ولا غيرهم وإن قتل لأمر خاص فهذا ~~أمره إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا عفوا عنه وللإمام في مذهب PageV34P147 ~~مالك أن يجلده مائة ويحبسه سنة فهذا التعزير يحصل المقصود وعلى هذا فإذا ~~كان أولياء المقتول قد رضوا بقتل صاحبهم فلا أرغم الله إلا بآنافهم وإذا ~~قيل توضع الدية في بعض الصور على أهل المكان مع القسامة في الدية لورثة ~~المقتول لا لبيت المال ولم يقل أحد من الأئمة أن دية المقتول لبيت المال ~~وكذلك لا توضع الدية بدون قسامة باتفاق الأئمة وهؤلاء المعروفون بالفتن ~~والفساد لولي الأمر أن يمسك منهم من عرف بذلك فيحبسه وله أن ينقله إلى أرض ~~أخرى ليكف بذلك عدوانه وله أن يعزر أيضا من ظهر منه الشر ليكف به شره ~~وعدوانه ففي العقوبات الجارية على سنن العدل والشرع ما يعصم الدماء ~~والأموال ويغني ولاة الأمور عن وضع جبايات تفسد العباد والبلاد ومن اتهم ~~بقتل وكان معروفا بالفجور فلولي الأمر عند طائفة من العلماء أن يعاقبه ~~تعزيزا على فجوره وتعزيرا له وبهذا وأمثاله يحصل مقصود السياسة العادلة ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن قال أنا ضاربه والله قاتله ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا يؤاخذ بإقراره ويجب عليه ما يجب على القاتل وأما ~~قوله والله قاتله إن أراد به أن ms9530 الله قابض روحه أو أن الله هو المميت كل ~~أحد وهو خالق أفعال العباد ونحو ذلك فهذا لا يندفع عنه موجب القتل بذلك بل ~~يجب عليه ما يجب على القاتل PageV34P148 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل راكب فرس مر به دباب ومعه دب فجفل الفرس ~~ورمى راكبه ثم هرب ورمى رجلا فمات ### ||||| فأجاب # لا ضمان على صاحب الفرس والحالة هذه لكن الدباب عليه العقوبة والله ~~أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل أخذ له مال فاتهم به رجلا من أهل التهم ذكر ~~ذلك عنده فضربه على تقريره فأقر ثم أنكر فضربه حتى مات فما عليه ولم يضربه ~~إلا لأجل ما أخبر عنه بذلك ### ||||| فأجاب # عليه أن يعتق رقبة مؤمنة كفارة وتجب دية هذا المقتول إلا أن يصالح ~~ورثته على أقل من ذلك ولو كان قد فعل به فعلا يقتل غالبا بلا حق ولا شبهة ~~لوجب القود ولو كان بحق لم يجب شيء والله أعلم PageV34P149 ### |||| وسئل قدس الله روحه # عن رجل جندي وله إقطاع في بلد الريع وقال في البلد ~~قتيل فقالوا إن الفلاح النصراني الذي هو من الريع هو القاتل فطلب القاتل ~~إلى ولاة الأمور فلم يوجد ومسكوا أخا النصراني المتهوم وهو في السجن ومع ~~ذلك يتطلبون الجندي بإحضار النصراني ولم يكن ضامنا ### ||||| فأجاب # إذا كان الجندي لا يعلم حال المتهم ولا هو ضامن له لم تجز مطالبته ~~لكن إذا كان مطلوبا بحق وهو يعرف مكانه دل عليه فإن قال أنه لا يعرف مكانه ~~فالقول قوله ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل عثر على سبعة أنفس فحصل بينهم خصومة فقاموا ~~بأجمعهم ضربوه بحضرة رجلين لا يقربا لهؤلاء ولا لهؤلاء وعايناه إلى أن مات ~~من ضربهم فما يلزم السبعة الذين يساعدون على قتله PageV34P150 ### ||||| فأجاب # إذا شهد لأولياء المقتول شاهدان ولم يثبت عدالتهما فهذا لوث إذا ~~حلف معه المدعون خمسين يمينا أيمان القسامة على واحد بعينه حكم لهم بالدم ~~وإن أقسموا على أكثر من واحد ففي القود نزاع وأما إن ادعوا أن ms9531 القتل كان ~~خطأ أو شبه عمد مثل أن يضربوه بعصا ضربا لا يقتل مثله غالبا فهنا إذا ادعوا ~~على الجماعة أنهم اشتركوا في ذلك فدعواهم مقبولة ويستحقون الدية ### |||| وسئل رحمه الله # عما إذا قال المضروب ما قاتلي إلا فلان فهل يقبل قوله أم ~~لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لا يؤخذ بمجرد قوله بلا نزاع ولكن هل يكون ~~قوله لوثا يحلف معه أولياء المقتول خمسين يمينا ويستحقون دم المحلوف عليه ~~على قولين مذكورين للعلماء أحدهما أنه ليس بلوث وهو مذهب الشافعي وأحمد ~~وأبي حنيفة والثاني أنه لوث وهو قول مالك ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجلين شربا وكان معهما رجل آخر فلما أرادوا أن يرجعوا ~~إلى بيوتهم تكلما فضرب واحد صاحبه ضربة بالدبوس فوقع عن فرسه فوقف ~~PageV34P151 عنده ذلك الرجل الذي معهما حتى ركب فرسه وجاء معه إلى منزله ~~ولم يقف عنده فوقع عن فرسه ثانية ثم أنه أصبح ميتا فسأل رجل من أصحاب الميت ~~ذلك الرجل خفية ولم يعلمه بموته فذكر له قضيتهما فشهد عليه الشهود بأن ~~فلانا ضربه ولم يسمع الشهود من الميت وأن المتهوم لم يظهر نفسه خوف العقوبة ~~لكي لا يقر على نفسه وللميت بنت ترضع وأخوة ### ||||| فأجاب # إن كان الذي شرب الخمر يعلم ما يقول فهذا إذا قتل فهو قاتل يجب ~~عليه القود وعقوبة قاتل النفس باتفاق العلماء وأما إن كان قد سكر بحيث لا ~~يعلم ما يقول أو أكثر من ذلك وقتل فهل يجب عليه القود ويسلم إلى أولياء ~~المقتول ليقتلوه إن شاؤوا هذا فيه قولان للعلماء وفيه روايتان عن أحمد لكن ~~أكثر الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وكثير من أصحاب أحمد ~~يوجبون عليه العقود كما يوجبونه على الصاحي فإن لم يشهد بالقتل إلا واحد لم ~~يحكم به إلا أن يحلف مع ذلك أولياء المقتول خمسين يمينا وهذا إذا مات بضربه ~~وكان ضربه عدوانا محضا فإما إن مات مع ضرب الآخر ففي القود نزاع وكذلك إن ~~ضربه دفعا لعدوانه عليه أو ضربه مثل ms9532 ما ضربه سواء مات بسبب آخر أو غيره ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل واعد آخر على قتل مسلم بمال معين ثم قتله فما يجب ~~عليه في الشرع PageV34P152 ### ||||| فأجاب # نعم إذا قتله الموعود والحالة هذه وجب القود وأولياء المقتول ~~بالخيار إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية وإن أحبوا عفوا وأما الواعد ~~فيجب أن يعاقب عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا وعند بعضهم يجب عليه القود ### |||| وسئل رحمه الله # عن القاتل ولده عمدا لمن ديته ### ||||| فأجاب # أما الوارث كالأب وغيره إذا قتل مورثه عمدا فإنه لا يرث شيئا من ~~ماله ولا ديته باتفاق الأئمة بل تكون ديته كسائر ماله يحرمها القاتل أبا ~~كان أو غيره ويرثها سائر الورثة غير القاتل ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل تخاصم مع شخص فراح إلى بيته فحصل له ضعف فلما قارب ~~الوفاة أشهد على نفسه أن قاتله فلان فقيل له كيف قتلك فلم يذكر شيئا فهل ~~يلزمه شيء أم لا وليس بهذا المريض أثر قتل ولا ضرب أصلا وقد شهد خلق من ~~العدول أنه لم يضربه ولا فعل به شيئا PageV34P153 ### ||||| فأجاب # إما بمجرد هذا القول فلا يلزمه شيء بإجماع المسلمين بل إنما يجب ~~على المدعى عليه اليمين بنفي ما ادعى عليه إما يمين واحدة عند أكثر العلماء ~~كأبي حنيفة واحمد وإما خمسون يمينا كقول الشافعي والعلماء قد تنازعوا في ~~الرجل إذا كان به أثر القتل كجرح أو أثر ضرب فقال فلان ضربني عمدا هل يكون ~~ذلك لوثا فقال أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ليس بلوث وقال مالك هو لوث ~~فإذا حلف أولياء الدم خمسين يمينا حكم به ولو كان القتل خطأ فلا قسامة فيه ~~في أصح الروايتين عن مالك وهذه الصورة قيل لم تكن خطأ فكيف وليس به أثر قتل ~~وقد شهد الناس بما شهدوا به فهذه الصورة ليس فيها قسامة بلا ريب على مذهب ~~الأئمة ### |||| وسئل # عمن اتهم بقتيل فهل يضرب ليقر أم لا ### ||||| فأجاب # إن كان هناك لوث وهو ما يغلب على ms9533 الظن أنه قتله جاز لأولياء ~~المقتول أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقون دمه وأما ضربه ليقر فلا يجوز إلا ~~مع القرائن التي تدل على أنه قتله فإن بعض العلماء جوز تقريره بالضرب في ~~هذه الحال وبعضهم منع من ذلك مطلقا PageV34P154 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن أهل قريتين بينهما عداوة في الإعتقاد وخاصم رجل ~~آخر في غنم ضاعت له وقال ما يكون عوض هذا إلا رقبتك ثم وجد هذا مقتولا وأثر ~~الدم أقرب إلى القرية التي منها المتهم وذكر رجل له قتله ### ||||| فأجاب # إذا حلف أولياء المقتول خمسين يمينا أن ذلك المخاصم هو الذي قتله ~~حكم لهم بدمه وبراءة من سواه فإنما بينهما من العداوة والخصومة والوعيد ~~بالقتل وأثر الدم وغير ذلك لوث وقرينة وأمارة على أن هذا المتهم هو الذي ~~قتله فإذا حلفوا مع ذلك أيمان القسامة الشرعية استحقوا دم المتهم وسلم ~~إليهم برمته كما قضى بذلك رسول الله في قضية الذي قتل بخيبر ولم يجب على ~~أهل البقعة جناية لا في العادة السلطانية ولا في حكم الشريعة ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن شخصين اتهما بقتيل فأمسكا وعوقبا العقوبة ~~المؤلمة فأقر أحدهما على نفسه وعلى رفيقه ولم يقر الآخر ولا اعترف بشيء فهل ~~يقبل قوله أم لا PageV34P155 ### ||||| فأجاب # إن شهد شاهد مقبول على شخص أنه قتله كان لأولياء المقتول أن يحلفوا ~~خمسين يمينا ويستحقوا الدم وكذلك إن كان هناك لوث يغلب على الظن الصدق وإلا ~~حلف المدعى عليه ولا يؤاخذ بلا حجة ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عمن اتهموا بقتيل فضربوهم واعترف واحد منهم ~~بالعقوبة فهل يسري على الباقي ### ||||| فأجاب # الحمد لله إن أقر واحد عدل أنه قتله كان لوثا فلأولياء المقتول أن ~~يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا به الدم وأما إذا أقر مكرها ولم يتبين صدق ~~إقراره فهنا لا يترتب عليه حكم ولا يؤخذ هو به ولا غيره والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن سفارة جاءتهم حرامية فقاتلوهم فقتل الحرامية من ~~السفارة رجلا ثم إن بن عم المقتول اتبع الحرامية هو وناس ms9534 من قومه فلحقهم ~~وقبضهم وسأل عن القاتل فعين الحرامية شخصا منهم وقالوا هذا قتل بن عمك ~~فقتله ثم بعد ذلك طلع القاتل أخا ذلك الشخص الذي عينه الحرامية PageV34P156 ### ||||| فأجاب # أما المسافر المقتول ظلما فيجب على من قتله من الحرامية القود ~~بشروطه وأما الشخص الثاني المقتول ظلما إذا كان معصوما فإن كان الدال عليه ~~متعمدا الكذب فعليه القود وإن كان مخطئا وجبت الدية على عاقلته إن كان له ~~عاقلة وإلا فعليه وأما قاتله فإن لم يتعمد قتله بل أخطأ فيه فللورثة أن ~~يطالبوا بالدية له أو لعاقلته لكن إذا ضمن الدية رجع بها على الدال أو ~~عاقلته فإنه هو الذي يضاف إليه القتل في مثل هذا ولهذا يجب قتله إذا تعمد ~~الكذب كما يجب القتل على الشهود إذا رجعوا عن الشهادة وقالوا تعمدنا الكذب ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل قتل قتيلا وله أب وأم وقد وهبا للقاتل دم ولدهما ~~وكتبا عليه حجة أنه لا ينزل بلادهم ولا يسكن فيها ومتى سكن في البلاد كان ~~دم ولدهما على القاتل فإذا سكن فهل يجوز لهم المطالبة بالدم أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا عفوا عنه بهذا الشرط ولم يف بهذا الشرط لم يكن العفو ~~لازما بل لهم أن يطالبوه بالدية في قول بعض العلماء وبالدم في قول آخر ~~وسواء قيل هذا الشرط صحيح أم فاسد وسواء قيل يفسد العقد بفساده أو لا يفسد ~~فإن ذينك القولين مبنيان على هذه الأصول PageV34P157 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن صبي دون البلوغ جنى جناية يجب عليه فيها دية مثل ~~أن يكسر سنا أو يفقأعينا ونحو ذلك خطأ فهل لأولياء ذلك أن يأخذوا دية ~~الجناية من أبي الصبي وحده إن كان موسرا أم يطلبوها من عم الصبي أو بن عمه ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما إذا فعل ذلك خطأ فديته على عاقلته بلا ريب كالبالغ ~~وأولى وإن فعل عمدا فعمده خطأ عند الجمهور كأبي حنيفة ومالك وأحمد في ~~المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه وفي القول الآخر ms9535 عنه وعن أحمد أن عمده ~~إذا كان غير بالغ في ماله # وأما ( العاقلة ) التى تحمل فهم عصبته كالعم وبنيه والاخوة وبنيهم باتفاق ~~العلماء وأما أبو الرجل وابنه فهو من عاقلته أيضا عند الجمهور كأبى حنيفة ~~ومالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه وفى الرواية الأخرى وهو قول الشافعى ~~أبوه وابنه ليسا من العاقلة PageV34P158 # والذى ( تحمله العاقلة ) بالاتفاق ما كان فوق ثلث الدية مثل قلع العين ~~فانه يجب فيه نصف الدية وأما دون الثلث كدية السن وهو نصف عشر الدية ودية ~~الأصبع وهى عشر الدية فهذا لا تحمله العاقلة في مذهب مالك وأحمد بل هو في ~~ماله عند الشافعى وعند أبى حنيفة لا تحمل ما دون دية السن والموضحة وهو ~~المقدر كارش الشجة التى دون الموضحة وإذا وجب على الصبى شيء ولم يكن له مال ~~حمله عنه أبوه في احدى الروايتين عن أحمد وروى ذلك عن بن عباس وفى الرواية ~~الأخرى وهو قول الأكثرين أنه في ذمته وليس على أبيه شيء والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل قال لزوجته أسقطى ما في بطنك والاثم على فاذا ~~فعلت هذا وسمعت منه فما يجب عليهما من الكفارة ### ||||| فأجاب # إن فعلت ذلك فعليهما ~~كفارة عتق رقبة مؤمنة فان لم يجدا فصيام شهرين متتابعين وعليهما غرة عبد أو ~~أمة لوارثه الذى لم يقتله لا للأب فان الأب هو الآمر بقتله فلا يستحق شيئا ~~PageV34P159 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل عدل له جارية اعترف بوطئها بحضرة عدول وأنها ~~حبلت منه وأنه سأل بعض الناس عن أشياء تسقط الحمل وانه ضرب الجارية ضربا ~~مبرحا على فؤادها فاسقطت عقيب ذلك وأن الجارية قالت إنه كان يلطخ ذكره ~~بالقطران ويطؤها حتى يسقطها وأنه اسقاها السم وغيره من الأشياء المسقطة ~~مكرهة فما يجب على مالك الجارية بما ذكر وهل هذا مسقط لعدالته أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله إسقاط الحمل حرام باجماع المسلمين وهو من الوأد الذى قال ~~الله فيه @QB@ وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت @QE@ وقد قال ( ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية ms9536 املاق ) # ولو قدر أن الشخص اسقط الحمل خطأ مثل أن يضرب المرأة خطأ فتسقط فعليه غرة ~~عبد أو أمة بنص النبى واتفاق الأئمة وتكون قيمة الغرة بقدر عشر دية الأم ~~عند جمهور العلماء كمالك والشافعى واحمد # كذلك عليه ( كفارة القتل ) عند جمهور الفقهاء وهو المذكور في قوله تعالى ~~@QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن ~~يصدقوا @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله @QE@ PageV34P160 وأما إذا تعمد الاسقاط فانه يعاقب على ذلك عقوبة ~~تردعه عن ذلك وذلك مما يقدح في دينه وعدالته والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن امرأة حامل تعمدت اسقاط الجنين إما بضرب وإما بشرب ~~دواء فما يجب عليها ### ||||| فأجاب # يجب عليها بسنة رسول الله واتفاق الأئمة غرة عبد أو أمة تكون هذه ~~الغرة لورثة الجنين غير أمه فان كان له أب كانت الغرة لأبيه فان احب ان ~~يسقط عن المرأة فله ذلك وتكون قيمة الغرة عشردية أو خمسين دينارا وعليها ~~أيضا عند أكثر العلماء عتق رقبة فإن لم تجد صامت شهرين متتابعين فإن لم ~~تستطع أطعمت ستين مسكينا ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة دفنت ابنها بالحياة حتى مات فانها ~~كانت مريضة وهو مريض فضجرت منه فما يجب عليها PageV34P161 ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا هو الوأد الذى قال الله تعالى فيه @QB@ وإذا ~~الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت @QE@ وقال الله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أولادكم ~~خشية إملاق @QE@ وفى الصحيحين عن بن مسعود عن ( النبى أنه قيل له أى الذنب ~~أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل ثم أى قال أن تقتل ولدك خشية أن ~~يطعم معك ) وإذا كان الله قد حرم قتل الولد مع الحاجة وخشية الفقر فلأن ~~يحرم قتله بدون ذلك أولى وأحرى وهذه في قول الجمهور يجب عليها الدية تكون ~~لورثته ليس لها منها شيء باتفاق الأئمة وفى وجوب الكفارة عليها قولان والله ~~أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن الرجل يلطم الرجل أو يكلمه أو يسبه هل ms9537 يجوز ان ~~يفعل به كما فعل ### ||||| فأجاب # أما ( القصاص في اللطمة والضربة ) ونحو ذلك فمذهب الخلفاء ~~الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أن القصاص ثابت في ذلك كله وهو ~~المنصوص عن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجى وذهب كثير من الفقهاء ~~إلى أنه لا يشرع في ذلك قصاص لأن المساواة فيه متعذرة في الغالب وهذا قول ~~كثير من أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد PageV34P162 والأول أصح فان ~~سنة النبى مضت بالقصاص في ذلك وكذلك سنة الخلفاء الراشدين وقد قال تعالى ( ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وقال تعالى ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم ) ونحو ذلك # وأما قول القائل ان المماثلة في هذه الجناية متعذرة فيقال لا بد لهذه ~~الجناية من عقوبة إما قصاص وإما تعزير فإذا جوز ان يعزر تعزيزا غير مضبوط ~~الجنس والقدر فلأن يعاقب إلى ما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى ~~والعدل في القصاص معتبر بحسب الامكان ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب ضربة ~~مثل ضربته أو قريبا منها كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط ~~فالذى يمنع القصاص في ذلك خوفا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلما مما فر منه ~~فعلم أنما جاءت به السنة أعدل وأمثل # وكذلك له أن يسبه كما يسبه مثل أن يلعنه كما يلعنه أو يقول قبحك الله ~~فيقول قبحك الله أو أخزاك الله فيقول له أخزاك الله أو يقول يا كلب يا ~~خنزير فيقول يا كلب ياخنزير فأما إذا كان محرم الجنس مثل تكفيره أو الكذب ~~عليه لم يكن له ان يكفره ولا يكذب عليه وإذا لعن أباه لم يكن له أن يلعن ~~أباه لأن أباه لم يظلمه PageV34P163 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن ضرب غيره فعطل منفعة اصبعه ### ||||| فأجاب # إذا تعطلت منفعة أصبعه بالجناية التى اعتدى فيها وجبت دية الاصبع ~~وهى عشر الدية الكاملة والله أعلم ### |||| ( وسئل قدس الله روحه ( # عن اثنين أحدهما حر والآخر عبد حملوا خشبة فتهورت ~~منهم الخشبة من غير عمد ms9538 فأصابت رجلا فاقام يومين وتوفى فما يجب على الحر ~~والعبد وماذا يجب على مالك العبد إذا تغيب العبد ### ||||| فأجاب # إذا حصل منهما تفريط أو عدوان وجب الضمان عليهما وإن كان هو المفرط ~~بوقوفه حيث لا يصلح فلا ضمان وإن لم يحصل تفريط منهما فلا ضمان عليهما وإن ~~كان بطريق السبب فلا ضمان PageV34P164 # وإذا وجب الضمان عليهما نصفين فنصيب العبد يتعلق برقبته فان شاء سيده أن ~~يسلمه في الجناية وإن شاء أن يفتديه وإذا افتداه فانه يفتديه باقل الأمرين ~~من قيمته وقدر جنايته في مذهب الشافعى وأحمد في إحدى الروايتين عنه وفى ~~الأخرى وفى مذهب مالك يفديه بارش الجناية بالغا ما بلغ فاما إن جنى العبد ~~وهرب بحيث لا يمكن سيده تسليمه فليس على السيد شيء إلا أن يختار والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن ثلاثة حملوا عامود رخام ثم ان منهم اثنين رموا ~~العامود على الآخر كسروا رجله فما يجب عليهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم إذ القوا عليه عامود الرخام حتى كسروا ساقه وجب ضمان ~~ذلك لكن من العلماء من يوجب بعيرين من الابل كما هو المشهور عن أحمد ومنهم ~~من يوجب فيه حكومة وهو أن يقوم المجنى عليه كأنه لا كسر به ثم يقوم مكسورا ~~فينظر ما نقص من قيمته فيجب بقسطه والله أعلم PageV34P165 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجلين تخاصما وتماسكا بالأيدى ولم يضرب ~~أحدهما الآخر وكان أحدهما مريضا ثم تفارقا في عافية ثم بعد اسبوع توفى ~~أحدهما وهرب الآخر قبل موته بثلاثة أيام فمسك أبو الهارب وألزموه باحضار ~~ولده فاعتقد أن الخصم لم يمت والتزم لأهله أنه مهما تم عليه كان هو القائم ~~به فلما مات اعتقلوا أباه تسعة أشهر فراضى أبوه أهل الميت بمال وأبرى ~~المتهوم وكل أهله فهل لهذا الملتزم بالمبلغ أن يرجع على أحد من بنى عمه ~~بشيء من المبلغ وهل يبرأ الهارب ### ||||| فأجاب # إن ثبت أن الهارب قتله خطأ بان يكون أحدهما مريضا وقد ضربه الآخر ~~ضربا شديدا يزيد في مرضه وكان سببا ms9539 في موته فالدية على العاقلة فعلى عصبة ~~بنى العم وغيرهما أن يتحملوا هذا القدر الذى رضى به أهل القتيل فانه أخف من ~~الدية وأما إن لم يثبت شيء من ذلك لكن اخذ الأب بمجرد إقراره لم يلزمهم ~~باقرار الأب شيء وليس لأهل الدية الذين صالحوا على هذا القدر ان يطالبوا ~~بأكثر منه والله أعلم PageV34P166 ### |||| ( وسئل قدس الله روحه ( # عن رجل رأى رجلا قتل ثلاثة من المسلمين في شهر ~~رمضان ولحس السيف بفمه وأن ولى الأمر لم يقدر عليه ليقيم عليه الحد وان ~~الذى رآه قد وجده في مكان لم يقدر على مسكه فهل له ان يقتل القاتل المذكور ~~بغيرحق واذا قتله هل يؤجر على ذلك أو يطالب بدمه ### ||||| فأجاب # إن كان قاطع طريق قتلهم لأخذ اموالهم وجب قتله ولا يجوز العفو عنه ~~وإن كان قتلهم لغرض خاص مثل خصومة بينهم أو عداوة فامره إلى ورثة القتيل إن ~~أحبوا قتله قتلوه وان أحبوا عفوا عنه وإن احبوا أخذوا الدية فلا يجوز قتله ~~إلا باذن الورثة الآخرين وأما ان كان قاطع طريق فقيل باذن الامام فمن علم ~~ان الامام أذن في قتله بدلائل الحال جاز أن يقتله على ذلك وذلك مثل أن يعرف ~~أن ولاة الأمور يطلبونه ليقتلوه وان قتله واجب في الشرع فهذا يعرف أنهم ~~آذنون في قتله وإذا وجب قتله كان قاتله مأجوا في ذلك ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجلين قبض أحدهما لواحد والآخر ضربه فشلت يده ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا فيه نزاع والأظهر أنه يجب على الاثنين القود إن وجب ~~والا فالدية عليهما والله أعلم PageV34P167 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل وجد عند امرأته رجلا أجنبيا فقتلها ثم ~~تاب بعد موتها وكان له أولاد صغار فلما كبر أحدهما اراد اداء كفارة القتل ~~ولم يجد قدرة على العتق فاراد ان يصوم شهرين متتابعين فهل تجب الكفارة على ~~القاتل وهل يجزى قيام الولد بها واذا كان الولد امرأة فحاضت في زمن الشهرين ~~هل ينقطع التتابع واذا غلب على ظنها أن الطهر ms9540 يحصل في وقت معين هل يجب ~~عليها الامساك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ان كان قد وجدهما يفعلان الفاحشة وقتلها فلا شيء عليه في ~~الباطن في أظهر قولى العلماء وهو أظهر القولين في مذهب أحمد وان كان يمكنه ~~دفعه عن وطئها بالكلام كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~انه قال ( لو أن رجلا اطلع في بيتك ففقأت عينه ما كان عليك شيء ) و ( نظر ~~رجل مرة في بيته فجعل يتبع عينه بمدرى لو أصابته لقلعت عينه ) وقال ( إنما ~~جعل الاستئذان من أجل النظر ) وقد كان يمكن دفعه بالكلام وجاء رجل إلى عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه PageV34P168 وبيده سيف متلطخ بدم قد قتل امرأته ~~فجاء أهلها يشكون عليه فقال الرجل انى قد وجدت لكاعا قد تفخذها فضربت ما ~~هنالك بالسيف فاخذ السيف فهزه ثم اعاده إليه فقال إن عاد فعد # ومن العلماء من قال يسقط القود عنه اذا كان الزانى محصنا سواء كان القاتل ~~هو زوج المرأة أو غيره كما يقوله طائفة من أصحاب الشافعى واحمد # والقول الأول إنما مأخذه أنه جنى على حرمته فهو كفقىء عين الناظر وكالذى ~~انتزع يده من فم العاض حتى سقطت ثناياه فاهدر النبى دمه وقال ( يدع يده في ~~فيك فتقضمها كما يقضم الفحل ) وهذا الحديث الأول القول به مذهب الشافعى ~~وأحمد # ومن العلماء من لم يأخذ به قال لأن دفع الصائل يكون بالأسهل والنص يقدم ~~على هذا القول وهذا القول فيه نزاع بين السلف والخلف فقد دخل اللص على عبد ~~الله بن عمر فأصلت له السيف قالوا فلولا أنا نهيناه عنه لضربه وقد استدل ~~أحمد بن حنبل بفعل بن عمر هذا مع ما تقدم من الحديثين وأخذ بذلك # وأما إن كان الرجل لم يفعل بعد فاحشة ولكن وصل لأجل ذلك فهذا فيه نزاع ~~والأحوط لهذا أن يتوب من القتل من مثل هذه الصورة وفى PageV34P169 وجوب ~~الكفارة عليه نزاع فاذا كفر فقد فعل الأحوط فان الكفارة تجب في قتل الخطأ ~~وأما ms9541 قتل العمد فلا كفارة فيه عند الجمهور كمالك وأبى حنيفة وأحمد في ~~المشهور عنه وعليه الكفارة عند الشافعى وأحمد في الرواية الأخرى # واذا مات من عليه الكفارة ولم يكفر فليطعم عنه وليه ستين مسكينا فانه بدل ~~الصيام الذى عجزت عنه قوته فاذا أطعم عنه في صيام رمضان فهذا أولى # والمرأة ان صامت شهرين متتابعين لم يقطع الحيض تتابعها بل تبنى بعد الطهر ~~باتفاق الائمة والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل ضرب رجلا بسيف شل يده ثم انه جاءه ودفع ~~إليه أربعة أفدنة طين سواء مصالحة ثم أكلها اثنى عشر سنة ولم يكتب بينه ~~وبينه ابدا وحال المضروب ضعيف فهل يلزم الضارب الدية ### ||||| فأجاب # إن كان صالحه عن شلل يده على شيء وجب ما اصطلحا عليه ولم يكن لهذا ~~ان يزيده ولا لهذا ان ينقصه وأما إن كان أعطاه شيئا بلا مصالحة فله أن يطلب ~~تمام حقه وشلل اليد فيه دية اليد والله أعلم PageV34P170 ### |||| ( وسئل قدس الله روحه ( # عن رجل ضرب رجلا فتحول حنكه ووقعت أنيابة وخيطوا ~~حنكه بالابر فما يجب ### ||||| فأجاب # يجب في الاسنان في كل سن نصف عشر الدية خمسون دينارا أو خمس من ~~الابل أو ستمائة درهم ويجب في تحويل الحنك الأرش يقوم المجنى عليه كأنه عبد ~~سليم ثم يقوم وهو عبد معيب ثم ينظر تفاوت ما بين القيميين فيجب بنسبته من ~~الدية واذا كانت الضربة مما تقلع الأسنان في العادة فللمجنى عليه القصاص ~~وهو أن يقلع له مثل تلك الأسنان من الضارب ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن مسلم قتل مسلما متعمدا بغير حق ثم تاب بعد ذلك فهل ~~ترجى له التوبة وينجو من النار أم لا وهل يجب عليه دية أم لا ### ||||| فأجاب # قاتل النفس بغير حق عليه ( حقان ) حق لله بكونه تعدى حدود الله ~~وانتهك حرماته فهذا الذنب يغفره الله بالتوبة الصحيحة كما قال PageV34P171 ~~تعالى @QB@ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا @QE@ أى لمن تاب وقال ms9542 @QB@ والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ~~@QE@ وفى الصحيحين وغيرهما عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم ( إن ~~رجلآ قتل تسعة وتسعين رجلآ ثم سال عن اعلم أهل الأرض فدل علية فسألة هل من ~~توبة فقال أبعد تسعة وتسعين تكون لك توبة فقتلة فكمل بة مائة ثم مكث ما شاء ~~الله ثم سال عن اعلم أهل الأرض فدل علية فسالة هل لى من توبة قال ومن يحول ~~بينك وبين التوبة ولكن ائت قرية كذا فان فيها قوما صالحين فاعبد الله معهم ~~فادركه الموت في الطريق فاختصمت فية ملائكة الرحمة وملآئكة العذاب فبعث ~~الله ملكا يحكم بينهم فامر ان يقاس فإلى أي القريتين كان اقرب الحق بة ~~فوجدوة أقرب إلى القرية الصالحة فغفر الله لة # ( والحق الثانى ( حق الآدميين فعلى القاتل ان يعطى اولياء المقتول حقهم ~~فيمكنهم من القصاص أو يصالحهم بمال أو يطلب منهم العفو فاذا فعل ذلك فقد ~~أدى ما عليه من حقهم وذلك من تمام التوبة PageV34P172 وهل يبقى للمقتول ~~عليه حق يطالبه به يوم القيامة على قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره ومن ~~قال يبقى له فانه يستكثر القاتل من الحسنات حتى يعطى المقتول من حسناته ~~بقدر حقه ويبقى له ما يبقى فاذا استكثر القاتل التائب من الحسنات رجيت له ~~رحمة الله وأنجاه من النار ( ولا يقنط من رحمة الله الا القوم الفاسقون ) ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجلين اختلفا في قتل النفس عمدا فقال أحدهما ان ~~هذا ذنب لا يغفر وقال الآخر اذا تاب تاب الله عليه ### ||||| فأجاب # أما حق المظلوم فانه لا يسقط باستغفار الظالم القاتل لافى قتل ~~النفس ولا في سائر مظالم العباد فان حق المظلوم لا يسقط بمجرد الاستغفار ~~لكن تقبل توبة القاتل وغيره ms9543 من الظلمة فيغفر الله له بالتوبة الحق الذى له ~~وأما حقوق المظلومين فان الله يوفيهم إياها أما من حسنات الظالم واما من ~~عنده والله أعلم PageV34P173 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عمن أتهموه النصارى في قتل نصارى ولم يظهر عليه ~~فأحضروه إلى النائب بالكرك والزموه أن يعاقبه فعوقب حتى مات ولم يقر بشيء ~~فما يلزم النصارى الذين التزموا بدمه ### ||||| فأجاب # يجب عليهم ضمان الذى التزموا دمه إن مات تحت العقوبة بل يعاقبون ~~كما عوقب أيضا كما روى أبو داود في السنن عن النعمان بن بشير قضى نحو ذلك ~~والله اعلم PageV34P174 ### | 1 ( كتاب الحدود ) # ( قال شيخ الاسلام قدس الله روحه ### || (فصل # ( خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا كقوله @QB@ والسارق ~~والسارقة فاقطعوا @QE@ وقوله @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا @QE@ وقوله @QB@ ~~والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم @QE@ وكذلك قوله ~~@QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا @QE@ لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لابد أن ~~يكون قادرا عليه والعاجزون لا يجب عليهم وقد علم أن هذا فرض على الكفاية ~~وهو مثل الجهاد بل هو نوع من الجهاد فقوله @QB@ كتب عليكم القتال @QE@ ~~وقوله @QB@ وقاتلوا في سبيل الله @QE@ وقوله @QB@ إلا تنفروا يعذبكم @QE@ ~~ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين و ( القدرة هي السلطان فلهذا وجب ~~اقامة الحدود على ذى السلطان ونوابه # والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه فاذا فرض ان الامة ~~خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك PageV34P175 فكان ~~لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق ولهذا ~~قال العلماء إن أهل البغى ينفذ من احكامهم ما ينفذ من احكام أهل العدل ~~وكذلك لو شاركوا الامارة وصاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل ~~طاعتهم فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم وكذلك لو لم يتفرقوا لكن طاعتهم ~~للأمير الكبير ليست طاعة تامة فإن ذلك أيضا إذا اسقط عنه إلزامهم بذلك لم ~~يسقط عنهم القيام بذلك بل عليهم أن يقيموا ذلك وكذلك لو فرض عجز بعض ms9544 ~~الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك لكان ذلك الفرض على القادر ~~عليه # وقول من قال لا يقيم الحدود الا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين ~~بالعدل كما يقول الفقهاء الأمر إلى الحاكم إنما هو العادل القادر فاذا كان ~~مضيعا لأموال اليتامى أو عاجزا عنها لم يجب تسليمها إليه مع امكان حفظها ~~بدونه وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها ~~إليه مع إمكان إقامتها بدونه # والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه فمتى أمكن إقامتها من أمير ~~لم يحتج إلى اثنين ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت اذا لم يكن في ~~إقامتها فساد يزيد على إضاعتها فانها من ( باب الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر ) فان كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها ~~لم يدفع فساد بأفسد منه والله اعلم PageV34P176 ### ||| 2 باب حد الزنى 2 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه ( # عمن زنا بأخته ماذا يجب عليه ### ||||| فاجاب # وأما من زنا باخته مع علمه بتحريم ذلك وجب قتله والحجة في ذلك ما رواه ~~البراء بن عازب قال مر بى خالى أبو بردة ومعه راية فقلت أين تذهب يا خالى ~~قال ( بعثنى رسول الله إلى رجل تزوج بامرأة أبيه فأمرنى أن أضرب عنقه وأخمس ~~ماله ) والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن امرأة مزوجة بزوج كامل ولها أولاد فتعلقت بشخص من ~~الأطراف اقامت معه على الفجور فلما ظهر أمرها سعت في مفارقة الزوج فهل بقى ~~لها حق على أولادها بعد هذا الفعل وهل عليهم إثم في قطعها وهل يجوز لمن ~~تحقق ذلك منها قتلها سرا وان فعل ذلك غيره يأثم ~~PageV34P177 ### ||||| فاجاب # الحمد لله الواجب على أولادها وعصبتها ان يمنعوها من المحرمات فان لم تمتنع ~~الا بالحبس حبسوها وإن احتاجت إلى القيد قيدوها وما ينبغى للولد أن يضرب ~~أمه وأما برها فليس لهم أن يمنعوها برها ولا يجوز لهم مقاطعتها بحيث تتمكن ~~بذلك من السوء بل يمنعوها بحسب ms9545 قدرتهم وان احتاجت إلى رزق وكسوة رزقوها ~~وكسوها ولا يجوز لهم اقامة الحد عليها بقتل ولا غيره وعليهم الاثم في ذلك ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن بلد فيها جوار سائبات يزنون مع النصارى ~~والمسلمين ### ||||| فأجاب # على سيد الأمة إذا زنت أن يقيم عليها الحد كما في الصحيحين عن ~~النبى أنه قال ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثم إن زنت فليجلدها ثم إن زنت ~~فليجلدها ثم إن زنت في الرابعة فليبعها ولو بظفير ) والظفير الحبل فان لم ~~يفعل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عاصيا لله ورسوله وكان ~~اصراره على المعصية قادحا في عدالته فاما إذا كان هو يرسلها لتبغى وتنفق ~~على نفسها من مهر البغاء أو يأخذ هو شيئا من ذلك فهذا ممن لعنه الله ورسوله ~~وهو فاسق خبيث آذن في الكبيرة وآخذ مهر البغى ولم ينهها عن الفاحشة ومثل ~~هذا لا يجوز أن يكون معدلا بل لا يجوز اقراره بين المسلمين بل يستحق ~~العقوبة PageV34P178 الغليظة حتى يصون إماءه وأقل العقوبة أن يهجر فلا يسلم ~~عليه ولا يصلى خلفه إذا امكنت الصلاة خلف غيره ولا يستشهد ولا يولى ولاية ~~أصلا ومن استحل ذلك فهو كافر مرتد يستتاب فان تاب وإلا قتل وكان مرتدا لا ~~ترثه ورثته المسلمون وإن كان جاهلا بالتحريم عرف ذلك حتى تقوم عليه الحجة ~~فان هذا من المحرمات المجمع عليها ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عمن حلف لولده أنه إن فعل منكرا يقيم عليه الحد ~~فاقر لوالده فضربه مائة جلدة وبقى تغريب عام فهل يجوز في تغريب العام كفارة ~~أم لا ### ||||| فأجاب # انه إذا غربه في الحبس ولو في دار الأب برفى يمينه وإن كان مطلقا ~~غير مقيد في موضع معين فانه لا يجب القيد ولا جعله في مكان مظلم والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عمن وجب عليه حد الزنى فتاب قبل أن يحد فهل يسقط عنه الحد ~~بالتوبة PageV34P179 ### ||||| فأجاب # إن تاب من الزنى والسرقة أو شرب الخمر قبل أن يرفع إلى الامام ~~فالصحيح ان الحد ms9546 يسقط عنه كما يسقط عن المحاربين بالاجماع إذا تابوا قبل ~~القدرة ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل أذنب ذنبا يجب عليه حد من الحدود مثل جلد أو ~~حصب ثم تاب من ذلك الذنب وأقلع واستغفر ونوى أن لا يعود فهل يجزئه ذلك أو ~~يحتاج مع ذلك إلى أن يأتى إلى ولى الأمر ويعرفه بذنبه ليقيم عليه الحد أم ~~لا وهل ستره على نفسه وتوبته أفضل أم لا ### ||||| فأجاب # إذا تاب توبة صحيحة تاب الله عليه من غيرحاجة إلى أن يقر بذنبه حتى ~~يقام عليه الحد وفى الحديث ( من ابتلى بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر ~~الله فانه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ) وفى الآثر أيضا ( من أذنب ~~سرا فليتب سرا ومن أذنب علانية فليتب علانية ) وقد قال تعالى @QB@ والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم @QE@ الآية ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن إثم المعصية وحد الزنى هل تزاد في الأيام المباركة ~~أم لا ### ||||| فأجاب # نعم المعاصى في الأيام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ وعقابها بقدر ~~فضيلة الزمان والمكان PageV34P180 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن امرأة قوادة تجمع الرجال والنساء وقد ضربت ~~وحبست ثم عادت تفعل ذلك وقد لحق الجيران الضرر بها فهل لولى الأمر نقلها من ~~بينهم أم لا ### ||||| فأجاب # نعم لولى الأمر كصاحب الشرطة أن يصرف ضررها بما يراه مصلحة إما ~~بحبسها واما بنقلها عن الحرائر وإما بغير ذلك مما يرى فيه المصلحة وقد كان ~~عمربن الخطاب يأمر العزاب أن لا تسكن بين المتأهلين وأن لا يسكن المتأهل ~~بين العزاب وهكذا فعل المهاجرون لما قدموا المدينة على عهد النبى ونفوا ~~شابا خافوا الفتنة به من المدينة إلى البصرة وثبت في الصحيحين أن النبى ( ~~نفى المخنثين ) و ( أمر بنفيهم من البيوت ) خشية أن يفسدوا النساء فالقوادة ~~شر من هؤلاء والله يعذبها مع أصحابها ### |||| ( وسئل ( # عن ( الفاعل والمفعول به ) بعد اداركهما ما يجب عليهما وما ~~يطهرهما وما ينويان عند الطهارة PageV34P181 ### ||||| فأجاب # أما الفاعل والمفعول به فيجب قتلهما رجما بالحجارة ms9547 سواء كانا ~~محصنين أو غير محصنين لما في السنن عن النبى أنه قال ( من وجدتموه يعمل عمل ~~قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) ولأن أصحاب النبى اتفقوا على قتلهما ~~وعليهما الاغتسال من الجنابة وترتفع الجنابة من الاغتسال لكن لا يطهران من ~~نجاسة الذنب الا بالتوبة وهذا معنى ما روى ( أنهما لو اغتسلا بالماء ينويان ~~رفع الجنابة واستباحة الصلاة ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن قوله في ( التهذيب ) من أتى بهيمة فاقتلوا المفعول ~~واقتلوا الفاعل بها فهل يجب ذلك أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذا فيه حديث رواه أبو داود في السنن وهو قوله ( من أتى ~~بهيمة فاقتلوه واقتلوها ) وهو أحد قولى العلماء كأحد القولين في مذهب أحمد ~~ومذهب الشافعى PageV34P182 ### ||| 2 باب حد القذف 2 ### |||| ( وسئل شيخ الاسلام رحمه الله ( # عمن قذف رجلا لأنه ينظر إلى حريم الناس ~~وهو كاذب عليه فما يجب على القاذف ### ||||| الجواب # إذا كان الأمر على ما ذكر فانه يعزر على افترائه على هذا الشخص ~~بما يزجره وأمثاله إذا طلب المقذوف ذلك ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل تزوج امرأة من اهل الخير ولة مطلقة وشرط ان ~~رد مطلقته كان الصداق حالا ثم إنة رد المطلقة وقذف هو ومطلقتة عرض الزوجة ~~ورموها بالزنى بانها كانت حاملآ من الزنى وطلقها بعد دخولة بها فما الذى ~~يجب عليهما وهل يقبل قولهما وهل يسقط الصداق أم لا PageV34P183 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين أما مطلقتة فتحد على قذفها ثمانين جلدة إذا ~~طلبت ذلك المرأة المقذوفة ولا تقبل لها شهادة ابدا لآنها فاسقة وكذلك الرجل ~~علية ثمانون جلدة إذا طلبت المرأة ذلك ولا تقبل لة شهادة أبدا وهو فاسق إذا ~~لم يتب # وهل له إسقاط الحد باللعان فيه للفقهاء ( ثلاثة أقوال ) في مذهب أحمد ~~وغيره قيل يلاعن وقيل لا يلاعن وقيل إن كان ثم ولد يريد نفيه لاعن وإلا فلا ~~وصداقها باق عليه لا يسقط باللعان كما سن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهذا كله باتفاق الأئمة إلا ما ذكرناه من جواز ms9548 اللعان ففيه الأقوال الثلاثة ~~( أحدها ) لا يلاعن بل يحد حد القذف وتسقط شهادته وهذا مذهب أحمد في أشهر ~~الروايات عنه وأحد الوجهين في مذهب الشافعى و ( الثانى ) يلاعن وهو مذهب ~~ابى حنيفة وأحمد في رواية عنه و ( الثالث ) إن كان هناك حمل لاعن لنفيه ~~وإلا فلا وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعى ورواية عن أحمد والله أعلم ### |||| ( وسئل ( # عن رجل قال لرجل أنت فاسق شارب الخمر ومنعه من أجرة ملكه الذى ~~يملك انتفاعه شرعا PageV34P184 ### ||||| فأجاب # إذا كان المقذوف محصنا وجب على القاذف حد القذف إذا طلبه المقذوف ~~وأما شتمه بغير ذلك إذا كان كاذبا فعليه أن يعزر على ذلك وأما ضربه وحبسه ~~إذا كان ظالما فانه يفعل به كما فعل وما عطله عليه من المنفعة ضمنه ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل قذف رجلا وقال له أنت علق ولد زنا فما ~~الذى يجب عليه ### ||||| فأجاب # إذا قذفه بالزنى أو اللواط كقوله أنت علق وكان ذلك ~~الرجل حرا مسلما لم يشتهر عنه ذلك فعليه حد القذف إذا طلبه المقذوف وهو ~~ثمانون جلدة إن كان القاذف حرا وأربعون إن كان رقيقا عند الأئمة الأربعة ~~PageV34P185 ### ||| 2 باب حد المسكر 2 # ( قال شيخ الاسلام رضى الله عنه ( أما ( الأشربة المسكرة ) فمذهب جمهور ~~علماء المسلمين من الصحابة والتابعين لهم باحسان وسائر العلماء أن كل مسكر ~~خمر وكل خمر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام وهذا مذهب مالك وأصحابه ~~والشافعى وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه وهو أحد القولين في مذهب أبى حنيفة ~~وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة واختيار طائفة من المشايخ مثل أبى ~~الليث السمر قندى وغيره وهذا قول الأوزاعى وأصحابه والليث بن سعد وأصحابه ~~وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن على وأصحابه وأبى ثور وأصحابه وبن جرير ~~الطبرى وأصحابه وغير هؤلاء من علماء المسلمين وأئمة الدين # وذهب طائفة من العلماء من أهل الكوفة كالنخعى والشعبى وأبى حنيفة وشريك ~~وغيرهم إلى أن ما أسكر من غير الشجرتين النخل والعنب كنبيذ الحنطة والشعير ~~والذرة ms9549 والعسل ولبن الخيل وغير ذلك فانما يحرم PageV34P186 منه القدر الذى ~~يسكر وأما القليل الذى لا يسكر فلا يحرم وأما عصير العنب الذى إذا غلا ~~واشتد وقذف بالزبد فهو خمر يحرم قليله وكثيره باجماع المسلمين # وأصحاب ( القول الثانى ) قالوا لا يسمى خمرا إلا ما كان من العنب وقالوا ~~إن نبيذ التمر والزبيب إذا كان نيا مسكرا حرم قليله وكثيره ولا يسمى خمرا ~~فان طبخ أدنى طبخ حل وأما عصير العنب إذا طبخ وهو مسكر لم يحل إلا أن يذهب ~~ثلثاه ويبقى ثلثه فاما بعد أن يصير خمرا فلا يحل وإن طبخ اذا كان مسكرا بلا ~~نزاع و ( القول الأول ( الذى عليه جمهور علماء المسلمين هو الصحيح الذى يدل ~~عليه الكتاب والسنة والاعتبار فان الله تعالى قال في كتابه @QB@ إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما ~~يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون @QE@ واسم ( الخمر ) في لغة العرب ~~الذين خوطبوا بالقرآن كان يتناول المسكر من التمر وغيره ولا يختص بالمسكر ~~من العنب فانه قد ثبت بالنقول الصحيحة ان الخمر لما حرمت بالمدينة النبوية ~~وكان تحريمها بعد غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة لم يكن من عصير ~~العنب شيء فان المدينة ليس PageV34P187 فيها شجر عنب وإنما كانت خمرهم من ~~التمر فلما حرمها الله عليهم أراقوها بأمر النبى بل وكسروا أوعيتها وشقوا ~~ظروفها وكانوا يسمونها ( خمرا ) فعلم أن اسم ( الخمر ) في كتاب الله عام لا ~~يختص بعصير العنب # فروى البخارى في صحيحه عن بن عمر رضى الله عنهما قال نزل تحريم الخمر وإن ~~بالمدينة يومئذ لخمسة اشربة ما منها شراب العنب وفى الصحيحين عن أنس رضى ~~الله عنه قال ان الخمر حرمت يومئذ من البسر والتمر وفى لفظ لمسلم لقد انزل ~~الله هذه الاية التى حرم فيها الخمر وما بالمدينة شراب الامن تمر وبسر وفى ~~لفظ للبخارى وحرمت علينا حين حرمت وما نجد خمر الأعناب ms9550 إلا قليلا وعامة ~~خمرنا البسر والتمر وفى الصحيحين عن أنس رضى الله عنه قال كنت أسقى أبا ~~عبيدة وأبى بن كعب من فريخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال ~~أبو طلحة يا أنس قم إلى هذه الجرار فاهرقها فاهرقتها # وقد ثبت عن النبى وأصحابه رضى الله عنهم أن الخمر يكون من الحنطة والشعير ~~كما يكون من العنب ففى الصحيحين عن بن عمر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما ~~قال على منبر النبى أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهى من خمسة من ~~العنب والتمر PageV34P188 والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل ~~وروى أهل السنن أبو داود والترمذى وبن ماجه عن النعمان بن بشير قال قال ~~رسول الله ( إن من الحنطة خمرا ومن الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا ومن التمر ~~خمرا ومن العسل خمرا ) زاد أبو داود # ( وأنا أنهى عن كل مسكر ) وقد استفاضت الأحاديث عن النبى بأن كل مسكر خمر ~~وهو حرام كما في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت سئل رسول الله عن ~~البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال ( كل شراب أسكر فهو حرام ~~) وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله ~~أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد قال ~~فكان رسول الله قد أعطى جوامع الكلم بخواتيمه فقال ( كل مسكر حرام ) وفى ~~صحيح مسلم عن جابر أن رجلا ( من حبشان ) وحبشان من اليمن سأل النبى صلى ~~الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأراضيهم من الذرة يقال له ( المزر ) فقال ~~( أمسكر هو ) قال نعم قال ( كل مسكر حرام إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر ~~أن يسقيه من طينة الخبال ) قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال قال ( عرق ~~أهل النار أو عصارة أهل النار ) وفى صحيح مسلم وغيره عن بن عمر رضى الله ~~عنهما أن النبى قال ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ) وفى رواية ms9551 له ( كل مسكر ~~خمر وكل خمر PageV34P189 حرام ) وعن بن عمر عن النبى قال ( ما أسكر كثيره ~~فقليله حرام ) رواه بن ماجه والدار قطنى وصححه وقد روى أهل السنن مثله من ~~حديث جابر ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والأحاديث كثيرة صحيحة في ~~هذا الباب # ولكن عذر من خالفها من أهل العلم أنها لم تبلغهم وسمعوا أن من الصحابة من ~~شرب النبيذ وبلغتهم في ذلك أثار فظنوا أن الذى شربوه كان مسكرا وإنما كان ~~الذى تنازع فيه الصحابة هو ما نبذ في الأوعية الصلبة فان النبى ( نهى عن ~~الانتباذ في الدباء ) وهو القرع وفى ( الحنتم ) وهو ما يصنع من التراب من ~~الفخار ( ونهى عن النقير ) وهو الخشب الذى ينقر ( ونهى عن المزفت ) وهو ~~الظرف المزفت ( وأمرهم أن ينتبذوا في الظروف الموكاة ) وهو أن ينقع التمر ~~أو الزبيب في الماء حتى يحلو فيشرب حلوا قبل أن يشتد فهذا حلال باتفاق ~~المسلمين ونهاهم أن ينتبذوا هذا النبيذ الحلال في تلك الأوعية لأن الشدة ~~تدب في الشراب شيئا فشيئا فيشربه المسلم وهو لا يدرى أنه قد اشتد فيكون قد ~~شرب محرما وأمرهم أن ينتبذوا في الظرف الذى يربطون فمه لأنه إن اشتد الشراب ~~انشق الظرف فلا يشربون مسكرا # والنهى عن ( نبيذ الأوعية القوية ) فيه أحاديث كثيرة مستفيضة ثم روى عنه ~~إباحة ذلك كما في صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب قال قال PageV34P190 رسول ~~الله ( كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن ~~لا تشربوا مسكرا ) وفى رواية ( نهيتكم عن الظروف وإن ظرفا لا يحل شيئا ولا ~~يحرمه وكل مسكر حرام ) فمن الصحابة والتابعين من لم يثبت عنده النسخ فأخذ ~~بالأحاديث الأول ومنهم من اعتقد صحة النسخ فأباح الانتباذ في كل وعاء وهذا ~~مذهب أبى حنيفة والشافعى والنهى عن بعض الأوعية قول مالك وعن أحمد روايتان # فلما سمع طائفة من علماء الكوفة أن من السلف من شرب النبيذ ظنوا أنهم ~~شربوا المسكر فقال طائفة منهم كالشافعى ms9552 والنخعى وأبى حنيفة وشريك وبن أبى ~~ليلى وغيرهم يحل ذلك كما تقدم وهم في ذلك مجتهدون قاصدون للحق وقد قال ~~النبى ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ~~) # وأما سائر العلماء فقالوا بتلك الأحاديث الصحيحة وهذا هو الثابت عن ~~الصحابة وعليه دل القياس الجلى فان الله تعالى قال ( إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون ) فان المفسدة التى لأجلها حرم الله سبحانه وتعالى ~~الخمر هي أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء وهذا أمر ~~تشترك فيه جميع المسكرات لا فرق في ذلك بين مسكر ومسكر PageV34P191 والله ~~سبحانه وتعالى حرم القليل لأنه يدعو إلى الكثير وهذا موجود في جميع ~~المسكرات ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن ( الخمر والميسر هل ( فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس ) وما هي المنافع ### ||||| فأجاب # هذه الآية أول ما نزلت في الخمر فانهم سألوا عنها النبى صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية ولم يحرمها فأخبرهم أن فيها ( إثما ) وهو ~~ما يحصل بها من ترك المأمور وفعل المحظور وفيها ( منفعة ) وهو ما يحصل من ~~اللذة ومنفعة البدن والتجارة فيها فكان من الناس من لم يشربها ومنهم من شرب ~~ثم بعد هذا شرب قوم الخمر فقاموا يصلون وهم سكارى فخلطوا في القراءة فأنزل ~~الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون ) فنهاهم عن شربها قرب الصلاة فكان منهم من تركها ثم بعد ذلك ~~أنزل الله تعالى ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) فحرمها الله في هذه الآية من وجوه متعددة ~~فقالوا انتهينا انتهينا ومضى حينئذ أمر النبى باراقتها فكسرت الدنان ~~والظروف ولعن عاصرها ومعتصرها وشاربها وآكل ثمنها PageV34P192 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # هل يجوز شرب قليل ما أسكر كثيره من غير خمر ~~العنب كالصرماء والقمز والمزر أولا يحرم إلا القدح الأخير ### ||||| فأجاب # الحمد لله قد ثبت ms9553 في الصحيحين عن أبى موسى قال قلت يا رسول الله ~~افتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن ( البتع ) وهو العسل ينبذ حتى يشتد و ( ~~المزر ) وهو من الذرة ينبذ حتى يشتد قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد أعطى جوامع الكلم فقال ( كل مسكر حرام ) وعن عائشة قالت سالت رسول الله ~~عن ( البتع ) وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال ( كل شراب أسكر ~~فهو حرام ) وفى صحيح مسلم عن جابر أن رجلا من اليمن سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له ( المزر ) فقال ( أمسكر ~~هو ) قال نعم فقال ( كل مسكر حرام ان على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن ~~يسقيه من طينة الخبال ) قالوا يارسول الله وما طينة الخبال قال ( عرق أهل ~~النار أو عصارة أهل النار PageV34P193 # ففى هذه الأحاديث الصحيحة أن النبى سئل عن أشربة من غير العنب كالمزر ~~وغيره فاجابهم بكلمة جامعة وقاعدة عامة ( ان كل مسكر حرام ) وهذا يبين أنه ~~أراد كل شراب كان جنسه مسكرا حرام سواء سكر منه أو لم يسكر كما في خمر ~~العنب ولو أراد بالمسكر القدح الأخير فقط لم يكن الشراب كله حراما ولكان ~~بين لهم فيقول أشربوا منه ولا تسكروا ولأنه سألهم عن المزر ( أمسكر هو ) ~~فقالوا نعم فقال ( كل مسكر حرام ) فلما سألهم ( أمسكر هو ) انما أراد يسكر ~~كثيره كما يقال الخبز يشبع والماء يروى وانما يحصل الرى والشبع بالكثير منه ~~لا بالقليل كذلك المسكر إنما يحصل السكر بالكثير منه فلما قالوا له هو مسكر ~~قال ( كل مسكر حرام ) فبين انه أراد بالمسكر كما يراد بالمشبع والمروى ~~ونحوهما ولم يرد آخر قدح وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ) وفى لفظ ( كل مسكر حرام ) ~~ومن تأوله على القدح الأخير لا يقول إنه خمر والنبى جعل كل مسكر حراما # وفى السنن عن النعمان بن بشير قال قال ms9554 رسول الله ( ان من الحنطة خمرا ومن ~~الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا ومن العسل خمرا ) وفى الصحيح أن عمر بن الخطاب ~~قال على منبر النبى صلى الله عليه PageV34P194 وسلم أما بعد أيها الناس إنه ~~نزل تحريم الخمر وهى من خمسة اشياء من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ~~والخمر ماخامر العقل والأحاديث في هذا الباب كثيرة عن النبى تبين ان الخمر ~~التى حرمها اسم لكل مسكر سواء كان من العسل أو التمر أو الحنطة أو الشعير ~~أو لبن الخيل أو غير ذلك وفى السنن عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( كل مسكر حرام وما اسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام ) قال ~~الترمذى حديث حسن وقد روى أهل السنن عن النبى ( ما اسكر كثيره فقليله حرام ~~) من حديث جابر وبن عمر وعمر وبن شعيب عن أبيه عن جده وغيرهم وصححه الدار ~~قطنى وغيره وهذا الذى عليه جماهير أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ~~وأئمة الأمصار والآثار # ولكن بعض علماء المسلمين سمعوا ان النبى رخص في النبيذ وأن الصحابة كانوا ~~يشربون النبيذ فظنوا أنه المسكر وليس كذلك بل النبيذ الذى شربه النبى ~~والصحابة هو أنهم كانوا ينبذون التمر أو الزبيب أو نحو ذلك في الماء حتى ~~يحلو فيشربه أول يوم وثانى يوم وثالث يوم ولا يشربه بعد ثلاث لئلا تكون ~~الشدة قد بدت فيه واذا اشتد قبل ذلك لم يشرب وقد PageV34P195 روى أهل السنن ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ( ليشربن ناس من أمتى الخمر يسمونها ~~بغير اسمها ) وروى هذا عن النبى من أربعة أوجه وهذا يتناول من شرب هذه ~~الأشربة التى يسمونها الصرما وغير ذلك والأمر في ذلك واضح فان خمر العنب قد ~~أجمع المسلمون على تحريم قليلها وكثيرها ولا فرق في الحس ولا العقل بين خمر ~~العنب والتمر والزبيب والعسل فان هذا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهذا يصد ~~عن ذكر الله وعن الصلاة وهذا يوقع العداوة والبغضاء وهذا يوقع العداوة ~~والبغضاء # والله سبحانه ms9555 قد أمر بالعدل والاعتبار وهذا هو ( القياس الشرعى ) وهو ~~التسوية بين المتماثلين فلا يفرق الله ورسوله بين شراب مسكر وشراب مسكر ~~فيبيح قليل هذا ولا يبيح قليل هذا بل يسوى بينهما واذا كان قد حرم القليل ~~من احدهما حرم القليل منهما فان القليل يدعو إلى الكثير وأنه سبحانه أمر ~~باجتناب الخمر ولهذا يؤمر باراقتها ويحرم اقتناؤها وحكم بنجاستها وأمر بجلد ~~شاربها كل ذلك حسما لمادة الفساد فكيف يبيح القليل من الأشربة المسكرة ~~والله أعلم PageV34P196 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن نبيذ التمر والزبيب والمزر ( والسويفة ) ~~التى تعمل من الجزر والذى يعمل من العنب يسمى ( النصوح ) هل هو حلال وهل ~~يجوز استعمال شيء من هذا أم لا ### ||||| فاجاب # الحمد لله رب العالمين كل شراب مسكر ~~فهو خمر فهو حرام بسنة رسول الله المستفيضة عنه باتفاق الصحابة كما ثبت عنه ~~في الصحيح من حديث أبى موسى انه سئل عن شراب يصنع من الذرة يقال له ( المزر ~~) وشراب يصنع من العسل يقال له ( البتع ) وكان قد أوتى النبى جوامع الكلم ~~فقال ( كل مسكر حرام ) وفى الصحيحين عن عائشة عنه انه قال ( كل شراب أسكر ~~فهو حرام ) وفى الصحيح عن بن عمر عنه انه قال ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ~~) وفى لفظ الصحيح ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ) وفى السنن عنه انه قال ( ما ~~اسكر كثيره فقليله حرام ) وقد صحح ذلك غير واحد من الحفاظ # والله عز وجل حرم عصير العنب النيء اذا غلا واشتد وقذف بالزبد لما فيه من ~~الشدة المطربة التى تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء وكل ~~ما كانت فيه هذه الشدة المطربة فهو خمر من أى مادة كان من الحبوب والثمار ~~وغير ذلك وسواء كان نيئا أو مطبوخا PageV34P197 لكنه إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ~~وبقى ثلثه لم يبق مسكرا اللهم الا ان يضاف إليه أفاويه أو نوع آخر والأصل ~~في ذلك ( أن كل ما أسكر فهو حرام ) وهذا مذهب جماهير العلماء الأئمة كما ~~قال الشافعى وأحمد ms9556 وغيرهم وهذا المسكر يوجب الحد على شاربه وهو نجس عند ~~الأئمة # وكذلك ( الحشيشة ) المسكرة يجب فيها الحد وهى نجسة في أصح الوجوه وقد قيل ~~إنها طاهرة وقيل يفرق بين يابسها ومائعها والأول الصحيح لأنها تسكر ~~بالاستحالة كالخمر النيء بخلاف مالا يسكر بل يغيب العقل كالبنج أو يسكر بعد ~~الاستحالة كجوزة الطيب فان ذلك ليس بنجس ومن ظن أن الحشيشة لا تسكر وانما ~~تغيب العقل بلا لذة فلم يعرف حقيقة أمرها فانه لولا ما فيها من اللذة لم ~~يتناولوها ولا أكلوها بخلاف البنج ونحوه مما لا لذة فيه والشارع فرق في ~~المحرمات بين ما تشتهيه النفوس وما لا تشتهيه فما لا تشتهيه النفوس كالدم ~~والميتة اكتفى فيه بالزاجر الشرعى فجعل العقوبة فيه التعزيز واما ما تشتهيه ~~النفوس فجعل فيه مع الزاجر الشرعى زاجرا طبيعيا وهو الحد ( والحشيشة ) من ~~هذا الباب ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن ( النصوح ) هل هو حلال أم حرام وهم يقولون إن عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه كان يعمله ( وصورته ) أن يأخذ ثلاثين رطلا من ماء ~~عنب ويغلى حتى يبقى ثلثه فهل هذه صورته وقد نقل PageV34P198 من فعل بعض ذلك ~~أنه يسكر وهو اليوم جهارا في الاسكندرية ومصر ونقول لهم هو حرام فيقولون ~~كان على زمن عمر ولو كان حراما لنهى عنه ### ||||| فأجاب # الحمد لله قد ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبى في الصحاح والسنن ~~والمسانيد أنه حرم كل مسكر وجعله خمرا كما في صحيح مسلم عن بن عمر عن النبى ~~أنه قال ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ) وفى لفظ ( كل مسكر حرام ) وفى ~~الصحيحين عن عائشة عن النبى أنه قال ( كل شراب أسكر فهو حرام ) وفى ~~الصحيحين عن أبى موسى عن النبى أنه سئل عن شراب العسل يسمى ( المزر ) وكان ~~قد أوتى جوامع الكلم فقال ( كل مسكر حرام ) وفى الصحيحين عن عمر بن الخطاب ~~انه قال على المنبر منبر النبى ان الله حرم الخمر وهى من خمسة أشياء من ~~الحنطة والشعير والعنب والتمر والزبيب والخمر ما خامر العقل ms9557 وهو في السنن ~~مسند عن بن عمر عن النبى وروى عنه من غير وجه أنه قال ( ما أسكر كثيره ~~فقليله حرام ) وقد صححه طائفة من الحفاظ والأحاديث في ذلك كثيرة فذهب أهل ~~الحجاز واليمن ومصر والشام والبصرة وفقهاء الحديث كمالك والشافعى وأحمد بن ~~حنبل وغيرهم أن كل ما أسكر PageV34P199 كثيره فقليله حرام وهو خمر عندهم من ~~أى مادة كانت من الحبوب والثمار وغيرها سواء كان من العنب أو التمر أو ~~الحنطة أو الشعير أو لبن الخيل أو غير ذلك وسواء كان نيا أو مطبوخا وسواء ~~ذهب ثلثاه أو ثلثه أو نصفه أو غير ذلك فمتى كان كثيره مسكرا حرم قليله بلا ~~نزاع بينهم # ومع هذا فهم يقولون بما ثبت عن عمر فان عمر رضى الله عنه لما قدم الشام ~~وأراد أن يطبخ للمسلمين شرابا لا يسكر كثيره طبخ العصير حتى ذهب ثلثاه وبقى ~~ثلثه وصار مثل الرب فادخل فيه أصبعه فوجده غليظا فقال كأنه الطلا يعنى ~~الطلا الذى يطلى به الابل فسموا ذلك ( الطلا ) فهذا الذى أباحه عمر لم يكن ~~يسكر وذكر ذلك أبو بكر عبد العزيز بن جعفر صاحب الخلال انه مباح باجماع ~~المسلمين وهذا بناء على أنه لا يسكر ولم يقل أحد من الأئمة المذكورين إنه ~~يباح مع كونه مسكرا # ولكن نشأت ( شبهة ) من جهة أن هذا المطبوخ قد يسكر لأشياء إما لأن طبخه ~~لم يكن تاما فانهم ذكروا صفة طبخه أنه يغلى عليه أولا حتى يذهب وسخه ثم ~~يغلى عليه بعد ذلك حتى يذهب ثلثاه فاذا ذهب ثلثاه والوسخ فيه كان الذاهب ~~منه أقل من الثلثين لأن الوسخ يكون حينئذ من غير الذاهب وإما من جهة أنه قد ~~يضاف إلى المطبوخ من الأفاويه وغيرها PageV34P200 ما يقويه ويشده حتى يصير ~~مسكرا فيصير بذلك من باب الخليطين وقد استفاض عن النبى انه ( نهى عن ~~الخليطين ) لتقوية احدهما صاحبه كما نهى عن خليط التمر والزبيب وعن الرطب ~~والتمر ونحو ذلك # وللعلماء نزاع في ( الخليطين ) إذا لم يسكر كما تنازع العلماء ms9558 في نبيذ ~~الأوعية التى لا يشتد ما فيها بالغليان وكما تنازعوا في العصير والنبيذ بعد ~~ثلاث وأما اذا صار الخليطان من المسكر فانه حرام باتفاق هؤلاء الأئمة فالذى ~~أباحه عمر من المطبوخ كان صرفا فاذا خلطه بما قواه وذهب ثلثاه لم يكن ذلك ~~ما أباحه عمر وربما يكون لبعض البلاد طبيعة يسكر فيها ما ذهب ثلثاه فيحرم ~~اذا أسكر فإن مناط التحريم هو السكر باتفاق الأئمة ومن قال إن عمر أو غيره ~~من الصحابة أباح مسكرا فقد كذب عليهم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عمن قال إن خمر العنب والحشيشة يجوز بعضه اذا ~~لم يسكر في مذهب الامام أبى حنيفة فهل هو صادق في هذه الصورة أم كاذب في ~~نقله ومن استحل ذلك هل يكفر أم لا وذكر ان قليل المزر يجوز شربه فهل حكمه ~~حكم خمر العنب في مذهب الامام أبى حنيفة أم له حكم آخر كما ادعاه هذا الرجل ~~PageV34P201 ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما الخمر التى هي عصير العنب الذى اذا غلا واشتد وقذف ~~بالزبد فيحرم قليلها وكثيرها باتفاق المسلمين ومن نقل عن أبى حنيفة إباحة ~~قليل ذلك فقد كذب بل من استحل ذلك فانه يستتاب فان تاب والا قتل ولو استحل ~~شرب الخمر بنوع شبهة وقعت لبعض السلف أنه ظن أنها إنما تحرم على العامة ~~لاعلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات فاتفق الصحابة كعمر وعلى وغيرهما على أن ~~مستحل ذلك يستتاب فان أقر بالتحريم جلد وإن أصر على استحلالها قتل # بل وأبو حنيفة يحرم القليل والكثير من أشربة أخر وان لم يسمها خمرا كنبيذ ~~التمر والزبيب النيء فانه يحرم عنده قليله وكثيره اذا كان مسكرا وكذلك ~~المطبوخ من عصير العنب الذى لم يذهب ثلثاه فانه يحرم عنده قليله اذا كان ~~كثيره يسكر فهذه الأنواع الأربعة تحرم عنده قليلها وكثيرها وان لم يسكر ~~منها # وإنما وقعت ( الشبهة في سائر المسكر كالمزر الذى يصنع من القمح ونحوه ~~فالذى عليه جماهير ائمة المسلمين كما في الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى ان ~~أهل اليمن ms9559 قالوا يارسول الله إن عندنا شرابا يقال له ( البتع ) من العسل ~~وشرابا من الذرة يقال له ( المزر ) وكان النبى قد أوتى جوامع الكلم فقال ( ~~كل مسكر فهو حرام ) وفى الصحيحين PageV34P202 عن عائشة عنه أنه قال ( كل ~~شراب أسكر فهو حرام ) وفى الصحيح أيضا عن بن عمر ان النبى قال ( كل مسكر ~~خمر وكل مسكرحرام ) وفى السنن من غير وجه عنه أنه قال ( ما أسكر كثيره ~~فقليله حرام ) واستفاضت الأحاديث بذلك # فان الله لما حرم الخمر لم يكن لأهل مدينة النبى شراب يشربونه الا من ~~التمر فكانت تلك خمرهم وجاء عن النبى ( أنه كان يشرب النبيذ ) والمراد به ~~النبيذ الحلو وهو أن يوضع التمر أو الزبيب في الماء حتى يحلو ثم يشربه وكان ~~النبى قد نهاهم ان ينتبذوا في القرع والخشب والحجر والظرف المزفت لأنهم اذا ~~انتبذوا فيها دب السكر وهم لا يعلمون فيشرب الرجل مسكرا ونهاهم عن الخليطين ~~من التمر والزبيب جميعا لأن أحدهما يقوى الآخر ونهاهم عن شرب النبيذ بعد ~~ثلاث لأنه قد يصير فيه السكر والانسان لا يدرى كل ذلك مبالغة منه فمن اعتقد ~~من العلماء أن النبيذ الذى أرخص فيه يكون مسكرا يعنى من نبيذ العسل والقمح ~~ونحو ذلك فقال يباح أن يتناول منه ما لم يسكر فقد أخطأ # وأما جماهير العلماء فعرفوا أن الذى أباحه هو الذى لا يسكر وهذا القول هو ~~الصحيح في النص والقياس أما ( النص ) فالأحاديث الكثيرة فيه وأما ( القياس ~~) فلأن جميع الأشربة المسكرة متساوية في كونها تسكر PageV34P203 والمفسدة ~~الموجودة في هذا موجودة في هذا والله تعالى لا يفرق بين المتماثلين بل ~~التسوية بين هذا وهذا من العدل والقياس الجلى فتبين أن كل مسكر خمر حرام ~~والحشيشة المسكرة حرام ومن استحل السكر منها فقد كفر بل هي في أصح قولى ~~العلماء نجسة كالخمر فالخمر كالبول والحشيشة كالعذرة # وقال شيخ الاسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيمية ### ||| فصل # وأما ( الحشيشة ) الملعونة المسكرة فهي بمنزلة غيرها من المسكرات والمسكر ~~منها حرام باتفاق العلماء بل كل ما ms9560 يزيل العقل فانه يحرم أكله ولو لم يكن ~~مسكرا كالبنج فان المسكر يجب فيه الحد وغير المسكر يجب فيه التعزير # وأما قليل ( الحشيشة المسكرة ) فحرام عند جماهير العلماء كسائر القليل من ~~المسكرات وقول النبى ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ) يتناول ما يسكر ولافرق ~~بين ان يكون المسكر مأكولا أو مشروبا أو جامدا أو مائعا فلو اصطبغ كالخمر ~~كان حراما ولو أماع PageV34P204 الحشيشة وشربها كان حراما ونبينا صلى الله ~~عليه وسلم بعث بجوامع الكلم فاذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل ~~في لفظها ومعناها سواء كانت الاعيان موجودة في زمانة أو مكانة أو لم تكن # فلما قال ( كل مسكر حرام ) تناول ذلك ما كان بالمدينة من خمر التمر ~~وغيرها وكان يتناول ما كان بارض اليمن من خمر الحنطة والشعير والعسل وغير ~~ذلك ودخل في ذلك ما حدث بعده من خمر لبن الخيل الذى يتخذه الترك ونحوهم فلم ~~يفرق أحد من العلماء بين المسكر من لبن الخيل والمسكر من الحنطة والشعير ~~وان كان أحدهما موجودا في زمنه كان يعرفه والآخر لم يكن يعرفه إذ لم يكن ~~بأرض العرب من يتخذ خمرا من لبن الخيل # وهذه ( الحشيشة ) فإن أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر ~~المائة السادسة وأوائل السابعة حيث ظهرت دولة التتر وكان ظهورها مع ظهور ~~سيف ( جنكسخان ) لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلط ~~الله عليهم العدو وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات وهى شر من ~~الشراب المسكر من بعض الوجوه والمسكر شر منها من وجه آخر فانها مع أنها ~~تسكر آكلها حتى يبقى مصطولا تورث التخنيث والديوثة وتفسد المزاج فتجعل ~~الكبير كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل وتورث الجنون وكثير من الناس صار مجنونا ~~بسبب أكلها PageV34P205 # ومن الناس من يقول إنها تغير العقل فلا تسكر كالبنج وليس كذلك بل تورث ~~نشوة ولذة وطربا كالخمر وهذا هو الداعى إلى تناولها وقليلها يدعو إلى ~~كثيرها كالشراب المسكر والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها ms9561 أكثر من الخمر ~~فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر ولهذا قال الفقهاء انه يجب فيها الحد ~~كما يجب في الخمر # وتنازعوا في ( نجاستها ) على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد وغيره فقيل هي نجسه ~~وقيل ليست بنجسة وقيل رطبها نجس كالخمر ويابسها ليس بنجس والصحيح أن ~~النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة جامد الخمر ومائعها فمن سكر من ~~شراب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو ولا ( تصح ) ~~صلاته حتى يعلم ما يقول ولابد أن يغسل فمه ويديه وثيابه في هذا وهذا ~~والصلاة فرض عينية لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوما كما قال النبى ( ~~من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما فان تاب تاب الله عليه فان عاد ~~فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوما فان تاب تاب الله عليه فان عاد فشربها ~~كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل وما طينة الخبال قال عصارة ~~أهل النار أو عرق أهل النار ) # وأما قول القائل ان هذه ما فيها آية ولا حديث فهذا من جهله فان القرآن ~~والحديث فيهما كلمات جامعة هي قواعد عامة وقضايا كلية تتناول كلما ~~PageV34P206 دخل فيها وكلما دخل فيها فهو مذكور في القرآن والحديث باسمه ~~العام وإلا فلا يمكن ذكر كل شيء باسمه الخاص فان الله بعث محمدا إلى جميع ~~الخلق وقال @QB@ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا @QE@ وقال ~~@QB@ وما أرسلناك إلا كافة للناس @QE@ وقال تعالى @QB@ الذي نزل الفرقان ~~على عبده ليكون للعالمين نذيرا @QE@ وقال @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين @QE@ فاسم ( الناس ) و ( العالمين ) يدخل فيه العرب وغير العرب من ~~الفرس والروم والهند والبرر فلو قال قائل إن محمدا ما أرسل إلى الترك ~~والهند والبرر لأن الله لم يذكرهم في القرآن كان جاهلا كما لو قال ان الله ~~لم يرسله إلى بنى تميم وبنى أسد وغطفان وغير ذلك من قبائل العرب فان الله ~~لم يذكر هذه القبائل باسماءها الخاصة وكما لو قال ان ms9562 الله لم يرسله إلى أبى ~~جهل وعتبة وشيبة وغيرهم من قريش لأن الله لم يذكرهم باسماءهم الخاصة في ~~القرآن # وكذلك لما قال @QB@ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان @QE@ دخل في الميسر الذى لم تعرفه العرب ولم يعرفه النبى وكل ~~الميسر حرام باتفاق المسلمين وان لم يعرفه النبى كاللعب بالشطرنج وغيره ~~بالعوض فانه حرام باجماع المسلمين وهو ( الميسر ) الذى حرمه الله ولم يكن ~~على عهد النبى ( والنرد ) أيضا من ( الميسر ) الذى حرمه الله وليس في ~~القرآن ذكر النرد والشطرنج باسم PageV34P207 خاص بل لفظ الميسر يعمها ~~وجمهور العلماء على أن النرد والشطرنج محرمان بعوض وغير عوض # وكذلك قوله @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم @QE@ ~~إلى قوله @QB@ إذا حلفتم @QE@ وقوله @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ~~@QE@ تناول كل أيمان المسلمين التى كانوا يحلفون بها على عهد النبى والتى ~~صاروا يحلفون بها بعد فلو حلف بالفارسية والتركية والهندية والبربرية باسم ~~الله تعالى بتلك اللغة انعقدت يمينه ووجبت عليه الكفارة اذا حنث باتفاق ~~العلماء مع أن اليمين بهذه اللغات لم تكن من ايمان المسلمين على عهد رسول ~~الله وهذا بخلاف من حلف بالمخلوقات كالحلف بالكعبة والملائكة والمشايخ ~~والملوك وغير ذلك فان هذه ليست من ايمان المسلمين بل هي شرك كما قال ( من ~~حلف بغير الله فقد أشرك ) # وكذلك قال تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا @QE@ يعم كل ما يسمى ~~صعيدا ويعم كل ماء سواء كان من المياه الموجودة في زمن النبى أو مما حدث ~~بعده فلو استخرج قوم عيونا وكان فيها ماء متغير اللون والريح والطعم وأصل ~~الخلقة وجب الاغتسال به بلا نزاع نعرفه بين PageV34P208 العلماء وان لم تكن ~~تلك المياه معروفة عند المسلمين على عهد النبى كما قال تعالى @QB@ فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم @QE@ فدخل فيه كل مشرك من العرب وغير العرب كمشركى ~~الترك والهند والبربر وان لم يكن هؤلاء ممن قتلوا على عهد النبى # وكذلك قوله تعالى ms9563 @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ يدخل فيه جميع أهل الكتاب وان لم ~~يكونوا ممن قتلوا على عهد النبى فان الذين قتلوا على زمانه كانوا من نصارى ~~العرب والروم وقاتل اليهود قبل نزول هذه الآية وقد دخل فيها النصارى من ~~القبط والحبشة والجركس والأل واللاص والكرج وغيرهم فهذا وأمثاله نظير عموم ~~القرآن لكل ما دخل في لفظه ومعناه وان لم يكن باسمه الخاص # ولو قدر بان اللفظ لم يتناوله وكان في معنى ما في القرآن والسنة الحق به ~~بطريق الاعتبار والقياس ( كما ) دخل اليهود والنصارى والفرس ( في عموم ~~الآية ) و ( دخلت ) جميع المسكرات في معنى خمر العنب وأنه بعث محمدا ~~بالكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط PageV34P209 و ( الكتاب ) القرآن و ( ~~الميزان ) العدل والقياس الصحيح هو من العدل لأنه لا يفرق بين المتماثلين ~~بل سوى بينهما فاستوت السيئات في المعنى الموجب للتحريم لم يخص أحدها ~~بالتحريم دون الآخر بل من العدل أن يسوى بينهما ولو لم يسو بينهما كان ~~تناقضا وحكم الله ورسوله منزه عن التناقض ولو أن الطبيب حمى المريض عن شيء ~~لما فيه من الضرر وأباحه له لخرج عن قانون الطب والشرع طب القلوب والأنبياء ~~أطباء القلوب والأديان ولابد إذا أحل الشرع شيئا منه أن يخص هذا بما يفرق ~~به بينه وبين هذا حتى يكون ( فيه ) معنى خاص بما حرمه دون ما أحله والله ~~أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عمن يأكل الحشيشة ما يجب عليه ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر ~~والسكر منها حرام باتفاق المسلمين ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فانه يستتاب ~~فان تاب وإلا قتل مرتدا لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وأما إن ~~اعتقد ذلك قربة وقال هي لقيمة الذكر والفكر وتحرك العزم الساكن إلى أشرف ~~الأماكن وتنفع في PageV34P210 الطريق فهو أعظم وأكبر فان ms9564 هذا من جنس دين ~~النصارى الذين يتقربون بشرب الخمر ومن جنس من يعتقد الفواحش قربة وطاعة قال ~~الله تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ ومن ~~كان يستحل ذلك جاهلا وقد سمع بعض الفقهاء يقول % حرموها من غير عقل ونقل % ~~% وحرام تحريم غير الحرام % # فانه ما يعرف الله ورسوله وأنها محرمة والسكر منها حرام بالاجماع وإذا ~~عرف ذلك ولم يقر بتحريم ذلك فانه يكون كافرا مرتدا كما تقدم وكل ما يغيب ~~العقل فانه حرام وان لم تحصل به نشوة ولاطرب فان تغيب العقل حرام باجماع ~~المسلمين وأما تعاطى ( البنج ) الذى لم يسكر ولم يغيب العقل ففيه التعزير # وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة وإنما يتناولها الفجار لما ~~فيها من النشوة والطرب فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك والخمر توجب الحركة ~~والخصومة وهذه توجب الفتور والذلة وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل وفتح ~~باب الشهوة وما توجبه من الدياثة مما هي من شر الشراب المسكر وانما حدثت في ~~الناس بحدوث التتار PageV34P211 # وعلى تناول القليل منها والكثير حد الشرب ثمانون سوطا أو أربعون إذا كان ~~مسلما يعتقد تحريم المسكر ويغيب العقل # وتنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال ( أحدها ) انها ليست نجسة ( ~~والثانى ) ان مائعها نجس وان جامدها طاهر و ( الثالث ) وهو الصحيح أنها ~~نجسة كالخمر فهذه تشبه العذرة وذلك يشبه البول وكلاهما من الخبائث التى ~~حرمها ورسوله ومن ظهر منه أكل الحشيشة فهو بمنزلة من ظهر منه شرب الخمر وشر ~~منه من بعض الوجوه ويهجر ويعاقب على ذلك كما يعاقب هذا للوعيد الوارد في ~~الخمر مثل قوله ( لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها ~~وآكل ثمنها ) ومثل قوله ( من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما ~~فان تاب تاب الله عليه فان عاد وشربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما ~~فان تاب تاب الله عليه وإن عاد فشربها لم ms9565 يقبل الله له صلاة أربعين يوما ~~فان تاب تاب الله عليه وإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقا على ~~الله أن يسقيه من طينة الخبال وهى عصارة أهل النار ) وقد ثبت عنه في الصحيح ~~أنه قال ( كل مسكر حرام ) وسئل عن هذه الأشربة وكان قد أوتى جوامع الكلم ~~فقال صلى الله عليه وسلم ( كل مسكر حرام PageV34P212 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عما يجب على آكل الحشيشة ومن ادعى أن أكلها ~~جائز حلال مباح ### ||||| فأجاب أكل # هذه الحشيشة الصلبة حرام وهى من أخبث الخبائث المحرمة وسواء ~~أكل قليلا أو كثيرا لكن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين ومن استحل ~~ذلك فهو كافر يستتاب فان تاب وإلا قتل كافرا مرتدا لا يغسل ولا يصلى عليه ~~ولا يدفن بين المسلمين وحكم المرتد شر من حكم اليهودى والنصرانى سواء اعتقد ~~ان ذلك يحل للعامة أو للخاصة الذين يزعمون انها لقمة الفكر والذكر وانها ~~تحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن وانهم لذلك يستعملونها # وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر تباح للخاصة متأولا قوله تعالى @QB@ ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ~~وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا @QE@ فلما رفع أمرهم إلى ~~عمر بن الخطاب وتشاور الصحابة فيهم اتفق عمر وعلى وغيرهما من علماء الصحابة ~~رضى الله عنهم على أنهم ان اقروا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على الاستحلال ~~PageV34P213 قتلوا وهكذا حشيشة العشب من اعتقد تحريمها وتناولها فانه يجلد ~~الحد ثمانين سوطا أو أربعين هذا هو الصواب وقد توقف بعض الفقهاء في الجلد ~~لأنه ظن أنها مزيلة للعقل غير مسكرة كالبنج ونحوه مما يغطى العقل من غير ~~سكر فان جميع ذلك حرام باتفاق المسلمين إن كان مسكرا ففيه جلد الخمر وإن لم ~~يكن مسكرا ففيه التعزير بما دون ذلك ومن اعتقد حل ذلك كفر وقتل # والصحيح ان الحشيشة مسكرة كالشراب فان آكليها ينشون بها ويكثرون تناولها ~~بخلاف البنج وغيره فانه لا ينشى ولا يشتهى وقاعدة الشريعة ان ms9566 ما تشتهيه ~~النفوس من المحرمات كالخمر والزنا ففيه الحد ومالا تشتهيه كالميتة ففيه ~~التعزير ( والحشيشة ) مما يشتهيها آكلوها ويمتنعون عن تركها ونصوص التحريم ~~في الكتاب والسنة على من يتناولها كما يتناول غير ذلك وانما ظهر في الناس ~~أكلها قريبا من نحو ظهور التتار فانها خرجت وخرج معها سيف التتار ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن يأخذ شيئا من العنب ويضيف إليه أصنافا من العطر ~~ثم يغليه إلى أن ينقص الثلث ويشرب منه لأجل الدواء ومتى أكثر شربه أسكر ~~PageV34P214 ### ||||| فأجاب # الحمد لله متى كان كثيره يسكر فهو حرام وهو خمر ويحد صاحبه كما ثبت ~~في الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم وعليه جماهير السلف ~~والخلف كما في صحيح مسلم عن بن عمر عن النبى قال ( كل مسكر خمر وكل خمر ~~حرام ) وفى الصحيحين عن عائشة قالت سئل رسول الله عن ( البتع ) وهو نبيذ ~~العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال ( كل شراب أسكر فهو حرام ) وفى الصحيح ~~عن ابى موسى قال قلت يا رسول الله أفتنا في شراب كنا نصنعه في اليمن ( ~~البتع ) وهو من نبيذ العسل ينبذ حتى يشتد فقال ( كل مسكر حرام ) وفى صحيح ~~مسلم عن جابر أن رجلا من حبشان اليمن سأل رسول الله عن شراب يصنعونه بارضهم ~~يقال له ( المزر ) فقال ( أيسكر ) قال نعم فقال ( كل مسكر حرام ان على الله ~~عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال ) قالوا يا رسول الله وما ~~طينة الخبال قال ( عرق أهل النار أو عصارة أهل النار ) وقد روى عن النبى من ~~وجوه متعددة ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) وقد صحح ذلك غير واحد من الحفاظ ~~والأحاديث في ذلك متعددة # واذا طبخ العصير حتى يذهب ثلثه أو نصفه وهو يسكر فهو حرام عند الأئمة ~~الأربعة بل هو خمر عند مالك والشافعى وأحمد وأما إن ذهب ثلثاه وبقى ~~PageV34P215 ثلثه فهذا لا يسكر في العادة إلا إذا انضم إليه ما يقويه أو ~~لسبب آخر فمتى أسكر فهو حرام باجماع المسلمين وهو ( الطلاء ms9567 ) الذى أباحه ~~عمر بن الخطاب للمسلمين وأما إن أسكر بعد ما طبخ وذهب ثلثاه فهو حرام ايضا ~~عند مالك والشافعى وأحمد ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن المداومة على شرب الخمر وترك الصلاة وما ~~حكمه في الاصرار على ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما ( شارب الخمر ) فيجب باتفاق الأئمة أن يجلد الحد إذا ~~ثبت ذلك عليه وحده أربعون جلدة أو ثمانون جلدة فان جلده ثمانين جاز باتفاق ~~الأئمة وان اقتصر على الأربعين ففى الاجزاء نزاع مشهور فمذهب أبى حنيفة ~~ومالك وأحمد في احدى الروايتين أنه يجب الثمانون ومذهب الشافعى وأحمد في ~~الرواية الأخرى عنه أن الأربعين الثانية تعزير يرجع فيها إلى اجتهاد الامام ~~فان احتاج إلى ذلك لكثرة الشرب أو إصرار الشارب ونحو ذلك فعل وقد كان عمر ~~بن الخطاب يعزر باكثر من ذلك كما روى عنه أنه كان ينفى الشارب عن بلده ~~ويمثل به بحلق رأسه PageV34P216 وقد روى من وجوه عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شر بها فاجلدوه ثم إن شربها فاجلدوه ~~ثم إن شربها فاجلدوه ثم إن شربها في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه ) فأمر ~~بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة وأكثر العلماء لا يوجبون القتل بل ~~يجعلون هذا الحديث منسوخا وهو المشهور من مذاهب الأئمة وطائفة يقولون إذا ~~لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك كما في حديث آخر في السنن أنه نهاهم ~~عن أنواع من الأشربة قال ( فان لم يدعوا ذلك فاقتلوهم ) والحق ما تقدم وقد ~~ثبت في الصحيح أن رجلا كان يدعى حمارا وهو كان يشرب الخمر فكان كلما شرب ~~جلده النبى فلعنه رجل فقال لعنة الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقال ( لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله ) وهذا يقتضى أنه جلد ~~مع كثرة شربه # واما ( تارك الصلآة ( فانة يستحق العقوبة باتفاق ألائمة واكثرهم كمالك ~~والشافعى وأحمد يقولون إنة يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهل يقتل كافرا مرتدا ~~أو فاسقا كغيرة من ms9568 أصحاب الكبائر على قولين فاذا لم تمكن إقامة الحد على ~~مثل هذا فانة يعمل معة الممكن فيهجر ويوبخ حتى يفعل المفروض ويترك المحظور ~~ولا يكون ممن قال الله فية ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلآة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا ) مع أن اضاعتها تاخيرها عن وقتها فكيف بتاركها ~~PageV34P217 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن رجل عنده حجرة خلفها فلوة فهل يجوز الشرب من لبنها ~~أم لا ### ||||| فأجاب # يجوز الشرب من لبنها إذا لم يصر مسكرا ### |||| ( وسئل قدس الله روحه ( # عن رجل اعتاد أن يتناول كل ليلة قبل العصر شيئا ~~من المعاجين مدة سنين فسئل عن ذلك فقال أرى فيه اشياء من المنافع فهل يباح ~~ذلك له أم لا ### ||||| فأجاب # إن كان ذلك يغيب العقل لم يجز له اكله فان كل ما يغيب العقل يحرم ~~باتفاق المسلمين PageV34P218 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن قوله ( من شرب الخمر فاجلدوه فان عاد فاجلدوه فان ~~عاد فاقتلوه ) هل لهذا الحديث أصل ومن رواه ### ||||| فأجاب # نعم له أصل وهو مروى من وجوه متعددة وهو ثابت عند أهل الحديث لكن ~~أكثر العلماء يقولون هو منسوخ وتنازعوا في ناسخه على عدة أقاويل ومنهم من ~~يقول بل حكمه باق وقيل بل الوجوب منسوخ والجواز باق وقد رواه أحمد والترمذى ~~وغيرها ولا أعلم أحدا قدح فيه والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عمن هش الذرة فاخذ يغلى في قدره ثم ينزله ويعمل عليه ~~قمحا ويخليه إلى بكرة ويصفيه فيكون مما لا يسكر في ذلك اليوم ثم يخليه ~~يومين أو ثلاثة بعد ذلك فيبقى يسكر هل يجوز أن يشرب منه في أول يوم أم لا ~~PageV34P219 ### ||||| فأجاب # يجوز شربه ما لم يسكر إلى ثلاثة أيام فاما إذا أسكر فانه حرام بنص ~~رسول الله سواء أسكر بعد الثلاثة أو قبل الثلاثة ومتى أسكر حرم فانه ثبت ~~عنه في الصحيح أنه قال ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ) ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن ( الخمر ) إذا غلى على النار ونقص الثلث هل ~~يجوز استعماله أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ms9569 إذا صار مسكرا فانه حرام تجب اراقته ولا يحل بالطبخ وأما ~~إذا طبخ قبل أن يصير مسكرا حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه ولم يسكر فانه حلال عند ~~جماهير المسلمين وأما إن طبخ قبل أن يصير مسكرا حتى ذهب ثلثه أو نصفه فان ~~كان مسكرا فانه حرام في مذهب الأئمة الأربعة وان لم يكن مسكرا فانه يستعمل ~~ما لم يسكر إلى ثلاثة أيام PageV34P220 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن جماعة من المسلمين رجال كهول وشبان وهم حجاج ~~مواظبون على أداء ما افترض عليهم من صوم وصلاة وعبادة وفيهم كبير القدر ~~معروفون بالثقة والأمانة بين المسلمين في أقوالهم وأفعالهم ليس عليهم شيء ~~من ظواهر السوء والفسوق وقد اجتمعت عقولهم وأذهانهم ورأيهم على أكل ( ~~الغبيراء ) وكان قولهم واعتقادهم فيها أنها معصية وسيئة غير أنهم مع ذلك ~~يقولون في اعتقادهم بدليل كتاب الله سبحانه وتعالى وهو ( ان الحسنات يذهبن ~~السيئات ) وذكروا ايضا أنها حرام غير أن لهم وردا بالليل وتعبدات ويزعمون ~~أنها إذا حصلت نشوتها برءوسهم تأمرهم بتلك العبادة ولا تأمرهم بسوء ولا ~~فاحشة ونسبوا أنه ليس لها ضرر لأحد من خلق الله تعالى كالزنا وشرب الخمر ~~والسرقة وأنه لا يجب على من أكلها حد من الحدود إلا أنها تتعلق بمخالفة أمر ~~من أمور الله سبحانه وتعالى والله يغفر ما بين العبد وربه واجتمع بهم رجل ~~صادق القول وذكر عنهم ذلك ووافقهم على أكلها بحكمهم عليه وحديثهم له واعترف ~~على نفسه بذلك فهل يجب على آكلها حد شارب الخمر أم لا أفتونا PageV34P221 ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين نعم يجب على آكلها حد شارب الخمر وهؤلاء ~~القوم ضلال جهال عصاة لله ولرسوله وكفى برجل جهلا أن يعرف بأن هذا الفعل ~~محرم وأنه معصية لله ولرسوله ثم يقول إنه تطيب له العبادة وتصلح له حاله ~~ويح هذا القائل أيظن أن الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حرم ~~على الخلق ما ينفعهم ويصلح لهم حالهم نعم قد يكون في الشيء منفعة وفيه مضرة ~~أكثر من منفعته ms9570 فيحرمه الله سبحانه وتعالى لأن المضرة إذا كانت أكثر من ~~المنفعة بقيت الزيادة مضرة محضة وصار هذا الرجل كأنه قال لرجل خذ منى هذا ~~الدرهم واعطنى دينارا فجهله يقول له هو يعطيك درهما فخذه والعقل يقول إنما ~~يحصل الدرهم بفوات الدينار وهذا ضرر لا منفعة له بل جميع ما حرمه الله ~~ورسوله إن ثبت فيه منفعة ما فلابد أن يكون ضرره أكثر # فهذه ( الحشيشة الملعونة ) هي وآكلوها ومستحلوها الموجبة لسخط الله وسخط ~~رسوله وسخط عباده المؤمنين المعرضة صاحبها لعقوبة الله إذا كانت كما يقوله ~~الضالون من أنها تجمع الهمة وتدعو إلى العبادة فانها مشتملة على ضرر في دين ~~المرء وعقله وخلقه وطبعه أضعاف ما فيها من خير ولا خير فيها ولكن هي تحلل ~~الرطوبات فتتصاعد الأبخرة إلى الدماغ وتورث خيالات فاسدة فيهون على المرء ~~ما يفعله من عبادة ويشغله بتلك التخيلات عن إضرار الناس وهذه رشوة الشيطان ~~يرشو بها المبطلين ليطيعوه PageV34P222 فيها بمنزلة الفضة القليلة في ~~الدرهم المغشوش وكل منفعة تحصل بهذا السبب فانها تنقلب مضرة في المآل ولا ~~يبارك لصاحبها فيها وإنما هذا نظير السكران بالخمر فانها تطيش عقله حتى ~~يسخو بماله ويتشجع على أقرانه فيعتقد الغر أنها أورثته السخاء والشجاعة وهو ~~جاهل وإنما أورثته عدم العقل ومن لا عقل له لا يعرف قدر النفس والمال فيجود ~~بجهله لا عن عقل فيه # وكذلك هذه الحشيشة المسكرة إذا أضعفت العقل وفتحت باب الخيال تبقى العادة ~~فيها مثل العبادات في الدين الباطل دين النصارى فان الراهب تجده يجتهد في ~~أنواع العبادة لا يفعلها المسلم الحنيف فان دينه باطل والباطل خفيف ولهذا ~~تجود النفوس في السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال وحسن الخلق بمالا ~~تجود به في الحق وما هذا بالذى يبيح تلك المحارم أو يدعو المؤمن إلى فعله ~~لأن ذلك إنما كان لأن الطبع لما أخذ نصيبه من الحظ المحرم ولم يبال بما ~~بذله عوضا عن ذلك وليس في هذا منفعة في دين المرء ولا دنياه وإنما ذلك لذة ~~ساعة بمنزلة لذة ms9571 الزانى حال الفعل ولذة شفاء الغضب حال القتل ولذة الخمر ~~حال النشوة ثم إذا صحا من ذلك وجد عمله باطلا وذنوبه محيطة به وقد نقص عليه ~~عقله ودينه وخلقه # وأين هؤلاء الضلال مما تورثه هذه الملعونة من قلة الغيرة وزوال الحمية ~~PageV34P223 حتى يصير آكلها إما ديوثا وأما مأبونا وأما كلاهما وتفسد ~~الأمزجة حتى جعلت خلقا كثيرا مجانين وتجعل الكبد بمنزلة السفنج ومن لم يجن ~~منهم فقد أعطته نقص العقل ولو صحا منها فانه لابد أن يكون في عقله خبل ثم ~~إن كثيرها يسكر حتى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهى وإن كانت لا توجب قوة ~~نفس صاحبها حتى يضارب ويشاتم فكفى بالرجل شرا أنها تصده عن ذكر الله وعن ~~الصلاة إذا سكر منها وقليلها وإن لم يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر ثم إنها ~~تورث من مهانة آكلها ودناءة نفسه وانفتاح شهوته مالا يورثه الخمر ففيها من ~~المفاسد ما ليس في الخمر وإن كان في الخمر مفسدة ليست فيها وهى الحدة فهي ~~بالتحريم أولى من الخمر لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر ~~وضرر شارب الخمر على الناس أشد إلا أنه في هذه الأزمان لكثرة أكل الحشيشة ~~صار الضرر الذى منها على الناس أعظم من الخمر وإنما حرم الله المحارم لأنها ~~تضر أصحابها وإلا فلو ضرت الناس ولم تضره لم يحرمها إذ الحاسد يضره حال ~~المحسود ولم يحرم الله اكتساب المعالى لدفع تضرر الحاسد هذا وقد قال رسول ~~الله ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ) وهذه مسكرة ولو لم يشملها لفظ بعينها ~~لكان فيها من المفاسد ما حرمت الخمر لأجلها مع إن فيها مفاسد أخر غير مفاسد ~~الخمر توجب تحريمها والله أعلم PageV34P224 ### ||| 2 باب التعزير 2 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام أبو العباس ( # عن رجل من امراء المسلمين له مماليك ~~وعنده غلمان فهل له أن يقيم على أحدهم حدا اذا ارتكبه وهل له أن يأمرهم ~~بواجب اذا تركوه كالصلوات الخمس ونحوها وما صفة السوط الذى يعاقبهم به ### ||||| فأجاب # الحمد ms9572 لله الذى يجب عليه أن يأمرهم كلهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر والبغى وأقل ما يفعل أنه إذا استأجر أجيرا منهم يشترط عليه ذلك كما ~~يشترط عليه ما يشترطه من الأعمال ومتى خرج واحد منهم عن ذلك طرده # وإذا كان قادرا على عقوبتهم بحيث يقره السلطان على ذلك في العرف الذى ~~اعتاده الناس وغيره لا يعاقبهم على ذلك لكونهم تحت حمايته ونحو ذلك فينبغى ~~له أن يعزرهم على ذلك اذا لم يؤدوا الواجبات ويتركوا المحرمات الا بالعقوبة ~~وهو المخاطب بذلك حينئذ فإنه هو القادر عليه وغيره لا يقدر على ذلك مراعاة ~~له فان لم يستطع ان يقيم هو الواجب ولم يقم غيره PageV34P225 بالواجب صار ~~الجميع مستحقين العقوبة قال النبى صلى الله عليه وسلم ( إن الناس إذا رأوا ~~المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) وقال ( من رأى منكم ~~منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف ~~الايمان ) لا سيما اذا كان يضربهم لما يتركونه من حقوقه فمن القبيح ان ~~يعاقبهم على حقوقه ولا يعاقبهم على حقوق الله والتأديب يكون بسوط معتدل ~~وضرب معتدل ولا يضرب الوجه والا المقاتل ### |||| ( وسئل قدس الله روحه ( # عن رجل يسفه على والديه فما يجب عليه ### ||||| فأجاب # اذا شتم الرجل أباه واعتدى عليه فانه يجب أن يعاقب عقوبة بليغة ~~تردعه وأمثاله عن مثل ذلك بل وأبلغ من ذلك أنه قد ثبت عن النبى في الصحيحين ~~أنه قال ( من الكبائر ان يسب الرجل والديه ) قالوا وكيف يسب الرجل والديه ~~قال ( يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ) فاذا كان النبى قد جعل ~~من الكبائر أن يسب الرجل أبا غيره لئلا يسب أباه فكيف اذا سب هو أباه ~~مباشرة فهذا يستحق العقوبة التى تمنعه عن عقوق الوالدين الذى PageV34P226 ~~الذى قرن الله حقهما بحقه حيث قال @QB@ أن اشكر لي ولوالديك @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك ~~الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ms9573 ولا تنهرهما @QE@ فكيف بسبهما ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل من أكابر مقدمى العسكر معروف بالخير ~~والدين وكذب عليه بعض المكاسين حتى ضربه وعلقه وطاف به على حمار وحبسه بعد ~~ذلك هل يجب على ولى الأمر ضرب من ظلمه ### ||||| فأجاب # من كذب عليه وظلمه حتى فعل به ذلك فانه تجب عقوبته التى تزجره ~~وأمثاله عن مثل ذلك باتفاق المسلمين بل جمهور السلف يثبتون القصاص في مثل ~~ذلك فمن ضرب غيره وجرحه بغير حق فانه يفعل به كما فعل كما قال عمر بن ~~الخطاب ( أيها الناس إنى لم أبعث عمالى اليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا ~~أموالكم ولكن ليعلموكم كتاب الله وسنة نبيكم ويقسموا بينكم فيئكم فلا ~~يبلغنى أن أحدا ضربه عامله بغير حق الا أقدته فراجعه عمرو بن العاص في ذلك ~~فقاله لهم إن رسول الله أقاد ممن ظله PageV34P227 ### |||| ( وسئل قدس الله روحه ( # عمن شتم رجلا وسبه ### ||||| فأجاب # إذا اعتدى عليه بالشتم والسب فله أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى عليه ~~فيشتمه إذا لم يكن ذلك محرما لعينه كالكذب وأما إن كان محرما لعينه كالقذف ~~بغير الزنى فانه يعزر على ذلك تعزيرا بليغا يردعه وأمثاله من السفهاء ولو ~~عزر على النوع الأول من الشتم جاز وهو الذى يشرع إذا تكرر سفهه أو عدوانه ~~على من هو أفضل منه والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عمن شتم رجلا فقال له أنت ملعون ولد زنا ### ||||| فأجاب # يجب تعزيره على هذا الكلام ويجب عليه حد القذف ان لم يقصد بهذه ~~الكلمة ما يقصده كثير من الناس من قصدهم بهذه الكلمة أن المشتوم فعله خبيث ~~كفعل ولدالزنا PageV34P228 ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن سامرى ضرب مسلما وشتمه ### ||||| فأجاب # تجب عقوبته عقوبة بليغة تردعه وأمثاله والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله ( # عن ( الاستمناء ) ### ||||| فأجاب # أما الاستمناء فالأصل فيه التحريم عند جمهور العلماء وعلى فاعله ~~التعزير وليس مثل الزنى والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن ( الاستمناء ) هل هو حرام أم لا ### ||||| فأجاب # أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور ms9574 العلماء وهو أصح القولين ~~في مذهب أحمد وكذلك يعزر من فعله وفى القول الآخر هو PageV34P229 مكروه غير ~~محرم وأكثرهم لا يبيحونه لخوف العنت ولا غيره ونقل عن طائفة من الصحابة ~~والتابعين أنهم رخصوا فيه للضرورة مثل أن يخشى الزنى فلا يعصم منه الا به ~~ومثل أن يخاف أن لم يفعله ان يمرض وهذا قول أحمد وغيره وأما بدون الضرورة ~~فما علمت أحدا رخص فيه والله أعلم ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل يهيج عليه بدنه فيستمنى بيده وبعض ~~الأوقات يلصق وركيه على ذكره وهو يعلم أن ازالة هذا بالصوم لكن يشق عليه ### ||||| فأجاب # أما ما نزل من الماء بغير اختياره فلا اثم عليه فيه لكن عليه الغسل ~~اذا أنزل الماء الدافق واما إنزاله باختياره بان يستمنى بيده فهذا حرام عند ~~أكثر العلماء وهو أحد الروايتين عن أحمد بل أظهرهما وفى رواية أنه مكروه ~~لكن إن اضطر إليه مثل أن يخاف الزنى ان لم يستمن أو يخاف المرض فهذا فيه ~~قولان مشهوران للعلماء وقد رخص في هذه الحال طوائف من السلف والخلف ونهى ~~عنه آخرون والله أعلم PageV34P230 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل جلد ذكره بيده حتى أمنى فما يجب عليه ### ||||| فأجاب # أما جلد الذكر باليد حتى ينزل فهو حرام عند اكثر الفقهاء مطلقا ~~وعند طائفة من الأئمة حرام إلا عند الضرورة مثل أن يخاف العنت أو يخاف ~~المرض أو يخاف الزنى فالاستمناء أصلح ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن رجل له ولد صغير فاتهم وضرب بالمقارع وخسر ~~والده أربعمائة درهم ثم وجدت السرقة فجاء صاحب السرقة وصالح المتهوم على ~~مائتى درهم فهل يصح منه ابراء بغير رضى والده إذا كان تحت الحجر واذا لم ~~يصح فما يجب في دية الضرب وهل لوالده بعد ابراء الصغير أن يطالبه بضرب ولده ~~أم لا PageV34P231 ### ||||| فأجاب # اذا كان المضروب تحت حجر أبيه لم يصح صلحه ولا إبراؤه وما غرمه ~~أبوه بسبب هذه التهمة الباطلة فله أن يرجع به على من غرمه إياه بعدوانه ~~سواء أبرأه ms9575 الابن أو لم يبرئه فالمضروب يستحق أن يضرب من طلب ضربه من ~~المتهمين له مثل ما ضربه إذا لم يعرف بالشر قبل ذلك هكذا ذكره النعمان بن ~~بشير أن ذلك حكم الله ورسوله رواه أبو داود وغيره فانه قال لقوم طلبوا منه ~~أن يضرب رجلا على تهمة إن شئتم ضربته لكم فان ظهر مالكم عنده وإلا ضربتكم ~~مثل ما ضربته فقالوا هذا حكمك فقال هذا حكم الله ورسوله وهذا في ضرب من لم ~~يعرف بالشر واما ضرب من عرف بالشر فذاك مقام آخر # وقد ثبت القصاص في الضرب واللطم ونحو ذلك عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من ~~الصحابة والتابعين وجاءت به سنة رسول الله ونص عليه غير واحد من الأئمة ~~كأحمد بن حنبل وغيره وإن كان كثير من الفقهاء لا يرى القصاص في مثل هذا بل ~~يرى فيه التعزير فالأول هو الصحيح ولكن هل للأب ان يستوفى حق القصاص الذى ~~لابنه أم يتركه حتى يبلغ هذا فيه نزاع معروف بين العلماء وأما ان كان الابن ~~بالغا فله العقوبات البدنية واستبقاؤها PageV34P232 ### ||| 2 باب القطع في السرقة 2 ### |||| ( سئل شيخ الاسلام رحمه الله ( # عن رجل سرق بيته مرارا ثم وجد بعد ذلك في ~~بيته مملوك بعد أن أغلق بابه فاخذ فأقر أنه دخل البيت مختلسا مرارا عديدة ~~ولم يقر أنه أخذ شيئا فهل يلزمه ما عدم لهم من البيت وما الحكم فيه ### ||||| فأجاب # هذا العبد يعاقب باتفاق المسلمين على ما ثبت عليه من دخول البيت ~~ويعاقب أيضا عند كثير من العلماء فاذا أقر بما تبين أنه أخذ المال مثل ان ~~يدل على موضع المال أو على من أعطاه اياه ونحو ذلك أخذ المال واعطى لصاحبه ~~ان كان موجودا وغرمه ان كان تالفا # وينبغى للمعاقب له أن يحتال عليه بما يقر به كما يفعل الحذاق من القضاة ~~والولاة بمن يظهر لهم فجوره حتى يعترف وأقل ما في ذلك أن يشهد عليهم برد ~~اليمين على المدعى فاذا حلف رب المال حينئذ حكم لرب المال اذا ms9576 حلف واما ~~الحكم لرب المال بيمينه بما ظهر من اللوث والأمارات PageV34P233 التى يغلب ~~على الظن صدق المدعى فهذا فيه اجتهاده وأما في النفوس فالحكم بذلك مذهب ~~أكثر العلماء كالشافعى وأحمد والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله ( # عن رجل له مملوك ذكر أنه سرق له قماشا وذكر الغلام أنه ~~أودعه عند سيده القديم ( في ) منديل فهل يقبل قوله في ذلك وما يلزم في ذلك ### ||||| فأجاب # لا يؤخذ بمجرد قول الغلام باتفاق المسلمين سواء كان الحاكم بينهما ~~والى الحرب أو قاضى الحكم بل الذى عليه جمهور الفقهاء في المتهم بسرقة ~~ونحوها أن ينظر في المتهم فإما أن يكون معروفا بالفجور وإما أن يكون مجهول ~~الحال # فإن كان معروفا بالبر لم يجز مطالبته ولا عقوبته وهل يحلف على قولين ~~للعلماء ومنهم من قال يعزر من رماه بالتهمة # وإما أن يكون مجهول الحال فانه يحبس حتى يكشف أمره قيل يحبس شهرا وقيل ~~إجتهاد ولى الأمر لما في السنن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ( أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة PageV34P234 وإن كان قد يكون الرجل ~~معروفا بالفجور المناسب للتهمة فقال طائفة من الفقهاء يضربه الوالى دون ~~القاضي وقد ذكر ذلك طوائف من أصحاب مالك والشافعى والامام أحمد ومن الفقهاء ~~من قال لا يضرب وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( أنه أمر الزبير بن العوام أن ~~يمس بعض المعاهدين بالعذاب ) لما كتم إخباره بالمال الذى كان النبى قد ~~عاهدهم عليه وقال له ( أين كنز حيى بن أخطب ) فقال يا محمد أذهبته النفقات ~~والحروب فقال ( المال كثير والعهد قريب من هذا ) وقال للزبير ( دونك هذا ) ~~فمسه الزبير بشيء من العذاب فدلهم على المال # وأما إذا ادعى أنه استودع المال فهذا أخف فان كان معروفا بالخير لم يجز ~~الزامه بالمال باتفاق المسلمين بل يحلف المدعى عليه سواء كان الحاكم واليا ~~أو قاضيا ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عما يتعلق بالتهم في المسروقات في ولايته فان ~~ترك الفحص في ذلك ضاعت الأموال وطمعت الفساق ms9577 وإن وكله إلى غيره ممن هو تحت ~~يده غلب على ظنه أنه يظلم فيها أو يتحقق أنه لا يفى بالمقصود في ذلك وإن ~~PageV34P235 أقدم وسأل أو أمسك المتهومين وعاقبهم خاف الله تعالى في اقدامه ~~على أمر مشكوك فيه وهو يسأل ضابطا في هذه الصورة وفى أمر قاطع الطريق ### ||||| فأجاب # أما التهم في السرقة وقطع الطريق ونحو ذلك فليس له أن يفوضها إلى ~~من يغلب على ظنه أنه يظلم فيها مع إمكان أن يقيم فيها من العدول ما يقدر ~~عليه وذلك أن الناس في التهم ( ثلاثة أصناف # ( صنف ) معروف عند الناس بالدين والورع وأنه ليس من أهل التهم فهذا لا ~~يحبس ولا يضرب بل ولا يستحلف في أحد قولى العلماء بل يؤدب من يتهمه فيما ~~ذكره كثير منهم # و ( الثانى ) من يكون مجهول الحال لا يعرف ببر ولا فجور فهذا يحبس حتى ~~يكشف عن حاله وقد قيل يحبس شهرا وقيل يحبس بحسب اجتهاد ولى الأمر والأصل في ~~ذلك ما روى أبو داود وغيره ( ان النبى حبس في تهمة ) وقد نص على ذلك الأئمة ~~وذلك أن هذه بمنزلة مالو ادعى عليه مدع فانه يحضر مجلس ولى الأمر الحاكم ~~بينهما وإن كان في ذلك تعويقه عن اشغاله فكذلك تعويق هذا إلى أن يعلم أمره ~~ثم إذا سأل عنه ووجد بارا أطلق # وإن وجد فاجرا كان من ( الصنف الثالث ( وهو الفاجر الذى قد عرف منة ~~السرقة قبل ذلك أو عرف باسباب السرقة مثل أن يكون PageV34P236 معروفا ~~بالقمار والفواحش التى لا تتأتى الابالمال وليس لة مال ونحو ذلك فهذا لوث ~~في التهمة ولهذا قالت طائفة من العلماء إن مثل هذا يمتحن بالضرب يضربه ~~الوالى والقاضى كما قال أشهب صاحب مالك وغيرة حتى يقر بالمال وقالت طائفة ~~يضربة الوالى دون القاضي كما قال ذلك طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد كما ~~ذكرة القاضيان الماوردى والقاضى أبو يعلى في كتابيهما في الاحكام السلطانية ~~وهو قول طائفة من المالكية كما ذكره الطرسوسى وغيرة # ثم المتولى له أن يقصد بضربه ms9578 مع تقريره عقوبته على فجوره المعروف فيكون ~~تعزيرا وتقريرا وليس على المتولي أن يرسل جميع المتهومين حتى يأتى أرباب ~~الأموال بالبينة على من سرق بل قد أنزل على نبيه في قصة كانت تهمة في سرقة ~~قوله تعالى ( إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ~~ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله ان الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن ~~الذين يختانون أنفسهم ان الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ~~ولا يستخفون من الله وهو معهم اذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما ~~يعملون محيطا ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله ~~عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ) إلى آخر الآيات وكان سبب ذلك أن ~~قوما يقال لهم بنو أبيرق سرقوا PageV34P237 لبعض الأنصار طعاما ودرعين فجاء ~~صاحب المال يشتكى إلى رسول الله فجاء قوم يزكون المتهمين بالباطل فكان ~~النبى ظن صدق المزكيين فلام صاحب المال فأنزل الله هذه الآية ولم يقل النبى ~~صلى الله عليه وسلم لصاحب المال أقم البينة ولا حلف المتهمين لأن أولئك ~~المتهمين كانوا معروفين بالشر وظهرت الريبة عليهم # وهكذا حكم النبى بالقسامة في الدماء اذا كان هناك لوث يغلب على الظن صدق ~~المدعين فان هذه الأمور من الحدود في المصالح العامة ليست من الحقوق الخاصة ~~فلو لا القسامة في الدماء لأفضى إلى سفك الدماء فيقتل الرجل عدوه خفية ولا ~~يمكن أولياء المقتول اقامة البينة واليمين على القاتل والسارق والقاطع سهلة ~~فان من يستحل هذه الأمور لا يكترث باليمين وقول النبى ( لو يعطى الناس ~~بدعواهم لا دعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ) هذا ~~فيما لا يمكن من المدعى حجة غير الدعوى فانه لا يعطى بها شيئا ولكن يحلف ~~المدعى عليه فأما إذا أقام شاهدا بالمال فان النبى قد حكم في المال بشاهد ~~ويمين وهو قول فقهاء الحجاز وأهل الحديث كمالك والشافعى وأحمد وغيرهم واذا ~~كان في دعوى الدم لوث ms9579 فقد قال النبى للمدعين ( أتحلفون خمسين يمينا ~~وتستحقون دم صاحبكم PageV34P238 # كذلك أمر ( قطاع الطريق ) وأمر ( اللصوص ) وهو من المصالح العامة التى ~~ليست من الحقوق الخاصة فان الناس لا يامنون على أنفسهم واموالهم في المساكن ~~والطرقات الا بما يزجرهم في قطع هؤلاء ولا يزجرهم ان يحلف كل منهم ولهذا ~~اتفق الفقهاء على ان قاطع الطريق لأخذ المال يقتل حتما وقتله حد لله وليس ~~قتله مفوضا إلى اولياء المقتول قالوا لان هذا لم يقتله لغرض خاص معه انما ~~قتله لاجل المال فلا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره فقتله مصلحة عامة ~~فعلى الامام ان يقيم ذلك # وكذلك ( السارق ) ليس غرضه في مال معين وانما غرضه اخذ مال هذا ومال هذا ~~كذلك كان قطعه حقا واجبا لله ليس لرب المال بل رب المال يأخذ ماله وتقطع يد ~~السارق حتى لو قال صاحب المال انا اعطيه مالى لم يسقط عنه القطع كما قال ~~صفوان للنبى انا اهبه ردائى فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( فهلا فعلت قبل ~~ان تاتى به ) وقال النبى ( من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد ~~الله في أمره ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ومن ~~قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ) وقال للزبير ~~بن العوام ( اذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع PageV34P239 ~~ومما يشبه هذا من ظهر عنده مال يجب عليه احضاره كالمدين اذا ظهر أنه غيب ~~ماله وأصر على الحبس وكمن عنده أمانة ولم يردها إلى مستحقها ظهر كذبه فانه ~~لا يحلف لكن يضرب حتى يحضر المال الذى يجب احضاره أو يعرف مكانه كما قال ~~النبى للزبير بن العوام عام خيبر في عم حيى بن أخطب وكان النبى صالحهم على ~~أن له الذهب والفضة فقال لهذا الرجل ( أين كنز حيى بن أخطب ) فقال يا محمد ~~اذهبته النفقات والحروب فقال ( المال كثير والعهد أحدث من هذا ) ثم قال ( ~~دونك هذا ms9580 ) فمسه بشيء من العذاب فدلهم عليه في خربة هناك فهذا لما قال ~~أذهبته النفقات والحروب والعادة تكذبه في ذلك لم يلتفت إليه بل أمر بعقوبته ~~حتى دلهم على المال فكذلك من أخذ من أموال الناس وادعى ذهابها دعوى تكذبه ~~فيها العادة كان هذا حكمه ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عمن كان له ذهب مخيط في ثوبه فأعطاه للغسال ~~نسيانا فلما رده الغسال إليه بعد غسله وجد مكان الذهب مفتقا ولم يجده فما ~~لحكم فيه ### ||||| الجواب # إما أن يحلف المدعى عليه بما يبريه وإما أن يحلف المدعى أنه أخذ ~~الذهب بغير حق ويضمنه فان كان الغسال معروفا بالفجور وظهرت الريبة بظهور ~~الفتق جاز ضربه وتعزيره والله أعلم PageV34P240 ### ||| 2 باب حد قطاع الطريق 2 ### |||| ( وسئل شيخ الاسلام قدس الله روحه ( # عن أقوام يقطعون الطريق على المسلمين ~~ويقتلون من يمانعهم عن ماله ويفجرون بحريم المسلمين ويعذبون كل من يمسكونه ~~من المسلمين من ذكر وأنثى حتى يدلهم على شيء من من أموال المسلمين ثم ~~الامام بلغه خبرهم فامر السلطان بعض الناس أن يروح اليهم ويمنعهم من قتل ~~المسلمين وأخذ أموالهم فخرجوا عليه وقاتلوا المسيرين اليهم وامتنعوا من ~~طاعة السلطان فهل يحل قتالهم أم لا وهل اذا أخذ السلطان من مالهم شيئا ~~وباعه على المسلمين يحل لأحد أن يشتريه ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم يحل قتال هؤلاء بل يجب واذا أخذ السلطان من أموالهم ~~بازاء ما أخذوه من أموال المسلمين ولم يعرف مستحقه جاز الشراء منه وان ~~كانوا أخذوا شيئا من أموال المسلمين ففى أخذ أموالهم خلاف بين الفقهاء واذا ~~قلد السلطان أحد القولين بطريقة ساغ له ذلك PageV34P241 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن المفسدين في الأرض الذين يستحلون أموال ~~الناس ودمائهم مثل السارق وقاطع الطريق هل للإنسان أن يعطيهم شيئا من ماله ~~أو يقاتلهم وهل اذا قتل رجل أحدا منهم فهل يكون ممن ينسب إلى النفاق وهل ~~عليه اثم في قتل من طلب قتله ### ||||| فأجاب # أجمع المسلمون على جواز مقاتلة قطاع الطريق وقد ثبت عن النبى أنه ms9581 ~~قال ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) # ( فالقطاع ) اذا طلبوا مال المعصوم لم يجب عليه أن يعطيهم شيئا باتفاق ~~الأئمة بل يدفعهم بالأسهل فالأسهل فان لم يندفعوا الا بالقتال فله أن ~~يقاتلهم فان قتل كان شهيدا وان قتل واحدا منهم على هذا الوجه كان دمه هدرا ~~وكذلك اذا طلبوا دمه كان له أن يدفعهم ولو بالقتل اجماعا لكن الدفع عن ~~المال لا يجب بل يجوز له أن يعطيهم المال ولا يقاتلهم وأما الدفع عن النفس ~~ففى وجوبه قولان هما روايتان عن أحمد PageV34P242 ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى ( # عن تاجر نصب عليه جماعة وأخذوا مبلغا فحملهم ~~لولى الأمر وعاقبهم حتى أقروا بالمال وهم محبوسون على المال ولم يعطوه شيئا ~~وهم مصرون على أنهم لا يعطونه شيئا ### ||||| فأجاب # الحمد لله هؤلاء من كان المال بيده وامتنع من اعطائه فانه يضرب حتى ~~يؤدى المال الذى بيده لغيره ومن كان قد غيب المال وجحد موضعه فانه يضرب حتى ~~يدل على موضعه ومن كان متهما لا يعرف هل معه من المال شيء أم لا فانه يجوز ~~ضربه معاقبة له على ما فعل من الكذب والظلم ويقرر مع ذلك على المال أين هو ~~ويطلب منه احضاره والله أعلم PageV34P243 ### |||| وسئل قدس الله روحه ونور ضريحه # عن ثلاثة من اللصوص أخذ اثنان منهم جمالا ~~والثالث قتل الجمال هل تقتل الثلاثة ### ||||| فأجاب # اذا كان الثلاثة حرامية اجتمعوا ليأخذوا المال بالمحاربة قتل ~~الثلاثة وان كان الذى باشر القتل واحدا منهم والله أعلم PageV34P244 بسم ~~الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئآت أعمالنا ~~من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ### ||| 2 باب ( الخلافة والملك وقتال أهل البغي ) #2 ! 8 < قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد ms9582 أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله تسليما # أما بعد فهذه قاعدة مختصرة في وجوب طاعة الله ورسوله في كل حال على كل ~~أحد وأن ما أمر الله به ورسوله من طاعة الله وولاة PageV35P005 الأمور ~~ومناصحتهم واجب وغير ذلك من الواجبات قال الله تعالى @QB@ إن الله يأمركم ~~أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن ~~الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا @QE@ وقال الله تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا @QE@ فأمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأولى الأمر منهم ~~كما أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا ~~بالعدل وأمرهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول # قال العلماء الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول بعد موته ~~هو الرد إلى سنته قال الله تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ فجعل الله الكتاب الذى أنزله هو الذى يحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه # وفى صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا قام يصلي بالليل يقول ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل PageV35P006 ~~وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون إهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من ~~تشاء إلى صراط مستقيم ( وفى صحيح مسلم عن تميم الداري رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الدين النصيحة الدين النصيحة الدين ms9583 النصيحة ~~( قالوا لمن يارسول الله قال ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ~~وعامتهم ( # وفى صحيح مسلم أيضا عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال ( إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ( وفى ~~السنن من حديث إبن مسعود رضى الله عنه وزيد بن ثابت رضى الله عنه عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال ( نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم ~~يسمعه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه ثلاث لا يغل ~~عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين ~~فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ( و ( يغل ( بالفتح هو المشهور ويقال غلى صدره ~~فغل إذا كان ذا غش وضغن وحقد أي قلب المسلم لا يغل على هذه الخصال الثلاثة ~~وهي الثلاثة المتقدمة في قوله ( إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ~~ولاه الله أمركم ( فإن الله إذا PageV35P007 كان يرضاها لنا لم يكن قلب ~~المؤمن الذي يحب ما يحبه الله يغل عليها يبغضها ويكرهها فيكون في قلبه ~~عليها غل بل يحبها قلب المؤمن ويرضاها # وفى صحيح البخارى ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال ~~بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر ~~والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول ~~أو نقوم بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم وفى الصحيحين أيضا عن ~~عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( على المرء المسلم ~~السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ~~ولا طاعة ( وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ms9584 صلى ~~الله عليه وسلم ( عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة ~~عليك ( ومعنى قوله ( وأثرة عليك ( وأثرة علينا ( أي وإن إستأثر ولاة الأمور ~~عليك فلم ينصفوك ولم يعطوك حقك كما في الصحيحين عن أسيد بن حضير رضي الله ~~عنه أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا ~~تستعملني كما استعملت فلانا فقال ( إنكم ستلقون بعدى أثرة فاصبروا حتى ~~تلقونى على الحوض ( # وهذا كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( إنها تكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها ( قالوا PageV35P008 ~~يارسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون ~~الله الذى لكم ( وفى صحيح مسلم عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال سأل سلمة ~~بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله إن قامت ~~علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا فأعرض عنه ثم سأله ~~فأعرض ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فحدثه الأشعث بن قيس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( إسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ~~ماحملتم ( # فذلك ما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم هو واجب على ~~المسلم وإن استأثروا عليه وما نهى الله عنه ورسوله من معصيتهم فهو محرم ~~عليه وإن أكره عليه ### ||| فصل # وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان ~~وإن لم يعاهدهم عليه وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة كما يجب عليه الصلوات ~~الخمس والزكاة والصيام وحج البيت وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من ~~الطاعة فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيدا وتثبيتا لما أمر الله به ورسوله من ~~طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم فالحالف على هذه PageV35P009 الأمور لا يحل له ~~أن يفعل خلاف المحلوف عليه سواء حلف بالله أو غير ذلك من الأيمان التي يحلف ~~بها المسلمون فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم ms9585 واجب وإن لم ~~يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه وما نهى الله ورسوله عن معصيتهم وغشهم محرم ~~وإن لم يحلف على ذلك # وهذا كما أنه إذا حلف ليصلين الخمس وليصومن شهر رمضان أو ليقضين الحق ~~الذي عليه ويشهدن بالحق فإن هذا واجب عليه وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف ~~عليه وما نهى الله عنه ورسوله من الشرك والكذب وشرب الخمر والظلم والفواحش ~~وغش ولاة الأمور والخروج عما أمر الله به من طاعتهم هو محرم وإن لم يحلف ~~عليه فكيف إذا حلف عليه # ولهذا من كان حالفا على ما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ~~ومناصحتهم أو الصلاة أو الزكاة أو صوم رمضان أو أداء الأمانة والعدل ونحو ~~ذلك لا يجوز لأحد أن يفتيه بمخالفة ما حلف عليه والحنث في يمينه ولا يجوز ~~له أن يستفتي في ذلك ومن أفتى مثل هؤلاء بمخالفة ما حلفوا عليه والحنث في ~~أيمانهم فهو مفتر على الله الكذب مفت بغير دين الإسلام بل لو أفتى آحاد ~~العامة بأن يفعل خلاف ما حلف عليه من الوفاء في عقد بيع أو نكاح أو إجارة ~~أوغير ذلك مما يجب عليه الوفاء به من PageV35P010 العقود التى يجب الوفاء ~~بها وإن لم يحلف عليها فإذا حلف كان أوكد فمن أفتى مثل هذا بجواز نقض هذه ~~العقود والحنث في يمينه كان مفتريا على الله الكذب مفتيا بغير دين الإسلام ~~فكيف إذا كان ذلك في معاقدة ولاة الأمور التى هي أعظم العقود التى أمر الله ~~بالوفاء بها وهذا كما أن جمهور العلماء يقولون يمين المكره بغير حق لا ~~ينعقد سواء كان بالله أو النذر أو الطلاق أو العتاق وهذا مذهب مالك ~~والشافعي وأحمد ثم إذا أكره ولي الأمر الناس على مايجب عليهم من طاعته ~~ومناصحته وحلفهم على ذلك لم يجز لأحد أن يأذن لهم في ترك ما أمر الله به ~~ورسوله من ذلك ويرخص لهم في الحنث في هذه الأيمان لأن ما كان واجبا بدون ~~اليمين فاليمين تقويه لا ms9586 تضعفه ولو قدر أن صاحبها أكره عليها ومن أراد أن ~~يقول بلزوم المحلوف مطلقا في بعض الأيمان لأجل تحليف ولاة الأمور أحيانا ~~قيل له وهذا يرد عليك فيما تعتقده في يمين المكره فإنك تقول لايلزم وإن حلف ~~بها ولاة الأمور ويرد عليك في أمور كثيرة تفتى بها في الحيل مع ما فيه من ~~معصية الله تعالى ورسوله وولاة الأمور PageV35P011 وأما أهل العلم والدين ~~والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم ~~والخروج عليهم بوجه من الوجوه كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديما ~~وحديثا ومن سيرة غيرهم وقد ثبت في الصحيح عن بن عمر رضى الله عنه عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند أسته ~~بقدر غدره ( قال وإن من أعظم الغدر يعنى بإمام المسلمين وهذا حدث به عبد ~~الله بن عمر لما قام قوم من أهل المدينة يخرجون عن طاعة ولي أمرهم ينقضون ~~بيعته وفى صحيح مسلم عن نافع قال جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع ~~حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال اطرحوا لأبي عبد ~~الرحمن وسادة فقال إنى لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول ( من خلع يدا لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات ~~وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ( وفى الصحيحين عن بن عباس رضى الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر ~~عليه فإنه ليس أحد من الناس يخرج من السلطان شبرا فمات عليه إلامات ميتة ~~جاهلية ( وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ~~ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية PageV35P012 أو يدعو إلى عصبية أو ينصر ~~عصبية فقتل فقتله ms9587 جاهلية ( وفى لفظ ( ليس من أمتى من خرج على أمتى يضرب ~~برها وفاجرها ولا يتحاشا من مؤمنها ولا يوفي لذي عهدها فليس منى ولست منه ( # فالأول هو الذي يخرج عن طاعة ولي الأمر ويفارق الجماعة # والثانى هو الذي يقاتل لأجل العصبية والرياسة لا في سبيل الله كأهل ~~الأهواء مثل قيس ويمن # والثالث مثل الذى يقطع الطريق فيقتل من لقيه من مسلم وذمي ليأخذ ماله ~~وكالحرورية المارقين الذين قاتلهم علي بن أبى طالب الذى قال فيهم النبى صلى ~~الله عليه وسلم ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم ~~يوم القيامة ( # وقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر وإن كان عبدا حبشيا ~~كما في صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( اسمعوا وأطيعوا وإن ~~استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ( وعن أبى ذر قال ( أوصانى خليلى أن ~~اسمعوا وأطيعوا ولوكان حبشيا مجدع PageV35P013 الأطراف ( وعن البخارى ( ولو ~~لحبشي كان رأسه زبيبة ( وفى صحيح مسلم عن أم الحصين رضي الله عنها أنها ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع وهو يقول ( ولو استعمل عبدا ~~يقودكم بكتاب الله اسمعوا وأطيعوا ( وفى رواية ( عبد حبشي مجدعا ( وفى صحيح ~~مسلم عن عوف بن مالك رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ~~خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار ~~أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ( قلنا يارسول الله ~~أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك قال ( لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا ~~فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وآل فرآه يأتي شيئا من معصية فليكره ما يأتي ~~من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة ( # وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( إن ms9588 المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ~~وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ( وفى صحيح مسلم ~~عن عائشة رضى الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ~~اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتى ~~شيئا فرفق بهم فارفق به ( وفى الصحيحين عن الحسن البصري قال عاد عبد الله ~~بن زياد معقل بن يسار في مرضه الذى مات فيه PageV35P014 فقال له معقل إنى ~~محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش ~~لرعيته إلاحرم الله عليه الجنة ( وفى رواية لمسلم ( ما من أمير يلي من أمر ~~المسلمين شيئا ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة ( # وفى الصحيحين عن بن عمر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( ألا كلكم راع وكلكم مسئوول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو ~~مسئوول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئوولة عنه والعبد راع على ~~مال سيده وهو مسئوول عنه ألا كلكم راع وكلكم مسئوول عن رعيته ( وفى ~~الصحيحين عن علي رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث جيشا وأمر ~~عليهم رجلا فأوقد نارا فقال ادخلوها فأراد الناس أن يدخلوها وقال الآخرون ~~إنا فررنا منها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للذين أرادوا ~~أن يدخلوها ( لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة وقال للآخرين ~~قولا حسنا وقال لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف PageV35P015 ### ||| فصل # قال الله تعالى ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ) وقال الله تعالى ( ~~وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ~~وقال تعالى ( فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا ms9589 مما قضيت ويسلموا تسليما ) وقال تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) وقال تعالى ( يوم تقلب وجوههم في ~~النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول وقالوا ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا ) وقال تعالى ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) # فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله ~~بطاعتهم فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله ومن كان ~~لايطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن ~~PageV35P016 منعوه عصاهم فماله في الآخرة من خلاق وقد روى البخارى ومسلم عن ~~أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( ثلاثة لايكلمهم ~~الله يوم القيامة ولاينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء ~~بالفلاة يمنعه من بن السبيل ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله ~~لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا ~~فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يف PageV35P017 ### || 1 ( قاعدة في الخلافة والملك ) 1 # + 18 32 + ! 8 < وقال قدس الله روحه ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ! 8 < قاعدة ! 8 < # قال النبى صلى الله عليه وسلم ( خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ~~ملكه أو الملك من يشاء ( لفظ أبي داود من رواية عبد الوارث والعوام ( تكون ~~الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون الملك ( تكون الخلافة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا ~~( وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن ~~حوشب وغيره عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رواه أهل السنن ms9590 كأبى داود وغيره واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير ~~خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وثبته أحمد واستدل به على من توقف في خلافة ~~علي من PageV35P018 أجل افتراق الناس عليه حتى قال أحمد من لم يربع بعلي في ~~الخلافة فهو أضل من حمار أهله ونهى عن مناكحته وهو متفق عليه بين الفقهاء ~~وعلماء السنة وأهل المعرفة والتصوف وهو مذهب العامة # وإنما يخالفهم في ذلك بعض ( أهل ) الأهواء من أهل الكلام ونحوهم كالرافضة ~~الطاعنين في خلافة الثلاثة أو الخوارج الطاعنين في خلافة الصهرين المنافيين ~~عثمان وعلي أو بعض الناصبة النافين لخلافة علي أو بعض الجهال من المتسننة ~~الواقفين في خلافته ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في شهر ربيع الأول ~~سنة إحدى عشرة من هجرته وإلى عام ثلاثين سنة كان إصلاح إبن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الحسن بن علي السيد بين فئتين من المؤمنين بنزوله عن الأمر ~~عام إحدى وأربعين في شهر جمادى الأولى وسمي عام الجماعة لاجتماع الناس على ~~معاوية وهو أول الملوك # وفي ا 4 لحديث الذي رواه مسلم ( ستكون خلافة نبوة ورحمة ثم يكون ملك ~~ورحمة ثم يكون ملك وجبرية ثم يكون ملك عضوض ( وقال صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المشهور في السنن وهو صحيح ( إنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا ~~كثيرا عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها ~~وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة PageV35P019 # ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين خلفاء وإن كانوا ملوكا ولم يكونوا ~~خلفاء الأنبياء بدليل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبى هريرة رضى ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( كانت بنو إسرائيل يسوسهم ~~الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر قالوا ~~فما تامرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما ~~استرعاهم ( فقوله ( فتكثر ( دليل على من سوى الراشدين فإنهم لم يكونوا ~~كثيرا وأيضا قوله ( فوا ms9591 ببيعة الأول فالأول ( دل على أنهم يختلفون ~~والراشدون لم يختلفوا وقوله ( فأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ( ~~دليل على مذهب أهل السنة في إعطاء الأمراء حقهم من المال والمغنم وقد ذكرت ~~في غير هذا الموضوع أن مصير الأمر إلى الملوك ونوابهم من الولاة والقضاة ~~والأمراء ليس لنقص فيهم فقط بل لنقص في الراعي والرعية جميعا فإنه ( كما ~~تكونون يول عليكم ( وقد قال الله تعالى ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ) # وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ماقد أمر به صلى الله عليه وسلم من ~~طاعة الأمراء في غير معصية الله ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم ~~والغزو معهم والصلاة خلفهم ونحو ذلك PageV35P020 من متابعتهم في الحسنات ~~التي لايقوم بها الأهم فإنه من باب التعاون على البر والتقوى وما نهى عنه ~~من تصديقهم بكذبهم وإعانتهم على ظلمهم وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك مما ~~هو من باب التعاون على الاثم والعدوان # وما أمر به أيضا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهم ولغيرهم على ~~الوجه المشروع وما يدخل في ذلك من تبليغ رسالات الله إليهم بحيث لايترك ذلك ~~جبنا ولا بخلا ولا خشية لهم ولا اشتراء للثمن القليل بآيات الله ولا يفعل ~~أيضا للرئاسة عليهم ولاعلى العامة ولاللحسد ولا للكبر ولا للرياء لهم ولا ~~للعامة ولا يزال المنكر بما هو أنكر منه بحيث يخرج عليهم بالسلاح وتقام ~~الفتن كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة كما دلت عليه النصوص ~~النبوية لما في ذلك من الفساد الذي يربى على فساد مايكون من ظلمهم بل يطاع ~~الله فيهم وفي غيرهم ويفعل ما أمر به ويترك مانهى عنه وهذه جملة تفصيلها ~~يحتاج إلى بسط كثير # والغرض هنا بيان جماع الحسنات والسيئات الواقعة بعد خلافة النبوة في ~~الإمارة وفي تركها فإنه مقام خطر وذلك أن خبره بانقضاء خلافة النبوة فيه ~~الذم للملك والعيب له لاسيما وفى حديث أبى PageV35P021 بكرة أنه استاء ~~للرؤيا وقال ( خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء ( # ثم النصوص ms9592 الموجبة لنصب الأئمة والأمراء ومافى الأعمال الصالحة التى ~~يتولونها من الثواب حمد لذلك وترغيب فيه فيجب تخليص محمود ذلك من مذمومه ~~وفى حكم اجتماع الأمرين وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن ~~الله خيرنى بين أن أكون عبدا رسولا وبين أن أكون نبيا ملكا فاخترت أن أكون ~~عبدا رسولا ( # فإذا كان الأصل في ذلك شوب الولاية من الامارة والقضاء والملك هل هو جائز ~~في الأصل والخلافة مستحبة أم ليس بجائز إلا لحاجة من نقص علم أو نقص قدرة ~~بدونه فنحتج بأنه ليس بجائز في الأصل بل الواجب خلافة النبوة لقوله صلى ~~الله عليه وسلم ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها ~~وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فكل بدعة ضلالة ( بعد قوله ( ~~من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ( فهذا أمر وتحضيض على لزوم سنة ~~الخلفاء وأمر بالإستمساك بها وتحذير من المحدثات المخالفة لها وهذا الأمر ~~منه والنهي دليل بين في الوجوب PageV35P022 # ثم اختص من ذلك قوله ( إقتدوا بالذين من بعدي أبى بكر وعمر ( فهذان أمر ~~بالإقتداء بهما والخلفاء الراشدون أمر بلزوم سنتهم وفى هذا تخصيص للشيخين ~~من وجهين # أحدهما أن السنة ماسنوه للناس وأما القدوة فيدخل فيها الإقتداء بهما فيما ~~فعلاه مما لم يجعلوه سنة # الثانى أن السنة أضافها إلى الخلفاء لا إلى كل منهم فقد يقال إما ذلك ~~فيما اتفقوا عليه دون ما انفرد به بعضهم وأما القدوة فعين القدوة بهذا ~~وبهذا وفى هذا الوجه نظر # ويستفاد من هذا أن ما فعله عثمان وعلى من الاجتهاد الذى سبقهما بما هو ~~افضل منه أبو بكر وعمر ودلت النصوص وموافقة جمهور الأمة على رجحانه وكان ~~سببه افتراق الأمة لا يؤمر بالإقتداء بهما فيه إذ ليس ذلك من سنة الخلفاء ~~وذلك أن أبا بكر وعمر ساسا الأمة بالرغبة والرهبة وسلما من التأويل في ~~الدماء والأموال وعثمان رضى الله عنه غلب الرغبة وتأول في الأموال وعلي غلب ~~الرهبة وتأول في الدماء وأبو بكر وعمر كمل زهدهما ms9593 في المال والرياسة وعثمان ~~كمل زهده في الرياسة وعلى كمل زهده في المال PageV35P023 # وأيضا فكون النبي صلى الله عليه وسلم استاء للملك بعد خلافة النبوة دليل ~~على أنه متضمن ترك بعض الدين الواجب # وقد يحتج من يجوز الملك بالنصوص التى منها قوله لمعاوية ( إن ملكت فأحسن ~~( ونحو ذلك وفيه نظر ويحتج بأن عمر أقر معاوية لما قدم الشام على ما رآه من ~~أبهة الملك لما ذكر له المصلحة فيه فإن عمر قال لا آمرك ولا أنهاك ويقال في ~~هذا إن عمر لم ينهه لا أنه أذن له في ذلك لان معاوية ذكر وجه الحاجة إلى ~~ذلك ولم يثق عمر بالحاجة فصار محل اجتهاد في الجملة # فهذان القولان متوسطان ان يقال الخلافة واجبة وإنما يجوز الخروج عنها ~~بقدر الحاجة أو إن يقال يجوز قبولها من الملك بما ييسر فعل المقصود ~~بالولاية ولا يعسره إذ ما يبعد المقصود بدونه لابد من اجازته وأما ( ملك ) ~~فإيجابه أو استحبابه محل اجتهاد # وهنا طرفان أحدهما من يوجب ذلك في كل حال وزمان وعلى كل أحد ويذم من خرج ~~عن ذلك مطلقا أو لحاجة كما هو حال أهل البدع من الخوارج والمعتزلة وطوائف ~~من المتسننة والمتزهدة والثانى PageV35P024 من يبيح الملك مطلقا من غير ~~تقيد بسنة الخلفاء كما هو فعل الظلمة والإباحية وأفراد المرجئة وهذا تفصيل ~~جيد وسيأتي تمامه وتحقيق الأمر أن يقال انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى ~~الملك إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة أو اجتهاد سائغ أو مع ~~القدرة على ذلك علما وعملا فإن كان مع العجز علما أو عملا كان ذو الملك ~~معذورا في ذلك وان كانت خلافة النبوة واجبة مع القدرة كما تسقط سائر ~~الواجبات مع العجز كحال النجاشى لما اسلم وعجز عن اظهار ذلك في قومه بل حال ~~يوسف الصديق تشبه ذلك من بعض الوجوه لكن الملك كان جائزا لبعض الأنبياء ~~كداود وسليمان ويوسف # وإن كان مع القدرة علما وعملا وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة ~~وإن اختيار ms9594 الملك جائز في شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا فهذا التقدير إذا ~~فرض أنه حق فلا اثم على الملك العادل أيضا # وهذا الوجه قد ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد لما تكلم في تثبيت خلافة ~~معاوية وبنى ذلك على ظهور إسلامه وعدالته وحسن سيرته وأنه ثبتت إمامته بعد ~~موت علي لما عقدها الحسن له وسمى ذلك عام الجماعة وذكر حديث عبد الله بن ~~مسعود ( تدور رحا الإسلام على رأس خمس PageV35P025 وثلاثين ( قال قال أحمد ~~في رواية بن الحكم يروي عن الزهري أن معاوية كان أمره خمس سنين لا ينكر ~~عليه شيء فكان هذا على حديث النبى ( خمس وثلاثين سنة ( قال بن الحكم قلت ~~لأحمد من قال حديث بن مسعود ( تدور رحا الاسلام لخمس وثلاثين ( أنها من ~~مهاجر النبى صلى الله عليه وسلم قال لقد أخبر هذا وما عليه أن يكون النبى ~~صلى الله عليه وسلم يصف الإسلام بسير هو بالجناية انما يصف ما يكون بعده من ~~السنين # قال وظاهر هذا من كلام أحمد أنه أخذ بظاهر الحديث وأن خلافة معاوية كانت ~~من جملة الخمس والثلاثين وذكر أن رجلا سأل أحمد عن الخلافة فقال كل بيعة ~~كانت بالمدينة فهي خلافة نبوة لنا قال القاضي وظاهر هذا أن ما كان بغير ~~المدينة لم يكن خلافة نبوة # قلت نصوص أحمد على ان الخلافة تمت بعلى كثيرة جدا # ثم عارض القاضي ذلك بقوله ( الخلافة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا ( قال ~~السائل فلما خص الخلافة بعده بثلاثين سنة كان آخرها اخر ايام على وان بعد ~~ذلك يكون ملكا دل على أن ذلك ليس بخلافة فأجاب القاضي بأنه يحتمل أن يكون ~~المراد به الخلافة التى لا يشوبها ملك بعده ثلاثون PageV35P026 سنة وهكذا ~~كانت خلافة الخلفاء الاربعة ومعاوية قد شابها الملك وليس هذا قادحا في ~~خلافته كما أن ملك سليمان لم يقدح في نبوته وان كان غيره من الانبياء فقيرا ~~قلت فهذا يقتضى ان شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا وان ذلك لا ينافى ~~العدالة وان كانت الخلافة ms9595 المحضة افضل وكل من انتصر لمعاوية وجعله مجتهدا ~~في اموره ولم ينسبه إلى معصية فعليه أن يقول بأحد القولين اما جواز شوبها ~~بالملك أو عدم اللوم على ذلك فيتجه اذا قال ان خلافة النبوة واجبة فلو قدر ~~فان عمل سيئة فكبيرة وان كان دينا أو لان الفاسق من غلبت سيئاته حسناته ~~وليس كذلك وهذا رحمته بالملوك العادلين اذ هم في الصحابة من يقتدى به # واما اهل البدع كالمعتزلة فيفسقون معاوية لحرب على وغير ذلك بناء على أنه ~~فعل كبيرة وهى توجب التفسيق فلابد من منع احدى المقدمتين ثم اذا ساغ هذا ~~للملوك ساغ للقضاة والامراء ونحوهم # وأما اذا كانت خلافة النبوة واجبة وهي مقدورة وقد تركت فترك الواجب سبب ~~للذم والعقاب ثم هل تركها كبيرة أو صغيرة PageV35P027 ان كان صغيرة لم يقدح ~~في العدالة وان كان كبيرة ففيه القولان لكن يقال هنا اذا كان القائم بالملك ~~والامارة يفعل من الحسنات المامور بها ويترك من السيئات المنهى عنها ما ~~يزيد به ثوابه على عقوبة ما يتركه من واجب أو يفعله من محظور فهذا قد ترجحت ~~حسناته على سيئاته فاذا كان غيره مقصرا في هذه الطاعة التى فعلها مع سلامته ~~عن سيئاته فله ثلاثة أحوال اما أن يكون الفاضل من حسنات الامير اكثر من ~~مجموع حسنات هذا أو اقل فإن كانت فاضلة اكثر كان أفضل وان كان اقل كان ~~مفضولا وان تساويا تكافآ هذا موجب العدل ومقتضى نصوص الكتاب والسنة في ~~الثواب والعقاب # وهو مبنى على قول من يعتبر الموازنة والمقابلة في الجزاء وفى العدالة ~~ايضا واما من يقول انه بالكبيرة الواحدة يستحق الوعيد ولو كان له حسنات ~~كثيرة عظيمة فلا يجيء هذا وهو قول طائفة من العلماء في العدالة والاول اصح ~~على ما تدل عليه النصوص # ويتفرع من هنا مسألة وهو ما اذا كان لا يتأتى له فعل الحسنة الراجحة الا ~~بسيئة دونها في العقاب فلها صورتان PageV35P028 احداهما اذا لم يمكن الا ~~ذلك فهنا لا يبقى سيئة فان ما لا يتم ms9596 الواجب أو المستحب الا به فهو واجب أو ~~مستحب ثم ان كان مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظورا كأكل الميتة للمضطر ~~ونحو ذلك من الامور المحظورة التى تبيحها الحاجات كلبس الحرير في البرد ~~ونحو ذلك وهذا باب عظيم # فإن كثيرا من الناس يستشعر سوء الفعل ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له ~~التى يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربى على ذلك بحيث يصير المحظور مندرجا في ~~المحبوب أو يصير مباحا اذا لم يعارضه الا مجرد الحاجة كما أن من الامور ~~المباحة بل والمأمور بها ايجابا أو استحبابا ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها ~~محرمة أو مرجوحة كالصيام للمريض وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت كما ~~قال ( قتلوه قتلهم الله هلا سألوا اذا لم يعلموا فإنما شفاء العى السؤال ( # وعلى هذا الاصل يبنى جواز العدول احيانا عن بعض سنة الخلفاء كما يجوز ترك ~~بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة وذلك فيما اذا وقع العجز ~~عن بعض سنتهم أو وقعت الضرورة إلى بعض ما نهوا عنه بأن تكون الواجبات ~~المقصودة بالامارة لا تقوم الا بما مضرته أقل PageV35P029 # وهكذا مسألة الترك كما قلناه اولا وبينا انه لا يخالفه الا اهل البدع ~~ونحوهم من اهل الجهل والظلم ( والصورة الثانية اذا كان يمكن فعل الحسنات ~~بلا سيئة لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها أو بكراهة من طبعه بحيث لا تطيعه ~~نفسه إلى فعل تلك الحسنات الكبار المأمور بها ايجابا أو استحبابا ان لم ~~يبذل لنفسه ما تحبه من بعض الامور المنهى عنها التى اثمها دون منفعة الحسنة ~~فهذا القسم واقع كثيرا في اهل الامارة والسياسة والجهاد واهل العلم والقضاء ~~والكلام واهل العبادة والتصوف وفى العامة مثل من لا تطيعه نفسه إلى القيام ~~بمصالح الامارة من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر واقامة الحدود وأمن ~~السبل وجهاد العدو وقسمة المال الا بحظوظ منهى عنها من الاستئثار ببعض ~~المال والرياسة على الناس والمحاباة في القسم وغير ذلك من الشهوات وكذلك في ~~الجهاد لا تطيعه نفسه على الجهاد ms9597 الا بنوع من التهور وفى العلم لا تطيعه ~~نفسه على تحقيق علم الفقه وأصول الدين الا بنوع من المنهى عنه من الرأى ~~والكلام ولا تطيعه نفسه على تحقيق علم العبادة المشروعة والمعرفة المأمور ~~بها الا بنوع من الرهبانية # فهذا القسم كثر في دول الملوك اذ هو واقع فيهم وفى كثير من امرائهم ~~وقضاتهم وعلمائهم وعبادهم اعنى اهل زمانهم وبسببه PageV35P030 نشأت الفتن ~~بين الامة فاقوام نظروا إلى ما ارتكبوه من الامور المنهى عنها فذموهم ~~وأبغضوهم واقوام نظروا إلى ما فعلوه من الامور المامور بها فأحبوهم ثم ~~الاولون ربما عدوا حسناتهم سيئات والاخرون ربما جعلوا سيئاتهم حسنات وقد ~~تقدم اصل هذه المسالة وهو انه اذا تعسر فعل الواجب في الامارة الا بنوع من ~~الملك فهل يكون الملك مباحا كما يباح عند التعذر ذكرنا فيه القولين فإن ~~اقيم التعسر مقام التعذر لم يكن ذلك اثما وان لم يقم كان اثما واما ما لا ~~تعذر فيه ولا تعسر فان الخروج فيه عن سنة الخلفاء اتباع للهوى فالتحقيق أن ~~الحسنات حسنات والسيئات سيئات وهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وحكم الشريعة ~~أنهم لايؤذن لهم فيما فعلوه من السيئات ولا يؤمرون به ولا يجعل حظ أنفسهم ~~عذرا لهم في فعلهم إذا لم تكن الشريعة عذرتهم لكن يؤمرون بما فعلوه من ~~الحسنات ويحضون على ذلك ويرغبون فيه وإن علم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات ~~المرجوحة كما يؤمر الأمراء بالجهاد وإن علم أنهم لا يجاهدون إلا بنوع من ~~الظلم الذى تقل مفسدته بالنسبة إلى مصلحة الجهاد # ثم إذا علم أنهم إذا نهوا عن تلك السيئات تركوا الحسنات الراجحة الواجبة ~~لم ينهوا عنها لما في النهي عنها من مفسدة ترك الحسنات الواجبة إلا أن يمكن ~~الجمع بين الأمرين فيفعل حينئذ تمام الواجب كما كان PageV35P031 عمر بن ~~الخطاب يستعمل من فيه فجور لرجحان المصلحة في عمله ثم يزيل فجوره بقوته ~~وعدله # ويكون ترك النهي عنها حينئذ مثل ترك الانكار باليد أو بالسلاح إذا كان ~~فيه مفسدة راجحة على مفسدة المنكر ms9598 فإذا كان النهي مستلزما في القضية ~~المعينة لترك المعروف الراجح كان بمنزلة أن يكون مستلزما لفعل المنكر ~~الراجح كمن أسلم على أن لايصلي إلا صلاتين كما هو مأثور عن ( بعض من أسلم ~~على عهد ) النبي أو أسلم بعض الملوك المسلطين وهو يشرب الخمر أو يفعل بعض ~~المحرمات ولو نهي عن ذلك إرتد عن الاسلام # ففرق بين ترك العالم أو الأمير لنهي بعض الناس عن الشيء إذا كان في النهي ~~مفسدة راجحة وبين إذنه في فعله وهذا يختلف باختلاف الأحوال ففى حال أخرى ~~يجب اظهار النهي إما لبيان التحريم واعتقاده والخوف من فعله أو لرجاء الترك ~~أو لاقامة الحجة بحسب الأحوال ولهذا تنوع حال النبى صلى الله عليه وسلم في ~~أمره ونهيه وجهاده وعفوه واقامته الحدود وغلظته ورحمته PageV35P032 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ### ||| فصل # قد ذكرت فيما تقدم الكلام على الملك هل هو جائز في شريعتنا ولكن خلافة ~~النبوة مستحبة وأفضل منه أم خلافة النبوة واجبة وانما تجويز تركها إلى ~~الملك للعذر كسائر الواجبات تكلمت على ذلك # وأما في شرع من قبلنا فإن الملك جائز كالغنى يكون للأنبياء تارة ~~وللصالحين أخرى قال الله تعالى في داود ( وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه ~~مما يشاء ) وقال عن سليمان ( رب اغفرلى وهب لى ملكا لاينبغى لأحد من بعدى ~~إنك أنت الوهاب ) وقال عن يوسف ( رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل ~~الأحاديث ) فهؤلاء ثلاثة أنبياء أخبر الله أنه آتاهم الملك وقال ( أم ~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم ~~سعيرا ) فهذا ملك لآل إبراهيم وملك لآل داود وقد قال مجاهد في قوله ( تؤتى ~~الملك من تشاء ) قال النبوة فجعل النبوة نفسها ملكا PageV35P033 # والتحقيق أن من النبوة مايكون ملكا فإن النبى له ثلاثة أحوال إما أن يكذب ~~ولا يتبع ولايطاع فهو نبي لم يؤت ملكا وإما أن يطاع فنفس كونه مطاعا هو ms9599 ملك ~~لكن إن كان لايأمر إلا بما أمر به فهو عبد رسول ليس له ملك وإن كان يأمر ~~بما يريده مباحا له ذلك بمنزلة الملك كما قيل لسليمان ( هذا عطاؤنا فامنن ~~أو امسك بغير حساب ) فهذا نبي ملك فالملك هنا قسيم العبد الرسول كما قيل ~~للنبى صلى الله عليه وسلم ( اختر إما عبدا رسولا وإما نبيا ملكا ( # وأما بالتفسير الأول وهو الطاعة والاتباع فقسم من النبوة والرسالة وهؤلاء ~~أكمل وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه كان عبدا رسولا مؤيدا مطاعا ~~متبوعا فأعطى فائدة كونه مطاعا متبوعا ليكون له مثل أجر من اتبعه ولينتفع ~~به الخلق ويرحموا به ويرحم بهم ولم يختر أن يكون ملكا لئلا ينقص لما في ذلك ~~من الاستمتاع بالرياسة والمال ( عن ) نصيبه في الآخرة فإن العبد الرسول ~~أفضل عند الله من النبى الملك ولهذا كان أمر نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن ~~مريم أفضل من داود وسليمان ويوسف حتى إن من أهل الكتاب من طعن في نبوة داود ~~وسليمان كما يطعن كثير من الناس في ولاية بعض أهل الرياسة والمال وليس ~~الأمر كذلك PageV35P034 # وأما الملوك الصالحون فقوله سبحانه ( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ~~قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ~~قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من ~~يشاء والله واسع عليم وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ) ~~وقوله سبحانه ( ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا ~~له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا ) الآية قال مجاهد ملك الأرض مؤمنان ~~وكافران فالمؤمنان سليمان وذو القرنين والكافران بختنصر ونمرود وسيملكها ~~خامس من هذه الأمة وقوله تعالى ( يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا ) # وأما جنس الملوك فكثيرة كقوله ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) ~~وقوله ( وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف PageV35P035 ### || 1 ( قاعدة ms9600 في مواضع الأئمة في مجامع الأمة ) 1 # + 36 47 + ! 8 < وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه ! 8 < # أعلم أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وأكمل لأمته الدين وأتم عليهم النعمة وجعله على شريعة ~~من الأمر وأمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لايعلمون وجعل كتابه مهيمنا ~~على ما بين يديه من الكتب ومصدقا لها وجعل له شرعة ومنهاجا وشرع لأمته سنن ~~الهدى ولن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد كتاب يهدى به وحديد ~~ينصره كما قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) ~~فالكتاب به يقوم العلم والدين والميزان به تقوم الحقوق في العقود المالية ~~والقبوض والحديد به تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين # ولهذا كان في الأزمان المتأخرة الكتاب للعلماء والعباد والميزان للوزراء ~~والكتاب وأهل الديوان والحديد للأمراء والأجناد والكتاب له الصلاة والحديد ~~له الجهاد ولهذا كان أكثر الآيات والأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد وكان ~~النبى صلى الله عليه وسلم يقول في عيادة المريض ( اللهم اشف عبدك يشهد لك ~~صلاة وينكألك عدوا ( وقال عليه السلام ( رأس الأمر الاسلام وعموده الصلاة ~~وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله PageV35P036 # ولهذا جمع بينهما في مواضع من القرآن كقوله تعالى ( إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) ~~والصلاة أول أعمال الاسلام وأصل أعمال الايمان ولهذا سماها إيمانا في قوله ~~( وما كان الله ليضيع ايمانكم ) أى صلاتكم إلى بيت المقدس هكذا نقل عن ~~السلف وقال تعالى ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لايستوون عند الله ) وقال ( فسوف يأتى ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) فوصفهم بالمحبة التى هي حقيقة الصلاة كما ~~قال ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ~~سجدا ms9601 يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) فوصفهم بالشدة على الكفار والضلال # وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل أى العمل أفضل قال ( إيمان ~~بالله وجهاد في سبيله ( فقيل ثم ماذا قال ( ثم حج مبرور ( مع قوله في ~~الحديث الصحيح لما سأله إبن مسعود أي العمل أفضل قال ( الصلاة في وقتها ( ~~قال ثم ماذا قال ( بر الوالدين ( قال ثم ماذا قال ( الجهاد في سبيل الله ( ~~فإن قوله ( إيمان بالله ( دخل فيه الصلاة ولم يذكر في الأول بر الوالدين إذ ~~ليس لكل أحد والدان فالأول مطلق والثانى مقيد بمن له والدان PageV35P037 # ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر خلفائه الراشدين ومن ~~سلك سبيلهم من ولاة الأمور في الدولة الأموية والعباسية أن الإمام يكون ~~إماما في هذين الأصلين جميعا الصلاة والجهاد فالذى يؤمهم في الصلاة يؤمهم ~~في الجهاد وأمر الجهاد والصلاة واحد في المقام والسفر وكان النبى صلى الله ~~عليه وسلم إذا استعمل رجلا على بلد مثل عتاب بن أسيد على مكة وعثمان بن أبى ~~العاص على الطائف وغيرهما كان هو الذي يصلى بهم ويقيم الحدود وكذلك إذا ~~استعمل رجلا على مثل غزوة كإستعماله زيد بن حارثة وابنه أسامة وعمرو بن ~~العاص وغيرهم كان أمير الحرب هو الذي يصلي بالناس ولهذا استدل المسلمون ~~بتقديمه أبا بكر في الصلاة على أنه قدمه في الامامة العامة # وكذلك كان أمراء الصديق كيزيد بن أبى سفيان وخالد بن الوليد وشرحبيل بن ~~حسنة وعمرو بن العاص وغيرهم أمير الحرب هو إمام الصلاة # وكان نواب عمر بن الخطاب كإستعماله على الكوفة عمار بن ياسر على الحرب ~~والصلاة وبن مسعود على القضاء وبيت المال وعثمان بن حنيف على الخراج # ومن هنا أخذ الناس ولاية الحرب وولاية الخراج وولاية القضاء فإن عمر بن ~~الخطاب هو أمير المؤمنين فلما انتشر المؤمنون وغلبوا الكافرين على البلاد ~~وفتحوها واحتاجوا إلى زيادة في الترتيب وضع PageV35P038 لهم الديوان ديوان ~~الخراج للمال المستخرج وديوان العطاء والنفقات للمال المصروف ومصر لهم ~~الأمصار فمصر الكوفة ms9602 والبصرة ومصر الفسطاط فإنه لم يؤثر أن يكون بينه وبين ~~جند المسلمين نهر عظيم كدجلة والفرات والنيل فجعل هذه الأمصار مما يليه ### ||| فصل # وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد فإن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أسس مسجده المبارك على التقوي ففيه الصلاة والقراءة والذكر وتعليم ~~العلم والخطب وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات وتأمير الأمراء وتعريف ~~العرفاء وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم # وكذلك عماله في مثل مكة والطائف وبلاد اليمن وغير ذلك من الأمصار والقرى ~~وكذلك عماله على البوادى فإن لهم مجمعا فيه يصلون وفيه يساسون كما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( إن بنى اسرائيل كان تسوسهم الأنبياء كلما ذهب ~~نبي خلفه نبى وإنه لانبي بعدى وستكون خلفاء تعرفون وتنكرون ( قالوا فما ~~تأمرنا قال ( أوفوا ببيعة الأول فالأول واسألوا الله لكم فإن الله سائلهم ~~عما استرعاهم PageV35P039 # وكان الخلفاء والأمراء يسكنون في بيوتهم كما يسكن سائر المسلمين في ~~بيوتهم لكن مجلس الإمام الجامع هو المسجد الجامع وكان سعد بن أبى وقاص قد ~~بنى له بالكوفة قصرا وقال أقطع عنى الناس فأرسل إليه عمر بن الخطاب محمد بن ~~مسلمة وأمره أن يحرقه فاشترى من نبطي حزمة حطب وشرط عليه حملها إلى قصره ~~فحرقه فإن عمر كره للوالي الاحتجاب عن رعيته ولكن بنيت قصور الأمراء فلما ~~كانت إمارة معاوية احتجب لما خاف أن يغتال كما اغتيل علي واتخذ المقاصير في ~~المساجد ليصلي فيها ذو السلطان وحاشيته واتخذ المراكب فاستن به الخلفاء ~~الملوك بذلك فصاروا مع كونهم يتولون الحرب والصلاة بالناس ويباشرون الجمعة ~~والجماعة والجهاد واقامة الحدود لهم قصور يسكنون فيها ويغشاهم رؤوس الناس ~~فيها كما كانت الخضراء لبنى أمية قبلى المسجد الجامع والمساجد يجتمع فيها ~~للعبادات والعلم ونحو ذلك ### ||| فصل # طال الأمد وتفرقت الأمة وتمسك كل قوم بشعبة من الدين بزيادات زادوها ~~فأعرضوا عن شعبة منه أخرى أحدثت الملوك والأمراء القلاع والحصون وإنما كانت ~~تبنى الحصون والمعاقل قديما في الثغور خشية PageV35P040 أن يدهمها العدو ~~وليس عندهم من ms9603 يدفعه عنها وكانوا يسمون الثغور الشامية ( العواصم ( وهي ~~قنسرين وحلب # وأحدثت ( المدارس ( لأهل العلم # وأحدثت ( الربط والخوانق ( لأهل التعبد وأظن مبدأ انتشار ذلك في ( دولة ~~السلاجقة ( فأول ما بنيت المدارس والرباطات للمساكين ووقفت عليها وقوف تجرى ~~على أهلها في وزارة ( نظام الملك ( وأما قبل ذلك فقد وجد ذكر المدارس وذكر ~~الربط لكن ما أظن كان موقوفا عليها لأهلها وانما كانت مساكن مختصة وقد ذكر ~~الإمام معمر بن زياد من أصحاب الواحدى في ( أخبار الصوفية ( أن أول دويرة ~~بنيت لهم في البصرة وأما ( المدارس فقد رأيت لها ذكرا قبل دولة السلاجقة في ~~أثناء المائة الرابعة ودولتهم إنما كانت في المائة الخامسة وكذلك هذه ( ~~القلاع والحصون ( التى بالشام عامتها محدث كما بنى الملك العادل قلعة دمشق ~~وبصرى وحران وذلك أن النصارى كانوا كثيرى الغزو إليهم وكان الناس بعد ~~المائة الثالثة قد ضعفوا عن دفاع النصارى عن السواحل حتى استعلوا على كثير ~~من ثغور الشام الساحلية PageV35P041 ### ||| فصل # في ( الخلافة والسلطان ( وكيفية كونه ظل الله في الأرض قال الله تعالى ( ~~وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة ) وقال الله تعالى ( ياداود ~~إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله ) # وقوله ( انى جاعل في الأرض خليفة ) يعم آدم وبنيه لكن الإسم متناول لآدم ~~عينا كقوله ( لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ) وقوله ( خلق الانسان من ~~صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ) وقوله ( وبدأ خلق الانسان من ~~طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) ( ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ) ~~إلى أمثال ذلك # ولهذا كان بين داود وآدم من المناسبة ما أحب به داود حين أراه ذريته وسأل ~~عن عمره فقيل أربعون سنة فوهبه من عمره الذي هو ألف سنة ستين سنة والحديث ~~صحيح رواه الترمذي وغيره وصححه ولهذا كلاهما ابتلى بما ابتلاه به من ~~الخطيئة كما أن كلا منهما PageV35P042 مناسبة للأخرى إذ جنس الشهوتين واحد ~~ورفع درجته بالتوبة العظيمة التى نال ms9604 بها من محبة الله له وفرحه به ما نال ~~ويذكر عن كل منهما من البكاء والندم والحزن ما يناسب بعضه بعضا # والخليفة هو من كان خلفا عن غيره فعيلة بمعنى فاعلة كان النبى صلى الله ~~عليه وسلم إذا سافر يقول ( اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ( ~~وقال صلى الله عليه وسلم ( من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد ~~غزا ( وقال ( أو كلما خرجنا في الغزو خلف أحدهم وله نبيب كنبيب التيس يمنح ~~احداهن اللبنة من اللبن لئن أظفرنى الله بأحد منهم لأجعلنه نكالا ( وفى ~~القرآن ( سيقول لك المخلفون من الأعراب ) وقوله ( فرح المخلفون بمقعدهم ~~خلاف رسول الله ) # والمراد ( بالخليفة ( أنه خلف من كان قبله من الخلق والخلف فيه مناسبة ~~كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه خلفه على ~~أمته بعد موته وكما كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا سافر لحج أو عمرة أو ~~غزوة يستخلف على المدينة من يكون خليفة له مدة معينة فيستخلف تارة بن أم ~~مكتوم وتارة غيره واستخلف على بن أبى طالب في غزوة تبوك وتسمى الأمكنة التى ~~يستخلف فيها الامام ( مخاليف ( مثل مخاليف اليمن ومخاليف أرض الحجاز ومنه ~~الحديث ( حيث خرج من مخلاف إلى مخلاف ( ومنه قوله تعالى ( وهو الذى جعلكم ~~خلائف في الأرض ورفع بعضكم PageV35P043 فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم ) ~~وقوله تعالى ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا إلى قوله تعالى ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض ومنه قوله تعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن ~~لهم دينهم الذى ارتضى لهم ) الآية وقد ظن بعض القائلين الغالطين كابن عربى ~~أن ( الخليفة ( هو الخليفة عن الله مثل نائب الله وزعموا أن هذا بمعنى أن ~~يكون الانسان مستخلفا وربما فسروا ( تعليم آدم الأسماء كلها ( التى جمع ~~معانيها الانسان ويفسرون ( خلق آدم على صورته ( بهذا المعنى أيضا وقد أخذوا ~~من الفلاسفة قولهم الانسان هو ms9605 العالم الصغير وهذا قريب وضموا إليه أن الله ~~هو العالم الكبير بناء على أصلهم الكفرى في وحدة الوجود وأن الله هو عين ~~وجود المخلوقات فالانسان من بين المظاهر هو الخليفة الجامع للأسماء والصفات ~~ويتفرع على هذا ما يصيرون إليه من دعوى الربوبية والألوهية المخرجة لهم إلى ~~الفرعونية والقرمطية والباطنية # وربما جعلوا ( الرسالة ( مرتبة من المراتب وأنهم أعظم منها فيقرون ~~بالربوبية والوحدانية والألوهية وبالرسالة ويصيرون في الفرعونية هذا ~~إيمانهم أو يخرجون في أعمالهم أن يصيروا ( سدى ) لا أمر عليهم ولانهى ولا ~~إيجاب ولاتحريم PageV35P044 # والله لا يجوز له خليفة ولهذا لما قالوا لأبى بكر ياخليفة الله قال لست ~~بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبي ذلك بل هو ~~سبحانه يكون خليفة لغيره قال النبى صلى الله عليه وسلم ( اللهم أنت الصاحب ~~في السفر والخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا ( وذلك ~~لأن الله حى شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين ليس له شريك ولا ~~ظهير ولا يشفع أحد عنده الا بإذنه والخليفة أنما يكون عند عدم المستخلف ~~بموت أو غيبة ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف وسمى ( خليفة ( لأنه خلف ~~عن الغزو وهو قائم خلفه وكل هذه المعانى منتفية في حق الله تعالى وهو منزه ~~عنها فإنه حي قيوم شهيد لا يموت ولا يغيب وهو غنى يرزق ولا يرزق يرزق عباده ~~وينصرهم ويهديهم ويعافيهم بما خلقه من الأسباب التى هي من خلقه والتى هي ~~مفتقرة إليه كافتقار المسببات إلى أسبابها فالله هو الغنى الحميد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وما بينهما ( يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو ~~في شأن ) ( وهو الذي في السماء إله وفى الأرض إله ) ولا يجوز أن يكون أحد ~~خلفا منه ولايقوم مقامه لأنه لا سمى له ولا كفء له فمن جعل له خليفة فهو ~~مشرك به # وأما الحديث النبوي ( السلطان ظل الله في الأرض يأوى إليه كل ضعيف وملهوف ~~) وهذا صحيح فإن الظل مفتقر إلى آو ms9606 وهو رفيق له PageV35P045 مطابق له نوعا ~~من المطابقة والآوى إلى الظل المكتنف بالمظل صاحب الظل فالسلطان عبد الله ~~مخلوق مفتقر إليه لا يستغنى عنه طرفة عين وفيه من القدرة والسلطان والحفظ ~~والنصرة وغير ذلك من معانى السؤدد والصمدية التى بها قوام الخلق ما يشبه أن ~~يكون ظل الله في الأرض وهو أقوى الأسباب التى بها يصلح أمور خلقه وعباده ~~فإذا صلح ذو السلطان صلحت أمور الناس وإذا فسد فسدت بحسب فساده ولا تفسد من ~~كل وجه بل لابد من مصالح إذ هو ظل الله لكن الظل تارة يكون كاملا مانعا من ~~جميع الأذى وتارة لايمنع الا بعض الأذى وأما إذا عدم الظل فسد الأمر كعدم ~~سر الربوبية التى بها قيام الأمة الانسانية والله تعالى أعلم PageV35P046 + ~~47 49 + وقال رحمه الله تعالى ### ||| فصل # حكا أصحابنا كالقاضى أبى يعلى وغيره عن الإمام أحمد في خلافة أبى بكر هل ~~ثبتت باختيار المسلمين له أو بالنص الخفى عن النبى صلى الله عليه وسلم أو ~~البين # ( أحدهما ( بالاختيار وهو قول جمهور العلماء والفقهاء وأهل الحديث ~~والمتكلمين كالمعتزلة والأشعرية وغيرهم # و ( الثانية ( بالنص الخفي وهو قول طوائف أهل الحديث والمتكلمين ويروى عن ~~الحسن البصرى وبعض أهل هذا القول يقولون بالنص الجلي # وأما قول ( الامامية ( أنها ثبتت بالنص الجلى على علي وقول ( الزيدية ~~الجارودية ( أنها بالنص الخفى عليه وقول ( الراوندية ( أنها بالنص على ~~العباس فهذه أقوال ظاهرة الفساد عند أهل العلم والدين وإنما يدين بها إما ~~جاهل وإما ظالم وكثير ممن يدين بها زنديق PageV35P047 والتحقيق في خلافة ~~أبى بكر وهو الذي يدل عليه كلام أحمد أنها انعقدت باختيار الصحابة ~~ومبايعتهم له وأن النبى صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوعها على سبيل الحمد ~~لها والرضى بها وأنه أمر بطاعته وتفويض الأمر إليه وأنه دل الأمة وأرشدهم ~~إلى بيعته فهذه الأوجه الثلاثة الخبر والأمر والارشاد ثابت من النبى صلى ~~الله عليه وسلم # ( فالأول ( كقوله ( رأيت كأنى على قليب أنزع منها فأتى بن أبى قحافة فنزع ~~ذنوبا أو ذنوبين ( الحديث ms9607 وكقوله ( كأن ميزانا دلي من السماء إلى الأرض ~~فوزنت بالأمة فرجحت ثم وزن عمر ( الحديث وكقوله ( إدعى لي أباك وأخاك حتى ~~أكتب لأبى بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدى ( ثم قال ( يأبى الله ~~والمؤمنون إلا أبا بكر ( فهذا إخبار منه بأن الله والمؤمنون لا يعقدونها ~~إلا لأبى بكر الذي هم بالنص عليه وكقوله ( أري الليلة رجل صالح كان أبا بكر ~~نيط برسول الله ( الحديث وقوله ( خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا ( # وأما ( الأمر ( فكقوله ( اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر ( وقوله ~~عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى ( وقوله للمرأة التى ~~سألته إن لم أجدك قال ( فاتى أبا بكر ( وقوله لأصحاب الصدقات ( إذا لم ~~تجدوه أعطوها لأبى بكر ( ونحو ذلك PageV35P048 و ( الثالث ( تقديمه له في ~~الصلاة وقوله ( سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبى بكر ( وغير ذلك من ~~خصائصه ومزاياه وهذه الوجوه الثلاثة الثابتة بالسنة دل عليها القرآن # ( فالأول ( في قوله ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم ) الآية وقوله ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ) وقوله ( ~~وسيجزي الله الشاكرين ) # والثاني قوله ( ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ) # الآية والثالث كقوله ( وسيجنبها الأتقى ) وقوله ( النبيين والصديقين ) ~~وقوله ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) ونحو ذلك # فثبتت صحة خلافته ووجوب طاعته بالكتاب والسنة والاجماع وإن كانت انما ~~انعقدت بالاجماع والاختيار كما أن الله إذا أمر بتولية شخص أو إنكاحه أو ~~غير ذلك من الأمور معه فإن ذلك الأمر لايحصل إلا بعقد الولاية والنكاح ~~والنصوص قد دلت على أمر الله بذلك العقد ومحبته له فالنصوص دلت على أنهم ~~مأمورون باختياره والعقد له وأن الله يرضى ذلك ويحبه وأما حصول المأمور به ~~المحبوب فلا يحصل إلا بالامتثال فلما امتثلوا ما أمروا به عقدوا له ~~بإختيارهم وكان هذا أفضل في حقهم وأعظم في درجتهم PageV35P049 + 50 51 + ~~وقال رحمه الله ### ||| فصل # أهل الأهواء في ( قتال علي ومن حاربه ( على أقوال # أما ( الخوارج ( فتكفر الطائفتان المقتتلان جميعا ms9608 وأما ( الرافضة ( فتكفر ~~من قاتل عليا مع المتواتر عنه من أنه حكم فيهم بحكم المسلمين ومنع من ~~تكفيرهم # ولهم في قتال طلحة والزبير وعائشة ثلاثة أقوال ( أحدها ( تفسيق الطائفتين ~~لابعينها وهو قول عمرو بن عبيد وأصحابه و ( الثاني ( تفسيق من قاتله إلا من ~~تاب ويقولون إن طلحة والزبير وعائشة تابوا وهذا مقتضى ما حكى عن جمهورهم ~~كأبى الهذيل وأصحابه وأبى الحسين وغيرهم # وذهب بعض الناس إلى تخطئته في قتال طلحة والزبير دون قتال أهل الشام # ففى الجملة ( أهل البدع ( من الخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم يجعلون ~~القتال موجبا لكفر أو لفسق PageV35P050 + 51 54 + # وأما ( أهل السنة ( فمتفقون على عدالة القوم ثم لهم في التصويب والتخطئة ~~مذاهب لأصحابنا وغيرهم # ( أحدها ( أن المصيب علي فقط و ( الثانى ( الجميع مصيبون و ( الثالث ( ~~المصيب واحد لابعينه و ( الرابع ( الامساك عما شجر بينهم مطلقا مع العلم ~~بأن عليا وأصحابه هم أولى الطائفتين بالحق كما في حديث أبى سعيد لما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فيقتلهم ~~أولى الطائفتين بالحق ( وهذا في حرب أهل الشام والأحاديث تدل على أن حرب ~~الجمل فتنة وأن ترك القتال فيها أولى فعلى هذا نصوص أحمد وأكثر أهل السنة ~~وذلك الشجار بالألسنة والأيدى أصل لما جرى بين الأمة بعد ذلك في الدين ~~والدنيا فليعتبر العاقل بذلك وهو مذهب أهل السنة والجماعة ### |||| وسئل رحمه الله # عن طائفتين من الفلاحين اقتتلتا فكسرت إحداهما الأخرى وانهزمت المكسورة ~~وقتل منهم بعد الهزيمة جماعة فهل يحكم للمقتولين من المهزومين بالنار ~~ويكونون داخلين في قول النبى ( القاتل والمقتول في النار ( أم لا وهل يكون ~~حكم المنهزم حكم من يقتل منهم في المعركة أم PageV35P051 لا ### ||||| فأجاب # الحمد ~~لله إن كان المنهزم قد انهزم بنية التوبة عن المقاتلة المحرمة لم يحكم له ~~بالنار فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات # وأما إن كان انهزامه عجزا فقط ولو قدر على خصمه لقتله فهو في النار كما ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم ms9609 ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار ( قيل يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال ( إنه ~~أراد قتل صاحبه ( فإذا كان المقتول في النار لأنه أراد قتل صاحبه فالمنهزم ~~بطريق الأولى لأنهما اشتركا في الارادة والفعل والمقتول أصابه من الضرر ~~مالم يصب المهزوم ثم إذا لم تكن هذه المصيبة مكفرة لاثم المقاتلة فلأن لا ~~تكون مصيبة الهزيمة مكفرة أولى بل إثم المنهزم المصر على المقاتلة أعظم من ~~إثم المقتول في المعركة واستحقاقه للنار أشد لأن ذلك انقطع عمله السيء ~~بموته وهذا مصر على الخبث العظيم ولهذا قالت طائفة من الفقهاء إن منهزم ~~البغاة يقتل إذا كان له طائفة يأوى إليها فيخاف عوده بخلاف المثخن بالجرح ~~منهم فإنه لايقتل وسببه أن هذا انكف شره والمنهزم لم ينكف شره # وأيضا فالمقتول قد يقال إنه بمصيبة القتل قد يخفف عنه العذاب وإن كان من ~~أهل النار ومصيبة الهزيمة دون مصيبة القتل فظهر أن المهزوم أسوء حالا من ~~المقتول إذا كان مصرا على قتل أخيه ومن تاب فإن الله غفور رحيم PageV35P052 ### |||| وسئل رحمه الله # عن ( البغاة والخوارج ( هل هي الفاظ مترادفة بمعنى واحد أم بينهما فرق ~~وهل فرقت الشريعة بينهما في الأحكام الجارية عليهما أم لا وإذا إدعى مدع أن ~~الأئمة اجتمعت على أن لا فرق بينهم إلا في الاسم وخالفه مخالف مستدلا بأن ~~أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه فرق بين أهل الشام وأهل النهروان فهل الحق ~~مع المدعي أو مع مخالفه ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما قول القائل إن الأئمة اجتمعت على أن لا فرق بينهما ~~إلا في الاسم فدعوى باطلة ومدعيها مجازف فإن نفي الفرق إنما هو قول طائفة ~~من أهل العلم من أصحاب أبى حنيفة والشافعى وأحمد وغيرهم مثل كثير من ~~المصنفين في ( قتال أهل البغى ( فإنهم قد يجعلون قتال أبى بكر لمانعى ~~الزكاة وقتال على الخوارج وقتاله لأهل الجمل وصفين إلى غير ذلك من قتال ~~المنتسبين إلى الاسلام من باب ( قتال أهل البغي PageV35P053 ثم مع ذلك فهم ~~متفقون ms9610 على أن مثل طلحة والزبير ونحوهما من الصحابة من أهل العدالة لايجوز ~~أن يحكم عليهم بكفر ولافسق بل مجتهدون إما مصيبون وإما مخطئون وذنوبهم ~~مغفورة لهم ويطلقون القول بأن البغاة ليسوا فساقا # فإذا جعل هؤلاء وأولئك سوآء لزم أن تكون الخوارج وسائر من يقاتلهم من أهل ~~الاجتهاد الباقين على العدالة ( سواء ) ولهذا قال طائفة بفسق البغاة ولكن ~~أهل السنة متفقون على عدالة الصحابة # وأما جمهور أهل العلم فيفرقون بين ( الخوارج المارقين ( وبين ( أهل الجمل ~~وصفين ( وغير أهل الجمل وصفين ممن يعد من البغاة المتأولين وهذا هو المعروف ~~عن الصحابة وعليه عامة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين وعليه نصوص أكثر ~~الأئمة واتباعهم من أصحاب مالك وأحمد والشافعي وغيرهم # وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( تمرق ~~مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ( وهذا الحديث ~~يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة ويبين أن المارقين نوع ثالث ليسوا PageV35P054 ~~من جنس أولئك فإن طائفة علي أولى بالحق من طائفة معاوية وقال في حق الخوارج ~~المارقين ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرؤون القرآن لايجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم ~~يوم القيامة ( وفى لفظ ( لو يعلم الذين يقاتلونهم ما لهم على لسان نبيهم ~~لنكلوا عن العمل ( وقد روى مسلم أحاديثهم في الصحيح من عشرة أوجه وروى هذا ~~البخارى من غير وجه ورواه أهل السنن والمسانيد وهي مستفيضة عن النبى متلقاة ~~بالقبول أجمع عليها علماء الأمة من الصحابة ومن اتبعهم واتفق الصحابة على ~~قتال هؤلاء الخوارج # وأما ( أهل الجمل وصفين ( فكانت منهم طائفة قاتلت من هذا الجانب وأكثر ~~أكابر الصحابة لم يقاتلوا لا من هذا الجانب ولا من هذا الجانب واستدل ~~التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبى صلى الله عليه وسلم في ترك ~~القتال في الفتنة وبينوا أن هذا قتال فتنة # وكان على رضي الله عنه مسرورا لقتال ms9611 الخوارج ويروى الحديث عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم في الأمر بقتالهم وأما قتال ( صفين ( فذكر أنه ليس معه فيه ~~نص وإنما هو رأى رآه وكان أحيانا يحمد من لم ير القتال PageV35P055 # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحسن ( إن ~~ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ( فقد مدح ~~الحسن وأثنى عليه باصلاح الله به بين الطائفتين أصحاب على وأصحاب معاوية ~~وهذا يبين أن ترك القتال كان أحسن وأنه لم يكن القتال واجبا ولا مستحبا # ( وقتال الخوارج ( قد ثبت عنه أنه أمر به وحض عليه فكيف يسوى بين ما أمر ~~به وحض عليه وبين ما مدح تاركه واثنى عليه فمن سوى بين قتال الصحابة الذين ~~اقتتلوا بالجمل وصفين وبين قتال ذى الخويصرة التميمى وأمثاله من الخوارج ~~المارقين والحرورية المعتدين كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل والظلم ~~المبين ولزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة والمعتزلة الذين يكفرون ~~أو يفسقون المتقاتلين بالجمل وصفين كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين ~~فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين مع اتفاقهم على الثناء ~~على الصحابة المقتتلين بالجمل وصفين والامساك عما شجر بينهم فكيف نسبة هذا ~~بهذا # وأيضا فالنبى صلى الله عليه وسلم أمر بقتال ( الخوارج ( قبل أن يقاتلوا ~~وأما ( أهل البغي ( فإن الله تعالى قال فيهم ( وان طائفتان من المؤمنين ~~PageV35P056 اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التى تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ~~ان الله يحب المقسطين ) فلم يأمر بقتال الباغية ابتداء فالاقتتال ابتداء ~~ليس مأمورا به ولكن إذا اقتتلوا أمر بالاصلاح بينهم ثم إن بغت الواحدة ~~قوتلت ولهذا قال من قال من الفقهاء إن البغاة لا يبتدءون بقتالهم حتى ~~يقاتلوا وأما الخوارج فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فيهم ( أينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ( ~~وقال ( لئن أدركتهم لأقتلنهم ms9612 قتل عاد # وكذلك مانعوا الزكاة فإن الصديق والصحابة ابتدءوا قتالهم قال الصديق ~~والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقاتلتهم عليه وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجوب ~~ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الامام عليها مع إقراره بالوجوب ~~على قولين هما روايتان عن أحمد كالروايتين عنه في تكفير الخوارج وأما أهل ~~البغى المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين فإن القرآن قد نص على ايمانهم ~~واخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي والله أعلم PageV35P057 ### || 1 ( سؤال في معاوية بن أبي سفيان ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه الله ! 8 < # عمن يلعن ( معاوية ( فماذا يجب عليه وهل قال النبى صلى الله عليه وسلم ~~هذه الأحاديث وهى إذا ( اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون ( وأيضا ( ان عمارا ~~تقتله الفئة الباغية ( وقتله عسكر معاوية وهل سبوا أهل البيت أو قتل الحجاج ~~شريفا ### ||||| فأجاب # الحمد لله من لعن أحدا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كمعاوية ~~بن أبى سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما ومن هو أفضل من هؤلاء كأبى موسى ~~الأشعرى وأبى هريرة ونحوهما أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان ~~وعلى بن أبى طالب أو أبى بكر الصديق وعمر أو عائشة أم المؤمنين وغير هؤلاء ~~من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة ~~الدين وتنازع العلماء هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل كما قد بسطنا ذلك في ~~غير هذا الموضع # وقد ثبت في الصحيحين عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( لاتسبوا أصحابى فوالذي نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل PageV35P058 أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( واللعنة أعظم من السب وقد ثبت في الصحيح ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لعن المؤمن كقتله فقد جعل النبى صلى ~~الله عليه وسلم لعن المؤمن كقتله # وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار المؤمنين كما ثبت عنه أنه قال ~~( خير القرون القرن ms9613 الذى بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( وكل ~~من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنا به فله من الصحبة بقدر ذلك كما ~~ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ( يغزو جيش فيقول هل فيكم من ~~صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزو جيش فيقول ~~هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم وذكر ~~الطبقة الثالثة ( فعلق الحكم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم كما علقه ~~بصحبته # ولما كان لفظ ( الصحبة ( فيه عموم وخصوص كان من اختص من الصحابة بما ~~يتميز به عن غيره يوصف بتلك الصحبة دون من لم يشركه فيها قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم في حديث أبى سعيد المتقدم لخالد بن الوليد لما اختصم هو ~~وعبد الرحمن ( يا خالد لا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل ~~أحد ذهبا مابلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( فإن عبد الرحمن بن عوف هو وأمثاله من ~~السابقين الأولين من الذين أنفقوا قبل الفتح فتح الحديبية وخالد بن الوليد ~~وغيره ممن اسلم بعد الحديبية وأنفقوا وقاتلوا دون أولئك قال 4 تعالى @QB@ ~~لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا ~~من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى @QE@ PageV35P059 والمراد ( بالفتح ( ~~فتح الحديبية لما بايع النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه تحت الشجرة وكان ~~الذين بايعوه أكثر من ألف وأربعمائة وهم الذين فتحوا خيبر وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لايدخل النار أحد بايع تحت ~~الشجرة ( وسورة الفتح ( الذى فيها ذلك أنزلها الله قبل أن تفتح مكة بل قبل ~~أن يعتمر النبى صلى الله عليه وسلم وكان قد بايع أصحابه تحت الشجرة عام ~~الحديبية سنة ست من الهجرة وصالح المشركين صلح الحديبية المشهور وبذلك ~~الصلح حصل من الفتح مالا يعلمه إلا الله مع أنه قد كان كرهه خلق من ~~المسلمين ولم ms9614 يعلموا مافيه من حسن العاقبة حتى قال سهل بن حنيف أيها الناس ~~اتهموا الرأى فقد رأيتنى يوم أبى جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمره لرددت رواه البخارى وغيره فلما كان من العام القابل ~~اعتمر النبى صلى الله عليه وسلم ودخل هو ومن اعتمر معه مكة معتمرين وأهل ~~مكة يؤمئذ مع المشركين ولما كان في العام الثامن فتح مكة في شهر رمضان وقد ~~أنزل الله في سورة الفتح ( لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين محلقين ~~رءوسكم ومقصرين لاتخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) ~~فوعدهم في سورة الفتح أن يدخلوا مكة آمنين وانجز موعده من PageV35P060 ~~العام الثاني وأنزل في ذلك ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ) ~~وذلك كله قبل فتح مكة فمن توهم أن ( سورة الفتح ( نزلت بعد فتح مكة فقد غلط ~~غلطا بينا # ( والمقصود ( أن أولئك الذين صحبوه قبل الفتح اختصوا من الصحبة بما ~~استحقوا به التفضيل على من بعدهم حتى قال لخالد ( لا تسبوا أصحابى ( فانهم ~~صحبوه قبل أن يصحبه خالد وأمثاله # ولما كان ( لأبى بكر الصديق ( رضي الله عنه من مزية الصحبة ما تميز به ~~على جميع الصحابة خصه بذلك في الحديث الصحيح الذى رواه البخارى عن أبى ~~الدرداء أنه كان بين أبى بكر وعمر كلام فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له ~~فامتنع عمر وجاء أبو بكر إلى النبى صلى الله عليه وسلم فذكر له ما جرى ثم ~~إن عمر ندم فخرج يطلب أبا بكر في بيته فذكر له أنه كان عند النبى صلى الله ~~عليه وسلم فلما جاء عمر أخذ النبى صلى الله عليه وسلم يغضب لأبى بكر وقال ( ~~أيها الناس إنى جئت إليكم فقلت انى رسول الله إليكم فقلتم كذبت وقال أبو ~~بكر صدقت فهل أنتم تاركوا لي صاحبى فهل أنتم تاركوا لي صاحبي فما أوذي ~~بعدها فهنا خصه باسم الصحبة كما خصه به القرآن في قوله تعالى PageV35P061 ~~@QB@ ثاني اثنين إذ هما في ms9615 الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا @QE@ ~~وفى الصحيحين عن أبى سعيد أن النبى قال ( إن عبدا خيره الله بين الدنيا ~~والآخرة فإختار ذلك العبد ماعند الله ( فبكى أبو بكر فقال بل نفديك بأنفسنا ~~وأموالنا قال فجعل الناس يعجبون أن ذكر النبى صلى الله عليه وسلم عبدا خيره ~~الله بين الدنيا والآخرة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان ~~أبو بكر أعلمنا به وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( إن أمن الناس علينا في ~~صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا ولكن أخى وصاحبى سدوا كل خوخة في المسجد الا خوخة أبى بكر ( وهذا من ~~أصح حديث يكون باتفاق العلماء العارفين بأقوال النبى صلى الله عليه وسلم ~~وأفعاله وأحواله # ( والمقصود ( أن الصحبة فيها خصوص وعموم وعمومها يندرج فيه كل من رآه ~~مؤمنا به ولهذا يقال صحبته سنة وشهرا وساعة ونحو ذلك # و ( معاوية وعمرو بن العاص وأمثالهم ( من المؤمنين لم يتهمهم أحد من ~~السلف بنفاق بل قد ثبت في الصحيح أن عمرو بن العاص لما بايع النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبى فقال PageV35P062 ( ياعمرو ~~أما علمت أن الاسلام يهدم ماكان قبله ( ومعلوم أن الاسلام الهادم هو اسلام ~~المؤمنين لا إسلام المنافقين # وأيضا فعمرو بن العاص وأمثاله ممن قدم مهاجرا إلى النبى بعد الحديبية ~~هاجروا إليه من بلادهم طوعا لا كرها والمهاجرون لم يكن فيهم منافق وانما ~~كان النفاق في بعض من دخل من الأنصار وذلك أن الأنصار هم أهل المدينة فلما ~~أسلم اشرافهم وجمهورهم احتاج الباقون أن يظهروا الاسلام نفاقا لعز الإسلام ~~وظهوره في قومهم وأما أهل مكة فكان اشرافهم وجمهورهم كفارا فلم يكن يظهر ~~الايمان إلا من هو مؤمن ظاهرا وباطنا فإنه كان من أظهر الاسلام يؤذى ويهجر ~~وانما المنافق يظهر الاسلام لمصلحة دنياه وكان من أظهر الاسلام بمكة يتأذى ~~في دنياه ثم لما هاجر النبى صلى ms9616 الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر معه أكثر ~~المؤمنين ومنع بعضهم من الهجرة إليه كما منع رجال من بنى مخزوم مثل الوليد ~~بن المغيرة أخو خالد أخو أبي جهل لأمه ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~يقنت لهؤلاء ويقول في قنوته ( اللهم نج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام ~~والمستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنينا ~~كسني يوسف ( والمهاجرون من أولهم إلى آخرهم ليس فيهم من اتهمه أحد بالنفاق ~~بل كلهم مؤمنون مشهود لهم بالايمان ( ولعن المؤمن كقتله PageV35P063 # وأما ( معاوية بن أبى سفيان وأمثاله ) من الطلقاء الذين أسلموا بعد فتح ~~مكة كعكرمة بن أبى جهل والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وأبى ~~سفيان بن الحارث بن عبد المطلب هؤلاء وغيرهم ممن حسن إسلامهم باتفاق ~~المسلمين ولم يتهم أحد منهم بعد ذلك بنفاق ومعاوية قد إستكتبه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال ( اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب # وكان أخوه يزيد بن أبى سفيان خيرا منه وأفضل وهو أحد الأمراء الذين بعثهم ~~أبو بكر الصديق رضى الله عنه في فتح الشام ووصاه بوصية معروفة وأبو بكر ماش ~~ويزيد راكب فقال له ياخليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل فقال لست ~~براكب ولست بنازل إنى احتسب خطاي في سبيل الله وكان عمرو بن العاص هو ~~الأمير الآخر والثالث شرحبيل بن حسنة والرابع خالد بن الوليد وهو أميرهم ~~المطلق ثم عزله عمر وولى أبا عبيدة عامر بن الجراح الذى ثبت في الصحيح أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم شهد له أنه أمين هذه الأمة فكان فتح الشام على يد ~~أبى عبيدة وفتح العراق على يد سعد بن أبى وقاص ثم # لما مات يزيد بن أبى سفيان في خلافة عمر استعمل أخاه معاوية وكان عمر بن ~~الخطاب من أعظم الناس فراسة وأخبرهم بالرجال وأقومهم PageV35P064 بالحق ~~وأعلمهم به حتى قال على بن أبى طالب رضى الله عنه كنا نتحدث أن السكينة ~~تنطق على لسان ms9617 عمر وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( أن الله ضرب الحق على ~~لسان عمر وقلبه ( وقال ( لولم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ( وقال بن عمر ~~ماسمعت عمر يقول في الشيء أنى لأراه كذا وكذا إلا كان كما رآه وقد قال له ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( مارآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك ( ~~ولا استعمل عمر قط بل ولا أبو بكر على المسلمين منافقا ولا استعملا من ~~أقاربهما ولا كان تأخذهما في الله لومة لائم بل لما قاتلا أهل الردة ~~وأعادوهم إلى الاسلام منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى تظهر صحة توبتهم ~~وكان عمر يقول لسعد بن أبى وقاص وهو أمير العراق لاتستعمل أحدا منهم ولا ~~تشاورهم في الحرب فإنهم كانوا أمراء أكابر مثل طليحة الأسدى والأقرع بن ~~حابس وعيينة بن حصن والأشعث بن قيس الكندى وأمثالهم فهؤلاء لما تخوف أبو ~~بكر وعمر منهم نوع نفاق لم يولهم على المسلمين # فلو كان ( عمرو بن العاص ( ومعاوية بن أبى سفيان وأمثالهما ( ممن يتخوف ~~منهما النفاق لم يولوا على المسلمين بل عمرو بن العاص قد أمره النبى صلى ~~الله عليه وسلم في غزوة ذات السلاسل والنبى صلى الله عليه وسلم لم يول على ~~المسلمين منافقا وقد استعمل على نجران أبا سفيان بن حرب أبا معاوية ومات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان PageV35P065 نائبه على نجران وقد ~~اتفق المسلمون على أن اسلام معاوية خير من اسلام أبيه أبى سفيان فكيف يكون ~~هؤلاء منافقين والنبى صلى الله عليه وسلم يأتمنهم على أحوال المسلمين في ~~العلم والعمل وقد علم أن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهما كان بينهم من الفتن ~~ما كان ولم يتهمهم أحد من أوليائهم لا محاربوهم ولا غير محاربيهم بالكذب ~~على النبى صلى الله عليه وسلم بل جميع علماء الصحابة والتابعين بعدهم ~~متفقون على أن هؤلاء صادقون على رسول الله مأمونون عليه في الرواية عنه ~~والمنافق غير مأمون على النبى صلى الله عليه وسلم بل هو كاذب عليه مكذب ms9618 له # وإذا كانوا مؤمنين محبين لله ورسوله فمن لعنهم فقد عصى الله ورسوله وقد ~~ثبت في صحيح البخارى ما معناه أن رجلا يلقب حمارا وكان يشرب الخمر وكان ~~كلما شرب أتى به إلى النبى صلى الله عليه وسلم جلده فأتى به إليه مرة فقال ~~رجل لعنه الله ما أكثر مايؤتى به إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( لاتلعنوه فإنه يحب الله ورسوله ( وكل مؤمن يحب الله ~~ورسوله ومن لم يحب الله ورسوله فليس بمؤمن وأن كانوا متفاضلين في الايمان ~~وما يدخل فيه من حب وغيره هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم ( لعن الخمر ~~وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها ( وقد ~~نهى عن لعنه هذا المعين لأن اللعنة من ( باب الوعيد ( فيحكم به PageV35P066 ~~عموما وأما المعين فقد يرتفع عنه الوعيد لتوبة صحيحة أو حسنات ماحية أو ~~مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة أو غير ذلك من الأسباب التى ضررها يرفع ~~العقوبة عن المذنب فهذا في حق من له ذنب محقق # وكذلك حاطب بن أبى بلتعة ( فعل مافعل وكان يسيء إلى مماليكه حتى ثبت في ~~الصحيح أن غلامه قال يارسول الله والله ليدخلن حاطب بن أبى بلتعة النار قال ~~( كذبت إنه شهد بدرا والحديبية ( وفى الصحيح عن على بن أبى طالب أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أرسله والزبير بن العوام وقال لهما ( إئتيا روضة خاخ ~~فإن بها ظعينة ومعها كتاب ( قال على فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى لقينا ~~الظعينة فقلنا أين الكتاب فقالت ما معي كتاب فقلنا لها لتخرجن الكتاب أو ~~لنلقين الثياب قال فاخرجته من عقاصها فاتينا به النبى صلى الله عليه وسلم ~~وإذا كتاب من حاطب إلى بعض المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبى صلى الله ~~عليه وسلم فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( ما هذا يا حاطب ( فقال والله ~~يارسول الله مافعلت هذا ارتدادا عن دينى ولا رضاء بالكفر بعد الاسلام ولكن ~~كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن ms9619 من انفسها وكان من معك من المسلمين لهم ~~قرابات يحمون بهم أهاليهم بمكة فاحببت إذ فاتنى ذلك منهم ان اتخذ عندهم يدا ~~يحمون بها قرابتى وفى لفظ وعلمت أن ذلك لايضرك يعنى لأن الله ينصر رسوله ~~والذين آمنوا فقال عمر دعنى PageV35P067 أضرب عنق هذا المنافق فقال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( إنه قد شهد بدرا ومايدريك أن الله قد اطلع على أهل ~~بدر فقال لهم اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم ( فهذه السيئة العظيمة غفرها الله ~~له بشهود بدر # فدل ذلك على أن الحسنة العظيمة يغفر الله بها السيئة العظيمة والمؤمنون ~~يؤمنون بالوعد والوعيد لقوله صلى الله عليه وسلم ( من كان آخر كلامه لا إله ~~إلا الله دخل الجنة ( وأمثال ذلك مع قوله ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) ولهذا لا يشهد لمعين ~~بالجنة إلا بدليل خاص ولايشهد على معين بالنار إلا بدليل خاص ولا يشهد لهم ~~بمجرد الظن من اندراجهم في العموم لأنه قد يندرج في العمومين فيستحق الثواب ~~والعقاب لقوله تعالى ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره ) والعبد إذا اجتمع له سيئات وحسنات فإنه وإن استحق العقاب على سيئاته ~~فإن الله يثيبه على حسناته ولا يحبط حسنات المؤمن لأجل ما صدر منه وإنما ~~يقول بحبوط الحسنات كلها بالكبيرة الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد ~~أهل الكبائر وأنهم لايخرجون منها بشفاعة ولا غيرها وأن صاحب الكبيرة لا ~~يبقى معه من الايمان شيء وهذه أقوال فاسدة مخالفة للكتاب والسنة المتواترة ~~واجماع الصحابة PageV35P068 وسائر أهل السنة والجماعة وأئمة الدين ~~لايعتقدون عصمة أحد من الصحابة ولا القرابة ولا السابقين ولا غيرهم بل يجوز ~~عندهم وقوع الذنوب منهم والله تعالى يغفر لهم بالتوبة ويرفع بها درجاتهم ~~ويغفر لهم بحسنات ماحية أو بغير ذلك من الأسباب قال تعالى ( والذى جاء ~~بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم مايشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ~~ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم باحسن الذى ms9620 كانوا يعملون ) ~~وقال تعالى ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى أن أشكر ~~نعمتك التى أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لى في ذريتى ~~إنى تبت إليك وإنى من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ماعملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ) # ولكن الأنبياء صلوات الله عليهم هم الذين قال العلماء إنهم معصومون من ~~الإصرار على الذنوب فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين وهذا ~~في الذنوب المحققة وأما ما اجتهدوا فيه فتارة يصيبون وتارة يخطئون فإذا ~~إجتهدوا فأصابوا فلهم أجران وإذا اجتهدوا واخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم ~~وخطؤهم مغفور لهم وأهل الضلال يجعلون الخطأ والاثم متلازمين فتارة يغلون ~~فيهم ويقولون إنهم معصومون وتارة يجفون عنهم ويقولون أنهم باغون بالخطأ ~~وأهل العلم والايمان لا يعصمون ولا يؤثمون PageV35P069 # ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلال فطائفة سبت السلف ~~ولعنتهم لاعتقادهم أنهم فعلوا ذنوبا وأن من فعلها يستحق اللعنة بل قد ~~يفسقونهم أو يكفرونهم كما فعلت الخوارج الذين كفروا على بن أبى طالب وعثمان ~~بن عفان ومن تولاهما ولعنوهم وسبوهم واستحلوا قتالهم وهؤلاء هم الذين قال ~~فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع ~~صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لايجاوز حناجرهم يمرقون من ~~الاسلام كما يمرق السهم من الرمية ( وقال صلى الله عليه وسلم ( تمرق مارقة ~~على فرقة من المسلمين فتقاتلها أولى الطائفتين لأجل الحق ( وهؤلاء هم ~~المارقة الذين مرقوا على أمير المؤمنين على بن أبى طالب وكفروا كل من تولاه ~~وكان المؤمنون قد افترقوا فرقتين فرقة مع على وفرقه مع معاوية فقاتل هؤلاء ~~عليا وأصحابه فوقع الأمر كما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم وكما ثبت ~~عنه أيضا في الصحيح أنه قال عن الحسن إبنه ( إن ابنى هذا سيد وسيصلح الله ~~به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين ( فأصلح الله به بين شيعة على وشيعة ~~معاوية # وأثنى النبى صلى الله عليه وسلم على الحسن بهذا الصلح ms9621 الذى كان على يديه ~~وسماه سيدا بذلك لأجل أن ما فعله الحسن يحبه الله ورسوله ويرضاه الله ~~ورسوله ولو كان الاقتتال الذي حصل بين المسلمين هو الذى أمر الله به ورسوله ~~لم يكن الأمر كذلك بل يكون الحسن قد ترك الواجب أو الأحب إلى PageV35P070 ~~الله وهذا النص الصحيح الصريح يبين أن مافعله الحسن محمود مرضي لله ورسوله ~~وقد ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يضعه على فخذه ويضع ~~أسامة بن زيد ويقول ( اللهم اني أحبهما وأحب من يحبهما ( وهذا أيضا مما ظهر ~~فيه محبته ودعوته صلى الله عليه وسلم فإنهما كانا أشد الناس رغبة في الأمر ~~الذى مدح النبى صلى الله عليه وسلم به الحسن وأشد الناس كراهة لما يخالفه # وهذا مما يبين أن القتلى من أهل صفين لم يكونوا عند النبى صلى الله عليه ~~وسلم بمنزلة الخوارج المارقين الذين أمر بقتالهم وهؤلاء مدح الصلح بينهم ~~ولم يأمر بقتالهم ولهذا كانت الصحابة والأئمة متفقين على قتال الخوارج ~~المارقين وظهر من علي رضى الله عنه السرور بقتالهم ومن روايته عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم الأمر بقتالهم ماقد ظهر عنه وأما قتال الصحابة فلم يرو عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم فيه أثر ولم يظهر فيه سرور بل ظهر منه الكآبة ~~وتمنى أن لايقع وشكر بعض الصحابة وبرأ الفريقين من الكفر والنفاق وأجاز ~~الترحم على قتلى الطائفتين وأمثال ذلك من الأمور التى يعرف بها إتفاق على ~~وغيره من الصحابة على أن كل واحدة من الطائفتين مؤمنة # وقد شهد القرآن بأن اقتتال المؤمنين لايخرجهم عن الايمان بقوله تعالى ~~@QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون @QE@ PageV35P071 فسماهم ( مؤمنين ( ~~وجعلهم ( إخوة ( مع وجود الاقتتال والبغي # والحديث المذكور ( إذا اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون ( كذب مفترى لم يروه ~~أحد ms9622 من أهل العلم بالحديث ولا هو في شيء من دواوين الاسلام المعتمدة # و ( معاوية ( لم يدع الخلافة ولم يبايع له بها حين قاتل عليا ولم يقاتل ~~على أنه خليفة ولا أنه يستحق الخلافة ويقرون له بذلك وقد كان معاوية يقر ~~بذلك لمن سأله عنه ولاكان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدوا عليا وأصحابه ~~بالقتال ولا يعلوا # بل لما رأى على رضى الله عنه وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته إذلا ~~يكون للمسلمين إلا خليفة واحد وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب ~~وهم أهل شوكة رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب فتحصل الطاعة والجماعة # وهم قالوا إن ذلك لايجب عليهم وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين ~~قالوا لأن عثمان قتل مظلوما باتفاق المسلمين وقتلته في عسكر على وهم غالبون ~~PageV35P072 لهم شوكة فإذا امتنعنا ظلمونا واعتدوا علينا وعلى لايمكنه ~~دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن عثمان وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ~~ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف # وكان في جهال الفريقين من يظن بعلي وعثمان ظنونا كاذبة برأ الله منها ~~عليا وعثمان كان يظن بعلي أنه أمر بقتل عثمان وكان علي يحلف وهو البار ~~الصادق بلا يمين أنه لم يقتله ولا رضى بقتله ولم يمالئ على قتله وهذا معلوم ~~بلا ريب من علي رضى الله عنه فكان أناس من محبى علي ومن مبغضيه يشيعون ذلك ~~عنه فمحبوه يقصدون بذلك الطعن على عثمان بأنه كان يستحق القتل وأن عليا أمر ~~بقتله ومبغضوه يقصدون بذلك الطعن على علي وأنه أعان على قتل الخليفة ~~المظلوم الشهيد الذى صبر نفسه ولم يدفع عنها ولم يسفك دم مسلم في الدفع عنه ~~فكيف في طلب طاعته وأمثال هذه الأمور التى يتسبب بها الزائغون على ~~المتشيعين العثمانية والعلوية # وكل فرقة من المتشيعين مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية كفأ لعلى بالخلافة ~~ولا يجوز أن يكون خليفة مع امكان استخلاف علي رضى الله عنه فإن فضل على ~~وسابقيته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله كانت عندهم ظاهرة ms9623 معروفة كفضل ~~إخوانه أبى بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضى الله عنهم PageV35P073 و لم يكن بقي ~~من أهل الشورى غيره وغير سعد وسعد كان قد ترك هذا الأمر وكان الأمر قد ~~إنحصر في عثمان وعلى فلما توفى عثمان لم يبق لها معين إلا على رضى الله عنه ~~وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان وضعف أهل ~~العلم والايمان حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار يطاع فيه من غيره أولى ~~منه بالطاعة ولهذا أمر الله بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف ~~ولهذا قيل مايكرهون في الجماعة خير مما يجمعون من الفرقة # وأما الحديث الذى فيه ( أن عمارا تقتله الفئة الباغية ( فهذا الحديث قد ~~طعن فيه طائفة من أهل العلم لكن رواه مسلم في صحيحه وهوفى بعض نسخ البخاري ~~قد تأوله بعضهم على أن المراد بالباغية الطالبة بدم عثمان كما قالوا نبغى ~~إبن عفان بأطراف الأسل وليس بشيء بل يقال ماقاله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهو حق كما قاله وليس في كون عمارا تقتله الفئة الباغية ماينافى ما ~~ذكرناه فإنه قد قال الله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ~~إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم @QE@ فقد جعلهم مع وجود الاقتتال ~~والبغى مؤمنين إخوة بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين وليس كل ~~ما كان PageV35P074 بغيا وظلما أو عدوانا يخرج عموم الناس عن الايمان ~~ولايوجب لعنتهم فكيف يخرج ذلك من كان من خير القرون # وكل من كان باغيا أو ظالما أومعتديا أو مرتكبا ماهو ذنب فهو ( قسمان ( ~~متأول وغير متاول فالمتأول المجتهد كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا واعتقد ~~بعضهم حل أمور وأعتقد الآخر تحريمها كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة ~~وبعضهم بعض المعاملات الربوية وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة وأمثال ذلك ~~فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف فهؤلاء المتأولون ms9624 المجتهدون غايتهم أنهم ~~مخطئون وقد قال الله تعالى @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ ~~وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء وقد أخبر سبحانه عن داود ~~وسليمان عليهما السلام أنهما حكما في الحرث وخص أحدهما بالعلم والحكم مع ~~ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم والعلماء ورثة الأنبياء فإذا فهم أحدهم ~~من المسألة مالم يفهمه الآخر لم يكن بذلك ملوما ولا مانعا لما عرف من علمه ~~ودينه وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إثما وظلما والاصرار عليه فسقا بل ~~متى علم تحريمه ضرورة كان تحليله كفرا فالبغي هو من هذا الباب PageV35P075 # أما إذا كان الباغى مجتهدا ومتأولا ولم يتبين له أنه باغ بل اعتقد أنه ~~على الحق وإن كان مخطئا في اعتقاده لم تكن تسميته ( باغيا ( موجبة لإثمه ~~فضلا عن أن توجب فسقه والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين يقولون مع ~~الأمر بقتالهم قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم لاعقوبة لهم بل للمنع من العدوان ~~ويقولون إنهم باقون على العدالة لايفسقون ويقولون هم كغير المكلف كما يمنع ~~الصبي والمجنون والناسى والمغمى عليه والنائم من العدوان أن لايصدر منهم بل ~~تمنع البهائم من العدوان ويجب على من قتل مؤمنا خطأ الدية بنص القرآن مع ~~أنه لا إثم عليه في ذلك وهكذا من رفع إلى الامام من أهل الحدود وتاب بعد ~~القدرة # عليه فاقام عليه الحد والتائب من الذنب كمن لاذنب له والباغى المتأول ~~يجلد عند مالك والشافعى وأحمد ونظائره متعددة ثم بتقدير أن يكون ( البغى ( ~~بغير تأويل يكون ذنبا والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة بالحسنات الماحية ~~والمصائب المكفرة وغير ذلك # ثم ( إن عمارا تقتله الفئة الباغية ( ليس نصا في أن هذا اللفظ لمعاوية ~~وأصحابه بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التى حملت عليه حتى قتلته وهي ~~طائفة من العسكر ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها ومن المعلوم أنه ~~PageV35P076 كان في العسكر من لم يرض بقتل عمار كعبد الله بن عمرو بن العاص ~~وغيره بل كل الناس كانوا منكرين ms9625 لقتل عمار حتى معاوية وعمرو # ويروى أن معاوية تأول أن الذي قتله هو الذى جاء به دون مقاتليه وأن عليا ~~رد هذا التأويل بقوله فنحن إذا قتلنا حمزة ولاريب أن ماقاله على هو الصواب ~~لكن من نظر في كلام المتناظرين من العلماء الذين ليس بينهم قتال ولا ملك ~~وأن لهم في النصوص من التأويلات ماهو أضعف من معاوية بكثير ومن تأول هذا ~~التأويل لم ير أنه قتل عمارا فلم يعتقد أنه باغ ومن لم يعتقد أنه باغ وهو ~~في نفس الأمر باغ فهو متأول مخطئ # والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل عمارا لكن لهم قولان مشهوران ~~كما كان عليهما أكابر الصحابة منهم من يرى القتال مع عمار وطائفته ومنهم من ~~يرى الامساك عن القتال مطلقا وفى كل من الطائفتين طوائف من السابقين ~~الأولين ففي القول الأول عمار وسهل بن حنيف وأبو أيوب وفى الثانى سعد بن ~~أبى وقاص ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر ونحوهم ولعل أكثر ~~الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأى ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل ~~من سعد بن أبى وقاص وكان من القاعدين PageV35P077 # و ( حديث عمار ( قد يحتج به من رأى القتال لأنه إذا كان قاتلوه بغاة ~~فالله يقول ( فقاتلوا التى تبغى ) والمتمسكون يحتجون بالأحاديث الصحيحة عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم في ( أن القعود عن الفتنة خير من القتال فيها ( ~~وتقول إن هذا القتال ونحوه هو قتال الفتنة كما جاءت أحاديث صحيحة تبين ذلك ~~وأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالقتال ولم يرض به وإنما رضي بالصلح ~~وإنما أمر الله بقتال الباغى ولم يأمر بقتاله ابتداء بل قال ( وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التى تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ~~إن الله يحب المقسطين ) قالوا والاقتتال الأول لم يأمر الله به ولا أمر كل ~~من بغى عليه أن يقاتل من ms9626 بغى عليه فإنه إذا قتل كل باغ كفر بل غالب ~~المؤمنين بل غالب الناس لايخلو من ظلم وبغى ولكن إذا اقتتلت طائفتان من ~~المؤمنين فالواجب الإصلاح بينهما وإن لم تكن # واحدة منهما مأمورة بالقتال فإذا بغت الواحدة بعد ذلك قوتلت لأنها لم ~~تترك القتال ولم تجب إلى الصلح فلم يندفع شرها إلا بالقتال فصار قتالها ~~بمنزلة قتال الصائل الذي لايندفع ظلمه عن غيره إلا بالقتال كما قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم ( من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ~~ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون حرمته فهو شهيد ( قالوا فبتقدير أن ~~جميع العسكر بغاة فلم نؤمر بقتالهم ابتداء بل أمرنا بالاصلاح PageV35P078 ~~بينهم و ( أيضا ( فلا يجوز قتالهم إذا كان الذين معهم ناكلين عن القتال ~~فإنهم كانوا كثيري الخلاف عليه ضعيفى الطاعة # له و ( المقصود ( أن هذا الحديث لايبيح لعن أحد من الصحابة ولا يوجب فسقه ~~وأما ( أهل البيت ( فلم يسبوا قط ولله الحمد ولم يقتل الحجاج أحدا من بنى ~~هاشم وإنما قتل رجالا من أشراف العرب وكان قد تزوج بنت عبد الله بن جعفر ~~فلم يرض بذلك بنو عبد مناف ولا بنو هاشم ولا بنو أمية حتى فرقوا بينه ~~وبينها حيث لم يروه كفؤا والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن الفتن التى تقع من أهل البر وأمثالها فيقتل بعضهم بعضا ويستبيح بعضهم ~~حرمة بعض فما حكم الله تعالى فيهم ### ||||| فأجاب # الحمد لله هذه الفتن وأمثالها من أعظم المحرمات وأكبر المنكرات قال ~~الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله @QE@ ~~PageV35P079 وهؤلاء الذين تفرقوا وإختلفوا حتى صار عنهم من الكفر ما صار ~~وقد قال النبى ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فهذا من الكفر ~~وإن كان المسلم لا يكفر بالذنب قال تعالى ( وإن طائفتان من المؤمنين ~~إقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الآخرى فقاتلوا التى ms9627 تبغى حتى ~~تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين إنما المؤمنون إخوه فأصلحوا بين أخويكم وإتقوا الله لعلكم ترحمون ~~( فهذا حكم الله بين المقتتلين من المؤمنين أخبر أنهم إخوة وأمر أولا ~~بالإصلاح بينهم إذا إقتتلوا ( فإن بغت إحداهما على الأخرى ) ولم يقبلوا ~~الإصلاح ( فقاتلوا التى تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل ) فأمر بالإصلاح بينهم بالعدل بعد أن ( تفىء إلى أمر الله ) ~~أى ترجع إلى أمر الله فمن رجع إلى أمر الله وجب أن يعدل بينه وبين خصمه ~~ويقسط بينهما فقبل أن نقاتل الطائفة الباغية وبعد إقتتالهما أمرنا بالإصلاح ~~بينهما مطلقا لأنه لم تقهر إحدى الطائفتين بقتال PageV35P080 وإذا كان كذلك ~~فالواجب أن يسعى بين هاتين الطائفتين بالصلح الذى أمر الله به ورسوله ويقال ~~لهذه ما تنقم من هذه ولهذه ما تنقم من هذه فإن ثبت على إحدى الطائفتين أنها ~~إعتدت على الآخرى بإتلاف شيء من الأنفس والأموال كان عليها ضمان ما أتلفته ~~وإن كان هؤلاء أتلفوا لهؤلاء وهؤلاء أتلفوا لهؤلاء تقاصوا بينهم كما قال ~~الله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى @QE@ بالأنثى وقد ذكرت طائفة من السلف أنها أنزلت في مثل ذلك في ~~طائفتين إقتتلتا فأمرهم الله بالمقاصة قال ( فمن عفى له من أخيه شيء ) ~~والعفو الفضل فإذا فضل لواحدة من الطائفتين شيء على الأخرى ( فإتباع ~~بالمعروف ) والذى عليه الحق يؤديه بإحسان وإن تعذر أن تضمن واحدة للأخرى ~~فيجوز أن يتحمل الرجل حمالة يؤديها لصلاح ذات البين وله أن يأخذها بعد ذلك ~~من زكاة المسلمين ويسأل الناس في إعانته على هذه الحالة وان كان غنيا قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم لقبيصة بن مخارق الهلالى ( يا قبيصة ان المسألة ~~لا تحل الا لثلاثة رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فيسأل حتى يجد سدادا من ~~عيش ثم يمسك ورجل اصابته فاقة فانه يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه ~~فيقولون قد اصاب فلانا فاقة فيسأل حتى ms9628 يجد قواما من عيش وسدادا من عيش ثم ~~يمسك ورجل يحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته ثم يمسك ( والواجب على كل مسلم ~~قادر ان يسعى في الإصلاح بينهم ويأمرهم بما أمر الله به مهما أمكن ~~PageV35P081 # ومن كان من الطائفتين يظن انه مظلوم مبغى عليه فاذا صبر وعفى اعزه الله ~~ونصره كما ثبت في الصحيح عن النبى انه قال ( ما زاد الله عبدا بعفو الا عزا ~~وما تواضع أحد لله الا رفعه الله ولا نقصت صدقة من مال ( وقال تعالى @QB@ ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم ~~عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور @QE@ فالباغى الظالم ينتقم ~~الله منه في الدنيا والآخرة فان البغى مصرعه قال بن مسعود ولو بغى جبل على ~~جبل لجعل الله الباغى منهما دكا ومن حكمة الشعر % قضى الله ان البغى يصرع ~~اهله % وان الباغى تدور الدوائر % ويشهد لهذا قوله تعالى @QB@ إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحياة الدنيا @QE@ الآية وفى الحديث ( ما من ذنب أحرى أن ~~يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا من البغى وما حسنة احرى ان يعجل لصاحبها ~~الثواب من صلة الرحم ( فمن كان من احدى الطائفتين باغيا ظالما فليتق الله ~~وليتب ومن كان مظلوما مبغيا عليه وصبر كان له البشرى من الله قال تعالى ~~@QB@ وبشر الصابرين @QE@ قال عمرو بن اوس هم الذين لا يظلمون اذا ظلموا وقد ~~قال تعالى للمؤمنين في حق عدوهم @QB@ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا @QE@ PageV35P082 # وقال يوسف عليه السلام لما فعل به اخوته ما فعلوا ~~فصبر واتقى حتى نصره الله ودخلوا عليه وهو في عزه @QB@ قالوا أئنك لأنت ~~يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين @QE@ فمن إتقى الله من هؤلاء وغيرهم بصدق وعدل ولم يتعد ~~حدود الله وصبر على اذى الآخر وظلمه لم يضره كيد الآخر ms9629 بل ينصره الله عليه # وهذه الفتن سببها الذنوب والخطايا فعلى كل من الطائفتين ان يستغفر الله ~~ويتوب إليه فإن ذلك يرفع العذاب وينزل الرحمة قال الله تعالى @QB@ وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون @QE@ وفى الحديث ~~عن النبى ( من اكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق ~~مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب قال الله تعالى @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي ~~فضل فضله @QE@ ( PageV35P083 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن طائفتين يزعمان أنهما من أمة محمد يتداعيان بدعوة الجاهلية كأسد وهلال ~~وثعلبة وحرام وغير ذلك وبينهم أحقاد ودماء فإذا تراءت الفئتان سعى المؤمنون ~~بينهم لقصد التأليف وإصلاح ذات البين فيقول أولئك الباغون إن الله قد أوجب ~~علينا طلب الثأر بقوله @QB@ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس @QE@ إلى ~~قوله @QB@ والجروح قصاص @QE@ ثم إن المؤمنين يعرفونهم أن هذا الأمر يفضى ~~إلى الكفر من قتل النفوس ونهب الأموال فيقولون نحن لنا عليهم حقوق فلا ~~نفارق حتى نأخذ ثأرنا بسيوفهم ثم يحملون عليهم فمن إنتصر منهم بغى وتعدى ~~وقتل النفس ويفسدون في الأرض فهل يجب قتال الطائفة الباغية وقتلها بعد ~~أمرهم بالمعروف أو ماذا يجب على الإمام أن يفعل بهذه الطائفة الباغية ### ||||| فأجاب # الحمد لله قتال هاتين الطائفتين حرام بالكتاب والسنة والإجماع حتى ~~قال صلى الله عليه وسلم ( إذا إلتقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في ~~النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال PageV35P084 أنه ~~أراد قتل صاحبه ( وقال ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ( وقال ~~( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم ~~هذا إلا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع ( # والواجب في مثل هذا ما أمر الله به ورسوله حيث قال @QB@ وإن طائفتان ms9630 من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله ~~لعلكم ترحمون @QE@ فيجب الإصلاح بين هاتين الطائفتين كما أمر الله تعالى ~~والإصلاح له طرق # ( منها ( أن تجمع أموال الزكوات وغيرها حتى يدفع في مثل ذلك فإن الغرم ~~لإصلاح ذات البين يبيح لصاحبه أن يأخذ من الزكاة بقدر ما غرم كما ذكره ~~الفقهاء من أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهما كما قال النبى لقبيصة بن مخارق ( ~~إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة لرجل تحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته ثم ~~يمسك ورجل أصابته جائحة إجتاحت ماله فيسأل حتى يجد سدادا من عيش ثم يمسك ~~ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه فيقولون قد أصابت ~~فلانا فاقة فيسأل PageV35P085 حتى يجد قواما من عيش وسدادا من عيش ثم يمسك ~~وما سوى ذلك من المسألة فإنه يأكله صاحبه سحتا ( # ومن طرق الصلح أن تعفو إحدى الطائفتين أو كلاهما عن بعض مالها عند الأخرى ~~من الدماء والأموال @QB@ فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ~~@QE@ # ومن طرق الصلح أن يحكم بينهما بالعدل فينظر ما أتلفته كل طائفة من الأخرى ~~من النفوس والأموال فيتقاصان ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) ~~وإذا فضل لإحداهما على الأخرى شيء فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان فإن ~~كان يجهل عدد القتلى أو مقدار المال جعل المجهول كالمعدوم وإذا إدعت ~~إحداهما على الأخرى بزيادة فإما أن تحلفها على نفى ذلك وإما أن تقيم البينة ~~وإما تمتنع عن اليمين فيقضى برد اليمين أو النكول # فإن كانت احدى الطائفتين تبغى بأن تمتنع عن العدل الواجب ولا تجيب إلى ~~أمر الله ورسوله وتقاتل على ذلك أو تطلب قتال الأخرى واتلاف النفوس ~~والأموال كما جرت عادتهم به فإذا لم يقدر على كفها إلا بالقتل قوتلت حتى ~~تفىء إلى أمر الله وان امكن ان تلزم بالعدل بدون ms9631 القتال PageV35P086 مثل ان ~~يعاقب بعضهم أو يحبس أو يقتل من وجب قتله منهم ونحو ذلك عمل ذلك ولا حاجة # إلى القتال وأما قول القائل ان الله اوجب علينا طلب الثأر فهو كذب على ~~الله ورسوله فان الله لم يوجب على من له عند أخيه المسلم المؤمن مظلمة من ~~دم أو مال أو عرض ان يستوفى ذلك بل لم يذكر حقوق الآدميين في القرآن الا ~~ندب فيها إلى العفو فقال تعالى @QB@ والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح @QE@ وأما قوله تعالى @QB@ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ~~والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن ~~تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون @QE@ ~~فهذا مع انه مكتوب على بنى اسرائيل وان كان حكمنا كحكمهم مما لم ينسخ من ~~الشرائع فالمراد بذلك التسوية في الدماء بين المؤمنين كما قال النبى ( ~~المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ( فالنفس بالنفس ( وان كان ~~القاتل رئيسا مطاعا من قبيلة شريفة والمقتول سوقى طارف وكذلك ان كان كبيرا ~~وهذا صغيرا أو هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا عربيا وهذا عجميا أو هذا هاشميا ~~وهذا قرشيا وهذا رد لما كان عليه PageV35P087 أهل الجاهلية من انه اذا قتل ~~كبير من القبيلة قتلوا به عددا من القبيلة الأخرى غير قبيلة القاتل واذا ~~قتل ضعيف من قبيلة لم يقتلوا قاتله اذا كان رئيسا مطاعا فأبطل الله ذلك ~~بقوله @QB@ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس @QE@ فالمكتوب عليهم هو ~~العدل وهو كون النفس بالنفس اذ الظلم حرام واما استيفاء الحق فهو إلى ~~المستحق وهذا مثل قوله @QB@ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا ~~يسرف في القتل @QE@ أي لا يقتل غير قاتله # وأما إذا طلبت احدى الطائفتين حكم الله ورسوله فقالت الأخرى نحن نأخذ ~~حقنا بأيدينا في هذا الوقت فهذا من أعظم الذنوب الموجبة عقوبة هذا القاتل ~~الظالم ms9632 الفاجر واذا امتنعوا عن حكم الله ورسوله ولهم شوكة وجب على الأمير ~~قتالهم وان لم يكن لهم شوكة عرف من امتنع من حكم الله ورسوله والزم بالعدل # وأما قولهم لنا عليهم حقوق من سنين متقادمة فيقال لهم نحن نحكم بينكم في ~~الحقوق القديمة والحديثة فان حكم الله ورسوله يأتى على هذا # وأما من قتل احدا من بعد الاصطلاح أو بعد المعاهدة والمعاقدة فهذا يستحق ~~القتل حتى قالت طائفة من العلماء انه يقتل حدا ولا يجوز العفو عنه لأولياء ~~المقتول وقال الأكثرون بل قتله قصاص والخيار فيه إلى أولياء المقتول ~~PageV35P088 وان كان الباغى طائفة فانهم يستحقون العقوبة وان لم يمكن كف ~~صنيعهم الا بقتالهم قوتلوا وإن امكن بما دون ذلك عوقبوا بما يمنعهم من ~~البغى والعدوان ونقض العهد والميثاق قال ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة ~~عند استه بقدر غدرته فيقال هذه غدرة فلان ( وقد قال تعالى @QB@ فمن عفي له ~~من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ~~فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم @QE@ قالت طائفة من العلماء المعتدى هو ~~القاتل بعد العفو فهذا يقتل حتما وقال آخرون بل يعذب بما يمنعه من الاعتداء ~~والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن أقوام لم يصلوا ولم يصوموا والذى يصوم لم يصل ومالهم حرام ويأخذون ~~اموال الناس ويكرمون الجار والضعيف ولم يعرف لهم مذهب وهم مسلمون ### ||||| فأجاب # الحمد لله هؤلاء وان كانوا تحت حكم ولاة الأمور فانه يجب ان ~~يأمروهم بإقامة الصلاة ويعاقبوا على تركها وكذلك الصيام وان اقروا بوجوب ~~الصلاة الخمس وصيام رمضان والزكاة المفروضه والا فمن لم يقر بذلك فهو كافر ~~وان اقروا بوجوب الصلاة وامتنعوا عن اقامتها عوقبوا حتى PageV35P089 ~~يقيموها ويجب قتل كل من لم يصل اذا كان بالغا عاقلا عند جماهير العلماء ~~كمالك والشافعى واحمد وكذلك تقام عليهم الحدود # وان كانوا طائفة ممتنعة ذات شوكة فانه يجب قتالهم حتى يلتزموا اداء ~~الواجبات الظاهرة والمتواترة كالصلاة والصيام والزكاة وترك المحرمات كالزنا ~~والربا وقطع الطريق ms9633 ونحو ذلك ومن لم يقر بوجوب الصلاة والزكاة فإنه كافر ~~يستتاب فان تاب والا قتل ومن لم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر والجنة ~~والنار فهو كافر اكفر من اليهود والنصارى وعقوق الوالدين من الكبائر ~~الموجبة للنار ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن أقوام مقيمون في الثغور يغيرون على الأرمن وغيرهم ويكسبون المال ~~ينفقون على الخمر والزنا هل يكونون شهداء اذا قتلوا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ان كانوا انما يغيرون على الكفار المحاربين فانما ~~الأعمال بالنيات وقد قالوا يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ~~ويقاتل رياء فأى ذلك في سبيل الله فقال ( من قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا فهو في سبيل الله ( فان كان احدهم لا يقصد الا اخذ المال ~~PageV35P090 وانفاقه في المعاصى فهؤلاء فساق مستحقون للوعيد وان كان ~~مقصودهم ان تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين لله فهؤلاء مجاهدون لكن ~~إذا كانت لهم كبائر كان لهم حسنات وسيئات واما ان كانوا يغيرون على ~~المسلمين الذين هناك فهؤلاء مفسدون في الأرض محاربون لله ورسوله مستحقون ~~للعقوبة البليغة في الدنيا والآخرة والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن جندى مع أمير وطلع السلطان إلى الصيد ورسم السلطان بنهب ناس من العرب ~~وقتلهم فطلع إلى الجبل فوجد ثلاثين نفرا فهربوا فقال الأمير سوقوا خلفهم ~~فردوا عليهم ليحاربوا فوقع من الجندى ضربة في واحد فمات فهل عليه شيء أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين اذا كان هذا المطلوب من الطائفة المفسدة ~~الظلمة الذين خرجوا عن الطاعة وفارقوا الجماعة وعدوا على المسلمين في ~~دمائهم واموالهم بغير حق وقد طلبوا ليقام فيهم أمر الله ورسوله فهذا الذى ~~عاد منهم مقاتلا يجوز قتاله ولا شيء على من قتله على الوجه المذكور بل ~~المحاربون يستوى فيهم المعاون والمباشر عند جمهور الأئمة كأبى حنيفة ومالك ~~واحمد فمن كان معاونا كان حكمة حكمهم PageV35P091 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن ( الأخوة ( التى يفعلها بعض الناس في هذا الزمان والتزام كل منهم ~~بقوله ان مالي مالك ودمي دمك وولدى ولدك ms9634 ويقول الآخر كذلك ويشرب احدهم دم ~~الاخر فهل هذا الفعل مشروع أم لا واذا لم يكن مشروعا مستحسنا فهل هو مباح ~~أم لا وهل يترتب على ذلك شيء من الاحكام الشرعية التى تثبت بالاخوة ~~الحقيقية أم لا وما معنى الاخوة التى اخى بها النبى بين المهاجرين والانصار ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذا الفعل على هذا الوجه المذكور ليس مشروعا ~~باتفاق المسلمين وانما كان أصل الاخوة ان النبى اخى بين المهاجرين والانصار ~~وحالف بينهم في دار انس بن مالك كما أخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن ~~عوف حتى قال سعد لعبد الرحمن خذ شطر مالي واختر إحدى زوجتي حتى اطلقها ~~وتنكحها فقال عبد الرحمن بارك الله لك في مالك واهلك دلونى على السوق وكما ~~أخى بين سلمان الفارسى وأبى الدرداء وهذا كله في الصحيح PageV35P092 وأما ~~ما يذكر بعض المصنفين في ( السيرة ( من ان النبى اخى بين على وابى بكر ونحو ~~ذلك فهذا باطل باتفاق اهل المعرفة بحديثه فانه لم يؤاخ بين مهاجر ومهاجر ~~وانصاري وانصاري وإنما اخى بين المهاجرين والانصار وكانت المؤاخاة ~~والمحالفة يتوارثون بها دون أقاربهم حتى انزل الله تعالى ( وأولو الارحام ~~بعضهم اولى ببعض في كتاب الله ) فصار الميراث بالرحم دون هذه المؤاخاة ~~والمحالفة # وتنازع العلماء في مثل هذه المحالفة والمؤاخاة هل يورث بها عند عدم ~~الورثة من الأقارب والموالى على قولين ( احدهما ( يورث بها وهو مذهب ابى ~~حنيفة واحمد في احدى الروايتين لقوله تعالى ( والذين عقدت ايمانكم فآتوهم ~~نصيبهم ) ( والثانى ( لا يورث بها بحال وهو مذهب مالك والشافعى واحمد في ~~الرواية المشهورة عند اصحابه وهؤلاء يقولون هذه الآية منسوخة # وكذلك تنازع الناس هل يشرع في الاسلام ان يتآخى اثنان ويتحالفا كما فعل ~~المهاجرون والانصار فقيل ان ذلك منسوخ لما رواه مسلم في صحيحه عن جابر ان ~~النبى قال ( لا حلف في الاسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده ~~الاسلام الا شدة ( ولأن الله قد جعل المؤمنين اخوة بنص القرآن وقال النبى ( ~~المسلم اخو ms9635 PageV35P093 المسلم لا يسلمه ولا يظلمه والذي نفسي بيده لا يؤمن ~~احدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه فمن كان قائما بواجب الايمان ~~كان اخا لكل مؤمن ووجب على كل مؤمن ان يقوم بحقوقه وان لم يجر بينهما عقد ~~خاص فان الله ورسوله قد عقدا الاخوة بينهما بقوله @QB@ إنما المؤمنون إخوة ~~@QE@ وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( وددت انى قد رأيت اخوانى ( # ومن لم يكن خارجا عن حقوق الايمان وجب ان يعامل بموجب ذلك فيحمد على ~~حسناته ويوالى عليها وينهى عن سيئاته ويجانب عليها بحسب الامكان وقد قال ~~النبى ( انصر اخاك ظالما أو مظلوما ( قلت يا رسول الله انصره مظلوما فكيف ~~انصره ظالما قال ( تمنعه من الظلم فذلك نصرك اياه ( # والواجب على كل مسلم ان يكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته تابعا لأمر ~~الله ورسوله فيحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما ابغضه الله ورسوله ويوالى ~~من يوالى الله ورسوله ويعادى من يعادى الله ورسوله ومن كان فيه ما يوالى ~~عليه من حسنات وما يعادى عليه من سيئات عومل بموجب ذلك كفساق اهل الملة اذ ~~هم مستحقون للثواب والعقاب والموالاة والمعاداة والحب والبغض بحسب ما فيهم ~~من البر والفجور فان ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره PageV35P094 وهذا مذهب اهل السنة والجماعة بخلاف الخوارج والمعتزلة ~~وبخلاف المرجئة والجهمية فان اولئك يميلون إلى جانب وهؤلاء إلى جانب واهل ~~السنة والجماعة وسط ومن الناس من يقول تشرع تلك المؤاخاة والمحالفة وهو ~~يناسب من يقول بالتوارث بالمحالفة # لكن لا نزاع بين المسلمين في أن ولد احدهما لا يصير ولد الآخر بارثه مع ~~أولاده والله سبحانه قد نسخ التبنى الذي كان في الجاهلية حيث كان يتبنى ~~الرجل ولد غيره قال الله تعالى @QB@ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما ~~جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين @QE@ # وكذلك لا يصير ms9636 مال كل واحد منهما مالا للآخر يورث عنه ماله فان هذا ممتنع ~~من الجانبين ولكن اذا طابت نفس كل واحد منهما بما يتصرف فيه الآخر من ماله ~~فهذا جائز كما كان السلف يفعلون وكان احدهما يدخل بيت الآخر ويأكل من طعامه ~~مع غيبته لعلمه بطيب نفسه بذلك كما قال تعالى @QB@ أو صديقكم @QE@ # وأما شرب كل واحد منهما دم الآخر فهذا لا يجوز بحال واقل ما في ذلك مع ~~النجاسة التشبيه باللذين يتآخيان متعاونين على الاثم والعدوان PageV35P095 ~~اما على فواحش أو محبه شيطانية كمحبه المردان ونحوهم وان اظهروا خلاف ذلك ~~من اشتراك في الصنائع ونحوها واما تعاون على ظلم الغير واكل مال الناس ~~بالباطل فان هذا من جنس مؤاخاة بعض من ينتسب إلى المشيخة والسلوك للنساء ~~فيواخى احدهم المرأة الاجنبية ويخلو بها وقد أقر طوائف من هؤلاء بما يجري ~~بينهم من الفواحش فمثل هذه المواخاة وأمثالها مما يكون فيه تعاون على ما ~~نهى الله عنه كائنا ما كان حرام بإتفاق المسلمين # وإنما النزاع في مواخاة يكون مقصودهما بها التعاون على البر والتقوى بحيث ~~تجمعهما طاعة الله وتفرق بينهما معصية الله كما يقولون تجمعنا السنة ~~وتفرقنا البدعة فهذه التى فيها النزاع فأكثر العلماء لا يرونها إستغناء ~~بالمواخاة الايمانية التى عقدها الله ورسوله فان تلك كافية محصلة لكل خير ~~فينبغي ان يجتهد في تحقيق اداء واجباتها اذ قد اوجب الله للمؤمن على المؤمن ~~من الحقوق ما هو فوق مطلوب النفوس ومنهم من سوغها على الوجه المشروع اذا لم ~~تشتمل على شيء من مخالفة الشريعة # وأما أن تقال على المشاركة في الحسنات والسيئات فمن دخل منهما الجنة ادخل ~~صاحبه ونحو ذلك مما قد يشرطه بعضهم على بعض فهذه الشروط وأمثالها لا تصح ~~ولا يمكن الوفاء بها فان الشفاعة لا تكون PageV35P096 الا بإذن الله والله ~~اعلم بما يكون من حالهما وما يستحقه كل واحد منهما فكيف يلزم المسلم ما ليس ~~إليه فعله ولا يعلم حاله فيه ولا حال الآخر ولهذا نجد هؤلاء الذين يشترطون ~~هذه ms9637 الشروط لا يدرون ما يشرطون ولو إستشعر احدهم انه يؤخذ منه بعض ماله في ~~الدنيا فالله أعلم هل كان يدخل فيها أم لا # وبالجملة فجميع ما يقع بين الناس من الشروط والعقود والمحالفات في الأخوة ~~وغيرها ترد إلى كتاب الله وسنة رسوله فكل شرط يوافق الكتاب والسنة يوفى به ~~و ( من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط كتاب الله ~~أحق وشرطه أوثق ( فمتى كان الشرط يخالف شرط الله ورسوله كان باطلا مثل ان ~~يشترط ان يكون ولد غيره ابنه أو عتق غيره مولاه أو ان ابنه أو قريبه لا ~~يرثه أو أنه يعاونه على كل ما يريد وينصره على كل من عاداه سواء كان بحق أو ~~بباطل أو يطيعه في كل ما يامره به أو انه يدخله الجنه ويمنعه من النار ~~مطلقا ونحو ذلك من الشروط واذا وقعت هذه الشروط وفي منها بما امر الله به ~~ورسوله ولم يوف منها بما نهى الله عنه ورسوله وهذا متفق عليه بين المسلمين ~~وفى المباحات نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه PageV35P097 # وكذا في شروط البيوع والهبات والوقوف والنذور وعقود البيعة للأئمة وعقود ~~المشايخ وعقود المتآخيين وعقود اهل الانساب والقبائل وامثال ذلك فانه يجب ~~على كل أحد ان يطيع الله ورسوله في كل شيء ويجتنب معصية الله ورسوله في كل ~~شيء ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ويجب ان يكون الله ورسوله احب إليه من ~~كل شيء ولا يطيع الا من آمن بالله ورسوله والله أعلم PageV35P098 ### ||| 2 باب حكم المرتد ### |||| 2 سئل شيخ الاسلام رضى الله عنه # عن رجلين تكلما في ( مسألة التأبير ( فقال احدهما من نقص الرسول أو تكلم ~~بما يدل على نقص الرسول كفر لكن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين فان ~~بعض العلماء قد يتكلم في مسألة بإجتهاده فيخطئ فيها فلا يكفر وان كان قد ~~يكفر من قال ذلك القول اذا قامت عليه الحجة المكفرة ولو كفرنا كل عالم بمثل ~~ذلك لزمنا ان نكفر فلانا وسمى ms9638 بعض العلماء المشهورين الذين لا يستحقون ~~التكفير وهو الغزالى فانه ذكر في بعض كتبه تخطئة الرسول في مسألة تأبير ~~النخل فهل يكون هذا تنقيصا بالرسول بوجه من الوجوه وهل عليه في تنزيه ~~العلماء من الكفر اذا قالوا مثل ذلك تعزير أم لا واذا نقل ذلك وتعذر عليه ~~في الحال نفس الكتاب الذى نقله منه وهو معروف بالصدق فهل عليه في ذلك تعزير ~~أم لا وسواء أصاب في النقل عن العالم أم أخطأ وهل يكون في ذلك تنقيص ~~بالرسول ومن اعتدى على مثل هذا أو نسبه إلى تنقيص بالرسول أو العلماء وطلب ~~عقوبته على ذلك فما يجب عليه أفتونا مأجورين PageV35P099 ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس في هذا الكلام تنقص بالرسول بوجه من الوجوه بإتفاق ~~علماء المسلمين ولا فيه تنقص لعلماء المسلمين بل مضمون هذا الكلام تعظيم ~~الرسول وتوقيره وانه لا يتكلم في حقه بكلام فيه نقص بل قد اطلق القائل ~~تكفير من نقص الرسول أو تكلم بما يدل على نقصه وهذا مبالغة في تعظيمه ووجوب ~~الاحتراز من الكلام الذى فيه دلالة على نقصه # ثم هو مع هذا بين ان علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم لا ~~يجوز تكفير احدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه وهذا كلام حسن تجب موافقته عليه ~~فان تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من اعظم المنكرات وانما اصل هذا ~~من الخوارج والروافض الذين يكفرون ائمة المسلمين لما يعتقدون انهم اخطأوا ~~فيه من الدين وقد اتفق اهل السنة والجماعة على ان علماء المسلمين لا يجوز ~~تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله ~~وليس كل من يترك بعض كلامه لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق بل ولا يأثم فان الله ~~تعالى قال في دعاء المؤمنين @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ ~~وفى الصحيح عن النبى ( ان الله تعالى قال قد فعلت ( وإتفق علماء المسلمين ~~على انه لا يكفر أحد من علماء المسلمين المنازعين في عصمة الأنبياء والذين ~~قالوا انه يجوز عليهم الصغائر والخطأ ms9639 ولا يقرون PageV35P100 على ذلك لم ~~يكفر أحد منهم باتفاق المسلمين فان هؤلاء يقولون إنهم معصومون من الاقرار ~~على ذلك ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من الشافعية والمالكية والحنفية ~~والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث والتفسير والصوفية الذين ليسوا كفارا ~~باتفاق المسلمين بل أئمة هؤلاء يقولون بذلك # فالذى حكاه عن الشيخ ابى حامد الغزالى قد قال مثله أئمة اصحاب الشافعى ~~اصحاب الوجوه الذين هم أعظم في مذهب الشافعى من ابى حامد كما قال الشيخ أبو ~~حامد الأسفرائينى الذى هو امام المذهب بعد الشافعى وبن سريج في تعليقه وذلك ~~ان عندنا ان النبى يجوز عليه الخطأ كما يجوز علينا ولكن الفرق بيننا انا ~~نقر على الخطأ والنبى لا يقر عليه وانما يسهو ليسن وروى عنه انه قال ( انما ~~اسهو لأسن لكم ( # وهذه المسألة قد ذكرها في اصول الفقه هذا الشيخ أبو حامد وأبو الطيب ~~الطبرى والشيخ أبو إسحاق الشيرازى وكذلك ذكرها بقية طوائف اهل العلم من ~~اصحاب مالك والشافعى واحمد وابى حنيفة ومنهم من ادعى اجماع السلف على هذا ~~القول كما ذكر ذلك عن ابى سليمان الخطابى ونحوه ومع هذا فقد اتفق المسلمون ~~على انه لا يكفر أحد من هؤلاء الأئمة ومن كفرهم بذلك استحق العقوبة الغليظة ~~التى تزجره PageV35P101 وامثاله عن تكفير المسلمين وانما يقال في مثال ذلك ~~قولهم صواب أو خطأ فمن وافقهم قال ان قولهم الصواب ومن نازعهم قال ان قولهم ~~خطأ والصواب قول مخالفهم # وهذا المسئول عنه كلامه يقتضى انه لا يوافقهم على ذلك لكنه ينفى التكفير ~~عنهم ومثل هذا تجب عقوبة من إعتدى عليه ونسبه إلى تنقيص الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أو العلماء فانه مصرح بنقيض هذا وهذا # وقد ذكر القاضي عياض هذه المسألة وهو من ابلغ القائلين بالعصمة قسم ~~الكلام في هذا الباب إلى ان قال ( الوجه السابع ( ان يذكر ما يجوز على ~~النبى ويختلف في اقراره عليه وما يطرأ من الأمور البشرية منه ويمكن اضافتها ~~إليه أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على ms9640 شدته من مقاساة أعدائه ~~واذاهم له ومعرفة ابتداء حاله وسيرته وما لقيه من بؤس زمنه ومر عليه من ~~معانات عيشه كل ذلك على طريق الرواية ومذاكرة العلم ومعرفة ما صحت به ~~العصمة للأنبياء وما يجوز عليهم فقال هذا فن خارج من هذه الفنون الستة ليس ~~فيه غمض ولا نقص ولا ازراء ولا استخفاف ولا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد ~~اللافظ لكن يجب ان يكون الكلام مع اهل العلم وطلبة الدين ممن يفهم مقاصده ~~ويحققون فوائده ويجنب ذلك ممن عساه لا يفقه أو يخشى به فتنة PageV35P102 # وقد ذكر القاضي عياض قبل هذا ان يقول القائل شيئا من انواع السب حاكيا له ~~عن غيره وآثرا له عن سواه قال فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته ~~ويختلف الحكم باختلاف ذلك على ( اربعة وجوه ( الوجوب والندب والكراهة ~~والتحريم ثم ذكر انه يحمل من ذلك ما ذكره على وجه الشهادة ونحوها مما فيه ~~اقامة الحكم الشرعى على القائل أو على وجه الرذاله والنقص على قائله بخلاف ~~من ذكره لغير هذين قال وليس التفكه بعرض النبى صلى الله عليه وسلم والتمضمض ~~بسوء ذكره لأحد لا ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعى مباح # فقد تبين من كلام القاضي عياض انما ذكره هذا القائل ليس من هذا الباب ~~فانه من مسائل الخلاف وانما كان من هذا الباب ليس لأحد أن يذكره لغير غرض ~~شرعى مباح # وهذا القائل انما ذكر لدفع التكفير عن مثل الغزالى وامثاله من علماء ~~المسلمين ومن المعلوم ان المنع من تكفير علماء المسلمين الذين تكلموا في ~~هذا الباب بل دفع التكفير عن علماء المسلمين وان اخطأوا هو من احق الأغراض ~~الشرعية حتى لو فرض ان دفع التكفير عن القائل يعتقد انه ليس بكافر حماية له ~~ونصرا لأخيه المسلم لكان هذا غرضا شرعيا حسنا وهو اذا اجتهد في ذلك فأصاب ~~فله اجران وان اجتهد فيه فأخطأ فله أجر واحد PageV35P103 فبكل حال هذا ~~القائل محمود على ما فعل مأجور على ذلك مثاب عليه اذا كانت ms9641 له فيه نية حسنة ~~والمنكر لما فعله احق بالتعزير منه فان هذا يقتضى قوله القدح في علماء ~~المسلمين من الكفر ومعلوم ان الأول أحق بالتعزير من الثانى ان وجب التعزير ~~لأحدهما وان كان كل منهما مجتهدا اجتهادا سائغا بحيث يقصد طاعة الله ورسوله ~~بحسب استطاعته فلا اثم على واحد منهما وسواء اصاب في هذا النقل أو اخطأ ~~فليس في ذلك تنقيص للنبى صلى الله عليه وسلم # وكذلك أحضر النقل أو لم يحضره فانه ليس في حضوره فائدة اذ ما نقله عن ~~الغزالى قد قال مثله من علماء المسلمين من لا يحصى عددهم الا الله تعالى ~~وفيهم من هو اجل من الغزالى وفيهم من هو دونه ومن كفر هؤلاء استحق العقوبة ~~بإتفاق المسلمين بل اكثر علماء المسلمين وجمهور السلف يقولون مثل ذلك حتى ~~المتكلمون فان أبا الحسن الأشعرى قال اكثر الأشعرية والمعتزلة يقولون بذلك ~~ذكره في ( اصول الفقه ( وذكره صاحبه أبو عمرو بن الحاجب والمسألة عندهم من ~~الظنيات كما صرح بذلك الأستاذ أبو المعالى وابو الحسن الآمدى وغيرهما فكيف ~~يكفر علماء المسلمين في مسائل الظنون أم كيف يكفر جمهور علماء المسلمين أو ~~جمهور سلف الأئمة واعيان العلماء بغير حجة اصلا والله تعالى أعلم ~~PageV35P104 ### |||| وسئل رحمه الله # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضى الله عنهم اجمعين في رجل قال اشهد ~~ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله ولم يصل ولم يقم بشيء من ~~الفرائض وأنه لم يضره ويدخل الجنة وانه قد حرم جسمه على النار وفى رجل يقول ~~اطلب حاجتى من الله ومنك فهل هذا باطل أم لا وهل يجوز هذا القول أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ان من لم يعتقد وجوب الصلوات الخمس والزكاة المفروضه ~~وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق ولا يحرم ما حرم الله ورسوله من الفواحش ~~والظلم والشرك والافك فهو كافر مرتد يستتاب فان تاب والا قتل باتفاق أئمة ~~المسلمين ولا يغنى عنه التكلم بالشهادتين # وإن قال أنا اقر بوجوب ذلك على واعلم انه ms9642 فرض وان من تركه كان مستحقا لذم ~~الله وعقابه لكنى لا أفعل ذلك فهذا ايضا مستحق للعقوبة PageV35P105 في ~~الدنيا والآخرة باتفاق المسلمين ويجب ان يصلى الصلوات الخمس بإتفاق العلماء ~~واكثر العلماء يقولون يؤمر بالصلاة فان لم يصل والا قتل فاذا اصر على ~~الجحود حتى قتل كان كافرا بإتفاق الأئمة لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في ~~مقابر المسلمين # ومن قال إن كل من تكلم بالشهادتين ولم يؤد الفرائض ولم يجتنب المحارم ~~يدخل الجنة ولا يعذب أحد منهم بالنار فهو كافر مرتد يجب ان يستتاب فان تاب ~~والا قتل بل الذين يتكلمون بالشهادتين ( اصناف ( منهم منافقون في الدرك ~~الأسفل من النار كما قال تعالى @QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ~~ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم ~~لله فأولئك مع المؤمنين @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ إن المنافقين يخادعون ~~الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى @QE@ الآية وفى صحيح ~~مسلم عن النبى انه قال ( تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة ~~المنافق يرقب الشمس حتى اذا كانت بين قرنى شيطان قام فنقر اربعا لا يذكر ~~الله فيها الا قليلا ( فبين النبى ان الذى يؤخر الصلاة وينقرها منافق فكيف ~~بمن لا يصلى وقد قال تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~الذين هم يراؤون @QE@ قال العلماء ( الساهون عنها ( الذين يؤخرونها عن ~~وقتها والذين يفرطون في واجباتها فاذا كان هؤلاء المصلون الويل لهم فكيف ~~بمن لا يصلى PageV35P106 وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه يعرف أمته بأنهم ~~غر محجلون من آثار الوضوء وإنما تكون الغرة والتحجيل لمن توضأ وصلى فابيض ~~وجهه بالوضوء وابيضت يداه ورجلاه بالوضوء فصلى أغر محجلا فمن لم يتوضأ ولم ~~يصل لم يكن أغر ولا محجلا فلا يكون عليه سيما المسلمين التي هي الرنك للنبي ~~مثل الرنك الذي يعرف به المقدم أصحابه ولا يكن هذا من أمة محمد وثبت في ~~الصحيح أن النار تأكل من بن آدم كل شيء إلا آثار ms9643 السجود فمن لم يكن من أهل ~~السجود للواحد المعبود الغفور الودود ذو العرش المجيد أكلته النار وفي ~~الصحيح عن النبي أنه قال ليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة وقال ~~العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر وقال أول ما يحاسب عليه ~~العبد من عمله الصلاة # ولا ينبغى للعبد ان يقول ما شاء الله وشاء فلان ومالى الا الله وفلان ~~واطلب حاجتى من الله ومن فلان ونحو ذلك بل يقول ما شاء الله ثم شاء فلان ~~واطلب حاجتى من الله ثم من فلان كما في الحديث عن النبى انه قال ( لا ~~تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ( وقال ~~له رجل ما شاء الله وشئت فقال ( اجعلتنى لله ندا بل ما شاء الله وحده ( ~~والله اعلم وصلى الله على محمد PageV35P107 ### || 1 ( رسالة في الحلاج ) 1 ### |||| ! 8 < ما تقول السادة العلماء رضى الله عنهم ! 8 < # في ( الحلاج الحسين بن منصور ( هل كان صديقا أو زنديقا وهل كان وليا لله ~~متقيا له أم كان له حال رحمانى أو من اهل السحر والخزعبلات وهل قتل على ~~الزندقة بمحضر من علماء المسلمين أو قتل مظلوما افتونا مأجورين ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام أبو العباس تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميه قدس الله روحه # الحمد لله رب العالمين الحلاج قتل على الزندقة التى ثبتت عليه باقراره ~~وبغير اقراره والأمر الذى ثبت عليه بما يوجب القتل باتفاق المسلمين ومن قال ~~انه قتل بغير حق فهو اما منافق ملحد واما جاهل ضال والذى قتل به ما إستفاض ~~عنه من انواع الكفر وبعضه يوجب قتله فضلا عن جميعه ولم يكن من اولياء الله ~~المتقين بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات بعضها شيطانى وبعضها نفسانى ~~وبعضها موافق للشريعة من وجه دون وجه فلبس الحق بالباطل # وكان قد ذهب إلى بلاد الهند وتعلم انواعا من السحر وصنف كتابا في السحر ~~معروفا وهو موجود إلى اليوم وكان له ms9644 أقوال شيطانية ومخاريق بهتانية ~~PageV35P108 # وقد جمع العلماء اخباره في كتب كثيرة أرخوها الذين كانوا في زمنه والذين ~~نقلوا عنهم مثل ابى على الحطى ذكره في ( تاريخ بغداد ( والحافظ أبو بكر ~~الخطيب ذكر له ترجمة كبيرة في ( تاريخ بغداد ( وابو يوسف القزوينى صنف ~~مجلدا في اخباره وابو الفرج بن الجوزى له فيه مصنف سماه ( رفع اللجاج في ~~اخبار الحلاج ( وبسط ذكره في تاريخه أبو عبد الرحمن السلمى في ( طبقات ~~الصوفيه ( أن كثيرا من المشايخ ذموه وأنكروا عليه ولم يعدوه من مشايخ ~~الطريق واكثرهم حط عليه وممن ذمه وحط عليه أبو القاسم الجنيد ولم يقتل في ~~حياة الجنيد بل قتل بعد موت الجنيد فان الجنيد توفى سنة ثمان وتسعين ~~ومائتين # والحلاج قتل سنة بضع وثلاثمائة وقد موا به إلى بغداد راكبا على جمل ينادى ~~عليه هذا داعى القرامطة وأقام في الحبس مدة حتى وجد من كلامه الكفر ~~والزندقة واعترف به مثل أنه ذكر في كتاب له من فاته الحج فانه يبنى في داره ~~بيتا ويطوف به كما يطوف بالبيت ويتصدق على ثلاثين يتيما بصدقة ذكرها وقد ~~اجزأه ذلك عن الحج فقالوا له انت قلت هذا قال نعم فقالوا له من اين لك هذا ~~قال ذكره الحسن البصرى في كتاب الصلاة ( فقال له القاضي أبو عمر تكذب يا ~~زنديق انا قرأت هذا الكتاب وليس هذا فيه فطلب منهم الوزير أن يشهدوا بما ~~سمعوه ويفتوا بما يجب عليه فاتفقوا على وجوب قتله PageV35P109 # لكن العلماء لهم قولان في الزنديق اذا اظهر التوبة هل تقبل توبته فلا ~~يقتل أم يقتل لأنه لا يعلم صدقه فإنه ما زال يظهر ذلك فأفتى طائفة بأنه ~~يستتاب فلا يقتل وأفتى الأكثرون بأنه يقتل وان اظهر التوبة فان كان صادقا ~~في توبته نفعه ذلك عند الله وقتل في الدنيا وكان الحد تطهيرا له كما لو تاب ~~الزانى والسارق ونحوهما بعد ان يرفعوا إلى الأمام فانه لابد من اقامة الحد ~~عليهم فانهم ان كانوا صادقين كان قتلهم كفارة لهم ومن كان كاذبا ms9645 في التوبة ~~كان قتله عقوبة له # فإن كان الحلاج وقت قتله تاب في الباطن فان الله ينفعه بتلك التوبة وان ~~كان كاذبا فانه قتل كافرا # ولما قتل لم يظهر له وقت القتل شيء من الكرامات وكل من ذكر ان دمه كتب ~~على الأرض اسم الله وان رجله انقطع ماؤها أو غير ذلك فانه كاذب وهذه الأمور ~~لا يحكيها الا جاهل أو منافق وانما وضعها الزنادقة وأعداء الاسلام حتى يقول ~~قائلهم ان شرع محمد بن عبد الله يقتل اولياء الله حتى يسمعوا امثال هذه ~~الهذيانات والا فقد قتل انبياء كثيرون وقتل من اصحابهم واصحاب نبينا ~~والتابعين وغيرهم من الصالحين من لا يحصى عددهم الا الله قتلوا بسيوف ~~الفجار والكفار والظلمة وغيرهم ولم يكتب دم احدهم اسم الله والدم ايضا نجس ~~PageV35P110 فلا يجوز ان يكتب به اسم الله تعالى فهل الحلاج خير من هؤلاء ~~ودمه أطهر من دمائهم وقد جزع وقت القتل واظهر التوبة والسنة فلم يقبل ذلك ~~منه ولو عاش افتتن به كثير من الجهال لأنه كان صاحب خزعبلات بهتانية واحوال ~~شيطانية # ولهذا إنما يعظمه من يعظم الأحوال الشيطانية والنفسانية والبهتانية واما ~~اولياء الله العالمون بحال الحلاج فليس منهم واحد يعظمه ولهذا لم يذكره ~~القشيرى في مشايخ رسالته وان كان قد ذكر من كلامه كلمات استحسنها وكان ~~الشيخ أبو يعقوب النهرجورى قد زوجه بابنته فلما اطلع على زندقته نزعها منه ~~وكان عمرو بن عثمان يذكر أنه كافر ويقول كنت معه فسمع قارئا يقرأ القرآن ~~فقال أقدر ان اصنف مثل هذا القرآن أو نحو هذا من الكلام # وكان يظهر عند كل قوم ما يستجلبهم به إلى تعظيمه فيظهر عند اهل السنة انه ~~سنى وعند اهل الشيعة انه شيعى ويلبس لباس الزهاد تارة ولباس الأجناد تارة # وكان من ( مخاريقه ( انه بعث بعض اصحابه إلى مكان في البريه يخبئ فيه ~~شيئا من الفاكهة والحلوى ثم يجيء بجماعة من اهل الدنيا إلى قريب من ~~PageV35P111 ذلك المكان فيقول لهم ما تشتهون ان آتيكم به من هذه ms9646 البرية ~~فيشتهى احدهم فاكهة أو حلاوة فيقول امكثوا ثم يذهب إلى ذلك المكان ويأتى ~~بما خبأ أو ببعضه فيظن الحاضرون ان هذه كرامة له وكان صاحب سيما وشياطين ~~تخدمه أحيانا كانوا معه على جبل ابى قبيس فطلبوا منه حلاوة فذهب إلى مكان ~~قريب منهم وجاء بصحن حلوى فكشفوا الأمر فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوى ~~باليمن حمله شيطان من تلك البقعة # ومثل هذا يحصل كثيرا لغير الحلاج ممن له حال شيطانى ونحن نعرف كثيرا من ~~هؤلاء في زماننا وغير زماننا مثل شخص هو الآن بدمشق كان الشيطان يحمله من ~~جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق فيجيء من الهوى إلى طاقة البيت الذى فيه ~~الناس فيدخل وهم يرونه ويجيء بالليل إلى ( باب الصغير ( فيعبر منه هو ~~ورفقته وهو من افجر الناس # وآخر كان بالشويك في قرية يقال لها ( الشاهدة ) يطير في الهواء إلى راس ~~الجبل والناس يرونه وكان شيطان يحمله وكان يقطع الطريق واكثرهم شيوخ الشر ~~يقال لاحدهم ( البوى ) أي المخبث ينصبون له حركات في ليلة مظلمة ويصنعون ~~خبزا على سبيل القربات فلا يذكرون الله ولا يكون عندهم من يذكر الله ولا ~~كتاب فيه ذكر الله ثم يصعد ذلك PageV35P112 البواء في الهوى وهم يرونه ~~ويسمعون خطابه للشيطان وخطاب الشيطان له ومن ضحك أو شرق بالخبز ضربه الدف ~~ولا يرون من يضرب به # ثم ان الشيطان يخبرهم ببعض ما يسألونه عنه ويامرهم بان يقربوا له بقرا ~~وخيلا وغير ذلك وان يخنقوها خنقا ولا يذكرون اسم الله عليها فاذا فعلوا قضى ~~حاجتهم # وشيخ اخر أخبر عن نفسه انه كان يزنى بالنساء ويتلوط بالصبيان الذين يقال ~~لهم ( الحوارات ) وكان يقول يأتينى كلب اسود بين عينيه نكتتان بيضاوان ~~فيقول لى فلان ان فلانا نذر لك نذرا وغدا يأتيك به وانا قضيت حاجته لاجلك ~~فيصبح ذلك الشخص ياتيه بذلك النذر ويكاشفه هذا الشيخ الكافر قال وكنت اذا ~~طلب منى تغيير مثل اللاذن اقول حتى اغيب عن عقلى واذ باللاذن في يدى أو في ~~فمى وانا ms9647 لا ادرى من وضعه قال وكنت امشى وبين يدى عمود اسود عليه نور فلما ~~تاب هذا الشيخ وصار يصلى ويصوم ويجتنب المحارم ذهب الكلب الاسود وذهب ~~التغيير فلا يؤتى بلاذن ولا غيره # وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس فياتى اهل ذلك ~~PageV35P113 المصروع إلى الشيخ يطلبون منه ابراءه فيرسل إلى اتباعه ~~فيفارقون ذلك # المصروع ويعطون ذلك الشيخ دراهم كثيرة وكان احيانا تأتيه الجن بدراهم ~~وطعام تسرقه من الناس حتى ان بعض الناس كان له تين في كوارة فيطلب الشيخ من ~~شياطينه تينا فيحضرونه له فيطلب اصحاب الكوارة التين فوجدوه قد ذهب # وآخر كان مشتغلا بالعلم والقراءة فجاءته الشياطين اغرته وقالوا له نحن ~~نسقط عنك الصلاة ونحضر لك ماتريد فكانوا يأتونه بالحلوى والفاكهة حتى حضر ~~عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم ~~التى اكلها ذلك المفتون بالشيطان # فكل من خرج عن الكتاب والسنة وكان له حال من مكاشفة أو تأثير فانه صاحب ~~حال نفسانى أو شيطانى وان لم يكن له حال بل هو يتشبه بأصحاب الأحوال فهو ~~صاحب حال بهتانى وعامة اصحاب الأحوال الشيطانية يجمعون بين الحال الشيطانى ~~والحال البهتانى كما قال تعالى ( هل انبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على ~~كل افاك اثيم # و ( الحلاج ) كان من أئمة هؤلاء أهل الحال الشيطاني والحال البهتانى ~~وهؤلاء طوائف كثيرة PageV35P114 فأئمة هؤلاء هم شيوخ المشركين الذين يعبدون ~~الأصنام مثل الكهان والسحرة الذين كانوا للعرب المشركين ومثل الكهان الذين ~~هم بأرض الهند والترك وغيرهم # ومن هؤلاء من اذا مات لهم ميت يعتقدون انه يجيء بعد الموت فيكلمهم ويقضى ~~ديونه ويرد ودائعه ويوصيهم بوصايا فإنهم تأتيهم تلك الصورة التى كانت في ~~الحياة وهو شيطان يتمثل في صورته فيظنونه إياه # وكثير ممن يستغيث بالمشايخ فيقول ياسيدى فلان أو ياشيخ فلان اقض حاجتى ~~فيرى صورة ذلك الشيخ تخاطبه ويقول انا اقضى حاجتك واطيب قلبك فيقضى حاجته ~~أو يدفع عنه عدوه ويكون ذلك شيطانا قد تمثل في صورته لما أشرك بالله فدعا ms9648 ~~غيره # وأنا أعرف من هذا وقائع متعددة حتى إن طائفة من أصحابى ذكروا أنهم ~~استغاثوا بى في شدائد أصابتهم أحدهم كان خائفا من الأرمن والآخر كان خائفا ~~من التتر فذكر كل منهم أنه لما استغاث بى رآنى في الهواء وقد دفعت عنه عدوه ~~فاخبرتهم أنى لم أشعر بهذا ولا دفعت عنكم شيئا وإنما هذا الشيطان تمثل ~~لأحدهم فأغواه لما أشرك بالله تعالى وهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا ~~المشايخ مع أصحابهم يستغيث أحدهم بالشيخ فيرى PageV35P115 الشيخ قد جاء ~~وقضى حاجته ويقول ذلك الشيخ إنى لم أعلم بهذا فيتبين أن ذلك كان شيطانا وقد ~~قلت لبعض أصحابنا لما ذكر لى أنه استغاث باثنين كان يعتقدهما وأنهما أتياه ~~في الهواء وقالا له طيب قلبك نحن ندفع عنك هؤلاء ونفعل ونصنع قلت له فهل ~~كان من ذلك شيء فقال لا فكان هذا ممادله على أنهما شيطانان فإن الشياطين ~~وان كانوا يخبرون الانسان بقضية أو قصة فيها صدق فانهم يكذبون أضعاف ذلك ~~كما كانت الجن يخبرون الكهان # ولهذا من اعتمد على مكاشفته التى هي من اخبار الجن كان كذبه أكثر من صدقه ~~كشيخ كان يقال له ( الشياح ( توبناه وجددنا اسلامه كان له قرين من الجن ~~يقال له ( عنتر ( يخبره باشياء فيصدق تارة ويكذب تارة فلما ذكرت له انك ~~تعبد شيطانا من دون الله اعترف بانه يقول له يا ( عنتر ( لا سبحانك إنك إله ~~قذر وتاب من ذلك في قصة مشهورة # وقد قتل سيف الشرع من قتل من هؤلاء مثل الشخص الذى قتلناه سنة خمس عشرة ~~وكان له قرين يأتيه ويكاشفه فيصدق تارة ويكذب تارة وقد انقاد له طائفة من ~~المنسوبين إلى أهل العلم والرئاسة فيكاشفهم حتى كشفه الله لهم وذلك ان ~~القرين كان تارة يقول له أنا رسول الله ويذكر أشياء PageV35P116 تنافى حال ~~الرسول فشهد عليه أنه قال إن الرسول يأتينى ويقول لى كذا وكذا من الأمور ~~التى يكفر من أضافها إلى الرسول فذكرت لولاة الأمور ان هذا من جنس الكهان ~~وان الذى يراه ms9649 شيطانا ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبى بل يأتيه في ~~صورة منكرة ويذكر عنه انه يخضع له ويبيح له أن يتناول المسكر وامورا أخرى ~~وكان كثير من الناس يظنون أنه كاذب فيما يخبر به من الرؤية ولم يكن كاذبا ~~في أنه رأى تلك الصورة لكن كان كافرا في اعتقاده ان ذلك رسول الله ومثل هذا ~~كثير # ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مراد الشيطان فكلما ~~بعدوا عن الله ورسوله وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان فيطيرون في الهواء ~~والشيطان طاربهم ومنهم من يصرع الحاضرين وشياطينه صرعتهم ومنهم من يحضر ~~طعاما وإداما وملأ الابريق ماء من الهواء والشياطين فعلت ذلك فيحسب ~~الجاهلون ان هذه كرامات اولياء الله المتقين وانما هي من جنس احوال السحرة ~~والكهنة وامثالهم # ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق بالباطل ~~ومن لم ينور الله قلبه بحقائق الإيمان وإتباع القرآن لم يعرف طريق المحق من ~~PageV35P117 المبطل والتبس عليه الأمر والحال كما التبس على الناس حال ~~مسيلمة صاحب اليمامة وغيره من الكذابين في زعمهم أنهم أنبياء وانما هم ~~كذابون وقد قال ( لا تقوم الساعة حتى يكون فيكم ثلاثون دجالون كذابون كلهم ~~يزعم انه رسول الله ( # واعظم الدجاجلة فتنه ( الدجال الكبير ( الذى يقتله عيسى بن مريم فانه ما ~~خلق الله من لدن آدم إلى قيام الساعة أعظم من فتنته وأمر المسلمين ان ~~يستعيذوا من فتنته في صلاتهم وقد ثبت ( انه يقول للسماء أمطرى فتمطر وللأرض ~~أنبتى فتنبت ( وانه يقتل رجلا مؤمنا ثم يقول له قم فيقوم فيقول أنا ربك ~~فيقول له كذبت بل أنت الأعور الكذاب الذى أخبرنا عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والله ما ازددت فيك الا بصيرة فيقتله مرتين فيريد ان يقتله في ~~الثالثة فلا يسلطه الله عليه ( وهو يدعى الالهية وقد بين له النبى ثلاث ~~علامات تنافى ما يدعيه أحدها ( أنه أعور وان ربكم ليس بأعور ( والثانية ( ~~أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن من قارئ وغير قارئ ms9650 ( والثالثة قوله ~~( واعلموا ان احدكم لا يرى ربه حتى يموت PageV35P118 # فهذا هو الدجال الكبير ودونه دجاجلة منهم من يدعى النبوة ومنهم من يكذب ~~بغير ادعاء النبوة كما قال ( يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يحدثونكم ~~بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم واياهم ( # فالحلاج كان من الدجاجلة بلا ريب ولكن إذا قيل هل تاب قبل الموت أم لا ~~قال الله أعلم فلا يقول ماليس له به علم ولكن ظهر عنه من الأقوال والأعمال ~~ما أوجب كفره وقتله باتفاق المسلمين والله أعلم به PageV35P119 ### || 1 ( سؤال عن المعز الذي بنى القاهرة ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه الله تعالى ! 8 < # عن ( المعز معد بن تميم ) الذى بنى القاهرة والقصرين هل كان شريفا فاطميا ~~وهل كان هو وأولاده معصومين وأنهم أصحاب العلم الباطن وإن كانوا ليسوا ~~اشرافا فما الحجة على القول بذلك وإن كانوا على خلاف الشريعة فهل هم ( بغاة ~~( أم لا وما حكم من نقل ذلك عنهم من العلماء المعتمدين الذين يحتج بقولهم ~~ولتبسطوا القول في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله أما القول بانه هو أو أحد من أولاده أو نحوهم كانوا ~~معصومين من الذنوب والخطأ كما يدعيه الرافضة في ( الأثنى عشر ( فهذا القول ~~شر من قول الرافضة بكثير فان الرافضة ادعت ذلك فيمن لاشك في ايمانه وتقواه ~~بل فيمن لايشك أنه من أهل الجنة كعلى والحسن والحسين رضى الله عنهم ومع هذا ~~فقد اتفق أهل العلم والايمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال وانه من ~~أقوال أهل الافك والبهتان فان العصمة في ذلك ليست لغير الأنبياء عليهم ~~السلام # بل كان من سوى الأنبياء يؤخذ من قوله ويترك ولا تجب طاعة من سوى الأنبياء ~~والرسل في كل ما يقول ولا يجب على الخلق اتباعه والايمان PageV35P120 به في ~~كل مايامر به ويخبر به ولا تكون مخالفته في ذلك كفرا بخلاف الأنبياء بل إذا ~~خالفه غيره من نظرائه وجب على المجتهد النظر في قوليهما وأيهما كان أشبه ~~بالكتاب والسنة تابعه كما قال تعالى ( يا أيها الذين ms9651 آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) فأمر ~~عند التنازع بالرد إلى الله وإلى الرسول إذ المعصوم لايقول إلا حقا ومن علم ~~انه قال الحق في موارد النزاع وجب اتباعه كما لو ذكر آية من كتاب الله ~~تعالى أو حديثا ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد به قطع النزاع # أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله من غير ذكر دليل يدل على صحة ما ~~يقول فليس بصحيح بل هذه المرتبة هي ( مرتبة الرسول ( التى لا تصلح إلا له ~~كما قال تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة ~~من أمرهم @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون @QE@ ~~PageV35P121 # وقال @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ~~يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين @QE@ وقال تعالى @QB@ رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وقال تعالى @QB@ لئن أقمتم الصلاة وآتيتم ~~الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ~~@QE@ وأمثال هذه في القرآن كثير بين فيه سعادة من آمن بالرسل واتبعهم ~~وأطاعهم وشقاوة ms9652 من لم يؤمن بهم ولم يتبعهم بل عصاهم # فلو كان غير الرسول معصوما فيما يأمر به وينهى عنه لكان حكمه في ذلك حكم ~~الرسول والنبى المبعوث إلى الخلق رسول اليهم بخلاف من لم يبعث اليهم فمن ~~كان آمرا ناهيا للخلق من إمام وعالم وشيخ وأولى أمر غير هؤلاء من أهل البيت ~~أو غيرهم وكان معصوما كان بمنزلة الرسول في ذلك وكان من اطاعة وجبت له ~~الجنة ومن عصاه وجبت له النار كما يقوله القائلون بعصمة على أو غيره من ~~الأئمة بل من أطاعه يكون مؤمنا ومن عصاه يكون كافرا وكان هؤلاء كأنبياء بنى ~~اسرائيل فلا PageV35P122 يصح حينئذ قول النبى ( لا نبى بعدى ( وفى السنن ~~عنه أنه قال ( العلماء ورثة الانبياء إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا ~~دينارا انما ورثوا العلم فمن اخذه فقد اخذ بحظ وافر ( فغاية العلماء من ~~الائمة وغيرهم من هذه الأمة ان يكونوا ورثة أنبياء # وايضا فقد ثبت بالنصوص الصحيحة والاجماع ان النبى صلى الله عليه وسلم قال ~~للصديق في تأويل رؤيا عبرها ( اصبت بعضا وأخطأت بعضا ( وقال الصديق أطيعونى ~~ما أطعت الله فاذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم وغضب مرة على رجل فقال له ~~أبو بردة دعنى أضرب عنقه فقال له أكنت فاعلا قال نعم فقال ما كانت لاحد بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا اتفق الأئمة على ان من سب نبيا قتل ومن ~~سب غير النبى لا يقتل بكل سب سبه بل يفصل في ذلك 123 فان من قذف أم النبى ~~قتل مسلما كان أو كافرا لأنه قدح في نسبه ولو قذف غير أم النبى صلى الله ~~عليه وسلم ممن لم يعلم براءتها لم يقتل ( 123 # وكذلك عمر بن الخطاب كان يقر على نفسه في مواضع بمثل هذه فيرجع عن أقوال ~~كثيرة اذا تبين له الحق في خلاف ما قال ويسأل الصحابة عن بعض السنة حتى ~~يستفيدها منهم ويقول في مواضع والله ما يدرى عمر أصاب الحق أو أخطأه ويقول ~~امرأة اصابت ms9653 ورجل اخطأ ومع هذا فقد ثبت في PageV35P123 الصحيحين عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( قد كان في الأمم قبلكم محدثون فان يكن في ~~أمتى أحد فعمر ( وفى الترمذي ( لو لم ابعث فيكم لبعث فيكم عمر ( وقال ( ان ~~الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ( فاذا كان المحدث الملهم الذي ضرب الله ~~الحق على لسانه وقلبه بهذه المنزلة يشهد على نفسه بأنه ليس بمعصوم فكيف ~~بغيره من الصحابة وغيرهم الذين لم يبلغوا منزلته # فإن اهل العلم متفقون على ان أبا بكر وعمر اعلم من سائر الصحابة واعظم ~~طاعة لله ورسوله من سائرهم واولى بمعرفة الحق واتباعه منهم وقد ثبت بالنقل ~~المتواتر الصحيح عن النبى انه قال ( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم ~~عمر ( روى ذلك عنه من نحو ثمانين وجها وقال علي رضي الله عنه لا أوتى بأحد ~~يفضلنى على ابى بكر وعمر الا جلدته حد المفترى والأقوال المأثورة عن عثمان ~~وعلي وغيرهما من الصحابة ( كثيرة ) # بل أبو بكر الصديق لا يحفظ له فتيا افتى فيها بخلاف نص النبى وقد وجد ~~لعلي وغيره من الصحابة من ذلك اكثر مما وجد لعمر وكان الشافعي رضي الله عنه ~~يناظر بعض فقهاء الكوفة في مسائل الفقه فيحتجون عليه بقول علي فصنف كتاب ( ~~اختلاف علي وعبد الله بن مسعود ( وبين فيه مسائل كثيرة تركت من قولهما ~~لمجيء السنة بخلافها وصنف بعده محمد بن نصر الثورى كتابا أكبر من ذلك كما ~~ترك من قول علي رضي الله عنه PageV35P124 ان المعتدة المتوفى عنها اذا كانت ~~حاملا فانها تعتد أبعد الأجلين ويروى ذلك عن بن عباس أيضا واتفقت أئمة ~~الفتيا على قول عثمان وبن مسعود وغيرهما في ذلك وهو انها اذا وضعت حملها ~~حلت لما ثبت عن النبى أن سبيعة الاسلمية كانت قد وضعت بعد زوجها بليال فدخل ~~عليها أبو السنابل بن بعكك فقال ما أنت بناكح حتى تمر عليك اربعة أشهر ~~وعشرا فسألت النبى عن ذلك فقال ( كذب أبو السنابل حللت فانكحى ( فكذب ms9654 النبى ~~صلى الله عليه وسلم من قال بهذه الفتيا وكذلك المفوضة التى تزوجها زوجها ~~ومات عنها ولم يفرض لها مهرا قال فيها علي وبن عباس انها لا مهر لها وافتى ~~فيها بن مسعود وغيره إن لها مهر المثل فقام رجل من اشجع فقال نشهد ( ان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به في هذه ~~( ومثل هذا كثير # وقد كان علي وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضا في العلم والفتيا كما يخالف ~~سائر أهل العلم بعضهم بعضا ولو كانوا معصومين لكان مخالفة المعصوم للمعصوم ~~ممتنعة وقد كان الحسن في أمر القتال يخالف أباه ويكره كثيرا مما يفعله ~~ويرجع على رضى الله عنه في آخر الأمر إلى رأيه وكان يقول % لئن عجزت عجزة ~~لا اعتذر % سوف أكيس بعدها وأستمر % وأجبر الرأى النسيب المنتشر ~~PageV35P125 وتبين له في آخر عمره ان لو فعل غير الذي كان فعله لكان هو ~~الأصوب وله فتاوى رجع ببعضها عن بعض كقوله في امهات الاولاد فان له فيها ~~قولين ( احدهما ( المنع من بيعهن ( والثانى ( اباحة ذلك والمعصوم لا يكون ~~له قولان متناقضان إلا أن يكون أحدهما ناسخا للآخر كما في قول النبى السنة ~~استقرت فلا يرد عليها بعده نسخ اذ لا نبي بعده # وقد وصى الحسن اخاه الحسين بان لا يطيع اهل العراق ولا يطلب هذا الأمر ~~واشار عليه بذلك بن عمر وبن عباس وغيرهما ممن يتولاه ويحبه ورأوا ان مصلحته ~~ومصلحة المسلمين ان لا يذهب اليهم ولا يجيبهم إلى ما قالوه من المجيء اليهم ~~والقتال معهم وان كان هذا هو المصلحة له وللمسلمين ولكنه رضى الله عنه فعل ~~ما رآه مصلحة والرأى يصيب ويخطئ والمعصوم ليس لأحد ان يخالفه وليس له أن ~~يخالف معصوما آخر الا أن يكونا على شريعتين كالرسولين ومعلوم ان شريعتهما ~~واحدة وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع # ( والمقصود ( ان من ادعى عصمة هؤلاء السادة المشهود لهم بالايمان والتقوى ~~والجنة هو في غاية الضلال والجهالة ولم ms9655 يقل هذا القول من له في الأمة لسان ~~صدق بل ولا من له عقل محمود PageV35P126 فكيف تكون العصمة في ذرية ( عبد ~~الله بن ميمون القداح ( مع شهرة النفاق والكذب والضلال وهب أن الامر ليس ~~كذلك فلا ريب أن سيرتهم من سيرة الملوك وأكثرها ظلما وانتهاكا للمحرمات ~~وابعدها عن اقامة الامور والواجبات وأعظم اظهارا للبدع المخالفة للكتاب ~~والسنة واعانة لأهل النفاق والبدعة وقد اتفق أهل العلم على أن دولة بنى ~~أمية وبنى العباس أقرب إلى الله ورسوله من دولتهم واعظم علما وايمانا من ~~دولتهم واقل بدعا وفجورا من بدعتهم وأن خليفة الدولتين أطوع لله ورسوله من ~~خلفاء دولتهم ولم يكن في خلفاء الدولتين من يجوز ان يقال فيه انه معصوم ~~فكيف يدعى العصمة من ظهرت عنه الفواحش والمنكرات والظلم والبغى والعدوان ~~والعداوة لأهل البر والتقوى من الأمة والاطمئنان لاهل الكفر والنفاق فهم من ~~افسق الناس ومن أكفر الناس وما يدعى العصمة في النفاق والفسوق الا جاهل ~~مبسوط الجهل أو زنديق يقول بلا علم # ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من شهد لهم بالايمان والتقوى أو بصحة ~~النسب فقد شهد لهم بما لا يعلم وقد قال الله تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به ~~علم ) وقال تعالى @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ وقال عن أخوة يوسف ~~@QB@ وما شهدنا إلا بما علمنا @QE@ وليس أحد من الناس يعلم صحة نسبهم ~~PageV35P127 ولا ثبوت ايمانهم وتقواهم فإن غاية ما يزعمه انهم كانوا يظهرون ~~الإسلام والتزام شرائعه وليس كل من أظهر الإسلام يكون مؤمنا في الباطن اذ ~~قد عرف في المظهرين للإسلام المؤمن والمنافق قال الله تعالى @QB@ ومن الناس ~~من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ إذا ~~جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ وقال تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم @QE@ وهؤلاء القوم ~~يشهد عليهم علماء الامة وائمتها وجماهيرها انهم كانوا منافقين زنادقة ms9656 ~~يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر فاذا قدر ان بعض الناس خالفهم في ذلك صار في ~~ايمانهم نزاع مشهور فالشاهد لهم بالايمان شاهد لهم بما لا يعلمه اذ ليس معه ~~شيء يدل على ايمانهم مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم # وكذلك ( النسب ( قد علم أن جمهور الامة تطعن في نسبهم ويذكرون انهم من ~~اولاد المجوس أو اليهود هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث وأهل الكلام وعلماء النسب ~~والعامة وغيرهم وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لاخبار الناس وايامهم حتى ~~بعض من قد يتوقف في امرهم كإبن الاثير الموصلى في تاريخه ونحوه فانه ذكر ما ~~كتبه علماء المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم PageV35P128 # وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين حتى القاضي بن خلكان في ~~تاريخه فانهم ذكروا بطلان نسبهم وكذلك بن الجوزى وابو شامة وغيرهما من أهل ~~العلم بذلك حتى صنف العلماء في كشف اسرارهم وهتك استارهم كما صنف القاضي ~~أبو بكر الباقلانى كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك استارهم وذكر انهم من ~~ذرية المجوس وذكر من مذاهبهم ما بين فيه ان مذاهبهم شر من مذاهب اليهود ~~والنصارى بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون الاهية علي أو نبوته فهم أكفر ~~من هؤلاء وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه ( المعتمد ( فصلا طويلا في ~~شرح زندقتهم وكفرهم وكذلك ذكر أبو حامد الغزالى في كتابه الذى سماه ( فضائل ~~المستظهرية وفضائح الباطنية ( قال ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض # وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد وامثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا ~~يفضلون على علي غيره بل يفسقون من قاتله ولم يتب من قتاله يجعلون هؤلاء من ~~اكابر المنافقين الزنادقة فهذه مقالة المعتزلة في حقهم فكيف تكون مقالة اهل ~~السنة والجماعة والرافضة الامامية مع انهم من اجهل الخلق وانهم ليس لهم عقل ~~ولا نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة نعم يعلمون ان مقالة هؤلاء مقالة ~~الزنادقة المنافقين ويعلمون ان مقالة هؤلاء PageV35P129 الباطنية شر من ~~مقالة الغالية ms9657 الذين يعتقدون الهية علي رضى الله عنه واما القدح في نسبهم ~~فهو مأثور عن جماهير علماء الامة من علماء الطوائف # وقد تولى الخلافة غيرهم طوائف وكان في بعضهم من البدعة والظلم ما فيه فلم ~~يقدح الناس في نسب أحد من أولئك كما قدحوا في نسب هؤلاء ولا نسبوهم إلى ~~الزندقة والنفاق كما نسبوا هؤلاء وقد قام من ولد على طوائف من ولد الحسن ~~وولد الحسين كمحمد بن عبد الله بن حسن وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن ~~وأمثالهما ولم يطعن أحد لا من اعدائهم ولا من غير أعدائهم لا في نسبهم ولا ~~في اسلامهم وكذلك الداعى القائم بطبرستان وغيره من العلويين وكذلك بنو حمود ~~الذين تغلبوا بالاندلس مدة وأمثال هؤلاء لم يقدح أحد في نسبهم ولا في ~~إسلامهم وقد قتل جماعة من الطالبيين من علي الخلافة لا سيما في الدولة ~~العباسية وحبس طائفة كموسى بن جعفر وغيره ولم يقدح اعداؤهم في نسبهم ولا ~~دينهم # وسبب ذلك ان الانساب المشهورة امرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر العدو ~~أن يطفئه وكذلك اسلام الرجل وصحة ايمانه بالله والرسول امر لا يخفى وصاحب ~~النسب والدين لو اراد عدوه ان يبطل نسبه ودينه وله هذه الشهرة لم يمكنه ذلك ~~فان هذا مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله ولا يجوز ان تتفق على ذلك اقوال ~~العلماء PageV35P130 وهؤلاء ( بنو عبيد القداح ( ما زالت علماء الامة ~~المأمونون علما ودينا يقدحون في نسبهم ودينهم لا يذمونهم بالرفض والتشيع ~~فان لهم في هذا شركاء كثيرين بل يجعلونهم ( من القرامطة الباطنية ( الذين ~~منهم الإسماعيلية والنصيرية ومن جنسهم الخرمية المحمرة وامثالهم من الكفار ~~المنافقون الذين كانوا يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر ولا ريب ان اتباع ~~هؤلاء باطل وقد وصف العلماء ائمة هذا القول بأنهم الذين ابتدعوه ووضعوه ~~وذكروا ما بنوا عليه مذاهبهم وانهم اخذوا بعض قول المجوس وبعض قول الفلاسفة ~~فوضعوا لهم ( السابق ( و ( التالى ( و ( الاساس ( و ( الحجج ( و ( الدعاوى ~~( وامثال ذلك من المراتب وترتيب الدعوة سبع درجات آخرها ( البلاغ ms9658 الاكبر ~~والناموس الاعظم ( مما ليس هذا موضع تفصيل ذلك # وإذا كان كذلك فمن شهد لهم بصحة نسب أو ايمان فأقل ما في شهادته أنه شاهد ~~بلا علم قاف ما ليس له به علم وذلك حرام بإتفاق الأمة بل ما ظهر عنهم من ~~الزندقة والنفاق ومعاداة ما جاء به الرسول دليل على بطلان نسبهم الفاطمى ~~فان من يكون من أقارب النبى القائمين بالخلافة في أمته لاتكون معاداته ~~لدينه كمعاداة هؤلاء فلم يعرف في بنى هاشم ولا ولد أبى طالب ولا بنى أمية ~~من كان خليفة وهو معاد لدين الاسلام فضلا عن أن يكون معاديا كمعاداة ~~PageV35P131 هؤلاء بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم فيكون فيهم نوع حمية ~~لدين آبائهم وأسلافهم فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذى بعثه الله بالهدى ~~ودين الحق كيف يعادى دينه هذه المعاداة ولهذا نجد جميع المأمونين على دين ~~الاسلام باطنا وظاهرا معادين لهؤلاء إلا من هو زنديق عدو لله ورسوله أو ~~جاهل لا يعرف ما بعث به رسوله وهذا مما يدل على كفرهم وكذبهم في نسبهم ### ||| فصل # وأما سؤال القائل ( إنهم أصحاب العلم الباطن ( فدعواهم التى ادعوها من ~~العلم الباطن هو أعظم حجة ودليل على أنهم زنادقة منافقون لايؤمنون بالله ~~ولا برسوله ولا باليوم الآخر فإن هذا العلم الباطن الذى ادعوه هو كفر ~~باتفاق المسلمين واليهود والنصارى بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضا فإن ~~مضمونه أن للكتب الالهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين في الأوامر ~~والنواهى والأخبار # أما ( الأوامر ( فإن الناس يعلمون بالاضطرار من دين الاسلام أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أمرهم بالصلوات المكتوبة والزكاة المفروضة وصيام شهر رمضان ~~وحج البيت العتيق PageV35P132 وأما ( النواهى ( فإن الله تعالى حرم عليهم ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق وأن يشركوا بالله ~~مالم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله مالا يعلمون كما حرم الخمر ونكاح ~~ذوات المحارم والربا والميسر وغير ذلك فزعم هؤلاء أنه ليس المراد بهذا ما ~~يعرفه المسلمون ولكن لهذا ms9659 باطن يعلمه هؤلاء الأئمة الاسماعيلية الذين ~~إنتسبوا إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الذين يقولون انهم معصومون وأنهم ~~أصحاب العلم الباطن كقولهم ( الصلاة ( معرفة أسرارنا لاهذه الصلوات ذات ~~الركوع والسجود والقراءة و ( الصيام ( كتمان أسرارنا ليس هو الامساك عن ~~الأكل والشرب والنكاح و ( الحج ( زيارة شيوخنا المقدسين وأمثال ذلك وهؤلاء ~~المدعون للباطن لايوجبون هذه العبادات ولا يحرمون هذه المحرمات بل يستحلون ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن ونكاح الأمهات والبنات وغير ذلك من المنكرات ~~ومعلوم أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى فمن يكون هكذا كيف يكون معصوما # وأما ( الأخبار ( فإنهم لايقرون بقيام الناس من قبورهم لرب العالمين ولا ~~بما وعد الله به عباده من الثواب والعقاب بل ولا بما أخبرت به الرسل من ~~الملائكة بل ولا بما ذكرته من أسماء الله وصفاته بل أخبارهم الذى يتبعونها ~~أتباع المتفلسفة المشائين التابعين لأرسطو ويريدون أن يجمعوا PageV35P133 ~~بين ما أخبر به الرسل وما يقوله هؤلاء كما فعل أصحاب ( رسائل اخوان الصفا ( ~~وهم على طريقة هؤلاء العبيديين ذرية ( عبيد الله بن ميمون القداح ( فهل ~~ينكر أحد ممن يعرف دين المسلمين أو اليهود أو النصارى أن ما يقوله أصحاب ( ~~رسائل اخوان الصفا ( مخالف للملل الثلاث وان كان في ذلك من العلوم الرياضية ~~والطبيعية وبعض المنطقية والالهية وعلوم الأخلاق والسياسة والمنزل ما لا ~~ينكر فان في ذلك من مخالفة الرسل فيما أخبرت به وأمرت به والتكذيب بكثير ~~مما جاءت به وتبديل شرائع الرسل كلهم بما لا يخفى على عارف بملة من الملل ~~فهؤلاء خارجون عن الملل الثلاث # ومن أكاذيبهم وزعمهم أن هذه ( الرسائل ( من كلام جعفر بن محمد الصادق ~~والعلماء يعلمون أنها انما وضعت بعد المائة الثالثة زمان بناء القاهرة وقد ~~ذكر واضعها فيها ما حدث في الاسلام من استيلاء النصارى على سواحل الشام ~~ونحو ذلك من الحوادث التى حدثت بعد المائة الثالثة وجعفر بن محمد رضى الله ~~عنه توفى سنة ثمان وأربعين ومائة قبل بناء القاهرة بأكثر من مائتى سنة إذ ~~القاهرة بنيت حول الستين ms9660 وثلاثمائة كما في ( تاريخ الجامع الأزهر ( ويقال ~~ان ابتداء بنائها سنة ثمان وخمسين وأنه في سنة اثنتين وستين قدم ( معد بن ~~تميم ( من المغرب واستوطنها PageV35P134 # ومما يبين هذا أن المتفلسفة الذين يعلم خروجهم من دين الاسلام كانوا من ~~اتباع مبشر بن فاتك أحد أمرائهم وأبى على بن الهيثم اللذين كانا في دولة ~~الحاكم نازلين قريبا من الجامع الأزهر وبن سينا وابنه وأخوه كانوا من ~~أتباعهما قال بن سينا وقرأت من الفلسفة وكنت أسمع أبى وأخى يذكران ( العقل ~~( و ( النفس ( وكان وجوده على عهد الحاكم وقد علم الناس من سيرة الحاكم ما ~~علموه وما فعله هشكين الدرزى بأمره من دعوة الناس إلى عبادته ومقاتلته أهل ~~مصرعلى ذلك ثم ذهابه إلى الشام حتى أضل وادى التيم بن ثعلبة والزندقة ~~والنفاق فيهم إلى اليوم وعندهم كتب الحاكم وقد أخذتها منهم وقرأت ما فيها ~~من عبادتهم الحاكم واسقاطه عنهم الصلاة والزكاة والصيام والحج وتسمية ~~المسلمين الموجبين لهذه الواجبات المحرمين لما حرم الله ورسوله بالحشوية ~~إلى أمثال ذلك من أنواع النفاق التى لا تكاد تحصى # وبالجملة ( فعلم الباطن ( الذى يدعون مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر بل هو جامع لكل كفر لكنهم فيه على درجات فليسوا مستوين ~~في الكفر اذ هو عندهم سبع طبقات كل طبقة يخاطبون بها طائفة من الناس بحسب ~~بعدهم من الدين وقربهم منه # ولهم ألقاب وترتيبات ركبوها من مذهب المجوس والفلاسفة والرافضة مثل قولهم ~~( السابق ( و ( التالى ( جعلوها بازآء ( العقل PageV35P135 والنفس كالذى ~~يذكره الفلاسفة وبازاء النور والظلمة كالذى يذكره المجوس وهم ينتمون إلى ~~محمد بن إسماعيل بن جعفر ويدعون أنه هو السابع ويتكلمون في الباطن والأساس ~~والحجة والباب وغير ذلك مما يطول وصفهم # ومن وصاياهم في ( الناموس الأكبر والبلاغ الأعظم ( أنهم يدخلون على ~~المسلمين من ( باب التشيع ( وذلك لعلمهم بأن الشيعة من أجهل الطوائف ~~وأضعفها عقلا وعلما وأبعدها عن دين الاسلام علما وعملا ولهذا دخلت الزنادقة ~~على الاسلام من باب المتشيعة قديما وحديثا كما دخل الكفار المحاربون مدائن ~~الاسلام ms9661 بغداد بمعاونة الشيعة كما جرى لهم في دولة الترك الكفار ببغداد ~~وحلب وغيرهما بل كما جرى بتغير المسلمين مع النصارى وغيرهم فهم يظهرون ~~التشيع لمن يدعونه واذا استجاب لهم نقلوه إلى الرفض والقدح في الصحابة فان ~~رأوه قابلا نقلوه إلى الطعن في على وغيره ثم نقلوه إلى القدح في نبينا ~~وسائر الانبياء وقالوا أن الانبياء لهم بواطن وأسرار تخالف ما عليه أمتهم ~~وكانوا قوما أذكياء فضلاء قالوا بأغراضهم الدنيوية بما وضعوه من النواميس ~~الشرعية ثم قدحوا في المسيح ونسبوه إلى يوسف النجار وجعلوه ضعيف الرأى حيث ~~تمكن عدوه منه حتى صلبه فيوافقون اليهود في القدح في المسيح لكن هم شر من ~~اليهود فانهم يقدحون في الانبياء وأما موسى ومحمد فيعظمون أمرهما لتمكنهما ~~وقهر PageV35P136 عدوهما ويدعون أنهما أظهرا ما أظهرا من الكتاب لذب العامة ~~وان لذلك اسرارا باطنة من عرفها صار من الكمل البالغين # ويقولون ان الله أحل كل ما نشتهيه من الفواحش والمنكرات وأخذ أموال الناس ~~بكل طريق ولم يجب علينا شيء مما يجب على العامة من صلاة وزكاة وصيام وغير ~~ذلك اذ البالغ عندهم قد عرف أنه لاجنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب # وفى ( اثبات واجب الوجود ( المبدع للعالم على قولين لأئمتهم تنكره وتزعم ~~أن المشائين من الفلاسفة في نزاع الا في واجب الوجود ويستهينون بذكر الله ~~واسمه حتى يكتب أحدهم اسم الله واسم رسوله في أسفله وأمثال ذلك من كفرهم ~~كثير وذوالدعوة التى كانت مشهورة والاسماعيلية الذين كانوا على هذا المذهب ~~بقلاع الألموت وغيرها في بلاد خراسان وبأرض اليمن وجبال الشام وغير ذلك ~~كانوا على مذهب العبيديين المسئول عنهم وبن الصباح الذى كان رأس ~~الاسماعيلية وكان الغزالى يناظر أصحابه لما كان قدم إلى مصر في دولة ~~المستنصر وكان أطولهم مدة وتلقى عنه أسرارهم # وفى دولة المستنصر كانت فتنة البساسرى في المائة الخامسة سنة خمسين ~~وأربعمائة لما جاهد البساسرى خارجا عن طاعة الخليفة القائم بأمر الله ~~العباسى PageV35P137 واتفق مع المستنصر العبيدى وذهب يحشر إلى العراق ~~وأظهروا في بلاد ms9662 الشام والعراق شعار الرافضة كما كانوا قد أظهروها بأرض مصر ~~وقتلوا طوائف من علماء المسلمين وشيوخهم كما كان سلفهم قتلوا قبل ذلك ~~بالمغرب طوائف وأذنوا على المنابر ( حى على خير العمل ( حتى جاء الترك ( ~~السلاجقة ( الذين كانوا ملوك المسلمين فهزموهم وطردوهم إلى مصر وكان من ~~أواخرهم ( الشهيد نور الدين محمود ( الذى فتح أكثر الشام واستنقذه من أيدى ~~النصارى ثم بعث عسكره إلى مصر لما استنجدوه على الافرنج وتكرر دخول العسكر ~~اليها مع صلاح الدين الذى فتح مصر فأزال عنها دعوة العبيديين من القرامطة ~~الباطنية وأظهر فيها شرائع الاسلام حتى سكنها من حينئذ من أظهر بها دين ~~الإسلام # وكان في أثناء دولتهم يخاف الساكن بمصر أن يروى حديثا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيقتل كما حكى ذلك إبراهيم بن سعد الحبال صاحب عبدالغنى بن ~~سعيد وامتنع من رواية الحديث خوفا أن يقتلوه وكانوا ينادون بين القصرين من ~~لعن وسب فله دينار وأردب وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة ~~بل يتكلم فيها بالكفر الصريح وكان لهم مدرسة بقرب ( المشهد ( الذى بنوه ~~ونسبوه إلى الحسين وليس فيه الحسين ولا شيء منه بإتفاق العلماء وكانوا لا ~~يدرسون في مدرستهم علوم المسلمين بل المنطق والطبيعة والالهى ونحو ذلك من ~~مقالات الفلاسفة وبنوا أرصادا على PageV35P138 الجبال وغير الجبال يرصدون ~~فيها الكواكب يعبدونها ويسبحونها ويستنزلون روحانياتها التى هي شياطين ~~تتنزل على المشركين الكفار كشياطين الأصنام ونحو ذلك ( والمعز بن تميم بن ~~معد ( أول من دخل القاهرة منهم في ذلك فصنف كلاما معروفا عند اتباعه وليس ~~هذا ( المعز بن باديس ( فان ذاك كان مسلما من أهل السنة وكان رجلا من ملوك ~~المغرب وهذا بعد ذاك بمدة ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت ~~البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتى سنة قد انطفأ نور الاسلام والايمان ~~حتى قالت فيها العلماء إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب # والقرامطة ( الخارجين بأرض العراق الذين كانوا سلفا لهؤلاء القرامطة ~~ذهبوا من العراق إلى المغرب ثم جاؤا ms9663 من المغرب إلى مصر فإن كفر هؤلاء ~~وردتهم من أعظم الكفر والردة وهم أعظم كفرا وردة من كفر اتباع مسيلمة ~~الكذاب ونحوه من الكذابين فان أولئك لم يقولوا في الالهية والربوبية ~~والشرائع ما قاله أئمة هؤلاء ولهذا يميز بين قبورهم وقبور المسلمين كما ~~يميز بين قبور المسلمين والكفار فان قبورهم موجهة إلى غير القبلة # واذا أصاب الخيل مغل أتوا بها إلى قبورهم كما يأتون بها إلى قبور الكفار ~~وهذه عادة معروفة للخيل اذا أصاب الخيل مغل ذهبوا بها إلى قبور PageV35P139 ~~النصارى بدمشق وان كانوا بمساكن الاسماعيلية والنصيرية ونحوهما ذهبوا بها ~~إلى قبورهم وإن كانوا بمصر ذهبوا بها إلى قبور اليهود والنصارى أو لهؤلاء ~~العبيديين الذين قد يتسمون بالأشراف وليسوا من الأشراف ولا يذهبون بالخيل ~~إلى قبور الأنبياء والصالحين ولا إلى قبور عموم المسلمين وهذا أمر مجرب ~~معلوم عند الجند وعلمائهم وقد ذكر سبب ذلك ان الكفار يعاقبون في قبورهم ~~فتسمع أصواتهم البهائم كما أخبر النبى بذلك ان الكفاريعذبون في قبورهم ففى ~~الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ( انه كان راكبا على بغلته فمر بقبور ~~فحادت به كادت تلقيه فقال هذه أصوات يهود تعذب في قبورها ( فان البهائم إذا ~~سمعت ذلك الصوت المنكر أوجب لها من الحرارة ما يذهب المغل وكان الجهال ~~يظنون أن تمشية الخيل عند قبورهؤلاء لدينهم وفضلهم فلما تبين لهم انهم ~~يمشونها عند قبور اليهود والنصارى والنصيرية ونحوهم دون قبور الأنبياء ~~والصالحين وذكر العلماء انهم لا يمشونها عند قبر من يعرف بالدين بمصر ~~والشام وغيرها إنما يمشونها عند قبور الفجار والكفار تبين بذلك ما كان ~~مشتبها # ومن علم حوادث الاسلام وما جرى فيه بين أوليائه وأعدائه الكفار ~~والمنافقين علم أن عداوة هؤلاء المعتدين للاسلام الذى بعث الله به رسوله ~~أعظم من عداوة التتار وأن علم الباطن الذى كانوا يدعون حقيقته هو ابطال ~~الرسالة التى بعث الله بها محمدا بل إبطال جميع المرسلين وأنهم لا يقرون ~~PageV35P140 بما جاء به الرسول عن الله ولامن خبره ولا من أمره وأن ms9664 لهم ~~قصدا مؤكدا في إبطال دعوته وإفساد ملته وقتل خاصته واتباع عترته وأنهم في ~~معاداة الاسلام بل وسائر الملل أعظم من اليهود والنصارى فان اليهود ~~والنصارى يقرون بأصل الجمل التى جاءت بها الرسل كاثبات الصانع والرسل ~~والشرائع واليوم الآخر ولكن يكذبون بعض الكتب والرسل كما قال الله سبحانه ( ~~إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا اولئك هم الكافرون ~~حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينا ( # واما هؤلاء القرامطه فانهم في الباطن كافرون بجميع الكتب والرسل يخفون ~~ذلك ويكتمونه عن غير من يثقون به لا يظهرونه كما يظهر اهل الكتاب دينهم ~~لأنهم لو اظهروه لنفر عنهم جماهير اهل الأرض من المسلمين وغيرهم وهم يفرقون ~~بين مقالتهم ومقالة الجمهور بل الرافضة الذين ليسوا زنادقة كفارا يفرقون ~~بين مقالتها ومقالة الجمهور ويرون كتمان مذهبهم واستعمال التقية وقد لا ~~يكون من الرافضة من له نسب صحيح مسلما في الباطن ولا يكون زنديقا لكن يكون ~~جاهلا مبتدعا واذا كان هؤلاء مع صحة نسبهم واسلامهم يكتمون ما هم عليه من ~~البدعة والهوى لكن جمهور الناس يخالفونهم فكيف بالقرامطة الباطنية الذين ~~يكفرهم اهل الملل كلها من المسلمين واليهود والنصارى PageV35P141 # وانما يقرب منهم ( الفلاسفة المشاءون أصحاب أرسطو ( فان بينهم وبين ~~القرامطة مقاربة كبيرة # ولهذا يوجد فضلاء القرامطة في الباطن متفلسفة كسنان الذى كان بالشام ~~والطوسى الذى كان وزيرا لهم بالألموت ثم صار منجما لهؤلاء وملك الكفار وصنف ~~( شرح الاشارات لابن سينا ( وهو الذى اشار على ملك الكفار بقتل الخليفة ~~وصار عند الكفار الترك هو المقدم على الذين يسمونهم ( الداسميدية ( فهؤلاء ~~وامثالهم يعلمون ان ما يظهره القرامطة من الدين والكرامات ونحو ذلك انه ~~باطل لكن يكون احدهم متفلسفا ويدخل معهم لموافقتهم له على ما هو فيه من ~~الاقرار بالرسل والشرائع في الظاهر وتأويل ذلك بأمور يعلم بالاضطرار انها ~~مخالفة لما جاءت به الرسل # فان ( المتفلسفة ( متأولون ما أخبرت به الرسل من أمور الايمان بالله ~~واليوم الآخر ms9665 بالنفى والتعطيل الذى يوافق مذهبهم وأما الشرائع العملية فلا ~~ينفونها كما ينفيها القرامطة بل يوجبونها على العامة ويوجبون بعضها على ~~الخاصة أولا يوجبون ذلك ويقولون إن الرسل فيما أخبروا به وأمروا به لم ~~يأتوا بحقائق الأمور ولكن أتوا بأمر فيه صلاح العامة وان كان هو كذبا في ~~الحقيقة # ولهذا اختار كل مبطل ان يأتى بمخاريق لقصد صلاح العامة كما فعل ( بن ~~التومرت ( الملقب بالمهدى ومذهبه في الصفات مذهب الفلاسفة PageV35P142 لأنه ~~كان مثلها في الجملة ولم يكن منافقا مكذبا للرسل معطلا للشرائع ولا يجعل ~~للشريعة العملية باطنا يخالف ظاهرها بل كان فيه نوع من رأى الجهمية الموافق ~~لرأى الفلاسفة ونوع من راى الخوارج الذين يرون السيف ويكفرون بالذنب # فهؤلاء ( القرامطة ( هم في الباطن والحقيقة أكفر من اليهود والنصارى وأما ~~في الظاهر فيدعون الاسلام بل وإيصال النسب إلى العترة النبويه وعلم الباطن ~~الذى لا يوجد عند الأنبياء والأولياء وان امامهم معصوم فهم في الظاهر من ~~أعظم الناس دعوى بحقائق الايمان وفى الباطن من أكفر الناس بالرحمن بمنزلة ~~من ادعى النبوة من الكذابين قال تعالى ( ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ( وهؤلاء ~~قد يدعون هذا وهذا # فإن الذى يضاهى الرسول الصادق لا يخلو إما أن يدعى مثل دعوته فيقول ان ~~الله أرسلنى وأنزل على وكذب على الله أو يدعى أنه يوحى إليه ولا يسمى موحيه ~~كما يقول قيل لى ونوديت وخوطبت ونحو ذلك ويكون كاذبا فيكون هذا قد حذف ~~الفاعل أو لا يدعى واحدا من الأمرين لكنه يدعى أنه يمكنه انه يأتى بما اتى ~~به الرسول ووجه القسمة ان ما يدعيه في مضاهاة الرسول اما ان يضيفه إلى الله ~~أو إلى نفسه أو لا يضيفه إلى احد PageV35P143 # فهؤلاء في دعواهم مثل الرسول هم أكفر من اليهود والنصارى فكيف بالقرامطه ~~الذين يكذبون على الله اعظم مما فعل مسيلمة وألحدوا في أسماء الله وآياته ~~أعظم مما فعل مسيلمة وحاربوا ms9666 الله ورسوله أعظم مما فعل مسيلمة وبسط حالهم ~~يطول لكن هذه الأوراق لا تسع اكثر من هذا # وهذا الذى ذكرته حال أئمتهم وقادتهم العالمين بحقيقة قولهم ولا ريب انه ~~قد انضم اليهم من الشيعة والرافضة من لا يكون في الباطن عالما بحقيقة ~~باطنهم ولا موافقا لهم على ذلك فيكون من أتباع الزنادقة المرتدين الموالى ~~لهم الناصر لهم بمنزلة اتباع الاتحادية الذين يوالونهم ويعظمونهم وينصرونهم ~~ولا يعرفون حقيقة قولهم في وحدة الوجود وأن الخالق هو المخلوق فمن كان ~~مسلما في الباطن وهو جاهل معظم لقول بن عربى وبن سبعين وبن الفارض وأمثالهم ~~من أهل الاتحاد فهو منهم وكذا من كان معظما للقائلين بمذهب الحلول والاتحاد ~~فان نسبة هؤلاء إلى الجهمية كنسبة أولئك إلى الرافضة والجهمية ولكن ~~القرامطة أكفر من الاتحادية بكثير ولهذا كان أحسن حال عوامهم أن يكونوا ~~رافضة جهمية واما الاتحادية ففى عوامهم من ليس برافضى ولا جهمى صريح ولكن ~~لا يفهم كلامهم ويعتقد ان كلامهم كلام الأولياء المحققين وبسط هذا الجواب ~~له مواضع غير هذا والله اعلم PageV35P144 ### || 1 ( فتوى في النصيرية ) 1 ### |||| ! 8 < وسئل رحمه الله تعالى ! 8 < # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين وأعانهم على ~~اظهار الحق المبين واخماد شغب المبطلين في ( النصيرية ( القائلين باستحلال ~~الخمر وتناسخ الأرواح وقدم العالم وانكار البعث والنشور والجنة والنار في ~~غير الحياة الدنيا وبأن ( الصلوات الخمس ( عبارة عن خمسة أسماء وهى علي ~~وحسن وحسين ومحسن وفاطمة فذكر هذه الأسماء الخمسة على رأيهم يجزئهم عن ~~الغسل من الجنابة والوضوء وبقية شروط الصلوات الخمسة وواجباتها وبان ( ~~الصيام ( عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلا واسم ثلاثين امرأة يعدونهم في ~~كتبهم ويضيق هذا الموضع عن ابرازهم وبان إلههم الذى خلق السماوات والأرض هو ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو عندهم الاله في السماء والامام في الأرض ~~فكانت الحكمة في ظهور اللاهوت بهذا الناسوت على رأيهم ان يؤنس خلقه وعبيده ~~ليعلمهم كيف يعرفونه ويعبدونه # وبأن النصيري عندهم لا يصير نصيريا مؤمنا ms9667 يجالسونه ويشربون معه الخمر ~~ويطلعونه على أسرارهم ويزوجونه من نسائهم حتى يخاطبه معلمه وحقيقة الخطاب ~~عندهم ان يحلفوه على كتمان دينه ومعرفة مشايخه PageV35P145 وأكابر أهل ~~مذهبه وعلى أن لا ينصح مسلما ولا غيره إلا من كان من أهل دينه وعلى أن يعرف ~~ربه وإمامه بظهوره في أنواره وأدواره فيعرف انتقال الاسم والمعنى في كل حين ~~وزمان فالاسم عندهم في أول الناس آدم والمعنى هو شيث والاسم يعقوب والمعنى ~~هو يوسف ويستدلون على هذه الصورة كما يزعمون بما في القرآن العظيم حكاية عن ~~يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام فيقولون اما يعقوب فانه كان الاسم فما ~~قدر ان يتعدى منزلته فقال @QB@ سوف أستغفر لكم ربي @QE@ وأما يوسف فكان ~~المعنى المطلوب فقال @QB@ لا تثريب عليكم اليوم @QE@ فلم يعلق الأمر بغيره ~~لأنه علم أنه الاله المتصرف ويجعلون موسى هو الاسم ويوشع هو المعنى ويقولون ~~يوشع ردت له الشمس لما أمرها فأطاعت أمره وهل ترد الشمس الا لربها ويجعلون ~~سليمان هو الأسم وآصف هو المعنى القادر المقتدر ويقولون سليمان عجز عن ~~احضار عرش بلقيس وقدر عليه آصف لأن سليمان كان الصورة وآصف كان المعنى ~~القادر المقتدر وقد قال قائلهم % هابيل شيث يوسف يوشع % آصف شمعون الصفا ~~حيدر % # ويعدون الأنبياء والمرسلين واحدا واحدا على هذا النمط إلى زمن رسول الله ~~فيقولون محمد هو الاسم وعلي هو المعنى ويوصلون العدد على هذا الترتيب في كل ~~زمان إلى وقتنا هذا فمن حقيقة الخطاب في الدين عندهم ان عليا هو الرب وان ~~محمدا هو الحجاب PageV35P146 وان سلمان هو الباب وانشد بعض أكابر رؤسائهم ~~وفضلائهم لنفسه في شهور سنة سبعمائة فقال % أشهد أن لا إله إلا % حيدرة ~~الأنزع البطين % ولا حجاب عليه إلا % محمد الصادق الأمين % ولا طريق إليه ~~الا % سلمان ذوالقوة المتين % # ويقولون ان ذلك على هذا الترتيب لم يزل ولا يزال وكذلك الخمسة الايتام ~~والاثناعشر نقيبا وأسماؤهم مشهورة عندهم ومعلومة من كتبهم الخبيثة وأنهم لا ~~يزالون يظهرون مع الرب والحجاب والباب في كل كور ودور ابدا سرمدا على ms9668 ~~الدوام والاستمرار ويقولون ان ابليس الأبالسة هو عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه ويليه في رتبة الأبليسية أبو بكر رضى الله عنه ثم عثمان رضى الله عنهم ~~اجمعين وشرفهم وأعلى رتبهم عن أقوال الملحدين وانتحال أنواع الضالين ~~والمفسدين فلا يزالون موجودين في كل وقت دائما حسبما ذكر من الترتيب ~~ولمذاهبهم الفاسدة شعب وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول المذكورة # وهذه الطائفة الملعونة استولت على جانب كبير من بلاد الشام ( وهم ) ~~معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم وعرفهم ~~من عقلاء المسلمين وعلمائهم ومن عامة الناس أيضا في PageV35P147 هذا الزمان ~~لأن أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت استيلاء الافرنج المخذولين على ~~البلاد الساحلية فلما جاءت أيام الاسلام انكشف حالهم وظهر ضلالهم والابتلاء ~~بهم كثير جدا # فهل يجوز لمسلم ان يزوجهم أو يتزوج منهم وهل يحل أكل ذبائحهم والحالة هذه ~~أم لا وما حكم الجبن المعمول من انفحة ذبيحتهم وما حكم أوانيهم وملابسهم ~~وهل يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا وهل يجوز استخدامهم في ثغور المسلمين ~~وتسليمها اليهم أم يجب على ولي الأمر قطعهم واستخدام غيرهم من رجال ~~المسلمين الكفاة وهل يأثم اذا اخر طردهم أم يجوز له التمهل مع ان في عزمه ~~ذلك واذا استخدمهم وأقطعهم أو لم يقطعهم هل يجوز له صرف أموال بيت المال ~~عليهم واذا صرفها وتأخر لبعضهم بقية من معلومه المسمى فأخره ولى الأمر عنه ~~وصرفه على غيره من المسلمين أو المستحقين أو أرصده لذلك هل يجوز له فعل هذه ~~الصور أم يجب عليه وهل دماء النصيرية المذكورين مباحة وأموالهم حلال أم لا ~~واذا جاهدهم ولي الأمر أيده الله تعالى باخماد باطلهم وقطعهم من حصون ~~المسلمين وحذر أهل الاسلام من مناكحتهم وأكل ذبائحهم وألزمهم بالصوم ~~والصلاة ومنعهم من اظهار دينهم الباطل وهم الذين يلونه من الكفار هل ذلك ~~أفضل وأكثر أجرا من التصدى والترصد لقتال التتارفى بلادهم وهدم بلاد ~~PageV35P148 سيس وديار الافرنج على أهلها أم هذا أفضل من كونه يجاهد ~~النصيرية المذكورين مرابطا ms9669 ويكون أجر من رابط في الثغور على ساحل البحر ~~خشية قصد الفرنج أكبر أم هذا أكبر أجرا وهل يجب على من عرف المذكورين ~~ومذاهبهم ان يشهر أمرهم ويساعد على ابطال باطلهم واظهار الاسلام بينهم فلعل ~~الله تعالى أن يهدي بعضهم إلى الاسلام وان يجعل من ذريتهم واولادهم مسلمين ~~بعد خروجهم من ذلك الكفر العظيم أم يجوز التغافل عنهم والاهمال وما قدر ~~المجتهد على ذلك والمجاهد فيه والمرابط له والملازم عليه ولتبسطوا القول في ~~ذلك مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى انه على كل شيء قدير وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل ### ||||| فأجاب شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية # الحمد لله رب ~~العالمين هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر اصناف القرامطة الباطنية ~~أكفر من اليهود والنصارى بل وأكفر من كثير من المشركين وضررهم على أمة محمد ~~أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم فان هؤلاء ~~يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت وهم في الحقيقة لا ~~يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا نهى ولا ثواب ولاعقاب ولا ~~جنة ولا نار ولا بأحد من المرسلين قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولا بملة من ~~الملل السالفة بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين ~~يتأولونه على أمور PageV35P149 يفترونها يدعون أنها علم الباطن من جنس ما ~~ذكر من السائل ومن غير هذا الجنس فإنه ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من ~~الالحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن ~~مواضعه إذ مقصودهم انكار الايمان وشرائع الاسلام بكل طريق مع التظاهر بأن ~~لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكر السائل ومن جنس قولهم إن ( ~~الصلوات الخمس ( معرفة أسرارهم و ( الصيام المفروض ( كتمان أسرارهم ( وحج ~~البيت العتيق ( زيارة شيوخهم وان ( يدا أبى لهب ) هما أبو بكر وعمر وان ( ~~النبأ العظيم ) والامام المبين هو علي بن أبى طالب ولهم في معاداة الاسلام ~~وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة فاذا كانت لهم مكنة سفكوا ms9670 دماء المسلمين كما ~~قتلوا مرة الحجاج والقوهم في بئر زمزم وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقى عندهم ~~مدة وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم مالا يحصى عدده الا الله تعالى ~~وصنفوا كتبا كثيرة مما ذكره السائل وغيره وصنف علماء المسلمين كتبا في كشف ~~أسرارهم وهتك أستارهم وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والالحاد ~~الذى هم به اكفر من اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الاصنام ~~وما ذكره السائل في وصفهم قليل من الكثير الذى يعرفه العلماء في وصفهم # ومن المعلوم عندنا ان السواحل الشامية انما استولى عليها النصارى من ~~جهتهم وهم دائما مع كل عدو للمسلمين فهم مع النصارى على المسلمين ومن ~~PageV35P150 أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى بل ~~ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار ومن اعظم اعيادهم اذا ~~استولى والعياذ بالله تعالى النصارى على ثغور المسلمين فان ثغور المسلمين ~~مازالت بايدى المسلمين حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب وفتحها ~~المسلمون في خلافة امير المؤمنين ( عثمان بن عفان ( رضي الله عنه فتحها ( ~~معاوية بن ابى سفيان ( إلى اثناء المائة الرابعة # فهؤلاء المحادون لله ورسوله كثروا حينئذ بالسواحل وغيرها فاستولى النصارى ~~على الساحل ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره فان احوالهم كانت من ~~اعظم الاسباب في ذلك ثم لما اقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل ~~الله تعالى ( كنور الدين الشهيد وصلاح الدين ( واتباعهما وفتحوا السواحل من ~~النصارى وممن كان بها منهم وفتحوا ايضا ارض مصر فانهم كانوا مستولين عليها ~~نحو مائتى سنة واتفقوا هم والنصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد ومن ~~ذلك التاريخ انتشرت دعوة الاسلام بالديار المصرية والشامية # ثم ان التتار ما دخلوا بلاد الاسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك ~~المسلمين الا بمعاونتهم ومؤازرتهم فإن منجم هولاكو الذى كان وزيرهم وهو ( ~~النصير PageV35P151 الطوسى كان وزيرا لهم بالالموت وهو الذى أمر بقتل ~~الخليفة وبولاية هؤلاء # ولهم ( ألقاب ( معروفة عند المسلمين تارة يسمون ( الملاحدة ( وتارة يسمون ~~( القرامطة ( وتارة يسمون ( الباطنية ( وتارة يسمون ms9671 ( الاسماعيلية ( وتارة ~~يسمون ( النصيرية ( وتارة يسمون ( الخرمية ( وتارة يسمون ( المحمرة ( وهذه ~~الاسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض اصنافهم كما ان الاسلام والايمان ~~يعم المسلمين ولبعضهم اسم يخصه اما لنسب واما لمذهب واما لبلد واما لغير ~~ذلك وشرح مقاصدهم يطول وهم كما قال العلماء فيهم ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه ~~الكفر المحض وحقيقة أمرهم انهم لا يؤمنون بنبى من من الانبياء والمرسلين لا ~~بنوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا محمد صلوات الله وسلامه عليهم ~~اجمعين ولا بشيء من كتب الله المنزلة لا التوراة ولا الانجيل ولا القرآن ~~ولا يقرون بأن للعالم خالقا خلقه ولا بان له دينا امر به ولا ان له دارا ~~يجزى الناس فيها على اعمالهم غير هذه الدار PageV35P152 وهم تارة يبنون ~~قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين أو الآلهيين وتارة يبنونه على قول ~~المجوس الذين يعبدون النور ويضمون إلى ذلك الرفض # ويحتجون لذلك من كلام النبوات اما بقول مكذوب ينقلونه كما ينقلون عن ~~النبي انه قال ( اول ما خلق الله العقل ( والحديث موضوع باتفاق اهل العلم ~~بالحديث ولفظه ( ان الله لما خلق العقل فقال له اقبل فاقبل فقال له ادبر ~~فادبر ( فيحرفون لفظه فيقولون ( اول ما خلق الله العقل ( ليوافقوا قول ~~المتفلسفة اتباع ارسطو في ان اول الصادرات عن واجب الوجود هو العقل واما ~~بلفظ ثابت عن النبى فيحرفونه عن مواضعه كما يصنع اصحاب ( رسائل اخوان الصفا ~~( ونحوهم فانهم من ائمتهم # وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين وراج عليهم حتى صار ذلك في ~~كتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين وان كانوا لا يوافقونهم على اصل ~~كفرهم فان هؤلاء لهم في اظهار دعوتهم الملعونة التى يسمونها ( الدعوة ~~الهادية ( درجات متعددة ويسمون النهاية ( البلاغ الاكبر والناموس الاعظم ( ~~ومضمون البلاغ الاكبر جحد الخالق تعالى والاستهزاء به وبمن يقر به حتى قد ~~يكتب أحدهم اسم الله في أسفل رجله وفيه ايضا جحد شرائعه ودينه وما جاء به ~~الانبياء ودعوى انهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة فمنهم ms9672 من احسن في طلبها ~~ومنهم من اساء في PageV35P153 طلبها حتى قتل ويجعلون محمدا وموسى من القسم ~~الاول ويجعلون المسيح من القسم الثاني وفيه من الاستهزاء بالصلاة والزكاة ~~والصوم والحج ومن تحليل نكاح ذوات المحارم وسائر الفواحش ما يطول وصفه ولهم ~~اشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضا وهم اذا كانوا في بلاد المسلمين التى ~~يكثر فيها اهل الايمان فقد يخفون على من لا يعرفهم واما اذا كثروا فانه ~~يعرفهم عامة الناس فضلا عن خاصتهم # وقد إتفق علماء المسلمين على ان هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ولا يجوز ان ينكح ~~الرجل مولاته منهم ولا يتزوج منهم امرأة ولا تباح ذبائحهم # وأما ( الجبن المعمول بانفحتهم ( ففيه قولان مشهوران للعلماء كسائر انفحة ~~الميتة وكأنفحة ذبيحة المجوس وذبيحة الفرنج الذين يقال عنهم انهم لا يذكون ~~الذبائح فمذهب ابى حنيفة واحمد في احدى الروايتين انه يحل هذا الجبن لان ~~انفحة الميتة طاهرة على هذا القول لان الانفحة لاتموت بموت البهيمة وملاقاة ~~الوعاء النجس في الباطن لا ينجس ومذهب مالك والشافعى واحمد في الرواية ~~الاخرى ان هذا الجبن نجس لان الانفحة عند هؤلاء نجسة لان لبن الميتة ~~وانفحتها عندهم نجس ومن لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة وكل من اصحاب ~~القولين يحتج بآثار ينقلها عن الصحابة فاصحاب القول الاول نقلوا انهم اكلوا ~~جبن المجوس واصحاب القول الثانى PageV35P154 نقلوا انهم اكلوا ما كانوا ~~يظنون انه من جبن النصارى فهذه مسالة اجتهاد للمقلد ان يقلد من يفتى بأحد ~~القولين وأما ( أوانيهم وملابسهم ( فكأواني المجوس وملابس المجوس على ما ~~عرف من مذاهب الائمة والصحيح في ذلك ان اوانيهم لا تستعمل الا بعد غسلها ~~فان ذبائحهم ميتة فلابد ان يصيب اوانيهم المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم ~~فتنجس بذلك فاما الآنية التى لا يغلب على الظن وصول النجاسة اليها فتستعمل ~~من غير غسل كآنية اللبن التى لا يضعون فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع ~~اللبن فيها وقد توضأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه من جرة نصرانية فما شك في ~~نجاسته لم يحكم بنجاسته ms9673 بالشك # ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ولا يصلى على من مات منهم فان الله ~~سبحانه وتعالى نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين كعبد الله بن أبي ونحوه ~~وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون ~~مقالة تخالف دين الاسلام لكن يسرون ذلك فقال الله @QB@ ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ~~@QE@ فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والالحاد # وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فانه من ~~الكبائر وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعى الغنم فانهم من اغش الناس ~~PageV35P155 للمسلمين ولولاة امورهم وهم احرص الناس على فساد المملكة ~~والدولة وهم شر من المخامر الذى يكون في العسكر فان المخامر قد يكون له غرض ~~اما مع امير العسكر واما مع العدو وهؤلاء مع الملة ونبيها ودينها وملوكها ~~وعلمائها وعامتها وخاصتها وهم احرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو ~~المسلمين وعلى افساد الجند على ولي الامر واخراجهم عن طاعته # والواجب على ولاة الامور قطعهم من دواوين المقاتلة فلا يتركون في ثغر ولا ~~في غير ثغر فان ضررهم في الثغر اشد وأن يستخدم بدلهم من يحتاج إلى استخدامه ~~من الرجال المامونين على دين الاسلام وعلى النصح لله ولرسوله ولائمة ~~المسلمين وعامتهم بل اذا كان ولي الامر لا يستخدم من يغشه وان كان مسلما ~~فكيف بمن يغش المسلمين كلهم # ولا يجوز له تاخير هذا الواجب مع القدرة عليه بل اي وقت قدر على ~~الاستبدال بهم وجب عليه ذلك # وأما اذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم اما المسمى واما اجرة ~~المثل لانهم عوقدوا على ذلك فان كان العقد صحيحا وجب المسمى وان كان فاسدا ~~وجبت اجرة المثل وان لم يكن استخدامهم من جنس PageV35P156 الاجارة اللازمة ~~فهي من جنس الجعالة الجائزة لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم فالعقد عقد فاسد ~~فلا يستحقون الا قيمة عملهم فان لم يكونوا عملوا عملا له قيمة فلا شيء لهم ms9674 ~~لكن دماؤهم واموالهم مباحة # وإذا أظهروا التوبة ففى قبولها منهم نزاع بين العلماء فمن قبل توبتهم اذا ~~التزموا شريعة الاسلام اقر اموالهم عليهم ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم ~~من جنسهم فان مالهم يكون فيئا لبيت المال لكن هؤلاء اذا اخذوا فانهم يظهرون ~~التوبة لان اصل مذهبهم التقية وكتمان امرهم وفيهم من يعرف وفيهم من قد لا ~~يعرف فالطريق في ذلك ان يحتاط في امرهم فلا يتركون مجتمعين ولا يمكنون من ~~حمل السلاح ولا أن يكونوا من المقاتلة ويلزمون شرائع الاسلام من الصلوات ~~الخمس وقراءة القرآن ويترك بينهم من يعلمهم دين الاسلام ويحال بينهم وبين ~~معلمهم # فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة لما ظهروا على اهل الردة ~~وجاءوا إليه قال لهم الصديق إختاروا اما الحرب المجلية واما السلم المخزية ~~قالوا يا خليفة رسول الله هذه الحرب المجلية قد عرفناها فما السلم المخزية ~~قال تدون قتلانا ولا ندى قتلاكم وتشهدون ان قتلانا في الجنة وقتلاكم في ~~النار ونقسم ما أصبنا من اموالكم وتردون ما اصبتم من اموالنا وتنزع منكم ~~الحلقة والسلاح وتمنعون من ركوب PageV35P157 الخيل وتتركون تتبعون أذناب ~~الابل حتى يرى الله خليفة رسوله والمؤمنين أمرا بعد ردتكم فوافقه الصحابة ~~على ذلك إلا في تضمين قتلى المسلمين فان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له ~~هؤلاء قتلوا في سبيل الله فأجورهم على الله يعنى هم شهداء فلا دية لهم ~~فاتفقوا على قول عمر في ذلك # وهذا الذى اتفق الصحابة عليه هو مذهب ائمة العلماء والذى تنازعوا فيه ~~تنازع فيه العلماء فمذهب اكثرهم ان من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون ~~لا يضمن كما اتفقوا عليه آخرا وهو مذهب ابى حنيفة واحمد في إحدى الروايتين ~~ومذهب الشافعى واحمد في الرواية الاخرى هو القول الاول فهذا الذى فعله ~~الصحابة بأولئك المرتدين بعد عودهم إلى الاسلام يفعل بمن اظهر الاسلام ~~والتهمة ظاهرة فيه فيمنع ان يكون من أهل الخيل والسلاح والدرع التى تلبسها ~~المقاتلة ولا يترك في الجند من يكون يهوديا ms9675 ولا نصرانيا ويلزمون شرائع ~~الاسلام حتى يظهر ما يفعلونه من خير أو شر ومن كان من ائمة ضلالهم واظهر ~~التوبة اخرج عنهم وسير إلى بلاد المسلمين التى ليس لهم فيها ظهور فاما ان ~~يهديه الله تعالى واما ان يموت على نفاقه من غير مضرة للمسلمين ولا ريب ان ~~جهاد هؤلاء واقامة الحدود عليهم من اعظم الطاعات واكبر الواجبات وهو افضل ~~من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين واهل الكتاب فان جهاد هؤلاء من ~~جنس جهاد المرتدين والصديق PageV35P158 وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين ~~قبل جهاد الكفار من اهل الكتاب فان جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد ~~المسلمين وان يدخل فيه من اراد الخروج عنه وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين ~~واهل الكتاب من زيادة اظهار الدين وحفظ رأس المال مقدم على الربح # وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين اعظم من ضرر اولئك بل ضرر هؤلاء من جنس ~~ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين واهل الكتاب وضررهم في الدين على كثير ~~من الناس اشد من ضرر المحاربين من المشركين واهل الكتاب # ويجب على كل مسلم ان يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل ~~لاحد ان يكتم ما يعرفه من أخبارهم بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة ~~حالهم ولا يحل لاحد ان يعاونهم على بقائهم في الجند والمستخدمين ولا يحل ~~لاحد السكوت عن القيام عليهم بما امر الله به ورسوله ولا يحل لاحد ان ينهى ~~عن القيام بما امر الله به ورسوله فان هذا من اعظم ابواب الامر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى وقد قال الله تعالى لنبيه ~~@QB@ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم @QE@ وهؤلاء لا ~~يخرجون عن الكفار والمنافقين # والمعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب الامكان له من الاجر والثواب مالا ~~يعلمه الا الله تعالى فان المقصود بالقصد الاول هو هدايتهم كما قال الله ~~PageV35P159 تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ قال أبو هريرة كنتم ~~خير الناس للناس تاتون بهم في القيود ms9676 والسلاسل حتى تدخلوهم الاسلام ~~فالمقصود بالجهاد والامر بالمعروف والنهى عن المنكر هداية العباد لمصالح ~~المعاش والمعاد بحسب الامكان فمن هداه الله سعد في الدنيا والاخرة ومن لم ~~يهتد كف الله ضرره عن غيره # ومعلوم ان الجهاد والامر بالمعروف والنهى عن المنكر هو افضل الاعمال كما ~~قال ( رأس الامر الاسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ~~تعالى ( وفى الصحيح عنه انه قال ( ان في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة ~~إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض أعدها الله عز وجل للمجاهدين في سبيله ~~( وقال ( رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ( ومن مات ~~مرابطا مات مجاهدا وجرى عليه عمله واجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتنة ~~والجهاد افضل من الحج والعمرة كما قال تعالى @QB@ أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون ~~يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا ~~إن الله عنده أجر عظيم @QE@ والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على خير ~~خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين PageV35P160 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن ( الدرزية ( و ( النصيرية ( ماحكمهم ### ||||| فأجاب # هؤلاء ( الدرزية ( و ( ~~النصيرية ( كفار باتفاق المسلمين لا يحل اكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم بل ~~ولا يقرون بالجزية فانهم مرتدون عن دين الاسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا ~~نصارى لايقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ولا وجوب الحج ولا ~~تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما وان اظهروا الشهادتين ~~مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين # فأما ( النصيرية ( فهم اتباع ابى شعيب محمد بن نصير وكان من الغلاة الذين ~~يقولون ان عليا اله وهم ينشدون % أشهد ان لا اله الا % حيدرة الانزع البطين ~~% % ولا حجاب عليه الا % محمد الصادق الامين % ولا طريق إليه ms9677 الا % سلمان ~~ذو القوة المتين % # وأما ( الدرزية ( فاتباع هشتكين الدرزى وكان من موالى الحاكم ارسله إلى ~~اهل وادى تيم الله بن ثعلبة فدعاهم إلى إلهية الحاكم ويسمونه PageV35P161 ( ~~البارى العلام ( ويحلفون به وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن ~~إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وهم اعظم كفرا من الغالية يقولون بقدم ~~العالم وانكار المعاد وانكار واجبات الاسلام ومحرماته وهم من القرامطة ~~الباطنية الذين هم اكفر من اليهود والنصارى ومشركى العرب وغايتهم ان يكونوا ~~( فلاسفة ( على مذهب ارسطو وامثاله أو ( مجوسا ( وقولهم مركب من قول ~~الفلاسفة والمجوس ويظهرون التشيع نفاقا والله أعلم وقال شيخ الاسلام رحمه ~~الله # ردا على نبذ لطوائف من ( الدروز ( كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون ~~بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم لاهم بمنزلة اهل الكتاب ولا المشركين بل ~~هم الكفرة الضالون فلا يباح اكل طعامهم وتسبى نساؤهم وتؤخذ اموالهم فانهم ~~زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم بل يقتلون أينما ثقفوا ويلعنون كما وصفوا ولا ~~يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا ~~يضلوا غيرهم ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم والمشى معهم وتشييع ~~جنائزهم اذا علم موتها ويحرم على ولاة امور المسلمين إضاعة ما امر الله من ~~اقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم لا المقام عليه والله المستعان ~~وعليه التكلان PageV35P162 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن هؤلاء القلندرية ( الذين يحلقون ذقونهم ما هم ومن أى الطوائف يحسبون وما قولكم ~~في إعتقادهم ان رسول الله اطعم شيخهم قلندر عنبا وكلمه بلسان العجم ### ||||| فأجاب # اما هؤلاء ( القلندرية ( المحلقى اللحى فمن أهل الضلالة والجهالة ~~وأكثرهم كافرون بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة والصيام ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق بل كثير منهم اكفر من اليهود والنصارى ~~وهم ليسوا من اهل الملة ولا من اهل الذمة وقد يكون فيهم من هو مسلم لكن ~~مبتدع ضال أو فاسق فاجر # ومن قال ان ( قلندر ( موجود في زمن النبى فقد كذب وافترى بل قد قيل ms9678 اصل ~~هذا الصنف أنهم كانوا قوما من نساك الفرس يدورون على ما فيه راحة قلوبهم ~~بعد اداء الفرائض واجتناب المحرمات هكذا فسرهم الشيخ أبو حفص السهروردى في ~~عوارفه ثم انهم بعد ذلك تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات بمنزلة PageV35P163 ~~( الملامية ( الذين كانوا يخفون حسناتهم ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح ~~من زي الاغنياء ولبس العمامة فهذا قريب وصاحبه ماجور على نيته ثم حدث قوم ~~فدخلوا في امور مكروهة في الشريعة ثم زاد الامر ففعل قوم المحرمات من ~~الفواحش والمنكرات وترك الفرائض والواجبات وزعموا ان ذلك دخول منهم في ( ~~الملاميات ( ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في ~~الدنيا والاخرة وتجب عقوبتهم جميعهم ومنعهم من هذا الشعار الملعون كما يجب ~~ذلك في كل معلن ببدعة أو فجور # وليس ذلك مختصا بهم بل كل من كان من المتنسكة والمتفقهة والمتعبدة ~~والمتفقرة والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ومن وافقهم من الملوك والاغنياء ~~والكتاب والحساب والاطباء واهل الديوان والعامة خارجا عن الهدى ودين الحق ~~الذى بعث الله به رسوله لا يقر بجميع ما اخبر الله به على لسان رسوله ولا ~~يحرم ما حرمه الله ورسوله أو يدين بدين يخالف الدين الذى بعث الله به رسوله ~~باطنا وظاهرا مثل من يعتقد ان شيخه يرزقه أو ينصره أو يهديه أو يغيثه أو ~~يعينه أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له أو كان يفضله على النبى تفضيلا ~~مطلقا أو مقيدا في شيء من الفضل الذى يقرب إلى الله تعالى أو كان يرى أنه ~~هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فكل هؤلاء كفار ان ~~اظهروا ذلك ومنافقون ان لم يظهروه PageV35P164 # وهؤلاء الاجناس وان كانوا قد كثروا في هذا الزمان فلقلة دعاة العلم ~~والايمان وفتور آثار الرسالة في اكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من ~~آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى وكثير منهم لم يبلغهم ذلك ~~وفى أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على مامعه من الايمان القليل ~~ويغفر الله فيه لمن لم ms9679 تقم الحجة عليه مالا يغفر به لمن قامت الحجة عليه ~~كما في الحديث المعروف ( ياتى على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياما ~~ولا حجا ولا عمرة الا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ويقولون ادركنا آباءنا ~~وهم يقولون لا اله الا الله ( فقيل لحذيفة بن اليمان ما تغنى عنهم لا اله ~~الا الله فقال تنجيهم من النار # وأصل ذلك ان المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والاجماع يقال هي كفر ~~قولا يطلق كما دل على ذلك الدلائل الشرعية فان ( الايمان ( من الاحكام ~~المتلقاة عن الله ورسوله ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ولا ~~يجب ان يحكم في كل شخص قال ذلك بانه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير ~~وتنتفى موانعه مثل من قال ان الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالاسلام أو ~~لنشوئه في بادية بعيدة أو سمع كلاما أنكره ولم يعتقد انه من القرآن ولا انه ~~من احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر اشياء حتى ~~يثبت عنده ان النبى قالها وكما كان الصحابة يشكون في اشياء مثل رؤية الله ~~وغير ذلك PageV35P165 حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل ~~الذى قال اذا أنا مت فاسحقونى وذروني في اليم لعلي اضل عن الله ونحو ذلك ~~فان هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله تعالى ~~@QB@ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ وقد عفا الله لهذه الامة ~~عن الخطأ والنسيان وقد اشبعنا الكلام في القواعد التى في هذا الجواب في ~~اماكنها والفتوى لا تحتمل البسط اكثر من هذا والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن يعتقد ان الكواكب لها تأثير في الوجود أو يقول ان له نجما في السماء ~~يسعد بسعادته ويشقى بعكسه ويحتج بقوله تعالى @QB@ فالمدبرات أمرا @QE@ ~~وبقوله @QB@ فلا أقسم بمواقع النجوم @QE@ ويقول انها صنعة ادريس عليه ~~السلام ويقول عن النبى إن نجمه كان بالعقرب والمريخ فهل هذا من دين الاسلام ~~أم لا وحتى ms9680 لو لم يكن من الدين فماذا يجب على قائله والمنكرون على هؤلاء ~~يكونون من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله النجوم من آيات الله الدالة عليه المسبحة له الساجدة له ~~كما قال تعالى @QB@ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس @QE@ ~~PageV35P166 ثم قال ( وكثير حق عليه العذاب ) وهذا التفريق يبين انه لم يرد ~~السجود لمجرد ما فيها من الدلالة على ربوبيته كما يقول ذلك طوائف من الناس ~~اذ هذه الدلالة يشترك فيها جميع المخلوقات فجميع الناس فيهم هذه الدلالة ~~وهو قد فرق فعلم ان ذلك قول زائد من جنس ما يختص به المؤمن ويتميز به عن ~~الكافر الذى حق عليه العذاب # وهو سبحانه مع ذلك قد جعل فيها منافع لعباده وسخرها لهم كما قال تعالى ~~@QB@ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار @QE@ وقال @QB@ ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره @QE@ وقال @QB@ وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ ومن منافعها الظاهرة ما يجعله سبحانه ~~بالشمس من الحر والبرد والليل والنهار ونضاج الثمار وخلق الحيوان والنبات ~~والمعادن وكذلك ما يجعله بها لهم من الترطيب والتيبيس وغير ذلك من الامور ~~المشهودة كما جعل في النار الاشراق والاحراق وفى الماء التطهير والسقى ~~وامثال ذلك من نعمه التى يذكرها في كتابه كما قال تعالى @QB@ وأنزلنا من ~~السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ~~@QE@ وقد أخبر الله في غير موضع انه يجعل حياة بعض مخلوقاته ببعض كما قال ~~تعالى @QB@ لنحيي به بلدة ميتا @QE@ وكما قال @QB@ وهو الذي يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به ~~الماء فأخرجنا به من كل الثمرات @QE@ PageV35P167 وكما قال @QB@ وما أنزل ~~الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة @QE@ # فمن قال من اهل الكلام أن الله يفعل هذه الأمور عندها ms9681 لا بها فعبارته ~~مخالفة لكتاب الله والأمور المشهودة كمن زعم انها مستقلة بالفعل هو مشرك ~~مخالف العقل والدين # وقد أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم فانه يهتدى بها في ظلمات البر ~~والبحر واخبر انها زينة للسماء الدنيا واخبر ان الشياطين ترجم بالنجوم وان ~~كانت النجوم التى ترجم بها الشياطين من نوع آخر غير النجوم الثابتة في ~~السماء التى يهتدى بها فان هذه لا تزول عن مكانها بخلاف تلك ولهذه حقيقة ~~مخالفة لتلك وان كان إسم النجوم يجمعها كما يجمع اسم الدابة والحيوان للملك ~~والآدمى والبهائم والذباب والبعوض # وقد ثبت بالأخبار الصحيحة التى اتفق عليها العلماء عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم انه امر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر وامر بالدعاء والاستغفار ~~والصدقة والعتق وقال ( ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت ~~أحد ولا لحياته ( وفى رواية ( آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده ( هذا ~~قاله ردا لما قاله بعض جهال الناس ان الشمس كسفت لموت إبراهيم بن النبى ~~فانها كسفت يوم موته وظن بعض الناس لما كسفت ان كسوفها كان لأجل موته وان ~~موته هو PageV35P168 السبب لكسوفها كما يحدث عن موت بعض الأكابر مصائب في ~~الناس فبين النبى ان الشمس والقمر لا يكون كسوفهما عن موت أحد من اهل الأرض ~~ولا عن حياته ونفى ان يكون للموت والحياة اثرا في كسوف الشمس والقمر وأخبر ~~أنهما من آيات الله وانه يخوف عباده # فذكر أن من حكمة ذلك تخويف العباد كما يكون تخويفهم في سائر الآيات ~~كالرياح الشديدة والزلازل والجدب والأمطار المتواترة ونحو ذلك من الاسباب ~~التى قد تكون عذابا كما عذب الله امما بالريح والصيحة والطوفان وقال تعالى ~~@QB@ فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ~~ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا @QE@ وقد قال @QB@ وآتينا ثمود ~~الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا @QE@ وإخباره بانه ~~يخوف عباده بذلك يبين انه قد يكون سببا لعذاب ينزل كالرياح العاصفة الشديدة ~~وانما ms9682 يكون ذلك اذا كان الله قد جعل ذلك سببا لما ينزل في الأرض # فمن أراد بقوله ان لها تأثيرا ما قد علم بالحس وغيره من هذه الامور فهذا ~~حق ولكن الله قد امر بالعبادات التى تدفع عنا ما ترسل به من الشر كما امر ~~النبى صلى الله عليه وسلم عند الخسوف بالصلاة والصدقة والدعاء والاستغفار ~~والعتق وكما كان اذا هبت الريح اقبل وادبر وتغير وامر ان يقال عند هبوبها ( ~~اللهم انا نسألك خير هذه الريح وخير ما PageV35P169 ارسلت به ونعوذ بك من ~~شر هذه الريح وشر ما أرسلت به ( وقال ( ان الريح من روح الله وانها تأتى ~~بالرحمة وتأتى بالعذاب فلا تسبوها ولكن سلوا الله من خيرها وتعوذوا بالله ~~من شرها ( فأخبر انها تأتى بالرحمة وتأتى بالعذاب وأمر أن نسأل الله من ~~خيرها ونعوذ بالله من شرها # فهذه السنة في أسباب الخير والشر ان يفعل العبد عند اسباب الخير الظاهرة ~~والأعمال الصالحة ما يجلب الله به الخير وعند اسباب الشر الظاهرة من ~~العبادات ما يدفع الله به عنه الشر فأما ما يخفى من الاسباب فليس العبد ~~مأمورا بان يتكلف معرفته بل اذا فعل ما أمر به وترك ما حظر كفاه الله مؤنة ~~الشر ويسر له اسباب الخير @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل ~~شيء قدرا @QE@ # وقد قال تعالى فيمن يتعاطى السحر لجلب منافع الدنيا @QB@ واتبعوا ما ~~تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان @QE@ إلى قوله @QB@ ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون @QE@ فأخبر سبحانه ان ~~من اعتاض بذلك يعلم انه لا نصيب له في الآخرة وانما يرجو بزعمه نفعه في ~~الدنيا كما يرجون بما يفعلونه من السحر المتعلق بالكواكب وغيرها مثل ~~الرياسة والمال ثم قال @QB@ ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير ~~لو كانوا يعلمون @QE@ PageV35P170 فبين ان الايمان والتقوى هما خير لهما في ms9683 ~~الدنيا والآخرة قال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ الآية وقال في قصة يوسف @QB@ وكذلك ~~مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع ~~أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ فاخبر ان أجر ~~الآخرة خير للمؤمنين المتقين مما يعطون في الدنيا من الملك والمال كما أعطي ~~يوسف # وقد أخبر سبحانه بسوء عاقبة من ترك الايمان والتقوى في غير آية في الدنيا ~~والآخرة ولهذا قال تعالى @QB@ ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ والمفلح الذي ~~ينال المطلوب وينجو من المرهوب فالساحر لا يحصل له ذلك وفى سنن ابى داود عن ~~النبى انه قال ( من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر ( # و ( السحر ( محرم بالكتاب والسنة والاجماع وذلك ان النجوم التى من السحر ~~نوعان ( أحدهما ( علمى وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث من جنس ~~الاستقسام بالأزلام ( الثانى ( عملي وهو الذى يقولون إنه القوى السماوية ~~بالقوى المنفعلة الأرضية كطلاسم ونحوها وهذا من ارفع انواع السحر وكلما ~~حرمه الله ورسوله فضرره أعظم من نفعه PageV35P171 # ( فالثانى ( وان توهم المتوهم ان فيه تقدمة للمعرفة بالحوادث وان ذلك ~~ينفع فالجهل في ذلك اضعف ومضرة ذلك اعظم من منفعته ولهذا قد علم الخاصة ~~والعامة بالتجربة والتواتر ان الأحكام التى يحكم بها المنجمون يكون الكذب ~~فيها اضعاف الصدق وهم في ذلك من أنواع الكهان وقد ثبت في الصحيح عن النبى ~~انه قيل له ان منا قوما يأتون الكهان فقال ( انهم ليسوا بشيء ( فقالوا يا ~~رسول الله انهم يحدثونا أحيانا بالشيء فيكون حقا فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( تلك الكلمة من الحق يسمعها الجنى يقرها في أذن وليه ( واخبر ( ~~ان الله اذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة ~~على صفوان حتى اذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وان كل ~~اهل السماء يخبرون اهل السماء التى تليهم حتى ينتهى الخبر إلى السماء ~~الدنيا وهناك ms9684 مسترقة السمع بعضهم فوق بعض فربما سمع الكلمة قبل ان يدركه ~~الشهاب وربما أدركه الشهاب بعد ان يلقيها ( قال ( فلو اتوا بالأمر على وجهه ~~ولكن يزيدون في الكلمة مائة كذبة ( # وهكذا ( المنجمون ( حتى انى خاطبتهم بدمشق وحضر عندى رؤساؤهم وبينت فساد ~~صناعتهم بالأدلة العقلية التى يعترفون بصحتها قال رئيس منهم والله انا نكذب ~~مائة كذبة حتى نصدق في كلمة PageV35P172 وذلك ان مبنى علمهم على ان الحركات ~~العلوية هي السبب في الحوادث والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب وهذا انما ~~يكون اذا علم السبب التام الذى لا يتخلف عنه حكمه وهؤلاء اكثر ما يعلمون ان ~~علموا جزءا يسيرا من جملة الأسباب الكثيرة ولا يعلمون بقية الأسباب ولا ~~الشروط ولا الموانع مثل من يعلم ان الشمس في الصيف تعلو الراس حتى يشتد ~~الحر فيريد ان يعلم من هذا مثلا انه حينئذ ان العنب الذى في الأرض الفلانية ~~يصير زبيبا على ان هناك عنبا وانه ينضج وينشره صاحبه في الشمس وقت الحر ~~فيتزبب فهذا وان كان يقع كثيرا لكن اخذ هذا من مجرد حرارة الشمس جهل عظيم ~~اذ قد يكون هناك عنب وقد لا يكون وقد يثمر ذلك الشجر ان خدم وقد لا يثمر ~~وقد يؤكل عنبا وقد يعصر وقد يسرق وقد يزبب وامثال ذلك والدلالة # الدالة على فساد هذه الصناعة وتحريمها كثيرة وليس هذا موضعها وقد ثبت في ~~صحيح مسلم عن النبى انه قال ( من اتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة ~~اربعين يوما ( و ( العراف ( قد قيل انه اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ~~ونحوهم ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق ولو قيل انه في اللغة اسم ~~لبعض هذه الأنواع فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوى كما قيل في اسم ~~الخمر والميسر ونحوهما PageV35P173 # وأما انكار بعض الناس ان يكون شيء من حركات الكواكب وغيرها من الاسباب ~~فهو أيضا قول بلا علم وليس له في ذلك دليل من الأدلة الشرعية ولاغيرها فان ~~النصوص تدل على خلاف ذلك كما في الحديث الذى ms9685 في السنن عن عائشة رضى الله ~~عنها ( ان النبى نظر إلى القمر فقال ( يا عائشة تعوذى بالله من شر هذا فهذا ~~الغاسق اذا وقب ( وكما تقدم في حديث الكسوف حيث اخبر ( ان الله يخوف بهما ~~عباده ( # وقد تبين أن معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم ( لا يخسفان لموت أحد ولا ~~لحياته ( أي لا يكون الكسوف معللا بالموت فهو نفى العلة الفاعلة كما في ~~الحديث الآخر الذى في صحيح مسلم عن بن عباس عن رجال من الانصار انهم كانوا ~~عند النبى اذ رمى بنجم فاستنار فقال ( ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية ( ~~فقالوا كنا نقول ولد الليلة عظيم أو مات عظيم فقال ( انه لا يرمى بها لموت ~~أحد ولا لحياته ولكن الله اذا قضى بالأمر سبح حملة العرش ( وذكر الحديث في ~~مسترق السمع فنفى النبى أن يكون الرمى بها لأجل انه قد ولد عظيم أو مات ~~عظيم بل لأجل الشياطين المسترقين السمع ففى كلا الحديثين من ان موت الناس ~~وحياتهم لا يكون سببا لكسوف الشمس والقمر ولا الرمى بالنجم وإن كان موت بعض ~~الناس قد يقتضى حدوث أمر في السماوات كما ثبت في الصحاح ( ان العرش عرش ~~الرحمن اهتز لموت سعد PageV35P174 بن معاذ ( واما كون الكسوف أو غيره قد ~~يكون سببا لحادث في الأرض من عذاب يقتضى موتا أو غيره فهذا قد اثبته الحديث ~~نفسه # وما أخبر به النبى لا ينافى لكون الكسوف له وقت محدود يكون فيه حيث لا ~~يكون كسوف الشمس الا في اخر الشهر ليلة السرار ولا يكون خسوف القمر الا في ~~وسط الشهر وليالى الابدار ومن إدعى خلاف ذلك من المتفقهة أو العامة فلعدم ~~علمه بالحساب ولهذا يمكن المعرفة بما مضى من الكسوف وما يستقبل كما يمكن ~~المعرفة بما مضى من الأهلة وما يستقبل إذ كل ذلك بحساب كما قال تعالى @QB@ ~~وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا @QE@ وقال تعالى ( الشمس والقمر ~~بحسبان ( وقال تعالى @QB@ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ~~لتعلموا عدد السنين ms9686 والحساب @QE@ وقال @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج @QE@ # ومن هنا صار بعض العامة اذا رأى المنجم قد اصاب في خبره عن الكسوف ~~المستقبل يظن ان خبره عن الحوادث من هذا النوع فان هذا جهل اذ الخبر الأول ~~بمنزلة اخباره بان الهلال يطلع اما ليلة الثلاثين واما ليلة إحدى وثلاثين ~~فان هذا امر اجرى الله به العادة لا يخرم ابدا وبمنزلة خبره ان الشمس تغرب ~~آخر النهار وأمثال ذلك فمن عرف منزلة الشمس والقمر ومجاريهما علم ذلك وان ~~كان ذلك علما قليل المنفعة PageV35P175 # فإذا كان الكسوف له اجل مسمى لم يناف ذلك ان يكون عند اجله يجعله الله ~~سببا لما يقضيه من عذاب وغيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت أو لغيره ممن ~~ينزل الله به ذلك كما ان تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة الباردة كقوم ~~عاد كانت في الوقت المناسب وهو آخر الشتاء كما قد ذكر ذلك اهل التفسير وقصص ~~الأنبياء وكان النبى ( اذا رأى مخيلة وهو السحاب الذى يخال فيه المطر اقبل ~~وادبر وتغير وجهه فقالت له عائشة ان الناس اذا رأوا مخيلة استبشروا فقال ( ~~يا عائشة وما يؤمننى قد رأى قوم عاد العذاب عارضا مستقبل أوديتهم فقالوا ( ~~هذا عارض ممطرنا قال الله تعالى @QB@ بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب ~~أليم @QE@ وكذلك الأوقات الذى ينزل الله فيها الرحمة كالعشر الآخرة من ~~رمضان والأول من ذى الحجة وكجوف الليل وغير ذلك هي اوقات محدودة لا تتقدم ~~ولا تتأخر وينزل فيها من الرحمة ما لا ينزل في غيرها # وقد جاء في بعض طرق احاديث الكسوف ما رواه بن ماجه وغيره في قوله ( إنهما ~~لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله اذا تجلى لشيء من خلقه خشع له ( ~~وقد طعن في هذا الحديث أبو حامد ونحوه وردوا ذلك لا من جهة علم الحديث ~~فانهم قليلوا المعرفة به كما كان أبو حامد يقول عن نفسه أنا مزجى البضاعة ~~في علم الحديث PageV35P176 ولكن من جهة كونهم اعتقدوا ان ms9687 سبب الكسوف اذا ~~كان مثلا كون القمر اذا حاذاها منع نورها ان يصل إلى الأرض لم يجز ان يعلل ~~ذلك بالتجلى والتجلى المذكور لا ينافى السبب المذكور فان خشوع الشمس والقمر ~~لله في هذا الوقت اذا حصل لنوره ما يحصل من انقطاع يرفع تأثيره عن الأرض ~~وحيل بينه وبين محل سلطانه وموضع انتشاره وتأثيره فان الملك المتصرف في ~~مكان بعيد لو منع ذلك لذل لذلك # وأما قوله تعالى @QB@ فالمدبرات أمرا @QE@ فالمدبرات هي الملائكة واما ~~اقسام الله بالنجوم كما اقسم بها في قوله @QB@ فلا أقسم بالخنس الجوار ~~الكنس @QE@ فهو كاقسامه بغير ذلك من مخلوقاته كما اقسم بالليل والنهار ~~والشمس والقمر وغير ذلك يقتضى تعظيم قدر المقسم به والتنبيه على ما فيه من ~~الآيات والعبرة والمنفعة للناس والانعام عليهم وغير ذلك ولا يوجب ذلك ان ~~تتعلق القلوب به أو يظن انه هو المسعد المنحس كما لا يظن ذلك في @QB@ ~~والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى @QE@ وفى @QB@ والذاريات ذروا فالحاملات ~~وقرا @QE@ وفى ( والطور وكتاب مسطور ( # وأمثال ذلك وإعتقاد المعتقد ان نجما من النجوم السبعة هو المتولى لسعده ~~ونحسه اعتقاده فاسد وان المعتقد انه هو المدبر له فهو كافر وكذلك ان انضم ~~إلى ذلك دعاؤه والاستعانة به كان كفرا وشركا محضا وغاية PageV35P177 من ~~يقول ذلك ان يبنى ذلك على ان هنا الولد حين ولد بهذا الطالع وهذا القدر ~~يمتنع ان يكون وحده هو المؤثر في احوال هذا المولود بل غايته ان يكون جزءا ~~يسيرا من جملة الأسباب وهذا القدر لا يوجب ما ذكر بل ما علم حقيقة تأثيره ~~فيه مثل حال الوالدين وحال البلد الذى هو فيه فان ذلك سبب محسوس في احوال ~~المولود ومع هذا فليس هذا مستقلا # ثم إن الأوائل من هؤلاء المنجمين المشركين الصابئين واتباعهم قد قيل انهم ~~كانوا اذا ولد لهم المولود أخذوا طالع المولود وسموا المولود باسم يدل على ~~ذلك فاذا كبر سئل عن اسمه اخذ السائل حال الطالع فجاء هؤلاء الطرقية يسألون ~~الرجل عن اسمه واسم امه ويزعمون ms9688 انهم يأخذون من ذلك الدلالة على احواله ~~وهذه ظلمات بعضها فوق بعض منافية للعقل والدين وأما اختياراتهم وهو انهم ~~يأخذون الطالع لما يفعلونه من الأفعال مثل اختياراتهم للسفر ان يكون القمر ~~في شرفه وهو ( السرطان ( وان لا يكون في هبوطه وهو ( العقرب ( فهو من هذا ~~الباب المذموم # ولما أراد على بن ابى طالب ان يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم فقال يا ~~أمير المؤمنين لا تسافر فإن القمر في العقرب فانك ان سافرت PageV35P178 ~~والقمر في العقرب هزم اصحابك أو كما قال فقال على بل أسافر ثقة بالله ~~وتوكلا على الله وتكذيبا لك فسافر فبورك له في ذلك السفر حتى قتل عامة ~~الخوارج وكان ذلك من أعظم ما سر به حيث كان قتاله لهم بأمر النبى # وأما ما يذكره بعض الناس ان النبى قال ( لا تسافر والقمر في العقرب ( ~~فكذب مختلق بإتفاق أهل الحديث # وأما قول القائل انها صنعة ادريس # فيقال ( أولا ( هذا قول بلا علم فان مثل هذا لا يعلم الا بالنقل الصحيح ~~ولا سبيل لهذا القائل إلى ذلك ولكن في كتب هؤلاء ( هرمس الهرامسة ( ويزعمون ~~انه هو ادريس ( والهرمس ( عندهم اسم جنس ولهذا يقولون ( هرمس الهرامسة ( ~~وهذا القدر الذى يذكرونه عن هرمسهم يعلم المؤمن قطعا انه ليس هو مأخوذا عن ~~نبى من الأنبياء على وجهه لما فيه من الكذب والباطل ويقال ( ثانيا ( هذا ان ~~كان اصله مأخوذا عن ادريس فانه كان معجزة له وعلما اعطاه الله اياه فيكون ~~من العلوم النبوية وهؤلاء انما يحتجون بالتجربة والقياس لا بأخبار الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام PageV35P179 ويقال ( ثالثا ( إن كان بعض هذا مأخوذا ~~عن نبي فمن المعلوم قطعا ان فيه من الكذب والباطل أضعاف ماهو مأخوذ من ذلك ~~النبى ومعلوم قطعا ان الكذب والباطل الذى في ذلك أضعاف الكذب والباطل الذى ~~عند اليهود والنصارى فيما يأثرونه على الانبياء واذا كان اليهود والنصارى ~~قد تيقنا قطعا ان اصل دينهم مأخوذ عن المرسلين وان الله أنزل التوراة ~~والانجيل والزبور كما أنزل القرآن وقد اوجب الله ms9689 علينا ان نؤمن بما أنزل ~~علينا وما انزل على من قبلنا كما قال تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون @QE@ ~~ثم مع ذلك قد اخبرنا الله ان اهل الكتاب حرفوا وبدلوا وكذبوا وكتموا فاذا ~~كانت هذه حال الوحى المحقق والكتب المنزلة يقينا مع انها الينا اقرب عهدا ~~من ادريس ومع ان نقلتها أعظم من نقلة النجوم وابعد عن تعمد الكذب والباطل ~~وأبعد عن الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر فما الظن بهذا القدر ان كان فيه ~~ما هو منقول عن إدريس فانا نعلم أن فيه من الكذب والباطل والتحريف اعظم مما ~~في علوم اهل الكتاب # وقد ثبت في صحيح البخارى عن النبى انه قال ( اذا حدثكم اهل الكتاب فلا ~~تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا PageV35P180 @QB@ آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون @QE@ فاذا كنا مأمورين فيما ~~يحدثنا به أهل الكتاب ان لا نصدق الا بما نعلم انه الحق كما لا نكذب الا ~~بما نعلم انه باطل فكيف يجوز تصديق هؤلاء فيما يزعمون انه منقول عن ادريس ~~عليه السلام وهم في ذلك ابعد عن علمهم المصدق من اهل الكتاب # ويقال ( رابعا ( لا ريب ان النجوم ( نوعان ( حساب واحكام فاما الحساب فهو ~~معرفة اقدار الافلاك والكواكب وصفاتها ومقادير حركاتها وما يتبع ذلك فهذا ~~في الاصل علم صحيح لا ريب فيه كمعرفة الأرض وصفتها ونحو ذلك لكن جمهور ~~التدقيق منه كثير التعب قليل الفائدة كالعالم مثلا بمقادير الدقائق ~~والثوانى والثوالث في حركات السبعة المتحيرة ( الخنس الجوار الكنس ) فان ~~كان اصل هذا مأخوذا عن ادريس فهذا ممكن والله اعلم بحقيقة ذلك كما يقول ناس ~~ان اصل الطب ماخوذ عن بعض الانبياء # وأما الاحكام التى هي من جنس السحر فمن الممتنع ان يكون نبي من الانبياء ~~كان ساحرا وهم يذكرون انواعا من السحر ويقولون هذا يصلح لعمل النواميس ms9690 أي ( ~~الشرائع والسنن ( ومنها ما هو دعاية الكواكب وعبادة لها وانواع من الشرك ~~الذى يعلم كل من آمن بالله ورسوله بالاضطرار ان نبيا من الانبياء لا يأمر ~~بذلك PageV35P181 ولا علمه واضافة ذلك إلى بعض الانبياء كإضافة من اضاف ذلك ~~إلى سليمان عليه السلام لما سخر الله له الجن والانس والطير فزعم قوم ان ~~ذلك كان بانواع من السحر حتى ان طوائف من اليهود والنصارى لا يجعلونه نبيا ~~حكيما فنزهه الله عن ذلك فقال تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر @QE@ ~~الآية وكذلك ايضا الاستدلال على الحوادث بما يستدلون به من الحركات العلوية ~~والاختيارات للاعمال هذا كله يعلم قطعا ان نبيا من الانبياء لم يؤمر قط ~~بهذا اذ فيه من الكذب والباطل ما ينزه عنه العقلاء الذين هم دون الانبياء ~~بكثير وما فيه من الحق فهو شبيه بما قال امام هؤلاء ومعلمهم الثانى ( أبو ~~نصر الفارابى ( قال ما مضمونه انك لو قلبت اوضاع المنجمين فجعلت مكان السعد ~~نحسا ومكان النحس سعدا أو مكان الحار باردا أو مكان البارد حارا أو مكان ~~المذكر مؤنثا أو مكان المؤنث مذكرا وحكمت لكان حكمك من جنس أحكامهم يصيب ~~تارة ويخطئ اخرى وما كان بهذه المثابة فهم ينزهون عنه بقراط وافلاطون ~~وارسطو واصحابه الفلاسفة المشائين الذين يوجد في كلامهم من الباطل والضلال ~~نظير ما يوجد في كلام اليهود والنصارى فاذا كانوا ينزهون عنه هؤلاء ~~الصابئين وأنبياءهم الذين اقل نسبة وابعد عن معرفة الحق من اليهود والنصارى ~~فكيف يجوز نسبته إلى نبي كريم PageV35P182 ونحن نعلم من احوال أئمتنا انه ~~قد اضيف إلى جعفر الصادق وليس هو بنبي من الانبياء من جنس هذه الامور ما ~~يعلم كل عالم بحال جعفر رضى الله عنه ان ذلك كذب عليه فان الكذب عليه من ~~اعظم الكذب حتى نسب إليه احكام ( الحركات السفلية ( كاختلاج الاعضاء وحوادث ~~الجو من الرعد والبرق والهالة وقوس الله الذى يقال له ( قوس قزح ( وامثال ~~ذلك والعلماء يعلمون ms9691 انه بريء من ذلك كله وكذلك نسب إليه ( الجدول ( الذي ~~بنى عليه الضلال طائفة من الرافضة وهو كذب مفتعل عليه افتعله عليه عبد الله ~~بن معاوية أحد المشهورين بالكذب مع رياسته وعظمته عند اتباعه # وكذلك أضيف إليه كتاب ( الجفر والبطاقة والهفت ( وكل ذلك كذب عليه باتفاق ~~اهل العلم به حتى اضيف إليه ( رسائل إخوان الصفا ( وهذا في غاية الجهل فان ~~هذه الرسائل انما وضعت بعد موته باكثر من مائتي سنة فانه توفى سنة ثمان ~~واربعين ومائة وهذه الرسائل وضعت في دولة بنى بويه في أثناء المائة الرابعة ~~في أوائل دولة بنى عبيد الذين بنوا القاهرة وضعها جماعة وزعموا أنهم جمعوا ~~بها بين الشريعة والفلسفة فضلوا # وأضلوا وأصحاب ( جعفر الصادق ( الذين اخذوا عنه العلم كمالك بن انس ~~وسفيان بن عيينة وأمثالهما من الائمة أئمة الاسلام براء من هذه الاكاذيب ~~PageV35P183 وكذلك كثير ما يذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى في ( كتاب ~~حقائق التفسير ( عن جعفر من الكذب الذي لا يشك في كذبه أحد من اهل المعرفة ~~بذلك وكذلك كثير من المذاهب الباطلة التى يحكيها عنه الرافضة وهى من أبين ~~الكذب عليه وليس في فرق الامة أكثر كذبا وإختلافا من ( الرافضة ( من حين ~~نبغوا # فأول من ابتدع الرفض كان منافقا زنديقا يقال له ( عبد الله بن سبأ ( ~~فأراد بذلك افساد دين المسلمين كما فعل ( بولص ( صاحب الرسائل التى بأيدى ~~النصارى حيث ابتدع لهم بدعا افسد بها دينهم وكان يهوديا فاظهر النصرانية ~~نفاقا فقصد إفسادها وكذلك كان ( بن سبأ ( يهوديا فقصد ذلك وسعى في الفتنة ~~لقصد افساد الملة فلم يتمكن من ذلك لكن حصل بين المؤمنين تحريش وفتنة قتل ~~فيها عثمان رضي الله عنه وجرى ما جرى من الفتنة ولم يجمع الله ولله الحمد ~~هذه الامة على ضلالة بل لا يزال فيها طائفة قائمة بالحق لا يضرها من خالفها ~~ولا من خذلها حتى تقوم الساعة كما شهدت بذلك النصوص المستفيضة في الصحاح عن ~~النبى # ولما أحدثت البدع الشيعية في خلافة أمير المؤمنين على بن ms9692 ابى طالب رضي ~~الله عنه ردها وكانت ( ثلاثة طوائف ( غالية وسبابة ومفضلة PageV35P184 # فأما ( الغالية ( فإنه حرقهم بالنار فانه خرج ذات يوم من باب كندة فسجد ~~له أقوام فقال ما هذا فقالوا انت هو الله فاستتابهم ثلاثا فلم يرجعوا فامر ~~في الثالث باخاديد فخدت واضرم فيها النار ثم قذفهم فيها وقال % لما رأيت ~~الأمر أمرا منكرا % أججت نارى ودعوت قنبرا % # وفى صحيح البخارى ان عليا اتى بزنادقتهم فحرقهم وبلغ ذلك بن عباس فقال ~~اما انا فلو كنت لم احرقهم لنهي النبى ان يعذب بعذاب الله ولضربت اعناقهم ~~لقول النبى ( من بدل دينه فاقتلوه ( # وأما ( السبابة ( فانه لما بلغه من سب أبا بكر وعمر طلب قتله فهرب منه ~~إلى قرقيسيا وكلمه فيه وكان علي يدارى أمراءه لانه لم يكن متمكنا ولم ~~يكونوا يطيعونه في كل ما يأمرهم به وأما ( المفضلة ( فقال لا أوتى باحد ~~يفضلنى على ابى بكر وعمر الا جلدته حد المفترين وروي عنه من أكثر من ثمانين ~~وجها انه قال خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وفى صحيح البخارى عن ~~محمد بن الحنفية انه قال لابيه يا ابت من خير الناس بعد رسول الله صلى الله ~~عليه PageV35P185 وسلم فقال يا بنى أو ما تعرف قال لا قال أبو بكر قال ثم ~~من قال عمر وفى الترمذى وغيره ان عليا روى هذا التفضيل عن النبى # ( والمقصود هنا ( انه قد كذب على علي بن ابى طالب من انواع الكذب الذى لا ~~يجوز نسبتها إلى اقل المؤمنين حتى اضافت إليه القرامطة والباطنية والخرمية ~~والمزدكية والاسماعيلية والنصيرية مذاهبها التى هي من أفسد مذاهب العالمين ~~وادعوا ان ذلك من العلوم الموروثة عنه وهذا كله انما احدثه المنافقون ~~الزنادقة الذين قصدوا اظهار ما عليه المؤمنون وهم يبطنون خلاف ذلك ~~واستتبعوا الطوائف الخارجة عن الشرائع وكان لهم دول وجرى على المؤمنين منهم ~~فتن حتى قال ( بن سينا ( انما اشتغلت في علوم الفلاسفة لان ابى كان من اهل ~~دعوة المصريين يعنى من بنى عبيد الرافضة ms9693 القرامطة فانهم كانوا ينتحلون هذه ~~العلوم الفلسفية ولهذا تجد بين هؤلاء وبين الرافضة ونحوهم من البعد عن ~~معرفة النبوات اتصال وانضمامات يجمعهم فيه الجهل الصميم بالصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين # فإذا كان في الزمان الذى هو اقل من سبعمائة سنة قد كذب على اهل بيته ~~واصحابه وغيرهم واضيف اليهم من مذاهب الفلاسفة والمنجمين ما يعلم ~~PageV35P186 كل عاقل براءتهم منه ونفق ذلك على طوائف كثيرة منتسبة إلى هذه ~~الملة مع وجود من يبين كذب هؤلاء وينهى عن ذلك ويذب عن الملة بالقلب واليد ~~واللسان فكيف الظن بما يضاف إلى ( ادريس ( وغيره من الانبياء من امور ~~النجوم والفلسفة مع تطاول الزمان وتنوع الحدثان واختلاف الملك والملل ~~والاديان وعدم من يبين حقيقة ذلك من حجة وبرهان واشتمال ذلك على مالا يحصى ~~من الكذب والبهتان # وكذلك دعوى المدعى ان نجم النبى كان بالعقرب والمريخ وامته بالزهرة ~~وامثال ذلك هو من أوضح الهذيان المباينة لاحوال النبى لما يدعونه من هذه ~~الاحكام فان من اوضح الكذب قولهم ان نجم المسلمين بالزهرة ونجم النصارى ~~بالمشترى مع قولهم ان المشترى يقتضى العلم والدين والزهرة تقتضى اللهو ~~واللعب # وكل عاقل يعلم ان النصارى اعظم الملل جهلا وضلالة وابعدهم عن معرفة ~~المعقول والمنقول واكثر اشتغالا بالملاهى وتعبدا بها # والفلاسفة متفقون كلهم على انه ما قرع العالم ناموس اعظم من الناموس الذى ~~جاء به محمد وامته اكمل عقلا ودينا وعلما باتفاق الفلاسفة حتى فلاسفة ~~اليهود والنصارى فانهم لا يرتابون في ان المسلمين افضل عقلا ودينا ~~PageV35P187 # وإنما يمكث احدهم على دينه أما اتباعا لهواه ورعاية لمصلحة دنياه في زعمه ~~وإما ظنا منه انه يجوز التمسك بأى ملة كانت وان الملل شبيهة بالمذاهب ~~الإسلامية فان جمهور الفلاسفة والمنجمين وامثالهم يقولون بهذا ويجعلون ~~الملل بمنزلة الدول الصالحة وان كان بعضها افضل من بعض # وأما الكتب السماوية المتواترة عن الانبياء عليهم الصلاة والسلام فناطقة ~~بان الله لا يقبل من أحد دينا سوى الحنيفية وهي الاسلام العام عبادة الله ms9694 ~~وحده لا شريك له والايمان بكتبه ورسله واليوم الاخر كما قال تعالى @QB@ إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ وبذلك ~~اخبرنا عن الانبياء المتقدمين واممهم قال نوح @QB@ فإن توليتم فما سألتكم ~~من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين @QE@ وقال في ~~إبراهيم @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ وقال موسى @QB@ يا قوم إن كنتم آمنتم بالله ~~فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ وقال @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا @QE@ وقالت بلقيس @QB@ رب ~~إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين @QE@ وقال في PageV35P188 ~~الحواريين @QB@ أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون @QE@ ~~وقد قال مطلقا @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم ~~قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام @QE@ ~~وقال @QB@ قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين @QE@ # فاذا كان المسلمون باتفاق كل ذى عقل اولى اهل الملل بالعلم والعقل والعدل ~~وامثال ذلك مما يناسب عندهم آثار المشترى والنصارى ابعد عن ذلك واولى ~~باللهو واللعب وما يناسب عندهم آثار الزهرة كان ما ذكروه ظاهر الفساد # ولهذا لا تزال احكامهم كاذبة متهافتة حتى ان كبير الفلاسفة الذى يسمونه ( ~~فيلسوف الاسلام ( يعقوب بن إسحاق الكندى عمل تسييرا لهذه الملة زعم انها ~~تنقضى عام ثلاث وتسعين وستمائة واخذ ذلك منه من اخرج ( مخرج الاستخراج ms9695 ( من ~~حروف كلام ظهر في الكشف لبعض من اعاده ووافقهم على ذلك من زعم انه استخرج ~~بقاء هذه الملة من حساب الجمل الذى للحروف التى في PageV35P189 اوائل السور ~~وهى مع حذف التكرير اربعة عشر حرفا وحسابها في الجملة الكثير ستمائة وثلاثة ~~وتسعون ومن هذا ايضا ما ذكر في التفسير ان الله لما أنزل @QB@ الم @QE@ قال ~~بعض اليهود بقاء هذه الملة احدى وثلاثون فلما آنزل بعد ذلك @QB@ الر @QE@ و ~~@QB@ الم @QE@ قالوا خلط علينا # فهذه الامور التى توجد في ضلال اليهود والنصارى وضلال المشركين والصابئين ~~من المتفلسفة والمنجمين مشتملة من هذا الباطل على مالا يعلمه الا الله ~~تعالى # وهذه الأمور واشباهها خارجة عن دين الاسلام محرمة فيه فيجب انكارها ~~والنهي عنها على المسلمين على كل قادر بالعلم والبيان واليد واللسان فان ~~ذلك من اعظم ما اوجبه الله من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وهؤلاء ~~واشباههم اعداء الرسل وسوس الملل # ولا ينفق الباطل في الوجود الا بشوب من الحق كما ان اهل الكتاب لبسوا ~~الحق بالباطل بسبب الحق اليسير الذى معهم يضلون خلقا كثيرا عن الحق الذى ~~يجب الايمان به ويدعونه إلى الباطل الكثير الذي هم عليه وكثيرا ما يعارضهم ~~من اهل الاسلام من لا يحسن التمييز بين الحق والباطل ولا يقيم الحجة التى ~~تدحض باطلهم ولا يبين حجة الله التى اقامها برسله فيحصل بسبب ذلك فتنة وقد ~~بسطنا القول في هذا الباطل ونحوه في غير هذا الموضع والله أعلم PageV35P190 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # ما يقول السادة الفقهاء ائمة الدين رضى الله عنهم أجمعين في هؤلاء ( ~~المنجمين ( الذين يجلسون على الطرق وفى الحوانيت وغيرها ويجلس عندهم النساء ~~والفساق ايضا بسبب النساء ويزعم هؤلاء المنجمون انهم يخبرون بالامور ~~المغيبة معتمدين في ذلك على صناعة التنجيم ويكتبون للناس الاوفاق ويسحرون ~~ويكتبون الطلاسم ويعلمون النساء السحر لازواجهم وغيرهم ويجتمع النساء ~~والرجال على ابواب الحوانيت بسبب ذلك وربما آل الامر إلى غير ذلك من افساد ~~النساء على ازواجهن وافساد عقائد الناس وتعلق همجهم بالسحر والكواكب ~~واعراضهم عن ms9696 الله عز وجل والتوكل عليه في الحوادث والنوازل فهل يحل ذلك أم ~~لا # وهل صناعة ( التنجيم ( محرمة أم لا وهل يجوز اخذ الاجرة على ذلك وبذلها ~~حرام أم لا وهل يجوز لمن له تعلق بالحانوت من ناظر ومالك ووكيل ان يؤجره من ~~ذلك أم لا وهل الاجرة حرام أم لا وهل يجب على ولي الامر وكل مسلم يقدر على ~~ذلك ازالة ذلك أم لا PageV35P191 وهل اذا لم يفعل ولى الأمر الانكار عليهم ~~يدخل في وعيد الحديث الصحيح المروى عن النبى صلى الله عليه وسلم وهو قوله ( ~~ما من وال يسترعيه الله رعية ثم لم يجهد لهم وينصح لهم الا لم يدخل معهم ~~الجنة ( # وإذا انكر ولى الأمر هذا المنكر يدخل في قوله تعالى @QB@ ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~@QE@ وهل يثاب على ذلك الثواب الجزيل اذا انكره أم لا وان رأوا ان يذكروا ~~ما حضرهم من الأحاديث الوعيدية في ذلك مأجورين ان شاء الله تعالى ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين لا يحل شيء من ذلك ( وصناعة التنجيم ( التى ~~مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضيه بالأحوال ~~الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكى والقوابل الأرضية صناعة محرمة بالكتاب ~~والسنة واجماع الأمة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل قال ~~الله تعالى @QB@ ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ وقال @QB@ ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت @QE@ قال عمر وغيره الجبت ~~السحر # وروى أبو داود في سننه باسناد حسن عن قبيصة بن مخارق عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال ( العيافة والطرق والطيرة من الجبت ( قال عوف PageV35P192 ~~راوي الحديث العيافة زجر الطير والطرق الخط يخط في الأرض وقيل بالعكس فاذا ~~كان الخط ونحوه الذى هو من فروع النجامة من الجبت فكيف بالنجامة ( وذلك ~~أنهم يولدون الأشكال في الأرض لأن ذلك متولد من اشكال الفلك # وروى أحمد وأبو داود وبن ماجه وغيرهم باسناد صحيح عن إبن عباس قال قال ~~رسول ms9697 الله صلى الله عليه وسلم ( من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من ~~السحر زاد ما زاد ( فقد صرح رسول الله بان علم النجوم من السحر وقد قال ~~الله تعالى @QB@ ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ وهكذا الواقع فإن الاستقراء ~~يدل على ان اهل النجوم لا يفلحون لا في الدنيا ولا في الآخرة # وروى أحمد ومسلم في الصحيح عن صفية بنت عبيد عن بعض ازواج النبى عن النبى ~~انه قال ( من اتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة اربعين يوما ( ~~والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض العلماء وعند بعضهم هو في معناه فاذا ~~كانت هذه حال السائل فكيف بالمسئول # وروى ايضا في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمى قال قلت يا رسول الله ان ~~قوما منا يأتون الكهان قال ( فلا تأتوهم ( فنهى النبى صلى الله عليه وسلم ~~عن اتيان الكهان والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابى PageV35P193 وغيره ~~من العلماء وحكى ذلك عن العرب وعند آخرين هو من جنس الكاهن واسوأ حالا منه ~~فلحق به من جهة المعنى # وفى الصحيح عنه انه قال ( ثمن الكلب خبيث ومهر البغى خبيث وحلوان الكاهن ~~خبيث ( وحلوانه الذى تسميه العامة ( حلاوته ( ويدخل في هذا المعنى ما يعطيه ~~المنجم وصاحب الأزلام التى يستقسم بها مثل الخشبة المكتوب عليها أ ب ج د ~~والضارب بالحصى ونحوهم فما يعطى هؤلاء حرام وقد حكى الاجماع على تحريمه غير ~~واحد من العلماء كالبغوى والقاضى عياض وغيرهما # وفى الصحيحين عن زيد بن خالد قال خطبنا رسول الله بالحديبية على اثر سماء ~~كانت من الليل فقال ( اتدرون ماذا قال ربكم الليلة ( قلنا الله ورسوله أعلم ~~قال ( اصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بى فمن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك ~~مؤمن بى وكافر بالكواكب ( وفى صحيح مسلم عن ابى هريرة عن النبى قال ( ما ~~انزل الله من السماء من بركة الا اصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الله ~~الغيث ويقولون بكوكب كذا وكذا ( وفى صحيح مسلم عنه انه ms9698 قال ( اربع في امتى ~~من امر الجاهلية الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء ~~بالأنواء ( وفيه عن إبن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم ( وتجعلون رزقكم ~~انكم تكذبون ( قال هو الاستسقاء بالأنواء أو كما قال PageV35P194 # والنصوص عن النبى واصحابه وسائر الأئمة بالنهى عن ذلك اكثر من ان يتسع ~~هذا الموضع لذكرها وقد تبين بما ذكرناه ان الأجرة المأخوذه على ذلك والهبة ~~والكرامة حرام على الدافع والآخذ وأنه يحرم على الملاك والنظار والوكلاء ~~إكراء الحوانيت المملوكة أو الموقوفة أو غيرها من هؤلاء الكفار والفساق ~~بهذه المنفعة اذا غلب على ظنهم انهم يفعلون فيها هذا الجبت الملعون # ويجب على ولى الأمر وكل قادر السعى في ازالة ذلك ومنعهم من الجلوس في ~~الحوانيت أو الطرقات أو دخولهم على الناس في منازلهم لذلك وان لم يفعل ذلك ~~فيكفيه قوله تعالى @QB@ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه @QE@ وقوله سبحانه ~~وتعالى @QB@ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ~~@QE@ فان هؤلاء الملاعين يقولون الاثم ويأكلون السحت باجماع المسلمين وثبت ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم برواية الصديق عنه انه قال ( ان الناس اذا ~~رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك ان يعمهم الله بعقاب منه ( واى منكر انكر من ~~عمل هؤلاء الأخابث سوس الملك واعداء الرسل وافراخ الصابئة عباد الكواكب فهل ~~كانت بعثة الخليل صلاة الله وسلامه عليه امام الحنفاء الا إلى سلف هؤلاء ~~فان نمرود بن كنعان كان ملك هؤلاء وعلماء الصابئة هم المنجمون ونحوهم وهل ~~عبدت الأوثان في غالب الأمر الا عن رأى هذا الصنف الخبيث الذين يأكلون ~~اموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله PageV35P195 # ومن استقووه ممن ينتسب إلى التدين بكتاب فانه الخليق بأن يأخذ بنصيب من ~~قوله @QB@ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ~~السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ms9699 وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ~~وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد ~~علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو ~~كانوا يعلمون @QE@ # وهكذا قد اعترف رؤساء المنجمين من الأولين والآخرين ان اهل الايمان اهل ~~العبادات والدعوات يرفع الله عنهم ببركة عباداتهم ودعائهم وتوكلهم على الله ~~ما يزعم المنجمون ان الأفلاك توجبه ويعترفون ايضا بأن أهل العبادات ~~والدعوات ذوى التوكل على الله يعطون من ثواب الدنيا والآخرة ما ليس في قوى ~~الأفلاك ان تجلبه فالحمد لله الذى جعل خير الدنيا والآخرة في اتباع ~~المرسلين وجعل خير امة هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقال ~~تعالى @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم @QE@ PageV35P196 والله يؤيد ويعين على الدين واتباع ~~سبيل المؤمنين والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن صناعة ( التنجيم ( والاستدلال بها على الحوادث هل هو حلال أم حرام يحل ~~اخذ الأجرة وبذلها أم لا وهل يجب على ولى الأمر منعهم وازالتهم من الجلوس ~~في الدكاكين ### ||||| فأجاب # بل ذلك محرم بإجماع المسلمين واخذ الأجرة على ذلك ومنعهم من الجلوس ~~في الحوانيت والطرقات ومنع الناس من ان يكروهم والقيام في ذلك من افضل ~~الجهاد في سبيل الله والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عمن قال لشريف يا كلب يا بن الكلب لا تمد يدك إلى حوض الحمام فقيل له إنه ~~شريف فقال لعنه الله ولعن من شرفه فقيل له أين عقلك هذا شريف فقال كلب بن ~~كلب فقام إليه وضربه فهل يجب قتله أم لا وشهد عليه بذلك عدو له PageV35P197 ### ||||| فأجاب # لا تقبل شهادة العدو على عدوه ولو كان عدلا وليس هذا الكلام بمجرده ~~من باب السب الذى يقتل ms9700 صاحبه بل يستفسر عن قوله من شرفه فإن ثبت بتفسيره أو ~~بقرائن حالية أو لفظية أنه أراد لعن النبى وجب قتله # وإن لم يثبت ذلك أو ثبت بقرائن حالية أو لفظية أنه أراد غير النبى صلى ~~الله عليه وسلم مثل أن يريد لعن من يعظمه أو يبجله أو لعن من يعتقده شريفا ~~لم يكن ذلك موجبا للقتل بإتفاق العلماء لا يظن بالذى ليس بزنديق أنه يقصد ~~لعن النبى فمن عرف من حاله أنه مؤمن ليس بزنديق كان ذلك دليلا على أنه لم ~~يرد النبى صلى الله عليه وسلم ولا يجب قتل مسلم بسب أحد من الإشراف بإتفاق ~~العلماءإنما يقتل من سب الأنبياء وفيمن سب الصحابة تفصيل ونزاع بين العلماء # ولكن من ثبت عليه أنه إعتدى بقوله أو فعله على شريف أو غيره عوقب على ~~عدوانه إما بالقصاص بما يكون فيه المماثلة وإما التعزير بما يمنعه من ~~العدوان وإما بحد القذف أن كان العدوان قذفا يوجب الحد # وتجب عقوبة المعتدين أيضا وإن كان شريفا فقد ثبت في الصحيحين عن النبى ~~أنه قال ( إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ~~وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذى PageV35P198 نفس محمد بيده لو ~~سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ( وما يشرع فيه القصاص في الدماء والأموال ~~وغيرها ولا فرق فيه بين الشريف وغيره قال النبى ( المسلمون تتكافأ دمائهم ~~ويسعى بذمتهم أدناهم الحديث والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل أراد أن يشتكى على رجل فشفع فيه جماعة فقال لو جاءنى محمد بن عبد ~~الله فيه ما قبلت فقالوا كفرت إستغفر الله من قولك فقال ما أقول ### ||||| فأجاب رحمه الله تعالى # أما قول الرجل لو جاءنى محمد بن عبد الله إذا ثبت ~~عليه هذا الكلام فإنه يقتل على ذلك ولو تاب بعد رفعه إلى الإمام لم يسقط ~~عنه القتل في أظهر قولى العلماء ولكن إن تاب قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه ~~القتل في أظهر القولين وإن عزر ms9701 بعد التوبة كان سائغا PageV35P199 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل لعن اليهود ولعن دينه وسب التوراة فهل يجوز لمسلم أن يسب كتابهم ~~أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس لأحد أن يلعن التوراة بل من أطلق لعن التوراة ~~فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن كان ممن يعرف أنها منزلة من عند الله ~~وأنه يجب الإيمان بها فهذا يقتل بشتمه لها ولا تقبل توبته في أظهر قولى ~~العلماء # وأما إن لعن دين اليهود الذى هم عليه في هذا الزمان فلا بأس به في ذلك ~~فإنهم ملعونون هم ودينهم وكذلك أن سب التوراة التى عندهم بما يبين أن قصده ~~ذكر تحريفها مثل أن يقال نسخ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها ومن ~~عمل اليوم بشرائعها المبدلة والمنسوخة فهو كافر فهذا الكلام ونحوه حق لا ~~شيء على قائله والله أعلم PageV35P200 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة ### ||||| فأجاب # الحمد لله كل من كان ~~مؤمنا بما جاء به محمد فهو خير من كل من كفر به وإن كان في المؤمن بذلك نوع ~~من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم فإن ~~اليهود والنصارى كفار كفرا معلوما بالإضطرار من دين الإسلام # والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول لا مخالف له لم يكن كافرا به ولو ~~قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قال لا إله إلا الله ~~دخل الجنة ( وقال آخر إذا سلك الطريق الحميدة وإتبع الشرع دخل ضمن هذا ~~الحديث وإذا فعل غير ذلك ولم يبال ما نقص من دينه PageV35P201 وزاد في ~~دنياه لم يدخل في ضمن هذا الحديث قال له ناقل الحديث أنا لو فعلت كل ما لا ~~يليق وقلت لا إله إلا الله دخلت الجنة ولم أدخل النار ### ||||| فأجاب رحمه الله # الحمد لله رب العالمين من إعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان ~~بهذه الكلمة يدخل الجنة ms9702 ولا يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة ~~وإجماع المؤمنين فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من ~~النار وهم كثيرون بل المنافقون قد يصومون ويصلون ويتصدقون ولكن لا يتقبل ~~منهم قال الله تعالى @QB@ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا ~~إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين ~~وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ~~الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا @QE@ وقال تعالى @QB@ يوم لا ~~يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ~~ربنا أتمم لنا نورنا @QE@ إلى قوله @QB@ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من ~~الذين كفروا @QE@ # وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد ~~أخلف وإذا اؤتمن خان ( ولمسلم ( وإن PageV35P202 صلى وصام وزعم أنه مسلم ( ~~وفى الصحيحين عنه أنه قال ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه ~~خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ~~وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ( # ولكن إن قال لا إله إلا الله خالصا صادقا من قلبه ومات على ذلك فإنه لا ~~يخلد في النار إذ لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان كما ~~صحت بذلك الأحاديث عن النبى لكن من دخلها من ( فساق أهل القبلة ( من أهل ~~السرقة والزنا وشرب الخمر وشهادة الزور وأكل الربا وأكل مال اليتيم وغير ~~هؤلاء فإنهم إذا عذبوا فيها عذبهم على قدر ذنوبهم كما جاء في الأحاديث ~~الصحيحة ( منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم ~~من تأخذه إلى حقويه ومكثوا فيها ما شاء الله أن يمكثوا أخرجوا بعد ذلك ~~كالحمم فيلقون في نهر يقال له ms9703 الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل ~~السيل ويدخلون الجنة مكتوب على رقابهم هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار ~~( وتفصيل هذه المسألة في غير هذا الموضع والله أعلم PageV35P203 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل حبس خصما له عليه دين بحكم الشرع فحضر إليه رجل يشفع فيه فلم يقبل ~~شفاعته فتخاصما بسبب ذلك فشهد الشافع على الرجل لأنه صدر منه كلام يقتضى ~~الكفر وخاف الرجل غائلة ذلك فأحضر إلى حاكم شافعى وادعى عليه رجل من ~~المسلمين بأنه تلفظ بما قيل عنه وسأل حكم الشرع في ذلك فقال الحاكم للخصم ~~عن ذلك فلم يعترف فلقن أن يعترف ليتم له الحكم بصحة إسلامه وحقن دمه فإعترف ~~بأن ذلك صدر منه جاهلا بما يترتب عليه ثم أسلم ونطق بالشهادتين وتاب ~~وإستغفر الله تعالى ثم سأل الحاكم المذكور أن يحكم له بإسلامه وحقن دمه ~~وتوبته وبقاء ماله عليه فأجابه إلى سؤاله وحكم بإسلامه وحقن دمه وبقاء ماله ~~عليه وقبول توبته وعزره تعزير مثله وحكم بسقوط تعزير ثان عنه وقضى بموجب ~~ذلك كله ثم نفذ ذلك حاكم آخر حنفى فهل الحكم المذكور صحيح في جميع ما حكم ~~له به أم لا وهل يفتقر حكم الشافعى إلى حضور خصم من جهة بيت المال أم لا ~~وهل لأحد أن يتعرض بما صدر منه من أخذ ماله أو شيء منه بعد إسلامه أم لا ~~وهل يحل لحاكم آخر بعد الحكم PageV35P204 والتنفيذ المذكورين أن يحكم في ~~ماله بخلاف الحكم الأول وتنفيذه أم لا وهل يثاب ولي الأمر على منع من يتعرض ~~إليه بأخذ ماله أو شيء منه بما ذكر أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم الحكم المذكور صحيح وكذلك تنفيذه وليس لبيت المال في ~~مال مثل هذا حق بإتفاق المسلمين # ولا يفتقر الحكم بإسلامه وعصمة ماله إلى حضور خصم من جهة بيت المال فإن ~~ذلك لا يتوقف على الحكم إذ الأئمة متفقون على أن المرتد إذا أسلم عصم ~~بإسلامه دمه وماله وإن لم يحكم بذلك حاكم ولا كلام لولى ms9704 بيت المال في مال ~~من اسلم بعد ردته # بل مذهب الشافعى وأبى حنيفة واحمد أيضا في المشهور عنه أن من شهدت عليه ~~بينة بالردة فانكر وتشهد الشهادتين المعتبرتين حكم باسلامه ولا يحتاج أن ~~يقر بما شهد به عليه فكيف إذا لم يشهد عليه عدل فانه من هذه الصورة لا ~~يفتقر الحكم بعصمة دمه وماله إلى اقراره باتفاق المسلمين # ولا يحتاج عصمه دم مثل هذا إلى أن يقر ثم يسلم بعد اخراجه إلى ذلك فقد ~~يكون فيه الزام له بالكذب على نفسه انه كفر ولهذا لا يجوز ان يبنى على مثل ~~هذا الاقرار حكم الاقرار الصحيح فانه قد علم انه لقن الاقرار وانه مكره ~~عليه في المعنى فانه انما فعله PageV35P205 خوف القتل ولو قدر ان كفر ~~المرتد كفر سب فليس في الحكام بمذهب الأئمة الأربعة من يحكم بأن ماله لبيت ~~المال بعد اسلامه انما يحكم من يحكم بقتله لكونه يقتل حدا عندهم على ~~المشهور ومن قال يقتل لزندقته فان مذهبه انه لا يؤخذ بمثل هذا الاقرار # وأيضا فمال الزنديق عند اكثر من قال بذلك لورثته من المسلمين فان ~~المنافقين الذين كانوا على عهد النبى كانوا اذا ماتوا ورثهم المسلمون مع ~~الجزم بنفاقهم كعبد الله بن ابى وامثاله ممن ورثهم ورثتهم الذين يعلمون ~~بنفاقهم ولم يتوارث أحد من الصحابة غير الميراث منافق والمنافق هو الزنديق ~~في إصطلاح الفقهاء الذين تكلموا في توبة الزنديق # وايضا فحكم الحاكم اذا نفذ في دمه الذى قد يكون فيه نزاع نفذ في ماله ~~بطريق الأولى اذ ليس في الأمة من يقول يؤخذ ماله ولا يباح دمه فلو قيل بهذا ~~كان خلاف الاجماع فاذا لم يتوقف الحكم بعصمة دمه على دعوى من جهة ولى الأمر ~~فماله # اولى وقد تبين ان الحكم بمال مثل هذا لبيت المال غير ممكن من وجوه ( ~~أحدها ( انه لم يثبت عليه ما يبيح دمه لا ببينة ولا باقرار متعين ~~PageV35P206 ولكن باقرار قصد به عصمة ماله ودمه من جنس الدعوى على الخصم ~~المسخر الثاني ( ان ms9705 الحكم بعصمة دمه وماله واجب في مذهب الشافعى والجمهور ~~وان لم يقر بل هو واجب بالاجماع مع عدم البينة والاقرار ( الثالث ( ان ~~الحكم صحيح بلا ريب ( الرابع ( انه لو كان حكم مجتهد فيه لزال ذلك بتنفيذ ~~المنفذ له ( الخامس ( انه ليس في الحكام من يحكم بمال هذا لبيت المال ولو ~~ثبت عليه الكفر ثم الاسلام ولو كان الكفر سبا فكيف اذا لم يثبت عليه أم كيف ~~اذا حكم بعصمة ماله بل مذهب مالك واحمد الذى يستند اليها في مثل هذه من ~~ابعد المذاهب عن الحكم بمال مثل هذا لبيت المال لأن مثل هذا الاقرار عندهم ~~اقرار تلجئة لا يلتفت إليه ولما عرف من مذهبهما في الساب والله أعلم ~~PageV35P207 ### | 1 ( كتاب الأطعمة ) ### |||| سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه # عن أكل لحوم الخيل هل هي حلال ### ||||| فأجاب # الحمد لله هي حلال عند جمهور العلماء ~~كالشافعى واحمد وصاحبى ابى حنيفة وعامة فقهاء الحديث وقد ثبت في الصحيحين ~~عن النبى ( حرم عام خيبر لحوم الحمر واباح لحوم الخيل ( وقد ثبت ( أنهم ~~نحروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا واكل لحمه ( ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن بغل تولد من حمار وحش وفرس هل يؤكل أم لا ### ||||| فأجاب # اذا تولد البغل بين فرس وحمار وحش أو بين اتان وحصان جاز اكله ~~وهكذا كل متولد بين اصلين مباحين # وإنما حرم ما تولد من بين حلال وحرام ( كالبغل ( الذى أحد ابويه حمار ~~اهلى وكالسبع ( المتولد بين الضبع والذئب ( والاسبار ( المتولد من بين ~~الذئب والضبعان والله أعلم PageV35P208 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن نعجة ولدت خروفا نصفه كلب ونصفه خروف وهو نصفان بالطول هل يحل اكله أو ~~تحل ناحية الخروف ### ||||| فأجاب # الحمد لله لا يؤكل من ذلك شيء فإنه متولد من حلال وحرام وان كان ~~مميزا لأن الأكل لا يكون الا بعد التذكية ولا يصح تذكية مثل هذا لأجل ~~الاختلاط والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن عنز لرجل ولدت عناقا وماتت العنزة فأرضعت امرأته العناق ms9706 فهل يجوز اكل ~~لحمها أو شرب لبنها أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله نعم يجوز له ذلك PageV35P209 ### |||| وسئل رحمه الله # هل يجوز شرب ( الاقسما ( ### ||||| فأجاب # الحمد لله اذا كانت من زبيب فقط فانه يباح شربه ثلاثة ايام اذا لم ~~يشتد باتفاق العلماء اما ان كان من خليطين يفسد احدهما الآخر مثل الزبيب ~~والبسر أو بقى اكثر من الثلاث فهذا فيه نزاع وان وضع فيه ما يحمضه كالخل ~~ونحوه وماء الليمون كما يوضع في الفقاع المشذب فهذا يجوز شربه مطلقا فان ~~حموضته تمنعه أن يشتد فكل هذه الأشربة اذا حمضت ولم تصر مسكرة يجوز شربها ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل نزل عند قوم ولم يكن معه ما يأكل هو ولا دابته وامتنع القوم ان ~~يبيعوه وان يضيفوه فحصل له ضرر ولدابته فهل له ان يأخذ منهم ما يكفيه بغير ~~اختيارهم PageV35P210 ### ||||| فأجاب # اذا اضطر هو ودابته وعندهم مال يطعمونه ولم ~~يطعموه فله ان يأخذ كفايته بغير اختيارهم ويعطيهم ثمن المثل وان كان في سفر ~~وجب عليهم ان يضيفوه ان كانوا قادرين على ضيافته فان لم يضيفوه اخذ ضيافته ~~بغير اختيارهم ولا شيء عليه قال النبى ( حق الضيف واجب على كل مسلم ( وقال ~~( أيما رجل نزل بقوم فعليهم أن يقروه فان لم يقروه فله ان يعاقبهم بمثل ~~قراه من زرعهم ومالهم ( وقال ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ~~جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة ايام وما كان بعد ذلك فهو صدقة ( والله ~~أعلم PageV35P211 ### ||| 2 باب الذكاة 2 ### |||| ! 8 < سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه ! 8 < # عن جماعة من المسلمين اشتد نكيرهم على من أكل ذبيحة يهودى أو نصرانى ~~مطلقا ولا يدرى ما حالهم هل دخلوا في دينهم قبل نسخه وتحريفه وقبل مبعث ~~النبى أم بعد ذلك بل يتناكحون وتقر مناكحتهم عند جميع الناس وهم أهل ذمة ~~يؤدون الجزية ولا يعرف من هم ولا من أباؤهم فهل للمنكرين عليهم منعهم من ~~الذبح للمسلمين أم لهم الأكل من ذبائحهم كسائر بلاد المسلمين ### ||||| فأجاب رضى ms9707 الله عنه # ليس لأحد أن ينكر على أحد أكل من ذبيحة اليهود ~~والنصارى في هذا الزمان ولا يحرم ذبحهم للمسلمين ومن أنكر ذلك فهو جاهل ~~مخطئ مخالف لاجماع المسلمين فان أصل هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين علماء ~~المسلمين # ومسائل الاجتهاد لايسوغ فيها الانكار الا ببيان الحجة وايضاح المحجة لا ~~الانكار المجرد المستند إلى PageV35P212 محض التقليد فان هذا فعل أهل الجهل ~~والاهواء كيف والقول بتحريم ذلك في هذا الزمان وقبله قول ضعيف جدا مخالف ~~لما علم من سنة رسول الله ولما علم من حال أصحابه والتابعين لهم بإحسان ~~وذلك لأن المنكر لهذا لايخرج عن ( قولين ( # إما ان يكون ممن يحرم ( ذبائح اهل الكتاب ( مطلقا كما يقول ذلك من يقوله ~~من الرافضة وهؤلاء يحرمون نكاح نسائهم واكل ذبائحهم وهذا ليس من اقوال أحد ~~من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا ولا من اقوال اتباعهم وهو خطأ مخالف ~~للكتاب والسنة والاجماع القديم فان الله تعالى قال في كتابه @QB@ وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ # فإن قيل هذه الآية معارضة بقوله ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ( وبقوله ~~تعالى ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ( # قيل الجواب من ثلاثة اوجه ( أحدها ( ان الشرك المطلق في القرآن لا يدخل ~~فيه اهل الكتاب وانما يدخلون في الشرك المقيد قال تعالى @QB@ لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين @QE@ PageV35P213 ) ( فجعل المشركين قسما ~~غير اهل الكتاب وقال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا @QE@ فجعلهم قسما غيرهم # فأما دخولهم في المقيد ففى قوله تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ فوصفهم بأنهم مشركون # وسبب هذا ان اصل دينهم الذى انزل الله به الكتب وأرسل به الرسل ليس فيه ~~شرك كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال ms9708 تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ ( وقال @QB@ ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ ولكنهم بدلوا وغيروا ~~فابتدعوا من الشرك ما لم ينزل به الله سلطانا فصار فيهم شرك بإعتبار ما ~~ابتدعوا لا باعتبار اصل الدين وقوله تعالى @QB@ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ~~@QE@ هو تعريف الكوافر المعروفات اللاتى كن في عصم المسلمين وأولئك كن ~~مشركات لا كتابيات من اهل مكة ونحوها PageV35P214 ( الوجه الثانى ( إذا قدر ~~ان لفظ @QB@ المشركات @QE@ و @QB@ الكوافر @QE@ يعم الكتابيات فآية المائدة ~~خاصة وهى متأخرة نزلت بعد سورة البقرة والممتحنة باتفاق العلماء كما في ~~الحديث ( المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ( ~~والخاص المتأخر يقضى على العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين لكن الجمهور ~~يقولون انه مفسر له فتبين ان صورة التخصيص لم ترد باللفظ العام وطائفة ~~يقولون ان ذلك نسخ بعد أن شرع # ( الوجه الثالث ( إذا فرضنا النصين خاصين فأحد النصين حرم ذبائحهم ~~ونكاحهم والآخر احلهما فالنص المحلل لهما هنا يجب تقديمه لوجهين # ( أحدهما ( ان سورة المائدة هي المتأخرة باتفاق العلماء فتكون ناسخة للنص ~~المتقدم ولا يقال ان هذا نسخ للحكم مرتين لأن فعل ذلك قبل التحريم لم يكن ~~بخطاب شرعى حلل ذلك بل كان لعدم التحريم بمنزلة شرب الخمر واكل الخنزير ~~ونحو ذلك والتحريم المبتدأ لا يكون نسخا لاستصحاب حكم الفعل ولهذا لم يكن ~~تحريم النبى ( لكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير ( ناسخا لما دل ~~عليه قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ ~~الآية من أن الله عز وجل لم يحرم قبل نزول الآية الا هذه الأصناف الثلاثة ~~فان هذه الآية نفت تحريم ما سوى الثلاثة إلى حين نزول هذه الآية ولم يثبت ~~تحليل PageV35P215 ما سوى ذلك بل كان ما سوى ذلك عفوا لا تحليل فيه ولا ~~تحريم كفعل الصبى والمجنون وكما في الحديث المعروف ( الحلال ما حلله الله ~~في كتابه والحرام ما حرمه الله ms9709 في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ( ~~وهذا محفوظ عن سلمان الفارسى موقوفا عليه أو مرفوعا إلى النبى # ويدل على ذلك انه قال في سورة المائدة @QB@ اليوم أحل لكم الطيبات @QE@ ~~فاخبر انه احلها ذلك اليوم وسورة المائدة مدنية بالاجماع وسورة الأنعام ~~مكية بالاجماع فعلم ان تحليل الطيبات كان بالمدينة لا بمكة وقوله تعالى ( ~~يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم ( إلى آخرها فثبت نكاح الكتابيات وقبل ذلك كان إما عفوا على ~~الصحيح واما محرما ثم نسخ يدل عليه أن آية المائدة لم ينسخها شيء # ( الوجه الثانى ( انه قد ثبت حل طعام اهل الكتاب بالكتاب والسنة والاجماع ~~والكلام في نسائهم كالكلام في ذبائحهم فاذا ثبت حل احدهما ثبت حل الآخر وحل ~~اطعمتهم ليس له معارض اصلا ويدل على ذلك ان حذيفة بن اليمان تزوج يهودية ~~ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على انهم كانوا مجتمعين على جواز ذلك ~~PageV35P216 # فإن قيل قوله تعالى @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم @QE@ محمول على ~~الفواكه والحبوب قيل هذا خطأ لوجوه # ( أحدها ( أن هذه مباحة من اهل الكتاب والمشركين والمجوس فليس في تخصيصها ~~باهل الكتاب فائدة # ( الثانى ( أن اضافة الطعام اليهم يقتضى انه صار طعاما بفعلهم وهذا انما ~~يستحق في الذبائح التى صارت لحما بذكاتهم فاما الفواكه فان الله خلقها ~~مطعومة لم تصر طعاما بفعل آدمى # ( الثالث ( أنه قرن حل الطعام بحل النساء واباح طعامنا لهم كما اباح ~~طعامهم لنا ومعلوم ان حكم النساء مختص بأهل الكتاب دون المشركين فكذلك حكم ~~الطعام والفاكهة والحب لا يختص بأهل الكتاب # ( الرابع ( أن لفظ ( الطعام ( عام وتناوله اللحم ونحوه اقوى من تناوله ~~للفاكهة فيجب اقرار اللفظ على عمومه لا سيما وقد قرن به قوله تعالى @QB@ ~~وطعامكم حل لهم @QE@ ونحن يجوز لنا ان نطعمهم كل انواع طعامنا فكذلك يحل ~~لنا ان نأكل جميع انواع طعامهم # وأيضا فقد ثبت في الصحاح بل بالنقل المستفيض ان النبى اهدت له ms9710 اليهودية ~~عام خيبر شاة مشوية فاكل منها لقمة ثم قال PageV35P217 ان هذه تخبرنى ان ~~فيها سما ( ولولا ان ذبائحهم حلال لما تناول من تلك الشاة وثبت في الصحيح ( ~~انهم لما غزوا خيبر اخذ بعض الصحابة جرابا فيه شحم قال قلت لا أطعم اليوم ~~من هذا احدا فالتفت فاذا رسول الله يضحك ولم ينكر عليه ( وهذا مما استدل به ~~العلماء على جواز اكل جيش المسلمين من طعام اهل الحرب قبل القسمة # وأيضا فان رسول الله ( اجاب دعوة يهودى إلى خبز شعير واهالة سنخة ( رواه ~~الإمام أحمد و ( الاهالة ( من الودك الذى يكون من الذبيحة من السمن ونحوه ~~الذى يكون في أوعيتهم التى يطبخون فيها في العادة ولو كانت ذبائحهم محرمة ~~لكانت أوانيهم كأوانى المجوس ونحوهم وقد ثبت عن النبى ( أنه نهى عن الأكل ~~في أوعيتهم حتى رخص ان يغسل ( # وأيضا فقد استفاض ان اصحاب رسول الله لما فتحوا الشام والعراق ومصر كانوا ~~يأكلون من ذبائح أهل الكتاب اليهود والنصارى وانما امتنعوا من ذبائح المجوس ~~ووقع في جبن المجوس من النزاع ما هو معروف بين المسلمين لأن الجبن يحتاج ~~إلى الانفحة وفى انفحة الميتة نزاع معروف بين العلماء فأبو حنيفة يقول ~~بطهارتها ومالك والشافعى يقولان بنجاستها وعن أحمد روايتان PageV35P218 ### ||| فصل # ( المأخذ الثانى ( الانكار على من يأكل ذبائح اهل الكتاب هو كون هؤلاء ~~الموجودين لا يعلم انهم من ذرية من دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل وهو ~~المأخذ الذى دل عليه كلام السائل وهو المأخذ الذى تنازع فيه علماء المسلمين ~~أهل السنة والجماعة وهذا مبنى على اصل وهو ان قوله تعالى @QB@ وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ هل المراد به من هو بعد نزول القرآن ~~متدين بدين اهل الكتاب أو المراد به من كان آباؤه قد دخلوا في دين أهل ~~الكتاب قبل النسخ والتبديل على قولين للعلماء # ( فالقول الأول ( هو قول جمهور المسلمين من السلف والخلف وهو مذهب ابى ~~حنيفة ms9711 ومالك واحد القولين في مذهب أحمد بل هو المنصوص ع 4 نه صريحا و # ( الثانى ( قول الشافعى وطائفة من اصحاب أحمد واصل هذا القول ان عليا وبن ~~عباس تنازعا في ذبائح بنى تغلب فقال على لا تباح ذبائحهم ولا نساؤهم فانهم ~~لم يتمسكوا من النصرانية الا بشرب PageV35P219 الخمر وروى عنه ( انه قال ( ~~نغزوهم لأنهم لم يقوموا بالشروط التى شرطها عليهم عثمان فانه شرط عليهم ان ~~وغير ذلك من الشروط وقال إبن عباس بل تباح لقوله تعالى @QB@ ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم @QE@ وعامة المسلمين من الصحابة وغيرهم لم يحرموا ذبائحهم ~~ولا يعرف ذلك الا عن على وحده وقد روى معنى قول إبن عباس عن عمر بن الخطاب # فمن العلماء من رجح قول عمر وبن عباس وهو قول الجمهور كأبى حنيفة ومالك ~~واحمد في احدى الروايتين عنه وصححها طائفة من اصحابه بل هي آخر قوليه بل ~~عامة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم على هذا القول وقال أبو بكر ~~الأثرم ما علمت احدا من اصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كرهه الا عليا وهذا ~~قول جماهير فقهاء الحجاز والعراق وفقهاء الحديث والرأى كالحسن وابراهيم ~~النخعى والزهرى وغيرهم وهو الذى نقله عن أحمد اكثر اصحابه وقال إبراهيم بن ~~الحارث كان آخر قول أحمد على انه لا يرى بذبائحهم بأسا # ومن العلماء من رجح قول على وهو قول الشافعى واحمد في احدى الروايتين عنه ~~واحمد انما اختلف اجتهاده في بنى تغلب وهم الذين تنازع فيهم الصحابة فأما ~~سائر اليهود والنصارى من العرب مثل تنوخ وبهراء PageV35P220 وغيرهما من ~~اليهود فلا اعرف عن أحمد في حل ذبائحهم نزاعا ولا عن الصحابة ولا عن ~~التابعين وغيرهم من السلف وانما كان النزاع بينهم في بنى تغلب خاصة ولكن من ~~اصحاب أحمد من جعل فيهم روايتين كبنى تغلب والحل مذهب الجمهور كابى حنيفة ~~ومالك وما أعلم للقول الآخر قدوة من السلف # ثم هؤلاء المذكورون من أصحاب أحمد ( قالوا ) من كان أحد أبويه غير كتابى ~~بل مجوسيا لم تحل ذبيحته ومناكحة ms9712 نسائه وهذا مذهب الشافعى فيما إذا كان ~~الأب مجوسيا وأما الأم فله فيها قولان فإن كان الأبوان مجوسيين حرمت ذبيحته ~~عند الشافعى ومن وافقه من أصحاب أحمد وحكى ذلك عن مالك وغالب ظنى أن هذا ~~غلط على مالك فأنى لم أجده في كتب أصحابه وهذا تفريع على الرواية المخرجة ~~عن أحمد في سائر اليهود والنصارى من العرب وهذا مبنى على إحدى الروايتين ~~عنه في نصارى بنى تغلب وهو الرواية التى إختارها هؤلاء فأما إذا جعل ~~الروايتان في بنى تغلب دون غيرهم من العرب أو قيل إن النزاع عام وفرعنا على ~~القول بحل ذبائح بنى تغلب ونسائهم كما هو قول الأكثرين فإنه على هذه ~~الرواية لا عبرة بالنسب بل لو كان الأبوان جميعا مجوسيين أو وثنيين والولد ~~من أهل الكتاب فحكمه حكم أهل الكتاب على هذا القول بلا ريب كما صرح بذلك ~~الفقهاء من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهم PageV35P221 # ومن ظن من أصحاب أحمد وغيرهم أن تحريم نكاح من أبواه مجوسيان أو أحدهما ~~مجوسى قول واحد في مذهبه فهو مخطئ خطأ لا ريب فيه لأنه لم يعرف أصل النزاع ~~في هذه المسألة # ولهذا كان من هؤلاء من يتناقض فيجوز أن يقر بالجزية من دخل في دينهم بعد ~~النسخ والتبديل ويقول مع هذا بتحريم نكاح نصرانى العرب مطلقا ومن كان أحد ~~أبويه غير كتابى كما فعل ذلك طائفة من أصحاب أحمد وهذا تناقض والقاضى أبو ~~يعلى وان كان قد قال هذا القول هو وطائفة من أتباعه فقد رجع عن هذا القول ~~في ( الجامع الكبير ( وهو آخر كتبه فذكر فيمن انتقل إلى دين أهل الكتاب من ~~عبدة الأوثان كالروم وقبائل من العرب وهم تنوخ وبهراء ومن بنى تغلب هل تجوز ~~مناكحتهم وأكل ذبائحهم وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا بأس بنكاح نصارى بنى ~~تغلب وان الرواية الأخرى مخرجة على الروايتين عنه في ذبائحهم واختار أن ~~المنتقل إلى دينهم حكمه حكمهم سواء كان انتقاله بعد مجيء شريعتنا أو قبلها ~~وسواء انتقل إلى دين ms9713 المبدلين أو دين لم يبدل ويجوز مناكحته وأكل ذبيحته ~~واذا كان هذا فيمن أبواه مشركان من العرب والروم فمن كان أحد أبويه مشركا ~~فهو أولى بذلك هذا هو المنصوص عن أحمد فانه قد نص على أنه من دخل في دينهم ~~بعد النسخ والتبديل كمن دخل في دينهم في هذا الزمان فانه يقر بالجزية قال ~~أصحابه واذ أقررناه بالجزية حلت ذبائحهم ونساؤهم وهو مذهب أبى حنيفة ومالك ~~وغيرهما PageV35P222 وأصل النزاع في هذه المسألة ما ذكرته من نزاع على ~~وغيره من الصحابة في بنى تغلب والشافعى وأحمد في احدى الروايتين عنه ~~والجمهور أحلوها وهى الرواية الأخرى عن أحمد # ثم الذين كرهوا ذبائح بنى تغلب تنازعوا في مأخذ علي فظن بعضهم أن عليا ~~إنما حرم ذبائحهم ونساءهم لكونه لم يعلم أن آباءهم دخلوا في دين أهل الكتاب ~~قبل النسخ والتبديل وبنوا على هذا أن الإعتبار في أهل الكتاب بالنسب لا ~~بنفس الرجل وإن من شككنا في أجداده هل كانوا من أهل الكتاب أم لا أخذنا ~~بالإحتياط فحقنا دمه بالجزية إحتياطا وحرمنا ذبيحته ونساءه إحتياطا وهذا ~~مأخذ الشافعى ومن وافقه من أصحاب أحمد وقال آخرون بل علي لم يكره ذبائح بنى ~~تغلب إلا لكونهم ما تدينوا بدين أهل الكتاب في واجباته ومحظوراته بل أخذوا ~~منه حل المحرمات فقط ولهذا قال إنهم لم يتمسكوا من دين أهل الكتاب إلا بشرب ~~الخمر وهذا المأخذ من قول على هو المنصوص عن أحمد وغيره وهو الصواب # ( وبالجملة ( فالقول بأن أهل الكتاب المذكورين في القرآن هم من كان دخل ~~جده في ذلك قبل النسخ والتبديل قول ضعيف والقول بأن علي بن أبى طالب رضى ~~الله عنه أراد ذلك قول ضعيف بل الصواب المقطوع به أن كون PageV35P223 الرجل ~~كتابيا أو غير كتابى هو حكم مستقل بنفسه لا بنسبه # وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم ~~أو لم يدخل وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل أو بعد ذلك وهذا مذهب جمهور ~~4 ms9714 العلماء كأبى حنيفة ومالك والمنصوص الصريح عن أحمد وإن كان بين أصحابه في ~~ذلك نزاع معروف وهذا القول هو الثابت عن الصحابة رضى الله عنهم ولا أعلم ~~بين الصحابة في ذلك نزاعا وقد ذكر الطحاوى أن هذا إجماع قديم وإحتج بذلك في ~~هذه المسألة على من لا يقر الرجل في دينهم بعد النسخ والتبديل كمن هو في ~~زماننا إذا إنتقل إلى دين أهل الكتاب فإنه تؤكل ذبيحته وتنكح نساؤه وهذا ~~يبين خطأ من يناقض منهم وأصحاب هذا القول الذى هو قول الجمهور يقولون من ~~دخل هو أو أبواه أو جده في دينهم بعد النسخ والتبديل أقر بالجزية سواء دخل ~~في زماننا هذا أو قبله وأصحاب القول الآخر يقولون متى علمنا أنه لم يدخل ~~إلا بعد النسخ والتبديل لم تقبل منه الجزية كما يقوله بعض أصحاب أحمد مع ~~أصحاب الشافعى والصواب قول الجمهور والدليل عليه وجوه # ( أحدها ( أنه قد ثبت أنه كان من أولاد الأنصار جماعة تهودوا قبل مبعث ~~النبى بقليل كما قال إبن عباس إن المرأة كانت مقلاتا والمقلات التى لا يعيش ~~لها ولد كثيرة القلت والقلت الموت والهلاك كما يقال إمرأة مذكار وميناث إذا ~~كانت كثيرة الولادة PageV35P224 للذكور والإناث والسما الكثيرة الموت قال ~~إبن عباس فكانت المرأة تنذر إن عاش لها ولدان تجعل أحدهما يهوديا لكون ~~اليهود كانوا أهل علم وكتاب والعرب كانوا أهل شرك وأوثان فلما بعث الله ~~محمدا كان جماعة من أولاد الأنصار تهودوا فطلب آباؤهم أن يكرهوهم على ~~الإسلام فأنزل الله تعالى ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى ) ~~الآية فقد ثبت أن هؤلاء كان آباءهم موجودين تهودوا ومعلوم أن هذا دخول ~~بأنفسهم في اليهودية قبل الإسلام وبعد مبعث المسيح صلوات الله عليه وهذا ~~بعد النسخ والتبديل ومع هذا نهى الله عز وجل عن إكراه هؤلاء الذين تهودوا ~~بعد النسخ والتبديل على الإسلام وأقرهم بالجزية وهذا صريح في جواز عقد ~~الذمة لمن دخل بنفسه في دين أهل الكتاب بعد النسخ والتبديل فعلم أن هذا ms9715 ~~القول هو الصواب دون الآخر ومتى ثبت أنه يعقد له الذمة ثبت أن العبرة بنفسه ~~لا بنسبه وأنه تباح ذبيحته وطعامه بإتفاق المسلمين فإن المانع لذلك لم ~~يمنعه إلا بناء على أن هذا الصنف ليسوا من أهل الكتاب فلا يدخلون فإذا ثبت ~~بنص السنة أنهم من أهل الكتاب دخلوا في الخطاب بلا نزاع # ( الوجه الثانى ( أن جماعة من اليهود الذين كانوا بالمدينة وحولها كانوا ~~عربا ودخلوا في دين اليهود ومع هذا فلم يفصل النبى صلى الله عليه وسلم في ~~أكل طعامهم وحل نسائهم وإقرارهم بالذمة بين من دخل أبواه بعد مبعث عيسى ~~عليه السلام ومن دخل قبل ذلك ولا بين المشكوك في نسبه بل حكم PageV35P225 ~~في الجميع حكما واحدا عاما فعلم أن التفريق بين طائفة وطائفة وجعل طائفة لا ~~تقر بالجزية وطائفة تقر ولا تؤكل ذبائحهم وطائفة يقرون وتؤكل ذبائحهم تفريق ~~ليس له أصل في سنة رسول الله الثابتة عنه # وقد علم بالنقل الصحيح المستفيض أن أهل المدينة كان فيهم يهود كثير من ~~العرب وغيرهم من بنى كنانة وحمير وغيرهما من العرب ولهذا قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن ( إنك تأتى قوما أهل كتاب ( وأمره أن ~~يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا ) ولم يفرق بين من دخل أبوه قبل ~~النسخ أو بعده وكذلك وفد نجران وغيرهم من النصارى الذين كان فيهم عرب ~~كثيرون أقرهم بالجزية وكذلك سائر اليهود والنصارى من العرب لم يفرق رسول ~~الله ولا أحد من خلفائه وأصحابه بين بعضهم وبعض بل قبلوا منهم الجزية ~~وأباحوا ذبائحهم ونساءهم وكذلك نصارى الروم وغيرهم لم يفرقوا بين صنف وصنف ~~ومن تدبر السيرة النبوية علم كل هذا بالضرورة وعلم أن التفريق قول محدث لا ~~أصل له في الشريعة # ( الوجه الثالث ( أن كون الرجل مسلما أو يهوديا أو نصرانيا ونحو ذلك من ~~اسماء الدين هو حكم يتعلق بنفسه لإعتقاده وإرادته وقوله وعمله لا يلحقه هذا ~~الإسم بمجرد إتصاف آبائه بذلك لكن الصغير حكمه في أحكام الدنيا ms9716 حكم أبويه ~~لكونه لا يستقل بنفسه فإذا بلغ وتكلم بالإسلام أو بالكفر كان حكمه معتبرا ~~بنفسه بإتفاق المسلمين فلو كان أبواه PageV35P226 يهودا أو نصارى فأسلم كان ~~من المسلمين بإتفاق المسلمين ولو كانوا مسلمين فكفر كان كافرا بإتفاق ~~المسلمين فإن كفر بردة لم يقر عليه لكونه مرتدا لأجل آبائه وكل حكم علق ~~بأسماء الدين من إسلام وإيمان وكفر ونفاق وردة وتهود وتنصر إنما يثبت لمن ~~إتصف بالصفات الموجبة لذلك وكون الرجل من المشركين أو أهل الكتاب هو من هذا ~~الباب فمن كان بنفسه مشركا فحكمه حكم أهل الشرك وإن كان أبواه غير مشركين ~~ومن كان أبواه مشركين وهو مسلم فحكمه حكم المسلمين لا حكم المشركين فكذلك ~~إذا كان يهوديا أو نصرانيا وآباؤه مشركين فحكمه حكم اليهود والنصارى أما ~~إذا تعلق عليه حكم المشركين مع كونه من اليهود والنصارى لأجل كون أبائه قبل ~~النسخ والتبديل كانوا مشركين فهذا خلاف الأصول # ( الوجه الرابع ( أن يقال قوله تعالى @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين @QE@ وقوله ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ~~فإن أسلموا فقد إهتدوا ) وأمثال ذلك إنما هو خطاب لهؤلاء الموجودين وإخبار ~~عنهم والمراد بالكتاب هو الكتاب الذى بأيديهم الذى جرى عليه من النسخ ~~والتبديل ما جرى ليس المراد به من كان متمسكا به قبل النسخ والتبديل فإن ~~أولئك لم يكونوا كفارا ولا هم ممن خوطبوا بشرائع القرآن ولا قيل لهم في ~~القرآن @QB@ يا أهل الكتاب @QE@ فإنهم قد ماتوا قبل نزول القرآن # وإذا كان كذلك فكل من تدين بهذا الكتاب الموجود عند PageV35P227 أهل ~~الكتاب فهو من أهل الكتاب وهم كفار تمسكوا بكتاب مبدل منسوخ وهم مخلدون في ~~نار جهنم كما يخلد سائر أنواع الكفار والله تعالى مع ذلك شرع إقرارهم ~~بالجزية وأحل طعامهم ونساءهم # ( الوجه الخامس ( أن يقال هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب بالقرآن هم ~~كفار وإن كان أجدادهم كانوا مؤمنين وليس عذابهم في الآخرة بأخف من عذاب من ~~كان أبوه من غير أهل الكتاب بل وجود النسب الفاضل هو ms9717 إلى تغليظ كفرهم أقرب ~~منه إلى تخفيف كفرهم # فمن كان أبوه مسلما وإرتد كان كفره أغلظ من كفر من أسلم هو ثم إرتد ولهذا ~~تنازع الناس فيمن ولد على الفطرة إذا إرتد ثم عاد إلى الإسلام هل تقبل ~~توبته على قولين هما روايتان عن أحمد # وإذا كان كذلك فمن كان أبوه من أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل ثم إنه لما ~~بعث الله عيسى ومحمدا كفر بهما وبما جاءا به من عند الله وإتبع الكتاب ~~المبدل المنسوخ كان كفره من أغلظ الكفر ولم يكن كفره أخف من كفر من دخل ~~بنفسه في هذا الدين المبدل ولا له بمجرد نسبه حرمة عند الله ولا عند رسوله ~~ولا ينفعه دين آبائه إذا كان هو مخالفا لهم فإن أباءه كانوا إذ ذاك مسلمين ~~فإن دين الله هو الإسلام في كل وقت فكل من آمن بكتب الله ورسله في كل زمان ~~فهو مسلم ومن كفر بشيء من كتب الله ورسله فليس مسلما في أى زمان كان ~~PageV35P228 وإذا لم يكن لأولاد بنى إسرائيل إذا كفروا مزية على أمثالهم من ~~الكفار الذين ماثلوهم في إتباع الدين المبدل المنسوخ علم بذلك بطلان الفرق ~~بين الطائفتين وإكرام هؤلاء بإقرارهم بالجزية وحل ذبائحهم ونسائهم دون ~~هؤلاء وأنه فرق مخالف لأصول الإسلام وأنه لو كان الفرق بالعكس كان أولى ~~ولهذا يوبخ الله بنى إسرائيل على تكذيبهم بمحمد ما لا يوبخه غيرهم من أهل ~~الكتاب لأنه تعالى أنعم على أجدادهم نعما عظيمة في الدين والدنيا فكفروا ~~نعمته وكذبوا رسله وبدلوا كتابه وغيروا دينه @QB@ ضربت عليهم الذلة أين ما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون @QE@ فهم مع شرف آبائهم وحق دين اجدادهم من أسوأ ~~الكفار عند الله وهو اشد غضبا عليهم من غيرهم لأن في كفرهم من الاستكبار ~~والحسد والمعاندة والقسوة وكتمان العلم وتحريف الكتاب وتبديل النص وغير ذلك ms9718 ~~ما ليس في كفر هؤلاء فكيف يجعل لهؤلاء الأرجاس الأنجاس الذين هم من ابغض ~~الخلق إلى الله مزية على اخوانهم الكفار مع ان كفرهم اما مماثل لكفر ~~اخوانهم الكفار واما اغلظ منه اذ لا يمكن احدا ان يقول ان كفر الداخلين ~~أغلظ من كفر هؤلاء مع تماثلهما في الدين بهذا الكتاب الموجود PageV35P229 ~~الوجه السادس ان تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكم من احكام ~~الجاهلية الذين اتبعتهم عليه الرافضة واشباههم من اهل الجهل فإن الله تعالى ~~قال @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ وقال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأسود على ابيض ولا لأبيض ~~على اسود الا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب ( ولهذا ليس في كتاب الله ~~آية واحدة يمدح فيها أحدا بنسبه ولا يذم احدا بنسبه وانما يمدح بالايمان ~~والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان وقد ثبت عنه في الصحيح انه قال ( ~~أربع من امر الجاهلية في امتى لن يدعوهن الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب ~~والنياحة والاستسقاء بالنجوم ( فجعل الفخر بالأحساب من امور الجاهلية فاذا ~~كان المسلم لا فخر له على المسلم بكون اجداده لهم حسب شريف فكيف يكون لكافر ~~من اهل الكتاب فخر على كافر من اهل الكتاب بكون اجداده كانوا مؤمنين واذا ~~لم تكن مع التماثل في الدين فضيلة ( لأحد الفريقين ( على الآخرين في الدين ~~لأجل النسب علم انه لافضل لمن كان من اليهود والنصارى آباؤه مؤمنين متمسكين ~~بالكتاب الأول قبل النسخ والتبديل على من كان ابوه داخلا فيه بعد النسخ ~~والتبديل واذا تماثل دينهما تماثل حكمهما في الدين PageV35P230 # والشريعة انما علقت بالنسب احكاما مثل كون الخلافة من قريش وكون ذوى ~~القربى لهم الخمس وتحريم الصدقة على آل محمد ونحو ذلك لأن النسب الفاضل ~~مظنة ان يكون اهله افضل من غيرهم كما قال النبى ( الناس معادن كمعادن الذهب ~~والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في ms9719 الاسلام اذا فقهوا ( والمظنة تعلق ~~الحكم بما اذا خفيت الحقيقة أو انتشرت فأما اذا ظهر دين الرجل الذى به ~~تتعلق الأحكام وعرف نوع دينه وقدره لم يتعلق بنسبه الأحكام الدينية ولهذا ~~لم يكن لأبى لهب مزية على غيره لما عرف كفره كان احق بالذم من غيره ولهذا ~~جعل لمن يأتى بفاحشة من ازواج النبى صلى الله عليه وسلم ضعفين من العذاب ~~كما جعل لمن يقنت منهن لله ورسوله اجرين من الثواب # فذوو الأنساب الفاضله اذا أساءوا كانت اساءتهم اغلظ من اساءة غيرهم ~~وعقوبتهم اشد عقوبة من غيرهم فكفر من كفر من بنى اسرائيل ان لم يكن اشد من ~~كفر غيرهم وعقوبتهم اشد عقوبة من غيرهم فلا اقل من المساواة بينهم ولهذا لم ~~يقل أحد من العلماء ان من كفر وفسق من قريش والعرب تخفف عنه العقوبة في ~~الدنيا أو في الآخرة بل اما ان تكون عقوبتهم اشد عقوبة من غيرهم في اشهر ~~القولين أو تكون عقوبتهم أغلظ في القول الآخر لأن من اكرمه بنعمته ورفع ~~قدره اذا قابل حقوقه بالمعاصى وقابل نعمه بالكفر كان احق بالعقوبة ممن لم ~~ينعم عليه كما انعم عليه PageV35P231 الوجه السابع ان يقال اصحاب رسول الله ~~لما فتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وغيرهم كانوا يأكلون ذبائحهم لا ~~يميزون بين طائفة وطائفة ولم يعرف عن أحد من الصحابة الفرق بينهم بالأنساب # وانما تنازعوا في بنى تغلب خاصة لأمر يختص بهم كما ان عمر ضعف عليهم ~~الزكاة وجعل جزيتهم مخالفة لجزية غيرهم ولم يلحق بهم سائر العرب وانما ألحق ~~بهم من كان بمنزلتهم # ( الوجه الثامن ( ان يقال هذا القول مستلزم أن لا يحل لنا طعام جمهور من ~~اهل الكتاب لأنا لا نعرف نسب كثير منهم ولا نعلم قبل ايام الاسلام ان ~~اجداده كانوا يهودا أو نصارى قبل النسخ والتبديل ومن المعلوم ان حل ذبائحهم ~~ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة والاجماع فاذا كان هذا القول مستلزما رفع ما ~~ثبت بالكتاب والسنة والاجماع علم انه باطل # ( الوجه التاسع ( ان يقال ما ms9720 زال المسلمون في كل عصر ومصر يأكلون ذبائحهم ~~فمن انكر ذلك فقد خالف اجماع المسلمين وهذه الوجوه كلها لبيان رجحان القول ~~بالتحليل وأنه مقتضى الدليل فأما ان مثل هذه المسألة أو نحوها من مسائل ~~الاجتهاد يجوز لمن تمسك فيها بأحد القولين ان ينكر على الآخر بغير حجة ~~ودليل فهذا خلاف اجماع المسلمين PageV35P232 فقد تنازع المسلمون في جبن ~~المجوس والمشركين وليس لمن رجح أحد القولين ان ينكر على صاحب القول الآخر ~~الا بحجة شرعية وكذلك تنازعوا في متروك التسمية وفى ذبائح اهل الكتاب اذا ~~سموا عليها غير الله وفى شحم الثرب والكليتين وذبحهم لذوات الظفر كالابل ~~والبط ونحو ذلك مما حرمه الله عليهم وتنازعوا في ذبح الكتابى للضحايا ونحو ~~ذلك من مسائل # وقد قال بكل قول طائفة من اهل العلم المشهورين فمن صار إلى قول مقلدا ~~لقائله لم يكن له ان ينكر على من صار إلى القول الآخر مقلدا لقائله لكن ان ~~كان مع احدهما حجة شرعية وجب الانقياد للحجج الشرعية اذا ظهرت # ولا يجوز لأحد ان يرجح قولا على قول بغير دليل ولا يتعصب لقول على قول ~~ولا لقائل على قائل بغير حجة بل من كان مقلدا لزم حكم التقليد فلم يرجح ولم ~~يزيف ولم يصوب ولم يخطئ ومن كان عنده من العلم والبيان ما يقوله سمع ذلك ~~منه فقبل ما تبين انه حق ورد ما تبين انه باطل ووقف ما لم يتبين فيه أحد ~~الأمرين والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان كما فاوت بينهم في ~~قوى الأبدان # وهذه المسألة ونحوها فيها من اغوار الفقه وحقائقه ما لا يعرفه الا من عرف ~~اقاويل العلماء ومآخذهم فأما من لم يعرف الا قول عالم واحد وحجته دون قول ~~العالم الآخر وحجته فانه من العوام المقلدين لا من العلماء الذين يرجحون ~~ويزيفون والله تعالى يهدينا واخواننا لما يحبه ويرضاه وبالله التوفيق والله ~~اعلم PageV35P233 ### |PARATEXT| # وقال رحمه الله تعالى # وتجوز ذكاة المرأة والرجل وتذبح المرأة وان كانت حائضا فان حيضتها ليست ms9721 ~~في يدها وذكاة المرأة جائزة باتفاق المسلمين وقد ذبحت امرأة شاة فأمر النبى ~~صلى الله عليه وسلم بأكلها ### |||| وسئل شيخ الاسلام رحمه الله # عن الدابة كالجاموس وغيره في الماء فيذبح ويموت في الماء هل يوكل ### ||||| فأجاب # اذا كان الجرح غير موح وغاب رأس الحيوان في الماء لم يحل اكله فإنه ~~اشترك في حكمه الحاضر والمبيح كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لعدى بن ~~حاتم ( ان خالط كلبك كلاب فلا تأكل فانك انما سميت على كلبك ولم تسم على ~~غيره ( وان كان بدنه في الماء وراسه خارج الماء لم يضر ذلك شيئا وان كان ~~الجرح موحيا ففيه نزاع معروف PageV35P234 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن دابة ذبحت فخرج منها دم كثير ولم تتحرك ### ||||| فأجاب # اذا خرج منها الذى يخرج ~~من الحى المذبوح في العادة هو دم الحى فانه يحل اكلها في اظهر قولى العلماء ~~والله تعالى اعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن ( المنخنقة واخواتها ( اذا بلغت مبلغا لا تعيش ~~بعده هل تعمل فيها الذكاة وفى المتردية في البئر أو النهر اذا لم يقدر على ~~تذكيتها ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين هذه المسألة فيها نزاع معروف واظهر الأقوال ~~انها إذا تحركت عند الذبح وجرى دمها أكلت فهذا هو المنقول عن الصحابة وعليه ~~يدل الكتاب والسنة فإن الله تعالى قال ( والمنخنقة إلى قوله إلا ما ذكيتم ) ~~وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم وذكر إسم الله عليه فكل ~~PageV35P235 وأما ما وقع في بئر ونحوها ولم يوصل إلى مذبحه فتجرح حيث أمكن ~~مثل الطعن في فخذها كما يفعل بالصيد الممتنع وتباح بذلك عند جمهور العلماء ~~الا ان يكون أعان على موتها سبب آخر مثل آن يكون رأسها غاطسا في الماء ~~فتكون قد ماتت بالجرح والغرق فلا تباح حينئذ واللة آعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن ( الغنم والبقر ( ونحو ذلك إذا أصابه الموت وأتاه الإنسان هل يذكى ~~شيئا منه وهو متيقن حياته حين ذبحه وأن بعض الدواب لم يتحرك منه جارحة حين ~~ذكاته فهل ms9722 الحركة تدل على وجود الحياة وعدمها يدل على عدم الحياة أم لا فإن ~~غالب الناس يتحقق حياة الدابة عند ذبحها وإراقة دمها ولم تتحرك فيقول إنها ~~ميتة فيرميها وهل الدم الأحمر الرقيق الجارى حين الذبح يدل على أن فيها ~~حياة مستقرة والدم الأسود الجامد القليل دم الموت أم لا وما أراد النبى صلى ~~الله عليه وسلم بقوله ( ما أنهر الدم وذكر إسم الله عليه فكلوا ( ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم @QE@ PageV35P236 وقوله تعالى @QB@ ~~إلا ما ذكيتم @QE@ عائد إلى ما تقدم من المنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وأكيلة السبع عند عامة العلماء كالشافعى وأحمد بن حنبل وأبى حنيفة ~~وغيرهم فما أصابه قبل أن يموت أبيح # لكن تنازع العلماء فيما يذكى من ذلك فمنهم من قال ما تيقن موته لا يذكى ~~كقول مالك ورواية عن أحمد ومنهم من يقول ما يعيش معظم اليوم ذكى ومنهم من ~~يقول ما كانت فيه حياة مستقرة ذكى كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعى ~~وأحمد ثم من هؤلاء من يقول الحياة المستقرة ما يزيد على حركة المذبوح ومنهم ~~من يقول ما يمكن أن يزيد على حياة المذبوح والصحيح أنه إذا كان حيا فذكى حل ~~أكله ولا يعتبر في ذلك حركة مذبوح فإن حركات المذبوح لا تنضبط بل فيها ما ~~يطول زمانه وتعظم حركته وقد قال ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ~~فمتى جرى الدم الذي يجري من المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله # والناس يفرقون بين دم ما كان حيا ودم ما كان ميتا فإن الميت يجمد دمه ~~ويسود ولهذا حرم الله الميتة لاحتقان الرطوبات فيها فإذا جرى منها الدم ~~الذى يخرج من المذبوح الذى ذبح وهو حي حل أكله وإن تيقن PageV35P237 أنه ~~يموت فإن المقصود ذبح ما فيه حياة فهو حى وإن تيقن أنه يموت بعد ساعة فعمر ~~بن الخطاب ms9723 رضى الله عنه تيقن أنه يموت وكان حيا جازت وصيته وصلاته وعهوده # وقد أفتى غير واحد من الصحابة رضى الله عنهم بأنها إذا مصعت بذنبها ~~أوطرفت بعينها أو ركضت برجلها بعد الذبح حلت ولم يشرطوا أن تكون حركتها قبل ~~ذلك أكثر من حركة المذبوح وهذا قاله الصحابة لأن الحركة دليل على الحياة ~~والدليل لا ينعكس فلا يلزم إذا لم يوجد هذا منها أن تكون ميتة بل قد تكون ~~حية وإن لم يوجد منها مثل ذلك والإنسان قد يكون نائما فيذبح وهو نائم ولا ~~يضطرب وكذلك المغمى عليه يذبح ولا يضطرب وكذلك الدابة قد تكون حية فتذبح ~~ولا تضطرب لضعفها عن الحركة وإن كانت حية ولكن خروج الدم الذى لا يخرج إلا ~~من مذبوح وليس هو دم الميت دليل على الحياة والله أعلم PageV35P238 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ### ||| فصل # و ( التسمية على الذبيحة ( مشروعة لكن قيل هي مستحبة كقول الشافعى وقيل ~~واجبة مع العمد وتسقط مع السهو كقول أبى حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه ~~وقيل تجب مطلقا فلا تؤكل الذبيحة بدونها سواء تركها عمدا أو سهوا كالرواية ~~الأخرى عن أحمد إختارها أبو الخطاب وغيره وهو قول غير واحد من السلف وهذا ~~أظهر الأقوال فإن الكتاب والسنة قد علق الحل بذكر إسم الله في غير موضع ~~كقوله @QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه @QE@ إلى قوله ~~@QB@ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه @QE@ @QB@ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر ~~اسم الله عليه @QE@ @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ وفى ~~الصحيحين أنه قال ( ما أنهر الدم وذكر إسم الله عليه فكلوا ( وفى الصحيح ~~أنه قال لعدي ( إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت إسم الله فقتل فكل وإن خالط ~~كلبك كلاب آخر فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ~~PageV35P239 وثبت في الصحيح أن الجن سألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال ( لكم ~~كل عظم ذكر إسم الله عليه أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علفا لدوابكم ( قال ~~النبى ms9724 ( فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن ( فهو لم يبح للجن ~~المؤمنين إلا ما ذكر إسم الله عليه فكيف بالأنس ولكن إذا وجد الإنسان لحما ~~قد ذبحه غيره جاز له أن يأكل منه ويذكر إسم الله عليه # لحمل أمر الناس على الصحة والسلامة كما ثبت في الصحيح أن قوما قالوا يا ~~رسول الله إن ناسا حديثى عهد بالإسلام يأتون باللحم ولا ندرى أذكروا إسم ~~الله عليه أم لم يذكروا فقال سموا أنتم وكلوا ( ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن الذبيحة التى يتيقن أنه ما سمى عليها هل يجوز أكلها وهل تنجس الأوانى ### ||||| فأجاب # الحمد لله ( التسمية عليها واجبة بالكتاب والسنة وهو قول جمهور ~~العلماء لكن إذا لم يعلم الإنسان هل سمى الذابح أم لم يسم أكل منها وإن ~~تيقن أنه لم يسم لم يأكل وكذلك الأضحية PageV35P240 ### ||| 2 باب الأيمان والنذور 2 # قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ! 8 < # ( القاعدة الخامسة ( في ( الأيمان والنذور قال الله تعالى ( يا أيها ~~النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم ) وقال تعالى @QB@ ~~ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم @QE@ وقال تعالى @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ~~أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم @QE@ PageV35P241 وفيها قواعد عظيمة لكن ~~تحتاج إلى ms9725 تقديم مقدمات نافعة جدا في هذا الباب وغيره # المقدمة الأولى أن اليمين تشتمل على جملتين جملة مقسم بها وجملة مقسم ~~عليها ومسائل الأيمان إما في حكم المحلوف به وإما في حكم المحلوف عليه # فأما المحلوف به فالأيمان التى يحلف بها المسلمون مما قد يلزم بها حكم ( ~~ستة أنواع ( ليس لها سابع # ( أحدها ( اليمين بالله وما في معناها مما فيه إلتزام كفر على تقدير ~~الخبر كقوله هو يهودى أو نصرانى أن فعل كذا على ما فيه من الخلاف بين ~~الفقهاء # ( الثانى ( اليمين بالنذر الذى يسمى ( نذر اللجاج والغضب ( كقوله على ~~الحج لا أفعل كذا أو إن فعلت كذا فعلي الحج أو مالى صدقة إن فعلت كذا ونحو ~~ذلك # ( الثالث ( اليمين بالطلاق # ( الرابع ( اليمين بالعتاق ( الخامس ( اليمين بالحرام كقوله على الحرام ~~لا أفعل كذا # ( السادس ( الظهار كقوله أنت على كظهر أمى إن فعلت كذا فهذا مجموع ما ~~يحلف به المسلمون مما فيه حكم PageV35P242 فأما ( الحلف بالمخلوقات ( ~~كالحلف بالكعبة أو قبر الشيخ أو بنعمة السلطان أو بالسيف أو بجاه أحد من ~~المخلوقين فما أعلم بين العلماء خلافا أن هذه اليمين مكروهة منهى عنها وأن ~~الحلف بها لا يوجب حنثا ولا كفارة وهل الحلف بها محرم أو مكروه كراهة تنزيه ~~فيه قولان في مذهب أحمد وغيره أصحهما أنه محرم # ولهذا قال أصحابنا كالقاضى أبى يعلى وغيره أنه إذا قال أيمان المسلمين ~~تلزمنى إن فعلت كذا لزمه ما يفعله في اليمين بالله والنذر والطلاق والعتاق ~~والظهار ولم يذكروا الحرام لأن يمين الحرام ظهار عند أحمد وأصحابه فلما كان ~~موجبها واحدا عندهم دخل الحرام في الظهار ولم يدخل النذر في اليمين بالله ~~وإن جاز أن يكفر يمينه بالنذر لأن موجب الحلف بالنذر المسمى ( بنذر اللجاج ~~والغضب عند الحنث هو التخيير بين التكفير وبين فعل المنذور وموجب الحلف ~~بالله هو التفكير فقط فلما إختلف موجبهما جعلوهما يمينين نعم إذا قالوا ~~بالرواية الأخرى عن أحمد وهو أن الحلف بالنذر موجبة الكفارة فقط دخلت ~~اليمين بالنذر في اليمين بالله ms9726 تعالى أما إختلافهم وإختلاف غيرهم من ~~العلماء في أن مثل هذا الكلام هل تنعقد به اليمين أولا تنعقد فسأذكره إن ~~شاء الله تعالى وإنما غرضى هنا حصر الأيمان التى يحلف بها المسلمون # وأما أيمان البيعة فقالوا أول من أحدثها الحجاج بن يوسف الثقفى وكانت ~~السنة أن الناس يبايعون الخلفاء كما بايع الصحابة النبى PageV35P243 يعقدون ~~البيعة كما يعقدون عقد البيع والنكاح ونحوها وإما أن يذكروا الشروط التى ~~يبايعون عليها ثم يقولون بايعناك على ذلك كما بايعت الأنصار النبى ليلة ~~العقبة فلما أحدث الحجاج ما أحدث من العسف كان من جملته أن حلف الناس على ~~بيعتهم لعبد الملك بن مروان بالطلاق والعتاق واليمين بالله وصدقة المال ~~فهذه الأيمان الأربعة هي كانت أيمان البيعة القديمة المبتدعة ثم أحدث ~~المستخلفون عن الأمراء من الخلفاء والملوك وغيرهم أيمانا كثيرة أكثر من تلك ~~وقد تختلف فيها عاداتهم ومن أحدث ذلك فعليه إثم ما ترتب على هذه الأيمان من ~~الشر # ( المقدمة الثانية ( أن هذه الأيمان يحلف بها تارة بصيغة القسم وتارة ~~بصيغة الجزاء لا يتصور أن تخرج اليمين عن هاتين الصيغتين ( فالأول ( كقوله ~~والله لا أفعل كذا أو الطلاق يلزمنى أن أفعل كذا أو على الحرام لا أفعل كذا ~~أو على الحج لا أفعل ( والثانى ( كقوله إن فعلت كذا فأنا يهودى أو نصرانى ~~أو بريء من الإسلام أو إن فعلت كذا فإمرأتى طالق أو إن فعلت كذا فإمرأتى ~~حرام أو فهي على كظهر أمى أو إن فعلت كذا فعلى الحج أو فمالي صدقة # ولهذا عقد الفقهاء لمسائل الأيمان بابين أحدهما ( باب تعليق الطلاق ~~بالشروط ( فيذكرون فيه الحلف بصيغة الجزاء كإن ومتى وإذا وما أشبه ~~PageV35P244 ذلك وإن دخل فيه صيغة القسم ضمنا وتبعا والباب الثانى باب جامع ~~الأيمان ( مما يشترك فيه الحلف بالله والطلاق والعتاق وغير ذلك فيذكرون فيه ~~الحلف بصيغة القسم وإن دخلت صيغة الجزاء ضمنا وتبعا ومسائل أحد البابين ~~مختلطة بمسائل الباب الآخر لاتفاقهما في المعنى كثيرا أو غالبا وكذلك طائفة ~~من الفقهاء كأبى الخطاب وغيره ms9727 لما ذكروا في كتاب الطلاق ( باب تعليق الطلاق ~~بالشروط ( أردفوه ( بباب جامع الأيمان ( وطائفة أخرى كالخرقى والقاضى أبى ~~يعلى وغيرهما إنما ذكروا ( باب جامع الأيمان ( في ( كتاب الأيمان ( لأنه ~~أمس ونظير هذا ( باب حد القذف ( منهم من يذكره عند ( باب اللعان لاتصال ~~أحدهما بالآخر ومنهم من يؤخره إلى ( كتاب الحدود ( لأنه به أخص # وإذا تبين أن لليمين ( صيغتين ( صيغة القسم وصيغة الجزاء فالمقدم في صيغة ~~القسم مؤخر في صيغة الجزاء ( والمؤخر في صيغة الجزاء مقدم في صيغة القسم ~~والشرط المثبت في صيغة الجزاء منفى في صيغة القسم فإنه إذا قال الطلاق ~~يلزمنى لا أفعل كذا فقد حلف بالطلاق أن لا يفعل فالطلاق مقدم مثبت والفعل ~~مؤخر منفى فلو حلف بصيغة الجزاء فقال إن فعلت كذا فإمرأتى طالق كان يقدم ~~الفعل مثبتا ويؤخر الطلاق منفيا كما أنه في القسم قدم الحكم وأخر الفعل ~~وبهذه القاعدة تنحل مسائل من مسائل الأيمان PageV35P245 فأما ( صيغة الجزاء ~~( فهي ( جملة فعلية ( في الأصل فان أدوات الشرط لا يتصل بها في الأصل الا ~~الفعل ( وأما صيغة القسم ( فتكون فعلية كقوله أحلف بالله أو تالله أو والله ~~ونحو ذلك وتكون ( اسمية ( كقوله لعمر الله لأفعلن والحل على حرام لأفعلن ثم ~~هذا التقسيم ليس من خصائص الأيمان التى بين العبد وبين الله بل غير ذلك من ~~العقود التى تكون بين الآدميين تارة تكون بصيغة التعليق الذى هو الشرط ~~والجزاء كقوله في ( الجعالة ( من رد عبدى الآبق فله كذا وقوله في ( السبق ( ~~من سبق فله كذا وتارة بصيغة التنجيز اما ( صيغة خبر ( كقوله بعت وزوجت وأما ~~( صيغة طلب ( كقوله بعنى واخلعنى # ( المقدمة الثالثة ( وفيها يظهر سر مسائل الأيمان ونحوها أن صيغة التعليق ~~التي تسمى ( صيغة الشرط وصيغة المجازاة ( تنقسم إلى ( ستة أنواع ( لأن ~~الحالف إما أن يكون مقصوده وجود الشرط فقط أو وجود الجزاء فقط أو وجودهما ~~وإما أن لا يقصد وجود واحد منهما بل يكون مقصوده عدم الشرط فقط أو الجزاء ~~فقط أو عدمهما # ( فالأول ( بمنزلة كثير من صور ms9728 الخلع والكتابة ونذر التبرر والجعالة ~~ونحوها فإن الرجل إذا قال لإمرأته إن أعطيتنى ألفا فأنت طالق أو فقد خلعتك ~~أو قال لعبده أن أديت ألفا فأنت حر أو قال إن رددت عبدى الآبق فلك ألف أو ~~قال إن شفى الله مريضى أو PageV35P246 سلم مالى الغائب فعلي عتق كذا ~~والصدقة بكذا فالمعلق قد لا يكون مقصوده إلا أخذ المال ورد العبد وسلامة ~~العتق والمال وإنما التزم الجزاء على سبيل العوض كالبائع الذى إنما مقصوده ~~أخذ الثمن والتزم رد المبيع على سبيل العوض فهذا الضرب شبيه بالمعاوضة في ~~البيع والإجارة وكذلك إذا كان قد جعل الطلاق عقوبة لها مثل أن يقول إذا ~~ضربت أمي فأنت طالق أو إن خرجت من الدار فأنت طالق فإنه في الخلع عاوضها ~~بالتطليق عن المال لأنها تريد الطلاق وهنا عوضها عن معصيتها بالطلاق # وأما ( الثانى ( فمثل أن يقول لإمرأته إذا طهرت فأنت طالق أو يقول لعبده ~~إذا مت فأنت حر أو إذا جاء رأس الحول فأنت حر أو فمالى صدقة ونحو ذلك من ~~التعليق الذى هو توقيت محض فهذا الضرب بمنزلة المنجز في أن كل واحد منهما ~~قصد الطلاق والعتاق وإنما أخره إلى الوقت المعين بمنزلة تأجيل الدين ~~وبمنزلة من يؤخر الطلاق من وقت إلى وقت لغرض له في التأخير لا لعوض ولا لحث ~~على طلب أو خبر ولهذا قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا حلف أنه لا يحلف ~~مثل أن يقول والله لا أحلف بطلاقك أو إن حلفت بطلاقك فعبدى حر أو فأنت طالق ~~فإنه إذا قال إن دخلت أو لم تدخلى ونحو ذلك مما فيه معنى الحض أو المنع فهو ~~حالف ولو كان تعليقا محضا كقوله إذا طلعت الشمس فأنت طالق أو أن طلعت الشمس ~~فاختلفوا فيه فقال أصحاب الشافعى ليس بحالف وقال أصحاب أبى حنيفة والقاضى ~~في ( الجامع ( هو حالف PageV35P247 # وأما ( الثالث ( وهو أن يكون مقصوده وجودهما جميعا فمثل الذى قد آذته ~~إمرأته حتى أحب طلاقها وإسترجاع الفدية منها فيقول إن أبرأتينى من صداقك ms9729 أو ~~من نفقتك فأنت طالق وهو يريد كلا منهما وأما ( الرابع ( وهو أن يكون مقصوده ~~عدم الشرط لكنه إذا وجد لم يكره الجزاء بل يحبه أولا يحبه ولا يكرهه فمثل ~~أن يقول لإمرأته إن زنيت فأنت طالق أو إن ضربت أمى فأنت طالق ونحو ذلك من ~~التعليق الذى يقصد فيه عدم الشرط ويقصد وجود الجزاء عند وجوده بحيث تكون ~~إذا زنت أو إذا ضربت أمه يجب فراقها لأنها لا تصلح له فهذا فيه معنى اليمين ~~ومعنى التوقيت فإنه منعها من الفعل وقصد إيقاع الطلاق عنده كما قصد إيقاعه ~~عند أخذ العوض منها أو عند طهرها أو طلوع الهلال # وأما ( الخامس ( وهو أن يكون مقصوده عدم الجزاء وتعليقه بالشرط لئلا يوجد ~~وليس له غرض في عدم الشرط فهذا قليل كمن يقول إن أصبت مائة رمية أعطيتك كذا # وأما ( السادس ( وهو أن يكون مقصوده عدم الشرط والجزاء وإنما تعلق الجزاء ~~بالشرط ليمتنع وجودهما فهو مثل نذر اللجاج والغضب PageV35P248 ومثل الحلف ~~بالطلاق والعتاق على حض أو منع أو تصديق أو تكذيب مثل أن يقال له تصدق ~~فيقول إن تصدق فعليه صيام كذا وكذا أو فامرأته طالق أو فعبيده أحرار أو ~~يقول إن لم أفعل كذا وكذا فعلى نذر كذا أو إمرأتى طالق أو عبدى حر أو يحلف ~~على فعل غيره ممن يقصد منعه كعبده ونسيبه وصديقه ممن يحضه على طاعته فيقول ~~له إن فعلت أو إن لم تفعل فعلى كذا أو فامرأتى طالق أو فعبدى حر ونحو ذلك ~~فهذا نذر اللجاج والغضب # وهذا وما أشبهه من الحلف بالطلاق والعتاق يخالفه في المعنى ( نذر التبرر ~~والتقرب ( وما أشبهه من ( الخلع ( و ( الكتابة ( فإن الذى يقول إن سلمنى ~~الله أو سلم مالى من كذا أو أن أعطانى الله كذا فعلى أن أتصدق أو أصوم أو ~~أحج قصده حصول الشرط الذى هو الغنيمة أو السلامة وقصد أن يشكر الله على ذلك ~~بما نذره له وكذلك المخالع والمكاتب قصده حصول العوض وبذل الطلاق والعتاق ~~عوضا عن ذلك ms9730 وأما النذر في اللجاج والغضب إذا قيل له أفعل كذا فإمتنع من ~~فعله ثم قال إن فعلته فعلي الحج أو الصيام فهنا مقصوده أن لا يكون الشرط ثم ~~إنه لقوة إمتناعه ألزم نفسه إن فعله بهذه الأمور الثقيلة عليه ليكون لزومها ~~له إذا فعل مانعا له من الفعل وكذلك إذا قال إن فعلته فإمرأتى طالق أو ~~فعبيدى أحرار إنما مقصوده الإمتناع وإلتزم بتقدير الفعل ما هو شديد عليه ~~PageV35P249 من فراق أهله وذهاب ماله ليس غرض هذا أن يتقرب إلى الله بعتق ~~أو صدقة ولا أن يفارق إمرأته # ولهذا سمى العلماء هذا ( نذر اللجاج والغضب ( مأخوذ من قول النبى صلى ~~الله عليه وسلم فيما أخرجاه في الصحيحين ( لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله ~~آثم له عند الله من أن يأتى الكفارة التى فرض الله له ( فصورة هذا النذر ~~صورة نذر التبرر في اللفظ ومعناه شديد المباينة لمعناه ومن هنا نشأت ( ~~الشبهة ( التى سنذكرها في هذا الباب إن شاء الله تعالى على طائفة من ~~العلماء ويتبين فقه الصحابة رضى الله عنهم الذين نظروا إلى معانى الألفاظ ~~لا إلى صورها إذا ثبتت هذه الأنواع الداخلة في قسم التعليق فقد علمت أن ~~بعضها معناه معنى اليمين بصيغة القسم وبعضها ليس معناه ذلك فمتى كان الشرط ~~المقصود حضا على فعل أو منعا منه أو تصديقا لخبر أو تكذيبا كان الشرط مقصود ~~العدم هو وجزاؤه كنذر اللجاج والحلف بالطلاق على وجه اللجاج والغضب # ( القاعدة الأولى ( إن الحالف بالله سبحانه وتعالى قد بين الله تعالى ~~حكمه بالكتاب والسنة والإجماع فقال تعالى ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) ~~وقال ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) وقال تعالى @QB@ ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون @QE@ ~~PageV35P250 # وأما السنة ففى الصحيحين عن عبد الله بن سمرة أن النبى قال له ms9731 ( يا عبد ~~الرحمن لا تسأل الامارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها ~~عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت ~~الذى هو خير وكفرعن يمينك ( فبين له النبى حكم الأمانة الذى هو الامارة ~~وحكم العهد الذى هو اليمين وكانوا في أول الإسلام لا مخرج لهم من اليمين ~~قبل أن تشرع الكفارة ولهذا قالت عائشة كان أبو بكر لا يحنث في يمين حتى ~~أنزل الله كفارة اليمين وذلك لأن اليمين بالله عقد بالله فيجب الوفاء به ~~كما يجب بسائر العقود وأشد لأن قوله أحلف بالله أو أقسم بالله ونحو ذلك في ~~معنى قوله أعقد بالله ولهذا عدى بحرف الالصاق الذى يستعمل في الربط والعقد ~~فينعقد المحلوف عليه بالله كما تنعقد إحدى اليدين بالأخرى في المعاقدة ~~ولهذا سماه الله عقدا في قوله ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) فإذا كان ~~قد عقدها بالله كان الحنث فيها نقضا لعهد الله وميثاقه لولا ما فرضه الله ~~من التحلة ولهذا سمى حلها حنثا و ( الحنث ( هو الإثم في الأصل فالحنث فيها ~~سبب للإثم لولا الكفارة الماحية فإنما الكفارة منعته أن يوجب إثما ~~PageV35P251 ونظير الرخصة في كفارة اليمين بعد عقدها الرخصة أيضا في كفارة ~~الظهار بعد أن كان الظهار في الجاهلية وأول الإسلام طلاقا وكذلك الإيلاء ~~كان عندهم طلاقا فإن هذا جار على قاعدة وجوب الوفاء بمقتضى اليمين فإن ~~الإيلاء إذا وجب الوفاء بمقتضاه من ترك الوطء صار الوطء محرما وتحريم الوطء ~~تحريما مطلقا مستلزم لزوال الملك الذى هو الطلاق وكذلك الظهار إذا وجب ~~التحريم فالتحريم مستلزم لزوال الملك فإن الزوجة لا تكون محرمة على الإطلاق ~~ولهذا قال سبحانه @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ والتحلة مصدر ~~حللت الشيء أحله تحليلا وتحلة كما يقال كرمته تكريما وتكرمة وهذا مصدر يسمى ~~به المحلل نفسه الذى هو الكفارة فإن أريد المصدر فالمعنى فرض الله لكم ms9732 ~~تحليل اليمين وهو حلها الذى هو خلاف العقد # ولهذا إستدل من إستدل من أصحابنا وغيرهم كأبى بكر عبد العزيز بهذه الآية ~~على التكفير قبل الحنث لأن التحلة لا تكون بعد الحنث فإنه بالحنث تنحل ~~اليمين وإنما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لتنحل اليمين وإنما هي بعد ~~الحنث كفارة لأنها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله فإذا تبين ~~أن ما اقتضته اليمين من وجوب الوفاء بها رفعه الله عن هذه الامة بالكفارة ~~التى جعلها بدلا من الوفاء في جملة ما رفعه عنها من الآصار التى نبه عليها ~~بقوله ويضع عنهم اصرهم PageV35P252 فالأفعال ثلاثة إما طاعة وإما معصية ~~وإما مباح فإذا حلف ليفعلن مباحا أو ليتركنه فها هنا الكفارة مشروعة ~~بالإجماع وكذلك إذا كان المحلوف عليه فعل مكروه أو ترك مستحب وهو المذكور ~~في قوله تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ~~بين الناس @QE@ وأما إن كان المحلوف عليه فعل واجب أو ترك محرم فها هنا لا ~~يجوز الوفاء بالإتفاق بل يجب التكفير عند عامة العلماء وأما قبل أن تشرع ~~الكفارة فكان الحالف على مثل هذا لا يحل له الوفاء بيمينه ولا كفارة له ~~ترفع عنه مقتضى الحنث بل يكون عاصيا معصية لا كفارة فيها سواء وفى أو لم يف ~~كما لو نذر معصية عند من لم يجعل في نذره كفارة وكما إن كان المحلوف عليه ~~فعل طاعة غير واجبة ### ||| فصل # فأما الحلف بالنذر الذى هو ( نذر اللجاج والغضب ( مثل أن يقول إن فعلت ~~كذا فعلى الحج أو فمالى صدقة أو فعلى صيام يريد بذلك أن يمنع نفسه عن الفعل ~~أو أن يقول إن لم أفعل كذا فعلى الحج ونحوه فمذهب أكثر أهل العلم أنه يجزئه ~~كفارة يمين من أهل مكة والمدينة والبصرة والكوفة وهو قول فقهاء الحديث ~~كالشافعى وأحمد وإسحاق وأبى عبيد وغيرهم وهذا إحدى الروايتين عن أبى حنيفة ~~وهو الرواية المتأخرة عنه PageV35P253 # ثم إختلف هؤلاء فأكثرهم قالوا هو مخير بين الوفاء بنذره ms9733 وبين كفارة يمين ~~وهذا قول الشافعى والمشهور عن أحمد ومنهم من قال بل عليه الكفارة عينا كما ~~يلزمه ذلك في اليمين بالله وهو الرواية الأخرى عن أحمد وقول بعض أصحاب ~~الشافعى وقال مالك وأبو حنيفة في الرواية الأخرى وطائفة بل يجب الوفاء بهذا ~~النذر وقد ذكروا أن الشافعى سئل عن هذه المسألة بمصر فأفتى فيها بالكفارة ~~فقال له السائل يا أبا عبد الله هذا قولك قال قول من هو خير منى عطاء بن ~~أبى رباح وذكروا أن عبد الرحمن بن القاسم حنث إبنه في هذه اليمين فأفتاه ~~بكفارة يمين بقول الليث بن سعد وقال إن عدت أفتيتك بقول مالك وهو الوفاء به ~~ولهذا يفرع أصحاب مالك مسائل هذه اليمين على النذر لعمومات الوفاء بالنذر ~~لقوله صلى الله عليه وسلم ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ( ولأنه حكم جائز ~~معلق بشرط فوجب عند ثبوت شرطه كسائر الأحكام والقول الأول هو الصحيح ~~والدليل عليه مع ما سنذكره إن شاء الله من دلالة الكتاب والسنة ما إعتمده ~~الإمام أحمد وغيره قال أبو بكر الأثرم في ( مسائلة سمعت أبا عبد الله يسأل ~~عن رجل قال ماله في رتاج الكعبة قال كفارة يمين وإحتج بحديث عائشة قال ~~وسمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يحلف بالمشى إلى بيت الله أو الصدقة بالملك ~~ونحو ذلك من الأيمان فقال PageV35P254 إذا حنث فكفارة إلا أنى لا أحمله على ~~الحنث مالم يحنث قيل له تفعل قيل لأبى عبد الله فإذا حنث كفر قال نعم قيل ~~له أليس كفارة يمين قال نعم قال وسمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت ~~العجماء حين حلفت بكذا وكذا وكل مملوك لها حر فأفتيت بكفارة يمين فإحتج ~~بحديث إبن عمر وإبن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جارية وأيمان فقال أما ~~الجارية فتعتق وقال الأثرم حدثنا الفضل بن دكين ثنا حسن عن إبن أبى نجيح عن ~~عطاء عن عائشة قالت من قال مالي في ميراث الكعبة وكل مالي فهو هدى وكل مالي ms9734 ~~في المساكين فليكفر يمينه # وقال حدثنا عارم بن الفضل ثنا معمر بن سليمان قال قال أبى حدثنا بكر بن ~~عبد الله أخبرنى أبو رافع قال قالت مولاتى ليلى بنت العجماء كل مملوك لها ~~حر وكل مال لها هدى وهى يهودية وهى نصرانية إن لم تطلق إمرأتك أو تفرق بينك ~~وبين إمرأتك قال فأتيت زينب بنت أم سلمة وكانت إذا ذكرت إمرأة بالمدينة ~~فقيهة ذكرت زينب قال فأتيتها فجاءت معى إليها فقالت في البيت هاروت وماروت ~~قالت يا زينب جعلنى الله فداك إنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى ~~وهى يهودية وهى نصرانية فقالت يهودية ونصرانية خلى بين الرجل وبين ~~PageV35P255 إمرأته فأتيت حفصة أم المؤمنين فأرسلت إليها فأتتها فقالت يا ~~أم المؤمنين جعلنى الله فداك إنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى ~~وهى يهودية وهى نصرانية فقالت يهودية ونصرانية خلى بين الرجل وبين إمرأته ~~قال فأتيت عبد الله بن عمر فجاء معى إليها فقام على الباب فسلم فقال أمن ~~حجارة أنت أم من حديد أنت أم من أى شيء أنت أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين ~~فلم تقبلى فتياها قالت يا أبا عبد الرحمن جعلنى الله فداك إنها قالت كل ~~مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى يهودية وهى نصرانية فقال يهودية ونصرانية ~~كفري عن يمينك وخلى بين الرجل وبين إمرأته # وقال الأثرم حدثنا عبد الله بن رجاء أنبأنا عمران عن قتادة عن زرارة إبن ~~أبى أوفى أن إمرأة سألت إبن عباس أن إمرأة جعلت بردها عليها هديا إن لبسته ~~فقال إبن عباس في غضب أم في رضى قالوا في غضب قال إن الله تبارك وتعالى لا ~~يتقرب إليه بالغضب لتكفر عن يمينها وقال حدثنى إبن الطباع ثنا أبو بكر بن ~~عياش عن العلاء بن المسيب عن يعلى إبن النعمان وعكرمة عن إبن عباس سئل عن ~~رجل جعل ماله في المساكين فقال أمسك عليك مالك وأنفقه على عيالك وأقض به ~~دينك وكفر عن يمينك PageV35P256 وروي ms9735 الأثرم عن أحمد حدثنا عبد الرزاق ثنا ~~بن جريج سئل عطاء عن رجل قال على ألف بدنة قال يمين وعن رجل قال على ألف ~~حجة قال يمين وعن رجل قال مالى هدى قال يمين وعن رجل قال مالى في المساكين ~~قال يمين وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة عن الحسن وجابر ~~بن زيد في الرجل يقول إن لم أفعل كذا وكذا فأنا محرم بحجة قالا ليس الإحرام ~~إلا على من نوى الحج يمين يكفرها وقال أحمد ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ~~إبن طاووس عن أبيه قال يمين يكفرها وقال حرب الكرمانى حدثنا المسيب بن واضح ~~ثنا يوسف بن أبى السفر عن الأوزاعى عن عطاء بن أبي رباح سألت إبن عباس عن ~~الرجل يحلف بالمشى إلى بيت الله الحرام قال إنما المشى على من نواه فأما من ~~حلف في الغضب فعليه كفارة يمين # وأيضا فإن الإعتبار في الكلام بمعنى الكلام لا بلفظه وهذا الحالف ليس ~~مقصوده قربة لله وإنما مقصوده الحض على فعل أو المنع منه وهذا معنى اليمين ~~فإن الحالف يقصد الحض على فعل أو المنع منه ثم إذا علق ذلك الفعل بالله ~~تعالى أجزأته الكفارة فلا تجزئه إذا علق به وجوب عبادة أو تحريم مباح بطريق ~~الأولى لأنه إذا علقه بالله ثم حنث كان موجب حنثه أنه قد هتك إيمانه بالله ~~حيث لم يف بعهده وإذا علق به وجوب فعل أو تحريمه فإنما يكون موجب حنثه ترك ~~واجب أو فعل محرم ومعلوم أن الحنث الذى PageV35P257 موجبه خلل في التوحيد ~~أعظم مما موجبه معصية من المعاصى فإذا كان الله قد شرع الكفارة لاصلاح ما ~~إقتضى الحنث في التوحيد فساده ونحو ذلك وجبره فلأن يشرع لإصلاح ما اقتضى ~~الحنث فساده في الطاعة أولى وأحرى # وأيضا فإنا نقول إن موجب صيغة القسم مثل موجب صيغة التعليق والنذر نوع من ~~اليمين وكل نذر فهو يمين فقول الناذر لله على أن أفعل بمنزلة قوله أحلف ~~بالله لأفعلن موجب هذين القولين ms9736 إلتزام الفعل معلقا بالله والدليل على هذا ~~قول النبى ( النذر حلف ( فقوله إن فعلت كذا فعلي الحج لله بمنزلة قوله إن ~~فعلت كذا فوالله لأحجن وطرد هذا أنه إذا حلف ليفعلن برا لزمه فعله ولم يكن ~~له أن يكفر فإن حلفه ليفعلنه نذر لفعله وكذلك طرد هذا أنه إذا نذر ليفعلن ~~معصية أو مباحا فقد حلف على فعلها بمنزلة ما لو قال والله لأفعلن كذا ولو ~~حلف بالله ليفعلن معصية أو مباحا لزمته كفارة يمين فكذلك لو قال آلله على ~~أن أفعل كذا ومن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يفرق بين البابين ### ||| فصل # فأما اليمين ( بالطلاق والعتاق ( في اللجاج والغضب مثل أن يقصد بها حضا ~~أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا كقوله الطلاق يلزمنى لأفعلن PageV35P258 كذا ~~أولا فعلت كذا وإن فعلت كذا فعبيدي أحرار أو إن لم أفعله فعبيدى أحرار فمن ~~قال من الفقهاء المتقدمين إن نذر اللجاج والغضب يجب فيه الوفاء فإنه يقول ~~هنا يقع الطلاق والعتاق أيضا # وأما الجمهور الذين قالوا في نذر اللجاج والغضب تجزئه الكفارة فإختلفوا ~~هنا مع أنه لم يبلغنى عن أحد من الصحابة في الحلف بالطلاق كلام وإنما بلغنا ~~الكلام فيه عن التابعين ومن بعدهم لأن اليمين به محدثة لم يكن يعرف في ~~عصرهم ولكن بلغنا الكلام في الحلف بالعتق كما سنذكره إن شاء الله فإختلف ~~التابعون ومن بعدهم في اليمين بالطلاق والعتاق فمنهم من فرق بينه وبين ~~اليمين بالنذر وقالوا إنه يقع الطلاق والعتاق بالحنث ولا تجزئه الكفارة ~~بخلاف اليمين بالنذر هذا رواية عوف عن الحسن وهو قول الشافعى وأحمد في ~~الصريح المنصوص عنه وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم فروى حرب الكرمانى ~~عن معتمر بن سليمان عن عوف عن الحسن قال كل يمين وإن عظمت ولو حلف بالحج ~~والعمرة وإن جعل ماله في المساكين مالم يكن طلاق إمرأة في ملكه يوم حلف أو ~~عتق غلام في ملكه يوم حلف فإنما هي يمين وقال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد ~~إبن حنبل عن الرجل ms9737 يقول لإبنه إن كلمتك فإمرأتى طالق وعبدى حر فقال لا يقوم ~~هذا مقام اليمين ويلزمه ذلك في الغضب والرضا وقال سليمان بن داود يلزمه ~~الحنث في الطلاق والعتاق وبه قال أبو خيثمة قال PageV35P259 إسماعيل ~~وأخبرنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل إبن أمية عن ~~عثمان بن أبى حازم أن إمرأة حلفت بمالها في سبيل الله أو في المساكين ~~وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا فسألت إبن عمر وإبن عباس فقالا أما ~~الجارية فتعتق وأما قولها في المال فإنها تزكى المال # قال أبو إسحاق الجوزجانى الطلاق والعتق لا يحلان في هذا محل الأيمان ولو ~~كان المجرى فيها مجرى الأيمان لوجب على الحالف بها إذا حنث كفارة وهذا مما ~~لا يختلف الناس فيه أن لا كفارة فيها # قلت أخبر أبو إسحاق بما بلغه من العلم في ذلك فإن أكثر مفتيي الناس في ~~ذلك الزمان من أهل المدينة وأهل العراق أصحاب أبى حنيفة ومالك كانوا لا ~~يفتون في نذر اللجاج والغضب إلا بوجوب الوفاء لا بالكفارة وإن أكثر ~~التابعين مذهبهم فيها الكفارة # حتى أن الشافعى لما أفتى بمصر بالكفارة كان غريبا بين أصحابه المالكية ~~وقال له السائل يا أبا عبد الله هذا قولك فقال قول من هو خير منى عطاء بن ~~أبى رباح فلما أفتى فقهاء الحديث كالشافعى وأحمد وإسحاق وأبى عبيد وسليمان ~~بن داود وإبن أبى شيبة وعلى بن المدينى ونحوهم في الحلف بالنذر بالكفارة ~~وفرق من فرق بين ذلك وبين الطلاق والعتاق لما سنذكره صار الذى يعرف قول ~~هؤلاء وقول أولئك PageV35P260 لا يعلم خلافا في الطلاق والعتاق وإلا فسنذكر ~~الخلاف إن شاء الله تعالى عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم # وقد إعتذر الإمام أحمد عما ذكرناه عن الصحابة في كفارة العتق بعذرين ( ~~أحدهما ( إنفراد سليمان التيمي بذلك ( والثانى ( معارضته بما رواه عن إبن ~~عمر وإبن عباس أن العتق يقع من غير تكفير # وما وجدت أحدا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم المأثور ~~عن الصحابة ms9738 ما بلغ أحمد قال المروذى قال أبو عبد الله إذا قال كل مملوك له ~~حر يعتق عليه إذا حنث لأن الطلاق والعتق ليس فيهما كفارة وقال وليس يقول كل ~~مملوك لها حر في حديث ليلى بنت العجماء حديث أبى رافع أنها سألت إبن عمر ~~وحفصة وزينب وذكرت العتق فأمروها بكفارة إلا التيمي وغيره لم يذكروا العتق ~~قال سألت أبا عبد الله عن حديث أبى رافع قصة إمرأته وأنها سألت إبن عمر ~~وحفصة فأمروها بكفارة يمين قلت فيها المشى قال نعم أذهب إلى أن فيه كفارة ~~يمين وقال أبو عبد الله ليس يقول فيه كل مملوك إلا التيمي قلت فإذا حلف ~~بعتق مملوكه فحنث قال يعتق كذا يروى عن إبن عمر وإبن عباس أنهما قالا ~~الجارية تعتق ثم قال ما سمعنا إلا من عبد الرزاق عن معمر قلت فإيش إسناده ~~قال معمر عن إسماعيل عن عثمان بن أبى حازم عن إبن عمر وإبن عباس وقال ~~إسماعيل إبن أمية وأيوب بن موسى وهما مكيان PageV35P261 # فقد فرق بين الحلف بالطلاق والعتق والحلف بالنذر بأنهما لا يكفران وإتبع ~~ما بلغه في ذلك عن إبن عمر وإبن عباس وبه عارض ما روى من الكفارة عن إبن ~~عمر وحفصة وزينب مع إنفراد التيمي بهذه الزيادة وقال صالح بن أحمد قال أبى ~~وإذا قال جاريتى حرة إن لم أصنع كذا وكذا قال قال إبن عمر وإبن عباس يعتق ~~وإذا قال كل مالى في المساكين لم يدخل فيه جاريته فيه كفارة فإن ذا لا ~~يشبهه ذا ألا ترى أن إبن عمر فرق بينهما العتق والطلاق لا يكفران # وأصحاب أبى حنيفة يقولون إذا قال الرجل مالى في المساكين أنه يتصدق به ~~على المساكين وإذا قال مالى على فلان صدقة وفرقوا بين قوله إن فعلت كذا ~~فمالى صدقة أو فعلي الحج وبين قوله فإمرأتى طالق أو فعبدى حر بأنه هناك ~~موجب القول وجوب الصدقة والحج لا وجود الصدقة والحج فإذا إقتضى الشرط وجوب ~~ذلك كانت الكفارة بدلا عن هذا الواجب ms9739 كما يكون بدلا عن غيره من الواجبات ~~كما كانت في أول الإسلام بدلا عن الصوم الواجب وبقيت بدلا عن الصوم على ~~العاجز عنه وكما يكون بدلا عن الصوم الواجب في ذمة الميت فإن الواجب إذا ~~كان في الذمة أمكن أن يخير بين أدائه وبين أداء غيره وأما العتق والطلاق ~~فإن موجب الكلام وجودهما فإذا وجد الشرط وجد العتق والطلاق وإذا وقعا لم ~~يرتفعا بعد وقوعهما لأنهما لا يقبلان الفسخ بخلاف مالو قال إن فعلت كذا ~~فلله علي أن أعتق فإنه PageV35P262 هنا لم يعلق العتق وإنما علق وجوبه ~~بالشرط فيخير بين فعل هذا الإعتاق الذى أوجبه على نفسه وبين الكفارة التى ~~هي بدل عنه ولهذا لو قال إذا مت فعبدى حر عتق بموته من غير حاجة إلى ~~الإعتاق ولم يكن له فسخ هذا التدبير عند الجمهور إلا قولا للشافعى ورواية ~~عن أحمد وفى بيعه الخلاف المشهور ولو وصى بعتقه فقال إذا مت فأعتقوه كان له ~~الرجوع في ذلك كسائر الوصايا وكان له بيعه هنا وإن لم يجز بيع المدبر # وذكر أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن محمد بن عرفة في تاريخه أن المهدى ~~لما رأى ما أجمع عليه رأى أهل بيته من العهد إلى إبنه عزم على خلع عيسى ~~ودعاهم إلى البيعة لموسى فإمتنع عيسى من الخلع وزعم أن عليه أيمانا تخرجه ~~من أملاكه وتطلق نساؤه فأحضر له المهدى إبن علاثه ومسلم بن خالد وجماعة من ~~الفقهاء فافتوه بما يخرجه عن يمينه واعتاض عما يلزمه في يمينه بمال كثير ~~ذكره ولم يزل إلى أن خلع وبويع للمهدى ولموسى الهادى بعده # وأما ( أبو ثور فقال في العتق المعلق على وجه اليمين يجزئه كفارة يمين ~~كنذر اللجاج والغضب لأجل ما تقدم من حديث ليلى بنت العجماء التى أفتاها عبد ~~الله بن عمر وحفصة أم المؤمنين وزينب ربيبة رسول الله في قولها إن لم أفرق ~~بينك وبين إمرأتك فكل مملوك لى محرر وهذه القصة هي مما إعتمدها الفقهاء ~~المستدلون في مسألة ( نذر PageV35P263 اللجاج ms9740 والغضب لكن توقف أحمد وأبو ~~عبيد عن العتق فيها لما ذكرته من الفرق وعارض أحمد ذلك وأما الطلاق فلم ~~يبلغ أبا ثور فيه أثر فتوقف عنه مع أن القياس عنده مساواته للعتق لكن خاف ~~أن يكون مخالفا للإجماع # و ( الصواب ( ان الخلاف في الجميع الطلاق وغيره لما سنذكره ولو لم ينقل ~~في الطلاق نفسه خلاف معين لكان فتيا من أفتى من الصحابة في الحلف بالعتاق ~~بكفارة يمين من باب التنبيه على الحلف بالطلاق فإنه إذا كان نذر العتق الذى ~~هو قربة لما خرج مخرج اليمين أجزأت فيه الكفارة فالحلف بالطلاق ليس بقربة ~~إما أن تجزئ فيه الكفارة أولا يجب فيه شيء على قول من يقول نذر غير الطاعة ~~لا شيء فيه ويكون قوله إن فعلت كذا فأنت طالق بمنزلة قوله فعلى أن أطلقك ~~كما كان عند أولئك الصحابة ومن وافقهم قوله فعبيدى أحرار بمنزلة قوله فعلى ~~أن أعتقهم # على أني إلى الساعة لم يبلغنى عن أحد من الصحابة كلام في الحلف بالطلاق ~~وذلك والله أعلم لأن الحلف بالطلاق لم يكن قد حدث في زمانهم وإنما إبتدعه ~~الناس في زمن التابعين ومن بعدهم فإختلف فيه التابعون ومن بعدهم ( فأحد ~~القولين ( أنه يقع به كما تقدم و ( القول الثانى ( أنه لا يلزم الوقوع ذكر ~~عبد الرزاق عن إبن جريج عن إبن طاووس عن أبيه أنه PageV35P264 كان يقول ~~الحلف بالطلاق ليس شيئا قلت أكان يراه يمينا قال لا أدري فقد أخبر إبن ~~طاووس عن أبيه أنه كان لا يراه موقعا للطلاق وتوقف في كونه يمينا يوجب ~~الكفارة لأنه من باب نذر مالا قربة فيه # وفى كون مثل هذا يمينا خلاف مشهور وهذا قول أهل الظاهر كداود وأبى محمد ~~بن حزم لكن بناء على أنه لا يقع طلاق معلق ولا عتق معلق وإختلفوا في المؤجل ~~وهو بناء على ما تقدم من أن العقود لا يصح منها إلا مادل نص أو إجماع على ~~وجوبه أو جوازه وهو مبنى على ( ثلاث مقدمات ( يخالفون فيها ( أحدها ( كون ms9741 ~~الأصل تحريم العقود ( الثانى ( أنه لا يباح ما كان في معنى النصوص ( الثالث ~~( أن الطلاق المؤجل والمعلق لم يندرج في عموم النصوص # وأما المأخذ المتقدم من كون هذا كنذر اللجاج والغضب فهذا قياس قول الذين ~~جوزوا التكفير في نذر اللجاج والغضب وفرقوا بين نذر التبرر ونذر الغضب فإن ~~هذا الفرق يوجب الفرق بين المعلق الذى يقصد وقوعه عند الشرط وبين المعلق ~~المحلوف به الذى يقصد عدم وقوعه إلا أن يصح الفرق المذكور بين كون المعلق ~~هو الوجود أو الوجوب وسنتكلم عليه # وقد ذكرنا أن هذا القول يخرج على أصول أحمد من مواضع قد ذكرناها وكذلك هو ~~أيضا لازم لمن قال في نذر اللجاج والغضب بكفارة PageV35P265 كما هو ظاهر ~~مذهب الشافعى وإحدى الروايتين عن أبى حنيفة التى إختارها أكثر متأخرى ~~أصحابه وإحدى الروايتين عن إبن القاسم التى إختارها كثير من متأخرى ~~المالكية فإن التسوية بين الحلف بالنذر والحلف بالعتق هو المتوجه ولهذا كان ~~هذا من أقوى حجج القائلين بوجوب الوفاء في الحلف بالنذر فإنهم قاسوه على ~~الحلف بالطلاق والعتاق وإعتقده بعض المالكية مجمعا عليه # وأيضا فإذا حلف بصيغة القسم كقوله عبيدى أحرار لأفعلن أو نسائى طوالق ~~لأفعلن فهو بمنزلة قوله مالى صدقة لأفعلن وعلى الحج لأفعلن # والذى يوضح التسوية أن الشافعى إنما إعتمد في الطلاق المعلق على فدية ~~الخلع قاله في البويطى وهو ( كتاب مصري ( من أجود كلامه # وذلك أن الفقهاء يسمون الطلاق المعلق بسبب طلاقا بصفة ويسمون ذلك الشرط ~~صفة ويقولون إذا وجدت الصفة في زمان البينونة وإذا لم توجد الصفة ونحو ذلك ~~وهذه التسمية لها وجهان # ( أحدهما ( ان هذا الطلاق موصوف بصفة ليس طلاقا مجردا عن صفة فانه اذا ~~قال أنت طالق في أول السنة أوإذا طهرت فقد وصف الطلاق بالزمان الخاص فان ~~الظرف صفة للمظروف وكذلك اذا قال ان اعطيتنى الفا فأنت طالق فقد وصفه بعوضة ~~PageV35P266 # و ( الثانى ( أن نحاة الكوفة يسمون حروف الجر ونحوها حروف الصفات فلما ~~كان هذا معلقا بالحروف التى قد تسمى ( حروف الصفات ( سمى ms9742 طلاقا بصفة كما لو ~~قال أنت طالق بألف # و ( الوجه الأول ( هو الأصل فان هذا يعود إليه إذ النحاة إنما سموا حروف ~~الجر حروف الصفات لأن الجار والمجرور يصير في المعنى صفة لما تعلق به فاذا ~~كان الشافعى وغيره إنما اعتمدوا في الطلاق الموصوف على طلاق الفدية وقاسوا ~~كل طلاق بصفة عليه صار هذا كما أن النذر المعلق بشرط مذكور في قوله تعالى ( ~~ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ( ومعلوم ~~أن النذر المعلق بشرط هو نذر بصفة فقد فرقوا بين النذر المقصود شرطه وبين ~~النذر المقصود عدم شرطه الذى خرج مخرج اليمين فلذلك يفرق بين الطلاق ~~المقصود وصفه كالخلع حيث المقصود فيه العوض والطلاق المحلوف به الذى يقصد ~~عدمه وعدم شرطه فإنه إنما يقاس بما في الكتاب والسنة ما أشبهه ومعلوم ثبوت ~~الفرق بين الصفة المقصودة وبين الصفة المحلوف عليها التى يقصد عدمها كما ~~فرق بينهما في النذر سواء # والدليل على هذا القول الكتاب والسنة والأثر والاعتبار أما PageV35P267 ~~الكتاب فقوله سبحانه @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ~~مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم ~~وهو العليم الحكيم @QE@ فوجه الدلالة أن الله قال @QB@ قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم @QE@ وهذا نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أن الله قد ~~فرض لها تحلة وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة ~~الأفراد للنبى مع علمه سبحانه بأن الأمه يحلفون بأيمان شتى فلو فرض يمين ~~واحدة ليس لها تحلة لكان مخالفا للآية كيف وهذا عام لم تخص منه صورة واحدة ~~لا بنص ولا بإجماع بل هو عام عموما معنويا مع عمومه اللفظى فإن اليمين ~~معقودة توجب منع المكلف من الفعل فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما فيه من ~~التخفيف والتوسعة وهذا موجود في اليمين بالعتق والطلاق أكثر منه في غيرهما ~~من أيمان نذر اللجاج والغضب # فإن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن النفس أو ليقطعن ms9743 رحمه أو ليمنعن الواجب ~~عليه من أداء أمانة ونحوها فإنه يجعل الطلاق عرضة ليمينه أن يبر ويتقى ~~ويصلح بين الناس أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه ثم إن وفى بيمينه كان عليه ~~من ضرر الدنيا والدين ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه وإن طلق ~~إمرأته ففى الطلاق أيضا من ضرر الدين والدنيا مالا خفاء فيه أما الدين فإنه ~~مكروه بإتفاق الأمة مع إستقامة حال الزوجين PageV35P268 إما كراهة تنزيه أو ~~كراهة تحريم فكيف إذا كانا في غاية الإتصال وبينهما من الأولاد والعشرة ما ~~يكون في طلاقهما من ضرر الدين أمر عظيم وكذلك ضرر الدنيا كما يشهد به ~~الواقع بحيث لو خير أحدهما بين أن يخرج من ماله ووطنه وبين الطلاق لإختار ~~فراق ماله ووطنه على الطلاق وقد قرن الله فراق الوطن بقتل النفس ولهذا قال ~~الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه متابعة لعطاء إنها إذا أحرمت بالحج فحلف ~~عليها زوجها بالطلاق إنها لا تحج صارت محصرة وجاز لها التحلل لما عليها في ~~ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو أو القريب منه وهذا ظاهر فيما ~~إذا قال إن فعلت كذا فعلي أن أطلقك أو أعتق عبيدى فإن هذا في نذر اللجاج ~~والغضب بالإتفاق كما لو قال والله لأطلقنك أو لأعتقن عبيدى وانما الفرق بين ~~وجود العتق ووجوبه هو الذى إعتمده المفرقون وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى # وأيضا فإن الله قال ( لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله ~~غفور رحيم ) وذلك يقتضى أنه ما من تحريم لما أحل الله إلا والله غفور ~~لفاعله رحيم به وأنه لا علة تقتضى ثبوت ذلك التحريم لأن قوله [ لم ] لأى ~~شيء إستفهام في معنى النفى والانكار والتقدير لا سبب لتحريمك @QB@ ما أحل ~~الله لك @QE@ @QB@ والله غفور رحيم @QE@ فلو كان الحالف بالنذر والعتاق ~~والطلاق على أنه لا يفعل شيئا لا رخصة له لكان هنا سبب يقتضى تحريم الحلال ~~ولا يبقى موجب المغفرة والرحمة على هذا الفاعل PageV35P269 وأيضا قوله ~~سبحانه وتعالى ms9744 @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~@QE@ إلى قوله @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم @QE@ ~~والحجة منها كالحجة من الأولى وأقوى فإنه قال @QB@ لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم @QE@ وهذا عام لتحريمها بالأيمان من الطلاق وغيرها ثم بين وجه ~~المخرج من ذلك بقوله @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~بما عقدتم الأيمان فكفارته @QE@ أي فكفارة تعقيدكم أو عقدكم الأيمان وهذا ~~عام ثم قال ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) وهذا عام كعموم قوله ( وإحفظوا ~~أيمانكم ) ومما يوضح ( عمومه ( أنهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم قوله ~~( من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك ( فأدخلوا فيه الحلف ~~بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله # وإنما لم يدخل مالك وأحمد وغيرهما تنجيز الطلاق موافقه لإبن عباس لأن ~~إيقاع الطلاق ليس بحلف وإنما الحلف المنعقد ما تضمن محلوفا به ومحلوفا عليه ~~إما بصيغة القسم وإما بصيغة الجزاء وما كان في معنى ذلك كما سنذكره إن شاء ~~الله تعالى وهذه الدلالة تنبيه على أصول الشافعى وأحمد ومن وافقهم في مسألة ~~( نذر اللجاج والغضب ( فإنهم إحتجوا على التكفير فيه بهذه الآية وجعلوا ~~قوله ( تحلة أيمانكم ) ( كفارة أيمانكم ) عاما في اليمين بالله واليمين ~~بالنذر ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما ~~سواء PageV35P270 فإن قيل المراد في الآية اليمين بالله فقط فإن هذا هو ~~المفهوم من مطلق اليمين ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام والإضافة في ~~قوله @QB@ عقدتم الأيمان @QE@ @QB@ تحلة أيمانكم @QE@ منصرفا إلى اليمين ~~المعهودة عندهم وهى اليمين بالله وحينئذ فلا يعم اللفظ إلا المعروف عندهم ~~والحلف بالطلاق ونحوه لم يكن معروفا عندهم ولو كان اللفظ عاما فقد علمنا ~~أنه لم يدخل فيه اليمين التى ليست مشروعة كاليمين بالمخلوقات فلا يدخل فيه ~~الحلف بالطلاق ونحوه لانه ليس من اليمين المشروعة لقوله ( من كان حالفا ~~فليحلف بالله أو فليصمت ( وهذا سؤال من يقول كل يمين غير مشروعة فلا كفارة ~~لها ولاحنث # فيقال لفظ ( اليمين ms9745 ( شمل هذا كله بدليل استعمال النبى والصحابة والعلماء ~~اسم اليمين في هذا كله كقوله ( النذر حلف ( وقول الصحابة لمن حلف بالهدى ~~والعتق كفر يمينك وكذلك فهمه الصحابة من كلام النبى كما سنذكره ولادخال ~~العلماء لذلك في قوله ( من حلف فقال ان شاء الله فان شاء فعل وان شاء ترك ( ~~ويدل على عمومه في الآية انه سبحانه قال ( لم تحرم ما أحل الله لك ) ثم قال ~~( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) فاقتضى هذا ان نفس تحريم الحلال يمين كما ~~استدل به بن عباس وغيره وسبب نزول الآية إما تحريمه العسل وإما تحريمه ~~مارية PageV35P271 القبطية وعلى التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر ~~الآية وليس يمينا بالله ولهذا أفتى جمهور الصحابة كعمر وعثمان وعبد الله بن ~~مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم ان تحريم الحلال يمين مكفرة إما ( كفارة ~~كبرى ( كالظهار واما ( كفارة صغرى ( كاليمين بالله وما زال السلف يسمون ~~الظهار ونحوه يمينا # ( وايضا ( فان قوله ( لم تحرم ما أحل الله لك ) اما ان يراد به لم تحرم ~~بلفظ الحرام واما لم تحرمه باليمين بالله تعالى ونحوها واما لم تحرمه مطلقا ~~فان اريد الاول والثالث فقد ثبت ان تحريمه بغير الحلف بالله يمين فيعم وان ~~أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سمى الله الحلف بالله تحريما للحلال ~~ومعلوم ان اليمين بالله لم توجب الحرمة الشرعية لكن لما اوجبت امتناع ~~الحالف من الفعل فقد حرمت عليه الفعل تحريما شرطيا لا شرعيا فكل يمين توجب ~~امتناعه من الفعل فقد حرمت عليه الفعل فيدخل في عموم قوله ( لم تحرم ما أحل ~~الله لك ) وحينئذ فقوله ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) لابد ان يعم كل ~~يمين حرمت الحلال لان هذا حكم ذلك الفعل فلابد أن يطابق صوره لان تحريم ~~الحلال هو سبب قوله ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) وسبب الجواب اذا كان ~~عاما كان الجواب عاما لئلا يكون جوابا عن البعض مع قيام السبب المقتضى ~~للتعميم وهذا التقدير في قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين ms9746 آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم @QE@ إلى قوله @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~@QE@ PageV35P272 وايضا فان الصحابة فهمت العموم وكذلك العلماء عامتهم ~~حملوا الآية على اليمين بالله وغيرها # وأيضا فنقول على الرأس سلمنا ان اليمين المذكورة في الآية المراد بها ~~اليمين بالله تعالى وان ما سوى اليمين بالله تعالى لا يلزم بها حكم فمعلوم ~~ان الحلف بصفاته كالحلف به كما لو قال وعزة الله تعالى أو لعمر الله أو ~~والقرآن العظيم فانه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ونحوها عن النبى ~~والصحابة ولان الحلف بصفاته كالإستعاذة بها وان كانت الاستعاذة لا تكون الا ~~بالله في مثل قول النبى ( أعوذ بوجهك ( وأعوذ بكلمات الله التامات ( وأعوذ ~~برضاك من سخطك ( ونحو ذلك وهذا امر متقرر عند العلماء # وإذا كان كذلك فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله فانه اذا ~~قال ان فعلت كذا فعلى الحج فقد حلف بايجاب الحج عليه وايجاب الحج عليه حكم ~~من أحكام الله تعالى وهو من صفاته وكذلك لوقال فعلي تحرير رقبة واذا قال ~~فامرأتى طالق وعبدى حر فقد حلف بازالة ملكه الذى هو تحريمه عليه والتحريم ~~من صفات الله كما ان الايجاب من صفات الله وقد جعل الله ذلك من آياته في ~~قوله ( ولا تتخذوا آيات الله هزوا ) فجعل صدوره في النكاح والطلاق والخلع ~~من آياته لكنه اذا حلف بالايجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله كما يعقد ~~النذر لله فان قوله على الحج والصوم عقد PageV35P273 لله ولكن اذا كان ~~حالفا فهو لم يقصد العقد لله بل قصد الحلف به فاذا حنث ولم يوف به فقد ترك ~~ماعقد لله كما انه اذا فعل المحلوف فقد ترك ما عقده لله ( # يوضح ذلك ( انه اذا حلف بالله أو بغير الله مما يعظمه بالحلف فانما حلف ~~به ليعقد به المحلوف عليه ويربطه به لانه يعظمه في قلبه اذا ربط به شيئا لم ~~يحله فاذا حل ماربطه به فقد انتقصت عظمته من قلبه وقطع السبب الذى بينه ~~وبينه وكما قال ms9747 بعضهم اليمين العقد على نفسه لحق من له حق ولهذا # إذا كانت اليمين غموسا كانت من الكبائر الموجبة للنار كما قال تعالى ( إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ~~ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) ~~وذكرها النبى صلى الله عليه وسلم في عد الكبائر وذلك أنه إذا تعمد أن يعقد ~~بالله ما ليس منعقدا به فقد نقص الصلة التى بينه وبين ربه بمنزلة من أخبر ~~عن الله بما هو منزه عنه أو تبرأ من الله بخلاف ما إذا حلف على المستقبل ~~فإنه عقد بالله فعلا قاصدا لعقده على وجه التعظيم لله لكن الله أباح له حل ~~هذا العقد الذى عقده كما يبيح له ترك بعض الواجبات لحاجة أو يزيل عنه ~~وجوبها # ولهذا قال أكثر أهل العلم إذا قال هو يهودى أو نصرانى إن لم يفعل ذلك فهي ~~يمين بمنزلة قوله والله لأفعلن لأنه ربط عدم PageV35P274 الفعل بكفره الذى ~~هو براءته من الله فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله وهذا هو حقيقة الحلف ~~بالله فربط الفعل بأحكام الله من الإيجاب أو التحريم أدنى حالا من ربطه ~~بالله # ( يوضح ذلك ( أنه إذا عقد اليمين بالله فهو عقد لها بإيمانه بالله وهو ما ~~في قلبه من جلال الله وإكرامه الذى هو جد الله ومثله الأعلى في السماوات ~~والأرض كما أنه إذا سبح الله وذكره فهو مسبح لله وذاكر له بقدر ما في قلبه ~~من معرفته وعبادته ولذلك جاء التسبيح تارة لإسم الله كما في قوله ( وإذكر ~~إسم ربك بكرة وأصيلا ) مع قوله ( إذكروا الله ذكرا كثيرا ) فحيث عظم العبد ~~ربه بتسبيح إسمه أو الحلف به أو الإستعاذة به فهو مسبح له بتوسط المثل ~~الأعلى الذى في قلبه من معرفته وعبادته وعظمته ومحبته علما وفضلا وإجلالا ~~وإكراما وحكم الإيمان والكفر إنما يعود إلى ما كسبه قلبه من ذلك كما قال ~~سبحانه ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ms9748 كسبت قلوبكم ~~) وكما في موضع آخر ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) # فلو إعتبر الشارع ما في لفظ القسم من إنعقاده بالإيمان وإرتباطه به دون ~~قصد الحلف لكان موجبه أنه إذا حنث بغير إيمانه تزول حقيقته كما قال ( لا ~~يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ( وكما أنه إذا حلف على ذلك يمينا ~~PageV35P275 فاجرة كانت من الكبائر وإذا إشترى بها مالا معصوما فلا خلاق له ~~في الآخرة ولا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم لكن الشارع ~~علم أن الحالف بها ليفعلن أولا يفعلن ليس غرضه الإستخفاف بحرمة إسم الله ~~والتعلق به لغرض الحالف باليمين الغموس فشرع له الكفارة وحل هذا العقد ~~وأسقطها عن لغو اليمين لأنه لم يعقد قلبه شيئا من الجناية على إيمانه فلا ~~حاجة إلى الكفارة # وإذا ظهر أن موجب لفظ اليمين إنعقاد الفعل بهذا اليمين الذى هو إيمانه ~~بالله فإذا عدم الفعل كان مقتضى لفظه عدم إيمانه هذا لولا ما شرع الله من ~~الكفارة كما أن مقتضى قوله إن فعلت كذا أوجب على كذا أنه عند الفعل يجب ذلك ~~الفعل لولا ما شرع الله من الكفارة # ( يوضح ذلك ( أن النبى قال ( من حلف بغير ملة الاسلام فهوكما قال ( ~~أخرجاه في الصحيحين فجعل اليمين الغموس في قوله هو يهودى أو نصرانى أن فعل ~~كذا كالغموس في قوله والله ما فعلت كذا إذ هو في كلا الأمرين قد قطع عهده ~~من الله حيث علق الايمان بأمر معدوم والكفر بأمر موجود بخلاف اليمين على ~~المستقبل وطرد هذا المعنى أن اليمين الغموس إذا كانت في النذر أو الطلاق أو ~~العتاق وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة كما يقع الكفر بذلك في أحد قولي ~~العلماء وبهذا يحصل الجواب عن قولهم المراد به اليمين المشروعة PageV35P276 # و ( أيضا ( قوله سبحانه وتعالى ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم إن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم ) فإن السلف مجمعون أو كالمجمعين ~~على أن معناها أنكم لا تجعلوا الله مانعا لكم إذا حلفتم به من ms9749 البر والتقوى ~~والإصلاح بين الناس بأن يحلف الرجل أن لا يفعل معروفا مستحبا أو واجبا أو ~~ليفعلن مكروها أو حراما ونحوه فإذا قيل له أفعل ذلك أو لا تفعل هذا قال قد ~~حلفت بالله فيجعل الله عرضة ليمينه فاذا كان قد نهى عباده أن يجعلوا نفسه ~~مانعا لهم في الحلف من البر والتقوى # والحلف بهذه الأيمان إن كان داخلا في عموم الحلف به وجب أن لا يكون مانعا ~~من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى فانه اذا نهى أن يكون هو سبحانه عرضة ~~لأيماننا أن نبر ونتقى فغيره أولى أن نكون منهيين عن جعله عرضة لأيماننا ~~وإذا تبين أننا منهيون عن أن نجعل شيئا من الأشياء عرضة لأيماننا أن نبر ~~ونتقى ونصلح بين الناس فمعلوم أن ذلك إنما هو لما في البر والتقوى والإصلاح ~~مما يحبه الله ويأمر به فاذا حلف الرجل بالنذر أو بالطلاق أو بالعتاق ان لا ~~يبر ولايتقى ولا يصلح فهو بين أمرين ان وفى بذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضة ~~ليمينه ان يبر ويتقى ويصلح بين الناس وان حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب ~~عليه فعل المنذور فقد يكون خروج اهله منه ابعد عن البر والتقوى من الأمر ~~المحلوف عليه فان اقام على يمينه ترك البر والتقوى وان خرج عن اهله وماله ~~ترك البر والتقوى فصارت عرضة ليمينه ان يبر ويتقى فلا يخرج عن ذلك الا ~~بالكفارة # وهذا المعنى هو الذى دلت عليه السنة ففى الصحيحين من حديث همام ~~PageV35P277 # عن ابى هريرة قال رسول الله ( لأن يلج احدكم بيمينه في أهله آثم له عند ~~الله من ان يعطى كفارته التى افترض الله عليه ( ورواه البخارى ايضا من حديث ~~عكرمة عن ابى هريرة عن النبى ( من استلج في أهله بيمين فهو أعظم إثما ( ~~فاخبر النبى ان اللجاج باليمين في اهل الحالف أعظم من التكفير ( واللجاج ( ~~التمادى في الخصومة ومنه قيل رجل لجوج اذا تمادى في الخصومة ولهذا تسمى ~~العلماء هذا نذر ( اللجاج والغضب ( فانه يلج حتى يعقده ثم ms9750 يلج في الامتناع ~~من الحنث فبين النبى ان اللجاج باليمين اعظم اثما من الكفارة وهذا عام في ~~جميع الأيمان # وأيضا فان النبى قال لعبد الرحمن بن سمرة ( اذا حلفت على يمين فرأيت ~~غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك ( اخرجاه في الصحيحين وفى ~~رواية في الصحيحين ( فكفر عن يمينك وات الذى هو خير ( وروى مسلم في صحيحه ~~عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذى هو خير ( وفى رواية ( فليأت ~~الذى هو خير وليكفر عن يمينه ( وهذا نكرة PageV35P278 في سياق الشرط فيعم ~~كل حلف على يمين كائنا ما كان الحلف فاذا رأى غير اليمين المحلوف عليها ~~خيرا منها وهو ان يكون اليمين المحلوف عليها تركا لخير فيرى فعله خيرا من ~~تركه أو يكون فعلا لشر فيرى تركه خيرا من فعله فقد امر النبى صلى الله عليه ~~وسلم ان يأتى الذى هو خير ويكفر عن يمينه وقوله هنا ( على يمين ( هو والله ~~اعلم من باب تسمية المفعول باسم المصدر سمى الأمر المحلوف عليه يمينا كما ~~يسمى المخلوق خلقا والمضروب ضربا والمبيع بيعا ونحو ذلك # وكذلك أخرجاه في الصحيحين عن ابى موسى الأشعرى في قصته وقصة اصحابه لما ~~جاؤوا إلى النبى ليستحملوه فقال ( والله ما احملكم وما عندى ما احملكم عليه ~~( ثم قال ( انى والله ان شاء الله لا احلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ~~الا اتيت الذى هو خير وتحللتها ( وفى رواية في الصحيحين ( الا كفرت عن ~~يمينى واتيت الذى هو خير ( وروى مسلم في صحيحه عن عدى بن حاتم قال قال رسول ~~الله ( اذا حلف احدكم على اليمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذى ~~هو خير ( وفى رواية لمسلم ايضا ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليكفرها وليأت الذى هو خير وقد رويت هذه السنة عن النبى من غير ~~PageV35P279 هذه الوجوه من حديث عبد الله بن عمر ms9751 وعوف بن مالك الجشمى فهذه ~~نصوص رسول الله المتواترة انه امر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ان ~~يكفر يمينه ويأتى الذى هو خير ولم يفرق بين الحلف بالله أو النذر ونحوه ~~وروى النسائى عن ابى موسى قال قال رسول الله ( ما على الأرض يمين احلف ~~عليها فأرى غيرها خيرا منها الا اتيته ( وهذا صريح بانه قصد تعميم كل يمين ~~في الأرض # وكذلك الصحابة فهموا منه دخول الحلف بالنذر في هذا الكلام فروى أبو داود ~~في سننه حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خبيب المعلم عن ~~عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل ~~أحدهما صاحبه القسمة فقال إن عدت تسألنى القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة ~~فقال له عمر إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في ~~قطيعة الرحم وفيما لا يملك فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر هذا الذى ~~حلف بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب بأن يكفر يمينه وإن لا يفعل ذلك ~~المنذور وإحتج بما سمعه من النبى أنه قال ( لا يمين عليك ولا نذر في معصية ~~الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك ( ففهم من هذا أن من حلف بيمين أو ~~نذر على معصية أو قطيعة فإنه لا وفاء عليه في ذلك النذر وإنما عليه الكفارة ~~كما أفتاه عمر ولولا أن هذا النذر PageV35P280 كان عنده يمينا لم يقل له ~~كفر عن يمينك وإنما قال ( لا يمين ولا نذر ( لأن اليمين ما قصد بها الحض أو ~~المنع والنذر ما قصد به التقرب وكلاهما لا يوفى به في المعصية والقطيعة # وفى هذا الحديث دلالة أخرى وهو أن قول النبى ( لا يمين ولا نذر في معصية ~~الرب ولا في قطيعة رحم ( يعم جميع ما يسمى يمينا أو نذرا سواء كانت اليمين ~~بالله أو كانت بوجوب ms9752 ماليس بواجب من الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدى أو ~~كانت بتحريم الحلال كالظهار والطلاق والعتاق ومقصود النبى إما أن يكون نهيه ~~عن المحلوف عليه من المعصية والقطيعة فقط أو يكون مقصوده مع ذلك لا يلزمه ~~ما في اليمين والنذر من الإيجاب والتحريم وهذا الثانى هو الظاهر لإستدلال ~~عمر بن الخطاب به فإنه لولا أن الحديث يدل على هذا لم يصح إستدلال عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه على ما أجاب به السائل من الكفارة دون إخراج المال في ~~كسوة الكعبة ولأن لفظ النبى يعم ذلك كله # وأيضا فمما يبين دخول الحلف بالنذر والطلاق والعتاق في اليمين والحلف في ~~كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ما روى إبن عمر قال قال ~~رسول الله ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه ( رواه أحمد ~~والنسائى وإبن ماجه والترمذى وقال حديث حسن PageV35P281 وأبو داود ولفظه ~~حدثنا أحمد بن حنبل ثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن إبن عمر يبلغ به النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد إستثنى ( ~~ورواه أيضا من طريق عبد الرزاق عن نافع عن إبن عمر قال قال رسول الله ( من ~~حلف فإستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث ( وعن أبى هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث ( رواه أحمد ~~والترمذى وإبن ماجه ولفظه ( فله ثنياه ( والنسائى وقال ( فقد إستثنى ( # ثم عامة الفقهاء أدخلوا الحلف بالنذر وبالطلاق وبالعتاق في هذا الحديث ~~وقالوا ينفع فيه الإستثناء بالمشيئة بل كثير من أصحاب أحمد يجعل الحلف ~~بالطلاق لا خلاف فيه في مذهبه وإنما الخلاف فيما إذا كان بصيغة الجزاء ~~وإنما الذي لا يدخل عند أكثرهم هو نفس إيقاع الطلاق والعتاق والفرق بين ~~إيقاعهما والحلف بهما ظاهر وسنذكر إن شاء الله ( قاعدة الإستثناء فإذا ~~كانوا قد أدخلوا الحلف بهذه الأشياء في قوله ( من حلف على يمين ms9753 فقال إن شاء ~~الله فلا حنث عليه ( فكذلك يدخل في قوله ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت الذى هو خير ( وليكفر عن يمينه فإن كلا اللفظين سواء وهذا واضح ~~لمن تأمله فإن قوله ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه ( ~~العموم فيه مثله في قوله PageV35P282 من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليأت الذى خير وليكفر عن يمينه ( وإذا كان لفظ رسول الله في حكم الإستثناء ~~هو لفظه في حكم الكفارة وجب أن يكون كل ما ينفع فيه الإستثناء ينفع فيه ~~التكفير وكل ما ينفع فيه التكفير ينفع فيه الإستثناء كما نص عليه أحمد في ~~غير موضع # ومن قال إن رسول الله قصد بقوله ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا ~~حنث عليه جميع الأيمان التى يحلف بها من اليمين بالله وبالنذر وبالطلاق ~~وبالعتاق وبقوله ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ( إنما قصد به ~~اليمين بالله أو اليمين بالله والنذر فقوله ضعيف فإن حضور موجب أحد اللفظين ~~بقلب النبى مثل حضور موجب اللفظ الآخر إذ كلاهما لفظ واحد والحكم فيهما من ~~جنس واحد وهو رفع اليمين إما بالإستثناء وإما بالتكفير # وبعد هذا فأعلم أن الأمة إنقسمت في دخول الطلاق والعتاق في حديث ~~الإستثناء على ( ثلاثة أقسام ) # فقوم قالوا يدخل في ذلك الطلاق والعتاق أنفسهما حتى لو قال أنت طالق إن ~~شاء الله وأنت حر إن شاء الله دخل ذلك في عموم الحديث وهذا قول أبي حنيفة ~~والشافعى وغيرهما PageV35P283 وقوم قالوا يدخل في ذلك الطلاق والعتاق لا ~~إيقاعهما ولا الحلف بهما بصيغة الجزاء ولا بصيغة القسم وهذا أشهر القولين ~~في مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد # ( والقول الثالث ( أن إيقاع الطلاق والعتاق لا يدخل في ذلك بل يدخل فيه ~~الحلف بالطلاق والعتاق وهذه الرواية الثانية عن أحمد ومن أصحابه من قال إن ~~كان الحلف بصيغة القسم دخل في الحديث ونفعته المشيئة رواية واحدة وإن كان ~~بصيغة الجزاء ففيه روايتان ms9754 # ( وهذا القول الثالث ( هو الصواب المأثور معناه عن أصحاب رسول الله ~~وجمهور التابعين كسعيد بن المسيب والحسن لم يجعلوا في الطلاق استثناء ولم ~~يجعلوه من الآيمان ثم قد ذكرنا عن الصحابة وجمهور التابعين أنهم جعلوا ~~الحلف بالصدقة والهدى والعتاق ونحو ذلك يمينا مكفرة وهذا معنى قول أحمد في ~~غير موضع الاستثناء في الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان قال أيضا الثنيا في ~~الطلاق لا أقول به وذلك أن الطلاق والعتاق حرفان واقعان وقال أيضا إنما ~~يكون الاستثناء فيما يكون فيه كفارة والطلاق والعتاق لا يكفران # وهذا الذى قاله ظاهر وذلك أن إيقاع الطلاق والعتاق ليسا يمينا أصلا وانما ~~هو بمنزلة العفو عن القصاص والابراء من الدين ولهذا لو قال ( والله لا أحلف ~~على يمين ثم إنه أعتق عبدا له أو طلق امرأته أو ابرأ PageV35P284 غريمه من ~~دم أو مال أو عرض فانه لا يحنث ما علمت أحدا خالف في ذلك فمن أدخل إيقاع ~~الطلاق والعتاق في قول النبى ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث ( ~~فقد حمل العام ما لا يحتمله كما أن من أخرج من هذا العام قوله الطلاق ~~يلزمنى لأفعلن كذا أو لا أفعله ان شاء الله أو إن فعلته فامرأتى طالق ان ~~شاء الله فقد أخرج من القول العام ما هو داخل فيه فان هذا يمين بالطلاق ~~والعتاق # وهنا ينبغى تقليد أحمد بقوله الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان فان الحلف ~~بهما كالحلف بالصدقة والحج ونحوهما وذلك معلوم بالاضطرار عقلا وعرفا وشرعا ~~ولهذا لو قال والله لا أحلف على يمين أبدا ثم قال إن فعلت كذا فإمرأتى طالق ~~حنث وقد تقدم أن اصحاب رسول الله سموه يمينا وكذلك الفقهاء كلهم سموه يمينا ~~وكذلك عامة المسلمين سموه يمينا # ومعنى اليمين موجود فيه فانه إذا قال أحلف بالله لأفعلن إن شاء الله فان ~~المشيئة تعود عند الاطلاق إلى الفعل المحلوف عليه والمعنى انى حالف على هذا ~~الفعل ان شاء الله فعله فاذا لم يفعل لم يكن قد شاءه ms9755 فلا يكون ملتزما له ~~فلو نوى عوده إلى الحلف بان يقصد أى الحالف إن شاء الله ان أكون حالفا كان ~~معنى هذا مغايرا الاستثناء في الانشاءات كالطلاق PageV35P285 وعلى مذهب ~~الجمهور لا ينفعه ذلك وكذلك قوله الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا إن شاء الله ~~تعود المشيئة عند الاطلاق إلى الفعل فالمعنى لأفعلنه إن شاء الله فعله فمتى ~~لم يفعله لم يكن الله قد شاءه فلا يكون ملتزما للطلاق بخلاف ما لو عنى ~~بالطلاق يلزمنى إن شاء الله لزومه إياه فان هذا بمنزلة قوله أنت طالق إن ~~شاء الله # وقول أحمد إنما يكون الاستثناء فيما فيه حكم الكفارة والطلاق والعتاق لا ~~يكفران كلام حسن بليغ لما تقدم من أن النبى أخرج حكم الاستثناء وحكم ~~الكفارة مخرجا واحدا بصيغة الجزاء وبصيغة واحدة فلا يفرق بين ما جمعه النبى ~~بل إن الاستثناء إنما يقع لما علق به الفعل فان الأحكام التى هي الطلاق ~~والعتاق ونحوهما لا تعلق على مشيئة الله تعالى بعد وجود أسبابها فإنها ~~واجبة بوجوب أسبابها فإذا انعقدت أسبابها فقد شاءها الله وإنما تعلق على ~~المشيئة الحوادث التى قد يشاؤها الله وقد لا يشاؤها من أفعال العباد ونحوها ~~والكفارة إنما شرعت لما يحصل من الحنث في اليمين التى قد يحصل فيها ~~الموافقة بالبر تارة والمخالفة بالحنث أخرى ووجوب الكفارة بالحنث في اليمين ~~التى تحتمل الموافقة والمخالفة كارتفاع اليمين بالمشيئة التى تحتمل التعليق ~~وعدم التعليق فكل من حلف على شيء ليفعلنه فلم يفعله فانه إن علقه بالمشيئة ~~فلا حنث عليه وإن لم يعلقه بالمشيئة لزمته الكفارة فالاستثناء والتكفير ~~يتعاقبان اليمين إذا لم يحصل فيها الموافقة PageV35P286 فهذا أصل صحيح يدفع ~~ما وقع في هذا الباب من الزيادة أو النقص فهذا على ما أوجبه كلام رسول الله # ثم يقال بعد ذلك قول أحمد وغيره الطلاق والعتاق لا يكفران كقوله وقول ~~غيره لا إستثناء فيهما وهذا في إيقاع الطلاق والعتاق وأما الحلف بهما فليس ~~تكفيرا لهما وإنما هو تكفير للحلف بهما كما أنه إذا حلف بالصلاة والصيام ms9756 ~~والصدقة والحج والهدى ونحو ذلك في نذر اللجاج والغضب فإنه لم يكفر الصلاة ~~والصيام والصدقة والحج والهدى وإنما يكفر الحلف بهم وإلا فالصلاة لا كفارة ~~فيها وكذلك هذه العبادات لا كفارة فيها لمن يقدر عليها وكما أنه اذا قال إن ~~فعلت كذا فعلى أن أعتق فإن عليه الكفارة بلا خلاف في مذهب أحمد وموافقيه من ~~القائلين بنذر اللجاج والغضب وليس ذلك تكفيرا للعتق وإنما هو تكفير للحلف ~~به فلازم قول أحمد هذا أنه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه الإستثناء كان الحلف ~~بهما تصح فيه الكفارة وهذا موجب سنة رسول الله كما قدمناه # وأما من لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الإستثناء كأحد القولين في مذهب أحمد ~~ومذهب مالك فهو قول مرجوح ونحن في هذا المقام إنما نتكلم بتقدير تسليمه ~~وسنتكلم إن شاء الله في ( مسألة الإستثناء ( على حدة PageV35P287 # وإذا قال أحمد أو غيره من العلماء إن الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه ~~لأنه لا إستثناء فيه لزم من هذا القول أن الإستثناء في الحلف بهما # وأما من فرق من أصحاب أحمد فقال يصح في الحلف بهما الإستثناء ولا تصح ~~الكفارة فهذا الفرق لم أعلمه منصوصا عليه عن أحمد ولكنهم معذورون فيه من ~~قوله حيث لم يجدوه نص في تكفير الحلف بهما على روايتين كما نص في الإستثناء ~~في الحلف بهما على روايتين لكن هذا القول لازم على إحدى الروايتين عنه التى ~~ينصرونها ومن سوى الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها ولو ~~تفطن لكان إما أن يلتزمها أو لا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم أو لا يرجع عنه ~~ويعتقد أنها غير لوازم # والفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا خرجوا على قول عالم لوازم قوله وقياسه ~~فإما أن لا يكون نص على ذلك اللازم لا بنفى ولا إثبات أو نص على نفيه وإذا ~~نص على نفيه فأما أن يكون نص على نفى لزومه أو لم ينص فإن كان قد نص على ~~نفى ذلك اللازم وخرجوا عنه خلاف المنصوص عنه ms9757 في تلك المسألة مثل أن ينص في ~~مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين أو يعلل مسألة بعلة ينقضها في موضع ~~آخر كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الإستثناء وعنه في الإستثناء ~~روايتان فهذا مبنى على تخريج ما لم يتكلم فيه بنفى ولا إثبات هل يسمى ذلك ~~مذهبا أو لا يسمى ولاصحابنا فيه خلاف مشهور PageV35P288 # فالأثرم والخرقى وغيرهما يجعلونه مذهبا له والخلال وصاحبه وغيرهما لا ~~يجعلونه مذهبا له والتحقيق إن هذا قياس قوله ولازم قوله فليس بمنزلة المذهب ~~المنصوص عنه ولا أيضا بمنزلة ما ليس بلازم قوله بل هو منزلة بين منزلتين ~~هذا حيث أمكن أن لا يلازمه # وأيضا فإن الله شرع الطلاق مبيحا له أو آمرا به أو ملزما له إذا أوقعه ~~صاحبه وكذلك العتق وكذلك النذر وهذه العقود من النذور والطلاق والعتاق ~~تقتضى وجوب أشياء على العبد أو تحريم أشياء عليه والوجوب والتحريم إنما ~~يلزم العبد إذا قصده أو قصد سببه فإنه لو جرى على لسانه هذا الكلام بغير ~~قصد لم يلزمه شيء بالإتفاق ولو تكلم بهذه الكلمات مكرها لم يلزمه حكمها ~~عندنا وعند الجمهور كما دلت عليه السنة وآثار الصحابة لأن مقصوده إنما هو ~~دفع المكروه عنه لم يقصد حكمها ولا قصد التكلم بها إبتداء فكذلك الحالف إذا ~~قال إن لم أفعل كذا فعلى الحج أو الطلاق ليس يقصد إلتزام حج ولا طلاق ولا ~~تكلم بما يوجبه إبتداء وإنما قصده الحض على ذلك الفعل أو منع نفسه منه كما ~~أن قصد المكره دفع المكروه عنه ثم قال على طريق المبالغة في الحض والمنع إن ~~فعلت كذا فهذا لي لازم أو هذا على حرام لشدة إمتناعه من هذا اللزوم ~~والتحريم علق ذلك به فقصده منعهما جميعا لا ثبوت أحدهما ولا ثبوت سببه وإذا ~~لم يكن قاصدا للحكم ولا لسببه وإنما قصده عدم الحكم لم يجب أن يلزمه الحكم # و PageV35P289 # أيضا ( فإن اليمين بالطلاق بدعة محدثة في الأمة لم يبلغنى أنه كان يحلف ~~بها على عهد قدماء الصحابة ولكن قد ms9758 ذكروها في أيمان البيعة التى رتبها ~~الحجاج بن يوسف وهى تشتمل على اليمين بالله وصدقة المال والطلاق والعتاق ~~ولم أقف إلى الساعة على كلام لأحد من الصحابة في الحلف بالطلاق وإنما الذى ~~بلغنا عنهم الجواب في الحلف بالعتق كما تقدم # ثم هذه ( البدعة قد شاعت في الأمة وإنتشرت إنتشارا عظيما ثم لما إعتقد من ~~إعتقد أن الطلاق يقع بها لا محالة صار في وقوع الطلاق بها من الأغلال على ~~الأمة ما هو شبيه بالأغلال التى كانت على بنى اسرائيل ونشأ عن ذلك ( خمسة ~~انواع من الحيل والمفاسد ( في الايمان حتى اتخذوا آيات الله هزوا وذلك انهم ~~يحلفون بالطلاق على ترك امور لابد لهم من فعلها اما شرعا واما طبعا وعلى ~~فعل امور يصلح فعلها اما شرعا واما طبعا وغالب ما يحلفون بذلك في حال ~~اللجاج والغضب ثم فراق الأهل فيه من الضرر في الدين والدنيا ما يزيد على ~~كثير من اغلال اليهود وقد قيل ان الله انما حرم المطلقة ثلاثا حتى تنكح ~~زوجا غيره لئلا يسارع الناس إلى الطلاق لما فيه من المفسدة # فإذا حلفوا بالطلاق على الأمور اللازمة أو الممنوعة وهم محتاجون إلى فعل ~~تلك الأمور أو تركها مع عدم فراق الأهل قدحت الأفكار لهم ( أربعة أنواع من ~~الحيل ( أخذت عن الكوفيين وغيرهم PageV35P290 ( الحيلة الأولى ( في المحلوف ~~عليه فيتأول لهم خلاف ما قصدوه وخلاف ما يدل عليه الكلام في عرف الناس ~~وعاداتهم وهذا هو الذى وصفه بعض المتكلمين في الفقه ويسمونه ( باب المعاياة ~~( و ( باب الحيل في الأيمان ( وأكثره مما يعلم بالإضطرار من الدين أنه لا ~~يسوغ في الدين ولا يجوز حمل كلام الحالف عليه ولهذا كان الأئمة كأحمد وغيره ~~يشددون النكير على من يحتال في هذه الأيمان # ( الحيلة الثانية ( إذا تعذر الإحتيال في الكلام المحلوف عليه احتالوا ~~للفعل المحلوف عليه بأن يأمروه بمخالعة إمرأته ليفعل المحلوف عليه في زمن ~~البينونة وهذه الحيلة أحدث من التى قبلها وأظنها حدثت في حدود المائة ~~الثالثة فإن عامة الحيل إنما نشأت عن ms9759 بعض أهل الكوفة وحيلة الخلع لا تمشى ~~على أصلهم لأنهم يقولون إذا فعل المحلوف عليه في العدة وقع به الطلاق لأن ~~المعتدة من فرقة بائنة يلحقها الطلاق عندهم فيحتاج المحتال بهذه الحيلة أن ~~يتربص حتى تنقضى العدة ثم يفعل المحلوف عليه بعد إنقضائها وهذا فيه ضرر ~~عليه من جهة طول المدة فصار يفتى بها بعض أصحاب الشافعى وربما ركبوا معها ~~أحد قوليه الموافق لأشهر الروايتين عن أحمد من أن الخلع فسخ وليس بطلاق ~~فيصير الحالف كلما أراد الحنث خلع زوجته وفعل المحلوف عليه ثم تزوجها فإما ~~أن يفتوه بنقص عدد الطلاق أو يفتوه بعدمه وهذا الخلع الذى هو ( خلع الأيمان ~~( شبيه بنكاح المحلل سواء فإن ذلك PageV35P291 عقد عقدا لم يقصده وإنما قصد ~~إزالته وهذا فسخ فسخا لم يقصده وإنما قصد إزالته وهذه حيلة محدثة باردة قد ~~صنف أبو عبد الله بن بطة جزءا في إبطالها وذكر عن السلف في ذلك من الآثار ~~ما قد ذكرت بعضه في غير هذا الموضع # ( الحيلة الثالثة ( إذا تعذر الإحتيال في المحلوف عليه إحتالوا في ~~المحلوف به فيبطلونه بالبحث عن شروطه فصار قوم من المتأخرين من أصحاب ~~الشافعى يبحثون عن صفة عقد النكاح لعله إشتمل على أمر يكون به فاسدا ~~ليرتبوا على ذلك أن الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع ومذهب الشافعى في أحد ~~قوليه وأحمد في إحدى روايتيه أن الولى الفاسق لا يصح نكاحه والفسوق غالب ~~على كثير من الناس فينفق سوق هذه المسألة بسبب الاحتيال لرفع يمين الطلاق ~~حتى رأيت من صنف في هذه المسألة مصنفا مقصوده به الإحتيال لرفع الطلاق ثم ~~تجد هؤلاء الذين يحتالون بهذه الحيلة إنما ينظرون في صفة عقد النكاح وكون ~~ولاية الفاسق لا تصح عند إيقاع الطلاق الذى قد ذهب كثير من أهل العلم أو ~~أكثرهم إلى أنه يقع في الفاسد في الجملة وأما عند الوطء والإستمتاع الذى ~~أجمع المسلمون على أنه لا يباح في النكاح الفاسد فلا ينظرون في ذلك ولا ~~ينظرون في ذلك أيضا عند الميراث ms9760 وغيره من أحكام النكاح الصحيح بل عند وقوع ~~الطلاق خاصة وهذا نوع من إتخاذ آيات الله هزوا ومن المكر في آيات الله إنما ~~أوجبه الحلف بالطلاق والضرورة إلى عدم وقوعه PageV35P292 ( الحيلة الرابعة ~~( الشرعية في إفساد المحلوف به أيضا لكن لوجود مانع لا لفوات شرط فإن أبا ~~العباس بن سريج وطائفة بعده إعتقدوا أنه إذا قال لإمرأته إذا وقع عليك ~~طلاقى وإذا طلقتك فأنت طالق قبل ثلاثا فإنه لا يقع عليها بعد ذلك طلاق أبدا ~~لأنه إذا وقع المنجز لزم وقوع المعلق وإذا وقع المعلق إمتنع وقوع المنجز ~~فيفضى وقوعه إلى عدم وقوعه فلا يقع وأما عامة فقهاء الإسلام من جميع ~~الطوائف فأنكروا ذلك بل رأوه من الزلات التى يعلم بالإضطرار كونها ليست من ~~دين الإسلام حيث قد علم بالضرورة من دين محمد بن عبد الله أن الطلاق أمر ~~مشروع في كل نكاح وأنه ما من نكاح إلا ويمكن فيه الطلاق وسبب الغلط أنهم ~~إعتقدوا صحة هذا الكلام فقالوا إذا وقع المنجز وقع المعلق وهذا الكلام ليس ~~بصحيح فإنه مستلزم وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث ممتنع ~~في الشريعة فالكلام المشتمل على ذلك باطل وإذا كان باطلا لم يلزم من وقوع ~~المنجز وقوع المعلق لأنه إنما يلزم إذا كان التعليق صحيحا # ثم إختلفوا هل يقع من المعلق تمام الثلاث أم يبطل التعليق ولا يقع إلا ~~المنجز على قولين في مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما # وما أدري هل إستحدث إبن سريج هذه المسألة للإحتيال على رفع الطلاق أم ~~قاله طردا لقياس إعتقد صحته وإحتال بها من بعده لكنى رأيت PageV35P293 ~~مصنفا لبعض المتأخرين بعد المائة الخامسة صنفه في هذه المسألة ومقصوده بها ~~الإحتيال على عدم وقوع الطلاق # ولهذا صاغوها بقوله إذا وقع عليك طلاقى فأنت طالق قبله ثلاثا لأنه لو قال ~~إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا لم تنفعه هذه الصيغة في الحيلة وإن كان ~~كلاهما في الدور سواء وذلك لأن الرجل إذا قال لإمرأته إذا طلقتك فعبدى حر ~~أو فأنت طالق ms9761 لم يحنث إلا بتطليق ينجزه بعد هذه اليمين أو يعلقه بعدها على ~~شرط فيوجد فإن كل واحد من التنجيز والتعليق الذى وجد شرطه تطليق أما إذا ~~كان قد علق طلاقها قبل هذه اليمين بشرط ووجد الشرط بعد هذه اليمين لم يكن ~~مجرد وجود الشرط ووقوع الطلاق به تطليقا لأن التطليق لابد أن يصدر عن ~~المطلق ووقوع الطلاق بصفة يفعلها غيره ليس فعلا منه فأما إذا قال إذا وقع ~~عليك طلاقى فهذا يعم المنجز والمعلق بعد هذا بشرط والواقع بعد هذا بشرط ~~تقدم تعليقه فصوروا المسألة بصورة قوله إذا وقع عليك طلاقى حتى إذا حلف ~~الرجل بالطلاق لا يفعل شيئا قالوا له قل إذا وقع عليك طلاقى فأنت طالق قبله ~~ثلاثا فيقول ذلك فيقولون له إفعل الآن ما حلفت عليه فإنه لا يقع عليك طلاق # فهذا ( التسريج ( المنكر عند عامة أهل الإسلام المعلوم يقينا أنه ليس من ~~الشريعة التى بعث الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم إنما نفقه في الغالب ~~وأحوج كثيرا من الناس إلا الحلف بالطلاق وإلا فلولا ذلك لم يدخل فيه أحد ~~لأن العاقل لا يكاد يقصد إنسداد باب الطلاق عليه إلا نادرا PageV35P294 # ( الحيلة الخامسة ( إذا وقع الطلاق ولم يمكن الإحتيال لا في المحلوف عليه ~~قولا ولا فعلا ولا في المحلوف به إبطالا ولا منعا إحتالوا لإعادة النكاح ( ~~بنكاح المحلل ( الذى دلت السنة وإجماع الصحابة مع دلالة القرآن وشواهد ~~الأصول على تحريمه وفساده ثم قد تولد من نكاح المحلل من الفساد مالا يعلمه ~~إلا الله كما قد نبهنا على بعضه في ( كتاب إقامة الدليل على بطلان التحليل ~~( وأغلب ما يحوج الناس إلى نكاح المحلل هو الحلف بالطلاق وإلا فالطلاق ~~الثلاث لا يقدم عليه الرجل في الغالب إلا إذا قصده ومن قصده لم يترتب عليه ~~من الندم والفساد ما يترتب على من إضطر لوقوعه لحاجته إلى الحنث # فهذه ( المفاسد الخمس ( التى هي الإحتيال على نقض الأيمان وإخراجها من ~~مفهومها ومقصودها ثم الإحتيال بالخلع وإعادة النكاح ثم الإحتيال بالبحث عن ms9762 ~~فساد النكاح ثم الإحتيال بمنع وقوع الطلاق ثم الإحتيال بنكاح المحلل في هذه ~~الأمور من المكر والخداع والإستهزاء بآيات الله واللعب الذى ينفر العقلاء ~~عن دين الإسلام ويوجب طعن الكفار فيه كما رأيته في بعض كتب النصارى وغيرها ~~وتبين لكل مؤمن صحيح الفطرة أن دين الإسلام بريء منزه عن هذه الخزعبلات ~~التى تشبه حيل اليهود ومخاريق الرهبان PageV35P295 وأكثر ما أوقع الناس ~~فيها وأوجب كثرة إنكار الفقهاء فيها وإستخراجهم لها هو حلف الناس بالطلاق ~~وإعتقاد وقوع الطلاق عند الحنث لا محالة حتى لقد فرع الكوفيون وغيرهم من ~~فروع الأيمان شيئا كثيرا مبناه على هذا الأصل وكثير من الفروع الضعيفة التى ~~يفرعها هؤلاء ونحوهم هي كما كان الشيخ أبو محمد المقدسى رحمه الله يقول ~~مثالها مثال رجل بنى دارا حسنة على حجارة مغصوبة فإذا نوزع في إستحقاق تلك ~~الحجارة التى هى الأساس فإستحقها غيره إنهدم بناؤه فإن الفروع الحسنة إن لم ~~تكن على أصول محكمة وإلا لم يكن لها منفعة # فإذا كان الحلف بالطلاق وإعتقاد لزوم الطلاق عند الحنث قد أوجب هذه ~~المفاسد العظيمة التى قد غيرت بعض أمور الإسلام عند من فعل ذلك وصار في ~~هؤلاء شبه من أهل الكتاب كما أخبر به النبى مع أن لزوم الطلاق عند الحلف به ~~ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أفتى به أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بل ولا أحد منهم فيما أعلمه ولا إتفق عليه التابعون لهم بإحسان ~~والعلماء بعدهم ولا هو مناسب لأصول الشريعة ولا حجة لمن قاله اكثر من عادة ~~مستمرة أسندت إلى قياس معتضد بتقليد لقوم أئمة علماء محمودين عند الأمة وهم ~~ولله الحمد فوق ما يظن بهم لكن لم نؤمر عند التنازع إلا بالرد إلى الله ~~وإلى الرسول وقد خالفهم من ليس دونهم بل مثلهم أو فوقهم فإنا قد ذكرنا عن ~~أعيان من الصحابة PageV35P296 كعبد الله بن عمر المجمع على إمامته وفقهه ~~ودينه وأخته حفصة أم المؤمنين وزينب ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ms9763 ~~وهى من أمثل فقيهات الصحابة الإفتاء بالكفارة في الحلف بالعتق والطلاق أولى ~~منه وذكرنا عن طاووس وهو من أفاضل علماء التابعين علما وفقها ودينا أنه لم ~~يكن يرى اليمين بالطلاق موقعة له # فإذا كان لزوم الطلاق عند الحنث في اليمين به مقتضيا لهذه المفاسد وحاله ~~في الشريعة هذه الحال كان هذا دليلا على أن ما أفضى إلى هذا الفساد لم ~~يشرعه الله ولا رسوله كما نبهنا عليه في ضمان الحدائق من يزدرعها ويستثمرها ~~ويبيع الخضر ونحوها # وذلك أن الحالف بالطلاق إذا حلف ليقطعن رحمه وليعقن أباه وليقتلن عدوه ~~المسلم المعصوم وليأتين الفاحشة وليشربن الخمر وليفرقن بين المرء وزوجه ~~ونحوذلك من كبائر الإثم والفواحش فهو بين ( ثلاثة أمور ( # إما أن يفعل هذا المحلوف عليه فهذا لا يقوله مسلم لما فيه من ضرر الدنيا ~~والآخرة مع أن كثيرا من الناس بل والمفتين إذا رأوه قد حلف بالطلاق كان ذلك ~~سببا لتخفيف الأمر عليه وإقامة عذره PageV35P297 # وإما أن يحتال ببعض تلك الحيل المذكورة كما إستخرجه قوم من المفتين ففى ~~ذلك من الإستهزاء بآيات الله ومخادعته والمكر في دينه والكيد له وضعف العقل ~~والدين والإعتداء لحدوده والإنتهاك لمحارمه والألحاد في آياته مالا خفاء به ~~وإن كان في إخواننا الفقهاء من قد يستجيز بعض ذلك فقد دخل من الغلط في ذلك ~~وإن كان مغفورا لصاحبه المجتهد المتقى لله ما فساده ظاهر لمن تأمل حقيقة ~~الدين # وإما أن لا يحتال ولا يفعل المحلوف عليه بل يطلق إمرأته كما يفعله من ~~يخشى الله إذا إعتقد وقوع الطلاق ففى ذلك من الفساد في الدين والدنيا مالا ~~يأذن الله به ولا رسوله # أما ( فساد الدين ( فإن الطلاق منهى عنه مع إستقامة حال الزوج بإتفاق ~~العلماء حتى قال النبى صلى الله عليه وسلم ( إن المختلعات والمنتزعات هن ~~المنافقات ( وقال ( أيما إمرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام ~~عليها رائحة الجنة ( # وقد إختلف العلماء هل هو محرم أو مكروه وفيه روايتان عن أحمد وقد ~~إستحسنوا جواب أحمد رضى الله ms9764 عنه لما سئل عمن حلف بالطلاق وحرم ليطأن ~~امرأته وهى حائض فقال يطلقها ولا يطأها قد أباح الله الطلاق وحرم وطء ~~الحائض وهذا الإستحسان يتوجه على أصلين إما على قوله إن الطلاق ليس بحرام ~~وإما أن يكون تحريمه دون تحريم الوطء وإلا فإذا كان كلاهما حراما لم يخرج ~~من حرام إلا إلى حرام PageV35P298 # وأما ( ضررالدنيا ( فأبين من أن يوصف فإن لزوم الطلاق والمحلوف به في ~~كثير من الأوقات يوجب من الضرر مالم تأت به الشريعة في مثل هذا قط فإن ~~المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة وهى متاعه الذى ~~قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة ~~المؤمنة إن نظرت إليها أعجبتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في ~~نفسها ومالك ( وهى التى أمر بها النبى في قوله لما سأله المهاجرون أى المال ~~نتخذ فقال ( لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا أو إمرأة صالحة تعين أحدكم على إيمانه ~~( رواه الترمذى من حديث سالم بن أبى الجعد عن ثوبان ويكون منها من المودة ~~والرحمة ما امتن الله تعالى بها في كتابه فيكون ألم الفراق أشد عليها من ~~الموت أحيانا وأشد من ذهاب المال وأشد من فراق الأوطان خصوصا إن كان ~~بأحدهما علاقة من صاحبه أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق ويفسد حالهم ثم ~~يفضى ذلك إلى القطيعة بين أقاربها ووقوع الشر لما زالت نعمة المصاهرة التى ~~امتن الله تعالى بها في قوله @QB@ فجعله نسبا وصهرا @QE@ ومعلوم ان هذا من ~~الحرج الداخل في عموم قوله @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ ومن ~~العسر المنفى بقوله @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ # ( وايضا ( فاذا كان المحلوف عليه بالطلاق فعل بر واحسان من صدقه أو عتاقه ~~وتعليم علم وصلة رحم وجهاد في سبيل الله واصلاح بين الناس PageV35P299 ونحو ~~ذلك من الأعمال الصالحة التى يحبها الله ويرضاها فانه لما عليه من الضرر ~~العظيم في الطلاق اعظم ( أن ) لا يفعل ذلك بل ولا يؤمر به ms9765 شرعا لأنه قد ~~يكون الفساد الناشئ من الطلاق اعظم من الصلاح الحاصل من هذه الأعمال وهذه ~~المفسدة هي التى ازالها الله ورسوله بقوله تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم ( لأن يلج احدكم بيمينه في اهله ~~آثم له عند الله من ان يأتى الكفارة ( # فان قيل فهو الذى اوقع نفسه في أحد هذه الضرائر الثلاث فلا ينبغى له ان ~~يحلف # قيل ليس في شريعتنا ذنب اذا فعله الانسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة الا ~~بضرر عظيم فان الله لم يحمل علينا اصرا كما حمله على الذين من قبلنا # فهب هذا قد اتى كبيرة من الكبائر في حلفه بالطلاق ثم تاب من تلك الكبيرة ~~فكيف يناسب اصول شريعتنا ان يبقى اثر ذلك الذنب عليه لا يجد منه مخرجا وهذا ~~بخلاف الذى ينشئ الطلاق لا بالحلف عليه فانه لا يفعل ذلك الا وهو مريد ~~الطلاق اما لكراهة المرأة أو غضب عليها ونحو ذلك وقد جعل الله الطلاق ثلاثة ~~فاذا كان انما يتكلم بالطلاق باختياره وله ذلك ثلاث مرات كان وقوع الضرر ~~بمثل هذا نادرا بخلاف الاول فان مقصوده لم يكن الطلاق انما كان ان ~~PageV35P300 يفعل المحلوف عليه أو لا يفعله ثم قد يأمره الشرع أو تضطره ~~الحاجة إلى فعله أو تركه فيلزمه الطلاق بغير اختيار لا له ولا لسببه # ( وأيضا ( فإن الذى بعث الله تعالى به محمدا في ( باب الايمان ( تخفيفها ~~بالكفارة لا تثقيلها بالايجاب أو التحريم فانهم كانوا في الجاهلية يرون ~~الظهار طلاقا وإستمروا على ذلك في اول الاسلام حتى ظاهر اوس بن الصامت من ~~امرأته # وأيضا فالاعتبار بنذر اللجاج والغضب فانه ليس بينهما من الفرق الا ما ~~ذكرناه وسنبين ان شاء الله عدم تأثيره والقياس بالغاء الفارق اصح ما يكون ~~من الاعتبار باتفاق العلماء المعتبرين وذلك ان الرجل اذا قال إن اكلت أو ~~شربت فعلي ان اعتق عبدى أو فعلى ان اطلق امرأتى أو فعلى الحج أو فانا محرم ~~بالحج أو فمالى صدقة أو فعلى ms9766 صدقة فانه تجزئة كفارة يمين عند الجمهور كما ~~قدمناه بدلالة الكتاب والسنة واجماع الصحابة فكذلك اذا قال ان اكلت هذا أو ~~شربت هذا فعلى الطلاق أو فالطلاق لى لازم أو فأمرأتى طالق أو فعبيدى احرار ~~فان قوله على الطلاق لا افعل كذا أو الطلاق يلزمنى لا افعل كذا فهو بمنزلة ~~قوله على الحج لا افعل كذا أو الحج لى لازم لا افعل كذا وكلاهما يمينان ~~محدثان ليستا مأثورتين عن العرب ولا معروفتين عن الصحابه وانما PageV35P301 ~~المتأخرون صاغوا من هذه المعانى ايمانا وربطوا احدى الجملتين بالاخرى ~~كالايمان التى كان المسلمون من الصحابة يحلفون بها وكانت العرب تحلف بها لا ~~فرق بين هذا وهذا الا ان قوله ان فعلت فمالى صدقة يقتضى وجوب الصدقة عند ~~الفعل وقوله فامرأتى طالق يقتضى وجود الطلاق فالكلام يقتضى وقوع الطلاق ~~بنفس الشرط وان لم يحدث بعد هذا طلاقا ولا يقتضى وقوع الصدقة حتى يحدث صدقة # وجواب هذا الفرق الذى إعتمده الفقهاء المفرقون من ( وجهين ( # ( احدهما ( منع الوصف الفارق في بعض الاصول المقيس عليها وفى بعض صور ~~الفروع المقيس عليها # ( والثانى ( بيان عدم التأثير # أما الاول فانه اذا قال إن فعلت كذا فمالى صدقه أو فانا محرم أو فبعيرى ~~هدى فالمعلق بالصفة وجود الصدقة والاحرام والهدى لا وجوبهما كما ان المعلق ~~في قوله فعبدى حر وامرأتى طالق وجود الطلاق والعتق لا وجوبهما ولهذا اختلف ~~الفقهاء من اصحابنا وغيرهم فيما اذا قال هذا هدى وهذا صدقة لله هل يخرج عن ~~ملكه أو لا يخرج فمن قال يخرج عن ملكه فهو كخروج زوجته وعبده عن ملكه واكثر ~~ما في الباب ان الصدقة PageV35P302 والهدى يتملكهما الناس بخلاف الزوجة ~~والعبد وهذا لا تأثير له وكذلك لو قال علي الطلاق لأفعلن كذا أو الطلاق ~~يلزمنى لأفعلن كذا فهو كقوله على الحج لأفعلن كذا فهو جعل المحلوف به ها ~~هنا وجوب الطلاق لا وجوده كانه قال ان فعلت كذا فعلى ان اطلق فبعض صور ~~الحلف بالطلاق يكون المحلوف به صيغة وجوب كما ان ms9767 بعض صور الحلف بالنذر يكون ~~المحلوف به صيغة وجود # واما الجواب الثانى فنقول هب ان المعلق بالفعل هنا وجود الطلاق والعتاق ~~والمعلق هناك وجوب الصدقة والحج والصيام والاهداء اليس موجب الشرط ثبوت هذا ~~الوجوب بل يجزئه كفارة يمين كذلك عند الشرط لا يثبت هذا الوجوب بل يجزيه ~~كفارة يمين عند وجوب الشرط فان كان عند الشرط لا يثبت ذلك الوجوب كذلك عند ~~الشرط لا يثبت هذا الوجود بل كما لو قال هو يهودى أو نصرانى أو كافر ان فعل ~~كذا فان المعلق هنا وجود الكفر عند الشرط ثم اذا وجد الشرط لم يوجد الكفر ~~بالاتفاق بل يلزمه كفارة يمين أو لا يلزمه شيء # ولو قال ابتداء هو يهودى أو نصرانى أو كافر يلزمه الكفر بمنزلة قوله ~~ابتداء عبدى حر وامرأتى طالق وهذه البدنة هدى وعلى PageV35P303 هدى وعلى ~~صوم يوم الخميس ولو علق الكفر بشرط يقصد وجوده كقوله اذا هل الهلال فقد ~~برئت من دين الاسلام لكان الواجب انه يحكم بكفره لكن لا يناجز الكفر لأن ~~توقيته دليل على فساد عقيدته # قيل فالحلف بالنذر إنما عليه فيه الكفارة فقط قيل مثله في الحلف بالعتق ~~وكذلك الحلف بالطلاق كما لوقال فعلى ان اطلق امرأتى ومن قال انه اذا قال ~~فعلى ان اطلق امراتى لا يلزمه شيء فقياس قوله في الطلاق لا يلزمه شيء ولهذا ~~توقف طاووس في كونه يمينا وان قيل انه يخير بين الوفاء به والتكفير فكذلك ~~هنا يخير بين الطلاق والعتق وبين التكفير فان وطىء امرأته كان اختيارا ~~للتكفير كما انه في الظهار يكون مخيرا بين التكفير وبين تطليقها فان وطئها ~~لزمته الكفارة لكن في الظهار لا يجوز له الوطء حتى يكفر لأن الظهار منكر من ~~القول وزور حرمها عليه واما هنا فقوله ان فعلت فهي طالق بمنزلة قوله فعلى ~~ان اطلقها أو قال والله لأطلقنها إن لم يطلقها فلا شيء عليه وان طلقها ~~فعليه كفارة يمين # يبقى ان يقال هل تجب الكفارة على الفور اذا لم يطلقها حينئذ كما ms9768 لو قال ~~والله لأطلقها الساعة ولم يطلقها أو لا تجب الا اذا عزم على امساكها أو لا ~~تجب حتى يوجد منه ما يدل على الرضا بها من قول أو فعل كالذى يخير ~~PageV35P304 بين فراقها وامساكها لعيب ونحوه وكالمعتقه تحت عبده أو لا تجب ~~بحال حتى يفوت الطلاق قيل الحكم في ذلك كما لو قال فثلث مالى صدقة أو هدى ~~ونحو ذلك والأقيس في ذلك انه مخير بينهما على التراخى مالم يوجد منه ما يدل ~~على الرضا باحدهما كسائر انواع الخيار ### ||| فصل # موجب ( نذر اللجاج والغضب ( عندنا أحد شيئين على المشهور إما التكفير ~~وإما فعل المعلق ولا ريب أن موجب اللفظ في مثل قوله إن فعلت كذا فعلى صلاة ~~ركعتين أو صدقة ألف أو فعلى الحج أو صوم شهر هو الوجوب عند الفعل فهومخير ~~بين هذا الوجوب وبين وجوب الكفارة فاذا لم يلتزم الوجوب المعلق ثبت وجوب ~~الكفارة فاللازم له أحد الوجوبين كل منهما ثابت بتقدير عدم الاخر كما في ~~الواجب المخير وكذلك إن قال إن فعلت كذا فعلى عتق هذا العبد أو تطليق هذه ~~المرأة أو على أن أتصدق أوأهدى فان ذلك يوجب استحقاق العبد للآعتاق والمال ~~للتصدق والبدنة للهدى # ولو أنه نجز ذلك فقال هذا المال صدقة وهذة البدنة هدى وعلى عتق هذا العبد ~~فهل يخرج عن ملكه بذلك أو يستحق الاخراج فيه خلاف PageV35P305 وهو يشبه ~~قوله هذا وقف فأما إذا قال هذا العبد حر وهذة المرأة طالق فهو اسقاط بمنزلة ~~قوله ذمة فلان بريئة من كذا أومن دم فلان أو من قذفى فان اسقاط حق الدم ~~والمال والعرض من باب اسقاط حق الملك بملك البضع وملك اليمين # فان قال إن فعلت فعلى الطلاق أو فعلى العتق أو فامرأتى طالق أو فعبيدى ~~أحرار وقلنا إن موجبه أحد الأمرين فانه يكون مخيرا بين وقوع ذلك وبين وجوب ~~الكفارة كما لو قال فهذا المال صدقة أوهذه البدنة هدى ونظير ذلك ما لو قال ~~إذا طلعت الشمس فعبيدى أحرار أو نسائى طوالق ms9769 وقلنا التخيير إليه فانه إذا ~~اختار أحدهما كان ذلك بمنزلة اختياره أحد الامرين من الوقوع أو وجوب ~~الكفارة # ومثال ذلك أيضا إذا أسلم وتحته أكثر من اربع أو اختان فاختار احداهما ~~فهذه المواضع التى تكون الفرقة أحد اللازمين إما فرقة معين أو نوع الفرقة ~~لايحتاج انشاء طلاق لكن لايتعين الطلاق الا بما يوجب تعيينه كما في النظائر ~~المذكورة # ثم إذا إختار الطلاق فهل يقع من حين الاختيار أو من حين الحنث يخرج على ~~نظير ذلك فلو قال في جنس مسائل نذر اللجاج والغضب اخترت PageV35P306 ~~التكفير أو إخترت فعل المنذور هل يتعين بالقول أو لا يتعين الا بالفعل ان ~~كان التخيير بين الوجوبين تعين بالقول كما في التخيير بين الانشاء وبين ~~الطلاق والعتق وان كان بين الفعلين لم يتعين الا بالفعل كالتخيير بين خصال ~~الكفارة وان كان بين الفعل والحكم كما في قوله ان فعلت كذا فعبدى حر أو ~~امرأتى طالق أو دمى هدر اومالى صدقة أو بدنتى هدى تعين الحكم بالقول ولم ~~يتعين الفعل إلا بالفعل والله أعلم # وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ### ||| فصل جليل القدر # اليمين المتضمنة حضا أو منعا لنفسه كقوله لأفعلن ولا افعل فيها معنى ~~الطلب والخبر وكذلك الوعد والوعيد بخلاف الخبر المحض كقوله ( والذى نفسى ~~بيده لينزلن فيكم بن مريم حكما عدلا واماما مقسطا ( أو والله ليقدمن الركب ~~فان هذا اخبار محض بأمر سيكون كما يخبر عن الماضى بمثل ذلك وبخلاف الطلب ~~المحض كقوله لغيره افعل أو بالله افعل ونحو ذلك # إذا لم يكن منه الا مجرد الطلب وهو لا يدرى ايطيعه أم يعصيه ولهذا لا ~~يحسن الاستثناء في هذا الضرب ولا كفارة فيه لعدم المخالفة PageV35P307 فإنه ~~طلب محض مؤكد بالله كقوله سألتك بالله الا ما فعلت أو سألتك بالله لا تفعل ~~فاما اذا كان المخصوص أو الممنوع ممن يغلب على ظنه موافقته له كعبده وزوجته ~~وولده فهو كنفسه فيها معنى الطلب والخبر فانه لكونه مطيعا له في العادة جرى ~~مجرى طاعة نفسه لنفسه فطلب ms9770 الفعل منهما طلبا قرنه بالاخبار عن كونه # فقوله لأقومن غدا يتضمن ( امرين ) ( أحدهما ( أنى مريد القيام غدا ( ~~والثاني ( سيكون القيام غدا بخلاف القسم الخبرى المحض فانه بمعنى سيكون ~~وبخلاف القسم الطلبى المحض فانه بمعنى اريد منك واطلب منك ان تقوم والحنث ~~في اليمين لم يجيء لمخالفة المطلوب كما تقدم في الطلب المحض وانما جاء ~~لمخالفة الخبر كما لو كان خبرا محضا عن مستقبل والاستثناء يعلق الفعل ~~بالمشيئة فيصير المعنى ليكونن هذا ان شاء الله فان لم يشأ الله لم يكن ~~مخبرا بكونه فلا مخالفة فلا حنث ولهذا يصح الاستثناء # ( فالخبر المحض ( كقوله ( لأطوفن الليلة على تسعين امرأة فلتأتين كل ~~امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله ( والولادة ليست من فعله المقدور عليه وكما ~~تقول والله ليجيء زيد ان شاء الله # فصار لقائل لأفعلن كذا ان شاء الله ( ثلاث نيات PageV35P308 # تارة يكون غرضه تعليق الارادة والمعنى ان شاء الله كنت الساعة مريدا له ~~وطالبا والا فلا فهذا لا يصح ان يكون مريدا ولا ترتفع الكفارة بهذا وحده ~~كما في قوله انت طالق إن شئت فقالت قد شئت ان شئت ان المشيئة لا يصح ~~تعليقها فكذا هذا فمتى قال هذا لم تكن ارادته حاصلة فهذا مثل الذى يطلب منه ~~شيء فيقول اعطيك ان شاء الله فلا وعد له واذا نوى هذا في اليمين صح لكن لا ~~يرفع الكفارة لأن مخالفة الطلب لم توجب الكفارة وانما اوجبه مخالفة الخبر ~~فلو كان خبرا لا طلب معه غير تعليق وجبت الكفارة فأكثر ما في هذا انتفاء ~~الطلب والحض من اليمين # ( الثانى ( أن يكون غرضه تعليق الاخبار والمعنى ان قيامى كائن ان شاء ~~الله أو ان قيامك كائن ان شاء الله فأنا مخبر بوقوعه ان شاء الله وقوعه وان ~~لم يشأ فلا اخبر به واذا لم يخبر به فلا مخالفة فلا حنث وان كنت مريدا له ~~الساعة جزما فهذا هو المعنى الذى يرفع الكفارة فكأنه قال انا شاك في الوقوع ~~فلست اخبر بوقوعه جزما وإنما اخبر بوقوعه ms9771 عند هذه الصفة كقوله لأقومن ان ~~قدم زيد وان اعطيتنى مائة ونحو ذلك وهو وعد أو وعيد معلق بشرط وان كان ~~الواعد أو المتواعد مريدا في الحال لانفاذه # ولهذا قلنا ان قوله لأصومن غدا ان شاء الله من رمضان لا يقدح لأن التعليق ~~عاد إلى الاخبار لا إلى الارادة ومن الفقهاء PageV35P309 من قال هذا يقدح ~~في ارادته وهؤلاء يقولون انه إذا نوى عود الاستثناء إلى طلبه وارادته نفعه ~~في الكفارة أو لا ترتفع الا بهذا الشرط وعلى خاطرى هنا قول لا استثبته # ( الثالث ( ان لا يكون غرضه تعليق واحد منهما لأنه جازم بارادته وجازم ~~بانه سيكون كما لو كان خبرا محضا مثل قوله لينزلن بن مريم وليخرجن الدجال ~~ولتقومن الساعة وهذه أيمان امر الله رسوله بنوع منها كقوله @QB@ ويستنبئونك ~~أحق هو قل إي وربي @QE@ فهذا ماض وحاضر وقال @QB@ وقال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم @QE@ وقال @QB@ زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن @QE@ فأمره ان يحلف على وقوع اتيان الساعة وبعث ~~الناس من قبورهم وهما مستقلان من فعل غيره وهذا كقول النبى صلى الله عليه ~~وسلم لعمر ( لآتينه ولأطوفن به ( فهنا اذا قال ان شاء الله فقد لايكون غرضه ~~تعليق الأخبار وإنما غرضه تحقيقه كقوله @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله @QE@ فان هذا كلام صحيح اذ الحوادث كلها لا تكون الا بمشيئة الله مثل ~~ما لو قال ليكونن ان اتفقت اسباب كونه والناس يعلمون أنه ان شاء الله وإن ~~اتفقت أسباب كونه كان فان لم يكن هو مخبرا لهم بذلك كان متكلما بما لا يفيد ~~PageV35P310 فهذا # اذا نواه هل يرفع الكفارة فبالنظر إلى قصده وجزمه في الخبر قد حصلت ~~المخالفة وبالنظر إلى لفظه وانه انما جزم بمشروط لا بمطلق لم تقع المخالفة ~~وان اخطأ اعتقاده كما لو حلف على من يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه فانه ~~لما اخبر عن الماضى بموجب اعتقاده لم يحنث بخلاف ما اذا تعمد الكذب # وكذلك هذا لم يتأل ms9772 على الله لكن يقال كان ينبغى له ان يشك فلما تألى على ~~الله وأكد المشيئة قاصدا بها تحقيق جزمه بالاخبار صار وجودها زائدا له في ~~التألى لا معلقا فقد يقال في معارضة هذا الجزم يرجع إلى اعتقاده لا إلى ~~كلامه واما كلامه فلم يتأل فيه على الله بل اخبر ان هذا يكون ان شاء الله ~~وقال مع ذلك انا معتقد انه يكون جازما به فالكفارة وجبت لمخالفة خبرى مخبره ~~أو لمخالفة اعتقادى معتقده انما وجبت لمخالفة الخبر فانى لو قلت انى اعتقد ~~ان هذا يكون وانا جازم باعتقادى لم يكن على حنث اذا لم يكن ومعنى كلامى انى ~~جازم بأن هذا سيكون واخبركم انه يكون ان شاء الله فعلقت لكم اخبارى لا ~~اعتقادي والا لم يكن في قولى ان شاء الله فائدة اذ لو كان المعنى انى جازم ~~بأنه سيكون ان شاء الله لم اكن جازما مطلقا وكذلك لو كان المعنى ان اعتقادى ~~واخبارى ان شاء الله كان هو القسم الأول وانما المعنى ان اعتقادى ثابت به ~~واخبارى لكم معلق به علقته به لأنه لا ينبغى لأحد ان يخبر بالمستقبلات الا ~~معلقا بمشيئة الله فهذا فيه نظر PageV35P311 وبهذا التقسيم يظهر قول من قال ~~إن نوى بالاستثناء معنى قوله @QB@ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشاء الله @QE@ فان الرجل مأمور ان لا يقول لأفعلنه غدا الا أن يقول ان شاء ~~الله # ويتبين بهذا البحث الذى ذكرناه ان الاستثناء الرافع للكفارة انما يعلق ما ~~في اليمين من معنى الخبر المحض أو المشوب لا يعلق ما فيها من معنى الطلب ~~المحض أو المشوب اذ مخالفة الطلب لا توجب كفارة وانما يوجبها مخالفة الخبر ~~وذلك لأن الرفع انما يكون اذا كان في المشيئة تعليق والتعليق انما يكون ~~فيما لم يقع بخلاف ما قد وقع # ومن هنا يعلم أن الإستثناء لا يرفع الإنشاءات بأسرها لا الطلاق ولا غيره ~~كما لايرفع موجب الطلب وينبغى أن يؤخذ من هذه أن هذه الصيغ المغلب عليها ms9773 ~~حكم الإنشاءات لإمتناع الإستثناء فيها وإن الإستثناء فيها بأسرها إستثناء ~~تحقيق لا تعليق كقوله كان هذا بمشيئة الله وكان بقدرة الله # ويخرج من هذا ( الإستثناء في الايمان ( إن عاد إلى الموافاة فعلى بابه ~~لأن إطلاق الإسم يقتضى إستحقاق الجنة كما قاله إبن مسعود وخالفه فيه صاحب ~~معاذ بتأويل صحيح وتركه جائز وإن كان فعله أحسن PageV35P312 من تركه وهذا ~~معنى كلام أحمد في ( 1 ) ومن أصحابنا من أوجبه كما أن المرجئة تحظره ومن ~~الناس من قد يرى تركه أحسن فالاقسام فيه إما واجب أو مستحب أو ممنوع حظرا ~~أو كراهة أو مسنونا أو مستوى الحالتين # وبهذا الذى ذكرناه في اليمين يظهر معنى الوعد والوعيد من جواز نسخ ذلك أو ~~الخلف فيه فإن من رآهما خبرا قال النسخ يقتضى الكذب والآخر يقول هو خبر ~~متضمن معنى الطلب فإذا قال إن فعلت هذا ضربتك تضمن أنى مريد الساعة لضربك ~~إذا فعلته ومخبرك به فليس هو خبرا محضا فيكون النسخ عائدا إلى ما فيه من ~~الطلب تغليبا للطلب على الخبر كما أنه في باب المشيئة والكفارة غلب الخبر ~~على الطلب لأن الكلام إذا تضمن معنيان فقد يغلب أحدهما بحسب الضمائم ولهذا ~~فرق في الخلف بين الوعد والوعيد لأن الواعد لما تضمن كلامه طلب الخبر ~~الموعود به من نفسه في معرض المقابلة صار ذلك بمنزلة إلتزامه الأعواض من ~~العقود فانه امر وجب لغيره عليه فلا يجوز ابطاله والمتوعد تضمن كلامه طلب ~~الشر المتوعد به في معرض المقابلة بمنزلة الزامه لغيره عوضا اذا بذل هو ما ~~يجب عليه وما وجب له على الغير فله التزامه وله ترك التزامه PageV35P313 # فقولك بعتك هذا بألف في معنى المواعد بالألف عند حصول المبيع وفى معنى ~~المطالب بالمبيع عند بذل الألف فمطالبته بالوعيد الذى هو العقوبة ليس بأحسن ~~حالا من مطالبته بسائر الحقوق الواجبة له على سبيل المقابلة فان اخذ الحقوق ~~من الناس فيها شوب الألم فلا يخلص من نوع عقوبة وإن لم تسم بها فإنما الغرض ~~تمثيل هذا بهذا فيما ms9774 يجب للمتكلم وما يجب عليه فإذا كان الوعد والوعيد وإن ~~تضمنا خبرا فهما متضمنين طلبا صيرهما ذلك بمنزلة الإنشاء الذى وإن كان ~~صيغته صيغة الخبر عن الماضى فهو إنشاء لأمر حاضر وهذان وإن كان لفظهما لفظ ~~الخبر عن المستقبل فهما إنشاء للإرادة والطلب فإذا كان وعد وجب فسمي خلفه ~~كذبا كما قال لمن قال @QB@ لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا @QE@ @QB@ ~~والله يشهد إنهم لكاذبون @QE@ وإذا كان وعيدا لم يجب إنفاذه لتضمنه معنى ~~بيان الإستحقاق # وعلى هذا فيجوز نسخ الوعيد كما ذكره السلف في قوله @QB@ وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ وأما الوعد بعد الإستحقاق فلا يجوز ~~نسخه لأنه موجب المشروط وأما قبل العمل فيتوجه جواز نسخه كفسخ التعليقات ~~الجائزة غير اللازمة من الجعالة ونحوها فإنه إذا قال من رد عبدى الآبق فله ~~درهم فله فسخ ذلك قبل العمل والفسخ كالنسخ هذا فسخ لإنشاءات هي العقود ~~المتضمنة إلتزام إرادة له أو عليه وهذا فسخ لطلب أيضا وكما أن المتصور في ~~الفسخ أنه رفع الحكم الذى هو الطلب أو الأذن PageV35P314 فالفسخ رفع الحكم ~~الذى هو الإرادة أو الإباحة وكذلك الوعد والوعيد رفع الحكم الذى هو إرادة ~~الإعطاء أو الإباحة # فهذا كله إنما كان لأن من الكلام ما تضمن معنى الطلب والخبر وهو الأيمان ~~والنذور والوعد والوعيد والعقود فهذا ( القسم الثالث ( المركب هو الذى ~~إضطرب الناس في أحكامه ولهذا قسم بعضهم الكلام إلى خبر وإنشاء ليكون ~~الإنشاء أعم من الطلب لأنه ينشئ طلبا وإذنا وما ثم غير الطلب والأذن لأنه ~~إما أن يطلب من نفسه أو من غيره وجودا أو عدما وقد يقال الأذن يتضمن معنى ~~الطلب لأنه طلب من نفسه تمكين المأذون له كما أن الإلتزام متضمن معنى الطلب ~~لأنه جعل على نفسه حقا يطلبه المستحق وجوبا وهناك جعله له مباحا فهذا هذا ~~والله أعلم فيعود الأمر إلى طلب أو خبر أو مركب منهما والله أعلم والحمد ~~لله رب العالمين ### ||| فصل # وبما قدمناه من الأصل تظهر مسألة ms9775 الاستثناء ( في الظهار ( فإن قوله أنت ~~على حرام وأنت على كظهر أمى قال أحمد يصح فيه الإستثناء لأن موجبه الكفارة ~~إذا حنث بالعود وأصل أحمد أن كلما شرعت فيه الكفارة شرع فيه اليمين وإلا ~~فلا PageV35P315 # وقال طائفة من أصحابه منهم إبن بطة والعكبرى وإبن عقيل لا ~~يصح فيه الإستثناء لأنه إنشاء بمنزلة التطليق والأعتاق فإنه ليس من جملتين ~~كالقسم وإنما هو جملة واحدة كسائر الإنشاءات فقوله أنت على حرام كقوله أنت ~~طالق ليس هنا فعل مستقبل يعلق بالمشيئة كما في قوله لأخرجن وهذا في بادئ ~~الرأى أقوى للمشابهة الصورية # لكن قول أحمد أفقه وأدخل في المعنى وإنما هو والله أعلم في ذلك بمنزلة من ~~عد نذر اللجاج والغضب كنذر التبرر للإستواء في الصورة اللفظية ومن عده ~~يمينا لمشابهة اليمين في معنى وصفها وهو المحلوف عليه ومن اعطاه حكمهما ~~لجمعه معناهما فان نصفه يشبه اليمين في المعنى ونصفه يشبه النذر ولهذا سائر ~~الألفاظ المعلق بها الأحكام قد ينظر ناظر إلى صورتها وآخر إلى معناها وآخر ~~اليهما معا كما في قوله لأفعلن الصورة صورة الخبر والمعنى قد يكون خبرا وقد ~~يكون طلبا وقد يجتمعان فقوله انت علي كظهر امى كان في الجاهلية إنشاء محضا ~~للتحريم والتحريم لايثبت بدون الطلاق فكان عندهم طلاقا على موجب ظاهر لفظه ~~لأن الطلاق يستلزم التحريم فجعلوا اللازم دليلا على الملزوم فأبطل الله ذلك ~~لأنه منكر من القول وزور فإن الحلال لا يكون كالحرام المؤبد ولم يجعله ~~طلاقا وإن عنى به الطلاق لأن الطلاق لايثبت إلا بعد ثبوت المعنى الفاسد وهو ~~المشابهة PageV35P316 المحرمة فصار كقوله أنت يهودية أو نصرانية إذا عنى به ~~الطلاق فإن هذا لا يثبت إلا بعد ثبوت الكفر الذى لا يجوز له أن يثبته فيها ~~أو أنت أتان أو ناقة أو أنت علي كالأتان والناقة # ومن هنا قال أكثر الصحابة إن قوله انت على حرام ايضا يمين ليس بطلاق وصرح ~~بعضهم بأنه يمين مغلظة كالظهار وهو مذهب أحمد فصار قوله انت على كظهرامى ~~بمنزلة لا ms9776 أقربنك لأن اثبات المشابهة للأم يقتضى إمتناعه عن وطئها ويقتضى ~~رفع العقد فأبطل الشارع رفع العقد لأن هذا إلى الشارع لا إليه فإن العقود ~~والفسوخ اثبات الله لا تثبت الا بإذن الشارع واثبت امتناعه من الفعل لأن ~~فعل الوطء وتركه إليه هو مخير فيه فلما صار بمنزلة قوله لا ينبغى منى وطؤك ~~فهذا معنى اليمين لكنه جعله يمينا كبرى ليس بمنزلة اليمين بالله لأن تلك ~~اليمين شرع الحلف بها فلم يعص في عقدها وهذه اليمين منكر من القول وزور ~~ولأن هذه اليمين تركها واجب فكانت الكفارة عوضا عن ذلك # ولهذا كانت اليمين بالله لا توجب تحريم الفعل إلى التكفير وهذه اليمين ~~توجب تحريم الحنث إلى التكفير فلم يكن له ان يحنث فيها حتى يحلها ووجبت ~~فيها الكفارة الكبرى وكونها جملة واحدة لا يمتنع اندراجها في اسم اليمين ~~كلفظ النذر هو يمين وجملة واحدة وانما العبرة بما تضمن عهدا PageV35P317 ~~وقد سمى الله كل تحريم ( يمينا ( بقوله @QB@ لم تحرم ما أحل الله لك @QE@ ~~إلى قوله @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ كما سمى الصحابة نذر ~~اللجاج والغضب ( يمينا ( وهو جملة شرطية نظرا إلى المعنى # يوضح ذلك ان الظهار لو كان إنشاء محضا لأوجب حكمه ولم يكن فيه كفارة اذ ~~الكفارة لا تكون لرفع عقد أو فسخ وانما تكون لرفع اثم المخالفة التى تضمنها ~~عقده ولهذا لما كان كل من عقد اليمين وعقد الظهار لا يوجب الكفارة الا اذا ~~وجدت المخالفة علم انه يمين والشافعى يقول يوجب لفظ الظهار ترك العقد فاذا ~~امسكها مقدار ما يمكنه ازالته وجبت الكفارة واما أحمد والجمهور فعندهم يوجب ~~لفظه الامتناع من الوطء على وجه يكون حراما فالكفارة ترفع هذا التحريم فلا ~~يجوز الوطء قبل ارتفاعه # وكذلك يقول أحمد في قوله انت على حرام أن موجبه الامتناع من الوطء على ~~جهة التحريم لكن من يفرق بينهما يقول انه في الظهار ما كان يمكن ان يعطى ~~اللفظ ظاهره فانه لا تصير مثل امه في دين الاسلام فاقتصر به على ms9777 بعضه وهو ~~ترك الوطء دون ترك العقد كما كانوا في الجاهلية PageV35P318 ولفظ الحرام ~~يمكن اثبات موجبه وقد يقول أحمد ان الحرام لايمكن اثبات موجبه فان تحريم ~~العين لايثبت ابدا والتحريم العارض لا يثبت بدون شبيه اذ ليس هو المفهوم من ~~مطلق التحريم وانما هو تحريم مقيد فاستعمل بعض موجب اللفظ وهو تحريم الفعل ~~الذى هو وطء ولأن التحريم المضاف إلى العين انما يراد به الفعل فكأنه وطئك ~~حرام وهذا في معنى قوله والله لا اطئك فكما ان الايلاء لا يكون طلاقا ولو ~~نوى به الطلاق فكذلك التحريم اذ الايلاء نوع من الأيمان القسمية والظهار ~~نوع من الأيمان التحريمية والبحث فيه يتوجه ان يقال نضعه على ادنى درجات ~~التحريم لأن اللفظ مطلق فلا تثبت الزيادة الا بسبب كما في قوله انت طالق لا ~~يقع الا واحدة وكما اكتفى في التشبيه بالتحريم اما اذا نوى الطلاق فيقال ~~وان نوى الطلاق بالظهار ### ||| فصل # ويتصل بهذا ( اذا حلف بالظهار أو بالحرام ( على حظ أو منع كقوله ان فعلت ~~هذا فأنت على كظهر امى أو حرام أو الحرام يلزمنى أو الظهارلا افعله أو ~~لافعله فهذا اصحابنا فيه اذا حنث بالظهار كما انه يقع به الطلاق والعتق ~~ولهذا قالوا في ايمان المسلمين منها الظهار PageV35P319 وكنت افتى بهذا ~~تقليدا ولما ذكروه من الحجة من أنه حكم معلق بشرط كما لو قال ان فعلت هذا ~~فأنت على حرام عقوبة لها على فعله # وافتيت بعد هذا ان عليه كفارة يمين اذا كان مقصوده عدم الفعل وعدم ~~التحريم كما قلناه في مسألة ( نذر اللجاج والغضب ( وكما قلناه في قوله هو ~~يهودى أو نصرانى ان فعل كذا وقوله هو يستحل الخمر والميتة ان فعل كذا فانه ~~لما لم يكن مقصوده الحكم عند الشرط وانما الغرض الامتناع من فعل فكذلك اذا ~~قال الحل على حرام ان فعل كذا وليس غرضه تحريم الحلال عند الفعل وانما غرضه ~~الامتناع من الفعل وذكر التزام ذلك تقديرا تحقيقا للمنع كما ذكر التزام ~~التهود والتنصر تقديرا كما ms9778 انه معنى اليمين بالله هتكت حرمة الايمان بالله ~~ان فعلت هذا أو نقصت حرمة الله أو استخففت بحرمة الله ان فعلت # وموجب الأيمان كلها من جهة اللفظ الوفاء وانه متى حنث فقد هتك ايمانه ~~وانه تهود وتنصر كما ان موجب نذر اللجاج والغضب من اللفظ وجوب الوفاء فان ~~الحكم المعلق بشرط يجب عند وجوده والحالف بشيء على فعل قد إلتزم ذلك الفعل ~~وجعله معلقا بمعظمه المحلوف به فمتى لم يفعله فقد هتك تلك الحرمة ~~PageV35P320 # وقوله احلف بالله أو بكذا في معنى قوله اعقده به وألصقه به ولهذا يسمى ~~المصاحب ( حليفا ( كما كان يقال لعثمان ( حليف المحراب ( وعلته لايتخلف ~~ولهذا قيل ان الباء لالصاق المحلوف عليه بالمحلوف به وانما اتى بلام القسم ~~توكيدا ثانيا كأنه قال الصق واعتقد بالله مضمون قولى لأفعلن # ولهذا سمى التكفير قبل الحنث ( تحلة ( لأنه يحل هذا العقد الذى عقد ~~بالمحلوف به مثل فسخ البيع الذى يحل ما بين البائع والمشترى من الانعقاد ~~فالشارع جعل الأيمان من باب العقود الجائزة بهذا البدل لامن اللازمة مطلقا ~~كما كان العقد بين المحلوف عليه والمحلوف به وهوالله سبحانه سوغ سبحانه ~~لعبده ان يحل هذا العقد الذى عقد لي وبي بالكفارة التى هي عبادة وقربة وكان ~~العبد مخيرا بين تمام عقده وبين حله بالبدل المشروع اذ كان العبد هو الذى ~~عقد هذا المحلوف عليه بالله سبحانه كما كانوا في اول الاسلام مخيرين بين ~~الصيام الذى اوجبه وبين تركه بالكفارة وكما ان المعتمر في اشهر الحج اذا ~~اراد ان يحج من عامه مخير بين ان ينشئ للحج سفرا وبين ان يتركه بهدي التمتع ~~فهو مخير في اكمال الحج بالسفر أو بالهدي # ولهذا قلنا ليس جبرانا لأن دم الجبران لا يخير في سببه كترك الواجبات ~~وانما هو هدي واجب كأنه مخير بين العبادة البدنية المحضة PageV35P321 او ~~البدنية المالية وهو الهدى ولكن قد يقال اذا كان واجبا فلا يؤكل منه بخلاف ~~التطوع # قلنا هدي النذر ايضا فيه خلاف وما وجب معينا يأكل منه باتفاق ms9779 لأن نفس ~~الذابح لله مهديا إلى بيته اعظم المقصودين ولهذا اختلف العلماء في وجوب ~~تفرقته في الحرم وان كنا نحن نوجب ذلك في ما هو هدي دون ما هو نسك ليظهر ~~تحقيقه بتسميته هديا وهو الاهداء إلى الكعبة # فإذا ظهر ان المقتضى للوفاء قائم وانما الشارع جعل الكفارة رخصة ثم قد ~~يجب وقد يستحب كما في اكل المضطر للميتة فهذا المعنى موجود في ( نذر اللجاج ~~والغضب ( وما اشبهه وكذلك في قوله ( ان فعلت كذا فأنت على حرام بخلاف ما لو ~~اراد ثبوت التحريم عقوبة لها مثل ان يقول لها أو لأمها ان فعلت كذا فأنت ~~على حرام فهنا يكون مقصوده ثبوت التحريم كما ان في ( نذر التبرر ( مقصوده ~~ثبوت الوجوب وكما في ( الخلع ( مقصوده اخذ العوض ونحو ذلك فهذا التفريق ~~متوجه على اصلنا فإنا كما فرقنا في التزام الايجاب المعلق ينبغى ان نفرق في ~~التزام التحريم المعلق # وينبغى ان نخيره اذا حنث بين الوفاء بالتحريم وبين تكفير يمينه كما ~~خيرناه في النذر PageV35P322 ثم ان طردنا في الطلاق والعتاق كما يتخرج على ~~اصولنا وكما يؤثرعن الصحابة جعل العتق داخلا في ( نذر اللجاج ( وعن طاووس ~~وغيره انهم كانوا لا يرون الحلف بالطلاق شيئا وتوقف الراوى هل كان طاووس ~~يعدها يمينا فهو متوجه وهو اقوى ان شاء الله ولا حول ولا قوة الا بالله # وإن فرقنا بين الطلاق والعتق وبين الحرام والظهار فمتوجه ايضا لأنه هناك ~~علق نفس الوقوع الذى لا يعلق بمشيئة وهناك علق يمينا كأنه قال ان فعلت هذا ~~فعلى يمين حرام أو فعلى يمين ظهار أو ان فعلت هذا صرت مظاهرا ومحرما وهو ~~اذا صار مظاهرا محرما لم يقع به شيء وانما يثبت تحريم تزيله الكفارة فصار ~~مثل قوله ان فعلت كذا فعلى حجة أو فأنا حاج أو انا محرم وهذا فيه نظر ~~فليتحقق PageV35P323 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الاسلام رحمه الله ### ||| فصل # في رجل حلف انه من حين عقل لم يفعل الذنب وكان قد فعل هذا الذنب وله نحو ~~عشرين سنة ms9780 ونوى بقلبه أنه لم يفعله من حين بلغ فهذا ينظر إلى مراده بقوله ~~من حين عقل فان كان مراده من حين بلغ الحلم فهو بار ولا حنث عليه بلا ريب ~~وان كان مراده انه لم يفعله من حين ميز فابن عشر سنين يميز # فهذا اذا كان يعلم كذب نفسه فيمينه غموس وهى من الكبائر عليه ان يتوب إلى ~~الله منها فان كانت من الأيمان المكفرة ففيها قولان جمهور اهل العلم يقولون ~~هي اعظم من ان تكفر وانما تمحى بالتوبة الصحيحة وهذا مذهب مالك وابى حنيفة ~~واحمد في اشهر الروايتين عنه و ( القول الثانى ( ان فيها الكفارة وهو مذهب ~~الشافعى واحمد في الرواية الثانية عنه فاليمين بالله مكفرة باتفاق العلماء # وأما الحلف بالنذر والظهار والحرام والطلاق والعتاق والكفر كقوله ان فعلت ~~كذا وكذا فعلى الحج أو مالى صدقة أو علي الحرام أو الطلاق PageV35P324 ~~يلزمنى لأفعلن كذا وان كنت فعلت كذا فعبيدى احرار أو ان كنت فعلت كذا فإنى ~~يهودى أو نصرانى فهذه المسألة للعلماء فيها ( ثلاثة اقوال ( فقيل اذا حنث ~~يلزمه التوبة وقيل لا شيء عليه وقيل بل عليه كفارة يمين وهو اظهر الأقوال ~~كما بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # فان كان قد حلف بهذه الأيمان يمينا غموسا فمن اوجب الكفارة في اليمين ~~الغموس وقال ان هذه الأيمان تكفر فانه يوجب فيها كفارة واما من قال اليمين ~~الغموس اعظم من ان تكفر فلهم ( قولان ( # ( أحدهما ( ان هذه يلزمه فيها ما التزمه من نذر وطلاق وعتاق وكفر وان قيل ~~ان ذلك لا تلزمه اليمين المغفورة وهى الحلف على المستقبل وهذا قول طائفة من ~~اصحاب ابى حنيفة واحمد واحتجوا بقول النبى صلى الله عليه وسلم ( من حلف ~~بملة غير الاسلام كاذبا فهو كما قال ( قالوا لأن هذه اليمين غير منعقدة بل ~~الحنث فيها مقارن للعفو فلا كفارة فيها وقد التزم فيها ما التزمه مع علمه ~~بكذبه فيجب الزامه بذلك عقوبة له على كذبه وزجرا لمن يحلف يمينا كاذبة ~~بخلاف اليمين ms9781 المنعقدة فان صاحبها مطيع لله ليس بعاص PageV35P325 # و ( القول الثانى ( وهو قول الأكثرين ان لا يلزمه ما التزمه من كفر وغيره ~~كما لا يلزمه ذلك في اليمين على المستقبل وإنما قصد في كلا الموضعين اليمين ~~فهو لم يقصد اذا كان كاذبا ان يكون كافرا ولا ان يلزمه ما إلتزمه من نذر ~~وطلاق وعتاق وغير ذلك كما لم يقصد اذا حنث في اليمين على المستقبل ان يلزمه ~~ذلك بل حقيقة كلامه ومقصوده هو اليمين في الموضعين فما فرق فيه بين الكفر ~~والنذر والطلاق والعتاق في أحد الموضعين وبين الحلف بذلك يفرق به في الموضع ~~الآخر لكن هو في الموضعين قد اتي كبيرة من الكبائر بيمينه الغموس فعليه ان ~~يتوب إلى الله منها كما يتوب من غيرها من الكبائر واذا تاب من الذنب كان ~~كمن لا ذنب له ولا يصدر كفر ولا نذر ولا طلاق ولا عتاق بل انما صدر منه ~~الحلف بذلك والله اعلم PageV35P326 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عمن حلف بالمشى إلى مكة هل يلزمه المشى أو الحج راكبا ويفتدى أو يلزمه ~~كفارة يمين ### ||||| فأجاب # الحمد لله بل يجزيه كفارة يمين عند جماهير علماء المسلمين من ~~الصحابة والتابعين لهم باحسان مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر ~~وحفصة بنت عمر وزينب ربيبة رسول الله وغير هؤلاء رضى الله عنهم وهو مذهب ~~الشافعى واحمد وهو الرواية المتأخرة عن ابى حنيفة وبذلك أفتى بن القاسم ~~ابنه لما حنث في هذه اليمين وعلى هذا القول دل الكتاب والسنة كما بسط في ~~غير موضع والله أعلم PageV35P327 ### || 1 ( قاعدة في الأيمان ) 1 # بسم الله الرحمن الرحيم ! 8 < وقال شيخ الاسلام رحمه الله ! 8 < # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئآت ~~اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ونشهد ان لا اله الا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما # قال الله تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله ms9782 عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ~~أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ~~@QE@ PageV35P328 فذكر الله إسم ( الأيمان ( في أربعة مواضع في قوله @QB@ ~~لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم @QE@ وقوله @QB@ بما عقدتم الأيمان @QE@ ~~وقوله @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ وقوله @QB@ واحفظوا أيمانكم ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو ~~العليم الحكيم @QE@ وهذا الإستفهام إستفهام إنكار يتضمن النهى فإن الله لا ~~يستفهم لطلب الفهم والعلم فإنه بكل شيء عليم ولكن مثل هذا يسميه أهل ~~العربية ( إستفهام إنكار ( وإستفهام الإنكار يكون بتضمن الإنكار مضمون ~~الجملة ( إما إنكار نفى إن كان مضمونها خبرا وإما إنكار نهى إن كان مضمونها ~~إنشاء والكلام إما خبر وإما إنشاء وهذا كقوله @QB@ عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم @QE@ وقوله @QB@ لم تقولون ما لا تفعلون @QE@ ونحو ذلك # فالله تعالى نهى نبيه عن تحريم الحلال كما نهى المؤمنين وأخبر أنه فرض ~~لهم تحلة أيمانهم كما ذكر كفارة اليمين بعد النهى عن تحريم الحلال في سورة ~~المائدة وقوله @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ هو ما ذكره ~~PageV35P329 في سورة المائدة وكان سبب نزول التحريم تحريم النبى صلى الله ~~عل 4 يه وسلم الحلال إما ms9783 أمته مارية القبطية وإما العسل وإما كلاهما وكذلك ~~آية المائدة فإن طائفة من المسلمين كانوا قد حرموا الطيبات إما تبتلا ~~وترهبا كما عزم على ذلك عثمان بن مظعون ومن وافقه من الصحابة حتى نهاهم ~~النبي عن ذلك وإما غير ذلك وبين الله لهم أن الله جعل لمن حرم الحلال من ~~هذه الأمة مخرجا وأن اليمين المتضمنة تحريمه للحلال له منها مخرج بالكفارة ~~التى شرعها الله # ليسوا كالذين من قبلهم الذين كانوا إذا حرموا شيئا حرم عليهم ولم يكن لهم ~~أن يكفروا قال تعالى @QB@ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة @QE@ ولذلك قد قيل إنهم كانوا إذا ~~حلفوا على فعل شيء لزمهم ولم يكن لهم أن يكفروا ولهذا قالت عائشة كان أبو ~~بكر الصديق لا يحنث في اليمين حتى أنزل الله كفارة اليمين ولهذا أمر الله ~~أيوب بما يحلل يمينه لأنه لم يكن لهم كفارة # فان اليمين على الأشياء تارة تكون حضا وإلزاما وتارة تكون منعا وتحريما ~~كما أن عهد الله ورسوله وحكمه على خلقه ينقسم إلى هذين القسمين ولذا كان ( ~~الظهار ( في الجاهلية وأول الاسلام طلاقا حتى أنزل الله فيه الكفارة وكذلك ~~كان ( الايلاء ( طلاقا حتى أنزل الله حكمه وذلك لأن الظهار نوع من التحريم ~~فموجبه رفع الملك إذ الزوجة لا تكون محرمة على التأبيد والإيلاء يقتضي ~~عندهم تحريم الوطء وذلك ينافي النكاح PageV35P330 # وقد ذكر الله لفظ ( اليمين ( في مواضع من كتابه فقال تعالى @QB@ ~~تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ~~ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ذلك أدنى أن ~~يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم @QE@ وقال ~~تعالى في سورة براءة في سياق ذكر معاهدة المشركين @QB@ فقاتلوا أئمة الكفر ~~إنهم لا أيمان ms9784 لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا ~~بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة @QE@ وقال تعالى @QB@ وأوفوا بعهد الله ~~إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن ~~الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون ~~أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها @QE@ ~~@QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت @QE@ @QB@ وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة @QE@ # قال أهل اللغة وهذا لفظ الجوهرى اليمين القسم والجمع أيمن وأيمان فقال ~~سمى بذلك لأنهم كانوا إذا تحالفوا يمسك كل امرئ منهم على يمين صاحبه ~~PageV35P331 ### ||| فصل # ولفظ ( اليمين ( في كتاب الله وكذا في لفظ أصحاب رسول الله الذين خوطبوا ~~بالقرآن أولا يتناول عندهم ما حلف عليه بالله بأى لفظ كان الحلف وبأى إسم ~~من أسمائه كان الحلف وكذلك الحلف بصفاته كعزته وأحكامه كالتحريم والإيجاب ~~فإن التحريم والإيجاب من أحكامه والحلف إذا قال أحلف بالله ليكونن فهو قد ~~إلتزم ذلك الفعل وأوجبه على نفسه أو حرمه على نفسه وعقد اليمين بالله فجعل ~~لزوم الفعل معقودا بالله لئلا يمكن فسخه ونقضه فموجب يمينه في نفسها لزوم ~~ذلك الفعل له أو إنتقاض إيمانه بالله الذى عقد به اليمين وهذا الثانى لا ~~سبيل له إليه فتعين الأول لكن الشارع في شريعتنا لم يجعل له ولاية التحريم ~~على نفسه والايجاب على نفسه مطلقا بل شرع له تحلة يمينه وشرع له الكفارة ~~الرافعة لموجب الإثم الحاصل بالحنث في اليمين إذا كان الحنث والتكفير خيرا ~~من المقام على اليمين # وقد تنازع الفقهاء في ( اليمين ( هل تقتضى إيجابا وتحريما ترفعه الكفارة ~~أولا تقتضى ذلك أو هي موجبة لذلك لولا ما جعله الشرع مانعا من هذا الإقتضاء ~~على ( ثلاثة أقوال ( أصحها ( الثالث ( كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى ~~PageV35P332 # والمقصود أن نذكر من أقوال الصحابة ما ms9785 يبين معنى اليمين في كتاب الله ~~وسنة رسوله وفى لغتهم ففى سنن أبى داود حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد ~~بن زريع حدثنا حبيب المعلم # عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث ~~فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال إن عدت تسألنى القسمة فكل مالي في رتاج ~~الكعبة فقال له عمر إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك سمعت ~~رسول الله يقول ( لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ~~ولا في مالا تملك ( # وهذا الرجل تكلم بصيغة التعليق صيغة الشرط والجزاء وعلق وجوب صرف ماله في ~~رتاج الكعبة على مسألته القسمة وهذه الصيغة يقصد بها ( نذر التبرر ) كقوله ~~إن شفى الله مريضى وسلم مالي الغائب فثلث مالى صدقة ويقصد بها نذر اليمين ~~الذى يسمى نذر اللجاج والغضب كما قصد هذا المعلق والصيغة في الموضعين صيغة ~~تعليق لكن المعنى والقصد متباين فانه في أحد الموضعين مقصوده حصول الشرط ~~الذى هو نعمة من الله كشفاء المريض وسلامة المال والتزم طاعة الله شكرا لله ~~على نعمته وتقربا إليه وفى النوع الآخر مقصوده أن يمنع نفسه أو غيره من فعل ~~أو يحضه عليه وحلف فالوجوب لإمتناعه من وجوب هذا عليه وكراهة ذلك وبغضه ~~إياه كما يمتنع من الكفر ويبغضه ويكرهه فيقول إن فعلت فهو PageV35P333 ~~يهودى أو نصرانى وليس مقصوده أنه يكفر بل لفرط بغضه للكفر به حلف أنه لا ~~يفعل قصدا لإنتفاء الملزوم بإنتفاء اللازم فإن الكفر اللازم يقصد نفيه فقصد ~~به الفعل لنفى الفعل أيضا كما إذا حلف بالله فلعظمة الله في قلبه عقد به ~~اليمين ليكون المحلوف عليه لازما لإيمانه بالله فيلزم من وجود الملزوم وهو ~~الإيمان بالله وجود اللازم وهو لزوم الفعل الذى حلف عليه وكذلك إذا حلف أن ~~لا يفعل أمرا جعل إمتناعه منه لازما لإيمانه بالله وهذا هو عقد اليمين وليس ~~مقصوده رفع إيمانه بل مقصوده أن لا يرتفع إيمانه ولا ما عقده به من ms9786 ~~الإمتناع فسمى عمر بن الخطاب هذا ( يمينا ( وإستدل على أنه ليس عليه الفعل ~~المعلق بالشرط بقول النبى ( لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في ~~قطيعة الرحم ولا في مالا يملك ( # والنبى صلى الله عليه وسلم ذكر اليمين والنذر كما ذكر الله في كتابه ~~اليمين والنذر فإن اليمين مقصودها الحض أو المنع من الإنشاء أو التصديق أو ~~التكذيب في الخبر والنذر ما يقصد به التقرب إلى الله ولهذا أوجب سبحانه ~~الوفاء بالنذر لأن صاحبه إلتزم طاعة لله فأوجب على نفسه ما يحبه الله ~~ويرضاه قصدا للتقرب بذلك الفعل إلى الله وهذا كما أوجب الشارع على من شرع ~~في الحج والعمرة إتمام ذلك لله لقوله PageV35P334 @QB@ وأتموا الحج والعمرة ~~لله @QE@ وإن كان الشارع متطوعا وتنازع العلماء في وجوب إتمام غيرهما ولم ~~يوجب سبحانه الوفاء باليمين لأن مقصود صاحبها الحض والمنع ليس مقصوده ~~التقرب إلى الله تعالى # ولكن صيغة النذر تكون غالبا بصيغة التعليق صيغة المجازات كقوله إن شفا ~~الله مريضى كان على عتق رقبة وصيغة اليمين غالبا تكون بصيغة القسم كقوله ~~والله لأفعلن كذا وقد يجتمع القسم والجزاء كقوله @QB@ ومنهم من عاهد الله ~~لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ~~ما وعدوه وبما كانوا يكذبون @QE@ # ولهذا ترجم الفقهاء على إحدى الصيغتين ( باب التعليق بالشروط كتعليق ~~الطلاق والعتاق والنذر وغير ذلك وعلى الأخرى ( باب جامع الأيمان ) كما ~~يشترك فيه اليمين بالله والطلاق والعتاق والظهار والحرام وغير ذلك ومسائل ~~أحد البابين مختلطة بمسائل الآخر ولهذا كان من الفقهاء من ذكر مسائل جامع ~~الأيمان مع مسائل التعليق ومنهم من ذكرها في ( باب الأيمان ( والمنفى بإحدى ~~الصيغتين مثبت بالأخرى والمقدم في إحداهما مؤخر في الأخرى فإذا قال إن فعلت ~~كذا فمالي حرام أو عبدى حر أو إمرأتى طالق أو مالى صدقة أو فعلى كذا وكذا ~~حجة أو صوم شهر أو نحو ذلك PageV35P335 فهو بمنزلة ms9787 أن يقول الطلاق يلزمه لا ~~يفعل كذا أو العتق أو الحرام يلزمه والمشى إلى مكة يلزمه لا يفعل كذا ونحو ~~ذلك ففي صيغة الجزاء أثبت الفعل وقدمه وأخر الحكم ولما أخر الفعل ونفاه ~~وقدم الحكم والمحلوف به مقصوده أن لا يكون ولا يهتك حرمته وكذلك إذا قال إن ~~فعلت كذا فأنا كافر أو يهودى أو نصرانى فهو كقوله والله لأنه كذا # ولهذا كان نظر النبى وأصحابه إلى معنى الصيغة ومقصود المتكلم سواء كانت ~~بصيغة المجازات أو بصيغة القسم فإذا كان مقصوده الحظ أو المنع جعلوه يمينا ~~وإن كان بصيغة المجازات وإن كان مقصوده التقرب إلى الله جعلوه ناذرا وإن ~~كان بصيغة القسم ولهذا جعل النبى صلى الله عليه وسلم الناذر حالفا لأنه ~~ملتزم للفعل بصيغة المجازاة فإن كان المنذور مما أمر الله به أمره به وإلا ~~جعل عليه كفارة يمين وكذلك الحالف إنما أمره أن يكفر يمينه إذا حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها إعتبارا بالمقصود في الموضعين فإذا كان المراد ~~ما يحبه الله ويرضاه أمر به وهو النذر الذى يوفى به وإن كان بصيغة القسم ~~وإن كان غيره أحب إلى الله وأرضى منه أمر بالأحب الأرضى لله وإن كان بصيغة ~~النذر وأمر بكفاره يمين وهذا كله تحقيقا لطاعة الله ورسوله وأن يكون الدين ~~كله لله وأن كل يمين أو نذر أو عقد أو شرط تضمن ما يخالف أمر الله ورسوله ~~فإنه لا يكون لازما بل يجب تقديم أمر الله ورسوله على كل ذلك PageV35P336 ~~فكلما يقصده العباد من الأفعال والتروك إن كان مما أمر الله به ورسوله فإن ~~الله يأمر به وبالإعانة عليه وإن كان مما نهى الله عنه ورسوله فإن الله ~~ينهى عنه وعن الإعانة عليه وإن كان من المباحات فهو مع النية الحسنة يكون ~~طاعة ومع النية السيئة يكون ذنبا ومع عدم كل منهما لا هذا ولا هذا # فالشرع دائما في الأيمان والنذور والشروط والعقود يبطل منها ما كان ~~مخالفا لأمر الله ورسوله لكن إذا كان قد ms9788 علق تلك الأمور بإيمانه بالله شرعت ~~الكفارة ماحية لمقتضى هذا العقد فإنه لولا ذلك لكان موجبه الإثم إذا خالف ~~يمينه ولهذا سمى ( حنثا ( قال تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن ~~تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس @QE@ وقد تواترت الآثار عن الصحابة ~~والتابعين وغيرهم بأن معنى هذه الآية أنه لا يحلف أحدكم على أنه لا يبر ولا ~~يتقى الله ولا يصل رحمه فإذا أمر بذلك قال أنا قد حلفت بالله فيجعل الحلف ~~بالله مانعا له من طاعة الله ورسوله فإذا كان قد نهى سبحانه أن يجعل الله ~~أي الحلف بالله مانعا من طاعة الله فغير ذلك أولى أن ينهى عن كونه مانعا من ~~طاعة الله والأيمان الشرعية الموجبة للكفارة كلها تعود إلى الحلف بالله كما ~~سننبه عليه إن شاء الله تعالى # وإنما المقصود هنا ذكر بعض الآثار قال أبو بكر الأثرم في سننه سمعت أبا ~~عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن رجل قال ماله في رتاج الكعبة PageV35P337 ~~قال كفارة يمين وإحتج بحديث عائشة قال وسمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل ~~يحلف بالمشى إلى بيت الله أو الصدقة بالملك أو نحو هذه الأيمان فقال إذا ~~حنث فكفارة يمين إلا أنى لا أحمله على الحنث مالم يحنث قيل له لا يفعل قيل ~~لأبى عبد الله فإذا حنث كفر قال نعم قيل له أليس كفارة يمين قال نعم # قال الأثرم حدثنا الفضل بن دكين حدثنا حسن عن بن أبى نجيح عن عطاء عن ~~عائشة قالت من قال مالى في ميراث الكعبة وكل مالى فهو هدى وكل مالى فهو في ~~المساكين فليكفر يمينه # وقال الأثرم حدثنا عارم بن الفضل حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبى ~~حدثنا بكر بن عبد الله أخبرنى أبو رافع قال قالت مولاتى ليلى بنت العجماء ~~كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدى وهى يهودية وهى نصرانية إن لم تطلق ~~إمرأتك أو تفرق بينك وبين إمرأتك قال فأتيت زينب إبنة أم سلمة وكانت إذا ~~ذكرت إمرأة بالمدينة فقيهة ms9789 ذكرت زينب قال فأتيتها فجاءت معى إليها فقالت في ~~البيت هاروت وماروت قالت يا زينب جعلنى الله فداك أنها قالت كل مملوك لها ~~حر وكل مال لها هدى وهى يهودية وهى نصرانية فقالت يهودية ونصرانية خلى بين ~~الرجل وإمرأته فأتيت حفصة أم المؤمنين فأرسلت إليها فأتتها فقالت يا أم ~~المؤمنين جعلنى الله PageV35P338 فداك إنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال ~~لها هدى وهى يهودية وهى نصرانية فقالت يهودية ونصرانية خلى بين الرجل وبين ~~إمرأته قال فأتيت عبد الله بن عمر فجاء معى إليها فقام على الباب فسلم ~~فقالت بينا أنت وبينا أبوك فقال أمن حجارة أنت أمن حديد أنت أى شيء أنت ~~أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلى فتياهما قالت يا أبا عبد الرحمن ~~جعلنى الله فداك أنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى يهودية وهى ~~نصرانية فقال يهودية ونصرانية كفرى عن يمينك وخلى بين الرجل وبين إمرأته # وذكر هذا عبد الرزاق في ( مصنفه ( عن التيمي عن معتمر بن سليمان عن أبيه ~~عن بكر بن عبد الله المزنى قال أخبرنى أبو رافع قال قالت لى مولاتى ليلى ~~إبنة العجماء كل مملوك لها حر وكل مالها هدى وهى يهودية ونصرانية إن لم ~~تطلق إمرأتك قال فأتتنا زينب بنت أم سلمة وكان إذا ذكرت إمرأة فقيهة ذكرت ~~زينب فذكرت ذلك لها فقالت خلي بين الرجل وبين إمرأته وكفرى عن يمينك قال ~~فأتتنا حفصة زوج النبى فقلت يا أم المؤمنين جعلنى الله فداك وذكرت لها ~~يمينها فقالت كفرى عن يمينك قال وأتينا عبد الله بن عمر فقلنا يا أبا عبد ~~الرحمن وذكرت له يمينها فقال كفرى يمينك وخلى بين الرجل وإمرأته ~~PageV35P339 قال إبن عبد البر قوله وكل مملوك لها حر هو من رواية سليمان ~~التيمي وأشعث الحمرانى عن بكر المزنى مع هذا الحديث وفى رواية أشعث في هذا ~~الحديث إبن عباس وأبو هريرة وإبن عمر وحفصة وعائشة وأم سلمة وإنما هو زينب ~~بنت أم سلمة # وقال الأثرم ms9790 حدثنا عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران عن قتادة عن زرارة بن ~~أبى أوفى أن إمرأة سألت إبن عباس أن إمرأة جعلت بردها عليها هديا إن لبسته ~~فقال بن عباس أفى غضب أم في رضا قالوا في غضب قال إن الله تبارك وتعالى لا ~~يتقرب إليه بالغضب لتكفر عن يمينها # قلت إبن عباس إستفسر النذر هل مقصودها التقرب بالمنذور كما قد يقول ~~القائل إن سلم مالى تصدقت به أو مقصودها الحلف أنها لا تلبسه فيكون عليها ~~كفارة يمين فقال أفى غضب أم رضا فلما قالوا في غضب علم أنها حالفة لا ناذرة ~~ولهذا سمى الفقهاء هذا ( نذر اللجاج والغضب ( فهو يمين وإن كان صيغته صيغة ~~الجزاء # وقال الأثرم حدثنى إبن الطباع حدثنا أبو بكر بن عياش عن العلاء إبن ~~المسيب عن يعلى بن النعمان عن عكرمة عن إبن عباس سئل عن رجل جعل ماله في ~~المساكين قال أمسك عليك مالك وأنفقه على PageV35P340 عيالك واقض به دينك ~~وكفر عن يمينك وقال حرب الكرمانى في مسائله حدثنا المسيب بن واضح حدثنا ~~يوسف بن أبى السفر عن الأوزاعى عن عطاء بن أبى رباح قال سألت إبن عباس عن ~~الرجل يحلف بالمشى إلى بيت الله الحرام قال إنما المشى على من نواه فأما من ~~حلف في الغضب فعليه كفارة يمين وقال الأثرم حدثنا أبو بكر بن أبى الأسود ~~حدثنا معتمر عن أبيه عن إبن عمر والحسن قال إذا كان نذر الشكر فعليه وفاء ~~نذره والنذر في المعصية والغضب يمين # وقال الأثرم حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق ~~حدثنا بن جريج قال سئل عطاء عن رجل قال علي ألف بدنة فقال يمين وعن رجل قال ~~على ألف حجة قال يمين وعن رجل قال مالى هدى قال يمين وعن رجل قال مالى في ~~المساكين قال يمين وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة عن ~~الحسن وجابر إبن زيد في الرجل يقول إن لم أفعل كذا وكذا فأنا محرم ms9791 بحجة قال ~~ليس الإحرام إلا على من نوى الحج يمين يكفرها وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق ~~أخبرنا معمر عن إبن طاووس عن أبيه قال يمين يكفرها وقال الأثرم حدثنا أبو ~~عبد الله حدثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن المنهال عن أبى وائل في رجل قال هو ~~محرم بحجة قال يمين وقال حدثنا أبو عبد الله حدثنا محمد بن يزيد الواسطى عن ~~أيوب يعنى أبا العلاء عن PageV35P341 قتادة ومنصور عن الحسن في رجل قال إن ~~دخل منزل فلان فعليه مشى إلى بيت الله قال عليه كفارة يمين قال فإن نذر أن ~~يمشى فعليه المشى وإن لم يطق المشى ركب فأهدى وقال أبوعبدالله حدثنا يعقوب ~~بن إبراهيم بن سعد حدثنا عاصم بن محمد عن أخيه عمر بن محمد قال جاء إنسان ~~فإستفتى القاسم بن محمد بن أبى بكر فقال يا أبا محمد كيف ترى في رجل جعل ~~عليه مشيا إلى بيت الله فقال القاسم أجعله نذرا قال لا أو جعله لله قال لا ~~قال فليكفر عن يمينه # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # ذكر بن عساكر ما ذكره حنبل قال سمعت أبا عبد الله يقول يقال مروان بن ~~الحكم كان عنده قضاء وكان يتبع قضاء عمر وذكر ما ذكره أبو زرعة الدمشقى قال ~~الإختلاف بين الناس في هذين الرجلين محمد بن الوليد الزبيدى وسعيد بن أبى ~~حمزة وقد أخبرنى الحكم بن نافع أنه رآهما جميعا الزبيدى وسعيد بن أبى حمزة ~~ورأيته للزبيدى أكثر تعظيما وهما صاحبا الزهري بالرصافة من قبل هشام بن عبد ~~الملك محمد بن الوليد الزبيدى على بيت المال وسعيد بن أبى حمزة على نفقات ~~هشام وعن بقية قال قال لنا الأوزاعى ما فعل محمد بن الوليد الزبيدى قال قلت ~~ولى بيت المال قال إنا لله وإنا إليه راجعون PageV35P342 # وذكر ما ذكره الذهلى من حديث الزهري حدثنا سعيد بن كثير بن عفير أخبرنا ~~عبد الله بن وهب عن يونس عن إبن شهاب قال أخبرنى قبيصة بن ذؤيب # إن إمرأة نذرت ms9792 أن تنحر إبنها عند الكعبة في أمر إن فعلته ففعلت ذلك الأمر ~~فقدمت المدينة تستفتى عن نذرها فجاءت عبد الله إبن عمر فقال لها عبد الله ~~لا أعلم الله أمر في النذر إلا بالوفاء قالت المرأة فأنحر إبنى فقال عبد ~~الله بن عمر قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم ثم لم يزدها إبن عمر على ذلك # فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته عن ذلك فقال أمر الله بوفاء النذر ~~ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر أن توافى له عشرة ~~رهط أن ينحر أحدهم فلما توافى له عشرة وأقرع بينهم أيهم ينحر فصارت القرعة ~~على عبد الله بن عبد المطلب وكان أحب الناس إلى عبد المطلب فقال عبد المطلب ~~اللهم أهو أو مائة من الأبل ثم أقرع بينه وبين مائة من الأبل في الجاهلية ~~وصارت القرعة على نحر مائة من الأبل فقال إبن عباس للمرأة فإنى أرى أن ~~تنحرى مائة من الأبل مكان إبنك فبلغ الحديث مروان بن الحكم وهو أمير ~~المدينة فقال ما أرى إبن عمر وإبن عباس أصابا الفتيا ( إنه لا نذر في معصية ~~الله ( إستغفرى الله وتوبى إليه وإعملى ما إستطعت من الخير فأما أن تنحرى ~~إبنك فإن الله قد نهاك عن ذلك قال فسر الناس بذلك وأعجبهم قول مروان ورأوا ~~أن قد أصاب الفتوى فلم يزل الناس يفتون بأن لا نذر في معصية الله ~~PageV35P343 قلت بن عمر كان من حاله أنه يتوقف عن النذر للمعصية لا يأمر ~~فيه لا بوفاء ولا ترك كما سئل عن من نذر صوم يوم العيد فقال أمر الله ~~بالوفاء بالنذر ونهى رسول الله عن صوم هذا اليوم وذلك أنه تعارض عنده ~~دليلان الامر والنهى ولم يتبين له ان الامر بوفاء النذر مقيد بطاعة الله ~~ولهذا نقل مالك في ( موطئه ( الحديث الذى أخرجه البخارى بعده عن عائشة # أن رسول الله قال ( من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن ندر ان يعصي الله فلا ~~يعصه ( مع أن القرآن ليس ms9793 فيه أمر بالوفاء بالنذر بلفظ النذر مطلقا اذ قوله ~~@QB@ يوفون بالنذر @QE@ خبر وثناء وقوله @QB@ وليوفوا نذورهم @QE@ خاص لكن ~~الله أمر بالوفاء بالعهود والعقود والنذر من ذلك فهذا والله أعلم معنى ~~قولهما امر الله بالوفاء بالنذر وهذه حال من يجعل العهود والعقود مقتضية ~~للوفاء مطلقا من غير اعتبار في المعقود عليه وهذا كثيرا ما يعرض لبعض اهل ~~الورع كما عرض لابن عمر حتى انهم يمتنعون عن نقض كثير من العهود والعقود ~~المخالفة للشريعة وهم يتورعون ايضا عن مخالفة الشريعة فيبقون في الحيرة # واما بن عباس فعنه في هذه المسألة روايتان ( إحداهما ( هذا ( والاخرى ( ~~عليه ذبح كبش وهذا احدى الروايتين عن أحمد وقول ابى حنيفة وغيره وهذا هو ~~الذي يناسب الشريعة دون الاحتجاج بقصة عبد المطلب فان عمل أهل الجاهلية لا ~~يحتج به أصلا الا اذا أقره الاسلام PageV35P344 لكن بن عباس احتج به لكون ~~الدية اقرها الاسلام وهي بدل النفس فرأى هذا البدل يقوم مقام المبدل في ~~الافتداء ثم جعل الافتداء بالكبش اتباعا لقصة إبراهيم وهو الانسب والرواية ~~الاخرى عن أحمد عليه كفارة يمين كسائر نذور المعصية # والذى افتى به مروان انه لا شيء عليه هو قول الشافعى وأحمد في رواية وكل ~~من يقول نذر المعصية لا شيء فيه وهذا النذر ظاهره نذر يمين لكن المعروف عن ~~بن عمر وبن عباس ان ذلك يمين يكفرها فتبين انه كان نذر تبرر كنذر عبد ~~المطلب ولكن مالك وغيره من أهل المدينة لا يفرقون بين البابين فرووا القصة ~~بالمعنى الذى عندهم # وقال رحمه الله تعالى ### ||| فصل # قد كتبت في ( قاعدة العهود والعقود ( القاعدة في العهود الدينية في ~~القواعد المطلقة والقاعدة في العقود الدنيوية في القواعد الفقهية وفى ( ~~كتاب النذر ( أيضا أن ما وجب بالشرع إذا نذره العبد أو عاهد الله عليه أو ~~بايع عليه الرسول أو الإمام أو تحالف عليه جماعة فإن هذه العهود ~~PageV35P345 والمواثيق تقتضى له وجوبا ثانيا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر ~~الأول فتكون واجبة من وجهين بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما ms9794 يستحقه ناقض ~~العهود والميثاق وما يستحقه عاصى الله ورسوله هذا هو التحقيق ومن قال من ~~أصحابنا إنه إذا نذر واجبا فهو بعد النذر كما كان قبل النذر بخلاف نذر ~~المستحب فليس كما قال بل النذر إذا كان يوجب فعل المستحب فإيجابه لفعل ~~الواجب أولى وليس هذا من باب تحصيل الحاصل بل هما وجوبان من نوعين لكل نوع ~~حكم غير حكم الآخر مثل الجدة إذا كانت أم أم أم وأم أم أب فإن فيها سببين ~~كل منهما تستحق به السدس # وكذلك من قال من أصحابنا إن الشروط التى هي من مقتضى العقد لا يصح ~~إشتراطها أو قال تفسد حتى قال بعض أصحاب الشافعى إذا قال زوجتك على ما أمر ~~الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان كان النكاح فاسدا لأنه شرط فيه ~~الطلاق فهذا كلام فاسد جدا فإن العقود إنما وجبت موجباتها لإيجاب ~~المتعاقدين لها على أنفسهما ومطلق العقد له معنى مفهوم فإذا أطلق كانا قد ~~أوجبا ما هو المفهوم منه فإن موجب العقد هو واجب بالعقد كموجب النذر لم ~~يوجبه الشارع إبتداء وإنما أوجب الوفاء بالعقود كما أوجب الوفاء بالنذر ~~فإذا كان له موجب معلوم بلفظ مطلق أو بعرف وصرح المتعاقد أن بإيجابه بلفظ ~~خاص كان هذا من باب عطف الخاص على العام فيكون العاقد PageV35P346 قد أوجبه ~~مرتين أو جعل له إيجابا خاصايستغنى به عن الإيجاب العام وفى القرآن من هذا ~~نظائر مثل قوله @QB@ وملائكته ورسله وجبريل وميكال @QE@ وقوله وإذ أخذنا ~~@QB@ من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم @QE@ ~~وقوله @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ وقوله @QB@ قل لأزواجك ~~وبناتك ونساء المؤمنين @QE@ وقوله @QB@ يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى @QE@ ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل أمر أجيره أن يرهن شيئا عند شخص فرهنه عند غيره فعدم الرهن فحلف ~~صاحب الرهن إن لم يأته به لم يستعمله معتقدا أنه لم يعدم ثم تبين له عدمه ~~فهل يحنث إذا إستعمله ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا كان حين حلف معتقدا أن ms9795 الرهن باق بعينه لم يعدم فحلف ~~ليحضر لم يحنث والحالة هذه والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل حلف على ولده لا يدخل الدار حتى يعطيه الكساء الذى أخذه ثم تبين ~~له أنه لم يأخذ شيئا فهل يحنث إذا دخل أم لا PageV35P347 ### ||||| فأجاب # إذا دخل منزله فلا حنث عليه إذا كانت الحالة ما ذكر لكون المحلوف ~~عليه ممتنعا لذاته # كما لو حلف ليشربن الماء الذى في هذا الإناء وليس فيه ماء في أصح القولين ~~ولأنه إنما حلف لإعتقاده أن إبنه أخذه وتبين بخلاف ذلك ومثل هذا فيه أيضا ~~نزاع والصحيح أنه لا حنث فيه فصار غير حانث في هذين الوجهين والمسألة ~~المشهورة إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه فإن هذا جهل ~~بالمحلوف عليه بنفسه وذلك جهل بصفة المحلوف عليه والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل حلفت عليه والدته أن لا يصالح زوجته وإن صالحها ما ترجع تكلمه فما ~~يجب في أمره وصالح زوجته وامر والدته في الشرع المطهر ### ||||| فأجاب # إذا صالح زوجته كما أمر الله ورسوله فينبغى لها أن تكلمه وتكفر عن ~~يمينها وكفارة اليمين إما عتق رقبة وإما إطعام عشرة مساكين لكل مسكين رطلان ~~من الخبز وينبغى أن يأدمه مما يؤكل بالموز والجبن واللحم وغيره وإما كسوة ~~عشرة مساكين ثوبا ثوبا ويجوز أن يكفر عنها بإذنها الحالف أو زوجته ~~PageV35P348 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى # كفارة اليمين هي المذكورة في سورة المائدة قال تعالى ( فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام ) فمتى كان واجدا فعليه أن يكفر بإحدى الثلاث فإن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام وإذا إختار أن يطعم عشرة مساكين فله ذلك # ومقدار ما يطعم مبنى على أصل وهو أن إطعامهم هل هو مقدر بالشرع أو بالعرف ~~فيه قولان للعلماء منهم من قال هو ( مقدر بالشرع ( وهؤلاء على أقوال منهم ~~من قال يطعم كل مسكين ms9796 صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من بر كقول ~~أبى حنيفة وطائفة ومنهم من قال يطعم كل واحد نصف صاع من تمر وشعير أو ربع ~~صاع من بر وهو مد كقول أحمد وطائفة ومنهم من قال بل يجزئ في الجميع مد من ~~الجميع كقول الشافعى وطائفة # ( والقول الثانى ) أن ذلك مقدر بالعرف لا بالشرع فيطعم أهل كل بلد من ~~أوسط ما يطعمون أهليهم قدرا ونوعا وهذا معنى قول مالك قال إسماعيل ~~PageV35P349 بن إسحاق كان مالك يرى في كفارة اليمين أن المد يجزئ بالمدينة ~~قال مالك وأما البلدان فإن لهم عيشا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من ~~عيشهم لقول الله تعالى @QB@ من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم @QE@ وهو ~~مذهب داود وأصحابه مطلقا # والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين هذا القول ولهذا كانوا يقولون الأوسط ~~خبز ولبن خبز وسمن خبز وتمر والأعلى خبز ولحم وقد بسطنا الآثار عنهم في غير ~~هذا الموضع وبينا أن هذا القول هو الصواب الذى يدل عليه الكتاب والسنة ~~والإعتبار وهو قياس مذهب أحمد وأصوله فإن أصله أن مالم يقدره الشارع فإنه ~~يرجع فيه إلى العرف وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف لا سيما مع ~~قوله تعالى @QB@ من أوسط ما تطعمون أهليكم @QE@ فإن أحمد لا يقدر طعام ~~المرأة والولد ولا المملوك ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ~~ظاهر مذهبه ولا يقدر الضيافة الواجبة عنده قولا واحدا ولا يقدر الضيافة ~~المشروطة على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه هذا مع أن هذه واجبة بالشرط ~~فكيف يقدر طعاما واجبا بالشرع بل ولا يقدر الجزية في أظهر الروايتين عنه ~~ولا الخراج ولا يقدر أيضا الأطعمة الواجبة مطلقا سواء وجبت بشرع أو شرط ولا ~~غير الأطعمة مما وجبت مطلقا فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر PageV35P350 # و ( الأقسام ثلاثة ( فماله حد في الشرع أو اللغة رجع في ذلك إليهما وما ~~ليس له حد فيهما رجع فيه إلى العرف ولهذا لا يقدر للعقود ألفاظا بل ms9797 أصله في ~~هذه الأمور من جنس أصل مالك كما أن قياس مذهبه أن مذهبه أن يكون الواجب في ~~صدقة الفطر نصف صاع من بر وقد دل على ذلك كلامه أيضا كما قد بين في موضع ~~آخر وإن كان المشهور عنه تقدير ذلك بالصاع كالتمر والشعير # وقد تنازع العلماء في ( الأدم ( هل هو واجب أو مستحب على قولين والصحيح ~~أنه إن كان يطعم أهله بأدم أطعم المساكين بأدم وإن كان إنما يطعم بلا أدم ~~لم يكن له أن يفضل المساكين على أهله بل يطعم المساكين من أوسط ما يطعم ~~أهله # وعلى هذا فمن البلاد من يكون أوسط طعام أهله مدا من حنطة كما يقال عن أهل ~~المدينة وإذا صنع خبزا جاء نحو رطلين بالعراقى وهو بالدمشقى خمسة أواق ~~وخمسة أسباع أوقية فإن جعل بعضه أدما كما جاء عن السلف كان الخبز نحوا من ~~أربعة أواق وهذا لا يكفى أكثر أهل الأمصار فلهذا قال جمهور العلماء يطعم في ~~غير المدينة أكثر من هذا إما مدان أو مد ونصف على قدر طعامهم فيطعم من ~~الخبز إما نصف رطل بالدمشقى وأما ثلثا رطل وإما رطل وإما أكثر إما مع الأدم ~~على قدر عادتهم في الأكل في وقت فإن عادة الناس تختلف بالرخص PageV35P351 ~~والغلاء واليسار والإعسار وتختلف بالشتاء والصيف وغير ذلك وإذا حسب ما ~~يوجبه أبو حنيفة خبزا كان رطلا وثلثا بالدمشقى فإنه يوجب نصف صاع عنده ~~ثمانية أرطال وأما ما يوجبه من التمر والشعير فيوجب صاعا ثمانية أرطال وذلك ~~بقدر ما يوجبه الشافعى ست مرات وهو بقدر ما يوجبه أحمد بن حنبل ثلاث مرات # والمختار أن يرجع في ذلك إلى عرف الناس وعادتهم فقد يجزئ في بلد ما أوجبه ~~أبو حنيفة وفى بلد ما أوجبه أحمد وفى بلد آخر ما بين هذا وهذا على حسب ~~عادته عملا بقوله تعالى @QB@ من أوسط ما تطعمون أهليكم @QE@ # وإذا جمع عشرة مساكين وعشاهم خبزا وأدما من أوسط ما يطعم أهله أجزأه ذلك ~~عند أكثر السلف وهو مذهب أبى ms9798 حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين وغيرهم ~~وهو أظهر القولين في الدليل فإن الله تعالى أمر بإطعام لم يوجب التمليك ~~وهذا إطعام حقيقة # ومن اوجب ( التمليك ( إحتج بحجتين ( إحداهما ( أن الطعام الواجب مقدر ~~بالشرع ولا يعلم إذا أكلوا أن كل واحد يأكل قدر حقه و ( الثانية ( أنه ~~بالتمليك يتمكن من التصرف الذى لا يمكنه مع الإطعام وجواب الأولى أنا لا ~~نسلم أنه مقدر بالشرع وإن قدر أنه مقدر به فالكلام PageV35P352 إنما هو إذا ~~أشبع كل واحد منهم غداء وعشاء وحينئذ فيكون قد أخذ كل واحد قدر حقه وأكثر ~~وأما التصرف بما شاء فالله تعالى لم يوجب ذلك إنما أوجب فيها التمليك لأنه ~~ذكرها باللام بقوله تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ ولهذا ~~حيث ذكر الله التصرف بحرف الظرف كقوله @QB@ وفي الرقاب @QE@ @QB@ وفي سبيل ~~الله @QE@ فالصحيح أنه لا يجب التمليك بل يجوز أن يعتق من الزكاة وإن لم ~~يكن ذلك تمليكا للمعتق # ويجوز أن يشترى منها سلاحا يعين به في سبيل الله وغير ذلك ولهذا قال من ~~قال من العلماء الإطعام أولى من التمليك لأن المملك قد يبيع ما أعطيته ولا ~~يأكله بل قد يكنزه فإذا أطعم الطعام حصل مقصود الشارع قطعا # وغاية ما يقال أن التمليك قد يسمى إطعاما كما يقال ( أطعم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الجدة السدس ( وفى الحديث ( ما أطعم الله نبيا طعمة إلا ~~كانت لمن يلى الأمر بعده ( لكن يقال لا ريب أن اللفظ يتناول الإطعام ~~المعروف بطريق الأولى ولأن ذلك إنما يقال إذا ذكر المطعم فيقال أطعمه كذا ~~فأما إذا أطلق وقيل أطعم هؤلاء المساكين فإنه لا يفهم منه الأنفس الإطعام ~~لكن لما كانوا يأكلون ما يأخذونه سمى التمليك للطعام إطعاما لأن المقصود هو ~~الإطعام إما إذا كان المقصود مصرفا غير الأكل فهذا لا يسمى إطعاما عند ~~الإطلاق PageV35P353 # وقال قدس الله روحه # وأما ( النذر ( فهو نوعان طاعة ومعصية فمن نذر صلاة أو صوما أو صدقة ~~فعليه أن يوفى به وإن نذر ما ليس بطاعة مثل ms9799 النذر لبعض المقابر والمشاهد ~~وغيرها زيتا أو شمعا أو نفقة أو غير ذلك فهذا نذر معصية وهو شبيه من بعض ~~الوجوه بالنذر للأوثان كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فهذا لا يجوز ~~الوفاء به بالإتفاق لكن من العلماء من يوجب كفارة يمين كالإمام أحمد وغيره ~~ومنهم من لايوجب شيئا وهو قول أبى حنيفة والشافعى # وإذا صرف الرجل ذلك المنذور في قربة مشروعة مثل أن يصرف الدهن في تنوير ~~المساجد التى هي بيوت الله ويصرف النفقة إلى صالحى الفقراء كان هذا عملا ~~صالحا يتقبله الله منه # مع أن أصل عقد النذر مكروه فإن النبى قد ثبت عنه ( أنه نهى عن النذر وقال ~~إنه لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل ( والله أعلم PageV35P354 ### ||| 2 باب القضاء #2 قال أبو العباس قدس الله روحه ### || فائدة نافعة جامعة # المقصود من القضاء وصول الحقوق إلى أهلها وقطع المخاصمة فوصول الحقوق هو ~~المصلحة وقطع المخاصمة إزالة المفسدة فالمقصود هوجلب تلك المصلحة وازالة ~~هذه المفسدة ووصول الحقوق هومن العدل الذى تقوم به السماء والأرض وقطع ~~الخصومة هومن ( باب دفع الظلم والضرر ( وكلاهما ينقسم إلى إبقاء موجود ودفع ~~مفقود ففى وصول الحقوق إلى مستحقها يحفظ موجودها ويحصل مقصودها وفى الخصومة ~~يقطع موجودها ويدفع مفقودها فاذا حصل الصلح زالت الخصومة التى هي أحد ~~المقصودين # وأما ( الحقوق ( فاما أن تكون وصلت معه أو رضي صاحب الحق بتركه وهو جائز ~~وإذا انفصلت الحقوق بحكم وشهادة ونحو ذلك فقد يكون في فصلها جرح الحكام ~~والشهود ونحو ذلك وهو من المفاسد التى لا يصار اليها الا لضرورة كالمخاصمة ~~فانه قد يكون في الفصل الأمر صعبا بين المتخاصمين وغيرهما PageV35P355 # ( فالاقسام اربعة ( اما فصل بصلح فهذا هو الغاية لانه حصل المقاصد الثلاث ~~على التمام واما فصل بحكم مر فقد حصل معه وصول الحق وقطع الخصومة ولم يحصل ~~معه صلاح ذات البين واما صلح على ترك بعض ما يدعى انه حق فهذا أيضا قد حصل ~~مقصود الصلح وقطع النزاع ولم يحصل مقصود وصول الحقوق لكن ما ms9800 يقوم مقامه من ~~الترك ومن هنا يتبين ان الحكم بالصلح احسن من الحكم بالفصل المر لانهما ~~اشتركا في دفع الخصومة وامتاز ذلك بصلاح ذات البين مع ترك احدهما لحقه ~~وامتاز الاخر بأخذ المستحق حقه مع ضغائن فتلك المصلحة أكمل لاسيما ان كان ~~الحق انما هو في الظاهر وقد يكون الباطن بخلافه واما لا فضل ولا صلح فهذا ~~لا يصلح يحصل به مفسدة ترك القضاء # وان كان الحق في يد صاحبه كالوقف وغيره يخاف ان لم يحفظ بالبينات ان ~~ينسيه شرط ويجحد ولا يأتيه ونحو ذلك فهنا في سماع الدعوى والشهادة من غير ~~خصم حفظ الحق المجحود عن خصم مقدر وهذا أحد مقصودى القضاء فلذلك يسمع ذلك ~~ومن قال من الفقهاء لا يسمع ذلك كما يقوله طوائف من الحنفية والشافعية ~~والحنبلية فعنده ليس للقضاء فائدة الا فصل الخصومة ولا خصومة ولا قضاء ~~فلذلك لا تسمع البينة الا في وجه مدعى عليه لتظهر الخصومة ومن قال بالخصم ~~المسخر فإنه ينصب للشر ثم يقطعه ومن قال تسمع فانه يحفظ الحق الموجود ويذر ~~الشر المفقود والله اعلم PageV35P356 ### || 1 ( رسالة في حدود سلطة الحاكم ) 1 # ! 8 < وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه ! 8 < ### ||| فصل # ! 8 < # فيما جعل الله للحاكم أن يحكم فيه ومالم يجعل لواحد من المخلوقين الحكم ~~فيه بل الحكم فيه على جميع الخلق لله تعالى ولرسوله ليس لأحد من الحكام أن ~~يحكم فيه على غيره ولو كان ذلك الشخص من آحاد العامة وهذا مثل الأمور ~~العامة الكلية التى أمر الله جميع الخلق أن يؤمنوا بها ويعملوا بها وقد ~~بينها في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما أجمعت عليه الأمة أو ~~تنازعت الأمة فيه إذا وقع فيه نزاع بين الحكام وبين آحاد المسلمين من ~~العلماء أو الجند أو العامة أو غيرهم لم يكن للحاكم أن يحكم فيها على من ~~ينازعه ويلزمه بقوله ويمنعه من القول الآخر فضلا عن أن يؤذيه أو يعاقبه # مثل أن يتنازع حاكم أو غير حاكم في قوله ( أو ms9801 لامستم النساء ) هل المراد ~~به الجماع كما فسره بن عباس وغيره وقالوا إن مس المرأة لا ينقض الوضوء لا ~~لشهوة ولا لغير شهوة أو المراد به اللمس بجميع البشرة إما لشهوة وإما مطلقا ~~كما نقل الأول عن بن عمر والثالث قاله بعض العلماء وللعلماء في هذا ( ثلاثة ~~أقوال PageV35P357 والأظهر هو القول الأول وإن الوضوء لا ينتقض بمس النساء ~~مطلقا وما زال المسلمون يمسون نساءهم ولم ينقل أحد قط عن النبى أنه كان ~~يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك ولا نقل عن الصحابة على حياته أنه توضأ من ~~ذلك ولا نقل عنه قط أنه توضأ من ذلك بل قد نقل عنه في السنن ( أنه كان يقبل ~~بعض نسائه ولا يتوضأ ( وقد إختلف في صحة هذا الحديث لكن لا خلاف أنه لم ~~ينقل عنه أنه توضأ من المس # وكذلك تنازع المسلمون في الوضوء من خروج الدم بالفصاد والحجامة والجرح ~~والرعاف وفى ( القيء ( وفيه قولان مشهوران وقد نقل عن النبى أنه توضأ من ~~ذلك وعن كثير من الصحابة لكن لم يثبت قط أن النبى أوجب الوضوء من ذلك بل ~~كان أصحابه يخرجون في المغازى فيصلون ولا يتوضؤون ولهذا قال طائفة من ~~العلماء إن الوضوء من ذلك مستحب غير واجب وكذلك قال في الوضوء ( من مس ~~الذكر ( و ( مس المرأة لشهوة ) إنه يستحب الوضوء من ذلك ولا يجب وكذلك ~~قالوا في ( الوضوء من القهقهة ( و ( مما مست النار ( إن الوضوء من ذلك ~~يستحب ولا يجب فمن توضأ فقد أحسن ومن لم يتوضأ فلا شيء عليه وهذا أظهر ~~الأقوال # وليس المقصود ذكر هذه المسائل بل المقصود ضرب المثل بها PageV35P358 # وكذلك تنازعوا في كثير من مسائل الفرائض كالجد والمشركة وغيرهما وفى كثير ~~من مسائل الطلاق والإيلاء وغير ذلك وفى كثير من مسائل العبادات في الصلاة ~~والصيام والحج وفى مسائل زيارات القبور منهم من كرهها مطلقا ومنهم من ~~أباحها ومنهم من إستحبها إذا كانت على الوجه المشروع وهو قول أكثرهم # وتنازعوا في ( السلام على النبى ( هل يسلم عليه ms9802 في المسجد وهو مستقبل ~~القبلة أو مستقبل الحجرة وهل يقف بعد السلام يدعو له أم لا # وتنازعوا أى المسجدين أفضل المسجد الحرام أو مسجد النبى وإتفقوا على ~~أنهما أفضل من المسجد الأقصى وإتفقوا على أنه لا يستحب السفر إلى بقعة ~~للعبادة فيها غير المساجد الثلاثة وإتفقوا على أنه لو نذر الحج أو العمرة ~~لزمه الوفاء بنذره وإتفق الأئمة الأربعة والجمهور على أنه لو نذر السفر إلى ~~غير المساجد الثلاثة لم يلزمه الوفاء بنذره وتنازعوا فيما إذا نذر السفر ~~إلى المسجدين إلى أمور أخرى يطول ذكرها وتنازعوا في بعض تفسير الآيات وفى ~~بعض الأحاديث هل ثبتت عن النبى أو لم تثبت PageV35P359 # فهذه الامور الكلية ليس لحاكم من الحكام كائنا من كان ولو كان من الصحابة ~~ان يحكم فيها بقوله على من نازعه في قوله فيقول الزمته ان لايفعل ولا يفتى ~~الابالقول الذي يوافق لمذهبى بل الحكم في هذه المسائل لله ورسوله والحاكم ~~واحد من المسلمين فان كان عنده علم تكلم بما عنده واذا كان عند منازعه علم ~~تكلم به فان ظهر الحق في ذلك وعرف حكم الله ورسوله وجب على الجميع اتباع ~~حكم الله ورسوله وان خفى ذلك اقر كل واحد على قوله اقر قائل هذا القول على ~~مذهبه وقائل هذا القول على مذهبه ولم يكن لاحدهما ان يمنع الاخر الابلسان ~~العلم والحجة والبيان فيقول ماعنده من العلم # وأما ( باليد والقهر ( فليس له أن يحكم إلا في المعينة التى يتحاكم فيها ~~إليه مثل ميت مات وقد تنازع ورثته في قسم تركته فيقسمها بينهم إذا تحاكموا ~~إليه # واذا حكم هنا بأحد قولى العلماء الزم الخصم بحكمه ولم يكن له أن يقول أنا ~~لا أرضى حتى يحكم بالقول الآخر وكذلك اذا تحاكم إليه اثنان في دعوى يدعيها ~~أحدهما فصل بينهما كما أمر الله ورسوله وألزم المحكوم عليه بما حكم به وليس ~~له أن يقول انت حكمت علي بالقول الذى لاأختاره فان الحاكم عليه ان يجتهد ~~كما قال النبى ( اذا اجتهد الحاكم فاصاب فله ms9803 اجران واذا اجتهد فأخطأ فله ~~اجر ( وقد يخص الله بعض الأنبياء والعلماء PageV35P360 والحكام بعلم دون ~~غيره كما قال تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ # وعلى الحكام ان لا يحكموا الا بالعدل ( والعدل ( هو ما أنزل الله كما قال ~~تعالى @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ~~@QE@ ثم قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ فأوجب الله طاعة أولى ~~الأمر مع طاعة الرسول وأوجب على الأمة إذا تنازعوا ان يردوا ما تنازعوا إلى ~~الله ورسوله إلى كتاب الله وسنه رسوله # فان الله سبحانه وتعالى هو الحكم الذى يحكم بين عباده والحكم له وحده وقد ~~أنزل الله الكتب وارسل الرسل ليحكم بينهم فمن اطاع الرسول كان من أوليائه ~~المتقين وكانت له سعادة الدنيا والآخرة ومن عصى الرسول كان من اهل الشقاء ~~والعذاب قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم @QE@ PageV35P361 وفى صحيح مسلم عن عائشة ( أن النبى كان إذا قام ~~يصلى من الليل يقول اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~إهدنى لما إختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ( # وقال تعالى @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم @QE@ فبين سبحانه وتعالى أنه هداهم وبين لهم الحق لكن بعضهم ms9804 ~~يبغى على بعض مع معرفته بالحق فيتبع هواه ويخالف أمر الله وهو الذى يعرف ~~الحق ويزيغ عنه كما قال تعالى @QB@ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ~~فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه ~~أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه ~~يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون @QE@ ~~فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعث الرسل وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس ~~فيما إختلفوا فيه وقال تعالى @QB@ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ~~ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ وقال يوسف @QB@ يا صاحبي السجن ~~أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا ~~تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ ~~PageV35P362 فالحكم لله وحده ورسله يبلغون عنه فحكمهم حكمه وأمرهم أمره ~~وطاعتهم طاعته فما حكم به الرسول وأمرهم به وشرعه من الدين وجب على جميع ~~الخلائق إتباعه وطاعته فإن ذلك هو حكم الله على خلقه # والرسول يبلغ عن الله قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ فعلى جميع الخلق أن ~~يحكموا رسول الله خاتم النبيين وأفضل المرسلين وأكرم الخلق على الله ليس ~~لأحد أن يخرج عن حكمه في شيء سواء كان من العلماء أو الملوك أو الشيوخ أو ~~غيرهم # ولو أدركه موسى أو عيسى وغيرهما من الرسل كان عليهم إتباعه كما قال تعالى ~~@QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول ~~مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم ms9805 من الشاهدين @QE@ وروى عن غير واحد من السلف ~~على وبن عباس وغيرهما قالوا لم PageV35P363 يبعث الله نبيا من عهد نوح إلا ~~أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ ~~الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه # وهو سبحانه أخذ الميثاق على النبى المتقدم أن يصدق من يأتى بعده وعلى ~~النبى المتأخر أن يصدق من كان قبله ولهذا لم تختلف الأنبياء بل دينهم واحد ~~كما قال النبى في الحديث الصحيح ( إنا معشر الأنبياء ديننا واحد ( وقال ~~تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون @QE@ أى ملتكم ملة واحدة ~~كقولهم @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة @QE@ أى ملة وقال تعالى @QB@ شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~@QE@ # فدين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام كلهم مسلمون مؤمنون كما قد بين الله ~~في غير موضع من القرآن لكن بعض الشرائع تتنوع فقد يشرع في وقت أمرا لحكمه ~~ثم يشرع في وقت آخر أمرا آخر لحكمه كما شرع في أول الإسلام PageV35P364 ~~الصلاة إلى بيت المقدس ثم نسخ ذلك وأمر بالصلاة إلى الكعبة فتنوعت الشريعة ~~والدين واحد وكان إستقبال الشام ذلك الوقت من دين الإسلام وكذلك السبت ~~لموسى من دين الإسلام ثم لما نسخ صار دين الإسلام هو الناسخ وهو الصلاة إلى ~~الكعبة فمن تمسك بالمنسوخ دون الناسخ فليس هو على دين الإسلام ولا هو متبع ~~لأحد من الأنبياء ومن بدل شرع الأنبياء وإبتدع شرعا فشرعه باطل لايجوز ~~إتباعه كما قال @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ~~@QE@ ولهذا كفر اليهود والنصارى لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ والله أوجب ~~على جميع الخلق أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله # ومحمد خاتم الرسل فعلى جميع الخلق إتباعه وإتباع ما شرعه ms9806 من الدين وهو ما ~~أتى به من الكتاب والسنة فما جاء به الكتاب والسنة وهو الشرع الذى يجب على ~~جميع الخلق إتباعه وليس لأحد الخروج عنه وهو الشرع الذى يقاتل عليه ~~المجاهدون وهو الكتاب والسنة # وسيوف المسلمين تنصر هذا الشرع وهو الكتاب والسنة كما قال جابر إبن عبد ~~الله ( أمرنا رسول الله أن نضرب بهذا يعنى السيف من خرج عن هذا يعنى المصحف ~~قال تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله ~~من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز @QE@ PageV35P365 فبين سبحانه ~~وتعالى أنه أنزل الكتاب وأنزل العدل وما به يعرف العدل ليقوم الناس بالقسط ~~وأنزل الحديد فمن خرج عن الكتاب والميزان قوتل بالحديد فالكتاب والعدل ~~متلازمان والكتاب هو المبين للشرع فالشرع هو العدل والعدل هو الشرع ومن حكم ~~بالعدل فقد حكم بالشرع # ولكن كثيرا من الناس ينسبون ما يقولونه إلى الشرع وليس من الشرع بل ~~يقولون ذلك إما جهلا وإما غلطا وإما عمدا وإفتراء وهذا هو الشرع المبدل ~~الذى يستحق أصحابه العقوبة ليس هو الشرع المنزل الذى جاء به جبريل من عند ~~الله إلى خاتم المرسلين فإن هذا الشرع المنزل كله عدل ليس فيه ظلم ولا جهل ~~قال تعالى @QB@ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ فالذى أنزل الله هو ~~القسط والقسط هو الذى أنزل الله وقال تعالى @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله @QE@ ~~فالذى أراه الله في كتابه هو العدل # وقد يقول كثير من علماء المسلمين أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين ~~وسائر إئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم أقوالا بإجتهادهم فهذه يسوغ ~~PageV35P366 القول بها ولا يجب على كل مسلم أن يلتزم إلا قول رسول الله ~~فهذا شرع دخل فيه التأويل والإجتهاد وقد يكون في ms9807 نفس الأمر موافقا للشرع ~~المنزل فيكون لصاحبه أجران وقد لا يكون موافقا له لكن لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها فإذا إتقى العبد الله ما إستطاع آجره الله على ذلك وغفر له خطأه # ومن كان هكذا لم يكن لأحد أن يذمه ولا يعيبه ولا يعاقبه ولكن إذا عرف ~~الحق بخلاف قوله لم يجز ترك الحق الذى بعث الله به رسوله لقول أحد من الخلق ~~وذلك هو الشرع المنزل من عند الله وهو الكتاب والسنة وهو دين الله ورسوله ~~لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله لا يجاهدون على قول عالم ~~ولا شيخ ولا متأول بل يجاهدون ليعبد الله وحده ويكون الدين له كما في ~~المسند عن إبن عمر قال قال النبى صلى الله عليه وسلم ( بعثت بالسيف بين يدى ~~الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعل الذل ~~والصغار على من خالف أمرى ومن تشبه بقوم فهو منهم ( وقال تعالى @QB@ ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ وفى الصحيحين عن أبى ~~موسى الأشعرى قال قيل يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ~~رياء فأى ذلك في سبيل الله فقال ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو ~~في سبيل الله PageV35P367 # فالمقصود بالجهاد أن لا يعبد أحد إلا الله فلا يدعو غيره ولا يصلى لغيره ~~ولا يسجد لغيره ولا يصوم لغيره ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته ولا يذبح ~~القرابين إلا له ولا ينذر إلا له ولا يحلف إلا به ولا يتوكل إلا عليه ولا ~~يخاف إلا إياه ولا يتقى إلا إياه فهو الذى لا يأتى بالحسنات إلا هو ولا ~~يدفع السيئات إلا هو ولا يهدى الخلق إلا هو ولا ينصرهم إلا هو ولا يرزقهم ~~إلا هو ولا يغنيهم إلا هو ولا يغفر ذنوبهم إلا هو قال تعالى @QB@ وقال الله ~~لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ما في السماوات ~~والأرض وله الدين واصبا ms9808 أفغير الله تتقون وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا ~~مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ~~ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون @QE@ ) # والله تعالى قد حرم الشرك كله وإن يجعل له ندا فلا يدعى غيره لا الملائكة ~~ولا الأنبياء ولا الصالحون ولا الشمس ولا القمر ولا الكواكب ولا الأوثان ~~ولا غير ذلك بل قد بين ان من إتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر قال ~~تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ~~وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ وقال تعالى PageV35P368 @QB@ قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا @QE@ ذم الله سبحانه وتعالى لمن يدعو الملائكة ~~والأنبياء وغيرهم من الصالحين وبين أن هؤلاء الذين يدعونهم لا يملكون كشف ~~الضر عنهم ولا تحويله وأنهم يتقربون إلى الله بالوسيلة وهى الأعمال الصالحة ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه فكيف يدعون المخلوقين ويذرون الخالق وقال تعالى ~~@QB@ أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا @QE@ # وهو سبحانه وتعالى عليم بأحوال عباده رحيم بهم كما في الحديث الصحيح عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه رأى إمرأة من السبى إذ رأت ولدا ألصقته ~~ببطنها فقال أترون هذه واضعة ولدها في النار قالوا لا يا رسول الله قال لله ~~أرحم بعباده من هذه بولدها ( وهو سبحانه سميع قريب قال الله تعالى @QB@ قل ~~إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب ~~@QE@ وهو تعالى رحيم ودود و ( الود اللطف والمحبة فهو يود عباده المؤمنين ~~ويجعل لهم الود في القلوب كما قال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل ms9809 لهم الرحمن ودا @QE@ قال إبن عباس وغيره يحبهم ويحببهم إلى ~~عباده PageV35P369 # وهو سبحانه لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح ~~الملحين بل يحب من يدعوه ويتضرع إليه ويبغض من لايدعوه قال النبى ( من لا ~~يسأل الله يغضب عليه ( وقال تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا ~~بي لعلهم يرشدون @QE@ قال بعض الصحابة يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أو ~~بعيد فنناديه فأنزل الله هذه الآية ) # وهو سبحانه وتعالى ليس كالمخلوقين الذين ترفع إليهم الحوائج بالحجاب بل ~~في الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يقول الله قسمت ~~الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل فإذا ~~قال العبد @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ قال الله حمدنى عبدى فإذا قال ~~@QB@ الرحمن الرحيم @QE@ قال الله أثنى علي عبدى فإذا قال @QB@ مالك يوم ~~الدين @QE@ قال الله مجدنى عبدى فإذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال ~~الله هذه الآية بيني وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل فإذا قال @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ قال هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل PageV35P370 # وهو سبحانه يتولى كلام عباده يوم القيامة كما جاء في الصحيح عن عدى بن ~~حاتم أنه قال قال رسول الله ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه عز وجل ليس ~~بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر ~~أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أمامه فتستقبله النار فمن إستطاع ~~منكم أن يتقى النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد فبكلمه طيبة ( وهو ~~سبحانه قريب ممن دعاه يتقرب ممن عبده وأطاعه كما في الحديث الصحيح عن النبى ~~أنه قال ( يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه إذا ذكرنى إن ذكرنى ~~في نفسه ذكرته في ms9810 نفسى وإن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب ~~إلى شبرا تقربت منه ذراعا وإن تقرب إلى ذراعا تقربت منه باعا وإن أتانى ~~يمشى أتيته هرولة ) # والله سبحانه يولى عباده إحسانا وجودا وكرما لا لحاجة إليهم كما قال ~~تعالى @QB@ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا @QE@ ولا يحاسب العباد إلا هو وحده وهو ~~الذى يجازيهم بأعمالهم @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره @QE@ وهو الذى يرزقهم ويعافيهم وينصرهم ويهديهم لا أحد غيره ~~يفعل ذلك قال تعالى @QB@ أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن ~~إن الكافرون إلا في غرور أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في ~~عتو ونفور @QE@ PageV35P371 # وقال تعالى @QB@ قل من يكلؤكم بالليل والنهار ~~من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون @QE@ وأصح القولين في الآية أن معناه ~~من ذا الذى يكلؤكم بدلا من الله من الذى يدفع الآفات عنكم التى تخافونها من ~~الإنس والجن # والرسول هو الواسطة والسفير بينهم وبين الله عز وجل فهو الذى يبلغهم أمر ~~الله ونهيه ووعده ووعيده وتحليله وتحريمه فالحلال ما حلله الله ورسوله ~~والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله وليس لأحد أن يخرج ~~عن شيء مما شرعه الرسول وهو الشرع الذى يجب على ولاة الأمر إلزام الناس به ~~ويجب على المجاهدين الجهاد عليه ويجب على كل واحد إتباعه ونصره # وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق ( حكم الحاكم ( ولو كان الحاكم ~~أفضل أهل زمانه بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قوما معينين تحاكموا إليه ~~في قضية معينة لا يلزم جميع الخلق ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن ~~يقلد حاكما لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله ~~بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء بل له أن يستفتى من ms9811 يجوز له ~~إستفتاؤه وإن لم يكن حاكما ومتى ترك العالم ما علمه من PageV35P372 كتاب ~~الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا ~~كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة قال تعالى @QB@ المص كتاب أنزل إليك ~~فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ~~ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون @QE@ # ولو ضرب وحبس وأوذى بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذى ~~يجب إتباعه وإتبع حكم غيره كان مستحقا لعذاب الله بل عليه أن يصبر وإن أوذى ~~في الله فهذه سنة الله في الأنبياء وأتباعهم قال الله تعالى @QB@ الم أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين @QE@ وقال تعالى @QB@ ولنبلونكم ~~حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم @QE@ وقال تعالى @QB@ أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء ~~والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر ~~الله قريب @QE@ # وهذا إذا كان الحاكم قد حكم في مسألة إجتهادية قد تنازع فيها الصحابة ~~والتابعون فحكم الحاكم بقول بعضهم وعند بعضهم سنة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تخالف ما حكم به فعلى هذا أن يتبع PageV35P373 ما علم من سنة رسول ~~الله ويأمر بذلك ويفتى به ويدعو إليه ولا يقلد الحاكم هذا كله باتفاق ~~المسلمين # وإن ترك المسلم عالما كان أو غير عالم ما علم من أمر الله ورسوله لقول ~~غيره كان مستحقا للعذاب قال تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ وإن كان ذلك الحاكم قد خفى عليه هذا ~~النص مثل كثير من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم تكلموا في ~~مسائل بإجتهادهم وكان في ذلك سنة لرسول الله تخالف إجتهادهم فهم معذورون ~~لكونهم إجتهدوا و @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ ولكن من علم سنة ~~رسول الله لم ms9812 يجز له أن يعدل عن السنة إلى غيرها قال تعالى @QB@ وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن ~~يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا @QE@ # ومن اتبع ما بعث الله به رسوله كان مهديا منصورا بنصرة الله في الدنيا ~~والآخرة كما قال تعالى @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ~~إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ واذا اصابت العبد مصيبة ~~كانت بذنبه لا باتباعه للرسول بل باتباعه للرسول صلى الله عليه PageV35P374 ~~وسلم يرحم وينصر وبذنوبه يعذب ويخذل قال تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ # ولهذا لما انهزم المسلمون يوم أحد وكانوا مع النبى واستظهر عليهم العدو ~~بين الله لهم أن ذلك بذنوبهم قال تعالى @QB@ إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله ~~غفور حليم @QE@ وقال تعالى @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم ~~أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ وبين سبحانه حكمة ابتلائهم فقال تعالى ~~@QB@ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن ~~كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ~~وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين @QE@ وقال تعالى @QB@ ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ والله قدرها وقدر كل شيء # لكن ما أصاب العبد من عافية ونصر ورزق فهو من انعام الله عليه واحسانه ~~إليه فالخير كله من الله وليس للعبد من نفسه شيء بل هو فقير لا يملك ~~PageV35P375 لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولاحياة ولا نشورا وما اصابه من ~~مصيبة فبذنوبه والله تعالى يكفر ذنوب المؤمنين بتلك ms9813 المصائب ويأجرهم على ~~الصبر عليها ويغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب قال النبى ما يصيب المؤمن ~~من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها الا كفر ~~الله بها من خطاياه ( ولما انزل الله تعالى قوله @QB@ من يعمل سوءا يجز به ~~@QE@ قال أبو بكر يا رسول الله قد جاءت قاصمة الظهر واينا لم يعمل سوءا قال ~~( يا أبا بكر الست تنصب الست تحزن الست تصيبك اللاواء فذلك ما تجزون به ( # وقد قص الله علينا في القرآن اخبار الانبياء وما اصابهم وما أصاب اتباعهم ~~المؤمنين من الاذى في الله ثم انه تعالى نصرهم وجعل العاقبة لهم وقص علينا ~~ذلك لنعتبر به قال تعالى @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان ~~حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون @QE@ # فالشرع الذى يجب على كل مسلم ان يتبعه ويجب على ولاة الامر نصره والجهاد ~~عليه هو الكتاب والسنة واما حكم الحاكم فذاك يقال له قضاء القاضي ليس هو ~~الشرع الذى فرض الله على جميع الخلق طاعته بل القاضي العالم العادل يصيب ~~تارة ويخطئ تارة ولو حكم الحاكم لشخص بخلاف PageV35P376 الحق في الباطن لم ~~يجز له اخذه ولو كان الحاكم سيد الاولين والاخرين كما في الصحيحين عن أم ~~سلمة قالت قال رسول الله ( انكم تختصمون إلى ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض ~~فاقضى له بنحو مما اسمع فمن قضيت له من حق اخيه شيئا فلا ياخذه فانما اقطع ~~له قطعة من النار ( فهذا سيد الحكام والامراء والملوك يقول اذا حكمت لشخص ~~بشيء يعلم انه لا يستحقه فلا يأخذه # وقد اجمع المسلمون على ان حكم الحاكم بالاملاك المرسلة لا ينفذ في الباطن ~~فلو حكم لزيد بمال عمرو وكان مجتهدا متحريا للحق لم يجز له اخذه # واما في ( العقود والفسوخ ( مثل ان يحكم بنكاح أو طلاق أو بيع أو فسخ بيع ~~ففيه نزاع معروف وجمهورهم يقولون لا ينفذ ايضا وهي مسألة ms9814 معروفة وهذا اذا ~~كان الحاكم عالما عادلا وقد حكم في أمر دنيوى # و ( القضاة ثلاثة انواع ( كما في السنن عن النبى قال ( القضاة ثلاثة ~~قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى ~~للناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ( ~~فالقاضى الذى هو من اهل الجنة اذا حكم للانسان بما يعلم أنه غير حق لم يحل ~~له أخذه لسنة رسول الله وإجماع المسلمين فكيف إذا حكم في الدين الذى ليس له ~~أن يحكم فيه بل هو فيه واحد من المسلمين إن كان له علم تكلم وإلا سكت ~~PageV35P377 # مثل أن يحكم بأن السفر إلى غير المساجد الثلاثة مشروع مستحب يثاب فاعله ~~وأن من قال إنه لا يستحب يؤذى ويعاقب أو يحبس فهذا الحكم باطل بإجماع ~~المسلمين لا يحل لمن عرف دين الإسلام أن يتبعه ولا لولي أمر أن ينفذه ومن ~~نفذ مثل هذا الحكم ونصره كان له حكم أمثاله إن قامت عليه الحجه التى بعث ~~الله بها رسوله وخالفها إستحقوا العقاب وكذلك أن ألزم بمثل هذا جهلا وإلزم ~~الناس بما لايعلم فإنه مستحق للعقاب فإن كان مجتهدا مخطئا عفى عنه # وقد فرض الله على ولاة أمر المسلمين إتباع الشرع الذى هو الكتاب والسنة ~~وإذا تنازع بعض المسلمين في شيء من مسائل الدين ولو كان المنازع من آحاد ~~طلبة العلم لم يكن لولاة الأمور أن يلزموه بإتباع حكم حاكم بل عليهم أن ~~يبينوا له الحق كما يبين الحق للجاهل المتعلم فإن تبين له الحق الذى بعث ~~الله به رسوله وظهر وعانده بعد هذا إستحق العقاب وأما من يقول إن الذى قلته ~~هو قولى أو قول طائفة من العلماء المسلمين وقد قلته اجتهادا أو تقليدا فهذا ~~بإتفاق المسلمين لا تجوز عقوبته # ولو كان قد أخطأ خطأ مخالفا للكتاب والسنة ولو عوقب هذا لعوقب جميع ~~المسلمين فإنه ما منهم من أحد إلا وله أقوال إجتهد فيها أو قلد فيها وهو ms9815 ~~مخطئ فيها فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق بل قد قال الله تعالى في ~~القرآن @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين @QE@ PageV35P378 ~~وقد ثبت في الصحيح عن النبى ( إن الله إستجاب هذا الدعاء ( ولما قال ~~المؤمنون @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ قال الله قد فعلت ~~وكذلك في سائر الدعاء وقال النبى صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لأمتى ~~عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه # فالمفتى والجندى والعامى إذا تكلموا بالشيء بحسب إجتهادهم إجتهادا أو ~~تقليدا قاصدين لإتباع الرسول بمبلغ علمهم لايستحقون العقوبة بإجماع ~~المسلمين وإن كانوا قد أخطأوا خطأ مجمعا عليه وإذا قالوا إنا قلنا الحق ~~وإحتجوا بالأدلة الشرعية لم يكن لأحد من الحكام أن يلزمهم بمجرد قوله ولا ~~يحكم بأن الذى قاله هو الحق دون قولهم بل يحكم بينه وبينهم الكتاب والسنة ~~والحق الذى بعث الله به رسوله لا يغطى بل يظهر فإن ظهر رجع الجميع إليه وإن ~~لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا كالمسائل التى تقع يتنازع فيها أهل ~~المذاهب لا يقول أحد إنه يجب على صاحب مذهب أن يتبع مذهب غيره لكونه حاكما ~~فإن هذا ينقلب فقد يصير الآخر حاكما PageV35P379 فيحكم بأن قوله هو الصواب ~~فهذا لا يمكن أن يكون كل واحد من القولين المتضادين يلزم جميع المسلمين ~~إتباعه بخلاف ما جاء به الرسول فإنه من عند الله حق وهدى وبيان ليس فيه خطأ ~~قط ولا إختلاف ولا تناقض قال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من ~~عند غير الله ms9816 لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ # وعلى ولاة الأمر أن يمنعوهم من التظالم فإذا تعدى بعضهم على بعض منعوهم ~~العدوان وهم قد ألزموا بمنع ظلم أهل الذمة وأن يكون اليهودى والنصرانى في ~~بلادهم إذا قام بالشروط المشروطة عليهم لا يلزمه أحد بترك دينه مع العلم ~~بأن دينه يوجب العذاب فكيف يسوغ لولاة الأمور أن يمكنوا طوائف المسلمين من ~~إعتداء بعضهم على بعض وحكم بعضهم على بعض بقوله ومذهبه هذا مما يوجب تغير ~~الدول وإنتقاضها فإنه لا صلاح للعباد على مثل هذا # وهذا إذا كان الحكام قد حكموا في مسألة فيها اجتهاد ونزاع معروف فإذا كان ~~القول الذى قد حكموا به لم يقل به أحد من أئمة المسلمين ولا هو مذهب أئمتهم ~~الذين ينتسبون إليهم ولا قاله أحد من الصحابة والتابعين ولا فيه آية من ~~كتاب الله وسنة رسوله بل قولهم يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأئمة فكيف يحل ~~مع هذا أن يلزم علماء المسلمين PageV35P380 باتباع هذا القول وينفذ فيه هذا ~~الحكم المخالف للكتاب والسنة والإجماع وأن يقال القول الذى دل عليه الكتاب ~~والسنة وأقوال السلف لا يقال ولا يفتى به بل يعاقب ويؤذى من أفتى به ومن ~~تكلم به وغيرهم ويؤذى المسلمون في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لكونهم اتبعوا ~~ما علموه من دين الاسلام وان كان قد خفى على غيرهم وهم يعذرون من خفى عليه ~~ذلك ولا يلزمون باتباعهم ولا يعتدون عليه فكيف يعان من لا يعرف الحق بل ~~يحكم بالجهل والظلم ويلزم من عرف ما عرفه من شريعة الرسول ان يترك ماعلمه ~~من شرع الرسول لأجل هذا # لاريب ان هذا امر عظيم عند الله تعالى وعند ملائكته وانبيائه وعباده ~~والله لايغفل عن مثل هذا وليس الحق في هذا لأحد من الخلق فان الذين اتبعوا ~~ما علموه من شرع الرسول لم يظلموا احدا في دم ولا مال ولا عرض ولا لأحد ~~عليهم دعوى بل هم قالوا نحن نتبع ماعرفناه من دين الاسلام وما جاء به ~~الكتاب والسنة من توحيد الله وعبادته لا شريك له ms9817 فلا نعبد الا الله وحده ~~ونعبده بما أمر به رسوله وشرعه من الدين فما دعانا إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وامرنا به اطعناه وما جعله الرسول دينا وقربة وطاعة وحسنة وعملا ~~صالحا وخيرا سمعنا واطعنا لله ولرسوله واعتقدناه قربة وطاعة وفعلناه ~~واحببنا من يفعل به ودعونا إليه ومانهانا PageV35P381 عنه الرسول انتهينا ~~عنه وان كان غيرنا يعتقد ان ذلك قربة فنحن علينا ان نطيع الرسول ليس علينا ~~ان نطيع من خالفه وان كان متأولا # ومعلوم ان اهل الكتاب واهل البدع يتعبدون تعبدات كثيرة يرونها قربة وطاعة ~~وقد نهى عنها رسول الله فمن قال انا اطيع الرسول ولا اتعبد بهذه العبادات ~~بل انهى عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يسوغ ان يعارض بل لو ~~كان مخطئا مع اجتهاده لم يستحق العقوبة باجماع المسلمين ولا يجب عليه إتباع ~~حكم أحد بإجماع المسلمين وليس للحاكم أن يحكم بأن هذا أمر به رسول الله وأن ~~هذا العمل طاعة أو قربة أو ليس بطاعة ولا قربة ولا بأن السفر إلى المساجد ~~والقبور وقبر النبى يشرع أولا يشرع ليس للحكام في هذا مدخل إلا كما يدخل ~~فيه غيرهم من المسلمين بل الكلام في هذا لجميع أمة محمد فمن كان عنده علم ~~تكلم بما عنده من العلم وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلمين بل ~~يبين له أنه قد أخطأ فإن بين له بالأدلة الشرعية التى يجب قبولها أنه قد ~~أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع بل أصر على إظهار ما يخالف الكتاب والسنة ~~والدعاء إلى ذلك وجب أن يمنع من ذلك ويعاقب إن لم يمتنع وأما إذا لم يبين ~~له ذلك بالأدلة PageV35P382 الشرعية لم تجز عقوبته بإتفاق المسلمين ولا ~~منعه من ذلك القول ولا الحكم عليه بأنه لا يقوله إذا كان يقول أن هذا هو ~~الذى دل عليه الكتاب والسنة كما قاله فلان وفلان من علماء المسلمين فهذا ~~إذا إجتهد فأخطأ لم يحكم عليه إلا بالكتاب والسنة والمنازع له يتكلم ms9818 بلا ~~علم والحكم الذى حكم به لم يقله أحد من علماء المسلمين فعلماء المسلمين ~~الكبار لو قالوا بمثل قول الحكام لم يكن لهم الزام الناس بذلك إلا بحجة ~~شرعية لابمجرد حكمهم # فإن الله إنما أوجب على الناس إتباع الرسول وطاعته وإتباع حكمه وأمره ~~وشرعه ودينه وهو حجة الله على خلقه وهو الذى فرق الله به بين الحق والباطل ~~والهدى والضلال والرشاد والغى وطريق الجنة وطريق النار وبه هدى الله الخلق ~~قال الله تعالى @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل @QE@ وفى الصحيح عن النبى أنه قال ( ما أحد أحب ~~إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين فالحجة على الخلق ~~تقوم بالرسل وما جاء به الرسول هو الشرع الذى يجب على الخلق قبوله وإلى ~~الكتاب والسنة يتحاكم جميع الخلق PageV35P383 # ولهذا كان من أصول السنة والجماعة أن من تولى بعد رسول الله كالخلفاء ~~الراشدين وغيرهم لا يجب أن ينفرد واحد منهم بعلم لا يعلمه غيره بل علم ~~الدين الذى سنة الرسول يشترك المسلمون في معرفته وإذا كان عند بعضهم من ~~الحديث ما ليس عند بعض بلغة هؤلاء لأولئك ولهذا كان الخلفاء يسألون الصحابة ~~في بعض الأمور هل عندكم علم عن النبى صلى الله عليه وسلم فإذا تبين لهم سنة ~~الرسول حكموا بها كما سألهم أبو بكر الصديق عن ميراث الجدة لما أتته فقال ~~مالك في كتاب الله من شيء وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا ولكن حتى أسأل ~~الناس فسألهم فأخبره محمد بن مسلمة وغيره أن رسول الله أعطاها السدس # وكذلك عمر بن الخطاب لما سألهم عن الجنين إذا قتل قام بعض الصحابة فأخبره ~~أن النبى قضى فيه بغرة عبد أو أمة أى ms9819 من قتل جنينا ضمنه بمملوك أو جارية ~~لورثته فقضى بذلك قالوا وتكون قيمته بقدر عشر ديه أمة وعمر بن الخطاب قد ~~قال النبى فيه ( إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد ~~فعمر ( وروى ( أنه ضرب الحق على لسانه وقلبه ( وقال ( لو لم أبعث فيكم لبعث ~~فيكم عمر ( ومع هذا فما كان يلزم أحدا بقوله ولا يحكم في الأمور العامة بل ~~كان يشاور الصحابة ويراجع فتارة يقول قولا فترده PageV35P384 عليه أمرأة ~~فيرجع إليها كما أراد أن يجعل الصداق محدودا لا يزاد على صداقات أزواج ~~النبى صلى الله عليه وسلم وقال من زاد جعلت الزيادة في بيت المال وكان ~~المسلمون يعجلون الصداق قبل الدخول لم يكونوا يؤخرونه إلا أمرا نادرا فقالت ~~إمرأة يا أمير المؤمنين لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه في كتابه فقال ~~وأين فقالت في قوله تعالى @QB@ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا @QE@ فرجع عمر إلى قولها وقال إمرأة ~~أصابت ورجل أخطأ # وكان في مسائل النزاع مثل مسائل الفرائض والطلاق يرى رأيا ويرى على إبن ~~أبى طالب رأيا ويرى عبد الله بن مسعود رأيا ويرى زيد بن ثابت رأيا فلم يلزم ~~أحدا أن يأخذ بقوله بل كل منهم يفتى بقوله وعمر رضى الله عنه إمام الأمة ~~كلها وأعلمهم وأدينهم وأفضلهم فكيف يكون واحد من الحكام خيرا من عمر هذا ~~إذا كان قد حكم في مسألة إجتهاد فكيف إذا كان ما قاله لم يقله أحد من أئمة ~~المسلمين لا الأربعة ولامن قبلهم من الصحابة والتابعين وإنما يقوله مثله ~~وأمثاله ممن لا علم لهم بالكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة وإنما يحكمون ~~بالعادات التى تربوا عليها كالذين قالوا @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون @QE@ وكما تحكم PageV35P385 الأعراب بالسوالف التى ~~كانت لهم وهى عادات كما يحكم التتر ( بالياسق الذى جرت به عاداتهم وأما أهل ~~الإيمان والإسلام والعلم والدين فإنما يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله كما ~~قال تعالى @QB@ فلا وربك ms9820 لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وقال تعالى @QB@ أفحكم ~~الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون @QE@ # والله سبحانه لم يرض بحكم واحد بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما فإنه ~~لا يعلم أيهما الظالم وليس بينهما بينة بل أمر بحكمين وإن [ لا ] يكونا ~~متهمين بل حكما من أهل الرجل وحكما من أهل المرأة كما قال تعالى @QB@ وإن ~~خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا ~~@QE@ أى الحكمين @QB@ يوفق الله بينهما @QE@ أى بين الزوجين فإن رأيا ~~المصلحة أن يجمعا بين الزوجين جمعا وإن رأيا المصلحة أن يفرقا بينهما فرقا ~~إما بعوض تبذله المرأة فتكون الفرقة خلعا إن كانت هي الظالمة وإن كان الزوج ~~هو الظالم فرق بينهما بغير إختياره وأكثر العلماء على أن هذين حكمان كما ~~سماهما الله حكمين يحكمان بغير توكيل الزوجين وهذا قول مالك والشافعى ~~والإمام أحمد في أحد قوليهما وقيل هما وكيلان كقول أبى حنيفة والقول الآخر ~~في المذهبين PageV35P386 # فهنا لما إشتبه الحق لم يجعل الله الحكم لواحد وهو في قضية معينة بين ~~زوجين ولو حكم حاكم واحد بين الزوجين في أمر ظاهر لم ينفذ حكمه بإتفاق ~~المسلمين فكيف بأمور الدين والعبادات التى يشترك فيها جميع المسلمين وقد ~~إشتبهت على كثير من الناس هذا بإجماع المسلمين لا يحكم فيه إلا الله ورسوله ~~فمن كان عنده علم مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وأوضحه ~~للمسلمين والمسلمون إذا عرفوا شرع نبيهم لم يعدلوا عنه # وإن كان كل قوم يقولون عندنا علم من الرسول ولم يكن هناك أمر ظاهر يجمعون ~~فيما تنازعوا فيه كان أحد الحزبين لهم أجران والآخرون لهم أجر واحد كما قال ~~تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ # ( وولى الأمر ( إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به وإن لم ~~يعرفه ms9821 وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا حتى يعرف الحق حكم به وإن ~~لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك المسلمين على ماهم عليه كل يعبد الله على حسب ~~إجتهاده وليس له أن يلزم أحدا بقبول قول غيره وإن كان حاكما PageV35P387 # وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله ووقع بأسهم ~~بينهم قال النبى ( ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم ( ~~وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا ~~وغير زماننا ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من ~~أيده الله ونصره ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه فإن الله يقول في كتابه ~~@QB@ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور @QE@ فقد وعد الله بنصر من ينصره ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله ~~لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم فإن الحاكم إذا كان ~~دينا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف ~~الحق الذى يعلمه كان من أهل النار وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن ~~يكون من أهل النار وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص وأما إذا حكم حكما عاما ~~في دين المسلمين فجعل الحق باطلا والباطل حقا والسنة بدعة والبدعة سنة ~~والمعروف منكرا والمنكر معروفا ونهى عما أمر الله به ورسوله وأمر بما نهى ~~الله عنه ورسوله فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم ~~الدين الذى @QB@ له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون @QE@ ~~@QB@ الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا @QE@ والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ~~PageV35P388 ### |PARATEXT| # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # ( الدعاوى ( التى يحكم فيها ولاة ms9822 الأمور سواء سموا قضاة أو ولاة أو تسمى ~~بعضهم في بعض الأوقات ولاة الأحداث أو ولاة المظالم أو غير ذلك من الأسماء ~~العرفية الإصطلاحية # فإن حكم الله تبارك وتعالى شامل لجميع الخلائق وعلى كل من ولى أمر الأمة ~~أوحكم بين إثنين أن يحكم بالعدل والقسط وأن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله ~~وهذا هو الشرع المنزل من عندالله قال الله تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد ومنافع للناس @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم @QE@ # فالدعاوى ( قسمان ( دعوى تهمة وغير تهمة فدعوى التهمة أن يدعى فعلا يحرم ~~على المطلوب يوجب عقوبته مثل قتل أو قطع طريق PageV35P389 أو سرقة أو غير ~~ذلك من أنواع العدوان المحرم كالذى يستخفى به بما يتعذر إقامة البينة عليه ~~في غالب الأوقات في العادة # وغير التهمة أن يدعى دعوى عقد من بيع أو قرض أو رهن أو ضمان أو دعوى لا ~~يكون فيها سبب فعل محرم مثل دين ثابت في الذمة من ثمن بيع أو قرض أو صداق ~~أو دية خطأ أو غير ذلك # فكل من القسمين قد يكون دعوى حد لله عز وجل محض كالشرب والزنا وقد يكون ~~حقا محضا لآدمى كالأموال وقد يكون فيه الأمران كالسرقة وقطع الطريق # فهذان ( القسمان ( إذا أقام المدعى فيه حجة شرعيه وإلا فالقول قول المدعى ~~عليه مع يمينه لما روى مسلم في صحيحه عن إبن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن ~~اليمين على المدعى عليه ( وفى رواية في الصحيحين ( عن إبن عباس ( أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه ( فهذا الحديث نص أن أحدا ~~لا يعطى بمجرد دعواه ms9823 ونص في أن الدعوى المتضمنة للإعطاء تجب فيها اليمين ~~إبتداء على المدعى عليه # وليس فيه أن الدعاوى الموجبة للعقوبات لا توجب إلا اليمين على المدعى ~~عليه # بل ثبت عنه أنه قال PageV35P390 للأنصار لما اشتكوا إليه لأجل قتيلهم ~~الذى قتل بخيبر وهو عبد الله بن سهل فجاء إلى النبى أخوه عبد الله وأبناء ~~عمه حويصة ومحيصة وكان محيصة معه بخيبر وقال ( أتحلفون خمسين يمينا ~~وتستحقون قاتلكم ( قالوا وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر قال فتبريكم يهود ~~بخمسين يمينا ( قالوا وكيف نأخذ بأيمان قوم كفار أخرجه أصحاب الصحاح والسنن ~~جميعهم مثل البخارى ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى وفى رواية في ~~الصحيحين قال ( يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته ) وقد ثبت في ~~صحيح مسلم عن إبن عباس أن النبى قضى بشاهد ويمين ) رواه الترمذى وإبن ماجه ~~من حديث جابر ورواه أبو داود والترمذى وإبن ماجه من حديث أبى هريرة وروى ~~ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة وهذه الأحاديث أصح وأشهر ما ~~روى عن النبى في هذا الباب وبن عباس الذى يروى عن النبى ( أنه قضى باليمين ~~مع الشاهد ( وأن هذا قضى به في دعاوى وقضى بهذا في دعاوى # وأما الحديث المشهور في السنة الفقهاء ( البينة على من إدعى واليمين على ~~من أنكر ( فهذا قد روى أيضا لكن ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره ولا ~~رواه عامة أهل السنن المشهورة ولا قال بعمومه أحد من علماء الملة إلا طائفة ~~من فقهاء الكوفة مثل أبى حنيفة وغيره فإنهم PageV35P391 يرون اليمين دائما ~~في جانب المنكر حتى في القسامة يحلفون المدعى عليه ولا يقضون بالشاهد ~~واليمين ولا يرون اليمين على المدعى عند النكول وإستدلوا بعموم هذا الحديث # وأما سائر علماء الملة من أهل المدينة ومكة والشام وفقهاء الحديث وغيرهم ~~مثل إبن جريج ومالك والليث بن سعد والشافعى وأحمد إبن حنبل وإسحاق بن ~~راهويه وغيرهم فتارة يحلفون المدعى وتارة يحلفون المدعى عليه كما جاءت بذلك ~~سنن رسول الله # والأصل عند جمهورهم ms9824 أن اليمين مشروعة في أقوى الجانبين ( والبينة ( عندهم ~~إسم لما يبين الحق وبينهم نزاع في تفاريع ذلك فتارة يكون لوثا مع أيمان ~~القسامة وتارة يكون شاهدا ويمينا وتارة يكون دلائل غير الشهود كالصفة للقطة # وأجابوا عن ذلك الحديث تارة بالتضعيف وتارة بأنه عام وأحاديثهم خاصة ~~وتارة بأن أحاديثهم أصح وأكثر وأشهر فالعمل بها عند التعارض أولى # وقد ثبت عن النبى أنه طلب البينة من المدعى واليمين من المنكر في حكومات ~~معينة ليست من جنس دعاوى التهم PageV35P392 مثل ما خرجا في الصحيحين عن ~~الأشعث بن قيس أنه قال كانت بينى وبين رجل حكومة في بئر فإختصمنا إلى النبى ~~فقال ( شاهداك أو يمينه ( فقلت إذا يحلف ولا يبالى فقال ( من حلف على يمين ~~صبر يقطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان ( وفى ~~رواية فقال بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه ) وعن وائل بن حجر قال جاء رجل من ~~حضرموت ورجل من كندة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمى يا رسول ~~الله إن هذا قد غلبنى على أرض كانت لأبى فقال الكندى هي أرضى وبيدى أزرعها ~~ليس له فيها حق فقال النبى صلى الله عليه وسلم للحضرمى ( ألك بينة قال لا ~~قال فلك يمينه ( فقال يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالى على ما حلف عليه ~~فليس يتورع من شيء فقال ( ليس لك منه إلا ذلك ( فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما أدبر الرجل ( أمالئن حلف على مال ليأكله ظلما ليلقين الله ~~وهو عنه معرض ( رواه مسلم والترمذى وصححه # ففى هذا الحديث الصحيح أنه لم يوجب على المطلوب إلا اليمين مع ذكر المدعى ~~لفجوره وقال ( ليس لك منه إلا ذلك ( وكذلك في الحديث الأول كان خصم الأشعث ~~يهوديا هكذا جاء في الصحيحين ومع هذا لم يوجب عليه إلا اليمين وفى حديث ~~القسامة أن الأنصار لما قالوا PageV35P393 كيف نقبل أيمان قوم كفار لم ينكر ~~ذلك عليهم فعلم أن الدعاوى مختلفة في ذلك # وهذا القسم لا ms9825 أعلم فيه نزاعا أعنى ان القول فيه قول المدعى عليه مع ~~اليمين إذا لم يأت المدعى بحجة شرعية وهى البينة # [ والبينة ] التى هي الحجة الشرعية تارة تكون بشاهدين عدلين رجلين وتارة ~~رجل وإمرأتين وتارة أربع شهداء وتارة ثلاثة عند بعض العلماء من أصحاب أحمد ~~وبعض أصحاب الشافعى وهو دعوى الإفلاس فيمن علم أن له مال فقد جاء في صحيح ~~مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالى أن النبى قال ( لا تحل المسألة لأحد إلا ~~لثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته ~~جائحة إجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ورجل أصابته فاقة ~~حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه يقولون لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له ~~المسألة حتى يصيب قواما من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها ~~صاحبها سحتا ( ولأن الغنى من الأمور الخفية التى تقوى بها التهمة بإخفاء ~~المال وتارة تكون الحجة شاهدا ويمين الطالب عند جمهور فقهاء الإسلام من أهل ~~الحجاز وفقهاء الحديث وتارة تكون الحجة نساء إما إمرأة عند أبي حنيفة وأحمد ~~في المشهور عنه وإما إمرأتين عند مالك وأحمد في رواية وأما أربع نسوة عند ~~الشافعى وتارة تكون الحجة غير ذلك PageV35P394 وتارة تكون الحجة اللوث ~~واللطخ والشبهة مع ايمان المدعى خمسين يمينا وهى القسامة التى يبدؤ فيها ~~بأيمان المدعى عند عامة فقهاء الحجاز وأهل الحديث وتمتاز عن غيرها بأن ~~اليمين فيها خمسون يمينا كما إمتازت إيمان اللعان بأن كانت أربع شهادات ~~بالله لأن كل يمين أقيمت مقام شاهد والقسامة توجب القود عند مالك وأحمد ~~وتوجب الدية فقط عند الشافعى وأهل الرأى لا يحلفون فيها إلا المدعى عليه ~~كما تقدم مع أنهم مع تحليفه يوجبون عليه الدية على تفصيل معروف ليس الغرض ~~هنا ذكره وإنما الغرض التنبيه على مجامع الأحكام في الدعاوى فإنه باب عظيم ~~والحاجة إليه شديدة عامة # وقد وقع فيه التفريط من بعض ولاة الأمور والعدوان من بعضهم ما أوجب الجهل ~~بالحق والظلم ms9826 للخلق وصار لفظ ( الشرع ( غير مطابق لمسماه الأصلي بل لفظ ~~الشرع في هذه الأزمنة ( ثلاثة أقسام ( أحدها ( الشرع المنزل وهو الكتاب ~~والسنة وإتباعه واجب من خرج عنه وجب قتله ويدخل فيه أصول الدين وفروعه ~~وسياسة الأمراء وولاة المال وحكم الحكام ومشيخة الشيوخ وغير ذلك فليس لأحد ~~من الأولين والآخرين خروج عن طاعة الله ورسوله # و ( الثانى ( الشرع المؤول وهو موارد النزاع والإجتهاد بين الأمة فمن أخذ ~~فيما يسوغ فيه الإجتهاد أقر عليه ولم تجب على جميع الخلق موافقته إلا بحجة ~~لا مرد لها من الكتاب والسنة PageV35P395 و ( الثالث الشرع المبدل مثل ما ~~يثبت من شهادات الزور أو يحكم فيه بالجهل والظلم بغير العدل والحق حكما ~~بغير ما أنزل الله أو يؤمر فيه بإقرار باطل لإضاعة حق مثل أمر المريض أن ~~يقر لوارث بما ليس بحق ليبطل به حق بقية الورثة فإن الأمر بذلك والشهادة ~~عليه محرمة وإن كان الحاكم الذى لم يعرف باطن الأمر إذا حكم بما ظهر له من ~~الحق لم يأثم فقد قال سيد الحكام في الحديث المتفق عليه ( إنكم تختصمون إلى ~~ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض وإنما أقضى بنحو ما أسمع فمن قضيت له ~~بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ( # القسم الآخر من الدعاوى ( دعاوى التهم ( وهى دعوى الجناية والأفعال ~~المحرمة مثل دعوى القتل وقطع الطريق والسرقة والعدوان على الخلق بالضرب ~~وغيره فهذا ينقسم المدعى عليه إلى ( ثلاثة أقسام ( فإن المتهم إما أن يكون ~~ليس من أهل تلك التهمة أو فاجرا من أهل تلك التهمة أو يكون مجهول الحال لا ~~يعرف الحاكم حاله # 396 # فإن كان برا لم تجز عقوبته بإلاتفاق وإختلفوا في عقوبة المتهم له مثل أن ~~يوجد في يد رجل عدل مال مسروق ويقول ذو اليد ابتعته من السوق لا أدري ~~PageV35P396 من باعه فلا عقوبة عليه بإلاتفاق ثم قال أصحاب مالك وغيرهم ~~يحلف المستحق أنه ملكه ما خرج عن ملكه ويأخذه قال هؤلاء لا يمين على ms9827 ~~المطلوب ثم إختلفوا في العقوبة للمتهم له فقال مالك وأشهب لا أدب على ~~المدعى إلا أن يقصد أذيته وعيبه وشتمه فيؤدب وقال أصبغ يؤدب قصد أذيته أو ~~لم يقصد # 397 # وكذلك عامة العلماء يقولون إن الحدود التى لله لا يحلف فيها المدعى عليه ~~فإذا أخذ المستحق ماله لم يبق على ذوى اليد دعوى إلا لأجل الحد ولا يحلف # ( القسم الثانى ( أن يكون المتهم مجهول الحال لا يعرف ببر أو فجور فهذا ~~يحبس حتى ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام والمنصوص عند أكثر الأئمة أنه ~~يحبسه القاضي والوالى هكذا نص عليه مالك وأصحابه وهو منصوص الإمام أحمد ~~ومحققى أصحابه وذكره أصحاب أبى حنيفة وقال الإمام أحمد قد حبس النبى صلى ~~الله عليه وسلم في تهمة قال أحمد وذلك حتى يتبين للحاكم أمره وذلك لما رواه ~~أبو داود في سننه والخلال وغيرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ( أن ~~النبى حبس في تهمة ( وروى الخلال عن أبى هريرة ( أن النبى حبس في تهمة يوما ~~وليلة # والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك فإنهم متفقون على أن المدعى ~~إذا طلب المدعى عليه الذى يجب إحضاره وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس ~~PageV35P397 الحكم حتى يفصل بينهما ويحضره من مسافة الدعوى التى هي عند ~~بعضهم بريد وهو مالا يمكن الذهاب إليه والعود في يوم كما يقوله من قاله من ~~أصحاب الشافعى وأحمد في إحدى الروايتين وعند بعضهم أن مسافة القصر أربعة ~~برد مسيرة يومين قاصدين كما يقوله أحمد في إحدى الروايتين ثم الحاكم قد ~~يكون مشغولا عن تعجيل الفصل وقد يكون عنده حكومات سابقة فيبقى المطلوب ~~محبوسا معوقا من حين يطلب إلى حين يفصل بينه وبين خصمه وهذا حبس بدون ~~التهمة ففى التهمة أولى # فإن ( الحبس الشرعى ( ليس هو السجن في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ~~ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد أو كان بتوكيل نفس الخصم أو ~~وكيل الخصم عليه ولهذا سماه النبى أسيرا كما روى أبو ms9828 داود وإبن ماجه عن ~~الهرماس بن حبيب عن أبيه قال أتيت النبى صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال ~~لى ( ألزمه ( ثم قال ( يا أخا بنى تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك ( وفى رواية ~~إبن ماجه ثم مر بى آخر النهار فقال ( ما فعل أسيرك يا أخا بنى تميم ( وهذا ~~هو الحبس على عهد النبى ولم يكن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ~~حبسا معدا لسجن الناس ولكن لما إنتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب إبتاع ~~بمكة دارا وجعلها سجنا وحبس فيها ولقد PageV35P398 تنازع العلماء من أصحاب ~~أحمد وغيرهم هل يتخذ الإمام حبساعلى قولين فمن قال لا يتخذ حبسا قال يعوقه ~~بمكان من الأمكنة أو يقام عليه حافظ وهو الذى يسمى ( الترسيم ( # ولهذا لما كان حضور مجلس الحاكم تعويقا ومنعا من جنس السجن والحبس تنازع ~~العلماء هل يحضر الخصم المطلوب بمجرد الدعوى أم لا يحضر إذا كان ممن يتبذل ~~بالحضور حتى يبين لمدعى الدعوى أصل على قولين هما روايتان عن أحمد ( ~~والثانى ( قول مالك ( والأول ( قول أبى حنيفة والشافعى # 399 # ومن العلماء من قال الحبس في التهمة إنما هو للوالى والى الحرب دون ~~القاضي وقد ذكرها طائفة من أصحاب الشافعى كأبى عبد الله الزبيرى وأقضى ~~القضاة الماوردى وغيرهما وطائفة من أصحاب أحمد المصنفين في ( أدب القضاة ( ~~وغيرهم # 399 # وإختلفوا في مقدار الحبس في التهمة هل هو مقدر أو مرجعه إلى إجتهاد ~~الإمام على قولين ذكرهما القاضي أبو يعلى والقاضى الماوردى وغيرهما وقيل هو ~~مقدر بشهر وهو قول أبى عبد الله الزبيرى وقيل هو غير مقدر وهو إختيار ~~الماوردى PageV35P399 # القسم ( الثالث ( أن يكون المتهم معروفا بالفجور مثل المتهم بالسرقة إذا ~~كان معروفا بها قبل ذلك والمتهم بقطع طريق إذا كان معروفا به والمتهم ~~بالقتل أو كان أحد هؤلاء معروفا بما يقتضى ذلك فإذا جاز حبس المجهول فحبس ~~المعروف بالفجور أولى وما علمت أحدا من أئمة المسلمين المتبعين من قال إن ~~المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف ms9829 ويرسل بلا حبس ولا غيره من جميع ولاة ~~الأمور فليس هذا على إطلاقه مذهب أحد من الأئمة # 400 # ومن زعم أن هذا على إطلاقه وعمومه هو الشرع فهو غالط غلطا فاحشا مخالفا ~~لنصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولإجماع الأمة وبمثل هذا الغلط الفاحش ~~إستجرأ الولاة على مخالفة الشرع وتوهموا أن مجرد الشرع لا بسياسة العالم ~~وبمصالح الأمة وإعتدوا حدود الله في ذلك وتولد من جهل الفريقين بحقيقة ~~الشرع خروج الناس عنه إلى أنواع من البدع السياسية فهذا القسم فيه مسائل ~~القسامة والحكم فيها معروف ولا يحتاج إلى ذكرها ها هنا وأما التهمة في ~~السرقة وقطع الطريق ونحوهما فقد تقدم ذكر الحبس فيهما # وأما الإمتحان بالضرب ونحوه فإختلف فيه هل يشرع للقاضى والوالى أم يشرع ~~للوالى دون القاضي أم يشرع الضرب لواحد منهما على ( ثلاثة أقوال ~~PageV35P400 # ( أحدها ( أنه يضرب فيها القاضي والوالى وهذا قول طائفة من العلماء من ~~أصحاب مالك وغيرهم منهم أشهب قاضى مصر قال أشهب يمتحن بالسجن والأدب ويضرب ~~بالسوط مجردا # ( والقول الثانى ( لا يضرب بل يحبس كما تقدم وهذا قول أصبغ من أصحاب مالك ~~وقول كثير من الحنفية والشافعية وغيرهم لكن حبس المتهم عندهم أبلغ من حبس ~~المجهول فلذلك إختلفوا هل يحبس حتى يموت فقال عمر بن عبد العزيز وجماعة من ~~أصحاب مالك كمطرف وإبن الماجشون وغيرهما أنه يحبس حتى يموت وهكذا روى عن ~~الإمام أحمد فيمن لم ينته عن بدعته أنه يحبس حتى يموت وقال مالك لا يحبس ~~حتى يموت # و ( القول الثالث ( أنه يضربه الوالى دون القاضي وهذا القول ذكره طائفة ~~من أصحاب الشافعى وأحمد كالقاضى أبي الحسن الماوردى والقاضى أبى يعلى ~~وغيرهما وبسطوا القول في ذلك في كتب ( الأحكام السلطانية ( وقالوا إن ولاية ~~الحرب معتمد العقوبة على الجرائم والمنع من الفساد في الأرض وذلك لا يتم ~~إلا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالإجرام بخلاف ولاية الحكم فإن مقصودها ~~يحصل بدون ذلك وهذا القول هو قول بجواز ذلك في الشريعة لكن كل ولى أمر يفعل ~~ما ms9830 فوض إليه فكما أن والى الصدقات لا يملك من القبض والصرف ما يملكه والى ~~PageV35P401 الخراج وإن كان كلاهما مالا شرعيا وكذلك وإلى الحرب ووالى ~~الحكم كل منهما يفعل ما إقتضته ولايته الشرعية مع رعاية العدل وأصول ~~الشريعة # وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده وقد جحده أو منعه فمتفق عليها بين ~~العلماء ولا أعلم منازعا في أن من وجب عليه حق من دين أو عين وهو قادر على ~~وفائه ويمتنع من أنه يعاقب حتى يؤديه وقد نصوا على عقوبته بالضرب وذكر ذلك ~~المالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم لقول النبى ( لى الواجد يحل عرضة ~~وعقوبته ( رواه أهل السنن مثل أبى داود والنسائى وإبن ماجه وثبت في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( مطل الغنى ظلم ( والظالم يستحق ~~العقوبة # وإتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد والمعصية ~~نوعان ترك واجب أو فعل محرم إن ترك الواجبات مع قدرته كقضاء الديون وأداء ~~الأمانات إلى أهلها من الوكالات والودائع وأموال اليتامى والوقوف والأموال ~~السلطانية أو رد المغصوب والمظالم فإنه يعاقب حتى يؤديها # وكذلك من وجب عليه إحضار نفس لإستيفاء حق وجب عليه مثل أن يقطع رجل ~~الطريق ويفر إلى بعض ذوى القدرة فيحول بينه وبين أخذ الحدود والحقوق منه ~~فهذا محرم بالإتفاق وقد روى مسلم في صحيحه عن PageV35P402 علي قال رسول ~~الله ( لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا ( وروى أبو داود في سننه عن إبن ~~عمر عن النبى قال ( من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ~~ومن حالت شفاعته دون حد في حدود الله فقد ضاد الله في أمره ومن قال في مسلم ~~ماليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ( فما وجب إحضاره من النفوس ~~والأموال إستحق الممتنع من فعل الواجب العقوبة حتى يفعله # وأما إذا كان الإحضار إلى من يظلمه أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير حق ~~فهذا لا يجب بل ولا يجوز فإن الإعانة ms9831 على الظلم ظلم قال الله تعالى @QB@ ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وتناجوا بالبر والتقوى @QE@ # 403 # وأما ( مواطن الإشتباه ( المشتملة على الظلم من الجانبين مثل ولاة ~~الأموال السلطانية إذا أخذوا ما [ لا ] يستحقونه وكان المستخرج لها ظالما ~~في صرفها أيضا فهذا ليس على أحد أن يعين الظالم القادر على إبقائها بيده ~~ولا يعين الظالم الطالب أيضا في قبضها بل إن ترجيح أحد الجانبين بنوع من ~~الحق أعان على الحق وإن كان كل منهما ظالما ولا يمكن صرفها إلى مستحق ~~PageV35P403 عدل بين الظالمين في ذلك فإن العدل مأمور به في جميع الأمور ~~بحسب الإمكان ومن العدل في ذلك أن لا يمكن أحدهما من البغى على الآخر بل ~~يفعل أقرب الممكن إلى العدل # وإختلف العلماء إذا أقر حال الإمتحان بالحبس أو الضرب هل يسوغ ذلك فمنهم ~~من قال يؤخذ بذلك الإقرار إذا ظهر صدقه مثل أن يخرج السرقة بعينها ولو رجع ~~عن ذلك بعد الضرب لم يقبل بل يؤخذ به وهذا قول أشهب في القاضي والوالى وهو ~~الذى ذكره القاضيان الماوردى وأبو يعلى في الوالى ومنهم من قال لابد من ~~إقرار آخر بعدد الضرب وإذا رجع عن الإقرار لم يؤخذ به وهذا قول إبن القاسم ~~وكثير من الشافعية والحنبلية وغيرهم # وأما ( مقدار الضرب ( فإذا كان الضرب على ترك واجب مثل أن يضرب حتى يؤدى ~~الواجب فهذا لا يتقدر بل يضرب يوما فإن فعل الواجب وإلا ضرب يوما آخر لكن ~~لا يزيد كل مرة على التعزير عند من يقدر أعلاه # وقد تنازع العلماء في ( مقدار أعلى التعزير ( الذى يقام بفعل المحرمات ~~على أقوال PageV35P404 أحدها وهو أحسنها وهو قول طائفة من أصحاب الشافعى ~~وأحمد وغيرهما أنه لا يبلغ في التعزير في كل جريمة الحد المقدر فيها وإن ~~زاد على حد مقدر في غيرها فيجوز التعزير في المباشرة المحرمة وفى السرقة من ~~غير حرز بالضرب الذى يزيد على ms9832 حد القذف ولا يبلغ بذلك الرجم والقطع # القول الثانى ( أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود إما أربعين وإما ثمانين ~~وهو قول كثير من أصحاب الشافعى وأحمد وأبى حنيفة # والقول الثالث ( أن لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط وهو أحد الأقوال ~~في مذهب أحمد وغيره # وعلى القول الأول هل يجوز أن يبلغ به القتل مثل قتل الجاسوس المسلم في ~~ذلك ( قولان ( [ أحدهما ] قد يبلغ به القتل فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا ~~قصد المصلحة وهو قول مالك وبعض أصحاب أحمد كإبن عقيل وقد ذكر نحو ذلك بعض ~~أصحاب الشافعى وأحمد في قتل الداعية إلى البدع ومن لا يزول فساده إلا ~~بالقتل وكذلك مذهب مالك قتل الداعية إلى البدع كالقدرية # ونحوهم و ( القول الثانى ( أنه لا يقتل الجاسوس وهو مذهب أبى حنيفة ~~والشافعى والقاضى أبى يعلى من أصحاب أحمد PageV35P405 والمنصوص عن أحمد ~~التوقف في المسألة # وممن يجوز التعزير بالقتل في ( الذنوب الكبار ( أصحاب أبى حنيفة في مواضع ~~يسمون القتل فيها سياسة كقتل من تكرر لواطه أو قتله بالمثقل فإنهم يجوزون ~~قتله سياسة وتعزيرا وإن كان أبو حنيفة لا يوجب ذلك بل ولا يجوزه فيمن فعله ~~مرة واحدة وأما صاحباه فمع سائر الأئمة فيخالفون في أنه يجب القود في القتل # وفى وجوب قتل اللوطى إما مطلقا سواء كان محصنا أو غير محصن كمذهب مالك ~~وأحمد في أشهر روايتيه والشافعى في أحد قوليه وإما أن يكون حده مثل حد ~~الزانى كقول صاحبى أبى حنيفة والشافعى في أشهر قوليه وأحمد في أحد روايتيه # والمنقول عن النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يوافق القول ~~الأول فإن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بجلد الذى أحلت إمرأته له جاريتها ~~مائة وجلد أبو بكر وعمر رجلا وجد مع إمرأة في فراش مائة وعمر بن الخطاب ضرب ~~الذى زور عليه خاتمه فأخذ من بيت المال مائة ثم ضربه في اليوم [ الثانى ] ~~والثالث مائة [ مائة ] وليس هذا موضع بسط أصناف التعزير فإنها كثيرة الشعب # فأما ضرب المتهم إذا عرف ms9833 إن المال عنده وقد كتمه وأنكره ليقر بمكانه فهذا ~~لا ريب فيه فإنه ضرب ليؤدى الواجب من التعريف بمكانه كما يضرب PageV35P406 ~~ليؤدى ما عليه من المال الذى يقدر على وفائه وقد جاء في ذلك حديث إبن عمر # في الصحيح أن النبى لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء سأل زيد بن ~~سعية عم حيي بن أخطب فقال ( أين كنز حيي بن أخطب ( فقال يا محمد أذهبته ~~الحروب فقال للزبير ( دونك هذا ( فمسه الزبير بشيء من العذاب فدلهم عليه في ~~خربة وكان حليا في مسك ثور فهذا أصل في ضرب المتهم الذى علم أنه ترك واجبا ~~أو فعل محرما والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل تولى حكومة على جماعة من رماة البندق ويقول هذا شرع البندق وهو ~~ناظر على مدرسة وفقهاء فهل إذا تحدث في هذا الحكم والشرع الذى يذكره تسقط ~~عدالته من النظر أم لا وهل يجب على حاكم المسلمين الذى يثبت عدالته عنده ~~إذا سمع أنه يتحدث في شرع البندق الذى لم يشرعه الله ولا رسوله أن يعزله من ~~النظر أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله لابين المسلمين ~~ولا الكفار ولا الفتيان ولا رماة البندق ولا الجيش ولا الفقراء ولا غير ذلك ~~إلا بحكم الله ورسوله ومن إبتغى غير ذلك تناوله PageV35P407 قوله تعالى ~~@QB@ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ فيجب على المسلمين أن يحكموا ~~الله ورسوله في كل ما شجر بينهم ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق أو غيره ~~مما يخالف شرع الله ورسوله وحكم الله ورسوله وهو يعلم ذلك فهو من جنس ~~التتار الذين يقدمون حكم ( الياسق ( على حكم الله ورسوله ومن تعمد ذلك فقد ~~قدح في عدالته ودينه ووجب أن يمنع من النظر في الوقف والله أعلم ~~PageV35P408 ### ||| 2 باب الشهادات ### |||| 2 سئل ms9834 شيخ الإسلام رضى الله عنه # عن الرواية هل كل من قبلت روايته قبلت شهادته ### ||||| فأجاب # أما قوله هل كل من قبلت روايته قبلت شهادته فذا فيه نزاع فإن العبد ~~تقبل روايته بإتفاق العلماء وفى قبول شهادته نزاع بين العلماء فمذهب على ~~وأنس وشريح تقبل شهادته وهو مذهب أحمد وغيره ومذهب أبى حنيفة ومالك ~~والشافعى لا تقبل شهادته والمرأة تقبل روايتها مطلقا وتقبل شهادتها في ~~الجملة لكون الشهادة على شخص معين لايتعدى حكمها إلى الشاهد بخلاف الرواية ~~فإن الرواية يتعدى حكمها فإن الراوى روى حكما يشترك فيه هو وغيره فلهذا لم ~~يشترط في الرواية عدد بخلاف الشهادة وهذا مما فرقوا به PageV35P409 ### |||| وسئل رحمه الله # عن مدين كتب محضرا بإعساره وشهد الشهود أنه معسر عما لزمه من الدين ولم ~~يعين مقداره هل يكفى هذا ولو عينه الشاهد هل يفتقر أن يقول ولا شيء منه ولو ~~قال فهل الثلاثة دراهم أو الدرهم والنصف داخلة في ذلك ### ||||| فأجاب # أما الشهادة بالإعسار فإذا شهدوا أنه معسر عما لزمه من الدين ~~وعرفوا قدره صحت الشهادة لكن هذا لا يمنع قدرته على وفاء بعضه وتصح الشهادة ~~بذلك وإن لم يعرفوا قدره إذا شهدوا بأنه لا يقدر على وفاء شيء لكن العلم ~~بهذا متعذر في الغالب # ولكن إذا كان الدين عن معاوضة كثمن بيع وبدل قرض وكان له مال معروف فإذا ~~شهد الشهود بذهاب ماله صار بمنزلة من لم يعرف له مال وفى مثل هذا القول ~~قوله مع يمينه أنه معسر عاجز عن وفاء ما يحلف عليه # إن إدعى العجز عن وفاء قليل أو كثير حلف على ذلك وحصل المقصود بذلك وإن ~~إدعى أنه ليس له إلا كذا حلف عليه # وأحد القولين في مذهب أحمد وغيره أنه لابد أن تكون البينة الشاهدة بعسرته ~~ثلاثة إذا كان له مال للخبر المأثور في ذلك بخلاف مالو شهدت PageV35P410 ~~بتلف ماله بسبب ظاهر والحديث حديث قبيصة بن مخارق الهلالى الذى رواه مسلم ~~في صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ms9835 ( لا تحل المسألة إلا لثلاثة ~~رجل أصابته جائحة إجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو ~~قال سدادا من عيش ثم يمسك ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من ~~قومه فيقولون لقد أصاب فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ~~أو قال سدادا من عيش ثم يمسك ورجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ~~ثم يمسك فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا ### |||| ( وسئل رحمه الله تعالى # عمن أشهد على نفسه وهو في صحة من عقله وبدنه أن وارثى هذا لم يرثنى غيره ~~فهل يجوز ذلك ولمن يكون الإرث بعده ### ||||| فأجاب # هذه الشهادة لا تقبل بل إن كان وارثا في الشرع ورثه شاء أم أبى وأن ~~لم يكن وارثا في الشرع لم يرث وليس لأحد أن يتعدى حدود الله ولا يغير دين ~~الله ولو فعل ذلك كرها كان فاسقا من أهل الكبائر كما قال النبى من قطع ~~ميراثا قطع الله ميراثه من الجنة PageV35P411 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # هل تقبل شهادة المرضعة أم لا ### ||||| فأجاب # إن كان الشاهد ذا عدل قبل قوله في ذلك لكن في تحليفه نزاع وقد روى ~~عن إبن عباس رضى الله عنهما أنه يحلف فإن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى يبيض ~~ثدياها ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # هل تقبل شهادة الضرة ### ||||| فأجاب # لا تقبل شهادة الضرة فيما يبطل نكاح ضرتها لا ~~برضاع ولا غيره والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن الشهادة على العاصى والمبتدع هل تجوز بالإستفاضة والشهرة أم لابد من ~~السماع والمعاينة وإذا كانت الإستفاضة في ذلك كافية فمن ذهب إليه من ~~PageV35P412 الأئمة وما وجه حجيته والداعى إلى البدعة والمرجح لها هل يجوز ~~الستر عليه أم تتأكد الشهادة ليحذره الناس وما حد البدعة التى يعد بها ~~الرجل من أهل الأهواء ### ||||| فأجاب # ما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه فإنه يشهد به ~~إذا علمه الشاهد به بالإستفاضة ويكون ذلك قدحا ms9836 شرعيا كما صرح بذلك طوائف ~~الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم في كتبهم الكبار والصغار ~~صرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحا مفسدا أنه يجرحه الجارح بما سمعه منه أو رآه ~~وإستفاض وما أعلم في هذا نزاعا بين الناس فإن المسلمين كلهم يشهدون في ~~وقتنا في مثل عمر بن عبد العزيز والحسن البصرى وأمثالهما من أهل العدل ~~والدين بما لم يعلموه إلا بالإستفاضة ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف ~~والمختار بن أبى عبيد وعمر بن عبيد وغيلان القدرى وعبد الله بن سبأ الرافضى ~~ونحوهم من الظلم والبدعة بما لا يعلمونه إلا بالإستفاضة # وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال ( ~~وجبت ( ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال ( وجبت وجبت ( قالوا يا رسول ~~الله ما قولك وجبت وجبت قال ( هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها ~~الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله ~~في الأرض هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته PageV35P413 # وأما إذا كان المقصود التحذير منه وإتقاء شره فيكتفى بما دون ذلك كما قال ~~عبد الله بن مسعود إعتبروا الناس بأخدانهم وبلغ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~أن رجلا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته فإذا كان الرجل مخالطا في ~~السير لأهل الشر يحذر عنه # و ( الداعى إلى البدعة ( مستحق العقوبة بإتفاق المسلمين وعقوبته تكون ~~تارة بالقتل وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن صفوان والجعد بن درهم ~~وغيلان القدرى وغيرهم ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أولا يمكن عقوبته فلا ~~بد من بيان بدعته والتحذير منها فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر الذى أمر الله به ورسوله # و ( البدعة ( التى يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما إشتهر عند أهل العلم ~~بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة ~~فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا أصول إثنتين وسبعين ~~فرقة هي أربع الخوارج والروافض والقدرية ms9837 والمرجئة قيل لإبن المبارك ~~فالجهمية قال ليست الجهمية من أمة محمد # ( والجهمية ( نفاة الصفات الذين يقولون القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في ~~الآخرة وأن محمدا لم يعرج به إلى الله وأن الله لا علم له ولا قدرة ولا ~~حياة ونحو ذلك كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن أتبعهم PageV35P414 وقد ~~قال عبد الرحمن بن مهدى هما صنفان فأحذرهما الجهمية والرافضة فهذان الصنفان ~~شرار أهل البدع ومنهم دخلت القرامطة الباطنية كالنصيرية والإسماعيلية ومنهم ~~إتصلت الإتحادية فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية # و ( الرافضة ) في هذه الأزمان مع الرفض جهمية قدرية فإنهم ضموا إلى الرفض ~~مذهب المعتزلة ثم قد يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية ونحوهم من أهل الزندقة ~~والإتحاد والله ورسوله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن شهود شهدوا بما يوجب الحد ولما شخص قالوا غلطنا ورجعوا فهل يقبل ~~رجوعهم ### ||||| فأجاب # نعم إذا رجع عن شهادته قبل الحكم بها لم يحكم بها وإذا كان ~~يعلم أنه قد غلط وجب عليه أن يرجع ولا يقدح ذلك في دينه ولا عدالته والله ~~أعلم PageV35P415 ### ||| 2 باب القسمة ### |||| 2 وسئل رحمه الله تعالى # عن رجلين بينهما دار مشتركة فطلب أحدهما القسمة فإمتنع شريكه من المقاسمة ~~فهل يجبر على القسمة أم لا ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إن كانت تقبل القسمة من غير ضرر بحيث لا ~~تنقص في البيع أجبر الممتنع على القسمة وإلا كان لطالب القسمة أن يطلب ~~البيع قد يجبر الممتنع ويقسم بينهما الثمن والإجبار على القسمة المذكورة ~~مذهب الأئمة الأربعة والإجبار على البيع المذكور مذهب مالك وأبى حنيفة ~~والإمام أحمد PageV35P416 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل له عشرة أسهم من أصل أربعة وعشرين سهما في بستان مشترك بينه وبين ~~إنسان مختل العقل والحاكم يحجر عليه وهو يقبل القسمة فهل للحاكم أن يقسم ~~عليه أم لا ويلزم أن ينفق منه على العمارة ### ||||| فأجاب # إن كان قابلا للقسمة وطلب الشريك القسم وجب على الحاكم إجابته ولو ~~كان الشريك الآخر رشيدا فكيف إذا كان تحت الحجر وإن لم يكن قابلا للقسمة ms9838 ~~غير قسمة الإجبار وللحاكم أن يقاسم عن المحجور عليه إذا رآه مصلحة وإذا طلب ~~الشريك إما القسمة وإما العمارة فللحاكم أن يجيبه إلى أحدهما PageV35P417 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن ثلاثة شركاء في طاحون ولأحدهم السدس وهو فقيرهم ولم يكن له شيء يقتات ~~به سوى أجرة السدس المختص به وقد منعوه أن يدفعوا إليه إلا في كل ستة أيام ~~يوما وقد طلب منهم كل يوم بقسطه ليستعين به على قوته فإمتنعوا من ذلك ~~بإقتدارهم على المال والجاه عليه فما يجب في ذلك ### ||||| فأجاب # الحمد لله رب العالمين إذا طلب الشريك أن يؤجروا العين ويقسموا ~~الأجرة على قدر حقوقهم أو يهايئوه فيقتسموا المنفعة وجب على الشركاء أن ~~يجيبوه إلى أحد الأمرين # فإن أجابوه إلى المهايأة وطلبوا تطويل الدور الذى يأخذ فيه نصيبه وطلب هو ~~تقصير الدور وجبت إجابته دونهم فإن المهايأة بالزمان فيها تأخير حقوق بعض ~~الشركاء عن بعض فكلما كان الإستيفاء أقرب كان أولى لأن الأصل وجوب إستيفاء ~~الشركاء جميعهم حقوقهم والتأخير لأجل الحاجة فكلما قل زمن التأخر كان أولى ~~لا سيما إذا كان مع التأخير لا يمكن الشريك أن يستوفى حقه إلا بضرر مثل ~~إعداد بهائم ليوم والإنفاق عليها في الأسبوع فإنه لا يجب عليه موافقتهم على ~~مافيه ضرره مع إمكان PageV35P418 التعديل بينهم بلا ضرر والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن قسمة اللحم بلا ميزان وقسمة التين والعنب والرمان والبطيخ والخيار ~~عددا ### ||||| فأجاب # أما قسمة اللحم بالقيمة فالصحيح أنه يجوز فإن القسمة إفراز بين ~~الأنصباء ليست بيعا على الصحيح وهكذا كان النبى يقاسم أهل خيبر خرصا فيخرص ~~عبد الله بن رواحة ما على النخل فيقسمه بين المسلمين واليهود ولا يجوز بيع ~~الرطب خرصا وكذلك كان المسلمون ينحرون الجزور ويقسمونها بينهم بلا ميزان ~~كانوا يفعلون ذلك على عهد النبى وكذلك جميع هذا الباب يجوز قسمة التين ~~والعنب بغير كيل ولا وزن وتجوز قسمة الرمان عددا وكذلك البطيخ والخيار هذا ~~هو الصحيح في المعدودات كلها أنها تقسم بالقيمة وليست هذه القسمة ms9839 بيعا لكن ~~تعديل الأجزاء معتبر فيه الخبرة والمقصود أنه يجوز أن تعدل الأنصاب ب ما ~~يمكن إما من كيل أو وزن إن أمكن وإلا بالخرص والتقويم ليس هذا مثل البيع ~~فإن القسمة جائزة في جميع المال # ويجوز قسمة التمر قبل بدو صلاحه والله أعلم PageV35P419 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # هل يجوز قسمة اللحم بلا ميزان وقسمة التين والعنب والرمان والبطيخ ~~والخيار عددا ### |||| ### ||||| فأجاب # تجوز قسمة الأموال الرطبة كالرطب والعنب وغير ذلك فالمقصود بالقسمة ~~أن يكون بالعدل فإذا لم يكن التعديل بالكيل والوزن كان التعديل يقوم مقام ~~ذلك من الخرص والتقويم في الأموال الربوية ويجوز أن يشترى الفاكهة بالحنطة ~~والشعير يدا بيد بلا خلاف بين الفقهاء وإنما إختلفوا في جواز بيعها نسيئة ~~والجمهور على أنه يجوز ذلك نسيئه وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد في ~~المشهور عنه والشافعى في قوله القديم # وهذا مبنى على أن علة الربا هل هو التماثل والقوت والطعام مماثل الطعم ~~فمن قال هي التماثل والقوت والتماثل مع الطعم جوز ذلك ومن قال هي الطعم ~~وحده لم يجوز ذلك والله أعلم PageV35P420 ### ||| 2 باب الإقرار ### |||| 2 سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # عن رجل أقر أن جميع الحانوت المعروفة بسكن المقر وما فيها من الأعيان وقف ~~لله تعالى على مسجد وما يتعلق به ثم لم تتمكن البينة من وزن تلك الأعيان ~~حتى مات الواقف وبعض البينة لا تعرف تلك الأعيان المقر بها هي هذه الأعيان ~~الموجودة الآن فهل يسوغ له هذه الشهادة أن يشهد بها إعتمادا على إقرار ~~المقر وبالإستفاضة من تلك العدلين ### ||||| فأجاب # الشاهد يشهد بما سمعه من كلام المقر والإقرار يصح بالمعلوم ~~والمجهول والمتميز وغير المتميز وإذا قامت بينة أخرى بتعيين ما دخل في ~~اللفظ جاز ذلك وعمل بموجب شهادتهم كما لو أقر المقر لفلان بن فلان عندى كذا ~~وإن دارى الفلانية أو المحدودة بكذا لفلان ثم شهد شاهدان بأن هذا المعين هو ~~المسمى والموصوف أو المحدود فإن هذا يجوز بإتفاق الأئمة # وإنما تنازعوا في المعرف هل يكفى ms9840 أن يكون واحدا أولا بد من إثنين على ~~قولين مشهورين لأهل العلم وهما روايتان عن الإمام أحمد و ( الثانى ( قول ~~الشافعى وغيره والله أعلم PageV35P421 ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن شخصين تباريا وأشهدا على أنفسهما أن أحدهما لا يستحق على الآخر مطالبة ~~ولا دعوى بسبب دينار ولا درهم ولا أقل من ذلك ولا أكثر وكان لأحدهما على ~~الآخر دين بمسطور شرعى بدراهم معينة فإستثناه صاحب الدين حالة الإبراء ولم ~~يبرأ منه من المسطور المذكور ولا ذكره في المباراة فطلب رب الدين بالمسطور ~~فقال له خصمه أليس تبارينا فقال أبرأتك إلا من هذا المسطور فهل تسمع دعواه ~~الشرعية بالمسطور المذكور ### ||||| فأجاب # إذا كان إدعى أنه لم يبرئه من ذلك الحق وإن الغريم يعلم أنه لم ~~يبرئه منه وطلب يمينه أنه لم يبرئه منه فله ذلك PageV35P422 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل مات وخلف إبن عم وزوجة طلقها في مرض موته فمسك وكيل الزوجة إبن عم ~~الميت وطلب منه إرث الزوجة الذى لها فأقر أنها وارثة وأنه وضع يده على ما ~~خصه من الميراث مع علمه بالإختلاف وإبراء إبن العم الزوجة وأباها ووكيلها ~~من كل شيء ثم بعد ذلك أحضر بينة عند حاكم شافعى شهدوا أن الميت طلقها في ~~مرض موته وحكم به وقال ما ترث عندى وطلب إستعادة ما أخذ منه فهل تسمع ~~البينة مع كونه أقر أنها وارثة ومع الإبراء لهم مما قبضوه أم لا وإذا إدعى ~~أنه كان جاهلا بما أقر به فهل يكون القول قوله في دعوى الجهل أم لا ### ||||| فأجاب # ليس ما ذكر من الإقرار والأقباض وإلا براء مع علمه بالإختلاف أن ~~يدعى بما يناقض إقراره وإبرائه ولا يسوغ الحكم له بذلك وأما الجهل بذلك مع ~~علمه بالإختلاف فكذب والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن إمرأة كانت مزوجة برجل جندى ورزقت منه ولدين ذكر وأنثى ومات الولد ~~الذكر وأن الزوج المذكور طلقها وأخذت البنت PageV35P423 بكفالتها من مدة ~~تزيد عن ثمان سنين وقد حصل الآن مرض شديد وأحضر شهودا وكتب ms9841 لزوجته الفى ~~درهم وأختها مطلقة كتب لهما الصداق وكانت قد أبرأته منه وهى في الشام من ~~حين طلقها وكتب لأمهم خمسمائة ومنعنى حقى والبنت التي له منى حقها من ~~الوراثة ومن حين رزقت الأولاد ما ساواهم بشيء من أمور الدنيا وقد أعطى رزقه ~~لها ### ||||| فأجاب # إقراره لزوجته لا يصح لاسيما أن يجعله وصية فإن الوصية للوارث لا ~~تلزم بدون إجازة الورثة بإتفاق المسلمين وكذلك إقراره للوارث لا يجوز عند ~~جمهور العلماء لا سيما مع التهمة فإنه لا يجوز في مذهب أبى حنيفة ومالك ~~والإمام أحمد وغيرهم وكذلك إقراره بالدين الذى أبرأته صاحبته لا يجوز فإذا ~~كانت قد أبرأته من الصداق ثم أقر لها به لم يجز هذا الإقرار لأنه قد علم ~~أنه كذب ولو جعل ذلك تمليكا لها بدل ذلك لم يجز أيضا عند الجمهور أن يجعل ~~ذلك التمليك دينا في ذمته # وليس له منع البنت حقها من الإرث ولا يمنع المطلقة ما يجب لها عليه وفى ~~الحديث ( من قطع ميراثا قطع الله ميراثه من الجنة ( وفى السنن عن النبى أنه ~~قال ( إن الرجل ليعمل ستين سنة بطاعة الله ثم يجور في وصيته فيختم له بسوء ~~فيدخل النار وإن الرجل ليعمل ستين سنة بمعصية الله ثم يعدل في وصيته فيختم ~~له بخير فيدخل الجنة ( ثم قرأ قوله تعالى PageV35P424 @QB@ تلك حدود الله ~~ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين @QE@ والله سبحانه أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل بينه وبين شخص شركة فقوى شريكه فمسكه وأهانه وكتب عليه حجة أن ~~الغنم له دون الشركة ### ||||| فأجاب # إذا أكرهه بغير حق فأقر كان إقراره باطلا وإشهاده على الإقرار لا ~~ينفعه بل يوجب عقوبة الظالم المعتدى الذى إعتدى على هذا المظلوم بالإكراه ~~وتجب إعانة المظلوم ورد المال إلى مستحقه وإذا أقام بينة بأنه أكره على ذلك ~~سمعت بينته والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن ms9842 إمرأة ماتت وخلفت أولادا منهم أربعة أشقاء ذكر واحد وثلاث بنات وولد ~~واحد أخوهم من أمهم الجملة خمسة وزوج لم يكن لها منه ولد وأنها أقرت في ~~مرضها المتصل بالموت لأولادها الأشقاء بأن لهم في ذمتها ألف درهم وقصدت ~~بذلك إحرام ولدها وزوجها من الإرث PageV35P425 ### ||||| الجواب # إذا كانت كاذبة في ~~هذا الإقرار فهي عاصية لله ورسوله بإتفاق المسلمين بل هي من أهل الكبائر ~~الداخلة في الوعيد # فإن الجور في الوصية من الكبائر ( ومن قطع ميراثا قطع الله ميراثه من ~~الجنة ( وقد قال تعالى ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ~~تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ~~ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) وقد قال النبى ( إن ~~العبد ليعمل ستين سنة بطاعة الله ثم يجور في وصيته فيختم له بسوء فيدخل ~~النار وإن العبد ليعمل ستين سنة بمعصية الله ثم يختم له بخير فيعدل في ~~وصيته فيدخل الجنة ثم قرأ هذه الآية @QB@ تلك حدود الله @QE@ # ومن أعانها على هذا الكذب والظلم فهو شريكها فيه من كاتب ومشير وغير ذلك ~~فكل هؤلاء متعاونون على الإثم والعدوان ومن لقنها الإقرار الكذب من الشهود ~~فهو فاسق مردود الشهادة # وأما إن كانت صادقة فهي محسنة في ذلك مطيعة لله ولرسوله ومن أعانها على ~~ذلك لأجل الله تعالى وأما في ظاهر الحكم فأكثر العلماء لا يقبلون هذا ~~الإقرار كأبى حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم لأن التهمة فيه ظاهرة ولأن حقوق ~~الورثة تعلقت بمال الميت بالمرض فصار محجورا عليه في حقهم ليس له أن يتبرع ~~لأحدهم بالإجماع PageV35P426 # ومن العلماء من يقبل الإقرار كالشافعى بناء على حسن الظن بالمسلم وأنه ~~عند الموت لا يكذب ولا يظلم والواجب على من عرف حقيقة الأمر في هذه القصة ~~ونحوها أن يعاونوا على البر والتقوى لا يعاونون على الإثم والعدوان وينبغى ~~الكشف عن مثل هذه القضية فإن وجد شواهد خلاف هذا الإقرار عمل به وإن ظهر ~~شواهد كذبه أبطل فشواهد الصدق ms9843 مثل أن يعرف أنه كان لأب هؤلاء الأربعة مال ~~نحو هذا المقر به وشواهد الكذب بينات يعلم من بعضها أنها تريد حرمان إبنها ~~وزوجها من الميراث فإن ظهر شواهد أحد الجانبين ترجح ذلك الجانب والله أعلم ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل مات وخلف رجلين وإمرأة فعوضا المرأة ما يخصها من ميراث والدها ~~وأبرأت إخوتها البراءة الشرعية بالعدول عن ما بقى بأيديهم من مدة تزيد على ~~ستين سنة وهى مقيمة معهم بالناحية ولم يكن لها معهم تعلق بطول هذه المدة ~~فلما توفي أخوتها وتحققت المرأة موت العدول أنكرت المشهود عليها وإدعت على ~~وارث إخوتها ما يخصها من ميراث والدها باق مع إخوتها وأثبت لها الحاكم ما ~~إدعته وقامت البينة عليها بالبراءة بطريقها فهل يندفع ما أثبت لها الحاكم ### ||||| فأجاب # الحمد لله إذا قامت بينة شرعية على إقرارها PageV35P427 بالقبض ~~والإبراء الشرعى كانت دعوى ورثتها باطلة ولو أقاموا بينة وأثبتوا ذلك عند ~~الحاكم كانت بينة الإقرار بالقبض والإبراء مقدمة لأن معها مزيد علم اللهم ~~إلا أن تدعى أنها أقرت مكرهة أو حياء أو أقرت قبل القبض ولم يوجد المقربة ~~فلها تحليف المدعي عليه أن باطن الإقرار كظاهره أو أنهم لا يعلمون بذلك ~~الإقرار # وإذا كان شهود الإبراء قد ماتوا وخطوطهم معروفة شهد بذلك من يعرف خطوطهم ~~وحكم به من يرى من العلماء مع أن دعواها بحقها بعد هذه المدة الطويلة من ~~غير مانع يعوق لا يقبل في أحد قولى العلماء في مذهب مالك وغيره والله أعلم ### |||| وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # عن رجل له إبنتان إحداهما مزوجة والأخرى عزباء وكان كتب للمتزوجة ثلاث ~~آلاف درهم والعزباء سبعة آلاف درهم وقد توفيت المزوجة وخلفت ولدا ذكرا ~~وزوجا وقد طلب الولد والزوج المكتوب من والدها فهل يرثون ذلك ويجوز لهم ~~مطالبة الولد والوالد يدعى في ذلك الوقت ما كان له ولد ذكر وكتب هذا ~~المكتوب خشية أن تدخل يد الغير في موجده والولد يعيش PageV35P428 ### ||||| فأجاب # إذا أقر لهذه ولهذه بمال في ذمته ولم يكن ms9844 لهما قبل ذلك في ذمته مال ~~لم يصرلها عليه بهذا الإقرار شيء وكان هذا الإقرار كذبا باطلا ولو جعل لها ~~في ذمته عطية لها بعد ذلك لم يكن أمرا واجبا بل ينهى عن التفضيل بين ~~الأولاد وينبغى أن يعدل بينهم بإتفاق المسلمين وإن كان قد تقدم ما ذكر من ~~الإقرار والعدل بينهم واجب في أصح قولى العلماء ولا يستحق ورثة المرأة من ~~ذلك شيئا ### |||| وسئل رحمه الله تعالى # عن رجل أعتق أمة ثم تزوجها ثم ملكها في صحة من عقله وجواز أمره وسلامة أن ~~جميع ما حوى مسكنهم الذى هم فيه من نحاس وقماش وصناديق ومصاغ وفرش وغير ذلك ~~مما هو خارج عن لبسه ودوابه وعدة خيله ملك لزوجته المذكورة لا حق له في ذلك ~~ولا شيء منه وإن يدها على جميع ذلك متصرفة لا يد له في ذلك ثم أقر لها بذلك ~~وكتب كتاب إقرار شرعى على هذه الصورة هل يحتاج إلى تفصيل أم لا ### ||||| فأجاب شيخنا وسيدنا تقى الدين أبو العباس # الحمد لله # إذا أقر أن جميع ما ~~في بيته ملك لزوجته إلا السلاح والدواب وآلة الخيل كان هذا إقرارا صحيحا ~~يعمل بموجبه بلا خلاف وإذا كان مستنده في هذا الإقرار أنه ملك لزوجته تملكا ~~شرعيا لازما كان الإقرار صحيحا باطنا وظاهرا والله أعلم PageV35P429 ### |||| وسئل رحمه الله # عن رجل أقر لرجل بمسطور بدراهم ثم بعد مدة حضر المقر له إلى عند شهود ~~المسطور وقال إن هذا الإقرار الذى أقر به فاسد وأنا مالى عنده إلا ذهب ~~لبنتى فهل يكون هذا الإقرار باطلا وهل يجوز للشاهد أن يشهد بالمسطور بعد ~~سماعه من رب الدين ما ذكر ### ||||| فأجاب # أما الشاهد فإنه يشهد بما سمع من المقر وليس عليه غير ذلك سواء ~~صدقه المقر له أو كذبه ولكن المقر له إذا قال ذلك فإن فسر كلامه بما يمكن ~~في العادة مثل أن يقول كان لى عنده ذهب فاتفقنا على أن يقر بدله بفضة وصدقه ~~المقر عمل بموجب ذلك وإن كذبه المقر ms9845 حلف المقر على نفى ما ادعاه المقر له ~~والله أعلم PageV35P430 ### |||| وسئل قدس الله روحه ورضى عنه # عن رجل صانع عمل عند معلم صنعة مدة سنين وخرج من عنده قال له حاسبنى قام ~~المعلم ضربه وكتب عليه حجة وأخافه بالولاية فهل له في المسطور حق ### ||||| فأجاب # إذا كتب عليه حجة أقر بها وهو مكره بغير حق لم يصح إقراره ولا يجوز ~~إلزامه بما فيها وعلى معلمه أن يحاسبه والله أعلم وصلى الله على محمد وآله ~~وصحبه وسلم PageV35P431 ms9846